######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010428 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسائل الجاحظ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010428 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10428 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10428 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام محمد هارون #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الخانجي، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1384 ه - 1964 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | 1- من كتابه في الحاسد والمحسود ### || فصل من صدر كتابه في الحاسد والمحسود # وهب الله لك السلامة. وأدام لك الكرامة، ورزقك الاستقامة، ورفع عنك ~~الندامة. # كتبت إلي - أيدك الله - تسألني عن الحسد ما هو؟ ومن أين هو؟ وما دليله ~~وأفعاله؟ وكيف تعرف أموره وأحواله، وبم يعرف ظاهره ومكتومه، وكيف يعلم ~~مجهوله ومعلومه، ولم صار في العلماء أكثر منه في الجهلاء؟ ولم كثر في ~~الأقرباء وقل في البعداء؟ وكيف دب في الصالحين أكثر منه في الفاسقين؟ وكيف ~~خص به الجيران من بين أهل جميع الأوطان. # والحسد - أبقاك الله - داء ينهك الجسد، ويفسد الود، علاجه PageV03P003 ~~عسر، وصاحبه ضجر. وهو باب غامض وأمر متعذر، وما ظهر منه فلا يداوى، وما ~~بطن منه فمداويه في عناء. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " دب إليكم ~~داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء ". وقال بعض الناس لجلسائه: أي الناس ~~أقل غفلة؟ فقال بعضهم: صاحب ليل، إنما همه أن يصبح. فقال: إنه لكذا وليس ~~كذا. وقال بعضهم: المسافر، إنما همه أن يقطع سفره. فقال: إنه لكذا وليس ~~كذا. فقالوا له: فأخبرنا بأقل الناس غفلة. فقال: الحاسد، إنما همه أن ينزع ~~الله منك النعمة التي أعطاكها، فلا يغفل أبدا. # ويروى عن الحسن أنه قال: الحسد أسرع في الدين من النار في الحطب اليابس. # وما أتي المحسود من حاسده إلا من قبل فضل الله عنده ونعمه عليه قال الله ~~عز وجل: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم ~~الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ". # والحسد عقيد الكفر، وحليف الباطل، وضد الحق، وحرب البيان. فقد ذم الله ~~أهل الكتاب به فقال: " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم ~~كفارا حسدا من عند أنفسهم ". PageV03P004 # منه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطيعة، ومنتج كل وحشة، ومفرق كل جماعة، ~~وقاطع كل رحم بين الأقرباء، ومحدث التفرق بين القرناء، وملقح الشر بين ~~الخلطاء، يكمن في الصدر كمون النار في الحجر. # ولو لم يدخل على الحاسد بعد تراكم ms001 الغموم على قلبه، واستمكان الحزن في ~~جوفه، وكثرة مضضه ووسواس ضميره، وتنغص عمره وكدر نفسه ونكد عيشه، إلا ~~استصغاره نعمة الله عليه، وسخطه على سيده بما أفاد غيره. وتمنيه عليه أن ~~يرجع في هبته إياه، وأن لا يرزق أحدا سواه، لكان عند ذوي العقول مرحوما، ~~وكان لديهم في القياس مظلوما. وقد قال بعض الأعراب: " ما رأيت ظالما أشبه ~~بمظلوم من الحاسد: نفس دائم، وقلب هائم، وحزن لازم ". PageV03P005 ~~والحاسد مخذول وموزور، والمحسود محبوب ومنصور. والحاسد مغموم ومهجور، ~~والمحسود مغشي ومزور. # والحسد - رحمك الله - أول خطيئة ظهرت في السموات، وأول معصية حدثت في ~~الأرض، خص به أفضل الملائكة فعصى ربه، وقايسه في خلقه، واستكبر عليه فقال: ~~" خلقتني من نار وخلقته من طين "، فلعنه وجعله إبليسا، وأنزله من جواره بعد ~~أن كان أنيسا، وشوه خلقه تشويها، وموه على نبيه تمويها نسي به عزم ربه، ~~فواقع الخطيئة، فارتدع المحسود وتاب عليه وهدى، ومضى اللعين الحاسد في حسده ~~فشقي وغوى. # وأما في الأرض فابنا آدم حيث قتل أحدهما أخاه، فعصى ربه وأثكل أباه. ~~وبالحسد طوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين. # لقد حمله الحسد على غاية القسوة، وبلغ به أقصى حدود PageV03P006 ~~العقوق، فأنساه من رحمه جميع الحقوق، إذ ألقى الحجر عليه شادخا وأصبح ~~عليه نادما صارخا. # ومن شأن الحاسد إن كان المحسود غنيا أن يوبخه على المال فيقول: جمعه ~~حراما ومنعه أثاما. وألب عليه محاويج أقاربه فتركهم له خصماء، وأعانهم في ~~الباطن وحمل المحسود على قطيعتهم في الظاهر وقال له: لقد كفروا معروفك، ~~وأظهروا في الناس ذمك، فليس أمثالهم يوصلون، فإنهم لا يشكرون. وإن وجد له ~~خصما أعانه عليه ظلما، وإن كان ممن يعاشره فاستشاره غشه، أو تفضل عليه ~~بمعروف كفره، أو دعاه إلى نصر خذله، وإن حضر مدحه ذمه وإن سئل عنه همزه، ~~وإن كانت عنده شهادة كتمها، وإن كانت منه إليه زلة عظمها، وقال: إنه يحب أن ~~يعاد ولا يعود، ويرى عليه العقود. PageV03P007 # وإن كان المحسود عالما قال: مبتدع، ولرأيه متبع، ms002 حاطب ليل ومبتغي نيل، لا ~~يدري ما حمل، قد ترك العمل، وأقبل على الحيل. قد أقبل بوجوه الناس إليه، ~~وما أحمقهم إذ انثالوا عليه. فقبحه الله من عالم ما أعظم بليته، وأقل رعته، ~~وأسوأ طعمته. # وإن كان المحسود ذا دين قال: متصنع يغزو ليوصى إليه، ويحج ليثنى بشيء ~~عليه، ويصوم لتقبل شهادته، ويظهر النسك ليودع المال بيته، ويقرأ في المسجد ~~ليزوجه جاره ابنته، ويحضر الجنائز لتعرف شهرته. # وما لقيت حاسدا قط إلا تبين لك مكنونه بتغير لونه وتخوص عينه وإخفاء ~~سلامه، والإقبال على غيرك والإعراض PageV03P008 ~~عنك، والاستثقال لحديثك، والخلاف لرأيك. # وكان عبد الله بن أبي، قبل نفاقه، نسيج وحده لجودة رأيه وبعد همته، ونبل ~~شيمته، وانقياد العشيرة له بالسيادة، وإذعانهم له بالرياسة. وما استوجب ذلك ~~إلا بعدما استجمع له لبه، وتبين لهم عقله، وافتقدوا منه جهله، ورأوه لذلك ~~أهلا، لما أطاق له حملا. فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وقدم ~~المدينة، ورأى هو عز رسول الله صلى الله عليه وسلم شمخ بأنفه فهدم إسلامه ~~لحسده، وأظهر نفاقه. وما صار منافقا حتى كان حسودا، ولا صار حسودا حتى صار ~~حقودا. فحمق بعد اللب، وجهل بعد العقل، وتبوأ النار بعد الجنة. PageV03P009 # ولقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فشكاه إلى الأنصار. فقالوا: ~~يا رسول الله لا تلمه، فإنا كنا عقدنا له الخزر قبل قدومك لنتوجه. # ولو سلم المخذول قلبه من الحسد لكان من الإسلام بمكان. ومن السؤدد في ~~ارتفاع. فوضعه الله لحسده، وأظهر نفاقه ولذلك قال القائل: # طال على الحاسد احزانه %~% فاصفر من كثرة أحزانه # دعه فقد أشعلت في جوفه %~% ما هاج من حر نيرانه # العيب أشهى عنده لذة %~% من لذة المال لخزانه # فارم على غاربه حبله %~% تسلم من كثرة بهتانه PageV03P010 ### || فصل في حسد الجيران # وذلك أن الجيران - يرحمك الله - طلائع عليك، وعيونهم نواظر إليك، فمتى ~~كنت بينهم معدما فأيسرت، فبذلت وأعطيت، وكسوت وأطعمت، وكانوا في مثل حالك ~~فاتضعوا، وسلبوا النعمة وألبستها أنت، فعظمت عليهم بلية الحسد، وصاروا منه ms003 ~~في تنغيص آخر الأبد. ولولا أن المحسود بنصر الله إياه مستور، وهو بصنعه ~~محجوب لم يأت عليه يوم إلا كان مقهورا، ولم تأت ليلة إلا وكان عن منافعه ~~مقصورا. ولم يمس إلا وماله مسلوب، ودمه مسفوك، وعرضه بالضرب منهوك. PageV03P011 ### || فصل منه # وأنا أقول حقا: ما خالط الحسد قلبا إلا لم يمكنه ضبطه، ولا قدر على ~~تسجينه وكتمانه، حتى يتمرد عليه بظهوره وإعلانه، فيستعبده ويستميله، ~~ويستنطقه لظهوره عليه فهو أغلب على صاحبه من السيد على عبده، ومن السلطان ~~على رعيته، ومن الرجل على زوجته ومن الآسر على أسيره. # وكان ابن الزبير بالصبر موصوفا، وبالدهاء معروفا، وبالعقل موسوما، ~~وبالمداراة منهوما، فأظهر بلسانه حسدا كان أضب عليه أربعين سنة لبني هاشم، ~~فما اتسع قلبه لكتمانه، ولا صبر على اكتتامه، لما طالت في قلبه طائلته ~~أظهره وأعلنه، مع صبره على المكاره، وحمله نفسه على حتفها، وقلة اكتراثه ~~والتفاته PageV03P012 ~~لأحجار المجانيق التي كانت تمر عليه فتذهب بطائفة من قومه ما يلتفت ~~إليها. # حدثت بذلك عن علي ابن مسهر عن الأعمش، عن صالح بن حباب، عن سعيد بن جبير ~~قال: قدت ابن عباس حتى أدخلته على ابن الزبير، قال: أنت الذي تؤنبني؟ قال: ~~نعم، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ليس بمؤمن من بات ~~شبعانا وجاره طاو ". فقال له ابن الزبير: لمن قلت ذلك؟ إني لأكتم بغضكم أهل ~~البيت مذ أربعين سنة. فحسر ابن عباس عن ذراعيه كأنهما عسيبا نخل، ثم قال ~~لابن الزبير: نعم فليبلغ ذاك منك، ما عرفتك. # ولقد أجلت الرأي ظهرا لبطن وفكرت في جوابه لابن عباس أن أجد معنى له سوى ~~الحسد فلم أجده، وكانت وخزة في قلبه فلم PageV03P013 ~~يبدها. وفروع بني هاشم حول الحرم باسقة، وعروق دوحاتهم بين أطباقها ~~راسية، ومجالسهم من أعاليها عامرة، وبحورها بأرزاق العباد زاخرة، وأنجمها ~~بالهدى زاهرة. فلما خلت البطحاء من صناديدها استقبله بما أكنه في نفسه. # والحاسد لا يغفل عن فرصته إلى أن يأتي الموت على رمته، وما استقبل ابن ~~عباس بذلك إلا ms004 لما رأى عمر قدمه على أهل القدم، ونظر إليه وقد أطاف به أهل ~~الحرم، فأوسعهم حكما، وثقبوا منه رأيا وفهما، وأشبعهم علما وحلما. PageV03P014 ### || فصل # وكيف يصبر من استكن الحسد في قلبه على أمانيه. ولقد كان إخوة يوسف حلماء، ~~وأجلة علماء، ولدهم الأنبياء، فلم يغفلوا عما قدح في قلوبهم من الحسد ~~ليوسف، حتى أعطوا أباهم المواثيق المؤكدة، والعهود المقلدة، والأيمان ~~المغلظة، إنهم له لحافظون، وهو شقيقهم وبضعة منهم. فخالفوا العهود ووثبوا ~~عليه بالظلم والقوة، وألقوه في غيابة الجب، وجاءوا على قميصه بدم كذب، ~~فبظلمهم يوسف ظلموا أباهم، طمعا أن يخلو لهم وجه أبيهم ويتفردوا بحبه، ~~وظنوا أن الأيام تسليه، وحبه لهم من بعد غمه يلهيه، فأسالوا عبرته وأحرقوا ~~قلبه. # وكيف لا تقر أعين المحسودين بعد يوسف وقد ملكه الله خزائن الأرض، بصبره ~~على أذى حساده ومقابلته إياهم بالعفو والمكافأة، وحسن العشرة والمواخاة، ~~بعد إمكانه منهم لما أتوه ممتارين، ووفدوا عليه خائفين وهم له منكرون، ~~فأحسن رفدهم، وأكرم قراهم، PageV03P015 ~~فأقروا له لما عرفوه بالإذعان، وسألوه بعد ذلك الغفران، وخروا له سجدا ~~لما وردوا عليه وفدا. # فإذا أحسست - رحمك الله - من صديقك بالحسد فأقلل ما استطعت من مخالطته، ~~فإنه أعون الأشياء لك على مسالمته. وحصن سرك منه تسلم من شره وعوائق ضره. ~~وإياك والرغبة في مشاورته، ولا يغرنك خدع ملقه، وبيان ذلقه، فإن ذلك من ~~حبائل نفاقه. # فإن أردت أن تعرف آية مصداقه فأدنين إليه من يهينك عنده، ويذمك بحضرته، ~~فإنه سيظهر من شأنه لك ما أنت به جاهل، ومن خلاف المودة ما أنت عنه غافل. ~~وهو ألح في حسده لك من الذباب، وأسرع في تهريقك من السيل إلى الحدور. PageV03P016 # وما أحب أن تكون عن حاسدك غبيا، وعن وهمك بما في ضميره نسيا، إلا أن تكون ~~للذل محتملا، وعلى الدناءة مشتملا، ولأخلاق الكرام مجانبا، وعن محمود شيمهم ~~ذاهبا، أو تكون بك إليه حاجة قد صيرتك لسهام الرماة هدفا، وعرضك لمن أرادك ~~غرضا. # وقد قيل على وجه الدهر: " الحرة تجوع ولا تأكل بثدييها ". # وربما ms005 كان الحسود للمصطنع إليه المعروف أكفر له وأشد احتقادا، وأكثر ~~تصغيرا له من أعدائه. ### || فصل منه # ومتى رأيت حاسدا يصوب إليك رأيا إن كنت مصيبا، أو يرشدك PageV03P017 ~~إلى صواب إن كنت مخطئا، أو أفصح لك بالخير في غيبته عنك، أو قصر من غيبته ~~لك. # فهو الكلب الكلب، والنمر النمر والسم القشب، والفحل القطم، والسيل العرم. ~~إن ملك قتل وسبى، وإن ملك عصى وبغى. حياتك موته، وموتك عرسه وسروره. يصدق ~~عليك كل شاهد زور، ويكذب فيك كل عدل مرضي. لا يحب من الناس إلا من يبغضك، ~~ولا يبغض إلا من يحبك. عدوك بطانة وصديقك علانية. # وقلت: إنك ربما غلطت في أمره لما يظهر لك من بره. ولو كنت تعرف الجليل من ~~الرأي، والدقيق من المعنى، وكنت في مذاهبك فطنا نقابا، ولم تك في عيب من ~~ظهر لك عيبه مرتابا، PageV03P018 ~~لاستغنيت بالرمز عن الإشارة، وبالإشارة عن الكلام، وبالسر عن الجهر، ~~وبالخفض عن الرفع، وبالاختصار عن التطويل، وبالجمل عن التفصيل، وأرحتنا من ~~طلب التحصيل ولكني أخاف عليك أن قلبك لصديقك غير مستقيم، وأن ضمير قلبك له ~~غير سليم، وإن رفعت القذى عن لحيته، وسويت عليه ثوبه فوق مركبه، وقبلت صبيه ~~بحضرته، ولبست له ثوب الاستكانة عند رؤيته، واغتفرت له الزلة، واستحسنت كل ~~ما يقبح من جهته، وصدقته على كذبه، وأعنته على فجرته. فما هذا العناء! كأنك ~~لم تقرأ المعوذة، ولم تسمع مخاطبته نبيه صلى الله عليه وسلم، في التقدمة ~~إليه بالاستعاذة من شر حاسد إذا حسد. # أتطلب ويحك أثرا بعد عين، أو عطرا بعد عروس، أو تريد أن تجتني عنبا من ~~شوك، أو تلتمس حلب لبن من حائل. PageV03P019 ~~إنك إذا أعيا من باقل، وأحمق من الضبع، وأغفل من هرم. # إن كنت تجهل بعد ما أعلمناك، وتعوج بعد ما قومناك، وتبلد بعد ما ثقفناك، ~~وتضل إذ هديناك، وتنسى إذ ذكرناك، فأنت كمن أضله الله على علم فبطلت عنده ~~المواعظ، وعمي عن المنافع، فختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة. ~~فنعوذ بالله من الخذلان. ms006 # إنه لا يأتيك ولكن يناديك ولا يحاكيك ولكن يوازيك. أحسن ما تكون عنده ~~حالا أقل ما تكون مالا، وأكثر ما تكون عيالا، وأعظم ما تكون ضلالا. وأفرح ~~ما يكون بك أقرب ما تكون بالمصيبة عهدا، وأبعد ما تكون من الناس حمدا. # فإذا كان الأمر على هذا فمجاورة الموتى، ومخالطة الزمنى، PageV03P020 ~~والاجتنان بالجدران، ومصر المصران، وأكل القردان، أهون من معاشرته، ~~والاتصال بحبله. # والغل نتيج الحسد، وهو رضيعه، وغصن من أغصانه، وعون من أعوانه، وشعبة من ~~شعبه، وفعل من أفعاله، كما أنه ليس فرع إلا له أصل، ولا مولود إلا له مولد، ~~ولا نبات إلا من أرض، ولا رضيع إلا من مرضع، وإن تغير اسمه؛ فإنه صفة من ~~صفاته، ونبت من نباته، ونعت من نعوته. # ورأيت الله جل جلاله ذكر الجنة في كتابه فحلاها بأحسن حلية، وزينها بأحسن ~~زينة، وجعلها دار أوليائه ومحل أنبيائه، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فذكر في كتابه ما من به عليهم من السرور ~~والكرامة عندما دخلوها وبوأها لهم فقال: " إن المتقين في جنات وعيون. ~~ادخلوها بسلام آمنين. ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. ~~لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ". PageV03P021 # فما أنزلهم دار كرامته إلا بعد ما نزع الغل والحسد من قلوبهم، فتهنوا ~~بالجنة، وقابلوا إخوانهم على السرر، وتلذذوا بالنظر في مقابلة الوجوه ~~لسلامة صدورهم، ونزع الغل من قلوبهم. ولو لم ينزع ذلك من صدورهم ويخرجه من ~~قلوبهم، لافتقدوا لذاذة الجنة، وتدابروا وتقاطعوا وتحاسدوا، وواقعوا ~~الخطيئة، ولمسهم فيها النصب، وأعقبوا منها الخروج، لأنه عز وجل فضل بينهم ~~في المنازل، ورفع درجات بعضهم فوق بعض في الكرامات، وسنى العطيات. # فلما نزع الغل والحسد من قلوبهم ظن أدناهم منزلة فيها، وأقربهم بدخول ~~الجنة عهدا، أنه أفضلهم منزلة، وأكرمهم درجة، وأوسعهم دارا بسلامة قلبه، ~~ونزع الغل من صدره، فقرت عينه وطاب أكله. ولو كان غير ذلك لصاروا إلى ~~التنغيص في النظر بالعيون، والاهتمام بالقلوب، ولحدثت العيوب والذنوب. ms007 # وما أرى السلامة إلا في قطع الحاسد، ولا السرور إلا في افتقاد PageV03P022 ~~وجهه، ولا الراحة إلا في صرم مداراته، ولا الربح إلا في ترك مصافاته. # فإذا فعلت ذلك فكل هنيا مريا، ونم رضيا، وعش في السرور مليا. # ونحن نسأل الله الجليل أن يصفي كدر قلوبنا، ويجنبنا وإياك دناءة الأخلاق، ~~ويرزقنا وإياك حسن الألفة والاتفاق، ويحسن توفيقك وتسديدك. والسلام. PageV03P023 ### | 2- من كتابه في المعلمين PageV03P025 ### || فصل من صدر كتابه في المعلمين # أعانك الله على سورة الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوة ~~إلى حب الإنصاف، ورجح في قلبك إيثار الأناة. فقد استعملت في المعلمين نوك ~~السفهاء، وخطل الجهلاء، ومفاحشة الأبذياء، ومجانبة سبل الحكماء، وتهكم ~~المقتدرين، وأمن المغترين. ومن تعرض للعداوة وجدها حاضرة، ولا حاجة بك إلى ~~تكلف ما كفيت. ### || فصل منه # ولولا الكتاب لاختلت أخبار الماضين، وانقطعت آثار الغائبين. وإنما اللسان ~~للشاهد لك، والقلم للغائب عنك، وللماضي قبلك والغابر بعدك. فصار نفعه أعم، ~~والدواوين إليه أفقر. PageV03P027 # والملك المقيم بالواسطة لا يدرك مصالح أطرافه وسد ثغوره، وتقويم سكان ~~مملكته، إلا بالكتاب. # ولولا الكتاب ما تم تدبير، ولا استقامت الأمور. وقد رأينا عمود صلاح ~~الدين والدنيا إنما يعتدل في نصابه، ويقوم على أساسه بالكتاب والحساب. # وليس علينا لأحد في ذلك من المنة بعد الله الذي اخترع ذلك لنا ودلنا ~~عليه، وأخذ بنواصينا إليه، ما للمعلمين الذين سخرهم لنا، ووصل حاجتهم إلى ~~ما في أيدينا. وهؤلاء هم الذين هجوتهم وشكوتهم وحاججتهم وفحشت عليهم، ~~وألزمت الأكابر ذنب الأصاغر، وحكمت على المجتهدين بتفريط المقصرين، ورثيت ~~لآباء الصبيان من إبطاء المعلمين عن تحذيقهم، ولم ترث للمعلمين من إبطاء ~~الصبيان عما يراد بهم، وبعدهم عن صرف القلوب لما يحفظونه ويدرسونه. ~~والمعلمون أشقى بالصبيان من رعاة الضأن ورواض المهارة. # ولو نظرت من جهة النظر علمت أن النعمة فيهم عظيمة سابغة، والشكر عليها ~~لازم واجب. PageV03P028 ### || فصل منه # وأجمعوا على أنهم لم يجدوا كلمة أقل حرفا ولا أكثر ريعا، ولا أعم نفعا، ~~ولا أحث على بيان، ولا أدعى إلى تبين، ms008 ولا أهجى لمن ترك التفهم وقصر في ~~الإفهام، من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: " قيمة كل ~~امرىء ما يحسن ". # وقد أحسن من قال: " مذاكرة الرجال تلقيح لألبابها ". # وكرهت الحكماء الرؤساء، أصحاب الاستنباط والتفكير، جودة الحفظ، لمكان ~~الاتكال عليه، وإغفال العقل من التمييز، حتى قالوا: " الحفظ عذق الذهن ". ~~ولأن مستعمل الحفظ لا يكون إلا مقلدا، والاستنباط هو الذي يفضي بصاحبه إلى ~~برد اليقين، وعز الثقة. # والقضية الصحيحة والحكم المحمود: أنه متى أدام الحفظ أضر ذلك بالاستنباط، ~~ومتى أدام الاستنباط أضر ذلك بالحفظ، وإن كان الحفظ أشرف منزلة منه. # ومتى أهمل النظر لم تسرع إليه المعاني، ومتى أهمل الحفظ PageV03P029 ~~لم تعلق بقلبه، وقل مكثها في صدره. # وطبيعة الحفظ غير طبيعة الاستنباط. والذي يعالجان به ويستعينان متفق ~~عليه، ألا وهو فراغ القلب للشيء، والشهوة له، وبهما يكون التمام، وتظهر ~~الفضيلة. # ولصاحب الحفظ سبب آخر يتفقان عليه، وهو الموضع والوقت. # فأما الموضع ~~فأيهما يختاران إذا أرادا ذلك الفوق دون السفل. # وأما الساعات فالأسحار دون سائر الأوقات، لأن ذلك الوقت قبل وقت ~~الاشتغال، وبعقب تمام الراحة والجمام، لأن للجمام مقدارا هو المصلحة، كما ~~أن للكد مقدارا هو المصلحة. ### || فصل منه # ويستدل أيضا بوصايا الملوك للمؤدبين في أبنائهم، وفي تقويم PageV03P030 ~~أحداثهم، على أنهم قد قلدوهم أمورهم وضميرهم ببلوغ التمام في تأديبهم. ~~وما قلدوهم ذلك إلا بعد أن ارتفع إليهم في الحنو حالهم في الأدب، وبعد أن ~~كشفهم الامتحان وقاموا على الخلاص. # وأنت - حفظك الله - لو استقصيت عدد النحويين والعروضيين والفرضيين، ~~والحساب، والخطاطين، لوجدت أكثرهم مؤدب كبار ومعلم صغار، فكم تظن أنا وجدنا ~~منهم، من الرواة والقضاة والحكماء، والولاة من المناكير والدهاة، ومن ~~الحماة والكفاة، ومن القادة والذادة، ومن الرؤساء والسادة، ومن كبار الكتاب ~~والشعراء، والوزراء والأدباء، ومن أصحاب الرسائل والخطابة، والمذكورين ~~بجميع أصناف البلاغة، ومن الفرسان وأصحاب الطعان، ومن نديم كريم، وعالم ~~حكيم، ومن مليح ظريف، ومن شاب عفيف. # ولا تعجل بالقضية حتى تستوفي آخر الكتاب، وتبلغ أقصى العذر، فإنك إن ms009 كنت ~~تعمدت تذممت، وإن كنت جهلت تعلمت، وما أظن من أحسن بك الظن إلا وقد خالف ~~الحزم. ### || فصل منه # قال المعلم: وجدنا لكل صنف من جميع ما بالناس إلى تعلمه PageV03P031 ~~حاجة، معلمين، كمعلمي الكتاب والحساب، والفرائض والقرآن، والنحو والعروض ~~والأشعار، والأخبار والآثار، ووجدنا الأوائل كانوا يتخذون لأبنائهم من ~~يعلمهم الكتابة والحساب، ثم لعب الصوالجة، والرمي في التنبوك، والمجثمة، ~~والطير الخاطف، ورمي البنجكاز. وقبل ذلك الدبوق والنفخ في السبطانة. وبعد ~~ذلك الفروسية، واللعب بالرماح والسيوف، والمشاولة والمنازلة والمطاردة، ثم ~~النجوم واللحون، والطب والهندسة، وتعلم النرد والشطرنج، وضرب الدفوف وضرب ~~الأوتار، والوقع والنفخ في أصناف المزامير. # ويأمرون بتعليم أبناء الرعية الفلاحة والنجارة، والبنيان والصياغة ~~والخياطة، والسرد والصبغ، وأنواع الحياكة. نعم حتى علموا البلابل وأصناف ~~الطير الألحان. PageV03P032 # وناسا يعلمون القرود والدببة والكلاب والظباء المكية والببغاء، والسقر ~~وغراب البين، ويعلمون الإبل، والخيل، والبغال، والحمير، والفيلة، أصناف ~~المشي، وأجناس الحضر، ويعلمون الشواهين والصقور والبوازي، والفهود، ~~والكلاب، وعناق الأرض، الصيد. # ويعلمون الدواب الطحن، والبخاتي الجمز حتى يروضوا الهملاج والمعناق، ~~بالتخليع وغير التخليع، وبالموضوع والأوسط والمرفوع. # ووجدنا للأشياء كلها معلمين. # وإنما قيل للإنسان العالم الصغير، سليل العالم الكبير، لأن في الإنسان من ~~جميع طبائع الحيوان أشكالا، من ختل الذئب PageV03P033 ~~وروغان الثعلب، ووثوب الأسد، وحقد البعير، وهداية القطاة. وهذا كثير، ~~وهذا بابة. # ولأنه يحكي كل صوت بفيه، ويصور كل صورة بيده. ثم فضله الله تعالى بالمنطق ~~والروية وإمكان التصرف. # وعلى أنا لا نعلم أن لأحد من جميع أصناف المعلمين لجميع هذه الأصناف ~~كفضيلة المعلم من الناس الأحداث المنطق المأثور، ككلام الاحتجاج والصفات، ~~والمناقلات من المسائل والجوابات في جميع العلامات، بين الموزون من القصائد ~~والأرجاز، ومن المزدوج والأسجاع، مع الكتاب والحساب، وما شاكل ذلك ووافقه ~~واتصل به، وذهب مذهبه. # وقالوا: " إنما اشتق اسم المعلم من العلم، واسم المؤدب من الأدب ". وقد ~~علمنا أن العلم هو الأصل، والأدب هو الفرع. # والأدب إما خلق وإما رواية، وقد أطلقوا له اسم المؤدب على العموم. PageV03P034 # والعلم أصل لكل خير، وبه ينفصل الكرم من ms010 اللؤم، والحلال من الحرام. ~~والفضل من الموازنة بين أفضل الخيرين، والمقابلة بين أنقص الشرين. # فلم يعرضوا لأحد من هذه الأصناف التي اتخذ الناس لها المعلمين من جميع ~~أنواع الحق والباطل، والسرف والاقتصاد، والجد والهزل، إلا هؤلاء الذين لا ~~يعلمون إلا الكتاب والحساب، والشعر، والنحو، والفرائض، والعروض. وما ~~بالسماء من نجوم الاهتداء والأنواء والسعود، وأسماء الأيام والشهور، ~~والمناقلات. # ويمنعهم العرامة، ويأخذهم بالصلاة في الجماعة، ويدرسهم القرآن، ويهدن ~~ألسنتهم برواية القصيد والأرجاز، ويعاقب على التهاون، ويضرب على الفرار، ~~ويأخذهم بالمناقلة، والمناقلة من أسباب المنافسة. # لحقير بخلاف هذه السيرة، وبضد هذه المعاملة. PageV03P035 ### || فصل منه # وقد ذهب قوم إلى أن الأدب حرف، وطلبه شؤم. وأنشد قول الشاعر: # ما ازددت في أدبي حرفا أسر به %~% إلا تزيدت حرفا تحته شوم # إن المقدم في حذق بصنعته %~% أنى توجه فيها فهو محروم # ولم نر شاعرا نال بشعره الرغائب، ولا أديبا بلغ بأدبه المراتب، ذكر يمن ~~الأدب، ولا بركة قول الشعر. فإذا حرم الواحد منهم، والرجل الشاذ ذكر حرف ~~الأدب وشؤم الشعر. وإن كان عدد من نال الرغائب أكثر من عدد من أخفق. # ومهما عيرنا من كان في هذه الصفة فإنا غير معايرين لأبي يعقوب الخريمي، ~~لأنه نال بالشعر وأدرك بالأدب. PageV03P036 # وليس الذي يحمل أكثر الناس على هذا القول إلا وجدان المعاني والألفاظ، ~~فإنهم يكرهون أن يضيعوا بابا من إظهار الظرف وفضل اللسان وهم عليه قادرون. ### || فصل # وقد قالوا: الصبي عن الصبي أفهم، وبه أشكل. وكذلك الغافل والغافل، ~~والأحمق والأحمق، والغبي والغبي، والمرأة والمرأة. قال الله تبارك وتعالى: ~~" ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ". لأن الناس عن الناس أفهم، وإليهم أسكن. ~~فمما أعان الله تعالى به الصبيان، أن قرب طبائعهم ومقادير عقولهم من مقادير ~~عقول المعلمين. # وسمع الحجاج - وهو يسير - كلام امرأة من دار قوم، فيه تخليط وهذيان، ~~فقال: مجنونة، أو ترقص صبيا! # ألا ترى أن أبلغ الناس لسانا، وأجودهم بيانا ~~وأدقهم فطنة، وأبعدهم روية، لو ناطق طفلا أو ناغى صبيا، لتوخى حكاية مقادير ~~عقول الصبيان، والشبه لمخارج كلامهم، ms011 وكان لا يجد بدا من أن ينصرف عن كل ما ~~فضله الله به بالمعرفة الشريفة، والألفاظ الكريمة. وكذلك تكون المشاكلة بين ~~المتفقين في الصناعات. PageV03P037 ### || فصل في رياضة الصبي # وأما النحو فلا تشغل قلبه منه إلا بقدر ما يؤديه إلى السلامة من فاحش ~~اللحن، ومن مقدار جهل العوام في كتاب إن كتبه، وشعر إن أنشده، وشيء إن ~~وصفه. وما زاد على ذلك فهو مشغلة عما هو أولى به، ومذهل عما هو أرد عليه ~~منه من رواية المثل والشاهد، والخبر الصادق، والتعبير البارع. # وإنما يرغب في بلوغ غايته ومجاوزة الاقتصار فيه، من لا يحتاج إلى تعرف ~~جسيمات الأمور، والاستنباط لغوامض التدبر، ولمصالح العباد والبلاد، والعلم ~~بالأركان والقطب الذي تدور عليه الرحى؛ ومن ليس له حظ غيره، ولا معاش سواه. # وعويص النحو لا يجري في المعاملات ولا يضطر إلى شيء. PageV03P038 ~~فمن الرأي أن يعتمد به في حساب العقد دون حساب الهند، ودون الهندسة وعويص ~~ما يدخل في المساحة. وعليك في ذلك بما يحتاج إليه كفاة السلطان وكتاب ~~الدواوين. # وأنا أقول: إن البلوغ في معرفة الحساب الذي يدور عليه العمل، والترقي فيه ~~والسبب إليه، أرد عليه من البلوغ في صناعة المحررين ورءوس الخطاطين؛ لأن في ~~أدنى طبقات الخط مع صحة الهجاء بلاغا. وليس كذلك حال الحساب. # ثم خذه بتعريف حجج الكتاب وتخلصهم باللفظ السهل القريب المأخذ إلى المعنى ~~الغامض. وأذقه حلاوة الاختصار، وراحة الكفاية، وحذره التكلف واستكراه ~~العبارة؛ فإن أكرم ذلك كله ما كان إفهاما للسامع، ولا يحوج إلى التأويل ~~والتعقب، ويكون مقصورا على معناه لا مقصرا عنه، ولا فاضلا عليه. # فاختر من المعاني ما لم يكن مستورا باللفظ المتعقد، مغرقا في الإكثار ~~والتكلف. فما أكثر من لا يحفل باستهلاك المعنى مع PageV03P039 ~~براعة اللفظ وغموضه على السامع بعد أن يتسق له القول، وما زال المعنى ~~محجوبا لم تكشف عنه العبارة. فالمعنى بعد مقيم على استخفائه، وصارت العبارة ~~لغوا وظرفا خاليا. # وشر البلغاء من هيأ رسم المعنى قبل أن يهيىء المعنى، عشقا لذلك اللفظ، ~~وشغفا ms012 بذلك الاسم، حتى صار يجر إليه المعنى جرا، ويلزقه به إلزاقا. حتى كأن ~~الله تعالى لم يخلق لذلك المعنى اسما غيره، ومنعه الإفصاح عنه إلا به. # والآفة الكبرى أن يكون رديء الطبع بطيء اللفظ، كليل الحد، شديد العجب، ~~ويكون مع ذلك حريصا على أن يعد في البلغاء، شديد الكلف بانتحال اسم ~~الأدباء. فإذا كان كذلك خفي عليه فرق ما بين إجابة الألفاظ واستكراهه له. # وبالجملة إن لكل معنى شريف أو وضيع، هزل أو جد، وحزم أو إضاعة، ضربا من ~~اللفظ هو حقه وحظه، ونصيبه الذي لا ينبغي أن يجاوزه أو يقصر دونه. # ومن قرأ كتب البلغاء، وتصفح دواوين الحكماء، ليستفيد PageV03P040 ~~المعاني، فهو على سبيل صواب. ومن نظر فيها ليستفيد الألفاظ فهو على سبيل ~~الخطأ. والخسران ها هنا في وزن الربح هناك؛ لأن من كانت غايته انتزاع ~~الألفاظ حمله الحرص عليها، والاستهتار بها إلى أن يستعملها قبل وقتها، ~~ويضعها في غير مكانها. ولذلك قال بعض الشعراء لصاحبه: أنا أشعر منك! قال ~~صاحبه: ولم ذاك؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه. # وإنما هي رياضة وسياسة، والرفيق: مصلح وآخر مفسد. ولا بد من هدان وطبيعة ~~مناسبة. # وسماع الألفاظ ضار ونافع. # فالوجه النافع: أن يدور في مسامعه، ويغب في قلبه، ويختمر في صدره، فإذا ~~طال مكثها تناكحت ثم تلاقحت فكانت نتيجتها أكرم نتيجة، وثمرتها أطيب ثمرة؛ ~~لأنها حينئذ تخرج غير مسترقة ولا مختلسة ولا مغتصبة، ولا دالة على فقر؛ إذ ~~لم يكن القصد إلى شيء بعينه، والاعتماد عليه دون غيره. وبين الشيء إذا عشش ~~في PageV03P041 ~~الصدر ثم باض، ثم فرخ ثم نهض، وبين أن يكون الخاطر مختارا، واللفظ ~~اعتسافا واغتصابا، فرق بين. # ومتى اتكل صاحب البلاغة على الهوينى والوكال، وعلى السرقة والاحتيال، لم ~~ينل طائلا، وشق عليه النزوع، واستولى عليه الهوان، واستهلكه سوء العادة. # والوجه الضار: أن يتحفظ ألفاظا بعينها من كتاب بعينه، أو من لفظ رجل، ثم ~~يريد أن يعد لتلك الألفاظ قسمها من المعاني، فهذا لا يكون إلا ms013 بخيلا فقيرا، ~~وحائفا سروقا، ولا يكون إلا مستكرها لألفاظه، متكلفا لمعانيه، مضطرب ~~التأليف منقطع النظام. فإذا مر كلامه بنقاد الألفاظ وجهابذة المعاني ~~استخفوا عقله، وبهرجوا علمه. # .ثم اعلم أن الاستكراه في كل شيء سمج، وحيث ما وقع فهو مذموم، وهو في ~~الطرف أسمج، وفي البلاغة أقبح. وما أحسن حاله ما دامت الألفاظ مسموعة من ~~فمه، مسرودة في نفسه، ولم تكن مخلدة في كتبه. # وخير الكتب ما إذا أعدت النظر فيه زادك في حسنه، وأوقفك على حده. PageV03P042 ### || فصل في ذم اللواط # والذي يدل على أن هذه الشهوة معيبة في نفسها، قبيحة في عينها، أن الله ~~تعالى وعز لم يعوض في الآخرة بشهوة الولدان من ترك لوجهه في الدنيا شهوة ~~الغلمان، كما سقى في الآخرة الخمر من تركها له في الدنيا، ثم مدح خمر الجنة ~~بأقصر الكلام، فنظم به جميع المعاني المكروهة في خمر الدنيا فقال: " لا ~~يصدعون عنها ولا ينزفون ". كأنه تبارك وتعالى قال: " لا سكر فيها ولا خمار ~~". # وفي اكتفاء الرجال بالرجال والنساء بالنساء انقطاع النسل، وفي انقطاع ~~النسل بطلان جميع الدين والدنيا. وغشيان الرجل الرجل والمرأة المرأة من ~~المنكوس المعكوس، ومن المبدل المقلوب؛ لأن الله جل ذكره إنما خلق الذكر ~~للأنثى، وجعل بينهما أسباب التحاب وعلائق الشركة، وعلل المشاكلة وجعل الذكر ~~طبقا للأنثى، وجعل الأنثى سكنا للرجل. فقلب هؤلاء الأمر وعكسوه، واستقبلوا ~~من اختار الله لهم بالرد والزهد فيه. PageV03P043 ### || فصل # ومن المعلمين ثم من البلغاء المتأدبين: عبد الله بن المقفع، ويكنى أبا ~~عمرو، وكان يتولى لآل الأهتم، وكان مقدما في بلاغة اللسان والقلم والترجمة، ~~واختراع المعاني وابتداع السير. وكان جوادا فارسا جميلا، وكان إذا شاء أن ~~يقول الشعر قاله، وكان يتعاطى الكلام. ولم يكن يحسن منه لا قليلا ولا ~~كثيرا. وكان ضابطا لحكايات المقالات، ولا يعرف من أين غر المغتر ووثق ~~الواثق. وإذا أردت أن تعتبر ذلك، إن كنت من خلص المتكلمين ومن النظارين، ~~فاعتبر ذلك بأن تنظر في آخر رسالته الهاشمية، فإنك تجده جيد الحكاية لدعوى ~~القوم، ردي ms014 المدخل في مواضع الطعن عليهم. # وقد يكون الرجل يحسن الصنف والصنفين من العلم، فيظن بنفسه عند ذلك أنه لا ~~يحمل عقله على شيء إلا نفذ به فيه، كالذي اعترى الخليل بن أحمد بعد إحسانه ~~في النحو والعروض، أن ادعى العلم بالكلام وبأوزان الأغاني، فخرج من الجهل ~~إلى مقدار لا يبلغه أحد إلا بخذلان الله تعالى. فلا حرمنا الله تعالى ~~عصمته، ولا ابتلانا بخذلانه. ### || فصل # وهذان الشاعران جاهليان، بعيدان من التوليد، وبنجوة من التكليف. PageV03P044 ### || فصل # ومن خصال العبادة وإن كانت كلها راجحة فليس فيها شيء أرد في عاجل، ولا ~~أفضل في آجل من حسن الظن بالله تعالى وعز وجل. # ثم اعلم أن أعقل الناس السلطان ومن احتاج إلى معاملته، وعلى قدر الحاجة ~~إليه ينفتح له باب الحيلة، والاهتداء إلى مواضع الحجة. وما أقرب فضل الراعي ~~على الرعية من فضل السائس على الدابة. ولولا السلطان لأكل الناس بعضهم ~~بعضا، كما أنه لولا المسيم لوثب السباع على السوام. # ودعني من تدريسه كتب أبي حنيفة، ودعني من قولهم: اصرفه إلى الصيارفة؛ فإن ~~صناعة الصرف تجمع مع الكتاب والحساب المعرفة بأصناف الأموال، ولا تجد بدا ~~من حلة السلطان. # ودعني من قول من يقول: قد كانت قريش تجارا؛ فإن هذا باب لا ينقاس ولا ~~يطرد. ومن قاس تجار الكرخ وباعته، وتجار الأهواز والبصرة، على تجار قريش، ~~فقد أخطأ مواضع القياس، وجهل أقدار العلل. PageV03P045 # قريش قوم لم يزل الله تعالى يقلبهم في الأرحام البريئة من الآفات، ~~وينقلهم من الأصلاب السليمة من العاهات، ويعبيهم لكل جسيم، ويربيهم لكل ~~عظيم. # ولو علم هذا القائل ما كانت قريش عليه في التجارة لعرف اختلاف السبل، ~~وتفاوت ما بين الطرق. ولو كانت علتهم في ذلك كعلة تجار الأبلة، ومحتكري أهل ~~الحيرة، لثلمت دقة التجارة في أعراضهم ولنهك سخف التربح من مروءاتهم، ولصغر ~~ذلك من أقدارهم في صدور العرب، ولوضع من علوهم عند أهل الشرف. وكيف وقد ~~ارتحلت إليهم الشعراء كما ارتحلت إلى الملوك العظماء، فأسنوا لهم العطية، ~~ولم يقصروا عن غاية، فسقوا ms015 الحجيج وأقاموا القرى لزوار الله تعالى، وهم ~~بواد غير ذي زرع. فلو أنه كان معهم من الفضل ما يبهر العقول، ومن المجد ما ~~تحرج فيه العيون، لما أصلح طبائعهم الشيء الذي يفسد جميع الأمة. ولقد أورث ~~ذلك صدورهم من السعة بقدر ما أورث PageV03P046 ~~غيرهم من الضيق. ولو كانت سبلهم عند الملوك إذا وفدوا عليهم، أو وردوا ~~بلادهم بالتجارات، سبل غيرهم من التجار لما أوجهوهم وقربوهم، ولما أقاموا ~~لهم قرى الملوك وحبوهم بكرامة الخاص. # وإذا كانت قريش حمسا تنسك في دينها، وتتأله في عبادتها وكان مانعا لهم من ~~الغارات والسباء، ومن وطء النساء من جهة المغنم، ولذلك لم يئدوا البنات ولا ~~ولدت منهم امرأة غيرهم من جهة السباء، ولا زوجوا أحدا من العرب حتى يتحمس ~~ويدين بدينهم. ولذلك لما صاروا إلى بناء الكعبة لم يخرجوا في بنائها من ~~أموالهم إلا مواريث آبائهم ونسائهم، خوفا من أن يخالطه شيء من حرام، إذ ~~كانت أرباح التجارات مخوفا عليها ذلك. فلما كانوا بواد غير ذي زرع ويحتاجون ~~إلى الأقوات، وإقامة القرى، لم يجدوا بدا من أن يتكلفوا ما يعيشهم ويصلح ~~شأنهم، فأخذوا الإيلاف، ورحلوا إلى الملوك بالتجارات. فهذا هو السبب. PageV03P047 # فانظر كم بين علتهم وعلة غيرهم! فيسرك بعد هذا أن يتحول ابنك في مسلاخ ~~صالح الزرازريشي، أو في طباع ابن بادام، أو في عقل ابن سامري. # فإن زعموا أن أصحاب السلطان يعرض مكروه فليعلموا أن كل مسافر فبعرض ~~مكروه، وقد قال بعض الحكماء: " المسافر ومتاعه على قلت إلا من حفظ الله "، ~~يعني على هلاك. # وراكب البحر أشد خطرا، ومشتري طعام الأهواز أشد تهورا، ورافع الشراع بعرض ~~هلكة. والمتعرض للملاحة والمعرض نفسه للسباع أقل شفقة. وسكان الجزائر ~~والسواحل أحق بالتعرض، وأولى بالخوف. والمنهوم بالطعام الردي، والمدمن ~~للشراب أشبه بأصحاب التغرير، والمتباري في ذلك والمتزيد منه أحق بتوقع ~~الحدثان وحوادث الأزمان، قد جرت عليه عادة الدهر وسيرة الأيام. وهذا كله ~~أحق بالاهتمام. PageV03P048 # وإن كنت إلى الإشفاق تذهب، وإلى إعطاء الحزم أكثر من نصيبه، وكيف دار ~~الأمر ms016 فإن التاجر قد استشعر الذل، وتغشى ثوب المذلة. # وصاحب السلطان قد تجاوز حد العز والهيبة. وإنما عيبه سكر السلطان، وإفراط ~~التعظيم. قد استبطن بالعز، وظاهر بالبشر واستحكمت تجربته، وبعدت بصيرته حتى ~~عرف مصلحة كل مصر، وإصلاح كل فاسد، وإقامة كل معوج، وعمارة كل خرب. # ولا أعلم في الأرض أعم إفلاسا ولا أشد نكبة، ولا أكثر تحولا من يسر إلى ~~عسر، ولا رأينا الحوائج إلى أحد أهدى منها إلى أموال الصيارفة. فكيف يقاس ~~شأن قوم تعمهم المعاطب بشأن قوم أهل السلامة فيهم أكثر، والنكبات فيهم أقل. # وبعد هذا فإني أرى ألا تستكرهه فتبغض إليه الأدب، ولا تهمله فيعتاد ~~اللهو. # على أني لا أعلم في جميع الأرض شيئا أجلب لجميع الفساد من قرناء السوء، ~~والفراغ الفاضل عن الجمام. PageV03P049 # درسه العلم ما كان فارغا من أشغال الرجال، ومطالب ذوي الهمم. واحتل في أن ~~تكون أحب إليه من أمه. ولا تستطيع أن يمحضك المقة، ويصفي لك المودة مع ~~كراهته لما تحمل إليه من ثقل التأديب عند من لم يبلغ حال العارف بفضله. # فاستخرج مكنون محبته ببر اللسان، وبذل المال. ولهذا مقدار من جازه أفرط. ~~والإفراط سرف. ومن قصر عنه فرط، والمفرط مضياع. # ولا تستكثرن هذا كله فإن بعض النعمة فيه تأتي على أضعاف النعامة، والذي ~~تحاول من صلاح أمر من تؤمل فيه أن يقوم في أهلك مقامك، وإصلاح ما خلفت ~~كقيامك، لحقيق بالحيطة عليه، وبإعطائه المجهود من نفسك. # وقال زكريا عليه السلام: " رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ". فعلم ~~الله تبارك وتعالى، فوهب له غلاما، وقال الله PageV03P050 ~~عز وجل: " وليس الذكر كالأنثى ". # اعلم أنه أعطاك ولدا عبرة عين العدو، وقرة عين الصديق الولي. فاحمد الله ~~وأخلص في الدعاء، وأكثر من الخير إن شاء الله تعالى. PageV03P051 ### | 3- من كتابه التربيع والتدوير PageV03P053 ### || فصل من كتاب التربيع والتدوير # فانظر في مسالمة النفوس مع تقارب منازلها، ولم تجاذبت عند تقارب مراتبها، ~~ولم اختلف الكثير واتفق القليل؟ ولم كانت الكثرة علة للتخاذل، والقلة سببا ~~للتناصر؟ وما فرق ما بين ms017 المجاراة والتحاسد، وبين المنافسة والتغالب، فإنك ~~متى عرفت ذلك استرحت منا ورجونا أن نستريح منك. # وكيف يعرف السبب من يجهل المسبب، وكيف يعرف الوصل من يجهل الفصل، وكيف ~~يعرف الحدود من لم يسمع الفصول. بل يعرف كيف الحجة من الشبهة، والغدر من ~~الحيلة، والواجب PageV03P055 ~~من الممكن، والغفل من الموسوم، والمحال من الصحيح، والأسرار من المجهول ~~ومن كبار الدلائل الخفية وما يعلم مما لا يعلم، وما يعلم باللفظ دون ~~الإشارة مما لا يعلم إلا بالإشارة دون اللفظ، وما يعلم معتمدا ولا يعلم ~~مكيفا ولا يعلم معتقدا. وما المستغلق الذي يجوز أن يفارقه استغلاقه، ~~والمستبهم الذي لا يفارقه استبهامه، ومن هو طائر مع العوام حيث طارت، وساقط ~~معها حيث سقطت، مع الزراية والرغبة عنها. قد طلبها بفضل طلبه لنفسه، وجرى ~~معها بقدر مناسبتها لقدره. # فاعرف الجنس من الصنف، والقسم من النصنف، وفرق ما بين الذم واللوم، وفصل ~~ما بين الحمد والشكر، وحد الاختيار من الإمكان، والاضطرار من الإيجاب. ~~وسنعرفك من جملة ما ذكرنا بابا بابا أنت إليه أحوج، وهو علينا أرد. ### || فصل # وما في الأرض إقرار أثبت، ودليل أوضح، وشاهد أصدق، من شاهدي عليك على ما ~~ادعيت لنفسك من الرفعة مع ما ظهر من حسدك لأهل الصنعة. وهل يكون كذلك إلا ~~فاسد الحس ظاهر العنود، أو جاهل بالمحال. PageV03P056 # وبعد فأنت - أبقاك الله - في يدك قياس لا يكسر، وجواب لا ينقطع، ولك حد ~~لا يفل وغرب لا ينثني، وهو قياسك الذي إليه تنسب، ومذهبك الذي إليه تذهب: ~~أن تقول: وما علي أن يراني الناس عريضا وأكون في حكمهم غليظا وأنا عند الله ~~تعالى طويل جميل، وفي الحقيقة مقدود رشيق. وقد علموا - حفظك الله - أن لك ~~مع طول الباد راكبا، طول الظهر جالسا، ولكن بينهم فيك إذا قمت اختلاف، ~~وعليك لهم إذا اضطجعت مسائل. # ومن غريب ما أعطيت، ومن بديع ما أوتيت أنا لم نر مقدودا واسع الجفرة ~~غيرك، ولا رشيقا مستفيض الخاصرة سواك. فأنت المديد وأنت البسيط، وأنت ~~الطويل وأنت المتقارب. # فيا شعرا ms018 جمع الأعاريض، ويا شخصا جمع الاستدارة والطول. # بل ما يهمك من أقاويلهم، ويتعاظمك من اختلافهم، والراسخون في العلم، ~~والناطقون بالفهم، يعلمون أن استفاضة عرضك قد أدخلت PageV03P057 ~~الضيم على ارتفاع سمكك، وأن ما ذهب منك عرضا قد استغرق ما ذهب منك طولا. ~~ولئن اختلفوا في طولك لقد اتفقوا في عرضك. وإن كانوا قد سلموا لك بالرغم ~~شطرا، فقد حصلت ما سلموا وأنت على دعواك فيما لم يسلموا. # ولعمري إن العيون لتخطىء، وإن الحواس لتكذب، وما الحكم القاطع إلا للذهن، ~~وما الاستبانة الصحيحة إلا للعقل؛ إذ كان زماما على الأعضاء، وعيارا على ~~الحواس. # ومما يثبت أيضا أن ظاهر عرضك مانع من إدراك حقيقة طولك قول أبي داوود ~~الإيادي في إبله: # سمنت فاستحش أكرعها لا ال %~% ني ني ولا السنام سنام # ولو لم يكن فيك من العجب إلا أنك أول من عوده الله تعالى بالصبر على خطاء ~~الحس وبالشكر على صواب الذهن، لقد PageV03P058 ~~كنت في طولك غاية للعالمين، وفي عرضك منارا للمضلين. # وقد تظلم المربوع مثلي من الطويل مثل عمر، ومن القصير مثل عمرو إذ زعم ~~أنه أفرط في الرشاقة ونسب إلى القضاضة، لأن إفراط عرضه غمر الاعتدال من ~~طوله، وكلاهما يحتاج إلى الاعتذار، ويفتقر إلى الاعتدال. # والمربوع بحمد الله تعالى قد اعتدلت أجزاؤه في الحقيقة، كما اعتدلت في ~~المنظر، فقد استغنى بعز الحقيقة عن الاعتذار، وبحكم الظاهر عن الاعتلال. # وقد سمعنا من يذم الطوال كما سمعنا من يزري على القصار، ولم نسمع أحدا ذم ~~مربوعا ولا أزرى عليه، ولا وقف عنده ولا شك فيه. ومن يذمه إلا من ذم ~~الاعتدال، ومن يزري عليه إلا من أزرى على الاقتصاد، ومن ينصب للصواب الظاهر ~~إلا المعاند، ومن يماري في العيان إلا الجاهل؛ بل من يزري على أحد بتفاقم ~~التركيب، PageV03P059 ~~وبسوء التنضيد مع قول الله عز وجل: " ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ". # وبعد فأي قد أردأ، وأي نظام أفسد من عرض مجاوز للقدر، أو طول مجاوز ~~للقصد. ومتى يضرب العرض بسهمه على قدر ms019 حقه، ويأخذ الطول من نصيبه على مثل ~~وزنه، خرج الجسم من التقدير، وجاوز التعديل. فإذا خرج من التقدير تفاسد، ~~وإذا تفاسد وجاوز التعديل تباين. # ولو جاز هذا الوصف، وحسن هذا النعت، كان لإبراهيم بن السندي من الفضيلة ~~ما ليس لأحمد بن عبد الوهاب. # وهذا كله بعد أن يصدقوك على ما ادعيت لطولك في الحقيقة، واحتججت به لعرضك ~~في الحكومة. كما أنك بإعمالك لما ينفيه PageV03P060 ~~العيان، واستشهادك لما تنكره الأذهان، معترض للصدق من المتكرم، ومتحكك ~~بالحلم من المتغافل. وأي صامت لا ينطقه هذا المذهب، وأي ناطق لا يغريه هذا ~~القول. # وإذا كان هذا ناقضا لعزم المتسلم فما ظنك بعادة المتكلف. # فأنشدك الله أن ~~تغري بك السفهاء، وتنقض عزائم الحكماء. # وما أدري - حفظك الله - بأي الأمرين أنت أعظم إثما، وفي أيهما أنت أفحش ~~ظلما: أبتعرضك للعوام، أم بإفسادك حكم الخواص. # وبعد فما يحوجك إلى هذا، وما يدعوك إليه وأشباهك من القصار كثير، ومن ~~ينصرك منهم غير قليل. ### || فصل # وقلت: ولولا فضيلة العرض على الطول لما وصف الله تعالى وعز وجل، الجنة ~~بالعرض دون الطول، حيث يقول: " وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ". فهذا ~~برهانك الواضح. PageV03P061 # ولو لم يكن فيك من الرضا والتسليم، ومن القناعة والإخلاص إلا أنك ترى ما ~~عند الله خيرا لك مما عند الناس، وأن الطول الخفي أحب إليك من الطول ~~الظاهر، لكان في ذلك ما يقضي لك بالإنصاف، ويحكم لك بالتوفيق. # وأنا - أبقاك الله - أعشق إنصافك كما تعشق المرأة الحسناء، وأتعلم خضوعك ~~للحق كما أتعلم التفقه في الدين. ولربما ظننت أن جورك إنصاف قوم آخرين، وأن ~~تعقدك سماح رجال منصفين. # وما أظنك صرت إلى معارضة الحجة بالشبهة، ومقابلة الاختيار بالاضطرار، ~~واليقين بالشك، واليقظة بالحلم إلا للذي خصصت به من إيثار الحق، وألهمته من ~~فضيلة الإنصاف، حتى صرت أحوج ما تكون إلى الإنكار أذعن ما تكون بالإقرار؛ ~~وأشد ما تكون إلى الحيلة فقرا أشد ما تكون للحجة طلبا. غير أن ذلك بطرف ~~ساكن، وصوت خاضع، وقلب جامع، وجأش رابط، ونية جسور، ms020 وإرادة تامة، مع غفلة ~~كريم، وفطنة عليم. إن انقطع خصمك تغافلت، وإن خرق PageV03P062 ~~ترفقت، غير منخوب ولا متشعب، ولا مدخول ولا مشترك، ولا ناقص النفس، ولا ~~واهن العزم، ولا حسود ولا منافس، ولا مغالب ولا معاقب. تفل الحز وتصيب ~~المفصل، وتقرب البعيد وتظهر الخفي، وتميز الملتبس وتلخص المشكل، وتعطي ~~المعنى حقه من اللفظ كما تعطي اللفظ حظه من المعنى. وتحب المعنى إذا كان ~~حيا يلوح، وظاهرا يصيح، وتبغضه مستهلكا بالتعقيد، ومستورا بالتغريب. # وتزعم أن شر الألفاظ ما غرق المعاني وأخفاها، وسترها وعماها، وإن راقت ~~سمع الغمر، واستمالت قلب الريض. # أعجب الألفاظ عندك ما رق وعذب، وخف وسهل، وكان موقوفا على معناه، ومقصورا ~~عليه دون ما سواه. لا فاضل ولا مقصر، ولا مشترك ولا مستغلق، قد جمع خصال ~~البلاغة، واستوفى خلال المعرفة. PageV03P063 # فإذا كان الكلام على هذه الصفة، وألف على هذه الشريطة، لم يكن اللفظ أسرع ~~إلى السمع من المعنى إلى القلب، وصار السامع كالقائل، والمتعلم كالمعلم، ~~وخفت المؤنة واستغنى عن الفكرة، وماتت الشبهة وظهرت الحجة، واستبدلوا ~~بالخلاف وفاقا، وبالمجاذبة موادعة، وتهنئوا بالعلم، وتقنعوا ببرد اليقين، ~~واطمأنوا بثلج الصدور، وبان المنصف من المعاند، وتميز الناقص من الوافر وذل ~~الخطل وعز المحصل، وبدت عورة المبطل، وظهرت براءة المحق. # وقلت: والناس وإن قالوا في الحسن: كأنه طاقة ريحان، أو خوط آس، وكأنه ~~قضيب خيزران، وكأنه غصن بان، وكأنه رمح رديني، وكأنه صفيحة يمان، وكأنه سيف ~~هندواني، وكأنه جان، وكأنه جدل عنان؛ فقد قالوا: كأنه المشتري، وكأن وجهه ~~دينار هرقلي. وما هو إلا البحر، وما هو إلا الغيث. وكأنه الشمس، وكأنها ~~دارة القمر، وكأنها الزهرة، وكأنها درة، وكأنها غمامة، وكأنها مهاة. PageV03P064 # وقد نراهم وصفوا المستدير والعريض بأكثر مما وصفوا القضيف الطويل. # وقلت: ووجدنا الأفلاك وما فيها، والأرض وما عليها، على التدوير دون ~~التطويل، كذلك الورق والحب، والثمر والشجر. # وقلت: والرمح وإن طال فإن التدوير عليه أغلب؛ لأن التدوير قائم فيه موصلا ~~ومفصلا، والطول لا يوجد فيه إلا موصلا ومفصلا. وكذلك الإنسان وجميع ~~الحيوان. # وقلت: ms021 ولا يوجد التربيع إلا في المصنوع دون المخلوق، وفما أكره على ~~تركيبه دون ما خلي وسوم طبيعته. # وعلى أن كل مربع ففي جوفه مدور، فقد بان المدور بفضله، وشارك المطول في ~~حصته. # ومن العجب أنك تزعم أنك طويل في الحقيقة ثم تحتج للعرض والاستدارة، وقد ~~أضربت عما عند الله صفحا، ولهجت بما عند الناس. PageV03P065 ~~0ف - أما حور العين فقد انفردت بحسنه، وذهبت ببهجته وملحه، إلا ما أبانك ~~الله تعالى به من الشكلة فإنها لا تكون في اللئام، ولا تفارق الكرام. # وأما سواد الناظر وحسن المحاجر، وهدب الأشفار، ورقة حواشي الأجفان، فعلى ~~أصل عنصرك ومجاري أعراقك. # وأما إدراكك الشخص البعيد، وقراءتك الكتاب الدقيق ونقش الخاتم قبل ~~الطابع، وفهم المشكل قبل التأمل، مع وهن الكبرة وتقادم الميلاد، ومع تخون ~~الأيام وتنقص الأزمان، فمن توتيا الهند، ولترك الجماع، ومن الحمية الشديدة ~~وطول استقبال الخضرة، فأنت يا عم عندما تصلح ما أفسده الدهر، وتسترجع ما ~~أخذته الأيام، لكما قال الشاعر: # عجوز ترجي أن تكون فتية %~% وقد لحب الجنبان واحدودب الظهر # تدس إلى العطار سلعةأهلها %~% ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر PageV03P066 # وكيف أطمع في نزوعك عن اللجاج وقد منعتنيه قبله. وكيف أرجو إقرارك جهرا ~~وقد أبيته سرا، وكيف تجود به صحيحا مطمعا وقد بخلت به مريضا مؤيسا. # وكيف يرجو خيرك من رآك تطاول أبا جعفر وتحاسنه، وتنافره وتراهنه، ثم لا ~~تفعل ذلك إلا في المحافل العظام، وبحضرة كبار الحكام، ثم تستغرب ضحكا من ~~طمعه فيك، وتعجب الناس من مجاراته لك. # وأشهد لك بعد هذا أنك ستحاسن عمرا الجاحظ وتعاقله، ثم تظارفه وتطاوله، ~~وتتغنى مع مخارق، وتنكر فضل زبزب، وتستجهل النظام، وتستغبي قيس بن زهير، ~~وتستخف PageV03P067 ~~الأحنف بن قيس وتبارز علي بن أبي طالب، ثم تخرج من حد الغلبة إلى حد ~~المراء، ومن حد الأحياء إلى حدود الموتى. # هذا وليس لك مساعد، ولا معك شاهد واحد، ولا رأيت أحدا يقف في الحكم عليك، ~~أو ينتظر تحقيق دعواك؛ ولا رأيت منكرا يخليك من التأنيب، ولا مؤنبا يخليك ms022 ~~من الوعيد، ولا موعدا يخليك من الإيقاع، ولا موقعا يرثي لك، ولا شافعا يشفع ~~فيك. # يا عم، لم تحملنا على الصدق؟ ولم تجرعنا مرارة الحق؟ ولم تعرضنا لأداء ~~الواجب؟ ولم تستكثر من الشهود عليك؟ ولم تحمل الإخوان على خلاف محبتهم فيك؟ # اجعل بدل ما تجني على نفسك أن تجني على عدوك، وبدل ما يضطر الناس أن يصدقوا ~~فيك أن تضطرهم إلى أن يمسكوا عنك. # ولا بد - يرحمك الله - لمن فاته الطول من أن يلقي بيده، إنما يقول خلاف ~~ما يجده في نفسه. فوالله إنك لجيد الهامة، وفي ذلك خلف لحسن القامة. # وإنك لحسن الحظ، وفي ذلك عوض من حسن اللفظ. وإنك PageV03P068 ~~لتجد مقالا، وإنك لتعد خصالا. فقل معروفا فإنا من أعوانك، واقتصد فإنا من ~~أنصارك. وهات فإنك لو أسرفت لقلنا قد اقتصدت، ولو جرت لقلنا قد اهتديت، ~~ولكنك تجيء بشيء " تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ". # لو غششناك لساعدناك، ولو نافقناك لأغريناك. ### || فصل # وقد كنت - أطال الله بقاءك - في الطول زاهدا، وعن القصر راغبا، وكنت أمدح ~~المربوع وأحمد الاعتدال. ولا والله لن يقوم خير الاعتدال بشر قصر العمر، ~~ولا جمال المربوع بما يفوت من منفعة العلم. # فأما اليوم فياليتني كنت أقصر منك وأضوى، وأقل منك وأقما. # وليس دعائي لك بطول البقاء طلبا للزيادة، لكن على جهة التعبد والاستكانة، ~~فإذا سمعتني أقول أطال الله بقاءك فهذا المعنى أريد، وإذا رأيتني أقول لا ~~أخلى الله مكانك فإلى هذا المعنى أذهب. PageV03P069 # وقد زعموا، جعلت فداءك، أن كل ما طال عمره من الحيوانات زائد في شدة ~~الأركان، وفي طول العمر وصحة الأبدان، كالورشان والضباب وحمر الوحش، وكلحم ~~النسر لمن أكله، ولحم الحية لمن استحله فإذا كان هذا حقا وكان نافعا، وكنت ~~له مستعملا وفيه متقدما، وتراه رأيا، أخذنا منه بنصيب، وتعلقنا منه بسبب. # وفيك أمران غريبان، وشاهدان بديعان: جواز الكون والفساد عليك، وتعاور ~~النقصان والزيادة إياك. وجوهرك فلكي وتركيبك أرضي. فمنك طول البقاء، ومعك ~~دليل الفناء. وأنت علة للمتضاد وسبب للمتنافي. ms023 وما ظنك بخلق لا تضره ~~الإحالة، ولا يفسده التناقض. ### || فصل # جعلت فداك، قد شاهدت الإنس منذ خلقوا، ورأيت الجن قبل أن يحجبوا، ووجدت ~~الأشياء بنفسك خالصة وممزوجة، وأغفالا وموسومة، وسالمة ومدخولة، فما يخفى ~~عليك الحجة من الشبهة، ولا السقم من الصحة، ولا الممكن من الممتنع، ولا ~~المستغلق من المبهم، ولا النادر من البديع، ولا شبه الدليل من الدليل. # وعرفت علامة الثقة من علامة الريبة، حتى صارت الأقسام عندك محصورة، ~~والحدود محفوظة، والطبقات معلومة، والدنيا بحذافيرها PageV03P070 ~~مصورة. ووجدت السبب كما وجدت المسبب، وعرفت الاعتلال كما عرفت الاحتجاج، ~~وشاهدت العلل وهي تولد، والأسباب وهي تصنع، فعرفت المصنوع من المخلوق، ~~والحقيقة من التمويه. ### || فصل # إنك - جعلت فداءك - كما أنك لم تكن فكنت، فكذا لا تكون بعد أن كنت. وكما ~~زدت في الدهر الطويل فكذا تنقص في الدهر الطويل. وكل طويل فهو قصير، وكل ~~متناه فهو قليل. فإياك أن تظن أنك قديم فتكفر، وإياك أن تنكر أنك محدث ~~فتشرك؛ فإن للشيطان في مثلك أطماعا لا يصيبها في سواك، ويجد فيك عللا لا ~~يجدها في غيرك. ### || فصل # وقد علمت أن الخبر إذا صح أصله وكان للناس علة في نشره، كان في الدلالة ~~على الحق كالعيان، وفي الشفاء كالسماع. # على أن الخبر لا يعرف به تكيف الأمور ولكن تعرف به جمل الأشياء، إلا خبرك ~~فإنك لا تحتاج إلى إشارة ولا إلى علة، ولا إلى PageV03P071 ~~تفسير حتى يقوم خبرك في الشفاء وفي كيفية الشيء مقام العيان. # وقد كنت أتعجب من محمد بن عبد الملك وأقول: ما يقولون في رجل لم يقل قط ~~بعد انقضاء خصومه وذهاب خصمه: لو كنت قلت كذا كان أفضل، أو كنت لم أقل كذا ~~كان أمثل! فما بال عفوه أكثر من جهدكم، وبديهته أبعد من أقصى فكرتكم؟ ! # فلما رأيتك علمت أنك عذاب صبه الله تعالى على كل رفيع، ورحمة أنشأها الله ~~لكل وضيع. # فخبرني عما جرى بينك وبين هرمس في طبيعة الفلك، وعن سماعك من أفلاطون، ~~وما دار بينك وبين أرسطاطاليس، وأي نوع ms024 اعتقدت وأي شيء اخترت؟ فقد أبت نفسي ~~غيرك، وأبت أن تتشفى إلا بخبرك. # ولولا أني كلف برواية الأقاويل، ومغرم بمعرفة الاختلاف وأني لا أستجيز ~~مسألتك عن كل شيء، وابتذالك في كل أمر، لما سمعت من أحد سواك، ولما انقطعت ~~إلى أحد غيرك. PageV03P072 # اعلم، جعلت فداءك، أني لم أرد بمزاحك إلا أن أضحك سنك، ولا كانت غايتي ~~فيك إلا لأنفق عندك. وقد كنت خفت أن لا أكون وقفت على حده، وأشفقت من ~~المجاوزة لقدره. # والمزاح باب ليس المخوف فيه التقصير، ولا يكون الخطأ فيه من جهة النقصان. ~~وهو باب متى فتحه فاتح، وطرق له مطرق، ولم يملك من سده مثل الذي يملك من ~~فتحه، ولم يخرج بقدر ما كان قدم من نفسه، لأنه باب أصل بنائه على الخطأ، ~~ولا يخالطه من الأخلاق إلا ما سخف. ومن شأنه التزيد، وأن يكون صاحبه قليل ~~التحفظ. # ولم نر شيئا أبعد من شيء ولا أطول له صحبة ولا أشد خلافا ولا أكثر له ~~خلطة، من الجد والمزاح، والمناظرة والمراء. # فإن كنت لم أقصر عن الغاية، ولم أتجاوز حد النهاية فبما أعرف من يمن ~~مكالمتك، وبركة مكاتبتك، ومن حسن تقويمك وجودة تثقيفك. وإن كنت أخطأت ~~الطريق، وجاوزت المقدار، فما كان ذلك عن جهل بفضلك، ولا إنكار لحقك، ولكن ~~حدود الأشياء إذا خفيت، ومقاديرها إذا أشكلت، ولم يكن مع الناظر فيها مثل PageV03P073 ~~تمامك، ولا مع التكلف لها مثل كمالك، دخل عليه من الخلل بقدر عجزه، وسلم ~~منه بقدر نفاذه. نعم ولو كان من العلماء الموصوفين، ومن الأدباء المذكورين. # ومن المزاح - جعلت فداءك - باب مكر وجنس خدع يتكل المرء في إساءته إلى ~~جليسه، واستماعه لصديقه على أن يقول: مزحت، وعلى أن يقول عند المحاكمة: ~~عبثت، وعلى أن يقول: من يغضب من المزاح إلا كز الخلق؟ ! ومن يرغب عن ~~المفاكهة إلا ضيق العطن؟ ! # وبعد فمتى أعدت النفس عذرا كانت إلى القبيح ~~أسرع، ومتى لم تعده كانت عنه أبطأ. # ومن أسباب الغلط فيه ومن دواعي الخطأ إليه أن كثيرا ممن ms025 تمازحه يضحكك وإن ~~كنت أغضبته، ولا يقطع مزاحك وإن كنت قد أوجعته. فإن حقد ففي الحقد الداء، ~~وإن عجل فذلك البلاء. # فإن قلت: فما أدخلك في شيء هذه سبيله، وهكذا جوهره وطريقه؟ قلت: لأني حين ~~أمنت عقاب الإساءة، ووثقت بثواب PageV03P074 ~~الإحسان، وعلمت أنك لا تقضي إلا على العمد، ولا تعذب إلا على القصد، صار ~~الأمن سائقا، والأمل قائدا. # وأي عمل أرد، وأي متجر أربح مما جمع السلامة والغنيمة، والأمن والمثوبة. # ولو كان هذا ذنبا كنت شريكي فيه، ولو كان تقصيرا لكنت سببي إليه، لأن ~~دوام التغافل شبيه بالإهمال، وترك التعريف يورث الإغفال، والعفو الشائع ~~والبشر الدائم يؤمنان من المكافأة، ويذهبان بالتحفظ؛ ولذلك قال عيينة بن ~~حصن لعثمان بن عفان: " عمر كان خيرا لي منك، أرهبني فاتقاني، وأعطاني ~~فأغناني ". # فإن كنت اجترأت عليك فلم أجترىء عليك إلا بك؛ وإن كنت أخطأت فلم أخطىء ~~عليك إلا لك؛ لأن حسن الظن بك والثقة بعفوك سبب إلى قلة التحفظ، وداعية إلى ~~ترك التحرز. PageV03P075 # وبعد فمن وهب الكبير كيف يقف عند الصغير، ومن لم يزل يعفو عن العمد كيف ~~يعاقب على السهو؟ ! # ولو كان عظم قدري هو الذي عظم ذنبي لكان عظم قدري هو ~~الذي شفع لي. ولو استحققت عقابك بإقدامي عليك مع خوفي لك لاستوجبت عفوك عن ~~إقدامي عليك بحسن ظني بك. # على أني متى أوجبت لك العفو فقد أوجبت لك الفضل، ومتى أضفت إليك العقاب ~~فقد وصفتك بالإنصاف. ولا أعلم حال الفضل إلا أشرف من حال العدل؛ والحال ~~التي توجب لك الشكر إلا أرفع من الحال التي توجب لك الصبر. # وإن كنت لا تهب عقابي لحرمتي فهبه لأياديك عندي؛ فإن النعمة تشفع في ~~النعمة. # فإن لم تفعل ذلك للحرمة فافعله لحسن الأحدوثة، وعد إلى حسن العادة. وإن ~~لم تفعل ذلك لحسن العادة فائت ما أنت أهله. # واعلم أني وإياك متى تحاكمنا إلى كرمك قضي لي عليك، ومتى ارتفعنا إلى ~~عدلك حسن العفو عني عندك. PageV03P076 # وفصل ما بيننا وبينك، وفرق ما بين أقدارنا وقدرك، ms026 أنا نسيء وتغفر، ونذنب ~~وتستر، ونعوج وتقوم، ونجهل وتعلم؛ وأن عليك الإنعام وعليك الشكر. ومن صفاتك ~~أن تفعل ومن صفاتنا أن نصف. # وإذا فعلت ما تقدر عليه من العقاب كنت كمن فعل ما يقدر عليه من التعرض، ~~وصرت ترغب عن الشكر كما رغبنا عن السلم، وصار التعرض لعفوك بالأمن باطلا، ~~والتعرض لعقابك بالخوف حقا، ورغبت عن النبل والبهاء، وعن السؤدد والسناء، ~~وصرت كمن يشفي غيظا أو يداوي حقدا، أو يظهر القدرة أو يحب أن يذكر بالصولة. # ولم نجدهم - أبقاك الله - يحمدون القدرة إلا عند استعمالها في الخير، ~~ويذمون العجز إلا لما يفوت به من إتيان الجميل. # وأنى لك بالعقاب وأنت خير كلك، ومن أين اعتراك المنع وأنت أنهجت الجود ~~لأهله. وهل عندك إلا ما في طبعك، وكيف لك بخلاف عادتك؟ فلم تستكره نفسك على ~~المكافأة وطباعها الصفح؟ ولم تكدها بالمناقشة ومذهبها المسامحة؟ PageV03P077 # سبحان من جعل أخلاقك وفق أعراقك، وفعلك وفق عملك، ومن جعل ظنك أكثر من ~~يقيننا، وفراستك أثقب من عياننا، وعفوك أرجح من جهدنا، وبداهتك أجود من ~~تفكرنا، وفعلك أرفع من وصفنا، وغيبتك أهيب من حضور السادة، وعتبك أشد من ~~عقاب الظلمة. # وسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد، وتتجافى عن عقاب المصر، وتتغافل عن ~~المناوي وتصفح عن المتهاون حتى إذا صرت إلى من ذنبه نسيان وتوبته خلاص، ~~وهفوته بكر، وشفاعته الحرمة ومن لا يعرف الشكر إلا لك، والإنعام إلا منك، ~~ولا العلم إلا من تأديبك، ولا الأخلاق إلا من تقويمك، ولا يقصر في بعض ~~طاعتك إلا لما رأى من احتمالك، ولا نسي بعض ما يجب لك إلا لما داخله من ~~تعظيمك صرت تتوعده بالصرم وهو دليل كل بلية، وتستعمل الإعراض وهو قائد كل ~~هلكة. # وقد علمت أن عتابك أشد من الصريمة، وأن تأنيبك أغلظ من PageV03P078 ~~العقوبة، وأن منعك إذا منعت في وزن إعطائك إذا أعطيت، وأن عقابك على حسب ~~ثوابك، وأن جزعي من حرمانك في وزن سروري بفوائدك، وأن شين غضبك كزين رضاك، ~~وأن موت ذكري بانقطاع سببي منك ms027 كحياة ذكري مع اتصال سببي بك. # وما لي اليوم عمل أنا إليه أسكن، ولا شفيع أنا به أوثق، من شدة جزعي من ~~عتبك، وإفراط هلعي من خوفك. ولست ممن إذا جاد بالصفح ومن بالعفو لم يكن ~~لصاحبه منه إلا السلامة والنجاة من الهلكة. بل تشفع ذلك بالمراتب الرفيعة، ~~والعطايا الجزيلة، والعز في العشيرة، والهيبة في الخاصة والعامة، مع طيب ~~الذكر وشرف العقب، ومحبة الناس. # وأما ذكرى القد والخرط، والطول والعرض، وما بيننا وبينك في ذلك من ~~التنازع، والتشاجر والتنافر، فإن الكلام قد يكون في لفظ الجد وهو مزاح. # ولو استعمل الناس الدماثة في كل حال، والجد في كل مقال، وتركوا التسمح ~~والتسهيل وعقدوا في كل دقيق وجليل، لكان PageV03P079 ~~الشر صراحا خيرا لهم، والباطل محضا أرد عليهم. ولكن لكل شيء قدر، ولكل ~~حال شكل. فالضحك في موضعه كالبكاء في موضعه، والتبسم في موضعه كالقطوب في ~~موضعه. وكذلك المنع والبذل، والعقاب والعفو، وجميع القبض والبسط. # فإن ذممنا المزاح ففيه لعمري ما يذم، وإن حمدناه ففيه ما يحمد. وفصل ما ~~بينه وبين الجد أن الخطأ إلى المزاح أسرع، وحاله بحال السخف أشبه. فأما أن ~~يذم حتى يكون كالظلم، وينفى حتى يصير كالغدر فلا؛ لأن المزاح مما يكون مرة ~~حسنا ومرة قبيحا. فإذا صرنا إلى الجد، ورغبنا عن الهزل وتركنا المزاح، ~~وجلسنا للحكم، فقد أغناك الله تعالى عن الحجة، كما سلمك من الشبهة، ولم ~~نكلفك الاحتجاج كما نرغب بك من الاعتلال، فأصبحت لا محتجا ولا محجوجا، ولا ~~غفلا ولا موسوما، ولا ملوما ولا معذورا، ولا فيك اختلاف ولا بك حاجة إلى ~~الائتلاف. # وليس مع العيان وحشة، ولا مع الضرورة وجمة، ولا دون اليقين وقفة. PageV03P080 # وهل في تمامك ريب حتى يعالج بالحجة؟ وهل يرد فضلك جاحد حتى يثبت بالبينة. # وهل لك خصم في العلم أو ند في الفهم، أو مجار في الحلم، أو ضد في العزم؟ # وهل يبلغك الحسد أو تضرك العين، أو تسمو إليك المنى أو يطمع فيك طامع، أو ~~يتعاطى شأوك باغ؟ # وهل ms028 غاية الجميل إلا وصفك، وهل زين البليغ إلا مدحك، وهل ~~يأمل الشريف إلا اصطناعك؟ وهل يقدر الملهوف إلا غياثك؟ وهل للطلاب غاية ~~سواك؟ وهل للغواني مثل غيرك؟ وهل للماتح رجز إلا فيك، وهل يحدو الحادي إلا ~~بك؟ # ولولا أن يأخذ الواصف لك بنصيبه منك، وبحصته من الصدق، PageV03P081 ~~وبسهمه من الشكر لك، لكان الإطناب عندهم في وصفك لغوا، ولكان تكلفه فضلا. # ومن هذا الذي يضعه أن يكون دونك، أو يهجى بالتسليم، ولم نعد إقراره ~~إحسانا، وخضوعه إنصافا؟ # وهل تقع الأبصار إلا عليك، وهل تصرف الإشارة إلا ~~إليك؟ # وأي أمرك ليس بغاية، وأي شيء منك ليس في النهاية؟ وهل فيك شيء يفوق ~~شيئا أو يفوقه شيء؟ أو يقال: لو لم يكن كذا لكان أحسن، أو لو كان كذا لكان ~~أتم؟ # وأين الحسن الخالص والجمال الفائق، والملح المحض والحلاوة التي لا ~~تستحيل، والتمام الذي لا يحيل، إلا فيك، أو عندك، أو لك أو معك؟ # لا بل أين ~~الحسن المصمت والجمال المفرد، والقد العجيب، والملح المنثور والفضل ~~المشهور، إلا لك وفيك؟ # وهل على ظهرها جميل حسيب أو عالم أديب إلا وظلك أكبر PageV03P082 ~~من شخصه، وظنك أكثر من علمه، واسمك أفضل من معناه، وحلمك أثبت من نجواه؟ # ولربما رأيت الرجل حسنا جميلا، وحلوا مليحا، وعتيقا رشيقا، وفخما نبيلا، ثم ~~لا يكون موزون الأعضاء ولا معتدل الأجزاء. # وقد تكون أيضا الأقدار متساوية غير متقاربة ولا متفاوتة ويكون قصدا، ~~ومقدارا عدلا، وإن كانت هناك دقائق خفية لا يراها الغبي، ولطائف غامضة لا ~~يعرفها إلا الذكي. # فأما الوزن المتحقق، والتعديل الصحيح، والتركيب الذي لا يفضحه التفرس، ~~ولا يحصره التعنت، ولا يتعلل جادبه، ولا يطمع في التمويه ناعته، فهو الذي ~~خصصت به دون الأنام، ودام لك على الأيام. # وكذا الحسن إذا كان حرا مرسلا، وعتيقا مطلقا، لا يتحكم PageV03P083 ~~عليه الدهر، ولا يذبله الزمان، ولا يحتاج إلى تعليق التمائم، ولا إلى ~~الصون والكن، ولا إلى المنقاش والكحل. # ولو لم يكن لحسن وجهك إلا أنه قد سهل في العيون تسهيلا، وحبب ms029 إلى القلوب ~~تحبيبا، وقرب إلى النفوس تقريبا، حتى امتزج بالأرواح وخالط الدماء، وجرى في ~~العروق وتمشى في العظم بحيث لا يبلغه السمر ولا الوهم، ولا السرور الشديد، ~~ولا الشراب الرقيق، لكان في ذلك المزية الظاهرة، والفضيلة البينة. # ولو لم يكن لك إلا أننا لا نستطيع أن نقول في الجملة، وعند الوصف ~~والمدحة: لهو أحسن من القمر، وأضوأ من الشمس، وأبهى من الغيث، وأحسن من يوم ~~الحلية؛ وأنا لا نستطيع أن نقول في التفاريق: كأن عنقه إبريق فضة، وكأن ~~قدمه لسان حية، وكأن وجهه ماوية، وكأن بطنه قبطية، وكأن ساقه بردية، وكأن ~~لسانه ورقة، وكأن أنفه حد سيف، وكأن حاجبه خط بقلم، وكأن لونه الذهب، وكأن ~~عوارضه البرد، وكأن فاه خاتم، وكأن PageV03P084 ~~جبينه هلال. ولهو أطهر من الماء، وأرق طباعا من الهواء، ولهو أمضى من ~~السيل، وأهدى من النجم لكان في ذلك البرهان النير، والدليل البين. # وكيف لا تكون كذلك وأنت الغاية في كل فضل، والمثل في كل شكل. وأما قول ~~الشاعر: # يزيدك وجهه حسنا %~% إذا ما زدته نظرا # وقول الدمشقيين: ما تأملنا قط تأليف مسجدنا، وتركيب محرابنا وقبة مصلانا ~~إلا أثار لنا التأمل، واستخرج لنا التفرس، غرائب حسن لم نعرفها، وعجائب ~~صنعة لم نقف عليها. وما ندري أجواهر مقطعاته أكرم في الجواهر، أم تنضيد ~~أجزائه في تنضيد الأجزاء؟ فإن ذلك معنى مسروق مني في وصفك، ومأخوذ من كتبي ~~في مدحك. # والجملة التي تنفي الجدال، وتقطع القيل والقال، أني لم أرك قط إلا ذكرت ~~الجنة، ولا رأيت أجمل الناس في عقب رؤيتك! إلا ذكرت النار! # ولا تعجب أيها ~~السامع واعلم أني مقصر. وإذا رأيته علمت أني مقصر. وإذا رأيته علمت أني ~~فيما يجب له مفرط. # هو رجل طينته حرة، وعرقه كريم، ومغرسه طيب، ومنشأه PageV03P085 ~~محمود، غذي في النعمة، وعاش في الغبطة، وأرهقه التأديب، ولطفه طول ~~التفكير، وخامره الأدب، وجرى فيه ماء الحياء. ~~فأفعاله كأخلاقه، وأخلاقه كأعراقه، وعادته كطبيعته، وآخره كأوله، تحكي ~~اختياراته التوفيق، ومذاهبه التسديد. لا يعرف التكلف، ويرغب عن التجوز، ms030 ~~وينبل عن ترك الإنصاف. لا تمتنع عليه معرفة المبهم، ولا يلحج باستبانة ~~المشكل، ولا يعرف الشك إلا في غيره، ولا العي إلا سماعا. # فمن يطمع في عيبك، بل من يطمع في قدرك. وكيف وقد أصبحت وما على ظهرها خود ~~إلا تعثر باسمك، ولا قينة إلا وهي تغنى بمدحك، ولا فتاة إلا تشكو تباريح ~~حبك، ولا محجوبة PageV03P086 ~~إلا وهي تنقب الخروق لممرك، ولا عجوز إلا وهي تدعو لك، ولا غيور إلا وقد ~~شقي بك. # فكم من كبد حرى منضجة، ومصدوعة مفرثة، وكم حشا خافق وقلب هائم، وكم عين ~~ساهرة وأخرى جامدة وأخرى باكية؟ وكم عبرى مولهة وفتاة معذبة، قد أقرح قلبها ~~الحزن، وأجمد عينها الكمد، واستبدلت بالحلي العطلة وبالأنس الوحشة، ~~وبالتكحيل المره، فأصبحت والهة مبهوتة، وهائمة مجهودة، بعد ظرف ناصع، وسن ~~ضاحك؛ وبعد أن كانت نارا تتوقد وشعلة تتوهج. # وليس حسنك - أبقاك الله - الحسن الذي تبقى معه توبة، أو تصح معه عقيدة، ~~أو يدوم معه عهد، أو يثبت معه عزم، PageV03P087 ~~أو يمهل صاحبه للتثبت، أو يتسع للتحير، أو ينهنهه زجر، أو يفيده خوف. هو ~~- أبقاك الله - شيء ينقض العادة، ويفسخ المنة، ويعجل عن الروية، ويطوح ~~بالعزاء، وينسى معه العواقب. # ولو أدركك عمر بن الخطاب لصنع بك أعظم مما صنع بنصر ابن الحجاج، ولركبك ~~بأعظم مما ركب جعدة السلمى. بل لدعاه الشغل بك إلى ترك التشاغل بهما، ~~والغيظ عليك إلى الرحمة لهما. PageV03P088 # فمن كان عيب حسنه الإفراط، والطعن عليه من جهة الزيادة، كيف يرومه عاقل ~~أو ينتقصه عالم. # وما ندري في أي الحالين أنت أجمل، وفي أي المنزلتين أنت أكمل، إذا فرقناك ~~أو إذا جمعناك، وإذا ذكرنا كلك أم إذا تأملنا بعضك؟ # فأما كفك فهي التي لم ~~تخلق إلا للتقبيل والتوقيع، وهي التي يحسن بحسنها كل ما اتصل بها، ويختال ~~بها كل ما صار فيها. # وكما أصبحنا وما ندري: آلكأس التي في يدك أجمل أم القلم، أم الرمح الذي ~~تحمله أم المخصرة، أم العنان الذي تمسكه، أم السوط الذي تعلقه؟ # وكما أصبحنا ms031 ~~وما ندري أي الأمور المتصلة برأسك أحسن، أم أيها أجمل وأشكل: آللمة أم مخط ~~اللحية، أم الإكليل أم العصابة، أم العمامة أم القناع أم القلنسوة؟ # وأما قدمك فهي التي يعلم الجاهل كما يعلم العالم، ويعلم البعيد PageV03P089 ~~الأقصى كما يعلم القريب الأدنى، أنها لم تخلق إلا لمنبر عظيم، أو ركاب ~~طرف كريم. # وأما فوك فهو الذي لا ندري: أي الذي تتفوه به أحسن، وأي الذي يبدو منه ~~أجمل: الحديث أم الشعر، أم الاحتجاج، أم الأمر والنهي، أم التعليم والوصف؟ # وعلى أننا لا ندري أي ألسنتك أبلغ، وأي بيانك أشفى. أقلمك أبلغ أم خطك، أم ~~لفظك؟ أم إشارتك أم عقدك؟ وأنت في ذلك فوقهم - والحمد لله - وواحدهم، ~~وأعيذك بالله تعالى. # وقد علمنا أن القمر، وهو الذي يضرب به الأمثال، ويشبه به أهل الجمال، ~~يبدو مع ذلك ضئيلا ونضوا، ويظهر معوجا شختا وأنت أبدا قمر بدر، وفخم غمر. # ثم مع ذلك يخرق في السرار، ويتشاءم به في المحاق، ويكون نحسا كما يكون ~~سعدا، ويكون ضرا كما يكون نفعا، ويقرض PageV03P090 ~~الكتان، ويشحب الألوان، ويخم فيه اللحم. وأنت دائم اليمن، ظاهر السعادة، ~~ثابت الكمال، شائع النفع، تكسو من أعراه، وتكن من أشحبه. # وعلى أنه محق حسنه المحاق، وشانه الكلف، وليس بذي توقد واشتعال، ولا خالص ~~ولا متلألىء، ويعلوه برد ويكسفه ظل، ثم لا يعتبر ذلك إلا عند كماله، وليلة ~~فخره واحتفاله. # وكثيرا ما يعتريه الصفار من بخار البحار. وأنت ظاهر التمام، دائم الكمال، ~~سليم الجوهر، كريم العنصر، ناري التوقد، هوائي الذهن بري اللون، روحاني ~~البدن. # وإن احتجوا عليك له بالجزر والمد، احتججت عليهم بالحلم والعلم، وبأن ~~طاعتك اختيار، وطاعته طباع واضطرار، وبأن له سيرة PageV03P091 ~~قد قصر عليها، ومنازل لا يجاوزها، ولا يمكنه البدوات، وليس في قواه فضل ~~للتصرف. # على أن ضياءه مستعار من الشمس، وضياؤك عارية عند جميع الخلق. وكم بين ~~المعير والمستعير، والمتبين والمتحير، وبين العالم وما لا خير فيه. # تعير نسيم الهواء طيبا، وتراب الأرض عبقا. # إن تفتيت فالرشاقة والملح، وإن تنسكت فالرهبانية ms032 والإخلاص، وإن ترزنت ~~فثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل. # وطباعك - جعلت فداءك - طباع الخمر، إلا أنك حلال كلك. وجوهرك جوهر الذهب ~~إلا أنك روح كما أنت. وقد حويت خصال الياقوت إلا ما زادك الله، وأخذت خصال ~~المشتري إلا ما فضلك الله به، وجمعت خلال الدر إلا ما خصصت به دونه. فلك من ~~كل PageV03P092 ~~شيء صفوته وشرفه، ولبابه وبهاؤه. وهل يضير القمر نباح الكلب، وهل يزعزع ~~النخلة سقوط البعوضة؟ ! # فأما القول في المزاح فقد بقي أكثره ومضى أقله. # وقد ذهب الناس في المزاح في مذاهب متضادة، وسلكوا منه في طرق مختلفة، ~~فزعم بعضهم أن جميع المزاح خير من جميع الجد، وزعم آخرون أن الخير والشر ~~عليهما مقسومان، وأن الحمد والذم بينهما نصفان. # وسنأتي على جمل هذه الأقاويل، ثم نذكر جملة ما نقول إن شاء الله. # فأما المحامي عن الهزل والمفضل للمزح فإنه قال: # أول ما أذكر من خصال ~~الهزل، ومن فضائل المزح، أنه دليل على حسن الحال وفراغ البال، وأن الجد لا ~~يكون إلا من فضل الحاجة، والمزح لا يكون إلا من فضل الغنى، وأن الجد نصب، ~~والمزح جمام، والجد مبغضة والمزح محبة. وصاحب الجد في بلاء ما كان فيه، ~~وصاحب المزح في رخاء إلى أن يخرج منه. PageV03P093 # والجد مؤلم وربما عرضك لأشد منه، والمزح ملذ وربما عرضك لألذ منه. فقد ~~شاركه في التعريض للخير والشر، وباينه بتعجيل الخير دون الشر. # وإنما تشاغل الناس ليفرغوا، وجدوا ليهزلوا، كما تذللوا ليعزوا، وكدوا ~~ليستريحوا، وإن كان المزاح إنما صار معيبا، والهزل مذموما، لأن صاحبه لا ~~يكون إلا معرضا لمجاوزة الحد، ومخاطرا بمودة الصديق. # فالجد داعية إلى الإفراط، كما أن المزاح داعية إلى مجاوزة القدر والتجاوز ~~للجد قاطع بين الفريقين في جميع النوعين. # فقد ساواه المزح فيما هو له وباينه فيما ليس له. وإن كان المزح إنما صار ~~قبيحا لأن الذي يكون بعده جد، ولم يصر الجد قبيحا لأن الذي يكون بعده مزح، ~~وكان الجد في هذا الوزن أقبح، وكان المزح على هذا التقدير أحسن، ms033 لأن ما جعل ~~الشيء قبيحا أقبح من الشيء، كما أن ما جعل الشيء حسنا أحسن من الشيء. # فأما الذي عدل بينهما فإنه زعم أن المزاح في موضعه، كالجد في موضعه، كما ~~أن المنع في حقه كالبذل في حقه. PageV03P094 # دقال: ولكل شيء موضع، وليس شيء يصلح في كل موضع. ~~وقد قسم الله تعالى الخيرة على المعدلة، وأجرى جميع الأمور إلى غاية ~~المصلحة، وقسط أجزاء المثوبة على العزيمة والرخصة وعلى الإعلان والتقية، ~~وأمر بالمداراة كما أمر بالمباداة، وجوز المعاريض كما أمر بالإفصاح، وسوغ ~~المباح كما شدد أمر المفروض، وجعل المباح جماما للقلوب، وراحة للأبدان، ~~وعونا على معاودة الأعمال، فصار الإطلاق كالحظر، والصبر كالشكر. # فليس للإنسان من الخيرة في الذكر شيء إلا وله في النسيان مثله، ولا في ~~الفطنة شيء إلا وله في الغفلة مثله، ولا في السراء إلا وله في الضراء مثله. # ولو لم يرزق الله تعالى العباد إلا بالصواب محضا، وبالصدق بحتا، وبمر ~~الحق صفحا، لهلكت العوام، ولانتقض أمر الخاص. PageV03P095 # ولو ذكر الإنسان كل ما أنسيه لشقي، ولو جد في كل شيء لانتكث. # وقد يكون الذكر إلى الهلكة سلما كما يكون النسيان للسلامة سببا. وسبيل ~~المزاح والجد كسبيل المنع والبذل. وعلى ذلك يجري جميع القبض والبسط. # فهذا وما قبله جمل أقاويل القوم. # ونحن نعوذ بالله أن نجعل المزاح في الجملة كالجد في الجملة، بل نزعم أن ~~بعض المزح خير من بعض الجد، وعامة الجد خير من عامة الهزل. والحق أن ينضح ~~عن بعض المزح، ويحتج لجمهور الجد. وكيف لنا بذم جميع المزح مع ما نحن ~~ذاكرون. # وقد مزح رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يقال: كان فيه مزاح، ولا يقال ~~مزاح. وكذا الأئمة ومن تبذل في بعض الحالات من أهل الحلم والوقار. # وقال عمر رضوان الله تعالى عليه: " إنا إذا خلونا كنا كأحدكم ". # وقد كان عمر عبوسا قطوبا. PageV03P096 # وكان زياد مع كلوحه وقطوبه، يمازح أهله في الخلا كما يجد في الملا. # وكان الحجاج مع عتوه وطغيانه، وتمرده وشدة سلطانه، يمازح ms034 أزواجه ويرقص ~~صبيانه. وقال له قائل: أيمازح الأمير أهله؟ قال: " والله إن تروني إلا ~~شيطانا؟ والله لربما رأيتني وإني لأقبل رجل إحداهن! ". # فقد ذكرنا خير العالمين، وجلة من خيار المسلمين، وجبارا عنيدا، وكافرا ~~لعينا. # وبعد فمن حرم المزاح وهو شعبة من شعب السهولة، وفرع من فروع الطلاقة. وقد ~~أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، ولم يأتنا بالانقباض ~~والقسوة، وأمرنا بإفشاء السلام، والبشر عند الملاقاة، وأمرنا بالتوادد ~~والتصافح والتهادي. ### || فصل # قد اعتذرنا في معصيتك والخلاف على محبتك مرة بالمزاح، ومرة بالنسيان، ~~ومرة بالاتكال على عفوك وعلى ما هو أولى بك. PageV03P097 ~~والجملة أنا لو تعمدنا ثم أصررنا ثم أنكرنا، لكان في فضلك ما يتغمدنا، ~~وفي كرمك ما يوجب التغافل عنا. فكيف وإنما سهونا ثم تذكرنا، واعتذرنا ثم ~~أطنبنا. # فإن تقبل، فحظك أصبت، ولنفسك نظرت. وإن لم تقبل فاجهد جهدك، ولا أبقى ~~الله عليك إن أبقيت، ولا عفا عنك إن عفوت. وأقول كما قال أخو بني منقر: # فما بقيا علي تركتماني %~% ولكن خفتما صرد النبال # والله لئن رميتني ببجيلة لأرمينك بكنانة، ولئن نهضت بصالح بن علي لأنهضن ~~بإسماعيل بن علي، ولئن صلت علي بسليمان بن وهب لأدمغنك بالحسن بن وهب، ولئن ~~تهت علي بمنادمة جعفر الخياط PageV03P098 ~~لأتيهن عليك بحسبة وهب الدلال. # وأنا أرى لك أن تقبل العافية، وترغب إلى الله تعالى في السلامة. واحذر ~~البغي فإن مصرعه وخيم، واتق الظلم فإن مرعاه وبيل. # وإياك أن تتعرض لجرير إذا هجا، وللفرزدق إذا فخر، ولهرثمة إذا دبر، ولقيس ~~بن زهير إذا مكر، وللأغلب إذا كر، ولطاهر إذا صال. ومن عرف قدره عرف قدر ~~خصمه، ومن جهل نفسه لم يعرف قدر غيره. # وعليك بالجادة ودع البنيات فإن ذلك أمثل لك. PageV03P099 # وأنت - والله يا أخي - تعلم علم الاضطرار وعلم الاختيار وعلم الأخبار، ~~أني أظهر منك حربا، وألطف كيدا، وأكثر علما، وأوزن حلما، وأخف روحا، وأكرم ~~عينا، وأقل غثا وأحسن قدا وأبعد غورا، وأجمل وجها، وأنصع ظرفا. وأكثر ملحا، ~~وأنطق لسانا وأحسن بيانا، وأجهر جهارة، ms035 وأحسن شارة. # وأنت رجل تشدو من العلم، وتنتف من الأخبار، وتموه نفسك، وتعز من قدرك، ~~وتتهيأ بالثياب، وتتنبل بالمراكب، وتتحبب بحسن اللقاء، ليس عندك إلا ذاك. ~~فلم تزاحم البحر بالجداول، والأجسام بالأعراض، وما لا يتناهى بالجزء الذي ~~لا يتجزأ. # فأما الباد والقامة، فمن يعدل بين القناة والكرة، ومن يميل بين النخلة ~~والدقل، وبين رحى الطحان وبين سيف يمان. وإنما يكون التمييل بين أتم ~~الخيرين وأنقص الشرين، وبين المتقاربين PageV03P100 ~~دون المتفاوتين. فأما الخل والعسل، والحصاة والجبل، والسم والغذاء، ~~والفقر والغنى، فهذا مما لا يخطأ فيه الذهن ولا يكذب فيه الحس. # والخطأ ثلاث: خطأ الحس، وخطأ الوهم، وخطأ الرأي. كل ذلك سبيله التنبيه ~~والتذكير، والتقويم والتأنيب. # والعمد نوع واحد، وسبيله القمع والحظر، والضرب والقتل. وأول ذلك أن يهجره ~~صاحب الحكمة، ولا يطمعه في وعظ ولا مجالسة. # وقد رأيت من يعاند الحق إذا كانت المعرفة عيانا. وأنت لا ترضى بجحد ~~العيان حتى تدعو إليه، ولا ترضى بالدعاء إليه حتى تعادي فيه، ولا ترضى ~~بالعداوة حتى يكون لك في ذلك الرياسة، ولا ترضى بالرياسة دون السابقة، ولا ~~بالطارف دون التالد، ولا بالتالد دون الأعراق التي تسري، والمواليد التي ~~تنمي. ولا ترضى بأن يكون أولا حتى تكون آخرا، ولا بالمداراة دون المباداة، PageV03P101 ~~ولا بالجدال دون القتال. وحتى ترى أن التقية حرام وأن التقصير كفر. # وحتى لو كنت إمام الرافضة لقتلت في طرفة ولو قتلت في طرفة لهلكت الأمة، ~~لأنك رجل لا عقب لك. والإمامة اليوم لا تصلح في الإخوة، واو صلحت في الإخوة ~~كانت تصلح في ابن العم، ثم دنت من الأرحام شيئا فصارت لا تصلح إلا في ~~الولد. وفي هذا القياس أنها بعد أعوام لا تصلح إلا ببقاء الإمام نفسه إلى ~~آخر الأبد. وهذا هو علة أصحاب التناسخ. وأنت رافضي ولم يكن هذا عندك. # فأهد إلي الآن من خالص التوتيا كما أهديت إليك باب التناسخ. # وأنت ترى القتل في حق المعاندة شهادة، وترى أن مباينة PageV03P102 ~~المنصفين في تعظيم العنود سعادة، وأن الرياسة في دفع ms036 الحقائق مرتبة، وأن ~~الإقرار بما يظهر للعيون ضعة، وأن الشهرة بالمغالبة رفعة. # أظهر القوم عندك حجة أرفعهم صوتا، وأخلقهم للتوبة أصلبهم وجها، وأحسنهم ~~تقية أقلهم تحرجا، وأحسنهم إنصافا أشدهم شغبا. # تعشق المتهور، وتكلف بالجموح، وتصافي الوقاح. والأديب عندك من يعيب ~~أحاديث الجلساء، واعترض على نوادر الإخوان، وغمز في قفا النديم، ونصب ~~للعالم، وأبغض العاقل، واستثقل الظريف، وحسد على كل نعمة، وأنكر كل حقيقة. # جعلت فداك. إنما أخرجك من شيء إلى شيء، وأورد عليك الباب بعد الباب، لأن ~~من شأن الناس ملالة الكثير، واستثقال الطويل وإن كثرت محاسنه وجمت فوائده. ~~وإنما أردت أن يكون استطرافك للآتي قبل أن ينقضي استطرافك للماضي؛ ولأنك ~~متى PageV03P103 ~~كنت للشيء متوقعا، وله منتظرا، كان أحظى لما يرد عليك، وأشهى لما يهدى ~~إليك. وكل منتظر معظم، وكل مأمول مكرم. # كل ذلك رغبة في الفائدة، وصبابة بالعلم، وكلفا بالاقتباس، وشحا على نصيبي ~~منك، وضنا بما أؤمله عندك، ومداراة لطباعك، واستزادة من نشاطك. ولأنك على ~~كل حال بشر، ولأنك متناهي القوة مدبر. ### || فصل # والعقل - حفظك الله - أطول رقدة من العين، وأحوج إلى الشحذ من السيف، ~~وأفقر إلى التعاهد، وأسرع إلى التغير، وأدواؤه أقتل، وأطباؤه أقل. فمن ~~تداركه قبل التفاقم أدرك أكثر حاجته، ومن رامه بعد التفاقم لم يدرك شيئا من ~~حاجته. # ومن أكبر أسباب العلم كثرة الخواطر، ثم معرفة وجوه المطالب. ثم في ~~الخواطر الغث والسمين، والفاسد والصحيح، والمسرع إليك والبطيء عنك، والدقيق ~~الذي لا يكاد يفهم، والجليل الذي لا يلقى الفهم. ثم هي على طبقاتها في ~~التقديم والتأخير، وعلى منازلها في التباين والتمييز. PageV03P104 # وللمطالب طرق، ولدرك الحقائق أبواب؛ فمن أخطأها وانتظر كان أسوأ حالا ممن ~~لم يخطئها ولم ينتظر. وعلى قدر صحة العقل يصح الخاطر، وعلى قدر التفرغ يكون ~~التنبه. # هذا جماع هذا الكتاب وجمهرته، وأقسامه وجملته. # ثم من نفع أسبابه الحفظ لما قد حصل، والتقييد لما ورد، والانتظار لما لم ~~يرد، وأن لا تخلي نفسك من الفكرة إلا بقدر جمام الطبيعة، وأن تعلم أن مكان ~~الدرس من ms037 الحفظ كمكان الحفظ من العلم، وأن تعرف فصل ما بين طلب العلم ~~للمنافسة والشهرة، وبين طلبه للرغبة والرهبة، وتعلم أن العلم لا يجود ~~بمكنونه، ولا يسمح بسره ومخزونه، إلا لمن رغب فيه لكرم عنصره، وفضله لحقيقة ~~جوهره، ورفعه عن التكسب، وصانه عن التبذل. وأنه لا يعطيك خالص الحكمة حتى ~~تعطيه خالص المحبة. كان يقال: " من شاب شيب له ". # وخصلة ينبغي أن تعرفها وتقف عندها، وهو أن تبدأ من العلم PageV03P105 ~~بالمهم، وتختار من صنوفه ما أنت أنشط له، والطبيعة به أعنى؛ فإن القبول ~~على قدر النشاط، والبلوغ فيه على قدر العناية. # ثم من أفضل أسبابه تخليص أخلاقه، وتمييز أجناسه، والمعرفة بأقداره، حتى ~~تعطي كل معنى حقه من التقريب والرفعة، وقسطه من الإبعاد والضعة، حتى لا ~~تتشاغل إلا بالسمين الثمين، وبالخطير النفيس، ولا تلقي إلا الغث الخسيس، ~~والحقير السخيف. فإنك متى كنت كذلك لم تعتبر فضل ما بين النظرين، ولا صرف ~~ما بين النعتين. # الكيس كل الكيس، والحذق كل الحذق: أن لا تعجل ولا تبطىء، وأن تعلم أن ~~السرعة غير العجلة، وأن الأناة خلاف الإبطاء. وأن تكون على يقين من درك ~~الحق إذا وفيته شرطه، وعلى ثقة من ثواب النظر إذا أعطيته حقه. # هذا جملة ما للعذر في هذه المسألة، وجملة الحجة فيما قدمنا من الافتنان ~~والإطالة. فإن كنا أصبنا فالصواب أردنا، وإن كنا أخطأنا فما ذاك عن فساد من ~~الضمير، ولا قلة احتفال بالتقصير. ولعل طبيعة PageV03P106 ~~خانت، أو لعل عادة جذبت، أو لعل سهوا اعترض، أو لعل شغلا منع. # خفض عليك أيها السامع، فإن الخطأ كثير عام، وغالب مستول، والصواب قليل ~~خاص، ومقموع مستخف. # فوجه اللائمة إلى أهلها، وألزمها من هو أحق بها، فإنهم كثير ومكانهم ~~مشهور. # اعجب من الصواب لا تعجب من الخطأ. اعجب من أن العجب قد ذهب. اعجب ممن ~~تعجب وفيه العجب أعجب. وكيف التعجب والأمور كلها عجب؟ ! # كنت أتعجب من كل ~~فعل خرج من العادة، فلما خرجت الأفعال بأسرها من العادة صارت بأسرها عجبا، ~~فبدخول كلها في ms038 باب العجب خرجت بأجملها من باب العجب. # وقد ذكر الله تعالى ذكره التعجب في كتابه جل جلاله. وقد تعجب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعلى آله في زمانه، وفي الناس PageV03P107 ~~يومئذ الناقص والوافر، والمشوب والخالص، والمستقيم والمعوج. وقال الله ~~تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: " وإن تعجب فعجب قولهم "، وقال له: ~~" بل عجبت ويسخرون ". # واعلم أنه لم يبق من المتعجب الفاتك إلا نصيب اللسان، ولا من المستمع ~~الفاتك إلا حصة السمع. فأما القلوب فخاوية قاسية، وراكدة خامدة، لا تسمع ~~داعيا ولا تجيب سائلا، قد أغفلها سوء العادة، واستولى عليها سلطان السكرة. # فدع عنك ما لست مثله، فإن فيما أورده عليك شغلا شاغلا، وهما داخلا. # اعلم أن الله تعالى قد مسخ الدنيا بحذافيرها، وسلخها من جميع معانيها. ~~ولو مسخها كما مسخ بعض المشركين قردة، أو كما مسخ بعض الأمم خنازير، لكان ~~قد بقى بعض أمورها، وحبس عليها بعض أعراضها، كبقية ما مع القرد في ظاهره من ~~شبه الآدمي، وبقية ما مع الخنزير PageV03P108 ~~في باطنه من شبه البشري. لكنه جل ذكره مسخ الدنيا مسخا متتبعا، ومستقصى ~~مستفرغا، فبين حاليها جميع التضاد، وبين معنييها غاية الخلاف. # فالصواب اليوم غريب، وصاحبه مجهول. والعجب ممن يصيب وهو مغمور، ويقول وهو ~~ممنوع، فإن صرت عليه عونا مع الزمان قتلته، وإن أمسكت عنه فقد وفرته. # ولسنا نريد منك النصرة ولا المعونة، ولا التأنيس ولا التعزية. وكيف أطلب ~~منك ما قد انقطع سببه، واجتث أصله. وقد كان يقال: " من طلب عيبا وجده ". # هذا في الدهر الصالح دون الفاسد. فإن أنصفت فقد أغربت، وإن جرت فلم تعد ~~ما عليه الزمان. # وهب الله لنا ولك الإنصاف، وأعاذنا وإياك من الظلم. والحمد لله كما هو ~~أهله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وصلى الله على سيدنا محمد خاصة، وعلى أنبيائه عامة، وسلم. PageV03P109 ### | 4- من رسالته في مدح النبيذ وصفة أصحابه إلى الحسن بن وهب PageV03P111 ### || فصل من صدر رسالته إلى الحسن بن وهب في مدح النبيذ وصفة أصحابه # أنا ms039 - أبقاك الله - الطالب المشغول، والقائل المعذور، فإن رأيت خطأ فلا ~~تنكر فإني بصدده وبعرض منه، بل في الحال التي توجبه، والسبب الذي يؤدي ~~إليه. وإن سمعت تسديدا فهو الغريب الذي لا نجده. اللهم إلا أن يكون من بركة ~~مكاتبتك، ويمن مطالبتك. ولأن ذكرك يشحذ الذهن، ويصورك في الوهم، ويجلو ~~العقل؛ وتأميلك ينفي الشغل. # ولا يعجبني ما رأيت من قلة إطنابك في هذا النبيذ، وقلة تلهيك بهذا الشراب ~~وأنت تجد من فضل القول وحسن الوصف ما لا يصاب عند خطيب، ولا يوجد عند بليغ. ~~وأنت ولو مشيت الخيلاء، وحقرت العظماء، وأرغبت الشعراء، وأعطيت الخطباء، ~~ليكون القول منهم موصولا غير مقطوع، ومبسوطا غير مقصور، لكنت بعد مقصرا في ~~أمره، مفرطا في واجب حقه. فلا تأديب الله قبلت، ولا قول الناصح سمعت. PageV03P113 # قال الله تبارك وتعالى: " وأما بنعمة ربك فحدث ". وقال الأول: " استدم ~~النعمة بإظهارها، واستزد الواهب بإدامة شكره ". # بل كيف أنست بالجلساء، وأرسلت إلى الأطباء ولم يكن في قربك منه ما يغنيك، ~~وفي النظر إليه ما يشفيك؟ ولم ملكت نفسك دون أن تهذي، ولم رأيت الوقار ~~مروءة قبل أن تستخف ولم كان الهذيان هو الهذيان، والسخف هو المروءة، ~~والتناقض هو الصحة وإلا بأي شيء خصصت، وبأي معنى أتيت، ولم لم تخلع فيه ~~العذار، ولم تخرج فيه عن كل مقدار. # وأي شيء أجرب جلدك وأمات حالك، وأضعف مسرتك، وأوحش منك رفيقك، إلا ~~العقوبة المحضة، وإلا الغضب والعقاب، وحرمك الثواب إلا التهاون في أمره، ~~وقلة الرعاية لحقه. # وكيف صارت أمراضي أمراض الأغنياء وأمراضك أمراض الفقراء إلا لمعرفتي ~~بفضله، واستخفافك بقدره. ألا ترى أني منقرس مفلوج، وأنت أجرب مبسور. PageV03P114 # فإن تبت فما أقرب الفرج، وأسرع الإجابة. وسنفرغ لك إن شاء الله قريبا، ~~وتفلح سريعا. # وإن أصررت وتتايعت وتماديت أتاك والله من سفلة الأدواء، وزوي عنك من علية ~~الأمراض، ما يضعك موضعا لا ارتفاع معه، ويلزق بعقبك عارا لا زوال له. ثم ~~تتبع أشياخك السبة، وتتبعهم المذمة. # علم الله أنه استظرفك واستملحك، واستحسن قدك، واسترجح عقلك، ms040 وأحسن بك ~~ظنا، ورآك لنفسه أهلا، ولاتخاذه موضعا، وللأنس به مكانا، وأنت لاه عنه زار ~~عليه، متهاون به، قد أقبلت على ديوانك تشغل بملازمته، وتدع ما يجب عليك من ~~صفاته، والدعاء إلى تعظيمه. بل هل كنت من شيعته والذابين عن دولته، ~~والمعروفين بالانقطاع إليه، والانبتات في حبله، إلا أن يكون عندك التقصير ~~لحقه، والتهاون بأمره اللازم، ونهي الناس عنه. # ول خرجت إلى هذا لخرجت من جميع الأخلاق المحمودة، والأفعال المرضية. ~~وأحسب أنك لا تعظمه ولا ترق له. ولو لم تتعصب إلا لجماله وحسنه، ولو لم ~~تحافظ على نقائه وعتقه لكان ذلك واجبا، وأمرا معروفا. فكيف مع المناسبة ~~التي بينكما، والشكل الذي يجمعكما. فإن كان بعضك لا يصون بعضا وأنت لا تعظم ~~شقيقا، فأنت والله من حفظ العشيرة أبعد، ولمعرفة الصديق أنكر. # ولقد نعيت إلي لبك، وأثكلتني حفاظك، وأفسدت عندي كل PageV03P115 ~~صحيح. وقد كان يقال: " لا يزال الناس بخير ما تعجبوا من العجب " قال ~~الشاعر: # وهلك الفتى أن لا يراح إلى الندى %~% وأن لا يرى شيئا عجيبا فيعجب # قال بكر بن عبد الله المزني: " كنا نتعجب من دهر لا يتعجب أهله من العجب ~~فقد صرنا في دهر لا يستحسن أهله الحسن. ومن لا يستحسن الحسن لم يستقبح ~~القبيح ". # وقال بعضهم: " العجب ترك التعجب من العجب ". # ولم أقل ذلك إلا لأن تكون به ضنينا، وبما يجب له عارفا. ولكنك لم توفر ~~حقه ولم توف نصيبه. # فإن قلت: ومن يقضي واجب حقه، وينتهض بجميع شكره؟ قلنا: فهل أعذرت في ~~الاجتهاد حتى لا يذم إلا تعجبك، وهل استغرقت الاعتذار حتى لا تعاب إلا بما ~~زاد على قوتك. ولولا أنك عين الجواد لم نطلبه منك. ولولا ظنك لم نحمدك ~~عليه. ولولا معرفتك PageV03P116 ~~بفضله لم نعجب من تقصيرك في حقه، ولولا أن الخطأ فيك أقبح، والقبيح منك ~~أسمج، وهو فيك أبين والناس به أكلف، والعيون إليه أسرع لكان كتابنا كتاب ~~مطالبة، ولم يكن كتاب معاتبة، ولشغلنا الحلم لك عن الحلم عليك، والقول لك ~~عن القول فيك. ms041 # وقد كنت أهابك بفضل هيبتي لك، وأجترىء عليك بفضل بسطك لي، فمنعني حرص ~~الممنوع، وخوف المشفق، وأمن الواثق، وقناعة الراضي. # وبعد فمن طلب ما لا يجاد به، وسأل ما لا يوهب مثله ممن يجود بكل ثمين، ~~ويهب كل خطير، فواجب أن يكون من الرد مشفقا، وبالنجح موقنا. # وإن كان - أبقاك الله - أهلا لأن يمنع، وكنت حفظك الله أهلا أن تبذل، وجب ~~أن تكون باذلا مانعا، وساكنا مطمئنا، إلا أن يكون الحرب سلما سجالا، ~~والحالات دولا. # ولهذه الخصال ما وقع الطلب، وشاع الطمع. # فإن منعت فعذرك مبسوط عند من عرف قدره، وإن بذلت فلم تعد الذي أنت أهله ~~عند من عرف قدرك، إلا أنه لا يجود بمثله إلا غني عند جميع الناس، أو عاقل ~~فوق جميع الناس. # وكيف لا أطلب طلب الجريء المتهور، وأمسك إمساك الهائب PageV03P117 ~~الموقر. وليس في الأرض خلق يغتفر في وصفه المحال ولا يستحسن الهذيان ~~سواه؟ ! # على أن من الهذيان ما يكون مفهوما، ومن المحال ما يكون مسموعا. # فمن جهل ذلك ولم يعرفه، وقصر ولم يبلغه، فليسمع كلام اللهفان والثكلان، ~~والغضبان والغيران، ومرقصة الصبيان، والمنعظ إذا دنا منه الحلقي. # حتى إذا استوهبك لم تهب له منه حتى تقف وقفة، وتطرق ساعة، ثم تستحسن ~~وتستشير، ثم تشفع على مستوهبه، وتعجب من شاربه، ثم تطيل الكتاب بالامتنان، ~~وتسطر فيه بتعظيم الإنعام مع ذكر مناقبه، ونشر محاسنه بقدر الطاقة. وإن لم ~~تبلغ الغاية فاعرف وزنه، واشهد بطيبه، وأرخ ساعته، واشهر في الناس يومه. # وما ظنك بشيء لا تقدر أن تشرد في ذكره وتفرط في مدحه، PageV03P118 ~~وتقصيرك واضح في لونه، مكتوب في طعمه، موجود في رائحته، إذ كان كل ممدوح ~~يقصر عن مدحه وقدره، ويصغر في جنبه. # ولو لم يستدل على سعادة جدك، وإقبال أمرك، وأن لك زي صدق في المعلوم، ~~وحظا في الرزق المقسوم، وأنك ممن تبقى نعمه، ويدوم شكره، ويفهم النعمة ~~ويربها، ويدرأ عنها ويستديمها، إلا أنه وقع في قسمك، وكان في نصيبك لكان ~~ذلك أعظم البرهان، وأوضح الدلالة. # بل ms042 لا نقول: إنه وقع اتفاقا وغرسا نادرا، حتى يكون التوفيق هو الذي قصد ~~به، والصنع هو الذي دل عليه. # ولو لم تملك غيره لكنت غنيا، ولو ملكت كل شيء سواه لكنت فقيرا. وكيف لا ~~يكون كذلك وهو مستراح قلبك، ومجال عقلك، ومرتع عينك، وموضع أنسك، ومستنبط ~~لذتك، وينبوع سرورك، ومصباحك في الظلام، وشعارك من جميع الأقسام. # وكيف وقد جمع أهبة الجلال، ورشاقة الخلال، ووقار البهاء، PageV03P119 ~~وشرف الخير، وعز المجاهرة ولذة الاختلاس، وحلاوة الدبيب. # وسأصف لك شرف النبيذ في نفسه، وفضيلته على غيره، ثم أصف فضل شرابك على ~~سائر الأشربة، كما أصف فضل النبيذ على سائر الأنبذة؛ لأن النبيذ إذا تمشى ~~في عظامك، والتبس بأجزائك، ودب في جنانك، منحك صدق الحس، وفراغ النفس، ~~وجعلك رخي البال، خلي الذرع، قليل الشواغل، قرير العين، واسع الصدر، فسيح ~~الهمم حسن الظن. ثم سد عليك أبواب التهم، وحسن دونك الظن وخواطر الفهم، ~~وكفاك مئونة الحراسة، وألم الشفقة، وخوف الحدثان، وذل الطمع وكد الطلب، وكل ~~ما اعترض على السرور وأفسد اللذة، وقاسم الشهوة، وأخل بالنعمة. # وهو الذي يرد الشيوخ في طبائع الشبان، ويرد الشبان في نشاط الصبيان، وليس ~~يخاف شاربه إلا مجاوزة السرور إلى الأشر، ومجاوزة الأشر إلى البطر. PageV03P120 # ولو لم يكن من أياديه ومننه، ومن جميل آلائه ونعمه، إلا أنك ما دمت تمزجه ~~بروحك، وتزاوج بينه وبين دمك فقد أعفاك من الجد ونصبه، وحبب إليك المزاح ~~والفكاهة، وبغض إليك الاستقصاء والمحاولة، وأزال عنك تعقد الحشمة وكد ~~المروءة، وصار يومه جمالا لأيام الفكرة، وتسهيلا لمعاودة الروية، لكان في ~~ذلك ما يوجب الشكر، ويطيب الذكر. مع أن جميع ما وصفناه وأخبرنا به عنه يقوم ~~بأيسر الجرم، وأقل الثمن. # ثم يعطيك في السفر ما يعطيك في الحضر، وسواء عليك البساتين والجنان. ~~ويصلح بالليل كما يصلح بالنهار، ويطيب في الصحو كما يطيب بالدجن، ويلذ في ~~الصيف كما يلذ في الشتاء، ويجري مع كل حال. وكل شيء سواه فإنما يصلح في بعض ~~الأحوال. # ويدفع مضرة الخمار، كما يجلب منفعة السرور. ms043 # إن كنت جذلا كان بارا بك، وإن كنت ذا هم نفاه عنك. # وما الغيث في الحرث بأنفع منه في البدن، وما الريش السخام بأدفأ منه ~~للمقرور. PageV03P121 # ويستمرأ به الغذاء ويدفع به ثقل الماء، ويعالج به الأدواء، ويحمر به ~~الوجنتان، ويعدل به قضاء الدين. # إن انفردت به ألهاك، وإن نادمت به سواك. # ثم هو أصنع للسرور من زلزل، وأشد إطرابا من مخارق، وقدر احتياجهما إليه ~~كقدر استغنائه عنهما؛ لأنه أصل اللذات وهي فرعه، وأول السرور ونتاجه. # ولله در أول من عمله وصنعه، وسقيا لمن استنبطه وأظهره. ماذا دبر؟ وعلى أي ~~شيء دل؟ وبأي معنى أنعم؟ وأي دفين أثار؟ وأي كنز استخرج. # ومن استغناء النبيذ بنفسه، وقلة احتياجه إلى غيره، أن جميع ما سواه من ~~الشراب يصلحه الثلج، ولا يطيب إلا به. # وأول ما يثنى عليه به، ويذكر منه، أنه كريم الجوهر، شريف النفس، رفيع ~~القدر، بعيد الهم. وكذلك طبيعته المعروفة وسجيته الموصوفة. وأنه يسر النفوس ~~ويحبب إليها الجود، ويزين لها الإحسان، ويرغبها في التوسع، ويورثها الغنى، ~~وينفي عنها الفقر، PageV03P122 ~~ويملؤها عزا، ويعدها خيرا، ويحسن المسارة، ويصير به النبت خصبا والجناب ~~مريعا، ومأهولا معشبا. # وليس شيء من المأكول والمشروب أجمع للظرفاء، ولا أشد تألفا للأدباء، ولا ~~أجلب للمؤنسين، ولا أدعى إلى خلاف الممتعين، ولا أجدر أن يستدام به حديثهم ~~ويخرج مكنونهم، ويطول به مجلسهم، منه. # وإن كل شراب وإن كان حلا ورق، وصفا ودق، وطاب وعذب، وبرد ونقخ، فإن ~~استطابتك لأول جرعة منه أكثر، ويكون من طبائعك أوقع. ثم لا يزال في نقصان ~~إلى أن يعود مكروها وبلية، إلا النبيذ، فإن القدح الثاني أسهل من الأول، ~~والثالث أيسر، والرابع ألذ، والخامس أسلس، والسادس أطرب، إلى أن يسلمك إلى ~~النوم الذي هو حياتك، أو أحد أقواتك. ولا خير فيه إذا كان إسكاره تغلبا، ~~وأخذه بالرأس تعسفا، حتى يميت الحس PageV03P123 ~~بحدته، ويصرع الشارب بسورته، ويورث البهر بكظته، ولا يسري في العروق ~~لغلظه، ولا يجري في البدن لركوده، ولا يدخل في العمق ولا يدخل الصميم. ms044 # ولا والله حتى يغازل العقل ويعارضه، ويدغدغه ويخادعه، فيسره ثم يهزه، ~~فإذا امتلأسرورا وعاد ملكا محبورا، خاتله السكر وراوغه، وداراه وما كره، ~~وهازله وغانجه. وليس كما يغتصب السكر، ويعتسف الداذي، ويفترس الزبيب؛ ولكن ~~بالتفتير والغمز، والحيلة والختل، وتحبيب النوم، وتزيين الصمت. # وهذه صفة شرابك إلا ما لا نحيط به، ونعوته تتبدل إلا ما يقبح منها الجهل ~~به. # وخير الأشربة ما جمع المحمود من خصالها وخصال غيرها. وشرابك هذا قد أخذ ~~من الخمر دبيبها في المفاصل، وتمشيها في العظام ولونها الغريب؛ وأخذ برد ~~الماء ورقة الهواء، وحركة النار، وحمرة PageV03P124 ~~خدك إذا خجلت، وصفرة لونك إذا فزعت، وبياض عارضيك إذا ضحكت. # وحسبي بصفاتك عوضا من كل حسن، وخلفا من كل صالح. ~~ولا تعجب أن كانت نهاية الهمة وغاية المنية؛ فإن حسن الوجوه إذا وافق حسن ~~القوام وشدة العقل، وجودة الرأي، وكثرة الفضل وسعة الخلق، والمغرس الطيب ~~والنصاب الكريم، والظرف الناصع، واللسان الفخم والمخرج السهل والحديث ~~المونق، مع الإشارة الحسنة والنبل في الجلسة، والحركة الرشيقة واللهجة ~~الفصيحة، والتمهل في المحاورة والهز عند المناقلة، والبديه البديع والفكر ~~الصحيح، والمعنى الشريف، واللفظ المحذوف، والإيجاز يوم الإيجاز والإطناب ~~يوم الإطناب، يفل الحز ويصيب المفصل، ويبلغ بالعفو ما يقصرعنه الجهد، كان ~~أكثر لتضاعف الحسن، وأحق بالكمال. والحمد لله. # وإن التاج بهي وهو في رأس الملوك أبهى، والياقوت الكريم حسن وهو في جيد ~~المرأة الحسناء أحسن، والشعر الفاخر حسن وهو من في PageV03P125 ~~الأعرابي أحسن. فإن كان من قول المنشد وقريضه، ومن نحته وتحبيره، فقد بلغ ~~الغاية وأقام النهاية. # وهذا الشراب حسن وهو عندك أحسن، والهدية منه شريفة وهي منك أشرف. # وإن كنت قدرت أني إنما طلبته منك لأشربه أو لأسقيه، أو لأهبه، أو لأتحساه ~~في الخلا، أو أديره في الملا أو لأنافس فيه الأكفاء، وأجتر زيادة الخلطاء، ~~أو لأبتذله لعيون الندماء، أو أعرضه لنوائب الأصدقاء فقد أسأت بي الظن، ~~وذهبت من الإساءة بي في كل فن، وقصرت به فهو أشد عليك، ووضعت منه فهو أضر ~~بك. # وإن ظننت ms045 أني إنما أريده لأطرف به معشوقة، أو لأستميل به هوى ملك، أو ~~لأغسل به أوضار الأفئدة، أو أداوي به خطايا الأشربة، أو لأجلو به الأبصار ~~العليلة، وأصلح به الأبدان الفاسدة، أو لأتطوع به على شاعر مفلق أو خطيب ~~مصقع، أو أديب مدقع، ليفتق لهم المعاني، وليخرج المذاهب، ولما في جانبهم من PageV03P126 ~~الأجر، وفي أعناقهم من الشكر، ولينفضوا ما قالت الشعراء في الحمد، ~~وليرتجعوا ما شاع لهم من الذكر؛ فإني أريد أن أضع من قدرها، وأن أكسر من ~~بالها، فقد تاهت وتيه بها. أو لأن أتفاءل برؤيته وأتبرك بمكانه، وآنس ~~بقربه، أو لأشفي به الظماء، أو أجعله إكسير أصحاب الكيمياء، أو لأن أذكرك ~~كلما رأيته، وأداعبك كلما قابلته أو لأجتلب به اليسر وأنفي العسر. ولأنه ~~والفقر لا يجتمعان في دار، ولا يقيمان في ربع. ولأتعرف به حسن اختيارك، ~~وأتذكر به جودة اجتبائك. أو لأن أستدل به على خالص حبك، وعلى معرفتك بفضلي، ~~وقيامك بواجب حقي فقد أحسنت بي الظن، وذكرت من الإحسان في كل فن. بل هو ~~الذي أصونه صيانة الأعراض، وأغار عليه غيرة الأزواج. PageV03P127 # واعلم أنك إن أكثرت لي منه خرجت إلى الفساد، وإن أقللت أقسمت على ~~الاقتصاد. # وأنا رجل من بني كنانة، وللخلافة قرابة، ولي فيها شفعة، وهم بعد جنس ~~وعصبة، فأقل ما أصنع إن اكترثت لي منه أن أطلب الملك، وأقل ما يصنعون بي أن ~~أنفى من الأرض. فإن أقللت فإنك الولد الناصح، وإن أكثرت فإنك الغاش الكاشح. ~~والسلام. PageV03P128 ### | 5- من كتابه في طبقات المغنين PageV03P129 ### || فصل من صدر كتابه في طبقات المغنين # ثم إنا وجدنا الفلاسفة المتقدمين في الحكمة، المحيطين بالأمور معرفة، ~~ذكروا أن أصول الآداب التي منها يتفرع العلم لذوي الألباب أربعة: # فمنها ~~النجوم وبروجها، وحسابها الذي يعرف به الأوقات والأزمنة، وعليها مزاج ~~الطبائع وأيام السنة. # ومنها الهندسة وما اتصل بها من المساحة والوزن والتقدير، وما أشبه ذلك. # ومنها الكيمياء والطب اللذان بهما صلاح المعاش وقوام الأبدان، وعلاج ~~الأسقام، وما يتشعب من ذلك. # ومنها اللحون ومعرفة أجزائها وقسمها، ms046 ومقاطعها ومخارجها ووزنها، حتى ~~يستوي على الإيقاع ويدخل في الوتر وغير ذلك مما اقتصرنا من ذكره على أسمائه ~~وجمله، اجتنابا للتطويل، وتوخيا للاختصار. وقصدنا للأمر الذي إليه انتهينا، ~~وإياه أردنا. والله الموفق وهو المستعان. # ولم يزل أهل كل علم فيما خلا من الأزمنة يركبون منهاجه، ويسلكون طريقه، ~~ويعرفون غامضه، ويسهلون سبيل المعرفة بدلائله، خلا الغناء، فإنهم لم يكونوا ~~عرفوا علله وأسبابه ووزنه وتصاريفه، وكان علمهم به على الهاجس وعلى ما ~~يسمعون من الفارسية والهندية PageV03P131 ~~إلى أن نظر الخليل البصري في الشعر ووزنه، ومخارج ألفاظه، وميز ما قالت ~~العرب منه، وجمعه وألفه، ووضع فيه الكتاب الذي سماه العروض، وذلك أنه عرض ~~جميع ما روي من الشعر وما كان به عالما، على الأصول التي رسمها، والعلل ~~التي بينها، فلم يجد أحدا من العرب خرج منها، ولا قصر دونها. فلما أحكم ~~وبلغ منه ما بلغ، أخذ في تفسير النغم واللحون، فاستدرك منه شيئا، ورسم له ~~رسما احتذى عليه من خلفه، واستتمه من عني به. # وكان إسحاق بن إبراهيم الموصلي أول من حذا حذوه، وامتثل هديه، واجتمعت له ~~في ذلك آلات لم تجتمع للخليل بن أحمد قبله، منها معرفته بالغناء، وكثرة ~~استماعه إياه وعلمه بحسنه من قبيحه، وصحيحه من سقيمه. # ومنها حذقه بالضرب والإيقاع، وعلمه بوزنها. وألف في ذلك كتبا معجبة، وسهل ~~له فيها ما كان مستصعبا على غيره، فصنع الغناء بعلم فاضل، وحذق راجح، ووزن ~~صحيح، وعلى أصل مستحكم له دلائل صحيحة وواضحة، وشواهد عادلة. ولم نر أحدا ~~وجد سبيلا إلى الطعن عليه والعيب له. # وصنع كثير من أهل زمانه أغاني كثيرة بهاجس طبعهم والاتباع لمن سبقهم، ~~فبعض أصاب وجه صوابه، وبعض أخطأ، وبعض قصر في بعض وأحسن في بعض. PageV03P132 # ووجدنا لكل دهر دولة للمغنين يحملون الغناء عنهم، ويطارحون به فتيان ~~زمانهم، وجواري عصرهم. وكان يكون في كل وقت من الأوقات قوم يتنادمون، ~~ويستحسنون الغناء، ويميزون رديه من جيده، وصوابه من خطائه، ويجمعون إلى ذلك ~~محاسن كثيرة في آدابهم وأخلاقهم، وروائهم وهيئاتهم، فلم ms047 نجد هذه الطبقة ~~ذكروا. ووجدنا ذكر الغناء وأهله باقيا. # وخصصنا في أيامنا وزماننا بفتية أشراف، وخلان نظاف، انتظم لهم من آلات ~~الفتوة وأسباب المروءة ما كان محجوبا عن غيرهم، معدوما من سواهم، فحملني ~~الكلف والمودة لهم والسرور بتخليد فخرهم وتشييد ذكرهم والحرص على تقويم أود ~~ذي الأود منهم حتى يلحق بأهل الكمال في صناعته، والفضل في معرفته، على ~~تمييز طبقة طبقة منهم، وتسمية أهل كل طبقة بأوصافهم، وآلاتهم وأدواتهم، ~~والمذاهب التي نسبوا إليها أنفسهم، واحتملهم إخوانهم عليها. وخلطنا جدا ~~بهزل، ومزجنا تقريعا بتعريض، ولم نرد بأحد مما سمينا سوءا، ولا تعمدنا نقدا ~~ولا تجاوزنا حدا. # ولو استعملنا غير الصدق لفضلنا قوما وحابينا آخرين. ولم نفعل PageV03P133 ~~ذلك؛ تجنبا للحيف، وقصدا للإنصاف. وقد نعلم أن كثيرا منهم سيبالغ في ~~الذم، ويحتفل في الشتم، ويذهب في ذلك غير مذهبنا. # وما أيسر ذلك فيما يجب من حقوق الفتيان وتفكيههم، والله حسيب من ظلم، ~~عليه نتوكل وبه نستعين، وهو رب العرش العظيم. # ولم نقصد في وصف من وصفنا من الطبقات التي صنفنا منهم، إلا لمن أدركنا من ~~أهل زماننا ممن حصل بمدينة السلام، إذ من خرج عنها ونزع إلى الفتوة بعد ~~التوبة، وإلى أخلاق الحداثة بعد الحنكة، وذلك في سنة خمس عشرة ومائتين. ~~فرحم الله أمرا أحسن في ذلك أمرنا، وحذا فيه حذونا، ولم يعجل إلى ذمنا، ~~ودعا بالمغفرة والرحمة لنا. # وقد تركنا في كل باب من الأبواب التي صنفنا في كتابنا، فرجا لزيادة إن ~~زادت، ولاحقة إن لحقت، أو نابتة إن نبتت. ومن عسى أن ينتقل به الحذق من ~~مرتبته إلى ما هو أعلى منها، أو يعجز به القصور عما هو عليه منها إلى ما هو ~~دونها، إلى مكانه الذي إليه نقله ارتفاع درجة أو انحطاطها، ومن لعلنا نصير ~~إلى ذكره ممن PageV03P134 ~~عزب عنا ذكره، وأنسينا اسمه، ولم يحط علمنا به، فنصيره في موضعه، ونلحقه ~~بأصحابنا. # وليس لأحد أن يثبت شيئا من هذه الأصناف إلا بعلمنا، ولا يستبد بأمر فيه ~~دوننا. ويورد ذلك علينا ms048 فنمتحنه، ونعرفه بما عنده، ويصير إلى ترتيبه في ~~المرتبة التي يستحقها، والطبقة التي يحتملها. # فلما استتب لنا الفراغ مما أردنا من ذلك خطر ببالنا كثرة العيابين من ~~الجهال برب العالمين، فلم نأمن أن يسرعوا بسفه رأيهم وخفة أحلامهم إلى نقض ~~كتابنا وتبديله، وتحريفه عن مواضعه، وإزالته عن أماكنه التي عليها رسمنا، ~~وأن يقول كل امرىء منهم في ذلك على حاله، وبقدر هواه ورأيه، وموافقته ~~ومخالفته، والميل في ذلك إلى بعض، والذم لطبقة والحمد لأخرى، فيهجنوا ~~كتابنا، ويلحقوا بنا ما ليس من شأننا. # وأحببنا أن نأخذ في ذلك بالحزم، وأن نحتاط فيه لأنفسنا ومن ضمه كتابنا، ~~ونبادر إلى تفريق نسخ منها وتصييرها في أيدي الثقات والمستبصرين، الذين ~~كانوا في هذا الشأن، ثم ختموا ذلك PageV03P135 ~~بالعزلة والتوبة منه، كصالح بن أبي صالح، وكأحمد بن سلام، وصالح مولى ~~رشيدة. # ففعلنا ذلك وصيرناه أمانة في أعناقهم، ونسخة باقية في أيديهم، ووثقنا بهم ~~أمناء ومستودعين وحفظة غير مضيعين ولا متهمين. وعلمنا أنهم لا يدعون صيانة ~~ما استودعوا، وحفظ ما عليه ائتمنوا. # فإن شيب به شوب يخالفه، وأضيف إليه ما لا يلائمه، رجعنا إلى النسخة ~~المنصوبة، والأصول المخلدة عند ذوي الأمانة والثقة، واقتصرنا عليها، ~~واستعلينا بها على المبطلين، ودفعنا بها إدغال المدغلين، وتحريف المحرفين، ~~وتزيد المتزيدين، إن شاء الله. # ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. PageV03P136 ### | 6- من كتابه في النساء PageV03P137 ### || فصل من صدر كتابه في النساء # إنا لما ذكرنا في كتابنا هذا الحب الذي هو أصل الهوى، والهوى الذي يتفرع ~~منه العشق، والعشق الذي يهيم له الإنسان على وجهه أو يموت كمدا على فراشه. ~~وأول ذلك إدخال الضيم على مروءته، واستشعار الذلة لمن أطاف بعشيقته. # ولم نطنب مع ذلك في ذكر ما يتشعب من أصل الحب من الرحمة والرقة، وحب ~~الأموال النفيسة والمراتب الرفيعة، وحب الرعية للأئمة، وحب المصطنع لصاحب ~~الصنيعة، مع اختلاف مواقع ذلك من النفوس، ومع تفاوت طبقاته في العواقب، ~~احتجنا إلى الاعتذار من ذكر العشق المعروف بالصبابة، والمخالفة على قوة ~~العزيمة، لنجعل ذلك القدر ms049 جنة دون من حاول الطعن على هذا الكتاب، وسخف ~~الرأي الذي دعا إلى تأليفه، والإشادة بذكره. إذا كانت الدنيا لا تنفك من ~~حاسد باغ، ومن قائل متكلف، ومن سامع طاعن، ومن منافس مقصر. كما أنها لا ~~تنفك من ذي سلامة متسلم، ومن عالم متعلم، ومن عظيم الخطر حسن المحضر، شديد ~~المحاماة على حقوق الأدباء، قليل التسرع إلى أعراض العلماء. # وإنما العشق اسم لما فضل عن المقدار الذي اسمه حب. وليس PageV03P139 ~~كل حب يسمى عشقا، وإنما العشق اسم للفاضل عن ذلك المقدار، كما أن السرف ~~اسم لما زاد على المقدار الذي يسمى جودا، والبخل اسم لما نقص عن المقدار ~~الذي يسمى اقتصادا، والجبن اسم لما قصر عن المقدار الذي يسمى شجاعة. # وهذا القول ظاهر على ألسنة الأدباء، مستعمل في بيان الحكماء. وقد قال ~~عروة بن الزبير: " والله إني لأعشق الشرف كما تعشق المرأة الحسناء ". # وذكر بعض الناس رجلا كان مدقعا محروما، ومنحوس الحظ ممنوعا، فقال: " ما ~~رأيت أحدا عشق الرزق عشقه، ولا أبغضه الرزق بغضه! " # فذكر الأول عشق الشرف، ~~وليس الشرف بامرأة، وذكر الآخر عشق الرزق والرزق اسم جامع لجميع الحاجات. # وقد يستعمل الناس الكناية، وربما وضعوا الكلمة بدل الكلمة، يريدون أن ~~يظهر المعنى بألين اللفظ، إما تنويها وإما تفضيلا، كما سموا المعزول عن ~~ولايته مصروفا، والمنهزم عن عدوه منحازا. نعم، حتى سمى بعضهم البخيل مقتصدا ~~ومصلحا، وسمي عامل الخراج المتعدي بحق السلطان مستقصيا. PageV03P140 # ولما رأينا الحب من أكبر أسباب جماع الخير، ورأينا البغض من أكبر أسباب ~~الشر، أحببنا أن نذكر أبواب السبب الجالب للخير، ليفرق بينه وبين أبواب ~~السبب الجالب للشر حتى نذكر أصولهما وعللهما الداعية إليهما، والموجبة ~~لكونهما. # فتأملنا شأن الدنيا فوجدنا أكبر نعيمها وأكمل لذاتها، ظفر المحب بحبيبه، ~~والعاشق بطلبته، ووجدنا شقوة الطالب المكدي وغمه، في وزن سعادة الطالب ~~المنجح وسروره، ووجدنا العشق كلما كان أرسخ، وصاحبه به أكلف، فإن موقع لذة ~~الظفر منه أرسخ، وسروره بذلك أبهج. # فإن زعم زاعم أن موقع لذة الظفر بعدوه المرصد أحسن ms050 من موقع لذة الظفر من ~~العاشق الهائم بعشيقته. # قلنا: إنا قد رأينا الكرام والحلماء، وأهل السؤدد والعظماء، ربما جادوا ~~بفضلهم من لذة شفاء الغيظ، ويعدون ذلك زيادة في نبل النفس، وبعد الهمة ~~والقدر. ويجودون بالنفيس من الصامت والناطق، وبالثمين من العروض. وربما خرج ~~من جميع ماله، وآثر طيب الذكر على الغني واليسر. ولم نر نفس العاشق تسخو ~~بمعشوقه، ويجود بشقيقة نفسه لوالد ولا لولد بار، ولا لذي نعمة سابغة يخاف ~~سلبها، وصرف إحسانه عنه بسببها. PageV03P141 # ولم نر الرجال يهبون للرجال إلا ما لا بال به، في جنب ما يهبون للنساء. ~~حتى كأن العطر والصبغ، والخضاب والكحل، والنتف والقص، والتحذيف والحلق، ~~وتجويد الثياب وتنظيفها، والقيام عليها وتعهدها، مما لم يتكلفوه إلا لهن، ~~ولم يتقدموا فيه إلا من أجلهن، وحتى كأن الحيطان الرفيعة، والأبواب ~~الوثيقة، والستور الكثيفة، والخصيان والظؤورة، والحشوة والحواضن لم تتخذ ~~إلا للصون لهن، والاحتفاظ بما يجب من حفظ النعمة فيهن. ### || فصل منه # وباب آخر: وهو أنا لم نجد أحدا من الناس عشق والديه ولا ولده، ولا من عشق ~~مراكبه ومنزله، كما رأيناهم يموتون من عشق النساء الحرام. قال الله تعالى: ~~" زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ". ~~فقد ذكر تبارك وتعالى جملة أصناف ما خولهم من كرامته، ومن عليهم من ~~نعمته، ولم نر الناس وجدوا بشيء من هذه الأصناف وجدهم بالنساء. ولقد قدم ~~ذكرهن في هذه الآية على قدر تقدمهن في قلوبهم. PageV03P142 # فإن قال قائل: فقد نجد الرجل الحليم، والشيخ الركين، يسمع الصوت المطرب ~~من المغني المصيب، فينقله ذلك إلى طبع الصبيان، وإلى أفعال المجانين، فيشق ~~جيبه، وينقض حبوته، ويفدي غيره، ويرقص كما يرقص الحدث الغرير، والشاب ~~السفيه. ولم نجد أحدا فعل ذلك عند رؤية معشوقه. # قلنا: أما واحدة فإنه لم يكن ليدع التشاغل بشمها وبرشفها، واحتضانها، ~~وتقبيل قدميها، والمواضع التي وطئت عليها، ويتشاغل بالرقص المباين لها، ~~والصراخ الشاغل عنها. فأما حل الحبوة، والشد حضرا عند رؤية الحبيبة فإن هذا ms051 ~~مما لا يحتاج إلى ذكره، لوجوده وكثرة استعمالهم له، فكيف وهو إن خلا ~~بمعشوقه لا يظن أن لذة الغناء تشغله بمقدار العشر من لذته، بل ربما لم يخطر ~~له ذلك الغناء على بال. # وعلى أن ذلك الطرب مجتاز غير لابث، وظاعن غير مقيم؛ ولذة المتعاشقين ~~راكدة أبدا مقيمة غير ظاعنة. # وعلى أن الغناء الحسن من الوجه الحسن والبدن الحسن، أحسن، PageV03P143 ~~والغناء الشهي من الوجه الشهي والبدن الشهي أشهى. وكذلك الصوت الناعم ~~الرخيم من الجارية الناعمة الرخيمة. # وكم بين أن يفدى إذا شاع فيك الطرب مملوكك، وبين أن يفدى أمتك؟ وكم بين ~~أن يسمع الغناء من فم تشتهي أن تقبله، وبين فم تشتهي أن تصرف وجهك عنه. # وعلى أن الرجال دخلاء على النساء في الغناء، كما رأينا رجالا ينوحون، ~~فصاروا دخلاء على النوائح. # وبعد، فأيما أملح وأحسن، وأشهى وأغنج، أن يغنيك فحل ملتف اللحية، كث ~~العارضين، أو شيخ منخلع الأسنان، مغضن الوجه، ثم يغنيك إذا هو تغنى بشعر ~~ورقاء بن زهير: # رأيت زهيرا تحت كلكل خالد %~% فأقبلت أسعى كالعجول أبادر # أم تغنيك جارية كأنها طاقة نرجس، أو كأنها ياسمينة، أو كأنها خرطت من ~~ياقوتة، أو من فضة مجلوة، بشعر عكاشة بن محصن: PageV03P144 # من كف جارية كأن بناتها %~% من فضة قد طرفت عنابا # وكأن يمناها إذا نطقت به %~% ألقت على يدها الشمال حسابا ### || فصل منه # فأما الغناء المطرب في الشعر الغزل فإنما ذلك من حقوق النساء. وإنما ~~ينبغي أن تغني بأشعار الغزل والتشبيب، والعشق، والصبابة بالنساء اللواتي ~~فيهن نطقت تلك الأشعار، ويهن شبب الرجال، ومن أجلهن تكلفوا القول في ~~النسيب. # وبعد، فكل شيء وطبقه، وشكله ولفقه، حتى تخرج الأمور موزونة معدلة، ~~ومتساوية مخلصة. PageV03P145 # ولو ان رجلا من أدمث الناس وأشدهم تلخيصا لكلامهم، ومحاسبة لنفسه، ثم جلس ~~مع امرأة لا تزن بمنطق، ولا تعرف بحسن حديث، ثم كان يعشقها، لتناتج بينهما ~~من الأحاديث، ولتلاقح بينهما من المعاني والألفاظ، ما كان لا يجري بين دغفل ~~بن حنظلة، وبين ابن لسان الحمرة. وإنما هذا على ms052 قدر تمكن الغزل في الرجل. ### || فصل منه # والمرأة أيضا أرفع حالا من الرجل في أمور. منها: أنها التي تخطب وتراد، ~~وتعشق وتطلب، وهي التي تفدى وتحمى. قال عنبسة بن سعيد للحجاج بن يوسف: ~~أيفدي الأمير أهله؟ قال: والله إن تعدونني إلا شيطانا، والله لربما رأيتني ~~أقبل رجل إحداهن! PageV03P146 ### || فصل منه # وإنما يملك المولى من عبده بدنه، فأما قلبه فليس له عليه سلطان. # والسلطان نفسه وإن ملك رقاب الأمة، فالناس يختلفون في جهة الطاعة، فمنهم ~~من يطيع بالرغبة، ومنهم من يطيع بالرهبة، ومنهم من يطيع بالمحبة، ومنهم من ~~يطيع بالديانة. # وهذه الأصناف، وإن كان أفضلها طاعة الديانة فإن تلك المحبة ما لم يمازجها ~~هوى لم تقو على صاحبها قوة العشق. وفي الأثر المستفيض والمثل السائر: " إن ~~الهوى يعمي ويصم "؛ فالعشق يقتل. ### || فصل منه # ومما يستدل به على تعظيم شأن النساء أن الرجل يستحلف بالله الذي لا شيء ~~أعظم منه، وبالمشي إلى بيت الله، وبصدقة ماله، وعتق رقيقه. فيسهل ذلك عليه، ~~ولا يأنف منه. فإن استحلف بطلاق امرأته تربد وجهه، وطار الغضب في دماغه، ~~ويمتنع ويعصي، ويغضب ويأبى، وإن كان المحلف سلطانا مهيبا، ولو لم يكن ~~يحبها، ولا يستكثر منها، وكانت نفسها قبيحة المنظر، دقيقة الحسب، خفيفة ~~الصداق، قليلة النسب. # ليس ذلك إلا لما قد عظم الله من شأن الزوجات في صدور الأزواج. PageV03P147 ### || فصل منه في ذكر الولد # وباب آخر: وهو أنا لو خيرنا رجلا بين الفقر أيام حياته، وبين أن يكون ~~ممتعا بالباه أيام حياته، لاختار الفقر الدائم مع التمتع الدائم. # وليس شيء مما يحدث الله لعباده من أصناف نعمه وضروب فوائده، أبقى ذكرا، ~~ولا أجل خطرا من أن يكون للرجل ابن يكون ولي بناته، وساتر عورة حرمه، وقاضي ~~دينه، ومحيي ذكره، مخلصا في الدعاء له بعد موته، وقائما بعده في كل ما خلفه ~~مقام نفسه. # فمن أقل أسفا على ما فارق، ممن خلف كافيا مجربا، وحائطا من وراء المال ~~موفرا، ومن وراء الحرم حاميا، ولسلفه في الناس محببا. وقال رجل ms053 لعبد الملك ~~بن مروان، وقد ذكر ولد له: " أراك الله في بنيك ما أرى أباك فيك، وأرى بنيك ~~فيك ما أراك في أبيك! ". # ونظر شيخ وهو عند المهلب إلى بنيه قد أقبلوا فقال: " آنس الله بكم ~~لاحقكم، فوالله إن لم تكونوا أسباط نبوة إنكم أسباط ملحمة ". # وليست النعمة في الولد المحيي، والخلف الكافي، بصغيرة. PageV03P148 ### || فصل منه # وباب آخر: وهو أن الله تعالى خلق من المرأة ولدا من غير ذكر، ولم يخلق من ~~الرجل ولدا من غير أنثى. فخص بالآية العجيبة والبرهان المنير المرأة دون ~~الرجل، كما خلق المسيح في بطن مريم من غير ذكر. ### || فصل منه في ذكر القرابات # وأما أنا فإني أقول: إن تباغض الأقرباء عارض دخيل، وتحابهم واطد أصيل، ~~والسلامة من ذلك أعم، والتناصر أظهر، والتصادق في المودة أكثر. فلذلك ~~القبيلة تنزل معا وترحل معا، وتحارب من ناوأها معا، إلا الشاذ النادر، ~~كخروج غني وباهلة من غطفان، وكنزول عبس في بني عامر، وما أشبه ذلك. وإلا ~~فإن القرابة يد واحدة على من ناوأهم، وسيف واحد على من عاداهم، وما صلاح ~~شأن العشائر إلا بتقارب سادتهم في القدر، وإن تفاوتوا في الرياسة والفضل، ~~كما قال في الأثر المستفيض: " لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا، فإذا تقاربوا ~~هلكوا ". # وحال العامة في ذلك كحال الخاصة. ### || فصل منه # وقضية واجبة: أن الناس لا يصلحهم إلا رئيس واحد، يجمع شملهم، ويكفيهم ~~ويحميهم من عدوهم، ويمنع قويهم من ضعيفهم. PageV03P149 ~~وقليل له نظام، أقوى من كثير نشر لا نظام لهم، ولا رئيس عليهم. إذ قد علم ~~الله أن صلاح عامة البهائم في أن يجعل لكل جنس منها فحلا يوردها الماء ~~ويصدرها، وتتبعه إلى الكلأ، كالعير في العانة، والفحل من الإبل في الهجمة، ~~وكذلك النحل العسالة، والكراكي، وما يحمي الفرس الحصان الحجور في المروج، ~~فجعل منها رءوسا متبوعة، وأذنابا تابعة. # ولو لم يقم الله للناس الوزعة من السلطان، والحماة من الملوك وأهل ~~الحياطة عليهم من الأئمة لعادوا نشرا لا نظام لهم، ومستكلبين لا زاجر لهم، ~~ولكان ms054 من عز بز، ومن قدر قهر، ولما زال اليسر راكدا، والهرج ظاهرا، حتى ~~يكون التغابن والبوار، وحتى تنطمس PageV03P150 ~~منهم الآثار؛ ولكانت الأنعام طعاما للسباع، وكانت عاجزة عن حماية أنفسها، ~~جاهلة بكثير من مصالح شأنها. # فوصل الله تعالى عجزها بقوة من أحوجه إلى الاستمتاع بها، ووصل جهلها ~~بمعرفة من عرف كيف وجه الحيلة في صونها والدفاع عنها. # وكذلك فرض على الأئمة أن يحوطوا الدهماء بالحراسة لها، والذياد عنها، ~~وبرد قويها عن ضعيفها، وجاهلها عن عالمها، وظالمها عن مظلومها، وسفيهها عن ~~حليمها. # فلولا السائس ضاع المسوس، ولولا قوة الراعي لهلكت الرعية. ### || فصل منه # وانفراد السيد بالسيادة كانفراد الإمام بالإمامة. وبالسلامة من تنازع ~~الرؤساء تجتمع الكلمة، وتكون الألفة، ويصلح شأن الجماعة. وإذا كانت الجماعة ~~انتهت الأعداء، وانقطعت الأهواء. ### || فصل منه # ولسنا نقول ولا يقول أحد ممن يعقل: إن النساء فوق الرجال، أو دونهم بطبقة ~~أو طبقتين، أو بأكثر، ولكنارأينا ناسا يزرون عليهن أشد الزراية، ويحتقرونهن ~~أشد الاحتقار، ويبخسونهن أكثر حقوقهن. PageV03P151 # وإن من العجز أن يكون الرجل لا يستطيع توفير حقوق الآباء والأعمام إلا ~~بأن ينكر حقوق الأمهات والأخوال، فلذلك ذكرنا جملة ما للنساء من المحاسن. # ولولا أن ناسا يفخرون بالجلد وقوة المنة، وانصراف النفس عن حب النساء، ~~حتى جعلوا شدة حب الرجل لأمته، وزوجته وولده، دليلا على الضعف، وبابا من ~~الخور، لما تكلفنا كثيرا مما شرطناه في هذا الكتاب. ### || فصل منه # كما نحب أن يخرج هذا الكتاب تاما، ويكون للأشكال الداخلة فيه جامعا، وهو ~~القول فيما للذكور والإناث في عامة أصناف الحيوان، وما أمكن من ذلك، حتى ~~يحصل ما لكل جنس منها من الخصال المحمودة والمذمومة. ثم يجمع بين المحاسن ~~منها والمساوى، حتى يستبين لقارىء الكتاب نقصان المفضول من رجحان الفاضل، ~~بما جاء في ذلك من الكتاب الناطق، والخبر الصادق، والشاهد العدل، والمثل ~~السائر. حتى يكون الكتاب عربيا أعرابيا، وسنيا جماعيا، وحتى يجتنب فيه ~~العويص والطرق المتوعرة، والألفاظ المستنكرة، وتلزيق المتكلفين، وتلفيق ~~أصحاب الهواء من المتكلمين، حتى نظرنا لمن لا يعلم مقادير ما ms055 استخزنها الله ~~من المنافع، وغشاها من البرهانات، وألزمها من الدلالة عليه، وأنطقها به من ~~الحجة له. PageV03P152 # فمنع من ذلك فرط الكبرة، وإفراط العلة، وضعف المنة، وانحلال القوة. # فلما وافق هذا الكتاب منا هذه الحال، وألفى قلوبنا على هذه الأشغال، ~~اجتنبنا أن نقصد من جميع ذلك إلى فرق ما بين الرجل والمرأة. # فلما اعتزمنا على ما ابتدأنا به وجدناه قد اشتمل على أبواب يكثر عددها، ~~وتبعد غايتها، فرأينا، والله الموفق، أن نقتصر منه على ما لا يبلغ بالمستمع ~~إلى السآمة، وبالمألوف إلى مجاوزة القدر. # وليس ينبغي لكتب الآداب والرياضيات أن يحمل أصحابها على الجد الصرف، وعلى ~~العقل المحض، وعلى الحق المر، وعلى المعاني الصعبة، التي تستكد النفوس، ~~وتستفرغ المجهود. # وللصبر غاية، وللاحتمال نهاية. # ولا بأس بأن يكون الكتاب موشحا ببعض الهزل. وعلى أن الكتاب إذا كثر هزله ~~سخف، كما أنه إذا كثر جده ثقل. # ولا بد للكتاب من أن يكون فيه بعض ما ينشط القارىء، وينفي النعاس عن ~~المستمع. فمن وجد في كتابنا هذا بعض ما ذكرنا، فليعلم أن قصدنا في ذلك إنما ~~كان على جهة الاستدعاء لقلبه، والاستمالة لسمعه وبصره. والله تعالى نسأل ~~التوفيق. PageV03P153 ### || فصل منه في ذكر العشق # ورجلان من الناس لا يعشقان عشق الأعراب: # أحدهما الفقير المدقع، فإن قلبه ~~يشغل عن التوغل فيه وبلوغ أقصاه. # والملك الضخم الشأن، لأن في الرياسة الكبرى، وفي جواز الأمر ونفاذ النهي، ~~وفي ملك رقاب الأمم، ما يشغل شطر قوى العقل عن التوغل في الحب، والاحتراق ~~في العشق. ### || فصل منه # كثيرا ما يعتري العشاق والمحبين غير المحترقين، كالرجل تكون له جارية وقد ~~حلت من قلبه محلا، وتمكنت منه تمكنا، ولا يجتث أصل ذلك الحب الغضبة تعرض، ~~وكثرة التأذي بالخلاف يكون منها، فيجد الفترة عنها في بعض هذه الحالات التي ~~تعرض، فيظن أنه قد سلا، أو يظن أنه في عزائه عنها على فقدها محتملا، ~~فيبيعها إن كانت أمة، أو يطلقها إن كانت زوجة، فلا ينشب ذلك الغضب أن يزول، ~~وذلك الأذى أن ينسى، فتتحرك ms056 له الدفائن، ويثمر ذلك الغرس، فيتبعها قلبه، ~~فإما أن يسترجع PageV03P154 ~~الأمة من مبتاعها، بأضعاف ثمنها، أو يسترجع الزوجة بعد أن نكحت. فإن تصبر ~~وأمكنه الصبر لم يزل معذبا، وإن أطاع هواه واحتمل المكروه فهذا هو العقابيل ~~والنكس. # فليحذر الحازم الفترة في حب حبيبه، والغضبة التي تنسيه عواقب أمره. ### || فصل منه # قال ابراهيم بن السندي: حدثني عبد الملك بن صالح قال: # بينا عيسى بن موسى ~~قد خلا بنفسه، وهو قد كان استكثر من النساء حتى انقطع، إذ مرت به جارية ~~كأنها جان، وكأنها جدل عنان، وكأنها جمارة، وكأنها قضيب فضة، فتحركت نفسه، ~~وخاف أن تخذله قوته، ثم طمع في القوة لطول الترك، واجتماع الماء، فلما ~~صرعها، وجلس منها ذلك المجلس خطر على باله لو عجز كيف يكون حاله؟ فلما فكر ~~فتر، فأقبل كالمخاطب لنفسه فقال: إنك لتجلسيني هذا المجلس، وتحمليني على ~~هذا المركب، ثم PageV03P155 ~~تخذليني هذا الخذلان وتغشيني مثل هذا الذل، ولولا حيرة الخجل لم أستعمل ~~ما لا يقتل! وذلك أنه حين رأى أن أبلغ الحيل في توهيمها أن العجز لم يكن من ~~قبله أن يقول لها: تعرضين لي وأنت تفلة، ثم لا ترخين باديك، ولا تستهدفين ~~لسيدك، ولا تعينين على نفسك، حتى كأنك عند عبد يشبهك، أو سوقة لا يقدر إلا ~~على مثلك. أما لو كنت من بنات ملوك العجم لألفاك سيدك على أجود صنعة، وعلى ~~أحسن طاعة، إذ كل رجل ينبسط للتمتع مع التفل. ### || فصل منه # ولم أسمع ولم أقرأ في الأحاديث المولدة، في شأن العشاق، وما صنع العشق في ~~القلوب والأكباد والأحشاء، والزفرات والحنين، وفي التدليه والتوليه، متى ~~تستعر الدمعة، ومتى يورث العين الجمود. PageV03P156 ### || فصل منه # ونحن وإن رأينا أن فضل الرجل على المرأة، في جملة القول في الرجال ~~والنساء، أكثر وأظهر، فليس ينبغي لنا أن نقصر في حقوق المرأة. وليس ينبغي ~~لمن عظم حقوق الآباء أن يصغر حقوق الأمهات، وكذلك الإخوة والأخوات، والبنون ~~والبنات. وأنا وإن كنت أرى أن حق هذا أعظم فإن هذه أرحم. ### || فصل من ms057 احتجاجه للإماء # قال بعض من احتج للعلة التي من أجلها صار أكثر الإماء أحظى عند الرجال من ~~أكثر المهيرات: أن الرجل قبل أن يملك الأمة قد تأمل منها كل شيء وعرفه، ما ~~خلا حظوة الخلوة، فأقدم على ابتياعها بعد وقوعها بالموافقة. والحرة إنما ~~يستشار في جمالها النساء، والنساء لا يبصرن من جمال النساء وحاجات الرجال ~~وموافقتهن قليلا ولا كثيرا. والرجال بالنساء أبصر. وإنما تعرف المرأة من ~~المرأة ظاهر الصفة، وأما الخصائص التي تقع بموافقة الرجال فإنها لا تعرف ~~ذلك. # وقد تحسن المرأة أن تقول: كأن أنفها السيف، وكأن عينها عين غزال، وكأن ~~عنقها إبريق فضة، وكأن ساقها جمارة، وكأن شعرها PageV03P157 ~~العناقيد، وكأن أطرافها المداري، وما أشبه ذلك. # وهناك أسباب أخر بها يكون الحب والبغض. ### || فصل منه # وقد علم الشاعر وعرف الواصف، أن الجارية الفائقة الحسن أحسن من الظبية، ~~وأحسن من البقرة، وأحسن من كل شيء تشبه به، ولكنهم إذا أرادوا القول شبهوها ~~بأحسن ما يجدون. # ويقول بعضهم: كأنها الشمس، وكأنها القمر! والشمس وإن كانت بهية فإنما هي ~~شيء واحد، وفي وجه الجارية الحسناء وخلقها ضروب من الحسن الغريب والتركيب ~~العجيب. # ومن يشك أن عين المرأة الحسناء أحسن من عين البقرة، وأن جيدها أحسن من ~~جيد الظبية، والأمر فيما بينهما متفاوت، ولكنهم لو لم يفعلوا هذا وشبهه لم ~~تظهر بلاغتهم وفطنتهم. ### || فصل منه # ورأيت أكثر الناس من البصراء بجواهر النساء، الذين هم جهابذة هذا الأمر، ~~يقدمون المجدولة، والمجدولة من النساء تكون في منزلة بين السمينة ~~والممشوقة. # ولا بد من جودة القد، وحسن الخرط، واعتدال المنكبين، PageV03P158 ~~واستواء الظهر، ولا بد أن تكون كاسية العظام، بين الممتلئة والقضيفة. # وإنما يريدون بقولهم: مجدولة، جودة العصب، وقلة الاسترخاء، وأن تكون ~~سليمة من الزوائد والفضول. # وكذلك قالوا: خمصانة وسيفانة، وكأنها جان، وكأنها جدل عنان، وكأنها قضيب ~~خيزران. # والتثني في مشيها أحسن ما فيها، ولا يمكن ذلك الضخمة والسمينة، وذات ~~الفضول والزوائد. # على أن النحافة في المجدولة أعم، وهي بهذا المعنى أعرف، تحبب على السمان ~~الضخام، وعلى ms058 الممشوقات والقضاف، كما يحبب هذه الأصناف على المجدولات. # ووصفوا المجدولة بالكلام المنثور فقالوا: " أعلاها قضيب، وأسفلها كثيب ". PageV03P159 ### | 7- من رسالته في مناقب الترك وعامة جند الخلافة PageV03P161 ### || فصل من صدر رسالته إلى الفتح بن خاقان في مناقب الترك وعامة جند الخلافة # وفقك الله لرشدك، وأعان على شكرك، وأصلحك وأصلح على يديك، وجعلنا وإياك ~~ممن يقول بالحق ويعمل به، ويؤثره، ويحتمل ما فيه مما قد يصد عنه، ولا يكون ~~حظه منه الوصف له، والمعرفة به، دون الحث عليه، والانقطاع إليه، وكشف ~~القناع فيه، وإيصاله إلى أهله، والصبر على المحافظة في أن لا يصل إلى ~~غيرهم، والتثبت في تحقيقه لديهم؛ فإن الله تعالى لم يعلم الناس ليكونوا ~~عالمين دون أن يكونوا عاملين، وإنما علمهم ليعملوا، وبين لهم ليتقوا التورط ~~في وسط الخوف، والوقوع في المضار، والتوسط في المهالك. فلذلك طلب الناس ~~التبين. PageV03P163 # ولحب السلامة من الهلكة، والرغبة في المنفعة احتملوا ثقل التعلم، وتعجلوا ~~مكروه ثقل المعاناة. # ولقلة العاملين وكثرة الواصفين قال الأولون: العارفون أكثر من الواصفين، ~~والواصفون أكثر من العاملين. # وإنما كثرت الصفات وقلت الموصوفات لأن ثواب العمل مؤجل، واحتمال ما فيه ~~معجل. # وقد أعجبني ما رأيت من شغفك بطاعة إمامك، واحتجاجك لتدبير خليفتك، ~~وإشفاقك من كل خلل يدخله وإن دق، ونال سلطانه وإن صغر، ومن كل أمر خالف ~~هواه وإن خفي مكانه، وجانب رضاه وإن قل ضرره. ومن تخوفك أن يجد المتأول ~~إليه متطرقا، والعدو عليه متعلقا؛ فإن السلطان لا ينفك من متأول ناقم، ومن ~~محكوم عليه ساخط، ومن معزول عن الحكم زار، ومن متعطل متصفح، ومن معجب ~~برأيه، ذي خطل في بيانه، مولع بتهجين الصواب، وبالاعتراض على التدبير، حتى ~~كأنه رائد لجميع الأمة، ووكيل لسكان جميع المملكة؛ يضع نفسه في مواضع ~~الرقباء، وفي مواضع التصفح على الخلفاء والوزراء. لا يعذر وإن كان مجاز ~~العذر ظاهرا، ولا يقف فيما يكون للشك محتملا، ولا يصدق بأن الشاهد PageV03P164 ~~يرى ما لا يرى الغائب، وأنه لا يعرف مصادر الرأي من لم يشهد موارده، ~~ومستدبره من لم ms059 يعرف مستقبله. # ومن محروم قد أضعفه الحرمان، ومن لئيم قد أفسده الإحسان، ومن مستبطىء قد ~~أخذ أضعاف حقه، وهو لجهله بقدره، ولضيق ذرعه، وقلة شكره، يظن أن الذي بقي ~~له أكثر، ولحقه أوجب. # ومن مستزيد لو ارتجع السلطان سالف أياديه البيض عنده، ونعمته السالفة ~~عليه، لكان لذلك أهلا، وله مستحقا. قد غره الأمل، وأبطره دوام الكفاية، ~~وأفسده طول الفراغ. # ومن صاحب فتنة خامل في الجماعة، رئيس في الفرقة نعاق في الهرج، قد أقصاه ~~عز السلطان، وأقام صغوه ثقاف الأدب، وأذله الحكم بالحق، فهو مغيظ لا يجد ~~غير التشنيع، ولا يتشفى بغير الإرجاف، ولا يستريح إلا إلى الأماني، ولا ~~يأنس إلا بكل مرجف كذاب، ومفتون مرتاب، وخارص لا خير فيه، وخالف لا غناء ~~عنده، يريد أن يسوى بالكفاة، ويرفع فوق الحماة، لأمر ما سلف له، ولإحسان ~~كان من غيره، وليس ممن يرب قديم مجد، ولا يحفل PageV03P165 ~~بدروس شرف، ولا يفصل بين ثواب المحتسبين، وبين الحفظ لأبناء المحسنين. # وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في ~~مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله. # ثم اعلم بعد ذلك أنك بنفسك بدأت في تعظيم إمامك، والحفظ لمناقب أنصار ~~خليفتك، وإياها حطت بحياطتك لأشياعه، واحتجاجك لأوليائه، ونعم العون أنت، ~~إن شاء الله، على ملازمة الطاعة، والموازرة على الخير، والكفاية لأهل الحق. # وقد استدللت بالذي أرى من شدة عنايتك وفرط اكتراثك، وتفقدك لأجناس ~~الأعداء، وبحثك عن مناقب الأولياء على أن ما ظهر من نصحك أمم في جنب ما بطن ~~من إخلاصك. فأمتع PageV03P166 ~~الله بك خليفته، ومنحنا وإياك محبته، وأعاذنا وإياك من قول الزور، ~~والتقرب بالباطل، إنه حميد مجيد، فعال لما يريد. # وذكرت أنك جالست أخلاطا من جند الخلافة، وجماعات من أبناء الدعوة، وشيوخا ~~من جلة الشيعة، وكهولا من أبناء رجال الدولة، المنسوبين إلى الطاعة ~~والمناصحة، ومحبة الدينونة دون محبة الرغبة والرهبة، وأن رجلا من عرض تلك ~~الجماعة ارتجل الكلام ارتجال مستبد، وتفرد به تفرد معجب، وأنه تعسف المعاني ms060 ~~وتهجم على الألفاظ فزعم أن جند الخلافة اليوم على خمسة أقسام: خراساني، ~~وتركي، ومولى، وعربي، وبنوي، وأنه أكثر حمد الله وشكره على إحسانه ومنته، ~~وعلى جميع أياديه، وسبوغ نعمه، وعلى شمول عافيته، وجزيل مواهبه، حين ألف ~~على الطاعة هذه PageV03P167 ~~القلوب المختلفة، والأجناس المتباينة، والأهواء المتفرقة، وأنك اعترضت ~~على هذا المتكلم المستبد، وعلى هذا القائل المتكلف الذي قسم هذه الأقسام، ~~وخالف بين هذه الأركان، وفضل بين أنسابهم. وأنك أنكرت ذلك عليه أشد ~~الإنكار، وقذعته أشد القذع. # وزعمت أنهم لم يخرجوا من الاتفاق، أو من شيء يقرب من الاتفاق، وأنك نفيت ~~التباعد في النسب، والتباين في السبب. # وقلت: بل أزعم أن الخراساني والتركي أخوان، وأن الحيز واحد، وأن حكم ذلك ~~الشرق، والقضية على ذلك الصقع متفق غير مختلف، ومتقارب غير متفاوت، وأن ~~الأعراق في الأصل إن لا تكن كانت راسخة، فقد كانت متشابهة، وحدود البلاد ~~المشتملة عليهم إن لا تكن متساوية فإنها متناسبة، وكلهم خراساني في الجملة، ~~وإن تميزوا ببعض الخصائص، وافترقوا ببعض الوجوه. # وزعمت أن اختلاف التركي والخراساني ليس كاختلاف ما بين الرومي والصقلبي، ~~والزنجي والحبشي، فضلا على ما هو أبعد جوهرا، وأشد خلافا، بل كاختلاف ما ~~بين المدري والوبري، والبدوي والحضري، والسهلي والجبلي، وكاختلاف ما بين من ~~نزل البطون وبين PageV03P168 ~~من نزل النجود، وبين من نزل الأغوار. # وزعمت أن هؤلاء وإن اختلفوا في بعض اللغة، وفارق بعضهم بعضا في بعض ~~الصورة، فقد نجد أن عليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن، وفصحاء الحجاز، خلاف ~~لغة حمير وسكان مخاليف اليمن، وكذلك الصورة والصورة، والشمائل والشمائل، ~~والأخلاق والأخلاق. وكلهم مع ذلك عربي خالص غير مشوب، ولا معلهج ولا مذرع ~~ولا مزلج. ولم يختلفوا كاختلاف ما بين PageV03P169 ~~قحطان وعدنان، من قبل ما طبع الله عليه تلك التربة من خصائص الغرائز، وما ~~قسم لأهل كل جزيرة من الشكل والصورة، ومن الأخلاق واللغة. # فإن قلت: وكيف صار أولادهما جميعا عربا، مع اختلاف الأبوة؟ قلنا: إن ~~الجزيرة لما كانت واحدة فاستووا في التربة وفي اللغة، وفي الشمائل ms061 والهمة، ~~وفي الأنف والحمية، وفي الأخلاق والسجية، فسبكوا سبكا واحدا، تشابهت ~~الأجزاء وتناسبت الأخلاط، حتى صار ذلك اشد تشابها في باب الأعم والأخص، وفي ~~باب الوفاق والمباينة من بعض الأرحام، وجرى عليهم حكم الاتفاق في الحسب، ~~وصارت هذه الأسباب ولادة أخرى حتى تناكحوا عليها، وتصاهروا من أجلها. ~~وامتنعت عدنان قاطبة من مناكحة بني اسحاق، وهو أخو إسماعيل، وجادوا بذلك في ~~جميع الدهر لبني قحطان. # ففي إجماع الفريقين على التناكح والتصاهر، ومنعهما ذلك جميع الأمم، ككسرى ~~فمن دونه، دليل على أن النسب عندهم متفق، وأن هذه المعاني قد قامت عندهم ~~مقام الولادة والأرحام الماسة. PageV03P170 # وزعمت أنه أراد الفرقة والتحزيب، وأنك أردت الألفة والتقريب. # ثم زعمت أيضا أن البنوي خراساني، وأن نسب الأبناء نسب آبائهم، وأن حسن ~~صنيع الآباء، وقديم فعال الأجداد، هو حسب الأبناء، وأن الموالي بالعرب ~~أشبه، وإليهم أقرب، وبهم أمس؛ لأن السنة قد نقلت الموالي إلى العرب في كثير ~~من المعاني، لأنهم عرب في المدعى، وفي العاقلة، وفي الوراثة. وهذا تأويل ~~قوله: " مولى القوم منهم ". و " الولاء لحمة كلحمة النسب ". # ثم زعمت أن الأتراك قد شاركوا القوم في هذا النسب، وصاروا من العرب بهذا ~~السبب، مع الذي بانوا به من الخلال، وحبوا به من شرف الخصال. # على أن ولاء الأتراك للباب قريش، ولمصاص عبد مناف، وهم في سر هاشم، وهاشم ~~موضع العذار من خد الفرس، ومحل العقد PageV03P171 ~~من لبة الكعاب. وهو الجوهر المكنون، والذهب المصفى، وموضع المحة من ~~البيضة، والعين في الرأس، والروح من البدن. وهم الأنف المقدم، والسنام ~~الأكوم، والطينة البيضاء، والدرة الزهراء، والروضة الخضراء، والذهب الأحمر. # فقد شاركوا العرب في أنسابهم، وفضلوهم بهذا الفضل الخاص الذي لا يبلغه ~~فضل وإن برع، بل لا يعشره شرف وإن عظم، ولا مجد وإن قدم. # فزعمت أن أنساب الجميع متقاربة غير متباعدة، وعلى حسب ذلك التقارب تكون ~~الموازنة والمكانفة، والطاعة والمناصحة، والمحبة للخلفاء والأئمة. # وذكرت أنه ذكر جملا من مفاخر هذه الأجناس، وجمهرة من مناقب هذه الأصناف، ~~وأنه جمع ذلك وفصله، ms062 وأجمله وفسره، وأنه ألغى ذكر الأتراك فلم يعرض لهم، ~~وأضرب عنهم صفحا فلم يخبر عنهم، كما أخبر عن حجة كل جيل، وعن برهان كل صنف. ~~فذكر أن الخراساني يقول: نحن النقباء، وأبناء النقباء، ونحن النجباء وأبناء ~~النجباء، ومنا الدعاة قبل أن تظهر نقابة، أو تعرف PageV03P172 ~~نجابة، وقبل المغالبة والمبادأة، وقبل كشف القناع وزوال التقية. # وبنا زال ملك أعدائنا عن مستقره، وثبت ملك أوليائنا في نصابه، وبين ذلك ~~ما قتلنا وشردنا، ونهكنا ضربا وطلبا، وبضعنا بالسيوف الحداد، وعذبنا بألوان ~~العذاب. # وبنا شفى الله تعالى الصدور، وأدرك الثأر، ومنا الاثني عشر النقباء، ~~والسبعون النجباء. ونحن الخندقية وأبناء الخندقية، ونحن الكفية وأبناء ~~الكفية، ومنا المستجيبة، ومن بهرج النيمية، ومنا نيم خزان، وأصحاب ~~الجوربين، ومنا الزغندية، والآزاذمردية. # ونحن فتحنا البلاد، وقتلنا العدو بكل واد، ونحن أصل هذه الدولة، ومنبت ~~هذه الشجرة، وأصحاب هذه الدعوة، ومن عندنا هبت هذه الريح # والأنصار أنصاران: الأوس والخزرج، نصروا النبي صلى الله عليه وسلم في أول ~~الزمان، وأهل خراسان نصروا ورثته في آخر الزمان، غذانا بذلك آباؤنا، وغزونا ~~به أبناءنا، وصار لنا نسبا لا نعرف إلا به، ودينا لا نوالي إلا عليه. PageV03P173 # ثم نحن على وتيرة واحدة، ومنهاج غير مشترك، نعرف بالشيعة، ودين بالطاعة، ~~ونقتل فيها، ونموت عليها. سيمانا موصوف، ولباسنا معروف، ونحن أصحاب الرايات ~~السود، والروايات الصحيحة، والأحاديث المأثورة، والذين يهدمون مدن ~~الجبابرة، وينتزعون الملك من أيدي الظلمة. وفينا تقدم الخبر، وصح الأثر. ~~وجاء في الحديث صفة الذين يفتحون عمورية، ويظهرون عليها، ويقتلون مقاتليها، ~~ويسبون ذراريها، حيث قالوا في نعتهم: " شعورهم شعور النساء، وثيابهم ثياب ~~الرهبان ". فصدق الفعل القول، وحقق الخبر العيان. # ونحن الذين ذكرنا، وذكر بلاءنا إمام الأئمة، وأبو الخلائف العشرة محمد بن ~~علي، حين أراد توجيه الدعاة إلى الآفاق، وتفريق شيعته في البلدان: " PageV03P174 # أما البصرة وسوادها فقد غلب عليها عثمان، وصنائع عثمان، فليس بها من ~~شيعتنا إلا القليل. # وأما الكوفة وسوادها فقد غلب عليها علي وشيعة علي، فليس بها من شيعتنا ~~إلا القليل. # وأما الشام فشيعة ms063 بني مروان، وآل بني سفيان. # وأما الجزيرة فخارجة، وحرورية ومارقة. # ولكن عليكم بهذا الشرق فإن هناك صدورا سليمة، وقلوبا باسلة، لم تفسدها ~~الأهواء، ولم تخامرها الأدواء، ولم تعتقبها البدع، وهم مغيظون موتورون. ~~وهناك العدد والعدة، والعتاد والنجدة ". # ثم قال: " وأنا أتفاءل إلى حيث ما تطلع ". # فكنا خير جند لخير إمام، وصدقنا ظنه، وثبتنا رأيه، وصوبنا فراسته. # وقال مرة أخرى: " إن أمرنا هذا شرقي لا غربي، ومقبل غير مدبر، يطلع كطلوع ~~الشمس، ويمتد على الآفاق امتداد النهار، حتى يبلغ حيث ما تبلغه الأخفاف، ~~وتناله الحوافر ". # دقالوا: ونحن قتلنا الصحصحية، والدالقية، والذكوانية، PageV03P175 ~~والراشدية. ونحن أصحاب الخنادق، ونباتة بن حنظلة، وعامر بن ضبارة، وأصحاب ~~ابن هبيرة. فلنا قديم هذا الأمر وحديثه، وأوله وآخره. # ومنا قاتل مروان. # ونحن قوم لنا أجسام وأجرام، وشعور وهام، ومناكب عظام، وجباه عراض، وقصر ~~غلاظ، وسواعد طوال. # ونحن أولد للذكورة، وأنسل بعولة، وأقل ضوى وضئولة، وأقل إتآما، وأنتق ~~أرحاما، وأشد عصبا، وأتم عظاما. وأبداننا أحمل للسلاح، وتجفافنا أملأ ~~للعيون. PageV03P176 # ونحن أكثر مادة، وأكثر عددا وعدة، ولو أن يأجوج ومأجوج كاثروا من وراء ~~النهر منا لظهروا عليهم بالعدد. # فأما الأيد وشدة الأسر فليس لأحد بعد عاد وثمود والعمالقة والكنعانيين ~~مثل أيدنا وأسرنا. # ولو أن خيول الآفاق، وفرسان جميع الأطراف جمعوا في حلبة واحدة لكنا أكثر ~~في العيون، وأهول في الصدور. # ومتى رأيت مواكبنا وفرساننا وبنودنا التي لا يحملها غيرنا علمت أنا لم ~~نخلق إلا لقلب الدول، وطاعة الخلفاء، وتأييد السلطان. # ولو أن أهل تبت، ورجال الزابج، ورجال وفرسان الهند، وحلبة الروم، هجم ~~عليهم هاشم بن أشتاخنج لما امتنعوا من طرح السلاح، والهرب في البلاد. # ونحن أصحاب اللحى، وأرباب النهى، وأهل الحلم والحجا، وأهل الثخانة في ~~الرأي، والبعد من الطيش. PageV03P177 # ولسنا كجند الشام المتعرضين للحرم، والمنتهكين لكل محرم. # ونحن ناس لنا أمانة، وفينا عفة. ونحن نجمع بين النزاهة والقناعة، والصبر ~~على الخدمة، وعلى التجمير وبعد الشقة. # ولنا الطبول المهولة والبنود العظام. # ونحن أصحاب التجافيف والأجراس، والبازفكند، واللبود الطوال، والأغماد ~~المعقفة والقلانس ms064 الشاشية، والخيول الشهرية، ولنا الكافركوبات، والطبرزينات ~~في الأكف، والخناجر في الأوساط. PageV03P178 # ولنا تعليق السيوف وحسن الجلسة على ظهور الخيل، ولنا الأصوات التي تسقط ~~الحبالى. # وليس في الأرض صناعة غريبة، من أدب وحكمة وحساب وهندسة، وارتفاع بناء ~~وصنعة، وفقه ورواية، نظرت فيها الخراسانية إلا فرعت فيها الرؤساء، وبذت ~~فيها العلماء. # ولنا صنعة السلاح، عدة للحرب، وتثقيفا ودربة للمجاولة والمشاولة، وللكر ~~بعد الفر، مثل الدبوق، والنزو على الخيل صغارا، ومثل الطبطاب والصوالجة ~~كبارا. ثم رمى المجثمة والبرجاس والطائر الخاطف. فنحن أحق بالأثرة، وأولى ~~بشرف المنزلة. # قلت: وزعم أن العربي يقول: إن تكن القربة تستحق بالأنساب PageV03P179 ~~الثابتة، والأرحام الشابكة، وبالقدمة، وبطاعة الآباء والعشيرة، وبالشكر ~~النافع، والمديح الباقي، وبالشعر الموزون الذي يبقى بقاء الدهر، ويلوح ما ~~لاح نجم، وينشد ما أهل بالحج، وما هبت الصبا، وما كان للزيت عاصر. وبالكلام ~~المنثور، والقول المأثور، وبصفة مخرج الدولة، والاحتجاج للدعوة، وتقييد ~~المآثر، إذ لم يكن ذلك من عادة العجم، ولا كان يحفظ ذلك معروفا لسوى العرب، ~~ونحن نرتبطها بالشعر المقفي، ونقيدها بحفظ الأميين الذين لا يتكلون على ~~الكتب المدونة، والخطوط المطرسة. # ونحن أصحاب التفاخر والتنافر، والتنازع في الشرف، والتحاكم إلى كل حكم ~~مقنع، وكاهن سجاع. # ونحن أصحاب التعاير بالمثالب، والتفاخر بالمناقب. # ونحن أحفظ لأنسابنا، وأرعى لحقوقنا، وتقييدها أيضا بالمنثور المرسل، بعد ~~الموزون المعدل، بلسان أمضى من السنان، وأرهف PageV03P180 ~~من السيف الحسام، حتى نذكرهم ما قد درس رسمه، وعفا أثره. ~~وبين القتال من جهة الرغبة والرهبة فرق. وليس المعرق في الحفاظ كمن هذا ~~فيه حادث. وهذا باب يتقدم التالد القديم الطارف الحديث. # وطلاب الطوائل رجلان: سجستاني وأعرابي. وهل أكثر النقباء إلا من صميم ~~العرب، ومن صليبة هذا النسب، كأبي عبد الحميد قحطبة بن شبيب الطائي، وأبي ~~محمد سليمان بن كثير الخزاعي، وأبي نصر مالك بن الهيثم الخزاعي، وأبي داود ~~خالد بن ابراهيم الذهلي، وكأبي عمرو لاهز بن قريظ المرئي، وأبي عتيبة موسى PageV03P181 ~~بن كعب المرئي، وأبي سهل القاسم بن مشاجع المرئي. ومن كان يجري مجرى ~~النقباء ولم ms065 يدخل فيهم، مثل مالك بن الطواف المرئي. # وبعد، فمن هذا الذي باشر قتل مروان، ومن هزم ابن هبيرة، ومن قتل ابن ~~ضبارة، ومن قتل نباتة بن حنظلة، إلا عرب الدعوة، والصميم من أهل الدولة؟ ~~ومن فتح السند إلا موسى بن كعب، ومن فتح إفريقية إلا محمد بن الأشعث؟ # وقات: ~~وقال: ويقول الموالي لنا النصيحة الخالصة، والمحبة الراسخة. ونحن موضع ~~الثقة عند الشدة، وعلل المولى من تحت موجبة لمحبة المولى من فوق؛ لأن شرف ~~مولاه راجع إليه، وكرمه زائد في كرمه، وخموله مسقط لقدره، وبوده أن خصال ~~الكرم كلها اجتمعت فيه، لأن ذلك كلما كان مولاه أكبر وأشرف وأظهر، كان هو ~~بها أشرف وأنبل، ومولاك أسلم لك صدرا، وأود ضميرا، وأقل حسدا. PageV03P182 # وبعد، فالولاء لحمة كلحمة النسب، فقد صار لنا النسب الذي يصوبه العربي، ~~ولنا الأصل الذي يفتخر به العجمي. # قال: والصبر ضروب، فأكرمها كلها الصبر على إفشاء السر، وللمولى في هذه ~~المكرمة ما ليس لأحد، ونحن أخص مدخلا، وألطف في الخدمة مسلكا. ولنا مع ~~الطاعة والخدمة، والإخلاص وحسن النية، خدمة الأبناء للآباء، والآباء ~~للأجداد، وهم بمواليهم آنس، وبناحيتهم أوثق، وبكفايتهم أسر. # وقد كان المنصور، ومحمد بن علي، وعلي بن عبد الله، يخصون مواليهم ~~بالمواكلة والبسط والإيناس، لا يبهرجون الأسود لسواده، ولا الدميم لدمامته، ~~ولا ذا الصناعة الدنيئة لدناءتها. ويوصون بحفظهم أكابر أولادهم، ويجعلون ~~لكثير من موتاهم الصلاة على جنائزهم، وذلك بحضرة من العمومة، وبني الأعمام ~~والإخوة. # ويتذاكرون إكرام رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة مولاه، حين ~~عقد له يوم مؤتة على جنة بني هاشم، وجعله أمير كل بلدة يطؤها. # ويتذاكرون حبه لأسامة بن زيد، وهو الحب ابن الحب. وعقد له على عظماء ~~المهاجرين وأكابر الأنصار. PageV03P183 # ويتذاكرون صنيعه بسائر مواليه كأبي أنسة وشقران، وفلان وفلان. # قالوا: ولنا صاحب الدولة: أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم، وأبو سلمة حفص بن ~~سليمان. وأبو مسلم مولى الإمام، وعليهما دارت رحى الدولة، وتم الأمر واتسق ~~نظام الملك. # قالوا: ولنا من رءوس النقباء: ms066 أبو منصور مولى خزاعة، وأبو الحكم عيسى بن ~~أعين مولى خزاعة، وأبو حمزة عمرو بن أعين مولى خزاعة، وأبو النجم عمران بن ~~إسماعيل مولى آل أبي معيط. # فلنا مناقب الخراسانية، ولنا مناقب الموالي في هذه الدعوة. ونحن منهم ~~وإليهم، ومن أنفسهم، لا يدفع ذلك مسلم. ولا ينكره مؤمن. خدمناهم كبارا، ~~وحملناهم على عواتقنا صغارا. # هذا مع حق الرضاع والخؤولة، والنشوء في الكتاب، والتقلب في تلك العراص ~~التي لم يبلغها إلا كل سعيد الجد، وجيه في الملوك. # فقد شاركنا العربي في فخره، والخراساني في مجده، والبنوي في فضله، ثم ~~تفردنا بما لم يشاركونا فيه، ولا سابقونا إليه. PageV03P184 # قالوا: ونحن أشكل بالرعية، وأقرب إلى طباع الدهماء، وهم بنا آنس، وإلينا ~~أسكن، وإلى لقائنا أحن. ونحن بهم أرحم، وعليهم أعطف، وبهم أشبه. فمن أحق ~~بالأثرة، وأولى بحسن المنزلة ممن هذه الخصال له، وهذه الخلال فيه. # وقلت: وذكرت أن البنوي قال: نحن أصل خراساني، وهو مخرج الدولة، ومطلع ~~الدعوة، ومنها نجم هذا القرن، وصبأ هذا الناب، وتفجر هذا الينبوع، واستفاض ~~هذا البحر، حتى ضرب الحق بجرانه، وطبق الآفاق بضيائه، فأبرأ من السقم ~~القديم، وشفي من الداء العضال، وأغنى من العيلة، وبصر من العمى. # وهذه بغداد وهي مستقر الخلافة، والقرار بعد الجولة، وفيها بقية رجال ~~الدعوة، وأبناء أبناء الشيعة، وهي خراسان العراق، وبيت الخلافة وموضع ~~المادة. # وأنا أعرق في هذا الأمر من أبي، وأكثر تردادا فيه من جدي، وأحق بهذا ~~الفضل من المولى والعربي. # ولنا بعد في أنفسنا ما لا ينكر من الصبر تحت ظلال السيوف PageV03P185 ~~القصار، والرماح الطوال، ولنا معانقة الأبطال عند تحطم القنا، وانقطاع ~~الصفائح، ولنا المواجأة بالسكاكين، وتلقي الخناجر بالعيون. # ونحن حماة المستلحم، وأبناء المضايق، ونحن أهل الثبات عند الجولة، ~~والمعرفة عند الحيرة، وأصحاب المشهرات، وزينة العساكر وحلى الجيوش، ومن ~~يمشي في الرمح، ويختال بين الصفين، ونحن أصحاب الفتك والإقدام. # ولنا بعد التسلق ونقب المدن، والتقحم على ظبات السيوف، وأطراف الرماح، ~~ورضخ الجندل، وهشم العمد، والصبر تحت الجراح، وعلى جر السلاح، إذا ms067 طار قلب ~~الأعرابي، وساء ظن الخراساني. # ثم الصبر تحت العقوبة، والاحتجاج عند المسألة، واجتماع العقل، وصحة ~~الطرف، وثبات القدمين، وقلة التكفي بجبل العقابين، PageV03P186 ~~والبعد من الإقرار، وقلة الخضوع للدهر، والخضوع عند جفوة الزوار، وجفاء ~~الأقارب والإخوان. ولنا القتال عند أبواب الخنادق ورءوس القناطر. # ونحن الموت الأحمر عند أبواب النقب، ولنا المواجأة في الأزقة، والصبر على ~~قتال السجون. فسل عن ذلك الخليدية والكتفية والبلالية، والحزبية، ونحن ~~أصحاب المكابرات، وأرباب البيات، وقتل الناس جهارا في الأسواق والطرقات. # ونحن نجمع بين السلة والمزاحفة. ونحن أصحاب القنا الطوال ما كنا رجالة، ~~والمطارد القصار ما كنا فرسانا. فإن صرنا كمنا فالحتف القاضي، والسم ~~الزعاف، وإن كنا طلائع فكلنا يقوم مقام أمير الجيش. نقاتل بالليل كما نقاتل ~~بالنهار، ونقاتل في الماء كما نقاتل في الأرض، ونقاتل في القرية كما نقاتل ~~في المحلة. PageV03P187 # ونحن أفتك وأخشب. ونحن أقطع للطريق، وأذكر في الثغور، مع حسن القدود، ~~وجودة الخرط، ومقادير اللحى، وحسن العمة، والنفس المرة، وأصحاب الباطل ~~والفتوة، ثم الخط والكتابة، والفقه والرواية. # ولنا بغداد بأسرها، تسكن ما سكنا، وتتحرك ما تحركنا. والدنيا كلها معلقة ~~بها، وصائرة إلى مغناها، فإذا كان هذا أمرها وقدرها فجميع الدنيا تبع لها، ~~وكذلك أهلها لأهلها، وفتاكها لفتاكها، وخلاعها لخلاعها، ورؤساؤها لرؤسائها، ~~وصلحاؤها لصلحائها. # ونحن تربية الخلفاء، وجيران الوزراء، ولدنا في أفنية ملوكنا، ونحن أجنحة ~~خلفائنا، فأخذنا بآدابهم، واحتذينا على مثالهم، فلسنا نعرف سواهم، ولا نتهم ~~بغيرهم، ولم يطمع فينا أحد قط من خطاب ملكهم، وممن يترشح للاعتراض عليهم. ~~فمن أحق بالأثرة، وأولى بالقرب في المنزلة ممن هذه الخصال فيه، وهذه الخلال ~~له. # إن ذهبنا - حفظك الله - بعقب هذه الاحتجاجات، وعند منقطع PageV03P188 ~~هذه الاستدلالات نستعمل المفاوضة بمناقب الأتراك، والمقارنة بين خصالهم ~~وخصال كل صنف من هذه الأصناف، سلكنا في هذا الكتاب سبيل أصحاب الخصومات في ~~كتبهم، وطريق أصحاب الأهواء في الاختلاف الذي بينهم. # وكتابنا هذا إنما تكلفناه لنؤلف بين قلوبهم إن كانت مختلفة، ولنزيد في ~~الألفة إن كانت مؤتلفة، ولنخبر عن اتفاق أسبابهم، لتجتمع ms068 كلمتهم، ولتسلم ~~صدورهم، وليعرف من كان لا يعرف منهم موضع التفاوت في النسب كم مقدار الخلاف ~~في الحسب، لئلا يغير بعضهم مغير، ويفسده عدو بأباطيل مموهة، وشبهات مزورة، ~~فإن المنافق العليم، والعدو ذا الكيد العظيم قد يصور لمن دونه الباطل في ~~صورة الحق، ويلبس الإضاعة ثياب الحزم. # إلا أنا على كل حال، سنذكر جملا من أحاديث رويناها، وأمور رأيناها ~~وشاهدناها، وقصصا تلقفناها من أفواه الحكماء وسمعناها. # وسنذكر ما حفظ لجميع الأصناف من الآلات والأدوات، ثم ننظر أيهم لها أشد ~~استعمالا، وبها أشد استقلالا، ومن أثقب حسبا، PageV03P189 ~~وأيقظ عينا، وأزكى نفسا، وأشد غورا، وأعم خواطر، وأكثر نفعا في الحروب ~~وضرا، وأدرب دربة، وأغمض مكيدة، وأشد احتراسا، وألطف احتيالا، حتى يكون ~~الخيار في يد الناظر في هذا الكتاب، المتصفح لمعانيه، والمقلب لوجوهه، ~~والمفكر في أبوابه، والمقابل بين أوله وآخره. ولا نكون نحن انتحلنا شيئا ~~دون شيء، وتقلدنا تفضيل بعض على بعض، بل لعلنا أن لا نخبر عن خاصة ما عندنا ~~بحرف واحد. # فإذا دبرنا كتابنا هذا التدبير، وكان موضوعا على هذه الصفة كان أبعد له ~~من مذاهب الجدال والمراء، واستعمال الهوى. # وقد ظن ناس كثير أن أسماء أصناف الأجناد لما اختلف فيالصورة والخط ~~والهجاء، أن حقائقها ومعانيها على حسب ذلك. وليس الأمر على ما يتوهمون. # ألا ترى أن اسم الشاكرية وإن خالف في الصورة والخط والهجاء اسم الجندي ~~فإن المعنى فيهما ليس ببعيد، لأنهم يرجعون إلى معنى واحد، وعلم واحد. والذي ~~يرجعون إليه طاعة الخلفاء وتأييد السلطان. # وإذا كان المولى منقولا إلى العرب في أكثر المعاني، ومجعولا PageV03P190 ~~منهم في عامة الأسباب لم يكن بأعجب من جعل الخال والدا، والحليف من ~~الصميم، وابن الأخت من القوم. # وقد جعل الله ابن الملاعنة المولود على فراش البعل منسوبا إلى أمه، وقد ~~جعل إسماعيل وهو ابن أعجميين عربيا، لأن الله تعالى لما فتق لهاته بالعربية ~~المبينة على غير التلقين والترتيب، وفطره على الفصاحة العجيبة على غير ~~النشوء والتمرين، وسلخ طباعه من طبائع العجم، ونقل إلى بدنه ms069 تلك الأجزاء، ~~وركبه اختراعا على ذلك التركيب، وسواه تلك التسوية، وصاغه تلك الصيغة، ثم ~~حماه من طبائعهم، ومنعه من أخلاقهم وشمائلهم، وطبعه من كرمهم وأنفتهم ~~وهممهم على أكرمها وأسناها، وأشرفها وأعلاها، وجعل ذلك برهانا على رسالته، ~~ودليلا على نبوته، وصار أحق بذلك النسب، وأولى بشرف ذلك الحسب. # وكما جعل إبراهيم أبا لمن لم يلد، فالبنوي خراساني من جهة الولادة، ~~والمولى عربي من جهة المدعى والعاقلة. # ولو أحاط علمنا بأن زيدا لم يخلق من نجل عمرو إلا عهارا لنفيناه عنه، وإن ~~أيقنا أنه لم يخلق إلا من ماء صلبه. # وكما جعل النبي أزواجه أمهات المؤمنين، وهن لم يلدنهم ولا PageV03P191 ~~أرضعنهم. وفي بعض القراءات: " وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم " على ~~قوله: " ملة أبيكم إبراهيم "، وجعل المرأة من جهة الرضاع أما، وجعل امرأة ~~البعل أم ولد البعل من غيرها، وجعل الراب والدا. وجعل العم في كتاب الله ~~أبا. وهم عبيده لا يتقلبون إلا فيما قلبهم فيه. # وله أن يجعل من عباده من شاء عربيا، ومن شاء أعجميا، ومن شاء قرشيا، ومن ~~شاء زنجيا. كما أن له أن يجعل من شاء ذكرا ومن شاء أنثى، ومن شاء خنثى، ومن ~~شاء أخرجه من ذلك فجعله لا ذكرا ولا أنثى ولا خنثى. # وكذلك خلق الملائكة، وهم أكرم على الله من جميع الخليقة. ولم يجعل لآدم ~~أبا ولا أما، وخلقه من طين ونسبه إليه، وخلق حواء من ضلع آدم، وجعلها له ~~زوجا وسكنا. # وخلق عيسى من غير ذكر، ونسبه إلى أمه التي خلقه منها. # وخلق الجان من نار السموم، وآدم من طين، وعيسى من غير PageV03P192 ~~نطفة، وخلق السماء من دخان، والأرض من الماء. وخلق إسحاق من عاقر. # وأنطق عيسى في المهد، وأنطق يحيى بالحكمة وهو صبي، وعلم سليمان منطق ~~الطير، وكلام النمل. وعلم الحفظة من الملائكة جميع الألسنة حتى كتبوا بكل ~~خط، ونطقوا بكل لسان. وأنطق ذئب أهبان بن أوس. # والمؤمنون من جميع الأمم إذا دخلوا الجنة، وكذلك أطفالهم والمجانين منهم، ~~يتكلمون ساعة يدخلون الجنة بكلام أهل ms070 الجنة، على غير الترتيب والتنزيل، ~~والتعليم على طول الأيام والتلقين. فكيف يتعجب الجاهلون من إنطاق إسماعيل ~~بالعربية على غير تعليم الآباء، وتأديب الحواضن؟ ! # وهذه المسألة ربما سأل ~~عنها بعض القحطانية، ممن لا علم له، بعض العدنانية، وهي على حال القحطانية ~~أشد. # فأما جواب العدناني فسلس النظام، سهل المخرج، قريب المعنى؛ لأن بني قحطان ~~لا يدعون لقحطان نبوة فيعطيه الله تعالى مثل هذه الأعجوبة. # وما الذي قسم الله بين الناس من ذلك إلا كما صنع الله في طينة PageV03P193 ~~الأرض، فجعل بعضها حجرا، وبعض الحجر ياقوتا، وبعضه ذهبا، وبعضه نحاسا، ~~وبعضه رصاصا، وبعضه صفرا، وبعضه حديدا، وبعضه ترابا، وبعضه فخارا. وكذلك ~~الزاج، والمغرة، والزرنيخ، والمرتك، والكبريت، والقار، والتوتيا، ~~والنوشادر، والمرقشيشا، والمغناطيس. # ومن يحصي عدد جواهر الأرض وأصناف الفلز؟ ! # وإذا كان الأمر على ما وصفنا ~~فالبنوي خراساني. وإذا كان الخراساني مولى والمولى عربي، فقد صار الخراساني ~~والبنوي والمولى والعربي شيئا واحدا. وأدنى ذلك أن يكون الذي معهم من خصال ~~الوفاق غامرا لما معهم من خصال الخلاف، بل هم في معظم الأمر، وفي كبر الشأن ~~وعمود النسب متفقون. فالأتراك خراسانية، PageV03P194 ~~وموالي الخلفاء قصرة، فقد صار فضل الترك إلى الجميع راجعا، وصار شرفهم ~~زائدا في شرفهم. # وإذا عرف سائر الأجناد ذلك سامحت النفوس، وذهب التعقيد، ومات الضغن، ~~وانقطع سبب الاستثقال، فلم يبق إلا التحاسد والتنافس الذي لا يزال يكون بين ~~المتقاربين في القرابة، وفي الصناعة، وفي المجاورة. # على أن التوازر والتسالم في القرابات وفي بني الأعمام والعشائر أفشى وأعم ~~من التخاذل والتعادي. # ولحب التناصر والحاجة إلى التعاون انضم بعض القبائل في البوادي إلى بعض، ~~ينزلون معا، ويظعنون معا. ومن فارق أصحابه أقل، ومن نصر ابن عمه أكثر، ومن ~~اغتبط بنعمته وتمنى بقاءها والزيادة فيها أكثر ممن بغاها الغوائل وتمنى ~~انقطاعها وزوالها. # ولا بد في أضعاف ذلك من بعض التنافس والتخاذل، إلا أن ذلك قليل من كثير. # وليس يكون أن تصفو الدنيا، وتنقى من الفساد والمكروه، حتى يموت جميع ~~الخلاف، وتستوي لأهلها، وتتمهد لسكانها على ما ms071 يشتهون ويهوون؛ لأن ذلك من ~~صفة دار الجزاء، وليس كذلك صفة دار العمل. PageV03P195 # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا كتاب كتبته أيام المعتصم بالله ~~رضي الله عنه ونضر وجهه ~~فلم يصل إليه لأسباب يطول ذكرها، فلذلك لم أعرض للإخبار عنها، وأحببت أن ~~يكون كتابا قصدا، ومذهبا عدلا، ولا يكون كتاب إسراف في مديح قوم، وإغراق في ~~هجاء آخرين؛ فإن الكتاب إذا كان كذلك شابه الكذب وخالطه التزيد، وبني أساسه ~~على التكلف، وخرج كلامه مخرج الاستكراه والتغليق. # وأنفع المدائح للمادح، وأجداها على الممدوح، وأبقاها أثرا وأحسنها ذكرا، ~~أن يكون المديح صدقا، ولظاهر حال الممدوح موافقا، وبه لائقا، حتى لا يكون ~~من المعبر عنه والواصف له إلا الإشارة إليه، والتنبيه عليه. # وأنا أقول: إن كان لا يمكن ذكر مناقب الأتراك إلا بذكر مثالب سائر ~~الأجناد، فترك ذكر الجميع أصوب، والإضراب عن هذا الكتاب أحزم. PageV03P196 # وذكر الكثير من هذه الأصناف بالجميل لا يقوم إلا بالقليل من ذكر بعضهم ~~بالقبيح، وهو معصية وباب من ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى علينا، لأن ذكر ~~الأكثر بالجميل نافلة، وباب من التطوع؛ وذكر الأقل بالقبيح معصية، وباب من ~~ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى علينا من كثير التطوع. # ولكل الناس نصيب من النقص، ومقدار من الذنوب، وإنما يتفاضل بكثرة المحاسن ~~وقلة المساوىء. فأما الاشتمال على جميع المحاسن، والسلامة من جميع ~~المساوىء، دقيقها وجليلها، ظاهرها وخفيها، فهذا لا يعرف فيهم. # فإذا كان الخلطاء من جمهور الناس وأهل المعايش من دهماء الجماعة يرون ذلك ~~واجبا في الأخلاق، ومصلحة في المعاش، وتدبيرا في التعامل، على ما فيهم من ~~مشاركة الخطأ للصواب، وامتزاج الضعف بالقوة، فلسنا نشك أن الإمام الأكبر، ~~والرئيس الأعظم مع الأعراق الكريمة، والأخلاق الرفيعة، والتمام في الحلم ~~والعلم، والكمال في العزم والحزم، مع التمكين والقدرة، والفضيلة والرياسة ~~والسيادة، والخصائص التي معه من التوفيق والعصمة، والتأييد وحسن المعونة لم ~~يكن الله ليجلله لباس الخلافة، ويحبوه ببهاء الأمة، وبأعظم نعمة PageV03P197 ~~وأسبغها، وأفضل كرامة وأسناها، ثم وصل طاعته بطاعته، ومعصيته بمعصيته، ~~إلا ومعه من ms072 الحلم في موضع الحلم، والعفو في موضع العفو، والتغافل في موضع ~~التغافل، ما لا يبلغه فضل ذي فضل، ولا حلم ذي حلم. # ونحن قائلون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فيما انتهى إلينا ~~من القول في الأتراك. # زعم محمد بن الجهم وثمامة بن الأشرس والقاسم بن سيار في جماعة ممن يغشى ~~دار الخلافة، وهي دار العامة، قالوا جميعا: # بينا حميد بن عبد الحميد جالسا ~~ومعه إخشيد الصغدي، وأبو شجاع شبيب بن بخار خداي البلخي، ويحيى بن معاذ، ~~ورجال من المعدودين المتقدمين في العلم بالحرب، من أصحاب التجارب والمراس، ~~وطول المعالجة والمعاناة بصناعة الحرب، إذ خرج رسول المأمون فقال لهم: يقول ~~لكم مفترقين ومجتمعين: فليثبت كل PageV03P198 ~~رجل منكم دعواه وحجته، يقول لكم: أيما أحب إلى كل قائد منكم، إذا كان في ~~مائة من نخبته وثقاته: أن يلقى بهم مائة تركي أو مائة خارجي؟ # فقال القوم ~~جميعا: لأن نلقى مائة تركي أحب إلينا من أن نلقى مائة خارجي! وحميد ساكت، ~~فلما فرغ القوم جميعا من حججهم قال الرسول لحميد: قد قال القوم فقل واكتب ~~قولك، وليكن حجة لك أو عليك. قال: بل ألقى مائة خارجي أحب إلي؛ لأني وجدت ~~الخصال التي فضل بها التركي جميع المقاتلة غير تامة في الخارجي، ووجدتها ~~تامة في التركي. ففضل التركي على الخارجي بقدر فضل الخارجي على سائر ~~المقاتلة. وذلك بأن التركي بان من الخارجي بأمور ليس فيها للخارجي دعوى ولا ~~متعلق. على أن هذه الأمور التي بان بها التركي من الخارجي أعظم خطرا وأقل ~~نفعا مما شاركه الخارجي في بعضه. # ثم قال حميد: والخصال التي يصول بها الخارجي على سائر الناس: صدق الشدة ~~عند أول وهلة، وهي الدفعة التي يبلغون بها ما أرادوا، وينالون بها ما ~~أملوا. # والثانية: الصبر على الخبب، وعلى طول السرى حتى يصبحوا القوم الذين مرقوا ~~بهم غارين، فيهجموا عليهم وهم بسوء PageV03P199 # ولحم على وضم، فيعجلوا بهم عن الروية؛ وعن رد النفس بعد الجولة والنزوة، ~~لا يظنون أن أحدا يقطع في ms073 ذلك المقدار من الزمان ذلك المقدار من البلاد. # والثالثة: أن الخارجي موصوف عند الناس بأنه إن طلب أدرك، وإن طلب فات. # والرابعة: خفة الأزواد، وقلة الأمتعة، وأنها تجنب الخيل، وتركب البغال، ~~وإن احتاجت أمست بأرض وأصبحت بأخرى، وأنهم قوم حين خرجوا لم يخلفوا الأموال ~~الكثيرة، والجنان الملتفة، والدور المشيدة، ولا ضياعا ولا مستغلات، ولا ~~جواري مطهمات، وأنهم لا سلب لهم، ولا مال معهم، فيرغب الجند في لقائهم، ~~وإنما هم كالطير لا تدخر، ولا تهتم لغد، ولها في كل أرض من المياه والبزور ~~ما يقوتها. وإن لم تجد ذلك في بعض البلاد فأجنحتها تقرب لها البعيد، وتسهل ~~لها الحزون. وكذلك الخوارج لا يمتنع عليهم القرى والطعم، PageV03P200 ~~فإن يمتنع عليهم ففي بنات أعوج وبنات شحاج، وخفة الأثقال، والقوة على طول ~~الخبب ما يأتيها بأرزاقها، وأكثر من أرزاقها. # والخامسة: أن الملوك إذا أرسلوا إليهم أعدادهم ليكونوا في خفة أزوادهم ~~وأثقالهم، وليقووا على التنقل كقوتهم، لم يقووا عليهم، لأن مائة من الجند ~~لا يقومون لمائة من الخوارج. وإن كثفوا الجيش وضاعفوا العدد ثقلوا عن ~~طلبهم، وعن الغوث إن طلبهم عدوهم. ومتى شاء الخارجي أن يقرب منهم ليتطرفهم، ~~أو ليصيب الغرة أو ليثبتهم، فعل ذلك، ثقة بأنه يغنم عند الفرصة ورؤية ~~العورة، ويمكنه الهرب عند الخوف، وإن شاء كبسهم ليقطع نظامهم، أو ليقتطع ~~القطعة منهم. PageV03P201 # قال حميد: فهذه هي مفاخرهم وخصالهم، التي بها كره القواد لقاءهم. # قال القاسم بن سيار: وخصلة أخرى، وهي التي رعبت القلوب وحشتها، ونقضت ~~العزائم وفسختها، وهو ما تسمع الأجناد ومقاتلة العوام من ضرب المثل ~~بالخوارج، كقول الشاعر: # إذا ما البخيل والمحاذر للقرى %~% رأى الضيف مثل الأزرقي المجفف # هذه زيادة القاسم بن سيار. # فأما حميد فإنه قال: # فأما الشدة فالتركي فيها أحمد أثرا، وأجمع أمرا، وأحكم شأنا؛ لأن التركي ~~من أجل أن تصدق شدته ويتمكن عزمه، ولا يكون مشترك العزم، ومنقسم الخواطر، ~~قد عود برذونه أن لا ينثني وإن ثناه، أن يملأ فروجه، إلا أن يديره مرة أو ~~مرتين، وإلا فإنه ms074 لا يدع سننه، ولا يقطع ركضه، وإنما أراد التركي أن يوئس ~~نفسه من البدوات، PageV03P202 ~~ومن أن يعتريه التكذيب بعد الاعتزام، لهول اللقاء، وحب الحياة، لأنه إذا ~~علم أنه قد صير برذونه إلى هذه الغاية حتى لا ينثني، ولا يجيبه إلى التصرف ~~معه إلا بأن يصنع شيئا بين الصفين فيه عطبه، لم يقدم على الشدة إلا بعد ~~إحكام الأمر، والبصر بالعورة. وإنما يريد أن يشبه نفسه بالمحرج الذي إذا ~~رأى أشد القتال لم يدع جهدا ولم يدخر حيلة، ولينفي عن قلبه خواطر الفرار، ~~ودواعي الرجوع. # وقال: الخارجي عند الشدة إنما يعتمد على الطعان. والأتراك تطعن طعن ~~الخوارج، وإن شد منهم ألف فارس فرموا رشقا واحدا صرعوا ألف فارس، فما بقاء ~~جيش على هذا النوع من الشد؟ ! والخوارج والأعراب، ليست لهم رماية مذكورة ~~على ظهور الخيل، والتركي يرمي الوحش، والطير، والبرجاس، والناس، والمجثمة، ~~والمثل الموضوعة، والطير الخاطف، ويرمي وقد ملأ فروج دابته PageV03P203 ~~مدبرا ومقبلا، ويمنة ويسرة، وصعدا وسفلا، ويرمي بعشرة أسهم قبل أن يفوق ~~الخارجي سهما واحدا. ويركض دابته منحدرا من سهل، أو متسفلا إلى بطن واد ~~بأكثر مما يمكن الخارجي على بسيط الأرض. # والتركي له أربعة أعين: عينان في وجهه، وعينان في قفاه. # وللخارجي عيب في مستدبر الحرب، وللخراساني عيب في مستقبل الحرب. # فعيب الخراسانية أن لها جولة عند أول الالتقاء، فإن ركبوا أكساءهم كانت ~~هزيمتهم، وكثيرا ما يثوبون، وذلك بعد الخطار بالعسكر، وإطماع العدو في ~~الشدة. # والخوارج إذا ولوا فقد ولوا، وليس لهم بعد الفر كر إلا ما لا يعد. # والتركي ليست له جولة الخراساني، وإذا أدبر فهو السم الناقع، والحتف ~~القاضي، لأنه يصيب بسهمه وهو مدبر، كما يصيب بسهمه وهو مقبل، ولا يؤمن ~~وهقه. PageV03P204 # قال: وهم علموا الفرسان حمل قوسين وثلاث قسي، ومن الأوتار على حسب ذلك. # والتركي في حال شدته معه كل شيء يحتاج إليه، لنفسه، ولسلاحه، ولدابته، ~~وأداة دابته. فأما الصبر على الخبب ومواصلة السير، وعلى طول السرى وقطع ~~البلاد فعجيب جدا. # فواحدة: أن فرس الخارجي لا ms075 يصبر صبر برذون التركي. # والخارجي لا يحسن أن يعالج فرسه إلا معالجة الفرسان لخيولهم، والتركي ~~أحذق من البيطار، وأجود تقويما لبرذونه على ما يريد من الراضة، وهو ~~استنتجه، وهو رباه فلوا، ويتبعه إن سماه، وإن ركض ركض خلفه، قد عوده ذلك ~~حتى عرفه، كما يعرف الفرس: اجدم، والناقة: حلى، والجمل: جاه، والبغل: عدس، ~~والحمار: سأسأ؛ وكما يعرف المجنون لقبه، والصبي اسمه. PageV03P205 # ولو حصلت مدة عمر التركي وحسبت أيامه لوجدت جلوسه على ظهر الأرض نادرا. ~~والتركي يركب فحلا أو رمكة، ويخرج غازيا أو مسافرا، أو متباعدا في طلب صيد، ~~أو سبب من الأسباب، فتتبعه الرمكة وأفلاكها؛ إن أعياه اصطياد الناس اصطاد ~~الوحش، وإن أخفق منها واحتاج إلى طعام فصد دابة من دوابه، وإن عطش حلب رمكة ~~من رماكه، وإن أراح واحدة ركب أخرى، من غير أن ينزل إلى الأرض. # وليس في الأرض أحد إلا وبدنه ينتقض عن اقتيات اللحم وحده غيره، وكذلك ~~دابته تكتفي بالعنقر والعشب والشجر، لا يظلها من شمس، ولا يكنها من برد. # قال: وأما الصبر على الخبب فإن الثغريين، والفرانقيين، والخصيان، ~~والخوارج، لو اجتمعت قواهم في شخص واحد لما وفوا بتركي واحد. والتركي لا ~~يبقى معه مع طول الغاية إلا الصميم من دوابه، والذي يقتله التركي بإتعابه ~~له. وينفيه عند غزاته هو الذي لا يصبر PageV03P206 ~~معه فرس الخارجي، ولايبقى معه كل برذون بخاري، ولو ساير خارجيا لاستفرغ ~~جهده قبل أن يبلغ الخارجي عفوه. # والتركي هو الراعي، وهو السائس، وهو الرائض، وهو النخاس، وهو البيطار، ~~وهو الفارس. فالتركي الواحد أمة على حدة. # قال: وإذا سار التركي في غير عساكر الترك فسار القوم عشرة أميال سار ~~التركي عشرين ميلا، لأنه ينقطع عن العسكر يمنة ويسرة، ويصعد في ذرى الجبال، ~~ويستبطن قعور الأودية، في طلب الصيد، وهو في ذلك يرمي كل ما دب ودرج، وطار ~~ووقع. # قال: والتركي لم يسر في العسكر سير الناس قط، ولا سار مستقيما قط. # قال: وإذا طالت الدلجة، واشتد السير، وبعد المنزل، وانتصف النهار، واشتد ~~التعب، ms076 وشغل الناس الكلال، وصمت المتسايرون فلم ينطقوا، وقطعهم ما هم فيه ~~عن التشاغل بالحديث، وتفسخ كل شيء من شدة الحر، وجمد كل شيء من شدة البرد، ~~وتمنى كل جليد القوى على طول السرى أن تطوى له الأرض، وكلما رأى خيالا PageV03P207 ~~أو علما استبشر به، وظن أنه قد بلغ المنزل، وإذا بلغه الفارس نزل وهو ~~متفحج، كأنه صبي محقون، يئن أنين المريض، ويستريح إلى التثاؤب، ويتداوى مما ~~به بالتمطي والتضجع. وترى التركي في تلك الحال، وقد سار ضعف ما ساروا، وقد ~~أتعب منكبيه كثرة النزع، يرى بقرب المنزل عيرا أو ظبيا، أو عرض له ثعلب أو ~~أرنب، كيف يركض ركض مبتدىء مستأنف، حتى كأن الذي سار ذلك السير، وتعب ذلك ~~التعب غيره. # وإن بلغ الناس واديا فازدحموا على مسلكه أو على قنطرته، بطن برذونه ~~فأقحمه ثم طلع من الجانب الآخر كأنه كوكب. وإن انتهوا إلى عقبة صعبة ترك ~~السنن، وذهب في الجبل صعدا، ثم تدلى من موضع يعجز عنه الوعل، وأنت تحسبه ~~مخاطرا بنفسه، للذي ترى من مطلعه. ولو كان في كل ذلك مخاطرا لما دامت له ~~السلامة، مع تتابع ذلك منه. PageV03P208 # قال: ويفخر الخارجي بأنه إذا طلب أدرك، وإذا طلب فات. # والتركي ليس يحوج إلى أن يفوت، لأنه لا يطلب ولا يرام. ومن يروم ما لا ~~يطمع فيه؟ ! # فهذا دليل على أنا قد علمنا أن العلة التي عمت بالخوارج ~~بالنجدة استواء حالاتهم في أشد الديانة، واعتقادهم بأن القتال دين؛ لأننا ~~حين وجدنا السجستاني، والجزري، واليماني، والمغربي، والعماني، والأزرقي ~~منهم والنجدي، والإباضي، والصفري، والمولى والعربي، والعجمي والأعرابي، ~~والعبيد والنساء، والحائك والفلاح، كلهم يقاتل مع اختلاف الأنساب، وتباين ~~البلدان علمنا أن الديانة هي التي سوت بينهم في ذلك، كما أن كل حجام في ~~الأرض من أي جنس كان، ومن أهل أي بلد كان، فهو يحب النبيذ. وكما أن PageV03P209 ~~أصحاب الخلقان، والسماكين، والنخاسين والحاكة، في كل بلد ومن كل جنس، ~~شرار خلق الله في المبايعة والمعاملة. فعلمنا بذلك أن ذلك خلقة في هذه ms077 ~~الصناعات، وبنية في هذه التجارات، حتى صاروا من بين جميع الناس كذلك. # قال: ورأيناه في بلاده ليس يقاتل على دين، ولا على تأويل، ولا على ملك ~~ولا على خراج، ولا على عصبية، ولا على غيرة دون الحرمة، ولا على حمية ولا ~~على عداوة، ولا على وطن ولا على منع دار ولا مال، وإنما يقاتل على السلب ~~والخيار في يده. وليس يخاف الوعيد إن هرب، ولا يرجو الوعد إن أبلى عذرا. ~~وكذلك هم في بلادهم وغاراتهم وحروبهم. # وهو الطالب غير المطلوب، ومن كان كذلك فإنما يأخذ العفو من قوته، ولا ~~يحتاج إلى مجهوده، ثم مع ذلك لا يقوم له شيء، ولا يطمع فيه أحد، فما ظنك ~~بمن هذه صفته، أن لو اضطره إحراج أو غيرة، أو غضب أو تدين، أو عرض له بعض ~~ما يصحب المقاتل المحامي من العلل والأسباب. # قال: وقناة الخارجي طويلة صماء، وقناة التركي مطرد أجوف. ~~والقنا الجوف القصار أشد طعنة، وأخف محملا. والعجم تجعل القنا الطوال ~~للرجالة، وهي قنا الأبناء على أبواب الخنادق والمضايق. PageV03P210 # والأبناء في هذا الباب لا يجرون مع الأتراك والخراسانية، لأن الغالب على ~~الأبناء المطاعنة على أبواب الخنادق، وفي المضايق، وهؤلاء أصحاب الخيل ~~والفرسان، وعلى أصحاب الخيل والفرسان يدور أمر الفروسية. لهم الفر والكر. ~~والفارس هو الذي يطوي الجيش طي السجل، ويفرقهم فرق الشعر. وليس يكون الكمين ~~ولا الطليعة ولا الساقة إلا الكبار منهم. وهم أصحاب الأيام المذكورة، ~~والحروب الكبار، والفتوح العظام. ### || فصل منها # والشح على الوطن، والحنين إليه، والصبابة به، مذكور في القرآن، مخطوط في ~~الصحف بين جميع الناس، غير أن التركي للعلل التي ذكرناها أشد حنينا، وأكثر ~~نزوعا. # وباب آخر مما كان يدعوهم إلى الرجوع قبل ثني العزم والعادة المنقوضة: ~~وذلك أن الترك قوم يشتد عليهم الحصر والجثوم، PageV03P211 ~~وطول البث والمكث، وقلة التصرف والتحرك. وأصل بنيتهم إنما وضع على ~~الحركة، وليس للسكون فيهم نصيب، وفي قوى أرواحهم فضل على قوى أبدانهم، ~~لأنهم أصحاب توقد وحرارة، واشتعال وفطنة، كثيرة خواطرهم، سريع لحظهم. ~~وكانوا ms078 يرون الكفاية معجزة، وطول المقام بلدة، والراحة عقلة والقناعة من ~~قصر الهمة، وأن ترك الغزو يورث الذلة. # وقد قالت العرب في مثل ذلك: قال عبد الله بن وهب الراسبي: " حب الهوينى ~~يكسب النصب ". # والعرب تقول: " من غلا دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء ". # وقال أكثم بن صيفي: " ما أحب أني مكفي كل أمر الدنيا "، قيل: ولم؟ قال: " ~~أخاف عادة العجز ". # فهذه كانت علل الترك في حب الرجوع، والحنين إلى الوطن. # ومن أعظم ما كان يدعوهم إلى الشرود، ويبعثهم على الرجوع، ويكره عندهم ~~المقام، ما كانوا فيه من جهل قوادهم بأقدارهم، وقلة معرفتهم بأخطارهم، ~~وإغفالهم موضع الرد عليهم، والانتفاع PageV03P212 ~~بهم، ولأنهم حين جعلوهم أسوة أجنادهم لم يقنعوا أن يكونوا في الحاشية ~~والحشوة، وفي غمار العامة، ومن عرض العساكر، وأنفوا من ذلك لأنفسهم، وذكروا ~~ما يجب لهم، ورأوا أن الضيم لا يليق بهم، وأن الخمول لا يجوز عليهم، وأنهم ~~في المقام على من لم يعرف حقهم ألوم ممن منعهم حقهم. فلما صادفوا ملكا ~~حكيما، وبأقدار الناس عليما، لا يميل إلى سوء عادة، ولا يجنح إلى هوى، ولا ~~يتعصب لبلد على بلد، يدور مع التدبير حيثما دار، ويقيم مع الحزم حيثما أقام ~~أقاموا إقامة من منح الحظ، ودان بالحق، ونبذ العادة، وآثر الحقيقة، ورحل ~~نفسه لقطيعة وطنه، وآثر الإمامة على ملك الجبرية، واختار الصواب على الإلف. # ثم اعلم بعد ذلك كله أن كل أمة وقرن وجيل وبني أب وجدتهم قد برعوا في ~~الصناعات، وفضلوا الناس في البيان، أو فاقوهم في الآداب أو في تأسيس الملك، ~~أو في البصر في الحرب. فإنك لا تجدهم في الغاية وفي أقصى النهاية، إلا أن ~~يكون الله تعالى قد سخرهم لذلك المعنى بالأسباب، وقصرهم عليه بالعلل التي ~~تقابل تلك PageV03P213 ~~الأمور، وتصلح لتلك المعاني، لأن من كان متقسم الهوى، مشترك الرأي، متشعب ~~النفس، غير موفر على ذلك الشيء، ولا مهيأ له، لم يحذق من تلك الأشياء شيئا ~~بأسره، ولم يبلغ فيه غايته، كأهل الصين في الصناعات، واليونانيين في ms079 الحكم ~~والآداب، والعرب فيما نحن ذاكروه في موضعه، والساسان في الملك، والأتراك في ~~الحروب. # ألا ترى أن اليونانيين الذين نظروا في العلل لم يكونوا تجارا ولا صناعا ~~بأكفهم، ولا أصحاب زرع وفلاحة، وبناء وغرس، ولا أصحاب جمع ومنع وكد. وكانت ~~الملوك تفرغهم، وتجري عليهم كفايتهم، فنظروا حين نظروا بأنفس مجتمعة، وقوة ~~وافرة، وأذهان فارغة، حتى استخرجوا الآلات والأدوات، والملاهي التي تكون ~~جماما للنفس، وراحة بعد الكد، وسرورا يداوي قرح الهموم، فصنعوا من المرافق، ~~وصاغوا من المنافع، كالقرسطونات، والقبانات، PageV03P214 ~~والأسطرلابات، وآلة الساعات، وكالكونيا، والكسيران، والبركار، وكأصناف ~~المزامير والمعازف، والطب والحساب، والهندسة، واللحون، وآلات الحرب، ~~وكالمجانيق، والعرادات، والرتيلات، والدبابات، وآلاة النفاطين، وغير ذلك ~~مما يطول ذكره. # وكانوا أصحاب حكمة، ولم يكونوا فعلة. يصورون الآلة، ويخرطون الأداة، ~~ويصوغون المثل ولا يحسنون العمل بها، ويشيرون إليها ولا يمسونها، يرغبون في ~~التعليم، ويرغبون عن العمل. # فأما سكان الصين فإنهم أصحاب السبك والصياغة، والإفراغ والإذابة، ~~والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط والنجر والتصاوير، PageV03P215 ~~والنسج والخط، ورفق الكف في كل شيء يتولونه ويعانونه، وإن اختلف جوهره، ~~وتباينت صنعته، وتفاوت ثمنه. # فاليونانيون يعرفون العلل ولا يباشرون العمل، وسكان الصين يباشرون العمل ~~ولا يعرفون العلل؛ لأن أولئك حكماء، وهؤلاء فعلة. # وكذلك العرب لم يكونوا تجارا ولا صناعا، ولا أطباء ولا حسابا ولا أصحاب ~~فلاحة، فيكونوا مهنة، ولا أصحاب زرع، لخوفهم صغار الجزية. ولم يكونوا أصحاب ~~جمع وكسب، ولا أصحاب احتكار لما في أيديهم، وطلب لما عند غيرهم، ولا طلبوا ~~المعاش من ألسنة الموازين ورءوس المكاييل، ولا عرفوا الدوانيق والقراريط، ~~ولم يفتقروا الفقر المدقع الذي يشغل عن المعرفة، ولم يستغنوا الغناء الذي ~~يورث البلدة، والثروة التي تحدث الغرة، ولم يحتملوا ذلا قط فيميت قلوبهم، ~~ويصغر عندهم أنفسهم. وكانوا سكان فياف، وتربية العراء، لا يعرفون الغمق ولا ~~اللثق، ولا البخار ولا الغلظ، PageV03P216 ~~ولا العفن، ولا التخم. أذهان حديدة، ونفوس منكرة. فحين حملوا حدهم، ~~ووجهوا قواهم إلى قول الشعر، وبلاغة المنطق، وتشقيق اللغة، وتصاريف الكلام، ~~وقيافة البشر بعد قيافة الأثر، وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم، ms080 والاستدلال ~~بالآثار، وتعرف الأنواء، والبصر بالخيل والسلاح وآلة الحرب، والحفظ لكل ~~مسموع، والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المناقب والمثالب، بلغوا في ذلك ~~الغاية، وحازوا كل أمنية. وببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر، وهممهم أرفع، ~~وهم من جميع الأمم أفخر، ولأيامهم أذكر. # وكذلك الترك، أصحاب عمد، وسكان فياف، وأرباب مواش. وهم أعراب العجم، كما ~~أن هذيلا أكراد العرب، لم تشغلهم الصناعات ولا التجارات، ولا الطب والفلاحة ~~والهندسة، ولا غراس ولا بنيان، ولا شق أنهار، ولا جباية غلات، ولم يكن همهم ~~غير الغارة والغزو والصيد، وركوب الخيل، ومقارعة الأبطال، وطلب الغنائم، ~~وتدويخ البلاد. وكانت هممهم إلى ذلك مصروفة، وكانت لهذه المعاني والأسباب ~~المسخرة، ومقصورة عليها وموصولة بها، أحكموا ذلك الأمر بأسره، وأتوا على ~~آخره، وصار ذلك هو صناعتهم وتجارتهم، ولذتهم في الحرب وفخرهم، وحديثهم ~~وسمرهم. # فلما كانوا كذلك صاروا في الحرب كاليونانيين في الحكمة، PageV03P217 ~~وأهل الصين في الصناعات، والأعراب فيما عددنا ونزلنا، وكالساسان في الملك ~~والسياسة. # ومما يستدل به على أنهم قد استقصوا هذا الباب واستفرغوه، وبلغوا أقصى ~~غايته وتعرفوه، أن السيف إلى أن يتقلده متقلد، أو يضرب به ضارب، قد مر على ~~أيد كثيرة، وعلى طبقات من الصناع، كل واحد منهم لا يعمل عمل صاحبه ولا ~~يحسنه، ولا يدعيه ولا يتكلفه؛ لأن الذي يذيب حديد السيف ويميعه ويصفيه ~~ويهذبه، غير الذي يمده ويمطله، والذي يمده ويمطله غير الذي يطبعه ويسوي ~~متنه، ويقيم خشيبته، والذي يطبعه ويسوي متنه غير الذي يسقيه ويرهفه، والذي ~~يسقيه ويرهفه، غير الذي يركب قبيعته، ويستوثق من سيلانه، والذي يعمل مسامير ~~السيلان، وشاربي القبيعة ونعل السيف غير الذي ينحت خشب غمده. والذي ينحت ~~خشب غمده غير الذي يدبغ جلده، والذي يدبغ جلده غير الذي يحليه، والذي يحليه ~~ويركب نصله غير الذي يخرز حمائله. PageV03P218 ~~وكذلك السرج، وحالات السهم والجعبة والرمح، وجميع السلاح مما هو جارح أو ~~جنة. # والتركي يعمل هذا كله بنفسه، من ابتدائه إلى غايته، ولا يستعين برفيق، ~~ولا يفزع إلى رأي صديق، ولا يختلف إلى صائغ، ولا ms081 يشغل قلبه بمطاله وتسويفه، ~~وأكاذيب مواعيده، وبغرم كرائه. # وليس في الأرض كل تركي كما وصفنا، كما أنه ليس كل يوناني حكيما، ولا كل ~~صيني حاذقا، ولا كل أعرابي شاعرا فائقا، ولكن هذه الأمور في هؤلاء أعم ~~وأتم، وفيهم أظهر وأكثر. # قد قلنا في السبب الذي تكاملت به النجدة والفروسية في الترك دون جميع ~~الأمم، وفي العلل التي من أجلها نظموا جميع معاني الحرب، وهي معان تشتمل ~~على مذاهب غريبة، وخصال عجيبة، فمنها ما يقضى لأهله بالكرم، وببعد الهمة، ~~وطلب الغاية. ومنها ما يدل على الأدب السديد، والرأي الأصيل، والفطنة ~~الثاقبة، والبصيرة النافذة. # ألا ترى أنه ليس بد لصاحب الحرب من الحلم والعلم، والحزم والعزم، والصبر ~~والكتمان، ومن الثقافة وقلة الغفلة، وكثرة التجربة؟ ولا بد من الصبر بالخيل ~~والسلاح، والخبرة بالرجال والبلاد، PageV03P219 ~~والعلم بالمكان والزمان والمكايد، وبما فيه صلاح الأمور كلها. # والملك يحتاج إلى أواخ شداد، وأسباب متان، ومن أمتنها سببا، وأعمها نفعا، ~~ما ثبته في نصابه، وسكنه في قراره، وزاده في تمكينه وبهائه، وقطع أسباب ~~المطمعة فيه، ومنع أيدي البغاة من الإشارة إليه، فضلا عن البسط عليه. # قد قلنا في مناقب جميع الأصناف بجمل ما انتهى إلينا، وبلغه علمنا، فإن ~~وقع بالموافقة فبتوفيق من الله تعالى وصنعه، عز ذكره. وإن قصر دون ذلك ~~فالذي قصر بنا نقصان علمنا، وقلة حفظنا، وأسماعنا. فأما حسن النية، والذي ~~نضمر من المحبة والاجتهاد في القربة، فإنا لا نرجع في ذلك إلى أنفسنا ~~بلائمة. وبين التقصير من جهة العجز وضعف القوة فرق. # ولو كان هذا الكتاب من كتب المناقضات، وكتب المسائل والجوابات، وكان كل ~~صنف من هذه الأصناف يريد الاستقصاء على صاحبه، ويكون غايته إظهار نفسه وإن ~~لم يصل إلى ذلك إلا بإظهار نقص أخيه ووليه، لكان كتابنا كبيرا، كثير الورق ~~عظيما. ولكن القليل الذي يجمع، خير من الكثير الذي يفرق. # ونحن نعوذ بالله من هذا المذهب، ونسأله العون والتسديد، إنه سميع قريب، ~~فعال لما يريد. PageV03P220 ### | 8- من كتابه في حجج النبوة PageV03P221 ### || فصل من صدر كتابه ms082 في حجج النبوة # الحمد لله الذي عرفنا نفسه، وعلمنا دينه، وجعلنا من الدعاة إليه، ~~والمحتجين له. فنحن نسأله تمام النعمة، والعون على أداء شكره، وأن يوفقنا ~~للحق برحمته، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، والمرغوب إليه فيه، وصلى الله على ~~محمد وآله وسلم. # ثم إنا قائلون في الأخبار، ومخبرون عن الآثار، ومفرقون بين أسباب الشبهة، ~~وأسباب الحجة، ثم مفرقون بين الحجة التي تلزم الخاصة دون العامة، ومخبرون ~~عن الضرب الذي يكون الخاصة فيه حجة على العامة، وعن الموضع الذي يكون ~~القليل فيه أحق بالحجة من الكثير، ولم شاع الخبر وأصله ضعيف؟ ولم خفي وأصله ~~قوي؟ وما الذي يؤمن من فساده وتبديله مع تقادم عصره، وكثرة الطاعنين فيه، ~~وعن الحاجة إلى رواية الآثار، وإلى سماع الأخبار، وعن أخلاق الناس وآبائهم، ~~ومذاهب أسلافهم، وعن سير الملوك قبلهم، وما صنعت الأيام بهم، وعن شرائع ~~أنبيائهم، وأعلام رسلهم، وعن أدب حكمائهم، وأقاويل أئمتهم وفقهائهم، وعن ~~حالات من غاب عن أبصارهم في دهرهم، ولم كان الإخبار على الناس أخف من ~~الكتمان؟ ولم PageV03P223 ~~كان الصمت أثقل عليهم من الكلام؟ وما الضرب الذي يقدرون على كتمانه وطيه، ~~والضرب الذي لا يقدرون إلا على إذاعته ونشره؟ ولم اجتمعت الأمم على الصدق ~~في أمور، واختلفت في غيرها؟ ولم حفظت أمورا ونسيت سواها؟ ولم كان الصدق ~~أكثر من الكذب؟ ولم كان الصمت أثقل والقول أفضل؟ # والعجب من ترك الفقهاء ~~تمييز الآثار، وترك المتكلمين القول في تصحيح الأخبار، وبالأخبار يعرف ~~الناس النبي من المتنبي، والصادق من الكاذب، وبها يعرفون الشريعة من السنة، ~~والفريضة من النافلة، والحظر من الإباحة، والاجتماع من الفرقة، والشذوذ من ~~الاستفاضة، والرد من المعارضة، والنار من الجنة، وعامة المفسدة من المصلحة. # فإذا نزلت الأخبار منازلها وقسمتها، ذكرت حجج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ودلائله وشرائعه وسننه، ثم جنست الآثار على أقدارها، ورتبتها في ~~مراتبها، وقربت ذلك واختصرته، وأوضحت عنه وبينته، حتى يستوي في معرفتها من ~~قل سماعه وساء حفظه، ومن كثر سماعه وجاد حفظه، بالوجوه الجليلة، والأدلة ~~الاضطرارية. ms083 # ولم أرد في هذا الكتاب جمع حجج الرسول عليه السلام، وتفصيلها والقول ~~فيها، لنقض مسها، أولوهن كان في أصلها من ناقليها PageV03P224 ~~والمخبرين عنها، أو لأن طعن الملحدين نهكها وفرق جماعتها، ونقض قواها. ~~ولكن لأمور سأذكرها وأحتج. # وكيف تقصر الحجة عن بلوغ الغاية، وتنقص عن التمام، والله تعالى المتوكل ~~بها، ومسخر أصناف البرية ومهيج النفوس على إبلاغها، وقد أخبر بذلك عن نفسه ~~في محكم كتابه عز ذكره، حين قال: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ". وأدنى منازل الإظهار إظهار الحجة ~~على من ضاره وخالف عليه. # وقال عز ذكره: " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو ~~كره الكافرون ". # وأخبر أنه أمر الأحمر والأسود، ولم يكن ليأمر الأقصى إلا كما يأمر الأدنى ~~ويأمر الغائب على الحاضر، قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: " وما أرسلناك ~~إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ". # فأقول: إن كل مطيق محجوج، والحجة حجتان: عيان ظاهر، PageV03P225 ~~وخبر قاهر. فإذا تكلمنا في العيان وما يفرع منه فلا بد من التعارف في ~~أصله وفرعه منه. ولا بد من التصادق في أصله، والتعارف في فرعه. فالعقل هو ~~المستدل، والعيان والخبر هما علة الاستدلال وأصله، ومحال كون الفرع مع عدم ~~الأصل، وكون الاستدلال مع عدم الدليل. والعقل مضمن بالدليل، والدليل مضمن ~~بالعقل، ولا بد لكل واحد منهما من صاحبه، وليس لإبطال أحدهما وجه مع إيجاب ~~الآخر. # والعقل نوع واحد، والدليل نوعان: أحدهما شاهد عيان يدل على غائب، والآخر ~~مجيء خبر يدل على صدق. # ثم رجع الكلام إلى الإخبار عن دلائل النبي صلى الله عليه وسلم وأعلامه، ~~والاحتجاج لشواهده وبرهانه، فأقول: # إن السلف الذين جمعوا القرآن في المصاحف ~~بعد أن كان متفرقا في الصدور، والذين جمعوا الناس على قراءة زيد، بعد أن ~~كان غيرها مطلقا غير محظور، والذين حصنوه ومنعوه الزيادة والنقصان لو كانوا ~~جمعوا علامات النبي صلى الله عليه وسلم، وبرهانه، ودلائله وآياته وصنوف ~~بدائعه، وأنواع عجائبه في مقامه وظعنه، وعند دعائه واحتجاجه في الجمع ms084 ~~العظيم، وبحضرة العدد الكثير الذي PageV03P226 ~~لا يستطيع الشك في خبرهم إلا الغبي الجاهل، والعدو المائل، لما ~~استطاع اليوم أن يدفع كونها وصحة مجيئها، لا زنديق جاحد، ولا دهري معاند، ~~ولا متطرف ماجن، ولا ضعيف مخدوع، ولا حدث مغرور؛ ولكان مشهورا في عوامنا ~~كشهرته في خواصنا، ولكان استبصار جميع أعياننا في حقهم كاستبصارهم في باطل ~~نصاراهم ومجوسهم، ولما وجد الملحد موضع طمع في غني يستميله، وفي حدث يموه ~~له. # ولولا كثرة ضعفائنا مع كثرة الدخلاء فينا، الذين نطقوا بألسنتنا، ~~واستعانوا بعقولنا على أغبيائنا وأغمارنا، لما تكلفنا كشف الظاهر، وإظهار ~~البارز، والاحتجاج الواضح. # إلا أن الذي دعا سلفنا إلى ذلك، الاتكال على ظهورها واستفاضة أمرها. # وإذ كان ذلك كذلك فلم يؤت من أتي من جهالنا وأحداثنا، وسفهائنا وخلعائنا ~~إلا من قبل ضعف العناية، وقلة المبالاة، ومن قبل الحداثة والغرارة، ومن قبل ~~أنهم حملوا على عقولهم من دقيق الكلام قبل العلم بجليله ما لم تبلغه قواهم، ~~وتتسع له صدورهم، وتحمله أقدارهم، فذهبوا عن الحق يمينا وشمالا، لأن من لم ~~يلزم الجادة تخبط، ومن تناول الفرع قبل إحكام الأصل سقط، ومن خرق بنفسه PageV03P227 ~~وكلفها فوق طاقتها، ولم ينل ما لا يقدر عليه تفلت منه ما كان يقدر عليه. # فإذا كانوا كذلك فإنما أتوا من قبل أنفسهم، ولم يؤتوا من سلفهم، أو لأن ~~الله تبارك وتعالى صرف أسلافنا بنسيان أو غيره ليمتحن بذلك غيرهم في آخر ~~الزمان، وليعرضهم لطاعته بالذب عن دينه، والاحتجاج لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم، وليجري هذا الخير على أيديهم، كما أجرى أكثر منه على أيدي أسلافهم، ~~لئلا يبخس أحد خليقته من العلماء والفقهاء، ولأن يجعل فضله مقسما بين جميع ~~الأولياء، وإن كان الأول أحق بالتقديم، والآخر أحق بالتأخير، للذي قدموا من ~~الاحتمال، وأعطوا من المجهود، ولأنهم أصل هذا الأمر ونحن فرعه، والأصل أحق ~~بالقوة من الفرع. وهم السابقون ونحن التابعون، وهم الذين وطئوا لنا، ~~وكلفونا ما لم نكن لنكلفه أنفسنا، فتجرعوا دوننا المرار، ومنحونا روح ~~الكفاية. ولأن الله تعالى اختارهم لصحبة ms085 نبيه صلى الله عليه وسلم، ولأن ~~القرآن نطق بفضيلتهم؛ والله تعالى أعلم بمن بعدهم، والذي جمع أسلافنا الذين ~~جمعوا الناس على قراءة زيد، دون أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود، والذين ~~رأوا من قول عبد الله في المعوذتين، وقول أبي في سورتي الحفد والخلع. PageV03P228 ~~ومن تعلق الناس بالاختلاف، فكانوا لا يزالون قد رأوا الرجل يروي الحرف ~~الشاذ، ويقرأ بالحرف الذي لا يعرفونه، فرأوا أن تحصينه لا يتم إلا بحمل ~~الناس على المقروء عندهم، المشهور فيما بينهم، وأنهم إن لم يشددوا في ذلك ~~لم ينقطع الطمع، ولم ينزجر الطير، لأن رجلا من العرب لو قرأ على رجل من ~~خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة، طويلة أو قصيرة، لتبين له في نظامها ومخرجها، ~~وفي لفظها وطبعها، أنه عاجز عن مثلها. ولو تحدى بها أبلغ العرب لظهر عجزه ~~عنها. وليس ذلك في الحرف والحرفين، والكلمة والكلمتين. # ألا ترى أن الناس قد كان يتهيأ في طبائعهم، ويجري على ألسنتهم أن يقول ~~رجل منهم: الحمد لله، وإنا لله، وعلى الله توكلنا، وربنا الله، وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل، وهذا كله في القرآن، غير أنه متفرق غير مجتمع؛ ولو أراد أنطق ~~الناس أن يؤلف من هذا الضرب سورة واحدة، طويلة أو قصيرة، على نظم القرآن ~~وطبعه، وتأليفه ومخرجه لما قدر عليه، ولو استعان بجميع قحطان ومعد بن ~~عدنان. # ورأوا بفهمهم وبتوفيق الله تعالى لهم أن يحصنوه مما يشكل، ويمكن أن يفتعل ~~مثله من الحرف والحرفين، والكلمة والكلمتين، PageV03P229 ~~وقد كانوا عرفوا الابتداع الكثير على البلغاء والشعراء، وخافوا إن هم لم ~~يتقدموا في ذلك أن يتطرفوا عليه، كما تطرفوا على الرواية، لأنهم حين رأوا ~~كثرة الرواية في غير ذوي السابقة، ورأوا كثرة اختلافها، والغرائب التي لا ~~يعرفونها، لم يكن لهم إلا تحصين الشيء الذي عليه مدار الأمر، وإن كانوا ~~يعلمون أن الله بالغ أمره. # فعلى الأئمة أن تحوط هذه الأمة، كما حاط السلف أولها، وأن يعملوا بظاهر ~~الحيطة، إذ كان على الناس الاجتهاد، وليس عليهم علم الغيوب. وإنما ذلك كنحو ms086 ~~رجل أبصر نبيا يحيي الموتى فعرف صدقه، فلما انصرف سأله عنه بعض من لم ير ~~ذلك ولا صح عنده، فعليه أن لا يكتمه، وإن كان يعلم أن الله تعالى سيعلمه ~~ذلك من قبل غيره، وأنه عز ذكره سيسمعه صحته على حبه وكرهه. # ورأوا أن قراءة زيد أحق بذلك، إذ كانت آخر العرض، ولأن الجمع الذين سمعوا ~~آخر العرض أكثر ممن سمع أوله، فحملوا الناس على قراءة زيد، دون أبي وعبد ~~الله، وإن كان الكل حقا، إذ كان رب حق في بعض الزمان أقطع للقيل والقال، ~~وأجدر أن يميت الخلاف، ويحسم الطمع. فتركوا حقا إلى حق العمل به أحق. # ولو أن فقيها رأى إطباق العلماء على صوم يوم عرفة، واستنكارهم الإفطار ~~فيه، فأفطر وأظهر ذلك ليعلمهم موضع الفريضة من النافلة، PageV03P230 ~~أو خاف أن يلحق الفرض على تطاول الأيام ما ليس فيه كان مصيبا، ولكان قد ~~ترك حقا إلى أحق منه. # وللحق درجات، وللخلاف درجات، وللحرام درجات. ألا ترى أن لولي المقتول أن ~~يقتل ويصفح، وأنه إن قتل قتل بحق، وإن صفح صفح بحق، والصفح أفضل من القتل. # ولو أن رجلا أخرج ساكنا بيتا له، أو اقتضى دينا له ساعة محله، أو طلق ~~زوجته وما دخل بها لكان ذلك له، ولحق فعل. وغير ذلك الحق أولى به. # وكيف لا يكون أولى به وهو أحسن، والثواب فيه أعظم، وإلى سلامة الصدور ~~أقرب. # وقد يكون الأمران حسنين، وأحدهما أحسن. وقد يكون الأمران قبيحين، وأحدهما ~~أقبح. # وبعد، فعلى الناس طاعة الأئمة في كل ما أمروا به، إلا فيما تبين أنه ~~معصية. فأما غير ذلك فإنه واجب مفروض، ولازم غير مرفوع. # وعلموا أيضا أنهم لا يبقون إلى آخر الزمان، وأن من يجيء بعدهم لا يقوم ~~مقامهم، ولا يفصل الأمور تفصيلهم. ولو عرفوا كمعرفتهم، وأرادوا ذلك ~~كإرادتهم، لما أطيعوا كطاعتهم. # وعلموا أن الأكاذيب والبدع ستكثر، وأن الفتن ستفتح، وأن PageV03P231 ~~الفساد سيفشو، فكرهوا أن يجعلوا للمتطرفين علة، ولأهل الزيغ حجة. # بل لا شك أنهم لو تركوا الناس عامة ms087 يقرءون على حرف فلان وكل ما أجاز فيه ~~فلان عن فلان، لألحق قوم في آخر الزمان بهم ما ليس منهم، ولا يجري مجراهم، ~~ولا يجوز مجازهم. ### || فصل منه في الاحتجاج للجمع على قراءة زيد # ولو كان زيد من آل أبي العاص، أو من عرض بني أمية، لوجد ابن مسعود ~~متعلقا. # ولو كان بدا زيد عبد الرحمن بن عوف لوجد إلى القول سبيلا. # ولو كان ابن مسعود رجلا من بني هاشم لوجد للطعن موضعا. # ولو كان عثمان رضي الله تعالى عنه استبد بذلك الرأي على علي بن أبي طالب ~~كرم الله وجهه، وسعد وطلحة والزبير رحمهم الله، وجميع المهاجرين والأنصار، ~~لوجد للتهمة مساغا. # فأما والأمر كما وصفنا ونزلنا، فما الطاعن على عثمان إلا رجل أخطأ خطة ~~الحق، وعجل على صاحبه. ولكل بني آدم من الخطأ نصيب، والله عز ذكره يغفر له ~~ويرحمه. PageV03P232 # والذي يخطىء عثمان في ذلك فقد خطأ عليا وعبد الرحمن وسعدا، والزبير ~~وطلحة، وعلية الصحابة. # ولو لم يكن ذلك رأي علي لغيره، ولو لم يمكنه التغيير لقال فيه، ولو لم ~~يمكنه في زمن عثمان لأمكنه في زمن نفسه، وكان لا أقل من إظهار الحجة إن لم ~~يملك تحويل الأمة، وكان لا أقل من التجربة إن لم يكن من النجح على ثقة، بل ~~لم يكن لعثمان في ذلك ما لم يكن لجميع الصحابة، وأهل القدم والقدوة. ومع أن ~~الوجه فيما صنعوا واضح، بل لا نجد لما صنعوا وجها غير الإصابة والاحتياط، ~~والإشفاق والنظر للعواقب، وحسم طعن الطاعن. # ولو لم يكن ما صنعوا لله تعالى فيه رضا لما اجتمع عليه أول هذه أول الأمة ~~وآخرها. وإن أمرا اجتمعت عليه المعتزلة والشيعة، والخوارج والمرجئة، لظاهر ~~الصواب، واضح البرهان، على اختلاف أهوائهم، وبغيتهم لكل ما ورد عليهم. # فإن قال قائل: هذه الروافض بأسرها تأبى ذلك وتنكره، وتطعن فيه، وترى ~~تغييره. # قلنا: إن الروافض ليست منا بسبيل، لأن من كان أذانه غير أذاننا، وصلاته ~~غير صلاتنا، وطلاقه غير طلاقنا، وعتقه غير عتقنا، وحجته غير ms088 حجتنا، وفقهاؤه ~~غير فقهائنا وإمامه غير إمامنا، PageV03P233 ~~وقراءته غير قراءتنا، وحلاله غير حلالنا، وحرامه غير حرامنا، فلا نحن منه ~~ولا هو منا. # ولأي شيء حامت عن قراءة ابن مسعود، فوالله ما كان أحد أفرط في العمرية ~~منه، ولا أشد على الشيعة منه، ولقد بلغ من حبه لعمر رضي الله عنه أن قال: ~~لقد خشيت الله تعالى في حبي لعمر. فلم يحامون عنه وهو كان شجاهم لو أدركهم. ### || فصل منه # فآمن الله رجلا فارقهم ولزم الجماعة، فإن فيها الأنسة والحجة، وترك ~~الفرقة فإن فيها الوحشة والشبهة. والحمد لله الذي جعلنا لا نفرق بين ~~أئمتنا، كما جعلنا لا نفرق بين أنبيائنا. ### || فصل منه # والذي دعانا إلى تأليف حجج الرسول ونظمها، وجمع وجوهها وتدوينها أنها متى ~~كانت مجموعة منظومة، نشط لحفظها وتفهمها من كان عسى أن لا ينشط لجمعها، ولا ~~يقدر على نظمها، وجمع متفرقها، وعلى اللفظ المؤثر عنها، ومن كان عسى أن لا ~~يعرف وجه مطلبها، والوقوع عليها. PageV03P234 # ولعل بعض الناس يعرف بعضها ويجهل بعضها. # ولعل بعضهم وإن كان قد عرفها بحقها وصدقها فلم يعرفها من أسهل طرقها، ~~وأقرب وجوهها. # ولعل بعضهم أن يكون قد عرف فنسي، أو تهاون بها فعمي، بل لا نشك أنها إذا ~~كانت مجموعة محبرة، مستقصاة مفصلة، أنها ستزيد في بصيرة العالم، وتجمع الكل ~~لمن كان لا يعرف إلا البعض، وتذكر الناسي، وتكون عدة على الطاعن. # ولعل بعض من ألحد في دينه، وعمي عن رشده، وأخطأ موضع حظه أن يدعوه العجب ~~بنفسه، والثقة بما عنده، إلى أن يلتمس قراءتها، ليتقدم في نقضها وإفسادها، ~~فإذا قرأها فهمها، وإذا فهمها انتبه من رقدته، وأفاق من سكرته، لعز الحق، ~~وذل الباطل، ولإشراف الحجة على الشبهة، ولأن من تفرد بكتاب فقرأه ليس كمن ~~نازع صاحبه وجاثاه، لأن الإنسان لا يباهي بنفسه، PageV03P235 ~~والحق بعد قاهر له. ومع التلاقي يحدث التباهي، وفي المحافل يقل الخضوع، ~~ويشتد النزوع. # ثم رجع الكلام إلى حاجة الناس إلى استماع الأخبار، والتفقه في تصحيح ~~الآثار، فأقول: إن الناس لو ms089 استغنوا عن التكرير، وكفوا مئونة البحث ~~والتنقير لقل اعتبارهم. ومن قل اعتباره قل علمه، ومن قل علمه قل فضله، ومن ~~قل فضله كثر نقصه، ومن قل علمه وفضله وكثر نقصه لم يحمد على خير أتاه، ولم ~~يذم على شر جناه، ولم يجد طعم العز، ولا سرور الظفر، ولا روح الرجاء، ولا ~~برد اليقين، ولا راحة الأمن. # وكيف يشكر من لا يقصد، وكيف يلام من لا يتعمد، وكيف يقصد من لا يعلم. وما ~~عسى أن يبلغ قدر سروره من لا يحسن من السرور إلا ما سر به حواسه ومسه جلده. # وكيف يأتي أربح الأفعال، وأبعد الشرين من ركب في شراسة السباع وغباوة ~~البهائم، ثم لم يعط الآلة التي بها يستطيع التفرقة بين ما عليه وله، والعلم ~~بمصالحه ومفاسده، فيقوى بها على عصيان طبائعه، ومخالفة شهواته، وبها يعرف ~~عواقب الأمور، وما تأتي به PageV03P236 ~~الدهور، وفضل لذة القلب على لذة البدن. # وإن سرور الجاهل لا يحسن في جنب سرور العالم، وإن لذة البهائم لا تعشر ~~لذة الحكيم العالم. # وأي سرور كسرور العز والرياسة، واتساع المعرفة، وكثرة صواب الرأي، والنجح ~~الذي لا سبب له إلا حسن النظر والتقدم في التدبير، ثم العلم بالله وحده، ~~وأنك بعرض ولايته والجاه عنده، وأنه الذي يرعاك ويكفيك، وأنك إذا علمت ~~اليسير أعطاك الكثير، ومتى تركت له الفاني أعطاك الباقي، ومتى أدبرت عنه ~~دعاك، ومتى رجعت إليه اجتباك، ويحمدك على حقك، ويعطيك على نظرك، لنفسك ولا ~~يفنيك إلا ليبقيك، ولا يميتك إلا ليحييك، ولا يمنعك إلا ليعطيك. وأنه ~~المبتدىء بالنعمة قبل السؤال، والناظر لك في كل حال. # وهذا كله لا ينال إلا بغريزة العقل. على أن الغريزة لا تنال ذلك بنفسها، ~~بما باشرته حواسها، دون النظر والتفكر، والبحث والتصفح. # ولن ينظر ناظر ولا يفكر مفكر دون الحاجة التي تبعث على PageV03P237 ~~الفكرة، وعلى طلب الحيلة. ولذلك وضع الله تعالى في الإنسان طبيعة الغضب، ~~وطبيعة الرضا، وطبيعة البخل والسخاء، والجزع والصبر، والرياء والإخلاص، ~~والكبر والتواضع، والسخط والقناعة، فجعلها عروقا. ولن تفي ms090 قوة غريزة العقل ~~بجميع قوى طبائعه وشهواته، حتى يقيم ما اعوج منها، ويسكن ما تحرك، دون ~~النظر الطويل الذي يشدها، والبحث الشديد الذي يشحذها، والتجارب التي ~~تحنكها، والفوائد التي تزيد فيها. ولن يكثر النظر حتى تكثر الخواطر، ولن ~~تكثر الخواطر حتى تكثر الحوائج، ولن تبعد الرؤية إلا لبعد الغاية وشدة ~~الحاجة. # ولو أن الناس تركوا وقدر قوى غرائزهم، ولم يهاجوا بالحاجة على طلب ~~مصلحتهم والتفكر في معاشهم، وعواقب أمورهم، وألجئوا إلى قدر خواطرهم التي ~~تولد مباشرة حواسهم، دون أن يسمعهم الله تعالى خواطر الأولين، وأدب السلف ~~المتقدمين، وكتب رب العالمين، لما أدركوا من العلم إلا اليسير، ولما ميزوا ~~من الأمور إلا القليل. PageV03P238 ~~ولولا أن الله تعالى أراد تشريف العالم وتربيته، وتسويد العاقل ورفع ~~قدره، وأن يجعله حكيما، وبالعواقب عليما، لما سخر له كل شيء، ولم يسخره ~~لشيء، ولما طبعه الطبع الذي يجيء منه أريب حكيم، وعالم حليم. # كما أنه عز ذكره لو أراد أن يكون الطفل عاقلا، والمجنون عالما، لطبعهم ~~طبع العاقل، ولسواهم تسوية العالم، كما أراد أن يكون السبع وثابا، والحديد ~~قاطعا، والسم قاتلا، والغذاء مقيما؛ فكذلك أراد أن يكون المطبوع على ~~المعرفة عالما، والمهيأ للحكمة حكيما، وذو الدليل مستدلا، وذو النعمة ~~مستنفعا بها. # فلما علم الله تبارك وتعالى أن الناس لا يدركون مصالحهم بأنفسهم، ولا ~~يشعرون بعواقب أمورهم بغرائزهم، دون أن يرد عليهم آداب المرسلين، وكتب ~~الأولين، والأخبار عن القرون، والجبابرة الماضين طبع كل قرن من الناس على ~~أخبار من يليه، ووضع القرن الثاني دليلا يعلم به صدق خبر الأول؛ لأن كثرة ~~السماع للأخبار العجيبة، والمعاني الغريبة، مشحذة للأذهان، ومادة للقلوب، ~~وسبب للتفكير، وعلة للتنقير عن الأمور. # وأكثر الناس سماعا أكثرهم خواطر، وأكثرهم خواطر أكثرهم تفكرا، وأكثرهم ~~تفكرا أكثرهم علما، وأكثرهم علما أرجحهم عملا. كما أن أكثر البصراء رؤية ~~للأعاجيب أكثرهم تجارب، ولذلك PageV03P239 ~~صار البصير أكثر خواطر من الأعمى، وصار السميع البصير أكثر خواطر من ~~البصير. # وعلى قدر شدة الحاجة تكون الحركة، وعلى قدر ضعف الحاجة يكون السكون، ms091 كما ~~أن الراجي والخائف دائبان، والآيس والآمن وادعان. # وإذا كان الله تعالى لم يخلق عباده في طبع عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، ~~وآدم أبي البشر، صلوات الله عليهم أجمعين، وخلقهم منقوصين، وعن درك مصالحهم ~~عاجزين، وأراد منهم العبادة، وكلفهم الطاقة، وترك العنان للأمل البعيد، ~~وأرسل إليهم رسله، وبعث فيهم أنبياءه، وقال: " لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل "، ولم يشهد أكثر عباده حجج رسله عليهم السلام، ولا أحضرهم ~~عجائب أنبيائه، ولا أسمعهم احتجاجهم، ولا أراهم تدبيرهم لم يكن بد من أن ~~يطلع المعاينين على أخبار الغائبين، وأن يسخر أسماع الغائبين لأخبار ~~المعاندين، وأن يخالف بين طبائع PageV03P240 ~~المخبرين، وعلل الناقلين، ليدل السامعين، ومن يجيب من الناس. # على أن العدد الكثير المختلفي العلل، المتضادي الأسباب، المتفاوتي الهمم، ~~لا يتفقون على تخرص الخبر في المعنى الواحد، وكما لا يتفقون على الخبر ~~الواحد على غير التلاقي والتراسل إلا وهو حق. فكذلك لا يمكن مثلهم في مثل ~~عللهم التلاقي عليه، والتراسل فيه. # ولو كان تلاقيهم ممكنا، وتراسلهم جائزا لظهر ذلك وفشا، واستفاض وبدا. # ولو كان ذلك أيضا ممكنا، وكان قولا متوهما لبطلت الحجة، ولنقضت العادة، ~~ولفسدت العبرة، ولعادت النفس بعلة الأخبار جاهلة، ولكان للناس على الله ~~أكبر الحجة. وقد قال الله جل وعز: " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل "، إذ كلفهم طاعة رسله، وتصديق أنبيائه ورسله وكتبه، والإيمان بجنته ~~وناره، ولم يضع لهم دليلا على صدق الأخبار، وامتناع الغلط في الآثار، تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا. PageV03P241 # واعلم أن الله تعالى إنما خالف بين طبائع الناس ليوفق بينهم، ولم يحب أن ~~يوفق بينهم فيما يخالف مصلحتهم؛ لأن الناس لو لم يكونوا مسخرين بالأسباب ~~المختلفة، وكانوا مجبرين في الأمور المتفقة والمختلفة، لجاز أن يختاروا ~~بأجمعهم التجارة والصناعة، ولجاز أن يطلبوا بأجمعهم الملك والسياسة. وفي ~~هذا ذهاب العيش، وبطلان المصلحة، والبوار والتواء. # ولو لم يكونوا مسخرين بالأسباب، مرتهنين بالعلل لرغبوا عن الحجامة ~~أجمعين، والبيطرة، والقصابة، والدباغة. ولكن لكل صنف من الناس مزين عندهم ms092 ~~ما هم فيه، ومسهل ذلك عليهم. فالحائك إذا رأى تقصيرا من صاحبه أو سوء حذق ~~أو خرقا قال له: يا حجام! والحجام إذا رأى تقصيرا من صاحبه قال له: يا ~~حائك! ولذلك لم يجمعوا على إسلام أبنائهم في غير الحياكة والحجامة، ~~والبيطرة والقصابة. # ولولا أن الله تعالى أراد أن يجعل الاختلاف سببا للاتفاق والائتلاف، لما ~~جعل واحدا قصيرا والآخر طويلا، وواحدا حسنا وآخر قبيحا، وواحدا غنيا وآخر ~~فقيرا، وواحدا عاقلا وآخر مجنونا، وواحدا ذكيا وآخر غبيا. ولكن خالف بينهم ~~ليختبرهم، وبالاختبار يطيعون، وبالطاعة يسعدون. ففرق بينهم ليجمعهم، وأحب ~~أن يجمعهم على PageV03P242 ~~الطاعة ليجمعهم على المثوبة. فسبحانه وتعالى، ما أحسن ما أبلى وأولى، ~~وأحكم ما صنع، وأتقن ما دبر! لأن الناس لو رغبوا كلهم عن عار الحياكة ~~لبقينا عراة. ولو رغبوا بأجمعهم عن كد البناء لبقينا بالعراء. ولو رغبوا عن ~~الفلاحة لذهبت الأقوات، ولبطل أصل المعاش. فسخرهم على غير إكراه، ورغبهم من ~~غير دعاء. # ولولا اختلاف طبائع الناس وعللهم لما اختاروا من الأشياء إلا أحسنها، ومن ~~البلاد إلا أعدلها، ومن الأمصار إلا أوسطها. ولو كانوا كذلك لتناجزوا على ~~طلب الأواسط، وتشاجروا على البلاد العليا، ولما وسعهم بلد، ولما تم بينهم ~~صلح. فقد صار بهم التسخير إلى غاية القناعة. # وكيف لا يكون كذلك وأنت لو حولت ساكني الآجام إلى الفيافي، وساكني السهل ~~إلى الجبال، وساكني الجبال إلى البحار، وساكني الوبر إلى المدر، لأذاب ~~قلوبهم الهم، ولأتى عليهم فرط النزاع. # وقد قيل: " عمر الله البلدان بحب الأوطان ". # وقال عبد الله بن الزبير رحمه الله تعالى: " ليس الناس بشيء من أقسامهم ~~أقنع منهم بأوطانهم ". # وقال معاوية في قوم من اليمن رجعوا إلى بلادهم بعد أن أنزلهم من PageV03P243 ~~الشام منزلا خصبا، وفرض لهم في شرف العطاء: " يصلون أوطانهم بقطيعة ~~أنفسهم ". # وقال الله جل وعز: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من ~~دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ". فقرن الضن بالأوطان إلى الضن بمهج ~~النفوس. # وليس على ظهرها إنسان إلا وهو معجب بعقله، ms093 لا يسره أن له بجميع ما له ما ~~لغيره، ولولا ذلك لماتوا كمدا، ولذابوا حسدا، ولكن كل إنسان وإن كان يرى ~~أنه حاسد في شيء فهو يرى أنه محسود في شيء. # ولولا اختلاف الأسباب لتنازعوا بلدة واحدة، واسما واحدا، وكنية واحدة. ~~فقد صاروا كما ترى مع اختيار الأشياء المختلفة إلى الأسماء القبيحة، ~~والألقاب السمجة. والأسماء مبذولة، والصناعات مباحة، والمتاجر مطلقة، ووجوه ~~الطرق مخلاة، ولكنها مطلقة في الظاهر، مقسمة في الباطن، وإن كانوا لا ~~يشعرون بالذي دبر الحكيم من ذلك، ولا بالمصلحة فيه. # فسبحان من حبب إلى واحد أن يسمي ابنه محمدا، وحبب إلى آخر أن يسميه ~~شيطانا، وحبب إلى آخر أن يسميه عبد الله، وحبب PageV03P244 ~~إلى آخر أن يسميه حمارا، لأن الناس لو لم يخالف بين عللهم في اختيار ~~الأسماء والكنى، جاز أن يجتمعوا على شيء واحد، وكان في ذلك بطلان العلامات، ~~وفساد المعاملات. # وأنت إذا رأيت ألوانهم وشمائلهم واختلاف صورهم، وسمعت لغاتهم ونغمهم علمت ~~أن طبائعهم وعللهم المحجوبة الباطنة، على حسب أمورهم الظاهرة. # وبعض الناس وإن كان مسخرا للحياكة فليس بمسخر للفسق والخيانة، وللإحكام ~~والصدق والأمانة. # وقد يسخر الله الملك لقوم بأسباب قديمة وأسباب حديثة، فلا يزال ذلك الملك ~~مقصورا عليهم، ما دامت تلك الأسباب قائمة، إذا كانوا للملك مسخرين، وكان ~~الناس لهم مسخرين، بالجبرية والنخوة، والفظاظة والقسوة، ولطول الاحتجاب ~~والاستتار، وسوء اللقاء والتضييع. PageV03P245 # وقد يكون الإنسان مسخرا لأمر، ومخيرا في آخر. # ولولا الأمر والنهي لجاز التسخير في دقيق الأمور وجليلها، وخفيها ~~وظاهرها؛ لأن بني الإنسان إنما سخروا له إرادة العائدة إليهم، ولم يسخروا ~~للمعصية، كما لم يسخروا للمفسدة. # وقد تستوي الأسباب في مواضع، وتتفاوت في مواضع. كل ذلك ليجمع الله تعالى ~~لهم مصالح الدنيا، ومراشد الدين. # ألا ترى أن أمة قد اجتمعت على أن عيسى عليه السلام هو الله، وأمة قد ~~اجتمعت على أنه ابن الله، وأمة اجتمعت على أن الآلهة ثلاثة، عيسى أحدها. ~~ومنهم يتبدد، ومنهم من يتدهر، ومنهم من يتحول نسطوريا بعد أن كان يعقوبيا، ~~ومنهم ms094 من أسلم بعد أن كان نصرانيا. ولست واجدا هذه الأمة مع اختلاف ~~مذاهبها، وكثرة تنقلها، انتقلت مرة واختلفت مرة، متعمدة أو ناسية، في يوم ~~واحد، فجعلته - وهو الجمعة - يوم السبت، ولم تخطب في يوم جمعة بخطبة يوم ~~خميس، ولا غلطت في كانون الأول فجعلته كانون الآخر، ولا بين الصوم ~~والإفطار؛ لأن الباب الأول في باب الإمكان PageV03P246 ~~وتعديل الأسباب والامتحان، والباب الثاني داخل في باب الامتناع وتسخير ~~النفوس وطرح الامتحان. # وقد زعم ناس من الجهال، ونفر من الشكاك، ممن يزعم أن الشك واجب في كل ~~شيء، إلا في العيان، أن أهل المنصورة وافوا مصلاهم يوم خميس على أنه يوم ~~الجمعة، في زمن منصور بن جمهور وأن أهل البحرين جلسوا عن مصلاهم يوم الجمعة ~~على أنه يوم خميس، في زمن أبي جعفر، فبعث إليهم وقومهم. # وهذا لا يجوز ولا يمكن في أهل الأمصار، ولا في العدد الكثير من أهل ~~القرى، لأن الناس من بين صانع لا يأخذ أجرته ولا راحة له دون الجمعة، وبين ~~تجار قد اعتادوا الدعة في الجمع، والجلوس عن الأسواق. ومن معلم كتاب لا ~~يصرف غلمانه إلا في الجمع. وبين معني بالجمع يتلاقى هناك مع المعارف ~~والإخوان والجلساء. وبين معني بالجمع حرصا على الصلاة، ورغبة في الثواب. ~~ومن رجل عليه موعد ينتظره. ومن صيرفي يصرف ذلك اليوم سفاتجه وكتب PageV03P247 ~~أصحابه. ومن جندي فهو يعرف بذلك نوبته. وبعض كالسؤال والمساكين والقصاص، ~~الذين يمدون أعناقهم للجمعة انتظارا للصدقة والفائدة، في أمور كثيرة، ~~وأسباب مشهورة. # ولو جاز ذلك في أهل البحرين والمنصورة لجاز ذلك على أهل البصرة والكوفة، ~~ولو جاز ذلك في الأيام لكان في الشهور أجوز، ولو جاز ذلك في الشهور لكان في ~~السنين أجوز. وفي ذلك فساد الحج، والصوم، والصلاة، والزكاة، والأعياد. # ولو كان ذلك جائزا لجاز أن يتفق الشعراء على قصيدة واحدة، والخطباء على ~~خطبة واحدة، والكتاب على رسالة واحدة، بل جميع الناس على لفظة واحدة. # وإنما نزلت لك حالات الناس، وخبرتك عن طبائعهم، وفسرت لك عللهم لتعلم أن ms095 ~~العدد الكثير لا يتفقون على تخرص الخبر الواحد في المعنى الواحد في الزمن ~~الواحد، على غير التشاعر، فيكون باطلا. وسأوجدك موضع اختلافهم واتفاقهم، ~~وأنه لم يخالف بينهم في بعض الوجوه إلا إرهاصا لمصلحتهم، ولتصح أخبارهم. PageV03P248 # ألا ترى أن أحدا لم يبع قط سلعة بدرهم إلا وهو يرى أن ذلك الدرهم خير له ~~من سلعته. ولم يشتر أحد قط سلعة بدرهم إلا وهو يرى أن تلك خير له من درهمه. ~~ولو كان صاحب السلعة يرى في سلعته ما يرى فيها صاحب الدرهم، وكان صاحب ~~الدرهم يرى في الدرهم ما يرى فيه صاحب السلعة ما اتفق بينهم شراء أبدا. وفي ~~هذا جميع المفسدة، وغاية الهلكة. # فسبحان الذي حبب إلينا ما في أيدي غيرنا، وحبب إلى غيرنا ما في أيدينا، ~~ليقع التبايع. وإذا وقع التبايع وقع الترابح، وإذا وقع الترابح وقع ~~التعايش. # ويدلك أيضا على اختلاف طبائعهم وأسبابهم: أنك تجد الجماعة وبين أيديهم ~~الفاكهة والرطب، فلا تجد يدين تلتقيان على رطبة بعينها، وكل واحد من الجميع ~~يرى ما حواه الطبق، غير أن شهوته وقعت على واحدة غير التي آثرها صاحبه. ~~ولربما سبق الرجل إلى الواحدة، وقد كان صاحبه يريدها في نفسه، غير أن ذلك ~~لا يكون إلا في الفرط، ولو كانت شهواتهم ودواعيهم تتفق على واحدة بعينها ~~لكان في ذلك التمانع والتجاذب، والمبادرة وسوء المخالطة والمؤاكلة. وكذلك ~~هو في شهوة النساء والإماء، والمراكب والكسى. وهذا كثير، والعلم به قليل. ~~وبأقل مما قلنا يعرف العاقل صواب مذهبنا. والله تعالى نسأل التوفيق. PageV03P249 # وهو الذي خالف بين طبائعهم وأسبابهم، حتى لا يتفق على تخرص خبر واحد، لأن ~~في اتفاق طبائعهم وأسبابهم في جهة الإخبار فساد أمورهم، وقلة فوائدهم ~~واعتبارهم، وفي فساد أخبارهم فساد متاجرهم والعلم بما غاب عن أبصارهم، ~~وبطلان المعرفة بأنبيائهم ورسلهم عليهم السلام، ووعدهم ووعيدهم، وأمرهم ~~ونهيهم وزجرهم، ورغبتهم، وحدودهم، وقصاصهم الذي هو حياتهم، والذي يعدل ~~طبائعهم، ويسوي أخلاقهم، ويقوي أسبابهم، والذي به يتمانعون من تواثب ~~السباع، وقلة احتراس البهائم، وإضاعة الأعمار. وبه تكثر ms096 خواطرهم وتفكيرهم، ~~وتحسن معرفتهم. # ولم نقل أن العدد الكثير لا يجتمعون على الخبر الباطل، كالتكذيب ~~والتصديق، ونحن قد نجد اليهود والنصارى، والمجوس والزنادقة، والدهرية وعباد ~~البددة يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم، وينكرون آياته وأعلامه، ويقولون: ~~لم يأت بشيء، ولا بان بشيء. وإنما قلنا: إن العدد الكثير لا يتفقون على مثل ~~إخبارهم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، التهامي الأبطحي عليه السلام ~~خرج بمكة، ودعا إلى كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وأباح كذا، PageV03P250 ~~وجاء بهذا الكتاب الذي نقرؤه، فوجب العمل بما فيه، وأنه تحدى البلغاء ~~والخطباء والشعراء، بنظمه وتأليفه، في المواضع الكثيرة، والمحافل العظيمة. ~~فلم يرم ذلك أحد ولا تكلفه، ولا أتى ببعضه ولا شبيه منه، ولا ادعى أنه قد ~~فعل، فيكون ذلك الخبر باطلا. # وليس قول جمعهم إنه كان كاذبا معارضة لهذا الخبر، إلا أن يسموا الإنكار ~~معارضة. وإنما المعارضة مثل الموازنة والمكايلة، فمتى قابلونا بأخبار في ~~وزن أخبارنا ومخرجها ومجيئها، فقد عارضونا ووازنونا وقابلونا، وقد تكافينا ~~وتدافعنا. فأما الإنكار فليس بحجة، كما أن الإقرار ليس بحجة، ولا تصديقنا ~~النبي صلى الله عليه وسلم حجة على غيرنا، ولا تكذيب غيرنا له حجة علينا، ~~وإنما الحجة في المجيء الذي لا يمكن في الباطل مثله. # فإن قلت: وأي مجيء أثبت خبر الأنصاري عن عيسى بن مريم عليه السلام؟ وذلك ~~أنك لو سألت النصارى مجتمعين ومتفرقين لخبروك عن أسلافهم أن عيسى قد قال: ~~إني إله. # قلنا: قد علمنا أن نصارى عصرنا لم يكذبوا على القرن الذي كان قبلهم، ~~والذين كانوا يلونهم. ولكن الدليل على أن أصل خبرهم ليس كفرعه، أن عيسى ~~عليه السلام لو قال: إني إله لما أعطاه الله تعالى إحياء الموتى، والمشي ~~على الماء. على أن في عيسى عليه السلام دلالة في نفسه، أنه ليس بإله، وأنه ~~عبد مدبر، ومقهور ميسر، وليس PageV03P251 ~~خبرهم هذا إلا كإخبار النصارى عن آبائهم والقرن الذي يليهم أن بولس قد ~~كان جاء بالآيات والعلامات. وكإخبار المنانية عن القرن الذي كان يليهم منه ms097 ~~أن ماني قد كان جاءهم بالآيات والعلامات. وكإخبار المجوس عن آبائهم الذين ~~كانوا يلونهم أن زرادشت قد جاءهم بالآيات والعلامات. وقد علمنا أن هؤلاء ~~النصارى لم يكذبوا على القرن الذي كان يليهم، ولا الزنادقة ولا المجوس. ~~ولكن الدليل على أن أصل خبرهم ليس كفرعه أن الله جل وعز لا يعطي العلامات ~~من لا يعرفه، لأن بولس إن كان عنده أن عيسى عليه السلام إله فهو لا يعرف ~~الله تعالى، بل لا يعرف الربوبية من العبودية، والبشرية من الإلهية. ### || فصل منه # وللنصارى خاصة رياء عجيب، وظاهر زهد، والناس أبطأ شيء عن التصفح، وأسرع ~~شيء إلى تقليد صاحب السن والسمت، وظاهر العمل أدعى لهم من العلم. PageV03P252 ### || فصل منه على ذكرهم # وكل قوم بنوا دينهم على حب الأشكال، وشبه الرجال، يشتد وجدهم به وحبهم ~~له، حتى ينقلب الحب عشقا، والوجد صبابة، للمشاكلة التي بين الطبائع، ~~والمناسبة التي بين النفوس. # وعلى قدر ذلك يكون البغض والحقد، لأن النصارى حين جعلوا ربهم إنسانا ~~مثلهم بخعت نفوسهم بالهيبة له لتوهمهم الربوبية، وأسمحت بالمودة لتوهمهم ~~البشرية، فلذلك قدروا من العبادة على ما لم يقدر عليه من سواهم. وبمثل هذا ~~السبب صارت المشبهة منا أعبد ممن ينفي التشبيه، حتى ربما رأيته يتنفس من ~~الشوق إليه، ويشهق عند ذكر الزيارة، ويبكي عند ذكر الرؤية، ويغشى عليه عند ~~ذكر رفع الحجب. وما ظنك بشوق من طمع في مجالسة ربه عز وجل، ومحادثة خالقه ~~عز ذكره. # ولقد غالت القوم غول، ودعاهم أمر، فانظر ما هو؟ وإن سألتني عنه خبرتك: ~~إنما هو نتيجة أحد أمرين: إما تقليد الرجال، وإما طلب تعظيمهم. ولذلك السبب ~~لم ترض اليهود من إنكار حقه بتكذيبه، حتى طلبت قتله وصلبه، والمثلة به، ثم ~~لم ترض بذلك حتى زعمت PageV03P253 ~~أنه لغير رشدة، فلو كانت دون هذه المنزلة منزلة لما انتهت اليهود دون ~~بلوغها، ولو كانت فوق ما قالت النصارى منزلة لما انتهت دون غايتها. # وبذلك السبب صارت الرافضة أشد صبابة وتحرقا، وأفرط غضبا، وأدوم حقدا. ~~وأحسن تواصلا من غيرهم ms098 أيضا. # ورب خبر قد كان فاشيا فدخل عليه من العلل ما منعه من الشهرة، ورب خبر ~~ضعيف الأصل، واهن المخرج، قد تهيأ له من الأسباب ما يوجب الشهرة. ### || فصل منه # واعلم أن لأكثر الشعر ظعنا وحظوظا، كالبيت يحظى ويسير، حتى يحظى صاحبه ~~بحظه، وغيره من الشعر أجود منه. وكالمثل يحظى ويسير، وغيره من الأمثال ~~أجود. وما ضاع من كلام الناس وضل أكثر مما حفظ وحكي. واعتبر ذلك من نفسك، ~~وصديقك وجليسك. # وأمر الأسباب عجيب. ومن ذلك قتل علي بن أبي طالب من السادة والقادة ~~والحماة، ما عسى لو ذكرته لاستكبرته واستعظمته، فأضرب الناس عن ذكرهم، ~~وجهلت العوام مواضعهم، وأخذوا في ذكر عمرو بن عبد ود فرفعوه فوق كل فارس ~~مشهور، وقائد مذكور. PageV03P254 # وقد قرأت على العلماء كتاب الفجار الأول، والثاني، والثالث. وأمر ~~المطيبين والأحلاف، ومقتل أبي أزيهر، ومجيء الفيل، وكل يوم جمع كان لقريش، ~~فما سمعت لعمرو هذا في شيء من ذلك ذكرا. # فإن قلت: إن نبل القاتل زيادة في نبل المقتول، فكل من قتله على ابن أبي ~~طالب رضوان الله عليه أنبل منه وأحق بالشهرة، ولكن أشعار ابن دأب، ومناقلة ~~الصبيان في الكتاب هما اللتان أورثتاه ما ترى وتسمع. PageV03P255 ### || فصل منه في أمر الأخبار # وإنما ذكرت هذا لتعلم أن الخبر قد يكون أصله ضعيفا ثم يعود قويا، ويكون ~~أصله قويا فيعود ضعيفا، للذي يعتريه من الأسباب، ويحل به من الأعراض، من ~~لدن مخرجه وفصوله، إلى أن يبلغ مدته، ومنتهى أجله، وغاية التدبير فيه، ~~والمصلحة عليه. # فلما كان هذا مخوفا، وكان غير مأمون على المتقادم منه وضع الله تعالى لنا ~~على رأس كل فترة علامة، وعلى غاية كل مدة أمارة، ليعيد قوة الخبر، ويجدد ما ~~قد هم بالدروس، بالأنبياء والمرسلين عليهم السلام أجمعين. لأن نوحا عليه ~~السلام هو الذي جدد الأخبار التي كانت في الدهر الذي بينه وبين آدم عليهما ~~السلام، حتى منعها الخلل، وحماها النقصان بالشواهد الصادقة، والأمارات ~~القائمة. وليس أن أخبارهم وحججهم قد كانت درست واختلت، بل حين ms099 همت بذلك ~~وكادت. بعثه الله عز وجل بآياته لئلا تخلو الأرض من حججه، ولذلك سموا آخر ~~الدهر الفترة. وبين الفترة والقطعة فرق. فاعرف ذلك. # ثم بعث الله جل وعز إبراهيم عليه السلام على رأس الفترة الثانية التي ~~كانت بينه وبين دهر نوح، وإنما جعلها الله تعالى أطول فترة كانت في الأرض، ~~لأن نوحا كان لبث في قومه يحتج ويخبر، ويؤكد ويبين، ألف سنة إلا خمسين ~~عاما، ولأن آخر آياته كانت أعظم الآيات، وهي الطوفان، الذي أغرق الله تعالى ~~به جميع أهل الأرض PageV03P256 ~~غيره وغير شيعته، وإنما أفار الماء من جوف تنور، ليكون أعجب للآية، وأشهر ~~للقصة، وأثبت للحجة. # ثم ما زالت الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، بعضهم على إثر بعض في ~~الدهر الذي بين إبراهيم، وبين عيسى عليهما السلام. فلترادف حججهم، وتظاهر ~~أعلامهم، وكثرة أخبارهم، واستفاضة أمورهم، ولشدة ما تأكد ذلك في القلوب، ~~ورسخ في النفوس، وظهر على الألسنة، لم يدخلها الخطل والنقص والفساد، في ~~الدهر الذي كان بين النبي عليه السلام وبين عيسى عليه السلام. # فحين همت بالضعف، وكادت تنقص عن التمام، وانتهت قوتها، بعث الله تعالى ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، فجدد أقاصيص آدم ونوح، وموسى وهارون، وعيسى ~~ويحيى، عليهم السلام، وأمورا بين ذلك، وهو الصادق، بالشواهد الصادقة، وأن ~~الساعة آتية، وأنه ختم الرسل عليهم السلام به، فعلمنا عند ذلك أن حجته ستتم ~~إلى مدتها، وبلوغ أمر الله عز وجل فيها. ### || فصل # ثم رجع الكلام إلى القول في الأخبار، فأقول: # إن الناس موكلون بحكاية كل ~~عجيب، وميسرون للإخبار عن PageV03P257 ~~فى جنب ثانى ~~كل عظيم، وليسوا للحسن أحكى منهم للقبيح، ولا لما ينفع أحكى منهم لما ~~يضر، وعلى قدر كبر الشيء تكون حكايتهم له واستماعهم. # ألا ترى أن رجلا من الخلفاء لو ضرب عنق رجل من العظماء لما أمسى وفي ~~عسكره وبلدته جاهل ولا عالم إلا وقد استقر ذلك عنده وثبت في قلبه، لأن ~~الناس بين حاسد فهو يحكي ذلك الذي دخل عليه من الثكل وقلة العدد، وبين واجد ms100 ~~يعجب الناس، وبين واعظ معتبر، وبين قوم شأنهم الأراجيف بالفاسد والصالح. ~~ولو كان ضرب عنقه في يوم عيد، أو حلبة، أو استمطار، أو موسم، لكان أشد ~~لاستفاضته، وأسرع لظهوره. # ولو جاز أن يكتم الناس هذا وشبهه على الإيثار للكتمان، وعلى جهة النسيان، ~~لكنا لا ندري: لعله قد كان في زمن صفين والجمل والنهروان حرب مثلها أو أشد ~~منها، ولكن الناس آثروا الكتمان، واتفقوا على النسيان. # فإذا كان قتل الملك الرجل من العظماء بهذه المنزلة من قلوب الأعداء، ومن ~~قلوب الحكماء والغوغاء، فما ظنك بمن لو أبصروا رجلا قد أحياه بعد أن ضرب ~~عنقه، وأبان رأسه من جسده، أليس كان يكون تعجبهم من إحيائه أشد من تعجبهم ~~من قتله، وكان يكون إخبارهم من خلفوا في منازلهم ومن ورد عليهم عن القتل ~~ليكون سببا للإخبار عن الإحياء، إذ كان الأول صغيرا في جنب الثاني. PageV03P258 # فهذا يدل على أن أعلام الرسل عليهم السلام وآياتهم أحق بالظهور والشهرة، ~~والقهر للقلوب والأسماع، من مخارجهم وشرائعهم. بل قد نعلم أن موسى عليه ~~السلام لم يذكر ولم يشهر إلا لأعاجيبه وآياته. وكذلك عيسى عليه السلام، ~~ولولا ذلك لما كانا إلا كغيرهما ممن لا يشعر بموته ولا مولده. # وكيف تتقدم المعرفة بهما المعرفة بأعلامهما وأعاجيبهما، وأنت لم تسمع ~~بذكرهما قط، دون ما ذكر من أعلامهما. # فإذا كان شأن الناس الإخبار عن كل عجيب، وحكاية كل عظيم، والإطراف بكل ~~طريف، وإيراد كل غريب من أمور دنياهم، فما لا يمتنع في طبائعهم، ولا يخرج ~~من قوى الخليقة في البطش والحيلة، أحق بالإخبار والإذاعة، وبالإظهار ~~والإفاضة، هذا على أن يترك الطباع وما يولد عليه، والنفوس وما تنتج، والعلل ~~وما يسخر. ~~فكيف إن كان الله عز وجل قد خص أعلام أنبيائه وآيات رسله عليهم السلام من ~~تهييج الناس على الإخبار عنها، ومن تسخير الأسماع لحفظها، بخاصة لم يجعلها ~~لغيرها. ### || فصل منه # فإن قال القائل: إن الحجة لا تكون حجة حتى تعجز الخليقة PageV03P259 ~~وتخرج من حد الطاقة، كإحياء الموتى، والمشي على الماء، وكفلق ms101 البحر، ~~وكإطعام الثمار في غير أوان الثمار، وكإنطاق السباع، وإشباع الكثير من ~~القليل، وكل ما كان جسما مخترعا، وجرما مبتدعا. وكالذي لا يجوز أن يتولاه ~~إلا الخالق، ولا يقدر عليه إلا الله عز ذكره. # فأما الأخبار التي هي أفعال العباد، وهم تولوها، وبهم كانت وبقولهم حدثت، ~~فلا يجوز أن يكون حجة، إذ كان لا حجة إلا ما لا يقدر عليه الخليقة، وما لا ~~يتوهم من جميع البرية. # قلنا: إنا لم نزعم أن الأخبار حجة فيحتجون علينا بها، وإنما زعمنا أن ~~مجيئها حجة، والمجيء ليس هو أمر يتكلفه الناس ويختارونه على غيره، ولو كان ~~كذلك لكانوا متى أرادوه فعلوه وتهيئوا له، ولفعلوه في الباطل كما يجيء لهم ~~في الحق. والمجيء أيضا ليس هو فعلا قائما فيستطيعوه أو يعجزوا عنه، وإنما ~~هو الإنسان، يعلم أنه إذا لقي البصريين فأخبروه أنهم قد عاينوا بمكة شيئا، ~~ثم لقي الكوفيين فأخبروه بمثل ذلك، أنهم قد صدقوا. إذ كان مثلهم لا يتواطأ ~~على مثل خبرهم على جهلهم بالغيب، وعلى اختلاف طبائعهم وهممهم وأسبابهم. # فليس بين هذا وبين إحياء الموتى والمشي على الماء فرق، إذ كان الناس لا ~~يقدرون عليه، ولا يطمعون فيه، والمجيء إنما هو معنى PageV03P260 ~~معقول، وشيء موهوم. إذ كان كيف يكون ومعلوم أن الناس لا يمكنهم أن ~~يقدروا، ولا يستطيعون فعله. وإنما مدار أمر الحجة على عجز الخليقة. فمتى ~~وجدت أمرا ووجدت الخليقة عاجزة عنه فهي حجة. ثم لا عليك جوهرا كان أو عرضا، ~~أو موجودا أو متوهما معقولا. ألا ترى أن فلق البحر ليس هو من جنس اختراع ~~الثمار، لأن الفلق هو انفراج أجزاء، والثمار أجرام حادثة. # وكذلك لو ادعى رجل أن الله عز وجل أرسله وجعل حجته علينا الإخبار بما ~~أكلنا وادخرنا وأضمرنا، لكان قد احتج علينا. # فإن قلتم: إن المنجمين ربما أخبروا بالضمير، وبالأمر المستور، وببعض ما ~~يكون. # قلنا: أما واحدة فإن خطأ المنجمين كثير، وصوابهم قليل، بل هو أقل من ~~القليل. وأنتم لا تقدرون أن تقفونا من أخبار المرسلين عليهم ms102 السلام في كثير ~~أخبارهم على خطاء واحد، والذي سهل قليل المنجمين طرافة ذلك منهم، لأنهم لو ~~قالوا فأخطئوا أبدا لما كان PageV03P261 ~~عجبا، لأنه ليس بعجب أن يكون الناس لا يعلمون ما يكون قبل أن يكون، ومن ~~أعجب العجب أن يوافق قولهم بعض ما يكون. # وقد نجد المنجمين يختلفون في القضية الواحدة، ويخطئون في أكثرها. وقد نجد ~~الرسول يخبرهم عما يأكلون ويشربون ويدخرون ويضمرون، في الأمور الكثيرة ~~المعاني، والمختلفة في الوجوه، حتى لا يخطىء في شيء من ذلك. وليس في الأرض ~~منجم ذكر شيئا أو وافق ضميرا إلا وأنت واجد بعض من يزجر قد يجيء بمثله ~~وأكثر منه. # فإن قلت: إن الناس يكذبون في الإخبار عن الأعراب والكهان من كل جيل؟ # قلنا: فهم في إخبارهم عن المنجمين أكذب. # وبعد، فالناس غير مستعظمين لكثرة كذب المنجمين وخطاياهم وخدعهم، والناس ~~يستعظمون اليسير من المرسلين عليهم السلام. وكلما كان الرجل في عينك أعظم، ~~وكان عن الكذب أزجر، كان كذبه عندك أعظم. وإنما المنجم عند العوام كالطبيب ~~الذي إن قتل المريض علاجه كان عندهم أن القضاء هو الذي قتله، وإن برأ كان ~~هو أبرأه. على أن صوابهم أكثر، ودليلهم أظهر. # وقد صار الناس لا يقتصرون للمنجمين على قدر ما يسمعون منهم، دون أن ~~يولدوا لهم، ويضعوا الأعاجيب عن ألسنتهم. PageV03P262 # وكل ملحد في الأرض للرسول طاعن عليه، عائب له، يرى أن يصدق عليه كل كذاب ~~يريد ذمه، وأن يكذب كل صادق يريد مدحه. # وبعد، فلو كان خبر المنجمين في الصواب كخبر الأنبياء والمرسلين عليهم ~~السلام، الذي هو حجة، لما كان خبر المنجمين حجة. # فإن قلت: ولم ذاك؟ # قلت: لأن من كثر صوابه على غير استدلال ومقايسة، وعلى ~~غير حساب وتجربة، أو على نظر ومعاينة لم يكن الأمر من قبل الوحي؛ لأنك لو ~~قلت قصيدة في نفسك فحدثك بها رجل، وأنت تعلم أنه ليس بمنجم، وأنشدكها كلها، ~~لعلمت أن ذلك لا يكون إلا بوحي. # ومثل ذلك رجل اشتد وجع عينه فعالجه طبيب فبرأ، فلو جعل الطبيب ذلك ms103 حجة ~~على نبوته لوجب علينا تكذيبه، ولو قال رجل من غير أن يمسه أو يدنو إليه: ~~اللهم إن كنت صادقا عليك فاشفه الساعة، فبرأ من ساعته لعلمنا أنه صادق. # فإن قالوا: وما علمنا أن محمدا عليه السلام لم يكن منجما؟ # قلنا: إن علمنا ~~بذلك كعلمنا بأن العباس وحمزة وعليا وأبا بكر وعمر، رضوان الله عليهم ~~أجمعين، لم يكونوا منجمين، ولا أطباء متكهنين. وكيف يجوز أن يصير إنسان ~~عالما بالنجوم من غير أن يختلف PageV03P263 ~~إلى المنجمين، أو يختلفوا إليه، أو يكون علم النجوم فاشيا في أهل بلاده، ~~أو يكون في أهله واحد معروف به. ولو بلغ إنسان في علم النجوم، وليست معه ~~علة من هذه العلل، وكان ذلك يخفى، لكان ذلك كبعض الآيات والعلامات. # ومتى رأينا حاذقا بالكلام، أو بالطب، أو بالحساب، أو بالغناء، أو ~~بالنجوم، أو بالعروض، خفي على الناس موضعه وسببه؟ ! # وجميع ما ذكرنا، فعناية ~~الناس به وعداوتهم، وشهرته في نفسه، دون محمد صلى الله عليه وسلم. # وهل نصب أحد قط لأحد إلا بدون ما نصب له رهطه، وأدانى أهله، ومن معه في ~~بيته وربعه. # وما أعرف - يرحمك الله - المعاند والمسترشد والمصدق والمكذب، ينكر أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن منجما ولا طبيبا. وإذا قال الجاهل: إنه قد ~~كان يعلم الخط فخفي له ذلك، وتعلم الأسباب والقضاء في النجوم فخفي له ذلك، ~~وتعلم البيان وقدر منه على ما يعجز أمثاله عنه وخفي ذلك، أليس مع قوله ما ~~يعلم خلافه، يعلم أنه قد سلم له أعجوبة كأعجوبة إبراء الأكمه والأبرص، ~~والمشي على الماء، إذ كان ذلك لا يجوز، ولا يمكن في الطبائع والعقل ~~والتجربة. # وافهم يرحمك الله ما أنا واصفه لك: هل يجد التارك لتصديقه PageV03P264 ~~أنه لا يدري بزعمه، لعله كان أعلم الخلق بالنجوم، ناظرا لنفسه، غير معاند ~~لحجة عقله. وهو لم يجد أحدا قط برع في صناعة واحدة فخفي على الناس موضعه ~~بكل ما حكينا وفسرنا. # وأنت كيف تعلم أنه ليس في إخوانك من ليس بمنجم، وأن ms104 فيهم من ليس بطبيب، ~~إلا بمثل ما يعرف به رهط النبي صلى الله عليه وآله منه. # وكيف لم يشتهر ذلك، ولم لم يحتج به عليه؟ ولقد بلغ من إسرافهم في شتمه، ~~وإفراطهم عليه، أن نافقوا وأحالوا، لأنهم كانوا يقولون له: أنت ساحر، وأنت ~~مجنون! وإنما يقال للرجل: ساحر، لخلابته وحسن بيانه، ولطف مكايده، وجودة ~~مداراته وتحببه. ويقال: مجنون، لضد ذلك كله. ### || فصل منه # وليس ينتفع الناس بالكلام في الأخبار إلا مع التصادق، ولا تصادق إلا مع ~~كثرة السماع، والعلم بالأصول؛ لأن رجلا لو نازع في الأخبار، وفي الوعد ~~والعيد، والخاص والعام، والناسخ والمنسوخ، والفريضة والنافلة، والسنة ~~والشريعة، والاجتماع والفرقة، ثم حسنت نيته، وناضح عن نفسه، لما عرف حقائق ~~باطل دون أن يكون قد عرف الوجوه، وسمع الجمل، وعرف الموازنة، وما كان في ~~الطبائع، وما يمتنع فيها. وكيف أيضا يقول في التأويل من لم يسمع بالتنزيل؟ ~~وكيف يعرف صدق الخبر من لم يعرف سبب الصدق؟ PageV03P265 # واعلم أن من عود قلبه التشكك اعتراه الضعف، والنفس عروف، فما عودتها من ~~شيء جرت عليه. # والمتحير إلى تقوية قلبه ورد قوته عليه وإفهامه موضع رأيه، وتوقيفه على ~~الأمر الذي أثقل صدره، أحوج منه إلى المنازعة في فرق ما بين المجيء الذي ~~يكذب مثله، والمجيء الذي لا يكذب مثله. # وسنتكلف من علاج دائه، وترتيب إفهامه إن أعان على نفسه، بما لا يبقي سببا ~~للشك، ولا علة للضعف. والله تعالى المعين على ذلك، والمحمود عليه. ### || فصل منه # ومتى سمعنا نبي الله عليه السلام اتكل على عدالته، وعلى معرفة قومه بقديم ~~طهارته، وقلة كذبه، دون أن جاءهم بالعلامات والبرهانات؟ # ولعمري لو لم نجد ~~الحافظ ينسى، والصادق يكذب، والمؤمن يبدل، لقد كان ما ذهبوا إليه وجها. ### || فصل منه في ذكر دلائل النبي عليه الصلاة والسلام # وباب آخر يعرف به صدقه، وهو إخباره عما يكون، وإخباره عن PageV03P266 ~~ضمائر الناس، وما يأكلون وما يدخرون، ولدعائه المستجاب الذي لا تأخير ~~فيه، ولا خلف له. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين ms105 لقي من قريش والعرب ~~ما لقي من شدة أذاهم له، وتكذيبهم إياه، واستعانتهم عليه بالأموال والرجال، ~~دعا الله جل وعز أن يجدب بلادهم، وأن يدخل الفقر بيوتهم، فقال صلى الله ~~عليه وآله: " اللهم سنين كسني يوسف. اللهم اشدد وطأتك على مضر ". # فأمسك الله عز وجل عنهم المطر حتى مات الشجر، وذهب الثمر، وقلت المزارع، ~~وماتت المواشي، وحتى اشتووا القد والعلهز. # فعند ذلك وفد حاجب بن زرارة على كسرى، يشكو إليه الجهد والأزل ويستأذنه ~~في رعي السواد، وهو حين ضمنه عن قومه، وأرهنه قوسه. فلما أصاب مضر خاصة ~~الجهد، ونهكهم الأزل، وبلغت الحجة مبلغها، وانتهت الموعظة منتهاها، عاد ~~بفضله صلى الله عليه وسلم، على الذي بدأهم به، فسأل ربه الخصب وإدرار ~~الغيث، فأتاهم منه ما هدم بيوتهم، ومنعهم حوائجهم، فكلموه في ذلك فقال: " ~~الله حوالينا ولا علينا ". فأمطر الله عز وجل ما حولهم، وأمسك عنهم. # وكتب إلى كسرى يدعوه إلى نجاته وتخليصه من كفره، فبدأ باسمه على اسمه، ~~فأنف من ذلك كسرى لشقوته، وأمر بتمزيق الكتاب، PageV03P267 ~~فلما بلغه صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم مزق ملكه كل ممزق ". فمزق ~~الله جل وعز ملكه، وجد أصله، وقطع دابره، لأن كل ملك في الأرض، وإن كان قد ~~أخرج من معظم ملكه، فهو مقيم على بقية منه، وذلك أن الإسلام لم يترك ملكا ~~بحيث تناله الحوافر والأخفاف والأقدام، إلا أزاله عنه، وأخرجه منه إلى عقاب ~~يعتصم بها، ومعاقل يأوي إليها، أو طرده إلى خليج منيع، لا يقطعه إلا السفن، ~~فهم من بين هارب قد دخل في وجار، أو اختفى في غيضة، أو مقيم على فم شعب، ~~ورأس مضيق، قد سخت نفسه عن كل سهل، وأسلم كل مرج أو ملك لا قرار له، وليس ~~بذي مدر فيؤتى، وإنما أصحابه أكراد يطلبون النجعة، أو كخوارج يطلبون الغرة. ~~فأما أن يكون ملك يصحر لهم، ويقيم بإزائهم، ويغاديهم الحرب ويمسيهم، ~~ويساجلهم الظفر ويناهضهم، كما كانت ملوك الطوائف، وكالذي كان بين فارس ~~والروم فلا، وذلك لقوله تعالى: " هو الذي ms106 أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله " إلى قوله عز ذكره: " المشركون ". فلم يرض أن أظهر ~~دينه حتى جعل أهله الغالبين بالقدرة، والظاهرين بالمنعة، والآخذين الإتاوة. PageV03P268 # وكتب كسرى إلى فيروز الديلمي، وهو من بقية أصحاب سيف بن ذي يزن: أن احمل ~~إلى هذا العبد الذي بدأ باسمه قبل اسمي، واجترأ علي، ودعاني إلى غير ديني! ~~فأتاه فيروز فقال: إن ربي أمرني أن أحملك إليه. فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~إن ربي خبرني أنه قد قتل ربك البارحة، فأمسك علي ريثما يأتيك الخبر، فإن ~~تبين لك صدقي، وإلا فأنت على أمرك ". فراع ذلك فيروز وهاله، وكره الإقدام ~~عليه، والاستخفاف به، فإذا الخبر قد أتاه: أن شيرويه قد وثب عليه في تلك ~~الليلة فقتله. فأسلم وأخلص، ودعا من معه من بقية الفرس إلى الله عز ذكره ~~فأسلموا. ### || فصل منه في ذكر النبي صلى الله عليه وآله # ثم إن الذي تقدمه صلى الله عليه وآله من البشارات في الكتب المتقادمة، في ~~الأزمان المتباعدة، والبلدان الموجودة بكل مكان، على شدة عداوة أهلها، ~~وتعصب حامليها، ومع قوة حسدهم، وشدة بغيهم. ~~وما ذلك ببديع منهم ومن آبائهم، على أنهم أشبه بآبائهم منهم بأزمانهم. ~~وكل الناس أشبه بأزمانهم منهم بآبائهم. وآباؤهم الذين قتلوا أنبياءهم عليهم ~~السلام، وتعنتوا رسلهم صلى الله عليهم، حتى خلاهم الله عز وجل من يده، ~~وأفقدهم عصمته وتوفيقه. PageV03P269 ~~ولم استدل على ذكره في التوراة والإنجيل والزبور، وعلى صفته والبشارة به ~~في الكتب إلا لأنك متى وجدت النصراني واليهودي يسلم بأرض الشام وجدته يعتل ~~بأمور، ويحتج بأشياء مثل الأمور التي يحتج بها من أسلم بالعراق. وكذلك من ~~أسلم بالحجاز، ومن أسلم من اليمن، من غير تلاق ولا تعارف، ولا تشاعر. وكيف ~~يتلاقون ويتراسلون، وهم غير متعارفين ولا متشاعرين؟ ولو كانوا كذلك لظهر ~~ذلك ولم ينكتم، كما حكينا قبل هذا. ولو قابلت بين أخبارهم واحتجاجهم مع ~~كثرة الألفاظ واختلاف المعاني، لوجدتها متساوية. ### || فصل منه # فإن قال قائل: لم كانت أعلام موسى عليه السلام في ms107 كثرتها مع غي بني ~~إسرائيل، ونقصان أحلام القبط، في وزن أعلام محمد صلى الله عليه وسلم وفي ~~قدرها، مع أحلام قريش، وعقول العرب. # ومتى أحببت أن تعرف غي بني إسرائيل ونقصان أحلام القبط، ورجحان عقول ~~العرب، وأحلام كنانة، فأت بواديهم ورباعهم. وانظر إلى بنيهم وبقاياهم، كما ~~نظرت إلى بني إسرائيل من اليهود وغي بني من مضى من القبط تعتبر ذلك وتعرف PageV03P270 ~~ما أقول. ثم انظر في أشعار العرب الصحيحة، والخطب المعروفة، والأمثال ~~المضروبة، والألفاظ المشهورة، والمعاني المذكورة، مما نقلته الجماعات عن ~~الجماعات، وكلام العرب ومعانيهم في الجاهلية. ~~ثم تفقد، وسل أهل العلم والخبرة عن بني إسرائيل، فإن وجدت لهم مثلا سائرا ~~كما تسمع للقبط والفرس، فضلا عن العرب فقد أبطلنا فيما قلنا. # وقد كان الرجل من العرب يقف المواقف، ويسير عدة أمثال، كل واحد منها ركن ~~يبنى عليه، وأصل يتفرع منه. # أو هل تسمع لهم بكلام شريف، أو معنى يستحسنه أهل التجربة، وأصحاب التدبير ~~والسياسة، أو حكم أو حكمة، أو حذق في صناعة، مع ترادف الملك فيهم، وتظاهر ~~الرسالة في رجالهم. # وكيف لا تقضي عليهم بالغي والجهل، ولم تسمع لهم بكلمة فاخرة، أو معنى ~~نبيه، لا ممن كان في المبدى، ولا ممن كان في المحضر، ولا من قاطني السواد، ~~ولا من نازلي الشام؟ # ثم انظر إلى أولادهم مع طول لبثهم فينا، وكونهم معنا، ~~هل غير PageV03P271 ~~ذلك من أخلاقهم وشمائلهم، وعقولهم، وأحلامهم، وآدابهم، وفطنهم؟ فقد صلح ~~بنا كثير من أمور النصارى وغيرهم. # وليس النصارى كاليهود، لأن اليهود كلهم من بني إسرائيل إلا القليل. # وبعد، فلم يضرب فيهم غيرهم، لأن مناكحهم مقصورة فيهم، ومحبوسة عليهم، ~~فصور أولهم مؤداة إلى آخرهم، وعقول أسلافهم مردودة على أخلافهم، ثم اعتبر ~~بقولهم لنبيهم عليه السلام: " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " حين مروا على ~~قوم يعكفون على أصنام لهم يعبدونها. وكقولهم: " أرنا الله جهرة "، وكعكوفهم ~~على عجل صنع من حليهم، يعبدونه من دون الله، بعد أن أراهم من الآيات ما ~~أراهم. ~~وكقولهم: " اذهب أنت وربك فقاتلا ms108 إنا ها هنا قاعدون "، فكان الذي جاء به ~~موسى عليه السلام، مع نقص بني إسرائيل والقبط، مثل الذي جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم، مع رجحان قريش والعرب. # وكذلك وعد محمد عليه السلام بنار الأبد، كوعيد موسى بني إسرائيل بإلقاء ~~الهلاس على زروعهم، والهم على أفئدتهم، وتسليط الموتان على ماشيتهم، ~~وبإخراجهم من ديارهم، وأن يظفر بهم PageV03P272 ~~عدوهم. فكان تعجيل العذاب الأدنى في استدعائهم واستمالتهم، وردعهم عما ~~يريد بهم، وتعديل طبائعهم، كتأخير العذاب الشديد على غيرهم، لأن الشديد ~~المؤخر لا يزجر إلا أصحاب النظر في العواقب، وأصحاب العقول التي تذهب في ~~المذاهب. # فسبحان من خالف بين طبائعهم وشرائعهم ليتفقوا على مصالحهم في دنياهم، ~~ومراشدهم في دينهم، مع أن محمدا صلى الله عليه وسلم مخصوص بعلامة لها في ~~العقل موقع، كموقع فلق البحر من العين، وذلك قوله لقريش خاصة، وللعرب عامة، ~~مع ما فيهما من الشعراء والخطباء والبلغاء، والدهاة والحلماء، وأصحاب الرأي ~~والمكيدة، والتجارب والنظر في العاقبة: إن عارضتموني بسورة واحدة فقد كذبت ~~في دعواي، وصدقتم في تكذيبي. # ولا يجوز أن يكون مثل العرب في كثرة عددهم واختلاف عللهم، والكلام ~~كلامهم، وهو سيد علمهم، فقد فاض بيانهم، وجاشت به صدورهم، وغلبتهم قوتهم ~~عليه عند أنفسهم، حتى قالوا في الحيات والعقارب، والذباب والكلاب، والخنافس ~~والجعلان، والحمير والحمام، وكل ما دب ودرج، ولاح لعين، وخطر على قلب. ولهم ~~بعد أصناف النظم، وضروب التأليف، كالقصيد، والرجز، والمزدوج، والمجانس، ~~والأسجاع والمنثور. PageV03P273 # وبعد، فقد هجوه من كل جانب، وهاجى أصحابه شعراءهم، ونازعوا خطباءهم، ~~وحاجوه في المواقف، وخاصموه في المواسم، وبادوه العداوة، وناصبوه الحرب، ~~فقتل منهم، وقتلوا منه، وهم أثبت الناس حقدا، وأبعدهم مطلبا، وأذكرهم لخير ~~أو لشر، وأنفاهم له، وأهجاهم بالعجز، وأمدحهم بالقوة، ثم لا يعارضه معارض، ~~ولم يتكلف ذلك خطيب ولا شاعر. # ومحال في التعارف، ومستنكر في التصادق، أن يكون الكلام أخصر عندهم، وأيسر ~~مئونة عليهم، وهو أبلغ في تكذيبهم وأنقض لقوله، وأجدر أن يعرف ذلك أصحابه ~~فيجتمعوا على ترك استعماله، والاستغناء به، وهم يبذلون ms109 مهجهم وأموالهم، ~~ويخرجون من ديارهم في إطفاء أمره، وفي توهين ما جاء به، ولا يقولون، بل لا ~~يقول واحد من جماعتهم: لم تقتلون أنفسكم، وتستهلكون أموالكم، وتخرجون من ~~دياركم، والحيلة في أمره يسيرة، والمأخذ في أمره قريب؟ ! ليؤلف واحد من ~~شعرائكم وخطبائكم كلاما في نظم كلامه، كأقصر سورة يخذلكم بها، وكأصغر آية ~~دعاكم إلى معارضتها. بل لو نسوا، ما تركهم حتى يذكرهم، ولو تغافلوا ما ترك ~~أن ينبههم، بل لم يرض بالتنبيه دون التوقيف. PageV03P274 # فدل ذلك العاقل على أن أمرهم في ذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكونوا ~~عرفوا عجزهم، وأن مثل ذلك لا يتهيأ لهم، فرأوا أن الإضراب عن ذكره، ~~والتغافل عنه في هذا الباب وإن قرعهم به، أمثل لهم في التدبير، وأجدر أن لا ~~يتكشف أمرهم للجاهل والضعيف، وأجدر أن يجدوا إلى الدعوى سبيلا، وإلى اختداع ~~الأنبياء سببا، فقد ادعوا القدرة بعد المعرفة بعجزهم عنه، وهو قوله عز ~~ذكره: " وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ". # وهل يذعن الأعراب وأصحاب الجاهلية للتقريع بالعجز، والتوقيف على النقص، ~~ثم لا يبذلون مجهودهم، ولا يخرجون مكنونهم وهم أشد خلق الله عز وجل أنفة، ~~وأفرط حمية، وأطلبه بطائلة، وقد سمعوه في كل منهل وموقف. والناس موكلون ~~بالخطابات، مولعون بالبلاغات. فمن كان شاهدا فقد سمعه، ومن كان غائبا فقد ~~أتاه به من لم يزوده. # وإما أن يكون غير ذلك. # ولا يجوز أن يطبقوا على ترك المعارضة وهم يقدرون عليها، PageV03P275 ~~لأنه لا يجوز على العدد الكثير من العقلاء والدهاة والحلماء، مع اختلاف ~~عللهم، وبعد هممهم، وشدة عداوتهم الإطباق على بذل الكثير، وصون اليسير. # وهذا من ظاهر التدبير، ومن جليل الأمور التي لا تخفى على الجهال فكيف على ~~العقلاء، وأهل المعارف فكيف على الأعداء، لأن تحبير الكلام أهون من القتال، ~~ومن إخراج المال. # ولم يقل: إن القوم قد تركوا مساءلته في القرآن والطعن فيه، بعد أن كثرت ~~خصومتهم في غيره. # ويدلك على ذلك قوله عز وجل: " وقال الذين ms110 كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة " وقوله عز ذكره: " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا ~~يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله "، وقوله تعالى جل ذكره: " وقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ". # ويدلك كثرة هذه المراجعة، وطول هذه المناقلة، على أن التقريع لهم بالعجز ~~كان فاشيا، وأن عجزهم كان ظاهرا. PageV03P276 # ولو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم تحداهم بالنظر والتأليف، ولم يكن ~~أيضا أزاح علتهم، حتى قال تعالى: " قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات " ~~وعارضوني بالكذب، لقد كان في تفصيله له وتركيبه، وتقديمه له واحتجاجه، ما ~~يدعو إلى معارضته ومغالبته وطلب مساويه. # ولو لم يكن تحداهم من كل ما قلنا، وقرعهم بالعجز عما وصفنا وهل هذا إلا ~~بمديحه له، وإكثاره فيه لكان ذلك سببا موجبا لمعارضته ومغالبته وطلب ~~تكذيبه، إذ كان كلامهم هو سيد عملهم، والمئونة فيه أخف عليهم، وقد بذلوا ~~النفوس والأموال. وكيف ضاع منهم، وسقط على جماعتهم نيفا وعشرين سنة، مع ~~كثرة عددهم، وشدة عقولهم، واجتماع كلمتهم؟ ! وهذا أمر جليل الرأي، ظاهر ~~التدبير. ### || فصل منه في ذكر امتناعهم من معارضة القرآن لعلمهم بعجزهم عنها # والذي منعهم من ذلك هو الذي منع ابن أبي العوجاء، وإسحاق بن PageV03P277 ~~طالوت، والنعمان بن المنذر، وأشباههم من الأرجاس، الذين استبدلوا بالعز ~~ذلا، وبالإيمان كفرا، والسعادة شقوة، وبالحجة شبهة. # بل لا شبهة في الزندقة خاصة. فقد كانوا يصنعون الآثار، ويولدون الأخبار، ~~ويبثونها في الأمصار، ويطعنون في القرآن، ويسألون عن متشابهه، وعن خاصه ~~وعامه، ويضعون الكتب على أهله. وليس شيء مما ذكرنا يستطيع دفعه جاهل غبي، ~~ولا معاند ذكي. ### || فصل منه # ولما كان أعجب الأمور عند قوم فرعون السحر، ولم يكن أصحابه قط في زمان ~~أشد استحكاما فيه منهم في زمانه، بعث الله موسى عليه السلام على إبطاله ~~وتوهينه، وكشف ضعفه وإظهاره، ونقض أصله لردع الأغبياء من القوم، ولمن نشأ ~~على ذلك من السفلة والطغام. ~~لأنه لو كان أتاهم بكل شيء، ولم يأتهم بمعارضة ms111 السحر حتى يفصل بين الحجة ~~والحيلة، لكانت نفوسهم إلى ذلك متطلعة، ولاعتل به أصحاب الأشغاب، ولشغلوا ~~به بال الضعيف، ولكن الله تعالى جده، أراد حسم الداء، وقطع المادة، وأن لا ~~يجد المبطلون متعلقا، PageV03P278 ~~ولا إلى اختداع الضعفاء سبيلا، مع ما أعطى الله موسى عليه السلام من سائر ~~البرهانات، وضروب العلامات. # وكذلك زمن عيسى عليه السلام كان الأغلب على أهله، وعلى خاصة علمائه الطب، ~~وكانت عوامهم تعظم على ذلك خواصهم، فأرسله الله عز وجل بإحياء الموتى، إذ ~~كانت غايتهم علاج المرضى. ~~وأبرأ لهم الأكمه إذ كانت غايتهم علاج الرمد، مع ما أعطاه الله عز وجل من ~~سائر العلامات، وضروب الآيات؛ لأن الخاصة إذا بخعت بالطاعة، وقهرتها الحجة، ~~وعرفت موضع العجز والقوة، وفصل ما بين الآية والحيلة، كان أنجع للعامة، ~~وأجدر أن لا يبقى في أنفسهم بقية. # وكذلك دهر محمد صلى الله عليه وسلم، كان أغلب الأمور عليهم، وأحسنها ~~عندهم، وأجلها في صدورهم، حسن البيان، ونظم ضروب الكلام، مع علمهم له، ~~وانفرادهم به. فحين استحكمت لفهمهم وشاعت البلاغة فيهم، وكثر شعراؤهم، وفاق ~~الناس خطباؤهم، بعثه الله عز وجل، فتحداهم بما كانوا لا يشكون أنهم يقدرون ~~على أكثر منه. PageV03P279 ~~فلم يزل يقرعهم بعجزهم، وينتقصهم على نقصهم، حتى تبين ذلك لضعفائهم ~~وعوامهم، كما تبين لأقويائهم وخواصهم. وكان ذلك من أعجب ما آتاه الله نبيا ~~قط، مع سائر ما جاء به من الآيات، ومن ضروب البرهانات. # ولكل شيء باب ومأتى، واختصار وتقريب. فمن أحكم الحكمة إرسال كل نبي بما ~~يفحم أعجب الأمور عندهم، ويبطل أقوى الأشياء في ظنهم. ### || فصل في ذكر أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم # وآية أخرى لا يعرفها إلا الخاصة، ومتى ذكرت الخاصة فالعامة في ذلك مثل ~~الخاصة. وهي الأخلاق والأفعال التي لم تجتمع لبشر قط قبله، ولا تجتمع لبشر ~~بعده. # وذلك أنا لم نر ولم نسمع لأحد قط كصبره، ولا كحلمه، ولا كوفائه، ولا ~~كزهده، ولا كجوده، ولا كنجدته، ولا كصدق لهجته، وكرم عشرته، ولا كتواضعه، ~~ولا كعلمه، ولا كحفظه، ولا ms112 كصمته إذا صمت، ولا كقوله إذا قال، ولا كعجيب ~~منشئه، ولا كقلة PageV03P280 ~~تلونه، ولا كعفوه، ولا كدوام طريقته، وقلة امتنانه. # ولم نجد شجاعا قط إلا وقد جال جولة، وفر فرة، وانحاز مرة، من معدودي ~~شجعان الإسلام، ومشهوري فرسان الجاهلية، كفلان وفلان. # وبعد، فقد نصر النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر معه قوم، ولم نر كنجدتهم ~~نجدة، ولا كصبرهم صبرا. وقد كانت لهم الجولة والفرة، كما قد بلغك عن يوم ~~أحد، وعن يوم حنين، وغير ذلك من الوقائع والأيام. # فلا يستطيع منافق ولا زنديق ولا دهري، أن يحدث أن محمدا عليه السلام جال ~~جولة قط، ولا فر فرة قط، ولا خام عن غزوة، ولا هاب حرب من كاثره. PageV03P281 ### | 9- من كتابه في خلق القرآن PageV03P283 ### || فصل من صدر كتابه في خلق القرآن # ثبتك الله بالحجة، وحصن دينك من كل شبهة، وتوفاك مسلما، وجعلك من ~~الشاكرين. # وقد أعجبني، حفظك الله، استهداؤك العلم وفهمك له، وشغفك بالإنصاف وميلك ~~إليه، وتعظيمك الحق وموالاتك فيه، ورغبتك عن التقليد وزرايتك عليه، ومواترة ~~كتبك على بعد دارك، وتقطع أسبابك، وصبرك إلى أوان الإمكان، واتساعك عند ~~تضايق العذر. # وفهمت، حفظك الله، كتابك الأول، وما حثثت عليه من تبادل العلم، والتعاون ~~على البحث، والتحاب في الدين، والنصيحة لجميع المسلمين. # وقلت: اكتب إلي كتابا تقصد فيه إلى حاجات النفوس، وإلى صلاح القلوب، وإلى ~~معتلجات الشكوك، وخواطر الشبهات، دون الذي عليه أكثر المتكلمين من التطويل، ~~ومن التعمق والتعقيد، ومن تكلف ما لا يجب، وإضاعة ما يجب. # وقلت: كن كالمعلم الرفيق، والمعالج الشفيق، الذي يعرف الداء وسببه، ~~والدواء وموقعه، ويصبر على طول العلاج، ولا يسأم كثرة الترداد. PageV03P285 # وقلت: اجعل تجارتك التي إياها تؤمل، وصناعتك التي إياها تعتمد إصلاح ~~الفساد، ورد الشارد. # وقلت: ولا بد من استجماع الأصول، ومن استيفاء الفروع، ومن حسم كل خاطر، ~~وقمع كل ناجم، وصرف كل هاجس، ودفع كل شاغل، حتى تتمكن من الحجة، وتتهنأ ~~بالنعمة، وتجد رائحة الكفاية، وتثلج ببرد اليقين، وتفضي إلى حقيقة الأمر. ~~إن كان لا بد من ms113 عوارض العجز، ولواحق التقصير، فالبر لها أجمل، والضرر ~~علينا في ذلك أيسر. # وقلت: ابدأ بالأقرب فالأقرب، وبكل ما كان آنق في السمع، وأحلى في الصدر، ~~وبالباب الذي منه يؤتى الريض المتكلف، والجسور المتعجرف، وبكل ما كان أكثر ~~علما، وأنفذ كيدا. # وسألتني بتقبيح الاستبداد، والعجلة إلى الاعتقاد، وصفة الأناة ومقدارها، ~~ومقدمات العلوم ومنتهاها. وزعمت أن من اللفظ ما لا يفهم معناه دون الإشارة، ~~ودون معرفة السبب والهيئة، ودون إعادته وكره وتحريره واختياره. PageV03P286 # وقلت: فإن أنت لم تصور ذلك كله صورة تغني عن المشافهة، وتكتفي بظاهرها عن ~~المراسلة أحوجتنا إلى لقائك، على بعد دارك، وكثرة أشغالك، وعلى ما تخاف من ~~الضيعة وفساد المعيشة. # فكتبت لك كتابا، أجهدت فيه نفسي، وبلغت منه أقصى ما يمكن مثلي في ~~الاحتجاج للقرآن، والرد على كل طعان. فلم أدع فيه مسألة لرافضي، ولا ~~لحديثي، ولا لحشوي، ولا لكافر مباد، ولا لمنافق مقموع، ولا لأصحاب النظام، ~~ولمن نجم بعد النظام، ممن يزعم أن القرآن خلق، وليس تأليفه بحجة، وأنه ~~تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة. # فلما ظننت أني قد بلغت أقصى محبتك، وأتيت على معنى صفتك، أتاني كتابك ~~تذكر أنك لم ترد الاحتجاج لنظم القرآن، وإنما أردت الاحتجاج لخلق القرآن. ~~وكانت مسألتك مبهمة، ولم أك أن أحدث لك فيها تأليفا، فكتبت لك أشق الكتابين ~~وأثقلهما، وأغمضهما معنى وأطولهما. # ولولا ما اعتللت به من اعتراض الرافضة، واحتجاج القوم علينا بمذهب معمر، ~~وأبي كلدة، وعبد الحميد، وثمامة، وكل من PageV03P287 ~~زعم أن أفعال الطبيعة مخلوقة على المجاز دون الحقيقة، وأن متكلمي الحشوية ~~والنابتة قد صار لهم بمناظرة أصحابنا، وبقراءة كتبنا بعض الفطنة لما كتبت ~~لك، رغبة بك عن أقدارهم، وضنا بالحكمة عن إعثارهم، وإنما يكتب على الخصوم ~~والأكفاء، وللأولياء على الأعداء، ولمن يرى للنظر حقا، وللعلم قدرا، وله في ~~الإنصاف مذهب، وإلى المعرفة سبب. # وزعمت أنك لم تر في كتب أصحابنا إلا كتابا لا تفهمه، أو كتابا وجدت الحجة ~~على واضع الكتاب فيه أثبت. # وقلت: وإياك أن تتكل على مقدار ما عندهم، ms114 دون أن تعتصر قوى باطلهم، ~~وتوفيهم جميع حقوقهم، وإذا تقلدت الإخبار عن خصمك فحطه كحياطتك لنفسك، فإن ~~ذلك أبلغ في التعليم، وآيس للخصوم. PageV03P288 # وقلت: وزعموا أنه يلزمك أن تزعم أن القرآن ليس بمخلوق إلا على المجاز، ~~كما ألزم ذلك نفسه معمر وأبو كلدة وعبد الحميد وثمامة، وكل من ذهب مذهبهم، ~~وقاس قياسهم. # فتفهم - فهمك الله - ما أنا واصفه لك، ومورده عليك: # اعلم أن القوم يلزمهم ~~ما ألزموه أنفسهم، وليس ذلك إلا لعجزهم عن التخلص بحقهم، وإلا لذهابهم عن ~~قواعد قولهم، وفروع أصولهم، فليس لك أن تضيف العجز الذي كان منهم إلى أصل ~~مقالتهم، وتحمل ذلك الخطأ على غيرهم. فلرب قول شريف الحسب، جيد المركب، ~~وافر العرض، بريء من العيوب، سليم من الأفن، قد ضيعه أهله، وهجنه المفترون ~~عليه، فألزموه ما لا يلزمه، وأضافوا إليه ما لا يجوز عليه. # ولو زعم القوم على أصل مقالتهم أن القرآن هو الجسم دون الصوت والتقطيع، ~~والنظم والتأليف، وأنه ليس بصوت ولا تقطيع ولا تأليف، إذ كان الصوت عندهم ~~لا يخترع كاختراع الأجسام المصورة، ولا يحتمل التقطيع كاحتمال الأجرام ~~المتجسدة، والصوت عرض، لا يحدث من جوهر إلا بدخول جوهر آخر عليه، ومحال أن ~~يحدث إلا وهناك جسمان قد صك أحدهما صاحبه، ولا بد من مكانين: مكان زال عنه، ~~ومكان آل إليه. ولا بد من هواء بين المصطكين. والجسم قد يحدث وحده ولا شيء ~~غيره، والصوت على خلاف ذلك. PageV03P289 ~~والعرض لا يقوم بنفسه، ولا بد من أن يقوم بغيره، والأعراض من أعمال ~~الأجسام، لا تكون إلا منها، ولا توجد إلا بها وفيها. ~~والجسم لا يكون إلا من جسم، ولا يكون إلا من مخترع الأجسام. ~~وليست لكون الجسم من الله علة توجيه، ولا يحدث إذا حدث إلا اختيارا، وإلا ~~ابتداعا واختراعا. والصوت لا يكون إلا عن علة موجبة، ولا يكون إلا تولدا ~~ونتيجة، ولا يحدث إلا من جرمين، كاصطكاك الحجرين، وكقرع اللسان باطن ~~الأسنان، وإلا من هواء يتضاغط، وريح تختنق، ونار تلتهب. والريح عندهم هواء ~~تحرك، والنار ms115 عندهم ريح حارة. هكذا الأمر عندهم. # فلو قالوا: لا يكون الشيء مخلوقا في الحقيقة، دون المجاز وعلى مجازي ~~اللغة، إلا وقد بان الله عز وجل باختراعه، وتولاه بابتداعه، وكان منه على ~~اختيار، والابتداع: الذي يمكن تركه وإنشاء عقيبه بدلا منه، على ما كان ~~يوكده، ونتيجته من أجسام يستحيل أن يخلق من أفعالها، ويجلبها الله تعالى ~~منها. # والقرآن على غير ذلك، جسم وصوت، وذو تأليف وذو نظم، وتوقيع وتقطيع، وخلق ~~قائم بنفسه، مستغن عن غيره، ومسموع في الهواء، ومرئي في الورق، ومفصل ~~وموصل، واجتماع وافتراق، PageV03P290 ~~ويحتمل الزيادة والنقصان، والفناء والبقاء، وكل ما احتملته الأجسام، ~~ووصفت به الأجرام. وكل ما كان كذلك فمخلوق في الحقيقة دون المجاز وتوسع أهل ~~اللغة. # فلو كانوا قالوا ذلك لكانوا أصابوا في القياس، ووافقوا أهل الحق، وكانوا ~~مع الجماعة، ولم يضاهوا أهل الخلاف والفرقة، ولم يصموا أنفسهم بقول ~~المشبهة، إذ كان ظاهر قولهم على التشبيه أدل، وبه أشبه. # ولا يجوز أن أذكر موافقتي لهم، ومخالفتي عليهم في صدر هذا الكتاب، لأن ~~التدبير في وضع الكتاب، والسياسة في تعليم الجهال أن يبدأ بالأوضح فالأوضح، ~~والأقرب فالأقرب، وبالأصول قبل الفروع، حتى يكون آخر الكتاب لآخر القياس. # وآخر الكلام لا يفهم - أرشدك الله - ولا يتوهم إلا على ترتيب الأمور، ~~وتقديم الأصول. فإذا رتبنا الأمور، وقدمنا الأصول صارت أواخر المعاني في ~~الفهم كأوائلها، ودقيقها كجليلها. ### || فصل منه # وقد علمنا أن بعض ما فيه الاختلاف بين من ينتحل الإسلام أعظم فرية، وأشد ~~بلية، وأشنع كفرا، وأكبر إثما من كثير مما أجمعوا على أنه كفر. PageV03P291 # وبعد، فنحن لم نكفر إلا من أوسعناه حجة، ولم نمتحن إلا أهل التهمة، وليس ~~كشف المتهم من التجسس، ولا امتحان الظنين من هتك الأسرار. ولو كان كل كشف ~~هتكا، وكل امتحان تجسسا، لكان القاضي أهتك الناس لستر، وأشد الناس كشفا ~~لعورة. # والذين خالفوا في العرش إنما أرادوا نفي التشبيه فغلطوا، والذين أنكروا ~~أمر الميزان إنما كرهوا أن تكون الأعمال أجساما وأجراما غلاظا. فإن كانوا ~~قد أصابوا فلا سبيل ms116 عليهم، وإن كان قد أخطئوا فإن خطأهم لا يتجاوز بهم إلى ~~الكفر. وقولهم وخلافهم بعد ظهور الحجة تشبيه للخالق بالمخلوق، فبين ~~المذهبين أبين الفرق. # وقد قال صاحبكم للخليفة المعتصم، يوم جمع الفقهاء والمتكلمين والقضاة ~~والمخلصين، إعذارا وإنذارا: امتحنتني وأنت تعرف ما في المحنة، وما فيها من ~~الفتنة، ثم امتحنتني من بين جميع هذه الأمة! قال المعتصم: أخطأت، بل كذبت، ~~وجدت الخليفة قبلي قد حبسك وقيدك، ولو لم يكن حبسك على تهمة لأمضى الحكم ~~فيك، ولو لم يخفك على الإسلام ما عرض لك، فسؤالي إياك عن نفسك ليس من ~~المحنة، ولا من طريق الاعتساف، ولا من طريق كشف العورة، إذ كانت حالك هذه ~~الحال، وسبيلك هذه السبيل. # وقيل للمعتصم في ذلك المجلس: ألا تبعث إلى أصحابه حتى يشهدوا إقراره، ~~ويعاينوا انقطاعه، فينقض ذلك استبصارهم، فلا يمكنه PageV03P292 ~~جحد ما أقر به عندهم؟ فأبى أن يقبل ذلك، وأنكره عليهم، وقال: لا أريد أن ~~أوتى بقوم إن اتهمتهم ميزت فيهم بسيرتي فيهم، وإن بان لي أمرهم أنفذت حكم ~~الله فيهم، وهم ما لم أوت بهم كسائر الرعية، وكغيرهم من عوام الأمة، وما من ~~شيء أحب إلي من الستر، ولا شيء أولى بي من الأناة والرفق. # وما زال به رفيقا، وعليه رقيقا، ويقول: لأن أستحييك بحق أحب إلي من أن ~~أقتلك بحق! حتى رآه يعاند الحجة، ويكذب صراحا عند الجواب. وكان آخر ما عاند ~~فيه، وأنكر الحق وهو يراه، أن أحمد بن أبي دواد قال له: أليس لا شيء إلا ~~قديم أو حديث؟ قال: نعم. قال: أو ليس القرآن شيئا؟ قال: نعم. قال: أو ليس ~~لا قديم إلا الله؟ قال: نعم. قال: فالقرآن إذا حديث؟ قال: ليس أنا متكلم. # وكذلك كان يصنع في جميع مسائله، حتى كان يجيبه في كل ما سأل عنه، حتى إذا ~~بلغ المخنق، والموضع الذي إن قال فيه كلمة واحدة برىء منه صاحبه قال: ليس ~~أنا متكلم! PageV03P293 # فلا هو قال في أول الأمر: لا علم لي بالكلام، ولا هو حين تكلم ms117 فبلغ موضع ~~ظهور الحجة، خضع للحق. فمقته الخليفة، وقال عند ذلك: أف لهذا الجاهل مرة، ~~والمعاند مرة. # وأما الموضع الذي واجه فيه الخليفة بالكذب، والجماعة بالقحة، وقلة ~~الاكتراث وشدة التصميم، فهو حين قال له أحمد بن أبي دواد: تزعم أن الله رب ~~القرآن؟ قال: لو سمعت أحدا يقول ذلك لقلت. قال: أفما سمعت ذلك قط من حالف ~~ولا سائل، ولا من قاص، ولا في شعر، ولا في حديث؟ ! # قال: فعرف الخليفة كذبه ~~عند المسألة، كما عرف عنوده عند الحجة. # وأحمد بن أبي دواد - حفظك الله - أعلم بهذا الكلام، وبغيره من أجناس ~~العلم، من أن يجعل هذا الاستفهام مسألة، ويعتمد عليها في مثل تلك الجماعة. ~~ولكنه أراد أن يكشف لهم جرأته على الكذب، كما كشف لهم جرأته في المعاندة. ~~فعند ذلك ضربه الخليفة. # وأية حجة لكم في امتحاننا إياكم، وفي إكفارنا لكم. # وزعم يومئذ أن حكم كلام الله كحكم علمه، فكما لا يجوز أن PageV03P294 ~~يكون علمه محدثا ومخلوقا، فكذلك لا يجوز أن يكون كلامه مخلوقا محدثا. ~~فقال له: أليس قد كان الله يقدر أن يبدل آية مكان آية، وينسخ آية بآية، وأن ~~يذهب بهذا القرآن، ويأتي بغيره، وكل ذلك في الكتاب مسطور؟ قال: نعم. قال: ~~فهل كان يجوز هذا في العلم، وهل كان جائزا أن يبدل الله علمه، ويذهب به، ~~ويأتي بغيره؟ قال: ليس. # وقال له: روينا في تثبيت ما نقول الآثار، وتلونا عليك الآية من الكتاب، ~~وأريناك الشاهد من النقول التي بها لزم الناس الفرائض، وبها يفصلون بين ~~الحق والباطل، فعارضنا أنت الآن بواحدة من الثلاث. فلم يكن ذلك عنده، ولا ~~استخزى من الكذب عليه في غير هذا المجلس، لأن عدة من حضره أكثر من أن يطمع ~~أحدا أن يكون الكذب يجوز عليه. وقد كان صاحبكم هذا يقول: لا تقية إلا في ~~دار الشرك. فلو كان ما أقر به من خلق القرآن كان منه على وجه التقية فقد ~~أعمل التقية في دار الإسلام، وقد أكذب نفسه. وإن كان ما أقر ms118 به على الصحة ~~والحقيقة فلستم منه، وليس منكم. على أنه لم ير سيفا مشهورا، ولا ضرب ضربا ~~كثيرا، ولا ضرب إلا ثلاثين سوطا مقطوعة الثمار، مشعثة الأطراف، حتى أفصح ~~بالإقرار مرارا. ولا كان في مجلس PageV03P295 ~~ضيق، ولا كانت حاله حال مؤيسة، ولا كان مثقلا بالحديد، ولا خلع قلبه بشدة ~~الوعيد. ولقد كان ينازع بألين الكلام، ويجيب بأغلظ الجواب، ويرزنون ويخف، ~~ويحلمون ويطيش. # وعبتم علينا إكفارنا إياكم، واحتجاجنا عليكم بالقرآن والحديث. وقلتم: ~~تكفروننا على إنكار شيء يحتمله التأويل، ويثبت بالأحاديث، فقد ينبغي لكم أن ~~لا تحتجوا في شيء من القدر والتوحيد بشيء من القرآن، وأن لا تكفروا أحدا ~~خالفكم في شيء وأنتم أسرع الناس إلى إكفارنا، وإلى عداوتنا والنصب لنا. ### || فصل منه # وأصحابنا - حفظك الله - إذا قاسوا خطأهم، ومروا على غلطهم فإنما ينقضون ~~به شيئا من العرض والجوهر، وشيئا من قولهم في المعلوم والمجهول فقط. وهم ~~قوم يكفيهم من التنبيه أقله، ومن القول أيسره. وخطأ النابتة وقول الرافضة ~~تشبيه مصرح، وكفر مجلح، فليس هذا الجنس من ذلك الجنس. والحمد لله. # وأما إخبارهم عن عيبنا إياهم حين لم يقولوا: إن الله تعالى رب القرآن، ~~وفينا من يقول: إن الله تبارك وتعالى رب الكفر والإيمان، PageV03P296 ~~فإنا لم نسألهم عن ذلك من جهة ما يتوهمون، وإنما سألناهم عنه بجحدهم ما ~~يرون بأبصارهم، ويسمعون بآذانهم، في الأشعار المعروفة، وفي الخطب المشهورة، ~~وفي الابتهال عند الدعاء، وعلى ألسنة العوام والدهماء، وعند العهود ~~والأيمان، وعند تعظيم القرآن، وبما يسمعون من السؤال في الطرقات، ومن ~~القصاص في المساجد، لا يرون عائبا، ولا يسمعون زاريا. وليس أنا جعلنا هذا ~~مسألة على من أنكر خلق القرآن، ولكنا أردنا أن نبين للضعفاء معاندتهم، ~~وفرارهم من البهت، ومكابرتهم إذا سمعوا أنهم لم يسمعوا الناس يقولون: ورب ~~القرآن، ورب ياسين، ورب طه، وأشباه ذلك. # ولعمري أن لو سمعوا الناس يقولون عند أيمانهم وابتهالهم إلى ربهم، على ~~غير قصد إلى خلاف ولا وفاق: ورب الزنى والسرق، ورب الكفر والكذب، كما ~~سمعوهم يقولون: ورب القرآن، ms119 ورب يس، ورب طه! ثم ألزمناهم خلق القرآن بمثل ~~ما لهم علينا في خلق الزنى لقد كان ذلك معارضة صحيحة، وموازنة معروفة. # وأما قولهم: إن معنا العامة، والعباد، والفقهاء، وأصحاب الحديث، وليس ~~معهم إلا أصحاب الأهواء، ومن يأخذ دينه من أول PageV03P297 ~~الرجال، فأي صاحب هو - يرحمك الله - أبعد من الجماعة من الرافضة، وهم في ~~هذا المعنى أشقاؤهم وأولياؤهم، لأن ما خالفوهم فيه صغير في جنب ما وافقوهم ~~عليه، والذين سموهم أصحاب أهواء هم المتكلمون، والمصلحون والمستصلحون، ~~والمميزون. وأصحاب الحديث والعوام هم الذين يقلدون ولا يحصلون، ولا ~~يتخيرون، والتقليد مرغوب عنه في حجة العقل، منهي عنه في القرآن، قد عكسوا ~~الأمور كما ترى، ونقضوا العادات. وذلك أنا لا نشك أن من نظر وبحث، وقابل ~~ووازن، أحق بالتبين، وأولى بالحجة. # وأما قولهم: منا النساك والعباد، فعباد الخوارج وحدهم أكثر عددا من ~~عبادهم، على قلة عدد الخوارج في جنب عددهم، على أنهم أصحاب نية، وأطيب ~~طعمة، وأبعد من التكسب، وأصدق ورعا، وأقل رياء، وأدوم طريقة، وأبذل للمهجة، ~~وأقل جمعا ومنعا، وأظهر زهدا وجهدا. ولعل عبادة عمرو بن عبيد تفي بعبادة ~~عامة عبادهم. # وأما قولهم: إن للقرآن قلبا وسناما ولسانا وشفتين، وأنه يقدس ويشفع ~~ويمحل، فإن هذا كله قد يجوز أن يكون مثلا، ويجوز أن PageV03P298 ~~يجعله الله كذلك إذا كان جسما، والله على ذلك قادر، وهو له غير معجز، ~~ومنه غير مستحيل. وكل فعل لا يكون عيبا، ولا ظلما ولا بخلا ولا كذبا، ولا ~~خطاء في التدبير، فهو جائز، والتعجب منه غير جائز. ### || فصل منه # وما أكثر من يجيب في المسائل، ويؤلف الكتب على قدر ما يسنح له في وهمه، ~~وعلى قدر ما يتصور له في حاله تلك، لا يعمل على أصل، أو لا يشعر بالذي ~~انبنى عليه ذلك الأصل، وإن كان ممن يعمل على أصل. # وإنما صار علماؤنا إلى ما صاروا إليه لأنهم لا يقفون من القول في خلق ~~القرآن على جواب مهذب، ومذهب مصفى، وعلى قول مفروغ منه، وعلى جوابات ~~بأعيانها. فقد ms120 رددوا فيها النظر، وامتحنوها بأغلظ المحن، وقلبوها أكثر ~~التقليب، وتبطنوا معانيها بأبلغ التفكير، وتعرفوا كل ما فيها، واعتصروا ~~جميع قواها، وسهلوا سبلها، وذللوا العبارة عنها، احتقارا منهم لمن خالفهم، ~~واتكالا على طول السلامة منهم، وثقة بطول الظفر بهم. # ومن تمام أمر صاحب الحق أن لا يتكل على عجز الخصم، وأن لا يعجب بظهوره ~~على من لا حظ له في العلم. PageV03P299 # وعلى العلماء أن يخافوا دول العلم، كما يخاف الملوك دول الملك. وقد رأيت ~~البكرية، والجبرية، والفضلية، والشمرية، وإنهم لأحقر عند المعتزلة من جعل ~~مما زالوا يستقون من علمائهم، ويستمدون من كبرائهم، ويدرسون كتبهم، ويأخذون ~~ألفاظهم في جميع أمورهم، حتى رأيت شبيبتهم ونابتتهم، يدعون أنهم أكفاء، ~~ويجمع بينهم في البلاء. والنابتة اليوم في التشبيه مع الرافضة، وهم دائبون ~~في التألم من المعتزلة. غدرهم كثير، ونصبهم شديد، والعوام معهم، والحشو ~~يطيعهم. # الآن معك أمران: السلطان وميلهم إليه، وخوفهم منه. # والعاقبة للمتقين. PageV03P300 ### | 10- من كتابه في الرد على النصارى PageV03P301 ### || فصل من صدر كتابه في الرد على النصارى # الحمد لله الذي من علينا بتوحيده، وجعلنا ممن ينفي شبهة خلقه وسياسة ~~عباده، وجعلنا لا نفرق بين أحد من رسله، ولا نجحد كتابا أوجب علينا الإقرار ~~به، ولا نضيف إليه ما ليس منه، إنه حميد مجيد، فعال لما يريد. # أما بعد فقد قرأت كتابكم، وفهمت ما ذكرتم فيه من مسائل النصارى قبلكم، ~~وما دخل على قلوب أحداثكم وضعفائكم من اللبس، والذي خفتموه على جواباتهم من ~~العجز، وما سألتم من إقرارهم بالمسائل، ومن حسن معونتهم بالجواب. # وذكرتم أنهم قالوا: إن الدليل على أن كتابنا باطل، وأمرنا فاسد، أننا ~~ندعي عليهم ما لا يعرفونه فيما بينهم، ولا يعرفونه من أسلافهم، لأنا نزعم ~~أن الله جل وعز قال في كتابه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " وإذ ~~قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ~~"، وأنهم زعموا أنهم لم يدينوا قط بأن PageV03P303 ~~مريم إله في سرهم، ولا ادعوا ذلك قط في ms121 علانيتهم. وأنهم زعموا أنا ادعينا ~~عليهم ما لا يعرفون، كما ادعينا على اليهود ما لا يعرفون، حين نطق كتابنا، ~~وشهد نبينا: أن اليهود قالوا: إن عزيرا ابن الله، وإن يد الله مغلولة، وإن ~~الله فقير وهم أغنياء. وهذا ما لا يتكلم به إنسان، ولا يعرف في شيء من ~~الأديان. # ولو كانوا يقولون في عزير ما نحلتمون وادعيتموه، لما جحدوه من دينهم، ~~ولما أنكروا أن يكون من قولهم، ولما كانوا بإنكار بنوة عزير أحق منا بإنكار ~~بنوة المسيح، ولما كان علينا منكم بأس بعد عقد الذمة، وأخذ الجزية. # وذكرتم أنهم قالوا: ومما يدل على غلطكم في الأخبار، وأخذكم العلم عن غير ~~الثقات، أن كتابكم ينطق: أن فرعون قال لهامان: " ابن لي صرحا ". وهامان لم ~~يكن إلا في زمن الفرس، وبعد زمن فرعون بدهر طويل، وإن ذلك معروف عند أصحاب ~~الكتب، مشهور عند أهل العلم. وإنما اتخذ صرحا ليكون إذا علاه أشرف على ~~الله. # وفرعون لا يخلو من أن يكون جاحدا لله تعالى، أو مقرا به. فإن كان دينه ~~عند نفسه وأهل مملكته نفي الله وجحده، فما وجه اتخاذ الصرح وطلب الإشراف، ~~وليس هناك شيء ولا إله؟ PageV03P304 # وإن كان مقرا بالله عارفا به، فلا يخلو من أن يكون مشبها أو نافيا ~~للتشبيه. فإن كان ممن ينفي الطول والعرض والعمق والحدود والجهات، فما وجه ~~طلبه له في مكان بعينه، وهو عنده بكل مكان؟ وإن كان مشبها فقد علم أنه ليس ~~في طاقة بني آدم أن يبنوا بنيانا، أو يرفعوا صرحا يخرق سبع سموات بأعماقهن، ~~والأجزاء التي بينهن، حتى يحاذي العرش ثم يعلوه. # وفرعون وإن كان كافرا فلم يكن مجنونا، ولا كان إلى نقص العقل من بين ~~الملوك منسوبا. على أن الحكم قد يقوم بعقول الملوك بالفضيلة على عقول ~~الرعية. # وذكرتم أنهم قالوا: تزعمون أن الله تعالى ذكر يحيى بن زكريا يخبر أنه " ~~لم يجعل له من قبل سميا "، وأنهم يجدون في كتبهم وفيما لا يختلف فيه خاصتهم ~~وعامتهم أنه كان من قبل يحيى ms122 بن زكريا غير واحد يقال له يحيى، منهم: يوحنا ~~بن فرح. # وزعمتم أنهم قالوا لكم: إنكم ذكرتم أن الله قال في كتابه لنبيكم: " وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ~~"، وإنما عنى بقوله: " أهل الذكر ": PageV03P305 ~~أهل التوراة، وأصحاب الكتب يقولون: إن الله قد بعث من النساء نبيات، منهم ~~مريم بنت عمران، وبعث منهم حنة، وسارى، ورفقى. # وذكرتم أنهم قالوا: زعمتم أن عيسى تكلم في المهد، ونحن على تقديمنا له، ~~وتقريبنا لأمره، وإفراطنا بزعمكم فيه، على كثرة عددنا، وتفاوت بلادنا، ~~واختلافنا فيما بيننا، لا نعرف ذلك ولا ندعيه، وكيف ندعيه ولم نسمعه عن ~~سلف، ولا ادعاه منا مدع. # ثم هذه اليهود لا تعرف ذلك، وتزعم أنها لم تسمع به إلا منكم، ولا تعرفه ~~المجوس، ولا الصابئون، ولا عبادة البددة من الهند وغيرهم، PageV03P306 ~~ولا الترك والخزر، ولا بلغنا ذلك عن أحد من الأمم السالفة، والقرون ~~الماضية، ولا في الإنجيل، ولا في ذكر صفات المسيح في الكتب والبشارات به ~~على ألسنة الرسل. # ومثل هذا لا يجوز أن يجهله الولي والعدو، وغير الولي وغير العدو، ولا ~~يضرب به مثل، ولا يروح به الناس، ثم يجمع النصارى على رده، مع حبهم لتقوية ~~أمره. ولم يكونوا ليضادوكم فيما يرجع عليهم نفعه. وكيف لم يكذبوكم في ~~إحيائه الموتى، ومشيه على الماء، وإبراء الأكمه والأبرص؟ ! بل لم يكونوا ~~ليتفقوا على إظهار خلاف دينهم، وإنكار أعظم حجة كانت لصاحبهم، ومثل هذا لا ~~ينكتم ولا ينفك ممن يخالف وينم. # والكلام في المهد أعجب من كل عجب، وأغرب من كل غريب، وأبدع من كل بديع؛ ~~لأن إحياء الموتى والمشي على الماء، وإقامة المقعد، وإبراء الأعمى، وإبراء ~~الأكمه قد أتت به الأنبياء، وعرفه الرسل، ودار في أسماعهم. ولم يتكلم صبي ~~قط، ولا مولود في المهد. # وكيف ضاعت هذه الآية، وسقطت حجة هذه العلامة من بين كل علامة؟ ! # وبعد، ~~فكل أعجوبة يأتي بها الرجال، والمعروفون بالبيان، PageV03P307 ~~والمنسوبون إلى صواب الرأي، تكون الحيلة في الظن إليها ms123 أقرب، وخوف الخدعة ~~عليها أغلب. والصبي المولود عاجز في الفطرة، ممتنع من كل حيلة، لا يحتاج ~~فيه إلى نظر، ولا يشبهه من شاهده بدخل. ### || فصل منه # وسنقول في جميع ما ورد علينا من مسائلكم، وفيما لا يقع إليكم من مسائلهم، ~~بالشواهد الظاهرة، والحجج القوية، والأدلة الاضطرارية، ثم نسألهم بعد ~~جوابنا إياهم عن وجوه يعرفون بها انتقاض قولهم، وانتشار مذهبهم، وتهافت ~~دينهم. # ونحن نعوذ بالله من التكلف وانتحال ما لا نحسن، ونسأله القصد في القول ~~والعمل، وأن يكون ذلك لوجهه، ولنصرة دينه، إنه قريب مجيب. # فأنا مبتدىء في ذكر الأسباب التي لها صارت النصارى أحب إلى العوام من ~~المجوس، وأسلم صدورا عندهم من اليهود، وأقرب مودة، وأقل غائلة، وأصغر كفرا، ~~وأهون عذابا. # ولذلك أسباب كثيرة، ووجوه واضحة، يعرفها من نظر، ويجهلها من لم ينظر. PageV03P308 # أول ذلك أن اليهود كانوا جيران المسلمين بيثرب وغيرها، وعداوة الجيران ~~شبيهة بعداوة الأقارب في شدة التمكن وثبات الحقد، وإنما يعادي الإنسان من ~~يعرف، ويميل على من يرى، ويناقض من يشاكل، ويبدو له عيوب من يخالط. وعلى ~~قدر الحب والقرب يكون البغض والبعد، ولذلك كانت حروب الجيران وبني الأعمام ~~من سائر الناس وسائر العرب أطول، وعداوتهم أشد. # فلما صار المهاجرون لليهود جيرانا، وقد كانت الأنصار متقدمة الجوار، ~~مشاركة في الدار، حسدتهم اليهود على النعمة في الدين، والاجتماع بعد ~~الافتراق، والتواصل بعد التقاطع، وشبهوا على العوام، واستمالوا الضعفة، ~~ومالئوا الأعداء والحسدة، ثم جاوزوا الطعن وإدخال الشبهة، إلى المناجزة ~~والمنابذة بالعداوة، فجمعوا كيدهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في قتالهم، ~~وإخراجهم من ديارهم، وطال ذلك واستفاض فيهم وظهر، وترادف لذلك الغيظ، ~~وتضاعف البغض، وتمكن الحقد. # وكانت النصارى لبعد ديارهم، من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ومهاجره، ~~لا يتكلفون طعنا، ولا يثيرون كيدا، PageV03P309 ~~ولا يجمعون على حرب. فكان هذا أول أسباب ما غلظ القلوب على اليهود، ~~ولينها على النصارى. # ثم كان من أمر المهاجرين إلى الحبشة، واعتمادهم على تلك الجنبة ما حببهم ~~إلى عوام المسلمين. وكلما لانت القلوب لقوم غلظت على ms124 أعدائهم، وبقدر ما نقص ~~من بغض النصارى زاد في بغض اليهود. # ومن شأن الناس حب من اصطنع إليهم خيرا أو جرى على يديه، أراد الله بذلك ~~أو لم يرده، وبقصد كان أم باتفاق. # وأمر آخر، وهو من أمتن أسبابهم وأقوى أمورهم، وهو تأويل آية غلطت فيها ~~العامة حتى نازعت الخاصة، وحفظتها النصارى واحتجت، واستمالت قلوب الرعاع ~~والسفلة، وهو قول الله تعالى: " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ~~والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ". ~~إلى قوله: " وذلك جزاء المحسنين ". وفي نفس الآية أعظم الدليل على أن الله ~~تعالى لم يعن هؤلاء النصارى ولا أشباههم: الملكانية واليعقوبية، وإنما عنى PageV03P310 ~~ضرب بحيرا، وضرب الرهبان الذين كان يخدمهم سلمان. # وبين حمل قوله: " الذين قالوا إنا نصارى " على الغلط منهم في الأسماء، ~~وبين أن نجزم عليهم لأنهم نصارى فرق. # كما ذكر اليهود أنه جاء الإسلام وملوك العرب رجلان: غساني ولخمي، وهما ~~نصرانيان، وقد كانت العرب تدين لهما، وتؤدي الإتاوة لهما، فكان تعظيم ~~قلوبهم لهما راجعا إلى تعظيم دينهما. ~~وكانت تهامة، وإن كانت لقاحا لا تدين الدين، ولا تؤدي PageV03P311 ~~الإتاوة، ولا تدين للملوك، فإنها كانت لا تمتنع من تعظيم ما عظم الناس، ~~وتصغير ما صغروا. # ونصرانية النعمان وملوك غسان مشهورة في العرب، معروفة عند أهل النسب، ~~ولولا ذلك لدللت عليها بالأشعار المعروفة، والأخبار الصحيحة. # وقد كانت تتجر إلى الشام، وينفذ رجالها إلى ملوك الروم، ولها رحلة في ~~الشتاء والصيف، في تجارة مرة إلى الحبشة، ومرة قبل الشام، ومرة بيثرب، ~~ومصيفها بالطائف، ومرة منيحين مستأنفا بحمده، فكانوا أصحاب نعمة، وذلك ~~مشهور مذكور في القرآن، وعند أهل المعرفة. # وقد كانت تهاجر إلى الحبشة، وتأتي باب النجاشي وافدة، فيحبوهم بالجزيل، ~~ويعرف لهم الأقدار، ولم تكن تعرف كسرى، ولا تأنس بهم. وقيصر والنجاشي ~~نصرانيان، فكان ذلك أيضا للنصارى، دون اليهود. # والآخر من الناس تبع للأول في تعظيم من عظم، وتصغير من صغر. PageV03P312 # وأخرى: أن العرب كانت النصرانية فيهل فاشية، وعليها غالبة، إلا مضر، فلم ms125 ~~تغلب عليها يهودية ولا مجوسية، ولم تفش فيها النصرانية، إلا ما كان من قوم ~~منهم نزلوا الحيرة يسمون: العباد، فإنهم كانوا نصارى، وهم مغمورون مع نبذ ~~يسير في بعض القبائل. ولم تعرف مضر إلا دين العرب، ثم الإسلام. # وغلبت النصرانية على ملوك العرب وقبائلها: على لخم، وغسان، والحارث بن ~~كعب بنجران، وقضاعة، وطي، في قبائل كثيرة، وأحياء معروفة. ثم ظهرت في ربيعة ~~فغلبت على تغلب وعبد القيس وأفناء بكر، ثم في آل ذي الجدين خاصة. # وجاء الإسلام وليست اليهودية بغالبة على قبيلة، إلا ما كان من ناس من ~~اليمانية، ونبذ يسير من جميع إياد وربيعة. ومعظم اليهودية إنما كانت بيثرب ~~وحمير وتيماء ووادي القرى، في ولد هارون، دون العرب. # فعطف قلوب دهماء العرب على النصارى الملك الذي كان فيهم، والقرابة التي ~~كانت لهم. ثم رأت عوامنا أن فيها ملكا قائما، وأن فيهم عربا كثيرة، وأن ~~بنات الروم ولدن لملوك الإسلام، وأن في PageV03P313 ~~النصارى متكلمين وأطباء ومنجمين، فصاروا بذلك عندهم عقلاء وفلاسفة ~~وحكماء، ولم يروا ذلك في اليهود. # وإنما اختلفت أحوال اليهود والنصارى في ذلك لأن اليهود ترى أن النظر في ~~الفلسفة كفر، والكلام في الدين بدعة، وأنه مجلبة لكل شبهة، وأنه لا علم إلا ~~ما كان في التوراة وكتب الأنبياء، وأن الإيمان بالطب، وتصديق المنجمين من ~~أسباب الزندقة والخروج إلى الدهرية، والخلاف على الأسلاف وأهل القدوة، حتى ~~إنهم ليبهرجون المشهور بذلك، ويحرمون كلام من سلك سبيل أولئك. # ولو علمت العوام أن النصارى والروم ليست لهم حكمة ولا بيان، ولا بعد ~~روية، إلا حكمة الكف، من الخرط والنجر والتصوير، وحياكة البزيون لأخرجتهم ~~من حدود الأدباء، ولمحتهم من ديوان الفلاسفة والحكماء؛ لأن كتاب المنطق ~~والكون والفساد، وكتاب العلوي، وغير ذلك، لأرسطاطاليس، وليس برومي ولا ~~نصراني. # وكتاب المجسطي لبطليموس، وليس برومي ولا نصراني. # وكتاب إقليدس لإقليدس، وليس برومي ولا نصراني. PageV03P314 # وكتاب الطب لجالينوس، ولم يكن روميا ولا نصرانيا. # وكذلك كتب ديمقراط وبقراط وأفلاطون، وفلان وفلان. # وهؤلاء ناس من أمة قد بادوا وبقيت آثار ms126 عقولهم، وهم اليونانيون، ودينهم ~~غير دينهم، وأدبهم غير أدبهم، أولئك علماء، وهؤلاء صناع أخذوا كتبهم لقرب ~~الجوار، وتداني الدار، فمنها ما أضافوه إلى أنفسهم، ومنها ما حولوه إلى ~~ملتهم. إلا ما كان من مشهور كتبهم، ومعروف حكمهم، فإنهم حين لم يقدروا على ~~تغيير أسمائها زعموا أن اليونانيين قبيل من قبائل الروم، ففخروا بأديانهم ~~على اليهود، واستطالوا بها على العرب، وبذخوا بها على الهند، حتى زعموا أن ~~حكماءنا أتباع حكمائهم، وأن فلاسفتنا اقتدوا على أمثالهم، فهذا هذا. # ودينهم - يرحمك الله - يضاهي الزندقة، ويناسب في بعض وجوهه قول الدهرية، ~~وهم من أسباب كل حيرة وشبهة. # والدليل على ذلك أنا لم نر أهل ملة قط أكثر زندقة من النصارى، ولا أكثر ~~متحيرا أو مترنحا منهم. # وكذلك شأن كل من نظر في الأمور الغامضة بالعقول الضعيفة: ألا ترى أن أكثر ~~من قتل في الزندقة ممن كان ينتحل الإسلام ويظهره، PageV03P315 ~~هم الذين آباؤهم وأمهاتهم نصارى. # على أنك لو عددت اليوم أهل الظنة ومواضع التهمة لم تجد أكثرهم إلا كذلك. # ومما عظمهم في قلوب العوام، وحببهم إلى الطغام، أن منهم كتاب السلاطين، ~~وفراشي الملوك، وأطباء الأشراف، والعطارين والصيارفة. ~~ولا تجد اليهودي إلا صباغا، أو دباغا، أو حجاما، أو قصابا، أو شعابا. # فلما رأت العوام اليهود والنصارى توهمت أن دين اليهود في الأديان ~~كصناعتهم في الصناعات، وأن كفرهم أقذر الكفر، إذ كانوا هم أقذر الأمم. # وإنما صارت النصارى أقل مساخة من اليهود، على شدة مساخة النصارى، لأن ~~الإسرائيلي لا يزوج إلا الإسرائيلي، وكل مناكحهم مردودة فيهم، ومقصورة ~~عليهم، وكانت الغرائب لا تشوبهم، وفحولة الأجناس لا تضرب ولا تضرب فيهم، لم ~~ينجبوا في عقل ولا أسر ولا ملح. وإنك لتعرف ذلك في الخيل والإبل، والحمير ~~والحمام. # ونحن - رحمك الله - لم نخالف العوام في كثرة أموال النصارى، وأن فيهم ~~ملكا قائما، وأن ثيابهم أنظف، وأن صناعتهم أحسن. PageV03P316 ~~وإنما خالفنا في فرق ما بين الكفرين والفرقتين، في شدة المعاندة ~~واللجاجة، والإرصاد لأهل الإسلام بكل مكيدة، مع لؤم الأصول، وخبث الأعراق. ms127 # فأما الملك والصناعة والهيئة، فقد علمنا أنهم اتخذوا البراذين الشهرية، ~~والخيل العتاق، واتخذوا الجوقات، وضربوا بالصوالجة، وتحذفوا المديني، ~~ولبسوا الملحم والمطبقة، واتخذوا الشاكرية، وتسموا بالحسن والحسين، والعباس ~~وفضل وعلي، واكتنوا بذلك أجمع، ولم يبق إلا أن يتسموا بمحمد، ويكتنوا بأبي ~~القاسم. فرغب إليهم المسلمون، وترك كثير منهم عقد الزنانير، وعقدها آخرون ~~دون ثيابهم، وامتنع كثير من كبرائهم من إعطاء الجزية، وأنفوا مع أقدارهم من ~~دفعها وسبوا من سبهم، وضربوا من ضربهم. PageV03P317 # وما لهم لا يفعلون ذلك وأكثر منه، وقضاتنا أو عامتهم يرون أن دم الجاثليق ~~والمطران والأسقف وفاء بدم جعفر وعلي والعباس وحمزة. # ويرون أن النصراني إذا قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم بالغواية أنه ليس ~~عليه إلا التعزير والتأديب، ثم يحتجون أنهم إنما قالوا ذلك لأن أم النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم تكن مسلمة. فسبحان الله العظيم! ما أعجب هذا القول ~~وأبين انتشاره! # ومن حكم النبي صلى الله عليه وسلم: أن لا يساوونا في ~~المجلس، ومن قوله: " وإن سبوكم فاضربوهم، وإن ضربوكم فاقتلوهم ". # وهم إذا قذفوا أم النبي عليه السلام بالفاحشة لم يكن له عند أمته إلا ~~التعزير والتأديب. وزعموا أن افتراءهم على النبي ليس بنكث للعهد، ولا بنقض ~~للعقد. # وقد أمر النبي عليه السلام أن يعطونا الضريبة عن يد منا عالية في قبولنا ~~منهم، وعقدنا لذمتهم، دون إراقة دمهم. وقد حكم الله تعالى عليهم بالذلة ~~والمسكنة. PageV03P318 # أو ما ينبغي للجاهل أن يعلم أن الأئمة الراشدين، والسلف المتقدمين لم ~~يشترطوا عند أخذ الجزية، وعقد الذمة عدم الافتراء على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأمته، إلا لأن ذلك عندهم أعظم في العيون، وأجل في الصدور من أن ~~يحتاجوا إلى تخليده في الكتب، وإلى إظهار ذكره بالشرط، وإلى تثبيته ~~بالبينات، بل لو فعلوا ذلك لكان فيه الوهن عليهم، والمطمعة فيهم، ولظنوا ~~أنهم في القدر الذي يحتاج فيه إلى هذا وشبهه. # وإنما يتواثق الناس في شروطهم، ويفسرون في عهودهم ما يمكن فيه الشبهة، أو ~~يقع فيه الغلط، أو يغبى عنه ms128 الحاكم، وينساه الشاهد، ويتعلق به الخصم، فأما ~~الواضح الجلي، والظاهر الذي لا يخيل فما وجه اشتراطه، والتشاغل بذكره. # وأما ما احتاجوا إلى ذكره في الشروط، وكان مما يجوز أن يظهر في العهد فقد ~~فعلوه، وهو كالذلة والصغارة، وإعطاء الجزية، ومقاسمة الكنائس، وأن لا ~~يعينوا بعض المسلمين على بعض، وأشباه ذلك. فأما PageV03P319 ~~أن يقولوا لمن هو أذل من الذليل، وأقل من القليل، وهو الطالب الراغب في ~~أخذ فديته، والإنعام عليه بقبض جزيته وحقن دمه: نعاهدك على أن لا تفتري على ~~أمة رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، وسيد الأولين والآخرين. فهذا ما لا ~~يجوز في تدبير أوساط الناس، فكيف بالجلة والعلية، وأئمة الخليقة، ومصابيح ~~الدجى، ومنار الهدى، مع أنفة العرب، وبأو السلطان، وغلبة الدولة، وعز ~~الإسلام، وظهور الحجة، والوعد بالنصرة. # على أن هذه الأمة لم تبتل باليهود، ولا المجوس، ولا الصابئين كما ابتليت ~~بالنصارى. وذلك أنهم يتبعون المتناقض من أحاديثنا، والضعيف بالأسناد من ~~روايتنا، والمتشابه من آي كتابنا، ثم يخلون بضعفائنا، ويسألون عنها عوامنا، ~~مع ما قد يعلمون من مسائل الملحدين، والزنادقة الملاعين، وحتى مع ذلك ربما ~~تبرءوا إلى علمائنا، وأهل الأقدار منا، ويشغبون على القوي، ويلبسون على ~~الضعيف. # ومن البلاء أن كل إنسان من المسلمين يرى أنه متكلم، وأنه ليس أحد أحق ~~بمحاجة الملحدين من أحد. # وبعد، فلولا متكلمو النصارى وأطباؤهم ومنجموهم ما صار إلى PageV03P320 ~~أغبيائنا وظرفائنا، ومجاننا وأحداثنا شيء من كتب المنانية، والديصانية، ~~والمرقونية، والفلانية، ولما عرفوا غير كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم، ولكانت تلك الكتب مستورة عند أهلها، ومخلاة في أيدي ~~ورثتها. فكل سخنة عين رأيناها في أحداثنا وأغبيائنا فمن قبلهم كان أولها. # وأنت إذا سمعت كلامهم في العفو والصفح، وذكرهم للسياحة، وزرايتهم على كل ~~من أكل اللحمان، ورغبتهم في أكل الحبوب، وترك الحيوان، وتزهيدهم في النكاح، ~~وتركهم لطلب الولد، ومديحهم للجاثليق والمطران والأسقف والرهبان، بترك ~~النكاح وطلب النسل، وتعظيمهم الرؤساء علمت أن بين دينهم وبين الزندقة نسبا، ~~وأنهم يحنون إلى ذلك المذهب. PageV03P321 # والعجب أن ms129 كل جاثليق لا ينكح، ولا يطلب الولد. وكذلك كل مطران، وكل أسقف. ~~وكذلك كل أصحاب الصوامع من اليعقوبية، والمقيمين في الديارات والبيوت من ~~النسطورية. وكل راهب في الأرض وراهبة، مع كثرة الرهبان والرواهب، ومع تشبه ~~أكثر القسيسين بهم في ذلك، ومع ما فيهم من كثرة الغزاة، وما يكون فيهم مما ~~يكون في الناس، من المرأة العاقر، والرجل العقيم. # على أن من تزوج منهم امرأة لم يقدر على الاستبدال بها، ولا على أن يتزوج ~~أخرى معها، ولا على التسري عليها. وهم مع هذا قد طبقوا الأرض، وملئوا ~~الأفاق، وغلبوا الأمم بالعدد، وبكثرة الولد. وذلك مما زاد في مصائبنا، ~~وعظمت به محنتنا. # ومما زاد فيهم، وأنمى عددهم، أنهم يأخذون من سائر الأمم، ولا يعطونهم، ~~لأن كل دين جاء بعد دين، أخذ منه الكثير، وأعطاه القليل. ### || فصل منه # ومما يدل على قلة رحمتهم، وفساد قلوبهم أنهم أصحاب الخصاء من بين جميع ~~الأمم، والخصاء أشد المثلة، وأعظم ما ركب به إنسان ثم يفعلون ذلك بأطفال لا ~~ذنب لهم، ولا دفع عندهم. PageV03P322 # ولا نعرف قوما يعرفون بخصاء الناس حيث ما كانوا إلا ببلاد الروم والحبشة، ~~وهم في غيرهما قليل، وأقل قليل. # على أنهم لم يتعلموا إلا منهم، ولا كان السبب في ذلك غيرهم، ثم خصوا ~~أبناءهم وأسلموهم في بيعهم. وليس الخصاء إلا في دين الصابئين، فإن العابد ~~ربما خصى نفسه، ولا يستحل خصاء ابنه. فلو تمت إرادتهم في خصاء أولادهم في ~~ترك النكاح وطلب النسل كما حكيت لك قبل هذا لانقطع النسل، وذهب الدين، وفتن ~~الخلق. # والنصراني وإن كان أنظف ثوبا، وأحسن صناعة، وأقل مساخة، فإن باطنه ألأم ~~وأقذر وأسمج، لأنه أقلف، ولا يغتسل من الجنابة، ويأكل لحم الخنزير، وامرأته ~~جنب لا تطهر من الحيض، ولا من النفاس، ويغشاها في الطمث، وهي مع ذلك غير ~~مختونة. # وهم مع شرارة طبائعهم، وغلبة شهواتهم ليس في دينهم مزاجر كنار الأبد في ~~الآخرة، وكالحدود والقود والقصاص في الدنيا، فكيف يجانب ما يفسده، ويؤثر ما ~~يصلحه من كانت حاله ms130 كذلك. وهل يصلح الدنيا من هو كما قلنا؟ وهل يهيج على ~~الفساد إلا من وصفنا؟ PageV03P323 # ولو جهدت بكل جهدك، وجمعت كل عقلك أن تفهم قولهم في المسيح، لما قدرت ~~عليه، حتى تعرف به حد النصرانية، وخاصة قولهم في الإلهية. # وكيف تقدر على ذلك وأنت لو خلوت ونصراني نسطوري فسألته عن قولهم في ~~المسيح لقال قولا، ثم إن خلوت بأخيه لأمه وأبيه وهو نسطوري مثله فسألته عن ~~قولهم في المسيح لأتاك بخلاف أخيه وصنوه. وكذلك جميع الملكانية واليعقوبية. ~~ولذلك صرنا لا نعقل حقيقة النصرانية، كما نعرف جميع الأديان. # على أنهم يزعمون أن الدين لا يخرج في القياس، ولا يقوم على المسائل، ولا ~~يثبت في الامتحان، وإنما هو بالتسليم لما في الكتب، والتقليد للأسلاف. ~~ولعمري، إن من كان دينه دينهم ليجب عليه أن يعتذر بمثل عذرهم. # وزعموا أن كل من اعتقد خلاف النصرانية من المجوس والصابئين والزنادقة فهو ~~معذور، ما لم يتعمد الباطل، ويعاند الحق. فإذا صاروا إلى اليهود قضوا عليهم ~~بالمعاندة، وأخرجوهم من طريق الغلط والشبهة. ### || فصل منه # فأما مسألتهم في كلام عيسى في المهد: أن النصارى مع حبهم لتقوية أمره لا ~~يثبتونه، وقولهم: إنا تقولناه ورويناه عن غير الثقات، PageV03P324 ~~وأن الدليل على أن عيسى لم يتكلم في المهد أن اليهود لا يعرفونه، وكذلك ~~المجوس، وكذلك الهند والخزر والديلم. فنقول في جواب مسألتهم عند إنكارهم ~~كلام المسيح في المهد مولودا. # يقال لهم: إنكم حين سويتم المسألة وموهتموها، ونظمتم ألفاظها، ظننتم أنكم ~~قد أنجحتم، وبلغتم غايتكم. ولعمري لئن حسن ظاهرها، وراع الأسماع مخرجها، ~~إنها لقبيحة المفتش، سيئة المعرى. # ولعمري أن لو كانت اليهود تقر لكم بإحياء الأربعة الذين تزعمون، وإقامة ~~المقعد الذي تدعون، وإطعام الجمع الكثير من الأرغفة اليسيرة، وتصيير الماء ~~جمدا، والمشي على الماء، ثم أنكرت الكلام في المهد من بين جميع آياته ~~وبراهينه لكان لكم في ذلك مقال، وإلى الطعن سبيل. فأما وهم يجحدون ذلك ~~أجمع، فمرة يضحكون، ومرة يغتاظون ويقولون: إنه صاحب رقى ونيرجات، ومداوي PageV03P325 ~~مجانين، ومتطبب، وصاحب حيل ms131 وتربص خدع، وقراءة كتب، وكان لسنا مسكينا، ~~ومقتولا مرحوما، ولقد كان قبل ذلك صياد سمك، وصاحب شبك، وكذلك أصحابه. وأنه ~~خرج على مواطأة منهم له، وأنه لم يكن لرشدة. # وأحسنهم قولا، وألينهم مذهبا من زعم أنه ابن يوسف النجار. # وأنه قد كان ~~واطأ ذلك المقعد قبل إقامته بسنين، حتى إذا شهره بالقعدة، وعرف موضعه في ~~الزمنى، مر به في جمع من الناس كأنه لا يريده، فشكا إليه الزمانة وقلة ~~الحيلة، وشدة الحاجة، فقال: ناولني يدك. فناوله يده، فاجتذبه فأقامه، فكان ~~تجمع لطول القعود، حتى استمر بعد ذلك. # وأنه لم يحي ميتا قط، وإنما كان داوى رجلا يقال له لا عازر إذ أغمي عليه ~~يوما وليلة، وكانت أمه ضعيفة العقل، قليلة المعرفة، فمر بها، فإذا هي تصرخ ~~وتبكي، فدخل إليها PageV03P326 ~~ليسكتها ويعزيها، وجس عرقه فرأى فيه علامة الحياة، فداواه حتى أقامه، ~~فكانت لقلة معرفتها لا تشك أنه قد مات، ولفرحها بحياته تثني عليه بذلك، ~~وتتحدث به. # فكيف تستشهدون قوما هذا قولهم في صاحبكم، حين قالوا: كيف يجوز أن يتكلم ~~صبي في المهد مولودا، فيجهله الأولياء والأعداء. # ولو كانت المجوس تقر لعيسى بعلامة واحدة، وبأدنى أعجوبة، لكان لكم أن ~~تنكروا علينا بهم، وتستعينوا بإنكارهم. فأما وحال عيسى في جميع أمره عند ~~المجوس كحال زرادشت في جميع أمره عند النصارى فما اعتلالهم به، وتعلقهم في ~~إنكارهم؟ # وأما قولكم: وكيف لم تعرف الهند والخزر والترك ذلك؟ فمتى أقرت ~~الهند لموسى بأعجوبة واحدة، فضلا عن عيسى؟ ومتى أقرت لنبي بآية، أو روت له ~~سيرة، حتى تستشهدوا الهند على كلام عيسى في المهد؟ # ومتى كانت الترك والديلم ~~والخزر والببر والطيلسان مذكورة في شيء من هذا الجنس، محتجا بها على هذا ~~الضرب؟ PageV03P327 # فإن سألونا عن أنفسهم فقالوا: ما لنا لا نعرف ذلك ولم يبلغنا عن أحد بتة؟ ~~أجبناهم بعد إسقاط نكيرهم وتشنيعهم، وتزوير شهودهم. # وجوابنا: أنهم إنما قبلوا دينهم عن أربعة أنفس: اثنان منهم من الحواريين ~~بزعمهم: يوحنا، ومتى. واثنان من المستجيبة وهما: مارقش ولوقش، وهؤلاء ~~الأربعة ms132 لا يؤمن عليهم الغلط ولا النسيان، ولا تعمد الكذب، ولا التواطؤ على ~~الأمور، والاصطلاح على اقتسام الرياسة، وتسليم كل واحد منهم لصاحبه حصته ~~التي شرطها له. # فإن قالوا: إنهم كانوا أفضل من أن يتعمدوا كذبا، وأحفظ من أن ينسوا شيئا، ~~وأعلى من أن يغلطوا في دين الله تعالى، أو يضيعوا عهدا. # قلنا: إن اختلاف رواياتهم في الإنجيل، وتضادها في كتبهم، واختلافهم في ~~نفس المسيح، مع اختلاف شرائعهم، دليل على صحة قولنا فيهم، وغفلتكم عنهم. PageV03P328 # وما ينكر من مثل لوقش أن يقول باطلا، وليس من الحواريين، وقد كان يهوديا ~~قبل ذلك بأيام يسيرة، ومن هو عندكم من الحواريين خير من لوقش عند المسيح في ~~ظاهر الحكم بالطهارة، والطباع الشريفة، وبراءة الساحة. ### || فصل منه # سألتم عن قولهم: إذا كان تعالى قد اتخذ عبدا من عباده خليلا، فهل يجوز أن ~~يتخذ عبدا من عباده ولدا، يريد بذلك إظهار رحمته له، ومحبته إياه، وحسن ~~تربيته وتأديبه له، ولطف منزلته منه، كما سمى عبدا من عباده خليلا، وهو ~~يريد تشريفه وتعظيمه، والدلالة على خاص حاله عنده. # وقد رأيت من المتكلمين من يجيز ذلك ولا ينكره، إذا كان ذلك على التبني ~~والتربية والإبانة له بلطف المنزلة، والاختصاص له بالمرحمة والمحبة، لا على ~~جهة الولادة، واتخاذ الصاحبة. ويقول: ليس في القياس فرق بين اتخاذ الولد ~~على التبني والتربية وبين اتخاذ الخليل على الولاية والمحبة. # وزعم أن الله تعالى يحكم في الأسماء بما أحب، كما أن له أن يحكم في ~~المعاني بما أحب. # وكان يجوز دعوى أهل الكتاب على التوراة والإنجيل والزبور، وكتب الأنبياء ~~صلوات الله عليهم في قولهم: إن الله قال: " إسرائيل PageV03P329 ~~بكري " أي هو أول من تبنيت من خلقي. وأنه قال: " إسرائيل بكري، وبنوه ~~أولادي ". وأنه قال لداود: " سيولد لك غلام، ويسمى لي ابنا، وأسمى له أبا ~~". وأن المسيح قال في الإنجيل: " أنا أذهب إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم "، ~~وأن المسيح أمر الحواريين أن يقولوا في صلواتهم: " يا أبانا في السماء، ~~تقدس اسمك ". في أمور عجيبة، ms133 ومذاهب شنيعة، يدل على سوء عبادة اليهود، وسوء ~~تأويل أصحاب الكتب، وجهلهم مجازات الكلام، وتصاريف اللغات، ونقل لغة إلى ~~لغة، وما يجوز على الله، وما لا يجوز. وسبب هذا التأويل كله الغي والتقليد، ~~واعتقاد التشبيه. # وكان يقول: إنما وضعت الأسماء على أقدار المصلحة، وعلى قدر ما يقابل من ~~طبائع الأمم. فربما كان أصلح الأمور وأمتنها أن يتبناه الله أو يتخذه ~~خليلا، أو يخاطبه بلا ترجمان، أو يخلقه من غير ذكر، أو يخرجه من بين عاقر ~~وعقيم. وربما كانت المصلحة غير ذلك PageV03P330 ~~كله. وكما تعبدنا أن نسميه جوادا ونهانا أن نسميه سخيا أو سريا وأمرنا أن ~~نسميه مؤمنا ونهانا أن نسميه مسلما، وأمرنا أن نسميه رحيما ونهانا أن نسميه ~~رفيقا. # وقياس هذا كله واحد، وإنما يتسع ويسهل على قدر العادة وكثرتها. ولعل ذلك ~~كله قد كان شائعا في دين هود وصالح وشعيب وإسماعيل، إذ كان شائعا في كلام ~~العرب في إثبات ذلك وإنكاره. # وأما نحن - رحمك الله - فإنا لا نجيز أن يكون لله ولد، لا من جهة ~~الولادة، ولا من جهة التبني، ونرى أن تجويز ذلك جهل عظيم، وإثم كبير؛ لأنه ~~لو جاز أن يكون أبا ليعقوب لجاز أن يكون جدا ليوسف، ولو جاز أن يكون جدا ~~وأبا، وكان ذلك لا يوجب نسبا، ولا يوهم مشاكلة في بعض الوجوه، ولا ينقص من ~~عظم، ولا يحط من بهاء، لجاز أيضا أن يكون عما وخالا؛ لأنه إن جاز أن يسميه ~~من أجل المرحمة والمحبة والتأديب أبا، جاز أن يسميه آخر من جهة التعظيم ~~والتفضيل والتسويد أخا، ولجاز أن يجد له صاحبا وصديقا، وهذا ما لا يجوزه ~~إلا من لا يعرف عظمة الله، وصغر قدر الإنسان. # وليس بحكيم من ابتذل نفسه في توقير عبده، ووضع من قدره في التوفر على ~~غيره. وليس من الحكمة أن تحسن إلى عبدك بأن تسيء إلى PageV03P331 ~~نفسك، وتأتي من الفضل ما لا يجب بتضييع ما يجب. وكثير الحمد لا يقوم ~~بقليل الذم، ولم يحمد الله ولم يعرف إلهيته من ms134 جوز عليه صفات البشر، ~~ومناسبة الخلق، ومقاربة العباد. # وبعد، فلا يخلو المولى في رفع عبده وإكرامه من أحد أمرين: # إما أن يكون لا ~~يقدر على كرامته إلا بهوان نفسه، ويكون على ذلك قادرا، مع وفارة العظمة، ~~وتمام البهاء. # وإن كان لا يقدر على رفع قدر غيره إلا بأن ينقص من قدر نفسه فهذا هو ~~العجز، وضيق الذرع. # وإن كان على ذلك قادرا فآثر ابتذال نفسه والحط من شرفه فهذا هو الجهل ~~الذي لا يحتمل. # والوجهان عن الله جل جلاله منفيان. # ووجه آخر يعرفون به صحة قولي، وصواب مذهبي، وذلك أن الله تبارك وتعالى لو ~~علم أنه فد كان فيما أنزل من كتبه على بني إسرائيل: إن أباكم كان بكري ~~وابني، وإنكم أبناء بكري لما كان تغضب عليهم إذ قالوا: نحن أبناء الله، ~~فكيف لا يكون ابن ابن الله ابنه، PageV03P332 ~~وهذا من تمام الإكرام، وكمال المحبة، ولا سيما إن كان قال في التوراة: ~~بنو إسرائيل أبناء بكري. # وأنت تعلم أن العرب حين زعمت أن الملائكة بنات الله كيف استعظم الله ~~تعالى ذلك وأكبره، وغضب على أهله، وإن كان يعلم أن العرب لم تجعل الملائكة ~~بناته على الولادة واتخاذ الصاحبة، فكيف يجوز مع ذلك أن يكون الله قد كان ~~يخبر عباده قبل ذلك بأن يعقوب ابنه، وأن سليمان ابنه، وأن عزيرا ابنه، وأن ~~عيسى ابنه؟. # فالله تعالى أعظم من أن يكون له أبوة من صفاته، والإنسان أحقر من أن يكون ~~بنوة الله من أنسابه. # والقول بأن الله يكون أبا وجدا وأخا وعما، للنصارى ألزم، وإن كان للآخرين ~~لازما، لأن النصارى تزعم أن الله هو المسيح بن مريم، وأن المسيح قال ~~للحواريين: " إخوتي ". فلو كان للحواريين أولاد لجاز أن يكون الله عمهم! # بل ~~قد يزعمون أن مرقش هو ابن شمعون الصفا، وأن زوزري ابنته، وأن النصارى تقر ~~أن في إنجيل مرقش: " ما زاذ أمك وإخوتك على الباب " وتفسيرها: ما زاذ: ~~معلم. فهم لا يمتنعون من أن يكون الله تبارك وتعالى أبا وجدا وعما. ms135 PageV03P333 # ولولا أن الله قد حكى عن اليهود أنهم قالوا: إن " عزيرا ابن الله "، " ~~ويد الله مغلولة "، و " إن الله فقير ونحن أغنياء " وحكى عن النصارى أنهم ~~قالوا: " المسيح ابن الله " وقال: " قالت النصارى المسيح ابن الله ". وقال: ~~" لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة " لكنت لأن أخر من السماء أحب ~~إلي من أن ألفظ بحرف مما يقولون. ولكني لا أصل إلى إظهار جميع مخازيهم، وما ~~يسرون من فضائحهم، إلا بالإخبار عنهم، والحكاية منهم. # فإن قالوا: خبرونا عن الله، وعن التوراة، أليست حقا؟ قلنا: نعم. قالوا: ~~فإن فيها " إسرائيل بكري " وجميع ما ذكرتم عنا معروف في الكتب. # قلنا: إن القوم إنما أتوا من قلة المعرفة بوجوه الكلام، ومن سوء الترجمة، ~~مع الحكم بما يسبق إلى القلوب. ولعمري أن لو كانت لهم عقول المسلمين ~~ومعرفتهم بما يجوز في كلام العرب، وما يجوز على الله، مع فصاحتهم ~~بالعبرانية، لوجدوا لذلك الكلام تأويلا حسنا، ومخرجا سهلا، ووجها قريبا. ~~ولو كانوا أيضا لم يعطلوا في سائر ما ترجموا لكان لقائل مقال، ولطاعن مدخل، ~~ولكنهم يخبرون أن PageV03P334 ~~الله تبارك وتعالى قال في العشر الآيات التي كتبتها أصابع الله: " إني ~~أنا الله الشديد، وإني أنا الله الثقف، وأنا النار التي تأكل النيران، آخذ ~~الأبناء بحوب الآباء، القرن الأول والثاني والثالث إلى السابع ". وأن داود ~~قال في الزبور: " وافتح عينك يا رب " وقم يا رب "، و " أصغ إلي سمعك يا رب ~~". وأن داود خبر أيضا في مكان آخر عن الله تعالى: " وانتبه الله كما ينتبه ~~السكران الذي قد شرب الخمر ". وأن موسى قال في التوراة: " خلق الله الأشياء ~~بكلمته، وبروح نفسه ". وأن الله قال في التوراة لبني إسرائيل: " بذراعي ~~الشديدة أخرجتكم من أهل مصر ". وأنه قال في كتاب إشعياء: " احمد الله حمدا ~~جديدا، احمده في أقاصي الأرض، يملأ الجزائر وسكانها، والبحور والقفار وما ~~فيها، ويكون بنو قيدار في القصور، وسكان الجبال - يعني قيدار بن إسماعيل - ~~ليصيحوا ويصيروا لله الفخر والكرامة، ويسبحوا بحمد الله في الجزائر ". PageV03P335 # وأنه قال ms136 على إثر ذلك: " ويخرج الرب كالجبار، وكالرجل الشجاع المجرب، ~~ويزجر ويصرخ، ويهيج الحرب والحمية، ويقتل أعداءه، يفرح السماء والأرض ". # وأن الله قال أيضا في كتاب إشعياء: " سكت. قال: هو متى أسكت، مثل المرأة ~~التي قد أخذها الطلق للولادة أتلهف، وإن تراني أريد أحرث الجبال والشعب، ~~وآخذ بالعرب في طريق لا يعرفونه ". # وكلهم على هذا اللفظ العربي مجمع. ومعنى هذا لا يجوزه أحد من أهل العلم، ~~ومثل هذا كثير تركته لمعرفتكم به. # وأنت تعلم أن اليهود لو أخذوا القرآن فترجموه بالعبرانية لأخرجوه من ~~معانيه، ولحولوه عن وجوهه، وما ظنك بهم إذا ترجموا: " فلما آسفونا انتقمنا ~~منهم "، و " لتصنع على عيني "، و " السموات مطوية بيمينه "، و " على العرش ~~استوى "، و " ناضرة. إلى ربها ناظرة "، وقوله: " فلما تجلى ربه للجبل جعله ~~دكا "، PageV03P336 ~~و " كلم الله موسى تكليما "، و " جاء ربك والملك صفا صفا ". # وقد يعلم أن مفسري كتابنا وأصحاب التأويل منا أحسن معرفة، وأعلم بوجوه ~~الكلام من اليهود، ومتأولي الكتاب، ونحن قد نجد في تفسيرهم ما لا يجوز على ~~الله في صفته، ولا عند المتكلمين في مقاييسهم، ولا عند النحويين في ~~عربيتهم. فما ظنك باليهود مع غباوتهم وغيهم، وقلة نظرهم وتقليدهم؟ # وهذا باب ~~قد غلطت فيه العرب أنفسها، وفصحاء أهل اللغة إذا غلطت قلوبها، وأخطأت ~~عقولها، فكيف بغيرهم ممن لا يعلم كعلمها؟ # سمع بعض العرب قول جميع العرب: " ~~القلوب بيد الله "، وقولهم في الدعاء: " نواصينا بيد الله " وقوله جل ذكره: ~~" بل يداه مبسوطتان "، وقولهم: " هذا من أيادي الله ونعمه عندنا " وقد كان ~~من لغتهم أن الكف أيضا يد، كما أن النعمة يد، والقدرة يد، فغلط الشاعر ~~فقال: # هون عليك فإن الأمور %~% بكف الإله مقاديرها PageV03P337 # وقد كان إبراهيم بن سيار النظام يجيب بجواب، وأنا ذكره إن شاء الله. ~~وعليه كانت علماء المعتزلة، ولا أراه مقنعا ولا شافيا. # وذلك أنه كان يجعل الخليل مثل الحبيب، مثل الولي، وكان يقول: خليل الرحمن ~~مثل حبيبه ووليه وناصره. وكانت الخلة والولاية والمحبة سواء. # قالوا: ولما كانت كلها عنده ms137 سواء جاز أن يسمي عبدا له ولدا، لمكان ~~التربية التي ليست بحضانة، ولمكان الرحمة التي لا تشتق من الرحم، لأن ~~إنسانا لو رحم جرو كلب فرباه لم يجز أن يسميه ولدا ويسمي نفسه أبا. ولو ~~التقط صبيا فرباه جاز أن يسميه ولدا ويسمي نفسه له أبا، لأنه شبيه ولده، ~~وقد يولد لمثله مثله. وليس بين الكلاب والبشر أرحام، فإذا كان شبه الإنسان ~~أبعد من الله تعالى من شبه الجرو بالإنسان، كان الله أحق بألا يجعله ولده، ~~وينسبه إلى نفسه. # قلنا لإبراهيم النظام عند جوابه هذا وقياسه الذي قاس عليه، في المعارضة ~~والموازنة بين قياسنا وقياسه: أرأيت كلبا ألف كلابه، وجامى وأحمى دونه، هل ~~يجوز أن يتخذه بذلك كله خليلا، مع بعد التشابه والتناسب؟ # فإذا قال: لا. قلنا: فالعبد الصالح أبعد شبها من الله من ذلك الكلب ~~المحسن إلى كلابه، فكيف جاز في قياسك أن يكون الله خليل PageV03P338 ~~من لا يشاكله لمكان إحسانه، ولا يجوز للكلاب أن يسمي كلبه خليلا أو ولدا ~~لمكان حسن تربيته له، وتأديبه إياه، ولمكان حسن الكلب وكسبه عليه، وقيامه ~~مقام الولد الكاسب والأخ، والبار. # والعبد الصالح لا يشبه الله في وجه من الوجوه، والكلب قد يشبه كلابه ~~لوجوه كثيرة، بل ما أشبهه به مما خالفه فيه، وإن كانت العلة التي منعت من ~~تسمية الكلب خليلا وولدا بعد شبهه من الإنسان. # فلو قلتم: فما الجواب الذي أجبت فيه، والوجه الذي ارتضيته؟ # قلنا: إن ~~إبراهيم صلوات الله عليه، وإن كان خليلا، فلم يكن خليله بخلة كانت بينه ~~وبين الله تعالى، لأن الخلة والإخاء والصداقة والتصافي والخلطة وأشباه ذلك ~~منفية عن الله تعالى عز ذكره، فيما بينه وبين عباده، على أن الإخاء ~~والصداقة داخلتان في الخلة، والخلة أعم الاسمين، وأخص الحالين. ويجوز أن ~~يكون إبراهيم خليلا بالخلة التي أدخلها الله على نفسه وماله، وبين أن يكون ~~خليلا بالخلة وأن يكون خليلا بخلة بينه وبين ربه فرق ظاهر، وبون واضح. وذلك ~~أن إبراهيم عليه السلام اختل في الله تعالى اختلالا ms138 لم يختلله أحد قبله. ~~لقذفهم إياه في النار، وذبحه ابنه، وحمله على ماله في الضيافة والمواساة ~~والأثرة، وبعداوة قومه، والبراءة من أبويه في حياتهما، وبعد موتهما، وترك ~~وطنه، والهجرة إلى غير داره ومسقط رأسه. فصار لهذه الشدائد مختلا في الله، ~~وخليلا في الله. والخليل والمختل سواء في كلام PageV03P339 ~~العرب. والدليل على أن يكون الخليل من الخلة كما يكون من الخلة قول زهير ~~بن أبي سلمى، وهو يمدح هرما: # وإن أتاه خليل يوم مسبغة %~% يقول لا عاجز مالي ولا حرم # وقال آخر: # وإني إلى أن تسعفاني بحاجة %~% إلى آل ليلى مرة لخليل # وهو لا يمدحه بأن خليله وصديقه يكون فقيرا سائلا، يأتي يوم المسألة ويبسط ~~يده للصدقة والعطية، وإنما الخليل في هذا الموضع من الخلة والاختلال، لا من ~~الخلة والخلال. # وكأن إبراهيم عليه السلام حين صار في الله مختلا أضافه الله إلى نفسه، ~~وأبانه بذلك عن سائر أوليائه، فسماه خليل الله من بين الأنبياء، كما سمى ~~الكعبة: بيت الله من بين جميع البيوت، وأهل مكة: أهل الله من بين جميع ~~البلدان. وسمى ناقة صالح عليه السلام: ناقة الله من بين جميع النوق. وهكذا ~~كل شيء عظمه الله تعالى، من خير وشر، وثواب وعقاب. كما قالوا: دعه في لعنة ~~الله، وفي نار الله وفي حرقه. وكما قال للقرآن: كتاب الله، وللمحرم: شهر ~~الله. وعلى هذا المثال قيل لحمزة رحمة الله ورضوانه عز ذكره عليه: أسد ~~الله، ولخالد رحمة الله عليه: سيف الله تعالى. # وفي قياسنا هذا لا يجوز: أن الله خليل إبراهيم، كما يقال: إن إبراهيم ~~خليل الله. PageV03P340 # فإن قال قائل: فكيف لم يقدموه على جميع الأنبياء، إذ كان الله قدمه بهذا ~~الاسم الذي ليس لأحد مثله؟ # قلنا: إن هذا الاسم اشتق له من عمله وحاله ~~وصفته، وقد قيل لموسى عليه السلام: كليم الله، وقيل لعيسى: روح الله، ولم ~~يقل ذلك لإبراهيم، ولا لمحمد صلوات الله عليهما، وإن كان محمد صلى الله ~~عليه وسلم أرفع درجة منهم، لأن الله تعالى كلم الأنبياء ms139 عليهم السلام على ~~ألسنة الملائكة، وكلم موسى كما كلم الملائكة، فلهذه العلة قيل: كليم الله. ~~وخلق في نطف الرجال أن قذفها في أرحام النساء على ما أجرى عليه تركيب ~~العالم، وطباع الدنيا، وخلق في رحم مريم روحا وجسدا، على غير مجرى العادة، ~~وما عليه المناكحة. فلهذه الخاصة قيل له: روح الله. # وقد يجوز أن يكون في نبي من الأنبياء خصلة شريفة، ولا تكون تلك الخصلة ~~بعينها في نبي أرفع درجة منه، ويكون في ذلك النبي خصال شريفة ليست في ~~الآخر. وكذلك جميع الناس، كالرجل يكون له أبوان، فيحسن برهما وتعاهدهما، ~~والصبر عليهما، وهو أعرج لا يقدر على الجهاد، وفقير لا يقدر على الإنفاق. ~~ويكون آخر لا أب له ولا أم له، وهو ذو مال كثير، وخلق سوي، وجلد طاهر، ~~فأطاع هذا بالجهاد والإنفاق، وأطاع ذلك ببر والديه والصبر عليهما. # والكلام إذا حرك تشعب، وإذا ثبت أصله كثرت فنونه، واتسعت طرقه. ولولا ~~ملالة القارىء، ومداراة المستمع لكان بسط القول في جميع ما يعرض أتم ~~للدليل، وأجمع للكتاب، ولكنا إنما ابتدأنا الكتاب لنقتصر به على كسر ~~النصرانية فقط. PageV03P341 ### || فصل منه # قلنا في جواب آخر: إن كان المسيح إنما صار ابن الله لأن الله خلقه من غير ~~ذكر، فآدم وحواء إذ كانا من غير ذكر وأنثى أحق بذلك، إن كانت العلة في ~~اتخاذه ولدا أنه خلقه من غير ذكر. ~~وإن كان ذلك لمكان التربية فهل رباه إلا كما ربى موسى، وداود، وجميع ~~الأنبياء. وهل تأويل: رباه إلا غذاه، ورزقه، وأطعمه، وسقاه، فقد فعل ذلك ~~بجميع الناس. ولم سميتم سقيه لهم وإطعامه إياهم تربية؟ ولم رباه وأنتم لا ~~تريدون إلا غذاه ورزقه، وهو لم يحضنه، ولم يباشر تقليبه، ولم يتول بنفسه ~~سقيه وإطعامه، فيكون ذلك سببا له دون غيره، وإنما سقاه لبن أمه في صغره، ~~وغذاه بالحبوب والماء في كبره. ### || فصل منه # والأعجوبة في آدم عليه السلام أبدع، وتربيته أكرم، ومنقلبه أعلى وأشرف، ~~إذ كانت السماء داره، والجنة منزله، والملائكة خدامه. بل هو المقدم ms140 ~~بالسجود، والسجود أشد الخضوع. وإن كان بحسن التعليم والتثقيف؛ فمن كان الله ~~تعالى يخاطبه، ويتولى مناجاته دون أن يرسل إليه ملائكته ويبعث إليه رسله، ~~أقرب منزلة، وأشرف مرتبة، وأحق بشرف التأديب وفضيلة التعليم. PageV03P342 # وكان الله تعالى يكلم آدم كما كان يكلم ملائكته، ثم علمه الأسماء كلها؛ ~~ولم يكن ليعلمه الأسماء كلها إلا بالمعاني كلها، فإذا كان ذلك كذلك فقد ~~علمه جميع مصالحه ومصالح ولده، وتلك نهاية طباع الآدميين، ومبلغ قوى ~~المخلوقين. ### || فصل منه # فأما قولهم إنا نقول على الناس ما لا يعرفونه، ولا يجوز أن يدينوا به، ~~وهو قولنا إن اليهود قالت: إن الله تعالى فقير ونحن أغنياء. وأنها قالت: إن ~~يد الله مغلولة، وإنها قالت: إن عزيرا ابن الله، وهم مع اختلافهم وكثرة ~~عددهم، ينكرون ذلك ويأبونه أشد الإباء. # قلنا لهم: إن اليهود لعنهم الله تعالى كانت تطعن على القرآن، وتلتمس ~~نقضه، وتطلب عيبه، وتخطىء فيه صاحبه، وتأتيه من كل وجه، وترصده بكل حيلة، ~~ليلتبس على الضعفاء، وتستميل قلوب الأغبياء. # فلما سمعت قول الله تعالى لعباده الذين أعطاهم، قرضا، وسألهم قرضا على ~~التضعيف، فقال عز من قائل: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ". ~~قالت اليهود على وجه الطعن والعيب والتخطئة والتعنت: تزعم أن الله يستقرض ~~منا، وما استقرض منا PageV03P343 ~~إلا لفقره وغنانا! فكفرت بذلك القول إذ كان على وجه التكذيب والتخطئة، لا ~~على وجه أن دينها كان في الأصل أن الله فقير، وأن عباده أغنياء. وكيف يعتقد ~~إنسان أن الله عاجز عما يقدر عليه، مع إقراره بأنه الذي خلقه ورزقه، وإن ~~شاء حرمه، وإن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. وقدرته على جميع ذلك كقدرته على ~~واحد. # ومجاز الآية في اللغة واضح، وتأويلها بين؟ وذلك أن الرجل منهم كان يقرض ~~صاحبه لإرفاقه، ليعود إليه مع أصل ماله اليسير من ربحه، ثم هو مخاطر به إلى ~~أن يعود في ملكه. فقال لهم بحسن عادته ومنته: آسوا فقراءكم، وأعطوا في الحق ~~أقرباءكم، من المال الذي أعطيتكم، والنعمة التي ms141 خولتكم، بأمري إياكم وضماني ~~لكم، فأعتده منكم قرضا وإن كنت أولى به منكم، فأنا موفيكم حقوقكم إلى ما لا ~~ترتقي إليه همة ولا تبلغه أمنية. على أنكم قد أمنتم من الخطار، وسلمتم من ~~التغرير. # والرجل يقول لعبده: أسلفني درهما، عند الحاجة تعرض له، وهو يعلم أن عبده ~~وماله له. وإنما هذا كلام وفعال يدل على حسن الملكة، والتفضل على العبد ~~والأمة، وإخبار منه لعبده أنه سيعيد عليه ما كانت سخت به نفسه. PageV03P344 # وهذا ليس بغلط في الكلام ولا بضيق فيه ولكن المتعنت يتعلق بكل سبب، ~~ويتشبث بكل ما وجد. # وأما إخباره عن اليهود أنها قالت: " يد الله مغلولة "، فلم يذهب إلى أن ~~اليهود ترى أن ساعده مشدودة إلى عنقه بغل. وكيف يذهب إلى هذا ذاهب، ويدين ~~به دائن؟ ! لأنه لا بد أن يكون يذهب إلى أنه غل نفسه أو غله غيره. وأيهما ~~كان، فإنه منفي عن وهم كل بالغ يحتمل التكليف، وعاقل يحتمل التثقيف، ولكن ~~اليهود قوم جبرية، والجبرية تبخل الله مرة، وتظلمه مرة، وإن لم تقر ~~بلسانها، وتشهد على إقرارها، بقولهم: " يد الله مغلولة " يعنون بره ~~وإحسانه. وقولهم: مغلولة، لا يعني أن غيره حبسه ومنعه، ولكن إذا كان عندهم ~~أنه الذي منع أياديه، وحبس نعمه؛ فهي محبوسة بحبسه، وممنوعة بمنعه. # والذي يدل على أنهم أرادوا باليدين النعمة والإفضال، دون PageV03P345 ~~الساعد والذراع، جواب كلامهم حين قال: " بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ~~". دليلا على ما قلنا، وشاهدا على ما وصفنا. # فإن قالوا: فكيف لم نقل إن اليهود بخلت الله وجحدت إحسانه، دون أن يقال ~~إن يد الله مغلولة؟ # قلنا: إن أراد الله الإخبار عن كفر قوم وسخط عليهم، ~~فليس لهم عليه أن يعبر عن دينهم وعيوبهم بأحسن المخارج، ويجليها بأحسن ~~الألفاظ. وكيف وهو يريد التنفير عن قولهم، وأن يبغضهم إلى من سمع ذلك عنهم. # ولو أراد الله تعالى تليين الأمر وتصغيره وتسهيله، لقال قولا غير هذا. ~~وكل صدق جائز في الكلام. فهذا مجاز مسألتهم في اللغة، وهو معروف عند أهل ms142 ~~البيان والفصاحة. # وأما قولهم: إن اليهود لا تقول إن عزيرا ابن الله. فإن اليهود في ذلك على ~~قولين: أحدهما خاص، والآخر عام في جماعتهم. # فأما الخاص، فإن ناسا منهم لما رأوا عزيرا أعاد عليهم التوراة من تلقاء ~~نفسه، بعد دروسها وشتات أمرها غلوا فيه، وقالوا ذلك، وهو مشهور من أمرهم. ~~وإن فريقا من بقاياهم لباليمن والشام وداخل بلاد الروم. وهؤلاء بأعيانهم ~~يقولون: إن إسرائيل الله ابنه، وإذا كان ذلك على خلاف تناسب الناس، وصار ~~ذلك الاسم لعزير PageV03P346 ~~بالطاعة والعلامة، والمرتبة لأنه من ولد إسرائيل. # والقول الذي هو عام فيهم، أن كل يهودي ولده إسرائيل، فهو ابن الله، إذ لم ~~يجدوا ابن ابن قط إلا وهو ابن. ### || فصل منه # فإن قالوا: ليس المسيح روح الله وكلمته، كما قال عز ذكره: " وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه " أو ليس قد أخبر عن نفسه حين ذكر أمه أنه نفخ ~~فيها من روحه؟ أو ليس مع ذلك قد أخبر عن حصانة فرجها وطهارتها؟ أو ليس مع ~~ذلك قد أخبر أنه لا أب له، وأنه كان خالقا، إذ كان يخلق من الطين كهيئة ~~الطير، فيكون حيا طائرا؟ فأي شيء بقي من الدلالات على مخالفته لمشاكلة جميع ~~الخلق، ومباينة جميع البشر؟ # قلنا لهم: إنكم إنما سألتمونا عن كتابنا، وما ~~يجوز في لغتنا وكلامنا، ولم تسألونا عما يجوز في لغتكم وكلامكم. ولو أننا ~~جوزنا ما في لغتنا ما لا يجوز، وقلنا على الله تعالى ما لا نعرف، كنا بذلك ~~عند الله والسامعين في حد المكاثرين، وأسوأ حالا من المنقطعين، وكنا قد ~~أعطيناكم أكثر مما سألتم، وجزنا بكم فوق أمنيتكم. PageV03P347 # ولو كنا إذا قلنا: عيسى روح الله وكلمته، وجب علينا في لغتنا أن يجعله ~~الله ولدا، ونجعله مع الله تعالى إلها، ونقول: إن روحا كانت في الله ~~فانفصلت منه إلى بدن عيسى وبطن مريم. ~~فكنا إذا قلنا: إن الله سمى جبريل روح الله وروح القدس، وجب علينا أن ~~نقول فيه ما يقولون في عيسى. وقد علمتم أن ذلك ms143 ليس من ديننا، ولا يجوز ذلك ~~بوجه من الوجوه عندنا، فكيف نظهر للناس قولا لا نقوله، ودينا لا نرتضيه. # ولو كان قوله جل ذكره: " فنفخنا فيه من روحنا " يوجب نفخا كنفخ الزق، أو ~~كنفخ الصائغ في المنفاخ، وأن بعض الروح التي كانت فيه انفصلت فاصلة إلى ~~بطنه وبطن أمه، لكان قوله في آدم يوجب له ذلك؛ لأنه قال: " وبدأ خلق ~~الإنسان من طين. ثم جعل نسله ". . إلى قوله: " ونفخ فيه من روحه " وكذلك ~~قوله: " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ". # والنفخ يكون من وجوه، والروح يكون من وجوه: فمنها ما أضافه إلى نفسه، ~~ومنها ما لم يضفه إلى نفسه. وإنما PageV03P348 ~~يكون ذلك على قدر ما عظم من الأمور، فمما سمى روحا وأضافه إلى نفسه، ~~جبريل الروح الأمين، وعيسى بن مريم. والتوفيق كقول موسى حين قال: إن بني ~~فلان أجابوا فلانا النبي ولم يجيبوك. فقال له: " إن روح الله مع كل أحد ". # وأما القرآن فإن الله سماه روحا، وجعله يقيم للناس مصالحهم في دنياهم ~~وأبدانهم، فلما اشتبها من هذا الوجه ألزمهما اسمهما فقال لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا " وقال: " تنزل الملائكة ~~والروح ". ### || فصل منه # قد جعلنا في جواباتهم وقدمنا مسائلهم، بما لم يكونوا ليبلغوه لأنفسهم، ~~ليكون الدليل تاما، والجواب جامعا؛ وليعلم من قرأ هذا الكتاب، وتدبر هذا ~~الجواب، أنا لم نغتنم عجزهم، ولم ننتهز غرتهم، وأن الإدلال بالحجة، والثقة ~~بالفلج والنصرة، هو الذي دعانا إلى أن نخبر عنهم بما ليس عندهم، وألا نقول ~~في مسألتهم بمعنى لم ينتبه له منتبه، أو يشر إليه مشير، وألا يوردوا فيما ~~يستقبلون، على PageV03P349 ~~ضعفائنا ومن قصر نظره منا، شيئا إلا والجواب قد سلف فيهم، وألسنتهم قد ~~مذلت به. # وسنسألهم إن شاء الله، ونجيب عنهم، ونستقصي لهم في جواباتهم، كما سألنا ~~لهم أنفسنا، واستقصينا لهم في مسائلهم. # فيقال لهم: هل يخلو المسيح أن يكون إنسانا بلا إله، أو إلها بلا إنسان؟ ~~أو أن يكون إلها وإنسانا؟ # فإن ms144 زعموا أنه كان إلها بلا إنسان، قلنا لهم: فهو ~~الذي كان صغيرا فشب والتحى، والذي كان يأكل ويشرب، وينجو ويبول، وقتل ~~بزعمكم وصلب، وولدته مريم وأرضعته، أم غيره هو الذي كان يأكل ويشرب على ما ~~وصفنا؟ فأي شيء معنى الإنسان إلا ما وصفنا وعددنا؟ # وكيف يكون إلها بلا ~~إنسان، وهو الموصوف بجميع صفات الإنسان. وليس القول في غيره ممن صفته كصفته ~~إلا كالقول فيه كاشتمالها على غيره؟ # وإن زعموا أنه لم ينقلب عن الإنسانية ~~ولم يتحول عن جوهر البشرية، ولكن لما كان اللاهوت فيه، صار خالقا وسمي ~~إلها. قلنا لهم: خبرونا عن اللاهوت. أكان فيه وفي غيره، أم كان فيه دون ~~غيره؟ PageV03P350 # فإن زعموا أنه كان فيه وفي غيره، فليس هو أولى بأن يكون خالقا ويتسمى ~~إلها من غيره. وإن كان فيه دون غيره، فقد صار اللاهوت جسما. # وسنقول في الكسر عليهم إذا صرنا إلى القول في التشبيه، وهو قول معظمهم، ~~والذي كان عليه جماعتهم، إلا من خالفهم من متكلميهم ومتفلسفيهم، فإنهم ~~يقولون بالتشبيه والتجسيم، فرارا من كثرة الشناعة، وعجزا عن الجواب. وكفى ~~بالتشبيه قبحا، وهو قول يعم اليهود وإخوانهم من الرافضة، وشياطينهم من ~~المشبهة والحشوية والنابتة، وهو بعد متفرق في الناس. والله تعالى المستعان. PageV03P351 ### | 11- من كتابه في الرد على المشبهة ### || فصل من صدر كتابه في الرد على المشبهة # أما بعد، فقد اختلف أهل الصلاة في معنى التوحيد، وإن كانوا قد أجمعوا على ~~انتحال اسمه. فليس يكون كل من انتحل اسم التوحيد موحدا إذا جعل الواحد ذا ~~أجزاء، وشبهه بشيء ذي أجزاء. # ولو أن زاعما زعم أن أحدا لا يكون مشبها وإن زعم أن الله يرى بالعيون، ~~ويوجد ببعض الحواس، حتى يزعم أنه يرى كما يرى الإنسان، ويدرك كما تدرك ~~الألوان كان كمن قال: لا يكون العبد لله مكذبا، وإن زعم أنه يقول ما لا ~~يفعل، حتى يزعم أنه يكذب. ~~ولا يكون العبد لله مجورا، وإن زعم أنه يعذب من لم يعطه السبب الذي به ~~ينال طاعته، حتى يزعم أنه ms145 يجور. # ولو أن رجلا قال لفلان: عندي جذر مائة، كان عندنا كقوله: PageV04P005 ~~لفلان عشرة. وكذلك إذا قال: فلان قد ناقض في كلامه، فهو عندنا كقوله: ~~فلان قد أحال في كلامه. # ولو قال: ناقض ولم يحل، له عندي جذر مائة وليس له عندي عشرة؛ كان كالذي ~~يقول: ركبت عيرا ولم أركب حمارا، وشربت المدامة ولم أشرب خمرا. # وللمعاني دلالات وأسماء، فمن دل على المعنى بواحدة منها، وباسم من ~~أسمائها، لم نسأله أن يوفينا الجميع؛ وأن يأتي على الكل، ولم يلتفت إلى منع ~~ما منع، إذا كان الذي منع مثل الذي أعطى. # وقد أنبأ الله عن نفسه، على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال " ليس ~~كمثله شيء " فأقر القوم بظاهر هذا الكلام؛ ثم جعلوه في المعنى يشبه كل شيء، ~~إذ جعلوه جسما، فقد جعلوه محدثا ومخلوقا؛ لأن دلالة الحدوث، والشهادة على ~~التدبير، ثابتان في الأجسام، وإنما لزمها ذلك لأنهما أجسام لا لغير ذلك؛ ~~لأن الجسم إذا تحرك وسكن، وعجز وقوي، وبقي وفني، وزاد ونقص، ومازج الأجسام ~~وتخلص لأنه جسم؛ ولولا أنه جسم لاستحال ذلك منه، ولما جاز عليه PageV04P006 ~~هذه الأمور التي أوجبتها الجسمية، وهي الدالة على حدوث الأجسام. فواجب أن ~~يكون كل جسم كذلك، إذا كانت الأجسام مستوية في الجسمية، وإذا كان كل جسم ~~منها أيضا لزمه ذلك. # وقد اختلف أصحاب التشبيه في مذاهب التشبيه. # فقال بعضهم: نقول: إنه جسم، وكل جسم طويل. # وقال آخرون: نقول: إنه جسم، ولا نقول إنه طويل، لأنا إنما جعلناه جسما ~~لنخرجه من باب العدم؛ إذ كنا متى أخبرنا عن شيء، فقد جعلناه معقولا متوهما، ~~ولا معقول ولا متوهم إلا الجسم. وليست بنا حاجة إلى أن نجعله طويلا، وليس ~~في كونه جسما إيجاب لأن يكون طويلا. لأن الجسم يكون طويلا وغير طويل، ~~كالمدور، والمثلث، والمربع، وغير ذلك، ولا يكون الشيء إلا معقولا، ولا ~~المعقول إلا جسما. فلذلك جعلناه جسما، ولم نجعله طويلا. # فينبغي - يرحمك الله - لصاحب هذه المقالة، إن لم يجعله طويلا أن يجعله ~~عريضا، وإن ms146 لم يجعله عريضا أن يجعله مدورا، وإن لم يجعله مدورا أن يجعله ~~مثلثا، وإن لم يجعله مثلثا أن يجعله مربعا. وإن أقر بهيئة من الهيئات فقد ~~دخل فيما كره. # ولا أعلم المدور، والمثلث، والمربع، والمخمس، والمصلب، والمزوى، وغير ذلك ~~من الهيئات، إلا أشنع في اللفظ، وأحقر في الوهم. PageV04P007 ### || فصل منه # وقال أصحاب الرؤية: اعتللتم علينا بقول الله تعالى: " لا تدركه الأبصار ~~وهو يدرك الأبصار "، وقلتم: هذه الآية مبهمة، وخرجت مخرج العموم، والعام ~~غير الخاص. # وقد صدقتم، كذلك العام إلى أن يخصه الله بآية أخرى؛ وذلك أن الله تعالى ~~لو كان قال: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " ثم لم يقل: " وجوه ~~يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة " لعلمنا أنه قد استثنى أخرة من جميع الأبصار. # قالوا: وإنما ذلك مثل قوله: " قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا ~~الله " ومثل قوله: " وما كان الله ليطلعكم على الغيب " وهذه الأخبار مبهمة ~~عامة، فلما قال: " تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا ~~قومك من قبل هذا " ولما قال، أيضا: " ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ~~" علمنا أن القول الثاني قد خص القول الأول. وكذلك أيضا قوله: " لا تدركه ~~الأبصار ". PageV04P008 # قلنا للقوم: إن الله تعالى لما قال: " تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ". ~~بعد أن قال: " وما كان الله ليطلعكم على الغيب ". علمنا أن ذلك استثناء ~~لبعض ما قال إني لا أطلعكم على الغيب. وهذا الاستثناء لا اختلاف في لفظه ~~ولا في معناه، ولا يحتمل ظاهر لفظه غير معناه عندنا. # وعند خصومنا فيه أشد الاختلاف. وظاهر لفظه يحتمل وجها آخر غير ما ذهبوا ~~إليه. والفقهاء وأصحاب التفسير يختلفون في تأويله وهم لا يختلفون في تأويل ~~قوله: " تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك " # قال: ذكر ابن مهدي عن سفيان، عن ~~منصور، عن مجاهد، في قوله: " وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة " أنه قال: ~~تنتظر ثواب ربها. # وذكر أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح PageV04P009 ~~مثل ms147 ذلك. وأبو صالح ومجاهد من كبار أصحاب ابن عباس، ومن العاملية، ومن ~~المتقدمين في التفسير. # فهذا فرق بين. # وبعد، ففي حجج العقول أن الله لا يشبه الخلق بوجه من الوجوه؛ فإذا كان ~~مرئيا فقد أشبهه في أكثر الوجوه. # وإذا كان قولهم في النظر يحتمل ما قلتم، وما قال خصمكم، مع موافقة أبي ~~صالح ومجاهد في التأويل، وكان ذلك أولى بنفي التشبيه الذي قد دل عليه ~~العقل، ثم القرآن: " ليس كمثله شيء " كان التأويل ما قال خصمكم دون ما ~~قلتم. ### || فصل منه # ثم رجع الكلام إلى أول المسألة، حيث جعلنا القرآن بيننا قاضيا، واتخذناه ~~حاكما، فقلنا: # قد رأينا الله استعظم الرؤية استعظاما شديدا، وغضب على من طلب ذلك ~~وأراده، ثم عذب عليه، وعجب عباده ممن سأله ذلك، وحذرهم أن يسلكوا سبيل ~~الماضين، فقال في كتابه لنبيه صلى الله عليه وسلم: " يسألك أهل الكتاب أن ~~تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله ~~جهرة فأخذتهم الصاعقة ". # فإن كان الله تعالى - في الحقيقة - يجوز أن يكون مرئيا، وببعض الحواس ~~مدركا، وكان ذلك عليه جائزا، فالقوم إنما سألوا أمرا PageV04P010 ~~ممكنا، وقد طمعوا في مطمع، فلم غضب هذا الغضب، واستعظم سؤالهم هذا ~~الاستعظام، وضرب به هذا المثل، وجعله غاية في الجرأة وفي الاستخفاف ~~بالربوبية. # فإن قالوا: لأن ذلك كان لا يجوز في الدنيا؛ فقدرة الله تعالى على ذلك في ~~الدنيا كقدرته عليه في الآخرة. # فإن قالوا: ليس لذلك استعظم سؤالهم، ولكن لأنهم تقدموا بين يديه. # قلنا: لم صار هذا السؤال تقدما عليه واستخفافا به، والشيء الذي طلبوه هو ~~مجوز في عقولهم، وقد أطمعهم فيه أن جوزوه عندهم، والقوم لم يسألوا ظلما ولا ~~عبثا ولا محالا. ومن عادة المسئول التفضل، وأنه فاعل ذلك بهم يوما. # فإن قالوا: إنما صار ذلك الطلب كفرا وذنبا عظيما لأنه قد كان قال لهم: ~~إني لا أتجلى لأحد في الدنيا. # قلنا: فإن كان الأمر على ما قلتم لكان في تفسيره إنكاره لطلبهم دليل على ~~ما ms148 يقولون، ولذكر تقدمهم بعد البيان، بل قال: " فقد سألوا PageV04P011 ~~موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة " لا غير ذلك. # فإن قالوا: إنما غضب الله عليهم لأنه ليس لأحد أن يظن أن الله تعالى يرى ~~جهرة. # قلنا: وأي شيء تأويل قول القائل: رأيت الله جهرة إلا المعاينة، أو إعلان ~~المعاينة؛ قال الله عز ذكره: " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ". ~~والجهر هو الإعلان والرفع والإشاعة؛ فهل يراه أهل الجنة إذا رفع عنهم ~~الحجب، ودخلوا عليه وجلسوا على الكرسي عنده إلا جهرة؟ كما تأولتم الحديث ~~الذي رويتموه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تضامون في رؤيته كما لا ~~تضامون في القمر ليلة البدر "، إلا أن يزعموا أنهم يرون ربهم سرا، لأنه ليس ~~إلا السر والجهر، وليس إلا الإعلان والإخفاء، وليس إلا المعاينة. # فإن قالوا: نحن لا نقول بالمعاينة، ونقول: نراه، ولا نقول نعاينه. # قلنا: ولم، وأنتم ترونه بأعينكم؟ فمن جعل لكم أن تقولوا نراه بالعين، ~~ومنعكم أن تقولوا نعاينه بالعين؟ وهل اشتقت المعاينة إلا من العين؟ PageV04P012 # فإن قالوا: لا يجوز أن يلفظ بالمعاينة إلا في الشيء الذي تقع عينه علي، ~~وتقع عيني عليه. فأما إذا كان أحدنا ذا عين، والآخر ليس ذا عين، فغير جائز ~~أن تسمى الرؤية معاينة، وإنما المعاينة مثل المخاصمة؛ ولا يجوز أن أقول: ~~خاصمت إلا وهناك من يخاصمني. # قلنا: قد يقول الناس أسلم فلان حين عاين السيف، وليس للسيف عين، وليس ~~هناك من يقاتله. على أنكم قد تزعمون أن لله عينا لا كالعيون ويدا لا ~~كالأيدي، وله عين بلا كيف، وسمع بلا كيف. ### || فصل منه # وقالت - أيضا - المشبهة: # الدليل على أنه جسم قوله عز ذكره: " وجاء ربك ~~والملك صفا صفا ". قالوا: فلا يجيء إلا إلى مكان هو فيه؛ ولو جاز أن يجيء ~~إلى مكان هو فيه جاز أن يخرج منه وهو فيه. فإذا أخبر الله أنه في السموات ~~والأرض، وقلتم إن الدنيا كلها لا تخلو منه، وإنه فيها، فإذا كان الأمر ~~كذلك، وكانت الدنيا محدودة، ms149 كان الذي يكون في بعضها أو في كلها محدودا، إذا ~~كان لم يجاوزها. ولو جاوزها لخرج إلى مكان، ولا يجوز أن يخرج منها إلا إلى ~~مكان. PageV04P013 # وقالوا: قد أخبر الله أنه في السموات والأرض، والله لا يخاطب عباده إلا ~~بما يعقلون، ولو خاطبهم بما لا يعقلون لكان قد كلفهم ما لا يطيقون، ومن ~~خاطب من لا يفي بالفهم عنه فقد وضع المخاطبة في غير موضعها. فهذا ما قال ~~القوم. # ونحن نقول: إن الشيء قد يكون في الشيء على وجوه، وسنذكر لك الوجوه، ونلحق ~~كل واحد منها بشكله وبما يجوز فيه، إن شاء الله تعالى. # قلنا للقوم: أليس قد خاطب الله الصم البكم الذين لا يعقلون، والذين خبر ~~أنهم لا يستطيعون سمعا؟ # فإن قالوا: إن العرب قد تسمي المتعامي أعمى، ~~والمتصامم أصم، ويقولون لمن عمل عمل من لا يعقل: لا يعقل؛ وإنما الكلام ~~محمول على كلام. وذلك أن المتعامي إذا تعامى، صار في الجهل كالأعمى، فلما ~~أشبهه من وجه سمي باسمه. # قلنا: قد صدقتم؛ ولكن ليس الأصل. والمستعمل في تسميتهم بالعمى إنما هو ~~الذي لا ناظر له. فإذا قالوا ذلك، قلنا: فلم زعمتم أن له ناظرا، وأخذتم ~~بالمجاز والتشبيه، وتركتم الأصل الذي هذا الاسم محمول عليه؟ # فإن قالوا: ~~إنما قلنا من أجل أن الأول لا يجوز على الله تعالى، والثاني جائز عليه، ~~والله لا يتكلم بكلام إلا ولذلك الكلام وجه إما PageV04P014 ~~أن يكون هو الأصل والمحمول عليه؛ وإما أن يكون هو الفرع والاشتقاق الذي ~~تسميه العرب مجازا. # فإذا نظرنا في كلام الله وهو عندنا عادل غير جائر، وهو جل جلاله يقول: " ~~صم بكم عمي فهم لا يعقلون " علمنا أنهم لو كانوا منقوصين غير وافرين، كانوا ~~قد كلفوا ما لا يطيقون، والمكلف لعباده ما لا يطيقون جائر ظالم. فإذا كان ~~لا يليق ذلك به علمنا أنهم قد كانوا وافرين غير عاجزين ولا منقوصين. وإذا ~~كانوا كذلك، صار الواجب أن نحكم بالفرع والمجاز، وندع الأصل والمحمول عليه ~~وقلنا: هم عمي وصم ولا يعقلون ms150 على أنهم تعاموا وتصاموا وعملوا عمل من لا ~~يعقل. # فإذا قالوا ذلك قلنا لهم: فإنا لم نعد هذا المذهب في قوله: " ناضرة "، " ~~وجاء ربك والملك صفا صفا " وفي قوله: " وهو الله في السموات وفي الأرض ". # وقد يقولون: جاءنا فلان بنفسه، ويقولون: جاءنا بولده، وجاءنا بخير كثير. ~~وذلك على معان مختلفة. PageV04P015 # ويقولون: جاءتنا السماء بأمر عظيم، والسماء في مكانها. # وقد يقولون - أيضا -: جاءتنا السماء، وهم إنما يريدون الغيم الذي يكون به ~~المطر من شق السماء وناحيتها ووجهها. PageV04P016 ### | 12- من كتابه في مقالة العثمانية PageV04P017 ### || فصل من صدر كتابه في مقالة العثمانية # زعمت العثمانية أن أفضل هذه الأمة وأولاها بالإمامة أبو بكر بن أبي ~~قحافة. وكان أول ما دلهم عند أنفسهم على فضيلته، وخاصة منزلته، وشدة ~~استحقاقه إسلامه على الوجه الذي لم يسلم عليه أحد من عالمه وفي عصره. وذلك ~~أن الناس اختلفوا في أول الناس إسلاما: فقال قوم: أبو بكر بن أبي قحافة. ~~وقال آخرون: زيد بن حارثة. وقال نفر: خباب بن الأرت. # على أنا إذا تفقدنا أخبارهم، وأحصينا أحاديثهم، ~~وعددنا رجالهم، وصحة أسانيدهم، كان الخبر في تقديم أبي بكر أعم، ورجاله ~~أكثر، وإسناده أصح؛ وهو بذلك أشهر، واللفظ به أظهر. مع الأشعار الصحيحة، ~~والأمثال المستفيضة، في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته. ~~وليس بين الأشعار وبين الأخبار فرق إذا امتنع في مجيئها وأصل مخرجها ~~التشاعر، والاتفاق والتواطؤ. # ولكنا ندع هذا المذهب جانبا، ونضرب عنه صفحا، اقتدارا على الحجة، وثقة ~~بالفلج والقوة، ونقتصر على أدنى منازل أبي بكر، PageV04P019 ~~وننزل على حكم الخصم، مع سرفه وميطه، فنقول: # لما وجدنا من يزعم أن خبابا ~~وزيد أسلما قبله، فأوسط الأمور وأعدلها وأقربها من محبة الجميع ورضى ~~المخالف، أن نجعل إسلامهم كان معا؛ إذ ادعوا أن الأخبار في ذلك متكافئة، ~~والآثار متدافعة؛ وليس في الأشعار دلالة، ولا في الأمثال حجة. ولم يجدوا ~~إحدى القضيتين أولى في حجة العقل من الأخرى. # وقالوا: فإن قال لنا قائل: فما بالكم لم تذكروا عليا في هذه الطبقة، ~~وقد ms151 تعلمون كثرة مقدميه والرواية فيه؟ # قلنا: لأنا قد علمنا بالوجه الصحيح، والشهادة القائمة أنه أسلم وهو حدث ~~غرير، ولم نكذب الناقلين. ولم نستطع أن نزعم أن إسلامه كان لاحقا بإسلام ~~البالغين؛ لأن المقلل زعم أنه أسلم وهو ابن خمس سنين، والمكثر زعم أنه أسلم ~~وهو ابن تسع سنين، والقياس يوجب أن يؤخذ بأوسط الروايتين، وبالأمر بين ~~الأمرين. وإنما يعرف حق ذلك من باطله بأن تحصي سنيه التي ولي فيها، وسني ~~عثمان، وسني أبي بكر، وسني الهجرة ومقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ~~بعد أن دعا إلى الله وإلى رسالته، وإلى أن هاجر إلى المدينة، ثم PageV04P020 ~~تنظر في أقاويل الناس في عمره، وفي قول المقلل والمكثر، فنأخذ بأوسطها، ~~وهو أعدلها، وتطرح قول المقصر والغالي، ثم تطرح ما حصل في يديك من أوسط ما ~~روي من عمره وسنيه، وسني عثمان، وسني عمر، وسني أبي بكر، والهجرة، ومقام ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، إلى وقت إسلامه. فإذا فعلت وجدت الأمر على ~~ما قلنا، وكما فسرنا. # وهذه التأريخات والأعمار معروفة، لا يستطيع أحد جهلها، والخلاف ~~عليها؛ لأن الذين نقلوا التاريخ لم يعتمدوا تفضيل بعض على بعض، وليس يمكن ~~ذلك، مع عللهم وأسبابهم. فإذا ثبت عندك بالذي أوضحنا وشرحنا، أنه كان ابن ~~سبع سنين، أقل بسنة وأكثر بسنة علمت بذلك أنه لو كان ابن أكثر من ذلك ~~بسنتين وثلاث وأربع، لا يكون إسلامه إسلام المكلف العارف بفضيلة ما دخل ~~فيه، ونقصان ما خرج منه. # والتأويل المجمع عليه أن عليا قتل سنة أربعين في رمضان. # وقالوا: وإن قالوا: فلعله وهو ابن سبع سنين وثمان، فقد بلغ من فطنته ~~وذكائه، وصحة لبه، وصدق حسه، وانكشاف العواقب PageV04P021 ~~له، وإن لم يكن جرب الأمور، ولا فاتح الرجال، ولا نازع الخصوم، أن يعرف ~~جميع ما يجب على البالغ معرفته والإقرار به. # قلنا: إنما نتكلم على ظاهر الأحكام، وما شاهدنا عليه طباع الأطفال، ~~فوجدنا حكم ابن سبع سنين وثمان سنين، وتسع سنين، حيث رأيناه وبلغنا خبره ما ~~لم نعلم ms152 مغيب أمره، وخاصة طباعه حكم الأطفال. وليس لنا أن نزيل ظاهر حكمه، ~~والذي نعرف من شكله بلعل وعسى، لأنا كنا لا ندري، لعله قد كان ذا فضيلة في ~~الفطنة، فلعله قد كان ذا نقص فيها. أجاب منهم بهذا الجواب من يجوز أن يكون ~~علي في المغيب قد أسلم إسلام البالغ المختار. غير أن الحكم فيه عنده على ~~مجرى أمثاله وأشكاله، الذين إذا أسلموا وهم في مثل سنه، كان إسلامهم عن ~~تربية الحاضن، وتلقين القيم، ورياضة السائس. # فأما علماء العثمانية ومتكلموهم، وأهل القدم والرياسة فيهم، فإنهم قالوا: ~~إن عليا لو كان، وهو ابن ست سنين، وثمان سنين، وتسع سنين، يعرف فصل ما بين ~~الأنبياء والكهنة، وفرق ما بين الرسل والسحرة، وفرق ما بين المنجم والنبي، ~~وحتى يعرف الحجة من الحيلة، وقهر الغلبة من قهر المعرفة، ويعرف كيد الأريب، ~~وبعد غور المتنبي، PageV04P022 ~~وكيف يلبس على العقلاء ويستميل عقول الدهماء، ويعرف الممكن في الطباع من ~~الممتنع فيها، وما قد يحدث بالاتفاق مما يحدث بالأسباب، ويعرف أقدار القوى ~~في مبلغ الحيلة ومنتهى البطش وما لا يحتمل إحداثه إلا الخالق، وما يجوز على ~~الله مما لا يجوز في توحيده وعدله، وكيف التحفظ من الهوى، وكيف الاحتراس من ~~تقدم الخادع في الحيلة كان كونه بهذه الحال وهذه الصفة، مع فرط الصبا ~~والحداثة، وقلة التجارب والممارسة، خروجا من نشو العادة، والمعروف مما عليه ~~تركيب الأمة. # ولو كان على هذه الصفة، ومع هذه الخاصة، كان حجة على العامة وآية تدل على ~~المباينة. ولم يكن الله تعالى ليخصه بمثل هذه الآية، وبمثل هذه الأعجوبة ~~إلا وهو يريد أن يحتج بها له، ويخبر بها عنه، ويجعلها قاطعة لعذر الشاهد، ~~وحجة الغائب، ولا يضيعها هدرا، ولا يكتمها باطلا. # ولو أراد الاحتجاج له بها شهر أمرها وكشف قناعها، وحمل PageV04P023 ~~النفوس على معرفتها، وسخر الألسنة لنقلها. والأسماع لإدراكها، لئلا يكون ~~لغوا ساقطا، ونسيا منسيا؛ لأن الله تعالى لا يبتدع أعجوبة، ولا يخترع آية، ~~ولا ينقض العادة إلا للتعريف والإعذار، والمصلحة والاستبصار. ولولا ذلك ms153 لم ~~يكن لفعلها معنى، ولا لرسالته حجة. والله تبارك اسمه، تعالى أن يترك الأمور ~~سدى، والتدبير نشرا. # وأنتم تزعمون أنه لا يصل أحد إلى معرفة نبي، وكذب متنبىء، حتى تجتمع له ~~هذه المعارف التي ذكرنا، والأسباب التي فصلنا. # ولولا أن الله تعالى أخبر عن يحيى بن زكريا أنه آتاه الحكم صبيا، وأنه ~~أنطق عيسى في المهد رضيعا، ما كانا في الحكم إلا كسائر البشر فإذ لم ينطق ~~لعلي بذلك، ولا جاء الخبر به مجيء الحجة القاطعة والشهادة الصادقة، ~~فالمعلوم عندنا في الحكم والمغيب جميعا أن طباعه كطباع عميه العباس وحمزة. ~~وهما أمس بمعدن جميع الخير منه، وكطباع أخويه جعفر وعقيل، وكطباع أبويه ~~ورجال عصره وسادة رهطه. # ولو أن إنسانا ادعى مثل ذلك لأخيه جعفر، أو لعمه حمزة أو العباس - وهو ~~حليم قريش - ما كان عندنا في أمره إلا مثل ما عندنا فيه. # ولو لم تعلم الروافض ومن يذهب مذهبها في هذا، باطل هذه الدعوى، وفساد هذا ~~المعنى، إذا صدقت نفسها، ولم تقلد رجالها، PageV04P024 ~~وتحفظت من الهوى وآثرت التقوى، إلا بترك علي - رضوان الله عليه - ذكر ذلك ~~لنفسه، والاحتجاج على خصمه وأهل دهره، مذ نازع الرجال، وخاصم الأكفاء، ~~وجامع أهل الشورى، ولي وولي عليه، والناس بين معاند يحتاج إلى التقريع، ~~ومرتاد يحتاج إلى المادة، وغفل يحتاج إلى أن يكثر له من الحجة، ويتابع له ~~من الأمارات والدلالات، مع حاجة القرن الثاني إلى معرفة الحق ومعدن الأمر؛ ~~لأن الحجة إذا لم تصح لعلي في نفسه، ولم تقم على أهل دهره، فهي عن ولده ~~أعجز، وعنهم أضعف. # ثم لم ينقل ناقل واحد أن عليا احتج بذلك في موقف، ولا ذكره في مجلس، ولا ~~قام به خطيبا، ولا أدلى به واثقا، ولا همس به إلى موافق، ولا احتج به على ~~مخالف، فقد ذكر فضائله وفخر بقرابته وسابقته، وكاثر بمحاسنه ومواقفه مذ ~~جامع الشورى وناضلهم، إلى أن ابتلي بمساورة معاوية وطمعه فيه، وجلوس أكثر ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهله عن عونه. والشد ms154 على عضده، ~~كما قال عامر الشعبي: لقد وقعت الفتنة، وبالمدينة عشرون ألفا من أصحاب رسول ~~الله، ما خف فيها منهم عشرون. ومن زعم أنه شهد الجمل ممن PageV04P025 ~~شهد بدرا أكثر من أربعة فقد كذب، كان علي وعمار في شق، وطلحة والزبير في ~~شق. # وكيف يجوز عليه ترك الاحتجاج، وتشجيع الموافق وقد نصب نفسه للخاصة ~~والعامة وللمولى والمعادي ومن لا يحل له في دينه ترك الإعذار إليهم، إذ كان ~~يرى أن قتالهم كان واجبا، وقد نصبه الرسول مفزعا ومعلما، ونص عليه قائما، ~~وجعله للناس إماما، وأوجب طاعته، وجعله حجة في الناس، يقوم مقامه. # وأعجب من ذلك أنه لم يدع هذا له أحد في دهره كما لم يدعه لنفسه، مع عظيم ~~ما قالوا فيه في عسكره، وبعد وفاته، حتى يقول إنسان واحد: إن الدليل على ~~إقامته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعاه إلى الإسلام، فكلف التصديق ~~قبل بلوغه وإدراكه، ليكون ذلك آية له في عصره، وحجة له ولولده على من بعده. # وقد كان علي أعلم بالأمور من أن يدع ذكر أكثر حججه والذي بان به من شكله، ~~ويذكر أصغر حججه، والذي يشاكله فيه غيره. # وقد كان في عسكره من لا يألو في الإفراط، زيادة في القدر. PageV04P026 ~~والعجب له - إن كان الأمر على ما ذكرتم - كيف لم يقف يوم الجمل. أو يوم ~~صفين، أو يوم النهر، في موقف يكون فيه من عدوه بمرأى ومسمع فيقول: " تبا ~~لكم وتعسا! كيف تقاتلوني، وتجحدون فضيلتي، وقد خصصت بآية، حتى كنت كيحيى بن ~~زكريا، وعيسى بن مريم " فلا يمتنع الناس من أن يموجوا، فإذا ماجوا تكلموا ~~على أقدار عللهم، وعللهم مختلفة، فلا يثبت أمرهم أن يعود إلى فرقة، فمن ~~ذاكر قد كان ناسيا، ومن نازع قد كان مصرا، ومن مترنح قد كان غالطا، مع ما ~~كان يشيع من الحجة في الآفاق، ويستفيض في الأطراف، وتحمله الركبان، ويتهادى ~~في المجالس. فهذا كان أشد على طلحة والزبير وعائشة، ومعاوية، وعبد الله بن ~~وهب، من مائة ألف سنان طرير ms155 وسيف شهير. # ومعلوم عند ذوي التجربة والعارفين بطبائع الأتباع وعلل الأجناد أن ~~العساكر تنتقض مرائرها، وينتشر أمرها، وتنقلب على قائدها بأيسر من هذه ~~الحجة وأخفى من هذه الشهادة. PageV04P027 # وقد علمتم ما صنعت المصاحف في طبائع أصحاب علي رضوان الله عليه، حين ~~رفعها عمرو أشد ما كان أصحاب علي استبصارا في قتالهم، ثم لم ينتقض على علي ~~من أصحابه إلا أهل الجد والنجدة، وأصحاب البرانس والبصيرة. # وكما علمت من تحول شطر عسكر عبد الله بن وهب حين اعتزلوا مع فروة بن نوفل ~~لكلمة سمعوها من عبد الله بن وهب كانت تدل عندهم على ضعف الاستبصار، والوهن ~~في اليقين. # وهذا الباب أكثر من أن يحتاج مع ظهوره، ومعرفة الناس له إلى أن نحشو به ~~كتابنا. # فأما إسلامه وهو حدث غرير، وصبي صغير، فهذا ما ندفعه؛ غير أنه إسلام ~~تأديب وتلقين وتربية. وبين إسلام التكليف والامتحان، وبين التلقين ~~والتربية، فرق عظيم، ومحجة واضحة. # وقالت العثمانية: إن قالت الشيع: إن الأمر ليس كما حكيتم ولا كما هيأتموه ~~لأنفسكم، بل نزعم أنه قد كانت هنالك في أيام حداثته وصباه فضيلة ومزيد ~~ذكاء، ولم يبلغ الأمر حد الأعجوبة والآية، قلنا: إن PageV04P028 ~~الذي ذهبتم إليه - أيضا - لا بد فيه من أحد وجهين: إما أن يكون قد كان لا ~~يزال يوجد في الصبيان مثله في الفطنة والذكاء، وإن كان ذلك عزيزا قائلا، ~~وكان وجود ذلك ممتنعا، ومن العادة خارجا. فإذا كان قد يوجد مثله - على عزته ~~وقلته - فما كان إلا كبعض من نرى اليوم ممن يتعجب من كيسه وفطنته، وحفظه ~~وحكايته، وسرعة قبوله، على صغر سنه، وقلة تجربته. فإن كانت حاله هذه الحال، ~~وطبقته على هذا المثال، فإنا لم نجد صبيا قط وإن أفرط كيسه، وحسنت فطنته، ~~وأعجب به أهله يحتمل ولاية الله وعداوته، والتمييز بين الأمور التي ذكرنا. ~~مع أنه ما جاءنا ولا جاء عند أحد منا بخبر صادق، ولا كتاب ناطق، أنه قد كان ~~لعلي خاصة، دون قريش عامة، في صباه، من إتقان الأمور، وصحة المعارف، ms156 وجودة ~~المخارج، ما لم يكن لأحد من إخوته، وعمومته وآبائه. # وإن كان القدر الذي كان عليه علي من المعرفة والذكاء القدر الذي لا نجد ~~له فيه مثلا، ولا رأينا له شكلا، فهذا هو البديع الذي يحتج به على ~~المنكرين، ويفلج على المعارضين، ويبين للمسترشدين. وهذا باب قد فرغنا منه ~~مرة. PageV04P029 # ولو كان الأمر في علي كما يقولون لكان ذلك حجة للرسول في رسالته ولعلي في ~~إمامته. # والآية إذا كانت للرسول وخليفة الرسول كان أشهر لها؛ لأن وضوح أمر الرسول ~~يزيد على ما للإمام، ويزيده إشراقا واستنارة وبيانا. # ولا يجوز أن يكون الله تعالى قد عرف أهل عصرهما ذلك، وهم الشهداء على من ~~بعدهم من القرون، ثم أسقط حجته. فلا تخلو تلك الحجة، وتلك الشهادة من ~~ضربين: إما أن تكون ضاعت وضلت، وإما أن تكون قد قامت وظهرت. فإن كانت قد ~~ضاعت فلعل كثيرا من حجج الرسول قد ضاع. وما جعل الباقي أولى بالتمام من ~~الساقط، والساقط من شكل الثابت، لأنه حجة على شيئين، والثابت حجة على شيء. ~~ولا يخلو أمر الساقط من ضربين: إما أن يكون الله - تبارك وتعالى - لم يرد ~~تمامه، أو يكون قد أراده. وأي هذين كان، ففساده واضح عند قارىء الكتاب، وإن ~~كانت الآية فيه قد تمت؛ إذ كانت الشهادة قد قامت علينا بها، كما كانت شهادة ~~العيان قائمة عليهم فيها. فليس في الأرض عثماني إلا وهو يكابر عقله، ويجحد ~~علمه. PageV04P030 # ولعمري، إنا لنجد في الصبيان من لو لقنته، أو كتبت له أغمض المعاني ~~وألطفها، وأغمض الحجج وأبعدها، وأكثرها لفظا وأطولها، ثم أخذته بدرسه وحفظه ~~لحفظه حفظا عجيبا، ولهذه هذا ذليقا. # فأما معرفة صحيحه من سقيمه، وحقه من باطله، وفصل ما بين المقر به ~~والدليل، والاحتراس من حيث يؤتى المخدوعون، والتحفظ من مكر الخادعين، وتأتي ~~المجرب، ورفق الساحر، وخلابة المتنبىء، وزجر الكهان، وأخبار المنجمين. وفرق ~~ما بين نظم القرآن وتأليفه، فليس يعرف فروق النظم، واختلاف البحث والنثر ~~إلا من عرف القصيد من الرجز، والمخمس من الأسجاع، والمزدوج ms157 من المنثور، ~~والخطب من الرسائل، وحتى يعرف العجز العارض الذي يجوز ارتفاعه، من العجز ~~الذي هو صفة في الذات. # فإذا عرف صنوف التأليف عرف مباينة نظم القرآن لسائر الكلام ثم لا يكتفي ~~بذلك حتى يعرف عجزه وعجز أمثاله عن مثله، وأن حكم البشر حكم واحد في العجز ~~الطبيعي، وإن تفاوتوا في العجز العارض. PageV04P031 ~~وهذا ما لا يوجد عند صبي ابن تسع سنين، أو ثمان سنين، أو سبع سنين أبدا، ~~عرف ذلك عارف أو جهله جاهل. # ولا يجوز أن يعرف عارف معنى الرسالة إلا بعد الفراغ من هذه الوجوه، إلا ~~أن يجعل جاعل التقليد والنشو والإلف لما عليه الآباء، وتعظيم الكبراء معرفة ~~ويقينا. # وليس بيقين ما اضطرب، ودخله الخلاج عند ورود معاني لعل وعسى، مما لا يمكن ~~في المعقول إلا بحجة تخرج القلب إلى اليقين عن التجويز. # ولقد أعيانا أن نجد هذه المعرفة إلا في الخاص من الرجال وأهل الكمال في ~~الأدب؛ فكيف بالطفل الصغير، والحدث الغرير! مع أنك لو أدرت معاني بعض ما ~~وصف لك على أذكى صبي في الأرض، وأسرعه قبولا وأحسنه حكاية وبيانا، وقد ~~سويته له ودللته، وقربته منه، وكفيته مؤونة الروية، ووحشة الفكرة، لم يعرف ~~قدره، ولا فصل حقه من باطله، ولا فرق بين الدلالة وشبيه الدلالة. فكيف له ~~بأن يكون هو المتولي لتجربته وحل عقده وتخليص متشابهه، واستثارته من معدنه؟ PageV04P032 # وكل كلام خرج من التعارف فهو رجيع بهرج، ولغو ساقط. # وقد نجد الصبي الذكي يعرف من العروض وجها، ومن النحو صدرا، ومن الفرائض ~~أبوابا، ومن الغناء أصواتا. فأما العلم بأصول الأديان، ومخارج الملل وتأويل ~~الدين، والتحفظ من البدع، وقبل ذلك الكلام في حجج العقول، والتعديل ~~والتجوير، والعلم بالأخبار وتقدير الأشكال، فليس هذا موجودا إلا عند ~~العلماء. فأما الحشو والطغام، فإنما هم أداة للقادة، وجوارح للسادة؛ # وإنما ~~يعرف شدة الكلام في أصول الأديان من قد صلي به، وسال في مضايقه، وجاثى ~~الأضداد ونازع الأكفاء. ### || فصل منه # وقد علمتم ما صنع أبو بكر في ماله، وكان المال أربعين ms158 ألفا، فأنفقه على ~~نوائب الإسلام وحقوقه، ولم يكن ماله ميراثا لم يكد فيه، فهو غزير لا يشعر ~~بعسر اجتماعه، وامتناع رجوعه، ولا كان هبة PageV04P033 ~~ملك فيكون أسمح لطبيعته، وأخرق في إنفاقه، بل كان ثمرة كده وكسب جولانه ~~وتعرضه. # ثم لم يكن خفيف الظهر، قليل النسل، قليل العيال، فيكون قد جمع اليسارين؛ ~~لأن المثل الصحيح السائر المعنى: " قلة العيال أحد اليسارين "، بل كان ذا ~~بنين وبنات وزوجة، وخدم وحشم، يعول مع ذلك أبويه وما ولدا. ولم يكن فتى ~~حدثا فتهزه أريحية الشباب، وغرارة الحداثة. ولم يكن بحذاء إنفاقه طمع ~~يدعوه، ولا رغبة تحدوه. # ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يد مشهورة فيخاف العار في ترك ~~مواساته، وإنفاقه عليه، ولا كان من رهطه دنيا فيسب بترك مكانفته ومعاونته ~~وإرفاقه. فكان إنفاقه على الوجه الذي لا يجد أبلغ في غاية الفضل منه، ولا ~~أدل على غاية البصيرة منه. # وقد تعلمون ما كان يلقى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ببطن مكة من ~~المشركين، وقد تعلمون حسن صنيع كثير منهم، كصنيع حمزة حين ضرب أبا جهل ~~بقوسه، فبلغ في هامته، في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو جهل يومئذ ~~أمنع أهل البطحاء، وهو رأس الكفر. PageV04P034 ~~ثم صنيع عمر حيث يقول يوم أسلم: " والله لا نعبد الله سرا بعد هذا اليوم ~~"، حتى قال بعد موته عبد الله بن مسعود: " وما صلينا ظاهرين حتى أسلم عمر ~~". ### || فصل منه # ولو كان في ذلك الزمان القتال ممكنا، والوثوب مطمعا، لقاتل أبو بكر ونهض ~~كما نهض في الردة، وإنما قاتل علي في الزمان الذي قد أقرن فيه أهل الإسلام ~~لأهل الشرك، وطمعوا أن تكون الحرب سجالا، وقد أعلمهم الله أن العاقبة ~~للمتقين، وأبو بكر مفتون مفرد ومطرود مشرد ومضروب معذب، في الزمان الذي ليس ~~بالإسلام وأهله نهوض ولا حركة، ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه: " طوبى لمن ~~مات في نأنأة الإسلام "، يقول: في أيام ضعفه وقلته، بحيث كانت الطاعة أعظم ~~لفرط الامتحان، والبلاء أغلظ ms159 لشدة الجهد، لأن الاحتمال كلما كان أشد وأدوم، ~~كانت الطاعة أفضل، والعزم فيه أقوى. # ولا سواء مفتون مشرد لا حيلة عنده، ومضروب معذب لا انتصار به، ولا دفع ~~عنده، ومباطش مقرن يشفي غيظه، ويروي غليله، وله مقدم يكنفه ويشجعه. PageV04P035 # ولا سواء مقهور لا يغاث، ولم ينزل القرآن بعد بظفره. وقد هتك اليأس لما ~~ألفى حجاب قلبه ونقض قوى طمعه حتى بقي وليس معه إلا احتسابه؛ ومقاتل في ~~عسكره معه عز الرجال، وقوة الطمع، وطيب نفس الآمل. ### || فصل منه # وإن سأل سائل فقال: هل على الناس أن يتخذوا إماما، وأن يقيموا خليفة؟ # قيل لهم: إن قولكم الناس يحتمل الخاصة والعامة. فإن كنتم قصدتم إليهما، ~~ولم تفصلوا بين حاليهما، فإنا نزعم أن العامة لا تعرف معنى الإمامة. وتأويل ~~الخلافة، ولا تفصل بين فضل وجودها ونقص عدمها، ولأي شيء ارتدت، ولأي أمر ~~أملت، وكيف مأتاها والسبيل إليها، بل هي مع كل ريح تهب، وناشئة تنجم. ~~ولعلها بالمبطلين أقر عينا منها بالمحقين، وإنما العامة أداة للخاصة ~~تبتذلها للمهن، وتزجي لها الأمور، وتصول بها على العدو، وتسد بها الثغور. # ومقام العامة من الخاصة مقام جوارح الإنسان من الإنسان، فإن الإنسان إذا ~~فكر أبصر، وإذا أبصر عزم، وإذا عزم تحرك أو سكن، وهما بالجوارح دون القلب. PageV04P036 # وكما أن الجوارح لا تعرف قصد النفس، ولا تروي في الأمور، ولم يخرجها ذلك ~~من الطاعة للعزم، فكذلك العامة، لا تعرف قصد القادة ولا تدبير الخاصة، ولا ~~تروي معها، وليس يخرجها ذلك من عزمها، وما أبرمت من تدبيرها. # والجوارح والعوام، وإن كانت مسخرة ومدبرة فقد تمتنع لعلل تدخلها، وأمور ~~تصرفها، وأسباب تنقضها، كاليد يعرض لها الفالج واللسان يعتريه الخرس، فلا ~~تقدر النفس على تسديدهما وتقويتهما، ولو اشتد عزمها، وحسن تأتيها ورفقها. ~~وكذلك العامة عند نفورها وتهيجها، وغلبة الهوى والسخف عليها، وإن حسن تدبير ~~الخاصة، وتعهد السياسة. غير أن معصية الجارحة أيسر ضررا، وأهون أمرا، لأن ~~العامة إذا انتكثت للخاصة، وتنكرت للقادة، وتشزنت على الراضة، كان البوار ~~الذي لا حيلة له، ms160 والفناء الذي لا بقاء معه. # وصلاح الدنيا، وتمام النعمة في تدبير الخاصة وطاعة العامة، كما أن كمال ~~المنفعة وتمام درك الحاجة بصواب قصد النفس؛ لأن PageV04P037 ~~النفس لو أدركت كل بغية، وأوفت كل غاية، وفتحت كل مستغلق، واستثارت كل ~~دفين، ثم لم يعطها اللسان بحسن العبارة واليد بحسن الكتابة، كان وجود ذلك ~~المستنبط - وإن جل قدره - وعدمه سواء. # فالخاصة تحتاج إلى العامة كحاجة العامة إلى الخاصة، وكذلك القلب ~~والجارحة، وإنما هم جند للدفع، وسلاح للقطع، وكالترس للرامي، والفأس ~~للنجار. وليس مضي سيف صارم بكف امرىء صارم، بأمضى من شجاع أطاع أميره، وقلد ~~إمامه. # وما كلب أشلاه ربه، وأحمشه كلابه، بأفرط نزقا ولا أسرع تقدما، ولا أشد ~~تهورا من جندي أغراه طمعه، وصاح به قائده. # وليس في الأعمال أقل من الاختيار، ولا في الاختيار أقل من الصواب، فلباب ~~كل عمل اختياره، وصفوة كل اختيار صوابه. ومع كثرة الاختيار يكثر الصواب، ~~وأكثر الناس اختيارا أكثرهم صوابا، وأكثرهم أسبابا موجبه أقلهم اختيارا، ~~وأقلهم اختيارا أقلهم صوابا. PageV04P038 # فإن قالوا: فقد ينبغي للعوام أن لا يكونوا مأمورين ولا منهيين، ولا عاصين ~~ولا مطيعين. # قيل لهم: أما فيما يعرفون فقد يعصون ويطيعون. # فإن قالوا: فما الأمر الذي يعرفون من الأمر الذي يجهلون؟ # قيل لهم: أما ~~الذي يعرفون، فالتنزيل المجرد بغير تأويله، وجملة الشريعة بغيرها، وما جل ~~من الخبر واستفاض، وكثر ترداده على الأسماع، وكرروه على الأفهام. # وأما الذي يجهلون فتأويل المنزل وتفسير المجمل، وغامض السنن التي حملتها ~~الخواص عن الخواص، من حملة الأثر وطلاب الخبر مما يتكلف معرفته، ويتبع في ~~مواضعه، ولا يهجم على طالبه، ولا يقهر سمع القاعد عنه. # والخبر خبران: خبر ليس للخاصة فيه فضل على العامة، وهو كما سن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في الحلال والحرام، وأبواب القضاء والطلاق، والمناسك، ~~والبيوع، والأشربة، والكفارات، وأشباه ذلك. # وباب آخر يجهله العوام، ويخبط فيه الحشو ولا تشعر بعجزها ولا موضع دائها. ~~ومتى جرى سببه، أو ظهر شيء منه تسنمت PageV04P039 ~~أعلاه، وركبت حومته، كالكلام في الله، وفي ms161 التشبيه، والوعد والوعيد؛ ~~لأنها قد عجزت عن دعوى الفتيا، ولا تتهافت فيها، ولا تتسكع فيما لا يعرف ~~منها، ولا تتوحش من الكلام في التعديل والتجوير، ولا تفرغ من الكلام في ~~الاختيار والطباع، ومجيء الآثار، وكل ما جرى سببه من دقيق الكلام وجليله، ~~في الله تعالى وفي غيره. # ولو برز عالم على جادة منهج وقارعة طريق، فنازع في النحو واحتج في ~~العروض، وخاض في الفتيا، وذكر النجوم والحساب، والطب والهندسة، وأبواب ~~الصناعات، لم يعرض له، ولم يفاتحه إلا أهل هذه الطبقات. # ولو نطق بحرف في القدر حتى يذكر العلم والمشيئة، والتكليف والاستطاعة، ~~وهل خلق الله تعالى الكفر وقدره أو لم يخلقه ولم يقدره، لم يبق حمال أغثر، ~~ولا بطال غث، ولا خامل غفل ولا غبي PageV04P040 ~~كهام، ولا جاهل سفيه، إلا وقف عليه ولاحاه وصوبه وخطأه ثم لا يرضى حتى ~~يتولى من أرضاه، ويكفر من خالف هواه، فإن جاراه محق، وأغلظ له واعظ، واتفق ~~أن يكون بحضرته أشكاله استغوى أمثاله، فأشعلوها فتنة وأضرموها نارا. # فليس لمن كانت هذه حاله أن يتحيز مع الخاصة، مع أنه لو حسنت نيته، لم ~~تحتمل فطرته معرفة الفصول، وتمييز الأمور. # فإن قالوا: ولعلهم لا يعرفون الله ورسوله، كما لا يعرفون عدله من جوره، ~~وتشبيهه بخلقه من نفي ذلك عنه. وكما لا يعرفون القرآن وتفسير جمله، وتأويل ~~منزله. # قيل لهم: إن قلوب البالغين مسخرة لمعرفة رب العالمين، ومحمولة على تصديق ~~المرسلين، بالتنبيه على مواضع الأدلة، وقصر النفوس على الروية، ومنعها عن ~~الجولان والتصرف، وكل ما ربث عن التفكير، وشغل عن التحصيل، من وسوسة أو ~~نزاع شهوة؛ لأن الإنسان ما لم يكن معتوهأ أو طفلأ، فمحجوج على ألسنة ~~المرسلين، عند PageV04P041 ~~جميع المسلمين. ولا يكون محجوجا حتى يكون عالما بما أمر به، عارفا بما ~~نهي عنه؛ لأن من لم يعلم في أي الضربين سخط الله، وفي أي نوع رضاه، ثم ركب ~~السخط أو أتى الرضا لم يكن ذلك منه إلا على اتفاق. وإنما الاستحقاق مع ~~القصد. والله تبارك يتعالى عن ms162 أن يعاقب من لم يرد خلافه، ولم يعرف رضاه. أو ~~يحمد من لم يعتمد رضاه، ولم يقصد إليه. # ولم يكن الله تعالى ليعدل صنعته ويسوي أداته ويفرق بينه وبين المنقوص في ~~بنيته وتركيبه، إلا ليفرق بين حاله وبين الطفل والمعتوه. وليس للمعرفة وجه ~~إلا لتبصيره وتخييره، ولولا ذلك لم يكن للذي خص به من الإبانة وتعديل ~~الصنعة، وإحكام البنية معنى. والله تعالى عن فعل ما لا معنى له. # وفي قول الله تعالى: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " دليل على ما ~~قلنا. وليس لأحد أن يخرج بعض الجن والإنس من أن يكون خلق للعبادة إلا بحجة، ~~ولا حجة إلا في عقل، أو في كتاب، أو خبر. # فإن قالوا: فإن كان الله إنما أبانهم بالتعديل والتسوية للعبادة ~~والاختيار، فلم قلتم: إنهم غير مأمورين بإقامة الأئمة والاختيار مع PageV04P042 ~~الأمة، وحكمهم حكم المسلمين المتعبدين. وإنما الإمام إمام المسلمين ~~المتعبدين؟ # قلنا: إنما يلزم الناس الأمر فيما عرفوا سبيله. وليس للعوام - ~~خاصة - معرفة بسبيل إقامة الأئمة فيلزمها، أو يجري عليها أمر أو نهي. # والعامة وإن كانت تعرف جمل الدين بقدر ما معها من العقول، فإنه لم يبلغ ~~من قوة عقولها، وكثرة خواطرها أن ترتفع إلى معرفة العلماء ولم يبلغ من ضعف ~~عقولها أن تنحط إلى طبقة المجانين والأطفال. # وأقدار طبائع العوام والخواص، ليست مجهولة فيحتاج إلى الإخبار عنها بأكثر ~~من التنبيه عليها؛ لأنكم تعلمون أن طبائع الرسل فوق طبائع الخلفاء، وطبائع ~~الخلفاء فوق طبائع الوزراء، وكذلك الناس على منازلهم من الفضل، وطبقاتهم من ~~التركيب، في البخل والسخاء، والبلادة والذكاء، والغدر والوفاء، والجبن ~~والنجدة، والصبر والجزع، والطيش والحلم، والكبر والتيه، والحفظ والنسيان، ~~والعي والبيان. # ولو كانت العامة تعرف من الدين والدنيا ما تعرف الخاصة، كانت العامة ~~خاصة، وذهب التفاضل في المعرفة، والتباين في البنية. ولو لم يخالف بين ~~طبائعهم لسقط الامتحان وبطل الاختيار، ولم يكن في الأرض اختيار، وإنما خولف ~~بينهم في الغريزة ليصبر بها صابر، ويشكر شاكر، وليتفقوا على الطاعة، ولذلك ~~كان الاختلاف، وهو سبب ms163 الائتلاف. PageV04P043 ### | 13- من كتابه في المسائل والجوابات في المعرفة PageV04P045 ### || فصل من صدر كتاب المسائل والجوابات في المعرفة # بالله نستعين، وعليه نتوكل، وما توفيقنا إلا بالله. # اختلف الناس في المعرفة اختلافا شديدا، وتباينوا فيها تباينا مفرطا. فزعم ~~قوم أن المعارف كلها فعل الفاعلين إلا معرفة لم يتقدمها سبب منهم، ولم ~~يوجبها علة من أفعالهم. ولم يرجعوا إلى معرفة الله ورسوله، والعلم بشرائعه، ~~ولا إلى كل ما فيه الاختلاف والمنازعة، وما لا يعرف حقائقه إلا بالتفكر ~~والمناظرة، دون درك الحواس الخمس. # فزعموا أن ذلك أجمع فعلهم، على الأسباب الموجبة، والعلل المتقدمة، وجعلوا ~~مع ذلك سبيل المعرفة بصدق الأخبار، كالعلم بالأمصار القائمة، والأيام ~~الماضية، كبدر وأحد والخندق، وغير ذلك من الوقائع والأيام، وكالعلم بفرغانة ~~والأندلس، والصين والحبشة، وغير ذلك من القرى والأمصار سبيل الاكتساب ~~والاختيار؛ إذ كانوا هم الذين نظروا حتى عرفوا فصل ما بين المجيء الذي لا ~~يكذب مثله، والمجيء الذي يمكن الكذب في مثله. PageV04P047 # فزعموا أن جميع المعارف سبيلها سبيل واحد، ووجوه دلائلها وعللها متساوية، ~~إلا ما وجد الحواس بغتة، وورد على النفوس في حال عجز أو غفلة، وكان هو ~~القاهر، للحاسة، والمستولي على القوة، من غير أن يكون من البصر فتح، ومن ~~السمع إصغاء ومن الأنف شم، ومن الفم ذوق ومن البشرة مس، فإن ذلك الوجود فعل ~~الله دون الإنسان، على ما طبع عليه البشر، وركب عليه الخلق. # قالوا: فإذا كان درك الحواس الخمس إذا تقدمته الأسباب، وأوجبته العلل فعل ~~المتقدم فيه والموجب له، ودرك الحواس أصل المعارف، وهو المستشهد على ~~الغائب، والدليل على الخفي، وبقدر صحته تصح المعارف، وبقدر فساده تفسد ~~فالذي تستخرجه الأذهان منه، وتستشهده عليه، كعلم التوحيد، والتعديل ~~والتجوير، وغامض التأويل، وكل ما أظهرته العقول بالبحث، وأدركته النفوس ~~بالفكر من كل علم، وصناعة الحساب والهندسة، والصياغة والفلاحة أجدر أن يكون ~~فعله والمنسوب إلى كسبه. # قالوا: فالدليل على درك الحواس فعل الإنسان على ما وصفنا واشترطنا، من ~~إيجاب الأسباب، وتقدم العلل: أن الفاتح بصره لو لم يفتح لم يدرك. ms164 فلما كان ~~البصر قد يوجد مع عدم الإدراك، ولا يعدم الإدراك مع وجود الفتح، كان ذلك ~~دليلا على أن الإدراك إنما كان لعلة الفتح، ولم يكن لعلة البصر؛ لأنه لو ~~كان لعلة صحة البصر كانت الصحة لا توجد أبدا إلا والإدراك موجود. فإذا كانت ~~الصحة قد توجد مع عدم الإدراك، ولا يعدم الإدراك مع PageV04P048 ~~وجود الفتح، كان ذلك دليلا على أن الإدراك إنما كان لعلة الفتح، ~~ولم يكن لعلة البصر؛ لأنه لو كان لعلة صحة البصر كانت الصحة ~~لا توجد أبدا إلا والإدراك موجود. فإذا كانت الصحة قد توجد مع ~~عدم الإدراك، ولا يعدم الإدراك مع وجود الفتح، كان ذلك شاهدا ~~على أنه إنما كان لعلة الفتح دون صحة البصر. # وقالوا: ولأن طبيعة البصر قد كانت غير عاملة حتى جعلها الفاتح بالفتح ~~عاملة، ولأن الفتح علة الإدراك ومقدمة بين يديه، وتوطئة له. وليس الإدراك ~~علة للفتح ولا مقدمة بين يديه، ولا توطئة له، فواجب أن يكون فعل الفاتح، ~~لأن السبب إذا كان موجبافالمسبب تبع له. ### || فصل منه # ثم قالوا بعد الفراغ من درك الحواس في معرفة الله ورسوله وكل ما فيه ~~الاختلاف والتنازع، أن ذلك أجمع لا يخلو من أحد أمرين: # إما أن يكون يحدث من ~~الإنسان لعلة النظر المتقدم، أو يكون يحدث على الابتداء، لا عن علة موجبة ~~وسبب متقدم. # فإن كانوا أحدثوه على الابتداء، فلا فعل أولى بالاختيار، ولا أبعد من ~~الاضطرار منه. # وإن كان إنما كان لعلة النظر المتقدم، كما قد دللنا في صدر الكلام على أن ~~درك الحواس فعل الإنسان إذا تقدم في سببه، فالعلم PageV04P049 ~~بالله وكتبه ورسله أجدر أن يكون فعله. إذ كان من أجل نظره علم، ومن جهة ~~بحثه أدرك. # فهذه جمل دلائل هؤلاء القوم. ورئيسهم بشر بن المعتمر. # ثم هم بعد ذلك مختلفون في درك الحواس إلا ما اعتمد إدراكه بعينه وقصد ~~إليه بالفتح والإرادة؛ لأن الفتح نفسه لو لم يكن معه قصد وإرادة ما كان فعل ~~الفاتح. فكيف يجوز أن يكون الإدراك ms165 فعله من غير قصد. # ولو جاز أن يكون الفتح فعل الإنسان من غير أن يكون أراده وقصد إليه، ما ~~كان بين فعل الإنسان وبين فعل غيره فرق؛ لأنه كان لا يجوز أن يكون ذهاب ~~الحجر إذا لم يدفعه، ولم يقصد إليه، ولم يخطر له على بال، فعله. فكذلك ~~الإدراك إذا لم يخطر على باله، ولم يقصد إليه، ولم يتعمده، لا يكون فعله. ### || فصل منه # وليس على المخبر بقصة خصمه والواصف لمذهب غيره، أن يجعل باطلهم حقا، ~~وفاسدهم صحيحا، ولكن عليه أن يقول بقدر ما تحتمله النحلة، وتتسع له ~~المقالة، وعليه أن لا يحكي عن خصمه ويخبر عن مخالفه إلا وأدنى منازله ألا ~~يعجز عما بلغوه، ولا يغبى عما أدركوه. PageV04P050 ### || فصل منه # وقد زعم آخرون أن المعارف ثمانية أجناس: واحد منها اختيار، وسبعة منها ~~اضطرار. فخمسة منها درك الحواس الخمس، ثم المعرفة بصدق الأخبار، كالعلم ~~بالقرى والأمصار، والسير والآثار، ثم معرفة الإنسان إذا خاطب صاحبه أنه ~~موجه بكلامه إليه، وقاصد به نحوه. # وأما الاختيار فكالعلم بالله ورسوله، وتأويل كتبه، والمستنبط من علم ~~الفتيا وأحكامه، وكل ما كان فيه الاختلاف والمنازعة. وكان سبيل علمه النظر ~~والفكرة. ورئيس هؤلاء أبو إسحاق. # وزعم معمر أن العلم عشرة أجناس: خمسة منها درك الحواس، والعلم السادس ~~كالسير الماضية والبلدان القائمة، والسابع: علمك بقصد المخاطب إليك وإرادته ~~إياك، عند المحاورة والمنازعة. وقبل ذلك: وجود الإنسان لنفسه، وكان يجعله ~~أول العلوم، ويقدمه على درك الحواس. وكان يقول: ينبغي أن يقدم وجود الإنسان ~~لنفسه على وجوده لغيره. وكان يجعله علما خارجا من درك الحواس؛ لأن الإنسان ~~لو كان أصم لأحس نفسه ولم يحس صوته، ولو كان أخشم لأحس نفسه ولم يحس ~~رائحته. وكذلك سبيل المذاقات والملامس. فلما كان المعنى PageV04P051 ~~كذلك وجب أن يفرد من درك الحواس، ويجعل علما ثامنا على حياله وقائما ~~بنفسه. # ثم جعل العلم التاسع: علم الإنسان بأنه لا يخلو من أن يكون قديما أو ~~حديثا. # وجعل العلم العاشر: علمه بأنه محدث وليس بقديم. ### || فصل منه # ولست ms166 آلو جهدا في الكلام والإيجاز في الإدخال على بشر بن المعتمر في درك ~~الحواس، ثم على أبي إسحاق في ذلك، وفي غيره مما ذكرت من مذاهبه، وتركه قياس ~~ما بنى عليه إن شاء الله، لنصير إلى الكلام في المعرفة، فإني إليه أجريت، ~~وإياه اعتقدت، ولكني أحببت أن أبدي فساد أصولهم قبل فروعهم، فإن ذلك أقتل ~~للداء وأبلغ في الشفاء، وأحسم للعرق، وأقطع للمادة، وأخف في المؤونة على من ~~قرأ الكتاب، وتدبر المسألة والجواب. وبالله ذي المن والطول نستعين. PageV04P052 ### || فصل من رده على أبي إسحاق النظام وأصحابه # يقال لهم: حدثونا عن العلم بالله ورسوله وتأويل كتبه، وعن علم القدر وعلم ~~المشيئة، والأسماء والأحكام. أباكتساب هو أم باضطرار؟ # فإن زعموا أنه ~~باكتساب قيل لهم: فخبرونا عن علمكم بأن ذلك أجمع اكتساب، أباكتساب هو أم ~~باضطرار؟ فإن قالوا: باكتساب. قيل لهم: أو ليس اعتقاد خلاف ذلك أجمع ~~باكتساب؟ # فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فإذا كان اعتقاد الحق واعتقاد الباطل ~~باكتساب أفليس كل واحد من المكتسبين عند نفسه على الصواب؟ # فإذا قالوا: نعم. ~~قيل لهم: أو ليس كل واحد منهما ساكن القلب إلى مذهبه واختياره؟ # فإذا قالوا ~~نعم قيل لهم: فما يؤمن المحق من الخطأ؟ وليس سكون القلب وثقته علامة للحق، ~~لأن ذلك لو كان علامة لكان المبطل محقا، إذ كان قد يجد من السكون والثقة ما ~~لا يجد المحق. # وقلنا: وما معنى خلافه إلا أن يكون المبطل شاكا، أو يكون عارفا بتقصيره، ~~أو يكون مكترثا لوهن يجده. فإذا لم يكن كذلك فلا فرق بين المعقودين. PageV04P053 # فإن قالوا: إن فرق ما بينهما أن سكون قلب المحق حق في عينه، وسكون قلب ~~المبطل باطل في عينه. # قلنا: أو ليس ذلك غير محول لسكون المبطل عن الثقة إلى الاضطراب ولا مغيره ~~إلى الاكتراث؟ # فإذا قالوا ذلك، قيل لهم: فما يؤمن المحق أن يكون سكونه أيضا ~~باطلا في عينه إذا كان سكونه لا ينقص عن سكون المبطل. ولئن كان فرق السكون ~~بينهما ظاهر الاجتهاد والعبادة، فمن أظهر ms167 اجتهادا من الرهبان في الصوامع، ~~والخوارج في بذل النفوس؟ # فإن قالوا: الفرق بينهما أن المحق قد استشهد ~~الضرورات، والمبطل لم يستشهدها. # قلنا: فهل يجوز أن يكون عند نفسه قد استشهد الضرورات. حتى لو سأله سائل ~~فقال: ما يؤمنك من الخطأ؟ لقال: استشهادي للضرورات. # فإن زعموا أن المبطل لا يجوز أن يكون عند نفسه قد استشهد الضرورات، لأن ~~ذلك هو علامة الحق، والفصل بينه وبين الباطل. # قلنا: وهل رأيتم أحدا اكتسب علما قط، أو نظر في شيء إلا وأول نظره إنما ~~هو على أصل الاضطرار؛ لأن المفكر لا يبلغ من جهله PageV04P054 ~~أن يستشهد الخفي، بل من شأن الناس أن يستدلوا بالظاهر على الباطن إذا ~~أرادوا النظر والقياس؛ ثم هم بعد ذلك يخطئون أو يصيبون. # وقلنا: فينبغي أن يكون كل مبطل في الأرض قد علم حين يقال له: ما يؤمنك أن ~~تكون مبطلا؟ أنه لم يستشهد الضرورات، وأنكر أصله الذي قاس عليه واستنبط منه ~~ضرورة، وأنه إنما قال بالعسف أو بالتقليد. وإذا كانوا كذلك فهل يخلو أمرهم ~~من أن يكونوا قد علموا أنهم على خطاء أو يكونوا شكاكا، أو يكونوا عند ~~أنفسهم مستشهدين للضرورات، وإن كانوا قد تركوا ذلك عند بعض المقدمات. فإن ~~كانوا قد علموا أنهم لم يستشهدوا الضروريات، وإن كانوا شكاكا فيها؛ فليس ~~على ظهر الأرض مخطىء إلا وهو عالم بموضع خطائه، أو شاك فيه. أو كانوا عند ~~أنفسهم مستشهدين للضرورات، فما يؤمنكم أن تكونوا كذلك؟ # فإن قالوا: ليس أحد ~~يعرف أن علامة الحق استشهاد الضرورات غيرنا. # قلنا: أو لستم معشر أبي إسحاق النظام تختلفون في أمور كثيرة، وقد كنتم ~~تخالفون صاحبكم خلافا كثيرا، وكلكم إذا سأله سائل: ما يؤمنك أن تكون على ~~باطل؟ قال: لأني مستشهد للضرورات. فهل PageV04P055 ~~يخلو أمركم من أحد وجهين: إما أن تكونوا صادقين على أنفسكم، أو كاذبين ~~عليها؟ # فإن كنتم صادقين فقد صار قلب المحق كقلب المبطل؛ إذ كان كل واحد عند ~~نفسه مستشهدا للضرورات. # وإن كنتم كاذبين فهل منكم محق إلا وهو يلقى الخصم ms168 بمثل دعواه في استشهاد ~~الضرورات؟ وهل منكم واحد على حياله محقا أو مبطلا إلا وجوابه لنا مثل جواب ~~صاحبه. فإذا كانت القلوب قد تكون عند أنفسها مستشهدة للضرورات، وهي غير ~~مستشهدة لها، وكون القلب كذلك هو علامة الحق، فما الفرق بين قلب المحق ~~والمبطل؟ ومع ذلك إنا وجدنا صاحبكم قبلكم ووجدناكم بعده قد رجعتم عن أقاويل ~~كثيرة، بعد أن كان جوابكم لمن سألكم ما يؤمنكم أن تكونوا على باطل، أن ~~تقولوا: استشهادنا للضرورات. ونحن لو سألناكم عما رجعتم عنه، فقلنا لكم: ~~لعلكم على خطأ، ولعلكم من هذه الأقاويل على غرر، لم يعد جوابكم استشهاد ~~الضرورات. PageV04P056 ### || فصل من هذا الكتاب في الجوابات # ثم إني واصل قولي في المعرفة ومجيب خصمي في معنى الاستطاعة وفي أي أوجهها ~~يحسن التكليف وتثبت الحجة؛ ومع أيها يسمج التكليف وتسقط الحجة. # فأول ما أقول في ذلك: أن الله - جل ذكره - لا يكلف أحدا فعل شيء ولا تركه ~~إلا وهو مقطوع العذر، زائل الحجة. # ولن يكون العبد كذلك إلا وهو صحيح البنية، معتدل المزاج، وافر الأسباب، ~~مخلى السرب، عالم بكيفية الفعل، حاضر النوازع، معدل الخواطر، عارف بما عليه ~~وله. # ولن يكون العبد مستطيعا في الحقيقة دون هذه الخصال المعدودة، والحالات ~~المعروفة، التي عليها مجاري الأفعال، ومن أجلها يكون الاختيار ولها يحسن ~~التكليف، ويجب الفرض، ويجوز العقاب، ويحسن الثواب. # ولو كان الإنسان متى كان صحيحا كان مستطيعا، لكان من لا سلم له للصعود ~~مستطيعا. PageV04P057 # ولن يكون أيضا مع ذلك كله للفعل مختارا، وله في الحقيقة دون المجاز ~~مستطيعا، إلا وجميع أوامره في وزن جميع زواجره، حتى إذا ما قابلت بين ~~مرجوهما ومخوفهما، وبين تقديم اللذة وخوف الآخرة، وبين تعجيل المكروه ~~وتأميل العاقبة، وجدتهما في الحدر والرفع، وفي القبض والبسط سواء. # ولا يكون أيضا كذلك إلا وبقاؤه في الحال الثانية معلوم، لأن الفعل حارس ~~والطباع محروسة، والنفس عليها موقفة. فإن كان الحارس أقوى من طباعها كان ~~ميل النفس معه طباعا؛ لأن من شأن النفس الميل إلى أقوى الحارسين، وأمتن ms169 ~~السببين. # ومتى كانت القوتان متكافئتين كان الفعل اختياريا، ومن حد الغلبة خارجا، ~~وإن كانت الغلبة تختلف في اللين والشدة، وبعضها أخفى وبعضها أظهر، كفرار ~~الإنسان من وهج السموم إذا لم يحضره دواعي الصبر، وأسباب المكث. وهو من لهب ~~الحريق أشد نفرة، وأبعد وثبة، وأسرع حركة. # ومتى قويت الطبيعة على العقل أوهنته وغيرته، ومتى توهن وتغير تغيرت ~~المعاني في وهمه، وتمثلت له على غير حقيقتها. ومتى كان PageV04P058 ~~كذلك كل عن إدراك ما عليه في العاقبة، وزينت له الشهوات ركوب ما في ~~العاجلة. # ومتى - أيضا - فضلت قوى عقله على قوى طبائعه أوهنت طبائعه، ومتى كانت ~~كذلك آثر الحزم والآجلة على اللذة العاجلة، طبعا لا يمتنع منه، وواجبا لا ~~يستطيع غيره. # وإنما تكون النفس مختارة في الحقيقة، ومجانبة لفعل الطبيعة إذا كانت ~~أخلاطها معتدلة، وأسبابها متساوية، وعللها متكافئة، فإذا عدل الله تركيبه ~~وسوى أسبابه، وعرفه ما عليه وله، كان الإنسان للعقل مستطيعا في الحقيقة، ~~وكان التكليف لازما له بالحجة. # ولولا أنك تحتاج إلى التعريف بأن المأمور المنهي لا بد له من التسوية ~~والتعديل لما قال الله تعالى: " والأرض وما طحاها. ونفس وما سواها. فألهمها ~~فجورها وتقواها ". # ولو جاز أن يعلم موضع غيها ورشدها من غير أن يسويها ويهيئها لكان ذكر ~~التسوية فضلا من القول. والله يتعالى عن هذا وشبهه علوا كبيرا. PageV04P059 ### || فصل في جواب من يسأل عن المعرفة باضطرار هي أم باكتساب # قلنا: إن الناس لم يعرفوا الله إلا من قبل الرسل، ولم يعرفون من قبل ~~الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، والزيادة والنقصان. # على أنا لا نشك أن رجالا من الموحدين قد عرفوا وجوها من الدلالة على الله ~~بعد أن عرفوه من قبل الرسل، فتكلفوا من ذلك ما لا يجب عليهم، وأصابوا من ~~غامض العلم ما لا يقدر عليه عوامهم، من غير أن يكونوا تكلفوا ذلك لشك ~~وجدوه، أو حيرة خافوها؛ لأن أعلام الرسل مقنعة، ودلائلها واضحة، وشواهدها ~~متجلية، وسلطانها قاهر، وبرهانها ظاهر. # فإن قال: أباكتساب علموا صدق الرسل أم باضطرار؟ # قلنا: باضطرار. # فإن ms170 قالوا: فخبرونا عن من عاين النبي صلى الله عليه وسلم وحجته، والمتنبي ~~وحيلته، كيف يعلم صدق النبي من كذب المتنبي، وهو لم ينظر ولم يفكر؟ فإن ~~قلتم: إنه نظر، وفكر، فقد رجعتم إلى الاكتساب. # وإن قلتم: إنه لم ينظر ولم يفكر فلم عرف الفصل بينهم دون أن يجهله؟ وكيف ~~علم ذلك وهو لا يعرف الحجة من الحيلة؟ وما يؤمنه PageV04P060 ~~أن يكون مبطلا إذا كان لم ينظر في أمور الدنيا، ولم يختبر معانيها حتى ~~يعرف الممتنع من الممكن، وما لا يزال يكون بالاتفاق مما لا يمكن ذلك فيه؟ # وكيف ولم يعرف العادة وجرى الطبيعة وإلى أين تبلغ الحيلة وأين تعجز الحيلة، ~~وعند أي ضرب يسقطان، وعلى أي ضرب يقومان؟ ولم عرف صدق النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين عاين شاهده وأبصر أعاجيبه، من غير امتحان لها وتعقب لمعانيها، دون ~~أن يعتقد صدق المتنبي إذا أورد عليه أعاجيبه وخدعه وحيله؟ # بل كيف لم يعرف ~~الله حين وقع بصره على الدنيا من غير فكرة فيها وتقليب لأمرها. # والدنيا بأسرها دلالة عما عرف صدق النبي حين أبصر دلالته من غير تفكير ~~فيها أو تقليب لأمرها. # وقد علمنا أن الدنيا دالة على أن شواهد النبي دالة، ومتى كان ظاهر أحدهما ~~يغني عن التفكير كان الآخر مثله، إذ لم يكن في القياس بينهما فرق، ولا في ~~المعقول فضل. # قلنا: إن تجارب البالغ قبل أن يهجم على دلالات الرسل تأتي على جميع ذلك. ~~ولعمري أن لو كان هجومه عليها قبل المعرفة بمجاري وتصريف الدهور وعلاقات ~~الدنيا، والتجربة لتصريف أمورها، لما PageV04P061 ~~وصل إلى معرفة صدق النبي إلا بعد مقدمات كثيرة، وترتيبات منزلة؛ لأن ~~مشاهد الشواهد إنما تضطره المشاهدة لها إذا كان قد جرب الدنيا، وعرف تصرفها ~~وعادتها قبل ذلك. # ولو لم يكن جربها قبل ذلك حين عرف منتهى قوة بطش الإنسان وحيلته، وعرف ~~الممكن من الممتنع، وما يمكن قوله بالاتفاق مما لا يمكن، لما عرف ذلك. # فإن قالوا: وكيف جرب ذلك وعقله، وأتقنه وحفظه، وهو طفل غرير وحدث ms171 صغير؛ ~~لأن غير البالغ طفل إلى أن يبلغ، وحين يبلغ فقد هجم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وشواهده، أو هجم عليه النبي بشواهده، إما بخبر مقنع أو بعيان ~~شاف. ففي أية الحالين جرب وعرف، وميز وحفظ، في حال الطفولة والغرارة؟ وهذا ~~غير معروف في التجربة والعادة، والذي عليه ركبت الطبيعة. # أما في حال البلوغ والتمام فحال البلوغ هي الحال التي أبلغه الله ~~الرسالة، وقاده إلى رؤية الحجة، واستماع البرهان ومخرج الرسالة. # فإذا كان الأمر، كما تقولون فقد كان ينبغي أن لا يصل إلى العلم بصدق ~~النبي وقد أراه برهانه، وأسمعه حججه، حتى يمكث بعد ذلك دهرا يمتحن الدنيا ~~ويتعقب أمورها، ويعمل التجربة فيها. فإن كان ذلك كذلك فلم سميتموه بالغا، ~~وليس في طاقته بعد العلم يفصل ما بين النبي والمتنبي؟ PageV04P062 # قلنا: إن التجربة على ضربين: أحدهما: أن يقصد الرجل إلى امتحان شيء ليعرف ~~مخبره عما عرف منظره. # والآخر: أن يهجم على علم ذلك من غير قصد. # وقد يسمى الإنسان مجربا، قاصدا أو هاجما، فيزعم أن البالغ قد سقط من بطن ~~أمه إلى أن يبلغ، مقلبا في الأمور المختلفة، ومصرفا في خلال الحالات، ~~بالمعرفة التي تلقحه الدنيا، بما تورد عليه من عجائبها، ويزداد في كل ساعة ~~معرفة، وتفيده الأيام في كل يوم تجربة، كما يزداد لسانه قوة، وعظمه صلابة، ~~ولحمه شدة، من أم تناغيه، وظئر تلهيه، وطفل يلاعبه، وطبيب يعالجه، ونفس ~~تدعوه، وطبيعة تعينه، وشهوة تبعثه، ووجع يقلقه، كما يزيده الزمان في قوته، ~~ويشد من عظمه ولحمه، ويزيده الغذاء عظما، وكثرة الغضب والتقليب جلدا. فإذا ~~درج وحبا، وضحك وبكى، وأمكنه أن يكسر إناء أو يكفئه، أو يسود ثوبا، أو يضرب ~~دابرة الخادم، وانتهره القيم. فلا يزال ذلك دأبه ودأبهم حتى يفهم الإغراء ~~والزجر، والتغذية والانتهار، كما يعرف الكلب اسمه إذا ألح الكلاب عليه به. ~~وكما يعرف المجنون لقبه، وكما يحضر الفرس من وقع السوط من كثرة وقعه بعد ~~رفعه عليه. PageV04P063 ### || فصل منه في هذا المعنى # فإذا استحكمت هذه الأمور في ms172 قلبه، وثبتت في خلده وصحت في معرفته، فهو ~~حينئذ بالغ محتمل. وعند ذلك يسخر الله سمعه للخبر المثلج، أو بصره لمعاينة ~~الشاهد المقنع، على يدي الرسول الصادق، ولا يتركه هملا، ولا يدعه غفلا، وقد ~~عدل طبعه وأحكم صنعه، ووفر أسبابه، فلا يحتاج عند معاينته رسولا يحيي ~~الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص، ويفلق البحر، إلى تفكير، ولا تمييل ولا ~~امتحان ولا تجربة، لأنه قد فرغ من ذلك أجمع، واستحكم عنده العلم الذي أدب ~~به، وهيئ له وأورد عليه. # فإن كان لم يكن لذلك عامدا، ولا إليه قاصدا ولا به معنيا، وإنما هو عبد ~~عبأه سيده، ورشحه مولاه، وهيأه خالقه لأمر لا يشعر به من مصلحته، ولا يخطر ~~على باله من الصنع له حين غذاه به، وقاده إليه، وهيأه له. # فإذا أورد عليه دعوى رسول، وأمته تشهد له بإحياء الموتى وفلق البحر، وبكل ~~شيء قد عرف عجز البشر عن فعله والقوة عليه، علم بتجاربه المتقدمة بعادة ~~الدنيا، أن ذلك ليس من صنع البشر، وأن مثله PageV04P064 ~~لا يقع اتفاقا، وأن الحيل لا تبلغه، فلا يمتنع مع رؤية البرهان وفهم ~~الدعوى، أن يعلم أن الرسول صادق، وأن الراد عليه كاذب. ### || فصل منه # ولولا أن هذا كلام لم يكن من ذكره بد، لأنه تأسيس لما بعده، ومقدمة لما ~~بين يديه، وتوطئة له، لاقتضبت الكلام في المعرفة اقتضابا، ولكن يمنعني عجز ~~أكثر الناس عن فهم غايتي فيه إلا بنزيله وترتيبه. # وكل كلام أتيت على فرعه، ولم تخبر عن أصله فهو خداع لا غناء عنده، وواهن ~~لا ثبات له. PageV04P065 ### | 14- من رسالته في المعاد والمعاش PageV04P067 ### || فصل من صدر كتابه في المعاد والمعاش # أما بعد فإن جماعات أهل الحكمة قالوا: # واجب على كل حكيم أن يحسن الارتياد ~~لموضع البغية، وأن يتبين أسباب الأمور، ويمهد لعواقبها. # فإنما حمدت العلماء بحسن التثبت في أوائل الأمور، واستشفاقهم بعقولهم ما ~~تجيء به العواقب، فيعلمون عند استقبالها ما تؤول به الحالات في استدبارها. ~~وبقدر تفاوتهم في ذلك تستبين فضائلهم. # فأما معرفة الأمور عند تكشفها، وما ms173 يظهر من خفياتها. فذلك أمر يعتدل فيه ~~الفاضل والمفضول، والعالم والجاهل. # وإني قد عرفتك - أكرمك الله - في أيام الحداثة، وحيث سلطان الهوى المخلط ~~للأعراض أغلب على نظرائك، وسكر الشباب PageV04P069 ~~والجدة المتحيفين للدين والمروءة مستول على لداتك، ففقتهم ببسطة المقدرة، ~~وحميا الحداثة، وفضل الجدة، مع ما تقدمتهم به من الوسامة في الصورة، ~~والجمال في الهيئة. # وهذه أسباب تكاد أن توجب الانقياد للهوى، وتلجج في المهالك ولا يسلم معها ~~إلا المنقطع القرين في صحة الفطرة، وكمال العقل. ~~فاستعبدتهم الشهوات حتى أعطوها أزمة أديانهم، وسلطوها على مروءاتهم ~~وأباحوها أعراضهم، فآلت بأكثرهم الحال إلى ذل العدم، وفقد عز الغني في ~~العاجل، مع الندامة الطويلة والحسرة في الآجل. # وخرجت نسيج وحدك أوحديا في نفسك، حكمت وكيل الله عندك - وهو عقلك - على ~~هواك، وألقيت إليه أزمة أمرك، فسلك بك طريق السلامة، وأسلمك إلى العاقبة ~~المحمودة، وبلغ بك من نيل اللذات أكثر مما بلغوا، ونال بك من الشهوات أكثر ~~مما نالوا، وصرفك PageV04P070 ~~من صنوف النعم في أكثر مما تصرفوا، وربط عليك من نعم الله التي خولك ما ~~أطلقه من أيديهم إيثار اللهو، وتسليطهم الهوى على أنفسهم فخاض بك تلك ~~اللجج، واستنقذك من تلك المعاطب، فأخرجك سليم الدين، وافر المروءة، نقي ~~العرض، كثير الشراء، بين الجدة. وذلك سبيل من كان ميله إلى الله أكثر من ~~ميله إلى هواه. # فلم أزل في أحوالك كلها تلك بفضيلتك عارفا، ولك بنعم الله عندك غابطا، ~~أرى ظواهر أمرك المحمودة تدعوني إلى الانقطاع إليك، وأسأل عن بواطن أحوالك ~~فيزيدني رغبة في الاتصال بك، ارتيادا مني لموضع الخيرة في الأخوة، والتماسا ~~لإصابة الاصطفاء في المودة، وتخيرا لمستودع الرجاء في النائبة. # فلما محصتك الخبرة، وكشف الابتلاء عن المحمدة، وقضت لك التجارب بالتقدمة، ~~وشهدت لك قلوب العامة بالقبول والمحبة، وقطع الله عذر من كان يطلب الاتصال ~~بك، طلبت الوسيلة إليك والاتصال بحبلك، ومتت بحرمة الأدب وذمام كرمك. PageV04P071 # وكان من نعمة الله عندي أن جعل أبا عبد الله - حفظه الله - وسيلتي إليك، ~~فوجدت المطلب سهلا، والمراد محمودا، ms174 وأفضيت إلى ما يجوز الأمنية ويفوت ~~الأمل. فوصلت إخاي بمودتك، وخلطتني بنفسك، وأسمتني في مراعي ذوي الخاصة بك ~~تفضلا لا مجازاة، وتطولا لا مكافاة، فأمنت الخطوب، واعتليت على الزمان، ~~واتخذتك للأحداث عدة، ومن نوائب الدهر حصنا منيعا. # فلما جرت المؤانسة، وتقلبت من فضلك في صنوف النعمة، وزاد تصرفي في مواهبك ~~في السرور والحبرة، أردت خبرة المشاهدة فبلوت أخلاقك، وامتحنت شيمك، وعجمت ~~مذاهبك، على حين غفلاتك، وفي الأوقات التي يقل فيها تحفظك، أراعي حركاتك، ~~وأراقب مخارج أمرك ونهيك، فأرى من استصغارك لعظيم النعمة التي تنعم بها، ~~واستكثارك لقليل الشكر من شاكريك، ما أعرف به وبما قد بلوت من غيرك وما قد ~~شهدت لي به عليك التجارب، أن ذلك منك طبع غير تكلف. # هيهات ما يكاد ذو التكلف أن يخفى على أهل الغباوة، فكيف على مثلي من ~~المتصفحين؟ PageV04P072 ### || فصل منه # ولم أزل - أبقاك الله - بالموضع الذي عرفت من جمع الكتب ودراستها والنظر ~~فيها. ومعلوم أن طول دراستها إنما هو تصفح عقول العالمين، والعلم بأخلاق ~~النبيين - صلوات الله تعالى عليهم أجمعين - وذوي الحكمة من الماضين ~~والباقين من جميع الأمم، وكتب أهل الملل. # فرأيت أن أجمع لك كتابا من الأدب، جامعا لعلم كثير من أمر المعاد ~~والمعاش، أصف لك فيه علل الأشياء، وأخبرك بأسبابها، وما اتفقت عليه محاسن ~~الأمم. وعلمت أن ذلك من أعظم ما أبرك به، وأرجح ما أتقرب به إليك. # وكان الذي حداني إلى ذلك ما رأيت الله تعالى قسم لك من العقل والفهم، ~~وركب فيك من الطبع الكريم. # وقد اجتمعت الحكماء على أن العقل المطبوع والكرم الغريزي، لا يبلغان غاية ~~الكمال إلا بمعاونة العقل المكتسب، ومثلوا ذلك بالنار والحطب، والمصباح ~~والدهن، وذلك أن العقل الغريزي آلة والمكتسب مادة، وإنما الأدب عقل غيرك ~~تزيده في عقلك. # ورأيت كثيرا من واضعي الأدب قبلي، قد عهدوا إلى الغابرين بعدهم في الآداب ~~عهودا قاربوا فيها الحق، وأحسنوا فيها الدلالة. إلا PageV04P073 ~~أني رأيت أكثر ما رسموا من ذلك فروعا لم يبينوا عللها، وصفات حسنة لم ~~يكشفوا ms175 أسبابها، وأمورا محمودة لم يدلوا على أصولها. # فإن كان ما فعلوا من ذلك روايات رووها عن أسلافهم، ووراثات ورثوها عن ~~أكابرهم فقد قاموا بأداء الأمانة، ولم يبلغوا فضيلة من طب لمن استطب، وإن ~~كانوا تركوا الدلالة على علل الأمور، التي بمعرفة عللها يوصل إلى مباشرة ~~اليقين فيها، وينتهى إلى غاية الاستبصار منها، فلم يعدوا في ذلك منزلة الظن ~~بها. # ولم تجد وصايا أنبياء الله تعالى أبدا إلا مبينة بالأسباب، مكشوفة العلل، ~~مضروبة معها الأمثال. ### || فصل منه # ولن أدع من تلك المواضع الخفية موضعا إلا أقمت لك بها بإزاء كل شبهة منه ~~دليلا، ومع كل خفي من الحق حجة ظاهرة، تستنبط بها غوامض البرهان، وتستثير ~~بها دفائن الصواب، وتستشف بها سرائر القلوب، فتأتي بما تأتي عن بينة، وتدع ~~ما تدع PageV04P074 ~~عن خبرة، ولا يكون بك وحشة إلى معرفة كثير ما يغيب عنك إذا عرفت العلل ~~والأسباب، حتى كأنك مشاهد لضمير كل امرىء لمعرفتك بطبعه وما ركب عليه. ### || فصل منه # اعلم أنك إذا أهملت ما وصفت لك عرضت تدبيرك إلى الاختلاط، وإن آثرت ~~الهوينى، واتكلت على الكفاية في الأمر الذي لا يجوز فيه إلا نظرك، وزجيت ~~أمرك على رأي مدخول، وأصل غير محكم، رجع ذلك عليك بما لو حكم فيه عدوك كان ~~ذلك غاية أمنيته وشفاء غيظه. # واعلم أن إجراءك الأمور مجاريها، واستعمالك الأشياء على وجوهها، يجمع لك ~~ألفة القلوب، فيعاملك كل من عاملك بمودة، وأخذ وإعطاء، وهو على ثقة من بصرك ~~بمواضع الإنصاف، وعلمك بموارد الأمور. PageV04P075 ### || فصل منه # فإن ابتليت في بعض الأوقات بمن يتقرب بحرمة، ويمت بدالة، يطلب المكافأة ~~بأكثر مما يستوجب، فدعاك الكرم والحياء إلى تفضيله على من هو أحق به، إما ~~خوفا من لسانه، أو مداراة لغيره، فلا تدع الاعتذار إلى من هو فوقه من أهل ~~البلاء والنصيحة وإظهار ما أردت من ذلك لهم؛ فإن أهل خاصتك والمؤتمنين على ~~أسرارك، هم شركاؤك في العيش، فلا تستهينن بشيء من أمورهم، فإن الرجل قد ~~يترك الشيء من ذلك اتكالا على ms176 حسن رأي أخيه، فلا يزال ذلك يجرح في القلب ~~وينمو، حتى يولد ضغنا ويحول عداوة. # فتحفظ من هذا الباب، واحمل إخوانك عليه بجهدك. # وستجد من يتصل بك ممن يغلبه إفراط الحرص، وحميا الشره، ولين جانبك له، ~~على أن ينقم العافية، ويطلب اللحوق بمنازل من ليس مثله، ولا له مثل دالته، ~~فتلقاه لما تصنع به مستقلا. ولمعروفك مستصغرا. # وصلاح من كانت هذه حاله بخلاف ما فسد عليه أمره. PageV04P076 # فاعرف طرائفهم وشيمهم، وداو كل من لا بد لك من معاشرته، بالدواء الذي هو ~~أنجع فيه، إن لينا فلينا، وإن شدة فشدة، فقد قيل في مثل: # من لا يؤدبه الجمي %~% ل ففي عقوبته صلاحه ### || فصل منه # واعلم أن المقادير ربما جرت بخلاف ما تقدر الحكماء، فينال بها الجاهل في ~~نفسه، المختلط في تدبيره، ما لا ينال الحازم الأريب الحذر، فلا يدعونك ما ~~ترى من ذلك إلى التضييع والاتكال على مثل تلك الحال؛ فإن الحكماء قد اجتمعت ~~على أن من أخذ بالحزم وقدم الحذر، فجاءت المقادير خلاف ما قدر، كان عندهم ~~أحمد رأيا، وأوجب عذرا ممن عمل بالتفريط، وإن اتفقت له الأمور على ما أراد. # ولا تكونن بشيء مما في يدك أشد ضنا، ولا عليه أشد حدبا منك بالأخ الذي قد ~~بلوته بالسراء والضراء فعرفت مذاهبه، وخبرت شيمه، وصح لك غيبه، وسلمت لك ~~ناحيته، فإنه شقيق روحك، وباب الروح إلى حياتك، ومستمد رأيك وتوأم عقلك. PageV04P077 # ولست منتفعا بعيش مع الوحدة، ولا بد من المؤانسة. # وكثرة الاستبدال يهجم بصاحبه على المكروه. # فإن صفا لك أخ فكن به أشد ضنا منك بنفائس أموالك، ثم لا يزهدنك فيه أن ~~ترى خلقا أو خلقين تكرههما، فإن نفسك التي هي أخص النفوس بك لا تعطيك ~~المقادة في كل ما تريد، فكيف بنفس غيرك. # وبحسبك أن يكون لك من أخيك أكثره. وقد قالت الحكماء: " من لك بأخيك كله ~~". و: " أي الرجال المهذب ". ### || فصل منه # واعلم أنك موسوم بسيما من قارنت، ومنسوب إليك أفاعيل من صاحبت. فتحرز من ~~دخلاء السوء، وأظهر ms177 مجانبة أهل الريب، وقد جرت لك في ذلك الأمثال، وسطرت ~~فيه الأقاويل، فقالوا: " المرء حيث يجعل نفسه ". PageV04P078 # وقالوا: " يظن بالمرء ما يظن بقرينه ". # وقالوا: " المرء بشكله "، و " المرء بأليفه ". # ولن تقدر أن تتحرز من الناس، ولكن أقل المؤانسة إلا بأهل البراءة من كل ~~دنس. # واعلم أن المرء بقدر ما يسبق إليه يعرف، وبالمستفيض من أفعاله يوصف. فإن ~~كان بين ذلك كثير من أخلاقه ألغاه الناس، وحكموا عليه بالغالب من أمره. # فاجهد أن يكون أغلب الأشياء على أفعالك كل ما يحمده العوام ولا تذمه ~~الجماعات، فإن ذلك يعفي على كل خلل إن كان. # فبادر ألسنة الناس واشغلها بمحاسنك، فإنهم إلى كل سيىء سراع، واستظهر على ~~من دونك بالتفضل، وعلى نظائرك بالإنصاف، وعلى كل من فوقك بالإجلال، تأخذ ~~بوثائق الأمور وبأزمة التدبير. PageV04P079 ### | 15 - من رسالته في الجد والهزل PageV04P081 ### || فصل من صدر رسالته إلى محمد بن عبد الملك في الجد والهزل # جعلت فداك، ليس من اختياري، النخل على الزرع. أقصيتني، ولا على ميلي إلى ~~الصدقة دون إعطاء الخراج عاقبتني، ولا لبغض دفع الإتاوة والرضا بالجزية ~~حرمتني. ولست أدري لم كرهت قربي، وهويت بعدي، واستثقلت روحي ونفسي، واستطلت ~~عمري وأيام مقامي؟ ولم سرتك سيئتي ومصيبتي، وساءتك حسنتي وسلامتي؟ نعم، حتى ~~ساءك عزائي وتجملي، بقدر ما سرك جزعي وتضجري، وحتى تمنيت أن أخطىء عليك، ~~فتجعل خطائي حجة لك في إبعادي، وكرهت صوابي فيك خوفا من أن تجعله ذريعة إلى ~~تقريبي. # فإن كان ذلك هو الذي أغضبك، وكان هو السبب لموجدتك، فليس - أبقاك الله - ~~هذا الحقد في طبقة هذا الذنب، ولا هذه المطالبة من شكل هذه الجريمة. PageV04P083 ### || فصل منه # فأي شيء أبقيت للعدو المكاشف، وللموافق الملاطف، وللمعتمد المصر، وللقادر ~~المدل؟ # ومن عاقب على الصغير بعقوبة الكبير، وعلى الهفوة بعقوبة الإصرار، ~~وعلى الخطأ بعقوبة العمد، وعلى معصية المتستر بعقوبة المعلن. ومن لم يفرق ~~بين الأعالي والأسافل، وبين الأقاصي والأداني، عاقب على الزنى بعقوبة ~~السرقة، وعلى القتل بعقوبة القذف. ومن خرج إلى ذاك في باب العقاب، خرج إلى ms178 ~~مثله في باب الثواب. # ومن خرج من جميع الأوزان، وخالف جميع التعديل كان بغاية العقاب أحق، وبه ~~أولى. # والدليل على شدة غيظك وغليان صدرك، قوة حركتك، وإبطاء فترتك، وبعد الغاية ~~في احتيالك. # ومن البرهان على بيان الغضب وعلى عظم الذنب، تمكن الحقد ورسوخ الغيظ، ~~وبعد الوثبة وشدة الصولة. وهذا البرهان صحيح ما صح النظم، وقام التعديل، ~~واستوت الأسباب. # ولا أعلم نارا أبلغ في إحراق أهلها من نار الغيظ، ولا حركة أنقض لقوى ~~الأبدان من طلب الطوائل، مع قلة الهدوء، والجهل بمنافع الجمام، وإعطاء ~~الحالات أقسامها من التدبير. PageV04P084 # ولا أعلم تجارة أكثر خسرانا ولا أخف ميزانا، من عداوة العاقل العالم، ~~وإطلاق لسان الجليس والمداخل، والشعار دون الدثار، والخاص دون العام. # والطالب - أبقاك الله - بعرض ظفر ما لم يخرج المطلوب، وإليه الخيار ما لم ~~تقع المنازلة. # ومن الحزم ألا تخرج إلى العدو إلا ومعك من القوى ما يغمر الفضلة التي ~~يتيحها له الإخراج، ولا بد - أيضا - من حزم يحذرك مصارع البغي، ويخوفك ناصر ~~المطلوب. ### || فصل منها # والله لقد كنت أكره لك سرف الرضا، مخافة جواذبه إلى سرف الهوى، فما ظنك ~~بسرف الغضب. وبغلبة الغيظ، ولا سيما ممن تعود إهمال النفس ولم يعودها ~~الصبر، ولم يعرفها موضع الحظ في تجرع مرارة العفو. وإنما المراد من الأمور ~~عواقبها لا عواجلها. PageV04P085 # وقد كنت أشفق عليك من إفراط السرور، فما ظنك بإفراط الغيظ. وقد قال ~~الناس: " لا خير في طول الراحة إذا كان يورث الغفلة، ولا في طول الكفاية ~~إذا كان يؤدي إلى المعجزة. ولا في كثرة الغنى إذا كان يخرج إلى البلدة ". # جعلت فداك إن داء الحزن، وإن كان قاتلا، فإنه داء مماطل، وسقمه سقم ~~مطاول، ومعه من التمهل بقدر قسطه من أناة المرة السوداء. وداء الغيظ سفيه ~~طياش، وعجول فحاش، يعجل عن التوبة، ويقطع دون الوصية. ### || فصل منها # وربت كلمة لا توضع إلا على معناها الذي جعلت حظه وصارت هي حقه، والدالة ~~عليه دون غيره، كالعزم والعلم، والحلم والرفق؛ والأناة والمداراة، والقصد ~~والعدل، وكالانتهاز ms179 والاهتبال، وكاليأس والأمل، وكالخرق والعجلة، والمداهنة ~~والتسرع، والغلو والتقصير. PageV04P086 # ورب كلمة تدور مع واصلتها، وتتقلب مع جارتها، وإزاء صاحبتها، وعلى قدر ما ~~تقابل من الحالات وتلاقي من الأسباب، كالحب والبغض، والغضب والرضا، والعزم ~~والإرادة، والإقبال والإدبار، والجد والفتور. لأن كل هذا الباب الأخير يكون ~~في الخير والشر، ويكون محمودا ويكون مذموما. # وصاحب العجلة - أبقاك الله - صاحب لتغرير ومخاطرة، إن ظفر لم يحمده عاقل، ~~وإن لم يظفر قطعته الملاوم. والريث أخو المعجزة، ومقرون بالحسرة، وعلى ~~مدرجة اللائمة. # وصاحب الأناة، إن ظفر نفع غيره بالغنم، ونفع نفسه بثمرة العلم، وطاب ذكره ~~ودام شكره، وحفظ فيه ولده. وإن حرم فمبسوط عذره ومصوب رأيه مع انتفاعه ~~بعلمه، وما يجد من عز حزمه، ونبل صوابه. PageV04P087 ### || فصل منها # ومن كانت طبيعته مأمونة عليه عند نفسه، وكان هواه رائده الذي لا يكذبه، ~~والمتأمر عليه دون عقله، ولم يتوكل لما لا يهواه على ما يهوى، ولم ينصر ~~تالد الإخوان على الطارف، ولم ينصف الملول المبعد من المستطرف المقرب، ولم ~~يخف أن تجتذبه العادة وتتحكم عليه الطبيعة فليرسم حججهما ويصور صورهما في ~~كتاب مقروء أو لفظ مسموع، ثم يعرضهما على جهابذة المعاني وأطباء أدواء ~~العقول. على أن لا يختار إلا من لا يدري أي النوعين يتقي، وأيهما يحامي، ~~وأيهما داؤه، وأيهما دواؤه. فإن لم يستعمل ذلك لم يزل متورطا في الخطاء ~~مغمورا بالذنب. # سمعتك وأنت تريدني وكأنك تريد غيري، أو كأنك تشير علي من غير أن تنصني، ~~وتقول: إني لأعجب ممن ترك دفاتر علمه متفرقة، وكراريس درسه غير مجموعة ولا ~~منظومة، كيف يعرضها PageV04P088 ~~للتخرم، وكيف لا يمنعها من التخرق؟ ! # وعلى أن الدفتر إذا انقطعت حزامته ~~وانحل شداده، وتخرمت ربطه، ولم تكن دونه وقاية، ولا دونه جنة، تفرق ورقه، ~~واشتد جمعه، وعسر نظمه، وامتنع تأليفه، وضاع أكثره. # والدفتان أجمع، وضم الجلود لها أصون والحزم لها أصلح. # وينبغي للأشكال أن تنظم، والأشباه أن تؤلف؛ فإن التأليف يزيد الأجزاء ~~الحسنة حسنا، والاجتماع يحدث للمتساوي في الضعف قوة. ### || فصل منها # أنت - أبقاك الله ms180 - شاعر وأنا راوية، وأنت طويل وأنا قصير، وأنت أصلع ~~وأنا أنزع، وأنت صاحب براذين وأنا صاحب حمير، PageV04P089 ~~وأنت ركين وأنا عجول. وأنت تدبر نفسك وتقيم أود غيرك، وتتسع لجميع ~~الرعية، وتبلغ بتدبيرك أقصى الأمة. وأنا أعجز عن تدبيري وعن تدبير أمتي ~~وعبدي. وأنت منعم وأنا شاكر، وأنت ملك وأنا سوقة. وأنت مصطنع وأنا صنيعة، ~~وأنت تفعل وأنا أصف. وأنت متقدم وأنا تابع، وأنت إذا نازعت الرجال وناهضت ~~الأكفاء لم تقل بعد فراغك وانقطاع كلامك: لو كنت قلت كذا لكان أجود، ولو ~~تركت قول كذا كان أحسن. وأمضيت الأمور على حقائقها، وسلمت إليها أقساطها، ~~على مقادير حقوقها، فلم تندم بعد قول، ولم تأسف بعد سكوت. وأنا إن تكلمت ~~ندمت، وإن جاريت أبدعت. ### || فصل منها # وقد منحتك جلد شبابي كملا؛ وغرب نشاطي مقتبلا، فكان لك مهناه، وثمرة ~~قواه، واحتملت دونك عرامه وغربه، فكان لك غنمه وعلي غرمه. PageV04P090 # وأعطيتك عند إدبار بدني قوة رأيي، وعند تكامل معرفتي نتيجة تجربتي، ~~واحتملت دونك وهن الكبر وإسقام الهرم. # وخير شركائك من أعطاك ما صفا وأخذ لنفسه ما كدر. وأفضل خلطائك من كفاك ~~مؤونته وأحضرك معونته، وكان كلاله عليه ونشاطه لك. # وأكرم دخلائك وأشكر مواليك من لا يظن أنك تسمي جزيل ما تحتمل في بذلك ~~ومؤانستك مؤونة، ولا تتابع إحسانك إليه نعمة. بل يرى أن نعمة الشاكر فوق ~~نعمة الواهب، ونعمة الواد المخلص، فوق نعمة الجواد المغني. PageV04P091 ### | 16- من كتابه في الوكلاء PageV04P093 ### || فصل من صدر كتابه في الوكلاء # وفقك الله للطاعة، وعصمك من الشبهة، وأفلجك بالحجة، وختم لك بالسعادة. # غبرت - أصلحك الله - أزمان وأنت عندي ممن لا يمضي القول إلا بعد التثبت، ~~ولا يخرج الكتاب إلا بعد التصفح، وكنت حريا بتهيئة الرأي الفطير، جديرا أن ~~تميل بنفسك عاقبة التفريط. ولولا كثرة مرور أيام المطالبة عليك لما ثقل ~~عليك التثبت، ولولا قصر أيام التحصيل لما وثقت بأول خاطر، ولولا سوء العادة ~~لما كذبك رائد النظر واتهمت الرأي. # واعترام الغضبان يهور الأعمار، فإن الغضبان أسوأ أثرا PageV04P095 ~~على نفسه من السكران، ms181 ولولا أن نار الغضب تخبو قبل إفاقة المعتوه، وضباب ~~السكر ينكشف قبل انكشاف غروب عقل المدله، وأن حكم الظاعن خلاف حكم المقيم، ~~وقضية المجتاز خلاف قضية الماكث، لكانت حال الغضبان أسوأ مغبة، وجهله أوبى، ~~على أن الحكم له ألزم والناس له ألوم. # وما أكثر ما يقحم الغضب المقاحم التي لا يبلغها جناية الجنون، وفرط جهل ~~المصروع. ### || فصل منه # وإن الغمر لا يكون إلا عديم الآلة، منقطع المادة، يرى الغي رشدأ والغلو ~~قصدا. فلو كنت إذا جنيت لم تقم على الجناية، وإذا عزمت على القول لم تخلده ~~في الكتب، وإذا خلدته لم تظهر التبجح به، والاستبصار فيه، كان علاج ذلك ~~أيسر، وكانت أيام سقمك أقصر. # فأخزى الله التصميم إلا مع الحزم، والاعتزام إلا بعد التثبت والعلم إلا ~~مع القريحة المحمودة، والنظر إلا مع استقصاء الروية. # وأخلق بمن كان في صفتك، وأحر بمن جرى على دربك، ألا يكون سبب تسرعه، وعلة ~~تشحنه إلا من ضيق الصدر. # وجميع الخير راجع إلى سعة الصدر. فقد صح الآن أن سعة الصدر أصل، وما سوى ~~ذلك من أصناف الخير فرع. PageV04P096 # وقد رأيتك - حفظك الله - خونت جميع الوكلاء وفجرتهم، وشنعت على جميع ~~الوراقين وظلمتهم، وجمعت جميع المعلمين وهجوتهم، وحفظت مساويهم، وتناسيت ~~محاسنهم، واقتصرت على ذكر مثالب الأعلام والجلة، حتى صوب نفسك عند السامع ~~لكلامك، والقارىء كتابك، أنك ممن ينكر الحق جهلا، أو يتركه معاندة له. وقد ~~علم الناس أن من تركه جهلا به أصغر إثما ممن تركه عمدا. # ولعمري إن العلم لطوع يديك، والمتصرف مع خواطرك، والمستملي من بديهتك، ~~كما يستملي من ثمرة فكرك، والمحصل من رويتك. ولكن الرأي لك أن لا تثق بما ~~يرسمه العلم في الخلا، وتتوقاه في الملا. # اعلم أنك متى تفردت بعلمك استرسلت إليه. ومتى ائتمنت على نفسك نواجم ~~خطرك، فقد أمكنت العدو من ربقة عنقك. وبنية الطبائع وتركيب النفوس، والذي ~~جرت عليه العادة، إهمال النفس في الخلا، واعتقالها في الملا. # فتوقف عند العادة، واتهم النفس عند الاسترسال والثقة. قال ابن هرمة: PageV04P097 # إن ms182 الحديث تغر القوم خلوته %~% حتى يكون له عي وإكثار # وبئس الشيء العجب، وحسن الظن بالبديهة! # واعلم أن هذه الحال التي ارتضيتها ~~لشأنك هي أمنية العدو، وتهزة الخصم، ومتى أبرزت كتابك على هذه الصورة ~~وأفرغته هذا الإفراغ، ثم سبكته هذا السبك، فليس بعدوك حاجة إلى التكذيب ~~عليك، وقول الزور فيك، لأنك قد مكنته من عرضك، وحكمته في نفسك. # وبعد، فمن يعجز عن عيب كتاب لم يحرس بالتثبت، ولم يحصن بالتصفح، ولم يغب ~~بالمعاودة والنظر، ولم يقلب فيه الطرف من جهة الإشفاق والحذر. فكيف يوفق ~~الله الواثق بنفسه، والمستبد برأيه لأدب ربه، ولما وصى به نبيه صلى الله ~~عليه وسلم حين قال لرجل خاصم عنده رجلا فقال في بعض كلامه: حسبي الله! فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " أبل الله من نفسك عذرا، فإذا غلبك أمر فقل: ~~حسبي الله " PageV04P098 # وزعمت في أول تشنيعك عليهم، فقلت: قال يعقوب بن عبيد لبعض ولده حين قال ~~له في مرضه: أي شيء تشتهي؟ قال: كبد وكيل. # وقد كان ترك التجارة من سوء معاملتهم وفحش خبائثهم. PageV04P099 ### || فصل من جوابه عن الوكلاء # قد فهمنا عذرك وسمعنا قولك، فاسمع الآن ما نقول: # اعلم أن الوكيل، ~~والأجير، والأمين، والوصي، في جملة الأمر، يجرون مجرى واحدا. فأيش لك أن ~~تقضي على الجميع بإساءة البعض. ولو بهرجنا جميع الوكلاء وخونا جميع ~~الأمناء، واتهمنا جميع الأوصياء وأسقطناهم، ومنعنا الناس الارتفاق بهم، ~~لظهرت الخلة وشاعت المعجزة، وبطلت العقد وفسدت المستغلات، واضطربت ~~التجارات، وعادت النعمة بلية والمعونة حرمانا، والأمر مهملا، والعهد مريجا. # ولو أن التجار وأهل الجهاز صاحبوا الجمالين والمكارين PageV04P100 ~~والملاحين، حتى يعاينوا ما نزل بأموالهم في تلك الطرق والمياه، والمسالك ~~والخانات، لكان عسى أن يترك أكثرهم الجهاز. ### || فصل منه # وقد قال الله عز وجل: " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على ~~بعض "، وقال: " فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " وقال: " ومن ~~كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ". # وقال يوسف النبي صلى الله عليه وسلم لفرعون وفرعون كافر: " اجعلني على ms183 ~~خزائن الأرض إني حفيظ عليم ". # وقالت بنت شعيب في موسى بن عمران: " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت ~~القوي الأمين ": فجمع جميع ما يحتاج إليه في الكلمتين. # وفي قياسك هذا إسقاط جميع ما أدبنا الله به، وجعله رباطا لمراشدنا في ~~ديننا، ونظاما لمصالحنا في دنيانا. # والذي يلزمني لك أن لا أعمهم بالبراءة، والذي يلزمك أن لا تعمهم بالتهمة، ~~وأن تعلم أن نفعهم عام، وخيرهم خاص. # وقالوا: مثل الإمام الجائر مثل المطر، فإنه يهدم على الضعيف، ويمنع ~~المسافر. PageV04P101 ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " حوالينا ولا علينا ". # والمطر وإن أفسد بعض الثمار، وأضر ببعض الأكرة فإن نفعه غامر لضرره. # وليس شيء من الدنيا يكون نفعه محضا، وشره صرفا. وكذلك الإمام الجائر، وإن ~~استأثر ببعض الفيء، وعطل بعض الحكم، فإن مضاره مغمورة بمنافعه. # قالوا: وكذلك أمر الوكلاء والأوصياء والأمناء، لا تعلم قوما الشر فيهم ~~أعم ولا الغش فيهم أكثر من الأكرة، وما يجوز لنا مع هذا أن نعمهم بالحكم مع ~~أن الحاجة إليهم شديدة، ونزع هذه العادة وهذا الخلق منهم أشد. ### || فصل منه # وأنا أظن أن الذنب مقسوم بينك وبين وكلائك. فارجع إلى نفسك فلعلك أن ترى ~~أنك إنما أتيت من قبل الفراسة، أو من قبل أنك لم تقطع لهم الأجرة السنية، ~~وحملتهم على غاية المشقة في أداء الأمانة وتمام النصيحة. PageV04P102 ### || فصل منه # ولا بد في باب البصر بجواهر الرجال من صدق الحس، ومن صحة الفراسة، ومن ~~الاستدلال في البعض على الكل، كما استدلت بنت شعيب - صلوات الله عليه - حين ~~قضت لموسى عليه السلام بالأمانة والقوة، وهما الركنان اللذان تبنى عليهما ~~الوكالة. ### || فصل منه # وقد قالوا: ليس مما يستعمل الناس كلمة أضر بالعلم والعلماء، ولا أضر ~~بالخاصة والعامة، من قولهم: " ما ترك الأول للآخر شيئا ". # ولو استعمل الناس معنى هذا الكلام فتركوا جميع التكلف، ولم يتعاطوا إلا ~~مقدار ما كان في أيديهم لفقدوا علما جما ومرافق لا تحصى، ولكن أبى الله إلا ~~أن يقسم نعمه بين طبقات جميع عباده قسمة عدل، ms184 يعطي كل قرن وكل أمة حصتها ~~ونصيبها، على تمام مراشد الدين، وكمال مصالح الدنيا. # فهؤلاء ملوك فارس نزلوا على شاطىء الدجلة، من دون الصراة PageV04P103 ~~إلى فوق بغداد؛ في القصور والبساتين؛ وكانوا أصحاب نظر وفكر، واستخراج ~~واستنباط، من لدن أزدشير بن بابك إلى فيروز بن يزدجرد. # وقبل ذلك ما نزلها ملوك الأشكان، بعد ملوك الأردوان. # فهل رأيتم أحدا اتخذ حراقة، أو زلالة، أو قاربا؟ ! # وهل عرفوا الخيش مع حر ~~البلاد ووقع السموم؟ ! # وهل عرفوا الجمازات لأسفارهم ومنتزهاتهم؟ ! PageV04P104 # وهل عرف فلاحوهم الثمار المطعمة، وغراس النخل على الكردات المسطرة؟ # وأين ~~كانوا عن استخراج فوه العصفر؟ وأين كانوا عن تغليق الدور والمدن، وإقامة ~~ميل الحيطان والسواري المائلة الروس، الرفيعة السموك المركبة بعضها على ~~بعض؟ ! # وأين كانوا عن مراكب البحر في ممارسة العدو الذي في البحر، إن طارت ~~البوارج أدركتها، وإن أكرهتها فاتتها بعد أن كان القوم أسرى في بلاد الهند، ~~يتحكمون عليهم ويتلعبون بهم؟ # وأين كانوا عن الرمي بالنيران؟ ! # نعم، وكانوا ~~يتخذون الأحصار وينفقون عليها الأموال، رجالهم دسم العمائم، وسخة القلانس، ~~وكان الرجل منهم إذا مر بالعطار، أو جلس إليه، فأراد كرامته دهن رأسه ~~ولحيته، لايحتشم من ذلك الكبير، وكان أهل البيت إذا طبخوا اللحم غرفوا ~~للجار والجارة غرفة غرفة. PageV04P105 ### | 17- من كتابه في الأوطان والبلدان PageV04P107 ### || فصل من صدر كتابه في الأوطان والبلدان # زينك الله بالتقوى، وكفاك المهم من أمر الآخرة والأولى، وأثلج صدرك ~~باليقين، وأعزك بالقناعة، وختم لك بالسعادة، وجعلك من الشاكرين. # سألت - أبقاك الله - أن أكتب لك كتابا في تفاضل البلدان، وكيف قناعة ~~النفس بالأوطان، وما في لزومها من الفشل والنقص، وما في الطلب من علم ~~التجارب والعقل. # وذكرت أن طول المقام من أسباب الفقر، كما أن الحركة من أسباب اليسر، ~~وذكرت قول القائل: " الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم ". # ونسيت - أبقاك الله - عمل البلدان، وتصرف الأزمان، وأثارهما في الصور ~~والأخلاق، وفي الشمائل والآداب، وفي اللغات والشهوات، وفي الهمم والهيئات، ~~وفي المكاسب والصناعات، على ما دبر الله تعالى من ذلك بالحكمة اللطيفة، ~~والتدابير العجيبة. ms185 # فسبحان من جعل بعض الاختلاف سببا للائتلاف، وجعل الشك داعية إلى اليقين، ~~وسبحان من عرفنا ما في الحيرة من الذلة، وما في PageV04P109 ~~الشك من الوحشة، وما في اليقين من العز، وما في الإخلاص من الأنس. # وقلت: ابدأ لي بالشام ومصر، وفضل ما بينهما، وتحصيل جمالهما، وذكرت أن ~~ذلك سيجر العراق والحجاز، والنجود والأغوار، وذكر القرى والأمصار، والبراري ~~والبحار. # واعلم - أبقاك الله - أنا متى قدمنا ذكر المؤخر وأخرنا ذكر المقدم، فسد ~~النظام وذهبت المراتب. ولست أرى أن أقدم شيئا من ذكر القرى على ذكر أم جميع ~~القرى. وأولى الأمور بنا ذكر خصال مكة، ثم خصال المدينة. # ولولا ما يجب من تقديم ما قدم الله وتأخير ما أخر لكان، الغالب على ~~النفوس ذكر الأوطان وموقعها من قلب الإنسان. # وقد قال الأول: " عمر الله البلدان بحب الأوطان "، وقال ابن الزبير: " ~~ليس الناس بشيء من أقسامهم أقتنع منهم بأوطانهم ". # ولولا ما من الله به على كل جيل منهم من الترغيب في كل ما تحت أيديهم، ~~وتزيين كل ما اشتملت عليه قدرتهم، وكان ذلك مفوضا إلى العقول، وإلى ~~اختيارات النفوس ما سكن أهل الغياض والأدغال في الغمق واللثق، ولما سكنوا ~~مع البعوض والهمج، ولما سكن سكان PageV04P110 ~~القلاع في قلل الجبال، ولما أقام أصحاب البراري مع الذئاب والأفاعي وحيث ~~من عز بز، ولا أقام أهل الأطراف في المخاوف والتغرير، ولما رضي أهل الغيران ~~وبطون الأودية بتلك المساكن، ولالتمس الجميع السكنى في الواسطة، وفي بيضة ~~العرب، وفي دار الأمن والمنعة. وكذلك كانت تكون أحوالهم في اختيار المكاسب ~~والصناعات وفي اختيار الأسماء والشهوات. ولاختاروا الخطير على الحقير، ~~والكبير على الصغير. # ألا تراهم قد اختاروا ما هو أقبح على ما هو أحسن من الأسماء والصناعات، ~~ومن المنازل والديارات، من غير أن يكونوا خدعوا أو استكرهوا. # ولو اجتمعوا على اختيار ما هو أرفع، ورفض ما هو أوضع من اسم أو كنية، وفي ~~تجارة وصناعة، ومن شهوة وهمة، لذهبت المعاملات، وبطل التمييز، ولوقع ~~التجاذب والتغالب، ثم التجارب، ولصاروا غرضا للتفاني، وأكلة ms186 للبوار. # فالحمد لله أكثر الحمد وأطيبه على نعمه، ما ظهر منها وما بطن، وما جهل ~~منها وما علم! PageV04P111 # ذكر الله تعالى الديار فخبر عن موقعها من قلوب عباده، فقال: " ولو أنا ~~كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ~~". فسوى بين موقع قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم. وقال: " وما لنا ألا ~~نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ". فسوى بين موقع الخروج ~~من ديارهم وبين موقع هلاك أبنائهم. ### || فصل منه # فقسم الله تعالى المصالح بين المقام والظعن، وبين الغربة وإلف الوطن، ~~وبين ما هو أربح وأرفع، حين جعل مجاري الأرزاق مع الحركة والطلب. وأكثر ذلك ~~ما كان مع طول الاغتراب، والبعد في المسافة، ليفيدك الأمور، فيمكن الاختبار ~~ويحسن الاختيار. # والعقل المولود متناهي الحدود، وعقل التجارب لا يوقف منه على حد. ألا ترى ~~أن الله لم يجعل إلف الوطن عليهم مفترضا، وقيدا مصمتا، ولم يجعل كفاياتهم ~~مقصورة عليهم، محتسبة لهم في أوطانهم؟ ألا تراه يقول: " فاقرءوا ما تيسر من ~~القرآن، علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ~~وآخرون يقاتلون في سبيل الله ". فقسم الحاجات فجعل أكثرها في البعد. وقال ~~عز ذكره: " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من PageV04P112 ~~فضل الله " فأخرج الكلام والإطلاق على مخرج العموم، فلم يخص أرضا دون ~~أرض، ولا قربا دون بعد. ### || فصل منه # ونحن، وإن أطنبنا في ذكر جملة القول في الوطن، وما يعمل في الطبائع، فإنا ~~لم نذكر خصال بلدة بعينها، فنكون قد خالفنا إلى تقديم المؤخر وتأخير ~~المقدم. # قالوا: ولم نجهل ولم ننكر أن نفس الإلف يكون من صلاح الطبيعة، حتى إن ~~أصحاب الكلاب ليجعلون هذا من مفاخرنا على جميع ما يعاشر الناس في دورهم من ~~أصناف الطير وذوات الأربع: وذلك أن صاحب المنزل إذا هجم منزله واختار غيره، ~~لم يتبعه فرس ولا بغل ولا حمار، ولا ديك ولا دجاجة، ولا حمامة ولا حمام، ~~ولا هر ولا هرة، ولا ms187 شاة، ولا عصفور؛ فإن العصافير تألف دور الناس، ولا ~~تكاد تقيم فيها إذا خرجوا منها. والخطاطيف تقطع إليهم لتقيم فيها إلى أوان ~~حاجتها إلى الرجوع إلى أوطانها، وليس شيء من هذه الأنواع مما تبوأ في الدور ~~باجتلابهم لها، ولا ما تبوأ في دورهم مما ينزع إليهم أحن من الكلب، فإنه ~~يؤثره على وطنه، ويحميه ممن يغشاه. PageV04P113 # فذكروا الكلب بهذا الخلق الذي تفرد به دون جميع الحيوان. # وقالوا في وجه آخر: أكرم الصفايا أشدها ولها إلى أولادها، وأكرم الإبل ~~أحنها إلى أعطانها، وأكرم الأفلاء أشدها ملازمة لأمهاتها، وخير الناس آلفهم ~~للناس. ### || فصل منه # وقلتم: خبرونا عن الخصال التي بانت بها قريش عن جميع الناس. وأنا أعلم ~~أنك لم ترد هذا، وإنما أردت الخصال التي بانت بها قريش من سائر العرب، كما ~~ذكرنا في الكتاب الأول الخصال التي بانت بها العرب عن العجم؛ لأن قريشا ~~والعرب قد يستوون في مناقب كثيرة. قد يلفى في العرب الجواد المبر وكذلك ~~الحليم الشجاع، حتى يأتي على خصال حميدة؛ ولكنا نريد الخصائص التي في قريش ~~دون العرب. # فمن ذلك أنا لم نر قريشيا انتسب إلى قبيلة من قبائل العرب، وقد رأينا في ~~قبائل العرب الأشراف رجالا - إلى الساعة - ينتسبون في قريش، كنحو الذي ~~وجدنا في بني مرة بن عوف، والذي وجدنا من ذلك في بني سليم، وفي خزاعة، وفي ~~قبائل شريفة. PageV04P114 # ومما بانت قريش أنها لم تلد في الجاهلية ولدا قط لغيرها ولقد أخذ ذلك ~~منهم سكان الطائف، لقرب الجوار وبعض المصاهرة، ولأنهم كانوا حمسا، وقريش ~~حمستهم. # ومما بانت به قريش من سائر العرب أن الله تعالى جاء بالإسلام وليس في ~~أيدي جميع العرب سبية من جميع نساء قريش، ولا وجدوا في جميع أيدي العرب ~~ولدا من امرأة من قريش. # ومما بانت به قريش من سائر العرب أنها لم تكن تزوج أحدا من أشراف العرب ~~إلا على أن يتحمس، وكانوا يزوجون من غير أن يشترط عليهم، وهي عامر بن ~~صعصعة، وثقيف، وخزاعة، والحارث بن كعب، وكانوا ms188 ديانيين، ولذلك تركوا الغزو ~~لما فيه من الغصب والغشم، واستحلال الأموال والفروج. # ومن العجب أنهم مع تركهم الغزو كانوا أعز وأمثل، مثل أيام الفجار وذات ~~كهف. PageV04P115 # ألا ترى أنهم عند بنيان الكعبة قال رؤساؤهم: لا تخرجوا في نفقاتكم على ~~هذا البيت إلا من صدقات نسائكم، ومواريث آبائكم! أرادوا مالا لم يكسبوه ولا ~~يشكون أنه لم يدخله من الحرام شيء. # ومن العجب أن كسبهم لما قل من قبل تركهم الغزو، ومالوا إلى الإيلاف ~~والجهاد، لم يعترهم من بخل التجار قليل ولا كثير، والبخل خلقة في الطباع، ~~فأعطوا الشعراء كما يعطي الملوك، وقروا الأضياف، ووصلوا الأرحام، وقاموا ~~بنوائب زوار البيت، فكان أحدهم يحيس الحيسة في الأنطاع فيأكل منها القائم ~~والقاعد، والراجل والراكب وأطعموا بدل الحيس الفالوذج. ألا ترى أمية بن أبي ~~الصلت يقول، ويذكر عبد الله بن جدعان: # له داع بمكة مشمعل %~% وحفص فوق دارته ينادي PageV04P116 # إلى ردح من الشيزي ملاء %~% لباب البر يلبك بالشهاد # فلباب البر هو هذا النشا، والشهاد يعني به العسل. # ألا ترى أن عمر بن الخطاب يقول: " أتروني لا أعرف طيب الطعام؟ لباب البر ~~بصغار المعزى "، يعني خبز الحوارى بصغار الجداء. # ولقد مدحتهم الشعراء كما يمدح الملوك، ومدحتهم الفرسان والأشراف وأخذوا ~~جوائزهم؛ منهم: دريد بن الصمة، وأمية بن أبي الصلت. # ومن خصالهم أنهم لم يشاركوا العرب والأعراب في شيء من جفائهم، وغلظ ~~شهواتهم؛ وكانوا لا يأكلون الضباب، ولا شيئا من الحشرات؛ ألا ترى أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أتوا خوانه بضب فقال: " ليس من طعام قومي "، لأنهم ~~لم يكونوا يحرشون الضباب، ويصيدون اليرابيع، ويملون القنافذ، أصحاب الخمر ~~والخمير، وخبز التنانير. # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أنا أفصح العرب بيد أني من ~~قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر ". # وذلك أن جميع قبائل العرب إنما كانت القبيلة لا تكاد ترى PageV04P117 ~~وتسمع إلا من قبيلتها ورجالها، فليس عندهم، إلا عند قبيل واحد، من البيان ~~والأدب والرأي والأخلاق، والشمائل، والحلم والنجدة والمعرفة، إلا في الفرط. # وكانت العرب قاطبة ms189 ترد مكة في أيام المواسم، وترد أسواق عكاظ وذا المجاز؛ ~~وتقيم هناك الأيام الطوال، فتعرف قريش، لاجتماع الأخلاق لهم والشمائل ~~والألفاظ، والعقول والأحلام، وهي وادعة وذلك قائم لها، راهن عندها في كل ~~عام، تتملك عليهم فيقتسمونهم، فتكون غطفان للميرة، وبنو عامر لكذا، وتميم ~~لكذا، تغلبها المناسك وتقوم بجميع شأنها. ### || فصل منه # وفتح مكة يسمى فتح الفتوح؛ وهو بيت الله، وأهله وحجاجه زوار الله؛ وهو ~~البيت العتيق والبيت الحرام؛ وفيه الحجر، والحجر الأسود. # وله زمزم، وهي هزمة جبريل - صلوات الله عليه -، ومقام إبراهيم. وماء زمزم ~~لما شرب له، العاكف فيه والبادي سواء. PageV04P118 # وبسبب كرامته أرسل الله طير الأبابيل وحجارة السجيل. وأهله حمس ولقاح لا ~~يؤدون إتاوة؛ ولهم السقاية، ودار الندوة، والرفادة، والسدانة. # قال: وأقسم الله تعالى بها، قال: " لا أقسم بهذا البلد. وأنت حل بهذا ~~البلد ". وقوله جل ذكره: " لا أقسم " أي: أقسم، وإنما قوله " لا " في هذا ~~الموضع صلة، ليس علة معنى " لا " الذي هو خلاف " نعم ". # وقالوا: ولو كان قوله: " وليطوفوا بالبيت العتيق " يراد به تقادم ~~البنيان، وما تعاوره من كرور الزمان، لم يكن فضله على سائر البلدان، لأن ~~الدنيا لم تخل من بيت ودار، وسكان وبنيان. وقد مرت الأيام على مصر، وحران، ~~والحيرة، والسوس الأقصى، وأشباه ذلك، فجعل البيت العتيق صفة له، ولو كان ~~ذهب إلى ما يعنون، كان من قبل أن يعتق وتمر عليه الأزمنة ليس بعتيق. وهذا ~~الاسم قد أطلق له إطلاقا، فاسمه البيت العتيق، كما أن اسمه بيت الله. # ومن زعم أن الله تعالى حرمه يوم خلق السموات والأرض، فقولنا هذا مصداق ~~له. PageV04P119 # ومن زعم أنه إنما صار حراما مذ حرمه إبراهيم، كان قد زعم أنه قد كان ولا ~~يقال له عتيق ولا حرام. # قالوا: ومما يصدق تأويلنا أنه لم يعرف إلا وهو لقاح، ولا أدى أهله إتاوة ~~قط، ولا وطئته الملوك بالتمليك: أن سابور ذا الأكتاف، وبخت نصر وأبا يكسوم ~~وغيرهم، قد أرادوه فحال الله تعالى دونه، فتلك عادة فيه، وسنة جارية له. # ولولا ms190 أن تبع أتاه حاجا، على جهة التعظيم والتدين بالطواف، فحجه وطاف به، ~~وكساه الوصائل، لأخرجه الله منه. # وحجه بعض ملوك غسان ولخم، وهم نصارى، تعظيما له، ولما جعل الله له في ~~القلوب. # والعتيق يكون من رق العبودية، كالعبد يعتقه مولاه. ويكون عتيقا من النار، ~~كالتائب من الكبائر، وكالرجل يدعو إلى الإيمان فيستجاب له، ويتعلم ناس على ~~يده، فهم أيضا عتقاء. # ويكون الرجل عتيقا من عتق الوجه. # وربما كان عتيقا كما يقال للفرس عتيق وليس بهجين ولا مقرف. وقد سمي أبو ~~بكر بن أبي قحافة - رضوان الله عليه - عتيقا، من طريق عتق الوجه، ومن طريق ~~أنهم طلبوا المثالب والعيوب التي كانت تكون PageV04P120 ~~في الأمهات والآباء فلم يجدوها، قالوا: ما هذا إلا عتيق. ### || فصل منه # قد قلنا في الخصال التي بانت بها قريش دون العرب. ونحن ذاكرون - وبالله ~~التوفيق - الخصال التي بانت بها بنو هاشم دون قريش. # فأول ذلك النبوة، التي هي جماع خصال الخير، وأعلاها وأفضلها، وأجلها ~~وأسناها. # ثم وجدنا فيهم ثلاثة رجال بني أعمام في زمان واحد، كلهم يسمى عليا، وكل ~~واحد من الثلاثة سيد فقيه، عالم عابد، يصلح للرياسة والإمامة؛ مثل علي بن ~~عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ابن هاشم، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وعلي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد ~~المطلب بن هاشم. # ثم وجدنا ثلاثة رجال بني أعمام، في زمان واحد، كلهم يسمى محمدا، وكلهم ~~سيد وفقيه عابد، يصلح للرياسة والإمامة، مثل محمد بن علي بن عبد الله بن ~~العباس بن عبد المطلب بن هاشم، ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ~~بن عبد المطلب بن هاشم، ومثل محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد ~~المطلب بن هاشم. # وهذا من أغرب ما يتهيأ في العالم، ويتفق في الأزمنة، وهذه لا يشركهم فيها ~~أحد، ولا يستطيع أن يدعي مثلها أحد. PageV04P121 # ولبني هاشم واحدة مبرزة، وثانية نادرة، ms191 يتقدمون بها على جميع الناس. وذلك ~~أنا لا نعرف في جميع مملكة العرب، وفي جميع مملكة العجم، وفي جميع الأقاليم ~~السبعة، ملكا واحدا ملكه من نصاب واحد، وفي مغرس رسالة، إلا من بني هاشم، ~~فإن ملكهم العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعم ~~وارث، والعم أب. ولا نعلم أمة تدعي مثل هذا لملكها. # وهذا شيء سمعته من أبي عبيدة، ومنه استمليت هذا المعنى. # ولبني هاشم - مذ ملكوا هذه الدفعة - دون أيام علي بن أبي طالب والحسين بن ~~علي إلى يومنا هذا مائة وست عشرة سنة. كان أول بركتهم أن الله تعالى رفع ~~الطواعين والموتان الجارف، فإنهم كانوا يحصدون حصدا بعد حصد. # ثم الذي تهيأ واتفق، وخص به آل أبي طالب من الغرائب والعجائب والفضائل، ~~ما لم نجده في أحد سواهم: وذلك أن أول هاشمي هاشمي الأبوين كان في الدنيا ~~ولد لأبي طالب، لأن أباهم عبد مناف. وهو أبو طالب بن شيبة وهو عبد المطلب ~~بن هاشم وهو عمرو وهو أبو شيبة. وشيبة هو عبد المطلب. وهو أبو الحارث وسيد ~~الوادي غير مدافع، بن عمرو، وهو هاشم بن المغيرة، وهو عبد مناف. # ثم الذي تهيأ لبني أبي طالب الأربعة: أن أربعة إخوة كان بين كل واحد منهم ~~وبين أخيه في الميلاد عشر سنين سواء، وهذا عجب. PageV04P122 # ومن الغرائب التي خصوا بها، أعني ولد أبي طالب، أنا لا نعلم الإذكار في ~~بلد من البلدان، وفي جيل من الأجيال، إلا أهل خراسان فمن دونهم، فإن ~~الإذكار فيهم فاش؛ كما أنك لا تجد من وراء بلاد مصر إلا مئناثا، ثم لا ترى ~~فيهن مفذا بل لا ترى إلا التؤام ومن البنات. # فتهيأ في آل أبي طالب من الإذكار ما لم نعرفه في قديم الدهر ~~وحديثه، ولا فيما قرب من البلدان ولا فيما بعد. # وذلك أن آل أبي طالب أحصوا منذ أعوام وحصلوا، فكانوا قريبا من ألفين ~~وثلثمائة، ثم لا يزيد عدد نسائهم على رجالهم إلا دون العشر. وهذا عجب. ms192 # وإن كنت تريد أن تتعرف فضل البنات على البنين، وفضل إناث الحيوانات على ~~ذكورها، فابدأ فخذ أربعين ذراعا عن يمينك، وأربعين ذراعا عن يسارك، وأربعين ~~خلفك، وأربعين أمامك، ثم عد الرجال والنساء حتى تعرف ما قلنا، فتعلم أن ~~الله تعالى لم يحلل للرجل الواحد من النساء أربعا ثم أربعا، متى وقع بهن ~~موت أو طلاق، ثم كذلك للواحد ما بين الواحدة من الإماء إلى ما يشاء من ~~العدد، مجموعات ومتفرقات، لئلا يبقين إلا ذوات أزواج. PageV04P123 # ثم انظر في شأن ذوات البيض وذوات الأولاد فإنك سترى في دار خمسين دجاجة ~~وديكا واحدا، ومن الإبل الهجمة وفحلا واحدا، ومن الحمير العانة وعيرا ~~واحدا. فلما حصلوا كل مئناث وكل مذكار، فوجدوا آل أبي طالب قد برعوا على ~~الناس وفضلوهم، عرف الناس موضع الفضيلة له والخصوصية. # وفي ولد أبي طالب - أيضا - أعجوبة أخرى؛ وذلك أنه لم يوجد قط في أطفالهم ~~طفل يحبو، بل يزحف زحفا لئلا ينكشف منه عن شيء يسوءه، ليكون أوفر لبهائه، ~~وأدل على ما خصوا به. # ولهم من الأعاجيب خصلة أخرى: وذلك أن عبيد الله بن زياد قتل الحسين في ~~يوم عاشوراء، وقتله الله يوم عاشوراء في السنة الأخرى. # وقالوا: لا نعلم موضع رجل من شجعان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~كان له من عدد القتلى ما كان لعلي رضوان الله عليه، ولا كان لأحد مع ذلك من ~~قتل الرؤساء والسادة، والمتبوعين والقادة، ما كان لعلي بن أبي طالب. وقتل ~~رئيس واحد، وإن كان دون بعض الفرسان في الشدة، أشد؛ فإن قتل الرئيس أرد على ~~المسلمين وأقوى لهم من قتل الفارس الذي هو أشد من ذلك السيد. # وأيضا أنه قد جمع بين قتل الرؤساء وبين قتل الشجعان. # وله أعجوبة أخرى؛ وذلك أنه مع كثرة ما قتل وما بارز، وما مشى بالسيف إلى ~~السيف، لم يجرح قط ولا جرح إنسانا إلا قتله، PageV04P124 ~~ولا نعلم في الأرض متى ذكر السبق في الإسلام والتقدم فيه، ومتى ذكر الفقه ~~في الدين، ومتى ذكر ms193 الزهد في الأموال التي تشاجر الناس عليها، ومتى ذكر ~~الإعطاء في الماعون، كان مذكورا في هذه الحالات كلها إلا علي بن أبي طالب ~~كرم الله وجهه. # قالوا: وكان الحسن يقول: قد يكون الرجل عالما وليس بعابد، وعابدا وليس ~~بعالم، وعابدا وليس بعاقل، وعاقلا وليس بعابد. وسليمان بن يسار عالم عاقل ~~عابد، فانظر أين يقع خصال سليمان من خصال علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # ولم يكن قصدنا في أول هذا الكتاب إلى ذكر هاشم، وقد كان قصدنا الإخبار عن ~~مكة بما قد كتبناه في صدر هذا الكتاب، ولكن ذكر خصال مكة جر ذكر خصال قريش، ~~وذكر خصال قريش جر ذكر خصال بني هاشم. # فإن أحببت أن تعرف جملة القول في خصال بني هاشم فانظر في كتابي هذا الذي ~~فرقت فيه بين خصال بني عبد مناف وبين بني مخزوم، وفرقت ما بين عبد شمس؛ ~~فإنه هناك أوفر وأجمع، إن شاء الله تعالى. PageV04P125 ### || فصل منه # قالوا: وقد تعجب الناس من ثبات قريش، وجزالة عطاياهم، واحتمالهم المؤن ~~الغلاظ في دوام كسبهم من التجارة، وقد علموا أن البخل والبصر في الطفيف ~~مقرون في التجارة؛ وذلك خلق من أخلاقهم. وعلى ذلك شاهد أهل الترقيح والتكسب ~~والتدنيق. # فكان في ثبات جودهم العالي على جود الأجواد، وهم قوم لا كسب لهم إلا من ~~التجارة، عجب من العجب. # ثم جاء ما هو أعجب من هذا وأطم، وذلك أنا قد علمنا أن الروم قبل التدين ~~بالنصرانية، كانت تنتصف من ملوك فارس، وكانت الحروب بينهم سجالا، فلما صارت ~~لا تدين بالقتل والقتال، والقود والقصاص، اعتراهم مثل ما يعتري الجبناء حتى ~~صاروا يتكلفون القتال تكلفا. ولما خامرت طبائعهم تلك الديانة، وسرت في ~~لحومهم ودمائهم فصارت تلك الديانة تعترض عليهم، خرجوا من حدود الغالبية إلى ~~أن صاروا مغلوبين. # وإلى مثل ذلك صارت حال التغزغز من الترك. بعد أن كانوا PageV04P126 ~~أنجادهم وحماتهم، وكانوا يتقدمون الخرلخية، وإن كانوا في العدد أضعافهم، ~~فلما دانوا بالزندقة - ودين الزندقة في الكف والسلم أسوأ من دين النصارى ms194 - ~~نقصت تلك الشجاعة، وذهبت تلك الشهامة. # وقريش من بين جميع العرب دانوا بالتحمس، وتشددوا في الدين، فتركوا الغزو ~~كراهة للسبي واستحلال الأموال واستحسان الغصب؛ فلما تركوا الغزو لم تبق ~~مكسبة سوى التجارة، فضربوا في البلاد إلى قيصر بالروم، وإلى النجاشي ~~بالحبشة، وإلى المقوقس بمصر، وصاروا بأجمعهم تجارا خلطاء، وبانوا بالديانة ~~والتحمس، فحمسوا بني عامر بن صعصعة، وحمسوا الحارث بن كعب، فكانوا - وإن ~~كانوا حمسا - لا يتركون الغزو والسبي ووطء النساء، وأخذ الأموال، فكانت ~~نجدتهم - وإن كان أنقص - فإنها على حال النجدة، ولهم في ذلك بقية. # وتركت قريش الغزو بتة، فكانوا - مع طول ترك الغزو - إذا غزوا كالأسود على ~~براثنها، مع الرأي الأصيل، والبصيرة النافذة. # أفليس من العجب أن تبقى نجدتهم، وتثبت بسالتهم، ثم يعلون الأنجاد ~~والأجواد، ويفرعون الشجعان؟ ! وهاتان الأعجوبتان بينتان. # وقد علم أن سبب استفاضة النجدة في جميع أصناف الخوارج PageV04P127 ~~وتقدمهم في ذلك، إنما هو بسبب الديانة، لأنا نجد عبيدهم ومواليهم ~~ونساءهم، يقاتلون مثل قتالهم، ونجد السجستاني وهو عجمي، ونجد اليمامي ~~والبحراني والخوزي وهم غير عرب، ونجد إباضية عمان وهي بلاد عرب، وإباضية ~~تاهرت وهي بلاد عجم، كلهم في القتال والنجدة، وثبات العزيمة، والشدة في ~~البأس سواء. فاستوت حالاتهم في النجدة مع اختلاف أنسابهم ويلدانهم. أفما في ~~هذا دليل على أن الذي سوى بينهم التدين بالقتال، وضروب كثيرة من هذا الفن؟ ~~! # وذلك كله مصور في كتبي، والحمد لله. # وقد تجدون عموم السخف والجهل والكذب في المواعيد، والغش في الصناعة، في ~~الحاكة، فدل استواء حالاتهم في ذلك على استواء عللهم. ليست هناك علة إلا ~~الصناعة؛ لأن الحاكة في كل بلد شيء واحد. وكذلك النخاس وصاحب الخلقان، ~~وبياع السمك. وكذلك الملاحون وأصحاب السماد، أولهم كآخرهم، وكهولهم ~~كشبانهم، ولكن قل في استواء الحجامين في حب النبيذ. ### || فصل منه في ذكر المدينة # وأمر المدينة عجب، وفي تربها وترابها وهوائها، دليل وشاهد PageV04P128 ~~وبرهان على قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنها طيبة تنفي خبثها وتنصع ~~طيبها " لأن من دخلها أو أقام فيها، كائنا من ms195 كان من الناس، فإنه يجد من ~~تربتها وحيطانها رائحة طيبة، ليس لها اسم في الأرابيح، وبذلك السبب طاب ~~طيبها والمعجونات من الطيب فيها. وكذلك العود وجميع البخور، يضاعف طيبها في ~~تلك البلدة على كل بلد استعمل ذلك الطيب بعينه فيها. # وكذلك صياحها والبلح والأترج والسفرجل، أعني المجعول منها سخبا للصبيان ~~والنساء. # فإن ذكروا طيب سابور بطيب أرياح الرياحين، وذلك من ريح رياحينها ~~وبساتينها وأنوارها، ولذلك يقوى في زمان، ويضعف في زمان. # ونحن قد ندخل دجلة في نهر الأبلة بالأسحار، فنجد من تلك PageV04P129 ~~الحدائق، ونحن في وسط النهر، مثل ما يجد أهل سابور من تلك الرائحة. # وطيبة التي يسمونها المدينة، هذا الطيب خلقة فيها، وجوهرية منها، وموجود ~~في جميع أحوالها. وإن الطيب والمعجونات لتحمل إليها فتزداد فيها طيبا، وهو ~~ضد قصبة الأهواز وأنطاكية، فإن الغوالي تستحيل الاستحالة الشديدة. # ولسنا نشك أن ناسا ينتابون المواضع التي يباع فيها النوى المنقع، ~~فيستنشقون تلك الرائحة، يعجبون بها ويلتمسونها، بقدر فرارنا نحن من مواقع ~~النوى عندنا بالعراق، ولو كان من النوى المعجوم ومن نوى الأفواه. # ونحن لا نشك أن الرجل الذي يأكل بالعراق أربع جرادق في مقعد واحد من ~~الميساني والموصلي، أنه لا يأكل من أقراص المدينة قرصين؛ ولو كان ذلك لغلظ ~~فيه أو لفساد كان في حبه وطحينه لظهر ذلك في التخم وسوء الاستمراء، ولتولد ~~على طول الأيام من ذلك أوجاع وفساد كثير. # ولم يكن بها طاعون قط ولا جذام. PageV04P130 # وليس لبلدة من البلدان من الشهرة في الفقه ما لهم ولرجالهم، وذكر عبد ~~الملك بن مروان روح بني زنباع فمدحه فقال: " جمع أبو زرعة فقه الحجاز، ~~ودهاء العراق، وطاعة أهل الشام ". ### || فصل منه في ذكر مصر # قال أبو الخطاب: لم يذكر الله جل وعز شيئا من البلدان باسمه في القرآن ~~كما ذكر مصر، حيث يقول: " وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه ". ~~وقال: " فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله ~~آمنين " وقال: " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن ms196 تبوءا لقومكما بمصر بيوتا ~~واجعلوا بيوتكم قبلة " وقال تعالى: " اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم " وقال ~~في آية: " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ". PageV04P131 # وذكر مصر في القرآن بالكناية عن خاصة اسمها، فمن ذلك: " وقال نسوة في ~~المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه " قالوا: هي مدينة منف، وهو موضع ~~منزل فرعون. # وأخبرني شيخ من آل أبي طالب من ولد علي صحيح الخبر: منف دار فاعون، ودرت ~~في مجالسه ومثاويه وغرفه وصفافه، فإذا كله حجر واحد منقور؛ فإن كانوا ~~هندموه وأحكموا بناءه حتى صار في الملاسة واحدا لا يستبان فيه مجمع حجرين، ~~ولا ملتقى صخرتين فهذا عجب. ولئن كان جبلا واحدا، ودكا واحدا، فنقرته ~~الرجال بالمناقير حتى خرقت فيه تلك المخاريق، إن هذا لأعجب. # وفي القرآن: " فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير ~~الحاكمين ". # قال: والأرض ها هنا مصر. وفي هذا الموضع كلام حسن، ولكنا ندعه مخافة أن ~~نخرج إلى غير الباب الذي ألفنا له هذا الكتاب. # قالوا: وسمى الله تعالى ملك مصر " العزيز "، وهو صاحب يوسف، وسمي صاحب ~~موسى فرعون. # قالوا: وكان أصل عتو فرعون ملكه العظيم، ومملكته التي لا تشبهها مملكة. PageV04P132 # قالوا: ومنهم مؤمن آل فرعون، وهي آسية بنت مزاحم. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " سيدة نساء العالم خديجة بنت خويلد، ~~وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم ". # قال: ولما هم فرعون بقتل موسى قالت آسية: لا تقتله عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا. وقالت: وكيف تقتله، ووالله ما يعرف الجمرة من التمرة. # ومنهم السحرة الذين كانوا قد أبروا على أهل الأرض، فلما أبصروا بالأعلام، ~~وأيقنوا بالبرهان، استبصروا وتابوا توبة ما تابها ماعز بن مالك، ولا أحد من ~~العالمين، حتى قالوا لفرعون: " اقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة ~~الدنيا، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر ". # وجاء في الحديث: " من أخرب خزائن الله فعليه لعنة الله ". قالوا: PageV04P133 ~~خزائن الله هي ms197 مصر، أما سمعتم قول يوسف: " اجعلني على خزائن الأرض "؟ # وقال عبد الله بن عمرو: " البركة عشر بركات: تسع بمصر والواحدة في جميع ~~الأرض ". ### || فصل منه # وقال أهل العراق: سألنا بطريق خرشنة عن خراج الروم، فذكر مقدارا من ~~المال، وقال: هو كذا وكذا قنطارا. فنظر بعض الوزراء فإذا خراج مصر وحده ~~يضعف على خراج بلاد الروم إذا جمعت أبواب المال من البلاد جميعا. # وزعم أبو الخطاب أن أرض مصر جبيت أربعة آلاف ألف دينار. ### || فصل منه # ولا أعلم الفرقة في المغرب إلا أكثر من الفرقة في المشرق، إلا أن أهل ~~المغرب إذا خرجوا لم يزيدوا على البدعة والضلالة، والخارجي في PageV04P134 ~~المشرق لا يرضى بذلك حتى يجوزه إلى الكفر، مثل المقنع وشيبان والإصبهبذ ~~وبابك، وهذا الضرب. ### || فصل منه # وقد علمنا أن لجماعة بني هاشم طابعا في وجوههم يستبين به كرم العتق وكرم ~~النجار، وليس ذلك لغيرهم. # ولقد كادت الأهواز تفسد هذا المعنى على هاشمية الأهواز، ولولا PageV04P135 ~~أن الله غالب على أمره لقد كادت طمست على ذلك العتق ومحته. فتربتها خلاف ~~تربة الرسول صلى الله عليه وسلم: وذلك أن كل من تخرق طرق المدينة وجد رائحة ~~طيبة ليست من الأراييح المعروفة الأسماء. ### || فصل منه # قال زياد: الكوفة جارية جميلة لا مال لها، فهي تخطب لجمالها. والبصرة ~~عجوز شوهاء ذات مال فهي تخطب لمالها. ### || فصل منه # والفرات خير من ماء النيل. وإما دجلة فإن ماءها يقطع شهوة الرجال. ويذهب ~~بصهيل الخيل، ولا يذهب بصهيلها إلا مع ذهاب نشاطها، ونقصان قواها؛ وإن لم ~~يتنسم النازلون عليها أصابهم قحول في عظامهم، ويبس في جلودهم. # وجميع العرب النازلين على شاطئ دجلة من بغداد إلى بلد PageV04P136 ~~لا يرعون الخيل في الصيف على أواريها على شاطئ دجلة، ولا يسقونها من ~~مائها، لما يخاف عليها من الصدام، وغير ذلك من الآفات. # وأصحاب الخيل من العتاق والبراذين إنما يسقونها بسر من رأى، مما احتفروها ~~من كارباتهم ولا يسقونها من ماء دجلة؛ وذلك أن ماء دجلة مختلط، وليس هو ماء ~~واحدا، ينصب ms198 فيها من الزابين والنهروانات وماء الفرات، وغير ذلك من المياه. # واختلاف الطعام إذا دخل جوف الإنسان من ألوان الطبيخ والإدام غير ضار، ~~وإن دخل جوف الإنسان من شراب مختلف كنحو الخمر والسكر ونبيذ التمر والداذي ~~كان ضارا. وكذلك الماء، لأنه متى أراد أن يتجرع جرعا من الماء الحار لصدره ~~أو لغير ذلك، فإن أعجله أمر فبرده بماء بارد ثم حساه ضره ذلك، وإن تركه حتى ~~يفتر ببرد الهواء لم يضره. وسبيل المشروب غير سبيل المأكول. # فإن كان هذا فضيلة مائنا على ماء دجلة فما ظنك بفضله على ماء PageV04P137 ~~البصرة، وهو ماء مختلط من ماء البحر ومن الماء المستنقع في أصول القصب ~~والبردي؟ قال الله تعالى: " هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ". # والفرات أعذبها عذوبة، وإنما اشتق الفرات لكل ماء عذب، من فرات الكوفة. ### || فصل منه في ذكر البصرة # كان يقال: الدنيا البصرة. # وقال الأحنف لأهل الكوفة: " نحن أعذى منكم برية، وأكثر منكم بحرية، وأبعد ~~منكم سرية، وأكثر منكم ذرية ". # وقال الخليل بن أحمد في وصف القصر المذكور بالبصرة: # زر وادي القصر نعم القصر والوادي %~% لا بد من زورة عن غير ميعاد # ترقى بها السفن والظلمان واقفة %~% والضب والنون والملاح والحادي PageV04P138 # ومن أتى هذا القصر وأتى قصر أنس رأى أرضا كالكافور، وتربة ثرية، ورأى ضبا ~~يحترش، وعزالا يقتنص، وسمكا يصاد، ما بين صاحب شص وصاحب شبكة، ويسمع غناء ~~ملاح على سكانه، وحداء جمال على بعيره. # قالوا: وفي أعلى جبانة البصرة موضع يقال له الحزيز يذكر الناس أنهم لم ~~يروا قط هواء أعدل، ولا نسيما أرق، ولا ماء أطيب منها في ذلك الموضع. # وقال جعفر بن سليمان: " العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق، والمربد ~~عين البصرة، وداري عين المربد ". # وقال أبو الحسن وأبو عبيدة: " بصرت البصرة سنة أربع عشرة، وكوفت الكوفة ~~سنة سبع عشرة " ### || فصل منه # زعم أهل الكوفة أن البصرة أسرع الأرض خرابا، وأخبثها ترابا، وأبعدها من ~~السماء وأسرعها غرقا، ومفيض مائها البحر، ثم يخرج ذلك إلى البحر الأعظم. # وكيف تغرق، ms199 وهم لا يستطيعون أن يوصلوا ماء الفيض إلى PageV04P139 ~~حياضهم إلا بعد أن يرتفع ذلك الماء في الهواء ثلاثين ذراعا، في كل سقاية ~~بعينها، لا لحوض بعينه. # وهذه أرض بغداد في كل زيادة ماء ينبع الماء في أجواف قصورهم الشارعة بعد ~~إحكام المسنيات التي لا يقوى عليها إلا الملوك، ثم يهدمون الدار التي على ~~دجلة فيكسون بها تلك السكك، ويتوقعون الغرق في كل ساعة. # قال: وهم يعيبون ماء البصرة، وماء البصرة رقيق قد ذهب عنه الطين والرمل ~~المشوب بماء بغداد والكوفة، لطول مقامه بالبطيحة، وقد لان وصفا ورق. # وإن قلتم: إن الماء الجاري أمرأ من الساكن، فكيف يكون ساكنا مع تلك ~~الأمواج العظام والرياح العواصف، والماء المنقلب من العلو إلى السفل؟ ومع ~~هذا إنه إذا سار من مخرجه إلى ناحية المذار ونهر أبي الأسد وسائر الأنهار، ~~وإذا بعد من مدخله إلى البصرة من الشق القصير، جرى منقضا إلى الصخور ~~والحجارة، فراسخ وفراسخ، حتى ينتهي إلينا. PageV04P140 # ويدل على صلاح مائهم كثرة دورهم، وطول أعمارهم، وحسن عقولهم، ورفق أكفهم، ~~وحذقهم لجميع الصناعات، وتقدمهم في ذلك لجميع الناس. # ويستدل على كرم طينهم ببياض كيزانهم وعذوبة الماء البائت في قلالهم، وفي ~~لون آجرهم، كأنما سبك من مح بيض. وإذا رأيت بناءهم وبياض الجص الأبيض بين ~~الآجر الأصفر لم تجد لذلك شبها أقرب من الفضة بين تضاعيف الذهب. # فإذا كان زمان غلبة ماء البحر فإن مستقاهم من العذب الزلال الصافي، ~~النمير في الأبدان، على أقل من فرسخ، وربما كان أقل من ميل. # ونهر الكوفة الذي يسمونه إنما هو شعبة من أنهار الفرات، وربما جف حتى لا ~~يكون لهم مستقى إلا على رأس فرسخ، وأكثر من ذلك، حتى يحفروا الآبار في بطون ~~نهرهم، وحتى يضر ذلك بخضرهم وأشجارهم. فلينظروا أيما أضر وأيما أعيب. # وليس نهر من الأنهار التي تصب في دجلة إلا هو أعظم وأكبر وأعرض من موضع ~~الجسر من نهر الكوفة، وإنما جسره سبع سفائن، PageV04P141 ~~لا تمر عليه دابة لأنها جذوع مقيدة بلا طين، وما يمشي ms200 عليها الماشي إلا ~~بالجهد؛ فما ظنك بالحوافر والخفاف والأظلاف؟ ! # وعامة الكوفة خراب يباب، ومن ~~بات فيها علم أنه في قرية من القرى ورستاق من الرساتيق، بما يسمع من صياح ~~بنات آوى، وضباح الثعالب، وأصوات السباع. وإنما الفرات دمما إلى ما اتصل به ~~إلى بلاد الرقة، وفوق ذلك. # فإما نهرهم فالنيل أكبر منه، وأكثر ماء، وأدوم جرية. # وقد تعلمون كثرة عدد أنهار البصرة، وغلبة الماء، وتطفح الأنهار. # وتبقى النخلة عشرين ومائة سنة وكأنها قدح. وليس يرى من قرب القرية التي ~~يقال لها النيل إلى أقصى أنهار الكوفة نخلة طالت شيئا إلا وهي معوجة ~~كالمنجل. ثم لم نر غارس نخل قط في أطراف الأرض يرغب في فسيل كوفي، لعلمه ~~بخبث مغرسه، وسوء نشوه، وفساد تربته، ولؤم طبعه. # وليس لليالي شهر رمضان في مسجدهم غضارة ولا بهاء، وليس منار مساجدهم على ~~صور منار البصرة، ولكن على صور منار الملكانية واليعقوبية. PageV04P142 # ورأينا بها مسجدا خرابا تأويه الكلاب والسباع، وهو يضاف إلى علي بن أبي ~~طالب، رضوان الله عليه. # ولو كان بالبصرة بيت دخله علي بن أبي طالب مارا لتمسحوا به وعمروه ~~بأنفسهم وأموالهم. # وخبرني من بات أنه لم ير كواكبها زاهرة قط، وأنه لم يرها إلا ودونها ~~هبوة، وكأن في مائهم مزاج دهن. وأسواقهم تشهد على أهلها بالفقر. وهم أشد ~~بغضا لأهل البصرة من أهل البصرة لهم؛ وأهل البصرة هم أحسن جوارا، وأقل ~~بذخا، وأقل فخرا. # ثم العجب من أهل بغداد وميلهم معهم، وعيبهم إيانا في استعمال السماد في ~~أرضنا ولنخلنا، ونحن نراهم يسمدون بقولهم بالعذرة اليابسة صرفا، فإذا طلع ~~وصار له ورق ذروا عليه من تلك العذرة اليابسة حتى يسكن في خلال ذلك الورق. # ويريد أحدهم أن يبني دارا فيجيء إلى مزبلة، فيضرب منها لبنا، فإن كانت ~~داره مطمئنة ذات قعر حشا من تلك المزبلة التي لو وجدها أصحاب السماد عندنا ~~لباعوها بالأموال النفيسة. # ثم يسجرون تنانيرهم بالكساحات التي فيها من كل شيء، وبالأبعار والأخثاء، ~~وكذلك مواقد الكيران. PageV04P143 # وتمتلىء ركايا دورهم عذرة فلا ms201 يصيبون لها مكانا، فيحفرون لذلك في بيوتهم ~~آبارا، حتى ربما حفر أحدهم في مجلسه، وفي أنبل موضع من داره. فليس ينبغي ~~لمن كان كذلك أن يعيب البصريين بالتسميد. ### || فصل منه # وليس في الأرض بلدة أرفق بأهلها من بلدة لا يعز بها النقد، وكل مبيع بها ~~يمكن. # فالشامات وأشباهها الدينار والدرهم بها عزيزان، والأشياء بها رخيصة لبعد ~~المنقل، وقلة عدد من يبتاع. ففي ما يخرج من أرضهم أبدا فضل عن حاجاتهم. # والأهواز، وبغداد، والعسكر، يكثر فيها الدراهم ويعز فيها المبيع لكثرة ~~عدد الناس وعدد الدراهم. # وبالبصرة الأثمان ممكنة والمثمنات ممكنة، وكذلك الصناعات، وأجور أصحاب ~~الصناعات. وما ظنك ببلدة يدخلها في البادي من أيام الصرام إلى بعد ذلك ~~بأشهر، ما بين ألفي سفينة تمر أو أكثر في كل يوم، لا يبيت فيها سفينة ~~واحدة، فإن باتت فإنما صاحبها هو الذي يبيتها، لأنه لو كان حط في كل ألف ~~رطل قيراطا لانتسفت انتسافا. # ولو أن رجلا ابتنى دارا يتممها ويكملها ببغداد، أو بالكوفة، PageV04P144 ~~أو بالأهواز، وفي موضع من هذه المواضع، فبلغت نفقتها مائة ألف درهم، فإن ~~البصري إذا بنى مثلها بالبصرة لم ينفق خمسين ألفا؛ لأن الدار إنما يتم ~~بناؤها بالطين واللبن، وبالآجر والجص، والأجذاع والساج والخشب، والحديد ~~والصناع، وكل هذا يمكن بالبصرة على الشطر مما يمكن في غيرها. وهذا معروف. # ولم نر بلدة قط تكون أسعارها ممكنة مع كثرة الجماجم بها إلا البصرة: ~~طعامهم أجود الطعام، وسعرهم أرخص الأسعار، وتمرهم أكثر التمور، وريع دبسهم ~~أكثر، وعلى طول الزمان أصبر، يبقى تمرهم الشهريز عشرين سنة، ثم بعد ذلك ~~يخلط بغيره فيجيء له الدبس الكثير، والعذب الحلو، والخاثر القوي. # ومن يطمع من جميع أهل النخل أن يبيع فسيلة بسبعين دينارا، أو بحونة بمائة ~~دينار، أو جريبا بألف دينار غير أهل البصرة؟ ### || فصل منه # ولأهل البصرة المد والجزر على حساب منازل القمر لا يغادران من ذلك شيئا. ~~يأتيهم الماء حتى يقف على أبوابهم؛ فإن شاءوا أذنوا، وإن شاءوا حجبوه. PageV04P145 # ومن العجب لقوم يعيبون البصرة لقرب ms202 البحر والبطيحة؛ ولو اجتهد أعلم الناس ~~وأنطق الناس أن يجمع في كتاب واحد منافع هذه البطيحة، وهذه الأجمة، لما قدر ~~عليها. # قال زياد: قصبة خير من نخلة. # وبحق أقول: لقد جهدت جهدي أن أجمع منافع القصب ومرافقه وأجناسه، وجميع ~~تصرفه وما يجيء منه، فما قدرت عليه حتى قطعته وأنا معترف بالعجز، مستسلم ~~له. # فأما بحرنا هذا فقد طم على كل بحر وأوفى عليه؛ لأن كل بحر في الأرض لم ~~يجعل الله فيه من الخيرات شيئا، إلا بحرنا هذا، الموصول ببحر الهند إلى ما ~~لا تذكر. # وأنت تسمع بملوحة ماء البحر، وتستسقطه وتزري عليه. والبحر هو الذي يخلق ~~الله تعالى منه الدر الذي بيعت الواحدة منه بخمسين ألف دينار؛ ويخلق في ~~جوفه العنبر، وقد تعرفون قدر العنبر. فشيء يولد هذين الجوهرين كيف يحقر؟ # ولو أنا أخذنا خصال هذه الأجمة وما عظمنا من شأنها، فقذفنا بها في زاوية من ~~زوايا بحرنا هذا لضلت حتى لا نجد لها حسا، وهما لنا خالصان دونكم، وليس يصل ~~إليكم منهما شيء إلا بسببنا وتعدينا فضل غنا. PageV04P146 # وقال بعض خطبائنا: نحن أكرم بلادا، وأوسع سوادا، وأكثر ساجا وعاجا ~~وديباجا، وأكثر خراجا. # لأن خراج العراق مائة ألف ألف واثنا عشر ألف ألف، وخراج البصرة من ذلك ~~ستون ألف ألف، وخراج الكوفة خمسون ألف ألف. ### || فصل منه في ذكر الحيرة # ورأيت الحيرة البيضاء وما جعلها الله بيضاء، وما رأيت فيها دارا يذكر إلا ~~دار عون النصراني العباداني. # ورأيت التربة التي بينها وبين قصبة الكوفة، ورأيت لون الأرض فإذا هو أكهب ~~كثير الحصى، خشن المس. # والحيرة أرض باردة في الشتاء، وفي الصيف ينزعون ستور بيوتهم مخافة إحراق ~~السمائم لها. PageV04P147 ### | 18- من رسالته في البلاغة والإيجاز PageV04P149 ### || فصل من صدر رسالته في البلاغة والإيجاز # قال عمرو بن بحر الجاحظ: درجت الأرض من العرب والعجم على إيثار الإيجاز، ~~وحمد الاختصار، وذم الإكثار والتطويل والتكرار، وكل ما فضل عن المقدار. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصمت، دائم السكت يتكلم بجوامع ~~الكلم، لا ms203 فضل ولا تقصير، وكان يبغض الثرثارين المتشدقين. # وكان يقال: أفصح الناس أسهلهم لفظا، وأحسنهم بديهة. # والبلاغة إصابة المعنى والقصد إلى الحجة مع الإيجاز، ومعرفة الفصل من ~~الوصل. # وقيل: العاقل من خزن لسانه، ووزن كلامه، وخاف الندامة. # وحسن البيان محمود، وحسن الصمت حكم. PageV04P151 # وربما كان الإيجاز محمودا، والإكثار مذموما. وربما رأيت الإكثار أحمد من ~~الإيجاز. ولكل مذهب ووجه عند العاقل. ولكل مكان مقال، ولكل كلام جواب. مع ~~أن الإيجاز أسهل مراما وأيسر مطلبا من الإطناب، ومن قدر على الكثير كان على ~~القليل أقدر. # والتقليل للتخفيف، والتطويل للتعريف، والتكرار للتوكيد، والإكثار ~~للتشديد. ### || فصل منه # وأما المذموم من المقال، فما دعا إلى الملال، وجاوز المقدار، واشتمل على ~~الإكثار، وخرج من مجرى العادة. # وكل شيء أفرط في طبعه، وتجاوز مقدار وسعه، عاد إلى ضد طباعه، فتحول ~~البارد حارا، ويصير النافع ضارا، كالصندل البارد إن أفرط في حكه عاد حارا ~~مؤذيا، وكالثلج يطفىء قليله الحرارة، وكثيره يحركها. # وكذلك القرد لما فرط قبحه، وتناهت سماجته استملح واستظرف. # وإلى هذا ذهب من عد الإكثار عيا، والإيجاز بلاغة. PageV04P152 ### | 19- من كتابه في تفضيل البطن على الظهر ### || فصل من صدر كتابه في تفضيل البطن على الظهر # عصمنا الله وإياك من الشبهة، وأعاذنا وإياك من زيغ الهوى، وفضلات المنى، ~~ووهب لنا ولك تأديبا مؤديا إلى الزيادة في إحسانه، وتوفيقا موجبا لرحمته ~~ورضوانه. # وقد كان كتابك يا ابن أخي - وفقك الله - ورد علي، تصف فيه فضيلة الظهور ~~وصفا يدل على شغفك بها، وحبك إياها، وحنينك إليها وإيثارك لها، وفهمته. # فلم تمنع - أعاذك الله من عدوك - من الإجابة عن كتابك في وقت وروده، إلا ~~عوارض أشغال مانعة، وحوادث من التصرف والانتقال من مكان إلى مكان عائقة. # ولم آمن أن لو تأخر الجواب عليك أكثر مما تأخر، أن يسبق إلى قلبك أني راض ~~باختيارك، ومسلم لمذهبك، وموافق لك فيه، مساعد لك عليه، ومنقاد معك فيما ~~اعتقدت منه، ومجد في طلبه، ومحرض عليه. PageV04P155 # فبادرت بكتابي هذا، منبها لك من سنة رقدتك، وداعيا إلى رشدك. فإنك ms204 تعلم - ~~وإن كنت لي في مذهبي مخالفا، وفي اعتقادي مباينا - أن اجتماع المتباينين ~~فيما يقع بصلاحهما أولى في حكم العقل، وطريق المعرفة منه فيما أبادهما، ~~وعاد بالضرر في اختيارهما عليهما. # وأنا، وإن كنت كشفت لك قناع الخلاف، وأبديت مكنون الضمير بالمضادة، ~~وجاهدتني بنصرة الرأي والعقيدة في حب الظهور، وتلفيق الفضائل لها، غير ~~مستشعر لليأس من رجعتك، ولا شاك في لطائف حكمتك، وغوامض فطنتك. # وقد أعلم أن معك - بحمد الله - بصيرة المعتبرين، وتمييز الموفقين وأنك ~~إذا أنعمت فكرا وبحثا ونظرا، رجعت إلى أصل قوي الانقياد والموافقة، ولم ~~تتورط في اللجاج فعل المعجبين، ولم يتداخلك غرة المنتحلين؛ فإنا رأينا قوما ~~انتحلوا الحكمة وليسوا من أهلها، بل هم أعلام الدعوى، وحلفاء الجهالة، ~~وأتباع الخطأ، وشيع PageV04P156 ~~الضلالة، وخول النقص، الذين قامت عليهم الحجة بما نحلوه أنفسهم من اسمها، ~~وسلبوه من فهم عظيم قدرها ومعرفة جليل خطرها، ولم يجلوا الرين عن قلوبهم ~~والصدأ عن أسماعهم، بالتنقير والبحث والتكشف، ولم ينصبوا في عقولهم لأنفسهم ~~أصلا يئلون في اعتقادهم عليه، ويرجعون عند الحيرة في اختلاف آرائهم إليه. ~~فضلوا، وأصبح الجهل لهم إماما، والسفهاء لهم قادة وأعلاما. # ونحن نسأل الله بحوله وطوله ومنه، ألا يجعلك من أهل هذه الصفة، وأن يريك ~~الحق حقا فتتبعه، والباطل باطلا فتجتنبه، وأن يعمنا ببركة هذا الدعاء، ~~وجماعة المسلمين، وأن يأخذ إلى الخير بنواصينا، ويجمع على الهدى قلوبنا، ~~ويؤلف فيه ذات بيننا، فإنك ما علمت - وأتقلد في ذلك أمانة القول - ممن أحب ~~موافقته ومخالطته، وأن يكون في فضله مقدما، وعن كل عضيهة منزها. # وما أعلم حالا أنا عليها في الرغبة لك فيما أرغب لنفسي فيه، والسرور ~~بتكامل أحوالك، واستواء مذهبك، وما أزابن به من إرشادك ونصيحتك، وتسديدك ~~وتوفيقك، إلا وصدق الطوية مني فيها أبلغ من إسهامي في فضل صفتها. والله ~~تعالى المعين والمؤيد والموفق، والمبدع، وحده لا شريك له. والحمد لله، كما ~~هو أهله، وصلى الله على محمد وآله وسلم كثيرا. PageV04P157 # يا أخي - أرشدك الله - إنك أغرقت في مدح الظهر من الجهة التي ms205 كان ينبغي ~~لك أن تذمها، وقدمتها من الحجة التي ينبغي لك أن تؤخرها. وآثرتها وهي ~~محقوقة بأن ترفضها. # وما رأينا هلاك الأمم الخالية، من قوم لوط، وثمود وأشياعهم وأتباعهم، ~~وحلول الخسف والرجفة والآيات المثلات والعذاب الأليم والريح العقيم، والغير ~~والنكير ووجوب نار السعير، إلا بما دانوا به من اختيار الظهور. قال الله ~~تعالى، في قصة لوط: " أتأتون الذكران من العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم ~~من أزواجكم بل أنتم قوم عادون ". # فذمهم الله - تبارك وتعالى - كما ترى، وبلغ بهم في ذكر ما استعظم من ~~عتوهم إلى غاية لا تدرك صفتها، ولا يوقف على حدها مع آي كثيرة قد أنزلها ~~فيهم، وقصص طويلة قد أنبأ بها عنهم، وروايات كثيرة أثرها فيمن كان من ~~طبقتهم. # وسنأتي منها بما يقع به الكفاية دون استفراغ الجميع، مما حملته الرواة، ~~ونقله الصالحون. PageV04P158 ### || فصل منه # والحق بين لمن التمسه، والمنهج واضح لمن أراد أن يسلكه. وليس في العنود ~~درك فلج. والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وترك الذنب أيسر من ~~التماس الحجة، كما كان غض الطرف أهون من الحنين إلى الشهوة. وبالله تعالى ~~التوفيق. ### || فصل منه # نبدأ الآن بذكر ما خص الله به البطون من الفضائل، ليرجع راجع، وينيب منيب ~~مفكر، وينتبه راقد، ويبصر متحير، ويستغفر مذنب، ويستقيل مخطىء، وينزع مصر، ~~ويستقيم عاند، ويتأمل غمر، ويرشد غوي، ويعلم جاهل، ويزداد عالم. # قال الله عز وجل فيما وصف به النحل: " يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه ~~فيه شفاء للناس ". # وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في خير بطون قريش. # ووجدنا الأغلب في صفة الرجل أن يقال إنه معروف بكذا مذ خرج من بطن أمه، ~~ولا يقال من ظهر أبيه. PageV04P159 # ويقال في صفات النساء: " قب البطون نواعم ". ويقال: خمصانة البطن، ولا ~~يقال: خمصانة الظهر. # ويقال: فلان بطن بالأمور، ولا يقال: ظهر. ويقال: بطانة الرجل وطهارته، ~~فيبدأ بالبطانة. # وبطن القرطاس خير من ظهره، وبطن الصحيفة موضع النفع منها لا ظهرها، وببطن ~~القلم يكتب لا بظهره، وببطن ms206 السكين يقطع لا بظهرها. # وخلق الله جل وعز آدم من طين، ونسله من بطن حواء. # ورأينا أكثر المنافع من الأغذية في البطون لا في الظهور؛ فبطون البقر ~~أطيب من ظهورها، وبطن الشاة كذلك. # ومن أفضل صفات علي رضي الله عنه أن كان أخمص بطينا. # وأسمع من غنائهم: # بطني على بطنك يا جارية %~% لا نمطا نبغي ولا باريه # ولم يقل ظهري على ظهرك، فجعل مماسة البطن غانيا عن الوطاء، كافيا من ~~الغطاء. # ولو لم يكن في البطن من الفضيلة إلا أن الوجه الحسن، والمنظر PageV04P160 ~~الأنيق من حيزه، وفي الظهر من العيب، إلا أن الدبر في جانبه، لكان فيها ~~أوضح الأدلة على كرم البطن ولؤم الظهر. # ولم نرهم وصفوا الرجل بالفحولة والشجاعة إلا من تلقائه، وبالخبث والأبنة ~~إلا من ظهره. # وإذا وصفوا الشجاع قالوا: مر فلان قدما، وإذا وصفوا الجبان قالوا: ولى ~~مدبرا. # ولشتان بين الوصفين: بين من يلقى الحرب بوجهه وبين من يلقاه بقفاه، وبين ~~الناكح والمنكوح، والراكب والمركوب، والفاعل والمفعول، والآتي والمأتي، ~~والأسفل والأعلى، والزائر والمزور، والقاهر والمقهور. # ولما رأينا الكنوز العادية والذخائر النفيسة، والجواهر الثمينة مثل الدر ~~الأصفر، والياقوت الأحمر، والزمرد الأخضر، والمسك والعنبر والعقيان ~~واللجين، والزرنيخ والزئبق، والحديد والبورق، والنفط والقار، وصنوف ~~الأحجار، وجميع منافع العالم وأدواتهم وآلاتهم، لحربهم وسلمهم، وزرعهم ~~وضرعهم، ومنافعهم ومرافقهم ومصالحهم، وسائر ما يأكلونه ويشربونه، ويلبسونه ~~ويشمونه، وينتفعون برائحته وطعمه، ودائع في بطون الأرض، وإنما يستنبط منها ~~استنباطا، ويستخرج منها استخراجا، وأن على ظهرها الهوام القاتلة، والسباع ~~العادية التي في أصغرها تلف النفوس ودواعي الفناء وعوارض البلاء، PageV04P161 ~~وأنه قل ما يمشي على ظهرها من دابة، إلا وهو للمرء عدو، وللموت رسول، ~~وعلى الهلكة دليل لم يمتنع في عقولنا، وآرائنا ومعرفتنا من الإقرار بتفضيل ~~البطن على الظهر في كل وقت، وعلى كل حال. # ومن فضيلة البطن على الظهر أن أحدا إن ابتلي فيه بداء كان مستورا، وإن ~~شاء أن يكتمه كتمه عن أهله، ومن لا ينطوي عنه شيء من أمره، وغابر دهره. # ومن بلية الظهر ms207 أنه إن كان داء ظهر وبان، مثل الجرب والسلع والخنازير وما ~~أشبهها، مما سلمت منه البطون وجعل خاصا في الظهور. # وفضل الله تعالى البطون بأن جعل إتيان النساء، وطلب الولد، والتماس ~~الكثرة مباحا من تلقائها، محرما في المحاش من ورائها، لأنه حرام على الأمة ~~إتيان النساء في أدبارهن، لما جاء في الحديث عن الصادق صلى الله عليه وسلم: ~~" لا تأتوا النساء في محاشهن ". # وقد ترى بطانة الثوب تقوم بنفسها، ولا ترى الظهارة تستغني. # وجعل الله تعالى البطن وعاء لخير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم، ثم جعل ~~أول دلائل نبوته أن أهبط إليه ملكا حين أيفع، وهو يدرج PageV04P162 ~~مع غلمان الحي في هوازن، وهو مسترضع في بني سعد، حين شق عن بطنه، ثم ~~استخرج قلبه فحشي نورا، ثم ختم بخاتم النبوة. ولم يكن ذلك من قبل الظهر. ### || فصل منه # ومما فضلت به البطون: أن لحم السرة من الشاة أطيب اللحم، ولحم السرة من ~~السمك الموصوف، وسرة حمار الوحش شفاء يتداوى به، ومن سرة الظباء يستخرج ~~المسك. وهذا كله خاص للبطون ليس للظهور منه شيء. # وبدأ الله عز وجل في ذكر الفواحش بما ظهر منها، ولم يبدأه بما بطن فقال: ~~" إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن "، فجعله ابتداء في الذم. # والظهر في أكثر أحواله سمج، والبطن في أكثر أحواله حسن. والظهر في كل ~~الأوقات وحشة ووحش، والبطن في كل الأوقات سكن وأنس. # ولم نرهم حين بالغوا في صفات النساء بدءوا بذكرها إلا من جهة البطن ~~فقالوا: مدمجة الخصر، لذيذة العناق، طيبة النكهة، حلوة العينين، ساحرة ~~الطرف، كأن سرتها مدهن، وكأن فاها خاتم، وكأن ثدييها حقان، وكأن عنقها ~~إبريق فضة. وليس للظهور في شيء من تلك الصفات حظ. PageV04P163 # وأنى نبلغ في صفة البطون، وإن أسهبنا، وكم عسى أن نحصي من معايب الظهور ~~وإن اجتهدنا وبالغنا. ألا ترى أن حد الزاني ثمانون جلدة ما لم يكن محصنا، ~~وحد اللوطي أن يحرق. وكلاهما فجور ورجاسة، وإثم ونجاسة. إلا أن أيسر ~~المكروهين ms208 أحق بأن يميل إليه من ابتلي، وخير الشرين أحسن في الوصف من شر ~~الشرين. # ولو أنا رأينا رجلا في سوق من أسواق المسلمين يقبل امرأة فسألناه عن ذلك، ~~فقال: امرأتي. وسألوها فقالت: زوجي لدرأنا عنهما الحد، لأن هذا حكم ~~الإسلام. ولو رأيناه يقبل غلاما لأدبناه وحبسناه؛ لأن الحكم في هذا غير ~~الحكم في ذاك. # ألا ترى أنه ليس يمتنع في العقول والمعرفة أن يقبل الرجل في حب ما ملكت ~~يمينه حتى يقبلها في الملا كما يقبلها في الخلا، يصدق ذلك حديث ابن عمر: " ~~وقعت في يدي جارية يوم جلولاء كأن عنقها إبريق فضة فما صبرت حتى قبلتها ~~والناس ينظرون ". ### || فصل منه # وقد رأيت منك أيها الرجل إفراطك في وصف فضيلة الظهور، وفي محل الريبة ~~وقعت، لأنا روينا عن عمر أنه قال: " من أظهر لنا خيرا ظننا به خيرا، ومن ~~أظهر لنا شرا ظننا به شرا ". # وإنما يصف فضل الظهر من كان مغرما بحب الظهور، وإلى ركوبه صبا، وبالنوم ~~عليه مستهترا، وبالولوع بطلبه موكلا، ومن كان للحلال PageV04P164 ~~مباينا، ولسبيله مفارقا، ولأهله قاليا، وللحرام معاودا، وبحبله مستمسكا ~~وإلى قربه داعيا، ولأهله مواليا. # وقد اضطررتنا بتصييرك المفضول فاضلا، والعام خاصا، والخسيس نفسيا، ~~والمحمود مذموما، والمعروف منكرا، والمؤخر مقدما، والمقدم مؤخرا، والحلال ~~حراما، والحرام حلالا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، والحظر إطلاقا، والإطلاق ~~حظرا، والحقيقة شبهة والشبهة حقيقة، والشين زينا والزين شينا، والزجر أمرا ~~والأمر زجرأ، والوهم أصلا والأصل وهما، والعلم جهلا والجهل فضلا إلى أن ~~أدخلنا عليك الظن، وألحقناك التهمة، ونسبناك إلى غير أصلك، ونحلناك غير ~~عقيدتك، وقضينا عليك بغير مذهبك. و " يداك أوكتا، # وفاك نفخ ". فلا يبعد ~~الله غيرك! # أوجدنا أيها الضال المضل، المغلوب على رأيه، المسلوب فهمه، ~~المولى على تمييزه، الناكص على عقبه في اختياره، المفارق لأصل عقده، المدبر ~~بعد الإقبال في معرفته، الساقط بعد الهوى في ورطته، المتخلي من فهمه، الغني ~~عن إفهامه، المضيع لحكمته، المنزوع PageV04P165 ~~عقله، المختلس لبه، المستطار جنانه، المعدوم بيانه، في الظهور بعد ~~الفضائل التي أوجدناكها في البطون، ms209 إما قياسا، وإما اختيارا، وإما ضرورة، ~~وإما اختبارا وإما اكتسابا، أو في كتاب منزل، أو سنة مأثورة، أو عادة ~~محمودة، أو صلاح على خير. # أم هل لك في مقالتك من إمام تأتم به، أو أستاذ تقتفى أثره، وتهتدي بهداه، ~~وتسلك سننه. ### || فصل منه # وقد حضتني عليك عند انتهائي إلى هذا الموضع رقة، وتداخلتني لك رحمة، ~~ووجدت لك بقية في نفسي؛ لأنه إنما يرحم أهل البلاء. # والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاك به، وفضلنا على كثير من خلقه تفضيلا. # فرأيت أن أختم بأبسط الدعاء لك كتابي، وأن أحرز به أجري وثوابي، ورجوت أن ~~تنيب وترجع بعد الجماح واللجاج، فإن للجواد استقلالا بعد الكبوة، وللشجاع ~~كرة بعد الكشفة، وللحليم عطفة بعد النبوة. # وأنا أقول: جعلنا الله وإياك ممن أبصر رشده، وعرف حظه، وآثر الإنصاف ~~واستعمله، ورفض الهوى وأطرحه؛ فإن الله تعالى لم يبتل بالهوى إلا من أضله، ~~ولم يبعد إلا من استبعده. PageV04P166 ### | 20- من كتابه في النبل والتنبل وذم الكبر PageV04P167 ### || فصل من صدر كتابه في النبل والتنبل وذم الكبر # قد قرأت كتابك وفهمته، وتتبعت كل ما فيه واستقصيته، فوجدت الذي ترجع إليه ~~بعد التطويل، وتقف عنده بعد التحصيل، قد سلف القول منا في عيبه، وشاع الخبر ~~عنا في ذمه، وفي النصب لأهله، والمباينة لأصحابه، وفي التعجب منهم، وإظهار ~~النفي عنهم. # والجملة أن فرط العجب إذا قارن كثرة الجهل، والتعرض للعيب إذا وافق قلة ~~الإكتراث، بطلت المزاجر، وماتت الخواطر. ومتى تفاقم الداء، وتفاوت العلاج، ~~صار الوعيد لغوا مطرحا، والعقاب حكما مستعملا. # وقد أصبح شيخك، وليس يملك من عقابهم إلا التوقيف، ولا من تأديبهم إلا ~~التعريف. # ولو ملكناهم ملك السلطان، وقهرناهم قهر الولاة، لنهكناهم عقوبة بالضرب، ~~ولقمعناهم بالحصر. PageV04P169 # والكبر - أعزك الله تعالى - باب لا يعد احتماله حلما، ولا الصبر على أهله ~~حزما، ولا ترك عقابهم عفوا، ولا الفضل عليهم مجدا، ولا التغافل عنهم كرما، ~~ولا الإمساك عن ذمهم صمتا. # واعلم أن حمل الغنى أشد من حمل الفقر، واحتمال الفقر أهون من احتمال ~~الذل. على أن ms210 الرضا بالفقر قناعة وعز، واحتمال الذل نذالة وسخف. ولئن كانوا ~~قد أفرطوا في لوم العشيرة، والتكبر على ذوي الحرمة، لقد أفرطت في سوء ~~الاختيار، وفي طول مقامك على العار. # وأنت مع شدة عجبك بنفسك، ورضاك عن عقلك، خالطت من موته يضحك السن، وحياته ~~تورث الحزن، وتشاغلك به من أعظم الغبن. # وشكوت تنبلهم عليك، واستصغارهم لك، وأنك أكثر منهم في المحصول، وفي حقائق ~~المعقول. ولو كنت كما تقول لما أقمت على الذل ولما تجرعت الصبر وأنت ~~بمندوحة منهم، وبنجوة عنهم. ولعارضتهم من الكبر بما يهضهم، ومن الامتعاض ~~بما يبهرهم. # وقلت: ولو كانوا من أهل النبل عند الموازنة، أو كان معهم ما يغلط الناس ~~فيه عند المقايسة لعذرتهم واحتججت عنهم، ولسترت عيبهم، ولرقعت وهيهم. ولكن ~~أمرهم مكشوف، وظاهرهم معروف. PageV04P170 # وإن كان أمرهم كما قلت، وشأنهم كما وصفت، فذاك ألوم لك، وأثبت للحجة ~~عليك. # وسأؤخر عذلك إلى الفراغ منهم، وتوقيفك بعد التنويه بهم. # أقول: وإن كان النبل بالتنبل، واستحقاق العظم بالتعظم وبقلة الندم ~~والاعتذار، وبالتهاون بالإقرار، فكل من كان أقل حياء، وأتم قحة، وأشد ~~تصلفا، وأضعف عدة، أحق بالنبل وأولى بالعذر. # وليس الذي يوجب لك الرفعة أن تكون عند نفسك دون أن يراك الناس رفيعا، ~~وتكون في الحقيقة وضيعا. # ومتى كنت من أهل النبل لم يضرك التنبل، ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك ~~التنبل. # وليس النبل كالرزق، يكون مرزوقا الحرمان أليق به، ولا يكون نبيلا السخافة ~~أشبه به. # وكل شيء من أمر الدنيا قد يحظى به غير أهله، كما يحظى به أهله. # وما ظنك بشيء المروءة خصلة من خصاله، وبعد الهمة خلة من خلاله، وبهاء ~~المنظر سبب من أسبابه، وجزالة اللفظ شعبة من شعبه، والمقامات الكريمة طريق ~~من طرقه. PageV04P171 ### || فصل منه # واعلم أنك متى لم تأخذ للنبل أهبته، ولم تقم له أداته، وتأته من وجهه، ~~وتقم بحقه، كنت مع العناء مبغضا، ومع التكلف مستصلفا. ومن تبغض فقد استهدف ~~للشتام، وتصدى للملام. # فإن كان لا يحفل بالشتم، ولا يجزع من الذم، فعده ميتا ms211 إن كان حيا؛ وكلبا ~~إن كان إنسانا. # وإن كان ممن يكترث ويجزع، ويحس ويألم، فقد خسر الراحة والمحبة، وربح ~~النصب والمذمة. # وبعد، فالنبل كلف بالمولي عنه، شنف للمقبل عليه، لازق بمن رفضه، شديد ~~النفار ممن طلبه. ### || فصل منه # والسيد المطاع لم يسهل عليه الكظم، ولم يكن له كنف الحلم، إلا بعد طول ~~تجرع للغيظ، ومقاساة للصبر. وقد كان معنى القلب دهره، ومكدود النفس عمره، ~~والحرب سجال بينه وبين الحلم، ودول بينه وبين الكظم. فلما انقادت له ~~العشيرة، وسمحت له بالطاعة، ووثق بظهور القدرة خلاف المعجزة سهل عليه ~~الصبر، وغمر PageV04P172 ~~بعلوه دواعي الجزع، بطلت المجاذبة، وذهبت المساجلة. # والذي كان دعاه إلى تكلف الحلم في بدء أمره وإلى احتمال المكروه في أول ~~شأنه، الأمل في الرياسة، والطمع في السيادة، ثم لم يتم له أمره، ولم يستحكم ~~له عقده إلا بعد ثلاثة أشياء: الاحتمال، ثم الاعتياد، ثم ظهور طاعة الرجال. # ولولا خوف جميع المظلومين من أن يظن بهم العجز، وألا يوجه احتمالهم إلى ~~الذل لزاحم السادة في الحلم رجال ليسوا في أنفسهم بدونهم، ولغمرهم بعض من ~~ليس معه من أسبابهم. ### || فصل منه # ولا يكون المرء نبيلا حتى يكون نبيل الرأي، نبيل اللفظ، نبيل العقل، نبيل ~~الخلق، نبيل المنظر، بعيد المذهب في التنزه، طاهر الثوب من الفحش، إن وافق ~~ذلك عرقا صالحا، ومجدا تالدا. # فالخارجي قد يتنبل بنفسه، والنابتي قد يخرج بطبعه. ولكل عز أول، وأول كل ~~قديم حادث. # ومن حقوق النبل أن تتواضع لمن هو دونك، وتنصف من هو مثلك، وتتنبل على من ~~هو فوقك. PageV04P173 ### || فصل منه # وكان بعض الأشراف في زمان الأحنف، لا يحتقر أحدا، ولا يتحرك لزائر، وكان ~~يقول: " # ثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل " # فكان الأحنف ما يزداد إلا علوا، وكان ~~ذلك الرجل لا يزداد إلا تسفلا. # وقد ذم الله تعالى المتكبرين، ولعن المتجبرين، وأجمعت الأمة على عيبه، ~~والبراءة منه، وحتى سمي المتكبر تائها، كالذي يختبط في التية بلا أمارة، ~~ويتعسف الأرض بلا علامة. # ولعل قائلا أن يقول: لو كان اسم ms212 المتكبر قبيحا، ولو كان المتكبر مذموما، ~~لما وصف الله تعالى بهما نفسه، ولما نوه بهما في التنزيل حين قال: " الجبار ~~المتكبر "، ثم قال: " له الأسماء الحسنى ". # قلنا لهم: إن الإنسان المخلوق المسخر، والضعيف الميسر، لا يليق به إلا ~~التذلل، ولا يجوز له إلا التواضع. # وكيف يليق الكبر بمن إن جاع صرع، وإن شبع طغى، وما يشبه الكبر بمن يأكل ~~ويشرب، ويبول وينجو. وكيف يستحق الكبر ويستوجب العظمة من ينقصه النصب، ~~ويفسده الراحة؟. PageV04P174 # فإذا كان الكبر لا يليق بالمخلوق فإنما يليق بالخالق؛ وإنما عاند الله ~~تعالى بالكبر لتعديه طوره، ولجهله لقدره، وانتحاله ما لا يجوز إلا لربه. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " العظمة رداء الله، فمن نازعه رداءه قصمه ~~". ### || فصل منه # والنبيل لا يتنبل، كما أن الفصيح لا يتفصح؛ لأن النبيل يكفيه نبله عن ~~التنبل، والفصيح تغنيه فصاحته عن التفصح. ولم يتزيد أحد قط إلا لنقص يجده ~~في نفسه، ولا تطاول متطاول إلا لوهن قد أحس به في قوته. # والكبر من جميع الناس قبيح، ومن كل العباد مسخوط، إلا أنه عند الناس من ~~عظماء الأعراب، وأشباه الأعراب أوجد، وهو لهم أسرع، لجفائهم وبعدهم من ~~الجماعة، ولقلة مخالطتهم لأهل العفة والرعة، والأدب والصنعة. PageV04P175 ### || فصل منه # ولم نر الكبر يسوغ عندهم ويستحسن إلا في ثلاثة مواضع: # من ذلك أن يكون ~~المتكبر صعبا بدويا، وذا عرضية وحشيا، ولا يكون حضريا ولا مدريا، فيحمل ذلك ~~منه على جهة الصعوبة ومذهب الجاهلية، وعلى العنجهية والأعرابية. # أو يكون ذلك منه على جهة الانتقام والمعارضة، والمكافأة والمقابلة. # أو على أن لا يكون تكبره إلا على الملوك والجبابرة، والفراعنة وأشباه ~~الفراعنة. # وصاحبك هذا خارج من هذه الخصال، مجانب لهذه الخلال. إن أصاب صديقا تعظم ~~عليه، وإن أتاه ضيف تغافل عنه، وإن أتاه ضعيف من عليه، وإن صادف حليما ~~اعتمر به. # وينبغي أن يكون خضوعه لمن فوقه على حسب تكبره على من دونه. # ومن صفة اللئيم أن يظلم الضعيف، ويظلم نفسه للقوي، ويقتل PageV04P176 ~~الصريع، ويجهز على الجريح، ويطلب الهارب، ms213 ويهرب من الطالب، ولا يطلب من ~~الطوائل إلا ما لا خطار فيه ولا يتكبر إلا حيث لا يرجع مضرته عليه، ولا ~~يقفو التقية ولا المروءة، ولا يعمل على حقيقته. # ومن اختار أن يبغي تبدى، ومن أراد أن يسمع قوله ساء خلقه، إذ كان لا يحفل ~~ببغض الناس له ووحشة قلوبهم منه، واحتيالهم في مباعدته، وقلة ملابسته. # وليس يأمن اللئيم على إتيان جميع ما اشتمل عليه اسم اللؤم إلا حاسد. # فإذا رأيته يعق أباه، ويحسد أخاه، ويظلم الضعيف، ويستخف بالأديب، فلا ~~تبعده من الخيانة، إذ كانت الخيانة لؤما؛ ولا من الكذب، إذ كان الكذب لؤما؛ ~~ولا من النميمة، إذ كانت النميمة لؤما. ولا تأمنه على الكفر فإنه ألأم ~~اللؤم، وأقبح الغدر. # ومن رأيته منصرفا عن بعض اللؤم، وتاركا لبعض القبيح، فإياك أن توجه ذلك ~~منه على التجنب له، والرغبة عنه، والإيثار لخلافه، PageV04P177 ~~ولكن على أنه لا يشتهيه أو لا يقدر عليه، أو يخاف من مرارة العاقبة أمرا ~~يعفي على حلاوة العاجل؛ لأن اللؤم كله أصل واحد وإن تفرقت فروعه، وجنس واحد ~~وإن اختلفت صوره، والفعل محمول على غلبته، تابع لسمته. والشكل ذاهب على ~~شكله، منقطع إلى أصله، صائر إليه وإن أبطأ عنه، ونازع إليه وإن حيل دونه. ~~وكذلك تناسب الكرم وحنين بعضه لبعض. # ولم تر العيون، ولا سمعت الآذان، ولا توهمت العقول عملا اجتباه ذو عقل، ~~أو اختاره ذو علم، بأوبأ مغبة، ولا أنكد عاقبة، ولا أوخم مرعى، ولا أبعد ~~مهوى، ولا أضر على دين، ولا أفسد لعرض، ولا أوجب لسخط الله، ولا أدعى إلى ~~مقت الناس، ولا أبعد من الفلاح، ولا أظهر نفورا عن التوبة، ولا أقل دركا ~~عند الحقيقة، ولا أنقض للطبيعة، ولا أمنع من العلم، ولا أشد خلافا على ~~الحلم، من التكبر في غير موضعه، والتنبل في غير كنهه. # وما ظنك بشيء العجب شقيقه، والبذخ صديقه، والنفج أليفه، والصلف عقيده. # والبذاخ متزيد، والنفاج كذاب، والمتكبر ظالم، والمعجب PageV04P178 ~~صغير النفس. وإذا اجتمعت هذه الخصال، وانتظمت هذه الخصال في قلب ms214 طال ~~خرابه، واستغلق بابه. # وشر العيوب ما كان مضمنا بعيوب، وشر الذنوب ما كان علة للذنوب. # والكبر أول ذنب كان في السماوات والأرض، وأعظم جرم كان من الجن والإنس، ~~وأشهر تعصب كان في الثقلين، وعنه لج إبليس في الطغيان، وعتا على رب ~~العالمين، وخطأ ربه في التدبير، وتلقى قوله بالرد. ومن أجله استوجب السخطة، ~~وأخرج من الجنة، وقيل له: " ما يكون لك أن تتكبر فيها ". # ولإفراطه في التعظيم خرج إلى غاية القسوة، ولشدة قسوته اعتزم على ~~الإصرار، وتتايع في غاية الإفساد، ودعا إلى كل قبيح، وزين كل شر، وعن ~~معصيته أخرج آدم من الجنة، وشهر في كل أفق وأمة، ومن أجله نصب العداوة ~~لذريته، وتفرغ من كل شيء إلا من إهلاك نسله، فعادى من لا يرجوه ولا يخافه، ~~ولا يضاهيه PageV04P179 ~~في نسب، ولا يشاكله في صناعة، وعن ذلك قتل الناس بعضهم بعضا، وظلم القوي ~~الضعيف، ومن أجله أهلك الله الأمم بالمسخ والرجف، وبالخسف وبالطوفان، ~~والريح العقيم، وأدخلهم النار، وأقنطهم من الخروج. # والكبر هو الذي زين لإبليس ترك السجود، ووهمه شرف الأنفة، وصور له عز ~~الانتقاض، وحبب إليه المخالفة، وآنسه بالوحدة والوحشة، وهون عليه سخط الرب، ~~وسهل عليه عقاب الأبد، ووعده الظفر، ومناه السلامة، ولقنه الاحتجاج ~~بالباطل، وزين له قول الزور، وزهده في جوار الملائكة، وجمع له خلال السوء، ~~ونظم له خلال الشر؛ لأنه حسد والحسد ظلم، وكذب والكذب ذل، وخدع والخديعة ~~لؤم. وحلف على الزور، وذلك فجور. وخطأ ربه، وتخطئة الله جهل، وأخطأ في جلي ~~القياس وذلك غي، ولج واللجاج ضعف. وفرق بين التكبر والتبدي. وجمع بين ~~الرغبة عن صنيع الملائكة وبين الدخول في أعمال السفلة. # واحتج بأن النار خير من الطين. ومنافع العالم نتائج أربعة PageV04P180 ~~أركان: نار يابسة حارة، وماء بارد سيال، وأرض باردة يابسة، وهواء حار ~~رطب. ليس منها شيء مع مزاوجته لخلافه إلا وهو محي مبق. على أن النار نقمة ~~الله من بين جميع الأصناف، وهي أسرعهن إتلافا لما صار فيها. وأمحقهن لما ~~دنا منها. # هذا كله ms215 ثمرة الكبر، ونتاج النية. والتكبر شر من القسوة، كما أن القسوة ~~شر المعاصي. والتواضع خير الرحمة، كما أن الرحمة خير الطاعات. # والكبر معنى ينتظم به جماع الشر، والتواضع معنى ينتظم به جماع الخير، ~~والتواضع عقيب الكبر، والرحمة عقيب القسوة. فإذا كان للطاعة قدر من الثواب ~~فلتركها وعقيبها، ولما يوازنها ويكايلها، مثل ذلك القدر من العقاب. وموضع ~~الطاعة من طبقات الرضا، كموضع تركها من طبقات السخط إذ كانت الطاعة واجبة، ~~والترك معصية. # والكبر من أسباب القسوة. ولو كان الكبر لا يعتري إلا الشريف والجميل، أو ~~الجواد، أو الوفي أو الصدوق، كان أهون لأمره، وأقل لشينه، وكان يعرض لأهل ~~الخير، وكان لا يغلط فيه إلا أهل الفضل، PageV04P181 ~~ولكنا نجده في السفلة، كما نجده في العلية، ونجده في القبيح كما نجده في ~~الحسن، وفي الدميم كما نجده في الجميل، وفي الدني الناقص، كما نجده في ~~الوفي الكامل، وفي الجبان كما نجده في الشجاع، وفي الكذوب كما نجده في ~~الصدوق، وفي العبد كما نجده في الحر، وفي الذمي ذي الجزية والصغار والذلة، ~~كما نجده في قابض جزيته والمسلط على إذلاله. # ولو كان في الكبر خير لما كان في دهر الجاهلية أظهر منه في دهر الإسلام، ~~ولما كان في العبد أفشى منه في الحر، ولما كان في دهره الجاهلية أظهر منه ~~في دهره الإسلام، ولما كان في العبد أفشى منه في الحر، ولما كان في السند ~~أعم منه في الروم والفرس. # وليس الذي كان فيه آل ساسان وأنو شروان وجميع ولد أزدشير بن بابك كان من ~~الكبر في شيء. تلك سياسة للعوام، وتفخيم لأمر السلطان، وتسديد للملك. # ولم يكن في الخلفاء أشد نخوة من الوليد بن عبد الملك، وكان أجهلهم ~~وألحنهم. وما كان في ولاة العراق أعظم كبرا من يوسف بن عمر، وما كان أشجعهم ~~ولا أبصرهم، ولا أتمهم قواما، ولا أحسنهم كلاما. PageV04P182 # ولم يدع الربوبية ملك قط إلا فرعون، ولم يك مقدما في مركبه، ولا في شرف ~~حسبه، ولا في نبل منظره، وكمال خلقه، ms216 ولا في سعة سلطانه وشرف رعيته وكرم ~~ناحيته. ولا كان فوق الملوك الأعاظم والجلة الأكابر، بل دون كثير منهم في ~~الحسب وشرف الملك وكرم الرعية، ومنعة السلطان، والسطوة على الملوك. # ولو كان الكبر فضيلة وفي التيه مروءة، لما رغب عنه بنو هاشم ولكان عبد ~~المطلب أولى الناس منه بالغاية، وأحقهم بأقصى النهاية. # ولو كان محمود العاجل ومرجو الآجل، وكان من أسباب السيادة أو من حقوق ~~الرياسة، لبادر إليه سيد بني تميم، وهو الأحنف بن قيس؛ ولشح عليه سيد بكر ~~بن وائل وهو ملك، ولاستولى عليه سيد الأزد وهو المهلب. # ولقد ذكر أبو عمرو بن العلاء جميع عيوب السادة، وما كان فيهم من الخلال ~~المذمومة، حيث قال: " ما رأينا شيئا يمنع من السودد إلا وقد وجدناه في سيد: ~~وجدنا البخل يمنع من السودد، وكان PageV04P183 ~~أبو سفيان بن حرب بخيلا. والعهار يمنع من السودد، وكان عامر بن الطفيل ~~سيدا، وكان عاهرا. والظلم يمنع من السودد، وكان حذيفة بن بدر ظلوما، وكان ~~سيد غطفان. والحمق يمنع من السودد، وكان عتيبة بن حصن محمقا، وكان سيدا. ~~والإملاق يمنع من السودد، وكان عتبة بن ربيعة مملقا. وقلة العدد تمنع من ~~السودد وكان شبل بن معبد سيدا، ولم يكن من عشيرته بالبصرة رجلان. والحداثة ~~تمنع من السودد، وساد أبو جهل وما طر شاربه، ودخل دار الندوة وما استوت ~~لحيته. # فذكر الظلم، والحمق، والبخل، والفقر، والعهار، وذكر العيوب ولم يذكر ~~الكبر؛ لأن هذه الأخلاق وإن كانت داء فإن في فضول أحلامهم وفي سائر أمورهم ~~ما يداوى به ذلك الداء، ويعالج به ذلك السقم؛ وليس الداء الممكن كالداء ~~المعضل، وليس الباب المغلق كالمستبهم؛ والأخلاق التي لا يمكن معها السودد، ~~مثل الكبر والكذب والسخف، ومثل الجهل بالسياسة. PageV04P184 # وخرجت خارجة بخراسان فقيل لقتيبة بن مسلم: لو وجهت إليهم وكيع بن أبي سود ~~لكفاهم فقال: وكيع رجل عظيم الكبر، في أنفه خنزوانة، وفي رأسه نعرة، وإنما ~~أنفه في أسلوب؛ ومن عظم كبره اشتد عجبه، ومن أعجب برأيه لم يشاور كفيا، ولم ms217 ~~يؤامر نصيحا، ومن تبجح بالانفراد وفخر بالاستبداد كان من الظفر بعيدا، ومن ~~الخذلان قريبا، والخطاء مع الجماعة خير من الصواب مع الفرقة. وإن كانت ~~الجماعة لا تخطىء والفرقة لا نصيب. # ومن تكبر على عدوه حقره، وإذا حقره تهاون بأمره. ومن تهاون بخصمه ووثق ~~بفضل قوته قل احتراسه، ومن قل احتراسه كثر عثاره. # وما رأيت عظيم الكبر صاحب حرب إلا كان منكوبا ومهزوما ومخدوعا. ولا يشعر ~~حتى يكون عدوه عنده، وخصمه فيما يغلب عليه أسمع من فرس، وأبصر من عقاب، ~~وأهدى من قطاة، وأحذر من عقعق، وأشد إقداما من الأسد، وأوثب من فهد، وأحقد ~~من PageV04P185 ~~جمل، وأروغ من ثعلب، وأغدر من ذئب، وأسخى من لافظة، وأشح من صبي، وأجمع ~~من ذرة، وأحرص من كلب، وأصبر من ضب. فإن النفس إنما تسمح بالعناية على قدر ~~الحاجة، وتتحفظ على قدر الخوف، وتطلب على قدر الطمع، وتطمع على قدر السبب. ### || فصل منه # وأقول بعد هذا كله: إن الناس قد ظلموا أهل الحلم والعزم، حين زعموا أن ~~الذي يسهل عليهم الاحتمال معرفة الناس بقدرتهم على الانتقام، فكيف والمذكور ~~بالحلم والمشهور بالاحتمال يقيض له من السفهاء، ويؤتى له من أهل البذاء ما ~~لا يقوم له صبر، ولا ينهض به عزم. بل على قدر حلمه يتعرض له، وعلى قدر عزمه ~~يمتحن صبره ولأن الذي سهل عليه الحلم، ومكنه من العزم، معرفة الناس بقدرته ~~على الانتقام، واقتداره على شفاء الغيظ؛ فإن منعه لنفسه، ومجاذبته لطبعه مع ~~الغيظ الشديد، والقدرة الظاهرة، أشد عليه في المزاولة PageV04P186 ~~وأبلغ في المشقة والمكابدة، من صبر الشكل على أذى شكله، واحتمال المظلوم ~~عن مثله، وإن خاف الطمس، وتوقع العيب. ### || فصل منه # ومن بعد هذا، فمن شأن الأيام أن يظلم المرء أكثر محاسنه ما كان تابعا، ~~فإذا عاد متبوعا عادت عليه من محاسن غيره بأضعاف ما منعته من محاسن نفسه، ~~حتى يضاف إليه من شوارد الأفعال، ومن شواذ المكارم إن كان سيدا، ومن غريب ~~الأمثال إن كان منطيقا، ومن خيار القصائد إن كان شاعرا، مما ms218 لا أمارات لها، ~~ولا سمات عليها. # فكم من يد بيضاء وصنيعة غراء، ضلت فلم يقم بها ناشد، وخفيت فلم يظهرها ~~شاكر. والذي ضاع للتابع قبل أن يكون متبوعا، أكثر مما حفظ، والذي نسي أكثر ~~مما ذكر، وما ظنك بشيء بقيته تهب السادة، ومشكوره يهب الرياسة، على قلة ~~الشكر، وكثرة الكفر. # وقد يكون الرجل تام النفس ناقص الأداة، فلا يستبان فضله، ولا يعظم قدره، ~~كالمفرج الذي لا عشيرة له، والإتاوي الذي PageV04P187 ~~لا قوم له. وقد يعظم المفرج الذي لا ولاء له ولا عقد جوار، ولا عهد حلف، ~~إذا برع في الفقه وبلغ في الزهد، بأكثر من تعظيم السيد، كجهة تعظيم الديان. ~~كما أن طاعة السلطان غير طاعة السادة، والسلطان إنما يملك أبدان الناس، ~~ولهم الخيار في عقولهم، وكذلك الموالي والعبيد. # وطاعة الناس للسيد، وطاعة الديان طاعة محبة ودينونة، والقلوب أطوع لهما ~~من الأبدان، إلا أن يكون السلطان مرضيا، فإن كان كذلك فهو أعظم خطرا من ~~السيد، وأوجه عند الله من ذلك الديان. # وربما ساد الأتاوي لأنه عربي على حال. والمفرج لا يسود أبدا لأنه عجمي لا ~~حلف له، ولا عقد جوار، ولا ولاء معروف، ولا نسب ثابت. وليس التسويد إلا في ~~العرب، والعجم لا تطيع إلا للملوك. # والذي أحوج العرب في الجاهلية إلى تسويد الرجال وطاعة الأكابر، بعد دورهم ~~من الملوك والحكام والقضاة، وأصحاب الأرباع، والمسالح والعمال. فكان السيد، ~~في منعهم من غيرهم ومنع غيرهم منهم، ووثوب بعضهم عل بعض، في كثير من معاني ~~السلطان. PageV04P188 ### | 21- من رسالته في المودة والخلطة إلى أبي الفرج PageV04P189 ### || فصل من رسالته إلى أبي الفرج الكاتب في المودة والخلطة # أطال الله بقاءك، وأعزك وأكرمك، وأتم نعمته عليك. # زعم - أبقاك الله - كثير ممن يقرض الشعر ويروي معانيه، ويتكلف الأدب ~~ويجتبيه، أنه قد يمدح المرجو المأمول، والمغشي المزور، بأن يكون مخدوعا، ~~وعمي الطرف مغفلا، وسليم الصدر للراغبين، وحسن الظن بالطالبين، قليل الفطنة ~~لأبواب الاعتذار، عاجزا عن التخلص إلى معاني الاعتلال، قليل الحذق برد ~~الشفعاء، PageV04P191 ~~شديد الخوف من مياسم الشعراء، ms219 حصرا عند الاحتجاج للمنع، سلس القياد إذا ~~نبهته للبذل، واحتجوا بقول الشاعر: # إيت الخليفة فاخدعه بمسألة %~% إن الخليفة للسؤال ينخدع # فانتحال المأمول للغفلة التي تعتري الكرام، وانخداع الجواد لخدع الطالبين ~~ومخاريق المستميحين، باب من التكرم، ومن استدعاء الراغب، والتعرض للمجتدي، ~~والتلطف لاستخراج الأموال، والاحتيال لحل عقد الأشحاء، وتهييج طبائع ~~الكرام. # وأنا أزعم - أبقاك الله - أن إقرار المسئول بما ينحل من ذلك نوك، وإضماره ~~لؤم، حتى تصح القسمة، ويعتدل الوزن. # وأنا أعوذ بالله من تذكير يناسب الاقتضاء، ومن اقتضاء PageV04P192 ~~يضارع الإلحاح. ومن حرص يعود إلى الحرمان، ومن رسالة ظاهرها زهد، وباطنها ~~رغبة. فإن أسقط الكلام وأوغده، وأبعده من السعادة وأنكده، ما أظهر النزاهة ~~وأضمر الحرص، وتجلى للعيون بعين القناعة، واستشعر ذلة الافتقار. # وأشنع من ذلك، وأقبح منه وأفحش، أن يظن صاحبه أن معناه خفي وهو ظاهر، ~~وتأويله بعيد الغور وهو قريب القعر. # فنسأل الله تعالى السلامة فإنها أصل النعمة عليكم، ونحمده على اتصال ~~نعمتنا بنعمتكم، وما ألهمنا الله من وصف محاسنكم. # والحمد لله الذي جعل الحمد مستفتح كتابه، وآخر دعوى أهل جنته. # ولو أن رجلا اجتهد في عبادة ربه، واستفرغ مجهوده في طاعة سيده، ليهب له ~~الإخلاص في الدعاء لمن أنعم عليه؛ وأحسن إليه، لكان حريا بذلك أن يدرك أقصى ~~غاية الكرم في العاجل، وأرفع درجات الكرامة في الآجل. # وعلى أني لا أعرف معنى أجمع لخصال الشكر، ولا أدل على جماع الفضل، من ~~سخاوة النفس بأداء الواجب. PageV04P193 # ونحن وإن لم نكن أعطينا الإخلاص جميع حقه، فإن المرء مع من أحب، وله ما ~~احتسب. # ولا أعلم شيئا أزيد في السيئة من استصغارها، ولا أحبط للحسنة من العجب ~~بها. # ومما يستديم الخطأ لبث لبتقصير وإهمال النفس، وترك التوقف، وقلة ~~المحاسبة، وبعد العهد بالتثبت. ومهما رجعنا إليه من ضعف في عزم، وهان علينا ~~ما نفقد من مناقل الحلم، فإنا لا نجمع بين التقصير والإنكار. # ونعوذ بالله أن نقصر في ثناء على محسن، أو دعاء لمنعم. ولئن اعتذرنا ~~لأنفسنا بصدق المودة وبجميل الذكر، فلما يعد ms220 لكم، من تحقق الآمال، والنهوض ~~بالأثقال أكثر. # على أنكم لم تحملونا إلا الخف، وقد حملناكم الثقل. ولم تسألونا الجزاء ~~على إحسانكم، وقد سألناكم الجزاء على ما سألناكم. ولم تكلفونا ما يجب لكم، ~~وكلفناكم ما لا يجب. # ومن إفراط الجهل أن نتذكر حقنا في حسن الحظ، ولا نتذكر PageV04P194 ~~حقكم في تصديق ذلك الظن وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما عظمت ~~نعمة الله على أحد إلا عظمت عليه مؤنة الناس ". # وأنا أسأل الله الذي ألزمكم المؤن الثقال، ووصل بكم آمال الرجال، ~~وامتحنكم بالصبر على تجرع المرار، وكلفكم مفارقة المحبوب من الأموال، أن ~~يسهلها عليكم، ويحببها إليكم، حتى يكون شغفكم بالإحسان الداعي إليه، ~~وصبابتكم بالمعروف الحامل عليه، وحتى يكون حب التفضل، والمحبة الاعتقاد ~~المنن الغاية التي تستدعي المدبر، والنهاية التي تعذر المقصر، وحتى تكرهوا ~~على الخير من أخطأ حظه، وتفتحوا باب الطلب لمن قصر به العجز. # ثم اعلم - أصلحك الله - أن الذي وجد في العبرة، وجرت عليه التجربة، واتسق ~~به النظم، وقام عليه وزن الحكم، واطرد منه النسق، وأثبته الفحص، وشهدت له ~~العقول. أن من أول أسباب الخلطة، والدواعي إلى المحبة، ما يوجد على بعض ~~الناس من القبول عند أول وهلة، وقلة انقباض النفوس مع أول لحظة، ثم اتفاق ~~الأسباب التي تقع بالموافقة عند أول المجالسة، وتلاقي النفوس بالمشاكلة عند ~~أول الخلطة. # والأدب أدبان: أدب خلق، وأدب رواية، ولا تكمل أمور صاحب PageV04P195 ~~الأدب إلا بهما، ولا يجتمع له أسباب التمام إلا من أجلهما، ولا يعد في ~~الرؤساء، ولا يثنى به الخنصر في الأدباء، حتى يكون عقله المتأمر عليهما، ~~والسائس لهما. ### || فصل منه # فإن تمت بعد ذلك أسباب الملاقاة تمت المصافاة، وحن الإلف إلى سكنه. ~~والشأن قبل ذلك لما يسبق إلى القلب، ويخف على النفس، ولذلك احترس الحازم ~~المستعدى عليه من السابق إلى قلب الحاكم عليه. # وكذلك التمسوا الرفق والتوفيق، والإيجاز وحسن الاختصار، وانخفاض الصوت، ~~وأن يخرج الظالم كلامه مخرج لفظ المظلوم. # نعم، وحتى يترك اللحن بحجته بعد، ويخلف الداهية كثيرا ms221 من أدبه، ويغض من ~~محاسن منطقه. التماسا لمواساة خصمه في ضعف الحيلة، والتشبه به في قلة ~~الفطنة. # نعم، وحتى يكتب كتاب سعاية ومحل وإغراق وتحد، فيلحن في إعرابه، ويتسخف في ~~ألفاظه، ويتجنب القصد، ويهرب من PageV04P196 ~~اللفظ المعجب ليخفي مكان حذقه، ويستر موضع رفقه، حتى لا يحترس منه الخصم، ~~ولا يتحفظ منه صاحب الحكم، بعد أن لا يضر بعين معناه، ولا يقصر في الإفصاح ~~عن تفسير مغزاه، وهذا هو الموضع الذي يكون العي فيه أبين، وذو الغباوة ~~أفطن، والردي أجود، والأنوك أحزم، والمضيع أحكم؛ إذ كان غرضه الذي إياه ~~يرمي، وغايته التي إليها يجري، الانتفاع بالمعنى المتخير دون المباهاة ~~باللفظ، وإنما كانت غايته إيصال المعنى إلى القلب دون نصيب السمع من اللفظ ~~المونق، والمعنى المتخير؛ بل ربما لم يرض باللفظ السليم حتى يسقمه ليقع ~~العجز موقع القوة، ويعرض العي في محل البلاغة. إذا كان حق ذلك المكان اللفظ ~~الدون، والمعنى الغفل. # هذا إذا كان صاحب القصة ومؤلف لفظ المحل والسعاية، ممن يتصرف قلمه، ويعلل ~~لسانه، ويلتزق في مذاهبه، ويكون في سعة وحل لأن يحط نفسه إلى طبقة الذل وهو ~~عزيز، ومحل العي وهو بليغ، ويتحول في هيئة المظلوم وهو ظالم، ويمكنه تصوير ~~الباطل في صورة الحق، وستر العيوب بزخرف القول؛ وإذا شاء طفا، وإذا شاء ~~رسب، وإذا شاء أخرجه غفلا صحيحا. PageV04P197 # وما أكثر من لا يحسن إلا الجيد، فإن طلب الردى جاوزه. كما أنه ما أكثر من ~~لا يستطيع إلا الردى، فإن طلب الجيد قصر عنه. # وليس كل بليغ يكون بذلك الطباع، وميسر الأداة، وموسعا عليه في تصريف ~~اللسان، وممنونا عليه في تحويل القلم. # وما أكثر من البصراء من يحكي العميان، ويحول لسانه إلى صورة لفظ الفأفاء ~~بما لا يبلغه الفأفاء ولا يحسنه التمتام. وقد نجد من هو أبسط لسانا وأبلغ ~~قلما، لا يستطيع مجاوزة ما يشركه، والخروج مما قصر عنه. ### || فصل منها # ولولا الحدود المحصلة والأقسام المعدلة، لكانت الأمور سدى، والتدابير ~~مهملة، ولكانت عورة الحكيم بادية، ولاختلطت السافلة بالعالية. ### || فصل ms222 منها # وأنا أقول بعد هذا كله: لو لم أضمر لكم محبة قديمة، ولم أضر بكم بشفيع من ~~المشاكلة، ولا سبب الأديب إلى الأديب، ولم PageV04P198 ~~يكن علي قبول، ولا علي حلاوة عند المحصول، ولم أكن إلا رجلا من عرض ~~المعارف، ومن جمهور الأتباع لكان في إحسانكم إلينا، وإنعامكم علينا، دليل ~~على أنا قد أخلصنا المحبة، وأصفينا لكم المودة. # وإذا عرفتم ذلك بالدليل النير الذي أنتم سببه، والبرهان الواضح الذي ~~إليكم مرجعه، لم يكن لنا عند الناس إلا توقع ثمرة الحب، ونتيجة جميل الرأي، ~~وانتظار ما عليه مجازاة القلوب. # وبقدر الإنعام تجود النفوس بالمودة، وبقدر المودة تنطلق الألسن بالمدحة. # وهذه الوسيلة أكثر الوسائل وأقواها في نفسي: أني لم أصل سببي بمحرم غمر ~~ولا بمبخل غفل، ولا بضيق العطن حديث الغنى، ولا بزمر المروة مستنبط الثرى؛ ~~بل وصلته بحمال أثقال ومقارع أبطال، وبمن ولد في اليسر وربي فيه، وجرى منه ~~على عرق ونزع إليه. ### || فصل منها # ولا خير في سمين لا يحتمل هزال أخيه، وصحيح لا يجبر كسر صاحبه. PageV04P199 ### || فصل منها # وقد تنقسم المودة إلى ثلاث منازل: # منها: ما يكون على اهتزاز الأريحية ~~وطبع الحرية. # ومنها: ما يكون على قدر فرط وسائل الفاقة ومنها: مايحسن موقعه على قدر ~~طباع الحرص وجشع النفس. # فأرفعها منازل حب المشغوف شكر النعمة. وهو الذي يدوم شكره، ويبقى على ~~الأيام وده. والثاني هو الذي إنما اشتد حبه على قدر موضع المال من قلب ~~الحريص الجشع، واللئيم الطمع. فهذا الذي لا يشكر، وإن شكر لم يشكر إلا ~~ليستزيد، ولم يمدح إلا ليستمد. وعلى أنه لا يأتي الحمد إلا زحفا، ولا يفعله ~~إلا تكلفا. # وأنا أسأل الله الذي قسم له أفضل الحظوظ في الإنعام، أن يقسم لنا أفضل ~~الحظوظ في الشكر. وما غاية قولنا هذا ومدار أمرنا إلا على طاعة توجب ~~الدعاء، وحرية توجب الثناء، شاكرين كنا أو منعمين، وراجين كنا أو مرجوين. # ومن صرف الله حاجته إلى الكرام، وعدل به عن اللئام فلا يعدن نفسه في ~~الراغبين ولا في ms223 الطالبين المؤملين، لأن من لم يجرع مرارة المطال، ولم يمد ~~للرحيل التسويف، ويقطع عنقه بطول الانتظار، PageV04P200 ~~ويحمل مكروه ذل السؤال، ويحمل على طمع يحثه يأس، كان خارجا من حدود ~~المؤملين. # ومن استولى على طمعه الثقة بالإنجاز، وعلى طلبته اليقين بسرعة الظفر، ~~وعلى ظفره الجزيل من الإفضال، وعلى إفضاله العلم بقلة التثريب، بالسلام من ~~التنغيص بالتماس الشكر، وبالبكور وبالرواح وبالخضوع إذا دخل، والاستكانة ~~إذا جلس. ثم مع ذلك لم يكن ما أنعم به عليه ثوابا لسالف يد، ولا تعويضا من ~~كد، كانت النعمة محضة خالصة، ومهذبة صافية، وهب نعمتكم التي ابتدأتمونا ~~بها. # ولا تكون النعمة سابغة ولا الأيدي شاملة، ولا الستر كثيفا ذيالا، وكثير ~~العرض مطبقا، ودون الفقر حاجزا، وعلى الغنى ملتحفا، حتى يخرج من عندكم، ثم ~~يحتسب إلى شاكر حر. ### || فصل منها # وأنتم قوم تقدمتم بابتناء المكارم في حال المهلة، وأخذتم لأنفسكم فيها ~~بالثقة على مقادير ما مكنتم الأواخي، ومددتم الأطناب، وثبتم القواعد. ولذلك ~~قال الأول: PageV04P201 # عزمت على إقامة ذي صباح %~% لأمر ما يسود من يسود # وأبو الفرج - أعزه الله - فتى العسكرين، وأديب المصرين جمع أريحية ~~الشباب، ونجابة الكهول، ومحبة السادة، وبهاء القادة وأخلاق الأدباء، ورشاقة ~~عقول الكتاب، والتغلغل إلى دقائق الصواب، والحلاوة في الصدور، والمهابة في ~~العيون، والتقدم في الصناعة، والسبق عند المحاورة، شقيق أبيه وشبه جده، حذو ~~النعل بالنعل، والقذة بالقذة. لم يتأخر عنهما إلا في ما لا يجوز أن ~~يتقدمهما فيه، ولم يقصر عن شأوهما إلا بقدر ما قصرا عن سنخهما، وهم وإن ~~قصروا عن مدى آبائهم، وعن غايات أوائلهم، فلم يقصروا عن جلة الرؤساء، وأهل ~~السوابق من الكبراء، ولست ترى تاليهم إلا سابقا، ومصليهم إلا للغاية ~~مجاوزا. ليس فيهم سكيت ولا مبهور ولا منقطع، قد نقحت أعراقهم من الإقراف ~~والهجنة، ومن الشوب ولؤم العجمة. # ومتى عاينت أبا الفرج وكماله، ورأيت ديباجته وجماله، علمت أنه لم يكن في ~~ضرائبهم وقديم نجلهم، خارجي النسب، ولا مجهول PageV04P202 ~~المركب، ولا بهيم مصمت، ولا كثير الأوضاح مغرب، بل لا ترى إلا ms224 كل أغر ~~محجل، وكل ضخم المحزم هيكل. # إني لست أخبر عن الموتى ولا أستشهد الغيب، ولا أستدل بالمختلف فيه ولا ~~الغامض الذي تعظم المؤنة في تعرفه، والشاهد لقولي يلوح في وجوههم، والبرهان ~~على دعواي ظاهر في شمائلهم؛ والأخبار مستفيضة، والشهود متعاونة. # وأنت حين ترى عتق تلك الديباجة، ورونق ذلك المنظر، علمت أن التالد هو ~~قياد هذا الطارف. # أما أنا فلم أر لأبي الفرج - أدام الله كرامته - ذاما ولا شائنا ولا ~~عائبا ولا هاجيا، بل لم أجد مادحا قط إلا ومن سمع تسابق إلى PageV04P203 ~~تلك المعاني، ولا رأيت واصفا له قط إلا وكل من حضر يهش له ويرتاح لقوله. ~~قال الطرماح: # هل المجد إلا السودد العود والندى %~% ورأب الثأى والصبر عند المواطن # ولكن هل المجد إلا كرم الأرومة والحسب، وبعد الهمة، وكثرة الأدب، والثبات ~~على العهد إذا زلت الأقدام، وتوكيد العقد إذا انحلت معاقد الكرام، وإلا ~~التواضع عند حدوث النعمة، واحتمال كل العثرة، والنفاذ في الكتابة، والإشراف ~~على الصناعة. # والكتاب هو القطب الذي عليه مدار علم ما في العالم وآداب الملوك، وتلخيص ~~الألفاظ، والغوص على المعاني السداد، والتخلص إلى إظهار ما في الضمائر ~~بأسهل القول، والتمييز بين الحجة والشبهة وبين المفرد والمشترك، وبين ~~المقصور والمبسوط، وبين ما يحتمل التأويل مما لا يحتمله، وبين السليم ~~والمعتل. # فبارك الله لهم فيما أعطاهم، ورزقهم الشكر على ما خولهم، وجعل ذلك موصولا ~~بالسلامة، وبما خط لهم من السعادة، إنه سميع قريب، فعال لما يريد. PageV04P204 ### | 22- من كتابه في استحقاق الإمامة PageV04P205 ### || فصل من صدر كتابه في استحقاق الإمامة # بعون الله تعالى نقول، وإليه نقصد، وإياه ندعو، وعلى الله قصد السبيل. # أعلم أن الشيعة رجلان: زيدي، ورافضي، وبقيتهم نزر جاء لازما لهم. وفي ~~الإخبار عنهما غنى عمن سواهما. # قالت علماء الزيدية: وجدنا الفضل في الفعل دون غيره، ووجدنا الفعل كله ~~على أربعة أقسام: # أولها القدم في الإسلام، حيث لا رغبة ولا رهبة إلا من ~~الله تعالى وإليه. # ثم الزهد في الدنيا، فإن أزهد الناس في الدنيا أرغبهم في ms225 الآخرة وآمنهم ~~على نفيس المال، وعقائل النساء، وإراقة الدماء. # ثم الفقه الذي به يعرف الناس مصالح دنياهم، ومراشد دينهم. # ثم المشي بالسيف كفاحا بالذب عن الإسلام، وتأسيس الدين، وقتل عدوه، ~~وإحياء وليه. فليس وراء بذل المهجة واستفراغ القوة غاية يطلبها طالب، ~~ويرتجيها راغب. PageV04P207 ~~ولم نجد فعلا خامسا فنذكره. فمتى رأينا هذه الخصال مجتمعة في رجل دون ~~الناس كلهم وجب علينا تفضيله عليهم، وتقديمه دونهم # وذلك أنا إذا سألنا ~~العلماء والفقهاء، وأصحاب الأخبار وحمال الآثار، عن أول الناس إسلاما، قال ~~فريق منهم: علي. وقال فريق منهم: أبو بكر. وقال آخرون: زيد بن حارثة. وقال ~~قوم: خباب. ولم نجد كل واحد من هذه الفرق قاطعا لعذر صاحبه، ولا ناقلا له ~~عن مذهبه، وإن كانت الرواية في تقدم علي أكثر، واللفظ به أظهر. # وكذلك إذا سألناهم عن الذابين عن الإسلام بمهجهم، والماشين إلى الأقران ~~بسيوفهم، وجدناهم مختلفين. فمن قائل يقول: علي، ومن قائل يقول: الزبير، ومن ~~قائل يقول: ابن عفراء، ومن قائل يقول: أبو دجانة، ومن قائل يقول: محمد بن ~~مسلمة، ومن قائل يقول: طلحة، ومن قائل يقول: البراء بن مالك. # على أن لعلي - رضي الله عنه - من قتل الأقران والفرسان والأكفاء، ما ليس ~~لهم، فلا أقل من أن يكون في طبقتهم. # وإن نحن سألناهم عن الفقهاء قالوا: علي، وعمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، ~~وأبي بن كعب. على أن عليا كان أفقههم، لأنه كان يسأل PageV04P208 ~~ولا يسأل، ويفتي ولا يستفتي، ويحتاج إليه ولا يحتاج إليهم، ولكن لا أقل ~~من أن نجعله في طبقتهم وكأحدهم. # وإن نحن سألناهم عن أهل الزهادة وأصحاب التقشف، والمعروفين برفض الدنيا ~~وخلعها والزهد فيها، قالوا: علي، وأبو الدرداء، ومعاذ، وأبو ذر، وعمار، ~~وبلال، وعثمان بن مظعون. على أن عليا أزهدهم؛ لأنه شاركهم في خشونة الملبس ~~وخشونة المأكل، والرضا باليسير، والتبلغ بالحقير وظلف النفس عن الفضول، ~~ومخالفة الشهوات. وفارقهم بأن ملك بيوت الأموال، ورقاب العرب والعجم، فكان ~~ينضح بيت المال في كل جمعة، ويصلي فيه ركعتين. ورقع سراويله بأدم، ms226 وقطع ما ~~فضل من كميه عن أطراف أصابعه بالشفرة، في أمور كثيرة. مع أن زهده هو أفضل ~~من زهدهم؛ لأنه أعلم منهم. وعبادة العالم ليست كعبادة غيره، كما أن زلته ~~ليست كزلة غيره، فلا أقل من أن يعد في طبقتهم. # ولم نجدهم ذكروا لأبي بكر، وزيد، وخباب، مثل الذي ذكروا له من بذل النفس ~~والعناء، والذب عن الإسلام بالسيف، ولا ذكروهم في طبقة الفقهاء وأهل القدم ~~في الإسلام. ولم نجدهم ذكروا لابن عفراء، والزبير، وأبي دجانة، والبراء بن ~~مالك، مثل الذي ذكروا له من التقدم في الإسلام والزهد والفقه. ولا ذكروا ~~أبا بكر، وزيدا، PageV04P209 ~~وخبابا، في طبقة عمرو بن مسعود، وأبي بن كعب، كما ذكروا عليا في طبقتهم. ~~ولا ذكروا أبا بكر، وزيدا، وخبابا، في طبقة معاذ، وأبي الدرداء، وأبي، ~~وعمار، وبلال، وعثمان بن مظعون، كما ذكروا عليا في طبقتهم. # فلما رأينا هذه الأمور مجتمعة فيه، ومتفرقة في غيره من أصحاب هذه ~~المراتب، وأهل هذه الطبقات، الذين هم الغايات، علمنا أنه أفضل، وأن كل واحد ~~منهم وإن كان قد أخذ من كل خير بنصيب، فإنه لن يبلغ مبلغ من قد اجتمع له ~~الخير وصنوفه. # فهذا دليل هذه الطبقة من الزيدية على تفضيل علي - رضوان الله عليه - ~~وتقديمه على غيره. # وزعموا أن عليا كان أولاهم بالخلافة، إلا أنهم كانوا على غيره أقل فسادا ~~واضطرابا، وأقل طعنا وخلافا. وذلك أن العرب وقريشا كانوا في أمره على ~~طبقات: # فمن رجل قد قتل علي أباه أو ابنه، أو أخاه أو ابن عمه، أو حميمه أو ~~صفيه، أو سيده أو فارسه، فهو بين مضطغن قد أصر على حقده، ينتظر الفرصة ~~ويترقب الدائرة، قد كشف قناعه، وأبدى عداوته. # ومن رجل قد زمل غيظه وأكمل ضغنه، يرى أن سترهما في نفسه، PageV04P210 ~~ومداراة عدوه، أبلغ في التدبير، وأقرب من الظفر، فإن ما يجزيه أدنى علة ~~تحدث، وأول تأويل يعرض، أو فتنة تنجم؛ فهو يرصد الفرصة ويترقب الفتنة، حتى ~~يصول صولة الأسد، ويروغ روغان الثعلب، فيشفي غليله، ويبرد ثائره. ms227 # وإذا كان العدو كذلك كان غير مأمون عليه سرف الغضب، وإن يموه له الشيطان ~~الوثوب، ويزين له الطلب؛ لأنه قد عرف مأتاه، وكيف يختله من طريق هواه. فإذا ~~كان القلب كذلك اشتد تحفظه ولم يقو احتراسه، وكان بعرض هلكة وعلى جناح ~~تغرير؛ لأنه منقسم الرأي متفرق النفس، قد اعتلج على قلبه غيظ الثأر على قرب ~~عهده بأخلاق الجاهلية، وعادة العرب من الثأر وتذكر الأحقاد والأمر القديم، ~~وشدة التصميم. # ومن رجل غمته حداثته، وأنف أن يلي عليه أصغر منه. # ومن رجل عرف شدته في أمره، وقلة اغتفاره في دينه، وخشونة مذهبه. # ومن رجل كره أن يكون الملك والنبوة يثبتان في نصاب واحد، وينبتان في مغرس ~~واحد، لأن ذلك أقطع لأطماع قريش أن يعود الملك PageV04P211 ~~دولة في قبائلها، ومن قريش خاصة في بني عبد مناف، الأقرب فالأقرب، ~~والأدنى فالأدنى، لأن الرحم كلما كانت أمس، والجوار أقرب، والصناعة أشكل، ~~كان الحسد أشد، والغيظ أفرط. فكان أقرب الأمور إلى محبتهم إخراج الخلافة من ~~ذلك المعدن، ترفيها عن أنفسهم من ألم الغيظ، وكمد الحسد. ### || فصل منها # وضرب من الناس همج هامج، ورعاع منتشر، لا نظام لهم، ولا اختيار عندهم، ~~وأعراب أجلاف، وأشباه الأعراب، يفترقون من حيث يجتمعون، ويجتمعون من حيث ~~يفترقون، لا تدفع صولتهم إذا هاجوا، ولا يؤمن تهيجهم إذا سكنوا. إن أخصبوا ~~طغوا في البلاد وإن أجدبوا آثروا العناد. هم موكلون ببغض القادة، وأهل ~~الثراء والنعمة، يتمنون له النكبة، ويشمتون بالعشيرة، ويسرون بالجولة، ~~ويترقبون الدائرة. # فلما كان الناس عند علي وأبي بكر على الطبقات التي نزلنا، والمراتب التي ~~رتبنا، أشفق علي أن يظهر إرادة القيام بأمر الناس مخافة أن يتكلم متكلم أو ~~يشغب شاغب، فدعاه النظر للدين إلى الكف عن PageV04P212 ~~الإظهار، والتجافي عن الأمر، فاغتفر المجهول ضنا بالدين، وإيثارا للآجلة ~~على العاجلة. # فدل ذلك على رجاجة حلمه، وقلة حرصه، وسعة صدره، وشدة زهده، وفرط سماحته، ~~وأصالة رأيه. # وعلم أن هلكتهم لا تقوم بإزاء صرف ما بين حاله وحال أبي بكر في مصلحتهم. ~~وقد علم ms228 بعد ذلك أن مسيلمة قد أطبق عليه أهل اليمامة ومن حولها من أهل ~~البادية، وهم القوم الذين لا يصطلى بنارهم، ولا يطمع في ضعفهم وقلة عددهم، ~~فكان الصواب ما رآه علي من الكف عن تحريك الهرج، إذ أبصر أسباب الفتن ~~شارعة، وشواكل الفساد بادية، ولو هرج القوم هرجة وحدثت بينهم فرقة، كان حرب ~~بوارهم أغلب من الطمع في سلامتهم. # وقد كان أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة، وفضلاء أصحابه، يعرفون PageV04P213 ~~من تلك الآراء شبيها بما يعرفه علي، فعلموا أن أول أحكام الدين المبادرة ~~إلى إقامة إمام المسلمين، لئلا يكونوا نشرا، ولئلا يجعلوا للمفسدين علة ~~وسببا. فكان أبو بكر أصلح الناس لها بعد علي، فأصاب في قيامه، والمسلمون في ~~إقامته، وعلي في تسويغه والرضا بولايته منعقدة منه على الإسلام وأهله. فلما ~~قمع الله تعالى أهل الردة بسيف النقمة، وأباد النفاق، وقتل مسيلمة وأسر ~~طلحة، ومات أصحاب الأوتار، وفنيت الضغائن، راح الحق إلى أهله، وعاد الأمر ~~إلى صاحبه. # قالوا: وقد يكون الرجل أفضل الناس ويلي عليه من هو دونه في الفضل حتى ~~يكلفه الله طاعته وتقديمه: إما للمصلحة والإشفاق من الفتنة كما ذكرنا ~~وفسرنا، وإما للتغليط في المحنة وتشديد البلوى والكلفة، كما قال الله تعالى ~~للملائكة: " اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ". والملائكة أفضل ~~من آدم، ولأن جبريل وميكائيل وإسرافيل عند الله من المقربين قبل خلق آدم ~~بدهر طويل، لما قدمت من العبادة واحتملت من ثقل الطاعة. وكما ملك الله ~~طالوت على PageV04P214 ~~بني إسرائيل وفيهم يومئذ داود نبي الله صلى الله عليه وسلم، وهو نبيهم ~~الذي أخبر الله عنه في القرآن بقوله تعالى: " إن الله قد بعث لكم طالوت ~~ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا " إلى آخر الآية. PageV04P215 ### | 23- من رسالته في استنجاز الوعد PageV04P217 ### || فصل من صدر رسالته في استنجاز الوعد # قد شاع الخبر وسار المثل بقولهم: " اطلبوا الحاجات من حسان الوجوه ". # فإن كان الوجه إنما وقع على الوجه الذي فيه الناظر والسامع، والشام ~~والذائق، إذا كان حسنا جميلا، وعتيقا بهيا، فوجهك ms229 الذي لا يخيل على أحد ~~كماله، لا يخطىء حواله. # وإن كان ذكر الوجه إنما يقع على حسن وجه المطلب وجماله على جهة الرغبة؛ ~~وإن كان ذلك على طريق المثل، وعلى سبيل اللفظ المشتق من اللفظ، والفرع ~~المأخوذ من الأصل، فوجه المطلب إليك أفضل الوجوه وأسناها، وأصونها وأرضاها. ~~وهو المنهج الفسيح والمتجر الربيح؛ وجماله ظاهر، ونفعه حاضر، وخيره غامر، ~~إلا أن الله تعالى قرنه مع ذلك باليمن، وسهله باليسر، وحببه بالبشر الحسن، ~~ودعا إليه بلين الخطاب، وأظهر في أسمائكم وأسماء آبائكم وفي كناكم وكنى PageV04P219 ~~إخوانكم، من برهان الفأل الحسن ونفي الطيرة السيئة ما جمع لكم به صنوف ~~الأمل، وصرف إليكم وجوه المطالب؛ فاجتمع فيكم تمام القوام وبراعة الجمال، ~~والبشر عند اللقاء، ولين الخطاب والكنف للخلطاء، وقلة البذخ بالمرتبة ~~الرفيعة، والزيادة في الإنصاف عند النعمة الحادثة. فجعل الناس وعدكم من ~~أكرم الوعد، وعقدكم من أوثق العقد، وإطماعكم من أصح الإنجاز. وعلموا أنكم ~~تؤيسون في مواضع اليأس، وتطمعون في مواضع الضمان، وأن الأمور عندكم موزونة ~~معدلة، والأسباب مقدرة محصلة. # هذا مع الصولة والتصميم في موضع التصميم. # والتقية أحزم، والصفح إذا كان الصفح أكرم، والرحمة لمن استرحم، والعقاب ~~لمن صمم. # ثم المعرفة بفرق ما بين اعتزام الغمر واعتزام المستبصر، وفصل ما بين ~~اعتزام الشجاع والبطل، وبين إقدام الجاهل والمتهور. # وقد علم الناس بما شاهدوه منكم، وعاينوه من تدبير، وعرفوه من PageV04P220 ~~تصرف حالاتكم، أني لم أتزيد لكم، ولم أتكلف فيكم ما ليس عندكم. وخير ~~المديح ما وافق جمال الممدوح، وأصدق الصفات ما شاكل مذهب الموصوف، وشهد له ~~أهل العيان الظاهر، والخبر المتظاهر. ومتى خالف هذه القضية وجانب الحقيقة، ~~ضار المادح ولم ينفع الممدوح. # هذا إلى الثبات على العهد، وإحكام العقد، مع الوفاء العجيب، والرأي ~~المصيب، وتمام ذلك وكماله، وسناء ذلك وبهائه، وكثرة الشهود لكم، وإجماع ~~الناس على ذلك فيكم. # ومن قبل لنفسه مديحا لا يعرف به كان كمادح نفسه. ومن أثاب الكذابين على ~~كذبهم كان شريكهم في إثمهم، وشقيقهم في سخفهم، بل كان المحتقب لكبره، ms230 ~~المحتمل لوزره، إذ كان المثيب عليه والداعي إليه. # معاذ الله أن نقول إلا معروفا غير مجهول، ونصف إلا صحيحا PageV04P221 ~~غير مدخول، أو نكون ممن يتودد بالملق، ويتقحم على أهل الأقدار شرها إلى ~~مال، أو حرصا على تقريب. وأبعد الله الحرص وأخزى الشره والطمع! # فإن شك شاك ~~أو توقف مرتاب فليعترض العامة، وليتصفح ما عند الخاصة حتى يتبين الصبح. # وقالوا في تأديب الولاة وتقديم تدبير الكفاة: " إذا أبردتم البريد ~~فاجعلوه حسن الوجه، حسن الاسم ". فكيف إذا قارن حسن الوجه وحسن الاسم كرم ~~الضريبة، وشرف العرق. # وأعيان الأعراق الكريمة، والأخلاق الشريفة، إذا استجمعت هذا الاستجماع، ~~واقترنت هذا الاقتران، كان أتم للنعمة، وأبرع للفضيلة وكانت الوسيلة إليها ~~أسهل، والمأخذ نحوها أقرب، والأسباب أمتن. # فإذا انتظمت في هذا السلك، وجمعها هذا النظم، كان الذي يبرد البريد أولى ~~بها من البريد، وكان مقوم البلاد أحق بها من حاشيته الكفاة، إذ التأميل لا ~~يجمع أوجه الصواب، ولا يحصي مخارج الأسباب، ولا يظهر برهانه ويقوى سلطانه، ~~حتى يصيب المعدن. PageV04P222 ~~ولن يكون موضع الرغبة معدنا إلا بعد اشتماله على ترادف خصال الشرف وبعد ~~أن يتوافى إليه معاني الكرم بالأعراق الكريمة، والعادات الحسنة، على حادث ~~يشهد لمتقادم، وطارف يدل على تالد. # فإذا كان الأمل يخبر بالحسب فالحسب ثاقب، والمجد راسخ. وإن كان الشأن في ~~صناعة الكلام وفي القدم والرياسة، وفي خلف يأثره عن سلف، وآخر يلقاه عن ~~أول، فلكم ما لا يذهب عنه جاحد، ولا يستطيع جحده معاند. ### || فصل منها # وأسماؤكم وكناكم بين فرج ونجح، وبين سلامة وفضل، ووجوهكم وفق أسمائكم، ~~وأخلاقكم وفق أعراقكم، لم يضرب التفاوت فيكم بنصيب. # وبعد هذا فإني أستغفر الله من تفريطي في حقوقكم، وأستوهبه طول رقدتي عما ~~فرضته لكم. # ولا ضير إن كان هذا الذي قلنا على إخلاص وصحة عهد، وعلى صدق سيرة وثبات ~~عقد. ينبو السيف وهو حسام، ويكبو الطرف وهو جواد، وينسى الذكور، ويغفل ~~الفطن. PageV04P223 # ونعوذ بالله تعالى من العمى بعد البصيرة، والحيرة بعد لزوم الجادة. # كان أبو الفضل - أعزه الله - على ms231 ما قد بلغك من التبرع بالوعد وسرعة ~~الإنجاز وتمام الضمان. وعلى الله تمام النعمة والعافية. # وكان - أيده الله - في حاجتي، كما وصف زيد الخيل نفسه حين يقول: # وموعدتي حق كأن قد فعلتها %~% متى ما أعد شيئا فإني لغارم # وتقول العرب: " من أشبه أباه فما ظلم "، تقول: لم يضع الشبه إلا في ~~موضعه، لأنه لا شاهد أصدق على غيب نسبه وخفي نجله من الشبه القائم فيه، ~~الظاهر عليه. # وقد تقيلت - أبقاك الله - شيخك: خلقه وخلقه، وفعله وعزمه، وعز الشهامة، ~~والنفس التامة. PageV04P224 ~~ومرجع الأفعال إلى الطبائع، ومدار الطبائع على جودة اليقين وقوة المنة، ~~وبهما تتم العزيمة، وتنفذ البصيرة. # هذا مع ما قسم الله لك من المحبة ومنحك من المقة، وسلمك عنه من المذمة. # والله لو لم يكن فيكم من خصال الحرية وخلال النفوس الأبية إلا أنكم لا ~~تدينون بالنفاق، ولا تعدون بالكذب ولا تستعملون المواربة في موضع ~~الاستقامة، وحيث تجب الثقة. # ولا يكون حظ الأحرار بالمواعيد صرفا، ولا تتكلون على ملالة الطالب، ولا ~~عجز الراغب، إذا استنفدت أيامه، وعجزت نفقته، وماتت أسبابه، بل تعجلون لهم ~~الراحة عند تعذر الأمور إليكم بالإياس، وتحققون أطماعهم عند إمكان الأمور ~~لكم بالإنجاح. ### || فصل منها # وإنك والله - أيها الكريم المأمول، والمستعطف المسئول - لا تزرع PageV04P225 ~~المحبة إلا وتحصد الشكر، ولا تكثر المودات إلا إذا أكثر الناس الأموال، ~~ولا يشيع لك طيب الأحدوثة وجمال الحال في العشيرة، إلا لتجرع مرار المكروه. ~~ولن تنهض بأعباء المكارم التي توجبها النعمة وتفرضها المرتبة حتى تستشعر ~~التفكر في التخلص إلى إغنائهم، والقيام بحسن ظنهم، وحتى ترحمهم من طول ~~الانتظار، وترق عليهم من موت الأمل وإحياء القنوط، وحتى تتغلغل ذلك بالحيل ~~اللطيفة، والعناية الشديدة الشريفة، وحتى تتوخى الساعات، وتنتهز الفرص في ~~الحالات، وتتخير من الألفاظ أرقها مسلكا، وأحسنها قبولا، وأجودها وقوعا. PageV04P226 ### | 24- من رسالته في تفضيل النطق على الصمت PageV04P227 ### || فصل من صدر رسالته في تفضيل النطق على الصمت # أمتع الله بك وأبقى نعمه عندك؛ وجعلك ممن إذا عرف الحق انقاد له، وإذا ~~رأى الباطل أنكره ms232 وتزحزح عنه. # قد قرأت كتابك فيما وصفت من فضيلة الصمت، وشرحت من مناقب السكوت، ولخصت ~~من وضوح أسبابهما، وأحمدت من منفعة عاقبتهما وجريت في مجرى فنون الأقاويل ~~فيهما، وذكرت أنك وجدت الصمت أفضل من الكلام في مواطن كثيرة وإن كان صوابا، ~~وألفيت السكون أحمد من المنطق في مواضع جمة، وإن كان حقا. # وزعمت أن اللسان من مسالك الخنا، الجالب على صاحبه البلا # وقلت: إن حفظ ~~اللسان أمثل من التورط في الكلام. # وسميت الغبي عاقلا، والصامت حليما، والساكت لبيبا، والمطرق مفكرا. وسميت ~~البليغ مكثارا والخطيب مهذارا والفصيح مفرطا، والمنطيق مطنبا. PageV04P229 # وقلت: إنك لم تندم على الصمت قط، وإن كان منك عيا، وأنك ندمت على الكلام ~~مرارا وإن كان منك صوابا. # واحتجاجك في ذلك بقول كسرى أنو شروان، واعتصامك فيها بما سار من أقاويل ~~الشعراء والمتسق من كلام الأدباء، وإفراطهم في مذمة الكلام، وإطنابهم في ~~محمدة السكوت. # وأتيت - حفظك الله - على جميع ما ذكرت من ذلك، ووصفت ولخصت، وشرحت وأطنبت ~~فيها وفرطت بالفهم، وتصفحتها بالعلم، وبحثت بالحزم، ووعيت بالعزم، فوجدتها ~~كلام امرىء قد أعجب برأيه وارتطم في هواه، وظن أنه قد نسج فيها كلاما، وألف ~~ألفاظا ونسق له معاني على نحو مأخذه. # ومقصده أن لا يلفي له ناقضا في دهره بعد أن أبرمها، ولا يجد فيها مناويا ~~في عصره بعد أن أحكمها. وأن حجته قد لزمت جميع الأنام، ودحضت حجة قاطبة أهل ~~الأديان، لما شرح فيها من البرهان، وأوضح بالبيان. وحتى كان القول من ~~القائل نقضا، ورفع الوصف من الواصف تغلبا، وكان في موضع لا ينازعه فيه أحد، ~~وقلما يجد PageV04P230 ~~من يخاصمه، ولا يلفي أبدا من يناضله، وصار فلجا بحجته أوحديا في لهجته، ~~إذ كان محله محل الوحدة، والأنس بالخلوة، وكان مثله في ذلك مثل من تخلص إلى ~~الحاكم وحده فلج بحجته. # وإني سأوضح ذلك ببرهان قاطع، وبيان ساطع، وأشرح فيه من الحجج ما يظهر، ~~ومن الحق ما يقهر، بقدر ما أتت عليه معرفتي، وبلغته قوتي، وملكته طاقتي، ~~بما لا يستطيع أحد ms233 رده، ولا يمكنه إنكاره وجحده. ولا قوة إلا بالله، وبه ~~أستعين، وعليه أتوكل وإليه أنيب. # إني وجدت فضيلة الكلام باهرة، ومنقبة المنطق ظاهرة، في خلال كثيرة، وخصال ~~معروفة. # منها: أنك لا تؤدي شكر الله ولا تقدر على إظهاره إلا بالكلام. # ومنها: أنك لا تستطيع العبارة عن حاجاتك والإبانة عن ماربك إلا باللسان. ~~وهذان في العاجل والآجل مع أشياء كثيرة لو ينحوها الإنسان لوجدها في ~~المعقول موجودة، وفي المحصول معلومة PageV04P231 ~~وعند الحقائق مشتهرة، وفي التدبير ظاهرة. # ولم أجد للصمت فضلا على الكلام مما يحتمله القياس، لأنك تصف الصمت ~~بالكلام، ولا تصف الكلام به. ولو كان الصمت أفضل والسكوت أمثل لما عرف ~~للآدميين فضل على غيرهم، ولا فرق بينهم وبين شيء من أنواع الحيوان وأخياف ~~الخلق في أصناف جواهرها واختلاف طبائعها، وافتراق حالاتها وأجناس أبدانها ~~في أعيانها وألوانها. بل لم يمكن أن يميز بينهم وبين الأصنام المنصوبة ~~والأوثان المنحوتة، وكان كل قائم وقاعد، ومتحرك وساكن، ومنصوب وثابت، في ~~شرع سواء ومنزلة واحدة، وقسمة مشاكلة؛ إذ كانوا في معنى الصمت بالجثة ~~واحدا، وفي معنى الكلام بالمنطق متباينا. ولذلك صارت الأشياء مختلفة في ~~المعاني، مؤتلفة الأشكال، إذ كانت في أشكال خلقتها متفقة بتركيب جواهرها، ~~وتأليف أجزائها، وكمال أبدانها، وفي معنى الكمال متباينة عند مفهوم ~~نغماتها، ومنظوم ألفاظها، وبيان معالمها وعدل شواهدها. PageV04P232 # مع أني لم أنكر فضيلة الصمت، ولم أهجن ذكره إلا أن فضله خاص دون عام، ~~وفضل الكلام خاص وعام، وأن الاثنين إذا اشتمل عليهما فضل كان حظهما أكثر، ~~ونصيبهما أوفر من الواحد. ولعله أن يكون بكلمة واحدة نجاة خلق، وخلاص أمة. # ومن أكثر ما يذكر للساكت من الفضل، ويوصف له من المنقبة أن يقال يسكت ~~ليتوقى به عن الإثم، وذلك فضل خاص دون عام. # ومن أقل ما يحتكم عليه أن يقال غبي أو جاهل، فيكون في ذلك لازم ذنب على ~~التوهم به، فيجتمع مع وقوع اسم الجاهل عليه ما ورط فيه صاحبه من الوزر. # والذي ذكر من تفضيل الكلام ما ينطق به القرآن، ms234 وجاءت فيه الروايات عن ~~الثقات، في الأحاديث المنقولات، والأقاصيص المرويات، والسمر والحكايات، وما ~~تكلمت به الخطباء ونطقت فيه البلغاء أكثر من أن يبلغ آخرها، ويدرك أولها، ~~ولكن قد ذكرت من ذلك على قدر الكفاية، ومن الله التوفيق والهداية. # ولم نر الصمت - أسعدك الله - أحمد في موضع إلا وكان الكلام فيه أحمد، ~~لتسارع الناس إلى تفضيل الكلام، لظهور علته، ووضوح جليته، ومغبة نفعه. PageV04P233 # وقد ذكر الله جل وعز في قصة إبراهيم عليه السلام حين كسر الأصنام وجعلها ~~جذاذا، فقال حكاية عنهم: " قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم. قال بل ~~فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ". فكان كلامه سببا لنجاته، وعلة ~~لخلاصه، وكان كلامه عند ذلك أحمد من صمت غيره في مثل ذلك الموضع، لأنه عليه ~~السلام لو سكت عند سؤالهم إياه لم يكن سكوته إلا على بصر وعلم، وإنما تكلم ~~لأنه رأى الكلام أفضل، وأن من تكلم فأحسن قدر أن يسكت فيحسن، وليس من سكت ~~فأحسن قدر أن يتكلم فيحسن. # واعلم - حفظك الله - أن الكلام سبب لإيجاب الفضل، وهداية إلى معرفة أهل ~~الطول. # ولولا الكلام لم يكن يعرف الفاضل من المفضول، في معان كثيرة، لقول الله ~~عز وجل، في بيان يوسف عليه السلام وكلامه عند عزيز مصر، لما كلمه فقال: " ~~إنك اليوم لدينا مكين أمين ". فلو لم يكن يوسف عليه السلام أظهر فضله ~~بالكلام، والإفصاح بالبيان، مع محاسنه المونقة، وأخلاقه الطاهرة، وطبائعه ~~الشريفة، لما عرف العزيز فضله، ولا بلغ تلك المنزلة لديه، ولا حل ذلك المحل ~~منه، ولا صار PageV04P234 ~~عنده بموضع الأمانة، ولكان في عداد غيره ومنزلة سواه عند العزيز. ولكن ~~الله جعل كلامه سببا لرفع منزلته، وعلو مرتبته، وعلة لمعرفة فضيلته، ووسيلة ~~لتفضيل العزيز إياه. # ولم أر للصمت فضيلة في معنى ولا للسكوت منقبة في شيء إلا وفضيلة الكلام ~~فيها أكثر، ونصيب المنطق عندها أوفر، واللفظ بها أشهر. وكفى بالكلام فضلا، ~~وبالمنطق منقبة، أن جعل الله الكلام سبيل تهليله وتحميده، والدال على معالم ~~دينه وشرائع إيمانه، والدليل إلى ms235 رضوانه. ولم يرض من أحد من خلقه إيمانا ~~إلا بالإقرار، وجعل مسلكه اللسان، ومجراه فيه البيان، وصيره المعبر عما ~~يضمره والمبين عما يخبره، والمنبىء عن ما لا يستطيع بيانه إلا به. وهو ~~ترجمان القلب. والقلب وعاء واع. # ولم يحمد الصمت من أحد إلا توقيا لعجزه عن إدراك الحق والصواب في إصابة ~~المعنى. وإنما قاتل النبي صلى الله عليه وسلم المشركين عند جهلهم الله ~~تعالى وإنكارهم إياه، ليقروا به، فإذا فعلوه حقنت دماؤهم، وحرمت أموالهم، ~~ورعيت ذمتهم. ولو أنهم سكتوا ضنا بدينهم لم يكن سبيلهم إلا العطب. PageV04P235 # فاعلم أن الكلام من أسباب الخير لا من أسباب الشر. # والكلام - أبقاك الله - سبيل التمييز بين الناس والبهائم، وسبب المعرفة ~~لفضل الآدميين على سائر الحيوان، قال الله عز وجل: " ولقد كرمنا بني آدم ~~وحملناهم في البر والبحر ". كرمهم باللسان وجملهم بالتدبر. # ولو لم يكن الكلام لما استوجب أحد النعمة، ولا أقام على أداء ما وجب عليه ~~من الشكر سببا للزيادة، وعلة لامتحان قلوب العباد. والشكر بالإظهار في ~~القول، والإبانة باللسان. ولا يعرف الشكر إلا بهما. # والله تعالى يقول: " ~~لئن شكرتم لأزيدنكم "، فجعل الشكر علة لوجوب الزيادة، عند إظهاره بالقول، ~~والحمد مفتاحا للنعمة. # وقد جاء في بعض الآثار: لو أن رجلا ذكر الله تعالى وآخر يسمع له كان ~~المعدود للمستمع من الأجر، والمذكور له من الثواب واحدا وللمتكلم به عشرة ~~أو أكثر. # فهل ترى - أبقاك الله - أنه وجب لصاحب العشر ذلك وفضل PageV04P236 ~~به على صاحبه إلا عند استعماله بالنطق به لسانه. ولم يلزم الصمت أحد إلا ~~على حسب وقوع الجهل عليه. فأما إذا كان الرجل نبيها مميزا، عالما مفوها ~~فالصمت مهجن لعلمه وساتر لفضله. كالقداحة لم يستبن نفعها دون تزنيدها. ~~ولذلك قيل: " من جهل علما عاداه ". ### || فصل منها # ولم أجد الصامت مستعانا به في شيء من المعاني، ولا مذكورا في المحافل. # ولم يذكر الخطباء ولا قدمتهم الوفود عند الخلفاء إلا لما عرفوه من فضل ~~لسانهم وفضيلة بيانهم. وإن أصح ما يوجد في المعقول، وأوضح ما ms236 يعد في ~~المحصول للعرب من الفضل، فصاحتها وحسن منطقها، بعد فضائلها المذكورة، ~~وأيامها المشهورة. # ولفضل الفصاحة وحسن البيان بعث الله تعالى أفضل أنبيائه وأكرم رسله من ~~العرب، وجعل لسانه عربيا، وأنزل عليه قرآنه عربيا، كما قال الله تعالى: " ~~بلسان عربي مبين ". فلم يخص اللسان بالبيان، ولم يحمد بالبرهان إلا عند ~~وجود الفضل في الكلام، وحسن العبارة عند المنطق، وحلاوة اللفظ عند السمع. # واعلم أن الله تعالى لم يرسل رسولا ولا بعث نبيا إلا من كان فضله PageV04P237 ~~في كلامه وبيانه كفضله على المبعوث إليه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أفصح العرب لسانا، وأحسنهم بيانا، وأسهلهم مخارج للكلام وأكثرهم فوائد من ~~المعاني؛ لأنه كان من جماهير العرب، مولده في بني هاشم، وأخواله من بني ~~زهرة، ورضاعه في بني سعد بن بكر، ومنشؤه في قريش، ومتزوجه في بني أسد بن ~~عبد العزى، ومهاجره إلى بني عمرو، وهم الأوس والخزرج من الأنصار. وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، ونشأت في بني ~~سعد بن بكر ". # ولو لم يكن مما عددنا من هؤلاء الأحياء إلا قريش وحدها لكان فيها مستغنى ~~عن غيرها، وكفاية عن من سواها، لأن قريشا أفصح العرب لسانا وأفضلها بيانا، ~~وأحضرها جوابا، وأحسنها بديهة، وأجمعها عند الكلام قلبا. # ثم للعرب أيضا خصال كثيرة، ومشاهد كثيرة، مما يشاكل هذا الباب، ويضارع ~~هذا المثال، حذفت ذكرها خوف التطويل فيها. PageV04P238 ### || فصل منها # فهذه كلها دلائل على دحض حجتك ونقض قضيتك. وإنما أرسل الله تعالى رسله ~~مبشرين ومنذرين الأمم، وأمرهم بالإبلاغ ليلزمهم الحجة بالكلام لا بالصمت، ~~إذ لا يكون للرسالة بلاغ ولا للحجة لزوم ولا للعلة ظهور إلا بالنطق. ### || فصل منها في صفة من يقدر على الإبانة # وليس يقوى على ذلك إلا امرؤ في طبيعته فضل عن احتمال نحيزته وفي قريحته ~~زيادة من القوة على صناعته، ويكون حظه من الاقتدار في المنطق فوق قسطه من ~~التغلب في الكلام، حتى لا يضع اللفظ الحر النبيل إلا على مثله من ms237 المعنى، ~~ولا اللفظ الشريف الفخم إلا على مثله من المعنى. نعم، وحتى يعطي اللفظ حقه ~~من البيان، ويوفر على الحديث قسطه من الصواب، ويجزل للكلام حظه من المعنى، ~~ويضع جميعها مواضعها، ويصفها بصفتها، ويوفر عليها حقوقها من الإعراب ~~والإفصاح. PageV04P239 ### || فصل منها # وبعد، فأي شيء أشهر منقبة وأرفع درجة وأكمل فضلا، وأظهر نفعا، وأعظم ~~حرمة، من شيء لولا مكانه لم يثبت لله ربوبية ولا لنبي حجة، ولم يفصل بين ~~حجة وشبهة، وبين الدليل وما يتجلى في صورة الدليل. # ثم به يعرف فضل الجماعة من الفرقة، والشبهة من البدعة، والشذوذ من ~~الاستفاضة. # والكلام سبب لتعرف حقائق الأديان، والقياس في تثبيت الربوبية وتصديق ~~الرسالة، والامتحان للتعديل والتجوير والاضطرار والاختيار. PageV04P240 ### | 25- من كتابه في صناعة الكلام PageV04P241 ### || فصل من صدر كتابه في صناعة الكلام # ذكرت - حفظك الله - تفضيلك صناعة الكلام، والذي خصصت به مذهب النظام، ~~وشغفك بالمبالغة في النظر، وصبابتك بتهذيب النحل، مع أنسك بالجماعة، ووحشتك ~~من الفرقة، والذي تم عليه عزمك من إدامة البحث والتنقير ومن حمل النفس على ~~مكروهها من التفكير، ومن الانتساب إليهم والتعرف بهم. والذي تهيأ لك من ~~الاحتساب في الأجر، والرغبة في صالح الذكر، والذي رأيت من النصب للرافضة ~~والمارقة، وطول مفارقة المرجئة والنابتة، ولكل من اعترض عليهم، وانحرف ~~عنهم، والذي يخص به الجبرية ويعم به المشبهة. # فيأيها المتكلم الجماعي، والمتفقه السني، والنظار المعتزني، الذي سمت ~~همته إلى صناعة الكلام مع إدبار الدنيا عنها، واحتمل ما في التعرض للعوام ~~من الثواب عليها، ولم يقنعه من الأديان إلا الخالص الممتحن ولا من النحل ~~إلا الإبريز المهذب، ولا من التمييز إلا المحض المصفى. والذي رغب بنفسه عن ~~تقليد الأغمار والحشوة، كما PageV04P243 ~~رغب عن ادعاء الإلهام والضرورة، ورغب عن ظلم القياس بقدر رغبته في شرف ~~اليقين: # إن صناعة الكلام علق نفيس، وجوهر ثمين، وهو الكنز الذي لا يفنى ولا ~~يبلى، والصاحب الذي لا يمل ولا يغل، وهو العيار على كل صناعة، والزمام على ~~كل عبارة، والقسطاس الذي به يستبان نقصان كل شيء ورجحانه، والراووق ms238 الذي به ~~يعرف صفاء كل شيء وكدره، والذي كل أهل علم عليه عيال، وهو لكل تحصيل آلة ~~ومثال. # ألا إنه ثغر والثغر محروس، وحمى والحمى ممنوع، والحرم مصون، ولن تصونه ~~إلا بابتذال نفسك دونه، ولن تمنعه إلا بأن تجود بمهجتك ومجهودك، ولن تحرسه ~~إلا بالمخاطرة فيه. والثواب على قدر المشقة، والتوفيق على مقدار حسن النية. # وكيف لا يكون حرما وبه عرفنا حرمة الشهر الحرام والحلال المنزل، والحرام ~~المفصل؟ ! وكيف لا يكون ثغرا وكل الناس لأهله عدو، وكل الأمم له مطالب. PageV04P244 # وأحق الشيء بالتعظيم، وأولاه بأن يحتمل فيه كل عظيم ما كان مسلما إلى ~~معرفة الصغير والكبير، والحقير والخطير، وأداة لإظهار الغامض، وآلة لتخليص ~~الغاشية، وسببا للإيجاز يوم الإيجاز والإطناب يوم الإطناب. # وبه يستدل على صرف ما بين الشرين من النقصان، وعلى فضل ما بين الخيرين من ~~الرجحان، والذي يصنع في العقول من العبارة وإعطاء الآلة مثل صنيع العقل في ~~الروح، ومثل صنيع الروح في البدن. # وأي شيء أعظم من شيء لولا مكانه لم يثبت للرب ربوبية، ولا لنبي حجة، ولم ~~يفصل بين حجة وشبهة، وبين الدليل وما يتخيل في صورة الدليل. وبه يعرف ~~الجماعة من الفرقة، والسنة من البدعة، والشذوذ من الاستفاضة. ### || فصل منه # واعلم أن لصناعة الكلام آفات كثيرة، وضروبا من المكروه عجيبة، منها ما هو ~~ظاهر للعيون والعقول، ومنها ما يدرك بالعقول ولا يظهر للعيون، وبعضها وإن ~~لم يظهر للعيون وكان مما يظهر للعقول فإنه لا يظهر إلا لكل عقل سليم جيد ~~التركيب، وذهن صحيح خالص الجوهر، ثم لا يدركه أيضا إلا بعد إدمان الفكر، ~~وإلا بعد دراسة الكتب، وإلا PageV04P245 ~~بعد مناظرة الشكل الباهر، والمعلم الصابر. فإن أراد المبالغة وبلوغ أقصى ~~النهاية، فلا بد من شهوة قوية، ومن تفضيله على كل صناعة، مع اليقين بأنه ~~متى اجتهد أنجح، ومتى أدمن قرع الباب ولج. # فإذا أعطى العلم حقه من الرغبة فيه، أعطاه حقه من الثواب عليه. ### || فصل منه # ومن آفات صناعة الكلام أن يرى من أحسن بعضها أنه قد ms239 أحسنها كلها، وكل من ~~خاصم فيها ظن أنه فوق من خاصمه حتى يرى المبتدىء أنه كالمنتهي ويخيل إلى ~~الغبي أنه فوق الذكي. وأيضا أنه يعرض عن أهله وينصب لأصحابه من لم ينظر في ~~علم قط، ولم يخض في أدب منذ كان، ولم يدر ما التمثيل ولا التحصيل، ولا فرق ~~ما بين الإهمال والتفكير. # وهذه الآفات لا تعتري الحساب ولا الكتاب، ولا أصحاب النحو والعروض، ولا ~~أصحاب الخبر وحمال السير، ولا حفاظ الآثار ولا رواة الأشعار، ولا أصحاب ~~الفرائض، ولا الخطباء ولا الشعراء، ولا أصحاب الأحكام ومن يفتي في الحلال ~~والحرام، ولا أصحاب التأويل، PageV04P246 ~~ولا الأطباء ولا المنجمين ولا المهندسين، ولا لذي صناعة ولا لذي تجارة، ~~ولا لذي عيلة ولا لذي مسألة. # فهم لهذه البلية مخصوصون، وعليها مقصورون، فللصابر منهم من الأجر حسب ما ~~خص به من الصبر. وهي الصناعة لا يكاد تظهر قوتها ولا يبلغ أقصاها إلا مع ~~حضور الخصم. # ولا يكاد الخصم يبلغ محبته منها إلا برفع الصوت وحركة اليد، ولا يكاد ~~اجتماعهما يكون إلا في المحفل العظيم والاحتشاد من الخصوم، ولا تحتفل ~~نفوسهما، ولا تجتمع قوتهما، ولا تجود القوة بمكنونها وتعطي أقصى ذخيرتها، ~~التي استخزنت ليوم فقرها وحاجتها، إلا يوم جمع وساعة حفل. وهذه الحال داعية ~~إلى حب الغلبة. # وليس شيء أدعى إلى التغلب من حب الغلبة. وطول رفع الصوت مع التغلب، ~~وإفساد التغلب طباع المفسد، يوجبان فساد النية، ويمنعان من درك الحقيقة. ~~ومتى خرجا من حد الاعتدال أخطآ جهة القصد. # وعلم الكلام بعد ملقى من الظلم، متاح له الهضم. فهو أبدا محمول PageV04P247 ~~عليه ومبخوس حظه وباب الظلم إليه مفتوح، لا مانع له دونه. ~~والعلم بما فيه من الضرر يخفى على أكثر العقلاء، ويغمض على جمهور ~~الأدباء. وإذا كان ملقى من أكبر العقلاء، ومخذولا عند أكثر الأدباء، فما ~~ظنك بمن كان عقله ضعيفا ونظره قصيرا؟ بل ما ظنك بالظلوم الغادر، والغمر ~~الجاسر؟ فهذا سبيل العوام فيه، وجهل عوام الخواص به، وانحرافهم عنه، وميل ~~الملوك عليه، وعداوة بعض لبعض ms240 فيه. # وصناعة الكلام كثيرة الدخلاء والأدعياء، قليلة الخلص والأصفياء والنجابة ~~فيها غريبة، والشروط التي تستحكم بها الصناعة بعيدة سحيقة؛ ولدعي القوم من ~~العجز ما ليس لصحيحهم، ولردي الطبع في صناعة الكلام من ادعاء المعرفة ما ~~ليس للمطبوع عليها منهم، بل لا تكاد تجده إلا مغمورا بالحشوة مقصودا بمخاتل ~~السفلة. # ومن مظالم صناعة الكلام عند أصحاب الصناعات أن أصحاب الحساب والهندسة ~~يزعمون أن سبيل الكلام سبيل اجتهاد الرأي، وسبيل صواب الحدس، وفي طريق ~~التقريب والتمويه، وأنه ليس العلم إلا ما كان طبيعيا واضطراريا لا تأويل ~~له، ولا يحتمل معناه الوجوه المشتركة، ولا يتنازع ألفاظه الحدود المتشابهة. ~~ويزعمون أنه ليس بين علمهم بالشيء الواحد أنه شيء واحد وأنه غير صاحبه فرق ~~في معنى الإتقان والاستبانة، وثلج الصدور والحكم بغاية الثقة. PageV04P248 ### || فصل منه # فلو كان هذا المهندس الذي أبرم قضيته، وهذا الحاسب الذي قد شهر حكومته، ~~نظر في الكلام بعقل صحيح وقريحة جيدة، وطبيعة مناسبة، وعناية تامة، وأعوان ~~صدق وقلة شواغل، وشهوة للعلم، ويقين بالإصابة، لكان تهيب الحكم أزين به، ~~والتوقي أولى به. فكيف بمن لا يكون عرف من صناعة الكلام ما يعرفه المقتصد ~~فيه، والمتوسط له. # على أنا ما وجدنا مهندسا قط ولا رأينا حاسبا يقول ذلك إلا وهو ممن لا ~~يتوقى سرف القول، ولا يشفق من لائمة المحصلين، وقضيته قضية من قد عرف ~~الحقائق، واستبان العواقب، ووزن الأمور كلها وعجم المعاني بأسرها، وعلم من ~~أين وثق كل واثق، ومن أين غر كل مغرور. # وعلى أنهم يقرون أن في الحساب ما لا يعلم، وأن في الهندسة ما لا يدرك ولا ~~يفهم. والمتكلمون لا يقرون بذلك العجز في صناعتهم، وبذلك النقص في غرائزهم. ### || فصل منه # وأقول: إنه لو لم يكن في المتكلمين من الفضل إلا أنهم قد رأوا إدبار ~~الدنيا عن علم الكلام، وإقبالها إلى الفتيا والأحكام، وإجماع PageV04P249 ~~الرعية والراعي على إغناء المفتي، وعلم الفتوى فرع؛ وإطباقهم على حرمان ~~المتكلم، وعلم الكلام أصل، فلم يتركوا مع ذلك تكلفه، وشحت نفوسهم عن ذلك ~~الحظ، ms241 مخافة إدخال الضيم على علم الأصل، وإشفاقا من أن لا تسع طبائعهم ~~اجتماع الأصل والفرع، فكان الفقر والقلة آثر عندهم مع إحكام الأصول، من ~~الغنى والكثرة، مع حفظ الفروع، فتركوا أن يكونوا قضاة، وتركوا القضاة ~~وتعديلهم وتركوا أن يكونوا حكاما وقنعوا بأن يحكم عليهم، مع معرفتهم بأن ~~آلتهم أتم، وآدابهم أكمل، وألسنتهم أحد، ونظرهم أثقب، وحفظهم أحضر، وموضع ~~حفظهم أحصن. # والمتكلم اسم يشتمل على ما بين الأزرقي والغالي وعلى مادونها من الخارجي ~~والرافضي، بل على جميع الشيعة وأصناف المعتزلة، بل على جميع المرجئة وأهل ~~المذاهب الشاذة. PageV04P250 ### | 26- من رسالته في مدح التجار وذم عمل السلطان PageV04P251 ### || فصل من صدر رسالته في مدح التجار وذم عمل السلطان # أدام الله لك السلامة، وأسعدك بالنعمة، وختم لك بالسعادة، وجعلك من ~~الفائزين. # فهمت كتاب صاحبك، ووقفت منه على تعد في القول، وحيف في الحكم؛ وسمعت ~~قوله. وهو على كل حال حائر، وطريقه طريقهم، وكتبه تشاكل كتبهم، وألفاظه ~~تطابق ألفاظهم. # وكذلك حالنا وحال صاحب كتابك فيما يسخطه من أمرنا، أني لا أعتذر منه، ~~وأستنكف من الانتساب إليه، بل أستحي من الكتابة، وأستنكف بأن أنسب إليها من ~~البلاغة أن أعرف بها في غير موضعها، ومن السجع أن يظهر مني، ومن الصنعة أن ~~تعرف في كتبي، ومن العجب بكثير ما يكون مني. # وقديما كره ذلك أهل المروءة والأنفة، وأهل الاختيار للصواب والصد عن ~~الخطأ. حتى إن معاوية مع تخلفه عن مراتب أهل السابقة، أملى كتابا إلى رجل ~~فقال فيه: " لهو أهون علي من ذرة، أو كلب من PageV04P253 ~~كلاب الحرة " ثم قال: " امح: من كلاب الحرة، واكتب: من الكلاب ". كأنه ~~كره اتصال الكلام والمزاوجة وما أشبه السجع، وأري أنه ليس في موضعه. ### || فصل منه # وهذا الكلام لا يزال ينجم من حشوة أتباع السلطان. فأما عليتهم ومصاصهم، ~~وذوو البصائر والتمييز منهم، ومن فتقته الفطنة، وأرهفه التأديب، وأرهقه طول ~~الفكر وجرى فيه الحياء وأحكمته التجارب، فعرف العواقب وأحكم التفصيل وتبطن ~~غوامض التحصيل، فإنهم يعترفون بفضيلة التجار ويتمنون حالهم، ويحكمون لهم ~~بالسلامة في ms242 الدين، وطيب الطعمة، ويعلمون أنهم أودع الناس بدنا وأهنؤهم ~~عيشا، وآمنهم سربا، لأنهم في أفنيتهم كالملوك على أسرتهم، يرغب إليهم أهل ~~الحاجات، وينزع إليهم ملتمسو البياعات، لا تلحقهم الذلة في مكاسبهم، ولا ~~يستعبدهم الضرع لمعاملاتهم. PageV04P254 # وليس هكذا من لابس السلطان بنفسه، وقاربه بخدمته؛ فإن أولئك لباسهم ~~الذلة، وشعارهم الملق، وقلوبهم ممن هم لهم خول مملوءة، قد لبسها الرعب، ~~وألفها الذل، وصحبها ترقب الاحتياج؛ فهم مع هذا في تكدير وتنغيص، خوفا من ~~سطوة الرئيس وتنكيل الصاحب، وتغيير الدول، واعتراض حلول المحن. فإن هي حلت ~~بهم، وكثيرا ما تحل، فناهيك بهم مرحومين يرق لهم الأعداء فضلا عن الأولياء. # فكيف لا يميز بين من هذا ثمرة اختياره وغاية تحصيله، وبين من قد نال ~~الرفاهية والدعة، وسلم من البوائق، مع كثرة الإثراء وقضاء اللذات، من غير ~~منة لأحد، ولا منة يعتد بها رئيس ومن هو من نعم المفضلين خلي، وبين من قد ~~استرقه المعروف، واستعبده الطمع، ولزمه ثقل الصنيعة، وطوق عنقه الامتنان، ~~واسترهن بتحمل الشكر. ### || فصل منها # وقد علم المسلمون أن خيرة الله تعالى من خلقه، وصفيه من عباده، والمؤتمن ~~على وحيه، من أهل بيت التجارة، وهي معولهم وعليها معتمدهم، وهي صناعة ~~سلفهم، وسيرة خلفهم. # ولقد بلغتك بسالتهم، ووصفت لك جلادتهم، ونعتت لك PageV04P255 ~~أحلامهم، وتقرر لك سخاؤهم وضيافتهم، وبذلهم ومواساتهم. وبالتجارة كانوا ~~يعرفون. ولذلك قالت كاهنة اليمن " لله در الديار لقريش التجار ". # وليس قولهم: قرشي لقولهم: هاشمي، وزهري وتيمي؛ لأنه لم يكن لهم أب يسمى ~~قريشا فينتسبون إليه، ولكنه اسم اشتق لهم من التجارة والتقريش، فهو أفخم ~~أسمائهم وأشرف أنسابهم، وهو الاسم الذي نوه الله تعالى به في كتابه، وخصهم ~~به في محكم وحيه وتنزيله، فجعله قرآنا عربيا يتلى في المساجد، ويكتب في ~~المصاحف، ويجهر به في الفرائض، وحظوة على الحبيب والخالص. # ولهم سوق عكاظ، وفيهم يقول أبو ذؤيب: # إذا ضربوا القباب على عكاظ %~% وقام البيع واجتمع الألوف # وقد غبر النبي صلى الله عليه وسلم برهة من دهره تاجرا، وشخص فيه مسافرا، ~~وباع واشترى ms243 حاضرا، والله أعلم حيث يجعل رسالته. # ولم يقسم الله مذهبا رضيا، ولا خلقا زكيا ولا عملا مرضيا إلا وحظه منه ~~أوفر الحظوظ، وقسمه فيه أجزل الأقسام. PageV04P256 # ولشهرة أمره في البيع والشراء قال المشركون: " ما لهذا الرسول يأكل ~~الطعام ويمشي في الأسواق "، فأوحى الله إليه: " وما أرسلنا قبلك من ~~المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ". فأخبر أن الأنبياء ~~قبله كانت لهم صناعات وتجارات. ### || فصل منه # وإن الذي دعا صاحبك إلى ذم التجارة توهمه بقلة تحصيله، أنها تنقص من ~~العلم والأدب وتقتطع دونهما وتمنع منهما. فأي صنف من العلم لم يبلغ التجار ~~فيه غاية، أو يأخذوا منه بنصيب، أو يكونوا رؤساء أهله وعليتهم؟ ! # هل كان في التابعين أعلم من سعيد بن المسيب أو أنبل؟ وقد كان تاجرا يبيع ~~ويشتري، وهو الذي يقول: ما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ولا أبو ~~بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي - رضوان الله عليهم - قضاء إلا وقد ~~علمته. # وكان أعبر الناس للرؤيا وأعلمهم بأنساب قريش. وهو من كان يفتي أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون. وله بعد علم بأخبار الجاهلية ~~والإسلام، مع خشوعه وشدة اجتهاده وعبادته، PageV04P257 ~~وأمره بالمعروف، وجلالته في أعين الخلفاء، وتقدمه على الجبارين. # ومحمد بن سيرين في فقهه وورعه وطهارته. # ومسلم بن يسار في علمه وعبادته، واشتغاله بطاعة ربه. # وأيوب السختياني، ويونس بن عبيد، في فضلهما وورعهما. PageV04P258 ### | 27- من كتابه في الشارب والمشروب PageV04P259 ### || فصل من صدر كتابه في الشارب والمشروب # سألت - أكرم الله وجهك، وأدام رشدك، ولطاعته توفيقك، حتى تبلغ من مصالح ~~دينك ودنياك منازل ذوي الألباب، ودرجات أهل الثواب - أن أكتب لك صفات ~~الشارب والمشروب وما فيهما من المدح والعيوب، وأن أميز لك بين الأنبذة ~~والخمر، وأن أقفك على حد السكر، وأن أعرفك السبب الذي يرغب في شرب الأنبذة ~~وما فيها من اجتلاب المنفعة، وما يكره من نبيذ الأوعية. # وقلت: وما فرق ما بين الجر والسقاء، والمزفت والحنتم والدباء، وما القول ~~في الممتل والمكسوب، وما فرق ms244 ما بين النقيع والداذي، وما المطبوخ والباذق، ~~وما الغربي والمروق، وما الذي يحل من الطبيخ، وما القول في شرب الفضيخ، وهل ~~يكره نبيذ العكر، PageV04P261 ~~وما القول في عتيق السكر، وأنبذة الجرار، وما يعمل من السكر، ولم كره ~~النقير والمقير. # وسألت عن نبيذ العسل والعرطبات وعن رزين سوق الأهواز، وعن نبيذ أبي يوسف ~~وجمهور، والمعلق والمسحوم. والحلو والترش شيرين ونبيذ الكشمش والتين، ولم ~~كره الجلوس على البواطي والرياحين. # وقلت: وما نصيب الشيطان، وما حاصل الإنسان؟ # وسألت عمن شرب الأنبذة أو ~~كرهها من الأوائل، وما جرى بينهم فيها من الأجوبة والمسائل، وما كانوا عليه ~~فيها من الآراء، وتشبثوا فيها من الأهواء، ولأي سبب تضادت فيها الآثار، ~~واختلفت فيها الأخبار. PageV04P262 # وسألت أن أقصد في ذلك إلى الإيجاز والاختصار، وحذف الإكثار # وقلت: وإذ جعل ~~الله تعالى للعباد عن الخمر المندوحة بالأشربة الهنية الممدوحة، فما تقول ~~فيما حسن من الأنبذة صفاه، وبعد مداه، واشتدت قواه، وعتق حتى جاد، وعاد بعد ~~قدم الكون صافي اللون، هل يحل إليه الاجتماع، وفيه الاكتراع، إذ كان يهضم ~~الطعام ويوطىء المنام. وهو في لطائف الجسم سار، وفي خفيات العروق جار، ولا ~~يضر معه برغوث ولا بعوض ولا جرجس عضوض. # وقلت: وكيف يحل لك ترك شربه إذا كان لك موافقا، ولجسمك ملائما. ولم لا ~~قلت إن تارك شربه كتارك العلاج من أدوأ الأدواء وإنه كالمعين على نفسه إذا ~~ترك شربه أفحش الداء. وأنت تعلم أنك إذا شربته عدلت به طبيعتك، وأصلحت به ~~صفار جسمك، وأظهرت به حمرة لونك، فاستبدلت به من السقم صحة، ومن حلول العجز ~~قوة، ومن الكسل نشاطا، وإلى اللذة انبساطا، ومن الغم فرجا، ومن الجمود ~~تحركا، ومن الوحشة أنسا. وهو في الخلوة خير مسامر، وعند الحاجة خير ناصر. ~~يترك الضعيف وهو مثل أسد العرين يلان له ولا يلين. PageV04P263 # وقلت: الجيد من الأنبذة يصفي الذهن ويقوي الركن، ويشد القلب والظهر، ~~ويمنع الضيم والقهر، ويشحذ المعدة، ويهيج للطعام الشهوة، ويقطع عن إكثار ~~الماء، الذي منه جل الأدواء، ويحدر رطوبة الرأس، ms245 ويهيج العطاس، ويشد ~~البضعة، ويزيد في النطفة، وينفي القرقرة والرياح، ويبعث الجود والسماح، ~~ويمنع الطحال من العظم، والمعدة من التخم، ويحدر المرة والبلغم، ويلطف دم ~~العروق ويجريه، ويرقه ويصفيه، ويبسط الآمال، وينعم البال، ويغشي الغلظ في ~~الرئة، ويصفي البشرة ويترك اللون كالعصفر، ويحدر أذى الرأس في المنخر، ~~ويموه الوجه ويسخن الكلية، ويلذ النوم ويحلل التخم، ويذهب بالإعياء، ويغذو ~~لطيف الغذاء، ويطيب الأنفاس، ويطرد الوسواس، ويطرب النفس، ويؤنس من الوحشة، ~~ويسكن الروعة، ويذهب الحشمة، ويقذف فضول الصلب بالإنشاط للجماع، وفضول ~~المعدة بالهراع، ويشجع المرتاع ويزهي الذليل، ويكثر القليل، ويزيد في جمال ~~الجميل، ويسلي الحزن ويجمع الذهن، وينفي الهم، ويطرد الغم، ويكشف عن قناع ~~الحزم، ويولد في الحليم الحلم، ويكفي أضغاث الحلم، ويحث على الصبر، ويصحح ~~من الفكر، ويرجي القانط، ويرضي الساخط، ويغني عن الجليس، ويقوم مقام الأنيس PageV04P264 ~~وحتى إن عز لم يقنط منه، وإن حضر لم يصبر عنه، يدفع النوازل العظيمة، ~~وينقي الصدر من الخصومة، ويزيد في المساغ، وسخونة الدماغ، وينشط الباه حتى ~~لا يزيف شيئا يراه، وتقبله جميع الطبائع، ويمتزج به صنوف البدائع، من اللذة ~~والسرور، والنضرة والحبور. وحتى سمي شربه قصفا، وسمي فقده خسفا. وإن شرب ~~منه الصرف بغير مزاج، تحلل بغير علاج. ويكفي الأحزان والهموم، ويدفع ~~الأهواء والسموم، ويفتح الذهن، ويمنع الغبن، ويلقن الجواب، ولا يكيد منه ~~العتاب، به تمام اللذات، وكمال المروءات. ليس لشيء كحلاوته في النفوس، ~~وكسطوته في الجباه والروس، وكإنشاطه للحديث والجلوس، يحمر الألوان، ويرطب ~~الأبدان، ويخلع عن الطرب الأرسان. # وقلت: ومع كل ذلك فهو يلجلج اللسان، ويكثر الهذيان، ويظهر الفضول ~~والأخلاط، ويناوب الكسل بعد النشاط. فأما إذا تبين في الرأس الميلان، ~~واختلف عند المشي الرجلان، وأكثر الإخفاق، والتنخع PageV04P265 ~~والبصاق، واشتملت عليه الغفلة، وجاءت الزلة بعد الزلة ولا سواء إن دسع ~~بطعامه، أو سال على الصدر لعابه، وصار في حد المخرفين، لا يفهم ولا يبين، ~~فتلك دلالات النكر، وظهور علامات السكر، ينسي الذكر، ويورث الفكر، ويهتك ~~الستر، ويسقط من الجدار، ويهور في الآبار، ويغرق في ms246 الأنهار، ويصرف عن ~~المعروف، ويعرض للحتوف، ويحمل على الهفوة، ويؤكد الغفلة، ويورث الصياح أو ~~الصمات، ويصرع الفهم للسبات فلغير معنى يضحك، ولغير سبب يمحك، ويحيد عن ~~الإنصاف، وينقلب على الساكت الكاف. ثم يظهر السرائر، ويطلع على ما في ~~الضمائر، من مكنون الأحقاد، وخفي الاعتقاد. # وقد يقل على السكر المتاع، ويطول منه الأرق والصداع، ثم يورث بالغدوات ~~الخمار، ويختل سائر، النهار ويمنع من إقامة الصلوات، وفهم الأوقات، ويعقب ~~السل، ويعقب في القلوب الغل، ويجفف النطفة، ويورث الرعشة، ويولد الصفار، ~~وضروب العلل في الإبصار، ويعقب PageV04P266 ~~الهزال، ويجحف بالمال ويجفف الطبيعة ويقوي الفاسد من المرة ويذيل النفس، ~~ويفسد مزاج الحس، ويحدث الفتور في القلب، ويبطىء عند الجماع الصب، حتى يحدث ~~من أجله الفتق، الذي ليس له رتق، ويحمل على المظالم، وركوب المآثم، وتضييع ~~الحقوق حتى يقتل من غير علم، ويكفر من غير فهم. ### || فصل منه # وقلت: ومن الحلو في المعد التخم، وفي الأبدان الوخم، وللترش شيرين رياح ~~كمثل رياح العدس، وحموضة تولد في الأسنان الضرس. # والسكر فحسبك بفرط مرارته، وكسوف لونه، وبشاعة مذاقه، ولفار الطبيعة عنه. # وأنواع ما يعالج من التمور والحبوب فشربها الداء العضال. # وللمسجور، والبتي، وأشباهها كدورة ترسب في المعدة، وتولد بين الجلدتين ~~الحكة. وأشباه هذا كثيرة تركت ذكرها، لأني لم أقصدك بالمسألة أبتغي منك ~~تحليل ما يجلب المضرة. PageV04P267 # ولكن ما تقول فيما يسرك ولا يسوءك، وما إذا شربته تلقته العروق فاتحة ~~أفواهها كأفواه الفراخ، محسنة للون ملذة للنفس، يجثم على المعدة، ويرود في ~~العروق، ويقصد إلى القلب فيولد فيه اللذة، وفي المعدة الهضم، وهو غسولها ~~ونضوحها، ويسرع إلى طاعة الكبد، ويفيض بالعجل إلى الطحال، وينتفخ منه ~~العروق، وتظهر حمرته بين الجلدتين، ويزيد في اللون، ويولد الشجاعة والسخاء، ~~ويريح من اكتنان الضغن، ويعفي على تغير النكهة، وينفي الذفر، ويسرع إلى ~~الجبهة، ويغني عن الصلاء، ويمنع القر؟ ! # وما تقول في نبيذ الزبيب الحمصي. ~~والعسل الماذي إذا تورد لونه، وتقادم كونه، ورأيت حمرته في صفرته تلوح. ~~تراه في الكأس لكأنه بالشمس ملتحف، شعاعه ms247 يضحك بالأكف؟ # وما تقول في عصير ~~الكرم إذا أجدت طبخه وأنعمت إنضاجه، وأحسن الدن نتاجه، فإذا فض فض عن غضارة ~~قد صار في لون PageV04P268 ~~البجادي في صفاء ياقوتة تلمع في الأكف لمع الدنانير، ويضيء كالشهاب ~~المتقد. # وما تقول في نبيذ عسل مصر، فإنه يؤدي إلى شاربه الصحيح من طعم الزعفران، ~~لا يلبس الخلقان ولا يجود إلا في جدد الدنان، ولا يستخدم الأنجاس ولا يألف ~~الأرجاس. وكذلك لا يزكو على علاج الجنب والحائض، ولا ينفض على شيء من ~~الأجسام لونه حتى لو غمس فيه قطن لخرج أبيض يققا. وحسبك به في رقة الهواء، ~~يكدره صافي الماء، وهو مع ذلك كالهزبر ذي الأشبال، المفترس للأقران، من ~~عاقره عقره، ومن صارعه صرعه؟ ! # وما تقول في رزين الأهواز من زبيب الداقياد ~~إذ يعود صلبا من غير أن يسل سلافه، أو يماط عنه ثفله، حتى يعود كلون PageV04P269 ~~العقيق، في رائحة المسك العتيق. أصلب الأنبذة عريكة، وأصلبها صلابة، ~~وأشدها خشونة. ثم لا يستعين بعسل ولا سكر ولا دوشاب. وما ظنك به وهو زبيب ~~نقيع، لا يشتد ولا يجود إلا بالضرب الوجيع؟ ! # وما تقول في الدوشاب ~~البستاني، سلالة الرطب الجني بالحب الرتيلي، إذا أوجع ضربا، وأطيل حبسا، ~~وأعطى صفوه ومنح رفده، وبذل ما عنده، فإذا كشف عنه قناع الطين ظهر في لون ~~الشقر والكمت وسطع برائحة كالمسك. وإذا هجم على المعدة لانت له الطبائع، ~~وسلست له الأمعاء، وأيس الحصر، وانقطع طمع القولنج، وانقادت له PageV04P270 ~~اليبوسة، وأذعنت له بالطاعة، وابتل به الجلد القحل، وارتحل عنه الباسور، ~~وكفى شاربه الوخز. فإذا شج بماء تلظى ورمى بشرره، هل يحل أن يشعشع إذا سكن ~~جأشه، وآب إليه حلمه. # وما تقول في المعتق من أنبذة التمر، فإنك تنظر إليه وكأن النيران تلمع من ~~جوفه. قد ركد ركود الزلال حتى لكأن شاربه يكرع في شهاب، ولكأنه فرند في وجه ~~سيف. وله صفيحة مرآة مجلوة تحكي الوجوه في الزجاجة، حتى يهم فيها الجلاس؟ ! # وما تقول في نبيذ الجزر، الذي منه تمتد النطفة وتشتد النقطة، ms248 يجلب الأحلام، ~~ويركد في مخ العظام؟ ! # وما تقول في نبيذ الكشمش الذي لونه لون زمردة خضراء، ~~صافية، محكم الصلابة، مفرط الحرارة، حديد السورة، سريع الإفاقة PageV04P271 ~~عظيم المؤنة، قصير العمر، كثير العلل، جم البدوات تطمع الآفات فيه، وتسرع ~~إليه؟ ! # وما تقول في نبيذ التين فإنك تعلم أنه مع حرارته لين العريكة، سلس ~~الطبيعة، عذب المذاق، سريع الإطلاق، مرهم للعروق، نضوح للكبد فتاح للسدد، ~~غسال للأمعاء، هياج للباه، أخاذ للثمن، جلاب للمؤن، مع كسوف لون وقبح منظر؟ ~~! # وما تقول في نبيذ السكر الذي ليس مقدار المنفعة به على قدر المؤونة فيه، ~~هل يوجد في المحصول لشربه معنى معقول؟ ! # وما تقول في المروق والغربي ~~والفضيخ؟ ألذ مشروبات في أزمانها وأنفع مأخوذات في إبانها. أقل شيء مؤونة، ~~وأحسنه معونة، وأكثر شيء قنوعا، وأسرعه بلوغا، ضموزات عروفات للرجل ألوفات. ~~ولها أراييح على الشاهسفرم كأذكى رائحة تشم، أقل المشروبات صداعا، وأشدهن ~~خداعا. PageV04P272 ### || فصل منه # وكرهت أيضا تقليد المختلف من الآثار فأكون كحاطب ليل، دون التأمل ~~والاعتبار بأن ظلام الشك لا يجلوه إلا مفتاح اليقين. ### || فصل منه # قد فهمت - أسعدك الله تعالى بطاعته - جميع ما ذكرت من أنواع الأنبذة، ~~وبديع صفاتها، والفصل بين جيدها ورديها، ونافعها وضارها، وما سألت من ~~الوقوف على حدودها. ولا زلت من عداد من يسأل ويبحث، ولا زلنا في عداد من ~~يشرح ويفصح. # اعلم - أكرمك الله - أنك لو بحثت عن أحوال من يؤثر شرب الخمور على ~~الأنبذة، لم تجد إلا جاهلا مخذولا، أو حدثا مغرورا، أو خليعا ماجنا، أو ~~رعاعا همجا؛ ومن إذا غدا بهيمة، وإذا راح نعامة؛ ليس عنده من المعرفة أكثر ~~من انتحال القول بالجماعة؛ قد مزج له الصحيح بالمحال، فهو مدين بتقليد ~~الرجال، يشعشع الراح، ويحرم المباح، فمتى عذله عاذل ووعظه واعظ قال: ~~الأشربة كلها خمر، فلا أشرب إلا أجودها. PageV04P273 # وقد أحببت - أيدك الله - التوثق من إصغاء فهمك، وسؤت ظنا بالتغرير فقدمت ~~لك من التوطئة ما يسهل لك سبيل المعرفة. وذلك إلى مثلك من مثلي حزم سيما ~~فيما خفيت معالمه ms249 ودرست مناهجه، وكثرت شبهه، واشتد غموضه. # ولو لم يكن ذلك وكان قد اعتاص على البرهان في إظهاره، واحتجت في الإبانة ~~عنه إلى ذكر ضده، ونظيره وشكله، لم أحتشم من الاستعانة بكل ذلك. فكيف ~~والقدرة - بحمد الله - وافرة، والحجة واضحة. # قد يكون الشيء من جنس الحرام فيعالج بضرب من العلاج حتى يتغير بلون يحدث ~~له، ورائحة وطعم ونحو ذلك، فيتغير لذلك اسمه، ويصير حلالا بعد أن كان ~~حراما. ### || فصل منه في تحليل النبيذ دون الخمر # فإن قال لنا قائل: ما تدرون، لعل الأنبذة قد دخلت في ذكر تحريم الخمر، ~~ولكن لما كان الابتداء أجري في ذكر تحريم الخمر، خرج التحريم عليها وحدها ~~في ظاهر المخاطبة، ودخل سائر الأشربة في التحريم بالقصد والإرادة. # قلنا: قد علمنا أن ذلك على خلاف ما ذكر السائل، لأسباب موجودة، وعلل ~~معروفة. PageV04P274 # منها: أن الصحابة الذين شهدوا نزول الفرائض، والتابعين من بعدهم، لم ~~يختلفوا في قاذف المحصنين أن عليه الحد، واختلفوا في الأشربة التي تسكر، ~~ليس لجهلهم أسماء الخمور ومعانيها، ولكن للأخبار المروية في تحريم المسكر، ~~والواردة في تحليلها. # ولو كانت الأشربة كلها عند أهل اللغة في القديم خمرا لما احتاجوا إلى أهل ~~الروايات في الخمر، أي الأجناس من الأشربة هي؟ كما لم يخرجوا إلى طلب معرفة ~~العبيد من الإماء. # وهذا باب يطول شرحه إن استقصيت جميع ما فيه من المسألة والجواب. # وما ينكر من خالفنا في تحليل الأنبذة مع إقراره أن الأشربة المسكرة ~~الكثيرة لم تزل معروفة بأسمائها وأعيانها، وأجناسها وبلدانها، وأن الله ~~تعالى قصد للخمر من بين جميعها فحرمها، وترك سائر الأشربة طلقا مع أجناس ~~سائر المباح. # والدليل على تجويز ذلك أن الله تعالى ما حرم على الناس شيئا من الأشياء ~~في القديم والحديث إلا أطلق لهم من جنسه، وأباح من سنخه ونظيره وشبهه، ما ~~يعمل مثل عمله أو قريبا منه، ليغنيهم بالحلال عن الحرام. أعني ما حرم ~~بالسمع دون المحرم بالعقل. قد حرم من الدم المسفوح، وأباح غير المسفوح، ~~كجامد دم الطحال والكبد وما ms250 أشبههما PageV04P275 ~~وحرم الميتة وأباح الذكية. وأباح أيضا ميتة البحر وغير البحر، كالجراد ~~وشبهه، وحرم الربا وأباح البيع، وحرم بيع ما ليس عندك وأباح السلم، وحرم ~~الضيم وأباح الصلح، وحرم السفاح وأباح النكاح. وحرم الخنزير وأباح الجدي ~~الرضيع، والخروف والحوار. # والحلال في كل ذلك أعظم موقعا من الحرام. ### || فصل منه # ولعل قائلا يقول: وأهل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وسكان حرمه ودار ~~هجرته، أبصر بالحلال والحرام، والمسكر والخمر، وما أباح الرسول وما حظره، ~~وكيف لا يكون كذلك والدين ومعالمه من عندهم خرج إلى الناس؛ والوحي عليهم ~~نزل، والنبي صلى الله عليه وسلم فيهم دفن. وهم المهاجرون السابقون، ~~والأنصار المؤثرون على أنفسهم. وكلهم مجمع على تحريم الأنبذة المسكرة، ~~وأنها كالخمر. # وخلفهم على منهاج سلفهم إلى هذه الغاية، حتى إنهم جلدوا على الريح الخفي. # وكيف لا يفعلون ذلك ويدينون به وقد شهدوا من شهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد حرمها وذمها، وأمر بجلد شاربها. # ثم كذلك فعل أئمة الهدى من بعده. فهم إلى يوم الناس على رأي واحد، وأمر ~~متفق، ينهون عن شربها، ويجلدون عليها. PageV04P276 # وإنا نقول في ذلك: إن عظم حق البلدة لا يحل شيئا ولا يحرمه، وإنما يعرف ~~الحلال والحرام بالكتاب الناطق، والسنة المجمع عليها، والعقول الصحيحة، ~~والمقاييس المصيبة. # وبعد، فمن هذا المهاجري أو الأنصاري، الذي رووا عنه تحريم الأنبذة ثم لم ~~يرووا عنه التحليل؟ بل لو أنصف القائل لعلم أن الذين من أهل المدينة حرموا ~~الأنبذة ليسوا بأفضل من الذين أحلوا النكاح في أدبار النساء، كما استحل قوم ~~من أهل مكة عارية الفروج، وحرم بعضهم ذبائح الزنوج، لأنهم فيما زعموا مشوهو ~~الخلق. ثم حكموا بالشاهد واليمين خلافا لظاهر التنزيل. وأهل المدينة وإن ~~كانوا جلدوا على الريح الخفي فقد جلدوا على حمل الزق الفارغ؛ لأنهم زعموا ~~أنه آلة الخمر، حتى قال بعض من ينكر عليهم: فهلا جلدوا أنفسهم؟ لأنه ليس ~~منهم إلا ومعه آلة الزنى! وكان يجب على هذا المثال أن يحكم بمثل ذلك على ~~حامل السيف والسكين والسم ms251 القاتل، في نظائر ذلك؛ لأن هذه كلها آلات القتل. # وبعد، فأهل المدينة لم يخرجوا من طبائع الإنس إلى طبع الملائكة. ولو كان ~~كل ما يقولونه حقا وصوابا لجلدوا من كان في دار معبد، PageV04P277 ~~والغريض، وابن سريج، ودحمان وابن محرز وعلويه وابن جامع، ومخارق، وشريك، ~~ووكيع، وحماد، PageV04P278 ~~وإبراهيم وجماعة التابعين، والسلف والمتقدمين؛ لأن هؤلاء فيما زعموا ~~كانوا يشربون الأنبذة التي هي عندهم خمر؛ وأولئك كانوا يعالجون الأغاني ~~التي هي حل طلق، على نقر العيدان والطنابير، والنايات والصنج والزنج، ~~والمعازف التي ليست محرمة ولا منهيا عن شيء منها. # ولو كان ما خالفونا فيه من تحليل الأنبذة وتحريمها، كالاختلاف في الأغاني ~~وصفاتها وأوزانها، واختلاف مخارجها، ووجوه مصارفها ومجاريها، وما يدمج ~~ويوصل منها، وما للحنجرة والحنك والنفس واللهوات وتحت اللسان من نغمها. وأي ~~الدساتين أطرب، وأي أصوب، وما يحفز بالهمز أو يحرك بالضم؛ وكالقول بأن ~~الهزج بالبنصر أطيب، أو بالوسطى؟ والسريع على الزير ألذ، أو على المثنى؟ ~~والمصعد في لين أطرب أم المحدر في الشدة؟ لسهل ذلك ولسلمنا علمه لمن يدعيه، ~~ولم نجاذب من يدعي دوننا معرفته. PageV04P279 ### || فصل منه # ولهج أصحاب الحديث بحكم لم أسمع بمثله في تزييف الرجال، وتصحيح الأخبار. ~~وإنما أكثروا في ذلك، لتعلم حيدهم عن التفتيش، وميلهم عن التنقير، ~~وانحرافهم عن الإنصاف. ### || فصل منه # والذي دعاني إلى وضع جميع هذه الأشربة والوقوف على أجناسها وبلدانها، ~~مخافة أن يقع هذا الكتاب عند بعض من عساه لا يعرف جميعها، ولم يسمع بذكرها، ~~فيتوهم أني في ذكر أجناسها المستشنعة وأنواعها المبتدعة، كالهاذي برقية ~~العقرب، وإن كان قصدي لذكرها في صدر الكتاب لأقف على حلالها وحرامها، وكيف ~~اختلفت الأمة فيها، وما سبب اعتراض الشك واستكمان الشبهة؛ ولأن أحتج للمباح ~~وأعطيه حقه، وأكشف أيضا عن المحظور فأقسم له قسطه، فأكون قد سلكت بالحرام ~~سبيله، وبالحلال منهجه، اقتداء مني بقول الله عز وجل: " يأيها الذين آمنوا ~~لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ". # وقد كتبت لك - أكرمك الله - في هذا ms252 الكتاب ما فيه الجزاية PageV04P280 ~~والكفاية، ولو بسطت القول لوجدته متسعا، ولأتاك منه الدهم. وربما كان ~~الإقلال في إيجاز أجدى من إكثار يخاف عليه الملل. فخلطت لك جدا بهزل، وقرنت ~~لك حجة بملحة، ليخف مؤونة الكتاب على القارىء، وليزيد ذلك في نشاط المستمع، ~~فجعلت الهزل بعد الجد جماما، والملحة بعد الحجة مستراحا. PageV04P281 ### | 28- من كتابه في الجوابات واستحقاق في الإمامة PageV04P283 ### || فصل من صدر كتابه في الجوابات في الإمامة يحكي فيه قول من يجيز أكثر من إمام واحد # زعم قوم أن الإمامة لا تجب لرجل واحد بعينه، من رهط واحد بعينه، ولا ~~لواحد من عرض الناس، وإن كان أكثرهم فضلا، وأعظمهم عن المسلمين غناء، بعد ~~أن يكون فردا في الإمامة لا ثاني له. وأن الناس إن تركوا أن يقيموا إماما ~~واحدا جاز لهم ذلك، ولم يكونوا بتركه ضالين ولا عاصين ولا كافرين؛ فإن ~~أقاموه كان ذلك رأيا رأوه، وغير مضيق عليهم تركه. # ولهم أن يقيموا اثنين، وجائز لهم أن يقيموا أكثر من ذلك، ولا بأس أن ~~يكونوا عجما وموالي، ولكن لابد من حاكم، واحدا كان أو أكثر على حال. ولا ~~يجوز أن يكون الرجل حاكما على نفسه وقائما عليها بالحدود. # ولم يقل أحد ألبتة أن من الحكم والحاكم بدا، ولكنهم اختلفوا في جهاتهم ~~ومعانيهم. # وقالوا: وأي ذلك كان، إقامة الواحد والاثنين أو أكثر من ذلك، PageV04P285 ~~فعلى الناس الكف عن محارمهم، وترك التباغي فيما بينهم، والتخاذل عند ~~الحادثة تنوبهم، من عدو يدهمهم من غيرهم، أو خارب يخيف سبلهم من أهل ~~دعوتهم. # وعليهم فيما شجر بينهم إعطاء النصفة من أنفسهم بالغا ما بلغ، في عسر ~~الأمر ويسره. وعلى كل رجل في داره وبيته وقبيلته، وناحيته ومصره، إذا كان ~~مأمونا ذا صلاح وعلم، إذا ثبتت عنده على أخيه وصاحبه وجاره، وحاشيته من ~~خدمه، حد أو حكم جناه جان عليهم أو على نفسه أو ظلم ركبه من غيره، إقامة ~~ذلك الحكم والحد عليه، إذا أمكنه مستحقه؛ إلا أن يكون فوقه كاف قد أجزى ~~عنه. # وعلى المجترح للذنب ms253 الموجب على نفسه الحد، والمستحق له، إمضاء الحكم في ~~بدنه وماله، والإمكان من نفسه، وأن لا يعاز بقوة، ولا يروغ بحيلة، ولا يسخط ~~حكم التنزيل فيما نزل به، وفيما هو بسبيله من مال أو غيره. وإنما يجب ذلك ~~إذا كان على الفريقين من القيم، والجاني يمكنه ما كلفه الله من ذلك. فإن ~~أبى القيم إقامة الحق والحد على الجاني بعد استيجابه، والإمكان من نفسه ~~لإقامة الحد عليه، فقد عصى PageV04P286 ~~الله تعالى ولم يؤت في ذلك الأمر نفسه، لأن الله تعالى قد بينه له، ~~وأوجبه عليه، وقرره حين أوضح له الحجة وقرب الدلالة، وطوقه المعرفة، ومكنه ~~من الفعل. # وقد بسطنا العذر لذوي العجز في صدر الكلام. # وإن أبى الجاني المستحق للحكم والحد، الإمكان من نفسه وماله، وما هو ~~بسبيله، فقد عصى الله في ذلك، كما عصاه في ركوبه ما أوجب عليه الحد، ولم ~~يؤت من ربه لما ذكرنا من إيضاح الحجة وإثبات القدرة. ### || فصل منه # وقد علمنا أن من شأن الناس الهرب إذا خافوا نزول المكروه، والامتناع من ~~إمضاء الحدود بعد وجوبها عليهم، ما وجدوا السبيل إلى ذلك. وهذا سبب إسقاط ~~الأحكام والتفاسد. # وقد أمرنا أن نترك أسباب الفساد ما استطعنا، وبالنظر للرعية ما أمكننا، ~~فوجب علينا عند الذي قلنا، أنا لو لم نقم إماما واحدا كان الناس على ما ~~وصفنا من التسرع إلى الشيء إذا طمعوا، والهرب إذا خافوا. وهذا أمر قد جرت ~~به عامة المعرفة، وفتحت عندنا فيه التجربة. # قلنا عند ذلك إن الإمامة لا تجب على الناس من طريق الظنون وإشفاق النفوس. PageV04P287 # وقد رأينا أعظم منه خطرا، وقدرا ونفعا، في كل جهة على خلاف ذلك، وهو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، بعثه الله إلى أمة وقد علم أنهم يزدادون مع كفرهم ~~المتقدم من قبل ذلك الرسول كفرا، بجحدهم له، وإخراجهم إياه، وقصدهم قتله، ~~ثم لا يكون ذلك مانعا له من الإرسال إليهم والاحتجاج به عليهم، لمكان علمه ~~أنهم يزدادون فسادا وتباغيا؛ إذ كان قدم لهم ما به ms254 ينالون مصالح دينهم ~~ودنياهم. وإنما على الحكيم أن يأتي الأمر الحكيم، عرف ذلك عارف أم جهله ~~جاهل. # وعلى الجواد ذي الرحمة في جوده ورحمته، أن يفعل ما هو أفضل في الجود، ~~وأبلغ في الإحسان، وألطف في الإنعام من إيضاح الحجة وتسهيل الطرق، والإبلاغ ~~في الموعظة، مع ضمان الوعد بالغاية من الثواب والدوام واللذة، والتوعد ~~بغاية العقاب في الدوام والمكروه إلى عباده الذين كلفهم طاعته، وأهل الفاقة ~~إلى عائدته ونظره وإحسانه. # فإن قبل ذلك قابل فقد أصاب حظه، وإن أبى ذلك فنفسه ظلم، وقد صنع الله به ~~ما هو أصلح وإن لم يستطع العبد نفسه. PageV04P288 # قالوا: فإذا كان الله تبارك وتعالى عالما بأن القوم يزدادون فسادا عند ~~إرسال الرسل، وكان غير صارف لهم عن الإرسال إليهم، إذ كان قد عدل خلقهم، ~~ومكنهم من مصلحتهم، فما بال الظن والحسبان بأن الناس يتفاسدون ويتنازعون، ~~إذا لم يقيموا إماما واحدا يوجب فرضا لم ينطق به كتاب ولم يؤكده خبر. وقد ~~رأينا العلم بأن الناس يتفاسدون بما لا يرد به فرض. ### || فصل منه # وقالوا: قد رأينا أهل الصلاح والقدر، عند انتشار أمر السلطان، وغلبة ~~السفلة والدعار، وهيج العوام، يقوم منهم العدد اليسير في الناحية والقبيلة، ~~والدرب والمحلة فيفل لهم حد المستطيل، ويقمع شذاذ الدعار، حتى يسرح الضعيف ~~ويأمن الخائف، وينتشر التاجر، ويكبر جانبهم الداعر. # وإنما صلاح الناس بقدر تعاونهم وتخاذلهم. مع أن الناس لو تركهم المتسلطون ~~عليهم، وألجئوا إلى أنفسهم حتى يتحقق عندهم أن لا كافي إلا بطشهم وحيلهم، ~~وحتى تكون الحاجة إلى الذب PageV04P289 ~~والحراسة، والعلم بالمكيدة، هي التي تحملهم على منع أنفسهم؛ ولذهبت عادة ~~الكفاية، وضعف الاتكال، ولتعودوا اليقظة، ولدربوا بالحراسة، واستثاروا دفين ~~الرأي؛ لأن الحاجة تفتق الحيلة وتبعث على الروية، وكان بالحرى أن يصلح أمر ~~الجميع؛ لأن طمع الراعي إذا عاد بأسا صرفه في البغي. وكان في ذلك منبهة ~~للنائم ومشحذة لليقظان، وضراوة للمواكل، ومزجرة للبغاة، حتى ينبت عليه ~~الصغير، ويتفحل معه الكبير. ### || فصل منه # وزعم قوم أن الإمامة لا تجب إلا بأحد ms255 وجوه ثلاثة: # إما عقل يدل على سببها، ~~أو خبر لا يكذب مثله، أو أنه لا يحتمل شيئا من التأويل إلا وجها واحدا. # قالوا: فوجدنا الأخبار مختلفة، والمختلف منها متدافع، وليس في المتدافع ~~والمتكافىء بيان ولا فضل. # فمن ذلك قول الأنصار، وهم شطر الناس وأكثرهم، مع أمانتهم على دين الله ~~تعالى، وعلمهم بالكتاب والسنة، حيث قالت عند وفاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " منا أمير ومنكم أمير ". PageV04P290 # فلو كان قد سبق من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أمر ما كان أحد ~~أعلم به منهم، ولا أخلق للإقرار والعمل بما يلزم، والصبر عليه منهم، بعد ~~الذي ظهر من احتمالهم في جنب الله تعالى، والجهاد في سبيله، والنصرة لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم مع الإيواء والإيثار، بعد المواساة، ومحاربة القريب ~~والبعيد، والعرب قاطبة وقريش خاصة. ثم الذي نطق القرآن به من تزكيتهم ~~وتفضيلهم، بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، وثقته بهم وثنائه عليهم، ~~وهو يقول: " أما والله ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع ~~"، في أمور كثيرة. # ثم لم يكن قولهم: " منا أمير ومنكم أمير " من سفيه من سفهائهم ضوى إليه ~~أمثاله منهم، فإن لكل قوم حسدة وجهالا، وأحداثا وسرعانا، من حدث تبعثه ~~الغرارة والأشر، ورجل يحب الجاه والفتنة، أو مغفل مخدوع، أو غر ذي حمية ~~يؤثر حسبه ونسبه على دين الله تعالى وطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم. PageV04P291 # ولا كان ذلك القول، إن كان من عليتهم، في الواحد الشاذ القليل، بل كان في ~~ذوي أحلامهم والقدم منهم. # ثم كان المرشح والمأمول عندهم سعد بن عبادة، سيدا مطاعا، ذا سابقة وفضل، ~~وحلم ونجدة، وجاه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستغاثة به في ~~الحوادث والمهم من أمره. # ثم كان في الدهم من الأنصار، والوجوه والجمهور من الأوس والخزرج. فكيف ~~يكون سبق من النبي صلى الله عليه وسلم في هذا أمر يقطع عذرا ويوجب رضا، ~~وهؤلاء الأمناء على الدين، والقوام عليه، قد قاموا هذا المقام، وقالوا ms256 هذا ~~المقال. # قالوا: فإن قال قائل: فإن القوم كانوا على طبقات، من ذاكر متعمد، وناس قد ~~كان سقط عن ذكره وحفظه، ومن رجل كان غائبا عن ذلك القول والتأكيد الذي كان ~~من النبي صلى الله عليه وسلم وآله، في إقامة إمام يقدم في أيام وفاته ~~وشكاته، ومن رجل قدم في الإسلام لم يكن من حمال العلم، فأذكرهم أبو بكر ~~وعمر فذكروا، ووعظاهم فاتعظوا. فقد كان فيهم الناشىء الفاضل الذي يزجره ~~الذكر، وينزع إذا بصر؛ والمعتمد الذي لم يبلغ من لجاجه وتتايعه، وركوب PageV04P292 ~~ردعه ما يؤثر معه التصميم على حسن الرجوع عند الموعظة الحسنة، والتخويف ~~بفساد العاجل، في كثير ممن لم يكن له في الإسلام القدر النبيه، إما للغفلة، ~~وإما للإبطاء عنه، وإما للخمول في قومه مع إسلامه وصحة عقده. فداواهم أبو ~~بكر وعمر يوم السقيفة حين قالا: " نحن الأئمة وأنتم الوزراء ". وحيث رووا ~~لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الأئمة من قريش ". فلما استرجعوا ~~رجعوا. # قلنا: الدليل على أن القوم لم يروا في كلام أبي بكر وعمر حجة عليهم، وأن ~~انصرافهم عما اجتمعوا له لم يكن لأنهم رأوا أن ذلك القول من أبي بكر وعمر ~~وأبي عبيدة بن الجراح حجة، غضب رئيسهم وخروجه من بين أظهرهم مراغما، في ~~رجال من رهطه، مع تركه بيعة أبي بكر رضوان الله عليه، وتشنيعه عليهم ~~بالشام. # وقد قال قيس بن سعد بن عبادة، وهو يذكر خذلان الأنصار لسعد بن عبادة: ~~واستبداد الرهط من قريش عليهم، بالأمر: # وخبرتمونا أنما الأمر فيكم %~% خلاف رسول الله يوم التشاجر # وأن وزارات الخلافة دونكم %~% كما جاءكم ذو العرش دون العشائر # فهلا وزيرا واحدا تجتبونه %~% بغير وداد منكم وأواصر PageV04P293 # سقى الله سعدا يوم ذاك ولا سقى %~% عراجلة هابت صدور المنابر # وقال رجل من الأنصار، ودعاه علي رضوان الله عليه إلى عونه ونصرته، إما ~~يوم الجمل، أو يوم صفين: # ما لي أقاتل عن قوم إذا قدروا %~% عدنا عدوا وكنا قبل أنصارا # ويل لها أمة لو أن قائدها %~% يتلو الكتاب ms257 ويخشى النار والعارا # أما قريش فلم نسمع بمثلهم %~% غدرا وأعجب في الإسلام آثارا # إلا تكن عصبة خالوا نبيهم %~% بالعرف عرفا وبالإنكار إنكارا # أبا عمارة والثاوي ببلقعة %~% في يوم مؤتة لا ينفك طيارا # أبا عمارة: حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه، وقد كان يكنى أبا يعلى، ~~والثاوي في يوم مؤتة: جعفر بن أبي طالب. # وقال رجل من الأنصار من ولد أبي زيد القارىء، وذكر أمر الأنصار وأمر ~~قريش: PageV04P294 # دعاها إلى استبدادها وحقودها %~% تذكر قتلى في القليب تكبكبوا # هنالك قتلى لا تؤدى دياتهم %~% وليس لباكيها سوى الصبر مذهب # فإن تغضب الأبناء من قبل من مضى %~% فوالله ما جئنا قبيحا فتعتبوا ### || فصل منه # قد حكينا قول من خالفنا في وجوب الإمامة وتعظيم الخلافة، وفسرنا وجوه ~~اختلافهم، واستقصينا جميع حججهم، إذ كان على عذر لما غاب عنه خصمه، وقد ~~تكفل بالإخبار عنه في ترك الحيطة له، والقيام بحجته. كما أنه لا عذر له في ~~التقصير عن إفناد من يخالفه، وكشف خطاء من يضاده عند ما قرأ كتابه، وتفهم ~~حجته. لأن أقل ما يزيل عذره، ويزيح علته، أن يكون قول خصمه قد استهدف ~~لعقله، وأصحر للسانه، وقد مكنه من نفسه، وسلطه PageV04P295 ~~على إظهار عورته. فإذا استراح شغب المنازع، ومداراة المستمع لم يبق إلا ~~أن يقوى على خلافه أو يعجز عنه. # ومن شكر المعرفة بمغاوي الناس ومراشدهم، ومضارهم ومنافعهم: أن يحتمل ثقل ~~مؤنتهم وتعريفهم، وأن يتوخى إرشادهم، وإن جهلوا فضل من يسدي إليهم. # ولن يصان العلم بمثل بذله، ولن تستبقى النعمة فيه بمثل نشره. # وأعلم أن قراءة الكتب أبلغ في إرشادهم من تلاقيهم، إذ كان مع التلاقي ~~يقوى التصنع، ويكثر التظالم، وتفرط النصرة، وتنبعث الحمية. وعند المزاحمة ~~تشتد الغلبة وشهوة المباهاة، والاستحياء من الرجوع، والأنفة من الخضوع. وعن ~~جميع ذلك تحدث الضغائن، ويظهر التباين، وإذا كانت القلوب على هذه الصفة، ~~وبهذه الحالة، امتنعت من المعرفة وعميت عن الدلالة. # وليست في الكتب علة تمنع من درك البغية، وإصابة الحجة؛ لأن المتوحد ~~بقراءتها، والمتفرد بفهم معانيها، لا ms258 يباهي نفسه ولا يغالب عقله ولا يعاز ~~خصمه. # والكتاب قد يفضل ويرجح على واضعه بأمور: PageV04P296 # منها: أن الكتاب يقرأ بكل مكان وفي كل زمان، على تفاوت الأعصار، وبعد ما ~~بين الأمصار. وذلك أمر يستحيل في الواضع ولا يطمع فيه من المنازع. وقد يذهب ~~العالم وتبقى كتبه، ويفنى ويبقى أثره. # ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلقت من عجيب حكمها ودونت من أنواع ~~سيرها حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها المستغلق علينا، فجمعنا إلى ~~قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم، لقد خس حظنا في الحكمة، ~~وانقطع سبيلنا إلى المعرفة. # ولو ألجئنا إلى قدر قوتنا ومبلغ خواطرنا، ومنتهى تجاربنا، بما أدركته ~~حواسنا، وشاهدته نفوسنا، لقد قلت المعرفة وقصرت الهمة وضعفت المنة، فاعتقم ~~الرأي ومات الخاطر، وتبلد العقل، واستبد بنا سوء العادة. # وأكثر من كتبهم نفعا، وأحسن مما تكلفوا موقعا، كتب الله تعالى، التي فيها ~~الهدى والرحمة، والإخبار عن كل عبرة، وتعريف كل سيئة وحسنة. PageV04P297 # فينبغي أن يكون سبيلنا فيمن بعدنا سبيل من قبلنا فينا. مع أنا قد وجدنا ~~في العبرة أكثر مما وجدوا، كما أن من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما وجدنا. # فما ينتظر الفقيه بفقهه والمحتج لدينه، والذاب عن مذهبه، ومواسي الناس في ~~معرفته، وقد أمكن القول وأطرق السامع، ونجا من التقية، وهبت ريح العلماء. ### || فصل منه # واعلم أن قصد العبد بنعم الله تعالى إلى مخالفته، غير مخرج إنعام الله ~~تعالى عليه، ولا يحول إحسانه إليه إلى غير معناه وحقيقته، ولم يكن إحسان ~~الله في إعطائه الأداة وتبيين الحجة لينقلبا إفسادا وإساءة؛ لأن المعان على ~~الطاعة عصى بالمعونة، وأفسد بالإنعام، وأساء بالإحسان. # وفرق بين المنعم والمنعم عليه؛ لأن المنعم عليه يجب أن يكون شكورا، ولحق ~~النعمة راعيا، والمنعم منفرد بحسن الإنعام، وشريك في جميل الشكر. ولأن ~~المنعم أيضا هو الذي حبب الشكر إلى فاعله، بالذي قدم إليه من إحسانه، وتولى ~~من يساره، ولذلك جعلوا النعمة لقاحا، والشكر ولادا. وإنما مثل إعطاء الآلة ~~والتكليف لفعل ms259 PageV04P298 ~~الخير مثل رجل تصدق على فقير ليستر عورته، ويقيم من أود صلبه، وليصرف في ~~منافعه، ولا يكون إنفاق الفقير ذلك الشيء في الفساد والخلاف والفواحش، ~~لينقلب إحسان المتصدق إساءة. وإنما هذا بصواب الرأي الذي لا ينقلب صوابا ~~وإن أنجح صاحبه. # وقد يؤتى الرجل من حزمه ولا يكون مذموما، ويحظى بالإضاعة ولا يكون ~~محمودا. ### || فصل منه # ولم يكن الله تعالى ليضع العدل ميزانا بين خلقه، وعيارا على عباده، في ~~نظر عقولهم في ظاهر ما فرض عليهم، وييسر خلافه، ويستخفي بضده، ويعلم أن ~~قضاءه فيهم غير الذي فطرهم على استحسانه، وتحبب إليهم به، في ظاهر دينه، ~~والذي استجوب به على الشكر على جميع خلقه. ### || فصل منه # وإن لم يكن العبد على ما وصفنا من الاستطاعة والقدرة، والحال التي هي ~~أدعى إلى المصلحة، ما كان متروكا على طباعه ودواعي شهواته، دون تعديل طبعه ~~وتسوية تركيبه. # ولذلك أسباب نحن ذاكروها، وجاعلوها حجة في إقامة الإمامة، PageV04P299 ~~وأن عليها مدار المصلحة، وأن طبع البشر يمتنع من الإخبار إلا على ما نحن ~~ذاكروه، فنقول: إنا لما رأينا طبائع الناس وشهواتهم، من شأنها التقلب إلى ~~هلكتهم وفساد دينهم، وذهاب دنياهم، وإن كانت العامة أسرع إلى ذلك من ~~الخاصة، فكل لا تنفك طبائعهم من حملهم على ما يرديهم، ما لم يردوا بالقمع ~~الشديد في العاجل، من القصاص العادل، ثم التنكيل في العقوبة على شر ~~الجناية، وإسقاط القدر، وإزالة العدالة، مع الأسماء القبيحة، والألقاب ~~الهجينة، ثم بالإخافة الشديدة والحبس الطويل، والتغريب عن الوطن، ثم الوعيد ~~بنار الأبد، مع فوت الجنة. # وإنما وضع الله تعالى هذه الخصال لتكون لقوة العقل مادة، ولتعديل الطبائع ~~معونة؛ لأن العبد إذا فضلت قوى طبائعه وشهواته على قوى عقله ورأيه، ألفي ~~بصيرا بالرشد غير قادر عليه، فإذا احتوشته المخاوف كانت مواد لزواجر عقله، ~~وأوامر رأيه. فإذا لم يكن في حوادث الطبائع ودواعي الشهوات وحب العاجل فضل ~~على زواجر العقل وأوامره ألفي العبد ممتنعا من الغي قادرا عليه؛ لأن الغضب ~~والحسد والبخل والجبن، والغيرة، وحب الشهوات والنساء، ms260 والمكاثرة، PageV04P300 ~~والعجب والخيلاء وأنواع هذه إذا قويت دواعيها لأهلها، واشتدت جواذبها ~~لصاحبها، ثم لم يعلم أن فوقه ناقما عليه، وأن له منتقما لنفسه من نفسه، أو ~~مقتضيا منه لغيره، كان ميله وذهابه مع جواذب الطبيعة ودواعي الشهوة طباعا ~~لا يمتنع منه، وواجبا لا يستطيع غيره. # أو ما رأيته كيف يخرق في ماله، ويسرع فيما أثلت له رجاله، وشيدت له ~~أوائله، من غير أن يرى للعوض وجها، وللخلف سببا في عاجل دينه، ولا آجل ~~دنياه، حتى يكون والي المسلمين هو الذي يحجر عليه؛ ليكون مضض الحجر وذل ~~الخطر، وغلظة الجفوة. واللقب القبيح، وتسليط الأشكال، مادة للذي معه من ~~معرفته وبقية عقله. ### || فصل منه # وقد يكون الرجل معروفا بالنزق مذكورا بالطيش مستهاما بإظهار الصولة حتى ~~يتحامى كلامه الصديق، ويداريه الجليس، ويترك مجاراته الكريم، للذي يعرفون ~~من شذاته، وبوادر حدته وشدة تسعره والتهابه، وكثرة فلتاته. ثم لا يلبث أن ~~يحضر الوالي الصليب والرجل المنيع، فيلفى ذليلا خاضعا، أو حليما وقورا، أو ~~أديبا رفيقا، أو صبورا محتسبا. PageV04P301 # وقد نجده يجهل على خصمه، ويستطيل على منازعه، ويهم بتناوله والغدر به، ~~فإذا عرف له حماة تكفيه، وجهالا تحميه، وجاها يمنعه، ومالا يصول به، طامن ~~له من شخصه، وألان له من جانبه، وسكن من حركته، وأطفأ نار غضبه. # أو ما علمت أن الخوف يطرد السكر، ويميت الشهوة، ويطفىء الغضب، ويحط ~~الكبر، ويذكر بالعاقبة، ويساعد العقل، ويعاون الرأي، وينبت الحيلة ويبعث ~~على الروية؛ حتى يعتدل به تركيب من كان مغلوبا على عقله، ممنوعا من رأيه، ~~بسكر الشباب وسكر الغناء وإهمال الأمر، وثقة العز، وبأو القدرة. ### || فصل منه # وإنما أطنبت لك في تفسير هذه الأحوال التي عليها الوجود والعبرة، لتعلم ~~أن الناس لو تركوا وشهواتهم، وخلوا وأهواءهم وليس معهم من عقولهم إلا حصة ~~الغريزة ونصيب التركيب، ثم أخلوا من المرشدين والمؤدبين، والمعترضين بين ~~النفوس وأهوائها، وبين الطبائع وغلبتها، من الأنبياء وخلفائها، لم يكن في ~~قوى عقولهم ما يداوون به أدواءهم، ويجبرون به من أهوائهم، ويقوون به ~~لمحاربة طبائعهم، ويعرفون ms261 به جميع مصالحهم. PageV04P302 # وأي داء هو أردى من طبيعة تردي، وشهوة تطغي؟ ! ومن كان لا يعد الداء إلا ~~ما كان مؤلما في وقته، ضاربا على صاحبه في سواد ليله وبياض نهاره، فقد جهل ~~معنى الداء. وجاهل الداء جاهل بالدواء. ### || فصل منه # ولكنا نقول: لا يجوز أن يلي أمر المسلمين على ظاهر الرأي والحزم والحيطة ~~أكثر من واحد، لأن الحكام والسادة إذا تقاربت أقدارهم وتساوت عنايتهم قويت ~~دواعيهم إلى طلب الاستعلاء، واشتدت منافستهم في الغلبة. # وهكذا جرب الناس من أنفسهم في جيرانهم الأدنين في الأصهار وبني الأعمام، ~~والمتقاربين في الصناعات، كالكلام، والنجوم، والطب والفتيا، والشعر، والنحو ~~والعروض، والتجارة، والصباغة، والفلاحة أنهم إذا تدانوا في الأقدار، ~~وتقاربوا في الطبقات، قويت دواعيهم إلى طلب الغلبة، واشتدت جوانبهم في حب ~~المباينة، والاستيلاء على الرياسة. # ومتى كانت الدواعي أقوى كانت النفس إلى الفساد أميل، والعزم أضعف، وموضع ~~الروية أشغل، والشيطان فيهم أطمع؛ وكان الخوف عليهم أشد، وكانوا بموافقة ~~المفسد أحرى، وإليه أقرب. # وإذا كان ذلك كذلك فأصلح الأمور للحكام والقادة، إذا كانت النفوس ~~ودواعيها ومجرى أفعالها على ما وصفنا، أن ترفع عنهم أسباب التحاسد ~~والتغالب، والمباهاة والمنافسة. PageV04P303 # وإن ذلك أدعى إلى صلاح ذات البين، وأمن البيضة، وحفظ الأطراف. # وإذا كان الله تبارك وتعالى، قد كلف الناس النظر لأنفسهم، واستيفاء ~~النعمة عليهم، وترك الخطار بالهلكة والتغرير بالأمة، وليس عليهم مما يمكنهم ~~أكثر من الحيطة والتباعد من التغرير. ولا حال أدعى إلى ذلك أكثر مما وصفنا، ~~لأنه أشبه الوجوه بتمام المصلحة، والتمتع بالأمن والنعمة. ### || فصل منه # فلما كان ذلك كذلك علمنا أنه إذا كان القائم بأمور المسلمين بائن الأمر، ~~متفردا بالغاية من الفضل، كانت دواعي الناس إلى مسابقته ومجاراته أقل. # ولم يكن الله ليطبع الدنيا وأهلها على هذه الطبيعة، ويركبها وأهلها هذا ~~التركيب، حتى تكون إقامة الواحد من الناس أصلح لهم، إلا وذلك الواحد موجود ~~عند إرادتهم له، وقصدهم إليه؛ لأن الله لا يلزم الناس في ظاهر الرأي ~~والحيطة إقامة المعدوم، وتشييد المجهول؛ لأن على الناس التسليم، ms262 وعلى الله ~~تعالى قصد السبيل. PageV04P304 # وهل رأيتم ملكين أو سيدين في جاهلية أو إسلام، من العرب جميعا أو من ~~العجم، لا يتحيف أحدهما من سلطان صاحبه ولا ينهك أطرافه، ولا يساجله ~~الحروب؛ إذ كل واحد منهما يطمع في حد صاحبه وطرفه، لتقارب الحال، واستواء ~~القري. كما جاءت الأخبار عن ملوك الطوائف كيف كانت الحروب راكدة وأمرهم ~~مريج، والناس نهب، ليس ثغر إلا معطل، ولا طرف إلا منكشف، والناس فيما بينهم ~~مشغولون بأنفسهم، ملوكهم من عز بز، مع إنفاق المال، وشغل البال، وشدة ~~الخطار بالجميع، والتغرير بالكل. ### || فصل منه # وإن قالوا: فما صفة أفضلهم؟ # قلنا: أن يكون أقوى طبائعه عقله، ثم يصل قوة ~~عقله بشدة الفحص وكثرة السماع، ثم يصل شدة فحصه وكثرة سماعه بحسن العادة. ~~فإذا جمع إلى قوة عقله علما، وإلى علمه حزما، وإلى حزمه عزما، فذلك الذي لا ~~بعده. # وقد يكون الرجل دونه في أمور وهو يستحق مرتبة الإمامة، ومنزلة الخلافة، ~~غير أنه على حال لا بد من أن يكون أفضل أهل دهره. لأن من التعظيم لمقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يقام فيه إلا أشبه PageV04P305 ~~الناس به في كل عصر. ومن الاستهانة به أن يقام فيه من لا يشبهه وليس في ~~طريقته. # وإنما يشبه الإمام الرسول بأن يكون لا أحد آخذ بسيرته منه. فأما أن ~~يقاربه أو يدانيه فهذا ما لا يجوز، ولا يسع تمنيه، والدعاء به. ### || فصل منه # وإذا كان قول المهاجرين والأنصار والذين جرى بينهم التنافس والمشاحة على ~~ما وصفنا في يوم السقيفة، ثم صنيع أبي بكر وقوله لطلحة في عمر؛ وصنيع عمر ~~في وضع الشورى وتوعدهم له بالقتل إن هم لم يقيموا رجلا قبل انقضاء المدة، ~~ونجوم الفتنة؛ ثم صنيع عثمان وقوله وصبره حتى قتل دونهما ولم يخلعها؛ ~~وأقوال طلحة والزبير وعائشة وعلي رحمة الله عليهم وعليها، ليست بحجة على ما ~~قلنا فليست في الأرض دلالة ولا حجة قاطعة. # وفي هذا الباب الذي وصفنا، ونزلنا من حالاتهم وبينا، دليل على أنهم ms263 كانوا ~~يرون أن إقامة الإمام فريضة واجبة، وأن الشركة عنها منفية، وأن الإمامة ~~تجمع صلاح الدين وإيثار خير الآخرة والأولى. PageV04P306 ### || فصل منه # وأي مذهب هو أشنع، وأي قول هو أفحش، من قول من قال: لا بد للشاهد من أن ~~يكون طاهرا عدلا مأمونا، ولا بأس أن يكون القاضي جائرا، نطفا فاجرا، وهذا ~~لا يشبه حكم الحكيم، وصفة الحليم، ونظر المرشد، وترتيب العالم. PageV04P307 ### | 29- من كتابه في مقالة الزيدية والرافضة PageV04P309 ### || فصل من صدر كتابه في مقالة الزيدية والرافضة # اعلم - يرحمنا الله وإياك - أن شيعة علي رضي الله عنه زيدي ورافضي، ~~وبقيتهم بدد لا نظام لهم، وفي الإخبار عنهما غناء عمن سواهما. # قالت علماء الزيدية: وجدنا الفضل في الفعل دون غيره، ووجدنا الفعل كله في ~~أربعة أقسام: # أولها: القدم في الإسلام حين لا رغبة ولا رهبة إلا من الله ~~تعالى وإليه. # ثم الزهد في الدنيا؛ فإن أزهد الناس في الدنيا أرغبهم في الآخرة، وآمنهم ~~على نفائس الأموال، وعقائل النساء، وإراقة الدماء. # ثم الفقه الذي به يعرف الناس مصالح دنياهم، ومراشد دينهم. # ثم المشي بالسيف كفاحا في الذب عن الإسلام وتأسيس الدين؛ وقتل عدوه ~~وإحياء وليه؛ فليس فوق بذل المهجة واستغراق القوة غاية يطلبها طالب، أو ~~يرتجيها راغب. # ولم نجد قولا خامسا فنذكره. PageV04P311 # فلما رأينا هذه الخصال مجتمعة في رجل دون الناس كلهم وجب علينا تفضيله ~~عليهم، وتقديمه دونهم. # وذاك أنا سألنا العلماء والفقهاء، وأصحاب الأخبار، وحمال الآثار، عن أول ~~الناس إسلاما، فقال فريق منهم: علي، وقال قوم: زيد بن حارثة، وقال قوم: ~~خباب. ولم نجد قول كل واحد منهم من هذه الفرق قاطعا لعذر صاحبه، ولا ناقلا ~~عن مذهبه، وإن كانت الرواية في تقديم علي أشهر، واللفظ به أكثر. # وكذلك إذا سألناهم عن الذابين عن الإسلام بمهجهم. والماشين إلى الأقران ~~بسيوفهم، وجدناهم مختلفين: # فمن قائل يقول: علي رضي الله عنه، ومن قائل ~~يقول: الزبير، ومن قائل يقول: ابن عفراء، ومن قائل يقول: محمد بن مسلمة، ~~ومن قائل يقول: طلحة، ومن قائل يقول: البراء ms264 بن مالك. # على أن لعلي من قتل الأقران والفرسان ما ليس لهم، فلا أقل من أن يكون علي ~~في طبقتهم. # وإن سألناهم عن الفقهاء والعلماء، رأيناهم يعدون عليا كان أفقههم، وعمر، ~~وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب. PageV04P312 # على أن عليا كان أفقههم؛ لأن كان يسأل ولا يسأل، ويفتي ولا يستفتي، ~~ويحتاج إليه ولا يحتاج إليهم. ولكن لا أقل من أن نجعله في طبقتهم وكأحدهم. # وإن سألناهم عن أهل الزهادة وأصحاب التقشف، والمعروفين برفض الدنيا ~~وخلعها، والزهد فيها، قالوا: علي، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وأبو ذر، ~~وعمار، وبلال، وعثمان بن مظعون. # على أن عليا أزهدهم؛ لأنه شاركهم في خشونة الملبس وخشونة المأكل، والرضا ~~باليسير، والتبلغ بالحقير، وظلف النفس، ومخالفة الشهوات. وفارقهم بأن ملك ~~بيوت الأموال ورقاب العرب والعجم، فكان ينضح بيت المال في كل جمعة ويصلي ~~فيه ركعتين. ورقع سراويله بالقد، وقطع ما فضل من ردنه عن أطراف أصابعه ~~بالشفرة. في أمور كثيرة. مع أن زهده أفضل من زهدهم؛ لأنه أعلم منهم. وعبادة ~~العالم ليست كعبادة غيره، كما أن زلته ليست كزلة غيره. فلا أقل من أن نعده ~~في طبقتهم. # ولا نجدهم ذكروا لأبي الدرداء، وأبي ذر، وبلال، مثل الذي ذكروا له في باب ~~الغناء والذب، وبذل النفس. ولم نجدهم ذكروا للزبير، وابن عفراء وأبي دجانة، ~~والبراء بن مالك، مثل الذي ذكروا له PageV04P313 ~~من التقدم في الإسلام، والزهد، والفقه. ولم نجدهم ذكروا لأبي بكر وزيد، ~~وخباب، مثل الذي ذكروا له من بذل النفس والغناء، والذب بالسيف، ولا ذكروهم ~~في طبقة الفقهاء والزهاد. # فلما رأينا هذه الأمور مجتمعة فيه، متفرقة في غيره من أصحاب هذه المراتب ~~وهذه الطبقات، علمنا أنه أفضلهم، وإن كان كل رجل منهم قد أخذ من كل خير ~~بنصيب فإنه لن يبلغ ذلك مبلغ من قد اجتمع له جميع الخير وصنوفه. ### || فصل منه # وضرب آخر من الناس همج هامج، ورعاع منتشر، لا نظام لهم، ولا اختبار ~~عندهم، أعراب أجلاف، وأشباه الأعراب. يفترقون حيث يفترقون، ms265 ويجتمعون حيث ~~يجتمعون؛ لا تدفع صولتهم إذا هاجوا، ولا يؤمن هيجانهم إذا سكنوا. إن أخصبوا ~~طغوا في البلاد، وإن أجدبوا آثروا العناد. # ثم هم موكلون ببغض القادة، وأهل الثراء والنعمة، يتمنون النكبة، ويشتمون ~~بالعثرة، ويسرون بالجولة، ويترقبون الدائرة. # وهم كما وصفوا الطغام والسفلة. PageV04P314 # وقال علي رضي الله عنه في دعائه: " نعوذ بالله من قوم إذا اجتمعوا لم ~~يملكوا، وإذا افترقوا لم يعرفوا ". فهؤلاء هؤلاء. # وضرب آخر قد فقهوا في الدين، وعرفوا سبب الإمامة، وأقنعهم الحق وانقادوا ~~له بطاعة الربوبية وطاعة المحبة، وعرفوا المحنة وعرفوا المعدن، ولكنهم قليل ~~في كثير، ومختار كل زمان. وإن كثروا فهم أقل عددا وإن كانوا أكثر فقها. # فلما كان الناس عند علي وأبي بكر وعمر، وأبي عبيدة، وأهل السابقة ~~المهاجرين والأنصار، على الطبقات التي نزلنا، والمنازل التي رتبنا، ~~وبالمدينة منافقون يعضون عليهم الأنامل من الغيظ، وفيها بطانة لا يألونهم ~~خبالا، لا يخفى عليهم موضع الشدة وانتهاز الفرصة، وهم في ذلك على بقية، ~~ووافق ذلك ارتداد من حول المدينة من العرب، وتوعدهم بذلك في شكاة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وصح به الخبر. # ثم الذي كان من اجتماع الأنصار حيث انحازوا من المهاجرين وصاروا أحزابا ~~وقالوا: " منا أمير ومنكم أمير "، فأشفق علي أن يظهر إرادة القيام بأمر ~~الناس، مخافة أن يتكلم متكلم أو يشغب شاغب ممن وصفنا حاله، وبينا طريقته، ~~فيحدث بينهم فرقة، والقلوب على PageV04P315 ~~ما وصفنا، والمنافقون على ما ذكرنا، وأهل الردة على ما أخبرنا، ومذهب ~~الأنصار على ما حكينا. # فدعاه النظر للدين إلى الكف عن الإظهار والتجافي عن الأمور، وعلم أن فضل ~~ما بينه وبين أبي بكر في صلاحهم لو كانوا أقاموه، لا يعادل التغرير بالدين، ~~ولا يفي بالخطار بالأنفس؛ لأن في الهيج البائقة، وفي فساد الدين فساد ~~العاجلة والآجلة. فاغتفر الخمول ضنا بالدين، وآثر الآجلة على العاجلة، فدل ~~ذلك على رجاجة حلمه، وقلة حرصه، وسعة صدره، وشدة زهده، وفرط سماحته وأصالة ~~رأيه. # ومتى سخت نفس امرىء عن هذا الخطب الجليل، والأمر الجزيل، نزل من ms266 الله ~~تعالى بغاية منازل الدين. # وإنما كانت غايتهم في أمرهم أربح الحالين لهم، وأعون على المقصود إذ علم ~~أن هلكتهم لا تقوم بإزاء صرف ما بين حاله وحال أبي بكر في مصلحتهم. PageV04P316 ### || فصل منه # وإنما ذكرت لك مذهب من لا يجعل القرابة والحسب سببا إلى الإمامة، دون من ~~يجعل القرابة سببا من أسبابها وعللها، لأني قد حكيته في كتاب الرافضة، وكان ~~ثم أوقع، وبهم أليق؛ وكرهت المعاد من الكلام والتكرار؛ لأن ذلك يغني عن ~~ذكره في هذا الكتاب، وهو مسلك واحد، وسبيل واحد. # وإنما قصدت إلى هذا المذهب دون مذهب سائر الزيدية في دلائلهم وحججهم، ~~لأنه أحسن شيء رأيته لهم. وإنما أحكي لك من كل نحلة قول حذاقهم وذوي ~~أحلامهم، لأن فيه دلالة على غيره، وغنى عما سواه. # وقالوا: وقد يكون الرجل أفضل الناس ويلي عليه من هو دونه في الفضل، حتى ~~يكلفه الله طاعته وتقديمه؛ إما للمصلحة، وإما للإشفاق من الفتنة، كما ذكرنا ~~وفسرنا، وإما للتغليظ في المحنة وتشديد البلوى والكلفة، كما قال تعالى ~~للملائكة: " اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ". والملائكة أفضل من آدم، ~~فقد كلفهم الله أغلظ المحن وأشد البلوى، إذ ليس في الخضوع أشد من السجود ~~على الساجد له. والملائكة أفضل من آدم، لأن جبريل وميكائيل وإسرافيل عند ~~الله تعالى من المقربين قبل خلق آدم بدهر طويل، لما قدمت من العبادة، ~~واحتملت من ثقل الطاعة. PageV04P317 # وكما ملك الله طالوت على بني إسرائيل وفيهم يومئذ داود النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وهو نبيهم الذي أخبر عنه في القرآن: " وقال لهم نبيهم إن الله ~~قد بعث لكم طالوت ملكا ". # ثم صنيع النبي صلى الله عليه وسلم حين ولى زيد بن حارثة على جعفر الطيار ~~يوم مؤتة، وولى أسامة على كبراء المهاجرين وفيهم أبو بكر وعمر، وسعيد بن ~~زيد بن عمرو بن نفيل، وسعد بن أبي وقاص، ورجال ذوو أخطار وأقدار، من ~~البدريين والمهاجرين، والسابقين الأولين. ### || فصل منه # ولو ترك الناس وقوى عقولهم وجماح طبائعهم، وغلبة شهواتهم، وكثرة جهلهم، ms267 ~~وشدة نزاعهم إلى ما يرديهم ويطغيهم، حتى يكونوا هم الذين يحتجزون من كل ما ~~أفسدهم بقدر قواهم، وحتى يقفوا على حد الضار والنافع، ويعرفوا فصل ما بين ~~الداء والدواء، والأغذية والسموم، كان قد كلفهم شططا، وأسلمهم إلى عدوهم، ~~وشغلهم عن PageV04P318 ~~طاعته التي هي أجدى الأمور عليهم وأنفعها لهم، ومن أجلها عدل التركيب ~~وسوى البنية، وأخرجهم من حد الطفولة والجهل إلى البلوغ والاعتدال والصحة، ~~وتمام الأداة والآلة. ولذلك قال عز ذكره: " وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ". # ولو أن الناس تركهم الله تعالى والتجربة، وخلاهم وسبر الأمور وامتحان ~~السموم، واختبار الأغذية، وهم على ما ذكرنا من ضعف الحيلة وقلة المعرفة ~~وغلبة الشهوة، وتسلط الطبيعة، مع كثرة الحاجة، والجهل بالعاقبة، لأثرت ~~عليهم السموم، ولأفناهم الخطأ ولأجهز عليهم، الخبط، ولتولدت الأدواء ~~وترادفت الأسقام، حتى تصير منايا قاتلة، وحتوفا متلفة، إذ لم يكن عندهم إلا ~~أخذها، والجهل بحدودها ومنتهى ما يجوز منها والزيادة فيها، وقلة الاحتراس ~~من توليدها. # فلما كان ذلك كذلك علمنا أن الله تعالى حيث خلق العالم وسكانه لم يخلقهم ~~إلا لصلاحهم، ولا يجوز صلاحهم إلا بتبقيتهم PageV04P319 # ولولا الأمر والنهي ما كان للتبقية وتعديل الفطرة معنى. # ولما أن كان لا بد للعباد من أن يكونوا مأمورين منهيين، بين عدو عاص ~~ومطيع ولي، علمنا أن الناس لا يستطيعون مدافعة طبائعهم، ومخالفة أهوائهم، ~~إلا بالزجر الشديد، والتوعد بالعقاب الأليم في الآجل، بعد التنكيل في ~~العاجل، إذ كان لا بد من أن يكونوا منهيين بالتنكيل معجلا، والجزاء الأكبر ~~مؤجلا، وكان شأنهم إيثار الأدنى وتسويف الأقصى. # وإذا كانت عقول الناس لا تبلغ جميع مصالحهم في دنياهم فهم عن مصالح دينهم ~~أعجز، إذ كان علم الدين مستنبطا من علم الدنيا. # وإذا كان العلم مباشرة أو سببا للمباشرة وعلم الدنيا غامض، فلا يتخلص إلى ~~معرفته إلا بالطبيعة الفائقة، والعناية الشديدة، مع تلقين الأئمة. ولأن ~~الناس لو كانوا يبلغون بأنفسهم غاية مصالحهم في دينهم ودنياهم كان إرسال ~~الرسل قليل النفع، يسير الفضل. # وإذا كان الناس مع منفعتهم بالعاجل وحبهم ms268 للبقاء، ورغبتهم في النماء، ~~وحاجتهم إلى الكفاية، ومعرفتهم بما فيها من السلامة لا يبلغون لأنفسهم ~~معرفة ذلك وإصلاحه، وعلم ذلك جليل ظاهر سببه PageV04P320 ~~بعضه ببعض، كدرك الحواس وما لاقته، فهم عن التعديل والتجوير وتفصيل ~~التأويل، والكلام في مجيء الأخبار وأصول الأديان، أعجز، وأجدر ألا يبلغوا ~~منه الغاية، ولا يدركوا منه الحاجة؛ لأن علم الدنيا أمران: إما شيء يلي ~~الحواس، وإما شيء يلي علم الحواس، وليس كذلك الدين. # فلما كان ذلك كذلك علمنا أنه لا بد للناس من إمام يعرفهم جميع مصالحهم. # ووجدنا الأئمة ثلاثة: رسول، ونبي، وإمام. # فالرسول نبي إمام، والنبي نبي إمام، والإمام ليس برسول ولا نبي. # وإنما اختلفت أسماؤهم ومراتبهم لاختلاف النواميس والطبائع، وعلى قدر ~~ارتفاع بعضهم عن درجة بعض، في العزم والتركيب، وتغير الزمان بتغير الفرض ~~وتبدل الشريعة. # فأفضل الناس الرسول، ثم النبي، ثم الإمام. # فالرسول هو الذي يشرع الشريعة ويبتدىء الملة، ويقيم الناس على جمل ~~مراشدهم، إذ كانت طبائعهم لا تحتمل في ابتداء الأمر PageV04P321 ~~أكثر من الجمل. ولولا أن في طاقة الناس قبول التلقين وفهم الإرشاد، ~~لكانوا هملا، ولتركوا نشرا جشرا، ولسقط عنهم الأمر والنهي. ولكنهم قد ~~يفضلون بين الأمور إذا أوردت عليهم، وكفوا مئونة التجربة، وعلاج الاستنباط. ~~ولن يبلغوا بذلك القدر قدر المستغني بنفسه، المستبد برأيه، المكتفي بفطنته ~~عن إرشاد الرسل، وتلقين الأئمة. # وإنما جاز أن يكون الرسول مرة عربيا ومرة عجميا، وليس له بيت يخطره ولا ~~شرف يشهر موضعه؛ لأنه حين كان مبتدىء الملة ومخرج الشريعة، كان ذلك أشهر من ~~شرف الحسب المذكور، وأنبه من البيت المقدم. ولأنه يحتاج من الأعلام والآيات ~~والأعاجيب، إلى القاهر المعقول والواضح الذي لا يخيل أن يشتهر مثله في ~~الآفاق، ويستفيض في الأطراف حتى يصدع عقل الغبي، ويفتق طبع العاقل، وينقض ~~عزم المعاند، وينتبه من أطال الرقدة وتخضع الرقاب وتضرع الخدود حتى يتواضع ~~له كل شرف، ويبخع PageV04P322 ~~له كل أنف، فلا يحتاج حاله معه إلى حال، ولا مع قدره إلى حسب. # وعلى قدر جهل الأمة وغباء عقولها، وسوء رعتها، ms269 وخبث عادتها، وغلظ محنتها، ~~وشدة حيرتها، تكون الآيات، كفلق البحر، والمشي على الماء، وإحياء الموتى، ~~وقصر الشمس عن مجراها. لأن النبي الذي ليس برسول ولا مبتدىء ملة، ولا منشىء ~~شريعة، إنما هو للتأكيد والبشارة، كبشارة النبي بالرسول الكائن على غابر ~~الأيام، وطول الدهر. # وتوكيد المبشر يحتاج من الأعلام إلى دون ما يحتاج إليه المبتدىء لأصل ~~الملة، والمظهر لفرض الشريعة، الناقل للناس عن الضلال القديم، والعادة ~~السيئة، والجهل الراسخ. فلذلك التقى بشهرة أعلامه، وشرف آياته، وذكر ~~شرائعه، من شهرة بيته وشرف حسبه، لأنه لا ذكر إلا وهو خامل عند ذكره، ولا ~~شرف إلا وهو وضيع عند شرفه. ### |PARATEXT| # انتهاء الفصول التي اختارها عبيد الله بن حسان من كتب أبي عثمان ~~عمرو بن بحر الجاحظ، رحمه الله تعالى. وكان الفراغ من نسخ ~~هذه النسخة يوم الجمعة المبارك الثامن عشر من شهر صفر الخير، على ~~صاحبها أفضل الصلاة وأتم التحية، على يد كاتبها الفقير عبد الله ~~المنصوري، اللهم اغفر له ولوالديه آمين، آمين، آمين. PageV04P323 ### |PARATEXT| # [وإليك نص خاتم النسخة التيمورية:] # انتهاء الفصول التي اختارها عبيد الله بن حسان من كتب أبي عثمان ~~عمرو بن بحر الجاحظ رحمه الله. # وكان الفراغ من نسخ هذه النسخة في يوم الجمعة المبارك الموافق لثلاث ~~خلت من شهر ذي القعدة سنة 1315 خمسة عشر وثلاثمائة بعد الألف ~~من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وقد تم نسخها بيد العبد الحقير، ~~المعترف بالعجز والتقصير، عبد أهل السنة والجماعة، الخاضع لله بالدعاء ~~والطاعة، الراجي لطف ربه الغني محمد بن عبد الله بن إبراهيم الزمراني، غفر ~~الله له ولوالديه ولجميع المسلمين بمنه وكرمه. والصلاة والسلام على خير ~~خلقه، والحمد لله وحده. # تمت بحمد الله وعونه وحسن توفيقه. آمين. # وقد نقلت هذه النسخة المباركة من نسخة تاريخها في أوائل شهر رجب ~~الأصم سنة 403 ثلاث وأربعمائة كاتبها أبي القاسم عبيد الله بن علي ~~رحمه الله. ### |PARATEXT| # [وهذا نص ختام المطبوعة على هامش الكامل:] # انتهت الفصول التي اختارها عبيد الله بن حسان من ms270 كتب أبي عثمان عمرو ~~ابن بحر الجاحظ رحمه الله تعالى. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام ~~على أشرف المرسلين وآله وصحبه أجمعين. ms271