######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_001020 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الباقلاني #META# 010.AuthorNAME :: أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 403 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إعجاز القرآن #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن :: كتب التفاسير وعلوم القرآن :: مواضيع في علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: إعجاز القرآن #META# 030.LibURI :: JK_001020 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: السيد أحمد صقر #META# 041.EdNUMBER :: الخامسة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار المعارف #META# 044.EdPLACE :: مصر #META# 045.EdYEAR :: 1997م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # إعجاز القرآن PageV01P001 # | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله المنعم على عباده بما هداهم إليه من الإيمان والمتمم إحسانه ~~بما أقام لهم من جلى البرهان الذي حمد نفسه بما أنزل من القرآن ليكون بشيرا ~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وهاديا إلى ما ارتضى لهم من ~~دينه وسلطانا أوضح وجه تبيينه ودليلا على وحدانيته ومرشدا إلى معرفة عزته ~~وجبروته ومفصحا عن صفات جلاله وعلو شأنه وعظيم سلطانه وحجة لرسوله الذي ~~أرسله به وعلما على صدقه وبينة على أنه أمينه على وحيه وصادع بأمره # فما أشرفه من كتاب يتضمن صدق متحمله ورسالة تشتمل على قول مؤديها بين فيه ~~سبحانه أن حجته كافية هادية ولا يحتاج مع وضوحها إلى بينة تعدوها أو حجة ~~تتلوها وأن الذهاب عنها كالذهاب عن الضروريات والتشكك في المشاهدات ولذلك ~~قال عز ذكره ( @QB@ ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين @QE@ ) وقال عز وجل ( @QB@ ولو فتحنا ~~عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن ~~قوم مسحورون @QE@ ) # فله الشكر على جزيل إحسانه وعظيم مننه والصلاة على محمد المصطفى وآله ~~وسلم # ومن أهم ما يجب على أهل دين الله كشفه وأولى ما يلزم بحثه PageV01P003 ما ~~كان لأصل دينهم قواما ولقاعدة توحيدهم عمادا ونظاما وعلى صدق نبيهم برهانا ~~ولمعجزته ثبتا وحجة ولا سيما أن الجهل ممدود الرواق شديد النفاق مستول على ~~الآفاق والعلم إلى عفاء ودروس وعلى خفاء وطموس وأهله في جفوة الزمن البهيم ~~يقاسون من عبوسة لقاء الأسد الشتيم حتى صار ما يكابدونه قاطعا عن الواجب من ~~سلوك مناهجه والأخذ في سبله # فالناس بين رجلين ذاهب عن الحق ذاهل عن الرشد وآخر مصدود عن نصرته مكدود ~~في صنعته # فقد أدى ذلك إلى خوض الملحدين في أصول الدين وتشكيكهم أهل الضعف في كل ~~يقين # وقد قل أنصاره واشتغل عنه أعوانه و أسلمه أهله فصار عرضة لمن شاء أن ~~يتعرض فيه حتى عاد مثل الأمر الأول على ما خاضوا ms001 فيه عند ظهور أمره فمن ~~قائل قال إنه سحر وقائل يقول إنه شعر وآخر يقول إنه أساطير الأولين وقالوا ~~لو نشاء لقلنا مثل هذا إلى الوجوه التي حكى الله عز وجل عنهم انهم قالوا ~~فيه وتكلموا به فصرفوه إليه # وذكر لي عن بعض جهالهم أنه جعل يعدله ببعض الأشعار ويوازن PageV01P004 ~~بينه وبين غيره من الكلام ولا يرضى بذلك حتى يفضله عليه # وليس هذا ببديع من ملحدة هذا العصر وقد سبقهم إلى عظم ما يقولونه إخوانهم ~~من ملحدة قريش وغيرهم إلا أن أكثر من كان طعن فيه في أول أمره استبان رشده ~~وأبصر قصده فتاب وأناب وعرف من نفسه الحق بغريزة طبعه وقوة إتقانه لا لتصرف ~~لسانه بل لهداية ربه وحسن توفيقه والجهل في هذا الوقت أغلب والملحدون فيه ~~عن الرشد أبعد وعن الواجب أذهب # وقد كان يجوز أن يقع ممن عمل الكتب النافعة في معاني القرآن وتكلم في ~~فوائده من أهل صنعة العربية وغيرهم من أهل صناعة الكلام أن يبسطوا القول في ~~الإبانة عن وجه معجزته والدلالة على مكانه فهو أحق بكثير مما صنفوا فيه من ~~القول في الجزء [ والطفرة ] ودقيق الكلام في الأعراض وكثير من بديع الإعراب ~~وغامض النحو فالحاجة إلى هذا أمس والاشتغال به أوجب # وقد قصر بعضهم في هذه المسألة حتى أدى ذلك إلى تحول قوم منهم إلى مذاهب ~~البراهمة فيها ورأوا أن عجزأصحابهم عن نصرة هذه المعجزة يوجب أن لا مستنصر ~~فيها ولا وجه لها حين رأوهم قد برعوا في لطيف ما أبدعوا وانتهوا إلى الغاية ~~فيما أحدثوا ووضعوا ثم رأوا ما صنفوه في هذا المعنى غير كامل في بابه ولا ~~مستوفى في وجهه قد أخل بتهذيب طرقه وأهمل ترتيب بيانه # وقد يعذر بعضهم في تفريط يقع منه فيه وذهاب عنه لأن هذا الباب مما لا ~~يمكن إحكامه إلا بعد التقدم في أمور شريفة المحل عظيمة المقدار دقيقة ~~المسلك لطيفة المأخذ PageV01P005 # وإذا انتهينا إلى تفصيل القول فيها استبان ما قلناه من الحاجة إلى هذه ~~المقدمات حتى ms002 يمكن بعدها إحكام القول في هذا الشأن # وقد صنف الجاحظ في نظم القرآن كتابا لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون ~~قبله ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى # وسألنا سائل أن نذكر جملة من القول جامعة تسقط الشبهات وتزيل الشكوك التي ~~تعرض للجهال وتنتهي إلى ما يخطر لهم و يعرض لأفهامهم من الطعن في وجه ~~المعجزة # فأجبناه إلى ذلك متقربين إلى الله عز وجل ومتوكلين عليه وعلى حسن توفيقه ~~ومعونته # ونحن نبين ما سبق فيه البيان من غيرنا ونشير إليه ولا نبسط القول لئلا ~~يكون ما ألفناه مكررا ومقولا بل يكون مستفادا من جهة هذا الكتاب خاصة # ونصف ما يجب وصفه من القول في تنزيل متصرفات الخطاب وترتيب وجوه الكلام ~~وما تختلف فيه طرق البلاغة وتتفاوت من جهته سبل البراعة وما يشتبه له ظاهر ~~الفصاحة ويختلف فيه المختلفون من أهل صناعة العربية والمعرفة بلسان العرب ~~في اصل الوضع # ثم ما اختلفت به مذاهب مستعمليه في فنون ما ينقسم إليه الكلام من شعر ~~ورسائل وخطب وغير ذلك من مجارى الخطاب وإن كانت هذه الوجوه الثلاثة أصول ما ~~يبين فيه التفاصح وتقصد فيه البلاغة لأن هذه أمور يتعمل لها في الأغلب ولا ~~يتجوز فيها # ثم من بعد هذا الكلام الدائر في محاوراتهم والتفاوت فيه أكثر PageV01P006 ~~لأن التعمل فيه أقل إلا من غزارة طبع أو فطانة تصنع وتكلف # ونشير 4 إلى ما يجب في كل واحد من هذه الطرق ليعرف عظيم محل القرآن , ~~وليعلم ارتفاعه عن مواقع هذه الوجوه وتجاوزه الحد الذي يصح أو يجوز أن ~~يوازن بينه وبينها أو يشتبه ذلك على متأمل # ولسنا نزعم أنه يمكننا أن نبين ما رمنا بيانه وأردنا شرحه وتفصيله لمن ~~كان عن معرفة الأدب ذاهبا وعن وجه اللسان غافلا لأن ذلك مما لا سبيل إليه ~~إلا أن يكون الناظر فيما نعرض عليه مما قصدنا إليه من أهل صناعة العربية ~~وقد وقف على جمل من محاسن الكلام ومتصرفاته ومذاهبه وعرف جملة من طرق ~~المتكلمين ونظر ms003 في شئ من أصول الدين # وإنما ضمن الله عز وجل فيه البيان لمثل من وصفناه فقال ( @QB@ كتاب فصلت ~~آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون @QE@ ) وقال ( @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون @QE@ PageV01P007 # | فصل في أن نبوة النبي معجزتها القرآن # الذي يوجب الاهتمام التام بمعرفة إعجاز القرآن أن نبوة نبينا عليه السلام ~~بنيت على هذه المعجزة وإن كان قد أيد بعد ذلك بمعجزات كثيرة إلا أن تلك ~~المعجزات قامت في أوقات خاصة وأحوال خاصة وعلى أشخاص خاصة ونقل بعضها نقلا ~~متواترا يقع به العلم وجودا وبعضها مما نقل نقلا خاصا إلا أنه حكى بمشهد من ~~الجمع العظيم وأنهم شاهدوه فلو كان الأمر على خلاف ما حكي لأنكروه أو ~~لأنكره بعضهم فحل محل المعنى الأول وإن لم يتواتر أصل النقل فيه وبعضها مما ~~نقل من جهة الآحاد وكان وقوعه بين يدى الآحاد # فأما دلالة القرآن فهي عن معجزة عامة عمت الثقلين وبقيت بقاء العصرين ~~ولزوم الحجة بها في أول وقت ورودها إلى يوم القيامة على حد واحد وإن كان قد ~~يعلم بعجز أهل العصر الأول عن الإتيان بمثله وجه دلالته فيغني ذلك عن نظر ~~مجدد في عجز أهل هذا العصر عن الإتيان بمثله وكذلك قد يغنى عجز أهل هذا ~~العصر عن الإتيان بمثله عن النظر في حال أهل العصر الأول # وإنما ذكرنا هذا الفصل لما حكى عن بعضهم أنه زعم أنه وإن كان قد عجز عنه ~~أهل العصر الأول فليس أهل هذا العصر بعاجزين عنه ويكفي عجز أهل العصر الأول ~~في الدلالة لأنهم خصوا بالتحدي دون غيرهم PageV01P008 # ونحن نبين خطأ هذا القول في موضعه إن شاء الله ( فأما الذي يبين ما ~~ذكرناه من أن الله تعالى حين ابتعثه جعل معجزته القرآن وبنى أمر نبوته عليه ~~فسور كثيرة وآيات نذكر بعضها وننبه بالمذكور على غيره فليس يخفى بعد ~~التنبيه على طريقه # فمن ذلك قوله تعالى ( @QB@ الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد @QE@ ) فأخبر أنه أنزله ليقع ms004 ~~الاهتداء به , ولا يكون كذلك إلا وهو حجة ولا يكون حجة إن لم يكن معجزة # وقال عز وجل ( @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام ~~الله @QE@ ) فلولا أن سماعه إياه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا يكون ~~حجة إلا وهو معجزة # وقال عز وجل ( @QB@ وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على ~~قلبك لتكون من المنذرين @QE@ ) وهذا بين جدا فيما قلناه من أنه جعله سببا ~~لكونه منذرا ثم أوضح ذلك بأن قال ( @QB@ بلسان عربي مبين @QE@ ) فلولا أن ~~كونه بهذا اللسان حجة لم يعقب كلامه الأول به # وما من سورة افتتحت بذكر الحروف المقطعة إلا وقد أشبع فيها بيان ما قلناه ~~ونحن نذكر بعضها لتستدل بذلك على ما بعده # وكثير من هذه السور إذا تأملته فهو من أوله إلى آخره مبني على لزوم حجة ~~القرآن والتنبيه على وجه معجزته # فمن ذلك سورة المؤمن قوله عز وجل ( @QB@ حم تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~العليم @QE@ ) ثم وصف نفسه بما هو أهله من قوله تعالى ( @QB@ غافر الذنب ~~وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ما يجادل في ~~آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في @QE@ ) PageV01P009 ( @QB@ ~~البلاد @QE@ ) فدل على أن الجدال في تنزيله كفر وإلحاد # ثم اخبر بما وقع من تكذيب الأمم برسلهم بقوله عز وجل ( @QB@ كذبت قبلهم ~~قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق @QE@ ) فتوعدهم بأنه آخذهم في الدنيا بذنبهم في تكذيب ~~الأنبياء # ورد براهينهم فقال تعالى ( @QB@ فأخذتهم فكيف كان عقاب @QE@ ) ثم توعدهم ~~بالنار فقال تعالى ( @QB@ وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب ~~النار @QE@ ) # ثم عظم شأن المؤمنين بهذه الحجة بما أخبر من استغفار الملائكة لهم وما ~~وعدهم عليه من المغفرة فقال تعالى ( @QB@ الذين يحملون العرش ومن حوله ~~يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم @QE@ ) فلولا أنه ~~برهان ms005 قاهر لم يذم الكفار على العدول عنه ولم يحمد المؤمنين على المصير ~~إليه # ثم ذكر تمام الآيات في دعاء الملائكة للمؤمنين ثم عطف على وعيد الكافرين ~~فذكر آيات ثم قال ( @QB@ هو الذي يريكم آياته @QE@ ) فأمر بالنظر في آياته ~~وبراهينه إلى أن قال ( @QB@ رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على ~~من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق @QE@ ) فجعل القرآن والوحي به كالروح ~~لأنه يؤدي إلى حياة الأبد ولأنه لا فائدة للجسد من دون الروح فجعل هذا ~~الروح سببا للإنذار وعلما عليه وطريقا إليه ولولا أن ذلك برهان بنفسه لم ~~يصح أن يقع به الإنذار والإخبار عما يقع عند مخالفته ولم يكن الخبر عن ~~الواقع في الآخرة عند ردهم دلالته من الوعيد حجة ولا معلوما صدقه فكان لا ~~يلزمهم قبوله # فلما خلص من الآيات في ذكر الوعيد على ترك القبول ضرب لهم PageV01P010 ~~المثل بمن خالف الآيات وجحد الدلالات والمعجزات فقال ( @QB@ أولم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة ~~وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق @QE@ ) # ثم بين أن عاقبتهم صارت إلى السوآى بأن رسلهم كانت تأتيهم بالبينات ~~وكانوا لا يقبلونها منهم فعلم أن ما قدم ذكره في السورة بينه رسول # ثم ذكر قصة موسى ويوسف عليهما السلام ومجيئهما بالبينات ومخالفتهم حكمها ~~إلى أن قال تعالى ( @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر ~~مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار @QE@ ~~) فأخبر أن جدالهم في هذه الآيات لا يقع بحجة وإنما يقع عن جهل وأن الله ~~يطبع على قلوبهم ويصرفهم عن تفهم وجه البرهان لجحودهم وعنادهم واستكبارهم # ثم ذكر كثيرا من الاحتجاج على التوحيد ثم قال تعالى ( @QB@ ألم تر إلى ~~الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون @QE@ ) # ثم بين هذه الجملة وأن من آياته الكتاب فقال ( @QB@ الذين كذبوا بالكتاب ~~وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون @QE@ ) إلى أن قال ms006 ( @QB@ وما كان لرسول ~~أن يأتي بآية إلا بإذن الله @QE@ ) # فدل على أن الآيات على ضربين أحدهما كالمعجزات التي هي أدلة في دار ~~التكليف والثاني الآيات التي ينقطع عندها العذر ويقع عندها العلم الضروري ~~وأنها إذا جاءت ارتفع التكليف ووجب الإهلاك إلى أن قال تعالى ( @QB@ فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا @QE@ ) فأعلمنا أنه قادر إلى هذه الآيات ~~ولكنه إذا أقامها زال التكليف وحقت العقوبة على الجاحدين PageV01P011 وكذلك ~~ذكر في ( @QB@ حم @QE@ ) السجدة على هذا المنهاج الذي شرحنا فقال عز وجل ( ~~@QB@ حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ~~بشيرا ونذيرا @QE@ ) فلولا أنه جعله / برهانا لم يكن بشيرا ولا نذيرا ولم ~~يختلف بأن يكون عربيا مفصلا أو بخلاف ذلك # ثم أخبر عن جحودهم وقلة قبولهم بقوله تعالى ( @QB@ فأعرض أكثرهم فهم لا ~~يسمعون @QE@ ) ولولا أنه حجة لم يضرهم الإعراض عنه # وليس لقائل أن يقول قد يكون حجة ولكن يحتاج في كونه حجة إلى دلالة أخرى ~~كما أن الرسول حجة ولكنه يحتاج إلى دلالة على صدقه وصحة نبوته # وذلك أنه إنما احتج عليهم بنفس هذا التنزيل ولم يذكر حجة غيره # ويبين ذلك أنه قال عقيب هذا ( @QB@ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي @QE@ ~~) فأخبر أنه مثلهم لولا الوحي # ثم عطف عليه بحمد المؤمنين به المصدقين له فقال ( @QB@ إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون @QE@ ) ومعناه الذين آمنوا بهذا الوحي ~~والتنزيل وعرفوا هذه الحجة # ثم تصرف في الاحتجاج على الوحدانية والقدرة إلى أن قال ( @QB@ فإن أعرضوا ~~فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود @QE@ ) فتوعدهم بما أصاب من قبلهم ~~من المكذبين بآيات الله من قوم عاد / وثمود في الدنيا ثم توعدهم بأمر ~~الآخرة فقال ( @QB@ ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون @QE@ ) إلى ~~انتهاء ما ذكره فيه # ثم رجع إلى ذكر القرآن فقال ( @QB@ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا ~~القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون @QE@ ) PageV01P012 ثم أثنى بعد ذلك على من ~~تلقاه بالقبول فقال ( @QB@ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ms007 تتنزل ~~عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا @QE@ ) ثم قال ( @QB@ وإما ~~ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم @QE@ ) # وهذا ينبه على أن النبي يعرف إعجاز القرآن وأنه دلالة له على جهة ~~الاستدلال لأن الضروريات لا يقع فيها نزغ الشيطان ونحن نبين ما يتعلق بهذا ~~الفصل في موضعه # ثم قال ( @QB@ إن الذين يلحدون في آياتنا @QE@ ) إلى أن قال ( إن الذين ~~كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه ) وهذا وإن كان متأولا على أنه لا يوجد فيه غير الحق مما يتضمنه من ~~أقاصيص الأولين وأخبار المرسلين وكذلك لا يوجد خلف فيما يتضمنه من الإخبار ~~عن الغيوب وعن الحوادث التي أنبأ أنها تقع في الاتي - فلا يخرج عن أن يكون ~~متأولا على ما يقتضيه نظام الخطاب من أنه لا يأتيه ما يبطله من شبهة سابقة ~~تقدح في معجزته أو تعارضه في طريقة وكذلك لا يأتيه من بعده قط أمر يشكك في ~~وجه دلالته وإعجازه وهذا أشبه بسياق الكلام ونظامه # ثم قال ( @QB@ ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي ~~وعربي @QE@ ) فأخبر أنه لو كان أعجميا لكانوا يحتجون في رده إما بأن ذلك ~~خارج عن عرف خطابهم أو كانوا يعتذرون بذهابهم عن معرفة معناه وبأنهم لا ~~يبين لهم وجه الإعجاز فيه لأنه ليس من شأنهم ولا من لسانهم أو بغير ذلك من ~~الأمور وأنه إذا تحداهم إلى ما هو من لسانهم وشأنهم فعجزوا عنه وجبت الحجة ~~عليهم به على ما نبينه في وجه هذا الفصل إلى أن قال ( @QB@ قل أرأيتم إن ~~كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد @QE@ ) ~~PageV01P013 # والذي ذكرناه من نظم هاتين السورتين ينبه على غيرهما من السور فكرهنا سرد ~~القول فيها فليتأمل المتأمل ما دللناه عليه يجده كذلك # ثم مما يدل على هذا قوله عز وجل ( @QB@ وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ~~ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين ms008 أو لم يكفهم أنا أنزلنا ~~عليك الكتاب يتلى عليهم @QE@ ) فأخبر أن الكتاب آية من آياته وعلم من ~~أعلامه وأن ذلك يكفي في الدلالة ويقوم مقام معجزات غيره وآيات سواه من ~~الأنبياء صلوات الله عليهم # ويدل عليه قوله عز وجل ( @QB@ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا الذي له ملك السماوات والأرض @QE@ ) # ويدل عليه قوله ( @QB@ أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم ~~على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته @QE@ ) # فدل على أنه جعل قلبه مستودعا لوحيه ومستنزلا لكتابه وأنه لو شاء صرف ذلك ~~عنه إلى غيره وكان له حكم دلالته على تحقيق الحق وإبطال الباطل مع صرفه عنه ~~ولذلك أشباه كثيرة تدل على نحو الدلالة التي وصفناها # فبان بهذا وبنظائره ما قلنا من أن بناء نبوته على دلالة القرآن ومعجزته ~~وصار له من الحكم في دلالته على نفسه وصدقه أنه يمكن أن يعلم أنه كلام الله ~~تعالى وفارق حكمه حكم غيره من الكتب المنزلة على الأنبياء لأنها لا تدل على ~~أنفسها إلا بأمر زائد عليها ووصف منضاف إليها لأن نظمها ليس معجزا وإن كان ~~ما تتضمنه من الإخبار عن الغيوب معجزا # وليس كذلك القرآن لأنه يشاركها في هذه الدلالة ويزيد عليها PageV01P014 ~~في أن نظمه معجز فيمكن أن يستدل به عليه وحل في هذا من وجه محل سماع الكلام ~~من القديم سبحانه وتعالى لأن موسى عليه السلام لما سمع كلامه علم أنه في ~~الحقيقة كلامه # وكذلك من يسمع القرآن يعلم أنه كلام الله وإن اختلف الحال في ذلك من بعض ~~الوجوه لأن موسى عليه السلام سمعه من الله عز وجل وأسمعه نفسه متكلما وليس ~~كذلك الواحد منا وكذلك قد يختلفان في غير هذا الوجه وليس ذلك قصدنا بالكلام ~~في هذا الفصل # والذي نرومه الآن ما بيناه من اتفاقهما في المعنى الذي وصفناه وهو أنه ~~عليه السلام يعلم أن ما يسمعه كلام الله من جهة الاستدلال وكذلك نحن نعلم ~~ما نقرؤه من هذا على جهة الاستدلال PageV01P015 # | فصل ms009 في [ بيان وجه ] الدلالة على أن القرآن معجز # قد ثبت بما بينا في الفصل الأول ان نبوة نبينا مبنية على دلالة معجزة ~~القرآن فيجب أن نبين وجه الدلالة من ذلك قد ذكر العلماء أن الأصل في هذا هو ~~أن يعلم أن القرآن الذي هو متلو محفوظ مرسوم في المصاحف هو الذي جاء به ~~النبي وأنه هو الذي تلاه على من في عصره ثلاثا وعشرين سنة # والطريق إلى معرفة ذلك هو النقل المتواتر الذي يقع عنده العلم الضروري به # وذلك أنه قام به في المواقف وكتب به إلى البلاد وتحمله عنه إليها من ~~تابعه وأورده على غيره ممن لم يتابعه حتى ظهر فيهم الظهور الذي لا يشتبه ~~على أحد ولا يخيل أنه قد خرج من أتى بقرآن يتلوه ويأخذه على غيره ويأخذه ~~غيره على الناس حتى انتشر ذلك في أرض العرب كلها وتعدى إلى الملوك المصاقبة ~~لهم كملك الروم والعجم والقبط والحبش وغيرهم من ملوك الأطراف # ولما ورد ذلك مضادا لأديان أهل ذلك العصر كلهم ومخالفا لوجوه اعتقاداتهم ~~المختلفة في الكفر _ وقف جميع أهل الخلاف على جملته ووقف جميع أهل دينه ~~الذين أكرمهم الله بالإيمان على جملته / وتفاصيله وتظاهر بينهم حتى حفظه ~~الرجال وتنقلت به الرحال وتعلمه الكبير والصغير إذ كان عمدة دينهم وعلما ~~عليه والمفروض تلاوته في صلواتهم والواجب استعماله في أحكامهم PageV01P016 ~~ثم تناقله خلف عن سلف هم مثلهم في كثرتهم وتوفر دواعيهم على نقله حتى انتهى ~~إلينا على ما وصفناه من حاله # فلن يتشكك أحد ولا يجوز أن يتشكك مع وجود هذه الأسباب في أنه أتى بهذا ~~القرآن من عند الله تعالى فهذا أصل # وإذا ثبت هذا الأصل وجودا فإنا نقول إنه تحداهم إلى أن يأتوا بمثله ~~وقرعهم على ترك الإتيان به طول السنين التي وصفناها فلم يأتوا بذلك [ وهذا ~~أصل ثان ] # والذي يدل على هذا الأصل أنا قد علمنا أن ذلك مذكور في القرآن في المواضع ~~الكثيرة كقوله ( @QB@ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا ms010 بسورة من ~~مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ~~فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا ~~من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما ~~أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون @QE@ ) # فجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلا على أنه منه ودليلا على وحدانيته وذلك ~~يدل عندنا على بطلان قول من زعم أنه لا يمكن أن تعلم بالقرآن الوحدانية ~~وزعم أن ذلك مما لا سبيل إليه إلا من جهة العقل لأن القرآن كلام الله عز ~~وجل ولا يصح أن يعلم الكلام حتى يعلم المتكلم أولا # فقلنا إذا ثبت بما نبينه إعجازه وان الخلق لا يقدرون عليه - ثبت أن الذي ~~أتى به غيرهم وأنه إنما يختص بالقدرة عليه من يختص بالقدرة عليهم وانه صدق ~~وإذا كان كذلك كان ما يتضمنه صدقا وليس إذا أمكن معرفته من جهة العقل امتنع ~~أن يعرف من [ طريق القرآن بل PageV01P017 يمكن عندنا أن يعرف من ] الوجهين # وليس الغرض تحقيق القول في هذا الفصل لأنه خارج عن مقصود كلامنا ولكنا ~~ذكرناه من جهة دلالة الآية عليه # ومن ذلك قوله عز وجل ( @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل ~~هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ ) وقوله ( @QB@ ~~أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين @QE@ ) ~~فقد ثبت بما بيناه أنه تحداهم إليه ولم يأتوا بمثله # وفي هذا أمران أحدهما التحدي إليه والآخر أنهم لم يأتوا له بمثل والذي ~~يدل على ذلك النقل المتواتر الذي يقع به العلم الضروري فلا يمكن جحود واحد ~~من هذين الأمرين # وإن قال قائل لعله لم يقرأ عليهم الآيات التي فيها ذكر التحدي وإنما قرأ ~~عليهم ما سوى ذلك من القرآن - كان ذلك قولا باطلا يعلم بطلانه بمثل ما يعلم ~~به بطلان قول [ من زعم ] أن القرآن ms011 أضعاف هذا وهو يبلغ حمل جمل وأنه كتم ~~وسيظهره [ المهدي ] # أو يدعى أن هذا القرآن ليس هو الذي جاء به النبي وإنما هو شيء وضعه عمر ~~أو عثمان رضي الله عنهما حيث وضع المصحف # أو يدعى فيه زيادة أو نقصانا # وقد ضمن الله حفظ كتابه أن يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه ووعده ~~الحق # وحكاية قول من قال ذلك يغنى عن الرد عليه لأن العدد الذين أخذوا القرآن ~~في الأمصار وفي البوادي وفي الأسفار والحضر وضبطوه حفظا PageV01P018 من بين ~~صغير وكبير وعرفوه حتى صار لا يشتبه على أحد منهم حرف لا يجوز عليهم السهو ~~النسيان ولا التخليط فيه والكتمان # ولو زادوا أو نقصوا أو غيروا لظهر وقد علمت أن شعر امرئ القيس وغيره - ~~على أنه لا يجوز أن يظهر ظهور القرآن ولا أن يحفظ كحفظه ولا أن يضبط كضبطه ~~ولا أن تمس الحاجة إليه إمساسها إلى القرآن - لو زيد فيه بيت أو نقص منه ~~بيت لا بل لو غير فيه لفظ - لتبرأ منه أصحابه وأنكره أربابه # فإذا كان ذلك مما لا يمكن [ أن يكون ] في شعر امرئ القيس ونظرائه مع أن ~~الحاجة إليه تقع لحفظ العربية فكيف يجوز أو يمكن ما ذكروه في القرآن مع شدة ~~الحاجة إليه في [ الصلاة التي هي ] أصل الدين ثم في الأحكام والشرائع ~~واشتمال الهمم المختلفة على ضبطه # فمنهم من يضبطه لأحكام قراءته و معرفة وجوهها وصحة أدائها # ومنهم من يحفظه للشرائع والفقه # ومنهم من يضبطه ليعرف تفسيره و معانيه # ومنهم من يقصد بحفظه الفصاحة و البلاغة # / ومن الملحدين من يحصله لينظر في عجيب شأنه # وكيف يجوز على أهل هذه الهمم المختلفة والآراء المتباينة - على كثرة ~~أعدادهم واختلاف بلادهم وتفاوت أغراضهم - أن يجتمعوا على التغيير و التبديل ~~والكتمان # ويبين ذلك أنك إذا تأملت ما ذكر في أكثر السور مما بينا ومن نظائره في رد ~~قومه عليه ورد غيرهم وقولهم ( @QB@ لو نشاء لقلنا مثل هذا @QE@ ) [ و قول ~~بعضهم إن ذلك سحر ] و قول بعضهم ms012 ( @QB@ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن ~~هذا إلا اختلاق @QE@ ) إلى الوجوه التي يصرف إليها قولهم في الطعن عليه ~~PageV01P019 فمنهم من يستهين لببها ويجعل ذلك سببا لتركه الإتيان بمثله # ومنهم من يزعم أنه مفترى فلذلك لا يأتي بمثله ومنهم من يزعم أنه دارس ~~وانه أساطير الأولين # وكرهنا أن نذكر كل آية تدل على تحديه لئلا يقع التطويل # ولو جاز أن يكون بعضه مكتوبا لجاز على كله ولو جاز أن يكون بعضه موضوعا ~~لجاز ذلك في كله # فثبت بما بيناه أنه تحداهم به وأنهم لم يأتوا بمثله وهذا الفصل قد بينا ~~أن الجميع قد ذكروه وبنوا عليه # فإذا ثبت هذا وجب أن يعلم بعده أن تركهم للإتيان بمثله كان لعجزهم عنه # والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن أنه تحداهم إليه ~~حتى طال التحدي وجعله دلالة على صدقه ونبوته وضمن أحكامه استباحة دمائهم ~~وأموالهم وسبى ذريتهم فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا وتوصلوا إلى ~~تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه بأمر قريب هو عادتهم في لسانهم ~~ومألوف من خطابهم وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال وإكثار المراء والجدال ~~وعن الجلاء عن الأوطان وعن تسليم الأهل والذرية للسبي # فلما لم تحصل هناك معارضة منهم علم أنهم عاجزون عنها # يبين ذلك أن العدو يقصد لدفع قول عدوه بكل ما قدر عليه من المكايد لا ~~سيما مع استعظامه ما بدهه بالمجيء من خلع آلهته وتسفيه رأيه في ديانته ~~وتضليل آبائه والتغريب عليه بما جاء به وإظهار أمر يوجب الانقياد لطاعته ~~والتصرف على حكم إرادته والعدول عن إلفه وعادته و الانخراط في سلك الأتباع ~~بعد أن كان متبوعا والتشييع بعد PageV01P020 أن كان مشيعا وتحكيم الغير في ~~ماله وتسليطه إياه على جملة أحواله والدخول تحت تكاليف شاقة وعبادات متعبة ~~بقوله وقد علم أن بعض هذه الأحوال مما يدعو إلى سلب النفوس دونه # هذا والحمية حميتهم والهمم الكبيرة هممهم وقد بذلوا له السيف فأخطروا ~~بنفوسهم وأموالهم فكيف يجوز أن لا يتوصلوا إلى الرد عليه ms013 وإلى تكذيبه بأهون ~~سعيهم ومألوف أمرهم وما يمكن تناوله من غير أن يعرق فيه جبين أو ينقطع دونه ~~وتين أو يشتمل به خاطر وهو لسانهم الذي يتخاطبون به مع بلوغهم في الفصاحة ~~النهاية التي ليس وراءها متطلع والرتبة التي ليس فوقها منزع # ومعلوم أنهم لو عارضوه بما تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره وتكذيب قوله ~~وتفريق جمعه وتشتيت أسبابه وكان من صدق به يرجع على أعقابه ويعود في مذهب ~~أصحابه # فلما لم يفعلوا شيئا من ذلك مع طول المدة ووقوع الفسحة وكان أمره يتزايد ~~حالا فحالا ويعلو شيئا فشيئا وهم على العجز عن القدح في آيته والطعن بما ~~يؤثر في دلالته علم مما بينا أنهم كانوا لا يقدرون على معارضته ولا على ~~توهين حجنه # وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم ( @QB@ قوم خصمون @QE@ ) وقال ( @QB@ ~~وتنذر به قوما لدا @QE@ ) وقال ( @QB@ خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم ~~مبين @QE@ ) # وعلم أيضا ما كانوا يقولونه من وجوه اعتراضهم على القرآن مما حكى الله عز ~~وجل عنهم من قولهم ( @QB@ لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين ~~@QE@ ) وقولهم ( @QB@ ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا @QE@ ) PageV01P021 ( ~~@QB@ بهذا في آبائنا الأولين @QE@ ) وقالوا ( @QB@ يا أيها الذي نزل عليه ~~الذكر إنك لمجنون @QE@ ) وقالوا ( @QB@ أفتأتون السحر وأنتم تبصرون @QE@ ) ~~وقالوا ( @QB@ أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون @QE@ ) وقال ( @QB@ وقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤوا ظلما ~~وزورا وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا @QE@ ) ( ~~@QB@ وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا @QE@ ) وقوله ( @QB@ الذين ~~جعلوا القرآن عضين @QE@ ) # إلى آيات كثيرة في نحو هذا تدل على أنهم كانوا متحيرين في أمرهم متعجبين ~~من عجزهم يفزعون إلى نحو هذه الأمور من تعليل وتعذير ومدافعة بما وقع ~~التحدي إليه ووجد الحث عليه # وقد علم منهم أنهم ناصبوه الحرب وجاهدوه ونابذوه وقطعوا الأرحام وأخطروا ~~بأنفسهم وطالبوه بالآيات والإتيان بالملائكة وغير ذلك من المعجزات يريدون ~~تعجيزه ليظهروا عليه بوجه من الوجوه # فكيف يجوز أن يقدروا على معارضته القريبة ms014 السهلة عليهم وذلك يدحض حجته ~~ويفسد دلالته ويبطل أمره فيعدلون عن ذلك إلى سائر ما صاروا إليه من الأمور ~~التي ليس عليها مزيد في المنابذة والمعاداة ويتركون الأمر الخفيف # هذا مما يمتنع وقوعه في العادات ولا يجوز اتفاقه من العقلاء # وإلى هذا الموضع قد استقضى أهل العلم الكلام وأكثروا في هذا المعنى ~~واحكموه # ويمكن أن يقال إنهم لو كانوا قادرين على معارضته والإتيان بمثل ما أتى به ~~لم يجز أن يتفق منهم ترك المعارضة وهم على ما هم عليه من PageV01P022 ~~الذرابة والسلاقة والمعرفة بوجوه الفصاحة وهو يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن ~~مباراته وأنهم يضعفون عن مجاراته ويكرر فيما جاء به ذكر عجزهم عن مثل ما ~~يأتي به ويقرعهم ويؤنبهم عليه ويدرك آماله فيهم وينجح ما سعى له في تركهم ~~المعارضة # وهو يذكر فيما يتلوه تعظيم شأنه وتفخيم أمره حتى يتلو قوله تعالى ( @QB@ ~~قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ ) وقوله ( @QB@ ينزل الملائكة بالروح من ~~أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون @QE@ ) ~~وقوله ( @QB@ ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم @QE@ ) وقوله ( ~~@QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ ) وقوله ( @QB@ وإنه لذكر ~~لك ولقومك وسوف تسألون @QE@ ) وقوله ( @QB@ هدى للمتقين @QE@ ) وقوله ( ~~@QB@ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله @QE@ ) # إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن تعظيم شأن القرآن فمنها ومنها ما يتكرر ~~في السورة في مواضع منها ما ينفرد فيها وذلك مما يدعوهم إلى المبادراة ~~ويحضهم على المعارضة وإن لم يكن متحديا إليه # ألا ترى أنهم قد ينافر شعراؤهم بعضهم بعضا ولهم في ذلك مواقف معروفة ~~وأخبار مشهورة وآثار منقولة مذكورة وكانوا يتنافسون على الفصاحة والخطابة ~~والذلاقة ويتبجحون بذلك ويتفاخرون بينهم PageV01P023 # فلن يجوز - والحال هذه - أن يتغافلوا عن معارضته لو كانوا قادرين عليها ~~تحداهم أو لم يتحدهم إليها # ولو كان هذا ms015 لقبيل مما يقدر عليه البشر لوجب في ذلك أمر آخر وهو أنه لو ~~كان مقدورا للعباد لكان قد اتفق إلى وقت مبعثه من هذا القبيل ما كان يمكنهم ~~أن يعارضوه به وكانوا لا يفتقرون إلى تكلف وضعه وتعمل نظمه في الحال # فلما لم نرهم احتجوا عليه بكلام سابق وخطبة متقدمة ورسالة سالفة ونظم ~~بديع ولا عارضوه به فقالوا هذا أفصح مما جئت به وأغرب منه أو هو مثله _ علم ~~أنه لم يكن إلى ذلك سبيل وأنه لم يوجد له نظير # ولو كان وجد له مثل لكان ينقل إلينا ولعرفناه كما نقل إلينا أشعار أهل ~~الجاهلية وكلام الفصحاء والحكماء من العرب وأدى إلينا كلام الكهان وأهل ~~الرجز والسجع والقصيد وغير ذلك من أنواع بلاغاتهم وصنوف فصاحاتهم # فإن قيل الذي بنى عليه الأمر في تثبيت معجزة القرآن أنه وقع التحدي إلى ~~الإتيان بمثله وأنهم عجزوا عنه بعد التحدي إليه فإذا نظر الناظر وعرف وجه ~~النقل المتواتر في هذا الباب وجب له العلم بأنهم كانوا عاجزين عنه وما ~~ذكرتم يوجب سقوط تأثير التحدي وأن ما أتى به قد عرف العجز عنه بكل حال # قيل إنما احتيج إلى التحدي لإقامة الحجة وإظهار وجه البرهان [ على الكافة ~~] لأن المعجزة إذا ظهرت فإنما تكون حجة بأن يدعيها من ظهرت عليه ولا تظهر ~~على مدع لها إلا وهي معلومة أنها من عند الله فإذا كان يظهر وجه الإعجاز ~~فيها للكافة بالتحدي وجب فيها التحدي لأنه تزول بذلك الشبهة عن الكل وينكشف ~~للجميع أن / العجز واقع عن المعارضة وإلا كان مقتضى ما قدمناه من الفصل أن ~~من كان يعرف وجوه الخطاب ويفتن في مصارف الكلام وكان كاملا في فصاحته جامعا ~~للمعرفة بوجوه الصناعة _ لو أنه احتج عليه بالقرآن وقيل له إن الدلالة على ~~النبوة والآية للرسالة ما تلوته عليك منه PageV01P024 لكان ذلك بالغا في ~~إيجاب الحجة [ عليه ] و تماما في إلزامه فرض المصير إليه # ومما يؤكد هذا أن النبي قد دعا الآحاد إلى الإسلام محتجا عليهم ms016 بالقرآن ~~لأنا نعلم ضرورة أنه لم يلزمهم تصديقة تقليدا ونعلم أن السابقين الأولين ~~إلى الإسلام لم يقلدوه إنما دخلوا على بصيرة ولم نعلمه قال لهم أرجعوا إلى ~~جميع الفصحاء فإن عجزوا عن الإتيان بمثله فقد ثبتت حجتي # بل لما رآهم يعلمون إعجازه ألزمهم حكمة فقبلوه وتابعوا الحق وبادروا إليه ~~مستسلمين ولم يشكوا في صدقه ولم يرتابوا في وجه دلالته # فمن كانت بصيرته أقوى ومعرفته أبلغ كان إلى القبول منه أسبق ومن اشتبه ~~عليه وجه الإعجاز أو خفى عليه بعض شروط المعجزات وأدلة النبوات كان أبطأ ~~إلى القبول حتى تكاملت أسبابه واجتمعت له بصيرته وترادفت عليه مواده # وهذا فصل يجب أن يتمم القول فيه من بعد فليس هذا بموضع له ويبين ما قلناه ~~أن هذه الآية علم يلزم الكل قبوله والانقياد له وقد علمنا تفاوت الناس في ~~إدراكه ومعرفة وجه دلالته لأن الأعجمي لا يعلم أنه معجز إلا بأن يعلم عجز ~~العرب عنه وهو يحتاج في معرفة ذلك إلى أمور لا يحتاج إليها من كان من أهل ~~صنعة الفصاحة فإذا عرف عجز أهل الصنعة حل محلهم وجرى مجراهم في توجه الحجة ~~عليه # وكذلك لا يعرف المتوسط من أهل اللسان من هذا الشأن ما يعرفه العالي في ~~هذه الصنعة فربما حل في ذلك محل الأعجمي في أن لا تتوجه عليه الحجة حتى ~~يعرف عجز المتناهي في الصنعة عنه # وكذلك لا يعرف المتناهي في معرفة الشعر وحده أو الغاية في معرفة الخطب أو ~~الرسائل وحدهما - من غور هذا الشأن ما يعرف من استكمل معرفة PageV01P025 ~~جميع تصاريف الخطاب ووجوه الكلام وطرق البراعة فلا تكون الحجة قائمة على ~~المختص ببعض هذه العلوم بانفرادها دون تحققه لعجز البارع في هذه العلوم ~~كلها عنه # فأما من كان متناهيا في معرفة وجوه الخطاب وطرق البلاغة والفنون التي ~~يمكن فيها إظهار الفصاحة فهو متى سمع القرآن عرف إعجازه وإن لم نقل ذلك أدى ~~هذا القول إلى أن يقال إن النبي لم يعرف إعجاز القرآن حين أوحى إليه حتى ~~سبر ms017 الحال بعجز أهل اللسان عنه وهذا خطأ من القول # فصح من هذا الوجه أن النبي حين أوحى إليه القرآن عرف كونه معجزا أو عرف ~~بأن قيل له إنه دلالة وعلم على نبوتك أنه كذلك من قبل أن يقرأه على غيره أو ~~يتحدى إليه سواه # ولذلك قلنا إن المتناهي في الفصاحة والعلم بالأساليب التي يقع فيها ~~التفاصح متى سمع القرآن عرف أنه معجز لأنه يعرف من حال نفسه أنه لا يقدر ~~عليه وهو يعرف من حال غيره مثل ما يعرف من حال نفسه فيعلم أن عجز غيره ~~كعجزه هو وان كان يحتاج بعد هذا إلى استدلال آخر على أنه علم على نبوته ~~ودلالة على رسالته بأن يقال له إن هذه آية لنبي وإنها ظهرت عليه وادعاها ~~معجزة له وبرهانا على صدقه # فإن قيل فإن من الفصحاء من يعلم عجز نفسه عن قول الشعر ولا يعلم مع ذلك ~~عجز غيره عنه فكذلك البليغ وإن علم عجز نفسه عن مثل القرآن فهو يخفي عليه ~~عجز غيره # قيل هو مع مستقر العادة وإن عجز عن قول الشعر وعلم أنه مفحم فإنه يعلم أن ~~الناس لا ينفكون من وجود الشعراء فيهم # ومتى علم البليغ المتناهي في صنوف البلاغات عجزه عن القرآن علم عجز غيره ~~عنه وأنه كهو لأنه يعلم أن حاله وحال غيره في هذا الباب سواء PageV01P026 ~~إذ ليس في العادة مثل للقرآن يجوز أن يعلم قدرة أحد من البغاء عليه فإذا لم ~~يكن لذلك مثل في العادة وعرف هذا الناظر جميع أساليب الكلام وأنواع الخطاب ~~ووجد القرآن مباينا لها علم خروجة عن العادة وجرى مجرى ما يعلم أن إخراج ~~اليد البيضاء من الجيب خارج عن العادات فهو لا يجوزه من نفسه وكذلك لا يجوز ~~وقوعه من غيره إلا على وجه نقض العادة بل يرى وقوعه موقع المعجزة وهذا وإن ~~كان يفارق فلق البحر وإخراج اليد البيضاء ونحو ذلك من وجه فهو أنه يستوي ~~الناس في معرفته عجزهم عنه بكونه ناقضا للعادة من غير تأمل ms018 شديد ولا نظر ~~بعيد فإن النظر في معرفة إعجاز القرآن يحتاج إلى تأمل ويفتقر إلى مراعاة ~~مقدمات والكشف عن أمور نحن ذاكروها بعد هذا الموضع فكل واحد منهما يؤول إلى ~~مثل حكم صاحبه في الجمع الذي قدمناه # ومما يبين ما قلناه من أن البليغ المتناهي في وجوه الفصاحة يعرف إعجاز ~~القرآن وتكون معرفة حجة عليه إذا تحدى إليه وعجز عن مثله وأن لم ينتظر وقوع ~~التحدي في غيره وما الذي يصنع ذلك بالغير فهو ما روي في الحديث ان جبير بن ~~مطعم ورده على النبي في معنى حليف له أراد ان يفاديه فدخل والنبي يقرأ سورة ~~( @QB@ والطور وكتاب مسطور @QE@ ) في صلاة الفجر قال فلما انتهى إلى قوله ( ~~@QB@ إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع @QE@ ) قال خشيت ان يدركني العذاب ~~فأسلم وفي حديث آخر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع سورة ( @QB@ طه @QE@ ~~) فأسلم وقد روي ان قوله عز وجل في أول ( @QB@ حم @QE@ ) السجدة إلى قوله ( ~~@QB@ فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون @QE@ ) نزلت في شيبة وعتبة ابني ربيعة ~~وأبي سفيان ابن حرب أبى جهل وذكر أنهم بعثوا هم وغيرهم من وجوه قريش بعتبة ~~بن ربيعة PageV01P027 إلى النبي ليكلمه وكان حسن الحديث عجيب البيان بليغ ~~الكلام وأرادوا أن يأتيهم بما عنده فقرأ النبي سورة ( @QB@ حم @QE@ ) ~~السجدة من أولها حتى انتهى إلى قوله ( @QB@ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة ~~مثل صاعقة عاد وثمود @QE@ ) فوثب مخافة العذاب فاستحكوه ما سمع فذكر أنه لم ~~يفهم منه كلمة واحدة ولا اهتدى لجوابه ولو كان ذلك من جنس كلامهم لم يخف ~~عليه وجه الاحتجاج والرد فقال له عثمان بن مظعون لتعلموا أنه من عند الله ~~إذا لم يهتد لجوابه # وأبين من ذلك قول الله عز وجل ( @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ~~حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه @QE@ ) فجعل سماعه حجة عليه بنفسه فدل ~~على أن فيهم من يكون سماعه إياه حجة عليه # فإن قيل لو كان كذلك على ما قلتم لوجب أن يكون حال الفصحاء ms019 الذين كانوا ~~في عصر النبي على طريقة واحدة في إسلامهم عند سماعه # قيل له لا يجب ذلك لأن صوار فهم كانت كثيرة منها أنهم كانوا يشكون ففيهم ~~من يشك في إثبات الصانع وفيهم من يشك في التوحيد وفيهم من يشك في النبوة ~~ألا ترى أن أبا سفيان بن حرب لما جاء إلى رسول الله ليسلم عام الفتح قال له ~~النبي عليه السلام أما آن لك ان تشهد ان لا اله إلا الله قال بلى فشهد قال ~~أما آن لك ان تشهد أني رسول الله قال أما هذه ففي النفس منها شيء # فكانت وجوه شكوكهم مختلفة وطرق شبههم متباينة فمنهم من قلت شبههه وتأمل ~~الحجة حق تأملها ولم يستكبر فأسلم ومنهم من كثرت شبهه أو اعرض عن تأمل ~~الحجة حق تأملها أو لم يكن في البلاغة على حدود النهاية فتطاول عليه الزمان ~~إلى ان نظر واستبصر وراعى واعتبر واحتاج إلى ان يتأمل عجز غيره عن الإتيان ~~بمثله فلذلك وقف أمره PageV01P028 # ولو كانوا في الفصاحة على مرتبة واحدة وكانت صوارفهم وأسبابهم متفقه - ~~لتوافوا إلى القبول جملة واحدة # فإن قيل فكيف يعرف البليغ الذي وصفتموه إعجاز القرآن وما الوجه الذي ~~يتطرق به إليه والمنهاج الذي يسلكه حتى يقف به على جلية الأمر فيه قيل هذا ~~سبيله أن ينفرد له فصل # فإن قيل فلم زعمتم أن البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله مع قدرتهم على ~~صنوف البلاغات وتصرفهم في أجناس الفصاحات وهلا قلتم إن من قدر على جميع هذه ~~الوجوه البديعة بوجه من هذه الطرق الغريبة كان على مثل نظم القرآن قادرا ~~وإنما يصرفه الله عنه ضربا من الصرف أو يمنعه من الإتيان بمثله ضربا من ~~المنع أو تقصر دواعيه اليه دونه مع قدرته عليه ليتكامل ما أراده الله من ~~الدلالة ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة لأن من قدر على نظم كلمتين بديعتين ~~لم يعجز عن نظم مثلها وإذا قدر على ذلك قدر على ضم الثانية إلى الأولى ~~وكذلك الثالثة حتى يتكامل قدر الآية ms020 والسورة # فالجواب أنه لو صح ذلك لكل من أمكنه نظم ربع بيت أو مصراع من بيت أن ينظم ~~القصائد ويقول الأشعار وصح لكل ناطق قد يتفق في كلامه الكلمة البديعة نظم ~~الخطب البليغة والرسائل العجيبة ومعلوم أن ذلك غير سائغ ولا ممكن , # على أن ذلك لو لم يكن معجزا على ما وصفناه من جهة نظمه الممتنع لكان مهما ~~حط من رتبة البلاغة فيه ومنع من مقدار الفصاحة في نظمه كان أبلغ في ~~الأعجوبة إذا صرفوا عن الإتيان بمثله ومنعوا من معارضته وعدلت دواعيهم عنه ~~فكان يستغني عن إنزاله على النظم البديع وإخراجه في المعرض الفصيح العجيب ~~PageV01P029 # على أنه لو كانوا صرفوا على ما ادعاه لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية ~~مصروفين عما كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وعجيب الرصف لأنهم ~~لم يتحدوا إليه ولم تلزمهم حجته # فلما لم يوجد في كلام من قبله مثله علم أن ما ادعاه القائل بالصرفة ظاهر ~~البطلان # وفيه معنى آخر وهو أن أهل الصنعة في هذا الشأن إذا سمعوا كلاما مطمعا لم ~~يخف عليهم ولم يشتبه لديهم # ومن كان متناهيا في فصاحته لم يجز أن يطمع في مثل هذا القرآن بحال # فإن قال صاحب السؤال إنه قد يطمع في ذلك # قيل له أنت تزيد على هذا فتزعم أن كلام الآدمي يضارع القرآن و قد يزيد ~~عليه في الفصاحة ولا يتحاشاه ويحسب أن ما ألفه في الجزء والطفرة هو أبدع ~~وأغرب من القرآن لفظا ومعنى ولكن ليس الكلام على ما يقدره مقدر في نفسه ~~ويحسبه ظان من أمره والمرجوع في هذا إلى جملة الفصحاء دون الآحاد ونحن نبين ~~بعد هذا وجه امتناعه عن الفصيح البليغ ونميزه في ذلك عن سائر أجناس الخطاب ~~ليعلم أن ما يقدره من مساواة كلام الناس به تقدير ظاهر الخطأ ببين الغلط ~~وأن هذا التقدير من جنس من حكي الله تعالى قوله في محكم كتابه ( @QB@ إنه ~~فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم ms021 عبس وبسر ثم أدبر واستكبر ~~فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر @QE@ ) فهم يعبرون عن ~~دعواهم أنهم يمكنهم أن يقولوا مثله وأن ذلك من قول البشر لأن ما كان من ~~قولهم فليس يقع فيه التفاضل إلى الحد الذي يتجاوز إمكان معارضته # ومما يبطل ما ذكروه من القول بالصرفة أنه لو كانت المعرضة ممكنة وإنما ~~منع منها الصرفة لم يكن الكلام معجزا وإنما يكون المنع هو المعجز فلا يتضمن ~~الكلام فضيلة على غيره في نفسه PageV01P030 # وليس هذا بأعجب مما ذهب إليه فريق منهم أن الكل قادرون على الإتيان بمثله ~~وإنما يتأخرون عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه به # ولا بأعجب من قول فريق منهم إنه لا فرق بين كلام البشر وكلام الله تعالى ~~في هذا الباب وإنه يصح من كل واحد منهما الإعجاز على حد واحد # فإن قيل فهل تقولون بأن غير القرآن من كلام الله عز وجل معجز كالتوراة ~~والإنجيل والصحف # قيل ليس شيء من ذلك بمعجز في النظم والتأليف وإن كان معجزا كالقرآن فيما ~~يتضمن من الإخبار عن الغيوب # وإنما لم يكن معجزا لأن الله تعالى لم يصفه بما وصف به القرآن ولأنا قد ~~علمنا أنه لم يقع التحدي إليه كما وقع التحدي إلى القرآن # ولمعنى آخر وهو أن ذلك اللسان لا يتأتى فيه من وجوه الفصاحة ما يقع به ~~التفاضل الذي ينتهي إلى حد الإعجاز ولكنه يتقارب وقد رأيت أصحابنا يذكرون ~~هذا في سائر الألسنة ويقولون ليس يقع فيها من التفاوت ما يتضمن التقديم ~~العجيب ويمكن بيان ذلك بأنا لا نجد في القدر الذي نعرفه من الألسنة للشيء ~~الواحد من الأسماء ما نعرف من اللغة وكذلك لا نعرف فيها الكلمة الواحدة ~~تتناول المعاني الكثيرة على ما تتناوله العربية وكذلك التصرف في الاستعارات ~~والإشارات ووجوه الاستعمالات البديعة التي يجئ تفصيلها بعد هذا # ويشهد لذلك من القرآن أن الله تعالى وصفه بأنه ( @QB@ بلسان عربي مبين ~~@QE@ ) وكرر ذلك في مواضع كثيرة ويبين أنه رفعه ms022 عن أن يجعله أعجميا # فلو كان يمكن في لسان العجم إيراد مثل فصاحته لم يكن ليرفعه عن هذه ~~المنزلة وأنه وإن كان يمكن أن يكون من فائدة قوله إنه عربي مبين أنه مما ~~يفهمونه ولا يفتقرون فيه إلى الرجوع إلى غيرهم ولا يحتاجون في تفسيره إلى ~~سواهم فلا يمتنع أن يفيد ما قلناه أيضا كما أفاد بظاهره ما قد مناه # وبين ذلك أن كثيرا من المسلمين قد عرفوا تلك الألسنة وهم من أهل ~~PageV01P031 البراعة فيها وفي العربية فقد وقفوا على أنه ليس فيها من ~~التفاضل والفصاحة ما يقع في العربية ومعنى آخر وهو أنا لم نجد أهل التوراة ~~والإنجيل ادعوا الإعجاز لكتابهم ولا ادعى لهم المسلمون فعلم أن الإعجاز مما ~~يختص به القرآن # ويبين هذا أن الشعر لا يتأتى في تلك الألسنة على ما قد اتفق في العربية ~~وإن كان قد يتفق منها صنف أو أصناف ضيقة لم يتفق فيها من البديع ما يمكن ~~ويتأتى في العربية وكذلك لا يتأتى في الفارسية جميع الوجوه التي تتبين فيها ~~الفصاحة على ما يتأتى في العربية # فإن قيل فإن المجوس تزعم أن كتاب زرادشت وكتاب مانى معجزان # قيل الذي يتضمنه ماني من طرق النسيرنجات وضروب من الشعوذة ليس يقع فيها ~~إعجاز ويزعمون أن في الكتاب الحكم وهي حكم منقولة متداولة على الألسن لا ~~تختص بها أمة دون أمة وإن كان بعضهم أكثر اهتماما بها وتحصيلا لها وجمعا ~~لأبوابها # وقد ادعى قوم أن ابن المقفع عارض القرآن وإنما فزعوا إلى الدرة والتليمية ~~وهما كتابان أحدهما يتضمن حكما منقولة توجد عند حكماء كل أمة مذكورة بالفضل ~~فليس فيها شيء بديع من لفظ ولا معنى # والآخر في شيء من الديانات وقد تهوس فيه بما لا يخفي على متأمل # وكتابه الذي بيناه في الحكم منسوخ من كتاب بزرجمهر في الحكمة فأي صنع له ~~في ذلك وأي فضيلة حازها فيما جاء به # وبعد فليس يوجد له كتاب يدعي مدع أنه عارض فيه القرآن بل يزعمون أنه ~~اشتغل بذلك ms023 مدة ثم مزق ما جمع واستحيا لنفسه من إظهاره فإن كان كذلك فقد ~~أصاب وابصر القصد ولا يمتنع أن يشتبه عليه الحال في الابتداء ثم يلوح له ~~رشده ويتبين له أمره وينكشف له عجزه ولو كان بقي على اشتباه الحال عليه لم ~~يخف علينا موضع غفلته ولم يشتبه لدينا وجه شبهته # ومتى أمكن أن تدعى الفرس في شيء من كتبها أنه معجز في حسن تأليفه وعجيب ~~نظمه PageV01P032 # | فصل في جملة وجوه إعجاز القرآن # ذكر أصحابنا وغيرهم في ذلك ثلاثة أوجه من الإعجاز # أحدهما يتضمن الإخبار عن الغيوب وذلك مما لا يقدر عليه البشر ولا سبيل ~~لهم إليه فمن ذلك ما وعد الله تعالى نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على ~~الأديان بقوله عز وجل ( @QB@ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله ولو كره المشركون @QE@ ) ففعل ذلك # وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله من ~~إظهار دينه ليثقوا بالنصر ويستيقنوا بالنجح # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يفعل كذلك في أيامه حتى وقف أصحاب جيوشه ~~عليه فكان سعد بن أبي وقاص رحمه الله وغيره من أمراء الجيوش من جهته يذكر ~~ذلك لأصحابه ويحرضهم يه ويوثق لهم وكانوا يلقون الظفر في متوجهاتهم حتى فتح ~~إلى آخر أيام عمر رضي الله عنه إلى بلخ وبلاد الهند وفتح في أيامه مرو ~~الشاهجان ومرو الروذ ومنعهم من العبور إلى جيحون وكذلك فتح في أيامه فارس ~~إلى إصطخر وكرمان ومكران وسجستان وجميع ما كان من مملكة كسرى وكل ما كان ~~يملكه ملوك فارس بين البحرين من الفرات إلى جيحون وأزال ملك ملوك الفرس فلم ~~يعد إلى اليوم ولا يعود أبدا إن شاء الله تعالى ثم إلى حدود إرمينية وإلى ~~باب الأبواب وفتح أيضا ناحية الشام والأردن وفلسطين وفسطاط مصر وأزال ملك ~~قيصر عنها وذلك من الفرات إلى بحر مصر وهو ملك قيصر , وغزت الخيول في أيامه ~~إلى عمورية فأخذ الضواحي كلها ولم يبق PageV01P033 منها ms024 إلا ما حجز دونه ~~بحر أو حال عنه جبل منيع أو أرض خشنة أو بادية غير مسلوكة # وقال الله عز وجل ( @QB@ قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس ~~المهاد @QE@ ) فصدق فيه # وقال في أهل بدر ( @QB@ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم @QE@ ) ~~ووفي لهم بما وعد وجميع الآيات التي يتضمنها القرآن من الإخبار عن الغيوب ~~يكثر جدا وإنما أردنا أن ننبه بالبعض على الكل # والوجه الثاني أنه كان معلوما من حال النبي أنه كان أميا لا يكتب ولا ~~يحسن ان يقرأ # وكذلك كان معروفا من حاله أنه لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين ~~وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم , ثم أتى بجمل ما وقع وحدث من عظيمات الأمور ~~ومهمات السير من حين خلق الله آدم عليه السلام إلى حين مبعثه فذكر في ~~الكتاب الذي جاء به معجزة له قصة آدم عليه السلام وابتداء خلقه وما صار ~~أمره إليه من الخروج من الجنة ثم جملا من أمر ولده وأحواله وتوبته ثم ذكر ~~قصة نوح عليه السلام وما كان بينه وبين قومه وما انتهى إليه أمرهم وكذلك ~~أمر إبراهيم عليه السلام إلى ذكر سائر الأنبياء المذكورين في القرآن ~~والملوك والفراعنة الذين كانوا في أيام الأنبياء صلوات الله عليهم # ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن تعلم وإذ كان معروفا أنه ~~لم يكن ملابسا لأهل الآثار وحملة الأخبار ولا مترددا إلى التعلم منهم ولا ~~كان ممن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه - علم أنه لا يصل إلى علم ~~ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي ولذلك قال الله عز وجل ( @QB@ وما كنت تتلو من ~~قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون @QE@ ) وقال ( @QB@ ~~وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست @QE@ ) وقد بينا أن من PageV01P034 كان ~~يختلف إلى تعلم علم ويشتغل بملابسه أهل صنعة لم يخف على الناس أمره ولم ~~يشتبه عندهم مذهبه وقد كان يعرف من يحسن هذا العلم وإن كان نادرا وكذلك كان ~~يعرف فيهم من يختلف إليه للتعلم ms025 وليس يخفي في العرف عالم كل صنعة ومتعلمها ~~فلو كان منهم لم يخف أمره # والوجه الثالث أنه بديع النظم عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد ~~الذي يعلم عجز الخلق عنه والذي أطلقه العلماء هو على هذه الجملة ونحن نفصل ~~ذلك بعض التفصيل ونكشف الجملة التي أطلقوها # فالذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه # منها ما يرجع إلى الجملة وذلك أن نظمم القرآن على تصرف وجوهه وتباين ~~مذاهبه - خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم و ومباين للمألوف من ترتيب ~~خطابهم وله أسلوب يختص به ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد وذلك ~~أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم تنقسم إلى أعاريض الشعر على ~~اختلاف أنواعه ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى ثم إلى أصناف الكلام ~~المعدل المسجع ثم إلى معدل موزون غير مسجع ثم إلى ما يرسل إرسالا فتطلب فيه ~~الإصابة والإفادة وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع ترتيب لطيف وإن لم ~~يكن معتدلا في وزنه وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل [ فيه ] ولا ~~يتصنع له وقد علمنا أن القرآن خارج عن هذه الوجوه ومباين لهذه الطرق ويبقى ~~علينا أن نبين أنه ليس من باب مسجع ولا فيه شيء منه وكذلك ليس من قبيل ~~الشعر لأن من الناس من زعم أنه كلام السجع ومنهم من يدعى فيه شعرا ~~كثيراوالكلام عليهم يذكر بعد هذا الموضع فهذا إذا تأمله المتأمل تبين - ~~بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم - أنه خارج عن العادة وأنه معجزوهذه ~~خصوصية ترجع إلى جملة القرآن وتميز حاصل في جميعه PageV01P035 # ومنها أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع ~~والمعاني اللطيفة والفوائد الغزيرة والحكم الكثير والتناسب في البلاغة ~~والتشابه في البراعة على هذا الطول وعلى هذا القدر وإنما تنسب إلى حكيمهم ~~كلمات معدودة وألفاظ قليلة وإلى شاعرهم قصائد محصورة يقع فيها ما نبينه بعد ~~هذا من الاختلال ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف ويشملها ما نبديه من التعمل ~~والتكلف والتجوز والتعسف وقد ms026 حصل القران على كثرته وطوله متناسبا في ~~الفصاحة على ما وصفه الله تعالى به فقال عز من قائل ( @QB@ الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين ~~جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله @QE@ ) وقوله ( @QB@ ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ ) فأخبر سبحانه أن كلام الآدمي إن امتد وقع ~~فيه التفاوت وبان عليه الاختلال # وهذا المعنى هو غير المعنى الأول الذي بدأنا بذكره فتأمله تعرف الفصل # وفى ذلك معنى ثالث وهو أن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين ~~على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج ~~وحكم وأحكام وإعذار وإنذار ووعد ووعيد وتبشير وتخويف وأوصاف وتعليم أخلاق ~~كريمة وشيم رفيعة وسير مأثورة وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها ونجد ~~كلام البليغ الكامل والشاعر المفلق والخطيب المصقع - يختلف على حسب اختلاف ~~هذه الأمور # فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو # ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح # ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين # ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ PageV01P036 # ومنهم من يغرب في وصف الإبل أو الخيل أو سير الليل أو وصف الحرب أو وصف ~~الروض أو وصف الخمر أو الغزل أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ويتناوله ~~الكلام ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وبزهير إذا ~~رغب ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام # ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي ~~يتصرف فيها فيأتي بالغاية في البراعة في معنى فإذا جاء إلى غيره قصر عنه ~~ووقف دونه وبان الاختلاف على شعره ولذلك ضرب المثل بالذين سميتهم لأنه لا ~~خلاف في تقدمهم في صنعة الشعر ولا شك في تبريزهم في مذهب النظم فإذا كان ~~الاختلال يتأتي في شعرهم لاختلاف ما يتصرفون فيه ستغنينا عن ذكر من هو ~~دونهم وكذلك يستغني به عن تفصيل نحو هذا في الخطب والرسائل ms027 ونحوها ثم نجد ~~من الشعراء من يجود في الرجز ولا يمكنه نظم القصد أصلا ومنهم من ينظم ~~القصيد ولكن يقصر تقصيرا عجيبا ويقع ذلك من رجزه موقعا بعيد ومنهم من يبلغ ~~في القصيدة الرتبة العالية ولا ينظم الرجز أو يقصر فيه مهما تكلفة أو تعمله # ومن الناس من يجود في الكلام المرسل فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصانا ~~بينا ومنهم من يوجد بضد ذلك # وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ~~ذكرها على حد واحد في حسن النظم وبديع التأليف والرصف لا تفاوت فيه ولا ~~انحطاط عن المنزلة العليا ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا وكذلك قد تأملنا ~~ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة فرأينا الإعجاز في ~~جميعها على حد واحد لا يختلف وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر ~~القصة الواحدة تفاوتا بينا ويختلف اختلافا كبيرا ونظرنا القرآن فيما يعاد ~~ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت PageV01P037 بل هو على ~~نهاية البلاغة وغاية البراعة فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر لأن ~~الذي يقدرون عليه قد بينا فيه التفاوت الكثير عند التكرار وعند تباين ~~الوجوه واختلاف الأسباب التي يتضمن # ومعنى رابع وهو أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا في الفصل والوصل ~~والعلو والنزول والتقريب والتبعيد وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند ~~النظم ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع # ألا ترى أن كثيرا من الشعراء قد وصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره ~~والخروج من باب إلى سواه حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري مع ~~جودة نظمه وحسن وصفه في الخروج من النسيب إلى المديح وأطبقوا على أنه لا ~~يحسنه ولا يأتي فيه بشيء وإنما اتفق له في مواضع معدودة خروج يرتضي وتنقل ~~يستحسن # وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شيء إلى شيء والتحول من باب إلى باب ~~ونحن نفصل بعد هذا ونفسر هذه الجملة ونبين أن القرآن على اختلاف فنونه ms028 وما ~~يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف ~~والمتباين كالمتناسب والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد وهذا أمر عجيب ~~تبين به الفصاحة وتظهر به البلاغة ويخرج معه الكلام عن حد العادة ويتجاوز ~~العرف # ومعنى خامس وهو أن نظم القرآن وقع موقعا في البلاغة يخرج عن عادة كلام ~~الجن كما يخرج عن عادة كلام الإنس فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا ~~ويقصرون دونه كقصورنا وقد قال الله عز وجل ( @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا @QE@ PageV01P038 # فإن قيل هذه دعوى منكم وذلك أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم عجز الجن عن ~~الإتيان بمثله وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله وإن كنا عاجزين ~~كما أنهم قد يقدرون على أمور لطيفة وأسباب غامضة دقيقة لا نقدر نحن عليها ~~ولا سبيل لنا للطفها إليها وإذا كان كذلك لم يكن إلى علم ما ادعيتم سبيل # قيل قد يمكن أن نعرف ذلك بخبر الله عز وجل وقد يمكن أن يقال إن هذا ~~الكلام خرج على ما كانت العرب تعتقده من مخاطبة الجن وما يروون لهم من ~~الشعر ويحكون عنهم من الكلام وقد علمنا أن ذلك محفوظ عندهم منقول عنهم ~~والقدر الذي نقلوه من ذلك قد تأملناه فهو في الفصاحة لا يتجاوز حد فبصاحة ~~الإنس ولعله يقصر عنها ولا يمتنع أن يسمع كلامهم ويقع بينهم وبينهم محاورات ~~في عهد الأنبياء صلوات الله عليهم وذلك الزمان مما لا يمتنع فيه وجود ما ~~ينقض العادات على أن القوم إلى الآن يعتقدون مخاطبة الغيلان ولهم أشعار ~~محفوظة مدونة في دواوينهم قال تأبط شرا # ( وأدهم قد جبت جلبابه % كما اجتابت الكاعب الخيعلا ) # ( إلى أن حدا الصبح أثناءه % ومزق جلبابه الأليلا ) # ( على شيم نار تنورتها % فبت لها مدبرا مقبلا ) # ( فأصبحت والغول لي جارة % فيا جارتا أنت ما أهولا ) # ( وطالبتها بضعها فالتوت % بوجه تهول واستغولا ) # ( فمن سال أين ثوت جارتي % فإن لها باللوى منزلا ) # ( وكنت ms029 إذا ما هممت اعتزمت % وأمر إذا قلت أن أفعلا ) PageV01P039 # وقال آخر # ( عشوا ناري فقلت منون أنتم % فقالوا الجن قلت عموا ظلاما ) # ( فقلت إلى الطعام فقال منهم % زعيم يحسد الإنس الطعاما ) # ويذكرون لامرئ القيس قصيدة مع عمرو الجني وأشعارا لهما كرهنا نقلها ~~لطولها وقال عبيد بن أيوب / # ( فلله در الغول أي رفيقة % لصاحب قفر خائف يتقفر ) # ( أرنت بلحن بعد لحن وأوقدت % حوالي نيرانا تلوح وتزهر ) وقال ذو الرمة ~~بعد قوله # ( قد أعسف النازح المجهول معسفه % في ظل أخضر يدعو هامة البوم ) # ( للجن بالليل في حافاتها زجل % كما تناوح يوم الريح عيشوم ) # ( دوية ودجى ليل كأنهما % يم تراطن في حافاته الروم ) # وقال أيضا # ( وكم عرست بعد السرى من معرس % به من كلام الجن أصوات سامر ) ~~PageV01P040 # وقال # ( ورمل عزيف الجن في عقباته % هزير كتضراب المغنين بالطبل ) # وإذا كان القوم يعتقدون كلام الجن ومخاطباتهم ويحكون عنهم وذلك القدر ~~المحكي لا يزيد أمره على فصاحة العرب - صح ما وصف عندهم من عجزهم عنه كعجز ~~الإنس # ويبين ذلك من القرآن أن الله تعالى حكى عن الجن ما تفاوضوا فيه من القرآن ~~فقال ( @QB@ وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا ~~أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين @QE@ ) إلى آخر ما حكى عنهم فيما ~~يتلوه # فإذا ثبت أنه وصف كلامهم ووافق ما يعتقدونه من نقل خطابهم صح أن يوصف ~~الشيء المألوف بأنه ينحط عن درجة القرآن في الفصاحة # وهذان الجوابان أسد عندي من جواب بعض المتكلمين عنه بأن عجز الإنس عن ~~القرآن يثبت له حكم الإعجاز فلا يعتبر غيره ألا ترى أنه لو عرفنا من طريق ~~المشاهدة عجز الجن عنه فقال لنا قائل فدلوا على أن الملائكة تعجز عن ~~الإتيان بمثله لم يكن لنا في الجواب غير هذه الطريقة التي قد بيناها # وإنما ضعفنا هذا الجواب لأن الذي حكى وذكر عجز الجن والإنس عن الإتيان ~~بمثله فيجب أن نعلم عجز الجن عنه كما علمنا عجز الإنس عنه ولو كان وصف عجز ~~الملائكة عنه لوجب ms030 أن نعرف ذلك أيضا بطريقة # فإن قيل أنتم قد انتهيتم إلى ذكر الإعجاز في التفاصيل وهذا الفصل إنما ~~يدل على الإعجاز في الجملة # قيل هذا كما أنه يدل على الجملة فإنه يدل على التفصيل أيضا فصح أن يلحق ~~هذا القبيل كما كان يصح أن يلحق بباب الجمل PageV01P041 # ومعنى سادس وهو أن الذي ينقسم عليه الخطاب من البسط والاقتصاد والجمع ~~والتفريق والاستعارة والتصريح والتجوز والتحقيق ونحو ذلك من الوجوه التي ~~توجد في كلامهم موجودة في القرآن وكل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم المعتاد ~~بينهم في الفصاحة والإبداع والبلاغة وقد ضمنا بيان ذلك من بعد لأن الوجه ~~ههنا ذكر المقدمات دون البسط والتفصيل # ومعنى سابع وهو أن المعاني التي تضمنها في أصل وضع الشريعة والأحكام ~~والاحتجاجات في أصل الدين والرد على الملحدين على تلك الألفاظ البديعة ~~وموافقة بعضها بعضا في اللطف والبراعة مما يتعذر على البشر ويمتنع وذلك أنه ~~قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة والأسباب الدائرة بين ~~الناس أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة وأسباب مؤسسة مستحدثة فإذا ~~برع اللفظ في المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في ~~المعنى المتداول المتكرر والأمر المتقرر المتصور ثم انضاف إلى ذلك التصرف ~~البديع في الوجوه التي تتضمن تأييد ما يبتدأ تأسيسه ويراد تحقيقه بان ~~التفاضل في البراعة والفصاحة ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعنى والمعاني ~~وفقها لا يفضل أحدهما على الآخر فالبراعة أظهر والفصاحة أتم # ومعنى ثامن وهو أن الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته بأن تذكر منه الكلمة ~~في تضاعيف كلام أو تقذف ما بين شعر فتأخذها الأسماع وتتشوف إليها النفوس ~~ويرى وجه رونقها باديا غامرا سائر ما تقرن به كالدرة التي ترى في سلك من ~~خرز وكالياقوتة في واسطة العقد # وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير وهي غرة جميعه ~~وواسطة عقده والمنادي على نفسه بتميزه وتخصصه برونقه وجماله PageV01P042 ~~واعتراضه في حسنه ومائة وهذا الفصل أيضا مما يحتاج فيه إلى تفصيل وشرح ms031 ونص ~~ليتحقق ما ادعيناه منه # ولولا هذه الوجوه التي بيناها لم يتحير فيه أهل الفصاحة ولكانوا يفزعون ~~إلى التعمل للمقابلة والتصنع للمعارضة وكانوا ينظرون في أمرهم ويراجعون ~~أنفسهم أو كان يراجع بعضهم بعضا في معارضته ويتوقفون لها # فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة إنما عدلوا ~~عن هذه الأمور لعلمهم بعجزهم عنه وقصور فصاحتهم دونه # ولا يمتنع أن يلتبس على من لم يكن بارعا فيهم ولا متقدما في الفصاحة منهم ~~هذا الحال حتى لا يعلم إلا بعد نظر وتأمل وحتى يعرف حال عجز غيره إلا أنا ~~رأينا صناديدهم وأعيانهم ووجوههم سلموا ولم يشتغلوا بذلك تحققا بظهور العجز ~~وتبينا له وأما قوله تعالى حكاية عنهم ( @QB@ لو نشاء لقلنا مثل هذا @QE@ ) ~~فقد يمكن أن يكونوا كاذبين فيما أخبروا به عن أنفسهم وقد يمكن أن يكون قاله ~~منهم أهل الضعف في هذه الصناعة دون المتقدمين فيها وقد يمكن أن يكون هذا ~~الكلام إنما خرج منهم وهو يدل على عجزهم ولذلك أورده الله مورد تقريعهم ~~لأنه لو كانوا على ما وصفوا به أنفسهم لكانوا يتجاوزون الوعد إلى الإنجاز ~~والضمان إلى الوفاء فلما لم يفعلوا ذلك مع استمرار التحدي وتطاول زمان ~~الفسحة في إقامة الحجة عليهم بعجزهم عنه علم عجزهم إذ لو كانوا قادرين على ~~ذلك لم يقتصروا على الدعوى فقط # ومعلوم من حالهم وحميتهم أن الواحد منهم يقول في الحشرات والهوام والحيات ~~وفي وصف الأزمة والأنساع والأمور التي لا يؤبه لها ولا يحتاج إليها ~~ويتنافسون في ذلك أشد التنافس ويتبجحون به أشد التبجح فكيف يجوز أن تمكنهم ~~معارضته في هذه المعاني الفسيحة والعبارات الفصيحة مع تضمن المعارضة ~~لتكذيبه والذب عن أديانهم القديمة وإخراجهم أنفسهم من تسفيهه رأيهم وتضليله ~~إياهم والتخلص من منازعته ثم من محاربته ومقارعته PageV01P043 ثم لا يفعلون ~~شيئا من ذلك وإنما يحيلون أنفسهم على التعاليل ويعللونها بالأباطيل هذا ~~محال # ومعنى تاسع وهو أن الحروف التي بنى عليها كلام العرب تسعة وعشرون حرفا ~~وعدد السور التي افتتح فيها بذكر ms032 الحروف ثمان وعشرون سورة وجملة ما ذكر من ~~هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة وهو أربعة عشر حرفا ~~ليدل بالمذكور على غيره وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ~~ينظمون بها كلامهم # والذي تنقسم إليه هذه الحروف على ما قسمة أهل العربية وبنوا عليها وجوهها ~~أقسام نحن ذاكروها # فمن ذلك أنهم قسموها إلى حروف مهموسة وأخرى مجهورة # فالمهموسة منها عشرة وهي الحاء والهاء والخاء والكاف والشين والثاء ~~والفاء والتاء والصاد والسين # وما سوى ذلك من الحروف فهي مجهورة # وقد عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة في جملة الحروف المذكورة في ~~أوائل السور # وكذلك نصف الحروف المجهورة على السواء لا زيادة ولا نقصان # والمجهور معناه أنه حرف اشبع الاعتماد في موضعه ومنع أن يجري معه النفس ~~حتى ينقضي الاعتماد ويجري الصوت # والمهموس كل حرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى معه النفس وذلك مما ~~يحتاج إلى معرفته لتبني عليه أصول العربية # وكذلك مما يقسمون إليه الحروف يقولون إنها على ضربين أحدهما حروف الحلق ~~وهي ستة أحرف العين والحاء والهمزة والهاء والخاء والغين # والنصف الآخر من هذه الحروف مذكور في جملة الحروف التي تشتمل PageV01P044 ~~عليها الحروف المثبتة في أوائل السور وكذلك النصف من الحروف التي ليست ~~بحروف الحلق # وكذلك تنقسم هذه الحروف إلى قسمين آخرين أحدهما حروف غير شديدة وإلى ~~الحروف الشديدة وهي التي تمنع الصوت أن يجري فيه وهي الهمزة والقاف والكاف ~~والجيم والظاء والذال والطاء والباء # وقد علمنا أن نصف هذه الحروف أيضا هي مذكورة في جملة الحروف التي بنى ~~عليها تلك السور # ومن ذلك الحروف المطبقة وهي أربعة أحرف وما سواها منفتحة فالمطبقة الطاء ~~والظاء والصاد والضاد # وقد علمنا أن نصف هذه الحروف في جملة تلك الحروف المبدوء بها في أوائل ~~السور # وإذا كان القوم - الذين قسموا في الحروف هذه الأقسام لأغراض لهم في ترتيب ~~العربية وتنزيلها بعد الزمان الطويل من عهد النبي رأوا مباني اللسان على ~~هذه الجهة وقد نبه بما ذكر في ms033 أوائل السور على ما لم يذكر على حد التنصيف ~~الذي وصفنا دل على أن وقوعها الموقع الذي يقع التواضع عليه بعد العهد ~~الطويل لا يجوز أن يقع إلا من الله عز وجل لأن ذلك يجري مجرى علم الغيوب # وإن كان إنما تنبهوا على ما بنى عليه اللسان في أصله ولم يكن لهم في ~~التقسيم شيء وإنما التأثير لمن وضع أصل اللسان فذلك أيضا من البديع الذي ~~يدل على أن أصل وضعه وقع موقع الحكمة التي يقصر عنها اللسان # فإن كان أصل اللغة توقيفا فالأمر في ذلك أبين وإن كان على سبيل التواضع ~~فهو عجيب أيضا لأنه لا يصح أن تجتمع هممهم المختلفة على نحو هذا إلا بأمر ~~من عند الله تعالى وكل ذلك يوجب إثبات الحكمة في ذكر هذه الحروف على حد ~~يتعلق به الإعجاز من وجه PageV01P045 # وقد يكن أن تعاد فاتحة كل سورة لفائدة تخصها في النظم إذا كانت حروفا ~~كنحو ( آلم ) لأن الألف المبدوء بها هي أقصاها مطلا واللام متوسطة والميم ~~متطرفة لأنها تأخذ في الشفة فنبه بذكرها على غيرها من الحروف وبين أنه إنما ~~أتاهم بكلام منظوم مما يتعارفون من الحروف التي تتردد بين هذين الطرفين # ويشبه أن يكون التضيف وقع في هذه الحروف دون الألف لأن الألف قد تلغى وقد ~~تقع الهمزة وهي موقعا واحدا # ومعنى عاشر وهو أنه سهل سبيله فهو خارج عن الوحشي المستكره والغريب ~~المستنكر وعن الصنعة المتكلفة وجعله قريبا إلى الإفهام يبادر معناه لفظه ~~إلى القلب ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس وهو مع ذلك ممتنع المطلب ~~عسير المتناول غير مطمع مع قربه في نفسه ولا موهم مع دنوه في موقعه أن يقدر ~~عليه أو يظفر به # فأما الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذل والقول المسفسف ~~فليس يصح أن تقع فيه فصاحة أو بلاغة فيطلب فيه الممتنع أو يوضع فيه الإعجاز # ولكن لو وضع في وحشي مستكره أو غمر بوجوه الصنعة وأطبق بأبواب التعسف ~~والتكلف _ لكان لقائل أن يقول ms034 فيه ويعتذر أو يعيب ويقرع # ولكنه أوضح مناره وقرب منهاجه وسهل سبيله وجعله في ذلك متشابها متماثلا ~~وبين مع ذلك إعجازهم فيه # وقد علمت أن كلام فصحائهم وشعر بلغائهم لا ينفك من تصرف في غريب مستنكر ~~أو وحشي مستكره ومعان مستبعدة ثم عدولهم إلى كلام مبتذل وضيع لا يوجد دونه ~~في الرتبة ثم تحولهم إلى كلام معتدل بين الأمرين متصرف بين المنزلتين # فمن شاء أن يتحقق هذا نظر في قصيدة امرئ القيس # ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل % ) PageV01P046 # ونحن نذكر بعد هذا على التفصيل ما تتصرف إليه هذه القصيدة ونظائرها ~~ومنزلتها من البلاغة ونذكر وجه فوت نظم القرآن محلها على وجه يؤخذ باليد ~~ويتناول من كثب ويتصور في النفس كتصور الأشكال ليتبين ما ادعيناه من ~~الفصاحة العجيبة للقرآن # واعلم أن من قال من أصحابنا إن الأحكام معللة بعلل موافقة لمقتضى العقل ~~جعل هذا وجها من وجوه الإعجاز وجعل هذه الطريقة دلالة فيه كنحو ما يعللون ~~به الصلاة ومعظم الفروض وأصولها ولهم في كثير من تلك العلل طرق قريبة ووجوه ~~تستحسن # وأصحابنا من أهل خراسان يولعون بذلك ولكن الأصل الذي يبنون عليه عندنا ~~غير مستقيم وفي ذلك كلام يأتي في كتابنا في الأصول # وقد يمكن في تفاصيل ما أوردنا من المعاني الزيادة والإفراد فإنا جمعنا ~~بين أمور وذكرنا المزية المتعلقة بها وكل واحد من تلك الأمور مما قد يمكن ~~اعتماده في إظهار الإعجاز فيه # فإن قيل فهل تزعمون أنه معجز لأنه حكاية لكلام القديم سبحانه أو لأنه ~~عبارة عنه أو لأنه قديم في نفسه قيل لسنا نقول بأن الحروف قديمة فكيف يصح ~~التركيب على الفاسد ولا نقول أيضا إن وجه الإعجاز في نظم القرآن من أجل أنه ~~حكاية عن كلام الله لأنه لو كان كذلك لكانت التوراة الإنجيل وغيرهما من كتب ~~الله عز وجل معجزات في النظم والتأليف وقد بينا أن إعجازها في غير ذلك # وكذلك كان يجب أن تكون كل كلمة مفردة معجزة بنفسها ومنفردها وقد ثبت خلاف ~~ذلك PageV01P047 # | فصل ms035 في شرح ما بينا من وجوه إعجاز القرآن # فأما الفصل الذي بدأنا بذكره من الإخبار عن الغيوب والصدق والإصابة في ~~ذلك كله فهو كقوله تعالى ( @QB@ قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم ~~أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون @QE@ ) فأغزاهم أبو بكر وعمر رضى الله ~~عنهما إلى قتال العرب والفرس والروم # وكقوله ( @QB@ الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في ~~بضع سنين @QE@ ) وراهن أبو بكر الصديق رضى الله عنه في ذلك وصدق الله وعده # وكقوله في قصة أهل بدر ( @QB@ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ~~@QE@ ) # وكقوله ( @QB@ سيهزم الجمع ويولون الدبر @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن ~~شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا @QE@ ) وصدق الله تعالى وعده في ذلك كله # وقال في قصة المخلفين عنه في غزوته ( @QB@ لن تخرجوا معي أبدا ولن ~~تقاتلوا معي عدوا @QE@ ) فحق ذلك كله وصدق ولم يخرج من المنافقين الذين ~~خوطبوا بذلك معه أحد PageV01P048 وكقوله ( ليظهره على الدين كله ) # وكقوله ( @QB@ فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين @QE@ ) # فامتنعوا من المباهلة ولو أجابوا إليها اضطرمت عليهم الأودية نارا على ما ~~ذكر في الخبر # وكقوله ( @QB@ قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم @QE@ ) ولو ~~تمنوه لوقع بهم فهذا وما أشبهه فصل # وأما الوجه الثاني الذي ذكرناه من إخباره عن قصص الأولين وسير المتقدمين ~~فمن العجيب الممتنع على من لم يقف على الأخبار ولم يشتغل بدرس الآثار وقد ~~حكي في القرآن تلك الأمور حكاية من شهدها وحضرها # ولذلك قال الله تعالى ( @QB@ وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون @QE@ ) # وقال ( @QB@ وما كنت بجانب ms036 الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من ~~الشاهدين @QE@ ) # وقال ( @QB@ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ~~ما أتاهم من نذير من قبلك @QE@ ) فبين وجه دلالته من إخباره بهذه الأمور ~~الغائبة السالفة PageV01P049 # وقال ( @QB@ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك ~~من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين @QE@ ) # فأما الكلام في الوجه الثالث وهو الذي بيناه من الإعجاز الواقع في النظم ~~والتأليف والرصف فقد ذكرنا من هذا الوجه وجوها # منها أنا قلنا إنه نظم خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلامهم ومباين ~~لأساليب خطابهم # ومن ادعى ذلك لم يكن له بد من أن يصحح أنه ليس من قبيل الشعر ولا السجع ~~ولا الكلام الموزون غير المقفى لأن قوما من كفار قريش ادعوا أنه شعر # ومن الملحدة من يزعم أن فيه شعرا # ومن أهل الملة من يقول إنه كلام مسجع إلا أنه أفصح مما قد اعتادوه من ~~أسجاعهم # ومنهم من يدعى أنه كلام موزون # فلا يخرج بذلك عن أصناف ما يتعارفونه من الخطاب PageV01P050 # | فصل في نفى الشعر من القرآن # قد علمنا أن الله تعالى نفى الشعر عن القرآن وعن النبي فقال ( @QB@ وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين @QE@ ) وقال في ذم ~~الشعراء ( @QB@ والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون @QE@ ~~) إلى آخر ما وصفهم به في هذه الآيات وقال ( @QB@ وما هو بقول شاعر @QE@ ) # وهذا يدل على أن ما حكاه عن الكفار - من قولهم إنه شاعر وإن هذا شعر - لا ~~بد من أن يكون محمولا على أنهم نسبوه إلى أنه يشعر بما لا يشعر به غيره من ~~الصنعة اللطيفة في نظم الكلام لا أنهم نسبوه في القرآن إلى أن الذي أتاهم ~~به هو من قبيل الشعر الذي يتعارفونه على الأعاريض المحصورة المألوفة # أو يكون محمولا على ما كان يطلق الفلاسفة على حكمائهم وأهل الفطنة منهم ~~في وصفهم إياهم بالشعر لدقة نظرهم في وجوه الكلام ms037 وطرق لهم في المنطق وإن ~~كان ذلك الباب خارجا عما هو عند العرب شعر على الحقيقة # أو يكون محمولا على أنه أطلقه بعض الضعفاء منهم في معرفة أوزان الشعر ~~وهذا أبعد الاحتمالات # فإن حمل على الوجهين الأولين كان ما أطلقوه صحيحا وذلك أن الشاعر يفطن ~~لما لا يفطن له غيره وإذا قدر على صنعة الشعر كان على ما دونه في رأيهم ~~وعندهم أقدر فنسبوه إلى ذلك لهذا السبب # فإن زعم زاعم أنه قد وجد في القرآن شعرا كثيرا فمن ذلك ما يزعمون أنه بيت ~~تام أو أبيات تامة ومنه ما يزعمون أنه مصراع كقول القائل # ( قد قلت لما حاولوا سلوتي % ( @QB@ هيهات هيهات لما توعدون @QE@ ) ) # ومما يزعمون أنه بيت قوله ( @QB@ وجفان كالجواب وقدور راسيات @QE@ ) ~~قالوا هو من + الرمل + من البحر الذي قيل فيه PageV01P051 # ( ساكن الريح نطوف المزن % منحل العزالي ) # وقوله ( @QB@ ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه @QE@ ) كقول الشاعر من + بحر ~~الخفيف + # ( كل يوم بشمسه % وغد مثل أمسه ) # وكقوله عز وجل ( @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~@QE@ ) قالوا هو من + المتقارب + # وكقوله ( @QB@ ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا @QE@ ) ويشبعون ~~حركة الميم فيزعمون أنه من + الرجز + # وذكر عن أبي نواس أنه ضمن ذلك شعرا وهو قوله # ( وفتية في مجلس وجوههم % ريحانهم قد عدموا التثقيلا ) # ( دانية عليهم ظلالها % وذللت قطوفها تذليلا ) # وقوله عز وجل ( @QB@ ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين @QE@ ) ~~زعموا أنه من + الوافر + كقول الشاعر # ( لنا غنم نسوقها غزار % كأن قرون جلتها عصى ) # وكقوله عز وجل ( @QB@ أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم @QE@ ~~) ضمنه أبو نواس في شعره ففصل وقال فذاك الذي وشعره # ( وقرا معلنا ليصدع قلبي % والهوى يصدع الفؤاد السقيما ) # ( أرأيت الذي يكذب بالدين % فذاك الذي يدع اليتيما ) PageV01P052 وهذا من ~~+ الخفيف + كقول الشاعر # ( وفؤادي كعهده بسليمي % بهوى لم يحل ولم يتغير ) # وكما ضمنه في شعره من قوله # ( سبحان من سخر هذا لنا % حقا وما كنا له مقرنين ) # فزاد فيه حتى انتظم له الشعر وكما يقولونه في ms038 قوله عز وجل ( @QB@ ~~والعاديات ضبحا فالموريات قدحا @QE@ ) ونحو ذلك في القرآن كثير كقوله ( ~~@QB@ والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا @QE@ ) وهو عندهم شعر ~~من بحر + البسيط + # والجواب عن هذه الدعوى التي ادعوها من وجوه # أولها أن الفصحاء منهم حين أورد عليهم القرآن لو كانوا يعتقدونه شعرا ولم ~~يروه خارجا عن أساليب كلامهم - لبادروا إلى معارضته لأن الشعر مسخر لهم ~~مسهل عليهم ولهم فيه ما علمت من التصرف العجيب والاقتدار اللطيف فلما لم ~~نرهم اشتغلوا بذلك ولا عولوا عليه - علم أنهم لم يعتقدوا فيه شيئا مما ~~يقدره الضعفاء في الصنعة والمرمدون في هذا الشأن وإن استدراك من يجيء الآن ~~على فصحاء قريش وشعراء العرب قاطبة في ذلك الزمان وبلغائهم وخطبائهم ونعمه ~~أنه قد ظفر بشعر في القرآن وقد ذهب أولئك النفر عنه وخفي عليهم مع شدة ~~حاجتهم عندهم إلى الطعن في القرآن والغض منه والتوصل إلى تكذيبه بكل ما ~~قدروا عليه - فلن يجوز أن يخفي على أولئك وأن يجهلوه ويعرفه من جاء الآن ~~وهو بالجهل حقيق # إذا كان كذلك علم أن الذي أجاب به العلماء عن هذا السؤال سديد وهو أنهم ~~قالوا إن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعرا وأقل الشعر ~~PageV01P053 بيتان فصاعدا وإلى ذلك ذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل ~~الإسلام # وقالوا أيضا إن ما كان على وزن بيتين إلا أنه يختلف وزنهما أو قافيتهما ~~فليس بشعر # ثم منهم من قال إن + الرجز + ليس بشعر أصلا لا سيما إذا كان مشطورا أو ~~منهوكا وكذلك ما كان يقاربه في قلة الأجزاء وعلى هذا يسقط السؤال # ثم يقولون إن الشعر إنما يطلق متى قصد القاصد إليه - على الطريق الذي ~~يتعمد ويسلك ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء دون ما يستوى فيه العامي ~~والجاهل والعالم بالشعر واللسان وتصرفه وما يتفق من كل واحد فليس يكتسب اسم ~~الشعر ولا صاحبه اسم شاعر لأنه لو صح أن يسمى كل من اعترض في كلامه ألفاظ ~~تتزن بوزن الشعر أو تنتظم انتظام ms039 بعض الأعاريض كان الناس كلهم شعراء لأن كل ~~متكلم ر ينفك من أن يعرض في جملة كلام كثير يقوله ما قد يتزن بوزن الشعر ~~وينتظم انتظامه # ألا ترى أن العامي قد يقول لصاحبه أغلق الباب وائتني بالطعام ويقول الرجل ~~لأصحابه أكرموا من لقيتم من تميم ومتى تتبع الإنسان هذا النحو عرف أنه يكثر ~~في تضاعيف الكلام مثله وأكثر منه # وهذا القدر الذي يصح فيه التوارد ليس يعده أهل الصناعة سرقة إذا لم تعلم ~~فيه حقيقة الأخذ كقول امرئ القيس # ( وقوفا بها صحبي على مطيهم % يقولون لا تهلك أسى وتجمل ) PageV01P054 ~~وكقول طرفة # ( وقوفا بها صحبي على مطيهم % يقولون لا تهلك أسى وتجلد ) # ومثله هذا كثير # فإذا صح مثل ذلك في بعض البيت ولم يمتنع التوارد فيه فكذلك لا يمتنع ~~وقوعه في الكلام المنثور اتفاقا غير مقصود إليه فإذا اتفق لم يكن ذلك شعرا # وكذلك يمتنع التوارد على بيتين وكذلك يمتنع في الكلام المنثور وقوع ~~البيتين ونحوهما # فثبت بهذا أن ما وقع هذا الموقع لم يعد شعرا وإنما يعد شعرا ما إذا قصده ~~صاحبه تأتي له ولم يمتنع عليه # فإذا كان هو مع قصده لا يتأتى له وإنما يعرض في كلامه عن غير قصد إليه - ~~لم يصح أن يقال إنه شعر ولا إن صاحبه شاعر ولا يصح أن يقال إن هذا يوجب أن ~~مثل هذا لو اتفق من شاعر فيجب أن يكون شعرا لأنه لو قصده لكان يتأتي له # وإنما لم يصح ذلك لأن ما ليس بشعر فلا يجوز أن يكون شعرا من أحد وما كان ~~شعرا من أحد من الناس كان شعرا من كل أحد ألا ترى أن السوقي قد يقول ( ~~اسقني الماء يا غلام سريعا ) وقد يتفق ذلك من الساهي ومن لا يقصد النظم # فأما الشعر إذا بلغ الحد الذي بينا فلا يصح أن يقع إلا من قاصد إليه # وأما الرجز فإنه يعرض في كلام العوام كثيرا فإذا كان بيتا واحدا فليس ذلك ~~بشعر وقد قيل إن أقل ما يكون ms040 منه شعرا أربعة أبيات بعد أن تتفق قوافيها ولم ~~يتفق ذلك في القرآن بحال فأما دون أربعة أبيات منه أو ما يجرى مجراه في قلة ~~الكلمات فليس بشعر PageV01P055 # وما اتفق في ذلك من القرآن مختلف الروى ويقولون إنه / متى اختلف الروي ~~خرج عن أن يكون شعرا # وهذه الطرق التي سلكوها في الجواب معتمدة أو أكثرها # ولو كان ذلك شعرا لكانت النفوس تتشوف إلى معارضته لأن طريق الشعر غير ~~مستصعب على أهل الزمان الواحد وأهله يتقاربون فيه أو يضربون فيه بسهم # فإن قيل في القرآن كلام موزون كوزن الشعر وإن كان غير مقفى بل هو مزاوج ~~متساوي الضروب وذلك أحد أقسام كلام العرب # قيل من سبيل الموزون من الكلام أن تتساوى أجزاؤه في الطول والقصر ~~والسواكن والحركات فإن خرج عن ذلك لم يكن موزونا كقوله # ( رب أخ كنت به مغتبطا % أشد كفى بعرا صحبته ) # ( تمسكا منى بالود ولا % أحسبه يزهد في ذي أمل ) # ( تمسكا منى بالود ولا % أحسبه يغير العهد ولا ) # ( يحول عنه أبدا % فخاب فيه أملي ) # وقد علمنا أن القرآن ليس من هذا القبيل بل هذا قبيل غير ممدوح ولا مقصود ~~من جملة الفصيح وربما كان عندهم مستنكرا بل أكثره على ذلك # وكذلك ليس في القرآن من الموزون الذي وصفناه أولا وهو الذي شرطنا فيه ~~التعادل والتساوي في الأجزاء غير الاختلاف الواقع في التقفية ويبين ذلك أن ~~القرآن خارج عن الوزن الذي بينا وتتم فائدته بالخروج منه وأما الكلام ~~الموزون فإن فائدته تتم بوزنه PageV01P056 # | فصل في نفي السجع من القرآن # ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن وذكره الشيخ أبو الحسن الأشعري ~~رضي الله عنه في غير موضع من كتبه # وذهب كثير ممن يخالفهم إلى إثبات السجع في القرآن وزعموا أن ذلك مما يبين ~~به فضل الكلام وأنه من الأجناس التي يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة ~~كالتجنيس والالتفات وما أشبه ذلك من الوجوه التي تعرف بها الفصاحة وأقوى ما ~~يستدلون به عليه اتفاق الكل على أن موسى أفضل ms041 من هرون عليهما السلام ولمكان ~~السجع قيل في موضع ( @QB@ هارون وموسى @QE@ ) ولما كانت الفواصل في موضع ~~آخر بالواو والنون قيل ( @QB@ موسى وهارون @QE@ ) # قالوا وهذا يفارق أمر الشعر لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلا مقصودا ~~إليه وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذي نسميه شعرا وذلك القدر ما ~~يتفق وجوده من المفحم كما يتفق / وجوده من الشاعر وأما ما في القرآن من ~~السجع فهو كثير لا يصح أن يتفق كله غير مقصود إليه # ويبنون الأمر في ذلك على تحديد معنى السجع قال أهل اللغة هو موالاة ~~الكلام على وزن واحد وقال ابن دريدسجعت الحمامة معناه رددت صوتها وانشد # ( طربت فأبكتك الحمام السواجع % تميل بها ضحوا غصون نوائع ) # النوائع الموائل من قولهم جائع نائع أي متمايل ضعفا # وهذا الذي يزعمونه غير صحيح ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب ~~كلامهم ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز PageV01P057 # ولو جاز أن يقولوا هو سجع معجز لجاز لهم أن يقولوا شعر معجز # وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب ونفيه من القرآن أجدر بأن ~~يكون حجة من نفي الشعر لأن الكهانة تنافي النبوات وليس كذلك الشعر # وقد روى أن النبي قال للذين جاءوه وكلموه في شأن الجنين كيف ندى من لا ~~شرب ول أكل ولا صاح فاستهل أليس دمه قد يطل فقال أسجاعه كسجاعة الجاهلية ~~وفي بعضها أسجعا كسجع الكهان فرأى ذلك مذموما لم يصح أن يكون في دلالته # والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن ~~لم يكن سجعا لأن ما يكون به الكلام سجعا يختص ببعض الوجوه دون بعض لأن ~~السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع وليس كذلك ما اتفق ~~مما هو في تقدير السجع من القرآن لأن اللفظ يقع فيه تابعا للمعنى وفصل بين ~~أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه وبين أن ~~يكون المعنى منتظما دون اللفظ ومتى ms042 ارتبط المعنى بالسجع كانت إفادة السجع ~~كإفادة غيره ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلبا لتحسين الكلام ~~دون تصحيح المعنى # فإن قيل فقد يتفق في القرآن ما يكون من القبيلين جميعا فيجب أن تسموا ~~أحدهما سجعا # قيل الكلام في تفصيل هذا خارج عن غرض كتابنا وإلا كنا نأتي على فصل فصل ~~من أول القرآن إلى آخره ونبين في الموضع الذي يدعون الاستغناء عن السجع من ~~الفوائد ما لا يخفي ولكنه خارج عن غرض كتابنا وهذا القدر يحقق الفرق بين ~~الموضعين # ثم إن سلم لهم مسلم موضعا أو مواضع معدودة وزعم أن وقوع ذلك موقع ~~الاستراحة في الخطاب إلى الفواصل لتحسين الكلام بها وهي الطريقة ~~PageV01P058 التي يباين القرآن بها سائر الكلام وزعم أن الوجه في ذلك أنه ~~من الفواصل أو زعم أن ذلك وقع غير مقصود إليه - فإن ذلك إذا اعترض في ~~الخطاب لم يعد سجعا على ما قد بينا في القليل من الشعر كالبيت الواحد ~~والمصراع والبيتين من الرجز ونحو ذلك يعرض فيه فلا يقال إنه شعر لأنه لا ~~يقع مقصودا إليه وإنما يقع مغمورا في الخطاب وكذلك حال السجع الذي يزعمونه ~~ويقدرونه # ويقال لهم لو كان الذي في القرآن على ما تقدرونه سجعا لكان مذموما مرذولا ~~لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه واختلفت طرقه كان قبيحا من الكلام وللسجع منهج ~~مرتب محفوظ وطريق مضبوط متى أخل به المتكلم وقع الخلل في كلامه ونسب إلى ~~الخروج عن الفصاحة كما أن الشاعر إذا خرج عن الوزن المعهود كان مخطئا وكان ~~شعره مرذولا وربما أخرجه عن كونه شعرا # وقد علمنا أن بعض ما يدعونه سجعا متقارب الفواصل متداني المقاطع وبعضها ~~مما يمتد حتى يتضاعف طوله عليه وترد الفاصلة على ذلك الوزن الأول بعد كلام ~~كثير وهذا في السجع غير مرضي ولا محمود # فإن قيل متى خرج السجع من المعتدل إلى نحو ما ذكرتموه خرج من أن يكون ~~سجعا وليس على المتكلم أن يلتزم أن يكون كلامه كله سجعا بل يأتي به طورا ms043 ثم ~~يعدل عنه إلى غيره ثم قد يرجع إليه # قيل متى وقع أحد مصراعي البيت مخالفا للآخر كان تخليطا وخبطا وكذلك متى ~~اضطرب أحد مصراعي الكلام المسجع وتفاوت كان خبطا # وقد علم أن فصاحة القرآن غير مذمومة في الأصل فلا يجوز أن يقع فيها نحو ~~هذا الوجه من الاضطراب PageV01P059 # ولو كان الكلام الذي هو في صورة السجع منه لما تحيروا فيه ولكانت الطباع ~~تدعو إلى المعارضة لأن السجع غير ممتنع عليهم بل هو عادتهم فكيف تنقض ~~العادة بما هو نفس العادة وهو غير خارج عنها ولا متميز منها وقد يتفق في ~~الشعر كلام متزن على منهاج السجع / وليس بسجع عندهم وذلك نحو قول البحتري # ( تشكي الوجى والليل ملتبس الدجا % غريرية الأنساب مرت بقيعها ) # وقوله # ( قريب المدى حتى يكون إلى الندى % عدو البنى حتى تكون معالي ) # ورأيت بعضهم يرتكب هذا فيزعم أنه سجع مداخل # ونظيره من القرآن قوله تعالى ( @QB@ ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين ~~شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم @QE@ ) وقوله ( @QB@ أمرنا مترفيها ففسقوا ~~فيها @QE@ ) وقوله ( @QB@ أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله @QE@ ) ~~وقوله ( @QB@ والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل @QE@ ) وقوله ( ~~@QB@ إني وهن العظم مني @QE@ ) # ولو كان ذلك عندهم سجعا لم يتحيروا فيه ذلك التحير حتى سماه بعضهم سحرا ~~وتصرفوا فيما كانوا فيما كانوا يسمونه به ويصرفونه إليه ويتوهمونه فيه وهم ~~في الجملة عارفون بعجزهم عن طريقة وليس القوم بعاجزين عن تلك الأساليب ~~المعتادة عندهم المألوفة لديهم # والذي تكلمنا به في هذا الفصل كلام على جملة دون التفصيل PageV01P060 # ونحن نذكر بعد هذا في التفصيل ما يكشف عن مباينة ذلك وجوه السجع # ومن جنس السجع المعتاد عندهم قول أبي طالب لسيف يبن ذي يزن أنبتك منبتا ~~طابت أرومته وعزت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه ونبت زرعه في أكرم موطن ~~وأطيب معدن وما يجري هذا المجرى من الكلام # والقرآن مخالف لهذه الطريقة مخالفته للشعر وسائر أصناف كلامهم الدائر ~~بينهم # ولا معنى لقولهم إن ذلك مشتق من ترديد الحمامة صوتها على نسق واحد ms044 وروي ~~غير مختلف لأن ما جرى هذا المجري لا يبني على الاشتقاق وحده ولو بنى عليه ~~لكان الشعر سجعا لأن روية يتفق ولا يختلف وتتردد القوافي على طريقة واحدة # وأما الأمور التي يستريح إليها الكلام فإنها تختلف فربما كان ذلك يسمى ~~قافية وذلك إنما يكون في الشعر وربما كان ما ينفصل عنده الكلامان مقاطع ~~السجع وربما سمي ذلك فواصل وفواصل القرآن مما هو مختص بها لا شركة بينه ~~وبين سائر الكلام فيها ولا تناسب # وأما ما ذكروه من تقديم موسى على هارون عليهما السلام في موضع وتأخيره ~~عنه في موضع لمكان السجع وتساوي مقاطع الكلام فليس بصحيح لأن الفائدة عندنا ~~غير ما ذكروه وهي أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة وتؤدي معنى ~~واحدا من الأمر الصعب الذي تظهر به الفصاحة وتتبين به البلاغة وأعيد كثير ~~من القصص في مواضع كثيرة مختلفة على ترتيبات متفاوتة ونبهوا بذلك على عجزهم ~~عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومكررا # ولو كان فيهم تمكن من المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ ~~PageV01P061 لهم تؤدي تلك المعاني ونحوها وجعلوها بإزاء ما جاء به وتوصلوا ~~بذلك إلى تكذيبه وإلى مساواته فيما حكى وجاء به وكيف وقد قال لهم ( @QB@ ~~فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين @QE@ ) فعلى هذا يكون المقصد - بتقديم ~~بعض الكلمات وتأخيرها إظهار الإعجاز على الطريقين جميعا دون السجع الذي ~~توهموه # فإن قال قائل القرآن مختلط من أوزان كلام العرب ففيه من جنس خطبهم ~~ورسائلهم وشعرهم وسجعهم وموزون كلامهم الذي هو غير مقفى ولكنه أبدع فيه ~~ضربا من الإبداع لبراعته وفصاحته # قيل قد علمنا أن كلامهم ينقسم إلى نظم ونثر وكلام مقفى غير موزون وكلام ~~موزون غير مقفى ونظم موزون ليس بمقفى كالخطب والسجع ونظم مقفى موزون له روي # ومن هذه الأقسام ما هو سجية الأغلب من الناس فتناوله أقرب وسلوكه لا ~~يتعذر ومنه ما هو أصعب تناولا كالموزون عند بعضهم والشعر عند الآخرين # وكل هذه الوجوه لا تخرج عن أن تقع لهم بأحد أمرين إما بتعمل ms045 وتكلف وتعلم ~~وتصنع أو باتفاق من الطبع وقذف من النفس على اللسان للحاجة إليه # ولو كان ذلك مما يجوز اتفاقه من الطبائع لم ينفك العالم من قوم يتفق ذلك ~~منهم ويعرض على ألسنتهم وتجيش به خواطرهم ولا ينصرف عنه الكل مع شدة ~~الدواعي إليه # ولو كان طريقة التعلم لتصنعوه ولتعلموه والمهلة لهم فسيحة والأمد واسع ~~PageV01P062 # وقد اختلفوا في الشعر كيف اتفق لهم فقد قيل إنه اتفق في الأصل غير مقصود ~~إليه على ما يعرض من أصناف النظام في تضاعيف الكلام ثم لما استحسنوه ~~واستطابوه ورأوا أنه قد تألفه الأسماع وتقبله النفوس تتبعوه من بعد وتعملوه ~~وحكي لي بعضهم عن أبي عمر غلام ثعلب عن ثعلب أن العرب تعلم أولادها قول ~~الشعر بوضع غير معقول يوضع على بعض أوزان الشعر كأنه على وزن # ( قفا نبك من ذكري حبيب ومنزل % ) # ويسمون ذلك الوضع المتير واشتقاقه من المتر وهو الجذب أو القطع يقال مترت ~~الحبل أي قطعته أو جذبته ولم يذكر هذه الحكاية عنهم غيره فيحتمل ما قاله # وأما ما وقع السبق إليه فيشبه أن يكون على ما قد منا ذكره أولا # وقد يحتمل على قول من قال إن اللغة اصطلاح أنهم تواضعوا على هذا الوجه من ~~النظم # وقد يمكن أن يقال مثله على المذهب الآخر وأنهم وقفوا على ما يتصرف إليه ~~القول من وجوه التفاصح وتواقفوا بينهم على ذلك # ويمكن أن يقال إن التواضع وقع على أصل الباب وكذلك التوقيف ولم يقع على ~~فنون تصرف الخطاب وإن الله تعالى أجرى على لسان بعضهم من النظم ما أجري ~~وفطنوا لحسنة فتتبعوه من بعد وبنوا عليه وطلبوه ورتبوا فيه المحاسن التي ~~يقع الإطراب بوزنها وتهش النفوس إليها وجمع دواعيهم وخواطرهم على استحسان ~~وجوه من ترتيبها واختبار طرق من تنزيلها وعرفهم محاسن الكلام ودلهم على كل ~~طريقة عجيبة ثم أعلمهم عجزهم عن الإتيان بمثل القرآن وأن القدر الذي تتناهى ~~إليه قدرهم هو ما لم يخرج عن لغتهم ولم يشذ من جميع كلامهم بل قد عرض ms046 في ~~خطابهم ووجدوا أن PageV01P063 هذا لما تعذر عليهم مع التحدي والتقريع ~~الشديد والحاجة الماسة إليه مع علمهم بطريق وضع النظم والنثر وتكامل ~~أحوالهم فيه دل على أنه اختص به ليكون دلالة على النبوة ومعجزة على الرسالة ~~ولولا ذلك لكان القوم إذا اهتدوا في الابتداء إلى وضع هذه الوجوه التي ~~يتصرف إليها الخطاب على براعته وحسن انتظامه فللأن يقدروا بعد التنبيه على ~~وجهة والتحدي إليه أولى أن يبادروا إليه لو كان لهم إليه سبيل # ولو كان الأمر على ما ذكره السائل لوجب أن لا يتحيروا في أمرهم إولا تدخل ~~عليهم شبهة فيما نابهم ولكانوا يسرعون إلى الجواب ويبادون إلى المعارضة # ومعلوم من حالهم أن الواحد منهم يقصد إلى الأمور البعيدة عن الوهم ~~والأسباب التي لا يحتاج إليها فيكثر فيها من شعر ورجز ونجد من يعينه على ~~نقله عنه على ما قدمنا ذكره من وصف الإبل ونتاجها وكثر من أمرها لا فائدة ~~في الاشتغال به في دين ولا دنيا # ثم كانوا يتفاخرون باللسن والذلاقة والفصاحة والذرابة ويتنافرون فيه ~~وتجرى بينهم فيه الأسباب المنقولة في الآثار على ما لا يخفى على أهله # فاستدللنا بتحيرهم في أمر القرآن على خروجه عن عادة كلامهم ووقوعه موقعا ~~يخرق العادات وهذه سبيل المعجزات # فبان بما قلنا أن الحروف التي وقعت في الفواصل متناسبة موقع النظائر التي ~~تقع في الأسجاع لا يخرجها عن حدها ولا يدخلها في باب السجع # وقد بينا أنهم يذمون كل سجع خرج عن اعتدال الأجزاء فكان / بعض مصاريعه ~~كلمتين وبعضها أربع كلمات ولا يرون في ذلك فصاحة بل يرونه عجزا # فلو رأوا أن ما تلى عليهم من القرآن سجع لقالوا نحن نعارضه بسجع ~~PageV01P064 معتدل فنزيد في الفصاحة على طريقة القرآن ونتجاوز حده في ~~البراعة والحسن # ولا معنى لقول من قدر أنه ترك السجع تارة إلى غيره ثم رجع إليه لأن ما ~~تخلل بين الأمرين يؤذن بأن وضع الكلام غير ما قدروه من التسجيع لأنه لو كان ~~من باب السجع لكان أرفع نهاياته وأبعد غاياته ms047 # ولا بد لمن جوز السجع فيه وسلك ما سلكوه من أن يسلم ما ذهب إليه النظام ~~وعباد بن سليمان وهشام الفوطى ويذهب مذهبهم في أنه ليس في نظم القرآن ~~وتأليفه إعجاز وأنه يمكن معارضته وإنما صرفوا عنه ضربا من الصرف # ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم وأنه منتظم من فرق شتى ومن ~~أنواع مختلفة ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها ويستهين ببديع نظمه وعجيب ~~تأليفه الذي وقع التحدي إليه وكيف يعجزهم الخروج عن السجع والرجوع إليه وقد ~~علمنا عادتهم في خطبهم وكلامهم أنهم كانوا لا يلزمون أبدا طريقة السجع ~~والوزن بل كانوا يتصرفون في أنواع مختلفة فإذا ادعوا على القرآن مثل ذلك لم ~~يجدوا فاصلة بين نظمى الكلامين PageV01P065 # | فصل في ذكر البديع من الكلام # إن سأل سائل فقال هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما تضمنه من ~~البديع # قيل ذكر أهل الصنعة ومن صنف في هذا المعنى من صفة البديع ألفاظا نحن ~~نذكرها ثم نبين ما سألوا عنه ليكون الكلام واردا على أمر مبين وباب مقرر ~~مصور # ذكروا / أن من البديع في القرآن قوله عز ذكره ( @QB@ واخفض لهما جناح ~~الذل من الرحمة @QE@ ) # وقوله ( @QB@ وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم @QE@ ) # وقوله ( @QB@ واشتعل الرأس شيبا @QE@ ) وقوله ( @QB@ وآية لهم الليل نسلخ ~~منه النهار فإذا هم مظلمون @QE@ ) وقوله ( @QB@ أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ~~@QE@ ) وقوله ( @QB@ نور على نور @QE@ ) # وقد يكون البديع في الكلمات الجامعة الحكيمة كقوله ( @QB@ ولكم في القصاص ~~حياة @QE@ ) # وفي الألفاظ الفصيحة كقوله ( @QB@ فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا @QE@ ) # وفي الألفاظ الإلهية كقوله ( @QB@ وله كل شيء @QE@ ) وقوله ( @QB@ وما ~~بكم من نعمة فمن الله @QE@ ) وقوله ( @QB@ لمن الملك اليوم لله الواحد ~~القهار @QE@ PageV01P066 # ويذكرون من البديع قول النبي خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله ~~كلما سمع هيعة طار إليها # وقوله ربنا تقبل توبتي واغسل حوبتي # وقوله غلب عليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء وهي حالقة الدين لا ~~حالقة الشعر # وقوله الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة # وقوله وهل يكب الناس ms048 على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم # وقوله إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم # وكقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في كلام له قد نقلناه / بعد هذا على ~~PageV01P067 وجهه وقوله لخالد بن الوليد رضي الله عنه احرص على الموت توهب ~~لك الحياة وقوله فر من الشرف يتبعك الشرف # وكقول على بن أبي طالب في كتابه إلى ابن عباس وهو عامله على البصرة أرغب ~~راغبهم واحلل عقدة الخوف عنهم وقوله رضي الله عنه حين سئل عن قول النبي ~~غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود - إن النبي إنما قال ذلك والدين في قل فأما ~~وقد اتسع نطاق الإسلام فكل امرئ وما اختار # وسأل على رضي الله عنه بعض كبراء فارس عن أحد ملوكهم عندهم فقال لأردشير ~~فضيله السبق غير أن أحمدهم أنوشروان قال فأي أخلاقه كان أغلب عليه قال ~~الحلم والأناة فقال على رضي الله عنه هما توأمان ينتجهما علو الهمة # وقال قيمة كل امرئ ما يحسن # وقال العلم قفل ومفتاحه المسئلة # وكتب خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس أما بعد فالحمد لله / الذي فض ~~خدمتكم وفرق كلمتكم والخدمة الحلقة المستديرة ولذلك قيل للخلاخيل خدام # وقال الحجاج دلوني على رجل سمين الأمانة # ولما عقدت الرئاسة لعبد الله بن وهب الراسبي على الخوارج أرادوه ~~PageV01P068 على الكلام فقال لا خير في الرأي الفطير وقال دعوا الرأي يغب # وقال أعرابي في شكر نعمة ذاك عنون نعمة الله عز وجل # ووصف أعرابي قوما فقال إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام وإذا تصافحوا ~~بالسيوف قعد الحمام # وسئل أعرابي عن رجل فقال صفرت عياب الود بيني وبينه بعد امتلائها واكفهرت ~~وجوه كانت بمائها # وقال آخر من ركب ظهر الباطل نزل دار الندامة # وقيل لرؤبة كيف خلفت ما وراءك فقال التراب يابس والمال عابس # ومن البديع في الشعر طرق كثيرة قد نقلنا منها جملة لتستدل بها على ما ~~بعدها # فمن ذلك قول امرئ القيس # ( وقد أغتدي والطير في وكناتها % بمنجرد قيد الأوابد هيكل ) PageV01P069 # قوله قيد الأوابد ms049 عندهم من البديع ومن الاستعارة ويرونه من الألفاظ ~~الشريقة وعنى بذلك أنه إذا أرسل هذا الفرس على الصيد صار قيدا لها وكانت ~~بحالة المقيد من جهة سرعة إحضاره # واقتدى به الناس واتبعه الشعراء فقيل قيد النواظر وقيد الألحاظ وقيد ~~الكلام الحديث وقيد الرهان # وقال الأسود بن يعفر # ( بمقلص عتد جهيز شده % قيد الأوابد والرهان جواد ) # وقال أبو تمام # ( لها منظر قيد الأوابد لم يزل % يروح ويغدو في خفارته الحب ) # وقال آخر # ( ألحاظه قيد عيون الورى % فليس طرف يتعداه ) # وقال آخر # ( قيد الحسن عليه الحدقا % ) # وذكر الأصمعي وأبو عبيد وحماد وقبلهم أبو عمرو أنه أحسن في هذه ~~PageV01P070 اللفظة وأنه اتبع فلم يلحق وذكروه في باب الاستعارة البليغة # وسماها بعض أهل الصنعة باسم آخر وجعلوها من باب الإرداف وهوأن يريد ~~الشاعر دلالة على معنى فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى بل بلفظ هو ~~تابع له وردف # وقالوا ومثله قوله # ( نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل % ) # وإنما أراد ترفهها بقوله نؤوم الضحى # ومن هذا الباب قول الشاعر # ( بعيدة مهوى القرط إما لنوفل % أبوها وإما عبد شمس وهاشم ) # وإنما أراد أن يصف طول جيدها فأتى بردفه # ومن ذلك قول امرىء القيس # ( وليل كموج البحر أرخى سدوله % ) # وذلك من الاستعارة المليحة # ويجعلون من هذا القبيل ما قدمنا ذكره من القرآن ( @QB@ واشتعل الرأس شيبا ~~@QE@ PageV01P071 واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) # ومما يعدونه من البديع التشبيه الحسن كقول امرىء القيس # ( كأن عيون الوحش حول خبائنا % وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب ) # وقوله # ( كأن قلوب الطير رطبا ويابسا % لدى وكرها العناب والحشف البالي ) # واستبدعوا تشبيه بشيئين على حسن تقسيم ويزعمون أن أحسن ما وجد في هذا ~~للمحدثين قول بشار # ( كأن مثار النقع فوق رؤوسهم % وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ) # وقد سبق امرؤ القيس إلى صحة التقسيم في التشبيه ولم يتمكن بشار إلا من ~~تشبيه إحدى الجملتين بالأخرى دون صحة التقسيم والتفصيل # وكذلك عدوا من البديع قول امريء القيس في أذني الفرس # ( وسامعتان يعرف العتق فيهما % كسامعتي مذعورة وسط ربرب ms050 ) PageV01P072 # اتبعه طرفة فقال فيه # ( وسامعتان يعرف العتق فيهما % كسامعتي شاة بحومل مفرد ) # ومثله قول امرؤ القيس في وصف الفرس # ( وعينان كالماويتين ومحجر % إلى سند مثل الصفيح المنصب ) # وقال طرفة في وصف عيني ناقة # ( وعينان كالماويتين استكنتا % بكهفي حجاجي صخرة قلت مورد ) # ومن البديع في التشبيه قول امريء القيس # ( له أيطلا ظبي وساقا نعامة % وإرخاء سرحان وتقريب تتفل ) # وذلك في تشبيه أربعة أشياء بأربعة أشياء أحسن فيها # ومن التشبيه الحسن في القرآن قوله تعالى ( @QB@ وله الجوار المنشآت في ~~البحر كالأعلام @QE@ ) وقوله تعالى ( @QB@ كأنهن بيض مكنون @QE@ ) # ومواضع نذكرها بعد هذا PageV01P073 # ومن البديع فيه الاستعارة قول امريء القيس # ( وليل كموج البحر أرخى سدوله % على بأنواع الهموم ليبتلي ) # ( فقلت له لما تمطى بصلبه % وأردف أعجازا وناء بكلكل ) # وهذه كلها استعارات أتى بها في ذكر طول الليل # ومن ذلك قول النابغة # ( وصدر أراح الليل عازب همه % تضاعف فيه الحزن من كل جانب ) # فاستعاره من إراحة الراعي إبله إلى مواضعها التي تأوي إليها بالليل # وأخذ منه ابن الدمينة فقال # ( أقضي نهاري بالحديث وبالمنى % ويجمعني والهم بالليل جامع ) # ومن ذلك قول زهير # ( صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله % وعري أفراس الصبا ورواحله ) # ومن ذلك قول امريء القيس # ( سموت إليها بعد ما نام أهلها % سمو حباب الماء حالا على حال ) ~~PageV01P074 # وأخذه أبو تمام فقال # ( سمو عباب الماء جاشت غواربه % ) # وإنما أراد امرؤ القيس إخفاء شخصه # ومن ذلك قوله # ( كأني و أصحابي على قرن أعفرا % ) # يريد أنهم غير مطمئنين # ومن ذلك ما كتب إلى الحسن بن عبد الله بن سعيد قال أخبرني أبي قال أخبرنا ~~عسل بن ذكوان أخبرنا أبو عثمان المازني قال سمعت الأصمعي يقول أجمع أصحابنا ~~أنه لم يقل أحسن ولا أجمع من قول النابغة # ( فإنك كالليل الذي هو مدركي % وإن خلت أن المنتأى عنك واسع ) # قال الحسن بن عبد الله وأخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا عون بن محمد الكندي ~~أخبرنا قعنب بن محرز قال سمعت الأصمعي يقول سمعت أبا عمرو يقول كان زهير ~~يمدح السوق ولو ms051 ضرب على أسفل قدميه مئتا دقل صيني على أن يقول كقول النابغة # ( فإنك كالليل الذي هو مدركي % وإن خلت أن المنتأى عنك واسع ) ~~PageV01P075 # لما قال يريد أن سلطانه كالليل إلى كل مكان # واتبعه الفرزدق فقال # ( ولو حملتني الريح ثم طلبتني % لكنت كشيء أدركتني مقادره ) # فلم يأت بالمعنى ولا اللفظ على ما سبق إليه النابغة # ثم أخذه الأخطل فقال # ( وإن أمير المؤمنين و فعله % لكالدهر لا عار بما فعل الدهر ) # وقد روى نحو هذا عن النبي نصرت بالرعب وجعل رزقي تحت ظل رمحي وليدخلن هذا ~~الدين على ما دخل عليه الليل # وأخذه علي بن جبلة فقال # ( وما لامرئ حاولته منك مهرب % ولو رفعته في السماء المطالع ) # ( بلى هارب لا يهتدي لمكانه % ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع ) # ومثله قول سلم الخاسر # ( فأنت كالدهر مبثوثا حبائله % والدهر لا ملجأ سنه ولا هرب ) # ( ولو ملكت عنان الريح أصرفه % في كل ناحية ما فاتك الطلب ) # فأخذه البحتري فقال # ( ولو أنهم ركبوا الكواكب لم يكن % ينجيهم عن خوف بأسك مهرب ) # ومن بديع الاستعارة قول زهير # ( فلما وردن الماء زرقا جمامه % وضعن عصي الحاضر المتخيم ) PageV01P076 # وقول الأعشى # ( وإن عتاق العيس سوف يزوركم % ثناء على أعجازهن معلق ) # ومنه أخذ نصيب فقال # ( فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله % ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب ) # ومن ذلك قول تأبط شرا # ( فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا % به كدحة والموت خزيان ينظر ) # ومن الاستعارة في القرآن كثير كقوله ( @QB@ وإنه لذكر لك ولقومك @QE@ ) # يريد ما يكون الذكر عنه شرفا # وقوله ( @QB@ صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة @QE@ ) قيل دين الله أراد # وقوله ( @QB@ اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم @QE@ ) # ومن البديع عندهم الغلو والإفراط في الصفة كقول النمر بن تولب # ( أبقى الحوادث والأيام من نمر % أسباد سيف قديم بأثره بادى ) # ( تظل تحفر عنه إن ضربت به % بعد الذراعين والقيدين والهادى ) # وكقول النابغة # ( تقد السلوقي المضاعف نسجه % ويوقدن بالصفاح نار الحباحب ) # وكقول عنترة # ( فازور من وقع القنا بلبانه % وشكا إلي بعبرة وتحمحم ) PageV01P077 # وكقول أبي تمام ms052 # ( لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه % لخر يلثم منه موطئ القدم ) # وكقول البحتري # ( ولو أن مشتاقا تكلف فوق ما % في وسعه لمشى إليك المنبر ) # ومن هذا الجنس في القرآن ( @QB@ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد @QE@ ) # وقوله ( @QB@ إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا @QE@ ) # وقوله ( @QB@ تكاد تميز من الغيظ @QE@ ) # ومما يعدونه من البديع المماثلة وهو ضرب من الاستعارة ( سماه قدامة ~~التميثل وهو على العكس الإرداف لان الإرداف مبني على الإسهاب والبسط وهو ~~مبني على الإيجاز والجمع ) # وذلك أن يقصد الإشارة إلى معنى فيضع ألفاظا تدل عليه وذلك المعنى بألفاظه ~~مثال للمعنى الذي قصد الإشارة إليه # نظيره من المنثور أن يزيد بن الوليد بلغه أن مروان بن محمد يتلكأ عن ~~بيعته فكتب إليه أما بعد فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى فاعتمد على أيتهما ~~شئت # وكنحو ما كتب به الحجاح إلى المهلب فإن أنت فعلت ذاك وإلا أشرعت إليك ~~الرمح فأجابه المهلب فإن أشرع الأمير الرمح قلبت إليه ظهر المجن ~~PageV01P078 # وكقول زهير # ( ومن يعص أطراف الزجاج فإنه % يطيع العوالي ركبت كل لهذم ) # وكقول امريء القيس # ( وما ذرفت عيناك إلا لتضربي % بسهميك في أعشار قلب مقتل ) # وكقول عمرو بن معدى كرب # ( فلو أن قومي أنطقتني رماحهم % نطقت ولكن الرماح أجرت ) # وكقول القائل # ( بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما % دفنتم بصحراء الغمير القوافيا ) ~~PageV01P079 # وكقول الآخر # ( أقول وقد شدوا لساني بنسعة % أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا ) # ومن هذا الباب في القرآن قوله ( @QB@ فما أصبرهم على النار @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ وثيابك فطهر @QE@ ) قال الأصمعي أراد البدن قال / وتقول ~~العرب فدى لك ثوباي يريد نفسه وأنشد # ( ألا أبلغ أبا حفص رسولا % فدى لك من أخي ثقة إزاري ) # ويرون من البديع أيضا ما يسمونه المطابقة وأكثرهم على أن معناها أن يذكر ~~الشيء وضده كالليل والنهار والسواد والبياض وإليه ذهب الخليل ابن أحمد ~~والأصمعي ومن المتأخرين عبد الله بن المعتز # وذكر ابن المعتز من نظائره من المنثور ما قاله بعضهم أتيناك لتسلك بنا ~~سبيل التوسع ms053 فأدخلتنا في ضيق الضمان # ونظيره من القرآن ( @QB@ ولكم في القصاص حياة @QE@ ) # وقوله ( @QB@ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي @QE@ ) # وقوله ( @QB@ يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل @QE@ ) ومثله ~~كثير جدا PageV01P080 # وكقول النبي للأنصار إنكم تكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع # وقال آخرون بل المطابقة أن يشترك معنيان بلفظة واحدة وإليه ذهب قدامة ابن ~~جعفر الكاتب # فمن ذلك قول الأفوه الأودي # ( وأقطع الهوجل مستأنسا % بهوجل مستأنس عنتريس ) # عنى بالهوجل الأول الأرض وبالثاني الناقة # ومثله قول زياد الأعجم # ( ونبئتهم يستنصرون بكاهل % وللؤم فيهم كاهل وسنام ) # ومثله قول أبي دواد # ( عهدت لها منزلا داثرا % وآلا على الماء يحملن آلا ) # فالآل الأول أعمدة الخيام تنصب على البئر للسقي والآل الثاني السراب # وليس عنده قول من قال المطابقة إنما تكون باجتماع الشيء وضده - بشيء ~~PageV01P081 # ومن المعنى الأول قول الشاعر # ( أهين لهم نفسي لأكرمها بهم % ولن تكرم النفس التي لا تهينها ) # ومثله قول امريء القيس # ( وتردي على صم صلاب ملاطس % شديدات عقد لينات متان ) # وكقول النابغة # ( ولا يحسبون الخير لا شر بعده % ولا يحسبون الشر ضربه لازب ) # وكقول زهير وقد جمع فيه طباقين # ( بعزمه مأمور مطيع وآمر % مطاع فلا يلقى لحزمهم مثل ) # وكقول الفرزدق # ( والشيب ينهض في الشباب كأنه % ليل يصيح بجانبيه نهار ) # ومما قيل فيه ثلاث تطبيقات قول جرير # ( وباسط خير فيكم بيمينه % وقابض شر عنكم بشماليا ) # وكقول رجل من بلعنبر # ( يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة % ومن إساءة أهل السوء إحسانا ) ~~PageV01P082 # وروى عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه تمثل بقول القائل # ( فلا الجود يفنى المال والجد مقبل % ولا البخل يبقي المال والجد مدبر ) # وكقول الآخر # ( فسري كإعلاني وتلك سجيتي % وظلمة ليلي مثل ضوء نهاريا ) # وكقول قيس بن الخطيم # ( إذا أنت لم تنفع فضر فإنما % يرجي الفتى كيما يضر وينفعا ) # وكقول السموأل # ( وما ضرنا أنا قليل وجارنا % عزيز وجار الأكثرين ذليل ) فهذا باب يرونه ~~من البديع # وباب آخر وهو التجنيس ومعنى ذلك أن تأتي بكلمتين متجانستين # فمنه ما تكون الكلمة تجانس ms054 الأخرى في تأليف حروفها [ ومعناها ] وإليه ذهب ~~الخليل # ومنهم من زعم أن المجانسة أن تشترك اللفظتان على جهة الاشتقاق # كقوله عز وجل ( @QB@ فأقم وجهك للدين القيم @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ وأسلمت مع سليمان @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ يا أسفى على يوسف @QE@ ) 0 PageV01P083 # وكقوله ( @QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ وهم ينهون عنه وينأون عنه @QE@ ) # وكقول النبي أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها وعصية عصت الله ورسوله ~~[ وتجيب أجابت الله ورسوله ] # وكقوله الظلم ظلمات يوم القيامة # وقوله لا يكون ذو الوجهين وجيها عند الله # وكتب بعض الكتاب العذر مع التعذر واجب فرأيك فيه # وقال معاوية لابن عباس مالكم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم فقال كما ~~تصابون في بصائركم # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه هاجروا ولا تهجروا # ومن ذلك قول قيس بن عاصم # ( ونحن حفرنا الحوفزان بطعنة % كسته نجيعا من دم الجوف أشكلا ) ~~PageV01P084 # وقال آخر # ( أمل عليها بالبلى الملوان % ) # وقال الآخر # ( وذاكم أن ذل الجار حالفكم % وأن أنفكم لا تعرف الأنفا ) # وكتب إلي بعض مشايخنا قال أنشدنا الأخفش عن المبرد عن التوزي # ( وقالوا حمامات فحم لقاوها % وطلح فزيرت والمطى طلوح ) # ( عقاب بأعقاب من النأي بعدما % جرت نية تنسي المحب طروح ) # ( وقال صحابي هدهد فوق بانة % هدى وبيان بالنجاح يلوح ) # ( وقالوا دم دامت مواثيق عهده % ودام لنا حسن الصفاء صريح ) PageV01P085 # وقال آخر # ( أقبلن من مصر يبارين البرى % ) # وقال القطامي # ( ولما ردها في الشول شالت % بذيال يكون لها لفاعا ) # وقد يكون التجنيس بزيادة حرف [ أو بنقصان حرف ] أو ما يقارب ذلك كقول ~~البحتري # ( هل لما فات من تلاق تلاف % أم لشاك من الصبابة شاف ) # وقال ابن مقبل # ( يمشين هيل النقا مالت جوانبه % ينهال حينا وينهاه الثرى حينا ) # وقال زهير # ( هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا % لا ينكلون إذا ما استلحموا وحموا ) ~~PageV01P086 # ومن ذلك قول أبي تمام # ( يمدون من أيد عواص عواصم % تصول بأسياف قواض قواضب ) # وأبو نواس يقصد في مصراعي مقدمات شعره هذا الباب كقوله # ( ألا دارها بالماء حتى تلينها ms055 % فلن تكرم الصهباء حتى تهينها ) # وكذلك قوله # ( ديار نوار ما ديار نوار % كسونك شجوا هن منه عوار ) # وكقول ابن المعتز # ( سأتني على عهد المطيرة والقصر % وأدعو لها بالساكنين وبالقطر ) # وكقوله أيضا # ( هي الدار إلا أنها منهم قفر % وأنى بها ثاو وأنهم سفر ) # وكقوله # ( للأماني حديث [ قد ] يقر % ويسوء الدهر من قد يسر ) # وكقول المتنبي # ( وقد أراني المشيب الروح في بدني % وقد أراني المشي الروح في بدلي ) # وقد قيل إن من هذا القبيل قوله عز وجل ( @QB@ خلق الإنسان من عجل سأريكم ~~آياتي فلا تستعجلون @QE@ ) وقوله ( @QB@ قل الله أعبد مخلصا له ديني ~~فاعبدوا ما شئتم من دونه @QE@ ) # ويعدون من البديع المقابلة وهي أن يوفق بين معان ونظائرها والمضاد بضده ~~وذلك مثل قول النابغة الجعدي PageV01P087 # ( فتى تم فيه ما يسر صديقه % على أنفيه ما يسوء الأعاديا ) # وقال تأبط شرا # ( أهز به في ندوة الحي عطفه % كما هز عطفي بالهجان الأوارك ) # وكقول الآخر # ( وإذا حديث ساءني لم أكتئب % وإذا حديث سرني لم أشرز ) # وكقول الآخر # ( وذي إخوة قطعت أرحام بينهم % كما تركوني واحدا لا أخاليا ) # ونظيره من القرآن ( @QB@ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر ~~عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون @QE@ ) # [ ومن هذا الجنس قول هند بنت النعمان للمغيرة بن شعبة وقد أحسن إليها ~~برتك يد نالتها خصاصة بعد ثروة وأغناك الله عن يد نالت ثروة بعد فاقة ] # ويعدون من البديع الموازنة وذلك كقول بعضهم أصبر على حر اللقاء ومضض ~~النزال وشدة المصاع PageV01P088 # وكقول امريء القيس # ( سليم الشظا عبل الشوى شنج النسا % له محجبات مشرفات على الفال ) # ونظيره من القرآن ( @QB@ والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود ~~@QE@ ) # ويعدون من البديع # المساواة وهي أن يكون اللفظ مساويا للمعنى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه ~~وذلك يعد من البلاغة وذلك كقول زهير # ( ومهما تكن عند امريء من خليقة % وإن خالها تخفى على الناس تعلم ) # وكقول جرير # ( فلو شاء قومي كان حلمي فيهم % وكان على جهال أعدائهم جهلي ) # وكقول الآخر # ( إذا أنت لم تقصر ms056 عن الجهل والخنا % أصبت حليما أو أصابك جاهل ) # وكقول الهذلي # ( فلا تجزعن من سنة أنت سرتها % وأول راض سنة من يسيرها ) PageV01P089 # وكقول الآخر # ( فإن هم طاوعوك فطاوعيهم % وإن عاصوك فاعصي من عصاك ) # ونظير ذلك في القرآن كثير # ومما يعدونه من البديع # الإشارة وهو اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة وقال بعضهم في وصف ~~البلاغة البلاغة لمحة دالة # ومن ذلك قول طرفة # ( فظل لنا يوم لذيذ بنعمة % فقل في مقيل نحسه متغيب ) # وكقول زيد الخيل # ( فخيبة من يخيب على غنى % وباهلة بن أعصر والرباب ) PageV01P090 # ونظيره من القرآن ( @QB@ ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض ~~أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا @QE@ ) ومواضع كثيرة # ويعدون من البديع المبالغة والغلو # والمبالغة تأكيد معاني القول وذلك كقول الشاعر # ( ونكرم جارنا ما كان فينا % ونتبعه الكرامة حيث مالا ) # ومن ذلك قول الآخر # ( وهم تركوك أسلح من حبارى % رأت صقرا وأشرد من نعام ) # فقوله رأت صقرا مبالغة # ومن الغلو قول أبى نواس # ( توهمتها في كاسها فكأنما % توهمت شيئا ليس يدركه العقل ) # ( فما يرتقي التكييف فيها إلى مدى % يحد به إلا ومن قبله قبل ) # وقول زهير # ( لو كان يقعد فوق الشمس من كرم % قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا ) # وكقول النابغة # ( بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا % وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا ) PageV01P091 # وكقول الخنساء # ( وما بلغت كف امرئ متناول % بها المجد إلا حيثما نلت أطول ) # ( وما بلغ المهدون في القول مدحة % وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفضل ) # وقول الآخر # ( له همم لا منتهى لكبارها % وهمته الصغرى أجل من الدهر ) # ( له راحة لو أن معشار جودها % على البر صار البر أندى من البحر ) # ويرون من البديع & الإيغال & في الشعر خاصة فلا يطلب مثله في القرآن إلا ~~في الفواصل كقول امريء القيس # ( كأن عيون الوحش حول خبائنا % وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب ) # فقد أوغل بالقافية في الوصف وأكد التشبيه بها والمعنى قد يستقل دونها # ومن البديع عندهم التوشيح وهو أن يشهد أول البيت بقافيته وأول الكلام ~~بآخره كقول ms057 البحتري # ( فليس الذي حللته بمحلل % وليس الذي حرمته بحرام ) # ومثله في القرآن ( @QB@ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن ~~الله غفور رحيم @QE@ ) PageV01P092 # ومن ذلك رد عجز الكلام على صدره كقول الله عز وجل ( @QB@ انظر كيف فضلنا ~~بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى ~~@QE@ ) # ومن هذا الباب قول القائل # ( وان لم يكن إلا تعلل ساعة % قليلا فإني نافع لي قليلها ) # وكقول جرير # ( سقى الرمل جون مستهل غمامه % وما ذاك إلا حب من حل بالرمل ) # وكقول الآخر # ( يود الفتى طول السلامة والغنى % فكيف يرى طول السلامة يفعل ) # وكقول أبي صخر الهذلي # ( عجبت لسعي الدهر بيني وبينها % فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر ) # وكقول الآخر # ( أصد بأيدي العيس عن قصد أرضها % وقلبي إليها بالمودة قاصد ) ~~PageV01P093 # وكقول عمرو بن معدي الكرب # ( إذا لم تستطع شيئا فدعه % وجاوزه إلى ما تستطيع ) # ومن البديع ( صحة التقسيم ) ومن ذلك قول نصيب # ( فقال فريق القوم لا وفريقهم % نعم وفريق قال ويحك ما ندري ) # وليس في أقسام الجواب أكثر من هذا # وكقول الآخر # ( فكأنها فيه نهار ساطع % وكأنه ليل عليها مظلم ) # وقول المقنع الكندي # ( وإن يأكلوا لحمي وفرت لحومهم % وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا ) # ( وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم % وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا ) # ( وإن زجروا طيرا بنحس تمر بي % زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا ) # وكقول عروة بن حزام # ( بمن لو أراه عانيا لفديته % ومن لو رآني عانيا لفداني ) # ونحوه قول الله عز وجل ( @QB@ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~@QE@ ) PageV01P094 ( @QB@ إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات @QE@ ) # ونحوه صحة التفسير [ وهو أن توضع معان تحتاج إلى شرح أحوالها فإذا شرحت ~~أثبتت تلك المعاني من غير عدول عنها ولا زيادة ولا نقصان ] كقول القائل # ( ولى فرس للحلم بالحلم ملجم % ولى فرس للجهل بالجهل مسرج ) # ومن البديع التكميل والتتميم # [ وهو أن يأتي بالمعنى الذي بدأ ms058 به بجميع المعاني المصححة المتممة لصحته ~~المكملة لجودته من غير أن يخل ببعضها ولا أن يغادر شيئا منها كقول القائل ~~وما عسيت أن أشكرك عليه من مواعيد لم تشن بمطل ومرافد لم تشب بمن وبشر لم ~~يمازجه ملق ولم يخالطه مذق ] # وكقول نافع بن خليفة # ( رجال إذا لم يقبلوا الحق منهم % ويعطوه عادوا بالسيوف القواطع ) # وإنما تم جودة المعنى بقوله ويعطوه # وذلك كقول الله عز وجل ( @QB@ إن الله عنده علم الساعة @QE@ ) إلى آخر ~~الآية ثم قال ( @QB@ إن الله عليم خبير @QE@ ) # ومن البديع الترصيع وذلك على ألوان PageV01P095 # منها قول امريء القيس # ( مخش مجش مقبل مدبر معا % كتيس ظباء الحلب العدوان ) # ومن ذلك كثير من مقدمات أبي نواس # ( يا منة امتنها السكر % ما ينقضي مني لها الشكر ) # وكقوله وقد ذكرناه قبل هذا # ( ديار نوار وما ديار نوار % كسونك شجوا هن منه عوار ) # ومن ذلك الترصيع مع التجنيس كقول ابن المعتز # ( ألم تجزع على الربع المحيل % وأطلال وآثار محول ) # ونظيره من القرآن كقوله ( @QB@ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون @QE@ ) # وقوله ( @QB@ ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ والطور وكتاب مسطور @QE@ ) # وقوله ( @QB@ والسابحات سبحا فالسابقات سبقا @QE@ ) # وقد أولع الشعراء بنحو هذا فأكثروا فيه ومنهم من اقتنع بالترصيع في بعض ~~أطراف الكلام ومنهم من بنى كلامه كله عليه كقول ابن الرومي # ( أبدانهن وما لبسن % من الحرير معا حرير ) PageV01P096 # ( أردانهن وما مسسن % من العبير معا عبير ) # وكقوله # ( فلراهب أن لا يريث مكانه % ولراغب أن لا يريث نجاحه ) # ومما يقارب الترصيع ضرب يسمى المضارعة وذلك كقول الخنساء # ( حامي الحقيقة محمود الخليقة مهدي % الطريقة نفاع وضرار ) # ( جواب قاضية جزاز ناصية % عقاد ألوية للخيل جرار ) # ومن البديع باب التكافؤ وذلك قريب من المطابقة كقول المنصور لا تخرجوا من ~~عز الطاعة إلى ذل المعصية وقول عمر بن ذر إنا لم نجد لك إذ عصيت ms059 الله فينا ~~خيرا من أن نطيع الله فيك # ومنه قول بشار # ( إذا أيقظتك حروب العدا % فنبه لها عمرا ثم نم ) # ومنه قول أعرابي يذم قومه ألسن عامرة من الوعد وقلوب خربة من العزم وقال ~~آخر وساع في الهوى وطرب في الحاجة PageV01P097 # ومن البديع & باب التعطف & كقول امريء القيس # ( عود على عود على عود خلق % ) # وقد تقدم مثاله # ومن البديع & السلب والإيجاب & كقول القائل # ( وننكر إن شئنا على الناس قولهم % ولا ينكرون القول حين نقول ) # ومن البديع & الكناية والتعريض & كقول القائل # ( وأحمر كالديباج أما سماؤه % فريا وأما أرضه فمحول ) ومن هذا الباب لحن ~~القول # ومن ذلك & العكس والتبديل & كقول الحسن إن من خوفك لتأمن خير ممن أمنك ~~لتخاف وكقوله اللهم أغنني بالفقر إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك وكقوله بع ~~دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا ~~PageV01P098 وكقول القائل # ( وإذا الدر زان حسن وجوه % كان للدر حسن وجهك زينا ) # وقد يدخل في هذا الباب قوله تعالى ( @QB@ يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل @QE@ ) # ومن البديع & الالتفات & فمن ذلك ما كتب إلى الحسن بن عبد الله العسكري ~~أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال حدثني يحيى بن علي المنجم عن أبيه عن إسحاق ~~بن إبراهيم قال قال لي الأصمعي أتعرف التفاتات جرير قلت لا فما هي قال # ( أتنسى إذ تودعنا سليمى % بفرع بشامة سقى البشام ) # ومثل ذلك لجرير # ( متى كان الخيام بذي طلوح % - سقيت الغيث - أيتها الخيام ) # ومعنى الالتفاتات أنه اعترض في الكلام قوله سقيت الغيث ولو لم يعترض لم ~~يكن ذلك التفاتا وكان الكلام منتظما وكان يقول متى كان يرجع الخيام بذي ~~طلوح أيتها الخيام فمتى خرج عن الكلام الأول ثم رجع إليه على وجه يلطف - ~~كان ذلك التفاتا # ومثله قول النابغة الجعدي # ( ألا زعمت بنو سعد بأني % - ألا كذبوا - كبير السن فاني ) PageV01P099 # ومنه قول كثير # ( لو أن الباذلين وأنت منهم % رأوك تعلموا منك المطالا ) # ومثله قول أبي تمام # ( وأنجدتم من بعد اتهام داركم % فيا دمع أنجدني على ساكني ms060 نجد ) # وكقول جرير # ( طرب الحمام بذي الأراك فشاقني % لا زلت في غلل وأيك ناضر ) # التفت إلى الحمام فدعا لها # ومثله قول حسان # ( إن التي ناولتني فرددتها % قتلت قتلت فهاتها لم تقتل ) # ومثله قول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر # ( وأجمل إذا ما كنت لا بد مانعا % وقد يمنع الشيء الفتى وهو مجمل ) # وكقول ابن ميادة # ( فلا صرمه يبدو وفي اليأس راحة % ولا وصله يصفو لنا فنكارمه ) # ونظير ذلك من القرآن ما حكى الله تعالى عن إبراهيم الخليل من قوله ( @QB@ ~~اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله ~~أوثانا وتخلقون إفكا @QE@ ) إلى قوله ( @QB@ فما كان جواب قومه @QE@ ) ~~PageV01P100 # وقوله عز وجل ( @QB@ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله ~~بعزيز وبرزوا لله جميعا @QE@ ) # ومثله قوله ( @QB@ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ~~جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله ~~مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين @QE@ ) # ومثله قوله ( @QB@ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع ~~هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث @QE@ ) # ومثله قوله ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم فمن تاب من بعد ظلمه ) # ومنهم من لا يعد الاعتراض والرجوع من هذا الباب ومنهم من يفرده عنه كقول ~~زهير # ( قف بالديار التى لم يعفها القدم % نعم وغيرها الأرواح والديم ) # وكقول الأعرابي # ( أليس قليلا نظرة إن نظرتها % إليك وكلا ليس منك قليل ) # وكقول ابن هرمة # ( ليت حظي كلحظه العين منها % وكثير منها القليل المهنا ) PageV01P101 # ومن الرجوع قول القائل # ( بكل تداوينا فلم يشف ما بنا % على أن قرب الدار خير من البعد ) # وقال الأعشى # ( صرمت ولم أصرمكم وكصارم % أخ قد طوى كشحا وأب ليذهبا ) # وكقول بشار # ( لي حيلة فيمن ينمم % وليس في ms061 الكذاب حيلة ) # ( من كان يخلق ما يقول % فحيلتي فيه قليلة ) # وقال آخر # ( وما بي انتصار إن عدا الدهر ظالما % على بلى إن كان من عندك النصر ) # وباب آخر من البديع يسمى & التذييل & وهو ضرب من التأكيد وهو ضد ما قدمنا ~~ذكره من الإشارة كقول أبي دواد PageV01P102 # ( إذا ما عقدنا له ذمه % شددنا العناج وعقد الكرب ) # وأخذه الحطيئة فقال # ( قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم % شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا ) # وكقول الآخر # ( فدعوا نزال فكنت أول نازل % وعلام أركبه إذا لم أنزل ) # وكقول جرير # ( لقد كنت فيها يا فرزدق تابعا % وريش الذنابي تابع للقوادم ) # ومثله قوله عز وجل ( @QB@ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف ~~طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نمن ~~على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين @QE@ ) إلى ~~قوله ( @QB@ كانوا خاطئين @QE@ ) # وباب من البديع يسمى & الاستطراد & فمن ذلك ما كتب إلى الحسن بن ~~PageV01P103 عبد الله قال أنشدني أبو بكر بن دريد قال أنشدنا أبو حاتم عن ~~أبي عبيدة لحسان بن ثابت رضى الله تعالى عنه # ( إن كنت كاذبة الذي حدثتني % فنجوت منجى الحارث بن هشام ) # ( ترك الأحبة أن يقاتل دونهم % ونجا برأس طمرة ولجام ) # وكقول السموأل # ( وإنا لقوم لا نرى القتل سبة % إذا ما رأته عامر وسلول ) # وكقول الآخر # ( خليلي من كعب أعينا أخاكما % على دهره إن الكريم معين ) # ( ولا تبخلا بخل ابن قزعة إن % مخافة أن يرجى نداه حزين ) # وكقول الآخر # ( فما ذر قرن الشمس حتى كأننا % من العى نحكي أحمد بن هشام ) # وكقول زهير # ( إن البخيل ملوم حيث كان ولكن % الجواد على علاته هرم ) # وفيما كتب إلى الحسن بن عبد الله قال أخبرني محمد بن يحيى قال ~~PageV01P104 حدثني محمد بن علي الأنباري قال سمعت البحتري يقول أنشدني أبو ~~تمام لنفسه # ( وسابح هطل التعداء هتان % على الجراء أمين غير خوان ) # ( أظمي الفصوص ولم تظمأ قوائمه % فخل عينيك في ريان ظمآن ) # ( ولو تراه مشيحا والحصى فلق # بين السنابك من مثنى ms062 ووجدان ) # ( أيقنت إن لم تثبت أن حافره % من صخر تدمر أومن وجه عثمان ) # وقال لي ما هذا من الشعر قلت لا أدري قال هذا المستطرد أو قال الاستطراد ~~قلت وما معنى ذلك قال يرى أنه يصف الفرس ويريد هجاء عثمان # وقال البحتري # ( ما إن يعاف قذى ولو أوردته % يوما خلائق حمدوية الأحول ) # قال فقيل للبحتري إنك أخذت هذا من أبي تمام فقال ما يعاب على أن آخذ منه ~~وأتبعه فيما يقول # ومن هذا الباب قول أبي تمام # ( صب الفراق علينا حب من كتب % عليه إسحاق يوم الروع منتقما ) ~~PageV01P105 # ومنه قول السرى الرفاء # ( نزع الوشاة لنا بسهم قطيعة % يرمي بسهم الحين من يرمي به ) # ( ليت الزمان أصاب حب قلوبهم % بقنا ابن عبد الله أو بحرابه ) # ونظيره من القرآن ( @QB@ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله ~~عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السماوات وما في ~~الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون @QE@ ) # كأنه كان المراد أن يجري بالقول ول الأول إلى الإخبار عن أن كل شيء يسجد ~~لله عز وجل وإن كان ابتداء الكلام في أمر خاص # ومن البديع عندهم & التكرار & كقول الشاعر # ( هلا سألت جموع كندة % يوم ولوا أين أينا ) # وكقول الآخر # ( وكانت فزارة تصلي بنا % فأولى فزارا أولى فزار ) # ( ونظيره من القرآن كثير كقول تعالى ( @QB@ فإن مع العسر يسرا إن مع ~~العسر يسرا @QE@ ) # وكالتكرار في قوله ( @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ ) وهذا فيه معنى زائد ~~على التكرار لأنه يفيد الإخبار عن الغيب # ومن البديع عندهم ضرب من & الاستثناء & كقول النابغة PageV01P106 # ( ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم % بهن فلول من قراع الكتائب ) وكقول ~~النابغة الجعدي # ( فتى كملت أخلاقه غير أنه % جواد فلا يبقى من المال باقيا ) # ( فتى تم فيه ما يسر صديقه % على أن فيه ما يسوء الأعاديا ) # وكقول الآخر # ( حليم إذا ما الحلم زين أهله % مع الحلم في عين العدو مهيب ) # وكقول أبي تمام # ( تنصل ربها من غير جرم % إليك سوى النصيحة ms063 والوداد ) # ووجوه البديع كثيرة جدا فاقتصرنا على ذكر بعضها ونبهنا بذلك على ما لم ~~نذكر كراهة التطويل فليس الغرض ذكر جميع أبواب البديع # وقد قدر مقدرون أنه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب التي ~~نقلناها وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه # وليس كذلك عندنا لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها ~~بالتدريب والتعود والتصنع لها وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان طريقة صح ~~منه التعمل له وأمكنه نظمه # والوجوه التي تقول إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها فليس مما يقدر ~~البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال ويبين ما قلنا أن كثيرا من المحدثين ~~PageV01P107 قد تصنع لأبواب الصنعة حتى حشي جميع شعره منها واجتهد أن لا ~~يفوته بيت إلا وهو يملؤه من الصنعة كما صنع أبو تمام في لاميته # ( متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل % وصدرك منها مدة الدهر آهل ) # ( تطل الطلول الدمع في كل موقف % وتمثل بالصبر الديار المواثل ) # ( دوارس لم يجف الربيع ربوعها % ولا مر في أغفالها وهو غافل ) # ( فقد سحبت فيها السحاب ذيولها % وقد أخملت بالنور تلك الخمائل ) # ( تعفين من زاد العفاة إذا انتحي % على الحي صرف الأزمة المتماحل ) # ( لهم سلف سمر العوالي وسامر % وفيهم جمال لا يغيض وجامل ) # ( ليالي أضللت العزاء وخزلت % بعقلك آرام الخدور العقائل ) # ( من الهيف لو أن الخلاخيل صيرت % لها وشحا جالت عليه الخلاخل ) # ( مها الوحش إلا أن هاتا أوانس % قنا الخط إلا أن تلك ذوابل ) # ( هوى كان خلسا إن من أطيب الهوى % هوى جلت في أفيائه وهو خامل ) # ومن الأدباء من عاب عليه هذه الأبيات ونحوها على ما قد تكلف فيها من ~~البديع وتعمل من الصنعة فقال قد أذهب ماء هذا الشعر ورونقه وفائدته ~~PageV01P108 اشتغالا بطلب التطبيق وسائر ما جمع فيه # وقد تعصب عليه أحمد بن عبيد الله بن عمار وأسرف حتى تجاوز إلى الغض من ~~محاسنه # ولما قد أولع به من الصنعة ربما غطي على بصره حتى يبدع في القبيح وهو ~~يريد أن يبدع في ms064 الحسن كقوله في قصيدة له أولها # ( سرت تستجير الدمع خوف نوى غد % وعاد قتادا عندها كل مرقد ) # فقال فيها # ( لعمري لقد حررت يوم لقيته % لو أن القضاء وحده لم يبرد ) # وكقوله # ( لو لم تدارك مسن المجد مذ زمن % بالجود وبالبأس كان المجد قد خرفا ) # فهذا من الاستعارات القبيحة والبديع المقيت # وكقوله # ( تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت % أعمارهم قبل نضج التين والعنب ) # وكقوله # ( لو لم يمت بين أطراف الرماح إذا % لمات إذ لم يمت من شدة الحزن ) ~~PageV01P109 # وكقوله # ( خشنت عليه أخت بني خشين % ) # وكقوله # ( ألا لا يمد الدهر كفا بسيئ % إلى مجتدى نصر فتقطع من الزند ) # وقال في وصف المطايا # ( لو كان كلفها عبيد حاجة % يوما لزنى شدقما وجديلا ) # وكقوله # ( فضربت الشتاء في أخدعيه % ضربة غادرته عودا ركوبا ) # فهذا وما أشبهه إنما يحدث من غلوه في محبة الصنعة حتى يعميه عن وجه ~~الصواب وربما أسرف في المطابق والمجانس ووجوه البديع من الاستعارة وغيرها ~~حتى استثقل نظمه واستوخم رصفه وكان التكلف باردا والتصرف جامدا وربما اتفق ~~مع ذلك في كلامه النادر المليح كما يتفق البارد القبيح # وأما البحتري فإنه لا يرى في التجنيس ما يراه أبو تمام ويقل التصنع له ~~فإذا وقع في كلامه كان في الأكثر حسنا رشيقا وظريفا جميلا وتصنعه ~~PageV01P110 للمطابق كثير حسن وتعمقه في وجوه الصنعة على وجه طلب السلامة ~~والرغبة في السلاسة فلذلك يخرج سليما من العيب في الأكثر # وأما وقوف الألفاظ به عن تمام الحسنى وقعود العبارات عن الغاية القصوى ~~فشيء لا بد منه وأمر لا محيص عنه كيف وقد وقف على من هو أجل منه وأعظم قدرا ~~في هذه الصنعة وأكبر في الطبقة كامرئ القيس وزهير والنابغة وابن هرمة ونحن ~~نبين تميز كلامهم وانحطاط درجة قولهم ونزول طبقة نظمهم عن بديع نظم القرآن ~~في باب مفرد يتصور به ذو الصنعة ما يجب تصوره ويتحقق وجه الإعجاز فيه ~~بمشيئة الله وعونه # ثم رجع الكلام بنا إلى ما قدمناه من انه لا سبيل إلى معرفة إعجاز القران ~~من ms065 البديع الذي ادعوه في الشعر ووصفوه فيه # وذلك أن هذا الفن ليس فيه ما يخرق العادة ويخرج عن العرف بل يمكن ~~استدراكه بالتعلم والتدرب به والتصنع له كقول الشعر ورصف الخطب وصناعة ~~الرسالة والحذق في البلاغة وله طريق يسلك ووجه يقصد وسلم يرتقى فيه إليه ~~ومثال قد يقع طالبه عليه فرب إنسان يتعود أن ينظم جميع كلامه شعرا وآخر ~~يتعود أن يكون جميع خطابه سجعا أو صنعة متصلة لا يسقط من كلامه حرفا وقد ~~يتأتى له لما قد تعوده وأنت ترى أدباء زماننا يضعون المحاسن في جزء وكذلك ~~يؤلفون أنواع البارع ثم ينظرون فيه إذا أرادوا إنشاء قصيدة أو خطبة فيحسنون ~~به كلامهم ومن كان قد تدرب وتقدم في حفظ ذلك - استغنى عن هذا التصنيف ولم ~~يحتج إلى تكلف هذا التأليف وكان ما أشرف عليه من هذا الشأن باسطا من باع ~~كلامه وموشحا بأنواع البديع ما يحاوله من قوله PageV01P111 # وهذا طريق لا يتعذر وباب لا يمتنع وكل يأخذ فيه مأخذا ويقف منه موقفا على ~~قدر ما معه من المعرفة وبحسب ما يمده من الطبع # فأما شأو نظم القرآن فليس له مثال يحتذى عليه ولا إمام يقتدى به ولا يصح ~~وقوع مثله اتفاقا كما يتفق للشاعر البيت النادر والكلمة الشاردة والمعنى ~~الفذ الغريب والشيء القليل العجيب وكما يلحق من كلامه بالوحشيات ويضاف من ~~قوله إلى الأوابد لان ما جرى هذا المجرى ووقع هذا الموقع فإنما يتفق للشاعر ~~في لمع من شعره وللكاتب في قليل من رسائله وللخطيب في يسير من خطبه ولو كان ~~كل شعره نادرا ومثلا سائرا ومعنى بديعا ولفظا رشيقا وكل كلامه مملوءا من ~~رونقه ومائه ومحلى ببهجته وحسن روائه ولم يقع فيه المتوسط بين الكلامين ~~والمتردد بين الطرفين ولا البارد المستثقل والغث المستنكر - لم يبن الإعجاز ~~في الكلام ولم يظهر التفاوت العجيب بين النظام والنظام # وهذه جملة تحتاج إلى تفصيل ومبهم قد يحتاج في بعضه إلى تفسير وسنذكر ذلك ~~بمشيئة الله وعونه # ولكن قد يمكن أن يقال في ms066 البديع الذي حكيناه وأضفناه إليهم إن ذلك باب من ~~أبواب البراعة وجنس من أجناس البلاغة وإنه لا ينفك القرآن عن فن من فنون ~~بلاغاتهم ولا وجه من وجوه فصاحاتهم وإذا أورد هذا المورد ووضع هذا الموضع - ~~كان جديرا # وإنما لم نطلق القول إطلاقا لأنا لا نجعل الإعجاز متعلقا بهذه الوجوه ~~الخاصة ووقفا عليها ومضافا إليها وإن صح أن تكون هذه الوجوه مؤثرة في ~~الجملة آخذة بحظها من الحسن والبهجة متى وقعت في الكلام على غير وجه التكلف ~~المستشبع والتعمل المستبشع PageV01P112 # | فصل في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن # قد بينا انه لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية من العجم والترك وغيرهم ~~أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا بأن يعلموا أن العرب قد عجزوا عن ذلك فإذا ~~عرفوا هذا - بأن علموا انهم قد تحدوا إلى أن يأتوا بمثله وقرعوا على ترك ~~الإتيان بمثله ولم يأتوا به - تبينوا أنهم عاجزون عنه وإذا عجز هل ذلك ~~اللسان فهم عنه أعجز # وكذلك نقول إن من كان من أهل اللسان العربي - إلا أنه ليس يبلغ في ~~الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام ووجوه تصرف اللغة وما ~~يعدونه فصيحا بليغا بارعا من غيره - فهو كالأعجمي في أنه لا يمكنه أن يعرف ~~إعجاز القرآن إلا بمثل ما بينا أن يعرف به الفارسي الذي بدأنا بذكره وهو ~~ومن ليس من أهل اللسان سواء # فأما من كان قد تناهى في معرفة اللسان العربي ووقف على طرقها ومذاهبها - ~~فهو يعرف القدر الذي ينتهي إليه وسع المتكلم من الفصاحة ويعرف ما يخرج عن ~~الوسع ويتجاوز حدود القدرة - فليس يخفى عليه إعجاز القران كما يميز بين جنس ~~الخطب والرسائل والشعر وكما يميز بين الشعر الجيد والرديء والفصيح والبديع ~~والنادر والبارع والغريب # وهذا يميز أهل كل صناعة صنعتهم فيعرف الصيرفي من النقد ما يخفى على غيره ~~ويعرف البزاز من قيمة الثوب وجودته ورداءته ما يخفى على غيره وإن كان يبقى ~~مع معرفة هذا الشأن أمر آخر وربما اختلفوا فيه لأن من أهل ms067 الصنعة من يختار ~~الكلام المتين والقول الرصين # ومنهم من يختار الكلام الذي يروق ماؤه وتروع بهجته ورواؤه PageV01P113 ~~ويسلس مأخذه ويسلم وجهه ومنفذه ويكون قريب المتناول غير عويص اللفظ ولا ~~غامض المعنى # كما قد يختار قوم ما يغمض معناه ويغرب لفظه ولا يختار ما سهل على اللسان ~~وسبق إلى البيان # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصف زهيرا فقال كان لا يمدح الرجل ~~إلا بما فيه وقال لعبد بنى الحسحاس حين أنشده # ( كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا % ) # أما إنه لو قلت مثل هذا لأجزتك عليه # وروي أن جريرا سئل عن أحسن الشعر فقال قوله # ( أن الشقي الذي في النار منزله % والفوز فوز الذي ينجو من النار ) # كأنه فضله لصدق معناه # ومنهم من يختار الغلو في قول الشعر والإفراط فيه حتى ربما قالوا أحسن ~~الشعر أكذبه كقول النابغة # ( يقد السلوقي المضاعف نسجه % ويوقدن بالصفاح نار الحباحب ) # وأكثرهم على مدح المتوسط بين المذهبين في الغلو والاقتصاد وفي المتانة ~~والسلاسة PageV01P114 # ومنهم من رأى أن أحسن الشعر ما كان أكثر صنعة وألطف تعملا وان يتخير ~~الألفاظ الرشيقة للمعاني البديعية والقوافي الواقعة كمذهب البحتري وعلى ما ~~وصفه عن بعض الكتاب في قوله # ( في نظام من البلاغة ما شكك % امرؤ انه نظام فريد ) # ( وبديع كأن الزهر الضاحك % في رونق الربيع الجديد ) # ( حزن مستعمل الكلام اختبارا % وتجنبن ظلمة التعقيد ) # ( وركبن اللفظ القريب فأدركن % به غاية المراد البعيد ) # ( كالعذارى غدون في الحلل البيض % إذا رحن في الخطوط السود ) # ويرون أن من تعدى هذا كان سالكا مسلكا عاميا ولم يروه شاعرا ولا مصيبا # وفيما كتب إلى الحسن بن عبد الله أبو أحمد العسكري قال أخبرني محمد بن ~~يحيى قال أخبرني عبد الله بن الحسين قال قال لي البحتري # دعاني علي بن الجهم فمضيت إليه فأفضنا في أشعار المحدثين إلى أن ذكرنا ~~شعر أشجع السلمي فقال لى إنه يخلى وأعادها مرات ولم أفهمها وأنفت أن أسأله ~~عن معناها فلما انصرفت أفكرت في الكلمة ونظرت في شعره فإذا هو ربما ms068 مرت له ~~الأبيات مغسولة ليس فيها بيت رائع PageV01P115 وإذا هو يريد هذا بعينه أن ~~يعمل الأبيات فلا يصيب فيها ببيت نادر كما أن الرامي إذا رمى برشقة فلم يصب ~~بشيء قيل قد أخلي قال وكان علي بن الجهم أحسن الناس علما بالشعر # وقوم من أهل اللغة يميلون إلى الرصين من الكلام الذي يجمع الغريب ~~والمعاني مثل أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر والأصمعي # ومنهم من يختار الوحشي من الشعر كما اختار المفضل للمنصور من المفضليات ~~وقيل إنه اختار ذلك لميله إلى ذلك الفن # وذكر الحسن بن عبد الله أنه أخبره بعض الكتاب عن علي بن العباس قال حضرت ~~مع البحتري مجلس عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وقد سأل البحتري عن أبي ~~نواس ومسلم بن الوليد أيهما أشعر فقال البحتري أبو نواس أشعر فقال عبيد ~~الله إن أبا العباس ثعلبا لا يطابقك على قولك ويفضل مسلما # فقال البحتري ليس هذا من عمل ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون ~~عمله إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته # فقال له عبيد الله وريت بك زنادي يا أبا عبادة وقد وافق حكمك حكم أخيك ~~بشار بن برد في جرير والفرزدق فإن دعبلا حدثني عن أبي نواس انه حضر بشارا ~~وقد سئل عن جرير والفرزدق وأيهما أشعر فقال جرير أشعرهما فقيل له بماذا ~~فقال لان جريرا يشتد إذا شاء وليس كذلك الفرزدق لأنه يشتد أبدا # فقيل له فإن يونس وأبا عبيدة يفضلان الفرزدق على جرير PageV01P116 فقال ~~ليس هذا من عمل أولئك القوم إنما يعرف الشعر من يضطر إلى أن يقول مثله وفي ~~الشعر ضروب لم يحسنها الفرزدق ولقد ماتت النوار امرأته فناح عليها بقول ~~جرير # ( لولا الحياء لعادني استعبار % ولزرت قبرك والحبيب يزار ) # وروي عن أبي عبيدة انه قال للفرزدق ما لك لا تنسب كما ينسب جرير فغاب ~~حولا ثم جاء فأنشد # ( يا أخت ناجية بن سامة إنني % أخشى عليك بني إن طلبوا دمي ) # والأعدل في ms069 الاختيار ما سلكه أبو تمام من الجنس الذي جمعه في كتاب ~~الحماسة وما اختاره من الوحشيات وذلك انه تنكب المستنكر الوحشي والمبتذل ~~العامي وأتى بالواسطة # وهذه طريقة من ينصف في الاختيار ولا يعدل به غرض يخص لأن الذين اختاروا ~~الغريب فإنما اختاروه لغرض لهم في تفسير ما يشتبه على غيرهم وإظهار التقدم ~~في معرفته وعجز غيرهم عنه ولم يكن قصدهم جيد الأشعار لشيء يرجع إليها في ~~أنفسها # ويبين هذا أن الكلام موضوع للإبانة عن الأغراض التي في النفوس وإذا كان ~~كذلك وجب أن يتخير من اللفظ ما كان أقرب إلى الدلالة على المراد وأوضح في ~~الإبانة عن المعنى المطلوب ولم يكن مستكره المطلع على الأذن ولا مستنكر ~~المورد على النفس حتى يتأبى بغرابته في اللفظ عن الإفهام أو يمتنع بتعويض ~~معناه عن الإبانة ويجب أن يتنكب ما كان عامي اللفظ مبتذل العبارة ركيك ~~المعنى سفسافي الوضع مجتلب PageV01P117 التأسيس على غير أصل ممهد ولا طريق ~~موطد # وإنما فضلت العربية على غيرها لاعتدالها في الوضع لذلك وضع أصلها على أن ~~أكثرها هو بالحروف المعتدلة فقد أهملوا الألفاظ المستكرهة في نظمها ~~وأسقطوها من كلامهم وجعلوا عامة لسانهم على الأعدل ولذلك صار أكثر كلامهم ~~من الثلاثي لأنهم بدءوا بحرف وسكتوا على آخر وجعلوا حرفا وصلة بين الحرفين ~~ليتم الابتداء والانتهاء على ذلك والثنائي أقل وكذلك الرباعي والخماسي أقل ~~ولو كان كله ثنائيا لتكررت الحروف ولو كان رباعيا أو خماسيا لكثرت الكلمات # وكذلك بنى أمر الحروف التي ابتدئ بها السور على هذا فأكثر هذه السور التي ~~ابتدئت بذكر الحروف ذكر فيها ثلاثة أحرف وما هو أربعة أحرف سورتان وما ~~ابتدئ بخمسة أحرف سورتان # فأما ما بدئ بحرف واحد فقد اختلفوا فيه # فمنهم من لم يجعل ذلك حرفا وإنما جعله فعلا واسما لشيء خاص # ومن جعل ذلك حرفا قال أراد أن يحقق الحروف مفردها ومنظومها # ولضيق ما سوى كلام العرب أو لخروجه عن الاعتدال - يتكرر في بعض الألسنة ~~الحرف الواحد في الكلمة الواحدة والكلمات المختلفة كثيرا ms070 كنحو تكرار الطاء ~~والسين في لسان يونان وكنحو الحروف الكثيرة التي هي اسم لشيء واحد في لسان ~~الترك ولذلك لا يمكن أن ينظم من الشعر في تلك الألسنة على الأعاريض التي ~~تمكن في اللغة العربية # والعربية أشدها تمكنا وأشرفها تصرفا وأعدلها ولذلك جعلت حلية لنظم القرآن ~~وعلق بها الإعجاز وصار دلالة في النبوة PageV01P118 # وإذا كان الكلام إنما يفيد الإبانة عن الأغراض القائمة في النفوس التي لا ~~يمكن التوصل إليها بأنفسها وهي محتاجة إلى ما يعبر عنها فما كان أقرب في ~~تصويرها وأظهر في كشفها للفهم الغائب عنها وكان مع ذلك أحكم في الإبانة عن ~~المراد وأشد تحقيقا في الإيضاح عن المطلب وأعجب في وضعه وأرشق في تصرفه ~~وأبرع في نظمه - كان أولى وأحق بأن يكون شريفا # وقد شبهوا النطق بالخط والخط يحتاج مع بيانه إلى رشاقة وصحة وملاحة ولطف ~~حتى يحوز الفضيلة ويجمع الكمال # شبهوا الخط والنطق بالتصوير وقد أجمعوا أن من أحذق المصورين من صور لك ~~الباكي المتضاحك والباكي الحزين والضاحك المتباكي والضاحك المستبشر وكما ~~أنه يحتاج إلى لطف يد في تصوير هذه الأمثلة فكذلك يحتاج إلى لطف في اللسان ~~والطبع في تصوير ما في النفس للغير # وفي جملة الكلام ما تقصر عبارته وتفضل معانيه وفيه ما تقصر معانيه وتفضل ~~العبارات وفيه ما يقع كل واحد منهما وفقا للآخر ثم ينقسم ما يقع وفقا إلى ~~انه قد يفيدها على جملة وقد يفيدها على تفصيل # وكل واحد منهما قد ينقسم إلى ما يفيدها على أن يكون كل واحد منهما بديعا ~~شريفا وغريبا لطيفا وقد يكون كل واحد منهما مستجلبا متكلفا ومصنوعا متعسفا ~~وقد يكون كل واحد منهما حسنا رشيقا وبهيجا نضيرا وقد يتفق أحد الأمرين دون ~~الآخر وقدر يتفق أن يسلم الكلام والمعنى من غير رشاقة ولا نضارة في واحد ~~منهما وإنما يميز من يميز ويعرف من يعرف والحكم في ذلك صعب شديد والفصل فيه ~~شأو بعيد وقد قل من PageV01P119 يميز أصناف الكلام فقد حكى عن طبقة أبي ~~عبيدة وخلف ms071 الأحمر وغيرهما في زمانهما أنهم قالوا ذهب من يعرف نقد الشعر # وقد بينا قبل هذا اختلاف القوم في الاختيار وما يجب أن يجمعوا عليه ~~ويرجعوا عند التحقيق إليه فكلام المقتدر نمط وكلام المتوسط باب وكلام ~~المطبوع له طريق وكلام المتكلف له منهاج والكلام المصنوع المطبوع له باب # ومتى تقدم الإنسان في هذه الصنعة لم تخف عليه هذه الوجوه ولم تشتبه عنده ~~هذه الطرق فهو يميز قدر كل متكلم بكلامه وقدر كل كلام في نفسه ويحله محله ~~ويعتقد فيه ما هو عليه ويحكم فيه بما يستحق من الحكم # وإن كان المتكلم يجود في شيء دون شيء عرف ذلك منه وإن كان يعم إحسانه عرف # ألا ترى أن منهم من يجود في المدح دون الهجو ومنهم من يجود في الهجو وحده ~~ومنهم من يجود في المزح والسخف ومنهم من يجود في الأوصاف # والعالم لا يشذ عنه شيء من ذلك ولا تخفى عليه مراتب هؤلاء ولا تذهب عليه ~~أقدارهم حتى إنه إذا عرف طريقه شاعر في قصائد معدودة فأنشد غيرها من شعره - ~~لم يشك أن ذلك من نسجه ولم يرتب في أنها من نظمه كما أنه إذا عرف خط رجل لم ~~يشتبه عليه خطه حيث رآه من بين الخطوط المختلفة وحتى يميز بين رسائل كاتب ~~وبين رسائل غيره وكذلك أمر الخطب PageV01P120 # فإن اشتبه عليه البعض فهو لاشتباه الطريقين وتماثل الصورتين كما قد يشتبه ~~شعر أبي تمام بشعر البحتري في القليل الذي يترك أبو تمام فيه التصنع ويقصد ~~فيه التسهل ويسلك الطريقة الكتابية ويتوجه في تقريب الألفاظ وترك تعويض ~~المعاني ويتفق له مثل بهجة أشعار البحتري وألفاظه # ولا يخفى على أحد يميز هذه الصنعة سبك أبي نواس من سبك مسلم ولا نسج ابن ~~الرومي من نسج البحتري وينبهه ديباجة شعر البحتري وكثرة مائه وبديع رونقه ~~وبهجة كلامه إلا فيما يسترسل فيه فيشتبه بشعر ابن الرومي ويحركه ما لشعر ~~أبي نواس من الحلاوة والرقة والرشاقة والسلاسة حتى يفرق بينه وبين شعر مسلم # وكذلك يميز بين ms072 شعر الأعشى في التصرف وبين شعر امرئ القيس وبين شعر ~~النابغة وزهير وبين شعر جرير والأخطل والبعيث والفرزدق وكل له منهج معروف ~~وطريق مألوف # ولا يخفى عليه في زماننا الفصل بين رسائل عبد الحميد وطبقته وبين طبقة من ~~بعده حتى إنه لا يشتبه عليه ما بين رسائل ابن العميد وبين رسائل أهل عصره ~~ومن بعده ممن برع في صنعة الرسائل وتقدم في شأوها حتى جمع فيها بين طرق ~~المتقدمين وطريقة المتأخرين وحتى خلص لنفسه طريقة وأنشأ لنفسه منهاجا فسلك ~~تارة طريقة الجاحظ وتارة طريقة السجع وتارة طريقة الأصل وبرع في ذلك ~~باقتداره وتقدم بحذقه ولكنه لا يخفى مع ذلك على أهل الصنعة طريقه من طريق ~~غيره وإن كان قد يشتبه البعض ويدق القليل وتغمض الأطراف وتشذ النواحي ~~PageV01P121 # وقد يتقارب سبك نفر من شعراء عصر وتتدانى رسائل كتاب دهر حتى تشتبه ~~اشتباها شديدا وتتماثل تماثلا قريبا فيغمض الأصل # وقد يتشاكل الفرع والأصل وذلك فيما لا يتعذر دراك أمده ولا يتصعب طلاب ~~شأوه ولا يمنع بلوغ غايته والوصول إلى نهايته لان الذي ينفق من الفصل بين ~~أهل الزمان إذا تفاضلوا في سبق وتفاوتوا في مضمار فصل قريب وأمر يسير # وكذلك لا يخفى عليهم معرفة سارق الألفاظ ولا سارق المعاني ولا من يخترعها ~~ولا من يلم بها ولا من يجاهر بالأخذ ممن يكاتم به ولا من يخترع الكلام ~~اختراعا ويبتدهه ابتداها ممن يروي فيه ويجيل الفكر في تنقيحه ويصبر عليه ~~حتى يتخلص له ما يريد وحتى يتكرر نظره فيه # قال أبو عبيدة سمعت أبا عمرو يقول زهير والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر ~~لأنهم نقحوه ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين # وكان زهير يسمى كبر شعره الحوليات المنقحة # وقال عدي ابن الرقاع # ( وقصيدة قد بت أجمع بينها % حتى أقوم ميلها وسنادها ) # ( نظر المثقف في كعوب قناته % حتى يقيم ثقافة منآدها ) # وكقول سويد بن كراع # ( أبيت بأبواب القوافي كأنما % أصادي بها سربا من الوحش نزعا ) ~~PageV01P122 # ومنهم من يعرف بالبديهة وحدة الخاطر ونفاذ الطبع وسرعة النظم يرتجل القول ms073 ~~ارتجالا ويطبعه عفوا صفوا فلا يقعد به عن قوم قد تعبوا وكدوا أنفسهم وجاهدا ~~خواطرهم # وكذلك لا يمكن أن يخفى عليهم الكلام العلوي واللفظ الملوكي كما لا يخفى ~~عليهم الكلام العامى واللفظ السوقى ثم تراهم ينزلون الكلام تنزيلا ويعطونه ~~- كيف تصرف - حقوقه ويعرفون مراتبه فلا يخفى عليهم ما يختص به كل فاضل تقدم ~~فبي وجه من وجوه النظم من الوجه الذي لا يشاركه فيه غيره ولا يساهمه سواه # ألا تراهم وصفوا زهيرا بأنه أمدحهم وأشدهم أسر شعر قاله أبو عبيدة # وروي أن الفرزدق انتحل بيتا من شعر جرير وقال هذا يشبه شعري # فكان هؤلاء لا يخفى عليهم ما قد نسبناه إليهم من المعرفة بهذا الشأن وهذا ~~كما يعلم البزاز أن هذا الديباج عمل بتستر وهذا لم يعمل بتستر وأن هذا من ~~صنعة فلان دون فلان ومن نسج فلان دون فلان حتى لا يخفى عليه وإن كان قد ~~يخفى على غيره # ثم إنهم يعلمون أيضا من له سمت بنفسه ورفت برأسه ومن يقتدي في الألفاظ أو ~~في المعاني أو فيهما بغيره ويجعل سواه قدوة له ومن يلم في الأحوال بمذهب ~~غيره ويطور في الأحيان بجنبات كلامه # وهذه أمور ممهدة عند العلماء وأسباب معروفة عند الأدباء وكما يقولون إن ~~البحتري يغير على أبي تمام إغارة ويأخذ منه صريحا وإشارة PageV01P123 ~~ويستأنس بالأخذ منه بخلاف ما يستأنس بالأخذ من غيره ويألف اتباعه كما لا ~~يألف اتباع سواه وكما كان أبو تمام يلم بأبي نواس ومسلم وكما يعلم أن بعض ~~الشعراء يأخذ من كل أحد ولا يتحاشى ويؤلف ما يقوله من فرق شتى # وما الذي نفع المتنبي جحوده الأخذ وإنكاره معرفة الطائيين وأهل الصنعة ~~يدلون على كل حرف أخذه منهما جهارا أو ألم بهما فيه سرارا # وأما ما لم يأخذ عن الغير ولكن سلك النمط وراعى النهج فهم يعرفونه ~~ويقولون هذا أشبه به من التمر بالتمرة وأقرب إليه من الماء إلى الماء وليس ~~بينهما إلا كما بين الليلة والليلة فإذا تباينا وذهب أحدهما في غير ms074 مذهب ~~صاحبه وسلك في غير جانبه قيل بينهما ما بين السماء والأرض وما بين النجم ~~والنون وما بين المشرق والمغرب # وإنما أطلت عليك ووضعت جميعه بين يديك لتعلم أن أهل الصنعة يعرفون دقيق ~~هذا الشأن وجليله وغامضه وجليه وقريبه وبعيده ومعوجه ومستقيمه فكيف يخفى ~~عليهم الجنس الذي هو بين الناس متداول وهو قريب متناول من أمر يخرج عن ~~أجناس كلامهم ويبعد عما هو في عرفهم ويفوت مواقع قدرهم # وإذا اشتبه ذلك فإنما يشتبه على ناقص في الصنعة أو قاصر عن معرفة طرق ~~الكلام الذي يتصرفون فيه ويديرونه بينهم ولا يتجاوزونه فلكلامهم سبل مضبوطة ~~وطرق معروفة محصورة # وهذا كما يشتبه على من يدعي الشعر - من أهل زماننا - والعلم بهذا الشأن ~~فيدعى انه أشعر من البحتري ويتوهم انه أدق مسلكا من أبي نواس وأحسن طريقا ~~من مسلم وأنت تعلم انهما متباعدان وتتحقق أنهما لا يجتمعان PageV01P124 ~~ولعل أحدهما إنما يلحظ غبار صاحبه ويطالع ضياء نجمه ويراعي خفوق جناحه وهو ~~راكد في موضعه ولا يضر البحتري ظنه ولا يلحقه بشأوه وهمه # فإن اشتبه على متأدب أو متشاعر أو ناشئ أو مرمد فصاحة القرآن وموقع ~~بلاغته وعجيب براعته - فما عليك منه إنما يخبر عن نقصه ويدل على عجزه ويبين ~~عن جهله ويصرح بسخافة فهمه وركاكة عقله # وإنما قدمنا ما قدمناه في هذا الفصل لتعرف أن ما ادعيناه من معرفة البليغ ~~بعلو شأن القرآن وعجيب نظمه وبديع تأليفه أمر لا يجوز غيره ولا يحتمل سواه ~~ولا يشتبه على ذي بصيرة ولا يخيل عند آخى معرفة كما يعرف الفصل بين طبائع ~~الشعراء من أهل الجاهلية وبين المخضرمين وبين المحدثين ويميز بين من يجري ~~على شاكلة طبعه وغريزة نفسه وبين من يشتغل بالتكلف والتصنع وبين من يصير ~~التكلف له كالمطبوع وبين من كان مطبوعه كالمتعمل المصنوع # هيهات هيهات هذا أمر - وان دق - فله قوم يقتلونه علما وأهل يحيطون به ~~فهما ويعرفونه إليك إن شئت ويصورونه لديك إن أردت ويجلونه على خواطرك إن ~~أحببت ويعرفونه لفطنتك إن حاولت وقد ms075 قال القائل # ( للحرب والضرب أقوام لها خلقوا % وللدواوين كتاب وحساب ) # ولكل عمل رجال ولكل صنعة ناس وفي كل فرقة الجاهل والعالم والمتوسط ولكن ~~قد قل من يميز في هذا الفن خاصة وذهب من يحصل في هذا الشأن إلا قليلا # فإن كنت ممن هو بالصفة التي وصفناها - من التناهي في معرفة الفصاحات ~~PageV01P125 والتحقق بمجاري البلاغات - فإنما يكفيك التأمل ويغنيك التصور # وان كنت في الصنعة مرمدا وفي المعرفة بها متوسطا فلا بد لك من التقليد ~~ولا غنى بك عن التسليم إن الناقص في هذه الصنعة كالخارج عنها والشادي فيها ~~كالبائن منها # فإن أراد أن نقرب عليه أمرا ونفسح له طريقا ونفتح له بابا - وليعرف به ~~إعجاز القرآن - فإنا نضع بين يديه الأمثلة ونعرض عليه الأساليب ونصور له ~~صور كل قبيل من النظم والنثر ونحضره من كل فن من القول شيئا يتأمله حق ~~تأمله ويراعيه حق رعايته فيستدل استدلال العالم ويستدرك استدراك الناقد ~~ويقع له الفرق بين الكلام الصادر عن الربوبية الطالع عن الإلهية الجامع بين ~~الحكم والحكم والإخبار عن الغيوب والغائبات والمتضمن لمصالح الدنيا والدين ~~والمستوعب لجلية اليقين والمعاني المخترعة في تأسيس أصل الشريعة وفروعها ~~بالألفاظ الشريفة على تفننها وتصرفها ونعمد إلى شيء من الشعر المجمع عليه ~~فنبين وجه النقص فيه وندل على انحطاط رتبته ووقوع أبواب الخلل فيه حتى إذا ~~تأمل ذلك وتأمل ما نذكره - من تفصيل إعجاز القرن وفصاحته وعجيب براعته - ~~انكشف له واتضح وثبت ما وصفناه لديه ووضح ليعرف حدود البلاغة ومواقع البيان ~~والبراعة ووجه التقدم في الفصاحة # وذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين أن الفارسي سئل فقيل له ما البلاغة ~~فقال معرفة الفصل من الوصل # وسئل اليوناني عنها فقال تصحيح الأقسام واختيار الكلام # وسئل الرومي عنها فقال حسن الاقتضاب عند البداهة والغزارة يوم الإطالة ~~PageV01P126 # وسئل الهندي عنها فقال وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحس الإشارة # وقال مرة التماس حسن الموقع والمعرفة بساعات القول وقلة الخرق بما التبس ~~من المعاني أو غمض وشرد من اللفظ وتعذر وزينته أن تكون الشمائل ms076 موزونة ~~والألفاظ معدلة واللهجة نقية وان لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة ويكون في ~~قواه فضل التصرف في كل طبقة ولا يدقق المعاني كل التدقيق ولا ينقح الألفاظ ~~كل التنقيح ولا يصفيها كل التصفية ولا يهذبها بغاية التهذيب # وأما البراعة فهي فيما يذكر أهل اللغة الحذق بطريقة الكلام وتجويده وقد ~~يوصف بذلك كل متقدم في قول أو صناعة # وأما الفصاحة فقد اختلفوا فيها # فمنهم من عبر عن معناها بأنه ما كان جزل اللفظ حسن المعنى # وقد قيل معناها الاقتدار على الإبانة عن المعاني الكامنة في النفوس على ~~عبارات جلية ومعان نقية بهية # والذي يصور عندك ما ضمنا تصويره ويحصل لديك معرفته - إذا كنت في صنعة ~~الأدب متوسطا وفي علم العربية متبينا - أن تنظر أولا في PageV01P127 نظم ~~القرآن ثم في شيء من كلام النبي فتعرف الفصل بين النظمين والفرق بين ~~الكلامين # فإن تبين لك الفصل ووقعت على جلية الأمر وحقيقة الفرق - فقد أدركت الغرض ~~وصادفت المقصد # وإن لم تفهم الفرق ولم تقع على الفصل - فلا بد لك من التقليد وعلمت أنك ~~من جتهة العامة وان سبيلك سبيل من هو خارج عن أهل اللسان PageV01P128 # | خطبة للنبي # روى طلحة بن عبيد الله قال سمعت رسول الله يخطب على منبره يقول # ألا أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا وبادروا الأعمال الصالحة ~~قبل أن تشغلوا وصلوا الذي بينكم وبين ربكم - بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة ~~في السر والعلانية - ترزقوا وتؤجروا وتنصروا # واعلموا أن الله عز وجل قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في عامي هذا ~~في شهري هذا إلى يوم القيامة حياتي ومن بعد موتي فمن تركها وله إمام - فلا ~~جمع الله له شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا حج له ألا ولا صوم له ألا ~~ولا صدقة له ألا ولا بر له # ألا ولا يؤم أعرابي مهاجرا ألا ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان ~~يخاف سيفه أو سوطه # | خطبة له # أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى ms077 معالمكم وان لكم نهاية فانتهوا إلى ~~نهايتكم # إن المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه وبين أجل ~~قد بقى لا يدري ما الله تعالى قاض فيه عليه # فليأخذ العبد لنفسه من نفسه ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة قبل الكبر ومن ~~الحياة قبل الموت PageV01P129 # والذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا ~~الجنة أو النار # | خطبة له # إن الحمد لله أحمده وأستعينه نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيآت أعمالنا من ~~يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له # إن أحسن الحديث كتاب الله قد أفلح من زينه الله في قلبه وأدخله في ~~الإسلام بعد الكفر واختاره على ما سواه من أحاديث الناس إنه أحسن الحديث ~~وأبلغه # أحبوا من أحب الله وأحبوا الله من كل قلوبكم ولا تملوا كلام الله وذكره ~~ولا تقسو عليه قلوبكم اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا # اتقوا الله حق تقاته وصدقوا صالح ما تعملون بأفواهكم وتحابوا بروح الله ~~بينكم والسلام عليكم ورحمة الله # | خطبة له في أيام التشريق # قال بعد حمد الله # أيها الناس أتدرون في أي شهر أنتم وفي أي يوم أنتم وفي أي بلد أنتم # قالوا في يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام # قال ألا فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليك حرام كحرمة يومكم هذا في ~~شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه # ثم قال اسمعوا مني تعيشوا ألا لا تظالموا ألا لا تظالموا ألا ألا تظالموا ~~PageV01P130 # ألا انه لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيب نفس منه # ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه ألا وإن أول دم ~~وضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب - كان مسترضعا في بني ليث فقتلته ~~هذيل # ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع ألا وإن الله تعالى قضى أن أول ربا ~~يوضع ربا عمي العباس لكم ( @QB@ رؤوس ms078 أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون @QE@ ) # ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ( @QB@ ~~منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم @QE@ ) # ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض # ألا وإن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكم في التحريش بينكم # اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا وإن لهن ~~عليكم حقا ولكن عليهن حق أن لا يوطئن فرشكم أحدا غيركم فإن خفتم نشوزهن ~~فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح ولهن رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف فإنما أخذتموهن بأمانة الله تعالى واستحللتم فروجهن بكلمة الله ~~PageV01P131 # ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها # ثم بسط يده فقال ألا هل بلغت ألا هل بلغت ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ ~~ابلغ من سامع # | خطبته يوم فتح مكة # وقف على باب الكعبة ثم قال # لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده # ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى - فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت ~~وسقاية الحاج # ألا وقتيل الخطإ العمد بالسوط والعصا - فيه الدية مغلظة منها أربعون خلفة ~~في بطونها أولادها # يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس ~~من آدم وآدم خلق من تراب ثم تلا هذه الآية # ( @QB@ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير @QE@ ) # يا معشر قريش - أو يا أهل مكة - ما ترون أني فاعل بكم قالوا خيرا أخ كريم ~~وابن أخ كريم ثم قال فاذهبوا فأنتم الطلقاء # | خطبته بالخيف # وروى زيد بن ثابت أن النبي خطب بالخيف من منى فقال PageV01P132 # نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه ~~لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو افقه منه # ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن إخلاص العمل لله والنصيحة لأولي الأمر ~~ولزوم ms079 الجماعة إن دعوتهم تكون من ورائه # ومن كان همه الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي ~~راغمة # ومن كان همه الدنيا فرق الله أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من ~~الدنيا إلا ما كتب له # | خطبة له # رواها أبو سعيد الخدري رضي الله عنه # قال خطب بعد العصر فقال # ألا إن الدنيا خضرة حلوة ألا وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون ~~فاتقوا الدنيا واتقوا النساء # ألا لا يمنعن رجلا مخافة الناس أن يقول الحق إذا علمه PageV01P133 # قال ولم يزل يخطب حتى لم تبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف فقال # إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى # | كتاب النبي إلى ملك فارس # من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس # سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاء الله تعالى فإني أنا رسول ~~الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم # | كتاب له إلى النجاشي # من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة # سلم أنت فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد ~~أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة فحملت ~~بعيسى فحملته من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه # وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني ~~وتؤمن بالذي جاءني وإني أدعوك وجنودك إلى الله تعالى فقد بلغت ونصحت ~~فاقبلوا نصحي والسلام على من اتبع الهدى PageV01P134 # | نسخة عهد الصلح مع قريش عام الحديبية # هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل ابن عمرو اصطلحا على وضع الحرب ~~عن الناس عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى رسول ~~الله من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله ms080 لم ~~يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال وأنه من أحب أن ~~يدخل في عهد رسول الله وعقده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم ~~دخل فيه وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة فإذا كان عاما قابلا ~~خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا وأن معك سلاح الراكب والسيوف في ~~القرب فلا تدخلها بغير هذا # ولا أطول عليك وأقتصر على ما ألقيته إليك فإن كان لك في الصنعة حظ أو كان ~~لك في هذا المعنى حس أو كنت تضرب في الأدب PageV01P135 بسهم أو في العربية ~~بقسط - وإن قل ذلك السهم أو نقص ذلك النصيب - فما أحسب انه يشتبه عليك ~~الفرق بين براعة القرآن وبين ما نسخناه لك من كلام الرسول الله في خطبه ~~ورسائله وما عساك تسمعه من كلامه ويتساقط إليك من ألفاظه وأقدر انك ترى بين ~~الكلامين بونا بعيدا وأمدا مديدا وميدانا واسعا ومكانا شاسعا # فان قلت لعله أن يكون تعمل للقرآن وتصنع لنظمه وشبه عليك الشيطان ذلك من ~~خبثه - فتثبت في نفسك وارجع إلى عقلك واجمع لبك وتيقن أن الخطب يحتشد لها ~~في المواقف العظام والمحافل الكبار والمواسم الضخام ولا يتجوز فيها ولا ~~يستهان بها والرسائل إلى الملوك مما يجمع لها الكاتب جراميزه ويشمر لها عن ~~جد واجتهاد فكيف يقع بها الإخلال وكيف تعرض للتفريط فستعلم لا محالة أن نظم ~~القرآن من الأمر الإلهي وأن كلام النبي من الأمر النبوي # فإذا أردت زيادة في التبين وتقدما في التعرف وإشرافا على الجلية وفوزا ~~بمحكم القضية فتأمل - هداك الله - ما ننسخه لك من خطب الصحابة والبلغاء ~~لتعلم أن نسجها ونسج ما نقلنا - من خطب النبي - واحد وسبكها سبك غير مختلف ~~وإنما يقع بين كلامه وكلام غيره ما يقع من التفاوت بين كلام الفصيحين وبين ~~شعر الشاعرين وذلك أمر له مقدار معروف وحد - ينتهي إليه - مضبوط ~~PageV01P136 # فإذا عرفت أن جميع كلام الآدمي منهاج ولجملته طريق وتبينت ما يمكن فيه من ~~التفاوت ms081 - نظرت إلى نظم القرآن نظرة أخرى وتأملته مرة ثانية فتراعي بعد ~~موقعه وعالي محله وموضعه وحكمت بواجب من اليقين وثلج الصدر بأصل الدين # | خطبة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه # قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال # أما بعد فإني قد وليت أمركم ولست بخيركم ولكن نزل القرآن وسن النبي ~~وعلمنا فعلمنا # واعلموا أن أكيس الكيس التقىء وإن أحمق الحمق الفجور وأن أقواكم عندي ~~الضعيف حتى آخذ له بحقه وأن أضعفكم عندي القوي حتى أخذ منه الحق # أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن أحسنت فأعينوني وان زغت ~~فقوموني # | عهد لأبي بكر الصديق إلى عمر رضي الله عنهما # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة ~~ساعة يؤمن فيها الكافر ويتقي فيها الفاجر PageV01P137 # إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن بر وعدل فذاك ظني به ورأيي فيه وإن ~~جار وبدل فلا علم لي بالغيب والخير أردت لكم ولكل امريء ما اكتسب من الإثم ~~وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون # وفي حديث عبد الرحمن بن عوف رحمة الله عليه قال # دخلت على أبي بكر الصديق رضي الله عنه في علته التي مات فيها فقلت أراك ~~بارئا يا خليفة رسول الله فقال أما إني - على ذلك - لشديد الوجع ولما لقيت ~~منكم - يا معشر المهاجرين - أشد علي من وجعي # إني وليت أموركم خيركم في نفسي فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه # والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير ولتألمن النوم على الصوف ~~الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان والذي نفسي بيده لان يقدم ~~أحدكم فتضرب رقبته في غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا # يا هادي الطريق جرت إنما هو - والله - الفجر أو البجر PageV01P138 # قال فقلت خفض عليك يا خليفة رسول الله فإن هذا يهيضك إلى ما بك فوالله ما ~~زلت صالحا مصلحا لا تأسى على شيء فاتك من أمر الدنيا ولقد تخليت بالأمر ~~وحدك ms082 فما رأيت إلا خيرا # وله خطب ومقامات مشهورة اقتصرنا منها على ما نقلنا منها قصة السقيفة # نسخة كتاب كتبه أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنهم # سلام عليك فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو # أما بعد فإنا عهدناك وأمر نفسك لك مهم فأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة ~~أحمرها وأسودها يجلس بين يديك الصديق والعدو والشريف والوضيع ولكل حصته من ~~العدل فانظر كيف أنت - يا عمر - عند ذلك فإنا نحذرك يوما تعنو فيه الوجوه ~~وتجب فيه القلوب # وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الأمة يرجع في آخر زمانها أن يكون إخوان ~~العلانية أعداء السريرة وإنا نعوذ بالله أن تنزل كتابنا سوى المنزل الذي ~~نزل من قلوبنا فإنا إنما كتبنا إليك نصيحة لك والسلام # فكتب إليهما # من عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل سلام عليكما فإني ~~أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو # أما بعد فقد جاءني كتابكما تزعمان انه بلغكما أني وليت أمر هذه الأمة ~~أحمرها وأسودها يجلس بين يدي الصديق والعدو والشريف والوضيع وكتبتما ~~PageV01P139 أن انظر كيف أنت يا عمر عند ذلك وإنه لا حول ولا قوة لعمر - ~~عند ذلك - إلا الله # وكتبتما تحذراني ما حذرت به الأمم قبلنا وقديما كان اختلاف الليل والنهار ~~بآجال الناس يقربان كل بعيد ويبليان كل جديد ويأتيان بكل موعود حتى يصير ~~الناس إلى منازلهم من الجنة أو النار ثم توفى كل نفس بما كسبت إن الله سريع ~~الحساب # وكتبتما تزعمان أن أمر هذه الأمة يرجع في آخر زمانها أن يكون إخوان ~~العلانية أعداء السريرة ولستم بذاك وليس هذا ذلك الزمان ولكن زمان ذلك حين ~~تظهر الرغبة والرهبة فتكون رغبة بعض الناس إلى بعض إصلاح دينهم ورهبة بعض ~~الناس إصلاح دنياهم # وكتبتما تعوذانني بالله أن أنزل كتابكما مني سوى المنزل الذي نزل من ~~قلوبكما وإنما كتبتما نصيحة لي وقد صدقتكما فتعهداني منكما بكتاب ولا غنى ~~بي عنكما # | عهد ms083 من عهود عمر رضي الله عنه # بسم الله الرحمن الرحيم # من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس سلام عليك # أما بعد فان القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدلى إليك فانه لا ~~ينفع تكلم بحق لا نفاذ له # آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ~~ضعيف من عدلك PageV01P140 # البينة على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا ~~صلحا أحل حراما أو حرم حلالا # ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس - فراجعت فيه عقلك وهديت لرشدك - أن ترجع ~~إلى الحق فأن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل # الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة ثم اعرف الأشباه ~~والأمثال وقس الأمور عند ذلك واعمد أني أشبهها بالحق # واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة - أمدا ينتهي إليه فان أحضر بينه أخذت ~~له بحقه وإلا استحللت عليه القضية فإنه أنفى للشك وأجلى للعمي # المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور ~~أو ظنينا في ولاء أو نسب فان الله تولى منكم السرائر ودرأ بالإيمان ~~والبينات # وإياك والغلق والضجر والتأذي بالخصوم والتنكر عند الخصومات PageV01P141 ~~فان الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذخر فمن صحت نيته ~~وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن تخلق للناس بما يعلم الله ~~انه ليس من نفسه شأنه الله فما ظنك بثواب الله عز وجل في عاجل رزقه وخزائن ~~رحمته والسلام # ولعمر رضي الله عنه خطب مشهورة مذكورة في التاريخ لم ننقلها اختصارا # | ومن كلام عثمان بن عفان رضي الله عنه # خطبة له رضي الله عنه # قال إن لكل شيء آفة وإن لكل نعمة عاهة وإن عاهة هذا الدين عيابون ظنانون ~~يظهرون لكم ما تحبون ويسرون ما تكرهون يقولون لكم وتقولون طغام مثل النعام ~~يتبعون أول ناعق أحب مواردهم إليهم النازح # لقد ms084 أقررتم لابن الخطاب بأكثر مما نقمتم علي ولكنه وقمكم وقمعكم وزجركم ~~زجر النعام المخزمة والله إني لأقرب ناصرا وأعز نفرا وأقمن - إن قلت - هلم ~~- أن تجاب دعوتي من عمر # هل تفقدون من حقوقكم شيئا فما لي لا أفعل في الحق ما أشاء إذا فلم كنت ~~إماما PageV01P142 # | كتابه إلى علي حين حصر - رضي الله عنه # أما بعد فقد بلغ السيل الزبى وجاوز الحزام الطبيين وطمع في من لا يدفع عن ~~نفسه فإن أتاك كتابي هذا فأقبل إلي علي كنت أم لي # ( فإذا كنت مأكولا فكن خير آكل % وإلا فأدركني ولما أمزق ) # | ومن كلام علي بن أبى طالب رضي الله عنه # قال لما قبض أبو بكر رضي الله عنه ارتجت المدينة بالبكاء كيوم قبض النبي ~~وجاء علي باكيا مسترجعا وهو يقول اليوم انقطعت خلافة النبوة حتى وقف على ~~باب البيت الذي فيه أبو بكر فقال # رحمك الله أبا بكر كنت إلف رسول الله وأنسه وثقته وموضع سره كنت أول ~~القوم إسلاما وأخلصهم إيمانا وأشدهم يقينا وأخوفهم لله وأعظمهم غناء في دين ~~الله وأحوطهم على رسول الله وأثبتهم على الإسلام وأيمنهم على أصحابه ~~وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة ~~وأشبههم برسول الله سننا وهديا ورحمة وفضلا وأشرفهم منزلة وأكرمهم عليه ~~وأوثقهم عنده PageV01P143 # فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله خيرا كنت عنده بمنزلة السمع والبصر # صدقت رسول الله حين كذبه الناس فسماك في تنزيله صديقا فقال ( @QB@ والذي ~~جاء بالصدق وصدق به @QE@ ) # واسيته حين بخلوا وقمت معه عند المكاره حين قعدوا وصحبته في الشدائد أكرم ~~الصحبة ثاني اثنين وصاحبه في الغار والمنزل عليه السكينة والوقار ورفيقه في ~~الهجرة وخليفته في دين الله وفي أمته - أحسن الخلافة - حين ارتد الناس ~~فنهضت حين وهن أصحابك وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا وقمت بالأمر حين ~~فشلوا ونطقت حيت تتعتعوا مضيت بنور إذ وقفوا واتبعوك فهدوا # وكنت أصوبهم منطقا وأطولهم صمتا وأبلغهم قولا وأكثرهم رأيا وأشجعهم نفسا ~~وأعرفهم بالأمور وأشرفهم عملا # كنت للدين يعسوبا أولا ms085 حين نفر عنه الناس وآخرا حين قفلوا وكنت للمؤمنين ~~أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا فحملت أثقال ما ضعفوا عنه ورعيت ما أهملوا ~~وحفظت ما أضاعوا شمرت إذ خنعوا وعلوت إذ هلعوا وصبرت إذ جزعوا وأدركت أوتار ~~ما طلبوا وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا ونالوا بك ما لم يحتسبوا # وكنت كما قال رسول الله أمن الناس عليه في صحبتك وذات يدك وكنت كما قال ~~ضعيفا في بدنك قويا في أمر الله متواضعا في نفسك عظيما عند الله جليلا في ~~أعين الناس كبيرا في أنفسهم PageV01P144 # لم يكن لأحد فيك مغمز ولا لأحد مطمع ولا لمخلوق عندك هوادة الضعيف الذليل ~~عندك قوي عزيز حتى تأخذ له بحقه والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه ~~الحق والقريب البعيد عندك سواء أقرب الناس إليك أطوعهم لله # شأنك الحق والصدق والرفق وقولك حكم وحتم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم ~~فأبلغت وقد نهج السبيل وسهل العسير وأطفأت النيران واعتدل بك الدين وقوي ~~الإيمان وظهر أمر الله ولو كره الكافرون وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا وفزت ~~بالخير فوزا عظيما فجللت عن البكاء وعظمت رزيتك في السماء وهدت مصيبتك ~~الأيام فإنا لله وإنا إليه راجعون رضينا عن الله قضاءه وسلمنا له أمره ~~فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبدا فألحقك الله بنبيه ولا ~~حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك # وسكت الناس حتى انقضى كلامه ثم بكوا حتى علت أصواتهم # | خطبة أخرى لعلي رضي الله عنه # أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت ~~باطلاع وإن المضمار اليوم وغدا السباق # ألا وإنكم في أيام مهل ومن ورائه أجل فمن اخلص في أيام مهله فقد فاز ومن ~~قصر في أيام مهله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضره أمله ألا فاعملوا لله في ~~الرغبة كما تعملون له في الرهبة ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها ولا ~~كالنار نام هاربها PageV01P145 ألا وإنه من لم ينفعه الحق ضره الباطل ومن ~~لم يستقم به الهدى ms086 يجر به الضلال # ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد # ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل # وخطب رضي الله عنه فقال بعد حمد الله # أيها الناس اتقوا الله فما خلق امرؤ عبثا فيلهو ولا أهمل سدى فيلغو ما ~~دنياه التي تحسنت إليه بخلف من الآخرة التي قبحها سوء النظر إليه وما ~~الخسيس الذي ظفر به - من الدنيا - بأعلى همته كالآخر الذي ذهب من الآخرة من ~~سهمته # وكتب علي رضي الله عنه إلى عبد الله بن عباس رحمة الله عليهما وهو ~~بالبصرة # أما بعد فان المرء يسر بدرك ما لم يكن ليحرمه ويسوءه فوت ما لم يكن ~~ليدركه فليكن سرورك بما قدمت من أجر أو منطق وليكن أسفك فيما فرطت فيه من ~~ذلك # وانظر ما فاتك من الدنيا فلا تكثر عليه جزعا وما نلته فلا تنعم به فرحا ~~وليكن همك لما بعد الموت # | كلام لابن عباس رضي الله عنه # قال عتبة بن أبي سفيان لابن عباس ما منع أمير المؤمنين أن يبعثك مكان أبي ~~موسى يوم الحكمين PageV01P146 # قال منعه - والله - من ذلك حاجز القدر وقصر المدة ومحنة الابتلاء # أما والله لو بعثني مكانه لاعترضت له في مدارج نفسه ناقضا لما ابرم ~~ومبرما لما نقض أسف إذا طار وأطير إذا أسف ولكن مضى قدر وبقي أسف ومع يومنا ~~عد والآخرة خير لأمير المؤمنين من الأولى # | خطبة لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه # أصدق الحديث كتاب الله وأوثق العرى كلمة التقوى خير الملل ملة إبراهيم ~~وأحسن السنن سنة النبي محمد خير الأمور أوساطها وشر الأمور محدثاتها ما قل ~~وكفى خير مما كثر وألهى خير الغنى غنى النفس وخير ما ألقي في القلب اليقين ~~الخمر جماع الإثم النساء حبالة الشيطان الشباب شعبة من الجنون حب الكفاية ~~مفتاح المعجزة من / الناس من لا يأتي الجماعة إلا دبرا ولا يذكر الله إلا ~~هجرا أعظم الخطايا اللسان الكذوب سباب المؤمن فسق وقتاله كفر وأكل لحمه ~~معصية من يتأل على الله يكذبه ms087 من يغفر يغفر له مكتوب في ديوان المحسنين من ~~عفا عفي عنه الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره الأمور بعواقبها ~~ملاك العمل خواتيمه أشرف الموت الشهادة من يعرف البلاء يصبر عليه ومن لا ~~يعرف البلاء ينكره PageV01P147 # | خطبة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه # قال الراوي لما حضرته الوفاة قال لمولى له من بالباب # فقال نفر من قريش يتباشرون بموتك # فقال ويحك ولم ثم أذن للناس فحمد الله وأثنى عليه فأوجز ثم قال # / أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود وزمن شديد يعد فيه المحسن مسيئا ~~ويزداد الظالم فيه عتوا لا ننتفع بما علمنا ولا نسأل عما جهلنا ولا نتخوف ~~قارعة حتى تحل بنا فالناس على أربعة أصناف # منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه وكلال حده ونضيض ~~وفره # ومنهم المصلت لسيفه والمجلب برجله والمعلن بشره قد أشرط نفسه وأوبق دينه ~~لحطام ينتهزه أو مقنب يقوده أو منبر يفرعه وبئس المتجر أن تراها لنفسك ثمنا ~~ومما لك عند الله عوضا # ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا قد طامن ~~من شخصه وقارب من خطوه وشمر من ثوبه وزخرف PageV01P148 نفسه للأمانة واتخذ ~~ستر الله ذريعة إلى المعصية # ومنهم من أقعده عن الملك ضئولة في نفسه وانقطاع سببه فقصر به الحال عن ~~حال فتحلى باسم القناعة وتزين بلباس الزهاد وليس من ذلك مراح ولا مغدى # وبقي رجال أغض أبصارهم ذكر المرجع وأراق دموعهم خوف المحشر فهم بين شريد ~~ناد وخائف منقمع وساكت مكعوم وداع مخلص وموجع ثكلان قد اخملتهم التقية ~~وشملتهم الذلة في بحر أجاج أفواههم دامية وقلوبهم قرحة قد وعظوا حتى ملوا ~~وقهروا حتى ذلوا وقتلوا حتى قلوا # / فلتكن الدنيا في عيونكم أقل من حتاتة القرظ وقراضة الجلم واتعظوا بمن ~~كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم فارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من كان ~~أشغف بها منكم PageV01P149 # | خطبة لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه # أيها الناس ms088 إنكم ميتون ثم إنكم مبعوثون ثم إنكم محاسبون فلعمري لئن كنتم ~~صادقين لقد قصرتم ولئن كنتم كاذبين لقد هلكتم # يا أيها الناس إنه من يقدر له رزق برأس جبل أو بحضيض / أرض _ يأته ~~فأجملوا في الطلب # | خطبة للحجاج بن يوسف # حمد الله وأثنى عليه ثم قال # يا أهل العراق ويا أهل الشقاق والنفاق ومساوي الأخلاق وبني اللكيعة وعبيد ~~العصا وأولاد الإماء والفقع بالقرقر إني سمعت تكبيرا لا يراد به الله وإنما ~~يراد به الشيطان وإنما مثلي ومثلكم ما قاله ابن براقة الهمداني # ( وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم % فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم ) # ( متى تجمع القلب الذكي وصارما % وأنفا حميا تجتنبك المظالم ) # أما والله لا تقرع عصا عصا إلا جعلتها كأمس الدابر PageV01P150 # | خطبة لقس بن ساعدة الإيادى # أخبرني محمد بن علي الأنصاري بن محمد بن عامر قال حدثنا على ابن إبراهيم ~~حدثنا عبد الله بن داود بن عبد الرحمن العمري قال حدثنا الأنصاري علي بن ~~محمد الحنظلي _ من ولد حنظلة الغسيل - حدثنا جعفر ابن محمد عن محمد بن حسان ~~عن محمد بن حجاج اللخمي عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال # لما وفد وفد عبد القيس على رسول الله قال أيكم يعرف قس بن ساعدة / # قالوا كلنا نعرفه يا رسول الله # قال لست أنساه بعكاظ إذ وقف على بعير له أحمر فقال # أيها الناس اجتمعواوإذا اجتمعتم فاسمعوا وإذا سمعتم فعوا وإذا وعيتم ~~فقولوا وإذا قلتم فاصدقوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت # أما بعد فإن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا مهاد موضوع وسقف مرفوع ~~ونجوم تمور وبحار لاتغور أقسم بالله قس قسما PageV01P151 حقا لا كاذبا فيه ~~ولا آثما لئن كان في الأرض رضا ليكونن سخطا إن لله تعالى دينا هو أحب إليه ~~من دينكم الذي أنتم عليه وقد أتاكم أوانه ولحقتكم مدته # مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا # ثم قال رسول الله أيكم ms089 يروي شعره فأنشدوه # ( في الذاهبين الأولين % من القرون لنا بصائر ) # ( لما رأيت مواردا % للموت ليس لها مصادر ) # ( ورأيت قومي نحوها % يسعى الأصاغر والأكابر ) # ( لا يرجع الماضي إلي % ولا من الباقين غابر ) # ( أيقنت أني لا محالة % حيث صار القوم صائر ) # أخبرني الحسن بن عبد الله ابن سعيد حدثنا علي بن الحسين بن إسماعيل حدثنا ~~محمد بن زكريا حدثنا عبيد الله بن الضحاك عن هشام عن أبيه أن وفدا من إياد ~~قدموا على رسول الله فسألهم عن حال قس بن ساعدة فقالوا قال في # ( يا ناعي الموت والأموات في جدث % عليهم من بقايا بزهم خرق ) # ( دعهم فأن لهم يوما يصاح بهم % كما ينبه من نوماته الصعق ) # ( منهم عراة ومنهم في ثيابهم % منها الجديد ومنها الأورق الخلق ) ~~PageV01P152 # مطر ونبات وآباء وأمهات وذاهب وآت وآيات في إثر آيات وأموات بعد أموات ~~ضوء وظلام وليال وأيام وغنى وفقير وشقي وسعيد ومحسن ومسيء وأين الأرباب ~~الفعلة ليصلحن كل عامل عمله # كلا بل هو الله واحد ليس بمولود ولا والد أعاد وأبدى وإليه المآب غدا # أما بعد يا معشر إياد أين ثمود وعاد وأين الآباء والأجداد أين الحسن الذي ~~لم يشكر أين الظلم الذي لم ينقم كلا ورب الكعبة ليعودن ما بدا ولئن ذهب يوم ~~ليعودن يوم # قال وهو قس بن ساعدة بن حذاق بن ذهل بن إياد بن نزار أول من آمن بالبعث ~~من أهل الجاهلية وأول من توكأ على عصا وأول من تكلم بأما بعد & خطبه لأبي ~~طالب & # الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وجعل لنا بلدا حراما ~~وبيتا محجوجا وجعلنا الحكام على الناس # وإن محمد بن عبد الله ابن أخي لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح به بركة ~~وفضلا وعدلا ومجدا ونبلا وإن كان في المال مقلا فإن المال عارية مسترجعة ~~وظل زائل وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك وما أردتم من ~~الصداق فعلى # قد نسخت لك جملا من كلام الصدر الأول ومحاوراتهم وخطبهم PageV01P153 ~~وأحيلك ms090 فيما لم أنسخ على التواريخ والكتب المصنفة في هذا الشأن فتأمل ذلك ~~وسائر ما هو مسطر من الأخبار المأثورة عن السلف وأهل البيان واللسن ~~والفصاحة والفطن والألفاظ المنثورة والمخاطبات الدائرة بينهم والأمثال ~~المنقولة عنهم ثم انظر بسكون طائر وخفض جناح وتفريغ لب وجمع عقل في ذلك ~~فسيقع لك الفصل بين كلام الناس وبين كلام رب العالمين وتعلم أن نظم القرآن ~~يخالف نظم كلام الآدميين وتعلم الحد الذي يتفاوت بين كلام البليغ والبليغ ~~والخطيب والخطيب والشاعر والشاعر وبين نظم القرآن جملة # فإن خيل إليك أو شبه عليك وظننت أنه يحتاج أن يوازن بين نظم الشعر أبلغ ~~والقرآن لأن الشعر أفصح من الخطب وأبرع من الرسائل وأدق مسلكا من جميع ~~أصناف المحاورات ولذلك قالوا له هو شاعر أو ساحر وسول إليك الشيطان أن ~~الشعر أبلغ وأعجب وأرق وأبرع وأحسن الكلام وأبدع فهذا فصل فيه نظر بين ~~المتكلمين وكلام بين المحققين PageV01P154 & باب & # سمعت أفضل من رأيت من أهل العلم بالأدب والحذق بهذه الصناعة مع تقدمه في ~~الكلام يقول # إن الكلام المنثور يتأتي فيه من الفصاحة والبلاغة ما لا يتأتي في الشعر ~~لأن الشعر يضيق نطاق الكلام ويمنع القول من انتهائه ويصده عن تصرفه على ~~سننه # وحضره من يتقدم في صنعة الكلام فراجعه في ذلك وذكر أنه لا يمتنع أن يكون ~~الشعر أبلغ إذا صادف شروط الفصاحة وأبدع إذا تضمن أسباب البلاغة # ويشهد عندي للقول الأخير أن معظم براعة كلام العرب في الشعر ولا نجد في ~~منثور قولهم ما نجد في منظومه وإن كان قد أحدثت البراعة في الرسائل على حد ~~لم يعهد في سالف أيام العرب ولم ينقل في دواوينهم وأخبارهم # وهو وإن ضيق نطاق القول فهو يجمع حواشيه ويضم أطرافه ونواحيه فهو إذا ~~تهذب في بابه ووفي له جميع أسبابه لم يقاربه من كلام الآدميين كلام ولم ~~يعارضه من خطابهم خطاب # وقد حكي عن المتنبي انه كان ينظر في المصحف فدخل إليه بعض أصحابه فأنكر ~~نظره فيه لما كان رآه عليه من ms091 سوء اعتقاده فقال له هذا المكي على فصاحته ~~كان مفحما # فإن صحت هذه الحكاية عنه في الحادة عرف بها أنه كان يعتقد أن الفصاحة في ~~قول الشعر أمكن وأبلغ PageV01P155 # وإذا كانت الفصاحة في قول الشعر أو لم تكن وبينا أن نظم القرآن يزيد في ~~فصاحته على كل نظم ويتقدم في بلاغته على كل قول بما يتضح به الأمر اتضاح ~~الشمس ويتبين به بيان الصبح وقفت على جلية هذا الشأن فانظر فيما نعرضه عليك ~~وتصور بفهمك ما نصوره ليقع لك موقع عظيم شأن القرآن وتأمل ما نرتبه ينكشف ~~لك الحق # إذا أردنا تحقيق ما ضمناه لك فمن سبيلنا أن نعمد إلى قصيدة متفق على كبر ~~محلها وصحة نظمها وجودة بلاغتها ورشاقة معانيها وإجماعهم على إبداع صاحبها ~~فيها مع كونه من الموصوفين بالتقدم في الصناعة والمعروفين بالحذق في ~~البراعة فنقفك على مواضع خللها وعلى تفاوت نظمها وعلى اختلاف فصولها وعلى ~~كثرة فضولها وعلى شدة تعسفها وبعض تكلفها وما تجمع من كلام رفيع يقرن بينه ~~وبين كلام وضيع وبين لفظ سوقي يقرن بلفظ ملوكي وغير لك من الوجوه التي يجئ ~~تفصيلها ونبين ترتيبها وتنزيلها # فأما كلام مسيلمة الكذاب وما زعم أنه قرآن فهو أخس من أن نشتغل به وأسخف ~~من أن نفكر فيه # وإنما نقلنا منه طرفا ليتعجب القارئ وليتبصر الناظر فإنه على سخافته قد ~~أضل وعلى ركاكته قد أزل وميدان الجهل واسع ومن نظر فيما نقلناه عنه وفهم ~~موضع جهله كان جديرا أن يحمد الله على ما رزقه من فهم وآتاه من علم # فما كان يزعم أنه نزل عليه من السماء والليل الأطخم والذئب الأدلم والجذع ~~الأزلم ما انتهكت أسيد من محرم وذلك قد ذكر في خلاف وقع بين قوم أتوه من ~~أصحابه PageV01P156 # وقال أيضا والليل الدامس والذئب الهامس ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس # وكان يقول والشاء وألوانها وأعجبها السود وألبانها والشاة السوداء واللبن ~~الأبيض إنه لعجب محض وقد حرم المذق فما لكم لا تجتمعون # وكان يقول ضفدع بنت نقي ms092 ما تنقين أعلاك في الماء وأسفلك في الطين لا ~~الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكن قريشا قوم ~~يعتدون # وكان يقول والمبديات زرعا والحاصدات حصدا والذاريات قمحا والطاحنات طحنا ~~والخابزات خبزا والثاردات ثردا واللاقمات لقما إهالة وسمنا لقد فضلتم على ~~أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر ريفكم فامنعوه والمعتر فآووه والباغي ~~فناوئوه # وقالت سجاح بنت الحارث بن عقبان وكانت تتنبأ فاجتمع مسيلمة معها فقالت له ~~ما أوحي إليك # فقال ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج منها نسمة تسعى ما بين صفاق وحشا # وقالت فما بعد ذلك # قال أوحي إلى إن الله خلق النساء أفواجا وجعل الرجال لهن أزواجا فنولج ~~فيهن قعسا إيلاجا ثم نخرجها إذا شئنا إخراجا فينتجن لنا سخالا نتاجا فقالت ~~أشهد أنك نبي # ولم ننقل كل ما ذكر من سخفه كراهية التثقيل # وروي أنه سأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه أقواما قدموا عليه من بني ~~حنيفة عن هذه الألفاظ فحكوا بعض ما نقلناه فقال أبو بكر سبحان PageV01P157 ~~الله ويحكم إن هذا الكلام لم يخرج عن إل فأين كان يهذب بكم # ومعنى قوله لم يخرج عن إل أي عن ربوبية # ومن كان له عقل لم يشتبه عليه سخف هذا الكلام # فنرجع الآن إلى ما ضمناه من الكلام على الأشعار المتفق على جودتها وتقدم ~~أصحابها في صناعتهم ليتبين لك تفاوت أنواع الخطاب وتباعد مواقع أنواع ~~البلاغة وتستدل على مواضع البراعة # وأنت لا تشك في جودة شعر امرئ القيس ولا ترتاب في براعته ولا تتوقف في ~~فصاحته وتعلم أنه قد أبدع في طرق الشعر أمورا اتبع فيها من ذكر الديار ~~والوقوف عليها إلى ما يصل بذلك من البديع الذي أبدعه والتشبيه الذي أحدثه ~~والمليح الذي تجد في شعره / والتصرف الكثير الذي تصادفه في قوله والوجوه ~~التي ينقسم إليها كلامه من صناعة وطبع وسلاسة وعفو ومتانة ورقة وأسباب تحمد ~~وأمور تؤثر وتمدح وقد ترى الأدباء أولا يوازنون بشعره فلانا وفلانا ويضمون ~~أشعارهم إلى شعره حتى ربما ms093 وازنوا بين شعر من لقيناه وبين شعره في أشياء ~~لطيفة وأمور بديعة وربما فضلوهم عليه أو سووا بينهم وبينه أو قربوا موضع ~~تقدمه عليهم وبرزوه بين أيديهم PageV01P158 # ولما اختاروا قصيدته في السبعيات أضافوا إليها أمثالها وقرنوا بها ~~نظائرها ثم تراهم يقولون لفلان لامية مثلها ثم ترى أنفس الشعراء تتشوق إلى ~~معارضته وتساويه في طريقته وربما غبرت في وجهه في أشياء كثيرة وتقدمت عليه ~~في أسباب عجيبة # وإذا جاءوا إلى تعداد محاسن شعره كان أمرا محصورا وشيئا معروفا أنت تجد ~~من ذلك البديع أو أحسن منه في شعر غيره وتشاهد مثل ذلك البارع في كلام سواه ~~وتنظر إلى المحدثين كيف توغلوا إلى حيازة المحاسن منهم من جمع رصانة الكلام ~~إلى سلاسته ومتانته إلى عذوبته والإصابة في معناه إلى تحسين بهجته حتى إن ~~منهم من قصر عنه في بعض تقدم عليه في بعض وإن وقف دونه في حال سبقه في ~~أحوال وإن تشبه به في أمر ساواه في أمور لأن الجنس الذي يرمون إليه والغرض ~~الذي يتواردون عليه هو مما للآدمي فيه مجال وللبشري فيه مثال فكل يضرب فيه ~~بسهم ويفوز فيه بقدح ثم قد تتفاوت السهام تفاوتا وتتباين تباينا وقد تتقارب ~~تقاربا على حسب مشاركتهم في الصنائع ومساهمتهم في الحرف # ونظم القرآن جنس متميز وأسلوب متخصص وقبيل عن النظير متخلص فإذا شئت أن ~~تعرف عظم شأنه فتأمل ما نقوله في هذا الفصل لامريء القيس في أجود أشعاره ~~وما نبين لك من عواره على التفصيل وذلك قوله # ( قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل % بسقط اللوى بين الدخول فحومل ) # ( فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها % لما نسجتها من جنوب وشمأل ) PageV01P159 # الذين يتعصبون له ويدعون محاسن الشعر ويقولون هذا من البديع لأنه وقف ~~واستوقف وبكى واستبكى وذكر العهد والمنزل والحبيب وتوجع واستوجع كله في بيت ~~ونحو ذلك # وإنما بينا هذا لئلا يقع لك ذهابنا عن مواضع المحاسن - إن كانت - ولا ~~غفلتنا عن مواضع الصناعة إن وجدت # تأمل - أرشدك الله - وانظر - هداك الله أنت تعلم انه ms094 ليس في البيتين شيء ~~قد سبق في ميدانه شاعرا ولا تقدم به صانعا وفي لفظه ومعناه خلل # فأول ذلك انه استوقف من يبكي لذكر الحبيب وذكراه لا تقتضي بكاء الخلى ~~وإنما يصح طلب الإسعاد في مثل هذا على أن يبكي لبكائه ويرق لصديقه في شدة ~~برحائه فأما أن يبكي على حبيب صديقه وعشيق رفيقه فأمر محال # فإن كان المطلوب وقوفه وبكاؤه أيضا عاشقا صح الكلام من وجه وفسد المعنى ~~من وجه آخر لأنه من السخف أن لا يغار على حبيبه وان يدعو غيره إلى التغازل ~~عليه والتواجد معه فيه # ثم في البيتين ما لا يفيد من ذكر هذه المواضع وتسمية هذه الأماكن من ~~الدخول وحومل وتوضح والمقراة وسقط اللوى وقد كان يكفيه أن يذكر في التعريف ~~بعض هذا وهذا التطويل إذا لم يفد كان ضربا من العي # ثم إن قوله لم يعف رسمها ذكر الأصمعي من محاسنه انه باق فنحن نحزن على ~~مشاهدته فلو عفا لاسترحنا # وهذا بأن يكون من مساويه أولى لأنه إن كان صادق الود فلا يزيده ~~PageV01P160 عفاء الرسوم إلا جدة عهد وشدة وجد وإنما فزع الأصمعي إلى ~~إفادته هذه الفائدة خشية أن يعاب عليه فيقال أي فائدة لأن يعرفنا انه لم ~~يعف رسم منازل حبيبه وأي معنى لهذا الحشو فذكر ما يمكن أن يذكر ولكن لم ~~يخلصه - بانتصاره له - من الخلل # ثم في هذه الكلمة خلل آخر لأنه عقب البيت بان قال # ( فهل عند رسم دارس من معول % ) # فذكر أبو عبيدة انه رجع فأكذب نفسه كما قال زهير # ( قف بالديار التي لم يعفها القدم % نعم وغيرها الأرواح والديم ) # وقال غيره أراد بالبيت الأول انه لم ينطمس أثره كله وبالثاني انه ذهب ~~بعضه حتى لا يتناقض الكلامان # وليس في هذا انتصار لان معنى عفا ودرس واحد فإذا قال لم يعف رسمها ثم قال ~~قد عفا فهو تناقض لا محالة # واعتذار أبي عبيدة أقرب لو صح ولكن لم يرد هذا القول مورد الاستدراك كما ~~قاله زهير فهو إلى الخلل ms095 أقرب # وقوله لما نسجتها كان ينبغي أن يقول لما نسجها ولكنه تعسف فجعل ما في ~~تأويل تأنيث لأنها في معنى الريح والأولى التذكير دون التأنيث وضرورة الشعر ~~قد قادته إلى هذا التعسف # وقوله لم يعف رسمها كان الأولى أن يقول لم يعف رسمه لأنه ذكر المنزل فإن ~~كان رد ذلك إلى هذه البقاع والأماكن PageV01P161 التي المنزل واقع بينها ~~فذلك خلل لأنه إنما يريد صفة المنزل الذي نزله حبيب بعفائه أو بأنه لم يعف ~~دون ما جاوره # وإن أراد بالمنزل الدار حتى أنث فذلك أيضا خلل # ولو سلم من هذا كله ومما نكره ذكره كراهية التطويل - لم نشك في أن شعر ~~أهل زماننا لا يقصر عن البيتين بل يزيد عليهما ويفضلهما # ثم قال # ( وقوفا بها صحبي على مطيهم % يقولون لا تهلك أسى وتحمل ) # ( وإن شفائي عبرة مهراقة % فهل عند رسم دارس من معول ) # وليس في البيتين أيضا معنى بديع ولا لفظ حسن كالأولين # والبيت الأول منهما متعلق بقوله قفا نبك فكأنه قال قفا وقوف صحبي بها على ~~مطيهم أو قفا حال وقوف صحبي وقوله بها متأخر في المعنى وإن تقدم في اللفظ ~~ففي ذلك تكلف وخروج عن اعتدال الكلام # والبيت الثاني مختل من جهة انه قد جعل الدمع في اعتقاده شافيا كافيا فما ~~حاجته بعد ذلك إلى طلب حيلة أخرى وتحمل ومعول عند الرسوم # ولو أراد أن يحسن الكلام لوجب أن يدل على أن الدمع لا يشفيه لشدة ما به ~~من الحزن ثم يسائل هل عند الربع من حيلة أخرى # وقوله # ( كدأبك من أم الحويرث قبلها % وجارتها أم الرباب بمأسل ) PageV01P162 # ( إذا قامتا تضوع المسك منهما % نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل ) # أنت لا تشك في أن البيت الأول قليل الفائدة ليس له مع ذلك بهجة فقد يكون ~~الكلام مصنوع اللفظ وإن كان منزوع المعنى وأما البيت الثاني فوجه التكلف ~~فيه قوله # ( إذا قامتا تضوع المسك منهما % ) # ولو أراد أن يجود أفاد أن بهما طيبا على كل حال فأما في حال القيام فقط ms096 ~~فذلك تقصير # ثم فيه خلل آخر لأنه بعد أن شبه عرفها بالمسك شبه ذلك بنسيم القرنفل وذكر ~~ذلك بعد ذكر المسك نقص # وقوله نسيم الصبا في تقدير المنقطع عن المصراع الأول لم يصله به وصل مثله # وقوله # ( ففاضت دموع العين مني صبابة % على النحر حتى بل دمعي محملي ) # ( ألا رب يوم لك منهن صالح % ولا سيما يوم بدارة جلجل ) # قوله ففاضت دموع العين ثم استعانته بقوله مني استعانة ضعيفة عند ~~المتأخرين في الصنعة وهو حشو غير مليح ولا بديع # وقوله على النحر حشو آخر لان قوله بل دمعي محملي يغني عنه ويدل عليه وليس ~~بحشو حسن ثم قوله حتى بل محملي إعادة ذكره الدمع حشو آخر وكان يكفيه أن ~~يقول حتى بلت محملي فاحتاج لإقامة الوزن إلى هذا كله # ثم تقديره انه قد أفرط في إفاضة الدمع حتى بل محمله تفريط PageV01P163 ~~منه وتقصير ولو كان أبدع لكان يقول حتى بل دمعي مغانيهم وعراصهم ويشبه أن ~~يكون غرضه إقامة الوزن والقافية لان الدمع يبعد أن يبل المحمل وإنما يقطر ~~من الواقف والقاعد على الأرض أو على الذيل وإن بله فلقلته وأنه لا يقطر # وأنت تجد في شعر الخبزرزي ما هو أحسن من هذا البيت وأمتن وأعجب منه # والبيت الثاني خال من المحاسن والبديع خاو من المعنى وليس له لفظ يروق ~~ولا معنى يروع من طباع السوقة فلا يرعك تهويله باسم موضع غريب # وقال # ( ويوم عقرت للعذارى مطيتي % فيا عجبا من رحلها المتحمل ) # ( فظل العذارى يرتمين بلحمها % وشحم كهداب الدمقس المفتل ) # تقديره اذكر يوم عقرت مطيتي أو يرده على قوله يوم بدارة جلجل وليس في ~~المصراع الأول من هذا البيت إلا سفاهته # قال بعض الأدباء قوله يا عجبا يعجبهم من سفهه في شبابه من نحره لهن وإنما ~~أراد أن لا يكون الكلام من هذا المصراع منقطعا عن الأول وأراد أن يكون ~~الكلام ملائما له # وهذا الذي ذكره بعيد وهو منقطع عن الأول وظاهره انه يتعجب من PageV01P164 ~~تحمل العذارى رحله وليس في هذا ms097 تعجب كبير ولا في نحر الناقة لهن تعجب # وإن كان يعني به أنهن حملن رحله وأن بعضهن حمله فعبر عن نفسه برحله فهذا ~~قليلا يشبه أن يكون عجبا لكن الكلام لا يدل عليه ويتجافى عنه # ولو سلم البيت من العيب لم يكن فيه شيء غريب ولا معنى بديع أكثر من ~~سفاهته مع قلة معناه وتقارب أمره ومشاكلته طبع المتأخرين من أهل زماننا # والى هذا الموضع لم يمر له بيت رائع وكلام رائق # وأما البيت الثاني فيعدونه حسنا ويعدون التشبيه مليحا واقعا وفيه شيء ~~وذلك انه عرف اللحم ونكر الشحم فلا يعلم انه وصف شحمها وذكر تشبيه أحدهما ~~بشيء واقع للعامة ويجري على ألسنتهم وعجز عن تشبيه القسمة الأولى فمرت ~~مرسلة وهذا نقص في الصنعة وعجز عن إعطاء الكلام حقه # وفيه شيء آخر من جهة المعنى وهو انه وصف طعامه الذي أطعم من أضاف بالجودة ~~وهذا قد يعاب وقد يقال إن العرب تفتخر بذلك ولا يرونه عيبا وإنما الفرس هم ~~الذين يرون هذا عيبا شنيعا # وأما تشبيه الشحم بالدمقس فشيء يقع للعامة ويجري على ألسنتهم فليس بشيء ~~قد سبق إليه وإنما زاد المفتل للقافية وهذا مفيد ومع ذلك فلست أعلم العامة ~~تذكر هذه الزيادة ولم يعد أهل الصنعة ذلك من البديع ورأوه قريبا وفيه شيء ~~آخر من جهة المعنى وهو أن تبجحه بما أطعم للأحباب مذموم وإن سوغ التبجح بما ~~أطعم للأضياف إلا أن PageV01P165 يورد الكلام مورد المجون وعلى طريق أبي ~~نواس في المزاح والمداعبة # وقوله # ( ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة % فقالت لك الويلات إنك مرجلي ) # ( تقول وقد مال الغبيط بنا معا % عقرت بعيري يا امرئ القيس فانزل ) # وقوله دخلت الخدر خدر عنيزة ذكره تكريرا لإقامة الوزن لا فائدة فيه غيره ~~ولا ملاحة له ولا رونق # وقوله في المصراع الأخير من هذا البيت فقالت لك الويلات إنك مرجلي كلام ~~مؤنث من كلام النساء نقله من جهته إلى شعره وليس فيه غير هذا # وتكريره بعد ذلك تقول وقد مال الغبيط يعني قتب ms098 الهودج بعد # قوله فقالت لك الويلات إنك مرجلي لا فائدة فيه غير تقدير الوزن وإلا ~~فحكاية قولها الأول كاف وهو في النظم قبيح لأنه ذكر مرة فقالت ومرة تقول في ~~معنى واحد وفصل خفيف # وفي مصراع الثاني أيضا تأنيث من كلامهن # وذكر أبو عبيدة أنه قال عقرت بعيرى ولم يقل ناقتي لأنهم يحملون النساء ~~على ذكور الإبل لأنها أقوى # وفي ذلك نظر لأن الأظهر أن البعير اسم للذكر والأنثى واحتاج إلى ذكر ~~البعير لإقامة الوزن # وقوله # ( فقلت لها سيرى وأرخي زمامه % ولا تبعديني من جناك المعلل ) # ( فمثلك حبلي قد طرقت ومرضع % فألهيتها عن ذي تمائم محول PageV01P166 # البيت الأول قريب النسج ليس له معنى بديع ولا لفظ شريف كأنه من عبارات ~~المنحطين في الصنعة # وقوله فمثلك حبلى قد طرقت عابة عليه أهل العربية ومعناه عندهم حتى يستقيم ~~الكلام فرب مثلك حبلى قد طرقت وتقديره أنه زير نساء وأنه يفسدهن ويلهيهن عن ~~حبلهن ورضاعهن لأن الحبلى والمرضعة أبعد من الغزل وطلب الرجال # والبيت الثاني في الاعتذار والاستهتار والتهيام وغير منتظم مع المعنى ~~الذي قدمه في البيت الأول لأن تقديره لا تبعديني عن نفسك فإني أغلب النساء ~~وأخدعهن عن رأيهن وأفسدهن بالتغازل وكونه مفسدة لهن لا يوجب له وصلهن وترك ~~إبعادهن إياه بل يوجب هجرة والاستخفاف به لسخفه ودخوله كل مدخل فاحش وركوبه ~~كل مركب فاسد # وفيه من الفحش والتفحش ما يستنكف الكريم من مثله ويأنف من ذكره # وقوله # ( إذا ما بكى من خلفها انصرفت له % بشق وتحتي شقها لم يحول ) # ( ويوما على ظهر الكثيب تعذرت % على وآلت حلفة لم تحلل ) # فالبيت الأول غاية في الفحش ونهاية في السخف وأي فائدة لذكره لعشيقته كيف ~~كان يركب هذه القبائح ويذهب هذه المذاهب ويرد هذه الموارد إن هذا ليبغضه ~~إلى كل من سمع كلامه ويوجب له المقت وهو لو صدق لكان قبيحا فكيف ويجوز أن ~~يكون كاذبا # ثم ليس في البيت لفظ بديع ولا معنى حسن # وهذا البيت متصل بالبيت الذي قبله من ذكر المرضع ms099 التي لها ولد محول ~~PageV01P167 # فأما البيت الثاني وهو قوله ويوما يتعجب منه بأنها تشددت وتعسرت عليه ~~وحلفت عليه فهو كلام رديء النسج لا فائدة لذكره لنا أن حبيبته تمنعت عليه ~~يوما بموضع يسميه ويصفه # وأنت تجد في شعر المحدثين من هذا الجنس في التغزل ما يذوب معه اللب وتطرب ~~عليه النفس وهذا مما تستنكره النفس ويشمئز منه القلب وليس فيه شيء من ~~الإحسان والحسن # وقوله # ( أفاطم مهلا بعض هذا التدلل % وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي ) # أغرك مني أن حبك قاتلي % وأنك مهما تأمري القلب يفعل ) # فالبيت الأول فيه ركاكة جدا وتأنيث ورقة ولكن فيها تخنيث # ولعل قائلا أن يقول إن كلام النساء بما يلائمهن من الطبع أوقع وأغزل # وليس كذلك لأنك تجد الشعراء في الشعر المؤنث لم يعدلوا عن رصانة قولهم # والمصراع الثاني منقطع عن الأول لا يلائمه ولا يوافقه وهذا يبين لك إذا ~~عرضت معه البيت الذي تقدمه # وكيف ينكر عليها تدللها والمتغزل يطرب على دلال الحبيب وتدلله # والبيت الثاني قد عيب عليه لأنه قد أخبر أن من سبيلها أن لا تغتر بما ~~يريها من أن حبها يقتله وأنها تملك قلبه فما أمرته فعله والمحب إذا أخبر عن ~~مثل هذا صدق PageV01P168 # وإن كان المعنى غير هذا الذي عيب عليه وإنما ذهب ذهبا آخر وهو أنه أراد ~~أن يظهر التجلد فهذا خلاف ما أظهر من نفسه فيما تقدم من الأبيات من الحب ~~والبكاء على الأحبة فقد دخل في وجه آخر من المناقضة والإحاطة ف الكلام # ثم قوله تأمري القلب يفعل معناه تأمريني والقلب لا يؤمر والاستعارة في ~~ذلك غير واقعة ولا حسنة # وقوله # ( فإن كنت قد ساءتك مني خليقة % فسلى ثيابي من ثيابك تنسل ) # ( وما ذرفت عيناك إلا لتضربي % بسهميك في أعشار قلب مقتل ) # البيت الأول قد قيل في تأويله إنه ذكر الثوب وأراد البدن مثل قول الله ~~تعالى ( @QB@ وثيابك فطهر @QE@ ) وقال أبو عبيدة هذا مثل للهجر وتنسل تبين # وهو بيت قليل المعنى ركيكه ووضيعه وكل ما أضاف إلى ms100 نفسه ووصف به نفسه ~~سقوط وسفه وسخف يوجب قطعه فلم لم يحكم على نفسه بذلك ولكن يورده مورد أن ~~ليست له خليقة توجب هجرانه والتفصى من وصله وأنه مهذب الأخلاق شريف الشمائل ~~فذلك يوجب أن لا ينفك من وصاله PageV01P169 # والاستعارة في المصرع الثاني فيها تواضع وتقارب وإن كانت غريبة # وأما البيت الثاني فمعدود من محاسن القصيدة وبدائعها ومعناه ما بكيت إلا ~~لتجرحي قلبا معشرا - أي مكسرا - من قولهم برمة أعشار إذا كانت قطعا هذا ~~تأويل ذكره الأصمعي وهو أشبه عند أكثرهم # وقال غيره وهذا مثل للأعشار التي تقسم الجزور عليها ويعني بسهميك المعلي ~~وله سبعة أنصباء والرقيب وله ثلاثة أنصباء فأراد أنك ذهبت بقلبي أجمع # ويعني بقوله مقتل مذلل # وأنت تعلم أنه على ما يعنى به فهو غير موافق للأبيات المتقدمة لما فيها ~~من التناقض الذي بينا # ويشبه أن يكون من قال بالتأويل الثاني فزع إليه لأنه رأي اللفظ مستكرها ~~على المعنى الأول لأن القائل إذا قال ضرب فلان بسهمه في الهدف بمعنى أصابه ~~كان كلاما ساقطا مرذولا وهو يرى أن معنى الكلمة أن عينيها كالسهمين ~~النافذين في إصابة قلبه المجروح فلما بكتا وذرفتا بالدموع كانتا ضاربتين في ~~قلبه # ولكن من حمل على التأويل الثاني سلم من الخلل الواقع في اللفظ ولكنه يفسد ~~المعنى ويختل لأنه إن كان محبا على ما وصف به نفسه من الصبابة فقلبه كله ~~لها فكيف يكون بكاؤها هو الذي يخلص قلبه لها # واعلم بعد هذا أن البيت غير ملائم للبيت الأول ولا متصل به في المعنى ~~PageV01P170 وهو منقطع عنه لأنه لم يسبق كلام يقتضي بكاءها ولا سبب يوجب ~~ذلك فتركيبة هذا الكلام على ما قبله فيه اختلال # ثم لو سلم له بيت من عشرين بيتا وكان بديعا ولا عيب فيه فليس بعجيب لأنه ~~لا يدعي على مثله أن كلامه كله متناقض ونظمه كله متباين # وإنما يكفي أن نبين أن ما سبق من كلامه إلى هذا البيت مما لا يمكن أن ~~يقال إنه يتقدم فيه أحدا ms101 من المتأخرين فضلا عن المتقدمين # وإنما قدم في شعره لأبيات قد برع فيها وبان حذقه بها # وإنما أنكرنا أن يكون شعره متناسبا في الجودة ومتشابها في صحة المعنى ~~واللفظ وقلنا إنه يتصرف بين وحشي غريب مستنكر وعربية كالمهمل مستكرهة وبين ~~كلام سليم متوسط وبين عامي سوقي في اللفظ والمعنى وبين حكمة حسنة وبين سخف ~~مستشنع ولهذا قال الله عز اسمه ( @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا @QE@ ) # فأما قوله # ( وبيضة خدر لا يرام خباؤها % تمتعت من لهو بها غير معجل ) # ( تجاوزت أحراسا وأهوال معشر % على حراص لو يسرون مقتلي ) # فقد قالوا عنى بذلك أنها كبيضة خدر في صفائها ورقتها وهذه كلمة حسنة ولكن ~~لم يسبق إليها بل هي دائرة في أفواه العرب وتشبيه سائر # ويعني بقوله غير معجل أنه ليس ذلك مما يتفق قليلا وأحيانا بل يتكرر له ~~الاستمتاع بها وقد يحمله غيره على أنه رابط الجأش فلا PageV01P171 يستعجل ~~إذا دخلها خوف حصانتها ومنعتها # وليس في البيت كبير فائدة لأن الذي حكي في سائر أبياته قد تضمن مطاولته ~~في المغازلة واشتغاله بها فتكريره في هذا البيت مثل ذلك قليل المعنى إلا ~~الزيادة التي ذكر من منعتها وهو مع ذلك بيت سليم اللفظ في المصراع الأول ~~دون الثاني # والبيت الثاني ضعيف # وقوله لو يسرون مقتلي أراد أن يقول لو أسروا فإذا نقله إلى هذا ضعف ووقع ~~في مضمار الضرورة والاختلال على نظمه بين حتى إن المتأخر ليحترز من مثله # وقوله # ( إذا ما الثريا في السماء تعرضت % تعرض أثناء الوشاح المفصل ) # قد أنكر عليه قوم قوله إذا ما الثريا في السماء تعرضت وقالوا الثريا لا ~~تتعرض حتى قال بعضم سمى الثريا وإنما أراد الجوزاء لأنها تعرض والعرب تفعل ~~ذلك كما قال زهير كأحمر عاد وإنما هو أحمر ثمود # وقال بعضهم في تصحيح قوله إنما تعرض أول ما تطلع وحين PageV01P172 تغرب ~~كما أن الوشاح إذا طرح يلقاك بعرضه وهو ناحيته وهذا كقول الشاعر # ( تعرضت لي بمجاز خل % تعرض المهرة في ms102 الطول ) يقول تريك عرضها وهي في ~~الرسن # وقال أبو عمرو يعني إذا أخذت الثريا في وسط السماء كما يأخذ الوشاح وسط ~~المرأة # والأشبه عندنا أن البيت غير معيب من حيث عابوه به وأنه من محاسن هذه ~~القصيدة ولولا أبيات عدة فيه لقابله ما شئت من شعر غيره ولكن لم يأت فيه ~~بما يفوت الشأو ويستولي على الأمد # ( أنت تعلم أنه ليس للمتقدمين ولا للمتأخرين في وصف شيء من النجوم مثل ما ~~في وصف الثريا وكل قد أبدع فيه وأحسن فإما أن يكون قد عارضه أو زاد عليه # فمن ذلك قول ذي الرمة # ( وردت اعتسافا والثريا كأنها % على قمة الرأس ابن ماء محلق ) ~~PageV01P173 # ومن ذلك قول ابن المعتز # ( وترى الثريا % في السماء كأنها % بيضات أدحى يلحن بفدفد ) # وكقوله # ( كأن الثريا في أواخر ليلها % تفتح نور أو لجام مفضض ) # وقوله أيضا # ( فناولنيها والثريا كأنها % جنى نرجس حي الندامى به الساقي ) # وقول الأشهب بن رميلة # ولاحت لساريها الثريا كأنها % لدى الأفق الغربي فرط مسلسل ) ) # ولا بن المعتز # ( وقد هوى النجم والجوزاء تتبعه % كذات قرط أرادته وقد سقطا ) # أخذه من ابن الرومي في قوله # ( طيب ريقه إذا ذقت فاه % والثريا بجانب الغرب قرط ) # ولابن المعتز # ( قد سقاني المدام والصبح % بالليل مؤتزر ) # ( والثريا كنور غصن % على الأرض قد نثر ) # وقوله # ( وتروم الثريا في السماء مراما ) PageV01P174 # ( كانكباب طمر % كاد يلقي لجاما ) # ولابن الطثرية # ( إذا ما الثريا في السماء كأنها % جمان وهي من سلكه فتبددا ) # ولو نسخت لك كل ما قالوا من البديع في وصف الثريا لطال عليك الكتاب وخرج ~~عن الغرض وإنما نريد أن نبين لك أن الإبداع في نحو هذا أمر قريب وليس فيه ~~شيء غريب # وفي جملة ما نقلناه ما يزيد على تشبيهه في الحسن أو يساويه أو يقاربه فقد ~~علمت أن ما حلق فيه وقدر المتعصب له أنه بلغ النهاية فيه أمر مشترك وشريعة ~~مورودة وباب واسع وطريق مسلوك وإذا كان هذا بيت القصيدة ودرة القلادة ~~وواسطة العقد وهذا محله فكيف بما تعداه ms103 # ثم فيه ضرب من التكلف لأنه قال إذا ما الثريا في السماء تعرضت تعرض أثناء ~~الوشاح فقوله تعرضت من الكلام الذي يستغني عنه لأنه يشبه أثناء الوشاح ~~بالثريا سواء كان في وسط السماء أو عند الطلوع والمغيب فالتهويل بالتعرض ~~والتطويل بهذه الألفاظ لا معنى له # وفيه أن الثريا كقطعة من الوشاح المفصل فلا معنى تعرض لقوله أثناء الوشاح ~~وإنما أراد أن يقول تعرض قطعة من أثناء الوشاح فلم يستقم له اللفظ حتى شبه ~~ما هو كالشيء الواحد بالجمع PageV01P175 # وقوله # ( فجئت وقد نضت لنوم ثيابها % لدى الستر إلا لبسه المتفضل ) # ( فقالت يمين الله ما لك حيلة % وما إن أرى عنك الغواية تنجلي ) # انظر إلى البيت الثاني الأول والأبيات التي قبله كيف خلط في النظم وفرط ~~في التأليف فذكر التمتع بها وذكر الوقت والحال والحراس ثم ذكر كيف كان ~~صفتها لما دخل عليها ووصل إليها من نزعها ثيابها إلا ثوبا واحدا والمتفضل ~~الذي في ثوب واحد وهو الفضل فما كان من سبيله أن يقدمه إنما ذكره مؤخرا # وقوله لدى الستر حشو وليس بحسن ولا بديع وليس في البيت حسن ولا شيء يفضل ~~لأجله # وأما البيت الثاني ففيه تعليق واختلال ذكر الأصمعي أن معنى قوله ما لك ~~حيلة أي ليست لك جهة تجيء فيها والناس أحوالي # والكلام في المصراع الثاني منقطع عن الأول ونظمه إليه فيه ضرب من التفاوت # وقوله # ( فقمت بها أمشي تجر وراءنا % على إثرنا أذيال مرط مرجل ) # ( فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى % بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل ) # البيت الأول يذكر من محاسنه من مساعدتها إياه حتى قامت معه ليخلوا وأنها ~~كانت تجر على الإثر أذيال مرط مرجل والمرجل ضرب من البرود يقال لوشيه ~~الترجيل وفيه تكلف لأنه قال وراءنا على PageV01P176 إثرنا ولو قال على ~~إثرنا كان كافيا والذيل إنما يجر وراء الماشي فلا فائدة لذكره وراءنا ~~وتقدير القول فقمت أمشي بها وهذا أيضا ضرب من التكلف # وقوله أذيال مرط كان من سبيله أن يقول ذيل مرط # على أنه لو ms104 سلم من ذلك كان قريبا ليس مما يفوت بمثله غيره ولا يتقدم به ~~سواه وقول ابن المعتز أحسن منه # ( فبت أفرش خدي في الطريق له % ذلا وأسحب أكمامي على الأثر ) # وأما البيت الثاني فقوله أجزنا بمعنى قطعنا والخبت بطن من الأرض والحقف ~~رمل منعرج والعقنقل / المنعقد من الرمل الداخل بعضه في بعض # وهذا بيت متفاوت مع الأبيات المتقدمة لأن فيها ما هو سلس قريب يشبه كلام ~~المولدين وكلام البذلة وهذا قد أغرب فيه وأتي بهذه اللفظة الوحشية المتعقدة ~~وليس في ذكرها والتفضيل بإلحاقها بكلامه فائدة # والكلام الغريب واللفظة الشديدة المباينة لنسج النسج الكلام قد تحمد إذا ~~وقعت موقع الحاجة في وصف ما يلائمها كقوله عز وجل في وصف يوم القيامة ( ~~@QB@ يوما عبوسا قمطريرا @QE@ ) فأما إذا وقعت في غير هذا الموقع فهي ~~مكروهة مذمومة بحسب ما تحمد في موضعها # وروي أن جريرا انشد بعض خلفاء بني أمية قصيدته # ( بان الخليط برامتين فودعوا % أو كلما جدوا لبين تجزع ) # ( كيف العزاء ولم أجد مذ بنتم % قلبا يقر ولا شرابا ينقع ) # قال وكان يزحف من حسن هذا الشعر حتى بلغ قوله # ( وتقول بوزع قد دببت على العصا % هلا هزئت بغيرنا يا بوزع ) PageV01P177 # فقال أفسدت شعرك بهذا الاسم # وأما قوله # ( هصرت بغصني دوحة فتمايلت % على هضيم الكشح ريا المخلخل # ( مهفهفة بيضاء غير مفاضة % تر ائبها مصقولة كالسجنجل ) # فمعنى قوله هصرت جذبت وثنيت # وقوله بغصني دوحة تعسف ولم يكن من سبيله أن يجعلها اثنين # والمصراع الثاني أصح وليس فيه شيء إلا ما يتكرر على ألسنة الناس من هاتين ~~الصفتين وأنت تجد ذلك في وصف كل شاعر ولكنه مع تكرره على الألسن صالح # وأما معنى قوله مهفهفة أنها مخففة ليست مثقلة # والمفاضة التي اضطرب طولها # والبيت مع مخالفته في الطبع الأبيات المتقدمة ونزوعه فيه إلى الألفاظ ~~المستكرهة وما فيه من الخلل من تخصيص الترائب بالضوء بعد ذكر جميعها ~~بالبياض فليس بطائل ولكنه قريب متوسط # وقوله # ( تصد وتبدي عن أسيل وتتقي % بناظرة من وحش وجرة مطفل ) # ( وجيد كجيد ms105 الريم ليس بفاحش % إذا هي نصته ولا بمعطل ) # معنى قوله عن أسيل أي بأسيل وإنما يريد خدا ليس بكز # وقوله تتقي يقال اتقاه بحقه أي جعله بينه وبينه PageV01P178 # وقوله تصد وتبدي عن أسيل متفاوت لأن الكشف عن الوجه مع الوصل دون الصد # وقوله تتقي بناظرة لفظة مليحة ولكن أضافها إلى ما نظم به كلامه وهو مختل ~~وهو قوله من وحش وجرة وكان يجب أن تكون العبارة بخلاف هذا كان من سبيله أن ~~يضيف إلى عيون الظباء أو المها دون إطلاق الوحش ففيهن ما تستنكر عيونها # وقوله مطفل فسروه على أنها ليست بصبية وأنها قد استحكمت وهذا اعتذار ~~متعسف وقوله مطفل زيادة لا فائدة فيها على هذا التفسير الذي ذكره الأصمعي ~~ولكن قد يحتمل عندي أن يفيد غير هذه الفائدة فيقال إنها إذا كانت مطفلا ~~لحظت أطفالها بعين رقة ففي نظر هذه رقة نظر المودة ويقع الكلام معلقا ~~تعليقا متوسطا # وأما البيت الثاني فمعنى قوله ليس بفاحش أي ليس بفاحش الطول # ومعنى قوله نصته رفعته ومعنى قوله ليس بفاحش في مدح الأعناق كلام فاحش ~~موضوع منه وإذا نظرت في أشعار العرب رأيت في وصف الأعناق ما يشبه السحر ~~فكيف وقع على هذه الكلمة ودفع إلى هذه اللفظة وهلا قال كقول أبي نواس # مثل الظباء سمت إلى % روض صوادر عن غدير ) # ولست أطول عليك فتستثقل ولا أكثر القول في ذمه فتستوحش # وأكلك الآن إلى جملة من القول فإن كنت من أهل اواستغنيت # وإن كنت عن الطبقة خارجا وعن الإتقان بهذا الشأن خاليا فلا يكفيك البيان ~~وإن استقرينا جميع شعره وتتبعنا عامة ألفاظه ودللنا على ما في كل حرف منه ~~PageV01P179 # اعلم أن هذه القصيدة قد ترددت بين أبيات سوقية مبتذله وأبيات متوسطة ~~وأبيات ضعيفة مرذولة وأبيات وحشية غامضة مستكرهة وأبيات معدودة بديعة # وقد دللنا على المبتذل منها ولا يشتبه عليك الوحشي المستنكر الذي يروع ~~السمع ويهول القلب ويكد اللسان ويعبس معناه في وجه كل خاطر ويكفهر مطلعه ~~على كل متأمل أو ناظر ولا ms106 يقع بمثله التمدح والتفاصح وهو مجانب لما وضع له ~~أصل الإفهام ومخالف لما بني عليه التفاهم بالكلام فيجب أن يسقط عن الغرض ~~المقصود ويلحق باللغز والإشارات المستبهمة # فأما الذي زعموا أنه من بديع هذا الشعر فهو قوله # ( ويضحي فتيت المسك فوق فراشها % نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل ) # والمصراع الأخير عندهم بديع ومعنى ذلك / أنها مترفة متنعمة لها من يكفيها # ومعنى قوله لم تنتطق عن تفضل يقول لم تنتطق وهي فضل وعن هي بمعنى بعد قال ~~أبو عبيدة لم تنتطق فتعمل ولكنها تتفضل , # ومما يعدونه من محاسنها # ( وليل كموج البحر أرخى سدوله % على بأنواع الهموم ليبتلي ) PageV01P180 # ( فقلت له لما تمطي بصلبه % وأردف أعجازا وناء بكلكل ) # ( ألا أيها الليل الطويل ألا انجل % بصبح وما الإصباح فيك بأمثل ) # وكان بعضهم يعارض هذا بقول النابغة # ( كليني لهم يا أميمة ناصب % وليل أقاسيه بطيء الكواكب ) # ( وصدر أراح الليل عازب همه % تضاعف فيه الحزن من كل جانب ) # ( تقاعس حتى قلت ليس بمنقض % وليس الذي يتلو النجوم بآيب ) # وقد جرى ذلك بين يدي بعض الخلفاء فقدمت أبيات امرئ القيس واستحسنت ~~استعارتها وقد جعل لليل صدرا يثقل تنحيه ويبطئ تقضيه وجعل له أردافا كثيرة ~~وجعل له صلبا يمتد ويتطاول ورأوا هذا بخلاف ما يستعيره أبو تمام من ~~الاستعارات الوحشية البعيدة المستنكرة ورأوا أن الألفاظ جميلة # واعلم أن هذا صالح جميل وليس من الباب الذي يقال إنه متناه عجيب , وفيه ~~إلمام بالتكلف ودخول في التعمل # ( وقد خرجوا له في البديع من القصيدة قوله # ( وقد أغتدي والطير في وكناتها % بمنجرد قيد الأوابد هيكل ) PageV01P181 # ( مكر مفر مقبل مدبر معا % كجلمود ضخر حطه السيل من عل ) # وقوله أيضا # ( له أبطلا ظبي وساقا نعامة % وإرخاء سرحان وتقريب تتفل ) # فأما قوله قيد الأوابد فهو مليح ومثله في كلام الشعراء وأهل الفصاحة كثير ~~والتعمل بمثله ممكن # وأهل زماننا الآن يصنفون نحو هذا تصنيفا ويؤلفون المحاسن تأليفا يوشحون ~~به كلامهم والذين كانوا من قبل لغزارتهم وتمكنهم لم يكونوا يتصنعون لذلك ~~وإنما كان يتفق لهم اتفاقا ms107 ويطرد في كلامهم اطرادا # وأما قوله في وصفه مكر مفر فقد جمع فيه طباقا وتشبيها وفي سرعة جرى الفرس ~~للشعراء ما هو أحسن من هذا وألطف # وكذلك في جمعه بين أربعة وجوه من التشبيه في بيت واحد صنعة ولكن قد عورض ~~فيه وزوحم عليه والتوصل إليه يسير وتطلبه سهل قريب # وقد بينا لك أن هذه القصيدة ونظائرها تتفاوت في أبياتها تفاوتا بينا في ~~الجودة والرداءة والسلاسة والانعقاد والسلامة والانحلال والتمكن والاستصعاب ~~والتسهل والاسترسال والتوحش والاستكراه وله شركاء في نظائرها ومنازعون في ~~محاسنها ومعارضون في بدائعها ولا سواء كلام ينحت من الصخر تارة ويذوب تارة ~~ويتلون تلون الحرباء ويختلف اختلاف الأهواء ويكثر في تصرفه اضطرابه وتتفاذف ~~به أسبابه وبين قول يجري في سبكه على نظام وفي رصفه على منهاج وفي وضعه على ~~حد وفي صفائه على باب وفي PageV01P182 بهجته وزونقه على طريق مختلفة مؤتلف ~~ومؤتلفة متحد ومتباعدة متقارب وشارده مطيع ومطيعه شارد وهو وندل على ~~متصرفاته واحد لا يستصعب في حال ولا يتعقد في شأن # وكنا أردنا أن نتصرف في قصائد مشهودة فنتكلم عليها على معانيها ومحاسنها ~~ونذكر لك من فضائلها ونقائصها ونبسط لك القول في هذا الجنس , ونفتح عليك في ~~هذا النهج # ثم رأينا هذا خارجا عن غرض كتابنا والكلام فيه يتصل بنقد الشعر وعياره ~~ووزنه بميزانه ومعياره ولذلك كتب وإن لم تكن مستوفاة وتصانيف وإن لم تكن ~~مستقصاة # وهذا القدر يكفي في كتابنا ولم نحب أن ننسخ لك ما سطره الأدباء في خطأ ~~امرئ القيس في العروض والنحو والمعاني وما عابوه عليه في أشعاره وتكلموا به ~~على ديوانه لأن ذلك أيضا خارج عن غرض كتابنا ومجانب لمقصوده # وإنما أردنا أن نبين الجملة التي بيناها لتعرف أن طريقة الشعر شريعة ~~مورودة ومنزلة مشهورة يأخذ منها أصحابها على مقادير أسبابهم ويتناول منها ~~ذووها على حسب أحوالهم # وأنت تجد للمتقدم معنى قد طمسه المتأخر بما أبر عليه فيه وتجد للمتأخر ~~معنى قد أغفله المتقدم وتجد معنى قد توافدا عليه وتوافيا إليه فهما ms108 فيه ~~شريكا عنان وكأنهما فيه رضيعا لبان والله يؤتي فضله من يشاء # فأما نهج القرآن ونظمه وتأليفه ورصفه فإن العقول تتيه في جهته وتحار في ~~بحره وتضل دون وصفه PageV01P183 # ونحن نذكر لك في تقصيل هذا ما تستدل به على الغرض وتستولي به على الأمد ~~وتصل به إلى المقصد وتتصور إعجازه كما تتصور الشمس وتتيقن تناهي بلاغته كما ~~تتيقن الفجر وأقرب عليك الغامض وأسهل لك العسير # واعلم أن هذا علم شريف المحل عظيم المكان قليل الطلاب ضعيف الأصحاب ليست ~~له عشيرة تحميه ولا أهل عصمة تفطن لما فيه وهو أدق من السحر وأهول من البحر ~~وأعجب من الشعر # وكيف لا يكون كذلك وأنت تحسب أن وضع الصبح في موضع الفجر يحسن في كل كلام ~~إلا أن يكون شعرا أو سجعا وليس كذلك فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع ~~وتزل عن مكان لا تزل عنه اللفظة الأخرى بل تتمكن فيه وتضرب بجرانها وتراها ~~في مظانها وتجدها فيه غير منازعة إلى أوطانها وتجد الأخرى لو وضعت موضعها ~~في محل نفار ومرمى شراد ونابية عن استقرار # ولا أكثر عليك المثال ولا أضرب لك فيه الأمثال وأرجع بك إلى ما وعدتك من ~~الدلالة وضمنت لك من تقريب المقالة # فإن كنت لا تعرف الفصل الذي بينا بين اللفظتين على اختلاف مواقع الكلام ~~ومتصرفات مجاري النظام لم تستفد مما نقر به عليك شيئا وكان التقليد أولى بك ~~والاتباع أوجب عليك ولكل شيء سبب ولكل علم طريق ولا سبيل إلى الوصول إلى ~~الشيء من غير طريقة ولا بلوغ غايته من غير سبيله # خذ الآن هداك الله في تفريغ الفكر وتخلية البال وانظر فيما نعرض عليك ~~ونهديه إليك متوكلا على الله ومعتصما به ومستعيذا به من الشيطان الرجيم حتى ~~تقف على إعجاز القرآن العظيم PageV01P184 # سماه الله عز ذكره حكيما وعظيما ومجيدا # وقال ( @QB@ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ~~@QE@ ) # وقال ( @QB@ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله ms109 وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون @QE@ ) # وقال ( @QB@ ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به ~~الموتى بل لله الأمر جميعا @QE@ ) # وقال ( @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ ) # وأخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين القزويني حدثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن ~~عثمان حدثنا أبو يوسف الصيدلاني حدثنا محمد بن سلمة عن أبي سنان عن عمرو بن ~~مرة عن أبي البختري الطائي عن الحارث الأعور عن علي رضي الله عنه قال # قيل يا رسول الله إن أمتك ستفتتن من بعدك فسأل أو سئل ما المخرج من ذلك # فقال بكتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد من ابتغى العلم في غيره أضله الله ومن ولى هذا من جبار ~~فحكم بغيره قصمه الله وهو الذكر الحكيم والنور المبين والصراط المستقيم فيه ~~خبر من قبلكم وتبيان من بعدكم وهو فصل ليس بالهزل وهو الذي لما سمعته الجن ~~قالوا ( @QB@ إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به @QE@ ) لا يخلق ~~على طول الرد ولا تنقضي عبره ولا تفني عجائبه # وأخبرني أحمد بن علي بن الحسن أخبرنا أبي أخبرنا بشر بن عبد الوهاب ~~PageV01P185 PageV01P186 # أخبرنا هشام بن عبيد الله حدثنا المسيب بن شريك عن عبيدة عن أسامة بن أبي ~~عطاء قال أرسل النبي إلى علي رضي الله عنه في ليلة فذكر نحو ذلك في المعنى ~~وفي بعض ألفاظه اختلاف # وأخبرنا أحمد بن علي بن الحسن أخبرنا أبي أخبرنا بشر بن عبد الوهاب ~~أخبرنا هشام بن عبيد الله حدثنا المسيب بن شريك عن بشر بن نمير عن القاسم ~~عن أبي أمامة قال # قال رسول الله من قرأ ثلث القرآن أعطي ثلث النبوة ومن قرأ نصف القرآن ~~أعطي نصف النبوة ومن قرأ القرآن كله أعطي النبوة كلها غير أنه لا يوحي إليه ~~وذكر الحديث # ولو لم يكن من عظم شأنه إلا أنه ms110 طبق الأرض أنواره وجلل الآفاق ضياؤه ونفذ ~~في العالم حكمه وقبل في الدنيا رسمه وطمس ظلام الكفر بعد أن كان مضروب ~~الرواق ممدود الأطناب مبسوط الباع مرفوع العماد ليس على الأرض من يعرف الله ~~حق معرفته أو يعبده حق عبادته أو يدين بعظمته أو يعلم علو جلالته أو يتفكر ~~في حكمته فكان كما وصفه الله تعالى جل ذكره من أنه نور فقال ( @QB@ وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من @QE@ ) PageV01P186 ( @QB@ نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم @QE@ ) # فانظر إن شئت إلى شريف هذا النظم وبديع هذا التأليف وعظيم هذا الرصف كل ~~كلمة من هذه الآية تامة وكل لفظ بديع واقع # قوله ( @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا @QE@ ) يدل على صدوره من ~~الربوبية ويبين عن وروده عن الإلهية وهذه الكلمة بمنفردها وأخواتها كل ~~واحدة منها لو وقعت بين كلام كثير تميز عن جميعه وكان واسطة عقده وفاتحة ~~عقده وغرة شهره وعين دهره # وكذلك قوله ( @QB@ ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ ) ~~فجعله روحا لأنه يحي الخلق فله فضل الأرواح في الأجساد وجعله نورا لأنه ~~يضيء ضياء الشمس في الآفاق ثم أضاف وقوع الهداية به إلى مشيئته ووقف وقوع ~~الاسترشاد به على إرادته وبين انه لم يكن ليهتدي إليه لولا توفيقه ولم يكن ~~ليعلم ما في الكتاب ولا الإيمان لولا تعليمه وأنه لم يكن ليهتدي فكيف كان ~~يهدي لولاه فقد صار يهدي ولم يكن من قبل ذلك ليهتدي فقال ( @QB@ وإنك لتهدي ~~إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى ~~الله تصير الأمور @QE@ ) # فانظر إلى هذه الكلمات الثلاث فالكلمتان الأوليان مؤتلفتان وقوله ( @QB@ ~~ألا إلى الله تصير الأمور @QE@ ) كلمة منفصلة مباينة للأولى قد صيرهما شريف ~~النظم أشد ائتلافا من الكلام المؤالف وألطف انتظاما من الحديث الملائم # وبهذا يبين فضل الكلام وتظهر فصاحتة وبلاغته # الأمر أظهر والحمد لله والحال أبين من أن يحتاج إلى ms111 كشف PageV01P187 # تأمل قوله ( @QB@ فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك ~~تقدير العزيز العليم @QE@ ) # أنظر إلى هذه الكلمات الأربع التي ألف بينها واحتج بها على ظهور قدرته ~~ونفاذ أمره أليس كل كلمة منها في نفسها غرة وبمنفردها درة # وهو مع ذلك يبين أنه يصدر عن علو الأمر ونفاذ القهر ويتجلى في بهجة ~~القدرة ويتحلى بخالصة العزة ن ويجمع السلاسة إلى الرصانة والسلامة إلى ~~المتانة والرونق الصافي والبهاء الضافي # ولست أقوال إنه شمل الإطباق المليح والإيجاز اللطيف والتعديل والتمثيل ~~والتقريب والتشكيل وإن كان قد جمع ذلك وأكثر منه لأن العجيب ما بينا من ~~انفراد كل كلمة بنفسها حتى تصلح أن تكون عين رسالة أو خطبة أو وجه قصيدة أو ~~فقرة فإذا ألفت ازدادت به حسنا وإحسانا وزادتك إذا تأملت معرفة وإيمانا # ثم تأمل قوله ( @QB@ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون ~~والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى ~~عاد كالعرجون القديم @QE@ ) # هل تجد كل لفظة وهل تعلم كل كلمة تستقل بالاشتمال على نهاية البديع ~~وتتضمن شرط القول البليغ # فإذا كانت الآية تنتظم من البديع وتتألف من البلاغات فكيف لا تفوت ~~PageV01P188 حد المعهود ولا تحوز شأو المألوف وكيف لا تجوز قصب السبق ولا ~~تتعالى عن كلام الخلق # ثم اقصد إلى سورة تامة فتصرف في معرفة قصصها وراع ما فيها من براهينها ~~وقصصها # تأمل السورة التي يذكر فيها النمل وانظر في كلمة كلمة وفصل فصل # بدأ بذكر السورة إلى أن بين أن القرآن من عنده فقال ( @QB@ وإنك لتلقى ~~القرآن من لدن حكيم عليم @QE@ ) ثم وصل بذلك قصة موسى عليه السلام وأنه رأى ~~نارا فقال ( @QB@ لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس ~~لعلكم تصطلون @QE@ ) # وقال في سورة طه في هذه القصة ( @QB@ لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على ~~النار هدى @QE@ ) وفي موضع ( @QB@ لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار ~~لعلكم تصطلون @QE@ ) # قد تصرف في وجوه وأتى بذكر القصة على ضروب ليعلمهم ms112 عجزهم عن جميع طرق ذلك ~~ولهذا قال ( @QB@ فليأتوا بحديث مثله @QE@ ) # ليكون أبلغ في تعجيزهم وأظهر للحجة عليهم # وكل كلمة من هذه الكلمات وإن أنبأت عن قصة فهي بليغة بنفسها تامة في ~~معناها # ثم قال ( @QB@ فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان ~~الله رب العالمين @QE@ ) # فانظر إلى ما أجرى له الكلام من علو أمر هذا النداء وعظم شأن PageV01P189 ~~هذا الثناء وكيف انتظم مع الكلام الأول وكيف اتصل بتلك المقدمة وكيف وصل ~~بها ما بعدها من الإخبار عن الربوبية وما دل به عليها من قلب العصا حية ~~وجعلها دليلا يدله عليه ومعجزة تهديه إليه # وانظر إلى الكلمات المفردة القائمة بأنفسها في الحسن وفيما تتضمنه من ~~المعاني الشريفة ثم ما شفع به هذه الآية وقرن به هذه الدلالة من اليد ~~البيضاء - عن نور البرهان - من غير سوء # ثم انظر في آية آية وكلمة كلمة هل تجدها كما وصفنا من عجيب النظم وبديع ~~الرصف فكل كلمة لو أفردت كانت في الجمال غاية وفي الدلالة آية فكيف إذا ~~قارنتها أخواتها وضامتها ذواتها مما تجري في الحسن مجراها وتأخذ في معناها # ثم من قصة إلى قصة ومن باب إلى باب من غير خلل يقع في نظم الفصل إلى ~~الفصل وحتى يصور لك الفصل وصلا ببديع التأليف وبليغ التنزيل # وإن أردت أن تتبين ما قلناه فضل تبين وتتحقق بما ادعيناه زيادة تحقق - ~~فإن كنت من أهل الصنعة فاعمد إلى قصة من هذه القصص وحديث من هذه الأحاديث ~~فعبر عنه بعبارة من جهتك وأخبر عنه بألفاظ من عندك حتى تري فيما جئت به ~~النقص الظاهر وتتبين في نظم القرآن الدليل الباهر # ولذلك أعاد قصة موسى في سور وعلى طرق شتى وفواصل مختلفة مع اتفاق المعنى ~~فلعلك ترجع إلى عقلك وتستر ما عندك إن غلطت في أمرك أو ذهبت في مذاهب وهمك ~~أو سلطت على نفسك وجه ظنك PageV01P190 # متى تهيأ لبليغ أن يتصرف في قدر آية في أشياء مختلفة فيجعلها مؤتلفة من ~~غير أن يبين ms113 على كلامه إعياء الخروج والتنقل أو يظهر على خطابه آثار التكلف ~~والتعمل # وأحسب أنه لا يسلم من هذا - ومحال أن يسلم منه - متى يظفر بمثل تلك ~~الكلمات الأفراد والألفاظ الأعلام حتى يجمع بينها فيجلو فيها فقرة من كلامه ~~وقطعة من قوله ولو اتفق له في أحرف معدودة وأسطر قليلة فمتى يتفق له في قدر ~~ما نقول إنه من القرآن معجز # هيهات هيهات إن الصبح يطمس النجوم وإن كانت زاهرة والبحر يغمر الأنهار ~~وإن كانت زاخرة # متى تهيأ للآدمي أن يقول في وصف كتاب سليمان عليه السلام بعد ذكر العنوان ~~والتسمية هذه الكلمة الشريفة العالية ( @QB@ ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ~~@QE@ ) والخلوص من ذلك إلى ما صارت إليه من التدبير واشتغلت به من المشورة ~~ومن تعظيمها أمر المستشار ومن تعظيمهم أمرها وطاعتها بتلك الألفاظ البديعة ~~والكلمات العجيبة البليغة # ثم كلامها بعد ذلك ألا تعلم تمكن قولها ( @QB@ يا أيها الملأ أفتوني في ~~أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون @QE@ ) # وذكر قولهم ( @QB@ قالوا نحن أولوا قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك ~~فانظري ماذا تأمرين @QE@ ) لا تجد في صفتهم أنفسهم أبرع مما وصفهم به # وقوله ( @QB@ والأمر إليك @QE@ ) تعلم براعته بنفسه وعجيب معناه وموضع ~~PageV01P191 اتفاقه في هذا الكلام وتمكن الفاصلة وملاءمته لما قبله وذلك ~~قوله ( @QB@ فانظري ماذا تأمرين @QE@ ) # ثم إلى هذا الاختصار والى هذا البيان مع الإيجاز فإن الكلام قد يفسده ~~الاختصار ويعميه التخفيف منه والإيجاز وهذا مما يزيده الاختصار بسطا لتمكنه ~~ووقوعه ويتضمن الإيجاز منه تصرفا يتجاوز محله وموضعه # وكم جئت إلى كلام مبسوط يضيق عن الأفهام ووقعت على حديث طويل يقصر عما ~~يراد به من التمام ثم لو وقع على الأفهام والتمام أخل بما يجب فيه من شروط ~~الإحكام أو بمعاني القصة وما تقتضي من الإعظام # ثم لو ظفرت بذلك كله رأيته ناقصا في وجه الحكمة أو مدخولا في باب السياسة ~~أو مضعوفا في طريق السيادة أو مشترك العبارات إن كان مستجود المعنى العبارة ~~مشترك المعنى أو جيد البلاغة مستجلب المعنى أو مستجود أو ms114 مستجلب البلاغة ~~جيد المعنى أو مستنكر اللفظ وحشي العبارة أو مستبهم الجانب مستكره الوضع # وأنت لا تجد في جميع ما تلونا عليك إلا ما إذا بسط أفاد وإذا اختصر كمل ~~في بابه وجاد وإذا سرح الحكيم في جوانبه طرف خاطره وبعث العليم في أطرافه ~~عيون مباحثه لم يقع إلا على محاسن تتوالى وبدائع تترى # ثم فكر بعد ذلك في آية آية أو كلمة كلمة في قوله ( @QB@ إن الملوك إذا ~~دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون @QE@ ) # هذه الكلمات الثلاث كل واحدة منها كالنجم في علوه ونوره وكالياقوت ~~PageV01P192 يتلألأ بين شذوره ثم تأمل تمكن الفاصلة - وهي الكلمة الثالثة - ~~وحسن موقعها وعجيب حكمتها وبارع معناها # وإن شرحت لك ما في كل آية طال عليك الآمر ولكني قد بينت بما فسرت وقررت ~~بما فصلت - الوجه الذي سلكت والنحو الذي قصدت والغرض الذي رميت والسمت الذي ~~إليه دعوت # ثم فكر بعد ذلك في شيء أدلك عليه # وهو تعادل هذا النظم في الإعجاز في مواقع الآيات القصيرة والطويلة ~~والمتوسطة # فأجل الرأي في سورة سورة وآية آية وفاصلة فاصلة وتدبر الخواتم والفواتح ~~والبوادي والمقاطع ومواضع الفصل والوصل ومواضع التنقل والتحول ثم اقض ما ~~أنت قاض # وإن طال عليك تأمل الجميع فاقتصر على سورة واحدة أو على بعض سوره # ما رأيك في قوله ( @QB@ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف ~~طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين @QE@ ) # هذه تشتمل على ست كلمات سناؤها وضياؤها على ما ترى وسلاستها وماؤها على ~~ما تشاهد ورونقها على ما تعاين وفصاحتها على ما تعرف # وهي تشتمل على جملة وتفصيل وجامعة وتفسير ذكر العلو في الأرض باستضعاف ~~الخلق بذبح الولدان وسبي النساء وإذا تحكم في هذين الأمرين فما ظنك بما ~~دونهما لان النفوس لا تطمئن على هذا الظلم والقلوب لا تقر على هذا الجور ~~PageV01P193 # ثم ذكر الفاصلة التي أوغلت في التأكيد وكفت في التظليم وردت آخر الكلام ~~على أوله وعطفت عجزه على صدره # ثم ذكر ms115 وعده تخليصهم بقوله ( @QB@ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين @QE@ ) وهذا من التأليف بين المؤتلف ~~والجمع بين المستأنس # كما أن قوله ( @QB@ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب ~~المفسدين @QE@ ) # وهي خمس كلمات متباعدة في المواقع نائية المطارح قد جعلها النظم البديع ~~أشد تألفا من الشيء المؤتلف في الأصل وأحسن توافقا من المتطابق في أول ~~الوضع # ومثل هذه الآية قوله ( @QB@ وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ~~سبحان الله وتعالى عما يشركون @QE@ ) # ومثلها ( @QB@ وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من ~~بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين @QE@ ) # ومن المؤتلف قوله ( @QB@ فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ~~ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين @QE@ ) # وهذه ثلاث كلمات كل كلمة منها أعز من الكبريت الأحمر # ومن الباب الآخر قوله تعالى ( @QB@ ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا ~~هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون @QE@ ) # كل سورة من هذه السور تتضمن من القصص ما لو تكلفت العبارة عنها بأضعاف ~~كلماتها لم تستوف ما استوفته ثم تجد فيما تنظم ثقل النظم PageV01P194 ونفور ~~الطبع وشراد الكلام وتهافت القول وتمنع جانبه وقصورك في الإيضاح عن واجبه ~~ثم لا تقدر على أن تنتقل من قصة إلى قصة وفصل إلى فصل حتى تتبتر عليك مواضع ~~الوصل وتستصعب عليك أماكن الفصل ثم لا يمكنك أن تصل بالقصص مواعظ زاجرة ~~وأمثالا سائرة وحكما جليلة وأدلة على التوحيد بينة وكلمات في التنزيه ~~والتحميد شريفة # وإن أردت أن تتحقق ما وصفت لك فتأمل شعر من شئت من الشعراء المفلقين هل ~~تجد كلامه في المديح والغزل والفخر والهجو يجري مجرى كلامه في ذكر القصص # إنك لتراه إذا جاء إلى وصف وقعة أو نقل خبر عامي الكلام سوقي الخطاب ~~مسترسلا في أمره متساهلا في كلامه عادلا عن المألوف ms116 من طبعه وناكبا عن ~~المعهود من سجيته فان اتفق له في قصة كلام جيد كان قدر ثنتين أو ثلاثة وكان ~~ما زاد عليها حشوا وما تجاوزها لغوا ولا أقول إنها تخرج من عادته عفوا لأنه ~~يقصر عن العفو ويقف دون العرف ويتعرض للركاكة # فان لم تقنع بما قلت لك من الآيات فتأمل غير ذلك من السور هل تجد الجميع ~~على ما وصفت لك # لو لم تكن إلا سورة واحدة لكفت في الإعجاز فكيف بالقرآن العظيم # ولو لم يكن إلا حديث من سورة لكفى وأقنع وشفى # ولو عرفت قدر قصة موسى وحدها من سورة الشعراء لما طلبت بينة سواها # بل قصة من قصصه وهي قوله ( @QB@ وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم ~~متبعون @QE@ ) إلى قوله ( @QB@ فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام @QE@ ) ~~PageV01P195 # ( @QB@ كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل فأتبعوهم مشرقين @QE@ ) حتى قال ~~( @QB@ فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود ~~العظيم @QE@ ) # ثم قصة إبراهيم عليه السلام # ثم لو لم تكن إلا الآيات التي انتهى إليها القول في ذكر القرآن وهي قوله ~~( @QB@ وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من ~~المنذرين بلسان عربي مبين @QE@ ) # وهذه كلمات مفردة بفواصلها منها ما يتضمن فاتحة وفاصلة ومنها ما هي فاتحة ~~وواسطة وفاصلة ومنها كلمة بفاصلتها تامة # دل على انه نزله على قلبه ليكون نذيرا وبين انه آية لكونه نبيا ثم وصل ~~بذلك كيفية النذارة فقال ( @QB@ وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن ~~اتبعك من المؤمنين @QE@ ) # فتأمل آية آية لتعرف الإعجاز وتتبين التصرف البديع والتنقل في الفصول إلى ~~آخر السورة # ثم راع المقطع العجيب وهو قوله ( @QB@ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون @QE@ ) # هل يحسن أحد أن يأتي بمثل هذا الوعيد وان ينظم مثل هذا النظم وأن يجد مثل ~~هذه النظائر السابقة ويصادف مثل هذه الكلمات المتقدمة # ولولا كراهة الإملال لجئت إلى كل فصل فاستقريت على الترتيب كلماته وبينت ~~لك ما في كل واحدة منها من البراعة وعجيب البلاغة PageV01P196 # ولعلك تستدل بما ms117 قلنا على ما بعده وتستضيء بنوره وتهتدي بهداه # ونحن نذكر آيات أخر لتزداد استبصارا وتتيقن تيقنا # تأمل من الكلام المؤتلف قوله ( @QB@ حم تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه ~~المصير @QE@ ) # أنت قد تدربت الآن بحفظ أسماء الله تعالى وصفاته فانظر متى وجدت في كلام ~~البشر وخطبهم مثل هذا النظم في هذا القدر وما يجمع ما تجمع هذه الآية من ~~شريف المعاني وحسن الفاتحة والخاتمة # ثم اتل ما بعدها من الآي واعرف وجه الخلوص من شيء إلى شيء من احتجاج إلى ~~وعيد ومن إعذار إلى إنذار ومن فنون من الأمر شتى مختلفة تأتلف بشريف النظم ~~ومتباعدة تتقارب بعلي الضم # ثم جاء إلى قوله ( @QB@ كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل ~~أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان ~~عقاب وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار @QE@ ) # الآية الأولى أربعة فصول والثانية فصلان # وجه الوقوف على شرف الكلام أن تتأمل موقع قوله # ( @QB@ وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه @QE@ ) وهل تقع في الحسن موقع قوله ( ~~@QB@ ليأخذوه @QE@ ) كلمة وهل تقوم مقامه الجزالة لفظة وهل يسد مسده في ~~الأصالة نكتة ولو وضع موضع ذلك ليقتلوه أو ليرجموه أو لينفوه أو ليطردوه أو ~~ليهلكوه أو ليذلوه ونحو هذا ما كان ذلك بديعا ولا بارعا ولا عجيبا ولا ~~بالغا PageV01P197 # فانقد موضع هذه الكلمة وتعلم بها ما تذهب إليه من تخير الكلام وانتقاء ~~الألفاظ والاهتداء للمعاني # فان كنت تقدر أن تفعل شيئا من هذه الكلمات التي عددناها عليك أو غيرها ~~يقوم مقام هذه اللفظة - لم تقف على غرضنا من هذا الكتاب فلا سبيل لك إلى ~~الوقوف لعلى تصاريف الخطاب فافزع إلى التقليد واكف نفسك مؤونة التفكير # وإن فطنت فانظر إلى قال من رد عجز الخطاب إلى صدره بقوله ( @QB@ فأخذتهم ~~فكيف كان عقاب @QE@ ) ثم ذكر عقيبها العذاب في الآخرة وأتلاها تلو العذاب ~~في الدنيا على الإحكام الذي رأيت # ثم ذكر ms118 المؤمنين بالقرآن بعد ذكر المكذبين بالآيات والرسل فقال ( @QB@ ~~الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به @QE@ ) إلى أن ~~ذكر ثلاث آيات # وهذا كلام مفصول تعلم عجيب اتصاله بما سبق ومضى وانتسابه إلى ما تقدم ~~وانقضى وعظم موقعه في معناه ورفيع ما يتضمن من تحميدهم وتسبيحهم وحكاية ~~كيفية دعاء الملائكة بقوله ( @QB@ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما @QE@ ) # وهل تعرف شرف هذه الكلمة لفظا ومعنى ولطيف هذه الحكاية وتلاؤم هذا الكلام ~~وتشاكل هذا النظام فكيف يهتدي إلى وضع هذه المعاني بشري والى تركيب ما ~~يلائمها من الألفاظ إنسي # ثم ذكر ثلاث آيات في أمر الكافرين على ما ترى # ثم نبه على أمر القرآن وانه من آياته بقوله ( @QB@ هو الذي يريكم @QE@ ) ~~PageV01P198 ( @QB@ آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب ~~@QE@ ) # وإنما ذكر هذين الأمرين اللذين يختص بالقدرة عليهما لتناسبهما في أنهما ~~من تنزيله من السماء ولان الرزاق الذي لو لم يرزق لم يمكن بقاء النفس تجب ~~طاعته والنظر في آياته # ثم قال ( @QB@ فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون رفيع ~~الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم ~~التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله ~~الواحد القهار @QE@ ) # قف على هذه الدلالة وفكر فيها وراجع نفسك في مراعاة معاني هذه الصفات ~~العالية والكلمات السامية والحكم البالغة والمعاني الشريفة - تعلم ورودها ~~عن الإلهية ودلالتها على الربوبية وتتحقق أن الخطب المنقولة عنهم والأخبار ~~المأثورة في كلماتهم الفصيحة من الكلام الذي تعلق به الهمم البشرية وما ~~تحوم عليه الأفكار الآدمية وتعرف مباينتها لهذا الضرب من القول # أي خاطر يتشوف إلى أن يقول ( @QB@ يلقي الروح من أمره على من يشاء من ~~عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون @QE@ ) # وأي لفظ يدرك هذا المضمار وأي حكيم يهتدي إلى ما لهذا من الغور وأي فصيح ~~يهتدي إلى هذا النظم # ثم استقرئ الآية إلى آخرها واعتبر كلماتها وراع بعدها قوله ( @QB@ اليوم ~~تجزى كل ms119 نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب @QE@ ) # من يقدر على تأليف هذه الكلمات الثلاث على قربها وعلى خفتها في النظم ~~وموقعها من القلب PageV01P199 # ثم تأمل قوله ( @QB@ وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما ~~للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور والله ~~يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير ~~@QE@ ) # كل كلمة من ذلك على ما قد وصفتها من انه إذا رآها الإنسان في رسالة كانت ~~عينها أو في خطبة كانت وجهها أو قصيدة كانت غرة غرتها وبيت قصيدتها ~~كالياقوتة التي تكون فريدة العقد وعين القلادة ودرة الشذر إذا وقع بين كلام ~~وشحه وإذا ضمن في نظام زينه وإذا اعترض في خطاب تميز عنه وبان بحسنه منه # ولست أقول هذا لك في دون آية وسورة دون سورة وفصل دون فصل وقصة دون قصة ~~ومعنى دون معنى لأني قد شرحت لك أن الكلام في حكاية القصص والأخبار وفي ~~الشرائع والأحكام وفي الديانة والتوحيد وفي الحجج والتثبيت هو خلاف الكلام ~~فيما عدا هذه الأمور # إلا ترى أن الشاعر المفلق إذا جاء إلى الزهد قصر والأديب إذا تكلم في ~~بيان الأحكام وذكر الحلال والحرام لم يكن كلامه على حسب كلامه في غيره # ونظم القرآن لا يتفاوت في شيء ولا يتباين في أمر ولا يختل في حال بل له ~~المثل الأعلى والفضل الأسنى # وفيما شرحناه لك كفاية وفيما بيناه بلاغ # ونذكر في الأحكاميات وغيرها آيات أخر # منها قوله ( @QB@ يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم ~~الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب @QE@ ) PageV01P200 أنت تجد في ~~هذه الآية من الحكمة والتصرف العجيب والنظم البارع الغريب ما يدلك - إن شئت ~~- على الإعجاز مع هذا الاختيار والإيجاز فكيف إذا بلغ ذلك آيات أو كانت ~~سورة # ونحو هذه الآية قوله ( @QB@ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ms120 يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون @QE@ ) # وكالآية التي بعدها في التوحيد وإثبات النبوة وكالآيات الثلاث في ~~المواريث # أي بارع يقدر على جمع أحكام الفرائض في قدرها من الكلام ثم كيف يقدر على ~~ما فيها من بديع النظم # وإن جئت إلى آيات الاحتجاج كقوله تعالى ( @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ~~@QE@ ) # وكالآيات في التوحيد كقوله ( @QB@ هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين ~~له الدين الحمد لله رب العالمين @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ~~الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق ~~كل شيء فقدره تقديرا @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير @QE@ ) إلى ~~آخرها # وكقوله ( @QB@ والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا @QE@ ) ~~PageV01P201 ( @QB@ إن إلهكم لواحد رب السماوات والأرض وما بينهما ورب ~~المشارق إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا ~~يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من ~~خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب @QE@ ) # هذه من الآيات التي قال فيها الله تعالى ذكره ( @QB@ الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين ~~جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله ~~فما له من هاد @QE@ ) # ارفع طرف قلبك وانظر بعين عقلك وراجع جلية بصيرتك إذا تفكرت في كلمة كلمة ~~مما نقلناه إليك وعرضناه عليك ثم فيما ينتظم من الكلمات ثم إلى أن يتكامل ~~فصلا وقصة أو يتم حديثا وسورة # لا بل فكر في جميع القرآن على نحو هذا الترتيب وتدبره على هذا التنزيل ~~فلم ندع ما ادعيناه لبعضه ولم ن # أخبرنا ms121 هشام بن عبيد الله حدثنا المسيب بن شريك عن عبيدة عن أسامة بن أبي ~~عطاء قال أرسل النبي إلى علي رضي الله عنه في ليلة فذكر نحو ذلك في المعنى ~~وفي بعض ألفاظه اختلافصف ما وصفناه إلا في كله وإن كانت الدلالة في البعض ~~أبين وأظهر والآية أكشف وأبهر # وإذا تأملت على ما هديناك إليه ووقفناك عليه فانظر هل تجد وقع هذا النور ~~في قلبك واشتماله على لبك وسريانه في حسك ونفوذه في عروقك وامتلاءك به ~~إيقانا وإحاطة واهتداءك به إيمانا وبصيرة أم هل تجد الرعب يأخذ منك مأخذه ~~من وجه والهزة تعمل في جوانبك من لون والأريحية تستولي عليك من باب # وهل تجد الطرب يستفزك للطيف ما فطنت له والسرور يحركك من عجيب ما وقفت ~~عليه وتجد في نفسك من المعرفة التي حدثت لك - عزة وفي أعطافك ارتياحا وهزة ~~وترى لك في الفضل تقدما وتبريزا وفي اليقين سبقا وتحقيقا وترى مطارح الجهال ~~تحت أقدام الغفلة ومهاويهم PageV01P202 في ظلال القلة والذلة وأقدارهم ~~بالعين التي يجب أن تلحظ بها ومراتبهم بحيث يجب أن ترتبها # وهذا كله في تأمل الكلام ونظامه وعجيب معانيه وأحكامه # فإن جئت إلى ما انبسط في العالم من بركته وأنواره وتمكن في الأفاق من ~~يمنه وأضوائه وثبت في القلوب من إكباره وإعظامه وتقرر في النفوس من حتم ~~أمره ونهيه ومضى في الدماء من مفروض حكمه والى انه جعل عماد الصلاة التي هي ~~تلو الإيمان في التأكيد وثانيه التوحيد في الوجوب وفرض حفظه ووكل الصغار ~~والكبار بتلاوته وأمر عند افتتاحه بما أمر به لتعظيمه من قوله ( @QB@ فإذا ~~قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم @QE@ ) لم يؤمر بالتعوذ ~~لافتتاح أمر كما أمر به لافتتاحه فهل يدلك هذا على عظيم شأنه وراجح ميزانه ~~وعالي مكانه # وجملة الأمر أن نقد الكلام شديد وتمييزه صعب # ومما كتب إلى الحسن بن عبد الله العسكري قال أخبرني أبو بكر ابن دريد قال ~~سمعت أبا حاتم يقول سمعت الأصمعي يقول فرسان الشعر أقل من فرسان الحرب ms122 # وقال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول العلماء بالشعر أعز من الكبريت الأحمر # وإذا كان الكلام المتعارف المتداول بين الناس يشق تمييزه ويصعب نقده ~~ويذهب عن محاسنه الكثير وينظرون إلى كثير من قبيحه بعين الحسن وكثير من ~~حسنه بعين القبح ثم يختلفون في الأحسن منه اختلافا كثيرا وتتباين آراؤهم في ~~تفضيل ما يفضل منه - فكيف لا يتحيرون فيما لا يحيط به علمهم ولا يتأتى في ~~مقدورهم ولا يمثل بخواطرهم وقد حير القوم الذين لم يكن أحد أفصح منهم ~~PageV01P203 ولا أتم بلاغة ولا أحسن براعة حتى دهشوا حين ورد عليهم وولهت ~~عقولهم ولم يكن عندهم فيه جواب غير ضرب الأمثال والتخرص عليه والتوهم فيه ~~وتقسيمه أقساما وجعله عضين # وكيف لا يكون أحسن الكلام وقد قال الله تعالى ( @QB@ الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين ~~جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله ~~فما له من هاد @QE@ ) # استغنم فهم هذه الآية وكفاك استفد علم هذه الكلمات وقد أغناك فليس يوقف ~~على حسن الكلام بطوله ولا تعرف براعته بكثرة فصوله إن القليل يدل على ~~الكثير والقريب قد يهجم بك على البعيد # ثم انه سبحانه وتعالى لما علم من عظم شأن هذه المعرفة وكبر محلها وذهابها ~~على أقوام - ذكر في آخر هذه الآية ما ذكر وبين ما بين فقال ( @QB@ ذلك هدى ~~الله يهدي به من يشاء @QE@ ) فلا تعلم ما وصفنا لك إلا بهداية من العزيز ~~الحميد وقال ( @QB@ ومن يضلل الله فما له من هاد @QE@ ) وقال ( @QB@ يضل به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا @QE@ ) # وقد بسطنا لك القول رجاء إفهامك # وهذا المنهاج الذي رأيته إن سلكته يأخذ بيدك ويدلك على رشدك ويغنيك عن ~~ذكر براعة آية آية لك # واعلم أنا لم نقصد فيما سطرناه من الآيات وسميناه من السور والدلالات ذكر ~~الأحسن والأكشف والأظهر لأنا نعتقد في كل سورة ذكرناها أو أضربنا عن ذكرها ~~اعتقادا واحدا في الدلالة على الإعجاز والكفاية في ms123 التمنع والبرهان ولكن لم ~~يكن بد من ذكر بعض فذكرنا ما تيسر وقلنا فيما اتجه PageV01P204 في الحال ~~وخطر وإن كنا نعتقد أن الإعجاز في بعض القرآن أظهر وفي بعضه أدق وأغمض ~~والكلام في هذا الفصل يجيء بعد هذا # فاحفظ عنا في الجملة ما كررنا والسير بعد ذلك في التفصيل إليك وحصل ما ~~أعطيناك من العلامة ثم النظر عليك # قد اعتمدنا على أن الآيات تنقسم إلى قسمين # أحدهما ما يتم بنفسه أو بنفسه وفاصلته فينير في الكلام إنارة النجم في ~~الظلام # والثاني ما يشتمل على كلمتين أو كلمات إذا تأملتها وجدت كل كلمة منها في ~~نهاية البراعة وغاية البلاغة # وإنما يبين ذلك بأن تتصور هذه الكلمة مضمنة بين أضعاف كلام كثير أو خطاب ~~طويل فتراها ما بينها تدل على نفسها وتعلو على ما قرن بها لعلو جنسها فإذا ~~ضمت إلى أخواتها وجاءت في ذواتها أرتك القلائد منظومة كما كانت تريك - عند ~~تأمل الأفراد منها - اليواقيت منثورة والجواهر مبثوثة # ولولا ما أكره من تضمين القرآن في الشعر لأنشدتك ألفاظا وقعت مضمنة لتعلم ~~كيف تلوح عليه وكيف ترى بهجتها في أثنائه وكيف تمتاز منه حتى انه لو تأمله ~~من لم يقرأ القرآن لتبين انه أجنبي من الكلام الذي تضمنه والباب الذي توسطه ~~وأنكر مكانه واستكبر موضعه # ثم تناسبها في البلاغة والإبداع وتماثلها في السلاسة والإغراب ثم ~~انفرادها بذلك الأسلوب وتخصصها بذلك الترتيب ثم سائر ما قدمنا ذكره مما ~~نكره إعادته # وأنت ترى غيره من الكلام يضطرب في مجاريه ويختل تصرفه في معانيه ~~PageV01P205 ويتفاوت التفاوت الكثير في طرقه ويضيق به النطاق في مذاهبه ~~ويرتبك في أطرافه وجوانبه ويسلمه للتكلف الوحش كثرة تصرفه ويحيله على ~~التصنع الظاهر موارد تنقله وتخلصه # ونظم القرآن في مؤتلفه ومختلفه وفي فصله ووصله وافتتاحه واختتامه وفي كل ~~نهج يسلكه وطريق يأخذ فيه وباب يتهجم عليه ووجه يؤمه على ما وصفه الله ~~تعالى به - لا يتفاوت كما قال ( @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا @QE@ ) ولا يخرج عن ms124 تشابهه وتماثله كما قال ( @QB@ قرآنا ~~عربيا غير ذي عوج @QE@ ) وكما قال ( @QB@ كتابا متشابها @QE@ ) ولا يخرج عن ~~إبانته كما قال ( @QB@ بلسان عربي مبين @QE@ ) # وغيره من الكلام كثير التلون دائم التغير والتنكر يقف بك على بديع مستحسن ~~ويعقبه بقبيح مستهجن ويطلع عليك بوجه الحسناء ثم يعرض للهجر بخد القبيحة ~~الشوهاء ويأتيك باللفظة المستنكرة بين الكلمات التي هي كاللآلئ الزهر # وقد يأتيك باللفظة الحسنة بين الكلمات البهم وقد يقع إليك منه الكلام ~~المثبج والنظم المشوش والحديث المشوه # وقد تجد منه ما لا يتناسب ولا يتشابه ولا يتألف ولا يتماثل وقد قيل في ~~وصف ما جرى هذا المجرى # ( وشعر كبعر الكبش فرق بينه % لسان دعي في القريض دخيل ) PageV01P206 # وقال آخر # ( وبعض قريض القوم أولاد علة % يكد لسان الناطق المتحفظ ) # فان قال قائل فقد نجد في آيات من القرآن ما يكون نظمه بخلاف ما وصفت ولا ~~تتميز الكلمات بوجه البراعة وإنما تكون البراعة عندك منه في مقدار يزيد على ~~الكلمات المفردة وحد يتجاوز حد الألفاظ المستندة وإن كان الأكثر على ما ~~وصفته به # نحن نعلم أن قوله ( @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم ~~وخالاتكم @QE@ ) إلى آخر الآية - ليس من القبيل الذي يمكن إظهار البراعة ~~فيه وإبانة الفصاحة عليه وذاك يجري عندنا مجرى ما يحتاج إلى ذكره من ~~الأسماء والألقاب فلا يمكن إظهار البلاغة فيه فطلبها في نحو هذا ضرب من ~~الجهالة بل الذي يعتبر في نحو ذلك تنزيل الخطاب وظهور الحكمة في الترتيب ~~والمعنى وذلك حاصل في هذه الآية - إن تأملت # ألا ترى انه بدأ بذكر الأم لعظم حرمتها وإدلائها بنفسها ومكان بعضيتها ~~فهي أصل لكل من يدلي بنفسه منهن ولأنه ليس في ذوات الأنساب أقرب منها # ولما جاء إلى ذوات الأسباب ألحق بها حكم الأم من الرضاع لأن PageV01P207 # اللحم ينشره اللبن بما يغذوه فيتحصل بذلك أيضا لها حكم البعضية فنشر ~~الحرمة بهذا المعنى وألحقها بالوالدة # وذكر الأخوات من الرضاعة فنبه بها على كل من يدلي بغيرها وجعلها تلو الأم ~~من الرضاع # والكلام في إظهار ms125 حكم هذه الآية وفوائدها يطول ولم نضع كتابنا لهذا وسبيل ~~هذا أن نذكره في كتاب معاني القرآن إن سهل الله لنا إملاءه وجمعه # فلم تنفك هذه الآية من الحكم التي تخلف حكمة الإعجاز في النظم والتأليف ~~والفائدة التي تنوب مناب العدول عن البراعة في وجه الترصيف # فقد علم السائل انه لم يأت بشيء ولم يهتد للأغراض في دلالات الكلام ~~وفوائده ومتصرفاته وفنونه ومتوجهاته # وقد يتفق في الشعر ذكر الأسامي فيحسن موقعه كقول أبي ذؤاب الأسدي # ( إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم % بعتيبة بن الحارث بن شهاب ) # ( بأشدهم كلبا على أعدائه % وأعزهم فقدا على الأصحاب ) # وقد يتفق ذكر الأسامي فيفسد النظم ويقبح الوزن # والآيات الأحكاميات التي لا بد فيها من أمر البلاغة يعتبر فيها من ~~الألفاظ ما يعتبر في غيرها وقد يمكن فيها وكل موضع أمكن ذلك فقد وجد في ~~القرآن في بابه ما ليس عليه مزيد في البلاغة وعجيب النظم ثم في جملة الآيات ~~ما أن لم تراع البديع البليغ في الكلمات الأفراد والألفاظ الآحاد فقد تجد ~~ذلك مع تركب الكلمتين والثلاث ويطرد ذلك في الابتداء والخروج والفواصل وما ~~يقع بين الفاتحة والخاتمة من الواسطة أو باجتماع ذلك أو في PageV01P208 بعض ~~ذلك - ما يخلف الإبداع في أفراد الكلمات وإن كانت الجملة والمعظم على ما ~~سبق الوصف فيه # وإذا عرف ما يجري إليه الكلام وينهي إليه الخطاب ويقف بعد عليه الأسلوب ~~ويختص به القبيل - بان عند أهل الصنعة تميز بابه وانفراد سبيله ولم يشك ~~البليغ في انتمائه إلى الجهة التي بنتمي إليها ولم يرتب الأديب البارع في ~~انتسابه إلى ما عرف من نهجه # وهذا كما يعرف طريقه مترسل في رسالته فهو لا يخفى عليه بناء قاعدته ~~وأساسه فكأنه يرى انه عليه مجاري حركاته وأنفاسه # وكذلك في الشعر واختلاف ضروبه يعرف المتحقق به طبع كل أحد وسبيل كل شاعر # وفي نظم القرآن أبواب كثيره لم نستوفها وتقصيها يطول وعجائبها لا تنقضي ~~فمنها الكلام المغلق والإشارات # وإذا بلغ الكلام من هذا القبيل مبلغا ربما ms126 زاد الإفهام به على الإيضاح أو ~~ساوى مواقع التفسير والشرح مع استيفائه وشروطه - كان النهاية في معناه # وذلك كقوله ( @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير @QE@ ~~) فصول هذه الآية وكلماتها على ما شرحنا من قبل البلاغة واللطف في التقدم ~~وفي تضمن هذا الأمر العظيم والمقام الكريم # ويتلو هذه قوله ( @QB@ وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل @QE@ ~~) هذا خروج لو كان في غير هذا الكلام لتصور في صورة المنقطع وقد تمثل في ~~هذا النظم لبراعته وعجيب أمره وموقع ما لا ينفك منه القول PageV01P209 # وقد يتبرأ الكلام المتصل بعضه من بعض ويظهر عليه التشبيع والتباين للخلل ~~الواقع في النظم # وقد تصور هذا الفصل للطفه وصلا ولم يبن عليه تميز الخروج # ثم أنظر كيف أجري هذا الخطاب إلى ذكر نوح وكيف أثنى عليه # وكيف تليق صفته بالفاصلة ويتم النظم بها مع خروجها مخرج البروز من الكلام ~~الأول إلى ذكره وإجرائه إلى مدحه بشكره وكونهم من ذريته يوجب عليهم أن ~~يسيروا بسيرته وأن يستنوا بسنته في أن يشكروا كشكره ولا يتخذوا من دون الله ~~وكيلا وأن يعتقدوا تعظيم تخليصه إياهم من الطوفان لما حملهم عليه ونجاهم ~~فيه حين أهلك من عداهم به وقد عرفهم أنه إنما يؤاخذهم بذنوبهم وفسادهم فيما ~~سلط عليهم من قبلهم وعاقبهم ثم عاد عليهم بالإفضال والإحسان حتى يتذكروا ~~ويعرفوا قدر نعمة الله عليهم وعلى نوح الذي ولدهم وهم من ذريته فلما عادوا ~~إلى جهالتهم وتمردوا في طغيانهم عاد عليهم بالتعذيب # ثك ذكر الله عز وجل في ثلاث آيات بعد ذلك معنى هذه القصة التي كانت لهم ~~بكلمات قليلة في العدد كثيرة الفوائد لا يمكن شرحها إلا بالتفصيل الكثير ~~والكلام الطويل # ثم لم يخل تضاعيف الكلام مما ترى من الموعظة على أعجب تدريج وأبدع تأريخ ~~بقوله ( @QB@ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها @QE@ ) # ولم ينقطع بذلك نظام الكلام وأنت ترى الكلام يتبدد مع اتصاله وينتشر مع ~~انتظامه ms127 فكيف بإلقاء ما ليس منه في أثنائه وطرح ما يعدوه في أدراجه # إلى أن خرج إلى قوله ( @QB@ عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا @QE@ ) ~~يعني إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى العفو PageV01P210 ثم خرج خروجا آخر إلى ~~ذكر القرآن # وعلى هذا فقس بحثك عن شرف الكلام وما له من علو الشان لا يطلب مطلبا إلا ~~انفتح ولا يسلك قلبا إلا انشرح ولا يذهب مذهبا إلا استنار وأضاء ولا يضرب ~~مضربا إلا بلغ فيه السماء لا تقع منه على فائدة فقدرت أنها أقصى فوائدها ~~إلا قصرت ولا تظفر بحكمة فظننت أنها زبدة حكمها ولا وقد أخللت # إن الذي عارض القرآن بشعر امرئ القيس لأضل من حمار باهلة وأحمق من هبنقة # لو كان شعره كله كالأبيات المختارة التي قد مناها لأوجب البراءة منه قوله # ( وسن كسنيق سناء وسنما % ذعرت بمدلاج الهجيز نهوض ) # قال الأصمعي لا أدري ما السن ولا السنيق ولا السنم وقال بعضهم السنيق ~~أكمة PageV01P211 # وقال فيها # ( له قصريا غير وساقا نعامة % كفحل الهجان القيسري العضوض ) # وقوله # ( عصافير وذبان ودود % وأجرأ من مجلحة الذئاب ) وزاد في تقبيح ذلك وقوعه ~~في أبيات فيها # ( فقد طوفت في الآفاق حتى % رضيت من الغنيمة بالإياب ) # ( وكل مكارم الأخلاق صارت % إليه همتى وبها اكتسابي ) # وكقوله في قصيدة قالها في نهاية السقوط # ( أزمان فوها كلما نبهتها % كالمسك فاح وظل في الفدام ) # ( أفلا ترى أظعانهن بواكرا % كالنخل من شو كان حين صرام ) # وكأن شاربها أصاب لسانه % موم يخالط جسمه بسقام ) # وكقوله # ( لم يفعلوا فعل آل حنظلة % إنهم جير بئسما ائتمروا ) PageV01P212 # ( لا حميري وفي ولا عدس % ولا است عير يحكها الثفر ) # ( إن بني عوف ابتنوا حسبا % ضيعه الدخللون إذ غدروا ) # وكقوله # ( أبلغ شهابا بل وأبلغ عاصما % ومالكا هل أتاك الخبر مال ) ( # ( أنا تركنا منكم قتلى بخوعي # وسبيا كالسعالي ) # ( يمشين بين رحالنا معترفات % بجوع وهزال ) # ولم يقع مثل ذلك له وحده فقد قال الأعشى # ( فأدخلك الله برد الجنان % جذلان في مدخل طيب ) # وقال أيضا # ( فرميت غفلة عينه عن شاته % فأصبت ms128 حية قلبها وطحالها ) # وقال في فرسه # ( ويأمر لليحموم كل عشية % بقت وتعليق فقد كاد يسنق ) PageV01P213 # وقال # ( شاو مشل شلول شلشل شول % ) # وهذه الألفاظ في معنى واحد # وقد وقع لزهير نحوه كقوله # ( فأقسمت جهدا بالمنازل من مني % وما سحفت فيه المقاديم والقمل ) # كيف يقول هذا في قصيدة يقول فيها # وهل ينبت الخطى إلا وشيجه % وتغرس إلا في منابتها النخل ) # وكقول الطرماح # ( سوف تدنيك من لميس سبنتاة % أمارت بالبول ماء الكراض ) # السبنتاة الناقة الصلبة والكراض ماء الفحل أسالت ماء الفحل مع البول فلم ~~تعقد عليه ولم تحمل فتضعف والمائر السائل PageV01P214 # فإن قال قائل أجدك تحاملت على امرئ القيس ورأيت أن شعره يتفاوت بين اللين ~~والشراسة وبين اللطف والشكاسة وبين التوحش والاستئناس والتفاوت والتباعد ~~ورأيت الكلام الأعدل أفضل والنظام المستوثق أكمل وأنت تجد البحتري يسبق في ~~هذا الميدان ويفوت الغاية في هذا الشان وأنت ترى الكتاب يفضلون كلامه على ~~كل كلام ويقدمون رأيه في البلاغة على كل رأي وكذلك تجد لأبي نواس من بهجة ~~اللفظ ودقيق المعنى ما يتحير فيه أهل الفضل ويقدمه الشطار والظراف على كل ~~شاعر ويرون لنظمه روعة لا يرون لنظم غيره وزبرجا لا يتفق لسواه فكيف يعرف ~~فضل ما سواه عليه # فالجواب أن الكلام في أن الشعر لا يجوز أن يوازن به القرآن قد تقدم # وإذا كنا قد بينا أن شعر امرئ القيس وهو كبيرهم الذي يقرون بتقدمه وشيخهم ~~الذي يعترفون بفضله وقائدهم الذي يأتمون به وإمامهم الذي يرجعون إليه كيف ~~سبيله وكيف طريق سقوط منزلة عن منزلته نظم القرآن وأنه لا يلحظ بشعره غبار ~~ذلك وهو إذا لحظ ذلك كان كما قال # ( فأصبحت من ليلى الغداة كناظر % مع الصبح في أعجاز نجم مغرب ) # ( وكما قال أيضا # ( راحت مشرقة ورحت مغربا % فمتى التقاء مشرق ومغرب ) PageV01P215 # وإذا كنا قد أبنا في القاعدة ما علمت وفصلنا لك في شعره ما عرفت لم نحتج ~~إلى أن نتكلم على شعر كل شاعر وكلام بليغ والقليل يدل على الكثير # وقد بينا في الجملة مباينة ms129 أسلوب نظم القرآن جميع الأساليب ومزيته عليها ~~في النظم والترتيب وتقدمه عليها في كل حكمة وبراعة ثم تكلمنا على التفصيل ~~على ما شاهدت فلا يبقى علينا بعد ذلك سؤال # ثم نقول أنت تعلم أن من يقول بتقدم البحتري في الصنعة به من الشغل في ~~تفضيله على ابن الرومي أو تسوية ما بينهما ما لا يطمع معه في تقديمه على ~~امرئ القيس ومن في طبقته # كذلك أبو نواس إنما يعدل شعره بشعر أشكاله ويقابل كلامه بكلام أضرابه من ~~أهل عصره وإنما يقع بينهم التباين اليسير والتفاوت القليل # فأما أن يظن ظان أو يتوهم أن متوهم أن جنس الشعر معارض لنظم القرآن ( ~~@QB@ فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق @QE@ ~~) # وإنما هي خواطر يغير بعضها على بعض ويقتدي فيها بعض ببعض والغرض الذي ~~يرمي إليه ويصح التوافي عليه في الجملة فهو قبيل متداول وجنس متنازع وشريعة ~~مورودة وطريقة مسلوكة # ألا ترى إلى ما روي عن الحسين بن الضحاك قال أنشدت أبا نواس قصيدتي التي ~~فيها # ( وشاطري اللسان مختلق التكريه % شاب المجون بالنسك ) PageV01P216 # ( كأنه نصب كأسه قمر % يكرع في بعض أنجم الفلك ) # قال فأنشدني أبو نواس بعد أيام قصيدته التي يقول فيها # ( أعاذل أعتبت الإمام وأعتبا % وأعربت عما في الضمير وأعربا ) # ( وقلت لساقيها أجزها فلم أكن % ليأبى أمير المؤمنين وأشربا ) # ( فجوزها عنى عقارا ترى لها % إلى الشرف الأعلى شعاعا مطنبا ) # ( إذا عب فيها شارب القوم خلته % يقبل في داج من الليل كوكب ) # قال فقلت له يا أبا على هذه مصالتة فقال أتظن أنه يروي لك معنى وأنا حي # فتأمل هذا الأخذ وهذا الوضع وهذا الاتباع # أما الخليع فقد رأى الإبداع في المعنى فأما العبارات فإنها ليست على ما ~~ظنه لأن قوله يكرع ليس بصحيح وفيه ثقل بين وتفاوت وفيه إحالة لأن القمر لا ~~يصح تصورا أن يكرع في نجم PageV01P217 # وأما قول أبي نواس إذا عب فيها فكلمة قد قصد فيها المتانة وكأن سبيله أن ~~يختار سواها من ألفاظ ms130 الشرب ولو فعل ذلك كان أملح # وقوله شارب القوم فيه ضرب من التكلف الذي لا بد له منه أو من مثله لإقامة ~~الوزن # ثم وقوله # ( خلته يقبل في داج من الليل كوكبا % ) تشبيه بحالة واحدة من أحواله وهي ~~أن يشرب حيث لا ضوء هناك وإنما يتناوله ليلا فليس بتشبيه مستوفي على ما فيه ~~من الوقوع والملاحة والصنعة # وقد قال ابن الرومي ما هو أوقع منه وأملح وأبدع # ( ومهفهف تمت محاسنه % حتى تجاوز منية النفس ) # ( تصبو الكئوس إلى مراشفه % وتحن في يده إلى الحبس ) # ( أبصرته والكأس بين فم % منه وبين أنامل خمس ) # ( وكأنها وكان شاربها % قمر يقبل عارض الشمس ) # ولا شك في أن تشبيه ابن الرومي أحسن وأعجب إلا أنه لم يتمكن من إيراده ~~إلا في بيتين وهما مع سبقهما إلى المعنى أتيا به في بيت واحد # وإنما أردت بهذا أن أعرفك أن هذه أمور متقاربة يقع فيها التنافس والتعارض ~~والأطماع تتعلق بها والهمم تسمو إليها وهي إلف طباعنا وطوع مداركنا ومجانس ~~لكلامنا # وإعجاب قوم بنحو هذا وما يجري مجراه وإيثار أقوام لشعر البحتري ~~PageV01P218 على أبي تمام وعبد الصمد وابن الرومي وتقديم قوم كل هؤلاء أو ~~بعضهم عليه وذهاب قوم عن المعرفة ليس بأمر يضر بنا ولا سبب يعترض على ~~أفهامنا # ونحن نعمد إلى بعض قصائد البحتري فنتكلم عليها كما تكلمنا على قصيدة امرئ ~~القيس ليزداد الناظر في كتابنا بصيرة ويستخلص من سر المعرفة سريرة ويعلم ~~كيف تكون الموازنة وكيف تقع المشابهة والمقاربة # ونجعل تلك القصيدة التي نذكرها أجود شعره # سمعت الصاحب إسماعيل بن عباد يقول سمعت أبا الفضل بن العميد يقول سمعت ~~أبا مسلم الرستمي يقول سمعت البحتري يذكر أن أجود شعر قاله # ( أهلا بذلكم الخيال المقبل % ) قال وسمعت أبا الفضل بن العميد يقول أجود ~~شعره هو قوله # ( في الشيب زجر له لو كان ينزجر % ) # قال وسئلت عن ذلك فقلت البحتري أعرف بشعر نفسه من غيره # فنحن الآن نقول في هذه القصيدة ما يصلح في مثل هذا # قوله # ( أهلا بذلكم ms131 الخيال المقبل % فعل الذي نهواه أو لم يفعل ) PageV01P219 # ( برق سري في بطن وجرة فاهتدت % بسناه أعناق الركاب الضلل ) # البيت الأول في قوله ذلكم الخيال ثقل روح وتطويل وحشو وغيره أصلح له وأخف ~~منه قول الصنوبري # ( أهلا بذاك الزور من زور % شمس بدت في فلك الدور ) # وعذوبة الشعر تذهب بزيادة حرف أو نقصان حرف فيصير إلى الكزازة وتعود ~~ملاحته بذلك ملوحة وفصاحته عيا وبراعته تكلفا وسلاسته تعسفا وملاسته تلويا ~~وتعقدا فهذا فصل # وفيه شيء آخر وهو أن هذا الخطاب إنما يستقيم مهما خوطب به الخيال حال ~~إقباله فأما أن يحكي الحال التي كانت وسلفت على هذه العيادة ففيه عهدة وفي ~~تركيب الكلام عن هذا المعنى عقدة وهو - لبراعته وحذقه في هذه الصنعة - يعلق ~~نحو هذا الكلام ولا ينظر في عواقبه لان ملاحة قوله تغطي على عيون الناظرين ~~فيه نحو هذه الأمور # ثم قوله # ( فعل الذي نهواه أو لم يفعل % ) ليست بكلمة رشيقة ولا لفظة ظريفة وإن ~~كانت كسائر الكلام # فأما بيته الثاني فهو عظيم الموقع في البهجة وبديع المأخذ حسن الرواء ~~أنيق المنظر والمسمع يملأ القلب والفهم ويفرح الخاطر وتسري بشاشته في ~~العروق # وكان البحتري يسمي نحو هذه الأبيات عروق الذهب وفي نحوه ما يدل على ~~براعته في الصناعة وحذقه في البلاغة # ومع هذا كله فيه ما نشرحه من الخلل مع الديباجة الحسنة والرونق المليح ~~PageV01P220 وذلك انه جعل الخيال كالبرق لإشراقه في مسراه كما يقال انه ~~يسري كنسيم الصبا فيطيب ما مر به كذلك يضيء ما مر حوله وينور ما مر به وهذا ~~غلو في الصنعة إلا أن ذكره بطن وجره حشو وفي ذكره خلل لان النور القليل ~~يؤثر في بطون الأرض وما اطمأن منها بخلاف ما يؤثر في غيرها فلم يكن من ~~سبيله أن يربط ذلك ببطن وجره # وتحديده المكان - على الحشو - أحمد من تحديد امرئ القيس من ذكر # ( سقط اللوى بين الدخول فحومل % فتوضح فالمقراة ) لم يقنع بذكر حد حتى ~~حده بأربعة حدود كأنه يريد بيع المنزل فيخشى - إن ms132 أخل بحد - أن يكون بيعه ~~فاسدا أو شرطه باطلا فهذا باب # ثم إنما يذكر الخيال بخفاء الأثر ودقة الطلب ولطف المسلك وهذا الذي ذكر ~~يضاد هذا الوجه ويخالف ما وضع عليه أصل الباب # ولا يجوز أن يقدر مقدر أن البحتري قطع الكلام الأول وابتدأ بذكر برق لمع ~~من ناحية حبيبه من جهة بطن وجرة لان هذا القطع إن كان كافيا فعله كان خارجا ~~به عن النظم المحمود ولم يكن مبدعا ثم كان لا تكون فيه الفائدة لان كل برق ~~شعل وتكرر وقع الاهتداء به في الظلام وكان لا يكون بما نظمه مفيدا ولا ~~متقدما وهو على ما كان من مقصده فهو ذو لفظ محمود ومعنى مستجلنب غير مقصود ~~ويعلم بمثله انه طلب العبارات وتعليق القول بالإشارات # وهذا من الشعر الحسن الذي يحلو لفظه وتقل فوائده كقول القائل # ( ولما قضينا من منى كل حاجة % ومسح بالأركان من هو ماسح ) PageV01P221 # ( وشدت على حدب المهاري رحالنا % ولا ينظر الغادي الذي هو رائح ) # ( أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا % وسالت بأعناق المطي الأباطح ) # هذه ألفاظ بديعة المطالع والمقاطع حلوة المجاني والمواقع قليلة المعاني ~~والفوائد # فأما قول البحتري بعد ذلك # من غادة منعت وتمنع نيلها % فلو أنها بذلت لنا لم تبذل ) # ( كالبدر غير مخيل والغصن غير % مميل والدعص غير مهيل ) # فالبيت الأول - على ما تكلف فيه من المطابقة وتجشم الصنعة - ألفاظه أوفر ~~من معانيه وكلماته أكثر من فوائده وتعلم أن القصد وضع العبارات PageV01P222 ~~في مثله ولو قال هى ممنوعة مانعة كان ينوب عن تطويله وتكثيره الكلام ~~وتهويله ثم هو معنى متداول مكرر على كل لسان # وأما البيت الثاني فأنت تعلم أن التشبيه بالبدر والغصن والدعص أمر منقول ~~متداول ولا فضيلة في التشبيه بنحو ذلك # وإنما يبقى تشبيهه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء في البيت وهذا أيضا قريب لان ~~المعنى مكرر # ويبقى له بعد ذلك شيء آخر وهو تعمله للترصيع في البيت كله إلا أن هذه ~~الاستثناءات فيها ضرب من التكلف لان التشبيه بالغصن كاف فإذا زاد فقال ~~كالغصن ms133 غير معوج كان ذلك من باب التكلف خللا وكان ذلك زيادة يستغنى عنها # وكذلك قوله كالدعص غير مهيل لأنه إذا انهال خرج عن أن يكون مطلق التشبيه ~~مصروفا إليه فلا يكون لتقييده معنى # وأما قوله # ( ما الحسن عندك يا سعاد بمحسن % فيما أتاه ولا الجمال بمجمل ) # ( عذل المشوق وإن من سيما الهوى % في حيث يجهله لجاج العذل ) # قوله في البيت الأول عندك حشو وليس بواقع ولا بديع وفيه كلفة # والمعنى الذي قصده أنت تعلم أنه متكرر على لسان الشعراء # وفيه شيء أخر لأنه يذكر أن حسنها لم يحسن في تهييج وجده وتهييم قلبه وضد ~~هذا المعنى هو الذي يميل إليه أهل الهوى والحب PageV01P223 # وبيت كشاجم أسلم من هذا وأبعد من الخلل وهو بقوله # ( بحياة حسنك أحسني وبحق من % جعل الجمال عليك وقفا أجملي ) # وأما البيت الثاني فإن قوله في حيث حشا قوله في كلامه ووقع ذلك مستنكرا ~~وحشيا نافرا عن طبعه جافيا في وضعه فهو كرقعة من جلد في ديباج حسن فهو يمحو ~~حسنه ويأتي على جماله # ثم في المعنى شيء لأن لجاج العذل لا يدل على هوى مجهول ولو كان مجهولا لم ~~يهتدوا للعذل عليه فعلم أن المقصد استجلاب العبارات دون المعاني # ثم لو سلم من هذا الخلل لم يكن في البيت معنى بديع ولا شيء يفوت قول ~~الشعراء في العذل فان ذلك جملهم الذلول وقولهم المكرر المقول # وأما قوله # ( ماذا عليك من انتظار متيم % بل ما يضرك وقفة في منزل ) # ( إن سيل عي عن الجواب فلم يطق % رجعا فكيف يكون إن لم يسأل ) # لست أنكر حسن البيتين وظرفهما ورشاقتهما ولطفهما وماءهما وبهجتهما إلا أن ~~البيت الأول منقطع عن الكلام المتقدم ضربا من الانقطاع لأنه لم يجر لمشافهة ~~العاذل ذكر وإنما جرى ذكر العذال على وجه لا يتصل هذا البيت به ولا يلائمه # ثم الذي ذكره من الانتظار - وإن كان مليحا في اللفظ - فهو في PageV01P224 ~~المعنى متكلف لان الواقف في الدار لا ينظر أمرا وإنما يقف تحسرا وتلددا ~~وتحيرا ms134 # والشطر الأخير من البيت واقع والأول مستجلب وفيه تعليق على أمر لم يجر له ~~ذكر لان وضع البيت يقتضي تقدم عذل على الوقوف ولم يحصل ذلك مذكورا في شعره ~~من قبل # وأما البيت الثاني فإنه معلق بالأول لا يستقل إلا به وهم يعيبون وقوف ~~البيت على غيره ويرون أن البيت التام هو المحمود والمصراع التام بنفسه - ~~بحيث لا يقف على المصراع الآخر - أفضل وأتم وأحسن # وقوله فكيف يكون إن لم يسأل مليح جدا ولا تستمر ملاحة ما قبله عليه ولا ~~يطرد فيه الماء اطراده فيه # وفيه شيء آخر لأنه لا يصح أن يكون السؤال سببا لان يعيا عن الجواب وظاهر ~~القول يقتضيه # فأما قوله # ( لا تكلفن لي الدموع فإن لي % دمعا ينم عليه إن لم يفضل ) # ( ولقد سكنت إلى الصدود من النوى % والشرى أرى عند أكل الحنظل ) # ( وكذاك طرفة حين أوجس ضربة % في الرأس هان عليه فصد الأكحل ) ~~PageV01P225 # فالبيت الأول مخالف لما عليه مذهبهم في طلب الإسعاد بالدموع والإسعاف ~~بالبكاء ومخالف لأول كلامه لأنه يفيد مخاطبة العذل وهذا يفيد مخاطبة الرفيق # وقد بينت لك أن القوم يسلكون حفظ الألفاظ وتصنيعها دون ضبط المعاني ~~وترتيبها ولذلك قال الله عز وجل ( @QB@ والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر ~~أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون @QE@ ) فأخبر سبحانه انهم ~~يتبعون القول حيث توجه بهم واللفظ كيف أطاعهم والمعاني كيف تتبع ألفاظهم ~~وذلك خلاف ما وضع عليه الإبانة عن المقاصد بالخطاب ولذلك كان طلب الفصاحة ~~فيه أسهل وأمكن فصار بهذا أبلغ خطابهم # ثم لو أن هذا البيت وما يتلوه من البيتين سلم من نحو هذا لم يكن في ذلك ~~شيء يفوت شعر شاعر أو كلام متكلم # وأما قوله والشرى أرى فانه وإن كان قد تصنع له من جهة الطباق ومن جهة ~~التجنيس المقارب فهي كلمة ثقيلة على اللسان وهم يذمون نحو هذا كما عابوا ~~على أبي تمام قوله # ( كريم متى أمدحه أمدحه والورى % معي ومتى ما لمته لمته وحدي ) # ذكر لي الصاحب إسماعيل ms135 بن عباد انه جارى أبا الفضل بن العميد في محاسن ~~هذه القصيدة حتى انتهى إلى هذا البيت فذكر له في أن قوله أمدحه أمدحه معيب ~~لثقله من جهة تدارك حروف الحلق PageV01P226 # ثم رأيت بعد ذلك المتقدمين قد تكلموا في هذه النكتة فعلمت أن ذلك شيء عند ~~أهل الصنعة معروف # ثم إن قوله عند أكل الحنظل ليس بحسن ولا واقع # وأما البيت الثالث فهو أجنبي من كلامه غريب في طباعه نافر من جملة شعره ~~وفيه كزازة وفجاجة وإن كان المعنى صالحا # فأما قوله # ( وأغر في الزمن البهيم محجل % قد رحت منه على أغر محجل ) # ( كالهيكل المبني إلا انه % في الحسن جاء كصورة في هيكل ) # فالبيت الأول لم يتفق له فيه خروج حسن بل هو مقطوع عما سلف من الكلام # وعامة خروجه نحو هذا وهو غير بارع في هذا الباب وهذا مذموم معيب منه لان ~~من كان صناعته الشعر وهو يأكل به وتغافل عما يدفع إليه في كل قصيدة واستهان ~~بإحكامه وتجويده مع تتبعه لان يكون عامة ما به يصدر أشعاره من النسيب عشرة ~~أبيات وتتبعه للصنعة الكثيرة وتركيب العبارات وتنقيح الألفاظ وتزويرها - ~~كان ذلك أدخل في عيبه وأدل على تقصيره أو قصوره وإنما يقع له الخروج الحسن ~~في مواضع يسيره وأبو تمام أشد تتبعا لتحسين الخروج منه # وأما قوله وأغر في الزمن البهيم محجل % ) فإن ذكر التحجيل في الممدوح ~~قريب وليس بالجيد وقد يمكن أن يقال انه إذا قرن بالأغر حسن وجرى مجراه ~~وانخرط في سلكه وأهوى إلى مضماره ولم ينكر لمكانه من جواره فهذا عذر ~~والعدول عنه أحسن PageV01P227 # وإنما أراد أن يرد العجز على الصدر ويأتي بوجه في التجنيس # وفيه شيء لان ظاهر كلامه يوهم انه قد صار ممتطيا الأغر الأول ورائحا عليه # ولو سلم من ذلك لم يكن فيه ما يفوت حدود الشعراء وأقاويل الناس # فأما ذكر الهيكل في البيت الثاني ورده عجز البيت عليه وظنه انه قد ظفر ~~بهذه اللفظة وعمل شيئا حتى كررها فهي كلمة فيها ثقل ms136 ونحن نجدهم إذا أرادوا ~~أن يصفوا بنحو هذا قالوا ما هو إلا صورة وما هو إلا تمثال وما هو إلا دمية ~~وما هو إلا ظبية ونحو ذلك من الكلمات الخفيفة على القلب واللسان # وقد استدرك هو أيضا على نفسه فذكر انه كصوره في هيكل ولو اقتصر على ذكر ~~الصورة وحذف الهيكل كان أولى وأجمل # ولو أن هذه الكلمة كررها أصحاب العزائم على الشياطين لراعوهم بها ~~وأفزعوهم بذكرها وذلك من كلامهم وشبيه بصناعتهم # وأما قوله # ( وافي الضلوع يشد عقد حزامه % يوم اللقاء على معم مخول ) # ( أخواله للرسمتين بفارس % وجدوده للتبعين بموكل ) # نبل المحزم مما يمدح به الخيل فهو لم يأت فيه ببديع # وقوله يشد عقد حزامه داخل في التكلف والتعسف لا يقبل من مثله وإن قبلناه ~~من غيره لأنه يتتبع الألفاظ وينقدها نقدا شديدا فهلا قال يشد حزامه أو يأتي ~~بحشو آخر سوى العقد فقد عقد هذا البيت بذكر العقد # ثم قوله يوم اللقاء حشو آخر لا يحتاج إليه PageV01P228 # وأما البيت الثاني فمعناه أصلح من ألفاظه لأنها غير مجانسة لطباعه وفيها ~~غلظ ونفار # وأما قوله # ( يهوي كما تهوي العقاب وقد رأت % صيدا وينتصب انتصاب الأجدل ) # ( متوجس برفيقتين كأنما % تريان من ورق عليه موصل ) # ( ما إن يعاف قذى ولو أوردته % يوما خلائق حمدوية الأحول ) # البيت الأول صالح وقد قاله الناس ولم يسبق إليه ولم يقل ما لم يقولوه ~~قالوه بل هو منقول وفي سرعة عدو الفرس تشبيهات ليس هذا بأبدعها وقد يقولون ~~يفوت الطرف و يسبق الريح ويجاري الوهم و يكد النظر ولولا أن الإتيان على ~~محاسن ما قالوه في ذلك يخرج الكلام عن غرض الكتاب لنقلت لك جملة مما ذهبوا ~~إليه في هذا المعنى فتتبع تعلم انه لم يأت فيها بما يجل عن الوصف أو يفوت ~~منتهى الحد # على أن الهوى يذكر عند الانقضاض خاصة وليس للفرس هذه الصفة في الحقيقة ~~إلا أن يشبه حده في العدو بحالة انقضاض البازي والعقاب وليست تلك الحالة ~~بأسرع أحوال طيرانها # وأما البيت الثاني فقوله ms137 إن الأذنين كأنهما من ورق موصل وإنما أراد ~~PageV01P229 بذلك حدتهما وسرعة حركتهما وإحساسهما بالصوت كما يحس الورق ~~بحفيف الريح وظاهر التشبيه غير واقع وإذا ضمن ما ذكرنا من المعنى كان ~~المعنى حسنا ولكن لا يدل عليه اللفظ وإنما يجري مجرى المضمن # وليس هذا البيت برائق اللفظ ولا مشاكل فيه لطبعه غير قوله متوجس برفيقتين ~~فان هذا القدر هو حسن # وأما البيت الثالث فقد ذكرنا فيما مضى من الكتاب انه من باب الاستطراد ~~ونقلنا نظائر ذلك من قول أبي تمام وغيره وقطعه أبي تمام في نهاية الحسن في ~~هذا المعنى # والذي وقع للبحتري في هذا البيت عندي ليس بجيد في لفظ ولا معنى وهو بيت ~~وحش جدا قد صار قذى في عين هذه القصيدة بل وخزا فيها ووبالا عليها وقد كدر ~~صفاءها وأذهب بهاءها وماءها وطمس بظلمته سناءها # وما وجه مدح الفرس بأنه لا يعاف قذى من المياه إذا وردها كأنه أراد أن ~~يسلك مسلك بشار في قوله # ( ولا يشرب الماء إلا بدم % ) # وإذا كان لهذا الباب مجانبا وعن هذا السمت بعيدا فهلا وصفها بعزة الشرب ~~كما وصفها المتنبي في قوله # ( وصول إلى المستصعبات بخيله % فلو كان قرن الشمس ماء لأوردا ) # وهلا سلك فيه مسلك القائل # ( وإني للماء الذي شابه القذى % إذا كثرت وراده لعيوف ) PageV01P230 # ثم قوله ولو أوردته يوما حشو بارد # ثم قوله حمدوية الأحول وحش جدا فما أمقت هذا البيت وأبغضه وما وأثقله ~~وأسخفه وإنما غطى على عينه عيبه وزين له إيراده طمعه في الاستطراد وهلا طمع ~~فيه على وجه لا يغض من بهجة كلامه ولا معنى ألفاظه فقد كان يمكن ذلك ولا ~~يتعذر # فأما قوله # ( ذنب كما سحب الرداء يذب عن % عرف وعرف كالقناع المسبل ) # ( تتوهم الجوزاء في أرساغه % والبدر فوق جبينه المتهلل ) # فالبيت الأول وحش الابتداء منقطع عما سبق من الكلام قد ذكرنا انه لا ~~يهتدي لوصل الكلام ونظام بعضه إلى بعضه وإنما يتصنع لغير هذا الوجه # وكان يحتاج أن يقول ذنب كالرداء فقد حذف والوصل غير ms138 متسق ولا مليح وكان ~~من سبيله أن لا يخفى عليه ولا يذهب عن مثله # ثم قوله كما سحب الرداء قبيح في تحقيق التشبيه وليس بواقع ولا مستقيم في ~~العبارة إلا على إضمار انه ذنب يسحبه كما يسحب الرداء # وقوله يذب عن عرف ليس بحسن ولا صادق والمحمود ما ذكره امرؤ القيس وهو ~~قوله # ( فويق الأرض ليس بأعزل % ) # وأما قوله تتوهم الجوزاء في أرساغه % ) فهو تشبيه مليح ولكنه لم يسبق ~~إليه ولا انفرد به PageV01P231 # ولو نسخت لك ما قاله الشعراء في تشبيه الغرة بالهلال والبدر والنجم وغير ~~ذلك من الأمور وتشبيه الحجول - لتعجبت من بدائع قد وقعوا عليها وأمور مليحة ~~قد ذهبوا إليها وليس ذلك موضع كلامنا فتتبع ذلك في أشعارهم تعلم ما وصفت لك # واعلم أنا تركنا بقية كلامه في وصف الفرس لأنه ذكر عشرين بيتا في ذلك # والذي ذكرناه في هذا المعنى يدل على ما بعده ولا يعدو ما تركناه أن يكون ~~حسنا مقولا وبديعا منقولا أو يكون متوسطا إلى حد لا يفوت طريقة الشعراء # ولو تتبعت أقاويل الشعراء في وصف الخيل علمت أنه وإن جمع فأوعى وحشر ~~فنادى ففيهم من سبقه في ميدانه ومنهم من ساواه في شأوه منهم من داناه ~~فالقبيل واحد والنسيج متشاكل ولولا كراهة التطويل لنقلت جملة من أشعارهم في ~~ذلك لتقف على ما قلت # فتجاوزنا إلى الكلام على ما قاله في المدح في هذه القصيدة # قال # ( لمحمد بن علي الشرف الذي % لا يلحظ الجوزاء إلا من عل ) # ( وسحابة لولا تتابع مزنها % فينا لراح المزن غير مبخل ) # ( والجود يعذله عليه حاتم % سرفا ولا جود لمن لم يعذل ) # البيت الأول منقطع عما قبله على ما وصفنا به شعره من قطعه PageV01P232 ~~المعاني وفصله بينها وقلة تأتيه لتجويد الخروج والوصل وذلك نقصان في ~~الصناعة وتخلف في البراعة وهذا إذا وقع في مواضع قليلة عذر فيها وأما إذا ~~كان بناء الغالب من كلامه على هذا فلا عذر له # وأما المعنى الذي ذكره فليس بشيء مما سبق إليه وهو شئ ms139 مشترك فيه وقد ~~قالوا في نحوه إن مجده سماء السماء وقالوا في نحوه الكثير الذي يصعب نقل ~~جميعه وكما قال المتنبي # ( وعزمه بعثتها همة زحل % من تحتها بمكان الترب من زحل ) # وحدثني إسماعيل بن عباد أنه رأى أبا الفضل بن العميد قام لرجل ثم قال لمن ~~حضره أتدري من هذا هذا الذي قال في أبيه البحتري # ( لمحمد بن علي الشرف الذي % ) # فذلك يدل على استعظامه للميت بما مدح به من البيت # والبيت الثاني في تشبيه جوده بالسحاب قريب وهو حديث مكرر ليس ينفك مديح ~~شاعر منه وكان من سبيله أن يبدع فيه زيادة إبداع كما قد يقع لهم لهم في نحو ~~هذا ولكنه لم يتصنع له وأرسله إرسالا # وقد وقع في المصراع الثاني ضرب من الخلل وذلك أن المزن إنما يبخل إذا منع ~~نيله وذلك موجود في كل نيل ممنوح وكلاهما محمود مع الإسعاف فإن أسعف أحدهما ~~ومنع الآخر لم يمكن التشبيه وإن كان إنما شبه غالب حال أحدهما بالآخر وذكر ~~قصور أحدهما عن صاحبه حتى إنه قد يبخل في وقت PageV01P233 والآخر لا يبخل ~~بحال - فهذا جيد وليس في حمل الألفاظ على الإشارة إلى هذا شئ # والبيت الثالث وإن كان معناه مكررا فلفظه مضطرب بالتأخير والتقديم يشبه ~~ألفاظ المبتدئين # وأما قوله # ( فضل وإفضال وما أخذ المدى % بعد المدى كالفاضل المتفضل ) # ( سار إذا ادلج العفاة إلى الندى % لا يصنع المعروف غير معجل ) # فالبيت الأول منقطع عما قبله وليس فيه شئ غير التجنيس الذي ليس ببديع ~~لتكرره على كل لسان # وقوله ما أخذ المدى بعد المدى فإنه لفظ مليح وهو كقول القائل # ( قد أركب الآلة بعد الآله % ) # وروي الحالة بعد الحالة وكقول امرئ القيس # ( سمو حباب الماء حالا على حال % ) # ولكنها طريقة مذللة فهو فيها تابع # وأما البيت الثاني فقريب في اللفظ والمعنى # وقوله لا يصنع المعروف ليس بلفظ محمود # وأما قوله # ( عال على نظر الحسود كأنما % جذبته أفراد النجوم بأحبل ) # ( أو ما رأيت المجد ألقى رحله % في آل طلحة ثم لم ms140 يتحول ) PageV01P234 # فالبيت الأول منكر جدا في جر النجوم بالأرسان من موضعه إلى العلو والتكلف ~~فيه واقع # والبيت الثاني أجنبي عنه بعيد منه وافتتاحه رديء وما وجه الاستفهام ~~والتقرير والاستبانة والتوقيف # والبيتان أجنبيان من كلامه غريبان في قصيدته # ولم يقع له في المدح في هذه القصيدة شئ جيد # ألا ترى أنه قال بعد ذلك # ( نفسي فداؤك يا محمد من فتى % يوفي على ظلم الخطوب فتنجلي ) # ( إني أريد أبا سعيد والعدى % بيني وبين سحابة المتهلل ) # كأن هذا ليس من طبعه ولا من سبكه # وقوله # ( مضر الجزيرة كلها وربيعة الخابور % توعدني وأزد الموصل ) # ( قد جدت بالطرف الجواد فثنه % لأخيك من أدد أبيك بمنصل ) # البيت الأول حسن المعنى وإن كانت ألفاظه بذكر الأماكن لا يتأتى فيه ~~التحسين # وهذا المعنى قد يمكن إيراده بأحسن من هذا اللفظ وأبدع منه وأرق منه كقوله # ( إذا غضبت عليك بنو تميم % رأيت الناس كلهم غضابا ) # والبيت الثاني قد تعذر عليه وصله بما سبق من الكلام على وجه يلطف وهو ~~قبيح اللفظ حيث يقول فيه فثنه لأخيك من أدد أبيك ومن أخذه بهذا التعرض لهذا ~~السجع وذكر هذا النسب حتى افسد به شعره PageV01P235 # وأما قوله بعد ذلك في وصف السيف يقول # ( يتناول الروح البعيد منالها % عفوا ويفتح في القضاء المقفل ) # ( بإبانة في كل حتف مظلم % وهداية في كل نفس مجهل ) # ( ماض وإن لم تمضه يد فارس % بطل ومصقول وإن لم يصقل ) # ليس لفظ البيت الأول بمضاه لديباجة شعره ولا له بهجة نظمه لظهور أثر ~~التكلف عليه وتبين ثقل فيه # وأما القضاء المقفل وفتحه فكلام غير محمود ولا مرضي واستعارة لو لم ~~يستعرها كان أولى به وهلا عيب عليه كما عيب على أبي تمام قوله # ( فضربت الشتاء في أخدعيه % ضربة غادرته عودا ركوبا ) # وقالوا يستحق بهذه الاستعارة أن يصفع في أخدعيه وقد اتبعه البحتري في ~~استعارة الأخدع ولوعا باتباعه فقال في الفتح بن خاقان # ( وإني وإن أبلغتني شرف العلا % وأعتقت من ذل المطامع أخدعي ) # إن شيطانه حيث زين له هذه الكلمة ms141 وتابعه حين حسن عنده هذه اللفظة لخبيث ~~مارد ورديء معاند أراد أن يطلق أعنة الذم فيه ويسرح جيوش العتب إليه ولم ~~يقنع بقفل القضاء حتى جعل للحتف ظلمة تجلى بالسيف وجعل السيف هاديا في ~~النفس المجهل الذي لا يهتدي إليه وليس في هذا مع تحسين اللفظ وتنميقه شئ ~~لأن PageV01P236 السلاح وإن كان معيبا فإنه يعتدى إلى النفس # وكان يجب أن يبدع في هذا إبداع المتنبي في قوله # ( كأن الهام في الهيجا عيون % وقد طبعت سيوفك من رقاد ) # ( وقد صغت الأسنة من هموم % فما يخطرن إلا في فؤاد ) # فالاهتداء على هذا الوجه في التشبيه بديع حسن # وفي البيت الأول شئ آخر وذلك أن قوله ويفتح في القضاء في هذا الموضع حشو ~~رديء يلحق بصاحبه اللكنة ويلزمه الهجنة # وأما البيت الثالث فإنه أصلح هذه الأبيات وإن كان ذكر الفارس حشوا وتكلفا ~~ولغوا لأن هذا ر يتغير بالفارس والراجل على أنه ليس فيه بديع # وأما قوله # ( يغشى الوغى والترس ليس بجنة % من حده والدرع ليس بمعقل ) # ( مضغ إلى حكم الردى فإذا مضى % لم يلتفت وإذا قضى لم يعدل ) # ( متوقد يبرى بأول ضربة % ما أدركت ولو أنها في يذبل ) # البيتان الأولان من الجنس الذي يكثر كلامه عليه وهي طريقته التي يجتبيها ~~وذلك من السبك الكتابي والكلام المعتدل إلا أنه لم يبدع فيهما بشيء وقد زيد ~~عليه فيهما PageV01P237 # ومن قصد إلى أن يكمل عشرة أبيات في وصف السيف فليس من حكمه أن يأتي ~~بأشياء منقولة وأمور مذكورة وسبيله أن يغرب ويبدع كما أبدع المتنبي في قوله # ( سله الركض بعد وهن بنجد % فتصدى للغيث أهل الحجاز ) # هذا في باب صقاله وأضوائه وكثرة مائه وكقوله # ( ريان لو قذف الذي أسقيته % لجرى من المهجات بحر مزبد ) # وقوله مصغ إلى حكم الردي - إن تأملته - مقلوب كان ينبغي أن يقول يصغي ~~الردى إلى حكمه كما قال الآخر # ( فالسيف يأمر والأقدار تنتظر % ) # وقوله وإذا قضي لم يعدل متكرر على ألسنتهم في الشعر خاصة في نفس هذا ~~المعنى # والبيت الثالث سليم وهو ms142 كالأولين في خلوه عن البديع # فأما قوله # ( فإذا أصاب فكل شيء مقتل % وإذا أصيب فما له من مقتل ) # ( وكأنما سود النمال وحمرها % دبت بأيد في قراه وأرجل ) # البيت الأول يقصد بمثله صنعه اللفظ وهو في المعنى متفاوت لأن PageV01P238 ~~المضرب قد لا يكون مقتلا وقد يطلق الشعراء ذلك ويرون أن هذا أبدع من قول ~~المتنبي وأنه بضده # ( القاتل السيف في جسم القتيل به % وللسيوف كما للناس آجال ) وهذه طريقة ~~لهم يتمدحون بها في قصف الرمح طعنا وتقطيع السيف ضربا # وفي قوله # ( وإذا أصيب فما له من مقتل % ) تعسف لأنه يريد بذلك انه لا ينكسر ~~فالتعبير بما عبر به عن المعنى الذي ذكرناه يتضمن التكلف وضربا من المحال ~~وليس بالنادر والذي عليه الجملة ما حكيناه عن غيره # ونحوه قال بعض أهل الزمان # ( يقصف في الفارس السمهري % وصدر الحسام فريقا فريقا ) # والبيت الثاني أيضا هو معنى مكرر على ألسنة الشعراء # وأما تصنيعه بسود النمال وحمرها فليس بشيء ولعله أراد بالحمر الذر ~~والتفصيل بارد والإعراب به منكر وهو - كما حكي عن بعضهم أنه قال - كان كذا ~~حين كانت الثريا بحذاء رأسي على سواء أو منحرفا قدر شبر أو نصف شبر أو ~~إصبعا أو ما يقارب ذلك فقيل له هذا من الورع الذي يبغضه الله ويمقته الناس # ورب زيادة كانت نقصانا # وصفة النمل بالسواد والحمرة في هذا من ذلك الجنس وعليه خرج بقية البيت في ~~قوله # ( دبت بأيد في قراه وأرجل % ) # وكان يكفي ذكر الأرجل عن ذكر الأيدي PageV01P239 # ووصف الفرند بمدب النمل شيء لا يشذ عن أحد منهم # وأما قوله # ( وكأن شاهره إذا استضوى به الزحفان % يعصي بالسماك الأعزل ) # ( حملت حمائله القديمة بقلة % من عهد عاد غضة لم تذبل ) # البيت الأول منهما فيه ضرب من التكلف وهو منقول من أشعارهم وألفاظهم ~~وإنما يقول # ( وتراه في ظلم الوغى فتخاله % قمرا يشد على الرجال بكوكب ) # فجعل ذلك الكوكب السماك واحتاج إلى أن يجعله أعزل للقافية ولو لم يحتج ~~إلى ذلك كان خيرا له لان هذه الصفة في ms143 هذا الموضع تغض من الموصوف وموضع ~~التكلف الذي ادعيناه الحشو الذي ذكره من قوله إذا استضوى به الزحفان وكان ~~يكفي أن يقول كأن صاحبه يعصي بالسماك وهذا وإن كان قد تعمل فيه للفظ فهو ~~لغو على ما بينا # وأما البيت الثاني ففيه لغو من جهة قوله حمائله القديمة ولا يوصف السيف ~~بان حمائله قديمة ولا فضيلة له في ذلك PageV01P240 # ثم تشبيه السيف بالبقلة من تشبيهات العامة و الكلام الرذل النذل لان ~~العامة قد يتفق منها تشبيه واقع حسن # ثم انظر إلى هذا المقطع الذي هو بالعي أشبه منه بالفصاحة والى اللكنة ~~أقرب منه إلى البراعة # وقد بينا أن مراعاة الفواتح والخواتم والمطلع والمقاطع والفصل والوصل بعد ~~صحة الكلام ووجود الفصاحة فيه - مما لا بد منه وأن الإخلال بذلك يخل بالنظم ~~ويذهب رونقه ويحيل بهجته ويأخذ ماءه وبهاءه # وقد أطلت عليك فيما نقلت وتكلفت ما سطرت لان هذا القبيل قبيل موضوع متعمل ~~مصنوع # واصل الباب في الشعر على أن ينظر إلى جملة القصة ثم يتعمل الألفاظ ولا ~~ينظر بعد ذلك إلى مواقعها ولا يتأمل مطارحها وقد يقصد تارة إلى تحقيق ~~الأغراض وتصوير المعاني التي في النفوس ولكنه يلحق بأصل بابه ويميل بك إلى ~~موضوعه وبحسب الاهتمام بالصنعة يقع فيها التفاضل # وإن أردت أن تعرف وصاف الفرس فقد ذكرت لك أن الشعراء قد تصرفوا في ذلك ~~بما يقع إليك - إن كنت من أهل الصنعة - مما يطول علي نقله وكذلك في السيف ~~وذكر لي بعض أهل الأدب أن أحسن قطعة في السيف قول أبي الهول الحميري ~~PageV01P241 # ( حاز صمصامة الزبيدي من بين % جميع الأنام موسى الأمين ) # ( سيف عمرو وكان - فيما سمعنا - % خير ما أطبقت عليه الجفون ) # ( أخضر اللون بين برديه حد % من ذعاف تميس فيه المنون ) # ( أوقدت فوقه الصواعق نارا % ثم شابت له الذعاف القيون ) # ( فإذا ما شهرته بهر الشمس % ضياء فلم تكد تستبين ) # ( يستطير الأبصار كالقبس المشعل % لا تستقيم فيه العيون ) # ( وكأن الفرند والرونق الجاري % في صفحتيه ماء معين ) # ( نعم مخراق ذي الحفيظة ms144 في الهيجاء % يعصي به ونعم القرين ) PageV01P242 # ( ما يبالي إذا انتحاه بضرب % أشمال سطت به أم يمين ) # وإنما يوازن شعر البحتري بشعر شاعر من طبقته ومن أهل عصره ومن هو في ~~مضماره أو في منزلته # ومعرفة أجناس الكلام والوقوف على أسراره والوقوع على مقداره شيء - وإن ~~كان عزيزا وأمر - وان كان بعيدا - فهو سهل على أهله مستجيب لأصحابه مطيع ~~لأربابه ينقدون الحروف ويعرفون الصروف # وإنما تبقي الشبهة في ترتيب الحال بين البحتري وأبي تمام وابن الرومي ~~وغيره # ونحن وإن كنا نفضل البحتري بديباجة شعره على ابن الرومي وغيره من أهل ~~زمانه - نقدمه بحسن عبارته وسلاسة كلامه وعذوبة ألفاظه وقلة تعقد قوله # والشعر قبيل ملتمس مستدرك وأمر ممكن مطيع # ونظم القرآن عال عن أن يعلق به الوهم أو يسمو إليه الفكر أو يطمع فيه ~~طامع أو يطلبه طالب ( @QB@ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل ~~من حكيم حميد @QE@ ) # وكنت قد ذكرت لك قبل هذا أنك إن كنت بصنعة علم اللسان متدربا وفيه متوجها ~~متقدما أمكنك الوقوف على ما ذكرنا والنفوذ فيما وصفنا وإلا فاجلس في مجلس ~~المقلدين وارض بمواقف المتحيرين # ونصحت لك حيث قلت انظر هل تعرف عروق الذهب ومحاسن الجوهر وبدائع الياقوت ~~ودقائق السحر من غير معرفة بأسباب هذه الأمور ومقدماتها وهل يقطع سمت ~~البلاد من غير اهتداء فيها PageV01P243 # ولكل شيء طريق يتوصل إليه به وباب يؤخذ نحوه فيه ووجه يؤتى منه # ومعرفة الكلام أشد من المعرفة بجميع ما وصفت لك وأغمض وأدق وألطف # وتصوير ما في النفس وتشكيل ما في القلب حتى تعلمه وكأنك مشاهده وإن كان ~~قد يقع بالإشارة ويحصل بالدلالة والأمارة كما يحصل بالنطق الصريح والقول ~~الفصيح - فللإشارات أيضا مراتب وللسان منازل ورب وصف يصور لك الموصوف كما ~~هو على جهته لا خلف فيه ورب وصف ببر عليه ويتعداه ورب وصف يقصر عنه # ثم إذا صدق الوصف انقسم إلى صحة وإتقان وحسن وإحسان والى إجمال وشرح والى ~~استيفاء وتقريب والى غير ذلك من الوجوه # ولكل ms145 مذهب وطريق وله باب وسبيل # فوصف الجملة الواقعة كقوله تعالى ( @QB@ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ~~ولملئت منهم رعبا @QE@ ) # والتفسير كقوله ( @QB@ ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم ~~نغادر منهم أحدا @QE@ ) إلى آخر الآيات في هذا المعنى # وكنحو قوله ( @QB@ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ~~يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد @QE@ ) # وهذا مما يصور الشيء على جهته ويمثل أهوال ذلك اليوم # ومما يصور لك الكلام الواقع في الصفة كقوله حكاية عن السحرة لما توعدهم ~~فرعون بما توعدهم به حين آمنوا ( @QB@ قالوا لا ضير إنا إلى ربنا @QE@ ) ~~PageV01P244 ( @QB@ منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول ~~المؤمنين @QE@ ) # وقال في موضع آخر ( @QB@ إنا إلى ربنا منقلبون وما تنقم منا إلا أن آمنا ~~بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين @QE@ ) # وهذا ينبئ عن كلام الحزين لما ناله والجازع لما مسه # ومن باب التسخير والتكوين قوله تعالى ( @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون @QE@ ) # وقوله ( @QB@ فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق ~~كالطود العظيم @QE@ ) # وتقصي أقسام ذلك مما يطول ولم أقصد استيفاء ذلك وإنما ضربت لك المثل بما ~~ذكرت لتستدل وأشرت إليك بما أشرت لتتأمل # وإنما اقتصرنا على ذكر قصيدة البحتري لان الكتاب يفضلونه على أهل دهره ~~ويقدمونه على من في عصره ومنهم من يدعي له الإعجاز غلوا ويزعم انه يناغي ~~النجم في قوله علوا والملحدة تستظهر بشعره وتتكثر بقوله وترى كلامه من ~~شبهاتهم وعباراته مضافة إلى ما عندهم من ترهاتهم فبينا قدر درجته وموضع ~~رتبته وحد كلامه # وهيهات أن يكون المطموع فيه كالمأيوس منه وان يكون الليل كالنهار والباطل ~~كالحق وكلام رب العالمين ككلام البشر # فان قال قائل فقد قدح الملحد في نظم القرآن وادعى عليه الخلل في ~~PageV01P245 البيان وأضاف إليه الخطأ في المعنى ms146 واللفظ وزعم ما زعم وقال ما ~~قال فهل من فصل # قيل الكلام على مطاعن الملحدة في القرآن مما قد سبقنا إليه وصنف أهل ~~الأدب في بعضه فكفوا وأتى المتكلمون على ما وقع إليهم فشفوا ولولا ذلك ~~لاستقصينا القول فيه في كتابنا # وأما الغرض الذي صنفنا فيه في التفصيل والكشف عن إعجاز القران فلم نجده ~~على التقريب الذي قصدنا وقد رجونا أن يكون ذلك مغنيا ووافيا # وإن سهل الله لنا ما نويناه من إملاء معاني القرآن ذكرنا في ذلك ما يشتبه ~~من الجنس الذي ذكروه لان أكثر ما يقع من الطعن عليه فإنما يقع على جهل ~~القوم بالمعاني أو بطريقة كلام العرب # وليس ذلك من مقصود كتابنا هذا وقد قال النبي فضل كلام الله على سائر ~~الكلام كفضل الله على خلقه # وقد قصدنا فيما أمليناه الاختصار ومهدنا الطريق فمن كمل طبعه للوقوع على ~~فضل أجناس الكلام استدرك ما بينا ومن تعذر عليه الحكم بين شعر جرير ~~والفرزدق والأخطل والحكم بين فضل زهير والنابغة أو الفضل بين البحتري ~~وأصحابه ولم يعرف سخف مسيلمة في نظمه ولم يعلم انه من الباب الذي يهزأ به ~~ويسخر منه كشعر أبي العنبس في جملة PageV01P246 الشعر وشعر علي بن صلاءة - ~~فكيف يمكنه النظر فيما وصفنا والحكم على ما بينا # فان قال قائل فاذكر لنا من هؤلاء الشعراء الذين سميتهم الأشعر والأبلغ # قيل له هذا أيضا خارج عن غرض هذا الكتاب وقد تكلم فيه الأدباء ويحتاج أن ~~يجرد لنحو هذا كتاب ويفرد له باب وليس من قبيل ما نحن فيه بسبيل # وليس لقائل أن يقول قد يسلم بعض الكلام من العوارض والعيوب ويبلغ أمده في ~~الفصاحة والنظم العجيب ولا يبلغ عندكم حد المعجز فلم قضيتم بما قضيتم به في ~~القرآن دون غيره من الكلام # وإنما لم يصح هذا السؤال وما تذكر فيه من أشعار في نهاية الحسن وخطب ~~ورسائل في غاية الفضل - لأنا قد بينا أن هذه الأجناس قد وقع التنازع فيها ~~والمساماة عليها والتنافس في طرقها والتنافر ms147 في بابها وكان البون بين البعض ~~والبعض في الطبقة الواحدة قريبا والتفاوت خفيفا وذلك القدر من السبق إن ذهب ~~عنه الواحد لم ييأس منه الباقون ولم ينقطع الطمع في مثله # وليس كذلك سمت القرآن لأنه قد عرف أن الوهم ينقطع دون مجاراته والطمع ~~يرتفع عن مباراته ومساماته وأن الكل في العجز عنه على حد واحد # وكذلك قد يزعم زاعمون أن كلام الجاحظ من السمت الذي لا يؤخذ فيه والباب ~~الذي لا يذهب عنه وأنت تجد قوما يرون كلامه قريبا PageV01P247 ومنهاجه ~~معيبا ونطاق قوله ضيقا حتى يستعين بكلام غيره ويفزع إلى ما يوشح به كلامه ~~من بيت سائر ومثل نادر وحكمة ممهدة منقولة وقصة عجيبة مأثورة وأما كلامه في ~~أثناء ذلك فسطور قليلة وألفاظ يسيرة فإذا أحوج إلى تطويل الكلام خاليا عن ~~شيء يستعين به - فيخلط بقوله من قول غيره - كان كلاما ككلام غيره # فان أردت أن تحقق هذا فانظر في كتبه في نظم القرآن وفي الرد على النصارى ~~وفي خبر الواحد وغير ذلك مما يجري هذا المجرى هل تجد في ذلك كله ورقة واحدة ~~تشتمل على نظم بديع أو كلام مليح # على أن متأخري الكتاب قد نازعوه في طريقته وجاذبوه على منهجه فمنهم من ~~ساواه حين ساماه ومنهم من أبر عليه إذ باراه # هذا أبو الفضل بن العميد قد سلك مسلكه وأخذ طريقه فلم يقصر عنه ولعله قد ~~بان تقدمه عليه لأنه يأخذ في الرسالة الطويلة فيستوفيها على حدود مذهبه ~~ويكملها على شروط صنعته ولا يقتصر على أن يأتي بالأسطر من نحو كلامه كما ~~ترى الجاحظ يفعله في كتبه متى ذكر من كلامه سطرا أتبعه من كلام الناس ~~أوراقا وإذا ذكر منه صفحة بنى عليه من قول غيره كتابا # وهذا يدلك على أن الشيء إذا استحسن اتبع وإذا استملح قصد له وتعمد وهذا ~~الشيء يرجع إلى الأخذ بالفضل والتنافس في التقدم # فلو كان في مقدور البشر معارضة القرآن لهذا الغرض وحده - لكثرت المعارضات ~~ودامت المنافسات # فكيف وهناك دواع لا انتهاء ms148 لها وجوالب لا حد لكثرتها لأنهم لو كانوا ~~عارضوه لتوصلوا إلى تكذيبه ثم إلى قطع المحامين دونه عنه أو تنفيرهم عليه ~~وإدخال الشبهات على قلوبهم وكان القوم يكتفون بذلك عن بذل PageV01P248 ~~النفوس ونصب الأرواح والإخطار بالأموال والذراري في وجه عداوته ويستغنون ~~بكلام - هو طبعهم وعادتهم وصناعتهم - عن محاربته وطول مناقشته ومجاذبته # وهذا الذي عرضناه على عقلك وجلوناه على قلبك يكفي إن هديت لرشدك ويشفي إن ~~دللت على قصدك # ونسأل الله حسن التوفيق والعصمة والتسديد إنه لا معرفة إلا بهدايته ولا ~~عصمة إلا بكفايته وهو على ما يشاء قدير وحسبنا الله ونعم الوكيل ~~PageV01P249 # | فصل # فإن قال قائل قد يجوز أن يكون أهل عصر النبي قد عجزوا عن الإتيان بمثل ~~القرآن وإن كان من بعدهم من أهل الأعصار لم يعجزوا # قيل هذا سؤال معروف وقد أجيب عنه بوجوه منها ما هو صواب ومنها ما فيه خلل # لان من كان يجيب عنه بأنهم لا يقدرون على معارضته في الإخبار عن الغيوب ~~إن قدروا على مثل نظمه - فقد سلم المسألة لأنا ذكرنا أن نظمه معجز لا يقدر ~~عليه فإذا أجاب بما قدمناه فقد وافق السائل على مراده # والوجه أن يقال فيه طرق # منها أنا إذا علمنا أن أهل ذلك العصر كانوا عاجزين عن الإتيان بمثله فمن ~~بعدهم أعجز لان فصاحة أولئك في وجوه ما كانوا يتفننون فيه من القول مما لا ~~يزيد عليه فصاحة من بعدهم واحسن أحوالهم أن يقاربوهم أو يساووهم فأما أن ~~يتقدموهم أو يسبقوهم فلا # ومنها قد أنا علمنا عجز سائر أهل الأعصار كعلمنا بعجز أهل العصر الأول ~~والطريق في العلم بكل واحد من الأمرين طريق واحد لان التحدي في الكل على ~~جهة واحدة والتنافس في الطباع على حد واحد والتكليف على منهاج لا يختلف ~~ولذلك قال الله تبارك وتعالى ( @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ ~~PageV01P250 # | فصل في التحدي # يجب أن تعلم أن من حكم المعجزات إذا ظهرت ms149 على الأنبياء أن يدعوا فيها ~~أنها من دلالتهم وآياتهم لأنه لا يصح بعثة النبي من غير أن يؤتى دلالة ~~ويؤيد بآية لان النبي لا يتميز من الكاذب بصورته ولا يقول نفسه ولا بشيء ~~آخر سوى البرهان الذي يظهر عليه فيستدل به على صدقه # فإذا ذكر لهم أن هذه آيتي وكانوا عاجزين عنها - صح له ما ادعاه # ولو كانوا غير عاجزين عنها - لم يصح أن يكون برهانا له # وليس يكون معجزا إلا بان يتحداهم إلى أن يأتوا بمثله فإذا تحداهم وبان ~~عجزهم - صار ذلك معجزا # وإنما احتيج في باب القرآن إلى التحدي لان من الناس من لا يعرف كونه ~~معجزا فإنما يعرف أولا إعجازه بطريق لان الكلام المعجز لا يتميز من غيره ~~بحروفه وصورته وإنما يحتاج إلى علم وطريق يتوصل به إلى معرفة كونه معجزا # فان كان لا يعرف بعضهم إعجازه فيجب أن يعرف هذا حتى يمكنه أن يستدل به # ومتى رأى أهل ذلك اللسان قد عجزوا عنه بأجمعهم مع التحدي إليه والتقريع ~~به والتمكين منه - صار حينئذ بمنزلة من رأى اليد البيضاء وانقلاب العصى ~~ثعبانا تتلقف ما يأفكون # وأما من كان من أهل صنعة العربية والتقدم في البلاغة ومعرفة فنون القول ~~ووجوه المنطق - فانه يعرف - حين يسمعه - عجزه عن الإتيان بمثله PageV01P251 ~~ويعرف أيضا أهل عصره ممن هو في طبقته أو يدانيه في صناعته عجزهم عنه فلا ~~يحتاج إلى التحدي حتى يعلم به كونه معجزا # ولو كان أهل الصنعة الذين صفتهم ما بينا لا يعرفون كونه معجزا حتى يعرفوا ~~عجز غيرهم عنه - لم يجز أن يعرف النبي أن القرآن معجز حتى يرى عجز قريش عنه ~~بعد التحدي إليه وإذا عرف عجز قريش لم يعرف عجز سائر العرب عنه حتى ينتهي ~~إلى التحدي إلى أقصاهم وحتى يعرف عجز مسيلمة الكذاب عنه ثم يعرف حينئذ كونه ~~معجزا # وهذا القول - إن قيل - أفحش ما يكون من الخطأ # فيجب أن تكون منزلة أهل الصنعة في معرفة إعجاز القران بأنفسهم منزلة من ~~رأى اليد البيضاء وفلق ms150 البحر بان ذلك معجز # وأما من لم يكن من أهل الصنعة فلا بد له من مرتبة قبل هذه المرتبة يعرف ~~بها كونه معجزا فيساوي حينئذ أهل الصنعة فيكون استدلالها في تلك الحالة به ~~على صدق من ظهر ذلك عليه على سواء إذا ادعاه - دلالة على نبوته وبرهانا على ~~صدقه # فأما من قدر أن القرآن لا يصير معجزا إلا بالتحدي إليه فهو كتقدير من ظن ~~أن جميع آيات موسى وعيسى عليهما السلام ليست بآيات حتى التحدي إليها والحض ~~عليها ثم يقع العجز عنها فيعلم حينئذ أنها معجزات # وقد سلف من كلامنا في هذا المعنى ما يغني عن الإعادة # ويبين ما ذكرناه في غير البليغ أن الأعجمي الآن لا يعرف إعجاز القران إلا ~~بأمور زائدة على الأعجمي الذي كان في ذلك الزمان مشاهدا له لان من هو من ~~أهل العصر يحتاج أن يعرف أولا أن العرب عجزوا عنه وإنما يعلم عجزهم عنه ~~بنقل الناقلة إليه أن النبي قد تحدى العرب إليه فعجزوا عنه ويحتاج في النقل ~~إلى شروط وليس يصير القرآن بهذا النقل PageV01P252 معجزا كذلك لا يصير ~~معجزا بان يعلم العربي الذي ليس ببليغ انهم قد عجزوا عنه بأجمعهم بل هو ~~معجز في نفسه وإنما طريق معرفة هذا وقوفهم على العلم بعجزهم عنه ~~PageV01P253 # | فصل في قدر المعجز من القرآن # الذي ذهب إليه عامة أصحابنا - وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعري في كتبه - ~~أن أقل ما يعجز عنه من القرآن السورة قصيرة كانت أو طويلة أو ما كان بقدرها # قال فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة وإن كانت سورة الكوثر فذلك معجز # قال ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر # وذهبت المعتزلة إلى أن كل سورة برأسها فهي معجزة # وقد حكي عنهم نحو قولنا إلا أن منهم من لم يشترط كون الآية بقدر السورة ~~بل شرط الآيات الكثيرة # وقد علمنا انه تحداهم تحديا إلى السور كلها ولم يخص ولم يأتوا لشيء منها ~~بمثل فعلم أن جميع ذلك معجز ms151 # وأما قوله عز وجل ( @QB@ فليأتوا بحديث مثله @QE@ ) فليس بمخالف لهذا لان ~~الحديث التام لا تتحصل حكايته في أقل من كلمات سورة قصيرة # وهذا يؤكد ما ذهب إليه أصحابنا ويؤيده وإن كان قد يتأول قوله ( @QB@ ~~فليأتوا بحديث مثله @QE@ ) على أن يكون راجعا إلى القبيل دون التفصيل # وكذلك يحمل قوله تعالى ( @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله @QE@ ) على القبيل لأنه لم يجعل الحجة ~~عليهم عجزهم عن الإتيان بجميعه من أوله إلى أخره # فان قيل هل تعرفون إعجاز السور القصار بما تعرفون إعجاز السور الطوال ~~PageV01P254 وهل تعرفون إعجاز كل قدر من القرآن بلغ الحد الذي قدرتموه بمثل ~~ما تعرفون به إعجاز سورة البقرة ونحوها # فالجواب أن شيخنا أبا الحسن الأشعري رحمه الله أجاب عن ذلك بان كل سورة ~~قد علم كونها معجزة بعجز العرب عنها # وسمعت بعض الكبراء من أهل هذا الشأن يقول إن ذلك يصح أن يكون علم ذلك ~~توقيفا # والطريقة الأولى أسد وليس هذا الذي ذكرناه أخيرا بمناف له لأنه لا يمتنع ~~أن يعلم إعجازه بطرق مختلفة تتوافى عليه وتجتمع فيه # واعلم أن تحت اختلاف هذه الأجوبة ضربا من الفائدة # لان الطريقة الأولى تبين أن ما علم به كون جميع القرآن معجزا - موجود في ~~كل سورة وإن صغرت أو كبرت فيجب أن يكون الحكم في الكل واحدا # والطريقة الأخيرة تتضمن تعذر معرفة إعجاز القران بالطريقة التي سلكناها ~~في كتابنا من التفصيل الذي بينا فيما تعرف به في الكلام الفصاحة وتتبين به ~~البلاغة حتى يعلم ذلك بوجه آخر فيستوي في هذا القدر البليغ وغيره في أن لا ~~يعلمه معجزا حتى يستدل به من وجه آخر سوى ما يعلمه البلغاء من التقدم في ~~الصنعة وهذا غير ممتنع # ألا ترى أن الإعجاز في بعض السور والآيات أظهر وفي بعضها أغمض وأدق فلا ~~يفتقر البليغ في النظر في حال بعضها إلى تأمل كثير ولا بحث شديد حتى يتبين ~~له الإعجاز # ويفتقر في بعضها إلى نظر دقيق وبحث ms152 لطيف حتى يقع على الجلية ويصل إلى ~~المطلب # ولا يمتنع أن يذهب عليه الوجه في بعض السور فيحتاج أن يفزع فيه إلى إجماع ~~أو توقيف أو ما علمه من عجز العرب قاطبة عنه PageV01P255 # فان ادعى ملحد أو زعم زنديق انه لا يقع العجز عن الإتيان بمثل السور ~~القصار أو الآيات بهذا المقدار # قلنا له إن الإعجاز قد حصل بما بيناه وعرف بما وقفنا عليه من عجز العرب ~~عنه # ثم فيه شيء آخر وهو أن هذا سؤال لا يستقيم للملحد لأنه يزعم لنه ليس في ~~القرآن كله إعجاز فكيف يجوز أن نناظره على تفصيله # وإذا ثبت لنا معه إعجازه في السور الطوال قامت الحجة عليه وثبتت المعجزة ~~ولا معنى لطلبه لكثرة الأدلة والمعجزات ونحن نعلم أن إعجاز البعض بما بيناه ~~والبعض الآخر بأنه إذا ثبت الأصل لم يبق بعد ذلك إلا قولنا لأنا عرفنا في ~~البعض الإعجاز بما بينا ثم عرفنا في الباقي بالتوقيف ونحو ذلك # وليس بممتنع اختلاف حال الكلام حتى يكون الإعجاز على بعضه أظهر وفي بعضه ~~أغمض ومن آمن ببعض دون بعض كان مذموما على ما قال الله تعالى ( @QB@ ~~أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض @QE@ ) وقال ( @QB@ وننزل من القرآن ما ~~هو شفاء ورحمة للمؤمنين @QE@ ) فظاهره عند بعض أهل التأويل كالدليل على أن ~~الشفاء ببعضه أوقع وإن كنا نقول انه يدل على أن الشفاء في جميعه # واعلم أن الكلام يقع فيه الأبلغ والبليغ ولذلك كانوا يسمون الكلمة يتيمة ~~ويسمون البيت الواحد يتيما # سمعت إسماعيل بن عباد يقول سمعت أبا بكر بن مقسم يقول PageV01P256 سمعت ~~ثعلبا يقول سمعت سلمة يقول سمعت الفراء يقول العرب تسمي البيت الواحد يتيما ~~وكذلك يقال الدرة اليتيمة لانفرادها فإذا بلغ البيتين والثلاثة فهي نتفة ~~والى العشرة تسمى قطعة وإذا بلغ العشرين استحق أن يسمى قصيدا وذلك مأخوذ من ~~المخ القصيد وهو المتراكم بعضه على بعض وهو ضد الرار ومثله الرثيد # انتهت الحكاية ثم استشهد بقول لبيد # ( فتذكر ثقلا رثيدا بعدما % ألقت ذكاء يمينها في كافر ) # يريد ms153 بيض النعام لأنه ينضد بعضه على بعض # وكذلك يقع في الكلام البيت الوحشي والنادر والمثل السائر والمعنى الغريب ~~والشيء الذي لو اجتهد له لم يقع عليه فيتفق له ويصادفه # قال لي بعض علماء هذه الصنعة - وجاريته في ذلك - إن هذا مما PageV01P257 ~~لا سبب له يخصه وإنما سببه الغزارة في أصل الصنعة والتقدم في عيون المعرفة ~~فإذا وجد ذلك وقع له من الباب ما يطرد عن حساب وما يشذ عن تفصيل الحساب # فأما ما قلنا من أن ما بلغ قدر السورة معجز فإن ذلك صحيح PageV01P258 # | فصل في أنه هل يعلم إعجاز القران ضرورة # ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري إلى أن ظهور ذلك عن النبي يعلم ضرورة وكونه ~~معجزا يعلم باستدلال # وهذا المذهب يحكي عن مخالفين # والذي نقوله في هذا إن الأعجمي لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا ~~وكذلك من لم يكن بليغا # فأما البليغ الذي قد أحاط بمذاهب العربية وغرائب الصنعة - فانه يعلم من ~~نفسه ضرورة عجزه عن الإتيان بمثله ويعلم عجز غيره بمثل ما يعرف عجز نفسه ~~كما انه إذا علم الواحد منا انه لا يقدر على ذلك فهو يعلم عجز غيره ~~استدلالا PageV01P259 # | فصل فيما يتعلق به الإعجاز # إن قال قائل بينوا لنا ما الذي وقع التحدي إليه أهو الحروف المنظومة أو ~~الكلام القائم بالذات أو غير ذلك # قيل الذي تحداهم به أن يأتوا بمثل الحروف التي هي نظم القرآن منظومة ~~كنظمها متتابعة كتتابعها مطردة كاطرادها ولم يتحدهم إلى أن يأتوا بمثل ~~الكلام القديم الذي لا مثل له # وإن كان كذلك فالتحدي واقع إلى أن يأتوا بمثل الحروف المنظومة التي هي ~~عبارة عن كلام الله تعالى في نظمها وتأليفها وهي حكاية لكلامه ودلالات عليه ~~وأمارات له على أن يكونوا مستأنفين لذلك لا حاكين بما أتى به النبي # ولا يجب أن يقدر مقدر أو يظن ظان أنا حين قلنا أن القرآن معجز وإنه ~~تحداهم إلى أن يأتوا بمثله - أردنا غير ما فسرناه من العبارات عن الكلام ~~القديم القائم بالذات # وقد ms154 بينا قبل هذا انه لم يكن ذلك معجزا لكونه عبارة عن الكلام القديم لان ~~التوراة والإنجيل عبارة عن الكلام القديم وليس ذلك بمعجز في النظم والتأليف ~~وكذلك ما دون الآية - كاللفظة - عبارة عن كلامه وليست بمنفردها بمعجزة # وقد جوز بعض أصحابنا أن يتحداهم إلى مثل كلامه القديم القائم بنفسه # والذي عول عليه مشايخنا ما قدمنا ذكره وعلى ذلك أكثر مذاهب الناس ~~PageV01P260 # ولم نحب أن نفسر ونذكر موجب هذا المذهب الذي حكيناه وما يتصل به لأنه ~~خارج عن غرض كتابنا لأن الإعجاز واقع في نظم الحروف التي هي دلالات وعبارات ~~عن كلامه والى مثل هذا النظم وقع التحدي فبينا وجه ذلك وكيفية ما نتصور ~~القول فيه وأزلنا توهم من يتوهم أن القديم حروف منظومة أو حروف غير منظومة ~~أو شيء مؤلف أو غير ذلك مما يصح أن يتوهم على ما سبق من إطلاق القول فيما ~~مضى PageV01P261 # | فصل في وصف وجوه من البلاغة # ذكر بعض أهل الأدب والكلام أن البلاغة على عشرة أقسام # الإيجاز والتشبيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس والتصريف ~~والتضمين والمبالغة وحسن البيان # فأما الإيجاز فإنما يحسن مع ترك الإخلال باللفظ والمعنى فيأتي باللفظ ~~القليل الشامل لأمور كثيرة # وذلك ينقسم إلى حذف وقصر # فالحذف الإسقاط للتخفيف كقوله ( @QB@ واسأل القرية @QE@ ) وقوله ( @QB@ ~~طاعة وقول معروف @QE@ ) # وحذف الجواب كقوله ( @QB@ ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض ~~أو كلم به الموتى @QE@ ) كأنه قيل لكان هذا القرآن # والحذف ابلغ من الذكر لان النفس تذهب كل مذهب في القصد من الجواب ~~PageV01P262 # والإيجاز بالقصر كقوله ( @QB@ ولكم في القصاص حياة @QE@ ) # وقوله ( @QB@ يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو @QE@ ) # وقوله ( @QB@ إنما بغيكم على أنفسكم @QE@ ) # وقوله ( @QB@ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله @QE@ ) # والإطناب فيه بلاغة فأما التطويل ففيه عن # وأما التشبيه فهو العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في PageV01P163 ~~حس أو عقل كقوله ( @QB@ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ~~حتى إذا جاءه لم يجده شيئا @QE@ ) # وقوله ( @QB@ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح ms155 في يوم ~~عاصف @QE@ ) # وقوله ( @QB@ وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة @QE@ ) # وقوله ( @QB@ إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ~~نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم ~~تغن بالأمس @QE@ ) # وقوله ( @QB@ إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع الناس ~~كأنهم أعجاز نخل منقعر @QE@ ) PageV01P264 # وقوله ( @QB@ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان @QE@ ) # وقوله ( @QB@ أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما @QE@ ) # وقوله ( @QB@ وجنة عرضها كعرض السماء والأرض @QE@ ) # وقوله ( @QB@ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا @QE@ ) # وقوله تعالى ( @QB@ فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث @QE@ ) # وقوله ( @QB@ كأنهم أعجاز نخل خاوية @QE@ ) # وقوله ( @QB@ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت ~~@QE@ PageV01P265 ( @QB@ بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت @QE@ ) # وقوله ( @QB@ وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام @QE@ ) # وقوله ( @QB@ خلق الإنسان من صلصال كالفخار @QE@ ) ونحو ذلك # ومن ذلك & باب الاستعارة & وذلك يباين التشبيه # كقوله تعالى ( @QB@ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا @QE@ ~~) # وكقوله ( @QB@ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية @QE@ ) # وقوله ( @QB@ ولما سكت عن موسى الغضب @QE@ ) PageV01P266 # وكقوله ( @QB@ فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة @QE@ ) # وقوله ( @QB@ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق @QE@ ) ~~فالدمغ والقذف مستعار # وقوله ( @QB@ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار @QE@ ) # وقوله ( @QB@ وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم @QE@ ) # وقوله ( @QB@ فذو دعاء عريض @QE@ ) # وقوله ( @QB@ حتى تضع الحرب أوزارها @QE@ ) # وقوله ( @QB@ والصبح إذا تنفس @QE@ ) # وقوله ( @QB@ مستهم البأساء والضراء وزلزلوا @QE@ ) PageV01P267 # وقوله ( @QB@ فنبذوه وراء ظهورهم @QE@ ) # وقوله ( @QB@ أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا @QE@ ) # وقوله ( @QB@ حصيدا خامدين @QE@ ) # وقوله ( @QB@ ألم تر أنهم في كل واد يهيمون @QE@ ) # وقوله ( @QB@ وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا @QE@ ) # وقوله ( @QB@ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك @QE@ ) # وقوله ( @QB@ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر @QE@ ) # وقوله ms156 ( @QB@ فضربنا على آذانهم @QE@ ) يريد أن لا إحساس بآذانهم من غير ~~صمم PageV01P268 # وقوله ( @QB@ ولما سقط في أيديهم @QE@ ) # وهذا أوقع من اللفظ الظاهر وأبلغ من الكلام الموضوع له # وأما التلاؤم فهو تعديل الحروف في التأليف وهو نقيض التنافر الذي هو كقول ~~الشاعر # ( وقبر حرب بمكان قفر % وليس قرب قبر حرب قبر ) # قالوا هو من شعر الجن وحروفه متنافرة لا يمكن إنشاده إلا بتتعتع فيه ~~والتلاؤم على ضربين # أحدهما في الطبقة الوسطى كقوله # ( رمتني وستر الله بيني وبينها % عشية آرام الكناس رميم ) # ( رميم التي قالت لجارات بيتها % ضمنت لكم أن لا يزال يهيم ) # ( ألا رب يوم لو رمتني رميتها % ولكن عهدي بالنضال قديم ) PageV01P269 # قالوا والمتلائم في الطبقة العليا القرآن كله وإن كان بعض الناس أحسن ~~إحساسا له من بعض كما أن بعضهم يفطن للموزون بخلاف بعض # والتلاؤم حسن الكلام في السمع وسهولته في اللفظ ووقع المعنى في القلب ~~وذلك كالخط الحسن والبيان الشافي والمتنافر كالخط القبيح فإذا انضاف إلى ~~التلاؤم حسن البيان وصحة البرهان في أعلى الطبقات - ظهر الإعجاز لمن كان ~~جيد الطبع وبصيرا بجواهر الكلام كما يظهر له أعلى طبقة الشعر # والمتنافر ذهب الخليل إلى انه من بعد شديد أو قرب شديد فإذا بعد فهو ~~كالطفر وإذا قرب جدا كان بمنزلة مشي المقيد ويبين بقرب فخارج الحروف ~~وتباعدها # وأما الفواصل فهي حروف متشاكلة في المقاطع يقع بها إفهام المعاني وفيها ~~بلاغة والأسجاع عيب لان السجع يتبعه المعنى والفواصل تابعة PageV01P270 ~~للمعاني والسجع كقول مسيلمة # ثم الفواصل قد تقع على حروف متجانسة كما قد تقع على حروف متقاربة ولا ~~تحتمل القوافي ما تحتمل الفواصل لأنها ليست في الطبقة العليا في البلاغة ~~لان الكلام يحسن فيها بمجانسة القوافي وإقامة الوزن # وأما التجانس فهو بيان بأنواع الكلام الذي يجمعه أصل واحد # وهو على وجهين مزاوجة ومناسبة # المزاوجة كقوله تعالى ( @QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم @QE@ ) # وقوله ( @QB@ ومكروا ومكر الله @QE@ ) # وكقول عمرو بن كلثوم # ( ألا لا يجهلن أحد علينا % فنجهل فوق جهل الجاهلينا ) PageV01P271 وأما ms157 ~~المناسبة فهي كقوله تعالى ( @QB@ ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم @QE@ ) # وقوله ( @QB@ يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار @QE@ ) # وأما التصريف فهو تصريف الكلام في المعاني كتصريفه في الدلالات المختلفة ~~كتصريف الملك في معاني الصفات فصرف في معنى مالك وملك وذي الملكوت و المليك ~~وفي معنى التمليك والتملك والإملاك وتصريف المعنى في الدلالات المختلفة كما ~~كرر من قصة موسى في مواضع # وأما التضمين فهو حصول معنى فيه من غير ذكره له باسم أو صفة هي عبارة عنه ~~PageV01P272 # وذلك على وجهين # تضمين توجبه البنية كقولنا معلوم يوجب انه لا بد من عالم # وتضمين يوجبه معنى العبارة من حيث لا يصح إلا به كالصفة بضارب على مضروب # والتضمين كله إيجاز وذكر أن التضمين الذي تدل عليه دلالات القياس أيضا ~~إيجاز # وذكر أن ( @QB@ بسم الله الرحمن الرحيم @QE@ ) من باب التضمين لأنه تضمن ~~تعليم الاستفتاح في الأمور باسمه على جهة التعظيم لله تبارك وتعالى أو ~~التبرك باسمه # وأما المبالغة فهي الدلالة على كثرة المعنى وذلك على وجوه # منها مبالغة في الصفة المبينة لذلك كقولك رحمان عدل عن راحم PageV01P273 ~~للمبالغة وكقوله غفار وكذلك فعال وفعول كقوله شكور وغفور وفعيل كقوله رحيم ~~وقدير # ومن ذلك أن يبالغ باللفظة التي هي صفة عامة كقوله ( @QB@ خالق كل شيء ~~@QE@ ) وكقوله ( @QB@ فأتى الله بنيانهم من القواعد @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط @QE@ ) # وكقوله ( @QB@ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين @QE@ ) # وقد يدخل فيه الحذف الذي تقدم ذكره للمبالغة # وأما حسن البيان فالبيان على أربعة أقسام كلام وحال وإشارة وعلامة # ويقع التفاضل في البيان ولذلك قال عز وجل من قائل ( @QB@ الرحمن علم @QE@ ~~PageV01P274 القرآن خلق الإنسان علمه البيان ) # ونقيضه العي ومنه قيل أعيا من باقل سئل عن ظبية في يده بكم اشتراها فأراد ~~أن يقول بأحد عشر فأشار بيديه مادا أصابعه العشر ثم أدلع لسانه فأفلتت ~~الظبية من يده # ثم البيان على مراتب # قلنا قد كنا حكينا أن من الناس من يريد أن يأخذ إعجاز القرآن من وجوه ~~البلاغة ms158 التي ذكرنا أنها تسمى البديع في أول الكتاب مما مضت أمثلته في ~~الشعر # ومن الناس من زعم انه يأخذ ذلك من هذه الوجوه التي عددناها في هذا الفصل # واعلم أن الذي بيناه قبل هذا وذهبنا إليه هو سديد وهو أن هذه الأمور ~~تنقسم # فمنها ما يمكن الوقوع عليه والتعمل له ويدرك بالتعلم فما كان كذلك فلا ~~سبيل إلى معرفة إعجاز القران به # وأما ما لا سبيل إليه بالتعلم والتعمل من البلاغات فذلك هو الذي يدل على ~~إعجازه ونحن نضرب لذلك أمثلة لتقف على ما ذهبنا إليه # وذكرنا في هذا الفصل عن هذا القائل أن التشبيه تعرف به البلاغة وذلك مسلم ~~ولكن إن قلنا ما وقع من التشبيه في القرآن معجز - عرض علينا PageV01P275 من ~~التشبيهات الجارية في الأشعار ما لا يخفى عليك وأنت تجد في شعر ابن المعتز ~~من التشبيه البديع الذي يشبه السحر وقد تتبع في هذا ما لم يتتبع غيره واتفق ~~له ما لم يتفق لغيره من الشعراء # وكذلك كثير من وجوه البلاغة قد بينا أن تعلمها يمكن وليس تقع البلاغة ~~بوجه واحد منها دون غيره # فإن كان إنما يعني هذا القائل انه إذا أتى في كل معنى يتفق في كلامه ~~بالطبقة العالية ثم كان ما يصل به كلامه بعضه ببعض وينتهي منه إلى متصرفاته ~~- على أتم البلاغة وأبدع البراعة - فهذا مما لا نأباه بل نقول به # وإنما ننكر أن يقول قائل إن بعض هذه الوجوه بانفرادها قد حصل فيه الإعجاز ~~من غبر أن يقارنه ما يصل به من الكلام ويفضي إليه مثل ما يقول إن ما أقسم ~~به وحده بنفسه معجز وإن التشبيه معجز وإن التجنيس معجز والمطابقة بنفسها ~~معجزة # فأما الآية التي فيها ذكر التشبيه فان ادعى إعجازها لألفاظها ونظمها ~~وتأليفها - فإني لا أدفع ذلك وأصححه ولكن لا ادعي إعجازها لموضع التشبيه # وصاحب المقالة التي حكيناها أضاف ذلك إلى موضع التشبيه وما قرن به من ~~الوجوه ومن تلك الوجوه ما قد بينا أن الإعجاز يتعلق به كالبيان ms159 وذلك لا ~~يختص بجنس من المبين دون جنس ولذلك قال ( @QB@ هذا بيان للناس @QE@ ) وقال ~~( @QB@ تبيانا لكل شيء @QE@ ) وقال ( @QB@ بلسان عربي مبين @QE@ ) فكرر في ~~مواضع جل ذكره انه مبين # فالقرآن أعلى منازل البيان وأعلى مراتبه ما جمع وجوه الحسن وأسبابه وطرقه ~~وأبوبه من تعديل النظم وسلامته وحسنه وبهجته وحسن موقعه في السمع وسهولته ~~على اللسان ووقوعه في النفس موقع القبول وتصوره تصور المشاهد PageV01P276 ~~وتشكله على جهته حتى يحل محل البرهان ودلالة التأليف مما لا ينحصر حسنا ~~وبهجة وسناء ورفعة # وإذا علا الكلام في نفسه كان له من الوقع في القلوب والتمكن في النفوس ما ~~يذهل ويبهج ويقلق ويؤنس ويطمع ويؤيس ويضحك ويبكي ويحزن ويفرح ويسكن ويزعج ~~ويشجي ويطرب ويهز الأعطاف ويستميل نحوه الأسماع ويورث الأريحية والعزة وقد ~~يبعث على بذل المهج والأموال شجاعة وجودا ويرمي السامع من وراء رأيه مرمى ~~بعيدا # وله مسالك في النفوس لطيفة ومداخل إلى القلوب دقيقة # وبحسب ما يترتب في نظمه ويتنزل في موقعه ويجري على سمت مطلعه ومقطعه - ~~يكون عجيب تأثيراته وبديع مقتضياته # وكذلك على حسب مصادره يتصور وجوه موارده # وقد ينبئ الكلام عن محل صاحبه ويدل على مكان متكلمه وينبه على عظيم شأن ~~أهله وعلى علو محله # ألا ترى أن الشعر في الغزل إذا صدر عن محب كان أرق وأحسن وإذا صدر عن ~~متعمل وحصل من متصنع - نادى على نفسه بالمداجاة وأخبر عن خبيئه في المراءاة # وكذلك قد يصدر الشعر في وصف الحرب عن الشجاع فيعلم وجه صدوره ويدل على ~~كنهه وحقيقته # وقد يصدر عن المتشبه ويخرج عن المتصنع فيعرف من حاله ما ظن انه يخفيه ~~ويظهر من أمره خلاف ما يبديه # وأنت تعرف لقول المتنبي # ( فالخيل والليل والبيداء تعرفني % والحرب والضرب والقرطاس والقلم ) ~~PageV01P277 # من الوقع في القلب - لما تعلم انه من أهل الشجاعة - ما لا تجده للبحتري ~~في قوله # ( وأنا الشجاع وقد بدا لك موقفي % بعقرقس والمشرفية شهدي ) # وتجد لابن المعتز في موقع شعره من القلب في الفخر وغيره ما لا تجده لغيره ~~لأنه ms160 إذا قال # ( إذا شئت أوقرت البلاد حوافرا % وسارت ورائي هاشم ونزار ) # ( وعم السماء النقع حتى كأنه % دخان وأطراف الرماح شرار ) # وقال # ( قد ترديت بالمكارم دهرا % وكفتني نفسي من الافتخار ) # ( أنا جيش إذا غزوت وحيدا % ووحيد في الجحفل الجرار ) # وقال # ( أيها السائلي عن الحسب الأطيب % ما فوقه لخلق مزيد ) # ( نحن آل الرسول والعترة الحقق % وأهل القربى فماذا تريد ) # ( ولنا ما أضاء صبح عليه % وأتته رايات ليل سود ) # وكما أنشدنا الحسن بن عبد الله قال أنشدنا محمد بن يحيى لابن المعتز ~~قصيدته التي يقول فيها # ( أنا ابن الذي سادهم في الحياة % وسادهم بي تحت الثرى ) # ( ومالي في أحد مرغب % بلى في يرغب كل الورى ) # ( وأسهر للمجد والمكرمات % إذا اكتحلت أعين بالكرى ) PageV01P278 # فانظر في القصيدة كلها ثم في جميع شعره تعلم انه ملك الشعر وانه يليق به ~~من الفخر خاصة ثم مما يتبعه مما يتعاطاه - ما لا يليق بغيره بل ينفر عن ~~سواه # ولم أحب أن أكثر عليك فأطول الكتاب بما يخرج عن غرضه # وكما ترى من قول أبي فراس الحمداني في نفسك إذا قال # ( ولا أصبح الحي الخلوف بغارة % ولا الجيش ما لم تأته قبلي النذر ) # ( ويا رب دار لم تخفني منيعة % طلعت عليها بالردى أنا والفجر ) # ( وساحبة الأذيال نحوي لقيتها % فلم يلقها جافي اللقاء ولا وعر ) # ( وهبت لها ما حازه الجيش كله % وأبت ولم يكشف لأبياتها ستر ) # ( وما راح يطغيني بأثوابه الغنى % ولا بات يثنيني عن الكرم الفقر ) # ( وما حاجتي في المال أبغي وفوره % إذا لم أفر وفري فلا وفر الوفر ) # والشيء إذا صدر من أهله وبدا من أصله وانتسب إلى ذويه سلم في نفسه وبانت ~~فخامته وشوهد أثر الاستحقاق فيه # وإذا صدر من متكلف وبدا من متصنع بان أثر الغربة عليه PageV01P279 وظهرت ~~مخايل الاستيحاش فيه وعرف شمائل التحير منه # إنا نعرف في شعر أبي نواس أثر الشطارة وتمكن البطالة وموقع كلامه في وصف ~~ما هو بسبيله من أمر العيارة ووصف الخمر والخماركما نعرف موقع كلام ذي ~~الرمة في وصف المهامة ms161 والبوادي والجمال والأنساع والأزمة # وعيب أبي نواس التصرف في وصف الطلول والرباع والوحش ففكر في قوله # ( دع الأطلال تسفيها الجنوب % وتبلي عهد جدتها الخطوب ) # ( وخل لراكب الوجناء أرضا % تخب به النجيبة والنجيب ) # ( بلاد نبتها عشر وطلح % وأكثر صيدها ضبع وذيب ) # ( ولا تأخذ عن الأعراب لهوا % ولا عيشا فعيشهم جديب ) # ( دع الألبان يشربها رجال % رقيق العيش عندهم غريب ) # ( إذا راب الحليب فبل عليه % ولا تحرج فما في ذاك حوب ) # ( فأطيب منه صافية شمول % يطوف بكأسها ساق أديب ) # ( كأن هديرها في الدن يحكي % قراة القس قابلة الصليب ) # ( أعاذل أقصري عن طول لومي % فراجي توبتي عندي يخيب ) # ( تعيبين الذنوب وأي حر % من الفتيان ليس له ذنوب ) # وقوله # ( صفة الطلول بلاغة الفدم % فاجعل صفاتك لابنة الكرم ) PageV01P280 # وسمعت الصاحب إسماعيل بن عباد يقول سمعت براكوية الزنجاني يقول # أنشد بعض الشعراء هلال بن يزيد قصيدة على وزن قصيدة الأعشى # ( ودع هريرة إن الركب مرتحل % وهل تطيق وداعا أيها الرجل ) # وكان وصف فيها الطلل قال براكوية كلامه فقال لي هلال فقلت بديها # ( إذا سمعت فتى يبكي على طلل % من أهل زنجان فاعلم أنه طلل ) # وإنما ذكرت لك هذه الأمور لتعلم أن الشيء في معدنه أعز وإلى مظانه أحن ~~وإلى أصله أنزع وبأسبابه أليق وهو يدل على ما صدر منه وينبه ما أنتج عنه ~~ويكون قراره على موجب صورته وأنواره على حسب محله ولكل شيء حد ومذهب ولكل ~~كلام سبيل ومنهج # وقد ذكر أبو بكر الصديق رضي الله عنه في كلام مسيلمة ما أخبرتك به فقال / ~~إن هذا كلام لم يخرج من إل فدل على أن الكلام الصادر عن عزة الربوبية ورفعة ~~الإلهية يتميز عما لم يكن كذلك # ثم رجع الكلام بنا إلى ما ابتدأنا به من عظيم شأن البيان ولو لم يكن فيه ~~إلا ما من به الله على خلقه بقوله ( @QB@ خلق الإنسان علمه البيان @QE@ ) ~~PageV01P281 # فأما بيان القرآن فهو أشرف بيان وأهداه وأكمله وأعلاه وأبلغه وأسناه # تأمل قوله تعالى ( @QB@ أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين ms162 @QE@ ~~) في شدة التنبيه على تركهم الحق والإعراض عنه وموضع امتنانه بالذكر ~~والتحذير وقوله ( @QB@ ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ~~@QE@ ) # وهذا بليغ في التحسير # وقوله ( @QB@ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه @QE@ ) وهذا يدل على كونهم ~~مجبولين على الشر معودين لمخالفة النهي والأمر # وقوله ( @QB@ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين @QE@ ) هو في ~~نهاية المنع من الخلة إلا على التقوى # وقوله ( أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ) وهذا نهاية في ~~التحذير من التفريط وقوله ( @QB@ أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا ~~يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير @QE@ ) هو النهاية في ~~الوعيد والتهديد # وقوله ( @QB@ وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من @QE@ ) ~~PageV01P282 ( @QB@ سبيل وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف ~~خفي @QE@ ) نهاية في الوعيد # وقوله ( @QB@ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون @QE@ ~~) نهاية في الترغيب # وقوله ( @QB@ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض @QE@ ) وكذلك قوله ( @QB@ لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا @QE@ ) نهاية في الحجاج # وقوله ( @QB@ وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم ~~من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ ) نهاية في الدلالة على علمه بالخفيات # ولا وجه للتطويل فإن بيان الجميع في الرفعة وكبر المنزلة على سواء # وقد ذكرنا من قبل أن البيان يصح أن يتعلق به الإعجاز وهو معجز من القرآن # وما حكينا عن صاحب الكلام من المبالغة في اللفظ فليس ذلك بطريق الإعجاز ~~لأن الوجوه التي ذكرها قد تتفق في كلام غيره وليس ذلك بمعجز بل قد يصح أن ~~يقع في المبالغة في المعنى والصفة وجوه من اللفظ تثمر الإعجاز # وتضمين المعاني أيضا قد يتعلق به الإعجاز إذا حصلت للعبارة طريق البلاغة ~~في أعلى درجاتها PageV01P283 # وأما الفواصل فقد بينا أنه يصح أن يتعلق بها الإعجاز وكذلك قد بينا في ~~المقاطع والمطالع نحو هذا وبينا في تلاؤم ms163 الكلام ما سبق من صحة تعلق ~~الإعجاز به # والتصرف في الاستعارة البديعة يصح أن يتعلق به الإعجاز كما يصح مثل ذلك ~~في حقائق الكلام لأن البلاغة في كل واحد من البابين تجري مجرى واحدا وتأخذ ~~مأخذا مفردا # وأما الإيجاز والبسط فيصح أن يتعلق بهما الإعجاز كما يتعلق بالحقائق # والاستعارة والبيان في كل واحد منهما مالا يضبط حدة ولا يقدر قدرة ولا ~~يمكن التوصل إلى ساحل بحره بالتعلم ولا يتطرق إلى غوره بالتسبب وكل ما يمكن ~~تعلمه ويتهيأ تلقنه ويمكن تحصيله ويستدرك أخذه فلا يجب أن يطلب وقوع ~~الإعجاز به ولذلك قلنا إن السجع ما ليس يلتمس فيه الإعجاز لأن ذلك أمر ~~محدود وسبيل مورود ومتى تدرب الإنسان به واعتاده لم يستصعب عليه أن يجعل ~~جميع كلامه منه # وكذلك التجنيس والتطبيق متى أخذ أخذهما وطلب وجههما استوفى ما شاء ولم ~~يتعذر عليه أن يملأ خطابه منه كما أولع بذلك أبو تمام والبحتري وإن كان ~~البحتري أشغف بالمطابق وأقل طلبا للمجانس # فإن قال قائل هلا قلت إن هذين البابين يقع فيهما مرتبة عالية لا يوصل ~~إليها بالتعلم ولا تملك بالتعمل كما ذكرتم في البيان وغير ذلك # قلنا لو عمد إلى كتاب الأجناس ونظر في كتاب العين لم يتعذر عليه التجنيس ~~الكثير # فأما الإطباق فهو أقرب منه وليس كذلك البيان والوجوه التي رأينا الإعجاز ~~فيها لأنها لا تستوفي بالتعلم PageV01P284 # فإن قيل فالبيان قد يتعلم # قيل إن الذي يمكن أن يتوصل إليه بالتعلم يتقارب فيه الناس وتتناهى فيه ~~العادات وهو كما يعلم من مقادير القوى في حمل الثقيل وأن الناس يتقاربون في ~~ذلك فيرمون فيه إلى حد فإذا تجاوزوه وقفوا بعده ولم يمكنهم التخطي ولم ~~يقدروا على التعدي إلا أن يحصل ما يخرق العادة وينقض العرف ولن يكون ذلك ~~إلا للدلالة على النبوات على شروط في ذلك # والقدر الذي يفوت الحد في البيان ويتجاوز الوهم ويشذ عن الصنعة ويقذفه ~~الطبع في النادر القليل كالبيت البديع والقطعة الشريفة التي تتفق في ديوان ~~شاعر والفقرة تتفق ms164 في رسالة كاتب حتى يكون الشاعر ابن بيت أو بيتين أو قطعة ~~أو قطعتين والأديب شهير كلمة أو كلمتين ذلك أمر قليل # ولو كان كلامه كله يطرد على ذلك المسلك ويستمر على ذلك المنهج أمكن أن ~~يدعي فيه الإعجاز # ولكنك إن كنت من أهل الصنعة تعلم قلة الأبيات الشوارد والكلمات الفرائد ~~وأمهات القلائد # فإن أردت أن تجد قصيدة كلها وحشية وأردت أن تراها مثل بيت من أبياتها ~~مرضية لم تجد ذلك في الدواوين ولم تظفر بذلك إلى يوم الدين # ونحن لم ننكر أن يستدرك البشر كلمة شريفة ولفظة بديعة وإنما أنكرنا أن ~~يقدروا على مثل نظم سورة أو نحوها وأحلنا أن يتمكنوا من حد في البلاغة ~~ومقدار في الخطابة # وهذا كما قلناه من أن صورة الشعر قد تتفق في القرآن وإن لم يكن له حكم ~~الشعر PageV01P285 # فأما قدر المعجز فقد بينا أنها السورة طالت أو قصرت وبعد ذلك خلاف # من الناس من قال مقدار كل سورة أو أطول آية فهو معجز # وعندنا كل واحد من الأمرين معجز والدلالة عليه ما تقدم والبلاغة لا تتبين ~~بأقل من ذلك فلذلك لم نحكم بإعجازه وما صح أن تتبين فيه البلاغة ومحصولها ~~الإبانة في الإبلاغ عن ذات النفس على أحسن معنى وأجزل لفظ وبلوغ الغاية في ~~المقصود بالكلام # فإذا بلغ الكلام غايته في هذا المعنى كان بالغا وبليغا فإذا تجاوز حد ~~البلاغة إلى حيث لا يقدر عليه أهل الصناعة وانتهى إلى أمد يعجز عنه الكامل ~~في البراعة صح أن يكون له حكم المعجزات وجاز أن يقع موقع الدلالات # وقد ذكرنا أنه بجنسه وأسلوبه مباين لسائر كلامهم ثم بما يتضمن من تجاوزه ~~في البلاغة الحد الذي يقدر عليه البشر # فإن قيل فإذا كان يجوز عندكم أن يتفق في شعر الشاعر قطعة عجيبة شاردة ~~تباين جميع ديوانه في البلاغة ويقع في ديوانه بيت واحد يخالف مألوف طبعه ~~ولا يعرف سبب ذلك البيت ولا تلك القطعة في التفصيل ولو أراد أن يأتي بمثل ~~ذلك أو يجعل جميع ms165 كلامه من ذلك النمط لم يجد إلى ذلك سبيلا وله سبب في ~~الجملة وهو التقدم في الصنعة لأنه يتفق من المتأخر فيها فهلا قلتم إنه إذا ~~بلغ في العلم بالصناعة مبالغة القصوى PageV01P286 كان جميع كلامه من نمط ~~ذلك البيت وسمت تلك القطعة وهلا قلتم إن القرآن من هذا الباب # فالجواب أنا لم نجد أحدا بلغ الحد الذي وصفتم في العادة وهذا الناس وأهل ~~البلاغة أشعارهم عندنا محفوظة وخطبهم منقولة ورسائلهم مأثورة وبلاغاتهم ~~مروية وحكمهم مشهورة وكذلك أهل الكهانة والبلاغة مثل قس بن ساعدة وسحبان ~~وائل ومثل شق وسطيح وغيرهم كلامهم معروف عندنا وموضوع بين أيدينا لا يخفي ~~علينا في الجملة بلاغة بليغ ولا خطابة خطيب ولا براعة شاعر مفلق ولا كتابة ~~كاتب مدقق # فلما لم نجد في شيء من ذلك ما يداني القرآن في البلاغة أو يشاكله في ~~الإعجاز مع ما وقع من التحدي إليه الأمدة الطويلة وتقدم من التقريع في ~~المجازاة الأمد المديد وثبت له وحده خاصة قصب السبق والاستيلاء على المد ~~وعجز الكل عنه ووقفوا دونه حيارى يعرفون عجزهم وإن جهل قوم سببه ويعلمون ~~نقصهم وإن أغفل قوم وجهه رأينا أنه ناقض للعادة ورأينا أنه خارق للمعروف في ~~الجبلة وخرق العادة إنما يقع بالمعجزات على وجه إقامة البرهان على النبوات ~~وعلى أن من ظهرت عليه ووقعت موقع الهداية إليه صادق فيما يدعيه من نبوته ~~ومحق في قوله ومصيب في هدية قد شهدت له الحجة البالغة والكلمة التامة ~~والبرهان النير والدليل البين PageV01P287 & فصل في حقيقة المعجز & # معنى قولنا إن القرآن معجز على أصولنا انه لا يقدر العباد عليه وقد ثبت ~~أن المعجز الدال على صدق النبي لا يصح دخوله تحت قدرة العباد وإنما ينفرد ~~الله تعالى بالقدرة عليه ولا يجوز أن يعجز العباد عما تستحيل قدرتهم عليه ~~كما يستحيل عجزهم عن فعل الأجسام فنحن لا نقدر على ذلك وإن لم يصح وصفنا ~~بأنا عاجزون عن ذلك حقيقة وكذلك معجزات سائر الأنبياء على هذا # فلما لم يقدر عليه أحد شبه ms166 بما يعجز عنه العاجز وإنما لا يقدر العباد على ~~الإتيان بمثله لأنه لو صح أن يقدروا عليه بطلت دلالة المعجز وقد أجري الله ~~العادة بأن يتعذر فعل ذلك منهم وأن لا يقدروا عليه # ولو كان غير خارج عن العادة لأتوا بمثله أو عرضوا عليه من كلام فصحائهم ~~وبلغائهم ما يعارضه # فلما لم يشتغلوا بذلك علم أنهم فطنوا لخروج ذلك عن أوزان كلامهم وأساليب ~~نظامهم وزالت أطماعهم عنه # وقد كنا بينا أن التواضع ليس يجب أن يقع على قول الشعر ووجوه النظم ~~المستحسنة في الأوزان المطربة للسمع لا يحتاج في مثله إلى توقيف وأنه يتبين ~~أن مثل ذلك يجري في الخطاب فلما جرى فيه فطنوا له واختاروه وطلبوه وطلبوا ~~أنواع الأوزان والقوافي ثم وقفوا على حسن ذلك وقدروا عليه بتوفيق الله عز ~~وجل وهو الذي جمع خواطرهم عليه وهداهم له PageV01P288 وهيأ دواعيهم إليه ~~ولكنه أقدرهم على حد محدود وغاية في العرف مضروبة لعلمه بأنه سيجعل القرآن ~~معجزا ودل على عظم شأنه بأنهم قدروا على ما بينا من التأليف وعلى ما وصفنا ~~من النظم من غير توقيف ولا اقتفاء أثر ولا تحد إليه ولا تقريع # فلو كان هذا من ذلك القبيل أو من الجنس الذي عرفوه وألفوه لم تزل أطماعهم ~~عنه ولم يدهشوا عند وروده عليهم فكيف وقد أمهلهم وفسح لهم في الوقت وكان ~~يدعو إليه سنين كثيرة وقال عز وجل من قائل ( @QB@ أولم نعمركم ما يتذكر فيه ~~من تذكر وجاءكم النذير @QE@ ) # وبظهور العجز عنه بعد طول التقريع والتحدي بأن أنه خارج عن عاداتهم وأنهم ~~لا يقدرون عليه # وقد ذكرنا أن العرب كانت تعرف ما يباين عادتها من الكلام البليغ لأن ذلك ~~طبعهم ولغتهم فلم يحتاجوا إلى تجربة عند سماع القرآن وهذا في البلغاء منهم ~~دون المتأخرين في الصنعة # والذي ذكرناه يدلك على أنه لا كلام أزيد في قدر البلاغة من القرآن # وكل من جوز أن يكون للبشر قدرة على أن يأتوا بمثله في البلاغة لم يمكنه ~~أن يعرف أن القرآن معجز ms167 بحال # ولو لم يكن جرى في المعلوم أنه سيجعل القرآن معجزا لكان يجوز أن تجري ~~عادات البشر بقدر زائد على ما ألفوه من البلاغة وأمر يفوق ما عرفوه من ~~الفصاحة PageV01P289 # وأما نظم القرآن فقد قال أصحابنا فيه إن الله تعالى يقدر على نظم هيئة ~~أخرى تزيد في الفصاحة عليه كما يقدر مثله # وأما بلوغ بعض نظم القرآن الرتبة التي لا مزيد عليها فقد قال مخالفونا / ~~إن هذا غير ممتنع لأن فيه من الكلمات الشريفة الجامعة للمعاني البديعة ~~وأنضاف إلى ذلك حسن الموقع فيجب أن يكون قد بلغ النهاية لأنه عندهم وإن زاد ~~على ما في العادة فإن الزائد عليها وإن تفاوت فلا بد من أن ينتهي إلى حد لا ~~مزيد عليه # والذي نقوله إنه لا يمتنع أن يقال إنه يقدر الله تعالى على أن يأتي بنظم ~~أبلغ وأبدع من القرآن كله # وأما قدر العباد فهي متناهية في كل ما يقدرون عليه مما تصح قدرتهم عليه ~~PageV01P290 # | فصل في كلام النبي وأمور تتصل بالإعجاز # إن قال قائل إذا كان النبي أفصح العرب وقد قال هذا في حديث مشهور وهو ~~صادق في قوله فهلا قلتم إن القرآن من نظمه لقدرته في الفصاحة على مقدار لا ~~يبلغه غيره # قيل قد علمنا أنه لم يتحدهم إلى مثل قوله وفصاحته والقدر الذي بينه وبين ~~كلام غيره من الفصحاء كقدر ما بين شعر الشاعرين وكلام الخطيبين في الفصاحة ~~وذلك مما لا يقع به الإعجاز # وقد بينا قبل هذا أنا إذا وازنا بين خطبه ورسائله وكلامه المنثور وبين ~~نظم القرآن تبين من البون بينهما مثل ما بين كلام الله عز وجل وبين كلام ~~الناس فلا معنى لقول من ادعى أن كلام النبي معجز وإن كان دون القرآن في ~~الإعجاز # فإن قيل لولا أن كلام معجز لم يشتبه على ابن مسعود الفصل بين المعوذتين ~~وبين غيرهما من القرآن PageV01P291 # وكذلك لم يشتبه دعاء القنوت في أنه هل هو من القرآن أم لا # قيل هذا من تخليط الملحدين لأن عندنا أن ms168 الصحابة لم يخف عليهم ما هو من ~~القرآن # ولا يجوز أن يخفى عليهم القرآن من غيره وعدد السور عندهم محفوظ مضبوط # وقد يجوز أن يكون شذ عن مصحفه لا لأنه نفاه من القرآن بل عول على حفظ ~~الكل إياه # على أن الذي يرونه خبر واحد لا يسكن إليه في مثل هذا ولا يعمل عليه # ويجوز أن يكتب على ظهر مصحفه دعاء القنوت لئلا ينساه كما يكتب الواحد منا ~~بعض الأدعية على ظهر مصحفه # وهذا نحو ما يذكره الجهال من اختلاف كثير بين مصحف ابن مسعود وبين مصحف ~~عثمان رحمه الله عليهما # ونحن لا ننكر أن يغلط في حروف معدودة كما يغلط الحافظ في حروف وينسى وما ~~لا نجيزه على الحفاظ مما لم نجزه عليه # ولو كان قد أنكر السورتين على ما ادعوا لكانت الصحابة تناظره على ذلك ~~وكان يظهر وينتشر فقد تناظروا في أقل من هذا وهذا أمر يوجب التكفير ~~والتضليل فكيف يجوز أن يقع التخفيف فيه وقد علمنا إجماعهم على ما جمعوه في ~~المصحف فكيف يقدح بمثل هذه الحكايات الشاذة المولدة في الإجماع المقرر ~~والاتفاق المعروف # ويجوز أن يكون الناقل اشتبه عليه لأنه خالف في النظم والترتيب ~~PageV01P292 فلم يثبتهما في آخر القرآن والاختلاف بينهم في موضع الإثبات ~~غير الكلام في الأصل ألا ترى أنهم قد اختلفوا في أول ما نزل من القرآن # فمنهم من قال قوله ( @QB@ اقرأ باسم ربك @QE@ ) # ومنهم من قال ( @QB@ يا أيها المدثر @QE@ ) # ومنهم من قال فاتحة الكتاب # واختلفوا أيضا في آخر ما أنزل # فقال ابن عباس ( @QB@ إذا جاء نصر الله @QE@ # وقالت عائشة سورة المائدة # وقال البراء بن عازب آخر ما أنزل سورة براءة # وقال سعيد بن جبير آخر ما أنزل قوله تعالى ( @QB@ واتقوا يوما ترجعون فيه ~~إلى الله @QE@ # وقال السدى آخر ما أنزل ( @QB@ فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو ~~عليه توكلت @QE@ PageV01P293 # ويجوز أن يكون في مثل هذا خلاف وأن يكون كل واحد ذكر آخر ما سمع # ولو كان القرآن من كلامه لكان البون ms169 بين كلامه وبينه مثل ما بين خطبة ~~وخطبة ينشئهما رجل واحد وكانوا يعارضونه لأنا قد علمنا أن القدر الذي بين ~~كلامهم وبين كلام النبي لا يخرج إلى حد الإعجاز ولا يتفاوت التفاوت الكثير ~~ولا يخفى كلامه من جنس أوزان كلامهم وليس كذلك نظم القرآن لأنه خارج من ~~جميع ذلك # فإن قيل لو كان على ما ادعيتم لعرفنا بالضرورة أنه معجز دون غيره # قيل معرفة الفصل بين وزن الشعر أو غيره من أوزان الكلام لا يقع ضرورة ~~ويحتاج في معرفة ذوق الشعر ووزنه والفرق بينه وبين غيره من الأوزان يحتاج ~~إلى نظر وتأمل وفكر وروية واكتساب وإن كان النظم المختلف الشديد التباين ~~إذا وجد أدرك اختلافه بالحاسة إلا أن كل وزن وقبيل إذا أردنا تمييزه من ~~غيره احتجنا فيه إلى الفكرة والتأمل # فإن قيل لو كان معجزا لم يختلف أهل الملة في وجه إعجازه # قيل قد يثبت الشيء دليلا وإن اختلفوا في وجه دلالة البرهان كما قد ~~يختلفون في الاستدلال على حدوث العالم من الحركة والسكون والاجتماع ~~والافتراق # فأما المخالفون فإنه يتعذر عليهم أن يعرفوا أن القرآن كلام الله لأن ~~مذهبهم أنه لا فرق بين أن يكون القرآن من قبل الرسول أو من قبل الله عز وجل ~~في كونه معجزا لأنه إن خصه بقدر من العلم لم تجر العادة بمثله PageV01P294 ~~أمكنه أن يأتي بما له هذه الرتبة وكان معتذرا على غيره لفقد علمه بكيفية ~~النظم # وليس القوم بعاجزين عن الكلام ولا عن النظم والتأليف والمعنى المؤثر ~~عندهم في تعذر مثل نظم القرآن علينا فقد العلم بكيفية النظم وقد بينا قبل ~~هذا أن المانع هو أنهم لا يقدرون عليه # والمفحم قد يعلم كيفية الأوزان واختلافها وكيفية التركيب وهو لا يقدر على ~~نظم الشعر # وقد يعلم الشاعران وجوه الفصاحة وإذا قالا الشعر جاء شعر أحدهما في ~~الطبقة العالية وشعر الآخر في الطبقة الوضيعة # وقد يطرد في شعر المبتدى والمتأخر في الحذق القطعة الشريفة والبيت النادر ~~مما لا يتفق للشاعر المتقدم # والعلم بهذا الشأن ms170 في التفصيل لا يعني ويحتاج معه إلى مادة من الطبع ~~وتوفيق من الأصل # وقد يتساوى العالمان بكيفية الصناعة والنساجة ثم يتفق لأحدهما من اللطف ~~في الصنعة ما لا يتفق للآخر # وكذلك أهل نظم الكلام يتفاضلون مع العلم بكيفية النظم وكذلك أهل الرمي ~~يتفاضلون في الإصابة مع العلم بكيفية الإصابة # وإذا وجدت للشاعر بيتا أو قطعة أحسن من شعر امرئ القيس لم يدل ذلك على ~~أنه أعلم بالنظم منه لأنه لو كان كذلك كان يجب أن يكون جميع شعره على ذلك ~~الحد وبحسب ذلك البيت في الشرف والحسن والبراعة ولا يجوز أن يعلم نظم قطعة ~~ويجهل نظم مثلها وإن كان كذلك علم أن هذا لا يرجع إلى قدرة من العلم ولسنا ~~نقول إنه يستغني عن العلم في النظم بل يكفي علم به في الجملة ثم يقف الأمر ~~على القدرة PageV01P295 # وهذا يبين لك بأنه قد يعلم الخط فيكتب سطرا فلو أراد أن يأتي بمثله بحيث ~~لا يغادر منه شيئا لتعذر والعلم حاصل # وكذلك قد يحسن كيفية الخط ويميز الجيد منه من الرديء ولا يمكنه أن يأتي ~~بأرفع درجات الجيد # وقد يعلم قوم كيفية إدارة الأقلام وكيفية تصوير الخط ثم يتفاوتون في ~~التفصيل ويختلفون في التصوير # وألزمهم أصحابنا أن يقولوا بقدرتنا على إحداث الأجسام وإنما يتعذر وقوع ~~ذلك منا بأنا لا نعلم الأسباب التي إذا عرفنا إيقاعها على وجوه اتفق لنا ~~فعل الأجسام , # وقد ذهب بعض المخالفين إلى أن العادة انتقضت بأن أنزله جبريل فصار القرآن ~~معجزا لنزوله على هذا الوجه ومن قبله لم يكن معجزا # هذا قول أبي هاشم وهو ظاهر الخطأ لأنه يوجب أن يكونوا قادرين على مثل ~~القرآن وأنه لم يكن يتعذر عليهم فعل مثله وإنما تعذر بإنزاله ولو كانوا ~~قادرين على مثل ذلك كان قد اتفق من بعضهم مثله # وإن كانوا في الحقيقة غير قادرين قبل نزوله ولا بعده على مثله فهو قولنا # وأما قول كثير من المخالفين فهو على ما بينا لأن معنى المعجز عندهم عندهم ~~تعذر فعل ms171 مثله وكان ذلك متعذرا قبل نزوله وبعده # فأما الكلام في أن التأليف هل له نهاية # فقد اختلف المخالفون من المتكلمين فيه # فمنهم من قال / ليس لذلك نهاية كالعدد فلا يمكن أن يقال إنه PageV01P296 ~~لا يتأتى قول قصيدة إلا وقد قيلت من قبل # ومنهم من قال / إن ما جرت به العادة فله نهاية وما لم تجر به العادة فلا ~~يمكن أن تعلم نهاية الرتبة فيه # وقد بينا أن على أصولنا قد تقرر لكلامنا ونظمنا حد في العادة ولا سبيل ~~إلى تجاوزه ولا يقدر عليه فإن القرآن خرق العادة فزاد عليها PageV01P297 # | فصل # إن قيل هل من شرط المعجز أن يعلم أنه أتى به من ظهر عليه # قيل لا بد من ذلك لأنا إن لم نعلم أن النبي هو الذي أتى بالقرآن وظهر ذلك ~~من جهته - لم يمكن أن نستدل به على نبوته # وعلى هذا لو تلقى رجل منه سورة فأتى بها بلدا وادعى ظهورها عليه وأنها ~~معجزة له - لم تقم الحجة عليهم حتى يبحثوا ويتبينوا أنها ظهرت عليه # وقد تحققنا أن القرآن أتى به النبي وظهر من جهته وجعله علما على نبوته ~~وعلمنا ذلك ضرورة فصار حجة علينا PageV01P298 # | فصل # قد ذكرنا في الإبانة عن معجز القرآن وجيزا من القول رجونا أن يكفي وأملنا ~~أن يقنع والكلام في أوصافه - إن استقصى - بعيد الأطراف واسع الأكناف لعلو ~~شأنه وشريف مكانه # والذي سطرناه في الكتاب وإن كان موجزا وما أملينا فيه وإن كان خفيفا - ~~فإنه ينبه على الطريقة ويدل على الوجه ويهدي إلى الحجة # ومتى عظم محل الشيء فقد يكون الإسهاب فيه عيا والإكثار في وصفه تقصيرا # وقد قال الحكيم وقد سئل عن البليغ متى يكون عييا فقال متى وصف هوى أو ~~حبيبا # وضل أعرابي في سفر له ليلا وطلع القمر فاهتدى به فقال ما أقول لك أقول ~~رفعك الله وقد يرفعك أم أقول نورك الله وقد نورك أم أقول جملك الله وقد ~~جملك # ولولا أن العقول تختلف والأفهام تتباين والمعارف تتفاضل - لم نحتج إلى ms172 ما ~~تكلفنا ولكن الناس يتفاوتون في المعرفة ولو اتفقوا فيها لم يجز أن يتفقوا ~~في معرفة هذا الفن أو يجتمعوا في الهداية إلى هذا العلم لاتصاله بأسباب ~~خفية وتعلقه بعلوم غامضة الغور عميقة القعر كثيرة المذاهب قليلة الطلاب ~~ضعيفة الأصحاب وبحسب تأتي مواقعه تقع الأفهام دونه وعلى قدر لطف مسالكه ~~يكون القصور عنه # أنشدني أبو القاسم الزعفراني قال أنشدني المتنبي لنفسه القطعة التي يقول ~~فيها PageV01P299 # ( وكم من عائب قولا صحيحا % وآفته من الفهم السقيم ) # ( ولكن تأخذ الآذان منه % على قدر القرائح والعلوم ) # وأنشدنا الحسن بن عبد الله قال أنشدني بعض مشايخنا للبحتري # ( أهز بالشعر أقواما ذوي سنة % لو أنهم ضربوا بالسيف ما شعروا ) # ( علي نحت القوافي من مقاطعها % وما علي لهم أن تفهم البقر ) # فإذا كان نقد الكلام كله صعبا وتمييزه شديدا والوقوع على اختلاف فنونه ~~متعذرا وهذا في كلام الآدميين - فما ظنك بكلام رب العالمين # وقد أبنا لك أن من قدر أن البلاغة في عشرة أوجه من الكلام لا يعرف من ~~البلاغة إلا القليل ولا يفطن منها إلا لليسير # ومن زعم أن البديع يقتصر على ما ذكرناه من قبل عنهم في الشعر فهو متطرف # بلى إن كانوا يقولون إن هذه من وجوه البلاغة وغرر البديع وأصول اللطيف ~~وإن ما يجري مجرى ذلك ويشاكله ملحق بالأصل ومردود على القاعدة - فهذا قريب # وقد بينا في نظم القرآن أن الجملة تشتمل على بلاغة منفردة والأسلوب يختص ~~بمعنى آخر من الشرف # ثم الفواتح والخواتم والمبادئ والمثاني والطوالع والمقاطع والوسائط ~~والفواصل PageV01P300 # ثم الكلام في نظم السور والآيات ثم في تفاصيل التفاصيل ثم في الكثير ~~والقليل # ثم الكلام الموشح والمرصع والمفصل والمصرع والمجنس والموشع والمحلى ~~والمكلل والمطوق والمتوج والموزون والخارج عن الوزن والمعتدل في النظم ~~والمتشابه فيه # ثم الخروج من فصل إلى فصل ووصل إلى وصل ومعنى إلى معنى ومعنى في معنى ~~والجمع بين المؤتلف والمختلف والمتفق والمتسق # وكثرة التصرف وسلامة القول في ذلك كله من التعسف وخروجه عن التعمق ~~والتشدق وبعده من التعمل والتكلف ms173 و الألفاظ المفردة والإبداع في الحروف ~~والأدوات كالإبداع في المعاني والكلمات والبسط والقبض والبناء والنقض ~~والاختصار والشرح والتشبيه والوصف # وتمييز الابتداع من الاتباع كتميز المطبوع عن المصنوع والقول الواقع عن ~~غير تكلف ولا تعمل # وأنت تتبين في كل ما تصرف فيه من الأنواع أنه على سمت شريف ومرقب منيف ~~يبهر إذا أخذ في النوع الربي والأمر الشرعي والكلام الإلهي الدال على انه ~~يصدر عن عزة الملكوت وشرف الجبروت وما لا يبلغ الوهم مواقعه من حكمة وأحكام ~~واحتجاج وتقرير واستشهاد وتقريع وإعذار وإنذار وتبشير وتحذير وتنبيه وتلويح ~~وإشباع وتصريح وإشارة ودلالة وتعليم أخلاق زكيه وأسباب رضية وسياسات ~~PageV01P301 جامعة ومواعظ نافعة وأومر صادعة وقصص مفيدة وثناء على الله عز ~~وجل بما هو أهله وأوصاف كما يستحقه وتحميد كما يستوجبه وأخبار عن كائنات في ~~التأتي صدقت وأحاديث عن المؤتنف تحققت ونواة زاجرة عن القبائح والفواحش ~~وإباحة الطيبات وتحريم المضار والخبائث وحث على الجميل والإحسان # تجد فيه الحكمة وفصل الخطاب مجلوة عليك في منظر بهيج ونظم أنيق ومعرض ~~رشيق غير معتاص على الأسماع ولا متلو على الأفهام ولا مستكره في اللفظ ولا ~~مستوحش في المنظر غريب في الجنس غير غريب في القبيل ممتلئ ماء ونضارة ولطفا ~~وغضارة يسري في القلب كما يسري السرور ويمر إلى مواقعه كما يمر السهم ويضيء ~~كما يضيء الفجر ويزخر كما يزخر البحر طموح العباب جموح على المتناول ~~المنتاب كالروح في البدن والنور المستطير في الأفق والغيث الشامل والضياء ~~الباهر ( @QB@ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ~~@QE@ ) # من توهم أن الشعر يلحظ شأوه بان ضلاله ووضح جهله إذ الشعر سمت قد تناولته ~~الألسن وتداولته القلوب وانثالت عليه الهواجس وضرب الشيطان فيه بسهمه وأخذ ~~منه بحظه وما دونه من كلامهم فهو أدنى محلا وأقرب مأخذا وأسهل مطلبا ولذلك ~~قالوا فلان مفحم فأخرجوه مخرج العيب كما قالوا فلان عيي فأوردوه مورد النقص # والقرآن كتاب دل على صدق متحمله ورسالة دلت على صحة قول المرسل بها ~~وبرهان ms174 شهد له برهان الأنبياء المتقدمين وبينة على طريقة من PageV01P302 ~~سلف من الأولين حيرهم فيه إذ كان من جنس القول الذي زعموا أنهم أدركوا فيه ~~النهاية وبلغوا فيه الغاية فعرفوا عجزهم كما عرف قوم عيسى نقصانهم فيما ~~قدروا من بلوغ أقصى الممكن في العلاج والوصول إلى أعلى مراتب الطب فجاءهم ~~بما بهرهم من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وكما أتى موسى بالعصا ~~التي تلقفت ما دققوا فيه من سحرهم وأتت على ما أجمعوا عليه من أمرهم وكما ~~سخر لسليمان الريح والطير والجن حين كانوا يولعون به من فائق الصنعة وبدائع ~~اللطف ثم كانت هذه المعجزة / مما يقف عليها الأول والأخر وقوفا واحداويبقى ~~حكمها إلى يوم القيامة # انظر وفقك الله لما هديناك إليه وفكر في الذي دللناك عليه فالحق منهج ~~واضح والدين ميزان راجح والجهل لا يزيد إلا عمى ولا يورث إلا ندما # قال الله عز وجل ( @QB@ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما ~~يتذكر أولوا الألباب @QE@ ) # وقال ( @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا @QE@ ) # وقال ( @QB@ يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا @QE@ ) # وعلى حسب ما آتى من الفضل وأعطى من الكمال والعقل _ تقع الهداية والتبيين ~~فإن الأمور تتم بأسبابها وتحصل بآلتها ومن سلبه PageV01P303 / التوفيق ~~وحرمه الإرشاد والتسديد - ( @QB@ فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي ~~به الريح في مكان سحيق @QE@ لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ) # فاحمد الله على ما رزقك من الفهم إن فهمت ( @QB@ وقل رب زدني علما @QE@ ) ~~[ إن أنت علمت ] ( @QB@ وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن ~~يحضرون @QE@ ) # وان ارتبت فيما بيناه فازدد في تعلم الصنعة وتقدم في المعرفة فسيقع بك ~~على الطريق الأرشد وسيقف بك على الوجه الأحمد فإنك إذا فعلت ذلك أحطت علما ~~وتيقنت فهما # ولا يوسوس إليك الشيطان بأنه قد كان ممن هو أعلم منك بالعربية وأدرب منك ~~في الفصاحة أقوام [ وأي ] أقوام ورجال [ وأي ms175 ] رجال فكذبوا وارتابوا لأن ~~القوم لم يذهبوا عن الإعجاز ولكن اختلفت أحوالهم فكانوا بين جاهل وجاحد ~~وبين كافر نعمة وحاسد وبين ذاهب عن طريق الاستدلال بالمعجزات وحائد عن ~~النظر في الدلالات وناقص في باب البحث ومختل الآلة في وجه الفحص ومستهين ~~بأمر الأديان وغاو تحت حبالة الشيطان ومقذوف بخذلان الرحمن وأسباب الخذلان ~~والجهالة كثيرة ودرجات الحرمان مختلفة # وهلا جعلت بإزاء الكفرة مثل لبيد بن ربيعة العامري في حسن PageV01P304 ~~إسلامه وكعب بن زهير في صدق إيمانه وحسان بن ثابت وغيرهم من الشعراء ~~والخطباء الذين أسلموا # على أن الصدر الأول ما فيهم إلا نجم زاهر أو بحر زاخر # وقد بينا أن لا اعتصام إلا بهداية الله ولا توفيق إلا بنعمة الله ( @QB@ ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء @QE@ ) # فتأمل ما عرفناك في كتابنا وفرغ له قلبك واجمع عليه لبك # ثم اعتصم بالله يهدك وتوكل عليه يعنك ويجرك واسترشده يرشدك وهو حسبي ~~وحسبك ونعم الوكيل PageV01P305 ms176