######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000953 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب (المتوفى: 403هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 403 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إعجاز القرآن للباقلاني #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000953 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-953 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/953 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: السيد أحمد صقر #META# 041.EdNUMBER :: الخامسة، 1997م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار المعارف - مصر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # مقدمة # جرت سنة الله في ابتعاث رسله إلى خلقه، لتبصيرهم بعظمته وجمعهم على ~~عبادته، أن يؤيدهم بأمور حسية تخالف السنن الكونية، وتشذ عن النواميس ~~الطبيعية، وتكون من قبيل ما استحكم في زمانهم، وغلب على خاصتهم، وعظم في ~~نفوس عامتهم، لتكون معجزة الرسول المرسل إليهم مفحمة لاعجب الامور في ~~أنظارهم، ومبطلة لاقوى الاشياء في حسبانهم، ولئلا يجد المبطلون متعلقا ~~يتشبثون # به، ولا سبيلا يتخذونه إلى اختداع الضعفاء فقد أيد الله جل جلاله موسى ~~عليه السلام - وكان عصره عصر سحر - بفلق البحر، وانقلاب العصا حية تسعى، ~~وانبجاس الحجر الصلد بعيون الماء الرواء. # وأيد عيسى عليه السلام - وكان عهده عهد طب - بإبراء الاكمه والابرص وخلق ~~الطير من الطين، وإحياء الموتى بإذنه. # ولما أرسل رسوله محمدا، صلى الله عليه وسلم، إلى الناس أجمعين، وجعله ~~خاتم النبيين - أيده بمعجزات حسية كمعجزات من سبقه من المرسلين، وخصه ~~بمعجزة عقلية خالدة، وهى إنزال القرآن الكريم، الذى لو اجتمعت الانس والجن ~~على أن يأتوا بمثله لم يستطيعوا ولم يقاربوا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. # وكان ذلك في زمان سما فيه شأن البيان، وجلت مكانته في صدور أهله، وعرفوا ~~باللسن والفصاحة، وقوة العارضة في الاعراب عن خوالج النفوس، والابانة عن ~~مشاعر القلوب. # وظل رسول الله صلوات الله عليه، يتحداهم بما كانوا يعتقدون في أنفسهم ~~القدرة عليه، والتمكن منه، ولم يزل يقرعهم ويعجزهم، ويكشف عن نقصهم، حتى ~~استكانوا وذلوا، وطبع عليهم الخزى بطابعه، وصاروا حيال فصاحته في أمر مريج. # PageV01P005 # وقد أدهش القرآن العرب لما سمعوه، وحير ألبابهم وعقولهم بسحر بيانه، ~~وروعة معانيه، ودقة ائتلاف ألفاظه ومبانيه، فمنهم من آمن به ومنهم مكفر، ~~وافترقت كلمة الكافرين على وصفه، وتباينت في نعته، فقال بعضهم، هو شعر، ~~وقال فريق: إنه سحر، وزعمت طائفة أنه أساطير الاولين اكتتبها محمد، فهى ~~تملى عليه بكرة وأصيلا، وذهب قوم أنه إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون. # وقال غير هؤلاء وهؤلاء: لو نشاء لقلنا مثل هذا. # ولكنهم لم يقولوا هم ولا غيرهم لان تأليف ms001 القرآن البديع، ووصفه الغريب، ~~ونظمه العجيب، قد أخذ عليهم منافذ البيان كلها وقطع أطماعهم في معارضته، ~~فظلوا مقموعين مدحورين ثلاثة وعشرين عاما، يتجرعون مرارة الاخفاق، ويهطعون ~~لقوارع التبكيت، وينغضون رؤوسهم تحت مقارع التحدي والتعيير، مع أنفتهم ~~وعزتهم، واستكمال عدتهم وكثرة خطبائهم وشعرائهم، وشيوع البلاغة فيهم، ~~والتهاب قلوبهم بنار عداوته، وترادف الحوافز إلى مناهضته، وعرفانهم أن ~~معارضته بسورة واحدة أو آيات يسيرة أنقض لقوله، وأفعل في إطفاء أمره، وأنجع ~~في تحطيم دعوته، وتفريق الناس عنه - من مناجزته، ونصبهم الحرب له، وإخطارهم ~~بأرواحهم وأموالهم، وخروجهم عن أوطانهم وديارهم. # وقد ندب الله المسلمين إلى تلاوة القرآن، وقراءة ما تيسر منه، وحضهم على ~~ادكار معانيه، وتدبر أغراضه ومراميه، ليهتدوا ببصائره وهداه، وليستضيئوا ~~بأنواره في الحياة، حتى تكون كلمتهم فيها هي العليا، وكلمة الذين كفروا ~~السفلى. # فأقبل عليه علماؤهم يتدبرونه ويفسرونه، ويجلون آياته على أعين الناس ~~لعلهم يشهدون ما فيها من المنافع لهم، فيأتمروا حيث أمر، وينتهوا حيث زجر. # وأقبل عليه غيرهم، من أعدائه وأعدائهم، فاتبعوا ما تشابه من آيه ابتغاء ~~الفتنة بتأويلها، وتحريف كلمه عن مواضعها، وخيلت لهم أفهامهم الكليلة، ~~وأذهانهم العليلة، أن في نظمه فسادا، وفى أسلوبه لحنا، وفى معانيه تناقضا، ~~وفى نقله اضطرابا، فنفوا عنه صفة الاعجاز، وسددوا نحوه المطاعن، وبثوا حوله ~~الشكوك. # وكان الناجمون الاولون منهم يخافتون بأقوالهم، ويجمجمون بآرائهم، ~~ويستخفون بمذاهبهم # PageV01P006 # ويصطنعون الحذر والدهاء في كل ما يأتون وما يذرون، خوفا من بطش الخلفاء # الراشدين، ومن تلاهم من خلفاء الامويين. # وخلف من بعد هؤلاء خلف كانوا أكثر ثقافة، وأعزر علما، وأحسن بيانا ~~فأصحروا بآرائهم، وجاهروا بمعتقداتهم، وبثوا شكوكهم في المجالس والاندية، ~~وسطروها في الكتب والرسائل التى أسرفوا في تحسينها، وبالغوا في تزيينها، ~~وغالوا في انتقاء ورقها ومدادها واستجادة خطها، ليحسن وقعها في الانظار، ~~وتصبو إليها أنفس القراء. # وقد ساعدهم على جهرهم هذا ومكن لهم منه، تبدل الزمان وتغير الحال، بتسامح ~~الخلفاء في غير ما يمس سلطانهم ويعرض لدولتهم، وامتلاك غير العرب لزمام ~~الامور في الدولة، وانتشار الكتب المترجمة، وازدياد اتصال ms002 العرب بغيرهم من ~~أهل المذاهب والنحل الاخرى، وكثرة الجدال بين المذاهب الاسلامية، واشتعال ~~نار العداوة بين الفرق الكلامية ولما كثرت المطاعن في القرآن، وأوشكت ~~الشبهات أن تأخذ سبيلها إلى نفوس الاغرار والاحداث -: نهض فريق من العلماء ~~يدرءون عنه، وينافحون دونه ويرمون من ورائه بالحجج النيرة، والادلة ~~الواقعة، فشرعوا أقلامهم لتأليف الكتب والرسائل في الرد عليهم، وتبيين ~~مفترياتهم. # وفى طليعة هؤلاء أبو محمد عبد الله ابن مسلم بن قتيبة الدينورى، فقد عمد ~~إلى مطاعنهم فيه فجمعها، ثم كر عليها بالنقض في كتابه الجليل: " تأويل مشكل ~~القرآن " وكانت مسألة الاعجاز من أبرز المسائل التى تعاورها العلماء بالبحث ~~في أثناء تفسيرهم للقرآن، وردهم على منكري النبوة، وخوضهم في علم الكلام، ~~كعلى بن ربن كاتب المتوكل في كتاب: " الدين والدولة " وكأبي جعفر الطبري في ~~تفسيره: " جامع البيان عن وجوه تأويل آى القرآن " وكأبي الحسن الاشعري في " ~~مقالات الاسلاميين " وأبى عثمان الجاحظ في كتاب: " الحجة في تثبيت النبوة " # وكان علماء الاعتزال أكثر المثيرين للكلام في إعجاز القرآن، فقد ذهب ~~النظام - من بينهم - إلى أن القرآن نفسه غير معجز، وانما كان إعجازه ~~بالصرفة # PageV01P007 # وقال " ان الله ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة، بل هو كسائر الكتب ~~المنزلة لبيان الاحكام من الحلال والحرام. # والعرب إنما يعارضوه، لان الله تعالى صرفهم عن ذلك، وسلب علومهم به وذهب ~~هشام الفوطى، وعباد بن سليمان إلى أن القرآن لم يجعل علما للنبى وهو عرض من ~~الاعراض، والاعراض لا يدل شئ منها على الله ولا على نبوة النبي. # وكان ذلك وغيره من أقوال أئمتهم، منبعا غزيرا للقول في إعجاز القرآن وقد ~~انبرى كثير منهم للرد على من أنكر إعجازه جملة، كأبى الحسين الخياط وأبى ~~على الجبائى، اللذين نقضا على " ابن الراوندي " كتابه " الدامع " الذى طعن ~~فيه على نظم القرآن وما يحتويه من المعاني، وقال: إن فيه سفها وكذبا وكذلك ~~رد كثير منهم على من خالف عن قول جماعتهم: بأن تأليف القرآن ونظمه معجز، ~~وأنه علم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ms003 كالجاحظ الذى رد على النظام رأيه ~~في الصرفة، في كتاب: " نظم القرآن ". # ألف الجاحظ كتابه في الاحتجاج لنظم القرآن وغريب تأليفه، وبديع تركيبه، ~~على حد قوله في مقدمة كتاب الحيوان. # وهو من كتبه الضائعة. # وقد أشار إليه الباقلانى في إعجاز القرآن، إذ يقول ص 7: " وقد صنف الجاحظ ~~في نظم القرآن كتابا لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما ~~يلتبس في أكثر هذا المعنى " وأخشى أن يكون الباقلانى قد حاف في حكمه على ~~نظم القرآن، وحملته العصبية المذهبية على تنقصه. # فقد وصف الجاحظ نظم القرآن في كتابه " حجج النبوة " # حيث يقول في صفحة 147 مخاطبا من كتب له الكتاب: " وفهمت - حفظك الله - ~~كتابك الاول، وما حثثت عليه من تبادل العلم، والتعاون على البحث والتحاب في ~~الدين، والنصيحة لجميع المسلمين. # وقلت اكتب إلى كتابا تقصد فيه إلى حاجات النفوس، وإلى صلاح القلوب، وإلى ~~معتلجات الشكوك وخواطر الشبهات، دون الذى عليه أكثر المتكلمين من التطويل،. # ومن التعمق والتعقيد، ومن تكلف ما لا يجب، وإضاعة ما يجب. # وقلت: كن كالمعلم اللوحة رقم: 1 عنوان نسخة المتحف البريطاني المرموز لها ~~بحرف: م اللوحتان: 2، 3 الصفحتان الاولى والاخيرة من نسخة المتحف البريطاني ~~المرموز لها بحرف: م اللوحة: 4 عنوان نسخة كوبريللى المرموز لها بحرف: ك ~~اللوحة: 5 الصفحة الاولى من نسخة كوبر يللى المرموز لها بحرف: ك اللوحة: 6 ~~آخر صفحة من نسخة كوبر يللى المرموز لها بحرف: ك اللوحة: 7 # الصفحة الاخيرة من نسخة الاسكوريال المرموز لها بحرف: 1 # PageV01P008 # الرفيق، والمعالج الشفيق الذى يعرف الداء وسببه، والدواء وموقعه، ويصبر ~~على طول العلاج، ولا يسأم كثرة التردد. # وقلت: اجعل تجارتك التى إياها تؤمل، وصناعتك التى إياها تعتمد - إصلاح ~~الفاسد، ورد الشارد. # وقلت: ولابد من استجماع الاصول، ومن استيفاء الفروع، ومن حسم كل خاطر، ~~وقمع كل ناجم، وصرف كل هاجس، ودفع كل شاغل، حتى تتمكن من الحجة، وتتهنأ ~~بالنعمة، وتجد رائحة الكفاية، وتثلج ببرد اليقين، وتفضي إلى حقيقة الامر. # وقلت: ابدأ بالاخف فالاخف، ms004 وبكل ما كان آنق في السمع وأحلى في الصدور، ~~وبالباب الذى يؤتى منه الريض المتكلف، والجسور المتعجرف، وبكل ما كان أكثر ~~علما، وأنفذ كيدا..فكتبت لك كتابا أجهدت فيه نفسي، وبلغت منه أقصى ما يمكن ~~مثلى في الاحتجاج للقرآن، والرد على كل طعان، فلم أدع فيه مسألة لرافضي ولا ~~لحديثي، ولا لحشوى، ولا لكافر مباد، ولا لمنافق مقموع، ولا لاصحاب " النظام ~~" ولمن نجم بعد " النظام " ممن يزعم: أن القرآن حق وليس تأليفه بحجة، وأنه ~~تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة، فلما طننت أنى قد بلغت أقصى محبتك، وأتيت على ~~معنى صفتك - أتانى كتابك تذكر أنك لم ترد الاحتجاج لنظم القرآن، وإنما أردت ~~الاحتجاج لخلق القرآن وكانت مسألتك مبهمة فكتبت لك أشق الكتابين وأثقلهما، ~~وأغمضهما معنى، وأطولهما طولا.." ولست أعرف نقلا عن كتاب: " نظم القرآن " ~~ولا حديثا عنه، ولا وصفا له غير وصف الجاحظ هذا، وأحسبه فيه من الصادقين ~~وقد قلد الجاحظ في هذه التسمية أبو بكر: عبد الله بن أبى داود السجستاني، # المتوفى سنة 316 في كتابه: " نظم القرآن ". # وأبو زيد البلخى: أحمد بن سليمان، المتوفى سنة 322 ه قال أبو حيان في ~~كتاب " البصائر والذخائر ": قال أبو حامد القاضى: لم أر كتابا في القرآن ~~مثل كتاب لابي زيد البلخى، وكان فاضلا يذهب في رأى الفلاسفة، لكنه تكلم في ~~القرآن بكلام لطيف دقيق في مواضع، وأخرج سرائره وسماه: " نظم القرآن " ولم ~~يأت على جميع المعاني فيه. # PageV01P009 # وكذلك أبو بكر: أحمد بن على، المعروف بابن الاخشيد، المعتزلي، المتوفى ~~سنة 36 ه، فإنه قد ألف كتابا أسماه: " نظم القرآن ". # وأول كتاب علمناه، يشتمل عنوانه على كلمة الاعجاز هو كتاب: " إعجاز ~~القرآن في نظمه وتأليفه " لابي عبد الله: محمد بن يزيد الواسطي، المعتزلي، ~~المتوفى سنة 306 ه. # وهو من الكتب التى لا نعرف عنها غير أسمائها المجردة. # وقد بقى من الكتب المؤلفة في القرن الرابع عن إعجاز القرآن، ثلاثة كتب. # أولها: كتاب الرماني، وثانيها: كتاب الخطابى، وثالثها: كتاب الباقلانى. # وهى التى نعرض لها بالبيان والتحليل، ms005 فيما يلى: إعجاز القرآن للرماني: ~~ولد أبو الحسن: على بن عيسى الرماني المعتزلي في سنة 276، ومات سنة 384 ~~وكان يعرف أيضا بالاخشيدى، نسبة إلى أستاذه ابن الاخشيد، وبالوراق، لانه ~~كان يحترف الوراقة. # وقال عنه ياقوت في معجم الادباء 24 / 74: " كان إماما في علم العربية، ~~علامة في الادب، في طبقة أبى على الفارسى، وأبى سعيد السيرافى وله تصانيف ~~في جميع العلوم: من النحو واللغة والنجوم والفقه والكلام، على رأى ~~المعتزلة. # وكان يمزج كلامه في النحو بالمنطق، حتى قال أبو على الفارسى: إن # كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شئ، وإن كان ما نقوله نحن، ~~فليس معه منه شئ ". # وقال عنه أبو حيان التوحيدي في الامتاع والمؤانسة 1 / 133: " وأما على بن ~~عيسى فعالى الرتبة في النحو واللغة والكلام والعروض والمنطق، وعيب به، لانه ~~لم يسلك طريق واضح المنطق، بل أفرد صناعة، وأظهر براعة وقد عمل في القرآن ~~كتابا نفيسا. # هذا مع الدين الثخين، والعقل الرصين " وقال عنه في تقريظ الجاحظ، كما قال ~~ياقوت، في معجم الادباء 14 / 76 -: " لم ير مثله قط..علما بالنحو، وغرازة ~~في الكلام، وبصرا بالمقالات، واستخراجا للعويص، وإيضاحا للمشكل، مع تأله ~~وتنزه ودين ويقين، وفصاحة وفقاهة وعفافة ونظافة " # PageV01P010 # والكتاب النفيس الذى أشار التوحيدي إليه، هو كتاب: " الجامع لعلم القرآن ~~" وقد ذكره الرماني في إعجاز القرآن. # بدأ الرماني كتابه ببيان وجوه إعجاز القرآن، فقال: إنها تظهر من سبع جهات ~~وهى: ترك المعارضة مع توفر الدواعى وشدة الحاجة، والتحدى للكافة والصرفة، ~~والبلاغة، والاخبار الصادقة عن الامور المستقبلة، ونقض العادة وقياسه بكل ~~معجزة. # ثم قسم البلاغة إلى ثلاث طبقات، وقال: إن ما كان في أعلاها معجز، وهو ~~بلاغة القرآن. # ثم عرف البلاغة بأنها إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، ~~وأعلاها طبقة في الحسن بلاغة القرآن. # ثم قسم البلاغة إلى عشرة أقسام، وهى: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، ~~والتلاؤم، والفواصل والتجانس والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان. # ثم فسرها بابا بابا، على ترتيبها تفسيرا وافيا شافيا. # فهو - مثلا - عند ما عرض ms006 # لباب الاستعارة عرفها، وفرق بينها وبين التشبيه. # ثم بين أركانها، وقال: إن كل استعارة حسنة توجب بلاغة بيان لا تنوب منابة ~~الحقيقة، وذلك أنه لو كان يقوم مقامه كانت الحقيقة أولى به، ولم تجز ~~الاستعارة. # ثم ذكر ما جاء في القرآن من الاستعارة على جهة البلاغة، وبدأ بقول الله ~~تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) ، فقال: " ~~حقيقة،، قدمنا،، هنا: عمدنا و " قدمنا " أبلغ منه لانه يدل على أنه عاملهم ~~معاملة القادم من سفر، لانه من أجل إمهاله لهم كمعاملة الغائب عنهم، ثم قدم ~~فرآهم على خلاف ما أمرهم. # وفى هذا تحذير من الاغترار بالامهال. # والمعنى الذى يجمعهما العدل، لان العمد إلى إبطال الفاسد عدل، والقدوم ~~أبلغ لما بينا " وجملة الآيات التى ذكرها في هذا الباب على ذلك النحو ~~العظيم - أربع وأربعون آية. # وبعد أن فرغ الرماني من تفسير أبواب البلاغة العشر، عاد إلى البيان عن ~~الوجوه السبعة التى ذكرها في أول الكتاب، وقال: إنها مظاهر إعجاز القرآن. # PageV01P011 # فأبان عن أوجه دلالتها على الاعجاز. # ويعنينا أن نذكر هنا ما قاله عن توفر الدواعى، و " الصرفة " لما للاولى ~~من دلالة خاصة، ولاهمية الثانية. # قال: " وأما توفر الدواعى فتوجب الفعل مع الامكان لا محالة، في واحد كان ~~أو جماعة. # والدليل على ذلك أن إنسانا لو توفرت دواعيه إلى شرب الماء بحضرته، من جهة ~~عطشه واستحسانه لشربه، وكل داع يدعو إلى مثله، وهو مع ذلك ممكن له، فلا ~~يجوز أن لا يقع شربه منه حتى يموت عطشا لتوفر الدواعى على ما بينا. # فإن لم يشربه مع توفر الدواعى له دل ذلك على عجزه عنه، فكذلك توفر ~~الدواعى إلى المعارضة على القرآن لما لم تقع المعارضة دل ذلك على العجز ~~عنها " # وقال عن الصرفة: " وأما الصرفة فهى صرف الهمم عن المعارضة. # وعلى ذلك يعتمد بعض أهل العلم في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن ~~معارضته وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التى دلت على النبوة. # وهذا عندنا أحد ms007 وجوه الاعجاز التى تظهر منها للعقول " وختم كتابه ~~بالاجابة عن سؤال أورده، فقال: " فإن قيل: فلم اعتمدتم على الاحتجاج بعجز ~~العرب دون المولدين، وهو عندكم معجز للجميع، مع أنه يوجد للمولدين من ~~الكلام البليغ شئ كثير؟ قيل له: لان العرب كانت تقيم الاوزان والاعراب ~~بالطباع، وليس في المولدين من يقيم الاعراب بالطباع كما يقيم الاوزان ~~بالطباع، والعرب على البلاغة أقدر لما بينا من فطنتهم لما لم يفطن له ~~المولدون من إقامة الاعراب بالطباع. # فإذا عجزوا عن ذلك فالمولدون عنه أعجز " وقد ذهب الرماني إلى نفى السجع ~~من القرآن، وتسمية ما فيه من ذلك فواصل لان الاسجاع عيب، والفواصل بلاغة، ~~لان الفواصل تابعة للمعانى، وأما الاسجاع فالمعاني تابعة لها، وهو قلب ما ~~توجبه الحكمة في الدلالة. # أعجاز القرآن للخطابي: ولد أبو سليمان: حمد بن محمد بن ابراهيم بن الخطاب ~~البستى سنة 319 وتوفى سنة 388 ه وهو من أعلام الفكر الاسلامي في القرن ~~الرابع الذين امتازت كتبهم # PageV01P012 # بغزارة المادة، وعمق الفكرة، ودقة الاستنباط وروعة البيان، وظهرت فيها ~~شخصيتهم واضحة المعالم، بينة القسمات. # ومن كتب الخطابى الجليلة: كتاب " غريب الحديث " و " معالم السنن في شرح ~~سنن أبى داود " و " أعلام السنن في شرح البخاري " وإعجاز القرآن " وهو ~~أصغرها حجما. # بدأ الخطابى كتابه بقوله: " قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديما # وحديثا، وذهبوا فيه كل مذهب من القول، وما وجدناهم - بعد - صدروا عن رى، ~~وذلك لتعذر معرفة وجه الاعجاز في القرآن، ومعرفة الامر في الوقوف على ~~كيفيته " ثم عرض للاقوال التى قيلت قبله في وجوه الاعجاز، وبدأ برأى ~~القائلين بأن النبي صلى الله عليه وسلم، قد تحدى العرب قاطبة بأن يأتوا ~~بسورة من مثله فعجزوا عنه، وانقطعوا دونه. # وعقب عليه بقوله: " وهذا - من وجوه ما قيل فيه - أبينها دلالة، وأيسرها ~~مؤونة، وهو مقنع لمن لم تنازعه نفسه مطالعة كيفية وجه الاعجاز فيه. # ثم ثنى برأى القائلين بأن العلة في إعجازه " الصرفة " أي صرف الهمم عن ~~المعارضة، وإن كانت مقدورا عليها، غير معجوز ms008 عنها، إلا أن العائق من حيث ~~كان أمرا خارجا عن مجارى العادات - صار كسائر المعجزات. # وعلق عليه بقوله: " وهذا أيضا وجه قريب، إلا أن دلالة الآية تشهد بخلافه، ~~وهى قوله سبحانه: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ~~لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) . # فأشار في ذلك إلى أمر طريقه التكلف والاجتهاد، وسبيله التأهب والاحتشاد، ~~والمعنى في الصرفة التى وصفوها لا يلائم هذه الصفة فدل على أن المراد غيرها ~~" ثم ذكر رأى الطائفة التى زعمت أن إعجازه إنما هو فيما تضمنه من الاخبار ~~عن الكوائن في مستقبل الزمان، وصدقت أقوالها مواقع أكوانها. # ثم نقده بقوله: " ولا يشك في أن هذا وما أشبهه من أخباره، نوع من أنواع ~~إعجازه، ولكنه ليس بالامر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن. # وقد جعل سبحانه في صفة كل سورة أن تكون معجزة بنفسها، لا يقدر أحد من ~~الخلق أن يأتي بمثلها، # PageV01P013 # فقال: (فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) ~~من غير تعيين. # فدل على أن المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه " ثم ذكر الرأى الرابع الذى ذهب ~~إليه الاكثرون من علماء أهل النظر، وهو أن إعجازه من جهة " البلاغة " وقال: ~~" ووجدت عامة أهل هذه المقالة، قد جروا في تسليم هذه الصفة للقرآن على نوع ~~من التقليد، وضرب من غلبة الظن، دون التحقيق له، وإحاطة العلم به. # ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التى اختص بها القرآن، وعن ~~المعنى الذى يتميز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة - قالوا: لا ~~يمكننا تصويره، ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من ~~الكلام: وإنما يعرفه العالمون به عند سماعه ضربا من المعرفة، لا يمكن ~~تحديده. # وأحالوا على سائر أجناس الكلام الذى يقع فيه التفاضل، فتقع في نفوس ~~العلماء به - عند سماعه - معرفة ذلك، ويتميز في أفهامهم قبيل الفاضل من ~~المفضول منه. # وقد يخفى سببه عند البحث، ويظهر أثره في النفس، حتى ms009 لا يلتبس على ذوى ~~العلم والمعرفة به. # وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع، وهشاشة في النفس، لا يوجد مثلها ~~لغيره، والكلامان معا فصيحان، ثم لا يوقف لشئ من ذلك على علة " ثم عقب ~~الخطابى على ذلك بقوله: " وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشفى من داء ~~الجهل به، وإنما هو إشكال أحيل به على إبهام " ثم ذكر أن دقيق النظر، وشاهد ~~العبر، قد دلاه على ما يباين به القرآن سائر الكلام، وأن العلة في ذلك: " ~~أن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة، ودرجاتها في ~~البلاغة متباينة غير متساوية. # فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز ~~المطلق الرسل. # وهذه أقسام الكلام الفاضل. # فالقسم الاول أعلى طبقات الكلام وأرفعه، والقسم الثاني أوسطه وأقصده، # والقسم الثالث أدناه وأقربه. # فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الاقسام حصة، وأخذت من كل نوع من ~~أنواعها شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الاوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي ~~الفخامة والعذوبة. # وهما على الانفراد في نعوتهما # PageV01P014 # كالمتضادين، لان العذوبة نتاج السهولة، والجزالة والمتانة في الكلام ~~تعالجان نوعا من الوعورة. # فكان اجتماع الامرين في نظمه - مع نبو كل واحد منهما عن الآخر - فضيلة خص ~~بها القرآن " ثم قال: " وإنما تعذر على البشر الاتيان بمثله، لامور: منها ~~أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية، وبأوضاعها التى هي ظروف ~~المعاني، والحوامل لها. # ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الاشياء المحمولة على تلك الالفاظ، ولا تكمل ~~معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التى بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ~~ببعض، فيتوصلوا باختيار الافضل عن الاحسن من وجوهها، إلى أن يأتوا بكلام ~~مثله. # وإنما يقوم الكلام بهذه الاشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى قائم به، ورباط ~~لهما ناظم. # وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الامور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ~~ترى شيئا من الالفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما أحسن ~~تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه. # وأما المعاني فلا خفاء على ms010 ذى عقل أنها هي التى تشهد لها العقول بالتقدم ~~في أبوابها، والترقى إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها. # وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن توجد ~~مجموعة في نوع واحد منه، فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، الذى أحاط ~~بكل شئ علما، وأحصى كل شئ عددا. # فتفهم الآن، واعلم أن القرآن أنما صار معجزا لانه جاء بأفصح الالفاظ، في ~~أحسن نظوم التأليف، مضمنا أصح المعاني: من توحيد له - عزت قدرته - # وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته: من تحليل ~~وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف، ونهى عن منكر، وإرشاد ~~إلى محاسن الاخلاق، وزجر عن مساويها. # واضعا كل شئ منها موضعه الذى لا يرى شئ أولى منه، ولا يرى في صورة العقل ~~أمر أليق منه، مودعا أخبار القرون الماضية، وما نزل من مثلات الله بمن عصى ~~وعاند منهم، منبئا عن الكوائن المستقبلة في الاعصار الباقية من الزمان، ~~جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد ~~للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب # PageV01P015 # ما أمر به ونهى عنه. # ومعلوم أن الاتيان بمثل هذه الامور، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق ~~- أمر تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرهم: فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن ~~معارضته بمثله، أو مناقضته في شكله " وأنى لهم ذلك وأمر معاناة المعاني ~~التى تحملها الالفاظ، شديد بالغ الشدة لانها نتائج العقول، وولائد الافهام، ~~وبنات الافكار. # وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر، لانها لجام ~~الالفاظ وزمام المعاني، وبه يتصل أخذ الكلام، ويلتئم بعضه ببعض، فتقوم له ~~صورة في النفس يتشكل بها البيان " ثم ذكر أقوال المعاندين للقرآن، لما ~~عجزوا عن معارضته، وقال: " إن عمود هذه البلاغة التى تجتمع لها هذه الصفات، ~~هو وضع كل نوع من الالفاظ التى تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الاخص الاشكل ~~به. # الذى إذا أبدل مكانه غيره جاء منه: إما تبدل المعنى الذى يكون منه فساد ms011 ~~الكلام، وإما ذهاب الرونق الذى يكون معه سقوط البلاغة. # ذلك أن في الكلام ألفاظا متقاربة في المعاني يحسب أكثر الناس أنها ~~متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب، كالعلم والمعرفة والحمد # والشكر. # والامر فيها وفى ترتيبها عند علماء اللغة بخلاف ذلك، لان لكل لفظة منها ~~خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإن كانا قد يشتركان في بعضها ~~". # ثم مضى يبين الفروق بين معاني الكلمات التى ذكرها، وأتبعها بطائفة ~~الاعتراضات التى وجهت إلى القرآن، أو التى يمكن أن توجه إليه، كتأليف معظم ~~كلامه من ألفاظ مبتذلة في مخاطبات العرب، مستعملة في محاوراتهم، وقلة حظه ~~من الغريب المشكل، بالاضافة إلى واضحه الكثير، وقلة عدد الفقر والغرور من ~~ألفاظه، بالقياس إلى مباذله ومراسيله. # والقول بأن كثيرا من العبارات الواقعة في القرآن، لم تقع في أفصح وجوه ~~البيان وأحسنها، وأنه قد عرض فيه سوء التأليف من نسق الكلام على ما ينبو ~~عنه ولا يليق به، وإدخاله بين الكلامين ما ليس من جنسهما، مع ما فيه من ~~الحذف والاختصار، ومضاعفة التكرار، وغير ذلك مما يشكل معه الكلام ويستغلق ~~معناه، ويخرج به عن الفصاحة العالية والبلاغة السامية. # PageV01P016 # ثم كر على تلك الاعتراضات فنقضها، وفصل القول في تأويل الآيات الكثيرة ~~التى أوردها. # وبين أسرار بلاغتها تبيينا ترتاح إليه القلوب، وتطمئن له العقول. # ثم قال: " وفى إعجاز القرآن وجه آخر، ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلا ~~الشاذ من آحادهم. # وذلك صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن ~~منظوما ولا منثورا، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في ~~حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى - ما يخلص منه إليه. # تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة ~~قد عراها من الوجيب والقلق، وتغشاها من الخوف والفرق ما تقشعر منه الجلود، ~~وتنزعج له القلوب. # يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها. # فكم من عدو للرسول، صلى الله عليه وسلم، من رجال العرب وفتاكها، # أقبلوا يريدون ms012 إغتياله وقتله، فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين ~~وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الاول، وأن يركنوا إلى مسالمته ~~ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة وكفرهم إيمانا " ثم أورد من المثل ~~التاريخية، والآيات القرآنية ما هو مصداق لما وصفه من أمر القرآن. # وكان ذلك خاتمة الكتاب. # ثم ألف بعد الرماني والخطابى معاصرهم أبو بكر الباقلانى، كتابه " إعجاز ~~القرآن " * * * الباقلانى وإعجاز القرآن: هو أبو بكر: محمد بن الطيب بن ~~محمد بن جعفر بن القاسم، المعروف بالباقلانى، أو ابن الباقلانى. # ولد بالبصرة، ولم يعين أحد من المؤرخين عام ولادته، وقد تلقى العلم على ~~أعلامها، ثم رحل إلى بغداد فأخذ من علمائها، ثم اتخذها دارا لاقامته، حتى ~~قضى نحبه فيها ولم يذكر أحد كذلك متى رحل إليها أول ما رحل، ولا متى اتخذها ~~مستقرا؟ وقد أتيح للباقلاني أن يتتلمذ لطائفة من العلماء الذين جمعوا بين ~~العلم والعمل، # PageV01P017 # وشهروا بالورع والتقوى. # ونحن نشير إلى م اوقفنا عليه منهم، فيما يلى: (1) فمنهم أبو بكر الابهري: ~~محمد بن عبد الله (289 - 375 ه) شيخ المالكية في عصره، وقد أخذ عنه ~~الباقلانى الفقه، وصحبه فأطال صحبته. # ومما يؤثر عن الابهري أنه أخرج في آخر حياته ثلاثة آلاف مثقال، وفرقها ~~على تلامذته، وكانوا جماعة وافرة، وآثر الباقلانى فأعطاه منها مائة مثقال. # (2) أبو بكر: أحمد بن جعفر بن مالك القطيعى راوي مسند الامام أحمد (274 - ~~368) وقد أخذ عنه الحديث. # (3) أبو محمد: عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسى (274 - 369) (4) أبو ~~عبد الله: محمد بن خفيف الشيرازي المتوفى سنة 371. # وقد أخذ عنه الباقلانى علم الاصول. # (5) ابن بهته: محمد بن عمر، البزاز، المتوفى سنة 374 (6) أبو أحمد: ~~الحسين بن على النيسابوري (293 - 375) (7) أبو أحمد: الحسن بن عبد الله بن ~~سعيد العسكري (293 - 382) (8) أبو محمد: عبد الله بن أبى زيد القيرواني ~~المتوفى سنة 386 عن ست وسبعين سنة. # (9) أبو عبد الله الطائى: محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد. # البصري، صاحب أبى الحسن الاشعري. # وقد درس عليه ms013 الباقلانى الاصول والكلام وكان من أخص تلاميذه. # (10) أبو الحسن الباهلى البصري صاحب أبى الحسن الاشعري، قال الباقلانى: " ~~كنت أنا وأبو إسحاق الاسفرايينى، وابن فورك معا في درس الشيخ الباهلى، وكان ~~يدرس لنا في كل يوم جمعة مرة واحدة، وكان منا في حجاب، يرخى الستر بيننا ~~وبينه كى لا نراه. # وكان من شدة اشتغاله بالله مثل واله أو مجنون، لم يكن يعرف مبلغ درسنا ~~حتى نذكره ذلك ". # ولم يكن الباهلى يحتجب عن هؤلاء الثلاثة فقط، بل كان يحتجب عن كل الناس، ~~حتى عن الجارية التى كانت تخدمه. # وقد سأله تلاميذه في أول عهدهم به عن سبب إرساله الحجاب بينه وبينهم # PageV01P018 # فقال: " إنكم ترون السوقة، وهم أهل الغفلة، فترونى بالعين التى ترون ~~أولئك بها "! وذكر ابن شاكر في " عيون التواريخ " أن الباهلى مات سنة 370. # وكان الباهلى وابن مجاهد، أعرف العلماء بمذهب الاشعري، وأشدهم فقها له. # وأقواهم حجة في الدفاع عنه، لانهما كانا من أقرب تلاميذه إليه. # وقد سجل المؤرخون للاشعري: أن أخص تلاميذه به أربعة: أبو بكر بن مجاهد، ~~وأبو الحسن الباهلى، وأبو الحسن الطبري، وخادمه بندار بن الحسين الشيرازي ~~المتوفى سنة 353 ه. # وقد تلقى الباقلانى عليهما أصول المذهب، فتعشقه واندفع في نصرته، بما عرف ~~عنه من قوة الحجة، وبراعة المحاورة، وسرعة البديهة، وطلاقة اللسان، وغزارة ~~البيان. # فطار صيته في الآفاق، وهو ما زال بعد في ريعان الصبا وفتاء الشباب، حتى ~~وصل إلى أعلام المعتزلة بشيراز. # وكانت شيراز في ذلك الوقت حاضرة ملك أبى شجاع فنا خسرو بن ركن الدولة ~~البويهى. # الذى آل إليه ملك فارس بعد وفاة عمه عماد الدولة في سنة 338، فتلقب بعضد ~~الدولة. # وكان عضد الدولة أميرا عظيم الهيبة، غزير العقل، شديد التيقظ، كثير ~~الفضل، واسع الثقافة، مشاركا في العلوم، وقد تعلم على أحسن المعلمين. # فكان يقدر العلم والعلماء، ويحب الادب والادباء، ويؤثر مجالستهم عن ~~مجالسة الامراء، ويجرى الجرايات على الفقهاء والمحدثين، والنحاة والمفسرين، ~~والشعراء والمتكلمين، والاطباء والمهندسين. # وكانت له خزانة كتب عظيمة، عنى بها عناية فائقة، يدل ms014 عليها وصف المقدسي ~~لها بأنها " حجرة على حدة، عليها وكيل وخازن ومشرف. # ولم يبق كتاب صنف إلى وقت عضد الدولة من أنواع العلوم إلا وحصله فيها. # وهى أزج طويل في صفة كبيرة، فيه خزائن من كل وجه، وقد ألصق إلى جميع ~~حيطان الازج والخزائن بيوتا طولها قامة في عرض ثلاثة أذرع من الخشب المزوق، ~~عليها أبواب تنحدر من فوق! والدفاتر منضدة على الرفوف، لكل نوع بيوت ~~وفهرستات فيها أسامي الكتب، ولا يدخلها إلا كل وجبة ". # PageV01P019 # وكان يقرض الشعر ويتمثل به، ويحكم على معانيه بعد التقرير له، فقصده ~~العلماء من كل فج، وصنفوا له الكتب، كأبى على الفارسى الذى ألف له كتاب " ~~الايضاح " وكتاب " التكملة " في النحو. # وارتحل إليه الشعراء كأبى الطيب المتنبي الذى ورد عليه بشيراز في جمادى ~~الاولى سنة 354، وأنشده قصيدته الهائية التى يقول فيها: وقد رأيت الملوك ~~قاطبة * وسررت حتى رأيت مولاها ومن مناياهم براحته * يأمرها فيهم وينهاها ~~أبا شجاع بفارس عضد الد * دولة فنا خسرو شهنشاها أساميا لم تزده معرفة * ~~وإنما لذة ذكرناها وقد أفرد عضد الدولة في داره لاهل الخصوص والحكماء ~~والفلاسفة، موضعا يقترب من مجلسه، فكانوا يجتمعون فيه للمفاوضة والمذاكرة، ~~آمنين من السفهاء ورعاع العامة. # وكان مجلسه هذا يحتوى على شياطين المعتزلة، كأبى سعد: بشر بن الحسين قاضى ~~قضاة شيراز، المتوفى سنة 380، والاحدب رئيس المعتزلة ببغداد وأبى إسحق ~~النصيبينى رئيسهم بالبصرة، وأبى الحسن: محمد بن شجاع. # وقد لا حظ عضد الدولة خلو مجلسه من أهل السنة، فقال: هذا ليس مجلس عامر ~~بالعلماء، إلا إنى لا أرى فيه واحدا من أهل الاثبات والحديث، أما لهؤلاء ~~المثبتة من ناصر؟ فقال القاضى بشر بن الحسين: ليس لهم ناصر، وإنما هم عامة، ~~أصحاب وتقليد ورواية، يروون الخبر وضده ويعتقدونهما جميعا، لا يعرفون النظر ~~والمعتزلة هم فرسان الجدل والمناظرة. # فقال عضد الدولة: محال أن يخلو مذهب طبق الارض من ناصر! فانظر إلى موضع ~~فيه مناظر يكتب فيه فيجلب. # فلما تبين القاضى العزم في حديثه، قال: سمعت أن بالبصرة شيخا وشابا، ms015 ~~الشيخ يعرف # بأبى الحسن الباهلى، والشباب يعرف بابن الباقلانى. # فكبت عضد الدولة يومئذ إلى عامله بالبصرة ليبعثهما إليه، وأرسل إليهما ~~خمسة آلاف درهم من الفضة، فلما وصل الكتاب إليهما قال الشيخ: هؤلاء الديلم ~~قوم كفرة فسقة روافض، لا يحل # PageV01P020 # لنا أن نطأ بساطهم، وليس غرض الملك من هذا إلا أن يقال: إن مجلسه مشتمل ~~على أصحاب المحابر كلهم، ولو كان ذلك خالصا لله لنهضت. # وشايعه على ذلك بعض أصحابه. # ولكن الباقلانى لم يعجبه رأى شيخه فقال له: كذا قال ابن كلاب والحارث ابن ~~أسد المحاسبى ومن في عصرهم: إن المأمون فاسق ظالم لا نحضر مجلسه، حتى ساق ~~أحمد بن حنبل، وجرى عليه بعد مما عرف، ولو ناظروه لكفوه عن هذا الامر، ~~وتبين له ما هم عليه بالحجة. # وأنت أيضا - أيها الشيخ - تسلك سبيلهم حتى يجرى على الفقهاء ما جرى على ~~أحمد، ويقولوا: بخلق القرآن ونفى الرؤية وها أنا خارج إن لم تخرج. # فقال الشيخ: أما إذا شرح الله صدرك لذلك فافعل. # قال الباقلانى: فخرجت إلى شيراز، فلما دخلت المدينة استقبلني ابن خفيف في ~~جماعة من الصوفية وأهل السنة، فلما جلسنا في موضع كان ابن خفيف يدارس فيه ~~أصحابه " اللمع " للشيخ أبى الحسن الاشعري، فقلت له: تماد على التدريس كما ~~كنت، فقال لى: أصلحك الله، إنما أنا بمنزلة المتيمم عند عدم الماء، فإذا ~~وجد الماء فلا حاجة إلى التيمم. # فقلت له: جزاك الله خيرا، وما أنت بمتيمم، بل لك حظ وافر من هذا العلم، ~~وأنت على الحق، والله ينصرك. # ثم قلت: متى الدخول إلى فنا خسرو؟ فقالوا لى: يوم الجمعة لا يحجب عنه ~~صاحب طيلسان. # فدخلت والناس قد اجتمعوا، والملك قاعد على سرير ملكه، والناس صفوف على ~~يسار الملك، وفوق الكل قاضى القضاة: بشر بن الحسين، وكان يدخل مع الوزراء ~~في وزارتهم، ويصغى الملك إلى رأيه في أمر # الدولة، فلما رأيت ذلك كرهت أن أتقدم على الناس وأتخطى رقابهم، من غير أن ~~أرفع، ولم تدعني نفسي أن أقعد في أخريات الناس. ms016 # وكان عن يمين الملك المجلس خاليا، ولا يقعد هناك إلا وزير وملك عظيم. # فمضيت وقعدت عن يمينه، بحذاء قاضى القضاة، فوجدوا من ذلك، وفزعوا ~~واضطربوا، لانه كان عندهم من الجنايات العظام، ونظر الملك لقاضي القضاة ~~نظرا منكرا، وما في المجلس من يعرفني إلا رجل واحد. # فقال للقاضى: هذا هو الرجل الذى طلبه الملك من البصرة، فأعلم الملك بذلك، ~~فقال قاضى القضاة: أطال الله بقاء مولانا، هذا هو الرجل # PageV01P021 # الذى كتبت فيه، وهو لسان المثبتة. # فنظر الملك إلى الغلمان والحجاب فطاروا من بين يديه، ثم قال: اذكروا له ~~مسألة، وكان في المجلس رئيس البغداديين من المعتزلة، وهو الاحدب. # وكان أفصح من عندهم وأعلمهم، وعدد كثير من معتزلة البصرة، أقدمهم أبو ~~إسحاق النصيبينى، فقال الاحدب لبعض تلاميذه: سله، هل لله أن يكلف الخلق ما ~~لا يطيقون، أو ليس له ذلك؟ - وكان غرضه تقبيح صورتنا عند الملك - فقلت له: ~~إن أردتم بالتكليف القول المجرد فقد وجد ذلك، لان الله تعالى قال: (قل: ~~كونوا حجارة أو حديدا) ونحن لا نقدر أن نكون حجارة ولا حديدا. # وقال تعالى: (أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا: سبحانك لا علم ~~لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم) فطالبهم بما لا يعلمون. # وقال تعالى: (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون) . # وهذا كله أمر بما لا يقدر عليه الخلق. # وإن أردتم بالتكليف الذى نعرفه، وهو ما يصح فعله وتركه، فالكلام متناقض، ~~وسؤالك فاسد، فلا تستحق جوابا، لانك قلت: تكليف، والتكليف: اقتضاء فعل ما ~~فيه مشقة على المكلف، وما لا يطاق لا يفعل لا بمشقة ولا بغير مشقة. # فسكت السائل، وأخذ الكلام الاحدب فقال: أيها الرجل، أنت سئلت عن كلام ~~مفهوم فطرحته # في الاحتمالات، وليس ذلك بجواب، وجوابه إذا سئلت أن تقول: نعم أو لا. # فأحفظنى كلامه لما لم يوقرني توقير الشيوخ ولم يخاطبني بما يليق. # وقلت له: يا هذا أنت نائم ورجلاك في الماء: إنما طرحت السؤال في ~~الاحتمالات، وقد بينت لك الوجوه المحتملة، فإن ms017 كان معك في المسألة كلام ~~فهاته، وإلا تكلم في غيرها. # فقال الملك للاحدب: أيها الشيخ، قد بين الاحتمال، وليس لك أن تعيد عليه، ~~ولا أن تغالطه، ثم إنى ما جمعتكم إلا للفائدة لا للمهاترة، ولما لا يليق ~~بالعلماء. # ثم التفت إلى وقال لى: تكلم على المسألة. # فقلت: ما لا يطاق على ضربين: أحدهما لا يطاق للعجز عنه، والآخر لا يطاق ~~للاشتغال عنه بضده، كما يقال: فلان لا يطيق التصرف لاشتغاله بالكتابة وما ~~أشبه ذلك، وهذا سبيل الكافر: أنه لا يطيق الايمان، لا لانه عاجز عن ~~الايمان، لكنه لا يطيقه لاشتغاله بضده الذى # PageV01P022 # هو الكفر، فهذا يجوز تكليفه بما لا يطاق. # وأما العاجز فما ورد في الشريعة تكليفه، ولو ورد لكان جائزا وصوابا، وقد ~~أثنى الله تعالى على من سأله أن يكلفه ما لا يطيق، فقال عز وجل: (ولا ~~تحملنا مالا طاقة لنا به) ، لان الله تعالى له أن يفعل في ملكه ما يريد. # ثم تجاوز الاحدب الكلام إلى غيره، ومال الملك إلى قولى. # ثم سألني النصيبينى عن مسألة الرؤية: هل يرى الباري سبحانه بالعين؟ وهل ~~تجوز الرؤية عليه أو تستحيل؟ وقال: كل شئ يرى بالعين، فيجب أن يكون في ~~مقابلة العين. # فالتفت الملك إلى وقال: تكلم أيها الشيخ في المسألة. # فقلت: لو كان الشئ يرى بالعين لوجب أن يكون في مقابلة العين على ما قال: ~~ولكن لا يرى الله بالعين. # فتعجب الملك من قولى، والتفت إلى قاضى القضاة، فقال: إذا لم ير الشئ ~~بالعين، فبأى شئ يرى؟ فقال: يسأله الملك. # فقال أيها الشيخ # فبأى شئ يرى إذا لم ير بالعين؟ فقلت: يرى بالادراك الذى في العين، ولو ~~كان الشئ يرى بالعين لكان يجب أن ترى كل عين قائمة، وقد علمنا أن الاجهر ~~عينه قائمة ولا يرى شيئا. # فزاد الملك تعجبا، وقال للنصيبينى: تكلم. # فقال: إنى لم أعلم أنه يقول هذا، ولا بنيت إلا على ما نعرف، وظننت أنه ~~يسلم أن الشئ يرى بالعين! فغضب الملك وقال: ما أنت مثل الرجل، ms018 لانك بنيت ~~المسألة على الظن. # ثم التفت إلى وقال لى: تكلم أنت. # فقلت: العين لا ترى، وإنما ترى الاشياء بالادراك الذى يحدثه الله تعالى ~~فيها، وهو البصر، ألا ترى أن المحتضر يرى الملائكة ونحن لا نراهم؟ وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم، يرى جبريل عليه السلام ولا يراه من يحضره؟ ~~والملائكة يرى بعضهم بعضا ولا نراهم نحن؟ والدليل على جواز رؤية الباري ~~تعالى أنه ليس فيها قلب للحقائق، ولا إفساد للادلة، ولا إلحاق صفة نقص ~~بالقديم تعالى، فوجب أن يكون كسائر الموجودات، لانه تعالى موجود، والشئ ~~إنما يرى لانه موجود، لان المرئى لم يكن مرئيا لانه جنس، لانا نرى سائر ~~الاجناس المختلفة، ولا لقيام معنى بالمرئى، لانا نرى الاعراض التى لا تحمل ~~المعاني، وقد ثبت بالنص وجوب رؤية الحق سبحانه في الدار الآخرة. # ثم جرى # PageV01P023 # في المجلس كلام كثير، وقال الملك على إثره لقاضي القضاة: ألم أقل لك: إن ~~مذهبا طبق الارض لابد له من ناصر. # ولما انقضى المجلس صحبني بعض الحجاب إلى منزل هيئ لى فيه جميع ما أحتاج ~~إليه، فسكنته. # ولما خرج الباقلانى قال الملك لقاضيه: فكرت بأى قتلة أقتله لجلوسه حيث ~~جلس بغير أمرى، وأما الآن فقد علمت أنه أحق بمكانى منى. # ثم دفع ابنه صمصام الدولة، ليعلمه مذهب أهل السنة، فعلمه وألف له كتاب " ~~التمهيد " ولم يزل الباقلانى مع عضد الدولة، إلى أن أقدم بغداد. # وكان دخوله أياها في # سنة 367، وظل الباقلانى أثيرا لديه، حتى إنه جعله رئيس البعثة التى ~~أوفدها في سنة 371 إلى ملك الروم. # وقد قال الاستاذ " محمود محمد الخضيرى " والدكتور " محمد عبد الهادى أبو ~~ريدة " في مقدمتهما لكتاب التمهيد: " إن هذه المناظرة جرت في مجلس ~~الامبراطور باسيليوس الثاني، الذى حكم من سنة 365 إلى سنة 416 ه ". # ثم قالا: " ومهما يكن أمر سفارة الباقلانى بين عضد الدولة وبين ملك ~~الروم، فنحن لا نعرف ظروفها التاريخية، وربما كان ملك الروم قد أراد من ~~يبين له أمر الاسلام، أو يجيب عن أسئلة النصارى بشأن ms019 ما يعتقده المسلمون. # ويتبين من تفصيل المناقشات أن مهمة الباقلانى كانت مدنية علمية، هي أشبة ~~ببعثة تبادل الآراء ومعرفة وجهات النظر الدينية، ولا سيما أنه ليس عندنا في ~~التاريخ ما يدل على اتصال وثيق بين عضد الدولة وبين الروم من شأنه أن يكون ~~داعيا لبعثات سياسية أو حربية أو أشبه ذلك، وأن المؤرخين يشيرون إلى هذه ~~السفارة باختصار، أو هم يذكرون ما يدل على صبغتها الفكرية الدينية الخالصة. # على أنه من الجائز أن يكون ظهور شأن السلطان الفاتح عضد الدولة، بعد حروب ~~دامت طويلا بين البيزنطيين والمسلمين وبعد تمرد أحد قواد الروم على ~~الامبراطور في الشرق، كان مما دعا الامبراطور البيزنطى إلى عقد صلات ~~التعارف مع عضد الدولة " ثم قالا: " إن الغرض الذى رمى إليه عضد الدولة من ~~بعثة الباقلانى إلى بيزنطة هو إرضاء شعور # PageV01P024 # المسلمين بالسعي في تحرير أسراهم المعذبين لدى الروم " وكان خليقا ~~بالاستاذين الفاضلين ألا يكتبا هذا الكلام البيزنطى بعد نقلهما لقول ابن ~~الاثير: إن عضد الدولة أرسل الباقلانى إلى ملك الروم في جواب رسالة وردت ~~منه. # وكان حسبهما أن يسجلا على أنفسهما عدم " معرفة ظروفها التاريخية " # فإن ذلك كان أسلم لهما، وكان يمنعهما من أن يتورطا فيما تورطا فيه، فليس ~~صحيحا ما قالاه من أنه " ليس في التاريخ ما يدل على اتصال وثيق بين عضد ~~الدولة وبين الروم من شأنه أن يكون داعيا لبعثات سياسية أو حربية ". # وليس صحيحا كذلك أن المؤرخين أشاروا إلى هذه السفارة باختصار، ودلوا على ~~صبغتها الدينية الخالصة. # وليس صحيحا مرة ثالثة أن عضد الدولة قد قصد من بعثة الباقلانى إرضاء شعور ~~المسلمين بالسعي في تحرير أسراهم. # أجل إن هذه الاقوال كلها ليست من الصحة والصواب في شئ، فقد بين المؤرخون ~~لتلك الفترة من الزمان الاتصال الوثيق بين عضد الدولة وملك الروم، وأن ~~البعثات السياسية قد تبو دلت بينهما عدة مرات منذ سنة 369 حتى وفاة عضد ~~الدولة في شوال سنة 372، وأن وفد الروم الثالث أدرك وفاة عضد الدولة وحضر ~~مجلس صمصام ms020 الدولة وتسلم منه الهدايا وتمم عقد المعاهدة. # ومجمل ما فصله المؤرخون في ذلك: أنه لما توفى أرمانوس ملك الروم وقام ~~بعده ابناه باسيل وقسطنطين، افترقت كلمة الروم، وطمع كبار القواد في ~~الاستئثار بالملك. # وكان ممن طمع في ذلك السقلاروس المعروف بورد الرومي، فجمع الجموع واستجاش ~~بالمسلمين من الثغور وكاتب أبا تغلب بن حمدان وواصله وصاهره، وأخرج إليه ~~الملكان عسكرا بعد عسكر فكسرهم، وجرت بين الفريقين معارك طاحنة، انتهت في ~~يوم الاحد لثمان بقين من شعبان سنة 368 ه بانهزام السقلاروس، وقد توجه بعد ~~هزيمته إلى ديار بكر، ونزل بظاهر ميافارقين، وأنفذ أخاه قسطنطين إلى عضد ~~الدولة يستنصره على ملكى الروم، ويعده ببذل الطاعة وحمل الخراج إذا انتصر، ~~فأحسن عضد الدولة استقباله، ووثق إليه بخطه ووعده بجميل إنجاده، وتطاول ~~مقام قسطنطين لدى عضد الدولة، وانتهى خبره إلى الملكين الاخوين بقسطنطينية، ~~فأنفذا إلى عضد # PageV01P025 # الدولة كاتبا لهما وجيها أريبا، يسمى نقفور ويعرف بالاورانوس، ليفسد ما ~~شرع # فيه مع السقلاروس، واجتمع الرسولان على بساط عضد الدولة يتنافسان في ~~التقرب إليه، ويستبقان إلى التماس الذمام منه، ولم ينصرفا إلى أن انسلخت ~~سنة تسع وستين وثلثمائة. # وذلك أمر لم يكن مثله قط، ويعده المؤرخون من مآثر عضد الدولة. # وكان طلب الاورانوس ينحصر في تسليم السقلاروس ولو بابتياعه، والوعد ~~بتأمينه ومن معه، وإخراج كل أسير للمسلمين في بلاد الروم. # فمال عضد الدولة إلى ذلك، واحتال حتى حمل إليه عامله على ديار بكر ~~السقلاروس مقبوضا عليه، فأكرمه بعد أن احتاط عليه، ووعده بإطلاقه وتجريد ~~عساكر معه لنصرته، ثم وعد الاورانوس خيرا، وأخرج معه الباقلانى بجواب ~~الرسالة، وعاد الباقلانى بمشروع معاهدة، ومعه رسول يعرف بابن قونس ليأخذ ~~إمضاء عضد الدولة عليها، ولكن عضد الدولة بدا له أن يظفر في المعاهدة ~~باسترجاع بعض الحصون، فأعاد ابن قونس وأرسل معه أبا إسحاق بن شهرام، ورجع ~~ابن شهرام بمشروع المعاهدة الاخير، ومعه رسول يعرف بنقفور الكانكلى، ولكن ~~وصولهما صادف اشتداد العلة على عضد الدولة وموته في الثامن من شوال. # ووقع المعاهدة ms021 صمصام الدولة على شرطين: أولهما عقد الهدنة لمدة عشر ~~سنوات، وتسليم الحصون التى اشترط ابن شهرام استرجاعها، وثانيهما إطلاق ~~نقفور بعد أخذ خط ملك الروم بتأمينه، وإرجاعه إلى مرتبته. # ذلك مجمل ما كان من أمر الصلة بين عضد الدولة وبين ملك الروم، والبعثات ~~العديدة التى وكانت بينهما، والتى قال الاستاذ الخضيرى والدكتور أبو ريدة: ~~إنه إنه ليس في التاريخ ما يدل عليها. # ورتبا على ذلك ما رتبا من شتى الفروض والاحتمالات، ولو قد فطنا لقول ابن ~~الاثير في حوادث سنة 70: (إن عضد الدولة أرسل الباقلانى إلى ملك الروم في ~~جواب رسالة) وقدرا قوله هذا حق قدره، ورجعا إلى كلامه في حوادث سنة 69 - ~~لالفياه يفصل القول في السبب الذى دعا ملك الروم إلى # مراسلة عضد الدولة ومفاوضتة، وطلب عقد الهدنة 8، 255 - 256. # PageV01P026 # وعند ما تهيأ الباقلانى للخروج إلى القسطنطينية، قال له أبو القاسم: ~~المطهر بن عبد الله، وزير عضد الدولة: الطالع خروجك. # فسأله عن معنى هذا الكلام، فلما فسر له مراده، قال الباقلانى: لا أقول ~~بهذا، لان السعد والنحس كله والشر والخير بيد الله عزوجل، وليس للكواكب ~~ههنا مثقال ذرة من القدرة، وإنما وضعت كتب المنجمين ليتعيش بها الجاهلون من ~~العامة، ولا حقيقة لها. # فقال الوزير: أحضروا إلى أبا سليمان المنطقي، فليست المناظرة من شأني، ~~ولا أنا قائم بها، وأنما أنا أحفظ علم النجوم وأقول: إذا كان من النجوم كذا ~~كان كذا، وأما تعليله فهو من علم المنطق. # فأحضر وأمر بمكالمة الباقلانى، فقال أبو سليمان للوزير: هذا القاضى يقول: ~~إن الباري - سبحانه - قادر على أن يركب عشرة أنفس في ذلك المركب الذى في ~~دجلة، فإذا وصلوا الجانب الآخر يكون الله قد زاد فيهم آخر فيكونون أحد عشر، ~~ويكون الحادى عشر قد خلقه الله في ذلك الوقت. # ولو قلت أنا: لا يقدر على ذلك، أو هو محال - قطعوا لساني وقتلوني، وإن ~~أحسنوا إلى كتفوني ورموني في الدجلة. # وإذا كان الامر كما ذكرت لم يكن لمناظرتي معه معنى! فالتفت الوزير إلى ~~الباقلانى وقال: ms022 ما تقول أيها القاضى؟ فقال: ليس كلامنا ههنا في قدرة ~~الباري تعالى: والبارى قادر على كل شئ، وإن جحده هذا الجاهل، وإنما كلامنا ~~في تأثيرات هذه الكواكب، فاتتقل إلى ما ذكر لعجزه وقلة معرفته، وإلا فأى ~~تعلق للكلام في قدرة الباري عز وجل في مسألتنا؟ وأنا وإن قلت: إن القديم، ~~تعالى، قادر على ذلك، ما أقول: إنه يخرق العادة ويفعل هذا، لانه لا يجوز ~~عندنا أن يخلق اليوم إنسانا من غير أبوين، فإذا كان كذلك، فقد علم الوزير ~~أن هذا فرار من الزحف. # فقال الوزير: # هو كما ذكرت. # وقال أبو سليمان المنطقي: المناظرات دربة وتجربة، وأنا لا أعرف مناظرات ~~هؤلاء القوم، وهم لا يعرفون مواضعاتنا وعباراتنا، ولا تجمل المناظرة بين ~~قوم هذا حالهم. # فقال له الوزير: قبلنا إعتذارك، والحق أبلج. # ثم مال إلى الباقلانى بوجهه، وقال له: سر في رعاية الله. # قال الباقلانى: " فخرجت فدخلنا بلاد الروم حتى وصلنا إلى ملك الروم ~~بالقسطنطينية، وأخبر الملك بمقدمنا # PageV01P027 # فأرسل. # إلينا من يلقانا، وقال: لا تدخلوا على الملك بعمائمكم حتى تنزعوها، إلا ~~أن تكون مناديل لطافا، وحتى تنزعوا أخفافكم. # فقلت: لا أفعل، ولا أدخل إلا بما أنا عليه من الزى واللباس، فإن رضيتم، ~~وإلا فخذوا الكتب تقرءونها، وأرسلوا بجوابها، وأعود بها. # فأخبر بذلك الملك، فقال: أريد معرفة سبب هذا، وامتناعه عما مضى عليه رسمى ~~من الرسل؟ فسئلت عن ذلك، فقلت: أنا رجل من علماء المسلمين، وما تحبونه منا ~~ذل وصغار، والله تعالى قد رفعنا بالاسلام، وأعزنا بنبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وأيضا فإن من شأن الملوك إذا بعثوا رسلهم إلى ملك آخر رفع ~~أقدارهم، لا إذلالهم، سيما إذا كان الرسول من أهل العلم، ووضع قدره إنهدام ~~جانبه عند الله تعالى، وعند المسلمين. # فعرف الترجمان الملك بذلك، فقال دعوه يدخل ومن معه كما يشاءون. # فدخل الباقلانى ومن معه كما أرادوا، وسأله الملك عن السبب في امتناعه عن ~~اتباع ما جرى به رسمه مع الرسل من قبل، فشرح وجهة نظره، وذكره: أن رسوله قد ms023 ~~دخل بملابسه على أمير المؤمنين الطائع، وأدخل بها على السلطان عضد الدولة، ~~ثم قال: " فما تنكرون على هذا، وأنا رجل من علماء المسلمين؟ فإن دخلت بغير ~~هيئتي، ورجعت إلى حكمك أهنت العلم ونفسي، وذهب عند المسلمين جاهى " فقال ~~الملك لترجمانه: قل له: قد قبلنا عذرك، ورفعنا منزلتك، وليس محلك عندنا ~~كسائر الرسل، وإنما محلك عندنا محل الابرار الاخيار، وقد أخبرنا صاحبكم في ~~كتابه أنك لسان المسلمين، والمناظر عنهم، وأنا أشتهى أن أعرف ذلك منك، كما ~~ذكروه عنك. # فقلت: إذا أذن # الملك. # فقال: انزلوا حيث أعددت لكم، ويكون بعد هذا الاجتماع. # فنهضنا إلى موضع أعد لنا فلما كان يوم الاحد بعث الملك في طلبى، وقال لى ~~من بعثه: من شأن الرسول حضور مائدة الملك، فيجب أن تجيب إلى طعامنا، ولا ~~تنقض كل رسومنا. # فقلت له: أنا من علماء المسلمين، ولست كالرسل من الجند وغيرهم الذى ~~يعرفون ما يجرى في هذا الموطن عليهم، والملك يعلم أن العلماء لا يقدرون أن ~~يدخلوا في هذه الاشياء وهم يعلمون، وأخشى أن يكون على مائدته من لحوم ~~الخنازير، وما حرمه الله تعالى، على رسوله وعلى المؤمنين. # فذهب الترجمان وعاد # PageV01P028 # على، وقال: يقول لك الملك: ليس على مائدتي، ولا في شئ من طعامي شئ تكرهه، ~~وقد استحسنت ما أتيت به، وما أنت عندنا كسائر الرسل، بل أعظم وما كرهت من ~~لحوم الخنازير إنما هو خارج من حضرتي، بينى وبينه حجاب. # فنهضت على كل حال، وجلست وقدم الطعام، ومددت يدى وأوهمت الاكل ولم آكل ~~منه شيئا، مع أنى لم أر على مائدته ما يكره. # فلما فرغ من الطعام بخر المجلس وعطره، ثم قال: هذا الذى تدعونه في معجزات ~~نبيكم: من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟ فقلت: هو صحيح عندنا، انشق القمر ~~على عهد رسول الله حتى رأى الناس ذلك، وإنما رآه الحضور ومن اتفق نظره إليه ~~في تلك الحال. # فقال الملك: وكيف: ولم يره جميع الناس؟ ! قلت لان الناس لم يكونوا على ~~أهبة ووعد لشقوقه وحضوره فقال: وهذا ms024 القمر بينكم وبينه نسبة قرابة؟ لاى شئ ~~لم تعرفه الروم وغيرها من سائر الناس، وإنما رأيتموه أنتم خاصة؟ ! قلت: ~~فهذه المائدة بينكم وبينها نسبة؟ وأنتم رأيتموها دون اليهود والمجوس # والبراهمة وأهل الالحاد، وخاصة يونان جيرانكم، فإنهم كلهم منكرون لهذا ~~الشأن، وأنتم رأيتموها دون غيركم؟ فتحير الملك، وقال بكلامه: سبحان الله. # وأمر بإحضار فلان القسيس ليكلمني، وقال: نحن لا نطيقه، لان صاحبه قال: ما ~~في مملكتي مثله، ولا للمسلمين في عصره مثله. # فلم أشعر إذ جاء برجل كالذئب، أشقر الشعر، فقعد، وحكيت عليه المسألة، ~~فقال: الذى قاله المسلم لازم، وهو الحق، لا أعرف له جوابا إلا ما ذكره فقلت ~~له: أتقول: إن الخسوف إذا كان يراه جميع أهل الارض؟ أم يراه أهل الاقليم ~~الذى بمحاذاته؟ قال: لا يراه إلا من كان في محاذاته. # فقلت: فما أنكرت من إنشقاق القمر إذا كان في ناحية أن لا يراه أهل تلك # PageV01P029 # الناحية ومن تأهب للنظر له، فأما من أعرض عنه، أو كان في الامكنة التى لا ~~يرى القمر منها فلا يراه. # فقال: كما قلت لا يدفعك عنه دافع، وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوه، ~~فأما الطعن في غير هذا الوجه فليس بصحيح. # فقال الملك: وكيف يطعن في النقلة؟ فقال القسيس: شبه هذا من الآيات - إذا ~~صح وجب أن ينقله الجم الغفير حتى يتصل بنا العلم الضرورى به، ولما لم نعلم ~~ذلك بالضرورة، دل على أن الخبر مفتعل باطل. # فالتفت الملك إلى، وقال: الجواب؟ قلت: يلزمه في نزول المائدة، ما يلزمنى ~~في إنشقاق القمر، ويقال: لو كان # نزول المائدة صحيحا لوجب أن ينقله العدد الكثير، فلا يبقى يهودى ولا ~~نصراني ولا وثنى إلا ويعلم هذا بالضرورة، ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة دل ~~أن الخبر مكذوب فبهت القسيس والملك ومن ضمه المجلس، وانفصل المجلس على هذا ~~* * * قال الباقلانى: ثم سألني الملك في مجلس ثان، فقال: ما تقولون في ~~المسيح عيسى بن مريم؟ قلت: روح الله وكلمته وعبده، ونبيه ورسوله، كمثل آدم ~~خلقه من تراب ثم قال ms025 له: كن. # فيكون، وتلوت عليه النص. # فقال: يا مسلم، تقولون: المسيح عبد؟ فقلت: نعم، كذا نقول، وبه ندين. # قال: ولا تقولون إنه ابن الله؟ قلت: معاذ الله، (ما اتخذ الله من ولد، ~~وما كان معه من إله) ، إنكم لتقولون قولا عظيما، فإذا جعلتم المسيح ابن ~~الله فمن أبوه وأخوه وجده وعمه وخاله؟ وعددت عليه الاقارب - فتحير وقال: # PageV01P030 # يا مسلم: العبد يخلق ويحيى ويميت، ويبرئ الاكمه والابرص؟ فقلت: لا يقدر ~~العبد على ذلك، وإنما ذلك كله من فعل الباري عز وجل قال: وكيف يكون المسيح ~~عبد الله وخلقا من خلقه، وقد أتى بهذه الآيات، وفعل ذلك كله؟ قلت: معاذ ~~الله، ما أحيا المسيح الموتى، ولا أبرأ الاكمه والابرص. # فتحير وقل صبره، وقال: يا مسلم. # تنكر هذا مع اشتهاره في الخلق، وأخذ الناس له بالقبول؟ # فقلت: ما قال أحد من أهل الفقه والمعرفة: إن الانبياء - عليهم السلام - ~~يفعلون المعجزات من ذاتهم، وإنما هو شئ يفعله الله تعالى على أيديهم، ~~تصديقا لهم يجرى مجرى الشهادة. # فقال: قد حضر عندي جماعة من أولاد نبيكم، وأهل دينكم، المشهورين فيكم، ~~وقالوا: إن ذلك في كتابكم. # فقلت: أيها الملك، في كتابنا أن ذلك كله بإذن الله تعالى. # وتلوت عليه قوله تعالى (إذ قال الله: يا عيسى بن مريم، اذكر نعمتي عليك ~~وعلى والدتك، إذ أيدتك بروح القدس، تكلم الناس في المهد وكهلا،. # وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل، وإذ تخلق من الطين كهيئة ~~الطير بإذنى، فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى، وتبرئ الاكمه والابرص بإذنى ~~وإذا تخرج الموتى بإذنى) . # وقلت: إنما فعل ذلك كله بالله وحده لا شريك له، لا من ذات المسيح ولو كان ~~المسيح يحيى الموتى، ويبرئ الاكمه والابرص من ذاته، لجار أن يقال: إن موسى ~~فلق البحر، وأخرج يده بيضاء من غير سوء من ذاته، وليس معجزات الانبياء، ~~عليهم السلام، من ذاتهم وأفعالهم دون إرادة الخالق، فلما لم يجز هذا: لم ~~يجز أن تسند المعجزات التى ظهرت على يد المسيح إليه. # فقال الملك: وسائر الانبياء ms026 كلهم من آدم إلى من بعده - كانوا يتضرعون ~~للمسيح حتى يفعل ما يطلبون! قلت: أو في لسان اليهود عظم، لا يقدرون أن ~~يقولوا: إن المسيح كان # PageV01P031 # يتضرع إلى موسى؟ وكل صاحب نبى يقول: إن المسيح كان يتضرع إلى نبيه؟ ! فلا ~~فرق بين الموضعين في الدعوى. # وانفصل المجلس على هذا. # قال الباقلانى: وفى تكلمنا في مجلس ثالث، قلت: لم أتحد اللاهوت # بالناسوت؟ فقال: أراد أن ينجى الناس من الهلاك، فقلت: وهل درى بأنه يقتل ~~ويصلب ويفعل به كذا، ولم يأمن من اليهود؟ فإن قلت: إنه لم يدر ما أراد ~~اليهود، بطل أن يكون إلها: وإذا بطل أن يكون إلها: وإذا بطل أن يكون إلها ~~بطل أن يكون إبنا. # وإن قلت: قد درى ودخل في الامر على بصيرة، فليس بحكيم، لان الحكمة تمنع ~~التعرض للبلاء. # فبهت، وكان آخر مجلس لى معه. # * * * ومما جرى في تلك المجالس: أن الباقلانى قال لبعض المطارنة: كيف ~~أنت؟ وكيف الاهل والاولاد؟ فقال له الملك وقد عجب من قوله: ذكر من أرسلك في ~~كتاب الرسالة أنك لسان الامة، ومتقدم على علماء الملة! أما علمت أننا ننزه ~~هؤلاء عن الاهل والولد؟ فقال الباقلانى: أنتم لا تنزهون الله، سبحانه ~~وتعالى. # عن الاهل والاولاد، وتنزهونهم؟ ! فكأن هؤلاء عندكم أقدس وأجل أعلى من ~~الله، سبحانه وتعالى! فسقط في أيديهم ولم يردوا جوابا. # ثم قال له الملك: أخبرني عن قصة عائشة زوج نبيكم، وما قيل فيها؟ فقال: ~~هما اثنتان، قيل فيهما ما قيل: زوج نبينا ومريم ابنة عمران، فأما زوج نبينا ~~فلم تلد، وأما مريم فجاءت بولد تحمله على كتفها، وكل قد برأها الله مما ~~رميت به. # فانقطع الملك ولم يحر جوابا. # ويروى القاضى عياض: أن الملك قال للبطرك: ما ترى في أمر هذا الشيطان؟ ~~فقال: تقضى حاجته، وتلاطف صاحبه، وتبعث بالهدايا إليه، وتخرج هذا عن # PageV01P032 # بلدك من يومك إن قدرت، وإلا لم آمن الفتنة به على النصرانية. # ففعل الملك ذلك، وأحسن جواب عضد الدولة وهداياه، وعجل تسريحه، ومعه عدة ~~من أسارى # المسلمين ms027 والمصاحف، ووكل الباقلانى من جنده من يحفظه حتى يصل إلى مأمنه. # ويروى الخطيب البغدادي بسنده: أن الباقلانى لما ورد على ملك الروم ~~مدينته، وعرف خبره، وبين له محله من العلم -: " أفكر في أمره، وعلم أنه لا ~~يكفر له إذا دخل عليه، كما جرى رسم الرعية، أن تقبل الارض بين يدى الملوك. # ثم نتجت له الفكرة أن يضع سريره الذى يجلس عليه، وراء باب لطيف لا يمكن ~~أحد أن يدخل منه إلا راكعا، ليدخل القاضى منه على تلك الحال، فيكون عوضا عن ~~تكفيره بين يديه. # فلما وضع سريره في ذلك الموضع أمر بإدخال القاضى من الباب، فسار حتى وصل ~~إلى المكان،، فلما رآه تفكر فيه، ثم فطن بالقصة، فأدار ظهره، وحنا رأسه ~~راكعا، ودخل من الباب وهو يمشى إلى خلفه قد استقبل الملك بدبره، حتى صار ~~بين يديه، ثم رفع رأسه، ونصب ظهره، وأدار وجهه حينئذ إلى الملك. # فعجب من فطنته، ووقعت له الهيبة في نفسه " ولست أشك في أن هذه الرواية ~~أسطورة من الاساطير التى نسجت خيوطها حول رحلة الباقلانى إلى القسطنطينية. # وفيما قصه الباقلانى، من امتناعه من خلع عمامته ونزع خفه، وتهديده بعدم ~~الدخول على الملك، ونزول الملك على رأيه وقوله: دعوه يدخل ومن معه كما ~~يشاءون -: ما يجعل هذه الفكرة الساذجة، بعيدة الوقوع. # ولو قد وقعت لتحدث بها الباقلانى، فيما حدث به من أخبار رحلته * * * وعاد ~~الباقلانى إلى بغداد، وظل مع عضد الدولة حتى مات في شوال سنة 372، وتولى ~~بعده ابنه صمصام الدولة ولسنا نعرف متى تولى الباقلانى وظيفة القضاء ~~بالثغر؟ ولامن الذى ولاه؟ وقد جاء في ترجمة أبى حامد: أحمد بن أحمد ~~الاستوائي (358 - 434) الشافعي الاشعري: أنه " ولى القضاء بعكبرا من قبل ~~أبى بكر بن الطيب الباقلانى " # PageV01P033 # وقد وقف الباقلانى حياته على أمرين، ملكا عليه أقطار نفسه، وشغفاه حبا ~~وهما: التدريس، والتأليف. # أما " التدريس " فقد اجتمعت له كل أدواته، ولم يصرفه عنه صارف، حتى إنه ~~في أثناء مقامه مع عضد الدولة بشيراز، وتدريسه لابنه الامير أبى كاليجار ms028 ~~المرزبان، لم يمتنع عنه، بل عقد دروسا عامة لاهل السنة. # ومن الكتب التى درسها لهم كتاب " اللمع " لابي الحسن الاشعري. # وقد " تتلمذ " عليه كثيرون في البصرة وبغداد وغيرهما، ونحن نشير إلى ~~بعضهم فيما يلى: (1) القاضى أبو محمد: عبد الوهاب بن نصر، البغدادي المالكى ~~(362 - 422) . # قيل له: مع من تفقهت؟ قال: صحبت الابهري، وتفقهت مع أبى الحسن بن القصار، ~~وأبى القاسم بن الجلاب، والذى فتح أفواهنا، وجعلنا نتكلم: أبو بكر بن الطيب ~~(2) أبو عمران: موسى بن عيسى بن أبى حجاج العفجومى، وقد أثبت سماعه من ~~الباقلانى إملاء في رمضان سنة 402، وقال: رحلت إلى بغداد، وكنت قد تفقهت ~~بالمغرب والاندلس عند أبى الحسن القابسى، وأبى محمد الاصيلى، وكانا عالمين ~~بالاصول. # فلما حضرت مجلس القاضى أبى بكر، ورأيت كلامه في الاصول والفقه مع المؤالف ~~والمخالف، حقرت نفسي، وقلت: لا أعلم من العلم شيئا ورجعت عنه كالمبتدئ ". # وقال عنه أبو حاتم بن محمد: كان أبو عمران من أحفظ الناس وأعلمهم، لم ألق ~~أحدا أوسع منه علما، ولا أكثر رواية. # وذكر أن الباقلانى كان يعجبه حفظه، ويقول له: لو اجتمعت في " مدرستي " ~~أنت وعبد الوهاب - وكان إذ ذاك بالموصل - لاجتمع علم مالك، أنت تحفظه، وهو ~~ينظره. # وتوفى أبو عمران سنة 430 عن خمس وستين سنة. # وكانت رحلته. # إلى بغداد في سنة 399. # (3) أبو ذر الهروي عبد بن أحمد (355 - 434) المالكى الاشعري # قال له بعض الشيوخ: أنت من هراة، فمن أين تمذهبت لمالك والاشعرى؟ فقال: # PageV01P034 # سبب ذلك أنى قدمت بغداد لطلب الحديث، فلزمت الدارقطني (306 - 385) وكنت ~~مرة ماشيا معه، فمر بنا شاب، فأقبل الشيخ عليه وعظمه، وأكرمه ودعا له، فلما ~~فارقه قلت: أيها الشيخ الامام، من هذا الذى أظهرت من إكرامه ما رأيت؟ فقال: ~~أو ما تعرفه؟ قلت: لا. # فقال: هذا أبو بكر بن الطيب الاشعري، ناصر السنة، وقامع المعتزلة. # ثم أفاض في الثناء عليه. # فكان ذلك سبب اختلافي إليه، وأخذى عنه. # (4) أبو الحسن على بن عيسى السكرى الفارسى (347 - 413) الشاعر الذى ~~استفرغ شعره في مدح الصحابة، ms029 والرد على الرافضة، والنقض على شعرائهم وقد ~~صحب الباقلانى، ودرس عليه الكلام، ومدحه بقصيدة طويلة، أوردها الخطيب ~~البغدادي في تاريخ بغداد 5 / 381 - 382، وابن عساكر في تبيين كذب المفترى ص ~~224 - 226. # وهى من أشعار العلماء، وفيها يقول: اليعربى فصاحة وبلاغة * والاشعرى إذا ~~اعتزى للمذهب قاض إذا التبس القضاء على الحجى * كشفت له الآراء كل مغيب ~~وإذا الكلام تطاردت فرسانه * وتحامت الاقران كل مجرب ألفيته من لبه وجنانه ~~* ولسانه وبيانه في مقنب (5) أبو الحسن الحربى: على بن أحمد المالكى، 365 - ~~437) (6) القاضى أبو جعفر: محمد بن أحمد السمنانى، الحنفي (361 - 444) . # (7) أبو الحسن البغدادي: رافع بن نصر المتوفى سنة 447. # (8) أبو طاهر الواعظ محمد بن على، المعروف بابن الانباري (375 - 448) # (9) أبو عبد الله: الحسين بن حاتم الازدي، المتوفى غريبا بالقيروان. # وهو أحد الذين رووا عن الباقلانى وصفه لمناظراته في مجلس ملك الروم. # وقد جاء في تبيين كذب المفترى ص 216: أن أبا الحسن بن داود الاشعري، ~~المتوفى سنة 402 " لما كان يصلى في جامع دمشق، تلكم فيه بعض الحشوية، فكتب ~~إلى القاضى أبى بكر: محمد بن الطيب بن الباقلانى يعرفه ذلك، ويسأله أن يرسل ~~إلى # PageV01P035 # دمشق من أصحابه من يوضح لهم الحق بالحجة. # فبعث القاضى تلميذه أبا عبد الله: الحسين بن حاتم الازدي، فعقد مجلس ~~التذكير في جامع دمشق، في حلقة أبى الحسن بن داود، وذكر التوحيد، ونزه ~~المعبود، ونفى عنه التشبيه والتحديد. # فخرج أهل دمشق من مجلسه يقولون: أحد أحد. # وأقام أبو عبد الله الازدي بدمشق مدة، ثم توجه إلى المغرب، فنشر العلم ~~بتلك الناحية، واستوطن القيروان إلى أن مات بها رحمه الله " وإليه وإلى أبى ~~طاهر الواعظ: يرجع الفضل في انتشار مذهب الباقلانى في المغرب. # (10) أبو عبد الرحمن السلمى: محمد بن الحسين الصوفى (330 - 412) . # وقد أخذ عن الباقلانى في أثناء إقامته مع عضد الدولة بشيراز، وقرأ عليه ~~كتاب " اللمع " لابي الحسن الاشعري. # (11) أبو محمد بن أبى نصر. # قال القاضى عياض: " وتفقه عنه القاضى: أبو محمد بن [أبى] نصر، وعلق عنه، ~~وحكى في كتبه ms030 ما شاهد من مناظرته في الفقه - بين يدى ولى العهد ببغداد - ~~للمخالفين " (12) أبو حاتم: محمود بن الحسن الطبري، المعروف بالقزوينى، ~~المتوفى سنة 414 بمدينة " آمل " التى ولد فيها، وكان قد قدم بغداد، ودرس ~~على الباقلانى # أصول الفقه. # (13) القاضى أبو محمد: عبد الله بن محمد الاصبهاني، المعروف بابن اللبان ~~الشافعي المتوفى بأصبهان سنة 446، وقد صحب الباقلانى ودرس عليه كتاب: " ~~المقدمات في أصول الديانات " وكتاب: " أصول الفقه ". # (14) أبو بكر بن الحسين الاسكافي. # وهو الذى روى عن الباقلانى، خبر رحلة ابن خفيف الصوفى من شيراز إلى ~~البصرة، لسماع أبى الحسن الاشعري كما في تبيين كذب المفترى ص 95 (15) أبو ~~على: الحسن بن شاذان (339 - 426) (16) أبو القاسم: عبيد الله بن أحمد ~~الصيرفى (355 - 435) # PageV01P036 # (17) أبو الفضل: عبيد الله بن أحمد المقرى (370 - 451) وقد تتلمذ له ~~جماعة كثيرة غير هؤلاء، وكان أكثرهم من العراق وخراسان * * * أما " التأليف ~~" فقد أسهم فيه الباقلانى بنصيب موفور. # وكان من عادته أنه إذا صلى العشاء. # وقضى ورده، وضع دواته بين يديه، وكبت خمسا وثلاثين ورقة، فإذا صلى الفجر ~~دفع إلى بعض أصحابه ما صنفه ليلته، وأمره بقراءته عليه، وأملى عليه من ~~الزيادات ما يلوح له فيه. # وقد تسنى له أن يؤلف نيفا وخمسين كتابا، لم يصل إلينا منها إلا عدد يسير. # ونحن نشير إلى ما عرفناه منها، وما علمناه من حديثها، فيما يلى: (1) ~~كتاب: " إعجاز القرآن " ويأتى الحديث عنه فيما بعد. # (2) كتاب " التمهيد " وقد ألفه - في أثناء مقامه بشيراز - للامير أبى ~~كاليجار المرزبان، ابن عضد الدولة، وولى عهده. # وهو من أهم الكتب الكلامية، التى تعلق بها أهل السنة تعلقا شديدا، لانه ~~أجمع كتاب يبصرهم بمسائل الخلاف بينهم وبين مخالفيهم في الرأى والعقيدة، ~~ويرشدهم إلى أقوى الادلة الجدلية، وأحكم # البراهين العقلية، التى تعضد مذهبهم، وتظهر مناعته ورجاحته على المذاهب ~~الاخرى، إسلامية كانت أو غير إسلامية. # وخير ما يعرف بهذا الكتاب ويدل على قيمته، قول مؤلفه في مقدمته: " أما ~~بعد، فقد عرفت إيثار سيدنا الامير..لعمل كتاب جامع مختصر، مشتمل على ما ~~يحتاج إليه ms031 في الكشف عن معنى العلم وأقسامه، وطرقه ومراتبه، وضروب ~~المعلومات، وحقائق الموجودات، وذكر الادلة على حدث العالم، وإثبات محدثه، ~~وأنه مخالف لخلقه، وعلى ما يجب كونه عليه، من وحدانيته، وكونه حيا عالما ~~قادرا في أزله، وما جرى مجرى ذلك من صفات ذاته، وأنه عادل حكيم فيما أنشأه ~~من مخترعاته، من غير حاجة منه إليها، ولا محرك وداع وخاطر وعلل دعته إلى ~~إيجادها، تعالى عن ذلك. # وجواز إرساله رسلا إلى خلقه، وسفراء بينه وبين عباده، وأنه قد فعل ذلك، ~~وقطع العذر في إيجاب تصديقهم بما أبانهم # PageV01P037 # به من الآيات، ودل به صدقهم من المعجزات. # وجمل من الكلام على سائر أهل الملل المخالفين لملة الاسلام، من اليهود ~~والنصارى، والمجوس، وأهل التثنية، وأصحاب الطبائع، والمنجمين. # ونعقب ذلك بذكر أبواب الخلاف بين أهل الحق، وأهل التجسيم والتشبيه، وأهل ~~القدر والاعتزال، والرافضة، والخوارج، وذكر جمل من مناقب الصحابة، وفضائل ~~الائمة الاربعة، وأثبات إمامتهم، ووجه التأويل فيما شجر بينهم، ووجوب ~~موالاتهم. # ولن آلو جهدا فيما يميل إليه سيدنا الامير - حرس الله مهجته، وأعلى كعبه ~~- من الاختصار، وتحرير المعاني والادلة والالفاظ، وسلوك طريق العون على ~~تأمل ما أودعه هذا الكتاب وإزالة الشكوك فيه والارتياب. # وأنا - بحول الله وقوته - أسارع إلى امتثال ما رسمه، وأقف عنده، وإلى ~~الله - جل ذكره - أرغب في حسن التوفيق، والامداد بالتأييد # والتسديد " وقد أشار الباقلانى إلى " التمهيد "، في كتاب " هداية ~~المسترشدين " حيث يقول " وقد تكلمنا في " التمهيد " بجمل على اليهود ~~والنصارى والمجوس، تغنى الناظر فيها ". # كما أشار إليه أبو المظفر الاسفرايينى في " التبصير " ص 119، وابن قيم ~~الجوزية في كتاب " اجتماع الجيوش الاسلامية على غزو المعطلة والجهمية " ص ~~119، 120. # وقد طبع كتاب " التمهيد " في سنة 1366 ه بتحقيق الاستاذين محمود محمد ~~الخضيرى، ومحمد عبد الهادى أبو ريدة. # وقد تسرعا في نشره عن نسخة واحدة في مكتبة باريس، وهى نسخة تنقص فصولا ~~كثيرة من الكتاب، يزيد عددها على عشرين بابا، كبابى " التعديل والتجوير "، ~~و " القول في الامامة " اللذين نص الباقلانى على أنه قد عقدهما في كتابه! ms032 ~~فهو يقول في ص 97: " وسنتكلم على هذا الباب وما يتصل به، في باب التعديل ~~والتجوير من كتابنا هذا، إن شاء الله " ويقول في ص 140: " وسنقول في تفصيل ~~الاخبار. # وغير ذلك من أحكام الاخبار، في باب القول في الامامة، إن شاء الله ". # (3) كتاب: " هداية المسترشدين، والمقنع في معرفة أصول الدين ". # يقول # PageV01P038 # القاضى عياض عنه: إنه كتاب كبير. # ويشير إليه أبو المظفر الاسفرايينى، في " التبصير " ص 119، وابن تيمية في ~~" رسالة الفرقان بين الحق والباطل " ص 130، وفى الرسالة التسعينية من ~~فتاويه 5 / 241. # وقد بقى من هذا الكتاب مجلد، في مكتبة الازهر، يحتوى على 248 ورقة، كتبه ~~محمد بن عبد الله العدوى بمدينة صور في سنة 459. # ولكن يد البلى قد عاثت فيه، وأتلفت كثيرا من أوراقه، وقد تركز إفسادها في ~~أوراق متتالية (86 - # 105) فخرقت أوساطها، وجعلتها في حكم الاوراق المفقودة. # ويشتمل هذا المجلد على أحد عشر جزءا من تجزئة المؤلف، تبتدئ بأول الجزء ~~السادس، وتنتهى بانتهاء الجزء السابع عشر. # وهذه الاجزاء كلها مقصورة على القول في النبوات. # وأهم ما فيها وأورعه، تلك الابحاث الجليلة الطويلة، التى أدار الباقلانى ~~الكلام فيها على " إعجاز القرآن " وملا بها ستا وخمسين ومائة ورقة (61 - ~~217) وهى أكبر حجما من كتاب " إعجاز القرآن " وأغزر مادة، وأكثر تفصيلا، ~~وأعمق بحثا، وأدق بيانا. # وكنت على نية إفرادها ونشرها مستقلة، لولا أن بعض أصدقائى المغاربة أشار ~~على بالتريث حتى يحضر لى صورة من نسخة ناقصة، قال: إنه رآها في بعض المكاتب ~~هناك. # فامتثلت لاشارته، رجاء أن يكون في تلك النسخة ما يصلح مواطن الفساد في ~~نسخة الازهر. # (4) كتاب: " الانتصار لصحة نقل القرآن، والرد على من نحله الفساد بزيادة ~~أو نقصان ". # وقد قال في مقدمته: " أما بعد فقد وقفت - تولى الله عصمتكم، وأحسن ~~هدايتكم وتوفيقكم - على ما ذكرتموه من شدة حاجتكم إلى الكلام في نقل ~~القرآن، وإقامة البرهان على استفاضة أمره، وإحاطة السلف بعلمه، وانقطاع ~~العذر في نقله، وقيام الحجة على الخلق به، وإبطال ما يدعيه أهل الضلال من ~~تحريفه وتغييره، ودخول الخلل فيه، ms033 وذهاب شئ كثير منه وزيادة أمور فيه. # وما يدعيه أهل الالحاد وشيعتهم من منتحلى الاسلام - من تناقض كثير منه، ~~وخلو بعضه من الفائدة، وكونه غير متناسب. # وما ذكروه # PageV01P039 # من فساد النظم، ودخول اللحن فيه، وركاكة التكرار، وقلة البيان، وتأخير ~~المقدم وتقديم المؤخر، إلى غير ذلك من وجوه مطاعنهم. # وذكر جمل مما روى من الحروف # الزائدة، والقراءات المخالفة لمصحف الجماعة، والابانة عن وهاء نقل ذلك ~~وضعفه وأن الحجة لم تقم بشئ منه. # وعرفت ما وصفتموه من كثرة استضرار الضعفاء بتمويههم، وعظم موقع الاستبصار ~~والانتفاع بنقض شبههم. # ونحن بحول الله وعونه نأتى في ذلك بجمل تزيل الريب والشبهة، وتوقف على ~~الواضحة. # ونبدأ بالكلام في نقل القراءات، وقيام الحجة به، ووصف توفر همم الامة على ~~نقله وحياطته، ثم نذكر ابتداء أبى بكر، رضى الله عنه، لجمعه على ما أنزل ~~عليه، بعد تفرقه في المواضع التى كتب فيها، وفى صدور خلق حفظوا جميعه، وخلق ~~لم يحيطوا بحفظ جميعه، واتباع عمر رضى الله عنه والجماعة له على ذلك وصوابه ~~فيما صنعه، وسبقه إلى الفضيلة به، والسبب الموجب لذلك. # ثم نذكر جمع عثمان رضى الله عنه - الناس على مصحف واحد، وحرف زيد بن ~~ثابت، ونبين أنه لم يقصد في ذلك قصد أبى بكر في جمع القرآن في صحيفة واحدة ~~على ترتيب ما أوحى به، إذ كان ذلك أمرا قد استقر وفرغ منه قبل أيامه. # ونبين صواب عثمان رضى الله عنه في جمع الناس على حرف، وحظره ومنعه لما ~~عداه من القراءات، وأن الواجب على كافة الناس اتباعه، وحرام عليهم - بعد - ~~قراءة القرآن بالاحرف والقراءات التى حظرها عثمان ومنع منها، وأن له أخذ ~~المصاحف المخالفة لمصحفه، ومطالبة الناس بها، ومنعهم من نشرها والنظر فيها. # ونذكر ما يتعلق به من ادعاء نقصان القرآن، وتغيير نظمه وتحريفه - من ~~الروايات الشاذة الباطلة، عن عمر وعثمان وعلى وأبى عبد الله بن مسعود، وما ~~يرويه قوم من الرافضة في ذلك عن أهل البيت خاصة. # ونكشف عن تكذب هذه الروايات، ونبين أيضا ما ms034 خالف فيه عبد الله بن مسعود ~~عثمان والجماعة، وهل كان ذلك على جهة الحيطة، ونسبته إياهم إلى زيادة فيه ~~أو نقصان منه، أو تغيير لنطمه وما أنزل عليه؟ أو التصويب لما فعلوه، وإن ~~استجاز مع ذلك قراءته والتمسك بحرفه. # ونذكر # ما شجر بينه وبين عثمان رضى الله عنه، ونصف رجوعه إلى مذهب الجماعة # PageV01P040 # وخنوعه لعثمان، وقدر ما نقمه من أمر زيد بن ثابت، وعيب عليه وعلى الجماعة ~~لاجله. # ثم نبين أن القرآن معجزة للرسول، صلى الله عليه وسلم، ودلالة على صدقه، ~~وشاهد لنبوته. # ثم نبين أن القرآن نزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف، ونوضح ما هذه السبعة ~~أحرف، والروايات الواردة فيها، وجنس اختلافها، ونذكر خلاف الناس في ~~تأويلها، ونفسد من ذلك ما ليس بصواب، وندل على صحة ما نرغب فيه ونجتبيه، ~~ونذكر حال قراءة القراء: وهل قراءتهم هي السبعة الاحرف التى أنزل القرآن ~~بها، أو بعضها؟ وهل هم بأسرهم متبعون لمصحف عثمان وحرف زيد، أو مختلفون في ~~ذلك وقارئون أو بعضهم بغير قراءة الجماعة؟ ونصف جملا من مطاعن الملحدين ~~وأتباعهم من الرافضة في كتاب الله عز وجل. # ونكشف عن تمويه الفريقين بما يوضح الحق. # ونذكر في كل فصل من هذه الفصول بمشيئة الله وتوفيقه - ما فيه بلاغ ~~للمهتدين، وشفاء وتبصرة للمسترشدين توخيا لطاعة الله عز وجل، ورغبة في جزيل ~~ثوابه. # وما توفيقنا إلا بالله، وهو المستعان " وقد ذكره في " هداية المسترشدين ~~"، حيث يقول (ورقة 141 - ا) : " وقد ذكرنا في كتاب " الانتصار لصحة نقل ~~القرآن " جميع مطاعن الملحدة وكل من خالف عن الملة - على القرآن، وكشفنا عن ~~فساد توهمهم وتمويههم ودعواهم لتناقض آيات منه واختلافها، وما طعنوا به من ~~كثرة التكرار، وما قالوه: من أنه قد ذكر فيه أشياء لا يعرفها أهل اللغة، من ~~نحو قوله: (وفاكهة وأبا) وقولهم: إن فيه ما ليس من لغة العرب. # وقولهم: إن فيه كلمات ملحونة لا تجوز في الاعراب. # وأبطلنا أيضا قدحهم فيه بكونه مثبتا على غير تاريخ نزوله، وأنه # قد قدم منه ما ms035 يجب تأخيره، وأخر ما يجب تقديمه. # وأفسدنا أيضا قدحهم فيه بإنزال بعضه متشابها، مع الاخبار بإلحاد قوم فيه ~~واتباع المتشابه منه. # وأبطلنا أيضا قول من قال: إن فيه تحريفا وتغييرا وتبديلا، وزيادة ونقصانا ~~وإنه إنما أثبته السلف بأخبار الآحاد، وشهادة الاثنين، ومن جرى مجراهما، ~~وإن الداجن والغنم آكلا كثيرا منه فضاع ودثر. # وأبطلنا أيضا قول من قال: إنه ليس فيه # PageV01P041 # ما يدل على شئ بظاهره، وإن علم ذلك يجب أخذه عن الرسول والامام ولا يسوغ ~~أن يفسره سواهما، وما تقوله الباطنية وتهذى به وتموه في هذا الباب. # واعترضنا أيضا على قول من زعم أن القرآن يجب الايمان به، والتسليم بصحته، ~~دون معرفة معناه وتأويله. # وأبطلنا أيضا طعنهم على القرآن باختلاف خطوط المصاحف واختلاف القراءات، ~~وذكر الشواذ، وبينا ما ثبت من ذلك، وما يجب إبطاله. # وذكرنا قدحهم فيه بما روى من قوله عليه السلام: " تلك الغرانيق العلا، ~~وإن شفاعتهم لترتجي " إلى غير ذلك من وجوه اعتراضاتهم على صحة القرآن. # وأوردناه في ذلك الكتاب، وطرفا منه في " أصول الفقه " بما يغنى يسيره ~~الناظر فيه، إن شاء الله ". # وتوجد نسخة من الجزء الاول من هذا الكتاب في مكتبة " قرا مصطفى باشا " ~~بإستنبول. # وقد نقل منه ابن حزم في الفصل 4 / 218، 220، 221، 222 نقولا رماه من ~~أجلها بالكفر، والكيد للدين، وتكذيب الله، وغير ذلك مما رماه به! كما نقل ~~منه السيوطي في الاتقان 1 / 48، 103، 106، 107، 122، 134، 2 / 42. # (5) كتاب " الفرق بين معجزات النبيين، وكرامات الصالحين " ذكره # في " هداية المسترشدين " مرتين، قال في أولاهما: " وقد بينا في كتاب: ~~الفرق بين معجزات النبيين وكرامات الصالحين، معنى وصف النبي أنه نبى، وأن ~~من الناس من قال: إنه مشتق ومأخوذ من الانباء عن الاشياء، والاخبار عن الله ~~عز وجل ". # ومن هذا الكتاب قسم في مكتبة " تينجن " بألمانيا. # (6) كتاب: " مناقب الائمة، ونقض المطاعن على سلف الامة " أشار إليه في " ~~التمهيد " ص 229، وفى الخزانة الظاهرية بدمشق، نسخة من الجزء الثاني، كتب ~~تحت عنوانها: " تأليف القاضى أبى بكر بن الطيب ". # وقد علق على هذه العبارة ms036 الدكتور يوسف العش - في فهرس مخطوطات الظاهرية ص ~~84 - بقوله: " ولا شك أن أحمد بن على الباقلانى المتوفى سنة 403 ه " وقد ~~أحطأ # PageV01P042 # الدكتور في اسم الباقلانى واسم أبيه، فهو: " محمد بن الطيب، لا " أحمد ~~ابن على ". # (7) كتاب: " إكفار المتأولين ". # أشار إليه في كتاب التمهيد في باب ذكر ما يوجب خلع الامام وسقوط فرض ~~طاعته ص 186 حيث يقول: " وقد ذكرنا ما في هذا الباب، في كتاب إكفار ~~المتأولين، وذكرنا ما روى في معارضتها، وقلنا في تأويلها بما يغنى الناظر ~~فيه ". # (8) كتاب: " الامامة الكبير " وقد أشار إليه في " هداية المسترشدين " في ~~آخر حديثه عن آية انشقاق القمر، إذ يقول: " وقد تقصينا القول في ذلك في ~~كتاب الامامة - بما يغنى عن متأمله ". # وقد ذكره ابن حزم في الفصل 4 / 225، ونقل منه في ص 166. # (9) كتاب: " الاصول الكبير في الفقه " أشار إليه أبو المظفر الاسفرايينى ~~في كتاب التبصير ص 119، وقال: إنه يشتمل على عشرة آلاف ورقة. # وذكره # الباقلانى في كتابي: " التمهيد " و " هداية المسترشدين ". # (10) كتاب " كيفية الاستشهاد "، " في الرد على أهل الجحد والعناد " أشار ~~إليه في كتاب " التمهيد " ص 40 (11) كتاب: " نقض النقض ". # ذكره أبو المظفر الاسفرايينى في التبصير ص 119. # (12) كتاب: " كشف الاسرار، وهتك الاستار، في الرد على الباطنية ". # ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 11 / 346 فقال: " وقد صنف القاضى ~~الباقلانى كتابا في الرد على هؤلاء، وسماه كشف الاسرار، وهتك الاستار، بين ~~فيه فضائحهم وقبائحهم، ووضح أمرهم لكل أحد..وقد كان الباقلانى يقول في ~~عبارته عنهم: هم قوم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض ". # وقد نقل منه ابن تغرى بردى في النجوم الزاهرة 4 / 75 في كلامه عن نسب ~~المعز وآبائه، فقال: " وقال القاضى أبو بكر بن الباقلانى: القداح، جد عبيد ~~الله، كان مجوسيا، ودخل عبيد الله المغرب، وادعى أنه علوى، ولم يعرفه # PageV01P043 # أحد من علماء النسب، وكان باطنيا خبيثا، حريصا على إزالة ملة الاسلام ~~أعدم الفقه والعلم، ليتمكن من إغراء الخلق، وجاء أولاده أسلوبه، وأباحوا ~~الخمر والفروج، وأشاعوا الرفض، وبثوا دعاة فأفسدوا عقائد ms037 جبال الشام، ~~كالنصيرية والدروزية. # وكان القداح كاذبا محترفا، وهو أصل دعاة القرامطة " وقد أشار إلى هذا ~~الكتاب السيوطي، في حسن المحاضرة 2 / 28، والسبكي في طبقات الشافعية 4 / ~~192، أثناء في ترجمته لنجم الدين الخبوشانى، المتوفى سنة 587 والذى كان على ~~يده خراب بيت العبيديين الرافضة، الذين يزعمون أنهم فاطميون. # وأشار إليه ابن البطليوسى في الانتصار 47 وابن تيمية في الرد على # المنطقيين ص 142 (13) كتاب: " الايجاز ". # ذكره أبو عذبة في كتاب " الروضة البهية، فيما بين الاشاعرة والماتريدية ~~"، ثلاث مرات، قال في أولاها ص 18: إن القاضى أبا بكر ذكر في كتاب الايجاز ~~أن المحبة والارادة، والمشيئة والاشاءة، والرضى والاختيار، كلها بمعنى ~~واحد، كما أن العلم والمعرفة شئ واحد. # وقال في الثانية ص 35: إنه يقول في هذا الكتاب: إن أحكام الدين على ثلاثة ~~أضرب: ضرب لا يعلم إلا بالدليل العقلي: كحدوث العالم وإثبات محدثه، وما هو ~~عليه من صفاته المتوقف عليها بالفعل، كقدرته تعالى وإرادته، وعلمه وحياته، ~~ونبوة رسله. # وضرب لا يعلم إلا من جهة الشرع، وهو الاحكام المشروعة، من الواجب والحرام ~~والمباح. # وضرب يصح أن يعلم تارة بدليل العقل، وتارة بالسمع، نحو الصفات التى لا ~~تتوقف على العقل، كالسمع له تعالى والبصر والكلام، والعلم بجواز رؤيته ~~تعالى، وجواز الغفران للمذنبين، وما أشبه ذلك. # وقال في الثالثة ص 58: إن القاضى أبا بكر ذكر في كتاب الايجاز أن نبينا ~~صلى الله عليه وسلم معصوم فيما يؤديه عن الله تعالى: وكذا سائر الانبياء، ~~وأن الصغيرة تجوز على الانبياء بعد الوحى مطلقا، لا على سبيل السهو وحده. # (14) كتاب: " الابانة عن إبطال مذهب أهل الكفر والضلالة ". # وقد نقل منه ابن تيمية: في " رسالة الفتوى الحموية الكبرى " ص 76، 77 ~~وابن قيم الجوزية في كتاب " اجتماع الجيوش الاسلامية، على غزو المعطلة ~~والجمهية " ص 120 # PageV01P044 # (15) كتاب: " دقائق الكلام والرد على من خالف الحق من الاوائل ومنتحلي ~~الاسلام ". # ذكره في " هداية المسترشدين " وأشار إليه ابن تيمية، في كتاب " بيان ~~موافقة صريح المعقول، لصحيح المنقول " 1 / 88 في أثناء كلامه # على كثرة ms038 الاختلاف بين طوائف الفلاسفة، إذ يقول: " واعتبر هذا بما ذكره ~~أرباب المقالات عنهم في العلوم الرياضية والطبيعية، كما نقله الاشعري في ~~كتابه: في مقالات غير الاسلاميين وما ذكره القاضى أبو بكر عنهم، في كتابه ~~في الدقائق. # فإن في ذلك من الخلاف عنهم - أضعاف أضعاف ما ذكره الشهرستاني وأمثاله ممن ~~يحكى مقالاتهم ". # وذكره أيضا في كتاب الرد على المنطقيين ص 334 حيث يقول: " وأما اختلاف ~~الفلاسفة فلا يحصره أحد. # وقد ذكر أبو الحسن الاشعري في كتاب المقالات: مقالات غير الاسلاميين " ~~عنهم من المقالات ما لم يذكره الفارابى وابن سينا، وأمثالهما. # وكذلك القاضى أبو بكر بن الطيب في كتاب " الدقائق " الذى رد فيه على ~~الفلاسفة والمنجمين، ورجح فيه منطق المتكلمين من العرب على منطق اليونان " ~~وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية 11 / 350 أن للباقلاني كتابا اسمه: " ~~دقائق الحقائق " ولا أدرى أهو اسم لهذا الكتاب أم اسم لكتاب آخر؟ (16) ~~كتاب: " رسالة الحرة ". # ومبلغ علم الباحثين عنه أنه من كتب الباقلانى المفقودة، التي لا يعرفون ~~موضوعها، ولا يفقهون معنى تسميتها. # ومن أعجب العجب أن الكتاب موجود بين أيديهم، مطبوع يقرءون فيه! لكنه يحمل ~~اسما آخر لم يضعه له الباقلانى، وهو: " الانصاف " الذى طبع بالقاهرة في سنة ~~1369 بتحقيق المرحوم الشيخ محمد زاهد الكوثري. # وإنى لا قطع بأن كتاب " الانصاف " هذا إنما في حقيقة الامر كتاب " رسالة ~~الحرة " وأن ذلك الاسم الذى طبع به، اسم دخيل عليه، قد وضع على نسخته ~~المخطوطة المحفوظة بدار الكتب المصرية. # والذى دفعني إلى ذلك القطع، قول الباقلانى في أول مقدمته: " أما بعد، فقد ~~وفقت على ما التمسته " الحرة " الفاضلة الدينة - أحسن الله توفيقها - لما ~~تتوخاه # PageV01P045 # من طلب الحق ونصرته، وتنكب الباطل وتجنبه، واعتماد القربة باعتقاد ~~المفروض في أحكام الدين، واتباع السلف الصالح من المؤمنين، من ذكر جمل ما ~~يجب على المكلفين اعتقاده، ولا يسع الجهل به، وما إذا تدين به المرء صار ~~إلى التزام الحق المفروض، والسلامة من البدع والباطل المرفوض. # وإنى - بحول الله تعالى وعونه، ومشيئته ms039 وطوله - أذكر " لها " جملا ~~مختصرة، تأتى على البغية من ذلك، ويستغنى بالوقوف عليها من الطلب، واشتغال ~~الهمة بما سواه. # فنقول وبالله التوفيق: إن الواجب على المكلف.." وقول الباقلانى هذا، يدل ~~دلالة قاطعة على أنه يقدم لرسالة الحرة، لا لكتاب الانصاف. # ولست أدرى كيف مر محقق الكتاب على هذا الكلام، دون أن ينتبه لدلالته ~~الناطقة باسمه، مع علمه بأن القاضى عياضا قد ذكر " رسالة الحرة " ضمن ~~مؤلفات الباقلانى، ولم يذكر " الانصاف "! ولست أدرى كيف فاته مع ذلك أن ~~يتنبه إلى النصين الدخيلين على كلام الباقلانى في هذا الكتاب - في ص 58، 64 ~~- والمصدرين بقول كاتبهما: " قال الشيخ لاجل الامام جمال الاسلام: ووقع لى ~~أنا دليل..". # و" قال الشريف الاجل جمال الاسلام: ووقع لى جواب أخصر من هذا وأجود..؟ ! ~~" ولا مراء في أن هذين النصين من تعليق بعض قراء النسخة على هامشها، ~~فأدخلهما ناسخها أو طابعها في صلب الكتاب. # وقد نقل ابن حزم - في الفصل 4 / 216 - قولا زعم أن الاشاعرة قالوه في ~~كتبهم وهو: " أن الروح تنتقل عند خروجها من الجسم إلى جسم آخر "، وعقب عليه ~~بقوله: " هكذا نص الباقلانى في أحد كتبه وأظنه الرسالة، المعروفة بالحرة. # وهذا مذهب التناسخ بلا كلفة ". # ولقد كذب على ابن حزم ظنه، فليس في رسالة الحرة ما يشير إلى هذا القول ~~المزعوم من قريب أو بعيد، ولم يرد في رسالة الحرة - من حديث الروح - إلا ~~قوله ص 45: " ويجب أن يعلم # أن كل ما ورد به الشرع من عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، ورد الروح إلى ~~الميت عند السؤال، ونصب الصراط والميزان، والحوض، والشفاعة للعصاة # PageV01P046 # من المؤمنين - كل ذلك حق وصدق، يجب الايمان والقطع به، لان جميع ذلك غير ~~مستحيل في العقل ". # ولقد نقل ابن قيم الجوزية في كتاب " اجتماع الجيوش الاسلامية، على غزو ~~المعطلة والجهمية " أقوالا من كتب الباقلانى في صفات الله، ختمها بقوله ص ~~120: " ذكر قوله في رسالة الحرة. # قال في كلام ذكره في الصفات: إن له وجها ويدين، وإنه ينزل إلى سماء ~~الدنيا. # ثم ms040 قال، وإنه استوى على عرشه، فاستولى على خلقه. # ففرق بين الاستواء الخاص، والاستيلاء العام ". # وما أشار إليه ابن قيم الجوزية من قول الباقلانى في الوجه واليدين، ~~والاستواء على العرش مذكور في رسالة الحرة المسماة بالانصاف ص 21، 22 ونص ~~عبارته في ذلك: "..وأخبر الله أنه ذو الوجه الباقي بعد تقضى الماضيات. # واليدين اللتين نطق بإثباتهما القرآن. # وأنهما ليستا جارحتين، ولا ذوى صورة وهيئة. # وأن الله جل ثناؤه مستو على العرش، ومستول على جميع خلقه، كما قال تعالى: ~~" الرحمن على العرش استوى ". # بغير مماسة وكيفية، ولا مجاورة، وأنه في السماء إله وفى الارض إله، كما ~~أخبر بذلك " وقد نقل منها ابن قيم الجوزية في كتاب تهذيب سنن أبى داود 7 / ~~103 وذلك قوله: " وقال أبو بكر بن الطيب المالكى الاشعري في رسالته ~~المشهورة التى سماها " رسالة الحرة " وأن الله سبحانه مريد، كما قال: (فعال ~~لما يريد) وقال: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقال: (إنما ~~قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له: كن فيكون) وأن الله مستو على عرشه ومستول ~~على جميع خلقه، # كما قال: (الرحمن على العرش استوى) بغير مماسة ولا كيفية ولا مجاورة " ~~وما نقله ابن قيم الجوزية موجود بنصه في رسالة الحرة المطبوعة باسم الانصاف ~~ص 22. # وهذا دليل آخر يؤيد ما ذهبت إليه من أن كتاب " الانصاف " إنما هو " رسالة ~~الحرة " (17) كتاب: " التقريب والارشاد " في أصول الفقه. # قال القاضى عياض: إنه كتاب كبير. # وذكره أبو المظفر الاسفرايينى في كتاب التبصير ص 119، # PageV01P047 # وأشار إليه السيوطي في الاتقان 1 / 48 (18) كتاب " التبصرة ". # ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 11 / 350. # (19) كتاب: " البيان عن فرائض الدين وشرائع الاسلام، ووصف ما يلزم من جرت ~~عليه الاقلام، من معرفة الاحكام ". # (20) كتاب " الحدود " في الرد على أبى طاهر: محمد بن عبد الله بن القاسم ~~(21) كتاب: " تصرف العباد، والفرق بين الخلق والاكتساب ". # (22) كتاب: " الرد على المعتزلة، فيما اشتبه عليهم من تأويل القرآن ". # (23) كتاب: " الدماء التى جرت بين الصحابة " (24) كتاب: " المقدمات في ~~أصول الديانات " (25) كتاب: " المقنع ms041 في أصول الفقه ". # (26) كتاب: " الاصول الصغير ". # (27) كتاب: " مسائل الاصول ". # (28) كتاب: " مختصر التقريب والارشاد الصغير ". # (29) كتاب: " مختصر التقريب والارشاد الاوسط ". # (30) كتاب: " المسائل التى سأل عنها ابن عبد المؤمن ". # (31) كتاب: " رسالة الامير ". # (32) كتاب: " المسائل القسطنطينية ". # (33) جواب أهل فلسطين. # (34) البغداديات. # (35) الاصبهانيات. # (36) النيسابوريات. # (37) الجرجانيات. # (38) كتاب: " الكرامات ". # (39) كتاب الاحكام والعلل ". # (40) كتاب: " إمامة بنى العباس ". # ذكره القاضى عياض. # PageV01P048 # (41) كتاب: " نقض النقض على الهمداني ". # ذكره في " هداية المسترشدين " (42) كتاب: " الامامة الصغير ". # (43) كتاب: " التعديل والتجوير ". # (44) شرح اللمع لابي الحسن الاشعري. # ذكره في " الانتصار ". # (45) كتاب: " شرح أدب الجدل ". # (46) كتاب: " أمالى إجماع أهل المدينة ". # (47) كتاب: " في أن المعدوم ليس بشئ ". # (48) كتاب: " فضل الجهاد ". # (49) كتاب: " المسائل والمجالسات المنثورة ". # (50) كتاب: " الرد على المتناسخين ". # (51) نقض الفنون للجاحظ. # (52) كتاب: " الكسب ". # ذكره أبو المظفر الاسفرايينى في التبصير ص 119. # (53) كتاب: " في الايمان " أشار إليه ابن تيمية في رسالته " الفرقان بين ~~الحق والباطل " في أثناء حديثه عن الايمان، حيث يقول ص 43: " وكلام الناس ~~في هذا الاسم ومسماه كثير، وقد رأيت لابن الهيضم فيه مصنفا في: أنه قول ~~اللسان فقط. # ورأيت لابن الباقلانى فيه مصنفا: أنه تصديق القلب فقط. # وكلاهما في عصر واحد، وكلاهما يرد على المعتزلة والرافضة ". # (54) كتاب: " النقض الكبير " ومنه هذا النص الذى أورده إمام الحرمين في ~~الشامل: " قال أبو بكر الباقلانى في النقض الكبير: من زعم أن السين من بسم ~~الله بعد الباء، والميم بعد السين الواقعة بعد الباء، لا أول له - فقد خرج ~~عن المعقول. # وجحد الضرورة، وأنكر البديهة. # فإن اعترف بوقوع شئ بعد شئ، فقد اعترف بأوليته، فإن ادعى أنه لا أول له، ~~فقد سقطت محاجته، وتعين لحوقه بالسفسطة. # وكيف يرجى أن يرشد بالدليل من يتواقح في جحد الضرورى؟ ! " (55) كتاب: " ~~الرد على الرافضة والمعتزلة، والخوارج والجهمية " ذكره الصلاح الصفدى في " ~~الوافى بالوفيات " 3 / 177. # PageV01P049 # آراء العلماء في الباقلانى: (1) روى ابن عساكر في تبيين كذب المفترى - عن ~~أبى علقمة، عن أبى هريرة -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن ~~الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مائة سنة، من يجدد لها دينها ": ثم ms042 قال ص ~~53: " وسمعت الشيخ الامام أبا الحسن على بن مسلم - على كرسيه بجامع دمشق - ~~يقول وذكر حديث أبى علقمة هذا: " كان على رأس المائة الاولى: عمر بن عبد ~~العزيز، وكان على # رأس المائة الثانية: محمد بن إدريس الشافعي، وكان على رأس المائة ~~الثالثة: الاشعري، وكان على رأس المائة الرابعة: ابن الباقلانى ". # (2) قال الصاحب ابن عباد في وصفه ووصف زميليه -: أبى بكر بن فورك المتوفى ~~سنة 406، وأبى إسحاق الاسفرايينى، المتوفى سنة 418 -: وابن الباقلانى بحر ~~مغرق، وابن فورك صل مطرق، والاسفرايينى نار تحرق ". # وقد علق ابن عساكر على هذا القول في تبيين كذب المفترى ص 244 - فقال: " ~~وكأن روح القدس نفث في روعه، حيث أخبر عن حال هؤلاء الثلاثة، بما هو حقيقة ~~الحال فيهم ". # (3) قال الخطيب البغدادي 5 / 379: " كان الباقلانى ثقة. # وأما الكلام فكان أعرف الناس به، وأحسنهم خاطرا، وأجودهم لسانا، وأوضحهم ~~بيانا، وأصحهم عبارة ". # (4) قال القاضى عياض في " ترتيب المدارك، وتقريب المسالك، لمعرفة أعلام ~~مذهب الامام مالك ": " ومن أهل العراق والمشرق: أبو بكر: محمد بن الطيب بن ~~محمد، القاضى، المعروف بابن الباقلانى، الملقب بشيخ السنة، ولسان الامة، ~~المتكلم على مذهب المثبتة وأهل الحديث، وطريقة أبى الحسن الاشعري. # قال الخطيب. # وقال أبو الحسن بن جهضم الهمداني: كان شيخ المالكيين في وقته، وعالم عصره ~~المرجوع. # إليه فيما أشكل على غيره. # قال غيره: وإليه انتهت رياسة المالكيين في وقته، وكان حسن الفقه، عظيم ~~الجدل، وكانت له ببغداد حلقة عظيمة، وكان ينزل الكرخ. # ذكر أبو عبد الله بن سعدون الفقيه: أن # PageV01P050 # سائر الفرق رضيت بالقاضي أبى بكر في الحكم بين المتناظرين " (5) قال ~~الذهبي في سير أعلام النبلاء: " ابن الباقلانى الامام العلامة. # أوحد المتكلمين، مقدم الاصوليين، صاحب التصانيف، كان يضرب المثل # بفهمه. # وكان بحق إماما بارعا، صنف في الرد على المعتزلة والرافضة، والخوارج ~~والجهمية والكرامية. # وانتصر لطريقة أبى الحسن الاشعري، وقد يخالفه في مضايق، فإنه من نظرائه، ~~وقد أخذ علم النظر عن أصحابه..". # (6) قال ابن العماد في شذرات الذهب 3 / 168: " القاضى أبو بكر ابن ~~الباقلانى ms043 محمد بن الطيب بن محمد بن محمد بن جعفر، البصري، المالكى الاصولي ~~المتكلم، صاحب المصنفات، وأوحد وقته في فنه..وكانت له بجامع المنصور حلقة ~~عظيمة..وقال ابن الاهدل: سيف السنة: القاضى أبو بكر بن الباقلانى الاصولي ~~الاشعري المالكى، مجدد الدين على رأس المائة الرابعة. # ". # (7) قال ابن تيمية في رسالة الفتوى الحموية الكبرى ص 76: " وقال القاضى ~~أبو بكر: محمد بن الطيب الباقلانى المتكلم - وهو أفضل المتكلمين المنتسبين ~~إلى الاشعري، ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده - قال في كتاب الابانة..". # (8) قال ابن خلكان 3 / 400: " القاضى أبو بكر: محمد بن الطيب ابن محمد بن ~~جعفر بن القاسم، المعروف بالباقلانى، البصري، المتلكم المشهور، كان على ~~مذهب الشيخ أبى الحسن الاشعري، ومؤيدا اعتقاده، وناصرا طريقته،. # وصنف التصانيف الكثيرة المشهورة في علم الكلام وغيره، وكان أوحد زمانه، ~~وانتهت إليه الرياسة في مذهبه: وكان موصوفا بجودة الاستنباط، وسرعة الجواب ~~وسمع الحديث. # وكان كثير التطويل في المناظرة، مشهورا بذلك عند الجماعة " (9) قال ~~الصفدى في الوافى بالوفيات 3 / 177: " أبو بكر الباقلانى البصري، صاحب ~~التصانيف في علم الكلام. # وكان ثقة عارفا بالكلام، صنف الرد على الرافضة والمعتزلة، والخوارج ~~والجهمية. # جرى بينه وبين أبى سعيد الهاروني مناظرة، فأكثر الباقلانى الكلام فيها، ~~ووسع العبارة، وزاد في الاسهاب، ثم التفت إلى الحاضرين، وقال: اشهدوا على ~~أنه إن أعاد ما قلت لم أطالبه بالجواب، # PageV01P051 # فقال الهاروني: اشهدوا على أنه إن أعاد كلام نفسه سلمت له ما قال " وذكره ~~الصفدى أيضا في ترجمة أبى الحسن المتكلم، محمد بن شجاع المعتزلي، حيث يقول ~~3 / 147: " حضر مجلس عضد الدولة، وكلم أبا بكر الباقلانى الاشعري في مسألة ~~كلامية، فطول في بعض نوبه، فلما أخذ أبو الحسن الكلام في نوبته، قال له ~~القاضى أبو بكر: قد أخللت بالجواب عن فصل يا شيخ. # وأخذ الباقلانى الكلام على نوبته فزاد في الطول، فقال له أبو الحسن: ~~علاوتك أثقل من حملك. # فضحك عضد الدولة من ذلك ". # (10) قال ابن عمار الميورقى: " كان ابن الطيب مالكيا فاضلا متورعا ممن لم ~~تحفظ عليه زلة قط، ولا ms044 نسبت إليه نقيصة. # وكان يلقب بشيخ السنة، ولسان الامة، وكان فارس هذا العلم، مباركا على هذه ~~الامة. # وكان حصنا من حصون المسلمين، وما سر أهل البدع بشئ كسرورهم بموته ". # (11) قال أبو القاسم: عبد الواحد بن على بن برهان النحوي، المتوفى سنة ~~456: " من سمع مناظرة القاضى أبى بكر، لم يستلذ بعدها بسماع كلام أحد من ~~المتكلمين والفقهاء والخطباء والمسترسلين، ولا الاغانى أيضا، من طيب كلامه ~~وفصاحته، وحسن نظامه وإشارته " (12) قال أبو عمران الفارسى (368 - 430) : " ~~القاضى أبو بكر: سيف أهل السنة في زمانه، وإمام متكلمي أهل الحق في وقتنا ~~". # (13) قال أبو عبد الله الصيرفى: " كان صلاح القاضى أكثر من علمه، وما نفع ~~الله هذه الامة بكتبه، وبثها فيهم إلا بحسن نيته، واحتسابه بذلك. # وكان يدرس نهاره وأكثر ليله ". # (14) قال أبو حاتم الطبري: محمود بن الحسن القزويني: " إن ما كان يضمره ~~القاضى الامام أبو بكر الاشعري رضى الله عنه، من الورع والديانة، # والزهد والصيانة، أضعاف ما كان يظهره، فقيل له في ذلك؟ فقال: إنما أظهر ~~ما أظهره غيظا لليهود والنصارى، والمعتزلة والرافضة والمخالفين، لئلا ~~يستحقروا علماء الحق والدين، فأضمر ما أضمره، فإنى رأيت آدم - مع جلالته - ~~نودى عليه # PageV01P052 # بذوقة، وداود بنظرة، ويوسف بهمة، ومحمدا بخطرة، عليهم السلام ". # (15) قال أبو الفرج: محمد بن عمران الخلال: " وكان ورد القاضى أبى بكر ~~محمد بن الطيب، في كل ليلة، عشرين ترويحة، ما يتركها في حضر ولا سفر ". # (16) قال أبو بكر الخوارزمي، محمد بن العباس، المتوفى سنة 383 -: " كل ~~مصنف ببغداد إنما ينقل من كتب الناس إلى تصانيفه، سوى القاضى أبى بكر، فإن ~~صدره يحوى علمه وعلم الناس ". # (17) قال أبو محمد: عبد الله بن محمد الخوارزمي البافى: المتوفى سنة 398: ~~" لو أوصى رجل بثلث ماله أن يدفع إلى أفصح الناس، لوجب أن يدفع لابي بكر ~~الاشعري ". # (18) قال على بن محمد بن الحسن الحربى، المالكى: " كان القاضى أبو بكر ~~الاشعري، يهم أن يختصر ما يصنفه، فلا يقدر على ذلك، لسعة علمه، وكثرة حفظه. # وما صنف أحد خلافا إلا احتاج أن ms045 يطالع كتب المخالفين، غير القاضى أبى ~~بكر، فإن جميع ما كان يذكر خلاف الناس فيه، صنفه من حفظه ". # (19) روى الامام أبو عبد الله: الحسن ابن أحمد الدامغاني: قال: " لما قدم ~~القاضى الامام أبو بكر الاشعري بغداد، دعاه الشيخ أبو الحسن التميمي ~~الحنبلى (371) إمام عصره في مذهبه، وشيخ مصره في رهطه، وحضر الشيخ أبو عبد ~~الله ابن مجاهد (370) والشيخ أبو الحسين محمد بن أحمد بن سمعون (387) ، ~~وأبو الحسن الفقيه، فجرت مسألة الاجتهاد - بين القاضى أبى بكر، وبين # أبى عبد الله بن مجاهد، وتعلق الكلام بينهما إلى أن انفجر عمود الصبح، ~~وظهر كلام القاضى عليه. # وكان أبو الحسن التميمي الحنبلى يقول لاصحابه: تمسكوا بهذا الرجل فليس ~~للسنة عنه غنى أبدا ". # (20) أما أبو حامد الاسفرايينى (344 - 406) فقد كان شديد الانكار على ~~أصحاب الكلام عامة، وعلى الاشاعرة والباقلاني خاصة، حتى إنهم رووا أن ~~الباقلانى كان يخرج إلى الحمام متبرقعا خوفا منه. # وقد نقل ابن تيمية في فتاويه 5 / 239: أن أبا الحسن الكرخي قال في كتابه ~~" الفصول في الاصول ": # PageV01P053 # " وسمعت شيخي الامام أبا منصور، الفقيه الاصبهاني، يقول: سمعت شيخنا ~~الامام أبا بكر الزاذاقانى يقول: كنت في درس الشيخ أبى حامد الاسفرايينى ~~وكان ينهى أصحابه عن الكلام، وعن الدخول على الباقلانى. # فبلغه أن نفرا من أصحابه يدخلون عليه خفية لقراءة الكلام، فظن أنى معهم ~~ومنهم، وذكر قصة قال في آخرها: إن الشيخ أبا حامد قال لى: يا بنى، بلغني ~~أنك تدخل على هذا الرجل - يعنى الباقلانى - فإياك وإياه، فإنه مبتدع يدعوا ~~الناس إلى الضلالة وإلا فلا تحضر مجلسي، فقلت: أنا عائذ بالله مما قيل! ~~وتائب إليه! واشهدوا على أنى لا أدخل عليه! " وأعجب مما سبق قوله أيضا: " ~~كان الشيخ أبو حامد: أحمد بن أبى طاهر الاسفرايينى - إمام الائمة الذى طبق ~~الارض علما وأصحابا - إذا سعى إلى الجمعة من قطيعة الكرخ إلى جامع المنصور، ~~يدخل الرباط المعروف بالروزى المحاذي للجامع، ويقبل على من حضر ويقول: ~~اشهدوا على بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قاله أحمد بن ms046 حنبل، لا كما ~~يقوله الباقلانى، وتكرر ذلك منه في جمعات، فقيل له في ذلك، فقال: حتى ينتشر ~~في الناس وفى أهل الصلاح، # ويشيع الخبر في البلاد: أنى برئ مما هم عليه - يعنى الاشاعرة - وبرئ من ~~مذهب أبى بكر الباقلانى، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء، يدخلون على ~~الباقلانى خفية فيقرءون عليه، فيفتون بمذهبه، فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا ~~بدعتهم لا محالة، فيظن ظان أنهم منى تعلموه وأنا قلته، وأنا برئ من مذهب ~~الباقلانى وعقيدته ". # هذا قول الاسفرايينى في معاصره الباقلانى، وهو قول سداه الاسراف والتجنى، ~~ولحمته الهوى والعصبية، وما كان الباقلانى مبتدعا يدعوا الناس إلى الضلالة، ~~وما كان مذهبه فاسدا، ولا عقيدته مدخولة، بحيث يتبرأ منهما مسلم، ولكن ~~العصبية قاهرة غلابة، والتعاصر مع التماثل في الصناعة مدرجة العداوة ~~والبغضاء. # (21) ذكر أبو حيان التوحيدي في كتاب: " الامتاع والمؤانسة " 1 / 143 # PageV01P054 # أن الوزير أبا عبد الله العارض، سأله في الليلة الثامنة، وقال له: " فما ~~تقول في ابن الباقلانى؟ قلت: فما شر الثلاثة أم عمرو * * بصاحبك الذى لا ~~تصحبينا يزعم أنه ينصر السنة، ويفحم المعتزلة، وينشر الرواية، وهو في أضعاف ~~ذلك على مذهب الخرمية، وطرائق الملحدة! قال: والله إن هذا لمن المصائب ~~الكبار، والمحن الغلاظ، والامراض التى ليس لها علاج ". # ولست أرتاب في أن أبا حيان قد جاء بالافك، حين رمى الباقلانى بأنه كان ~~على مذهب الخرمية وطريق الملحدة، ولو كان لذلك الاتهام نصيب من الصحة لجرد ~~له قلمه الجبار، وذهب يبين عن مظاهره ومصادره، ويفيض في الطعن عليه، ولبادر ~~إلى ثلبه والتشهير به أعداؤه من شتى المذاهب والنحل التى نقض أقوالها، وأتى ~~على معتقداتها من القواعد، ولتسابقوا إلى تأليب الناس عليه وتحريض # السلطان على إهدار دمه وصلبه، كما صلب بابك الخرمى. # فإن الخرمية فرقة مبتدعة، لا يعدها أحد في زمرة المسلمين، لانها تستحل كل ~~محرم، وتذهب إلى شركة الناس جميعا في الاموال والنساء، ويجتمع رجالها ~~ونساؤها في ليال مخصوصة، يفنونها في احتساء الخمر والرقص، ثم يطفئون كل ~~سراج منير، وكل نار موقدة، ويعكف ms047 كل واحد منهم على المرأة التى اتفق جلوسها ~~بجانبه " وهم يدينون بألوهية بابك الخرمى، ويدعون أنه كان لهم ملك في ~~الجاهلية اسمه " شيروين " ينوحون على موتاهم باسمه، ويفضلونه على الانبياء ~~جميعا. # ولست أدرى كيف يكون الباقلانى على مذهب هؤلاء الخرمية، ويخفى أمره على ~~أعدائه المتربصين به، وعلى أوليائه الملتفين حوله، ولا يظهر إلا لابي حيان ~~وحده! فيتفرد بتسجيله عليه! ثم لا ينقله عنه ناقل، ولا ينبزه به نابز " إن ~~في ذلك لآية على إفكه، ودليلا على اختلافه عليه، وعداوته له. # ولعل من أسباب عداوة أبى حيان للباقلاني، بغضه للكلام والمتكلمين، الذى ~~أفصح عنه بقوله: " ولم أر متكلما في مدة عمره بكى خشية، أو دمعت عينه خوفا ~~أو أقلع عن كبيرة رغبة، يتناظرون مستهزئين، ويتحاسدون متعصبين، # PageV01P055 # ويتلاقون متخادعين، ويصنفون متحاملين، جذ الله عروقهم، واستأصل شأفتهم، ~~وأراح البلاد والعباد منهم، فقد عظمت البلوى بهم، وعظمت آفاتهم على صغار ~~الناس وكبارهم، ودب داؤهم، وعسر دواؤهم، وأرجو ألا أخرج من الدنيا حتى أرى ~~بنيانهم متضعضعا، وساكنه متجعجعا ". # وقد يكون أبو حيان مدفوعا إلى تلك العداوة بتأثير العداوة بين الباقلانى ~~وبين أستاذه أبى سليمان المنطقي من جهة، وبينه وبين أبى أحمد الاسفرايينى ~~من جهة أخرى، وكلاهما له في نفس أبى حيان منزلة سامية، وإجلال بالغ. # ومهما يكن من أمر عداوة أبى حيان للباقلاني، وأيا كان مبعثها ومأتاها، ~~فلا مراء في أنه قد ظلمه ظلما مبينا، إذ نسبه إلى طائفة الخرمية، وهو منها ~~برئ براءة الذئب من دم ابن يعقوب. # (22) وثالثه الاثافي التى رمى بها الباقلانى، تلك الاقوال المنكرة التى ~~قالها عنه ابن حزم الظاهرى (384 - 456) في كتاب: " الفصل في الملل والاهواء ~~والنحل " فهو عنده: " كافر أصلع الكفر! مشرك يقدح في النبوات! ملحد خبيث ~~المذهب ملعون، يلحد في أسماء الله، ويخالف القرآن ويكذب الله! نذل يوجب ~~الشك في الله وفى صحة النبوة! مظلم الجهالة، من أهل الضلالة، ممرور فاسق ~~أحمق، يكيد للاسلام ويسخف به! قد صدق فيه قول القائل: شهدت بأن ابن المعلم ~~هازل * بأصحابه والباقلاني ms048 أهزل وما الجعل الملعون في ذاك دونه * وكلهم في ~~الافك والكفر منزل " هذه بعض أقوال ابن حزم في الباقلانى، نقلتها بألفاظها ~~كما أثبتها في مواضع مختلفة من كتابه. # ولو صدق بعض هذه الاقوال عليه لوجب على المسلمين البراءة منه، ونبذ كتبه، ~~وعده في طليعة أعداء الاسلام، فكيف إذا صدقت كلها؟ ! ويجدر بنا - قبل أن ~~نعرض للحكم عليها - أن نتبين: هل كان ابن حزم نزيها في حكمه، منصفا في ~~قوله، أمينا في نقله، سليم الصدر من دواعى الهوى والعصبية؟ أم كان غير ذلك؟ # PageV01P056 # ومما يدعوا إلى الدهشة والعجب حقا، ويملا النفس بالاسف الممض، أن يكون ~~ابن حزم عريا عن ذلك كله، متنكبا سبيل العلم والاخلاق والدين في حديثه عن ~~الباقلانى لانه أشعرى، وهو ظاهري يبغض الاشاعرة جميعا، ويصفهم بخبث # المقالة وفساد الدين واستسهال الكذب على الله جهارا، وعلى رسوله بلا ~~رهبة، ويقول عنهم: " والحمد لله الذى لم يجعلنا من أهل هذه الصفة المرذولة، ~~ولا من هذه العصابة المخذولة " ويحمد الله على ضعفهم في عصره، فيقول: " ~~وأما الاشاعرة فكانوا ببغداد والبصرة، ثم قامت لهم سوق بصلقية والقيروان ~~والاندلس، ثم رق أمرهم، والحمد لله رب العالمين! " وهو ينسب إليهم أقوالا ~~لم يقولوها، ومذاهب لم يذهبوا إليها، ثم يندفع في تكفيرهم، وكيل الشتائم ~~لهم، كما صنع في باب الرد على من زعم أن الانبياء والرسل ليسوا اليوم ~~أنبياء ولا رسلا، حيث يقول 1 / 88: " حديث فرقة مبتدعة، تزعم أن محمد بن ~~عبد الله، صلى الله عليه وسلم، ليس هو الآن رسول الله، ولكنه كان رسول ~~الله. # وهذا قول ذهب إليه الاشعرية. # وهذه مقالة خبيثة، مخالفة لله تعالى ولرسوله، ولما أجمع عليه جميع أهل ~~الاسلام منذ كان الاسلام إلى يوم القيامة. # ونعوذ بالله من هذا القول، فإنه كفر صراح لا ترداد فيه " ثم اندفع في ~~إبطال هذا القول في شدة وعنف، ونسى أو تناسى أن هذا القول لم يقل به أحد من ~~الاشاعرة، وإنما نسبه إليهم بعض الكرامية، واشتد نكيرهم على من نسبه إليهم، ~~وبينوا إنه ms049 مختلق على إمامهم الاجل أبى الحسن الاشعري. # وفى ذلك يقول أبو القاسم القشيرى (376 - 475) في كتابه: " شكاية أهل ~~السنة " -: " فأما ما حكى عنه وعن أصحابه أنهم يقولون: إن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، ليس بنبى في قبره، ولا رسول بعد موته، فبهتان عظيم، وكذب محض، ~~لم ينطق به أحد منهم، ولا سمع في مجلس مناظرة ذلك عنهم، ولا وجد ذلك في ~~كتاب لهم. # " وليس أدل على كذب هذا القول على الاشاعرة من قول الباقلانى عنه - في ~~كتاب رسالة الحرة المسمى بالانصاف ص 55: " ويجب أن يعلم أن نبوات # PageV01P057 # الانبياء، صلوات الله عليهم، لا تبطل ولا تنخرم بخروجهم عن الدنيا ~~وانتقالهم. # إلى دار الآخرة، بل حكمهم في حال خروجهم من الدنيا كحكمهم في حالة نومهم، ~~وحالة اشتغالهم إما بأكل أو شرب، أو قضاء وطر. # والدليل عليه: أن حقيقة النبوة لو كانت ثابتة لهم في حالة اشتغالهم بأداء ~~الرسالة، دون غيرها من الحالات - لكانوا في غيرها من الاحوال غير موصوفين ~~بذلك. # وقد غلط من نسب إلى المحققين من الموحدين - إبطال نبوة الانبياء عليهم ~~السلام بخروجهم من دار الدنيا. # وليس ذلك بصحيح، لان مذهب المحققين، أن الرسول ما استحق شرف الرسالة ~~بتأدية الرسالة، وإنما صار رسولا، واستحق شرف الرسالة والنبوة، بقول مرسله ~~- وهو الله تعالى -: أنت رسولي ونبيى، وقول الله تعالى قديم لا يزول ولا ~~يتغير. # والدليل على صحة هذا أيضا: أنه صلى الله عليه وسلم، سئل فقيل له: متى كنت ~~نبيا؟ فقال: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " فحاصل الجواب في هذا: أن ~~شرف النبوة وكمال المنصب ثابت للانبياء، صلوات الله عليهم أجمعين الآن حسب ~~ما كان ثابتا لهم في حال الحياة، لم ينثلم ولم ينتقض، سواء نسخت شرائعهم أو ~~لم تنسخ. # ومن راجع نفسه، ولم يغالط حسه، عرف وتحقق أن النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~الآن لم يخاطب شفاها، ولا يأمرهم، ولا يكلمهم من غير واسطة، لكن حكم شريعته ~~وصحة نبوته، ثابت لم ينتقض لاجل خروجه من الدنيا، ولم تزل مرتبته، ولا ms050 ~~انخرمت رسالته، ولا بطلت معجزته. # فاعلم ذلك وتحققه ". # ولست أدرى: كيف يقرأ ابن حزم كلام الباقلانى هذا في كتابه هذا، ثم يستسيغ ~~ضميره أن يزعم بعد ذلك أن الاشاعرة قالوا هذه المقالة الخبيثة، مع قوله: إن ~~الباقلانى كبيرهم؟ حقا إن هذا لشئ عجاب! # وما أكثر التهم التى ألصقها ابن حزم بالاشاعرة إلصاقا، وما أوفر عبارات ~~القذف والسباب التى قذفهم بها وسبهم، والتى بلغت أقصى حدود الافحاش ~~والاقذاع، وقد اختص الباقلانى منها بأعظم قسط، وأجزل نصيب. # ولعل مرد ذلك إلى أن الباقلانى قد نقد داود الظاهرى (200 - 270) ، كما ~~يشعر بذلك قول # PageV01P058 # ابن حزم في الفصل 4 / 225: " ومن العجب أن هذا النذل الباقلانى قطع بأن ~~دواد خالف الاجماع في قوله بإبطال القياس، أفلا يستحى هذا الجاهل من أن يصف ~~العلماء بصفته، مع عظيم جهله؟ ولكن من يضلل الله فلا هادى له " ومما أحفظه ~~عليه أيضا، وأرث نار عداوته في صدره، أنه كان لا يعبأ بالظاهرية، ولا يعدهم ~~من العلماء، وقد نقل شيخ الازهر الشيخ حسن العطار، (المتوفى سنة 1250) في ~~حاشيته على شرح الجلال المحلى على جمع الجوامع 2 / 221 - أن أبا إسحاق ~~الاسفرايينى قال: " كل مسلك يختص به أصحاب الظاهر عن القياسيين، فالحكم ~~بحسبه منقوض، وبحق قال حبر الاصول القاضى أبو بكر: إنى لا أعدهم من علماء ~~الامة، ولا أبالى بخلافهم ولا وفاقهم ". # ولست أربد أن أقبس هنا سائر ما أورده من قول، وما نحله من رأى، ثم أبين ~~ما صنعه فيه من تحريف كلمه عن مواضعها، ولى عباراته عن معانيها، وقطع ~~مقدماته عن نتائجها، وأخذه من ظاهر لفظه ما يتفق وهوى نفسه، ويتسق وما يريد ~~أن يلزمه من إلزامات شائنة، تذهب بسمعته ومكانته. # لست أريد ذلك لان بيانه يحتاج إلى بسط وإطناب لا سبيل إليهما في هذا ~~المقام. # ولكني أذكر من ذلك ما لا مناص من ذكره، وهو ما يتعلق بقوله في القرآن. # قال ابن حزم في معرض حديثه عن الاشاعرة 4 / 221: " ومن شنعهم قول هذا ~~الباقلانى في كتابه المعروف بالانتصار ms051 في القرآن، إن تقسيم آيات القرآن، # وترتيب مواضع سوره، شئ فعله الناس وليس هو من عند الله، ولا من أمر رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم. # فقد كذب هذا الجاهل وأفك، أتراه ما سمع قول الله تعالى: (ما ننسخ من آية ~~أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ~~آية الكرسي: وآية الكلالة، والخبر: أنه عليه السلام كان يأمر إذا نزلت آية ~~كذا، أن تجعل في سورة كذا، وموضع كذا. # ولو أن الناس رتبوا سوره، لما تعدوا أحد وجوه ثلاثة:. # إما أن يرتبوها على الاول فالاول نزولا، أو الاطول فما دونه، أو الاقصر ~~فما فوقه. # فإذا ليس ذلك كذلك، فقد صح أنه أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذى ~~لا يعارض، عن الله عز وجل، لا يجوز غير ذلك أصلا ". # PageV01P059 # وما كذب الباقلانى ولا أفك في مسألتي ترتيب الآيات، وترتيب مواضع السور ~~في القرآن، وما خرج بقوله فيهما عما قاله أعلام الائمة وأجمعوا عليه. # فقد أجمعوا جميعا على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة فيه، وأيد إجماعهم ~~ما تاردف في ذلك من النصوص. # ولم تجتمع كلمتهم على أن ترتيب السور توقيفي، فمنهم من قال به، ومنهم من ~~قال: إنه باجتهاد من الصحابة، كمالك بن أنس. # وأنصع دليل على صدق الباقلانى وبراءته مما رماه به ابن حزم، قوله في ~~كتاب: " الانتصار لنقل القرآن ": " ترتيب الآيات أمر واجب، وحكم لازم، فقد ~~كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا موضع كذا ". # وقوله أيضا في ذلك الكتاب (ورقة 4 - ب) : " والذى نذهب إليه في ذلك أن ~~جميع القرآن الذى أنزله الله، وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه، ويرفع تلاوته ~~بعد نزوله - هو هذا الذى بين الدفتين، الذى حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص ~~منه شئ، ولا زيد فيه، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى، ورتبه ~~عليه رسوله، من آى # السور، لم يقدم من ذلك مؤخرا، ولا أخر منه مقدما، وأن الامة ضبطت عن ~~النبي صلى ms052 الله عليه وسلم، ترتيب آى كل سورة ومواضعها، وعرفت مواقعها: كما ~~ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة، وأنه يمكن أن يكون الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، قد رتب سوره على ما انطوى عليه مصحف عثمان، ويمكن أن يكون قد ~~وكل ذلك إلى الامة بعده، ولم يتول ذلك بنفسه. # وأن هذا القول الثاني أقرب وأشبه أن يكون حقا ". # ولن يمترى إنسان - بعد قراءة هذا الكلام - في تكذيب ابن حزم في قوله، إن ~~الباقلانى يقول: " إن ترتيب الآيات والسور شئ فعله الناس، وليس هو من عند ~~الله ولا من أمر رسول الله. # فقد كذب هذا الجاهل وأفك! " ولن يمترى كذلك في أنه نص صريح في تكذيب ابن ~~حزم في قوله عن الاشاعرة: " وقالوا كلهم: إن القرآن لم ينزل به قط جبريل ~~على قلب محمد، عليه الصلاة والسلام، وإنما نزل عليه بشئ آخر هو العبارة عن ~~كلام الله، وإن القرآن ليس عندنا ألبتة إلا على هذا المجاز، وإن الذى نرى ~~في المصاحف ونسمع # PageV01P060 # من القراء، ونقرأ في الصلاة، ونحفظ في الصدور - ليس هو القرآن ألبتة، ولا ~~شئ منه كلام الله ألبتة، بل شئ آخر، وإن كلام الله لا يفارق ذاته. # وإن قول هذه الفرقة في هذه المسألة نهاية الكفر بالله عز وجل، ومخالفة ~~القرآن والنبى، صلى الله عليه وسلم، ومخالفة جميع أهل الاسلام قبل حدوث هذه ~~الطائفة الملعونة ". # وهذا افتراء قصد به التشنيع والتلبيس على الناس، يدحضه قول الباقلانى في ~~" رسالة الحرة " ص 62: " اعلم أن الله تعالى متكلم له كلام عند أهل السنة ~~والجماعة، وأن كلامه قديم ليس بمخلوق، ولا مجعول، ولا محدث، بل كلامه قديم، ~~صفة من صفات ذاته، كعلمه وقدرته وإرادته، ونحو ذلك من صفات # الذات. # ولا يجوز أن يقال: كلام الله عبارة ولا حكاية، ولا يوصف بشئ من صفات ~~الخلق، ولا يجوز أن يقول أحد: لفظي بالقرآن مخلوق ولا غير مخلوق، ولا إنى ~~أتكلم بكلام الله ". # وقوله ص 82: " ويجب أن يعلم أن كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على ~~الحقيقة ms053 كما قال: (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) ، وهو في مصاحفنا مكتوب ~~على الوجه الذى هو مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: (بل هو قرآن ~~مجيد في لوح محفوظ) . # لكن نحن نعلم وكل عاقل أن كلام الله الذى هو مكتوب في اللوح المحفوظ، هو ~~والقرآن المكتوب في مصاحفنا شئ واحد، لا يختلف ولا يتغير، وأن اللوح غير ~~أوراق مصاحفنا، وأن الخط الذى فيه غير الخطوط التى في مصاحفنا، وأن القلم ~~الذى كتب في اللوح المحفوظ غير أقلامنا. # وكذلك ما اختلف وغاير غيره، واختص بمكان دون مكان، وزمان دون زمان فهو ~~مخلوق مربوب، وكل ما هو على صفة واحدة لا يختلف ولا يتغير، ولا يجوز عليه ~~شئ من صفات الخلق. # فكذلك هو كلام الله تعالى القديم وجميع صفات ذاته. # وكذلك القرآن محفوظ بالقلوب على الحقيقة، كما قال تعالى: (بل هو آيات ~~بينات في صدور الذين أوتوا العلم) . # لكن نعلم قطعا أن زيدا الحافظ غير عمرو الحافظ، وأن قلب هذا غير قلب هذا، ~~وأن حفظ هذا غير حفظ هذا، لكن المحفوظ لهذا بحفظه هو المحفوظ للآخر بحفظه، ~~وهو شئ واحد لا يختلف ولا يتغير، # PageV01P061 # إذ هو صفة لله تعالى، قديم غير مخلوق. # وكذلك نقول: إنه مقروء بألسنتنا، نتلو بها على الحقيقة، لكن نعلم أن زيدا ~~القارئ غير عمرو القارئ، وأن لسان زيد غير لسان عمرو، وأن قراءة زيد غير ~~قراءة عمرو، ولكن المقروء لزيد هو المقروء لعمرو، شئ واحد لا يختلف ولا ~~يتغير، بل هو كلام الله القديم الذى # ليس بمخلوق ولا يجوز عليه صفات الخلق. # وهذا كما قال تعالى: (أنما أنزل بعلم الله) يعلمه زيد بعلمه، ويعلمه عمرو ~~بعلمه، ويعبده زيد بعبادته، ويعبده عمرو بعبادته، ويدعوه زيد بدعائه، ~~ويدعوه عمرو بدعائه، ويذكره زيد بذكره، ويذكره عمرو بذكره، ويسبحه زيد ~~بتسبيحه، ويسبحه عمرو بتسبيحه، فزيد غير عمرو، وذكره غير ذكر عمرو، وعبادته ~~غير عبادة عمرو، ولكن المعبود لهذا هو المعبود لهذا، والمذكور لهذا هو ~~المذكور لهذا، والمسبح لهذا هو المسبح لهذا، ms054 والله تعالى هو القديم الواحد ~~الذى ليس كمثله شئ، وهو السميع البصير ". # وقوله ص 83، 85: " ويحب أن يعلم أن كلام الله تعالى مسموع لنا على ~~الحقيقة، لكن بواسطة، وهو القارئ..ويجب أن يعلم أن كلام الله تعالى منزل ~~على قلب النبي صلى بالله عليه وسلم، نزول إعلام وإفهام، لا نزول حركة ~~وانتقال "، و " أن جبريل عليه السلام علم كلام الله وفهمه، وعلمه الله ~~النظم العربي الذى هو قراءته، وعلم هو القراءة نبينا، صلى الله عليه وسلم، ~~وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ولم يزل ينقل الخلف عن السلف ذلك، ~~إلى أن اتصل بنا فصرنا نقرأ بعد أن لم نكن نقرأ ". # ويستبين من سائر هذه النصوص أن ابن حزم لم يكن أمينا في نقله، ولا صادقا ~~في قوله، وإنما خان أمانة العلم، وكذب فيما ادعاه على الباقلانى والاشاعرة، ~~ليتسنى له تكفيرهم، وسبهم بما يرضى نفسه الظامئة إلى الطعن والسباب. # وقد عرف ذلك عنه، حتى قال فيه ابن العريف: " كان لسان ابن حزم وسيف ~~الحجاج شقيقين " وسجل عليه ذلك المؤرخون له، كابن خلكان، الذى يقول في ~~وفيات الاعيان: " وكان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين، لا يكاد يسلم أحد ~~من لسانه، فنفرت عنه القلوب، واستهدف لفقهاء وقته، فتماثلوا على بغضه، ~~وردوا # PageV01P062 # قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا ~~عوامهم عن الدنو إليه والاخذ عنه، فأقصته الملوك وشردته عن بلاده ". # وكالحافظ الذهبي الذى قال عنه في سير أعلام النبلاء: " لم يتأدب مع ~~الائمة في الخطاب، بل فجج العبارة، وسب وجدع، فكان جزاؤه من جنس فعله، بحيث ~~إنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الائمة وهجروها، ونفروا منها، وأحرقت في وقته ~~" وإذا كان ذلك كذلك فيجب ألا يلتفت إنسان إلى قول ابن حزم في الباقلانى، ~~ولا ينظر بعين الاعتبار إلى طعنه عليه، وتكفيره له. # (23) قال ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد (732 - 808) في مقدمته، في أثناء ~~حديثه في فصل علم الكلام ص 465: "..وكثر أتباع الشيخ أبى الحسن الاشعري، ~~واقتفى طريقته من بعده تلاميذه، ms055 كابن مجاهد وغيره، وأخذ عنهم القاضى أبو ~~بكر الباقلانى، فتصدر للامامة في طريقتهم وهذبها، ووضع المقدمات العقلية ~~التى تتوقف عليها الادلة والانظار، وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد والخلاء، ~~وأن العرض لا يقوم بالعرض، وأنه لا يبقى زمانين، وأمثال ذلك مما تتوقف عليه ~~أدلتهم، وجعل هذه القواعد تبعا للعقائد الايمانية في وجوب اعتقادها، لتوقف ~~تلك الادلة عليها وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول. # وحملت هذه الطريقة، وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية، إلا ~~أن صور الادلة تعتبر بها الاقيسة، ولم تكن حينئذ ظاهرة في الملة، ولو ظهر ~~منها بعض الشئ، فلم يأخذ به المتكلمون، لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة ~~للعقائد الشرعية بالجملة، فكانت مهجورة عندهم لذلك. # ثم جاء بعد القاضى أبى بكر الباقلانى إمام الحرمين أبو المعالى، فأملى في ~~الطريقة كتاب الشامل، وأوسع القول فيه، ثم لخصه، في كتاب الارشاد، واتخذه ~~الناس إماما لعقائدهم. # ". # (24) قال ابن تيمية في كتاب " بغية المرتاد " ص 107 في معرض حديثه # عن مصادر معارف أبى حامد الغزالي (450 - 505) وأستاذه أبى المعالى ~~الجوينى، إمام الحرمين (419 - 478) -: " وأبو حامد مادته الكلامية من كلام ~~شيخه في " الارشاد " و " الشامل " ونحوهما، مضموما إلى ما تلقاه من القاضى ~~أبى بكر # PageV01P063 # الباقلانى، لكنه في أصول الفقه سلك في الغالب مذهب ابن الباقلانى، مذهب ~~الواقفة وتصويب المجتهدين، ونحو ذلك، وضم إلى ذلك ما أخذه من كلام أبى زيد ~~الدبوسي وغيره في القياس ونحوه. # وأما في الكلام فطريقته طريقة شيخه دون القاضى أبى بكر. # وأما شيخه أبو المعالى فمادته الكلامية أكثر من كلام القاضى أبى بكر ~~ونحوه واستمد من كلام أبى هاشم الجبائى، على مختارات له. # وكان قد فسر الكلام على أبى قاسم الاسكافي. # عن أبى إسحاق الاسفراينى. # ولكن القاضى هو عندهم أولى. # ولقد خرج عن طريقة القاضى وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة ". # (25) ومن ألد أعداء الاشعري والاشاعرة: أبو على الحسن بن على بن إبراهيم ~~بن يزداد بن هرمز، الاهوازي (362 - 446) وقد ألف في مثالب الاشعري كتابا، ~~رماه فيه بكل ما أمكنه ذكره ms056 من الامر الشنيع والوصف القبيح، كما رمى كبار ~~أصحابه، وأعلام مذهبه، وقد نقض عليه كتابه الحافظ ابن عساكر في كتاب " ~~تبيين كذب المفترى " ص 364 - 420 ومن قوله في ص 398: " وأما ما ذكره في حق ~~القاضى أبى بكر بن الباقلانى رحمه الله من أنه كان أجير الفامى، وأنه إنما ~~ارتفع قدره بمداخلة السلاطين لا بالعلم - فعين الجهل والتعامى. # وهل ينكر فضل القاضى أبى بكر في العلم والفهم من شم أدنى شمة من العلم؟ ~~وتصانيفه في الخلق مبثوثة، وعلومه عنه مستفادة موروثة. # وقد كان يدرس المدة الطويلة في دار السلام، ويصنف الكتب الجليلة في قواعد ~~الاسلام، ويؤخذ # عنه علم الفقه على مذهب مالك بن أنس، وينتفع بدروسه في أصول الدين والفقه ~~كل مقتبس، والرحلة من الشرق والغرب، فقوله في حقه قول من لا يتحاشى من ~~الكذب ". # والذى حدا بالأهوازي إلى الطعن في الاشعري ومتابعيه، أنه كان مشبها مجسما ~~يقول بالظاهر، ويذهب مذهب السالمية، وهى فرقة من المشبهة، يقولون: إن الله ~~سبحانه يرى في صورة آدمى، وإنه يقرأ على لسان كل قارئ، وإنهم إذا سمعوا ~~القرآن من قارئ يرون أنهم يسمعونه من الله. # ويعتقدون أن الميت يأكل في قبره # PageV01P064 # ويشرب. # وقد اتهم العلماء الاهوازي بالوضع والاختلاق، وقد قال عنه تلميذه الخطيب ~~البغدادي: " أبو على الاهوازي كذاب في الحديث والقرآن جميعا "! الباقلانى ~~وابن المعلم: وكان يعاصر الباقلانى إمام الرافضة ولسان الامامية أبو عبد ~~الله: محمد بن محمد ابن النعمان بن سعيد، البغدادي الكوفى، المعروف بابن ~~المعلم، والملقب عند الشيعة بالشيخ المفيد (336 - 413) وكان ابن المعلم ~~جليل المكانة في الدولة البويهية، وكان عضد الدولة يزوره في داره، وكان ~~قويا في الكلام والفقه والجدل، مولعا بمناظرة أهل كل عقيدة. # قال الخطيب البغدادي 5 / 379: " إن ابن المعلم شيخ الرافضة ومتكلمها، حضر ~~بعض مجالس النظر مع أصحاب له، إذ أقبل القاضى أبو بكر الاشعري، فالتفت ابن ~~المعلم إلى أصحابه، وقال لهم: قد جاءكم الشيطان، فسمع القاضى كلامهم - وكان ~~بعيدا من القوم - فلما جلس أقبل على ابن المعلم ms057 وأصحابه وقال لهم: قال الله ~~تعالى: (إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا) أي إن كنت شيطانا ~~فأنتم كفار، وقد أرسلت عليكم! " قال القاضى: وحكى غير الخطيب أن الحكاية ~~جرت للباقلاني مع أهل مجلس # فنا خسرو الملك، من شيوخ المعتزلة، وأنه كان داخلا إذ سمعهم يذكرون أمره، ~~فقال لهم بعضهم: ما هو إلا شيطان؟ فوصل إليهم وهو يتلو الآية. # قال: وسمعت بعض الشيوخ يحكى: أن ابن المعلم تكلم معه يوما فلما احتد ~~الكلام بينهما، رماه ابن المعلم بكف باقلاء (فول) أعده له، يعرض له بما ~~ينسب إليه، ليخجله بذلك ويحصره، فرد القاضى للحين يده في كمه ورماه بدرة ~~أعدها له، فعجب من فطنته وإعداده للامور أشباهها قبل وقتها! وفاة ~~الباقلانى: حدث الخطيب البغدادي 5 / 382 عن على بن أبى على المعدل، قال: ~~مات القاضى أبو بكر: محمد بن الطيب، في يوم السبت لسبع بقين من ذى الحجة ~~سنة ثلاث وأربعمائة. # PageV01P065 # وقال أبو الحجاج: يوسف بن عبد العزيز اللخمى: توفى القاضى الباقلانى سنة ~~أربع وأربعمائة. # وقد نقل القاضى عياض في " ترتيب المدارك " ما حكاه الخطيب، ثم قال: " ~~ووجدت عن غيره: سنة أربع، أيام بهاء الدولة، والخليفة القادر بالله، وهذا ~~خطأ والاول أصح ". # وقد صلى على الباقلانى ابنه الحسن، وكان شابا مرجوا، واخترمته المنية بعد ~~أبيه. # ودفن القاضى في داره، ثم نقل بعد ذلك فدفن في مقبرة باب حرب، في تربة ~~بقرب قبر أحمد بن حنبل، ونقش على شاهد تربته ما نصه: " هذا قبر القاضى ~~الامام السعيد، فخر الامة، ولسان الملة وسيف السنة، عماد الدين، ناصر ~~الاسلام، أبى بكر: محمد بن الطيب البصري، قدس الله روحه، وألحقه بنبيه محمد ~~صلوات الله عليه وسلامه، ويزار ويستسقى ويتبرك به ". # وقد حضر أبو الفضل التميمي الحنبلى (341 - 410) يوم وفاته العزاء حافيا ~~مع إخوته وأصحابه، وأمر أن ينادى بين يدى جنازته: " هذا ناصر السنة والدين، ~~هذا إمام المسلمين، هذا الذى كان يذب عن الشريعة ألسنة المخالفين، هذا الذى ~~صنف سبعين ألف ورقة ردا على الملحدين ". # وقعد ms058 للعزاء ثلاثة أيام فلم يبرح وكان يزور تربته كل يوم جمعة في الدار. # وكان يزورها أيضا للترحم عليه أبو الفضل: عبيد الله بن أحمد بن على ~~المقرئ (370 - 451) وأبو علي: الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان (339 - ~~426) وأبو القاسم: عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفى (355 - 435) . # وقد رثى الباقلانى بعض الشعراء فقال: انظر إلى جبل تمشى الرجال به * * ~~وانظر إلى القبر ما يحوى من الصلف وانظر إلى صارم الاسلام منغمدا * * وانظر ~~إلى درة الاسلام في الصدف # PageV01P066 # كتاب إعجاز القرآن وهو أول كتب الباقلانى نشرا، وأشهرهم ذكرا، وهو أعظم ~~كتاب ألف في الاعجاز إلى اليوم، وإن كره ذلك بعض المتعصبين على المعهد ~~العتيق. # ولقد حدثنى من أثق بصدق حديثه: أن دارا للنشر والطبع استشارت كبيرا منهم ~~في طبع هذا الكتاب بتحقيقي، فكتب إليها بخط يده يقول: " أنا لا أنصح بطبع ~~كتاب إعجاز القرآن للباقلاني، لانه ليس أنفس كتاب في موضوعه "! ! ولما لقيت ~~كاتب هذا التقرير العجيب قذفت سامعتيه بهذا التحدي: " دلنى على كتاب واحد ~~في إعجاز القرآن تربو قيمته على كتاب الباقلانى أو تضارعه "! فأبلس ولم يحر ~~جوابا..* * * ذكر الباقلانى في مقدمته أن الذين ألفوا في " معاني القرآن " ~~من علماء اللغة # والكلام، لم يبسطوا القول في الابانة عن وجه معجزته، والدلالة على مكانه، ~~مع أن الحاجة إلى ذلك البيان أمس، والاشتغال به أوجب، فهو أحق بالتصنيف من ~~الجزء والطفرة والاعراض وغريب النحو وبديع الاعراب. # وأن ما صنفه العلماء في هذا المعنى جاء غير كامل في بابه، قد أخل ~~بتهذيبه، وأهمل ترتيبه، وقد التمس لبعضهم العذر فيما وقع منه من تفريط، لان ~~بيان وجه الاعجاز " مما لا يمكن بيانه إلا بعد التقدم في أمور عظيمة ~~المقدار، دقيقة المسلك، لطيفة المأخذ ". # وقال: إن الجاحظ " صنف في نظم القرآن كتابا لم يزد فيه على ما قاله ~~المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى ". # ثم قال: إن سائلا سأله أن يذكر جملة من القول جامعة، تسقط الشبهات وتزيل ~~الشكوك التى ms059 تعرض للجهال، وتنتهى إلى ما يخطر لهم، ويعرض لافهامهم، من ~~الطعن في وجه المعجزة. # فأجابه إلى ذلك، وألف هذا الكتاب، وذكر أنه أشار إلى ما سبق بيانه من ~~غيره، ولم يبسط القول فيه، لئلا يكون ما ألفه مكررا # PageV01P067 # ومقولا. # وقال: إنه لا يزعم أنه يمكنه أن يبين ما رام بيانه، وأراد شرحه وتفصيله، ~~إلا لمن كان " من أهل صناعة العربية، وقد وقف على جمل من محاسن الكلام ~~ومتصرفاته ومذاهبه، وعرف جملة من طرق المتكلمين ونظر في شئ من أصول الدين ~~". # ثم بين في الفصل الاول أن نبوة محمد، صلى الله عليه وسلم، مبينة على ~~دلالة معجزة القرآن، واستدل على ذلك بآيات كثيرة، وقال: إنه ما من سورة من ~~السور المفتتحة بذكر الحروف المقطعة إلا وقد أشبع فيها بيان ذلك " وكثير من ~~هذه السور إذا تأملته، فهو من أوله إلى آخره مبني على لزوم حجة القرآن، ~~والتنبيه على معجزته ". # وفصل القول في نظم سورتي غافر وفصلت، وبين دلالته على ذلك. # * * * وعقد الفصل الثاني ص 21 لبيان وجه دلالة معجزة القرآن على نبوة ~~النبي وبنى ذلك على أصلين: أولهما: وقوع العلم الضرورى بأن القرآن المتلو ~~المحفوظ المرسوم في المصاحف - هو الذي جاء به النبي من عند الله تعالى، ~~وأنه تلاه على من في عصره ثلاثا وعشرين سنة، وقام به في المواقف، وكتب به ~~إلى البلاد وتحمله عنه إليها من تابعه، حتى ظهر فيهم الظهور الذي لا يشتبه. # والاصل الثاني: إنه تحداهم إلى أن يأتوا بمثله، وقرعهم على ترك الاتيان ~~طول تلك السنين فلم يأتوا بذلك، واستدل على هذا الاصل بآيات كثيرة، منها ~~آية استدل بها على بطلان قول من زعم أن وحدانية الله لا تعلم إلا من جهة ~~العقل، ولا يمكن أن تعلم من القرآن، وهى قوله تعالى: (أم يقولون افتراه، ~~قل: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين. # فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله، وأن لا إله إلا هو، ~~فهل أنتم ms060 مسلمون؟) . # وقد عقب عليها بقوله ص 23: " فجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلا على أنه ~~منه، ودليلا على وحدانيته ". # ثم كشف عن المعاني التى استقصى أهل العلم الكلام فيها قبله، وما جاء به ~~بعدهم، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف كون القرآن معجزا حين أوحى ~~إليه من قبل أن يقرأه على غيره أو يتحدى إليه سواه. # وأفاض في إبطال قول # PageV01P068 # القائلين بالصرفة، وقال: إن التوراة والانجيل وغيرهما من كلام الله يشارك ~~القرآن في الاعجاز بما تضمنه من الاخبار عن الغيوب، ويباينه في أنه ليس ~~بمعجز في النظم والتأليف، لان الله لم يصفه بما وصف به القرآن، ولم يقع به ~~التحدي كما وقع بالقرآن، ولان الالسنة التى نزل بها لا يتأتى فيها من وجوه ~~الفصاحة ما يقع به التفاضل الذى ينتهى إلى حد الاعجاز. # وقال: إن كتاب زرادشت وكتاب مانى ليس يقع # فيهما إعجاز، وإنه لا يوجد لابن المقفع كتاب يدعي مدع أنه عارض فيه ~~القرآن. # * * * والفصل الثالث ص 48 في جملة وجوه إعجاز القرآن. # وقد ذكر في مستهله أن الاشاعرة وغيرهم ذكروا في ذلك ثلاثة أوجه: أولها: ~~ما تضمنه القرآن من الاخبار عن الغيوب، وذلك مما يقدر عليه البشر، ولا سبيل ~~لهم إليه. # والوجه الثاني: أنه أتى بجمل ما وقع وحدث من عظيمات الأمور ومهمات السير ~~من حين خلق الله آدم إلى مبعثه، مع أنه كان أميا لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ، ~~ولم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم. # والوجه الثالث: " أنه بديع النظم عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى ~~الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه " وقال: إن الذى أطلقه العلماء في هذا الوجه ~~هو على هذه الجملة، أما هو فقد كشف الجملة التى أطلقوها، وفصل ذلك بعض ~~التفصيل، حيث يقول ص 51: " فالذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز ~~وجوه: منها ما يرجع إلى الجملة، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه، وتباين ~~مذاهبه خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب ms061 ~~خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد ". # ومنها ص 53 " أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف ~~البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في ~~البلاغة والتشابه في البراعة، على هذا الطول، وعلى هذا القدر. # وهذا المعنى هو غير المعنى الاول، فتأمله تعرف الفصل ". # والمعنى الثالث ص 54: أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين، ~~على ما يتصرف إليه من الوجوه التى يتصرف فيها ويشتمل عليها " وإنما هو على ~~حد # PageV01P069 # واحد في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن # المنزلة العليا، ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا. # وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة، ~~فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف. # وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة، تفاوتا بينا، ~~ويختلف اختلافا كثيرا. # ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا ~~متفاوت بل هو على نهاية البلاغة، وغاية البراعة، فعلمنا بذلك أنه مما لا ~~يقدر عليه البشر ". # والمعنى الرابع: أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا في الفصل والوصل ~~والعلو والنزول، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند ~~النظم، ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع. # وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شئ إلى شئ، والتحول من باب إلى باب. # والقرآن على اختلاف فنونه، وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة، والطرق ~~المختلفة - يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب، والمتنافر في ~~الأفراد إلى حد الآحاد. # وهذا أمر عجيب، تبين به الفصاحة وتظهر به البلاغة، ويخرج معه الكلام عن ~~حد العادة، ويتجاوز العرف ". # والمعنى الخامس: أن نظم القرآن وقع موقعا في البلاغة يخرج عن عادة كلام ~~الجن، كما يخرج عن عادة كلام الانس، فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ~~ويقصرون دونه كقصورنا ". # والمعنى السادس ص 62: " أن الذى ينقسم إليه الخطاب، من البسط والاقتصار، ~~والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من ~~الوجوه التي ms062 توجد في كلامهم - موجود في القرآن، وكل ذلك مما يتجاوز حدود ~~كلامهم المعتاد بينهم في الفصاحة والابداع والبلاغة ". # والمعنى السابع ص 63: " أن المعاني التى تضمنها في أصل وضع الشريعة # والأحكام والاحتجاجات في أصل الدين، والرد على الملحدين، على تلك الألفاظ ~~البديعة، وموافقة بعضها بعضا في اللطف والبراعة مما يتعذر على البشر ويمتنع ~~". # PageV01P070 # والمعنى الثامن: أن الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته، بأن تذكر منه ~~الكلمة في تضاعيف كلام، أو تقذف ما بين شعر، فتأخذها الاسماع وتتشوف إليها ~~النفوس، ويرى وجه رونقها باديا، غامرا سائر ما تقرن به، كالدرة التي ترى في ~~سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد. # وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير، وهى غرة ~~جميعه، وواسطة عقده، والمنادى على نفسه بتميزه، وتخصصه برونقه وجماله، ~~واعتراضه في حسنه ومائه ". # ثم قال في ص 64: " ولولا هذه التي بيناها، لم يتحير فيه أهل الفصاحة، ~~ولكانوا يفزعون إلى التعمل للمقابلة، والتصنع للمعارضة..فلما لم نرهم ~~اشتغلوا بذلك - علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة إنما عدلوا عن هذه الأمور، ~~لعلمهم بعجزهم عنه، وقصور فصاحتهم دونه ". # والمعنى التاسع ص 66: " أن الحروف التي بني عليها كلام العرب تسعة وعشرون ~~حرفا، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمانية وعشرون سورة وجملة ما ~~ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، وهو أربعة ~~عشر حرفا، ليدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف ~~التي ينظمون بها كلامهم ". # والمعنى العاشر: " أنه سهل سبيله، فهو خارج عن الوحشي المستكره والغريب ~~المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة. # وجعله قريبا إلى الإفهام، يبادر معناه لفظه إلى القلب، ويسابق المغزى منه ~~عبارته إلى النفس. # وهو مع ذلك ممتنع المطلب، عسير المتناول، غير مطمع مع قربه في نفسه، ولا ~~موهم مع دنوه في # موقعه - أن يقدر عليه، أو يظفر به ". # ثم قال في ص 70: " وقد يمكن في تفاصيل ما أوردنا من المعاني الزيادة ~~والإفراد فإنا جمعنا بين أمور، وذكرنا المزية المتعلقة بها. # وكل واحد ms063 من تلك الامور مما يمكن اعتماده في إظهار الاعجاز فيه ". # ثم ختم كلامه في هذا الفصل بالاجابة على سؤال هام أورده في ص 71 وهو: " ~~فإنه قيل: فهل تزعمون أنه معجز، لأنه حكاية لكلام القديم سبحانه، # PageV01P071 # أو لأنه عبارة عنه، أو لأنه قديم في نفسه؟ " قيل: " لسنا نقول بأن الحروف ~~قديمة، فكيف يصح التركيب على الفاسد؟ ولا نقول أيضا: إن وجه الاعجاز في نظم ~~القرآن من أجل أنه حكاية عن كلام الله، لأنه لو كان كذلك لكانت التوراة ~~والإنجيل وغيرها من كتب الله عز وجل - معجزات في النظم والتأليف. # وقد بينا أن إعجازها في غير ذلك. # وكذلك يجب أن تكون كل كلمة مفردة معجزة بنفسها ومنفردها. # وقد ثبت خلاف ذلك ". # * * * والفصل الرابع ص 72: عقده لشرح ما بينه من وجوه إعجاز القرآن ~~الثلاثة السابقة، وهى الاخبار عن الغيوب، والانباء عن قصص الاولين وسير ~~المتقدمين وبراعة النظم والتأليف والرصف. # * * * والفصل الخامس ص 76: مقصور على نفى الشعر من القرآن. # وأما الفصل السادس فقد عقده لنفى السجع من القرآن. # وقد استهله بقوله: " ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن. # وذكره الشيخ أبو الحسن الاشعري في غير موضع من كتبه. # وذهب كثير ممن يخالفهم إلى اثبات السجع في القرآن، وزعموا أن ذلك مما ~~يبين به فضل الكلام، وأنه من الاجناس التى يقع فيها التفاضل في البيان ~~والفصاحة، كالتجنيس والالتفات، وما أشبه ذلك من # الوجوه التى تعرف بها الفصاحة. # وأقوى ما يستدلون به عليه: اتفاق الكل على أن موسى أفضل من هارون، عليهما ~~السلام، ولمكان السجع قيل في موضع: " هارون وموسى " ولما كانت الفواصل في ~~موضع آخر بالواو والنون، قيل: " موسى وهارون " ثم قال الباقلانى: " وهذا ~~الذي يزعمونه غير صحيح. # ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلا فيها ~~لم يقع بذلك إعجاز. # ولو جاز أن يقولوا: هو سجع معجز، لجاز أن يقولوا: شعر معجز، وكيف والسجع ~~مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة ms064 من نفي ~~الشعر؟ لأن الكهانة تنافي النبوات، وليس كذلك الشعر. # وقد روي أن النبي # PageV01P072 # صلى الله عليه وسلم قال للذين جاءوه وكلموه في شأن الجنين: كيف ندى من لا ~~شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، أليس دمه قد يطل؟ فقال: " اسجاعة كسجاعة ~~الجاهلية؟ " وفي بعضها: " أسجعا كسجع الكهان؟ " فرأى ذلك مذموما لم يصح أن ~~يكون في دلالته. # والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن ~~لم يكن سجعا، لأن ما يكون به الكلام سجعا يختص ببعض الوجوه دون بعض، لأن ~~السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع، وليس كذلك ما اتفق ~~مما هو في تقدير السجع، لان اللفظ يقع فيه تاليا للمعنى ". # ثم قال: " ويقال لهم: لو كان الذي في القرآن على ما تقدرونه سجعا لكان ~~مذموما مرذولا، لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت طرقه: كان قبيحا من ~~الكلام. # وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط متى أخل به المتكلم وقع الخلل في ~~كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة ". # ثم قال: " فلو رأوا أن ما تلي عليهم من القرآن سجعا لقالوا: نحن نعارضه ~~بسجع معتدل، فنزيد في الفصاحة على طريقة القرآن، ونتجاوز حده في البراعة ~~والحسن " ويقول ص 90: " ولو كان الكلام الذي هو في صورة السجع منه لما ~~تحيروا فيه، ولكانت الطباع تدعوا إلى المعارضة، لان السجع ممتنع عليهم، بل ~~هو في عادتهم، فكيف تنقض العادة بما هو نفس العادة، وهو غير خارج عنها ولا ~~متميز منها؟ " ثم مضى في حديثه عن السجع، وذكر فيما ذكر اختلاف العلماء في ~~الشعر كيف اتفق للعرب قوله أو لا؟ وهل كان اتفاقا غير مقصود إليه؟ أم ~~تواضعوا على هذا الوجه من النظم؟ وأن الله عرفهم محاسن الكلام، ودلهم على ~~كل طريقة عجيبة. # ثم أعلمهم عجزهم عن الاتيان بمثل القرآن " ووجدوا أن هذا لما تعذر عليهم ~~مع التحدي والتقريع الشديد والحاجة الماسة إليه، مع علمهم بطريق وضع النظم ~~والنثر، وتكامل أحوالهم فيه - دل على أنه اختص ms065 به، ليكون دلالة على # PageV01P073 # النبوة، ومعجزة على الرسالة ". # وختم الباقلانى كلامه في هذا الفصل بإلزام عجيب لمخالفيه حيث يقول في ص ~~99: " ولا بد لمن جوز السجع فيه وسلك ما سلكوه من أن يسلم ما ذهب إليه ~~النظام، وعباد بن سليمان، وهشام الفوطي، ويذهب مذهبهم، في أنه ليس في نظم ~~القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه ضربا من الصرف. # ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم، وأنه منتظم من فرق شتى، ومن ~~أنواع مختلفة ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها. # ويستهين ببديع نظمه وعجيب تأليفه الذي وقع التحدي إليه! وكيف يعجزهم ~~الخروج عن السجع # والرجوع إليه، وقد علمنا عادتهم في خطبهم وكلامهم، أنهم كانوا لا يلزمون ~~أبدا طريقة السجع والوزن، بل كانوا يتصرفون في أنواع مختلفة. # فإذا ادعوا على القرآن مثل ذلك، لم يجدوا فاصلة بين نظمى الكلامين! " هذا ~~مجمل ما قاله الباقلانى في هذا الفصل الذى عقده لبيان نفى السجع من القرآن، ~~وهو أخف فصول الكتاب وزنا، وأقلها قدرا، وأحفلها بالخطأ البين في أصل ~~الفكرة، وفى كيفية نصرتها والدفاع عنها، والحجاج دونها، والرد على مخالفيها ~~ومرد ذلك - فيما يلوح لى - إلى أن الباقلانى قد اندفع في كلامه بدافع ~~المناصرة لمذهب الاشاعرة الذى كان يدين به. # والذى حدا شاعرنا إلى نفى السجع من القرآن أنهم ظنوا، بل تيقنوا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد ذم السجع في حديث الجنين. # ومن قصة هذا الحديث أن حمل بن مالك بن النابغة كان قد تزوج بامرأتين، ~~يقال لاحداهما: مليكة بنت ساعدة، وللاخرى: أم عفيفة بنت مسروح، فتغايرتا ~~كما هو الشأن دائما بين الضرتين، فضربت أم عفيفة مليكة بمسطح أو بعمود ~~فسطاطها، وهى حامل فألقت جنينها، ورفعت قضيتها إلى النبي فقضى على عاقلة ~~الضاربة بغرة: عبد أو أمة. # فقال أخوها العلاء بن مسروح: يا رسول الله، أنغرم من لا أكل ولا شرب ولا ~~نطق ولا استهل، فمثل هذا يطل؟ ! فقال عليه السلام: " أسجع كسجع الجاهلية؟ " ~~وقد روى قول النبي بعدة روايات، ms066 منها: " أسجع كسجع # PageV01P074 # الجاهلية وكهانتها؟ ". # ومنها: " دعني من أراجيز الاعراب ". # ومنها: " أسجاعة بك؟ ". # ومنها: " أسجع كسجع الجاهلية؟ قيل: يا رسول الله، إنه شاعر. # ومنها: " لسنا من أساجيع الجاهلية في شئ " ومنها. # " إنما هذا من إخوان الكهان ". # ومنها: " إن هذا ليقول بقول شاعر، بل فيه - أي في الجنين - غرة " ومنها: # " أسجع كسجع الاعراب؟ " وقد فهم كثير من العلماء أن هذا الحديث إنما ورد ~~في ذم السجع، والتنفير منه. # ولا شك أنهم واهمون في ذلك. # ولو كان النبي أراد إلى ذمه لقال: " أسجعا " فقط. # وإنما أراد النبي بقوله هذا، كما يتضح من سياق الحديث، إنكار تشادق هذا ~~الساجع في دفعه حقا وجب عليه وعلى عاقلته، وقعقعته بالسجع على طريقة الكهان ~~في الجاهلية. # وقد أغرب الباقلانى في استنباطه من هذا الحديث ص 88: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رأى أن السجع مذموم، فلا يصح أن يكون في دلالته على نبوته! وكيف ~~يذم النبي السجع وكثير من كلامه مسجوع؟ يقول: " أيها الناس، أفشوا السلام، ~~وأطعموا الطعام، وصلوا الارحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة ~~بسلام؟ " وقد أخطأ الباقلانى في قوله: إن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه ~~اللفظ الذى يؤدى السجع. # فليس السجع كذلك على الاطلاق، وإنما هذا نوع من السجع ردئ لا يقع إلا في ~~كلام الضعفاء. # ومنه نوع آخر يقع فيه اللفظ موقعه الرائع، وهو مع ذلك تابع للمعانى. # وهذا هو النوع المحمود منه الذى جاء في المأثور الصحيح عن بلغاء ~~الجاهلية، وفصحاء الاسلام، وورد في أحاديث الرسول على أكمل وجه وأتم نسق ~~اتفق وجوده في كلام البشر، وإليه يريغ المثبتون للسجع في القرآن، القائلون ~~بأن ما كان منه كذلك هو نهاية النهايات، وأبعد الغايات في البلاغة، وقد بان ~~بطلاوته وصفاء لفظه وتمكن معناه - عن جميع ما جرى هذا المجرى من كلام ~~الخلق. # ولو قد تدبر الباقلانى ما حكاه من قول المثبتين للسجع في القرآن: إنه مما ~~يبين # PageV01P075 # به فضل الكلام، وأنه من الأجناس التي يقع فيها التفاضل في البيان ~~والفصاحة، كالتجنيس ms067 والالتفات، وما أشبه ذلك من الوجوه التى تعرف بها ~~الفصاحة لو تدبر هذا القول، ولم يكن مدفوعا إلى معارضته لمخالفته مذهب ~~أصحابه - لرآه قولا وجيها، ولما وجد بين السجع وبين أنواع البديع التى ~~ذكرها من فرق، ولقال عنه مثل قوله عن البديع ص 170: " ولكن قد يمكن أن يقال ~~في البديع الذي حكيناه وأضفناه إليهم: إن ذلك باب من أبواب البراعة، وجنس ~~من أجناس البلاغة، وأنه لا ينفك القرآن عن فن من فنون بلاغاتهم، ولا وجه من ~~وجوه فصاحاتهم، وإذا أورد هذا المورد، ووضع هذا الموضع، كان جديرا " ولو ~~صنع ذلك لاهتدى إلى سواء الصراط، ولما ذهب يتمحل العلل الواهية لنفى السجع ~~من القرآن، كقوله: " لو كان الذي في القرآن على ما تقدرونه سجعا لكان ~~مذموما مرذولا، لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت طرقه - كان قبيحا من ~~الكلام! وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط، متى أخل به المتكلم وقع ~~الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة..فلو كان ما تلى عليهم من ~~القرآن سجعا لقالوا، نحن نعارضه بسجع معتدل، فنزيد في الفصاحة على طريقة ~~القرآن، ونتجاوز حده في البراعة والحسن ". # وفوق ما في كلامه هذا من خطأ وتهافت، فإن فيه هفوة أخرى، إذ حكم قواعد ~~البلاغة في القرآن، مع أن القرآن هو الاساس الذى يجب أن تحاكم إليه قواعد ~~البلاغة، وأن تجرى على سننه، ووفق أحكامه. # وكقوله: " ولا بد لمن جوز السجع في القرآن وسلك ما سلكوه، من أن يسلم ما ~~ذهب إليه النظام وعباد وهشام، ويذهب مذهبهم في أنه ليس في نظم القرآن ~~وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه ضربا من الصرف! ويتضمن ~~كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم، وأنه منتظم من فرق شتى، ومن أنواع ~~مختلفة # ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها! ويستهين ببديع نظمه، وعجيب تأليفه ~~الذي وقع التحدي إليه "! ! وهذه إلزامات عجيبة لا تلزم المثبتين للسجع في ~~القرآن بحال من الاحوال، # PageV01P076 # لانهم يرون أن السجع الرائع مظهر من مظاهر الاقتدار على البلاغة، ~~والامتلاك لزمام الفصاحة، ms068 وأن السجع الكثير في القرآن قد جاء في أرفع صور ~~البيان، وباين كل أسجاع الساجعين، كما يؤمنون بأن سر إعجاز القرآن نظمه ~~البديع، وبلاغته الرائعة المجاوزة لجميع بلاغات العرب. # وأى فارق بين مشاركة القرآن كله لغيره من الكلام في كونه كلاما عربيا ~~مؤلفا من ألفاظ فصيحة بليغة، وبين مشاركة بعض آية في كونها جاءت مسجوعة؟ ~~وكيف يكون السجع المحمود من أمارات الفصاحة المعدودة، التى يقصد إليها ~~أعلام البلغاء في بعض كلامهم لتوشيته وتزيينه، وتحسينه بعقد المناسبة بين ~~ألفاظه ثم نجرد القرآن منه، وننفيه عنه بزعمنا، مع ادعائنا أنه قد اشتمل ~~على أنواع البلاغة والفصاحة جميعا؟ ولئن قال الباقلانى: " إن السجع عيب يجب ~~تفيه عن القرآن، فإنى أقول: إن السجع من الميزات البلاغية التى يجدر بنا أن ~~ننزه القرآن عن خلوه منها. # * * * والفصل السابع من فصول إعجاز القرآن ص 101 في ذكر البديع من ~~الكلام، بدأه الباقلانى بقوله: إن سأل سائل فقال: هل يمكن أن يعرف إعجاز ~~القرآن من جهة تضمنه البديع؟ قيل: ذكر أهل الصنعة ومن صنف في هذا المعنى من ~~صفة البديع ألفاظا نحن نذكرها، ثم نبين ما سألوه عنه، ليكون الكلام واردا ~~على أمر مبين، وباب مقرر مصور ". # ثم نقل جملة من بديع الشعر، بعضها من كتابي البديع لابن المعتز، ونقد ~~الشعر لقدامة بن جعفر، وقال ص 162: " وقد # قدر مقدرون أنه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب التي نقلناها، ~~وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه. # وليس كذلك عندنا، لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل ~~إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، والوجوه التي نقول: إن إعجاز القرآن ~~يمكن أن يعلم منها، فليس مما يقدر البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال ~~". # وختم كلامه في هذا الفصل بقوله: " إنا لا نجعل الإعجاز متعلقا بهذه ~~الوجوه الخاصة، ووقفا عليها، ومضافا إليها، وإن صح أن تكون # PageV01P077 # هذه الوجوه مؤثرة في الجملة، آخذة بحظها من الحسن والبهجة، متى وقعت في ~~الكلام على غير وجه التكلف المستبشع، والتعمل المستشنع ". # * * * والفصل ms069 الثامن في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن. # وعنده: أن إعجاز القرآن لا يخفى على العربي البليغ الذى قد تناهى في ~~معرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها، ولا يشتبه على ذي بصيرة، ~~ولا يخيل عند أخى معرفة. # وأما من لم يبلغ في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام، ~~ووجوه تصرف اللغة، فهو كالأعجمي في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن إلا ~~بأن يعلم أن العرب قد عجزوا عنه، وإذا عجز هؤلاء عنه فهو عنه أعجز. # ثم نقل الباقلانى نصوصا من خطب النبي وكتبه، وكلام أبى بكر وعمر وعثمان ~~وعلى وابن عباس وعبد الله بن مسعود ومعاوية وعمر بن عبد العزيز والحجاج وقس ~~ابن ساعدة وأبى طالب. # وقد استغرقت هذه النصوص من ص 196 - إلى ص 234. # وثم قال: إنه نسخ لقارئ كتابه جملا من كلام الصدر الأول ومحاوراتهم ~~وخطبهم، ليتأملها بسكون طائر، وخفض جناح، وتفريغ لب، وجمع عقل حتى يقع له ~~الفصل بين كلام الآدميين،. # وبين كلام رب العالمين، ويعلم أن نظم القرآن يخالف نظمهم، ويتبين الحد ~~الذى يتفاوت بين كلام البليغين والخطيبين والشاعرين، وبين نظم القرآن جملة. # ثم عقد بابا جليل الشأن عظيم الخطر ص 236، لبيان أن نظم القرآن يزيد في ~~فصاحته على كل نظم، قال فيه: " إذا أردنا تحقيق ما ضمناه لك، فمن سبيلنا أن ~~نعمد إلى قصيدة متفق على كبر محلها. # وصحة نظمها، ووجوه بلاغتها، ورشاقة معانيها، وإجماعهم على إبداع صاحبها ~~فيها، مع كونه من الموصوفين بالتقدم في الصناعة والمعروفين بالحذق في ~~البراعة، فنقفك على مواضع خللها، وعلى تفاوت نظمها، وعلى اختلاف فصولها، ~~وعلى كثرة فضولها، وعلى شدة تعسفها، وبعض تكلفها، وما تجمع من كلام رفيع، ~~يقرن بينه وبين كلام وضيع، وبين لفظ سوقي، يقرن بلفظ ملوكي ". # وبعد أن عرض لكلام مسيلمة، رجع إلى ما ضمنه من الكلام على الأشعار # PageV01P078 # المتفق على جودتها. # فمهد لذلك بالكلام على جودة شعر امرئ القيس وبراعته وفصاحته، وما ابتدعه ~~في طرق الشعر، ثم عرض لنقد معلقته حيث يقول ص ms070 243: " ونظم القرآن جنس ~~متميز، وأسلوب متخصص، وقبيل عن النظير متخلص، فإذا شئت أن تعرف عظم شأنه، ~~فتأمل ما نقوله في هذا الفصل لامرئ القيس في أجود أشعاره، وما نبين لك من ~~عواره على التفصيل ". # ثم مضى في نقد المعلقة، وانتهى منه في ص 277 بعد أن بين أن " هذه القصيدة ~~قد ترددت بين أبيات سوقية مبتذلة، وأبيات متوسطة، وأبيات ضعيفة مرذولة، ~~وأبيات وحشية غامضة مستكرهة، وأبيات معدودة بديعة، وأن وحشيها مستنكر يروع ~~السمع، ويهول القلب، ويكد اللسان، ويعبس معناه في وجه كل خاطر ويكفهر مطلعه ~~على كل متأمل أو ناظر، ولا يقع بمثله التمدح والتفاصح ". # ثم قال ص 277: " وقد بينا لك أن هذه القصيدة ونظائرها تتفاوت في أبياتها ~~تفاوتا بينا في الجودة والرداءة، والسلاسة والانعقاد، والسلامة والانحلال # والتمكن والاستصعاب، والتسهل والاسترسال، والتوحش والاستكراه، وله شركاء ~~في نظائرها، ومنازعون في محاسنها، ومعارضون في بدائعها. # ولا سواء كلام ينحت من الصخر تارة، ويذوب تارة، ويتلون تلون الحرباء، ~~ويختلف اختلاف الأهواء، ويكثر في تصرفه اضطرابه، وتتقاذف به أسبابه، وبين ~~قول يجري في سبكه على نظام، وفي رصفه على منهاج، وفي وضعه على حد. # وفي صفائه على باب، وفي بهجته ورونقه على طريق، مختلفة مؤتلف، ومؤتلفه ~~متحد، ومتباعده متقارب، وشارده مطيع، ومطيعه شارد، وهو على متصرفاته واحد ~~لا يستصعب في حال، ولا يتعقد في شأن ". # ثم عرض لنظم القرآن ونهجه، فقال: " فأما نهج القرآن ونظمه، وتأليفه ~~ورصفه، فإن العقول تتيه في جهته، وتحارفى بحره، وتضل دون وصفه. # ونحن نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدل به على الغرض، وتستولي به على الأمد، ~~وتصل به إلى المقصد، وتتصور إعجازه كما تتصور الشمس، وتتيقن تناهي بلاغته ~~كما تتيقن الفجر، وأقرب عليك الغامض، وأسهل لك العسير ". # PageV01P079 # ثم ذكر آيات كثيرة، وبين أسرار إعجازها بيانا شافيا كافيا، على نحو رائع ~~جميل، كقوله في ص 294: " ما رأيك في قوله تعالى: (إن فرعون علا في الأرض ~~وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إنه كان ~~من المفسدين) ms071 ؟ هذه تشتمل على ست كلمات، سناؤها وضياؤها على ما ترى، ~~وسلاستها وماؤها على ما تشاهد، ورونقها على ما تعاين، وفصاحتها على ما ~~تعرف. # وهي تشتمل على جملة وتفصيل، وجامعة وتفسير: ذكر العلو في الأرض باستضعاف ~~الخلق بذبح الولدان وسبي النساء، وإذا تحكم في هذين الامرين فما ظنك بما ~~دونهما؟ ! لان النفوس لا تطمئن على هذا الظلم، والقلوب لا تقر على # هذا الجور. # ثم ذكر الفاصلة التي أوغلت في التأكيد، وكفت في التظليم، وردت آخر الكلام ~~على أوله، وعطفت عجزه على صدره. # ثم ذكر وعده تخليصهم بقوله: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) . # وهذا من التأليف بين المؤتلف، والجمع بين المستأنس ". # وقد استغرق كلامه على تلك الآيات من ص 281 - إلى 322، ثم رجع إلى حديثه ~~عن امرئ القيس وعمن عارض القرآن بشعره، ثم قال ص 227: " فإن قال قائل: أجدك ~~تحاملت على امرئ القيس، ورأيت أن شعره يتفاوت بين اللين والشراسة، وبين ~~اللطف والشكاسة، وبين التوحش والاستئناس، والتقارب والتباعد، ورأيت الكلام ~~الأعدل أفضل، والنظام المستوثق أكمل، وأنت تجد البحتري يسبق في هذا ~~الميدان، ويفوت الغاية في هذا الشأن، وأنت ترى الكتاب يفضلون كلامه على كل ~~كلام، ويقدمون رأيه في البلاغة على كل رأي، وكذلك تجد لأبي نواس من بهجة ~~اللفظ، ودقيق المعنى، ما يتحير فيه أهل الفضل..فكيف يعرف فضل ما سواه عليه؟ ~~" ثم خلص من الاجابة عن هذا السؤال، وقال في ص 333: " ونحن نعمد إلى بعض ~~قصائد البحتري فنتكلم عليها، كما تكلمنا على قصيدة امرئ القيس، ليزداد ~~الناظر في كتابنا بصيرة، ويستخلص من سر المعرفة سريرة، ويعلم كيف تكون ~~الموازنة، وكيف تقع المشابهة والمقاربة. # ونجعل تلك القصيدة التى نذكرها # PageV01P080 # أجود شعره " وهى التى مطلعها: أهلا بذلكم الخيال المقبل * * فعل الذي ~~نهواه أو لم يفعل ثم أخذ في نقدها حتى قال في ص 373: " وإنما اقتصرنا على ~~ذكر قصيدة البحتري، لأن الكتاب يفضلونه على أهل دهره، ويقدمونه على من في ~~عصره. # ومنهم من يدعي له الإعجاز غلوا، ويزعم ms072 أنه يناغي النجم في قوله علوا. # فبينا قدر درجته، وموضع رتبته، وحد كلامه. # وهيهات أن يكون المطموع فيه كالمأيوس منه، وأن يكون الليل كالنهار، ~~والباطل كالحق، وكلام رب العالمين ككلام البشر " والحق أن نقد الباقلانى ~~لمعلقة امرئ القيس وقصيدة البحترى، من نماذج النقد الادبى الرائعة، وصوره ~~الرفيعة البارعة، غير أنه شان حسنها، وشاب صفاءها، بتحامله عليهما، وإسرافه ~~في نقد أبياتهما، كقوله في نقد قول امرئ القيس ص 253: ويوم دخلت الخدر خدر ~~عنيزة * * فقالت: لك الويلات إنك مرجلى قوله: " دخلت الخدر خدر عنيزة " ~~ذكره تكريرا لإقامة الوزن، لا فائدة فيه غيره، ولا ملاحة له ولا رونق! ~~وقوله: " فقالت: لك الويلات إنك مرجلي " كلام مؤنث من كلام النساء، نقله من ~~جهته إلى شعره! وليس فيه غير هذا! وكقوله ص 235 في نقد قول البحترى: أهلا ~~بذلكم الخيال المقبل * * فعل الذي نهواه أو لم يفعل برق سرى في بطن وجرة ~~فاهتدت * * بسناه أعناق الركاب الضلل البيت الأول في قوله: " ذلكم الخيال " ~~ثقل روح وتطويل وحشو، وغيره أصلح له. # وأخف منه قول الصنوبري: أهلا بذاك الزور من زور * * شمس بدت في فلك الدور ~~وعذوبة الشعر تذهب بزيادة حرف أو نقصان حرف، فيصير إلى الكزازة، وتعود ~~ملاحته بذلك ملوحة، وفصاحته عيا، وبراعته تكلفا، وسلاسته تعسفا، # PageV01P081 # وملاسته تلويا وتعقدا، فهذا فصل. # وفيه شئ آخر وهو: أن هذا الخطاب إنما يستقيم مهما خوطب به الخيال حال ~~أقباله، فأما أن يحكي الحال التي كانت وسلفت # على هذه العيادة، ففيه عهدة، وفي تركيب الكلام عن هذا المعنى عقدة. # وهو لبراعته وحذقه في هذه الصنعة - يعلق نحو هذا الكلام، ولا ينظر في ~~عواقبه، لأن ملاحة قوله تغطي على عيون الناظرين فيه نحو هذه الأمور. # ثم قوله: " فعل الذي نهواه أو لم يفعل "، ليست بكلمة رشيقة، ولا لفظة ~~ظريفة، وإن كانت كسائر الكلام ". # ولست أشك في أن الباقلانى قد حاد عن جادة الصواب عند ما حكم بأن بيت ~~الصنوبرى أخف من بيت البحترى. # وغنى عن البيان أن بيت الصنوبرى ثقيل بالغ ms073 الثقل، وحسبه أن يجتمع في شطره ~~الاول " الزور من زور " وأن يكون في شطره الثاني كلمة " الدور "، ليأخذ ~~سبيله إلى مستقره في حضيض الشعر الاوهد. # وأما نقد الباقلانى لبيت البحترى الثاني، فإنى أورده ليكون بيانا لمنهجه ~~في نقده ولانه استطرد فيه إلى نقد امرئ القيس بنقد لطيف ذهب به، ولم يسبقه ~~أحد إليه. # قال: " فأما بيته الثاني، فهو عظيم الموقع في البهجة، وبديع المأخذ، حسن ~~الرواء، أنيق المنظر والمسمع، يملا القلب والفهم، ويفرح الخاطر، وتسرى ~~بشاشته في العروق. # وكان البحتري يسمي نحو هذه الأبيات عروق الذهب، وفي نحوه ما يدل على ~~براعته في الصناعة، وحذقه في البلاغة. # ومع هذا كله فيه ما نشرحه من الخلل، مع الديباجة الحسنة، والرونق المليح. # وذلك أنه جعل الخيال كالبرق لإشراقه في مسراه، كما يقال: إنه يسري كنسيم ~~الصبا، فيطيب ما مر به كذلك يضئ ما مر حوله، وينور ما مر به. # وهذا غلو في الصنعة، إلا أن ذكره " بطن وجرة " حشو، وفي ذكره خلل، لأن ~~النور القليل يؤثر في بطون الأرض وما اطمأن منها، بخلاف ما يؤثر في غيرها، ~~فلم يكن من سبيله أن يربط ذلك ببطن وجرة. # وتحديده المكان - على الحشو - أحمد من تحديد امرئ القيس من ذكر " سقط ~~اللوى بين الدخول فحومل، فتوضح فالمقراة " لم يقنع # بذكر حد، حتى حده بأربعة حدود، كأنه يريد بيع المنزل فيخشى أن أخل # PageV01P082 # بحد أن يكون بيعة فاسدا أو شرطه باطلا! فهذا باب. # ثم إنما يذكر الخيال بخفاء الأثر، ودقة المطلب، ولطف المسلك. # وهذا الذى ذكره يضاد هذا الوجه، ويخالف ما وضع عليه أصل الباب. # ولا يجوز أن يقدر مقدر أن البحتري قطع الكلام الأول، وابتدأ بذكر برق لمع ~~من ناحية حبيبه من جهة بطن وجرة، لان هذا القطع إن كان فعله، كان خارجا به، ~~عن النظم المحمود، ولم يكن مبدعا، ثم كان لا تكون فيه فائدة، لأن كل برق ~~شعل وتكرر وقع الاهتداء به في الظلام، وكان لا يكون بما نظمه مفيدا ولا ~~متقدما. # وهو ms074 على ما كان من مقصده، فهو ذو لفظ محمود، ومعنى مستجلب غير مقصود، ~~ويعلم بمثله أنه طلب العبارات، وتعليق القول بالاشارات. # وهذا من الشعر الحسن الذى يحلو لفظه، وتقل فوائده ". # ومن شواهد تجنى الباقلانى على البحترى قوله في ص 240: " وأما قوله: ما ~~الحسن عندك يا سعاد بمحسن * * فيما أتاه ولا الجمال بمجمل عذل المشوق وإن ~~من سيما الهوى * * في حيث يجهله لجاج العذل قوله في البيت الأول: " عندك " ~~حشو، وليس بواقع ولا بديع، وفيه كلفة، والمعنى الذي قصده، أنت تعلم أنه ~~متكرر على لسان الشعراء. # وفيه شئ آخر، لأنه يذكر أن حسنها لم يحسن في تهييج وجده. # وتهييم قلبه، وضد هذا المعنى هو الذي يميل إليه أهل الهوى والحب. # وبيت كشاجم أسلم من هذا وأبعد من الخلل، وهو قوله: بحياة حسنك أحسني، ~~وبحق من * * جعل الجمال عليك وقفا أجملي " ولست أرى رأى الباقلانى في أن ~~كلمة " عندك " قد وقعت حشوا متكلفا، ليست بواقعة ولا بديعة، وإنما هي في ~~هذا المقام قد وقعت موقعها الطبيعي البديع # ولم يجتلبها التكلف حشوا لا يغنى غناءه في تأدية المعنى، وإنما هي أصيلة ~~في أصل المعنى، ولا يؤدى معناها غيرها. # ولست أشك كذلك في أن بيت البحترى أمثل من بيت كشاجم. # ويخيل إلى أن الباقلانى قد ضل عنه معنى بيت البحترى، إذ فهم أنه " يذكر # PageV01P083 # أن حسنها لم يحسن في تهييج وجده وتهييم قلبه ". # وإنى أفهم أن المعنى الذى أراغ إليه البحترى: أن حسنها لم يحسن إليه بما ~~يود الحبيب من حبيبه أن يحسن إليه به، مما يمتع نفسه، ويروى ظمأ حبه، وأن ~~جمالها لم يجمل بإصفاء المودة، وإنالة جنى الحب المشتهى. # وبذلك يتسق معنى البيت، مع المعنى الذى يميل إليه أهل الهوى. # والحب. # ولئن كان الباقلانى قد أخطأ في نقد بيت البحترى الاول، وضل عن معناه، ~~فإنه أصاب في نقده للبيت الثاني، حيث يقول: " وأما البيت الثاني فإن قوله: ~~" في حيث " حشا بقوله كلامه، ووقع ذلك مستنكرا وحشيا نافرا عن طبعه، جافيا ~~في وضعه، ms075 فهو كرقعة من جلد في ديباج حسن! فهو يمحو حسنه، ويأتي على جماله. # ثم في المعنى شئ، لأن لجاج العذل لا يدل على هوى مجهول، ولو كان مجهولا ~~لم يهتدوا للعذل عليه. # فعلم أن المقصد استجلاب العبارات. # ثم لو سلم من هذا الخلل لم يكن في البيت معنى بديع، ولا شئ يفوت قول ~~الشعراء في العذل، فإن ذلك جملهم الذلول، قولهم المكرر المقول " * * * ثم ~~قال الباقلانى في ص 374 " وأما الغرض الذي صنفنا فيه، في التفصيل والكشف عن ~~إعجاز القرآن، فلم نجده على التقريب الذي قصدنا، وقد رجونا أن يكون ذلك ~~مغنيا ووافيا. # وقد قصدنا فيما أمليناه الاختصار، ومهدنا الطريق ". # ثم عرض لنقد الجاحظ في ص 377: بأن كلامه قريب، ومنهاجه معيب ونطاق قوله ~~ضيق. # ومن أجل ذلك يستعين بكلام غيره، ويفزع إلى ما يوشح به كلامه، من بيت ~~سائر، ومثل نادر، وحكمة منقولة، وقصة مأثورة، فإذا أطال ولم يستعن بكلام ~~غيره، كان كلامه ككلام غيره. # ثم زعم أن أبا الفضل بن العميد قد سلك مسلكه، ونازعه طريقته، فلم يقصر ~~عنه. # ولعله قد بان تقدمه عليه، لأنه يأخذ في الرسالة الطويلة فيستوفيها على ~~حدود مذهبه، ولا يقتصر على أن يأتي بالأسطر من نحو كلامه، كما ترى الجاحظ ~~يفعل # PageV01P084 # في كتبه، متى ذكر من كلامه سطرا أتبعه من كلام الناس أوراقا، وإذا ذكر ~~منه صفحة بنى عليه من قول غيره كتابا ". # وفى هذا الكلام حق كثير، وظلم مبين، وأين كلام ابن العميد من سحر الجاحظ؟ ~~هيهات هيهات أن يقارنه أو يقاربه. # * * * ثم عقد فصلا في ص 380 لبيان أن عجز سائر أهل الاعصار عن الاتيان ~~بمثل القرآن ثابت، كعجز أهل العصر الاول. # ثم أعقبه بفصل في التحدي ووجه الحاجة إليه في باب القرآن ص 382. # وتلاه بفصل في قدر المعجز من القرآن عند الاشاعرة والمعتزلة ص 386. # " فذهب عامة الاشاعرة إلى أن أقل ما يعجز عنه من القرآن: السورة، قصيرة ~~كانت أو طويلة، أو ما كان بقدرها. # قال الاشعري: فإذا كانت الآية بقدر حروف ms076 سورة، وإن كانت سورة الكوثر، ~~فذلك معجز، ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر. # وذهبت المعتزلة إلى أن كل سورة برأسها فهي معجزة ". # وبعده فصل في أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة؟ ص 393 وقد ذهب إلى # أن الأعجمي لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا، وكذلك غير البليغ من ~~العرب، فأما البليغ الذى أحاط بمذاهب العربية وغرائب الصنعة، فإنه يعلم من ~~نفسه ضرورة عجزه عن الاتيان بمثله، ويعلم عجز غيره بمثل ما يعرف عجز نفسه. # وجعل الفصل الذى يليه ص 394 فيما يتعلق به الاعجاز: أهو الحروف المنظومة؟ ~~أم الكلام القائم بالذات؟ أم غير ذلك؟ وذهب إلى أن التحدي واقع إلى أن ~~يأتوا بمثل الحروف المنظومة، التي هي عبارة عن كلام الله تعالى، في نظمها ~~وتأليفها، وهي حكاية لكلامه، ودلالات عليه، وأما رات له، على أن يكونوا ~~مستأنفين لذلك، لا حاكمين لما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم. # ثم ذكر فصلا في وصف وجوه من البلاغة، بدأه بقوله: " ذكر بعض أهل الأدب ~~والكلام: أن البلاغة على عشرة أقسام..". # وهذا البعض الذى لم يشأ # PageV01P085 # أن يصرح باسمه، هو معاصره أبو الحسن: على بن عيسى الرماني المعتزلي وقد ~~نقل الباقلانى هذا الفصل الطويل بأمثلته من كتابه: " النكت في إعجاز القرآن ~~"، وعلق عليه تعليقات شتى. # وقد ذيلت كل مثال نقله بما قاله الرماني فيه، لتتم فائدة القارئ، ~~وليستبين الفرق بين الرجلين. # ثم عقد الباقلانى فصلا في حقيقة المعجز ص 436، فبين معنى إعجازه على أصول ~~الاشاعرة بأنه لا يقدر العباد عليه، وإنما ينفرد الله بالقدرة عليه، ولما ~~لم يقدر عليه أحد شبه بما يعجز عنه العاجز، وإنما لا يقدر العباد على مثله، ~~لأنه لو صح أن يقدروا عليه بطلت دلالة المعجز، وقد أجرى الله العادة بأن ~~يتعذر فعل ذلك منهم وأن لا يقدروا عليه. # ولو كان غير خارج عن العادة لاتوا بمثله، أو عرضوا عليه من كلام فصحائهم ~~وبلغائهم ما يعارضه. # فلما لم يشتغلوا بذلك علم أنهم ms077 فطنوا لخروج ذلك عن أوزان كلامهم، وأساليب ~~نظامهم، وزالت أطماعهم عنه. # وتعرض في هذا الفصل لنظم القرآن ص 43، وأن أصحابه قالوا فيه: إن الله ~~يقدر # على نظم هيئة أخرى تزيد في الفصاحة عليه، كما يقدر على مثله وأما بلوغ ~~بعض نظم القرآن الرتبة التى لا مزيد عليها، فقد قال مخالفونا: إن هذا غير ~~ممتنع. # والذى نقوله: إنه لا يمتنع أن يقال إنه يقدر الله تعالى على أن يأتي بنظم ~~أبلغ وأبدع من القرآن كله. # وأما قدر العباد فهي متناهية في كل ما يقدرون عليه، مما تصح قدرتهم عليه ~~". # وعقد بعد ذلك فصلا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وأمور تتصل ~~بالاعجاز، بين فيه أنه محال أن يكون القرآن من كلامه عليه السلام، ورد فيه ~~على قول من يقول لولا أن كلامه معجز لم يشتبه على ابن مسعود الفصل بين ~~المعوذتين وبين غيرهما من القرآن، وكذلك لم يشتبه دعاء القنوت في أنه هل هو ~~من القرآن أم لا. # وقال: إن هذا من تخليط الملحدين، وإن الذى يروونه في ذلك خبر واحد، لا ~~يسكن إليه في مثل هذا ولا يعمل به. # وقد جوز أن يكون أبى قد كتب دعاء القنوت على ظهر مصحفه لئلا ينساه، كما ~~جوز أن يكون ابن مسعود قد شذ عن # PageV01P086 # مصحفه إثبات المعوذتين، أو أن يكون الناقل اشتبه عليه الامر، لان مصحفه ~~مخالف في النظم والترتيب مصحف عثمان. # وقال: " ولو كان قد أنكر السورتين على ما ادعوا، لكانت الصحابة تناظره ~~على ذلك، وكان يظهر وينتشر، فقد تناظروا في أقل من هذا، وهذا أمر يوجب ~~التكفير والتضليل فكيف يجوز أن يقع التخفيف فيه؟ ! وقد علمنا إجماعهم على ~~ما جمعوه في المصحف، فكيف يقدح بمثل هذه الحكايات الشاذة المولدة في ~~الاجماع المتقرر، والاتفاق المعروف؟ " ثم قال: " ولو كان القرآن من كلامه، ~~لكان البون بين كلامه وبينه مثل ما بين خطبة وخطبة ينشئهما رجل واحد، ~~وكانوا يعارضونه، لأنا قد علمنا أن القدر الذي # بين كلامهم وبين كلام النبي صلى الله ms078 عليه وسلم، لا يخرج إلى حد الإعجاز، ~~ولا يتفاوت التفاوت الكثير، ولا يخفى كلامه من جنس أوزان كلامهم، وليس كذلك ~~نظم القرآن، لانه خارج من جميع ذلك ". # ثم أجاب إجابة دقيقة موفقة على اعتراض أورده في ص 446 وهو: " ولو كان ~~القرآن معجزا لم يختلف أهل الملة في وجه إعجازه؟ " ثم أعقبه بفصل موجز ~~لبيان أن من شرط المعجز أن يعلم أنه أتى به من ظهر عليه. # ثم ذكر الباقلانى الفصل الاخير من كتابه ص 452، وقال في مستهله: " قد ~~ذكرنا في الإبانة عن معجز القرآن وجيزا من القول، رجونا أن يكفي، وأملنا أن ~~يقنع، والكلام في أوصافه - إن استقصى - بعيد الأطراف، واسع الأكناف، لعلو ~~شأنه، وشريف مكانه. # والذي سطرناه في الكتاب، وأن كان موجزا، وما أمليناه فيه، وإن كان خفيفا، ~~فإنه ينبه على الطريقة، ويدل على الوجه ويهدى إلى الحجة، ومتى عظم محل الشئ ~~فقد يكون الإسهاب فيه عيا، والإكثار في وصفه تقصيرا..ولولا أن العقول ~~تختلف، والأفهام تتباين، والمعارف تتفاضل - لم نحتج إلى ما تكلفنا، ولكن ~~الناس يتفاوتون في المعرفة، ولو اتفقوا فيها لم يجز أن يتفقوا في معرفة هذا ~~الفن، أو يجتمعوا في الهداية إلى هذا العلم، لاتصاله بأسباب خفية، وتعلقه ~~بعلوم غامضة الغور، عميقة القعر، كثيرة المذاهب، قليلة # PageV01P087 # الطلاب، ضعيفة الاصحاب، وبحسب تأتى مواقعه تقع الإفهام دونه، وعلى قدر ~~لطف مسالكه يكون القصور عنه. # فإذا كان نقد الكلام كله صعبا، وتمييزه شديدا، والوقوع على اختلاف فنونه ~~متعذرا، وهذا في كلام الآدميين، فما ظنك بكلام رب العالمين؟ " # ثم قال: " وقد بينا في نظم القرآن أن الجملة تشتمل على بلاغة منفردة، ~~والأسلوب يختص بمعنى آخر من الشرف ". # وأطلق لقلمه العنان في وصف القرآن وما اشتمل من جوامع المعاني وعظيم ~~البلاغة وعجيب النظم المفارق لسائر النظوم، فأتى في ذلك بما يلذ ويشوق. # ويعجب ويطرب، ومن قوله في هذا المعنى: " تجد فيه الحكمة وفصل الخطاب ~~مجلوة عليك في منظر بهيج، ونظم أنيق، ومعرض رشيق، غير معتاص على الأسماع، ~~ولا مغلق على الأفهام، ms079 ولا مستكره في اللفظ ولا مستوحش في المنظر، غريب في ~~الجنس، غير غريب في القبيل، ممتلئ ماء ونضارة، ولطفا وغضارة، يسري في القلب ~~كما يسري السرور، ويمر إلى مواقعه كما يمر السهم، ويضئ كما يضئ الفجر، ~~ويزخر كما يزخر البحر، طموح، العباب، جموح على المتناول المنتاب، كالروح في ~~البدن، والنور المستطير في الافق،. # والغيث الشامل، والضياء الباهر، (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد) ، من توهم أن الشعر يلحق شأوه بان ضلاله، ووضح ~~جهله، إذ الشعر سمت قد تناولته الألسن، وتداولته القلوب، وانثالت عليه ~~الهواجس، وضرب الشيطان فيه بسهمه، وأخذ منه بحظه. # وما دونه من كلامهم فهو أدنى محلا، وأقرب مأخذا، وأسهل مطلبا. # والقرآن كتاب دل على صدق متحمله، ورسالة دلت على صحة قول المرسل بها، ~~وبرهان شهد له براهين الانبياء المتقدمين،. # وبينة على طريقة ما سلف إلى الاولين. # تحداهم به. # إذ كان من جنس القول الذى زعموا أنهم أدركوا فيه النهاية، وبلغوا فيه ~~الغاية، فعرفوا عجزهم، كما عرف قوم عيسى نقصانهم فيما قدروا من بلوغ أقصى ~~الممكن في العلاج، والوصول إلى أعلى مراتب الطب، فجاءهم بما بهرهم من إحياء ~~الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكما أتى موسى بالعصا التي تلقفت ما برعوا ~~فيه من سحرهم، وأتت # PageV01P088 # على ما أجمعوا عليه من أمرهم، وكما سخر لسليمان الريح والطير والجن حين ~~كانوا يولعون به من فائق الصنعة وبدائع اللطف. # ثم كانت هذه المعجزة مما يقف عليه الأول والآخر وقوفا واحدا، ويبقى حكمها ~~إلى يوم القيامة..فتأمل ما عرفناك في كتابنا، وفرغ له قلبك. # واجمع عليه لبك، ثم اعتصم بالله يهدك، وتوكل عليه يعنك ويجرك،. # واسترشده يرشدك، وهو حسبي وحسبك، ونعم الوكيل " * * * رأى الرافعى في ~~إعجاز القرآن: قال في كتاب " تاريخ آداب العرب " 2 / 153: " وجاء القاضى ~~أبو بكر الباقلانى المتوفى سنة 403 فوضع كتابه المشهور " إعجاز القرآن " ~~الذى أجمع المتأخرون من بعده على أنه باب في الاعجاز على حدة، والغريب أنه ~~لم يذكر فيه كتاب الواسطي، ولا كتاب ms080 الرماني، ولا كتاب الخطابى الذى كان ~~يعاصره، وأومأ إلى كتاب الجاحظ بكلمتين لا خير فيهما، فكأنه هو ابتدأ ~~التأليف في الاعجاز بما بسط في كتابه واتسع، وفى ذلك ما يثبت لنا أن عهد ~~هذا التأليف لا يرد في نشأته إلى غير الجاحظ. # على أن كتاب الباقلانى وإن كان فيه الجيد الكثير، وكان الرجل قد هذبه ~~وصفاه وتصنع له، إلا أنه لم يملك فيه بادرة عابها هو من غيره، ولم يتحاش ~~وجها من التأليف لم يرضه من سواه، وخرج كتابه كما قال هو في كتاب الجاحظ: " ~~لم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى ". # فإن مرجع الاعجاز فيه إلى الكلام، وإلى شئ من المعارضة البيانية بين جنس ~~وجنس من القول، ونوع وآخر من فنونه، وقد حشر إليه أمثلة من كل قبيل من ~~النظم والنثر، ذهبت بأكثره، وغمرت جملته، وعدها في محاسنه وهى من عيوبه، ~~وكان الباقلانى، رحمه الله وأثابه، واسع الحيلة في العبارة، مبسوط اللسان ~~إلى مدى بعيد، يذهب في ذلك مذهب الجاحظ ومذهب مقلده ابن العميد، على بصر ~~وتمكن وحسن تصرف، فجاء كتابه وكأنه في غير ما وضع له، لما فيه من # الاغراق في الحشد، والبالغة في الاستعانة، والاستراحة إلى النقل إذ كان ~~أكبر # PageV01P089 # غرضه في هذا الكتاب أن " ينبه على الطريقة، ويدل على الوجه، ويهدي إلى ~~الحجة " وهذه ثلاثة لو بسطت لها كل علوم البلاغة وفنون الادب - لوسعتها، ~~وهى مع ذلك حشو ووصل. # على أن كتابه قد استبد بهذا الفرع من التصنيف في الاعجاز، واحتمل المؤنة ~~فيه بجملتها من الكلام والعربية والبيان والنقد، ووفى بكثير مما قصد إليه ~~من أمهات المسائل والاصول التى أوقع الكلام عليها، حتى عدوه الكتاب وحده، ~~لا يشرك العلماء معه كتابا آخر في خطره ومنزلنه، وبعد غوره، وإحكام ترتيبه، ~~وقوة حجته، وبسط عبارته، وتوثيق سرده، فانظر ما عسى أن يكون غيره مما سبقه ~~أو تلاه. # وما زاد الباقلانى، رحمه الله، على أن ضمن كتابه روح عصره، وعلى أن جعله ~~في هذا الباب كالمستحث للخواطر الوانية، ms081 والهمم المتثاقلة في أهل التحصيل ~~والاستيعاب الذين لم يذهبوا عن معرفة الادب، ولم يغفلوا عن وجه اللسان ولم ~~ينقطعوا دون محاسن الكلام وعيونه، ولم يضلوا في مذاهبه وفنونه، حتى قال: " ~~إن الناقص في هذا الصنعة كالخارج عنها، والشادي فيها كالبائن منها " وقد ~~كانت علوم البلاغة لم تهذب لعهده، ولم يبلغ منها الاستنباط العلمي ولم تجرد ~~فيها الامهات والاصول، ككتب عبد القاهر ومن جاء بعده، فبسط الرجل من ذلك ~~شيئا، وأجمل شيئا، وهذب شيئا، ونحا في الانتقاد منحى الذين سبقوه من ~~العلماء بالشعر وأهل الموازنة بين الشعراء، وكانت تلك العصور بهم حفيلة. # وبالجملة فقد وضع ما لم يكن يمكن أن يوضع أوفى منه في عصره " # PageV01P090 # وقد طبع كتاب " إعجاز القرآن " عدة طبعات: الاولى بمطبعة الاسلام بمصر # في سنة 1315. # والثانية على هامش كتاب الاتقان للسيوطي المطبوع بالمطبعة الميمنية ~~بالقاهرة سنة 1317. # والثالثة على هامشه كذلك في المطبعة الازهرية بالقاهرة سنة 1318. # والطبعة الرابعة في المطبعة السلفية سنة 1349، وهى بتحقيق الاستاذ محب ~~الدين الخطيب. # وقد عارضها بنسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية، وصدرها بكلمة طيبة عن ~~الباقلانى. # ومع أن هذه الطبعة أحسن طبعات الكتاب جميعا، فإنها لم تخل من شوائب ~~التصحيف والتحريف، والنقص الكثير: وفيها ما هو أكثر من ذلك. # فقد كرر فيها كلام الباقلانى من السطر الحادى عشر من صفحة 17 إلى السطر ~~الاول من ص 19، فأعيد بنصه وفصه ابتداء من السطر الثاني والعشرين من صفحة ~~217 إلى السطر التاسع من صفحة 219، مع أنه مقحم في هذا الموضع إقحاما يأباه ~~المقام. # ومن أمثلة النقص الواقع فيها: ما جاء في ص 41: " وكذلك قد يتفاوت كلام ~~الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة. # فرأيناه غير مختلف " وقد ورد هذا الكلام في طبعتنا كاملا ص 56 ". # عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتا بينا، ويختلف اختلافا كبيرا. # ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ". # ومنها في ص 70 وكقول على " حين سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~إنما قال ذلك والدين في قل ms082 ". # وهو في طبعتنا: " حين سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: غيروا الشيب ~~ولا تشبهوا باليهود -: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك والدين في ~~قل ". # ومنها ما جاء في ص 77 " ومن البليغ عندهم الغلو، كقول النمر بن تولب " ~~وهو في طبعتنا: " ومن البليغ عندهم الغلو والافراط في الصفة، كقول النمر بن ~~تولب ". # ومنها في ص 83 " إذا فريق منكم بربهم يشركون. # ويعدون من البديع الموازنة. # PageV01P091 # وفى طبعتنا ص 133 "..يشركون. # ومن هذا الجنس قول هند بنت النعمان للمغيرة بن شعبة، وقد أحسن إليها: ~~برتك يد نالتها خصاصة بعد ثروة، وأغناك الله عن يد نالت ثروة بعد فاقة. # ويعدون من البديع الموازنة ". # ومنها في ص 87 " ونحوه صحة التفسير، كقول القائل ". # وفى طبعتنا ص 143 " ونحوه صحة التفسير، وهو أن توضع معان تحتاج إلى شرح ~~أحوالها، فإذا شرحت أثبتت تلك المعاني من غير عدول عنها، ولا زيادة ولا ~~نقصان، كقول القائل ". # وفى نفس الصفحة منها: " ومن البديع التكميل والتتميم، كقول نافع بن خليفة ~~". # وهو في صفحتنا نفسها: " ومن البديع التكميل والتتميم وهو أن يأتي بالمعنى ~~الذى بدأ به بجميع المعاني المصحة المتممة لصحته، المكملة لجودته، من غير ~~أن يخل ببعضها، ولا أن يغادر شيئا منها. # كقول القائل: وما عسيت أن أشكرك عليه من مواعيد لم تشن بمطل، ومرافد لم ~~تشب بمن، وبشر لم يمازجه ملق، ولم يخالطه مذق. # وكقول نافع بن خليفة ". # ومنها في ص 220 " وكذلك لم يشتبه دعاء القنوت في أنه هل هو من القرآن أم، ~~ولا يجوز أن يخفى عليهم " وهو في طبعتنا ص 242 "..هو من القرآن أم لا، قيل: ~~هذا من تخليط الملحدين، لان عندنا أن الصحابة لم يخف عليهم ما هو من ~~القرآن، ولا يجوز أن يخفى عليهم ". # وقد رمزت إلى طبعة السلفية برمز " س " ووضعت كل زيادة عليها بين هاتين ~~العلامتين [] . # وأمثلة التحريف والتصحيف كثيرة مبينة في أماكنها من الكتاب، ولكنا نذكر ~~منها: جاء في ص 66 منها " وفطنوا ms083 لحسنه فتتبعوه من بعد، وبنوا عليه وطلبوه، ~~ورتبوا فيه المحاسن التي يقع الاضطراب بوزنها، وتهش النفوس إليها ". # والصواب في طبعتنا ص 97 " التى يقع الاطراب بوزنها ". # وجاء في ص 97 " كامرئ القيس، وزهير، والنابغة وإلى يومه، ونحن نبين تميز ~~كلامهم ". # والصواب في طبعتنا ص 167 " والنابغة، وابن هرمة، ونحن # PageV01P092 # نبين تميز كلامهم ". # وجاء في ص 131 " وإنما قرع له الأصمعي إلى إفادته هذه الفائدة خشية أن ~~يعاب عليه ". # والصواب في طبعتنا ص 245 " وإنما فزع الأصمعي إلى إفادته هذه الفائدة، ~~خشية أن يعاب عليه ". # وجاء في ص 114 " هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم ~~سهيل بن عمرو: اصطلحنا على وضع الحرب عن الناس عشرين سنة يأمن فيه الناس ". # والصواب في طبعتنا ص 205 " اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن ~~فيها الناس ". # وجاء في ص 130 في كلام الباقلانى عن امرئ القيس: " ثم ترى أنفس الشعراء ~~تتشوق إلى معارضته، وتساويه في طريقته، وربما عثرت في وجهه على أشياء ~~كثيرة، وتقدمت عليه في أسباب عجيبة ". # والصواب في طبعتنا ص 242 ". # وربما غيرت في وجهه أشياء كثيرة ". # وجاء في كلام الباقلانى على بيت امرئ القيس: وما ذرفت عيناك إلا لتضربي * ~~* بسهميك في أعشار قلب مقتل ص 138 " لأنه إن كان محتاجا - على ما وصف به ~~نفسه من الصبابة فقلبه كله لها، فكيف يكون بكاؤها هو الذي يخلص قلبه لها؟ " ~~والصواب كما في طبعتنا ص 260 " لانه إن كان محبا - على ما وصف به نفسه من ~~الصبابة. # " ص 100 " ثم ترى أنفس الشعراء تتشوق إلى معارضته، وتساويه في طريقته # وربما عثرت في جهة على أشياء كثيرة، وتقدمت عليه في أسباب عجيبة " ~~والصواب كما في طبعتنا ص 242 ". # وربما غبرت في وجهه أشياء كثيرة. # " ومن أجل ذلك وأمثاله رأيت أن أنشر الكتاب نشرة علمية قويمة، تقوم أوده، ~~وتكمل نقصه، وكان لى ما أردت، بحمد الله وتوفيقه. # PageV01P093 # وقد اعتمدت في نشره على أربع نسخ خطية: فالنسخة الاولى: ms084 صورتها عن نسخة ~~المتحف البريطاني رقم 7749 وعدد أوراقها 139 ورقة، وخطها نسخ جميل وقد ضبطت ~~كلماتها بالحركات. # وكتب في آخرها بخط يخالف خطها: " هذا ما كتبه المؤلف لخزانة كتب عضد ~~الدولة، وطالع فيه الحسن ابن المؤلف، سنة تسع وتسعين بعد الثلثمائة ". # ولست أمترى في أن هذه العبارة مزورة. # قد كتبها كاتب ليضفى على النسخة قيمة تاريخية ليتسنى له بيعها بثمن ~~مرتفع. # وبعيد أن يكتب الباقلانى هذه النسخة لمكتبة عضد الدولة، ويكون فيها: " ~~خطبة لقس بن ساعدة الايادي رضى الله عنه! "، ولا يعنى بتصحيحها وهذه النسخة ~~مترعة بالتحريف، وتنقص بعض النصوص، كما هو مبين في أماكنه من الكتاب. # وقد رمزت إلى هذه النسخة بالرمز " م ". # والنسخة الثانية: صورتها عن نسخة مكتبة " كوبريلى " بالآستانة، وهى تقع ~~في 104 ورقات، ومقاسها 5، 8 25 X، 16 وخطها نسخ مشكول بالحركات، وهى مخرومة ~~من وسطها، وقد كتب في آخرها بخط ناسخها: " وكان الفراغ من نسخه سلخ الشهر ~~المعظم رجب سنة ثمانية عشر وستمائة. # علقه الشريف حسن بن الشريف محمد، بن الشريف على بن الشريف حسين، الحسينى، ~~السمرقندى الناسخ، وصلوات الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما " وقد رمزت ~~إليها بالحرف # " ك ". # والنسخة الثالثة: مخطوطة خاصة مجهولة التاريخ، وليس عليها ما يدل على اسم ~~ناسخها، وهى مكتوبة بخط مغربي دقيق، غير مضبوطة وتقع في 112 ورقة وقد فقدت ~~منها الورقة الاولى، وقد رمزت إليها بالحرف " ب ". # والنسخة الرابعة صورتها عن النسخة المحفوظة بمكتبة " الاسكوريال " ~~بأسبانيا تحت رقم 1435 وهى تقع في 125 ورقة، وقد جاء في آخرها: " وكان ~~الفراغ منه في غرة ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، نسخته من أصل ~~الفقيه الامام أبى الحجاج: يوسف بن عبد العزيز اللخمى، الذى عليه خط شيخه ~~عمدة أهل الحق، أبى عبد الله التميمي. # وأخبرني أنه نسخها من نسخة صحيحة عليها # PageV01P094 # مكتوب: فرغ من نسخها في جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعمائة. # وقال لى: توفى القاضى المؤلف، رحمه الله، سنة أربع وأربعمائة. # وعارضت نسختي هذه بالاصل، وقرأتها عليه وهو ms085 يمسك أصله، والحمد لله رب ~~العالمين " وقد رمزت إلى هذه النسخة بحرف " ا ". # * * * وبعد، فإنى أحمد الله سبحانه أن وفقني لاخراج الكتاب على هذا ~~النحو، فإن كنت أصبت فالخير أردت، وإن تكن الاخرى فحسبي أننى بذلت فيه ~~وسعى، وفى لفتات النقاد ما يكمل النقص ويسد الخلل، والله ولى التوفيق. # السيد أحمد صقر القاهرة يوم الخميس (18 من المحرم سنة 1374 ه (16 من ~~سبتمبر 1954 م # PageV01P095 # إعجاز القرآن # للباقلاني أبى بكر محمد بن الطيب # PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المنعم على عباده بما هداهم إليه من ~~الايمان، والمتمم إحسانه بما أقام لهم من جلى البرهان، الذى حمد نفسه بما ~~(1) أنزل من القرآن، ليكون بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا، وهاديا إلى ما ارتضى لهم من دينه، وسلطانا أوضح وجه تبيينه (2) ، ~~ودليلا على وحدانيته، ومرشدا إلى معرفة عزته وجبروته، ومفصحا عن صفات ~~جلاله، وعلو شأنه وعظيم (3) سلطانه، وحجة لرسوله الذى أرسله به، وعلما على ~~صدقه، وبينة على أنه أمينه على وحيه، وصادع بأمره. # فما أشرفه من كتاب يتضمن صدق متحمله، ورسالة تشتمل على قول مؤديها. # بين فيه سبحانه أن حجته كافية هادية، لا يحتاج مع وضوحها إلى بينة ~~تعدوها، أو (4) حجة تتلوها، وأن الذهاب عنها كالذهاب عن الضروريات، والتشكك ~~في المشاهدات. # ولذلك قال عز ذكره: (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم / ~~لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) (5) . # وقال عز وجل: (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. # لقالوا: إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون) (6) . # فله الشكر على جزيل إحسانه، وعظيم مننه. # والصلاة على محمد المصطفى وآله، وسلم ومن أهم ما يجب على أهل دين الله ~~كشفه، وأولى ما يلزم بحثه، PageV01P003 # ما كان لاصل دينهم قواما، ولقاعدة توحيدهم عمادا (1) ونظاما وعلى صدق ~~نبيهم، صلى الله عليه وسلم، برهانا، ولمعجزته ثبتا وحجة (2) . # ولا سيما أن الجهل ممدود الرواق، شديد النفاق (3) ، مستول على الآفاق، ~~والعلم إلى عفاء ودروس، وعلى خفاء وطموس، وأهله في جفوة ms086 الزمن البهيم (4) ، ~~يقاسون من عبوسه لقاء الاسد الشتيم (5) حتى صار ما يكابدونه قاطعا عن ~~الواجب من سلوك مناهجه، والاخذ في سبله. # / فالناس بين رجلين: ذاهب عن الحق، ذاهل عن الرشد، وآخر مصدود عن نصرته، ~~مكدود في صنعته. # فقد أدى ذلك إلى خوض الملحدين، في أصول الدين، وتشكيكهم أهل الضعف في كل ~~يقين. # وقد قل أنصاره، واشتغل عنه أعوانه، وأسلمه أهله. # فصار عرضة لمن شاء أن يتعرض فيه، حتى عاد مثل الامر الاول على ما خاضوا ~~فيه عند ظهور أمره. # فمن قائل قال: إنه سحر (6) ، وقائل يقول: إنه شعر (7) ، وآخر يقول: إنه ~~أساطير الاولين (8) ، وقالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا (9) . # إلى الوجوه التى حكى الله عز وجل عنهم أنهم قالوا فيه، وتكلموا به، ~~فصرفوه إليه. # وذكر لى عن بعض جهالهم أنه جعل يعدله ببعض الاشعار، ويوازن PageV01P004 # بينه وبين غيره من الكلام، ولا يرضى بذلك حتى يفضله عليه! وليس هذا ببديع ~~من ملحدة هذا العصر، وقد سبقهم إلى عظم (1) / ما يقولونه إخوانهم من ملحدة ~~قريش وغيرهم. # إلا أن أكثر من كان طعن فيه في أول أمره استبان رشده، وأبصر قصده، فتاب ~~وأناب، وعرف من (2) نفسه الحق بغريزة طبعه، وقوة إتقانه، لا لتصرف لسانه، ~~بل لهداية (3) ربه وحسن توفيقه. # والجهل في هذا الوقت أغلب، والملحدون (4) فيه عن الرشد أبعد، وعن الواجب ~~أذهب. # وقد كان يجوز أن يقع ممن عمل الكتب النافعة في معاني القرآن، وتكلم في ~~فوائده من أهل صنعة العربية وغيرهم من أهل صناعة الكلام، أن يبسطوا القول ~~في الابانة عن وجه معجزته، والدلالة على مكانه. # فهو أحق بكثير مما صنفوا فيه من القول في الجزء {والطفرة} (5) ، ودقيق ~~الكلام # في الاعراض، وكثير من بديع الاعراب وغامض النحو. # فالحاجة إلى هذا أمس، والاشتغال به أوجب. # وقد قصر بعضهم في هذه المسألة، حتى أدى ذلك إلى تحول قوم منهم إلى مذاهب ~~البراهمة فيها، ورأوا أن عجز أصحابهم عن نصرة هذه المعجزة يوجب أن لا ~~مستنصر (6) فيها، ولا وجه لها، حين رأوهم قد برعوا في ms087 لطيف ما أبدعوا، ~~وانتهوا إلى الغاية فيما أحدثوا / ووضعوا. # ثم رأوا ما صنفوه في هذا المعنى غير كامل في بابه، ولا مستوفى في وجهه، ~~قد أخل بتهذيب طرقه، وأهمل ترتيب بيانه. # وقد يعذر بعضهم في تفريط يقع منه فيه، وذهاب عنه، لان هذا الباب مما لا ~~يمكن إحكامه إلا بعد (7) التقدم في أمور شريفة المحل، عظيمة المقدار، دقيقة ~~المسلك لطيفة المأخذ. PageV01P005 # وإذا انتهينا إلى تفصيل القول فيها، استبان ما قلناه من الحاجة إلى هذه ~~المقدمات، حتى يمكن بعدها إحكام القول في هذا الشأن. # وقد صنف " الجاحظ " في نظم القرآن كتابا، لم يزد فيه على ما قاله ~~المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى. # * * * # وسألنا سائل أن نذكر جملة من القول جامعة، تسقط الشبهات، وتزيل الشكوك ~~التى تعرض للجهال، وتنتهى إلى ما يخطر لهم، ويعرض لافهامهم من الطعن في وجه ~~المعجزة. # فأجبناه إلى ذلك، متقربين إلى الله عز وجل، ومتوكلين عليه وعلى حسن ~~توفيقه ومعونته. # ونحن نبين ما سبق فيه البيان من غيرنا، ونشير إليه ولا نبسط القول، لئلا ~~يكون ما ألفناه مكررا ومقولا، بل يكون مستفادا من جهة هذا الكتاب خاصة. # / ونصف ما يجب وصفه من القول في تنزيل متصرفات الخطاب، وترتيب وجوه ~~الكلام، وما تختلف فيه طرق البلاغة، وتتفاوت من جهته سبل البراعة، وما ~~يشتبه له ظاهر الفصاحة، ويختلف فيه المختلفون من أهل صناعة العربية، ~~والمعرفة بلسان العرب في أصل الوضع. # ثم ما اختلفت به مذاهب مستعمليه في فنون ما ينقسم إليه الكلام، من شعر ~~ورسائل وخطب، وغير ذلك من مجارى الخطاب. # وإن كانت هذه الوجوه الثلاثة أصول ما يبين فيه التفاصح، وتقصد فيه ~~البلاغة، لان هذه أمور يتعمل لها في الاغلب، ولا يتجوز فيها. # ثم من بعد هذا (1) الكلام الدائر في محاوراتهم. # والتفاوت فيه أكثر، PageV01P006 # لان التعمل فيه أقل، إلا من غزارة طبع، أو فطانة تصنع وتكلف. # ونشير إلى ما يجب في كل واحد من هذه الطرق، ليعرف عظيم # محل القرآن، وليعلم ارتفاعه عن مواقع ms088 هذه الوجوه، وتجاوزه الحد الذى يصح ~~أو يجوز أن يوازن بينه وبينها، أو يشتبه ذلك على متأمل. # ولسنا نزعم أنه يمكننا أن نبين ما رمنا بيانه، وأردنا شرحه وتفصيله، لمن ~~كان عن معرفة الادب ذاهبا (1) وعن وجه اللسان غافلا، لان ذلك / مما لا سبيل ~~إليه، إلا أن يكون الناظر فيما نعرض عليه مما قصدنا إليه من أهل صناعة ~~العربية، قد وقف على جمل من محاسن الكلام ومتصرفاته ومذاهبه، وعرف جملة من ~~طرق المتكلمين، ونظر في شئ من أصول الدين. # وإنما ضمن الله عز وجل فيه البيان لمثل من وصفناه، فقال: (كتاب فصلت ~~آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) (2) . # وقال: (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (3) . PageV01P007 # / فصل في أن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم معجزتها القرآن الذي يوجب ~~الاهتمام التام بمعرفة إعجاز القرآن، أن بنوة نبينا عليه السلام بنيت (1) ~~على هذه المعجزة، وإن كان قد أيد بعد ذلك بمعجزات كثيرة. # إلا أن تلك المعجزات قامت في أوقات خاصة، وأحوال خاصة، وعلى أشخاص خاصة. # ونقل بعضها نقلا متواترا يقع به العلم وجودا. # وبعضها مما نقل نقلا خاصا، إلا أنه حكى بمشهد من الجمع العظيم وأنهم ~~شاهدوه، فلو كان الأمر على خلاف ما حكى لا نكروه، أو لا نكره بعضهم، # فحل محل المعنى الأول، وإن لم يتواتر أصل النقل فيه. # وبعضها مما نقل من جهة الآحاد، وكان وقوعه بين يدي الآحاد. # فأما دلالة القرآن فهي عن معجزة عامة، عمت الثقلين، وبقيت بقاء العصرين. # ولزوم الحجة بها في أول وقت ورودها إلى يوم القيامة على حد واحد، وإن كان ~~قد يعلم بعجز أهل العصر الأول عن الاتيان / بمثله - وجه دلالته، فيغني ذلك ~~عن نظر مجدد في عجز أهل هذا العصر عن الإتيان (2) بمثله. # وكذلك قد يغني عجز أهل هذا العصر عن الإتيان بمثله، عن النظر في حال أهل ~~العصر الأول. # وإنما ذكرنا هذا الفصل، لما حكي عن " بعضهم " أنه زعم أنه وإن كان قد عجز ~~عنه أهل العصر الأول فليس أهل هذا العصر بعاجزين ms089 عنه، ويكفي عجز أهل العصر ~~الأول في الدلالة، لانهم خصوا بالتحدى دون غيرهم (3) . PageV01P008 # ونحن نبين خطأ هذا القول في موضعه، إن شاء الله. # فأما الذي يبين ما ذكرناه من أن الله تعالى حين ابتعثه جعل معجزته # القرآن، وبنى أمر نبوته عليه - فسور كثيرة وآيات نذكر بعضها، وننبه ~~بالمذكور على غيره، فليس يخفى بعد التنبيه على طريقه. # فمن ذلك قوله تعالى: (الر. # كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط ~~العزيز الحميد) (1) فأخبر أنه أنزله ليقع الاهتداء به، ولا يكون كذلك إلا ~~وهو حجة، ولا يكون حجة إن لم يكن معجزة. # / وقال عز وجل: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) ~~(2) فلولا أن سماعه إياه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه. # ولا يكون حجة إلا وهو معجزة. # وقال عز وجل: (وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك ~~لتكون من المنذرين) . # وهذا بين جدا فيما قلناه، من إنه جعله سببا لكونه منذرا. # ثم أوضح ذلك بأن قال: (بلسان عربي مبين) (3) . # فلولا أن كونه بهذا اللسان حجة، لم يعقب كلامه الأول به. # وما من سورة افتتحت بذكر الحروف المقطعة إلا وقد أشبع فيها بيان ما ~~قلناه. # ونحن نذكر بعضها لتستدل بذلك على ما بعده. # وكثير من هذه السور إذا تأملته فهو من أوله إلى آخره مبني على لزوم حجة ~~القرآن، والتنبيه على وجه معجزته. # فمن ذلك سورة المؤمن (4) . # قوله عز وجل: (حم. # تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم) ثم وصف نفسه بما هو أهله من قوله ~~تعالى: (غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو، ~~إليه المصير. # ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك / تقلبهم في ~~PageV01P009 # البلاد) فدل على أن الجدال في تنزيله كفر وإلحاد. # ثم أخبر بما وقع (1) من تكذيب الأمم برسلهم، بقوله عز وجل: (كذبت قبلهم ~~قوم نوح والأحزاب من بعدهم، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق) فتوعدهم ms090 بأنه آخذهم في الدنيا بذنبهم في تكذيب الانبياء. # ورد براهينهم فقال تعالى: (فأخذتهم فكيف كان عقاب) . # ثم توعدهم بالنار، فقال تعالى: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم ~~أصحاب النار) . # ثم عظم شأن المؤمنين بهذه الحجة، بما أخبر من استغفار الملائكة لهم، وما ~~وعدهم عليه من المغفرة، فقال تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون ~~بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا: ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما، ~~فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) . # فلولا أنه برهان قاهر لم يذم الكفار على العدول عنه، ولم يحمد المؤمنين ~~على المصير إليه. # ثم ذكر تمام الآيات في دعاء الملائكة للمؤمنين، ثم عطف على وعيد ~~الكافرين، فذكر آيات، ثم قال: (هو الذي يريكم آياته) . # فأمر بالنظر في آياته وبراهينه، إلى أن قال: (رفيع الدرجات ذو العرش، ~~يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده، لينذر يوم التلاق) / فجعل القرآن ~~والوحي به كالروح، لأنه يؤدي إلى حياة الأبد، ولأنه لا فائدة للجسد # من دون الروح. # فجعل هذا الروح سببا (2) للانذار، وعلما عليه، وطريقا إليه. # ولولا أن ذلك برهان بنفسه لم يصح أن يقع به الانذار والأخبار عما يقع عند ~~مخالفته، ولم يكن الخبر عن الواقع في الآخرة عند ردهم دلالته (3) من الوعيد ~~- حجة ولا معلوما صدقه، فكان لا يلزمهم قبوله. # فلما خلص من الآيات في ذكر الوعيد على ترك القبول، ضرب لهم PageV01P010 # المثل بمن خالف الآيات، وجحد الدلالات والمعجزات، فقال: (أو لم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم، كانوا هم أشد منهم قوة ~~وآثارا في الارض، فأخذهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق) . # ثم بين أن عاقبتهم صارت إلى السوأى، بأن رسلهم كانت تأتيهم بالبينات، ~~وكانوا لا يقبلونها منهم. # فعلم أن ما قدم ذكره في السورة بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ثم ذكر قصة موسى ويوسف عليهما السلام، ومجيئهما بالبينات، ومخالفتهم ~~حكمها، إلى أن قال تعالى: (الذين يجادلون في آيات ms091 الله بغير سلطان أتاهم ~~كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا، كذلك يطبع الله / على كل قلب متكبر ~~جبار) . # فأخبر أن جدالهم في هذه الآيات لا يقع بحجة، وإنما يقع عن جهل، وإن الله ~~يطبع على قلوبهم، ويصرفهم عن تفهم وجه البرهان. # لجحودهم وعنادهم واستكبارهم. # ثم ذكر كثيرا من الاحتجاج على التوحيد، ثم قال تعالى: (ألم تر إلى الذين ~~يجادلون في آيات الله أنى يصرفون) . # ثم بين هذه الجملة، وإن من آياته الكتاب، فقال: (الذين كذبوا بالكتاب ~~وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون) . # إلى أن قال: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله) . # فدل على أن الآيات على ضربين: أحدهما كالمعجزات التي هي أدلة (1) في دار ~~التكليف، والثاني الآيات التي ينقطع عندها العذر، ويقع عندها العلم ~~الضروري، وإنها إذا جاءت ارتفع التكليف، ووجب الاهلاك. # إلى أن قال تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) . # فأعلمنا أنه قادر على هذه الآيات، ولكنه إذا أقامها زال التكليف، وحقت ~~العقوبة على الجاحدين. PageV01P011 # وكذلك ذكر في (حم) السجدة (1) على هذا المنهاج الذي شرحنا، فقال عز وجل: ~~(حم. # تنزيل الكتاب من الرحمن الرحيم. # كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون. # بشيرا ونذيرا) فلولا أنه جعله / برهانا لم يكن بشيرا ولا نذيرا، ولم ~~يختلف بأن يكون عربيا مفصلا أو بخلاف (2) ذلك. # ثم أخبر عن جحودهم وقلة قبولهم، بقوله تعالى: (فأعرض أكثرهم فهم لا ~~يسمعون) . # ولولا أنه حجة لم يضرهم الإعراض عنه. # وليس لقائل أن يقول: قد يكون حجة ولكن (3) يحتاج في كونه حجة إلى دلالة ~~أخرى، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم حجة، ولكنه يحتاج إلى دلالة على ~~صدقه، وصحة نبوته. # وذلك: أنه إنما احتج عليهم بنفس هذا التنزيل، ولم يذكر حجة غيره. # ويبين ذلك: أنه قال عقيب هذا: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي) . # فأخبر أنه مثلهم لولا الوحي. # ثم عطف عليه بحمد المؤمنين به المصدقين له، فقال: (إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم أجر غير ممنون) . # ومعناه: الذين آمنوا ms092 بهذا الوحي والتنزيل، وعرفوا هذه الحجة. # ثم تصرف في الاحتجاج على الوحدانية والقدرة، إلى أن قال: (فإن أعرضوا فقل ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) . # فتوعدهم بما أصاب من قبلهم من المكذبين بآيات الله من قوم عاد / وثمود في ~~الدنيا. # ثم توعدهم بأمر الآخرة، فقال: (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم ~~يوزعون) ، إلى انتهاء ما ذكره فيه. # ثم رجع إلى ذكر القرآن، فقال: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون) . PageV01P012 # ثم أثنى بعد ذلك على من تلقاه بالقبول، فقال: (إن الذين قالوا ربنا الله ~~ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا) . # ثم قال: (وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم) ~~. # وهذا ينبه على أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف إعجاز القرآن، وأنه ~~دلالة له على جهة الاستدلال، لأن الضروريات لا يقع فيها نزع الشيطان. # ونحن نبين ما يتعلق بهذا الفصل في موضعه. # ثم قال: (إن الذين يلحدون في آياتنا) ، إلى أن قال: (إن الذين كفرا ~~بالذكر لما جاءهم، وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه) . # وهذا وإن كان متأولا على أنه لا يوجد فيه غير الحق مما يتضمنه من أقاصيص ~~الأولين وأخبار المرسلين، وكذلك لا يوجد خلف فيما يتضمنه (1) من الأخبار عن ~~الغيوب وعن الحوادث التي أنبأ أنها تقع في الاتى - فلا يخرج عن أن يكون ~~متأولا على ما يقتضيه نظام الخطاب، مع أنه لا يأتيه ما يبطله من شبهة سابقة ~~/ تقدح في معجزته أو تعارضه في طريقه. # وكذلك لا يأتيه من بعده قط أمر يشكك في وجه دلالته [وإعجازه] . # وهذا أشبه بسياق الكلام ونظامه. # ثم قال: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا: لولا فصلت آياته، أأعجمي ~~وعربي) (2) فأخبر أنه لو كان أعجميا لكانوا يحتجون في رده: إما بأن ذلك ~~خارج عن عرف خطابهم، أو كانوا يعتذرون بذهابهم عن معرفة معناه وبأنهم لا ~~يبين (3) لهم وجه الإعجاز فيه. # لأنه ليس من شأنهم ولا ms093 من لسانهم، أو بغير ذلك من الأمور، وأنه إذا ~~تحداهم إلى ما هو من لسانهم وشأنهم فعجزوا عنه - وجبت الحجة عليهم به، على ~~ما نبينه في وجه هذا الفصل. # إلى أن قال: (قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به، من أضل ممن هو ~~في شقاق بعيد) . PageV01P013 # والذى ذكرناه من نظم هاتين السورتين ينبه على غيرهما من السور، فكر هنا ~~سرد القول فيها. # فليتأمل المتأمل ما دللناه عليه يجده كذلك. # ثم مما يدل على هذا قوله عز وجل: (وقالوا: لولا أنزل عليه آيات من ربه، ~~قل إنما الآيات عند الله، وإنما أنا نذير مبين. # أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) (1) فأخبر أن الكتاب آية ~~من / آياته، وعلم من أعلامه، وإن ذلك يكفي في الدلالة، ويقوم مقام معجزات ~~غيره وآيات سواه من الأنبياء، صلوات الله عليهم. # ويدل عليه قوله عز وجل: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين ~~نذيرا، الذي له ملك السموات والارض) (2) . # ويدل عليه قوله: (أم يقولون افترى على الله كذبا، فإن يشإ الله يختم على ~~قلبك، ويمحوا الله الباطل ويحق الحق بكلماته) (3) . # فدل على أنه جعل قلبه مستودعا لوحيه، ومستنزلا لكتابه، وأنه لو شاء صرف ~~ذلك [عنه} إلى غيره. # وكان له حكم دلالته على تحقيق الحق، وإبطال الباطل مع صرفه عنه. # ولذلك أشباه كثيرة تدل على نحو الدلالة التي وصفناها. # فبان بهذا وبنظائره (4) ما قلناه، من أن بناء نبوته صلى الله عليه وسلم ~~على دلالة القرآن ومعجزته، وصار له من الحكم في دلالته على نفسه وصدقه أنه ~~يمكن أن يعلم أنه كلام الله تعالى، وفارق حكمه حكم غيره من الكتب المنزلة ~~على الأنبياء، لأنها لا تدل على أنفسها إلا بأمر زائد عليها، ووصف منضاف ~~(5) إليها، لأن نظمها ليس معجزا (6) ، وإن / كان ما تتضمنه (7) من الأخبار ~~عن الغيوب (8) معجزا. # وليس كذلك القرآن، لأنه يشاركها في هذه الدلالة، ويزيد عليها PageV01P014 # في أن نظمه معجز، فيمكن أن يستدل به عليه، وحل في هذا من وجه ms094 محل سماع ~~الكلام من القديم سبحانه وتعالى، لأن موسى عليه السلام لما سمع كلامه علم ~~أنه في الحقيقة كلامه. # وكذلك من يسمع القرآن يعلم أنه كلام الله، وإن اختلف الخال في ذلك من بعض ~~الوجوه، لأن موسى عليه السلام سمعه من الله عز وجل، وأسمعه نفسه متكلما، ~~وليس كذلك الواحد منا. # وكذلك قد يختلفان في غير هذا الوجه، وليس ذلك قصدنا بالكلام في هذا ~~الفصل. # والذى نرومه الآن ما بيناه من اتفاقهما في المعنى الذى وصفناه، وهو: أنه ~~عليه السلام يعلم أن ما يسمعه كلام الله من جهة الاستدلال، وكذلك نحن نعلم ~~ما نقرؤه (1) من هذا على جهة الاستدلال. PageV01P015 # / فصل في [بيان وجه] الدلالة على أن القرآن معجز قد ثبت بما بينا في ~~الفصل الأول أن نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم # مبنية على دلالة معجزة القرآن. # فيجب أن نبين وجه الدلالة من ذلك: قد ذكر العلماء أن الأصل في هذا هو: أن ~~يعلم أن القرآن، الذى هو متلو محفوظ مرسوم في المصاحف، هو الذي جاء به ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه هو الذي تلاه على من في عصره ثلاثا وعشرين ~~سنة. # والطريق إلى معرفة ذلك هو النقل المتواتر، الذي يقع عنده العلم الضروري ~~به. # وذلك أنه قام به في المواقف، وكتب به إلى البلاد، وتحمله عنه إليها من ~~تابعه، وأورده على غيره ممن لم يتابعه، حتى ظهر فيهم الظهور الذي لا يشتبه ~~على أحد، ولا يخيل أنه قد خرج من أتى بقرآن يتلوه، ويأخذه على غيره، ويأخذه ~~غيره على الناس، حتى انتشر ذلك في أرض العرب كلها، وتعدى إلى الملوك ~~المصاقبة لهم، كملك الروم والعجم والقبط والحبش، وغيرهم من ملوك الاطراف. # ولما ورد ذلك مضادا لأديان أهل ذلك العصر كلهم، ومخالفا لوجوه اعتقاداتهم ~~المختلفة في الكفر - وقف جميع أهل الخلاف على جملته، ووقف جميع أهل دينه ~~الذين أكرمهم الله بالإيمان على جملته / وتفاصيله، وتظاهر بينهم، حتى حفظه ~~الرجال، وتنقلت به الرحال، وتعلمه الكبير والصغير، إذ كان عمدة دينهم، ms095 ~~وعلما عليه، والمفروض تلاوته في صلواتهم، والواجب استعماله في أحكامهم. # PageV01P016 # ثم تناقله خلف عن سلف هم (1) مثلهم في كثرتهم وتوفر دواعيهم على نقله، ~~حتى انتهى إلينا، على ما وصفناه من حاله. # فلن يتشكك أحد، ولا يجوز أن يتشكك، مع وجود هذه الأسباب، # في أنه أتى بهذا القرآن من عند الله تعالى. # فهذا أصل. # وإذا ثبت هذا الأصل وجودا، فإنا نقول: إنه تحداهم إلى (2) أن يأتوا ~~بمثله، وقرعهم على ترك الإتيان به، طول السنين التي وصفناها، فلم يأتوا ~~بذلك. # [وهذا أصل ثان] . # والذي يدل على هذا الأصل: أنا قد علمنا أن ذلك مذكور في القرآن في ~~المواضع الكثيرة، كقوله: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة ~~من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. # فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت ~~للكافرين) (3) . # وكقوله: (أم يقولون افتراه، قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين. # فإن / لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله، وأن لا إله إلا هو، ~~فهل أنتم مسلمون) (4) . # فجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلا على أنه منه، ودليلا على وحدانيته. # وذلك يدل عندنا على بطلان قول من زعم أنه لا يمكن أن تعلم بالقرآن ~~الوحدانية، وزعم أن ذلك مما لا سبيل إليه إلا من جهة العقل، لأن القرآن ~~كلام الله عز وجل، ولا يصح أن يعلم الكلام حتى يعلم المتكلم أو لا. # فقلنا: إذا ثبت بما نبينه إعجازه، وأن الخلق لا يقدرون عليه - ثبت أن ~~الذي أتى به غيرهم، وأنه إنما يختص بالقدرة عليه من يختص بالقدرة عليهم، ~~وأنه صدق. # وإذا كان كذلك كان ما يتضمنه صدقا، وليس إذا أمكن معرفته من جهة العقل ~~امتنع أن يعرف من [طريق القرآن، بل PageV01P017 # يمكن عندنا أن يعرف من] الوجهين. # وليس الغرض تحقيق القول في هذا الفصل، لأنه خارج عن مقصود كلامنا، ولكنا ~~ذكرناه من جهة دلالة الآية عليه. # ومن ذلك قوله عز وجل: ms096 (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتو ابمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (1) وقوله: (أم يقولون ~~تقوله، بل لا يؤمنون. # فليأتوا بحديث / مثله إن كانوا صادقين) (2) فقد ثبت بما بيناه أنه تحداهم ~~إليه، ولم يأتوا بمثله. # وفي هذا أمران: أحدهما التحدي إليه. # والآخر أنهم لم يأتوا له بمثل (3) . # والذي يدل على ذلك النقل المتواتر الذي يقع به العلم الضروري، فلا يمكن ~~جحود واحد من هذين الامرين. # وإن قال قائل: لعله لم يقرأ عليهم الآيات التي فيها ذكر التحدي، وإنما ~~قرأ عليهم ما سوى ذلك من القرآن -: كان ذلك قولا باطلا، يعلم بطلانه بمثل ~~(4) ما يعلم به بطلان قول [من زعم] أن القرآن أضعاف هذا! وهو يبلغ حمل جمل! ~~وأنه كتم، وسيظهره [المهدي] ! ! ! أو يدعي أن هذا القرآن ليس هو الذي جاء ~~به النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو شئ وضعه عمر أو عثمان، رضي الله ~~عنهما، حيث وضع (5) المصحف. # أو يدعى فيه زيادة أو نقصانا. # وقد ضمن الله حفظ كتابه أن يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، ووعده ~~الحق. # وحكاية قول من قال ذلك يغني عن الرد عليه. # لأن العدد الذين / أخذوا # القرآن في الأمصار وفي البوادي، وفي الاسفار والحضر، وضبطوه حفظا، ~~PageV01P018 # من بين صغير وكبير، وعرفوه حتى صار لا يشتبه على أحد منهم حرف - لا يجوز ~~عليهم السهو والنسيان، ولا التخليط فيه والكتمان. # ولو زادوا أو نقصوا أو غيروا لظهر. # وقد علمت أن شعر امرئ القيس وغيره - على أنه لا يجوز أن يظهر ظهور ~~القرآن، ولا أن يحفظ كحفظه، ولا أن يضبط كضبطه، ولا أن تمس الحاجة إليه ~~إمساسها (1) إلى القرآن - لو زيد فيه بيت، أو نقص منه بيت، لا، بل لو غير ~~فيه لفظ - لتبرأ منه أصحابه، وأنكره أربابه. # فإذا كان ذلك مما لا يمكن [أن يكون] في شعر امرئ القيس ونظرائه، مع أن ~~الحاجة إليه تقع لحفظ العربية، فكيف يجوز أو يمكن ما ذكروه في القرآن، مع ~~شدة ms097 الحاجة إليه في [الصلاة التى هي] أصل الدين، ثم في الأحكام والشرائع، ~~واشتمال الهمم المختلفة على ضبطه: فمنهم من يضبطه لإحكام قراءته ومعرفة ~~وجوهها، وصحة أدائها. # ومنهم من يحفظه للشرائع والفقه. # ومنهم من يضبطه ليعرف تفسيره ومعانيه. # ومنهم من يقصد بحفظه الفصاحة والبلاغة. # / ومن الملحدين من يحصله لينظر في عجيب شأنه. # وكيف يجوز على أهل هذه الهمم المختلفة والآراء المتباينة - على كثرة ~~أعدادهم، واختلاف بلادهم، وتفاوت أغراضهم - أن يجتمعوا على التغيير ~~والتبديل والكتمان؟ ! ويبين ذلك: أنك إذا تأملت ما ذكر في أكثر السور مما ~~بينا، ومن نظائره في رد قومه عليه ورد غيرهم، وقولهم: (لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا) (2) [وقول بعضهم: إن ذلك سحر] ، وقول بعضهم: (ما سمعنا بهذا في الملة ~~الآخرة، إن هذا إلا اختلاق) (3) إلى الوجوه التي يصرف إليها قولهم في الطعن ~~عليه. PageV01P019 # فمنهم من يستهين بها (1) ويجعل ذلك سببا لتركه الإتيان بمثله. # ومنهم من يزعم أنه مفترى، فلذلك لا يأتي بمثله ومنهم من يزعم أنه دارس، ~~وأنه أساطير الاولين. # وكرهنا أن نذكر كل آية تدل على تحديه، لئلا يقع التطويل. # ولو جاز أن يكون بعضه مكتوما لجاز على كله. # ولو جاز أن يكون بعضه موضوعا لجاز ذلك في كله. # فثبت بما بيناه أنه تحداهم به، وأنهم لم يأتوا بمثله (2) . # وهذا الفصل قد بينا أن الجميع قد ذكروه وبنوا عليه. # / فإذا ثبت هذا وجب أن يعلم بعده أن تركهم للإتيان بمثله كان لعجزهم عنه. # والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن: أنه تحداهم ~~إليه حتى طال التحدي، وجعله دلالة على صدقه ونبوته، وضمن (3) أحكامه ~~استباحة دمائهم وأموالهم وسبي ذريتهم، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا، ~~وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه، بأمر قريب، هو عادتهم ~~في لسانهم، ومألوف من خطابهم، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال، وإكثار ~~المراء والجدال، وعن الجلاء عن الأوطان، وعن تسليم الأهل والذرية للسبي. # فلما لم تحصل هناك معارضة منهم، علم أنهم عاجزون عنها. # يبين ذلك أن العدو يقصد ms098 لدفع قول (4) عدوه بكل ما قدر عليه من المكايد، ~~لا سيما مع استعظامه ما بدهه بالمجئ من (5) خلع آلهته، وتسفيه رأيه في ~~ديانته، وتضليل آبائه، والتغريب عليه بما جاء به، وإظهار أمر يوجب الانقياد ~~لطاعته، والتصرف على حكم إرادته، والعدول عن إلفه وعادته، والانخراط، في ~~سلك الاتباع بعد أن كان متبوعا، والتشييع بعد PageV01P020 # أن كان مشيعا، وتحكيم الغير في ماله، وتسليطه إياه على جملة أحواله، ~~والدخول تحت تكاليف شاقة، / وعبادات متعبة، بقوله، وقد علم أن بعض هذه ~~الاحوال مما يدعو إلى سلب النفوس دونه. # هذا، والحمية حميتهم، والهمم الكبيرة هممهم، وقد بذلوا له السيف فأخطروا ~~(1) بنفوسهم وأموالهم. # فكيف يجوز أن لا يتوصلوا إلى الرد عليه وإلى تكذيبه بأهون سعيهم ومألوف ~~أمرهم، وما يمكن تناوله من غير أن يعرق فيه (2) جبين، [أو ينقطع دونه وتين] ~~، أو يشتمل به خاطر، وهو لسانهم الذي يتخاطبون به، مع بلوغهم في الفصاحة ~~النهاية التي ليس وراءها متطلع، والرتبة التى ليس فوقها (3) منزع؟ ! ومعلوم ~~أنهم لو عارضوه بما تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره، وتكذيب. # قوله، وتفريق جمعه، وتشتيت أسبابه، وكان من صدق به يرجع على أعقابه، ~~ويعود في مذهب أصحابه. # فلما لم يفعلوا شيئا من ذلك، مع طول المدة، ووقوع الفسحة، وكان أمره ~~يتزايد حالا فحالا، ويعلو شيئا فشيئا، وهم على العجز عن القدح في آيته، ~~والطعن [بما يؤثر] في دلالته - علم مما (4) بينا أنهم كانوا لا يقدرون على ~~معارضته، ولا على توهين حجته. # / وقد أخبر الله تعالى عنهم: أنهم (قوم خصمون) (5) وقال: (وتنذر به قوما ~~لدا) (6) ، وقال: (خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين) (7) . # وعلم أيضا ما كانوا (8) يقولونه من وجوه اعتراضهم على القرآن، مما حكى ~~الله عز وجل عنهم في قولهم: (لو نشاء لقلنا مثل هذا، إن هذا إلا أساطير ~~الأولين) (9) وقولهم: (ما هذا إلا سحر مفترى، وما سمعنا PageV01P021 # بهذا في آبائنا الأولين) (1) وقالوا: (يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون) (2) وقالوا: (أفتأتون السحر وأنتم تبصرون) (3) وقالوا: (أئنا ~~لتاركوا آلهتنا لشاعر ms099 مجنون) (4) ، وقال: (وقال الذين كفروا: إن هذا إلا ~~إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، فقد جاءوا ظلما وزورا، وقالوا: أساطير ~~الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة / وأصيلا) (5) ، (وقال الظالمون: إن ~~تتبعون إلا رجلا مسحورا) (6) ، وقوله: (الذين جعلوا القرآن عضين) (7) . # إلى آيات كثيرة في نحو هذا، تدل على أنهم كانوا متحيرين في أمرهم، ~~متعجبين من عجزهم، يفزعون إلى نحو هذه الأمور: من تعليل وتعذير، ومدافعة ~~بما وقع التحدي إليه، ووجد (8) الحث عليه. # وقد علم منهم أنهم ناصبوه الحرب، وجاهدوه (9) ونابذوه، وقطعوا الأرحام، ~~وأخطروا بأنفسهم، وطالبوه بالآيات والاتيان [بالملائكة] وغير ذلك من ~~المعجزات، يريدون تعجيزه ليظهروا عليه بوجه من الوجوه. # فكيف يجوز أن يقدروا على معارضته القريبة السهلة عليهم - وذلك يدحض حجته، ~~ويفسد دلالته، ويبطل أمره - فيعدلون عن ذلك إلى سائر ما صاروا إليه من ~~الامور التى ليس عليها مزيد في المنابذة والمعاداة، ويتركون الأمر الخفيف؟ ~~! # هذا مما يمتنع وقوعه في العادات، ولا يجوز اتفاقه (10) من العقلاء. # وإلى هذا [الموضع] قد استقصى أهل العلم الكلام، وأكثروا في هذا المعنى ~~وأحكموه. # / ويمكن أن يقال: إنهم لو كانوا قادرين على معارضته والإتيان بمثل ما أتى ~~به، لم يجز أن يتفق منهم ترك المعارضة، وهم على ما هم عليه من PageV01P022 # الذرابة والسلاقة (1) ، والمعرفة بوجوه الفصاحة، وهو يستطيل عليهم بأنهم ~~عاجزون عن مباراته، وأنهم يضعفون عن مجاراته. # ويكرر (2) فيما جاء به ذكر عجزهم عن مثل ما يأتي به، ويقرعهم ويؤنبهم ~~عليه، ويدرك آماله فيهم، وينجح ما سعى له في تركهم (3) المعارضة. # وهو يذكر فيما يتلوه تعظيم شأنه، وتفخيم أمره، حتى يتلو قوله تعالى: (قل ~~لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو ~~كان بعضهم لبعض ظهيرا) (4) ، وقوله: (ينزل الملائكة بالروح # من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون) (5) ~~، وقوله: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم) ، (6) وقوله: (إنا ~~نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (7) ، وقوله: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف ~~تسئلون) (8) وقوله: (هدى ms100 للمتقين) (9) ، وقوله: (الله نزل أحسن الحديث ~~كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم ~~وقلوبهم إلى ذكر الله) (10) . # إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن تعظيم شأن القرآن. # فمنها ما يتكرر في السورة في مواضع منها، ومنها ما ينفرد فيها. # وذلك مما يدعوهم إلى المباراة، ويحضهم على المعارضة، وإن لم يكن متحديا ~~إليه. # ألا ترى أنهم قد ينافر شعراؤهم بعضهم بعضا؟ ولهم في ذلك مواقف معروفة، ~~وأخبار مشهورة، وآثار منقولة مذكورة (11) . # وكانوا يتنافسون على الفصاحة والخطابة والذلاقة، ويتبجحون بذلك، ~~ويتفاخرون بينهم. PageV01P023 # فلن يجوز - والحال هذه - أن يتغافلوا عن معارضته لو كانوا قادرين عليها ~~تحداهم أو لم يتحدهم إليها. # ولو كان هذا القبيل مما يقدر عليه البشر، لوجب في ذلك أمر آخر، وهو: أنه ~~لو كان مقدورا للعباد لكان قد اتفق إلى وقت مبعثه من هذا لقبيل ما كان ~~يمكنهم أن يعارضوه به، وكانوا لا يفتقرون إلى تكلف وضعه، وتعمل نظمه في ~~الحال. # / فلما لم نرهم احتجوا عليه بكلام سابق، وخطبة متقدمة ورسالة سالفة، ونظم ~~بديع، ولا عارضوه به فقالوا: هذا أفصح مما جئت به وأغرب منه أو هو مثله - ~~علم أنه لم يكن إلى ذلك سبيل، وأنه لم يوجد له نظير. # ولو كان وجد له مثل لكان ينقل إلينا، ولعرفناه، كما نقل إلينا أشعار أهل ~~الجاهلية، وكلام الفصحاء والحكماء من العرب، وأدى إلينا كلام الكهان وأهل ~~الرجز والسجع والقصيد، وغير ذلك من أنواع بلاغاتهم، وصنوف فصاحاتهم. # فإن قيل: الذي بنى عليه الأمر في تثبيت معجزة القرآن: أنه وقع التحدي إلى ~~الإتيان بمثله، وأنهم عجزوا عنه بعد التحدي إليه، فإذا نظر الناظر وعرف وجه ~~النقل المتواتر في هذا الباب - وجب له العلم بأنهم كانوا عاجزين عنه. # وما ذكرتم يوجب سقوط تأثير التحدي، وإن ما أتى به قد عرف العجز عنه بكل ~~حال. # قيل: إنما احتيج إلى التحدي لإقامة الحجة، وإظهار وجه البرهان [على ~~الكافة] . # لأن المعجزة إذا ظهرت فإنما تكون حجة بأن يدعيها من ظهرت عليه، ولا ms101 تظهر # على مدع لها إلا وهي معلومة أنها من عند الله. # فإذا كان يظهر وجه الإعجاز فيها للكافة بالتحدي وجب فيها التحدي. # لانه تزول بذلك الشبهة عن الكل، وينكشف للجميع أن / العجز واقع في ~~المعارضة. # وإلا كان (1) مقتضى ما قدمناه من الفصل أن من كان يعرف وجوه الخطاب، ~~ويفتن في مصارف (2) الكلام، وكان كاملا في فصاحته، جامعا للمعرفة بوجوه ~~الصناعة - لو أنه احتج عليه بالقرآن، وقيل له، إن الدلالة على النبوة ~~والآية للرسالة ما تلوته (3) عليك منه، PageV01P024 # لكان ذلك بالغا (1) في إيجاب الحجة [عليه] ، وتماما في إلزامه فرض المصير ~~إليه. # ومما يؤكد هذا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا الآحاد إلى الإسلام، ~~محتجا عليهم بالقرآن، لانا نعلم [ضرورة] أنه لم يلزمهم تصديقه تقليدا، ~~ونعلم أن السابقين الاولين إلى الاسلام لم يقلدوه، إنما دخلوا على بصيرة. # ولم نعلمه قال لهم: إرجعوا إلى جميع الفصحاء، فإن عجزوا عن الاتيان بمثله ~~فقد ثبت حجتي. # بل لما رآهم يعلمون إعجازه، ألزمهم حكمه فقبلوه، وتابعوا الحق، وبادروا ~~إليه مستسلمين، ولم يشكوا في صدقه، ولم يرتابوا في وجه دلالته. # فمن كانت بصيرته أقوى، ومعرفته أبلغ، كان إلى القبول منه / أسبق. # ومن اشتبه عليه وجه الاعجاز، أو خفى (2) عليه بعض شروط المعجزات وأدلة ~~النبوات - كان أبطأ إلى القبول، حتى تكاملت أسبابه، واجتمعت له بصيرته # وترادفت عليه مواده. # وهذا فصل يجب أن يتمم القول فيه [من] بعد، فليس هذا بموضع له. # ويبين ما قلناه: أن هذه الآية علم يلزم الكل قبوله والانقياد له، وقد ~~علمنا تفاوت الناس في إدراكه، ومعرفة وجه دلالته، لأن الأعجمي لا يعلم أنه ~~معجز إلا بأن يعلم عجز العرب عنه. # وهو يحتاج في معرفة ذلك إلى أمور لا يحتاج إليها من كان من أهل صنعة ~~الفصاحة. # فإذا عرف عجز أهل الصنعة حل محلهم، وجرى مجراهم في (3) توجه الحجة عليه. # وكذلك لا يعرف المتوسط من أهل اللسان، من هذا الشأن، ما يعرفه العالي في ~~هذه الصنعة. # فربما حل في ذلك محل الأعجمي، في ms102 أن لا تتوجه عليه الحجة حتى يعرف عجز ~~المتناهي في الصنعة عنه. # وكذلك لا يعرف المتناهي في معرفة الشعر وحده، أو الغاية في معرفة الخطب ~~أو الرسائل وحدهما -[من] غور هذا الشأن - ما يعرف من استكمل معرفة ~~PageV01P025 # جميع تصاريف الخطاب ووجوه / الكلام وطرق البراعة. # فلا تكون الحجة قائمة على المختص ببعض هذه العلوم بانفرادها دون تحققه ~~لعجز (1) البارع في هذه العلوم كلها عنه. # فأما من كان متناهيا في معرفة وجوه الخطاب وطرق البلاغة والفنون التي ~~يمكن فيها إظهار الفصاحة، فهو متى سمع القرآن عرف إعجازه. # وإن لم نقل ذلك أدى هذا القول إلى أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يعرف إعجاز القرآن حين أوحي إليه، حتى سبر الحال بعجز أهل اللسان عنه! ~~وهذا خطأ من القول. # فصح من هذا الوجه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أوحي إليه القرآن عرف ~~كونه معجزا، أو عرف - بأن (2) قيل له: إنه دلالة وعلم على نبوتك. # - إنه كذلك، من قبل أن يقرأه على غيره أو يتحدى إليه سواه. # ولذلك قلنا: إن المتناهي في الفصاحة والعلم بالأساليب التي يقع فيها ~~التفاصح، متى سمع القرآن عرف أنه معجز، لأنه يعرف من حال نفسه أنه لا يقدر ~~عليه، وهو يعرف من حال غيره مثل ما يعرف من حال نفسه، فيعلم أن عجز غيره ~~كعجزه هو. # وإن كان يحتاج بعد هذا إلى / استدلال آخر على أنه علم على نبوته، ودلالة ~~على رسالته (3) بأن يقال له: إن هذه آية لنبى، وإنها (4) ظهرت عليه، ~~وادعاها معجزة له، وبرهانا على صدقه. # فإن قيل: فإن من الفصحاء من يعلم عجز نفسه عن قول الشعر، ولا يعلم مع ذلك ~~عجز غيره عنه. # فكذلك البليغ، وإن علم عجز نفسه عن مثل القرآن، فهو يخفى عليه عجز غيره. # قيل: هو مع مستقر العادة، وإن عجز عن قول الشعر، وعلم أنه مفحم، فإنه ~~يعلم أن الناس لا ينفكون من وجود الشعراء فيهم. # ومتى علم البليغ المتناهي في صنوف البلاغات عجزه عن القرآن، ms103 علم عجز غيره ~~عنه، وأنه كهو، لأنه (5) يعلم أن حاله وحال غيره في هذا الباب سواء. ~~PageV01P026 # إذ ليس في العادة مثل للقرآن يجوز أن (1) يعلم قدرة أحد من البلغاء عليه. # فإذا لم يكن لذلك مثل في العادة - وعرف هذا الناظر جميع أساليب الكلام، ~~وأنواع الخطاب، ووجد القرآن مباينا لها - علم خروجه عن العادة، وجرى مجرى ~~ما يعلم أن إخراج اليد البيضاء من الجيب خارج عن العادات، فهو لا يجوزه من ~~نفسه، وكذلك لا يجوز وقوعه من غيره، إلا على وجه نقض العادة، بل يرى وقوعه ~~/ موقع المعجزة. # وهذا وإن كان يفارق فلق البحر، وإخراج اليد البيضاء ونحو ذلك من وجه، فهو ~~(2) أنه يستوي الناس في معرفة عجزهم عنه، بكونه (3) ناقضا للعادة، من غير ~~تأمل شديد، ولا نظر بعيد. # فإن النظر في معرفة إعجاز القرآن يحتاج إلى تأمل، ويفتقر إلى مراعاة ~~مقدمات، والكشف عن أمور نحن ذاكروها بعد هذا الموضع. # فكل واحد منهما (4) يؤول إلى مثل حكم صاحبه، في الجمع الذى قدمناه..ومما ~~يبين ما قلناه -: من أن البليغ المتناهي في وجوه الفصاحة يعرف إعجاز ~~القرآن، وتكون معرفته حجة عليه، إذا تحدى إليه وعجز عن مثله، وإن لم ينتظر ~~وقوع التحدي في غيره، وما لذى يصنع ذلك بالغير. # - فهو ما روي في الحديث أن جبير بن مطعم ورد على النبي صلى الله عليه ~~وسلم في معنى حليف له، أراد أن يفاديه، فدخل والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ سورة (والطور وكتاب مسطور) في صلاة الفجر، قال: فلما انتهى إلى قوله: ~~(إن عذاب ربك لواقع، ما له من دافع) ، قال: خشيت أن يدركني العذاب. # فأسلم (5) . # وفي حديث آخر، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع سورة (طه) فأسلم (6) . # وقد روي أن قوله عز وجل في أول (حم) السجدة إلى قوله (فأعرض أكثر هم فهم ~~لا يسمعون) (7) نزلت في شيبة وعتبة ابني ربيعة، وأبي سفيان بن حرب، وأبي ~~جهل. # وذكر أنهم بعثوا هم وغيرهم من وجوه قريش، بعتبة بن ربيعة PageV01P027 # إلى النبي صلى ms104 الله عليه وسلم ليكلمه، وكان حسن الحديث، عجيب البيان (1) ~~بليغ الكلام،. # وأرادوا أن يأتيهم بما عنده فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة (حم) ~~السجدة، من أولها حتى انتهى إلى قوله: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل ~~صاعقة عاد وثمود) ، فوثب مخافة العذاب، فاستحكوه ما سمع فذكر أنه لم يفهم ~~(2) منه كلمة واحدة، ولا اهتدى لجوابه. # ولو كان ذلك من جنس كلامهم لم يخف عليه وجه الاحتجاج والرد. # فقال له عثمان بن مظعون: لتعلموا أنه من عند الله، إذ لم يهتد لجوابه (3) ~~. # وأبين من ذلك قول الله عز وجل: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره، حتى ~~يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه) (4) فجعل سماعه حجة عليه بنفسه، فدل على ~~أن فيهم من يكون سماعه إياه حجة عليه. # فإن قيل: لو كان [كذلك] على ما قلتم، لوجب أن يكون حال / الفصحاء الذين ~~كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، على طريقة واحدة في إسلامهم عند ~~سماعه. # قيل له: لا يجب ذلك، لأن صوارفهم كانت كثيرة، منها أنهم كانوا يشكون: ~~ففيهم (5) من يشك في إثبات الصانع، وفيهم من يشك في التوحيد، # وفيهم من يشك في النبوة. # ألا ترى أن أبا سفيان بن حرب، لما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليسلم عام الفتح، قال له النبي عليه السلام: أما آن لك أن تشهد أن لا إله ~~إلا الله؟ قال: بلى. # فشهد، قال: أما آن لك أن تشهد أني رسول الله؟ قال: أما هذه ففي النفس ~~منها شئ؟ ! فكانت وجوه شكوكهم مختلفة، وطرق شبههم متباينة، فمنهم من قلت ~~شبههه، وتأمل الحجة حق تأملها ولم يستكبر، فأسلم. # ومنهم من كثرت شبهه، أو أعرض (6) عن تأمل الحجة حق تأملها، أو لم يكن في ~~البلاغة على حدود النهاية، فتطاول عليه الزمان إلى أن نظر واستبصر، وراعى ~~واعتبر، واحتاج إلى أن يتأمل (7) عجز غيره عن الاتيان بمثله، فلذلك وقف ~~أمره. PageV01P028 # ولو كانوا في الفصاحة على مرتبة واحدة، وكانت صوارفهم وأسبابهم متفقة - ~~لتوافوا إلى القبول ms105 جملة واحدة. # / فإن قيل: فكيف يعرف البليغ الذي وصفتموه إعجاز القرآن؟ وما الوجه الذي ~~يتطرق به إليه، والمنهاج الذي يسلكه، حتى يقف به على جلية الأمر فيه؟ قيل: ~~هذا سبيله أن يفرد له فصل. # * * * # فإن قيل: فلم زعتم أن البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله مع قدرتهم على ~~صنوف البلاغات، وتصرفهم في أجناس الفصاحات؟ وهلا قلتم: إن من قدر على جميع ~~هذه الوجوه البديعة بوجه (1) من هذه الطرق الغريبة - كان على مثل نظم ~~القرآن قادرا، وإنما يصرفه الله عنه ضربا من الصرف، أو يمنعه من الإتيان ~~بمثله ضربا من المنع، أو تقصر دواعيه [إليه] دونه، مع قدرته عليه. # ليتكامل ما أراده الله من الدلالة، ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة، لأن من ~~قدر على نظم كلمتين بديعتين، لم يعجز عن نظم مثلها، وإذا قدر على ذلك قدر ~~على ضم الثانية إلى الأولى، وكذلك الثالثة، حتى يتكامل قدر الآية والسورة؟ ~~فالجواب: أن لو صح ذلك لصح لكل من أمكنه نظم ربع بيت، أو مصراع من بيت - أن ~~ينظم القصائد ويقول الأشعار، وصح لكل ناطق - قد يتفق في كلامه الكلمة ~~البديعة - نظم الخطب البليغة والرسائل العجيبة! ومعلوم أن ذلك غير سائغ ولا ~~ممكن. # على أن ذلك لو لم يكن معجزا على ما وصفناه من جهة نظمه / الممتنع، لكان ~~مهما حط من رتبة البلاغة فيه، ومنع (2) من مقدار الفصاحة في نظمه، [كان] ~~أبلغ في الاعجوبة (3) ، إذا صرفوا عن الاتيان بمثله، ومنعوا من (4) ~~معارضته، وعدلت دواعيهم عنه، فكان يستغني عن إنزاله على النظم البديع، ~~وإخراجه في (5) المعرض الفصيح العجيب. PageV01P029 # على أنه لو كانوا صرفوا على ما ادعاه، لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية ~~مصروفين عما كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وعجيب الرصف. # لأنهم لم يتحدوا إليه، ولم تلزمهم حجته. # فلما لم يوجد في كلامه من قبله مثله، علم أن ما ادعاه القائل " بالصرفة " ~~ظاهر البطلان. # وفيه معنى آخر، وهو: أن أهل الصنعة في هذا الشأن إذا سمعوا كلاما مطمعا ~~لم يخف ms106 عليهم، ولم يشتبه لديهم. # ومن كان متناهيا في فصاحته لم يجز أن يطمع في مثل هذا القرآن بحال. # فإن قال صاحب السؤال: إنه قد يطمع في ذلك. # قيل له: أنت تزيد على هذا فتزعم أن كلام الآدمي قد يضارع القرآن، وقد ~~يزيد / عليه في الفصاحة ولا يتحاشاه، ويحسب أن ما ألفه (1) في الجزء ~~والطفرة هو أبدع وأغرب من القرآن لفظا ومعنى! ولكن ليس الكلام على ما يقدره ~~مقدر في نفسه، ويحسبه ظان من أمره. # والمرجوع في هذا إلى جملة الفصحاء دون الآحاد. # ونحن نبين بعد هذا وجه امتناعه عن الفصيح البليغ، ونميزه في ذلك عن سائر ~~أجناس الخطاب، ليعلم أن ما يقدره من مساواة كلام الناس به تقدير ظاهر الخطأ ~~ببين الغلط، وإن هذا التقدير من جنس من حكى الله تعالى قوله في محكم كتابه: ~~(إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر ~~واستكبر، فقال إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر) (2) فهم يعبرون ~~عن دعواهم: أنهم يمكنهم أن يقولوا مثله، وأن (3) ذلك من قول # البشر، لأن ما كان من قولهم فليس يقع فيه التفاضل إلى الحد الذى يتجاوز ~~إمكان معارضته. # ومما يبطل ما ذكروه من القول " بالصرفة " أنه لو كانت المعارضة ممكنة - ~~وإنما منع منها " الصرفة " - لم يكن الكلام معجزا. # وإنما يكون المنع هو المعجز (4) ، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في ~~نفسه. PageV01P030 # / وليس هذا بأعجب مما ذهب إليه فريق منهم: أن الكل قادرون على الإتيان ~~بمثله، وإنما يتأخرون عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه به. # ولا بأعجب من قول فريق منهم: إنه لا فرق بين كلام البشر وكلام الله تعالى ~~في هذا الباب، وإنه يصح من كل واحد منهما الاعجاز على حد واحد. # * * * فإن قيل: فهل تقولون بأن غير القرآن من كلام الله عز وجل معجز، ~~كالتوراة والانجيل والصحف؟ قيل: ليس شئ من ذلك بمعجز (1) في النظم ~~والتأليف، وإن كان معجزا كالقرآن فيما ms107 يتضمن من الأخبار عن الغيوب (2) . # وإنما لم يكن معجزا لأن الله تعالى لم يصفه بما وصف به القرآن، ولأنا قد ~~علمنا أنه لم يقع التحدي إليه كما وقع التحدي إلى القرآن. # ولمعنى آخر، وهو أن ذلك اللسان لا يتأتى فيه من وجوه الفصاحة، ما يقع به ~~التفاضل الذي ينتهي إلى حد الإعجاز، ولكنه يتقارب. # وقد رأيت أصحابنا يذكرون هذا في سائر الألسنة، ويقولون: ليس / يقع فيها ~~من التفاوت ما يتضمن # التقديم العجيب. # ويمكن بيان ذلك بأنا (3) لا نجد في القدر الذى نعرفه من الالسنة للشئ ~~الواحد، من الاسماء ما نعرف من اللغة، وكذلك لا نعرف فيها الكلمة الواحدة ~~تتناول المعاني الكثيرة على ما تتناوله العربية، وكذلك التصرف في ~~الاستعارات والإشارات، ووجوه الاستعمالات البديعة، التى يجئ تفصيلها بعد ~~هذا. # ويشهد لذلك من القرآن: أن الله تعالى وصفه بأنه: (بلسان عربي مبين) (4) . # وكرر ذلك في مواضع كثيرة، وبين أنه رفعه عن أن يجعله أعجميا. # فلو كان يمكن في لسان العجم إيراد مثل فصاحته، لم يكن ليرفعه عن هذه ~~المنزلة. # وإنه وإن كان يمكن أن يكون من فائدة قوله: إنه عربي مبين، أنه مما ~~يفهمونه ولا يفتقرون فيه إلى الرجوع إلى غيرهم، ولا يحتاجون في تفسيره إلى ~~سواهم (5) ، فلا يمتنع أن يفيد ما قلناه أيضا، كما أفاد بظاهره ما قدمناه. # ويبين ذلك أن كثيرا من المسلمين قد عرفوا تلك الالسنة، وهم من أهل ~~PageV01P031 # البراعة فيها، وفى العربية، فقد وقفوا على أنه ليس فيها / من التفاضل ~~والفصاحة، ما يقع في العربية. # ومعنى آخر، وهو إنا لم نجد أهل التوراة والإنجيل ادعوا الإعجاز لكتابهم، ~~ولا ادعى لهم المسلمون. # فعلم أن الإعجاز مما يختص به القرآن. # ويبين هذا أن الشعر لا يتأتى في تلك الألسنة، على ما قد اتفق في العربية. # وإن كان قد يتفق منها صنف أو أصناف ضيقة، لم يتفق فيها من البديع ما يمكن # ويتأتى في العربية، وكذلك لا يتأتى في الفارسية جميع الوجوه التى تتبين ~~فيها الفصاحة على ما يتأتى في العربية. ms108 # فإن قيل: فإن المجوس تزعم أن كتاب زرادشت، وكتاب ماني معجزان؟ قيل: الذي ~~يتضمنه كتاب مانى، من طرق النيرنجات (1) ، وضروب من الشعوذة، ليس يقع فيه ~~إعجاز. # ويزعمون أن في كتاب الحكم، وهي حكم منقولة، متداولة على الألسن (2) ، لا ~~تختص بها أمة دون أمة، وإن كان بعضهم أكثر اهتماما بها، وتحصيلا لها، وجمعا ~~لابوابها. # وقد ادعى قوم أن " ابن المقفع " عارض القرآن، وإنما فزعوا إلى " الدرة " ~~و " التليمية ". # وهما كتابان: أحدهما يتضمن حكما منقولة، توجد عند / حكماء كل أمة مذكورة ~~بالفضل. # فليس فيها (3) شئ بديع من لفظ ولا معنى. # والآخر في شئ من الديانات، وقد تهوس فيه بما لا يخفى على متأمل. # وكتابه الذي بيناه في الحكم، منسوخ من كتاب بزرجمهر في الحكمة. # فأي صنع له في ذلك؟ وأي فضيلة حازها فيما جاء به؟ وبعد، فليس يوجد له ~~كتاب يدعى مدع انه عارض فيه القرآن، بل يزعمون أنه اشتغل بذلك مدة، ثم مزق ~~ما جمع، واستحيا لنفسه من إظهاره. # فإن كان كذلك، فقد أصاب وأبصر القصد، ولا يمتنع أن يشتبه عليه الحال في ~~الابتداء ثم يلوح له رشده، ويتبين له أمره، وينكشف له عجزه. # ولو كان بقي على اشتباه الحال عليه، لم يخف علينا موضع غفلته، ولم يشتبه ~~لدينا وجه شبهته. # ومتى أمكن أن تدعى الفرس في شئ من كتبها أنه معجز في حسن تأليفه، وعجيب ~~نظمه؟ PageV01P032 # / فصل في جملة وجوه إعجاز القرآن ذكر أصحابنا وغيرهم في ذلك ثلاثة أوجه ~~من الإعجاز: أحدها: يتضمن الإخبار عن الغيوب، وذلك مما لا يقدر عليه البشر، ~~ولا سبيل لهم إليه. # فمن ذلك ما وعد الله تعالى نبيه، عليه السلام، أنه سيظهر دينه على ~~الأديان، بقوله عز وجل: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على ~~الدين كله، ولو كره المشركون) (1) ، ففعل ذلك. # وكان أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله، ~~من إظهار دينه. # ليثقوا بالنصر، ويستيقنوا بالنجح. # وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه يفعل كذلك في ms109 أيامه، حتى وقف أصحاب ~~جيوشه عليه، فكان سعد بن أبي وقاص، رحمه الله، وغيره من أمراء الجيوش، من ~~جهته، يذكر ذلك لأصحابه، ويحرضهم / به، ويوثق لهم، وكانوا يلقون الظفر في ~~متوجهاتهم (2) ، حتى فتح إلى آخر أيام عمر رضي الله عنه، إلى بلخ، وبلاد ~~الهند، وفتح في أيامه مرو الشاهجان، ومرو الروذ، ومنعهم من العبور إلى ~~جيحون (3) ، وكذلك فتح في أيامه فارس إلى اصطخر (4) ، وكرمان، ومكران، ~~وسجستان، وجميع ما كان من مملكة كسرى، وكل ما كان يملكه ملوك فارس، بين ~~البحرين من الفرات إلى جيحون، وأزال ملك ملوك الفرس، فلم يعد إلى اليوم ولا ~~يعود أبدا، إن شاء الله تعالى، ثم إلى حدود أرمينية، وإلى باب الأبواب. # وفتح أيضا ناحية الشام، والأردن، وفلسطين، وفسطاط مصر، وأزال ملك قيصر ~~عنها، وذلك من الفرات إلى بحر مصر، وهو ملك قيصر. # وغزت الخيول في أيامه إلى عمورية، فأخذ الضواحي كلها، ولم يبق ~~PageV01P033 # منها (1) إلا ما حجز دونه بحر، أو حال عنه جبل منيع، أو أرض خشنة، أو ~~بادية غير مسلوكة. # وقال الله عز وجل: (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس ~~المهاد) (2) ، فصدق فيه. # / وقال في أهل بدر: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم) (3) . # ووفى لهم بما وعد. # وجميع الآيات التي يتضمنها القرآن، من الأخبار عن الغيوب، يكثر جدا، ~~وإنما أردنا أن ننبه بالبعض على الكل. # * * * والوجه الثاني: أنه كان معلوما من حال النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أنه كان أميا لا يكتب، ولا يحسن أن يقرأ. # وكذلك كان معروفا من حاله أنه لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين، ~~وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم، ثم أتى بجمل ما وقع وحدث من عظيمات الأمور، ~~ومهمات السير، من حين خلق الله آدم عليه السلام، إلى حين مبعثه، فذكر في ~~الكتاب، الذي جاء به معجزة له: قصة آدم عليه السلام، وابتدأ خلقه. # وما صار أمره إليه من الخروج من الجنة. # ثم جملا من أمر ولده وأحواله وتوبته، ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، وما ~~كان بينه ms110 وبين قومه، وما انتهى إليه أمرهم (4) . # وكذلك أمر إبراهيم عليه السلام، إلى ذكر سائر الأنبياء المذكورين في ~~القرآن، والملوك والفراعنة الذين كانوا في أيام الأنبياء، صلوات الله ~~عليهم. # / ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه، إلا عن تعلم، وإذ كان معروفا ~~أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار وحملة الأخبار، ولا مترددا إلى التعلم منهم، ~~ولا كان ممن يقرأ، فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه - علم أنه لا يصل إلى ~~علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي. # ولذلك قال الله عز وجل: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ~~إذا لا رتاب المبطلون) (5) وقال: (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست) (6) . # وقد بينا أن من PageV01P034 # كان يختلف إلى تعلم علم، ويشتغل بملابسة أهل صنعة، لم يخف على الناس ~~أمره، ولم يشتبه (1) عندهم مذهبه، وقد كان يعرف فيهم من يحسن هذا العلم، ~~وإن كان نادرا، وكذلك كان يعرف من يختلف إليه للتعلم، وليس يخفى في العرف ~~عالم كل صنعة ومتعلمها، فلو كان منهم لم يخف أمره. # والوجه الثالث: أنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد ~~الذي يعلم عجز الخلق عنه. # والذي أطلقه العلماء هو على هذه الجملة، ونحن نفصل ذلك بعض التفصيل، ~~ونكشف الجملة التي أطلقوها. # فالذي يشتمل عليه بديع نظمه، المتضمن للاعجاز وجوه: # منها ما يرجع إلى الجملة، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه، / وتباين ~~(2) مذاهبه - خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ~~ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام ~~المعتاد. # وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم، تنقسم إلى أعاريض ~~الشعر، على اختلاف أنواعه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى، ثم إلى ~~أصناف الكلام المعدل المسجع، ثم إلى معدل موزون غير مسجع، ثم إلى ما يرسل ~~إرسالا، فتطلب فيه الإصابة والإفادة، وإفهام المعاني المعترضة على وجه ~~بديع، ترتيب لطيف، وإن لم يكن معتدلا في وزنه، وذلك شبيه (3) بجملة الكلام ~~الذي لا ms111 يتعمل [فيه] ، ولا يتصنع له. # وقد علمنا أن القرآن خارج عن هذه الوجوه، ومباين لهذه الطرق. # ويبقى علينا أن نبين أنه ليس من باب السجع، ولا فيه شئ منه، وكذلك ليس من ~~قبيل الشعر، لأن من الناس من زعم أنه كلام مسجع، ومنهم من يدعى (4) فيه ~~شعرا كثيرا. # والكلام عليهم يذكر بعد هذا الموضع. # فهذا إذا تأمله المتأمل تبين - بخروجه عن أصناف كلامهم، وأساليب خطابهم - ~~أنه خارج عن العادة، وأنه معجز. # وهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن، وتميز حاصل في جميعه. # * * * PageV01P035 # / ومنها أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة، والتصرف ~~البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في ~~البلاغة. # والتشابه في البراعة، على هذا الطول، وعلى هذا القدر. # وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم (1) قصائد ~~محصورة، يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال، ويعترضها ما نكشفه من ~~الاختلاف، ويشملها (2) ما نبديه من التعمل والتكلف، والتجوز والتعسف. # وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسبا في الفصاحة، على ما وصفه الله ~~تعالى به، فقال عز من قائل: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها، مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) * ~~(3) وقوله: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (4) فأخبر ~~سبحانه أن كلام الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت، وبان عليه الاختلال. # وهذا المعنى هو غير المعنى الأول الذي بدأنا بذكره، فتأمله تعرف الفصل ~~(5) . # * * * / وفي ذلك معنى ثالث: وهو أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ~~ولا يتباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها: من ذكر قصص ~~ومواعظ واحتجاج، وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، ~~وأوصاف، وتعليم أخلاق كريمة، وشيم رفيعة، وسير مأثورة. # وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها. # ونجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع - يختلف على ~~حسب اختلاف هذه الأمور. # فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو. # ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح. # ومنهم ms112 من يسبق في التقريط دون التأبين. # ومنهم من يجود في التأبين دون التقريط. PageV01P036 # ومنهم من يغرب في وصف الإبل أو الخيل، أو سير الليل، أو وصف الحرب، أو ~~وصف الروض، أو وصف الخمر، أو الغزل، أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ~~ويتناوله (1) الكلام، ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب، والنابغة إذا ~~رهب، وبزهير إذا رغب. # ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام. # ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ، رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال ~~التي يتصرف فيها، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى، / فإذا جاء إلى غيره ~~قصر عنه، ووقف دونه، وبان الاختلاف على شعره، ولذلك ضرب المثل بالذين ~~سميتهم، لأنه لا خلاف في تقدمهم (2) في صنعة الشعر، ولا شك في تبريزهم في ~~مذهب النظم. # فإذا كان الاختلال يتأتى في شعرهم، لاختلاف ما يتصرفون فيه، ستغنينا عن ~~ذكر من هو دونهم. # وكذلك يستغنى به عن تفصيل نحو هذا في الخطب والرسائل ونحوها. # ثم نجد من الشعراء من يجود في الرجز، ولا يمكنه نظم القصيد أصلا. # ومنهم من ينظم القصيد، ولكن يقصر [تقصيرا عجيبا (3) ، ويقع ذلك من رجزه ~~موقعا بعيدا. # ومنهم من يبلغ في القصيدة الرتبة العالية، ولا ينظم الرجز، أو يقصر] فيه ~~مهما تكلفه أو تعمله (4) . # ومن الناس من يجود في الكلام المرسل، فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصانا ~~بينا (5) . # ومنهم من يوجد بضد ذلك. # وقد تأملنا نظم القرآن، فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ~~ذكرها، على حد واحد، في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت (6) ~~فيه، ولا انحطاط عن المنزلة العليا، ولا / إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا. # وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب، من الآيات الطويلة والقصيرة، ~~فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف. # وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة [تفاوتا بينا، ~~ويختلف اختلافا كبيرا. # ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة] فرأيناه غير مختلف ولا ~~متفاوت PageV01P037 # بل هو على نهاية البلاغة ms113 وغاية البراعة. # فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر، لأن الذي يقدرون عليه قد بينا ~~فيه التفاوت الكثير، عند التكرار وعند تباين الوجوه، واختلاف الاسباب التى ~~يتضمن. # * * * ومعنى رابع: وهو أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا في الفصل ~~والوصل، والعلو والنزول، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه ~~الخطاب عند النظم، # ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع. # ألا ترى أن كثيرا من الشعراء قد وصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره، ~~والخروج من باب إلى سواه. # حتى أن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري، مع جودة نظمه، وحسن وصفه ~~- في الخروج من النسيب إلى المديح. # وأطبقوا على أنه لا يحسنه، ولا يأتي فيه بشئ، وإنما اتفق له - في (1) ~~مواضع معدودة - خروج يرتضى، وتنقل يستحسن. # / وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شئ إلى شئ، والتحول من باب إلى ~~باب. # ونحن نفصل بعد هذا، ونفسر هذه الجملة، ونبين (2) أن القرآن - على اختلاف ~~[فنونه و] ما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة والطرق المختلفة - يجعل المختلف ~~كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد. # وهذا أمر عجيب، تبين به الفصاحة، وتظهر به البلاغة، ويخرج معه الكلام عن ~~حد العادة، ويتجاوز العرف. # * * * ومعنى خامس: وهو أن نظم القرآن وقع موقعا في البلاغة يخرج عن عادة ~~كلام (3) [الجن، كما يخرج عن عادة كلام الانس] . # فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ويقصرون دونه كقصورنا، وقد قال الله ~~عز وجل: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، لا ~~يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (4)) . PageV01P038 # فإن قيل: هذه دعوى منكم، وذلك أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم عجز الجن عن ~~[الاتيان] بمثله، وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله، وإن كنا ~~عاجزين، كما أنهم قد يقدرون على أمور لطيفة، / وأسباب غامضة دقيقة، لا نقدر ~~نحن عليها، ولا سبيل لنا - للطفها - إليها. # وإذا كان كذلك، لم يكن إلى علم ما ادعيتم سبيل. # قيل: قد يمكن أن نعرف ذلك ms114 بخبر الله عز وجل. # وقد يمكن أن يقال: إن هذا الكلام خرج على ما كانت العرب تعتقده من مخاطبة ~~الجن، وما يروون لهم من الشعر، ويحكون عنهم من الكلام، وقد علمنا أن ذلك ~~محفوظ عندهم منقول عنهم. # والقدر الذى نقلوه [من ذلك] قد تأملناه، فهو في الفصاحة لا يتجاوز حد ~~فصاحة الإنس، ولعله يقصر عنها. # ولا يمتنع أن يسمع كلامهم، ويقع بينهم وبينهم محاورات في عهد الأنبياء، ~~صلوات الله عليهم، وذلك الزمان مما لا يمتنع فيه وجود ما ينقض العادات. # على أن القوم إلى الآن يعتقدون مخاطبة الغيلان، ولهم أشعار محفوظة مدونة ~~(1) في دواوينهم. # قال تأبط شرا (2) : وأدهم قد جبت جلبابه * كما اجتابت الكاعب الخيعلا (3) ~~إلى أن حدا الصبح أثناءه * ومزق جلبابه الأليلا (4) / على شيم نار تنورتها ~~* فبت لها مدبرا مقبلا (5) فأصبحت والغول لي جارة * فيا جارتا أنت ما أهولا ~~وطالبتها بضعها، فالتوت * بوجه تهول واستغولا (6) فمن سال أين ثوت جارتي * ~~فإن لها باللوى منزلا وكنت إذا ما هممت اعتزم * - ت وأحر إذا قلت أن أفعلا ~~PageV01P039 # وقال آخر (1) : عشوا ناري فقلت: منون أنتم؟ * فقالوا: الجن، قلت: عموا ~~ظلاما فقلت إلى الطعام فقال منهم * زعيم يحسد الإنس الطعاما (2) ويذكرون ~~لامرئ القيس قصيدة مع عمرو الجنى، وأشعارا لهما، كرهنا نقلها (3) لطولها. # وقال عبيد بن أيوب: / فلله در الغول أي رفيقة * لصاحب قفر خائف يتقفر (4) ~~أرنت بلحن بعد لحن وأوقدت * حوالى نيرانا تلوح وتزهر (5) وقال ذو الرمة (6) ~~بعد قوله: قد أعسف النازح المجهول معسفه * في ظل أخضر يدعوا هامه البوم (7) ~~للجن بالليل في حافاتها زجل * كما تناوح يوم الريح عيشوم (8) دوية ودجى ليل ~~كأنهما * يم تراطن في حافاته الروم (9) وقال أيضا: وكم عرست بعد السرى من ~~معرس * به من كلام الجن أصوات سامر (10) PageV01P040 # / وقال: ورمل عزيف الجن في عقباته * هزير كتضراب المغنين بالطبل (1) وإذا ~~كان القوم يعتقدون كلام الجن ومخاطباتهم، ويحكون عنهم، وذلك القدر المحكي ~~لا يزيد أمره على فصاحة العرب - صح ما وصف عندهم من عجزهم عنه كعجز الإنس. # ويبين ذلك من ms115 القرآن: أن الله تعالى حكى عن الجن ما تفاوضوا فيه من ~~القرآن # فقال: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن. # فلما حضروه قالوا أنصتوا، فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين) (2) إلى آخر ~~ما حكى عنهم فيما يتلوه. # فإذا ثبت أنه وصف كلامهم، ووافق ما يعتقدونه من نقل خطابهم، صح أن يوصف ~~الشئ المألوف بأنه ينحط عن درجة القرآن في الفصاحة. # وهذان الجوابان أسد عندي من جواب " بعض المتكلمين " عنه، بأنه عجز الإنس ~~(3) عن القرآن يثبت له حكم الإعجاز، فلا يعتبر غيره. # / ألا ترى أنه لو عرفنا من طريق المشاهدة عجز الجن عنه، فقال لنا قائل: ~~فدلوا على أن الملائكة تعجز عن الإتيان بمثله، لم يكن لنا في الجواب غير ~~هذه الطريقة التي قد بيناها. # وإنما ضعفنا هذا الجواب، لأن الذي حكى وذكر عجز الجن والإنس (4) عن ~~الإتيان بمثله - فيجب أن نعلم عجز الجن عنه، كما علمنا عجز الإنس عنه. # ولو كان وصف عجز الملائكة عنه، لوجب أن نعرف ذلك أيضا بطريقه. # فإن قيل: أنتم (5) قد انتهيتم إلى ذكر الاعجاز في التفاصيل، وهذا الفصل ~~إنما يدل على الإعجاز في الجملة؟ قيل: هذا كما أنه يدل على الجملة، فإنه ~~يدل على التفصيل أيضا، فصح (6) أن يلحق هذا القبيل. # كما كان يصح أن يلحق بباب الجمل. # * * * PageV01P041 # ومعنى سادس: وهو أن الذي ينقسم عليه الخطاب، من البسط والاقتصار، والجمع ~~والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التى ~~توجد في كلامهم - موجودة في القرآن. # وكل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم المعتاد بينهم، في الفصاحة / والإبداع ~~والبلاغة. # وقد ضمنا بيان ذلك [من] بعد، لأن الوجه ههنا ذكر المقدمات، دون البسط ~~والتفصيل. # * * * ومعنى سابع، وهو أن المعاني التى تضمنها (1) في أصل وضع الشريعة ~~والأحكام، والاحتجاجات في أصل الدين، والرد على الملحدين، على تلك الألفاظ ~~البديعة، وموافقة بعضها بعضا في اللطف والبراعة، مما يتعذر على البشر ~~ويمتنع، وذلك (2) أنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، ~~والأسباب الدائرة بين الناس، أسهل وأقرب من تخير ms116 الألفاظ لمعان مبتكرة، ~~وأسباب مؤسسة مستحدثة، فإذا برع اللفظ في المعنى البارع، كان ألطف وأعجب من ~~أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر، والأمر المتقرر المتصور، ~~ثم انضاف إلى ذلك التصرف البديع في الوجوه التي تتضمن تأييد ما يبتدأ ~~تأسيسه، ويراد تحقيقه - بأن التفاضل في البراعة والفصاحة، ثم إذا وجدت ~~الألفاظ وفق المعنى، والمعاني وفقها، لا يفضل أحدهما على الآخر - فالبراعة ~~أظهر، والفصاحة أتم. # * * * ومعنى ثامن، وهو أن الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته، / بأن تذكر ~~منه الكلمة في تضاعيف كلام، أو تقذف ما بين شعر، فتأخذها (3) الاسماع، ~~وتتشوف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها باديا غامرا سائر ما تقرن (3) به، # كالدرة التي ترى في سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد. # وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير، وهى غرة ~~جميعه، وواسطة عقده، والمنادى على نفسه بتميزه وتخصصه، برونقه وجماله ~~PageV01P042 # واعتراضه في حسنه (1) ومائه، وهذا الفصل أيضا مما يحتاج فيه إلى تفصيل ~~وشرح ونص، ليتحقق ما ادعيناه منه. # ولولا هذه الوجوه التي بيناها، لم يتحير فيه أهل الفصاحة، ولكانوا يفزعون ~~إلى التعمل للمقابلة، والتصنع للمعارضة، وكانوا ينظرون في أمرهم، ويراجعون ~~أنفسهم، أو كان يراجع بعضهم بعضا في معارضته ويتوقفون لها. # فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك، علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة. # إنما عدلوا عن هذه الأمور، لعلمهم بعجزهم عنه، وقصور فصاحتهم دونه. # ولا يمتنع أن يلتبس - على من لم يكن بارعا فيهم، ولا متقدما في الفصاحة ~~منهم - هذا الحال، حتى لا يعلم إلا بعد نظر وتأمل، وحتى / يعرف حال عجز ~~غيره. # إلا أنا رأينا صناديدهم وأعيانهم ووجوههم سلموا ولم يشتغلوا بذلك، تحققا ~~بظهور العجز وتبينا له. # وأما قوله تعالى حكاية عنهم: (لو نشاء لقلنا مثل هذا) (2) فقد يمكن أن ~~يكونوا كاذبين فيما أخبروا به عن أنفسهم [وقد يمكن أن يكون قاله منهم أهل ~~الضعف في هذه الصناعة دون المتقدمين فيها] ، وقد يمكن أن يكون هذا الكلام ~~إنما خرج منهم، وهو يدل على عجزهم. # ولذلك أورده الله ms117 مورد # تقريعهم، لأنه لو كانوا على ما وصفوا به أنفسهم لكانوا يتجاوزون الوعد ~~إلى الإنجاز، والضمان إلى الوفاء، فلما لم يفعلوا (3) ذلك - مع استمرار ~~التحدي وتطاول زمان الفسحة في إقامة الحجة عليهم بعجزهم عنه - علم عجزهم، ~~إذ لو كانوا قادرين على ذلك لم يقتصروا على الدعوى فقط. # ومعلوم من حالهم وحميتهم أن الواحد منهم يقول في الحشرات والهوام ~~والحيات، وفي وصف الأزمة والأنساع، والأمور التي لا يؤبه لها، ولا يحتاج ~~إليها، ويتنافسون في ذلك أشد التنافس، ويتبجحون به أشد التبجح، فكيف يجوز ~~أن تمكنهم معارضته في هذه المعاني الفسيحة، والعبارات الفصيحة، مع تضمن ~~المعارضة لتكذيبه، والذب عن أديانهم القديمة، وإخراجهم أنفسهم من تسفيهه ~~رأيهم، وتضليله إياهم. # والتخلص من منازعته، ثم من محاربته ومقارعته. PageV01P043 # ثم لا يفعلون شيئا من ذلك، / وإنما يحيلون أنفسهم على التعاليل، ~~ويعللونها بالاباطيل. # [هذا محال] . # * * * ومعنى تاسع، وهو: أن الحروف التي بني عليها كلام العرب تسعة وعشرون ~~حرفا. # وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورة. # وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، ~~وهو أربعة عشر حرفا. # ليدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ~~ينظمون بها كلامهم. # والذى تنقسم إليه هذه الحروف على ما قسمه أهل العربية وبنوا عليها وجوهها ~~- أقسام، نحن ذاكروها: فمن ذلك أنهم قسموها إلى حروف مهموسة وأخرى مهجورة. # فالمهموسة منها عشرة، وهي: الحاء، والهاء، والخاء، والكاف، والشين، ~~والثاء، والفاء، والتاء، والصاد، والسين. # وما سوى ذلك من الحروف فهي مهجورة. # وقد عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة في جملة الحروف المذكورة في ~~أوائل السور. # وكذلك نصف الحروف المجهورة على السواء، لا زيادة ولا نقصان. # " والمجهور " معناه: أنه حرف أشبع الاعتماد في موضعه، ومنع أن يجرى معه ~~[النفس] حتى ينقضي الاعتماد، ويجري الصوت. # / " والمهموس " كل حرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى معه النفس. # وذلك مما يحتاج إلى معرفته لتبنى (1) عليه أصول العربية. # وكذلك مما يقسمون إليه الحروف، يقولون: أنها على ms118 ضربين: أحدهما حروف ~~الحلق، وهي ستة أحرف: العين، والحاء، والهمزة، والهاء، والخاء، والغين. # والنصف [الآخر] من هذه الحروف مذكور في جملة الحروف التى تشتمل ~~PageV01P044 # عليها الحروف المثبتة (1) في أوائل السور، وكذلك النصف من الحروف التى ~~ليست بحروف الحلق. # وكذلك تنقسم هذه الحروف إلى قسمين آخرين: أحدهما حروف غير شديدة، # وإلى الحروف الشديدة، وهي التي تمنع الصوت أن يجري فيه، وهي الهمزة، ~~والقاف، والكاف، والجيم، والظاء، والذال، والطاء، والباء (2) . # وقد علمنا أن نصف هذه الحروف أيضا هي مذكورة في جملة تلك الحروف التى بنى ~~عليها تلك السور. # ومن ذلك الحروف المطبقة، وهي أربعة أحرف، وما سواها منفتحة. # فالمطبقة: الطاء، والظاء، والصاد، والضاد. # / وقد علمنا أن نصف هذه [الحروف] في جملة الحروف المبدوء بها في أوائل ~~السور. # وإذا كان القوم - الذين قسموا في الحروف هذه الأقسام لأغراض لهم في ترتيب ~~العربية، وتنزيلها بعد الزمان الطويل من عهد النبي صلى الله عليه وسلم - ~~رأوا مباني اللسان على هذه الجهة، وقد نبه بما ذكر في أوائل السور على ما ~~لم يذكر، على حد التنصيف الذي وصفنا - دل على أن وقوعها الموقع الذي يقع ~~التواضع عليه - بعد العهد الطويل - لا يجوز أن يقع إلا من الله عز وجل، لأن ~~ذلك يجري مجرى علم الغيوب. # وإن كان إنما تنبهوا على ما بني عليه اللسان في أصله، ولم يكن لهم في ~~التقسيم (3) شئ، وإنما التأثير لمن وضع أصل اللسان، فذلك أيضا من البديع ~~الذي يدل على أن أصل وضعه وقع موقع الحكمة التي يقصر عنها اللسان. # فإن كان أصل اللغة توقيفا فالأمر في ذلك أبين. # وإن كان على سبيل التواضع فهو عجيب أيضا، لأنه لا يصح أن تجتمع هممهم ~~المختلفة على نحو هذا إلا بأمر من عند الله تعالى. # وكل ذلك يوجب إثبات الحكمة في ذكر هذه الحروف على حد يتعلق به الإعجاز من ~~وجه. PageV01P045 # وقد يمكن أن تعاد فاتحة كل سورة لفائدة (1) تخصها في النظم، إذا كانت ~~حروفا، كنحو (الم) لان الألف المبدوء بها هي أقصاها ms119 / مطلعا، واللام ~~متوسطة، والميم متطرفة، لأنها تأخذ في الشفة. # فنبه بذكرها على غيرها من الحروف، وبين أنه إنما أتاهم بكلام منظوم مما ~~يتعارفون من الحروف التي تتردد بين هذين الطرفين. # ويشبه أن يكون التنصيف وقع في هذه الحروف دون الألف، لأن الألف قد تلغى، ~~وقد تقع الهمزة وهي موقعا واحدا. # * * * ومعنى عاشر، وهو: أنه سهل سبيله، فهو خارج عن الوحشي المستكره، ~~والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة. # وجعله قريبا إلى الإفهام، يبادر معناه لفظه إلى القلب، ويسابق المغزى منه ~~عبارته إلى النفس. # وهو مع ذلك ممتنع المطلب، عسير المتناول، غير مطمع مع قربه في نفسه، ولا ~~موهم مع دنوه في موقعه أن يقدر عليه، أو يظفر به. # فأما الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذل، والقول المسفسف، ~~فليس يصح أن تقع فيه فصاحة أو بلاغة، فيطلب فيه الممتنع (2) ، أو يوضع فيه ~~الإعجاز. # ولكن لو وضع في وحشي مستكره، أو غمر بوجوه الصنعة، وأطبق بأبواب التعسف ~~والتكلف - لكان لقائل أن يقول فيه ويعتذر، أو يعيب ويقرع. # ولكنه أوضح مناره، وقرب منهاجه، وسهل سبيله، وجعله في ذلك # متشابها متماثلا، وبين مع ذلك إعجازهم فيه. # / وقد علمت أن كلام فصحائهم، وشعر بلغائهم لا ينفك من تصرف في غريب ~~مستنكر، أو وحشي مستكره، ومعان مستبعدة. # ثم عدولهم إلى كلام مبتذل وضيع لا يوجد دونه في الرتبة، ثم تحولهم إلى ~~كلام معتدل بين الامرين، متصرف بين المنزلتين. # فمن شاء أن يتحقق هذا نظر في قصيدة امرئ القيس: * قفا نبك من ذكرى حبيب ~~ومنزل * PageV01P046 # ونحن نذكر بعد هذا على التفصيل ما تتصرف إليه هذه القصيدة ونظائرها ~~ومنزلتها من البلاغة، ونذكر وجه فوت نظم القرآن محلها، على وجه يؤخذ باليد، ~~ويتناول من كثب، ويتصور في النفس كتصور الاشكال، ليتبين ما ادعيناه من ~~الفصاحة العجيبة للقرآن. # واعلم أن من قال من أصحابنا: إن الاحكام معللة بعلل موافقة لمقتضى العقل ~~- جعل هذا وجها من وجوه الإعجاز، وجعل هذه الطريقة دلالة فيه، كنحو ما ~~يعللون به الصلاة، ومعظم الفروض وأصولها. ms120 # ولهم في كثير من تلك العلل طرق قريبة، ووجوه تستحسن. # وأصحابنا من أهل " خراسان " يولعون بذلك، ولكن الأصل الذي يبنون عليه ~~عندنا غير مستقيم. # وفي ذلك كلام يأتي في " كتابنا في الأصول ". # وقد يمكن في تفاصيل ما أوردنا من المعاني الزيادة والإفراد، فإنا جمعنا ~~بين أمور، وذكرنا المزية المتعلقة بها، وكل واحد من تلك / الأمور مما قد ~~يمكن اعتماده # في إظهار الاعجاز فيه. # فإن قيل: فهل تزعمون أنه معجز، لأنه حكاية لكلام القديم سبحانه، أو لأنه ~~عبارة عنه، أو لأنه قديم في نفسه؟ قيل: لسنا نقول بأن الحروف قديمة، فكيف ~~يصح التركيب على الفاسد؟ ولا نقول أيضا: إن وجه الاعجاز في نظم القرآن [من ~~أجل] أنه حكاية عن كلام الله (1) ، لأنه لو كان كذلك لكانت التوراة ~~والإنجيل وغيرهما من كتب الله عز وجل معجزات في النظم والتأليف. # وقد بينا أن إعجازها في غير ذلك. # وكذلك كان يجب أن تكون كل كلمة مفردة معجزة بنفسها ومنفردها، وقد ثبت ~~خلاف ذلك. PageV01P047 # / فصل في شرح ما بينا من وجوه إعجاز القرآن فأما الفصل الذي بدأنا بذكره ~~من الإخبار عن الغيوب، والصدق والإصابة في ذلك كله - فهو كقوله تعالى: (قل ~~للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون) ~~(1) فأغزاهم أبو بكر، وعمر، رضي الله عنهما، إلى قتال العرب والفرس والروم. # وكقوله: (آلم. # غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) (2) . # وراهن أبو بكر الصديق رضي الله عنه في ذلك، وصدق الله وعده. # وكقوله في قصة أهل بدر: [ (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم) (3) ~~] [وكقوله] : (سيهزم الجمع ويولون الدبر) (4) # وكقوله: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله آمنين محلقين رءؤسكم ومقصرين، لا تخافون) (5) . # / وكقوله: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم آمنا) (6) . # وصدق الله تعالى وعده في ذلك كله. # وقال في قصة ms121 المخلفين عنه في غزوته: (لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي ~~عدوا) (7) . # فحق ذلك كله وصدق، ولم يخرج من المنافقين (8) الذين خوطبوا بذلك معه - ~~أحد. PageV01P048 # وكقوله: (ليظهره على الدين كله) (1) وكقوله: (فقل تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على ~~الكاذبين) (2) . # فامتنعوا من المباهلة، ولو أجابوا إليها اضطرمت عليهم الأودية نارا، على ~~ما ذكر في الخبر (3) . # وكقوله: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. # ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم) (4) ولو تمنوه لوقع بهم. # فهذا وما أشبهه فصل. # * * * / وأما الوجه الثاني الذي ذكرناه، من إخباره من قصص الأولين، وسير ~~المتقدمين فمن العجيب الممتنع على من لم يقف على الإخبار، ولم يشتغل بدرس ~~الآثار (5) . # وقد حكى في القرآن تلك الأمور حكاية من شهدها وحضرها. # ولذلك قال الله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك، ~~إذا لارتاب المبطلون) (6) . # وقال: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من ~~الشاهدين) (7) . # وقال: (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا، ولكن رحمة من ربك، لتنذر قوما ما ~~أتاهم من نذير من قبلك) (8) . # فبين وجه دلالته من إخباره بهذه الامور الغائبة السالفة. PageV01P049 # / وقال: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك، ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من ~~قبل هذا، فاصبر، إن العاقبة للمتقين) (1) . # * * * فأما الكلام في الوجه الثالث، وهو الذي بيناه من الإعجاز الواقع في ~~النظم والتأليف والرصف، فقد ذكرنا من هذا الوجه وجوها: منها: أنا قلنا: إنه ~~نظم خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلامهم، ومباين لأساليب خطابهم. # ومن ادعى ذلك لم يكن له بد من أن يصحح أنه ليس من قبيل الشعر، ولا السجع، ~~ولا الكلام الموزون غير المقفى، لأن قوما من كفار قريش ادعوا أنه شعر. # ومن الملحدة من يزعم أن فيه شعرا. # ومن أهل الملة من يقول: إنه كلام مسجع، إلا أنه أفصح مما قد اعتادوه من ~~أسجاعهم. # ومنهم من ms122 يدعي أنه كلام موزون. # فلا يخرج بذلك عن أصناف ما يتعارفونه من الخطاب. PageV01P050 # / فصل في نفى الشعر من القرآن قد علمنا أن الله تعالى نفى الشعر عن ~~القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (وما علمناه الشعر وما ينبغي ~~له، إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) (1) . # وقال في ذم الشعراء: (والشعراء يتبعهم الغاوون. # ألم تر أنهم في كل واد يهيمون) (2) إلى آخر ما وصفهم به في هذه الآيات. # وقال: (وما هو بقول شاعر) (3) . # وهذا يدل على أن ما حكاه عن الكفار - من قولهم: إنه شاعر، وإن هذا شعر - ~~لابد من أن يكون محمولا على أنهم نسبوه [إلى أنه يشعر بما لا يشعر به غيره ~~من الصنعة اللطيفة في نظم الكلام، لا أنهم نسبوه] في القرآن إلى أن الذي ~~أتاهم به هو من قبيل الشعر الذي يتعارفونه على الأعاريض المحصورة المألوفة. # أو يكون محمولا على ما كان يطلق الفلاسفة على حكمائهم وأهل الفطنة منهم ~~في وصفهم إياهم بالشعر، لدقة نظرهم في وجوه الكلام وطرق لهم في المنطق. # وإن كان ذلك الباب خارجا عما هو عند العرب شعر على الحقيقة. # / أو يكون محمولا على أنه أطلقه (4) بعض الضعفاء منهم في معرفة أوزان ~~الشعر. # وهذا أبعد الاحتمالات. # فإن حمل على الوجهين الأولين كان ما أطلقوه صحيحا، وذلك أن الشاعر يفطن ~~لما لا يفطن له غيره، وإذا قدر على صنعة الشعر كان على ما دونه - في رأيهم ~~وعندهم - أقدر، فنسبوه إلى ذلك لهذا السبب. # فإن زعم زاعم أنه قد وجد في القرآن شعرا كثيرا، فمن ذلك ما يزعمون # أنه بيت تام أو أبيات تامة، ومنه ما يزعمون أنه مصراع، كقول القائل: قد ~~قلت لما حاولوا سلوتي * (هيهات هيهات لما توعدون) (5) ومما يزعمون أنه بيت، ~~قوله:، (وجفان كالجواب وقدور راسيات) (6) قالوا: هو من الرمل، من البحر ~~الذى قيل فيه: PageV01P051 # ساكن الريح نطوف ال * - مزن منحل العزالى (1 / وقوله: (من تزكى فإنما ~~يتزكى لنفسه) (2) . # كقول الشاعر من بحر الخفيف: كل يوم بشمسه * وغد مثل أمسه ms123 وكقوله عزوجل: ~~(ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) (3) قالوا: هو من ~~المتقارب. # وكقوله: (ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا) (4) . # ويشبعون حركة الميم، فيزعمون أنه من الرجز. # وذكر عن أبي نواس أنه ضمن ذلك شعرا، وهو قوله (5) : وفتية في مجلس وجوههم ~~* * ريحانهم قد عدموا التثقيلا (دانية عليهم ظلالها * وذللت قطوفها تذليلا) ~~وقوله عز وجل: (ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم # مؤمنين) (6) . # زعموا أنه من الوافر، كقول الشاعر (7) : لنا غنم نسوقها غزار * كان قرون ~~جلتها عصي (8) / وكقوله عز وجل: (أرأيت الذي يكذب بالدين. # فذلك الذي يدع اليتيم) (9) ضمنه أبو نواس في شعره ففصل، وقال: " فذاك ~~الذي " وشعره: وقرا معلنا ليصدع قلبي * والهوى يصدع الفؤاد السقيما (10) ~~أرأيت الذي يكذب بالدي * - ن فذاك الذي يدع اليتيما PageV01P052 # وهذا من الخفيف. # كقول الشاعر: وفؤادي كعهده بسليمى * بهوى لم يحل ولم يتغير (1) وكما ضمنه ~~في شعره من قوله: سبحان من سخر هذا لنا * (حقا) وما كنا له مقرنين (2) # فزاد فيه حتى انتظم له الشعر. # وكما يقولونه في قوله عز وجل: (والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا) (3) ونحو ~~ذلك من القرآن كثير، كقوله: (والذاريات ذروا. # فالحاملات وقرا. # فالجاريات يسرا) (4) . # وهو عندهم شعر من بحر البسيط. # والجواب عن هذه الدعوى التي ادعوها، من وجوه: / أولها: أن الفصحاء منهم ~~حين أورد عليهم القرآن، لو كانوا يعتقدونه شعرا، ولم يروه خارجا عن أساليب ~~كلامهم - لبادروا إلى معارضته، لان الشعر مسخر لهم مسهل عليهم، ولهم فيه ما ~~علمت من التصرف العجيب، والاقتدار اللطيف. # فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك، ولا عولوا عليه -: علم أنهم لم يعتقدوا فيه ~~شيئا مما يقدره الضعفاء في الصنعة، والمرمدون في هذا الشأن. # وإن استدراك من يجئ الآن على فصحاء قريش وشعراء العرب قاطبة في ذلك ~~الزمان وبلغائهم وخطبائهم، وزعمه أنه قد ظفر بشعر في القرآن [وقد] ذهب ~~أولئك النفر عنه وخفى عليهم مع شدة حاجتهم (5) [عندهم] إلى الطعن في القرآن ~~والغض منه والتوصل إلى تكذيبه بكل ما قدروا عليه - فلن يجوز أن يخفى على ~~أولئك، ms124 وأن يجهلوه، ويعرفه من جاء الآن، وهو بالجهل حقيق! إذا كان كذلك، ~~علم أن الذي أجاب به العلماء عن هذا السؤال سديد، وهو أنهم قالوا: أن البيت ~~الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعرا، وأقل الشعر PageV01P053 # بيتان فصاعدا. # وإلى ذلك ذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل الإسلام. # وقالوا أيضا: إن ما كان على وزن بيتين، إلا أنه يختلف وزنهما أو قافيتهما ~~(1) - فليس بشعر. # / ثم منهم من قال: إن الرجز ليس بشعر أصلا، لا سيما إذا كان مشطورا أو ~~منهوكا. # وكذلك ما كان يقاربه (2) في قلة الأجزاء. # وعلى هذا يسقط السؤال. # ثم يقولون: إن الشعر إنما يطلق، متى قصد القاصد إليه - على الطريق الذى ~~يعتمد ويسلك، ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء، دون ما يستوي فيه ~~العامي والجاهل، والعالم بالشعر واللسان وتصرفه وما يتفق من كل واحد، فليس ~~يكتسب اسم الشعر ولا صاحبه اسم شاعر، لأنه لو صح أن يسمى كل من اعترض في ~~كلامه ألفاظ تتزن بوزن الشعر، أو تنتظم انتظام بعض الأعاريض، كان الناس ~~كلهم شعراء، لأن كل متكلم لا ينفك من أن يعرض في جملة كلام كثير يقوله، ما ~~قد يتزن بوزن الشعر وينتظم انتظامه. # ألا ترى أن العامي قد يقول لصاحبه: " أغلق الباب وائتني بالطعام ". # ويقول الرجل لأصحابه " اكرموا من لقيتم من تميم "؟ ومتى تتبع الانسان هذا ~~[النحو] عرف أنه يكثر في تضاعيف الكلام مثله وأكثر منه (3) . # / وهذا القدر الذي يصح فيه التوارد، ليس يعده أهل الصناعة سرقة، إذا لم ~~تعلم فيه حقيقة الأخذ. # كقول امرئ القيس: وقوفا بها صحبي علي مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجمل ~~(4) PageV01P054 # وكقول طرفة: وقوفا بها صحبي علي مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجلد (1) ~~ومثل هذا كثير. # فإذا صح مثل ذلك في بعض البيت ولم يمتنع التوارد فيه، فكذلك لا يمتنع ~~وقوعه في الكلام المنثور اتفاقا غير مقصود إليه، فإذا اتفق لم يكن ذلك ~~شعرا. # وكذلك يمتنع التوارد على بيتين، وكذلك يمتنع في الكلام المنثور وقوع ~~البيتين ونحوهما. ms125 # فثبت بهذا أن ما وقع هذا الموقع لم يعد شعرا، وإنما يعد شعرا ما إذا قصده ~~صاحبه: تأتى له، ولم يمتنع عليه. # / فإذا كان هو مع قصده لا يتأتى له، وإنما يعرض في كلامه عن غير # قصد إليه - لم يصح أن يقال: إنه شعر، ولا أن صاحبه شاعر، ولا يصح أن ~~يقال: إن هذا يوجب أن مثل هذا لو اتفق من شاعر فيجب أن يكون شعرا، لأنه لو ~~قصده لكان يتأتى له (2) . # وإنما لم يصح ذلك، لأن ما ليس بشعر فلا يجوز أن يكون شعرا من أحد، وما ~~كان شعرا من أحد من الناس كان شعرا من كل أحد (3) . # ألا ترى أن السوقي (4) قد يقول: " اسقني الماء يا غلام سريعا "، وقد يتفق ~~ذلك من الساهي ومن لا يقصد النظم. # فأما الشعر (5) إذا بلغ الحد الذي بينا، فلا يصح أن يقع إلا من قاصد ~~إليه. # وأما الرجز فإنه يعرض في كلام العوام كثيرا، فإذا كان بيتا واحدا فليس ~~ذلك بشعر. # وقد قيل: إن أقل ما يكون منه شعرا أربعة أبيات، بعد أن تتفق قوافيها، ولم ~~يتفق ذلك في القرآن بحال. # فأما دون أربعة أبيات منه أو ما يجري مجراه في قلة الكلمات، فليس بشعر. ~~PageV01P055 # وما اتفق في ذلك من القرآن مختلف الروي، ويقولون: إنه / متى اختلف الروي ~~خرج عن أن يكون شعرا. # وهذه الطرق التى سلكوها في الجواب، معتمدة أو أكثرها. # ولو كان ذلك شعرا لكانت النفوس تتشوف إلى معارضته، لان طريق الشعر غير ~~مستصعب على أهل الزمان الواحد، وأهله يتقاربون فيه، أو يضربون فيه بسهم. # * * * فإن قيل: في القرآن كلام موزون كوزن الشعر، وإن كان غير مقفى، بل ~~هو مزاوج متساوي الضروب، وذلك أحد (1) أقسام كلام العرب. # قيل: من سبيل الموزون من الكلام أن تتساوى أجزاؤه في الطول والقصر، ~~والسواكن والحركات. # فإن خرج عن ذلك لم يكن موزونا، كقوله: رب أخ كنت به مغتبطا * أشد كفى ~~بعرا صحبته تمسكا مني بالود ولا * أحسبه يزهد في ذي أمل (2) تمسكا مني ~~بالود ms126 ولا * أحسبه يغير العهد ولا يحول عنه أبدا * فخاب فيه أملى وقد علمنا ~~أن القرآن ليس من هذا القبيل، بل هذا قبيل غير ممدوح، / ولا مقصود من جملة ~~الفصيح، وربما كان عندهم مستنكرا، بل أكثره على ذلك. # وكذلك (3) ليس في القرآن من الموزون الذى وصفناه أو لا وهو الذي شرطنا ~~فيه التعادل والتساوي في الأجزاء، غير الاختلاف الواقع في التقفية. # ويبين (4) ذلك أن القرآن خارج عن الوزن الذي بينا، وتتم فائدته بالخروج ~~منه. # وأما الكلام الموزون فإن فائدته تتم بوزنه. PageV01P056 # فصل في نفى السجع من القرآن ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن ~~وذكره [الشيخ] أبو الحسن الاشعري [رضى الله عنه] في غير موضع من كتبه. # وذهب كثير ممن يخالفهم إلى اثبات السجع في القرآن. # وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الاجناس التى يقع فيها ~~التفاضل في البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات، وما أشبه ذلك من الوجوه ~~التى تعرف بها الفصاحة. # وأقوى ما يستدلون به عليه: اتفاق الكل على أن موسى أفضل من هرون عليهما ~~السلام، ولمكان (1) السجع قيل في موضع (هرون وموسى) (2) . # ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون، قيل: (موسى وهرون) (3) . # قالوا: وهذا يفارق أمر الشعر، لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلا مقصودا ~~إليه، وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذى نسميه (4) شعرا، وذلك ~~القدر ما يتفق وجوده من المفحم، كما يتفق / وجوده من الشاعر. # وأما ما في القرآن من السجع فهو كثير، لا يصح أن يتفق كله غير المقصود ~~إليه. # ويبنون الأمر في ذلك على تحديد معنى " السجع ". # قال أهل اللغة: هو موالاة الكلام على وزن واحد. # وقال ابن دريد: " سجعت الحمامة " معناه: رددت صوتها. # وأنشد: طربت فأبكتك الحمام السواجع * تميل بها ضحوا غصون نوائع النوائع: ~~الموائل، من قولهم: جائع نائع، أي متمايل ضعفا (5) . # وهذا الذي يزعمونه غير صحيح، ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن ~~أساليب كلامهم، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز. PageV01P057 # ولو ms127 جاز أن يقولوا: هو سجع معجز، لجاز لهم أن يقولوا: شعر معجز. # وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن ~~يكون حجة من نفي الشعر، لأن الكهانة تنافى النبوات، وليس كذلك الشعر. # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذين جاءوه وكلموه في شأن ~~الجنين: كيف ندى من لا شرب ولا أكل (1) ، ولا صاح فاستهل، أليس دمه قد يطل؟ ~~فقال: " اسجاعة كسجاعة الجاهلية؟ " / وفي بعضها: " أسجعا كسجع الكهان " ~~فرأى (2) ذلك مذموما لم يصح أن يكون في دلالته. # والذي يقدرونه (3) أنه سجع فهو وهم، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع ~~وإن لم يكن سجعا، لأن ما يكون به الكلام سجعا يختص ببعض الوجوه دون بعض، ~~لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع. # وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه ~~تابعا للمعنى. # وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه، ~~وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ. # ومتى ارتبط المعنى بالسجع، كانت إفادة السجع كإفادة غيره، ومتى انتظم (4) ~~المعنى بنفسه دون السجع، كان مستجلبا لتحسين (5) الكلام دون تصحيح المعنى. # فإن قيل: فقد يتفق في القرآن ما يكون من القبيلين جميعا، فيجب أن تسموا ~~أحدهما سجعا. # قيل: الكلام في تفصيل هذا خارج عن غرض كتابنا، وإلا كنا نأتى على فصل فصل ~~من أول القرآن إلى آخره، ونبين في الموضع الذي يدعون الاستغناء عن السجع من ~~الفوائد ما لا يخفى، ولكنه / خارج عن غرض كتابنا. # وهذا القدر يحقق الفرق بين الموضعين. # ثم إن سلم لهم مسلم موضعا أو مواضع معدودة، وزعم أن وقوع ذلك موقع (6) ~~الاستراحة في الخطاب إلى الفواصل لتحسين الكلام بها، وهى الطريقة ~~PageV01P058 # التى يباين القرآن بهسائر الكلام، وزعم أن الوجه في ذلك أنه من الفواصل، ~~أو زعم أن ذلك وقع غير مقصود إليه - فإن (1) ذلك إذا اعترض في الخطاب لم ~~يعد سجعا، على ما قد بينا ms128 في القليل من الشعر، كالبيت الواحد، والمصراع، ~~والبيتين من الرجز، ونحو ذلك يعرض فيه، فلا يقال إنه شعر، لأنه لا يقع ~~مقصودا إليه، وإنما يقع مغمورا في الخطاب، وكذلك حال السجع الذى يزعمونه ~~ويقدرونه. # ويقال لهم: لو كان الذي في القرآن على ما تقدرونه سجعا،: لكان مذموما ~~مرذولا، لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت طرقه، كان قبيحا من الكلام. # وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط (2) ، متى أخل به المتكلم # وقع (3) الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة. # كما أن الشاعر إذا خرج عن الوزن المعهود كان مخطئا، وكان شعره مرذولا، ~~وربما أخرجه عن كونه شعرا. # / وقد علمنا أن بعض ما يدعونه سجعا متقارب (4) الفواصل، متداني المقاطع، ~~وبعضها مما يمتد حتى يتضاعف طوله عليه، وترد الفاصلة على ذلك الوزن الأول ~~بعد كلام كثير، وهذا في السجع غير مرضى ولا محمود. # فإن قيل: متى خرج السجع [من] المعتدل إلى نحو ما ذكرتموه، خرج من أن يكون ~~سجعا، وليس على المتكلم أن يلتزم أن يكون كلامه كله سجعا، بل يأتي به طورا ~~ثم يعدل عنه إلى غيره، ثم قد يرجع إليه. # قيل: متى وقع أحد مصراعي البيت (5) مخالفا للآخر، كان تخليطا وخبطا، ~~وكذلك متى اضطرب أحد مصراعي الكلام المسجع وتفاوت كان خبطا. # [وقد] علم أن فصاحة القرآن غير مذمومة في الأصل، فلا يجوز أن يقع فيها ~~نحو هذا الوجه من الاضطراب (6) . PageV01P059 # ولو كان الكلام الذي هو في صورة السجع منه لما تحيروا فيه، ولكانت # الطباع تدعو إلى المعارضة، لأن السجع غير ممتنع عليهم، بل هو عادتهم، ~~فكيف تنقض العادة بما هو نفس العادة، وهو غير خارج عنها ولا متميز (1) ~~منها؟ وقد يتفق في الشعر كلام [متزن] على منهاج السجع / وليس بسجع عندهم. # وذلك نحو قول البحتري: تشكى الوجى، والليل ملتبس الدجا * غريرية الانساب ~~مرت بقيعها (2) وقوله (3) : قريب المدى، حتى يكون إلى الندى * عدو البنى، ~~حتى تكون معالى (4) ورأيت بعضهم يرتكب هذا، فيزعم (5) أنه سجع مداخل! ~~ونظيره من القرآن قوله تعالى: (ثم يوم ms129 القيامة يخزيهم، ويقول أين شركائي ~~الذين كنتم تشاقون فيهم) (6) . # وقوله: (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) (7) . # وقوله: (أحب إليكم من الله ورسوله، وجهاد في / سبيله) (8) . # وقوله: (والتوراة والانجيل، ورسولا إلى بني إسرائيل) (9) . # وقوله: (إني وهن العظم مني) (10) . # ولو كان ذلك عندهم سجعا لم يتحيروا فيه ذلك التحير، حتى سماه بعضهم سحرا، ~~وتصرفوا فيما كانوا يسمونه به ويصرفونه إليه ويتوهمونه فيه. # وهم في الجملة عارفون بعجزهم عن طريقه، وليس القوم بعاجزين عن تلك ~~الأساليب المعتادة عندهم، المألوفة لديهم. # والذي تكلمنا به في هذا (11) الفصل كلام على جملة دون التفصيل. ~~PageV01P060 # ونحن نذكر بعد هذا في التفصيل، ما يكشف عن مباينة ذلك وجوه السجع. # ومن جنس السجع المعتاد عندهم، قول أبي طالب (1) لسيف بن ذي يزن: " أنبتك ~~منبتا (2) طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه ونبت زرعه، في ~~أكرم موطن، وأطيب معدن ". # وما يجرى هذا المجرى من الكلام. # والقرآن مخالف لهذه (3) الطريقة مخالفته للشعر وسائر أصناف كلامهم الدائر ~~بينهم. # / ولا معنى لقولهم: إن ذلك مشتق من ترديد الحمامة صوتها على نسق واحد ~~وروي غير مختلف، لأن ما جرى هذا المجرى لا يبنى على الاشتقاق وحده، ولو بني ~~عليه لكان الشعر سجعا، لأن رويه يتفق ولا يختلف، وتتردد القوافي على طريقة ~~واحدة. # وأما الأمور التي يستريح إليها الكلام، فإنها تختلف: فربما كان ذلك # يسمى (4) قافية، وذلك إنما يكون في الشعر، وربما كان ما ينفصل عنده (5) ~~الكلامان (6) مقاطع السجع، وربما شمى (7) ذلك فواصل. # وفواصل القرآن - مما هو مختص بها (8) لا شركة بينه وبين سائر الكلام فيها ~~ولا تناسب. # وأما ما ذكروه من تقديم موسى على هارون عليهما السلام في موضع، وتأخيره ~~عنه في موضع لمكان السجع وتساوى مقاطع الكلام - فليس بصحيح، لأن الفائدة ~~عندنا غير ما ذكروه. # وهي (9) : أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، تؤدي معنى واحدا من ~~الامر الصعب، الذى تظهر به الفصاحة، وتتبين به (10) البلاغة. # وأعيد كثير من القصص في مواضع [كثيرة] مختلفة، على ترتيبات / متفاوتة، ~~ونبهوا بذلك على عجزهم عن الاتيان بمثله ms130 مبتدأ به ومكررا. # ولو كان فيهم تمكن من المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ ~~PageV01P061 # لهم تؤدى تلك المعاني ونحوها (1) ، وجعلوها بازاء ما جاء به، وتوصلوا ~~بذلك إلى تكذيبه، وإلى مساواته فيما [حكى و] جاء به. # وكيف وقد قال لهم: (فليأتوا # بحديث مثله إن كانوا صادقين) (2) . # فعلى هذا يكون المقصد - بتقديم بعض الكلمات (3) وتأخيرها - إظهار الإعجاز ~~(4) على الطريقين جميعا، دون السجع (5) الذى توهموه. # فإن قال قائل: القرآن مختلط من أوزان كلام العرب، ففيه من جنس خطبهم، ~~ورسائلهم [وشعرهم] وسجعهم، وموزون كلامهم الذي هو غير مقفى، ولكنه أبدع فيه ~~ضربا من الابداع، لبراعته وفصاحته. # قيل: قد علمنا أن كلامهم ينقسم إلى نظم ونثر، وكلام مقفى غير موزون ~~[وكلام موزون غير مقفى] (6) ، ونظم موزون ليس بمقفى كالخطب والسجع، ونظم ~~مقفى موزون له روي. # / ومن هذه الأقسام ما هو سجية الأغلب من الناس، فتناوله أقرب، وسلوكه لا ~~يتعذر. # ومنه ما هو أصعب تناولا، كالموزون عند بعضهم، والشعر عند الآخرين (7) . # وكل هذه الوجوه لا تخرج عن أن تقع لهم بأحد أمرين: إما بتعمل وتكلف وتعلم ~~(8) وتصنع، أو باتفاق من الطبع وقذف من النفس على اللسان للحاجة إليه. # ولو كان ذلك مما يجوز اتفاقه من الطبائع، لم ينفك العالم من قوم يتفق ذلك ~~منهم، ويعرض (9) على ألسنتهم، وتجيش به خواطرهم، ولا ينصرف (10) عنه الكل، ~~مع شدة الدواعي إليه. # ولو كان طريقه التعلم لتصنعوه ولتعلموه (11) والمهلة لهم فسيحة، والامد ~~واسع. PageV01P062 # * * * وقد اختلفوا في الشعر كيف اتفق لهم؟ فقد قيل: إنه اتفق في الأصل ~~غير مقصود إليه، على ما يعرض من أصناف النظام في تضاعيف الكلام، ثم لما ~~استحسنوه واستطابوه ورأوا أنه قد تألفه / الأسماع وتقبله النفوس - تتبعوه ~~(1) من بعد وتعملوه. # وحكى لي بعضهم عن أبي عمر: غلام ثعلب عن ثعلب: أن العرب تعلم أولادها قول ~~الشعر بوضع غير معقول، يوضع على بعض أوزان الشعر كأنه على وزن: * قفا نبك ~~من ذكرى حبيب ومنزل * ويسمون ذلك الوضع " المتير " (2) واشتقاقه من المتر، ~~وهو الجذب أو القطع، يقال: مترت ms131 الحبل، أي (3) قطعته أو جذبته. # ولم يذكر هذه الحكاية عنهم غيره، فيحتمل ما قاله (4) . # وأما ما وقع السبق إليه فيشبه أن يكون على ما قدمنا ذكره أولا. # وقد يحتمل - على قول من قال: إن اللغة اصطلاح - أنهم تواضعوا على هذا ~~الوجه من النظم. # وقد يمكن أن يقال مثله على المذهب الآخر، وأنهم وقفوا على ما يتصرف إليه ~~القول # من وجوه التفاصح، وتواقفوا (5) بينهم على ذلك. # / ويمكن أن يقال: إن التواضع وقع على أصل الباب، وكذلك التوقيف، ولم يقع ~~على فنون تصرف الخطاب، وأن الله تعالى أجرى على لسان بعضهم من النظم ما ~~أجرى، وفطنوا لحسنه فتتبعوه من بعد، وبنوا عليه وطلبوه، ورتبوا فيه المحاسن ~~التى يقع الاطراب (6) بوزنها، وتهش النفوس إليها، وجمع دواعيهم وخواطرهم ~~على استحسان وجوه من ترتيبها، واختبار طرق نم تنزيلها، وعرفهم محاسن ~~الكلام، ودلهم على كل طريقة عجيبة، ثم أعلمهم عجزهم عن الاتيان [بمثل] (7) ~~القرآن، [وأن] القدر الذى تتناهى إليه قدرهم هو ما لم يخرج عن لغتهم (8) ، ~~ولم يشذ من جميع كلامهم، بل قد عرض في خطابهم، ووجدوا أن PageV01P063 # هذا لما تعذر (1) عليهم مع التحدي والتقريع الشديد والحاجة الماسة إليه، ~~مع علمهم بطريق وضع النظم والنثر، وتكامل أحوالهم فيه - دل على أنه اختص به ~~ليكون دلالة على النبوة ومعجزة على الرسالة. # ولولا ذلك لكان القوم إذا اهتدوا في الابتداء إلى وضع هذه الوجوه التي ~~يتصرف إليها الخطاب على براعته وحسن # انتظامه، فلأن يقدروا بعد التنبيه على وجهه والتحدي إليه، أولى أن ~~يبادروا إليه، لو كان لهم إليه سبيل. # / ولو كان الأمر على ما ذكره السائل: لوجب أن لا يتحيروا في أمرهم، أو لا ~~تدخل عليهم شبهة فيما نابهم (2) ، ولكانوا يسرعون إلى الجواب ويبادون إلى ~~المعارضة. # ومعلوم من حالهم أن الواحد منهم يقصد إلى الامور البعيدة عن الوهم، ~~والأسباب التي لا يحتاج إليها، فيكثر فيها من شعر ورجز، ونجد من يعينه على ~~نقله عنه، على ما قدمنا ذكره من وصف الإبل ونتاجها، وكثير من أمرها لا ~~فائدة في ms132 الاشتغال به في دين ولا دنيا. # ثم كانوا يتفاخرون باللسن والذلاقة والفصاحة والذرابة (3) ، ويتنافرون ~~فيه وتجري بينهم فيه الأسباب المنقولة في الآثار، على ما لا يخفى على أهله. # فاستدللنا بتحيرهم في أمر (4) القرآن على خروجه من عادة كلامهم، ووقوعه ~~موقعا يخرق العادات. # وهذه سبيل المعجزات. # فبان بما قلنا أن الحروف التي وقعت في الفواصل متناسبة موقع النظائر التي ~~تقع في الأسجاع، لا يخرجها عن حدها، ولا يدخلها في باب السجع. # وقد بينا أنهم يذمون كل سجع خرج عن اعتدال الأجزاء، فكان / بعض مصاريعه ~~(5) كلمتين، وبعضها أربع (6) كلمات، ولا يرون في ذلك فصاحة، بل يرونه عجزا. # فلو رأوا أن ما تلي عليهم من القرآن سجع لقالوا: نحن نعارضه بسجع ~~PageV01P064 # معتدل، فنزيد في الفصاحة على طريقة القرآن، ونتجاوز حده في البراعة ~~والحسن. # ولا معنى لقول من قدر أنه ترك السجع تارة إلى غيره ثم رجع إليه، لأن ما ~~تخلل بين الأمرين يؤذن بأن وضع الكلام غير ما قدروه من التسجيع (1، لأنه لو ~~كان من باب السجع لكان أرفع نهاياته، وأبعد غاياته (2) . # ولا بد لمن جوز السجع فيه وسلك ما سلكوه من أن يسلم ما ذهب إليه (3) ~~النظام، وعباد بن سليمان، وهشام الفوطي، ويذهب مذهبهم، في أنه ليس في نظم ~~القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه ضربا من الصرف ~~(4) . # / ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم، وأنه منتظم من فرق شتى، ومن ~~أنواع مختلفة ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها، ويستهين ببديع نظمه وعجيب ~~تأليفه الذي وقع التحدي إليه. # وكيف يعجزهم الخروج عن السجع والرجوع إليه، وقد علمنا عادتهم في خطبهم ~~وكلامهم أنهم كانوا لا يلزمون أبدا طريقة السجع والوزن، بل كانوا يتصرفون ~~في أنواع مختلفة، فإذا ادعوا على القرآن مثل ذلك لم يجدوا فاصلة بين نظمى ~~الكلامين. PageV01P065 # فصل / في ذكر البديع من الكلام إن سأل سائل فقال: هل يمكن أن يعرف إعجاز ~~القرآن من جهة ما تضمنه (1) من البديع؟ قيل: ذكر أهل الصنعة ومن صنف في هذا ~~المعنى من ms133 صفة البديع ألفاظا نحن نذكرها، ثم نبين ما سألوا عنه، ليكون ~~الكلام واردا على أمر مبين، وباب مقرر مصور (2) . # ذكروا: أن من البديع في القرآن قوله عز ذكره: (واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة) (3) . # وقوله: (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) (4) . # وقوله: (واشتعل الرأس شيبا (5) وقوله: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ~~فإذا هم مظلمون) (6) . # وقوله: (أو يأتيهم عذاب يوم عقيم) (7) . # وقوله: (نور على نور) (8) . # / وقد يكون البديع في الكلمات الجامعة الحكيمة، كقوله: (ولكم في القصاص ~~حياة) (9) . # وفي الألفاظ الفصيحة، كقوله: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا) (10) . # وفي الألفاظ الالهية، كقوله: (وله كل شئ) (11) . # وقوله: (وما بكم من نعمة فمن الله) (12) . # وقوله: (لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار) (13) . # * * * PageV01P066 # ويذكرون من البديع قول النبي صلى الله عليه وسلم " خير الناس رجل # ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيعة طار إليها " (1) . # وقوله: " ربنا تقبل توبتي، واغسل حوبتي " (2) . # / وقوله: " غلب عليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي حالقة الدين، ~~لا حالقة الشعر " (3) . # وقوله: " الناس كإبل مائة، لا تجد فيها راحلة " (4) . # وقوله: (وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم " (5) ~~. # وقوله: " إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم " (6) . # وكقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، في كلام له قد نقلناه / بعد هذا على ~~PageV01P067 # وجهه، وقوله لخالد بن الوليد رضى الله عنه: " احرص على الموت توهب لك ~~الحياة. # وقوله: " فر من الشرف يتبعك الشرف ". # وكقول على بن أبى طالب في كتابه إلى ابن عباس، وهو عامله على البصرة: " ~~أرغب راغبهم، واحلل عقدة الخوف عنهم ". # وقوله رضى الله عنه، حين سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: " [غيروا ~~الشيب ولا تشبهوا باليهود -: إن النبي صلى الله عليه وسلم] إنما قال ذلك ~~والدين في قل، فأما وقد اتسع نطاق الاسلام، فكل امرئ وما اختار " (1) . # وسأل علي، رضي الله عنه، بعض كبراء فارس، عن أحد ملوكهم عندهم؟ فقال: ~~لأردشير فضيلة السبق، غير أن أحمدهم أنوشروان. # قال: فأي أخلاقه كان أغلب ms134 عليه؟ قال: الحلم والأناة. # فقال علي رضي الله عنه: " هما توأمان ينتجهما علو الهمة " (2) . # وقال: " قيمة كل امرئ ما يحسن ". # وقال: " العلم قفل، ومفتاح المسألة " (3) . # وكتب خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس: " أما بعد، فالحمد لله / الذى فض ~~خدمتكم، وفرق كلمتكم ". # والخدمة: الحلقة المستديرة، ولذلك قيل للخلاخيل، خدام (4) . # وقال الحجاج: " دلوني على رجل سمين الأمانة " (5) . # ولما عقدت الرئاسة لعبد الله بن وهب الراسبي (6) على الخوارج، أرادوه ~~PageV01P068 # على الكلام، فقال: " لا خير في الرأي الفطير " (1) ، وقال: " دعوا الرأي ~~يغب " (2) . # وقال أعرابي في شكر نعمة (3) : " ذاك عنوان نعمة الله عز وجل ". # / ووصف أعرابي قوما فقال: " إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام، وإذا # تصافحوا بالسيوف قعد الحمام " (4) . # وسئل أعرابي عن رجل؟ فقال: " صفرت عياب الود بيني وبينه بعد امتلائها، ~~واكفهرت وجوه كانت بمائها " (5) . # وقال آخر: " من ركب ظهر الباطل نزل دار الندامة " (6) . # وقيل لرؤبة (7) : كيف خلفت ما وراءك؟ فقال: " التراب يابس، والمال عابس " ~~(8) . # * * * ومن البديع في الشعر طرق كثيرة، قد نقلنا منها جملة، لتستدل بها ~~على ما بعدها: فمن ذلك قول امرئ القيس: وقد أغتدي والطير في وكناتها * ~~بمنجرد قيد الاوابد هيكل (9) PageV01P069 # / قوله: " قيد الأوابد " عندهم من البديع ومن الاستعارة، ويرونه من ~~الألفاظ الشريفة (1) ، وعنى بذلك أنه إذا أرسل هذا الفرس على الصيد صار ~~قيدا لها، وكانت بحالة المقيد من جهة سرعة إحضاره. # واقتدى به الناس، واتبعه الشعراء، فقيل: " قيد النواظر " و " قيد الألحاظ ~~" و " قيد الكلام " و " قيد الحديث " و " قيد الرهان ". # وقال الاسود بن يعفر: بمقلص عتد جهيز شده * قيد الأوابد والرهان جواد (2) ~~وقال أبو تمام: لها منظر قيد الأوابد لم يزل * يروح ويغدو في خفارته الحب ~~(3) / وقال آخر: ألحاظه قيد عيون الورى * فليس طرف يتعداه (4) وقال آخر: * ~~قيد الحسن عليه الحدقا (5) * وذكر الاصمعي وأبو عبيد وحماد، وقبلهم أبو ~~عمرو: أنه أحسن في هذه PageV01P070 # اللفظة، وأنه اتبع فلم يلحق، وذكروه في باب الاستعارة البليغة. # وسماها بعض أهل الصنعة (1) باسم آخر، وجعلوها من باب " الارداف "، وهو: ~~أن يريد الشاعر دلالة على معنى فلا ms135 يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل ~~بلفظ هو تابع له وردف (2) . # قالوا: ومثله قوله (3) : * نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل * وإنما أراد ~~ترفهها بقوله: " نؤوم الضحى " (4) . # / ومن هذا الباب قول الشاعر (5) : بعيدة مهوى القرط إما لنوفل * أبوها، ~~وإما عبد شمس وهاشم # وإنما أراد أن يصف طول جيدها، فأتى بردفه (6) . # ومن ذلك قول امرئ القيس: * وليل كموج البحر أرخى سدوله (7) * وذلك من ~~الاستعارة المليحة. # ويجعلون من هذا القبيل ما قدمنا ذكره (8) من القرآن: (واشتعل الرأس ~~PageV01P071 # شيبا) ، (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) . # ومما يعدونه من البديع " الثشبيه الحسن " كقول امرئ القيس: كأن عيون ~~الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب (1) / وقوله: كأن قلوب ~~الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العناب والحشف البالى (2) واستبدعوا تشبيه ~~شيئين بشيئين على حسن تقسيم، ويزعمون أن أحسن ما وجد في هذا للمحدثين (3) ~~قول بشار: كأن مثار النقع فوق رؤوسهم * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه (4) وقد ~~سبق امرؤ القيس إلى صحة التقسيم في التشبيه، ولم يتمكن بشار إلا من تشبيه ~~إحدى الجملتين بالأخرى، دون صحة التقسيم والتفصيل. # وكذلك عدوا (5) من البديع قول امرئ القيس في أذني الفرس: / وسامعتان يعرف ~~العتق فيهما * كسامعتي مذعورة وسط ربرب (6) PageV01P072 # اتبعه طرفة، فقال فيه: وسامعتان يعرف العتق فيهما * كسامعتي شاة بحومل ~~مفرد (1) ومثله قول امرئ القيس في وصف الفرس: وعينان كالماويتين ومحجر * ~~إلى سند مثل الصفيح المنصب (2) وقال طرفة في وصف عيني ناقته: وعينان ~~كالماويتين استكنتا * بكهفي حجاجي صخرة قلت مورد (3) ومن البديع في التشبيه ~~قول امرئ القيس: له أيطلا ظبي وساقا نعامة * وإرخاء سرحان وتقريب تتفل (4) ~~/ وذلك في تشبيه أربعة أشياء بأربعة أشياء، أحسن فيها. # * * * ومن التشبيه الحسن في القرآن قوله تعالى: (وله الجوار المنشآت في ~~البحر كالأعلام) (5) . # وقوله تعالى: (كأنهن بيض مكنون) (6) . # ومواضع نذكرها بعد هذا. PageV01P073 # ومن البديع في " الاستعارة " قول امرئ القيس: وليل كموج البحر أرخى سدوله ~~* علي بأنواع الهموم ليبتلي (1) فقلت له لما تمطى بصلبه * وأردف أعجازا ~~وناء بكلكل / وهذه كلها استعارات أتى بها في ذكر طول الليل. ms136 # ومن ذلك قول النابغة: وصدر أراح الليل عازب همه * تضاعف فيه الحزن من كل ~~جانب (2) # فاستعارة من أراحه الراعي إبله إلى مواضعها التي تأوي إليها بالليل. # وأخذ منه ابن الدمينة فقال: اقضى نهاري بالحديث وبالمنى * ويجمعني والهم ~~بالليل جامع (3) ومن ذلك قول زهير: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله * وعرى ~~أفراس الصبا ورواحله (4) ومن ذلك قول امرئ القيس: سموت. # إليها بعد ما نام أهلها * سمو حباب الماء حالا على حال (5) PageV01P074 # / وأخذه أبو تمام فقال: * سمو عباب الماء جاشت غواربه * وإنما أراد امرؤ ~~القيس إخفاء شخصه. # ومن ذلك قوله: * كأني وأصحابي على قرن أعفرا (2) * يريد أنهم غير ~~مطمئنين. # ومن ذلك ما كتب إلي الحسن بن عبد الله بن سعيد، قال: أخبرني أبي، قال: ~~أخبرنا عسل بن ذكوان، أخبرنا (3) أبو عثمان المازني، قال: سمعت الأصمعي ~~يقول: أجمع أصحابنا أنه لم يقل أحسن ولا أجمع من قول النابغة: فإنك كالليل ~~الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع (4) قال الحسن بن عبد الله: ~~وأخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا عون بن / محمد الكندي، أخبرنا قعنب بن محرز، ~~قال (5) : سمعت الأصمعي يقول: سمعت أبا عمرو يقول: كان زهير يمدح السوق، ~~ولو ضرب على أسفل قدميه مئتا دقل صينى (6) على أن يقول كقول النابغة: فإنك ~~كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع PageV01P075 # - لما قال. # يريد أن سلطانه كالليل إلى كل مكان. # واتبعه الفرزدق فقال: ولو حملتني الريح ثم طلبتني * لكنت كشئ أدركتني ~~مقادره (1) فلم يأت بالمعنى ولا اللفظ على ما سبق إليه النابغة. # ثم أخذه الأخطل فقال: وإن أمير المؤمنين وفعله * لكالدهر لا عار بما فعل ~~الدهر (2) وقد روي نحو هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم: " نصرت بالرعب، ~~وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل ". # / وأخذه علي بن جبلة (3) فقال: وما لامرئ حاولته منك مهرب * ولو رفعته في ~~السماء المطالع (4) بلى، هارب لا يهتدي لمكانه * ظلام ولا ضوء من الصبح ~~ساطع (5) ومثله قول سلم الخاسر: ms137 # فأنت كالدهر مبثوثا حبائله * والدهر لا ملجأ سنه ولا هرب (6) ولو ملكت ~~عنان الريح أصرفه * في كل ناحية ما فاتك الطلب فأخذه البحتري فقال: ولو ~~أنهم ركبوا الكواكب لم يكن * ينجيهم عن خوف بأسك مهرب (7) ومن بديع ~~الاستعارة قول زهير: فلما وردن الماء زرقا جمامه * وضعن عصى الحاضر المتخيم ~~(8) PageV01P076 # وقول الأعشى: وإن عتاق العيس سوف يزوركم * ثناء على أعجازهن معلق (1) / ~~ومنه أخذ نصيب فقال: فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله * ولو سكتوا أثنت عليك ~~الحقائب (2) # ومن ذلك قول تأبط شرا: فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا * به كدحة والموت ~~خزيان ينظر (3) ومن الاستعارة في القرآن كثير، كقوله: (وإنه لذكر لك ~~ولقومك) (4) يريد ما يكون الذكر عنه شرفا. # وقوله: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) (5) . # قيل: دين الله أراد. # وقوله: (اشتروا الضلالة بالهدى، فما ربحت تجارتهم) (6) . # * * * ومن البديع عندهم [الغلو والافراط في الصفة] ، كقول النمر بن تولب: ~~/ أبقى الحوادث والأيام من نمر * أسباد سيف قديم بأثره بادي (7) تظل تحفر ~~عنه إن ضربت به * بعد الذراعين والقيدين والهادي (8) وكقول النابغة: تقد ~~السلوقي المضاعف نسجه * ويوقدن بالصفاح نار الحباحب (9) وكقول عنترة: فازور ~~من وقع القنا بلبانه * وشكا إلى بعبرة وتحمحم (10) PageV01P077 # وكقول أبي تمام: لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه * لخر يلثم منه موطئ ~~القدم (1) وكقول البحتري: ولو أن مشتاقا تكلف فوق ما * في وسعه، لمشى إليك ~~المنبر (2) ومن هذا الجنس في القرآن: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل ~~من مزيد) (3) . # / وقوله: (إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا) (4) . # وقوله: (تكاد تميز من الغيظ) (5) . # * * * ومما يعدونه من البديع " المماثلة " وهو ضرب من الاستعارة [سماه ~~قدامة التمثيل، وهو على العكس من الارداف، لان الارداف مبنى على الاسهاب ~~والبسط، وهو مبنى على الايجاز والجمع] (6) . # وذلك أن يقصد الإشارة إلى معنى، فيضع ألفاظا تدل عليه، وذلك المعنى ~~بألفاظه مثال للمعنى الذي قصد الإشارة إليه. # نظيره من المنثور: أن يزيد بن الوليد بلغه أن مروان بن محمد يتلكأ عن ~~بيعته، فكتب إليه: " أما بعد، ms138 فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فاعتمد على ~~أيتهما # شئت " (7) . # وكنحو ما كتب به الحجاج إلى المهلب (8) : " فإن أنت فعلت ذاك، وإلا أشرعت ~~إليك الرمح. # " فأجابه المهلب: " فإن أشرع الأمير الرمح، قلبت إليه ظهر المجن ". ~~PageV01P078 # / وكقول زهير: ومن بعض أطراف الزجاج فإنه * يطيع العوالي ركبت كل لهذم ~~(1) وكقول امرئ القيس: وما ذرفت عيناك إلا لتضربي * بسهميك في أعشار قلب ~~مقتل (2) وكقول عمرو بن معدي كرب: فلو أن قومي أنطقتني رماحهم * نطقت ولكن ~~الرماح أجرت (3) / وكقول القائل (4) بني عمنا لا تذكروا الشعر بعد ما * ~~دفنتم بصحراء الغمير القوافيا (5) PageV01P079 # وكقول الآخر (1) : أقول وقد شدوا لساني بنسعة: * أمعشر تيم أطلقوا عن ~~لسانيا ومن هذا الباب (2) في القرآن قوله: (فما أصبرهم على النار) (3) ~~وكقوله: (وثيابك فطهر) (4) . # قال الأصمعي: أراد البدن، قال: # / وتقول العرب: " فدى لك ثوباي ". # يريد (5) نفسه. # وأنشد: ألا أبلغ حفص رسولا * فدى لك من أخي ثقة إزارى (6) . # * * * ويرون من البديع أيضا ما يسمونه " المطابقة "، وأكثرهم على أن ~~معناها أن يذكر الشئ وضده، كالليل والنهار، والسواد والبياض، وإليه ذهب ~~الخليل ابن أحمد والأصمعي، ومن المتأخرين عبد الله بن المعتز. # وذكر ابن المعتز من نظائره من المنثور ما قاله بعضهم (7) : " أتيناك ~~لتسلك بنا سبيل التوسع، فأدخلتنا في ضيق الضمان ". # ونظيره من القرآن: (ولكم في القصاص حياة) (8) . # وقوله: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) (9) . # وقوله: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) (10) . # ومثله كثير جدا. PageV01P080 # وكقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: " إنكم تكثرون عند الفزع، ~~وتقلون عند الطمع " (1) . # وقال آخرون: بل المطابقة أن يشترك معنيان بلفظة واحدة، وإليه ذهب قدامة ~~ابن جعفر الكاتب (2) . # فمن ذلك قول الأفوه الأودي: وأقطع الهوجل مستأنسا * بهوجل مستأنس عنتريس ~~(3) عنى بالهوجل الأول: الأرض، وبالثاني: الناقة (4) . # ومثله قول زياد الاعجم: ونبئتهم يستنصرون بكاهل * وللؤم فيهم كاهل وسنام ~~(5) / ومثله قول أبى داود: عهدت لها منزلا داثرا * وآلا على الماء يحملن ~~آلا (6) فالآل الأول: أعمدة الخيام تنصب على البئر للسقي، والآل الثاني: ~~السراب (7) . # وليس عنده قول من قال: المطابقة ms139 إنما تكون باجتماع الشئ وضده - بشئ. ~~PageV01P081 # ومن المعنى الأول قول الشاعر: أهين لهم نفسي لأكرمها بهم * ولن تكرم ~~النفس التي لا تهينها (1) ومثله قول امرئ القيس: وتردى على صم صلاب ملاطس * ~~شديدات عقد لينات متان (2) / وكقول النابغة: ولا يحسبون الخير لا شر بعده * ~~ولا يحسبون الشر ضربة لازب (3) وكقول زهير، وقد جمع فيه طباقين: بعزمة ~~مأمور مطيع وآمر * مطاع، فلا يلفى لحزمهم مثل (4) # وكقول الفرزدق: والشيب ينهض في الشباب كأنه * ليل يصيح بجانبيه نهار (5) ~~ومما قيل فيه ثلاث تطبيقات قول جرير: وباسط خير فيكم بيمينه * وقابض شر ~~عنكم بشماليا (6) وكقول رجل من بلعنبر (7) : يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ~~* ومن إساءة أهل السوء إحسانا (8) PageV01P082 # / وروي عن الحسن (1) بن علي، رضي الله عنهما، أنه تمثل بقول القائل: # فلا الجود يفني المال والجد مقبل * ولا البخل يبقي المال والجد مدبر (2) ~~وكقول الآخر: فسري كإعلاني وتلك سجيتي * وظلمة ليلي مثل ضوء نهاريا وكقول ~~قيس بن الخطيم: إذا أنت لم تنفع فضر، فإنما * يرجى الفتى كيما يضر وينفعا ~~(3) وكقول السموأل: وما ضرنا أنا قليل وجارنا * عزيز وجار الأكثرين ذليل ~~(4) فهذا باب يرونه من البديع. # * * * وباب آخر وهو " التجنيس ". # ومعنى ذلك: أن تأتى بكلمتين متجانستين: فمنه ما تكون الكلمة تجانس الأخرى ~~في تأليف حروفها [ومعناها] (5) . # وإليه ذهب الخليل (6) . # / ومنهم من زعم أن المجانسة أن تشترك اللفظتان على جهة الاشتقاق (7) ~~كقوله عز وجل: (فأقم وجهك للدين القيم) (8) . # وكقوله: (وأسلمت مع سليمان) (9) . # وكقوله: (يا أسفا على يوسف) (10) PageV01P083 # وكقوله: (الذين آمنوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم ~~مهتدون) (1) . # وكقوله: " وهم ينهون عنه وينأون عنه) (2) . # وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله ~~لها، وعصية عصت الله ورسوله، [وتجيب أجابت الله ورسوله] (3) ". # وكقوله: " الظلم ظلمات يوم القيامة (4) . # وقوله: " لا يكون ذو الوجهين وجيها عند الله " (5) . # / وكتب بعض الكتاب: " العذر مع التعذر واجب، فرأيك فيه " (6) . # وقال معاوية لابن عباس: ما لكم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم؟ فقال: كما ~~تصابون في بصائركم (7) . # وقال عمر ms140 بن الخطاب رضي الله عنه: " هاجروا ولا تهجروا " (8) . # ومن ذلك قول قيس بن عاصم: ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة * كسته نجيعا من دم ~~الجوف أشكلا (9) PageV01P084 # وقال آخر (1) : * أمل عليها بالبلى الملوان (2) * / وقال الآخر (3) : ~~وذاكم أن ذل الجار حالفكم * * وأن أنفكم لا تعرف الأنفا (4) وكتب إلي بعض ~~مشايخنا، قال: أنشدنا الأخفش عن المبرد، عن التوزي (5) :. # وقالوا (6) : حمامات فحم لقاؤها * وطلح، فزيرت والمطى طلوح (7) # عقاب بأعقاب من النأى بعد ما * جرت نية تنسي المحب طروح (8) وقال صحابي: ~~هدهد فوق بانة * هدى وبيان بالنجاح يلوح (9) وقالوا: دم، دامت مواثيق عهده ~~* ودام لنا حسن الصفاء صريح (10) PageV01P085 # / وقال آخر (1) : * أقبلن من مصر يبارين البري (2) * وقال القطامي: ولما ~~ردها في الشول شالت * بذيال يكون لها لفاعا (3) وقد (4) يكون التجنيس ~~بزيادة حرف [أو بنقصان حرف] (5) أو ما يقارب ذلك، كقول البحتري: هل لما فات ~~من تلاق تلاف * أم لشاك من الصبابة شاف (6) ؟ / وقال ابن مقبل: يمشين هيل ~~النقا مالت جوانبه * ينهال حينا وينهاه الثرى حينا (7 وقال زهير: هم يضربون ~~حبيك البيض إذ لحقوا * لا ينكلون إذا ما استحلموا وحموا (8) PageV01P086 # ومن ذلك قول أبي تمام: يمدون من أيد عواص عواصم * تصول بأسياف قواض قواضب ~~(1) وأبو نواس يقصد في مصراعي مقدمات شعره هذا الباب (2) ، كقوله: ألا ~~دارها بالماء حتى تلينها * فلن تكرم الصهباء حتى تهينها وكذلك قوله: ديار ~~نوار ما ديار نوار * كسونك شجوا هن منه عوار (3) وكقول ابن المعتز: سأثنى ~~على عهد المطيرة والقصر * وأدعو لها بالساكنين وبالقطر (4) / وكقوله أيضا: ~~هي الدار إلا أنها منهم قفر * وأني بها ثاو وأنهم سفر (5) / وكقوله: ~~للأماني حديث [قد] يقر * ويسوء الدهر من قد يسر (6) # وكقول المتنبي: وقد أراني الشباب الروح في بدني * وقد أرانى المشيب الروح ~~في بدلى (7) وقد قيل: إن من هذا القبيل قوله عز وجل: (خلق الانسان من عجل ~~سأريكم آياتي فلا تستعجلون) (8) ، وقوله: (قل الله أعبد مخلصا له ديني ~~فاعبدوا ما شئتم من دونه) (9) . # * * * ويعدون من البديع " المقابلة "، وهي أن يوفق بين معان ونظائرها ~~والمضاد بضده، وذلك مثل ms141 قول النابغة الجعدى: PageV01P087 # فتى تم فيه ما يسر صديقه * على أن فيه ما يسوء الأعاديا (1) / وقال تأبط ~~شرا: أهز به في ندوة الحي عطفه * كما هز عطفي بالهجان الأوارك (2) # وكقول الآخر: وإذا حديث ساءني لم أكتئب * وإذا حديث سرنى لم أشرز (3) ~~وكقول الآخر: وذى إخوة قطعت أرحام بينهم * كما تركوني واحدا لا أخاليا (4) ~~ونظيره من القرآن: (ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون، ثم إذا كشف الضر عنكم ~~إذا فريق منكم بربهم يشركون) (5) . # [ومن هذا الجنس قول هند بنت النعمان للمغيرة بن شعبة، وقد أحسن إليها: ~~برتك يد نالتها خصاصة بعد ثروة، وأغناك الله عن يد نالت ثروة بعد فاقة] (6) ~~. # * * * / ويعدون من البديع " الموازنة "، وذلك كقول بعضهم: اصبر على حر ~~اللقاء، ومضض النزال، وشدة المصاع (7) . PageV01P088 # وكقول امرئ القيس: سليم الشظا عبل الشوى شنج النسا * [له حجبات مشرفات ~~على الفال] (1) ونظيره من القرآن: (والسماء ذات البروج. # واليوم الموعود وشاهد ومشهود) (2) . # * * * ويعدون من البديع " المساواة "، وهي أن يكون اللفظ مساويا / ~~للمعنى، لا يزيد عليه ولا ينقص عنه. # وذلك يعد من البلاغة، وذلك كقول زهير: ومهما تكن عند امرئ من خليقة * وإن ~~خالها تخفى على الناس تعلم (3) وكقول جرير: فلو شاء قومي كان حلمي فيهم * ~~وكان على جهال اعدائهم جهلي (4) وكقول الاخر (5) : اذا انت لم تقصر عن ~~الجهل والخنا * أصبت حليما أو أصابك جاهل وكقول الهذلى (6) : فلا تجز عن من ~~سنة أنت سرتها * وأول راض سنة من يسيرها (7) PageV01P089 # وكقول الآخر (1) : فإن هم طاوعوك فطاوعيهم * وإن عاصوك فاعصي من عصاك / ~~ونظير ذلك في القرآن كثير. # * * * ومما يعدونه من البديع " الإشارة " وهو اشتمال اللفظ القليل على ~~المعاني الكثيرة. # وقال بعضهم (2) في وصف البلاغة: [البلاغة] لمحة دالة. # ومن ذلك قول طرفة: # فظل لنا يوم لذيذ بنعمة * فقل في مقيل نحسه متغيب (3) وكقول زيد الخيل: ~~فخيبة من يخيب علي غني * وباهلة بن أعصر والرباب (4) PageV01P090 # ونظيره من القرآن: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم ~~به الموتى بل لله الأمر جميعا) (1) . # ومواضع كثيرة. # * * * ويعدون ms142 من البديع " المبالغة "، و " الغلو ". # والمبالغة: تأكيد معاني القول، وذلك كقول (2) الشاعر: ونكرم جارنا ما كان ~~فينا * ونتبعه الكرامة حيث مالا (3) ومن ذلك قول الآخر (4) : وهم تركوك ~~أسلح من حبارى * رأت صقرا وأشرد من نعام / فقوله: " رأت صقرا " مبالغة. # ومن الغلو قول أبي نواس: توهمتها في كأسها فكأنما * توهمت شيئا ليس يدركه ~~العقل فما يرتقي التكييف فيها إلى مدى * يحد به إلا ومن قبله قبل (5) وقول ~~زهير: لو كان يقعد فوق الشمس من كرم * قوم بأولهم أو مجدهم - قعدوا (6) ~~وكقول النابغة: بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا * وأنا لنرجو فوق ذلك مظهرا (7) ~~PageV01P091 # وكقول الخنساء: وما بلغت كف امرئ متناول * بها المجد إلا حيثما نلت أطول ~~(1) وما بلغ المهدون في القول مدحة * وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفضل (2) / ~~وقول الآخر (3) : له همم لا منتهى لكبارها * وهمته الصغرى أجل من الدهر له ~~راحة لو أن معشار جودها * على البر صار البر أندى من البحر * * * ويرون من ~~البديع " الإيغال " في الشعر خاصة، فلا يطلب مثله في القرآن # إلا في الفواصل، كقول امرئ القيس: كأن عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا ~~الجزع الذى لم يثقب (4) فقد أوغل بالقافية في الوصف وأكد التشبيه بها، ~~والمعنى قد يستقل دونها. # * * * ومن البديع عندهم " التوشيح ". # وهو أن يشهد (5) أول البيت بقافيته وأول الكلام بآخره، كقول البحتري: / ~~فليس الذي حللته بمحلل * وليس الذي حرمته بحرام (6) ومثله في القرآن: (فمن ~~تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم) (7) . # * * * PageV01P092 # ومن ذلك " رد عجز الكلام على صدره ". # كقول الله عز وجل: (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض، وللآخرة أكبر درجات ~~وأكبر تفضيلا) (1) وكقوله: (لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب، وقد ~~خاب من افترى) (2) . # ومن هذا الباب قول القائل (3) : وإن لم يكن إلا تعلل ساعة * قليلا فإني ~~نافع لي قليلها وكقول جرير: / سقى الرمل جون مستهل غمامه * وما ذاك إلا حب ~~من حل بالرمل (4) وكقول الآخر (5) : يود الفتى طول السلامة والغنى * فكيف ~~يرى طول السلامة يفعل وكقول أبي صخر الهذلي: ms143 عجبت لسعي الدهر بيني وبينها * ~~فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر (6) وكقول الآخر: أصد بأيدي العيس عن قصد ~~أرضها * وقلبي إليها بالمودة قاصد (7) PageV01P093 # وكقول عمرو بن معدي كرب: إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع ~~(1) * * * ومن البديع " صحة التقسيم " ومن ذلك قول نصيب: / فقال فريق ~~القوم: لا وفريقهم: * نعم، وفريق قال: ويحك ما ندري (2) وليس في أقسام ~~الجواب أكثر من هذا. # وكقول الآخر (3) : فكأنها فيه نهار ساطع * وكأنه ليل عليها مظلم (4) وقول ~~المقنع الكندى: وإن يأكلوا لحمي وفرت لحومهم * وإن يهدموا مجدي بنيت لهم ~~مجدا (5) وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم * وإن هم هووا غيى هويت لهم رشدا وإن ~~زجروا طيرا بنحس تمر بي * زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا وكقول عروة بن حزام: ~~بمن لو أراه عانيا لفديته * ومن لو رأني عانيا لفداني (6) ونحوه قول الله ~~عز وجل: (الله ولى الذين آمنوا، يخرجهم من / الظلمات PageV01P094 # إلى النور، والذين كفروا أوليائهم الطاغوت، يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات) (1) . # * * * ونحوه: " صحة التفسير ". # [وهو أن توضع معان تحتاج إلى شرح أحولها، فإذا شرحت أثبتت تلك المعاني من ~~غير عدول عنها ولا زيادة ولا نقصان] (2) . # كقول القائل (3) : ولي فرس للحلم بالحلم ملجم * ولى فرس للجهل بالجهل ~~مسرج * * * ومن البديع: " التكميل والتتميم ". # [وهو أن يأتي بالمعنى الذى بدأ به بجميع المعاني المصححة المتممة لصحته، ~~المكملة لجودته، من غير أن يخل ببعضها، ولا أن يغادر شيئا منها. # كقول القائل: وما عسيت أن أشكرك عليه من مواعيد لم تشن بمطل، ومرافد لم ~~تشب بمن، وبشر لم يمازجه ملق، ولم يخالطه مذق] (4) . # / وكقول نافع بن خليفة: # رجال إذا لم يقبلوا الحق منهم * ويعطوه عادوا بالسيوف القواطع (5) وإنما ~~تم جودة المعنى بقوله: " ويعطوه ". # وذلك كقول الله عز وجل: (إن الله عنده علم الساعة) إلى آخر الآية. # ثم قال: (إن الله عليم خبير) (6) . # * * * ومن البديع: " الترضيع ". # وذلك على ألوان (7) . PageV01P095 # منها قول امرئ القيس: مخش مجش مقبل مدبر معا * كتيس ظباء الحلب العدوان ~~(1) ومن ذلك كثير من مقدمات أبي نواس: ms144 يامنة امتنها السكر * ما ينقضي مني ~~لها الشكر (2) وكقوله، وقد ذكرناه قبل هذا (3) : / ديار نوار ما ديار نوار ~~* كسونك شجوا هن منه عوار # * * * ومن ذلك: " الترصيع مع التجنيس "، كقول ابن المعتز: ألم تجزع على ~~الربع المحيل * وأطلال وآثار محول (4) ونظيره من القرآن كقوله: (إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون، وإخوانهم يمدونهم ~~في الغي ثم لا يقصرون) (5) . # وقوله: (ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وإن لك لأجرا غير ممنون) (6) . # وكقوله: (وإنه على ذلك لشهيد، وإنه لحب الخير لشديد) (7) . # وكقوله: (والطور. # وكتاب مسطور) (8) . # وقوله: (والسابحات سبحا. # فالسابقات سبقا) (9) . # وقد أولع الشعراء بنحو هذا، فأكثروا فيه. # ومنهم من اقتنع / بالترصيع في بعض أطراف الكلام. # ومنهم من بنى كلامه [كله] (10) عليه، كقول ابن الرومي: أبدانهن وما لبس * ~~ن من الحرير معا حرير (11) PageV01P096 # أرادنهن وما مسس * ن من العبير معا عبير (1) وكقوله: فلراهب أن لا يريث ~~مكانه * ولراغب أن لا يريث نجاحه (2) ومما يقارب الترصيع ضرب يسمى: " ~~المضارعة " وذلك كقول الخنساء: حامى الحقيقة محمود الخليفة مه * دى الطريقة ~~نفاع وضرار (3) جواب قاصية جزاز ناصية * عقاد ألوية للخيل جرار (4) * * * ~~ومن البديع باب: " التكافؤ ". # وذلك قريب من " المطابقة " / كقول المنصور: لا تخرجوا من عز الطاعة، إلى ~~ذل المعصية (5) . # وقول عمر بن ذر (6) : إنا لم نجد لك إذ عصيت الله فينا خيرا من أن نطيع ~~الله فيك (7) . # ومنه قول بشار: إذا أيقظتك حروب العدا * فنبه لها عمرا ثم نم (8) [ومنه ~~قول أعرابي يذم قومه: ألسن عامرة من الوعد، وقلوب خربة من العزم. # وقال آخر: وساع في الهوى، وطرب في الحاجة] (9) . PageV01P097 # ومن البديع باب: " التعطف " كقول امرئ القيس (1) : * عود على عود على عود ~~خلق (2) * / وقد تقدم مثاله (3) . # * * * ومن البديع: " السلب والايجاب " كقول القائل: وننكر إن شئنا على ~~الناس قولهم * ولا ينكرون القول حين نقول (4) * * * ومن البديع " الكناية ~~والتعريض ". # كقول القائل: وأحمر كالديباج، أما سماؤه * فريا، وأما أرضه فمحول (5) ومن ~~هذا الباب " لحن القول ". # * * * # ومن ذلك: " العكس والتبديل " كقول الحسن (6) : إن من خوفك لتأمن خير ms145 ممن ~~أمنك لتخاف " وكقوله: " اللهم اغنني / بالفقر إليك، ولا تفقرني بالاستغناء ~~عنك " (7) . # وكقوله: " بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما ~~جميعا " (8) . PageV01P098 # وكقول القائل: وإذا الدر زان حسن وجوه * كان للدر حسن وجهك زينا (1) وقد ~~يدخل في هذا الباب قوله تعالى: (يولج الليل في النهار ويولج # النهار في الليل) (2) . # * * * ومن البديع: " الالتفات " فمن ذلك ما كتب إلى الحسن بن عبد الله ~~العسكري، أخبرنا محمد بن يحيى (3) الصولى، [قال] : حدثني يحيى بن علي ~~المنجم، عن أبيه، عن إسحاق بن إبراهيم، قال: قال لي الأصمعي: أتعرف ~~التفاتات جرير؟ قلت: لا، فما هي؟ قال: أتنسى إذ تودعنا سليمى * بفرع بشامة؟ ~~سقي البشام (4) / ومثل ذلك لجرير: متى كان الخيام بذي طلوح * - سقيت الغيث ~~- أيتها الخيام؟ (5) ومعنى الالتفاتات أنه اعترض في الكلام (6) قوله: " ~~سقيت الغيث "، ولو لم يعترض لم يكن ذلك التفاتا، وكان الكلام منتظما، وكان ~~يقول: " متى كان الخيام بذي طلوح أيتها الخيام "؟ فمتى خرج عن الكلام الأول ~~ثم رجع إليه على وجه يلطف - كان ذلك التفاتا. # ومثله قول النابعة الجعدي: ألا زعمت بنو سعد بأني * - ألا كذبوا - كبير ~~السن فانى (7) PageV01P099 # ومنه قول كثير: لو أن الباذلين، وانت منهم، * رأوك، تعلموا منك المطالا ~~(1) ومثله قول أبى تمام: / وأنجدتم من بعد إتهام داركم * فيا دمع أنجدني ~~على ساكنى نجد (2) وكقول جرير: طرب الحمام بذى الاراك فشاقنى * لا زلت في ~~غلل وأيك ناضر (3) التفت إلى الحمام فدعا لها. # ومثله قول حسان: إن التى ناولتنى فرددتها * قتلت قتلت فهاتها ثم تقتل (4) ~~ومثله قول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: وأجمل إذا ما كنت لا بد ~~مانعا * وقد يمنع الشئ الفتى وهو مجمل (5) وكقول ابن ميادة: فلا صرمه يبدوا ~~وفى اليأس راحة * ولا وصله يصفوا لنا فنكارمه (6) ونظير ذلك من القرآن ما ~~حكى الله تعالى عن إبراهيم الخليل من قوله: (اعبدوا الله واتقوه، ذلكم خير ~~لكم إن كنتم تعلمون. # إنما / تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا) (7) إلى قوله: (فما كان ~~جواب قومه) ms146 (8) . PageV01P100 # وقوله عز وجل: (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز، ~~وبرزوا لله جميعا) (1) . # ومثله قوله: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ما ~~جاءتها ريح عاصف، وجاءهم الموج من كل مكان، وظنوا أنهم أحيط بهم، دعوا الله ~~مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) (2) . # ومثله قوله: (واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها، فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين. # ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب، ~~إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث) (3) . # ومثله قوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا # من الله، والله عزيز حكيم. # فمن تاب من بعد ظلمه) (4) . # / ومنهم من لا يعد الاعتراض والرجوع (5) من هذا الباب. # ومنهم من يفرده عنه، كقول زهير: قف بالديار التي لم يعفها القدم * نعم، ~~وغيرها الارواح والديم (6) وكقول الاعرابي: أليس قليلا نظرة إن نظرتها * ~~إليك، وكلا ليس منك قليل (7) وكقول ابن هرمة: ليت حظي كلحظة العين منها * ~~وكثير منها القليل المهنا (8) * * * PageV01P101 # ومن الرجوع قول القائل: بكل تداوينا فلم يشف ما بنا * على أن قرب الدار ~~خير من البعد (1) وقال الأعشى: # / صرمت ولم أصرمكم وكصارم * أخ قد طوى كشحا وآب ليذهبا (2) وكقول بشار: ~~لى حلة فيمن ينم * م وليس في الكذاب حيله (3) من كان يخلق ما يقو * ل ~~فحيلتي فيه قليله (4) وقال آخر: وما بى انتصار إن عدا الدهر ظالما * علي، ~~بلى إن كان من عندك النصر (5) * * * / وباب آخر من البديع يسمى: " التذييل ~~" وهو ضرب من التأكيد، وهو ضد ما قدمنا ذكره من الاشارة (6) ، كقول أبى ~~داود: PageV01P102 # إذا ما عقدنا له ذمة * شددنا العناج وعقد الكرب (1) وأخذه الحطيئة فقال: ~~[قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا (2) . # / وكقول الآخر] (3) : فدعوا نزال فكنت أول نازل * وعلام أركبه إذا لم ~~أنزل؟ (4) وكقول جرير: لقد كنت فيها يا فرزدق تابعا * وريش الذنابى تابع ~~للقوادم (5) ومثله قوله عز وجل: (إن فرعون علا في الأرض وجعل ms147 أهلها شيعا. # يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين. # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين) ، إلى قوله: (كانوا خاطئين) (6) . # وباب من البديع يسمى " الاستطراد " (7) . # فمن ذلك ما كتب إلى الحسن بن PageV01P103 # عبد الله قال: أنشدني أبو بكر بن دريد، قال: أنشدنا أبو حاتم، عن أبي ~~عبيدة، لحسان بن ثابت، رضى الله عنه: / إن كنت كاذبة الذى حدثتني * فنجوت ~~منجى الحارث بن هشام (1) ترك الاحبة أن يقاتل دونهم * ونجا برأس طمرة ولجام ~~(2) وكقول السموأل: وإنا لقوم لا نرى القتل سبة * إذا ما رأته عامر وسلول ~~(3) وكقول الآخر: خليلي من كعب أعينا أخا كما * على دهره، إن الكريم معين ~~(4) # ولا تبخلا بخل ابن قزعة، إنه * مخافة أن يرجى نداه حزين وكقول الآخر: فما ~~ذر قرن الشمس حتى كأننا * من العى نحكى أحمد بن هشام (5) / وكقول زهير: إن ~~البخيل ملوم حيث كان ول * كن الجواد على علاته هرم (6) وفيما (7) كتب إلي ~~الحسن بن عبد الله، قال: أخبرني محمد بن يحيى [قال] : PageV01P104 # حدثنى محمد بن على الانباري (1) ، قال: سمعت البحترى يقول: أنشدني أبو ~~تمام لنفسه: وسابح هطل التعداء هتان * على الجزاء أمين غير خوان (2) أظمى ~~الفصوص ولم تظمأ قوائمه * فخل عينيك في ريان ظمآن (3) ولو تراه مشيحا ~~والحصى فلق * بين السنابك من مثنى ووحدان (4) أيقنت - إن لم تثبت - أن ~~حافره * من صخر تدمر أو من وجه عثمان (5) وقال لى: ما هذا من الشعر؟ قلت لا ~~أدرى. # قال: هذا المستطرد، أو قال: الاستطراد. # قلت: وما معنى ذلك؟ قال: يرى أنه يصف الفرس، ويريد هجاء عثمان (6) . # / وقال البحترى: ما إن يعاف قذى ولو أوردته * يوما خلائق حمدوية الاحول ~~(7) قال: فقيل للبحتري: إنك أخذت هذا من أبى تمام، فقال: ما يعاب على أن ~~آخذ منه وأتبعه فيما يقول. # ومن هذا الباب قول أبى تمام: صب الفراق علينا صب من كثب * عليه إسحاق يوم ~~الروع منتقما (8) PageV01P105 # ومنه قول السرى الرفاء: نزع الوشاة لنا بسهم قطيعة * يرمى بسهم الحين ms148 من ~~يرمى به (1) ليت الزمان أصاب حب قلوبهم * بقنا ابن عبد الله أو بحرابه ~~ونظيره من القرآن: (أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤ ظلاله عن ~~اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون، ولله يسجد ما في السموات وما في ~~الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون) (2) ../ كأنه كان المراد من أن ~~يجرى بالقول الاول إلى الاخبار عن أن كل شئ يسجد لله عز وجل، وإن كان ~~ابتداء الكلام في أمر خاص. # * * * ومن البديع عندهم: " التكرار " كقول الشاعر: هلا سألت جموع كن * دة ~~يوم ولوا أين أينا؟ (3) وكقول الآخر: وكانت فزارة تصلى بنا * فأولى فزارة ~~أولى فزارا (4) ونظيره من القرآن [كثير، كقوله تعالى] (5) : (فإن مع العسر ~~يسرا إن مع العسر يسرا) (6) . # وكالتكرار في قوله: (قل يا أيها الكافرون) (7) . # وهذا فيه معنى زائد على # التكرار، لانه يفيد الاخبار عن الغيب. # * * * ومن البديع عندهم ضرب من " الاستثناء " كقول النابغة: PageV01P106 # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب (1) وكقول ~~النابغة الجعدي: فتى كملت أخلاقه غير أنه * جواد فلا يبقي من المال باقيا. # (2) فتى تم فيه ما يسر صديقه * على أن فيه ما يسوء الأعاديا وكقول الآخر: ~~حليم إذا ما الحلم زين أهله * مع الحلم في عين العدو مهيب (3) وكقول أبي ~~تمام (4) : تنصل ربها من غير جرم * إليك سوى النصيحة والوداد (5) * * * ~~ووجوه البديع كثيرة جدا، فاقتصرنا على ذكر بعضها، ونبهنا بذلك على ما لم ~~نذكر، كراهة التطويل، فليس الغرض ذكر جميع أبواب البديع. # * * * / وقد قدر مقدرون أنه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب ~~التي نقلناها، وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه. # وليس كذلك عندنا، لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل ~~إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان ~~طريقه صح منه التعمل له وأمكنه نظمه. # والوجوه التى تقول: إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها، فليس مما يقدر ~~البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال. # ويبين ما قلنا: أن كثيرا من ms149 المحدثين (6) PageV01P107 # قد تصنع لأبواب الصنعة، حتى حشى جميع شعره منها، واجتهد ان لا يفوته بيت ~~إلا وهو يملؤه من الصنعة، كما صنع أبو تمام في لاميته: متى أنت عن ذهلية ~~الحى ذاهل * * وصدرك منها مدة الدهر آهل (1) تطل الطلول الدمع في كل موقف * ~~وتمثل بالصبر الديار المواثل (2) دوارس لم يجف الربيع ربوعها * ولا مر في ~~أغفالها وهو غافل (3) # / فقد سحبت فيها السحاب ذيولها * وقد أخملت بالنور تلك الخمائل (4) تعفين ~~من زاد العفاة إذا انتحى * على الحى صرف الازمة المتماحل (5) لهم سلف سمر ~~العوالي وسامر * وفيهم جمال لا يغيض وجامل (6) ليالى أضللت العزاء وخزلت * ~~بعقلك آرام الخدور العقائل (7) من الهيف لو أن الخلاخيل صيرت * لها وشحا ~~جالت عليه الخلاخل (8) مها الوحش إلا أن هاتا أوانس * قنا الخط إلا أن تلك ~~ذوايل (9) هوى كان خلسا إن من أطيب الهوى * هوى جلت في أفيائه وهو خامل ~~(10) ومن الادباء من عاب عليه هذه الابيات ونحوها على ما قد تكلف (11) فيها ~~من البديع، وتعمل من الصنعة، فقال: قد أذهب ماء هذا الشعر / ورونقه ~~وفائدته، PageV01P108 # اشتغالا بطلب التطبيق وسائر ما جمع فيه (1) . # وقد تعصب " عليه أحمد بن عبيد الله بن عمار " وأسرف حتى تجاوز إلى الغض ~~من محاسنه. # ولما قد أولع به من الصنعة ربما غطى على بصره حتى يبدع في القبيح، وهو ~~يريد أن يبدع في الحسن. # كقوله في قصيدة له أولها: سرت تستجير الدمع خوف نوى غد * وعاد قتادا ~~عندها كل مرقد (3) فقال فيها: لعمري لقد حررت يوم لقيته * لو أن القضاء ~~وحده لم يبرد (4) وكقوله: لو لم تدارك مسن المجد مذ زمن * بالجود والبأس ~~كان المجد قد خرفا (5) فهذا من الاستعارات القبيحة، والبديع المقيت (6) ! ! ~~/ وكقوله: تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت * أعمارهم قبل نضج التين والعنب (7) ~~وكقوله: لو لم يمت بين أطراف الرماح إذا * لمات، إذ لم يمت، من شدة الحزن ~~(8) PageV01P109 # وكقوله: * خشنت عليه أخت بني خشين (1) * وكقوله: ألا لا يمد الدهر كفا ~~بسيئ * إلى مجتدى نصر فتقطع من الزند (2) وقال في وصف المطايا: ms150 / لو كان ~~كلفها عبيد حاجة * يوما لزنى شدقما وجديلا (3) وكقوله: فضربت الشتاء في ~~أخدعيه * ضربة غادرته عودا ركوبا (4) فهذا وما أشبهه إنما يحدث من غلوه في ~~محبة الصنعة، حتى يعميه عن وجه الصواب، وربما أسرف في المطابق والمجانس ~~ووجوه البديع من الاستعارة وغيرها، حتى استثقل نظمه، واستوخم رصفه، وكان ~~التكلف (5) باردا، والتصرف جامدا. # وربما اتفق مع ذلك في كلامه النادر المليح، كما يتفق البارد القبيح. # * * * وأما البحتري فإنه لا يرى في التجنيس ما يراه أبو تمام، ويقل ~~التصنع له. # فإذا وقع في كلامه كان في الأكثر حسنا رشيقا، وظريفا جميلا. # وتصنعه PageV01P110 # للمطابق كثير حسن، وتعمقه في وجوه الصنعة على وجه طلب السلامة، والرغبة ~~في السلاسة، فلذلك يخرج سليما من العيب في الأكثر. # / وأما وقوف الألفاظ به عن تمام الحسنى، وقعود العبارات عن الغاية ~~القصوى، فشئ لا بد منه، وأمر لا محيص عنه. # كيف وقد وقف على من هو أجل منه وأعظم قدرا في هذه الصنعة، وأكبر في ~~الطبقة، كامرئ القيس، وزهير، والنابغة، وابن هرمة (1) . # ونحن نبين تميز كلامهم، وانحطاط درجة قولهم، ونزول طبقة نظمهم عن بديع ~~نظم القرآن، في باب مفرد، يتصور به ذو الصنعة ما يجب تصوره، ويتحقق (2) وجه ~~الإعجاز فيه، بمشيئة الله وعونه. # * * * / ثم رجع الكلام بنا إلى ما قدمناه، من أنه لا سبيل إلى معرفة ~~إعجاز القرآن من البديع الذي ادعوه في الشعر ووصفوه فيه. # وذلك: أن هذا الفن ليس فيه ما يخرق العادة، ويخرج عن العرف، بل يمكن ~~استدراكه بالتعلم والتدرب به والتصنع له، كقول الشعر، ورصف الخطب، وصناعة ~~الرسالة، والحذق في البلاغة. # وله طريق يسلك، ووجه يقصد، وسلم يرتقى فيه إليه، ومثال قد يقع طالبه ~~عليه. # فرب إنسان يتعود أن ينظم جميع كلامه شعرا، وآخر يتعود (3) أن يكون جميع ~~خطابه سجعا، أو صنعة متصلة، لا يسقط من كلامه حرفا (4) ، وقد يتأتى له لما ~~قد تعوده (5) . # وأنت ترى أدباء زماننا يضعون (6) المحاسن في جزء. # وكذلك يؤلفون أنواع البارع، ثم ينظرون فيه إذا أرادوا إنشاء قصيدة أو ms151 ~~خطبة فيحسنون (7) به كلامهم. # ومن كان قد تدرب وتقدم في حفظ ذلك - استغنى عن هذا التصنيف، ولم يحتج إلى ~~تكلف هذا التأليف، وكان ما أشرف عليه من هذا الشأن باسطا من باع كلامه، ~~وموشحا بأنواع البديع ما يحاوله من قوله. PageV01P111 # / وهذا طريق لا يتعذر، وباب لا يمتنع، وكل يأخذ فيه مأخذا ويقف منه موقفا ~~(1) ، على قدر ما معه من المعرفة، وبحسب ما يمده من الطبع. # فأما شأو نظم القرآن، فليس له مثال يحتذى عليه (2) ولا إمام يقتدي به، ~~ولا يصح وقوع مثله اتفاقا، كما يتفق للشاعر البيت النادر، والكلمة الشاردة، ~~والمعنى الفذ الغريب، والشئ القليل العجيب، وكما يلحق من كلامه (3) ، ~~بالوحشيات، ويضاف من قوله إلى الأوابد، لأن ما جرى هذا المجرى ووقع هذا ~~الموقع، فإنما يتفق للشاعر في لمع من شعره، وللكاتب في قليل من رسائله، ~~وللخطيب في يسير من خطبه. # ولو كان كل شعره نادرا، ومثلا سائرا، ومعنى بديعا، ولفظا رشيقا، وكل ~~كلامه مملوءا من رونقه ومائه، ومحلى (4) ببهجته وحسن روائه، ولم يقع فيه ~~المتوسط بين الكلامين، والمتردد بين الطرفين، ولا البارد (5) المستثقل، ~~والغث المستنكر - لم يبن الإعجاز في الكلام، ولم يظهر (6) التفاوت العجيب ~~بين النظام والنظام. # / وهذه جملة تحتاج إلى تفصيل (7) ، ومبهم قد يحتاج في بعضه إلى تفسير (7) ~~. # وسنذكر ذلك بمشيئة الله وعونه. # ولكن قد يمكن أن يقال في البديع الذي حكيناه وأضفناه إليهم: إن ذلك باب ~~من أبواب البراعة، وجنس من أجناس البلاغة، وأنه لا ينفك القرآن عن فن من ~~فنون بلاغاتهم، ولا وجه من وجوه فصاحاتهم، وإذا (8) أورد هذا المورد، ووضع ~~هذا الموضع - كان جديرا. # وإنما لم نطلق القول إطلاقا، لأنا لا نجعل الإعجاز متعلقا بهذه الوجوه ~~الخاصة ووقفا عليها، ومضافا إليها، وإن صح أن تكون هذه الوجوه مؤثرة في ~~الجملة، آخذة بحظها من الحسن والبهجة، متى وقعت في الكلام على غير وجه ~~التكلف المستبشع والتعمل المستشنع. PageV01P112 ### | فصل في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن # قد بينا أنه لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية، من العجم ms152 والترك ~~وغيرهم، أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا بأن (1) يعلموا أن العرب قد عجزوا عن ~~ذلك. # فإذا عرفوا هذا - بأن علموا أنهم قد تحدوا إلى (2) أن يأتوا بمثله، ~~وقرعوا على ترك الإتيان بمثله، ولم يأتوا به - تبينوا أنهم عاجزون عنه. # وإذا عجز أهل ذلك اللسان، فهم عنه أعجز. # وكذلك نقول:، إن من كان من أهل اللسان العربي - إلا أنه ليس يبلغ في ~~الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام، ووجوه تصرف اللغة، وما ~~يعدونه فصيحا بليغا بارعا من غيره - فهو كالأعجمي: في أنه لا يمكنه أن يعرف ~~إعجاز القرآن، إلا بمثل ما بينا أن يعرف به الفارسي الذي بدأنا بذكره، وهو ~~ومن ليس من أهل اللسان، سواء. # فأما من كان قد تناهى في معرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها - # فهو يعرف القدر الذي ينتهي إليه وسع المتكلم من الفصاحة، ويعرف ما يخرج ~~عن الوسع، ويتجاوز حدود القدرة - / فليس يخفى عليه إعجاز القرآن، كما يميز ~~بين جنس الخطب والرسائل والشعر، وكما يميز بين الشعر الجيد والردئ، والفصيح ~~والبديع، والنادر والبارع والغريب. # وهذا كما يميز أهل كل صناعة صنعتهم، فيعرف الصيرفي من النقد ما يخفى على ~~غيره، ويعرف البزاز من قيمة الثوب وجودته ورداءته ما يخفى على غيره، وإن ~~كان يبقى مع معرفة هذا الشأن أمر آخر، وربما (3) اختلفوا فيه: لأن من أهل ~~الصنعة من يختار الكلام المتين، والقول الرصين. # ومنهم من يختار الكلام الذي يروق ماؤه، وتروع بهجته ورواؤه، PageV01P113 # ويسلس مأخذه، ويسلم وجهه ومنفذه، ويكون قريب المتناول، غير عويص اللفظ، ~~ولا غامض المعنى. # كما [قد] (1) يختار (2) قوم ما يغمض معناه، ويغرب لفظه، ولا يختار ما سهل ~~على اللسان، وسبق إلى البيان. # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصف زهيرا، فقال: كان لا يمدح الرجل ~~إلا بما فيه (3) . # وقال لعبد بني الحسحاس حين أنشده: / * كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ~~(4) *: أما إنه لو قلت مثل هذا لأجزتك عليه (5) . # وروي أن جريرا سئل عن أحسن الشعر؟ فقال: قوله: # إن الشقي الذي ms153 في النار منزله * والفوز فوز الذي ينجو من النار (6) كأنه ~~فضله لصدق معناه. # ومنهم من يختار الغلو في قول الشعر والإفراط فيه (7) ، حتى ربما قالوا: ~~أحسن الشعر أكذبه، كقول النابغة: يقد السلوقي المضاعف نسجه * ويوقدن ~~بالصفاح نار الحباحب (8) وأكثرهم على مدح المتوسط بين المذهبين: في الغلو ~~(9) والاقتصاد، وفي المتانة والسلاسة. PageV01P114 # ومنهم من رأى أن أحسن الشعر ما كان أكثر صنعة، وألطف / تعملا، وأن # يتخير الالفاظ الرشيقة للمعانى البديعية والقوا في الواقعة، كمذهب ~~البحتري، وعلى ما وصفه عن بعض الكتاب (1) [في قوله] (2) : في نظام من ~~البلاغة ما شك * ك امرؤ إنه نظام فريد (3) وبديع كأنه الزهر الضا * حك في ~~رونق الربيع الجديد حزن مستعمل الكلام اختيارا * وتجنبن ظلمة التعقيد وركبن ~~اللفظ القريب فأدرك * ن به غاية المراد البعيد (4) [كالعذاري غدون في الحلل ~~ال * بيض إذا رحن في الخطوط السود] (5) ويرون أن من تعدى هذا كان سالكا ~~مسلكا عاميا، ولم يروه شاعرا ولا مصيبا. # / وفيما كتب [إلى] الحسن بن عبد الله: أبو (6) أحمد العسكري، قال: أخبرني ~~محمد بن يحيى، قال: أخبرني عبد الله بن الحسين (7) قال: قال لي البحتري: ~~دعاني " علي بن الجهم " فمضيت إليه، فأفضنا في أشعار المحدثين، إلى أن ~~ذكرنا شعر أشجع [السلمى] ، فقال لي: إنه يخلي، وأعادها مرات، ولم أفهمها، ~~وأنفت أن أسأله عن معناها، فلما انصرفت أفكرت في الكلمة ونظرت في شعره، ~~فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولة ليس فيها بيت رائع، PageV01P115 # وإذا هو يريد هذا بعينه: أن يعمل الابيات فلا يصيب فيها بيت نادر (1) ، ~~كما أن الرامي إذا رمى برشقه فلم يصب بشئ (2) ، قيل: قد أخلى. # قال (3) : وكان " علي بن الجهم " أحسن الناس علما بالشعر (4) . # وقوم من أهل اللغة يميلون إلى الرصين من الكلام، الذي يجمع الغريب ~~والمعاني، مثل أبي عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر، والأصمعي. # / ومنهم من يختار الوحشي من الشعر، كما اختار المفضل (5) للمنصور من " ~~المفضليات " وقيل: إنه اختار ذلك لميله إلى ذلك الفن. # وذكر الحسن بن عبد الله: أنه أخبره بعض الكتاب عن ms154 علي بن العباس، قال: ~~حضرت مع البحتري مجلس عبيد الله بن عبد الله بن طاهر (6) ، وقد سأل البحتري ~~عن أبي نواس ومسلم بن الوليد: أيهما أشعر؟ فقال البحتري: أبو نواس أشعر. # فقال عبيد الله: إن أبا العباس ثعلبا لا يطابقك على قولك، ويفضل مسلما. # فقال البحتري: ليس هذا من عمل ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون ~~عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك (7) الشعر إلى مضايقه، وانتهى إلى ~~ضرواته (8) . # فقال له عبيد الله (9) : وريت بك زنادي يا أبا عبادة، وقد وافق حكمك حكم ~~أخيك بشار بن برد في جرير والفرزدق، [فإن دعبلا حدثنى عن أبى نواس، أنه حضر ~~بشارا، وقد سئل عن جرير والفرزدق، و] (10) أيهما أشعر؟ فقال: جرير أشعرهما. # فقيل له: / بماذا؟ فقال: لأن جريرا يشتد، إذا شاء، وليس كذلك الفرزدق، ~~لانه يشتد أبدا. # فقيل له: فإن يونس وأبا عبيدة يفضلان الفرزدق على جرير. PageV01P116 # فقال: ليس هذا من عمل أولئك القوم، إنما يعرف الشعر من يضطر إلى أن يقول ~~مثله، وفي الشعر ضروب لم يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النوار امرأته فناح ~~عليها بقول جرير: لولا الحياء لعادني استعبار * ولزرت قبرك والحبيب يزار ~~(1) وروي عن أبي عبيدة: أنه قال للفرزدق (2) : مالك لا تنسب كما ينسب جرير؟ ~~فغاب حولا، ثم جاء فأنشد: يا أخت ناجية بن سامة إنني * أخشى عليك بنى إن ~~طلبوا دمى (3) والاعدل في الاختيار ما سلكه أبو تمام (4) من الجنس الذي ~~جمعه في كتاب " الحماسة "، وما اختاره من " الوحشيات "، وذلك أنه تنكب (5) ~~المستنكر الوحشى، والمبتذل العامي، وأتى بالواسطة. # وهذه طريقة من ينصف في الاختيار، ولا يعدل به غرض (6) / يخص، لأن الذين ~~اختاروا الغريب فإنما اختاروه لغرض لهم في تفسير ما يشتبه على غيرهم، ~~وإظهار (7) التقدم في معرفته، وعجز غيرهم عنه، ولم يكن قصدهم جيد الاشعار ~~لشئ يرجع إليها في أنفسها. # ويبين هذا: أن الكلام الموضوع للإبانة عن الأغراض التي في النفوس وإذا ~~كان كذلك وجب أن يتخير من اللفظ ما كان أقرب إلى الدلالة على (8) المراد، ms155 ~~وأوضح في الإبانة عن المعنى المطلوب، ولم يكن مستكره المطلع على الاذن، و ~~[لا] (9) مستنكر المورد على النفس، حتى يتأبى بغرابته (10) في اللفظ عن ~~الافهام، أو يمتنع بتعويص (11) معناه عن الإبانة. # ويجب أن يتنكب ما كان عامى اللفظ (12) ، مبتذل العبارة، ركيك المعنى، ~~سفسافي الوضع، مجتلب PageV01P117 # التأسيس (1) على غير أصل ممهد، ولا طريق موطد. # وإنما فضلت العربية على غيرها، لاعتدالها في الوضع. # لذلك وضع أصلها # على أن أكثرها [هو] (2) بالحروف المعتدلة، فقد أهملوا الألفاظ / ~~المستكرهة في نظمها، وأسقطوها من كلامهم، وجعلوا عامة (3) لسانهم على ~~الاعدل. # ولذلك صار أكثر كلامهم من الثلاثي، لأنهم بدءوا بحرف وسكتوا على آخر، ~~وحعلوا حرفا وصلة بين الحرفين، ليتم الابتداء والانتهاء على ذلك. # والثنائي أقل. # وكذلك الرباعي والخماسي أقل، ولو كان ثنائيا لتكررت الحروف. # ولو كان كله رباعيا أو (4) خماسيا لكثرت الكلمات. # وكذلك بني أمر الحروف التي ابتدئ بها السور على هذا: فأكثر هذه السور ~~التي ابتدئت بذكر الحروف، ذكر فيها ثلاثة أحرف. # وما هو أربعة أحرف سورتان. # وما ابتدئ بخمسة أحرف سورتان. # فأما ما بدئ بحرف واحد فقد اختلفوا فيه: فمنهم من لم يجعل ذلك حرفا، ~~وإنما جعله فعلا واسما لشئ خاص. # ومن جعل ذلك حرفا قال: أراد أن يحقق الحروف مفردها ومنظومها. # ولضيق ما سوى كلام العرب، أو لخروجه عن الاعتدال - يتكرر (5) في بعض ~~الألسنة الحرف الواحد في الكلمة الواحدة والكلمات المختلفة كثيرا (6) ، ~~كنحو تكرر الطاء والسين في لسان / يونان، وكنحو الحروف الكثيرة التى هي (7) ~~اسم لشئ واحد في لسان الترك، ولذلك لا يمكن أن ينظم من الشعر في تلك ~~الألسنة على الأعاريض التي تمكن في اللغة العربية. # والعربية أشدها تمكنا، وأشرفها تصرفا وأعدلها، ولذلك (8) جعلت حلية لنظم ~~القرآن، وعلق بها الإعجاز، وصار دلالة في النبوة (9) . # * * * PageV01P118 # وإذا كان الكلام إنما يفيد الإبانة عن الأغراض القائمة في النفوس، التي ~~لا يمكن التوصل إليها بأنفسها وهي محتاجة إلى ما يعبر عنها، فما كان أقرب ~~في تصويرها، وأظهر في كشفها للفهم الغائب عنها، وكان مع ذلك أحكم في ms156 ~~الإبانة عن المراد، وأشد تحقيقا في الايضاح عن المطلب (1) وأعجب في وضعه، ~~وأرشق في تصرفه، وأبرع في نظمه - كان أولى وأحق بأن يكون شريفا. # وقد شبهوا النطق بالخط، والخط يحتاج مع بيانه إلى رشاقة / وصحة، [وملاحة] ~~(2) ولطف، حتى يحوز الفضيلة ويجمع الكمال. # شبهوا الخط والنطق بالتصوير، وقد أجمعوا أن من أحذق المصورين من صور لك ~~الباكي المتضاحك، والباكي الحزين، والضاحك المتباكي، والضاحك المستبشر. # وكما أنه يحتاج إلى لطف يد في تصوير هذه الأمثلة، فكذلك يحتاج إلى لطف في ~~اللسان والطبع في تصوير ما في النفس للغير. # وفي جملة الكلام ما تقصر (3) عبارته وتفضل معانيه. # وفيه ما تقصر معانيه (4) وتفضل العبارات. # وفيه ما يقع كل واحد منهما وفقا للآخر. # ثم ينقسم ما يقع وفقا إلى أنه قد يفيدها على [جملة وقد يفيدها على] (5) ~~تفصيل. # وكل واحد منهما قد ينقسم إلى ما يفيدها على أن يكون كل واحد منهما بديعا ~~شريفا، وغريبا لطيفا. # وقد يكون كل واحد منهما مستجلبا متكلفا، ومصنوعا متعسفا، وقد يكون [كل] ~~(6) واحد منهما حسنا رشيقا، وبهيجا نضيرا (7) . # وقد يتفق أحد الامرين دون الآخر. # وقدر / يتفق أن يسلم الكلام والمعنى من غير رشاقة ولا نضارة في واحد ~~منهما. # [و] (8) إنما يميز من يميز، ويعرف من يعرف. # والحكم في ذلك صعب شديد، والفصل فيه شأو بعيد. # وقد قل من PageV01P119 # يميز أصناف الكلام، فقد حكي عن طبقة أبى عبيدة وخلف الاحمر وغيرهما في ~~زمانهما (1) ، أنهم قالوا: ذهب من يعرف نقد (2) الشعر. # وقد بينا قبل هذا اختلاف القوم في الاختيار، وما يجب أن يجمعوا عليه، ~~ويرجعوا عند التحقيق إليه، فكلام المقتدر نمط، وكلام المتوسط (3) باب، ~~وكلام المطبوع له طريق، وكلام المتكلف له منهاج، والكلام المصنوع المطبوع ~~له باب. # ومتى تقدم الإنسان في هذه الصنعة، لم تخف عليه هذه الوجوه، ولم تشتبه ~~عنده هذه الطرق: فهو يميز قدر كل متكلم بكلامه (4) ، وقدر كل كلام في # نفسه، ويحله محله، ويعتقد فيه ما هو عليه، ويحكم فيه (5) بما يستحق من ~~الحكم. # / وإن كان المتكلم يجود ms157 في شئ دون شئ، عرف ذلك منه. # وإن كان (6) يعم إحسانه، عرف (7) . # ألا ترى أن منهم من يجود في المدح دون الهجو. # ومنهم من يجود في الهجو وحده (8) ، ومنهم من يجود في المزح (9) والسخف، ~~ومنهم من يجود في الأوصاف. # والعالم لا يشذ عنه [شئ من ذلك، ولا تخفى عليه] (10) مراتب هؤلاء، ولا ~~تذهب عليه أقدارهم، حتى أنه إذا عرف طريقة شاعر في قصائد معدودة، فأنشد ~~غيرها من شعره - لم يشك أن ذلك من نسجه، ولم يرتب في في أنها (11) من نظمه، ~~كما أنه إذا عرف خط رجل لم يشتبه عليه خطه حيث رآه (12) من بين الخطوط ~~المختلفة، وحتى يميز بين رسائل كاتب وبين رسائل غيره، وكذلك أمر الخطب. ~~PageV01P120 # فإن اشتبه عليه البغض، فهو لاشتباه الطريقين، وتماثل الصورتين، كما قد ~~يشتبه شعر أبي تمام بشعر البحتري: في القليل الذي يترك أبو تمام فيه ~~التصنع، ويقصد فيه التسهل، ويسلك الطريقة الكتابية، / ويتوجه في تقريب ~~الألفاظ وترك تعويض المعاني، ويتفق له مثل بهجة أشعار البحترى وألفاظه. # ولا يخفى على أحد يميز هذه الصنعة سبك أبى نواس [من سبك مسلم] (1) ، ولا ~~نسج ابن الرومي من نسج البحتري، وينبهه ديباجة (2) شعر البحتري، وكثرة ~~مائه، وبديع رونقه، وبهجة كلامه، إلا فيما يسترسل فيه، فيشتبه بشعر (3) ابن ~~الرومي، ويحركه ما لشعر (4) أبي نواس من الحلاوة، والرقة، والرشاقة، ~~والسلاسة، حتى يفرق بينه وبين شعر مسلم. # وكذلك يميز بين شعر الأعشى في التصرف، وبين شعر امرئ القيس، وبين شعر ~~النابغة وزهير، وبين شعر جرير والأخطل، والبعيث والفرزدق. # وكل له منهج معروف، وطريق مألوف. # ولا يخفى عليه في زماننا الفصل بين " رسائل عبد الحميد " وطبقته وبين ~~طبقة من بعده (5) ، حتى إنه لا يشتبه عليه ما بين " رسائل ابن العميد " ~~وبين رسائل أهل عصره ومن بعده من برع في صنعة الرسائل، / وتقدم في شأوها، ~~حتى جمع فيها بين طرق المتقدمين وطريقة المتأخرين، [و] حتى خلص لنفسه طريقة ~~(6) ، وأنشأ لنفسه منهاجا، فسلك تارة " طريقة الجاحظ " وتارة طريقة السجع، # وتارة طريقة الأصل، وبرع ms158 في ذلك باقتداره، وتقدم بحذقه، ولكنه لا يخفى مع ~~ذلك على أهل الصنعة طريقة من طريق غيره، وإن كان قد يشتبه البعض، ويدق ~~القليل، وتغمض الاطراف، وتشذ النواحى. PageV01P121 # وقد يتقارب (1) سبك نفر من شعراء عصر، وتتدانى رسائل كتاب دهر، حتى تشتبه ~~اشتباها شديدا، وتتماثل تماثلا قريبا، فيغمض الاصل (2) . # وقد يتشاكل الفرع والاصل، وذلك فيما لا يتعذر دراك (3) أمده، ولا يتصعب ~~طلاب شأوه، ولا يمنع بلوغ غايته، والوصول إلى نهايته، لأن الذي ينفق من ~~الفصل (4) بين أهل الزمان إذا تفاضلوا [في سبق] (5) ، وتفاوتوا في مضمار، ~~فصل قريب، وأمر يسير. # وكذلك لا يخفى عليهم معرفة سارق الألفاظ و [لا] سارق (6) / المعاني، ولا ~~من يخترعها، ولا من يلم بها، ولا من يجاهر بالأخذ ممن يكاتم به، ولا من ~~يخترع الكلام اختراعا، ويبتدهه ابتداها، ممن يروى (7) فيه، ويجيل الفكر في ~~تنقيحه، ويصبر عليه، حتى يتخلص له ما يريد، وحتى يتكرر نظره فيه. # قال أبو عبيدة: سمعت أبا عمرو يقول: زهير والحطيئة وأشباههما عبيد # الشعر، لأنهم نقحوه، ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين (8) . # وكان زهير يسمى كبر شعره " الحوليات المنقحة ". # وقال عدي ابن الرقاع: وقصيدة قد بت أجمع بينها * حتى أقوم ميلها وسنادها ~~(9) نظر المثقف في كعوب قناته * حتى يقيم ثقافه منآدها وكقول سويد بن كراع: ~~أبيت بأبواب القوافي كأنما * أصادي بها سربا من الوحش نزعا (10) ~~PageV01P122 # ومنهم من يعرف بالبديهة وحدة الخاطر، ونفاذ الطبع وسرعة / النظم، يرتجل ~~القول ارتجالا، ويطبعه (1) عفوا صفوا، فلا يقعد به عن قوم قد تعبوا وكدوا ~~أنفسهم، وجاهدوا خواطرهم. # وكذلك لا [يمكن أن] (2) يخفى عليهم الكلام العلوى، واللفظ الملوكى، كما ~~لا يخفى عليهم الكلام العامي، واللفظ السوقى، ثم تراهم ينزلون الكلام ~~تنزيلا، ويعطفونه - كيف تصرف - حقوقه، ويعرفون مراتبه فلا يخفى عليهم ما ~~يختص به كل فاضل تقدم في وجه من وجوه النظم، من الوجه الذي لا يشاركه فيه ~~غيره، ولا يساهمه سواه. # ألا تراهم وصفوا زهيرا بأنه أمدحهم وأشدهم أسر شعر (3) ، قاله أبو عبيدة ~~(4) ؟ وروى أن الفرزدق انتحل بيتا من شعر جرير، ms159 وقال: هذا يشبه شعري. # فكان هؤلاء لا يخفى عليهم ما قد نسبناه إليهم من المعرفة بهذا الشأن، ~~وهذا كما يعلم البزاز أن (5) هذا الديباج عمل بتستر (6) ، وهذا / لم يعمل ~~بتستر، وأن هذا من صنعة فلان دون فلان، ومن نسج فلان دون فلان، حتى لا يخفى ~~عليه، وإن كان قد يخفى على غيره. # ثم إنهم يعلمون أيضا من له سمت بنفسه، ورفت برأسه، ومن يقتدي في الألفاظ ~~أو في المعاني أو فيهما بغيره، ويجعل سواه قدوة له، ومن يلم في الأحوال ~~بمذهب غيره، ويطور (7) في الاحيان [بجنبات كلامه] (8) . # وهذه أمور ممهدة عند العلماء، وأسباب معروفة عند الأدباء، وكما يقولون: ~~إن " البحتري " يغير على " أبي تمام " إغارة، ويأخذ منه صريحا وإشارة، ~~PageV01P123 # ويستأنس بالأخذ منه بخلاف (1) ما يستأنس بالأخذ من غيره، ويألف اتباعه ~~كما لا يألف اتباع سواه، وكما كان أبو تمام يلم بأبي نواس ومسلم، وكما يعلم ~~أن بعض الشعراء يأخذ من كل أحد ولا يتحاشى، ويؤلف ما يقوله من فرق شتى. # وما الذي نفع " المتنبي " جحوده الأخذ، وإنكاره معرفة " الطائيين " وأهل ~~الصنعة يدلون على كل حرف أخذه منهما جهارا، أو ألم بهما فيه سرارا؟ ! / ~~وأما ما لم يأخذ عن الغير، ولكن سلك النمط، وراعى النهج، فهم يعرفونه، ~~ويقولون: هذا أشبه به من التمر بالتمرة، وأقرب إليه من الماء إلى الماء، ~~وليس بينهما إلا كما بين الليلة والليلة، فإذا تباينا وذهب أحدهما في غير ~~مذهب صاحبه، وسلك في غير جانبه (2) ، قيل: بينهما ما بين السماء والارض، ~~وماب ين النجم والنون (3) ، وما بين المشرق والمغرب. # * * * وإنما أطلت عليك، ووضعت جميعه بين يديك، لتعلم أن أهل الصنعة ~~يعرفون دقيق هذا الشأن وجليله، وغامضه وجليه، وقريبه وبعيده، ومعوجه ~~ومستقيمه. # فكيف يخفى عليهم الجنس الذي هو بين الناس متداول، وهو قريب متناول، من ~~أمر يخرج عن أجناس كلامهم، ويبعد عما هو في عرفهم، ويفوت مواقع قدرهم؟ ! # وإذا اشتبه ذلك، فإنما يشتبه على ناقص في الصنعة، أو قاصر عن معرفة طرق ~~الكلام الذي يتصرفون فيه ويديرونه (4) بينهم ms160 ولا يتجاوزونه، فلكلامهم سبل ~~مضبوطة، وطرق معروفة محصورة. # وهذا كما يشتبه على من يدعي الشعر - من أهل زماننا - والعلم بهذا / ~~الشأن، فيدعي أنه أشعر من البحتري، ويتوهم أنه أدق مسلكا من أبي نواس، ~~وأحسن طريقا من مسلم! وأنت تعلم أنهما متباعدان، وتتحقق أنهما لا يجتمعان ~~PageV01P124 # ولعل أحدهما إنما يلحظ غبار (1) صاحبه، ويطالع ضياء نجمه، ويراعى خفوق ~~(2) جناحه وهو راكد في موضعه، ولا يضر البحترى ظنه، ولا يلحقه بشأوه وهمه ~~(3) . # فإن اشتبه على متأدب أو متشاعر أو ناشئ أو مرمد، فصاحة القرآن وموقع ~~بلاغته، وعجيب براعته - فما عليك منه، إنما يخبر عن نقصه (4) ، ويدل على ~~عجزه، ويبين عن جهله، ويصرح (5) بسخافة فهمه، وركاكة عقله. # وإنما قدمنا (6) ما قدمناه في هذا الفصل، لتعرف أن ما ادعيناه من معرفة ~~البليغ بعلو شأن القرآن وعجيب نظمه وبديع تأليفه، أمر لا يجوز غيره، ولا ~~يحتمل سواه، ولا يشتبه على ذي بصيرة، ولا يخيل عند (7) أخي معرفة، كما يعرف ~~الفصل بين طبائع (8) الشعراء / من أهل الجاهلية، وبين المخضرمين، وبين ~~المحدثين، ويميز بين من يجري على شاكلة طبعه وغريزة نفسه، وبين من يشتغل # بالتكلف والتصنع، وبين من يصير التكلف له كالمطبوع، وبين من كان مطبوعه ~~كالمتعمل (9) المصنوع. # هيهات هيهات! ! هذا أمر - وإن دق - فله قوم يقتلون علما، وأهل يحيطون به ~~فهما، ويعرفونه (10) إليك إن شئت، ويصورونه لديك إن أردت، ويجلونه على ~~خواطرك إن أحببت، ويعرفونه لفطنتك إن حاولت، وقد قال القائل: للحرب والضرب ~~أقوام لها خلقوا * وللدواوين كتاب وحساب ولكل عمل رجال، ولكل صنعة ناس، وفي ~~كل فرقة الجاهل والعالم والمتوسط، ولكل قد قل من يميز في هذا الفن خاصة، ~~وذهب من يحصل في هذا الشأن، إلا قليلا! فإن كنت ممن هو بالصفة التي وصفناها ~~- من التناهى في معرفة الفصاحات، PageV01P125 # والتحقق (1) بمجاري البلاغات - فإنما يكفيك التأمل، ويغنيك التصور. # وإن كنت في الصنعة مرمدا، وفي المعرفة بها متوسطا، فلا بد / لك من ~~التقليد، ولا غنى بك عن التسليم. # إن الناقص في هذه الصنعة كالخارج عنها، والشادي فيها كالبائن ms161 منها. # فإن أراد أن نقرب عليه أمرا (2) ، ونفسح له طريقا، ونفتح له بابا - ليعرف ~~به إعجاز القرآن - فإنا نضع بين يديه الأمثلة، ونعرض عليه الأساليب، ونصور ~~له صور (3) كل قبيل من النظم والنثر، ونحضره (4) من كل فن من القول شيئا ~~يتأمله حق تأمله، ويراعيه حق رعايته (5) ، فيستدل استدلال العالم، ويستدرك ~~استدراك (6) الناقد، ويقع (7) له الفرق بين الكلام الصادر عن الربوبية، ~~الطالع عن الإلهية، الجامع بين الحكم والحكم، والأخبار عن الغيوب ~~والغائبات، والمتضمن لمصالح الدنيا والدين، والمستوعب لجلية اليقين، ~~والمعاني المخترعة في تأسيس أصل الشريعة وفروعها بالألفاظ الشريفة، على ~~تفننها وتصرفها. # ونعمد إلى شئ من الشعر المجمع عليه، فنبين وجه النقص فيه، وندل على ~~انحطاط رتبته، ووقوع أبواب الخلل فيه، حتى إذا تأمل ذلك، وتأمل ما نذكره - ~~من تفصيل إعجاز القرآن وفصاحته، وعجيب براعته - انكشف له واتضح، وثبت / ما ~~وصفناه لديه ووضح، وليعرف حدود " البلاغة "، ومواقع البيان " والبراعة " ~~ووجه التقدم في " الفصاحة ". # وذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين (8) : أن الفارسي سئل، فقيل له: ما ~~" البلاغة "؟ فقال: معرفة الفصل من الوصل. # وسئل اليوناني عنها؟ فقال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام. # وسئل الرومي عنها؟ فقال: حسن الاقتضاب عند البداهة (9) ، والغزازة يوم ~~الاطالة. PageV01P126 # وسئل الهندي عنها؟ فقال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة. # وقال مرة (1) : التماس حسن الموقع والمعرفة بساعات (2) القول، وقلة الخرق ~~بما (3) التبس من المعاني، أو غمض وشرد من اللفظ وتعذر. # وزينته (4) أن تكون الشمائل موزونة، والالفاظ معدلة، واللهجة نقية (5) ، ~~وأن (6) لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ويكون في قواه فضل (7) التصرف في ~~كل طبقة ولا يدقق المعاني كل التدقيق، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح، و [لا] ~~يصفيها كل التصفية، و [لا] يهذبها بغاية التهذيب (8) . # وأما " البراعة " فهى فيما يذكر (9) أهل اللغة: الحذق بطريقة الكلام ~~وتجويده، وقد يوصف بذلك كل متقدم في قول أو صناعة. # وأما " الفصاحة " فقد اختلفوا فيها: فمنهم من عبر عن معناها بأنه: ما كان ~~جزل اللفظ، حسن المعنى. # وقد قيل: معناها: الاقتدار على الإبانة عن المعاني الكامنة في النفوس، ms162 ~~على عبارات جلية، ومعان نقية بهية. # * * * والذي يصور عندك ما ضمنا تصويره، ويحصل لديك (10) معرفته - إذا كنت ~~في صنعة الأدب متوسطا، وفى علم العربية متبينا (11) - / أن تنظر أو لا في ~~PageV01P127 # في نظم القرآن، ثم في شئ من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فتعرف الفصل # بين النظمين، والفرق بين الكلامين. # فإن تبين لك الفصل، ووقعت على جلية الأمر وحقيقة الفرق - فقد أدركت ~~الغرض، وصادفت المقصد. # وإن لم تفهم الفرق، ولم تقع (1) على الفصل - فلا بد لك من التقليد، وعلمت ~~أنك من جملة العامة، وإن سبيلك سبيل من هو خارج عن أهل اللسان. PageV01P128 ### | خطبة للنبي # صلى الله عليه وسلم روى طلحة بن عبيد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يخطب على منبره يقول: " ألا أيها (1) الناس، توبوا إلى ربكم قبل ~~أن تموتوا، وبادروا الأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ~~ربكم - بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية - ترزقوا وتؤجروا ~~وتنصروا. # واعلموا أن الله عز وجل قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في عامي ~~هذا، في شهري هذا، إلى يوم القيامة: حياتي ومن بعد (2) موتي، فمن تركها وله ~~إمام - فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا حج له، ألا ولا ~~صوم له، ألا ولا صدقة له، ألا ولا برله. # ألا ولا يؤم أعرابي مهاجرا، ألا ولا يؤم فاجر مؤمنا، إلا أن يقهره سلطان ~~يخاف سيفه ولا سوطه ". ### | ### | خطبة له # صلى الله عليه وسلم " أيها (3) الناس، إن لكم معالم، فانتهوا (4) ~~إلى معالمكم، وإن لكم نهاية، فانتهوا إلى نهايتكم. # إن المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى، لا يدري ما الله صانع فيه، وبين ~~أجل قد بقي، لا يدري ما الله تعالى قاض عليه فيه. # فليأخذ العبد لنفسه من نفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة (5) . # قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت. PageV01P129 # والذي نفس محمد بيده: ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا دار، إلا ~~الجنة أو النار ". ### | خطبة له ms163 # صلى الله عليه وسلم " إن الحمد لله، أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا، وسيآت أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك (1) له. # / إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في ~~الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن (2) ~~الحديث وأبلغه. # أحبوا من أحب الله، وأحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله ~~وذكره، ولا تقسو عليه قلوبكم، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. # اتقوا الله حق تقاته، وصدقوا صالح ما # تعملون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، والسلام عليكم ورحمة الله ". # خطبة له صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق قال بعد حمد الله: " أيها ~~الناس، أتدرون (3) في أي شهر أنتم؟ وفي أي يوم أنتم؟ وفي أي بلد أنتم؟ ~~قالوا: في يوم حرام، وشهر حرام، وبلد حرام. # قال: ألا فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في ~~شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقونه. # ثم قال: اسمعوا منى تعيشوا، ألا لا تظالموا، ألا لا تظالموا، ألا لا ~~تظالموا. PageV01P130 # / ألا إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه. # ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية، تحت قدمي هذه، ألا وإن أول ~~دم وضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب - كان مسترضعا في بنى ليث، فقتلته ~~هذيل (1) -. # ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع، ألا وإن الله تعالى قضى أن أول ~~ربا يوضع: ربا عمي العباس، لكم (رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون) . # ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض (منها ~~أربعة حرم، ذلك الدين القيم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم) . # ألا لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض (3) . # / ألا وإن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينكم (4) . # اتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان (5) ، لا يملكن لأنفسهن شيئا، ~~وإن لهن ms164 عليكم حقا، ولكم عليهن حق: أن لا يوطئن فرشكم أحدا غيركم، فإن خفتم ~~نشوزهن فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف، فإنما أخذتموهن بأمانة الله تعالى، واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله. PageV01P131 # ألا ومن كانت عنده أمانة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. # ثم بسط يده، فقال: ألا هل بلغت، ألا هل بلغت، ليبلغ الشاهد الغائب، فرب ~~مبلغ أبلغ من سامع ". # / خطبته صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وقف على باب الكعبة، ثم قال: " ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق (1) وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب ~~وحده. # ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى - فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت، ~~وسقاية الحاج. # ألا وقتيل الخطأ العمد بالسوط والعصا - فيه الدية مغلظة، منها أربعون ~~خلفة (2) ، في بطونها أولادها. # يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، ~~الناس من آدم، وآدم خلق من تراب، ثم تلا هذه الآية: (يا أيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم، إن الله عليم خبير) (3) . # يا معشر قريش - أو يا أهل مكة - ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ ~~كريم، وابن أخ [كريم. # ثم] قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء ". # خطبته صلى الله عليه وسلم بالخيف وروى زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خطب / بالخيف من منى، فقال (4) : PageV01P132 # " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها (1) ، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب ~~حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. # ثلاث لا يغل (2) عليهن قلب المؤمن: اخلاص العمل لله، والنصيحة لأولي ~~الأمر، ولزوم الجماعة، إن دعوتهم تكون من ورائه. # ومن كان همه الآخرة: جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي ~~راغمة. # ومن كان همه الدنيا: فرق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من ~~الدنيا إلا ما كتب له ". ### | خطبة له # صلى الله عليه وسلم رواها أبو ms165 سعيد الخدرى رضى الله عنه قال (3) : خطب ~~بعد العصر، فقال: " ألا إن الدنيا خضرة حلوة (4) ، ألا وإن الله مستخلفكم ~~فيها، فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء. # ألا لا يمنعن رجلا مخافة الناس، أن يقول الحق إذا علمه. PageV01P133 # قال: ولم يزل يخطب حتى لم تبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف، فقال: ~~إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى، إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى ". # كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك فارس " من محمد رسول الله إلى ~~كسرى عظيم فارس: سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، وأدعوك / بدعاء الله ~~تعالى، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، ويحق القول ~~على الكافرين. # فأسلم تسلم ". # كتاب له صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي # " من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة: سلم أنت، فإني أحمد إليك ~~الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن. # وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول (1) ~~الطيبة، فحملت بعيسى، فحملته من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده ونفخه. # وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني ~~وتؤمن بالذي جاءني. # وإني أدعوك وجنودك إلى الله تعالى، فقد (2) بلغت ونصحت، فاقبلوا نصحي. # والسلام على من اتبع الهدى ". PageV01P134 ### | نسخة عهد الصلح مع (1) قريش عام الحديبية " # هذا (2) ما صالح عليه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، سهيل / ابن ~~عمرو: اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين (3) ، يأمن فيها الناس، ويكف ~~(4) بعضهم عن بعض على أنه من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش (5) ~~بغير إذن (6) وليه، رده عليهم. # ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يردوه عليه (7) ، ~~وإن بيننا عيبة مكفوفة (8) وأنه لا إسلال (9) ، ولا إغلال، وأنه من أحب أن ~~يدخل في عهد رسول الله صلى الله عليه ms166 وسلم وعقده / دخل فيه، ومن أحب أن ~~يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه، وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا # مكة، فإذا كان عاما قابلا خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا، ~~وأن معك سلاح الراكب، والسيوف في القرب (10) ، فلا تدخلها بغير هذا " * * * ~~ولا أطول عليك، وأقتصر على ما ألقيته إليك (11) ، فإن كان لك في الصنعة حظ، ~~أو كان لك في هذا المعنى حس، أو كنت تضرب في الادب PageV01P135 # بسهم، أو في العربية بقسط - وإن قل ذلك السهم، أو نقص ذلك النصيب - فما ~~أحسب أنه يشتبه عليك الفرق بين براعة القرآن، وبين ما نسخناه لك من كلام ~~الرسول، صلى الله صلى الله عليه وسلم، في خطبه ورسائله، وما عساك تسمعه من ~~كلامه، ويتساقط إليك من ألفاظه، وأقدر أنك ترى بين الكلامين بونا بعيدا، ~~وأمدا مديدا، وميدانا واسعا، ومكانا شاسعا. # * * * فإن قلت: لعله أن يكون تعمل للقرآن، وتصنع لنظمه، وشبه عليك ~~الشيطان ذلك من خبثه - فتثبت في نفسك، وارجع إلى عقلك، / واجمع لبك، وتيقن ~~أن الخطب يحتشد لها في المواقف العظام، والمحافل الكبار، والمواسم الضخام، ~~ولا يتجوز فيها، ولا يستهان بها، والرسائل إلى الملوك مما يجمع لها الكاتب ~~جراميزه (1) ، ويشمر لها عن جد واجتهاد، فكيف يقع بها الاخلال؟ وكيف تعرض ~~(2) للتفريط؟ فستعلم، لا محالة أن نظم القرآن من الأمر الإلهي، وأن كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الامر النبوى. # فإذا أردت زيادة في التبين (3) وتقدما في التعرف، وإشرافا على الجلية ~~وفوزا بمحكم القضية، فتأمل - هداك الله - ما ننسخه لك من خطب الصحابة ~~والبلغاء، لتعلم أن نسجها ونسج ما نقلنا - من خطب # النبي صلى الله عليه وسلم - واحد، وسبكها سبك غير مختلف، وإنما يقع بين ~~كلامه وكلام غيره، ما يقع من التفاوت بين كلام الفصيحين، وبين (4) شعر ~~الشاعرين، وذلك أمر له مقدار معروف، وحد - ينتهى إليه - مضبوط. PageV01P136 # فإذا عرفت أن جميع كلام الآدمي منهاج، ولجملته طريق (1) / وتبينت (2) ما ~~يمكن فيه من (3) التفاوت - نظرت إلى نظم القرآن نظرة أخرى، وتأملته ms167 مرة ~~ثانية، فتراعي بعد موقعه، وعالي محله وموضعه، وحكمت بواجب من اليقين، وثلج ~~(4) الصدر بأصل الدين. ### | خطبة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه # قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال (5) : " أما بعد، فإني وليت ~~أمركم، ولست بخيركم، ولكن نزل القرآن، وسن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وعلمنا فعلمنا. # واعلموا أن أكيس الكيس التقى، وإن أحمق الحمق الفجور، وأن أقواكم عندي ~~الضعيف، حتى آخذ له بحقه، وأن أضعفكم عندي القوي، حتى آخذ منه الحق. # أيها الناس، إنما أنا متبع، ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، # وإن زغت فقوموني " (6) . ### | عهد لأبي بكر الصديق إلى عمر رضي الله عنهما # بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وآخر / عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة، ساعة يؤمن فيها ~~الكافر، ويتقي فيها الفاجر. PageV01P137 # إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل: فذاك ظني به، ورأيي فيه، ~~وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت لكم (1) ، ولكل امرئ ما اكتسب ~~من الإثم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (2) . # * * * وفي حديث عبد الرحمن بن عوف رحمة الله عليه، قال: # دخلت على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، في علته التي مات فيها، فقلت: ~~أراك بارئا يا خليفة رسول الله، فقال: أما إني - على ذلك - لشديد الوجع، ~~ولما لقيت منكم - يا معشر المهاجرين - أشد علي من وجعي. # إني وليت أموركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم (3) أنفه أن يكون له الأمر من ~~دونه. # والله لتتخذن نضائد (4) الديباج، وستور الحرير، ولتألمن النوم / على ~~الصوف الأذربي (5) ، كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان (6) ، والذي ~~نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب رقبته في غير حد، خير له من أن يخوض غمرات ~~الدنيا. # يا هادي الطريق جرت (7) ، إنما هو - والله - الفجر أو البجر (8) . ~~PageV01P138 # قال: فقلت: خفض عليك يا خليفة رسول الله، صلى الله صلى الله عليه وسلم، ~~فإن هذا يهيضك (1) إلى ما بك، فوالله ما زلت صالحا مصلحا، لا تأسى على شئ ~~فاتك من ms168 أمر الدنيا، ولقد تخليت بالأمر وحدك، فما رأيت إلا خيرا. # وله خطب ومقامات مشهورة اقتصرنا منها على ما نقلنا، منها قصة السقيفة. # * * * / نسخة كتاب كتبه (2) أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن ~~الخطاب، رضي الله عنهم: سلام الله عليك، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله ~~إلا هو. # أما بعد، فإنا عهدناك وأمر نفسك لك (3) مهم، فأصبحت وقد وليت أمر هذه ~~الأمة أحمرها، وأسودها، يجلس بين يديك الصديق والعدو، والشريف والوضيع، ~~ولكل حصته من العدل، فانظر كيف أنت - يا عمر - عند ذلك، فإنا نحذرك يوما ~~تعنوا فيه الوجوه، وتجب فيه القلوب. # وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الامة يرجع (4) في آخر زمانها: أن يكون إخوان ~~العلانية أعداء السريرة، وأنا نعوذ بالله أن تنزل كتابنا سوى المنزل الذي ~~نزل من قلوبنا، فإنا إنما كتبنا إليك نصيحة لك، والسلام. # فكتب إليهما: من عمر بن الخطاب، إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل: ~~سلام عليكما، فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو (5) . # / أما بعد، فقد جاءني كتابكما، تزعمان أنه بلغكما أني وليت أمر هذه ~~الأمة: أحمرها وأسودها، يجلس بين يدى الصديق والعدو، والشريف والوضيع، ~~وكتبتما: PageV01P139 # أن أنظر كيف أنت يا عمر عند ذلك؟ وإنه لا حول ولا قوة لعمر - عند ذلك - ~~إلا الله. # وكتبتما تحذراني ما حذرت به الأمم قبلنا، وقديما كان اختلاف الليل ~~والنهار بآجال الناس: يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود: ~~حتى يصير الناس إلى منازلهم، من الجنة أو النار، ثم توفى كل نفس بما كسبت، ~~إن الله سريع الحساب. # وكتبتما تزعمان أن أمر هذه الامة يرجع في آخر زمانها: أن يكون إخوان ~~العلانية أعداء السريرة، ولستم بذاك، وليس هذا ذلك الزمان، ولكن زمان ذلك ~~(1) حين تظهر الرغبة والرهبة، فتكون رغبة بعض الناس إلى بعض إصلاح دينهم، ~~ورهبة بعض الناس إصلاح دنياهم. # وكتبتما تعوذانني بالله أن أنزل كتابكما مني سوى المنزل الذي نزل من ~~قلوبكما، وإنما كتبتما نصيحة لي، وقد صدقتكما، فتعهداني ms169 منكما بكتاب، ولا ~~غنى # بي عنكما (2) . ### | عهد من عهود عمر رضي الله عنه # بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، إلى ~~عبد الله بن قيس (3) : سلام عليك. # أما بعد، فإن القضاء: فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، ~~فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. # آس (4) بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك (5) ، ~~ولا ييأس ضعيف (6) من عدلك. PageV01P140 # البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر. # والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا. # ولا يمنعنك (1) قضاء قضيته بالأمس - فراجعت فيه عقلك، وهديت لرشدك - أن ~~ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق # خير من التمادي في الباطل. # / الفهم الفهم، فيما تلجلج في صدرك (2) ، مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم ~~اعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أشبهها، بالحق. # واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة - أمدا (3) ينتهي إليه، فإن أحضر بينة، ~~أخذت له بحقه، وإلا استحللت عليه القضية، فإنه أنفى للشك، وأجلى للعمى. # المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه شهادة ~~زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب (4) ، فإن الله تولى منكم السرائر، ودرأ ~~بالايمان والببنات (5) . # وإياك والغلق (6) والضجر، والتأذي بالخصوم، والتنكر عند / الخصومات (7) ~~PageV01P141 # فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر، ويحسن به الذخر، فمن صحت ~~نيته، وأقبل على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما ~~يعلم الله أنه ليس من نفسه، شانه الله (1) ، فما ظنك بثواب الله عز وجل في ~~عاجل رزقه، وخزائن رحمته، والسلام. # ولعمر رضي الله عنه خطب مشهورة مذكورة في التاريخ، لم ننقلها اختصارا. # * * * ### | ومن كلام عثمان بن عفان رضي الله عنه # خطبة له (2) رضى الله عنه قال: إن لكل شئ آفة، وإن لكل نعمة عاهة، وإن ~~عاهة (3) هذا الدين عيابون ظنانون، يظهرون لكم ما تحبون، ويسرون / ما ~~تكرهون، يقولون لكم وتقولون، طغام (4) مثل النعام، يتبعون ms170 أول ناعق، أحب ~~مواردهم إليهم النازح. # لقد أقررتم لابن الخطاب بأكثر مما نقمتم علي، ولكنه وقمكم وقمعكم، وزجركم ~~زجر النعام المخزمة (5) . # والله إني لأقرب ناصرا، وأعز نفرا (6) ، وأقمن - إن قلت: هلم - أن تجاب ~~دعوتي، من عمر. # هل تفقدون من حقوقكم شيئا؟ فما لى لا أفعل في الحق ما أشاء؟ إذا فلم كنت ~~إماما؟ ! PageV01P142 ### | كتابة إلى علي حين حصر - رضي الله عنه # ما أما بعد، فقد بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين، وطمع في من لا ~~يدفع عن نفسه. # فإذا أتاك كتابي هذا: فأقبل إلى، على كنت أم لى. # / فإن كنت مأكولا: فكن خيرآكل * وإلا فأدركني ولما أمزق (2) * * * ### | ومن كلام علي بن أبى طالب رضي الله عنه # قال: لما قبض أبو بكر رضي الله عنه ارتجت المدينة بالبكاء، كيوم قبض ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء علي باكيا مسترجعا (3) ، وهو يقول: اليوم ~~انقطعت خلافة النبوة، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر، # فقال: رحمك (4) الله أبا بكر، كنت إلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأنسه، وثقته وموضع سره، كنت أول القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا، وأشدهم ~~يقينا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله، وأحوطهم على رسول الله (5) ~~، وأثبتهم (6) على الاسلام، وأيمنهم على أصحابه، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم ~~مناقب، وأفضلهم سوابق، / وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله ~~(7) صلى الله عليه وسلم سننا (8) وهديا، ورحمة وفضلا، وأشرفهم منزلة، ~~وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده. PageV01P143 # فجزاك (1) الله عن الإسلام وعن رسوله خيرا، كنت عنده بمنزلة السمع # والبصر. # صدقت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين كذبه الناس، فسماك في تنزيله ~~صديقا، فقال: (والذي جاء بالصدق وصدق به) (2) . # وآسيته حين بخلوا، وقمت معه عند المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدائد ~~أكرم الصحبة، ثاني اثنين وصاحبه (3) في الغار، والمنزل عليه السكينة ~~والوقار، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وفى أمته - أحسن الخلافة - ~~حين ارتد الناس، فنهضت حين وهن أصحابك، وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ~~ضعفوا، وقمت بالامر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا (4) ، مضيت بنور ms171 إذ ~~وقفوا، واتبعوك فهدوا. # / وكنت أصوبهم منطقا، وأطولهم صمتا، وأبلغهم قولا، وأكثرهم رأيا، وأشجعهم ~~نفسا، وأعرفهم بالأمور، وأشرفهم عملا. # كنت للدين يعسوبا (5) ، أولا: حين نفر عنه الناس، وآخرا: حين قفلوا (6) ، ~~وكنت للمؤمنين أبا رحيما، إذ صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما ضعفوا عنه ~~(7) ، ورعيت ما أهملوا، وحفظت ما أضاعوا، شمرت إذ خنعوا، وعلوت إذ هلعوا، ~~وصبرت إذ جزعوا، وأدركت أوتار ما طلبوا، وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا، ~~ونالوا بك ما لم يحتسبوا. # وكنت كما قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم آمن الناس عليه في صحبتك ~~وذات يدك، وكنت كما قال: ضعيفا في بدنك، قويا في أمر الله، متواضعا في ~~نفسك، عظيما عند الله، جليلا في أعين الناس (8) ، كبيرا في أنفسهم. ~~PageV01P144 # لم يكن لأحد (1) فيك مغمز، ولا لأحد مطمع، ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف ~~الذليل عندك قوي عزيز، حتى تأخذ / له بحقه، والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل، ~~حتى تأخذ منه الحق، القريب والبعيد عندك سواء، أقرب الناس إليك أطوعهم لله ~~شأنك الحق والصدق والرفق (2) وقولك حكم وحتم (3) ، وأمرك حلم (4) وحزم، ~~ورأيك علم وعزم، فأبلغت وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفأت النيران، ~~واعتدل بك الدين، وقوي الإيمان، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، وأتعبت من ~~بعدك اتعابا شديدا وفزت بالخير فوزا عظيما (5) ، فجللت عن البكاء، وعظمت ~~رزيتك في السماء، وهدت مصيبتك الايام فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن ~~الله قضاءه، وسلمنا له أمره، فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بمثلك أبدا، فألحقك الله بنبيه، ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا ~~بعدك. # وسكت الناس حتى انقضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم. # * * * / ### | خطبة أخرى لعلي رضي الله عنه # أما بعد، فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت ~~باطلاع، وإن المضمار اليوم، وغدا السباق. # ألا وإنكم في أيام مهل، ومن ورائه أجل، فمن أخلص في أيام مهله (6) فقد ~~فاز، ومن قصر في أيام مهله (7) ، قبل حضور أجله، فقد خسر عمله، وضره أمله. # ألا فاعملوا لله ms172 في الرغبة، كما تعملون له في الرهبة. # ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها. PageV01P145 # ألا وإنه من لم ينفعه الحق ضره (1) الباطل، ومن لم يستقم (2) به الهدى ~~يجر به الضلال. # ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن، ودللتم على (3) الزاد. # ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع (4) الهوى، وطول الامل (5) . # * * * / وخطب رضى الله عنه، فقال بعد حمد الله: # أيها الناس، اتقوا الله، فما خلق امرؤ عبثا فيلهو، ولا أهمل سدى فيلغو، ~~ما دنياه التي تحسنت إليه بخلف من الآخرة التي قبحها سوء النظر إليه، وما ~~الخسيس الذي ظفر به - من الدنيا - بأعلى همته (6) ، كالآخر الذى ذهب (7) من ~~الآخرة من سهمته (8) . # * * * وكتب علي رضي الله عنه إلى عبد الله بن عباس: رحمة الله عليهما، ~~وهو بالبصرة: أما بعد، فإن المرء يسر (9) بدرك ما لم يكن ليحرمه، ويسوءه ~~فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما قدمت، من أجر أو منطق، وليكن أسفك ~~فيما فرطت فيه من ذلك. # وانظر ما فاتك من الدنيا: فلا تكثر عليه جزعا، وما نلته: فلا تنعم به ~~فرحا، وليكن همك لما بعد الموت (10) . ### | كلام لابن عباس رضي الله عنه # قال عتبة بن أبي سفيان لابن عباس: ما منع أمير المؤمنين أن يبعثك مكان ~~أبى موسى، يوم الحكمين؟ PageV01P146 # قال: منعه - والله - من ذلك حاجز القدر، وقصر المدة، ومحنة الابتلاء. # أما والله، لو بعثني مكانه لاعترضت له في مدارج نفسه، ناقضا لما أبرم، ~~ومبرما لما نقض، أسف إذا طار، وأطير إذا أسف، ولكن مضى قدر، وبقي أسف، ومع ~~يومنا غد، والآخرة خير لأمير المؤمنين، من الأولى. # * * * ### | خطبة لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه # أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، خير الملل ملة إبراهيم، ~~وأحسن السنن سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، خير الأمور أوساطها، وشر ~~الأمور محدثاتها، ما قل وكفى، خير مما كثر وألهى، خير الغنى غنى النفس، ~~وخير ما ألقي في القلب اليقين، الخمر جماع الاثم، النساء حبالة (1) ~~الشيطان، الشباب شعبة من ms173 الجنون، حب الكفاية مفتاح المعجزة. # من / الناس من لا يأتي الجماعة إلا دبرا، ولا يذكر الله إلا هجرا، أعظم ~~الخطايا اللسان الكذوب، سباب المؤمن فسق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، من ~~يتأل على الله يكذبه (2) ، من يغفر يغفر له، مكتوب في ديوان المحسنين: من ~~عفا عفي عنه. # الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، الأمور بعواقبها. # ملاك العمل خواتيمه (3) ، أشرف الموت الشهادة، من يعرف # البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرف البلاء ينكره. # * * * PageV01P147 ### | خطبة لمعاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه # قال الراوي: لما حضرته الوفاة قال لولى له: من بالباب؟ فقال: نفر من قريش ~~يتباشرون بموتك! فقال: ويحك، ولم؟ ثم أذن للناس، فحمد الله وأثنى عليه (1) ~~فأوجز، ثم قال: / أيها الناس، إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعد ~~فيه المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل ~~عما جهلنا، ولا نتخوف (2) قارعة حتى تحل بنا، فالناس على أربعة أصناف: ~~منهم: من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه، وكلال حده، ونضيض ~~(3) وفره. # ومنهم: المصلت (4) لسيفه، والمجلب برجله (5) ، والمعلن (6) بشره، قد أشرط ~~نفسه (7) ، وأوبق دينه، لحطام (8) ينتهزه، أو مقنب (9) يقوده، أو منبر ~~يفرعه (10) وبئس المتجرأن تراها لنفسك ثمنا، ومما لك # عند الله عوضا. # / ومنهم: من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد ~~طامن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه، وزخرف PageV01P148 # نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية. # ومنهم: من أقعده عن الملك ضئولة في نفسه، وانقطاع سببه، فقصر به الحال عن ~~حال (1) ، فتحلى باسم القناعة، وتزين بلباس الزهاد، وليس من ذلك في مراح ~~ولا مغدى. # وبقي رجال أغض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين ~~شريد (2) ناد، وخائف منقمع (3) ، وساكت مكعوم (4) # وداع مخلص، وموجع ثكلان، قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة، في بحر أجاج، ~~أفواههم دامية (5) ، وقلوبهم قرحة (6) ، قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ~~ذلوا، وقتلوا حتى قلوا. # / فلتكن الدنيا في عيونكم أقل ms174 من حتاتة القرظ (7) ، وقراضة الجلم (8) ، ~~واتعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، فارفضوها ذميمة، فإنها ~~قد رفضت من كان أشغف بها منكم (9) PageV01P149 ### | خطبة لعمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه # أيها الناس، إنكم ميتون، ثم إنكم مبعوثون، ثم إنكم محاسبون، فلعمري: لئن ~~كنتم صادقين، لقد قصرتم، ولئن كنتم كاذبين، لقد هلكتم. # يا أيها الناس، إنه من يقدر له رزق برأس جبل، أو بحضيض / أرض - يأته، ~~فأجملوا في الطلب (1) . ### | خطبة للحجاج بن يوسف # حمد الله، وأثنى عليه (2) ، ثم قال: يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق ~~والنفاق، ومساوى الأخلاق، وبني اللكيعة، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، ~~والفقع بالقرقر (3) ، إني سمعت تكبيرا لا يراد به الله، وإنما يراد به ~~الشيطان، وإنما مثلي ومثلكم،، ما قاله ابن براقة الهمداني (4) : وكنت إذا ~~قوم غزوني غزوتهم * فهل أنا في ذا، يا لهمدان، ظالم متى تجمع القلب الذكى ~~وصار ما * وأنفا حميا، تجتنبك المظالم (5) أما والله لا تقرع عصا عصا، إلا ~~جعلتها (6) كأمس الدابر. PageV01P150 ### | خطبة لقس بن ساعدة الأيادي # (1) أخبرني محمد بن علي الأنصاري (2) بن محمد بن عامر، قال: حدثنا على ~~ابن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن داود بن عبد الرحمن العمرى، قال: حدثنا ~~الأنصاري علي بن محمد الحنظلي - من ولد حنظلة الغسيل - حدثنا جعفر ابن ~~محمد، عن محمد بن حسان (3) ، عن محمد بن حجاج اللخمي (4) ، عن مجالد (5) ، ~~عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: لما وفد وفد عبد القيس على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: أيكم يعرف قس بن ساعدة؟ / قالوا: كلنا نعرفه يا رسول ~~الله (6) . # قال: لست أنساه بعكاظ، إذ وقف على بعير له أحمر، فقال: أيها الناس ~~اجتمعوا، وإذا اجتمعتم فاسمعوا، وإذا سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فقولوا، وإذا ~~قلتم فاصدقوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. # أما بعد، فإن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، مهاد موضوع، وسقف ~~مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لا تغور، أقسم بالله قس قسما PageV01P151 # حقا لا كاذبا فيه ولا آثما، لئن ms175 كان في الارض رضا ليكونن سخطا (1) ، إن ~~لله تعالى دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، وقد أتاكم أوانه، ~~ولحقتكم مدته. # مالى أرى الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا؟ أم تركوا ~~فناموا؟ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم يروى شعره؟ فأنشدوه: / ~~في الذاهبين الأولي * ن من القرون لنا بصائر # لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * يسعى الأصاغر ~~والأكابر لا يرجع الماضي إلي * ي ولا من الباقين غابر أيقنت أني لا محا * ~~لة حيث صار القوم صائر * * * أخبرني الحسن بن عبد الله بن سعيد، حدثنا علي ~~بن الحسين (2) بن إسماعيل، حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا عبيد الله بن ~~الضحاك، عن هشام، عن أبيه: أن وفدا من إياد قدموا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فسألهم عن حال قس ابن ساعدة، فقالوا: قال قس: يا ناعي الموت ~~والأموات في جدث * عليهم من بقايا بزهم خرق دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم * ~~كما ينبه من نوماته الصعق (3) منهم عراة ومنهم في ثيابهم * منها الجديد ~~ومنها الأورق الخلق (4) PageV01P152 # / مطر ونبات (1) ، وآباء وأمهات، وذاهب وآت. # وآيات في إثر آيات، وأموات بعد أموات. # ضوء وظلام، وليال وأيام، وغني وفقير، وشقي وسعيد، ومحسن ومسئ. # أين الأرباب الفعلة؟ ليصلحن كل عامل عمله. # كلا، بل هو الله واحد،، ليس بمولود ولا والد، أعاد (2) وأبدى، وإليه # المآب غدا. # أما بعد، يا معشر إياد، أين ثمود وعاد؟ وأين الآباء والأجداد؟ أين الحسن ~~الذي لم يشكر؟ أين الظلم الذي لم ينقم (3) ؟ كلا ورب الكعبة ليعودن مابدا، ~~ولئن ذهب يوم ليعودن يوم. # قال: وهو قس بن ساعدة (4) بن حذاق بن ذهل بن إياد بن نزار. # أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية. # وأول من توكأ على عصا (5) . # وأول من تكلم ب " أما بعد (5) ". # / خطبة لأبي طالب الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، ~~وجعل لنا بلدا حراما وبيتا محجوجا، وجعلنا الحكام على الناس. # وأن محمد بن عبد الله، ابن أخى، ms176 لا يوازن (6) به فتى من قريش إلا رجح به: ~~بركة وفضلا وعدلا، ومجدا ونبلا، وإن كان في المال مقلا، فإن المال عارية ~~مسترجعة، وظل زائل، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما ~~أردتم من الصداق فعلى (7) . # * * * / قد نسخت لك جملا من كلام الصدر الاول ومحاوراتهم وخطبهم، ~~PageV01P153 # وأحيلك فيما لم أنسخ على التواريخ والكتب المصنفة في هذا الشأن. # فتأمل ذلك، وسائر ما هو مسطر من الأخبار المأثورة عن السلف، وأهل البيان ~~واللسن، والفصاحة والفطن، والألفاظ المنثورة، والمخاطبات الدائرة بينهم، ~~والأمثال المنقولة عنهم. # ثم انظر - بسكون طائر، وخفض جناح، وتفريغ لب، وجمع عقل - في ذلك، فسيقع ~~لك الفصل (1) بين كلام الناس وبين كلام رب العالمين، وتعلم أن نظم القرآن ~~يخالف نظم (2) كلام الآدميين، وتعلم الحد الذي يتفاوت بين كلام البليغ ~~والبليغ، والخطيب والخطيب، والشاعر والشاعر، وبين نظم القرآن جملة. # فإن خيل إليك، أو شبه عليك، وظننت أنه يحتاج أن يوازن بين نظم الشعر ~~والقرآن، لأن الشعر أفصح من الخطب، وأبرع من الرسائل، وأدق مسلكا من جميع ~~أصناف المحاورات - ولذلك (3) قالوا له صلى الله عليه وسلم: هو شاعر أو ساحر ~~- وسول إليك الشيطان أن الشعر أبلغ وأعجب، وأرق (4) وأبرع، وأحسن الكلام ~~وأبدع - فهذا فصل فيه نظر بين المتكلمين، وكلام بين المحققين. PageV01P154 # باب (1) سمعت (2) أفضل من رأيت من أهل (3) العلم بالأدب والحذق بهذه ~~الصناعة، مع تقدمه في الكلام - يقول: إن الكلام المنثور يتأتى فيه من ~~الفصاحة والبلاغة ما لا يتأتى في الشعر، لأن الشعر يضيق نطاق الكلام، ويمنع ~~القول من انتهائه، ويصده عن تصرفه على سننه. # وحضره من يتقدم في صنعة الكلام، فراجعه في ذلك، وذكر أنه لا يمتنع أن ~~يكون الشعر أبلغ إذا صادف شروط الفصاحة، وأبدع إذا تضمن أسباب البلاغة. # ويشهد عندي للقول الأخير: أن معظم براعة كلام العرب في الشعر، ولا نجد في ~~منثور قولهم ما نجد في منظومه، وإن كان قد أحدثت البراعة في الرسائل على حد ~~لم يعهد في سالف أيام العرب، ولم ينقل في ms177 دواوينهم (4) وأخبارهم. # وهو، وإن ضيق نطاق القول، فهو يجمع حواشيه، ويضم / أطرافه ونواحيه، فهو ~~إذا تهذب في بابه، ووفى (5) له جميع أسبابه - لم يقاربه من كلام الآدميين ~~كلام، ولم يعارضه من خطابهم خطاب. # وقد حكي عن " المتنبي " أنه كان ينظر في المصحف، فدخل إليه بعض أصحابه، ~~فأنكر نظره فيه، لما كان رآه (6) عليه من سوء اعتقاده، فقال له: هذا (7) ~~المكي على فصاحته كان مفحما! ! فإن صحت هذه الحكاية عنه في إلحاده عرف بها ~~(8) أنه كان يعتقد أن الفصاحة في قول الشعر [أمكن] وأبلغ (9) . PageV01P155 # وإذا كانت الفصاحة في قول الشعر أو لم تكن، وبينا أن نظم القرآن يزيد في ~~فصاحته على كل نظم، ويتقدم في بلاغته على كل قول، بما يتضح به الأمر اتضاح ~~الشمس، ويتبين به بيان الصبح - وقفت على جلية هذا الشأن. # فانظر فيما نعرضه عليك (1) ، وتصور بفهمك ما نصوره، ليقع لك موقع عظيم ~~شأن القرآن، وتأمل ما نرتبه، ينكشف لك الحق. # إذا أردنا (2) تحقيق ما ضمناه لك، فمن سبيلنا أن نعمد إلى قصيدة / متفق ~~على كبر محلها، وصحة نظمها، وجودة بلاغتها، ورشاقة (3) معانيها، وإجماعهم ~~على إبداع صاحبها فيها، مع كونه من الموصوفين بالتقدم في الصناعة، ~~والمعروفين بالحذق في البراعة، فنقفك على مواضع (4) خللها، وعلى تفاوت ~~نظمها، وعلى اختلاف فصولها، وعلى كثرة فضولها، وعلى شدة تعسفها، وبعض ~~تكلفها، وما تجمع من كلام رفيع، يقرن بينه وبين كلام وضيع، وبين لفظ سوقي، ~~يقرن بلفظ ملوكي، وغير ذلك من الوجوه التى يجئ تفصيلها، ونبين ترتيبها ~~وتنزيلها. # * * * # فأما كلام " مسيلمة " الكذاب، وما زعم أنه قرآن، فهو أخس من أن نشتغل به، ~~وأسخف من أن نفكر فيه. # وإنما نقلنا منه طرفا ليتعجب القارئ، وليتبصر الناظر، فإنه (5) على ~~سخافته قد أضل، وعلى ركاكته قد أزل، وميدان الجهل واسع! ومن نظر فيما ~~نقلناه عنه، وفهم موضع جهله، كان جديرا أن يحمد الله على ما رزقه من فهم، ~~وآتاه من علم. # فما كان يزعم أنه نزل عليه من السماء: " والليل الاضخم، والذئب / الأدلم، ~~والجذع الأزلم، ما ms178 انتهكت أسيد من محرم "! وذلك قد ذكر في خلاف وقع بين قوم ~~أتوه من أصحابه! PageV01P156 # وقال أيضا، " والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسيد من رطب ولا ~~يابس "! وكان يقول: " والشاء وألوانها، وأعجبها السود، وألبهانها، والشاة ~~السوداء، واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، فما لكم لا تجتمعون ~~" (1) ! وكان يقول: " ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء ~~وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين (2) ، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الارض ~~ولقريش نصفها، ولكن قريش (3) قوم يعتدون "! # وكان يقول: " والمبديات (4) زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، ~~والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، إهالة ~~وسمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، ~~والمعتر فآووه، والباغي فناوئوه. # "! / وقالت سجاج بنت الحارث بن عقبان - وكانت تتنبأ، فاجتمع مسيلمة معها ~~- فقالت له: ما أوحي إليك؟ فقال: " ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها ~~نسمة تسعى (5) ، ما بين صفاق وحشا "! وقالت: فما بعد ذلك؟ قال: أوحي إلي: " ~~إن الله خلق النساء أفواجا، وجعل الرجال لهن أزواجا، فنولج فيهن قعسا ~~إيلاجا، ثم نخرجها إذا شئنا إخراجا، فينتجن لنا سخالا نتاجا "! فقالت: أشهد ~~أنك نبى (6) ! ! ولم ننقل كل ما ذكر من سخفه، كراهية التثقيل. # وروي: أنه سأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه أقواما قدموا عليه من بني ~~حنيفة، عن هذه الألفاظ؟ فحكوا بعض ما نقلناه، فقال أبو بكر: سبحان ~~PageV01P157 # الله! ويحكم، إن هذا الكلام لم يخرج عن إل (1) ، فأين كان يذهب بكم؟ ! ~~ومعنى قوله: " لم يخرج عن آل ": أي عن ربوبية. # / ومن كان له عقل لم يشتبه عليه سخف هذا الكلام (2) ! * * * فنرجع الآن ~~إلى ما ضمناه من الكلام على الأشعار المتفق على جودتها وتقدم أصحابها في ~~صناعتهم، ليتبين لك تفاوت أنواع الخطاب وتباعد مواقع أنواع (3) البلاغة، ~~وتستدل على مواضع البراعة. # وأنت (4) لا تشك في جودة شعر " امرئ القيس " ولا ترتاب في براعته، ولا ~~تتوقف في فصاحته، وتعلم أنه قد (5) أبدع في طرق الشعر أمورا اتبع فيها، من ~~ذكر الديار ms179 والوقوف عليها، إلى ما يصل بذلك: من البديع الذي أبدعه، ~~والتشبيه الذي أحدثه، والمليح الذى تجد في شعره (6) ، والتصرف الكثير الذي ~~تصادفه في قوله، والوجوه التي / ينقسم إليها كلامه: من صناعة وطبع، وسلاسة ~~وعفو (7) ، ومتانة ورقة، وأسباب تحمد، وأمور تؤثر وتمدح. # وقد ترى الادباء أو لا (8) يوازنون بشعره فلانا وفلانا، ويضمون أشعارهم ~~إلى شعره، حتى ربما وازنوا بين شعر من لقيناه وبين شعره في أشياء لطيفة، ~~وأمور بديعة، وربما فضلوهم عليه، أو سووا بينهم وبينه، أو قربوا موضع تقدمه ~~عليهم (9) ، وبرزوه بين أيديهم. PageV01P158 # ولما اختاروا قصيدته في " السبعيات (1) ". # أضافوا إليها أمثالها، وقرنوا بها نظائرها، ثم تراهم يقولون، لفلان لامية ~~مثلها، ثم ترى أنفس الشعراء تتشوق إلى معارضته، وتساويه في طريقته، وربما ~~غبرت في وجهه في أشياء كثيرة (2) ، وتقدمت عليه في أسباب عجيبة. # وإذا جاءوا إلى تعداد محاسن شعره، كان أمرا محصورا، وشيئا معروفا. # أنت تجد من ذلك البديع أو أحسن منه في شعر غيره، وتشاهد مثل ذلك البارع ~~في كلام سواه، وتنظر إلى المحدثين كيف توغلوا إلى حيازة المحاسن، منهم من ~~جمع رصانة الكلام إلى سلاسته، / ومتانته إلى عذوبته، والإصابة في معناه إلى ~~تحسين بهجته، حتى إن منهم من قصر عنه في بعض، تقدم عليه في بعض، [وإن وقف ~~دونه في حال، سبقه في أحوال، وإن تشبه به في أمر، ساواه في أمور] (3) لأن ~~الجنس الذي يرمون إليه، والغرض الذي # يتواردون عليه، هو (4) مما للآدمي فيه مجال، وللبشري فيه مثال، فكل يضرب ~~فيه بسهم، ويفوز فيه بقدح، ثم قد تتفاوت السهام (5) تفاوتا، وتتباين ~~تباينا، وقد تتقارب تقاربا، على حسب مشاركتهم في الصنائع، ومساهمتهم في ~~الحرف. # " ونظم القرآن " جنس متميز (6) ، وأسلوب متخصص، وقبيل عن النظير (7) ~~متخلص، فإذا شئت أن تعرف عظم شأنه، فتأمل ما نقوله في هذا الفصل لامرئ ~~القيس في أجود أشعاره، وما نبين لك من عواره، على التفصيل. # وذلك قوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل ~~فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها * لما نسجتها من ms180 جنوب وشمأل PageV01P159 # / الذين يتعصبون له ويدعون (1) محاسن الشعر، يقولون: هذا من البديع، لأنه ~~وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر العهد والمنزل والحبيب، وتوجع واستوجع، ~~كله في بيت، ونحو ذلك. # وإنما بينا هذا لئلا يقع لك ذهابنا على مواضع المحاسن - إن كانت - # ولا غفلتنا عن مواضع الصناعة، إن وجدت. # تأمل - أرشدك الله - وانظر - هداك الله: أنت تعلم أنه ليس في البيتين شئ ~~قد سبق في ميدانه شاعرا، ولا تقدم به صانعا. # وفى لفظه ومعناه خلل: فأول ذلك: أنه استوقف من يبكى لذكر الحبيب (2) ، ~~وذكراه لا تقتضي بكاء الخلي، وإنما يصح طلب الإسعاد في مثل هذا، على أن ~~يبكي لبكائه ويرق لصديقه في (3) شدة برحائه، فإما أن يبكي على حبيب صديقه، ~~وعشيق رفيقه، فأمر محال. # فإن كان المطلوب وقوفه وبكاؤه أيضا عاشقا، صح الكلام [من وجه] (4) ، وفسد ~~المعنى من وجه آخر! لأنه من السخف أن لا يغار على حبيبه، وأن يدعو غيره إلى ~~التغازل عليه، والتواجد معه فيه! ثم في البيتين ما لا يفيد، من ذكر هذه ~~المواضع، وتسمية هذه الأماكن: من " الدخول " و " حومل " و " توضح " و " ~~المقراة " وسقط اللوى "، وقد كان يكفيه أن يذكر في التعريف بعض هذا. # وهذا التطويل إذا لم يفد كان ضربا من العى! ثم إن قوله: " لم يعف رسمها ~~"، ذكر الأصمعي من محاسنه: أنه باق فنحن نحزن على مشاهدته، فلو عفا ~~لاسترحنا. # وهذا بأن يكون من مساويه أولى، لأنه إن كان صادق الود، فلا يزيده ~~PageV01P160 # عفاء الرسوم إلا جدة عهد، وشدة وجد. # وإنما فزع الأصمعي (1) إلى إفادته هذه الفائدة، خشية أن يعاب عليه، ~~فيقال: أي فائدة لأن يعرفنا أنه لم يعف رسم منازل حبيبه؟ وأي معنى لهذا ~~الحشو؟ فذكر ما يمكن أن يذكر، ولكن لم يخلصه - بانتصاره له - من الخلل. # ثم في هذه الكلمة خلل آخر، لأنه عقب البيت بأن قال (2) : * فهل عند رسم ~~دارس من معول! * فذكر أبو عبيدة: أنه رجع فأكذب نفسه، كما قال زهير: / قف ~~بالديار التي لم يعفها القدم * نعم، وغيرها الارواح والديم ms181 (3) وقال غيره: ~~أراد بالبيت الأول أنه لم ينطمس أثره كله، وبالثاني أنه ذهب بعضه، حتى لا ~~يتناقض الكلامان. # وليس في هذا انتصار، لان معنى " عفا " و " درس " واحد، فإذا قال: " لم ~~يعف رسمها " ثم قال: " قد عفا "، فهو تناقض لا محالة! واعتذار " أبي عبيدة ~~" أقرب لو صح، ولكن لم يرد هذا القول مورد الاستدراك كما قاله (4) زهير، ~~فهو إلى الخلل أقرب. # وقوله: " لما نسجتها "، كان ينبغي أن يقول: " لما نسجها " ولكنه تعسف ~~فجعل " ما " في تأويل تأنيث (5) ، لأنها في معنى الريح، والأولى التذكير ~~دون التأنيث، وضرورة الشعر قد قادته إلى (6) هذا التعسف. # وقوله: " لم يعف رسمها " كان الأولى أن يقول: " لم يعف رسمه " لانه ذكر ~~المنزل، فإن كان رد ذلك إلى هذه البقاع والاماكن PageV01P161 # / التي المنزل واقع بينها، فذلك خلل، لأنه إنما يريد صفة المنزل الذي ~~نزله حبيبه، بعفائه، أو بأنه لم يعف دون ما جاوره. # وإن أراد بالمنزل الدار حتى أنث، فذلك أيضا خلل. # ولو سلم من هذا كله ومما نكره ذكره كراهية التطويل - لم نشك في أن شعر ~~أهل زماننا لا يقصر عن البيتين، بل يزيد عليهما ويفضلهما. # * * * ثم قال: وقوفا بها صحبي علي مطيهم * يقولون: لا تهلك أسى وتحمل (1) ~~وإن شفائي عبرة مهراقة * فهل عند رسم دارس من معول وليس في البيتين أيضا ~~معنى بديع، ولا لفظ حسن كالاولين. # والبيت الاول منهما متعلق بقوله: " قفا نبك " فكأنه قال: قفا وقوف صحبي ~~بها على مطيهم، أو: قفا حال وقوف صحبي. # وقوله " بها ": متأخر في المعنى وإن تقدم في اللفظ، ففي ذلك تكلف وخروج ~~عن (2) اعتدال الكلام. # والبيت الثاني مختل من جهة أنه قد جعل الدمع في اعتقاده شافيا / كافيا، ~~فما حاجته بعد ذلك إلى طلب حيلة (3) أخرى، وتحمل ومعول عند الرسوم؟ ولو ~~أراد أن يحسن الكلام لوجب أن يدل (4) على أن الدمع لا يشفيه لشدة ما به من ~~الحزن، ثم (5) يسائل: هل عند الربع من حيلة أخرى؟ * * * وقوله: كدأبك من أم ~~الحويرث قبلها * وجارتها أم الرباب بمأسل PageV01P162 # إذا ms182 قامتا تضوع المسك منهما * نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل (1) أنت لا ~~تشك في أن البيت الأول قليل الفائدة، ليس له مع ذلك بهجة، فقد يكون الكلام ~~مصنوع اللفظ، وإن كان منزوع المعنى! وأما البيت الثاني فوجه التكلف فيه ~~قوله: * إذا قامتا تضوع المسك منهما * ولو أراد أن يجود أفاد أن بهما طيبا ~~على كل حال، فأما في حال القيام فقط، فذلك تقصير! ! ! # ثم فيه خلل آخر: لأنه بعد أن شبه عرفها بالمسك، شبه ذلك بنسيم القرنفل، ~~وذكر ذلك بعد ذكر المسك نقص. # / وقوله: " نسيم الصبا "، في تقدير المنقطع عن المصراع الأول، لم يصله به ~~وصل مثله. # * * * وقوله: ففاضت دموع العين مني صبابة * على النحر حتى بل دمعي محملي ~~ألا رب يوم لك منهن صالح * ولا سيما يوم بدارة جلجل (2) / قوله (3) : " ~~ففاضت دموع العين "، ثم استعانته بقوله: " مني " استعانة ضعيفة عند ~~المتأخرين في الصنعة، وهو حشو غير مليح ولا بديع. # وقوله: " على النحر "، حشو آخر، لأن قوله: " بل دمعي محملي " (4) يغني ~~عنه، ويدل عليه، وليس بحشو حسن ثم قوله: " حتى بل محملي " (4) إعادة ذكره ~~الدمع حشو آخر، وكان يكفيه أن يقول: " حتى بلت (5) محملي، فاحتاج لإقامة ~~الوزن إلى هذا كله. # ثم تقديره أنه (6) قد أفرط في إفاضة الدمع حتى بل محمله، تفريط ~~PageV01P163 # منه وتقصير، ولو كان أبدع لكان يقول: حتى بل دمعي مغانيهم وعراصهم ويشبه ~~أن يكون غرضه إقامة الوزن والقافية: لان (1) / الدمع يبعد أن يبل المحمل، ~~وإنما يقطر من الواقف والقاعد على الأرض أو على الذيل! ! وإن بله فلقلته ~~وإنه لا يقطر. # وأنت تجد في شعر الخبزرزي (2) ما هو أحسن من هذا البيت وأمتن (3) وأعجب ~~منه. # والبيت الثاني خال من المحاسن والبديع، خاو (4) من المعنى، وليس له لفظ ~~يروق، ولا معنى يروع، من طباع (5) السوقة! فلا يرعك تهويله باسم موضع غريب. # * * * وقال: ويوم عقرت للعذارى مطيتي * فيا عجبا من رحلها المتحمل فظل ~~العذارى يرتمين بلحمها * وشحم كهداب الدمقس المفتل / تقديره: اذكر يوم عقرت ~~مطيتي، أو يرده (6) على قوله: " يوم بدارة ms183 جلجل "، وليس في المصراع الأول ~~من هذا البيت إلا سفاهته (7) ! ! قال (8) بعض الأدباء: قوله " يا عجبا " ~~يعجبهم من سفهه في شبابه: من نحره لهن (9) . # وإنما أراد أن لا يكون الكلام من هذا المصراع منقطعا عن الأول، وأراد أن ~~يكون الكلام ملائما له. # وهذا الذي ذكره بعيد. # وهو منقطع عن الأول، وظاهره أنه يتعجب من PageV01P164 # تحمل العذارى رحله! وليس في هذا تعجب كبير، ولا في نحر الناقة لهن تعجب! ~~وإن كان يعنى به أنهن حملن رحله، وأن بعضهن حمله (1) ، فعبر عن نفسه برحله، ~~فهذا قليلا يشبه أن يكون عجبا، لكن الكلام لا يدل عليه، ويتجافى عنه. # ولو سلم البيت من العيب لم يكن فيه شئ غريب (2) ، ولا معنى بديع، أكثر # من سفاهته (3) ، مع قلة معناه، وتقارب أمره، ومشاكلته طبع المتأخرين من ~~أهل زماننا! / وإلى هذا الموضع لم يمر له بيت رائع، وكلام رائق. # وأما البيت الثاني فيعدونه حسنا، ويعدون التشبيه مليحا واقعا. # وفيه شئ: وذلك أنه عرف اللحم ونكر الشحم، فلا يعلم (4) أنه وصف شحمها، ~~وذكر تشبيه أحدهما بشئ واقع [للعامة، ويجرى على ألسنتهم] (5) ! وعجز عن ~~تشبيه القسمة الأولى فمرت مرسلة! وهذا نقص في الصنعة، وعجز عن إعطاء الكلام ~~حقه. # وفيه شئ آخر من جهة (6) المعنى: وهو: أنه وصف طعامه الذي أطعم من أضاف ~~بالجودة، وهذا قد يعاب. # وقد يقال: إن العرب تفتخر بذلك ولا يرونه عيبا، وإنما الفرس هم الذين ~~يرون هذا عيبا شنيعا. # وأما تشبيه الشحم بالدمقس، فشئ يقع للعامة ويجرى على ألسنتهم، فليس بشئ ~~قد سبق إليه، وإنما زاد " المفتل " للقافية، وهذا (7) مفيد، ومع ذلك فلست ~~أعلم العامة تذكر هذه الزيادة، ولم يعد أهل الصنعة ذلك من البديع، ورأوه ~~قريبا. # وفيه شئ آخر [من جهة المعنى (8) ] : وهو: أن تبجحه بما أطعم للأحباب ~~مذموم، وإن سوغ التبجح بما أطعم للأضياف، إلا أن PageV01P165 # / يورد الكلام مورد المجون، وعلى طريق (1) أبي نواس في المزاح والمداعبة! ~~* * * وقوله: ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة * فقالت: لك الويلات إنك مرجلي ~~تقول وقد مال الغبيط بنا ms184 معا: * عقرت بعيرى يا امرأ القيس فانزل قوله (2) : ~~" دخلت الخدر خدر عنيزة "، ذكره تكريرا (3) لإقامة الوزن، لا فائدة فيه ~~غيره، ولا ملاحة له ولا رونق! وقوله في المصراع الأخير من هذا البيت: " ~~فقالت لك الويلات إنك مرجلي " كلام مؤنث من كلام النساء، نقله من جهته إلى ~~شعره! وليس فيه غير هذا (4) ! ! وتكريره بعد ذلك: " تقول وقد مال الغبيط "، ~~يعني قتب الهودج، بعد قوله: " فقالت لك الويلات إنك مرجلي ": لا فائدة فيه ~~غير تقدير (5) الوزن! وإلا فحكاية قولها الأول كاف، وهو في النظم قبيح، ~~لأنه ذكر مرة: " فقالت "، ومرة: " تقول "، في معنى واحد، وفصل خفيف! وفى ~~مصراع الثاني أيضا تأنيث من كلامهن (6) . # / وذكر أبو عبيدة أنه قال: " عقرت بعيري "، ولم يقل ناقتي، لأنهم يحملون ~~النساء على ذكور الإبل، لانها أقوى. # وفى ذلك (7) نظر، لأن الأظهر أن البعير اسم للذكر والأنثى، واحتاج إلى ~~ذكر البعير لإقامة الوزن (8) . # * * * وقوله: فقلت لها: سيري وأرخي زمامه * ولا تبعديني من جناك المعلل ~~فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع * فألهيتها عن ذى تمائم محول (9) PageV01P166 # البيت الأول قريب النسج، ليس له معنى بديع، ولا لفظ شريف، كأنه من عبارات ~~المنحطين في الصنعة (1) . # وقوله: " فمثلك حبلى قد طرقت "، عابه عليه أهل العربية ومعناه عندهم حتى ~~يستقيم الكلام: فرب مثلك حبلى قد طرقت، وتقديره أنه زير نساء، وأنه يفسدهن ~~ويلهيهن عن حبلهن ورضاعهن، لأن الحبلى والمرضعة أبعد من الغزل وطلب الرجال! # والبيت الثاني في الاعتذار والاستهتار (2) والتهيام، وغير منتظم مع ~~المعنى الذي قدمه في البيت الأول، لأن تقديره: لا تبعديني عن نفسك فإني ~~أغلب النساء، وأخدعهن عن رأيهن، وأفسدهن / بالتغازل! وكونه مفسدة لهن لا ~~يوجب له وصلهن وترك إبعادهن إياه، بل يوجب هجره والاستخفاف به، لسخفه ~~ودخوله كل مدخل فاحش، وركوبه كل مركب فاسد!. # وفيه من الفحش والتفحش ما يستنكف الكريم من (3) مثله، ويأنف من ذكره! ! * ~~* * وقوله: إذا ما بكى من خلفها انصرفت له * بشق وتحتي شقها لم يحول (4) ~~ويوما على ظهر الكثيب تعذرت * على وآلت حلفة لم تحلل فالبيت الأول ms185 غاية في ~~الفحش، ونهاية في السخف، وأي فائدة لذكره لعشيقته كيف كان يركب هذه ~~القبائح، ويذهب هذه المذاهب، ويرد هذه الموارد؟ ! إن هذا ليبغضه [إلى] (5) ~~كل من سمع كلامه، ويوجب له المقت! وهو - لو صدق - لكان قبيحا، فكيف: ويجوز ~~أن يكون كاذبا؟ ! ثم ليس في البيت لفظ بديع، ولا معنى حسن. # وهذا البيت متصل بالبيت الذي قبله، من ذكر المرضع التي لها ولد محول. ~~PageV01P167 # / فأما البيت الثاني وهو قوله: " ويوما " يتعجب منه بأنها (1) تشددت ~~وتعسرت (2) عليه وحلفت عليه، فهو كلام ردئ النسج، لا فائدة لذكره لنا أن ~~حبيبته تمنعت عليه يوما بموضع يسميه ويصفه! وأنت تجد في شعر المحدثين من ~~هذا الجنس في التغزل ما يذوب معه اللب، وتطرب عليه (3) النفس. # وهذا مما تستنكره النفس، ويشمئز منه القلب، وليس فيه شئ من الإحسان ~~والحسن! ! * * * وقوله: أفاطم مهلا بعض هذا التدلل * وإن كنت قد أزمعت صرمي ~~فأجملي أغرك مني أن حبك قاتلي * وإنك مهما تأمري القلب يفعل فالبيت الأول ~~فيه ركاكة جدا، وتأنيث ورقة، ولكن فيها تخنيث! ولعل قائلا [أن] (4) يقول: ~~إن كلام النساء بما يلائمهن من الطبع أوقع وأغزل؟ وليس كذلك، لأنك تجد ~~الشعراء في الشعر المؤنث لم يعدلوا عن رصانة قولهم. # / والمصراع الثاني منقطع عن الأول، لا يلائمه ولا يوافقه. # وهذا يبين لك إذا عرضت (5) معه البيت الذي تقدمه. # وكيف ينكر عليها تدللها، والمتغزل يطرب على دلال الحبيب وتدلله؟ والبيت ~~الثاني قد عيب عليه (6) ، لأنه قد أخبر أن من سبيلها أن لا تغتر (7) بما ~~يريها من أن حبها يقتله، وأنها تملك قلبه فما أمرته فعله، والمحب إذا أخبر ~~عن مثل هذا صدق. PageV01P168 # وإن كان المعنى غير هذا الذي عيب عليه، وإنما ذهب مذهبا آخر، وهو: أنه ~~أراد أن يظهر التجلد - فهذا خلاف ما أظهر من نفسه فيما تقدم من الأبيات، من ~~الحب والبكاء على الأحبة، فقد دخل في وجه آخر من المناقضة والاحاطة في ~~الكلام. # ثم قوله: " تأمري القلب يفعل " معناه (1) تأمريني. # والقلب لا يؤمر. # والاستعارة في ذلك غير ms186 واقعة ولا حسنة (2) . # * * * / وقوله: فإن كنت قد ساءتك مني خليقة * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل ~~وما ذرفت عيناك إلا لتضربي * بسهميك في أعشار قلب مقتل البيت الأول قد قيل ~~في تأويله: إنه ذكر الثوب وأراد البدن، مثل قول الله تعالى: (وثيابك فطهر) ~~(3) . # وقال أبو عبيدة: هذا مثل للهجر. # وتنسل: تبين. # وهو بيت قليل المعنى، ركيكه ووضيعه. # وكل ما أضاف إلى نفسه ووصف به نفسه سقوط وسفه وسخف، يوجب (4) قطعه. # فلم لم يحكم على # نفسه بذلك، ولكن يورده مورد أن ليست له خليقة توجب هجرانه والتفصى (5) من ~~وصله، وأنه مهذب الأخلاق، شريف الشمائل، فذلك يوجب أن لا ينفك من وصاله. ~~PageV01P169 # والاستعارة في المصراع الثاني فيها تواضع وتقارب، وإن كان غريبة (1) . # / وأما البيت الثاني فمعدود من محاسن القصيدة (2) وبدائعها. # ومعناه: ما بكيت إلا لتجرحي قلبا معشرا - أي مكسرا - من قولهم: " برمة ~~أعشار " إذا كانت قطعا (3) . # هذا تأويل ذكره الأصمعي (4) ، وهو أشبه عند أكثرهم. # وقال غيره: وهذا مثل للأعشار التي تقسم الجزور عليها. # ويعني بسهميك: المعلى، وله سبعة أنصباء، والرقيب، وله ثلاثة أنصباء. # فأراد أنك ذهبت بقلبي أجمع. # ويعني بقوله: مقتل: مذلل (5) . # وأنت تعلم أنه على ما يعني به فهو غير موافق للأبيات المتقدمة، لما فيها ~~من التناقض الذي بينا. # ويشبه أن يكون من قال بالتأويل الثاني، فزع إليه لأنه رأى اللفظ مستكرها ~~على المعنى الأول، لأن القائل إذا قال: " ضرب / فلان بسهمه في الهدف "، ~~بمعنى أصابه - كان كلاما ساقطا مرذولا، وهو يرى أن معنى الكلمة أن عينيها ~~كالسهمين النافذين في إصابة قلبه المجروح، فلما بكتا وذرفتا بالدموع كانتا ~~ضاربتين في قلبه. # ولكن من حمل على التأويل الثاني سلم من الخلل الواقع في اللفظ، ولكنه ~~يفسد المعنى ويختل (6) ، لانه إن كان محبا (7) - على ما وصف به نفسه من ~~الصبابة - فقلبه كله لها، فكيف يكون بكاؤها هو الذى يخلص قلبه لها؟ ! واعلم ~~بعد هذا أن البيت غير ملائم للبيت الأول، ولا متصل به في المعنى، ~~PageV01P170 # وهو منقطع عنه، لأنه لم يسبق كلام يقتضي بكاءها، ms187 ولا سبب يوجب ذلك، ~~فتركيبة هذا الكلام على ما قبله في اختلال. # ثم لو (1) سلم له بيت من عشرين بيتا، وكان بديعا ولا عيب فيه - فليس ~~بعجيب، لأنه لا يدعي على مثله أن كلامه كله متناقض، ونظمه كله متباين. # وإنما يكفي أن نبين أن ما سبق من كلامه إلى هذا البيت، مما لا يمكن أن ~~يقال إنه يتقدم فيه أحدا من المتأخرين، فضلا عن المتقدمين. # / وإنما قدم في شعره لأبيات قد برع فيها، وبان حذقه بها. # وإنما أنكرنا أن يكون شعره متناسبا مع الجودة، ومتشابها في صحة المعنى ~~واللفظ، وقلنا: إنه يتصرف بين وحشى غريب مستنكر، وعربية كالمهمل مستكرهة ~~(2) ، وبين كلام سليم متوسط، وبين عامي سوقي في اللفظ والمعنى، وبين حكمة ~~حسنة، وبين سخف مستشنع. # ولهذا قال الله عز اسمه: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا) (3) . # * * * فأما قوله: وبيضة خدر لا يرام خباؤها * تمتعت من لهو بها غير معجل ~~تجاوزت أحراسا وأهوال معشر * على حراص لو يسرون مقتلي (4) فقد قالوا: عني ~~بذلك أنها كبيضة خدر في صفائها ورقتها، وهذه كلمة حسنة، ولكن لم يسبق ~~إليها، بل هي دائرة في أفواه العرب، وتشبيه # سائر. # ويعني بقوله: " غير معجل ": أنه ليس ذلك مما يتفق قليلا وأحيانا، بل ~~يتكرر له الاستمتاع بها، وقد يحمله (5) غيره على أنه / رابط الجأش، فلا (6) ~~PageV01P171 # يستعجل إذا دخلها خوف حصانتها (1) ومنعتها. # وليس في البيت كبير فائدة، لان (2) الذى حكى في سائر أبياته قد تضمن ~~مطاولته في المغازلة واشتغاله بها، فتكريره في هذا البيت مثل ذلك قليل ~~المعنى، إلا الزيادة التي ذكر من منعتها، وهو - مع ذلك - بيت سليم اللفظ في ~~المصراع الأول دون الثاني. # والبيت الثاني ضعيف. # وقوله: " لو يسرون مقتلي " أراد أن يقول: لو أسروا، فإذا نقله إلى هذا ~~ضعف ووقع في مضمار الضرورة، والاختلال على نظمه بين، حتى إن المتأخر ليحترز ~~(3) من مثله. # * * * وقوله: # إذا ما الثريا في السماء تعرضت * تعرض أثناء الوشاح المفصل (4) قد أنكر ~~عليه قوم قوله: " إذا ما الثريا ms188 في السماء تعرضت "، وقالوا: الثريا لا ~~تتعرض (5) ، حتى قال بعضهم: سمى الثريا وإنما أراد الجوزاء، لأنها تعرض، ~~والعرب تفعل ذلك، كما قال زهير: " كأحمر / عاد " (6) وإنما هو أحمر ثمود ~~(7) . # وقال بعضهم في تصحيح قوله [إنما] تعرض: أول ما تطلع [وحين PageV01P172 # تغرب] (1) ، كما أن الوشاح إذا طرح يلقاك بعرضه، وهو ناحيته (2) . # وهذا كقول الشاعر (3) : تعرضت لي بمجاز خل * تعرض المهرة في الطول (4) ~~يقول: تريك عرضها وهى في الرسن. # / وقال أبو عمرو: يعني إذا أخذت الثريا في وسط السماء، كما يأخذ الوشاح ~~وسط المرأة. # والأشبه عندنا (5) : أن البيت غير معيب من حيث عابوه به، وأنه من محاسن ~~هذه القصيدة، ولولا أبيات عدة فيه لقابله ما شئت من شعر غيره، ولكن لم يأت ~~فيه بما يفوت الشأو، ويستولي على الامد. # أنت تعلم أنه ليس للمتقدمين ولا للمتأخرين في وصف شئ من النجوم مثل ما في ~~وصف الثريا، وكل قد أبدع فيه وأحسن، فإما أن يكون قد عارضه أو زاد (6) ~~عليه. # فمن ذلك قول ذي الرمة: وردت اعتسافا والثريا كأنها * على قمة الرأس ابن ~~ماء محلق (7) PageV01P173 # ومن ذلك قول ابن المعتز: وترى الثريا في السماء كأنها * بيضات أدحى يلحن ~~بفدفد (1) وكقوله: كأن الثريا في أواخر ليلها * تفتح نور أو لجام مفضض (2) ~~وقوله أيضا: فناولنيها والثريا كأنها * جنى نرجس حيى الندامى به الساقي (3) ~~/ وقول الأشهب بن رميلة: ولاحت لساريها الثريا كأنها * لدى الأفق الغربي ~~فرط مسلسل (4) ولابن المعتز: وقد هوى النجم والجوزاء تتبعه * كذات قرط ~~أرادته وقد سقطا (5) أخذه من ابن الرومي في قوله: طيب ريقه إذا ذقت فاه * ~~والثريا بجانب الغرب قرط (6) ولابن المعتز: قد سقاني المدام وال * صبح ~~بالليل مؤتزر والثريا كنور غص * ن على الأرض قد نثر (7) وقوله: وتروم ~~الثريا * في السماء مراما (8) PageV01P174 # كانكباب طمر * كاد يلقى لجاما ولابن الطثرية: إذا ما الثريا في السماء ~~كأنها * جمان وهى من سلكه فتبددا (1) / ولو (2) نسخت لك كل ما قالوا من ~~البديع في وصف الثريا - لطال عليك الكتاب، وخرج (3) عن الغرض، وإنما نريد ~~أن نبين ms189 لك أن الإبداع في نحو هذا أمر قريب (4) ، وليس فيه شئ غريب. # وفي جملة ما نقلناه ما يزيد على تشبيهه (5) في الحسن، أو يساويه، أو ~~يقاربه (6) . # فقد علمت أن ما حلق (7) فيه، وقدر المتعصب له أنه بلغ النهاية فيه - أمر ~~مشترك، وشريعة مورودة، وباب واسع، وطريق مسلوك. # وإذا كان هذا بيت القصيدة، ودرة القلادة، وواسطة العقد وهذا محله (8) - ~~فكيف بما تعداه؟ ! ثم فيه ضرب من التكلف، لأنه قال: " إذا ما الثريا في ~~السماء تعرضت تعرض أثناء الوشاح "، فقوله: " تعرضت ": من الكلام الذى ~~يستغنى عنه، لانه يشبه أثناء الوشاح [بالثريا] (9) ، سواء كان في وسط ~~السماء، أو عند الطلوع والمغيب، فالتهويل بالتعرض، والتطويل بهذه الألفاظ، ~~لا معنى له. # وفيه: أن الثريا كقطعة من الوشاح المفصل، فلا معنى لقوله " تعرض # أثناء الوشاح "، وإنما أراد أن يقول: تعرض قطعة من / أثناء الوشاح، فلم ~~يستقم له اللفظ، حتى شبه ما هو كالشئ الواحد بالجمع (10) . # * * * PageV01P175 # وقوله: فجئت وقد نضت لنوم ثيابها * لدى الستر إلا لبسة المتفضل فقالت: ~~يمين الله مالك حيلة * وما إن أرى عنك الغواية تنجلي (1) انظر إلى البيت ~~الأول والأبيات التي قبله، كيف خلط في النظم، وفرط في التأليف! فذكر التمتع ~~بها، وذكر الوقت والحال والحراس - ثم ذكر (2) كيف كان صفتها لما دخل عليها ~~ووصل إليها، من نزعها ثيابها إلا ثوبا واحد والمتفضل: الذي في ثوب واحد، ~~وهو الفضل، فما كان من سبيله أن يقدمه إنما ذكره مؤخرا. # وقوله: " لدى الستر ": حشو، وليس بحسن ولا بديع، وليس في البيت حسن، ولا ~~شئ يفضل لاجله. # وأما البيت الثاني ففيه تعليق (3) واختلال، ذكر الأصمعي أن معنى قوله " ~~مالك حيلة "، أي ليست لك جهة تجئ فيها والناس أحوالى (4) . # / والكلام في المصراع الثاني منقطع عن الأول، ونظمه إليه فيه ضرب من ~~التفاوت. # * * * وقوله: فقمت بها أمشي تجر وراءنا * على إثرنا أذيال مرط مرجل فلما ~~أجزنا ساحة الحي وانتحى * بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل (5) البيت الاول [يذكر ~~من محاسنه] (6) : من مساعدتها إياه، حتى قامت معه ليخلوا، وأنها (7) كانت ms190 ~~تجر على الأثر أذيال مرط مرجل، والمرجل: ضرب من البرود، يقال لوشيه (8) : ~~الترجيل، وفيه تكلف. # لانه قال: " وراءنا على PageV01P176 # إثرنا "، ولو قال " على إثرنا " كان كافيا، والذيل إنما يجر (1) وراء ~~الماشي، فلا فائدة لذكره " وراءنا "، وتقدير القول: فقمت أمشي بها، وهذا ~~أيضا ضرب من التكلف. # وقوله " أذيال مرط "، كان من سبيله أن يقول: ذيل مرط. # على أنه لو سلم من ذلك كان قريبا ليس مما يفوت بمثله غيره، ولا يتقدم به ~~سواه. # وقول ابن المعتز أحسن منه: / فبت أفرش خدي في الطريق له * ذلا وأسحب ~~أكمامي على الاثر (2) وأما البيت الثاني فقوله " أجزنا " بمعنى " قطعنا "، ~~و " الخبت ": بطن من الارض، و " الحقف ": رمل منعرج، " العقنقل ": المنعقد ~~من الرمل الداخل بعضه في بعض. # وهذا بيت متفاوت (3) مع الأبيات المتقدمة، لأن فيها ما هو سلس (4) قريب ~~يشبه كلام المولدين وكلام البذلة، وهذا قد أغرب فيه وأتى بهذه اللفظة ~~الوحشية المتعقدة، وليس في ذكرها والتفضيل بإلحاقها بكلامه (5) فائدة. # والكلام الغريب واللفظة الشديدة المباينة (6) لنسج الكلام قد تحمد إذا ~~وقعت موقع الحاجة في وصف ما يلائمها، كقوله عز وجل في وصف يوم القيامة: ~~(يوما عبوسا قمطريرا) (7) . # فأما إذا وقعت في غير هذا الموقع، فهي مكروهة مذمومة، بحسب ما تحمد في ~~موضعها. # وروي أن جريرا أنشد بعض خلفاء بني أمية قصيدته (8) : بان الخليط برامتين ~~فودعوا * أو كلما جدوا لبين تجزع؟ / كيف العزاء ولم أجد مذ بنتم * قلبا يقر ~~ولا شرابا ينقع (9) قال: وكان يزحف من حسن هذا الشعر، حتى بلغ قوله: وتقول ~~بوزع: قد دببت على العصا * هلا هزئت بغيرنا يابوزع PageV01P177 # فقال: أفسدت شعرك بهذا الاسم! ! * * * وأما قوله: هصرت بغصني دوحة ~~فتمايلت * علي هضيم الكشح ريا المخلخل (1) مهفهفة بيضاء غير مفاضة * ~~ترائبها مصقولة كالسجنجل فمعنى قوله " هصرت ": جذبت وثنيت. # وقوله " بغصني دوحة "، تعسف، ولم يكن من سبيله أن يجعلهما اثنين. # والمصراع الثاني أصح، وليس فيه شئ إلا ما يتكرر على ألسنة الناس من هاتين ~~الصفتين. # وأنت تجد ذلك في وصف كل شاعر، ولكنه - مع تكرره ms191 على الألسن - صالح. # وأما معنى قوله " مهفهفة ": أنها مخففة ليست مثقلة. # و" المفاضة ": التي اضطرب طولها. # والبيت - مع مخالفته في الطبع الأبيات المتقدمة، ونزوعه فيه (2) / إلى ~~الألفاظ المستكرهة، وما فيه من الخلل، من تخصيص الترائب بالضوء، بعد ذكر ~~جميعها بالبياض - فليس بطائل، ولكنه قريب متوسط. # * * * وقوله: تصد وتبدي عن أسيل وتتقي * بناظرة من وحش وجرة مطفل وجيد ~~كجيد الريم ليس بفاحش * إذا هي نصته ولا بمعطل معنى قوله " عن أسيل ": أي ~~بأسيل، وإنما يريد خدا ليس بكز. # وقوله "، تتقى " يقال: اتقاه بحقه (3) أي جعله بينه وبينه. PageV01P178 # وقوله: " تصد وتبدي عن أسيل ": متفاوت، لأن الكشف عن الوجه مع الوصل دون ~~الصد. # وقوله: " تتقي بناظرة ": لفظة مليحة، ولكن أضافها إلى ما نظم به (1) ~~كلامه، وهو مختل، وهو قوله: " من وحش وجرة "! وكان يجب أن تكون العبارة ~~بخلاف هذا، كان من سبيله أن يضيف إلى عيون الظباء أو المها دون إطلاق ~~الوحش، ففيهن ما تستنكر عيونها. # / وقوله " مطفل " فسروه على أنها ليست بصبية، وأنها قد استحكمت، وهذا ~~اعتذار متعسف. # وقوله " مطفل ": زيادة لا فائدة فيها على هذا التفسير الذي ذكره الأصمعي. # ولكن قد يحتمل - عندي - أن يفيد (2) غير هذه الفائدة، فيقال: إنها إذا ~~كانت مطفلا لحظت أطفالها بعين رقة، ففي نظر هذه رقة نظر المودة، ويقع ~~الكلام معلقا تعليقا متوسطا. # وأما البيت الثاني فمعنى قوله: " ليس بفاحش ": أي ليس بفاحش الطول. # ومعنى قوله: " نصته ": رفعته. # ومعنى قوله: " ليس بفاحش " - في مدح الأعناق - كلام فاحش موضوع منه! وإذا ~~نظرت في أشعار العرب رأيت في وصف الأعناق ما يشبه السحر، فكيف وقع على هذه ~~الكلمة، ودفع إلى هذه اللفظة؟ ! وهلا قال كقول أبي نواس: مثل الظباء سمت ~~إلي * روض صوادر عن غدير (3) * * * ولست أطول عليك فتسثقل، ولا أكثر القول ~~في ذمة فتستوحش. # / وأكلك الآن إلى جملة من القول، فإن كنت من أهل الصنعة، فطنت واكتفيت ~~وعرفت ما رمينا إليه واستغنيت. # وإن كنت عن الطبقة خارجا، وعن (4) الإتقان بهذا الشأن خاليا - فلا يكفيك ~~البيان، وإن (5) استقرينا ms192 جميع شعره، وتتبعنا عامة ألفاظه، ودللنا (6) على ~~ما في كل حرف منه. PageV01P179 # اعلم أن هذه القصيدة قد ترددت بين أبيات سوقية مبتذلة، وأبيات متوسطة، ~~وأبيات ضعيفة مرذولة، وأبيات وحشية غامضة مستكرهة، وأبيات معدودة بديعة. # وقد دللنا (1) على المبتذل منها، ولا يشتبه عليك الوحشي المستنكر، الذي ~~يروع السمع، ويهول القلب، ويكد اللسان، ويعبس معناه في وجه كل خاطر، ويكفهر ~~مطلعه على كل متأمل أو ناظر، ولا يقع بمثله التمدح (2) والتفاصح. # وهو مجانب لما وضع له أصل الإفهام، ومخالف لما بني عليه التفاهم بالكلام. # فيجب أن يسقط عن الغرض المقصود، ويلحق باللغز والاشارات المستبهمة. # * * * فأما الذى زعموا أنه من بديع الشعر، فهو قوله: ويضحي فتيت المسك ~~فوق فراشها * نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل والمصراع الأخير عندهم بديع، ~~ومعنى ذلك: أنها مترفة متنعمة، لها من يكفيها. # ومعنى قوله: " لم تنتطق عن تفضل "، يقول: لم تنتطق وهى فضل (3) و " عن " ~~هي بمعنى " بعد ". # قال أبو عبيدة: لم تنتطق فتعمل، ولكنها تتفضل. # * * * ومما يعدونه من محاسنها: وليل كموج البحر أرخى سدوله * # على بأنواع الهموم ليبتلى. # (4) PageV01P180 # / فقلت له لما تمطى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكل: ألا أيها الليل ~~الطويل ألا انجل * بصبح، وما الاصباح فيك بأمثل (1) وكان بعضهم يعارض هذا ~~بقول النابغة: كليني لهم يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطئ الكواكب وصدر ~~أراح الليل عازب همه * تضاعف فيه الحزن من كل جانب تقاعس حتى قلت: ليس ~~بمنقض * وليس الذي يتلو النجوم بآيب (2) وقد جرى ذلك بين يدي بعض (3) ~~الخلفاء، فقدمت أبيات امرئ القيس، واستحسنت استعارتها (4) ، وقد جعل لليل ~~صدرا يثقل تنحيه، ويبطئ تقضيه، وجعل له أردافا كثيرة، وجعل له صلبا يمتد ~~ويتطاول، ورأوا هذا بخلاف ما يستعيره أبو تمام / من الاستعارات الوحشية ~~البعيدة المستنكرة (5) ، ورأوا أن الألفاظ جميلة. # واعلم أن هذا صالح جميل، وليس من الباب الذي يقال: إنه متناه عجيب، # وفيه إلمام بالتكلف، ودخول في التعمل. # * * * وقد خرجوا له في البديع من القصيدة قوله: وقد اغتدي والطير في ~~وكناتها * بمنجرد قيد الاوابد هيكل PageV01P181 # مكر ms193 مفر مقبل مدبر معا * كجلمود ضخر حطه السبل من عل (1) وقوله أيضا: له ~~أبطلا ظبي وساقا نعامة * وإرخاء سرحان وتقريب تتفل (2) فأما قوله " قيد ~~الأوابد "، فهو مليح، ومثله في كلام الشعراء وأهل الفصاحة كثير، والتعمل ~~بمثله (3) ممكن. # وأهل زماننا الآن يصنفون نحو هذا تصنيفا، ويؤلفون المحاسن تأليفا، يوشحون ~~به كلامهم. # والذين كانوا من قبل - لغزارتهم (4) - / وتمكنهم - لم يكونوا يتصنعون ~~لذلك، وإنما كان يتفق لهم اتفاقا، ويطرد في كلامهم اطرادا. # وأما قوله في وصفه: " مكر مفر "، فقد جمع فيه طباقا وتشبيها. # وفي سرعة جري الفرس للشعراء ما هو أحسن من هذا وألطف. # وكذلك في جمعه بين أربعة وجوه من التشبيه في بيت واحد - صنعة. # ولكن قد عورض فيه وزوحم [عليه] (5) والتوصل إليه يسير، وتطلبه (6) سهل ~~قريب. # وقد بينا لك أن هذه القصيدة ونظائرها تتفاوت في أبياتها تفاوتا بينا في ~~الجودة والرداءة، والسلاسة والانعقاد، والسلامة والانحلال، والتمكن ~~[والاستصعاب] (7) والتسهل والاسترسال، والتوحش والاستكراه، وله شركاء في ~~نظائرها، ومنازعون في محاسنها، ومعارضون في بدائعها. # ولا سواء كلام ينحت من الصخر تارة، ويذوب تارة، ويتلون تلون الحرباء، ~~ويختلف اختلاف الاهواء، ويكثر في تصرفه اضطرابه، وتتفاذف (8) به أسبابه. # وبين قول يجري في سبكه على نظام، وفي رصفه على منهاج، وفي وضعه على حد، ~~وفي صفائه على باب، وفى PageV01P182 # / بهجته ورونقه على طريق، مختلفة مؤتلف، ومؤتلفه متحد، ومتباعده متقارب، ~~وشارده مطيع، ومطيعه شارد. # وهو على متصرفاته واحد، لا يستصعب في حال، ولا يتعقد في شأن. # * * * # وكنا أردنا أن نتصرف في قصائد مشهورة، فنتكلم عليها، وندل على معانيها ~~ومحاسنها، ونذكر لك من فضائلها ونقائصها، ونبسط لك القول في هذا الجنس، ~~ونفتح عليك في هذا النهج (1) . # ثم رأينا هذا خارجا عن غرض كتابنا، والكلام فيه يتصل بنقد الشعر وعياره، ~~ووزنه بميزانه (2) ومعياره، ولذلك كتب وإن لم تكن مستوفاة، وتصانيف وإن لم ~~تكن مستقصاة. # وهذا القدر يكفى في كتابنا، ولم نحب أن ننسخ (3) لك ما سطره الأدباء في ~~خطأ امرئ القيس في العروض والنحو والمعاني، وما عابوه عليه (4) في أشعاره، ms194 ~~وتكلموا به على ديوانه. # لأن ذلك أيضا خارج عن غرض كتابنا، ومجانب لمقصوده. # وإنما أردنا أن نبين الجملة (5) التي بيناها. # لتعرف أن طريقة الشعر / شريعة مورودة، ومنزلة مشهودة، يأخذ منها أصحابها ~~على مقادير أسبابهم، ويتناول منها ذووها على حسب أحوالهم. # وأنت تجد للمتقدم معنى قد طمسه المتأخر بما أبر عليه فيه، وتجد للمتأخر ~~معنى قد أغفله المتقدم، وتجد معنى قد توافدا عليه، وتوافيا إليه، فهما فيه ~~شريكا عنان، وكأنهما فيه (6) رضيعا لبان، والله يؤتي فضله من يشاء. # * * * فأما (7) نهج القرآن ونظمه، وتأليفه ورصفه، فإن العقول تتيه في ~~جهته، وتحار في بحره (8) ، وتضل في وصفه. PageV01P183 # ونحن نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدل به على الغرض، وتستولي به على الأمد، ~~وتصل به إلى المقصد، وتتصور إعجازه كما تتصور الشمس، وتتيقن تناهي بلاغته ~~كما تتيقن الفجر، وأقرب عليك الغامض، وأسهل لك العسير. # واعلم أن هذا علم شريف المحل، عظيم المكان، قليل الطلاب، ضعيف الأصحاب، ~~ليست له عشيرة تحميه، ولا أهل عصمة تفطن لما / فيه. # وهو أدق من السحر، وأهول من البحر، وأعجب من الشعر. # وكيف لا يكون كذلك: وأنت تحسب أن وضع " الصبح " في موضع " الفجر " يحسن ~~في كل كلام إلا أن يكون شعرا أو سجعا؟ وليس كذلك، فإن إحدى اللفظتين قد ~~تنفر في موضع، وتزل عن مكان لا تزل عنه اللفظة الأخرى، بل تتمكن فيه، وتضرب ~~بجرانها، وتراها في مظانها، وتجدها فيه غير منازعة إلى أوطانها، وتجد ~~الأخرى - لو وضعت موضعها - في محل نفار، ومرمى شراد، ونابية عن استقرار (1) ~~. # ولا أكثر عليك المثال، ولا أضرب لك فيه الأمثال، وأرجع بك إلى ما وعدتك ~~(2) من الدلالة، وضمنت لك من تقريب المقالة. # فإن كنت لا تعرف الفصل الذي بينا بين اللفظتين على اختلاف مواقع الكلام، # ومتصرفات مجارى النظام، لم تستفد مما نقر به عليك شيئا، وكان التقليد ~~أولى بك، والاتباع أوجب عليك. # ولكل شئ سبب، ولكل علم طريق، ولا سبيل إلى الوصول إلى الشئ من غير طريقه، ~~ولا بلوغ غايته من غير سبيله. ms195 # * * * / خذ الآن - هداك الله - في تفريغ (3) الفكر، وتخلية البال، وانظر ~~فيما نعرض عليك، ونهديه إليك، متوكلا على الله، ومعتصما به، ومستعيذا به، ~~من الشيطان الرجيم، حتى تقف على إعجاز القرآن العظيم. PageV01P184 # سماه الله عز ذكره " حكيما " و " عظيما " و " مجيدا ". # وقال: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد) ~~(1) . # وقال: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، ~~وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) (2) . # وقال: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى، ~~بل لله الامر جميعا) (3) . # وقال: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (4) . # وأخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين القزويني، حدثنا أبو عبد الرحمن # أحمد بن عثمان، حدثنا أبو يوسف الصيدلانى، حدثنا محمد بن سلمة، / عن أبى ~~سنان، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري الطائي، عن الحارث الأعور، عن علي ~~رضي الله عنه، قال: قيل: يا رسول الله، إن أمتك ستفتتن من بعدك، فسأل أو ~~سئل: ما المخرج من ذلك؟ فقال: " بكتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، من ابتغى العلم في غيره أضله ~~الله، ومن ولي هذا من جبار فحكم بغيره قصمه الله، وهو الذكر الحكيم، والنور ~~المبين، والصراط المستقيم. # فيه خبر من قبلكم، وتبيان من بعدكم، وهو فصل، ليس بالهزل. # وهو الذى (لما) سمعته الجن قالوا: (إنا سعمنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ~~فآمنا به) (5) لا يخلق على طول الرد، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه (6) ~~. # وأخبرني أحمد بن علي بن الحسن، أخبرنا أبي، أخبرنا بشر بن عبد الوهاب، ~~PageV01P185 # أخبرنا هشام بن عبيد الله، حدثنا المسيب بن شريك، عن عبيدة (1) ، عن ~~أسامة بن أبي عطاء (2) ، قال: أرسل النبي صلى الله / عليه وسلم إلى علي رضي ~~الله عنه في ليلة، فذكر نحو ذلك في المعنى، وفى بعض ألفاظه اختلاف. ms196 # وأخبرنا أحمد بن علي بن الحسن، أخبرنا أبي، أخبرنا بشر بن عبد الوهاب، ~~أخبرنا هشام بن عبيد الله، حدثنا المسيب بن شريك، عن بشر بن نمير، عن ~~القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ ~~ثلث القرآن أعطي ثلث النبوة، ومن قرأ نصف القرآن أعطي نصف النبوة، ومن قرأ ~~القرآن كله أعطي النبوة كلها غير أنه لا يوحى إليه ". # وذكر الحديث (3) . # * * * ولو لم يكن من عظم شأنه إلا أنه طبق الأرض أنواره، وجلل الآفاق ~~ضياؤه، ونفذ في العالم حكمه، وقبل في الدنيا رسمه، وطمس ظلام الكفر بعد أن ~~كان مضروب الرواق، ممدود الأطناب، مبسوط الباع، مرفوع العماد ليس على الأرض ~~من يعرف الله حق معرفته، / أو يعبده حق عبادته، أو يدين بعظمته، أو يعلم ~~علو جلالته، أو يتفكر في حكمته. # فكان كما وصفه الله تعالى جل ذكره، من أنه نور، فقال: (وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي ~~به من PageV01P186 # نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) (1) فانظر إشئت - إلى شريف ~~هذا النظم، وبديع هذا التأليف، وعظيم هذا الرصف (2) ، كل كلمة من هذه الآية ~~تامة، وكل لفظ بديع واقع. # قوله: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) : يدل على صدوره من الربوبية، ~~ويبين عن وروده عن الآلهية. # وهذه الكلمة بمنفردها وأخواتها (3) كل واحدة منها لو وقعت بين كلام كثير ~~- تميز عن جميعه، وكان واسطة عقده، وفاتحة عقده، وغرة شهره، وعين دهره. # وكذلك قوله: (ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا) ، فجعله روحا، ~~لانه يحيي (4) ، الخلق، فله فضل الأرواح في الأجساد. # وجعله نورا، لانه يضئ ضياء الشمس في الآفاق. # ثم أضاف وقوع / الهداية به إلى مشيئته، ووقف وقوع (5) الاسترشاد به على ~~إرادته، وبين أنه لم يكن ليهتدي إليه لولا توفيقه، ولم يكن ليعلم ما في ~~الكتاب ولا الإيمان لولا تعليمه، وإنه لم يكن ليهتدي - فكيف كان يهدي - ~~لولاه، فقد صار (6) يهدي، ولم يكن ms197 (6) من قبل ذلك ليهتدي (7) ، فقال: (وإنك ~~لتهدي إلى صراط مستقيم. # صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير ~~الأمور) (8) . # فانظر إلى هذه الكلمات الثلاث: فالكلمتان الأوليان مؤتلفتان، وقوله: (ألا ~~إلى الله تصير الأمور) كلمة منفصلة مباينة للاولى، قد صيرهما شريف النظم ~~أشد ائتلافا من الكلام المؤالف، وألطف انتظاما من الحديث # الملائم. # وبهذا يبين فضل الكلام، وتظهر فصاحته وبلاغته. # الأمر أظهر - والحمد لله - والحال أبين من أن يحتاج إلى كشف. PageV01P187 # تأمل قوله: (فالق الإصباح، وجعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، ذلك ~~تقدير العزيز العليم) (1) . # / أنظر إلى هذه الكلمات الأربع التي ألف بينها، واحتج بها على ظهور ~~قدرته، ونفاذ أمره، أليس كل كلمة منها في نفسها غرة؟ وبمنفردها (2) درة؟ ~~وهو - مع ذلك - يبين أنه يصدر من علو الأمر، ونفاذ القهر، ويتجلى في بهجة ~~القدرة، ويتحلى بخالصة العزة، ويجمع السلاسة إلى الرصانة، والسلامة إلى ~~المتانة، والرونق الصافي، والبهاء الضافي. # ولست أقول: إنه شمل الإطباق المليح، والإيجاز اللطيف، والتعديل والتمثيل، ~~والتقريب والتشكيل - وإن كان قد جمع ذلك وأكثر منه - لأن # العجيب ما بينا من انفراد كل كلمة بنفسها، حتى تصلح أن تكون عين رسالة أو ~~خطبة، أو وجه قصيدة أو فقرة. # فإذا ألفت ازدادت [به] حسنا [وإحسانا] (3) ، وزادتك - إذا تأملت - معرفة ~~وإيمانا. # * * * ثم تأمل قوله: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. # والشمس تجري لمستقر لها، ذلك تقدير العزيز العليم. # والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم) (4) هل تجد / كل لفظة، وهل ~~تعلم كل كلمة، تستقل بالاشتمال على نهاية البديع، وتتضمن شرط القول البليغ؟ ~~فإذا كانت الآية تنتظم من البديع، وتتألف من البلاغات، فكيف لا تفوت ~~PageV01P188 # حد المعهود، ولا تجوز (1) شأو المألوف؟ وكيف (1) لا تحوز قصب السبق، ولا ~~تتعالى عن كلام الخلق؟ ثم أقصد إلى سورة تامة، فتصرف في معرفة قصصها، وراع ~~ما فيها من براهينها وقصصها. # تأمل السورة التي يذكر فيها " النمل " وانظر في كلمة كلمة، وفصل فصل. # بدأ بذكر السورة، إلى أن بين أن ms198 القرآن من عنده، فقال: # (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) (3) . # ثم وصل بذلك قصة موسى عليه السلام، وأنه رأى نارا، (فقال لأهله: امكثوا ~~إني آنست نارا، سأتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) (4) . # وقال في سورة طه في هذه القصة: (لعلي آتيكم منها بقبس / أو أجد على النار ~~هدى) (5) . # وفى موضع: (لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) (6) . # قد (7) تصرف في وجوه، وأتى بذكر القصة على ضروب، ليعلمهم عجزهم عن جميع ~~طرق ذلك. # ولهذا قال: (فليأتوا بحديث مثله) (8) . # ليكون أبلغ في تعجيزهم، وأظهر للحجة عليهم. # وكل كلمة من هذه الكلمات، وإن أنبأت عن قصة، فهى بليغة بنفسها، تامة في ~~معناها. # ثم قال: (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها، وسبحان الله رب ~~العالمين) (9) فانظر إلى ما أجرى له (10) الكلام، من علو أمر هذا النداء، ~~وعظم شأن PageV01P189 # هذا الثناء (1) ، وكيف انتظم مع الكلام الأول، وكيف اتصل بتلك المقدمة، ~~وكيف وصل بها ما بعدها من الأخبار عن الربوبية، وما دل به عليها من قلب ~~العصا حية، وجعلها دليلا يدله عليه، ومعجزة تهديه إليه؟ / وانظر إلى ~~الكلمات المفردة القائمة بأنفسها في الحسن، وفيما تتضمنه من المعاني ~~الشريفة، ثم ما شفع به هذه الآية، وقرن به هذه الدلالة: من اليد البيضاء - ~~عن نور البرهان - من غير سوء. # ثم انظر في آية آية، وكلمة كلمة: هل تجدها كما وصفنا: من عجيب النظم، ~~وبديع الرصف؟ فكل كلمة لو أفردت كانت في الجمال (2) غاية، وفي الدلالة آية، ~~فكيف إذا قارنتها أخواتها، وضامتها ذواتها: [مما] (3) تجري في الحسن ~~مجراها، وتأخذ في معناها؟ ثم من قصة إلى قصة، ومن باب إلى باب، من غير خلل ~~يقع في نظم الفصل إلى الفصل، وحتى يصور (4) لك الفصل وصلا، ببديع (5) ~~التأليف، وبليغ التنزيل. # * * * وإن أردت أن تتبين ما قلناه فضل تبين، وتتحقق بما ادعيناه زيادة ~~تحقق - فإن كنت من أهل الصنعة فاعمد إلى قصة من هذه القصص، وحديث من هذه ~~الأحاديث، فعبر عنه ms199 بعبارة من جهتك، وأخبر عنه بألفاظ من عندك، حتى ترى ~~فيما جئت به (6) النقص الظاهر، وتتبين في نظم القرآن الدليل الباهر. # / ولذلك (7) أعاد قصة موسى في سور، وعلى طرق شتى، وفواصل مختلفة، # مع اتفاق المعنى. # فلعلك ترجع إلى عقلك، وتستر (8) ما عندك، إن غلطت في أمرك، أو ذهبت في ~~مذاهب وهمك، أو سلطت على نفسك وجه ظنك. PageV01P190 # متى تهيأ لبليغ أن يتصرف في قدر (1) آية في أشياء مختلفة، فيجعلها ~~مؤتلفة، من غير أن يبين على كلامه إعياء الخروج والتنقل، أو يظهر على خطابه ~~آثار التكلف (2) والتعمل؟ وأحسب أنه لا يسلم من هذا - ومحال أن يسلم منه - ~~متى (3) يظفر بمثل تلك الكلمات الإفراد، والألفاظ الأعلام، حتى يجمع بينها، ~~فيجلو (4) فيها فقرة من كلامه، وقطعة من قوله. # ولو اتفق له في أحرف معدودة، وأسطر قليلة، فمتى يتفق له في قدر ما نقول: ~~إنه (5) من القرآن معجر؟ هيهات هيهات! إن الصبح يطمس النجوم وإن كانت ~~زاهرة، والبحر يغمر الأنهار وإن كانت زاخرة. # / متى (6) تهيأ للآدمي أن يقول في وصف كتاب سليمان عليه السلام، بعد ذكر ~~العنوان والتسمية، هذه الكلمة الشريفة العالية: (ألا تعلوا علي # وأتوني مسلمين) (7) . # والخلوص من ذلك إلى ما صارت إليه من التدبير، واشتغلت به من المشورة، ومن ~~تعظيمها أمر المستشار، ومن تعظيمهم أمرها وطاعتها (8) ، بتلك الألفاظ ~~البديعة، والكلمات العجيبة البليغة. # ثم كلامها بعد ذلك، [ألا] تعلم (9) تمكن قولها: (يا أيها الملأ أفتوني في ~~أمري، ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون) (10) . # وذكر قولهم: (قالوا: نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد، والأمر إليك، فانظري ~~ماذا تأمرين) (11) ، لا تجد في صفتهم أنفسهم أبرع (12) مما وصفهم به. # وقوله: (والامر إليك) ، تعلم براعته بنفسه، وعجيب معناه، وموضع ~~PageV01P191 # اتفاقه في هذا الكلام، وتمكن الفاصلة (1) ، وملاءمته لما قبله، وذلك ~~قوله: (فانظري ماذا تأمرين؟) . # / ثم إلى هذا الاختصار، وإلى البيان مع الإيجاز. # فإن الكلام قد يفسده الاختصار، ويعميه التخفيف منه والإيجاز، وهذا مما ~~يزيده الاختصار بسطا لتمكنه ووقوعه، ويتضمن الإيجاز منه تصرفا يتجاوز محله ~~وموضعه. # وكم جئت إلى ms200 كلام مبسوط يضيق عن الإفهام، ووقعت على حديث طويل يقصر عما ~~يراد به من (2) التمام، ثم لو وقع على الافهام [والتمام، أخل بما] (3) يجب ~~فيه من شروط الأحكام، أو بمعاني القصة وما تقتضي من الإعظام. # ثم لو ظفرت بذلك كله، رأيته ناقصا في وجه الحكمة، أو مدخولا في باب ~~السياسة، أو مضعوفا (4) في طريق السيادة، أو مشترك العبارات إن كان مستجود ~~المعنى، [أو مستجود العبارة مشترك المعنى] (5) ، أو جيد البلاغة مستجلب (6) ~~المعنى، أو مستجلب البلاغة جيد المعنى، أو مستنكر اللفظ وحشي العبارة، أو ~~مستبهم الجانب مستكره الوضع. # وأنت لا تجد في جميع ما تلونا عليك إلا ما إذا بسط أفاد، وإذا اختصر كمل ~~في بابه وجاد، وإذا سرح الحكيم في جوانبه طرف / خاطره (7) ، وبعث العليم في ~~أطرافه عيون مباحثه، لم يقع إلا على محاسن تتوالى، وبدائع تترى (8) . # ثم فكر بعد ذلك في آية آية، أو كلمة كلمة، في قوله: (إن الملوك إذا دخلوا ~~قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون (9)) . # هذه الكلمات الثلاث، كل واحدة منها كالنجم في علوه ونوره، وكالياقوت ~~PageV01P192 # يتلألأ بين شذوره. # ثم تأمل تمكن الفاصلة - وهى الكلمة الثالثة - وحسن موقعها، وعجيب حكمتها ~~(1) . # ، وبارع معناها. # وإن شرحت لك ما في كل آية طال عليك الأمر، ولكني قد بينت بما فسرت، وقررت ~~بما فصلت - الوجه الذي سلكت، والنحو الذي قصدت، والغرض الذي إليه رميت، ~~والسمت الذى إليه دعوت. # ثم فكر بعد ذلك في شئ أدلك عليه: وهو تعادل هذا النظم في الإعجاز، في ~~مواقع الآيات القصيرة، والطويلة، والمتوسطة. # / فأجل الرأي في سورة سورة، وآية آية، وفاصلة فاصلة، وتدبر الخواتم، ~~والفواتح، والبوادى (2) والمقاطع، ومواضع الفصل والوصل، ومواضع التنقل ~~والتحول، ثم اقض ما أنت قاض. # وإن طال عليك تأمل الجميع، فاقتصر على سورة واحدة، أو على بعض # سورة (3) . # * * * ما رأيك في قوله: (إن فرعون علا في الأرض، وجعل أهلها شيعا، يستضعف ~~طائفة منهم، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين) (5) ؟ هذه ~~تشتمل على ست كلمات، سناؤها وضياؤها على ما ms201 ترى، وسلاستها وماؤها على ما ~~تشاهد، ورونقها على ما تعاين، وفصاحتها على ما تعرف. # وهي تشتمل على جملة وتفصيل، [وجامعة] (5) وتفسير: ذكر العلو في الأرض ~~باستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبي (6) النساء، وإذا تحكم في هذين الامرين ~~فما ظنك بما دونهما! ؟ لان النفوس لا تطمئن على هذا الظلم، والقلوب لا تقر ~~على هذا الجور. PageV01P193 # / ثم ذكر الفاصلة التى أو غلت في التأكيد، وكفت في التظليم، وردت آخر ~~الكلام على أوله، وعطفت عجزه على صدره. # ثم ذكر وعده تخليصهم بقوله: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا # في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) (1) . # وهذا من التأليف بين المؤتلف، والجمع بين المستأنس. # كما أن قوله: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا ~~يحب المفسدين) (2) . # وهي خمس كلمات، متباعدة في المواقع، نائية المطارح، قد جعلها النظم ~~البديع أشد تألفا (3) من الشئ المؤتلف في الأصل، وأحسن توافقا من المتطابق ~~في أول الوضع. # ومثل هذه الآية قوله: (وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، ~~سبحان الله وتعالى عما يشركون) (4) . # ومثلها: (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها، فتلك مساكنهم لم تسكن من ~~بعدهم إلا قليلا، وكنا نحن الوارثين) (5) . # / ومن المؤتلف قوله: (فخسفنا به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه ~~من دون الله، وما كان من المنتصرين) (6) . # وهذه ثلاث كلمات، كل كلمة منها أعز من الكبريت الأحمر. # ومن الباب الآخر (7) قوله تعالى: (ولا تدع مع الله إلها آخر، لا إله إلا ~~هو، كل شئ هالك إلا وجهه، له الحكم، وإليه ترجعون) (8) . # * * * كل سورة من هذه السور تتضمن من القصص ما لو تكلفت العبارة عنها ~~بأضعاف كلماتها، لم تستوف ما استوفته. # ثم تجد فيما تنظم ثقل النظم، PageV01P194 # ونفور الطبع، وشراد (1) الكلام، وتهافت القول، وتمنع جانبه، وقصورك في ~~الإيضاح عن واجبه. # ثم لا تقدر على أن تنتقل من قصة إلى قصة، وفصل إلى فصل، حتى تتبتر (2) ~~عليك مواضع الوصل، وتستصعب ms202 عليك أماكن الفصل، ثم لا يمكنك أن تصل بالقصص ~~مواعظ زاجرة، وأمثالا سائرة وحكما جليلة، وأدلة على التوحيد بينة، وكلمات ~~في التنزية والتحميد (3) شريفة. # / وإن أردت أن تتحقق ما وصفت لك، فتأمل شعر من شئت من الشعراء المفلقين، ~~هل تجد كلامه في المديح والغزل والفخر والهجو يجري مجرى كلامه في ذكر ~~القصص؟ إنك لتراه إذا جاء إلى وصف وقعة (4) ، أو نقل خبر، عامي الكلام، ~~سوقي الخطاب، مسترسلا في أمره، متساهلا في كلامه، عادلا عن المألوف من ~~طبعه، وناكبا عن المعهود في سجيته. # فإن اتفق له في قصة كلام جيد، كان قدر ثنتين أو ثلاثة، وكان ما زاد عليها ~~حشوا، وما تجاوزها لغوا. # ولا أقول: إنها تخرج من عادته عفوا، لأنه يقصر عن العفو، ويقف دون العرف، ~~ويتعرض للركاكة. # فإن لم تقنع بما قلت لك من الآيات (5) ، فتأمل غير ذلك من السور (6) ، هل # تجد الجميع على ما وصفت لك؟ لو لم تكن إلا سورة واحدة لكفت في الإعجاز، ~~فكيف بالقرآن العظيم؟ ولو لم يكن إلا حديث من سورة لكفى، وأقنع وشفى. # ولو عرفت قدر قصة موسى وحدها من سورة الشعراء، لما طلبت بينة سواها. # بل قصة من قصصه، وهي قوله: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي، إنكم ~~متبعون) (7) إلى قوله: (فأخرجناهم من جنات / وعيون، وكنوز ومقام ~~PageV01P195 # كريم. # كذلك وأورثناها بني إسرائيل، فأتبعوهم مشرقين (1)) حتى قال: (فأوحينا إلى ~~موسى أن اضرب بعصاك البحر، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) (2) . # ثم قصة إبراهيم عليه السلام. # ثم لم تكن إلا الآيات التي انتهى إليها القول في ذكر القرآن، وهي قوله: ~~(وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون # من المنذرين، بلسان عربي مبين) (3) . # وهذه كلمات مفردة بفواصلها، منها ما يتضمن فاتحة وفاصلة، ومنها ما هي ~~فاتحة وواسطة وفاصلة، ومنها كلمة بفاصلتها تامة. # دل على أنه نزله على قلبه ليكون نذيرا، وبين أنه آية لكونه نبيا، ثم وصل ~~بذلك كيفية النذارة فقال: (وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك ~~من المؤمنين) (4) فتأمل ms203 آية أية، لتعرف الإعجاز، وتتبين التصرف البديع، ~~والتنقل في الفصول إلى آخر السورة. # ثم راع المقطع العجيب، وهو قوله: (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) ~~(5) . # / هل يحسن [أحد] (6) أن يأتي بمثل هذا الوعيد؟ وأن ينظم (7) مثل هذا ~~النظم، وأن يجد مثل هذه النظائر السابقة؟ ويصادف (8) مثل هذه الكلمات ~~المتقدمة؟ ولولا كراهة الإملال، لجئت إلى كل فصل، فاستقريت على الترتيب ~~كلماته، وبينت لك ما في كل واحدة منها من البراعة، وعجيب (9) البلاغة. ~~PageV01P196 # ولعلك تستدل بما قلنا على ما بعده، وتستضئ بنوره، وتهتدي بهداه. # * * * ونحن نذكر آيات أخر، لتزداد استبصارا، وتتيقن (1) تيقنا: تأمل من ~~الكلام المؤتلف قوله: (حم. # تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم. # غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو، إليه ~~المصير) (2) . # أنت قد تدربت الآن بحفظ أسماء الله تعالى وصفاته، فانظر متى وجدت في كلام ~~البشر وخطبهم مثل هذا النظم في هذا القدر، وما يجمع ما تجمع هذه الآية من ~~شريف المعاني وحسن الفاتحة والخاتمة. # / ثم اتل (3) ما بعدها من الآي، واعرف وجه الخلوص من شئ إلى شئ: من ~~احتجاج إلى وعيد، ومن أعذار إلى إنذار، ومن فنون من الأمر شتى، مختلفة ~~تأتلف بشريف النظم، ومتباعدة تتقارب (4) بعلي الضم. # ثم جاء إلى قوله: (كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم، وهمت كل أمة ~~برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فأخذتهم فكيف كان عقاب، ~~وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار) (5) . # الآية الأولى أربعة فصول، والثانية فصلان. # وجه الوقوف على شرف (6) الكلام: أن تتأمل موقع قوله: (وهمت كل أمة ~~برسولهم ليأخذوه) وهل تقع في الحسن موقع # قوله: " ليأخذوه " كلمة؟ وهل تقوم مقامه في الجزالة لفظة؟ وهل يسد مسده ~~في الأصالة نكتة؟ لو وضع موضع ذلك " ليقتلوه "، أو " ليرجموه ". # أو " لينفوه "، أو " ليطردوه " أو " ليهلكوه "، أو " ليذلوه "، ونحو هذا، ~~ما كان ذلك بديعا (7) ولا بارعا، ولا عجيبا ولا بالغا. PageV01P197 # / فانقد موضع هذه الكلمة، وتعلم بها ما تذهب إليه من تخير (1) الكلام، ~~[وانتقاء] (2) الألفاظ، ms204 والاهتداء للمعاني. # فإن كنت تقدر أن شيئا من هذه الكلمات التى عددناها (3) عليك أو غيرها، ~~[يقوم مقام هذه اللفظة - لم تقف] (4) على غرضنا من هذا الكتاب، فلا سبيل لك ~~إلى الوقوف على تصاريف الخطاب، فافزع إلى التقليد، واكف نفسك مؤونة ~~التفكير. # وإن فطنت، فانظر إلى ما قال من رد عجز الخطاب إلى صدره، بقوله: (فاخذتهم، ~~فكيف كان عقاب) ثم ذكر عقيبها العذاب في الآخرة، وأتلاها تلو العذاب في ~~الدنيا، على الأحكام الذي رأيت (5) . # ثم ذكر المؤمنين بالقرآن، بعد ذكر المكذبين بالآيات والرسل، فقال: # (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به) (6) إلى أن ~~ذكر ثلاث آيات. # / وهذا كلام مفصول، تعلم (7) عجيب اتصاله بما سبق ومضى، وانتسابه إلى ما ~~تقدم وانقضى، وعظم موقعه (8) في معناه، ورفيع ما يتضمن من تحميدهم ~~وتسبيحهم، وحكاية كيفية دعاء الملائكة بقوله: (ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما) ~~(9) . # هل تعرف شرف هذه الكلمة لفظا ومعنى، ولطيف هذه الحكاية، وتلاؤم هذا ~~الكلام، وتشاكل هذا النظام؟ فكيف (10) يهتدي إلى وضع هذه المعاني بشري، ~~وإلى تركيب ما يلائمها من الألفاظ إنسي؟ ثم ذكر ثلاث آيات في أمر الكافرين ~~على ما ترى. # ثم نبه على أمر القرآن، وأنه من آياته، بقوله: (هو الذي يريكم ~~PageV01P198 # آياته، وينزل لكم من السماء رزقا، وما يتذكر إلا من ينيب) (1) . # وإنما ذكر هذين الامرين اللذين يختص بالقدرة عليهما، لتناسبهما في أنهما ~~من تنزيله من السماء، ولأن الرزاق الذي لو لم (2) يرزق لم يمكن بقاء النفس، ~~تجب طاعته والنظر في آياته. # / ثم قال: (فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، رفيع الدرجات ~~ذو العرش، يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده، لينذر يوم التلاق، يوم ~~هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ، لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار) ~~(3) . # قف على هذه الدلالة (4) ، وفكر فيها، وراجع نفسك في مراعاة معاني هذه ~~الصفات العالية، والكلمات السامية، والحكم البالغة، والمعاني الشريفة - ~~تعلم ورودها عن الإلهية، ودلالتها على الربوبية، وتتحقق أن الخطب المنقولة ~~عنهم، والأخبار ms205 المأثورة في كلماتهم الفصيحة، من الكلام الذي تعلق به الهمم ~~البشرية، وما تحوم عليه الأفكار الآدمية، وتعرف مباينتها لهذا الضرب من ~~القول. # أي خاطر يتشوف إلى أن يقول: (يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده، ~~لينذر يوم التلاق، يوم هم بارزون) ؟ وأي لفظ يدرك هذا المضمار؟ وأي حكيم ~~يهتدي إلى ما لهذا من الغور؟ وأي فصيح يهتدي إلى هذا النظم؟ ثم استقرئ ~~الآية إلى آخرها، واعتبر كلماتها، وراع بعدها قوله: (اليوم تجزى كل نفس بما ~~كسبت، لا ظلم اليوم، إن الله سريع الحساب) (5) . # / من يقدر على تأليف هذه الكلمات الثلاث، على قربها، وعلى خفتها في # النظم وموقعها من القلب؟ PageV01P199 # ثم تأمل قوله: وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما ~~للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والله ~~يقضي بالحق، والذين يدعون من دونه لا يقضون بشئ، إن الله هو السميع البصير) ~~(1) . # كل كلمة من ذلك على ما قد وصفتها (2) : من أنه إذا رآها الإنسان في رسالة ~~كانت عينها، أو في خطبة كانت وجهها أو قصيدة كانت (3) غرة غرتها، وبيت ~~قصيدتها، كالياقوتة التي تكون فريدة العقد، وعين القلادة، ودرة الشذر، إذا ~~وقع بين كلام وشحه، وإذا ضمن (4) في نظام زينه، وإذا اعترض في خطاب تميز ~~عنه، وبان بحسنه منه. # ولست أقول هذا لك في آية، دون آية، وسورة دون سورة، وفصل دون فصل، وقصة ~~دون قصة، ومعنى دون معنى، لأني قد شرحت لك أن الكلام في حكاية القصص ~~والأخبار، وفي الشرائع / والأحكام، وفي الديانة والتوحيد، وفي الحجج ~~والتثبيت، هو خلاف الكلام فيما عدا هذه الامور. # ألا ترى أن الشاعر المفلق إذا جاء إلى الزهد قصر، والأديب إذا تكلم في # بيان الأحكام وذكر الحلال والحرام، لم يكن كلامه على حسب كلامه في غيره. # ونظم القرآن لا يتفاوت في شئ، ولا يتباين في أمر، ولا يختل في حال، بل له ~~المثل الأعلى، والفضل الأسنى. # وفيما شرحناه لك كفاية، وفيما بيناه بلاغ. # * * * ونذكر في الاحكاميات ms206 وغيرها آيات أخر: منها قوله: (يسئلونك ماذا ~~أحل لهم؟ قل: أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين، تعلمونهن مما ~~علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه، واتقوا الله، ~~إن الله سريع الحساب) (5) . PageV01P200 # أنت تجد في هذه الآية من الحكمة والتصرف العجيب، والنظم البارع [الغريب] ~~(1) ، ما يدلك - إن شئت - على الإعجاز، مع هذا الإختيار والإيجاز، فكيف إذا ~~بلغ ذلك آيات (2) ، أو كانت سورة؟. # ونحو هذه الآية قوله: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي / يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ~~ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي ~~كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه # ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون) (3) . # وكالآية التي بعدها في التوحيد وإثبات النبوة، وكالآيات الثلاث في ~~المواريث. # أي بارع يقدر على جمع أحكام الفرائض في قدرها من الكلام؟ ثم كيف يقدر على ~~ما فيها من بديع النظم (4) ؟ وإن جئت إلى آيات الاحتجاج، كقوله تعالى: (لو ~~كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون، لا يسئل ~~عما يفعل وهم يسألون) (5) . # وكالآيات في التوحيد، كقوله: (هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له ~~الدين، الحمد لله رب العالمين) (6) . # وكقوله: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. # الذي له ملك السموات والأرض، ولم يتخذ ولدا، ولم يكن / له شريك في الملك، ~~وخلق كل شئ فقدره تقديرا) (7) . # وكقوله: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير) (8) ، إلى آخرها. # وكقوله: (والصافات صفا، فالزاجرات زجرا، فالتاليات ذكرا، PageV01P201 # إن إلهكم لواحد، رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق، إنا زينا ~~السماء الدنيا بزينة الكواكب، وحفظا من كل شيطان مارد، لا يسمعون إلى الملأ ~~الأعلى ويقذفون من كل جانب، دحورا، ولهم عذاب واصب، إلا من خطف الخطفة ~~فأتبعه شهاب ثاقب) (1) . # هذه من الآيات التى قال فيها الله تعالى ذكره: (الله نزل أحسن الحديث ~~كتابا متشابها مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم ms207 تلين جلودهم ~~وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فما له ~~من هاد) (2) . # [ارفع طرف قلبك] (3) ، وانظر بعين عقلك، وراجع جلية بصيرتك، إذا تفكرت في ~~كلمة كلمة مما نقلناه إليك، وعرضناه / عليك، ثم فيما ينتظم من الكلمات، ثم ~~إلى أن يتكامل فصلا وقصة، أو يتم حديثا وسورة. # لا، بل فكر في جميع القرآن على هذا الترتيب، وتدبره على نحو هذا التنزيل، ~~فلم ندع ما ادعيناه لبعضه، ولم نصف ما وصفنا (4) إلا في كله، وإن كانت ~~الدلالة في البعض أبين وأظهر، والآية أكشف وأبهر. # وإذا تأملت على ما هديناك إليه، ووقفناك عليه، فانظر هل تجد وقع (5) هذا ~~النور في قلبك، واشتماله على لبك، وسريانه في حسك، ونفوذه في عروقك، ~~وامتلاءك به إيقانا وإحاطة، واهتداءك به إيمانا وبصيرة؟ أم هل تجد الرعب ~~يأخذ منك مأخذه من وجه، والهزة تعمل في جوانبك (6) من لون، والأريحية ~~تستولي عليك من باب؟ وهل تجد الطرب يستفزك للطيف ما فطنت له، والسرور يحركك ~~من # عجيب ما وقفت عليه، وتجد في نفسك من المعرفة التي حدثت لك - عزة، وفى ~~أعطافك ارتياحا وهزة، وترى لك في الفضل تقدما وتبريزا، وفي اليقين سبقا ~~وتحقيقا، وترى مطارح الجهال تحت / أقدام الغفلة، ومهاويهم PageV01P202 # في ظلال (1) القلة والذلة، وأقدارهم بالعين التي يجب أن تلحظ بها، ~~ومراتبهم بحيث يجب (2) أن ترتبها؟ هذا كله في تأمل الكلام ونظامه، وعجيب ~~معانيه وأحكامه. # فإن جئت إلى ما انبسط في العالم من بركته وأنواره، وتمكن في الآفاق من ~~يمنه وأضوائه، وثبت في القلوب من إكباره واعظامه، وتقرر في النفوس من حتم ~~أمره ونهيه، ومضى في الدماء (3) من مفروض حكمه، وإلى أنه جعل عماد (4) ~~الصلاة التي هي تلو الإيمان في التأكيد، وثانية التوحيد في الوجوب. # وفرض (5) حفظه، ووكل الصغار والكبار بتلاوته، وأمر عند افتتاحه بما أمر ~~به لتعظيمه، من قوله: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) ~~(6) لم يؤمر بالتعوذ لافتتاح أمر كما أمر به لافتتاحه، فهل يدلك هذا على ~~عظيم ms208 شأنه، وراجح ميزانه، وعالي مكانه. # وجملة الأمر أن نقد الكلام شديد، وتمييزه صعب. # ومما كتب إلي الحسن بن عبد الله العسكري: [قال] (7) أخبرني / أبو بكر # ابن دريد قال: سمعت أبا حاتم يقول: سمعت الاصمعي يقول: فرسان الشعر (8) ~~أقل من فرسان الحرب. # وقال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: العلماء بالشعر أعز من الكبريت ~~الاحمر. # وإذا كان الكلام المتعارف المتداول بين الناس، يشق تمييزه، ويصعب نقده، ~~ويذهب عن محاسنه الكثير (9) ، وينظرون إلى كثير من قبيحه بعين الحسن، وكثير ~~من حسنه بعين القبح، ثم يختلفون في الأحسن منه اختلافا كثيرا، وتتباين ~~آراؤهم في تفضيل ما يفضل منه - فكيف لا يتحيرون فيما لا يحيط به علمهم، ولا ~~يتأتى في مقدورهم، ولا يمثل بخواطرهم؟ وقد حير القوم الذين لم يكن أحد أفصح ~~منهم. PageV01P203 # ولا أتم بلاغة، ولا أحسن براعة، حتى دهشوا حين ورد عليهم، وولهت عقولهم، ~~ولم يكن عندهم فيه جواب غير ضرب الأمثال، والتخرص (1) عليه، والتوهم فيه، ~~وتقسيمه أقساما، وجعله عضين. # وكيف لا يكون أحسن الكلام، وقد قال الله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث ~~كتابا متشابها مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم ~~وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك هدى الله / يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فما ~~له من هاد) (2) . # استغنم فهم هذه الآية، وكفاك، استفد علم هذه الكلمات، وقد أغناك، فليس ~~يوقف على حسن الكلام بطوله، ولا تعرف براعته بكثرة فصوله، إن القليل يدل ~~على الكثير، والقريب قد يهجم بك على البعيد. # ثم إنه سبحانه وتعالى لما علم من عظم شأن هذه المعرفة، وكبر محلها (3) ، ~~وذهابها على أقوام - ذكر في آخر هذه الآية ما ذكر، وبين ما بين، فقال: (ذلك ~~هدى الله يهدى به من يشاء) . # فلا تعلم (4) ما وصفنا لك إلا بهداية من العزيز الحميد، وقال: (ومن يضلل ~~الله فما له من هاد) وقال: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) (5) . # وقد بسطنا لك القول رجاء افهامك. # وهذا " المنهاج " الذي رأيته، إن سلكته، يأخذ بيدك، ويدلك على رشدك، ms209 ~~ويغنيك عن (6) ذكر براعة (7) آية آية لك. # واعلم أنا لم نقصد فيما سطرناه من الآيات، وسميناه من السور / والدلالات، ~~ذكر الأحسن (8) والأكشف والأظهر، لأنا نعتقد في كل سورة ذكرناها أو (9) ~~أضربنا عن ذكرها اعتقادا واحدا في الدلالة على الإعجاز، والكفاية في التمنع ~~والبرهان. # ولكن لم يكن بد من ذكر بعض، فذكرنا ما تيسر، وقلنا فيما اتجه PageV01P204 # في الحال وخطر، وإن كنا نعتقد أن الاعجاز في بعض القرآن أظهر، وفى بعضه ~~(1) أدق وأغمض. # والكلام في هذا الفصل يجئ بعد هذا. # فاحفظ عنا في الجملة ما كررنا، والسير بعد ذلك في التفصيل إليك، وحصل ما ~~أعطيناك من العلامة، ثم النظر عليك. # * * * قد اعتمدنا على أن الآيات تنقسم إلى قسمين: أحدهما: ما يتم بنفسه، ~~أو بنفسه وفاصلته، فينير في الكلام إنارة النجم في الظلام. # والثاني: ما يشتمل على كلمتين أو كلمات، إذا تأملتها وجدت كل كلمة منها ~~في نهاية البراعة، وغاية البلاغة. # وإنما يبين ذلك بأن تتصور هذه الكلمة مضمنة بين أضعاف كلام كثير، أو خطاب ~~طويل، فتراها ما بينها (2) تدل على نفسها، / وتعلو على ما قرن بها (3) لعلو ~~جنسها، فإذا ضمت إلى أخواتها، وجاءت في ذواتها، أرتك القلائد منظومة، كما ~~كانت تريك - عند تأمل الإفراد منها - اليواقيت منثورة، والجواهر مبثوثة (4) ~~. # ولولا ما أكره من تضمين القرآن في الشعر لانشدتك ألفاظا وقعت مضمنة، ~~لتعلم كيف تلوح (5) عليه، وكيف ترى بهجتها في أثنائه، وكيف تمتاز منه، حتى ~~أنه لو تأمله من لم يقرأ القرآن لتبين أنه أجنبي من الكلام الذي تضمنه، ~~والباب الذي توسطه، وأنكر مكانه، واستكبر موضعه. # ثم تناسبها في البلاغة والإبداع، وتماثلها في السلاسة والإغراب، ثم ~~انفرادها بذلك الأسلوب، وتخصصها بذلك الترتيب، ثم سائر ما قدمنا ذكره، مما ~~نكره إعادته. # وأنت ترى غيره من الكلام يضطرب في مجاريه، ويختل تصرفه في معانيه، ~~PageV01P205 # ويتفاوت التفاوت الكثير في طرقه، ويضيق به النطاق في مذاهبه، ويرتبك (1) ~~في أطرافه وجوانبه، ويسلمه للتكلف (2) الوحش كثرة تصرفه، ويحيله على التصنع ~~الظاهر موارد تنقله وتخلصه. # / ونظم القرآن في مؤتلفه ms210 ومختلفه، وفي فصله ووصله، وافتتاحه واختتامه، ~~وفي كل نهج يسلكه، وطريق يأخذ فيه، وباب يتهجم عليه، ووجه يؤمه، على ماو ~~صفه الله تعالى به - لا يتفاوت، كما قال: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا) (3) . # ولا يخرج عن تشابهه وتماثله، كما قال: (قرآنا عربيا غير ذي عوج) (4) . # وكما قال: (كتابا متشابها) (5) ولا يخرج عن إبانته، كما قال: (بلسان عربي ~~مبين) (6) . # وغيره من الكلام كثير التلون، دائم التغير، [والتنكر] (7) ، يقف بك على ~~بديع مستحسن، ويعقبه بقبيح (8) مستهجن، ويطلع عليك بوجه الحسناء، ثم يعرض ~~للهجر بخد القبيحة الشوهاء، ويأتيك باللفظة المستنكرة بين الكلمات التى هي ~~كاللآلئ الزهر. # وقد يأتيك باللفظة الحسنة بين الكلمات البهم، وقد يقع إليك منه الكلام ~~المثبج (9) ، والنظم المشوش، والحديث المشوه. # وقد تجد منه ما لا يتناسب ولا يتشابه، ولا يتآلف ولا يتماثل / وقد قيل في ~~وصف ما جرى هذا المجرى: وشعر كبعر الكبش فرق بينه * لسان دعى في القريض ~~دخيل (10) PageV01P206 # وقال آخر: # وبعض قريض القوم أولاد علة * يكد لسان الناطق المتحفظ (1) فإن قال قائل: ~~فقد نجد في آيات [من] (2) القرآن ما يكون نظمه بخلاف ما وصفت، ولا تتميز ~~الكلمات بوجه البراعة، وإنما تكون البراعة عندك منه في مقدار يزيد على ~~الكلمات المفردة، وحد يتجاوز حد الالفاظ المستندة، وإن كان الأكثر على ما ~~وصفته به؟ / قيل له: نحن نعلم أن قوله: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ~~وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم) ، إلى آخر الآية - ليس من القبيل الذي يمكن ~~إظهار البراعة فيه، وإبانة الفصاحة [عليه] (3) وذاك يجري عندنا مجرى ما ~~يحتاج إلى ذكره من الأسماء والألقاب، فلا يمكن إظهار البلاغة (4) فيه، ~~فطلبها في نحو هذا ضرب من الجهالة. # بل الذي يعتبر في نحو ذلك تنزيل الخطاب، وظهور الحكمة في الترتيب ~~والمعنى، وذلك حاصل في هذه الآية - إن تأملت. # ألا ترى أنه بدأ بذكر الأم، لعظم حرمتها، وإدلائها بنفسها، ومكان ~~بعضيتها، فهي أصل لكل من يدلى بنفسه منهن، ولانه (5) ليس في ذوات الانساب ~~أقرب منها. # ولما جاء إلى ذوات الأسباب، ms211 ألحق بها (6) حكم الام من الرضاع، لان ~~PageV01P207 # اللحم ينشره اللبن بما يغذوه، فيتحصل بذلك أيضا لها حكم البعضية، فنشر ~~(1) الحرمة بهذا المعنى، وألحقها بالوالدة. # وذكر الأخوات من الرضاعة، فنبه بها على كل من يدلي بغيرها، وجعلها تلو ~~الأم من الرضاع. # / والكلام في إظهار حكم هذه الآية وفوائدها يطول، ولم نضع كتابنا لهذا، ~~وسبيل هذا أن نذكره في كتاب " معاني القرآن " إن سهل الله لنا إملاءه ~~وجمعه. # فلم تنفك هذه الآية من الحكم التي تخلف حكمة الإعجاز في النظم والتأليف، ~~والفائدة التي تنوب مناب العدول عن البراعة في وجه الترصيف. # فقد علم السائل أنه لم يأت بشئ، ولم يهتد للأغراض (2) في دلالات الكلام، ~~وفوائده ومتصرفاته، وفنونه ومتوجهاته. # وقد يتفق في الشعر ذكر الاسامي فيحسن موقعه، كقول أبى ذؤاب الاسدي (3) : ~~إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم * بعتيبة بن الحارث بن شهاب (4) بأشدهم كلبا على ~~أعدائه * وأعزهم فقدا على الأصحاب (5) وقد يتفق ذكر الأسامي، فيفسد النظم، ~~ويقبح الوزن. # / والآيات الأحكاميات التي لابد فيها من أمر (6) البلاغة، يعتبر فيها من ~~الألفاظ (7) ما يعتبر في غيرها، وقد يمكن فيها، وكل موضع أمكن ذلك فقد وجد ~~في القرآن في بابه ما ليس عليه مزيد في البلاغة وعجيب النظم. # ثم في جملة الآيات ما إن لم تراع البديع البليغ في الكلمات الإفراد ~~والألفاظ الآحاد، فقد تجد ذلك مع تركب الكلمتين والثلاث، ويطرد ذلك في ~~الابتداء، والخروج، والفواصل، وما يقع بين الفاتحة والخاتمة من الواسطة، أو ~~باجتماع ذلك أو في PageV01P208 # بعض ذلك - ما يخلف الإبداع في أفراد الكلمات، وإن كانت الجملة والمعظم ~~على ما سبق الوصف فيه. # وإذا عرف ما يجري إليه الكلام، وينهي إليه الخطاب، ويقف عليه الأسلوب، ~~ويختص به القبيل - بأن عند أهل الصنعة تميز بابه، وانفراد سبيله، ولم يشك ~~البليغ في انتمائه إلى الجهة التي ينتمي إليها، ولم يرتب الأديب البارع في ~~انتسابه إلى ما عرف من نهجه. # وهذا كما يعرف طريقه مترسل في رسالته، فهو لا يخفى عليه بناء قاعدته # وأساسه، فكأنه يرى (1) أنه يعد ms212 عليه مجاري حركاته وأنفاسه. # / وكذلك في الشعر (2) واختلاف ضروبه، يعرف المتحقق به طبع كل أحد، وسبيل ~~كل شاعر. # وفي " نظم القرآن " أبواب كثيرة لم نستوفها، وتقصيها يطول، وعجائبها لا ~~تنقضي، فمنها الكلام [المغلق] (3) والإشارات. # وإذا بلغ الكلام من هذا القبيل مبلغا ربما زاد الإفهام به على الإيضاح، ~~أو ساوى مواقع التفسير والشرح، مع استيفائه شرطه - كان النهاية في في ~~معناه. # وذلك كقوله: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير) (4) . # فصول هذه الآية وكلماتها على ما شرحنا من قبل (5) البلاغة واللطف في ~~التقدم، وفي تضمن هذا الأمر العظيم، والمقام الكريم. # ويتلو هذه قوله: (وآتينا موسى الكتاب، وجعلناه هدى لبني إسرائيل) (6) هذا ~~خروج لو كان في غير هذا الكلام لتصور في / صورة المنقطع، وقد تمثل في هذا ~~النظم لبراعته وعجيب أمره وموقع ما لا ينفك منه القول (7) . PageV01P209 # وقد يتبرأ الكلام المتصل بعضه من بعض، ويظهر عليه التثبيج (1) والتباين، ~~للخلل الواقع في النظم. # وقد تصور هذا الفصل للطفه وصلا، ولم يبن عليه تميز الخروج. # ثم انظر كيف أجرى هذا الخطاب إلى ذكر نوح، وكيف أثنى عليه؟ وكيف تليق ~~صفته بالفاصلة ويتم النظم بها، مع خروجها مخرج البروز من الكلام الأول، إلى ~~ذكره، وإجرائه إلى مدحه بشكره، وكونهم من ذريته يوجب عليهم أن يسيروا ~~بسيرته، وأن يستنوا بسنته، في أن يشكروا كشكره، ولا يتخذوا من دون الله ~~وكيلا، وأن يعتقدوا تعظيم تخليصه إياهم من الطوفان، لما (2) حملهم عليه ~~ونجاهم فيه، حين أهلك من عداهم به، وقد عرفهم أنه إنما يؤاخذهم بذنوبهم ~~وفسادهم، فيما سلط عليهم من قبلهم وعاقبهم، ثم عاد عليهم بالأفضال ~~والإحسان، حتى يتذكروا ويعرفوا قدر نعمة الله عليهم وعلى نوح الذي ولدهم ~~وهم من ذريته، فلما عادوا إلى جهالتهم، وتمردوا في طغيانهم، عاد عليهم ~~بالتعذيب. # / ثم ذكر الله عز وجل في ثلاث آيات بعد ذلك معنى هذه القصة التي كانت ~~لهم، بكلمات قليلة في العدد، كثيرة الفوائد، لا ms213 يمكن شرحها إلا بالتفصيل ~~الكثير، والكلام الطويل. # ثم لم يخل تضاعيف الكلام مما ترى من الموعظة، على أعجب تدريج، وأبدع ~~تأريج (3) ، بقوله: (إن أحسنتم أحسنتم لإنفسكم، وإن أسأتم فلها) (4) . # ولم ينقطع بذلك [نظام] (5) الكلام، وأنت ترى الكلام يتبدد مع اتصاله، ~~وينتشر مع انتظامه، فكيف بإلقاء ما ليس منه في أثنائه، وطرح ما يعدوه (6) # في أدراجه؟ إلى أن خرج إلى قوله: (عسى ربكم أن يرحمكم، وإن عدتم عدنا) ~~(7) يعني: إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى العفو. PageV01P210 # ثم خرج خروجا آخر إلى ذكر القرآن. # وعلى هذا فقس بحثك عن (1) شرف الكلام، وماله من علو الشأن، لا يطلب مطلبا ~~إلا انفتح، ولا يسلك قلبا إلا انشرح، ولا / يذهب مذهبا إلا استنار وأضاء، ~~ولا يضرب مضربا إلا بلغ فيه السماء، لا تقع منه على فائدة فقدرت أنها أقصى ~~فوائدها - إلا قصرت، ولا تظفر بحكمة فظننت أنها زبدة حكمها - إلا وقد ~~أخللت. # * * * إن الذي عارض القرآن بشعر امرئ القيس لاضل من حمار باهلة (2) ، ~~وأحمق من هبنقة (3) . # لو كان شعره كله كالابيات المختارة التى قدمناها، لاوجب البراءة منه (4) ~~قوله: وسن كسنيق سناء وسنما * ذعرت بمدلاج الهجيز نهوض (5) # قال الاصمعي: لا أدرى ما السن، ولا السنيق، ولا السنم؟ ! وقال بعضهم: ~~السنيق: أكمة. PageV01P211 # / وقال فيها: له قصريا عير وساقا نعامة * كفحل الهجان القيسري العضوض (1) ~~وقوله: عصافير وذبان ودود * وأجرأ من مجلحة الذئاب (2) وزاد في تقبيح ذلك ~~وقوعه في أبيات فيها: فقد طوفت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالاياب ~~وكل مكارم الاخلاق صارت * إليه همتي وبها اكتسابي (3) وكقوله في قصيدة ~~قالها في نهاية السقوط: # أزمان فوها كلما نبهتها * كالمسك فاح وظل في الفدام (4) أفلا ترى أظعانهن ~~بواكرا * كالنخل من شوكان حين صرام (5) / وكأن شاربها أصاب لسانه * موم ~~يخالط جسمه بسقام (6) وكقوله: لم يفعلوا فعل آل حنظلة * إنهم جير بئسما ~~ائتمروا (7) PageV01P212 # لا حميري وفى ولا عدس * ولا است عير يحكها الثفر (1) إن بني عوف ابتنوا ~~حسبا * ضيعه الدخللون إذ غدروا (2) # / وكقوله: أبلغ شهابا [بل] وأبلغ عاصما * [ومالكا] هل أتاك ms214 الخبر مال (3) ~~أنا تركنا منكم قتلى بخو * عى وسبيا كالسعالى (4) يمشين بين رحالنا مع * ~~ترفات بجوع وهزال * * * ولم يقع مثل ذلك له وحده، فقد قال الأعشى: فأدخلك ~~الله برد الجنا * ن جذلان في مدخل طيب (5) وقال أيضا: فرميت غفلة عينه عن ~~شاته * فأصبت حية قلبها وطحالها (6) وقال في فرسه: ويأمر لليحموم كل عشية * ~~بقت وتعليق فقد كاد ينسق (7) PageV01P213 # / وقال: شاو مشل شلول شلشل شول (1) وهذه الألفاظ في معنى واحد. # وقد وقع لزهير نحوه كقوله: فأقسمت جهدا بالمنازل من منى * وما سحفت فيه ~~المقاديم والقمل (2) كيف يقول (3) هذا في قصيدة يقول فيها: وهل ينبت الخطي ~~إلا وشيجه، وتغرس إلا في منابتها النخل (4) / وكقول الطرماح: سوف تدنيك من ~~لميس سبنتا * ة امارت بالبول ماء الكراض (5) السبنتاة: الناقة الصلبة. # والكراض: ماء الفحل، أسالت ماء الفحل مع البول، فلم تعقد عليه، ولم تحمل، ~~فتضعف والمائر: السائل. PageV01P214 # فإن قال قائل: أجدك تحاملت على امرئ القيس، ورأيت أن شعره يتفاوت بين ~~اللين والشراسة، وبين اللطف والشكاسة، وبين التوحش والاستئناس، والتفاوت ~~والتباعد، ورأيت الكلام الأعدل أفضل، والنظام المستوثق (1) أكمل، وأنت تجد ~~البحتري يسبق (2) في هذا الميدان، ويفوت الغاية في هذا الشأن، وأنت ترى (3) ~~الكتاب يفضلون كلامه على كل كلام، ويقدمون رأيه في البلاغة على كل رأي، ~~وكذلك تجد (4) لأبي نواس من بهجة اللفظ، ودقيق المعنى / ما يتحير فيه أهل ~~الفضل (5) ، ويقدمه الشطار والظراف # على كل شاعر، ويرون لنظمه روعة لا يرون لنظم غيره * وزبرجا لا يتفق ~~لسواه، فكيف يعرف فضل ما سواه عليه؟ فالجواب: أن الكلام في أن الشعر لا ~~يجوز أن (6) يوازن به القرآن قد تقدم. # وإذ كنا قد بينا أن شعر امرئ القيس - وهو كبيرهم الذي يقرون بتقدمه، ~~وشيخهم الذي يعترفون بفضله، وقائدهم الذي يأتمون به (7) ، وإمامهم الذي ~~يرجعون إليه - كيف سبيله، وكيف (8) طريق [سقوط] (9) منزلته عن منزلة نظم ~~القرآن، وأنه لا يلحظ (10) بشعره غبار ذلك، وهو إذا لحظ ذلك كان كما قال ~~(11) . # فأصبحت من ليلى الغداة كناظر * مع الصبح في إعجاز نجم مغرب (12) / وكما ms215 ~~قال أيضا: راحت مشرقة ورحت مغربا * فمتى التقاء مشرق ومغرب PageV01P215 # وإذا كنا قد أبنا في القاعدة ما علمت، وفصلنا لك في شعره ما عرفت - لم ~~نحتج إلى أن نتكلم على شعر [كل] (1) شاعر، وكلام بليغ، والقليل يدل على ~~الكثير. # وقد بينا - في الجملة - مباينة أسلوب نظم القرآن جميع الأساليب، ومزيته ~~عليها في النظم والترتيب، وتقدمه عليها في (2) كل حكمة وبراعة، ثم تكلمنا ~~على التفصيل - على ما شاهدت (3) - فلا يبقى علينا بعد ذلك سؤال. # ثم نقول: أنت تعلم أن من يقول بتقدم البحتري في الصنعة، به من الشغل في ~~تفضيله على ابن الرومي أو تسوية ما بينهما ما لا يطمع معه في تقديمه على ~~امرئ القيس ومن طبقته. # كذلك أبو نواس، إنما يعدل شعره بشعر أشكاله، ويقابل كلامه بكلام أضرابه ~~من أهل عصره. # ، وإنما يقع بينهم التباين اليسير، والتفاوت القليل. # فأما أن يظن ظان، أو يتوهم متوهم أن جنس الشعر معارض / لنظم (4) القرآن ~~(فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) (5) . # وإنما هي خواطر يغير بعضها على بعض، ويقتدي فيها بعض ببعض، والغرض الذي ~~يرمي إليه، ويصح (6) التوافي عليه، في الجملة، فهو قبيل متداول، وجنس ~~متنازع، وشريعة مورودة، وطريقة مسلوكة. # ألا ترى ما روي عن الحسين بن الضحاك، قال: أنشدت أبا نواس قصيدتي التي ~~فيها: وشاطري اللسان مختلق التك * ريه شاب المجون بالنسك (7) PageV01P216 # كأنه - نصب كأسه - قمر * يكرع في بعض أنجم الفلك (1) قال: فأنشدني أبو ~~نواس بعد أيام قصيدته التي يقول فيها: / أعاذل أعتبت الإمام وأعتبا * ~~وأعربت عما في الضمير وأعربا (2) وقلت لساقيها: أجزها فلم أكن * ليأبى أمير ~~المؤمينن وأشربا (3) فجوزها عني عقارا ترى لها * إلى الشرف الأعلى شعاعا ~~مطنبا إذا عب فيها شارب القوم خلته * يقبل في داج من الليل. # كوكبا قال: فقلت له: يا أبا علي، هذه مصالتة (4) . # فقال: أتظن أنه يروي (5) لك معنى وأنا حي؟ فتأمل هذا الأخذ، وهذا الوضع، ~~وهذا الاتباع (6) . # أما الخليع فقد رأى الإبداع في المعنى، فأما العبارات فإنها ليست ms216 على ما ~~ظنه، لأن قوله: " يكرع " ليس بصحيح، وفيه ثقل بين / وتفاوت، وفيه إحالة، ~~لان القمر لا يصح تصورا (7) أن يكرع في نجم. PageV01P217 # وأما قول أبي نواس، " إذا عب فيها "، فكلمة قد قصد فيها المتانة، وكان ~~سبيله أن يختار سواها من ألفاظ الشرب (1) ، ولو فعل ذلك كان أملح. # وقوله: " شارب القوم "، فيه ضرب من التكلف الذي لا بد له منه أو من مثله، ~~لإقامة الوزن. # ثم قوله: " خلته يقبل في داج من الليل كوكبا "، تشبيه بحالة واحدة من ~~أحواله، وهى أن يشرب حيث لاضوء هناك، وإنما يتناوله ليلا، فليس بتشبيه ~~مستوفى، على ما فيه من الوقوع والملاحة [والصنعة] (2) . # وقد قال ابن الرومي ما هو أوقع منه وأملح وأبدع: ومهفهف تمت محاسنه * حتى ~~تجاوز منية النفس (3) # تصبو الكئوس إلى مراشفه * وتحن في يده إلى الحبس أبصرته والكأس بين فم * ~~منه وبين أنامل خمس وكأنها وكأن شاربها * قمر يقبل عارض الشمس (4) / ولاشك ~~في أن تشبيه ابن الرومي أحسن وأعجب (5) ، إلا أنه [لم] يتمكن من إيراده ~~[إلا] في (6) بيتين، وهما - مع سبقهما إلى المعنى - أتيا به في بيت واحد. # * * * وإنما أردت بهذا أن أعرفك أن هذه أمور متقاربة (7) ، يقع فيها ~~التنافس والتعارض، والأطماع تتعلق (8) بها، والهمم تسمو إليها، وهي إلف ~~طباعنا، وطوع مداركنا، ومجانس (9) لكلامنا. # وإعجاب قوم بنحو هذا وما يجري مجراه، وإيثار أقوام لشعر البحترى ~~PageV01P218 # على أبي تمام، وعبد الصمد، وابن الرومي، وتقديم قوم كل هؤلاء أو بعضهم ~~عليه وذهاب قوم عن المعرفة - ليس بأمر يضربنا ولا سبب (1) يعترض على ~~أفهامنا. # * * * ونحن نعمد إلى بعض قصائد " البحتري " فنتكلم عليها (2) ، كما ~~تكلمنا على قصيدة امرئ القيس، ليزداد الناظر في كتابنا بصيرة، ويستخلص / من ~~سر المعرفة سريرة، ويعلم كيف تكون الموازنة، وكيف تقع المشابهة والمقاربة. # ونجعل تلك القصيدة التى نذكرها أجود شعره. # سمعت الصاحب إسماعيل بن عباد يقول: سمعت أبا الفضل بن العميد يقول: سمعت ~~أبا مسلم الرستمي يقول: سمعت البحتري يذكر (3) أن أجود شعر قاله: * أهلا ~~بذلكم الخيال المقبل * قال: وسمعت أبا الفضل ms217 بن العميد يقول: أجود شعره هو ~~قوله: * في الشيب زجر له لو كان ينزجر (4) * قال: وسئلت عن ذلك؟ فقلت: ~~البحتري أعرف بشعر نفسه من غيره. # فنحن الآن نقول في هذه القصيدة ما يصلح في مثل هذا: / قوله (5) : أهلا ~~بذلكم الخيال المقبل * فعل الذي نهواه أو لم يفعل PageV01P219 # برق سرى في بطن وجرة فاهتدت * بسناه أعناق الركاب الضلل (1) البيت الأول، ~~في قوله: " ذلكم الخيال "، ثقل روح، وتطويل وحشو، وغيره أصلح له (2) . # وأخف منه قول الصنوبري: أهلا بذاك الزور من زور * شمس بدت في فلك الدور ~~وعذوبة الشعر تذهب بزيادة حرف أو نقصان حرف، فيصير إلى الكزازة، وتعود ~~ملاحته بذلك ملوحة، وفصاحته عيا، وبراعته تكلفا، وسلاسته تعسفا، وملاسته ~~تلويا وتعقدا. # فهذا فصل. # وفيه شئ آخر، وهو: أن هذا الخطاب إنما يستقيم مهما خوطب به الخيال حال ~~أقباله، فأما أن يحكي الحال التي كانت وسلفت على هذه العيادة ففيه عهدة، ~~وفي تركيب الكلام عن هذا المعنى عقدة (3) ، وهو / - لبراعته وحذقه في هذه ~~الصنعة - يعلق (4) نحو هذا الكلام، ولا ينظر في عواقبه، لأن ملاحة قوله ~~تغطي على عيون الناظرين فيه نحو هذه الأمور. # ثم قوله: " فعل الذي نهواه أو لم يفعل " ليست بكلمة رشيقة، ولا لفظة ~~ظريفة، وإن كانت كسائر الكلام. # فأما بيته الثاني، فهو عظيم الموقع في البهجة، وبديع المأخذ (5) ، حسن ~~الرواء أنيق المنظر والمسمع، يملا القلب والفهم، ويفرح الخاطر، وتسرى (6) ~~بشاشته في العروق. # وكان البحتري يسمي نحو هذه الأبيات: " عروق الذهب " وفي نحوه ما يدل على ~~براعته في الصناعة، وحذقه (7) في البلاغة. # ومع هذا كله فيه ما نشرحه من الخلل، مع الديباجة الحسنة، والرونق المليح. ~~PageV01P220 # وذلك: أنه جعل الخيال كالبرق لإشراقه في مسراه، كما يقال: إنه يسري (1) ~~كنسيم الصبا، فيطيب ما مر به، كذلك يضئ ما مر حوله، وينور ما مر به. # وهذا غلو في الصنعة، إلا أن ذكره " بطن / وجرة " حشو، وفي ذكره خلل، لأن ~~النور القليل يؤثر في بطون الأرض وما اطمأن منها، بخلاف ما يؤثر في غيرها، ~~فلم يكن ms218 من سبيله أن يربط ذلك ببطن وجرة. # وتحديده المكان - على الحشو - أحمد من تحديد امرئ القيس من ذكر " سقط ~~اللوى بين الدخول فحومل، فتوضح فالمقراة " لم يقنع بذكر حد، حتى # حده بأربعة حدود، كأنه يريد بيع المنزل فيخشى - أن أخل بحد - أن يكون ~~بيعة فاسدا أو شرطه باطلا! ! فهذا باب. # ثم إنما يذكر (2) الخيال بخفاء الأثر، ودقة المطلب، ولطف المسلك، وهذا ~~الذي ذكر يضاد هذا الوجه، ويخالف ما وضع (3) عليه أصل الباب. # ولا يجوز أن يقدر مقدر أن البحتري قطع الكلام الأول، وابتدأ بذكر برق لمع ~~من ناحية حبيبه من جهة بطن وجرة، لان هذا القطع إن كان فعله كان خارجا به ~~عن النظم المحمود، ولم يكن مبدعا، ثم كان (4) لا تكون فيه فائدة، لأن كل ~~برق شعل (5) وتكرر (6) وقع الاهتداء به في الظلام، وكان (7) لا يكون بما ~~نظمه مفيدا ولا متقدما. # / وهو على ما كان من مقصده فهو ذو لفظ محمود، ومعنى مستجلب (8) غير ~~مقصود، ويعلم بمثله أنه طلب العبارات، وتعليق القول بالاشارات. # وهذا من الشعر الحسن (9) ، الذي يحلو لفظه، وتقل فوائده، كقول القائل ~~(10) : ولما قضينا من منى كل حاجة * ومسح بالاركان من هو ماسح PageV01P221 # وشدت على حدب المهاري رحالنا * ولا ينظر الغادي الذي هو رائح (1) / أخذنا ~~بأطراف الأحاديث بيننا * وسالت بأعناق المطي الأباطح (2) هذه ألفاظ بديعة ~~(3) المطالع والمقاطع، حلوة المجاني (4) والمواقع، قليلة المعاني والفوائد. # (5) * * * فأما قول البحتري بعد ذلك: من غادة منعت وتمنع نيلها * فلو ~~أنها بذلت لنا لم تبذل كالبدر غير مخيل، والغصن غي * ر مميل، والدعص غير ~~مهيل (6) فالبيت الأول - على ما تكلف فيه من المطابقة، وتجشم الصنعة - ~~ألفاظه أوفر من معانيه، وكلماته أكثر من فوائده، وتعلم أن القصد / وضع ~~العبارات PageV01P222 # في مثله! ولو قال قائل: هي ممنوعة مانعة، كان ينوب عن تطويله، وتكثيره ~~الكلام وتهويله. # ثم هو معنى متداول مكرر على كل لسان. # وأما البيت الثاني، فأنت تعلم أن التشبيه بالبدر والغصن والدعص، أمر ~~منقول متداول (1) ، ولا فضيلة في التشبيه بنحو (2) ذلك. # وإنما يبقى تشبيهه ms219 ثلاثة أشياء في البيت، وهذا أيضا قريب، لأن المعنى ~~مكرر. # ويبقى له بعد ذلك شئ آخر، وهو تعمله للترصيع في البيت كله، إلا أن هذه ~~الاستثناءات فيها ضرب من التكلف، لأن التشبيه بالغصن كاف، فإذا زاد فقال: ~~كالغصن غير معوج، كان ذلك من باب التكلف خللا، وكان ذلك زيادة يستغني عنها. # وكذلك قوله: " كالدعص غير مهيل "، لأنه إذا انهال خرج عن أن يكون مطلق ~~التشبيه مصروفا إليه، فلا يكون لتقييده معنى. # * * * وأما قوله: ما الحسن عندك يا سعاد بمحسن * فيما أتاه ولا الجمال ~~بمجمل (3) / عذل المشوق وإن كان من سيما الهوى * في حيث يجهله لجاج العذل ~~(4) # قوله في البيت الأول: " عندك "، حشو، وليس بواقع ولا بديع، وفيه كلفة. # والمعنى الذي قصده، أنت تعلم أنه متكرر على لسان الشعراء. # وفيه شئ آخر، لأنه يذكر أن حسنها لم يحسن في تهييج وجده وتهييم قلبه، وضد ~~هذا المعنى هو الذي يميل إليه أهل الهوى والحب. PageV01P223 # وبيت كشاجم (1) أسلم من هذا، وأبعد من الخلل، وهو قوله: بحياة حسنك ~~أحسني، وبحق من * جعل الجمال عليك وقفا أجملي (2) وأما البيت الثاني فإن ~~قوله: " في حيث "، حشا بقوله في كلامه، ووقع ذلك مستنكرا وحشيا، نافرا عن ~~طبعه، جافيا في وضعه، فهو كرقعة من جلد في ديباج حسن! فهو يمحو حسنه، ويأتي ~~على جماله. # ثم في المعنى شئ، لأن لجاج العذل لا يدل على هوى مجهول، ولو كان مجهولا ~~لم يهتدوا للعذل عليه. # فعلم أن المقصد استجلاب العبارات دون المعاني. # / ثم لو سلم من هذا الخلل لم يكن في البيت معنى بديع، ولا شئ يفوت قول ~~الشعراء في العذل، فإن ذلك جملهم الذلول، وقولهم المكرر [المقول] (3) * * * ~~وأما قوله: # ماذا عليك من انتظار متيم * بل ما يضرك وقفة في منزل إن سيل عي عن الجواب ~~فلم يطق * رجعا، فكيف يكون إن لم يسأل؟ ! لست أنكر حسن البيتين وظرفهما، ~~ورشاقتهما ولطفهما، وماءهما وبهجتهما، إلا أن البيت الأول منقطع عن الكلام ~~المتقدم ضربا من الانقطاع، لأنه لم يجر لمشافهة العاذل ذكر، ms220 وإنما جرى ذكر ~~العذال على وجه لا يتصل هذا البيت به ولا يلائمه (4) . # ثم الذي ذكره من الإنتظار - وإن كان مليحا في اللفظ - فهو في PageV01P224 # المعنى متكلف، لأن الواقف في الدار لا ينظر أمرا، وإنما يقف تحسرا وتلددا ~~(1) وتحيرا. # / والشطر الأخير من البيت واقع، والأول مستجلب، وفيه تعليق على أمر لم ~~يجر له ذكر، لأن وضع البيت يقتضي تقدم عذل على الوقوف، ولم يحصل ذلك مذكورا ~~في شعره من قبل. # وأما البيت الثاني، فإنه معلق بالأول، لا يستقل إلا به، وهم يعيبون وقوف ~~البيت على غيره، ويرون أن البيت التام هو المحمود، والمصراع التام بنفسه - ~~بحيث # لا يقف على المصراع الآخر - أفضل وأتم وأحسن. # وقوله: " فكيف يكون إن لم يسأل "، مليح جدا، ولا تستمر (2) ملاحة ما قبله ~~عليه، ولا يطرد فيه الماء اطراده فيه. # وفيه شئ آخر، لانه لا يصح (3) أن يكون السؤال سببا لأن يعيا عن الجواب، ~~وظاهر القول يقتضيه. # * * * فأما قوله: لا تكلفن لي الدموع فإن لي * دمعا ينم عليه إن لم يفضل ~~(4) ولقد سكنت إلى الصدود من النوى * والشرى أرى عند أكل الحنظل (5) / ~~وكذاك طرفة حين أوجس ضربة * في الرأس هان عليه فصد الاكحل (6) PageV01P225 # فالبيت الأول مخالف لما عليه مذهبهم، في طلب الإسعاد (1) بالدموع، ~~والإسعاف بالبكاء، ومخالف لأول كلامه، لأنه يفيد مخاطبة العذل، وهذا يفيد ~~مخاطبة الرفيق. # وقد بينت لك أن القوم يسلكون حفظ الألفاظ وتصنيعها، دون ضبط المعاني ~~وترتيبها، ولذلك (2) قال الله عز وجل: (والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر ~~أنهم في كل واد يهيمون /. # وأنهم يقولون ما لا يفعلون) (3) فأخبر سبحانه أنهم يتبعون القول حيث توجه ~~بهم، واللفظ كيف أطاعهم، والمعاني كيف تتبع ألفاظهم. # وذلك خلاف ما وضع عليه الإبانة عن المقاصد بالخطاب، ولذلك كان طلب ~~الفصاحة فيه أسهل وأمكن، فصار بهذا أبلغ خطابهم. # ثم لو أن هذا البيت وما يتلوه من البيتين سلم من نحو هذا، لم يكن في ذلك ~~شئ يفوت شعر شاعر، أو كلام متكلم. # وأما قوله: " والشرى أرى "، فإنه وإن كان قد ms221 تصنع له من جهة الطباق، ومن ~~جهة التجنيس المقارب، فهي كلمة ثقيلة على اللسان، وهم يذمون نحو هذا، كما ~~عابوا على أبي تمام قوله: كريم متى أمدحه أمدحه والورى * معى، ومتى مالمته ~~لمته وحدي (4) ذكر لى الصاحب [إسماعيل] (5) بن عباد، أنه جارى أبا الفضل بن ~~العميد في محاسن [هذه] (5) القصيدة، حتى انتهى إلى هذا البيت، فذكر له في ~~أن قوله: " أمدحه أمدحه، معيب، لثقله من جهة تدارك حروف الحلق. PageV01P226 # ثم رأيت بعد ذلك المتقدمين قد تكلموا في هذه النكتة، فعلمت أن ذلك شئ عند ~~أهل الصنعة معروف. # / ثم أن قوله: " عند أكل الحنظل "، ليس بحسن ولا واقع. # وأما البيت الثالث، فهو أجنبي من كلامه، غريب في طباعه، نافر من جملة ~~شعره، وفيه كزازة وفجاجة، وإن كان المعنى صالحا. # * * * فأما قوله: وأغر في الزمن البهيم محجل * قد رحت منه على أغر محجل ~~(1) كالهيكل المبني إلا أنه * في الحسن جاء كصورة في هيكل فالبيت الأول لم ~~يتفق له فيه خروج حسن، بل هو مقطوع عما سلف من الكلام. # وعامة خروجه نحو هذا، وهو غير بارع في هذا الباب، وهذا مذموم معيب منه، ~~لأن (2) من كان صناعته الشعر، وهو يأكل به، وتغافل عما يدفع (3) إليه في كل ~~قصيدة، واستهان بأحكامه وتجويده، مع تتبعه لان (4) يكون عامة ما به يصدر ~~أشعاره من النسيب عشرة أبيات، وتتبعه للصنعة الكثيرة، وتركيب العبارات، ~~وتنقيح الألفاظ وتزويرها - كان ذلك أدخل في عيبه، وأدل على # تقصيره أو قصوره، وإنما (5) يقع له الخروج [الحسن في مواضع يسيرة /. # وأبو تمام أشد تتبعا لتحسين الخروج] (6) منه. # وأما قوله: " وأغر في الزمن البهيم محجل "، فإن ذكر التحجيل في الممدوح ~~قريب، وليس بالجيد، وقد يمكن أن يقال: إنه إذا قرن بالأغر حسن، وجرى مجراه، ~~وانخرط في سلكه، وأهوى إلى مضماره، ولم ينكر لمكانه من جواره. # فهذا عذر، والعدول عنه أحسن. PageV01P227 # وإنما أراد أن يرد العجز على الصدر، ويأتى بوجه [في] (1) التجنيس. # وفيه شئ، لأن ظاهر كلامه يوهم أنه قد صار ممتطيا (2) الأغر الأول ورائحا ms222 ~~عليه. # ولو سلم من ذلك لم يكن فيه ما يفوت حدود الشعراء، وأقاويل الناس. # فأما ذكر الهيكل في البيت الثاني، ورده عجز البيت عليه، وظنه أنه قد ظفر ~~بهذه اللفظة وعمل شيئا، حتى كررها، فهي كلمة فيها ثقل، ونحن نجدهم إذا ~~أرادوا أن يصفوا بنحو (3) هذا قالوا: " ما هو إلا صورة "، و " ما هو إلا ~~تمثال "، و " ما هو إلا دمية "، و " ما هو إلا ظبية "، ونحو ذلك من الكلمات ~~الخفيفة على القلب واللسان. # / وقد استدرك (4) هو أيضا على نفسه، فذكر أنه كصورة في هيكل، ولو اقتصر ~~على ذكر الصورة وحذف الهيكل، كان أولى وأجمل. # ولو أن هذه الكلمة كررها أصحاب العزائم على الشياطين، لراعوهم بها، ~~وأفزعوهم بذكرها! وذلك من كلامهم، وشبيه بصناعتهم (5) . # * * * وأما قوله: وافي الضلوع يشد عقد حزامه * يوم اللقاء على معم مخول ~~أخواله للرستمين بفارس * وجدوده للتبعين بموكل نبل المحزم مما يمدح به ~~الخيل، فهو لم يأت فيه ببديع. # وقوله: " يشد عقد حزامه "، داخل في التكلف والتعسف، لا يقبل من مثله وإن ~~قبلناه من غيره، لأنه يتتبع الألفاظ وينقدها نقدا شديدا، فهلا قال: " يشد ~~(6) حزامه "، أو يأتي بحشو آخر سوى العقد؟ فقد عقد هذا البيت بذكر العقد. # ثم قوله: " يوم اللقاء "، حشو آخر لا يحتاج إليه. PageV01P228 # وأما البيت الثاني فمعناه أصلح من ألفاظه، لأنها غير مجانسة لطباعه، ~~وفيها # غلظ ونفار. # / وأما قوله: يهوي كما تهوي العقاب وقد رأت * صيدا وينتصب انتصاب الأجدل ~~(1) متوجس برقيقتين كأنما * تريان من ورق عليه موصل (2) ما إن يعاف قذى، ~~ولو أوردته * يوما خلائق حمدويه الأحول (3) البيت الأول صالح، وقد قاله ~~الناس ولم يسبق إليه، ولم يقل ما لم يقولوه، بل هو منقول. # وفي سرعة عدو الفرس تشبيهات ليس هذا بأبدعها، وقد يقولون: " يفوت الطرف ~~"، و " يسبق الريح "، و " يجارى الوهم " و " يكد (4) النظر " ولولا أن ~~الإتيان على محاسن ما قالوه في ذلك يخرج الكلام عن غرض الكتاب، لنقلت (5) ~~لك جملة مما ذهبوا إليه في هذا المعنى. # فتتبع تعلم أنه لم يأت فيها ms223 بما يجل عن الوصف، أو يفوت منتهى الحد. # على أن الهوى يذكر عند الانقضاض خاصة، وليس للفرس هذه الصفة في الحقيقة، ~~إلا أن يشبه حده (6) في العدو بحالة انقضاض البازي والعقاب، وليست تلك ~~الحالة بأسرع أحوال طيرانها. # وأما البيت الثاني فقوله: إن الأذنين كأنهما من ورق موصل، وإنما أراد ~~PageV01P229 # بذلك حدتهما، وسرعة حركتهما، وإحساسهما بالصوت، كما يحس الورق بحفيف ~~الريح، وظاهر التشبيه غير واقع، وإذا ضمن ما ذكرنا من المعنى كان المعنى ~~حسنا، ولكن لا يدل عليه اللفظ، وإنما يجري مجرى المضمن. # وليس هذا البيت برائق اللفظ، ولا مشاكل فيه لطبعه، غير (1) قوله: " متوجس ~~برقيقتين "، فإن هذا القدر هو حسن (2) . # وأما البيت الثالث، فقد ذكرنا فيما مضى من الكتاب أنه من باب الاستطراد ~~(3) ونقلنا نظائر ذلك من قول أبي تمام وغيره، وقطعة أبي تمام في نهاية ~~الحسن في هذا المعنى. # / والذي وقع للبحتري في هذا البيت عندي (4) ليس بجيد في لفظ ولا معنى، ~~وهو بيت وحش جدا، قد صار قذى في عين هذه القصيدة، بل وخزا فيها ووبالا ~~عليها، قد كدر صفاءها، وأذهب بهاءها وماءها، وطمس بظلمته سناءها. # وما وجه مدح الفرس بأنه لا يعاف قذى من المياه إذا وردها؟ ! كأنه أراد أن ~~يسلك مسلك بشار في قوله: * ولا يشرب الماء إلا بدم (5) * وإذا كان لهذا ~~الباب مجانبا، وعن هذا السمت بعيدا، فهلا وصفها بعزة الشرب؟ كما وصفها ~~المتنبي في قوله: وصول إلى المستصعبات بخيلة * فلو كان قرن الشمس ماء لا ~~وردا (6) وهلا (7) سلك في مسلك القائل: # وإني للماء الذي شابه القذى * إذا كثرت وراده لعيوف؟ ! (8) PageV01P230 # ثم قوله: " ولو أوردته يوما "، حشو بارد! ! ثم قوله: " حمدويه الأحول "، ~~وحش جدا، فما أمقت هذا / البيت وأبغضه، وما أثقله وأسخفه! وإنما غطى على ~~عينه عيبه، وزين له إيراده طمعه في الاستطراد (1) ، وهلا طمع فيه على وجه ~~لا يغض من بهجة كلامه، ولا معنى (2) ألفاظه؟ ! فقد كان يمكن ذلك ولا يتعذر. # * * * وأما قوله: ذنب كما سحب الرداء يذب عن * عرف وعرف كالقناع المسبل ~~تتوهم ms224 الجوزاء في أرساغه * والبدر فوق جبينه المتهلل فالبيت الأول وحش ~~الابتداء، منقطع عما سبق من الكلام. # وقد ذكرنا أنه لا يهتدي لوصل الكلام، ونظام بعضه إلى بعضه، وإنما يتصنع ~~لغير هذا الوجه. # وكان يحتاج أن يقول: ذنب كالرداء، فقد حذف (3) [و] الوصل غير متسق ولا ~~مليح، وكان من سبيله أن لا يخفى عليه، ولا يذهب عن مثله. # ثم قوله: " كما سحب الرداء "، قبيح في تحقيق التشبيه، وليس بواقع ولا ~~مستقيم في العبارة، إلا على إضمار أنه ذنب يسحبه كما يسحب الرداء! / وقوله: ~~" يذب عن عرف "، ليس بحسن ولا صادق. # والمحمود ما ذكره امرؤ القيس، وهو قوله: * فويق الأرض ليس بأعزل (4) * ~~وأما قوله: " تتوهم الجوزاء في أرساغه "، فهو تشبيه مليح، ولكنه لم يسبق ~~إليه، ولا انفرد به. PageV01P231 # ولو نسخت لك ما قاله الشعراء في تشبيه الغرة بالهلال والبدر والنجم وغير ~~ذلك من الأمور، وتشبيه الحجول - لتعجبت من بدائع قد وقعوا عليها، وأمور ~~مليحة قد ذهبوا إليها، وليس ذلك موضع كلامنا، فتتبع ذلك في أشعارهم، تعلم ~~ما وصفت لك. # واعلم أنا تركنا بقية كلامه في وصف الفرس، لأنه ذكر عشرين بيتا في ذلك. # والذي ذكرناه في هذا المعنى يدل على ما بعده، ولا يعدو (1) ما تركناه أن ~~يكون [حسنا مقولا، ولا بديعا منقولا، أو يكون] (2) متوسطا إلى حد لا يفوت ~~طريقة الشعراء. # / ولو تتبعت أقاويل الشعراء في وصف الخيل، علمت أنه وإن جمع فأوعى، وحشر ~~فنادى، ففيهم من سبقه في ميدانه، ومنهم من ساواه في شأوه، ومنهم من داناه. # فالقبيل واحد، والنسيج متشاكل. # ولولا كراهة التطويل لنقلت جملة من أشعارهم في ذلك، لتقف على ما قلت. # فتجاوزنا إلى الكلام على ما قاله في المدح في هذه القصيدة. # * * * قال: لمحمد بن علي الشرف الذي * لا يلحظ الجوزاء إلا من عل وسحابة ~~لولا تتابع مزنها * فينا لراح المزن غير مبخل (3) والجود يعذله عليه حاتم * ~~سرفا ولا جود لمن لم يعذل البيت الأول منقطع عما قبله، على ما وصفنا به ~~شعره: من قطعه (4) PageV01P232 # / المعاني، وفصله ms225 بينها، وقلة تأتيه لتجويد الخروج والوصل، وذلك (1) ~~نقصان في الصناعة، وتخلف في البراعة، وهذا إذا وقع في مواضع قليلة عذر ~~فيها، وأما إذا كان بناء الغالب من كلامه على هذا، فلا عذر له. # وأما المعنى الذى ذكره، فليس بشئ مما سبق إليه، وهو شئ مشترك فيه، وقد ~~قالوا في نحوه: إن مجده سماء السماء، وقالوا في نحوه الكثير الذي يصعب نقل ~~جميعه، وكما قال المتنبي: وعزمة بعثتها همة زحل * من تحتها بمكان الترب من ~~زحل (2) وحدثني إسماعيل بن عباد: أنه رأى (3) أبا الفضل بن العميد قام ~~لرجل، ثم قال لمن حضره: أتدري من هذا؟ هذا (4) الذي قال في أبيه البحتري: * ~~لمحمد بن على الشرف الذي (5) * فذلك يدل على استعظامه للميت (6) ، بما مدح ~~به من البيت. # / والبيت الثاني في تشبيه جوده بالسحاب قريب، وهو حديث مكرر، ليس ينفك ~~مديح شاعر منه، وكان من سبيله أن يبدع فيه زيادة إبداع، كما قد يقع لهم لهم ~~في نحو هذا، ولكنه لم يتصنع له، وأرسله إرسالا. # وقد وقع في المصراع الثاني ضرب من الخلل، وذلك: أن المزن إنما يبخل إذا ~~منع نيله، وذلك (7) موجود في كل نيل ممنوح، وكلاهما محمود مع الإسعاف، فإن ~~أسعف أحدهما ومنع الآخر لم يمكن التشبيه، وإن كان إنما شبه غالب [حال] (8) ~~أحدهما بالآخر، وذكر قصور أحدهما عن صاحبه، حتى إنه قد يبخل في وقت ~~PageV01P233 # والآخر لا يبخل بحال - فهذا جيد، وليس في حمل الألفاظ على الإشارة إلى ~~هذا شئ. # والبيت الثالث، وإن كان معناه مكررا، فلفظه مضطرب بالتأخير والتقديم، ~~يشبه ألفاظ المبتدئين. # وأما قوله: فضل وإفضال وما أخذ المدى * بعد المدى كالفاضل المتفضل سار. # إذا ادلج العفاة إلى الندى * لا يصنع المعروف غير معجل فالبيت الأول ~~منقطع عما قبله، وليس فيه شئ غير التجنيس الذي ليس ببديع، لتكرره على كل ~~لسان. # / وقوله: " ما أخذ المدى [بعد المدى] (1) "، فإنه لفظ مليح، وهو كقول ~~القائل: * قد أركب الآلة بعد الآلة (2) * وروي (3) : " الحالة بعد الحالة ~~". # وكقول امرئ القيس: * سمو حباب الماء حالا ms226 على حال (4) * ولكنها طريقة ~~مذللة، فهو فيها تابع. # وأما البيت الثاني فقريب في اللفظ والمعنى. # وقوله: " لا يصنع المعروف " ليس بلفظ محمود. # وأما قوله: عال على نظر الحسود كأنما * جذبته أفراد النجوم بأحبل (5) أو ~~ما رأيت المجد ألقى رحله * في آل طلحة ثم لم يتحول PageV01P234 # فالبيت الأول منكر جدا في جر النجوم بالارسان (1) [من] (2) / موضعه إلى ~~العلو! والتكلف فيه واقع. # والبيت الثاني أجنبي عنه، بعيد منه، وافتتاحه ردئ، وما وجه الاستفهام ~~والتقرير والإستبانة والتوقيف؟ والبيتان أجنبيان من كلامه، غريبان في ~~قصيدته. # ولم يقع له في المدح في هذه القصيدة شئ جيد ألا ترى أنه قال بعد ذلك: ~~نفسي فداؤك يا محمد من فتى * يوفي على ظلم الخطوب فتنجلي (3) إني أريد أبا ~~سعيد، والعدى * بيني وبين سحابه المتهلل كأن هذا ليس (4) من طبعه ولا من ~~سبكه. # وقوله: مضر الجزيرة كلها وربيعة ال * * خابور توعدني وأزد الموصل # قد جدت بالطرف الجواد فثنه * لأخيك من أدد أبيك بمنصل البيت الأول حسن ~~المعنى، وإن كانت ألفاظه بذكر الأماكن لا يتأتى فيه التحسين. # وهذا المعنى قد يمكن إيراده بأحسن من هذا اللفظ وأبدع منه وأرق منه، ~~كقوله: / إذا غضبت عليك بنو تميم * رأيت الناس كلهم غضابا (5) والبيت ~~الثاني قد تعذر عليه وصله بما سبق من الكلام على وجه يلطف (6) ، وهو قبيح ~~اللفظ، حيث يقول فيه: " فثنه لأخيك من أدد أبيك "، ومن أخذه بهذا التعرض ~~(7) لهذا السجع، وذكر هذا النسب، حتى أفسد به شعره! PageV01P235 # وأما قوله بعد ذلك في وصف السيف، يقول: يتناول الروح البعيد منالها * ~~عفوا ويفتح في القضا المقفل بابانة في كل حتف مظلم * وهداية في كل نفس مجهل ~~(1) ماض وإن لم تمضه يد فارس * بطل ومصقول وإن لم يصقل (2) ليس لفظ البيت ~~الأول بمضاه لديباجة شعره، ولا له بهجة نظمه، لظهور # أثر التكلف عليه، وتبين ثقل فيه. # وأما القضاء المقفل " وفتحه، فكلام غير محمود ولا مرضي! واستعارة لو لم ~~يستعرها كان (3) أولى به! وهلا عيب عليه كما عيب على أبي تمام قوله: فضربت ms227 ~~الشتاء في أخدعيه * ضربة غادرته عودا ركوبا (4) وقالوا: يستحق بهذه ~~الإستعارة أن يصفع في أخدعيه! وقد اتبعه البحتري في استعارة الأخدع، ولوعا ~~باتباعه، فقال في الفتح بن خاقان: وإنى وإن أبلغتني شرف العلا * وأعتقت من ~~ذل المطامع أخدعي (5) إن شيطانه حيث زين له هذه الكلمة، [و] تابعه حين حسن ~~عنده (6) هذه اللفظة - لخبيث ما رد، وردئ معاند، أراد أن يطلق أعنة الذم ~~فيه، ويسرح جيوش العتب إليه! ولم يقنع بقفل القضاء، حتى جعل للحتف ظلمة ~~تجلى بالسيف، وجعل السيف هاديا في النفس المجهل الذي لا يهتدي إليه! وليس ~~في هذا مع تحسين (7) اللفظ وتنميقه شئ، لان PageV01P236 # السلاح وإن كان معيبا، فإنه يهتدي إلى النفس. # وكان يجب أن يبدع في هذا إبداع المتنبي في قوله: كأن الهام في الهيجا ~~عيون * وقد طبعت سيوفك في رقاد (1) وقد صغت الأسنة من هموم * فما يخطرن إلا ~~في فؤاد (2) / فالإهتداء على هذا الوجه في التشبيه بديع حسن. # وفى الببت الاول شئ آخر: وذلك أن قوله: " ويفتح في القضاء "، في هذا ~~الموضع حشو ردئ، يلحق بصاحبه اللكنة، ويلزمه الهجنة. # وأما البيت الثالث، فإنه أصلح (3) هذه الأبيات، وإن كان ذكر الفارس حشوا، ~~وتكلفا ولغوا، لأن هذا لا يتغير بالفارس والراجل. # على أنه ليس في بديع. # وأما قوله: يغشى الوغى والترس ليس بجنة * من حده والدرع ليس بمعقل (4) ~~مضغ إلى حكم الردى، فإذا مضى * لم يلتفت، وإذا قضى لم يعدل متوقد يبري بأول ~~ضربة * ما أدركت، ولو أنها في يذبل (5) البيتان الاولان من الجنس الذى يكثر ~~الكلامه وعليه، وهى طريقته / التى يجتبيها (6) ، وذلك من السبك الكتابي ~~والكلام المعتدل، إلا أنه لم يبدع فيهما (7) بشئ، وقد زيد عليه فيهما. ~~PageV01P237 # ومن قصد إلى أن يكمل عشرة أبيات في وصف السيف، فليس من حكمه أن يأتي ~~بأشياء منقولة، وأمور مذكورة، وسبيله أن يغرب ويبدع، كما أبدع المتنبي في ~~قوله: سله الركض بعد وهن بنجد * فتصدى للغيث أهل الحجاز (1) هذا في باب ~~صقاله وأضوائه وكثرة مائه، وكقوله: ريان لو قذف الذي أسقيته ms228 * لجرى من ~~المهجات بحر مزبد (2) وقوله: " مصغ إلى حكم الردي " - إن تأملته - مقلوب، ~~كان ينبغي أن يقول: يصغي الردى إلى حكمه، كما قال الآخر: * فالسيف يأمر ~~والأقدار تنتظر (3) * / وقوله: " وإذا قضى لم يعدل "، متكرر على ألسنتهم في ~~الشعر خاصة، في نفس هذا المعنى. # والبيت الثالث سليم، وهو كالاولين في خلوه من البديع. # فأما (4) قوله: فإذا أصاب فكل شئ مقتل * وإذا أصيب فما له من مقتل وكأنما ~~سود النمال وحمرها * دبت بأيد في قراه وأرجل # البيت الاول يقصد بمثله صنعة (5) اللفظ، وهو في المعنى متفاوت، لان ~~PageV01P238 # المضرب قد لا يكون مقتلا، وقد يطلق الشعراء ذلك، ويرون أن هذا أبدع من ~~قول المتنبي، وأنه بضده (1) : القاتل السيف في جسم القتيل به * وللسيوف كما ~~للناس آجال (2) وهذه طريقة لهم يتمدحون بها في قصف الرمح طعنا، وتقطيع ~~السيف ضربا. # وفي قوله: " وإذا أصيب فما له من مقتل " تعسف، لانه يريد بذلك أنه لا ~~ينكسر، فالتعبير بما عبر به عن المعنى الذي ذكرناه يتضمن التكلف وضربا من ~~المحال، وليس بالنادر، والذى عليه الجملة ما حكيناه من غيره. # ونحوه قال بعض أهل الزمان: يقصف في الفارس السمهري * وصدر الحسام فريقا ~~فريقا (3) # والبيت الثاني أيضا هو معنى (4) مكرر على السنة الشعراء. # وأما تصنيعه بسود (5) النمال وحمرها، فليس بشئ، ولعله أراد بالحمر الذر، ~~والتفصيل بارد! والإعراب به منكر! وهو - كما حكى عن بعضهم أنه قال: كان كذا ~~حين كانت الثريا بحذاء رأسي على سواء، أو منحرفا قدر شبر، أو نصف شبر، أو ~~إصبعا، أو ما يقارب ذلك! فقيل له: هذا من الورع الذي يبغضه الله، ويمقته ~~الناس! ! ورب زيادة كانت نقصانا. # وصفة النمل بالسواد والحمرة في هذا من ذلك الجنس، وعليه خرج بقية البيت ~~في قوله: * دبت بأيد في قراه وأرجل * وكان يكفي ذكر الأرجل عن ذكر الايدى. ~~PageV01P239 # / ووصف (1) الفرند بمدب النمل شئ لا يشذ عن أحد منهم (2) . # وأما قوله: وكأن شاهره إذا استضوى به الز * حفان يعصي بالسماك الأعزل (3) ~~حملت حمائله القديمة بقلة * من عهد عاد غضة ms229 لم تذبل البيت الأول منهما فيه ~~ضرب من التكلف، وهو منقول من أشعارهم وألفاظهم، # وإنما يقول: [وتراه في ظلم الوغى فتخاله * قمرا يشد على الرجال بكوكب] ~~(4) فجعل ذلك الكوكب السماك، واحتاج إلى أن يجعله أعزل، للقافية! ولو لم ~~يحتج إلى ذلك كان خيرا له، لان هذه الصفة (5) في هذا الموضع / تغض من ~~الموصوف (6) ، وموضع (7) التكلف الذي ادعيناه، الحشو الذي ذكره من قوله: " ~~إذا استضوى به الزحفان " وكان يكفي أن يقول: كأن صاحبه يعصي بالسماك، وهذا، ~~وإن كان قد تعمل فيه للفظ، فهو غلو (8) ، على ما بينا. # وأما البيت الثاني ففيه لغو من جهة قوله: [" حمائله القديمة "، ولا يوصف ~~السيف بأن] (9) حمائله قديمة، ولا فضيلة له في ذلك. PageV01P240 # ثم تشبيه السيف بالبقلة من تشبيهات العامة، والكلام الرذل النذل، لأن ~~العامة (1) قد يتفق منها تشبيه واقع حسن. # ثم انظر إلى هذا المقطع الذي هو بالعي أشبه منه بالفصاحة، وإلى اللكنة ~~أقرب منه إلى البراعة، وقد بينا أن مراعاة الفواتح والخواتم، والمطلع ~~والمقاطع، والفصل والوصل، بعد صحة الكلام، ووجود الفصاحة فيه - مما لا بد ~~منه، وإن الإخلال بذلك يخل بالنظم، ويذهب رونقه، ويحيل بهحته، ويأخذ ماءه ~~وبهاءه (2) . # * * * / وقد أطلت عليك فيما نقلت، وتكلفت ما سطرت، لأن هذا القبيل قبيل ~~موضوع متعمل مصنوع (3) . # وأصل الباب في الشعر على أن ينظر إلى جملة القصة، ثم يتعمل الألفاظ، ولا ~~ينظر بعد ذلك إلى مواقعها، ولا يتأمل مطارحها. # وقد يقصد تارة إلى تحقيق الأغراض، وتصوير المعاني التي في النفوس، ولكنه ~~يلحق بأصل بابه، ويميل بك إلى موضوعه، وبحسب الاهتمام بالصنعة يقع فيها (4) ~~التفاضل. # وإن أردت أن تعرف وصاف الفرس، فقد ذكرت لك أن الشعراء قد تصرفوا في ذلك ~~بما يقع إليك - إن كنت من أهل الصنعة - مما يطول علي نقله، وكذلك في السيف. # وذكر لي بعض أهل الأدب: أن أحسن قطعة في السيف قول أبى الهول الحميرى (5) ~~: PageV01P241 # / حاز صمصامة الزبيدي من بي * ن جميع الأنام موسى الأمين (1) سيف عمرو ~~وكان - فيما سمعنا - * خير ما أطبقت عليه الجفون ms230 (2) أخضر اللون بين برديه ~~حد * من ذعاف تميس فيه المنون (3) أوقدت فوقه الصواعق نارا * ثم شابت له ~~الذعاف القيون (4) فإذا ما شهرته بهر الشم * س ضياء فلم تكد تستبين (5) ~~يستطير الأبصار كالقبس المش * عل لا تستقيم فيه العيون (6) وكأن الفرند ~~والرونق الجا * ري في صفحتيه ماء معين (7) نعم مخراق ذى الحفيظة في الهي * ~~* جاء يعصي به، ونعم القرين (8) PageV01P242 # ما يبالي إذا انتحاه بضرب * أشمال سطت به أم يمين (1) * * * # وإنما يوازن شعر البحتري بشعر شاعر من طبقته، ومن أهل عصره، ومن هو في ~~مضماره أو في منزلته. # ومعرفة أجناس الكلام، والوقوف على أسراره، والوقوف على مقداره، شئ - وإن ~~كان عزيزا، وأمر - وإن كان بعيدا - فهو سهل على أهله، مستجيب لأصحابه، مطيع ~~لاربابه، ينقدون الحروف، ويعرفون الصروف. # وإنما تبقى الشبهة في ترتيب الحال بين البحتري، وأبي تمام، وابن الرومي، ~~وغيره. # ونحن وإن كنا نفضل البحتري بديباجة شعره، على ابن الرومي / وغيره من أهل ~~زمانه - نقدمه بحسن عبارته، وسلاسة كلامه (2) ، وعذوبة ألفاظه، وقلة تعقد ~~قوله. # والشعر قبيل ملتمس مستدرك، وأمر ممكن مطيع (3) . # ونظم القرآن عال عن أن يعلق به الوهم، أو يسمو إليه الفكر، أو يطمع فيه ~~طامع، أو يطلبه طالب: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من ~~حكيم حميد) (4) . # وكنت قد ذكرت لك قبل هذا: أنك إن كنت بصنعة علم اللسان متدربا، وفيه ~~متوجها متقدما، أمكنك الوقوف على ما ذكرنا، والنفوذ فيما وصفنا، وإلا فاجلس ~~في مجلس المقلدين، وارض بمواقف المتحيرين. # ونصحت لك حيث قلت: أنظر، هل تعرف عروق الذهب، ومحاسن الجوهر، وبدائع ~~الياقوت، ودقائق (5) السحر، من غير معرفة بأسباب هذه الأمور ومقدماتها؟ وهل ~~يقطع سمت البلاد من غير اهتداء فيها؟ PageV01P243 # ولكل شئ طريق يتوصل إليه به، وباب يؤخذ نحوه فيه، ووجه يؤتى منه. # / ومعرفة الكلام أشد من المعرفة بجميع ما وصفت (1) لك، وأغمض وأدق وألطف. # وتصوير ما في النفس، وتشكيل ما في القلب، حتى تعلمه وكأنك مشاهده، وإن ~~كان قد يقع بالإشارة، ويحصل بالدلالة والإمارة، كما يحصل ms231 بالنطق الصريح، ~~والقول الفصيح - فللإشارات أيضا مراتب، وللسان (2) منازل. # ورب وصف يصور لك الموصوف كما هو على جهته لا خلف فيه، ورب وصف ببر (3) ~~عليه (4) ويتعداه. # ورب وصف يقصر عنه. # ثم إذا صدق الوصف انقسم إلى صحة وإتقان، وحسن وإحسان، وإلى إجمال وشرح، ~~وإلى استيفاء وتقريب، وإلى غير ذلك من الوجوه. # ولكل مذهب وطريق، وله (5) باب وسبيل: فوصف الجملة الواقعة، كقوله تعالى: ~~(لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منم رعبا) (6) . # والتفسير كقوله: (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة / وحشرناهم فلم ~~نغادر منهم أحدا) (7) إلى آخر الآيات في هذا المعنى. # وكنحو قوله: (يا أيها الناس اتقوا ربكم، إن زلزلة الساعة شئ عظيم، يوم ~~ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى ~~وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد) (8) . # هذا مما يصور الشئ على جهته، ويمثل أهوال ذلك اليوم. # ومما يصور لك الكلام الواقع في الصفة، كقوله حكاية عن السحرة لما توعدهم ~~فرعون بما توعدهم به حين آمنوا: (قالوا لا ضير، إنا إلى ربنا PageV01P244 # منقلبون، إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين) (1) . # وقال في موضع آخر: (إنا إلى ربنا منقلبون، وما تنقم منا إلا أن آمنا ~~بآيات ربنا لما جاءتنا، ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين) (2) وهذا ينبئ ~~عن كلام الحزين لما ناله، الجازع لما مسه. # ومن باب التسخير والتكوين، قوله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون) (3) . # / وقوله: (فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) (4) . # وكقوله: (فأوحينا إلى موسى إن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق ~~كالطود العظيم) (5) . # وتقصي أقسام ذلك مما يطول، ولم أقصد استيفاء ذلك، وإنما ضربت لك المثل ~~بما ذكرت لتستدل، وأشرت إليك بما أشرت لتتأمل. # * * * وإنما اقتصرنا على ذكر قصيدة البحتري، لأن الكتاب يفضلونه على أهل ~~دهره، ويقدمونه على من في عصره، ومنهم من يدعي له الإعجاز غلوا، ويزعم أنه ~~يناغي النجم في قوله علوا، والملحدة تستظهر بشعره، وتتكثر بقوله (6) ، وترى ~~كلامه من ms232 شبهاتهم، وعباراته مضافة (7) إلى ما عندهم من ترهاتهم. # فبينا قد درجته وموضع رتبته، وحد كلامه. # وهيهات أن يكون المطموع فيه كالمأيوس منه (8) ، وأن يكون الليل كالنهار، ~~والباطل كالحق، وكلام رب العالمين ككلام البشر (9) . # * * * فإن قال قائل: فقد قدح الملحد في نظم القرآن، وادعى عليه الخلل في ~~PageV01P245 # البيان، وأضاف إليه الخطأ في المعنى واللفظ، [وزعم ما زعم] (1) ، وقال ما ~~قال فهل من فصل؟ قيل: الكلام على مطاعن الملحدة في القرآن مما قد سبقنا ~~إليه، وصنف أهل الأدب في بعضه، فكفوا، وأتى المتكلمون على ما وقع إليهم، ~~فشفوا، ولولا ذلك لاستقصينا القول فيه في كتابنا. # * وأما الغرض الذي صنفنا فيه في التفصيل والكشف عن إعجاز القرآن (2) ، ~~فلم نجده على التقريب الذي قصدنا، وقد رجونا أن يكون ذلك مغنيا ووافيا. # وإن سهل الله لنا ما نويناه: من إملاء " معاني القرآن " 2) ذكرنا في ذلك ~~ما يشتبه من الجنس الذي ذكروه، لأن أكثر ما يقع من الطعن عليه، فإنما يقع ~~على جهل القوم بالمعاني، أو بطريقة كلام العرب. # وليس ذلك من مقصود كتابنا هذا، وقد قال النبي صلى الله عليه / وسلم: " ~~فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه " (3) . # وقد قصدنا فيما أمليناه الاختصار، ومهدنا الطريق، فمن كمل طبعه للوقوع ~~(4) على فضل أجناس الكلام استدرك ما بينا. # ومن تعذر عليه الحكم بين شعر جريز والفرزدق والأخطل، والحكم بين فضل زهير ~~والنابغة، أو الفضل (5) بين البحتري وأصحابه، ولم يعرف سخف (6) مسيلمة في ~~نظمه، ولم يعلم أنه من الباب الذي يهزأ به ويسخر منه، كشعر أبى العنبس (7) ~~في جملة PageV01P246 # الشعر، وشعر على بن صلاءة (1) -: فكيف يمكنه النظر فيما وصفنا، والحكم ~~على ما بينا؟ ! * * * / فإن قال (2) قائل: فاذكر لنا من هؤلاء الشعراء ~~الذين سميتهم الأشعر والأبلغ. # قيل له، هذا أيضا خارج عن غرض هذا الكتاب، وقد تكلم فيه الأدباء. # ويحتاج أن يجرد (3) لنحو هذا كتاب (4) ، ويفرد له باب، وليس من قبيل ما ~~نحن فيه بسبيل. # وليس لقائل أن يقول: قد يسلم بعض الكلام من العوارض والعيوب، ms233 ويبلغ أمده ~~(5) في الفصاحة والنظم العجيب، ولا يبلغ عندكم حد المعجز، فلم قضيتم بما ~~قضيتم به في القرآن دون غيره من الكلام؟ وإنما لم يصح (6) . # هذا السؤال، وما نذكر فيه من أشعار في نهاية الحسن، # وخطب ورسائل في غاية الفضل - لأنا قد بينا أن هذه الاجناس قد وقع التنازع ~~(7) فيها، والمساماة عليها، والتنافس في طرقها، والتنافر في بابها. # وكان البون بين البعض والبعض في الطبقة الواحدة قريبا، والتفاوت خفيفا، ~~وذلك القدر من السبق إن ذهب عنه (8) / الواحد، لم ييأس منه الباقون، ولم ~~ينقطع الطمع في مثله. # وليس كذلك سمت القرآن، لانه قد عرف أن الوهم ينقطع دون مجاراته، والطمع ~~يرتفع عن مباراته ومساماته، وأن الكل في العجز عنه على حد واحد. # وكذلك قد يزعم زاعمون (9) : أن كلام الجاحظ من السمت الذي لا يؤخذ (10) ~~فيه، والباب الذي لا يذهب (11) عنه، وأنت تجد قوما يرون كلامه قريبا، ~~PageV01P247 # ومنهاجه معيبا، ونطاق قوله ضيقا، حتى يستعين بكلام غيره، ويفزع إلى ما ~~يوشح به كلامه، من بيت سائر، ومثل (1) نادر، وحكمة ممهدة منقولة، وقصة ~~عجيبة مأثورة. # وأما كلامه في أثناء ذلك فسطور قليلة، وألفاظ يسيرة، فإذا أحوج إلى تطويل ~~الكلام خاليا عن شئ يستعين به - فيخلط بقوله من قول غيره - كان كلاما (2) ~~ككلام غيره. # فإن أردت أن تحقق هذا، فانظر في كتبه في " نظم القرآن " وفى " الرد على ~~النصارى " وفي " خبر الواحد " وغير ذلك مما يجري / هذا المجرى، هل تجد في ~~ذلك كله ورقة [واحدة] (3) تشتمل على نظم بديع، أو كلام مليح؟ على أن متأخري ~~الكتاب قد نازعوه في طريقته، وجاذبوه على منهجه، فمنهم من ساواه حين ساماه، ~~ومنهم من أبر عليه إذ باراه. # هذا " أبو الفضل بن العميد " قد سلك مسلكه (4) ، وأخذ طريقه، فلم يقصر ~~عنه، ولعله قد بان تقدمه عليه (5) ، لأنه يأخذ في الرسالة الطويلة ~~فيستوفيها على حدود مذهبه، ويكملها على شروط صنعته، ولا يقتصر على أن يأتي ~~بالأسطر من نحو كلامه، كما ترى " الجاحظ " يفعله في كتبه، متى ذكر من كلامه ~~سطرا ms234 أتبعه من كلام الناس (6) أوراقا، وإذا ذكر منه صفحة بنى عليه من قول ~~غيره كتابا. # وهذا يدلك على أن الشئ إذا استحسن اتبع، وإذا استملح قصد له وتعمد (7) . # وهذا الشئ يرجع إلى الأخذ بالفضل، والتنافس في التقدم. # فلو كان في مقدور البشر معارضة القرآن لهذا الغرض وحده - لكثرت ~~المعارضات، ودامت المنافسات. # فكيف وهناك دواع لا انتهاء لها، وجوالب لاحد لكثرتها / لأنهم لو كانوا ~~عارضوه لتوصلوا إلى تكذيبه، ثم إلى قطع المحامين دونه عنه، أو تنفيرهم # عليه، وإدخال الشبهات (8) على قلوبهم، وكان القوم يكتفون بذلك عن بذل ~~PageV01P248 # النفوس، ونصب الأرواح، والأخطار بالأموال والذراري، في وجه عداوته ~~ويستغنون بكلام - هو طبعهم وعادتهم وصناعتهم - عن محاربته، وطول مناقشته ~~(1) ومجاذبته. # وهذا الذى عرضناه على [عقلك، وجلوناه على] (2) قلبك، يكفي إن هديت لرشدك، ~~ويشفي إن دللت على قصدك. # ونسأل الله حسن التوفيق، والعصمة والتسديد، إنه لا معرفة إلا بهدايته ولا ~~عصمة إلا بكفايته، وهو على ما يشاء قدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ~~PageV01P249 ### | فصل # فإن (1) قال قائل: قد يجوز أن يكون أهل عصر النبي صلى الله عليه وسلم # قد عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن، وإن كان من بعدهم من أهل الإعصار لم ~~يعجزوا. # قيل: هذا سؤال معروف، وقد أجيب عنه بوجوه، منها ما هو صواب، ومنها ما فيه ~~(2) خلل: لأن من كان يجيب عنه: بأنهم (3) لا يقدرون على معارضته في الأخبار ~~عن الغيوب إن قدروا على مثل نظمه - فقد سلم المسألة، لأنا ذكرنا أن نظمه ~~معجز لا يقدر عليه، فإذا أجاب بما قدمناه فقد وافق السائل على مراده. # والوجه أن يقال: فيه طرق: منها: أنا إذا علمنا أن أهل ذلك العصر كانوا ~~عاجزين عن الإتيان بمثله، فمن بعدهم أعجز، لأن فصاحة أولئك في وجوه ما ~~كانوا يتفننون (4) فيه من القول، مما لا يزيد عليه فصاحة من بعدهم، / وأحسن ~~(5) أحوالهم أن يقاربوهم أو يساووهم، فأما أن يتقدموهم أو يسبقوهم، فلا. # ومنها: أنا قد علمنا عجز سائر أهل الإعصار كعلمنا بعجز أهل العصر الأول، ~~والطريق في العلم بكل ms235 واحد من الأمرين طريق واحد، لأن التحدي في الكل على ~~جهة واحدة، والتنافس (6) في الطباع على حد [واحد] (7) ، والتكليف (8) على ~~منهاج لا يختلف. # ولذلك قال الله تبارك وتعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (9) . ~~PageV01P250 ### | فصل في التحدي # يجب أن تعلم أن من حكم المعجزات إذا ظهرت على الأنبياء أن: يدعوا فيها ~~أنها من دلالتهم وآياتهم، لأنه لا يصح بعثة النبي من غير أن يؤتى دلالة، ~~ويؤيد بآية، لأن النبي لا يتميز من الكاذب بصورته (1) ، ولا يقول نفسه، ولا ~~بشئ آخر، سوى البرهان الذي يظهر عليه، فيستدل به على صدقه. # فإن ذكر لهم أن هذه آيتي، وكانوا عاجزين عنها - صح له ما ادعاه. # ولو كانوا غير عاجزين عنها - لم يصح أن يكون برهانا له. # وليس يكون معجزا إلا بأن يتحداهم إلى أن يأتوا بمثله. # فإذا تحداهم وبان عجزهم - صار ذلك معجزا. # وإنما احتيج في باب القرآن إلى التحدي، لأن من الناس من لا يعرف كونه ~~معجزا، فإنما يعرف أو لا إعجازه بطريق (2) ، لأن الكلام المعجز لا يتميز من ~~غيره بحروفه (3) وصورته، وإنما يحتاج إلى علم وطريق يتوصل به إلى معرفة ~~كونه معجزا. # / فإن كان لا يعرف بعضهم إعجازه، فيجب أن يعرف هذا، حتى يمكنه أن يستدل ~~به. # ومتى رأى أهل ذلك اللسان قد عجزوا عنه بأجمعهم مع التحدي إليه، # والتقريع به، والتمكين (4) منه - صار حينئذ بمنزلة من رأى اليد البيضاء، ~~وانقلاب العصى ثعبانا تتلقف ما يأفكون. # وأما من كان من أهل صنعة العربية، والتقدم في البلاغة، ومعرفة فنون (5) ~~القول، ووجوه المنطق - فإنه يعرف - حين يسمعه - عجزه عن الاتيان بمثله، ~~PageV01P251 # ويعرف أيضا أهل عصره، ممن هو في طبقته أو يدانيه في صناعته، عجزهم عنه، ~~فلا يحتاج إلى التحدي حتى يعلم به كونه معجزا. # ولو كان أهل الصنعة الذين صفتهم ما بينا لا يعرفون كونه معجزا حتى يعرفوا ~~عجز غيرهم عنه - لم يجز أن يعرف النبي صلى الله عليه وسلم، ms236 أن القرآن معجز ~~حتى يرى عجز قريش عنه بعد التحدي إليه، وإذا عرف عجز قريش لم يعرف عجز سائر ~~العرب عنه حتى ينتهي إلى التحدي إلى أقصاهم، وحتى يعرف عجز مسيلمة الكذاب ~~عنه، ثم يعرف حينئذ كونه معجزا. # وهذا القول - إن قيل - أفحش ما يكون من الخطأ! ! / فيجب أن تكون منزلة ~~أهل الصنعة في معرفة إعجاز القرآن بأنفسهم منزلة من رأى اليد البيضاء وفلق ~~البحر، بأن ذلك معجز. # وأما من لم يكن من أهل الصنعة، فلا بد له من مرتبة قبل هذه المرتبة، يعرف ~~بها كونه معجزا، فيساوي حينئذ أهل الصنعة، فيكون استدلالهها في # تلك الحالة به على صدق من ظهر ذلك عليه على سواء (1) ، إذا ادعاه - دلالة ~~على نبوته وبرهانا على صدقه. # فأما من قدر أن القرآن لا يصير معجزا إلا بالتحدي إليه، فهو كتقدير من ظن ~~أن جميع آيات موسى وعيسى، عليهما السلام، ليست بآيات حتى التحدي إليها ~~والحض عليها، ثم يقع العجز عنها، فيعلم حينئذ أنها معجزات (2) . # وقد سلف من كلامنا في هذا المعنى ما يغني عن الاعادة. # ويبين ما ذكرناه في غير البليغ: أن الأعجمي الآن لا يعرف إعجاز القرآن ~~إلا بأمور زائدة على الأعجمي الذي كان في ذلك الزمان مشاهدا له، لأن من هو ~~من أهل العصر يحتاج أن يعرف أو لا أن العرب عجزوا عنه، وإنما يعلم عجزهم ~~عنه بنقل الناقلة إليه أن (3) النبي صلى الله عليه وسلم قد تحدى العرب إليه ~~فعجزوا عنه، ويحتاج في النقل إلى شروط، وليس يصير القرآن بهذا النقل ~~PageV01P252 # معجزا، كذلك لا يصير معجزا بأن / يعلم العربي الذي ليس ببليغ أنهم قد ~~عجزوا عنه بأجمعهم (1) ، بل هو معجز في نفسه، وإنما طريق معرفة هذا (2) ~~وقوفهم على العلم بعجزهم عنه. PageV01P253 ### | فصل في قدر المعجز من القرآن # الذي ذهب إليه عامة أصحابنا - وهو قول [الشيخ] (1) أبي الحسن الأشعري في ~~كتبه - أن أقل ما يعجز عنه من القرآن السورة، قصيرة كانت أو طويلة، أو ما ~~كان بقدرها. # قال: فإذا كانت الآية بقدر ms237 حروف سورة (2) ، وإن كانت سورة الكوثر، فذلك ~~معجز. # قال: ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر. # وذهبت (3) " المعتزلة " إلى أن كل سورة برأسها فهي معجزة. # وقد حكي عنهم نحو قولنا، إلا أن منهم من لم يشترط كون الآية بقدر السورة، ~~بل شرط الآيات الكثيرة. # وقد علمنا أنه تحداهم تحديا إلى السور كلها، ولم يخص، ولم يأتوا لشئ منها ~~بمثل، فعلم أن جميع ذلك معجز. # وأما قوله عز وجل: (فليأتوا بحديث مثله) (4) فليس بمخالف / لهذا، لأن ~~الحديث التام لا تتحصل حكايته في أقل من كلمات سورة قصيرة. # وهذا يؤكد ما ذهب إليه أصحابنا ويؤيده، وإن كان قد يتأول قوله: (فليأتوا ~~بحديث مثله) على أن يكون راجعا إلى القبيل دون التفصيل. # وكذلك يحمل قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل ~~هذا القرآن لا يأتون بمثله) (5) على القبيل، لأنه لم يجعل الحجة عليهم ~~عجزهم عن الإتيان بجميعه من أوله إلى آخره. # فإن قيل: هل تعرفون إعجاز السور القصار بما تعرفون إعجاز السور الطوال؟ ~~PageV01P254 # وهل تعرفون إعجاز كل قدر من القرآن بلغ الحد الذي قدرتموه بمثل ما تعرفون ~~به إعجاز سورة البقرة ونحوها؟ فالجواب: أن [شيخنا] (1) أبا الحسن الأشعري، ~~رحمه الله (2) ، أجاب عن ذلك: بأن كل سورة قد علم كونها معجزة بعجز العرب ~~عنها. # وسمعت بعض الكبراء من أهل هذا الشأن، يقول: إن ذلك يصح أن يكون علم ذلك ~~توقيفا. # والطريقة الأولى أسد. # وليس هذا الذي ذكرناه أخيرا بمناف له، لأنه / لا يمتنع أن يعلم إعجازه ~~بطرق مختلفة تتوافى عليه وتجتمع فيه. # واعلم أن تحت اختلاف هذه الأجوبة ضربا من الفائدة. # لأن الطريقة الأولى تبين أن ما علم به كون جميع القرآن معجزا - موجود في ~~كل سورة، صغرت أو كبرت، فيجب أن يكون الحكم في الكل واحدا. # والطريقة الأخيرة تتضمن تعذر معرفة إعجاز القرآن بالطريقة التى سلكناها ~~في كتابنا (3) من التفصيل الذي بينا، فيما تعرف به في الكلام الفصاحة، ~~وتتبين به (4) البلاغة، حتى يعلم ذلك ms238 بوجه (5) آخر، فيستوي في هذا القدر ~~البليغ وغيره في أن لا يعلمه معجزا حتى يستدل به من وجه آخر سوى ما يعلمه ~~البلغاء من التقدم في الصنعة، وهذا غير ممتنع. # ألا ترى أن الإعجاز في بعض السور والآيات أظهر، وفى بعضها أغمض [وأدق؟ ~~فلا يفتقر البليغ] (6) في النظر في حال بعضها إلى تأمل كثير، ولا بحث شديد، ~~حتى يتبين له الإعجاز. # ويفتقر في بعضها إلى نظر دقيق وبحث لطيف، حتى يقع على الجلية، # ويصل إلى المطلب. # / ولا (7) يمتنع أن يذهب عليه الوجه في بعض السور، فيحتاج أن يفزع فيه ~~إلى إجماع أو توقيف، أو ما علمه من عجز العرب قاطبة عنه. PageV01P255 # فإن ادعى ملحد، أو زعم زنديق، أنه لا يقع العجز عن الإتيان بمثل السور ~~القصار أو الآيات بهذا المقدار! قلنا له: إن الإعجاز قد حصل بما بيناه، ~~وعرف بما وقفنا عليه (1) من عجز العرب عنه. # ثم فيه شئ آخر، وهو: أن هذا سؤال لا يستقيم للملحد (2) ، لأنه يزعم أنه ~~ليس في القرآن كله إعجاز، فكيف يجوز أن نناظره على تفصيله (3) ؟ ! وإذا ثبت ~~لنا معه إعجازه في السور الطوال، قامت الحجة عليه، وثبتت المعجزة، ولا معنى ~~لطلبه لكثرة الأدلة والمعجزات. # ونحن نعلم أن (4) إعجاز البعض بما بيناه، والبعض الآخر بأنه (5) إذا ثبت ~~الأصل لم يبق بعد ذلك إلا قولنا، لأنا عرفنا في البعض (6) الإعجاز بما ~~بينا، ثم عرفنا في الباقي بالتوقيف، ونحو ذلك. # وليس بممتنع اختلاف حال الكلام، حتى يكون الإعجاز على بعضه أظهر، وفي ~~بعضه أغمض، ومن آمن ببعض دون بعض كان مذموما، على ما قال الله تعالى: ~~(أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) (7) وقال: (وننزل من القرآن ما هشفاء ~~ورحمة للمؤمنين) (8) فظاهره عند بعض أهل التأويل كالدليل على أن الشفاء (9 ~~ببعضه أوقع، وإن كنا نقول: أنه يدل على أن الشفاء 9) في جميعه. # واعلم أن الكلام يقع فيه الأبلغ والبليغ، ولذلك كانوا يسمون الكلمة: " ~~يتيمة "، ويسمون البيت الواحد: " يتيما " (10) . # سمعت إسماعيل بن عباد (11) يقول: سمعت أبا بكر بن مقسم ms239 (12) يقول: ~~PageV01P256 # سمعت ثعلبا يقول: [سمعت سلمة (1) يقول] (2) : سمعت الفراء / يقول: العرب ~~تسمي البيت الواحد يتيما، وكذلك يقال (3) : " الدرة اليتيمة "، لانفرادها، ~~فإذا بلغ البيتين والثلاثة فهي " نتفة "، وإلى العشرة تسمى " قطعة "، وإذا ~~بلغ العشرين استحق أن يسمى " قصيدا "، وذلك مأخوذ من المخ القصيد، وهو ~~المتراكم بعضه على بعض، وهو ضد الرار (4) ، ومثله الرثيد (5) . # انتهت الحكاية، ثم استشهد بقول لبيد (6) : فتذكرا ثقلا رثيدا بعد ما * ~~ألقت ذكاء يمينها في كافر (7) / يريد بيض النعام، لانه ينضد بعضه على بعض. # وكذلك يقع في الكلام البيت الوحشي والنادر، والمثل السائر، والمعنى ~~الغريب، والشئ الذي لو اجتهد له لم يقع عليه، فيتفق له ويصادفه. # قال لي بعض علماء هذه الصنعة - وجاريته في ذلك - إن هذا مما PageV01P257 # لا سبب له يخصه، وإنما سببه الغزارة (1) في أصل الصنعة، والتقدم في عيون ~~(2) المعرفة، فإذا وجد ذلك وقع له من الباب ما يطرد عن حساب، وما يشذ عن ~~تفصيل الحساب. # فأما ما قلنا: من أن ما بلغ قدر السورة معجز، فإن ذلك صحيح. PageV01P258 ### | فصل في أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة؟ # ذهب [الشيخ] (1) أبو الحسن الأشعري إلى أن ظهور ذلك عن (2) النبي صلى ~~الله عليه وسلم، يعلم ضرورة، وكونه معجزا يعلم باستدلال (3) . # وهذا المذهب محكى عن المخالفين. # والذي نقوله في هذا: أن الأعجمي لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا، ~~وكذلك من لم يكن بليغا. # فأما البليغ الذي قد أحاط بمذاهب العربية وغرائب الصنعة - فإنه يعلم من ~~نفسه ضرورة عجزه عن الاتيان بمثله، ويعلم عجز غيره بمثل ما يعرف عجز نفسه، ~~كما أنه إذا علم الواحد منا أنه لا يقدر على ذلك، فهو (4) يعلم عجز غيره ~~استدلالا. PageV01P259 ### | فصل فيما يتعلق به الاعجاز # إن قال قائل: بينوا لنا ما الذي وقع التحدي إليه؟ أهو الحروف المنظومة؟ ~~أو الكلام القائم بالذات؟ أو غير ذلك؟ قيل: الذي تحداهم به: أن يأتوا بمثل ~~الحروف التي هي نظم القرآن، منظومة كنظمها، متتابعة كتتابعها، مطردة ~~كاطرادها، ولم يتحدهم إلى أن يأتوا بمثل الكلام القديم الذي لا ms240 مثل له. # وإن كان كذلك فالتحدي واقع إلى أن يأتوا بمثل الحروف المنظومة، التي هي ~~عبارة عن كلام الله تعالى في نظمها وتأليفها، وهي حكاية لكلامه، ودلالات ~~عليه، وأمارات (1) له، على أن يكونوا مستأنفين لذلك، لا حاكين بما أتى به ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # ولا يجب أن يقدر مقدر أو يظن ظان أنا حين قلنا: إن القرآن معجز، وأنه (2) ~~تحداهم إلى أن يأتوا بمثله - أردنا غير ما فسرناه، من العبارات عن الكلام ~~القديم القائم بالذات. # وقد بينا قبل هذا أنه لم يكن ذلك معجزا، لكونه عبارة عن / الكلام (3) ~~القديم، لأن التوراة والإنجيل عبارة عن الكلام (4) القديم، وليس ذلك بمعجز ~~في النظم والتأليف. # وكذلك ما دون الآية - كاللفظة - عبارة عن كلامه، وليست بمنفردها بمعجزة. # وقد جوز بعض أصحابنا: أن يتحداهم إلى مثل كلامه القديم القائم بنفسه! ~~والذي عول عليه مشايخنا ما قدمنا ذكره، وعلى ذلك أكثر مذاهب الناس. ~~PageV01P260 # ولم نحب أن نفسر ونذكر موجب هذا المذهب الذي حكيناه وما يتصل به، لأنه ~~خارج عن غرض كتابنا، لان الاعجاز واقع (1) في نظم الحروف التي هي دلالات ~~وعبارات عن كلامه. # وإلى مثل هذا النظم وقع التحدي، فبينا وجه ذلك، وكيفية ما نتصور (2) ~~القول فيه، وأزلنا توهم من يتوهم (3) أن القديم حروف منظومة، أو حروف غير ~~منظومة، أو شئ مؤلف (4) ، أو غير ذلك، مما يصح أن يتوهم على ما سبق من ~~إطلاق القول فيما مضى. PageV01P261 ### | فصل في وصف وجوه من البلاغة # ذكر بعض أهل الأدب والكلام (1) : أن البلاغة على عشرة أقسام (2) : ~~الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، ~~والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان (3) . # فأما " الإيجاز " فإنما يحسن مع ترك الإخلال باللفظ والمعنى، فيأتي ~~باللفظ القليل الشامل لأمور كثيرة. # وذلك ينقسم إلى حذف، وقصر: / فالحذف: الإسقاط للتخفيف، كقوله: واسأل ~~القرية) (4) . # وقوله: (طاعة وقول معروف) (5) . # وحذف الجواب كقوله: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو ~~كلم به الموتى) (6) . # كأنه قيل: لكان هذا القرآن. # والحذف أبلغ من الذكر، لأن النفس تذهب كل مذهب ms241 في القصد من الجواب (7) . ~~PageV01P262 # والايجاز بالقصر (1) كقوله: (ولكم في القصاص حياة) (2) . # وقوله: (يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدو) (3) . # وقوله: (إنما بغيكم على أنفسكم) (4) . # وقوله: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) . # (5) / والاطناب (6) فيه بلاغة، فأما التطويل ففيه على (7) . # * * * وأما التشبيه، فهو العقد (8) على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في ~~PageV01P263 # حسن أو عقل، كقوله: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، ~~حتى إذا جاءه لم يجده شيئا) (1) . # وقوله: (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم ~~عاصف) (2) . # وقوله: (وإذ نتفنا الجبل فوقهم كأنه ظلة) (3) . # / وقوله: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به بنات ~~الارض مما يأكل الناس والانعام، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا، فجعلناها حصيدا، كأن ~~لم تغن بالأمس) (4) وقوله: (إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر. # تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر) (5) . PageV01P264 # وقوله: (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) (1) . # وقوله: (أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد، كمثل غيث أعجب الكفار / نباته، ثم يهيج فتراه مصفرا، ثم ~~يكون حطاما) (2) . # وقوله: (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض) (3) . # وقوله: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) ~~(4) . # وقوله تعالى: (فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث) (5) . # وقوله: (كأنهم أعجاز نخل خاوية) (6) . # وقوله: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت / اتخذت ~~PageV01P265 # بيتا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) (1) . # وقوله: (وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام) (2) . # وقوله: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار) (3) . # ونحو ذلك. # * * * ومن ذلك: " باب الاستعارة " وذلك يباين (4) " التشبيه ". # كقوله تعالى: (وقد منا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) (5) . # / وكقوله: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) (6) . # وكقوله: (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية) (7) . # وقوله: (ولما سكت عن موسى الغضب) (8) . PageV01P266 # وكقوله: (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) (1) . # وقوله: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) (2) . # فالدمغ والقذف مستعار. # / وقوله: ms242 (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) (3) . # وقوله: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) (4) . # وقوله: (فذو دعاء عريض) (5) . # وقوله: (حتى تضع الحرب أوزارها) (6) . # وقوله: (والصبح إذا تنفس) (7) . # وقوله: (مستهم البأساء والضراء وزلزلوا (8) . PageV01P267 # / وقوله: (فنبذوه وراء ظهورهم) (1) . # وقوله: (أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا) (2) . # وقوله: (حصيدا خامدين) (3) . # وقوله: (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون) (4) . # وقوله: (وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) (5) . # وقوله: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) (6) . # / وقوله: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر) (7) . # وقوله: (فضربنا على آذانهم) يريد: أن لا إحساس بآذانهم من غير صمم (8) . ~~PageV01P268 # وقوله: (ولما سقط في أيديهم) (1) . # وهذا أوقع من اللفظ الظاهر، وأبلغ من الكلام الموضوع [له] (2) . # * * * / وأما " التللاؤم "، فهو: تعديل الحروف في التأليف. # وهو نقيض " التنافر " [الذى هو] (3) كقول الشاعر: وقبر حرب بمكان قفر * ~~وليس قرب قبر حرب قبر (4) قالوا: هو من شعر الجن! وحروفه متنافرة، لا يمكن ~~إنشاده إلا بتتعتع فيه! (5) . # " والتلاؤم " على ضربين: أحدهما في الطبقة الوسطى، كقوله (6) : رمتني ~~وستر الله بيني وبينها * عشية آرام الكناس رميم (7) رميم التي قالت لجارات ~~بيتها: * ضمنت لكم أن لا يزال يهيم (8) / ألا رب يوم لو رمتني رميتها * ~~ولكن عهدي بالنضال قديم (9) PageV01P269 # قالوا (1) : والمتلائم في الطبقة العليا: القرآن كله، وإن كان بعض الناس ~~أحسن إحساسا له من بعض، كما أن بعضهم يفطن للموزون بخلاف بعض. # و" التلاؤم " (2) : حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، ووقع المعنى ~~في القلب. # وذلك كالخط الحسن والبيان الشافي، والمتنافر / كالخط القبيح، فإذا انضاف ~~إلى التلاؤم حسن البيان وصحة البرهان في أعلى الطبقات - ظهر الإعجاز لمن ~~كان جيد الطبع، وبصيرا بجواهر (3) الكلام، كما يظهر له أعلى طبقة الشعر (4) ~~. # و" المتنافر "، ذهب الخليل إلى أنه من بعد شديد، أو قرب شديد، فإذا بعد ~~فهو كالطفر (5) . # وإذا قرب جدا بمنزلة مشى المقيد. # ويبين بقرب # مخارج الحروف وتباعدها. # * * * وأما " الفواصل ": فهي حروف متشاكلة في المقاطع، يقع بها إفهام ~~المعاني وفيها بلاغة. # والإسجاع عيب، لان السجع يتبعه (6) المعنى، والفواصل تابعة) PageV01P270 # للمعاني (1) . # والسجع كقول " مسيلمة ms243 ". # / ثم الفواصل قد تقع على حروف متجانسة، كما قد تقع على حروف متقاربة، ولا ~~تحتمل القوافي ما تحتمل الفواصل، لأنها ليست في الطبقة العليا في البلاغة، ~~لأن الكلام يحسن فيها بمجانسة القوافى وإقامة الوزن (2) . # وأما " التجانس "، فهو: بيان أنواع الكلام الذي يجمعه أصل واحد. # وهو على وجهين: مزاوجة، ومناسبة. # المزاوجة كقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم (3)) . # وقوله: (ومكروا ومكر الله) (4) . # وكقول عمرو بن كلثوم (5) : ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل ~~الجاهلينا (6) PageV01P271 # * * * وأما " المناسبة "، فهي كقوله تعالى: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم) ~~(1) وقوله: (يخافون يوم تتقلب فيه القلوب والابصار) (2) . # * * * / وأما " التصريف " (3) فهو: تصريف الكلام في المعاني، كتصريفه في ~~الدلالات المختلفة (4) ، كتصريف " الملك " في معاني الصفات، فصرف في معنى " ~~مالك " و " ملك " و " ذى الملكوت " و " المليك "، وفى معنى " التمليك " # والتملك و " الاملاك "، وتصريف المعنى في الدلالات المختلفة، كما كرر من ~~قصة موسى في مواضع (5) . # * * * وأما " التضمين " فهو: حصول معنى فيه من غير ذكره له باسم أو صفة ~~هي عبارة عنه (6) . PageV01P272 # / وذلك على وجهين: تضمين توجبه البنية، كقولنا: " معلوم "، يوجب أنه لا ~~بد من عالم. # وتضمين يوجبه معنى العبارة من حيث لا يصح إلا به، كالصفة بضارب، على ~~مضروب (1) . # والتضمين كله إيجاز، [وذكر: أن] التضمين الذي تدل عليه دلالات القياس ~~أيضا إيجاز (2) . # وذكر: أن (بسم الله الرحمن الرحيم) من باب التضمين، لأنه / تضمن تعليم ~~الاستفتاح في الأمور باسمه على جهة التعظيم لله تبارك وتعالى، أو التبرك ~~باسمه (3) . # * * * وأما المبالغة "، فهي: الدلالة على كثرة المعنى. # وذلك على وجوه: منها مبالغة في الصفة المبينة لذلك، كقولك: " رحمان " عدل ~~عن راحم " (4) . PageV01P273 # للمبالغة، وكقوله " غفار " وكذلك فعال (1) وفعول، كقوله: " شكور " وغفور ~~"، وفعيل، كقوله: " رحيم " و " قدير ". # ومن ذلك أن يبالغ باللفظة التي هي صفة عامة (2) ، كقوله: (خالق كل شئ) ~~(3) وكقوله: (فأتى الله بنيانهم من القواعد) (4) . # / وكقوله: (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) (5) . # وكقوله: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) (6) . # وقد يدخل فيه الحذف ms244 الذى تقدم ذكره للمبالغة (7) . # * * * وأما " حسن البيان " فالبيان على أربعة أقسام (8) : كلام، وحال، ~~وإشارة، # وعلامة. # / ويقع التفاضل في البيان، ولذلك قال عز من قائل: (الرحمن، علم ~~PageV01P274 # القرآن، خلق الانسان علمه البيان) (1) . # [ونقيضه العى، ومنه] (2) قيل: أعيامن باقل، سئل عن ظبية في يده: بكم ~~اشتراها؟ فأراد أن يقول: بأحد عشر، فأشار بيديه مادا أصابعه العشر، ثم أدلع ~~لسانه، فأفلتت الظبية من يده! ! * * * ثم البيان على مراتب (3) . # قلنا (4) : قد كنا حكينا أن من الناس من يريد أن يأخذ إعجاز القرآن من ~~وجوه البلاغة التي ذكرنا أنها تسمى " البديع " في أول الكتاب، مما مضت ~~أمثلته في الشعر. # ومن الناس من زعم: أنه يأخذ ذلك من هذه الوجوه التي عددناها في هذا ~~الفصل. # / واعلم أن الذي بيناه قبل هذا وذهبنا إليه هو سديد (5) ، وهو أن هذه ~~الأمور تنقسم: فمنها ما يمكن الوقوع عليه، والتعمل له، ويدرك بالتعلم، فما ~~كان كذلك فلا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن به وأما ما لا سبيل إليه بالتعلم ~~والتعمل من البلاغات، فلذلك هو الذي يدل على إعجازه، ونحن نضرب لك أمثلة، ~~لتقف على ما ذهبنا إليه. # وذكرنا في هذا الفصل عن هذا " القائل " أن التشبيه تعرف به البلاغة. # وذلك مسلم، ولكن (6) إن قلنا: ما وقع من التشبيه في القرآن معجز - عرض ~~(7) علينا PageV01P275 # من التشبيهات الجارية في الأشعار ما لا يخفى عليك، وأنت تجد في شعر ابن ~~المعتز من التشبيه البديع الذي يشبه السحر، وقد تتبع في هذا ما لم يتتبع ~~غيره، واتفق له ما لم يتفق لغيره من الشعراء. # وكذلك كثير من وجوه البلاغة، قد بينا أن تعلمها يمكن، وليس تقع البلاغة ~~بوجه واحد منها دون غيره. # فإن كان إنما يعني هذا " القائل " أنه إذا أتى في كل معنى يتفق في كلامه ~~بالطبقة العالية، ثم كان ما يصل به كلامه بعضه ببعض، وينتهي / منه إلى ~~متصرفاته -: على أتم البلاغة وأبدع البراعة - فهذا مما لا نأباه، بل نقول ~~به. # وإنما ننكر أن يقول قائل: إن بعض هذه الوجوه بانفرادها قد ms245 حصل فيه ~~الإعجاز من غير أن يقارنه ما يصل به [من] (1) الكلام ويفضي إليه، مثل ما ~~يقول (2) : إن ما أقسم به وحده بنفسه معجز، وإن التشبيه معجز، وإن التجنيس ~~معجز، والمطابقة بنفسها معجزة. # فأما الآية التي فيها ذكر التشبيه، فإن ادعى إعجازها لألفاظها ونظمها ~~وتأليفها - فأني لا أدفع ذلك وأصححه، ولكن لا أدعي إعجازها لموضع التشبيه. # وصاحب " المقالة " التي حكيناها، أضاف ذلك إلى موضع التشبيه وما قرن به ~~من الوجوه، ومن تلك الوجوه ما قد بينا أن الإعجاز يتعلق به كالبيان، وذلك ~~لا يختص بجنس من المبين (3) دون جنس، ولذلك قال: (هذا بيان للناس) (4) ~~وقال: (تبيانا لكل شئ) (5) وقال: (بلسان عربي مبين) (6) فكرر في مواضع [جل] ~~(7) ذكره: أنه مبين. # / فالقرآن أعلى منازل البيان، وأعلى مراتبه ما جمع وجوه الحسن وأسبابه، ~~وطرقه وأبوابه: من تعديل النظم وسلامته (8) ، وحسنه وبهجته، وحسن موقعه في ~~السمع، وسهولته على اللسان، ووقوعه في النفس موقع القبول، وتصوره تصور ~~المشاهد، PageV01P276 # وتشكله على جهته حتى يحل محل البرهان ودلالة التأليف، مما لا ينحصر حسنا ~~وبهجة وسناء ورفعة. # وإذا علا الكلام في نفسه، كان له من الوقع في القلوب والتمكن في النفوس، ~~ما يذهل ويبهج، ويقلق ويؤنس، ويطمع ويؤيس، ويضحك ويبكي، ويحزن ويفرح، ويسكن ~~ويزعج، ويشجي ويطرب (1. # ويهز الأعطاف، ويستميل نحوه الأسماع 1) . # ويورث الأريحية والعزة، وقد يبعث على بذل المهج والأموال شجاعة وجودا، ~~ويرمي السامع من وراء رأيه مرمى (2) بعيدا. # وله مسالك في النفوس لطيفة، ومداخل إلى القلوب دقيقة. # وبحسب ما يترتب في نظمه، ويتنزل في موقعه، ويجري على سمت مطلعه ومقطعه - ~~يكون عجيب تأثيراته، وبديع مقتضياته. # وكذلك على حسب مصادره، يتصور وجوه موارده، / وقد (3) ينبئ الكلام عن محل ~~صاحبه، ويدل على مكان متلكمه، وينبه على عظيم شأن أهله، وعلى علو محله. # ألا ترى أن الشعر في الغزل إذا صدر عن محب، كان أرق وأحسن، وإذا صدر عن ~~متعمل (4) ، وحصل من متصنع - نادى على نفسه بالمداجاة، وأخبر عن خبيئه في ~~المراءاة (5) ؟ ! وكذلك قد يصدر الشعر في وصف الحرب عن ms246 الشجاع، فيعلم وجه ~~صدوره، ويدل على كنهه وحقيقته. # وقد يصدر عن المتشبه، ويخرج عن المتصنع، فيعرف من حاله ما ظن أنه يخفيه، ~~ويظهر من أمره خلاف ما يبديه. # وأنت تعرف (6) لقول المتنبي: فالخيل والليل والبيداء تعرفني * والحرب ~~والضرب والقرطاس والقلم (7) PageV01P277 # من الوقع (1) في القلب - لما (2) تعلم أنه من أهل الشجاعة - ما لا تجده ~~للبحتري في قوله: / وأنا الشجاع وقد بدا لك موقفي * بعقرقس والمشرفية شهدى ~~(3) وتجد لابن المعتز في موقع شعره من القلب، في الفخر وغيره، ما لا تجده ~~لغيره، لانه إذا قال: إذا شئت أو قرت البلاد حوافرا * وسارت ورائي هاشم ~~ونزار وعم السماء النقع حتى كأنه * دخان وأطراف الرماح شرار (4) وقال: قد ~~ترديت بالمكارم دهرا * وكفتني نفسي من الإفتخار (5) أنا جيش إذا غزوت وحيدا ~~* ووحيد في الجحفل الجرار وقال: أيها السائلي عن الحسب الأط * يب ما فوقه ~~لخلق مزيد (6) نحن آل الرسول والعترة الحق * ق وأهل القربى، فماذا تريد؟ ~~(7) ولنا ما أضاء صبح عليه * وأتته رايات ليل وسود (8) وكما أنشدنا الحسن ~~بن عبد الله، قال: أنشدنا محمد بن يحيى لابن المعتز قصيدته التي يقول فيها: # أنا ابن الذي سادهم في الحيا * ة وسادهم بي تحت الثرى (9) / ومالي في أحد ~~مرغب * بلى في يرغب كل الورى وأسهر للمجد والمكرمات * إذا اكتحلت أعين ~~بالكرى (10) PageV01P278 # فانظر في (1) القصيدة كلها، ثم في جميع شعره، تعلم أنه ملك الشعر، وأنه ~~يليق به من الفخر خاصة، ثم مما يتبعه مما يتعاطاه - ما لا يليق بغيره، بل ~~ينفر عن سواه. # ولم أحب أن أكثر عليك، فأطول الكتاب بما يخرج عن غرضه. # وكما ترى من (2) قول أبي فراس الحمداني في نفسك إذا قال: ولا أصبح الحي ~~الخلوف بغارة ولا الجيش ما لم تأته قبلى النذر (3) ويارب دار لم تخفني ~~منيعة * طلعت عليها بالردى أنا والفجر وساحبة الأذيال نحوي لقيتها * فلم ~~يلقها جافي اللقاء ولا وعر (4) # / وهبت لها ما حازه الجيش كله * وأبت ولم يكشف لأبياتها ستر (5) وما راح ~~يطغيني بأثوابه الغنى * ولا بات يثنيني عن الكرم ms247 الفقر وما حاجتي في المال ~~أبغي وفوره * إذا لم أفر وفرى فلا وفر الوفر (6) والشئ إذا صدر من أهله، ~~وبدا من أصله، وانتسب إلى ذويه - سلم في نفسه، وبانت فخامته وشوهد (7) أثر ~~الاستحقاق فيه. # وإذا صدر من متكلف، وبدا من متصنع - بان أثر الغربة (8) عليه، ~~PageV01P279 # وظهرت مخايل الاستيحاش فيه، وعرف شمائل التحير (1) منه. # إنا نعرف في شعر أبي نواس أثر الشطارة، وتمكن البطالة، وموقع كلامه في ~~وصف ما هو سبيله من أمر العيارة (2) ، ووصف / الخمر والخمار، كما نعرف موقع ~~كلام ذي الرمة في وصف المهامه والبوادى والجمال والانساع والازمة. # وعيب أبي نواس التصرف في وصف الطلول والرباع والوحش، # ففكر في قوله: دع الأطلال تسفيها الجنوب * وتبلي عهد جدتها الخطوب (3) ~~وخل لراكب الوجناء أرضا * تخب به النجيبة والنجيب (4) بلاد نبتها عشر وطلح ~~* وأكثر صيدها ضبع وذيب (5) ولا تأخذ عن الأعراب لهوا * ولا عيشا، فعيشهم ~~جديب دع الألبان يشربها رجال * رقيق العيش عندهم غريب (6) إذا راب الحليب ~~فبل عليه * ولا تحرج، فما في ذاك حوب (7) فأطيب منه صافية شمول * يطوف ~~بكأسها ساق أديب (8) كأن هديرها في الدن يحكي * قراة القس قابله الصليب ~~أعاذل أقصري عن طول لومي * فراجي توبتي عندي يخيب تعيبين الذنوب، وأي حر * ~~من الفتيان ليس له ذنوب؟ ! / وقوله: صفة الطلول بلاغة الفدم * فاجعل صفاتك ~~لابنة الكرم (9) PageV01P280 # وسمعت الصاحب إسماعيل بن عباد يقول: سمعت براكويه (1) الزنجاني يقول: ~~أنشد بعض الشعراء هلال بن يزيد قصيدة على وزن قصيدة الأعشى: ودع هريرة إن ~~الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل؟ وكان وصف فيها الطلل، قال ~~براكويه (2) : فقال لي هلال: فقلت بديها: إذا سمعت فتى يبكي على طلل * من ~~أهل زنجان، فاعلم أنه طلل * * * وإنما ذكرت لك هذه الأمور، لتعلم أن الشئ ~~في معدنه أعز، وإلى مظانه أحن (3) ، وإلى أصله أنزع، وبأسبابه أليق، وهو ~~(4) يدل على ما صدر منه، وينبه ما انتج عنه، ويكون قراره على موجب / صورته، ~~وأنواره على حسب محله، ولكل شئ حد ومذهب، ولكل كلام سبيل ومنهج. # وقد ذكر أبو ms248 بكر الصديق رضي الله عنه في كلام مسيلمة ما أخبرتك به، فقال: ~~إن هذا كلام لم يخرج من آل (5) . # فدل على أن الكلام الصادر عن عزة الربوبية ورفعة الالهية، يتميز عما لم ~~يكن كذلك. # * * * ثم رجع الكلام بنا إلى ما ابتدأنا به من عظيم شأن البيان (6) ، ولو ~~لم يكن فيه إلا ما من به الله على خلقه بقوله: (خلق الإنسان علمه البيان) ~~(7) . PageV01P281 # فأما بيان القرآن فهو أشرف بيان وأهداه، وأكمله وأعلاه، وأبلغه وأسناه. # / تأمل قوله تعالى: (أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين) (1) في ~~شدة التنبيه على تركهم الحق والإعراض عنه. # وموضع امتنانه بالذكر والتحذير (2) . # وقوله: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون) (3) وهذا ~~بليغ في التحسير. # وقوله: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) (4) وهذا يدل على كونهم مجبولين ~~على الشر، معودين لمخالفة النهي والأمر (5) . # وقوله: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) (6) هو في نهاية ~~المنع (7) من الخلة إلا على التقوى. # وقوله: (أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله) (8) . # وهذا نهاية في التحذير من التفريط. # وقوله: (أفمن يلقى في النار خيرا أم من يأتي آمنا يوم القيامة. # / اعملوا ما شئتم، إنه بما تعملون بصير) (9) هو النهاية في الوعيد ~~والتهديد (10) وقوله: (وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون: هل إلى مرد ~~من PageV01P282 # سبيل. # وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفى) (1) نهاية في ~~الوعيد. # وقوله: (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون) (2) ~~نهاية في الترغيب. # وقوله: (ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله، إذا لذهب # كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض) (3) ، وكذلك قوله: (لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا) (4) نهاية في الحجاج (5) . # وقوله: (وأسروا قولكم أو اجهروا به، إنه عليم بذات الصدور، ألا يعلم من ~~خلق، وهو اللطيف الخبير) (6) نهاية في الدلالة على علمه بالخفيات. # / ولا وجه للتطويل، فإن بيان الجميع في الرفعة وكبر المنزلة على سواء (7) ~~. # وقد ذكرنا من قبل: أن البيان يصح ms249 أن يتعلق به الإعجاز، وهو معجز من ~~القرآن. # * * * وما حكينا عن " صاحب الكلام: من " المبالغة " في اللفظ - فليس ذلك ~~بطريق الاعجاز، لان الوجوه التى ذكرها قد تتفق في كلام غيره، وليس ذلك ~~بمعجز، بل قد يصح أن يقع في المبالغة في المعنى والصفة، وجوه من اللفظ تثمر ~~(8) الاعجاز. # * * * و " تضمين المعاني " أيضا (9) قد يتعلق به الإعجاز إذا حصلت ~~للعبارة طريق البلاغة في أعلى (10) درجاتها. PageV01P283 # وأما " الفواصل " فقد بينا أنه يصح أن يتعلق بها الإعجاز، وكذلك قد بينا ~~في المقاطع والمطالع نحو هذا، وبينا في " تلاؤم " الكلام ما سبق: من صحة ~~تعلق الإعجاز به. # / والتصرف في " الإستعارة " البديعة يصح أن يتعلق به الإعجاز، كما يصح ~~مثل ذلك في حقائق الكلام، لأن البلاغة في كل واحد من البابين تجري مجرى ~~واحدا وتأخذ مأخذا مفردا. # * * * وأما " الإيجاز والبسط " فيصح أن يتعلق بهما الإعجاز (1) ، كما ~~يتعلق بالحقائق. # * * * و " الاستعارة " و " البيان " في كل واحد منهما ما لا (2) يضبط ~~وحده، ولا يقدر قدره، ولا يمكن التوصل إلى ساحل بحره بالتعلم، ولا يتطرق ~~إلى غوره بالتسبب، وكل ما يمكن تعلمه، ويتهيأ تلقنه، ويمكن تحصيله (3) ، ~~ويستدرك أخذه - فلا يجب أن يطلب وقوع الاعجاز به. # ولذلك قلنا: إن " السجع " ما ليس يلتمس فيه الإعجاز، لأن ذلك أمر محدود، ~~وسبيل مورود، ومتى تدرب الإنسان به واعتاده لم يستصعب عليه أن يجعل جميع ~~كلامه منه. # وكذلك " التجنيس " و " التطبيق " متى أخذ أخذهما (4) وطلب وجههما، # / استوفى ما شاء، ولم يتعذر عليه أن يملأ خطابه منه، كما أولع بذلك أبو ~~تمام والبحتري، وإن كان البحتري أشغف بالمطابق، وأقل طلبا للمجانس. # فإن قال قائل: هلا قلت: إن هذين البابين يقع فيهما مرتبة عالية، لا يوصل ~~إليها بالتعلم، ولا تملك بالتعمل، كما ذكرتم في البيان وغير ذلك؟ قلنا: لو ~~عمد إلى كتاب " الأجناس "، ونظر في كتاب " العين "، لم يتعذر عليه التجنيس ~~الكثير. # فأما " الإطباق " فهو أقرب منه، وليس كذلك البيان والوجوه التي رأينا ~~الإعجاز فيها، لأنها لا تستوفى بالتعلم. PageV01P284 # فإن قيل: فالبيان قد يتعلم؟ ms250 قيل: إن الذى يمكن أن يتوصل إليه بالتعلم ~~يتقارب (1) فيه الناس، وتتناهى فيه العادات، وهو كما يعلم من مقادير القوى ~~في حمل الثقيل، وأن الناس يتقاربون (2) في ذلك، فيرمون (3) فيه إلى حد، ~~فإذا تجاوزوه وقفوا بعده ولم يمكنهم التخطي، ولم يقدروا على التعدي، إلا أن ~~يحصل ما يخرق العادة، وينقض العرف، ولن يكون ذلك إلا للدلالة على النبوات، ~~على شروط في ذلك. # / والقدر الذي يفوت الحد في البيان، ويتجاوز الوهم (4) ، ويشذ عن الصنعة، ~~ويقذفه الطبع في النادر القليل، كالبيت البديع، والقطعة الشريفة التي # تتفق في ديوان شاعر (5) ، والفقرة تتفق في رسالة (6) كاتب، حتى يكون ~~الشاعر ابن بيت أو بيتين، أو قطعة أو قطعتين، والاديب شهير (7) كلمة أو ~~كلمتين - ذلك أمر قليل (8) . # ولو كان كلامه كله يطرد على ذلك المسلك، ويستمر على ذلك المنهج أمكن أن ~~يدعي فيه الإعجاز. # ولكنك إن كنت من أهل الصنعة: تعلم قلة الأبيات الشوارد، والكلمات الفرائد ~~(9) ، وأمهات القلائد. # فإن أردت أن تجد قصيدة كلها وحشية، وأردت أن تراها مثل بيت من أبياتها ~~مرضية - لم تجد ذلك في الدواوين، ولم تظفر بذلك إلى يوم الدين. # ونحن لم ننكر أن يستدرك البشر كلمة شريفة، ولفظة بديعة، وإنما أنكرنا أن ~~يقدروا على مثل نظم سورة أو (10) نحوها، وأحلنا أن / يتمكنوا من حد في ~~البلاغة، ومقدار في الخطابة. # وهذا كما قلناه: من (11) أن صورة الشعر قد تتفق في القرآن، وإن لم يكن له ~~حكم الشعر. PageV01P285 # * * * فأما قدر المعجز فقد بينا أنها السورة، طالت أو قصرت، وبعد ذلك ~~خلاف: من (1) الناس من قال: مقدار كل سورة أو أطول أية، فهو معجز. # وعندنا كل واحد من الأمرين معجز، والدلالة عليه ما تقدم (2) ، والبلاغة ~~لا تتبين بأقل من ذلك، فلذلك لم نحكم بإعجازه، وما صح أن تتبين فيه (3) ~~البلاغة، ومحصولها الإبانة في الإبلاغ عن ذات النفس على أحسن معنى وأجزل ~~لفظ، وبلوغ الغاية في المقصود بالكلام. # فإذا بلغ الكلام غايته في هذا المعنى، كان بالغا وبليغا. # فإذا (4) تجاوز حد البلاغة إلى حيث لا ms251 يقدر عليه أهل الصناعة، وانتهى إلى ~~أمد (5) يعجز عنه الكامل في البراعة - صح أن يكون له حكم المعجزات، وجاز أن ~~يقع موقع الدلالات. # / وقد ذكرنا أنه بجنسه (6) وأسلوبه مباين لسائر كلامهم، ثم بما يتضمن من ~~تجاوزه في البلاغة الحد الذى يقدر عليه البشر. # * * * فإن قيل: فإذا (7) كان يجوز عندكم أن يتفق في شعر الشاعر قطعة ~~عجيبة شاردة، تباين جميع ديوانه في البلاغة، ويقع في ديوانه بيت واحد يخالف ~~(8) مألوف طبعه، ولا يعرف سبب ذلك البيت، ولا تلك القطعة في التفصيل، ولو ~~أراد # أن يأتي بمثل ذلك أو يجعل (9) جميع كلامه من ذلك النمط، لم يجد إلى ذلك ~~سبيلا، وله سبب في الجملة وهو التقدم في الصنعة، لانه (10) يتفق من المتأخر ~~فيها - فهلا قلتم: إنه إذا بلغ في العلم بالصناعة مبالغه القصوى (11) ، ~~PageV01P286 # كان جميع كلامه من نمط ذلك البيت وسمت تلك القطعة؟ وهلا قلتم: إن القرآن ~~من هذا الباب؟ فالجواب: أنا لم نجد أحدا بلغ الحد الذي وصفتم في العادة. # وهذا الناس وأهل البلاغة أشعارهم عندنا محفوظة، وخطبهم منقولة، ورسائلهم ~~مأثورة، وبلاغاتهم مروية، وحكمهم مشهورة، وكذلك أهل / الكهانة والبلاغة، ~~مثل قس بن ساعدة، وسحبان وائل، ومثل (1) شق، وسطيح، وغيرهم - كلامهم معروف ~~عندنا، وموضوع بين أيدينا، لا يخفى علينا في الجملة بلاغة # بليغ، ولا خطابة خطيب، ولا براعة شاعر مفلق، ولا كتابة كاتب مدقق. # فلما لم نجد في شئ من ذلك ما يداني القرآن في البلاغة، أو يشاكله في ~~الإعجاز، مع ما وقع من التحدي إليه المدة الطويلة، وتقدم من التقريع في ~~المجازاة (2) الأمد المديد، وثبت له وحده خاصة قصب السبق، والاستيلاء على ~~الامد (3) ، وعجز الكل عنه، ووقفوا دونه حيارى، يعرفون عجزهم، وإن جهل قوم ~~سببه، ويعلمون نقصهم، وإن أغفل قوم وجهه - رأينا أنه ناقض للعادة، ورأينا ~~(4) أنه خارق للمعروف في الجبلة (5) . # وخرق العادة إنما يقع بالمعجزات على وجه إقامة البرهان على النبوات، وعلى ~~أن من ظهرت عليه، ووقعت موقع الهداية إليه، صادق فيما يدعيه من نبوته، ومحق ~~في قوله، ومصيب في ms252 هديه، قد شهدت (6) له الحجة البالغة، والكلمة التامة، ~~والبرهان النير، والدليل البين. PageV01P287 # / فصل في حقيقة المعجز (1) معنى قولنا: " إن القرآن معجز " على أصولنا: ~~أنه لا يقدر العباد عليه. # وقد ثبت أن المعجز الدال على صدق النبي، صلى الله عليه وسلم، لا يصح ~~دخوله # تحت قدرة (2) العباد، وإنما ينفرد الله تعالى بالقدرة عليه، ولا يجوز أن ~~يعجز العباد عما تستحيل قدرتهم عليه، كما يستحيل عجزهم عن فعل الأجسام، ~~فنحن لا نقدر على (3) ذلك وإن لم يصح وصفنا بأنا عاجزون عن ذلك حقيقة، ~~وكذلك معجزات سائر الانبياء على هذا. # فلما لم يقدر عليه أحد شبه بما يعجز عنه العاجز، وإنما لا يقدر العباد ~~على (4) الإتيان بمثله، لأنه لو صح أن يقدروا عليه بطلت (5) دلالة المعجز، ~~وقد أجرى [الله] (6) العادة بأن يتعذر فعل ذلك منهم (7) ، وأن لا يقدروا ~~عليه. # / ولو كان غير خارج عن العادة لاتوا بمثله، أو عرضوا (8) عليه من كلام ~~فصحائهم وبلغائهم، ما يعارضه. # فلما لم يشتغلوا بذلك، علم أنهم فطنوا لخروج (9) ذلك عن أوزان كلامهم، ~~وأساليب نظامهم، وزالت أطماعهم عنه. # وقد كنا بينا أن التواضع ليس يجب أن يقع على قول الشعر (10) ووجوه النظم ~~المستحسنة في الاوزان المطربة للسمع، لا يحتاج في مثله إلى توقيف، وأنه ~~يتبين أن مثل ذلك يجري في الخطاب، فلما جرى فيه فطنوا له واختاروه [وطلبوه] ~~(11) . # ، وطلبوا أنواع الأوزان والقوافي، ثم وقفوا (12) على حسن ذلك وقدروا ~~عليه، بتوفيق الله عز وجل (13) ، وهو الذي جمع خواطرهم عليه، وهداهم له ~~(14) PageV01P288 # وهيأ دواعيهم إليه، ولكنه أقدرهم على حد محدود، وغاية في العرف مضروبة، ~~لعلمه بأنه (1) سيجعل القرآن معجزا، ودل على عظم (2) شأنه بأنهم قدروا على ~~ما بينا من التأليف، وعلى ما وصفنا من النظم. # / من غير توقيف ولا اقتفاء (3) أثر، ولا تحد إليه ولا تقريع. # فلو كان هذا من ذلك القبيل، أو من الجنس الذي عرفوه وألفوه - لم تزل ~~أطماعهم عنه، ولم يدهشوا عند وروده عليهم، فكيف (4) وقد أمهلهم وفسح لهم في ~~الوقت، وكان يدعوا إليه سنين كثيرة، وقال ms253 عز من قائل: (أو لم نعمركم ما ~~يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير) (5) . # وبظهور العجز عنه بعد طول التقريع والتحدى، بان أنه خارج عن عاداتهم، ~~وأنهم لا يقدرون عليه. # وقد ذكرنا أن العرب كانت تعرف ما يباين عادتها (6) من الكلام البليغ، لأن ~~ذلك طبعهم ولغتهم، فلم يحتاجوا إلى تجربة عند سماع القرآن، وهذا في البلغاء ~~منهم، دون المتأخرين في الصنعة. # والذي ذكرناه يدلك على أنه لا كلام أزيد في قدر البلاغة من القرآن. # وكل من. # جوز أن يكون للبشر قدرة على أن يأتوا بمثله في البلاغة - لم يمكنه أن ~~يعرف أن القرآن معجز بحال. # / ولو لم يكن جرى في المعلوم (7) أنه سيجعل القرآن معجزا، لكان (8) يجوز ~~أن تجرى عادات (9) البشر بقدر زائد على ما ألفوه من البلاغة، وأمر يفوق ما ~~عرفوه من الفصاحة. PageV01P289 # وأما " نظم القرآن " فقد قال أصحابنا [فيه] (1) : إن الله تعالى يقدر على # نظم [هيئة أخرى تزيد في الفصاحة عليه، كما يقدر على مثله. # وأما بلوغ بعض (2) ] نظم (3) القرآن الرتبة (4) التى لا مزيد عليها، فقد ~~(5) قال مخالفونا: إن هذا غير ممتنع، لأن فيه من الكلمات الشريفة، الجامعة ~~للمعاني البديعة، وانضاف (6) إلى ذلك حسن الموقع، فيجب أن يكون قد بلغ ~~النهاية، لأنه عندهم - وإن زاد على ما في العادة - / فإن الزائد عليها وإن ~~تفاوت، فلا بد (7) من أن ينتهي إلى حد لا مزيد عليه. # والذى نقوله (8) : إنه لا يمتنع أن يقال: إنه يقدر الله تعالى على أن ~~يأتي بنظم (9) أبلغ وأبدع (10) من القرآن كله. # وأما قدر (11) العباد فهي متناهية في كل ما يقدرون عليه، مما تصح قدرتهم ~~عليه. PageV01P290 ### | فصل # في كلام النبي، صلى الله عليه وسلم، وأمور تتصل بالاعجاز إن قال قائل: ~~إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أفصح العرب - وقد قال هذا في حديث مشهور، ~~وهو صادق في قوله - فهلا قلتم إن القرآن من نظمه لقدرته في الفصاحة على ~~مقدار لا يبلغه غيره؟ قيل: قد علمنا أنه لم يتحدهم إلى مثل قوله وفصاحته. # والقدر الذي بينه وبين ms254 كلام غيره من الفصحاء (1) ، كقدر ما بين شعر ~~الشاعرين، وكلام الخطيبين في الفصاحة (2) ، وذلك مما لا يقع به الإعجاز. # وقد بينا قبل هذا: أنا إذا وازنا بين خطبه ورسائله وكلامه المنثور، وبين ~~نظم القرآن - تبين من البون بينهما مثل ما بين كلام الله عز وجل و [بين] ~~(3) كلام الناس، فلا (4) معنى لقول من ادعى أن كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم معجز وإن كان دون القرآن في الاعجاز. # فإن (5) قيل: لولا أن كلامه معجز لم يشتبه على ابن مسعود الفصل / بين ~~المعوذتين وبين غيرهما من القرآن (6) ؟ PageV01P291 # وكذلك لم يشتبه دعاء القنوت (1) في أنه هل هو (2) من القرآن أم لا؟ [قيل: ~~هذا من تخليط الملحدين، لان عندنا أن الصحابة لم يخف عليهم ما هو من ~~القرآن] (3) . # ولا يجوز أن يخفى عليهم القرآن من غيره: وعدد السور عندهم محفوظ مظبوط. # وقد يجوز أن يكون شذ عن مصحفه، لا لأنه نفاه من القرآن، بل عول على حفظ ~~الكل إياه. # / على أن الذي يروونه خبر واحد، لا يسكن إليه في مثل هذا، ولا يعمل عليه. # ويجوز أن يكتب على ظهر مصحفه دعاء القنوت لئلا ينساه، كما يكتب الواحد ~~منا بعض الأدعية على ظهر مصحفه. # وهذا نحو ما يذكره الجهال: من اختلاف كثير بين مصحف ابن مسعود، وبين مصحف ~~عثمان رحمة الله عليهما. # ونحن لا ننكر أن يغلط في حروف معدودة، كما يغلط الحافظ في حروف وينسى، ~~وما لا نجيزه (4) على الحفاظ مما لم نجزه عليه. # ولو كان قد أنكر السورتين على ما ادعوا، لكانت الصحابة تناظره على # ذلك، وكان يظهر وينتشر، فقد تناظروا في أقل من هذا، وهذا أمر يوجب ~~التكفير والتضليل، فكيف يجوز أن يقع التخفيف فيه؟ ! وقد (5) علمنا إجماعهم ~~على ما جمعوه في المصحف، فكيف يقدح بمثل (6) هذه الحكايات الشاذة المولدة ~~(7) في الاجماع المقرر، والاتفاق المعروف؟ ! ويجوز (8) أن يكون الناقل ~~اشتبه (9) عليه، لانه خالف في النظم / والترتيب، PageV01P292 # فلم يثبتهما في آخر القرآن، والإختلاف بينهم في موضع الإثبات غير الكلام ~~في الأصل، ألا ms255 ترى أنهم قد اختلفوا في أول ما نزل من القرآن: فمنهم من قال: ~~قوله: (اقرأ باسم ربك) (1) . # ومنهم من قال: (يا أيها المدثر) (2) . # ومنهم من قال: فاتحة الكتاب (3) . # واختلفوا أيضا في آخر ما أنزل (4) : فقال ابن عباس: (إذا جآء نصر الله) ~~(5) . # وقالت عائشة: سورة المائدة. # وقال البراء بن عازب (6) : آخر ما أنزل سورة براءة. # / وقال سعيد بن جبير (7) : آخر ما أنزل قوله تعالى: (واتقوا يوما ترجعون ~~فيه إلى الله) (8) . # وقال السدي (9) : آخر ما أنزل (فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو، ~~عليه توكلت) (10) . PageV01P293 # ويجوز أن يكون في مثل هذا خلاف (1) ، وأن يكون كل واحد ذكر آخر ما سمع. # * * * ولو كان القرآن من كلامه، لكان البون بين كلامه وبينه مثل ما بين ~~خطبة وخطبة ينشئهما (2) رجل واحد، وكانوا يعارضونه، لأنا قد علمنا أن القدر ~~الذي بين كلامهم وبين كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج إلى حد ~~الإعجاز، ولا يتفاوت التفاوت الكثير، ولا يخفى كلامه (3) من جنس أوزان ~~كلامهم، وليس كذلك نظم القرآن، لانه خارج من جميع ذلك. # فإن قيل: لو كان على ما ادعيتم، لعرفنا بالضرورة أنه معجز (4) دون غيره؟ ~~قيل: معرفة الفصل بين وزن الشعر [أو غيره من أوزان الكلام لا يقع ضرورة، ~~ويحتاج في معرفة ذوق الشعر] (5) ووزنه، والفرق بينه وبين غيره من الاوزان ~~يحتاج (6) إلى نظر وتأمل، وفكر وروية واكتساب. # وإن كان النظم المختلف الشديد التباين إذا وجد أدرك اختلافه بالحاسة. # إلا أن كل وزن وقبيل إذا أردنا تمييزه من غيره احتجنا فيه (7) إلى الفكرة ~~والتأمل (8) . # فإن قيل: لو كان معجزا لم يختلف أهل الملة (9) في وجه إعجازه؟ قيل: قد ~~يثبت الشئ دليلا وإن اختلفوا في وجه دلالة البرهان، كما قد # يختلفون في الاستدلال على حدوث (10) العالم من الحركة والسكون، والإجتماع ~~والإفتراق. # / فأما المخالفون، فإنه يتعذر عليهم أن يعرفوا أن القرآن كلام الله، لأن ~~مذهبهم أنه لا فرق بين أن يكون القرآن من قبل الرسول أو من قبل الله عز وجل ~~في كونه معجزا، ms256 لأنه إن خصه بقدر من العلم لم تجر العادة بمثله، ~~PageV01P294 # أمكنه أن يأتي بما له هذه الرتبة، وكان متعذرا على غيره، لفقد علمه ~~بكيفية النظم. # وليس القوم بعاجزين عن الكلام، ولا عن النظم والتأليف. # والمعنى المؤثر عندهم في تعذر مثل نظم القرآن علينا: فقد العلم بكيفية ~~النظم، وقد بينا قبل هذا أن المانع هو أنهم لا يقدرون عليه. # والمفحم قد يعلم كيفية الأوزان واختلافها، وكيفية التركيب، وهو لا يقدر ~~على نظم الشعر. # وقد يعلم الشاعران (1) وجوه الفصاحة، وإذا قالا الشعر جاء شعر أحدهما في ~~الطبقة العالية، وشعر الآخر في الطبقة الوضيعة. # وقد يطرد (2) في شعر المبتدي والمتأخر في الحذق - القطعة الشريفة والبيت ~~النادر، مما لا (3) يتفق للشاعر المتقدم. # والعلم بهذا الشأن في التفصيل لا يغني، ويحتاج معه إلى مادة من الطبع، ~~وتوفيق من الأصل. # / وقد يتساوى العالمان بكيفية الصناعة والنساجة، ثم يتفق لأحدهما من ~~اللطف في الصنعة، ما لا يتفق للآخر (4) . # وكذلك أهل نظم الكلام - يتفاضلون، مع العلم بكيفية النظم، وكذلك أهل ~~الرمي يتفاضلون في الاصابة، مع العلم بكيفية الاصابة. # وإذا وجدت للشاعر بيتا أو قطعة أحسن من شعر امرئ القيس، لم يدل (5) ذلك ~~على أنه أعلم بالنظم منه، لأنه لو كان كذلك كان يجب أن يكون جميع شعره على ~~ذلك الحد، وبحسب ذلك البيت في الشرف والحسن والبراعة، ولا يجوز ان يعلم نظم ~~قطعة ويجهل نظم مثلها، وان (6) كان كذلك، علم أن هذا لا يرجع إلى قدره (7) ~~من العلم، ولسنا نقول: إنه يستغنى عن العلم في النظم، بل يكفي علم به في ~~الجملة، ثم يقف الامر على القدرة. PageV01P295 # وهذا يبين لك بأنه قد يعلم الخط فيكتب سطرا، فلو أراد أن يأتي بمثله بحيث ~~لا يغادر منه شيئا لتعذر، والعلم حاصل. # وكذلك قد يحسن (1) كيفية الخط، ويميز (2) الجيد منه من الردئ، ولا يمكنه ~~أن يأتي بأرفع درجات الجيد. # / وقد يعلم قوم كيفية إدارة (3) الأقلام، وكيفية تصوير الخط، ثم يتفاوتون ~~في التفصيل (4) ، ويختلفون في التصوير. # وألزمهم أصحابنا أن يقولوا بقدرتنا على ms257 إحداث الأجسام، وإنما يتعذر وقوع ~~ذلك منا بأنا (5) لا نعلم الأسباب التي إذا عرفنا إيقاعها على وجوه اتفق ~~لنا فعل الاجسام. # وقد ذهب بعض المخالفين إلى أن العادة انتقضت بأن أنزله جبريل، فصار ~~القرآن معجزا لنزوله على هذا الوجه، ومن قبله لم يكن معجزا! ! هذا قول أبي ~~هاشم (6) ، وهو ظاهر الخطأ، لأنه يوجب (7) أن يكونوا قادرين على مثل ~~القرآن، وأنه لم [يكن] (8) يتعذر عليهم فعل مثله، وإنما تعذر بإنزاله، ولو ~~كانوا قادرين على مثل ذلك كان قد اتفق من بعضهم مثله. # وإن كانوا في الحقيقة غير قادرين قبل نزوله ولا بعده على مثله، فهو ~~قولنا. # / وأما قول كثير من المخالفين، فهو على ما بينا، لأن معنى المعجز عندهم ~~تعذر فعل مثله، وكان ذلك متعذرا قبل نزوله وبعده. # فأما الكلام في أن التأليف هل له نهاية؟ فقد اختلف المخالفون من ~~المتكلمين فيه: # فمنهم من قال: ليس لذلك نهاية، كالعدد، فلا (9) يمكن أن يقال: إنه ~~PageV01P296 # لا يتأتى قول قصيدة إلا وقد قيلت من قبل. # ومنهم من قال: إن ما جرت به العادة فله نهاية، وما لم تجر به العادة فلا ~~يمكن أن تعلم (1) نهاية الرتبة فيه. # وقد بينا: أن على أصولنا قد تقرر لكلامنا [ونظمنا] (2) حد في العادة، ولا ~~سبيل إلى تجاوزه، ولا يقدر [عليه] (3) ، فإن القرآن خرق العادة فزاد عليها. ~~PageV01P297 ### | ### | فصل # إن قيل، هل من شرط المعجز أن (1) يعلم أنه أتى به من ظهر عليه؟ ~~قيل: لا بد من ذلك، لانا إن (2) لم نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~الذى أتى بالقرآن، ظهر ذلك من جهته - لم يمكن أن نستدل به على نبوته. # وعلى هذا لو تلقى رجل منه سورة، فأتى بها بلدا، وادعى ظهورها عليه، وإنها ~~معجزة له - لم تقم الحجة عليهم حتى يبحثوا ويتبينوا أنها ظهرت عليه. # وقد تحققنا (3) أن القرآن أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وظهر من ~~جهته، وجعله علما على نبوته، وعلمنا ذلك ضرورة فصار حجة علينا. PageV01P298 ### | فصل # قد ذكرنا في الإبانة ms258 عن معجز القرآن وجيزا من القول، رجونا أن يكفي، ~~وأملنا أن يقنع. # والكلام في أوصافه - إن استقصى - بعيد الأطراف، واسع الأكناف، لعلو شأنه، ~~وشريف مكانه. # والذي سطرناه في الكتاب، وأن كان موجزا، وما أملينا فيه، وإن كان خفيفا - ~~فإنه ينبه على الطريقة. # ويدل على الوجه، ويهدي (1) إلى الحجة. # ومتى عظم محل الشئ فقد يكون الإسهاب فيه عيا، والإكثار في وصفه تقصيرا. # وقد قال الحكيم [وقد] (2) سئل عن البليغ: متى يكون عييا؟ فقال: متى وصف ~~هوى أو حبيبا. # وضل أعرابي في سفر له ليلا، وطلع القمر فاهتدى به، فقال: ما أقول لك؟ ~~أقول (3) : رفعك الله؟ وقد رفعك، أم أقول: نورك الله؟ وقد نورك، أم أقول: ~~جملك الله؟ وقد جملك! ولولا أن العقول تختلف، والأفهام تتباين، والمعارف ~~تتفاضل - لم نحتج إلى ما تكلفنا، ولكن الناس يتفاوتون في المعرفة، ولو ~~اتفقوا / فيها لم يجز أن يتفقوا في معرفة هذا الفن، أو يجتمعوا في الهداية ~~إلى هذا العلم، لاتصاله بأسباب [خفية] وتعلقه بعلوم غامضة الغور، عميقة ~~القعر (4) ، كثيرة المذاهب، قليلة الطلاب، ضعيفة الأصحاب، وبحسب تأتي (5) ~~مواقعه تقع الإفهام دونه، وعلى قدر لطف مسالكه يكون القصور عنه. # أنشدني أبو القاسم الزعفراني، قال: أنشدني المتنبي، لنفسه، القطعة التي ~~يقول فيها: PageV01P299 # وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السقيم (1) # ولكن تأخذ الآذان منه * على قدر الفرائح والعلوم وأنشدني الحسن بن عبد ~~الله، قال: أنشدنا بعض مشايخنا، للبحتري: أهز بالشعر أقواما ذوي سنة * لو ~~أنهم ضربوا بالسيف ما شعروا (2) علي نحت القوافي من مقاطعها * وما علي لهم ~~أن تفهم البقر (3) فإذا كان نقد الكلام كله صعبا، وتمييزه شديدا، والوقوع ~~على / اختلاف فنونه (4) متعذرا، وهذا في كلام الآدميين (5) - فما ظنك بكلام ~~رب العالمين؟ ! * * * قد أبنا لك أن من قدر أن البلاغة في عشرة أوجه من ~~الكلام، لا يعرف من البلاغة إلا القليل (6) ، ولا يفطن منها إلا لليسير. # ومن زعم أن البديع يقتصر على ما ذكرناه من قبل عنهم (7) في الشعر، فهو ~~متطرف. # بلى، إن كانوا يقولون: إن هذه ms259 من وجوه البلاغة وغرر البديع وأصول اللطيف، ~~وإن ما يجري مجرى ذلك ويشاكله ملحق بالاصل، ومردود على القاعدة - فهذا ~~قريب. # وقد بينا في نظم القرآن: أن الجملة تشتمل على بلاغة منفردة، والأسلوب ~~يختص بمعنى آخر من الشرف. # ثم الفواتح والخواتم، والمبادئ والمثاني (8) ، والطوالع والمقاطع، ~~والوسائط والفواصل. PageV01P300 # ثم الكلام في نظم السور والآيات، ثم في تفاصيل التفاصيل، / ثم في الكثير ~~والقليل (1) . # ثم الكلام الموشح والمرصع، والمفصل والمصرع، والمجنس والموشع (2) ، ~~والمحلى والمكلل، والمطوق والمتوج، والموزون والخارج عن الوزن، والمعتدل في ~~النظم والمتشابه فيه. # ثم الخروج من فصل إلى فصل، ووصل (3) إلى وصل، ومعنى إلى معنى، ومعنى في ~~معنى، والجمع بين المؤتلف والمختلف، والمتفق والمتسق. # وكثرة التصرف، وسلامة (4) القول في ذلك كله (5) من التعسف، وخروجه عن ~~التعمق (6) والتشدق، وبعده عن التعمل والتكلف، والألفاظ المفردة، والإبداع ~~في الحروف والأدوات، كالإبداع في المعاني والكلمات. # والبسط (7) والقبض، والبناء والنقض، والاختصار (8) والشرح، والتشبيه (9) ~~والوصف. # / وتمييز الابتداع (10) من الإتباع، كتميز المطبوع عن المصنوع (11) ، ~~والقول الواقع من غير تكلف ولا تعمل. # * * * وأنت تتبين (12) في كل ما تصرف فيه من الأنواع أنه على سمت شريف، ~~ومرقب منيف، يبهر إذا أخذ في النوع الربي (13) ، والأمر الشرعي، والكلام # الإلهي، الدال على أنه يصدر عن عزة الملكوت، وشرف الجبروت، وما لا يبلغ ~~الوهم مواقعه: من حكمة (14) وأحكام، واحتجاج وتقرير، واستشهاد وتقريع، ~~وأعذار وإنذار، وتبشير وتحذير، وتنبيه وتلويح، وإشباع (15) وتصريح، وإشارة ~~ودلالة، وتعليم أخلاق زكية، وأسباب رضية، وسياسات PageV01P301 # جامعة، ومواعظ نافعة، وأوامر صادعة، وقصص مفيدة، وثناء على (1) الله عز ~~وجل بما هو أهله، وأوصاف كما يستحقه، وتحميد كما يستوجبه، وإخبار عن # كائنات في التأتي صدقت، وأحاديث عن المؤتنف تحققت، ونواه / زاجرة عن ~~القبائح والفواحش، وإباحة الطيبات، وتحريم المضار والخبائث، وحث على الجميل ~~والاحسان. # تجد فيه الحكمة وفصل الخطاب، مجلوة عليك في منظر بهيج، ونظم أنيق، ومعرض ~~رشيق، غير معتاص (2) على الاسماع ولا متلو (3) على الأفهام، ولا مستكره في ~~اللفظ، ولا مستوحش (4) في المنظر. # غريب في الجنس غير غريب في القبيل، ممتلئ ماء ونضارة، ولطفا ms260 وغضارة، يسري ~~في القلب كما يسري السرور، ويمر إلى مواقعه كما يمر السهم، ويضئ كما يضئ ~~الفجر، ويزخر كما يزخر البحر، طموح العباب، جموح على المتناول المنتاب، ~~كالروح في البدن، والنور المستطير في الافق، والغيث الشامل، والضياء الباهر ~~(لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) (5) . # من توهم أن الشعر يلحظ (6) شأوه بان ضلاله، ووضح (7) جهله، إذ الشعر سمت ~~قد تناولته الألسن، وتداولته القلوب، وانثالت عليه الهواجس، وضرب الشيطان ~~فيه بسهمه، وأخذ منه بحظه. # وما دونه من كلامهم فهو أدنى محلا، وأقرب مأخذا، وأسهل مطلبا، ولذلك / ~~قالوا: فلان مفحم، فأخرجوه مخرج العيب، كما قالوا: فلان عيي (8) ، فأوردوه ~~مورد النقص. # * * * والقرآن كتاب دل على صدق متحمله، ورسالة دلت على صحة قول المرسل ~~بها، وبرهان شهد له برهان الانبياء (9) المتقدمين، وبينة على طريقة من ~~PageV01P302 # سلف من الاولين (1) . # حيرهم (2) فيه، إذ كان من جنس القول الذي زعموا أنهم أدركوا فيه النهاية، ~~وبلغوا فيه الغاية، فعرفوا عجزهم، كما عرف قوم عيسى نقصانهم فيما قدروا من ~~بلوغ أقصى الممكن في العلاج، والوصول إلى أعلى مراتب الطب، فجاءهم بما ~~بهرهم: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكما أتى موسى بالعصا التى ~~تلقفت ما دققوا (3) فيه من سحرهم، وأتت على ما أجمعوا عليه من أمرهم، وكما ~~سخر لسليمان الريح (4) والطير والجن. # حين كانوا يولعون به من فائق الصنعة، وبدائع اللطف (5) . # ثم كانت هذه المعجزة / مما يقف عليها (6) الأول والآخر وقوفا واحدا، ~~ويبقى حكمها إلى يوم القيامة. # * * * أنظر وفقك الله لما هديناك إليه، وفكر في الذي دللناك عليه، فالحق ~~منهج واضح، والدين ميزان راجح، والجهل لا يزيد إلا عمى (7) ، ولا يورث إلا ~~ندما. # قال الله عز وجل: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر ~~أولو الألباب) (8) . # وقال: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا) (9) . # وقال: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) (10) . # وعلى حسب ما آتى ms261 من الفضل، وأعطى من الكمال والعقل - تقع الهداية ~~والتبيين، فإن الأمور تتم (11) بأسبابها، وتحصل بآلتها، ومن سلبه ~~PageV01P303 # / التوفيق، وحرمة الارشاد (1) والتسديد - (فكأنما خر من السماء فتخطفه ~~الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) (2) ، (لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون ~~سبيلا) (3) . # فاحمد الله على ما رزقك من الفهم إن فهمت (4) ، (وقل: رب زدنى علما) (5) ~~، [إن أنت علمت] (6) ، (وقل: رب أعوذ بك من همزات # الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون) (7) . # وإن ارتبت فيما بيناه فازدد في تعلم الصنعة، وتقدم في المعرفة، فسيقع بك ~~على الطريق (8) الارشد، وسيقف (9) بك على الوجه الأحمد، فإنك إذا فعلت ذلك ~~أحطت علما، وتيقنت فهما. # ولا (10) يوسوس إليك الشيطان بأنه قد كان ممن (11) هو أعلم منك بالعربية، ~~وأدرب (12) منك في الفصاحة، أقوام [وأى] أقوام، ورجال [وأى] (13) رجال، ~~فكذبوا وارتابوا، لأن القوم لم يذهبوا عن الإعجاز، ولكن اختلفت أحوالهم، ~~فكانوا بين جاهل وجاحد، وبين / كافر نعمة وحاسد (14) ، وبين ذاهب عن طريق ~~الاستدلال بالمعجزات، وحائد (15) عن النظر في الدلالات، وناقص في باب ~~البحث، ومختل الآلة (16) في وجه الفحص، ومستهين بأمر الأديان، وغاو (17) ~~تحت حبالة الشيطان، ومقذوف بخذلان الرحمن. # وأسباب الخذلان والجهالة كثيرة، ودرجات الحرمان مختلفة. # وهلا جعلت بإزاء الكفرة، مثل " لبيد بن ربيعة العامري " في حسن ~~PageV01P304 # إسلامه، و " كعب بن زهير " في صدق إيمانه، و " حسان بن ثابت " (1) ~~وغيرهم: من الشعراء والخطباء الذين أسلموا؟ على أن الصدر الأول ما فيهم إلا ~~نجم زاهر، أو بحر (2) زاخر. # وقد بينا: أن لا اعتصام إلا بهداية الله (3) ، ولا توفيق إلا بنعمة الله. # (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (4) . # فتأمل ما عرفناك في كتابنا، وفرغ له قلبك، وأجمع عليه (5) لبك، / ثم ~~اعتصم بالله يهدك، وتوكل عليه يعنك (6) ويجرك، واسترشده يرشدك، وهو حسبي ~~وحسبك، ونعم الوكيل (7) . PageV01P305 ### | 6 - # فهرس المراجع (1) الاتقان في علوم القرآن للسيوطي (حجازى 1360 ه) أخبار ~~أبى تمام للصولي (لجنة التأليف 1356 ه) أخبار أبى نواس لابن منظور (الجزء ~~الثاني. # بغداد) أدب الكاتب لابن قتيبة (الرحمانية 1355 ه) أساس البلاغة للزمخشري ~~(دار الكتب ms262 المصرية 1341 ه) # أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني (المنار) الاصابة في أسماء الصحابة ~~لابن حجر (السعادة 1323 ه) الاصمعيات (ليبسك 1902 م) الاضداد لابن الانباري ~~(الحسينية 1325 ه) الاغانى لابي الفرج الاصفهانى (بولاق 1285 ه) الاقتضاب ~~لابن السيد البطليوسى (الآداب ببيروت 1901 م) أمالى القالى (دار الكتب ~~المصرية 1344 ه) أمالى المرتضى (السعادة 1325 ه) إمتاع الاسماع للمقريزى ~~(لجنة التأليف 1941 م) الامتاع والمؤانسة للتوحيدي (لجنة التأليف 1942 م) ~~(ب) البداية والنهاية لابن كثير (السعادة 1351 ه) البديع لابن المعتز ~~(مصطفى الحلبي 1364 ه) البصائر والذخائر للتوحيدي (لجنة التأليف 1373 ه) ~~بغية الوعاة للسيوطي (السعادة 1349 ه) البيان والتبيين للجاحظ (لجنة ~~التأليف 1369 ه) (ت) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (عيسى الحلبي 1373 ه) ~~تاريخ الاسلام للذهبي (القدسي 167 ه) # PageV01P309 # تاريخ الامم والملوك للطبري (الحسينية 1323 ه) تاريخ بغداد للخطيب ~~البغدادي (السعادة 1349 ه) # التاريخ الكبير للبخاري (حيدر آباد) التشبيهات لابن أبى عون (لندن 1952 ~~م) تفسير ابن جرير الطبري (بولاق 1329 ه) التمهيد للباقلاني (دار الفكر ~~العربي 1366 ه) تهذيب التهذيب لابن حجر (حيدر آباد 1325 ه) (ج) الجرح ~~والتعديل لابن أبى حاتم الرازي (حيدر آباد) جمهرة أشعار العرب لابي زيد ~~(بولاق 1308 ه) جمهرة أنساب العرب لابن حزم (المعارف 1948 م) جمهرة اللغة ~~لابن دريد (حيدر آباد 1351 ه) (ح) حماسة البحترى (الكاثوليكية ببيروت 1910 ~~م) حماسة ابن الشجرى (حيدر آباد 1345 ه) الحيوان للجاحظ (مصطفى الحلبي 1364 ~~ه) (خ) خاصة الخاص للثعالبي (الخانجى 1908 م) خزانة الادب لابن حجة الحموى ~~(الخيرية) خزانة الادب لعبد القادر البغدادي (بولاق 1299 ه) الخصائص لابن ~~حنى (دار الكتب المصرية) خلاصة تذهيب الكمال للخزرجي (الخيرية 1322 ه) (د) ~~دلائل الاعجاز لعبد القاهر الجرجاني (المنار 1367 ه) # دلائل النبوة لابي نعيم الاصبهاني (حيدر آباد. # أولى) # PageV01P310 # ديوان الاخطل (بيروت 1891 م) ديوان الاعشى (فينا 1927 م) ديوان الافوه ~~الاودى (ضمن الطرائف الادبية، لجنة التأليف 1937 م) ديوان امرئ القيس ~~(الرحمانية 1930 م) ديوان البحترى ms263 (بيروت 1911 م) ديوان أبى تمام (بيروت) ~~ديوان جرير (الصاوى 1353 ه) ديوان حسان بن ثابت (الرحمانية 1347 ه) ديوان ~~الحطيئة (التقدم 1325 ه) ديوان الخنساء (الكاثوليكية ببيروت 1896 م) ديوان ~~ابن الدمينة (القاهرة 1337 ه) ديوان أبى ذؤيب الهذلى (ضمن شعر الهذليين. # دار الكتب المصرية 1369 ه) ديوان ذى الرمة (كمبردج 1919 م) ديوان ابن ~~الرومي (القاهرة 1917 م) ديوان زهير بشرح الاعلم الشنتمرى ديوان زهير بشرح ~~ثعلب (دار الكتب المصرية 1363 ه) ديوان سحيم عبد بنى الحسحاس (دار الكتب ~~المصرية 1949 م) ديوان السرى الرفاء (القدسي) ديوان الشماخ (السعادة 1327 ~~ه) ديوان طرفة بن العبد (فازان 1909 م) # ديوان عبيد بن الابرص (ليدن 1913 م) ديوان علقمة الفحل (المحمودية 1343 ~~ه) ديوان عمر بن أبى ربيعة (التجارية) ديوان الفرزدق (الصاوى 1354 ه) ديوان ~~كثير عزة (الجزائر 1928 م) ديوان كشاجم (بيروت) ديوان المتنبي بشرح ~~البرقوقى (الرحمانية 1348 ه) ديوان المعاني لابي هلال العسكري (القدسي 1352 ~~ه) ديوان ابن المعتز (بيروت 1332 ه) ديوان النابغة الذبيانى (بيروت 1347 ه) ~~ديوان أبى نواس (واصف 1293 ه) # PageV01P311 # (ذ) الذخائر والاعلاق (القاهرة) ذيل أمالى القالى (دار الكتب المصرية ~~1344 ه) (ر) الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري (الخانجى 1357 ه) ~~(ز) زهر الآداب للحصري (الرحمانية 1925 م) الزهرة لابن أبى داود (س) سر ~~الفصاحة لابن سنان الخفاجى (الرحمانية 1350 م) # سنن الدارمي (دمشق) سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزى (المصرية) سيرة عمر ~~بن عبد العزيز لابن الجوزى (المؤيد 1331 ه) (ش) شرح أدب الكاتب للجواليقى ~~(القدسي 1350 ه) شرح الحماسة للتبريزي (التجارية 1357 ه) شرح الحماسة ~~للمرزوقي (لجنة التأليف 1371 ه) شرح سنن الترمذي للمباركفورى (الهند) شرح ~~شواهد الشافية للبغدادي (حجازى 1359 ه) شرح شواهد المغنى للسيوطي (البهية ~~1322 ه) شرح القصائد العشر للتبريزي (السلفية 1343 ه) شرح المعلقات للزوزنى ~~(الرافعى) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد (الحلبي 1329 ه) الشعر والشعراء ~~لابن قتيبة (عيسى الحلبي 1370 ه) صلى الله عليه ms264 وآله الصاحبى لابن فارس ~~(السلفية 1328 ه) الصناعتين لابي هلال العسكري (الآستانة 1320 ه) (ط) طبقات ~~الشافعية للسبكي (الحسينية) طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحى (المعارف ~~1942 م) الطبقات الكبرى لابن سعد (ليدن 1322 ه) (ع) # عبث الوليد للمعرى (الترقي بدمشق 1355 ه) العقد الفريد لابن عبد ربه ~~(لجنة التأليف 1359 ه) العمدة لابن رشيق (التجارية 1343 ه) عيون الاثر لابن ~~سيد الناس (القدسي 1356 ه) عيون الاخبار لابن قتيبة (دار الكتب المصرية ~~1343 ه) (غ) غرر الخصائص الواضحة للوطواط (الادبية 1318 ه) (ف) الفائق ~~للزمخشري (عيسى الحلبي 1366 ه) فتح الباري لابن حجر (بولاق) فهرست ابن ~~النديم (التجارية 1348 ه) (ك) الكامل للمبرد (مصطفى الحلبي 1356 ه) الكتاب ~~لسيبويه (بولاق 1317 ه) # PageV01P312 # (ل) اللآلى شرح الامالى للبكري (لجنة التأليف 1354 ه) لسان العرب لابن ~~منظور (بولاق 1308 ه) (م) المؤتلف والمختلف للآمدي (القدسي 1354 ه) ما اتفق ~~لفظه واختلف معناه في القرآن الكريم للمبرد (السلفية 1350 ه) مبادئ اللغة ~~للخطيب الاسكافي (الخانجى 1325 ه) # المجازات النبوية للشريف الرضى (مصطفى الحلبي 1356 ه) مجمع الامثال ~~للميداني (القاهرة 1352 ه) مجمع البيان للصبرسى (صيدا 1354 ه) مختارات ابن ~~الشجرى (الاعتماد 1925 م) مروج الذهب للمسعودي (السعادة 1367 ه) مصارع ~~العشاق للسراج (الجوائب 1301 ه) مفردات غريب القرآن للراغب الاصفهانى ~~(الميمنية 1324 ه) المفضليات (المعارف 1952 م) المعارف لابن قتيبة (القاهرة ~~1353 ه) المعاني الكبير لابن قتيبة (حيدر آباد 1368 ه) معاهد التنصيص ~~للعباسي (السعادة 1367 ه) معجم الادباء لياقوت (رفاعي 1357 ه) معجم البلدان ~~لياقوت (الخانجى 1323 ه) معجم الشعراء للمزربانى (القدسي 1354 ه) المعمرين ~~لابي حاتم السجستاني (السعادة 1323 ه) مقالات الاسلاميين لابي الحسن ~~الاشعري (الاول. # السعادة 1323 ه) المنتظم لابن الجوزى (حيدر آباد 1358 ه) الموازنة بين ~~أبى تمام والبحتري للآمدي (حجازى 1363 ه) الموشح للمرزباني (السلفية 1343 ~~ه) ميزان الاعتدال للذهبي (السعادة 1325 ه) الميسر والقداح لابن قتيبة ~~(السلفية 1343 ه) # PageV01P313 # معجم البلدان لياقوت (الخانجى 1323 ه) معجم ms265 الشعراء للمزربانى (القدسي ~~1354 ه) المعمرين لابي حاتم السجستاني (السعادة 1323 ه) مقالات الاسلاميين ~~لابي الحسن الاشعري (الاول. # السعادة 1323 ه) المنتظم لابن الجوزى (حيدر آباد 1358 ه) الموازنة بين ~~أبى تمام والبحتري للآمدي (حجازى 1363 ه) الموشح للمرزباني (السلفية 1343 ~~ه) ميزان الاعتدال للذهبي (السعادة 1325 ه) الميسر والقداح لابن قتيبة ~~(السلفية 1343 ه) # PageV01P314 # نثار الازهار لابن منظور (الجوائب) نزهة الالبا في طبقات الادبا لابن ~~الانباري (حجر 1294 ه) نظام الغريب للربعي (أمين هندية) النقائض بين جرير ~~والفرزدق (ليدن 1905 م) نقد الشعر لقدامة بن جعفر (الجوائب 1302 ه) النكت ~~في إعجاز القرآن للرماني (دهلى 1934 م) نهاية الايجاز في دراية الاعجاز ~~للفخر الرازي (الآداب والمؤيد) نهج البلاغة جمع الشريف الرضى (الاستقامة) ~~نوادر أبى زيد (بيروت 1894 م) نوادر القالى (دار الكتب المصرية 1344 ه) (ى) ~~يتيمة الدهر للثعالبي (حجازى) 381 PageV01P314 ms266