######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009220 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: أبو بكر الباقلاني #META# 010.AuthorNAME :: أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني #META# 011.AuthorBORN :: 338هـ #META# 011.AuthorDIED :: 403 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب العقائد والملل :: مواضيع عقدية #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الإنصاف فيما يجب إعتقاده ولا يجوز الجهل به #META# 030.LibURI :: JK_009220 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عماد الدين أحمد حيدر #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: عالم الكتب #META# 044.EdPLACE :: لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1407هـ - 1986م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | بسم الله الرحمن الرحيم # قال القاضي الإمام السعيد ، سيف السنة ، ولسان الأمة ، أبو بكر : محمد ~~ابن الطيب بن محمد رضي الله عنه . # الحمد لله ذي القدرة والجلال ، والعظمة والكمال . أحمده على سوابغ ~~الإنعام وجزيل الثواب ، وأرغب إليه في الصلاة على نبيه محمد المختار وعلى ~~آله الأبرار ، وصحابته الأخيار ، والتابعين لم بإحسان إلى يوم القرار . # أما بعد : فقد وقفت على ما التمسته الحرة الفاضلة الدينية أحسن الله ~~توفيقها لما تتوخاه من طلب الحق ونصرته ، وتنكب الباطل وتجنبه . واعتماد ~~القربة باعتقاد المفروض في أحكام الدين . واتباع السلف الصالح من المؤمنين ~~، من ذكر جمل ما يجب على المكلفين اعتقاده ، ولا يسع الجهل به ، وما إذا ~~تدين به المرء صار إلى التزام الحق المفروض ، والسلامة من البدع والباطل ~~المرفوض . وإني بحول الله تعالى وعونه ، ومشيئته وطوله ، أذكر لها جملا ~~مختصرة تأتي على البغية من ذلك ، ويستغنى بالوقوف عليها عن الطلب ، واشتغال ~~الهمة بما سواه . فنقول وبالله التوفيق : PageV01P021 أن الواجب على المكلف ~~. # أن يعرف بدء الأوائل والمقدمات التي لا يتم له النظر في معرفة الله عز ~~وجل وحقيقة توحيده ، وما هو عليه من صفاته التي بان بها عن خلقه ، وما لأجل ~~حصوله عليها استحق أن يعبد بالطاعة دون عباده . فأول ذلك القول في العلم ~~وأحكامه ومراتبه ، وأن حده : أنه معرفة المعلوم على ما هو به ، فكل علم ~~معرفة وكل معرفة علم . # وأن يعلم أن العلوم تنقسم قسمين : قسم منهما : علم الله سبحانه ، وهو ~~صفته لذاته ، وليس بعلم ضرورة ولا استدلال ، قال الله تعالى : ' أنزله ~~بعلمه ' وقال : ' وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ' وقال : PageV01P022 ~~' فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ' فأثبت العلم لنفسه ، ونص على أنه صفة له ~~في نص كتابه . # والقسم الآخر : علم الخلق . وهو ينقسم قسمين : فقسم منه علم اضطرار ، ~~والآخر علم نظر واستدلال : فالضروري ما لزم أنفس الخلق لزوما لا يمكنهم ~~دفعه والشك في معلومه ؛ نحو العلم بما أدركته الحواس الخمس ، وما ابتدى في ~~النفس من الضرورات . # والنظري : منهما : ما احتيج في ms001 حصوله إلى الفكر والروية ، وكان ~~PageV01P023 طريقه النظر والحجة . ومن حكمه جواز الرجوع عنه والشك في ~~متعلقه . # وجميع العلوم الضرورية تقع للخلق من ستة طرق : فمنها : درك الحواس الخمس ~~، وهي : حاسة الرؤية ، وحاسة السمع ، وحاسة الذوق ، ، وحاسة الشم ، وحاسة ~~اللمس . وكل مدرك بحاسة من هذه الحواس من جسم ، ولون ، وكون ، وكلام ، وصوت ~~، ورائحة ، وطعم ، وحرارة ، وبرودة ، ولين ، وخشونة ، وصلابة ، ورخاوة ~~فالعلم به يقع ضرورة . والطريق السادس : هو العلم المبتدأ في النفس ، لا عن ~~درك ببعض الحواس ، وذلك نحو علم الإنسان بوجود نفسه ، وما يحدث فيها وينطوي ~~عليها من اللذة ، والألم ، والفم ، والفرح ، والقدرة ، والعجز ، والصحة ، ~~والسقم . والعلم بأن الضدين لا يجتمعان ، وأن الأجسام لا تخلو من الاجتماع ~~والافتراق ، وكل معلوم بأوائل العقول ، والعلم بأن الثمر لا يكون إلا من ~~شجر ، أو نخل ، وأن اللبن لا يكون إلا من ضرع وكل ما هو مقتضى العادات . # وكل ما عدا هذه العلوم وهو علم استدلال لا يحصل إلا عن استئناف الذكر ~~والنظر وتفكر بالنظر والعقل فمن جملة هذه الضرورات العلم بالضرورات الواقعة ~~بأوائل العقول ، ومقتضى العادات التي لا تشارك ذوي العقول في علمها البهائم ~~والأطفال والمنتقصون ؛ نحو العلم الواقع بالبديهة ، ومتضمن كثير من العادات ~~، ونحو العلم بأن الاثنين أكثر من الواحد ، وأن الضدين لا يجتمعان ، وأمثال ~~ذلك من موجب العادات وبدائه العقول التي لا يخص بعلمها العاقلون . ~~PageV01P024 وأن يعلم أن الاستدلال هو : نظر القلب المطلوب به علم ما غاب ~~عن الضرورة والحس ، وأن الدليل هو : ما أمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى ~~معرفة ما لا يعلم باضطراره ، وهو على ثلاثة أضرب : عقلي : له تعلق بمدلوله ~~، نحو دلالة الفعل على فاعله ، وما يجب كونه عليه من صفاته . نحو حياته ، ~~وعلمه ، وقدرته ، وإرادته . وسمعي شرعي : دال من طريق النطق بعد المواضعة ، ~~ومن جهة معنى مستخرج من النطق ، ولغوي : دال من جهة المواطأة والمواضعة على ~~معاني الكلام ، ودلالات الأسماء والصفات وسائر الألفاظ ، وقد لحق بهذا ~~الباب : دلالات الكتابات والرموز ، والإشارات والعقود ، الدالة على مقادير ~~الأعداد ، وكل ms002 ما لا يدل إلا بالمواطأة والاتفاق . والدال هو ناصب الدليل : ~~فالمدلول هو ما نصب له الدليل . والمستدل الناظر في الدليل ، واستدلاله ~~نظره في الدليل وطلبه به علم ما غاب عنه . # وإن يعلم أن المعلومات على ضربين : معدوم وموجود ، لا ثالث لهما ولا ~~واسطة بينهما . فالمعدوم : هو المنتفي الذي ليس بشيء . قال الله عز وجل : ' ~~وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ' . وقال تعالى : ' هل أتى على الإنسان حين ~~من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ' فأخبر أن المعدوم PageV01P025 منتف ليس بشيء ~~، والموجود هو الشيء الكائن الثابت . وقولنا شيء إثبات ، وقولنا ليس بشيء ~~نفي . قال الله تعالى : ' قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ' وهو سبحانه موجود ~~غير معدوم . # وقول أهل اللغة علمت شيئا ، ورأيت شيئا ، وسمعت شيئا ؛ إشارة إلى كائن ~~موجود ، وقولهم : ليس بشيء هو واقع على نفي المعدوم ، ولو كان المعدوم شيئا ~~كان القول ليس بشيء نفيا لا يقع أبدا إلا كذبا ، وذلك باطل بالاتفاق . # وأن يعلم أن الموجودات كلها على قسمين . منها : قديم لم يزل وهو الله ~~تعالى ، وصفات ذاته التي لم يزل موصوفا بها ولا يزال كذلك . وقولهم : أقدم ~~، وقديم موضوع للمبالغة في الوصف بالتقدم وكذلك أعلم وعليم ، وأسمع وسميع . # والقسم الثاني : محدث ، لوجوده أول ، ومعنى المحدث ما لم يكن PageV01P026 ~~ثم كان ، مأخوذ ذلك من قولهم : حدث بفلان حادث . من مرض ، أو صداع ؛ وأحدث ~~بدعة في الدين ، وأحدث روشنا ، وأحدث في العرصة بناء ، أي فعل ما لم يكن من ~~قبل موجودا . # وأن يعلم أن المحدثات كلها على ثلاثة أقسام : جسم ، وجوهر ، وعرض . ~~فالجسم في اللغة هو : المؤلف المركب . يدل على ذلك قولهم : رجل جسيم ، وزيد ~~أجسم من عمرو ، وهذا اللفظ من أبنية المبالغة ، وقد اتفقوا على أن معنى ~~المبالغة في الاسم مأخوذ من معنى الاسم ؛ يبين ذلك أن قولهم : أضرب إذا ~~أفاد كثرة الضرب كان قولهم : ضارب مفيدا للضرب ، وكذلك إذا كان قولهم : ~~المؤلف المركب مفيدا كثرة الاجتماع والتأليف ، وجب أن يكون قولهم جسم مفيدا ~~كذلك . # والجوهر : الذي ms003 له حيز . والحيز هو المكان أو ما يقدر تقدير المكان عن ~~أنه يوجه فيه غيره . # والعرض : هو الذي يعرض في الجوهر ، ولا يصح بقاؤه وقتين ، يدل على ذلك ~~قولهم : عرض لفلان عارض من مرض ، وصداع إذا قرب زواله ، ولم يعتقد دوامه . ~~ومنه قوله عز وجل : ' تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ' وقوله ، ' هذا ~~عارض ممطرنا ' فكل شيء قرب عدمه PageV01P027 وزواله ، موصوف بذلك ، وهذه ~~صفة المعاني القائمة بالأجسام ، فوجب وصفها في قضية العقل بأنها أعراض . # وأن يعلم أن العالم محدث ، وأنه لا ينفك علوية وسفلية من أن يكون جسما ~~مؤلفا ، أو جوهرا منفردا ، أو عرضا محمولا . وهو محدث بأسره . وطريق العلم ~~بحدوث أجسامه وحدوث أعراضه . والدليل على ثبوت أعراضه : تحرك الجسم بعد ~~سكونه ، وتفرقه بعد اجتماعه ، وتغير حالاته ، وانتقال صفاته ، فلو كان ~~متحركا لنفسه ، ومتغيرا لذاته لوجب تركه في حال سكونه ، وتغيره واستحالته ~~في حال اعتداله ، وفي بطلان ذلك دليل على إثبات حركته ، وسكونه ، وألوانه ، ~~وأكوانه ، وغير ذلك من صفاته ، لأنه إذا لم يكن كذلك لنفسه وجب أن يكون ~~لمعنى ما تغير عن حاله واستحال عن وصفه . والدليل على حدوث هذه الأعراض : ~~ما هي عليه من التنافي والتضاد ، فلو كانت قديمة كلها لكانت لم تزل موجودة ~~، ولا تزال كذلك ، ولوجب متى كانت الحركة في الجسم أن يكون السكون فيه ، ~~وذلك يوجب كونه متحركا في حالة سكونه ، وميتا في حال حياته ، وفي بطلان ذلك ~~دليل على طروق السكون بعد أن لم يكن ، وبطلان الحركة عند مجيء السكون ، ~~والطارىء بعد عدمه ، والمعدوم بعد وجوده محدث باتفاق ؛ لأن القديم لا يحدث ~~ولا يعدم ، ولا يبطل . # والدليل على حدوث الأجسام : أنها لم تسبق الحوادث ، ولم تخل منها ، لأننا ~~باضطرار نعلم : أن الجسم لا ينفك من الألوان ، ومعاني الألوان من الاجتماع ~~والافتراق ، وما لا ينفك من المحدثات ، ولم تسبقه كان محدثا . ولأنه إذا لم ~~يسبقه كان موجودا معه في وقته أو بعده ، وأي ذلك وجد وجب القضاء على حدوثه ~~، وأنه معدوم قبل وجوده . PageV01P028 # وأن يعلم أن ms004 للعالم محدثا أحدثه . والدليل على ذلك وجود الحوادث متقدمة ~~ومتأخرة مع صحة تأخر المتقدم وتقدم المتأخر ، ولا يجوز أن يكون ما تقدم ~~منها وتأخر متقدما ومتأخرا لنفسه ، لأنه ليس التقدم بصحة تقدمه أولى من ~~التأخر بصحة تأخره ، فوجب أن يدل على فاعل فعله ، وصرفه في الوجود على ~~إرادته وجعله مقصورا على مشيئته ، يقدم منها ما شاء ويؤخر ما شاء . قال ~~الله تعالى : ' فعال لما يريد ' وقال : ' إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون ' ويدل على علمنا بتعلق الفعل بالفاعل في كونه فعلا كتعلق ~~الفاعل في كونه فاعلا بالفعل ، فإن تعلق الكتابة ، والصناعة بالكاتب ~~والصانع كتعلق الكاتب في كونه كاتبا بالكتابة ؛ فلو جاز وجود فعل لا من ~~فاعل ، وكتابة لا من كاتب ، وصورة وبنية محدثة لا من مصور ، لجاز وجود كاتب ~~لا كتابة له ، وصانع لا صنعة له ، فلما استحال ذلك وجب أن يكون اقتضاء ~~الفعل للفاعل ودلالته عليه كاقتضاء الفاعل في كونه فاعلا . لوجود الفعل ~~وحصوله منه ، ومن صفات هذا الصانع تعالى أنه : موجود ، قديم ، واحد ، أحد ، ~~حي ، عالم ، قادر ، مريد ، متكلم ، سميع ، بصير ، باق ' ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير ' وستدل على ذلك فيما بعد إن شاء الله بعد البداية بفرائض ~~المكلفين ، وشرائع المسلمين مما يقرب فهمه ولا ينبغي جهله ، ولا بد للمكلف ~~من علمه والعمل به فإذا أتينا على هذه الجملة رجعنا إلى القول في التوحيد ، ~~وإثبات أسماء الله تعالى وصفاته ، وذكر ما يجوز عليه وما يستحيل في صفته ، ~~وما توفيقي إلا بالله . # وأن يعلم : أن أول نعم الله تعالى على خلقه الحي الدراك خلقه فيهم إدراك ~~اللذات ، وسلامة الحواس ، ونيل ما ينتفعون به من الشهوات التي PageV01P029 ~~تميل إليها طباعهم ، وتصلح عليها أجسامهم ، ولو أحياهم ، وآلمهم ومنعهم ~~إدراك اللذات لكانوا مستضرين بالآلام ، وبمثابة الأحياء المعذبين من أهل ~~النار ، وهذه نعمة الله سبحانه على جميع الحيوان الحاس ، العاقل منهم ~~والناقص ، والمؤمن والكافر . # وأن يعلم أن أفضل وأعظم نعمة الله على خلقه الطائعين وعباده المؤمنين ~~خلقه الإيمان ms005 في قلوبهم ، وإجراؤه على ألسنتهم ، وتوفيقهم لفعله ، وتمكينهم ~~بالتمسك به . وخلق الإيمان ، والتوفيق له نعمة خص الله تعالى بها المؤمنين ~~دون الكافرين ، ولذلك قال عز وجل ' ' فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من ~~الخاسرين ' ' ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ' ' ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ' وقال عز وجل ' ' ~~وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ' وقال تعالى : ' بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ' فلو كانت هذه النعمة له على ~~الكافرين لم يكن لتخصيصه بها المؤمنين وامتنانه على المؤمنين به ، إذ كان ~~قد أنعم بها على المردة والكفرة الضالين . # وأن يعلم : أن طرق المباين عن الأدلة التي يدرك بها الحق والباطل خمسة ~~أوجه : كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة وما ~~استخرج من هذه النصوص وبنى عليها بطريق القياس والاجتهاد حجج العقول . قال ~~الله تعالى آمرا باتباع كتابه والرجوع إلى بيانه : ' أفلا يتدبرون ~~PageV01P030 القرآن أم على قلوب أقفالها ' . وقال عز وجل : ' ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ' . وقال تعالى : ' إن هذا القرآن ~~يهدي للتي هي أقوم ' وقال سبحانه : ' تبيانا لكل شيء ' و ' ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء ' وقال عز وجل في المر باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم : ' ~~وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ' وقال : ' وما ينطق عن ~~الهوى إن هو إلا وحي يوحى ' وقال : ' فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ' . # وقال سبحانه في وصف عدالة أمة نبيه صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعها ، ~~والتحذير من مخالفتها : ' وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا ' وقال : ' كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر ' وقال : ' ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ' . # وقال في الأمر بالقياس والحكم بالنظائر والأمثال : ' فاعتبروا ms006 يا أولى ~~الأبصار ' وقال : ' ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم ' وقال النبي صلى الله عليه وسلم لقاضيه معاذ ابن جبل رضي ~~الله PageV01P031 عنه حين أنفذه إلى اليمن لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق : ~~بم تحكم ؟ قال : بكتاب الله عز وجل . قال : فإن لم تجد ؟ قال : بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . قال : فإن لم تجد ؟ قال : اجتهد رأيي وأحكم . ~~فقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى الله ورسوله . فأقره على ~~الحكم والاجتهاد وجعله أحد طرق الأحكام . # وقال عز وجل في الأمر باتباع حجة العقل : ' وفي أنفسكم أفلا تبصرون ' ~~وقال : ' أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ' وقال : إن في ~~خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ' وقال : ' ~~وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ' وقال تعالى : ' وهو الذي يبدأ الخلق ثم ~~يعيده وهو أهون عليه ' فأمرنا بالاعتبار والاستبصار ورد الشيء إلى مثله أو ~~الحكم له بحسب نظيره ، وهذا هو الحكم ، المعقول والتقاضي إلى أدلة العقول . # وأن يعلم : أن فرائض الدين وشرائع المسلمين ، وجميع فرائض المسلمين وسائر ~~المكلفين على ثلاثة أقسام : فقسم منها : يلزم جميع الأعيان وكل من بلغ ~~الحلم وهو : الإيمان بالله عز وجل ، والتصديق له ، ولرسله ، PageV01P032 ~~وكتبه ، وما جاء من عنده ، والعبادات على كل مكلف بعينه ؛ من نحو الصلاة ، ~~والصيام ، وما سنذكره ونفصله فيما بعد إن شاء الله . # والقسم الثاني : واجب على العلماء دون العامة ، وهو القيام بالفتيا في ~~أحكام الدين ، والاجتهاد ، والبحث عن طرق الأحكام ، ومعرفة الحلال والحرام ~~، وهذا فرض على الكفاية دون الأعيان ، فإذا قام به البعض سقط عن باقي الأمة ~~، وكذلك القول في حفظ جميع القرآن ، وما تنفذ به الأحكام من سنن الرسول ~~عليه السلام ، وغسل الميت ، ومواراته ، والصلاة عليه ، والجهاد ، ودفع ~~العدو ، وحماية البيضة وما جرى مجرى ذلك مما هو فرض على الكفاية . فإذا قام ~~به البعض سقط عن باقي الأمة ms007 . # والقسم الثالث : من الواجبات من فرائض السلطان دون سائر الرعية : نحو ~~إقامة الحدود ، واستيفاء الحقوق ، وقبض الصدقات ، وتولية الأمراء ، والقضاة ~~، والسعاة ، والفصل بين المتخاصمين ، وهذا وما يتصل به من فرائض الإمام ~~وخلفائه على هذه الأعمال دون سائر الرعية والعوام ، وليس في فرائض الدين ما ~~يخرج عما وصفناه ويزيد على ما قلناه . # وأن يعلم : أن أول ما فرض الله عز وجل على جميع العباد . النظر في آياته ~~، والاعتبار بمقدوراته ، والاستدلال عليه بآثار قدرته ، وشواهد ربوبيته ؛ ~~لأنه سبحانه غير معلوم باضطرار ، ولا مشاهد بالحواس ، وإنما يعلم وجوده ~~وكونه على ما تقتضيه أفعاله بالأدلة القاهرة ، والبراهين الباهرة . # والثاني : من فرائض الله عز وجل على جميع العباد ، الإيمان به والإقرار ~~بكتبه ورسله ، وما جاء من عنده ، والتصديق بجميع ذلك بالقلب والإقرار به ~~باللسان . # وأن يعلم : أن الإيمان بالله عز وجل هو : التصديق بالقلب ، بأنه ~~PageV01P033 الله الواحد ، الفرد ، الصمد ، القديم ، الخالق ، العليم ، ~~الذي ' ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ' . والدليل على أن الإيمان هو ~~الإقرار بالقلب والتصديق ؛ قوله عز وجل : ' وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا ~~صادقين ' يريد بمصدق لنا . ومنه قوله عز وجل : ' ذلكم بأنه إذا دعى الله ~~وحده كفرتم ، وإن يشرك به تؤمنوا ' أي تصدقوا . ويقال فلان يؤمن بالله ~~وبالبعث ؛ أي يصدق بذلك . وكذلك قولهم : فلان يؤمن بالشفاعة والقدر ، وفلان ~~لا يؤمن بذلك ، يعني به التصديق ، وبنفي الإيمان به التكذيب . وقد اتفق أهل ~~اللغة قبل نزول القرآن وبعث الرسول عليه السلام على أن الإيمان في اللغة هو ~~التصديق دون سائر أفعال الجوارح والقلوب . # والإيمان بالله تعالى يتضمن التوحيد له سبحانه ، والوصف له بصفاته ، ونفي ~~النقائض عنه الدالة على حدوث من جازت عليه . # والتوحيد له هو : الإقرار بأنه ثابت موجود ، وإله واحد فرد معبود ، ليس ~~كمثله شيء ؛ على ما قرر به قوله تعالى : ' وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم ' وقوله : ' ليس كمثله وهو السميع البصير ' . # وأنه الأول قبل جميع المحدثات . الباقي بعد المخلوقات ، على ما أخبر به ~~تعالى من قوله : ' هو ms008 الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ' ~~والعالم الذي لا يخفى عليه شيء والقادر على اختراع كل مصنوع ، وإبداع كل ~~جنس مفعول ، على ما أخبر به في قوله تعالى : ' خالق كل شيء ' ' وهو على كل ~~شيء قدير ' . PageV01P034 # وأنه الحي الذي لا يموت ، والدائم الذي لا يزول ، وأنه إله كل مخلوق ، ~~ومبدعه ومنشئه ، ومخترعه ، وأنه لم يزل مسميا لنفسه بأسمائه ، وواصفا لها ~~بصفاته ، قبل إيجاد خلقه ، وأنه قديم بأسمائه وصفات ذاته ، التي منها : ~~الحياة التي بها بان من الموت والأموات ، والقدرة التي أبدع بها الأجناس ~~والذوات ، والعلم الذي أحكم به جميع المصنوعات ، وأحاط بجميع المعلومات ، ~~والإرادة التي صرف بها أصناف المخلوقات . والسمع والبصر اللذان أدرك بهما ~~جميع المسموعات والمبصرات ، والكلام الذي به فارق الخرس والسكوت وذوي ~~الآفات ، والبقاء الذي به سبق المكونات ، ويبقى به بعد جميع الفانيات ، كما ~~أخبر سبحانه في قوله : ' ولله الأسماء ا لحسنى فادعوه بها وذروا الذين ~~يلحدون في أسمائه ' وقوله تعالى : ' أنزله بعلمه ' ' وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه ' وقوله : ' أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ~~' وقوله ' ذو القوة المتين ' فنص تعالى على إثبات أسمائه وصفات ذاته ، ~~وأخبر أنه ذو الوجه الباقي بعد تقضي الماضيات ، كما قال عز وجل ' كل شيء ~~هالك إلا وجهه ' وقال : ' ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ' واليدين ~~اللتين نطق بإثباتهما له القرآن ، في قوله عز وجل : ' بل يداه مبسوطتان ' ~~وقوله . ' ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ' وأنهما ليستا بجارحتين ، ولا ~~ذوي صورة وهيئة ، والعينين اللتين أفصح بإثباتهما من صفاته القرآن وتواترت ~~بذلك أخبار PageV01P035 الرسول عليه السلام ، فقال عز وجل : ' ولتصنع على ~~عيني ' و ' تجري بأعيننا ' وأن عينه ليست بحاسة من الحواس ، ولا تشبه ~~الجوارح والأجناس ، وأنه سبحانه لم يزل مريدا وشائيا ، ومحبا ، ومبغضا ، ~~وراضيا ، وساخطا ، ومواليا ، ومعاديا ، ورحيما ، ورحمانا . ولأن جميع هذه ~~الصفات راجعة إلى إرادته في عباده ومشيئته ، لا إلى غضب يغيره . ورضى يسكنه ~~طبعا له ، وحنق وغيظ يلحقه ، وحقد يجده ، إذ ms009 كان سبحانه متعاليا عن الميل ~~والنفور . # وأنه سبحانه راض في أزلة عمن علم أنه بالإيمان يختم عمله ويوافي به ، ~~وغضبان على من علم أنه بالكفر بختم عمله ويكون عاقبة أمره ، وقد قال تعالى ~~' فعال لما يريد ' و ' يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ' وقال : ~~إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون . وقال : ' رضى الله عنهم ~~ورضوا عنه ' ' وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ' في أمثال هذه الآيات الدالة ~~على أنه شاء ، مريد ، وأن الله جل ثناؤه مستو عن العرش ، ومستول على جميع ~~خلقه كما قال تعالى : ' الرحمن على العرش استوى ' . بغير مماسة وكيفية ، ~~ولا مجاورة ، وأنه في السماء إله في الأرض إله كما أخبر بذلك . PageV01P036 ~~وأنه سبحانه يتجلى لعباده المؤمنين في المعاد ، فيرونه بالأبصار ، على ما ~~نطق به القرآن في قوله : ' وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ' وتأكيده كذلك ~~بقوله في الكافرين : ' كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ' تخصيصا منه ~~برؤيته للمؤمنين ، والتفرقة فيما بينهم وبين الكافرين ، وعلى ما وردت به ~~السنن الصحيحة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أخبر به عن ~~موسى عليه السلام ، في قوله : ' رب أرني أنظر إليك ' ولولا علمه بجواز ~~الرؤية بالأبصار لما أقدم على هذا السؤال . # وأن يعلم : مع كونه تعالى سميعا بصيرا : أنه مدرك لجميع المدركات التي ~~يدركها الخلق : من الطعوم ، والروائح ، واللين ، والخشونة ، والحرارة ، ~~والبرودة ؛ بإدراك معين ، وأنه مع ذلك ليس بذي جوارح وحواس توجد بها هذه ~~الإدراكات . فتعالى الله عن التصوير والجوارح ، والآلات . # وأن يعلم : أنه مع إدراك سائر الأجناس من المدركات وجميع الموجودات ، غير ~~ملتذ ولا متألم بإدراك شيء منها ، ولا مشقة له منها ولا نافر عنها ، ولا ~~منتفع بإدراكها ولا متضرر بها . ولا يجانس شيئا منها ، ولا يضادها ، وإن ~~كان مخالفا لها . PageV01P037 # وأن يعلم : أنه سبحانه ليس بمغاير لصفات ذاته ، وأنها في أنفسها غير ~~متغايرات ؛ إذ كان حقيقة الغيرين ما يجوز مفارقة أحدهما الآخر بالزمان ، ~~والمكان ، والوجود والعدم . وأنه سبحانه يتعالى ms010 عن المفارقة لصفات ذاته ، ~~وأن توجد الواحدة منها مع عدم الأخرى . # وأن يعلم : أن صفات ذاته هي التي لم تزل ، ولا يزال موصوفا بها ، وأن ~~صفات أفعاله هي التي سبقها ، وكان تعالى موجودا في الأزل قبلها . # ونعتقد أن مشيئة الله تعالى ومحبته ورضاه ورحمته وكراهيته وغضبه وسخطه ~~وولايته وعداوته كلها راجع إلى إرادته ، وأن الإرادة صفة لذاته غير مخلوقة ~~، لا على ما يقوله القدرية ، وأنه مريد بها لكل حادث في سمائه وأرضه مما ~~يتفرد سبحانه بالقدرة على إيجاده ، وما يجعله منه كسبا لعباده ، من خير ، ~~وشر ، ونفع ، وضر ، وهدى ، وضلال ، وطاعة ، وعصيان ، لا يخرج حادث عن ~~مشيئته . ولا يكون إلا بقضائه وإرادته . # وأن يعلم : أن كلام الله تعالى صفة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفا به وأنه ~~قائم به ومختص بذاته ، ولا يصح وجوده بغيره ، وإن كان محفوظا بالقلوب ~~ومتلوا بالألسن ، ومكتوبا في المصاحف ، ومقروءا في PageV01P038 المحاريب ، ~~على الحقيقة لا على المجاز وغير حال في شيء من ذلك ، وأنه لو حل في غيره ~~لكان ذلك الغير متكلما به ، وآمرا وناهيا . # ومخبرا وقائلا : ' إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ' وذلك خلاف دين ~~المسلمين ، وأن كلامه سبحانه لا يجوز أن يكون جسما من الأجسام ، ولا جوهرا ~~، ، ولا عرضا ، وأنه لو كان كذلك لكان من جنس كلام البشر ، ومحدثا كهو : ~~يتعالى الله سبحانه أن يتكلم بكلام المخلوقين . # وأن يعلم : أن كلامه مسموع بالآذان ، وإن كان مخالفا لسائر اللغات ، ~~وجميع الأصوات ، وأنه ليس من جنس المسموعات ، كما أنه مرئي بالأبصار ، وإن ~~كان مخالفا لأجناس المرئيات ، وكما أنه موجود مخالف لسائر الحوادث ~~الموحودات ، وأن سامع كلامه منه تعالى بغير واسطة ولا ترجمان . كجبريل ، ~~وموسى ، ومحمد عليهم السلام حق ، سمعه من ذاته غير متلو ولا مقرره ، ومن ~~عداهم ممن يتولى الله خطابه بنفسه إنما يسمع كلامه متلوا ومقروءا ، وكذلك ~~قال الله عز وجل : ' وكلم الله موسى تكليما ' وقال : ' منهم من كلم الله ' ~~وأن قراءتنا القرآن كسب لنا نثاب عليها ، ونلام على تركها ، إذ PageV01P039 ~~وجبت ms011 علينا في الصلوات . وأنه لا يجوز أن يحكي كلام الله عز وجل ولا أن ~~يلفظ به لأن حكاية الشيء مثله وما يقاربه وكلام الله تعالى لا مثل له من ~~كلام البشر ، ولا يجوز أن يلفظ به بتكلم الخلق لأن ذلك يوجب كون كلام الله ~~تعالى قائما بذاتين قديم ومحدث وذلك خلاف الإجماع والمعقول . وأن كلام الله ~~تعالى غير متبعض ولا متغاير ، وأن الصفة هي ما قامت بالشيء وأن الوصف قول ~~الواصف الدال على الصفة خلاف ما يذهب إليه القدرية . وأنه مقدر لأرزاق جميع ~~الخلق ، وموقت لآجالهم ، وخالق لأفعالهم ، وقادر على مقدوراتهم ، وإله ورب ~~لها ، لا خالق غيره ، ولا رازق سواه ، كما أخبر تعالى في قوله : ' الله ~~الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم ' وقال تعالى : ' فإذا جاء أجلهم ~~لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ' وقال : ' هل من خالق غير الله ' ، وقال : ~~' والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ' . # وأن بيده الخير ، والشر ، والنفع ، والضر ، وأنه مقدر جميع الأفعال ، لا ~~يكون حادث إلا بإرادته ، ولا يخرج مخلوق عن مشيئته ، ما شاء كان وما لم يشأ ~~لم يكن . # وأنه فعال لما يريد ، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، لا هادي لمن أضله ~~ولا مضل لمن هداه ، كما قال : ' من يهد الله فهو المهتدي ' ' ومن يضلل الله ~~فلا هادي له ' . PageV01P040 # وأنه موفق أهل محبته وولايته لطاعته ، وخاذل لأهل معصيته ، فدل ذلك كله ~~على تدبيره وحكمته ، وأنه عادل في خلقه بجميع ما يبتليهم به ويقضيه عليهم ~~من خير ، وشر ، ونفع ، وضر ، وغنى ، وفقر ، ولذة ، وألم ، وصحة ، وسقم ، ~~وهداية ، وضلال : ' لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ' ' قل فلله الحجة البالغة ~~فلو شاء لهداكم أجمعين ' . # وأنه سبحانه يعيد العباد ، ويحيي الأموات ، وأنه يقصد يوم القيامة لفصل ~~القضاء ، ويجيء الملائكة صفا صفا ، ويمد الصراط ، ويزن الأعمال ، وأنه ~~سبحانه قد خلق الجنة والنار . # وما لا يتأتى الواجب إلا بفعله صار واجبا ؛ كالطهارة مع الصلاة ، ~~والقراءة في الصلاة ، وإمساك جزء من الليل في الصيام ، وإدخال ms012 جزء من الرأس ~~في غسل الوجه ، إلى غير ذلك مما لا يمكن تحصيل الواجب إلا به صار واجبا . # | مسألة في التفكر في مخلوقات الله لا في ذات الله # وإذا صح وجوب النظر فالواجب على المكلف النظر والتفكر في مخلوقات الله ، ~~لا في ذات الله ، والدليل عليه قوله تعالى : ' ويتفكرون PageV01P041 في خلق ~~السموات والأرض ' ولم يقل : في الخالق ، وأيضا قوله تعالى : ' أفلا ينظرون ~~إلى الإبل كيف خلقت ' فالنظر ، والتفكر ، والتكييف يكون في المخلوقات ، لا ~~في الخالق ، وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم : تفكروا في الله . وأيضا قوله ~~عليه السلام : مثل الناظر في قدر الله كالناظر في عين الشمس ، فمهما أراد ~~نظرا ازداد حيرة . وأيضا : فإن موسى عليه السلام لما سأله اللعين فرعون عن ~~ذات الله ، أجابه بأن مصنوعاته تدل على أنه إله ورب قادر ، لا إله سواه . ~~إذا نظر فيها وتأمل ولم يحدد له الذات فلا يكيفها ؛ لأنه لما قال له : ' ~~وما رب العالمين ' قال : ' رب السموات والأرض وما بينهما ' إلى أن كرر عليه ~~السؤال وأجابه بمثل الأول ، إلى آخر الآيات كلها ، فمهما سأله عن الذات ~~أجابه بالنظر في المصنوعات التي تدل على معرفته . PageV01P042 # وقيل : سئل بعض أهل التحقيق عن الله عز وجل ما هو ؟ فقال : إله واحد . ~~فقيل له : كيف هو ؟ فقال : ملك قادر ، فقيل : له أين هو ؟ فقال : بالمرصاد ~~. فقال السائل : ليس عن هذا أسألك ؟ فقال : الذي أجبتك به هو صفة الحق ، ~~فأما غيره فصفة الخلق . وأراد بذلك أن يسأله عن التكييف ، والتحديد ، ~~والتمثيل ، وذلك صفة المخلوق لا صفة الخالق ، ولأن التفكر إذا تفكر في خلق ~~السموات والأرض وخلق نفسه وعجائب صنع ربه ، أداه ذلك إلى صريح التوحيد ؛ ~~لأنه يعلم بذلك أنه لا بد لهذه المصنوعات من صانع ، قادر ، عليم ، حكيم ' ~~ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ' . # | مسألة في بيان أن العالم محدث # ويجب أن يعلم : أن العالم محدث ؛ وهو عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى ، ~~والدليل على حدوثه : تغيره من حال إلى حال ، ومن صفة إلى صفة ms013 ، وما كان هذا ~~سبيله ووصفه كان محدثا ، وقد بين نبينا صلى الله عليه وسلم هذا بأحسن بيان ~~يتضمن أن جميع الموجودات سوى الله محدثة مخلوقة ، لما قالوا له : يا رسول ~~الله : أخبرنا عن بدء هذا الأمر ؟ فقال : نعم . كان الله تعالى ولم يكن شيء ~~، ثم خلق الله الأشياء فأثبت أن كل موجود سواه محدث PageV01P043 مخلوق . ~~وكذلك الخليل عليه السلام ، إنما استدل على حدوث الموجودات بتغيرها ~~وانتقالها من حالة إلى حالة ؛ لأنه لما رأى الكوكب قال : هذا ربي ، إلى آخر ~~الآيات فعلم أن هذه لما تغيرت وانتقلت من حال إلى حال دلت على أنها محدثة ~~مفطورة مخلوقة ، وأن لها خالقا ، فقال عند ذلك وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض . # مسألة في الدليل على حدوثه وإذا صح حدوث العالم ؛ فلا بد له من محدث ~~أحدثه ، ومصور صوره ، والدليل على ذلك : أن الكتابة لا بد لها من كاتب ~~كتبها ، والصورة لا بد لها من مصور صورها ، والبناء لا بد له من بان بناه . ~~فإنا لا نشك في جهل من أخبرنا بكتابة حصلت بنفسها لا من كاتب ، وصناعة لا ~~من صانع ، وحياكة لا من ناسج . وإذا صح هذا وجب أن تكون صور العالم وحركات ~~الفلك PageV01P044 متعلقة بصانع صنعها ، ومحدث أحدثها ، إذ كانت ألطف وأعجب ~~صنعا من سائر ما يتعذر وجوده إلا من صانع . # دليل ثان : ويدل على ذلك أيضا : علمنا بتقدم الحوادث بعضها على بعض ، ~~وتأخر بعضها عن بعض ، مع علمنا بتجانسها وتشاكلها ، فلا يجوز أن يكون ~~المتقدم منها متقدما لنفسه ؛ لأنه لو تقدم لنفسه لوجب تقديم كل ما هو من ~~جنسه معه ، وكذلك المتأخر منها ، لو تأخر لنفسه وجنسه لم يكن المتقدم منها ~~بالتقدم أولى منه بالتأخر ، وفي علمنا بأن المتقدم من المتماثلات بالتقدم ~~أولى من بالتأخر ، دليل على أن له مقدما قدمه ، وعاجلا عجله في الوجود ، ~~مقصورا على مشيئته . # ويدل على صحة ذلك أيضا : علمنا بأن الصور الموجودة ؛ منها ما هو مربع ، ~~ومنها ما هو مدور ، ومنها شخص أطول من شخص ، وآخر ms014 أعرض من آخر ؛ مع تجانسها ~~، ولا يجوز أن يكون المربع منها ربع نفسه ، ولا المطول منها طول نفسه ، ولا ~~القبيح منها قبح نفسه ، ولا الحسن منها حسن نفسه ، فلم يبق إلا أن لها ~~مصورا صورها ؛ طويلة ، وقصيرة ، وقبيحة ، وحسنة ، على حسب إرادته ومشيئته . # ويدل على صحة ما ذكرناه : أن الموجودات لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها ، ~~أنا وجدنا منها الموت والأعراض ، أعني الجمادات التي لا حياة PageV01P045 ~~فيها ، لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها ولا لغيرها ، لأن من شرط الفاعل أن ~~يكون حيا ، قادرا ، فبطل كونها محدثة لنفسها بل لها محدث أحدثها . # ويدل على صحة ذلك أيضا : أنا وجدنا أنفس الموجودات في العالم ، الحي ~~القادر العاقل المحصل ، وهو الآدمي ، ثم أكمل ما تكون . تعلم وتحقق أنه كان ~~في ابتداء أمره نطفة ميتة ، لا حياة فيها ولا قدرة ، ثم نقل إلى العلقة ، ~~ثم إلى المضغة ، ثم من حال إلى حال ، ثم بعد خروجه حيا من الأحشاء إلى ~~الدنيا . تعلم وتحقق أنه كان في تلك الحالة جاهلا بنفسه وتكييفه ، وتركيبه ~~، ثم بعد كمال عقله وتصوره وحذقه وفهمه لا يقدر في حال كماله أن يحدث في ~~بدنه شعرة ولا شيئا ، ولا عرقا فكيف يكون محدثا لنفسه ومنقلا لها في حال ~~نقصه من صورة إلى صورة ومن حالة إلى حالة وإذا بطل ذلك منه في حال كماله ~~كان أولى أن يبطل ذلك منه في حال نقسه ، ولم يبق إلا أن له محدثا أحدثه ، ~~ومصورا صوره ومنقلا نقله ؛ وهو الله سبحانه وتعالى . # | مسألة ي بيان أن صانع العالم لا يشبهه # وإذا ثبت أن للعالم صانعا صنعه ، ومحدثا أحدثه ، فيجب أن يعلم أنه لا ~~يجوز أن يكون مشبها للعالم المصنوع المحدث ؛ لأنه لو جاز ذلك لم يخل : إما ~~أن يشبهه في الجنس ، أو في الصورة ، ولا يجوز أن يكون مشبها له في الجنس ؛ ~~لأنه لو أشبهه في الجنس لجاز أن يكون محدثا كالعالم PageV01P046 المحدث ، ~~أو يكون العالم قديما كهو . لأن حقيقة المشتبهين المتجانسين : ما سد أحدهما ~~مسد ms015 الآخر وناب منابه ، وجاز عليه ما يجوز عليه ، ولا يجوز أن يكون يشبه ~~العالم في الصورة لأن حقيقة الصورة هي الجسم المؤلف ، والتأليف لا يكون إلا ~~من شيئين فصاعد ؛ ولأنه لو كان صورة لا تحتاج إلى مصور صوره ، لأن الصورة ~~لا تكون إلا من مصور على ما قدمنا بيانه ، وقد بين ذلك تعالى بأحسن بيان ~~فقال تعالى : ' أفمن يخلق كمن لا يخلق ' وقد سئل بعض أهل التحقيق عن ~~التوحيد ما هو ؟ فقال : هو أن تعلم أنه باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم . # وقال الجنيد رضي الله عنه : التوحيد إفراز القدم عن الحدوث ، فأحكموا ~~أصول العقائد بواضح الدليل ولايح الشواهد . # وقال أبو محمد الحريري رضي الله عنه : من لم يقف على علم التوحيد يشاهده ~~من شواهده ، زلت به قدم الغرور في مهواة التلف . # وقال الجنيد : أول ما يحتاج إليه المكلف من عقد الحكمة : أن يعرف الصانع ~~من المصنوع ، فيعرف صفة الخالق من المخلوق ، وصفة القديم من المحدث . ~~PageV01P047 # وسئل أبو بكر الزاهد رضي الله عنه عن المعرفة ما هي ؟ فقال : المعرفة اسم ~~، ومعناه : وجود تعظيم في القلب ، يمنعك عن التعطيل والتشبيه . # وقيل لأبي الحسن البوشنجي : ما التوحيد ؟ فقال : أن تعلم أنه غير مشبه ~~بالذوات ولا منفي الصفات . # | مسألة في بيان أن صانع العالم أزلي أبدي # وإذا ثبت أن صانع الموجودات ومحدثها لا يجوز أن يكون يشبهها ، فيجب أن ~~تعلم أن محدث العالم قديم ، أزلي لا أول لوجوده . ولا آخر لدوامه . والدليل ~~على صحة ذلك : أنه لو لم يكن قديما كما ذكرنا لكان محدثا ، ولو كان محدثا ~~لاحتاج إلى محدث أحدثه ؛ لأن غيره من الحوادث إنما احتاجت إلى محدث لأنها ~~محدثة . ولو كان ذلك كذلك لاحتاج كل محدث إلى محدث آخر ، إلى ما لا نهاية ~~له ولا غاية ، ولما بطل ذلك صح كونه قديما أزليا . PageV01P048 # وبمثل هذا الدليل : يستدل على بطلان قول من زعم من أهل الدهر أن الحوادث ~~لا أول لوجودها ، فافهمه ترشد ، إن شاء الله تعالى . # | مسألة في وحدانية الله والدليل على ms016 ذلك # ويجب أن يعلم : أن صانع العالم جلت قدرته واحد أحد ؛ ومعنى ذلك : أنه ليس ~~معه إله سواه ، ولا من يستحق العبادة إلا إياه ، ولا نريد بذلك انه واحد من ~~جهة العدد ، وكذلك قولنا أحد ، وفرد وجود ذلك إنما نريد به أنه لا شبيه له ~~ولا نظير ، ونريد بذلك أن ليس معه من يستحق الالهية سواه ، وقد قال تعالى : ~~' إنما الله إله واحد ' ومعناه : لا إله إلا الله . # والدليل على أن صانع العالم على ما قررناه : قوله تعالى : ' لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا ' والدليل المعقول مستنبط من هذا النص المنقول ، فإنا ~~نرى الأمور تجري على نمط واحد ، في السموات والأرض وما فيهما من شمس وقمر ~~وغير ذلك . ولو كانا اثنتين أو أكثر فلا بد أن يجري خلاف أو تغير من أحدهما ~~على الآخر ، وقد بينه سبحانه وتعالى فقال : PageV01P049 ' قل لو كان معه ~~آلهة كما يقولون ' إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ' سبحانه وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا . # وأيضا : فلو جاز أن يكون اثنين أو أكثر فيريد أحدهما شيئا ويريد الآخر ~~ضده ، فلا يخلو أن يتم مرادهما ، أو يتم مراد أحدهما دون الآخر ، ولا يجوز ~~أن يتم مرادهما ؛ لأن في إتمام مراد أحدهما عجز الآخر ، لأنه تم ما لا يريد ~~، وفي ذلك تعجيز لكل واحد منهما ؛ لأنه تم ما لا يتم مراد واحد منهما ، فقد ~~ثبت عجزهما أيضا . ومن يكون عاجزا فليس بالإله ، أو يتم مراد أحدهما دون ~~الآخر ؛ فالذي تم مراده هو الإله ، والذي لم يتم عاجز ليس بالاله ، فلم يكن ~~إلا إله واحد كما ذكرنا . # فإن قيل : فيجوز أن لا يختلفا في الإرادة . قلنا : هذا القول يؤدي إلى ~~أحد أمرين : إما أن يكون ذلك لقول أحدهما للآخر لا ترد إلا ما أريد ، فيصير ~~أحدهما آمرا والآخر مأمورا ، والمأمور لا يكون إلها ، والآمر على الحقيقة ~~هو الإله ، أو يكون كل واحد منهما لا يقدر أن يريد إلا ما أراده الآخر ولو ~~كان كذلك دل على عجزهما ؛ إذ لم ms017 يتم مراد واحد منهما إلا بإرادة الآخر معه ~~. وإذا ثبت هذا بطل أن يكون الإله إلا واحدا على ما قررناه : PageV01P050 # | مسألة في صفةالحياة والدليل على ذلك # ويجب أن يعلم أن الباري جلت قدرته حي . وهذه المسألة أول مسائل قول الشيخ ~~موصوف بما وصف به نفسه في كتابه ، وعلى لسان نبيه فنقول الباري يوصف ~~بالحياة . # والدليل عليه قوله تعالى : ' الحي القيوم ' وقوله تعالى : ' وتوكل على ~~الحي الذي لا يموت ' . وأيضا : فإن الفعل يستحيل وجوده من الموات الذي لا ~~حياة له ، والله تعالى فاعل الأشياء ومنشئها ، فوجب أن يكون حيا . # | مسألة في صفة القدرة والدليل على ذلك # ويجب أن يعلم : أنه تعالى قادر على جميع المقدورات . PageV01P051 # والدليل عليه قوله تعالى : ' وهو على كل شيء قديره ' ولأنا نعلم قطعا ~~استحالة صدور الأفعال من عاجز لا قدرة له ، ولما ثبت أنه فاعل الأشياء ثبت ~~أنه قادر . # | مسألةفي صفة العلم والدليل عليه # ويجب أن يعلم : أنه تعالى عالم بجميع المعلومات . # والدليل عليه قوله تعالى : ' أنزله بعلمه ' وقوله تعالى : ' يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ' وقوله تعالى : ' يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ' . ~~وقوله تعالى : ' ويعلم ما في السموات وما في الأرض ' وقوله تعالى : ' ~~فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ' إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى . ~~PageV01P052 # وأيضا : فيدل على أنه عالم : صدور الأفعال الحكيمة المتقنة الواقعة على ~~أحسن ترتيب ونظام وإحكام وإتقان ، وذلك لا يحصل إلا من عالم بها ، ومن جوز ~~صدور خط معلوم منظوم مرتب من غير عالم بالخط ، كان عن المعقول خارجا ، وفي ~~عمل الجهل والجاهل ويدل على صحة ذلك أيضا : أنه حي ، قادر ، عالم ، أنا لو ~~جوزنا صدور أفعال محكمة متقنة من غير حي ، عالم ، قادر ، لم ندر لعل جميع ~~ما يظهر لنا من أفعال الناس من الكتابة والصناعة وسائر الصنائع لعلها لنا ~~منهم وهم أموات عجزة جهلة ، ولعل لنا في هذه المسألة المناظر عليها ميت ~~عاجز . # | مسألةفي صفة الإرادة والدليل على ذلك # ويجب أن يعلم : أن الله مريد على الحقيقة لجميع ms018 الحوادث ، PageV01P053 ~~والمرادات ، والدليل عليه قوله تعالى : ' فعال لما يريد ' . وقوله تعالى : ~~' يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله ~~على ما هداكم ولعلكم تشكرون ' وقوله تعالى : ' والله يريد الآخرة ' ~~PageV01P054 . وقوله تعالى : ' يريد الله أن يخفف عنكم ' وقد قيل في بعض ~~الآثار : أنه تعالى يقول : يا ابن آدم ؛ تريد وأريد ، ولا يكون إلا ما أريد ~~. # ويدل على أنه مريد من جهة العقل : ترتيب الأفعال واختصاصها بوقت دون وقت ~~، ومكان دون مكان ، وزمان دون زمان ؛ وكذلك يدل على أنه أراد أن يكون هذا ~~قبل هذا ، وهذا بعد هذا ، وهذا على صفة ، والآخر على صفة غيرها ، وهذا من ~~مكان ، وهذا من مكان آخر ، إلى غير ذلك . # | مسألة في كونه سميعا بصيرا والدليل عليهما # ويجب أن يعلم : أنه سميع لجميع المسموعات ، بصير لجميع المبصرات . ~~PageV01P055 # والدليل عليه قوله تعالى : ' وهو السميع البصير ' . وقوله تعالى : ' أم ~~يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون ' وقوله تعالى : ~~' قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ، والله يسمع ~~تحاوركما إن الله سميع بصير ' . وقوله تعالى : ' ألم يعلم بأن الله يرى ' ~~وأيضا : فإنه لو لم يوصف بالسمع والبصر لوجب أن يوصف بضد ذلك ، من الصمم ~~والعمى ، والله يتعالى عن ذلك علوا كبيرا . # # | مسألة في صفة الكلام # ويجب أن يعلم : أن الله تعالى متكلم ، وأن كلامه غير مخلوق ولا ~~PageV01P056 محدث . والدليل عليه قوله تعالى : ' منهم من كلم الله ' وقوله ~~تعالى : ' وكلم الله موسى تكليما ' وقوله تعالى : ' وتمت كلمة ربك ' . ~~وقوله صلى الله عليه وسلم : فضل كلام الله على كلام الخلق كفضل الخالق على ~~المخلوق . ولا يتصف ببداية ولا نهاية ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعوذ ~~الحسن والحسين فيقول : أعيذكما بكلمات الله التامة العامة . ومحال أن يعوذ ~~مخلوق بمخلوق ، فثبت أنه عوذ مخلوقا بغير مخلوق ، إلى غير ذلك من الآيات ~~والأخبار . ولأنه لو لم يكن متكلما لوجب أن يوصف بضد الكلام ؛ من الخرس ~~والسكوت والعي ، والله يتعالى عن ذلك . PageV01P057 # | مسألة في ms019 صفة البقاء والدليل عليه # ويجب أن يعلم : أن الله سبحانه باق . ومعنى ذلك : أنه دائم الوجود . # والدليل عليه قوله : ' ويبقى وجه ربك ' يعني ذات ربك وأيضا قوله تعالى : ~~' كل شيء هالك إلا وجهه ' يعني ذاته ، ولأنه قد ثبت قدمه وما ثبت قدمه ~~استحال عدمه . # # | مسألة في بيان أن صفات الله قديمة مع ذكر متعلقاتها ونصب الأدلة على ~~ذلك # ويجب أن يعلم : أن الباري عالم بعلم قديم متعلق بجميع المعلومات ، ولا ~~يوصف علمه بأنه مكتسب ولا ضروري ، وأنه قادر بقدرة قديمة شاملة لجميع ~~المقدورات ، مريد بإرادة قديمة متعلقة بجميع الكائنات ، سميع بسمع قديم ~~متعلق بجميع المسموعات ، بصير ببصر قديم متعلق بجميع المبصرات ، متكلم ~~وكلامه قديم متعلق بجميع المأمورات والمنهيات ، PageV01P058 والمخبرات . ~~فعلمه سبحانه وتعالى لا يوصف بالضرورة والكسب ؛ لأن ذلك صفات علم الخلق . ~~وقدرته لا توصف بالاستطاعة ؛ لأن ذلك صفات الخلق ، وسمعه لا يوصف بأنه يقوم ~~بالحواس كسمع الخلق ، وبصره لا يوصف بأن يقوم بالآماق كبصر الخلق ، وكلامه ~~لا يوصف بالجوارح والأدوات ؛ لأن ذلك صفات كلام الخلق . بل صفات ذاته قديمة ~~أزلية ، لم يزل موصوفا بها ، ولا يزال كذلك ، لا تشبه بصفات المخلوقين ، ~~ولا يقال إنها هو ولا غيره ، ولا صفاته متغايرة في أنفسها . # والدليل على هذه الجملة : قوله تعالى : ' ليس كمثله شيء ' وقوله تعالى : ~~' لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ' فكما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق ~~، فكذلك علمه لا يشبه علم الخلق ، ولا يوصف بصفة علم الخلق ، وكذلك قدرته ~~وإرادته : لا تشبه قدرة الخلق ولا إرادتهم ، ولا يوصف شيء من صفاته بصفات ~~الخلق ، فاعلم ذلك وتحققه توفق للصواب ، بمشيئة الله تعالى . والدليل على ~~أن صفاته لا يقال لها هي هو : أنها لو كانت هي هو PageV01P059 لكانت خالقة ~~فاعلة مثله ، فلا يجوز أن يقال هي هو . ويدل على صحة هذا المعنى قول علي ~~عليه السلام في القرآن : ليس بخالق ولا مخلوق . لأنه لو جعله خالقا كان ~~إلها ثانيا مع الله ، ولو جعله مخلوقا لوجب أن يكون الباري موجودا ms020 بلا كلام ~~ثم خلق كلامه بعد ، وذلك لا يصح ؛ لأن صفات ذاته قديمة بقدم ذاته . # فإن قيل : فليس ثم إلا خالق أو مخلوق . قلنا : نعم : ولكن خالق قديم ~~بصفات ذاته ومخلوق حادث بصفات ذاته التي توجد بعد أن لم تكن ، وتعدم بعد أن ~~كانت ، وصفات القديم لا تتصف بوجود بعد عدم ، ولا بالعدم بعد الوجود ، ~~وإنما قلنا إن صفات ذاته ليست بأغيار له ، ولا هو غير لصفاته ، ولا صفاته ~~متغايرة في أنفسها ؛ لأن حد الغيرين ما يجوز مفارقة أحدهما الآخر ؛ إما ~~بزمان أو بمكان ، وهذا يستحيل تصويره في الله تعالى وصفات ذاته . فافهم ~~وتزيد التحقيق ، وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين آمين يا رب العالمين . ~~PageV01P060 # | مسألة في إثبات صفة الغضب والرضى والحب والبغض والولاء والعداء # فإن قيل : قد أثبتم أنه حي عالم قادر سميع بصير متكلم ، أفتقولون : إنه ~~يغضب ويرضى ، ويحب ، ويبغض ، ويوالي ، ويعادي ، وأنه موصوف بذلك ؟ قيل لهم ~~: أجل ، ومعنى وصفه بذلك : أن غضبه على من غضب عليه ، ورضاه عمن رضى عنه ، ~~وحبه لمن أحب ، وبغضه لمن أبغض ، وموالاته لمن والى ، وعداوته لمن عادى ، ~~أن المراد بجميع ذلك : إرادته إثابة من رضى عنه وأحبه وتولاه . وعقوبة من ~~غضب عليه وأبغضه وعاداه ، لا غير . # ويدل على هذه الجملة : أنه يوصف بالغضب ، قوله تعالى : ' ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ' وقوله تعالى : ' والخامسة ~~أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ' إلى غير ذلك من الآيات . # ويدل على أنه يوصف بالحب : قوله تعالى : ' إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين ' وقوله : ' يحبهم ويحبونه ' . وقوله : ' والله يحب المحسنين ' ~~إلى غير ذلك . # ويدل على أنه يوالي : قوله تعالى : ' والله ولي المؤمنين ' وقوله : ~~PageV01P061 ' إنما وليكم الله ورسوله ' وقوله صلى الله عليه وسلم : يقول ~~الله تعالى من آذى لي وليا إلى غير ذلك من الآيات والأخبار . # ويدل على أنه يعادي : قوله تعالى : ' فإن الله عدو للكافرين ' وقوله : ' ~~لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ' إلى غير ذلك من الآيات والآثار . # ويدل أنه يبغض : قوله ms021 صلى الله عليه وسلم : ثلاثة يبغضهم الله تعالى : ~~شيخ زان ؛ وبائع حلاف ؛ وفقير مختال . # | مسألة في الدليل على إثبات الرضا والرحمة والسخط والحب والعداوة ~~والموالاة والبغض في حقه تعالى # فإن قيل : فما الدليل على أن غضب الله سبحانه ورضاه ، ورحمته ، وسخطه ، ~~وحبه وعداوته ، وموالاته وبغضه إنما هو إرادته لإثابة من رضى عنه وأحبه ~~ووالاه ونفعه ، وأن غضبه ، وسخطه ، وبغضه ، وعداوته إنما هو إرادة عقاب من ~~غضب عليه وسخط وعادى وإيلامه وضرره ؟ . # قيل له : الدليل على ذلك : أن الغضب والرضا ونحو ذلك لا يخلو ؛ إما أن ~~يكون المراد به إرادته النفع والضرر فقط ، أو يكون المراد به نفور الطبع ~~وتغيره عند الغضب ، ورقته وميله وسكوته عند الرضا ، فلما لم يجز أن يكون ~~الباري جلت قدرته ذا طبع يتغير وينفر ، ولا ذا طبع يسكن ويرق ، وأن هذه من ~~صفات المخلوقين ، وهو يتعالى عن جميع ذلك : ثبت أن المراد بغضه ، ورضاه ، ~~ورحمته ، PageV01P062 وسخطه إنما هو إرادته وقصده إلى نفع من كان في معلومه ~~أنه ينفعه ، وضرر من سبق في علمه وخبره أنه يضره لا غير ذلك . # # | مسألةفي بيان إخالة اتصاف الباري بالشهوة التي هي بمعنى شوق النفس ~~وميلها # فإن قيل : فهل يجوز أن يوصف بالشهوة ؟ قيل له : إن أراد السائل بوصفه ~~بالشهوة إرادته لأفعاله فذلك صحيح من طريق المعنى غير أنه أخطأ وخالف الأمة ~~في وصف القديم بالشهوة ؛ إذ لم يرد بذلك كتاب ولا سنة ، لأن أسماءه تعالى ~~لا تثبت قياسا ، وهو معنى قول الشيخ PageV01P063 رضي الله عنه : لا مدخل ~~للعقل والقياس في إيجاب معرفته ، وتسميته ، وإنما يعلم ذلك بفضله من جهته . ~~يعني : إما بنص كتاب ، أو سنة . وإن أراد هذا السائل أن يصفه بالشهوة التي ~~هي شوق النفس وميل الطبع إلى المنافع واللذات فذلك محال ممتنع على القديم ~~سبحانه وتعالى ، بما قدمنا ذكره من قبل . # | مسألة في إحالة إتصاف الباري بسماة النقص في حقه جلت صفاته # ويجب أن يعلم : أن كل ما يدل على الحدوث أو على سمة النقص فالرب تعالى ~~يتقدس ms022 عنه . فمن ذلك : أنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات ، والاتصاف ~~بصفات المحدثات ، وكذلك لا يوصف بالتحول ، والانتقال ، ولا القيام ، ~~والقعود ؛ لقوله تعالى : ' ليس كمثله شيء ' وقوله : ' ولم يكن له كفوا أحد ~~' ولن هذه الصفات تدل على الحدوث ، والله تعالى يتقدس عن ذلك فإن قيل أليس ~~قد قال : ' الرحمن على العرش استوى ' . قلا : بلى . قد قال ذلك ، ونحن نطلق ~~ذلك وأمثاله على ما جاء في الكتاب والسنة ، لكن ننفي عنه أمارة الحدوث ، ~~ونقول : استواؤه لا يشبه استواء PageV01P064 الخلق ، ولا نقول إن العرش له ~~قرار ، ولا مكان ، لأن الله تعالى كان ولا مكان ، فلما خلق المكان لم يتغير ~~عما كان . # وقال أبو عثمان المغربي يوما لخادمه محمد المحبوب : لو قال لك قائل : أين ~~معبودك ؟ ماذا كنت تقول له ؟ فقال : أقول حيث لم يزل ولا يزول . قال : فإن ~~قال : فأين كان في الأزل ؟ ماذا تقول ؟ فقال : أقول حيث هو الآن . يعني : ~~إنه كما كان ولا مكان . # وقال أبو عثمان : كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة ، فلما قدمت بغداد وزال ~~ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابنا : إني قد أسلمت جديدا . # وقد سئل الشبلي عن قوله تعالى : ' الرحمن على العرش استوى ' فقال : ~~الرحمن لم يزل ولا يزول ، والعرش محدث ، والعرش بالرحمن استوى . # وقال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : من زعم أن الله تعالى ~~PageV01P065 في شيء أو من شيء ، أو على شيء ، فقد أشرك ؛ لأنه لو كان على ~~شيء لكان محمولا ، ولو كان في شيء لكان محصورا ، ولو كان من شيء لكان محدثا ~~، والله يتعالى عن جميع ذلك . # | مسألة في بيان ان الحوادث كلها مخلوقة والدليل على ذلك # ويجب أن يعلم : أن الحوادث كلها مخلوقة لله تعالى ، نفعها وضرها ، ~~إيمانها وكفرها ، طاعتها ، ومعصيتها . # والدليل على ذلك : قوله تعالى : ' والله خلقكم وما تعملون ' وأيضا فإن ~~الله تعالى رد على الكفار لما ادعوا معه شركاء في الاختراع ، فقال تعالى : ~~' أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ، فتشابه الخلق عليهم ، قل الله خالق كل ~~شيء ، وهو الواحد القهار ' وقال ms023 تعالى : ' هو الذي يسيركم في البر والبحر ' ~~، فأخبر تعالى أنه خالق لسيرنا ؛ وهي الحركات والسكنات . PageV01P066 وقال ~~تعالى : ' هل من خالق غير الله ' وقال النبي صلى الله عليه وسلم : الله ~~خالق كل صانع وصنعته . وأجمعت الأمة على القول : بأن لا خالق إلا الله في ~~الدارين ، كما أجمعوا أن لا إله غيره . # | مسألة في بيان أن كل شيء يحصل بمشيئة الله وإرادته والدليل على ذلك # ويجب أن يعلم أن الحوادث كلها تقع مرادة لله تعالى ، وأنه لا يتصور أن ~~يوجد في الدنيا والآخرة شيء لم يرده تعالى ؛ من نفع ، وضر ، ورزق ، وأجل ، ~~وطاعة ، ومعصية ، إلى غير ذلك من سائر الموجودات . والدليل على ذلك : ما ~~بيناه من قبل ، وأنه خالق لها ، وإذا صح ذلك ترتب عليه أنه مريد لما خلق ، ~~قاصد إلى إبداع ما اخترع ، ويدل على ذلك أيضا : قوله تعالى : ' ولو شاء ~~الله لجمعهم على الهدى ' وقوله تعالى : PageV01P067 ' فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام ، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد ~~في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ' وقوله تعالى : ' ولو ~~أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما ~~كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ' وقوله تعالى : ' ولو ~~شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ' ~~وقوله تعالى : ' ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين ' والآيات في هذا المعنى في القرآن لا تحصى ~~عددا . وأيضا : فإن الأمة قد أجمعت على القول بإطلاق هذه الكلمة : ما شاء ~~الله كان . وما لم يشأ لم يكن وأيضا فإنه لو أراد شيئا وأراد غيره شيئا ~~فوجد مراد غيره دون مراده كان ذلك دليل العجز والغلبة ، والله يتعالى عن ~~ذلك . # وقال بعض أهل التحقيق : والله ما قالت القدرية كما قال الله تعالى ولا ~~كما قال النبيون ولا كما قال أهل الجنة ، ولا كما قال أهل النار ، ولا ms024 كما ~~قال أخوهم إبليس ؛ لأن الله تعالى قال : ' يضل من يشاء ويهدي من يشاء ' ~~وقال : ' وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ' . # وقال شعيب : ' وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ' وقال ~~موسى عليه السلام : إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ~~PageV01P068 أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين وقال نبينا صلى ~~الله عليه وسلم : قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله وقال أهل ~~الجنة : الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد ~~جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون وقال ~~أهل النار : ربنا غلبت علينا شقوتنا وقال أيضا : بلى ولكن حقت كلمة العذاب ~~على الكافرين وقال إبليس : رب بما أغويتني وقد قال تعالى : ' وإذا أراد ~~الله بقوم سوءا فلا مرد له ' . # | مسألة في الإرادة والمشيئة والاختيار والرضى والمحبة # واعلم : أنه لا فرق بين الإرادة ، والمشيئة ، والاختيار ، والرضى ، ~~والمحبة على ما قدمنا . واعلم : أن الاعتبار في ذلك كله بالمآل لا بالحال ، ~~فمن رضى سبحانه عنه لم يزل راضيا عنه ، لا يسخط عليه أبدا ، وإن كان في ~~الحال عاصيا . ومن سخط عليه فلا يزال ساخطا عليه ولا يرضى عنه أبدا ، وإن ~~كان في الحال مطيعا . # ومثال ذلك : أنه سبحانه وتعالى لم يزل راضيا عن سحرة فرعون ، وإن كانوا ~~في حال طاعة فرعون على الكفر والضلال ، لكن لما آمنوا في المآل ؛ بان بأنه ~~تعالى لم يزل راضيا عنهم ، وكذلك الصديق ، والفاروق رضي الله عنهما لم يزل ~~راضيا عنهما في حال عبادة الأصنام ، لعلمه بمآل أمرهما وما يصير إليه من ~~التوحيد ونصر الرسول والجهاد في سبيل الله تعالى . # وكذلك لم يزل ساخطا على إبليس ، وبلعم ، وبرصيص ، في حال عبادتهم ؛ لعلمه ~~بمآلهم وما يصير إليه حالهم . PageV01P069 # وقد سئل الجنيد رضي الله عنه عن قوله تعالى : ' إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى ' فقال : هم قوم سبقت لهم العناية في البداية ، فظهرت لهم الولاية ms025 ~~في النهاية . # | مسألة في كسب العبد والدليل على ذلك # ويجب أن يعلم : أن العبد له كسب ، وليس مجبورا بل مكتسب لأفعاله ؛ من ~~طاعة ومعصية ؛ لأنه تعالى قال : ' لها ما كسبت ' يعني من ثواب طاعة ' ~~وعليها ما اكتسبت ' يعني من عقاب معصية . وقوله : ' بما كسبت أيدي الناس ' ~~وقوله : ' وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ' وقوله : ' ولو يؤاخذ ~~الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ~~، فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ' . # ويدل على صحة هذا أيضا : أن العاقل منها يفرق بين تحرك يده جبرا وسائر ~~بدنه عند وقوع الحمى به ، أو الارتعاش ، وبين أن يحرك هو عضوا من ~~PageV01P070 أعضائه قاصدا إلى ذلك باختياره ، فأفعال العباد هي كسب لهم وهي ~~خلق الله تعالى . فما يتصف به الحق لا يتصف به الخلق ، وما يتصف به الخلق ~~لا يتصف به الحق ، وكما لا يقال لله تعالى إنه مكتسب ، كذلك لا يقال للعبد ~~إنه خالق . # | مسألة في الاستطاعة له والدليل على ذلك # ويجب أن يعلم : أن الاستطاعة للعبد تكون مع الفعل لا يجوز تقديمها عليه ~~ولا تأخيرها عنه ، كعلم الخلق وإدراكهم ، لا يجوز تقديم العلم على المعلوم ~~، ولا الإدراك ، على المدرك . # والدليل على ذلك : قوله تعالى ؛ ' وكانوا لا يستطيعون سمعا ' يعني قبولا ~~عند الدعوة . يعني : أنه لم يكن لهم استطاعة عند مفارقة الدعوة ، فيحصل ~~معها القبول ، وأيضا قوله تعالى : ' إنك لن تستطيع معي صبرا ' وقول إبراهيم ~~عليه السلام : رب اجعلني مقيم الصلاة فلو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكان ~~يقول : قد جعلتك مقيما ، ولم يكن لسؤاله معنى ؛ لأنه سئل في شيء قد أعطيه ~~وهو قادر عليه . وأيضا قوله تعالى : ' إياك نعبد وإياك نستعين ' فلو كانت ~~الاستطاعة قبل الفعل لم يكن للسؤآل فيها معنى ، ولأن القدرة الحادثة لو ~~تقدمت على الفعل لوجد الفعل بغير قدرة ؛ لأنها عرض ، والعرض لا يبقى ، ولا ~~يصح أن يوجد بعد الفعل . وأيضا : لأنه يكون فاعلا من غير قدرة ، فلم يبق ~~إلا أنها ms026 مع الفعل . PageV01P071 # | مسألة في رؤية العبد لربه في الآخرة والدليل على ذلك # ويجب أن يعلم : أن الرؤية جائزة عليه سبحانه وتعالى ، من حيث العقل ، ~~مقطوع بها للمؤمنين في الآخرة ؛ تشريفا لهم وتفضلا ، لوعد الله تعالى لهم ~~بذلك . # والدليل على جوازها من حيث العقل : سؤال موسى عليه السلام ، حيث قال ' رب ~~أرني أنظر إليك ' . ويستحيل أن يسأل نبي من أنبياء الله تعالى مع جلالة ~~قدره وعلو مكانه ما لا يجوز عليه سبحانه ، ولولا أنه اعتقد جوازها لما ~~سألها ، ولأنه تعالى علقها باستقرار الجبل ، ومن الجائز استقرار الجبل ، ~~ويدل عليه أيضا : أنه موجود ، والموجود يصح أن يرى . # وأما الدليل على ثبوتها من طريق الكتاب والسنة : قوله تعالى : ' تحيتهم ~~يوم يلقونه سلام ' واللقاء إذا قرن بالتحية لا يقتضي إلا الرؤية . وأيضا ~~قوله تعالى : ' للذين أحسنوا وزيادة ' قال أبو بكر الصديق رضي PageV01P072 ~~الله عنه : الزيادة النظر إلى وجهه الكريم وقد ذكر مرفوعا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . وقوله تعالى : ' وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ' ~~والمراد بقوله ' ناضرة ' أنها مشرقة ، والمراد بقوله ' إلى ربها ناظرة ' ~~أنها لربها رائية ؛ لأن النظر إذا عدى بكلمة إلى اقتضى الرؤية نصا ، كقوله ~~تعالى : ' فانظر إلى طعامك وشرابك ' وقوله تعالى : ' أفلا ينظرون إلى الإبل ~~كيف خلقت ' وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله وزيادة قال : هي النظر ~~إلى وجه الله تعالى بلا كيف . وأيضا : فإن الصحابة لما سألوه صلى الله عليه ~~وسلم هل نرى ربنا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ترون ربكم عيانا كما ترون ~~القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته . وروى : لا تضامون في رؤيته وروى : ~~لا يلحقكم ضرر ولا ضيم في رؤيته . ومعنى ذلك : أنه صلى الله عليه وسلم شبه ~~الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي ؛ فكأنه صلى الله عليه وسلم شبه الرؤية ~~بالرؤية ؛ وأن الرائي المعاين للقمر ليلة البدر ليلة أربع عشرة لا يشك في ~~أن الذي يراه قمر . فكذلك الناظر إليه سبحانه وتعالى في الجنة لا يشك أن ~~الذي يراه سبحانه PageV01P073 وتعالى ms027 بلا تكييف ، ولا تشبيه ، ولا تحديد ، ~~وهذا كما يقول القائل : أعرف صدقك كما أعرف النهار ، ورأيت زيدا كما رأيت ~~الشمس . ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم : إن الله يتجلى للخلق ~~عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة . # | مسألة في الثواب والعقاب والدليل على ذلك # ويجب أن يعلم : أن الطاعة ليست بعلة الثواب ، ولا المعصية علة للعقاب ، ~~ولا يجب لأحد على الله تعالى ، بل الثواب وما أنعم به على العبد فضل منه ، ~~والعقاب عدل منه . ويجب على العبد ما أوجبه الله تعالى عليه ، ولا موجب ولا ~~واجب على الله . # والحسن ما وافق الأمر من الفعل ، والقبيح ما وافق النهي من الفعل ، وليس ~~الحسن حسنا من قبل الصورة ، ولا القبيح قبيحا من قبل الصورة . PageV01P074 # والدليل على الفصل الأول : أنه لا واجب عليه لأحد من الخليقة ، وأن حقيقة ~~الواجب ما استوجب من وجب عليه الذم بتركه ، والرب تعالى عن الذم علوا كبيرا ~~. ويدل على صحة ذلك أيضا قوله تعالى : ' ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~من فضله ' فأعلم أن ذلك بفضله لا بالعمل . وأيضا قوله تعالى : ' ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته ' وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أيدخل أحد منا الجنة ~~بعمله ؟ فقال : لا . فقيل ولا أنت ؟ فقال : ولا أنا ؛ إلا أن يتغمدني الله ~~برحمته فقال له بعض الصحابة ففيم العمل ؟ فقال : اعملوا فكل ميسر لما خلق ~~له . وإنما وعد الله سبحانه بالثواب وأوعد بالعقاب ، وقوله الحق ووعده ~~الصدق ، فنصب الطاعات أمارة على الفوز بالدرجات ، والمعاصي أمارة على ~~التردي في الهلكات ، وكل ذلك أمارة للخلق بعضهم على بعض ، لا له سبحانه ~~وتعالى ؛ فإنه علم بالأشياء قبل كونها ، كما قال بعضهم : تفرد الحق بعلم ~~الغيوب فعلم ما كان وما يكون ، وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون . ~~PageV01P075 # والدليل على الفصل الثاني : وهو : أن الحسن ما وافق الأمر ، والقبيح ما ~~خالف الأمر : أن لذة الجماع في الزوجة والأمة ، صورتها في الفرج الحلال ~~كصورتها في الفرج الحرام ، إلا أن ذلك حسن في الملك بموافقة الشرع ms028 ، قبيح ~~في غير ذلك بمخالفة الشرع ، وكذا القتل : وصورته في القصاص كهي في القتل من ~~غير قصاص ، إلا أن أحدهما حسن لمطابقة الشرع ، والآخر قبيح بمخالفة الشرع . ~~وكذا الأكل في آخر يوم من شهر رمضان ، كصورة الأكل يوم الفطر ، إلا أن ~~أحدهما حسن لموافقة الشرع ، والآخر قبيح لمخالفته ، وكذلك بالعكس : إمساك ~~يوم من شهر رمضان ، كصورة الإمساك يوم الفطر ، إلا أنه في أحدهما حسن ~~للموافقة ، وفي الآخر قبيح للمخالفة . # وجميع قواعد الشرع تدل على أن الحسن : ما حسنه الشرع وجوزه وسوغه . ~~والقبيح : ما قبحه الشرع وحرمه ، ومنع منه ، لا من حيث الصورة ، فتفهم ذلك ~~يخلصك من جميع ما يورده جهال القدرية من شبههم التي PageV01P076 تضل عقول ~~العوام . فإذا ثبت هذا وتقرر : جاء منه أن الباري سبحانه وتعالى ليس فوقه ~~آمر أمره ، ولا ناه نهاه ؛ حتى تتصف أفعاله تارة بالحسن لموافقة الأمر ، ~~ولا بالقبح لمخالفة الأمر ، بل هو المالك على الحقيقة ، يتصرف في ملكه كيف ~~يشاء ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . # | مسألةفي بيان أن الله هو الرزاق على الحقيقة والدليل على ذلك # ويجب أن يعلم : أن أرزاق العباد وجميع الحيوان من الله تعالى ، فلا رازق ~~إلا الله : حلالا كان أم حراما . # والدليل على ذلك قوله تعالى : ' الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ' وقوله ~~تعالى : ' وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ' وقوله تعالى : ' الله ~~الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من PageV01P077 ~~يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون ' . وقد أجمع المسلمون على ~~إطلاق القول لا رازق إلا الله كما أجمعوا على أنه لا خالق إلا الله . # ويدل عليه أيضا : أنه لو فرض نشوء صبي من حال كونه طفلا إلى بلوغه بين ~~اللصوص وقطاع الطريق وكان يتناول من طعامهم المسروق المنهوب ، ثم من بعد ~~إدراكه والبلوغ سلك مسلكهم في السرقة والنهب والغارة إلى أن شاخ وهرم ، ولم ~~يتناول لقمة من حلال قط ، فلو قال قائل : إن هذا الشخص لم يرزقه الله رزقا ms029 ~~قط ، ولا أكل له رزقا ، كان هذا القائل معاندا للنص الوارد ، وخارقا لإجماع ~~المسلمين . فدلت هذه الجملة : أن لا خالق إلا الله ولا رازق إلا هو # | مسألة في الإيمان بالبرزخ وما يأتي بعده والدليل على ذلك # ويجب أن يعلم : أن كل ما ورد به الشرع من عذاب القبر وسؤال منكر ونكير ، ~~ورد الروح إلى الميت عند السؤال ، ونصب الصراط ، والميزان ، والحوض ~~والشفاعة للعصاة من المؤمنين ، كل ذلك حق وصدق ، ويجب الإيمان والقطع به ؛ ~~لأن جميع ذلك غير مستحيل في العقل . PageV01P078 # وكذلك يجب القطع بأن الجنة والنار مخلوقتان في وقتنا ، وكذلك يجب القطع ~~بأن نعيم أهل الجنة لا ينقطع ، وأن عذاب جهنم مخلد للكفار ، وإن من كان ~~مؤمنا لا يخلد في النار . # والدليل على إثبات عذاب القبر : قوله تعالى : ' ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا ' . قال أبو هريرة : يعني عذاب القبر . وأيضا : قوله صلى الله ~~عليه وسلم : القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار . وقد قال ~~تعالى : ' النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ' ، والغدو والعشي إنما يكون في ~~الدنيا . وأيضا ما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : أعوذ بالله ~~من عذاب القبر . والدليل على سؤال منكر ونكير قوله تعالى : ' يثبت الله ~~الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ' يعني وفي الآخرة ~~عند سؤال منكر ونكير . وأيضا : فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفن ابنه ~~إبراهيم جلس عند رأس القبر ، فتكلم بكلام ، ثم قال : ابني قل أبي ، وروى ~~عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه : كيف بك يا عمر إذا ~~جاءك فتانا القبر ؟ فقال : أكون كما PageV01P079 أنا الآن ؟ فقال له : نعم ~~. فقال له : إذا أكفيكهما . وروى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه ~~قال : رأيت أبي في النوم ، فقلت له يا أبت ؛ منكر ونكير حق ؟ فقال : إي ~~والله الذي لا إله إلا هو ، لقد جاءاني فقالا لي : من ربك ؟ فأخذت عليهما ~~وقلت لهما : لا أخلي ms030 عنكما حتى تعرفاني من ربكما ، فقال أحدهما للآخر : دعه ~~فإنه عمر الفاروق سراج أهل الجنة . # ويدل على نصب الصراط : قوله تعالى : ' وإن منكم إلا واردها كان على ربك ~~حتما مقضيا ' قيل في التفسير : هو العبور على الصراط . وأيضا قوله صلى الله ~~عليه وسلم : ينصب الصراط على متن جهنم دحض مزلة والأنبياء عليه يقولون : ~~سلم . سلم . والناس يمرون عليه ، فمنهم من يمر عليه كالبرق الخاطف ومنهم من ~~يمر عليه كالجواد من الخيل . إلى آخره . # والدليل على نصب الميزان : قوله تعالى : ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة ' وقوله ' فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ' وأيضا فإن عائشة رضي ~~PageV01P080 الله عنها قالت : يا رسول الله هل تذكرون أهليكم يوم القيامة ؟ ~~فقال لها : أما عند مواطن ثلاثة فلا : الكتاب ، والميزان ، والصراط . # واعلم أن الموزون في الميزان هو صحائف الأعمال . وقيل في بعض الآثار : ~~يشخص رجل يوم القيامة على رؤس الخلائق ، فيعرض عليه تسعة وتسعون سجلا ~~مملوءة سيئات ، فيقال له احضر وزنك ، قيل : فيوضع في كفة قال : فيحار العبد ~~، فيقال له : هل تعلك لك خبيئة أو حسنة ؟ قال : فيدهش ، فيقول : يا رب لا ~~أعلم شيئا . فيقول تعالى : بل لك عندي خبيئة ، فيخرج له بقدر الإصبع ، ~~فيقول : ما تغني هذه في جنب هذه السجلات ، فإذا فيها لا إله إلا الله . ~~اللهم ثبتنا عليها بحولك وقوتك . # والدليل على الحوض : قوله تعالى : ' إنا أعطيناك الكوثر ' قيل في التفسير ~~: هو الحوض . وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم : حوضي كما بين أيلة إلى مكة ، ~~له ميزابان من الجنة أكاويبه كعدد نجوم السماء ، شرابه أبيض من اللبن وأحلى ~~من العسل ، وأطيب رائحة من المسك ، من كذب به اليوم لم يصبه الشرب يومئذ . # والدليل على ثبوت الشفاعة : قوله تعالى : ' ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ' ~~يدل على ثبوت الشفاعة لمن أراد سبحانه وتعالى ، ويدل عليه قوله تعالى : ' ~~عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ' وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم : ~~PageV01P081 شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي وأيضا : قوله صلى الله عليه وسلم ~~: خيرت بين أن يدخل ms031 شطر أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة ؛ لأنها ~~أعم وأكفأ ، أترونها للمؤمنين المتقين ، لا ، ولكنها للمؤمنين الخاطئين . ~~وأيضا : قوله صلى الله عليه وسلم : يقال للعابد يوم القيامة ادخل الجنة ، ~~ويقال للعالم قف أنت فاشفع لمن شئت . # والدليل على أن الجنة والنار مخلوقتان : قوله تعالى : ' وجنة عرضها ~~السموات والأرض أعدت للمتقين ' والمعد لا يكون إلا موجودا مهيئا . وأيضا ~~قوله : ' إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا ' إلى غير ذلك من الآيات . وأيضا : ~~قوله صلى الله عليه وسلم : عرضت علي ليلة الإسراء الجنة والنار إلى غير ذلك ~~من الأخبار . # والدليل على تخليد النعيم لأهل الجنة والعذاب لأهل النار : قوله تعالى في ~~أهل الجنة : ' خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ' ~~والآي في ذلك كثير ، وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم : يؤتى بالموت يوم ~~PageV01P082 القيامة في صورة كبش فيوقف بين الجنة والنار ، فينظرون إليه ~~فيقال لهم : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون نعم ، هذا الموت ، فيذبحن ثم ينادي ~~مناد يا أهل الجنة : خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت . والدليل ~~على أنه لا يخلد في النار أحد من المؤمنين بذنب : قوله تعالى : ' إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ' وقوله تعالى : ' قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا ' وأيضا : قوله صلى الله عليه وسلم : لا يبقى في النار من في قلبه ~~ذرة من إيمان فإن الكفار لا ينفعهم إحسان مع الكفر ، ولا يخرجون من النار ، ~~وكذلك الموحد : لا تضره سيئة مع إثبات التوحيد ، ولا يخلد في النار . قيل : ~~وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول في دعائه : اللهم إني أطعتك ~~PageV01P083 في أحب الأشياء إليك وهو التوحيد ، وقول لا إله إلا الله ولم ~~أعصك في أبغض الأشياء إليك وهو الشرك فاغفر لي ما بين ذلك . # | مسألة في إيمان مع ذكر الأدلة # ويجب أن يعلم : أن الإيمان على ضربين : إيمان قديم ، وإيمان محدث ، ~~فالقديم ms032 إيمان الحق سبحانه وتعالى ؛ لنه سمى نفسه مؤمنا ، فقال : ' السلام ~~للمؤمن المهيمن ' وإيمانه سبحانه وتعالى تصديقه لنفسه ، لقوله : ' شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو ' وكذلك تصديقه لأنبيائه بكلامه ، وكلامه قديم ، صفة من ~~صفات ذاته . # والإيمان المحدث : إيمان الخلق ؛ لأن الله تعالى خلقه في قلوبهم ، بدليل ~~قوله تعالى : ' أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ' وقوله تعالى : ' ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ' ولأن إيمان العبد صفة للعبد ، وصفة ~~المخلوق مخلوقة ، كما أن صفة الخالق قديمة ، أعني صفة ذاته . وأيضا : فإن ~~حد القديم هو : الذي لا حد لوجوده ، ولا آخر لدوامه ، وحد المحدث : ما لم ~~يكن ثم كان ، فكما لم يجز أن تكون صفة القديم محدثة ، فكذلك لا تكون صفة ~~المحدث قديمة . وكيف تكون صفة المحدث قديمة ، وهي عرض لا يستقل إلا بحامل ، ~~ولا يمكن قيامها بنفسها ، لأنه يستحيل وجود حركة من غير متحرك . وسكون من ~~غير ساكن ، وعلم من غير عالم . وسواد من غير أسود إلى غير ذلك من صفات ~~المحدثين . # واعلم أن حقيقة الإيمان هو : التصديق . والدليل عليه قوله تعالى إخبارا ~~PageV01P084 عن إخوة يوسف عليه السلام : ' وما أنت بمؤمن لنا ' أي بمصدق ~~لنا وأيضا : أن الرسول عليه السلام لما أخبر عن كلام البقرة والذئب ، فقال ~~: أنا أومن به وأبو بكر وعمر يريد أصدق . وأيضا : قول أهل اللغة : فلان ~~يؤمن بالبعث والجنة والنار ؛ أي يصدق به . وفلان لا يؤمن بعذاب الأخرة ، أي ~~لا يصدق به . # واعلم : أن محل التصديق القلب ، وهو : أن يصدق القلب بأن الله إله واحد ، ~~وأن الرسول حق ، وأن جميع ما جاء به الرسول حق ، وما يوجد من اللسان وهو ~~الإقرار وما يوجد من الجوارح وهو العمل ، فإنما ذلك عبارة عما في القلب ، ~~ودليل عليه . ويجوز أن يسمى إيمانا حقيقة على وجه ، ومجازا على وجه : ومعنى ~~ذلك : أن العبد إذا صدق قلبه بما قلنا وأقر بلسانه ، وعملت جوارحه فهو ~~المؤمن الحقيقي عند الله وعندنا . وأما من كذب بقلبه وأقر بالوحدانية ~~بلسانه وعمل الطاعات بجوارحه فهذا ليس ms033 بمؤمن حقيقة ، وإنما هو مؤمن مجازا ، ~~لأن ذلك يمنع دمه وماله في أحكام الدنيا ، لأنه مؤمن من حيث الظاهر ، وهو ~~عند الله غير مؤمن . # والدليل على صحة ذلك : قوله : ' إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ' فأخبر ~~سبحانه بكذبهم ، ونحن نعلم وكل عاقل أنه ما كذب إقرار ألسنتهم ، وإنما كذب ~~قلوبهم ، حيث أبطنوا خلاف ما أظهروا ، لأن الأخرس المصدق بقلبه PageV01P085 ~~إيمانه صحيح ، وإن كان لا يقدر على النطق والإقرار بلسانه ، وكذلك بالعكس ~~من هذا ، فإن المؤمن المصدق بقلبه مؤمن عند الله تعالى ، وإن نطق بالكفر . ~~يدلك على صحة ذلك : قوله تعالى : ' من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولكن من شرح بالكفر صدرا ' فأخبر أن نطق اللسان ~~بالإيمان لا ينفع مع إصرار القلب على الكفر ، وإقرار اللسان بالكفر لا يضر ~~مع تصديق القلب . واعلم : أنا لا ننكر أن نطلق القول بأن الإيمان عقد ~~بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان ، على ما جاء في الأثر لأنه صلى الله ~~عليه وسلم إنما أراد بذلك أن يخبر عن حقيقة الإيمان الذي ينفع في الدنيا ~~والآخرة ، لأن من أقر بلسانه ، وصدق بقلبه ، وعمل أركانه حكمنا له بالإيمان ~~وأحكامه في الدنيا من غير توقف ولا شرط ، وحكمنا له أيضا بالثواب في الآخرة ~~وحسن المنقلب ، من حيث شاهد الحال ، وقطعنا له بذلك في الآخرة ، بشرط أن ~~يكون في معلوم الله تعالى أنه يحييه على ذلك ، ويميته عليه . ولو أقر ~~بلسانه ، وعمل بأركانه ، ولم يصدق بقلبه ، نفعه ذلك في أحكام الدنيا ولم ~~ينفعه في الآخرة ، وقد بين ذلك صلى الله عليه وسلم حيث قال : يا معشر من ~~آمن بلسانه ولما يدخل الإيمان في قلبه وإذا تأملت هذا التحقيق وتدبرته وجدت ~~بحمد الله تعالى ومنه : أن الكتاب والسنة ليس فيهما اضطراب ولا اختلاف ، ~~وإنما الاضطراب : والاختلال ، والاختلاف في فهم من سمع ذلك ، وليس له فهم ~~صحيح ، نعوذ بالله من ذلك . # وكذلك أيضا : لا ننكر ms034 أن نطلق أن الإيمان يزيد وينقص . كما جاء في ا ~~PageV01P086 لكتاب والسنة ؛ لكن النقصان والزيادة يرجع في الإيمان إلى أحد ~~أمرين : إما أن يكون ذلك راجعا إلى القول والعمل ، دون التصديق ؛ لأن ذلك ~~يتصور فيهما مع بقاء الإيمان ، فأما التصديق فمتى انخرم منه أدنى شيء بطل ~~الإيمان . وبيان ذلك : أن المصدق بجميع ما جاء به الرسول عليه السلام إذا ~~ترك صلاة أو صياما أو زكاة أو قراءة في موضع تجب فيه القراءة ، أو غير ذلك ~~من الواجبات لا يوصف بالكفر بمجرد الترك مع كمال التصديق وثباته عليه . ~~وبالضد من ذلك لو فعل جميع الطاعات . وأقر بجميع الواجبات ، وصدق بجميع ما ~~جاء به الرسول إلا تحريم الخمر أو نكاح الأم ، ولم يفعل واحدا منهما ، فإنه ~~يوصف بالكفر ، وانسلخ من الإيمان ، ولا ينفع جميع ذلك مع انخرام تصديقه في ~~هذا الحكم الواحد ، فيجوز نقص الإيمان وزيادته من طريق الأقوال والأفعال ، ~~ولا يجوز من طريق التصديق ، وقد بين ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله : لا ~~يكمل إيمان العبد حتى يحب لأخيه المسلم الخير وكذلك قوله حتى يأمن جاره ~~بوائقه وأراد بذلك الكف عن الأذى ، ولم يرد التصديق ، لأنه لو استحل أذاه ~~لم يكن له إيمان لا زائد ولا ناقص . فافهم ذلك . # والأمر الثاني : في جواز إطلاق الزيادة والنقصان على الإيمان ، يتصور ~~PageV01P087 أيضا أن يكون من حيث الحكم لا من حيث الصورة ، فيكون ذلك أيضا ~~في الجميع من التصديق والإقرار والعمل ، ويكون المراد بذلك في الزيادة ~~والنقصان راجعا إلى الجزاء والثواب ، والمدح والثناء ، دون نقص وزيادة في ~~تصديق ، من حيث الصورة . وقد دل على ذلك الكتاب والسنة . # أما الكتاب : فقوله تعالى : ' لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ، وكلا وعد الله الحسنى ~~، والله بما تعملون خبير ' ولم يرد أن تصديق من آمن قبل الفتح يزيد على ~~تصديق من آمن بعد الفتح ؛ لأن كل واحد منها من حيث الصورة مصدق بجميع ما ~~جاء به ms035 الرسول عليه السلام ، لكن تصديق أولئك أكمل في الحكم والثواب ، ~~والدرجة ، لأن هذا يصدق بشيء لا يصدق به الآخر . # وأما السنة : فقوله صلى الله عليه وسلم : لا تسبوا أصحابي ، فلو أنفق ~~أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ، ومعلوم أن إنفاق مثل أحد ~~ذهبا ما أنفقه أحد من الصحابة ، لكن إيمانهم ونفقتهم في الحكم والثواب ، ~~والجزاء ، والدرجة أزيد أكمل من نفقة غيرهم ، فهي وإن كانت في الصورة أكثر ~~، لكنها أنقص من حيث الحكم ، لا من حيث العين ، فاعلم حكم ذلك وتحققه ، ~~ووازن هذا من أفعالنا اليوم ، وأنها تتصف بالزيادة من حيث الحكم دون العين ~~. أن من صلى صلاة الظهر في بلد من البلاد غير مكة والمدينة ، وأتى بجميع ~~شرائطها ، وآخر صلى بمكة والمدينة على الوجه الذي صلى عليه الآخر ، لا يقال ~~: إن أحد الصلاتين أزيد من الأخرى من طريق الصورة والعين ، ولكن أحدهما ~~أزيد من طريق الحكم ؛ في تحصيل الفضيل PageV01P088 والثواب ، ولهذا نظائر ~~يطول تعدادها ، وقد تكون الزيادة بكثرة دلائل التصديق لا في التصديق . # | مسألة في والإيمان والإسلام مع ذكر الأدلة # ويجب أن يعلم : أن كل إيمان إسلام ، وليس كل إسلام إيمانا ، لأن معنى ~~الإسلام الانقياد ، ومعنى الإيمان التصديق ، ويستحيل أن يكون مصدق غير ~~منقاد ، ولا يستحيل أن يكون منقاد غير مصدق ؛ وهذا كما يقال : كل نبي صالح ~~، وليس كل صالح نبيا . # ويدل على صحة هذه الجملة قوله تعالى : ' قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا ' فنفى عنهم الإيمان وأثبت أن ذلك منهم إسلام لا إيمان . ~~وأيضا : قوله تعالى : ' يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ' فغاير بين الإسلام ~~والإيمان . # ويدل على صحة هذا القول أيضا . أن الرسول عليه السلام فرق هو وجبريل بين ~~الإسلام والإيمان حين سأله ، فقال له ما الإيمان ؟ فقال له صلى الله عليه ~~وسلم : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ~~حلوه PageV01P089 ومره فقال جبريل ms036 عليه السلام : صدقت . والمراد بجميع ذلك ~~أن : تصدق بالله ورسوله ، إلى آخر ما ذكر ، ثم قال له : فما الإسلام ؟ فقال ~~: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، وأن نقيم الصلاة وتؤتي ~~الزكاة وتصوم شهر رمضان وتحج البيت وتغتسل من الجنابة وهذا واضح في كونهما ~~غيرين ، وأن محل الإيمان القلب ، وهو التصديق ، ومحل الإسلام الجوارح ، ~~وهذا الحديث يقوي لك جميع ما ذكرت لك . وأن التصديق متى اختل منه شيء انخرم ~~الإيمان ، والقول والعمل يزيد وينقص ، فعلى ما قررت لك لا يجوز أن نطلق . ~~فنقول : إيمان أحدنا كإيمان جبريل ، ولا كإيمان محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~ولا كإيمان الصديق رضي الله عنه ، بل نمنع من ذلك ، ونريد به أن إيمان ~~هؤلاء أفضل وأكمل وأرفع ، من طريق الحكم الذي بينت لك ، ومن طريق آخر : وهو ~~أنه قد بان لهؤلاء من دلائل الوحدانية أكثر مما بان لنا ، فلا نطلق التسوية ~~بين إيمانهم وإيماننا ، ولا نريد بذلك أن نصدق بعض ما جاء به الرسل عليهم ~~السلام والصديق يصدق بالجميع ، بل لا يصح لأحد إيمان حتى يصدق بالجميع ، ~~لكن إيمان الصديق أكمل وأفضل من الوجوه التي بينت لك . PageV01P090 # | مسألة في إيمان العب # د ويجب أن يعلم : أنه يجوز أن يقول العبد أنا مؤمن حقا ويعني به في الحال ~~، ويجوز أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله ويعني به في المستقبل . فأما في ~~الماضي وفي الحال فلا يجوز أن يقول إن شاء الله لأن ذلك يكون شكا في ~~الإيمان ، ولأن الاستثناء إنما يصح في المستقبل ، ولا يصح في الماضي ، وقد ~~بين ذلك سبحانه وتعالى . في قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم : ' ولا تقولن ~~لشيء إني فاعل ذلك غدا . إلا أن يشاء الله ' وكذلك قال صلى الله عليه وسلم ~~: إنا غدا إن شاء الله نازلون بخفيف بني كنانة ولأن المشيئة لله تعالى ~~سابقة لكل موجود ، فلولا المشيئة لما وجد الموجود ، فكما لا يجوز أن يستثنى ~~في الحال فلا يجوز أن يقطع في المستقبل . فاعلم ذلك ms037 وتحققه . # # | مسألة في الإسم والتسمية مع ذكر الدليل # ويجب أن يعلم : أن الاسم هو المسمى بعينه وذاته ، والتسمية الدالة عليه ~~تسمى اسما على سبيل المجاز . # والدليل عليه قوله تعالى : ' تبارك اسم ربك ' ومعناه : تبارك ربك ، وأيضا ~~قوله تعالى : ' سبح اسم ربك ' ولا يشك عاقل أن المسبح هو الله PageV01P091 ~~تعالى ، لا قول من يقول التسبيح ، ويدل عليه قوله تعالى : ' ما تعبدون من ~~دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ، ما أنزل الله بها من سلطان ، إن ~~الحكم إلا الله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ، ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون ' وقد علمنا أنهم ما كانوا يعبدون الأقوال والتسميات ، ~~وإنما كانوا يعبدون الأصنام . فأما قوله تعالى ولله الأسماء الحسنى وقوله ~~صلى الله عليه وسلم : إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ، ~~فالعدد في ذلك راجع إلى التسميات التي هي عبارات الاسم ، فالتسمية تدل على ~~الذات حسب دلالة الكتابة على المكتوب ، فمن لا يميز بين الاسم والتسمية ~~وبين الكتابة والمكتوب وما جرى هذا المجرى فلا يحل الله له أن يفتي في دين ~~الله تعالى ، نعوذ بالله من الجهل بالله تعالى وصفاته . # | مسألة في جواز إرسال الله الرسل وبعث الأنبياء مع ذكر الدليل # ويجب أن يعلم : أنه يجوز لله تعالى إرسال الرسل وبعث الأنبياء ، خلافا ~~لما تدعيه البراهمة . # والدليل عليه أيضا : أنه مالك الملك يفعل ما يشاء ، مع ما سبق من أنه ~~PageV01P092 ليس في إرسال الرسل استحالة ، ولا خروج عن حقائق العقول ، فدل ~~على جواز ذلك . # | مسألة في إثبات صدق مدعي النبوة # ويجب أن يعلم : أن صدق مدعي النبوة لم يثبت بمجرد دعواه ، وإنما يثبت ~~بالمعجزات ، وهي أفعال الله تعالى الخارقة للعادة المطابقة لدعوى الأنبياء ~~، وتحديهم للأمم بالإتيان بمثل ذلك . # يبين لك ذلك : أن موسى عليه السلام جاء في زمان سحرة وسحر ، فتحداهم بقلب ~~العصا حية ، فعلم المحققون منهم في السحر : أن ذلك خارج عن قبيل السحر ؛ ~~لعجزهم عن ذلك ، وخرقه لعادة السحر ، فسارعوا إلى الإيمان ، وهذا يدل على ~~فضل العلم ms038 من أي نوع كان : فإنه أولى من سارع إلى الإيمان السحرة ، لعلمهم ~~بالسحر ، فكان في علمهم ذلك وإن كان باطلا فضل كبير على غيرهم من قومهم ممن ~~لا يعلم السحر . # وكذلك عيسى عليه السلام : جاء في زمان قوم طب ومداواة ، فأحيا الموتى ، ~~وأبرأ الأكمه والأبرص ، فأتى بما هو خارج عن قبيل الطب . خارقا للعادة فيه ~~، لا يقدر عليه مخلوق . # وكذلك : نبينا صلى الله عليه وسلم ، جاء في وقت فصاحة وشعر وخطب ونظم ~~ونثر ، فأتاهم بما هو خارج عن عاداتهم في النظم والنثر ، وهو أفصح وأجزل ~~وأوجز ، وتحداهم بالإتيان بمثله ، فوجدوا ذلك خارجا عن نظمهم ونثرهم وخارقا ~~لعادتهم ، فعجزوا عنه فسارع من هداه الله إلى الإيمان به ، ولله الحمد ~~والمنة ، على الهداية والتوفيق . PageV01P093 # | مسألة في مبعث نبينا محمد # ويجب أن يعلم : أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كافة الخلق ~~، وأن شرعه لا ينسخ ، بل هو ناسخ لجميع من خالفه من الملل . # والدليل على ذلك : ثبوت نبوته ، وصدق مقاله ، وقد أخبر بجميع ذلك . # واعلم أن أكبر معجزاته القرآن العربي ، وفيه وجوه من الإعجاز . # أحدها : ما اختص به من الجزالة ، والنظم والفصاحة الخارجة عن أساليب ~~الكلام ، وتحدى به فصحاء العرب بأن يأتون بسورة من مثله فعجزوا عن الإتيان ~~بمثله ، وهم أهل الفصاحة والبلاغة ، ولم يتأت لهم ذلك في مدة ثلاث وعشرين ~~سنة . # ومن وجوه الإعجاز في القرآن : اشتماله على قصص الأولين ، وما كان من ~~أخبار الماضين ، مع القطع بأنه صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يكتب ولا ~~يقرأ ، ولم يعهد منه صلى الله عليه وسلم في جميع زمانه تعاط لدراسة كتب ولا ~~تعلمها ، وقد نفى عنه سبحانه وتعالى ذلك بقوله : ' وما كنت تتلوا من قبله ~~من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ' . # ومن وجود الإعجاز : أن اشتمال القرآن على ما لا يحصى من علم غيوب متعلقة ~~بالمستقبل ظاهر جلي ، مثل قوله تعالى : ' والعاقبة للمتقين ' وقوله تعالى . ~~' لتدخلن المسجد الحرام ' . ومثل قوله PageV01P094 ' كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي ' إلى غير ms039 ذلك ، من وجوه الإعجاز في القرآن كثير جدا . # وله صلى الله عليه وسلم آيات ومعجزات سوى القرآن : كانشقاق القمر ، ~~واستنزال المطر ، وإزالة الضرر من الأمراض ، ونبع الماء من بين أصابعه ، ~~وتسبيح الحصى في يده ، ونطق البهائم ، إلى غير ذلك من المعجزات والآيات ~~الخارقة للعادة صلى الله عليه وسلم رزقنا الله شفاعته ، وحشرنا في زمرته . # | مسألة في ثبوت نبوة الأنبياء قبل الموت وبعده والدليل على ذلك # ويجب أن يعلم : أن نبوات الأنبياء صلوات الله عليهم لا تبطل ، ولا تنخرم ~~، بخروجهم عن الدنيا وانتقالهم إلى دار الآخرة ، بل حكمهم في حال خروجهم من ~~الدنيا كحكمهم في حالة نومهم ، وحالة اشتغالهم ، إما بأكل أو شرب ، أو قضاء ~~وطر . # والدليل عليه : أن حقيقة النبوة : لو كانت ثابتة لهم في حالة اشتغالهم ~~بأداء الرسالة دون غيرها من الحالات ، لكانوا في غيرها من الأحوال غير ~~موصوفين بذلك . وقد غلط من نسب إلى مذهب المحققين من الموحدين إبطال نبوة ~~الأنبياء عليهم السلام بخروجهم من دار الدنيا . وليس ذلك بصحيح ، لأن مذهب ~~المحققين : أن الرسول ما استحق شرف الرسالة بتأدية PageV01P095 الرسالة ، ~~وإنما صار رسولا واستحق شرف الرسالة والنبوة بقول مرسله : وهو الله تعالى : ~~أنت رسول ونبيي . وقول الله تعالى قديم لا يزول ولا يتغير . والدليل على ~~صحة هذا أيضا : أنه صلى الله عليه وسلم سئل ، فقيل له : متى كنت نبيا ؟ ~~فقال : كنت نبيا وآدم بين الماء والطين فحاصل الجواب في هذا : أن ~~PageV01P096 شرف النبوة وكمال المنصب ثابت للأنبياء صلوات الله عليهم ~~أجمعين الآن ، حسب ما كان ثابتا لهم في حال الحياة ، لم ينثلم ولم ينتقص ، ~~سواء نسخت شرائعهم أو لم تنسخ ، ومن راجع نفسه ولم يغالط حسه عرف وتحقق أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم الآن لم يخاطب شفاها ، ولا يأمرهم ولا يكلمهم من ~~غير واسطة ، لكن حكم شريعته وصحة نبوته ثابت لم ينتقض ، لأجل خروجه من ~~الدنيا ، ولم تزل مرتبته ، ولا انخرمت رسالته ، ولا بطلت معجزته ، فاعلم ~~ذلك وتحققه . PageV01P097 # | مسألة في إمامة أبي بكر الصديق رضي الله ms040 عنه مع ذكر الدليل # ويجب أن يعلم : أن إمام المسلمين وأمير المؤمنين ومقدم خلق الله أجمعين ، ~~من الأنصار والمهاجرين ، بعد الأنبياء والمرسلين : أبو بكر الصديق ~~PageV01P098 صفحة فارغة . PageV01P099 رضي الله عنه ، لقوله تعالى : ' ثاني ~~اثنين إذ هما في الغار ' ولا أفضل من اثنين ثالثهما الله تعالى لقوله تعالى ~~: ' يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه ' وهو الصديق وأصحابه ، لما قاتل أهل الردة . ولقوله تعالى : ' ~~والذي جاء بالصدق وصدق به ' قيل في أصح التفاسير : الذي جاء بالصدق محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وصدق أبو بكر الصديق ؛ يؤكد صحة هذا التفسير قوله صلى ~~الله عليه وسلم : قال الناس لي كذبت ، وقال أبو بكر صدقت ويدل عليه قوله ~~تعالى : ' لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ، أولئك أعظم درجة من ~~الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ، وكلا وعد الله الحسنى ، والله بما تعملون ~~خبير ' والصديق رضي الله عنه أول من أنفق على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، يؤكد هذا قوله صلى الله عليه وسلم : إن أمن الناس علي في نفس ومال أبو ~~بكر الصديق ، ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر . # ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء أتمشي أمام من هو خير ~~منك ، والله ما طلعت الشمس ولا غربت على رجل بعد النبيين والمرسلين أفضل من ~~أبي بكر ، وليس في السماء ولا في الأرض بعد النبيين أو المرسلين خير من أبي ~~بكر . وكان رضي الله عنه مفروض الطاعة ، لإجماع المسلمين على PageV01P100 ~~طاعته وإمامته ، وانقيادهم له ، حتى قال أمير المؤمنين علي عليه السلام ~~مجيبا لقوله رضي الله عنه لما قال : أقيلوني ، فلست بخيركم . فقال : لا ~~نقيلك ولا نستقيلك ، قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا ألا نرضاك ~~لدنيانا . يعني بذلك حين قدمه للإمامة في الصلاة مع حضوره ، واستنابته في ~~إمارة الحج فأمرك علينا . وكان رضي الله عنه أفضل الأمة ، وأرجحهم إيمانا ، ~~وأكملهم فهما ، وأوفرهم علما ، وأكثرهم حلما ، وبه نطق قوله ms041 صلى الله عليه ~~وسلم : ولو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح إيمان أبي بكر على ~~إيمان أهل الأرض . # ثم من بعده على هذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ، لاستخلافه ~~PageV01P101 إياه ، وقد ورد في فضائله رضي الله عنه من الأحاديث ما لا يحصى ~~. # ومن جملة ذلك : قوله صلى الله عليه وسلم : لو كان بعدي نبي لكان عمر ، إن ~~الله PageV01P102 ربط الحق بلسان عمر وقلبه وأيضا : قوله صلى الله عليه ~~وسلم : كادت أنفاس عمر تسبق الوحي لأنه كلمه في أسارى بدر ، وأن تضرب ~~أعناقهم ، فنزل قوله تعالى : ' ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ' فقال : لو ~~نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر حين نزل قوله تعالى : ' لولا كتاب ~~من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ' وقال : لو حجبت نساءك فإنه يدخل ~~عليك البر والفاجر ، فنزلت آية الحجاب وقال : عسى ربه إن طلقكن فنزلت الآية ~~في ذلك ، وفضله أكثر من أن يحصى . # وبعده : أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ، لإجماع المسلمين أنه من جملة ~~الستة الذين نص عمر عليهم . وقد قال صلى الله عليه وسلم : إن عثمان أخي ~~PageV01P103 ورفيقي في الجنة وقال صلى الله عليه وسلم : لو كان لنا ثالثة ~~زوجناكها يا عثمان . PageV01P104 وقال صلى الله عليه وسلم : دعوت الله ~~تعالى أن يرفع الحساب عن عثمان ففعل . وقال صلى الله عليه وسلم : من يزيد ~~في المسجد أضمن له الجنة ؟ فزاد فيه عثمان . وقال : من يشتري رومة أضمن له ~~الجنة فاشتراها عثمان وجعلها للمسلمين . PageV01P105 وقال : من يجهز جيش ~~العسرة فله الجنة فجهزه عثمان : تسعمائة وخمسين بعيرا ، وأتمها ألفا بخمسين ~~فرسا . وبعده أمير المؤمنين : علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه ، وقد ~~ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائله أحاديث كثيرة منها : قوله صلى ~~الله عليه وسلم : اللهم أدر الحق مع علي حيث ما دار . وقال صلى الله عليه ~~وسلم : أما ترضى ms042 أن تكون مني بمنزلة هالون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي . ~~وقال صلى الله عليه وسلم : لأعطين الراية غدا PageV01P106 رجلا يحب الله ~~ورسوله ويحبه الله ورسوله فأعطاها لعلي عليه السلام . # | مسألة في إثبات الإمامة للخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم على الترتيب ~~مع ذكر الدليل # والدليل على إثبات الإمامة للخلفاء الربعة رضي الله عنهم على الترتيب ~~الذي بيناه : أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أعلام الدين ، PageV01P107 ~~صفحة فارغة . PageV01P108 صفحة فارغة . PageV01P109 صفحة فارغة . ~~PageV01P110 ومصابيح أهل اليقين ، شاهدوا التنزيل ، وعرفوا التأويل ، وشهد ~~لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم خير القرون ، فقال : خير القرون قرني ~~فلما قدموا هؤلاء الأربعة على غيرهم ورتبوهم على الترتيب المذكور ، علمنا ~~أنهم رضي الله عنهم لم يقدموا أحدا تشهيا منهم ، وإنما قدموا من قدموه ~~لاعتقادهم كونه أفضل وأصلح للإمامة من غيره في وقت توليه . # قال الشريف الأجل الإمام جمال الإسلام . ووقع لي أنا دليل من نص الكتاب ~~في ترتيبهم على هذه الرتبة : أنه لا يجوز أن يكون غير ذلك هو قوله تعالى : ~~' وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدانهم من بعد ~~خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ~~' ووعده حق ، وخبره صدق ، لا يقع بخلاف مخبره ، فلا بد من أن يتم ما وعدهم ~~به ، وأخبر أن يكون لهم ، ولا يصح إلا PageV01P111 على هذا الترتيب : لأنه ~~لو قدم علي عليه السلام لم تصر الخلافة فيها إلى أحد من الثلاثة ، لأن عليا ~~عليه السلام مات بعد الثلاثة . وكذلك لو قدم عثمان رضي الله عنه لم تصر ~~الخلافة إلى أبي بكر وعمر ، لأن عثمان مات بعد موتهما ، ولو قدم عمر لم تصر ~~الخلافة إلى أبي بكر لأن عمر مات بعده ، والله تعالى أخبر ووعد أنها تصير ~~إليهم فلم يصح أن تقع إلا على الوجه الذي وقعت . ولله الحمد على الهداية ~~والتوفيق . # | مسألة في فضل أصحاب رسول الله صلى ms043 الله عليه وسلم # ويجب أن يعلم أن خير الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأفضل ~~الصحابة العشرة الخلفاء الراشدون الأربعة رضى الله عن الجميع وأرضاهم ، ~~ونقر بفضل أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك نعترف بفضل أزواجه ~~رضي الله عنهن ، وأنهن أمهات المؤمنين ، كما وصفهن الله تعالى ورسوله ، ~~ونقول في الجميع : خيرا ، ونبدع ، ونضلل ، ونفسق من طعن فيهن أو في واحدة ~~منهن ، لنصوص الكتاب والسنة في فضلهم ومدحهم والثناء عليهم ، فمن ذكر خلاف ~~ذلك كان فاسقا مخالفا للكتاب والسنة نعوذ بالله من ذلك . # | مسألة في شروط الإمامة # ويجب أن يعلم : أن الإمامة لا تصلح إلا لمن تجتمع فيه شرائط PageV01P112 # منها : أن يكون قرشيا ؛ لقوله عليه السلام : الأئمة من قريش . # والثني : أن يكون مجتهدا من أهل الفتوى ؛ لأن القاضي الذي يكون من قبله ~~يفتقر إلى ذلك ، فالإمام أولى . # والثالث : أن يكون ذا نجدة وكفاية وتهد لسياسة الأمور ، ويكون حرا ورعا ~~في دينه . وهذه الشرائط كانت موجودة في خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~. وقال عليه السلام : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا وكانت أيام ~~الخلفاء الأربعة هذا القدر ، وفقنا الله للصواب ، وعصمنا من الخطأ والزلل ~~بمنه ورحمته . PageV01P113 # | فصل في أهل البدع # اعلموا رحمنا الله وإياكم : أن أهل البدع والضلال من الخوارج ، والروافض ~~والمعتزلة قد اجتهدوا أن يدخلوا على أهل السنة والجماعة شيئا من بدعهم ~~وضلالهم فلم يقدروا على ذلك ، لذب أهل العلم ودفع الباطل ، حتى ظفروا بقوم ~~في آخر الوقت من تصدى للعلم ولا علم له ولا فهم ، ويستنكف ويتكبر أن يتفهم ~~وأن يتعلم ؛ لأنه قد صار متصدرا معلما بزعمه ، فيرى بجهله أن عليه في ذلك ~~عارا وغضاضة ، وكان ذلك منه سببا إلى ضلاله وضلال جماعته من الأمة . # واعلم : أن أخبث من ذكرنا من المبتدعة ، وأكثرهم شبها وأعظمهم استجلابا ~~لقلوب العوام . المعتزلة ، فجعلوا يتطلبون أن يضلوا من ذكرنا في مسألة ~~القدر ، فلم يقدروا ، وكذلك في مسألة الرؤية ، فلم يقدروا ، وكذلك في مسألة ~~الشفاعة والصراط والميزان ms044 ، وعذاب القبر ، وجميع ما أنكروه مما صحت فيه ~~الآثار فلم يقدروا عليهم في شيء من ذلك ، ولم يظفروا به ، فجاءوا إلى مسألة ~~القرآن وعقدهم فيه أنه مخلوق محدث موصوف بصفات المخلوقين ، فما قدروا أن ~~يصرحوا بكونه مخلوقا ، فما زالوا يحسنوا لهم أمورا حتى قالوا : بأن القرآن ~~يتصف بصفات الخلق ، وذلك أكبر عمدة لهم في كونه مخلوقا ، فرضوا منهم بأن ~~يقولوا بخلق القرآن معنى وإن PageV01P114 لم يصرحوا به نطقا . وكان أكبر ~~غرض هؤلاء الجهلة ممن يتصدى للعلم وليس من أهل ذلك ، أن ينفروا العوام من ~~أهل التحقيق والذين يعرفون مغزاهم في ذلك ، حتى لا يسمع كلامهم ولا يتعلم ~~منهم حتى ينقرضوا شيئا فشيئا ويتم لهم ما أرادوا في الجهال والعوام . # وأنا بحمد الله وعونه وحسن توفيه أبين لك ذلك مسألة مسألة ، وأذكر لك ~~شبههم في كل مسألة ، وهي أربع مسائل : مسألة القرآن وهي أهمها : والثانية : ~~مسألة القدر والجرح والتعديل : والثالثة : مسألة الرؤية : والرابعة مسألة ~~الشفاعة : # | مسألة في إثبات قدم صفة كلام الله تعالى # اعلم : أن الله تعال متكلم ، له كلام عند أهل السنة والجماعة ، وأن كلامه ~~قديم ليس بمخلوق ، ولا مجعول ، ولا محدث ، بل كلامه قديم صفة من صفات ذاته ~~، كعلمه وقدرته وإرادته ونحو ذلك من صفات الذات . ولا يجوز أن يقال كلام ~~الله عبارة ولا حكاية ، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق ، ولا يجوز أن يقول ~~أحد لفظي بالقرآن مخلوق ، ولا غير مخلوق ، ولا أني أتكلم بكلام الله ، هذه ~~جملة أنا أفصلها واحدا واحدا إن شاء الله تعالى . # | مسألة في الدليل على قدم هذه الصفة # فأما الدليل على كون كلام الله قديما غير مخلوق ، فمن الكتاب قوله ~~PageV01P115 تعالى ' ألا له الخلق والأمر ' فصل بين الخلق والأمر ، فدل على ~~أن المر غير مخلوق لأن كلامه أمر ونهي وخبر . وأيضا قوله تعالى : ' والله ~~يقول الحق ' ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ' إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون ' ولو أن كلامه مخلوق لاحتاج في خلقه إلى قول يقول به كن ms045 ~~واحتاج القول إلى قول ثالث ، والثالث إلى رابع ، إلى ما لا نهاية له ، وهذا ~~محال باطل ، فثبت أن القول الذي تكون به الأشياء المخلوقة غير مخلوق ، وهو ~~كلامه القديم . # ويدل عليه من السنة : قوله صلى الله عليه وسلم . فضل كلام الله على سائر ~~الكلام كفضل الله على سائر خلقه . فلما كان فضل الله على خلقه بقدمه ودوامه ~~؛ لأنه غير مخلوق وهم مخلوقون ، فكذلك القول في كلامه ، فوجب أن يكون غير ~~مخلوق ، وكلامهم مخلوقا . PageV01P116 # ويدل عليه أيضا : أن أبا الدرداء لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن القرآن فقال : ' كلام الله غير مخلوق ' : ويدل عليه أيضا : إجماع ~~الصحابة ، وهو أن عليا عليه السلام لما أنكر عليه التحكيم وكفر الخوارج ~~فقال بحضرة الصحابة : والله ما حكمت مخلوقا ، وإنما حكمت القرآن ، ولم ينكر ~~ذلك منكر ، فدل على أنه إجماع ، ولأنه لو كان مخلوقا : لم يخل أن يكون خلقه ~~في نفسه أو في غيره . أو في غير شيء ، ولا يجوز أن يكون مخلوقا في نفسه لأن ~~ذاته لا تقوم بها المخلوقات والحوادث يتعالى عن ذلك علوا كبيرا . # ولا يجوز أن يكون خلقه في غيره ، لأنه لو كان خلقه في غيره لكان ذلك ~~الغير إلها ، آمرا ، ناهيا قائلا : ' يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم ' ~~PageV01P117 وهذا محال باطل ، ولا يجوز أن يكون خلقه في غير شيء ، لأنه ~~يؤدي إلى وجود كلام من غير متكلم وهذا محال . فإذا ثبت بطلان هذه الثلاثة ~~الأقسام لم يبق إلا أنه غير مخلوق ، بل هو صفة من صفات ذاته ، قديم بقدمه ، ~~موجود بوجوده موصوف به ، فيما لم يزل وفيما لا يزال . ولا يجوز أن يباينه ، ~~ولا يزايله ، ولا يحل في مخلوق ، ولا يتصف بالحول رأسا ، فاعلم ذلك وتحققه ~~. # فإن احتجوا بقوله تعالى : ' الله خالق كل شيء ' وربما قرر عليك هذا ~~السؤال والدليل ، كما قرره بشر المريسي علي عبد العزيز المكي وهو : أنه قال ~~له : أتقول إن القرآن شيء أو ليس بشيء ؟ فقال : بل هو شيء ، فقال يا أمير ms046 ~~المؤمنين سلم أن القرآن مخلوق ، لأن الله تعالى قال : ' الله خالق كل شيء ' ~~والجواب أن يقال : في أول الأمر أي شيء أردت بقولك إنه شيء فإن أردت أنه ~~موجود ثابت فنعم ، وإن أردت بقولك إنه شيء كالأشياء من حيث PageV01P118 ~~خروجه من العدم إلى الوجود كالأشياء الموجودة بعد العدم فلا نقول ذلك . # والموجود الثابت لا يدل على أنه مخلوق محدث ، فإن الله موجود ثابت دائم ~~الوجود ليس بمخلوق . وأما الجواب على جملة خالق كل شيء فالمراد به الخصوص ~~دون العموم فإنه بعضه قطعا وأنه غير داخل في ذلك كما سمى نفسه ، فقال : ' ~~كتب على نفسه الرحمة ' ثم قال : ' كل نفس ذائقة الموت ' ولا تدخل نفسه في ~~ذلك ، وإنما المراد به كل نفس منفوسة مخلوقة ، كذلك قوله : ' الله خالق كل ~~شيء ' يعني مما يصح فيه الخلق والحدث ، وصفات ذاته قديمة بقدمه وموجودة ~~بوجوده ، فلم تدخل في ذلك . ومثل هذا في القرآن كثير ، فإن الله تعالى قال ~~فيما أخبر به عن داود وسليمان عليهما السلام : ' يا أيها الناس علمنا منطق ~~الطير وأوتينا من كل شيء ' ولم يؤتيا سماء ولا أرضا ، ولا شمسا ولا قمرا ~~ولا جنة ، ولا نارا ، ولا ملائكة ، ولا عرشا ، ولا غير ذلك ، وإنما أراد ~~أوتينا من كل شيء ينبغي لمثلنا . وكذلك قوله في قصة بلقيس : ' وأوتيت من كل ~~شيء ' : ومعلوم أنها لم تؤت النبوة ، ولا تسخير طير ، إلى غير ذلك ؛ إنما ~~أراد به الخصوص دون العموم ، لأنها ما دمرت هودا ، ولا السماء ، ولا ~~الملائكة ، ولا الجبال ، إلى غير ذلك . قال الشريف الأجل جمال الإسلام : ~~ووقع لي جواب أخصر من هذا وأجود إن شاء الله وهو : أن يقول : الآية حجة ~~عليكم ، وأن القرآن ليس بمخلوق ، وذلك أنه سبحانه وتعالى أفرد الخالق من ~~المخلوق ، فسمى نفسه خالقا ، وسمى كل شيء دونه مخلوقا ، فالخالق بجميع صفات ~~الذات ، غير مخلوق ، لأن الاسم هو المسمى ، على ما قررنا ، وهذا صحيح ، لأن ~~الخالق PageV01P119 هو الله العالم ، القادر ، المريد ، المتكلم ، وكلامه ~~هو القرآن ، فدل على أنه غير ms047 مخلوق ، ولا داخل في الأشياء المخلوقة ، والذي ~~يفهم من ذلك ؛ فإن كان عاقل يعلم أنه يصنع كل شيء غير ذاته بصفاتها من ~~قدرته ، وحياته ، وعلمه ، وكلامه . وكذلك إذا قيل آخذ الملك اليوم كل أحد ، ~~وصغر كل صفه وحقرها ومعلوم أن ذاته ما دخلت في المفعولين ولا دخلت صفاته في ~~التحقير والتصغير فكذلك قوله : ' الله خالق كل شيء ' يعني غير ذاته . وذاته ~~قديمة غير مخلوقة بجميع صفاتها ، فصح أن الآية حجة عليهم لا لهم . # فإن احتجوا بقوله تعالى : ' ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ' فوصفه ~~بالحدث والحدث هو الخلق الجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أن الآية حجة عيهم ~~، لأنها تدل على أن من الذكر ما ليس بمحدث ، لأنه لم يقل ما يأتيهم من ذكر ~~إلا كان محدثا . فثبت أن من الذكر ما هو قديم ليس بمحدث ، فيجب أن يكون ~~القرآن ؛ لأن الإجماع قد وقع على أن كل ذكر غيره مخلوق ، فلم يبق ذكر غير ~~مخلوق . غير كلامه ، سبحانه وتعالى . # الجواب الثاني : أن الذكر ها هنا يراد به وعظ الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لهم وتوعده لهم وتخويفه ، لأن وعظ الرسل عليهم السلام يسمى ذكرا . يدل عليه ~~قوله PageV01P120 تعالى : ' فذكر إنما أنت مذكر ' ويقال : فلان في مجلس ~~الذكر ، يعني في مجلس الوعظ . الذي يحقق ذلك ؛ أن قريشا لم تلعب عند سماع ~~القرآن ، ولكنها كانت تفحم عند سماعه ، حتى قال عتبة : والله لقد سمعت ~~كلاما ما هو بالشعر ، وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر ، وإن عليه لطلاوة ، ~~وإن له لحلاوة . وفزعوا أيضا أن تفتتن عند سماعه نساؤهم وأولادهم ، حين كان ~~يقرأ أبو بكر رضي الله عنه . # الجواب الثالث : أنه أراد ما يأتيهم من نهى محدث مجدد بعد نبي إلا ~~استمعوه وهم يلعبون ، هل هذا إلا بشر ، وقد سمى الله تعالى رسوله ذكرا ~~بقوله ' رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ms048 قد أحسن الله له رزقا ' . # فإن احتجوا بقوله تعالى : ' وكان أمر الله مفعولا ' ' وكان أمر الله قدرا ~~مقدورا ' فالجواب : أنه تعالى أراد عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره ~~للمؤمنين ، وما حكم به وقدره من أفعاله ، وهذا بمنزلة قوله ' حتى إذا جاء ~~أمرنا ' يعني ما أمرنا به من زيادة الماء وإغراق الكافرين من قوم نوح عليه ~~السلام ، ولم يعن قولنا وكذلك أيضا قال : ' وما أمر فرعون PageV01P121 ~~برشيد ' يعني شأنه وأفعاله وطرائقه ، ولم يرد قوله وهذا بمنزلة قول القائل ~~: # فقلت لها أمري إلى الله كله . . . وإني إليه في الإياب لراجع # يعني سري وأفعالي ، ولم يرد بذلك الأمر من القول ، وجمع هذا أمور ، وجمع ~~الأمر من القول الأوامر ، ولولا عجزهم وجهلهم لم يلجئوا إلى مثل هذا ~~التمويه على العوام والجهال مثلهم . ولو نظروا إلى قوله تعالى : ' وأفوض ~~أمري إلى الله ' تعالى أنه أراد أفعالي وأموري ، دون أمره الذي هو قوله : ' ~~حتى يتبين لهم أنه الحق ' ورجعوا إليه . # فإن احتجوا بقوله تعالى : ' إنا جعلناه قرآنا عربيا ' والمجعول مخلوق ، ~~بدليل قوله تعالى : ' وجعلنا من الماء كل شيء حي ' أي خلقنا ؛ فالجواب من ~~ثلاثة أوجه : أحدها : أن معنى ذلك : إنما سميناه قرآنا عربيا ، والجعل يكون ~~بمعنى التسمية ، بدليل قوله عز وجل : ' الذين جعلوا القرآن عضين ' يعني ~~سموه ؛ فبعضهم سماه شعرا ، وبعضهم سحرا . وبعضهم كهانة ، إلى غير ذلك . ولم ~~يرد أنهم خلقوه . وكذلك قوله تعالى : ' وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون ' يعني PageV01P122 سموهم ~~وحكموا عليهم بذلك ، ولم يرد أنهم خلقوهم . وكذلك قوله تعالى : ' وجعلوا ~~لله أندادا ' يعني سموا . وكذلك قوله تعالى : ' ما جعل الله من بحيرة ولا ~~سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم ~~لا يعقلون ' وفي القرآن مثل هذا كثير . الجواب الثاني : أنه أراد : إنا ~~جعلنا قراءته وتلاوته بلسان العرب ، وأفهمنا أحكامه . والمراد به باللسان ~~العربي ، وتكون الفائدة في ذلك الفرق بينه وبين التوراة والإنجيل ، لأنه ~~جعل تلاوة الكتابين المذكورين وإفهام أحكامهما باللسان العبراني والسرياني ms049 ~~، وجعل تلاوة هذا الكتاب وإفهام أحكامه والمراد به بلسان العرب ، ولو عرفوا ~~الفرق بين التلاوة والمتلو لم يموهوا بمثل هذا التمويه . # والجواب الثالث : أن الجعل إذا عدي إلى مفعول واحد كان ظاهره الخلق ، ~~وإذا عدي إلى مفعولين كان ظاهره الحكم والتسمية ، في أكثر الاستعمال . ~~ولذلك لا يجوز أن يقول القائل : جعلت النجم والرجل ، ويسكت حتى يصله بقوله ~~: جعلت النجم هاديا ودليلا ، وجعلت الرجل صديقا وصاحبا . فلما قال الله ~~تعالى : ' إنا جعلناه قرآنا عربيا ' تعدى إلى مفعولين ، فيكون بمعنى الحكم ~~والتسمية . # فإن احتجوا بقوله تعالى : ' وإذا بدلنا آية مكان آية ' PageV01P123 ~~وقالوا : ما يغير ويبدل فهو مخلوق لا محالة ، قلنا : هذا جهل منكم أيضا ، ~~وذلك أن التبديل والنسخ إنما يكون ويتصور في الرسم من خط أو تلاوة ؛ أو في ~~حكم ، فيكون تقدير الكلام : وإذا بدلنا حكم آية أو تلاوة آية ، دون المتلو ~~القديم الذي لا يتصور عليه تبديل ولا تغيير ، وقد بين ذلك سبحانه وتعالى ~~وأخبر أن كلامه القديم لا يغير ولا يبدل . # دليل الأول : قوله تعالى : ' وإذا بدلنا آية مكان آية ' يعني حكم آية أو ~~تلاوتها . # ودليل الثاني : قوله تعالى : ' ولا مبدل لكلمات الله ' وقوله تعالى ' لا ~~مبدل لكلماته ' فأخبر تعالى أن التبديل يتصور في أحكام كلامه وتلاوة كلامه ~~، دون كلامه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته ، ولو حققوا الفرق بين ~~التلاوة والمتلو سلموا وجميع من وافقهم من الجهال الذين سلموا لهم وفق ~~مذهبهم من خلق القرآن معنى ، ومنعوه نطقا ، نعوذ بالله من الجهل . وسنبين ~~هذا الأمر إن شاء الله على الاستيفاء بالكمال ، في مسألة الفرق بين التلاوة ~~والمتلو ، والقراءة والمقروء . # فإن احتجوا بقوله تعالى : ' ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ' وقالوا ~~: ما جاز عليه الذهاب والعدم فإنه مخلوق . PageV01P124 # فالجواب عن هذا السؤال مثل الجواب المتقدم ؛ لأن الذهاب والعدم إنما يكون ~~في الحفظ والرسم ، دون المحفوظ الذي هو كلام الله تعالى . ويدل على هذا : ~~أن ابن مسعود رضي الله عنه لما قال : استكثروا من قراءة القرآن قبل أن يرفع ~~. فقيل ms050 له : كيف يرفع وقد حفظناه في صدورنا وأثبتناه في مصاحفنا ؟ . فقال : ~~يسري عليه فيذهب حفظه من الصدور ، ورسمه من المصاحف . وهذا صحيح ، لأن حفظ ~~المخلوق مخلوق مثله ، وحفظه مخلوق مثله ، فيتصور عليه الذهاب والعدم ~~بالنسيان والمحو . وأما المحفوظ والمكتوب الذي هو كلامه القديم ، فلا يتصور ~~عليه ذلك . فاعلم ذلك وتحققه . # فإن احتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا تسافروا بالقرآن إلى أرض ~~العدو مخافة أن تناله أيديهم قالوا : وما جاز أن ينتقل ويتحول ويسافر به ~~فهو مخلوق . قلنا : كم هذا التمويه الذي تشبهون به على العوام وجهال الناس ~~، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بهذا الكلام حمل المصحف الذي فيه ~~كلام الله مكتوب ، ولم يرد بذلك نفس كلامه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته ~~، وقد قرنه صلى الله عليه وسلم بما يدل على أن المراد به المصحف دون غيره ؛ ~~ألا تراه قال : مخافة أن تناله أيديهم ومعلوم أن الذي تناله أيديهم إنما هو ~~المصحف دون غيره ، وقد بين عليه السلام ذلك في حديث آخر ، وهو قوله صلى ~~الله عليه وسلم لبعض أصحابه : لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر يريد بذلك الصحف ~~التي يكتب فيها القرآن ، دون نفس القرآن الذي هو كلام اله تعالى ، لأنه ~~PageV01P125 صفة من صفات ذاته ، ولا يتصور على صفات ذاته اللمس ونيل الأذى ~~. # فإن قالوا : أجمعنا على أن القرآن سور ، والسور آيات ، والآيات كلمات ، ~~والكلمات حروف وأصوات . وجميع ذلك يدل على كونه محدثا مخلوقا ؛ لأن السور ~~معدودة محسوبة ؛ لها أول وآخر ، وكذلك الآيات والحروف ، وما دخله الحصر ~~والعد وكان له أول وآخر فهو مخلوق ، وهذه الشبهة التي سخمت وجوه من وافقهم ~~في مقالتهم هذه من أهل السنة الجهال بطرق التحقيق ؛ حيث سلموا لهم مع زعمهم ~~أنه كلامه ليس بمخلوق ، ما قرروه من هذه الشبهة ، وقالوا مثل قولهم : إن ~~كلامه حروف وأصوات ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . والجواب عن هذه الشبهة : ~~أن يقال لهم : أما ما ذكرتم من الحصر ، والتحديد والتبعيض ، والحروف ، ~~والأصوات ، فجميع ms051 ذلك راجع إلى تلاوة المخلوقين دون كلام الله تعالى الذي ~~هو صفة من صفات ذاته ؛ لأن جميع ما ذكرتم يحتاج إلى مخارج من لسان ، وشفتين ~~، وحلق ، والله يتعالى ويتنزه عن جميع ذلك . بل نقول إن كلامه صفة له قديمة ~~لا يحتاج فيه إلى أداة من صوت . أو حرف أو مخرج . يتعالى عن ذلك علوا كبيرا ~~. # وكذلك ما ذكرتم من الحصر ، والعد ، والأول ، والآخر ، إنما ذلك راجع إلى ~~تلاوة المخلوقين لكلامه وكتبتهم لكلامه دون كلامه الذي هو صفة ، وقد بين ~~ذلك سبحانه وتعالى بأظهر بيان لمن كان له فهم صحيح ، لأنه تعالى قال : ' قل ~~لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا ' وقوله تعالى : ' ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات PageV01P126 الله إن الله عزيز حكيم ~~' ومعلوم أن الكاتب منا يكتب عدة مصاحف بمحبرة واحدة ، ويتلو التالي منا ~~عدة ختمات ، فالمحصور والمعدود المحدود الذي يتصف بأول وآخر صفاتنا من ~~تلاوتنا لكلامه ، وخطنا لكلامه ، وحفظنا لكلامه . فأما صفته التي هي كلامه ~~على الحقيقة فلا تتصف بالزوال ، والحصر ، والعد ، والأول والآخر على ما ~~أخبر سبحانه وتعالى على مقتضى التحقيق . لأن كل ما اتصف بالبداية والفراغ ~~والحصر والعد فإنما هي صفة المخلوق لا صفة الخالق القديمة بقدمه الموجودة ~~بوجوده ، التي لا يجوز أن تتقدم عليه ولا تتأخر عنه . فاعلم هذه الجملة ~~وتحققها تسلم من ضلالة الفريقين وتخلص من جهل الطائفتين . # | مسألة في بيان الفرق بين القراءة والمقروء والتلاوة والمتلو والكتابة ~~والمكتوب مع ذكر الأدلة # ويجب أن يعلم أن القراءة غير المقروءة . والتلاوة غير المتلو والكتابة ~~غير المكتوب ، وهذا إنما خالف فيه من لا حس له ، ولا فهم ، ولا عقل ولا ~~تصور ، ونحن بحمد الله نبين الفرق بين الأمرين من الكتاب والسنة ودليل ~~العقول . # فأما الدليل من الكتاب فكثير جدا . أحدها : قوله : ' وقرآنا فرقناه ~~لتقرأه على الناس على مكث ' فأخبر تعالى أن القرآن منه منزل موحى ms052 ، وأن ~~الرسول يقرؤه ويعلمه ، فالموحى المنزل المقروء هو كلام الله تعالى القديم ~~وصفة ذاته ، والقراءة له فعل الرسول التي هي صفته . وأيضا قوله : ~~PageV01P127 تعالى ' يا أيها الرسول بلغ ' ففعل الرسول البلاغ الذي هو ~~القراءة . وقوله تعالى : ' لا تحرك به لسانك ' وقوله تعالى : ' إلا إذا ~~تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله ~~آياته والله عليم حكيم ' وقوله تعالى : ' يتلونه حق تلاوته ' وقوله تعالى : ~~' إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من ~~المسلمين ' ' وأن أتلو القرآن ' فمعلوم أن ها هنا آمر أمر بشيئين ، وهو ~~الله تعالى ، ومأمور وهو الرسول ، فأمره بالعبادة له ، فحصل ها هنا آمر ، ~~ومأمور ، ومأمور به ، فالآمر هو الله تعالى ، والمأمور الرسول ، والمأمور ~~به PageV01P128 العبادة ، فالمعبود غير العبادة التي هي فعل الرسول ، فكذلك ~~التلاوة غير المتلو ، لأن التلاوة فعل الرسول وهو المأمور بها ، والمتلو ~~كلامه القديم ، ولم يأمره أن يأتي بكلامه القديم ؛ لأن ذلك لا يتصور الأمر ~~به ولا يدخل تحت قدرة مخلوق ، إنما أمر بتلاوة كلامه ، كما أمر بعبادته ، ~~وعبادته غيره ، فكذلك تلاوة كلامه غير كلامه ، فحصل من هذا : تال . وهو ~~الرسول عليه السلام وتلاوته صفة له . ومتلو : وهو كلام الله القديم الذي هو ~~صفة له . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ' فإذا قرأت القرآن ' . ففرق بين ~~القراءة والمقروء : وأيضا قوله تعالى : ' واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك ' ~~فذكر قراءة ومقروءا ، وتلاوة ، ومتلوا ، وعند الجاهل أن ذلك شيء واحد . ~~وأيضا فإنه أمر بالتلاوة والقراءة ، والأمر هو استدعاء الفعل ، والفعل صفة ~~المأمور لا صفة الآمر ؛ ألا يرى أنه أمر بالعبادة ، والعبادة صفة العابد لا ~~المعبود . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ' وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا ~~تخطه بيمينك ' فأخبر تعالى أنه لم يكن تاليا ، ثم جعله تاليا ولم يكن كاتبا ~~، ولم يجعله أيضا في الثاني كاتبا ، وقد جعل غيره تاليا لكلامه كاتبا له ، ~~ومعلوم عند كل عاقل أن ما لم يكن ثم كان ms053 وهي التلاوة ؛ صفة للرسول لم يكن ~~موصوفا بها ثم صار موصوفا بها ، غير كلام الله الذي هو صفة له لا يستحق ~~غيره الوصف بها ولا يتصف بأنه لم يكن ثم كان ، ومعلوم أن الرسول كان تاليا ~~قبل أن تكون أمته تالية ، وحافظا قبل أن تكون أمته حافظة ، ثم صارت أمته ~~تالية حافظة لما أقرأها وحفظها ، فتلاوته غير تلاوة أمته لتقدمها عليها ~~وتلاوة أمته غير تلاوته لتأخرها عنها والذي تلاه بتلاوته فهو كلام الله ~~القديم وكذا الذي تلته أمته بتلاوتها . فلا يخفى على عاقل أن التلاوة غير ~~PageV01P129 المتلو ، كما أن العبادة غير المعبود ، والذكر غير المذكور ، ~~والشكر غير المشكور ، والتسبيح غير المسبح ، والدعاء غير المدعو إلى غير ~~ذلك . # ويدل على صحة ذلك من السنة وأن القراءة والتلاوة صفة القارىء ، والمقروء ~~المتلو صفة الباري قوله صلى الله عليه وسلم : من أراد أن يقرأ القرآن غضا ~~فليقرأ على قراءة ابن أم عبد ، يعني ابن مسعود ، فأضاف القراءة إلى ابن ~~مسعود ، والمقروء صفة الله تعالى ، والذي يدل على صحة هذا القول أنه يجوز ~~أن يقال هذا الحرف قراءة ابن مسعود وليس قراءة أبي وغيره من القراء ، ولا ~~يجوز أن يقال إن المقروء الذي يقرأه ابن مسعود غير المقروء الذي يقرأه أبي ~~، لأن القراءة تكون غير القراءة والقرآن الذي يقرأه هذا بقراءته هو القرآن ~~الذي يقرأه هذا أنه شيء واحد لا يختلف ولا يتغير ، وإن تغيرت القراءة له ~~واختلفت . والذي يوضح لك هذا ويبينه تبيينا مستوفيا أن عمر رضي الله عنه ~~لما مر على بعض الصحابة وهو يقرأ سورة الفرقان على خلاف قراءة عمر فأنكر ~~ذلك عليه وقال : قد قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلاف هذه ~~القراءة ولببه حتى أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال : خل ~~عنه ؛ إقرأ يا عمر فقرأ فقال : هكذا أنزل ، ثم قال للآخر : اقرأ فقرأ ~~بالقراءة التي سمعها عمر منه فقال : هكذا أنزل . إن هذا القرآن أنزل على ~~سبعة أحرف فاقرءوا ما ms054 تيسر منه . فأخبر صلى الله عليه وسلم باختلاف ~~القراءتين وأن كل واحدة منهما تؤدي إلى ما تؤدي إليه الأخرى ، وهو المتلو ~~المقروء القديم الذي لا يختلف ولا يتغير . وأيضا ما روى عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه من عدة طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن هذا ~~القرآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته ما استطعتم PageV01P130 واتلوه فإن الله ~~يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول الم حرف ، ولكن ~~بالألف عشر الحديث . وروى عنه صلى الله عليه وسلم : من قرأ حرفا من كتاب ~~الله فأضاف القرآن إلى الله تعالى لأنه صفة من صفات ذاته ، وأضاف التلاوة ~~إلى التالي لأنها صفته يؤجر عليها كما يؤجر على جميع أفعال طاعاته . وأيضا ~~قوله صلى الله عليه وسلم : استقرئوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود ~~، وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل وهذا يدلك على الفرق ~~بين القراءة والمقروء ، والتلاوة والمتلو ، لأنه صلى الله عليه وسلم حضهم ~~على أخذ القراءة للقرآن عن هؤلاء الأربعة لأنهم قد باينوا غيرهم من الصحابة ~~رضي الله عنهم في جودة القراءة وصحتها والعلم بها ، وهذا المعنى صحيح لأن ~~الغلط ، واللحن ، والتحريف ، والتصحيف إنما يقع في القراءة والتلاوة التي ~~هي صفة القارىء ؛ فأما القرآن المقروء فهو كلام الله تعالى الذي قد أخبر ~~أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولأن القراءة تتعوج فيقومها ~~القارىء الماهر ، لأنها يجوز عليها التعويج والتغيير ؛ فأما كلام الله ~~القديم فليس يوصف بالتعويج . دليله : قوله تعالى : ' ولم يجعل له عوجا قيما ~~' وأيضا ما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : مر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأنا معه ، وأبو بكر ؛ وعبد الله ابن مسعود يقرأ ؛ فاستمع ~~لقراءته ، فلما ركع PageV01P131 أو سجد قال صلى الله عليه وسلم : سل تعطه ~~من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد . فأضاف ~~القراءة إلى عبد الله ، لأنها صفته وعبادته ms055 عليها يثاب ويؤجر ؛ والمقروء ~~بها كلام الله القديم الأزلي ، وقد روى : من سره أن يقرأ القرآن رطبا وروى ~~عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ~~أبو بكر ، وعمر وإني أقرأ سورة النساء ، فكنت أسجلها سجلا ، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : سل تعطه ، ومعلوم عند كل عاقل أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم المتلو المقروء ، لأنه لا يوصف بالشيء وضده ، فاعلم ذلك وتحققه ؛ ولأن ~~صفة القراءة تارة تكون غضة رطبة من قارىء دون قارىء إنما ذلك راجع إلى صفات ~~المحدثين الذين يتفاضلون في قراءتهم وأصواتهم فتكون قراءة بعضهم غضة رطبة ، ~~وقراءة بعضهم فجة سمجة ، ويكون صوت أحدهم حادا حسنا ، وصوت آخر فجا جهورا ~~عاليا ، فأما القرآن المقروء المتلو فلا يختلف في ذاته بأي قراءة قرىء ، ~~وبأي تلاوة تلى ، وبأي صوت سمع . بل الأدوات ، والأصوات واللغات تختلف في ~~الجودة والرداءة والخفاء والجهارة . # | فصل في بيان ما روي عن الرسول وأصحابه في ذلك # وقد روى من الأخبار والآثار عن سيد الأولين والآخرين وصحابته رضي ~~PageV01P132 الله عنهم في الفرق بين التلاوة والمتلو ، والقراءة والمقروء ~~ما لا يحصى عددا ونحن نذكر شيئا من ذلك يقوي جميع ما تقدم . # فمن ذلك ما روى عن جابر بن عبد الله قال : خرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن وفينا الأعجمي ، والأعرابي . قال : فاستمع وقال ~~. اقرؤه فكل حسن ، سيأتي قوم يقومونه كما يقومون القدح ، يتعجلونه ولا ~~يتأملونه . # وعن سهل بن سعد الساعدي قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونحن نقترىء يقرئ بعضنا بعضا فقال : الحمد لله كتاب الله واحد فيه الأحمر ~~والأسود اقرؤا اقرؤا قبل أن يجيء قوم يقومونه كما يقومون القدح ، ولا يجاوز ~~تراقيهم يتعجلون أجره ولا يتأملونه ، ففصل صلى الله عليه وسلم في هذين ~~الحديثين بين التلاوة والمتلو ، والقراءة والمقروء ، لأنه صلى الله عليه ~~وسلم عنى بالأحمر العربي الفصيح ، وبالأسود الأعجمي ، فالعجمي يقع في ~~قراءته اللكنة والتمتمة ويسلم من ذلك ms056 العربي الفصيح فاستمع صلى الله عليه ~~وسلم قراءتهم المختلفة وحثهم ورغبهم في القراءة وأخبر أن كتاب الله واحد ~~ليس بمختلف ولا متغاير ، ثم أعلمهم بمجيء قوم من بعدهم ممن يقوم القراءة ~~تقويم القدح ، فعلم كل عاقل أن كلام الله القديم الأزلي ليس مما يعوج فيقوم ~~، وإنما العوج يقع في قراءة القارىء فيقوم . ويدل عليه أيضا قول ابن مسعود ~~رضي الله عنه : عجبت للناس وتركهم لقراءتي وأخذهم قراءة زيد بن ثابت ، وقد ~~أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P133 سبعين سورة وزيد بن ~~ثابت غلام صاحب ذؤابة . فأضاف ابن مسعود قراءته إلى نفسه ، وأضاف قراءة زيد ~~إلى نفسه ، وأخبر أن قراءته أكمل من قراءة زيد ؛ لأخذه لها من في رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فغاير بين القراءتين ، ومعلوم عند كل عاقل أن المقروء ~~والمتلو الذي يقرأه عبد الله هو المقرأة المتلو الذي يقرأه زيد ، وإن كانت ~~قراءة أحدهما غير قراءة الآخر . # ويدل عليه ما روى عن عمرو بن مرة قال : سمعت أبا وائل يحدث : أن رجلا جاء ~~إلى ابن مسعود فقال : إني قرأت المفصل كله في ركعة ، فقال عبد الله : هذا ~~كهذا الشعر ، لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن ~~بينهن . وعنه أيضا أنه قال له رجل : إني أقرأ المفصل في ركعة ، فقال عبد ~~الله : هذا كهذا الشعر ، إن أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن ~~إذا وقع في القلب فرسخ نفع . ومعلوم أن ابن مسعود رضي الله عنه لم يشبه ~~كلامه الله تعالى بهذا الشعر ، وإنما شبه قراءة القارىء دون كلام الباري . ~~وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن بإعراب فله أجر شهيد . وأيضا ~~ما روى أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ ~~القرآن متثبتا أو بإعراب كان له بكل حرف فضل أربعين حسنة . فكل PageV01P134 ~~عاقل يعلم ويتحقق أن القراءة المعربة غير القراءة الملحونة ؛ لأن من صحح ~~قراءة الفاتحة صحت صلاته ، ومن ترك ذل ms057 مع قدرته عليه بطلت صلاته . فأما ~~كلام الله تعالى القديم فلا يتصف بالصحة وضدها بل هو صحيح على كل حال ، وإن ~~وقع الفساد في القراءة . # وأيضا ما روى قتادة قال : قلت لأنس بن مالك كيف كانت قراءة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ؟ قال : يمد صوته مدا . وأيضا ما روى عبد الله بن مغفل قال ~~: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وهو على ناقته أو جمله وهو يسير ~~وهو يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة لينة . فمعلوم عند كل عاقل ~~عارف أن الترجيع والمد ، إنما تقع في القراءة التي هي صفة القارىء دون كلام ~~الله القديم الأزلي ، ومن اعتقد أن الترجيع ، والمد ، واللين الذي هو صفة ~~القارىء ومد صوته ولينه راجع إلى الكلام القديم الأزلي فقد جهل الله تعالى ~~وصفات ذاته ، وصرح بحدوث القرآن وخلقه . وأيضا ما روى النعمان بن بشير قال ~~: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن وعن ~~أنس ابن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : النظر في كتاب الله ~~عبادة وروى أبو سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعطوا ~~أعينكم حظها من العبادة . قالوا يا رسول الله : وما حظها من العبادة ؟ قال ~~: قراءة القرآن نظرا ، والاعتبار PageV01P135 والتفكر فيه وقال ابن مسعود : ~~النظر في المصحف عبادة فقد اتضح بهذه الأخبار الفرق بين القراءة والمقروء ، ~~لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل قراءتنا عبادة منا ، والعبادة منا صفتنا ~~التي نثاب عليها ونؤجر ، وذلك أن الله تعالى وصف عبادته على الأعضاء ، وكل ~~عضو من ابن آدم مخصوص بنوع من العبادة ، فالقلب مخصوص بالعلم بالله تعالى ~~وبمعرفته وبحفظ كلامه ، والإيمان به وبكلامه ، ثم المعرفة غير المعروف ، ~~والعلم غير المعلوم ، والإيمان غير المؤمن به ، والحفظ غير المحفوظ ، لأن ~~العلم صفة العبد ، والمعلوم الرب تعالى ، وكذلك الإيمان صفة للعبد ، ~~والمؤمن به هو الله تعالى . وكذلك الحفظ صفة العبد لم يكن يحفظ ثم صار ~~حافظا ، والمحفوظ كلام الله القديم ms058 الذي لا يتصف بأنه لم يكن ثم كان بل ~~قديم موجود بوجود الحق سبحانه وتعالى ، موجود قبل الحفظ وبعده ، واللسان ~~مخصوص من العبادة بالذكر لله تعالى والتسبيح له والدعاء له ، وقراءة كلامه ~~، ثم الذكر صفة الذاكر ، والمذكور هو الله تعالى ، والتسبيح صفة المسبح ، ~~والمسبح هو الله تعالى ، والدعاء صفة الداعي والمدعو هو الله تعالى . كذلك ~~القراءة صفة القارىء التي هي له عبادة وطاعة ، والمقروء كلام الله القديم ~~الموجود قبل القارىء وقبل قراءته . فافهم إن كان لك فهم . وعبادة العين : ~~النظر في المصحف ، والتفكر في الآيات من كلام الله PageV01P136 تعالى ، ~~فالناظر إنما يثاب على نظره الذي هو صفة لا على المنظور فيهن الذي هو صفة ~~الله تعالى . ولهذا المعنى : أن من كان أكثر قراءة ونظرا وتفكرا كان أكثر ~~ثوابا ممن نظر أقل من نظره ، وقرأ أقل من قراءته ؛ فالزيادة والنقصان إنما ~~يكونان في أفعال العباد التي تتصف بالشيء وضده فأما القديم الذي هو كلام ~~الله فلا يتصف بالشيء وضده . فاعلم ذلك وتأمله تهد إن شاء الله . # ويدل على الفرق بين القراءة والمقروء ، ما روى عنه صلى الله عليه وسلم من ~~طرق عدة : أنه قال : خذوا القرآن من أربعة : عبد الله بن مسعود ، وسالم ~~مولى أبي حذيفة ، وزيد بن ثابت . ومعاذ بن جبل ثم خص عبد الله بن مسعود ~~فقال : من سره أن يقرأ القرآن غضا رطبا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم ~~عبد يعني ابن مسعود . فالدليل من وجهين : أحدهما : أنه صلى الله عليه وسلم ~~خص هؤلاء الأربعة بجودة القراءة دون غيرهم من الصحابة ، وإن كان المقروء ~~بقراءة هؤلاء هو المقروء بقراءة غيرهم ، ففاضل صلى الله عليه وسلم بين ~~القراءة وقدم بعضها على بعض ، وكلام الله القديم لا يجوز عليه الجودة ~~والرداءة بل كله شيء واحد جيد لا يختلف ، وإن اختلفت القراءة له . # الثاني من الدليلين : أن الرسول صلى الله عليه وسلم أضاف القراءة إلى ابن ~~مسعود دون القرآن الذي هو كلام الله تعالى فقال : من سره أن يقرأ القرآن ms059 ~~كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن مسعود . فقراءة ابن مسعود صفة له ، والمقروء ~~كلام PageV01P137 الله صفة له لا لابن مسعود . وأيضا فإنه وصف قراءة ابن ~~مسعود بأنها غضة رطبة وهذه صفة لا تقع إلا على صفة المحدثين ؛ لأن قراءة ~~بعضهم تكون غضة رطبة ، مستحسنة تميل إليها القلوب ، وقراءة بعضهم فجة غليظة ~~تنفر عنها الطبائع ، والمقروء بهذه هو المقروء بهذه ، وكذلك بعض القراءات ~~مصححة معربة ، وبعضها ملحونة معوجة مفسدة ، والمقروء بهذه هو المقروء بهذه ~~، لأن القديم لا يتصف بالصحة تارة وبالفساد تارة أخرى ، إنما يتصف بالفساد ~~تارة وبالصحة تارة أخرى صفة المخلوقين ، وهي قراءتهم دون المقروء والمتلو ~~الذي هو كلام الله القديم . # | فصل في بيان أن الحروف والأصوات من صفات الحادث لا البارئ تعالى # وأما الدليل على أن الحروف والأصوات من صفات قراءة القارئ ، لا أنها من ~~كلام الباري سبحانه وتعالى من الأخبار فكثير جدا ، لكن إن شاء الله أذكر من ~~ذلك ما يقع به الكفاية لكل عاقل محصل . # فمن ذلك : ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من ~~الليل فقرأ يخفض طورا ويرفع طورا . وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها نعتت ~~قراءة PageV01P138 رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي تنعت قراءة مفسرة ~~حرفا حرفا ، فموضع الدليل من هذين الخبرين أنهما أضافا القراءة إليه صلى ~~الله عليه وسلم ، وأضافا الخفض والرفع بتفسير الحروف حرفا حرفا إلى قراءة ~~القارئ لا إلى كلام البار ، وكل حديث أذكره لك بعد هذين الحديثين فتأمله ؛ ~~فإني أذكرها سردا إن شاء الله ، فتجد في كل حديث ما يدلك على صحة ما أقول ، ~~وهو : إضافة الصوت ، والحرف إلى قراءة القارئ لا إلى كلام الباري القديم ~~الأزلي . # فيدل على صحة ذلك ما روى عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سئلت عن قراءة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقطع قراءته آية آية ، ولو شاء العاد أن يعدها أحصاها . وهذا يدلك على أن ms060 ~~القراءة تنعد وتنحصر ، والمقروء القديم لا ينعد ولا ينحصر فافهم ذلك . # ويدل على ذلك أيضا ما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت : أكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بالقرآن ؟ قالت : ربما رفع وربما خفض . # ويدل عليه أيضا ما روى عن البراء بن عازب قال : سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ في العشاء بالتين والزيتون ، فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه . ~~ويدل عليه أيضا ما روى عن أنس أنه قال : ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه ، ~~وحسن الصوت وكان نبيكم صلى الله عليه وسلم حسن الوجه وحسن الصوت إلا أنه ~~كان لا يرجع . وأيضا ما روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه : مالك إذا قرأت ~~PageV01P139 لا ترفع صوتك قال : إني أسمع من أناجي . وقال لعمر : مالك إذا ~~قرأت ترفع صوتك جدا قال أوقظ الوسنان وأنفر الشيطان . وقال لعمار : مالك ~~إذا قرأت تأخذ من هذه السورة ومن هذه السورة ؟ فقال : سمعتني أخلط به ما ~~ليس منه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فكله طيب فموضع الدليل : أن ~~الرسول عليه السلام أضاف قراءة كل واحد وصوته إليه ، وذكر أنها قراءة ~~مختلفة ، وأضاف إلى كل واحد صفته من القراءة والصوت ، ولم يضف إلى كلام ~~الله تعالى شيئا من ذلك فافهم . # وأيضا ما روى عن أم هاني رضي الله عنها قالت : كنت أسمع قراءة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأنا على عريشي . وأيضا ما روى جبير بن مطعم قال : أتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه المغرب ، فسمعته وهو يقرأ ، وقد ~~خرج صوته من المسجد : ' إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع ' فكأنما صدع قلبي ~~، ويقال إن هنا كان سبب إسلامه ، لأنه جاء يكلم الرسول صلى الله عليه وسلم ~~في أسارى بدر ، فلما سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن صوته قال ~~: فكأنما صدع قلبي ، وكأني بالعذاب ms061 قد أحاط بي ، فصدقت وآمنت من ساعتي . ~~وهذا الحديث أدل دليل على الفرق بين القراءة والمقروء ، وأن الصوت صفة ~~الصايت والقارئ دون كلام الباري ، لأن الذي صدع قلبه وهداه إنما هو الذي ~~فهمه من كلام الله تعالى الذي أوعد به المستكبرين ؛ فعلو الصوت من ~~PageV01P140 قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم صفة للرسول عليه السلام ، ~~والذي صدق به قلبه هو ما فهمه من كلام الله تعالى الذي سمعه بواسطة قراءة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلو صوته ، لأن الأصوات والحروف لا تهدى ~~ولا تشقى ، إذ لا تأثير لها في إحياء القلوب وإقبالها ، إنما الذي يحيي ~~القلوب ويهديها كلام الله القديم الأزلي يدل عليه قوله تعالى : ' ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ' فالهادي الشافي المقروء لا ~~القراءة ، والمفهوم من الصوت لا الصوت . # يدل على ذلك أيضا ما روى ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ما قال عبد قط إذا أصابه هم أو حزن : اللهم إني عبدك وابن ~~عبدك ناصيتي بيدك ماض في حكمك ، عدل في قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت ~~به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم ~~الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي ، إلا ~~أذهب الله عز وجل همه وأبدله مكان حزنه فرحا ، قالوا يا رسول الله ينبغي ~~لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات ؟ قال : أجل . ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن فبين ~~لك صلى الله عليه وسلم أن كلام الله الذي هو القرآن هو الذي يهدي ويشقى لا ~~قراءة القارىء . # وأيضا ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : بينا أنا في الجنة إذ سمعت صوت رجل بالقرآن فقلت من هذا ؟ فقالوا : ~~حارثة بن النعمان . كذلك البر . كذلك البر . وكان حارثة من أبر الناس بأمه ~~، وأضاف صلى الله عليه وسلم الصوت إلى الرجل الصايت دون القرآن ms062 . ولو أني ~~استقصي الأخبار والآثار في الفرق بين التلاوة والمتلو ، والقراءة والمقروء ~~PageV01P141 لاحتاج إلى مجلدات عدة ؛ لكن ذكرت من ذلك ما فيه كفاية بحمد ~~الله لمن له عقل سليم وفهم صحيح ، فإذا تقرر هذا صح لك أن القراءة صفة ~~القارىء ، والمقروء على الحقيقة كلام الباري ، وكذلك الحفظ صفة الحافظ ، ~~والمحفوظ كلام الله تعالى ، وكذلك الكتابة صفة الكاتب وصنعته ، والمكتوب ~~كلام الله تعالى ، كما أن الذكر صفة الذاكر ، والمذكور هو الله تعالى . ~~وكذلك العبادة من الصلاة ، والصوم ، والحج صفة للعابد وهي في أنفسها مختلفة ~~الصفات متغايرة ، والمعبود بها واحد أحد ليس بمختلف ولا متغاير وهو الله ~~تعالى . وفي هذا كفاية لمن سلم له التصور والفهم . وأما الدليل من جهة ~~العقل هو : أن يعلم أن القراءة تارة تكون طيبة مستلذة ، وتارة فجة تنفر ~~منها الطباع ، وتارة رفيعة عالية ، وتارة منخفضة خفية ، وتارة يلحقها اللحن ~~والخطأ ، وتارة تصح وتقوم ، وما جازت عليه الأشياء فلا يجوز أن يكون إلا ~~صفة الخلق دون صفة الحق . وكذلك أيضا الكتابة تارة تكون مرتبة جيدة حسنة ~~يمدح كاتبها . وتارة وحشية يذم كاتبها ، والإنسان إنما يمدح ويذم على فعله ~~، فصح أن الكتابة صفة الكاتب ، والمكتوب بها كلام الله تعالى ، وأيضا فإن ~~الكتابة يلحقها المحو ويتصور عليها الغرق ، والحرق ، والتواء ، والتلف ، ~~وكلام الله القديم لا يتصور عليه شيء من ذلك . وكذلك الحفظ ، والسمع تارة ~~يوجد ، وتارة يعدم ، وما يجوز عليه الوجود بعد العدم والعدم بعد الوجود ~~فليس بصفة الله تعالى ، وإنما هو صفة المخلوق المربوب ، لكن المسموع من ~~القرآن ، والمحفوظ منه ، والمقروء منه ، والمكتوب منه كلام الله القديم ~~الذي ليس بمخلوق ولا مربوب . فافهم تصب إن شاء الله . # وأيضا فإن من حلف بالطلاق الثلاث أن لا يقوم من مقامه حتى يفعل فعلا يكون ~~عبادة وطاعة لله تعالى ؛ فقرأ عشر آيات من القرآن ثم قام ولم PageV01P142 ~~يفعل شيئا غير ذلك لم يحنث في يمينه بإجماع المسلمين ، فصح أن قراءته فعله ~~وعمله الذي صار به فاعلا ، عابدا ، طائعا ، وأن المقروء بقراءته كلام ms063 الله ~~تعالى القديم الذي ليس بفعل لأحد فافهم . # وأيضا : فإن قراءة القارىء تارة تكون طاعة وقربة ، وتارة تكون معصية ~~وذنبا . فأما الطاعة فهي إذا قرأها وهو طاهر غير جنب وغير مرائي بها أحدا ~~من الخلق ، ويكون معصية إذ قرأها وهو جنب مرائي ، وما يكون تارة طاعة وأخرى ~~معصية كيف يكون صفة الحق ؟ تعالى عن ذلك بل هو صفة الخلق ، لكن المقروء في ~~الحالتين شيء واحد ، وهو كلام الله تعالى القديم لا يتصف بالشيء وضده . ~~فافهم ، وفي بعض هذا مقنع لمن لم يكن يكابر الضرورات . # | مسألة في بيان أن الكلام المكتوب في المصاحف هو عبارة عن كلام الله ~~الذاتي الأزلي # ويجب أن يعلم أن كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على الحقيقة كما قال : ~~' إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ' وهو في مصاحفنا مكتوب على الوجه الذي هو ~~مكتوب في اللوح المحفوظ ، كما قال تعالى : ' بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ~~' لكن نحن نعلم وكل عاقل أن كلام الله الذي هو مكتوب في اللوح المحفوظ هو ~~القرآن المكتوب في مصاحفنا شيء واحد لا يختلف ولا يتغير ، وأن اللوح غير ~~أوراق PageV01P143 مصاحفنا ، وأن الخط الذي فيه غير الخطوط التي في مصاحفنا ~~، وأن القلم الذي كتب في اللوح المحفوظ غير أقلامنا ، وكذلك ما اختلف وغاير ~~غيره واختص بمكان دون مكان وزمان دون زمان ، فهو مخلوق مربوب ، وكل ما هو ~~على صفة واحدة لا يختلف ولا يتغير ولا يجوز عليه شيء من صفات الخلق ، فكذلك ~~هو كلام الله تعالى القديم وجميع صفات ذاته قديمة وكذلك القرآن محفوظ ~~بالقلوب على الحقيقة ، كما قال تعالى : ' بل هو آيات بينات في صدور الذين ~~أوتوا العلم ' لكن نعلم قطعا أن زيدا الحافظ غير عمرو الحافظ ، وأن قلب هذا ~~غير قلب هذا ، وأن حفظ هذا غير حفظ هذا . لكن المحفوظ لهذا بحفظه هو ~~المحفوظ للآخر بحفظه ، وهو شيء واحد لا يختلف ولا يتغير ، إذ هو صفة الله ~~تعالى قديم غير مخلوق ، وكذلك نقول إنه مقروء بألسنتنا نتلوا بها ms064 على ~~الحقيقة لكن نعلم أن زيدا القارىء غير عمرو القارىء ، وأن لسان زيد غير ~~لسان عمرو ، وأن قراءة زيد غير قراءة عمرو ، ولكن المقروء لزيد هو المقروء ~~لعمرو شيء واحد لا يختلف ولا يتغير ، بل هو كلام الله القديم الذي ليس ~~بمخلوق ولا يجوز عليه صفات الخلق وهذا كما قال تعالى : ' إنما أنزل الله ' ~~يعلمه زيد بعلمه ويعلمه عمرو بعلمه ، ويعبده زيد بعبادته ، ويعبده عمرو ~~بعبادته ، ويدعوه زيد بدعائه ، ويدعوه عمرو بدعائه ويذكره زيد بذكره ، ~~ويذكره عمرو بذكره ، ويسبحه زيد بتسبيحه ، ويسبحه عمرو بتسبيحه ، فزيد غير ~~عمرو . وذكره غير ذكر عمرو ، وعبادته غير عبادة عمرو ، ولكن المعبود لهذا ~~هو المعبود لهذا ، والمذكور لهذا هو المذكور لهذا ، والمسبح لهذا هو المسبح ~~لهذا ، والله تعالى القديم الواحد الذي ' ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ~~' . PageV01P144 # | مسألة في بيان أن كلام الله مسموع # ويجب أن يعلم أن كلام الله تعالى مسموع لنا على الحقيقة لكن بواسطة وهو ~~القارىء . دليل ذلك قوله تعالى : ' وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام الله ' واعلم : أن المسموع فهو كلام الله القديم صفة لله تعالى ~~قديمة موجودة بوجود قبل سماع السامع لها ، وإنما الموجود بعد أن لم يكن هو ~~سمع السامع وفهم الفاهم لكلام الله تعالى يحدث الله تعالى له سمعا إذا أراد ~~أن يسمعه كلامه ، وفهما إذا أراد أن يفهمه كلامه ، لأن المسموع لم يكن ثم ~~كان عند السمع والفهم ، وهذا كما أن الله موجود قديم بوجود قديم ، وإذا خلق ~~رجلا أو امرأة لعبادته وسهل له العبادة التي لم تكن ثم كانت فإنه يصير ~~عابدا لله تعالى ، الذي هو موجود قديم دائم قبل العبادة وبعدها ، وإنما ~~الذي لم يكن ثم كان هو العابد والعبادة ، فافهم الحق وحدوده . # # | مسألة في بيان اسماع كلامه لخلقه # فحصل من هذا : أن الله تعالى يسمع كلامه لخلقه على ثلاث مراتب : تارة ~~يسمع من شاء كلامه بغير واسطة لكن من وراء حجاب ، ونعني بالحجاب للخلق لا ~~للحق كموسى عليه السلام أسمعه كلامه ms065 بلا واسطة لكن حجبه عن النظر إليه ، ~~وتارة يسمع كلامه من شاء بواسطة مع عدم النظر والرؤية أيضا من ملك أو رسول ~~أو قارىء ؛ وهو استماع الخلق من الرسول عند قراءته للصحابة وقراءة الصحابة ~~على التابعين ، وكذلك هلم جرا إلى يومنا هذا ؛ يسمع كلام الله تعالى على ~~الحقيقة لكن بواسطة ، فتارة يسمع PageV01P145 كلامه من شاء من الخلق بغير ~~واسطة ولا حجاب ، كتكليمه لنبينا عليه السلام ليلة المعراج . دليل الثلاثة ~~قوله تعالى : ' وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ' وهو نبينا صلى الله ~~عليه وسلم أسمعه الله تعالى كلامه ليلة المعراج من غير واسطة ولا حجاب ، ~~لأنه تعالى في تلك الليلة قال : ' فأوحى إلى عبده ما أوحى ' ولا يحمل الوحي ~~ها هنا على الإلهام بل على السماع والإفهام ؛ أو من وراء حجاب ، كموسى عليه ~~السلام أسمعه كلامه بلا واسطة لكن حجبه عن الرؤية ، أو يرسل رسولا فيوحى ~~بإذنه ما يشاء فيسمع من يشاء كلامه بواسطة تبليغ الرسول أو قراءة القارئ . ~~وهذه جملة بليغة في هذا المعنى إن شاء الله تعالى . # # | مسألة في إنزال كلامه على النبي صلى الله عليه وسلم # ويجب أن يعلم أن كلام الله تعالى منزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ~~نزول إعلام وإفهام لا نزول حركة وانتقال . PageV01P146 والدليل على ذلك ~~قوله تعالى : ' وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكو ~~من المنذرين بلسان عربي مبين ' فيجب أن تعتقدها هنا أربعة أشياء هنا : منزل ~~، ومنزل ، ومنزول عليه ، ومنزول به . فالمنزل هو الله تعالى لقوله : ' إنا ~~نحن نزلنا الذكر ' وقوله تعالى : ' وأنزلنا إليك الذكر ' والمنزل على الوجه ~~الذي بيناه من كونه نزول إعلام وإفهام لا نزول حركة وانتقال كلام الله ~~تعالى القديم الأزلي القديم بذاته ، لقوله تعالى : ' وإنه لتنزيل رب ~~العالمين ' والمنزل عليه قلب النبي صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى : ' ~~على قلبك لتكون من المنذرين ' والمنزول به هو اللغة العربية التي تلا بها ~~جبريل ، ونحن نتلوا بها إلى يوم القيامة ، لقوله تعالى : ' بلسان ms066 عربي مبين ~~' والنازل على الحقيقة المنتقل من قطر إلى قطر ، قول جبريل عليه السلام . ~~يدل على هذا قوله تعالى : ' فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول ~~رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ~~تنزيل من رب العالمين ' وقوله تعالى : ' فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس ~~والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على ~~الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين ~~لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ' وهذا ~~إخبار من الله تعالى بأن النظم العربي الذي هو قراءة كلام الله تعالى قول ~~جبريل لا قول شاعر ولا قول PageV01P147 كاهن . وقالوا : ما هذا إلا قول ~~البشر ، فرد عليهم بهاتين الآيتين وكذلك رد عليهم أيضا لما قالوا ' إنما ~~يعلمه لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ' فحصل من هذا أن ~~الله تعالى علم جبريل عليه السلام القرآن . دليله قوله تعالى : ' الرحمن ~~علم القرآن ' وجبريل عليه السلام علم نبينا صلى الله عليه وسلم . دليله ~~قوله تعالى : ' علمه شديد القوى ' وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ مع جبريل ~~حال قراءته فزعا منه أن يذهب عنه حفظه حتى نهاه الله تعالى عن ذلك بقوله : ~~' ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه وقل رب زدني علما ' وبقوله : ~~' لا تحرك به لسانك لتعجل به ' معناه لا تعجل بقراءتك حتى يفرغ جبريل عليه ~~السلام . ثم طمن قلبه صلى الله عليه وسلم بأنه يحفظه إياه ويثبت حفظه في ~~قلبه ، فقال : ' إن علينا جمعه وقرآنه ' يعني في صدرك حفظه . ووعده أن ~~لسانه يقرؤه قراءة لا يحصل معها نسيان فقال : ' سنقرئك فلا تنسى ' يعني ~~قراءة لا نسيان معها ، فحاصل هذا الكلام أن الصفة القديمة كالعلم ، والكلام ~~ونحو ذلك من صفات الذات لا يجوز أن ms067 تفارق الموصوف ، لأن الصفة إذا فارقت ~~الموصوف اتصف بضدها ، والله تعالى متنزه عن الصفة وضدها . فافهم ذلك . فجاء ~~من ذلك أن جبريل عليه السلام علم كلام الله وفهمه ، وعلمه الله النظم ~~العربي الذي هو قراءته ، وعلم هو القراءة نبينا صلى الله عليه وسلم ، وعلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ، ولم يزل ينقل الخلف عن السلف ذلك إلى أن ~~اتصل بنا فصرنا نقرأ بعد أن لم نكن نقرأ ، فالقراءة أغيار لأن قراءة جبريل ~~عليه السلام غير قراءة نبينا عليه السلام ، وقراءة نبينا عليه السلام غير ~~قراءة أصحابه ، وقراءة أصحابه غير قراءة من بعدهم ، ثم كذلك PageV01P148 ~~هلم جرا إلى يومنا هذا ، يعلم كل عاقل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ ~~قبل الصحابة ، ثم قرأت الصحابة ، ثم قرأ التابعون ثم كذلك إلى اليوم ، لكن ~~المقروء والمتلو هو كلام الله القديم الذي ليس بمخلوق ولا يشبه كلام الخلق ~~هو المقروء بقراءة الرسول عليه السلام وقراءة الجميع . وهذا أمر واضح إن ~~شاء الله تعالى . # | مسألة في بيان عدم إتصاف كلام الله بالحروف والأصوات # ويجب أن يعلم أن الله تعالى لا يتصف كلامه القديم بالحروف والأصوات ولا ~~شيء من صفات الخلق ، وأنه تعالى لا يفتقر في كلامه إلى مخارج ، وأدوات ، بل ~~يتقدس عن جميع ذلك ، وأن كلامه القديم لا يحل في شيء من المخلوقات . ~~والدليل على ذلك : أنه قد صح وثبت أن من شرط الصفة قيامها بالموصوف ، ~~والدليل على صحة ذلك أولا : أن حد القديم ما لا أول لوجوده ولا آخر لدوامه ~~، وأن القديم لا يدخله الحصر والعد ، ونحن نعلم وكل عاقل أن هذه الأشكال من ~~الحروف لم تكن قبل حركة الكاتب وإنما يحدثها الله مع حركة الكاتب شيئا ~~فشيئا . ثم هي مختلفة الصور والأشكال ، ويدخلها الحصر والحد ، وتعدم بعد أن ~~توجد ، وكل ذلك صفة المحدث المخلوق لمن كان له عقل سليم . وأيضا فإن حروف ~~الكلم يقع بعضها سابقا لبعض فعند خط الكاتب با قد حصلت وثبتت قبل خطه سينا ~~وكذلك السين حصلت وثبتت ms068 قبل خطه ميما وكذلك النطق إذا تلفظ بالباء حصلت قبل ~~السين وما تقدم بعضه على بعض وتأخر بعضه عن بعض فهو صفة الخلق لا صفة الحق ~~: وكذلك الأصوات يتقدم بعضها على بعض ويتأخر بعضها PageV01P149 عن بعض ~~ويخالف بعضها بعضا وكل ذلك صفة كلام الخلق لا صفة كلام الحق الذي هو قديم ~~ليس بمخلوق . وأيضا فإن القول بقدم الأصوات والحروف يوجب القدم لجميع كلام ~~الخلق ، وأصوات الناطق والصامت ، وهذا قول يؤدي إلى قدم جميع العالم أجمع ، ~~وأيضا فإن الحروف التي يزعمون أنها قديمة وأنها صفة لكلامه تعالى لا يخلو ~~إما أن تكون هذه الحروف التي تجري في كلام الخلق أو مثلها أو ضدها . فإن ~~قالوا : إنها هي . وجب قدم كلام الخلق ، وكذلك إن قالوا مثلها وجب ذلك أيضا ~~، لأن حد المثلين ما سد أحدهما مسد الآخر وناب منابه وساوقه من جميع الوجوه ~~. # وإن قالوا : بل هي مضادة لهذه الحروف فقد يقولون القول من غير أن يكون له ~~معنى وهذا بين الفساد . # ويدل على أن كلام الله القديم لا يجوز أن يكون حروفا وأصواتا ؛ ما روى عن ~~ابن عباس أنه قال : لم سلط الله بختنصر على اليهود لما قتلوا يحيى عليه ~~السلام سلطه عليهم فقتلهم وخرب بيت المقدس وحرق التوراة . قال عزير عليه ~~السلام في جملة مناجاته : يا رب سلط عليهم عدوا من أعدائك ، بطر رحمتك . ~~وأمن مكرك ، وهدم بيتك ، وحرق كتابك فأوحى PageV01P150 الله تعالى إليه من ~~جملة ما أوحى أن بختنصر إنما أحرق من التوراة الخط ، والحروف ، والورق ، ~~والدفتر ولم يحرق كلامي ، فأخبر تعالى أن كلامه ليس هو الحروف التي حرقت ~~ولا أنه مما تناله الأيدي ولا تعتديه ولا يبلى ولا ينعدم ، ويؤكد هذا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم : لو جعل هذا القرآن لا يحترق في النار ولا يتصور ~~عليه الحرق والعدم ، إنما يتصور ذلك على الأجسام والأشكال فأما الكلام ~~القديم فلا . والذي يدل على صحة هذا أنه ونعوذ بالله تعالى لو أخذ اليوم ~~جبار عاص لله مصحفا فحرقه بالنار ms069 حتى صار رمادا ، أنقول إن كلام الله ~~القديم احترق وانعدم ؟ أم نقول إن كلامه باق ثابت لم يحترق ولم ينعدم ، ~~وإنما احترق الورق ، والحروف المصورة بلا خلاف بين كل عاقل . # دليل آخر على حدث الحروف : وهو أن الأمة مجمعة على أن من قرأ كلام الله ~~تعالى في صلاته لم تبطل صلاته ، ولا خلاف أن من قرأ حروف التهجي في صلاته ~~بطلت صلاته ، فعلم بذلك أنها ليست بكلام الله تعالى . دليل آخر على ذلك : ~~وهو أن من قرأ القرآن وهو جنب أو امرأة حائض مع علمها بتحريم ذلك أنهما قد ~~عصيا وفعلا ما لا يجوز لهما ، ولو تهجى الجنب والحائض حروف الهجاء من أولها ~~إلى آخرها لم يعصيا بذلك ، فعلم بذلك أن الحروف غير كلام الله تعالى ، ~~وإنما هي آلة يكتب بها كلام الله تعالى ويتلى بها كلامه ، وليست نفس كلامه ~~. ويدل على ذلك أيضا ما روى علي رضي الله عنه أنه قال في جواب مسائل سأله ~~عنها اليهود فقال : إن الله PageV01P151 تعالى كلم موسى عليه السلام بلا ~~جوارح ، ولا أدوات ، ولا حروف ، ولا شفة ، ولا لهوات ، سبحانه عن تكيف ~~الصفات . وأيضا ما روى عن علي عليه السلام أنه سئل هل رأيت ربك ؟ وكان ~~السائل له دعبل فقال في جوابه : لم أعبد ربا لم أره . فقال له كيف رأيته ؟ ~~قال : لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، بل رأته القلوب بحقائق الإيمان ، ~~ويحك يا دعبل ! إن ربي لا يوصف بالبعد وهو قريب ولا بالحركة ، ولا بقيام ، ~~ولا انتصاب ، ولا مجئ ، ولا ذهاب ، كبير الكبراء لا يوصف بالكبر ، جليل ~~الأجلاء لا يوصف بالغلظ ، رؤوف رحيم لا يوصف بالرقة ، آمر لا بحروف ، قائل ~~لا بألفاظ ، فوق كل شيء ولا يقال شيء تحته ، وخلف كل شيء ، ولا يقال شيء ~~قدامه ، وأمام كل شيء ، ولا يقال له أمام ، وهو في الأشياء غير ممازج ولا ~~خارج منها كشيء من شيء خارج ، ' تبارك الله رب العالمين ' لو كان على شيء ~~لكان محمولا ، ولو كان في شيء لكان محصورا ، ولو ms070 كان من شيء لكان محدثا . # ويدل عليه قول شيخ طبقة التصوف الجنيد رحمه الله ؛ فإنه قال : جلت ذاته ~~عن الحدود ، وجل كلامه عن الحروف ، فلا حد لذاته ، ولا حروف لكلامه . ويدل ~~عليه أيضا ما حدث به أبو بكر النقاش في تفسيره عن آدم بن أبي إياس قال : ~~رأيت في يد بكر بن خنيس كتابا فزدت فيه حرفا أو PageV01P152 نقصت منه حرفا ~~: فقال لي بكر بن خنيس : يا آدم من أمرك أن تفعل هذا ؟ أما علمت أن الله ~~تعالى لما خلق الألف انتصبت قائمة ، فلما خلق الباء اضجعت ، وقيل للألف لم ~~انتصبت قائمة ؟ قالت : انتظر ما أومر . وقيل للباء لم اضجعت ؟ قالت : سجدتي ~~لربي . فقال بكر فأيهما أجل ؟ الذي فعل ما لم يؤمر به يعني الباء سجدت ولم ~~تؤمر بالسجود أو الذي انتظر ما يؤمر يعني الألف . قال آدم بن أبي إياس ~~فكأنه فضل الألف على الباء ودلالة هذا على وجهين : أحدهما : أنه صرح في هذا ~~بخلق الألف والباء . # والثاني : أنه فضل الألف على الباء ، والقديم لا يجوز أن يفضل بعضه على ~~بعض ، ولا يوصف بالأبعاض وإنما الذي يبعض ويحدد تلاوة القديم لا نفس الكلام ~~القديم : وأيضا ما ذكره في تفسيره بإسناد رفعه إلى كعب الأحبار أنه قال : ~~إن أول ما خلق الله تعالى من الحروف الباء : ويقال كانت الألف والسين حرفين ~~كاملين فرفعت السين فرفع الله الألف عليها . # وأيضا ما روى عن عبد الله بن سعيد أنه قال : عرضت حروف المعجم على الرحمن ~~تعالى وتقدس وهي تسعة وعشرون حرفا فتواضع الألف من بينهما فشكر الله تعالى ~~له فجعله قائما ، وجعله أمام اسمه الأعظم يعني الله ، فإنه لم يسم به غيره ~~ويدل عليه أيضا : أن حروف التوراة مخالفة لحروف الفرقان في الهيئة والصورة ~~والعدد ، لأن حروف التوراة حروف عبرانية ، وكذلك القول في PageV01P153 حروف ~~الإنجيل والمقروء بالكل منهما وإن اختلفت الحروف شيء واحد ، لا يختلف ولا ~~يتغير . # وأيضا فإن الحروف تحتاج إلى مخارج ، فحرف الشفة غير حرف اللسان ، وحرف ~~الحلق غيرهما ، فلو ms071 كان تعالى يحتاج في كلامه إلى الحروف لاحتاج إلى ~~المخارج وهو منزه عن جميع ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون . # وأيضا فإن الحروف متناهية معدودة ، وكلام الله تعالى قديم لا مفتتح ~~لوجوده ولا نهاية لدوامه كعلمه ، وقدرته ، ونحو ذلك من صفات ذاته . وقد أكد ~~تعالى ذلك بغاية التأكيد ، وأن كلامه لا يدخله العد والحصر والحد ، بقوله ~~تعالى : ' قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ~~ربي ولو جئنا بمثله مددا ' وقال : ' ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ~~والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ' فأخبر تعالى في هاتين ~~الآيتين أنه لا نهاية لكلامه . إذ كل ماله نهاية له بداية ، وإنما تتصور ~~النهاية في حق من يتصور في حقه البداية . وبالجملة أن من خالف في هذا فلا ~~أراه أهلا للكلام معه ، لأنه ينكر ما قد علم ضرورة ويكابر الحس ويعاند الحق ~~، وفي هذا القدر كفاية ومقنع . # | مسألة في القراءة والمقروء # ويجب أن يعلم أن القراءة غير المقروء ، وأنها صفة للقارئ ، والمقروء بها ~~غير مخلوق بل هو من كلام الباري وكذلك الحفظ صفة القلب PageV01P154 ~~والمحفوظ غير مخلوق ، بل هو كلام الرب ، وكذلك السمع صفة السامع والمسموع ~~به غير مخلوق بل هو كلام الله تعالى ؛ وكذلك الكتابة صفة الكاتب والمكتوب ~~بها من القرآن كلام الله تعالى غير مخلوف ولا صفة مخلوق ، وهذا كما تقول : ~~إن الذكر غير المذكور ، لأن الذكر صفة الذاكر ، والمذكور بذكره هو الله ~~تعالى ، وكذلك العبادة صفة العابد من المخلوقين ، والمعبود غير العبادة بل ~~هو الله تعالى ؛ وكذلك التسبيح صفة العبد المسبح ، والمسبح هو الله تعالى ، ~~والذي يحقق هذه الجملة النفي ، والإثبات ، والوجود ، والعدم . فإنك تقول : ~~قرأ زيد أمس . فقراءته أمس معدومة اليوم ، وقراءته اليوم غير قراءته أمس ، ~~والمقروء أمس بقراءته أمس هو المقروء بقراءته اليوم . ثم تنفى تارة أخرى ~~فتقول لم يقرأ زيد يوما ولم يوجد منه قراءة ، والمقروء موجود ثابت لا يتصور ~~عليه العدم ، بل هو ثابت قبل وجود ms072 زيد وقبل وجود قراءته ، وموجود ثابت في ~~حال قراءته وبعد قراءته على وجه واحد لا يتصور عليه الشيء وضده وهذا كما ~~تقول : عبد زيد ربه اليوم ولم يعبده أمس ، فعبادته اليوم غير عبادته أمس ، ~~وعبادته أمس ليست موجودة اليوم ، لكن المعبود موجود قبل أمس وفي اليوم لا ~~يجوز أن يوصف بالشيء وضده . وعلى هذا نفس المحفوظ ، والمسموع ، والمكتوب ، ~~فإن الكتابة توجد بعد أن لم تكن ، والحفظ يوجد بعد أن لم يكن ، والسمع يوجد ~~بعد أن لم يكن ؛ ويتصور على الحفظ العدم بالنسيان . ويتصور على السمع العدم ~~بالصمم ؛ ويتصور على الكتابة العدم بالغسل بالماء وطول الزمان والحرق ~~بالنار ، لكن المحفوظ بالحفظ من كلام الله تعالى ؛ والمكتوب ، والمسموع لا ~~يتصور عليه العدم بوجه من الوجوه ، لأنه قديم كذاته تعالى في القدم ، ولا ~~تقول كذاته تعالى من جميع الوجود ، لأنه لو كان كذاته تعالى من جميع الوجوه ~~لوجب أن يكون خالقا رازقا محييا مميتا . PageV01P155 # | فصل في بيان صفة القراءة # ويعلم من جميع ما تقدم : أن القراءة تارة توصف بالصحة والحسن . وتارة ~~بالفساد والقبح . فيقال : قراءة فلان حسنة صحيحة جيدة ، ويقال قراءة فلان ~~قبيحة فاسدة ، فالقراءة تتصف بالشيء وضده ، لأنها صفة القارئ ، والمقروء ~~بها لا يتصف بالشيء وضده ، لأنه صفة الباري . وكذلك أيضا القراءة تكون تارة ~~طيبة مستلذة ، وتارة تأباها الطباع وتنفر عنها الأنفس ، لكن المقروء ~~والمتلو من كلام الله تعالى لا يختلف ولا يتغير بتغير غيره . وكذلك الكتابة ~~تكون تارة بالذهب ، وتارة بالفضة ، وتارة بالمسك والعنبر ؛ وتارة تنحت في ~~الخشب ، وتارة تكون بقطع الآجر ، فكتابة الذهب غير كتابة الفضة ، وكذلك ~~كتابة المسك غير كتابة العنبر ، لكن المكتوب وهو القرآن كلام الله بالذهب ~~هو المكتوب بالفضة ، وكذلك المكتوب بالمسك هو المكتوب بالعنبر ، وما أعلم ~~أحدا يخالف في هذا إلا أحد رجلين : إما جاهل غبي ليس له حس ولا تصور ، وإما ~~منافق مداهن ، نعوذ بالله من الجميع ونسأله حسن التوفيق في الدنيا والآخرة ~~. # فتحقق من جميع ما ذكرنا أن القراءة فعل من أفعال العباد ، والمقروء ms073 ~~والمتلو لا يجوز أن يكون فعلا من أفعال العباد ، ولا نقول أيضا إنه من صفات ~~الفعل لله تعالى بل هو من صفات الذات . يدل على صحة هذا القول أن رجلا لو ~~حلف بالطلاق لا قمت من موضعي هذا حتى أفعل فعلا يكون طاعة من طاعات الله ~~فقرأ آيات من القرآن ثم قام قبل أن يفعل شيئا آخر أنه قد بر في يمينه ولم ~~يحنث ، فعلم أن القراءة فعل القارئ الذي يثاب عليها تارة ويعاقب عليها أخرى ~~، والمقروء في حال الطاعة هو المقروء في حال المعصية ، وهذا أمر قد اتضح ~~بحمد الله تعالى لمن له أدنى عقل وتصور . PageV01P156 # | مسألة # ويجب أن يعلم أنه لا يجوز أن يقول أحد إني أتكلم بكلام الله ، ولا أحكي ~~كلام الله ولا أعبر كلام الله ولا أتلفظ بكلام الله ، ولا أن لفظي بكلام ~~الله مخلوق ولا غير مخلوق ، بل الذي يجوز أن يقول : إني أقرأ كلام الله ~~تعالى ، كما قال تعالى : ' فإذا قرأت القرآن ' وكما قال : ' فاقرؤا ما تيسر ~~منه ' ويجوز أن يقول : إني أتلو كلام الله ، كما قال تعالى : ' وأن أتلو ~~القرآن ' ويجوز أن يقول إني أحفظ القرآن كما قال صلى الله عليه وسلم : من ~~حفظ القرآن ثم نسيه . . الخبر . فكل ما نطق به الكتاب والسنة في القرآن جاز ~~لنا أن نطلقه ، وما لا ينطق به كتاب ولا سنة فلا نطلقه في الله تعالى . ولا ~~في صفاته . فاعلم ذلك وتحققه . # وأيضا فإن زيدا إنما يكون متكلما بكلامه ، ولا يجوز أن يكون زيد متكلما ~~بكلام عمرو ، وكذلك لا يكون زيد أسود سوادا من عمرو ، ومن عجيب الأمر أن ~~المجسمة الحشوية لا يجوزون أن يتكلم زيد بكلام عمرو وعمرو مخلوق ، وكلامه ~~مخلوق ، والمخلوق إلى المخلوق أقرب في الشبه والذات والصورة والحكم ، ~~ويجوزون أن يقولوا : نتكلم بكلام الله تعالى وكلام الله غير مخلوق ولا يشبه ~~كلام الخلق في الذات والحكم . PageV01P157 # | مسألة في إفهام الله لكلامه بالألسنة # ويجب أن يعلم أن الكلام الحقيقي هو المعنى الموجود في النفس لكن ms074 جعل عليه ~~أمارات تدل عليه ، فتارة تكون قولا بلسان على حكم أهل ذلك اللسان وما ~~اصطلحوا عليه وجرى عرفهم به وجعل لغة لهم ، وقد بين تعالى ذلك بقوله : ' ~~وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ' فأخبر تعالى أنه أرسل موسى ~~عليه السلام إلى بني إسرائيل بلسان عبراني ، فأفهم كلام الله القديم القائم ~~بالنفس بالعبرانية ، وبعث عيسى عليه السلام بلسان سرياني ، فأفهم قومه كلام ~~الله القديم بلسانهم ، وبعث نبينا صلى الله عليه وسلم بلسان العرب ، فأفهم ~~قومه كلام الله القديم القائم بالنفس بكلامهم ؛ فلغة العرب غير لغة ~~العبرانية ولغة السريانية غيرهما ، لكن الكلام القديم القائم بالنفس شيء ~~واحد لا يختلف ولا يتغير ، وقد يدل على الكلام القائم بالنفس الخطوط ~~المصطلح عليها بين كل أهل خط ، فيقوم الخط في الدلالة مقام النطق باللسان ، ~~وقد بين تعالى ذلك فقال ' هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما ~~كنتم تعملون ' فقام الخط مقام النطق ، لما كان يدل على الكلام دلالة النطق ~~، لكن الخطوط تختلف بحكم الاصطلاح والمواضعة وقلة الحروف وكثرتها ، فحرف ~~الإنجيل والتوراة كل واحد منها خلاف الآخر ، وكذلك حروف العرب وخطوطهم ~~تخالف غيرها ، وكذلك حروف الهند وخطوطهم تخالف الجميع ، لكن لكل خط وحرف ~~بين أهله يقوم لهم في الدلالة على الكلام القائم بأنفسهم مقام دلالة نطق ~~ألسنتهم ، ويختصون بذلك في الفهم والاصطلاح عند كلام اللسان ، وعند رسم ~~PageV01P158 الحروف الخطوط ، حتى لا يفهم غيرهم ذلك إلا أن يتعلم لغتهم ~~وخطوطهم ، فصح أن الكلام الحقيقي هو المعنى القائم بالنفس دون غيره ، وإنما ~~الغير دليل عليه بحكم التواضع والاصطلاح ويجوز أن يسمى كلاما إذ هو دليل ~~على الكلام ، لا أنه نفس الكلام ، الحقيقي . وكذلك قد يدل على الكلام ~~الحقيقي القائم بالنفس الرموز والإشارات ، وقد بين ذلك تعالى بقوله في قصة ~~زكريا عليه السلام ' آيتك ألا تكلم الناس ثلاث أيام إلا رمزا ' يعني أن لا ~~تفهم الكلام القائم بنفسك باللسان ، وإنما أفهمه بالرمز والإشارة ففعل كما ~~أمره تعالى ، فأخبر عنه فقال : ' فخرج على قومه ms075 من المحراب فأوحى إليهم أن ~~سبحوا بكرة وعشيا ' فأفهم أمره الذي هو الأمر بالتسبيح القائم في نفسه ~~بالإشارة دون نطق اللسان ، وكذلك الأخرس الذي لا ينطق باللسان ولا يسمع ~~الصوت ، إنما يفهمنا كلامه القائم بنفسه ، ونفهمه كلامنا القائم بأنفسنا ~~بالإشارة دون نطق اللسان ، فحصل من هذه الجملة أن حقيقة الكلام على الإطلاق ~~في حق الخالق والمخلوق إنما هو المعنى القائم بالنفس لكن جعل لنا دلالة ~~عليه تارة بالصوت والحروف نطقا ، وتارة بجمع الحروف بعضها إلى بعض كتابة ~~دون الصوت ووجوده وتارة إشارة ورمزا دون الحرف والأصوات ووجودهما ، فحقيق ~~الكلام القائم بالنفس موجود عند الحرف والصوت ، لكن الخلق كلامهم مخلوق كهم ~~وكلام الله ليس بمخلوق كهو ، سبحانه وتعالى . ونريد بقولنا كهو أن صفات ~~ذاته لا توصف بالخلق والحدث ولا بشيء من الخلق والحدث ، كما أنه تعالى لا ~~يوصف بالخلق والحدث . ولا بشيء من صفات الخلق والحدث ، ولا نريد بقولنا كهو ~~أنها خالقة رازقة . فافهم هذا التحقيق ، لأن المعتزلة تشنع وتقول : إذا كان ~~الباري عالما بعلم ومتكلما بكلام والكل قديم يجب أن يكون معه قدماء كثيرة ~~في PageV01P159 الأزل ، وإذا كانت كهو فيجب أن تكون خالقة رازقة آلهة كهو ، ~~وهذا تمويه منهم على عقول العوام ، حتى ينفروهم عن أهل التحقيق والسنة ~~والجماعة ، ويميلوا إلى باطلهم من نفى صفات الله التي وصف بها نفسه في ~~كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يوافقوهم في القول بخلق القرآن ~~معنى ، وإن لم ينطقوا به ، وكذلك أن المعتزلة أكثر حجتهم على أن كلام الله ~~تعالى مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن أنه بزعمهم حروف وأصوات فرضوا من ~~هؤلاء العوام أن يصرحوا في كلام الله تعالى بما يوجب كونه مخلوقا ضرورة ، ~~وإن لم يقولوا إنه مخلوق نطقا . فإنا لله وإنا إليه راجعون . ومما يدل على ~~أن حقيقة الكلام هو المعنى القائم بالنفس من الكتاب والسنة والأثر وكلام ~~العرب ؛ ما نذكر فمن ذلك قوله تعالى : ' إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك ~~لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ms076 والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ' ونحن ~~نعلم وكل عاقل أنه تعالى ما كذب المنافقين في ألفاظهم ، وإنما كذبهم فيما ~~تكنه ضمائرهم وتكنه سرائرهم . وأيضا قوله تعالى : مخبرا عن الكفار : ' ~~ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم ' فأخبر تعالى : ~~أن القول بالنفس قائم وأن لم ينطق به اللسان ، والقول هو الكلام ، والكلام ~~هو القول . وأيضا قوله تعالى : ' يعلم السر وأخفى ' قيل ما حدث به المرء ~~نفسه مما يضمر فيها من قول أو فعل . وأيضا قوله تعالى : ' يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذروه ' وأيضا قوله تعالى : ' إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ' ~~فأسقط تعالى تلفظ المنافقين PageV01P160 بالشهادة لرسوله ، وجعل حكم الكذب ~~للقول الذي في النفس والكلام الذي في النفس دون نطق اللسان ، وأسقط حكم ~~الكفر عن المكره على كلمة الكفر وجعل الحكم لصدق الكلام القائم في القلب ؛ ~~فدل بهذه الآيات وما جرى مجراها أن حقيقة الكلام هو المعنى القائم بالنفس . ~~وله الحكم في الصدق والكذب دون الحروف والأصوات التي هي أمارات ودلالات على ~~الكلام الحقيقي . # ويدل على ذلك من جهة السنة قوله صلى الله عليه وسلم : يا معشر من آمن ~~بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه . وهذا في حق المنافقين ، فأخبر صلى الله ~~عليه وسلم أن الكلام الحقيقي هو الذي في القلب دون نطق اللسان ، وأن الحكم ~~للكلام الذي في القلب على الحقيقة وأن قول اللسان مجاز قد يوافق قول القلب ~~وقد يخالفه . وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم : الندم توبة فأخبر صلى الله ~~عليه وسلم : أن العاصي إذا نوى بقلبه الندم على المعصية منها أن ذلك حقيقة ~~التوبة ، وأن استغفار اللسان تبع لذلك ، فصح أن الكلام الأصلي الحقيقي ~~المعنى القائم بالنفس . # وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى . ' إذا ذكرني ~~عبدي في نفسه ' فأثبت الذكر للنفس ، فالذكر والقول ، والكلام ، واحد ، فعلم ~~أن حقيقة الكلام المعنى القائم في النفس . # ويدل على ذلك أيضا قول عمر رضي الله عنه : زورت في نفسي كلاما ~~PageV01P161 فأتى أبو بكر فزاد عليه ms077 . فأثبت الكلام في النفس من غير نطق ~~لسان ، وعمر كان من أجل أهل اللسان والفصاحة وهو أحد الفصحاء السبعة ، ~~والعربي الفصيح يقول كان في نفسي كلام ، وكان في نفسي قول ، وكان في نفسي ~~حديث ، إلى غير ذلك . وأنشد الأخطل : # لا تعجبنك من أثير خطبة . . . حتى يكون مع الكلام أصيلا # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما . . . جعل اللسان على الفؤاد دليلا وأعلم أن ~~مذهب أهل الحق والسنة والجماعة أن كلام الله القديم ليس بمخلوق ، ولا محدث ~~، ولا حادث ، ولا خلق ، ولا مخلوق ، ولا جعل ، ولا مجعول ، ولا فعل ، ولا ~~مفعول . بل هو كلام أزلي أبدي هو متكلم به في الأزل ، كما هو متكلم به فيما ~~لا يزال . لا أول لوجوده ، ولا آخر له ، وأنه لا يقال إن كلامه حكاية ولا ~~عبارة ولا إني أحكي كلام الله ، ولا إني أعبر كلام الله ، بل نقول : نتلو ~~كلام الله ، ونقرأ كلام الله ، ونكتب كلام الله ، ونحفظ كلام الله ، وأنه ~~يجب التفرقة بين القراءة والمقروء ، والتلاوة والمتلو ، والكتاب والمكتوب ، ~~والحفظ والمحفوظ ، ولا يجوز أن يطلق على كلامه شيء من أمارات الحدث من حرف ~~ولا صوت ، ولا يقال إن القديم يجوز حلوله في المحدث كحلول الشيء في الشيء . ~~وقد قدمنا الأدلة على جميع ذلك وحققناه ، ومذهب المشبهة الحلولية المجسمة ؛ ~~أن كلام الباري حروف وأصوات وأنه قديم ، وأن الحروف والأصوات التي توجد في ~~كلام الخلق كلها قديمة ، لا أخصص بعضها على بعض ، وهذا قول يفضي إلى قدم ~~العالم عند كل محقق ، ومنهم من قال : بل الأصوات والحروف إذا ذكرنا الله ~~تعالى بها أو تلونا بها كلامه PageV01P162 قديمة ، فإذا ذكرنا بها غير الله ~~وأنشدنا بها شعرا كانت محدثة ، وهذا جهل عظيم وتخبط ظاهر ، لأن الشيء عندهم ~~على هذا القول تارة يكون محدثا ثم يصير قديما ، وتارة قديما ثم يصير محدثا ~~، وليس في الجهل أعظم من هذا وكفى به ردا لقولهم . ومنهم من يقول : أصواتنا ~~وحروفنا بالقرآن قديمة وبغير القرآن محدثة ، وهذا مثل القول الأول على ~~الحقيقة وإن اختلفت العبادة ms078 ، وقد بينا فساده ، ومنهم من حدث في هذا الوقت ~~وبان له فساد الأقوال المقدم ذكرها فقال بجهله : أقول إن القرآن بأصوات ~~وحروف تكلم بها الله ، وإن كلامه حروف وأصوات ، لكن حروف قديمة وأصوات ~~قديمة ، لا تشبه هذه الحروف والأصوات المخلوقة التي تجري في كلام الخلق ، ~~وهذا أيضا جهل من قائله ، ويؤدي أن لا يكون في المصاحف القرآن . لأن الحروف ~~التي تكتب بها المصاحف هي هذه الحروف التي تجري في سائر ما يكتب ويؤدي إلى ~~أن القرآن الذي نقرؤه ليس بقرآن ، لأن القرآن بحروف وأصوات قديمة ، ولا ~~تشبه هذه الحروف والأصوات ، ونحن لا نسمع إلا صوتا مثل هذه الأصوات ، ولا ~~نرى حرفا ولا نسمعه إلا مثل هذه الحروف ؛ وهذا القول يوجب أن لا يكون عندنا ~~قرآن بالجملة أو يؤدي إلى أن يكون هذا القرآن بهذه الحروف والأصوات ~~المعروفة غير ذلك القرآن الذي هو بحروف وأصوات قديمة ، لا تشبه هذه الحروف ~~والأصوات ، والجميع فاسد باطل ، وسيأتي بطلان مقالتهم في هذا وغيره في جواب ~~ما يزعمون أنه حجة لهم في هذا وغيره ، إن شاء الله تعالى . # وزعمت المشبهة أن القراءة هي المقروءة ، والتلاوة هي المتلو ، وزعموا أن ~~القديم يحل في المحدث ويختلط به ، وتمسكوا في جميع ذلك بآيات وآثار زعموا ~~أنها حجة لهم فيما صاروا إليه من هذه البدعة العظيمة التي جميعها يدل على ~~أن كلام الله مخلوق محدث ، فاحتجوا في التلاوة هي المتلو ، وأن الله يسمى ~~تاليا ، ولا فرق عندهم في أن يقال تال أو متكلم ، PageV01P163 قالوا : ~~والدليل على ذلك من القرآن قوله تعالى : ' تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ~~' وبقوله تعالى . ' نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق ' . قالوا فسمى ~~نفسه تاليا كما سمى نفسه متكلما وقائلا ، والجواب عن هذا وما جرى مجراه من ~~وجهين . # أحدهما : أنا نقول ما أنكرتم أن ما ذكرتم هو حجة عليكم ، وأن هاتين ~~الآيتين قد دلتا على الفرق بين التلاوة والمتلو ، وأن التلاوة غير المتلو ~~وذلك أنه قال : ' نتلوها عليك بالحق ' والحق ها هنا هو كلامه ms079 القديم ~~الموجود بوجوده القديم بقدمه ، والتلاوة لم تكن موجودة ثم أوجدها ؛ والدليل ~~على أن الحق هو كلامه القديم الموجود بوجوده قوله تعالى : ' أم يقولون ~~افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم ~~يهتدون ' وأيضا قوله تعالى . ' حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ~~قالوا الحق ' فدل على أن الحق هو المتلو القديم ، وأن التلاوة صفة لا فعل ~~ذات . والذي يحقق ذلك قوله تعالى ، قال : ' وما كنت تتلو ' فنفى قبل أن ~~يكون تاليا ، ثم أحدث له تلاوة ولم تكن ثم كانت ، فالحق الذي هو المتلو ~~موجود ثابت لا يتصف بأنه لم يكن ثم كان . والجواب الثاني : أن قوله ' تتلو ~~' يريد به بأمر من يتلو عليك ، وهو جبريل عليه السلام . إلا أن التلاوة لما ~~كانت بأمره أضافها إلى نفسه ، وهذا صحيح ، يدل عليه الكتاب والمعنى الصحيح ~~. فأما الكتاب ، فالدليل عليه قوله تعالى : PageV01P164 ' وكيف تكفرون ~~وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ' وقوله تعالى : ' نزل به الروج ~~الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ' وصار هذا كقوله في ~~قوم نوح : ' إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية ' يعني السفينة ، فأضاف ~~الحمل في السفينة إلى نفسه ، والحامل فيها نوح عليه السلام ، إلا أنه لما ~~كان بأمره أضاف الحمل إليه ، والدليل على الحامل أنه كان نوحا عليه السلام ~~، قوله تعالى : ' قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ' وهذا أيضا كقوله ~~تعالى في قصة مريم عليها السلام : ' فنفخنا فيها من روحنا ' والنافخ كان ~~جبريل عليه السلام إلا أنه لما كان نفخه بأمره أضاف ذلك إلى نفسه فلذلك ~~أضاف التلاوة إلى نفسه لما فعلت بأمره . وكذلك قوله تعالى : ' فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف ' وجبريل عليه السلام الذي كان أتى ~~البنيان ، لكن لما كان بأمره أضافه إلى نفسه وكذلك قوله تعالى : ' ولقد ~~جئناهم بكتاب فصلناه على علم ' والذي جاءهم بالكتاب هو النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، لكن لما كان مجيئه بالكتاب إليهم بأمره تعالى ms080 أضاف ذلك إلى نفسه ، ~~والقرآن من هذا مملوء إذا تتبع ، إنه يضيف الفعل إلى نفسه وإن كان الفاعل ~~له غيره ، لما كان بأمره . # وأما الدليل من كلام العرب ، فإنه يقال : نادى الأمير في البلد ، فيضاف ~~النداء إليه لما كان بأمره ، وإن كان المنادي غيره ، فصح ما قلناه . # ثم نقول لهم : أليس الله تعالى قال : ' نحن نقص عليك أحسن PageV01P165 ~~القصص ' أتقولون : إن الله تعالى قاص ؟ هذا قول لا يجوزه أحد من المسلمين ؛ ~~لكن لما قص عليه جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى أضاف القصص إلى نفسه ، ~~لما كان بأمره ، وقد بين ذلك بقوله : ' بما أوحينا إليك هذا القرآن ' ~~فالقرآن كلامه وصفته ، وقص جبريل عليه السلام على الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بالقرآن الذي تضمن قصص الأولين وأخبارهم . فإن احتجوا على أن القراءة ~~هي المقروء بما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' قرأ الله طه ويس ~~قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ، فلما سمعت الملائكة قالوا : طوبى لأمة ينزل ~~هذا عليها ' قالوا : فأضاف القراءة إلى الله تعالى . فالجواب عن هذا من ~~وجهين : أحدهما : أنه ذكر أن القراءة وجدت قبل السموات والأرض بألفي عام ، ~~ودل على أنها لم تكن موجودة ثم وجدت ، والمقروء القديم ليس لوجوده أولية ، ~~بل هو موجود بوجوده تعالى ، فدل على الفرق بين القراءة والمقروء ، لأن ~~المقروء موجود بوجوده تعالى . # والجواب الثاني : أنه أمر بعض الملائكة أن يقرأ ' طه ' و ' يس ' قبل أن ~~يخلق السموات والأرض بألفي عام ، فلما سمعت الملائكة ذلك قالوا ما قالوا ؛ ~~وأضاف القراءة إلى نفسه . لما كانت بأمره ، فصار هذا كقوله تعالى : ' الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها ' والمتوفي هو ملك الموت ، بدليل PageV01P166 قوله ~~تعالى : ' قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ' لكن لما كان توفيه لهم ~~بأمره أضاف ذلك إلى نفسه . # | فصل في بيان جواز إضافة الفعل إلى الأمر به # ومما يقوى جميع ذلك من السنة : أن الفعل يضاف إلى الآمر به ، وإن كان لم ~~يفعله بنفسه ، وإنما أمر بفعله ؛ ما روى أن النبي ms081 صلى الله عليه وسلم رجم ~~ماعزا ؛ والنبي صلى الله عليه وسلم لم يباشر الرجم بنفسه ، لكن لما أمر ~~الصحابة جاز أن يضاف إليه . وأيضا ما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قطع ~~يد سارق ثوب صفوان ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم ما باشر القطع ، لكن أمر ~~به ، فأضيف الفعل إليه لما صدر عن أمره . وكذلك روى عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه جلد شارب الخمر أربعين ، ولم يباشر الجلد بنفسه ، لكن لما كان عن أمره ~~جاز إضافة الفعل إليه . والأخبار في هذا المعنى كثيرة جدا . وأيضا يقال : ~~جبى عمر رضي الله عنه خراج العراق ، ولم يباشر الجباية بنفسه ، لكن لما جبى ~~بأمره جاز إضافة الفعل إليه . وكذلك يقال : افتتح عمر رضي الله عنه الشام ~~والأمصار ، وهو لم يباشر ذلك بنفسه ، لكن الصحابة والجند بأمره ، فصح بهذه ~~الجملة أن التلاوة فعل التالي ، لكن هي بأمر الله تعالى PageV01P167 ~~وإيجاده ، فصح أن يضاف إليه القراءة والتلاوة على هذا الوجه ، فأما المتلو ~~والمقروء فليس بفعل لأحد بل هو كلامه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته الذي ~~ليس بمخلوق ولا يتصف بشيء من صفات الخلق . # | فصل الرد على من زعم أن القراءة هي المفروء والتلاوة غير المتلو # ثم نقول لهؤلاء الجهلة الضلال : كيف يجوز لكم أن تقولوا إن القراءة هي ~~المقروء ، والتلاوة هي المتلو ، والله تعالى قد فصل بينهما ، وجعل القراءة ~~فعل القارئ ، والمقروء هو القرآن الذي هو كلام الباري ، في غير موضع من ~~كتابه . # أحدها : قوله تعالى : ' فإذا قرأت القرآن ' فأفرد القراءة عن القرآن ، ~~وأن القراءة فعل الرسول ، والمقروء ليس بفعل لأحد ، بل هو كلام الله القديم ~~، وهذا كقوله تعالى : ' واذكر ربك ' فأفرد الذكر عن المذكور ، فالذكر فعل ~~الذاكر ، والمذكور هو الله تعالى القديم الذي ' ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير ' . وأيضا قوله تعالى : ' فاقرؤا ما تيسر من القرآن ' وقوله تعالى : ~~' أتل ما أوحى إليك من الكتاب ' وقوله تعالى : ' وأن أتلو القرآن ' وقوله ~~تعالى : ' إن الذين يتلون كتاب PageV01P168 الله ' وفي القرآن ms082 أكثر من ألف ~~موضع يدل على الفرق بين التلاوة والمتلو ، والقراءة والمقروء ، لمن له حس ~~سالم ، وعقل ثابت . ومن القدر الذي قدمناه دليلان : أحدهما : أنه تعالى ذكر ~~تلاوة ، ومتلوا ، وقراءة ، ومقروءا ، فبطل بذلك زعمهم أنه شيء واحد . # الثاني : أنه أمر بالقراءة والتلاوة ، والأمر هو استدعاء الفعل بالقول ~~ممن هو دونه . والصفة القديمة التي هي المقروء ، والمتلو لا يصح فيه الفعل ~~ولا استدعاء الفعل ، فصح أن المأمور به استدعى غير المقروء ، والمتلو هي ~~القراءة والتلاوة . فافهم هذا التقرير فإنه يوجب الفرق بين الأمرين ، ضرورة ~~الإشكال فيه . ثم نقول لهم : القراءة قد اختلفت وتنوعت أنواعا ، أفتقولون ~~إن المقروء الذي هو القرآن مختلف متنوع ؟ فإن قالوا : نعم كفروا ، وإن ~~قالوا : لا فقد ثبت أن الذي جاز عليه الاختلاف والتنوع غير الذي لم يجز ~~عليه ذلك ، وأيضا فإن كل قراءة منسوبة إلى قارئها ، فيقال هذه قراءة أبي ، ~~وهذه قراءة ابن مسعود ، وكذلك في سائر القراءات ، ولا يجوز أن ينسب المقروء ~~الذي هو القرآن إلى أحد من الخلق ، فيقال هذا قرآن أبي ولا قرآن ابن مسعود ~~، فصح أن القراءة فعل القارئ ، فصح أن تنسب قراءة كل واحد إليه ، لأنها ~~فعله الذي يثاب ويمدح عليها تارة ويعاقب ويندم عليها أخرى ، والمقروء بسائر ~~القراءات كلام الله تعالى الذي ليس بفعل لأحد ، فصح الفرق بين الأمرين . ~~PageV01P169 # | فصل في بيان عدم اختلاف المعنى مع تعدد القراءات # ثم نقول لهم : ما تقولون فيمن قال : إن قرأت بقراءة أبي جعفر يزيد ~~القعقاع شيخ نافع فعبدي حر ، فقرأ بقراءة الجحدري عاصم ، أيعتق عبده أم لا ~~؟ ليس فيه خلاف بين المسلمين . ولو قال إن قرأت مقروء ابن كثير فعبدي حر ، ~~فقرأ بقراءة ابن عامر عتق عبده ، لأن المقروء شيء واحد ، وإن اختلفت ~~القراءات . # | فصل في بيان صحة الفرق بين القراءات والمقروء # ثم نقول : لو اجتمع مائة قارئ فقرأ القرآن أليس عدة القراء مائة ، كل ~~واحد منهم يثاب على قراءته ، فالثواب مائة ثواب على مائة قراءة ، أفتقولون ~~: إن القرآن الذي قرؤوه بقراءتهم مائة قرآن ms083 أم قرآن واحد ، فلا يقول عاقل ~~إلا أنه قرآن واحد ، لكن القراءات متعددة ، فصح الفروق بين القراءة ~~والمقروء . # | فصل في ذلك أيضا # ثم نقول لهم : إذا قرأ القارئ القرآن وحصل له الثواب ، أحصل له الثواب ~~على فعل فعله أو على غير فعل ؟ فإن قالوا : على غير فعل فعله وجب أن يكون ~~هذا الثواب يحصل للساكت كما حصل للقارئ ، وهذا لا يقوله عاقل . وإن قالوا : ~~على فعل فعله ، صح أن الذي فعل القراءة ، أو السماع PageV01P170 إلى ~~القراءة ، والمقروء المتلو الذي هو كلام الله ليس بفعل لأحد ، وكذلك ~~المسموع ليس بفعل لأحد ؛ فصح الفرق بين الأمرين فافهم . # وأيضا فإنه يجوز إذا أعرب القارئ القراءة ، ومكن ما يجب تمكينه ، ووقف ~~فيما يجب الوقوف عليه ، وبدأ بما يجوز البداءة به ، وقطع ما يجوز القطع ~~عليه ، ووصل ما يجوز وصله ، فجائز أن يقال فلان حسن القراءة ، جيد القراءة ~~، وإذا كان بالعكس من ذلك جاز أن يقال : فلان ليس بحسن القراءة ولا جيد ~~القراءة ، ولا يجوز أن يقال المقروء غير حسن ولا جيد ، بل المقروء حسن ، ~~سواء كانت القراءة حسنة أو غير حسنة فافهم الفرق بين الأمرين . # ثم نقول لهم خبرونا : أليس الله تعالى فرض علينا القراءة في الصلاة ؟ ~~فإذا قالوا : بلى . قلنا : أفرض علينا شيئا نفعله أو غير شيء نفعله ؟ فإن ~~قالوا : فرض علينا شيئا نفعله . قلنا : وما هو هذا الشيء ؟ فلا بد أن ~~يقولوا : القراءة . قلنا فقد صح أن القرآن موجود قبل القارئ له وقراءته في ~~الصلاة ، ثم أمره تعالى بأن يقرأ : أي يفعل فعلا يسمى قراءة ففعل العبد صفة ~~العبد لا صفة الرب ، هذا بمنزلة قوله تعالى : ' يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~الله ' أليس المذكور غير الذكر الذي هو فعل الذاكر المأمور بفعله ، فكذلك ~~القراءة فعل القارئ والمقروء القرآن ، ثم نقول لهم أليس كلام الله تعالى ~~موجود بوجوده ، قديم بقدمه قبل أن يخلق خلقا ، فلا بد من نعم . فنقول : فهل ~~يصح وجود القراءة من القارئ قبل وجوده ؟ فلا بد من لا . فنقول ما ms084 كان ~~موجودا قبل القارئ فهو القرآن الذي هو كلام الله ، وما وجد من القارئ بعد ~~أمره بالقراءة فهو فعله لا محالة ، وهذا قدر لا يخفى على بشر سليم العقل . # فإن احتجوا على أن الكلام القديم يوصف بالصوت والحرف ، بقوله PageV01P171 ~~تعالى : ' حتى يسمع كلام الله ' قالوا والذي يسمع إنما هو صوت وحرف ، وقد ~~نسبه إليه ، فدل على أنه متكلم بصوت وحرف . فالجواب من وجهين : أحدهما : أن ~~يقال لهم : ما أنكرتم أن تكون هذه الآية حجة عليكم ، وذلك أن كل عاقل يقول ~~: إن المشرك لا يسمع كلام الله بلا واسطة ، وهي قراءة القارئ ، فلا بد من ~~وجود القراءة التي هي حروف وأصوات ، فيحصل لهذا المشرك السماع حينئذ لكلامه ~~تعالى ، فحصل معنا عند ذلك مسمع اسمع كلام الله بإسماع أوجده ، وهي قراءته ~~التي هي حروف وأصوات ، ومسموع وهو كلام الله تعالى الذي لا يجوز أن يكون ~~حروفا وأصواتا ، لأن الحروف والأصوات يتقدم بعضها على بعض ، وصار هذا ~~بمنزلة من أسمعنا الله بذكره ، بأن قال : يا ألله . قلنا : حصل معنا مسمع ~~وهو الذاكر ، وإسماع أسمعنا به المسموع ، وهو المذكور ، فالإسماع يقع بحروف ~~وأصوات ، فيجوز لكل أن يقول : إن الله المذكور هو حروف وأصوات . # الجواب الثاني : أن المراد بهذه الآية ما هو سماع الحروف والأصوات ، إنما ~~المراد بهذه الآية : حتى يتدبر كلام الله ويفهم ما فيه . لعله يرجع عن شركه ~~ويهتدي ، فالحروف والأصوات لا تهدي ، إنما الذي يهدي هو القرآن الذي هو ~~كلام الله تعالى . دليله : قوله تعالى : ' إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ~~' . # جواب ثالث : وهو أن يقال لهم : إذا كان الكلام القديم أصواتا وحروفا . # والكلام المخلوق الذي من الشعر والخطب أصواتا وحروفا ، فقد صار الكلام ~~القديم كالكلام المخلوق ، وهذا القول يوجب أن يكون كل كلام قديم أو محدث ~~سواء لأن الحرف والصوت في قول القائل إذ أخبر عن قول PageV01P172 اللعين ~~فرعون : ' أنا ربكم الأعلى ' فاعبدون ، فصورة الحروف في قول فرعون أنا ربكم ~~، كصورتها في قراءة القارئ ' وأنا ربكم فاعبدون ' ، فصح أن الحروف ms085 والأصوات ~~ليست كلام فرعون ، ولا الرب تعالى ، فالحرف والصوت يعبر به عن كلام فرعون ، ~~ويقرأ به كلام الله تعالى ، فصح ، أن الحرف والصوت أداة يقرأ بها الكلام ~~القديم ، لا أن الحرف والصوت نفس الكلام القديم . جواب رابع : وهو أن يقال ~~لهم : خبرونا عن قولكم إن الله تعالى متكلم بأصوات وحروف ، أهي هذه الحروف ~~والأصوات الجارية الدائرة في سائر كلام الخلق ، أو غيرها ؟ فإن قالوا : هي ~~هذه فقد جعلوا جميع كلام الخلق قديما كله ؛ وإن قالوا : بل هي غير هذه ~~الحروف والأصوات الجارية في كلام الخلق . قلنا : فصح حينئذ أن قراءة القراء ~~للقرآن بحروف وأصوات غير الحروف والأصوات التي تعنون ؛ فإذن ليس عندنا كلام ~~الله تعالى ، بل هو غائب عنا ، لأن أصوات القراء وحروفهم هذه هي المعهودة ~~الجارية في كلام الخلق . وكذلك أيضا يجب أن لا يكون في المصحف قرآن ؛ لأن ~~الحروف التي فيه هي الحروف المعهودة الجارية في خطوط الخلق ، وكل هذين ~~القولين باطل ؛ فثبت أن الحروف والأصوات يقرأ بها الكلام القديم ويكتب بها ~~الكلام القديم ، لا أنها نفس الكلام . ثم يقال لهم : خبرونا : أيصح خروج ~~حرف من غير مخارج ؟ فإن قالوا : لا . قلنا : فتقولون أن الباري تعالى عن ~~قولكم ذو مخارج من شفة للفاء ؛ وحلق للحاء ؛ ولسان للثاء ؛ وإن قالوا : نعم ~~جسموا بإجماع المسلمين ؛ وإن قالوا : لا تحتاج الحروف إلى مخارج ؛ فقد ~~كابروا الحس والعيان مع قولهم بصحة الخبر المروي PageV01P173 بزعمهم ، وذلك ~~أن كلامه منه خرج ، وكلامه عندهم حروف ، فيجب على قولهم أن يكون خروجها من ~~مخارج ؛ وكل هذا القول كفر وضلال ، وسفه وحمق وجهل عظيم . # | فصل في الحروف المقطعة في أوائل السور # فإن احتجوا بقوله تعالى ' حم ' و ' الم ' ونحو ذلك من الحروف المقطعة في ~~أوائل السور ، وقالوا بالإجماع إن هذا كلام الله ، فصح أن كلامه حروف ، ~~قلنا : الجواب عن هذا من وجوه : أحدها : إن أردتم بقولكم إنها كلام الله ~~تعالى ، بما تزعمون من الإجماع أن نفس صورة الألف ، ولام ، وميم نفس الكلام ~~القديم ، فلا قائل بهذا غير ms086 جهالكم الذين لا فهم لهم ولا عقل ، لأن هذا ~~القول منهم يؤدي إلى أن الكافر المشرك يقدر أن يوجد القديم ويفعل القديم ، ~~لأن كل كافر كاتب يقدر أن يكتب صورة ألف ويلفظ بألف ، ومن عظيم الجهل أن ~~يكون عبد مخلوق مربوب يقدر أن يوجد القديم ويفعل قديما ، هذا جهل ظاهر . ~~وإن قلتم المفهوم من ' الم ' و ' حم ' ونحو ذلك هو كلام الله تعالى عند نظر ~~الناظر إليها ، وأن المسموع عند قراءة القارىء ' الم ' و ' حم ' ونحو ذلك ~~هو كلامه تعالى ، وهذا صحيح ، وصح بذلك أن الكلام القديم يفهم بالحروف ~~المنظومة ، على اختلاف نظمها بين أرباب تلك الخطوط والأشكال كلام الله ~~تعالى ، فكذلك صح أن القراءة هي حروف وأصوات بها يسمع كلام الله القديم على ~~حسب اختلاف اللغات بين أربابها ، لا أنها نفس كلامه القديم . PageV01P174 ~~وقد اختلف المفسرون في هذه الحروف المقطعة في أوائل السور على ثمانية أقوال ~~: أحدها : أنها أسماء من أسماء القرآن ، كالذكر والفرقان ، وهذا قول قتادة ~~وابن جريج . # الثاني : أنها اسم لكل سورة ذكرت في أولها ، وهذا قول زيد بن أسلم . # والثالث : أنها يعبر بها عن اسم الله الأعظم ، وهذا قول السدي ، والشعبي ~~. # والرابع : أنها أقسام أقسم بها الله تعالى ، وبه قال ابن عباس ، وعكرمة . # والخامس : أنها حروف مقطعة من أسماء وأفعال ، فالألف من أنا ، واللام من ~~الله ، والميم من أعلم . فكان معنى ذلك أنا الله أعلم . وهذا قول ابن مسعود ~~، وسعيد بن جبير ونحوه عن ابن عباس أيضا ؛ والعرب قد تعبر عن الكلمة بحرف ~~منها ، كقول القائل : قلت لها قفي . قالت : قاف . أي وقفت ، ومثله في كلام ~~العرب كثير . وقد قال ابن عباس في قوله تعالى : ' كهيعص ' الكاف من كاف ، ~~والهاء من هاد ، والياء من حكيم ، والعين من عليم ، والصاد من صادق . # السادس : أن كل حرف منها يدل على معان مختلفة ، فالألف مفتاح اسمه الله ، ~~واللام مفتاح اسمه لطيف ، والميم مفتاح اسمه مجيد ، والألف آلاء الله ، ~~يعني نعمه ، واللام ملكه ، والميم مجده ، والألف سنة ، واللام ثلاثون سنة ms087 ، ~~والميم أربعون سنة ، آجال ذكرها . والسابع : أنها حروف من حساب الجمل ، لما ~~روى عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله قال : مر أبو ياسر ابن أخطب ورسول ~~الله يتلو فاتحة الكتاب PageV01P175 وسورة البقرة ' الم ذلك الكتاب ' فأتاه ~~أخوه حيي بن أخطب ، فأخبره ، فقال حيي بن أخطب : وأقبل على اليهود ، فقال ~~لهم : الألف واحد ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، وهذه أحد وسبعون سنة ، ~~ثم ذهب حيي مع هؤلاء النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لرسول ~~الله فهل معك غير هذه ؟ قال نعم ' المص ' قال أثقل وأطول ، والألف واحد ، ~~واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد تسعون ، فهذه أحد وستون ومائة سنة ~~، ثم قال هل معك غير هذه يا محمد ؟ قال نعم . قال ماذا ؟ قال : ' الر ' ~~فقال هذا أثقل وأطول ، الألف واحد ، واللام ثلاثون ، والراء مائتان ، فهذه ~~إحدى وثلاثون ومائتا سنة ، فهل مع هذا غيره ؟ قال نعم : ' المر ' قال هذا ~~أثقل وأطول ، الألف واحد ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مائتان ~~، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة . قال : لقد التبس علينا أمرك حتى ما ندري ~~أقليل أعطيت أم كثير . ثم قاموا من عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال ~~أبو ياسر لأخيه حيي ولمن معه من اليهود : وما يدريكم لعله قد جمع هذا كله ~~لمحمد إحدى وسبعون ، وإحدى وستون ومائة ، وإحدى وثلاثون ومائتان ، وإحدى ~~وسبعون ومائتان ، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون سنة . قالوا : والله لقد ~~تشابه علينا أمره ، قيل فنزلت فيهم ' هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، كل من عند ربنا ، وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب ' . # والثامن : أنها حروف هجاء ، أعلم الله بها العرب حين تحداهم ، أن ~~PageV01P176 تلاوة القرآن بحروف كلامهم هذه التي عليها بناء كلامهم ، ليكون ~~عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم ، إذ لم يخرج تلاوته عن مباني كلامهم . # جواب ثاني ms088 : وهو أنك تقول : إذا قلتم أن الحرف المفرد إذا أتى به في ~~تلاوة كلام الله هو نفس كلام الله ، فما تقولون فيمن أسقط شيئا من كلام ~~الله ، أيجوز ذلك أم لا ؟ : فلا بد من أن يقولوا لا يجوز . فيقال لهم : ~~خبرونا عن جماعة من القراء من الصحابة والتابعين ومن اتبعهم بإحسان الذين ~~قرؤوا ' ملك يوم الدين ' وهم الأكثر ، قد أسقطوا ألفا هي في قراءة غيرهم . ~~لأن غيرهم يقرؤون مالك بالألف . فإن قالوا : أخطئوا فلا يجوز لهم ذلك . وهو ~~القول الصحيح الصواب . قلنا : فصح أن الألف ليس نفس كلام الله القديم ، ~~لأنه لا يجوز لأحد أن يسقط منه شيئا ، وإنما الألف صفة قراءة دون قراءة ، ~~فالمقروء مع إثبات الألف هو المقروء مع إسقاط الألف شيء واحد ، لا يزيد ~~بزيادة الحروف ولا ينقص بإسقاط الحروف ، والقراءة تزيد بزيادة الحروف وتنقص ~~بإسقاط الحروف ، وقد قيل : إن من قرأ القرآن بقراءة ابن كثير كتب له أجر ~~ختمة وثلث ، لأنه يزيد في الحروف أكثر من سائر القراء لأنه يقرأ لديه وإليه ~~وعليه ، والكسرة عندهم تقوم مقام حرف ، وقرأ في التوبة ' تجري من تحتها ~~الأنهار ' وهذا يوضح لك أن قوله صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن فله بكل ~~حرف عشر حسنات أن الحروف عائدة إلى القراءة . وطول حروفها دون المقروء الذي ~~هو كلام الله تعالى لا يزيد ولا ينقص . وسنذكر ذلك في الجواب عن هذا الخبر ~~إذا احتجوا إن شاء الله تعالى وبه الثقة . PageV01P177 # جواب آخر : وهو أنك تقول : خبرونا عن حروف كلام الله على زعمهم ، أهي ~~ثمانية وعشرون حرفا أو أكثر أو أقل ؟ فإن قالوا هي ثمانية وعشرون حرفا فقد ~~جعلوا القديم مما يحله الحصر والعد والافتتاح والانتهاء وهي صفة المخلوقات ~~لا صفة القديم . وإن قالوا : أكثر . قلنا : أكثر إلى ما له حد أو إلى ما لا ~~حد له ؟ فأي القولين قالوا كان باطلا ، لأن القرآن لا يخرج في الكتابة ~~والتلاوة على أكثر من هذه الثمانية وعشرين حرفا ، فعلى قولهم يجب أن يكون ~~معنا ms089 بعض القرآن لا كله ، لأن القرآن عندهم حروف يزيد على هذه الحروف ، ~~ولعل الذي يكون معنا من القرآن أقله ، لا سيما إن قالوا إن الحروف القديمة ~~لا يدخلها حصر ولا عد ، وهذا قول ساقط واه عند كل عاقل محصل ، فلم يبق إلا ~~أن الحروف والأصوات أدوات نكتب بها ونتلو بها الكلام القديم ، وغير الكلام ~~القديم ، لا أنها نفس الكلام . فافهم ذلك . وجواب آخر : وهو أن تقول لهم : ~~خبرونا أليس قد قرأ سائر القراء غير نافع وابن عامر في سورة الحديد في قوله ~~تعالى : ' ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ' بإثبات الهاء والواو ، وقرأ ~~نافع وابن عامر بإسقاط الهاء والواو ، فالذي أسقط من الهاء والواو كلام ~~الله تعالى أو قراءة كلام الله تعالى ، فلا يجوز لعاقل أن يقول الهاء ~~والواو كلام الله ؛ لأن من أسقط شيئا من كلام الله كفر ولا خلاف بين ~~المسلمين أنهما على الحق ، وربما رجحوا قراءتهما على غيرهما ، فلم يبق إلا ~~أن الحروف آلة للقراءة تسقط تارة وتثبت أخرى ، والمقروء المتلو ثابت لا ~~يحتمل النقصان ولا الزيادة ، لأنه قديم لكن المخلوق يجوز ثبوته تارة ~~وإسقاطه أخرى . PageV01P178 # فصل في الرد على من زعم ان اتصاف كلام الله القديم بالحروف # فإن احتجوا على إثبات قدم الحروف ، وأن كلام الله القديم يتصف بالحروف ، ~~بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أنزل القرآن على سبعة أحرف ~~. # فالجواب : أنه لا حجة في هذا الحديث من وجوه عدة ، لأنكم تخالفون هذا ~~الحديث . لأن الرسول قال على سبعة أحرف ، وأنتم تقولون على ثمانية وعشرين ~~حرفا ، فقد أسقطتم متن هذا الحديث ، ولم تقولوا به ، فلا حجة لكم فيه . # جواب آخر : وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال : أنزل على سبعة أحرف ولم يقل ~~تكلم الله بحرف ، وأنتم إنما تريدون إثبات الحرف لكلامه ، لا نزول كلامه ~~فلا حجة لكم فيه . # جواب آخر : وهو أن قوله عليه السلام على سبعة أحرف ، لم يرد بها حروف ~~التهجي ، وإنما أراد بها غير ذلك ، بإجماع أهل ms090 العلم من الصحابة والتابعين ~~، ولأنه روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه فسر ذلك بغير حروف التهجي ، لأنه ~~قال : على سبعة أحرف ثم فسرها فقال : أمر ، ونهي ، وترغيب ، وترهيب ، وجدل ~~، ومثل ، وقصص وقال بعض الصحابة PageV01P179 والتابعين يعني على سبع لغات ، ~~مما لا يغير حكما من تحليل ولا تحريم مثل قوله تعالى : ' يا موسى أقبل ولا ~~تخف ' فكانوا لا يفرقون بين قول التالي أقبل أو هلم ، أو يقال : لأن ~~معانيها متفقة وإن اختلفت اللغات فيها ، وما جرى هذا المجرى ، وكانوا في ~~صدر الإسلام مخيرين فيها ، فلما اجتمعت الصحابة رضي الله عنهم عند جمع ~~القرآن على أحدها ، وهو قوله ' أقبل ولا تخف ' منع هذا الإجماع من غير أقبل ~~إلى هلم وتعال . ونحو ذلك ، وقيل عن بعض الصحابة والتابعين : إن قوله على ~~سبعة أحرف أراد بذلك على سبع لغات للعرب ، في صيغة الألفاظ في التلاوة ~~وكيفية مخارجها ونقص حروفها وزيادتها ووجوه إعرابها ، كالذي اختلف فيه ~~القراءآت ، فقرأ بعضهم : ' وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ' بغير الواو ، وقرآ ~~آخرون بواو ، وقرأ بعضهم فيكون بالنصب في مواضع ، وقرأ آخرون فيكون بالرفع ~~فيما نصبه الأولون ، وقرأ بعضهم : ' فتلقى آدم من ربه كلمات ' فنصب آدم ~~ورفع كلمات وهو ابن كثير ، وقرأ آخرون برفع آدم ونصب كلمات ، إلى نحو هذا ~~مما لا يحصى عددا ، فبطل احتجاجهم بالإجماع مما نقل عن الرسول والصحابة ~~والتابعين أن أحدا منهم قال إنه أريد بالسبع حروف التهجي ، وإنما المراد به ~~اختلاف القراءات دون غيرها ما روى أن عمر رضي الله عنه مر ببعض الصحابة وهو ~~يقرأ سورة الفرقان على خلاف القراءة التي أقرأه إياها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، قال عمر : فكدت أن أساوره ، يعني أعجل عليه . فأبطش به ، ثم ~~قال لببته حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله : إني ~~سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على خلاف القراءة التي أقرأتنيها فقال : خل عنه ~~. ثم قال اقرأ فقرأ عليه القراءة التي سمعتها فقال . هكذا أنزل . ثم قال : ~~اقرأ PageV01P180 يا ms091 عمر : فقرأت عليه القراءة التي أقرأنيها فقال : هكذا ~~أنزول . ثم قال : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، الكل شاف كاف فاقرؤا ~~ما تيسر منه فأد هذا الحديث وجوها : أحدها : أن الحروف واختلافه صفة ~~القراءة التي يجوز فيها الاختلاف ، لا كلام الله القديم الذي لا يجوز فيه ~~الاختلاف . # الثاني : أن عمر ما أنكر عليه أن القرآن المقروء بقراءته كلام الله ، ~~إنما أنكر عليه القراءة التي هي صفة القارىء وظن أن هذه القراءة فاسدة ~~وقراءته أعلمه الرسول عليه السلام أن كل واحدة من القرائتين جائزة ، وإن ~~اختلفا ، لأن المقروء بها لا يختلف لاختلافها . الثالث : أن الرسول أخبر أن ~~القرآن يقرأ على سبع قراءات ، وأن تعدد القراءات لا يدل على تعدد القرآن ؛ ~~لأن السبع المقروء بها واحد ، وهو كلام الله القديم ، الذي لا يشبه كلام ~~الخلق ، ولا يختلف في حال من الأحوال ، وإن اختلفت القراءات . فافهم ~~التحقيق ترشد إن شاء الله تعالى . # | فصل في ذلك أيضا # فإن احتجوا على أن الله تعالى متكلم بحروف ، بما يروى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات ، أما إني لا ~~أقول ألم حرف ، لكن الألف حرف ، واللام حرف ، والميم حرف قالوا : فدل على ~~أنه تكلم بحروف ، فالجواب من وجوه : PageV01P181 أحدها : أن الحديث لا حجة ~~فيه على ما تريدون ، لأنه لم يقل تكلم الله بحروف ، وإنما قال من قرأ فله ؛ ~~وهذا لا حجة فيه . # جواب آخر : وهو أن الأجر إنما يقع على الطاعة التي هي القراءة ، لا على ~~القديم الذي هو كلام الله ، ونحن نقول : إن الحرف عائد إلى القراءة لا إلى ~~المقروء ، والذي يحقق ذلك أنه إذا جلس اثنان حافظان لكلام الله تعالى وهما ~~ساكنان ؛ أليس كل واحد منهما معه كلام الله في صدره ، كما أخبر تعالى : ' ~~بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ' ولا يحكم بأن لكل واحد منهما ~~حسنة ، وإن كان كلام الله موجودا معهما ؛ فإذا قرأ أحدهما وسكت الآخر ، ~~أليس يحصل للقارىء ms092 بكل حرف عشر حسنات ، لوجود القراءة منه ، وليس للساكت ~~منهما هذه الحسنات ، وإن كان معه كلام الله القديم على الوجه الذي ذكرنا ، ~~وإنما زاد عليه هذا ، بأن وجدت منه القراءة التي هي حروف وفعل منه يسمى ~~طاعة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : أفضل عبادات أمتي قراءة القرآن فصح أن ~~الثواب على الفعل الذي هو طاعة ، لا على الكلام القديم ، فكان الحرف صفة ~~التلاوة لا صفة المتلو . # جواب آخر : وهو أنه قد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه أضاف الحرف إلى ~~التلاوة ، لا إلى كلام الله القديم ، وهو ما روى عبد الله بن مسعود أن ~~الرسول قال : تعلموا القرآن فإنه مأدبة الله فتعلموه واتلوه فإنكم تؤجرون ~~على تلاوته بكل حرف عشر حسنات . فأضاف الحرف إلى التلاوة لا إلى المتلو ، ~~فصح ما قلناه ، وبطل ما توهم الجاهل أنه حجة له . PageV01P182 # | فصل الرد على من زعم انصاف كلام الله بالصوت # فإن احتجوا في إثبات الصوت لكلام الله تعالى ، وأنه متكلم بأصوات ، بما ~~روى في الحديث : إذا كان يوم القيامة نادى الله تعالى بصوت يسمعه من بعد ~~كما يسمعه من قرب الخبر . . قالوا : فقد أضاف الرسول عليه السلام الصوت إلى ~~الله تعالى ، فصح ما قلناه . الجواب من أوجه : أحدها : أنك تقول أولا لا ~~حجة لكم فيه ، لأنه صلى الله عليه وسلم ما قال تكلم الله بصوت ، ولا قال ~~بصوت ، ولا قال كلام الله أصوات ، كما تزعمون بجهلكم ؛ وإنما قال نادى الله ~~بصوت ، وليس الخلاف إلا أن كلامه أصوات ، فلا حجة لكم فيه . # جواب آخر : وهو أن هذا الحديث قد روى فيه ما يدل على أن الصوت من غير ~~الله بأمره ، لأنه روى إذ كان يوم القيامة جمع الله الخلائق في صعيد واحد ، ~~ينفذهم البصر ، ويسمعهم الداعي ، يأمر مناديا فينادي ، فصح أن النداء من ~~غيره ، لكن لما كان بأمره أضيف النداء إليه ، كما يقال : نادى الخليفة في ~~بغداد بكذا وكذا . ويقال : أمر الخليفة مناديا فنادى بأمره في بغداد بكذا ~~وكذا ، ولا فرق بين الموضعين ms093 ، فإن كل عاقل يعلم أن الخليفة لم يباشر ~~النداء بنفسه ، لكن لما كان بأمره جاز أن يضيفه إلى نفسه ، وأن يضاف إليه ، ~~وإن لم يكن هو المنادي بنفسه ، ويصحح جميع ذلك القرآن ، PageV01P183 قال ~~الله : ' واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك ~~يوم الخروج ' فأضاف النداء إلى المنادى ، فصح أن الصوت صفة المنادي لا صفة ~~الآمر بالنداء ؛ ومن عجيب الأمر أن الجهال لا يجوزون أن يكون النداء صفة ~~المخلوق إذا كان رفيع القدر في الدنيا ، كالخليفة والأمير ، وينفون عنه ذلك ~~، ثم يجوزونه في حق رب العالمين . # جواب ثالث : وذلك أنا وكل محقق يقول : إن هذا الصوت ليس بموجود اليوم ، ~~وإنما يكون يوم القيامة ، وكلام الله قديم بقدمه ، موجود بوجوده ، فصح أن ~~هذا شيء لم يكن بعد ، وإنما يكون يوم القيامة ، ومن زعم أن صفة الله تعالى ~~ليست بموجودة اليوم ، وإنما توجد يوم القيامة فقد جعل كلام الله تعالى ~~مخلوقا لا محالة ، فصح بهذه الجملة أن الصوت ليس بصفة لكلام الله تعالى ، ~~وإنما هو صفة للمنادي الذي يأمره الله تعالى بالنداء في ذلك اليوم . جواب ~~آخر : وهو أن كل ما أضيف إلى الله تعالى لا يجب أن يكون صفة له ، فمن زعم ~~هذا فقد كفر وأشرك لا محالة ، لأن الخبر قد جاء بقول الله تعالى : يا ابن ~~آدم مرضت فلم تعدني ، جعت فلم تطعمني ، عطشت فلم تسقني ، عريت فلم تكسني ~~فأضاف هذه الأشياء إليه في الخبر ، ومن زعم أنه يجوع ويعطش ، ويمرض ويعرى ، ~~فقد كفر وأشرك لا محالة . وكذلك قال تعالى : ' يوم ننفخ في الصور ' على ~~قراء من قرأ بالنون المفتوحة والنافخ إسرافيل . وقال تعالى : ' إن الذين ~~يؤذون الله ' فأضاف الأذية إليه ، ومن زعم أن الأذية من صفته فقد كفر لا ~~محالة ، فلم يبق PageV01P184 إلا أن النداء والصوت حصل من الصايت المأمور ، ~~لا من الآمر ، لكن لما كان بأمره جاز أن يضاف إليه ، كما قال تعالى : ' ~~ولقد جئناهم بكتاب ' وإنما جاء به محمد عليه السلام بأمره . وقال ms094 تعالى : ' ~~فطمسنا أعينهم ' والطامس جبريل ، وميكائيل ، طمسا أعين قوم لوط ، لكن لما ~~كان بأمره أضافه إلى نفسه . وكذلك يقال : رجم وجلد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، وإنما الراجم والجالد غيره ، لكن لما كان بأمره حسن أن يضاف إليه . ~~فافهم الحق لتبطل به الباطل . # فإن احتجوا بما روى : أن الله تعالى إذا تكلم الله بالوحي ، وروى بالأمر ~~من الوحي جاء له صوت كجر السلسلة على الصفا . فالجواب عن هذا من وجوه عدة : ~~أحدها : أن هذا هو الحجة عليكم ، لأن هذا الصوت خلاف ذلك الصوت الذي في ~~الخبر الأول ، لأن ذلك قال فيه يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب وهذا الصوت ~~إنما يسمعه بعض الملائكة ، فصح أن هذا الصوت خلاف ذلك الصوت ، ولو كان ~~الصوت صفة قديمة لما اختلف ولا تغير ؛ لأن القديم لا يجوز عليه الاختلاف . ~~ولا التغير ، فلما اختلف وتغير دل أن ذلك صفة الخلق لا صفة الحق . فافهم . # جواب آخر : وذلك أنه قال : إذا تكلم الله بالوحي ، جاء له صوت ، ولم يقل ~~إذا تكلم الله بصوت ، فالوحي غير الوحي ، لأن الموحي كلام الله تعالى ، ~~والوحي إنزال كلام الله ، وإعلام كلام الله ، والذي يدل على صحة ~~PageV01P185 ذلك القرآن . وذلك أن الله تعالى فصل بينهما فقال : ' وكذلك ~~أوحينا إليك قرآنا ' فالوحي إنزال القرآن ، وإعلام القرآن ، وإفهام القرآن ~~الذي هو كلام الله تعالى ، وقال تعالى : ' إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى ~~نوح والنبيين من بعده ' أي أنزلنا إليك وأفهمناك كلامنا القديم ، كما ~~أنزلنا وأفهمنا من قبلك كلامنا القديم ، فالإفهام لم يكن ثم كان . وأما ~~المفهوم الذي هو كلام الله القديم فهو موجود ثابت قبل الإفهام وبعده على ~~صفة واحدة ، لا يختلف ولا يتغير . جواب آخر : وهو أن هذا الحديث قد روي من ~~طرق عدة ، وأضيف إليه الصوت المشبه بجر السلسلة إلى الخلق ، لا إلى كلام ~~الحق ، فمن ذلك ما روى النواس بن سمعان قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : إذا تكلم الله بالوحي أخذت السموات منه رجفة شديدة ms095 من خوف الله ~~تعالى ، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا سجدا ، وأول من يرفع رأسه ~~جبريل عليه السلام ؛ فتكلم الله من وحيه بما أراد ، فينتهي به جبريل عليه ~~السلام على الملائكة ، كلما مر بسماء سأل أهلها ماذا قال ربنا ؟ فيقول ~~جبريل الحق ، وهو العلي الكبير فثبت أن الصوت المشبه بالسلسلة صوت رجفة ~~السموات ، لأنهم سمعوا صوت رجفة السموات لا كلام الله تعالى ، ولهذا سألوا ~~جبريل عليه السلام ماذا قال ربنا ، فدل على أنهم لم يسمعوا كلامه ، وإنما ~~سمعوا صوت رجفة السموات ، التي شبهت بجر السلسلة ، لأنهم لو سمعوا كما سمع ~~جبريل لفهموا كما فهم جبريل . وروى أبو هريرة رضي الله عنه . أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها ~~خضعانا لقوله ، كأنه سلسلة على صفوان فأضاف الرسول عليه السلام هذا ~~PageV01P186 الصوت المشبه إلى صوت أجنحة الملائكة ، لا إلى كلام الله تعالى ~~وحديث أبي هريرة هذا صحيح . أخرجه البخاري ، وحديث النواس أخرجه مسلم في ~~كتابه ، وروى أبو الضحى مسروق ، عن عبد الله أنه قال : إذا تكلم الله ~~بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان وفي رواية : سمع ~~أهل السماء للسماء صلصلة وليس في شيء من هذه الروايات إذا تكلم الله سمعوا ~~من الله صلصلة ، وإنما سمعوا من السماء إذا أحدث الله فيها رجفة ، وجعل ذلك ~~علامة لأهل السموات . يعلمون بها أن الله تعالى تكلم بالأمر ، وأن المخصوص ~~بسماع كلامه جبريل عليه السلام ، ولهذا سألوه ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ ~~فيقول : قال الحق . فيقولون : قال الحق . فيصفون الله تعالى بقول الحق ، لا ~~بالصلصلة والصوت ، فصار هذا الحديث حجة عليهم لا لهم . # جواب آخر : وهو أنه قد روي من الأخبار والآثار ما لا يحصى عددا ، أن ~~الصوت مخلوق ، وأنه صفة القارئ لا صفة الباري ، فمن ذلك ما روى ابن جريج عن ~~الزهري أنه قرأ بين يديه ' يزيد في الخلق ما يشاء ' فقال هو الصوت الحسن . ~~فقال الأوزاعي رحمه الله أنه قال : ليس ms096 أحد من خلق الله أحسن صوتا من ~~إسرافيل ، قيل فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سموات تسبيحهم وصلاتهم . ~~PageV01P187 # وقال أبو العالية : قال موسى صلى الله عليه وسلم لقومه : قدسوا بأصوات ~~حسنة ، فإنه أسمع له ، فأضاف الصوت إلى المقدسين لا إلى المقدس . وقال مالك ~~بن دينار في قوله تعالى : ' وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ' قال : يقيم الله ~~داود عليه السلام عند ساق العرش ، فيقول يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن ~~الرخيم ، فيقول كيف أمجدك به وقد سلبتنيه في دار الدنيا ؟ قال : فيقول جل ~~وعز : إني أرده عليك . قال فيرده عليه ، فيزداد صوته حسنا ، فيأخذ في ~~التمجيد ، فيستفرغ داود نعيم الجنان ؛ يعني يشتغل أهل الجنة بحسن صوته عن ~~نعيمهم . # فالصوت الحسن المردود المسلوب الرخيم صفة داود عليه السلام التي يمجد بها ~~ويقدس بها ، والممجد المقدس هو الله تعالى الخالق لداود ولصوته ولسائر ~~الأصوات . وروى أن عمر رضي الله عنه كان يقدم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته ~~بين يدي المهاجرين والأنصار . وقال أبو عثمان النهدي رضي الله عنه : صلى ~~بنا أبو موسى صلاة الصبح فما سمعت بصوت ولا بربط أحسن صوتا منه . وتبين من ~~هذه الآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جعل الصوت صفة ~~للقارئ لا لله تعالى ، فقد روى عنه في هذا المعنى PageV01P188 ما لا يحصى ~~عددا ، فمن ذلك : ما روت عائشة رضي الله عنها قالت : قام رجل من الليل فرفع ~~صوته بالقرآن ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد أذكرني كذا . وكذا آية ~~قال أبو ذر كان لي جار وكان يرفع صوته بالقرآن فشكوته إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان يقال له ذو البجادين فقال : دعه فإنه أواه وكان أسيد ~~بن حضير من أحسن الناس صوتا بالقرآن ، فقرأ ليلة وفرسه مربوط عند رأسه ، ~~وابنه نائم إلى جنبه ، فدار الفرس في رباطه ، فقرأ فدار الفرس في رباطه ، ~~فانصرف وأخذ ابنه وخشى أن يطأه الفرس ، فأصبح فذكر ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms097 ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ أسيد فإن الملائكة ~~لم تزل تسمع صوتك وروى ابن سابط قال : أبطأت عائشة رضي الله عنها على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما حبسك يا عائشة ؟ قالت يا رسول الله : ~~سمعت رجلا يقرأ ما سمعت من رجل يقرأ قراءة أحسن منها ، فذهب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليسمع صوته ، فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة ، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك . وروى عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه سمع قراءة PageV01P189 أبي موسى ذات ليلة فقال : أبو موسى ~~مزمار من مزامير داود ومعلوم أنه شبه حسن صوته بالقراءة بالمزمار ، لا كلام ~~الله القديم الذي لا يشبهه شيء من أصوات الخلق ولا نغماتهم . وروى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مر في ليلة هو وعائشة رضي الله عنها ، وأبو موسى يقرأ ، ~~فقاما فاستمعا لقراءته ، ثم إنهما مضيا ، فلما أصبح لقى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فقال لأبي موسى : يا أبا موسى مررت بك الباحرة ومعي عائشة ~~فاستمعنا لقراءتك فقال أبو موسى يا نبي الله ، أما إني لو علمت بمكانك ~~لحبرته لك تحبيرا . قال : لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود . وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن وإن كنت لم ~~أر منازلهم حين يدخلون بالليل ، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل ، ~~وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم بن ~~الحجاج في صحيحه ، وهو أكبر حجة في نفي الصوت عن كلام الله القديم ، لأنه ~~فصل الأصوات من القرآن ، فأضاف الأصوات إلى الأشعريين ولم يضفها إلى كلام ~~الله الذي هو القرآن . # وقال شهر بن حوشب : قدم أبو عامر الأشعري على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في رهط من قومه ، فقال صلى الله عليه وسلم : إنه ليدلني على حسن إيمان ~~الأشعريين حسن أصواتهم بالقرآن وفي هذه الأحاديث التي ذكرنا وأمثالها مما ~~لا يحصى عددا ms098 : أن الأصوات صفة الصايتين لا صفة كلام رب العالمين ، وفي بعض ~~ذلك مقنع وكفاية لمن أراد الله له الهداية . PageV01P190 # | فصل في الرد على من زعم أن الله يسمع بأذن # فإن قالوا : أليس تقولون إن كلام الله مسموع بحاسة الآذان على الحقيقة ؟ ~~قلنا : بلى . فإن قالوا : فليس يجوز أن يكون مسموعا على الحقيقة إلا ما كان ~~صوتا أو حرفا . # فالجواب : أن هذا جهل عظيم ، وذلك أن أهل السنة والجماعة قد أجمعوا على ~~أن الله تعالى يرى بالأبصار على الحقيقة ، ولا يجوز أن يرى على الحقيقة إلا ~~ما كان جسما وجوهرا وعرضا . أفتقولون : إن الله تعالى جسم ، وجوهر ، وعرض ؟ ~~فإن قالوا : نعم . . فقد أقروا بصريح الكفر للتشبيه ، وإن قالوا : يرى وليس ~~بجسم ، ولا جوهر ولا عرض ولا يشبه شيئا من المرئيات . قلنا : فكذلك كلامه ~~قديم ليس بمخلوق ومسموع على الحقيقة ، وليس بحروف ولا أصوات ، ولا يشبه ~~بشيء من المسموعات ، فكما أنه يرى على الحقيقة ولا تكييف لكلماته . فاتقوا ~~الله وقفوا عند حدوده ، ولا تكونوا ممن قال فيهم : ' ومن يتعد حدود الله ~~فأولئك هم الظالمون ' . وتمسكوا بقوله تعالى : ' ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير ' . ثم نقول لهم : أليس الله تعالى قد سمى نفسه بانيا ، وهو بان على ~~الحقيقة ، لأنه قال : ' أم السماء بناها رفع سمكها فسواها ' ولم نر بانيا ~~على الحقيقة ، إلا بآلة من عدة وآجر وحجر وخشب وغير ذلك : أفتقولون إنه ~~مفتقر في بناء السماء إلى ذلك ، حتى يكون قد بنى على الحقيقة . فإن ~~PageV01P191 قالوا : نعم ، كفروا لا محالة ، وإن قالوا : هو بناء منه على ~~الحقيقة ولا يفتقر فيه إلى آلة وعدة . قلنا : وكذلك كلامه مسموع منه على ~~الحقيقة بواسطة وغير واسطة ، ولا يفتقر في إسماعه إيانا إلى آلة من حروف ~~وأصوات وغير ذلك . # # | فصل في الرد على من يزعم الحلول في حق الله # فإن احتجوا بجهلهم أن الصفة القديمة تحل في الظروف والأوعية كحلول الشيء ~~المخلوق في الشيء المخلوق . فتفسير هذا القول منهم لو عقلوا كان إقرارا ~~منهم بخلق الله تعالى ms099 ، لأن القديم لا يتصور عليه النقلة ، والتحويل ، ~~وتفريغ مكان ، وإشغال مكان ، وأمكنة ، وحصر ، وعد ، وإفساح ، وفراغ ، فإن ~~أصروا على الجهل والضلال واستدلوا على حلول كلام الله القديم في المخلوقين ~~بما يظنون حجة لهم ، وهو جرأة ، وحجة عليهم ، أقروا بقول إخوانهم من ~~النصارى ، بل زادوا عليهم في سوء الإعتقاد ، وخبث المذاهب والمقال على ما ~~سنبينه في ثاني الحال ، إن شاء الله . # فإن احتجوا بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تسافروا ~~بالقرآن إلى أرض العدو قالوا : فصح أن الكلام القديم يصح عليه الحلول ~~والنقلة والتحول ، فالجواب من وجوه عدة : أحدها : أنه صلى الله عليه وسلم ~~أراد بذلك المصحف ، لأنه قد بين ذلك فقال مخافة أن تناله أيديهم ولم يرد أن ~~كلام الله القديم انتقل ولا تحول من بلاد الإسلام إلى بلاد العدو ، والمصحف ~~قد يسمى قرآنا ، لأن فيه PageV01P192 كتابة القرآن ، وقد روى ذلك صريحا عنه ~~صلى الله عليه وسلم ، فإنه كتب إلى عمرو بن حزم : ولا يمس القرآن إلا على ~~طهارة فأراد بذلك : المصحف الذي حل فيه كتابة كلام الله القديم لا يجوز ~~عليه المس بالأيدي . # جواب آخر : وهو أنه أراد لا تسافروا بكتابة القرآن ، فحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه ، كما قال تعالى : ' واسأل القرية التي كنا فيها ' يعني ~~أهل القرية ' والعير ' يعني أهل العير . وقوله تعالى : ' لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى ' قال أكثر أهل العلم موضع الصلاة . وقد قال تعالى : ' والشجرة ~~الملعونة في القرآن ' أراد الملعون أهلها في القرآن . وكذلك قال : ' والطور ~~' ' والضحى ' وجميع الأقسام إنما معناها ورب الطور ورب الضحى ، وهذا كثير ~~جدا في كلام العرب ، يحذفون لعلمهم بفهم أهل اللسان والبيان ذلك ، وأنهم ~~ليسوا كأهل الجهل والهذيان ، والعرب تقول : بنو فلان تطؤهم الطريق ، يريدون ~~يطؤهم أهل الطريق ، وأبين من هذا قوله تعالى : ' إن الذين يؤذون الله ' ~~يريد أنبياء الله وأولياء الله . # وجواب آخر وهو : أنا نعلم وكل عاقل يعلم أن الرسول عليه السلام ~~PageV01P193 إنما أراد بالقرآن ها هنا شيئا محترما يتصون عليه من ms100 الأيدي ، ~~ولم يرد نفس كلام الله القديم ، والذي يدل على صحة ذلك : أن الحافظ للقرآن ~~: القرآن في صدره عندنا حفظا ، لا أن كلام الله القديم يحل في صدر الحافظ ~~حلول الجسم في الجسم ، وعندهم على حسب عقدهم أنه حال في صدور الحفاظ كحلول ~~الشيء في الشيء ، ومع ذلك فإن الرسول ما نهى أحدا من الحفاظ أن يدخل بلاد ~~العدو ، فلم يبق إلا أنه صلى الله عليه وسلم أراد مصاحف القرآن التي يتصور ~~عليها نيل أيدي العدو ، ولم يرد أن القديم يحل في المخلوق حلول الجسم في ~~الجسم حاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم . # | فصل في ذلك أيضا # فإن احتجوا بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لو جعل هذا ~~القرآن في إهاب ثم ألقى في النار ما احترق قالوا : وقد أطلق عليه صلى الله ~~عليه وسلم أن القرآن يجعل في الإهاب ، فدل على أنه حال . فالجواب أن أهل ~~العلم رضي الله عنهم ذكروا في ذلك ثلاثة أقوال : أحدها : أن هذا كان في ~~زمانه صلى الله عليه وسلم دليلا على صدقه ، وكان معجزة له ، وكان إذا كتب ~~في جلد أو رق أو غير ذلك ثم ألقى في النار لم يحترق . ذلك الجلد أو الرق ، ~~فيكون معجزة له صلى الله عليه وسلم ؛ كانشقاق القمر وغير ذلك من المعجزات ، ~~ثم انقضى ذلك بعد موته : بدليل أن الرقق التي كتب فيها القرآن قد احترقت في ~~زمن الصحابة وغيرهم . الثاني : أن قوله صلى الله عليه وسلم : لو جعل القرآن ~~في إهاب ثم ألقى في النار لم PageV01P194 يحترق أراد بذلك فضل حفظة القرآن ~~، وأنهم لأجل ما حفظوا من كلام الله تعالى وصار حفظه في صدورهم تصير عليهم ~~النار بردا وسلاما ، فلا تحرقهم ، كما كانت على الخليل عليه السلام بإذن ~~الله تعالى . وقد قال صلى الله عليه وسلم : نعم الشفيع لصاحبه يوم القيامة ~~فيكون ببركة شفاعة القرآن لصاحبه وعمله به لا تتسلط النار على إهابه فتحرقه ~~، وهذا صحيح ؛ لأن الإهاب هو الجلد قبل ms101 الذبح ، أو قبل الدباغة . # دليل الأول : قول عائشة رضي الله تعالى عنها في مدح أبيها الصديق رضي ~~الله عنه . وحقن الدماء في أهبها . ودليل الثاني قوله عليه السلام : أيما ~~إهاب دبغ فقد طهر فأما بعد الدباغ فلا يقال له إهاب ، وإنما يقال له أديم ~~أو رق ، أو نحو ذلك . # الثالث : وهو الأصح والأجود : أن القرآن إذا كتب في إهاب أو غير ذلك ، ~~وألقى في النار ، فإن القرآن لا يحرق ولا يتصور عليه الحرق ولا الغرق ولا ~~العدم ، وإن تصور ذلك على الرق والجلد . والورق والخط والمداد . وهذا يوضح ~~أنه مكتوب على الحقيقة . وليس بحال حلول الأجسام في الأجسام ؛ لأن المداد ~~لما حل حلول الأجسام في الأجسام احترق مع الرق والورق ، والقرآن لما لم يكن ~~حالا لم يتصور عليه العدم بحرق ولا PageV01P195 غرق ولا غير ذلك ، وهذا ~~واضح صحيح . يؤكد ذلك أنا إذا كتبنا اسما من أسماء الله تعالى في محل يتصور ~~عليه الحرق والغرق والبلى والتمزق ، فإن عدم ببعض ما ذكر فإنما يعدم ويذهب ~~المحل المكتوب فيه واللون المكتوب به . وأما المكتوب على الحقيقة وهو الرب ~~تعالى فلا يتصور عليه شيء من العدم والذهاب ، كما أخبر تعالى : ' كل شيء ~~هالك إلا وجهه ' . # | فصل في ذلك أيضا # فإن احتجوا بخبر روى ؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم : من حفظ القرآن ~~فاختلط بلحمه ودمه . . . قالوا : وهذا يدل على حلوله واختلاطه بلحوم الحفاظ ~~ودمائهم في حال صغرهم . فالجواب عن هذا من أوجه . # أحدها : أن هذا الحديث يرويه إسماعيل بن رافع ، وعمر بن طلحة ، وهما ~~ضعيفان جدا ، لا يؤخذ بقولهما في هذا ولا غيره . # الثاني : أن الصبيان الحفاظ للقرآن كثير ، وكلام الله تعالى قديم ، وشيء ~~واحد ، فإذا اختلط بدم صبي ولحمه على زعمهم وامتزج واختلط فكيف يمتزج بلحم ~~آخر ودمه ؛ إذ الشيء الواحد إذا اختلط وامتزج بشيء استحال امتزاجه بغيره ، ~~نعوذ بالله من هذا المذهب الذي يؤدي القول به إلى اختلاط الصفة القديمة ~~وامتزاجها بدم المخلوقين ولحومهم ، ولعمري أن قول النصارى دون هذا ، لأن ms102 ~~النصارى ؛ إنما تقول كلمة واحدة قديمة اختلطت PageV01P196 بجسم واحد وهو ~~جسم المسيح عليه السلام ، حتى صار الجسم لاهوتيا من أجل الكلمة ، ناسوتيا ~~من جهة مريم عليها السلام ، فاختلط عندهم القديم بالمحدث اختلاط الماء ~~باللبن ، فوافقتهم هذه المقالة الخبيثة ، وزادوا عليهم ، لأنهم قالوا : جسم ~~واحد اختلط به القديم ، وهؤلاء يقولون اختلط القديم بألف ألف جسم وأكثر ، ~~نعوذ بالله من هذا القول الذي لا يقوله من له مسكة من حس وعقل . # الجواب الثالث : أن هذا الحديث إن صح ، فمراد النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن الحفظ في الصغر أجود وأثبت من الحفظ في حال الكبر ، ويعني باختلاطه ~~باللحم والدم جودة الحفظ ، لا لاختلاط المحفوظ الذي هو كلام الله القديم . ~~وصار هذا كقوله تعالى : ' وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ' يعني حب العجل ~~، لأن العجل لا يدخل ولا يحل في القلوب ، وإنما يدخل ويحل حبه . هذا أيضا ~~كما يقال : التعليم في الصغر كالنقش في الحجر . والتعليم في الكبر كالنقش ~~في المدر ، يريدون بذلك أن الحفظ في الصغر أثبت وأبقى منه في حال الكبر . # | فصل في ذلك أيضا # فإن قيل : إذا كان القديم لا يحل في المصحف ؛ فما معنى تعظيمه وتوقيره عن ~~الأدناس والأنجاس وأن لا يحمل إلا على طهارة . فالجواب : أن هذا جهل وتخبط ~~لأن توقير المحل والمكان لا يدل على حلول القديم الذي لا يتصور عليه الحلول ~~فيه ، كما أنا نحرم المسجد ولا PageV01P197 ندخله إلا على طهارة من غير ~~جنابة ، ولا ندخل إليه شيئا نجسا ولا قذرا ، وننزهه عن البصقة والنخامة ، ~~وإن كانت طاهرة توقيرا له وتعظيما ، وإن كانت أرضه وتربته وأحجاره مخلوقة ، ~~وخشبه وطينه مخلوقان ، لا أنه قديم ، ولا أنه حل فيه قديم ، وكذلك الطواف ~~بالبيت لا يدخل بنجاسة إليه ، ولا يصح الطواف ، حتى يكون الطائف متطهرا من ~~النجس والحدث ، ولا يدل هذا على أن البيت قديم ، ولا أنه حل القديم فيه ، ~~كذلك الخطوط التي يكتب بها القرآن ، والصحف التي يكتب فيها نوقره ونعظمه ~~وننزهه أن يمس إلا على طهارة ، ولا يقرب ms103 إليه شيء من الأنجاس ، بل نعظمه ~~ونشرفه ، ولا يوجب ذلك كون المداد الأسود والصفرة والحمرة قديمة أو حل ~~القديم فيها ، وهذا أمر واضح لمن له عقل وتحصيل . إذا تأمله ونظر فيه . # | فصل # ثم يقال لهذه العصابة هداهم الله من الضلال ما تقولون فيمن أخذ قلما ~~وورقة ومداد حبر ، وكتب ألف . لام . لام ، ها . أتقولون إن المكتوب على ~~الحقيقة هو الله تعالى أم لا ؟ فإن قالوا : ما هو المكتوب على الحقيقة . ~~فقد خالفوا إجماع أهل السنة والجماعة . وإن قالوا : هو المكتوب على الحقيقة ~~قلنا : أفتقولون إن الله تعالى انتقل من العرش وحل في هذه الورقة ؟ فإن ~~قالوا : نعم . كفروا بإجماع الأمة ، وجعلوا الباري تعالى يحويه أصغر ~~الأماكن ، وإن قالوا : ليس بحال وهو الصحيح الذي لا يجوز غيره . قلنا : ~~فكذلك كلامه تعالى مكتوب في مصاحفنا محفوظ في صدورنا مقروء بألسنتنا متلو ~~في محاريبنا غير حال في شيء من المخلوقات . PageV01P198 # | فصل في ذلك أيضا # ثم يقال لهم : خبرونا إذا كتب كاتب في ورقة ' فكذب وعصى ثم أدبر يسعى ~~فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى ' أفتقولون : إن الكاتب قديم ، أم كتابته ~~قديمة ، أم الورق الذي كتب فيه قديم ، أم اللعين فرعون ، وقوله قديم ، فلا ~~يجوز لعاقل أن يقول شيئا من هذه الأشياء قديم ، بل الكاتب مخلوق ، وكتابته ~~مخلوقة ، والورقة مخلوقة ، والقلم مخلوق ، والحبر مخلوق ، وفرعون اللعين ~~مخلوق ، وما ادعاه من الربوبية كذب مخلوق ، وإنما الذي هو ليس بمخلوق كلام ~~الله تعالى القديم الذي هو خبر يشمل جميع المخبرات التي أخبرنا عن فرعون ~~اللعين وقوله الكذب . فصح أن كلام الله القديم ليس بالخط ولا بالورق ولا ~~بقول فرعون اللعين ، لأن قول فرعون اللعين كذب ، وكلام الله حق وصدق ، ~~وكذلك إذا كتب الكاتب في ورقة ' لا تقربوا مال اليتيم ' أتقولون : إن ~~اليتيم وماله قديم ، والخط الذي كتب ذلك قديم ، والكاتب له قديم . لا . بل ~~الجميع مخلوق ، وإنما القديم كلام الله الذي هو نهيه الذي يشمل جميع ~~المنهيات ، وهو غير اليتيم والمال والكاتب والكتابة ، وإذا كتب كاتب ms104 : ' ~~كلوا واشربوا ' ' وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ' أترى أن الكاتب قديم أو ~~الكتابة قديمة ، أو الأكل والآكل ، والشارب والشرب ، والمصلي والصلاة ، ~~والمزكي والزكاة قديمة . لا والله ؛ ليس شيء من ذلك قديما ، وإنما القديم ~~كلام الله تعالى ، الذي هو أمره الشامل لجميع المأمورات . فصح بهذه الجملة ~~الفرق بين كلام الحق PageV01P199 وكلام الخلق ، وإن كلامه تعالى قديم غير ~~مخلوق ، ولا يتصف بشيء من صفات الخلق ، ولا يفتقر تعالى في كون كلامه صفة ~~له قديمة غير مخلوقة ، إلى شيء من أدوات الخلق من لسان ، وشفة ، وحلق ، ~~وحرف ، وصوت ، بل هو متكلم ، وله كلام ، صفة له قديمة غير مخلوقة ، ولا ~~يجوز عليها شيء من صفات الخلق . فاعلم ذلك وتحققه ولا توفيق إلا بهدى من ~~الله وفضل ورحمة ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . # | فصل فيما يتعلق بالخلق والإرادة # يتعلق بمسائل ثلاثة وفروعها وهي : مسألة الخلق والإرادة وأنه لا يكون من ~~العباد شيء إلا وهو خلق الله تعالى ومراد له ، لا يجوز أن يخلق أحد غيره ، ~~ولا يكون في ملكه إلا ما أراده . # الثانية : مسألة الشفاعة ، وأنها حق وصدق ، وأعلى الشفاعة عند الله شفاعة ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ويشفع أيضا من أذن له في الشفاعة في ~~العصاة ؛ من ملك ، ونبي ، ومؤمن . الثالثة : مسألة الرؤية ، وأنها جائزة ، ~~وأن المؤمنين يرون ربهم في الجنة بلا كيف ولا تشبيه . ولا تحديد ، كما جاء ~~في الكتاب والسنة ، ودل عليه العقل أيضا ، وإنما ختمنا الكتاب بمسألة ~~الرؤية ، لأنها أعلى العطايا وأسنى الكرامة من الله تعالى لعباده المؤمنين ~~، وليس فوقها مزيد ، بل هي الزيادة المذكورة في قوله : ' للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة ' . PageV01P200 # | مسألة في بيان أن الله هو الخالق وحده # اعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى هو الخالق وحد ، لا يجوز ~~أن يكون خالق سواه ، فإن جميع الموجودات من أشخاص العباد وأفعالهم وحركات ~~الحيوانات قليلها وكثيرها حسنها وقبيحها خلق له تعالى لا خالق لها غيره ؛ ~~فهي منه خلق وللعباد كسب ، على ما قدمنا بيانه بقوله تعالى : ' لها ما كسبت ~~وعليها ms105 ما اكتسبت ' وأمثال هذه الآية من الأدلة على الفرق بين الخلق ~~والاختراع والكسب ، فالواحد منا إذا سمى فاعلا فإنما يسمى فاعلا بمعنى أنه ~~مكتسب ، لا بمعنى أنه خالق لشيء . وقالت المعتزلة ، والنجارية ، والجهمية ، ~~والروافض : إن أفعال العباد مخلوقة للعباد بقدرة العباد ، وإن كل واحد منا ~~ينشىء ما ينشىء ويخلق ما يفعل ، وليس لله تعالى على أفعالنا قدرة جملة ، ~~ونعوذ بالله من هذا الإعتقاد وسوء المقال . # والدليل على صحة مذهب أهل السنة والجماعة وبطلان قول من خالفهم من أهل ~~الزيغ والبدع الكتاب والسنة وإجماع الأمة وأدلة العقل ؛ فالدليل من الكتاب ~~أكثر مما يحصى ، لكن أذكر منه ثلاثة تنبه اللبيب على بقيتها إن شاء الله ~~تعالى . # فمن ذلك قوله تعالى : ' والله خلقكم وما تعملون ' فأخبر تعالى أنه خالق ~~لأعمالنا على العموم ، كما أخبر أنه خالق لصورنا وذواتنا على العموم ، وهذا ~~من أوضح الأدلة من الكتاب . PageV01P201 # الثاني : قوله تعالى : ' خالق كل شيء ' ومعلوم أن أفعالنا مخلوقة إجماعا ~~، وإن اختلفنا في خالقها ، وهو تعالى قد أدخل في خلقه كل شيء مخلوق ، فدل ~~على أنه لا خالق لشيء مخلوق غيره سبحانه وتعالى . فإن قيل فكلامه شيء فيجب ~~أن يكون مخلوقا . قلنا : قد احترزنا بحمد الله تعالى عن هذا السؤال بقولنا ~~: إنه أخبر أنه خلق كل شيء مخلوق ، وكلامه وصفات ذاته تعالى قد أثبتنا أنها ~~غير مخلوقة ولا خالقة ؛ بل هي صفة الخالق تعالى قديمة بقدمه موجودة بوجوده ~~. قبل جميع المخلوقات . فبطل هذا السؤال . # وجواب آخر يبطل هذا السؤال وهو : أنك تقول : إن الله تعالى مخاطب ، ~~والمخاطب لا يدخل تحت الخطاب ، ألا ترى أن الواحد منا إذا قال دخلت الدار ~~فضربت من فيها ، أو أخرجت من فيها ، أو أعطيت من فيها لا يدل ذلك على أنه ~~دخل تحت الخطاب ، بأن يكون ضرب نفسه ، ولا أخرج نفسه ولا أعطى نفسه ، لأنه ~~مخاطب ، والمخاطب لا يدخل تحت الخطاب وكذلك قوله تعالى : ' خالق كل شيء ' ~~هو مخاطب ، فلا يدخل تحت الخطاب بذاته ولا بصفاته جل عن ذلك وتعالى ، كما ms106 ~~قال : ' الواحد القهار ' قهر الكل ولم يدخل في القهر ذاته وصفاته . فافهم ~~التحقيق لتدفع به كل بدعة وتمويه من أهل البدع إن شاء الله . # الثالث : قوله تعالى : ' الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم ~~هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون ' والدلالة ~~من هذه الآية من أوجه : PageV01P202 أحدها : أنه قال تعالى : ' الله الذي ~~خلقكم ' وهذا عام في ذواتنا وصفاتنا ، ثم أكد ذلك بقوله تعالى : ' ثم رزقكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم ' يعني ثم خلق أرزاقكم ، وعند المخالف أن العبد يخلق ~~أفعاله ورزقه ، فهو خلاف ما أخبر الله تعالى به من كونه خالقا لنا ~~ولأرزاقنا . # الوجه الثاني : من الدلالة : أنه قال : ' ثم يميتكم ثم يحييكم ' فكما لا ~~يقدر أحد أن يخلق موته ولا حياته ، فكذلك لا يقدر أن يخلق فعله ورزقه ؛ من ~~حركة ولا سكون ولا غير ذلك . # الثالث : سبحانه وتعالى نزه نفسه عن عقدهم وخبثهم إذ أضافوا فعل شيء ~~وخلقه إلى غيره ، فقال ' سبحانه وتعالى عما يشركون ' ثم أكد ذلك بعده ~~بمواضع فقال : ' هل من خالق غير الله ' سبحانه وتعالى . وقال : ' أفمن يخلق ~~كمن لا يخلق ' . # وأما الدليل من السنة فكثير أيضا ، غير أني أذكر منه خبرين ننبه العاقل ~~الفطن على الاستدلال بأمثالهما من السنة : الأول : ما روى عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : إن الله خلق كل صنعة وصانعها وصنعة الصانع إنما هي ~~بحركاته وأفعاله ، سواء كان في صنعة مباحة وطاعة ، ككتابة القرآن ، والحديث ~~، والفقه . أو محظورة ؛ من تصوير صور الحيوان ، أو عمل السلاح ليقتل به ~~المسلمين . فصح بهذا الخبر أن الله جل وعلا خالق للفاعل منا ولفعله . ~~PageV01P203 # الخبر الثاني : قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما : فرغ ~~ربك من أربع : من الخلق ، والخلق ، والرزق ، والأجل فلو جهد الخلق على أن ~~يؤتوك ما لم يقدره الله لم يقدروا على ذلك وروى : لو جهد الخلق على أن ~~ينفعوك أو يضروك لم يقدروا على ذلك والمخلوقات منها الضار والنافع ، في ms107 ~~العاجل والآجل ، وقد جعل صلى الله عليه وسلم كل ذلك إلى تقدير الله تعالى ~~وخلقه له ، ولم يجعل إلى العباد شيئا من ذلك . فاعلمه وتحققه . # | فصل في الدليل على ذلك # ويدل على صحة ما قلناه : إجماع المسلمين ، وأنهم يقولون : لا خالق إلا ~~الله ، كما يقولون : لا رازق ، ولا محيي ، ولا مميت إلا الله تعالى . فنقول ~~لا يكون الخلق من غيره ، وأثبتوه خالقا . # # | فصل في ذلك أيضا # ويدل على صحة ما قلناه من جهة العقل . وأنه لا خالق إلا الله تعالى ، وهو ~~كثير جدا ، لكن نختصر على قدر فيه الكفاية إن شاء الله تعالى . # فمن ذلك : أن نقول لهم : إن قلتم إن الواحد منا يخلق أفعاله ، من ~~PageV01P204 طاعة ، أو معصية ، أو إيمان ، أو كفر فقد شركتم بيننا وبين ~~الله تعالى في الخلق ، وأنه لا يتم خلقه إلا بخلقنا . وذلك أن الجسم لا ~~يخلو من حركة ، أو سكون ، أو كفر ، أو إيمان ، أو طاعة ، أو معصية ، فصح أن ~~جميع الذوات مشتركة الخلق بين العبد وبين الرب ، وأنه لا يتم خلق أحدهما ~~إلا بمخلوق الآخر ، وهذا شرك ظاهر ، نعوذ بالله منه . # دليل آخر من جهة العقل : وأنه لا خالق إلا الله ، لأن الخالق الصانع أقل ~~ما يوصف به علمه بخلقه ، كما قال : ' ألا يعلم من خلق ' ونحن نجد الواحد ~~منا يفعل ما لا يعلم فعله فيه ، ولا يحصره ولا يعده بقدرة ، حتى إن الواحد ~~منا يريد أن يتكلم صوابا فيرمي خطأ ، إلى غير ذلك ، فيفعل ما لا يعلمه ولا ~~يريده ، وأيضا الواحد منا إذا خرج إلى المسجد حتى وصل إليه ، فعند المخالف ~~أن كل خطوة خطاها خلقها وأنشأها ، ولو سئل عن عدد كل خطوة خطاها لم يدر ما ~~يقول ولا يعلمه ولا يعرفه ؛ فلم يبق إلا أن الخالق لأفعالنا وأكسابنا هو ~~الله تعالى الذي يعلمها ، كما قال : ' ألا يعلم من خلق ' دليل آخر من جهة ~~العقل : وهو : من شرط الخالق للشيء أن يكون قادرا على خلق الشيء وضده ، فإن ~~من يقدر على خلق ms108 الحياة يقدر على خلق ضدها ، وهو الموت ، وكذلك من يقدر على ~~خلق التفريق في الجسم يقدر على خلق الاجتماع له ، حتى يعود كما كن جسما ~~مؤلفا ، ولما وجدنا أحدنا لا يقدر على ذلك صح أنه غير خالق ، ولما وجدنا ~~الخالق تعالى يقدر على خلق الشيء وضده دل على أنه هو الخالق لا خالق سواه ، ~~وقد قيل عن الشيخ الإمام أبي بكر بن فورك رضي الله عنه أنه كان مع إسماعيل ~~PageV01P205 المعروف بالصاحب في بستان ، وكان يعتقد شيئا من ذلك ، فأخذ ~~سفرجلة وقطعها من الشجرة ، وقال له : ألست أنا قطعت هذه السفرجلة ؟ فقال له ~~رضي الله عنه مجيبا : إن كنت تزعم أنك خلقت هذه التفرقة فيها فاخلق وصلها ~~بالشجرة حتى تعود كما كانت . فبهت وتحير ولم يقدر على جواب . # وبلغني أيضا أن بعض القدرية وقف على إحدى رجليه وشال الأخرى ، وقال : ~~ألست أنا رفعت هذه وحططت هذه ؟ فقاله له بعض أهل السنة : إن كنت تزعم أنك ~~خلقت الشيل في هذه المشتالة فاخلق الشيل في الأخرى حتى تصير مشتالة معها ، ~~فبان له الحق ورجع عن قوله الباطل . # دليل آخر من جهة العقل : وهو أنك تقول : حقيقة الخلق والإحداث هو إخراج ~~الشيء من العدم إلى الوجود ، وإذا كان الواحد منا على زعمكم يقدر أن يخلق ~~حركة معدومة حتى يخرجها من العدم إلى الوجود ، وأن يخلق شيئا زائدا فيخرجه ~~من العدم إلى الوجود ، وأن يخلق له لونا غير لونه فيخرجه من العدم إلى ~~الوجود ، وفي هذا القول الخبيث التسوية بين قدرة الله تعالى وقدرة العباد ، ~~وأنهم يقدرون على ما يقدر عليه . تعالى ربنا عن ذلك علوا كبيرا . # | فصل في ذلك أيضا # نذكر فيه شبها يزعمون أن لهم فيها حجة ، وليس لهم حجة بحمد الله تعالى ، ~~كما قال : ' حجتهم داحضة عند ربهم ' فإن احتجوا بقوله PageV01P206 تعالى : ~~' جزاء بما كانوا يعملون ' قالوا . فأثبت لنا العمل ، والعمل هو الفعل ، ~~والفعل هو الخلق ، فالجواب : أنه تعالى أراد ها هنا بالعمل الكسب ، والعبد ~~مكتسب على ما بينا . يدل على ms109 ذلك : أنه قال في موضع آخر : ' جزاء بما كانوا ~~يكسبون ' نحن لا نمنع أن يكون سمى كسب العبد عملا له ، إنما نمنع أن يكون ~~العبد خالقا مخترعا لفعله مخرجا له من العدم إلى الوجود ، وقد بينا أن ~~الخلق والاختراع والخروج من العدم إلى الوجود لا يقدر عليه إلا الله تعالى ~~، فلم يكن لهم في الآية حجة . # فإن احتجوا بقوله تعالى : ' فتبارك الله أحسن الخالقين ' وبقوله تعالى : ~~' الذي أحسن كل شيء خلقه ' وبقوله تعالى : ' وإذ تخلق من الطين ' فالجواب ~~من أوجه : PageV01P207 أحدها : أنه يعني بقوله ' أحسن الخالقين ' يعني أحسن ~~المقدرين ، فعيسى عليه السلام يقدر الطين صورة ، والخلق يقدرون الصورة صورة ~~، لا أنهم يخرجون الصورة من العدم إلى الوجود ، فقال تعالى ' أحسن الخالقين ~~' أي المقدرين . فاعلم ذلك . # جواب آخر : وذلك أن الله تعالى هو الخالق لا خالق سواه ، لكن لما ذكر معه ~~غيره قال ' أحسن الخالقين ' وإن كان هو الخالق على الحقيقة دون PageV01P208 ~~غيره ، كما يقال : عدل العمرين ، وإنما هو أبو بكر وعمر ، لكن لما جمع ~~بينهما سماهما باسم واحد ، وكذلك قول الفرزدق : # أخذنا بأكناف السماء عليكم . . . لنا قمراها والنجوم الطوالع # والقمر واحد ، لكن لما جمعه مع الشمس سماها قمرين . وكأنه تعالى لما علم ~~من الكفار ومنكم أن تجعلوا معه غيره خالقا قال ' فتبارك الله أحسن الخالقين ~~' على زعمهم أن معه غيره ، وهذا كقوله تعالى : ' وهو أهون عليه ' على زعمكم ~~، لأن عندهم أن النشأة أهون من الإعادة ، فذكر ذلك على سبيل الرد عليهم ~~والإنكار لقولهم إن معه خالقا غيره ، لا أنه أثبت معه خالقا غيره . # جواب آخر : وذلك أن لفظة أفعل في كلام العرب : يراد بها إثبات الحكم لأحد ~~المذكورين وسلبه الآخر من كل وجه ، وذلك في قوله تعالى : ' أصحاب الجنة ~~يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ' فأثبت حسن المقيل لأهل الجنة ، مع حسن ~~المستقر ، وسلب ذلك عن أهل النار أصلا ورأسا ، لأن أهل النار ليس لهم حسن ~~مستقر ولا حسن مقيل ، فكذلك قوله تعالى : ' أحسن الخالقين ' أثبت الخلق له ~~وأنه هو المنفرد ms110 به دون غيره . وكذلك يقول القائل : العسل أحلى من الخل لا ~~يريد أن للخل حلاوة بوجه ، بل يريد إثبات الحلاوة للعسل وسلبها عن الخل ~~أصلا ، ورأسا ، فكذلك قوله ' أحسن الخالقين ' أثبت الخلق له دون غيره . # فإن احتجوا بقوله تعالى : ' ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ' PageV01P209 ~~فكيف يجوز أن يكون خالقا لكفر الكافرين ، وعصيان العاصين ، وفيه من التفاوت ~~غير قليل . # فالجواب : أن هذا سوء فهم ، وذلك أن هذا أراد به سبحانه وتعالى خلق ~~السموات في الصورة ، وأنه ليس فيها فطور ولا شقوق ، أجمع المفسرون على ذلك ~~، فلا حجة لكم فيها ، ثم إن أول الآية حجة عليكم ، لأنه قال : ' خلق الموت ~~والحياة ' وبين الموت والحياة تفاوت ، وهو خالق الجميع لا خالق لذلك غيره ، ~~فكذلك كفر الكافرين وإيمان المؤمنين وإن كان بينهما تفاوت في الحكم فليس ~~بينهما تفاوت في الإيجاد والاختراع وإحكام الخلق ، فصح أن الآية حجة عليهم ~~لا لهم . # فإن احتجوا بقوله تعالى : ' فوكزه موسى فقضى عليه ، قال هذا من عمل ~~الشيطان ' فلو كان الله الخالق لوكزة موسى لقال : هذا من عمل الرحمن ، ~~الجواب من وجهين : أحدهما : أن قول موسى هذا القول على وجه الأدب ، أي : ~~إني ارتكب ما نهيت عنه من شره النفس ووسوسة الشيطان ، ألا تراه قال في ضلال ~~السبعين من قومه لما لم يكن له في ذلك كسب : ' إن هي إلا فتنتك تضل بها من ~~تشاء وتهدي من تشاء ' فيجب على العبد عند خطئه وذنبه أن يرد اللوم والتقصير ~~إلى نفسه وإلى وسوسة الشيطان ، ولا يرد ذلك إلى خلق الله تعالى وإرادته ، ~~لأنه يصير كالمحتج عليه تعالى ، وليس لأحد عليه حجة : ' قل فلله الحجة ~~البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ' . ومثل هذا قول أبيه PageV01P210 آدم عليه ~~السلام وحواء : ' ربنا ظلمنا ' فردا التقصير والنقص واللوم إلى أنفسهما ، ~~لأن هذا موضع الأدب والتذلل ، لا موضع الاحتجاج ، ومثل هذا كثير . الجواب ~~الثاني : أن الإجماع منا ومنكم : أن الوكزة ليست خلق الشيطان ولا عمله ، بل ~~هي عندنا من خلق الله تعالى واختراعه ، ولموسى ms111 عليه السلام كسب . وعلى ~~عقدهم النحس أنها خلق موسى وعمله ، وليس لله فيها خلق ولا اختراع ولا عمل ، ~~فبطل احتجاجهم بالآية ، ولم يبق إلا ما قلناه ، وهو أنه أراد بقوله : ' من ~~عمل الشيطان ' أي زين ذلك وحسنه لي ، والله المعين . # فإن احتجوا بقوله تعالى : ' ما أصابك من حسنة فمن الله ، وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك ' فأوضح تعالى أن السيئة منا ، والحسنة منه ، فالجواب من ~~ثلاثة أوجه : الأول : أنه لا يصح لكم الاحتجاج معشر المعتزلة بهذه الآية ~~بوجه من الوجوه ولا بسبب من الأسباب ؛ لأن ظاهرها فيه تعلق لمن يقول إن ~~الخير خلق الله تعالى وفعله ، والشر خلقنا وفعلنا ، وأنتم لا تقولون بظاهر ~~هذه الآية ، لأنكم تقولون إن أحسن الحسن وخير الخير الإيمان والمعرفة . ~~وتقولون ليس لله في هذا قدرة ولا خلق ، وإنما هو بقدرة العبد المؤمن وخلقه ~~، فلا حجة لكم فيها . # الجواب الثاني : أن صريح النص في أول هذه الآية حجة عليكم ، لأنه يقال : ~~رد عليهم ، وأمر نبيه عليه السلام أن يرد عليهم ، بقوله تعالى : ' قل كل من ~~عند الله ' ثم جهلهم وإياكم ، وأكد ذلك بقوله : ' فما لهؤلاء القوم ~~PageV01P211 لا يكادون يفقهون حديثا ' فصارت الآية حجة واضحة عليكم لا لكم ~~. # الجواب الثالث : قوله تعالى : ' ما أصابك من حسنة فمن الله ، وما أصابك ~~من سيئة فمن نفسك ' وهذا صحيح من وجهين : أحدهما : أن مثله في القرآن كثير ~~. من ذلك قوله تعالى : ' ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا ~~باطلا ' تقديرا لكلام يقولون ربنا ما خلقت هذا باطلا . ومثله قوله تعالى : ~~' والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون ' ومثله أيضا قوله ~~تعالى : ' الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب ' تقدير ~~الكلام ' فأما الذين اسودت وجوههم ' فيقال لهم ' أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا ~~العذاب ' فكذلك هذا ، فتقدير الكلام فيه ' لا يكادون يفقهون ' فيقولون ' ما ~~أصابك من حسنة ' الوجه الثاني : أن هذه الآية إن لم تحمل على ما قلناه صار ~~بعضها ينقض بعضا ويخالف بعضا ، وليس في كتاب الله تعالى مناقضة ms112 ولا اختلاف ~~، فصح ما قلناه ؛ لإنه قال في أول الآية : ' كل من عند الله ' ثم يرجع في ~~سياقها فيقول : لا إنما البعض مني والبعض من خلقي ، كلا والله ، بل ذكر ذلك ~~في سياق الآية تجهيلا لقائله وردا عليه . فافهم الحق وادفع به الباطل . ~~PageV01P212 # فإن احتجوا فقالوا : وجدنا أفعالنا واقعة على حسب قصدنا ، فوجب أن أن ~~يكون خلقا لنا وفعلا لنا . قالوا : وبيان ذلك أن الواحد منا إذا أراد أن ~~يقوم قام ، وإذا أراد أن يقعد قعد . وإذا أراد أن يتحرك تحرك ، وإذا أراد ~~أن يسكن سكن ، وغير ذلك فإذا حصلت أفعاله على حسب قصده ومقتضى إرادته دل ~~على أن أفعاله خلق له ، وفعل له ، فالجواب من وجهين : أحدهما : أن هذا غير ~~صحيح أولا ، فإنا نرى من يريد شيئا ويقصده ولا يحصل ما يريد ولا ما يقصد . ~~فإنه ربما أراد أن ينطق بصواب فيخطئ ، وربما أراد أكلا لقوة وصحة فيضعف ~~ويمرض ، وربما ابتاع سلعة ليربح فيخسر ، وربما أراد القيام فيعرض له ما ~~يمنعه منه ، إلى غير ذلك . فبطل ما ذكرتموه ، وصح أن فعله خلق لغيره ، يجري ~~على حسب مشيئة الخالق تعالى ، وإنما يظهر كسبه لذلك الفعل بعد تقدم المشيئة ~~. والخلق من الخالق . الجواب الثاني : أن وقوع الكسب من الخلق على حسب ~~القصد منهم لا يدل ذلك على أنه خلق لهم واختراع ، ألا ترى أن مشى الفرس ~~والدابة يحصل على قصد الراكب وإرادته من عدو ، وتقريب ، واستطراف ، ووقوف ، ~~إلى غير ذلك . ولا يقول عاقل إن الراكب خلق جرى الفرس ولا سرعتها ، ولا غير ~~ذلك من أفعالها ، فبطل أن يكون حصول الفعل على قصد الفاعل يدل على أنه خلقه ~~، وكذلك أيضا السفن يحصل سيرها وتوجهها في السير من يمين إلى شمال على حسب ~~قصد الملاح ، ولا يدل ذلك على أن الملاح خلق سير السفن ولا توجهها فإن ~~كابروا الحقائق وقالوا نقول إن ذلك خلقه الملاح والفارس فقد خرجوا عن الدين ~~وسووا بين الخالق والعباد ، وأن قدرة كل واحد منهما تتعلق بمقدورات ، وهذا ~~كفر ms113 صراح ، وإن قالوا : حركات السفن تقع على حسب قصد الملاح وليس بخلق له . ~~قلنا : فكذلك أفعال PageV01P213 أحدنا قد تقع ، ولا نقول إنها تقع في كل ~~حال على حسب قصده ، ولا يبدل ذلك على أنه خلقها فاخترعها . يؤكد ذلك أن ~~البياض يحصل في الناطف عند قصد الناطفي له ، ولا يقول أحد إن واحدا منا ~~يقدر أن يخلق لونا لغيره ولا لنفسه ، فلا يمتنع أن يكون الفعل قد يحصل على ~~حسب قصد أحدنا ، وليس هو خلقا له ولا موجودا له ، من العدم إلى الوجود . ~~فاعلم ذلك . # يؤكد هذا أيضا أن نمو الزرع يحصل على حسب قصد الزارع وقيامه عليه بسقيه ~~وغير ذلك ، ولا يقول أحد إن نمو الزرع خلقه الزارع ، ولا أنه خلق في الحبة ~~أضعاف عددها وكذلك ما حصل فيه النمو من الفسيل والتين . وغير ذلك . # وكذلك سمن الدابة يحصل على قصد العالف لها والساقي ، ولا يقول أحد إن ~~العالف والساقي هو الذي خلق الشحم والسمن في الدابة . وكذلك دود القز يحصل ~~منه القز على حسب قصد القائم عليه والمربي له ، ولا يقال إن القز خلقه في ~~الدود إلا الله تعالى ، وإن كان حاصلا على حسب إرادة القائم عليه وقصده ، ~~وكذلك فيما يحصل من الواحد منا إذا أراد الله تعالى حصوله على حسب قصده ، ~~لا يدل على أنه هو خلقه بل الخالق له هو الله تعالى . # فإن قيل : فإذا لم يكن أحدنا خالقا لفعله ، فكيف يكون ملوما عليه ومعذبا ~~به ويستحق عليه المدح والثواب أو الذم والعقاب ؟ فالجواب : إننا لا نقول أن ~~المدح والثواب ، ولا الذم والعقاب يحصل بفعل الفاعل منا ؛ حتى يوجب ذلك ~~كونه خلقا له واختراعا ، بل نقول : إن ذلك يحصل بحكم الله تعالى ، ويجب ~~ويستحق بحكمه لا بأن يوجب الواجب عليه PageV01P214 خلق فعل أوجبه عليه . ~~ألا ترى بالإجماع منا ومنكم ومن جميع المسلمين : أن الدية تجب على العاقلة ~~. بقتل غيرها خطأ . وإن لم تفعل العاقلة شيئا يستحق به إيجاب ذلك عليها ، ~~وإن ذلك الذي فعلته خلق لها ، بل ms114 هو خلق لغيرها ، وهو الله تعالى عند ~~المسلمين ، وخلق للقاتل على زعمكم ، أفصح أن الوجوب حصل بإيجاب الله وحكمه ~~، لا بخلق العافلة وفعلها ، وكذلك جميع الأحكام في الدنيا والآخرة ، إنما ~~تجب وتستحق بإيجاب الله تعالى وإرادته ، لا بكونها خلقا للفاعل ، فاعلم ذلك ~~وتحققه . # وكذلك أيضا الأكل في الصيام ناسيا ، فعل العبد ، كما هو فعل له عند تعمده ~~، لكن الله تعالى حكم بأن أحدهما مبطل ومفطر ، ويذم ويعاقب عليه ، والآخر ~~بالضد من ذلك ، وإن كان الجميع فعلا للعبد ، فصح أن ذلك إنما يكون بحكم ~~الله تعالى ، لا بكونه خلقا للفاعل ، فصح ما قلناه ، وبطل ما توهموه . # فإن قيل : من فعل الطاعة كان طائعا ، ومن فعل المعصية كان عاصيا ، ~~فالجواب : أن هذا غير صحيح ، لأن كون الباري تعالى خالقا وفاعلا لا يوجب أن ~~يتصف بالطاعة والمعصية ، لأن الطاعة صفة الطائع ، والمعصية صفة العاصي ، ~~ولا يوجب ذلك وصف خالق الطاعة والمعصية بكونه طائعا عاصيا ، ألا ترى أن ~~الأسود صفة لمن قام به السواد ، ولا يكون صفة لله تعالى ، وإن كان تعالى هو ~~خالق السواد ، فكذلك التحرك صفة لمن له الحركة ، لا صفة من خلق الحركة ~~والولد لمن له الولد ؛ لا لمن خلق الولد ، والحلاوة صفة العسل ، لا لمن خلق ~~الحلاوة فيه . وكذلك الحموضة في الخل صفة للخل ، لا لمن خلق الحموضة فيه ، ~~وكذلك الموت إذا خلقه الله في أحدنا صار ميتا ، واتصف بذلك ، ولا يوجب أن ~~يتصف الخالق للموت بأنه ميت ، لما خلق الموت وفعله بالحي . فكذلك المعصية ~~صفة من حلت PageV01P215 به المعصية ، والطاعة صفة لمن حلت به الطاعة ، ولا ~~يوجب ذلك وصف خالقها بأنه طائع ولا عاص . فإن قيل : لا يجوز أن يكون الله ~~خالق الظلم والجور والكذب ، لأن من فعل الظلم كان ظالما ، ومن فعل الجور ~~كان جائرا . ومن فعل الكذب كان كاذبا والله تعالى يتنزه عن جميع ذلك ، فصح ~~أن هذه الأشياء ليست بفعل له ، ولا خلق له . # فالجواب : أن هذا السؤال هو الأول بعينه ، والجواب عنه قد تقدم ، لكن ms115 ~~نزيد ها هنا جوابا آخر : وذلك أنا نقول : ليس الأمر على ما يقع لكم ، بل ~~نقول إلى الله تعالى خلق الظلم ظلما للظالم به : وخلق الجور جورا للجائر به ~~، وخلق الكذب كذبا للكاذب به ، كما أنه خلق الظلمة ظلمة للمظلم بها : وخلق ~~الضوء ضوء للمستضيء به ، وخلق الحمرة حمرة للأحمر بها ، وخلق السواد سوادا ~~للأسود به ، وخلق السم سما المسموم به . فكما أن الله تعالى خلق الظلمة ~~الليل والضياء للنهار ، والحمرة للأحمر ، والسواد للأسود . والسم للحية ، ~~ولا يوجب ذلك كونه ظلمة ولا ضياء ولا سوادا ولا حمرة ولا سما له فكذلك خلق ~~الطاعة طاعة للطائع بها ، والكذب كذبا للكاذب به ، والجور جورا للجائر به ~~ولا يوجب ذلك كونه جائرا ولا ظالما ولا كاذبا ، فصح ما قلناه وبطل ما قالوه ~~. # جواب آخر : وذلك أن الظلم والكذب والجور ليس من حيث الصورة والفعل ، ~~وإنما يكون كذبا إذا خالف الأمر ، وكذلك الجور والظلم ، وهذا كله يصح الوصف ~~به لمن فوق آمر أمره ، وناه نهاه ، وهم الخلق . وأما الخالق فليس فوقه آمر ~~ولا ناه ، فلا يصح وصفه بشيء من هذا ، فاعلم ذلك وتحققه ، فإنه أصل قوي ~~تدفع به جميع ظنونهم الفاسدة . PageV01P216 # فإن قيل : لا يجوز أن يقال للجور والكذب هذا خلق الله ، بل يعرض عن ذلك ، ~~ولا يقال . فصح أنه خلق لغيره . # فالجواب : أن هذا السؤال غير صحيح ، لأنك إن أردت الإطلاق في العموم ، ~~فجائز أن تقول : يا خالق المخلوقات ، ويا خالق الموجودات ، ويا خالق كل شيء ~~، ويا خالق الضر والنفع . وإن أردت ذلك على الخصوص ، بأن تقول : يا خالق ~~الكذب والجور ؛ فلا يجوز من طريق الأدب والإذن في ذلك ، كما أنا نقول يا ~~خالق المخلوقات ، فيعم بذلك السموات ، والأرض ، والشمس ، والقمر ، والقردة ~~: والخنازير ، والكلاب ، والجعلان ، وغير ذلك من سائر المخلوقات ، فلا يجوز ~~أن تقول على الانفراد يا خالق الأقدار والأنجاس ونحو ذلك من طريق الأدب ، ~~وأنه لم يؤذن لنا في ذلك ، بل ندعوه بأسمائه الحسنى كما أمر ، فقال : ' ~~ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ms116 ' . # | مسألة في بيان أن كل ما يجري في الكون هو بمشيئة الله مع ذكر الأدلة # اعلم أنه لا يجري في العالم إلا ما يريده الله تعالى ، وأنه لا يؤمن مؤمن ~~ولا يكفر كافر إلا بإرادة الله تعالى ، ولا يخرج مراد عن مراده ، كما لا ~~يخرج مقدور عن قدرته . وقالت المعتزلة ومن وافقهم من أهل البدع : إن الله ~~تعالى لا يريد إلا الطاعة والإيمان ، فأما من كفر وعصى فقد أتى بما ليس ~~بمراد الله تعالى : وقالوا : إن كل واحد يفعل من الأفعال ما لا يريده الله ~~تعالى ، حتى انتهى بهم القول إلى : أن البهائم تفعل أفعالا لم يردها تعالى ~~، وأنه لو أراد فعل غيرها منهم لم يحصل ذلك له وامتنع عليه ، سبحانه وتعالى ~~PageV01P217 عما يشركون . ونحن براء إلى الله تعالى من جهلهم وبدعهم ، ~~ونقول : إن مذهب أهل السنة والجماعة الذي لدين الله تعالى به أنه لا يتحرك ~~متحرك ، ولا يسكن ساكن ولا يطيع طائع ، ولا يعص عاص ، من أعلى العلى إلى ما ~~تحت الثرى إلا بإرادة الله تعالى ، وقضائه ومشيئته . # ويدل على صحة ما قلناه الكتاب والسنة وإجماع الأمة وأدلة العقل . فأما ~~الكتاب : فأكثر من أن يحصى ، لكن نذكر منها ما فيه الكفاية ، ويدل العاقل ~~على نظائر من أدلة الكتاب ، فمن ذلك قوله تعالى : ' ولو شاء ربك لجعل الناس ~~أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ' ' إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ' وهذه الآية ~~أوضح دليل وأقوم حجة من وجوه عدة : أحدها : أنه أخبر تعالى أنه لو شاء ~~وأراد لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الإيمان أو على الكفر والضلال ، وهذا ~~خلاف قول المعتزلة ، لأنهم يقولون : إنه ما أراد إلا كونهم أمة واحدة على ~~الإيمان ، فبطل قولهم ببعض هذه الآية . # الثاني : أنه قال ' ولا يزالون مختلفين ' ' إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ' ~~فأخبر تعالى أنه خلقهم لما أراد من اختلافهم ، وأنه لم يرد أن يكونوا أمة ~~واحدة . # الثالث : قوله تعالى : ' إلا من رحم ربك ' فأخبر تعالى أن منهم من رحمه ~~وأراد رحمته دون ms117 غيره ، فصح أنه لا يكون من عباده ولا يجري في ملكه إلا ما ~~أراده وقضاه وقدره . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ' فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره PageV01P218 للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ' فنص ~~تعالى على أن الهدى بإرادته ، والضلال بإرادته ، وهذا نص واضح لا إشكال فيه ~~. # ويدل على صحة مذهب أهل السنة والجماعة قوله تعالى : ' ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والإنس ' وجه الدليل : أنه تعالى خلق من الجن والناس قوما ~~ليدخلوا النار ويكونوا أهلا لها ، ولا يكونون أهلا لها إلا بالكفر والطغيان ~~والعصيان ، فعلم أن جميع ذلك بإرادته وقضائه وقدره . # ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ' ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ' ~~فأخبر تعالى أن الحجج والآيات لا تنفع ، وإنما تنفع المشيئة التي تتم بها ~~الأشياء ، فمن شاء إيمانه آمن ، ومن شاء كفره لم يؤمن . # ويدل عليه قوله تعالى : ' ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ' ~~وهذا نص في أنه أراد فتنة الكافر وإضلاله . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ' ~~ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ' وهذا نص واضح يغني عن الشرح ، ~~إلا أنه أخبر أنه ما شاء أن يؤمن أهل الأرض كلهم . وعند المخالف أنه قد شاء ~~ذلك ، والله قد أكذبه في هذه الآية وأمثالها . # ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ' أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ' ~~وهذا صريح في إرادته بقاءهم على كفرهم . ويدل عليه أيضا PageV01P219 قوله ~~تعالى : ' ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ' فأخبر تعالى أن أراد قعود ~~المنافقين عن الخروج إلى الغزو في سبيل الله تعالى ، ولو أن أحدنا أراد أن ~~يستقصي جميع ما في القرآن من الأدلة على صحة مذهب أهل السنة والجماعة ~~وإبطال بدعة القدرية مجوس هذه الأمة كما جاء في الأثر وقول الصحابة لطال ~~ذلك ، وما وسعه كتاب . PageV01P220 # ويدل على صحة قول أهل السنة والجماعة من الأخبار ، ما روى في ms118 الصحاح في ~~محاجة موسى وآدم عليهما السلام ، حتى قال آدم : يا موسى أترى هذا الأمر قد ~~قدر علي أو لم يقدر ؟ فقال موسى : بل قدر عليك . فقال له آدم فكيف يكون ~~فراري من أمر قدر علي ؟ قال نبينا صلى الله عليه وسلم : فحج آدم موسى ، أي ~~ظهر عليه في الحجة وهذا صريح من نبينا صلى الله عليه وسلم ومن جميع الرسل ~~عليهم السلام أن جميع الأمور خيرها وشرها بقضاء الله وقدره ومشيئته . # ويدل عليه أيضا الخبر المروي في الصحاح عن عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتاه الرجل فسأله عن ~~الإيمان فقال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر ~~خيره وشره من الله تعالى فقال صدقت يا محمد ، ثم أخبرهم أنه جبريل عليه ~~السلام ، فصح بإجماع الأنبياء والرسل والملائكة والصحابة أن الأمور كلها ~~بقضاء الله وقدره . # ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم من جملة حديث : فتقول الملائكة يا رب ~~أشقى أم سعيد ، فيقضي الله عز وجل ويكتب الملك ، ثم تطوى الصحف فلا يزاد ~~فيها ولا ينقص ثم أكد ذلك قوله صلى الله عليه PageV01P221 وسلم بقوله : ~~السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقى في بطن أمه فعلم كل عاقل أن الله ~~تعالى أسعد من شاء وكتبه سعيدا وأشقى من شاء وكتبه شقيا ، وأخبار الرسول ~~وأقوال الصحابة في هذا المعنى كثيرة جدا لا تحصى ، وفي بعض ما ذكرنا كفاية ~~. ويدل على صحة مذهب أهل السنة والجماعة : إجماع المسلمين من الصحابة وهلم ~~جرا إلى وقتنا هذا : أن الجميع منهم يطلق ، ويقول في الخلاء والملاء من غير ~~نكير : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . فوقع الإجماع من الخاص والعام ~~أن الأمور كلها بمشيئة وقدر من الله تعالى . وقيل أوحى الله إلى بعض ~~الأنبياء : تريد وأريد ولا يكون إلا ما أريد ، فإن لم تسلم لما أريد أتعبتك ~~فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد ، وهذا ms119 نص واضح في أنه لا يكون في ~~الدارين إلا ما أراد الله تعالى . وقد سئل بعض السلف فقيل له : بم عرفت ربك ~~؟ قال : بنقض العزائم . وفسخ الهمم ، وذاك أن الواحد منا يعزم على الأمر ~~ويهمم به ، فيجري عليه غير ما عزم عليه وهم به ، فعلم كل عاقل أن ذلك الفسخ ~~لأن المقدر قدر له غير ما عزم عليه وهم به ، فعلم كل عاقل أن ذلك الفسخ لأن ~~المقدر قدر له غير ما قدر لنفسه ، والمريد أراد له غير ما أراد لنفسه ، ~~فكان ما أراده العبد لنفسه . ولو شرعنا في ذكر ما روى عن السلف والخلف في ~~هذا المعنى طال ولم يسعه كتاب . PageV01P222 # | فصل في ذلك أيضا # ويدل على صحة مذهب أهل السنة والجماعة من أدلة العقل أن الملك إذا جرى في ~~ملكه ما لا يريد ، دل ذلك على نقصه أو ضعفه أو عجزه ، والله تعالى موصوف ~~بصفات الكمال ، لا يجوز عليه في ملكه نقص ولا ضعف ولا عجز ، فكيف يكون في ~~ملكه ما لا يريده ، ويريده أضعف خلقه فيكون . كلا سبحانه وتعالى أن يأمر ~~بالفحشاء أو يكون في ملكه إلا ما يشاء . فثبت بحمد الله ومنه مذهب أهل ~~السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة وأدلة العقل . # | فصل في ذكر آيات وسنة يحتجون بها والجواب عنها # . # فإن قالوا : فما معنى قوله تعالى : ' والله لا يحب الفساد ' قلنا : ~~المراد به أنه لا يثيب على الفساد ولا يمدحه ولا يأمر به ، فإن اسم المحبة ~~إنما يقع على ما يثاب عليه ويمدح فاعله عليه ، وليس كل ما يريده المريد ~~يقال فيه أنه أحبه ، ألا ترى أن المريد يريد بذل ماله للسلطان الجائر من ~~هدية ورشوة ليتقي بذلك شره ، ثم لا يقال إنه أحب ذلك ، وكذلك الرجل اللبيب ~~يريد ضرب ولده وقرة عينه ليؤدبه ، ثم لا يقال إنه أحب ذلك ، وكذلك يريد ربط ~~جروحه وقطع سلمته وشرب المر من الدواء ، ولا يقال إنه أحب ذلك . ~~PageV01P223 وكذلك الحميم يريد ويبادر في الحفر لميته وتجهيزه وتغييبه ms120 تحت ~~التراب ، ولا يقال إن محب لذلك ولا يؤثره . فعلم أنه ليس كل ما أراده ~~المريد أحبه ، وإنما يقال أحب الشيء إذا مدحه وأثنى عليه وأثاب عليه ، ~~والله تعالى لم يمدح الفساد ولم يثن على المفسد ولم يثبه . # جواب آخر : وهو ما ذكره بعض أصحابنا وهو . أن قوله تعالى : ' والله لا ~~يحب الفساد : يعني لا يحبه من أهل الصلاح والطاعة ، وهو كقوله ' ولا يرضى ~~لعباده الكفر ' يعني لعباده المؤمنين ، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى . # فإن قيل أليس قد قال الله تعالى : ' سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء . كذلك كذب الذين من قبلهم ' فدل على ~~أن الشرك ليس بمشيئة الله تعالى فالجواب من وجهين : أحدهما : أن سياق الآية ~~حجة عليهم ، لأنه قال فيها ' قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ~~' . # الجواب الثاني : أنهم إنما قالوا ذلك على سبيل التكذيب والاستهزاء ، لا ~~على سبيل الإيمان ، وإنما قصدوا تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله ' ~~ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ' وهذا كقوله تعالى : ' وإذا قيل ~~لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من من لو ~~يشاء الله أطعمه ' قالوا ذلك على سبيل التكذيب والاستهزاء ، لا على وجه ~~PageV01P224 الإيمان والاعتراف بأن الله قادر أن يطعمهم . فلذلك قالوا : ما ~~في تلك الآية وجعلوه لهم حجة ، فجعله كذبا وأن حجتهم باطلة ، فصح ما قلناه ~~. # فإن قيل : فما معنى قوله تعالى . ' وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ' ~~فالجواب من وجهين : أحدهما : أنه أراد بعض الجن والإنس . الذي يدل على صحة ~~ذلك أن كثيرا من الجن والإنس يموت قبل أن يبلغ حد التكليف والعبادة ، وصار ~~هذا كقوله تعالى لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم : ' لتدخلن المسجد الحرام ~~إن شاء الله ' وأراد البعض لا الكل ، لأن منهم من مات قبل الدخول وقتل قبل ~~الدخول . الذي يقوى ذلك ويصححه : أنه قال في آية أخرى : ' فرية هدى ' يعني ~~إلى الطاعة ' وفريقا حق ms121 عليهم الضلالة ' يعني عن العبادة والطاعة . ويدل ~~عليه أيضا قوله تعالى : ' ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ' وهم ~~الذين لم يرد أن يطيعوه ، فاعلم ذلك . # والجواب الثاني : أن المراد بذلك أن لا يقروا بالعبادة طوعا أو كرها ، ~~وهذا قول ابن عباس ، وهو حسن ، لأن الكل لا بد أن يقروا بذلك ؛ إما في ~~الدنيا وإما في الآخرة . # جواب آخر : وهو أن المراد بذلك إلا لآمرهم وأنهاهم ، وهذا قول مجاهد . ~~PageV01P225 # فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : ' وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى ~~على الهدى ' فالجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أن معنى هديناهم ، أي دعوناهم ~~قاله سفيان وهذا صحيح ، لأن الهدى يكون بمعنى الدعاء ؛ قال الله تعالى : ' ~~إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ' أي ذراع يدعوهم إلى الهدى ، وقال تعالى : ' ~~وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ' أي تدعو . # الجواب الثاني : ' وهديناهم ' أي بينا لهم سبيل الهدى ، قاله قتادة ، ~~وهذا صحيح ، يدل عليه قوله تعالى : ' وهديناه النجدين ' يعني بينا له طريق ~~الخير وطريق الشر . وقال الصديق رضي الله عنه لما كان هو والرسول عليه ~~السلام قاصدين إلى الهجرة من مكة إلى المدينة فكان الناس يقولون يا أبا بكر ~~، وكان معروفا فيسلمون عليه ويسألونه . من هذا الرجل الذي معك ؟ فيقول : ~~رجل يهديني السبيل ، يعني يعرفني الطريق ، وهو يريد رضي الله عنه سبيل الحق ~~والدين . # الجواب الثالث : أعلمناهم الهدى من الضلالة . # جواب رابع : وهو أن المراد بذلك هدينا فريقا منهم وأضللنا فريقا دليل ذلك ~~قوله تعالى : ' ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا ~~PageV01P226 هم فريقان يختصمون ' ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ' قال الملأ ~~الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل ~~من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم ~~به كافرون ' فصح ما قلناه ، وأنه هدى بعضا وأضل بعضا بنص القرآن ، فاعلم ~~ذلك . # جواب خامس : وهو أن فريقا من ثمود آمنوا ثم ارتدوا ، ففيهم نزلت الآية ، ~~يدل عليه قوله تعالى : ' فاستحبوا العمى على ms122 الهدى ' يعني رجعوا إلى الكفر ~~بعد الإيمان . # فإن قيل : فما قولكم في قوله تعالى : ' إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا ~~يرضى لعباده الكفر ' فصح أنه لا يريد الكفر ، فالجواب من وجهين : أحدهما : ~~أنه لو كان كما قلتم لكان يقول : ولا يرضى لأحد الكفر ، أو يقول : ولا يرضى ~~لكم الكفر ، فلما لم يقل ذلك لم يكن لكم حجة . # الثاني : أنه قال تعالى : ' ولا يرضى لعباده الكفر ' وإذا أضافهم إليه ~~بلفظ العبودية فإنما أراد بذلك خواص عباده المؤمنين دون الكافرين . ونحن ~~نقول : إنه ما رضى للخواص الكفر ولا أراد لهم الكفر ، وإنما رضى لهم ~~الإيمان . الذي يدل على صحة هذا : إن العباد إذا أضافهم إليه كان المراد ~~بهم المؤمنين دون غيرهم ، قول تعالى : ' إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ' ~~وأراد بذلك المؤمنين دون الكفار . وكذلك قوله تعالى : ' يا PageV01P227 ~~عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ' أراد المؤمنين دون الكفار . ~~وكذلك قوله تعالى : ' عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا ' أراد ~~المؤمنين دون الكفار ، وكذلك قوله تعالى : ' ولا يرضى لعباده الكفر ' أراد ~~المؤمنين دون الكافرين ، فاعلم ذلك وتحققه . # الجواب الثاني : أن الرضا بالشي هو المدح له والثناء عليه والإثابة عليه ~~وكونه دينا وشرعا ، والله تعالى لا يرضى الكفر بمعنى أنه لا يمدحه ولا يثيب ~~عليه ولا يرضى كونه دينا وشرعا ، دون إرادة وجوده وخلقه . فاعلم ذلك . # فإن قيل : أتقولون أن الله تعالى قضى المعاصي وقدرها ، كما أنه خلقها ، ~~قلنا له : أجل : نقول ذلك بمعنى أنه خلقه وأوجده على حسب قصده وإرادته ، ~~ولا نقول إنه قضاه بمعنى أنه أمر به ، ولا رضيه دينا وشرعا ، وأنه يمدحه ~~ويثيب عليه . # فإن قيل : فعلى كم وجه ينقسم القضاء ؟ قيل له على وجوه كثيرة . . منها : ~~قضاء يكون بمعنى الخلق ، وذلك قوله تعالى : ' فقضاهن سبع سموات في يومين ' ~~يعني خلقهن ، ويكون القضاء بمعنى التسليط . والخلق ، وهو قوله تعالى : ' ~~فلما قضينا عليه الموت ' يعني خلقنا وسلطنا عليه الموت ، ويكون بمعنى ~~الإخبار والإعلام ، وهو قوله تعالى : ' وقضينا إلى بني ms123 إسرائيل في الكتاب ~~لتفسدن في الأرض مرتين ' يعني أعلمناهم وأخبرناهم ، ويكون القضاء بمعنى ~~الأمر ، قال الله تعالى : ' وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ' ، ويكون القضاء ~~بمعنى الحكم والإلزام ، يقال : قضى PageV01P228 القاضي على فلان بكذا ، أي ~~أوجبه عليه وألزمه إياه وحكم به عليه ، فإن الله تعالى قضى بالمعاصي والكفر ~~، بمعنى أنه أراده وخلقه ، وقدره ، ولا يجوز أن يكون بمعنى أمر به واختاره ~~دينا وشرعا ، ولا مدحه ، ولا يثيب عليه ؛ ولا فرضه فرضا على أحد ، بمعنى أن ~~أوجبه عليه ، فاعلم هذه الجملة وتحققها تسلم من شبه المبتدعة وتلبيسهم على ~~العوام ومن لا فهم له إن شاء الله . # فإن قيل : أفترضون بقضاء الله وقدره ؟ قلنا : هذا يحتاج إلى تفصيل ، فنحن ~~نطلق الرضا بقضاء الله وقدره على الإطلاق ، بمعنى أنه لا يعترض على حكمه ~~السابق وإرادته الأزلية ، ولا يتقدم بين يديه بالاعتراض بل نسلم لما أردا ~~فينا وفي غيرنا ، ولا نعترض بما يفعل ، فنقول : نحن نرضى بقضاء الله الذي ~~هو خلقه ، كما أخبرنا به ومدحنا على فعله ، ووعد عليه الثواب ، فنرضى بذلك ~~ونريده لنا ولجميع إخواننا من المسلمين ، ولا نقول : إن قضاءه الذي هو ~~بمعنى خلقه ، وإيجاده الذي هو خلقه مذموما قبيحا ؛ ذنبا معصية كفرا ، إنا ~~نرضى بذلك دينا وشرعا ولا نحبه ولا نرضاه ولا نريده لنا ولا لأحد من ~~إخواننا المسلمين ، فاعلم هذا التفصيل تسلم من شبه الأباطيل ومن خدع أهل ~~التعطيل . يؤكد هذا أو يقرره أنا نقول وكل مسلم عند الإطلاق : إن جميع ~~الأشياء لله تعالى ، إنه خلقها وهي ملك له ، لا خالق ولا مالك لها غيره ، ~~من والد ، وولد ، وزوجة ، وصاحبة ، فنطلق ذلك عند الإجمال . فأما عند ~~التفصيل فنقول : إن لله الأسماء الحسنى . ونقول : إن له PageV01P229 الجلال ~~، والجمال ، والقدرة ، والكمال ، ولا نقول : إن له الولد ، والوالد ، ~~والصاحبة ، والزوجة ، والشريك . فاعلم ذلك . وكما نقول عند الإطلاق : إن كل ~~مخلوق يبيد ويفنى ويزول ويضمحل ، ولا نقول عند التفصيل : إن حجة الله على ~~خلقه والأعمال من الصلاة ، والصيام ، والحج ، إن ذلك يبيد ويفني ويضمحل ms124 ، ~~ونحو ذلك . # ثم نقول لهم يا جهلة : أليس الله تعالى قضى بموت نبيه صلى الله عليه وسلم ~~، وكذلك موت جميع الأنبياء عليهم السلام ، فلا بد أن يقولوا : بلى . فنقول ~~لهم : أفترضون بذلك وأشباهه ؟ إن قالوا : نعم . وكلنا نقول : إنه قضى ذلك ، ~~قلنا : وكذلك نقول نحن أيضا : قضى كل موجود وخلقه وأراده عند الإطلاق ، ~~وعند التفصيل لا نقول : إنا رضينا موت النبي صلى الله عليه وسلم ، بمعنى ~~إنا أحببنا ذلك ، وأنه سرنا ، فاعلم ذلك . # فإن قيل : أليس الله تعالى قد نهى عن الكفر والمعصية ؟ قلنا : بلى قد نهى ~~عن ذلك . فإن قالوا : فلا يحسن أن يريد شيئا ويريد وجوده ثم ينهى عنه ، ~~قلنا : الجواب من وجهين : # أحدهما : أن يقال لهم : أليس الله قد علم أن الكافر يكفر ، وأنه يوجد منه ~~الكفر لا محالة ، فلا بد لهم من أن يقولوا نعم ، فيقال لهم : فكيف نهاه عن ~~أمر قد علم أنه منه ولابد من وجوده ، فلما جاز أن ينهى وإن أراده . فاعلم ~~ذلك . # جواب آخر : وهو أن يقال لهم : أليس الله تعالى نهى عن إيلام الرسل ~~والمؤمنين ، فلا بد من أن يقولوا من نعم ، فيقال لهم : يوجد فيهم الألم من ~~الأمراض والموت أن لا ؟ فلا بد من أن يقولوا نعم : فإذا جاز أن ينهى عن ~~إيلامهم ، ثم يريد ذلك ويحسن منه . فكذلك في مسألتنا يريد وينهى حتى يثبت ~~لنفسه كمال القدرة ونفاذ الأمر والمشيئة ' لا يسئل عما PageV01P230 يفعل ~~وهم يسألون ' والجملة أن الأمر | منا والنهي منا ، والفعل منا ، والإرادة ~~منا إنما توصف تارة بكونها حسنة ، وتارة بكونها قبيحة إنما ذلك لمعنى ، وهو ~~أن كل ما كان منا مخالفا لأنر الرب تعالى فهو قبيح وإن كانت صورته حسنة من ~~حيث الحس والنظر والسمع ، ونحو ذلك ، وأن كل ما كان منا حسنا إنما كان ذلك ~~لأنه موافق لأمر الرب تعالى ، لا من حيث الصورة والحسن ، فإذا صح هذا جئنا ~~إلى أفعاله تعالى وإرادته وأمره ونهيه ، فوجدناه ليس فوقه تعالى آمر يأمره ~~ولا ناه ينهاه ، فصح ms125 أن جميغع أفعاله وأمره ونهيه حسن على كل حال لا يتصف ~~بغير ذلك ، فاعلم هذه الجملة توفق إن شاء الله تعالى . وفقنا الله وإياكم ~~وجميع المسلمين # | فصل في الشفاعة # العم أهل السنة والجماعة أجمعوا على صحة الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم ~~لأهل الكبائر من هذه الأمة ، قدمنا المسألة وذكرنا الأخبار الواردة في ~~الشفاعة أصلا ورأسا . # وأعلم أن المعتزلة افترقت فرقتين ، فقوم منهم أنكروا الشفاعة أصلا ورأسا ~~، وردوا الأخبار الصحيحة الواردة يفيها ومادل عليه القرآن من ذلك . وقالت ~~الفرقة الثانية : إن للأنبياء شفاعة ، وللملائكة ، لكن لثلاث فرق من ~~المؤمنين . # فرقة منهم : أصحاب صغائر ولبست لهم كبيرة من الذنوب ، والفرقة الثانية ~~قوم عملوا الكبائر وتابوا منها وندموا عليها والفرقة الثالثة ، قوم من ~~المؤمنين لم يعملوا ذنبا أصلا ، فأما صاحب الكبيرة الذي مات من غير توبة ~~فلا شفاعة له عندهم ، وكلا القولين باطل . PageV01P231 # ما الفرقة الأولى : فجحدت صحة الأخبار الصحاح ، وأما الفرقة الثانية ~~فذهبت إلى محال من القول ، لأن الشسفاعة عندهم فيمن لم يعمل كبيرة أو عمل ~~وناب لا معنى لها ، لأنها تكون بمعنى أن الشافع يقول : يا رب لا تظلم عبادك ~~، فإنك قد وعدت أنك تغفر الصغائر مع اجتناب الكبائر ، وكذلك التائب من ~~الكبيرة لا تظلمه ، فإنك قد وعدت بقبول التوبة ، واللهه أجل وأعلى من أن ~~يسأل ويشفع إليه إلا بظلم ، فبطل قولهم . # وأما من لم يذنب أصلا فعلى خبث عقدهم أنه قد وجب له على الله الثواب ، ~~والجنة والنعيم المقيم ، فما معنى هذه الشفاعة له فلم يبق إلا أنهم عاندوال ~~الحق وضلوا السبيل واستحوذ عليهم وسوسة المردة والشياطين ، حتى ردوا القرآن ~~والسنة وإجماع الأمة ، فنعوذ بالله منهم ومن خبث عقدهم . # فإن قالت هذه الفرقة الأخيرة منهم : تكون الشفاعة لمن ذكرنا من الثلاث ~~فرق شفاعة في الثواب قلنا وهذا ضلال أيضا لأن القرآن إنما نطق بشفاعة ~~الملائكة في وقاية المؤمنين شر ذنوبهم يوم القيامة ، ولم يذكر فيها زيادة ~~الثواب ، وإنما أخبر عنهم يقولون ' وقهم السيئات ' فصح أن الشفاعة في ~~الذنوب والسيئات ms126 أن يغفر لها ويتجاوز عنها ، لا ما ذكرتم يا فرقة الضلال ~~فأما الأدلة على صحة الشفاعة ، فقد ذكرناها من الكتاب والسنة ، لكن نجد ها ~~هنا طرفا منها . أما من القرآن فقوله تعالى : ' عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا ' روى عن أنس بن مالك ، وأبى سعيد الخدري وجماعة من الصحابة لا ~~يحصون عددا : أن ذلك في الشفاعة ، ثم ذكروا ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أخبار يطول ذكرها وشرحها . وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P232 قوله : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي وهذا فيه الحجة على ~~الفريقين ممن أنكر الشفاعة أصلا ، ومن قال إنه لغير أهل الكبائر . وقال صلى ~~الله عليه وسلم : أشفع إلى ربي فيحد لي حدا فأخرجهم من النار ، ثم أشفع ~~فيحد لي حدا فأخرجهم من النار ثم ذكر الحديث إلى أن قال : حتى لا يبقى أحد ~~من أهل الإيمان في النار . ولو كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان وهذا الحديث ~~صريح في الحجة على كل من الفريقين من المعتزلة . وأخبار الشفاعة كثيرة جدا ~~، وقد قدمنا منها ما في الكفاية وزيادة ، ولأن الشفاعة في أقل الدارين من ~~أقل الشفعاء تكون في الذنوب وغيرها ، فما ظنك بالشفاعة في أعلى الدارين من ~~أعلى الشفعاء عند الله عز وجل ، حتى ذكر في بعض الأخبار أنه صلى الله عليه ~~وسلم يغبط بذلك المقام ، يغطبه به الأولون والآخرون ، ثم تكون الشفاعة فيمن ~~لا كبيرة له ، وإنكار هذا جهل وعناد وطعن في القرآن وصحيح الأخبار . # | فصل غي الرد على شبه يرام دفع الأخبار الصحاح المجمع على صحتها في ~~الشفاعة # نذكر فيا شبها لهم يرومون بذلك دفع الأخبار الصحاح المجمع على صحتها في ~~صحة الشفاعة ، ونحن نجيب عنها بعون الله وحسن توفيقه . فإن PageV01P233 ~~قالوا : هذه الأخبار تعارض بمثلها ، فإنه قد روى الحسن البصري وغيره عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي ~~فالجواب من وجهين : أحدهما : أن هذا عن الحسن لم يصح ، ولم يرد في خبر ms127 صحيح ~~ولا في سقيم ، وإنما هو اختلاف وكذب ، ولا يعارض الآثار الصحاح المتفق على ~~صحتها ، ثم لو جاز أن يكون قد روى فلم يسقط الصحيح المجمع على صحته بالضعيف ~~السقيم الذي لا أصل له . مع إمكان الجمع بين الكل ، واستعمال الجميع ، ~~فتحمل صحاح الأخبار على ما قلا ، ويحمل هذا الخبر على أنه أراد به الكبائر ~~التي تخرج من الإسلام ، نحو الكفر بعد الإيمان ، أو استحلال ما حرم الله ، ~~أو تكذيب بعض الرسل أو بعض الكتب ، ويصير هذا كما قلنا إنا نجمع بين كل ما ~~ذكر في القرآن ، وإن كان ظاهره يناقض بعضها بعضا عند الجهال مثلكم ، فإنه ~~تعالى قال : ' هذا يوم لا ينطقون ' ثم قال في موضع آخر : ' وأقبل بعضهم على ~~بعض يتساءلون ' فيحمل هذا على أنهم لا ينطقون عند الصراط ، والميزان ، ~~والكتب ، ويسأل بعضهم بعضا بعد ذلك ، حتى لا نسقط شيئا من كتاب الله ولا ~~ينقض بعضه ببعض فكذلك يحمل قوله : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي في حق من ~~يبقى على الإيمان حتى يخرج من دار الدنيا ، ويحمل ما ذكروا لو كان صحيحا ~~على من خرج من الدنيا على غير إيمان ، ونكون أسعد وأولى ، لأنا نثبت الصحيح ~~بتأويل لشيء باطل لا أصل له أن لو صح ، وهم يسقطون الصحيح المتفق على صحته ~~بشيء باطل لم يصح . # فإن قيل : هذا لا يصح مع قوله عليه السلام : لا ينال شفاعتي أهل ~~PageV01P234 الكبائر من أمتي والكافر بما ذكر به ثم ليس من أمته ، قلنا : ~~بل يصح ذلك من وجهين : أحدهما : أنه أراد بذلك من كان من أمتي ثم ارتد ، أو ~~نحو ذلك ، فقد يجوز أن يسمى الشيء بما كان عليه أولا ، وإن كان في الحال لا ~~يسمى به ، ألا ترى إلى ما قال صلى الله عليه وسلم في النبيذ : ثمرة طيبة ~~وماء طهور يعني كان ثمرة طيبة وماء طهورا ، لا يريد أنه في الحال ثمرة ، ~~وكذلك أمر صلى الله عليه وسلم بلالا : ارجع فناد ألا إن العبد نام ولم يرو ~~أنه الآن ms128 عبد ، بل أراد أنه كان عبدا ، لأن الصديق أعتق بلالا قبل ذلك . ~~يقال لعتيق الرجل : عبد بني فلان ، أي كان عبدا لهم ، ونحو ذلك كثير . ~~ويحتمل أن يكون سماهم من أمته ، لأنهم كانوا في عصره ووقته وقرنه ، وكل قرن ~~يسمى أمة ، ويكون ذلك فيمن كان آمن به في وقته ثم ارتد ، فمن ذكر من أهل ~~الردة ، أو كان في وقته ولم يؤمن ، وسماه من أمته لأنه في قرنه وعصره . فصح ~~ما قلناه وبطل تعلقهم بما لا أصل له . فإن قيل : أليس قد روى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : من تحسى سما وقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم ~~خالدا فيها أبدا ، وروى مثله فيمن قتل نفسه بحديدة ، ومن تردى من جبل . ~~وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يدخل الجنة مدمن خمر ، وعاق ~~والديه فهذه الأخبار معارضة لأخبار الشفاعة . PageV01P235 # فالجواب عن هذه الأخبار : أن منها ما صح ومنها ما لم يصح ويجمع بين الكل ~~، فتحمل هذه الأخبار على من فعل ذلك مستحلا لفعله ، أو فعله على وجه ~~التكذيب للصادق فيما أخبر به أن هذا الفعل كبيرة حرام ، ونحو ذلك ، وهذا ~~صحيح لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : من قال لا إله إلا الله دخل ~~الجنة . فقال أبو ذر : وإن زنا ، وإن سرق ؟ فقال : وإن زنا ، وسرق ، وقتل ، ~~وشرب الخمر ، وإن رغم أنف أبي ذر فصح ما قلناه ، وقبلنا جميع الأخبار ~~الصحاح ولم نضرب بعضها ببعض ، ولا أسقطنا بعضها ببعض ، كما يفعل أهل البدع ~~الذين ضاهوا اليهود في قولهم نؤمن ببعض ونكفر ببعض . # فإن قيل : أليس عندكم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يشفع إلا في مؤمن ~~، وقد وردت الروايات لا يزني الزاني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق وهو مؤمن ~~وكذلك روى أنه قال : ليس منا من يأتينا بطينا ويأتي جاره خميصا ومن غشنا ~~فليس منا ولا إيمان لمن لا أمانة له إلى غير ذلك ، فكيف يشفع الرسول عليه ~~السلام فيمن ليس بمؤمن ؟ . # فالجواب ms129 : أن يقال لهم : هذه الأخبار لا حجة فيها ولا تعارض أخبار ~~الشفاعة ، فإنها متحملة لوجوه إذا صرفت إليها صحت ، ولم تكن معارضة لأخبار ~~الشفاعة . # أحدها : أن يكون المراد لا يزني ولا يسرق حين يفعل ذلك ، وهو PageV01P236 ~~مؤمن : أي مستحل لذلك ، حتى يصح الجمع بين هذه الأخبار وبين قوله صلى الله ~~عليه وسلم : من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن سرق وإن زنا وشرب الخمر ~~، أو يكون أراد بذلك إذا فعله على وجه التكذيب لتحريم هذه الأشياء ، والله ~~تعالى لم يحرمها ، أو يكون المراد ليس بمؤمن كإيمان المؤمن الذي لم يكن منه ~~سرقة ، ولا زنا ، ولا شرب خمر أي في البر ، والطهارة ، والعفة ونحو ذلك ، ~~ويصير هذا كقوله : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد أراد الكمال . وهذا ~~الفصل أفسد الحجج وأدحضها بحمد الله تعالى . # فإن قيل : فما معنى قوله تعال : ' ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ' قيل معناه ~~الرد على من أنكر أصل الشفاعة ، فأخبر تعالى أن تم شفاعة ، لكن لمن أراد ~~تعالى أن يشفع له وأذن في ذلك ، ولم يرد إلا لمن رضى سائر عمله ، لأن من ~~رضى سائر عمله لا يحتاج إلى شفاعة ، ويحتمل أن يكون ' لا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى ' يعني لمن كان معه عمل مرتضى . والمؤمن معه أفضل الأعمال التي ترضى ~~، وإن كان عاصيا فاسقا ، وهو التوحيد والتصديق ، وقوله : لا إله إلا الله . ~~والذي لا يرضى عمله أجمع هو الكافر ، فصح ما قلناه . # فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : ' ما للظالمين من حميم ولا شفيع ~~PageV01P237 يطاع ' قلنا : معناه فالظلم بالشرك والكفر الذي لا ينفع معه ~~طاعة ، كما قال تعالى : ' إن الشرك لظلم عظيم ' ولهذا لما نزل قوله تعالى . ~~' الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ' حزن الصحابة رضي الله عنهم كذلك ، ~~حتى قال الصديق رضي الله عنه وأرضاه : يا رسول الله : وأينا لم يلبس إيمانه ~~بظلم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ليس هذا يا أبا بكر ، إنما الظلم ~~الشرك ها هنا ، ألا ترى إلى قول ms130 لقمان يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم ~~عظيم فدل أن لا شفاعة تنفع الكافر . ولا حميم يدفع عنه ، والمؤمن بخلاف ذلك ~~بحمد الله ، وإن كانت له سيئآت . فاعلم ذلك . # فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : ' لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون ' ' ولا ~~يخفف عنهم من عذابها ' وقوله : ' كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب ' وقوله تعالى : ' فما تنفعهم شفاعة الشافعين ' . # فالجواب : أن نقول : أنتم وإخوانكم من الخوارج دأبكم أبدا أن تجعلوا آيات ~~العذاب في أهل الإيمان والتوحيد ، وهي لأهل الكفر والضلال دون المؤمنين ~~بحمد الله تعالى ؛ وهذه الآيات كلها في أهل الكفر ، والذي يدل على صحة هذا ~~ما قدمنا من الأخبار الصحاح : من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وغير ذلك ~~من الأخبار الصحاح . PageV01P238 وأيضا فإن القرآن نطق بذلك فإنه قال في ~~أول هذه الآية : ' ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم ~~المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما ~~تنفعهم شفاعة الشافعين ' . فصح أن لا شفاعة لهم لأجل كفرهم ، وصارت في ~~النار ، وجدا لهم لأجل كفرهم وصارت الآية إلى آخره حجة عليهم ، إلا أن الله ~~تعالى أخبر أن ثم شفاعة ، وأنتم تقولون أن لا شفاعة ؛ غير أنه تعالى أخبر ~~أنها لا تنفع للكافرين ، فدل على أنها تنفع المؤمنين . # فإن قيل : ما تقولون فيمن حلف بالطلاق الثلاث أنه يفعل فعلا ينال به ~~شفاعة الرسول عليه السلام ، ويستحق به شفاعة الرسول ، أو قال : أفعل فعلا ~~يجوز أن يشفع لي فيه الرسول مما أستحق من العقاب بماذا تأمرونه ؟ أتأمرونه ~~بالمعصية أم بالطاعة ؟ . قلنا : الجواب من وجهين : أحدهما : أنا نقول نأمره ~~بالتمس بالتوحيد والإيمان دون فعل الذنوب ، لأن الشفاعة لا تنال بالذنوب ، ~~وإنما تنال بالإيمان دون الذنوب ، وهذا كما أن زيدا يشفع في ذنب صديقه ، أو ~~قريبه ، أو حبيبه في دار الدنيا إلى من ملك إسقاط ذلك ، لا يقال أنه نال ~~ذلك بالذنب الذي أذنب أو الخطأ الذي أخطأ ms131 ، وإنما ناله بالصداقة المتقدمة ~~أو القرابة المتقدمة أو السؤآل المتقدم ، لا نفس الذنب ، ونأمره أيضا بفعل ~~الطاعات حتى ينال بذلك شفاعة الرسول عليه السلام في الزيادة له من البر ~~والنعيم ونحو ذلك . # الجواب الثاني : أنا نعارضكم بمثل هذا : لا تجدون أنتم عنه محيصا ، فنقول ~~لكم : ما تقولون فيمن سمع قوله تعالى : ' يحب التوابين . ويحب المتطهرين ' ~~فحلف رجل بالطلاق الثلاث ليفعلن فعلا يجب عليه فيه PageV01P239 التوبة أو ~~الاستغفار حتى يتوب منه ويستغفر ، ما تأمرونه ؟ فإن قالوا : نأمره بالطاعة ~~، وفعل الخير . قلنا لهم هذا لا يصح ؛ لأن الإنسان لا يجب عليه التوبة أو ~~الاستغفار من فعل الطاعة والخير بإجماع المسلمين . وإن قلتم : نأمره بفعل ~~المعاصي والذنوب حتى تجب عليه التوبة والاستغفار فيتوب ويستغفر حتى يتخلص ~~من يمينه فقد استحللتم ما حرم الله وأمرتم بما لا يجوز لمسلم أن يأمر به . ~~وإن قلتم : لا نأمره بفعل المعصية ولكن إن ابتلى بشيء من ذلك قلنا له قد ~~فعلت ما وجب به عليك التوبة والاستغفار وزوال حكم اليمين . قلنا لكم : نحن ~~أيضا نقول لمن حلف ليفعلن فعلا ، يجوز أن يشفع فيما يستحق عليه من العقاب ~~شفاعة الرسول عليه السلام ، نقول له تمسك بالطاعة والإيمان ، فإن ابتليت ~~بشيء من المعاصي فقد خرجت من اليمين ، ويجوز أن يشفع لك الرسول ، لا أنا ~~نأمره بالمعصية بوجه من الوجوه . # | فصل في رؤية الله تعالى # اعلم أن رؤية الله تعالى جائزة من جهة العقل ، وهي واجبة للمؤمنين في ~~الآخرة من طريق الشرع ، وبها نختم الكتاب إن شاء الله تعالى بعونه ~~PageV01P240 وتوفيقه ، وإنما ختمنا بها لأنها أعلى الأشياء وأجلها ، وبها ~~يختم للمؤمنين المصدقين لها حتى يستحقروا كل نعيم في جنبها ، جعلنا الله من ~~أهلها بمنه وفضله ، إنه جواد كريم . # اعلم أن أهل السنة والجماعة قد جوزوا الرؤية على الله تعالى شرعا وعقلا ~~بلا خلاف بينهم على الجملة ، وإنما وقع الخلاف بينهم هل يكون ذلك ويجوز في ~~الدنيا أم ذلك في الآخرة خاصة . # فكل الصحابة أجمعوا ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة ms132 أن الله تعالى يرى ~~في الجنة ، يراه المؤمنون بلا خلاف في ذلك . واختلف الصحابة في الرسول عليه ~~السلام هل رآه ليلة المعراج بالقلب أو بعيني الرأس على قولين : فكانت ~~الصديقة عائشة رضي الله عنها في جماعة من الصحابة يقولون : رآه بقلبه دون ~~عيني رأسه ، وكان ابن عباس رضي الله عنهما في جماعة من الصحابة رضي الله ~~عنهم يقولون : إنه صلى الله عليه وسلم رآه ليلة المعراج بعيني رأسه . ونحن ~~نقول بقول ابن عباس رضي الله عنهما ، PageV01P241 فإذا تقرر هذا : فإن ~~المعتزلة ، والنجارية ، والجهمية ، والروافض . والخوارج : الكل منهم ينكرون ~~الرؤية ولا يجوزونها بوجه ، حتى قالوا : ولا يرى ولا يرى هو نفسه . وقد ~~قدمنا الأدلة على صحة الرؤية وجوازها فيما تقدم ، ولا بد أن نذكر ها هنا ~~طرفا من الأدلة أيضا يؤكد ما تقدم ويقويه إن شاء الله . # ودليل ذلك من الكتاب والسنة والإجماع ممن يعد إجماعه إجماعا ، ودليل ~~العقل . فمن أدلة الكتاب قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام : ' رب أرني ~~PageV01P242 أنظر إليك ' وهذا السؤال إنما كان من موسى بعد النبوة ، ~~والبعثة ، والرسالة ، لأن الله تعالى قال : ' ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ~~ربه قال رب أرني أنظر إليك ' ولا يخلو سؤال موسى عليه السلام هذا السؤال ~~بعد النبوة والكمال من أحد أربعة أوجه : إما أن يكون سأل الرؤية بعد علمه ~~بجوازها على ربه ، أو مع علمه باستحالتها على ربه ، أو سألها وهو شاك في ~~ذلك ، أو سألها وهو ذاهل العقل لا يتفهم شيئا . فلا يجوز أن يكون سأل ذلك ~~مع علمه بأنه يستحيل على ربه ، لأن من المحال أن يسأل النبي الكريم ربه ما ~~يستحيل في حقه ، ولا يجوز عليه كما يستحيل في حقه سبحانه وتعالى ، ولا يجوز ~~أن يكون سأل ذلك وهو شاك جاهل حكم هذه المسألة أو ذاهل لا يدري ، لأن هذه ~~المسألة من مسائل أصول الدين ، وكيف يجوز على النبي الكريم عليه السلام ~~الشك فيها أو الذهول ، أو غفلة القلب عنها . وإذا بطل جميع ذلك لم يبق إلا ms133 ~~أنه عليه السلام سأل وهو معتقد جواز الرؤية عليه سبحانه وتعالى . فإذا ~~اعتقد النبي الكريم جوار الرؤية لم يخل من أن يكون مصيبا أو مخطئا ، ولا ~~يجوز أن يخطىء النبي الكريم في اعتقاده ، فلم يبق إلا أنه أصاب ، وهذا ~~التقرير لا مخرج للمخالف عنه بوجه ولا سبب . فافهمه . # فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون موسى لم يسأل الرؤية ، وإنما سألها قومه ~~وسألوه أن يسألها لهم ، أما أن يكون هو سألها لنفسه فلا . # فالجواب : أن هذا تعلل لا ينفعكم ولا ينجيكم مما قررنا وحققنا في اعتقاد ~~موسى عليه السلام جواز الرؤية ؛ وذلك : أن موسى عليه السلام لو كان يعتقد ~~استحالة جواز الرؤية لكان قد أنكر عليهم ذلك أشد الإنكار وجهلهم بذلك غاية ~~الجهل . ولم يساعدهم على ذلك . ولا سأل ما جهلهم PageV01P243 عليه ، ولما ~~ساعدهم كما فعل لما قالوا : ' يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم ~~قوم تجهلون ' ولم يسأل ربه أن يجعل لهم إلها ، لأنه عليم عليه السلام ~~استحالة ذلك . فكيف يسأل له أو لهم الرؤية مع اعتقاده استحالة ذلك عليه ~~سبحانه وتعالى ، فلم يبق إلا ما قلناه . # جواب آخر : وذلك أن هذا عدول عن الظاهر إلى غيره بغير دليل ، لأنه قال ' ~~أرني أنظر إليك ' فلا يحمل أرني أنظر ، على قومي ينظرون إليك ، فبطل ما ~~قالوه ، وصار هذا بمنزلة قول من قال : قوله أي ' أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني ' أي اعبد غيري ، وهذا لا يجوز ، فبطل قولهم . # فإن قيل : أليس قد قال الله تعالى : ' لن تراني ' فنص على أنه لا سبيل ~~إلى ما سأله ، فالجواب من وجهين : أحدهما : أن هذا لا يمنع من جواز الرؤية ~~، لأن قوله لن تراني إنما تضمن عدم وجود الرؤية عند السؤال ، لا استحالة ~~الرؤية على ما قررنا ، ولو أراد استحالة الرؤية لقال : لن يجوز أن تراني . ~~وقد لا يوجد الشيء ولا يدل على استحالته ، ألا ترى أن أحدا لو سأل نبي ~~زمانه أن يسأل ربه أن يرزقه ولدا ، فسأل نبي ذلك ms134 الزمان ، فأوحى الله تعالى ~~لن يرزق هذا السائل ولدا ، هل يدل ذلك على أنه لا يجوز وجود الولد في حق ~~هذا السائل ، ويستحيل ، بل هو جائز وإن منع من وجوده عقب السؤال ، على أن ~~حرف لن لا يقتضي عدم جواز الرؤية في الدنيا والآخرة . ولو قرن بأبد . ألا ~~ترى أنه تعالى قال في حق اليهود : ' ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ' ~~يعني الموت ولم PageV01P244 يقتضي ذلك أن لا يتمنوه في الدنيا والآخرة ، ~~لأنه أخبر تعالى أنهم يتمنون الموت في النار بقوله : ' ونادوا يا مالك ليقض ~~علينا ربك ' يعنون الموت ، فإذا كان حرف لن مع اقتران أبد به لا يقتضي نفي ~~ذلك في الدنيا والآخرة ، فكيف به إذا لم يقرن به أبد ، وأيضا الجواب يجوز ~~فيه الاستثناء ، بأن كان يقول : لن تراني في الدنيا ولن تراني إلا وقت كذا ~~وكذا ، كما قال أخو يوسف عليه السلام : ' فلن أبرح الأرض ' ثم استثنى ' حتى ~~يأذن لي أبي أو يحكم الله لي ' فصح أن حرف لن لا يحيل عليه جواز الرؤية ، ~~وإنما توجب أن لا توجد الرؤية في هذا الوقت دون جوازها فصح ما قلناه . # والجواب الثاني : أن الله تعالى علق جوز الرؤية على أمر جائز ، ولو كانت ~~مستحيلة لما علقها على أمر يجوز أن يوجد ، وهو استقرار الجبل ، فلما كان ~~استقرار الجبل من الجائز دل على أن الرؤية جائزة . فإن قيل : أليس قد قال ~~موسى عليه السلام : ' تبت إليك ' قالوا : والتوبة إنما تكون من الخطأ ، ~~فلما عم عليه السلام أنه أخطأ تاب ، فالجواب من أوجه : أحدها : أن موسى ~~عليه السلام لما رأى عظيم الآية من جعل الجبل دكا ، وصعوقه ، قال على جاري ~~العادة من القول عند الفزع ' تبت إليك ' وإن لم يكن سؤاله مستحيلا ، وهذا ~~كما أن الواحد منا إذا سمع الصوت الرعد العظيم ، أو رأى الظلمة العظيمة ، ~~أو أمرا هائلا فزع عند ذلك إلى التوبة والاستغفار ، وإن لم يكن منه قبل ذلك ~~معصية . أو سؤال مستحيل . PageV01P245 # وجواب آخر : وهو أنه يحتمل أن ms135 موسى عليه السلام ذكر عند هول ما رأى فيه ~~النفس ، فجدد التوبة منها وأكدها ، وإن لم يكن منه في هذه الحالة ذنب يتاب ~~منه . # جواب آخر : يحتمل أن يكون قال : تبت إليك للشدة التي أصابته عند سؤال ~~الرؤية ، وإن كانت الرؤية جائزة . كما أن الواحد منا إذا ركب البحر وناله ~~شدة وخوف من هوله وأمواجه ، أو سافر فلقى في سفره ما أتعبه وشق عليه يقول : ~~أنا تائب من ركوب البحر ومن السفر ، وإن كان ركوب البحر والسفر جائزا غير ~~محرم . ولا مستحيل ، وكذلك مسألتنا مثله . # جواب آخر : يحتمل أن يكون قال : ' تبت إليك ' من أن أسأل مثل هذا الأمر ~~العظيم الجليل قبل الاستئذان فيه ، حتى يؤذن لي في السؤال ، ولهذا قيل عن ~~موسى عليه السلام : إنه تأدب بعد ذلك ، فقال : يا رب أسألك في جميع أموري ؟ ~~قال : نعم يا موسى اسألني في جميع أمورك حتى ملح عجين أهلك . # جواب آخر : وهو أن موسى عليه السلام كانت إرادته وهمته تعجيل الرؤية له ~~في الدنيا قبل الآخرة ، وكان مراد الله تعالى تأخير الرؤية له إلى الآخرة ، ~~وأن لا يتقدم على نبينا صلى الله عليه وسلم في الرؤية ، فكأنه قال : تبت عن ~~مرادي وهمتي إلى مرادك . وهذا صحيح ، لأن التوبة هي الرجوع ، فكأنه رجع عن ~~مراده إلى مراد ربه . فاعلم ذلك . # ويدل على صحة ما قدمناه من قوله تعالى . ' وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ~~ناظرة ' وقوله تعالى : ' للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ' وقوله : PageV01P246 ~~' كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ' والحجب للكفار عن رؤيته عذاب . فدل ~~على أن المؤمنين غير محجوبين ، ولا يعذبون بعذاب الحجاب . فاعلم ذلك . # ويدل على ذلك أيضا الأخبار التي قدمنا ذكرها عند سؤال الصحابة مع قوله ~~عليه السلام في دعائه إنه قال : اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق ~~إلى لقائك من غير ضر أو مضر ولا فتنة مضلة وهذا أيضا تصريح من الرسول عليه ~~السلام في جواز الرؤية ، وأنها غير مستحيلة ، لأنه لا يسأل صلى الله عليه ~~وسلم في ms136 أمر مستحيل ، لا سيما بعد تقدم موسى عليه السلام في سؤال الرؤية ، ~~وما كان منه ، فلو كانت غير جائزة أو مستحيلة لما سألها صلى الله عليه وسلم ~~، فلما سألها دل على الجواز ، وبطل ما قال أهل العناد . وبالله التوفيق . # ويدل على صحة جواز الرؤية إجماع الصحابة على جوازها في الجملة ، وإنما ~~اختلفوا هل عجلها لنبيه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج أم لا ؟ على قولين ~~، ولو لم يقع الاتفاق منهم على جوازها ، لما صح هذا الاختلاف ، فما وقع هذا ~~الاختلاف فقال بعضهم : عجل ذلك له في الدنيا قبل الآخرة . وقال البعض : لم ~~يرد دليل على الجواز في الجملة وأنه متفق عليه ، وإلا كان يقول لمن قال ~~بأنها لم تعجل : فكيف تجوز الرؤية وهي مستحيلة عليه ، فلما لم يقل ذلك أحد ~~منهم دل على إجماعهم على جوازها . فاعلم ذلك . # ويدل على ذلك من جهة العقل : أنه تعالى موجود ، والموجود لا يستحيل رؤيته ~~، وإنما يستحيل رؤية المعدوم . وأيضا فإنه تعالى يرى جميع PageV01P247 ~~المرئيات ، وقد قال تعالى : ' ألم يعلم بأن الله يرى ' وقال . ' الذي يراك ~~' وكل راء يجوز أن يرى ؛ ولا يجوز أن تحمل الرؤية منه تعالى على العلم ، ~~لأنه تعالى فصل بين الأمرين ، فلا حاجة بنا أن نحمل أحدهما على الآخر ، ألا ~~ترى أنه سمى نفسه عالما ، وسمى نفسه مريدا ، ولا أن نحمل الإرادة على العلم ~~، كذلك لا نحمل الرؤية على العلم . فاعلمه . جواب آخر : وهو أن الصحابة ~~سألوا الرسول عليه السلام : هل نرى ربنا ؟ فقال : نعم ولا يجوز أن يكون ~~سؤالهم : هل نعلم ربنا أو يعلمنا ربنا ؛ فبطل قول من يحمل الرؤية على العلم ~~، ولهذا أجاب صلى الله عليه وسلم : سترونه كما يرى القمر ليلة البدر ليس ~~دونه سحاب وكما ترى الشمس ليس دونها سحاب يعني لا تشكون في رؤيته كما لا ~~يشك من رأى القمر والشمس فيها ، فشبه الرؤية بالرؤية في نفي الشك عن الرائي ~~، ولم يشبه المرئي بالمرئي . فاعلم ذلك . # | فصل في رد شبه بنفي الرؤية # في ذكر الأجوبة ms137 عن آيات يحتجون بها ، وأخبار ، وشبه في نفي الرؤية . ~~PageV01P248 # فإن احتجوا بقوله تعال : ' لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ' قالوا : ~~فأخرج ذلك مخرج التمدح ، كما تمدح بقوله تعالى : ' بديع السموات والأرض أنى ~~يكون له ولد ' فكيف يجوز أن يزول عن مدحته ، فالجواب عن هذه الآية من وجوه ~~عدة : أحدها : أن يقال لهم : ما أنكرتم على قائل يقول لكم ، لا حجة لكم في ~~ذلك ، لأن التمدح إنما وقع في قوله تعالى : ' وهو يدرك الأبصار ' لأن كون ~~الشيء لا يدرك بالأبصار لا يدل على مدحه ، ألا ترى المعدوم لا تدركه ~~الأبصار ، ولا يوجب كون ذلك مدحة له ، وكذلك عندكم العطور والروائح وأكثر ~~الأعراض لا تدرك بالأبصار ، وليست بممدوحة ، لأنها لا تدركها الأبصار . # فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون متمدحا بأنه يدرك الأبصار وأنها لا تدركه ؟ ~~قيل لهم : لأن للوصفين الذين يتمدح بهما لا بد أن يكون في كل واحد منهما ~~مدح بمجرده نحو قوله تعالى : ' عزير حكيم ' و ' عليم قدير ' فكل واحد من ~~الوصفين مدح في نفسه ، تجدد أو انضم إلى غيره ، ولما لم يكن كون المعدوم ~~غير مدرك بالبصر مدحا له عندنا وعندكم بطل ما قلتم . # جواب آخر : وهو أن نقول الآية حجة عليكم وذلك قوله : ' وهو يدرك الأبصار ~~' فحسب ، وإنما أراد أنه يدرك جميع المرئيات ، فأثبت تعالى أنه يرى الأشياء ~~لأنه موجود ، قادر على الرؤية ، وسائر الأشياء الموجودة التي يجوز أن ترى ، ~~لكن تمدح تعالى بأن كل راء يجوز أن يرى ، لكن هو تعالى PageV01P249 مع جواز ~~رؤيته منعنا من الإدراك له ، بأن يحدث في أبصارنا مانعا يمنعنا من رؤيته ؛ ~~فالمدح وقع بكونه قادرا على ذلك دون غيره من الخلق ، فصار هذا بمنزلة تمدحه ~~تعالى بكونه محييا مميتا ، أي لا يقدر على ذلك غيره ، وإن جاز أن يميت الحي ~~ويحيي الميت ، فكذلك لا يمدح تعالى بأن يحدث مانعا في البصر من الإدراك ، ~~وإن جاز أن يزيل ذلك المانع حتى نراه تعالى بلا كيف ، ولا شبه ، ولا تحديد ~~. فاعلم ذلك . # جواب آخر ms138 : وهو أن المعتزلة لا يصح لهم الاحتجاج بهذه الآية ؛ لأن عند ~~البصريين منهم أنه لم يعن بالإدراك الرؤية ، لأن البصر عندهم عرض ؛ فلا ~~يدرك عند البغداديين منهم : أنه تعالى لا يرى شيئا ، إنما المراد بالإدراك ~~العلم ، فهو يعلم الأبصار عندهم ، والأبصار لا تعلمه ، فبطل احتجاج الجميع ~~منهم بهذه الآية ، لأن عندهم لا يراد بالإدراك الرؤية ، فلا يصح لهم ~~الاحتجاج بها في نفي الرؤية . # جواب آخر : وهو أن الآية لا حجة فيها ، لأنه قال : ' لا تدركه الأبصار ' ~~ولم يقل لا تراه الأبصار ، والإدراك بمعنى يزيد على الرؤية ، لأن الإدراك : ~~الإحاطة بالشيء من جميع الجهات ، والله تعالى لا يوصف بالجهات ، ولا أنه في ~~جهة ، فجاز أن يرى وإن لم يدرك ، وهذا كما قال تعالى في قصة اللعين فرعون : ~~' حتى إذا أدركه الغرق ' يعني أحاط به من جميع جوانبه ، فالغرق لا يوصف ~~بأنه يرى ، وإنما يوصف بأنه أحاط بالشيء . كذلك المؤمن يوصف بأنه يرى ربه ~~ولا يدركه بالإحاطة ، وهذا كما نقول : إنا نعلم ربنا ، ولا نقول إنا نحيط ~~بربنا ، فكما كانت الإحاطة معنى يزيد على العلم كذلك الإدراك معنى يزيد على ~~الرؤية ، وهذا صحيح . لأنا PageV01P250 نجمع بين قوله تعالى : ' فاعلم أنه ~~لا إله إلا الله ' وبين قوله : ' ولا يحيطون به علما ' ونجمع بين قوله ~~تعالى : ' وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ' وبين قوله تعالى : ' لا تدركه ~~الأبصار ' فنقول : معلوم ولا يحاط به ، ومرئي ولا يدرك . فصح ما قلناه ، ~~وبطل قول الغير . # جواب آخر : أن معنى الآية لا تدركه الأبصار في الدنيا ، وإن جاز أن تدركه ~~في الآخرة ، ليجمع بين قوله تعالى : ' لا تدركه الأبصار ' وبين قوله تعالى ~~: ' إلى ربها ناظرة ' . جواب آخر : ' لا تدركه الأبصار ' يعني أبصار الكفار ~~دون المؤمنين ، ليجمع بين قوله تعالى : ' وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ~~' وبين قوله تعالى : ' كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ' وهذا صحيح ؛ لأن ~~الحجاب لما كان للكفار دون المؤمنين ، كذلك الرؤية للمؤمنين دون الكفار . # جواب آخر : وهو أن أبصار الخلق لا تدركه في الدنيا ms139 والآخرة ؛ لأن هذه ~~الأبصار جعلت للفناء ، وإنما يحدث لهم بصرا غير هذا البصر ، ويكون باقيا ~~غير فان فيرى الباقي بالباقي ، وقد قيل : إنه تعالى يحدث لأوليائه حاسة ~~سادسة غير هذه الحواس الخمس يرونه بها . وقال هذا القائل : الله أخبر في ~~كتابه العزيز : أنه يراه أهل الجنة ، وخبره حق لا يدفع بالشبهة ، ولا يمكن ~~الجمع إلا بما قلناه من إحداث حاسة يرى بها الله تعالى ، دون هذه الحواس . ~~والله أعلم بالصواب . PageV01P251 # جواب آخر : وهو أن يحمل ' لا تدركه الأبصار ' على أنها لا تدركه في جهة ، ~~ولا تدركه جسما ولا صورة ولا متحيزا ولا حالا في شيء ' وهو يدرك الأبصار ' ~~على جميع هذه الصفات ، وتكون الحكمة فيه الرد على النصارى وأهل التشبيه ومن ~~يقول بالجهة والحيز والصورة ، وغير ذلك مما لا يليق به سبحانه وتعالى . # فإن احتجوا بقوله تعالى : ' يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ' فأكبر الله هذا ~~السؤال فأنكره . # قيل لهم : لا حجة لكم في ذلك ، لأن الله تعالى ما أكبر ذلك لكونه مستحيلا ~~، وإنما أنكره لأنهم سألوه ذلك على وجه التعنت ، ألا ترى أنه أنكر عليهم ~~سؤالهم تنزيل الكتاب من السماء ، وليس ذلك بمستحيل ، وإنما أنكروا استكبارا ~~وتعنتا منهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وتشكيكا للناس في نبوته ؛ لأن عندهم ~~التوراة ، والإنجيل ، والفرقان ، وكل ذلك منزل من عند الله ، وإنما أرادوا ~~بذلك التلبيس على العوام ، حتى لا يصدقوا بنبوته صلى الله عليه وسلم ، ~~وتركوا ما أوجب الله عليهم من الإيمان به في التوراة والإنجيل ، كما قال ~~تعالى : ' الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ' فإكباره تعالى ~~سؤالهم ذلك لأجل هذه المعاني لا يكون ذلك مستحيلا . وهذا كما أنكر تعالى ~~سؤال قريش لما قالوا : ' لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون ~~لك جنة من نخيل وعنب أو ترقى في السماء ' وكل ذلك جائز غير مستحيل ، لكن ~~أنكره عليهم وأكبره لما كان ذلك على وجه ms140 PageV01P252 التعنت والتكذيب ، لما ~~قد وضح من آياته وحججه ، وكذلك أنكر سؤالهم الرؤية لموسى عليه السلام على ~~وجه التعنت ، لا لكونها مستحيلة . # فإن احتجوا بالخبر المروي عن عائشة رضي الله عنها لما قال لها ابن الزبير ~~وهو ابن أختها يا أماه : هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : يا ابن أختي لقد قف شعر ~~بدني ، والله تعالى يقول : ' وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ' قالوا : فموضع الدليل من ~~الخبر أنها أكبرت ذلك ونفت الرؤية عن الله تعالى ؛ فدل أن ذلك مستحيل في ~~حقه سبحانه وتعالى . الجواب من أوجه : أحدها : أن ابن عباس رضي الله عنه ~~وغيره من الصحابة قد صرحوا بأن محمدا رأى ربه ليلة أسرى به بعيني رأسه ، ~~ولو كان ذلك مستحيلا لم يقع الخلاف فيه بين الصحابة ، كما لم يقع بينهم ~~الخلاف في ما هو مستحيل على الله تعالى من الولد والزوجة والشريك ونحو ذلك ~~. فلما وقع بينهم الخلاف في ذلك وانقرض عصرهم على ذلك ، دل على أن الرؤية ~~جائزة غير مستحيلة . فبطل ما ذكر . # وجواب آخر : وهو أن عائشة رضي الله عنها إنما خالفت فيما رأى به محمد ربه ~~، فعندها رآه بالقلب دون العين ، وعند غيرها من الصحابة رآه بالقلب والعين ~~معا ، فقد وقع الإجماع منهم على جواز الرؤية عليه تعالى ، وإنما اختلفوا ~~فيما به رآه ، لا أصل جواز الرؤية عليه ، لأن رؤية النبي صلى الله عليه ~~وسلم رؤية حقيقية لا رؤية مجاز ، بخلاف الواحد منا ، لأن رؤيته بالقلب قد ~~تكون حقيقة وقد تكون تخيلا ومجازا ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : تنام ~~PageV01P253 عيناي ، ولا ينام قلبي وقال عليه السلام : إني أراكم من وراء ~~ظهري ورؤية الأنبياء عليهم السلام حقيقة بالقلب والعين . دليله : قصة ~~إبراهيم عليه السلام : ' إني أرى في المنام أني أذبحك ، قال يا أبت افعل ما ~~تؤمر ' فصح أن الإجماع قد وقع من الصحابة رضي الله عنهم في جواز الرؤية على ~~الله تعالى ، وإن وقع ms141 الخلاف بما رآه الرسول عليه السلام ليلة الإسراء ، ~~فصار ذلك حجة على المخالف لا له . # جواب آخر : وهو أن عائشة رضي الله عنها إنما أنكرت رؤية الباري بأبصار ~~العيون في دار الدنيا ، لا على الإطلاق ، ولهذا روى عن أبيها وعنها رضي ~~الله عنها وعن جميع الصحابة أنهم فسروا قوله تعالى : ' للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة ' قالوا : الزيادة النظر إلى الله تعالى في الجنة ، وقد روى هذا ~~مرفوعا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فصح مذهب أهل السنة والجماعة بحمد ~~الله تعالى ، وبطل شبه المخالف واندحض مكره . ولله المنة والحجة البالغة . # فإن احتجوا فقالوا : لو جاز عليه سبحانه وتعالى الرؤية بالأبصار لوجب أن ~~يكون جسما ، أو جوهرا ، أو عرضا ، أو محدودا ، أو حالا في مكان ، أو مقابلا ~~أو خلفا ، أو عن يمين . أو عن شمال ، أو يكون من جنس المرئيات ؛ لأننا لم ~~نعقل مرئيا بالبصر إلا كذلك ، فلما استحال عليه جميع هذه الوجوه بطل أن ~~يكون مرئيا ، أو يجوز عليه الرؤية ، وهذا في تصورهم الفاسد من أعظم الحجج ~~عندهم في نفي الرؤية عنه سبحانه وتعالى ، وهي عند أهل PageV01P254 السنة ~~والجماعة من أسقط الحجج فليس هو اليوم مرئيا لخلقه ومدركا لهم ، ولا تجوز ~~الإشارة في وصفه تعالى . # فالجواب أن نقول لهم : هذه الحجة الباطلة تؤدي إلى إبطال الربوبية أصلا ~~ورأسا ، أو تؤدي إلى إيجاب كون ربنا تعالى يشبه المخلوقات ، لأن من أنكر ~~الصانع القديم يقول لنا : لو كان لنا صانعا لوجب أن يكون جسما ، أو جوهرا ، ~~أو عرضا ، أو ذا علة وطبع وآلة ، وغير ذلك ؛ لأنا لم نعقل صانعا إلا على ~~هذه الأوصاف ، وأنتم تنفون عنه جميع هذه الأوصاف ، فبطل أن يكون ثم صانع ، ~~بل تصنع نفسها أو يصنعها من هو على هذه الأوصاف ، وكذلك نقول : في العلم ~~والحياة ، لأن العالم ، والحي ، لا يعقل إلا جسما ، أو جوهرا ، أو عرضا ، ~~أو ذا علة أو فكر ، أو روية وغير ذلك . وقد وقع الإجماع منا ومنكم أنه عالم ~~، وأنه حي ، وأنه معلوم بالقلب ، وأنه موجود ms142 ؛ ثم كونه عالما ومعلوما ، ~~وموجودا يصح وصفه بجميع ذلك ، وإن لم يكن جسما ، ولا جوهرا ، ولا عرضا ، ~~ولا ذا علة ، ولا محدودا ولا حالا في مكان ، بخلاف العالم منا ، والمعلوم ~~منا ، والموجود منا . فكذلك لا يستحيل أن يكون مرئيا وليس ذا جسم ولا جوهر ~~ولا عرض ، فبطل زعمكم وصح الحق وظهر أمر الله وأنتم كارهون . # فإن احتجوا فقالوا : لو كان تعالى مرئيا ، أو تجوز عليه الرؤية لرأيناه ~~الساعة لأن الموانع من الرؤية يستحيل وصفه بها ؛ لأنه لا يوصف بالدقة ~~والرقة ، والحجاب والبعد ، وكل مانع من الرؤية . فلو جاز أن يكون مرئيا ~~لرأيناه الساعة لانعدام هذه الموانع في حقه . # فالجواب : أن جميع ما ذكرتم لا يمنع من الرؤية ، لأن الملائكة فيهم من ~~الدقة ، واللطافة ، ما ليس في غيرهم ، وبعضهم يرى بعضا ، والميت يراهم عند ~~النزع ، والرسول كان يرى جبريل عليه السلام ، فبطل أن تكون PageV01P255 ~~الدقة ، والرقة ، واللطافة ، مانعة من الرؤية . وكذلك البعد لا يمنع الرؤية ~~، لأن السماء أبعد الأشياء منا والكواكب فيها ، لأن بيننا وبينها خمسمائة ~~عام ، ونحن نراها ، ولم يمنعنا بعدها من رؤيتها ، وكذلك الحجاب لا يمنع من ~~الرؤية ؛ لأن الله تعالى يرى ما تحت التحت ، ودونه ألف ألف حجاب عند الخلق ~~. وكذلك الهدهد يرى الماء من تحت الأرض ودون حجاب وحجاب ، فبطل أن يكون ~~جميع ما ذكرتم هو المانع من الرؤية ، حتى يجب أن نراه الساعة . فإن قيل : ~~فما المانع من الرؤية الساعة له تعالى ؟ قلنا : إن المانع هو ما خلقه في ~~أبصارنا من قلة الإدراك لبعض المرئيات دون بعض ، فإذا خلق فينا إدراكا ~~رأينا مرئيا لم نكن نراه من قبل ؛ ألا ترى أن الواحد منا لا يرى اليوم ملك ~~الموت إذا نزل بأخيه وأبيه ، ويراه إذا نزل به ، وليس ذلك إلا لأنه لم يخلق ~~الله في بصره إدراكا له عند موت غيره ، وخلق في بصره إدراكا له عند موته . ~~وكذلك الفرس ، والهر وكثير من الحيوان يرون الصورة والشخص في ظلام الليل ~~وسواده ، ونحن لا نرى ذلك ؛ وما ذلك ms143 إلا لأن الله تعالى خلق في بصرها ~~إدراكا حتى رأت ، ولم يخلق في أبصارنا إدراكا حتى نرى ، كما ترى ؛ فكذلك لم ~~يخلق في أبصارنا إدراكا له في الدنيا حتى نراه ، ويخلق لنا إن شاء الله في ~~جنته إدراكا حتى نراه ، كما وعدنا ووعده الحق الصدق الذي لا يخلف . # فإن قالوا : وإذا كان الأمر كذلك ، فجوزوا أن يخلق الله لكم إدراكا ترون ~~به ذرة ، ويخلق فيكم عدم إدراك فيل إلى جنبها . قلنا : هذا جائز في قدرته ~~سبحانه وتعالى ، ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه في ~~الصلاة لما عرضت عليه الجنة والنار ، ونظر إلى كل واحدة منهما في عرض ~~الحائط ، وهما من أعظم المخلوقات ، وأصحابه كانوا يدركون الذرة على ثوبه ~~صلى PageV01P256 الله عليه وسلم ، ولون ثوبه مع صغر ذلك ، ولم يدركوا ما ~~أدرك . ولم يروا ما أرى ، ولا يقدح في هذا إنكار من أنكر من المعتزلة ، أن ~~الجنة والنار لم تخلقا بعد ، لأن الكل منهم سلم إلى الرسول عليه السلام أنه ~~قد رأى في هذه الحالة شيئا من الجنة والنار ، أو ما هو على صورهما ، يخلق ~~منهما إذا خلقتا ، واختص هو صلى الله عليه وسلم برؤية ما لم يره أصحابه ، ~~وإن كانوا يرون الذرة لو دبت على قميصه صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يروا ~~ما هو أكبر منها وأعظم . وأبين من هذا : أن بعض الخلق يدرك صوتا خفيا جدا ، ~~ولا يدرك صوتا عاليا جدا ، وإن وجد الصوتان في وقت واحد ، ومسافة واحدة ، ~~وقد رأينا ذلك عيانا ؛ فإن بعض الطرش إذا تكلم عنده رجل فأخفى صوته غاية ~~الإخفاء ، وتكلم آخر عنده بصوت من أعلى الأصوات أدرك الصوت الخفي ، ولم ~~يدرك الصوت العالي ؛ وليس ذلك إلا لما ذكرناه ، وهو أن الله تعالى خلق في ~~سمعه إدراك الصوت الخفي ، ولم يخلق في سمعه إدراك الصوت العالي ، فكذلك ~~يجوز أن يخلق في بصرنا إدراك الذرة الصغيرة ، ويخلق فيها مانعا من إدراك ~~الفيل الكبير ' والله على كل شيء قدير ' . # فإن قيل : فإذا ms144 كان كذلك فيجب أن يجوز أن يكون بحضرتنا ذرة ننظر إليها ~~وندركها ، ويجوز أن يكون إلى جنبها فيلة وأجمال وأنهار جارية ، لأن ذلك ~~جائز في المقدور ، أو نشك في ذلك ، ولعله يكون بحضرتنا ونحن لا نراه . # الجواب : أن هذا تخبط وجهل وقلة فهم ؛ لأنه لا يلزمنا أن يجوز أن يكون ~~بحضرتنا كل ما هو جائز في مقدور الله تعالى ، ولا نشك فيه ، لأن ذلك لو لزم ~~للزمنا أن نجوز أن يكون بحضرتنا وعندنا في الدنيا جنة ونار ، ونشك ~~PageV01P257 في ذلك ؛ لأن الله تعالى قادر على ذلك ، ولما لم يلزم ذلك لم ~~يلزم ما ذكرتم ، وكذلك أيضا من الجائز في قدرته تعالى أن يخلق اليوم رجلا ~~لا من ذكر ولا من أنثى ، ثم لا يجب علينا أن نجوز أنه الآن عندنا موجود أو ~~نشك فيه ، فكذلك ما قلتم ، وكذلك أيضا يجوز في مقدور تعالى أن يميت أهل ~~بلدة نحن فيها كلهم ، ثم لا يلزم أن يجوز ذلك الآن أو نشك فيه ، فكذلك ما ~~قلتم ؛ فليس كل جائز يجب أن يكون بحضرتنا ، أو نشك فيه ؛ فبطل ما قلتم ، ~~وصح الحق . # فإن احتجوا فقالوا : لو جاز أن يكون مرئيا لجاز أن يقال : يرى كله أو ~~بعضه . # فالجواب : أن هذا محال من القول ؛ لأن إطلاق الكل والبعض إنما يجوز على ~~من كان ذا كل أو بعض ، والله تعالى منزه عن الوصف بالكل والبعض ، وهذا ~~بمنزلة قائل يقول لنا : لو كان معلوما لجاز أن نقول : نعلم كله أو بعضه ، ~~فنقول له : لا نقول نعلم كلا ولا بعضا ، بل نقول نعلم واحدا أحدا فردا صمدا ~~: ' ليس كمثله شيء ' فكذلك نقول : نرى واحدا أحدا فردا صمدا ليس كمثل شيء ~~وهو السميع البصير . # فإن قيل : لو كان أهل الجنة يرون ربهم تعالى ثم لا يرونه لكانت أحوالهم ~~قد تناقضت وعادت من منزلة أعظم إلى منزلة أدون ، ولا يجوز أن تتناقص أحوال ~~أهل الجنة . فالجواب : أن الأمر ليس على ما يقع لكم ، لأن تناقص الأحوال أن ~~يريد المرء حالة ms145 عالية فيبقى في حالة ناقصة ، أو يريد ملاذا فلا يصل إليها ~~، عالية كانت أو دون ذلك ، فأهل الجنة بحمد الله تعالى قد تكاملت حالتهم ، ~~إذ PageV01P258 كانوا بحيث إذا شاؤا رأوا ربهم ، وإذا شاؤا اشتغلوا بملاذهم ~~، ولا يكون ذلك نقصا في أحوالهم ، ولا يلزم على هذا التقرير أن يقال : فهذا ~~نقص في حق أهل الجنة إذا شاؤا الخلوة بالتلذذ عن رؤية ربهم تعالى . قيل هذا ~~يلزمكم أنتم دوننا ، لأنا نحن نقول : هم ' لا يشاؤن إلا ما شاء الله لهم ' ~~فهم به وله في كل أحوالهم ، فإذا شاء لهم الرؤية شاؤوها وتلذذوا بها ، وإذا ~~شاء لهم الخلوة شاؤوها وتلذذوا بها ، ولا نقص عليهم في ذلك ، ولا يلزم ما ~~قلتم . # جواب آخر : وهو أن أهل الجنة يجتمعون بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وينظرون إليه ، والاجتماع به والنظر إليه أعلى من الاجتماع بالحور والقصور ~~، والنظر إلى الحور والقصور ، ثم يشتغلون بالحور والقصور بعد نظره صلى الله ~~عليه وسلم ، وإن عادوا إلى قصورهم ونعيمهم ، وإن كان نظره أعظم وأعلى من ~~ذلك ، فجاز مثل ذلك أيضا في جواز رؤية الباري ، وإن كانت أعلى الأشياء ~~وأجلها ، فثبت ما قلناه ، وبطل التمويه بحمد الله . # فإن قيل : إذا كان مرئيا فخبرونا ما هو ؟ . قيل لهم إن أردتم بقولكم : ما ~~هو : أي ما صورته ، وجنسه ، وطوله ، وعرضه إلى غير ذلك مما لا يجوز عليه ، ~~فليس بذي صورة ولا جنس ولا طول ولا عرض ، وقد قدمنا الأدلة على أنه لا يشبه ~~خلقه ولا يشبهونه . وإن أردتم بقولكم ما هو : ما اسمه ؟ فاسمه : الله ، ~~الرحمن ، الرحيم ، الحي ، القيوم ، وإن أردتم بقولكم ما هو صنعه ؟ فصنعه : ~~العدل ، والإحسان ، والإنعام ، والسموات والأرض وجميع ما بينهما ، وإن ~~أردتم بقولكم ما هو . ما الدلالة على وجوده ؟ . فالدلالة على وجوده جميع ما ~~نراه ونشاهده من محكم فعله وعجيب تدبيره ، وإن أردتم بقولكم ما هو ؟ أي ~~أشيروا لنا إليه حتى نراه ، ولم أنها لا تصح إلا في المسجد ؟ . . . . . ؟ ~~PageV01P259 جواب آخر : وهو أن هذه الأخبار تحمل على وجه التغليظ ms146 والمبالغة ~~في الزجر ، حتى يقف الناس عن هذه الأمور ولا يقدموا عليها ، وهذا كقول أمير ~~المؤمنين علي رضي الله عنه : من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض بين الجد ~~والإخوة . ولم يرد عليه السلام الإعراض عن الحكم أصلا بين الجد والإخوة ، ~~فإنه قد حكم عدة نوب بقضايا مختلفة بين الجد والإخوة . # فإن قيل : فإذا كان مرئيا فكيف هو ؟ قيل لهم : إن أردتم بقولكم كيف هو : ~~على أي تركيب ، أو على أي صورة هو ، أو على أي جنس هو ؟ فلا تركيب له ، ولا ~~صورة ولا جنس فنخبركم عن ذلك ، وإن أردتم بقولكم كيف هو وعلى أي صفة هو ؟ ~~فهو قديم ، حي ، عالم ، قادر ، متكلم ، سميع ، بصير ، مريد ، وإن أردتم ~~بقولكم كيف هو ، كيف صنعه إلى خلقه . فصنعه إليهم الإحسان ، والعدل ، ~~والتفضل ، والامتنان ، فإن قيل إذا كان مرئيا فأين هو ؟ قيل لهم إن أردتم ~~أين هو في وصف المنزلة والرفعة والجلال فهو كما وصف نفسه بقوله تعالى : ' ~~وهو القاهر فوق عباده ' وبقوله : ' الرحمن على العرش استوى ' وبقوله تعالى ~~: ' وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ' ، وبقوله تعالى : ' إن ربك ~~لبالمرصاد ' قيل لهم : الأين سؤال عن مكان وليس هو مما يحويه مكان ، لما ~~قدمنا من الحجج والبراهين بحمد الله الملك المنان . وحسبي الله ونعم الوكيل ~~. # وهنا انتهى الكتاب ، وقد انتهيت من النظر فيه بتوفق الله سبحانه يوم ~~السبت الثامن والعشرين من شوال المكرم سنة 1369 ه وهو اليوم الذي أتممت به ~~ثلاثا وسبعين سنة من عمري ، ختم الله لي بخاتمة خير بمنه وفضله وأنا الفقير ~~إليه سبحانه محمد زاهد الكوثري ، عفى عنه ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين . | PageV01P260 ms147