######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010425 #META# 000.BookURI :: #0385.IbnCumarDaruqutni.MawsucaAqwal #META# 010.AuthorAKA :: الدارقطني #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار البغدادي الدارقطني (المتوفى : 385هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 385 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: موسوعة أقوال الدارقطني #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب التراجم العامة :: كتب الحديث النبوي الشريف وتراجم الرواة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: موسوعة أقوال الدارقطني #META# 030.LibURI :: JK_010425 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # المقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # قال القاضي الإمام السعيد، سيف السنة، ولسان الأمة، أبو بكر: محمد ابن ~~الطيب بن محمد رضي الله عنه. # الحمد لله ذي القدرة والجلال، والعظمة والكمال. أحمده على سوابغ الإنعام ~~وجزيل الثواب، وأرغب إليه في الصلاة على نبيه محمد المختار وعلى آله ~~الأبرار، وصحابته الأخيار، والتابعين لم بإحسان إلى يوم القرار. # أما بعد: فقد وقفت على ما التمسته الحرة الفاضلة الدينية أحسن الله ~~توفيقها لما تتوخاه من طلب الحق ونصرته، وتنكب الباطل وتجنبه. واعتماد ~~القربة باعتقاد المفروض في أحكام الدين. واتباع السلف الصالح من المؤمنين، ~~من ذكر جمل ما يجب على المكلفين اعتقاده، ولا يسع الجهل به، وما إذا تدين ~~به المرء صار إلى التزام الحق المفروض، والسلامة من البدع والباطل المرفوض. ~~وإني بحول الله تعالى وعونه، ومشيئته وطوله، أذكر لها جملا مختصرة تأتي على ~~البغية من ذلك، ويستغنى بالوقوف عليها عن الطلب، واشتغال الهمة بما سواه. ~~فنقول وبالله التوفيق: أن الواجب على المكلف. # أن يعرف بدء الأوائل والمقدمات التي لا يتم له النظر في معرفة الله عز ~~وجل وحقيقة توحيده، وما هو عليه من صفاته التي بان بها عن خلقه، وما لأجل ~~حصوله عليها استحق أن يعبد بالطاعة دون عباده. فأول ذلك القول في العلم ~~وأحكامه ومراتبه، وأن حده: أنه معرفة المعلوم على ما هو به، فكل علم معرفة ~~وكل معرفة علم. # وأن يعلم أن العلوم تنقسم قسمين: قسم منهما: علم الله سبحانه، وهو صفته ~~لذاته، وليس بعلم ضرورة ولا استدلال، قال الله تعالى: " أنزله بعلمه " ~~وقال: " وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه " وقال: " فاعلموا أنما أنزل ~~بعلم الله " فأثبت العلم لنفسه، ونص على أنه صفة له في نص كتابه. # والقسم الآخر: علم الخلق. وهو ينقسم قسمين: فقسم منه علم اضطرار، والآخر ~~علم نظر واستدلال: فالضروري ما لزم أنفس الخلق لزوما لا يمكنهم دفعه والشك ~~في معلومه؛ نحو العلم بما أدركته الحواس الخمس، وما ابتدى في النفس من ~~الضرورات. # والنظري: منهما: ما احتيج ms001 في حصوله إلى الفكر والروية، وكان طريقه النظر ~~والحجة. ومن حكمه جواز الرجوع عنه والشك في متعلقه. # وجميع العلوم الضرورية تقع للخلق من ستة طرق: فمنها: درك الحواس الخمس، ~~وهي: حاسة الرؤية، وحاسة السمع، وحاسة الذوق،، وحاسة الشم، وحاسة اللمس. ~~وكل مدرك بحاسة من هذه الحواس من جسم، ولون، وكون، وكلام، وصوت، ورائحة، ~~وطعم، وحرارة، وبرودة، ولين، وخشونة، وصلابة، ورخاوة فالعلم به يقع ضرورة. ~~والطريق السادس: هو العلم المبتدأ في النفس، لا عن درك ببعض الحواس، وذلك ~~نحو علم الإنسان بوجود نفسه، وما يحدث فيها وينطوي عليها من اللذة، والألم، ~~والفم، والفرح، والقدرة، والعجز، والصحة، والسقم. والعلم بأن الضدين لا ~~يجتمعان، وأن الأجسام لا تخلو من الاجتماع والافتراق، وكل معلوم بأوائل ~~العقول، والعلم بأن الثمر لا يكون إلا من شجر، أو نخل، وأن اللبن لا يكون ~~إلا من ضرع وكل ما هو مقتضى العادات. # وكل ما عدا هذه العلوم وهو علم استدلال لا يحصل إلا عن استئناف الذكر ~~والنظر وتفكر بالنظر والعقل فمن جملة هذه الضرورات العلم بالضرورات الواقعة ~~بأوائل العقول، ومقتضى العادات التي لا تشارك ذوي العقول في علمها البهائم ~~والأطفال والمنتقصون؛ نحو العلم الواقع بالبديهة، ومتضمن كثير من العادات، ~~ونحو العلم بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان، وأمثال ذلك ~~من موجب العادات وبدائه العقول التي لا يخص بعلمها العاقلون. PageV01P001 ~~وأن يعلم أن الاستدلال هو: نظر القلب المطلوب به علم ما غاب عن الضرورة ~~والحس، وأن الدليل هو: ما أمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لا ~~يعلم باضطراره، وهو على ثلاثة أضرب: عقلي: له تعلق بمدلوله، نحو دلالة ~~الفعل على فاعله، وما يجب كونه عليه من صفاته. نحو حياته، وعلمه، وقدرته، ~~وإرادته. وسمعي شرعي: دال من طريق النطق بعد المواضعة، ومن جهة معنى مستخرج ~~من النطق، ولغوي: دال من جهة المواطأة والمواضعة على معاني الكلام، ودلالات ~~الأسماء والصفات وسائر الألفاظ، وقد لحق بهذا الباب: دلالات الكتابات ~~والرموز، والإشارات والعقود، الدالة على مقادير الأعداد، ms002 وكل ما لا يدل إلا ~~بالمواطأة والاتفاق. والدال هو ناصب الدليل: فالمدلول هو ما نصب له الدليل. ~~والمستدل الناظر في الدليل، واستدلاله نظره في الدليل وطلبه به علم ما غاب ~~عنه. # وإن يعلم أن المعلومات على ضربين: معدوم وموجود، لا ثالث لهما ولا واسطة ~~بينهما. فالمعدوم: هو المنتفي الذي ليس بشيء. قال الله عز وجل: " وقد خلقتك ~~من قبل ولم تك شيئا " . وقال تعالى: " هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم ~~يكن شيئا مذكورا " فأخبر أن المعدوم منتف ليس بشيء، والموجود هو الشيء ~~الكائن الثابت. وقولنا شيء إثبات، وقولنا ليس بشيء نفي. قال الله تعالى: " ~~قل أي شيء أكبر شهادة قل الله " وهو سبحانه موجود غير معدوم. # وقول أهل اللغة علمت شيئا، ورأيت شيئا، وسمعت شيئا؛ إشارة إلى كائن ~~موجود، وقولهم: ليس بشيء هو واقع على نفي المعدوم، ولو كان المعدوم شيئا ~~كان القول ليس بشيء نفيا لا يقع أبدا إلا كذبا، وذلك باطل بالاتفاق. # وأن يعلم أن الموجودات كلها على قسمين. منها: قديم لم يزل وهو الله ~~تعالى، وصفات ذاته التي لم يزل موصوفا بها ولا يزال كذلك. وقولهم: أقدم، ~~وقديم موضوع للمبالغة في الوصف بالتقدم وكذلك أعلم وعليم، وأسمع وسميع. # والقسم الثاني: محدث، لوجوده أول، ومعنى المحدث ما لم يكن ثم كان، مأخوذ ~~ذلك من قولهم: حدث بفلان حادث. من مرض، أو صداع؛ وأحدث بدعة في الدين، ~~وأحدث روشنا، وأحدث في العرصة بناء، أي فعل ما لم يكن من قبل موجودا. # وأن يعلم أن المحدثات كلها على ثلاثة أقسام: جسم، وجوهر، وعرض. فالجسم في ~~اللغة هو: المؤلف المركب. يدل على ذلك قولهم: رجل جسيم، وزيد أجسم من عمرو، ~~وهذا اللفظ من أبنية المبالغة، وقد اتفقوا على أن معنى المبالغة في الاسم ~~مأخوذ من معنى الاسم؛ يبين ذلك أن قولهم: أضرب إذا أفاد كثرة الضرب كان ~~قولهم: ضارب مفيدا للضرب، وكذلك إذا كان قولهم: المؤلف المركب مفيدا كثرة ~~الاجتماع والتأليف، وجب أن يكون قولهم جسم مفيدا كذلك. # والجوهر: ms003 الذي له حيز. والحيز هو المكان أو ما يقدر تقدير المكان عن أنه ~~يوجه فيه غيره. # والعرض: هو الذي يعرض في الجوهر، ولا يصح بقاؤه وقتين، يدل على ذلك ~~قولهم: عرض لفلان عارض من مرض، وصداع إذا قرب زواله، ولم يعتقد دوامه. ومنه ~~قوله عز وجل: " تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة " وقوله، " هذا عارض ~~ممطرنا " فكل شيء قرب عدمه وزواله، موصوف بذلك، وهذه صفة المعاني القائمة ~~بالأجسام، فوجب وصفها في قضية العقل بأنها أعراض. # وأن يعلم أن العالم محدث، وأنه لا ينفك علوية وسفلية من أن يكون جسما ~~مؤلفا، أو جوهرا منفردا، أو عرضا محمولا. وهو محدث بأسره. وطريق العلم ~~بحدوث أجسامه وحدوث أعراضه. والدليل على ثبوت أعراضه: تحرك الجسم بعد ~~سكونه، وتفرقه بعد اجتماعه، وتغير حالاته، وانتقال صفاته، فلو كان متحركا ~~لنفسه، ومتغيرا لذاته لوجب تركه في حال سكونه، وتغيره واستحالته في حال ~~اعتداله، وفي بطلان ذلك دليل على إثبات حركته، وسكونه، وألوانه، وأكوانه، ~~وغير ذلك من صفاته، لأنه إذا لم يكن كذلك لنفسه وجب أن يكون لمعنى ما تغير ~~عن حاله واستحال عن وصفه. PageV01P002 والدليل على حدوث هذه الأعراض: ما هي ~~عليه من التنافي والتضاد، فلو كانت قديمة كلها لكانت لم تزل موجودة، ولا ~~تزال كذلك، ولوجب متى كانت الحركة في الجسم أن يكون السكون فيه، وذلك يوجب ~~كونه متحركا في حالة سكونه، وميتا في حال حياته، وفي بطلان ذلك دليل على ~~طروق السكون بعد أن لم يكن، وبطلان الحركة عند مجيء السكون، والطارىء بعد ~~عدمه، والمعدوم بعد وجوده محدث باتفاق؛ لأن القديم لا يحدث ولا يعدم، ولا ~~يبطل. # والدليل على حدوث الأجسام: أنها لم تسبق الحوادث، ولم تخل منها، لأننا ~~باضطرار نعلم: أن الجسم لا ينفك من الألوان، ومعاني الألوان من الاجتماع ~~والافتراق، وما لا ينفك من المحدثات، ولم تسبقه كان محدثا. ولأنه إذا لم ~~يسبقه كان موجودا معه في وقته أو بعده، وأي ذلك وجد وجب القضاء على حدوثه، ~~وأنه معدوم قبل وجوده. # وأن يعلم ms004 أن للعالم محدثا أحدثه. والدليل على ذلك وجود الحوادث متقدمة ~~ومتأخرة مع صحة تأخر المتقدم وتقدم المتأخر، ولا يجوز أن يكون ما تقدم منها ~~وتأخر متقدما ومتأخرا لنفسه، لأنه ليس التقدم بصحة تقدمه أولى من التأخر ~~بصحة تأخره، فوجب أن يدل على فاعل فعله، وصرفه في الوجود على إرادته وجعله ~~مقصورا على مشيئته، يقدم منها ما شاء ويؤخر ما شاء. قال الله تعالى: " فعال ~~لما يريد " وقال: " إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " ويدل ~~على علمنا بتعلق الفعل بالفاعل في كونه فعلا كتعلق الفاعل في كونه فاعلا ~~بالفعل، فإن تعلق الكتابة، والصناعة بالكاتب والصانع كتعلق الكاتب في كونه ~~كاتبا بالكتابة؛ فلو جاز وجود فعل لا من فاعل، وكتابة لا من كاتب، وصورة ~~وبنية محدثة لا من مصور، لجاز وجود كاتب لا كتابة له، وصانع لا صنعة له، ~~فلما استحال ذلك وجب أن يكون اقتضاء الفعل للفاعل ودلالته عليه كاقتضاء ~~الفاعل في كونه فاعلا. لوجود الفعل وحصوله منه، ومن صفات هذا الصانع تعالى ~~أنه: موجود، قديم، واحد، أحد، حي، عالم، قادر، مريد، متكلم، سميع، بصير، ~~باق " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " وستدل على ذلك فيما بعد إن شاء ~~الله بعد البداية بفرائض المكلفين، وشرائع المسلمين مما يقرب فهمه ولا ~~ينبغي جهله، ولا بد للمكلف من علمه والعمل به فإذا أتينا على هذه الجملة ~~رجعنا إلى القول في التوحيد، وإثبات أسماء الله تعالى وصفاته، وذكر ما يجوز ~~عليه وما يستحيل في صفته، وما توفيقي إلا بالله. # وأن يعلم: أن أول نعم الله تعالى على خلقه الحي الدراك خلقه فيهم إدراك ~~اللذات، وسلامة الحواس، ونيل ما ينتفعون به من الشهوات التي تميل إليها ~~طباعهم، وتصلح عليها أجسامهم، ولو أحياهم، وآلمهم ومنعهم إدراك اللذات ~~لكانوا مستضرين بالآلام، وبمثابة الأحياء المعذبين من أهل النار، وهذه نعمة ~~الله سبحانه على جميع الحيوان الحاس، العاقل منهم والناقص، والمؤمن ~~والكافر. # وأن يعلم أن أفضل وأعظم نعمة الله على خلقه الطائعين وعباده المؤمنين ~~خلقه ms005 الإيمان في قلوبهم، وإجراؤه على ألسنتهم، وتوفيقهم لفعله، وتمكينهم ~~بالتمسك به. وخلق الإيمان، والتوفيق له نعمة خص الله تعالى بها المؤمنين ~~دون الكافرين، ولذلك قال عز وجل " " فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من ~~الخاسرين " " ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " " ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا " وقال عز وجل " " ~~وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها " وقال تعالى: " بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين " فلو كانت هذه النعمة له على ~~الكافرين لم يكن لتخصيصه بها المؤمنين وامتنانه على المؤمنين به، إذ كان قد ~~أنعم بها على المردة والكفرة الضالين. # وأن يعلم: أن طرق المباين عن الأدلة التي يدرك بها الحق والباطل خمسة ~~أوجه: كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة وما ~~استخرج من هذه النصوص وبنى عليها بطريق القياس والاجتهاد حجج العقول. قال ~~الله تعالى آمرا باتباع كتابه والرجوع إلى بيانه: " أفلا يتدبرون القرآن أم ~~على قلوب أقفالها " . وقال عز وجل: " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا " . وقال تعالى: " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم " وقال ~~سبحانه: " تبيانا لكل شيء " و " ما فرطنا في الكتاب من شيء " PageV01P003 ~~وقال عز وجل في المر باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم: " وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " وقال: " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي ~~يوحى " وقال: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم " . # وقال سبحانه في وصف عدالة أمة نبيه صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعها، ~~والتحذير من مخالفتها: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا " وقال: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر " وقال: " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " . # وقال في الأمر بالقياس والحكم بالنظائر والأمثال: ms006 " فاعتبروا يا أولى ~~الأبصار " وقال: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم " وقال النبي صلى الله عليه وسلم لقاضيه معاذ ابن جبل رضي ~~الله عنه حين أنفذه إلى اليمن لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق: بم تحكم ؟ ~~قال: بكتاب الله عز وجل. قال: فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. قال: فإن لم تجد ؟ قال: اجتهد رأيي وأحكم. فقال: الحمد لله الذي ~~وفق رسول رسوله لما يرضى الله ورسوله. فأقره على الحكم والاجتهاد وجعله أحد ~~طرق الأحكام. # وقال عز وجل في الأمر باتباع حجة العقل: " وفي أنفسكم أفلا تبصرون " ~~وقال: " أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون " وقال: إن في خلق ~~السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب " وقال: " وضرب ~~لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول ~~مرة وهو بكل خلق عليم " وقال تعالى: " وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو ~~أهون عليه " فأمرنا بالاعتبار والاستبصار ورد الشيء إلى مثله أو الحكم له ~~بحسب نظيره، وهذا هو الحكم، المعقول والتقاضي إلى أدلة العقول. # وأن يعلم: أن فرائض الدين وشرائع المسلمين، وجميع فرائض المسلمين وسائر ~~المكلفين على ثلاثة أقسام: فقسم منها: يلزم جميع الأعيان وكل من بلغ الحلم ~~وهو: الإيمان بالله عز وجل، والتصديق له، ولرسله، وكتبه، وما جاء من عنده، ~~والعبادات على كل مكلف بعينه؛ من نحو الصلاة، والصيام، وما سنذكره ونفصله ~~فيما بعد إن شاء الله. # والقسم الثاني: واجب على العلماء دون العامة، وهو القيام بالفتيا في ~~أحكام الدين، والاجتهاد، والبحث عن طرق الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، ~~وهذا فرض على الكفاية دون الأعيان، فإذا قام به البعض سقط عن باقي الأمة، ~~وكذلك القول في حفظ جميع القرآن، وما تنفذ به الأحكام من سنن الرسول عليه ~~السلام، وغسل الميت، ومواراته، والصلاة عليه، والجهاد، ودفع العدو، وحماية ~~البيضة وما جرى مجرى ذلك مما هو فرض على الكفاية. فإذا قام به البعض سقط عن ~~باقي ms007 الأمة. # والقسم الثالث: من الواجبات من فرائض السلطان دون سائر الرعية: نحو إقامة ~~الحدود، واستيفاء الحقوق، وقبض الصدقات، وتولية الأمراء، والقضاة، والسعاة، ~~والفصل بين المتخاصمين، وهذا وما يتصل به من فرائض الإمام وخلفائه على هذه ~~الأعمال دون سائر الرعية والعوام، وليس في فرائض الدين ما يخرج عما وصفناه ~~ويزيد على ما قلناه. # وأن يعلم: أن أول ما فرض الله عز وجل على جميع العباد. النظر في آياته، ~~والاعتبار بمقدوراته، والاستدلال عليه بآثار قدرته، وشواهد ربوبيته؛ لأنه ~~سبحانه غير معلوم باضطرار، ولا مشاهد بالحواس، وإنما يعلم وجوده وكونه على ~~ما تقتضيه أفعاله بالأدلة القاهرة، والبراهين الباهرة. # والثاني: من فرائض الله عز وجل على جميع العباد، الإيمان به والإقرار ~~بكتبه ورسله، وما جاء من عنده، والتصديق بجميع ذلك بالقلب والإقرار به ~~باللسان. # وأن يعلم: أن الإيمان بالله عز وجل هو: التصديق بالقلب، بأنه الله ~~الواحد، الفرد، الصمد، القديم، الخالق، العليم، الذي " ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير " . PageV01P004 والدليل على أن الإيمان هو الإقرار بالقلب ~~والتصديق؛ قوله عز وجل: " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " يريد بمصدق ~~لنا. ومنه قوله عز وجل: " ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم، وإن يشرك به ~~تؤمنوا " أي تصدقوا. ويقال فلان يؤمن بالله وبالبعث؛ أي يصدق بذلك. وكذلك ~~قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة والقدر، وفلان لا يؤمن بذلك، يعني به التصديق، ~~وبنفي الإيمان به التكذيب. وقد اتفق أهل اللغة قبل نزول القرآن وبعث الرسول ~~عليه السلام على أن الإيمان في اللغة هو التصديق دون سائر أفعال الجوارح ~~والقلوب. # والإيمان بالله تعالى يتضمن التوحيد له سبحانه، والوصف له بصفاته، ونفي ~~النقائض عنه الدالة على حدوث من جازت عليه. # والتوحيد له هو: الإقرار بأنه ثابت موجود، وإله واحد فرد معبود، ليس ~~كمثله شيء؛ على ما قرر به قوله تعالى: " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم " وقوله: " ليس كمثله وهو السميع البصير " . # وأنه الأول قبل جميع المحدثات. الباقي بعد المخلوقات، على ما أخبر به ~~تعالى من قوله: ms008 " هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم " ~~والعالم الذي لا يخفى عليه شيء والقادر على اختراع كل مصنوع، وإبداع كل جنس ~~مفعول، على ما أخبر به في قوله تعالى: " خالق كل شيء " " وهو على كل شيء ~~قدير " . # وأنه الحي الذي لا يموت، والدائم الذي لا يزول، وأنه إله كل مخلوق، ~~ومبدعه ومنشئه، ومخترعه، وأنه لم يزل مسميا لنفسه بأسمائه، وواصفا لها ~~بصفاته، قبل إيجاد خلقه، وأنه قديم بأسمائه وصفات ذاته، التي منها: الحياة ~~التي بها بان من الموت والأموات، والقدرة التي أبدع بها الأجناس والذوات، ~~والعلم الذي أحكم به جميع المصنوعات، وأحاط بجميع المعلومات، والإرادة التي ~~صرف بها أصناف المخلوقات. والسمع والبصر اللذان أدرك بهما جميع المسموعات ~~والمبصرات، والكلام الذي به فارق الخرس والسكوت وذوي الآفات، والبقاء الذي ~~به سبق المكونات، ويبقى به بعد جميع الفانيات، كما أخبر سبحانه في قوله: " ~~ولله الأسماء ا لحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه " وقوله ~~تعالى: " أنزله بعلمه " " وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه " وقوله: " ~~أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة " وقوله " ذو القوة المتين ~~" فنص تعالى على إثبات أسمائه وصفات ذاته، وأخبر أنه ذو الوجه الباقي بعد ~~تقضي الماضيات، كما قال عز وجل " كل شيء هالك إلا وجهه " وقال: " ويبقى وجه ~~ربك ذو الجلال والإكرام " واليدين اللتين نطق بإثباتهما له القرآن، في قوله ~~عز وجل: " بل يداه مبسوطتان " وقوله. " ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي " ~~وأنهما ليستا بجارحتين، ولا ذوي صورة وهيئة، والعينين اللتين أفصح ~~بإثباتهما من صفاته القرآن وتواترت بذلك أخبار الرسول عليه السلام، فقال عز ~~وجل: " ولتصنع على عيني " و " تجري بأعيننا " وأن عينه ليست بحاسة من ~~الحواس، ولا تشبه الجوارح والأجناس، وأنه سبحانه لم يزل مريدا وشائيا، ~~ومحبا، ومبغضا، وراضيا، وساخطا، ومواليا، ومعاديا، ورحيما، ورحمانا. ولأن ~~جميع هذه الصفات راجعة إلى إرادته في عباده ومشيئته، لا إلى غضب يغيره. ~~ورضى يسكنه طبعا له، وحنق وغيظ يلحقه، وحقد يجده، ms009 إذ كان سبحانه متعاليا عن ~~الميل والنفور. # وأنه سبحانه راض في أزلة عمن علم أنه بالإيمان يختم عمله ويوافي به، ~~وغضبان على من علم أنه بالكفر بختم عمله ويكون عاقبة أمره، وقد قال تعالى " ~~فعال لما يريد " و " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " وقال: إنما ~~قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون. وقال: " رضى الله عنهم ورضوا ~~عنه " " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله " في أمثال هذه الآيات الدالة على أنه ~~شاء، مريد، وأن الله جل ثناؤه مستو عن العرش، ومستول على جميع خلقه كما قال ~~تعالى: " الرحمن على العرش استوى " . بغير مماسة وكيفية، ولا مجاورة، وأنه ~~في السماء إله في الأرض إله كما أخبر بذلك. PageV01P005 وأنه سبحانه يتجلى ~~لعباده المؤمنين في المعاد، فيرونه بالأبصار، على ما نطق به القرآن في ~~قوله: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " وتأكيده كذلك بقوله في ~~الكافرين: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " تخصيصا منه برؤيته ~~للمؤمنين، والتفرقة فيما بينهم وبين الكافرين، وعلى ما وردت به السنن ~~الصحيحة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أخبر به عن موسى عليه ~~السلام، في قوله: " رب أرني أنظر إليك " ولولا علمه بجواز الرؤية بالأبصار ~~لما أقدم على هذا السؤال. # وأن يعلم: مع كونه تعالى سميعا بصيرا: أنه مدرك لجميع المدركات التي ~~يدركها الخلق: من الطعوم، والروائح، واللين، والخشونة، والحرارة، والبرودة؛ ~~بإدراك معين، وأنه مع ذلك ليس بذي جوارح وحواس توجد بها هذه الإدراكات. ~~فتعالى الله عن التصوير والجوارح، والآلات. # وأن يعلم: أنه مع إدراك سائر الأجناس من المدركات وجميع الموجودات، غير ~~ملتذ ولا متألم بإدراك شيء منها، ولا مشقة له منها ولا نافر عنها، ولا ~~منتفع بإدراكها ولا متضرر بها. ولا يجانس شيئا منها، ولا يضادها، وإن كان ~~مخالفا لها. # وأن يعلم: أنه سبحانه ليس بمغاير لصفات ذاته، وأنها في أنفسها غير ~~متغايرات؛ إذ كان حقيقة الغيرين ما يجوز مفارقة أحدهما الآخر بالزمان، ~~والمكان، والوجود والعدم. وأنه سبحانه ms010 يتعالى عن المفارقة لصفات ذاته، وأن ~~توجد الواحدة منها مع عدم الأخرى. # وأن يعلم: أن صفات ذاته هي التي لم تزل، ولا يزال موصوفا بها، وأن صفات ~~أفعاله هي التي سبقها، وكان تعالى موجودا في الأزل قبلها. # ونعتقد أن مشيئة الله تعالى ومحبته ورضاه ورحمته وكراهيته وغضبه وسخطه ~~وولايته وعداوته كلها راجع إلى إرادته، وأن الإرادة صفة لذاته غير مخلوقة، ~~لا على ما يقوله القدرية، وأنه مريد بها لكل حادث في سمائه وأرضه مما يتفرد ~~سبحانه بالقدرة على إيجاده، وما يجعله منه كسبا لعباده، من خير، وشر، ونفع، ~~وضر، وهدى، وضلال، وطاعة، وعصيان، لا يخرج حادث عن مشيئته. ولا يكون إلا ~~بقضائه وإرادته. # وأن يعلم: أن كلام الله تعالى صفة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفا به وأنه ~~قائم به ومختص بذاته، ولا يصح وجوده بغيره، وإن كان محفوظا بالقلوب ومتلوا ~~بالألسن، ومكتوبا في المصاحف، ومقروءا في المحاريب، على الحقيقة لا على ~~المجاز وغير حال في شيء من ذلك، وأنه لو حل في غيره لكان ذلك الغير متكلما ~~به، وآمرا وناهيا. # ومخبرا وقائلا: " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني " وذلك خلاف دين ~~المسلمين، وأن كلامه سبحانه لا يجوز أن يكون جسما من الأجسام، ولا جوهرا،، ~~ولا عرضا، وأنه لو كان كذلك لكان من جنس كلام البشر، ومحدثا كهو: يتعالى ~~الله سبحانه أن يتكلم بكلام المخلوقين. # وأن يعلم: أن كلامه مسموع بالآذان، وإن كان مخالفا لسائر اللغات، وجميع ~~الأصوات، وأنه ليس من جنس المسموعات، كما أنه مرئي بالأبصار، وإن كان ~~مخالفا لأجناس المرئيات، وكما أنه موجود مخالف لسائر الحوادث الموحودات، ~~وأن سامع كلامه منه تعالى بغير واسطة ولا ترجمان. كجبريل، وموسى، ومحمد ~~عليهم السلام حق، سمعه من ذاته غير متلو ولا مقرره، ومن عداهم ممن يتولى ~~الله خطابه بنفسه إنما يسمع كلامه متلوا ومقروءا، وكذلك قال الله عز وجل: " ~~وكلم الله موسى تكليما " وقال: " منهم من كلم الله " وأن قراءتنا القرآن ~~كسب لنا نثاب عليها، ونلام على تركها، إذ ms011 وجبت علينا في الصلوات. وأنه لا ~~يجوز أن يحكي كلام الله عز وجل ولا أن يلفظ به لأن حكاية الشيء مثله وما ~~يقاربه وكلام الله تعالى لا مثل له من كلام البشر، ولا يجوز أن يلفظ به ~~بتكلم الخلق لأن ذلك يوجب كون كلام الله تعالى قائما بذاتين قديم ومحدث ~~وذلك خلاف الإجماع والمعقول. وأن كلام الله تعالى غير متبعض ولا متغاير، ~~وأن الصفة هي ما قامت بالشيء وأن الوصف قول الواصف الدال على الصفة خلاف ما ~~يذهب إليه القدرية. PageV01P006 وأنه مقدر لأرزاق جميع الخلق، وموقت ~~لآجالهم، وخالق لأفعالهم، وقادر على مقدوراتهم، وإله ورب لها، لا خالق ~~غيره، ولا رازق سواه، كما أخبر تعالى في قوله: " الله الذي خلقكم ثم رزقكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم " وقال تعالى: " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون " وقال: " هل من خالق غير الله " ، وقال: " والذين يدعون من دون ~~الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون " . # وأن بيده الخير، والشر، والنفع، والضر، وأنه مقدر جميع الأفعال، لا يكون ~~حادث إلا بإرادته، ولا يخرج مخلوق عن مشيئته، ما شاء كان وما لم يشأ لم ~~يكن. # وأنه فعال لما يريد، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا هادي لمن أضله ~~ولا مضل لمن هداه، كما قال: " من يهد الله فهو المهتدي " " ومن يضلل الله ~~فلا هادي له " . # وأنه موفق أهل محبته وولايته لطاعته، وخاذل لأهل معصيته، فدل ذلك كله على ~~تدبيره وحكمته، وأنه عادل في خلقه بجميع ما يبتليهم به ويقضيه عليهم من ~~خير، وشر، ونفع، وضر، وغنى، وفقر، ولذة، وألم، وصحة، وسقم، وهداية، وضلال: ~~" لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " " قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم ~~أجمعين " . # وأنه سبحانه يعيد العباد، ويحيي الأموات، وأنه يقصد يوم القيامة لفصل ~~القضاء، ويجيء الملائكة صفا صفا، ويمد الصراط، ويزن الأعمال، وأنه سبحانه ~~قد خلق الجنة والنار. # وما لا يتأتى الواجب إلا بفعله صار واجبا؛ كالطهارة مع الصلاة، والقراءة ~~في الصلاة، وإمساك جزء من الليل في الصيام، ms012 وإدخال جزء من الرأس في غسل ~~الوجه، إلى غير ذلك مما لا يمكن تحصيل الواجب إلا به صار واجبا. # مسألة # وجوب النظر # وإذا صح وجوب النظر فالواجب على المكلف النظر والتفكر في مخلوقات الله، ~~لا في ذات الله، والدليل عليه قوله تعالى: " ويتفكرون في خلق السموات ~~والأرض " ولم يقل: في الخالق، وأيضا قوله تعالى: " أفلا ينظرون إلى الإبل ~~كيف خلقت " فالنظر، والتفكر، والتكييف يكون في المخلوقات، لا في الخالق، ~~وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: تفكروا في الله. وأيضا قوله عليه السلام: ~~مثل الناظر في قدر الله كالناظر في عين الشمس، فمهما أراد نظرا ازداد حيرة. ~~وأيضا: فإن موسى عليه السلام لما سأله اللعين فرعون عن ذات الله، أجابه بأن ~~مصنوعاته تدل على أنه إله ورب قادر، لا إله سواه. إذا نظر فيها وتأمل ولم ~~يحدد له الذات فلا يكيفها؛ لأنه لما قال له: " وما رب العالمين " قال: " رب ~~السموات والأرض وما بينهما " إلى أن كرر عليه السؤال وأجابه بمثل الأول، ~~إلى آخر الآيات كلها، فمهما سأله عن الذات أجابه بالنظر في المصنوعات التي ~~تدل على معرفته. # وقيل: سئل بعض أهل التحقيق عن الله عز وجل ما هو ؟ فقال: إله واحد. فقيل ~~له: كيف هو ؟ فقال: ملك قادر، فقيل: له أين هو ؟ فقال: بالمرصاد. فقال ~~السائل: ليس عن هذا أسألك ؟ فقال: الذي أجبتك به هو صفة الحق، فأما غيره ~~فصفة الخلق. وأراد بذلك أن يسأله عن التكييف، والتحديد، والتمثيل، وذلك صفة ~~المخلوق لا صفة الخالق، ولأن التفكر إذا تفكر في خلق السموات والأرض وخلق ~~نفسه وعجائب صنع ربه، أداه ذلك إلى صريح التوحيد؛ لأنه يعلم بذلك أنه لا بد ~~لهذه المصنوعات من صانع، قادر، عليم، حكيم " ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير " . # مسألة # العالم محدث # ويجب أن يعلم: أن العالم محدث؛ وهو عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى، ~~والدليل على حدوثه: تغيره من حال إلى حال، ومن صفة إلى صفة، وما كان هذا ~~سبيله ووصفه كان محدثا، وقد بين ms013 نبينا صلى الله عليه وسلم هذا بأحسن بيان ~~يتضمن أن جميع الموجودات سوى الله محدثة مخلوقة، لما قالوا له: يا رسول ~~الله: أخبرنا عن بدء هذا الأمر ؟ فقال: نعم. كان الله تعالى ولم يكن شيء، ~~ثم خلق الله الأشياء فأثبت أن كل موجود سواه محدث مخلوق. وكذلك الخليل عليه ~~السلام، إنما استدل على حدوث الموجودات بتغيرها وانتقالها من حالة إلى ~~حالة؛ لأنه لما رأى الكوكب قال: هذا ربي، إلى آخر الآيات فعلم أن هذه لما ~~تغيرت وانتقلت من حال إلى حال دلت على أنها محدثة مفطورة مخلوقة، وأن لها ~~خالقا، فقال عند ذلك وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض. # مسألة PageV01P007 وإذا صح حدوث العالم؛ فلا بد له من محدث أحدثه، ومصور ~~صوره، والدليل على ذلك: أن الكتابة لا بد لها من كاتب كتبها، والصورة لا بد ~~لها من مصور صورها، والبناء لا بد له من بان بناه. فإنا لا نشك في جهل من ~~أخبرنا بكتابة حصلت بنفسها لا من كاتب، وصناعة لا من صانع، وحياكة لا من ~~ناسج. وإذا صح هذا وجب أن تكون صور العالم وحركات الفلك متعلقة بصانع ~~صنعها، ومحدث أحدثها، إذ كانت ألطف وأعجب صنعا من سائر ما يتعذر وجوده إلا ~~من صانع. # دليل ثان: ويدل على ذلك أيضا: علمنا بتقدم الحوادث بعضها على بعض، وتأخر ~~بعضها عن بعض، مع علمنا بتجانسها وتشاكلها، فلا يجوز أن يكون المتقدم منها ~~متقدما لنفسه؛ لأنه لو تقدم لنفسه لوجب تقديم كل ما هو من جنسه معه، وكذلك ~~المتأخر منها، لو تأخر لنفسه وجنسه لم يكن المتقدم منها بالتقدم أولى منه ~~بالتأخر، وفي علمنا بأن المتقدم من المتماثلات بالتقدم أولى من بالتأخر، ~~دليل على أن له مقدما قدمه، وعاجلا عجله في الوجود، مقصورا على مشيئته. # ويدل على صحة ذلك أيضا: علمنا بأن الصور الموجودة؛ منها ما هو مربع، ~~ومنها ما هو مدور، ومنها شخص أطول من شخص، وآخر أعرض من آخر؛ مع تجانسها، ~~ولا يجوز أن يكون المربع منها ربع نفسه، ms014 ولا المطول منها طول نفسه، ولا ~~القبيح منها قبح نفسه، ولا الحسن منها حسن نفسه، فلم يبق إلا أن لها مصورا ~~صورها؛ طويلة، وقصيرة، وقبيحة، وحسنة، على حسب إرادته ومشيئته. # ويدل على صحة ما ذكرناه: أن الموجودات لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها، أنا ~~وجدنا منها الموت والأعراض، أعني الجمادات التي لا حياة فيها، لا يجوز أن ~~تكون فاعلة لنفسها ولا لغيرها، لأن من شرط الفاعل أن يكون حيا، قادرا، فبطل ~~كونها محدثة لنفسها بل لها محدث أحدثها. # ويدل على صحة ذلك أيضا: أنا وجدنا أنفس الموجودات في العالم، الحي القادر ~~العاقل المحصل، وهو الآدمي، ثم أكمل ما تكون. تعلم وتحقق أنه كان في ابتداء ~~أمره نطفة ميتة، لا حياة فيها ولا قدرة، ثم نقل إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ~~ثم من حال إلى حال، ثم بعد خروجه حيا من الأحشاء إلى الدنيا. تعلم وتحقق ~~أنه كان في تلك الحالة جاهلا بنفسه وتكييفه، وتركيبه، ثم بعد كمال عقله ~~وتصوره وحذقه وفهمه لا يقدر في حال كماله أن يحدث في بدنه شعرة ولا شيئا، ~~ولا عرقا فكيف يكون محدثا لنفسه ومنقلا لها في حال نقصه من صورة إلى صورة ~~ومن حالة إلى حالة وإذا بطل ذلك منه في حال كماله كان أولى أن يبطل ذلك منه ~~في حال نقسه، ولم يبق إلا أن له محدثا أحدثه، ومصورا صوره ومنقلا نقله؛ وهو ~~الله سبحانه وتعالى. # مسألة # وإذا ثبت أن للعالم صانعا صنعه، ومحدثا أحدثه، فيجب أن يعلم أنه لا يجوز ~~أن يكون مشبها للعالم المصنوع المحدث؛ لأنه لو جاز ذلك لم يخل: إما أن ~~يشبهه في الجنس، أو في الصورة، ولا يجوز أن يكون مشبها له في الجنس؛ لأنه ~~لو أشبهه في الجنس لجاز أن يكون محدثا كالعالم المحدث، أو يكون العالم ~~قديما كهو. لأن حقيقة المشتبهين المتجانسين: ما سد أحدهما مسد الآخر وناب ~~منابه، وجاز عليه ما يجوز عليه، ولا يجوز أن يكون يشبه العالم في الصورة ~~لأن حقيقة الصورة هي ms015 الجسم المؤلف، والتأليف لا يكون إلا من شيئين فصاعد؛ ~~ولأنه لو كان صورة لا تحتاج إلى مصور صوره، لأن الصورة لا تكون إلا من مصور ~~على ما قدمنا بيانه، وقد بين ذلك تعالى بأحسن بيان فقال تعالى: " أفمن يخلق ~~كمن لا يخلق " وقد سئل بعض أهل التحقيق عن التوحيد ما هو ؟ فقال: هو أن ~~تعلم أنه باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم. # وقال الجنيد رضي الله عنه: التوحيد إفراز القدم عن الحدوث، فأحكموا أصول ~~العقائد بواضح الدليل ولايح الشواهد. # وقال أبو محمد الحريري رضي الله عنه: من لم يقف على علم التوحيد يشاهده ~~من شواهده، زلت به قدم الغرور في مهواة التلف. # وقال الجنيد: أول ما يحتاج إليه المكلف من عقد الحكمة: أن يعرف الصانع من ~~المصنوع، فيعرف صفة الخالق من المخلوق، وصفة القديم من المحدث. # وسئل أبو بكر الزاهد رضي الله عنه عن المعرفة ما هي ؟ فقال: المعرفة اسم، ~~ومعناه: وجود تعظيم في القلب، يمنعك عن التعطيل والتشبيه. # وقيل لأبي الحسن البوشنجي: ما التوحيد ؟ فقال: أن تعلم أنه غير مشبه ~~بالذوات ولا بنفي الصفات. # مسألة PageV01P008 وإذا ثبت أن صانع الموجودات ومحدثها لا يجوز أن يكون ~~يشبهها، فيجب أن تعلم أن محدث العالم قديم، أزلي لا أول لوجوده. ولا آخر ~~لدوامه. والدليل على صحة ذلك: أنه لو لم يكن قديما كما ذكرنا لكان محدثا، ~~ولو كان محدثا لاحتاج إلى محدث أحدثه؛ لأن غيره من الحوادث إنما احتاجت إلى ~~محدث لأنها محدثة. ولو كان ذلك كذلك لاحتاج كل محدث إلى محدث آخر، إلى ما ~~لا نهاية له ولا غاية، ولما بطل ذلك صح كونه قديما أزليا. # وبمثل هذا الدليل: يستدل على بطلان قول من زعم من أهل الدهر أن الحوادث ~~لا أول لوجودها، فافهمه ترشد، إن شاء الله تعالى. # مسألة # وحدانية الصانع # ويجب أن يعلم: أن صانع العالم جلت قدرته واحد أحد؛ ومعنى ذلك: أنه ليس ~~معه إله سواه، ولا من يستحق العبادة إلا إياه، ولا نريد بذلك انه واحد من ~~جهة ms016 العدد، وكذلك قولنا أحد، وفرد وجود ذلك إنما نريد به أنه لا شبيه له ~~ولا نظير، ونريد بذلك أن ليس معه من يستحق الالهية سواه، وقد قال تعالى: " ~~إنما الله إله واحد " ومعناه: لا إله إلا الله. # والدليل على أن صانع العالم على ما قررناه: قوله تعالى: " لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا " والدليل المعقول مستنبط من هذا النص المنقول، فإنا ~~نرى الأمور تجري على نمط واحد، في السموات والأرض وما فيهما من شمس وقمر ~~وغير ذلك. ولو كانا اثنتين أو أكثر فلا بد أن يجري خلاف أو تغير من أحدهما ~~على الآخر، وقد بينه سبحانه وتعالى فقال: " قل لو كان معه آلهة كما يقولون ~~" إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا " سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. # وأيضا: فلو جاز أن يكون اثنين أو أكثر فيريد أحدهما شيئا ويريد الآخر ~~ضده، فلا يخلو أن يتم مرادهما، أو يتم مراد أحدهما دون الآخر، ولا يجوز أن ~~يتم مرادهما؛ لأن في إتمام مراد أحدهما عجز الآخر، لأنه تم ما لا يريد، وفي ~~ذلك تعجيز لكل واحد منهما؛ لأنه تم ما لا يتم مراد واحد منهما، فقد ثبت ~~عجزهما أيضا. ومن يكون عاجزا فليس بالإله، أو يتم مراد أحدهما دون الآخر؛ ~~فالذي تم مراده هو الإله، والذي لم يتم عاجز ليس بالاله، فلم يكن إلا إله ~~واحد كما ذكرنا. # فإن قيل: فيجوز أن لا يختلفا في الإرادة. قلنا: هذا القول يؤدي إلى أحد ~~أمرين: إما أن يكون ذلك لقول أحدهما للآخر لا ترد إلا ما أريد، فيصير ~~أحدهما آمرا والآخر مأمورا، والمأمور لا يكون إلها، والآمر على الحقيقة هو ~~الإله، أو يكون كل واحد منهما لا يقدر أن يريد إلا ما أراده الآخر ولو كان ~~كذلك دل على عجزهما؛ إذ لم يتم مراد واحد منهما إلا بإرادة الآخر معه. وإذا ~~ثبت هذا بطل أن يكون الإله إلا واحدا على ما قررناه: # مسألة # الحياة # ويجب أن يعلم أن الباري جلت قدرته حي. وهذه ms017 المسألة أول مسائل قول الشيخ ~~موصوف بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه فنقول الباري يوصف ~~بالحياة. # والدليل عليه قوله تعالى: " الحي القيوم " وقوله تعالى: " وتوكل على الحي ~~الذي لا يموت " . وأيضا: فإن الفعل يستحيل وجوده من الموات الذي لا حياة ~~له، والله تعالى فاعل الأشياء ومنشئها، فوجب أن يكون حيا. # مسألة # القدرة # ويجب أن يعلم: أنه تعالى قادر على جميع المقدورات. # والدليل عليه قوله تعالى: " وهو على كل شيء قديره " ولأنا نعلم قطعا ~~استحالة صدور الأفعال من عاجز لا قدرة له، ولما ثبت أنه فاعل الأشياء ثبت ~~أنه قادر. # مسألة # العلم # ويجب أن يعلم: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات. # والدليل عليه قوله تعالى: " أنزله بعلمه " وقوله تعالى: " يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم " وقوله تعالى: " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور " . ~~وقوله تعالى: " ويعلم ما في السموات وما في الأرض " وقوله تعالى: " فاعلموا ~~أنما أنزل بعلم الله " إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى. # وأيضا: فيدل على أنه عالم: صدور الأفعال الحكيمة المتقنة الواقعة على ~~أحسن ترتيب ونظام وإحكام وإتقان، وذلك لا يحصل إلا من عالم بها، ومن جوز ~~صدور خط معلوم منظوم مرتب من غير عالم بالخط، كان عن المعقول خارجا، وفي ~~عمل الجهل والجا. PageV01P009 ويدل على صحة ذلك أيضا: أنه حي، قادر، عالم، ~~أنا لو جوزنا صدور أفعال محكمة متقنة من غير حي، عالم، قادر، لم ندر لعل ~~جميع ما يظهر لنا من أفعال الناس من الكتابة والصناعة وسائر الصنائع لعلها ~~لنا منهم وهم أموات عجزة جهلة، ولعل لنا في هذه المسألة المناظر عليها ميت ~~عاجز. # مسألة # الإرادة # ويجب أن يعلم: أن الله مريد على الحقيقة لجميع الحوادث، والمرادات، ~~والدليل عليه قوله تعالى: " فعال لما يريد " . وقوله تعالى: " يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ~~ولعلكم تشكرون " وقوله تعالى: " والله يريد الآخرة " . وقوله تعالى: " يريد ~~الله أن يخفف عنكم " وقد قيل في بعض الآثار: أنه تعالى ms018 يقول: يا ابن آدم؛ ~~تريد وأريد، ولا يكون إلا ما أريد. # ويدل على أنه مريد من جهة العقل: ترتيب الأفعال واختصاصها بوقت دون وقت، ~~ومكان دون مكان، وزمان دون زمان؛ وكذلك يدل على أنه أراد أن يكون هذا قبل ~~هذا، وهذا بعد هذا، وهذا على صفة، والآخر على صفة غيرها، وهذا من مكان، ~~وهذا من مكان آخر، إلى غير ذلك. # مسألة # السمع # ويجب أن يعلم: أنه سميع لجميع المسموعات، بصير لجميع المبصرات. # والدليل عليه قوله تعالى: " وهو السميع البصير " . وقوله تعالى: " أم ~~يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون " وقوله تعالى: " ~~قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع ~~تحاوركما إن الله سميع بصير " . وقوله تعالى: " ألم يعلم بأن الله يرى " ~~وأيضا: فإنه لو لم يوصف بالسمع والبصر لوجب أن يوصف بضد ذلك، من الصمم ~~والعمى، والله يتعالى عن ذلك علوا كبيرا. # مسألة # الكلام # ويجب أن يعلم: أن الله تعالى متكلم، وأن كلامه غير مخلوق ولا محدث. ~~والدليل عليه قوله تعالى: " منهم من كلم الله " وقوله تعالى: " وكلم الله ~~موسى تكليما " وقوله تعالى: " وتمت كلمة ربك " . وقوله صلى الله عليه وسلم: ~~فضل كلام الله على كلام الخلق كفضل الخالق على المخلوق. ولا يتصف ببداية ~~ولا نهاية؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين فيقول: أعيذكما ~~بكلمات الله التامة العامة. ومحال أن يعوذ مخلوق بمخلوق، فثبت أنه عوذ ~~مخلوقا بغير مخلوق، إلى غير ذلك من الآيات والأخبار. ولأنه لو لم يكن ~~متكلما لوجب أن يوصف بضد الكلام؛ من الخرس والسكوت والعي، والله يتعالى عن ~~ذلك. # مسألة # البقاء # ويجب أن يعلم: أن الله سبحانه باق. ومعنى ذلك: أنه دائم الوجود. # والدليل عليه قوله: " ويبقى وجه ربك " يعني ذات ربك وأيضا قوله تعالى: " ~~كل شيء هالك إلا وجهه " يعني ذاته، ولأنه قد ثبت قدمه وما ثبت قدمه استحال ~~عدمه. # مسألة # ويجب أن يعلم: أن الباري عالم بعلم قديم متعلق بجميع المعلومات، ولا يوصف ms019 ~~علمه بأنه مكتسب ولا ضروري، وأنه قادر بقدرة قديمة شاملة لجميع المقدورات، ~~مريد بإرادة قديمة متعلقة بجميع الكائنات، سميع بسمع قديم متعلق بجميع ~~المسموعات، بصير ببصر قديم متعلق بجميع المبصرات، متكلم وكلامه قديم متعلق ~~بجميع المأمورات والمنهيات، والمخبرات. فعلمه سبحانه وتعالى لا يوصف ~~بالضرورة والكسب؛ لأن ذلك صفات علم الخلق. وقدرته لا توصف بالاستطاعة؛ لأن ~~ذلك صفات الخلق، وسمعه لا يوصف بأنه يقوم بالحواس كسمع الخلق، وبصره لا ~~يوصف بأن يقوم بالآماق كبصر الخلق، وكلامه لا يوصف بالجوارح والأدوات؛ لأن ~~ذلك صفات كلام الخلق. بل صفات ذاته قديمة أزلية، لم يزل موصوفا بها، ولا ~~يزال كذلك، لا تشبه بصفات المخلوقين، ولا يقال إنها هو ولا غيره، ولا صفاته ~~متغايرة في أنفسها. # والدليل على هذه الجملة: قوله تعالى: " ليس كمثله شيء " وقوله تعالى: " ~~لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " فكما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق، ~~فكذلك علمه لا يشبه علم الخلق، ولا يوصف بصفة علم الخلق، وكذلك قدرته ~~وإرادته: لا تشبه قدرة الخلق ولا إرادتهم، ولا يوصف شيء من صفاته بصفات ~~الخلق، فاعلم ذلك وتحققه توفق للصواب، بمشيئة الله تعالى. PageV01P010 ~~والدليل على أن صفاته لا يقال لها هي هو: أنها لو كانت هي هو لكانت خالقة ~~فاعلة مثله، فلا يجوز أن يقال هي هو. ويدل على صحة هذا المعنى قول علي عليه ~~السلام في القرآن: ليس بخالق ولا مخلوق. لأنه لو جعله خالقا كان إلها ثانيا ~~مع الله، ولو جعله مخلوقا لوجب أن يكون الباري موجودا بلا كلام ثم خلق ~~كلامه بعد، وذلك لا يصح؛ لأن صفات ذاته قديمة بقدم ذاته. # فإن قيل: فليس ثم إلا خالق أو مخلوق. قلنا: نعم: ولكن خالق قديم بصفات ~~ذاته ومخلوق حادث بصفات ذاته التي توجد بعد أن لم تكن، وتعدم بعد أن كانت، ~~وصفات القديم لا تتصف بوجود بعد عدم، ولا بالعدم بعد الوجود، وإنما قلنا إن ~~صفات ذاته ليست بأغيار له، ولا هو غير لصفاته، ولا صفاته متغايرة في ms020 ~~أنفسها؛ لأن حد الغيرين ما يجوز مفارقة أحدهما الآخر؛ إما بزمان أو بمكان، ~~وهذا يستحيل تصويره في الله تعالى وصفات ذاته. فافهم وتزيد التحقيق، وفقنا ~~الله وإياك وجميع المسلمين آمين يا رب العالمين. # مسألة # فإن قيل: قد أثبتم أنه حي عالم قادر سميع بصير متكلم، أفتقولون: إنه يغضب ~~ويرضى، ويحب، ويبغض، ويوالي، ويعادي، وأنه موصوف بذلك ؟ قيل لهم: أجل، ~~ومعنى وصفه بذلك: أن غضبه على من غضب عليه، ورضاه عمن رضى عنه، وحبه لمن ~~أحب، وبغضه لمن أبغض، وموالاته لمن والى، وعداوته لمن عادى، أن المراد ~~بجميع ذلك: إرادته إثابة من رضى عنه وأحبه وتولاه. وعقوبة من غضب عليه ~~وأبغضه وعاداه، لا غير. # ويدل على هذه الجملة: أنه يوصف بالغضب، قوله تعالى: " ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه " وقوله تعالى: " والخامسة ~~أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين " إلى غير ذلك من الآيات. # ويدل على أنه يوصف بالحب: قوله تعالى: " إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين " وقوله: " يحبهم ويحبونه " . وقوله: " والله يحب المحسنين " إلى ~~غير ذلك. # ويدل على أنه يوالي: قوله تعالى: " والله ولي المؤمنين " وقوله: " إنما ~~وليكم الله ورسوله " وقوله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى من آذى لي ~~وليا إلى غير ذلك من الآيات والأخبار. # ويدل على أنه يعادي: قوله تعالى: " فإن الله عدو للكافرين " وقوله: " لا ~~تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء " إلى غير ذلك من الآيات والآثار. # ويدل أنه يبغض: قوله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة يبغضهم الله تعالى: شيخ ~~زان؛ وبائع حلاف؛ وفقير مختال. # مسألة # فإن قيل: فما الدليل على أن غضب الله سبحانه ورضاه، ورحمته، وسخطه، وحبه ~~وعداوته، وموالاته وبغضه إنما هو إرادته لإثابة من رضى عنه وأحبه ووالاه ~~ونفعه، وأن غضبه، وسخطه، وبغضه، وعداوته إنما هو إرادة عقاب من غضب عليه ~~وسخط وعادى وإيلامه وضرره ؟. # قيل له: الدليل على ذلك: أن الغضب والرضا ونحو ذلك لا يخلو؛ إما أن يكون ~~المراد به إرادته النفع والضرر فقط، أو يكون ms021 المراد به نفور الطبع وتغيره ~~عند الغضب، ورقته وميله وسكوته عند الرضا، فلما لم يجز أن يكون الباري جلت ~~قدرته ذا طبع يتغير وينفر، ولا ذا طبع يسكن ويرق، وأن هذه من صفات ~~المخلوقين، وهو يتعالى عن جميع ذلك: ثبت أن المراد بغضه، ورضاه، ورحمته، ~~وسخطه إنما هو إرادته وقصده إلى نفع من كان في معلومه أنه ينفعه، وضرر من ~~سبق في علمه وخبره أنه يضره لا غير ذلك. # مسألة # فإن قيل: فهل يجوز أن يوصف بالشهوة ؟ قيل له: إن أراد السائل بوصفه ~~بالشهوة إرادته لأفعاله فذلك صحيح من طريق المعنى غير أنه أخطأ وخالف الأمة ~~في وصف القديم بالشهوة؛ إذ لم يرد بذلك كتاب ولا سنة، لأن أسماءه تعالى لا ~~تثبت قياسا، وهو معنى قول الشيخ رضي الله عنه: لا مدخل للعقل والقياس في ~~إيجاب معرفته، وتسميته، وإنما يعلم ذلك بفضله من جهته. يعني: إما بنص كتاب، ~~أو سنة. وإن أراد هذا السائل أن يصفه بالشهوة التي هي شوق النفس وميل الطبع ~~إلى المنافع واللذات فذلك محال ممتنع على القديم سبحانه وتعالى، بما قدمنا ~~ذكره من قبل. # مسألة # ويجب أن يعلم: أن كل ما يدل على الحدوث أو على سمة النقص فالرب تعالى ~~يتقدس عنه. PageV01P011 فمن ذلك: أنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات، ~~والاتصاف بصفات المحدثات، وكذلك لا يوصف بالتحول، والانتقال، ولا القيام، ~~والقعود؛ لقوله تعالى: " ليس كمثله شيء " وقوله: " ولم يكن له كفوا أحد " ~~ولن هذه الصفات تدل على الحدوث، والله تعالى يتقدس عن ذلك فإن قيل أليس قد ~~قال: " الرحمن على العرش استوى " . قلا: بلى. قد قال ذلك، ونحن نطلق ذلك ~~وأمثاله على ما جاء في الكتاب والسنة، لكن ننفي عنه أمارة الحدوث، ونقول: ~~استواؤه لا يشبه استواء الخلق، ولا نقول إن العرش له قرار، ولا مكان، لأن ~~الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغير عما كان. # وقال أبو عثمان المغربي يوما لخادمه محمد المحبوب: لو قال لك قائل: أين ~~معبودك ؟ ماذا كنت تقول ms022 له ؟ فقال: أقول حيث لم يزل ولا يزول. قال: فإن ~~قال: فأين كان في الأزل ؟ ماذا تقول ؟ فقال: أقول حيث هو الآن. يعني: إنه ~~كما كان ولا مكان. # وقال أبو عثمان: كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة، فلما قدمت بغداد وزال ذلك ~~عن قلبي فكتبت إلى أصحابنا: إني قد أسلمت جديدا. # وقد سئل الشبلي عن قوله تعالى: " الرحمن على العرش استوى " فقال: الرحمن ~~لم يزل ولا يزول، والعرش محدث، والعرش بالرحمن استوى. # وقال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: من زعم أن الله تعالى في شيء أو ~~من شيء، أو على شيء، فقد أشرك؛ لأنه لو كان على شيء لكان محمولا، ولو كان ~~في شيء لكان محصورا، ولو كان من شيء لكان محدثا، والله يتعالى عن جميع ذلك. # وقال بعض أهل التحقيق: " ألزم الكل الحدث، لأن القدم له، فهو سبحانه لا ~~يظله فوق، ولا يقيه تحت، ولا يقابله حد، ولا يزاحمه عد ولا يأخذه خلف، ولا ~~يحده أمام، ولا يظهره قبل، ولا يفنيه بعد، ولا يجمعه كل، ولا يوجده كان، ~~ولا يفقده ليس، باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم. إن قلت متى: فقد سبق ~~الوقت كونه وإن قلت: أين فقد تقدم المكان وجوده، فوجوده إثباته، ومعرفته ~~توحيده أن تميزه من خلقه ما تصور في الأوهام فهو بخلاف ذلك كيف يحل به ~~مامنه بدؤه، أو يتصف بما هو إنشاؤه، لا تمقله العيون، ولا تقابله الظنون، ~~قربه كرامته، وبعده إهانته، علوه من غير ترق، ومجيئه من غير تنقل، هو ~~الأول، والآخر والظاهر، والباطن. والقريب البعيد، الذي " ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير " . # مسألة # خلق الحوادث # ويجب أن يعلم: أن الحوادث كلها مخلوقة لله تعالى، نفعها وضرها، إيمانها ~~وكفرها، طاعتها، ومعصيتها. # والدليل على ذلك: قوله تعالى: " والله خلقكم وما تعملون " وأيضا فإن الله ~~تعالى رد على الكفار لما ادعوا معه شركاء في الاختراع، فقال تعالى: " أم ~~جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، فتشابه الخلق عليهم، قل الله خالق كل شيء، ~~وهو الواحد القهار " وقال تعالى: ms023 " هو الذي يسيركم في البر والبحر " ، ~~فأخبر تعالى أنه خالق لسيرنا؛ وهي الحركات والسكنات. وقال تعالى: " هل من ~~خالق غير الله " وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله خالق كل صانع وصنعته. ~~وأجمعت الأمة على القول: بأن لا خالق إلا الله في الدارين، كما أجمعوا أن ~~لا إله غيره. # مسألة # ويجب أن يعلم أن الحوادث كلها تقع مرادة لله تعالى، وأنه لا يتصور أن ~~يوجد في الدنيا والآخرة شيء لم يرده تعالى؛ من نفع، وضر، ورزق، وأجل، ~~وطاعة، ومعصية، إلى غير ذلك من سائر الموجودات. PageV01P012 والدليل على ~~ذلك: ما بيناه من قبل، وأنه خالق لها، وإذا صح ذلك ترتب عليه أنه مريد لما ~~خلق، قاصد إلى إبداع ما اخترع، ويدل على ذلك أيضا: قوله تعالى: " ولو شاء ~~الله لجمعهم على الهدى " وقوله تعالى: " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك ~~يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون " وقوله تعالى: " ولو أننا نزلنا ~~إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا ~~إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون " وقوله تعالى: " ولو شاء ربك لآمن من ~~في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " وقوله تعالى: " ~~ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين " والآيات في هذا المعنى في القرآن لا تحصى عددا. وأيضا: فإن ~~الأمة قد أجمعت على القول بإطلاق هذه الكلمة: ما شاء الله كان. وما لم يشأ ~~لم يكن وأيضا فإنه لو أراد شيئا وأراد غيره شيئا فوجد مراد غيره دون مراده ~~كان ذلك دليل العجز والغلبة، والله يتعالى عن ذلك. # وقال بعض أهل التحقيق: والله ما قالت القدرية كما قال الله تعالى ولا كما ~~قال النبيون ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال ~~أخوهم إبليس؛ لأن الله تعالى قال: " يضل من يشاء ويهدي من ms024 يشاء " وقال: " ~~وما تشاؤن إلا أن يشاء الله " . # وقال شعيب: " وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا " وقال ~~موسى عليه السلام: إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ~~ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: ~~قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله وقال أهل الجنة: الحمد لله ~~الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا ~~بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون وقال أهل النار: ~~ربنا غلبت علينا شقوتنا وقال أيضا: بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ~~وقال إبليس: رب بما أغويتني وقد قال تعالى: " وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا ~~مرد له " . # مسألة # الفرق بين الإرادة والمشيئة # واعلم: أنه لا فرق بين الإرادة، والمشيئة، والاختيار، والرضى، والمحبة ~~على ما قدمنا. واعلم: أن الاعتبار في ذلك كله بالمآل لا بالحال، فمن رضى ~~سبحانه عنه لم يزل راضيا عنه، لا يسخط عليه أبدا، وإن كان في الحال عاصيا. ~~ومن سخط عليه فلا يزال ساخطا عليه ولا يرضى عنه أبدا، وإن كان في الحال ~~مطيعا. # ومثال ذلك: أنه سبحانه وتعالى لم يزل راضيا عن سحرة فرعون، وإن كانوا في ~~حال طاعة فرعون على الكفر والضلال، لكن لما آمنوا في المآل؛ بان بأنه تعالى ~~لم يزل راضيا عنهم، وكذلك الصديق، والفاروق رضي الله عنهما لم يزل راضيا ~~عنهما في حال عبادة الأصنام، لعلمه بمآل أمرهما وما يصير إليه من التوحيد ~~ونصر الرسول والجهاد في سبيل الله تعالى. # وكذلك لم يزل ساخطا على إبليس، وبلعم، وبرصيص، في حال عبادتهم؛ لعلمه ~~بمآلهم وما يصير إليه حالهم. # وقد سئل الجنيد رضي الله عنه عن قوله تعالى: " إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى " فقال: هم قوم سبقت لهم العناية في البداية، فظهرت لهم الولاية في ~~النهاية. # مسألة # كسب العبد # ويجب أن يعلم: أن العبد له كسب، وليس مجبورا بل ms025 مكتسب لأفعاله؛ من طاعة ~~ومعصية؛ لأنه تعالى قال: " لها ما كسبت " يعني من ثواب طاعة " وعليها ما ~~اكتسبت " يعني من عقاب معصية. وقوله: " بما كسبت أيدي الناس " وقوله: " وما ~~أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم " وقوله: " ولو يؤاخذ الله الناس بما ~~كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى، فإذا جاء أجلهم ~~فإن الله كان بعباده بصيرا " . # ويدل على صحة هذا أيضا: أن العاقل منها يفرق بين تحرك يده جبرا وسائر ~~بدنه عند وقوع الحمى به، أو الارتعاش، وبين أن يحرك هو عضوا من أعضائه ~~قاصدا إلى ذلك باختياره، فأفعال العباد هي كسب لهم وهي خلق الله تعالى. فما ~~يتصف به الحق لا يتصف به الخلق، وما يتصف به الخلق لا يتصف به الحق، وكما ~~لا يقال لله تعالى إنه مكتسب، كذلك لا يقال للعبد إنه خالق. # مسألة PageV01P013 ويجب أن يعلم: أن الاستطاعة للعبد تكون مع الفعل لا ~~يجوز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه، كعلم الخلق وإدراكهم، لا يجوز تقديم ~~العلم على المعلوم، ولا الإدراك، على المدرك. # والدليل على ذلك: قوله تعالى؛ " وكانوا لا يستطيعون سمعا " يعني قبولا ~~عند الدعوة. يعني: أنه لم يكن لهم استطاعة عند مفارقة الدعوة، فيحصل معها ~~القبول، وأيضا قوله تعالى: " إنك لن تستطيع معي صبرا " وقول إبراهيم عليه ~~السلام: رب اجعلني مقيم الصلاة فلو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكان يقول: قد ~~جعلتك مقيما، ولم يكن لسؤاله معنى؛ لأنه سئل في شيء قد أعطيه وهو قادر ~~عليه. وأيضا قوله تعالى: " إياك نعبد وإياك نستعين " فلو كانت الاستطاعة ~~قبل الفعل لم يكن للسؤآل فيها معنى، ولأن القدرة الحادثة لو تقدمت على ~~الفعل لوجد الفعل بغير قدرة؛ لأنها عرض، والعرض لا يبقى، ولا يصح أن يوجد ~~بعد الفعل. وأيضا: لأنه يكون فاعلا من غير قدرة، فلم يبق إلا أنها مع ~~الفعل. # مسألة # ويجب أن يعلم: أن الرؤية جائزة عليه سبحانه وتعالى، من حيث العقل، مقطوع ~~بها للمؤمنين في الآخرة؛ تشريفا لهم وتفضلا، لوعد الله ms026 تعالى لهم بذلك. # والدليل على جوازها من حيث العقل: سؤال موسى عليه السلام، حيث قال " رب ~~أرني أنظر إليك " . ويستحيل أن يسأل نبي من أنبياء الله تعالى مع جلالة ~~قدره وعلو مكانه ما لا يجوز عليه سبحانه، ولولا أنه اعتقد جوازها لما ~~سألها، ولأنه تعالى علقها باستقرار الجبل، ومن الجائز استقرار الجبل، ويدل ~~عليه أيضا: أنه موجود، والموجود يصح أن يرى. # وأما الدليل على ثبوتها من طريق الكتاب والسنة: قوله تعالى: " تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام " واللقاء إذا قرن بالتحية لا يقتضي إلا الرؤية. وأيضا قوله ~~تعالى: " للذين أحسنوا وزيادة " قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: الزيادة ~~النظر إلى وجهه الكريم وقد ذكر مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " والمراد بقوله " ناضرة " ~~أنها مشرقة، والمراد بقوله " إلى ربها ناظرة " أنها لربها رائية؛ لأن النظر ~~إذا عدى بكلمة إلى اقتضى الرؤية نصا، كقوله تعالى: " فانظر إلى طعامك ~~وشرابك " وقوله تعالى: " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت " وسئل ابن عباس ~~رضي الله عنهما عن قوله وزيادة قال: هي النظر إلى وجه الله تعالى بلا كيف. ~~وأيضا: فإن الصحابة لما سألوه صلى الله عليه وسلم هل نرى ربنا ؟ فقال صلى ~~الله عليه وسلم: ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في ~~رؤيته. وروى: لا تضامون في رؤيته وروى: لا يلحقكم ضرر ولا ضيم في رؤيته. ~~ومعنى ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم شبه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي؛ ~~فكأنه صلى الله عليه وسلم شبه الرؤية بالرؤية؛ وأن الرائي المعاين للقمر ~~ليلة البدر ليلة أربع عشرة لا يشك في أن الذي يراه قمر. فكذلك الناظر إليه ~~سبحانه وتعالى في الجنة لا يشك أن الذي يراه سبحانه وتعالى بلا تكييف، ولا ~~تشبيه، ولا تحديد، وهذا كما يقول القائل: أعرف صدقك كما أعرف النهار، ورأيت ~~زيدا كما رأيت الشمس. ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: إن الله ~~يتجلى للخلق عامة ويتجلى ms027 لأبي بكر خاصة. # مسألة # ويجب أن يعلم: أن الطاعة ليست بعلة الثواب، ولا المعصية علة للعقاب، ولا ~~يجب لأحد على الله تعالى، بل الثواب وما أنعم به على العبد فضل منه، ~~والعقاب عدل منه. ويجب على العبد ما أوجبه الله تعالى عليه، ولا موجب ولا ~~واجب على الله. # والحسن ما وافق الأمر من الفعل، والقبيح ما وافق النهي من الفعل، وليس ~~الحسن حسنا من قبل الصورة، ولا القبيح قبيحا من قبل الصورة. # والدليل على الفصل الأول: أنه لا واجب عليه لأحد من الخليقة، وأن حقيقة ~~الواجب ما استوجب من وجب عليه الذم بتركه، والرب تعالى عن الذم علوا كبيرا. ~~PageV01P014 ويدل على صحة ذلك أيضا قوله تعالى: " ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات من فضله " فأعلم أن ذلك بفضله لا بالعمل. وأيضا قوله تعالى: " ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته " وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أيدخل أحد ~~منا الجنة بعمله ؟ فقال: لا. فقيل ولا أنت ؟ فقال: ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني ~~الله برحمته فقال له بعض الصحابة ففيم العمل ؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما ~~خلق له. وإنما وعد الله سبحانه بالثواب وأوعد بالعقاب، وقوله الحق ووعده ~~الصدق، فنصب الطاعات أمارة على الفوز بالدرجات، والمعاصي أمارة على التردي ~~في الهلكات، وكل ذلك أمارة للخلق بعضهم على بعض، لا له سبحانه وتعالى؛ فإنه ~~علم بالأشياء قبل كونها، كما قال بعضهم: تفرد الحق بعلم الغيوب فعلم ما كان ~~وما يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون. # والدليل على الفصل الثاني: وهو: أن الحسن ما وافق الأمر، والقبيح ما خالف ~~الأمر: أن لذة الجماع في الزوجة والأمة، صورتها في الفرج الحلال كصورتها في ~~الفرج الحرام، إلا أن ذلك حسن في الملك بموافقة الشرع، قبيح في غير ذلك ~~بمخالفة الشرع، وكذا القتل: وصورته في القصاص كهي في القتل من غير قصاص، ~~إلا أن أحدهما حسن لمطابقة الشرع، والآخر قبيح بمخالفة الشرع. وكذا الأكل ~~في آخر يوم من شهر رمضان، كصورة الأكل يوم الفطر، إلا ms028 أن أحدهما حسن ~~لموافقة الشرع، والآخر قبيح لمخالفته، وكذلك بالعكس: إمساك يوم من شهر ~~رمضان، كصورة الإمساك يوم الفطر، إلا أنه في أحدهما حسن للموافقة، وفي ~~الآخر قبيح للمخالفة. # وجميع قواعد الشرع تدل على أن الحسن: ما حسنه الشرع وجوزه وسوغه. ~~والقبيح: ما قبحه الشرع وحرمه، ومنع منه، لا من حيث الصورة، فتفهم ذلك ~~يخلصك من جميع ما يورده جهال القدرية من شبههم التي تضل عقول العوام. فإذا ~~ثبت هذا وتقرر: جاء منه أن الباري سبحانه وتعالى ليس فوقه آمر أمره، ولا ~~ناه نهاه؛ حتى تتصف أفعاله تارة بالحسن لموافقة الأمر، ولا بالقبح لمخالفة ~~الأمر، بل هو المالك على الحقيقة، يتصرف في ملكه كيف يشاء، لا يسأل عما ~~يفعل وهم يسألون. # مسألة # أرزاق العباد # ويجب أن يعلم: أن أرزاق العباد وجميع الحيوان من الله تعالى، فلا رازق ~~إلا الله: حلالا كان أم حراما. # والدليل على ذلك قوله تعالى: " الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر " وقوله ~~تعالى: " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها " وقوله تعالى: " الله ~~الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من ~~شيء سبحانه وتعالى عما يشركون " . وقد أجمع المسلمون على إطلاق القول لا ~~رازق إلا الله كما أجمعوا على أنه لا خالق إلا الله. # ويدل عليه أيضا: أنه لو فرض نشوء صبي من حال كونه طفلا إلى بلوغه بين ~~اللصوص وقطاع الطريق وكان يتناول من طعامهم المسروق المنهوب، ثم من بعد ~~إدراكه والبلوغ سلك مسلكهم في السرقة والنهب والغارة إلى أن شاخ وهرم، ولم ~~يتناول لقمة من حلال قط، فلو قال قائل: إن هذا الشخص لم يرزقه الله رزقا ~~قط، ولا أكل له رزقا، كان هذا القائل معاندا للنص الوارد، وخارقا لإجماع ~~المسلمين. فدلت هذه الجملة: أن لا خالق إلا الله ولا رازق إلا هو. # مسألة # ويجب أن يعلم: أن كل ما ورد به الشرع من عذاب القبر وسؤال منكر ونكير، ~~ورد الروح إلى الميت عند السؤال، ms029 ونصب الصراط، والميزان، والحوض والشفاعة ~~للعصاة من المؤمنين، كل ذلك حق وصدق، ويجب الإيمان والقطع به؛ لأن جميع ذلك ~~غير مستحيل في العقل. # وكذلك يجب القطع بأن الجنة والنار مخلوقتان في وقتنا، وكذلك يجب القطع ~~بأن نعيم أهل الجنة لا ينقطع، وأن عذاب جهنم مخلد للكفار، وإن من كان مؤمنا ~~لا يخلد في النار. # والدليل على إثبات عذاب القبر: قوله تعالى: " ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا " . قال أبو هريرة: يعني عذاب القبر. وأيضا: قوله صلى الله عليه ~~وسلم: القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. وقد قال تعالى: ~~" النار يعرضون عليها غدوا وعشيا " ، والغدو والعشي إنما يكون في الدنيا. ~~وأيضا ما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: أعوذ بالله من عذاب ~~القبر. PageV01P015 والدليل على سؤال منكر ونكير قوله تعالى: " يثبت الله ~~الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة " يعني وفي الآخرة ~~عند سؤال منكر ونكير. وأيضا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفن ابنه ~~إبراهيم جلس عند رأس القبر، فتكلم بكلام، ثم قال: ابني قل أبي، وروى عنه ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه: كيف بك يا عمر إذا جاءك ~~فتانا القبر ؟ فقال: أكون كما أنا الآن ؟ فقال له: نعم. فقال له: إذا ~~أكفيكهما. وروى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: رأيت أبي في ~~النوم، فقلت له يا أبت؛ منكر ونكير حق ؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا ~~هو، لقد جاءاني فقالا لي: من ربك ؟ فأخذت عليهما وقلت لهما: لا أخلي عنكما ~~حتى تعرفاني من ربكما، فقال أحدهما للآخر: دعه فإنه عمر الفاروق سراج أهل ~~الجنة. # ويدل على نصب الصراط: قوله تعالى: " وإن منكم إلا واردها كان على ربك ~~حتما مقضيا " قيل في التفسير: هو العبور على الصراط. وأيضا قوله صلى الله ~~عليه وسلم: ينصب الصراط على متن جهنم دحض مزلة والأنبياء عليه يقولون: سلم. ~~سلم. والناس يمرون ms030 عليه، فمنهم من يمر عليه كالبرق الخاطف ومنهم من يمر ~~عليه كالجواد من الخيل. إلى آخره. # والدليل على نصب الميزان: قوله تعالى: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ~~" وقوله " فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا " وأيضا فإن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: يا رسول الله هل تذكرون أهليكم يوم القيامة ؟ فقال لها: أما عند ~~مواطن ثلاثة فلا: الكتاب، والميزان، والصراط. # واعلم أن الموزون في الميزان هو صحائف الأعمال. وقيل في بعض الآثار: يشخص ~~رجل يوم القيامة على رؤس الخلائق، فيعرض عليه تسعة وتسعون سجلا مملوءة ~~سيئات، فيقال له احضر وزنك، قيل: فيوضع في كفة قال: فيحار العبد، فيقال له: ~~هل تعلك لك خبيئة أو حسنة ؟ قال: فيدهش، فيقول: يا رب لا أعلم شيئا. فيقول ~~تعالى: بل لك عندي خبيئة، فيخرج له بقدر الإصبع، فيقول: ما تغني هذه في جنب ~~هذه السجلات، فإذا فيها لا إله إلا الله. اللهم ثبتنا عليها بحولك وقوتك. # والدليل على الحوض: قوله تعالى: " إنا أعطيناك الكوثر " قيل في التفسير: ~~هو الحوض. وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: حوضي كما بين أيلة إلى مكة، له ~~ميزابان من الجنة أكاويبه كعدد نجوم السماء، شرابه أبيض من اللبن وأحلى من ~~العسل، وأطيب رائحة من المسك، من كذب به اليوم لم يصبه الشرب يومئذ. # والدليل على ثبوت الشفاعة: قوله تعالى: " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " يدل ~~على ثبوت الشفاعة لمن أراد سبحانه وتعالى، ويدل عليه قوله تعالى: " عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا " وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: شفاعتي لأهل ~~الكبائر من أمتي وأيضا: قوله صلى الله عليه وسلم: خيرت بين أن يدخل شطر ~~أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وأكفأ، أترونها ~~للمؤمنين المتقين، لا، ولكنها للمؤمنين الخاطئين. وأيضا: قوله صلى الله ~~عليه وسلم: يقال للعابد يوم القيامة ادخل الجنة، ويقال للعالم قف أنت فاشفع ~~لمن شئت. # والدليل على أن الجنة والنار مخلوقتان: قوله تعالى: " وجنة عرضها السموات ~~والأرض أعدت للمتقين " والمعد لا يكون إلا موجودا مهيئا. وأيضا ms031 قوله: " إنا ~~أعتدنا جهنم للكافرين نزلا " إلى غير ذلك من الآيات. وأيضا: قوله صلى الله ~~عليه وسلم: عرضت علي ليلة الإسراء الجنة والنار إلى غير ذلك من الأخبار. # والدليل على تخليد النعيم لأهل الجنة والعذاب لأهل النار: قوله تعالى في ~~أهل الجنة: " خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه " ~~والآي في ذلك كثير، وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: يؤتى بالموت يوم ~~القيامة في صورة كبش فيوقف بين الجنة والنار، فينظرون إليه فيقال لهم: هل ~~تعرفون هذا ؟ فيقولون نعم، هذا الموت، فيذبحن ثم ينادي مناد يا أهل الجنة: ~~خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. PageV01P016 والدليل على أنه لا ~~يخلد في النار أحد من المؤمنين بذنب: قوله تعالى: " إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " وقوله تعالى: " قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا " ~~وأيضا: قوله صلى الله عليه وسلم: لا يبقى في النار من في قلبه ذرة من إيمان ~~فإن الكفار لا ينفعهم إحسان مع الكفر، ولا يخرجون من النار، وكذلك الموحد: ~~لا تضره سيئة مع إثبات التوحيد، ولا يخلد في النار. قيل: وكان عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه يقول في دعائه: اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء إليك ~~وهو التوحيد، وقول لا إله إلا الله ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك وهو ~~الشرك فاغفر لي ما بين ذلك. # مسألة # ويجب أن يعلم: أن الإيمان على ضربين: إيمان قديم، وإيمان محدث، فالقديم ~~إيمان الحق سبحانه وتعالى؛ لنه سمى نفسه مؤمنا، فقال: " السلام للمؤمن ~~المهيمن " وإيمانه سبحانه وتعالى تصديقه لنفسه، لقوله: " شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو " وكذلك تصديقه لأنبيائه بكلامه، وكلامه قديم، صفة من صفات ~~ذاته. # والإيمان المحدث: إيمان الخلق؛ لأن الله تعالى خلقه في قلوبهم، بدليل ~~قوله تعالى: " أولئك كتب في قلوبهم الإيمان " وقوله تعالى: " ولكن الله حبب ~~إليكم الإيمان وزينه في ms032 قلوبكم " ولأن إيمان العبد صفة للعبد، وصفة المخلوق ~~مخلوقة، كما أن صفة الخالق قديمة، أعني صفة ذاته. وأيضا: فإن حد القديم هو: ~~الذي لا حد لوجوده، ولا آخر لدوامه، وحد المحدث: ما لم يكن ثم كان، فكما لم ~~يجز أن تكون صفة القديم محدثة، فكذلك لا تكون صفة المحدث قديمة. وكيف تكون ~~صفة المحدث قديمة، وهي عرض لا يستقل إلا بحامل، ولا يمكن قيامها بنفسها، ~~لأنه يستحيل وجود حركة من غير متحرك. وسكون من غير ساكن، وعلم من غير عالم. ~~وسواد من غير أسود إلى غير ذلك من صفات المحدثين. # واعلم أن حقيقة الإيمان هو: التصديق. والدليل عليه قوله تعالى إخبارا عن ~~إخوة يوسف عليه السلام: " وما أنت بمؤمن لنا " أي بمصدق لنا وأيضا: أن ~~الرسول عليه السلام لما أخبر عن كلام البقرة والذئب، فقال: أنا أومن به ~~وأبو بكر وعمر يريد أصدق. وأيضا: قول أهل اللغة: فلان يؤمن بالبعث والجنة ~~والنار؛ أي يصدق به. وفلان لا يؤمن بعذاب الأخرة، أي لا يصدق به. # واعلم: أن محل التصديق القلب، وهو: أن يصدق القلب بأن الله إله واحد، وأن ~~الرسول حق، وأن جميع ما جاء به الرسول حق، وما يوجد من اللسان وهو الإقرار ~~وما يوجد من الجوارح وهو العمل، فإنما ذلك عبارة عما في القلب، ودليل عليه. ~~ويجوز أن يسمى إيمانا حقيقة على وجه، ومجازا على وجه: ومعنى ذلك: أن العبد ~~إذا صدق قلبه بما قلنا وأقر بلسانه، وعملت جوارحه فهو المؤمن الحقيقي عند ~~الله وعندنا. وأما من كذب بقلبه وأقر بالوحدانية بلسانه وعمل الطاعات ~~بجوارحه فهذا ليس بمؤمن حقيقة، وإنما هو مؤمن مجازا، لأن ذلك يمنع دمه ~~وماله في أحكام الدنيا، لأنه مؤمن من حيث الظاهر، وهو عند الله غير مؤمن. # والدليل على صحة ذلك: قوله: " إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " فأخبر ~~سبحانه بكذبهم، ونحن نعلم وكل عاقل أنه ما كذب إقرار ألسنتهم، وإنما كذب ~~قلوبهم، حيث ms033 أبطنوا خلاف ما أظهروا، لأن الأخرس المصدق بقلبه إيمانه صحيح، ~~وإن كان لا يقدر على النطق والإقرار بلسانه، وكذلك بالعكس من هذا، فإن ~~المؤمن المصدق بقلبه مؤمن عند الله تعالى، وإن نطق بالكفر. يدلك على صحة ~~ذلك: قوله تعالى: " من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرا " فأخبر أن نطق اللسان بالإيمان لا ينفع ~~مع إصرار القلب على الكفر، وإقرار اللسان بالكفر لا يضر مع تصديق القلب. ~~PageV01P017 واعلم: أنا لا نفكر أن نطلق القول بأن الإيمان عقد بالقلب ~~وإقرار باللسان وعمل بالأركان، على ما جاء في الأثر لأنه صلى الله عليه ~~وسلم إنما أراد بذلك أن يخبر عن حقيقة الإيمان الذي ينفع في الدنيا ~~والآخرة، لأن من أقر بلسانه، وصدق بقلبه، وعمل أركانه حكمنا له بالإيمان ~~وأحكامه في الدنيا من غير توقف ولا شرط، وحكمنا له أيضا بالثواب في الآخرة ~~وحسن المنقلب، من حيث شاهد الحال، وقطعنا له بذلك في الآخرة، بشرط أن يكون ~~في معلوم الله تعالى أنه يحييه على ذلك، ويميته عليه. ولو أقر بلسانه، وعمل ~~بأركانه، ولم يصدق بقلبه، نفعه ذلك في أحكام الدنيا ولم ينفعه في الآخرة، ~~وقد بين ذلك صلى الله عليه وسلم حيث قال: يا معشر من آمن بلسانه ولما يدخل ~~الإيمان في قلبه وإذا تأملت هذا التحقيق وتدبرته وجدت بحمد الله تعالى ~~ومنه: أن الكتاب والسنة ليس فيهما اضطراب ولا اختلاف، وإنما الاضطراب: ~~والاختلال، والاختلاف في فهم من سمع ذلك، وليس له فهم صحيح، نعوذ بالله من ~~ذلك. # وكذلك أيضا: لا ننكر أن نطلق أن الإيمان يزيد وينقص. كما جاء في الكتاب ~~والسنة؛ لكن النقصان والزيادة يرجع في الإيمان إلى أحد أمرين: إما أن يكون ~~ذلك راجعا إلى القول والعمل، دون التصديق؛ لأن ذلك يتصور فيهما مع بقاء ~~الإيمان، فأما التصديق فمتى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان. وبيان ذلك: أن ~~المصدق بجميع ما جاء به الرسول عليه السلام إذا ترك صلاة أو صياما ms034 أو زكاة ~~أو قراءة في موضع تجب فيه القراءة، أو غير ذلك من الواجبات لا يوصف بالكفر ~~بمجرد الترك مع كمال التصديق وثباته عليه. وبالضد من ذلك لو فعل جميع ~~الطاعات. وأقر بجميع الواجبات، وصدق بجميع ما جاء به الرسول إلا تحريم ~~الخمر أو نكاح الأم، ولم يفعل واحدا منهما، فإنه يوصف بالكفر، وانسلخ من ~~الإيمان، ولا ينفع جميع ذلك مع انخرام تصديقه في هذا الحكم الواحد، فيجوز ~~نقص الإيمان وزيادته من طريق الأقوال والأفعال، ولا يجوز من طريق التصديق، ~~وقد بين ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله: لا يكمل إيمان العبد حتى يحب لأخيه ~~المسلم الخير وكذلك قوله حتى يأمن جاره بوائقه وأراد بذلك الكف عن الأذى، ~~ولم يرد التصديق، لأنه لو استحل أذاه لم يكن له إيمان لا زائد ولا ناقص. ~~فافهم ذلك. # والأمر الثاني: في جواز إطلاق الزيادة والنقصان على الإيمان، يتصور أيضا ~~أن يكون من حيث الحكم لا من حيث الصورة، فيكون ذلك أيضا في الجميع من ~~التصديق والإقرار والعمل، ويكون المراد بذلك في الزيادة والنقصان راجعا إلى ~~الجزاء والثواب، والمدح والثناء، دون نقص وزيادة في تصديق، من حيث الصورة. ~~وقد دل على ذلك الكتاب والسنة. # أما الكتاب: فقوله تعالى: " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلا وعد الله الحسنى، ~~والله بما تعملون خبير " ولم يرد أن تصديق من آمن قبل الفتح يزيد على تصديق ~~من آمن بعد الفتح؛ لأن كل واحد منها من حيث الصورة مصدق بجميع ما جاء به ~~الرسول عليه السلام، لكن تصديق أولئك أكمل في الحكم والثواب، والدرجة، لأن ~~هذا يصدق بشيء لا يصدق به الآخر. # وأما السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أصحابي، فلو أنفق أحدكم ~~مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، ومعلوم أن إنفاق مثل أحد ذهبا ما ~~أنفقه أحد من الصحابة، لكن إيمانهم ونفقتهم في الحكم والثواب، والجزاء، ~~والدرجة أزيد أكمل من ms035 نفقة غيرهم، فهي وإن كانت في الصورة أكثر، لكنها أنقص ~~من حيث الحكم، لا من حيث العين، فاعلم حكم ذلك وتحققه، ووازن هذا من ~~أفعالنا اليوم، وأنها تتصف بالزيادة من حيث الحكم دون العين. أن من صلى ~~صلاة الظهر في بلد من البلاد غير مكة والمدينة، وأتى بجميع شرائطها، وآخر ~~صلى بمكة والمدينة على الوجه الذي صلى عليه الآخر، لا يقال: إن أحد ~~الصلاتين أزيد من الأخرى من طريق الصورة والعين، ولكن أحدهما أزيد من طريق ~~الحكم؛ في تحصيل الفضيل والثواب، ولهذا نظائر يطول تعدادها، وقد تكون ~~الزيادة بكثرة دلائل التصديق لا في التصديق. # مسألة # الإسلام والإيمان PageV01P018 ويجب أن يعلم: أن كل إيمان إسلام، وليس كل ~~إسلام إيمانا، لأن معنى الإسلام الانقياد، ومعنى الإيمان التصديق، ويستحيل ~~أن يكون مصدق غير منقاد، ولا يستحيل أن يكون منقاد غير مصدق؛ وهذا كما ~~يقال: كل نبي صالح، وليس كل صالح نبيا. # ويدل على صحة هذه الجملة قوله تعالى: " قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا " فنفى عنهم الإيمان وأثبت أن ذلك منهم إسلام لا إيمان. ~~وأيضا: قوله تعالى: " يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين " فغاير بين الإسلام ~~والإيمان. # ويدل على صحة هذا القول أيضا. أن الرسول عليه السلام فرق هو وجبريل بين ~~الإسلام والإيمان حين سأله، فقال له ما الإيمان ؟ فقال له صلى الله عليه ~~وسلم: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ~~حلوه ومره فقال جبريل عليه السلام: صدقت. والمراد بجميع ذلك أن: تصدق بالله ~~ورسوله، إلى آخر ما ذكر، ثم قال له: فما الإسلام ؟ فقال: أن تشهد أن لا إله ~~إلا الله وأني رسول الله، وأن نقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم شهر رمضان ~~وتحج البيت وتغتسل من الجنابة وهذا واضح في كونهما غيرين، وأن محل الإيمان ~~القلب، وهو التصديق، ومحل الإسلام الجوارح، وهذا الحديث يقوي لك جميع ما ~~ذكرت لك. وأن التصديق ms036 متى اختل منه شيء انخرم الإيمان، والقول والعمل يزيد ~~وينقص، فعلى ما قررت لك لا يجوز أن نطلق. فنقول: إيمان أحدنا كإيمان جبريل، ~~ولا كإيمان محمد صلى الله عليه وسلم، ولا كإيمان الصديق رضي الله عنه، بل ~~نمنع من ذلك، ونريد به أن إيمان هؤلاء أفضل وأكمل وأرفع، من طريق الحكم ~~الذي بينت لك، ومن طريق آخر: وهو أنه قد بان لهؤلاء من دلائل الوحدانية ~~أكثر مما بان لنا، فلا نطلق التسوية بين إيمانهم وإيماننا، ولا نريد بذلك ~~أن نصدق بعض ما جاء به الرسل عليهم السلام والصديق يصدق بالجميع، بل لا يصح ~~لأحد إيمان حتى يصدق بالجميع، لكن إيمان الصديق أكمل وأفضل من الوجوه التي ~~بينت لك. # مسألة # ويجب أن يعلم: أنه يجوز أن يقول العبد أنا مؤمن حقا ويعني به في الحال، ~~ويجوز أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله ويعني به في المستقبل. فأما في الماضي ~~وفي الحال فلا يجوز أن يقول إن شاء الله لأن ذلك يكون شكا في الإيمان، ولأن ~~الاستثناء إنما يصح في المستقبل، ولا يصح في الماضي، وقد بين ذلك سبحانه ~~وتعالى. في قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم: " ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك ~~غدا. إلا أن يشاء الله " وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: إنا غدا إن شاء ~~الله نازلون بخفيف بني كنانة ولأن المشيئة لله تعالى سابقة لكل موجود، ~~فلولا المشيئة لما وجد الموجود، فكما لا يجوز أن يستثنى في الحال فلا يجوز ~~أن يقطع في المستقبل. فاعلم ذلك وتحققه. # مسألة # ويجب أن يعلم: أن الاسم هو المسمى بعينه وذاته، والتسمية الدالة عليه ~~تسمى اسما على سبيل المجاز. # والدليل عليه قوله تعالى: " تبارك اسم ربك " ومعناه: تبارك ربك، وأيضا ~~قوله تعالى: " سبح اسم ربك " ولا يشك عاقل أن المسبح هو الله تعالى، لا قول ~~من يقول التسبيح، ويدل عليه قوله تعالى: " ما تعبدون من دونه إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وأباؤكم، ما أنزل الله بها من سلطان، إن الحكم إلا الله ms037 أمر ~~ألا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون " وقد ~~علمنا أنهم ما كانوا يعبدون الأقوال والتسميات، وإنما كانوا يعبدون ~~الأصنام. فأما قوله تعالى ولله الأسماء الحسنى وقوله صلى الله عليه وسلم: ~~إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة، فالعدد في ذلك راجع إلى ~~التسميات التي هي عبارات الاسم، فالتسمية تدل على الذات حسب دلالة الكتابة ~~على المكتوب، فمن لا يميز بين الاسم والتسمية وبين الكتابة والمكتوب وما ~~جرى هذا المجرى فلا يحل الله له أن يفتي في دين الله تعالى، نعوذ بالله من ~~الجهل بالله تعالى وصفاته. # مسألة # ويجب أن يعلم: أنه يجوز لله تعالى إرسال الرسل وبعث الأنبياء، خلافا لما ~~تدعيه البراهمة. # والدليل عليه أيضا: أنه مالك الملك يفعل ما يشاء، مع ما سبق من أنه ليس ~~في إرسال الرسل استحالة، ولا خروج عن حقائق العقول، فدل على جواز ذلك. # مسألة PageV01P019 ويجب أن يعلم: أن صدق مدعي النبوة لم يثبت بمجرد ~~دعواه، وإنما يثبت بالمعجزات، وهي أفعال الله تعالى الخارقة للعادة ~~المطابقة لدعوى الأنبياء، وتحديهم للأمم بالإتيان بمثل ذلك. # يبين لك ذلك: أن موسى عليه السلام جاء في زمان سحرة وسحر، فتحداهم بقلب ~~العصا حية، فعلم المحققون منهم في السحر: أن ذلك خارج عن قبيل السحر؛ ~~لعجزهم عن ذلك، وخرقه لعادة السحر، فسارعوا إلى الإيمان، وهذا يدل على فضل ~~العلم من أي نوع كان: فإنه أولى من سارع إلى الإيمان السحرة، لعلمهم ~~بالسحر، فكان في علمهم ذلك وإن كان باطلا فضل كبير على غيرهم من قومهم ممن ~~لا يعلم السحر. # وكذلك عيسى عليه السلام: جاء في زمان قوم طب ومداواة، فأحيا الموتى، ~~وأبرأ الأكمه والأبرص، فأتى بما هو خارج عن قبيل الطب. خارقا للعادة فيه، ~~لا يقدر عليه مخلوق. # وكذلك: نبينا صلى الله عليه وسلم، جاء في وقت فصاحة وشعر وخطب ونظم ونثر، ~~فأتاهم بما هو خارج عن عاداتهم في النظم والنثر، وهو أفصح وأجزل وأوجز، ~~وتحداهم بالإتيان بمثله، فوجدوا ذلك خارجا ms038 عن نظمهم ونثرهم وخارقا لعادتهم، ~~فعجزوا عنه فسارع من هداه الله إلى الإيمان به، ولله الحمد والمنة، على ~~الهداية والتوفيق. # مسألة # ويجب أن يعلم: أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كافة الخلق، ~~وأن شرعه لا ينسخ، بل هو ناسخ لجميع من خالفه من الملل. # والدليل على ذلك: ثبوت نبوته، وصدق مقاله، وقد أخبر بجميع ذلك. # واعلم أن أكبر معجزاته القرآن العربي، وفيه وجوه من الإعجاز. # أحدها: ما اختص به من الجزالة، والنظم والفصاحة الخارجة عن أساليب ~~الكلام، وتحدى به فصحاء العرب بأن يأتون بسورة من مثله فعجزوا عن الإتيان ~~بمثله، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، ولم يتأت لهم ذلك في مدة ثلاث وعشرين ~~سنة. # ومن وجوه الإعجاز في القرآن: اشتماله على قصص الأولين، وما كان من أخبار ~~الماضين، مع القطع بأنه صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يكتب ولا يقرأ، ولم ~~يعهد منه صلى الله عليه وسلم في جميع زمانه تعاط لدراسة كتب ولا تعلمها، ~~وقد نفى عنه سبحانه وتعالى ذلك بقوله: " وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا ~~تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون " . # ومن وجود الإعجاز: أن اشتمال القرآن على ما لا يحصى من علم غيوب متعلقة ~~بالمستقبل ظاهر جلي، مثل قوله تعالى: " والعاقبة للمتقين " وقوله تعالى. " ~~لتدخلن المسجد الحرام " . ومثل قوله " كتب الله لأغلبن أنا ورسلي " إلى غير ~~ذلك، من وجوه الإعجاز في القرآن كثير جدا. # وله صلى الله عليه وسلم آيات ومعجزات سوى القرآن: كانشقاق القمر، ~~واستنزال المطر، وإزالة الضرر من الأمراض، ونبع الماء من بين أصابعه، ~~وتسبيح الحصى في يده، ونطق البهائم، إلى غير ذلك من المعجزات والآيات ~~الخارقة للعادة صلى الله عليه وسلم رزقنا الله شفاعته، وحشرنا في زمرته. # مسألة # ويجب أن يعلم: أن نبوات الأنبياء صلوات الله عليهم لا تبطل، ولا تنخرم، ~~بخروجهم عن الدنيا وانتقالهم إلى دار الآخرة، بل حكمهم في حال خروجهم من ~~الدنيا كحكمهم في حالة نومهم، وحالة اشتغالهم، إما بأكل أو شرب، أو قضاء ~~وطر. # والدليل ms039 عليه: أن حقيقة النبوة: لو كانت ثابتة لهم في حالة اشتغالهم ~~بأداء الرسالة دون غيرها من الحالات، لكانوا في غيرها من الأحوال غير ~~موصوفين بذلك. وقد غلط من نسب إلى مذهب المحققين من الموحدين إبطال نبوة ~~الأنبياء عليهم السلام بخروجهم من دار الدنيا. وليس ذلك بصحيح، لأن مذهب ~~المحققين: أن الرسول ما استحق شرف الرسالة بتأدية الرسالة، وإنما صار رسولا ~~واستحق شرف الرسالة والنبوة بقول مرسله: وهو الله تعالى: أنت رسول ونبيي. ~~وقول الله تعالى قديم لا يزول ولا يتغير. PageV01P020 والدليل على صحة هذا ~~أيضا: أنه صلى الله عليه وسلم سئل، فقيل له: متى كنت نبيا ؟ فقال: كنت نبيا ~~وآدم بين الماء والطين فحاصل الجواب في هذا: أن شرف النبوة وكمال المنصب ~~ثابت للأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين الآن، حسب ما كان ثابتا لهم في حال ~~الحياة، لم ينثلم ولم ينتقص، سواء نسخت شرائعهم أو لم تنسخ، ومن راجع نفسه ~~ولم يغالط حسه عرف وتحقق أن النبي صلى الله عليه وسلم الآن لم يخاطب شفاها، ~~ولا يأمرهم ولا يكلمهم من غير واسطة، لكن حكم شريعته وصحة نبوته ثابت لم ~~ينتقض، لأجل خروجه من الدنيا، ولم تزل مرتبته، ولا انخرمت رسالته، ولا بطلت ~~معجزته، فاعلم ذلك وتحققه. # مسألة # ويجب أن يعلم: أن إمام المسلمين وأمير المؤمنين ومقدم خلق الله أجمعين، ~~من الأنصار والمهاجرين، بعد الأنبياء والمرسلين: أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه، لقوله تعالى: " ثاني اثنين إذ هما في الغار " ولا أفضل من اثنين ~~ثالثهما الله تعالى لقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن ~~دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " وهو الصديق وأصحابه، لما قاتل ~~أهل الردة. ولقوله تعالى: " والذي جاء بالصدق وصدق به " قيل في أصح ~~التفاسير: الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق أبو بكر الصديق؛ ~~يؤكد صحة هذا التفسير قوله صلى الله عليه وسلم: قال الناس لي كذبت، وقال ~~أبو بكر صدقت ويدل عليه قوله تعالى: " لا يستوي منكم من أنفق من ms040 قبل الفتح ~~وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلا وعد الله ~~الحسنى، والله بما تعملون خبير " والصديق رضي الله عنه أول من أنفق على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، يؤكد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: إن أمن ~~الناس علي في نفس ومال أبو بكر الصديق، ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر. # ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء أتمشي أمام من هو خير ~~منك، والله ما طلعت الشمس ولا غربت على رجل بعد النبيين والمرسلين أفضل من ~~أبي بكر، وليس في السماء ولا في الأرض بعد النبيين أو المرسلين خير من أبي ~~بكر. وكان رضي الله عنه مفروض الطاعة، لإجماع المسلمين على طاعته وإمامته، ~~وانقيادهم له، حتى قال أمير المؤمنين علي عليه السلام مجيبا لقوله رضي الله ~~عنه لما قال: أقيلوني، فلست بخيركم. فقال: لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لديننا ألا نرضاك لدنيانا. يعني بذلك حين قدمه ~~للإمامة في الصلاة مع حضوره، واستنابته في إمارة الحج فأمرك علينا. وكان ~~رضي الله عنه أفضل الأمة، وأرجحهم إيمانا، وأكملهم فهما، وأوفرهم علما، ~~وأكثرهم حلما، وبه نطق قوله صلى الله عليه وسلم: ولو وزن إيمان أبي بكر ~~بإيمان أهل الأرض لرجح إيمان أبي بكر على إيمان أهل الأرض. # ثم من بعده على هذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، لاستخلافه إياه، وقد ~~ورد في فضائله رضي الله عنه من الأحاديث ما لا يحصى. # ومن جملة ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: لو كان بعدي نبي لكان عمر، إن ~~الله ربط الحق بلسان وعمر وقلبه وأيضا: قوله صلى الله عليه وسلم: كادت ~~أنفاس عمر تسبق الوحي لأنه كلمه في أسارى بدر، وأن تضرب أعناقهم، فنزل قوله ~~تعالى: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا ~~والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم " فقال: لو نزل من السماء عذاب ما نجا ~~منه إلا عمر ms041 حين نزل قوله تعالى: " لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ~~عذاب عظيم " وقال: لو حجبت نساءك فإنه يدخل عليك البر والفاجر، فنزلت آية ~~الحجاب وقال: عسى ربه إن طلقكن فنزلت الآية في ذلك، وفضله أكثر من أن يحصى. # وبعده: أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، لإجماع المسلمين أنه من جملة ~~الستة الذين نص عمر عليهم. وقد قال صلى الله عليه وسلم: إن عثمان أخي ~~ورفيقي في الجنة وقال صلى الله عليه وسلم: لو كان لنا ثالثة زوجناكها يا ~~عثمان. وقال صلى الله عليه وسلم: دعوت الله تعالى أن يرفع الحساب عن عثمان ~~ففعل. وقال صلى الله عليه وسلم: من يزيد في المسجد أضمن له الجنة ؟ فزاد ~~فيه عثمان. وقال: من يشتري رومة أضمن له الجنة فاشتراها عثمان وجعلها ~~للمسلمين. وقال: من يجهز جيش العسرة فله الجنة فجهزه عثمان: تسعمائة وخمسين ~~بعيرا، وأتمها ألفا بخمسين فرسا. PageV01P021 وبعده أمير المؤمنين: علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~فضائله أحاديث كثيرة منها: قوله صلى الله عليه وسلم: اللهم أدر الحق مع علي ~~حيث ما دار. وقال صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هالون ~~من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. وقال صلى الله عليه وسلم: لأعطين الراية غدا ~~رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فأعطاها لعلي عليه السلام. # مسألة # والدليل على إثبات الإمامة للخلفاء الربعة رضي الله عنهم على الترتيب ~~الذي بيناه: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أعلام الدين، ومصابيح أهل ~~اليقين، شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وشهد لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأنهم خير القرون، فقال: خير القرون قرني فلما قدموا هؤلاء الأربعة ~~على غيرهم ورتبوهم على الترتيب المذكور، علمنا أنهم رضي الله عنهم لم ~~يقدموا أحدا تشهيا منهم، وإنما قدموا من قدموه لاعتقادهم كونه أفضل وأصلح ~~للإمامة من غيره في وقت توليه. # قال الشريف الأجل الإمام جمال الإسلام. ووقع لي أنا دليل من ms042 نص الكتاب في ~~ترتيبهم على هذه الرتبة: أنه لا يجوز أن يكون غير ذلك هو قوله تعالى: " وعد ~~الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدانهم من بعد خوفهم ~~أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " ~~ووعده حق، وخبره صدق، لا يقع بخلاف مخبره، فلا بد من أن يتم ما وعدهم به، ~~وأخبر أن يكون لهم، ولا يصح إلا على هذا الترتيب: لأنه لو قدم علي عليه ~~السلام لم تصر الخلافة فيها إلى أحد من الثلاثة، لأن عليا عليه السلام مات ~~بعد الثلاثة. وكذلك لو قدم عثمان رضي الله عنه لم تصر الخلافة إلى أبي بكر ~~وعمر، لأن عثمان مات بعد موتهما، ولو قدم عمر لم تصر الخلافة إلى أبي بكر ~~لأن عمر مات بعده، والله تعالى أخبر ووعد أنها تصير إليهم فلم يصح أن تقع ~~إلا على الوجه الذي وقعت. ولله الحمد على الهداية والتوفيق. # مسألة # ويجب أن يعلم: أن ما جرى بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضى عنهم ~~من المشاجرة نكف عنه، ونترحم على الجميع، ونثني عليهم، ونسأل الله تعالى ~~لهم الرضوان، والأمان، والفوز، والجنان. ونعتقد أن عليا عليه السلام أصاب ~~فيما فعل وله أجران. وأن الصحابة رضي الله عنهم إنما صدر منهم ما كان ~~باجتهاد فلهم الأجر، ولا يفسقون ولا يبدعون. # والدليل على قوله تعالى: " رضى الله عنهم ورضوا عنه " وقوله تعالى: " لقد ~~رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل ~~السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا " وقوله صلى الله عليه وسلم: إذا اجتهد ~~الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر فإذا كان الحاكم في ~~وقتنا له أجران على اجتهاده فما ظنك باجتهاد من رضي الله عنهم ورضوا عنه. # ويدل على صحة هذا القول: قوله صلى الله عليه وسلم للحسن عليه السلام: إن ~~ابني سيد وسيصلح الله به بين فئتين ms043 عظيمتين من المسلمين فأثبت العظم لكل ~~واحدة من الطائفتين، وحكم لهم بصحة الإسلام. وأيضا قوله صلى الله عليه ~~وسلم: يكون بين أصحابي هنات ونزغات يكفرها الله تعالى لهم ويشقى فيها من ~~شقى. وقد وعد الله هؤلاء القوم بنزع الغل من صدورهم بقوله تعالى: " ونزعنا ~~ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين " . # مسألة # خير الأمة # ويجب أن يعلم أن خير الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفضل ~~الصحابة العشرة الخلفاء الراشدون الأربعة رضى الله عن الجميع وأرضاهم، ونقر ~~بفضل أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك نعترف بفضل أزواجه رضي ~~الله عنهن، وأنهن أمهات المؤمنين، كما وصفهن الله تعالى ورسوله، ونقول في ~~الجميع: خيرا، ونبدع، ونضلل، ونفسق من طعن فيهن أو في واحدة منهن، لنصوص ~~الكتاب والسنة في فضلهم ومدحهم والثناء عليهم، فمن ذكر خلاف ذلك كان فاسقا ~~مخالفا للكتاب والسنة نعوذ بالله من ذلك. # مسألة PageV01P022 ويجب الكف عن ذكر ما شجر بينهم، والسكوت عنه، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: إياكم وما شجر بين أصحابي وروى عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه قيل له: ما تقول فيما شجر بين الصدر الأول ؟ فقال: أقول كما قال ~~الله تعالى: " ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا للذين آمنا " وسئل عن ذلك جعفر بن محمد الصادق عليه السلام. ~~فقال: أقول ما قال الله: " علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى " . ~~وسئل بعضهم عن ذلك فقال: " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون " . وسئل عمر بن عبد العزيز عن ذلك فقال: تلك دماء ~~طهر الله يدي منها أفلا أطهر منها لساني؛ مثل أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مثل العيون ودواء العيون ترك مسها. # مسألة # شروط الإمامة # ويجب أن يعلم: أن الإمامة لا تصلح إلا لمن تجتمع فيه شرائط. # منها: أن يكون قرشيا؛ لقوله عليه السلام: الأئمة من قريش. # والثني: أن ms044 يكون مجتهدا من أهل الفتوى؛ لأن القاضي الذي يكون من قبله ~~يفتقر إلى ذلك، فالإمام أولى. # والثالث: أن يكون ذا نجدة وكفاية وتهد لسياسة الأمور، ويكون حرا ورعا في ~~دينه. وهذه الشرائط كانت موجودة في خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقال عليه السلام: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا وكانت أيام ~~الخلفاء الأربعة هذا القدر، وفقنا الله للصواب، وعصمنا من الخطأ والزلل ~~بمنه ورحمته. # فصل # اعلموا رحمنا الله وإياكم: أن أهل البدع والضلال من الخوارج، والروافض ~~والمعتزلة قد اجتهدوا أن يدخلوا على أهل السنة والجماعة شيئا من بدعهم ~~وضلالهم فلم يقدروا على ذلك، لذب أهل العلم ودفع الباطل، حتى ظفروا بقوم في ~~آخر الوقت من تصدى للعلم ولا علم له ولا فهم، ويستنكف ويتكبر أن يتفهم وأن ~~يتعلم؛ لأنه قد صار متصدرا معلما بزعمه، فيرى بجهله أن عليه في ذلك عارا ~~وغضاضة، وكان ذلك منه سببا إلى ضلاله وضلال جماعته من الأمة. # واعلم: أن أخبث من ذكرنا من المبتدعة، وأكثرهم شبها وأعظمهم استجلابا ~~لقلوب العوام. المعتزلة، فجعلوا يتطلبون أن يضلوا من ذكرنا في مسألة القدر، ~~فلم يقدروا، وكذلك في مسألة الرؤية، فلم يقدروا، وكذلك في مسألة الشفاعة ~~والصراط والميزان، وعذاب القبر، وجميع ما أنكروه مما صحت فيه الآثار فلم ~~يقدروا عليهم في شيء من ذلك، ولم يظفروا به، فجاءوا إلى مسألة القرآن ~~وعقدهم فيه أنه مخلوق محدث موصوف بصفات المخلوقين، فما قدروا أن يصرحوا ~~بكونه مخلوقا، فما زالوا يحسنوا لهم أمورا حتى قالوا: بأن القرآن يتصف ~~بصفات الخلق، وذلك أكبر عمدة لهم في كونه مخلوقا، فرضوا منهم بأن يقولوا ~~بخلق القرآن معنى وإن لم يصرحوا به نطقا. وكان أكبر غرض هؤلاء الجهلة ممن ~~يتصدى للعلم وليس من أهل ذلك، أن ينفروا العوام من أهل التحقيق والذين ~~يعرفون مغزاهم في ذلك، حتى لا يسمع كلامهم ولا يتعلم منهم حتى ينقرضوا شيئا ~~فشيئا ويتم لهم ما أرادوا في الجهال والعوام. # وأنا بحمد الله وعونه وحسن توفيه أبين لك ذلك ms045 مسألة مسألة، وأذكر لك ~~شبههم في كل مسألة، وهي أربع مسائل: مسألة القرآن وهي أهمها: والثانية: ~~مسألة القدر والجرح والتعديل: والثالثة: مسألة الرؤية: والرابعة مسألة ~~الشفاعة: # مسألة # كلام الله # اعلم: أن الله تعال متكلم، له كلام عند أهل السنة والجماعة، وأن كلامه ~~قديم ليس بمخلوق، ولا مجعول، ولا محدث، بل كلامه قديم صفة من صفات ذاته، ~~كعلمه وقدرته وإرادته ونحو ذلك من صفات الذات. ولا يجوز أن يقال كلام الله ~~عبارة ولا حكاية، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق، ولا يجوز أن يقول أحد لفظي ~~بالقرآن مخلوق، ولا غير مخلوق، ولا أني أتكلم بكلام الله، هذه جملة أنا ~~أفصلها واحدا واحدا إن شاء الله تعالى. # مسألة PageV01P023 فأما الدليل على كون كلام الله قديما غير مخلوق، فمن ~~الكتاب قوله تعالى " ألا له الخلق والأمر " فصل بين الخلق والأمر، فدل على ~~أن المر غير مخلوق لأن كلامه أمر ونهي وخبر. وأيضا قوله تعالى: " والله ~~يقول الحق " ويدل عليه أيضا قوله تعالى: " إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون " ولو أن كلامه مخلوق لاحتاج في خلقه إلى قول يقول به كن ~~واحتاج القول إلى قول ثالث، والثالث إلى رابع، إلى ما لا نهاية له، وهذا ~~محال باطل، فثبت أن القول الذي تكون به الأشياء المخلوقة غير مخلوق، وهو ~~كلامه القديم. # ويدل عليه من السنة: قوله صلى الله عليه وسلم. فضل كلام الله على سائر ~~الكلام كفضل الله على سائر خلقه. فلما كان فضل الله على خلقه بقدمه ودوامه؛ ~~لأنه غير مخلوق وهم مخلوقون، فكذلك القول في كلامه، فوجب أن يكون غير ~~مخلوق، وكلامهم مخلوقا. # ويدل عليه أيضا: أن أبا الدرداء لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~القرآن فقال: " كلام الله غير مخلوق " : ويدل عليه أيضا: إجماع الصحابة، ~~وهو أن عليا عليه السلام لما أنكر عليه التحكيم وكفر الخوارج فقال بحضرة ~~الصحابة: والله ما حكمت مخلوقا، وإنما حكمت القرآن، ولم ينكر ذلك منكر، فدل ~~على أنه إجماع، ولأنه ms046 لو كان مخلوقا: لم يخل أن يكون خلقه في نفسه أو في ~~غيره. أو في غير شيء، ولا يجوز أن يكون مخلوقا في نفسه لأن ذاته لا تقوم ~~بها المخلوقات والحوادث يتعالى عن ذلك علوا كبيرا. # ولا يجوز أن يكون خلقه في غيره، لأنه لو كان خلقه في غيره لكان ذلك الغير ~~إلها، آمرا، ناهيا قائلا: " يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم " وهذا ~~محال باطل، ولا يجوز أن يكون خلقه في غير شيء، لأنه يؤدي إلى وجود كلام من ~~غير متكلم وهذا محال. فإذا ثبت بطلان هذه الثلاثة الأقسام لم يبق إلا أنه ~~غير مخلوق، بل هو صفة من صفات ذاته، قديم بقدمه، موجود بوجوده موصوف به، ~~فيما لم يزل وفيما لا يزال. ولا يجوز أن يباينه، ولا يزايله، ولا يحل في ~~مخلوق، ولا يتصف بالحول رأسا، فاعلم ذلك وتحققه. # فإن احتجوا بقوله تعالى: " الله خالق كل شيء " وربما قرر عليك هذا السؤال ~~والدليل، كما قرره بشر المريسي علي عبد العزيز المكي وهو: أنه قال له: ~~أتقول إن القرآن شيء أو ليس بشيء ؟ فقال: بل هو شيء، فقال يا أمير المؤمنين ~~سلم أن القرآن مخلوق، لأن الله تعالى قال: " الله خالق كل شيء " والجواب أن ~~يقال: في أول الأمر أي شيء أردت بقولك إنه شيء فإن أردت أنه موجود ثابت ~~فنعم، وإن أردت بقولك إنه شيء كالأشياء من حيث خروجه من العدم إلى الوجود ~~كالأشياء الموجودة بعد العدم فلا نقول ذلك. # والموجود الثابت لا يدل على أنه مخلوق محدث، فإن الله موجود ثابت دائم ~~الوجود ليس بمخلوق. وأما الجواب على جملة خالق كل شيء فالمراد به الخصوص ~~دون العموم فإنه بعضه قطعا وأنه غير داخل في ذلك كما سمى نفسه، فقال: " كتب ~~على نفسه الرحمة " ثم قال: " كل نفس ذائقة الموت " ولا تدخل نفسه في ذلك، ~~وإنما المراد به كل نفس منفوسة مخلوقة، كذلك قوله: " الله خالق كل شيء " ~~يعني مما يصح فيه الخلق والحدث، وصفات ذاته قديمة بقدمه ms047 وموجودة بوجوده، ~~فلم تدخل في ذلك. ومثل هذا في القرآن كثير، فإن الله تعالى قال فيما أخبر ~~به عن داود وسليمان عليهما السلام: " يا أيها الناس علمنا منطق الطير ~~وأوتينا من كل شيء " ولم يؤتيا سماء ولا أرضا، ولا شمسا ولا قمرا ولا جنة، ~~ولا نارا، ولا ملائكة، ولا عرشا، ولا غير ذلك، وإنما أراد أوتينا من كل شيء ~~ينبغي لمثلنا. وكذلك قوله في قصة بلقيس: " وأوتيت من كل شيء " : ومعلوم ~~أنها لم تؤت النبوة، ولا تسخير طير، إلى غير ذلك؛ إنما أراد به الخصوص دون ~~العموم، لأنها ما دمرت هودا، ولا السماء، ولا الملائكة، ولا الجبال، إلى ~~غير ذلك. PageV01P024 قال الشريف الأجل جمال الإسلام: ووقع لي جواب أخصر من ~~هذا وأجود إن شاء الله وهو: أن يقول: الآية حجة عليكم، وأن القرآن ليس ~~بمخلوق، وذلك أنه سبحانه وتعالى أفرد الخالق من المخلوق، فسمى نفسه خالقا، ~~وسمى كل شيء دونه مخلوقا، فالخالق بجميع صفات الذات، غير مخلوق، لأن الاسم ~~هو المسمى، على ما قررنا، وهذا صحيح، لأن الخالق هو الله العالم، القادر، ~~المريد، المتكلم، وكلامه هو القرآن، فدل على أنه غير مخلوق، ولا داخل في ~~الأشياء المخلوقة، والذي يفهم من ذلك؛ فإن كان عاقل يعلم أنه يصنع كل شيء ~~غير ذاته بصفاتها من قدرته، وحياته، وعلمه، وكلامه. وكذلك إذا قيل آخذ ~~الملك اليوم كل أحد، وصغر كل صفه وحقرها ومعلوم أن ذاته ما دخلت في ~~المفعولين ولا دخلت صفاته في التحقير والتصغير فكذلك قوله: " الله خالق كل ~~شيء " يعني غير ذاته. وذاته قديمة غير مخلوقة بجميع صفاتها، فصح أن الآية ~~حجة عليهم لا لهم. # فإن احتجوا بقوله تعالى: " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " فوصفه بالحدث ~~والحدث هو الخلق الجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الآية حجة عيهم، لأنها ~~تدل على أن من الذكر ما ليس بمحدث، لأنه لم يقل ما يأتيهم من ذكر إلا كان ~~محدثا. فثبت أن من الذكر ما هو قديم ليس بمحدث، فيجب أن يكون ms048 القرآن؛ لأن ~~الإجماع قد وقع على أن كل ذكر غيره مخلوق، فلم يبق ذكر غير مخلوق. غير ~~كلامه، سبحانه وتعالى. # الجواب الثاني: أن الذكر ها هنا يراد به وعظ الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لهم وتوعده لهم وتخويفه، لأن وعظ الرسل عليهم السلام يسمى ذكرا. يدل عليه ~~قوله تعالى: " فذكر إنما أنت مذكر " ويقال: فلان في مجلس الذكر، يعني في ~~مجلس الوعظ. الذي يحقق ذلك؛ أن قريشا لم تلعب عند سماع القرآن، ولكنها كانت ~~تفحم عند سماعه، حتى قال عتبة: والله لقد سمعت كلاما ما هو بالشعر، وإن ~~أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر، وإن عليه لطلاوة، وإن له لحلاوة. وفزعوا أيضا ~~أن تفتتن عند سماعه نساؤهم وأولادهم، حين كان يقرأ أبو بكر رضي الله عنه. # الجواب الثالث: أنه أراد ما يأتيهم من نهى محدث مجدد بعد نبي إلا استمعوه ~~وهم يلعبون، هل هذا إلا بشر، وقد سمى الله تعالى رسوله ذكرا بقوله " رسولا ~~يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات ~~إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا " . # فإن احتجوا بقوله تعالى: " وكان أمر الله مفعولا " " وكان أمر الله قدرا ~~مقدورا " فالجواب: أنه تعالى أراد عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره ~~للمؤمنين، وما حكم به وقدره من أفعاله، وهذا بمنزلة قوله " حتى إذا جاء ~~أمرنا " يعني ما أمرنا به من زيادة الماء وإغراق الكافرين من قوم نوح عليه ~~السلام، ولم يعن قولنا وكذلك أيضا قال: " وما أمر فرعون برشيد " يعني شأنه ~~وأفعاله وطرائقه، ولم يرد قوله وهذا بمنزلة قول القائل: # فقلت لها أمري إلى الله كله ... وإني إليه في الإياب لراجع # يعني سري وأفعالي، ولم يرد بذلك الأمر من القول، وجمع هذا أمور، وجمع ~~الأمر من القول الأوامر، ولولا عجزهم وجهلهم لم يلجئوا إلى مثل هذا التمويه ~~على العوام والجهال مثلهم. ولو نظروا إلى قوله تعالى: " وأفوض أمري إلى ~~الله " تعالى أنه أراد ms049 أفعالي وأموري، دون أمره الذي هو قوله: " حتى يتبين ~~لهم أنه الحق " ورجعوا إليه. # فإن احتجوا بقوله تعالى: " إنا جعلناه قرآنا عربيا " والمجعول مخلوق، ~~بدليل قوله تعالى: " وجعلنا من الماء كل شيء حي " أي خلقنا؛ فالجواب من ~~ثلاثة أوجه: أحدها: أن معنى ذلك: إنما سميناه قرآنا عربيا، والجعل يكون ~~بمعنى التسمية، بدليل قوله عز وجل: " الذين جعلوا القرآن عضين " يعني سموه؛ ~~فبعضهم سماه شعرا، وبعضهم سحرا. وبعضهم كهانة، إلى غير ذلك. ولم يرد أنهم ~~خلقوه. وكذلك قوله تعالى: " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ~~أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون " يعني سموهم وحكموا عليهم بذلك، ولم ~~يرد أنهم خلقوهم. وكذلك قوله تعالى: " وجعلوا لله أندادا " يعني سموا. ~~وكذلك قوله تعالى: " ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ~~ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون " وفي القرآن ~~مثل هذا كثير. PageV01P025 الجواب الثاني: أنه أراد: إنا جعلنا قراءته ~~وتلاوته بلسان العرب، وأفهمنا أحكامه. والمراد به باللسان العربي، وتكون ~~الفائدة في ذلك الفرق بينه وبين التوراة والإنجيل، لأنه جعل تلاوة الكتابين ~~المذكورين وإفهام أحكامهما باللسان العبراني والسرياني، وجعل تلاوة هذا ~~الكتاب وإفهام أحكامه والمراد به بلسان العرب، ولو عرفوا الفرق بين التلاوة ~~والمتلو لم يموهوا بمثل هذا التمويه. # والجواب الثالث: أن الجعل إذا عدي إلى مفعول واحد كان ظاهره الخلق، وإذا ~~عدي إلى مفعولين كان ظاهره الحكم والتسمية، في أكثر الاستعمال. ولذلك لا ~~يجوز أن يقول القائل: جعلت النجم والرجل، ويسكت حتى يصله بقوله: جعلت النجم ~~هاديا ودليلا، وجعلت الرجل صديقا وصاحبا. فلما قال الله تعالى: " إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا " تعدى إلى مفعولين، فيكون بمعنى الحكم والتسمية. # فإن احتجوا بقوله تعالى: " وإذا بدلنا آية مكان آية " وقالوا: ما يغير ~~ويبدل فهو مخلوق لا محالة، قلنا: هذا جهل منكم أيضا، وذلك أن التبديل ~~والنسخ إنما يكون ويتصور في الرسم من خط أو تلاوة؛ أو في حكم، فيكون تقدير ~~الكلام: وإذا بدلنا حكم آية أو تلاوة آية، دون ms050 المتلو القديم الذي لا يتصور ~~عليه تبديل ولا تغيير، وقد بين ذلك سبحانه وتعالى وأخبر أن كلامه القديم لا ~~يغير ولا يبدل. # دليل الأول: قوله تعالى: " وإذا بدلنا آية مكان آية " يعني حكم آية أو ~~تلاوتها. # ودليل الثاني: قوله تعالى: " ولا مبدل لكلمات الله " وقوله تعالى " لا ~~مبدل لكلماته " فأخبر تعالى أن التبديل يتصور في أحكام كلامه وتلاوة كلامه، ~~دون كلامه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته، ولو حققوا الفرق بين التلاوة ~~والمتلو سلموا وجميع من وافقهم من الجهال الذين سلموا لهم وفق مذهبهم من ~~خلق القرآن معنى، ومنعوه نطقا، نعوذ بالله من الجهل. وسنبين هذا الأمر إن ~~شاء الله على الاستيفاء بالكمال، في مسألة الفرق بين التلاوة والمتلو، ~~والقراءة والمقروء. # فإن احتجوا بقوله تعالى: " ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك " وقالوا: ~~ما جاز عليه الذهاب والعدم فإنه مخلوق. # فالجواب عن هذا السؤال مثل الجواب المتقدم؛ لأن الذهاب والعدم إنما يكون ~~في الحفظ والرسم، دون المحفوظ الذي هو كلام الله تعالى. ويدل على هذا: أن ~~ابن مسعود رضي الله عنه لما قال: استكثروا من قراءة القرآن قبل أن يرفع. ~~فقيل له: كيف يرفع وقد حفظناه في صدورنا وأثبتناه في مصاحفنا ؟. فقال: يسري ~~عليه فيذهب حفظه من الصدور، ورسمه من المصاحف. وهذا صحيح، لأن حفظ المخلوق ~~مخلوق مثله، وحفظه مخلوق مثله، فيتصور عليه الذهاب والعدم بالنسيان والمحو. ~~وأما المحفوظ والمكتوب الذي هو كلامه القديم، فلا يتصور عليه ذلك. فاعلم ~~ذلك وتحققه. # فإن احتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسافروا بالقرآن إلى أرض ~~العدو مخافة أن تناله أيديهم قالوا: وما جاز أن ينتقل ويتحول ويسافر به فهو ~~مخلوق. قلنا: كم هذا التمويه الذي تشبهون به على العوام وجهال الناس، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بهذا الكلام حمل المصحف الذي فيه كلام ~~الله مكتوب، ولم يرد بذلك نفس كلامه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته، وقد ~~قرنه صلى الله عليه وسلم بما يدل على أن المراد ms051 به المصحف دون غيره؛ ألا ~~تراه قال: مخافة أن تناله أيديهم ومعلوم أن الذي تناله أيديهم إنما هو ~~المصحف دون غيره، وقد بين عليه السلام ذلك في حديث آخر، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم لبعض أصحابه: لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر يريد بذلك الصحف التي ~~يكتب فيها القرآن، دون نفس القرآن الذي هو كلام اله تعالى، لأنه صفة من ~~صفات ذاته، ولا يتصور على صفات ذاته اللمس ونيل الأذى. # فإن قالوا: أجمعنا على أن القرآن سور، والسور آيات، والآيات كلمات، ~~والكلمات حروف وأصوات. وجميع ذلك يدل على كونه محدثا مخلوقا؛ لأن السور ~~معدودة محسوبة؛ لها أول وآخر، وكذلك الآيات والحروف، وما دخله الحصر والعد ~~وكان له أول وآخر فهو مخلوق، وهذه الشبهة التي سخمت وجوه من وافقهم في ~~مقالتهم هذه من أهل السنة الجهال بطرق التحقيق؛ حيث سلموا لهم مع زعمهم أنه ~~كلامه ليس بمخلوق، ما قرروه من هذه الشبهة، وقالوا مثل قولهم: إن كلامه ~~حروف وأصوات، فإنا لله وإنا إليه راجعون. PageV01P026 والجواب عن هذه ~~الشبهة: أن يقال لهم: أما ما ذكرتم من الحصر، والتحديد والتبعيض، والحروف، ~~والأصوات، فجميع ذلك راجع إلى تلاوة المخلوقين دون كلام الله تعالى الذي هو ~~صفة من صفات ذاته؛ لأن جميع ما ذكرتم يحتاج إلى مخارج من لسان، وشفتين، ~~وحلق، والله يتعالى ويتنزه عن جميع ذلك. بل نقول إن كلامه صفة له قديمة لا ~~يحتاج فيه إلى أداة من صوت. أو حرف أو مخرج. يتعالى عن ذلك علوا كبيرا. # وكذلك ما ذكرتم من الحصر، والعد، والأول، والآخر، إنما ذلك راجع إلى ~~تلاوة المخلوقين لكلامه وكتبتهم لكلامه دون كلامه الذي هو صفة، وقد بين ذلك ~~سبحانه وتعالى بأظهر بيان لمن كان له فهم صحيح، لأنه تعالى قال: " قل لو ~~كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا " وقوله تعالى: " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده ~~من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ms052 الله إن الله عزيز حكيم " ومعلوم أن ~~الكاتب منا يكتب عدة مصاحف بمحبرة واحدة، ويتلو التالي منا عدة ختمات، ~~فالمحصور والمعدود المحدود الذي يتصف بأول وآخر صفاتنا من تلاوتنا لكلامه، ~~وخطنا لكلامه، وحفظنا لكلامه. فأما صفته التي هي كلامه على الحقيقة فلا ~~تتصف بالزوال، والحصر، والعد، والأول والآخر على ما أخبر سبحانه وتعالى على ~~مقتضى التحقيق. لأن كل ما اتصف بالبداية والفراغ والحصر والعد فإنما هي صفة ~~المخلوق لا صفة الخالق القديمة بقدمه الموجودة بوجوده، التي لا يجوز أن ~~تتقدم عليه ولا تتأخر عنه. فاعلم هذه الجملة وتحققها تسلم من ضلالة ~~الفريقين وتخلص من جهل الطائفتين. # مسألة # ويجب أن يعلم أن القراءة غير المقروءة. والتلاوة غير المتلو والكتابة غير ~~المكتوب، وهذا إنما خالف فيه من لا حس له، ولا فهم، ولا عقل ولا تصور، ونحن ~~بحمد الله نبين الفرق بين الأمرين من الكتاب والسنة ودليل العقول. # فأما الدليل من الكتاب فكثير جدا. أحدها: قوله: " وقرآنا فرقناه لتقرأه ~~على الناس على مكث " فأخبر تعالى أن القرآن منه منزل موحى، وأن الرسول ~~يقرؤه ويعلمه، فالموحى المنزل المقروء هو كلام الله تعالى القديم وصفة ~~ذاته، والقراءة له فعل الرسول التي هي صفته. وأيضا قوله: تعالى " يا أيها ~~الرسول بلغ " ففعل الرسول البلاغ الذي هو القراءة. وقوله تعالى: " لا تحرك ~~به لسانك " وقوله تعالى: " إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ~~ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم " وقوله تعالى: " ~~يتلونه حق تلاوته " وقوله تعالى: " إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي ~~حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين " " وأن أتلو القرآن " فمعلوم ~~أن ها هنا آمر أمر بشيئين، وهو الله تعالى، ومأمور وهو الرسول، فأمره ~~بالعبادة له، فحصل ها هنا آمر، ومأمور، ومأمور به، فالآمر هو الله تعالى، ~~والمأمور الرسول، والمأمور به العبادة، فالمعبود غير العبادة التي هي فعل ~~الرسول، فكذلك التلاوة غير المتلو، لأن التلاوة فعل الرسول وهو المأمور ~~بها، والمتلو كلامه القديم، ولم ms053 يأمره أن يأتي بكلامه القديم؛ لأن ذلك لا ~~يتصور الأمر به ولا يدخل تحت قدرة مخلوق، إنما أمر بتلاوة كلامه، كما أمر ~~بعبادته، وعبادته غيره، فكذلك تلاوة كلامه غير كلامه، فحصل من هذا: تال. ~~وهو الرسول عليه السلام وتلاوته صفة له. ومتلو: وهو كلام الله القديم الذي ~~هو صفة له. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: " فإذا قرأت القرآن " . ففرق بين ~~القراءة والمقروء: وأيضا قوله تعالى: " واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك " ~~فذكر قراءة ومقروءا، وتلاوة، ومتلوا، وعند الجاهل أن ذلك شيء واحد. ~~PageV01P027 وأيضا فإنه أمر بالتلاوة والقراءة، والأمر هو استدعاء الفعل، ~~والفعل صفة المأمور لا صفة الآمر؛ ألا يرى أنه أمر بالعبادة، والعبادة صفة ~~العابد لا المعبود. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: " وما كنت تتلو من قبله من ~~كتاب ولا تخطه بيمينك " فأخبر تعالى أنه لم يكن تاليا، ثم جعله تاليا ولم ~~يكن كاتبا، ولم يجعله أيضا في الثاني كاتبا، وقد جعل غيره تاليا لكلامه ~~كاتبا له، ومعلوم عند كل عاقل أن ما لم يكن ثم كان وهي التلاوة؛ صفة للرسول ~~لم يكن موصوفا بها ثم صار موصوفا بها، غير كلام الله الذي هو صفة له لا ~~يستحق غيره الوصف بها ولا يتصف بأنه لم يكن ثم كان، ومعلوم أن الرسول كان ~~تاليا قبل أن تكون أمته تالية، وحافظا قبل أن تكون أمته حافظة، ثم صارت ~~أمته تالية حافظة لما أقرأها وحفظها، فتلاوته غير تلاوة أمته لتقدمها عليها ~~وتلاوة أمته غير تلاوته لتأخرها عنها والذي تلاه بتلاوته فهو كلام الله ~~القديم وكذا الذي تلته أمته بتلاوتها. فلا يخفى على عاقل أن التلاوة غير ~~المتلو، كما أن العبادة غير المعبود، والذكر غير المذكور، والشكر غير ~~المشكور، والتسبيح غير المسبح، والدعاء غير المدعو إلى غير ذلك. # ويدل على صحة ذلك من السنة وأن القراءة والتلاوة صفة القارىء، والمقروء ~~المتلو صفة الباري قوله صلى الله عليه وسلم: من أراد أن يقرأ القرآن غضا ~~فليقرأ على قراءة ابن أم عبد، يعني ابن مسعود، ms054 فأضاف القراءة إلى ابن ~~مسعود، والمقروء صفة الله تعالى، والذي يدل على صحة هذا القول أنه يجوز أن ~~يقال هذا الحرف قراءة ابن مسعود وليس قراءة أبي وغيره من القراء، ولا يجوز ~~أن يقال إن المقروء الذي يقرأه ابن مسعود غير المقروء الذي يقرأه أبي، لأن ~~القراءة تكون غير القراءة والقرآن الذي يقرأه هذا بقراءته هو القرآن الذي ~~يقرأه هذا أنه شيء واحد لا يختلف ولا يتغير، وإن تغيرت القراءة له واختلفت. ~~والذي يوضح لك هذا ويبينه تبيينا مستوفيا أن عمر رضي الله عنه لما مر على ~~بعض الصحابة وهو يقرأ سورة الفرقان على خلاف قراءة عمر فأنكر ذلك عليه ~~وقال: قد قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلاف هذه القراءة ~~ولببه حتى أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال: خل عنه؛ إقرأ ~~يا عمر فقرأ فقال: هكذا أنزل، ثم قال للآخر: اقرأ فقرأ بالقراءة التي سمعها ~~عمر منه فقال: هكذا أنزل. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما ~~تيسر منه. فأخبر صلى الله عليه وسلم باختلاف القراءتين وأن كل واحدة منهما ~~تؤدي إلى ما تؤدي إليه الأخرى، وهو المتلو المقروء القديم الذي لا يختلف ~~ولا يتغير. وأيضا ما روى عن ابن مسعود رضي الله عنه من عدة طرق عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته ~~ما استطعتم واتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات أما إني ~~لا أقول الم حرف، ولكن بالألف عشر الحديث. PageV01P028 وروى عنه صلى الله ~~عليه وسلم: من قرأ حرفا من كتاب الله فأضاف القرآن إلى الله تعالى لأنه صفة ~~من صفات ذاته، وأضاف التلاوة إلى التالي لأنها صفته يؤجر عليها كما يؤجر ~~على جميع أفعال طاعاته. وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: استقرئوا القرآن من ~~أربعة من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب، ومعاذ بن ~~جبل وهذا يدلك على ms055 الفرق بين القراءة والمقروء، والتلاوة والمتلو، لأنه صلى ~~الله عليه وسلم حضهم على أخذ القراءة للقرآن عن هؤلاء الأربعة لأنهم قد ~~باينوا غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم في جودة القراءة وصحتها والعلم بها، ~~وهذا المعنى صحيح لأن الغلط، واللحن، والتحريف، والتصحيف إنما يقع في ~~القراءة والتلاوة التي هي صفة القارىء؛ فأما القرآن المقروء فهو كلام الله ~~تعالى الذي قد أخبر أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولأن ~~القراءة تتعوج فيقومها القارىء الماهر، لأنها يجوز عليها التعويج والتغيير؛ ~~فأما كلام الله القديم فليس يوصف بالتعويج. دليله: قوله تعالى: " ولم يجعل ~~له عوجا قيما " وأيضا ما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: مر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه، وأبو بكر؛ وعبد الله ابن مسعود يقرأ؛ ~~فاستمع لقراءته، فلما ركع أو سجد قال صلى الله عليه وسلم: سل تعطه من سره ~~أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد. فأضاف القراءة إلى ~~عبد الله، لأنها صفته وعبادته عليها يثاب ويؤجر؛ والمقروء بها كلام الله ~~القديم الأزلي، وقد روى: من سره أن يقرأ القرآن رطبا وروى عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه أنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر، وعمر ~~وإني أقرأ سورة النساء، فكنت أسجلها سجلا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~سل تعطه، ومعلوم عند كل عاقل أن الرسول صلى الله عليه وسلم المتلو المقروء، ~~لأنه لا يوصف بالشيء وضده، فاعلم ذلك وتحققه؛ ولأن صفة القراءة تارة تكون ~~غضة رطبة من قارىء دون قارىء إنما ذلك راجع إلى صفات المحدثين الذين ~~يتفاضلون في قراءتهم وأصواتهم فتكون قراءة بعضهم غضة رطبة، وقراءة بعضهم ~~فجة سمجة، ويكون صوت أحدهم حادا حسنا، وصوت آخر فجا جهورا عاليا، فأما ~~القرآن المقروء المتلو فلا يختلف في ذاته بأي قراءة قرىء، وبأي تلاوة تلى، ~~وبأي صوت سمع. بل الأدوات، والأصوات واللغات تختلف في الجودة والرداءة ~~والخفاء والجهارة. # فصل # وقد ms056 روى من الأخبار والآثار عن سيد الأولين والآخرين وصحابته رضي الله ~~عنهم في الفرق بين التلاوة والمتلو، والقراءة والمقروء ما لا يحصى عددا ~~ونحن نذكر شيئا من ذلك يقوي جميع ما تقدم. # فمن ذلك ما روى عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن وفينا الأعجمي، والأعرابي. قال: فاستمع وقال. ~~اقرؤه فكل حسن، سيأتي قوم يقومونه كما يقومون القدح، يتعجلونه ولا ~~يتأملونه. # وعن سهل بن سعد الساعدي قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونحن نقترىء يقرئ بعضنا بعضا فقال: الحمد لله كتاب الله واحد فيه الأحمر ~~والأسود اقرؤا اقرؤا قبل أن يجيء قوم يقومونه كما يقومون القدح، ولا يجاوز ~~تراقيهم يتعجلون أجره ولا يتأملونه، ففصل صلى الله عليه وسلم في هذين ~~الحديثين بين التلاوة والمتلو، والقراءة والمقروء، لأنه صلى الله عليه وسلم ~~عنى بالأحمر العربي الفصيح، وبالأسود الأعجمي، فالعجمي يقع في قراءته ~~اللكنة والتمتمة ويسلم من ذلك العربي الفصيح فاستمع صلى الله عليه وسلم ~~قراءتهم المختلفة وحثهم ورغبهم في القراءة وأخبر أن كتاب الله واحد ليس ~~بمختلف ولا متغاير، ثم أعلمهم بمجيء قوم من بعدهم ممن يقوم القراءة تقويم ~~القدح، فعلم كل عاقل أن كلام الله القديم الأزلي ليس مما يعوج فيقوم، وإنما ~~العوج يقع في قراءة القارىء فيقوم. PageV01P029 ويدل عليه أيضا قول ابن ~~مسعود رضي الله عنه: عجبت للناس وتركهم لقراءتي وأخذهم قراءة زيد بن ثابت، ~~وقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة وزيد بن ثابت غلام ~~صاحب ذؤابة. فأضاف ابن مسعود قراءته إلى نفسه، وأضاف قراءة زيد إلى نفسه، ~~وأخبر أن قراءته أكمل من قراءة زيد؛ لأخذه لها من في رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فغاير بين القراءتين، ومعلوم عند كل عاقل أن المقروء والمتلو ~~الذي يقرأه عبد الله هو المقرأة المتلو الذي يقرأه زيد، وإن كانت قراءة ~~أحدهما غير قراءة الآخر. # ويدل عليه ما روى عن عمرو بن مرة ms057 قال: سمعت أبا وائل يحدث: أن رجلا جاء ~~إلى ابن مسعود فقال: إني قرأت المفصل كله في ركعة، فقال عبد الله: هذا كهذا ~~الشعر، لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن ~~بينهن. وعنه أيضا أنه قال له رجل: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال عبد الله: ~~هذا كهذا الشعر، إن أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في ~~القلب فرسخ نفع. ومعلوم أن ابن مسعود رضي الله عنه لم يشبه كلامه الله ~~تعالى بهذا الشعر، وإنما شبه قراءة القارىء دون كلام الباري. وأيضا قوله ~~صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن بإعراب فله أجر شهيد. وأيضا ما روى أنس ~~بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ القرآن متثبتا أو ~~بإعراب كان له بكل حرف فضل أربعين حسنة. فكل عاقل يعلم ويتحقق أن القراءة ~~المعربة غير القراءة الملحونة؛ لأن من صحح قراءة الفاتحة صحت صلاته، ومن ~~ترك ذل مع قدرته عليه بطلت صلاته. فأما كلام الله تعالى القديم فلا يتصف ~~بالصحة وضدها بل هو صحيح على كل حال، وإن وقع الفساد في القراءة. # وأيضا ما روى قتادة قال: قلت لأنس بن مالك كيف كانت قراءة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ؟ قال: يمد صوته مدا. وأيضا ما روى عبد الله بن مغفل قال: رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وهو على ناقته أو جمله وهو يسير وهو ~~يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة لينة. فمعلوم عند كل عاقل عارف أن ~~الترجيع والمد، إنما تقع في القراءة التي هي صفة القارىء دون كلام الله ~~القديم الأزلي، ومن اعتقد أن الترجيع، والمد، واللين الذي هو صفة القارىء ~~ومد صوته ولينه راجع إلى الكلام القديم الأزلي فقد جهل الله تعالى وصفات ~~ذاته، وصرح بحدوث القرآن وخلقه. وأيضا ما روى النعمان بن بشير قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن وعن أنس ابن ~~مالك ms058 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: النظر في كتاب الله عبادة ~~وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعطوا أعينكم ~~حظها من العبادة. قالوا يا رسول الله: وما حظها من العبادة ؟ قال: قراءة ~~القرآن نظرا، والاعتبار والتفكر فيه وقال ابن مسعود: النظر في المصحف عبادة ~~فقد اتضح بهذه الأخبار الفرق بين القراءة والمقروء، لأن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم جعل قراءتنا عبادة منا، والعبادة منا صفتنا التي نثاب عليها ~~ونؤجر، وذلك أن الله تعالى وصف عبادته على الأعضاء، وكل عضو من ابن آدم ~~مخصوص بنوع من العبادة، فالقلب مخصوص بالعلم بالله تعالى وبمعرفته وبحفظ ~~كلامه، والإيمان به وبكلامه، ثم المعرفة غير المعروف، والعلم غير المعلوم، ~~والإيمان غير المؤمن به، والحفظ غير المحفوظ، لأن العلم صفة العبد، ~~والمعلوم الرب تعالى، وكذلك الإيمان صفة للعبد، والمؤمن به هو الله تعالى. ~~وكذلك الحفظ صفة العبد لم يكن يحفظ ثم صار حافظا، والمحفوظ كلام الله ~~القديم الذي لا يتصف بأنه لم يكن ثم كان بل قديم موجود بوجود الحق سبحانه ~~وتعالى، موجود قبل الحفظ وبعده، واللسان مخصوص من العبادة بالذكر لله تعالى ~~والتسبيح له والدعاء له، وقراءة كلامه، ثم الذكر صفة الذاكر، والمذكور هو ~~الله تعالى، والتسبيح صفة المسبح، والمسبح هو الله تعالى، والدعاء صفة ~~الداعي والمدعو هو الله تعالى. كذلك القراءة صفة القارىء التي هي له عبادة ~~وطاعة، والمقروء كلام الله القديم الموجود قبل القارىء وقبل قراءته. فافهم ~~إن كان لك فهم. PageV01P030 وعبادة العين: النظر في المصحف، والتفكر في ~~الآيات من كلام الله تعالى، فالناظر إنما يثاب على نظره الذي هو صفة لا على ~~المنظور فيهن الذي هو صفة الله تعالى. ولهذا المعنى: أن من كان أكثر قراءة ~~ونظرا وتفكرا كان أكثر ثوابا ممن نظر أقل من نظره، وقرأ أقل من قراءته؛ ~~فالزيادة والنقصان إنما يكونان في أفعال العباد التي تتصف بالشيء وضده فأما ~~القديم الذي هو كلام الله فلا يتصف بالشيء وضده. فاعلم ذلك وتأمله ms059 تهد إن ~~شاء الله. # ويدل على الفرق بين القراءة والمقروء، ما روى عنه صلى الله عليه وسلم من ~~طرق عدة: أنه قال: خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى ~~أبي حذيفة، وزيد بن ثابت. ومعاذ بن جبل ثم خص عبد الله بن مسعود فقال: من ~~سره أن يقرأ القرآن غضا رطبا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد يعني ~~ابن مسعود. فالدليل من وجهين: أحدهما: أنه صلى الله عليه وسلم خص هؤلاء ~~الأربعة بجودة القراءة دون غيرهم من الصحابة، وإن كان المقروء بقراءة هؤلاء ~~هو المقروء بقراءة غيرهم، ففاضل صلى الله عليه وسلم بين القراءة وقدم بعضها ~~على بعض، وكلام الله القديم لا يجوز عليه الجودة والرداءة بل كله شيء واحد ~~جيد لا يختلف، وإن اختلفت القراءة له. # الثاني من الدليلين: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أضاف القراءة إلى ابن ~~مسعود دون القرآن الذي هو كلام الله تعالى فقال: من سره أن يقرأ القرآن كما ~~أنزل فليقرأ على قراءة ابن مسعود. فقراءة ابن مسعود صفة له، والمقروء كلام ~~الله صفة له لا لابن مسعود. وأيضا فإنه وصف قراءة ابن مسعود بأنها غضة رطبة ~~وهذه صفة لا تقع إلا على صفة المحدثين؛ لأن قراءة بعضهم تكون غضة رطبة، ~~مستحسنة تميل إليها القلوب، وقراءة بعضهم فجة غليظة تنفر عنها الطبائع، ~~والمقروء بهذه هو المقروء بهذه، وكذلك بعض القراءات مصححة معربة، وبعضها ~~ملحونة معوجة مفسدة، والمقروء بهذه هو المقروء بهذه، لأن القديم لا يتصف ~~بالصحة تارة وبالفساد تارة أخرى، إنما يتصف بالفساد تارة وبالصحة تارة أخرى ~~صفة المخلوقين، وهي قراءتهم دون المقروء والمتلو الذي هو كلام الله القديم. # فصل # وأما الدليل على أن الحروف والأصوات من صفات قراءة القارئ، لا أنها من ~~كلام الباري سبحانه وتعالى من الأخبار فكثير جدا، لكن إن شاء الله أذكر من ~~ذلك ما يقع به الكفاية لكل عاقل محصل. # فمن ذلك: ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ms060 قام من ~~الليل فقرأ يخفض طورا ويرفع طورا. وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها نعتت ~~قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا، ~~فموضع الدليل من هذين الخبرين أنهما أضافا القراءة إليه صلى الله عليه ~~وسلم، وأضافا الخفض والرفع بتفسير الحروف حرفا حرفا إلى قراءة القارئ لا ~~إلى كلام البار، وكل حديث أذكره لك بعد هذين الحديثين فتأمله؛ فإني أذكرها ~~سردا إن شاء الله، فتجد في كل حديث ما يدلك على صحة ما أقول، وهو: إضافة ~~الصوت، والحرف إلى قراءة القارئ لا إلى كلام الباري القديم الأزلي. # فيدل على صحة ذلك ما روى عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سئلت عن قراءة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقطع قراءته آية آية، ولو شاء العاد أن يعدها أحصاها. وهذا يدلك على أن ~~القراءة تنعد وتنحصر، والمقروء القديم لا ينعد ولا ينحصر فافهم ذلك. # ويدل على ذلك أيضا ما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: أكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بالقرآن ؟ قالت: ربما رفع وربما خفض. # ويدل عليه أيضا ما روى عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه. ~~PageV01P031 ويدل عليه أيضا ما روى عن أنس أنه قال: ما بعث الله نبيا إلا ~~حسن الوجه، وحسن الصوت وكان نبيكم صلى الله عليه وسلم حسن الوجه وحسن الصوت ~~إلا أنه كان لا يرجع. وأيضا ما روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: مالك إذا قرأت لا ~~ترفع صوتك قال: إني أسمع من أناجي. وقال لعمر: مالك إذا قرأت ترفع صوتك جدا ~~قال أوقظ الوسنان وأنفر الشيطان. وقال لعمار: مالك إذا قرأت تأخذ من هذه ~~السورة ومن هذه السورة ؟ فقال: سمعتني أخلط ms061 به ما ليس منه، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: فكله طيب فموضع الدليل: أن الرسول عليه السلام أضاف ~~قراءة كل واحد وصوته إليه، وذكر أنها قراءة مختلفة، وأضاف إلى كل واحد صفته ~~من القراءة والصوت، ولم يضف إلى كلام الله تعالى شيئا من ذلك فافهم. # وأيضا ما روى عن أم هاني رضي الله عنها قالت: كنت أسمع قراءة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأنا على عريشي. وأيضا ما روى جبير بن مطعم قال: أتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه المغرب، فسمعته وهو يقرأ، وقد ~~خرج صوته من المسجد: " إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع " فكأنما صدع قلبي، ~~ويقال إن هنا كان سبب إسلامه، لأنه جاء يكلم الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~أسارى بدر، فلما سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن صوته قال: ~~فكأنما صدع قلبي، وكأني بالعذاب قد أحاط بي، فصدقت وآمنت من ساعتي. وهذا ~~الحديث أدل دليل على الفرق بين القراءة والمقروء، وأن الصوت صفة الصايت ~~والقارئ دون كلام الباري، لأن الذي صدع قلبه وهداه إنما هو الذي فهمه من ~~كلام الله تعالى الذي أوعد به المستكبرين؛ فعلو الصوت من قراءة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صفة للرسول عليه السلام، والذي صدق به قلبه هو ما فهمه ~~من كلام الله تعالى الذي سمعه بواسطة قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وعلو صوته، لأن الأصوات والحروف لا تهدى ولا تشقى، إذ لا تأثير لها في ~~إحياء القلوب وإقبالها، إنما الذي يحيي القلوب ويهديها كلام الله القديم ~~الأزلي يدل عليه قوله تعالى: " ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ~~" فالهادي الشافي المقروء لا القراءة، والمفهوم من الصوت لا الصوت. # يدل على ذلك أيضا ما روى ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما قال عبد قط إذا أصابه هم أو حزن: اللهم إني عبدك وابن ~~عبدك ناصيتي بيدك ماض في ms062 حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به ~~نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب ~~عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب ~~الله عز وجل همه وأبدله مكان حزنه فرحا، قالوا يا رسول الله ينبغي لنا أن ~~نتعلم هؤلاء الكلمات ؟ قال: أجل. ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن فبين لك صلى ~~الله عليه وسلم أن كلام الله الذي هو القرآن هو الذي يهدي ويشقى لا قراءة ~~القارىء. # وأيضا ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: بينا أنا في الجنة إذ سمعت صوت رجل بالقرآن فقلت من هذا ؟ فقالوا: ~~حارثة بن النعمان. كذلك البر. كذلك البر. وكان حارثة من أبر الناس بأمه، ~~وأضاف صلى الله عليه وسلم الصوت إلى الرجل الصايت دون القرآن. ولو أني ~~استقصي الأخبار والآثار في الفرق بين التلاوة والمتلو، والقراءة والمقروء ~~لاحتاج إلى مجلدات عدة؛ لكن ذكرت من ذلك ما فيه كفاية بحمد الله لمن له عقل ~~سليم وفهم صحيح، فإذا تقرر هذا صح لك أن القراءة صفة القارىء، والمقروء على ~~الحقيقة كلام الباري، وكذلك الحفظ صفة الحافظ، والمحفوظ كلام الله تعالى، ~~وكذلك الكتابة صفة الكاتب وصنعته، والمكتوب كلام الله تعالى، كما أن الذكر ~~صفة الذاكر، والمذكور هو الله تعالى. وكذلك العبادة من الصلاة، والصوم، ~~والحج صفة للعابد وهي في أنفسها مختلفة الصفات متغايرة، والمعبود بها واحد ~~أحد ليس بمختلف ولا متغاير وهو الله تعالى. وفي هذا كفاية لمن سلم له ~~التصور والفهم. PageV01P032 وأما الدليل من جهة العقل هو: أن يعلم أن ~~القراءة تارة تكون طيبة مستلذة، وتارة فجة تنفر منها الطباع، وتارة رفيعة ~~عالية، وتارة منخفضة خفية، وتارة يلحقها اللحن والخطأ، وتارة تصح وتقوم، ~~وما جازت عليه الأشياء فلا يجوز أن يكون إلا صفة الخلق دون صفة الحق. وكذلك ~~أيضا الكتابة تارة تكون مرتبة جيدة حسنة يمدح كاتبها. وتارة وحشية ms063 يذم ~~كاتبها، والإنسان إنما يمدح ويذم على فعله، فصح أن الكتابة صفة الكاتب، ~~والمكتوب بها كلام الله تعالى، وأيضا فإن الكتابة يلحقها المحو ويتصور ~~عليها الغرق، والحرق، والتواء، والتلف، وكلام الله القديم لا يتصور عليه ~~شيء من ذلك. وكذلك الحفظ، والسمع تارة يوجد، وتارة يعدم، وما يجوز عليه ~~الوجود بعد العدم والعدم بعد الوجود فليس بصفة الله تعالى، وإنما هو صفة ~~المخلوق المربوب، لكن المسموع من القرآن، والمحفوظ منه، والمقروء منه، ~~والمكتوب منه كلام الله القديم الذي ليس بمخلوق ولا مربوب. فافهم تصب إن ~~شاء الله. # وأيضا فإن من حلف بالطلاق الثلاث أن لا يقوم من مقامه حتى يفعل فعلا يكون ~~عبادة وطاعة لله تعالى؛ فقرأ عشر آيات من القرآن ثم قام ولم يفعل شيئا غير ~~ذلك لم يحنث في يمينه بإجماع المسلمين، فصح أن قراءته فعله وعمله الذي صار ~~به فاعلا، عابدا، طائعا، وأن المقروء بقراءته كلام الله تعالى القديم الذي ~~ليس بفعل لأحد فافهم. # وأيضا: فإن قراءة القارىء تارة تكون طاعة وقربة، وتارة تكون معصية وذنبا. ~~فأما الطاعة فهي إذا قرأها وهو طاهر غير جنب وغير مرائي بها أحدا من الخلق، ~~ويكون معصية إذ قرأها وهو جنب مرائي، وما يكون تارة طاعة وأخرى معصية كيف ~~يكون صفة الحق ؟ تعالى عن ذلك بل هو صفة الخلق، لكن المقروء في الحالتين ~~شيء واحد، وهو كلام الله تعالى القديم لا يتصف بالشيء وضده. فافهم، وفي بعض ~~هذا مقنع لمن لم يكن يكابر الضرورات. # مسألة # ويجب أن يعلم أن كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على الحقيقة كما قال: ~~" إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون " وهو في مصاحفنا مكتوب على الوجه الذي هو ~~مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: " بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ " ~~لكن نحن نعلم وكل عاقل أن كلام الله الذي هو مكتوب في اللوح المحفوظ هو ~~القرآن المكتوب في مصاحفنا شيء واحد لا يختلف ولا يتغير، وأن اللوح غير ~~أوراق مصاحفنا، وأن الخط الذي فيه غير ms064 الخطوط التي في مصاحفنا، وأن القلم ~~الذي كتب في اللوح المحفوظ غير أقلامنا، وكذلك ما اختلف وغاير غيره واختص ~~بمكان دون مكان وزمان دون زمان، فهو مخلوق مربوب، وكل ما هو على صفة واحدة ~~لا يختلف ولا يتغير ولا يجوز عليه شيء من صفات الخلق، فكذلك هو كلام الله ~~تعالى القديم وجميع صفات ذاته قديمة وكذلك القرآن محفوظ بالقلوب على ~~الحقيقة، كما قال تعالى: " بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم " ~~لكن نعلم قطعا أن زيدا الحافظ غير عمرو الحافظ، وأن قلب هذا غير قلب هذا، ~~وأن حفظ هذا غير حفظ هذا. لكن المحفوظ لهذا بحفظه هو المحفوظ للآخر بحفظه، ~~وهو شيء واحد لا يختلف ولا يتغير، إذ هو صفة الله تعالى قديم غير مخلوق، ~~وكذلك نقول إنه مقروء بألسنتنا نتلوا بها على الحقيقة لكن نعلم أن زيدا ~~القارىء غير عمرو القارىء، وأن لسان زيد غير لسان عمرو، وأن قراءة زيد غير ~~قراءة عمرو، ولكن المقروء لزيد هو المقروء لعمرو شيء واحد لا يختلف ولا ~~يتغير، بل هو كلام الله القديم الذي ليس بمخلوق ولا يجوز عليه صفات الخلق ~~وهذا كما قال تعالى: " إنما أنزل الله " يعلمه زيد بعلمه ويعلمه عمرو ~~بعلمه، ويعبده زيد بعبادته، ويعبده عمرو بعبادته، ويدعوه زيد بدعائه، ~~ويدعوه عمرو بدعائه ويذكره زيد بذكره، ويذكره عمرو بذكره، ويسبحه زيد ~~بتسبيحه، ويسبحه عمرو بتسبيحه، فزيد غير عمرو. وذكره غير ذكر عمرو، وعبادته ~~غير عبادة عمرو، ولكن المعبود لهذا هو المعبود لهذا، والمذكور لهذا هو ~~المذكور لهذا، والمسبح لهذا هو المسبح لهذا، والله تعالى القديم الواحد ~~الذي " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " . # مسألة # ويجب أن يعلم أن كلام الله تعالى مسموع لنا على الحقيقة لكن بواسطة وهو ~~القارىء. PageV01P033 دليل ذلك قوله تعالى: " وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره حتى يسمع كلام الله " واعلم: أن المسموع فهو كلام الله القديم صفة ~~لله تعالى قديمة موجودة بوجود قبل سماع السامع لها، وإنما الموجود بعد أن ~~لم يكن هو ms065 سمع السامع وفهم الفاهم لكلام الله تعالى يحدث الله تعالى له ~~سمعا إذا أراد أن يسمعه كلامه، وفهما إذا أراد أن يفهمه كلامه، لأن المسموع ~~لم يكن ثم كان عند السمع والفهم، وهذا كما أن الله موجود قديم بوجود قديم، ~~وإذا خلق رجلا أو امرأة لعبادته وسهل له العبادة التي لم تكن ثم كانت فإنه ~~يصير عابدا لله تعالى، الذي هو موجود قديم دائم قبل العبادة وبعدها، وإنما ~~الذي لم يكن ثم كان هو العابد والعبادة، فافهم الحق وحدوده. # مسألة # فحصل من هذا: أن الله تعالى يسمع كلامه لخلقه على ثلاث مراتب: تارة يسمع ~~من شاء كلامه بغير واسطة لكن من وراء حجاب، ونعني بالحجاب للخلق لا للحق ~~كموسى عليه السلام أسمعه كلامه بلا واسطة لكن حجبه عن النظر إليه، وتارة ~~يسمع كلامه من شاء بواسطة مع عدم النظر والرؤية أيضا من ملك أو رسول أو ~~قارىء؛ وهو استماع الخلق من الرسول عند قراءته للصحابة وقراءة الصحابة على ~~التابعين، وكذلك هلم جرا إلى يومنا هذا؛ يسمع كلام الله تعالى على الحقيقة ~~لكن بواسطة، فتارة يسمع كلامه من شاء من الخلق بغير واسطة ولا حجاب، ~~كتكليمه لنبينا عليه السلام ليلة المعراج. دليل الثلاثة قوله تعالى: " وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " وهو نبينا صلى الله عليه وسلم أسمعه ~~الله تعالى كلامه ليلة المعراج من غير واسطة ولا حجاب، لأنه تعالى في تلك ~~الليلة قال: " فأوحى إلى عبده ما أوحى " ولا يحمل الوحي ها هنا على الإلهام ~~بل على السماع والإفهام؛ أو من وراء حجاب، كموسى عليه السلام أسمعه كلامه ~~بلا واسطة لكن حجبه عن الرؤية، أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء فيسمع من ~~يشاء كلامه بواسطة تبليغ الرسول أو قراءة القارئ. وهذه جملة بليغة في هذا ~~المعنى إن شاء الله تعالى. # مسألة # ويجب أن يعلم أن كلام الله تعالى منزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ~~نزول إعلام وإفهام لا نزول حركة وانتقال. PageV01P034 والدليل على ذلك قوله ms066 ~~تعالى: " وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكو من ~~المنذرين بلسان عربي مبين " فيجب أن تعتقدها هنا أربعة أشياء هنا: منزل، ~~ومنزل، ومنزول عليه، ومنزول به. فالمنزل هو الله تعالى لقوله: " إنا نحن ~~نزلنا الذكر " وقوله تعالى: " وأنزلنا إليك الذكر " والمنزل على الوجه الذي ~~بيناه من كونه نزول إعلام وإفهام لا نزول حركة وانتقال كلام الله تعالى ~~القديم الأزلي القديم بذاته، لقوله تعالى: " وإنه لتنزيل رب العالمين " ~~والمنزل عليه قلب النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: " على قلبك لتكون ~~من المنذرين " والمنزول به هو اللغة العربية التي تلا بها جبريل، ونحن ~~نتلوا بها إلى يوم القيامة، لقوله تعالى: " بلسان عربي مبين " والنازل على ~~الحقيقة المنتقل من قطر إلى قطر، قول جبريل عليه السلام. يدل على هذا قوله ~~تعالى: " فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم وما هو ~~بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب ~~العالمين " وقوله تعالى: " فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس ~~والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ~~وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو ~~بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن ~~يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين " وهذا إخبار من الله ~~تعالى بأن النظم العربي الذي هو قراءة كلام الله تعالى قول جبريل لا قول ~~شاعر ولا قول كاهن. وقالوا: ما هذا إلا قول البشر، فرد عليهم بهاتين ~~الآيتين وكذلك رد عليهم أيضا لما قالوا " إنما يعلمه لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي وهذا لسان عربي مبين " فحصل من هذا أن الله تعالى علم جبريل عليه ~~السلام القرآن. دليله قوله تعالى: " الرحمن علم القرآن " وجبريل عليه ~~السلام علم نبينا صلى الله عليه وسلم. دليله قوله تعالى: " علمه شديد القوى ~~" وكان صلى الله عليه وسلم ms067 يقرأ مع جبريل حال قراءته فزعا منه أن يذهب عنه ~~حفظه حتى نهاه الله تعالى عن ذلك بقوله: " ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي ~~إليك وحيه وقل رب زدني علما " وبقوله: " لا تحرك به لسانك لتعجل به " معناه ~~لا تعجل بقراءتك حتى يفرغ جبريل عليه السلام. ثم طمن قلبه صلى الله عليه ~~وسلم بأنه يحفظه إياه ويثبت حفظه في قلبه، فقال: " إن علينا جمعه وقرآنه " ~~يعني في صدرك حفظه. ووعده أن لسانه يقرؤه قراءة لا يحصل معها نسيان فقال: " ~~سنقرئك فلا تنسى " يعني قراءة لا نسيان معها، فحاصل هذا الكلام أن الصفة ~~القديمة كالعلم، والكلام ونحو ذلك من صفات الذات لا يجوز أن تفارق الموصوف، ~~لأن الصفة إذا فارقت الموصوف اتصف بضدها، والله تعالى متنزه عن الصفة ~~وضدها. فافهم ذلك. فجاء من ذلك أن جبريل عليه السلام علم كلام الله وفهمه، ~~وعلمه الله النظم العربي الذي هو قراءته، وعلم هو القراءة نبينا صلى الله ~~عليه وسلم، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ولم يزل ينقل الخلف عن ~~السلف ذلك إلى أن اتصل بنا فصرنا نقرأ بعد أن لم نكن نقرأ، فالقراءة أغيار ~~لأن قراءة جبريل عليه السلام غير قراءة نبينا عليه السلام، وقراءة نبينا ~~عليه السلام غير قراءة أصحابه، وقراءة أصحابه غير قراءة من بعدهم، ثم كذلك ~~هلم جرا إلى يومنا هذا، يعلم كل عاقل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ قبل ~~الصحابة، ثم قرأت الصحابة، ثم قرأ التابعون ثم كذلك إلى اليوم، لكن المقروء ~~والمتلو هو كلام الله القديم الذي ليس بمخلوق ولا يشبه كلام الخلق هو ~~المقروء بقراءة الرسول عليه السلام وقراءة الجميع. وهذا أمر واضح إن شاء ~~الله تعالى. # مسألة # ويجب أن يعلم أن الله تعالى لا يتصف كلامه القديم بالحروف والأصوات ولا ~~شيء من صفات الخلق، وأنه تعالى لا يفتقر في كلامه إلى مخارج، وأدوات، بل ~~يتقدس عن جميع ذلك، وأن كلامه القديم لا يحل في شيء من المخلوقات. ~~PageV01P035 والدليل على ذلك: أنه ms068 قد صح وثبت أن من شرط الصفة قيامها ~~بالموصوف، والدليل على صحة ذلك أولا: أن حد القديم ما لا أول لوجوده ولا ~~آخر لدوامه، وأن القديم لا يدخله الحصر والعد، ونحن نعلم وكل عاقل أن هذه ~~الأشكال من الحروف لم تكن قبل حركة الكاتب وإنما يحدثها الله مع حركة ~~الكاتب شيئا فشيئا. ثم هي مختلفة الصور والأشكال، ويدخلها الحصر والحد، ~~وتعدم بعد أن توجد، وكل ذلك صفة المحدث المخلوق لمن كان له عقل سليم. وأيضا ~~فإن حروف الكلم يقع بعضها سابقا لبعض فعند خط الكاتب با قد حصلت وثبتت قبل ~~خطه سينا وكذلك السين حصلت وثبتت قبل خطه ميما وكذلك النطق إذا تلفظ بالباء ~~حصلت قبل السين وما تقدم بعضه على بعض وتأخر بعضه عن بعض فهو صفة الخلق لا ~~صفة الحق: وكذلك الأصوات يتقدم بعضها على بعض ويتأخر بعضها عن بعض ويخالف ~~بعضها بعضا وكل ذلك صفة كلام الخلق لا صفة كلام الحق الذي هو قديم ليس ~~بمخلوق. وأيضا فإن القول بقدم الأصوات والحروف يوجب القدم لجميع كلام ~~الخلق، وأصوات الناطق والصامت، وهذا قول يؤدي إلى قدم جميع العالم أجمع، ~~وأيضا فإن الحروف التي يزعمون أنها قديمة وأنها صفة لكلامه تعالى لا يخلو ~~إما أن تكون هذه الحروف التي تجري في كلام الخلق أو مثلها أو ضدها. فإن ~~قالوا: إنها هي. وجب قدم كلام الخلق، وكذلك إن قالوا مثلها وجب ذلك أيضا، ~~لأن حد المثلين ما سد أحدهما مسد الآخر وناب منابه وساوقه من جميع الوجوه. # وإن قالوا: بل هي مضادة لهذه الحروف فقد يقولون القول من غير أن يكون له ~~معنى وهذا بين الفساد. # ويدل على أن كلام الله القديم لا يجوز أن يكون حروفا وأصواتا؛ ما روى عن ~~ابن عباس أنه قال: لم سلط الله بختنصر على اليهود لما قتلوا يحيى عليه ~~السلام سلطه عليهم فقتلهم وخرب بيت المقدس وحرق التوراة. قال عزير عليه ~~السلام في جملة مناجاته: يا رب سلط عليهم عدوا من أعدائك، بطر رحمتك. ms069 وأمن ~~مكرك، وهدم بيتك، وحرق كتابك فأوحى الله تعالى إليه من جملة ما أوحى أن ~~بختنصر إنما أحرق من التوراة الخط، والحروف، والورق، والدفتر ولم يحرق ~~كلامي، فأخبر تعالى أن كلامه ليس هو الحروف التي حرقت ولا أنه مما تناله ~~الأيدي ولا تعتديه ولا يبلى ولا ينعدم، ويؤكد هذا قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: لو جعل هذا القرآن لا يحترق في النار ولا يتصور عليه الحرق والعدم، ~~إنما يتصور ذلك على الأجسام والأشكال فأما الكلام القديم فلا. والذي يدل ~~على صحة هذا أنه ونعوذ بالله تعالى لو أخذ اليوم جبار عاص لله مصحفا فحرقه ~~بالنار حتى صار رمادا، أنقول إن كلام الله القديم احترق وانعدم ؟ أم نقول ~~إن كلامه باق ثابت لم يحترق ولم ينعدم، وإنما احترق الورق، والحروف المصورة ~~بلا خلاف بين كل عاقل. # دليل آخر على حدث الحروف: وهو أن الأمة مجمعة على أن من قرأ كلام الله ~~تعالى في صلاته لم تبطل صلاته، ولا خلاف أن من قرأ حروف التهجي في صلاته ~~بطلت صلاته، فعلم بذلك أنها ليست بكلام الله تعالى. PageV01P036 دليل آخر ~~على ذلك: وهو أن من قرأ القرآن وهو جنب أو امرأة حائض مع علمها بتحريم ذلك ~~أنهما قد عصيا وفعلا ما لا يجوز لهما، ولو تهجى الجنب والحائض حروف الهجاء ~~من أولها إلى آخرها لم يعصيا بذلك، فعلم بذلك أن الحروف غير كلام الله ~~تعالى، وإنما هي آلة يكتب بها كلام الله تعالى ويتلى بها كلامه، وليست نفس ~~كلامه. ويدل على ذلك أيضا ما روى علي رضي الله عنه أنه قال في جواب مسائل ~~سأله عنها اليهود فقال: إن الله تعالى كلم موسى عليه السلام بلا جوارح، ولا ~~أدوات، ولا حروف، ولا شفة، ولا لهوات، سبحانه عن تكيف الصفات. وأيضا ما روى ~~عن علي عليه السلام أنه سئل هل رأيت ربك ؟ وكان السائل له دعبل فقال في ~~جوابه: لم أعبد ربا لم أره. فقال له كيف رأيته ؟ قال: لم تره العيون ~~بمشاهدة الأبصار، ms070 بل رأته القلوب بحقائق الإيمان، ويحك يا دعبل ! إن ربي لا ~~يوصف بالبعد وهو قريب ولا بالحركة، ولا بقيام، ولا انتصاب، ولا مجئ، ولا ~~ذهاب، كبير الكبراء لا يوصف بالكبر، جليل الأجلاء لا يوصف بالغلظ، رؤوف ~~رحيم لا يوصف بالرقة، آمر لا بحروف، قائل لا بألفاظ، فوق كل شيء ولا يقال ~~شيء تحته، وخلف كل شيء، ولا يقال شيء قدامه، وأمام كل شيء، ولا يقال له ~~أمام، وهو في الأشياء غير ممازج ولا خارج منها كشيء من شيء خارج، " تبارك ~~الله رب العالمين " لو كان على شيء لكان محمولا، ولو كان في شيء لكان ~~محصورا، ولو كان من شيء لكان محدثا. # ويدل عليه قول شيخ طبقة التصوف الجنيد رحمه الله؛ فإنه قال: جلت ذاته عن ~~الحدود، وجل كلامه عن الحروف، فلا حد لذاته، ولا حروف لكلامه. ويدل عليه ~~أيضا ما حدث به أبو بكر النقاش في تفسيره عن آدم بن أبي إياس قال: رأيت في ~~يد بكر بن خنيس كتابا فزدت فيه حرفا أو نقصت منه حرفا: فقال لي بكر بن ~~خنيس: يا آدم من أمرك أن تفعل هذا ؟ أما علمت أن الله تعالى لما خلق الألف ~~انتصبت قائمة، فلما خلق الباء اضجعت، وقيل للألف لم انتصبت قائمة ؟ قالت: ~~انتظر ما أومر. وقيل للباء لم اضجعت ؟ قالت: سجدتي لربي. فقال بكر فأيهما ~~أجل ؟ الذي فعل ما لم يؤمر به يعني الباء سجدت ولم تؤمر بالسجود أو الذي ~~انتظر ما يؤمر يعني الألف. قال آدم بن أبي إياس فكأنه فضل الألف على الباء ~~ودلالة هذا على وجهين: أحدهما: أنه صرح في هذا بخلق الألف والباء. # والثاني: أنه فضل الألف على الباء، والقديم لا يجوز أن يفضل بعضه على ~~بعض، ولا يوصف بالأبعاض وإنما الذي يبعض ويحدد تلاوة القديم لا نفس الكلام ~~القديم: وأيضا ما ذكره في تفسيره بإسناد رفعه إلى كعب الأحبار أنه قال: إن ~~أول ما خلق الله تعالى من الحروف الباء: ويقال كانت الألف والسين حرفين ~~كاملين فرفعت السين ms071 فرفع الله الألف عليها. # وأيضا ما روى عن عبد الله بن سعيد أنه قال: عرضت حروف المعجم على الرحمن ~~تعالى وتقدس وهي تسعة وعشرون حرفا فتواضع الألف من بينهما فشكر الله تعالى ~~له فجعله قائما، وجعله أمام اسمه الأعظم يعني الله، فإنه لم يسم به غيره ~~ويدل عليه أيضا: أن حروف التوراة مخالفة لحروف الفرقان في الهيئة والصورة ~~والعدد، لأن حروف التوراة حروف عبرانية، وكذلك القول في حروف الإنجيل ~~والمقروء بالكل منهما وإن اختلفت الحروف شيء واحد، لا يختلف ولا يتغير. # وأيضا فإن الحروف تحتاج إلى مخارج، فحرف الشفة غير حرف اللسان، وحرف ~~الحلق غيرهما، فلو كان تعالى يحتاج في كلامه إلى الحروف لاحتاج إلى المخارج ~~وهو منزه عن جميع ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون. # وأيضا فإن الحروف متناهية معدودة، وكلام الله تعالى قديم لا مفتتح لوجوده ~~ولا نهاية لدوامه كعلمه، وقدرته، ونحو ذلك من صفات ذاته. وقد أكد تعالى ذلك ~~بغاية التأكيد، وأن كلامه لا يدخله العد والحصر والحد، بقوله تعالى: " قل ~~لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا " وقال: " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من ~~بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله " فأخبر تعالى في هاتين الآيتين أنه لا ~~نهاية لكلامه. إذ كل ماله نهاية له بداية، وإنما تتصور النهاية في حق من ~~يتصور في حقه البداية. وبالجملة أن من خالف في هذا فلا أراه أهلا للكلام ~~معه، لأنه ينكر ما قد علم ضرورة ويكابر الحس ويعاند الحق، وفي هذا القدر ~~كفاية ومقنع. # مسألة PageV01P037 ويجب أن يعلم أن القراءة غير المقروء، وأنها صفة ~~للقارئ، والمقروء بها غير مخلوق بل هو من كلام الباري وكذلك الحفظ صفة ~~القلب والمحفوظ غير مخلوق، بل هو كلام الرب، وكذلك السمع صفة السامع ~~والمسموع به غير مخلوق بل هو كلام الله تعالى؛ وكذلك الكتابة صفة الكاتب ~~والمكتوب بها من القرآن كلام الله تعالى غير مخلوف ولا صفة مخلوق، ms072 وهذا كما ~~تقول: إن الذكر غير المذكور، لأن الذكر صفة الذاكر، والمذكور بذكره هو الله ~~تعالى، وكذلك العبادة صفة العابد من المخلوقين، والمعبود غير العبادة بل هو ~~الله تعالى؛ وكذلك التسبيح صفة العبد المسبح، والمسبح هو الله تعالى، والذي ~~يحقق هذه الجملة النفي، والإثبات، والوجود، والعدم. فإنك تقول: قرأ زيد ~~أمس. فقراءته أمس معدومة اليوم، وقراءته اليوم غير قراءته أمس، والمقروء ~~أمس بقراءته أمس هو المقروء بقراءته اليوم. ثم تنفى تارة أخرى فتقول لم ~~يقرأ زيد يوما ولم يوجد منه قراءة، والمقروء موجود ثابت لا يتصور عليه ~~العدم، بل هو ثابت قبل وجود زيد وقبل وجود قراءته، وموجود ثابت في حال ~~قراءته وبعد قراءته على وجه واحد لا يتصور عليه الشيء وضده وهذا كما تقول: ~~عبد زيد ربه اليوم ولم يعبده أمس، فعبادته اليوم غير عبادته أمس، وعبادته ~~أمس ليست موجودة اليوم، لكن المعبود موجود قبل أمس وفي اليوم لا يجوز أن ~~يوصف بالشيء وضده. وعلى هذا نفس المحفوظ، والمسموع، والمكتوب، فإن الكتابة ~~توجد بعد أن لم تكن، والحفظ يوجد بعد أن لم يكن، والسمع يوجد بعد أن لم ~~يكن؛ ويتصور على الحفظ العدم بالنسيان. ويتصور على السمع العدم بالصمم؛ ~~ويتصور على الكتابة العدم بالغسل بالماء وطول الزمان والحرق بالنار، لكن ~~المحفوظ بالحفظ من كلام الله تعالى؛ والمكتوب، والمسموع لا يتصور عليه ~~العدم بوجه من الوجوه، لأنه قديم كذاته تعالى في القدم، ولا تقول كذاته ~~تعالى من جميع الوجود، لأنه لو كان كذاته تعالى من جميع الوجوه لوجب أن ~~يكون خالقا رازقا محييا مميتا. # فصل # ويعلم من جميع ما تقدم: أن القراءة تارة توصف بالصحة والحسن. وتارة ~~بالفساد والقبح. فيقال: قراءة فلان حسنة صحيحة جيدة، ويقال قراءة فلان ~~قبيحة فاسدة، فالقراءة تتصف بالشيء وضده، لأنها صفة القارئ، والمقروء بها ~~لا يتصف بالشيء وضده، لأنه صفة الباري. وكذلك أيضا القراءة تكون تارة طيبة ~~مستلذة، وتارة تأباها الطباع وتنفر عنها الأنفس، لكن المقروء والمتلو من ~~كلام الله تعالى لا يختلف ولا يتغير ms073 بتغير غيره. وكذلك الكتابة تكون تارة ~~بالذهب، وتارة بالفضة، وتارة بالمسك والعنبر؛ وتارة تنحت في الخشب، وتارة ~~تكون بقطع الآجر، فكتابة الذهب غير كتابة الفضة، وكذلك كتابة المسك غير ~~كتابة العنبر، لكن المكتوب وهو القرآن كلام الله بالذهب هو المكتوب بالفضة، ~~وكذلك المكتوب بالمسك هو المكتوب بالعنبر، وما أعلم أحدا يخالف في هذا إلا ~~أحد رجلين: إما جاهل غبي ليس له حس ولا تصور، وإما منافق مداهن، نعوذ بالله ~~من الجميع ونسأله حسن التوفيق في الدنيا والآخرة. # فتحقق من جميع ما ذكرنا أن القراءة فعل من أفعال العباد، والمقروء ~~والمتلو لا يجوز أن يكون فعلا من أفعال العباد، ولا نقول أيضا إنه من صفات ~~الفعل لله تعالى بل هو من صفات الذات. يدل على صحة هذا القول أن رجلا لو ~~حلف بالطلاق لا قمت من موضعي هذا حتى أفعل فعلا يكون طاعة من طاعات الله ~~فقرأ آيات من القرآن ثم قام قبل أن يفعل شيئا آخر أنه قد بر في يمينه ولم ~~يحنث، فعلم أن القراءة فعل القارئ الذي يثاب عليها تارة ويعاقب عليها أخرى، ~~والمقروء في حال الطاعة هو المقروء في حال المعصية، وهذا أمر قد اتضح بحمد ~~الله تعالى لمن له أدنى عقل وتصور. # مسألة PageV01P038 ويجب أن يعلم أنه لا يجوز أن يقول أحد إني أتكلم بكلام ~~الله، ولا أحكي كلام الله ولا أعبر كلام الله ولا أتلفظ بكلام الله، ولا أن ~~لفظي بكلام الله مخلوق ولا غير مخلوق، بل الذي يجوز أن يقول: إني أقرأ كلام ~~الله تعالى، كما قال تعالى: " فإذا قرأت القرآن " وكما قال: " فاقرؤا ما ~~تيسر منه " ويجوز أن يقول: إني أتلو كلام الله، كما قال تعالى: " وأن أتلو ~~القرآن " ويجوز أن يقول إني أحفظ القرآن كما قال صلى الله عليه وسلم: من ~~حفظ القرآن ثم نسيه.. الخبر. فكل ما نطق به الكتاب والسنة في القرآن جاز ~~لنا أن نطلقه، وما لا ينطق به كتاب ولا سنة فلا نطلقه في الله تعالى. ولا ~~في ms074 صفاته. فاعلم ذلك وتحققه. # وأيضا فإن زيدا إنما يكون متكلما بكلامه، ولا يجوز أن يكون زيد متكلما ~~بكلام عمرو، وكذلك لا يكون زيد أسود سوادا من عمرو، ومن عجيب الأمر أن ~~المجسمة الحشوية لا يجوزون أن يتكلم زيد بكلام عمرو وعمرو مخلوق، وكلامه ~~مخلوق، والمخلوق إلى المخلوق أقرب في الشبه والذات والصورة والحكم، ويجوزون ~~أن يقولوا: نتكلم بكلام الله تعالى وكلام الله غير مخلوق ولا يشبه كلام ~~الخلق في الذات والحكم. # مسألة PageV01P039 ويجب أن يعلم أن الكلام الحقيقي هو المعنى الموجود في ~~النفس لكن جعل عليه أمارات تدل عليه، فتارة تكون قولا بلسان على حكم أهل ~~ذلك اللسان وما اصطلحوا عليه وجرى عرفهم به وجعل لغة لهم، وقد بين تعالى ~~ذلك بقوله: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم " فأخبر تعالى ~~أنه أرسل موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل بلسان عبراني، فأفهم كلام الله ~~القديم القائم بالنفس بالعبرانية، وبعث عيسى عليه السلام بلسان سرياني، ~~فأفهم قومه كلام الله القديم بلسانهم، وبعث نبينا صلى الله عليه وسلم بلسان ~~العرب، فأفهم قومه كلام الله القديم القائم بالنفس بكلامهم؛ فلغة العرب غير ~~لغة العبرانية ولغة السريانية غيرهما، لكن الكلام القديم القائم بالنفس شيء ~~واحد لا يختلف ولا يتغير، وقد يدل على الكلام القائم بالنفس الخطوط المصطلح ~~عليها بين كل أهل خط، فيقوم الخط في الدلالة مقام النطق باللسان، وقد بين ~~تعالى ذلك فقال " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون " فقام الخط مقام النطق، لما كان يدل على الكلام دلالة النطق، لكن ~~الخطوط تختلف بحكم الاصطلاح والمواضعة وقلة الحروف وكثرتها، فحرف الإنجيل ~~والتوراة كل واحد منها خلاف الآخر، وكذلك حروف العرب وخطوطهم تخالف غيرها، ~~وكذلك حروف الهند وخطوطهم تخالف الجميع، لكن لكل خط وحرف بين أهله يقوم لهم ~~في الدلالة على الكلام القائم بأنفسهم مقام دلالة نطق ألسنتهم، ويختصون ~~بذلك في الفهم والاصطلاح عند كلام اللسان، وعند رسم الحروف الخطوط، حتى لا ~~يفهم غيرهم ذلك إلا أن ms075 يتعلم لغتهم وخطوطهم، فصح أن الكلام الحقيقي هو ~~المعنى القائم بالنفس دون غيره، وإنما الغير دليل عليه بحكم التواضع ~~والاصطلاح ويجوز أن يسمى كلاما إذ هو دليل على الكلام، لا أنه نفس الكلام، ~~الحقيقي. وكذلك قد يدل على الكلام الحقيقي القائم بالنفس الرموز والإشارات، ~~وقد بين ذلك تعالى بقوله في قصة زكريا عليه السلام " آيتك ألا تكلم الناس ~~ثلاث أيام إلا رمزا " يعني أن لا تفهم الكلام القائم بنفسك باللسان، وإنما ~~أفهمه بالرمز والإشارة ففعل كما أمره تعالى، فأخبر عنه فقال: " فخرج على ~~قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا " فأفهم أمره الذي هو ~~الأمر بالتسبيح القائم في نفسه بالإشارة دون نطق اللسان، وكذلك الأخرس الذي ~~لا ينطق باللسان ولا يسمع الصوت، إنما يفهمنا كلامه القائم بنفسه، ونفهمه ~~كلامنا القائم بأنفسنا بالإشارة دون نطق اللسان، فحصل من هذه الجملة أن ~~حقيقة الكلام على الإطلاق في حق الخالق والمخلوق إنما هو المعنى القائم ~~بالنفس لكن جعل لنا دلالة عليه تارة بالصوت والحروف نطقا، وتارة بجمع ~~الحروف بعضها إلى بعض كتابة دون الصوت ووجوده وتارة إشارة ورمزا دون الحرف ~~والأصوات ووجودهما، فحقيق الكلام القائم بالنفس موجود عند الحرف والصوت، ~~لكن الخلق كلامهم مخلوق كهم وكلام الله ليس بمخلوق كهو، سبحانه وتعالى. ~~ونريد بقولنا كهو أن صفات ذاته لا توصف بالخلق والحدث ولا بشيء من الخلق ~~والحدث، كما أنه تعالى لا يوصف بالخلق والحدث. ولا بشيء من صفات الخلق ~~والحدث، ولا نريد بقولنا كهو أنها خالقة رازقة. فافهم هذا التحقيق، لأن ~~المعتزلة تشنع وتقول: إذا كان الباري عالما بعلم ومتكلما بكلام والكل قديم ~~يجب أن يكون معه قدماء كثيرة في الأزل، وإذا كانت كهو فيجب أن تكون خالقة ~~رازقة آلهة كهو، وهذا تمويه منهم على عقول العوام، حتى ينفروهم عن أهل ~~التحقيق والسنة والجماعة، ويميلوا إلى باطلهم من نفى صفات الله التي وصف ~~بها نفسه في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يوافقوهم في القول ~~بخلق القرآن معنى، وإن ms076 لم ينطقوا به، وكذلك أن المعتزلة أكثر حجتهم على أن ~~كلام الله تعالى مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن أنه بزعمهم حروف وأصوات ~~فرضوا من هؤلاء العوام أن يصرحوا في كلام الله تعالى بما يوجب كونه مخلوقا ~~ضرورة، وإن لم يقولوا إنه مخلوق نطقا. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ~~PageV01P040 ومما يدل على أن حقيقة الكلام هو المعنى القائم بالنفس من ~~الكتاب والسنة والأثر وكلام العرب؛ ما نذكر فمن ذلك قوله تعالى: " إذا جاءك ~~المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون " ونحن نعلم وكل عاقل أنه تعالى ما كذب المنافقين في ~~ألفاظهم، وإنما كذبهم فيما تكنه ضمائرهم وتكنه سرائرهم. وأيضا قوله تعالى: ~~مخبرا عن الكفار: " ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم ~~جهنم " فأخبر تعالى: أن القول بالنفس قائم وأن لم ينطق به اللسان، والقول ~~هو الكلام، والكلام هو القول. وأيضا قوله تعالى: " يعلم السر وأخفى " قيل ~~ما حدث به المرء نفسه مما يضمر فيها من قول أو فعل. وأيضا قوله تعالى: " ~~يعلم ما في أنفسكم فاحذروه " وأيضا قوله تعالى: " إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان " فأسقط تعالى تلفظ المنافقين بالشهادة لرسوله، وجعل حكم الكذب ~~للقول الذي في النفس والكلام الذي في النفس دون نطق اللسان، وأسقط حكم ~~الكفر عن المكره على كلمة الكفر وجعل الحكم لصدق الكلام القائم في القلب؛ ~~فدل بهذه الآيات وما جرى مجراها أن حقيقة الكلام هو المعنى القائم بالنفس. ~~وله الحكم في الصدق والكذب دون الحروف والأصوات التي هي أمارات ودلالات على ~~الكلام الحقيقي. # ويدل على ذلك من جهة السنة قوله صلى الله عليه وسلم: يا معشر من آمن ~~بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه. وهذا في حق المنافقين، فأخبر صلى الله ~~عليه وسلم أن الكلام الحقيقي هو الذي في القلب دون نطق اللسان، وأن الحكم ~~للكلام الذي في القلب على الحقيقة وأن قول اللسان مجاز قد يوافق قول القلب ~~وقد يخالفه. وأيضا قوله صلى ms077 الله عليه وسلم: الندم توبة فأخبر صلى الله ~~عليه وسلم: أن العاصي إذا نوى بقلبه الندم على المعصية منها أن ذلك حقيقة ~~التوبة، وأن استغفار اللسان تبع لذلك، فصح أن الكلام الأصلي الحقيقي المعنى ~~القائم بالنفس. # وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى. " إذا ذكرني عبدي ~~في نفسه " فأثبت الذكر للنفس، فالذكر والقول، والكلام، واحد، فعلم أن حقيقة ~~الكلام المعنى القائم في النفس. # ويدل على ذلك أيضا قول عمر رضي الله عنه: زورت في نفسي كلاما فأتى أبو ~~بكر فزاد عليه. فأثبت الكلام في النفس من غير نطق لسان، وعمر كان من أجل ~~أهل اللسان والفصاحة وهو أحد الفصحاء السبعة، والعربي الفصيح يقول كان في ~~نفسي كلام، وكان في نفسي قول، وكان في نفسي حديث، إلى غير ذلك. وأنشد ~~الأخطل: # لا تعجبنك من أثير خطبة ... حتى يكون مع الكلام أصيلا # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا PageV01P041 ~~وأعلم أن مذهب أهل الحق والسنة والجماعة أن كلام الله القديم ليس بمخلوق، ~~ولا محدث، ولا حادث، ولا خلق، ولا مخلوق، ولا جعل، ولا مجعول، ولا فعل، ولا ~~مفعول. بل هو كلام أزلي أبدي هو متكلم به في الأزل، كما هو متكلم به فيما ~~لا يزال. لا أول لوجوده، ولا آخر له، وأنه لا يقال إن كلامه حكاية ولا ~~عبارة ولا إني أحكي كلام الله، ولا إني أعبر كلام الله، بل نقول: نتلو كلام ~~الله، ونقرأ كلام الله، ونكتب كلام الله، ونحفظ كلام الله، وأنه يجب ~~التفرقة بين القراءة والمقروء، والتلاوة والمتلو، والكتاب والمكتوب، والحفظ ~~والمحفوظ، ولا يجوز أن يطلق على كلامه شيء من أمارات الحدث من حرف ولا صوت، ~~ولا يقال إن القديم يجوز حلوله في المحدث كحلول الشيء في الشيء. وقد قدمنا ~~الأدلة على جميع ذلك وحققناه، ومذهب المشبهة الحلولية المجسمة؛ أن كلام ~~الباري حروف وأصوات وأنه قديم، وأن الحروف والأصوات التي توجد في كلام ~~الخلق كلها قديمة، لا أخصص بعضها على بعض، وهذا قول ms078 يفضي إلى قدم العالم ~~عند كل محقق، ومنهم من قال: بل الأصوات والحروف إذا ذكرنا الله تعالى بها ~~أو تلونا بها كلامه قديمة، فإذا ذكرنا بها غير الله وأنشدنا بها شعرا كانت ~~محدثة، وهذا جهل عظيم وتخبط ظاهر، لأن الشيء عندهم على هذا القول تارة يكون ~~محدثا ثم يصير قديما، وتارة قديما ثم يصير محدثا، وليس في الجهل أعظم من ~~هذا وكفى به ردا لقولهم. ومنهم من يقول: أصواتنا وحروفنا بالقرآن قديمة ~~وبغير القرآن محدثة، وهذا مثل القول الأول على الحقيقة وإن اختلفت العبادة، ~~وقد بينا فساده، ومنهم من حدث في هذا الوقت وبان له فساد الأقوال المقدم ~~ذكرها فقال بجهله: أقول إن القرآن بأصوات وحروف تكلم بها الله، وإن كلامه ~~حروف وأصوات، لكن حروف قديمة وأصوات قديمة، لا تشبه هذه الحروف والأصوات ~~المخلوقة التي تجري في كلام الخلق، وهذا أيضا جهل من قائله، ويؤدي أن لا ~~يكون في المصاحف القرآن. لأن الحروف التي تكتب بها المصاحف هي هذه الحروف ~~التي تجري في سائر ما يكتب ويؤدي إلى أن القرآن الذي نقرؤه ليس بقرآن، لأن ~~القرآن بحروف وأصوات قديمة، ولا تشبه هذه الحروف والأصوات، ونحن لا نسمع ~~إلا صوتا مثل هذه الأصوات، ولا نرى حرفا ولا نسمعه إلا مثل هذه الحروف؛ ~~وهذا القول يوجب أن لا يكون عندنا قرآن بالجملة أو يؤدي إلى أن يكون هذا ~~القرآن بهذه الحروف والأصوات المعروفة غير ذلك القرآن الذي هو بحروف وأصوات ~~قديمة، لا تشبه هذه الحروف والأصوات، والجميع فاسد باطل، وسيأتي بطلان ~~مقالتهم في هذا وغيره في جواب ما يزعمون أنه حجة لهم في هذا وغيره، إن شاء ~~الله تعالى. # وزعمت المشبهة أن القراءة هي المقروءة، والتلاوة هي المتلو، وزعموا أن ~~القديم يحل في المحدث ويختلط به، وتمسكوا في جميع ذلك بآيات وآثار زعموا ~~أنها حجة لهم فيما صاروا إليه من هذه البدعة العظيمة التي جميعها يدل على ~~أن كلام الله مخلوق محدث، فاحتجوا في التلاوة هي المتلو، وأن الله يسمى ~~تاليا، ولا ms079 فرق عندهم في أن يقال تال أو متكلم، قالوا: والدليل على ذلك من ~~القرآن قوله تعالى: " تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق " وبقوله تعالى. " ~~نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق " . قالوا فسمى نفسه تاليا كما سمى ~~نفسه متكلما وقائلا، والجواب عن هذا وما جرى مجراه من وجهين. # أحدهما: أنا نقول ما أنكرتم أن ما ذكرتم هو حجة عليكم، وأن هاتين الآيتين ~~قد دلتا على الفرق بين التلاوة والمتلو، وأن التلاوة غير المتلو وذلك أنه ~~قال: " نتلوها عليك بالحق " والحق ها هنا هو كلامه القديم الموجود بوجوده ~~القديم بقدمه، والتلاوة لم تكن موجودة ثم أوجدها؛ والدليل على أن الحق هو ~~كلامه القديم الموجود بوجوده قوله تعالى: " أم يقولون افتراه بل هو الحق من ~~ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون " وأيضا قوله تعالى. ~~" حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق " فدل على أن الحق ~~هو المتلو القديم، وأن التلاوة صفة لا فعل ذات. والذي يحقق ذلك قوله تعالى، ~~قال: " وما كنت تتلو " فنفى قبل أن يكون تاليا، ثم أحدث له تلاوة ولم تكن ~~ثم كانت، فالحق الذي هو المتلو موجود ثابت لا يتصف بأنه لم يكن ثم كان. ~~PageV01P042 والجواب الثاني: أن قوله " تتلو " يريد به بأمر من يتلو عليك، ~~وهو جبريل عليه السلام. إلا أن التلاوة لما كانت بأمره أضافها إلى نفسه، ~~وهذا صحيح، يدل عليه الكتاب والمعنى الصحيح. فأما الكتاب، فالدليل عليه ~~قوله تعالى: " وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله " وقوله ~~تعالى: " نزل به الروج الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ~~" وصار هذا كقوله في قوم نوح: " إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية " ~~يعني السفينة، فأضاف الحمل في السفينة إلى نفسه، والحامل فيها نوح عليه ~~السلام، إلا أنه لما كان بأمره أضاف الحمل إليه، والدليل على الحامل أنه ~~كان نوحا عليه السلام، قوله تعالى: " قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين " ~~وهذا أيضا كقوله ms080 تعالى في قصة مريم عليها السلام: " فنفخنا فيها من روحنا " ~~والنافخ كان جبريل عليه السلام إلا أنه لما كان نفخه بأمره أضاف ذلك إلى ~~نفسه فلذلك أضاف التلاوة إلى نفسه لما فعلت بأمره. وكذلك قوله تعالى: " ~~فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف " وجبريل عليه السلام الذي ~~كان أتى البنيان، لكن لما كان بأمره أضافه إلى نفسه وكذلك قوله تعالى: " ~~ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم " والذي جاءهم بالكتاب هو النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لكن لما كان مجيئه بالكتاب إليهم بأمره تعالى أضاف ذلك إلى ~~نفسه، والقرآن من هذا مملوء إذا تتبع، إنه يضيف الفعل إلى نفسه وإن كان ~~الفاعل له غيره، لما كان بأمره. # وأما الدليل من كلام العرب، فإنه يقال: نادى الأمير في البلد، فيضاف ~~النداء إليه لما كان بأمره، وإن كان المنادي غيره، فصح ما قلناه. # ثم نقول لهم: أليس الله تعالى قال: " نحن نقص عليك أحسن القصص " أتقولون: ~~إن الله تعالى قاص ؟ هذا قول لا يجوزه أحد من المسلمين؛ لكن لما قص عليه ~~جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى أضاف القصص إلى نفسه، لما كان بأمره، ~~وقد بين ذلك بقوله: " بما أوحينا إليك هذا القرآن " فالقرآن كلامه وصفته، ~~وقص جبريل عليه السلام على الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن الذي تضمن ~~قصص الأولين وأخبارهم. فإن احتجوا على أن القراءة هي المقروء بما روى عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " قرأ الله طه ويس قبل أن يخلق الخلق بألفي ~~عام، فلما سمعت الملائكة قالوا: طوبى لأمة ينزل هذا عليها " قالوا: فأضاف ~~القراءة إلى الله تعالى. فالجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أنه ذكر أن ~~القراءة وجدت قبل السموات والأرض بألفي عام، ودل على أنها لم تكن موجودة ثم ~~وجدت، والمقروء القديم ليس لوجوده أولية، بل هو موجود بوجوده تعالى، فدل ~~على الفرق بين القراءة والمقروء، لأن المقروء موجود بوجوده تعالى. # والجواب الثاني: أنه أمر بعض الملائكة أن يقرأ " طه " و " يس " قبل أن ~~يخلق ms081 السموات والأرض بألفي عام، فلما سمعت الملائكة ذلك قالوا ما قالوا؛ ~~وأضاف القراءة إلى نفسه. لما كانت بأمره، فصار هذا كقوله تعالى: " الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها " والمتوفي هو ملك الموت، بدليل قوله تعالى: " قل ~~يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم " لكن لما كان توفيه لهم بأمره أضاف ذلك ~~إلى نفسه. # فصل # ومما يقوى جميع ذلك من السنة: أن الفعل يضاف إلى الآمر به، وإن كان لم ~~يفعله بنفسه، وإنما أمر بفعله؛ ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ~~ماعزا؛ والنبي صلى الله عليه وسلم لم يباشر الرجم بنفسه، لكن لما أمر ~~الصحابة جاز أن يضاف إليه. PageV01P043 وأيضا ما روى عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قطع يد سارق ثوب صفوان ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم ما باشر ~~القطع، لكن أمر به، فأضيف الفعل إليه لما صدر عن أمره. وكذلك روى عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه جلد شارب الخمر أربعين، ولم يباشر الجلد بنفسه، لكن لما ~~كان عن أمره جاز إضافة الفعل إليه. والأخبار في هذا المعنى كثيرة جدا. ~~وأيضا يقال: جبى عمر رضي الله عنه خراج العراق، ولم يباشر الجباية بنفسه، ~~لكن لما جبى بأمره جاز إضافة الفعل إليه. وكذلك يقال: افتتح عمر رضي الله ~~عنه الشام والأمصار، وهو لم يباشر ذلك بنفسه، لكن الصحابة والجند بأمره، ~~فصح بهذه الجملة أن التلاوة فعل التالي، لكن هي بأمر الله تعالى وإيجاده، ~~فصح أن يضاف إليه القراءة والتلاوة على هذا الوجه، فأما المتلو والمقروء ~~فليس بفعل لأحد بل هو كلامه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته الذي ليس ~~بمخلوق ولا يتصف بشيء من صفات الخلق. # فصل # ثم نقول لهؤلاء الجهلة الضلال: كيف يجوز لكم أن تقولوا إن القراءة هي ~~المقروء، والتلاوة هي المتلو، والله تعالى قد فصل بينهما، وجعل القراءة فعل ~~القارئ، والمقروء هو القرآن الذي هو كلام الباري، في غير موضع من كتابه. # أحدها: قوله تعالى: " فإذا قرأت القرآن " فأفرد القراءة عن القرآن، وأن ~~القراءة ms082 فعل الرسول، والمقروء ليس بفعل لأحد، بل هو كلام الله القديم، وهذا ~~كقوله تعالى: " واذكر ربك " فأفرد الذكر عن المذكور، فالذكر فعل الذاكر، ~~والمذكور هو الله تعالى القديم الذي " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " . ~~وأيضا قوله تعالى: " فاقرؤا ما تيسر من القرآن " وقوله تعالى: " أتل ما ~~أوحى إليك من الكتاب " وقوله تعالى: " وأن أتلو القرآن " وقوله تعالى: " إن ~~الذين يتلون كتاب الله " وفي القرآن أكثر من ألف موضع يدل على الفرق بين ~~التلاوة والمتلو، والقراءة والمقروء، لمن له حس سالم، وعقل ثابت. ومن القدر ~~الذي قدمناه دليلان: أحدهما: أنه تعالى ذكر تلاوة، ومتلوا، وقراءة، ~~ومقروءا، فبطل بذلك زعمهم أنه شيء واحد. # الثاني: أنه أمر بالقراءة والتلاوة، والأمر هو استدعاء الفعل بالقول ممن ~~هو دونه. والصفة القديمة التي هي المقروء، والمتلو لا يصح فيه الفعل ولا ~~استدعاء الفعل، فصح أن المأمور به استدعى غير المقروء، والمتلو هي القراءة ~~والتلاوة. فافهم هذا التقرير فإنه يوجب الفرق بين الأمرين، ضرورة الإشكال ~~فيه. ثم نقول لهم: القراءة قد اختلفت وتنوعت أنواعا، أفتقولون إن المقروء ~~الذي هو القرآن مختلف متنوع ؟ فإن قالوا: نعم كفروا، وإن قالوا: لا فقد ثبت ~~أن الذي جاز عليه الاختلاف والتنوع غير الذي لم يجز عليه ذلك، وأيضا فإن كل ~~قراءة منسوبة إلى قارئها، فيقال هذه قراءة أبي، وهذه قراءة ابن مسعود، ~~وكذلك في سائر القراءات، ولا يجوز أن ينسب المقروء الذي هو القرآن إلى أحد ~~من الخلق، فيقال هذا قرآن أبي ولا قرآن ابن مسعود، فصح أن القراءة فعل ~~القارئ، فصح أن تنسب قراءة كل واحد إليه، لأنها فعله الذي يثاب ويمدح عليها ~~تارة ويعاقب ويندم عليها أخرى، والمقروء بسائر القراءات كلام الله تعالى ~~الذي ليس بفعل لأحد، فصح الفرق بين الأمرين. # فصل # ثم نقول لهم: ما تقولون فيمن قال: إن قرأت بقراءة أبي جعفر يزيد القعقاع ~~شيخ نافع فعبدي حر، فقرأ بقراءة الجحدري عاصم، أيعتق عبده أم لا ؟ ليس فيه ~~خلاف بين المسلمين. ولو قال إن قرأت مقروء ms083 ابن كثير فعبدي حر، فقرأ بقراءة ~~ابن عامر عتق عبده، لأن المقروء شيء واحد، وإن اختلفت القراءات. # فصل # ثم نقول: لو اجتمع مائة قارئ فقرأ القرآن أليس عدة القراء مائة، كل واحد ~~منهم يثاب على قراءته، فالثواب مائة ثواب على مائة قراءة، أفتقولون: إن ~~القرآن الذي قرؤوه بقراءتهم مائة قرآن أم قرآن واحد، فلا يقول عاقل إلا أنه ~~قرآن واحد، لكن القراءات متعددة، فصح الفروق بين القراءة والمقروء. # فصل PageV01P044 ثم نقول لهم: إذا قرأ القارئ القرآن وحصل له الثواب، ~~أحصل له الثواب على فعل فعله أو على غير فعل ؟ فإن قالوا: على غير فعل فعله ~~وجب أن يكون هذا الثواب يحصل للساكت كما حصل للقارئ، وهذا لا يقوله عاقل. ~~وإن قالوا: على فعل فعله، صح أن الذي فعل القراءة، أو السماع إلى القراءة، ~~والمقروء المتلو الذي هو كلام الله ليس بفعل لأحد، وكذلك المسموع ليس بفعل ~~لأحد؛ فصح الفرق بين الأمرين فافهم. # وأيضا فإنه يجوز إذا أعرب القارئ القراءة، ومكن ما يجب تمكينه، ووقف فيما ~~يجب الوقوف عليه، وبدأ بما يجوز البداءة به، وقطع ما يجوز القطع عليه، ووصل ~~ما يجوز وصله، فجائز أن يقال فلان حسن القراءة، جيد القراءة، وإذا كان ~~بالعكس من ذلك جاز أن يقال: فلان ليس بحسن القراءة ولا جيد القراءة، ولا ~~يجوز أن يقال المقروء غير حسن ولا جيد، بل المقروء حسن، سواء كانت القراءة ~~حسنة أو غير حسنة فافهم الفرق بين الأمرين. # ثم نقول لهم خبرونا: أليس الله تعالى فرض علينا القراءة في الصلاة ؟ فإذا ~~قالوا: بلى. قلنا: أفرض علينا شيئا نفعله أو غير شيء نفعله ؟ فإن قالوا: ~~فرض علينا شيئا نفعله. قلنا: وما هو هذا الشيء ؟ فلا بد أن يقولوا: ~~القراءة. قلنا فقد صح أن القرآن موجود قبل القارئ له وقراءته في الصلاة، ثم ~~أمره تعالى بأن يقرأ: أي يفعل فعلا يسمى قراءة ففعل العبد صفة العبد لا صفة ~~الرب، هذا بمنزلة قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله " أليس ~~المذكور غير ms084 الذكر الذي هو فعل الذاكر المأمور بفعله، فكذلك القراءة فعل ~~القارئ والمقروء القرآن، ثم نقول لهم أليس كلام الله تعالى موجود بوجوده، ~~قديم بقدمه قبل أن يخلق خلقا، فلا بد من نعم. فنقول: فهل يصح وجود القراءة ~~من القارئ قبل وجوده ؟ فلا بد من لا. فنقول ما كان موجودا قبل القارئ فهو ~~القرآن الذي هو كلام الله، وما وجد من القارئ بعد أمره بالقراءة فهو فعله ~~لا محالة، وهذا قدر لا يخفى على بشر سليم العقل. # فإن احتجوا على أن الكلام القديم يوصف بالصوت والحرف، بقوله تعالى: " حتى ~~يسمع كلام الله " قالوا والذي يسمع إنما هو صوت وحرف، وقد نسبه إليه، فدل ~~على أنه متكلم بصوت وحرف. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن يقال لهم: ما ~~أنكرتم أن تكون هذه الآية حجة عليكم، وذلك أن كل عاقل يقول: إن المشرك لا ~~يسمع كلام الله بلا واسطة، وهي قراءة القارئ، فلا بد من وجود القراءة التي ~~هي حروف وأصوات، فيحصل لهذا المشرك السماع حينئذ لكلامه تعالى، فحصل معنا ~~عند ذلك مسمع اسمع كلام الله بإسماع أوجده، وهي قراءته التي هي حروف ~~وأصوات، ومسموع وهو كلام الله تعالى الذي لا يجوز أن يكون حروفا وأصواتا، ~~لأن الحروف والأصوات يتقدم بعضها على بعض، وصار هذا بمنزلة من أسمعنا الله ~~بذكره، بأن قال: يا ألله. قلنا: حصل معنا مسمع وهو الذاكر، وإسماع أسمعنا ~~به المسموع، وهو المذكور، فالإسماع يقع بحروف وأصوات، فيجوز لكل أن يقول: ~~إن الله المذكور هو حروف وأصوات. # الجواب الثاني: أن المراد بهذه الآية ما هو سماع الحروف والأصوات، إنما ~~المراد بهذه الآية: حتى يتدبر كلام الله ويفهم ما فيه. لعله يرجع عن شركه ~~ويهتدي، فالحروف والأصوات لا تهدي، إنما الذي يهدي هو القرآن الذي هو كلام ~~الله تعالى. دليله: قوله تعالى: " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم " . # جواب ثالث: وهو أن يقال لهم: إذا كان الكلام القديم أصواتا وحروفا. # والكلام المخلوق الذي من الشعر والخطب أصواتا وحروفا، فقد صار الكلام ms085 ~~القديم كالكلام المخلوق، وهذا القول يوجب أن يكون كل كلام قديم أو محدث ~~سواء لأن الحرف والصوت في قول القائل إذ أخبر عن قول اللعين فرعون: " أنا ~~ربكم الأعلى " فاعبدون، فصورة الحروف في قول فرعون أنا ربكم، كصورتها في ~~قراءة القارئ " وأنا ربكم فاعبدون " ، فصح أن الحروف والأصوات ليست كلام ~~فرعون، ولا الرب تعالى، فالحرف والصوت يعبر به عن كلام فرعون، ويقرأ به ~~كلام الله تعالى، فصح، أن الحرف والصوت أداة يقرأ بها الكلام القديم، لا أن ~~الحرف والصوت نفس الكلام القديم. PageV01P045 جواب رابع: وهو أن يقال لهم: ~~خبرونا عن قولكم إن الله تعالى متكلم بأصوات وحروف، أهي هذه الحروف ~~والأصوات الجارية الدائرة في سائر كلام الخلق، أو غيرها؟ فإن قالوا: هي هذه ~~فقد جعلوا جميع كلام الخلق قديما كله؛ وإن قالوا: بل هي غير هذه الحروف ~~والأصوات الجارية في كلام الخلق. قلنا: فصح حينئذ أن قراءة القراء للقرآن ~~بحروف وأصوات غير الحروف والأصوات التي تعنون؛ فإذن ليس عندنا كلام الله ~~تعالى، بل هو غائب عنا، لأن أصوات القراء وحروفهم هذه هي المعهودة الجارية ~~في كلام الخلق. وكذلك أيضا يجب أن لا يكون في المصحف قرآن؛ لأن الحروف التي ~~فيه هي الحروف المعهودة الجارية في خطوط الخلق، وكل هذين القولين باطل؛ ~~فثبت أن الحروف والأصوات يقرأ بها الكلام القديم ويكتب بها الكلام القديم، ~~لا أنها نفس الكلام. ثم يقال لهم: خبرونا: أيصح خروج حرف من غير مخارج ؟ ~~فإن قالوا: لا. قلنا: فتقولون أن الباري تعالى عن قولكم ذو مخارج من شفة ~~للفاء؛ وحلق للحاء؛ ولسان للثاء؛ وإن قالوا: نعم جسموا بإجماع المسلمين؛ ~~وإن قالوا: لا تحتاج الحروف إلى مخارج؛ فقد كابروا الحس والعيان مع قولهم ~~بصحة الخبر المروي بزعمهم، وذلك أن كلامه منه خرج، وكلامه عندهم حروف، فيجب ~~على قولهم أن يكون خروجها من مخارج؛ وكل هذا القول كفر وضلال، وسفه وحمق ~~وجهل عظيم. # فصل # فإن احتجوا بقوله تعالى " حم " و " الم " ونحو ذلك من الحروف المقطعة في ~~أوائل السور، ms086 وقالوا بالإجماع إن هذا كلام الله، فصح أن كلامه حروف، قلنا: ~~الجواب عن هذا من وجوه: أحدها: إن أردتم بقولكم إنها كلام الله تعالى، بما ~~تزعمون من الإجماع أن نفس صورة الألف، ولام، وميم نفس الكلام القديم، فلا ~~قائل بهذا غير جهالكم الذين لا فهم لهم ولا عقل، لأن هذا القول منهم يؤدي ~~إلى أن الكافر المشرك يقدر أن يوجد القديم ويفعل القديم، لأن كل كافر كاتب ~~يقدر أن يكتب صورة ألف ويلفظ بألف، ومن عظيم الجهل أن يكون عبد مخلوق مربوب ~~يقدر أن يوجد القديم ويفعل قديما، هذا جهل ظاهر. وإن قلتم المفهوم من " الم ~~" و " حم " ونحو ذلك هو كلام الله تعالى عند نظر الناظر إليها، وأن المسموع ~~عند قراءة القارىء " الم " و " حم " ونحو ذلك هو كلامه تعالى، وهذا صحيح، ~~وصح بذلك أن الكلام القديم يفهم بالحروف المنظومة، على اختلاف نظمها بين ~~أرباب تلك الخطوط والأشكال كلام الله تعالى، فكذلك صح أن القراءة هي حروف ~~وأصوات بها يسمع كلام الله القديم على حسب اختلاف اللغات بين أربابها، لا ~~أنها نفس كلامه القديم. وقد اختلف المفسرون في هذه الحروف المقطعة في أوائل ~~السور على ثمانية أقوال: أحدها: أنها أسماء من أسماء القرآن، كالذكر ~~والفرقان، وهذا قول قتادة وابن جريج. # الثاني: أنها اسم لكل سورة ذكرت في أولها، وهذا قول زيد بن أسلم. # والثالث: أنها يعبر بها عن اسم الله الأعظم، وهذا قول السدي، والشعبي. # والرابع: أنها أقسام أقسم بها الله تعالى، وبه قال ابن عباس، وعكرمة. # والخامس: أنها حروف مقطعة من أسماء وأفعال، فالألف من أنا، واللام من ~~الله، والميم من أعلم. فكان معنى ذلك أنا الله أعلم. وهذا قول ابن مسعود، ~~وسعيد بن جبير ونحوه عن ابن عباس أيضا؛ والعرب قد تعبر عن الكلمة بحرف ~~منها، كقول القائل: قلت لها قفي. قالت: قاف. أي وقفت، ومثله في كلام العرب ~~كثير. وقد قال ابن عباس في قوله تعالى: " كهيعص " الكاف من كاف، والهاء من ~~هاد، والياء من حكيم، ms087 والعين من عليم، والصاد من صادق. # السادس: أن كل حرف منها يدل على معان مختلفة، فالألف مفتاح اسمه الله، ~~واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، والألف آلاء الله، يعني ~~نعمه، واللام ملكه، والميم مجده، والألف سنة، واللام ثلاثون سنة، والميم ~~أربعون سنة، آجال ذكرها. PageV01P046 والسابع: أنها حروف من حساب الجمل، ~~لما روى عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله قال: مر أبو ياسر ابن أخطب ورسول ~~الله يتلو فاتحة الكتاب وسورة البقرة " الم ذلك الكتاب " فأتاه أخوه حيي بن ~~أخطب، فأخبره، فقال حيي بن أخطب: وأقبل على اليهود، فقال لهم: الألف واحد، ~~واللام ثلاثون، والميم أربعون، وهذه أحد وسبعون سنة، ثم ذهب حيي مع هؤلاء ~~النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لرسول الله فهل معك غير هذه ؟ ~~قال نعم " المص " قال أثقل وأطول، والألف واحد، واللام ثلاثون، والميم ~~أربعون، والصاد تسعون، فهذه أحد وستون ومائة سنة، ثم قال هل معك غير هذه يا ~~محمد ؟ قال نعم. قال ماذا ؟ قال: " الر " فقال هذا أثقل وأطول، الألف واحد، ~~واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، فهل مع هذا ~~غيره ؟ قال نعم: " المر " قال هذا أثقل وأطول، الألف واحد، واللام ثلاثون، ~~والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة. قال: لقد ~~التبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليل أعطيت أم كثير. ثم قاموا من عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال أبو ياسر لأخيه حيي ولمن معه من اليهود: وما ~~يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد إحدى وسبعون، وإحدى وستون ومائة، وإحدى ~~وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون ~~سنة. قالوا: والله لقد تشابه علينا أمره، قيل فنزلت فيهم " هو الذي أنزل ~~عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به، كل من عند ربنا، ms088 وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب " . # والثامن: أنها حروف هجاء، أعلم الله بها العرب حين تحداهم، أن تلاوة ~~القرآن بحروف كلامهم هذه التي عليها بناء كلامهم، ليكون عجزهم عنه أبلغ في ~~الحجة عليهم، إذ لم يخرج تلاوته عن مباني كلامهم. # جواب ثاني: وهو أنك تقول: إذا قلتم أن الحرف المفرد إذا أتى به في تلاوة ~~كلام الله هو نفس كلام الله، فما تقولون فيمن أسقط شيئا من كلام الله، ~~أيجوز ذلك أم لا ؟: فلا بد من أن يقولوا لا يجوز. فيقال لهم: خبرونا عن ~~جماعة من القراء من الصحابة والتابعين ومن اتبعهم بإحسان الذين قرؤوا " ملك ~~يوم الدين " وهم الأكثر، قد أسقطوا ألفا هي في قراءة غيرهم. لأن غيرهم ~~يقرؤون مالك بالألف. فإن قالوا: أخطئوا فلا يجوز لهم ذلك. وهو القول الصحيح ~~الصواب. قلنا: فصح أن الألف ليس نفس كلام الله القديم، لأنه لا يجوز لأحد ~~أن يسقط منه شيئا، وإنما الألف صفة قراءة دون قراءة، فالمقروء مع إثبات ~~الألف هو المقروء مع إسقاط الألف شيء واحد، لا يزيد بزيادة الحروف ولا ينقص ~~بإسقاط الحروف، والقراءة تزيد بزيادة الحروف وتنقص بإسقاط الحروف، وقد قيل: ~~إن من قرأ القرآن بقراءة ابن كثير كتب له أجر ختمة وثلث، لأنه يزيد في ~~الحروف أكثر من سائر القراء لأنه يقرأ لديه وإليه وعليه، والكسرة عندهم ~~تقوم مقام حرف، وقرأ في التوبة " تجري من تحتها الأنهار " وهذا يوضح لك أن ~~قوله صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات أن الحروف ~~عائدة إلى القراءة. وطول حروفها دون المقروء الذي هو كلام الله تعالى لا ~~يزيد ولا ينقص. وسنذكر ذلك في الجواب عن هذا الخبر إذا احتجوا إن شاء الله ~~تعالى وبه الثقة. # جواب آخر: وهو أنك تقول: خبرونا عن حروف كلام الله على زعمهم، أهي ثمانية ~~وعشرون حرفا أو أكثر أو أقل ؟ فإن قالوا هي ثمانية وعشرون حرفا فقد جعلوا ~~القديم مما يحله الحصر والعد والافتتاح والانتهاء وهي صفة المخلوقات لا صفة ms089 ~~القديم. وإن قالوا: أكثر. قلنا: أكثر إلى ما له حد أو إلى ما لا حد له ؟ ~~فأي القولين قالوا كان باطلا، لأن القرآن لا يخرج في الكتابة والتلاوة على ~~أكثر من هذه الثمانية وعشرين حرفا، فعلى قولهم يجب أن يكون معنا بعض القرآن ~~لا كله، لأن القرآن عندهم حروف يزيد على هذه الحروف، ولعل الذي يكون معنا ~~من القرآن أقله، لا سيما إن قالوا إن الحروف القديمة لا يدخلها حصر ولا عد، ~~وهذا قول ساقط واه عند كل عاقل محصل، فلم يبق إلا أن الحروف والأصوات أدوات ~~نكتب بها ونتلو بها الكلام القديم، وغير الكلام القديم، لا أنها نفس ~~الكلام. فافهم ذلك. PageV01P047 وجواب آخر: وهو أن تقول لهم: خبرونا أليس ~~قد قرأ سائر القراء غير نافع وابن عامر في سورة الحديد في قوله تعالى: " ~~ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد " بإثبات الهاء والواو، وقرأ نافع وابن ~~عامر بإسقاط الهاء والواو، فالذي أسقط من الهاء والواو كلام الله تعالى أو ~~قراءة كلام الله تعالى، فلا يجوز لعاقل أن يقول الهاء والواو كلام الله؛ ~~لأن من أسقط شيئا من كلام الله كفر ولا خلاف بين المسلمين أنهما على الحق، ~~وربما رجحوا قراءتهما على غيرهما، فلم يبق إلا أن الحروف آلة للقراءة تسقط ~~تارة وتثبت أخرى، والمقروء المتلو ثابت لا يحتمل النقصان ولا الزيادة، لأنه ~~قديم لكن المخلوق يجوز ثبوته تارة وإسقاطه أخرى. # فصل # فإن احتجوا على إثبات قدم الحروف، وأن كلام الله القديم يتصف بالحروف، ~~بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف. # فالجواب: أنه لا حجة في هذا الحديث من وجوه عدة، لأنكم تخالفون هذا ~~الحديث. لأن الرسول قال على سبعة أحرف، وأنتم تقولون على ثمانية وعشرين ~~حرفا، فقد أسقطتم متن هذا الحديث، ولم تقولوا به، فلا حجة لكم فيه. # جواب آخر: وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: أنزل على سبعة أحرف ولم يقل ~~تكلم الله بحرف، وأنتم إنما تريدون إثبات الحرف ms090 لكلامه، لا نزول كلامه فلا ~~حجة لكم فيه. # جواب آخر: وهو أن قوله عليه السلام على سبعة أحرف، لم يرد بها حروف ~~التهجي، وإنما أراد بها غير ذلك، بإجماع أهل العلم من الصحابة والتابعين، ~~ولأنه روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه فسر ذلك بغير حروف التهجي، لأنه قال: ~~على سبعة أحرف ثم فسرها فقال: أمر، ونهي، وترغيب، وترهيب، وجدل، ومثل، وقصص ~~وقال بعض الصحابة والتابعين يعني على سبع لغات، مما لا يغير حكما من تحليل ~~ولا تحريم مثل قوله تعالى: " يا موسى أقبل ولا تخف " فكانوا لا يفرقون بين ~~قول التالي أقبل أو هلم، أو يقال: لأن معانيها متفقة وإن اختلفت اللغات ~~فيها، وما جرى هذا المجرى، وكانوا في صدر الإسلام مخيرين فيها، فلما اجتمعت ~~الصحابة رضي الله عنهم عند جمع القرآن على أحدها، وهو قوله " أقبل ولا تخف ~~" منع هذا الإجماع من غير أقبل إلى هلم وتعال. ونحو ذلك، وقيل عن بعض ~~الصحابة والتابعين: إن قوله على سبعة أحرف أراد بذلك على سبع لغات للعرب، ~~في صيغة الألفاظ في التلاوة وكيفية مخارجها ونقص حروفها وزيادتها ووجوه ~~إعرابها، كالذي اختلف فيه القراءآت، فقرأ بعضهم: " وسارعوا إلى مغفرة من ~~ربكم " بغير الواو، وقرآ آخرون بواو، وقرأ بعضهم فيكون بالنصب في مواضع، ~~وقرأ آخرون فيكون بالرفع فيما نصبه الأولون، وقرأ بعضهم: " فتلقى آدم من ~~ربه كلمات " فنصب آدم ورفع كلمات وهو ابن كثير، وقرأ آخرون برفع آدم ونصب ~~كلمات، إلى نحو هذا مما لا يحصى عددا، فبطل احتجاجهم بالإجماع مما نقل عن ~~الرسول والصحابة والتابعين أن أحدا منهم قال إنه أريد بالسبع حروف التهجي، ~~وإنما المراد به اختلاف القراءات دون غيرها ما روى أن عمر رضي الله عنه مر ~~ببعض الصحابة وهو يقرأ سورة الفرقان على خلاف القراءة التي أقرأه إياها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر: فكدت أن أساوره، يعني أعجل عليه. ~~فأبطش به، ثم قال لببته حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا ~~رسول ms091 الله: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على خلاف القراءة التي ~~أقرأتنيها فقال: خل عنه. ثم قال اقرأ فقرأ عليه القراءة التي سمعتها فقال. ~~هكذا أنزل. ثم قال: اقرأ يا عمر: فقرأت عليه القراءة التي أقرأنيها فقال: ~~هكذا أنزول. ثم قال: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، الكل شاف كاف ~~فاقرؤا ما تيسر منه فأد هذا الحديث وجوها: أحدها: أن الحروف واختلافه صفة ~~القراءة التي يجوز فيها الاختلاف، لا كلام الله القديم الذي لا يجوز فيه ~~الاختلاف. # الثاني: أن عمر ما أنكر عليه أن القرآن المقروء بقراءته كلام الله، إنما ~~أنكر عليه القراءة التي هي صفة القارىء وظن أن هذه القراءة فاسدة وقراءته ~~أعلمه الرسول عليه السلام أن كل واحدة من القرائتين جائزة، وإن اختلفا، لأن ~~المقروء بها لا يختلف لاختلافها. PageV01P048 الثالث: أن الرسول أخبر أن ~~القرآن يقرأ على سبع قراءات، وأن تعدد القراءات لا يدل على تعدد القرآن؛ ~~لأن السبع المقروء بها واحد، وهو كلام الله القديم، الذي لا يشبه كلام ~~الخلق، ولا يختلف في حال من الأحوال، وإن اختلفت القراءات. فافهم التحقيق ~~ترشد إن شاء الله تعالى. # فصل # فإن احتجوا على أن الله تعالى متكلم بحروف، بما يروى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول ~~ألم حرف، لكن الألف حرف، واللام حرف، والميم حرف قالوا: فدل على أنه تكلم ~~بحروف، فالجواب من وجوه: أحدها: أن الحديث لا حجة فيه على ما تريدون، لأنه ~~لم يقل تكلم الله بحروف، وإنما قال من قرأ فله؛ وهذا لا حجة فيه. # جواب آخر: وهو أن الأجر إنما يقع على الطاعة التي هي القراءة، لا على ~~القديم الذي هو كلام الله، ونحن نقول: إن الحرف عائد إلى القراءة لا إلى ~~المقروء، والذي يحقق ذلك أنه إذا جلس اثنان حافظان لكلام الله تعالى وهما ~~ساكنان؛ أليس كل واحد منهما معه كلام الله في صدره، كما أخبر تعالى: " بل ~~هو آيات ms092 بينات في صدور الذين أوتوا العلم " ولا يحكم بأن لكل واحد منهما ~~حسنة، وإن كان كلام الله موجودا معهما؛ فإذا قرأ أحدهما وسكت الآخر، أليس ~~يحصل للقارىء بكل حرف عشر حسنات، لوجود القراءة منه، وليس للساكت منهما هذه ~~الحسنات، وإن كان معه كلام الله القديم على الوجه الذي ذكرنا، وإنما زاد ~~عليه هذا، بأن وجدت منه القراءة التي هي حروف وفعل منه يسمى طاعة، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: أفضل عبادات أمتي قراءة القرآن فصح أن الثواب على ~~الفعل الذي هو طاعة، لا على الكلام القديم، فكان الحرف صفة التلاوة لا صفة ~~المتلو. # جواب آخر: وهو أنه قد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه أضاف الحرف إلى ~~التلاوة، لا إلى كلام الله القديم، وهو ما روى عبد الله بن مسعود أن الرسول ~~قال: تعلموا القرآن فإنه مأدبة الله فتعلموه واتلوه فإنكم تؤجرون على ~~تلاوته بكل حرف عشر حسنات. فأضاف الحرف إلى التلاوة لا إلى المتلو، فصح ما ~~قلناه، وبطل ما توهم الجاهل أنه حجة له. # فصل # فإن احتجوا في إثبات الصوت لكلام الله تعالى، وأنه متكلم بأصوات، بما روى ~~في الحديث: إذا كان يوم القيامة نادى الله تعالى بصوت يسمعه من بعد كما ~~يسمعه من قرب الخبر.. قالوا: فقد أضاف الرسول عليه السلام الصوت إلى الله ~~تعالى، فصح ما قلناه. الجواب من أوجه: أحدها: أنك تقول أولا لا حجة لكم ~~فيه، لأنه صلى الله عليه وسلم ما قال تكلم الله بصوت، ولا قال بصوت، ولا ~~قال كلام الله أصوات، كما تزعمون بجهلكم؛ وإنما قال نادى الله بصوت، وليس ~~الخلاف إلا أن كلامه أصوات، فلا حجة لكم فيه. # جواب آخر: وهو أن هذا الحديث قد روى فيه ما يدل على أن الصوت من غير الله ~~بأمره، لأنه روى إذ كان يوم القيامة جمع الله الخلائق في صعيد واحد، ينفذهم ~~البصر، ويسمعهم الداعي، يأمر مناديا فينادي، فصح أن النداء من غيره، لكن ~~لما كان بأمره أضيف النداء إليه، كما يقال: نادى ms093 الخليفة في بغداد بكذا ~~وكذا. ويقال: أمر الخليفة مناديا فنادى بأمره في بغداد بكذا وكذا، ولا فرق ~~بين الموضعين، فإن كل عاقل يعلم أن الخليفة لم يباشر النداء بنفسه، لكن لما ~~كان بأمره جاز أن يضيفه إلى نفسه، وأن يضاف إليه، وإن لم يكن هو المنادي ~~بنفسه، ويصحح جميع ذلك القرآن، قال الله: " واستمع يوم يناد المناد من مكان ~~قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج " فأضاف النداء إلى المنادى، ~~فصح أن الصوت صفة المنادي لا صفة الآمر بالنداء؛ ومن عجيب الأمر أن الجهال ~~لا يجوزون أن يكون النداء صفة المخلوق إذا كان رفيع القدر في الدنيا، ~~كالخليفة والأمير، وينفون عنه ذلك، ثم يجوزونه في حق رب العالمين. # جواب ثالث: وذلك أنا وكل محقق يقول: إن هذا الصوت ليس بموجود اليوم، ~~وإنما يكون يوم القيامة، وكلام الله قديم بقدمه، موجود بوجوده، فصح أن هذا ~~شيء لم يكن بعد، وإنما يكون يوم القيامة، ومن زعم أن صفة الله تعالى ليست ~~بموجودة اليوم، وإنما توجد يوم القيامة فقد جعل كلام الله تعالى مخلوقا لا ~~محالة، فصح بهذه الجملة أن الصوت ليس بصفة لكلام الله تعالى، وإنما هو صفة ~~للمنادي الذي يأمره الله تعالى بالنداء في ذلك اليوم. PageV01P049 جواب ~~آخر: وهو أن كل ما أضيف إلى الله تعالى لا يجب أن يكون صفة له، فمن زعم هذا ~~فقد كفر وأشرك لا محالة، لأن الخبر قد جاء بقول الله تعالى: يا ابن آدم ~~مرضت فلم تعدني، جعت فلم تطعمني، عطشت فلم تسقني، عريت فلم تكسني فأضاف هذه ~~الأشياء إليه في الخبر، ومن زعم أنه يجوع ويعطش، ويمرض ويعرى، فقد كفر ~~وأشرك لا محالة. وكذلك قال تعالى: " يوم ننفخ في الصور " على قراء من قرأ ~~بالنون المفتوحة والنافخ إسرافيل. وقال تعالى: " إن الذين يؤذون الله " ~~فأضاف الأذية إليه، ومن زعم أن الأذية من صفته فقد كفر لا محالة، فلم يبق ~~إلا أن النداء والصوت حصل من الصايت المأمور، لا من الآمر، لكن لما كان ms094 ~~بأمره جاز أن يضاف إليه، كما قال تعالى: " ولقد جئناهم بكتاب " وإنما جاء ~~به محمد عليه السلام بأمره. وقال تعالى: " فطمسنا أعينهم " والطامس جبريل، ~~وميكائيل، طمسا أعين قوم لوط، لكن لما كان بأمره أضافه إلى نفسه. وكذلك ~~يقال: رجم وجلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما الراجم والجالد غيره، ~~لكن لما كان بأمره حسن أن يضاف إليه. فافهم الحق لتبطل به الباطل. # فإن احتجوا بما روى: أن الله تعالى إذا تكلم الله بالوحي، وروى بالأمر من ~~الوحي جاء له صوت كجر السلسلة على الصفا. فالجواب عن هذا من وجوه عدة: ~~أحدها: أن هذا هو الحجة عليكم، لأن هذا الصوت خلاف ذلك الصوت الذي في الخبر ~~الأول، لأن ذلك قال فيه يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب وهذا الصوت إنما ~~يسمعه بعض الملائكة، فصح أن هذا الصوت خلاف ذلك الصوت، ولو كان الصوت صفة ~~قديمة لما اختلف ولا تغير؛ لأن القديم لا يجوز عليه الاختلاف. ولا التغير، ~~فلما اختلف وتغير دل أن ذلك صفة الخلق لا صفة الحق. فافهم. # جواب آخر: وذلك أنه قال: إذا تكلم الله بالوحي، جاء له صوت، ولم يقل إذا ~~تكلم الله بصوت، فالوحي غير الوحي، لأن الموحي كلام الله تعالى، والوحي ~~إنزال كلام الله، وإعلام كلام الله، والذي يدل على صحة ذلك القرآن. وذلك أن ~~الله تعالى فصل بينهما فقال: " وكذلك أوحينا إليك قرآنا " فالوحي إنزال ~~القرآن، وإعلام القرآن، وإفهام القرآن الذي هو كلام الله تعالى، وقال ~~تعالى: " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده " أي أنزلنا ~~إليك وأفهمناك كلامنا القديم، كما أنزلنا وأفهمنا من قبلك كلامنا القديم، ~~فالإفهام لم يكن ثم كان. وأما المفهوم الذي هو كلام الله القديم فهو موجود ~~ثابت قبل الإفهام وبعده على صفة واحدة، لا يختلف ولا يتغير. PageV01P050 ~~جواب آخر: وهو أن هذا الحديث قد روي من طرق عدة، وأضيف إليه الصوت المشبه ~~بجر السلسلة إلى الخلق، لا إلى كلام الحق، فمن ذلك ما روى النواس ms095 بن سمعان ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا تكلم الله بالوحي أخذت السموات ~~منه رجفة شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا ~~سجدا، وأول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام؛ فتكلم الله من وحيه بما أراد، ~~فينتهي به جبريل عليه السلام على الملائكة، كلما مر بسماء سأل أهلها ماذا ~~قال ربنا ؟ فيقول جبريل الحق، وهو العلي الكبير فثبت أن الصوت المشبه ~~بالسلسلة صوت رجفة السموات، لأنهم سمعوا صوت رجفة السموات لا كلام الله ~~تعالى، ولهذا سألوا جبريل عليه السلام ماذا قال ربنا، فدل على أنهم لم ~~يسمعوا كلامه، وإنما سمعوا صوت رجفة السموات، التي شبهت بجر السلسلة، لأنهم ~~لو سمعوا كما سمع جبريل لفهموا كما فهم جبريل. وروى أبو هريرة رضي الله ~~عنه. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت ~~الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان فأضاف الرسول عليه ~~السلام هذا الصوت المشبه إلى صوت أجنحة الملائكة، لا إلى كلام الله تعالى ~~وحديث أبي هريرة هذا صحيح. أخرجه البخاري، وحديث النواس أخرجه مسلم في ~~كتابه، وروى أبو الضحى مسروق، عن عبد الله أنه قال: إذا تكلم الله بالوحي ~~سمع أهل السموات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان وفي رواية: سمع أهل ~~السماء للسماء صلصلة وليس في شيء من هذه الروايات إذا تكلم الله سمعوا من ~~الله صلصلة، وإنما سمعوا من السماء إذا أحدث الله فيها رجفة، وجعل ذلك ~~علامة لأهل السموات. يعلمون بها أن الله تعالى تكلم بالأمر، وأن المخصوص ~~بسماع كلامه جبريل عليه السلام، ولهذا سألوه ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ ~~فيقول: قال الحق. فيقولون: قال الحق. فيصفون الله تعالى بقول الحق، لا ~~بالصلصلة والصوت، فصار هذا الحديث حجة عليهم لا لهم. # جواب آخر: وهو أنه قد روي من الأخبار والآثار ما لا يحصى عددا، أن الصوت ~~مخلوق، وأنه صفة القارئ لا صفة الباري، فمن ذلك ما روى ابن جريج عن الزهري ~~أنه ms096 قرأ بين يديه " يزيد في الخلق ما يشاء " فقال هو الصوت الحسن. فقال ~~الأوزاعي رحمه الله أنه قال: ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل، ~~قيل فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سموات تسبيحهم وصلاتهم. # وقال أبو العالية: قال موسى صلى الله عليه وسلم لقومه: قدسوا بأصوات ~~حسنة، فإنه أسمع له، فأضاف الصوت إلى المقدسين لا إلى المقدس. وقال مالك بن ~~دينار في قوله تعالى: " وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " قال: يقيم الله داود ~~عليه السلام عند ساق العرش، فيقول يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم، ~~فيقول كيف أمجدك به وقد سلبتنيه في دار الدنيا ؟ قال: فيقول جل وعز: إني ~~أرده عليك. قال فيرده عليه، فيزداد صوته حسنا، فيأخذ في التمجيد، فيستفرغ ~~داود نعيم الجنان؛ يعني يشتغل أهل الجنة بحسن صوته عن نعيمهم. # فالصوت الحسن المردود المسلوب الرخيم صفة داود عليه السلام التي يمجد بها ~~ويقدس بها، والممجد المقدس هو الله تعالى الخالق لداود ولصوته ولسائر ~~الأصوات. PageV01P051 وروى أن عمر رضي الله عنه كان يقدم الشاب الحسن الصوت ~~لحسن صوته بين يدي المهاجرين والأنصار. وقال أبو عثمان النهدي رضي الله ~~عنه: صلى بنا أبو موسى صلاة الصبح فما سمعت بصوت ولا بربط أحسن صوتا منه. ~~وتبين من هذه الآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جعل ~~الصوت صفة للقارئ لا لله تعالى، فقد روى عنه في هذا المعنى ما لا يحصى ~~عددا، فمن ذلك: ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: قام رجل من الليل فرفع ~~صوته بالقرآن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أذكرني كذا. وكذا آية ~~قال أبو ذر كان لي جار وكان يرفع صوته بالقرآن فشكوته إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان يقال له ذو البجادين فقال: دعه فإنه أواه وكان أسيد بن ~~حضير من أحسن الناس صوتا بالقرآن، فقرأ ليلة وفرسه مربوط عند رأسه، وابنه ~~نائم إلى جنبه، فدار الفرس في رباطه، فقرأ فدار ms097 الفرس في رباطه، فانصرف ~~وأخذ ابنه وخشى أن يطأه الفرس، فأصبح فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ أسيد فإن الملائكة لم تزل ~~تسمع صوتك وروى ابن سابط قال: أبطأت عائشة رضي الله عنها على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: ما حبسك يا عائشة ؟ قالت يا رسول الله: سمعت رجلا ~~يقرأ ما سمعت من رجل يقرأ قراءة أحسن منها، فذهب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليسمع صوته، فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك. وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~سمع قراءة أبي موسى ذات ليلة فقال: أبو موسى مزمار من مزامير داود ومعلوم ~~أنه شبه حسن صوته بالقراءة بالمزمار، لا كلام الله القديم الذي لا يشبهه ~~شيء من أصوات الخلق ولا نغماتهم. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم مر في ~~ليلة هو وعائشة رضي الله عنها، وأبو موسى يقرأ، فقاما فاستمعا لقراءته، ثم ~~إنهما مضيا، فلما أصبح لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لأبي موسى: ~~يا أبا موسى مررت بك الباحرة ومعي عائشة فاستمعنا لقراءتك فقال أبو موسى يا ~~نبي الله، أما إني لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيرا. قال: لقد أعطيت مزمارا ~~من مزامير آل داود. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأعرف أصوات رفقة ~~الأشعريين بالقرآن وإن كنت لم أر منازلهم حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم ~~من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار وهذا ~~حديث صحيح أخرجه مسلم بن الحجاج في صحيحه، وهو أكبر حجة في نفي الصوت عن ~~كلام الله القديم، لأنه فصل الأصوات من القرآن، فأضاف الأصوات إلى ~~الأشعريين ولم يضفها إلى كلام الله الذي هو القرآن. # وقال شهر بن حوشب: قدم أبو عامر الأشعري على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في رهط من قومه، فقال صلى الله عليه وسلم: ms098 إنه ليدلني على حسن إيمان ~~الأشعريين حسن أصواتهم بالقرآن وفي هذه الأحاديث التي ذكرنا وأمثالها مما ~~لا يحصى عددا: أن الأصوات صفة الصايتين لا صفة كلام رب العالمين، وفي بعض ~~ذلك مقنع وكفاية لمن أراد الله له الهداية. # فصل # فإن قالوا: أليس تقولون إن كلام الله مسموع بحاسة الآذان على الحقيقة ؟ ~~قلنا: بلى. فإن قالوا: فليس يجوز أن يكون مسموعا على الحقيقة إلا ما كان ~~صوتا أو حرفا. # فالجواب: أن هذا جهل عظيم، وذلك أن أهل السنة والجماعة قد أجمعوا على أن ~~الله تعالى يرى بالأبصار على الحقيقة، ولا يجوز أن يرى على الحقيقة إلا ما ~~كان جسما وجوهرا وعرضا. أفتقولون: إن الله تعالى جسم، وجوهر، وعرض ؟ فإن ~~قالوا: نعم.. فقد أقروا بصريح الكفر للتشبيه، وإن قالوا: يرى وليس بجسم، ~~ولا جوهر ولا عرض ولا يشبه شيئا من المرئيات. قلنا: فكذلك كلامه قديم ليس ~~بمخلوق ومسموع على الحقيقة، وليس بحروف ولا أصوات، ولا يشبه بشيء من ~~المسموعات، فكما أنه يرى على الحقيقة ولا تكييف لكلماته. فاتقوا الله وقفوا ~~عند حدوده، ولا تكونوا ممن قال فيهم: " ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظالمون " . وتمسكوا بقوله تعالى: " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " . ~~PageV01P052 ثم نقول لهم: أليس الله تعالى قد سمى نفسه بانيا، وهو بان على ~~الحقيقة، لأنه قال: " أم السماء بناها رفع سمكها فسواها " ولم نر بانيا على ~~الحقيقة، إلا بآلة من عدة وآجر وحجر وخشب وغير ذلك: أفتقولون إنه مفتقر في ~~بناء السماء إلى ذلك، حتى يكون قد بنى على الحقيقة. فإن قالوا: نعم، كفروا ~~لا محالة، وإن قالوا: هو بناء منه على الحقيقة ولا يفتقر فيه إلى آلة وعدة. ~~قلنا: وكذلك كلامه مسموع منه على الحقيقة بواسطة وغير واسطة، ولا يفتقر في ~~إسماعه إيانا إلى آلة من حروف وأصوات وغير ذلك. # فصل # فإن احتجوا بجهلهم أن الصفة القديمة تحل في الظروف والأوعية كحلول الشيء ~~المخلوق في الشيء المخلوق. فتفسير هذا القول منهم لو عقلوا كان إقرارا منهم ~~بخلق الله ms099 تعالى، لأن القديم لا يتصور عليه النقلة، والتحويل، وتفريغ مكان، ~~وإشغال مكان، وأمكنة، وحصر، وعد، وإفساح، وفراغ، فإن أصروا على الجهل ~~والضلال واستدلوا على حلول كلام الله القديم في المخلوقين بما يظنون حجة ~~لهم، وهو جرأة، وحجة عليهم، أقروا بقول إخوانهم من النصارى، بل زادوا عليهم ~~في سوء الاعتقاد، وخبث المذاهب والمقال على ما سنبينه في ثاني الحال، إن ~~شاء الله. # فإن احتجوا بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تسافروا ~~بالقرآن إلى أرض العدو قالوا: فصح أن الكلام القديم يصح عليه الحلول ~~والنقلة والتحول، فالجواب من وجوه عدة: أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم أراد ~~بذلك المصحف، لأنه قد بين ذلك فقال مخافة أن تناله أيديهم ولم يرد أن كلام ~~الله القديم انتقل ولا تحول من بلاد الإسلام إلى بلاد العدو، والمصحف قد ~~يسمى قرآنا، لأن فيه كتابة القرآن، وقد روى ذلك صريحا عنه صلى الله عليه ~~وسلم، فإنه كتب إلى عمرو بن حزم: ولا يمس القرآن إلا على طهارة فأراد بذلك: ~~المصحف الذي حل فيه كتابة كلام الله القديم لا يجوز عليه المس بالأيدي. # جواب آخر: وهو أنه أراد لا تسافروا بكتابة القرآن، فحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه، كما قال تعالى: " واسأل القرية التي كنا فيها " يعني ~~أهل القرية " والعير " يعني أهل العير. وقوله تعالى: " لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى " قال أكثر أهل العلم موضع الصلاة. وقد قال تعالى: " والشجرة ~~الملعونة في القرآن " أراد الملعون أهلها في القرآن. وكذلك قال: " والطور " ~~" والضحى " وجميع الأقسام إنما معناها ورب الطور ورب الضحى، وهذا كثير جدا ~~في كلام العرب، يحذفون لعلمهم بفهم أهل اللسان والبيان ذلك، وأنهم ليسوا ~~كأهل الجهل والهذيان، والعرب تقول: بنو فلان تطؤهم الطريق، يريدون يطؤهم ~~أهل الطريق، وأبين من هذا قوله تعالى: " إن الذين يؤذون الله " يريد أنبياء ~~الله وأولياء الله. # وجواب آخر وهو: أنا نعلم وكل عاقل يعلم أن الرسول عليه السلام إنما أراد ~~بالقرآن ها هنا شيئا محترما يتصون عليه ms100 من الأيدي، ولم يرد نفس كلام الله ~~القديم، والذي يدل على صحة ذلك: أن الحافظ للقرآن: القرآن في صدره عندنا ~~حفظا، لا أن كلام الله القديم يحل في صدر الحافظ حلول الجسم في الجسم، ~~وعندهم على حسب عقدهم أنه حال في صدور الحفاظ كحلول الشيء في الشيء، ومع ~~ذلك فإن الرسول ما نهى أحدا من الحفاظ أن يدخل بلاد العدو، فلم يبق إلا أنه ~~صلى الله عليه وسلم أراد مصاحف القرآن التي يتصور عليها نيل أيدي العدو، ~~ولم يرد أن القديم يحل في المخلوق حلول الجسم في الجسم حاشاه من ذلك صلى ~~الله عليه وسلم. # فصل # فإن احتجوا بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو جعل هذا ~~القرآن في إهاب ثم ألقى في النار ما احترق قالوا: وقد أطلق عليه صلى الله ~~عليه وسلم أن القرآن يجعل في الإهاب، فدل على أنه حال. فالجواب أن أهل ~~العلم رضي الله عنهم ذكروا في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذا كان في زمانه ~~صلى الله عليه وسلم دليلا على صدقه، وكان معجزة له، وكان إذا كتب في جلد أو ~~رق أو غير ذلك ثم ألقى في النار لم يحترق. ذلك الجلد أو الرق، فيكون معجزة ~~له صلى الله عليه وسلم؛ كانشقاق القمر وغير ذلك من المعجزات، ثم انقضى ذلك ~~بعد موته: بدليل أن الرقق التي كتب فيها القرآن قد احترقت في زمن الصحابة ~~وغيرهم. PageV01P053 الثاني: أن قوله صلى الله عليه وسلم: لو جعل القرآن في ~~إهاب ثم ألقى في النار لم يحترق أراد بذلك فضل حفظة القرآن، وأنهم لأجل ما ~~حفظوا من كلام الله تعالى وصار حفظه في صدورهم تصير عليهم النار بردا ~~وسلاما، فلا تحرقهم، كما كانت على الخليل عليه السلام بإذن الله تعالى. وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم: نعم الشفيع لصاحبه يوم القيامة فيكون ببركة شفاعة ~~القرآن لصاحبه وعمله به لا تتسلط النار على إهابه فتحرقه، وهذا صحيح؛ لأن ~~الإهاب هو الجلد قبل الذبح، أو ms101 قبل الدباغة. # دليل الأول: قول عائشة رضي الله تعالى عنها في مدح أبيها الصديق رضي الله ~~عنه. وحقن الدماء في أهبها. ودليل الثاني قوله عليه السلام: أيما إهاب دبغ ~~فقد طهر فأما بعد الدباغ فلا يقال له إهاب، وإنما يقال له أديم أو رق، أو ~~نحو ذلك. # الثالث: وهو الأصح والأجود: أن القرآن إذا كتب في إهاب أو غير ذلك، وألقى ~~في النار، فإن القرآن لا يحرق ولا يتصور عليه الحرق ولا الغرق ولا العدم، ~~وإن تصور ذلك على الرق والجلد. والورق والخط والمداد. وهذا يوضح أنه مكتوب ~~على الحقيقة. وليس بحال حلول الأجسام في الأجسام؛ لأن المداد لما حل حلول ~~الأجسام في الأجسام احترق مع الرق والورق، والقرآن لما لم يكن حالا لم ~~يتصور عليه العدم بحرق ولا غرق ولا غير ذلك، وهذا واضح صحيح. يؤكد ذلك أنا ~~إذا كتبنا اسما من أسماء الله تعالى في محل يتصور عليه الحرق والغرق والبلى ~~والتمزق، فإن عدم ببعض ما ذكر فإنما يعدم ويذهب المحل المكتوب فيه واللون ~~المكتوب به. وأما المكتوب على الحقيقة وهو الرب تعالى فلا يتصور عليه شيء ~~من العدم والذهاب، كما أخبر تعالى: " كل شيء هالك إلا وجهه " . # فصل # فإن احتجوا بخبر روى؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: من حفظ القرآن فاختلط ~~بلحمه ودمه... قالوا: وهذا يدل على حلوله واختلاطه بلحوم الحفاظ ودمائهم في ~~حال صغرهم. فالجواب عن هذا من أوجه. # أحدها: أن هذا الحديث يرويه إسماعيل بن رافع، وعمر بن طلحة، وهما ضعيفان ~~جدا، لا يؤخذ بقولهما في هذا ولا غيره. # الثاني: أن الصبيان الحفاظ للقرآن كثير، وكلام الله تعالى قديم، وشيء ~~واحد، فإذا اختلط بدم صبي ولحمه على زعمهم وامتزج واختلط فكيف يمتزج بلحم ~~آخر ودمه؛ إذ الشيء الواحد إذا اختلط وامتزج بشيء استحال امتزاجه بغيره، ~~نعوذ بالله من هذا المذهب الذي يؤدي القول به إلى اختلاط الصفة القديمة ~~وامتزاجها بدم المخلوقين ولحومهم، ولعمري أن قول النصارى دون هذا، لأن ~~النصارى؛ إنما تقول كلمة واحدة ms102 قديمة اختلطت بجسم واحد وهو جسم المسيح عليه ~~السلام، حتى صار الجسم لاهوتيا من أجل الكلمة، ناسوتيا من جهة مريم عليها ~~السلام، فاختلط عندهم القديم بالمحدث اختلاط الماء باللبن، فوافقتهم هذه ~~المقالة الخبيثة، وزادوا عليهم، لأنهم قالوا: جسم واحد اختلط به القديم، ~~وهؤلاء يقولون اختلط القديم بألف ألف جسم وأكثر، نعوذ بالله من هذا القول ~~الذي لا يقوله من له مسكة من حس وعقل. # الجواب الثالث: أن هذا الحديث إن صح، فمراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الحفظ في الصغر أجود وأثبت من الحفظ في حال الكبر، ويعني باختلاطه باللحم ~~والدم جودة الحفظ، لا لاختلاط المحفوظ الذي هو كلام الله القديم. وصار هذا ~~كقوله تعالى: " وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم " يعني حب العجل، لأن العجل ~~لا يدخل ولا يحل في القلوب، وإنما يدخل ويحل حبه. هذا أيضا كما يقال: ~~التعليم في الصغر كالنقش في الحجر. والتعليم في الكبر كالنقش في المدر، ~~يريدون بذلك أن الحفظ في الصغر أثبت وأبقى منه في حال الكبر. # فصل # فإن قيل: إذا كان القديم لا يحل في المصحف؛ فما معنى تعظيمه وتوقيره عن ~~الأدناس والأنجاس وأن لا يحمل إلا على طهارة. PageV01P054 فالجواب: أن هذا ~~جهل وتخبط لأن توقير المحل والمكان لا يدل على حلول القديم الذي لا يتصور ~~عليه الحلول فيه، كما أنا نحرم المسجد ولا ندخله إلا على طهارة من غير ~~جنابة، ولا ندخل إليه شيئا نجسا ولا قذرا، وننزهه عن البصقة والنخامة، وإن ~~كانت طاهرة توقيرا له وتعظيما، وإن كانت أرضه وتربته وأحجاره مخلوقة، وخشبه ~~وطينه مخلوقان، لا أنه قديم، ولا أنه حل فيه قديم، وكذلك الطواف بالبيت لا ~~يدخل بنجاسة إليه، ولا يصح الطواف، حتى يكون الطائف متطهرا من النجس ~~والحدث، ولا يدل هذا على أن البيت قديم، ولا أنه حل القديم فيه، كذلك ~~الخطوط التي يكتب بها القرآن، والصحف التي يكتب فيها نوقره ونعظمه وننزهه ~~أن يمس إلا على طهارة، ولا يقرب إليه شيء من الأنجاس، بل نعظمه ونشرفه، ولا ms103 ~~يوجب ذلك كون المداد الأسود والصفرة والحمرة قديمة أو حل القديم فيها، وهذا ~~أمر واضح لمن له عقل وتحصيل. إذا تأمله ونظر فيه. # فصل # ثم يقال لهذه العصابة هداهم الله من الضلال ما تقولون فيمن أخذ قلما ~~وورقة ومداد حبر، وكتب ألف. لام. لام، ها. أتقولون إن المكتوب على الحقيقة ~~هو الله تعالى أم لا ؟ فإن قالوا: ما هو المكتوب على الحقيقة. فقد خالفوا ~~إجماع أهل السنة والجماعة. وإن قالوا: هو المكتوب على الحقيقة قلنا: ~~أفتقولون إن الله تعالى انتقل من العرش وحل في هذه الورقة ؟ فإن قالوا: ~~نعم. كفروا بإجماع الأمة، وجعلوا الباري تعالى يحويه أصغر الأماكن، وإن ~~قالوا: ليس بحال وهو الصحيح الذي لا يجوز غيره. قلنا: فكذلك كلامه تعالى ~~مكتوب في مصاحفنا محفوظ في صدورنا مقروء بألسنتنا متلو في محاريبنا غير حال ~~في شيء من المخلوقات. # فصل # ثم يقال لهم: خبرونا إذا كتب كاتب في ورقة " فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر ~~فنادى فقال أنا ربكم الأعلى " أفتقولون: إن الكاتب قديم، أم كتابته قديمة، ~~أم الورق الذي كتب فيه قديم، أم اللعين فرعون، وقوله قديم، فلا يجوز لعاقل ~~أن يقول شيئا من هذه الأشياء قديم، بل الكاتب مخلوق، وكتابته مخلوقة، ~~والورقة مخلوقة، والقلم مخلوق، والحبر مخلوق، وفرعون اللعين مخلوق، وما ~~ادعاه من الربوبية كذب مخلوق، وإنما الذي هو ليس بمخلوق كلام الله تعالى ~~القديم الذي هو خبر يشمل جميع المخبرات التي أخبرنا عن فرعون اللعين وقوله ~~الكذب. فصح أن كلام الله القديم ليس بالخط ولا بالورق ولا بقول فرعون ~~اللعين، لأن قول فرعون اللعين كذب، وكلام الله حق وصدق، وكذلك إذا كتب ~~الكاتب في ورقة " لا تقربوا مال اليتيم " أتقولون: إن اليتيم وماله قديم، ~~والخط الذي كتب ذلك قديم، والكاتب له قديم. لا. بل الجميع مخلوق، وإنما ~~القديم كلام الله الذي هو نهيه الذي يشمل جميع المنهيات، وهو غير اليتيم ~~والمال والكاتب والكتابة، وإذا كتب كاتب: " كلوا واشربوا " " وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة " أترى أن الكاتب قديم أو ms104 الكتابة قديمة، أو الأكل ~~والآكل، والشارب والشرب، والمصلي والصلاة، والمزكي والزكاة قديمة. لا ~~والله؛ ليس شيء من ذلك قديما، وإنما القديم كلام الله تعالى، الذي هو أمره ~~الشامل لجميع المأمورات. فصح بهذه الجملة الفرق بين كلام الحق وكلام الخلق، ~~وإن كلامه تعالى قديم غير مخلوق، ولا يتصف بشيء من صفات الخلق، ولا يفتقر ~~تعالى في كون كلامه صفة له قديمة غير مخلوقة، إلى شيء من أدوات الخلق من ~~لسان، وشفة، وحلق، وحرف، وصوت، بل هو متكلم، وله كلام، صفة له قديمة غير ~~مخلوقة، ولا يجوز عليها شيء من صفات الخلق. فاعلم ذلك وتحققه ولا توفيق إلا ~~بهدى من الله وفضل ورحمة، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # فصل # يتعلق بمسائل ثلاثة وفروعها وهي: مسألة الخلق والإرادة وأنه لا يكون من ~~العباد شيء إلا وهو خلق الله تعالى ومراد له، لا يجوز أن يخلق أحد غيره، ~~ولا يكون في ملكه إلا ما أراده. # الثانية: مسألة الشفاعة، وأنها حق وصدق، وأعلى الشفاعة عند الله شفاعة ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويشفع أيضا من أذن له في الشفاعة في ~~العصاة؛ من ملك، ونبي، ومؤمن. PageV01P055 الثالثة: مسألة الرؤية، وأنها ~~جائزة، وأن المؤمنين يرون ربهم في الجنة بلا كيف ولا تشبيه. ولا تحديد، كما ~~جاء في الكتاب والسنة، ودل عليه العقل أيضا، وإنما ختمنا الكتاب بمسألة ~~الرؤية، لأنها أعلى العطايا وأسنى الكرامة من الله تعالى لعباده المؤمنين، ~~وليس فوقها مزيد، بل هي الزيادة المذكورة في قوله: " للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة " . # مسألة # اعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى هو الخالق وحد، لا يجوز ~~أن يكون خالق سواه، فإن جميع الموجودات من أشخاص العباد وأفعالهم وحركات ~~الحيوانات قليلها وكثيرها حسنها وقبيحها خلق له تعالى لا خالق لها غيره؛ ~~فهي منه خلق وللعباد كسب، على ما قدمنا بيانه بقوله تعالى: " لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت " وأمثال هذه الآية من الأدلة على الفرق بين الخلق ~~والاختراع والكسب، فالواحد منا إذا سمى فاعلا فإنما يسمى فاعلا بمعنى ms105 أنه ~~مكتسب، لا بمعنى أنه خالق لشيء. وقالت المعتزلة، والنجارية، والجهمية، ~~والروافض: إن أفعال العباد مخلوقة للعباد بقدرة العباد، وإن كل واحد منا ~~ينشىء ما ينشىء ويخلق ما يفعل، وليس لله تعالى على أفعالنا قدرة جملة، ~~ونعوذ بالله من هذا الاعتقاد وسوء المقال. # والدليل على صحة مذهب أهل السنة والجماعة وبطلان قول من خالفهم من أهل ~~الزيغ والبدع الكتاب والسنة وإجماع الأمة وأدلة العقل؛ فالدليل من الكتاب ~~أكثر مما يحصى، لكن أذكر منه ثلاثة تنبه اللبيب على بقيتها إن شاء الله ~~تعالى. # فمن ذلك قوله تعالى: " والله خلقكم وما تعملون " فأخبر تعالى أنه خالق ~~لأعمالنا على العموم، كما أخبر أنه خالق لصورنا وذواتنا على العموم، وهذا ~~من أوضح الأدلة من الكتاب. # الثاني: قوله تعالى: " خالق كل شيء " ومعلوم أن أفعالنا مخلوقة إجماعا، ~~وإن اختلفنا في خالقها، وهو تعالى قد أدخل في خلقه كل شيء مخلوق، فدل على ~~أنه لا خالق لشيء مخلوق غيره سبحانه وتعالى. فإن قيل فكلامه شيء فيجب أن ~~يكون مخلوقا. قلنا: قد احترزنا بحمد الله تعالى عن هذا السؤال بقولنا: إنه ~~أخبر أنه خلق كل شيء مخلوق، وكلامه وصفات ذاته تعالى قد أثبتنا أنها غير ~~مخلوقة ولا خالقة؛ بل هي صفة الخالق تعالى قديمة بقدمه موجودة بوجوده. قبل ~~جميع المخلوقات. فبطل هذا السؤال. # وجواب آخر يبطل هذا السؤال وهو: أنك تقول: إن الله تعالى مخاطب، والمخاطب ~~لا يدخل تحت الخطاب، ألا ترى أن الواحد منا إذا قال دخلت الدار فضربت من ~~فيها، أو أخرجت من فيها، أو أعطيت من فيها لا يدل ذلك على أنه دخل تحت ~~الخطاب، بأن يكون ضرب نفسه، ولا أخرج نفسه ولا أعطى نفسه، لأنه مخاطب، ~~والمخاطب لا يدخل تحت الخطاب وكذلك قوله تعالى: " خالق كل شيء " هو مخاطب، ~~فلا يدخل تحت الخطاب بذاته ولا بصفاته جل عن ذلك وتعالى، كما قال: " الواحد ~~القهار " قهر الكل ولم يدخل في القهر ذاته وصفاته. فافهم التحقيق لتدفع به ~~كل بدعة وتمويه من أهل البدع إن ms106 شاء الله. # الثالث: قوله تعالى: " الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل ~~من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون " والدلالة من ~~هذه الآية من أوجه: أحدها: أنه قال تعالى: " الله الذي خلقكم " وهذا عام في ~~ذواتنا وصفاتنا، ثم أكد ذلك بقوله تعالى: " ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم " ~~يعني ثم خلق أرزاقكم، وعند المخالف أن العبد يخلق أفعاله ورزقه، فهو خلاف ~~ما أخبر الله تعالى به من كونه خالقا لنا ولأرزاقنا. # الوجه الثاني: من الدلالة: أنه قال: " ثم يميتكم ثم يحييكم " فكما لا ~~يقدر أحد أن يخلق موته ولا حياته، فكذلك لا يقدر أن يخلق فعله ورزقه؛ من ~~حركة ولا سكون ولا غير ذلك. # الثالث: سبحانه وتعالى نزه نفسه عن عقدهم وخبثهم إذ أضافوا فعل شيء وخلقه ~~إلى غيره، فقال " سبحانه وتعالى عما يشركون " ثم أكد ذلك بعده بمواضع فقال: ~~" هل من خالق غير الله " سبحانه وتعالى. وقال: " أفمن يخلق كمن لا يخلق " . # وأما الدليل من السنة فكثير أيضا، غير أني أذكر منه خبرين ننبه العاقل ~~الفطن على الاستدلال بأمثالهما من السنة: PageV01P056 الأول: ما روى عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله خلق كل صنعة وصانعها وصنعة الصانع ~~إنما هي بحركاته وأفعاله، سواء كان في صنعة مباحة وطاعة، ككتابة القرآن، ~~والحديث، والفقه. أو محظورة؛ من تصوير صور الحيوان، أو عمل السلاح ليقتل به ~~المسلمين. فصح بهذا الخبر أن الله جل وعلا خالق للفاعل منا ولفعله. # الخبر الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: فرغ ~~ربك من أربع: من الخلق، والخلق، والرزق، والأجل فلو جهد الخلق على أن يؤتوك ~~ما لم يقدره الله لم يقدروا على ذلك وروى: لو جهد الخلق على أن ينفعوك أو ~~يضروك لم يقدروا على ذلك والمخلوقات منها الضار والنافع، في العاجل والآجل، ~~وقد جعل صلى الله عليه وسلم كل ذلك إلى تقدير الله تعالى وخلقه له، ولم ~~يجعل إلى العباد شيئا من ms107 ذلك. فاعلمه وتحققه. # فصل # ويدل على صحة ما قلناه: إجماع المسلمين، وأنهم يقولون: لا خالق إلا الله، ~~كما يقولون: لا رازق، ولا محيي، ولا مميت إلا الله تعالى. فنقول لا يكون ~~الخلق من غيره، وأثبتوه خالقا. # فصل # ويدل على صحة ما قلناه من جهة العقل. وأنه لا خالق إلا الله تعالى، وهو ~~كثير جدا، لكن نختصر على قدر فيه الكفاية إن شاء الله تعالى. # فمن ذلك: أن نقول لهم: إن قلتم إن الواحد منا يخلق أفعاله، من طاعة، أو ~~معصية، أو إيمان، أو كفر فقد شركتم بيننا وبين الله تعالى في الخلق، وأنه ~~لا يتم خلقه إلا بخلقنا. وذلك أن الجسم لا يخلو من حركة، أو سكون، أو كفر، ~~أو إيمان، أو طاعة، أو معصية، فصح أن جميع الذوات مشتركة الخلق بين العبد ~~وبين الرب، وأنه لا يتم خلق أحدهما إلا بمخلوق الآخر، وهذا شرك ظاهر، نعوذ ~~بالله منه. # دليل آخر من جهة العقل: وأنه لا خالق إلا الله، لأن الخالق الصانع أقل ما ~~يوصف به علمه بخلقه، كما قال: " ألا يعلم من خلق " ونحن نجد الواحد منا ~~يفعل ما لا يعلم فعله فيه، ولا يحصره ولا يعده بقدرة، حتى إن الواحد منا ~~يريد أن يتكلم صوابا فيرمي خطأ، إلى غير ذلك، فيفعل ما لا يعلمه ولا يريده، ~~وأيضا الواحد منا إذا خرج إلى المسجد حتى وصل إليه، فعند المخالف أن كل ~~خطوة خطاها خلقها وأنشأها، ولو سئل عن عدد كل خطوة خطاها لم يدر ما يقول ~~ولا يعلمه ولا يعرفه؛ فلم يبق إلا أن الخالق لأفعالنا وأكسابنا هو الله ~~تعالى الذي يعلمها، كما قال: " ألا يعلم من خلق " دليل آخر من جهة العقل: ~~وهو: من شرط الخالق للشيء أن يكون قادرا على خلق الشيء وضده، فإن من يقدر ~~على خلق الحياة يقدر على خلق ضدها، وهو الموت، وكذلك من يقدر على خلق ~~التفريق في الجسم يقدر على خلق الاجتماع له، حتى يعود كما كن جسما مؤلفا، ~~ولما وجدنا أحدنا ms108 لا يقدر على ذلك صح أنه غير خالق، ولما وجدنا الخالق ~~تعالى يقدر على خلق الشيء وضده دل على أنه هو الخالق لا خالق سواه، وقد قيل ~~عن الشيخ الإمام أبي بكر بن فورك رضي الله عنه أنه كان مع إسماعيل المعروف ~~بالصاحب في بستان، وكان يعتقد شيئا من ذلك، فأخذ سفرجلة وقطعها من الشجرة، ~~وقال له: ألست أنا قطعت هذه السفرجلة ؟ فقال له رضي الله عنه مجيبا: إن كنت ~~تزعم أنك خلقت هذه التفرقة فيها فاخلق وصلها بالشجرة حتى تعود كما كانت. ~~فبهت وتحير ولم يقدر على جواب. # وبلغني أيضا أن بعض القدرية وقف على إحدى رجليه وشال الأخرى، وقال: ألست ~~أنا رفعت هذه وحططت هذه ؟ فقاله له بعض أهل السنة: إن كنت تزعم أنك خلقت ~~الشيل في هذه المشتالة فاخلق الشيل في الأخرى حتى تصير مشتالة معها، فبان ~~له الحق ورجع عن قوله الباطل. # دليل آخر من جهة العقل: وهو أنك تقول: حقيقة الخلق والإحداث هو إخراج ~~الشيء من العدم إلى الوجود، وإذا كان الواحد منا على زعمكم يقدر أن يخلق ~~حركة معدومة حتى يخرجها من العدم إلى الوجود، وأن يخلق شيئا زائدا فيخرجه ~~من العدم إلى الوجود، وأن يخلق له لونا غير لونه فيخرجه من العدم إلى ~~الوجود، وفي هذا القول الخبيث التسوية بين قدرة الله تعالى وقدرة العباد، ~~وأنهم يقدرون على ما يقدر عليه. تعالى ربنا عن ذلك علوا كبيرا. # فصل PageV01P057 نذكر فيه شبها يزعمون أن لهم فيها حجة، وليس لهم حجة ~~بحمد الله تعالى، كما قال: " حجتهم داحضة عند ربهم " فإن احتجوا بقوله ~~تعالى: " جزاء بما كانوا يعملون " قالوا. فأثبت لنا العمل، والعمل هو ~~الفعل، والفعل هو الخلق، فالجواب: أنه تعالى أراد ها هنا بالعمل الكسب، ~~والعبد مكتسب على ما بينا. يدل على ذلك: أنه قال في موضع آخر: " جزاء بما ~~كانوا يكسبون " نحن لا نمنع أن يكون سمى كسب العبد عملا له، إنما نمنع أن ~~يكون العبد خالقا مخترعا لفعله مخرجا له من العدم ms109 إلى الوجود، وقد بينا أن ~~الخلق والاختراع والخروج من العدم إلى الوجود لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ~~فلم يكن لهم في الآية حجة. # فإن احتجوا بقوله تعالى: " فتبارك الله أحسن الخالقين " وبقوله تعالى: " ~~الذي أحسن كل شيء خلقه " وبقوله تعالى: " وإذ تخلق من الطين " فالجواب من ~~أوجه: أحدها: أنه يعني بقوله " أحسن الخالقين " يعني أحسن المقدرين، فعيسى ~~عليه السلام يقدر الطين صورة، والخلق يقدرون الصورة صورة، لا أنهم يخرجون ~~الصورة من العدم إلى الوجود، فقال تعالى " أحسن الخالقين " أي المقدرين. ~~فاعلم ذلك. # جواب آخر: وذلك أن الله تعالى هو الخالق لا خالق سواه، لكن لما ذكر معه ~~غيره قال " أحسن الخالقين " وإن كان هو الخالق على الحقيقة دون غيره، كما ~~يقال: عدل العمرين، وإنما هو أبو بكر وعمر، لكن لما جمع بينهما سماهما باسم ~~واحد، وكذلك قول الفرزدق: # أخذنا بأكناف السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع # والقمر واحد، لكن لما جمعه مع الشمس سماها قمرين. وكأنه تعالى لما علم من ~~الكفار ومنكم أن تجعلوا معه غيره خالقا قال " فتبارك الله أحسن الخالقين " ~~على زعمهم أن معه غيره، وهذا كقوله تعالى: " وهو أهون عليه " على زعمكم، ~~لأن عندهم أن النشأة أهون من الإعادة، فذكر ذلك على سبيل الرد عليهم ~~والإنكار لقولهم إن معه خالقا غيره، لا أنه أثبت معه خالقا غيره. # جواب آخر: وذلك أن لفظة أفعل في كلام العرب: يراد بها إثبات الحكم لأحد ~~المذكورين وسلبه الآخر من كل وجه، وذلك في قوله تعالى: " أصحاب الجنة يومئذ ~~خير مستقرا وأحسن مقيلا " فأثبت حسن المقيل لأهل الجنة، مع حسن المستقر، ~~وسلب ذلك عن أهل النار أصلا ورأسا، لأن أهل النار ليس لهم حسن مستقر ولا ~~حسن مقيل، فكذلك قوله تعالى: " أحسن الخالقين " أثبت الخلق له وأنه هو ~~المنفرد به دون غيره. وكذلك يقول القائل: العسل أحلى من الخل لا يريد أن ~~للخل حلاوة بوجه، بل يريد إثبات الحلاوة للعسل وسلبها عن الخل أصلا، ورأسا، ~~فكذلك قوله " أحسن الخالقين " أثبت الخلق ms110 له دون غيره. # فإن احتجوا بقوله تعالى: " ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت " فكيف يجوز أن ~~يكون خالقا لكفر الكافرين، وعصيان العاصين، وفيه من التفاوت غير قليل. # فالجواب: أن هذا سوء فهم، وذلك أن هذا أراد به سبحانه وتعالى خلق السموات ~~في الصورة، وأنه ليس فيها فطور ولا شقوق، أجمع المفسرون على ذلك، فلا حجة ~~لكم فيها، ثم إن أول الآية حجة عليكم، لأنه قال: " خلق الموت والحياة " ~~وبين الموت والحياة تفاوت، وهو خالق الجميع لا خالق لذلك غيره، فكذلك كفر ~~الكافرين وإيمان المؤمنين وإن كان بينهما تفاوت في الحكم فليس بينهما تفاوت ~~في الإيجاد والاختراع وإحكام الخلق، فصح أن الآية حجة عليهم لا لهم. # فإن احتجوا بقوله تعالى: " فوكزه موسى فقضى عليه، قال هذا من عمل الشيطان ~~" فلو كان الله الخالق لوكزة موسى لقال: هذا من عمل الرحمن، الجواب من ~~وجهين: أحدهما: أن قول موسى هذا القول على وجه الأدب، أي: إني ارتكب ما ~~نهيت عنه من شره النفس ووسوسة الشيطان، ألا تراه قال في ضلال السبعين من ~~قومه لما لم يكن له في ذلك كسب: " إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي ~~من تشاء " فيجب على العبد عند خطئه وذنبه أن يرد اللوم والتقصير إلى نفسه ~~وإلى وسوسة الشيطان، ولا يرد ذلك إلى خلق الله تعالى وإرادته، لأنه يصير ~~كالمحتج عليه تعالى، وليس لأحد عليه حجة: " قل فلله الحجة البالغة فلو شاء ~~لهداكم أجمعين " . ومثل هذا قول أبيه آدم عليه السلام وحواء: " ربنا ظلمنا ~~" فردا التقصير والنقص واللوم إلى أنفسهما، لأن هذا موضع الأدب والتذلل، لا ~~موضع الاحتجاج، ومثل هذا كثير. PageV01P058 الجواب الثاني: أن الإجماع منا ~~ومنكم: أن الوكزة ليست خلق الشيطان ولا عمله، بل هي عندنا من خلق الله ~~تعالى واختراعه، ولموسى عليه السلام كسب. وعلى عقدهم النحس أنها خلق موسى ~~وعمله، وليس لله فيها خلق ولا اختراع ولا عمل، فبطل احتجاجهم بالآية، ولم ~~يبق إلا ما قلناه، وهو أنه أراد بقوله: " من عمل ms111 الشيطان " أي زين ذلك ~~وحسنه لي، والله المعين. # فإن احتجوا بقوله تعالى: " ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك " فأوضح تعالى أن السيئة منا، والحسنة منه، فالجواب من ثلاثة ~~أوجه: الأول: أنه لا يصح لكم الاحتجاج معشر المعتزلة بهذه الآية بوجه من ~~الوجوه ولا بسبب من الأسباب؛ لأن ظاهرها فيه تعلق لمن يقول إن الخير خلق ~~الله تعالى وفعله، والشر خلقنا وفعلنا، وأنتم لا تقولون بظاهر هذه الآية، ~~لأنكم تقولون إن أحسن الحسن وخير الخير الإيمان والمعرفة. وتقولون ليس لله ~~في هذا قدرة ولا خلق، وإنما هو بقدرة العبد المؤمن وخلقه، فلا حجة لكم ~~فيها. # الجواب الثاني: أن صريح النص في أول هذه الآية حجة عليكم، لأنه يقال: رد ~~عليهم، وأمر نبيه عليه السلام أن يرد عليهم، بقوله تعالى: " قل كل من عند ~~الله " ثم جهلهم وإياكم، وأكد ذلك بقوله: " فما لهؤلاء القوم لا يكادون ~~يفقهون حديثا " فصارت الآية حجة واضحة عليكم لا لكم. # الجواب الثالث: قوله تعالى: " ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك " وهذا صحيح من وجهين: أحدهما: أن مثله في القرآن كثير. من ~~ذلك قوله تعالى: " ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا ~~" تقديرا لكلام يقولون ربنا ما خلقت هذا باطلا. ومثله قوله تعالى: " ~~والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون " ومثله أيضا قوله ~~تعالى: " الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب " تقدير ~~الكلام " فأما الذين اسودت وجوههم " فيقال لهم " أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا ~~العذاب " فكذلك هذا، فتقدير الكلام فيه " لا يكادون يفقهون " فيقولون " ما ~~أصابك من حسنة " الوجه الثاني: أن هذه الآية إن لم تحمل على ما قلناه صار ~~بعضها ينقض بعضا ويخالف بعضا، وليس في كتاب الله تعالى مناقضة ولا اختلاف، ~~فصح ما قلناه؛ لإنه قال في أول الآية: " كل من عند الله " ثم يرجع في ~~سياقها فيقول: لا إنما البعض مني والبعض من خلقي، كلا والله، بل ذكر ذلك في ms112 ~~سياق الآية تجهيلا لقائله وردا عليه. فافهم الحق وادفع به الباطل. # فإن احتجوا فقالوا: وجدنا أفعالنا واقعة على حسب قصدنا، فوجب أن أن يكون ~~خلقا لنا وفعلا لنا. قالوا: وبيان ذلك أن الواحد منا إذا أراد أن يقوم قام، ~~وإذا أراد أن يقعد قعد. وإذا أراد أن يتحرك تحرك، وإذا أراد أن يسكن سكن، ~~وغير ذلك فإذا حصلت أفعاله على حسب قصده ومقتضى إرادته دل على أن أفعاله ~~خلق له، وفعل له، فالجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا غير صحيح أولا، فإنا ~~نرى من يريد شيئا ويقصده ولا يحصل ما يريد ولا ما يقصد. فإنه ربما أراد أن ~~ينطق بصواب فيخطئ، وربما أراد أكلا لقوة وصحة فيضعف ويمرض، وربما ابتاع ~~سلعة ليربح فيخسر، وربما أراد القيام فيعرض له ما يمنعه منه، إلى غير ذلك. ~~فبطل ما ذكرتموه، وصح أن فعله خلق لغيره، يجري على حسب مشيئة الخالق تعالى، ~~وإنما يظهر كسبه لذلك الفعل بعد تقدم المشيئة. والخلق من الخالق. ~~PageV01P059 الجواب الثاني: أن وقوع الكسب من الخلق على حسب القصد منهم لا ~~يدل ذلك على أنه خلق لهم واختراع، ألا ترى أن مشى الفرس والدابة يحصل على ~~قصد الراكب وإرادته من عدو، وتقريب، واستطراف، ووقوف، إلى غير ذلك. ولا ~~يقول عاقل إن الراكب خلق جرى الفرس ولا سرعتها، ولا غير ذلك من أفعالها، ~~فبطل أن يكون حصول الفعل على قصد الفاعل يدل على أنه خلقه، وكذلك أيضا ~~السفن يحصل سيرها وتوجهها في السير من يمين إلى شمال على حسب قصد الملاح، ~~ولا يدل ذلك على أن الملاح خلق سير السفن ولا توجهها فإن كابروا الحقائق ~~وقالوا نقول إن ذلك خلقه الملاح والفارس فقد خرجوا عن الدين وسووا بين ~~الخالق والعباد، وأن قدرة كل واحد منهما تتعلق بمقدورات، وهذا كفر صراح، ~~وإن قالوا: حركات السفن تقع على حسب قصد الملاح وليس بخلق له. قلنا: فكذلك ~~أفعال أحدنا قد تقع، ولا نقول إنها تقع في كل حال على حسب قصده، ولا يبدل ~~ذلك ms113 على أنه خلقها فاخترعها. يؤكد ذلك أن البياض يحصل في الناطف عند قصد ~~الناطفي له، ولا يقول أحد إن واحدا منا يقدر أن يخلق لونا لغيره ولا لنفسه، ~~فلا يمتنع أن يكون الفعل قد يحصل على حسب قصد أحدنا، وليس هو خلقا له ولا ~~موجودا له، من العدم إلى الوجود. فاعلم ذلك. # يؤكد هذا أيضا أن نمو الزرع يحصل على حسب قصد الزارع وقيامه عليه بسقيه ~~وغير ذلك، ولا يقول أحد إن نمو الزرع خلقه الزارع، ولا أنه خلق في الحبة ~~أضعاف عددها وكذلك ما حصل فيه النمو من الفسيل والتين. وغير ذلك. # وكذلك سمن الدابة يحصل على قصد العالف لها والساقي، ولا يقول أحد إن ~~العالف والساقي هو الذي خلق الشحم والسمن في الدابة. وكذلك دود القز يحصل ~~منه القز على حسب قصد القائم عليه والمربي له، ولا يقال إن القز خلقه في ~~الدود إلا الله تعالى، وإن كان حاصلا على حسب إرادة القائم عليه وقصده، ~~وكذلك فيما يحصل من الواحد منا إذا أراد الله تعالى حصوله على حسب قصده، لا ~~يدل على أنه هو خلقه بل الخالق له هو الله تعالى. # فإن قيل: فإذا لم يكن أحدنا خالقا لفعله، فكيف يكون ملوما عليه ومعذبا به ~~ويستحق عليه المدح والثواب أو الذم والعقاب ؟ فالجواب: إننا لا نقول أن ~~المدح والثواب، ولا الذم والعقاب يحصل بفعل الفاعل منا؛ حتى يوجب ذلك كونه ~~خلقا له واختراعا، بل نقول: إن ذلك يحصل بحكم الله تعالى، ويجب ويستحق ~~بحكمه لا بأن يوجب الواجب عليه خلق فعل أوجبه عليه. ألا ترى بالإجماع منا ~~ومنكم ومن جميع المسلمين: أن الدية تجب على العاقلة. بقتل غيرها خطأ. وإن ~~لم تفعل العاقلة شيئا يستحق به إيجاب ذلك عليها، وإن ذلك الذي فعلته خلق ~~لها، بل هو خلق لغيرها، وهو الله تعالى عند المسلمين، وخلق للقاتل على ~~زعمكم، أفصح أن الوجوب حصل بإيجاب الله وحكمه، لا بخلق العافلة وفعلها، ~~وكذلك جميع الأحكام في الدنيا والآخرة، إنما تجب وتستحق ms114 بإيجاب الله تعالى ~~وإرادته، لا بكونها خلقا للفاعل، فاعلم ذلك وتحققه. # وكذلك أيضا الأكل في الصيام ناسيا، فعل العبد، كما هو فعل له عند تعمده، ~~لكن الله تعالى حكم بأن أحدهما مبطل ومفطر، ويذم ويعاقب عليه، والآخر بالضد ~~من ذلك، وإن كان الجميع فعلا للعبد، فصح أن ذلك إنما يكون بحكم الله تعالى، ~~لا بكونه خلقا للفاعل، فصح ما قلناه، وبطل ما توهموه. # فإن قيل: من فعل الطاعة كان طائعا، ومن فعل المعصية كان عاصيا، فالجواب: ~~أن هذا غير صحيح، لأن كون الباري تعالى خالقا وفاعلا لا يوجب أن يتصف ~~بالطاعة والمعصية، لأن الطاعة صفة الطائع، والمعصية صفة العاصي، ولا يوجب ~~ذلك وصف خالق الطاعة والمعصية بكونه طائعا عاصيا، ألا ترى أن الأسود صفة ~~لمن قام به السواد، ولا يكون صفة لله تعالى، وإن كان تعالى هو خالق السواد، ~~فكذلك التحرك صفة لمن له الحركة، لا صفة من خلق الحركة والولد لمن له ~~الولد؛ لا لمن خلق الولد، والحلاوة صفة العسل، لا لمن خلق الحلاوة فيه. ~~وكذلك الحموضة في الخل صفة للخل، لا لمن خلق الحموضة فيه، وكذلك الموت إذا ~~خلقه الله في أحدنا صار ميتا، واتصف بذلك، ولا يوجب أن يتصف الخالق للموت ~~بأنه ميت، لما خلق الموت وفعله بالحي. فكذلك المعصية صفة من حلت به ~~المعصية، والطاعة صفة لمن حلت به الطاعة، ولا يوجب ذلك وصف خالقها بأنه ~~طائع ولا عاص. PageV01P060 فإن قيل: لا يجوز أن يكون الله خالق الظلم ~~والجور والكذب، لأن من فعل الظلم كان ظالما، ومن فعل الجور كان جائرا. ومن ~~فعل الكذب كان كاذبا والله تعالى يتنزه عن جميع ذلك، فصح أن هذه الأشياء ~~ليست بفعل له، ولا خلق له. # فالجواب: أن هذا السؤال هو الأول بعينه، والجواب عنه قد تقدم، لكن نزيد ~~ها هنا جوابا آخر: وذلك أنا نقول: ليس الأمر على ما يقع لكم، بل نقول إلى ~~الله تعالى خلق الظلم ظلما للظالم به: وخلق الجور جورا للجائر به، وخلق ~~الكذب كذبا ms115 للكاذب به، كما أنه خلق الظلمة ظلمة للمظلم بها: وخلق الضوء ضوء ~~للمستضيء به، وخلق الحمرة حمرة للأحمر بها، وخلق السواد سوادا للأسود به، ~~وخلق السم سما المسموم به. فكما أن الله تعالى خلق الظلمة الليل والضياء ~~للنهار، والحمرة للأحمر، والسواد للأسود. والسم للحية، ولا يوجب ذلك كونه ~~ظلمة ولا ضياء ولا سوادا ولا حمرة ولا سما له فكذلك خلق الطاعة طاعة للطائع ~~بها، والكذب كذبا للكاذب به، والجور جورا للجائر به ولا يوجب ذلك كونه ~~جائرا ولا ظالما ولا كاذبا، فصح ما قلناه وبطل ما قالوه. # جواب آخر: وذلك أن الظلم والكذب والجور ليس من حيث الصورة والفعل، وإنما ~~يكون كذبا إذا خالف الأمر، وكذلك الجور والظلم، وهذا كله يصح الوصف به لمن ~~فوق آمر أمره، وناه نهاه، وهم الخلق. وأما الخالق فليس فوقه آمر ولا ناه، ~~فلا يصح وصفه بشيء من هذا، فاعلم ذلك وتحققه، فإنه أصل قوي تدفع به جميع ~~ظنونهم الفاسدة. # فإن قيل: لا يجوز أن يقال للجور والكذب هذا خلق الله، بل يعرض عن ذلك، ~~ولا يقال. فصح أنه خلق لغيره. # فالجواب: أن هذا السؤال غير صحيح، لأنك إن أردت الإطلاق في العموم، فجائز ~~أن تقول: يا خالق المخلوقات، ويا خالق الموجودات، ويا خالق كل شيء، ويا ~~خالق الضر والنفع. وإن أردت ذلك على الخصوص، بأن تقول: يا خالق الكذب ~~والجور؛ فلا يجوز من طريق الأدب والإذن في ذلك، كما أنا نقول يا خالق ~~المخلوقات، فيعم بذلك السموات، والأرض، والشمس، والقمر، والقردة: ~~والخنازير، والكلاب، والجعلان، وغير ذلك من سائر المخلوقات، فلا يجوز أن ~~تقول على الانفراد يا خالق الأقدار والأنجاس ونحو ذلك من طريق الأدب، وأنه ~~لم يؤذن لنا في ذلك، بل ندعوه بأسمائه الحسنى كما أمر، فقال: " ولله ~~الأسماء الحسنى فادعوه بها " . # مسألة # اعلم أنه لا يجري في العالم إلا ما يريده الله تعالى، وأنه لا يؤمن مؤمن ~~ولا يكفر كافر إلا بإرادة الله تعالى، ولا يخرج مراد عن مراده، كما لا يخرج ~~مقدور ms116 عن قدرته. وقالت المعتزلة ومن وافقهم من أهل البدع: إن الله تعالى لا ~~يريد إلا الطاعة والإيمان، فأما من كفر وعصى فقد أتى بما ليس بمراد الله ~~تعالى: وقالوا: إن كل واحد يفعل من الأفعال ما لا يريده الله تعالى، حتى ~~انتهى بهم القول إلى: أن البهائم تفعل أفعالا لم يردها تعالى، وأنه لو أراد ~~فعل غيرها منهم لم يحصل ذلك له وامتنع عليه، سبحانه وتعالى عما يشركون. ~~ونحن براء إلى الله تعالى من جهلهم وبدعهم، ونقول: إن مذهب أهل السنة ~~والجماعة الذي لدين الله تعالى به أنه لا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن ولا ~~يطيع طائع، ولا يعص عاص، من أعلى العلى إلى ما تحت الثرى إلا بإرادة الله ~~تعالى، وقضائه ومشيئته. # ويدل على صحة ما قلناه الكتاب والسنة وإجماع الأمة وأدلة العقل. فأما ~~الكتاب: فأكثر من أن يحصى، لكن نذكر منها ما فيه الكفاية، ويدل العاقل على ~~نظائر من أدلة الكتاب، فمن ذلك قوله تعالى: " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة ~~واحدة ولا يزالون مختلفين " " إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " وهذه الآية ~~أوضح دليل وأقوم حجة من وجوه عدة: أحدها: أنه أخبر تعالى أنه لو شاء وأراد ~~لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الإيمان أو على الكفر والضلال، وهذا خلاف ~~قول المعتزلة، لأنهم يقولون: إنه ما أراد إلا كونهم أمة واحدة على الإيمان، ~~فبطل قولهم ببعض هذه الآية. # الثاني: أنه قال " ولا يزالون مختلفين " " إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " ~~فأخبر تعالى أنه خلقهم لما أراد من اختلافهم، وأنه لم يرد أن يكونوا أمة ~~واحدة. # الثالث: قوله تعالى: " إلا من رحم ربك " فأخبر تعالى أن منهم من رحمه ~~وأراد رحمته دون غيره، فصح أنه لا يكون من عباده ولا يجري في ملكه إلا ما ~~أراده وقضاه وقدره. PageV01P061 ويدل عليه أيضا قوله تعالى: " فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا " فنص ~~تعالى على أن الهدى بإرادته، والضلال بإرادته، وهذا ms117 نص واضح لا إشكال فيه. # ويدل على صحة مذهب أهل السنة والجماعة قوله تعالى: " ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والإنس " وجه الدليل: أنه تعالى خلق من الجن والناس قوما ~~ليدخلوا النار ويكونوا أهلا لها، ولا يكونون أهلا لها إلا بالكفر والطغيان ~~والعصيان، فعلم أن جميع ذلك بإرادته وقضائه وقدره. # ويدل عليه أيضا قوله تعالى: " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله " ~~فأخبر تعالى أن الحجج والآيات لا تنفع، وإنما تنفع المشيئة التي تتم بها ~~الأشياء، فمن شاء إيمانه آمن، ومن شاء كفره لم يؤمن. # ويدل عليه قوله تعالى: " ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا " ~~وهذا نص في أنه أراد فتنة الكافر وإضلاله. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: " ~~ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا " وهذا نص واضح يغني عن الشرح، ~~إلا أنه أخبر أنه ما شاء أن يؤمن أهل الأرض كلهم. وعند المخالف أنه قد شاء ~~ذلك، والله قد أكذبه في هذه الآية وأمثالها. # ويدل عليه أيضا قوله تعالى: " أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم " ~~وهذا صريح في إرادته بقاءهم على كفرهم. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: " ولكن ~~كره الله انبعاثهم فثبطهم " فأخبر تعالى أن أراد قعود المنافقين عن الخروج ~~إلى الغزو في سبيل الله تعالى، ولو أن أحدنا أراد أن يستقصي جميع ما في ~~القرآن من الأدلة على صحة مذهب أهل السنة والجماعة وإبطال بدعة القدرية ~~مجوس هذه الأمة كما جاء في الأثر وقول الصحابة لطال ذلك، وما وسعه كتاب. # ويدل على صحة قول أهل السنة والجماعة من الأخبار، ما روى في الصحاح في ~~محاجة موسى وآدم عليهما السلام، حتى قال آدم: يا موسى أترى هذا الأمر قد ~~قدر علي أو لم يقدر ؟ فقال موسى: بل قدر عليك. فقال له آدم فكيف يكون فراري ~~من أمر قدر علي ؟ قال نبينا صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى، أي ms118 ظهر عليه ~~في الحجة وهذا صريح من نبينا صلى الله عليه وسلم ومن جميع الرسل عليهم ~~السلام أن جميع الأمور خيرها وشرها بقضاء الله وقدره ومشيئته. # ويدل عليه أيضا الخبر المروي في الصحاح عن عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتاه الرجل فسأله عن ~~الإيمان فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر ~~خيره وشره من الله تعالى فقال صدقت يا محمد، ثم أخبرهم أنه جبريل عليه ~~السلام، فصح بإجماع الأنبياء والرسل والملائكة والصحابة أن الأمور كلها ~~بقضاء الله وقدره. # ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم من جملة حديث: فتقول الملائكة يا رب ~~أشقى أم سعيد، فيقضي الله عز وجل ويكتب الملك، ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ~~ولا ينقص ثم أكد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم بقوله: السعيد من سعد في بطن ~~أمه والشقي من شقى في بطن أمه فعلم كل عاقل أن الله تعالى أسعد من شاء ~~وكتبه سعيدا وأشقى من شاء وكتبه شقيا، وأخبار الرسول وأقوال الصحابة في هذا ~~المعنى كثيرة جدا لا تحصى، وفي بعض ما ذكرنا كفاية. PageV01P062 ويدل على ~~صحة مذهب أهل السنة والجماعة: إجماع المسلمين من الصحابة وهلم جرا إلى ~~وقتنا هذا: أن الجميع منهم يطلق، ويقول في الخلاء والملاء من غير نكير: ما ~~شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فوقع الإجماع من الخاص والعام أن الأمور ~~كلها بمشيئة وقدر من الله تعالى. وقيل أوحى الله إلى بعض الأنبياء: تريد ~~وأريد ولا يكون إلا ما أريد، فإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا ~~يكون إلا ما أريد، وهذا نص واضح في أنه لا يكون في الدارين إلا ما أراد ~~الله تعالى. وقد سئل بعض السلف فقيل له: بم عرفت ربك ؟ قال: بنقض العزائم. ~~وفسخ الهمم، وذاك أن الواحد منا يعزم على الأمر ويهمم به، فيجري عليه غير ~~ما عزم عليه وهم به، فعلم كل ms119 عاقل أن ذلك الفسخ لأن المقدر قدر له غير ما ~~عزم عليه وهم به، فعلم كل عاقل أن ذلك الفسخ لأن المقدر قدر له غير ما قدر ~~لنفسه، والمريد أراد له غير ما أراد لنفسه، فكان ما أراده العبد لنفسه. ولو ~~شرعنا في ذكر ما روى عن السلف والخلف في هذا المعنى طال ولم يسعه كتاب. # فصل # ويدل على صحة مذهب أهل السنة والجماعة من أدلة العقل أن الملك إذا جرى في ~~ملكه ما لا يريد، دل ذلك على نقصه أو ضعفه أو عجزه، والله تعالى موصوف ~~بصفات الكمال، لا يجوز عليه في ملكه نقص ولا ضعف ولا عجز، فكيف يكون في ~~ملكه ما لا يريده، ويريده أضعف خلقه فيكون. كلا سبحانه وتعالى أن يأمر ~~بالفحشاء أو يكون في ملكه إلا ما يشاء. فثبت بحمد الله ومنه مذهب أهل السنة ~~والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة وأدلة العقل. # فصل # في ذكر آيات وسنة يحتجون بها والجواب عنها. # فإن قالوا: فما معنى قوله تعالى: " والله لا يحب الفساد " قلنا: المراد ~~به أنه لا يثيب على الفساد ولا يمدحه ولا يأمر به، فإن اسم المحبة إنما يقع ~~على ما يثاب عليه ويمدح فاعله عليه، وليس كل ما يريده المريد يقال فيه أنه ~~أحبه، ألا ترى أن المريد يريد بذل ماله للسلطان الجائر من هدية ورشوة ليتقي ~~بذلك شره، ثم لا يقال إنه أحب ذلك، وكذلك الرجل اللبيب يريد ضرب ولده وقرة ~~عينه ليؤدبه، ثم لا يقال إنه أحب ذلك، وكذلك يريد ربط جروحه وقطع سلمته ~~وشرب المر من الدواء، ولا يقال إنه أحب ذلك. وكذلك الحميم يريد ويبادر في ~~الحفر لميته وتجهيزه وتغييبه تحت التراب، ولا يقال إن محب لذلك ولا يؤثره. ~~فعلم أنه ليس كل ما أراده المريد أحبه، وإنما يقال أحب الشيء إذا مدحه ~~وأثنى عليه وأثاب عليه، والله تعالى لم يمدح الفساد ولم يثن على المفسد ولم ~~يثبه. # جواب آخر: وهو ما ذكره بعض أصحابنا وهو. أن قوله تعالى: ms120 " والله لا يحب ~~الفساد: يعني لا يحبه من أهل الصلاح والطاعة، وهو كقوله " ولا يرضى لعباده ~~الكفر " يعني لعباده المؤمنين، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. # فإن قيل أليس قد قال الله تعالى: " سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء. كذلك كذب الذين من قبلهم " فدل على أن ~~الشرك ليس بمشيئة الله تعالى فالجواب من وجهين: أحدهما: أن سياق الآية حجة ~~عليهم، لأنه قال فيها " قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين " . # الجواب الثاني: أنهم إنما قالوا ذلك على سبيل التكذيب والاستهزاء، لا على ~~سبيل الإيمان، وإنما قصدوا تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله " ولو ~~شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا " وهذا كقوله تعالى: " وإذا قيل لهم ~~أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من من لو يشاء ~~الله أطعمه " قالوا ذلك على سبيل التكذيب والاستهزاء، لا على وجه الإيمان ~~والاعتراف بأن الله قادر أن يطعمهم. فلذلك قالوا: ما في تلك الآية وجعلوه ~~لهم حجة، فجعله كذبا وأن حجتهم باطلة، فصح ما قلناه. # فإن قيل: فما معنى قوله تعالى. " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " ~~فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه أراد بعض الجن والإنس. الذي يدل على صحة ذلك ~~أن كثيرا من الجن والإنس يموت قبل أن يبلغ حد التكليف والعبادة، وصار هذا ~~كقوله تعالى لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم: " لتدخلن المسجد الحرام إن ~~شاء الله " وأراد البعض لا الكل، لأن منهم من مات قبل الدخول وقتل قبل ~~الدخول. الذي يقوى ذلك ويصححه: أنه قال في آية أخرى: " فرية هدى " يعني إلى ~~الطاعة " وفريقا حق عليهم الضلالة " يعني عن العبادة والطاعة. PageV01P063 ~~ويدل عليه أيضا قوله تعالى: " ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس " وهم ~~الذين لم يرد أن يطيعوه، فاعلم ذلك. # والجواب الثاني: أن المراد بذلك أن لا يقروا بالعبادة طوعا أو كرها، وهذا ~~قول ابن عباس، وهو حسن، لأن الكل لا بد أن ms121 يقروا بذلك؛ إما في الدنيا وإما ~~في الآخرة. # جواب آخر: وهو أن المراد بذلك إلا لآمرهم وأنهاهم، وهذا قول مجاهد. # فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى " فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن معنى هديناهم، أي دعوناهم قاله ~~سفيان وهذا صحيح، لأن الهدى يكون بمعنى الدعاء؛ قال الله تعالى: " إنما أنت ~~منذر ولكل قوم هاد " أي ذراع يدعوهم إلى الهدى، وقال تعالى: " وإنك لتهدي ~~إلى صراط مستقيم " أي تدعو. # الجواب الثاني: " وهديناهم " أي بينا لهم سبيل الهدى، قاله قتادة، وهذا ~~صحيح، يدل عليه قوله تعالى: " وهديناه النجدين " يعني بينا له طريق الخير ~~وطريق الشر. وقال الصديق رضي الله عنه لما كان هو والرسول عليه السلام ~~قاصدين إلى الهجرة من مكة إلى المدينة فكان الناس يقولون يا أبا بكر، وكان ~~معروفا فيسلمون عليه ويسألونه. من هذا الرجل الذي معك ؟ فيقول: رجل يهديني ~~السبيل، يعني يعرفني الطريق، وهو يريد رضي الله عنه سبيل الحق والدين. # الجواب الثالث: أعلمناهم الهدى من الضلالة. # جواب رابع: وهو أن المراد بذلك هدينا فريقا منهم وأضللنا فريقا دليل ذلك ~~قوله تعالى: " ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم ~~فريقان يختصمان " ويدل عليه أيضا قوله تعالى: " قال الملأ الذين استكبروا ~~من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا ~~إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون " ~~فصح ما قلناه، وأنه هدى بعضا وأضل بعضا بنص القرآن، فاعلم ذلك. # جواب خامس: وهو أن فريقا من ثمود آمنوا ثم ارتدوا، ففيهم نزلت الآية، يدل ~~عليه قوله تعالى: " فاستحبوا العمى على الهدى " يعني رجعوا إلى الكفر بعد ~~الإيمان. # فإن قيل: فما قولكم في قوله تعالى: " إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا ~~يرضى لعباده الكفر " فصح أنه لا يريد الكفر، فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه ~~لو كان كما قلتم لكان يقول: ولا يرضى لأحد الكفر، أو يقول: ولا يرضى لكم ms122 ~~الكفر، فلما لم يقل ذلك لم يكن لكم حجة. # الثاني: أنه قال تعالى: " ولا يرضى لعباده الكفر " وإذا أضافهم إليه بلفظ ~~العبودية فإنما أراد بذلك خواص عباده المؤمنين دون الكافرين. ونحن نقول: ~~إنه ما رضى للخواص الكفر ولا أراد لهم الكفر، وإنما رضى لهم الإيمان. الذي ~~يدل على صحة هذا: إن العباد إذا أضافهم إليه كان المراد بهم المؤمنين دون ~~غيرهم، قول تعالى: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " وأراد بذلك المؤمنين ~~دون الكفار. وكذلك قوله تعالى: " يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم ~~تحزنون " أراد المؤمنين دون الكفار. وكذلك قوله تعالى: " عينا يشرب بها ~~عباد الله يفجرونها تفجيرا " أراد المؤمنين دون الكفار، وكذلك قوله تعالى: ~~" ولا يرضى لعباده الكفر " أراد المؤمنين دون الكافرين، فاعلم ذلك وتحققه. # الجواب الثاني: أن الرضا بالشي هو المدح له والثناء عليه والإثابة عليه ~~وكونه دينا وشرعا، والله تعالى لا يرضى الكفر بمعنى أنه لا يمدحه ولا يثيب ~~عليه ولا يرضى كونه دينا وشرعا، دون إرادة وجوده وخلقه. فاعلم ذلك. # فإن قيل: أتقولون أن الله تعالى قضى المعاصي وقدرها، كما أنه خلقها، قلنا ~~له: أجل: نقول ذلك بمعنى أنه خلقه وأوجده على حسب قصده وإرادته، ولا نقول ~~إنه قضاه بمعنى أنه أمر به، ولا رضيه دينا وشرعا، وأنه يمدحه ويثيب عليه. # فإن قيل: فعلى كم وجه ينقسم القضاء ؟ قيل له على وجوه كثيرة.. ~~PageV01P064 منها: قضاء يكون بمعنى الخلق، وذلك قوله تعالى: " فقضاهن سبع ~~سموات في يومين " يعني خلقهن، ويكون القضاء بمعنى التسليط. والخلق، وهو ~~قوله تعالى: " فلما قضينا عليه الموت " يعني خلقنا وسلطنا عليه الموت، ~~ويكون بمعنى الإخبار والإعلام، وهو قوله تعالى: " وقضينا إلى بني إسرائيل ~~في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين " يعني أعلمناهم وأخبرناهم، ويكون القضاء ~~بمعنى الأمر، قال الله تعالى: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " ، ويكون ~~القضاء بمعنى الحكم والإلزام، يقال: قضى القاضي على فلان بكذا، أي أوجبه ~~عليه وألزمه إياه وحكم به عليه، فإن الله تعالى قضى بالمعاصي والكفر، بمعنى ms123 ~~أنه أراده وخلقه، وقدره، ولا يجوز أن يكون بمعنى أمر به واختاره دينا ~~وشرعا، ولا مدحه، ولا يثيب عليه؛ ولا فرضه فرضا على أحد، بمعنى أن أوجبه ~~عليه، فاعلم هذه الجملة وتحققها تسلم من شبه المبتدعة وتلبيسهم على العوام ~~ومن لا فهم له إن شاء الله. # فإن قيل: أفترضون بقضاء الله وقدره ؟ قلنا: هذا يحتاج إلى تفصيل، فنحن ~~نطلق الرضا بقضاء الله وقدره على الإطلاق، بمعنى أنه لا يعترض على حكمه ~~السابق وإرادته الأزلية، ولا يتقدم بين يديه بالاعتراض بل نسلم لما أردا ~~فينا وفي غيرنا، ولا نعترض بما يفعل، فنقول: نحن نرضى بقضاء الله الذي هو ~~خلقه، كما أخبرنا به ومدحنا على فعله، ووعد عليه الثواب، فنرضى بذلك ونريده ~~لنا ولجميع إخواننا من المسلمين، ولا نقول: إن قضاءه الذي هو بمعنى خلقه، ~~وإيجاده الذي هو خلقه مذموما قبيحا؛ ذنبا معصية كفرا، إنا نرضى بذلك دينا ~~وشرعا ولا نحبه ولا نرضاه ولا نريده لنا ولا لأحد من إخواننا المسلمين، ~~فاعلم هذا التفصيل تسلم من شبه الأباطيل ومن خدع أهل التعطيل. يؤكد هذا أو ~~يقرره أنا نقول وكل مسلم عند الإطلاق: إن جميع الأشياء لله تعالى، إنه ~~خلقها وهي ملك له، لا خالق ولا مالك لها غيره، من والد، وولد، وزوجة، ~~وصاحبة، فنطلق ذلك عند الإجمال. فأما عند التفصيل فنقول: إن لله الأسماء ~~الحسنى. ونقول: إن له الجلال، والجمال، والقدرة، والكمال، ولا نقول: إن له ~~الولد، والوالد، والصاحبة، والزوجة، والشريك. فاعلم ذلك. وكما نقول عند ~~الإطلاق: إن كل مخلوق يبيد ويفنى ويزول ويضمحل، ولا نقول عند التفصيل: إن ~~حجة الله على خلقه والأعمال من الصلاة، والصيام، والحج، إن ذلك يبيد ويفني ~~ويضمحل، ونحو ذلك. # ثم نقول لهم يا جهلة: أليس الله تعالى قضى بموت نبيه صلى الله عليه وسلم، ~~وكذلك موت جميع الأنبياء عليهم السلام، فلا بد أن يقولوا: بلى. فنقول لهم: ~~أفترضون بذلك وأشباهه ؟ إن قالوا: نعم. وكلنا نقول: إنه قضى ذلك، قلنا: ~~وكذلك نقول نحن أيضا: قضى كل موجود ms124 وخلقه وأراده عند الإطلاق، وعند التفصيل ~~لا نقول: إنا رضينا موت النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى إنا أحببنا ذلك، ~~وأنه سرنا، فاعلم ذلك. # فإن قيل: أليس الله تعالى قد نهى عن الكفر والمعصية ؟ قلنا: بلى قد نهى ~~عن ذلك. فإن قالوا: فلا يحسن أن يريد شيئا ويريد وجوده ثم ينهى عنه، قلنا: ~~الجواب من وجهين: PageV01P065 فأما الأدلة على صحة الشفاعة، فقد ذكرناها من ~~الكتاب والسنة، لكن نجد ها هنا طرفا منها. أما من القرآن فقوله تعالى: " ~~عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا " روى عن أنس بن مالك، وأبى سعيد الخدري ~~وجماعة من الصحابة لا يحصون عددا: أن ذلك في الشفاعة، ثم ذكروا ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار يطول ذكرها وشرحها. وقد ثبت عنه صلى ~~الله عليه وسلم قوله: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي وهذا فيه الحجة على ~~الفريقين ممن أنكر الشفاعة أصلا، ومن قال إنه لغير أهل الكبائر. وقال صلى ~~الله عليه وسلم: أشفع إلى ربي فيحد لي حدا فأخرجهم من النار، ثم أشفع فيحد ~~لي حدا فأخرجهم من النار ثم ذكر الحديث إلى أن قال: حتى لا يبقى أحد من أهل ~~الإيمان في النار. ولو كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان وهذا الحديث صريح في ~~الحجة على كل من الفريقين من المعتزلة. وأخبار الشفاعة كثيرة جدا، وقد ~~قدمنا منها ما في الكفاية وزيادة، ولأن الشفاعة في أقل الدارين من أقل ~~الشفعاء تكون في الذنوب وغيرها، فما ظنك بالشفاعة في أعلى الدارين من أعلى ~~الشفعاء عند الله عز وجل، حتى ذكر في بعض الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم ~~يغبط بذلك المقام، يغطبه به الأولون والآخرون، ثم تكون الشفاعة فيمن لا ~~كبيرة له، وإنكار هذا جهل وعناد وطعن في القرآن وصحيح الأخبار. # فصل # نذكر فيا شبها لهم يرومون بذلك دفع الأخبار الصحاح المجمع على صحتها في ~~صحة الشفاعة، ونحن نجيب عنها بعون الله وحسن توفيقه. فإن قالوا: هذه ~~الأخبار تعارض بمثلها، فإنه قد روى ms125 الحسن البصري وغيره عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي فالجواب من وجهين: ~~أحدهما: أن هذا عن الحسن لم يصح، ولم يرد في خبر صحيح ولا في سقيم، وإنما ~~هو اختلاف وكذب، ولا يعارض الآثار الصحاح المتفق على صحتها، ثم لو جاز أن ~~يكون قد روى فلم يسقط الصحيح المجمع على صحته بالضعيف السقيم الذي لا أصل ~~له. مع إمكان الجمع بين الكل، واستعمال الجميع، فتحمل صحاح الأخبار على ما ~~قلا، ويحمل هذا الخبر على أنه أراد به الكبائر التي تخرج من الإسلام، نحو ~~الكفر بعد الإيمان، أو استحلال ما حرم الله، أو تكذيب بعض الرسل أو بعض ~~الكتب، ويصير هذا كما قلنا إنا نجمع بين كل ما ذكر في القرآن، وإن كان ~~ظاهره يناقض بعضها بعضا عند الجهال مثلكم، فإنه تعالى قال: " هذا يوم لا ~~ينطقون " ثم قال في موضع آخر: " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " فيحمل هذا ~~على أنهم لا ينطقون عند الصراط، والميزان، والكتب، ويسأل بعضهم بعضا بعد ~~ذلك، حتى لا نسقط شيئا من كتاب الله ولا ينقض بعضه ببعض فكذلك يحمل قوله: ~~شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي في حق من يبقى على الإيمان حتى يخرج من دار ~~الدنيا، ويحمل ما ذكروا لو كان صحيحا على من خرج من الدنيا على غير إيمان، ~~ونكون أسعد وأولى، لأنا نثبت الصحيح بتأويل لشيء باطل لا أصل له أن لو صح، ~~وهم يسقطون الصحيح المتفق على صحته بشيء باطل لم يصح. # فإن قيل: هذا لا يصح مع قوله عليه السلام: لا ينال شفاعتي أهل الكبائر من ~~أمتي والكافر بما ذكر به ثم ليس من أمته، قلنا: بل يصح ذلك من وجهين: ~~أحدهما: أنه أراد بذلك من كان من أمتي ثم ارتد، أو نحو ذلك، فقد يجوز أن ~~يسمى الشيء بما كان عليه أولا، وإن كان في الحال لا يسمى به، ألا ترى إلى ~~ما قال صلى الله عليه وسلم في النبيذ: ثمرة ms126 طيبة وماء طهور يعني كان ثمرة ~~طيبة وماء طهورا، لا يريد أنه في الحال ثمرة، وكذلك أمر صلى الله عليه وسلم ~~بلالا: ارجع فناد ألا إن العبد نام ولم يرو أنه الآن عبد، بل أراد أنه كان ~~عبدا، لأن الصديق أعتق بلالا قبل ذلك. يقال لعتيق الرجل: عبد بني فلان، أي ~~كان عبدا لهم، ونحو ذلك كثير. ويحتمل أن يكون سماهم من أمته، لأنهم كانوا ~~في عصره ووقته وقرنه، وكل قرن يسمى أمة، ويكون ذلك فيمن كان آمن به في وقته ~~ثم ارتد، فمن ذكر من أهل الردة، أو كان في وقته ولم يؤمن، وسماه من أمته ~~لأنه في قرنه وعصره. فصح ما قلناه وبطل تعلقهم بما لا أصل له. PageV01P066 ~~فإن قيل: أليس قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من تحسى سما ~~وقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبدا، وروى مثله فيمن قتل ~~نفسه بحديدة، ومن تردى من جبل. وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا ~~يدخل الجنة مدمن خمر، وعاق والديه فهذه الأخبار معارضة لأخبار الشفاعة. # فالجواب عن هذه الأخبار: أن منها ما صح ومنها ما لم يصح ويجمع بين الكل، ~~فتحمل هذه الأخبار على من فعل ذلك مستحلا لفعله، أو فعله على وجه التكذيب ~~للصادق فيما أخبر به أن هذا الفعل كبيرة حرام، ونحو ذلك، وهذا صحيح لأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قال: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. فقال ~~أبو ذر: وإن زنا، وإن سرق ؟ فقال: وإن زنا، وسرق، وقتل، وشرب الخمر، وإن ~~رغم أنف أبي ذر فصح ما قلناه، وقبلنا جميع الأخبار الصحاح ولم نضرب بعضها ~~ببعض، ولا أسقطنا بعضها ببعض، كما يفعل أهل البدع الذين ضاهوا اليهود في ~~قولهم نؤمن ببعض ونكفر ببعض. # فإن قيل: أليس عندكم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يشفع إلا في مؤمن، ~~وقد وردت الروايات لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن ~~وكذلك روى ms127 أنه قال: ليس منا من يأتينا بطينا ويأتي جاره خميصا ومن غشنا ~~فليس منا ولا إيمان لمن لا أمانة له إلى غير ذلك، فكيف يشفع الرسول عليه ~~السلام فيمن ليس بمؤمن ؟. # فالجواب: أن يقال لهم: هذه الأخبار لا حجة فيها ولا تعارض أخبار الشفاعة، ~~فإنها متحملة لوجوه إذا صرفت إليها صحت، ولم تكن معارضة لأخبار الشفاعة. # أحدها: أن يكون المراد لا يزني ولا يسرق حين يفعل ذلك، وهو مؤمن: أي ~~مستحل لذلك، حتى يصح الجمع بين هذه الأخبار وبين قوله صلى الله عليه وسلم: ~~من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن سرق وإن زنا وشرب الخمر، أو يكون ~~أراد بذلك إذا فعله على وجه التكذيب لتحريم هذه الأشياء، والله تعالى لم ~~يحرمها، أو يكون المراد ليس بمؤمن كإيمان المؤمن الذي لم يكن منه سرقة، ولا ~~زنا، ولا شرب خمر أي في البر، والطهارة، والعفة ونحو ذلك، ويصير هذا كقوله: ~~لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد أراد الكمال. وهذا الفصل أفسد الحجج ~~وأدحضها بحمد الله تعالى. # فإن قيل: فما معنى قوله تعال: " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " قيل معناه ~~الرد على من أنكر أصل الشفاعة، فأخبر تعالى أن تم شفاعة، لكن لمن أراد ~~تعالى أن يشفع له وأذن في ذلك، ولم يرد إلا لمن رضى سائر عمله، لأن من رضى ~~سائر عمله لا يحتاج إلى شفاعة، ويحتمل أن يكون " لا يشفعون إلا لمن ارتضى " ~~يعني لمن كان معه عمل مرتضى. والمؤمن معه أفضل الأعمال التي ترضى، وإن كان ~~عاصيا فاسقا، وهو التوحيد والتصديق، وقوله: لا إله إلا الله. والذي لا يرضى ~~عمله أجمع هو الكافر، فصح ما قلناه. # فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: " ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع " ~~قلنا: معناه فالظلم بالشرك والكفر الذي لا ينفع معه طاعة، كما قال تعالى: " ~~إن الشرك لظلم عظيم " ولهذا لما نزل قوله تعالى. " الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم " حزن الصحابة رضي الله عنهم كذلك، حتى قال الصديق ms128 رضي الله ~~عنه وأرضاه: يا رسول الله: وأينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ليس هذا يا أبا بكر، إنما الظلم الشرك ها هنا، ألا ترى إلى ~~قول لقمان يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم فدل أن لا شفاعة تنفع ~~الكافر. ولا حميم يدفع عنه، والمؤمن بخلاف ذلك بحمد الله، وإن كانت له ~~سيئآت. فاعلم ذلك. # فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: " لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون " " ولا ~~يخفف عنهم من عذابها " وقوله: " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب " وقوله تعالى: " فما تنفعهم شفاعة الشافعين " . # فالجواب: أن نقول: أنتم وإخوانكم من الخوارج دأبكم أبدا أن تجعلوا آيات ~~العذاب في أهل الإيمان والتوحيد، وهي لأهل الكفر والضلال دون المؤمنين بحمد ~~الله تعالى؛ وهذه الآيات كلها في أهل الكفر، والذي يدل على صحة هذا ما ~~قدمنا من الأخبار الصحاح: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وغير ذلك من ~~الأخبار الصحاح. PageV01P067 وأيضا فإن القرآن نطق بذلك فإنه قال في أول ~~هذه الآية: " ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين ~~وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما تنفعهم ~~شفاعة الشافعين " . فصح أن لا شفاعة لهم لأجل كفرهم، وصارت في النار، وجدا ~~لهم لأجل كفرهم وصارت الآية إلى آخره حجة عليهم، إلا أن الله تعالى أخبر أن ~~ثم شفاعة، وأنتم تقولون أن لا شفاعة؛ غير أنه تعالى أخبر أنها لا تنفع ~~للكافرين، فدل على أنها تنفع المؤمنين. # فإن قيل: ما تقولون فيمن حلف بالطلاق الثلاث أنه يفعل فعلا ينال به شفاعة ~~الرسول عليه السلام، ويستحق به شفاعة الرسول، أو قال: أفعل فعلا يجوز أن ~~يشفع لي فيه الرسول مما أستحق من العقاب بماذا تأمرونه ؟ أتأمرونه بالمعصية ~~أم بالطاعة ؟. قلنا: الجواب من وجهين: أحدهما: أنا نقول نأمره بالتمس ~~بالتوحيد والإيمان دون فعل الذنوب، لأن الشفاعة لا تنال بالذنوب، وإنما ~~تنال بالإيمان دون الذنوب، ms129 وهذا كما أن زيدا يشفع في ذنب صديقه، أو قريبه، ~~أو حبيبه في دار الدنيا إلى من ملك إسقاط ذلك، لا يقال أنه نال ذلك بالذنب ~~الذي أذنب أو الخطأ الذي أخطأ، وإنما ناله بالصداقة المتقدمة أو القرابة ~~المتقدمة أو السؤآل المتقدم، لا نفس الذنب، ونأمره أيضا بفعل الطاعات حتى ~~ينال بذلك شفاعة الرسول عليه السلام في الزيادة له من البر والنعيم ونحو ~~ذلك. # الجواب الثاني: أنا نعارضكم بمثل هذا: لا تجدون أنتم عنه محيصا، فنقول ~~لكم: ما تقولون فيمن سمع قوله تعالى: " يحب التوابين. ويحب المتطهرين " ~~فحلف رجل بالطلاق الثلاث ليفعلن فعلا يجب عليه فيه التوبة أو الاستغفار حتى ~~يتوب منه ويستغفر، ما تأمرونه ؟ فإن قالوا: نأمره بالطاعة، وفعل الخير. ~~قلنا لهم هذا لا يصح؛ لأن الإنسان لا يجب عليه التوبة أو الاستغفار من فعل ~~الطاعة والخير بإجماع المسلمين. وإن قلتم: نأمره بفعل المعاصي والذنوب حتى ~~تجب عليه التوبة والاستغفار فيتوب ويستغفر حتى يتخلص من يمينه فقد استحللتم ~~ما حرم الله وأمرتم بما لا يجوز لمسلم أن يأمر به. وإن قلتم: لا نأمره بفعل ~~المعصية ولكن إن ابتلى بشيء من ذلك قلنا له قد فعلت ما وجب به عليك التوبة ~~والاستغفار وزوال حكم اليمين. قلنا لكم: نحن أيضا نقول لمن حلف ليفعلن ~~فعلا، يجوز أن يشفع فيما يستحق عليه من العقاب شفاعة الرسول عليه السلام، ~~نقول له تمسك بالطاعة والإيمان، فإن ابتليت بشيء من المعاصي فقد خرجت من ~~اليمين، ويجوز أن يشفع لك الرسول، لا أنا نأمره بالمعصية بوجه من الوجوه. # رؤية الله تعالى # اعلم أن رؤية الله تعالى جائزة من جهة العقل، وهي واجبة للمؤمنين في ~~الآخرة من طريق الشرع، وبها نختم الكتاب إن شاء الله تعالى بعونه وتوفيقه، ~~وإنما ختمنا بها لأنها أعلى الأشياء وأجلها، وبها يختم للمؤمنين المصدقين ~~لها حتى يستحقروا كل نعيم في جنبها، جعلنا الله من أهلها بمنه وفضله، إنه ~~جواد كريم. # اعلم أن أهل السنة والجماعة قد جوزوا الرؤية على الله تعالى شرعا ms130 وعقلا ~~بلا خلاف بينهم على الجملة، وإنما وقع الخلاف بينهم هل يكون ذلك ويجوز في ~~الدنيا أم ذلك في الآخرة خاصة. # فكل الصحابة أجمعوا ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يرى ~~في الجنة، يراه المؤمنون بلا خلاف في ذلك. واختلف الصحابة في الرسول عليه ~~السلام هل رآه ليلة المعراج بالقلب أو بعيني الرأس على قولين: فكانت ~~الصديقة عائشة رضي الله عنها في جماعة من الصحابة يقولون: رآه بقلبه دون ~~عيني رأسه، وكان ابن عباس رضي الله عنهما في جماعة من الصحابة رضي الله ~~عنهم يقولون: إنه صلى الله عليه وسلم رآه ليلة المعراج بعيني رأسه. ونحن ~~نقول بقول ابن عباس رضي الله عنهما، فإذا تقرر هذا: فإن المعتزلة، ~~والنجارية، والجهمية، والروافض. والخوارج: الكل منهم ينكرون الرؤية ولا ~~يجوزونها بوجه، حتى قالوا: ولا يرى ولا يرى هو نفسه. وقد قدمنا الأدلة على ~~صحة الرؤية وجوازها فيما تقدم، ولا بد أن نذكر ها هنا طرفا من الأدلة أيضا ~~يؤكد ما تقدم ويقويه إن شاء الله. # ودليل ذلك من الكتاب والسنة والإجماع ممن يعد إجماعه إجماعا، ودليل ~~العقل. PageV01P068 فمن أدلة الكتاب قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام: " ~~رب أرني أنظر إليك " وهذا السؤال إنما كان من موسى بعد النبوة، والبعثة، ~~والرسالة، لأن الله تعالى قال: " ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب ~~أرني أنظر إليك " ولا يخلو سؤال موسى عليه السلام هذا السؤال بعد النبوة ~~والكمال من أحد أربعة أوجه: إما أن يكون سأل الرؤية بعد علمه بجوازها على ~~ربه، أو مع علمه باستحالتها على ربه، أو سألها وهو شاك في ذلك، أو سألها ~~وهو ذاهل العقل لا يتفهم شيئا. فلا يجوز أن يكون سأل ذلك مع علمه بأنه ~~يستحيل على ربه، لأن من المحال أن يسأل النبي الكريم ربه ما يستحيل في حقه، ~~ولا يجوز عليه كما يستحيل في حقه سبحانه وتعالى، ولا يجوز أن يكون سأل ذلك ~~وهو شاك جاهل حكم هذه المسألة أو ذاهل لا ms131 يدري، لأن هذه المسألة من مسائل ~~أصول الدين، وكيف يجوز على النبي الكريم عليه السلام الشك فيها أو الذهول، ~~أو غفلة القلب عنها. وإذا بطل جميع ذلك لم يبق إلا أنه عليه السلام سأل وهو ~~معتقد جواز الرؤية عليه سبحانه وتعالى. فإذا اعتقد النبي الكريم جوار ~~الرؤية لم يخل من أن يكون مصيبا أو مخطئا، ولا يجوز أن يخطىء النبي الكريم ~~في اعتقاده، فلم يبق إلا أنه أصاب، وهذا التقرير لا مخرج للمخالف عنه بوجه ~~ولا سبب. فافهمه. # فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون موسى لم يسأل الرؤية، وإنما سألها قومه ~~وسألوه أن يسألها لهم، أما أن يكون هو سألها لنفسه فلا. # فالجواب: أن هذا تعلل لا ينفعكم ولا ينجيكم مما قررنا وحققنا في اعتقاد ~~موسى عليه السلام جواز الرؤية؛ وذلك: أن موسى عليه السلام لو كان يعتقد ~~استحالة جواز الرؤية لكان قد أنكر عليهم ذلك أشد الإنكار وجهلهم بذلك غاية ~~الجهل. ولم يساعدهم على ذلك. ولا سأل ما جهلهم عليه، ولما ساعدهم كما فعل ~~لما قالوا: " يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون " ~~ولم يسأل ربه أن يجعل لهم إلها، لأنه عليم عليه السلام استحالة ذلك. فكيف ~~يسأل له أو لهم الرؤية مع اعتقاده استحالة ذلك عليه سبحانه وتعالى، فلم يبق ~~إلا ما قلناه. # جواب آخر: وذلك أن هذا عدول عن الظاهر إلى غيره بغير دليل، لأنه قال " ~~أرني أنظر إليك " فلا يحمل أرني أنظر، على قومي ينظرون إليك، فبطل ما ~~قالوه، وصار هذا بمنزلة قول من قال: قوله أي " أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدني " أي اعبد غيري، وهذا لا يجوز، فبطل قولهم. # فإن قيل: أليس قد قال الله تعالى: " لن تراني " فنص على أنه لا سبيل إلى ~~ما سأله، فالجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا لا يمنع من جواز الرؤية، لأن ~~قوله لن تراني إنما تضمن عدم وجود الرؤية عند السؤال، لا استحالة الرؤية ~~على ما قررنا، ولو أراد استحالة الرؤية ms132 لقال: لن يجوز أن تراني. وقد لا ~~يوجد الشيء ولا يدل على استحالته، ألا ترى أن أحدا لو سأل نبي زمانه أن ~~يسأل ربه أن يرزقه ولدا، فسأل نبي ذلك الزمان، فأوحى الله تعالى لن يرزق ~~هذا السائل ولدا، هل يدل ذلك على أنه لا يجوز وجود الولد في حق هذا السائل، ~~ويستحيل، بل هو جائز وإن منع من وجوده عقب السؤال، على أن حرف لن لا يقتضي ~~عدم جواز الرؤية في الدنيا والآخرة. ولو قرن بأبد. ألا ترى أنه تعالى قال ~~في حق اليهود: " ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم " يعني الموت ولم يقتضي ~~ذلك أن لا يتمنوه في الدنيا والآخرة، لأنه أخبر تعالى أنهم يتمنون الموت في ~~النار بقوله: " ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك " يعنون الموت، فإذا كان حرف ~~لن مع اقتران أبد به لا يقتضي نفي ذلك في الدنيا والآخرة، فكيف به إذا لم ~~يقرن به أبد، وأيضا الجواب يجوز فيه الاستثناء، بأن كان يقول: لن تراني في ~~الدنيا ولن تراني إلا وقت كذا وكذا، كما قال أخو يوسف عليه السلام: " فلن ~~أبرح الأرض " ثم استثنى " حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي " فصح أن حرف لن ~~لا يحيل عليه جواز الرؤية، وإنما توجب أن لا توجد الرؤية في هذا الوقت دون ~~جوازها فصح ما قلناه. # والجواب الثاني: أن الله تعالى علق جوز الرؤية على أمر جائز، ولو كانت ~~مستحيلة لما علقها على أمر يجوز أن يوجد، وهو استقرار الجبل، فلما كان ~~استقرار الجبل من الجائز دل على أن الرؤية جائزة. PageV01P069 فإن قيل: ~~أليس قد قال موسى عليه السلام: " تبت إليك " قالوا: والتوبة إنما تكون من ~~الخطأ، فلما عم عليه السلام أنه أخطأ تاب، فالجواب من أوجه: أحدها: أن موسى ~~عليه السلام لما رأى عظيم الآية من جعل الجبل دكا، وصعوقه، قال على جاري ~~العادة من القول عند الفزع " تبت إليك " وإن لم يكن سؤاله مستحيلا، وهذا ~~كما أن الواحد منا إذا سمع الصوت الرعد ms133 العظيم، أو رأى الظلمة العظيمة، أو ~~أمرا هائلا فزع عند ذلك إلى التوبة والاستغفار، وإن لم يكن منه قبل ذلك ~~معصية. أو سؤال مستحيل. # وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أن موسى عليه السلام ذكر عند هول ما رأى فيه ~~النفس، فجدد التوبة منها وأكدها، وإن لم يكن منه في هذه الحالة ذنب يتاب ~~منه. # جواب آخر: يحتمل أن يكون قال: تبت إليك للشدة التي أصابته عند سؤال ~~الرؤية، وإن كانت الرؤية جائزة. كما أن الواحد منا إذا ركب البحر وناله شدة ~~وخوف من هوله وأمواجه، أو سافر فلقى في سفره ما أتعبه وشق عليه يقول: أنا ~~تائب من ركوب البحر ومن السفر، وإن كان ركوب البحر والسفر جائزا غير محرم. ~~ولا مستحيل، وكذلك مسألتنا مثله. # جواب آخر: يحتمل أن يكون قال: " تبت إليك " من أن أسأل مثل هذا الأمر ~~العظيم الجليل قبل الاستئذان فيه، حتى يؤذن لي في السؤال، ولهذا قيل عن ~~موسى عليه السلام: إنه تأدب بعد ذلك، فقال: يا رب أسألك في جميع أموري ؟ ~~قال: نعم يا موسى اسألني في جميع أمورك حتى ملح عجين أهلك. # جواب آخر: وهو أن موسى عليه السلام كانت إرادته وهمته تعجيل الرؤية له في ~~الدنيا قبل الآخرة، وكان مراد الله تعالى تأخير الرؤية له إلى الآخرة، وأن ~~لا يتقدم على نبينا صلى الله عليه وسلم في الرؤية، فكأنه قال: تبت عن مرادي ~~وهمتي إلى مرادك. وهذا صحيح، لأن التوبة هي الرجوع، فكأنه رجع عن مراده إلى ~~مراد ربه. فاعلم ذلك. # ويدل على صحة ما قدمناه من قوله تعالى. " وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ~~ناظرة " وقوله تعالى: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " وقوله: " كلا إنهم عن ~~ربهم يومئذ لمحجوبون " والحجب للكفار عن رؤيته عذاب. فدل على أن المؤمنين ~~غير محجوبين، ولا يعذبون بعذاب الحجاب. فاعلم ذلك. # ويدل على ذلك أيضا الأخبار التي قدمنا ذكرها عند سؤال الصحابة مع قوله ~~عليه السلام في دعائه إنه قال: اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق ~~إلى ms134 لقائك من غير ضر أو مضر ولا فتنة مضلة وهذا أيضا تصريح من الرسول عليه ~~السلام في جواز الرؤية، وأنها غير مستحيلة، لأنه لا يسأل صلى الله عليه ~~وسلم في أمر مستحيل، لا سيما بعد تقدم موسى عليه السلام في سؤال الرؤية، ~~وما كان منه، فلو كانت غير جائزة أو مستحيلة لما سألها صلى الله عليه وسلم، ~~فلما سألها دل على الجواز، وبطل ما قال أهل العناد. وبالله التوفيق. # ويدل على صحة جواز الرؤية إجماع الصحابة على جوازها في الجملة، وإنما ~~اختلفوا هل عجلها لنبيه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج أم لا ؟ على ~~قولين، ولو لم يقع الاتفاق منهم على جوازها، لما صح هذا الاختلاف، فما وقع ~~هذا الاختلاف فقال بعضهم: عجل ذلك له في الدنيا قبل الآخرة. وقال البعض: لم ~~يرد دليل على الجواز في الجملة وأنه متفق عليه، وإلا كان يقول لمن قال ~~بأنها لم تعجل: فكيف تجوز الرؤية وهي مستحيلة عليه، فلما لم يقل ذلك أحد ~~منهم دل على إجماعهم على جوازها. فاعلم ذلك. # ويدل على ذلك من جهة العقل: أنه تعالى موجود، والموجود لا يستحيل رؤيته، ~~وإنما يستحيل رؤية المعدوم. وأيضا فإنه تعالى يرى جميع المرئيات، وقد قال ~~تعالى: " ألم يعلم بأن الله يرى " وقال. " الذي يراك " وكل راء يجوز أن ~~يرى؛ ولا يجوز أن تحمل الرؤية منه تعالى على العلم، لأنه تعالى فصل بين ~~الأمرين، فلا حاجة بنا أن نحمل أحدهما على الآخر، ألا ترى أنه سمى نفسه ~~عالما، وسمى نفسه مريدا، ولا أن نحمل الإرادة على العلم، كذلك لا نحمل ~~الرؤية على العلم. فاعلمه. PageV01P070 جواب آخر: وهو أن الصحابة سألوا ~~الرسول عليه السلام: هل نرى ربنا ؟ فقال: نعم ولا يجوز أن يكون سؤالهم: هل ~~نعلم ربنا أو يعلمنا ربنا؛ فبطل قول من يحمل الرؤية على العلم، ولهذا أجاب ~~صلى الله عليه وسلم: سترونه كما يرى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب وكما ~~ترى الشمس ليس دونها سحاب يعني لا تشكون في رؤيته كما ms135 لا يشك من رأى القمر ~~والشمس فيها، فشبه الرؤية بالرؤية في نفي الشك عن الرائي، ولم يشبه المرئي ~~بالمرئي. فاعلم ذلك. # فصل # في ذكر الأجوبة عن آيات يحتجون بها، وأخبار، وشبه في نفي الرؤية. # فإن احتجوا بقوله تعال: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " قالوا: ~~فأخرج ذلك مخرج التمدح، كما تمدح بقوله تعالى: " بديع السموات والأرض أنى ~~يكون له ولد " فكيف يجوز أن يزول عن مدحته، فالجواب عن هذه الآية من وجوه ~~عدة: أحدها: أن يقال لهم: ما أنكرتم على قائل يقول لكم، لا حجة لكم في ذلك، ~~لأن التمدح إنما وقع في قوله تعالى: " وهو يدرك الأبصار " لأن كون الشيء لا ~~يدرك بالأبصار لا يدل على مدحه، ألا ترى المعدوم لا تدركه الأبصار، ولا ~~يوجب كون ذلك مدحة له، وكذلك عندكم العطور والروائح وأكثر الأعراض لا تدرك ~~بالأبصار، وليست بممدوحة، لأنها لا تدركها الأبصار. # فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون متمدحا بأنه يدرك الأبصار وأنها لا تدركه ؟ ~~قيل لهم: لأن للوصفين الذين يتمدح بهما لا بد أن يكون في كل واحد منهما مدح ~~بمجرده نحو قوله تعالى: " عزير حكيم " و " عليم قدير " فكل واحد من الوصفين ~~مدح في نفسه، تجدد أو انضم إلى غيره، ولما لم يكن كون المعدوم غير مدرك ~~بالبصر مدحا له عندنا وعندكم بطل ما قلتم. # جواب آخر: وهو أن نقول الآية حجة عليكم وذلك قوله: " وهو يدرك الأبصار " ~~فحسب، وإنما أراد أنه يدرك جميع المرئيات، فأثبت تعالى أنه يرى الأشياء ~~لأنه موجود، قادر على الرؤية، وسائر الأشياء الموجودة التي يجوز أن ترى، ~~لكن تمدح تعالى بأن كل راء يجوز أن يرى، لكن هو تعالى مع جواز رؤيته منعنا ~~من الإدراك له، بأن يحدث في أبصارنا مانعا يمنعنا من رؤيته؛ فالمدح وقع ~~بكونه قادرا على ذلك دون غيره من الخلق، فصار هذا بمنزلة تمدحه تعالى بكونه ~~محييا مميتا، أي لا يقدر على ذلك غيره، وإن جاز أن يميت الحي ويحيي الميت، ~~فكذلك لا يمدح تعالى بأن ms136 يحدث مانعا في البصر من الإدراك، وإن جاز أن يزيل ~~ذلك المانع حتى نراه تعالى بلا كيف، ولا شبه، ولا تحديد. فاعلم ذلك. # جواب آخر: وهو أن المعتزلة لا يصح لهم الاحتجاج بهذه الآية؛ لأن عند ~~البصريين منهم أنه لم يعن بالإدراك الرؤية، لأن البصر عندهم عرض؛ فلا يدرك ~~عند البغداديين منهم: أنه تعالى لا يرى شيئا، إنما المراد بالإدراك العلم، ~~فهو يعلم الأبصار عندهم، والأبصار لا تعلمه، فبطل احتجاج الجميع منهم بهذه ~~الآية، لأن عندهم لا يراد بالإدراك الرؤية، فلا يصح لهم الاحتجاج بها في ~~نفي الرؤية. # جواب آخر: وهو أن الآية لا حجة فيها، لأنه قال: " لا تدركه الأبصار " ولم ~~يقل لا تراه الأبصار، والإدراك بمعنى يزيد على الرؤية، لأن الإدراك: ~~الإحاطة بالشيء من جميع الجهات، والله تعالى لا يوصف بالجهات، ولا أنه في ~~جهة، فجاز أن يرى وإن لم يدرك، وهذا كما قال تعالى في قصة اللعين فرعون: " ~~حتى إذا أدركه الغرق " يعني أحاط به من جميع جوانبه، فالغرق لا يوصف بأنه ~~يرى، وإنما يوصف بأنه أحاط بالشيء. كذلك المؤمن يوصف بأنه يرى ربه ولا ~~يدركه بالإحاطة، وهذا كما نقول: إنا نعلم ربنا، ولا نقول إنا نحيط بربنا، ~~فكما كانت الإحاطة معنى يزيد على العلم كذلك الإدراك معنى يزيد على الرؤية، ~~وهذا صحيح. لأنا نجمع بين قوله تعالى: " فاعلم أنه لا إله إلا الله " وبين ~~قوله: " ولا يحيطون به علما " ونجمع بين قوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة ~~إلى ربها ناظرة " وبين قوله تعالى: " لا تدركه الأبصار " فنقول: معلوم ولا ~~يحاط به، ومرئي ولا يدرك. فصح ما قلناه، وبطل قول الغير. # جواب آخر: أن معنى الآية لا تدركه الأبصار في الدنيا، وإن جاز أن تدركه ~~في الآخرة، ليجمع بين قوله تعالى: " لا تدركه الأبصار " وبين قوله تعالى: " ~~إلى ربها ناظرة " . PageV01P071 جواب آخر: " لا تدركه الأبصار " يعني أبصار ~~الكفار دون المؤمنين، ليجمع بين قوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ~~ناظرة " وبين قوله تعالى: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ ms137 لمحجوبون " وهذا صحيح؛ ~~لأن الحجاب لما كان للكفار دون المؤمنين، كذلك الرؤية للمؤمنين دون الكفار. # جواب آخر: وهو أن أبصار الخلق لا تدركه في الدنيا والآخرة؛ لأن هذه ~~الأبصار جعلت للفناء، وإنما يحدث لهم بصرا غير هذا البصر، ويكون باقيا غير ~~فان فيرى الباقي بالباقي، وقد قيل: إنه تعالى يحدث لأوليائه حاسة سادسة غير ~~هذه الحواس الخمس يرونه بها. وقال هذا القائل: الله أخبر في كتابه العزيز: ~~أنه يراه أهل الجنة، وخبره حق لا يدفع بالشبهة، ولا يمكن الجمع إلا بما ~~قلناه من إحداث حاسة يرى بها الله تعالى، دون هذه الحواس. والله أعلم ~~بالصواب. # جواب آخر: وهو أن يحمل " لا تدركه الأبصار " على أنها لا تدركه في جهة، ~~ولا تدركه جسما ولا صورة ولا متحيزا ولا حالا في شيء " وهو يدرك الأبصار " ~~على جميع هذه الصفات، وتكون الحكمة فيه الرد على النصارى وأهل التشبيه ومن ~~يقول بالجهة والحيز والصورة، وغير ذلك مما لا يليق به سبحانه وتعالى. # فإن احتجوا بقوله تعالى: " يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة " فأكبر الله هذا ~~السؤال فأنكره. # قيل لهم: لا حجة لكم في ذلك، لأن الله تعالى ما أكبر ذلك لكونه مستحيلا، ~~وإنما أنكره لأنهم سألوه ذلك على وجه التعنت، ألا ترى أنه أنكر عليهم ~~سؤالهم تنزيل الكتاب من السماء، وليس ذلك بمستحيل، وإنما أنكروا استكبارا ~~وتعنتا منهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وتشكيكا للناس في نبوته؛ لأن عندهم ~~التوراة، والإنجيل، والفرقان، وكل ذلك منزل من عند الله، وإنما أرادوا بذلك ~~التلبيس على العوام، حتى لا يصدقوا بنبوته صلى الله عليه وسلم، وتركوا ما ~~أوجب الله عليهم من الإيمان به في التوراة والإنجيل، كما قال تعالى: " الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل " فإكباره تعالى سؤالهم ذلك لأجل ~~هذه المعاني لا يكون ذلك مستحيلا. وهذا كما أنكر تعالى سؤال قريش لما ~~قالوا: " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ms138 أو تكون لك جنة من نخيل ~~وعنب أو ترقى في السماء " وكل ذلك جائز غير مستحيل، لكن أنكره عليهم وأكبره ~~لما كان ذلك على وجه التعنت والتكذيب، لما قد وضح من آياته وحججه، وكذلك ~~أنكر سؤالهم الرؤية لموسى عليه السلام على وجه التعنت، لا لكونها مستحيلة. # فإن احتجوا بالخبر المروي عن عائشة رضي الله عنها لما قال لها ابن الزبير ~~وهو ابن أختها يا أماه: هل رأى محمد ربه ؟ فقالت: يا ابن أختي لقد قف شعر ~~بدني، والله تعالى يقول: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء " قالوا: فموضع الدليل من الخبر ~~أنها أكبرت ذلك ونفت الرؤية عن الله تعالى؛ فدل أن ذلك مستحيل في حقه ~~سبحانه وتعالى. الجواب من أوجه: أحدها: أن ابن عباس رضي الله عنه وغيره من ~~الصحابة قد صرحوا بأن محمدا رأى ربه ليلة أسرى به بعيني رأسه، ولو كان ذلك ~~مستحيلا لم يقع الخلاف فيه بين الصحابة، كما لم يقع بينهم الخلاف في ما هو ~~مستحيل على الله تعالى من الولد والزوجة والشريك ونحو ذلك. فلما وقع بينهم ~~الخلاف في ذلك وانقرض عصرهم على ذلك، دل على أن الرؤية جائزة غير مستحيلة. ~~فبطل ما ذكر. # وجواب آخر: وهو أن عائشة رضي الله عنها إنما خالفت فيما رأى به محمد ربه، ~~فعندها رآه بالقلب دون العين، وعند غيرها من الصحابة رآه بالقلب والعين ~~معا، فقد وقع الإجماع منهم على جواز الرؤية عليه تعالى، وإنما اختلفوا فيما ~~به رآه، لا أصل جواز الرؤية عليه، لأن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم رؤية ~~حقيقية لا رؤية مجاز، بخلاف الواحد منا، لأن رؤيته بالقلب قد تكون حقيقة ~~وقد تكون تخيلا ومجازا، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: تنام عيناي، ولا ~~ينام قلبي وقال عليه السلام: إني أراكم من وراء ظهري ورؤية الأنبياء عليهم ~~السلام حقيقة بالقلب والعين. PageV01P072 دليله: قصة إبراهيم عليه السلام: ~~" إني أرى في المنام أني ms139 أذبحك، قال يا أبت افعل ما تؤمر " فصح أن الإجماع ~~قد وقع من الصحابة رضي الله عنهم في جواز الرؤية على الله تعالى، وإن وقع ~~الخلاف بما رآه الرسول عليه السلام ليلة الإسراء، فصار ذلك حجة على المخالف ~~لا له. # جواب آخر: وهو أن عائشة رضي الله عنها إنما أنكرت رؤية الباري بأبصار ~~العيون في دار الدنيا، لا على الإطلاق، ولهذا روى عن أبيها وعنها رضي الله ~~عنها وعن جميع الصحابة أنهم فسروا قوله تعالى: " للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة " قالوا: الزيادة النظر إلى الله تعالى في الجنة، وقد روى هذا ~~مرفوعا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فصح مذهب أهل السنة والجماعة بحمد ~~الله تعالى، وبطل شبه المخالف واندحض مكره. ولله المنة والحجة البالغة. # فإن احتجوا فقالوا: لو جاز عليه سبحانه وتعالى الرؤية بالأبصار لوجب أن ~~يكون جسما، أو جوهرا، أو عرضا، أو محدودا، أو حالا في مكان، أو مقابلا أو ~~خلفا، أو عن يمين. أو عن شمال، أو يكون من جنس المرئيات؛ لأننا لم نعقل ~~مرئيا بالبصر إلا كذلك، فلما استحال عليه جميع هذه الوجوه بطل أن يكون ~~مرئيا، أو يجوز عليه الرؤية، وهذا في تصورهم الفاسد من أعظم الحجج عندهم في ~~نفي الرؤية عنه سبحانه وتعالى، وهي عند أهل السنة والجماعة من أسقط الحجج ~~فليس هو اليوم مرئيا لخلقه ومدركا لهم، ولا تجوز الإشارة في وصفه تعالى. # فالجواب أن نقول لهم: هذه الحجة الباطلة تؤدي إلى إبطال الربوبية أصلا ~~ورأسا، أو تؤدي إلى إيجاب كون ربنا تعالى يشبه المخلوقات، لأن من أنكر ~~الصانع القديم يقول لنا: لو كان لنا صانعا لوجب أن يكون جسما، أو جوهرا، أو ~~عرضا، أو ذا علة وطبع وآلة، وغير ذلك؛ لأنا لم نعقل صانعا إلا على هذه ~~الأوصاف، وأنتم تنفون عنه جميع هذه الأوصاف، فبطل أن يكون ثم صانع، بل تصنع ~~نفسها أو يصنعها من هو على هذه الأوصاف، وكذلك نقول: في العلم والحياة، لأن ~~العالم، والحي، لا يعقل إلا جسما، أو جوهرا، ms140 أو عرضا، أو ذا علة أو فكر، أو ~~روية وغير ذلك. وقد وقع الإجماع منا ومنكم أنه عالم، وأنه حي، وأنه معلوم ~~بالقلب، وأنه موجود؛ ثم كونه عالما ومعلوما، وموجودا يصح وصفه بجميع ذلك، ~~وإن لم يكن جسما، ولا جوهرا، ولا عرضا، ولا ذا علة، ولا محدودا ولا حالا في ~~مكان، بخلاف العالم منا، والمعلوم منا، والموجود منا. فكذلك لا يستحيل أن ~~يكون مرئيا وليس ذا جسم ولا جوهر ولا عرض، فبطل زعمكم وصح الحق وظهر أمر ~~الله وأنتم كارهون. # فإن احتجوا فقالوا: لو كان تعالى مرئيا، أو تجوز عليه الرؤية لرأيناه ~~الساعة لأن الموانع من الرؤية يستحيل وصفه بها؛ لأنه لا يوصف بالدقة ~~والرقة، والحجاب والبعد، وكل مانع من الرؤية. فلو جاز أن يكون مرئيا ~~لرأيناه الساعة لانعدام هذه الموانع في حقه. # فالجواب: أن جميع ما ذكرتم لا يمنع من الرؤية، لأن الملائكة فيهم من ~~الدقة، واللطافة، ما ليس في غيرهم، وبعضهم يرى بعضا، والميت يراهم عند ~~النزع، والرسول كان يرى جبريل عليه السلام، فبطل أن تكون الدقة، والرقة، ~~واللطافة، مانعة من الرؤية. وكذلك البعد لا يمنع الرؤية، لأن السماء أبعد ~~الأشياء منا والكواكب فيها، لأن بيننا وبينها خمسمائة عام، ونحن نراها، ولم ~~يمنعنا بعدها من رؤيتها، وكذلك الحجاب لا يمنع من الرؤية؛ لأن الله تعالى ~~يرى ما تحت التحت، ودونه ألف ألف حجاب عند الخلق. وكذلك الهدهد يرى الماء ~~من تحت الأرض ودون حجاب وحجاب، فبطل أن يكون جميع ما ذكرتم هو المانع من ~~الرؤية، حتى يجب أن نراه الساعة. PageV01P073 فإن قيل: فما المانع من ~~الرؤية الساعة له تعالى ؟ قلنا: إن المانع هو ما خلقه في أبصارنا من قلة ~~الإدراك لبعض المرئيات دون بعض، فإذا خلق فينا إدراكا رأينا مرئيا لم نكن ~~نراه من قبل؛ ألا ترى أن الواحد منا لا يرى اليوم ملك الموت إذا نزل بأخيه ~~وأبيه، ويراه إذا نزل به، وليس ذلك إلا لأنه لم يخلق الله في بصره إدراكا ~~له عند موت غيره، وخلق ms141 في بصره إدراكا له عند موته. وكذلك الفرس، والهر ~~وكثير من الحيوان يرون الصورة والشخص في ظلام الليل وسواده، ونحن لا نرى ~~ذلك؛ وما ذلك إلا لأن الله تعالى خلق في بصرها إدراكا حتى رأت، ولم يخلق في ~~أبصارنا إدراكا حتى نرى، كما ترى؛ فكذلك لم يخلق في أبصارنا إدراكا له في ~~الدنيا حتى نراه، ويخلق لنا إن شاء الله في جنته إدراكا حتى نراه، كما ~~وعدنا ووعده الحق الصدق الذي لا يخلف. # فإن قالوا: وإذا كان الأمر كذلك، فجوزوا أن يخلق الله لكم إدراكا ترون به ~~ذرة، ويخلق فيكم عدم إدراك فيل إلى جنبها. قلنا: هذا جائز في قدرته سبحانه ~~وتعالى، ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه في الصلاة لما ~~عرضت عليه الجنة والنار، ونظر إلى كل واحدة منهما في عرض الحائط، وهما من ~~أعظم المخلوقات، وأصحابه كانوا يدركون الذرة على ثوبه صلى الله عليه وسلم، ~~ولون ثوبه مع صغر ذلك، ولم يدركوا ما أدرك. ولم يروا ما أرى، ولا يقدح في ~~هذا إنكار من أنكر من المعتزلة، أن الجنة والنار لم تخلقا بعد، لأن الكل ~~منهم سلم إلى الرسول عليه السلام أنه قد رأى في هذه الحالة شيئا من الجنة ~~والنار، أو ما هو على صورهما، يخلق منهما إذا خلقتا، واختص هو صلى الله ~~عليه وسلم برؤية ما لم يره أصحابه، وإن كانوا يرون الذرة لو دبت على قميصه ~~صلى الله عليه وسلم، وإن لم يروا ما هو أكبر منها وأعظم. وأبين من هذا: أن ~~بعض الخلق يدرك صوتا خفيا جدا، ولا يدرك صوتا عاليا جدا، وإن وجد الصوتان ~~في وقت واحد، ومسافة واحدة، وقد رأينا ذلك عيانا؛ فإن بعض الطرش إذا تكلم ~~عنده رجل فأخفى صوته غاية الإخفاء، وتكلم آخر عنده بصوت من أعلى الأصوات ~~أدرك الصوت الخفي، ولم يدرك الصوت العالي؛ وليس ذلك إلا لما ذكرناه، وهو أن ~~الله تعالى خلق في سمعه إدراك الصوت الخفي، ولم يخلق في سمعه إدراك الصوت ms142 ~~العالي، فكذلك يجوز أن يخلق في بصرنا إدراك الذرة الصغيرة، ويخلق فيها ~~مانعا من إدراك الفيل الكبير " والله على كل شيء قدير " . # فإن قيل: فإذا كان كذلك فيجب أن يجوز أن يكون بحضرتنا ذرة ننظر إليها ~~وندركها، ويجوز أن يكون إلى جنبها فيلة وأجمال وأنهار جارية، لأن ذلك جائز ~~في المقدور، أو نشك في ذلك، ولعله يكون بحضرتنا ونحن لا نراه. # الجواب: أن هذا تخبط وجهل وقلة فهم؛ لأنه لا يلزمنا أن يجوز أن يكون ~~بحضرتنا كل ما هو جائز في مقدور الله تعالى، ولا نشك فيه، لأن ذلك لو لزم ~~للزمنا أن نجوز أن يكون بحضرتنا وعندنا في الدنيا جنة ونار، ونشك في ذلك؛ ~~لأن الله تعالى قادر على ذلك، ولما لم يلزم ذلك لم يلزم ما ذكرتم، وكذلك ~~أيضا من الجائز في قدرته تعالى أن يخلق اليوم رجلا لا من ذكر ولا من أنثى، ~~ثم لا يجب علينا أن نجوز أنه الآن عندنا موجود أو نشك فيه، فكذلك ما قلتم، ~~وكذلك أيضا يجوز في مقدور تعالى أن يميت أهل بلدة نحن فيها كلهم، ثم لا ~~يلزم أن يجوز ذلك الآن أو نشك فيه، فكذلك ما قلتم؛ فليس كل جائز يجب أن ~~يكون بحضرتنا، أو نشك فيه؛ فبطل ما قلتم، وصح الحق. # فإن احتجوا فقالوا: لو جاز أن يكون مرئيا لجاز أن يقال: يرى كله أو بعضه. # فالجواب: أن هذا محال من القول؛ لأن إطلاق الكل والبعض إنما يجوز على من ~~كان ذا كل أو بعض، والله تعالى منزه عن الوصف بالكل والبعض، وهذا بمنزلة ~~قائل يقول لنا: لو كان معلوما لجاز أن نقول: نعلم كله أو بعضه، فنقول له: ~~لا نقول نعلم كلا ولا بعضا، بل نقول نعلم واحدا أحدا فردا صمدا: " ليس ~~كمثله شيء " فكذلك نقول: نرى واحدا أحدا فردا صمدا ليس كمثل شيء وهو السميع ~~البصير. # فإن قيل: لو كان أهل الجنة يرون ربهم تعالى ثم لا يرونه لكانت أحوالهم قد ~~تناقضت وعادت من منزلة أعظم ms143 إلى منزلة أدون، ولا يجوز أن تتناقص أحوال أهل ~~الجنة. PageV01P074 فالجواب: أن الأمر ليس على ما يقع لكم، لأن تناقص ~~الأحوال أن يريد المرء حالة عالية فيبقى في حالة ناقصة، أو يريد ملاذا فلا ~~يصل إليها، عالية كانت أو دون ذلك، فأهل الجنة بحمد الله تعالى قد تكاملت ~~حالتهم، إذ كانوا بحيث إذا شاؤا رأوا ربهم، وإذا شاؤا اشتغلوا بملاذهم، ولا ~~يكون ذلك نقصا في أحوالهم، ولا يلزم على هذا التقرير أن يقال: فهذا نقص في ~~حق أهل الجنة إذا شاؤا الخلوة بالتلذذ عن رؤية ربهم تعالى. قيل هذا يلزمكم ~~أنتم دوننا، لأنا نحن نقول: هم " لا يشاؤن إلا ما شاء الله لهم " فهم به ~~وله في كل أحوالهم، فإذا شاء لهم الرؤية شاؤوها وتلذذوا بها، وإذا شاء لهم ~~الخلوة شاؤوها وتلذذوا بها، ولا نقص عليهم في ذلك، ولا يلزم ما قلتم. # جواب آخر: وهو أن أهل الجنة يجتمعون بالنبي صلى الله عليه وسلم، وينظرون ~~إليه، والاجتماع به والنظر إليه أعلى من الاجتماع بالحور والقصور، والنظر ~~إلى الحور والقصور، ثم يشتغلون بالحور والقصور بعد نظره صلى الله عليه ~~وسلم، وإن عادوا إلى قصورهم ونعيمهم، وإن كان نظره أعظم وأعلى من ذلك، فجاز ~~مثل ذلك أيضا في جواز رؤية الباري، وإن كانت أعلى الأشياء وأجلها، فثبت ما ~~قلناه، وبطل التمويه بحمد الله. # فإن قيل: إذا كان مرئيا فخبرونا ما هو ؟. قيل لهم إن أردتم بقولكم: ما ~~هو: أي ما صورته، وجنسه، وطوله، وعرضه إلى غير ذلك مما لا يجوز عليه، فليس ~~بذي صورة ولا جنس ولا طول ولا عرض، وقد قدمنا الأدلة على أنه لا يشبه خلقه ~~ولا يشبهونه. وإن أردتم بقولكم ما هو: ما اسمه ؟ فاسمه: الله، الرحمن، ~~الرحيم، الحي، القيوم، وإن أردتم بقولكم ما هو صنعه ؟ فصنعه: العدل، ~~والإحسان، والإنعام، والسموات والأرض وجميع ما بينهما، وإن أردتم بقولكم ما ~~هو. ما الدلالة على وجوده ؟. فالدلالة على وجوده جميع ما نراه ونشاهده من ~~محكم فعله وعجيب تدبيره، وإن أردتم بقولكم ms144 ما هو ؟ أي أشيروا لنا إليه حتى ~~نراه، ولم أنها لا تصح إلا في المسجد ؟..... ؟ جواب آخر: وهو أن هذه ~~الأخبار تحمل على وجه التغليظ والمبالغة في الزجر، حتى يقف الناس عن هذه ~~الأمور ولا يقدموا عليها، وهذا كقول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: من ~~أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة. ولم يرد عليه السلام ~~الإعراض عن الحكم أصلا بين الجد والإخوة، فإنه قد حكم عدة نوب بقضايا ~~مختلفة بين الجد والإخوة. # فإن قيل: فإذا كان مرئيا فكيف هو ؟ قيل لهم: إن أردتم بقولكم كيف هو: على ~~أي تركيب، أو على أي صورة هو، أو على أي جنس هو ؟ فلا تركيب له، ولا صورة ~~ولا جنس فنخبركم عن ذلك، وإن أردتم بقولكم كيف هو وعلى أي صفة هو ؟ فهو ~~قديم، حي، عالم، قادر، متكلم، سميع، بصير، مريد، وإن أردتم بقولكم كيف هو، ~~كيف صنعه إلى خلقه. فصنعه إليهم الإحسان، والعدل، والتفضل، والامتنان، فإن ~~قيل إذا كان مرئيا فأين هو ؟ قيل لهم إن أردتم أين هو في وصف المنزلة ~~والرفعة والجلال فهو كما وصف نفسه بقوله تعالى: " وهو القاهر فوق عباده " ~~وبقوله: " الرحمن على العرش استوى " وبقوله تعالى: " وهو الذي في السماء ~~إله وفي الأرض إله " ، وبقوله تعالى: " إن ربك لبالمرصاد " قيل لهم: الأين ~~سؤال عن مكان وليس هو مما يحويه مكان، لما قدمنا من الحجج والبراهين بحمد ~~الله الملك المنان. وحسبي الله ونعم الوكيل. # وهنا انتهى الكتاب، وقد انتهيت من النظر فيه بتوفق الله سبحانه يوم السبت ~~الثامن والعشرين من شوال المكرم سنة 1369 ه وهو اليوم الذي أتممت به ثلاثا ~~وسبعين سنة من عمري، ختم الله لي بخاتمة خير بمنه وفضله وأنا الفقير إليه ~~سبحانه محمد زاهد الكوثري، عفى عنه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~أجمعين والحمد لله رب العالمين. PageV01P075 ms145