######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0001397 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، القاضي أبو بكر الباقلاني المالكي (المتوفى: 403هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 403 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الانتصار للقرآن #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0001397 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-1397 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/1397 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. محمد عصام القضاة #META# 041.EdNUMBER :: الأولى 1422 هـ - 2001 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفتح - عمان، دار ابن حزم - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ### | المقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله ذي القدرة والجلال والعز والسلطان والطول والامتنان منزل # الفرقان، والناسخ بما أودعه من البيان وتفصيل الحلال والحرام ما سلف من # الشرائع والأحكام، والضامن للرسول عليه السلام حفظه وحراسته من الناس أهل ~~الكفر والبهتان ومطاعن ذي الجهل والشنآن، فقال جل ثناؤه: (إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون (9) . # وقال سبحانه: (إن علينا جمعه وقرآنه (17) . # وقال فيه تعالى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم ~~حميد (42) . # وجعله مهيمنا على الكتب، وقال عز وجل: (الحمد لله الذي أنزل على عبده ~~الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) # وجعله بما فيه من عجيب نظمه وجزالة لفظه وبديع وصفه وخروجه عن جميع أوزان ~~كلام العرب ونظومه، آية لرسوله ودلالة قاهرة وحجة ظاهرة لنبوته، وفطر الخلق ~~على القصور عن مقابلته، وبالغ في تعريفهم بالعجز عن معارضة # PageV01P053 # سورة من مثله، وحسم بعظيم بلاغته وأنواع فصاحته أطماع الملحدين # والمنحرفين في تكلف نظيره والتمكن من الإتيان بشبهه وعديله، وأخبر أنه # ليس من بحار كلام المخلوقين ولا شبه ما أضافوه إليه من أساطير الأولين # وتلفيق المتكلمين ونمط كلام الشعراء والمترسلين، فقال عز وجل في نص # التلاوة: (فأتوا بعشر سور مثله) ، ثم قال تعالى: (فأتوا بسورة من مثله) ، ~~ثم قال جل وعز: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ~~لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) . # وقال سبحانه: (وإنه لذكر لك ولقومك) ، يقول إنه لشرف لك # ولقومك، وقال تعالى: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ~~(103) . # ثم نبه تبارك وتعالى إلى أن مجيء القرآن من مثله خرق للعادة ونقض # لما عليه تركيب الطبيعة مع علم القوم بنشوه وتصرفه في ظعنه ومقامه، فقال # جل اسمه: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون (48) . # وقال عز وجل: (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت ~~لديهم إذ يختصمون (44) . # وقال تعالى: (وما كنت بجانب الغربي ms001 إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من ~~الشاهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل ~~مدين) . # وقال عز وجل في قصة نوح: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها ~~أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) . # فنبه ونص وبين في نفس التلاوة على أنه إنما علم ذلك وتلقاه من قبل # وحيه إليه به، ثم أمر بالرجوع عند التنازع إليه، والاقتباس منه، والعمل # بموجبه، والمصير إلى محكمه، والتسليم لمتشابهه علما منه بأنه تعالى # PageV01P054 # متولي لحفظه وحياطته، وعرفنا أنه ما فرط فيه من شيء، وأنه تبيان لكل # شيء، فقال عز وجل: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) . # أي إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقال جل ~~ثناؤه: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) . # وقال تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) . # وقال جل ذكره: (تبيانا لكل شيء) . # وقال سبحانه: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) . # في نظائر لهذه الآيات أخبر فيها عن حفظه لكتابه وحراسته، والأمر بالرجوع ~~إليه والعمل عليه، وتشريفه على سائر الكتب، وشدة تعظيمه له، وأنه محفوظ ~~مصون من كيد الزائغين وتحريف المبطلين، فالحمد لله الذي هدانا بنور كتابه ~~وأرشدنا لتصديقه ووفقنا لاتباع متضمنه، والتمسك بمعالمه والنقض لمطامع ~~القادحين في تنزيله، والكشف عن شبه الملحدين في تأويله، وصلى الله على ~~رسوله محمد القائم بما كلفه من أدائه، والمناصح المجتهد فيما # نصب له من كشف غامضه وتبيانه، وعلى السلف الصالح من أوليائه الذين # جعلهم شهداء على عباده وخلفاء نبيه وورثة علمه وحفاظ كتابه، والذابين # عن دينه، والداعين إلى سبيله، والقائمين بحقه، والحافظين لعهده، وإياه # جل ثناؤه نسأل، وإليه نرغب في التوفيق، لما ألزمناه من موالاتهم. # والاقتداء لآثارهم، وسلوك سبيلهم، والمضي على نهجهم، ويجنبنا الغض # من أقدارهم، والطعن على أماناتهم وآرائهم. # PageV01P055 # أما بعد: # فقد وقفت - تولى الله عصمتكم، وأحسن هدايتكم وتوفيقكم - على ما # ذكرتموه من شدة حاجتكم إلى الكلام في نقل القرآن، وإقامة ms002 البرهان على # استفاضة أمره وإحاطة السلف بعلمه، وانقطاع العذر في نقله وقيام الحجة # على الخلق به، وإبطال ما يدعيه أهل الضلال، من تحريفه وتغييره ودخول # الخلل فيه، وذهاب شيء كثير منه، وزيادة أمور فيه، وما يدعيه أهل الإلحاد # وشيعتهم من منتحلي الإسلام، من تناقض كثير منه، وخلو بعضه من # الفائدة، وكونه غير متناسب، وما ذكروه من فساد النظم، ودخول اللحن # فيه، وركاكة التكرار، وقلة البيان، وتأخر المقدم، وتقديم المؤخر، إلى غير # ذلك من وجوه مطاعنهم، وذكر جمل مما روي من الحروف الزائدة. # والقراءات المخالفة لمصحف الجماعة، والإبانة عن وهاء نقل ذلك # وضعفه، وأن الحجة لم تقم بشيء منه، وعرفت ما وصفتموه من كثرة # استطراد الضعفاء بتمويههم وعظم موقع الاستبصار والانتفاع ببعض # شبههم، ونحن بحول الله وعونه نأتي في ذلك بجمل تزيل الريب والشبهة. # وتوقف على الواضحة، ونبدأ بالكلام في نقل القرآن وقيام الحجة به. # ووصف توفر همم الأمة على نقله وحياطته، ثم نذكر ابتداء أبي بكر رضي # الله عنه لجمعه على ما أنزل عليه بعد تفرقه في المواضع التي كتب فيها. # وفي صدور خلق حفظوا جميعه، وخلق لم يحيطوا بحفظ جميعه، واتباع # عمر رضي الله عنه والجماعة له على ذلك، وصوابه فيما صنعه، وسبقه إلى # الفضيلة به، والسبب الموجب لذلك، ثم نذكر جمع عثمان رضي الله عنه # الناس على مصحف واحد، وحرف زيد بن ثابت، ونبين أنه لم يقصد في # ذلك قصد أبي بكر في جمع القرآن في صحيفة واحدة على ترتيب ما أوحي # PageV01P056 # به، إذ كان ذلك أمرا قد استقر وفرغ منه قبل أيامه، ونبين صواب عثمان # رضي الله عنه في جمع الناس على حرف واحد، وحظره ومنعه لما عداه من # القراءات، وإن الواجب على كافة الناس اتباعه، وحرام عليهم بعده قراءة # القرآن بالأحرف والقراءات التي حظرها عثمان ومنع منها، وأن له أخذ # المصاحف المخالفة لمصحفه، ومطالبة الناس بها، ومنعهم من نشرها # والنظر فيها، ونذكر ما يتعلق به من ادعاء نقصان القرآن وتغيير نظمه ~~وتحريفه من الرويات الشاذة الباطلة ms003 عن عمر وعثمان وعلي وأبي وعبد الله بن # مسعود، وما يرويه قوم من الرافضة في ذلك عن أهل البيت خاصة، ونكشف عن كذب ~~هذه الروايات، ونبين أيضا ما خالف عبد الله بن مسعود عثمان والجماعة، وهل ~~دار ذلك على جهة التخطئة ونسبته إياهم إلى زيادة فيه أو نقصان منه أو تغيير ~~لنظمه وما أنزل عليه، أو التصويب لما فعلوه، وإن # استجاز بعد ذلك قرآنه والتمسك بحرفه، ونذكر ما شجر بينه وبين عثمان # رضي الله عنه، ونصف رجوعه إلى مذهب الجماعة وخنوعه لعثمان وقدر ما # نقمه من أمر زيد بن ثابت وعنف عليه وعلى الجماعة لأجله، ثم نبين أن # القران معجزة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ودلالة على صدقه، وشاهد ~~لنبوته، ثم نبين أن القرآن نزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف، ونوضح ما هذه ~~السبعة أحرف، والروايات الواردة فيها وجنس اختلافها، ونذكر خلاف الناس في ~~تأويلها. # ونفصل من ذلك ما ليس بصواب، وندل على صحة ما نرغب فيه ونجتبيه. # ونذكر حال قراءات القراء السبعة، وهل قراءاتهم هي السبعة أحرف التي # أنزل القرآن بها، أو بعضها وهل هم بأسرهم متبعون لمصحف عثمان وحرف # زيد أو مختلفون في ذلك وقارئون أو بعضهم بغير قراءة الجماعة، ونصف # جملا من مطاعن الملحدين وأتباعهم من الرافضة في كتاب الله عز وجل، # PageV01P057 # ونكشف عن تمويه الفريقين بما يوضح الحق، ونذكر في كل فصل من هذه # الفصول بمشيئة الله وتوفيقه ما فيه بلاغ للمهتدين وشفاء وتبصرة ~~للمسترشدين # توخيا لطاعة الله وتوفيقه عز وجل ورغبة في جزيل ثوابه، وما توفيقنا إلا ~~بالله وهو المستعان. # PageV01P058 ### | تمهيد # واعلموا رحمكم الله أن معرفة صواب القول في هذه الفصول والأبواب # مما تعم الحاجة إليه، إذ كان أصل الدين وأسه، وكان مما شهد الكتاب # ببطلانه وجب إلغاؤه واطراحه، وما أيده ودل على صحته لزم الإذعان له # وإثباته، ولأن بالمتكلمين والفقهاء وقراء القرآن وأهل التفسير والمعاني ~~ألم # فاقة إلى الوقوف على حقيقة القول في هذه الفصول ومعرفة الصواب منها. # لكثرة تخاليط أهل الضلال فيها، ms004 وقصدهم إلى إدخال الشبهة والتمويه بما # يوردونه منها، وذهاب كثير من حفاظ التنزيل والمتكلمين في التأويل عن # تحقق معرفتها، وحاجة الكل إلى تبين الحق من ذلك والعلم به، والمصير # إلى موجبه. # وقد رأيت أن نبدأ بذكر جمل ما نذهب إليه في نقل القرآن ونظمه. # وقيام الحجة به، وما يقوله المخالفون، ثم نشرع في ذلك حجاجنا ونقض # أقاويل مخالفينا وعللهم، والذي نذهب إليه في ذلك، القول بأن جميع # القرآن الذي أنزله الله عز وجل وأمرنا بإثبات رسمه، ولم ينسخه ويرفع # تلاوته بعد نزوله، هو هذا الذي بين الدفتين، الذي حواه مصحف عثمان # رضي الله عنه، وأنه لم ينقص منه شيء، ولا زيد فيه، وأن بيان الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - كان بجميعه بيانا شائعا ذائعا، وواقعا على طريقة واحدة، ~~ووجه تقوم به # الحجة، وينقطع العذر، وأن الخلف نقله عن السلف على هذه السبيل، وأنه # قد نسخ منه بعض ما كانت تلاوته مفروضة، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما # نظمه الله سبحانه، ورتبه عليه رسوله من آي السور، لم يقدم من ذلك # PageV01P059 # مؤخرا، ولا أخر منه مقدما، وأن الأمة ضبطت على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ترتيب آي كل سورة ومواضعها، وعرفت مواقعها، كما ضبطت عنه نفس القرآن ~~وذات التلاوة، وأنه قد يمكن أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد رتب ~~سوره على ما انطوى عليه مصحف عثمان، كما رتب آيات سوره، ويمكن أن يكون قد ~~وكل ذلك # إلى الأمة بعده، ولم يتول ذلك بنفسه - صلى الله عليه وسلم -، وأن هذا ~~القول الثاني أقرب وأشبه أن يكون حقا على ما سنبينه فيما بعد إن شاء الله. # وأن القرآن لم تثبت آيه على تاريخ نزوله، بل قد قدم فيه ما تأخر # إنزاله، وأخر بعض ما تقدم نزوله على ما وقف عليه الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - من ذلك، وأن القرآن منزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف وحق وصواب، وأن ~~الله تعالى قد خير القرأة في جميعها، وصوبهم إذا قرؤوا بكل شيء ms005 منها، كما ~~روي ذلك في الآيات التي سنقصها، ونبين قيام الحجة بنقلها، وظهور أمرها ~~وانتشارها. # وأن هذه الأحرف السبعة المختلف معانيها تارة وألفاظها أخرى مع # اتفاق المعنى، ليس منها متضاد ولا متنافي المعنى ولا أحاله، وفساد يمتنع # على الله جل ثناؤه، وأنه لم يقم علينا حجة في أنها مجتمعة في سورة واحدة # من القرآن، بل هي متفرقة فيه، وأننا لا ندري أيها كان آخر العرض، وأن # آخر العرض كان بعضها دون سائرها، وأن جميع هذه الأحرف السبعة قد # كانت ظهرت واستفاضت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وضبطتها الأمة عنه، ~~ولم يكن شيء منها مشكوكا فيه، ولا مرتابا به، وأن عثمان والجماعة قد أثبتت ~~جميع تلك الأحرف في المصاحف، وأخبرت بصحتها، وخبرت الناس فيها، كما صنع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن من هذه الأحرف حرف أبي، وحرف عبد ~~الله بن مسعود، وأن عثمان والجماعة إنما ألغت وطرحت أحرفا، وقرأت أحرفا غير # PageV01P060 # معروفة ولا ثابتة، بل منقولة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نقل ~~الآحاد التي لا يجوز إثبات قرآن وقراءات بها. # وأن معنى إضافة كل حرف مما أنزله الله عز وجل إلى أبى، وعبد الله. # وزيد، وفلان وفلان، أنه كان أضيف إليه إذا أكثر قراءة وإقراء به، وملازمة ~~له وميلا إليه، فقط لا غير، وأنه لا يجوز إثبات قرآن أو قراءة وحرف يقال إن ~~القرآن أنزل عليه بخبر الواحد الذي لم تقم به الحجة، على أن يثبت ذلك به ~~حكما، لا علما وقطعا، لما سنوضحه - إن شاء الله -. # وأن الحجة لم تقم علينا بأن القرآن منزل بلغة قريش فقط دون جميع # العرب، وإن كان معظمه منزلا بلغة قريش. # بسم الله الرحمن الرحيم # وأن (بسم الله الرحمن الرحيم) . قرآن منزل من سورة # النمل، وأنها ليست آية من الحمد ولا فاتحة لكل سورة، ولا من جملة # كل سورة، ولا آية فاصلة بين السورتين، ومفردة من جميعها. # وأن المعوذتين قرآن منزل من عند الله تبارك وتعالى، وأن استفاضة # نقلهما وإثباتهما عن ms006 الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة استفاضة جميع ~~سور القرآن، وأن عبد الله بن مسعود لم يقل قط إنهما ليستا بقرآن، ولا حفظ ~~عليه في ذلك حرف واحد، وإنما حكهما وأسقطهما من مصحفه لعلل وتأويلات ~~سنذكرها فيما بعد إن شاء الله، وأنه لا يجوز أن يضاف إلى عبد الله أو أبي ~~بن كعب أو زيد أو عثمان أو علي أو واحد من ولده وعترته حجد آية أو حرف من ~~كتاب الله عز وجل، أو تغييره وقراءته على غير الوجه المرسوم في مصحف # PageV01P061 # الجماعة بأخبار الآحاد وما لم يبلغ منها حد التواتر والانتشار، وأن ذلك ~~لا # يحل ولا يسع بل لا يصلح عندنا إضافة ذلك إلى أدنى المؤمنين منزلة من # أهل عصرنا بخبر الواحد، وما لا يوجب العلم، فضلا عن إضافة ذلك إلى # جلة الصحابة والأماثل، وتعليقه عليهم بما دون التواتر والانتشار من ~~الأخبار # التي لم تقم الحجة بأنه قرآن منزل، بل هو ضرب من الدعاء، وأنه لو كان # قرآنا لنقل نقل القرآن، وحصل العلم بصحته، وأنه يمكن أن يكون منه كلاما ~~كان قرآنا منزلا ثم نسخ وأبيح الدعاء به وخلط بكلام ليس بقرآن. # وأن أبيا لم يحفظ عليه قط أنه قال: إن كلام العرب قرآن منزل، وإنما # روي أنه أثبته في مصحفه، وقد يثبت في مصحفه ما ليس بقرآن، من دعاء # وتأويل مع تنزيل، وغير ذلك لوجوه من التأويل سنبينها فيما بعد إن شاء ~~الله. # وأن أبيا وعبد الله بن مسعود لم يطعنا قط على مصحف عثمان # والجماعة، ولا نسباه إلى أن فيه تحريفا أو تغييرا وتبديلا، وزيادة ~~ونقصانا. # أو مخالفة نظم وترتيب، بل اعتقدا صحته، وأخبرا بسلامته، وإن رأيا جواز # القراءة بجميع ما انطوى عليه مصحفهما، من غير قدع في مصحف # الجماعة. # وأن عبد الله بن أبي سرح وغيره من كتبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد ~~يجوز أن تسبق يده وقلمه ولسانه إلى تلاوة آية وكلمة وآيتين مما نزل على ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - من إظهار الرسول ms007 لذلك، إذا كان ما تقدم من ~~إملائه يقتضي ما تسبق إليه يد # الكاتب ولسانه، وأنه لم يجز أن يتفق مثل ذلك في السورة بأسرها، وما هو # معجز وآية للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأن موافقة الكاتب وسبقه إلى ~~مثل هذا يجعل الحدس وصحيح العلم بما يقتضيه الكلام لا يوجب الشك في صدق ~~الرسول، والارتياب بنبوته، والقول بأنه يثبت القرآن برأيه، فكما يتفق له # PageV01P062 # على ما روي من أن ابن أبي سرح ظن ذلك وتوهمه، فإن ما روي من أنه # سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله: "تلك الغرانيق العلى وإن ~~شفاعتهم لترتجى غير مقطوع على أنه مسموع منه، وأنه وإن كان مسموعا منه فإنه ~~يجب أن يكون كلامه على وجه التقريع لهم والتفنيد لرأيهم، واعتقادهم في ~~أصنامهم، وأنه لا يمكن على قول بعض الناس أن يكون قد كان قرآنا منزلا ثم ~~نسخ لموضع الشبهة به، وذهاب قريش وقوم من الناس عن أنه إنما تنزل على وجه ~~الاستفهام لهم، والتعجب من قولهم، وأنه قد يمكن أيضا أن يكون بعض قريش قال ~~ذلك عقيب تلاوة النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه التعظيم للأصنام ~~فاختلط الكلام، وظن من سمعه ولم يعرف الحال أنه من تلاوة، # PageV01P063 # الرسول، وأنه لا يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك ~~ساهيا ولا ناسيا، سوى كان من كلامه أو مما أنزل عليه ونسخ، كما سنوضحه إن ~~شاء الله. # وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجوز منه ويصح أن ينسى شيئا من ~~القرآن بعد تبليغه، وسيذكره ويستثبته من حفاظ أمته، وأنه يجوز أن يسهو عن ~~بعض عباداته التي أمر بها، ويوقعها على غير الوجه الذي أخذ عليه، مثل ما ~~كان منه من السهو في الصلاة، وأن ذلك أجمع غير قادح في نبوته ولا مقتضي ~~الارتياب به، ولا حاط له عن رتبة الفضل والكمال. # وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سن جمع القرآن وكتابته وأمر بذلك ~~وأملاه على كتبته، وأنه لم يمت - صلى ms008 الله عليه وسلم - حتى حفظ جميع القرآن ~~جماعة من أصحابه، وحفظ الباقون منهم سائره متفرقا، وعرفوا مواقعه ومواضعه ~~على وجه ما يعرف ذلك أحد ممن ليس من الحفاظ لجميع القرآن. # وأن أبا بكر وعمر وزيد بن ثابت وجماعة الأمة أصابوا في جمع القرآن # بين اللوحين، وتحصينه وإحرازه وصيانته، وجروا في كتبته على سنن # الرسول وستته - صلى الله عليه وسلم - تسليما، وأنهم لم يثبتوا منه شيئا ~~غير معروف، ولا ما تقم الحجة به، ولا أجمعوا في العلم بصحة شيء منه وثبوته ~~إلى شهادة الواحد والاثنين ومن جرى مجراهما، وإن كانوا قد أشهدوا على ~~النسخة التي جمعوها على وجه الاحتياط من الغلط، وطريق الحكم والإنفاذ. # وأن أبا بكر رضي الله عنه قد أحسن وأصاب، ووفق لفضل عظيم في # جمع الناس على مصحف واحد وقراءات محصورة، والمنع في غير ذلك. # وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعترته، وشيعته متبعون لرأي أبي بكر # وعثمان، في جمع القرآن، وأن عليا أخبر بصواب ذلك نطقا، وشهد به، # PageV01P064 # وأن عثمان لم يقصد قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما # قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروضة على الرسول، وإلغاء ما لم # يجر مجرى ذلك، وأخذهم بمصحف عثمان لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا # تأويل أثبت مع تنزيل، ومنسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه، ومفروض # قراءته وحفظه، وتسليم ما في أيدي الناس من ذلك، لما فيه من التخليط # والفساد، وخشية دخول الشبهة على من يأتي من بعد، وأنه لم يسقط شيئا # من القراءات الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا منع منها، ~~وحظرها. # وأن جميع من روي عنه من الصحابة قول في تغيير القرآن أو فساد # نظمه، أو ذهاب شيء منه، أو كون بعضه ملحونا أو أن إعرابه وتقويمه # مأخوذ من بعض الأمة، فإن صحت الرواية إما أن أن تكون باطلة متكذبة، أو ~~منصرفة، أو لما سنذكره ونبينه من التأويل الذي لا يعود بجحده أو بشكه في شي ~~ءمما في مصحف الجماعة. ms009 # وأنه لا مجال لإعمال الرأي والقياس في إثبات قرآن، أو قراءة وحرف # يقرأ القرآن عليه، وأن ذلك الجمع سنة متبعة ورواية مأثورة، وأن هذا هو # باب إثبات القرآن والقراءات وطريقه الذي لا مصرف عنه ولا معدل، وأن # من أعمل الرأي في ذلك فقد ضل وأخطا الحق، وتنكبه. # وأن القراء السبع متبعون في جميع قراءاتهم الثابتة عنهم، التي لا شكوك # فيها ولا أنكرت عليهم بل سوغها المسلمون، وأجازوها لمصحف الجماعة. # وقارئون بما أنزل الله جل ثناؤه، وأن ما عدا ذلك مقطوع على إبطاله وفساده # وممنوع من إطلاقه والقراءة به، وأنه لا يجوز ولا يسوغ القراءة على المعنى # دون اتباع لفظ التنزيل، وإيراده على وجهه، وسببه الذي أنزل عليه، وأداه # الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # PageV01P065 # وأنه لا يمكن أن يكون الحجاج بن يوسف أو غيره من الأمراء، أو # من الملوك أو من الخلفاء قد أسقط شيئا من مصحف عثمان رضي الله عنه أو # زاد فيه أحرفا، أو غير شيئا مما تضمنه من قراءة أو خط أو رسم، فلم يظهر # ولم ينتشر انتشارا تقوم به الحجة وينقطع به العذر، ويعرف بعينه، ويضاف # إلى فاعله. وأنه لا يجوز لأحد أن يقرأ القرآن بخلاف جميع الأحرف والوجوه ~~التي أنزل عليها، وإن كان ما قرأه لغة للعرب، أو لبعضها، وأنه ليس في # المتكلمين بلغة العرب من لا يطوع لسانه ويجري ببعض الأحرف والوجوه # التي أنزل القرآن عليها، وأنه لا يجوز القراءة بالفارسية، وأنه يجوز ويحل # للألثغ والألكن والتمتام أن يقرأ القرآن على وجه ما ينطق به لسانه. # وإن كنا نعلم أن الله جل ثناؤه لم ينزله بلفظ الألكن والتمتام. # وأن القرآن آية للرسول - صلى الله عليه وسلم - ومعجز شاهد بصدقه، دال على ~~نبوته من ثلاثة أوجه: # أحدها: ما فيه من عجيب النظم، وبديع الوزن والرصف المخالف # لجميع أوزان العرب ونظومه، وأنه لا قدرة لأحد من الخلق على تأليف # مثله، ونظم مثل سورة منه، أو آية من طوال سوره أو من قصار سوره، ولو كان ~~في فصاحة ms010 يعرب وقحطان ومعد بن عدنان. # PageV01P066 # والوجه الآخر ما تضمنه من أخبار الغيوب، وذكر ما سيحدث ويكون. # والوجه الثالث: ما انطوى عليه من شرح أقاصيص الأولين وسنن # النبيين، وأحوال الأمم المتقدمين التي لا يعرفها ولا يحيط بها إلا من ~~أكثر # لقاء الأمم، ودراسة الكتب، وصحبة الأحبار وحملة الآثار، مع العلم بنشوء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في مقامه وظعنه، وأنه لم يكن يتلو قبل ذلك ~~كتابا ولا يخط بيمينه، ولا ممن يعرف مداخلة أهل السبر وملابسات أصحاب ~~الآثار وحفاظ الكتب والأخبار. # هذه جمل ما نحتاج إلى الوقوف عليه من قولنا في هذه الفصول # والأبواب، وقد قال الملحدون وأشياعهم من الطاعنين على النبوة والتوحيد # أن القرآن مدخول، وأنه غير ثابت ولا مضبوط، وأن منه ما يعلم أن محمدا # - صلى الله عليه وسلم - يأتي به، وفيه ما لا يعرف ذلك من حاله، وأن فيه ~~لحنا وتناقضا وفسادا كثيرا، وما لا معنى له، ولا يحسن التكلم به، وتعلقوا ~~في ذلك بأمور سنذكر عمدها، ونأتي على نقضها والكشف عن فسادها. # وزعم قوم من الرافضة أن القرآن قد بدل وغير وخولف بين نظمه # وترتيبه، وأحيل عما أنزل إليه، وقرئ على وجه غير ثابت عن الرسول. # وأنه قد زيد فيه ونقص منه، وقال بعضهم: قد نقص منه ولم يزد فيه، وأن # لو قرئ كما أنزل لوجد فيه لعن قوم من قريش وصحابة الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - بأسمائهم وأنسابهم، ولوجد فيه أسماء الأئمة الاثني عشر منصوصا ~~عليها، كما نص على ذكر الرسول جمييه وغيره من الأنبياء. # وأننا لا ندري لعل الذي في أيدينا من القرآن أقل من عشر ما أنزله الله # تبارك وتعالى، وأن الداجن والغنم قد أكل كثيرا مما كان أنزل وأوجب على # الأمة حفظه وضبطه، وأن علم ذلك ومعرفته عند الإمام الوافر المعصوم، # PageV01P067 # وأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وجماعة الأمة أخطؤوا في جمع القرآن # وجعله بين لوحين، وأنهم لم يرجعوا في ذلك إلى ثقة ويقين، بل إنما # تلقطوه وأخذوه من الواحد والاثنين، ومن ms011 الرقاع واللخاف، واستشهدوا # على ذلك الواحد والاثنين ومن لا تقوم الحجة بقوله وشهادته، وأن هذا هو # سبب اختلاف المصاحف والقراءات، وذهاب أهل الحجاز إلى حرف. # وأهل الشام إلى غيره، وأهل العراق إلى خلاف ذلك. # ويحكى أن قوما قالوا: إن القرآن موجود الذات غير مزيد فيه ولا # منقوص منه، ولا متلو على غير الوجوه والحروف التي أنزل عليها، غير أن # نظمه وترتيبه ليس على ما أنزل وركب، فنفس القرآن صحيح ثابت، وتأليفه ~~ونظمه هو الفاسد، ولأجل فساد نظمه اختلف الناس في الناسخ منه # والمنسوخ، والمجمل المفسر، والعام والخاص، قالوا: ولو قد وضع كل # شيء منه في موضعه وضم إلى ما قرن به، لعرفت معانيه، وزال الاختلاف # فيه، لأنه منزل بلسان العرب، وبأفصح لغة، وأبين لسان منها، فمن أين # يأتيه الريب والاختلاف لو رتب على سنته ونظم على وجهه؟ ! # قالوا: إلا أن أبا بكر وعثمان رضي الله عنهما والجماعة قد أصابوا في # جمعه على ما هو اليوم عليه، لأن ذلك كان جهد رأيهم وغاية وسعهم # وطاقتهم، ومنتهى ما عندهم من الحزم والاحتياط، لأن القرآن لم يكن # محفوظا على تاريخ نزوله وترتيبه فيثبته القوم كذلك، وإنما كان متفرقا في # الجماعة، ومحفوظا لهم على حسب طاقتهم وما ييسر لهم، فلم يمكنهم مع # ذلك غير الذي صنعوه، فقد أصابوا فيما حاطوه من دخول خلل تحريف أكثر # مما لحقه ودخل فيه، وكان الرأي معهم، والصواب في أيديهم حيث حاطوه # وحصنوه من تزايد الغلط فيه وإيجاد السبيل إلى الإلباس فيه، وهذا القول # PageV01P068 # ليس بمحفوظ عن أحد من السلف، ولا من التابعين، ولا من الفقهاء # المعدودين، ولا من أئمة أهل القرآن والحديث، بل مذهب جميع من ذكرناه # صد هذا القول ونقضه، وأن القوم اتبعوا في نظمه وترتيبه ما سن وشرع. # فيه، وحفظ من ضبط عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # وقال خلق من المعتزلة وشذوذ من ضعفة القراء والمنتسبين إلى # الحديث، لا يعرف لهم في ذلك مصنف ولا ناصر مذكور يرجع إليه: إن # عثمان جمع الناس على بعض ms012 الأحرف التي أنزلها الله تعالى ومنع من باقيها # وحظر، لما حدث من الاختلاف والفتن، وكثرة التشاجر بين قراء القرآن. # وأنه وفق في ذلك ورفق به وأقام الحق، لأن الذي جمعهم عليه كان الغرض. # وقال منهم قائلون: إنه لم يحظر ما خالف حرفه ولا منع منه، ولكن استنزل # الناس عنه بطيب القلوب وكثرة الترغيب في حرفه، وتنبيهه لهم على أنه # أحوط الأمور وأولاها، فانقادوا له مذعنين، ورغبوا عن ما عدا حرفه. # فضعف لذلك ووهى نقله وزالت الحجة به لا عن إكراه وقع في الأصل. # وقال قوم من الفقهاء والمتكلمين: يجوز إثبات قرآن وقراءة حكما لا # علما بخبر الواحد دون الاستفاضة، وكره ذلك أهل الحق وامتنعوا منه، وقال # قوأ من المتكلمين إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد في إثبات القرآن وأوجه # وأحرف إذا كانت تلك الأوجه صوابا في اللغة العربية ومما يسوغ التكلم بها. # ولم تقم حجة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ تلك المواضع بخلاف ~~موجب رأي القايسين، واجتهاد المجتهدين، وأبا ذلك أهل الحق وأنكروه، وخطأوا ~~من قال بذلك وصار إليه، واحتجوا على فساده بما سنوضحه فيما بعد إن شاء ~~الله. # وهذه جملة ما يجب الوقوف عليه، وسنأتي منه عند تفصيل الكلام # وترتيب الأبواب ما يأتي على البقية إن شاء الله. # PageV01P069 ### | ### | فصل # فيما اعترض به أهل الفساد على مصحف عثمان ورد شبههم # قال جميع من دان بما وصفناه في مصحف عثمان رحمة الله عليه: إننا # وجدنا الأمة مختلفة في نقله اختلافا شديدا بشيعا، حتى صرنا لعظيم ~~اختلافهم # لا نقف على صحيحه من فاسده، ولا نعرف الزائد منه ولا الناقص، ولا # نعرف موضع كل شيء منه الذي أنزل فيه وما قبله وما يليه، وقال قوم منهم: ~~إنه لا يعرف الناقص منه إلا الإمام الذي أودع علمه وشيعته، وهذا قول من ~~أنكر الزيادة فيه وأقر بنفصانه، قالوا: لأن أبا بكر وشيعته هم الذين تولوا ~~نظمه وترتيبه وجعله سورا أو كثير منه وقدموا منه المؤخر، وأخروا المقدم، ~~ووضعوا كثيرا منه في غير حقه، وأزالوه ms013 عن موضعه الذي هو أولى به، قالوا: ~~والحجة لذلك أنه قد علم أن المصحف الذي في أيدي الناس إنما هو مصحف عثمان ~~الذي جمعه، وجمع بعضه من قبله أبو بكر وعمر، وإنما # كانوا يجمعونه - زعموا - ويتبينونه بشهادة اثنين إذا شهدا على أنه قرآن. # وخبر الاثنين وشهادتهما لا توجب علما ولا تقطع عذرا. # قالوا: وقد قامت الأدلة القاطعة على نقصانه وفساد كثير من نظمه، وكونه # غير متناسب ولا متلائم، قالوا: وما نجده من اختلاف القرأة السبعة، وأصحاب ~~الشواذ، وما روي وظهر من اختلاف سلفهم لزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، ~~وأبي، وما خرجوا إليه من المنافرة والمشاجرة وإعظام القول، # PageV01P071 # وإدخال بعضهم في القرآن ما ليس منه، كأبي وإدخاله دعاء القنوت في # مصحفه، وعبد الله بن مسعود وإلغائه الحمد والمعوذتين من مصحفه. # وإنكاره أن يكون من القرآن: أوضح دليل على ضعف نقل القرآن ووهائه. # ، وأن الحجة غير قائمة به وأن القوم إنما جمعوه ورتبوه على آرائهم وما # استصوبوه بغالب ظنهم واجتهادهم، وأنهم يقدمون بذلك بين يدي منزله # الحكيم العليم، وأن القرأة مثل عبد الله بن مسعود وأبي وزيد بن ثابت ومن # أخذ عنهم إلى القراء السبعة إنما قرؤوا القرآن بحسب اجتهادهم وما قوي في # ظنهم، وما استحسنوه ورأوا أنه أولى وأشبه من غيره، فلذلك صار أهل مكة إلى ~~قراءة، وأهل الكوفة إلى أخرى وأهل البصرة إلى غيرها، وأهل الشام إلى خلاف ~~ما عليه سواهم من أهل الأمصار. # قال أهل الإلحاد: فكل هذا يدل على اضطراب نقل القرآن وضعفه وأن # الحجة غير قائمة به، وإن أحسن أحواله أنه لا يعرف ما أتى به محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - منه، وأيه على ما أتي به من غيره، ولا يوقف على صحيحه من ~~فاسده، وناقصه من زائده، وموضعه الذي أنزل فيه من غيره. # وقال كثير من الشيعة إن الأمر في هذا أجمع على ما قاله الملحدون. # غير أننا نعلم أن علم ذلك أجمع عند الإمام المعصوم العالم المنتظر، وأنه # حافظ له على سبيل ما ms014 نزل، وأنه يجب الرجوع إليه في معرفة هذا الباب. # وقال فريق من الرافضة: إن جميع هذه المطاعن على القرآن والصحابة # صحيحة، إلا ما ادعي من الزيادة في القرآن فإنه لا أصل - لذلك، وأنه لا # يمكن أن يزاد فيه شيء من مجازه ونظمه، قالوا جميعا: وإنما تورط سلف # PageV01P072 # هذه الأمة وخلفها في هذا الجهل والاختلاف والحيرة والتضييع لما قهروا # وتآمروا وتجبروا وغصبوا الإمام حقه وأزالوه عن رتبته، وخالفوا ونقضوا # عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم، ولو قد كانوا ردوا الأمر إلى ~~أهله وأقروه في نصابه وسلموه لمستحقه ووقفوا حيث رتبوا، وأخذوا علم ما ~~كلفوا من بابه ومعدنه وعظموا من أمروا بتعظيمه والرجوع إليه والاقتباس منه: ~~لاجتمعت كلمتهم، وزال اختلافهم، ووصلوا إلى الحق الذي أمروا به وسلموا من ~~تضليل الإمام والوقوع في الجهل والضلال، فيقال لهم: أما ادعاؤكم أن علة ~~تورط الناس فيما وصفتم مخالفتهم الإمام المعصوم المنصوص لهم على إمامته ~~ووجوب اتباعه وأخذ الدين عنه والانقياد له، فإنه باطل لا أصل له، لما قد ~~أوضحناه وبيناه في كتابي "الإمامة" من بطلان النص وثبوت الاختيار، وإطباق ~~الأمة من السلف على العمل بذلك وتسليمهم الأمر إلى من عقد له جهة الاختيار، ~~وأن هذه الجملة مذهب أمير المؤمنين علي عليه السلام ودينه، والظاهر المشهور ~~عنه في أفعاله وأقواله من حيث لا سبيل إلى دفعه وإنكاره. # وأما ادعاؤكم لتخطئة الخلف والسلف في نقل القرآن، وتضييعه وإهمال # أمره وذهابهم عن علم صحيحه من فاسده، وعملهم في ترتيبه ونظمه # والحرف الذي يقرأ به على آرائهم وظنونهم من غير عمل على توقيف وخبر. # ولا حفظ لرواية وأثر، فليس الأمر في ذلك على ما ادعيتم ولا مما يذهب # تخليطكم فيه على ذي تحصيل، وأن الصدر الأول ثم من بعدهم من التابعين # وجميع المسلمين وقادتهم وحكامهم وفقهائهم في سائر الأعصار كانوا على # PageV01P073 # حالة معروفة من تعظيم شأن القرآن وإجلاله، وعظم محله من قلوبهم. # وقدره في نفوسهم، والتقرب إلى الله عز وجل بتعلمه وتعليمه، وتحصيل # أعظم الثواب والشرف بحفظه، واعتقاد ms015 انحطاط كل عالم عن رتبة الكمال # بالتقصير في حفظ جميعه، وتدبر مواقعه ومواضعه، إلى غير ذلك من كثرة # فضائله عند كافة المسلمين في كل وقت وأوان، متبع عند كل عاقل عرفهم # ، وعرف حال القرآن في نفوسهم، وحث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحضه ~~على تعليمه والتحذير من تضييعه ونسيانه، وتغليط الأمر في ذلك. من أن يظن ~~بهم التشاغل عن ضبطه والتفريط في حفظه، وقلة الاحتفال به، وإثبات حفظ غيره، ~~والعدول عنه إلى سواه. # وكيف يتفق ذلك لهم أو يمكن في العادة وقوعه منهم والقرآن عندهم # كتاب ربهم، وأس شريعتهم، وينبوع علومهم، ومجموع فضيلتهم. # والمحتوي على أحكامهم وتفصيل دينهم، وهو مفزعهم ومعقلهم، والقاضي # عليهم والفاصل بينهم، ومدار أمرهم وقطب دينهم، الذي لا شيء عندهم # أعظم منه شأنا، ولا أحق بالحياطة والحفظ والتحصين من كل سبب يوهنه. # وكيف لا يكون ذلك كذلك عندهم وقد سمعوا الله جل ثناؤه يقول: (وما اختلفتم ~~فيه من شيء فحكمه إلى الله) . # ويقول تعالى (فردوه إلى الله والرسول) . # ويقول سبحانه: (تبيانا لكل شيء) . # و (ما فرطنا فى الكتاب) . ويقول تعالى: (بيان للناس) ، ويقول جل وعز: ~~(أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) . # ويقول جل اسمه: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم ~~حميد (42) . # و (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) . # ويقول جل ثناؤه: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) . # PageV01P074 # ويقول تعالى: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله) . # ويقول تعالى ذكره: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم ~~به الموتى بل لله الأمر جميعا) . # ويقول: (حكمة بالغة فما تغن النذر (5) . # ويقول سبحانه: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله) . # ويقول: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا) . # يمكن أن يتفق من مثل الصدر الأول مع شدة تبينهم وتشددهم وتبسطهم # وتمسكهم بالواجب عليهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم في نصرة دينهم. # والجهاد عن نبيهم، وقتل ms016 الآباء والأبناء في طاعته، وفرض الاتباع له، أن # يغفلوا عن حفظ كتاب الله وضبطه، مع ما قد سمعوه من تعظيم الله سبحانه # لشأن كتابه وإجلاله، والأمر بالرد إليه والإذعان لحكمه، وهم قد علموا مع # ذلك أنه أس دينهم، وأصل شريعتهم، وأن الصحيح ما نطق بصحته والباطل # ما أفصح بفساده. # وهم مع هذه الحالة التي ذكرناها من حياطة الدين، وبذل النفوس # والأموال، ومفارقة الأوطان في نصرة الرسول، من ذرابة الألسن، وجودة # القرائح، وثاقب الأفهام، وسهولة الحفظ عليهم، ولصوق الكلام بقلوبهم. # على حال لم يكن عليها أحد قبلهم، ولا ساواهم فيها أحد بعدهم، فإذا لم # يكن بهم من قلة الدين والتهاون بأمر رب العالمين، وشأن رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - ما يحملهم على ترك الإحفال بالقرآن، والتصغير لشأنه، ولم ~~يكونوا من سوء الإفهام وجلافة الطباع، وقلة الحفظ وتعدد الكلام، والعي ~~واللكنة، بحيث يصدهم ذلك عن حفظ كتاب ربهم، ومدار شريعتهم، فأي سبب يقتضي ~~جواز توافي هممهم ودواعيهم على ترك تحفظ القرآن وضبطه، والتشاغل # PageV01P075 # بغيره عنه، وقد علم بمستقر العادة أنه لا يجوز أن يذهب أهل كل علم # انتصبوا له، وقالوا بتعظيمه وتفضيله، ورأوا الشرف في حفظه، والنقص التام ~~بالذهاب عنه، وعن حفظ أشرف باب فيه، وضبط أعلى ضرب من ضروبه، ولا يجوز أن ~~يتفق منهم - على كثرة عددهم - ترك حفظ كلام من هو أصل ذلك العلم ومنبعه ~~والرجوع إليه فيه والتشاغل بغيره. # هذه قصة الشعراء والخطباء وأصحاب الرسائل وعلم العربية وطلب # علم العروض، والأطباء والفلاسفة، وأهل كل علم وصناعة، بها يصونونه # وعليها يعولون، في أنه لا يجوز عليهم التهاون بحفظ ما عظم قدره عندهم. # والاشتغال بما دونه، ولا حفظ كلام الجاهل عندهم والعدول عن حفظ قول # العالم المبرز، فإذا كان ذلك كذلك وكان شأن المسلمين في التدين # والتمسك بالشريعة ما وصفناه، وحال القرآن عندهم وفي نفوسهم، وقدره # في دينهم ما ذكرناه كان ذلك مانعا من ذهابهم عن حفظهم له، وتوافي # هممهم على إهمال أمره، والتشاغل بغيره. # وكل ما وصفناه من حالهم وحال ms017 القرآن من نفوسهم من أدل الأمور # على جهل من ظن بهم احتقاره وتضييعه والاشتغال بغيره عنه، وأن الغنم # والداجن أكل كثيرا منه لم يكن له أصل ولا نسخة عند غير من أكل من # عنده، وأنه لم يكن المكتوب في المصحف مما أكل ومما لم يؤكل محفوظا # في صدور كثير من الأمة بأسره، ومتفرقا عند آخرين منهبم، فإنه لو ظن # ظان أن الغنم والداجن أكل كثيرا من كتاب إقليدس، أو "المجسطي " # PageV01P076 # لبطليموس، الذي كان عند علمائهم وأصول هذا العلم منهم، فضاع # ودرس لكان جاهلا غبيا أو متجاهلا، وكذلك لو توهم متوهم أن نصف (قفا # نبك) ، (وألا هبي) ، وثلثي شعر الأعشى والنابغة، وشطر كتاب # سيبويه، وثلثي كتاب (الأم) للشافعي ومعظم موطأ مالك قد ضاع وذهب # وأكلته الغنم والدواجن من عند كل عالم بهذا الباب، وأنه لم يكن بقي منه # إلا نسخة واحدة عند رجل واحد، ولم يكن حفظ تلك النسخة عند غيره بعد أن ~~استفاض ذلك العلم وانتشر، وسمع من قائله وحفظ ودون لكان من # الجهل والتخلف والذهاب عن معرفة عادات الناس في حفظ هذه الأبواب # من العلوم بمحل من لا يستحق الكلام. # إذا كان ذلك كذلك وكانت الصحابة أشد في دينها من كل أحد، وفي # حياطته وحراسته من جميع من ذكرنا وكانوا قد مكثوا نيفا وعشرين سنة ينزل # فيهم القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويسمعونه منه ويتلقونه ~~عنه، ويعملون بمحكمه، ويسألون عن متشابهه وغامضه، ويتعظون بمواعظه، ويصيرون ~~إلى موجبه، ويعرفون أسبابه والأحوال التي نزل عليها، وهو آية نبيهم وأعظم ~~حجة له. # PageV01P077 # وقد عرفوا تحدي النبي - صلى الله عليه وسلم - للعرب أن تأتي بمثله ~~مجتمعين ومتفرقين، وأنه أعجزهم وأفحمهم، وكان شجى في حلوقهم، وأنهم تشتتت ~~آراؤهم واختلفت أقوالهم لما تحدوا أن يأتوا بمثله، ومنهم من كتبه مصحفا ~~ودونه، كأبي وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب على ما ترويه الشيعة ~~وغيرهم: # لم يجز على الصدر الأول ومن بعدهم - مع أن حالهم ما وصفناه، وحال # القرآن عندهم ما نزلناه ورتبناه ms018 - أن يهملوا أمر القرآن ويتشاغلوا عن ~~حفظه، ويقصروا عن واجبه، أو يغيروا شيئا من نظمه، أو يضعوا مكان كل شيء منه ~~غيره، وأن يتساهلوا في ذلك وهم قد ضيق عليهم هذا الباب، وأخذوا بتلاوته ~~وإقرائه على ما لقنوه وتلقوه، وشدد عليهم الأمر في هذا الباب. # فمن ظن أنه لم يكن القرآن يوم أكل الداجن بعضه إن صح هذا الخبر # عند أحد من الأمة، ولا في صدره، ولا عند أكثرهم عددا، حتى ذهب # وسقط منه شيء كثير عند كثير، فليس هو عندنا بمحل من يكلم، ولا ينتفع # بكلام مثله، لأنه بمثابة من لا يعرف الضرورات، وما عليه الفطر والعادات. # وهو إذا كان ذلك أبعد عن معرفة ما يحتاج فيه إلى لطيف بحث واستخراج. # وكيف لا يكون حال الأمة في أمر حفظ القرآن والقيام به وبتحصينه وحياطته # والمحافظة على درسه وتأمله وتعلمه وتعليمه، التقديم له على كل مهم ماس # من أمر دينه، مع الذي وصفناه مما ورد في نفس التنزيل المحفوظ من تعظيم # شأن القرآن، والأمر بتدبره والرجوع إليه، والعمل عليه، مع كثرة ما سمعوه ~~من الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحض على تعلمه وتعليمه والأمر ~~بالتفقه به، والحث على حراسته، والإكثار من تلاوته، وضمانه الثواب الجزيل ~~على قراءة كل حرف منه، وتفضيل أهل القرآن على سائر الناس، والتعظيم لشأنهم ~~والإخبار عن رفيع درجتهم عند الله، وما أعده لهم، إلى غير ذلك مما قد # PageV01P078 # تظاهرت الأخبار بذكره، وعلم في الجملة ضرورة من دين النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - الأمر به والدعاء إليه، والتفخيم لشأن القرآن وإجلال حملته نحو ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذا القرآن مأدبة الله "، و "خيركم من ~~تعلم القرآن وعلمه "، و "ليؤمكم أقرؤكم لكتاب الله ". # فلقد أخرجهم تكرر سماع هذه الأقاويل من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~إكثار وصية بعضهم لبعض بحفظ القرآن وتعلمه وتعليمه، والمحافظة عليه، ~~والتحذير من تضييعه حتى روي عنهم في ذلك أمر عظيم يطول تتبعه واقتصاصه، ~~وكيف يظن بالأمة التي حالها ما ms019 ذكرناه تضييعها لوصية النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وتوافي هممها على العدول عن حفظ القرآن على وجه ينفي عنه الخلل ~~والتضييع، لولا الجهل وقلة الدين. # وقد روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لله من ~~خلقه أهلون، فقيل: من هم يا رسول الله، قال: أهل القرآن، هم أهل الله ~~وخاصته "، وروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية لم يكتب من الغافلين، ~~ومن قرأ # PageV01P079 # ثلاثمائة آية لم يحاجه القرآن "، وروى الضخاك عن عبد الله بن عباس # قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أشرف أمتي حملة القرآن ~~وأصحاب الليل". # وروي بهذا الإسناد أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ثلاثة ~~لا يكترثون بالحساب، ولا تفزعهم الصيحة، ولا يحزنهم الفزع الأكبر: حامل ~~القرآن، المؤدي إلى الله بما فيه، يقدم على ربه سيدا شريفا حتى يرافق ~~المرسلين، ومؤذن أذن سبع سنين لا يأخذ على أذانه طعما، وعبد مملوك أحسن ~~عبادة ربه ونصح لسيدة، أو قال: لمواليه ". # وروت عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: قال رسول الله " - ~~صلى الله عليه وسلم -: "قراءة القرآن في صلاة أفضل من قراءة القرآن في غير ~~صلاة، وقراءة القرآن أفضل من التسبيح والتكبير، والتسبيح والتكبير أفضل من ~~الصدقة، والصدقة أفضل من الصوم، والصوم جنة من النار"، وهذا تفضيل من النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لقراءة القرآن # على سائر أعمال البر. # وروى عبد الله بن مسعود عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كان ~~الكتاب الأول نزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب ~~وعلى سبعة أحرف، زاجر وآمر، وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال، # PageV01P080 # فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، واعملوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم. # واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كل # من عند ربنا"، وفي هذا الخبر من الحث على حفظه والأمر بالنزول عند # حكمه ms020 والقطع على موجبه ما لاخفاء به على أحد. # وروى عاصم بن ضمرة عن علي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من قرأ القرآن ظاهرا أدخله الله الجنة مع عشرة من أهل بيته، كلهم قد ~~استوجبوا النار"، وروى أبو الدرداء قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقرأ: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ... ) ، إلى آخر ~~الآية، # PageV01P081 # فقال: أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا ~~يسيرا ثم يدخل الجنة بفضل رحمة الله، وأما الظالم لنفسه فأولئك يوقفون يوم ~~القيامة موقفا كريها حتى ينال منهم، ثم يظلهم الله برحمته، فهم الذين ~~قالوا: # (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) . # وفي هذا الخبر من التعظيم لشأن حافظ القرآن وحسن منقلبه وإن كان ظالما # لنفسه ما لا خفاء فيه. # وروى الناس أن عمر بن الخطاب تلا هذه الآية: (ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا ... ) إلى آخرها ثم قال: "سابقكم سابق، ومقتصدكم ناج، ~~وظالمكم مغفور له ". # وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "ألا إن أصفر البيوت ~~من الخير بيت صفر من كتاب الله، والذي نفس محمد بيده إن الشيطان ليخرج من ~~البيت أن يسمع سورة البقرة تقرأ". # وروى ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا حسد إلا في ~~اثنين: رجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء # النهار ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار". # وهذا حث وترغيب شديد على حفظ القرآن والقيام به. # PageV01P082 # وروى عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن ~~هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبة الله ما استطعتم، إن هذا القرآن ~~حبل الله، وهو النور النير، والشفاء النافع، عصمة الله لمن تمسك به، ونجاة ~~لمن تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن ~~كثرة الرد فاتلوه، فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، ms021 أما إني ~~لا أقول (الم) حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر"، وهذا غاية الحث على ~~حفظ القرآن والتعظيم لشأنه. # وروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((القرآن ~~شافع ومشفع، وماحل مصدق، ومن شفع له القرآن يوم القيامة نجا، ومن محل به ~~القرآن كبه الله يوم القيامة على وجهه في النار"، وأحق من شفع فيه القرآن ~~أهله وحملته، وأولى من محل به من عدل عنه وضيعه، والصحابة أجل قدرا وموضعا ~~من أن يتفق لسائرهم الدخول في هذه الصفة والنقيصة. # وروت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الذي يتعاهد القرآن ~~ويشتد عليه له أجران، والذي يقرأه إني وهو خفيف عليه من السفرة الكرام ~~البررة". # PageV01P083 # وروى عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن ~~في الصف فقال: "أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان والعقيق، ويأتي كل # يوم بناقتين حمراوتين زهراوين يأخذهما من غير إثم بالله ولا قطع رحم. # قالوا: كلنا يا رسول الله يحب ذلك، قال رسول الله: فلأن يغدو أحدكم إلى # المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير من # ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أداد من الإبل". # وروى أبو عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان قال: قال رسول # الله - صلى الله عليه وسلم -: "أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه". # PageV01P084 # وروى إسماعيل بن عياش قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: # سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من علم رجلا آية من كتاب ~~الله فهو مولاه، لا يخذله ولا يستأثر عنه ". # ثم يأمرهم - صلى الله عليه وسلم - بتعليمه لله وطلب مرضاته فقط، ويحرم ~~أخذ الأجر عليه، فروى ضمرة بن حبيب عن زيد بن ثابت، أن رجلا كان يعلمه أتاه ~~بقوس، فقال: هي في سبيل الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قوس من ~~نار، تقلدها أو دعها"، فردها إليه". # وهذا غاية الوعيد. # ثم لا يقنع بحثهم على حفظ القرآن وتعلمه حتى ms022 يأمرهم بالتنغم به. # وبحسن تلاوته، فروي من غير طريق أنه - صلى الله عليه وسلم - # قال ل أسيد بن حضير: "لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود"، يريد حسن ~~صوته بالقرآن. # PageV01P085 # وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد فسمع قراءة ~~رجل فقال: "من هذا، " # فقيل: عبد الله بن قيس، فقال: "لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل # داود"، في كثير من الروايات، وروى أيضا أبو هريرة وغيره عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه سئل عن أحسن الناس صوتا بالقرآن، فقال عليه السلام: ~~"الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله ". # وفي خبر آخر: أي الناس أحسن قراءة، فقال: "الذي # سمعته وأريته يخشى الله ". # ثم إنه بالغ في زجرهم عن نسيان ما حفظ من القرآن وتضييعه، وضيق # الأمر فيه وشدده، وكرر القول في ذلك تكرارا يردع من به أدنى مسكة في # الدين عن مخالفته، فضلا عن الصحابة الجلة عليهم السلام، وروى أنس بن # مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "عرضت علي أجور أمتي حتى ~~القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوبهم، فلم أر منها ذنبا أعظم ~~من رجل تعلم آية أو سورة من كتاب الله ثم نسيها". وهذا تحذير وتشديد من ~~تضييعه. # PageV01P086 # وروى سلمان الفارسي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من أكبر ~~ذنب يوافى به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها"، ~~وهذا كالأول. # وروى سعد بن عبادة قال: قال رسول الله - عز وجل -: "ما من أحد تعلم ~~القرآن ثم نسيه إلا لقي الله أجذم ". # وروى عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "بئس ~~ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسي، استذكروا القرآن فإنه ~~أسرع تفلتا من قلوب الرجال، من الإبل من عقلها"، وفي رواية أخرى عن موسى بن # PageV01P087 # أبي علي بن رباح، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~تعلموا كتاب الله، وتعاهدوه، وتغنوا ms023 به، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد ~~تفلتا من المخاض من العقل ". # وهذا غاية الوعيد والتحذير من نسيانه. # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "تعلموا ~~القرآن وسلوا الله به قبل أن يتعلمه قوم يسلون به الدنيا، فإن القرآن ~~يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرؤه لله عز وجل ". # وفي رواية أخرى أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "اقرؤوا القرآن قبل أن ~~يجيء قوم يقيمونه كما يقام القدح، يتعجلون أجره ولا يتأجلون ". # ويتبع ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب كثير جدا، ~~وفي بعض ما ذكرناه كفاية فيما قصدناه. # فمن ظن أن الصحابة مع ما وصفناه من حالهم، وفضل دينهم وشدة # حرصهم وقوة دواعيهم على حفظ الدين والنصيحة للمسلمين، أنهم يضيعون # ما وجب عليهم من حفظه ويهملون أمره، ويحرفونه عن مواضعه، ويتلونه # PageV01P088 # على غير وجه ما أمروا به، وهم يسمعون هذه الأقاويل وأضعافها مما أضربنا # عن ذكره من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويسمعون من تعظيم الله لشأنه، ~~ويقدمون على مخالفة الله ورسوله: فقد أعظم الفرية عليهم، وبالغ في ثلبهم، ~~وفارق بما صار إليه من ذلك مذهب العقلاء، وجحد العادة التي ذكرناها الموجبة ~~لحفظ القرآن وشدة الاعتناء بتحصيله وحياطته، ولقد روي عن الصحابة رضي الله ~~عنهم ومن بعدهم من التابعين في حث بعضهم لبعض على حفظ القرآن وتلاوته، ~~والعمل بموجبه والإعظام لشأنه ما يطول ذكره واقتصاصه. # فروى حسان بن عطية قال: قال أبو الدرداء: "لا يفقه الرجل كل # الفقه حتى يعرف القراءات ووجوهها"، وروى الحكم بن هشام الثقفي # عن عبد الملك بن عمير قال: كان يقال: أنقى الناس عقولا قراء القرآن ". # وقال عطاء بن يسار: "بلغني أن حملة القرآن عرفاء أهل الجنة"، # PageV01P089 # وروى سالم بن أبي الجعد عن معاذ قال: "من قرأ في ليلة ثلاثمائة آية كتب ~~من # القانتين، ومن قرأ ألف آية كان له قنطار من بر، القنطار منه أفضل مما على # الأرض من شيء". # وروى ms024 حطان بن عبد الله الرقاشي عن السدوسي قال: "قدم علينا # جندب بن عبد الله البصرة، فلما أراد أن يخرج شيعناه وقلنا له: أوصنا يا # صاحب رسول الله، فقال: من استطاع منكم أن يجعل لا في بطنه إلا طيبا # فليفعل، فإنه أول ما ينتن من الإنسان، ومن استطاع منكم أن لا يحول بينه # وبين الجنة ملء كف من دم امري، مسلم يهريقه كأنما يذبح به دجاجة، لا # يأتي بابا من أبواب الجنة إلا حال بينه وبينه: فليفعل، وعليكم بالقرآن ~~فإنه # PageV01P090 # هدى النهار ونور الليل المظلم، فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقة. # فإن عرض بلاء فقدموا أموالكم دون دمائكم، فإن تجاوزها البلاء فقدموا # دمائكم دون دينكم، فإن المحروب من حرب دينه، وإن المسلوب من سلب # دينه، إنه لا فقر بعد الجنة، ولا غنى بعد النار، وإن النار لا يفك ~~أسيرها. # ولا يستغني فقيرها، والسلام عليكم ورحمة الله ". # فكيف يعدل قوم هذه صفتهم وحالهم عن حفظ كتاب ربهم، وتضييع ما # وجب عليهم. # وقال أبو هريرة: "نعم الشفيع القرآن ". # قال شعبة، وهو راوي الحديث عنه: "نعم، وأحسبه قال: يقول يوم القيامة: يا ~~رب حله، فيلبسه تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيكسى حلة الكرامة، ~~فيقول: يا رب ارض عنه، فإنه ليس بعد رضاك شيء. # قال: فيرضى عنه ". # وقد روي مئل هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق آخر ذكر فيه أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة ~~كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني. # فيقول له: ما أعرفك، فيقول له: أنا صاحبك، القرآن الذي أظمأتك في # الهواجر، وأسهرت ليلك، إن كل تاجر من وراء تجارته، وإني اليوم من # PageV01P091 # وراء كل تجارة، قال: فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على # رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: ~~بما كسينا هذا، فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له: اقرأ واصعد في ~~درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام ms025 يقرأ، حدرا هدرا أو ترتيلا". # وكيف يصح أن يتفق الأمة جميعا أعلى، تضييع كتاب الله وهم قد # سمعوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أمثال هذه الأقاويل وهذا التفخيم ~~لشأن القرآن وحملته من التعظيم، والمراد بذكر القرآن في هذا الخبر. # وفيما يروى من قوله - صلى الله عليه وسلم -: البقرة وآل عمران يأتيان يوم ~~القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان يظلان صاحبهما". # ونحو ذلك: أي ثواب القرآن يأتي كذلك، وكذلك ثواب # القرآن هو الذي يقول: يا رب، ويصور في تلك الصورة، لأن الثواب فعل # مخلوق، وليس كذلك القرآن، نعنى كلام الرب جل وعز لا القراءة التي في # مقابلتها الثواب، ويمكن أن يبعث الله ملكا يتصور للمؤمن الحامل لكتاب ~~الله # في تلك الصورة ليسكن روعه، ويزيل خوفه، ويسميه قرآنا على معنى أن # كلامه وتسكينه من ثواب قراءة القرآن، وكذلك يخلق الله تعالى جسمين # عظيمين يوم القيامة، يبشران قارئ القرآن، على معنى أن بشراهما من ثواب # PageV01P092 # قراءة البقرة وآل عمران، فلا معنى لرد ما ورد من نحو هذه الأخبار من # تعظيم شأن حملة القرآن من طريق ثبتت إذا احتملت من التأويل ما وصفناه، ~~قال عبد الله بن عمر: "من قرأ القرآن فقد اضطربت النبوة بين جنبيه، فلا ~~ينبغي لصاحب القرآن أن يلعب مع من يلعب، ولا يرفث مع من يرفث، ولا يتبطل مع ~~من يتبطل، ولا يجهل مع من يجهل". # وهذا تعظيم منه لشأن القرآن وأهله بين شديد. # ولما قدم أهل اليمن أيام أي بكر سمعوا القرآن فجعلوا يبكون، فقال أبو # بكر: "هكذا كنا ثم قست القلوب "، يعني بذلك أن قلوب كثير من أهل # ذلك العصر قست، دونه ودون الأئمة ومن جرى مجراهم من جفة الصحابة، وقد ~~يمكن أن يكون ذلك على وجه العظة وطلب الزيادة والخشوع. # وقد روى الناس أن عمر بن الخطاب قرأ مرة: (إن عذاب ربك لواقع (7) ما له ~~من دافع (8) . # قال: فرن لها رنة عيد منها عشرين يوما، فكيف يضيع كتاب الله من هذا تأمله ~~له واتعاظه به، وانتفاعه بقراءته ms026 واستماعه. # وكان ابن عمر إذا صلى يترنح ويتمايل حتى لو رآه راء ممن يجهله # لقال: أصيب الرجل، وذلك لذكر النار إذا مر بقوله: (وإذا ألقوا منها مكانا ~~ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) . # PageV01P093 # ولو قصد بالتقصي جميع ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن ~~الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين من فضائل القرآن وقراءته، وما خص الله ~~به أهله، لأخرجنا كثرة ما روي فيه عن غرض الكتاب، وإنما ذكرنا هذه الجمل في ~~فضائل قراءة القرآن وحملته والاتعاظ به، وإيجاب الرجوع إليه، والتعلق به، ~~ليعلم متأمل الحال في ذلك أن من صريح عادات الناس في حفظ القرآن وما قصر عن ~~رتبته من أصول الشرع بخلاف ما تدعيه الشيعة من اضطراب نقله، وذهاب أهل ~~الإسلام عن صحيحه من فاسده، وسلميه وسقميه، وزائده من ناقصه، وأن مثل هذا ~~الاضطراب إذا لم يجز أن يقع في أشعار الشعراء، وخطب الخطباء، ورسائل ~~البلغاء، والأمثال السائرة، وسائر الأمور التي بالناس إلى علمها حاجة مما ~~ظهر أمره واشتهر، وقد بينا أن ظهور القرآن فوق ظهور جميع هذه الأمور، وأن ~~بالناس إلى معرفة جميعه وترتيب نظمه والإحاطة به ومعرفة لبابه ومخارجه: أتم ~~فاقة وأشد حاجة، وإذا كان ذلك كذلك ثبت بطلان ما يدعونه من اضطراب نقل ~~القرآن، وذهاب الناس عن علم صحيحه من سقيمه، وإمكان دخول الشبهة فيه ~~والزيادة عليه والنقصان منه. ### | (فصل) ، # دليل آخر: ومما يدل أيضا على أن القرآن المرسوم في مصاحفنا # هو جيمع كتاب الله الذي أنزله على رسوله، وفوض حفظه وإثباته والرجوع # إليه، نقل جميع السلف والخلف الكثير من بعدهم الذين ببعضهم تثبت # الحجة وينقطع العذر أن هذا القرآن الذي في أيدينا هو جميع كتاب الله الذي # أنزله وأمر بحفظه وإثباته والرجوع إليه، وقد علم أن التشاجر والتراسل # واتفاق الكذب متعذر ممتنع على مثلهم، فوجب لذلك العلم بصحة ما # نقلوه، وسقوط كل رواية جاءت من جهة الآحاد بخلاف ذلك عن بعض # الصحابة والتابعين، وما يجوز أن يروى من ذلك ويفتعل ويكذب في # PageV01P094 # المستقبل، لأن نقل ms027 ما ذكرناه أوجب لنا علم الضرورة بصحة ما نقلوه. # وانتفاء السهو والإغفال والكذب والافتعال عنهم لما هم عليه من كثرة # العدد واختلاف الطبائع والأسباب والهمم. # ولو ساغ لمدعي أن يدعي أن القرآن قد نقص منه لأجل ما روي عن # عمر وعبد الله بن مسعود في المعوذتين وغيرهما، أو زيد فيه ما ليس منه # لأجل ما روي عن أبي من إثباته القنوت في مصحفه، أو لأنه لا يدري أن # القرآن الذي في مصاحفنا زائد أو ناقص، أو على ترتيب ما أنزل أم لا. # لأجل ما روي عن الآحاد من الزيادة فيه أو النقصان منه، ولأجل ما روي من ~~اختلاف مصاحف الصحابة، وبجعل ذلك ذريعة إلى دفع النقل الظاهر # المشهور: لساغ لآخر أن يدعي أنه لا يدري أن هذا المصحف الذي في # أيدينا هو مصحف عثمان على وجهه ونظمه وتأليفه، أو قد زيد فيه ونقص # منه، أو نقطع على أنه مغير ومبدل عما كان اجتمع عليه عثمان والجماعة في # وقته، وإن كان هذا المصحف قد نقل عن عثمان نقلا متواترا مستفيضا. # لأجل ما يرويه ويظنه كثير من الناس - ومن الشيعة خاصة - من أن الحجاج # بن يوسف قد غير المصحف الذي هو إمام عثمان وزاد فيه أحد عشر حرفا. # ونقص منه، وأخذ مصاحف أهل العراق ونشر فيهم ما كان غيره وزاده # ونقصه، فلما لم يجز ذلك ووجب القطع على صحة نقل من نقل مصحف # عثمان، وترك الإحفال والاكتراث، بخلاف من خالف في ذلك وادعى أنه # مغير ومبدل عما أمر به عثمان ورسمه زيد والصحابة والجماعة وجب لمثل # هذا بعينه القطع على صحة من نقل أن مصحف عثمان هو جميع الثابت من # القراءات عن الرسول، وأنه مثبت على ما أنزله ورتبه الرسول، لأنهم قوم # PageV01P095 # ببعضهم يثبت التواتر وتقوم الحجة، ولزم لأجل ذلك ترك الإحفال بما روي # مما يخالف ذلك. # فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون الفرق بين الأمرين أنه لم يرو عن # أحد خلاف في أن هذا هو جميع مصحف عثمان الذي جمعه ms028 وألفه على # حسب ما نظمه ورتبه، ولا وقع في ذلك تشاجر بين الناس، وقد اختلف في # أن هذا المصحف هو جميع ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الله ~~سبحانه على وجهه وترتيبه، أم لا؟ # فادعى قوم أنه أقل من ذلك، وأنه مزيد فيه، وادعى آخرون أنه منقوص # منه، وشك في ذلك شاكون، وقطع قوم على أنه مغير عن ترتيب ما أنزل عليه، ~~وإذا كان ذلك كذلك افترقت الحال فيما ادعيتم الجمع بينهما، يقال لهم: # أول ما في هذا أننا لا نسلم قطعا ويقينا أنه لا مخالف في العالم في هذا # الباب، ولا شاك فيه مع سماعه لنقل الحجة، ولا ندري لعل في الناس من # يدعي تخليط النقلة لمصحف عثمان، وأنه مغير مبدل، أو يشك في أنه على # ما رتبه عثمان، بل قد علمنا أن في الناس من يدعي تغيير الحجاج لمصحف # عثمان، وإذا كان ذلك كذلك بطل فرقكم هذا، على أننا لو تيقنا أنه لا # مخالف في ذلك. لم يمنع هذا من جواز حدوث خلاف في هذا الباب، وأن # ينشأ خلق كثير يدعون ويرون غلط النقلة لمصحف عثمان، أو تعمدهم # للكذب فيه، ودعوى تغيير النقلة له عما رتبه ونظمه عليه عثمان، فإن # حدوث مثل هذا الخلاف غير متعذر ولا ممتنغ في عقل ولا سمع، وقد تيقنا # أن مثل هذا الخلاف لو حدث وقاله قائل واعتقده معتقد لم يجب لأجله # جحد نقل الكافة أو الشك في صحته، لأجل ما يروى من خلاف ذلك، مع # قيام الحجة وانقطاع العذر بنقل من نقل أن هذا المصحف هو مصحف عثمان # على وجهه وترتيبه الذي أتفه عليه، فبطل بذلك ما فضلوا به. # PageV01P096 ### | (فصل في القول فيما يعتبر في العلم بصحة النقل) # واعلموا رحمكم الله أنه ليس المعتبر في العلم بصحة النقل والقطع على # ثبوته بأن لا يخالف فيه مخالف، وإنما المعتبر في ذلك مجيئه عن قوم بهم # يثبت التواتر وتقوم الحجة، سواء اتفق على نقله أو اختلف فيه، ولذلك لم # يجب الإحفال ms029 بخلاف السمنية في صحة الأخبار، وقولهم إنه لا يعلم # بها شيء أصلا، ولم يجب أن يبطل النقل، أو يشك في صحته بعد ظهوره # واستفاضته. وعدم الخلاف عليه إذا حدث خلاف في صحته لم يكن من قبله. # ولغير ذلك من الأمور، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما فصلوا به بين الأمرين. # فإن قال قائل، ولو صرنا إلى أننا لا ندري أيضا أن هذا هو مصحف # عثمان والجماعة على وجهه وتأليفه أم لا، ما الذي كان يمنعنا ويصدنا عن # ذلك؟ # قيل له: يمنع منه أن فيه جحدا للضرورات، وأن قائل ذلك صائر بمثابة # من جحد وجود عثمان في العالم، وأن يكون كان له مصحفا جمع الناس عليه، ~~ومنعم من غيره، وأن يكون ولي الخلافة، وقتل بالمدينة، إلى غير ذلك من # الجهالات، فإن نقل مصحفه بمثابة نقل وجوده وخلافته وقتله والفتنة التي # PageV01P097 # جرت وحدثت في أيامه، وبمثابة نقل: "قفا نبك،، و: "ألا هبي "، وكتاب # سيبويه، وموطأ مالك، وغير ذلك من الأمور الظاهرة المشهورة، فجحد # ذلك بمثابة واحدة، ولا فائدة ولا طائل في مناظرة من صار إلى مثل ذلك. # وإذا لم يجز الشك في شيء مما وصفناه أو الجحد له لأجل خلاف # يروى في ذلك أو خلاف يجوز أن يحدث فيه: لم يجز الشك في أن ما في # أيدينا هو مصحف عثمان بعينه وعلى جهته، وقد بينا من قبل أن طريق العلم # بأنه مصحف عثمان لم يغير ويبدل هو طريق العلم بأن جميع ما أتى به # الرسول من القرآن الثابت رسمه على وجهه وترتيبه الذي أمر - صلى الله عليه ~~وسلم - به، فوجب القطع على صحة ما قلناه، وإبطال جميع مطاعن الشيعة ~~والملحدين وغيرهم من أهل الضلال والقدح في القرآن. # فإن قال قائل: باضطرار يعلم أن المرسوم في هذه المصاحف هو جميع # مصحف عثمان، على وجهه وترتيبه، ولسنا نعلم باضطرار ولا غيره أن هذا # المصحف هو جميع كتاب الله الثابت الرسم، المنزل على الرسول عليه # السلام بالترتيب المدعو بأن يقال له: على الفصل بينك وبين ms030 من قال # باضطرار يعلم أن هذا المصحف هو جميع المنزل على رسوله، على وجهه # وترتيبه، ولسنا نعلم باضطرار ولا غيره أن جميع مصحف عثمان الذي ألفه # وجمع الناس عليه، على وجهه وترتيبه، وأن ذلك لو كان معلوما لما # اختلفت مصاحف أهل الشام ومكة والعراق، ولما اختلفت القراء السبعة. # ولما شك في ذلك أحد، فإن رام في ذلك فضلا لم يجده، وإن مر على # الأمرين رد عليه ما سلف من جواب جحد عثمان، وكون مصحف له، وغير ذلك مما ~~ذكرنا، وإن عاد إلى أن ذلك أجمع مما لا خلاف فيه بين له سقوط التعلق بذلك ~~بما بيناه من قبل. # PageV01P098 # ويقال للشيعة أيضا: إن وجب بطلان نقل الكافة والدهماء والسواد # الأعظم أن المرسوم بين اللوحين الذي في أيدينا هو جميع القرآن المنزل # على الرسول، الثابت الرسم والتلاوة، لأجل خلاف من خالف في ذلك. # ونشك فيه منكم ومن غيركم ممن له تناقل الأخبار، ويعرف السير ويخالط # النقلة مخالطة تقتضي له علم الضرورة، وجب لأجل هذا بعينه بطلان نقلكم # للزيادة في القرآن والنقصان منه، والتغيير له أو الشك فيه، لأجل خلافنا # وخلاف سائر سلف الأمة لكم على ذلك، وخلاف جميع فرق الأمة، خلفها # وسلفها لكم في صحة نقلكم عن الأئمة وغيرهم نقصان القرآن وزيادته # وتغييره، وتكذيبنا لكم في هذه الدعوى، ولزمكم أيضا لأجل هذا الفصل # بعينه بطلان نقلكم للنص على علي عليه السلام، لأجل مخالفة سائر فرق # الأمة لكم في ذلك، وتكذيبهم إياكم، فإن مروا على ذلك أجمع أقروا # ببطلان مذاهبهم ونقلهم، وكفينا مؤنتهم، وإن راموا فيه فضلا أبطلوا # اعتلالهم وأسقطوا فصلهم، وإن عولوا على أن الحجة قد قامت بنقل الشيعة # للنص على علي، وتغيير القرآن، ونقصانه وإفساد نظمه، وترتيب كثير منه، ~~وأنه لا معتبر في ذلك بخلاف من خالفهم، قيل لهم: وكذلك الحجة قد # قامت بنقل من ذكرناه في أن الذي في أيدينا هو جميع ما أنزل الله على # رسوله، أثبت رسمه، وفرض حفظه، على وجهه وترتيبه، فلا معتبر خلاف # من خالف في ms031 ذلك، وهذا مما لا فضل لهم فيه أبدا، وسنتكلم إن شاء الله # فيما بعد على دعواهم صحة نقل الشيعة لتغيير القرآن، ونوضح تكذبهم في # ذلك، ونقيم الحجة على فساد قولهم ونقلهم بما يوضح الحق. # ثم يقال لهم: ارووا لنا حرفا واحدا عن عبد الله بن مسعود، أو عن # أبي، أو عن علي رضي الله عنهم أنهم قالوا: إن المعوذتين ليستا من كتاب # PageV01P099 # الله، وأن دعاء القنوت مما أنزله الله على رسوله، وأن عليا قال: هذه ~~الآية # أو هذا الحرف ليس من كتاب الله، أو قد نقص من كتاب الله، وهذا مما لا # يقدرون عليه أبدا، وإنما يروون برواية الآحاد أن عبد الله بن مسعود لم ~~يثبت # المعوذتين في مصحفه، وأنه حكهما من المصحف، وأن أبيا أثبت دعاء # القنوت في مصحفه، ولم يقل إن كل ما أثبته في مصحفي من كتاب الله المنزل، ~~بل قد ثبت فيه الدعاء والتفسير، إذ كان ذلك مصحفا له وحده يرجع إليه، وقد ~~يمكن أن تكون سورة القنوت من القرآن نسخت تلاوة أثبته أبى. # وكذلك قد يمكن ابن مسعود اعتقد أن المعوذتين من القرآن الذي لا يجوز # إثبات رسمه في المصحف، إما لظنه أنه منسوخ أو لغير ذلك من العلل. # وقد ثبت بما سنصفه فيما بعد أن ما أنزل الله تعالى ونسخه مما لا يجوز # إثباته في المصحف، وإذا كان ما يرونه من ذلك محتملا لهذه التأويلات # وغيرها، ولم يرو عن أحد منهم ذكرناه أنه جحد شيئا من كتاب الله، أو # التصريح بأن من جملته ما ليس منه، لم يجز أن نجعل هذه الروايات # معارضة لنقل الكافة بأن جميع ما في الدنيا هو جميع ما أنزل الله على # الرسول وثبت رسمه، فبطل بذلك ما يدعونه من الرواية لمخالفة قوم من # السلف في هذا الباب، وثبت بذلك أنه لا حقيقة لما روي من ذلك. # وأما ما يختصون هم بروايته عن الصادق والباقر وغيرهما من # أهل البيت وغيرهم، مما لا يعرفه أصحاب الحديث ومصنفو جميع # PageV01P100 # المصاحف، والخلاف فيها، ms032 فسنبين فيما بعد إن شاء الله أنها من الأخبار # التي يجب القطع على فسادها وتكذيب نقلتها وتنزيه أهل البيت عنها. # دليل آخر: ومما يدل أيضا على أن القرآن المرسوم بين اللوحين هو # جميع القرآن الذي أتى به الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ترتيب ما ~~أنزل نقل الكافة الذين ببعضهم يثبت التواتر أن هذا القرآن هو جميع ما رسم ~~حفظه، وألزمنا الرجوع إليه، لم يغير ولم يبدل، فوجب لذلك القطع على صحة ~~نقلهم وثبوت علم الضرورة بصدقهم، لأنه لو جاز أن يقال في نفس البقرة وآل ~~عمران والأحزاب (لم يكن) و (قل يا أيها الكافرون (1) . # ليست على ما أنزلت، وأن يكون قد سقط من هذه السور شيء كثير أكثر مما بقي، ~~أو زيد فيها ما ليس منها أو غيرت وبدلت عن نظمها وترتيبها الذي أنزلت عليه، ~~لساغ كذلك في الحمد والناس والفلق و (قل هو الله أحد) ، وأن يقول قائل: إن ~~ذلك أجمع مزيد فيه أو منقوص فيه، ومرسوم في المصحف على خلاف ما أنزله الله، ~~وما كان يتلوه الرسول ويكرره مدة أيام حياته، في صلواته، ويجهر به، ويأخذ ~~الناس بحفظه، ولو جاز على الجماعات الناقلة للحمد والمعوذتين و (قل هو الله ~~أحد) الكذب والافتعال، والسهو والإغفال، لجاز عليهم ذلك أجمع في نقل وجود ~~الرسول بمكة والمدينة، ودعائه إلى نفسه، واحتجاجه بالقرآن، وتحديه العرب أن ~~تأتي بمثله، وفي نقل وقائعه ومغازيه وفتوحه، وغير ذلك من أحواله الظاهرة ~~المستفيضة، فلما لم يجز جحد شيء من ذلك أو الشك فيه لم يجز الشك في شيء من ~~القرآن، وأنه هو جميع ما أتى به الرسول على وجه ما أنزل، ولا الجحد لشيء من ~~ذلك. # فإن قال قائل: نحن نعلم باضطرار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~بمكة والمدينة وأنه دعا إلى نفسه وتحدى بمثل الكتاب الذي أتى به، وغير ذلك ~~مما ذكرتم، # PageV01P101 # فلم يجز جحد شي، من ذلك أو الشك فيه، قيل: فما الفصل بينكم وبين من قال: ~~إننا نعلم باضطرار أن ms033 هذا القرآن هو الذي أتى به الرسول، وثبت # رسمه، ولزم القيام بحفظه، لم يغير ولم يبدل، وإن سورة البقرة والحمد # والأحزاب و (لم يكن) مرسومة محفوظة على ما أنزلت عليه، من غير تغيير # ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان، وأنه مضطر إلى العلم بصحة ذلك عند # سماع نقل النقلة عن رسول - صلى الله عليه وسلم -، فهل يجدون في ذلك فصلا، ~~فإن قالوا: الفصل بين الأمرين أنه لا مخالف في ظهور الرسول عليه # السلام ودعائه إلى نفسه، وما كان من حروبه ووقائعه، وقد خالف قوم من # الناس في أن المرسوم بين اللوحين هو جميع ما أنزل الله على وجه ما أنزله. # غير مغير ولا مبدل، فلم يجب القطع على صحة النقل بذلك لأجل هذا # الخلاف، قيل لهم: قد بينا فيما سلف أنه لا معتبر في قيام الحجة بالنقل # والعلم بصحته بعدم الخلاف عليه ولا بوجوده، وإنما المعتبر في ذلك # بمجيئه على وجه يوجب العلم ويقطع العذر، فبطل بذلك ما أصلتموه. # ثم يقال لهم: فيجب لأجل فعلكم هذا جحد ما ترونه من النص على # علي وما ترونه من تغيير القرآن ونقصانه أو الشك في صحة نقلكم هذا. # لأجل خلافنا وخلاف سائر الأمة لكم في ذلك وتكذيبنا إياكم، ولا فصل # لهم من ذلك إلا بما يبطل ما فصلوا به، ثم يقال لهم: فخبرونا هل علمتم # ضرورة وجود النبي - صلى الله عليه وسلم - وظهوره في العالم بخبر جميع ~~الناس أو بخبر بعضهم، فإن قالوا: بخبر جميعهم لنا بذلك، كذبوا وبهتوا لأنهم ~~لم يلقوا جميع الناس في شرق الأرض وغربها، وإن قالوا: بخبر بعض الناس علمنا ~~ذلك إذا لم يخالفهم في نقلهم مخالف، قيل لهم: وبأي شيء تعلمون تصديق جميع ~~الناس لذلك البعض في نقلهم وأنه لا مخالف لهم، أبلقاء # PageV01P102 # جميع الناس أم بخبر بعضهم، فإن قالوا: بلقاء جميع الناس بهتوا وكابروا # ولزمهم أن لا يعلموا تصديق جميع الناس بشيء من الأخبار، إذ كان لقاء # جميع الناس متعذرا، وإن قالوا: بخبر بعض الناس عن باقيهم ms034 أنهم مصدقون # لما نقل وغير مخالفين فيه، قيل لهم: فإذا جاز أن تكون الجماعات الكثيرة # التي نقلت عن الرسول الحمد والمعوذتين و (قل يا أيها الكافرون) # قد افتعلوا وتكذبوا واعتمدوا التحريف والتغيير فيما أخبروا أنه عنه، أو ~~وهموا أو ظنوا الأمر بخلاف ما كان، ونقلوا ما لا أصل له، فما يؤمنكم أن ~~يكون من نقل إليكم ظهور النبي في العالم وأنه لا مخالف له في نقله لذلك ~~كاذبا # في نقله أنه لا مخالف له، وأن يكون في الناس من يخالف في ذلك، فإن # نقل هذا البعض أنه لا مخالف له فيما نقله فلا يجدون إلى دفع ذلك سبيلا. # وهذا يبطل عليهم طريق العلم بأنه لا مخالف على النقل. # ويقال لهم إذا وجب إبطال الخبر واطراحه لوجود الخلاف في نقله. # فإن كان قد نقله أهل تواتر وجب اطراحه أيضا لجواز كون الخلاف وإن لم # يتيقن، ولجواز حدوث الخلاف عليه في المستقبل ولا فصل في ذلك. # ثم يقال لهم: إذا جاز على الجماعات الكثيرة نقل الكذب فيما خولفت # عليه، فلم لا يجوز عليها نقل الكذب فيما لم يتخالف عليه، فإن جاز الكذب # على أهل مصر ومصرين فلم لا يجوز على أهل جميع النواحي والأمصار. # وسائر الشرق والغرب. # فإن قالوا: العادة تمنع من ذلك في أهل سائر الأمصار، قيل لهم: # وكذلك هي تمنع منه في أهل مصر واحد ومسجد واحد وقبيلة واحدة. # ونقلة القرآن عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أكثر عددا من أهل أمصار ~~وأقاليم كثيرة فوجب بذلك تصديقهم، وإحالة الكذب والغفلة والتوهم عليهم. # PageV01P103 # ثم يقال لهم: من أين يعلم صدق الجماعة في أنه لا مكذب لهم في # نقلهم لما نقلوا. # فإن قالوا: بخبرهم عن أنه لا مكذب لهم، قيل لهم: فإذا جاز عليهم # الكذب في بعض ما يخبرونكم به فما أنكرتم من جواز الكذب عليهم، في # أنه لا مخالف لهم في نقلهم، ثم يقال لهم: ومن أين نعلم أيضا أنه لا # مخالف لهم فيما قالوا إنه لا مخالف لهم فيه فالكذب ms035 جائز عليهم. # ويقال لهم: إذا لم تعلموا صحة نقلهم حتى تعلموا أنه لا مكذب لهم # فيه ولا تعلموا أنه لا مكذب لهم فيه حتى تعلموا صحة نقلهم عن أنه لا # مكذب لهم فيه، وأمكن أن تكذبوا في نقلهم إنه لا مكذب لهم فيما نقلوه لم # يصح أن يعلموا أبدا صحة نقلهم من حيث لم يصح أن يعلموا صدقهم في # قولهم ونقلهم أنه لا مكذب، ولم يأمنوا أن يكونوا في دعواهم لذلك # كاذبين، هذا ما لا خلاص لهم منه أبدا. # ويقال لهم: إذا لم تعلموا صحة النقل إلا إذا علمتم أنه لا مخالف لهم # فيه، ولم تعلموا أنه لا مخالف لهم فيه حتى تعلموا أنه صحيح: لم يصح أن # يعلموا أبدا صحة الخبر، لأنكم تجعلون الشيء شرطا فيما هو شرط فيه. # ويقال لهم: يجب على اعتلالكم إبطال جميع الأخبار لخلاف السمنية # عليها، ويجب أن يصير العلم بصحة الخبر إذا لم يكن منه مخالف جهلا وإذا # حدث مخالف في صحته وجاحد لموجبه، وأن ينقلب العلم جهلا لحدو # الخلاف على الخبر، وتجويز انقلاب العلم بصحته جهلا بجواز حدوث # خلاف فيه، وهذه غاية من الجهل لا يبلغها ذو تحصيل، فوجب بذلك # سقوط جميع ما تعلقوا به. # PageV01P104 # ومما يدل أيضا على بطلان قولهم في إمكان نقصان القرآن وضياع شيء # منه أو القطع على ذلك أو الزيادة فيه: أنه لو جاز مع ما وصفناه من حال # نقلته وحفاظه أن يكون قد ذهب منه شيء كثير لا نعرفه ولا نقف عليه لجاز # أن يكون قد ذهب أكثره وما يزيد على سبعة أعشاره، وأن يكون الذي في # أيدينا منه أقل من العشر، ولو جاز ذلك لم نامنه ولم نأمن أن يكون معظم # الدين والفرائض والسنن قد ذهب في القدر الذي سقط منه وذهب على الناس ~~ضبطه، ولعل فيه أيضا نسخ جميع العبادات التي في أيدينا وتبديلها بغيرها، ~~ولعل فيه توقيفا على أنبياء يأتون بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بنسخ ~~شريعته، ولعل في ذلك القرآن الضائع إباحة نكاح ms036 الأخوات والأمهات وسائر ذوات ~~المحارم. # ولعل فيما سقط منه تفسير معنى الصلاة والزكاة والصيام، أن المراد بذكر ~~هذه العبادات تولي رجال سموا صلاة وحجا وصياما، وأن الخمر والميسر # والأنصاب والأزلام رجال أمر الناس بلعنهم والبراءة منهم فقط، ولعل فيه # أيضا ذم جميع من يعتقد الشيعة فيهم أنهم أئمة منصوص عليهم وإيجاب # التبري منهم، وإيجاب تولي معاوية وزياد والحجاج والشمر وشيعته، # PageV01P105 # ولعل القرآن إن كان زائدا على قدر ما أنزل أن يكون أكثر ما فيه من فرض # الصيام والصلاة والحج ساقطا غير لازم، وإنما زيد فيه ما ليس منه، فإذا # كان هذا يسد علينا طريق الأمان من جميع هذه الأمور وفيها إبطال الشرع # والانسلاخ من الإسلام فلا شبهة على مسلم في فساد كل قول ومذهب أدى # إلى ذلك. # وليس لهم أن يحتجوا في دفع هذا بإجماع الأمة على بطلانه، لأن # الإجماع عندهم لا يجب القطع على صوابه وأمان الغلط على أهله إذا لم # نعلم دخول الإمام المعصوم فيه، ونحن فلسنا نعرف مذهب الإمام في هذه # الأبواب ولا نقبل دعواهم، وروايات الشيعة عنه مداهنة، لأنهم عندنا كذبة # في ذلك، وفيما هو أعظم منه، ودعوى التواتر بينهم عن الإمام متعذر وجهل ~~فيمن صار إليه، وهم عندنا قد ضلوا وفسقوا بأمور لا يجوز معها قبول أخبارهم، ~~ولأنهم عندنا وعندهم غير معصومين من الكذب والسهو والإغفال فيما يروونه عن ~~الإمام إن كان لهذا الإمام أصل وما يروونه عن غيره أيضا، ولا صحة في رواية ~~من هذه سبيله. # وليس لهم أيضا أن يقولوا: لو كان الأمر في هذه الشرائع والعبادات # على ما وصفتم لوجب أن يوجد من الأمة قائل بهذا، لأن الأمة كلها لا # يجوز أن تضيع الحق والواجب، وتتركه وتعدل عنه قصدا منها وعنادا وغلطا # وجهلا وسهوا وإغفالا، وإنما يجب أن تقوم بالواجب في هذه الأبواب لو # كانت بأسرها حجة أو كان فيها فرقة هذه سبيلها، ومتى لم يكونوا كذلك لم # يجب أن لا يجوز على سائرهم تضييع الحق والذهاب عنه، ولأن فيمن # ينسب إلى ms037 الأمة ويزعم أنه أحق بهذه التسمية - أعني أنهم أمة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV01P106 # خلق كثير يقولون ذلك، وهم الغلاة الإسماعيلية ومن صنف الكتب # المعروفة المشهورة في أن المراد بذكر العبادات والمعاصي المحرمات رجال # أمرنا بموالاة بعضهم والبراءة من بعضهم، وأن المراد باسم النكاح والطلاق # والعتاق وغير ذلك دخول في البيعة وتحفظ من نشر الدعوة أو إذاعة لها # وخروج عنها، وغير ذلك مما قد عرف من أقاويلهم، وكل ذلك مروي # عندهم عن أهل البيت ومن هم الأئمة والصفوة عليهم السلام، لعلهم مثل # عدد الشيعة أو أكثر عددا، والغلبة اليوم لهم في كثير من الأمصار # والآفاق، وإذا كان ذلك كذلك بطل قولهم أن ليس في الأمة قائل بهذا. # فإن قالوا: هؤلاء ليسوا من الأمة، قيل لهم: إن جاز لكم أن تدخلوا # أنفسكم في الأمة مع قولكم بأن الأئمة الإثنا عشر أفضل من جميع الأنبياء ~~إلا # محمدا ونوح وإبراهيم ونفر يسير من النبيين، وأن يقولوا إن الإمام يعلم # الغيب، وأنه لا يحكم بنسب ولا مال حتى يعلم صدق المدعي وصدق # PageV01P107 # شهوده ويقف على بواطنهم، وأن المعجزة يجوز أن تظهر على يدي الأئمة. # وأن الرجل يجوز له أن يجمع بين ألف حرة بعقد متعة، وأن العم لا يرث مع # الابنة، ومع قول كثير منكم بتصديق الخطب المروية لكم عن على من نحو # الشلشلية والشقشقية التي يقول في إحديهما: أنا رفعت سماءها، أنا # دحوت أرضها، أنا أنشات سحابها وأخرجت نباتها، أنا أهلكت عادا وثمودا # ولو شئت أن يعودا لعادا، حتى يقول شاعر هذه الفرقة: # ومن أهلك عادا ... وثمودا بدواهيه # ومن كلم موسى ... فوق طور إذ يناجيه # ومن قال على المنبر ... يوماوهو راقيه # سلوني أنها الناس ... فحاروا في معانيه # ويقول في الشقشقية: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا ما أخذ على # العلماء من كظم الظالم وصعب المظلوم لأرسلت حبل غاويها، ولسقيت # أولها بكاس آخرها، ولألفيت دنياكم عندي أهون من عفطة عنز، وشتان # بين القولين، فإن من أهلك عادا وثمود وكلم موسى، وأنشأ السحاب. # وأخرج النبات ms038 من الأرض يقول: ألفيت دنياكم عندي أهون من عفطة عنز. # يعني: من رحلة عير، هذا بعيد، فإن مثل هذا كان يقدر أن يهلك الجميع # الذين يخالفون عليه ولا يفتقر إلى بقية منهم، ومع هذا قول دعبل # PageV01P108 # وكثير وغيره منكم بالرجعة في الدنيا، وقول الكيسانية إن محمد بن # الحنفية حي يرزق بجبال رضوى إلى يوم يخرج، إلى غير هذه المذاهب # والترهات. # فإن ساغ لكم أن تدعوا مع هذه المذاهب والأقاويل أنكم من الأمة ساغ # للإسماعيلية أن تدعي أنها من أخص الأمة، ولا جواب عن هذا. # وليس لهم أيضا أن يزعموا أنهم يعلمون ضرورة من دين الرسول # وجوب هذه العبادات وتحريم هذه المحرمات، فإن الغالبية منهم ينكرون # ذلك ويقولون إنهم لا يعلمون شيئا مما قالوه، وكذلك من زعم أن الأنبياء # باقون تترى إلى يوم القيامة، وكل الباطنية يرون في هذه الأمور خلاف رأيهم # ويقولون إن الذي بعث به محمد - صلى الله عليه وسلم - هو ما هم عليه. # وليس لهم أيضا الاعتصام مما ألزمناهم بأن الأمر لو كان على ما قلناه # لظهر عن الإمام ذكر الفرائض الذاهبة، لأننا لا نعرف هذا الإمام، ولأنه لو # كان موجودا لجاز أن يسكت عن ذلك تقية كما أمسك عن نقض أحكام أبي # بكر وعمر وأظهر الإقرار بمصحف عثمان وسوع التحكيم، لأنه أيضا قد # PageV01P109 # يلقي ذلك إلى أبوابه ودعاته، وأن الأمر في ذلك على ما قلناه، فيكتمونه # ويحرفون عليه ويكذبون، لأنهم غير معصومين، وكذلك إن عير عليتهم # بآخرين كان حالهم كذلك، وإذا كان ذلك كذلك بطل جميع ما يحاولون به # دفع هذه الإلزامات. # فإن قالوا: إن هذا أيضا لازم لكم ومنقلب عليكم، لأنكم جميعا # تعترفون بأن الله سجله، فإن نسخ منه آياب كثيرة وقرآنا كان أنزله، ونهى ~~بعد ذلك عن إثبات رسمه وقراءته، ونسخ تلاوته، وإذا كان ذلك عندكم كذلك فما ~~يؤمنكم أن يكون فيما نسخه وأزال رسمه جميع أحكام الباقي رسمه أو تغييرها ~~وإزالة فرضها، ولعل فيما نسخه نصا على أنبياء وأئمة بعده وإطلاق جميع ما ~~يعتقدون ms039 دلالة الباقي على تحريمه. # قيل لهم: لا يلزمنا شيء مما قلتم، وذلك أننا لا نجيز على الأمة # بأسرها وعلى العدد الكثير الذين بهم تقوم الحجة أن تتفق هممهم ودواعيهم # على كتمان نسخ ما نسخ عنهم فرضه، ووفقوا على تغير حكمه بغيره # وتبديله، ولا أن يفتعلوا خبرا كذبا على نبيهم عليه السلام، فإنه أوجب # عليهم ما لم يوجبه، وشرع لهم ما ليس من دينه، بل لا يجوز ذلك عليهم # فيما لا تعلق له بباب الديانات، لامتناع ذلك عليهم في العادة، وتعذره من # مثلهم، وأنهم متجبرون على جميع الأئمة سوى الإمام المعصوم، أو أهل # العدد الكثير، والدهماء منها افتعال الكذب وكتمان ما سمع وشوهد. # ويزعمون أنهم قد كتموا قرآنا كثيرا كانوا سمعوه من الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - وحفظوه عنه، ولا مأمون أن يكون ما كتموه منه أضعاف ما في ~~أيدينا وإن كان الرسول قد وقفهم على ما كتموه كتوقيفه لهم على هذا القدر ~~الذي نقلوه عنادا منهم وقصدا إلى الإدخال والإلباس في الدين. # PageV01P110 # ويحكون أن القرآن كان من الكثرة إلى حد لا نقله علي وقنبر ولا ينهضان ~~بحمله مع شدة على وفضل قوته، وكل هذا قد كتم واندرس # وانطوى علمه إلا عن الإمام عندكم وحده، ويروون عن أهل البيت عليهم # السلام أنهم قالوا: ربع القرآن منزل فينا وأنتم لا تحفظون من هذا الربع ~~تمام # خمس آيات ولا تعرفون منه إلا ما نعرفه من قوله عز وجل: (إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) . # ويزعمون أن سائر سلف الأمة إلا أقل من عشرة منها كتمت النص على # علي وجحدته، عاندت وأخفت الحق، وكذلك سائر فرق الأمة اليوم عندكم قد ~~اتفقوا على كتمان هذا النص على الإمام، مع علمهم به ومعرفتهم له، وأنهم ~~جميعا قد افتعلوا الكذب، وتواطؤوا على نقل الباطل في نقلهم لفضائل أبي بكر ~~وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة، * إلى غير ذلك مما يحملون أنفسهم عليه. # وإن لم تجيزوا هذا الكذب والافتعال على جميع من عدا الإمام من ms040 # الأمة فإنكم تجيزونه على معظمها وجميع فرقها المخالفة لكم، وقد علمتم # أن ببعضهم يثبت التواتر، وأنه لا فصل بين إجازة الكذب والافتعال على # تسع فرق من الأمة وبين إجازته على العشرة، وإذا كان ذلك كذلك وكنتم قد ~~اعترفتم بكتمان جمهور من السلف والخلف لأكثر القرآن مع شهرة أمره # PageV01P111 # وقطع الرسول - صلى الله عليه وسلم - العذر في بابه: لديكم أيضا فيما ~~كتموه منه نسخ جميع ما في أيدينا من الأحكام وكتمان شرائع وفرائض أخر تأتي ~~بعد الرسول، وإطلاق جميع المحرمات من حيث لا يمكنكم دفع ذلك ولا الخلاص ~~منه. # فأما نحن فإننا نحيل هذا أجمع على الأمة، على قدر عدد أهل التواتر # منها، ونقول: إنه لا بد في مستقر العادة من توفر دواعيها وهممها على نقل # الناسخ والمنسوخ من دينها وضبطها لذلك، فشتان بيننا وبينكم. # فإن رجعتم إلى أن الإمام والأئمة من ولده هم العالمون بعلم ذلك، ومعرفته ~~وأنهم لم يرو عنهم شيء في هذا الباب: لزمكم أن يكونوا قد قالوا # ذلك ووقفوا عليه، غير أن الناس كتموا ذلك وكذبوا عليهم، وأنتم أول من ~~يكذب عليهم ويكتم ما قد نقل عنهم، ويفتعل عليهم ما لا أصل له، وإن ادعيتم ~~أو واحد منكم أنكم لقيتم الإمام فأخبركم بأن الشرع مبقى وأن ما ألزمناكم لا ~~أصل له فقد عرفتم الجواب عن هذا، وأن من جوابه ما يجب # تنزيه الكتاب عن ذكره، وأقل ما فيه أنكم تكذبون وتعلمون أنكم تكذبون. # وفي الشيعة من يقول إنه قد لقي الإمام وعرفه أن القرآن الذي في أيدينا # على ما أنزل عليه لم يغير ولم يبدل، وكذلك يدعي أهل كل مذهب ورأي # وإن به الشيعة أنهم قد لقوا الإمام فوقفهم على صحة ما رووه ودانوا به. # وهذا كله من الترهات وما يسترضون به الجهال والأوغاد الطغام. # وبعد: فلو سلمنا لكم أن ههنا إماما معصوما وأنكم قد لقيتموه: من أين # كنا نعلم صدقكم عليه وأنكم غير كاذبين فيما تروونه عنه، وأنتم باعترافكم # غير معصومين من الكذب والسهو والغلط، والاعتماد ms041 لكونكم على هذه # الصفة احتجتم إلى إمام معصوم وافر؟ وإذا كان ذلك كذلك فلا سبيل لهم # إلى دفع ما ألزمناهم. # PageV01P112 # ويقال لهم: أنتم تعلمون أن الكيسانية تكذبكم وتجحد إمامكم وتدعي # أن الإمام الذي عنده علم ذلك لا سبيل إلى الوصول إليه، فإنه مقيم بجبال # رضوى، أسد عن يمينه، وأسد ونمر عن شماله، يحفظانه إلى يوم يخرج # فيظهر الحق، ويقمع الباطل وأهله، فأيكم يصدق، ومن منكم أولى أن يتبع # على هذه الخرافات والترهات. # ومنكم من يقول إنه بعسقلان، ومنكم من يقول بالطالقان، ومنكم # من يقول: لا أعرف داره، ولا أصدق من أخبر بلقائه، وكل هذا يدل على # علمكم ببطلان ما أنتم عليه في هذه الدعاوى، وأن تعلقكم في دفع ما # تسألون عنه أحيانا أو تصحيحه بإقرار الإمام له أو إنكاره: من المهرب # والفرار، ومن جنس اللعب والمجون، نعوذ بالله من التلاعب بالدين # والإدغال لأئمة المؤمنين. # قال أيده الله: وما يجابون به عن هذا الاعتراض أيضا: أن في الأمة # من يقول: لا أعلم أن من القرآن ال منزل ما قد نسخ رسمه ورفعت تلاوته، # PageV01P113 # وأن جميع الأخبار في ذلك أخبار آحاد لم تقم بها الحجة، ولا يجوز القطع # على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها، وهذا يبطل أيضا اعتراضهم ~~إبطالا ظاهرا. ### | ### | دليل آخر # : مما يدل على صحة القرآن وبطلان ما يدعونه فيه من # النقصان والفساد ما صح وثبت من شدة نصرة السلف للرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - وبذل أموالهم وأنفسهم والجهاد بين يديه، وقتلهم لآبائهم وإخوانهم في ~~نصرته وتشييد دعوته وإقامة دينه وشريعته، وما كان من هجرتهم الهجرتين وما ~~احتملوا من العذاب في الله، وحملوا أنفسهم عليه من مفارقة العز والأهل ~~والأوطان والدعة، إلى القلة واحتمال الهوان والضيم والانتقال عن الديار، ~~وأن من هذه صفته وسبيله لا يجوز عليه أن يقصد إفساد ما نصره، وإبطال ما ~~أيده، والقدح فيما دان به، ورأى الاستنقاذ من النار باعتقاده والانقياد ~~لمورده، وإذا كان ذلك كذلك وكانت الرافضة تدعي أن فيما كتمه القوم ms042 من ~~القرآن وغيره ما يعلم أنه لا غرض في كتمانه وتغييره، ولا طائل لهم فيه ولا ~~هو مما يتعلق بولاية أحد والبراءة من غيره، ولا تقتضي تفضيل تيم وعدي وبني ~~أمية على بني هاشم، ولا ينقص الولاء ولا يفسد البراءة، ولا يوجب رئاسة، ولا ~~يقتضي عاجل نفع ورئاسة، ولا يعود بصلاح عاجلة ولا آجلة في النفس، ولا في ~~العاقبة والذرية، وإذا كان ذلك كذلك ثبت أن من هذه سبيله لا يجوز أن يحمل ~~عاقل ليس بذي دين نفسه عليه، فضلا عن أهل الوقار والدين وحسن النسك ~~والمسألة والجهاد. # فمن التغيير الذي ادعوه ولا غرض لعاقل منه قولهم إن أبا بكر وعمر # وعثمان والجماعة فصلوا بين الكلام المتصل المتناسب وعضوه حتى صار # منبترا غير مقيد، وقدموا المدني على المكي في الكتابة والرسم، فالله # PageV01P114 # سبحانه بزعمهم قدم المكي على المدني في التأليف والترتيب، ونقصوا قوله # (وهي صلاة العصر) من قوله: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) . # وحذفوا قوله: (ونوائب الدهر، وإن فيه إلى آخر الدهر) من # سورة العصر، وأسقطوا قوله: (والشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة بما قضيا # من اللذة نكالا من الله، والله عزيز حكيم) ، أثبتوا مع ذلك الحكم وفرض # الرجم على المحصنين، وأبدلوا مكان قوله: "صراط من أنعمت عليهم" ب: # (صراط الذين أنعمت عليهم) ، وحذفوا من قوله: (فصيام ثلاثة أيام) # "متتابعات" # ذكر التتابع، وحذفوا من قوله: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79) ~~. # قوله: (صحيحة) ، وأبدلوا مكان قوله: "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ضعفاء" ~~بقوله: (وأنتم أذلة) . # وأسقطوا من قوله: (حتى تسلموا وتستأنسوا) ذكر الاستئناس، أسقطوا من # قوله: (قال الذي عنده علم من الكتاب) "أنا أنا أنظر في كتاب ربي # الله، ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك" # في أمثال لهذه الترهات التي قد رويت رواية الآحاد عن قوم من السلف يطول ~~تتبعها، قد نقلوها من تصانيف أصحاب الحديث ورواة الشواذ، وعلقوها على ~~الصحابة، وادعوا أن الأئمة والعترة الهادية وقفتهم على حذف القوم لها ~~وقصدهم إلى نقصانها، وهي بأسرها موجودة في كتب ms043 من صنف القراءات وذكر الشواذ ~~من الروايات، وقصد إلى الإلباس على الجهال من أتباعهم، وقد بينا فيما سلف ~~أنه لا غرض لعاقل في هذا الباب ولا نفع في عاجل ولا آجل يجري بذلك إليه. # وإذا كان ذلك كذلك ثبت كذب هذه الروايات وكذب من ادعى على القوم اعتمادهم ~~التخليط في التأليف ونقصان ما لا غرض في حذفه. # PageV01P115 # فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكونوا إنما قصدوا بذلك الإفساد للشريعة # وإيقاع الخلل والتخليط في الكتاب معاندة للدين والرسول فقط، قيل لهم: # ما قدمناه من وصف دينهم وتشددهم وعظيم عنائهم ونصرتهم وإنفاقهم # وجهادهم في تأييد الدين ونصرة الرسول وإقامة كلمة الحق: ما ينفي ذلك # عنهم، وكيف يقصد مثل هذا من قتل أباه وأخاه وعشيرته في نصرة الدين # ومورده، وأنتم إلى التهمة بإفساد الدين والطعن على الشريعة والقرآن ~~وإيقاع التخليط والإلباس فيما يتعلق بالدين أقرب، فلذلك يقدمون على قذف ~~الصحابة والجلة من الأئمة بمثل هذه الأمور، ليحمل العامة أنفسهم على ثلب ~~السلف، ثم ثلب من قدمهم الله وأجلهم وأظهر إكرامهم، وأنتم تعترفون بأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل بهم ذلك، ثم بثلب من وادع هؤلاء، وأخذ ~~عطائهم وحكم مصحفهم وقرأه وأقرأ أصحابه به، ولم يعرض لنقض أحكامهم، وأورد ~~التمويه والكلام المحتمل للتأويلات في بعضهم، ثم ثلب من أظهر تسليم الأمر ~~إلى من هو شر من الطبقة التي قبله، ثم كذلك إلى وقتنا هذا. # وقد علمتم أن كثيرا من الناس من يحكي أن كثيرا منكم يبرأ من الرسول # حيث قرب هؤلاء القوم ولم يكشف للناس حالهم، ثم يرقى إلى ثلب جبريل # وصاحب الروشن، ثم يختم ذلك بأن يقول: كل هذا التخليط من قبل الله # الذي وثق هؤلاء وجعلهم وسائطا إلى خلقه متحملين لرسالته، وربما كنى # عنه - جل ثناؤه - بالقبسي، وكل هذا تلاحد وتلاعب بالدين وإدغال له ~~ولأهله، وفتح باب ماحل به، فأنتم في شتم السلف وقذفهم بما قد نزههم الله ~~عنه أقرب إلى قصد عناد الرسول والطعن في الدين والقدح في أئمة المسلمين. ### | دليل ms044 آخر # : ومما يدل أيضا على أن الصحابة لم يثبتوا في المصحف إلا # ما كان ظاهرا مشهورا بينهم وأن نقلهم لجميع القرآن واقع على وجه تقوم به # PageV01P116 # الحجة وينقطع العذر علمنا بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألقى ~~القرآن إلى جميع الأمة وبينه ونشره وأظهر أمره فيهم على طريقة واحدة، وأنه ~~بين لهم أن يوسف، والرعد والأحزاب و (لم يكن الذين كفروا) . # مما أنزل عليه وأقر برسمه كما بين لهم ذلك في الحمد و (قل هو الله أحد) ~~والبقرة وآل عمران، وأنه كان يبلغ ذلك ويؤديه ويظهره ويعلنه تبليغا واحدا ~~وعلى طريقة واحدة متساوية، وأنه لا يجوز في وضع العادة أن يكون قد عرف من ~~حال الرسول أنه ربما بين بعض القرآن للكافة أو من ينقطع به العذر منهم في ~~نقله عنه، وربما لم يفعل ذلك في بعضه وبينه الواحد (والاثنان) ومن لا يحج ~~خبره، ولا يعلم صدقه ولا ينقطع العذر بقوله، لأمرين: # أحدهما: أنه لا يخلو مدعي إلقاء ذلك من أن يكون مفصلا لهذا الباب # وعارفا بما يذكر أن رسول الله ألقاه وبلغه بلاغا قطع به العذر، وأقام به # الحجة وما ليس هذه سبيله منه أو غير عارف بتفصيل ذلك، فإن كان عارفا به ~~وادعى أن البيان العام وقع منه في البقرة وآل عمران ولم يقع في الأحزاب # و (لم يكن) # قيل له: ما أنكرت أن يكون ذلك إنما وقع منه في الأحزاب # و (لم يكن الذين كفروا) والعصر، ولم يقع منه في البقرة وآل عمران والرعد، ~~فلا يجد إلى دفع ذلك طريقا، لأن الأمة تنقل ذلك عن نبيها نقلا واحدا ~~متساويا، وإن كان غير عارف بذلك قيل له: فأنت لا تعرف ما قامت به الحجة من ~~القرآن من غيره، ولعل الحمد وجميع المفصل مما لم يقم به الحجة به، ولعل ~~قوله: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة وهم راكعون (55) . # PageV01P117 # وقوله: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله) . # وقوله: (إنما يريد الله ms045 ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) ~~. # وجميع ما يدعونه في علي وأهل البيت ما لم تقم الحجة به، ولعل الحجة لم ~~تقم بقوله: (يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) يا ويلتى ليتني لم أتخذ ~~فلانا خليلا (28) . # وجميع ما يدعون أنه نزل فيمن يبرؤون منه من الصحابة مما لم تقم به الحجة ~~فلا يجدون إلى دفع ذلك سبيلا. # والوجه الآخر: أنه لو عرف من حال الرسول أنه ربما ألقى القرآن إلقاء # خاصا إلى الواحد والاثنين لوجب أن ينقل ذلك الأمة عنه وأن يعرف من دينه # كما عرف ذلك من حاله في الأحكام التي كان بينهما على الوجهين جميعا. # فلما لم يكن ذلك كذلك ولا كان هذا معروفا من حال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بطل ما قالوه. # ويدل على فساد ذلك أنه لو جاز لمدع أن يدعي أن ما هو من أصل # الدين وأس الشريعة ومعدن علمها، ومفزع الأمة المتعبدة بها وملجئها. # ومنتهى علمها والفاصل بينها: ما كان يبشر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~بيانا خاصا لا تقوم به الحجة لساغ أن يدعي مثل ذلك عليهم في النص على ~~الإمام المفروض الطاعة عندهم بعده، ولساغت هذه الدعوى في بيان كثير من ~~أركان الصلاة والحج وصيام رمضان وتحريم القتل والخمر والزنا واللواط وغصب ~~الأموال، وأن يقول قائل ويتوهم متوهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان ربما ألقى كثيرا من أحكام هذه الأمور إلقاء خاصا لا تقوم الحجة بمثله، ~~وأنه كان يستثني في حكم جميعها أمورا يسوغها لبعض أمته ويلقيها إليه وحده ~~دون غيره من تجويز الأكل في أيام الصيام، وإباحة الصلاة بغير وضوء، وترك ~~حضور عرفة وطواف البيت ورمي الجمار، ويسوغ له في كثير من الأوقات # PageV01P118 # ترك الصلاة لغير علة ولا عذر يبيح له الإفطار في بعض أيام الصيام من # رمضان، وأن يترك سائر الكفارات، وأن يشرب الخمر، ويقتل النفس. # ويستبيح الفرج، ويغصب الأموال، وأن ذلك كان معروفا من عادة الرسول # وحاله في بيان هذه الأمور، وأننا لا نأمن ms046 أن يكون قد حض كثيرا من # صحابته بإطلاق هذه الأمور وإباحتها، وفي هذا تعطيل الدين، والشك فيه. # والخروج عنه، ولا سبيل إلى الخلاص منه. # وإن هم قالوا في جميع هذا: لا يجوز ما طالبتمونا به في هذه الأمور # لإجماع الأمة على أن ذلك لم يقع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~قيل لهم: أنتم لا تحفلون بالأمة ولا تكترثون بقولها، إنما يجب أن تعرفوا ~~مذهب الإمام المعصوم في ذلك فقط فإنه هو الحجة، ولعل مذهب الإمام في بيان ~~هذه الأمور والفرائض ما ألزمناكموه، وأنتم لا تعرفون ذلك من دينه، وإن ~~ادعيتم أنكم قد عرفتم دينه في هذا لم تكونوا حجة في الخبر عنه وقلبنا ~~دعواكم، وقلنا لكم: فكذا تقول الشيعة الموافقة لنا على أن نقل جميع القرآن ~~شائع ذائع قد قامت به الحجة، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه ~~بيانا واحدا: إننا لا نعرف أن هذا دين الإمام في نقل القرآن وإذاعته، وبيان ~~الرسول، فلا يجدون إلى دفع ذلك سبيلا، وإذا كان ذلك كذلك صح بهذه الجملة أن ~~نقل جميع القرآن قد قامت به الحجة وانقطع العذر، وأن بيان الرسول له وقع ~~على وجه واحد، وأن كل طريق يثبت به قيام الحجة بالبقرة وآل عمران والحمد و ~~(قل هو الله أحد) وكل آية يحتج بها الشيعة هو الطريق الذي يجب به قيام ~~الحجة بنقل سورة من القرآن وآية من آياته وكلمة من كلماته. # وكذلك فلا يجوز أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - يلقي بيان بعض ~~القراءات والأحرف التي نزل عليها القرآن إلقاء خاصا لا تقوم به الحجة، لأنه ~~ليس # PageV01P119 # مدع ذلك في بعض الأحرف أسعد من مخالفيه ومدعيه في غير ما ادعاه. # ولأن ذلك لو كان كذلك من الرسول لوجب أن يعرف من دينه، وأن ينقل # ذلك عنه نقلا تقوم به الحجة، ولأنه بمثابة دعوى ذلك في بيان بعض أحكام # الفرائض العامة اللازمة للأعيان المشهورة من دين الرسول. # وإذا كان ذلك كذلك بان أن رسول الله ms047 - صلى الله عليه وسلم - قد بين جميع ~~القرآن وصدع به وقطع العذر في بابه في بيان جميع وجوهه وأحرفه التي تدل ~~عليها، وأطلق القراءة بها، وأخبر أن الله شرع تسويغ القراءة بها. # ومما يدل على ذلك أيضا ويوضحه وجودنا جميع الأمه في زمن أبي # بكر ووقت جمعه للقرآن، وفي أيام عثمان وجمعه الناس على الأحرف # والقراءات التي أثبتها وأخذ الناس بها متفقين مطبقين على إثبات ما أثبتوه # من القرآن والقراءات، فلو كان من ذلك ما نقل إليهم نقل الآحاد وما لم يقم # به الحجة ولا انقطع العذر لم يجز في مستقر العادة وموضوعها أن يطبقوا # على إلحاق قرآن وقراءة تروى لهم من جهة الآحاد لم تقم به حجة بالقرآن # والقراءة الثابتة المعلومة من دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالخبر ~~الظاهر المستفيض القاطع للعذر، وأن يخلطوا ما لم يعلم من ذلك ولم يثبت ~~بالخبر الظاهر المعلوم، ولكان لا بد في مستقر العادة من أن يمتنعوا من ذلك ~~أو أكثرهم، أو أن يقول خلق منهم: كيف يجوز أن يلحق بما قد علمناه من القرآن ~~والقراءات وتيقناه وانقطع عذرنا فيه ما لم نعلم صحته ولا ندري لعل الرسول ~~لم يبلغه ولم ينزل عليه، أو لعله بلغه وأنزل عليه على غير هذا الوجه وأن ~~يمرجوا ويموجوا في ذلك، ويكثر خوضهم ويكون الراد لذلك والمنكر له # والمانع من إثباته وإلحاقه بالظاهر المعلوم أكثر وأغلب من الراضي به # والمسوغ له، لأنه لا يجوز على مثل عددهم في فضلهم ودينهم وأماناتهم أن # PageV01P120 # يهملوا ذلك وأن يستجيزوا ترك قراءة قرآن قد قامت به الحجة إلى قراءة ~~وقرآن وتلاوة على وجه لم تقم به الحجة ولا انقطع العذر، ويدونونه ويعظمونه ~~تعظيم ما علموه في دين نبيهم عليه السلام، كما أنه لا يجوز على مثلهم في ~~حالهم تعظيم الشعر والآداب وكتب الفلسفة والتنجيم على كتاب رب العالمين، ~~وإلحاقه بدرجته، أو أن يعطموا هذه الكتب ويمتهنوا المصاحف # ويحتقروا القرآن، ولأجل أن العادة ممتنعة من كل أهل علم وصناعة تعظيم # لعالم ms048 وعلم صنفه وكتاب وضعه هو معظم علمه وموضع شرفه وفضيلته. # وقد عرفوا ما وضعه منه وتيقنوه ولقنوه عنه، وشاهدوا إثباته له وحثه عليه # وأمره بالرجوع إليه أن يلحقوا بما في ذلك الكتاب ما يرد عليهم عن ذلك # العالم المصنف ورود الآحاد الذي لا يعرف صدق ناقله وراويه. # وكذلك ما لا يجد الفقهاء والمتكلمين والشعراء والمتأدبين والفلاسفة # والمنجمين يستجيزوا أن يلحقوا "بموطأ مالك " و"مختصر المزني " # و"المقتضب " و"إقليدس " و"المجسطي " و (قفا نبك من ذكرى حبيب # ومنزل) ما يرد عليهم الورود الشاذ الذي لا يعرفونه ولا يحققونه تحقيق # معرفتهم بما تضمنته هذه الكتب من الأمر الظاهر المشهور، هذا معلوم # بالعادة والطباع، فكتاب الله أولى بذلك، والسلف الصالح من الأمة أحق من # PageV01P121 # سبق إلى إنكار إلحاق شيء غير معلوم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما ~~ثبت وعلم عنه من كتاب الله الذي هو الأمل والمفزع، وعليه عند الكافة العماد ~~والمعول. # وإذا كان ذلك كذلك وضح بهذه الجملة قيام الحجة بنقل جميع القرآن # الثابت في مصحفنا والقراءات، وأن ذلك أجمع ثابث معلوم من دين الرسول # - صلى الله عليه وسلم - وإثباته لجميعه وقليله وكثيره ولطوال سوره ~~وقصارها، كان على وجه واحد في الإذاعة والإعلان والإشاعة والقصد إلى إقامة ~~الحجة وإثبات الحفظ له عنه، وحصول العلم به، وهذا ما لا شبهة على عاقل فيه. # ومما يدل أيضا على أنه لا يجوز أن يكون قد ذهب وسقط على الأمة # حفظ شيء من كتاب الله مما قل أو كثر، وأن الذي بين الدفتين هو جميع # كلام الله الذي أقر برسمه وإثباته وحفظه أنه لو كان قد ضاع منه شي بلا ~~وذهب علمه وحفظه على الأمة لم يخل ذلك الضائع الذاهب من أن يكون سورة كاملة ~~من سور القرآن أو آيات من سورة معروفة أو كلمات من آيات من السور، ولكان ~~أيضا لا بد من أن يكون سبب سقوط ذلك وذهاب علمه ومعرفته عن الأمة هو أن ~~الرسول لم يبلغ ذلك ويصدع به ويؤديه، لو أن الأمة لم تصغ ms049 إلى ما أداه ~~الرسول من هذا الضائع ولم تعه ولا حفظته عنه ولا أحفلت به وأعظمته، بل ~~كذبته فيه وردته وصغرت شأنه وحفرته، ولم تحله محل غيره مما تلي عليها ~~فحفظته وأعظمت شأنه وانصرفت هممها إلى حفظه والعلم به، فإن كان ذلك لأجل أن ~~الرسول لم يؤده ويبلغه ويقوم بحق الله فيه وفي تلاوته عليهم وأمرهم بحفظه، ~~فهذا طعن على الرسول وقدح في نبوته ودينه وأمانته لا شيء على الأمة فيه ولا ~~لوم ولا عيب، ونحن فلم نوجب على الأمة حفظ ما لم يبلغها ويؤدى إليها، وليس ~~في المسلمين من يستجيز # وصف النبي بهذه الصفة ويحلون في هذه المنزلة مع اعتقاد تصديقه ونبوته. # PageV01P122 # وإن كان السبب في سقوط حفظ ذلك وذهابه على الأمة أنها لم تصغ # إليه ولا أحفلت به ولا صدقت الرسول فيما أتى به منه فذلك محال، لأنه # ليس من دين أحد من المسلمين اعتقاد شيء من هذا في القرآن ولا فيما دونه # من السنن والآثار، ولأن الأمة مطبقة وغيرهم من الملل وكل من عرف سيرة # المسلمين في تلقي القرآن من النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنه لم ~~يكن هذا دين المسلمين أو رأيهم أو أحدا منهم في شيء من القرآن الذي يتلوه ~~عليهم ويخبر بأنه منزل من عند الله، بل كانوا على سجية واحدة ونمط متساو في ~~حفظ القرآن عن الرسول وتعظيم جميعه وانصراف هممها إلى تحفظه واعتقاد تعظيمه ~~وتصديق من جاء به. # ولو ساغت مثل هذه الدعوى لمدعيها لساغ لآخر أن يدعي أن القرآن # الذي تلاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمته وأمرهم بحفظه كان ~~أكثر من مائة ألف ألف ألف آية، وإنه كان يزيد على ألف حمل بعير، غير أن ~~الأمة لم # تحفظ منه إلا هذا القدر، ولم تع الباقي عن الرسول ولا اكترثت به ولا # عظمته ولا أصغت إليه، ولا كانت حالها في قبوله والحرص على تحفظه # وتعلمه كحالها في قبول هذا القدر الحاصل في أيدينا والحرص على # تحصيله والإحاطة بعلمه، ms050 فذهب كل ما تلاه عليهم عنهم، وبقي هذا القدر # اليسير لشهوتهم بحفظه وخفة ذلك على قلوبهم، أو لتعظيم هذا القرآن أكثر # من تعظيمهم كان لما لم يصغوا إليه ولا يعلموا بحفظه، وهذا جهل ممن # صار إليه ودان به، ولو ساغ مثل هذا لقائله لساغ لآخر أن يقول: إن الثابت ~~في شريعة الرسول من الفرائض والسنن والحدود والأحكام أضعاف ما في # PageV01P123 # أيدينا من ذلك، وأنه قد ذهب على الأمة حفظ أكثر ما شرعه الرسول لها. # وإن كانت قد حفظت هذا القدر الباقي لأجل أنها لم تحفظ تلك الأحكام # والحدود والفرائض لتركهم للإصغاء للرسول عليه السلام وقبول ذلك منه. # وقلة إحفالهم به، وإئما حفظوا هذا القدر لخفته على قلوبهم، أو لسبب أوجب ~~ذلك لا يعرفونه، ومن بلغ إلى هذا فقد ظهر جهله، وكفينا مؤونة كلامه. # وإن كان هذا والذي قبله محالا وكانت الأمة قد حفظت عن الرسول # - صلى الله عليه وسلم - جميع ما أتى به من القرآن وعظمته وجرت في تفخيم ~~شأنه # على سبيل واحد غير أنها أسقطت ذلك فتركت نقله وضبطه بعد أن كانت # وعته وحفظته فذلك أيضا محال، لأئه لا يخلو سقوط ذلك عليها وتركها # لإثباته من أن يكون عن قصد منهم إلى ذلك ومواطأة وتراسل على طيه # وكتمانه، أو باتفاق ذلك وسهو سائرهم عنه عن غير قصد إلى ذلك ولا # اعتماد لتركه وتواطىء على كتمانه فيستحيل أن يكون ذلك واقعا منهم بعد # حفظه ومعرفته على سبيل القصد والاعتماد والتشاعر والتراسل على كتمانه، ~~لأنه لو كان ذلك كذلك لوجب في مستقر العادة ومقتضاها أن يظهر عليهم # وعنهم ذكر هذا التواطىء أو التراسل، وأن يدور الحديث به بينهم، ويعلم # ذلك من حالهم في يسير الوقت وأقصر المدة، فإن يذكروا أسبابهم # ودواعيهم الباعثة لهم على كتمان ما قد عرفوه وسمعوه من القرآن حتى لا # يخفى على أحد عرفهم وتأمل بأحوالهم وخالطهم ألهم أهل تراسل وتشاعر # على إنكار ما عرفوه ودفع ما علموه، فلما لم يظهر ذلك عليهم ويعلم من # حالهم ثبت بذلك ms051 أنهم لم يتواطؤا على كتمان شيء من كتاب الله. # ولو جاز أن يكتموا من القرآن سورة أو سورا أو آيات بقدر سورة أو # سور منه لأسباب تعنيهم أو أغراض وبواعث حدتهم عليه، ثم لا يظهر ذلك # PageV01P124 # عليهم ولا يعرف من حالهم لجاز أن يقع منهم تواطؤ وتراسل على كتمان # فرائض كثيرة، وأحكام وحدود هي أكثر مما نقلوه لأسباب دعتهم إلى ذلك. # ثم لا يعرف ذلك من حالهم وأن يتفقوا على كتمان وقائع كثيرة وغزوات # وحروب هزموا فيها، ونال الرسول في سائرها جراح وكلوم، وقتل كثير من ~~أصحابه وجلة الأئمة الأربعة، وأن يتفق لهم التواطؤ على كتمان أسر قريش ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - مرات، وأن يطبقوا على كتمان معارضة القرآن ~~وسائر آيات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ينكتم ذلك عليهم، ولا يعرف ~~الاتفاق عليه من أحوالهم، فكذا لا نأمن أن يكون قد كتموا فرض عشر صلوات ~~كانت مفروضة مع هذه الخمسة، وفرض صيام شهور أخر فرض صومها كفرض رمضان، وحج ~~واجب وحدود وأحكام هي أكثر مما في أيدينا، وأن لا نأمن أن يكون النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قد غزى ألف غزاة وأسر ألف مرة وقتل من أصحابه خلق هم في ~~محل أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وحمزة بن عبد المطلب وسعد بن معاذ، غير أنهم ~~كتموا ذلك أجمع، واتفقوا على # طيه. # وأن لا يأمن بأن يكون القرآن قد عورض بمثله وسائر آياته، واتفقت # الأمة أو معظمها على جحد ذلك وإنكاره، فإن مروا على ذلك هذا كفينا # مؤونة الكلام معهم، وصاروا إلى القدح في الرسالة وجحد العادة. # PageV01P125 # وإن أبوه وقالوا: لو وقع منهم اتفاق على كتمان شيء من هذا لوجب # ظهوره عليهم والعلم به من حالهم، وأن يعلم ذلك أيضا من ليس من أهل # ملتهم، لأن ذلك هو موجب العادة في كتمان الجم الغفير والعدد الكثير فيما # يتفقون على كتمانه، وإن جاز حقا تواطؤ الاثنين والنفر اليسير على ما ~~يتفقون على كتمانه. # قيل لهم: وكذلك لو اتفقت الأمة أو ms052 عدد كثير منها على كتمان شيء من # كتاب الله لوجب أن يظهر ذلك عليهم ويحدث به من أمرهم ويعرف من # حالهم، وهذا ما لا جواب عنه. # ويستحيل أيضا أن ما أسقطوا ما كان حفظوه عن الرسول من القرآن # ووعوه بعد ذكرهم له ومعرفتهم به، وتركوا إثباته لأجل سهو عن ذلك # عمهم، ونسيان شملهم، وعم سائرهم، لأنه ممتنع على مثل عددهم في # العادة، ومن هو أقل منهم في العدد الكثير، ولو جاز ذلك عليهم لجاز أن # يكونوا جميعا قد تركوا ذكر فرائض وحدود، وأحكام وحروب، وغزوات. # ومقاتل فرسان جلة، كانوا بمحل الصدر الأول، وتركوا أيضا ذكر آيات أخر ~~للرسول هي أكثر مما نقلوه بأمر عظيم، لا عن سهو عن ذلك عمهم، ونسيان لحق ~~سائرهم وغفلة اقتطعتهم عن ذكر شيء منه، ومن صار إلى ركوب مثل هذا فقد بلغ ~~في الجهل حدا لا يرجى معه برؤه واستقامته، ولا يطمع في الانتفاع بكلامه، ~~لأن هذا أجمع دفع للضرورة وجحد لموجب العادة، أو آفة وغلبة تقطع صاحبها عن ~~التمييز، ويستحيل أن يكونوا إنما تركوا إثبات ما سقط عليهم من القرآن لأجل ~~هلاك من كان يحفظ تلك السور والآيات، التي ترك القوم إثباتها إما بالقتل أو ~~الموت لأمرين: # PageV01P126 # أحدهما: أنه كان لا بد في وضع العادة ومستقرها من أن يتحدث # الباقون من الأمة بأنه قد ذهب قرآن كثير وسور وآيات من سور بقيت # منتثرة بذهاب حفاظها، لأنه لا بد أن يكون علم ذلك مشهورا مستقرا # عندنا في الأمة، وإن كانوا لا يحفظون ذهاب الذاهب على ترتيبه ونظامه # وتعينه كما يعلم أهل بلد وإقليم من أقاليم المسلمين وقرية من قراهم اليوم # أن من حفظ من الكهف إلى الناس فإنه لم يحفظ جميع القرآن، وأن من # حفظ عشرين آية من سورة البقرة فلم يحفظ سائرها، وإن ما لم يحفظه زيد # من السور هي السورة التي تسمى كذا وسورة كذا، وإن لم يحفظوا هم أيضا # ذلك القدر، لأن القرآن كان أشهر عندهم وأظهر من أن يخفى أمره، لأنهم ms053 # كانوا يتلقون ذلك من رسول الله صلى الله عليه، سوره مرتبة منظومة على # سبيل ما يتلقنه الناس اليوم، وكان من لا يحفظ السورة منه يعلم أن في # القرآن سورة تدعى بكذا وإن كان لا يحفظها، هذه هي العادة في علم الناس # بالقرآن ومعرفتهم بجملته حفاظا كانوا له أو غير حفاظ. # وإذا كان ذلك كذلك وجب أنه لو سقط من القرآن سور وآيات لهلاك من # كان يحفظ ذلك أن يعلم الباقون من الأمة أنه قد ذهب كثير من القرآن، وأن # يتحدثوا بينهم حديثا لا يمكن معه الجهل بما ضاع من القرآن لذهاب حفظته. # ولو كان منهم قول في ذلك وتحدث به لوجب أن ينقل ذلك عنهم، ويتسع # ذكره فيهم، وفي علمنا بأن ذلك لم يكن: دليل على بطلان هذه الدعوى. # والوجه الآخر: أنه لا يجوز في مسقر العادة أن يتفق القتل والموت # والهلاك بأي وجه كان بجميع من كان يحفظ الذاهب من القرآن وبقاء # PageV01P127 # الحافظين لغيره، كما أنه لا يجوز أن يتفق هلاك جميع من يحفظ سورة # الكهف وبقاء جميع من يحفظ مريم وعطب كل حافظ لشعر جرير وبقاء # كل حافظ لشعر الفرزدق، وهلاك جميع المرجئة وبقاء سائر المعتزلة. # وعطب جميع من يحفظ مسائل وبقاء جميع الحفاظ للوصايا، كل هذا باطل # ممتنع في مستقر العادة، وذلك لا يجوز فيها هلاك جميع من حفظ شيئا من # كتاب الله، وبقاء الحافظين لغيره منهم. # وإذا كان ذلك كذلك ثبت أنه لا يجوز سقوط شيء من القرآن بهذا # الضرب من الضياع وهلاك الحفاظ له دون الحافظين لغيره، فإذا كان كذلك # ثبت بهذه الجملة أنه لا يجوز ضياع شيء من كتاب الله تعالى وذهابه على # الأمة بوجه من الوجوه التي عددناها ووصفناها، ولا فرق بين أن يقول القائل # إن الذاهب على الأمة سور من القرآن أو سورة منه طويلة أو قصيرة أو آيات # أو آية من سورة لأجل أن جميع القرآن كان ظاهرا مستفيضا عندهم على # عصر الرسول وحين أدائه إليه وتبليغه لهم، فكما أنه لو ms054 هلك حفاظ سورة # منه ليس عند الباقين حفظها وجب علم الباقين من الأمة بها وإن لم يحفظوها # ، لأجل شهرتها فيهم وظهور أمرها، فكذلك يجمث عليهم بذهاب الآية منه # سقوطها بهلاك حفاظها لأجل شهرتها، ومعرفتهم في الجملة بها. # ولو ساغ وجاز أن يذهب عليهم حفظ آية أو آيات نزلت ورتبت في # بعض السور بذهاب حفاظها لساغ أيضا وجاز أن يذهب عليهم سور كثيرة # من القرآن أو سورة منه قد كانت أنزلت مع السور، وأن يخفى أمرها لذهاب # حفاظها وهلاكهم، فإن مروا على ذلك تجاهلوا. # PageV01P128 # وإن أبوه قالوا: يجب أن لا يخفى نزول السورة على من حفظها منهم # ومن لم يحفظها، قيل لهم: وكذلك لا يجوز أن تخفى عليهم آية منه إذا # سقطت لأجل ذهاب حفاظها، لظهور أمرها وعلمهم بنزولها، وأمر الرسول # لهم بإثباتها. # فإن قالوا: نزول السورة أظهر فيهم وأشهر من نزول آية مضافة إلى # سورة. # قيل لهم: ما الفصل بينكم وبين من قال: بل نزول الآية والآيتين # المضافة إلى سورة من سور القرآن، فقد كانوا عرفوا نزولها من قبل، وأن # تلك الآية لم تكن فيها، ولا مضافة إليها، أشهر وأظهر فيهم من نزول سورة # بكمالها، لم يتقدم علمهم بها وتحفظهم لها لأجل أن ما تقدم نزوله وحفظ # عاريا مجردا مما أضيف إليه يجب في العادة أن لا يخفى ألبتة نزول ما نزل # بعده وأضيف إليه، لأن الناس يعمدون أبدا لحفظ ما نزل وتجدد وأضيف # إلى ما سلف، وإلى ذكر سبب نزوله وقصته وفيمن نزل ولأجل ماذا ألحق # بتلك السورة، وبنقل أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس أن ~~يضعوها في # السورة المعينة دون ما قبلها وبعدها، وكل هذا يوجبه أن يكون نزول الآيات # الزوائد المضافة إلى السور أشهر من نزول سورة كاملة، فإن لم يكن الأمر # فيها كذلك فلا أقل من أن يكون في الشهرة كهي، وإذا كان ذلك كذلك صح بجميع ~~ما وصفناه أنه لا يجوز أن يكون قد سقط وذهب على الأمة شيء من كتاب الله ~~تعالى، ms055 وأن يكون الذي بين اللوحتين هو جميع ما أنزل الله # تعالى، وبقي رسمه وأمر بحفظه وإثباته، والعمل به والرجوع إليه، وأن من # اذعى ذهاب شيء منه لبعض الوجوه والأسباب التي قدمنا ذكرها فقد قال # باطلا وجهل جهلا عظيما. # PageV01P129 # دليل آخر: ومما يدل أيضا على صحة نقل القرآن وأنه هو المرسوم في # مصاحفنا على وجهه وترتيبه الذي رتبه الله جل وعز عليه، اتفاقنا والشيعة # على أن عليا عليه السلام كان يقرأه ويقرىء به، وأنه حكمه أيام التحكيم من ~~فاتحته إلى خاتمته، وأقز من حكمه بإحياء ما أحيا وإماتة ما أماته، وأنه كان ~~يحتج ويستدل به ورجع إليه، هذا ما لا خلاف بيننا وبينهم فيه، فوجب # بذلك أن يكون نقله وتأليفه صحيحا ثابتا وأن يكون غير منقوص منه ولا # مزيد فيه، ولا مرتب على غير الوجه الذي أمر عليه السلام بترتيبه عليه، ~~لأنه لو كان فيه شيء من ذلك لسارع علي عليه السلام إلى إظهاره وإشهاره، ~~ولكان تشدده فيه أعظم من تشدده في كل ما حارب ونابذ عليه، ولم يحكمه ولم ~~يقره، وكان أحق الناس وأولاهم بذلك. # وقولهم بعد هذا إله وإن كان قد فعل جميع هذا فإنه قد أظهر أحيانا ضد # ذلك، وأنه كان في إظهاره لذلك في تقية وتحت غلبة: قول باطل ودعوى لا # برهان معها ولا شبهة في سقوطها، وأي تقية تعاب عليه مع كثرة أجناده # ونصاره، ونصبه الحرب سجالا مع أهل البصرة وصفين وحروراء والنخيلة # والنهروان وقتل من قتل في هذه المواقف لولا القحة وقلة الدين # والتحصيل، وسنتكلم بعد هذا في إبطال تعلقهم بهذه التقية، وشدة وهاء # قولهم، ونذكر ضروبا من الكلام فيها وما يعني اليسير منها إن شاء الله. # فبطل بذلك ما قالوه، وثبت أن من مذهب علي عليه السلام في اعتقاده: # صحة مصحف الجماعة وسلامة نقله وتأليفه من التخليط والفساد مذهب # سائر الأمة في وقته ومن حدث بعده. # PageV01P130 ### | دليل آخر على صحة نقل القرآن وصحة تأليفه وترتيبه # ومما يدل على ذلك قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا ms056 الذكر وإنا له لحافظون (9) ~~. # وقوله: (إن علينا جمعه وقرآنه (17) ، وقد ثبت بإجماع # الأمة منا ومنهم أن الله تعالى لم يرد بهاتين الآيتين أنه تعالى يحفظ ~~القرآن # على نفسه ولنفسه، وأنه يجمعه لنفسه وأهل سمواته دون أهل أرضه، وأنه # إنما عنى بذلك أنه يحفظه على المكلفين للعمل بموجبه والمصير إلى # مقتضاه ومتضمنه، وأنه يجمعه لهم فيكون محفوظا عندهم ومجموعا لهم # دونه ومحروسا من وجوه الخطأ والغلط والتخليط والإلباس. # وإذا كان ذلك كذلك وجب بهاتين الآيتين القطع على صحة مصحف # الجماعة وسلامته من كل فساد، وليس لأنه لو كان مغيرا أو مبدلا أو منقوصا ~~منه أو مزيدا فيه ومرتبا على غير ما رتبه الله سبحانه لكان غير محفوظ علينا ~~ولا مجموع لنا، وكيف يسوغ لمسلم أن يقول بتفريق ما ضمن الله جمعه، وتضييع ~~ما أخبر بحفظه له، وليس ها هنا مصحف ظاهر في أيدي الشيعة أو غيرهم يدعون ~~أنه هو كتاب الله الظاهر المنقطع العذر به الذي حفظه الله على عباده! # وكيف يدعون ذلك وهم يزعمون أن ربع القرآن نزل في أهل البيت # وأنهم وسائر الأئمة مسمون فيه كما سمي من قبلهم، وهم لا يعرفون من # هذا الربع، وهذه التسمية شيئا، ويدعون أن سورة (لم يكن) كانت في طول # البقرة، ولا يعرفون من الساقط عندهم منها شيئا، ويدعون أن معظم # الأحزاب قد سقط، ولا يعرفون ذلك، وأن سورة نزلت في طول البقرة ليس # PageV01P131 # مع الناس من حفظها إلا كلمة أو كلمتين: "لو أن لابن آدم واديان من ذهب # لا بتغى إليهما ثالثا، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على ~~من # تاب "، ولا عندهم مصحف يدعون تواتر الشيعة أو غيرهم في نقله عن # علي عليه السلام أو عن أحد من الأئمة من ولده. # وإذا لم يكن القرآن الصحيح السليم من عوارض الإلباس والشبه عندنا # ولا عندهم ولا عند غيرهم من فرق الأمة، وجب لذلك أن يكون غير # مجموع لنا ولا محفوظ علينا، وهذا تكذيب لله تعالى في خبره، وقبح افتراء ms057 # وجرأة عليه، فوجب بذلك القطع على سلامة مصحف عمر والجماعة. # وكذب كل من ادعى دخول خلل فيه ببعض الوجوه. # فإن قالوا: ما أنكرتم أنه وإن لم يكن محفوظا عندنا ولا عندكم ولا عند # أحد من فرق الأمة أن يكون محفوظا على وجه وهو أن يكون مودعا عند # الإمام القائم المعصوم المأمور بإظهاره لأهله، في حين ظهور وانبساط سيفه # وسلطانه، فهذا ضرب من الحفظ له، يقال لهم: أقل ما في هذا أنه لا أصل # لما تدعونه من وجود إمام معصوم منصوص عليه، وقد أوضحنا ذلك ودللنا # عليه بوجوه من الأدلة في كتابي الإمامة، وغيرها من الشروح والأمالي بما # يغني اليسير منه، وإذا كان ذلك كذلك ثبت أنه لا أصل لوجود هذا الإمام # ولا معنى في التعلق في حفظ القرآن وجمعه بإيداعه إياه. # ثم يقال لهم: فيجب أن يكون الله سبحانه ما حفظ القرآن ولا جمعه # لأحد من المكلفين منذ وقت وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى وقتنا ~~هذا، لأن عليا عندكم كان في تقية في أيام نظرة وقبلها وإلى أن توفي عليه ~~السلام، ولا يظهر ما عنده ظهورا تقوم به الحجة، وإنما كان يعتمد في الظاهر ~~على مصحف عثمان والقوم كذلك، وإلى وقتنا هذا، وإنما يجب أن يكون القرآن ~~محفوظا # PageV01P132 # وقت ظهور المهدي فقط، وعلى أهل عصره دون سائر الأعصار، وهذا # خلاف الظاهر والإجماع، وإن ساغ ذلك لمدعيه ساغ لآخر أن يقول: أنه ما # جمع ولا حفظ إلا على أهل عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أيام ~~حياته فقط، وأنه مضيع في سائر الأعصار إلى يوم القيامة، ولا فصل في ذلك. # وكذلك إن قالوا: فكل إمام في وقته لا يخلو من دعاة وأبواب يوعز # إليهم صحيح القرآن الموح عنده، قيل لهم: فيجب أن يكون محفوظا على # الأبواب دون غيرهم، وإن ساغ ذلك ساغ لآخر أن يقول: إنه محفوظ على # أهل عصر واحد فقط، وعلى قريش دون من سواهم أو على الأنصار دون # غيرهم، وكل هذه الدعاوى باطلة فارغة. # فإن ms058 قالوا: فإن الدعاة والأبواب يجب أن يؤخذ ذلك عنهم، ويرجع # الناس إليهم، قيل لهم: كيف يجب ذلك وهم عندكم غير معصومين ولا # كالإمام، بل يجوز عليهم الكذب والغلط والتغيير والتبديل، فكيف يحفظ # على المكلفين القرآن بقوم هذه صفتهم، فإن صاروا إلى أنهم معصومون # كالإمام، تركوا قولهم وألزموا عناء الأمة بعصمة هؤلاء الأبواب عن الأئمة. # ثم يقال لهم: ويجب أيضا على قولكم أن لا يكون القرآن محفوظا على # جميع الأمة إذا ظهر الإمام وانبسط السلطان وتمكن من إظهار مكنون علمه # ومخزونه، لأنه إنما يظهر في بعض بلاد المسلمين ولا يمكنه لقاء أهل # الشرق والغرب، وإنما يمكنه المشافهة بالبيان لأهل داره فقط، دون أهل # سائر دور الإسلام. # فإن قالوا: لا يجب ما قلتم لأنه يرسل رسله وأبوابه إلى أهل الأقاليم # والأطراف، قيل لهم: وما ينفعهم ذلك وهم قد علموا أن الرسل والأبواب # PageV01P133 # غير معصومين، وأنه يجوز عليهم الكذب والتبديل والتغيير والتحريف على # الإمام والشهود والأغفال. # ثم يقال لهم: أي فائدة ونفع في إيداع صحيح القرآن إماما غائبا لا يقدر # على إزالة جهالة، ولا إيضاح حجة، ولا كشف نقمة، ولا تجديد نعمة، ولا رد ~~مظلمة، ولا يوصل إليه ولا يعرف له دار ولا قرار، ولا تقدم منه قبيل غيبته ~~بيان ما عنده، فيكون ذلك عذرا وغير مضر بالعباد غيبته وتقيته. # وإن قالوا: هذا أجمع لازم لكم في تجويز تقية الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- وقت غيبته واختفائه في الغار، يقال لهم: ولا سواء، لأننا نحن إنما أجزنا ~~تقية الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد تقدم بيانه وإيضاح ما حمله وكثرة ~~صبره على الأذى والمكاره، ومناظرته وتركه دعاة إلى دينه ومباينين لمخالفيه، ~~وإن كانوا تحت الضيم والغلبة، ومنهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي ~~يقول: "والله لا يعبد الله سرا بعد اليوم " صلوات الله عليهم، ويقول لهم: ~~"لو بلغت عدتنا مائة لعلمتم أنكم تتركونها لنا أو نتركها لكم " يعني مكة، ~~وأنه كان ينصب الحرب معهم بمائة، ويقول لهم في جموعهم يوم هجرته ووقت غيبة ms059 ~~الرسول عليه السلام: "شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، ألا من ~~أراد أن يرفل زوجته ويوتم ولده فليلحق بي وراء هذا الوادي "، ثم يخرج عنهم ~~مهاجرا معدا شاكيا في سلاحه. # فلو توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الغار لم يكن بقي عليه شي ~~لا يحتاج إلى إنفاذ وبيان، وليست هذه حال إمامكم ولا صفته، لأنه لم يتقدم ~~منه بيان ولا إعداد، فشتان بيننا وبينكم. # فإن قالوا: أفليس القرآن عندكم محفوظا والشرع أيضا كذلك، وقد # أدخل في تأويل القرآن وفي أحكام الشرع ما ليس منه، وأخرج منه بعض ما # PageV01P134 # هو منه، وطعن في ذلك أهل الزيغ والإلحاد، فكذلك حكم القرآن في جواز # تغييره وتبديله، وإن كان الله تعالى قد حفظه على الأمة وجمعه. يقال لهم: # لا معنى لما أوردتموه، لأن مطاعن الملحدين وغلط المتأولين، وتحريف # الزائفين والمنحرفين، لا يمنع من إظهار الله تعالى تأويل كتابه بواضح ~~الأدلة # والبراهين المنصوبة الناطقة بالحق، وصحيح النقل لأحكام الشرع، إما على # وجه يوجب العلم أو العمل دون العلم، على ما رتبت عليه عباداتنا، ولن # يخلينا الله تعالى في جميع ذلك من حجة لائحة، ودلالة قاطعة ناطقة، وإن # صرف النظر فيها أهل التقصير والجهل، فهم عندنا في ذلك بمثابة المكذب # بتنزيل القرآن، والجاحد أن يكون من عند الله، وأن يكون معجزا للرسول # - صلى الله عليه وسلم - وكل ذلك لا يخرجه عن صحة نزوله وكونه آية للرسول، ~~إذ كانت الحجج على ذلك باهرة ظاهرة، والقرآن الصحيح الذي يدعون ضياعه وذهاب ~~جمعه على الأمة غير ظاهر ولا موجوب ولا منصوب لنا عليه دليل يوصلنا إليه ~~بعينه، ويفرق لنا بينه وبين غيره، فشتان ما شبهتم به وظننتم الاعتصام ~~بذكره. # وإن قالوا: أفليس قد قال الله جل وعز: (والذي قدر فهدى (3) . # وقال: (إن علينا للهدى (12) . # فضمن هدى العالمين وإن ضل منهم خلق كثير، يقال لهم: ليس الأمر على ما ~~توهمتم، لأن الله جل وعز أراد بهاتين الآيتين أن يهدي المؤمنين فقط ومن في ~~معلومه أن يهديه ms060 وأن يأخذ خلقه لنفعه والمصير إلى جنته، دون من أضله وختم ~~على قلبه وسمعه، وأخبر أن القرآن عمى عليه، وأنه قد أضله وضيق صدره وجعله ~~حرجا وخلقه لناره، فإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهمتم من أنه إذا جاز أن يهدي ~~الله من يضل، ولا ينفع من يستضر جاز أن يحفظ ما ضاع، ويجمع ما افترق وتشذر ~~وتبدل، وكل هذا يدل على الهرب والوغادة والتلفيق من المتعلق به. # PageV01P135 # فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله: (وإنا له لحافظون (9) . # نفس الرسول عليه السلام دون القرآن، لأنه هو المبدأ بذكره، لأن الله # تعالى قال: (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) . # ، إلى قوله تعالى: (وإنا له لحافظون (9) . # يعني الرسول وأنه محفوظ من الجنون الذي # قذفوه به، وأضافوه إليه، يقال لهم: هذا أيضا من ضيق الحيلة والعطن. # وتطلب الغميزة والطعن في كتاب الله تعالى، لأنه لا خلاف بين الأمة في أن # المراد بالآية حفظ القرآن، وأنه بمعنى قوله: (إن علينا جمعه وقرآنه (17) ~~. # فلا معنى لما قلتموه، ولأنه أيضا قطع لسياق الكلام ونظمه، ورده إلى # أمر مستبعد غير مستعمل في اللسان، لأن الظاهر من قوله تعالى: (إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) . # أنه حافظ للمنزل من الذكر، فلا معنى لقطع الكلام عن نظامه وحمله على ~~المستبعد، ولأنه لا تعلق بين إنزاله للذكر، وبين حفظه للرسول، لأنه قد ~~يحفظه وإن لم ينزل عليه الذكر، فما معنى إناطته إنزال القرآن بحفظ الرسول ~~من الجنون، هذا ما لا وجه له، على أنه يكفي في تصحيح ما قلناه التعلق ~~بقوله: (إن علينا جمعه وقرآنه (17) . # فوجب بذلك سقوط ما ظنوا الانتفاع به، اللهم إلا أن يقولوا إن تنزيل # هذه الآية الأخرى عندنا: (إن علينا جمعه وقرآنه (17) . # فيصيرون بذلك إلى الترهات، وإلى فتح باب يجب تنزيه الكتاب عن ذكره، ولا ~~طائل في مناظرة من انتهى إلى هذه الجهالات. # ثم يقال لهم: إن التنزيل ورد كذلك أن قوله: (لا تحرك به لسانك) . # يقتضي جوابا وتماما وصلة، يجعل ms061 الكلام مقيدا، فإذا # وصل ب (إن علينا جمعه وقرآنه (17) ، لم يكن الكلام مفيد شيء، لأنه # لا ينبغي أن لا يحرك به الرسول صلى الله عليه لسانه، ويشتد حرصه على # PageV01P136 # حفظه وتحصيله، لأن عليا عليه السلام جمعه وقرأ به، لأن ذلك ليس مما # يوجب حفظ الرسول له، وتمكينه من أدائه، ولا ضمان من الله سبحانه # لمعونته على جمعه وتسهيل سبيله له، وكذلك لو قال بأن جبريل جمعه وقرأ # به لم يكن مفيدا لشيء، وإنما قال الله سبحانه: (إن علينا جمعه وقرآنه ~~(17) ، على سبيل الإخبار له عن معونته في جمعه له وحفظه إياه، على # وجه يتمكن به من تعلمه وأدائه، وحفظ الغير له لا يوجب كون النبي صلى # الله عليه على هذه الصفة، فبطل ما قالوه. # ثم يقال لهم: قد أجمع المسلمون وسائر أهل التأويل على أن هذا # الكلام إنما خوطب به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقت نزول القرآن عليه ~~وعند # تلقيه الوحي من جبريل، وشدة حرصه على تحفظه لتفهمه وأدائه، لم يكن # حفظ ذلك والقراءة له عند علي ولا عند غيره من الأمة، فكيف يجوز أن # يقال له: (إن علينا جمعه وقرآنه (17) ، وبعد لم يحصل للرسول حفظه # ولا كان منه أداؤه، وترى أنه متى جمعه علي وقرأ به في الذر الأول أو في # القدم، أو بعث به إليه قبل الرسول ونسخه، أو ألهمه واضطر إليه وصعب # حفظه وتلقيه على الرسول، ولولا جهل من يتعلق بهذا ويورده لوجب ترك # الإخبار به. # ثم يقال لهم: إذا كان السلف قد أسقط من القرآن شيئا كثيرا وحذفه # جملة ولم يصحفه ولم يبينه إلى غير معناه وكانوا قد سمعوا هذه الآية في # تعظيم شأن علي عليه السلام وهم من قلة الدين والإدغال له والعناد لعلي # عليه السلام على ما وصفهم: وجب أن يحذفوا أيضا هذه الآية من الكتاب، # PageV01P137 # ويقطعوا بذلك تعلقكم بها، كما صنعوا في إسقاط ربع القرآن المنزل في # أهل البيت، وحذف أسماء الأئمة من غير تصحيف ولا ترك لما يحتمل جملة # وتوهمه على ms062 ما أنزل عليه، فكيف لم يحذفوا منه هذه الفضيلة العظيمة لعلي # وتركوها على وجه يمكن حمله على تعظيمه وما نزلت عليه؟! # وهل هذه الدعوى إلا بمنزلة دعوى من قال إنما قال: (إن الله اصطفى آدم ~~ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (33) . # وإنما جعل آل عمران قصدا وعنادا، وكل هذا مما لا شبهة على نقلتهم في ~~فساده وإنما يوردونه ليوهموا به العامة والجهال، وأن يكون طريق العلم بصحة ~~نقل القرآن وثبوته هو طريق العلم بظهور النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ودعائه إلى نفسه وسائر ما ظهر # واستفاض من أحواله ودينه وأحكامه، وهذا ما لا سبيل إلى الخلاص منه. # وهذه جملة مقنعة في صحة نقل القرآن تكشف عن بطلان قول من ادعى # فيه الزيادة والنقصان، وذهاب خلق من السلف والخلف عن حفظ كثير منه # وإدخالهم فيه ما ليس منه، وموقف من نصح لنفسه وهدي لرشده، على # سلامة نقل القرآن من كل تحريف وتغيير وتبديل، وقد بينا فيما سلف من # عادات الناس في نقل ما قصر عن حال القرآن في عظم الشأن ووجوب توفر # هممهم ودواعيهم على إشاعته وإذاعته واللهج بتحفظه، وأخذ الأنفس # بحياطته وحراسته وإعظامه وصيانته بما يوجب أن يكون القرآن من أظهر # الأمور المنقولة وأكثرها إشاعة وأرشدها إذاعة وأحقها وأولاها بالإعلان # والاستفاضة، وأبعدها عن الخطأ والخمول والإضاعة والدثور، وأن تكون # هذه حال جميعه وكل سورة وآية منه. # PageV01P138 # وقد وصفنا أيضا فيما سلف ما كانت عليه أحوال سلف الأمة من إعظام # القرآن وأهله، وأخذهم أنفسهم بتحفظه وإجلال مؤديه إليهم، وبذلهم # أنفسهم وأموالهم في نصرته وتثبيت أمره وتصديق ما جاء به، والخنوع # لموجبه، وأن ذلك أجمع يمنع في وضع العادة وما عليه الفطرة من ضياع # شيء من كتاب الله تعالى وإدخال زيادة فيه يشدك أمرها، ويخفى على الناس # حال الملتبس بها. # ولقد أخرج الصحابة ظهور القرآن بينهم وشهرته فيهم وشدة تعليم # الرسول وتعلمهم إياه منه، ومداومتهم على ذلك، وجعله ديدنا وشعارا إلى # ضرب المثل به، وإقرائه بما شهر تعليم الرسول له على ms063 وجهه وترتيبه الذي # لا يجوز ويسوغ مخالفته وتقديم مؤخر منه أو تأخير مقدم. # وكانوا يقولون في حديث التشهد: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن ". # وإنما قالوا ذلك على وجه تعظيم أمر التشهد والإخبار عن تأكد # فريضته، ولزوم ترتيبه على سنن من لقنوه، وكيف يجوز مع هذا أن يذهبوا # عن حفظ القرآن الذي هو الأصل أن يؤخروا منه مقدما أو يقدموا مؤخرا. # ويجتهدوا في إحالة نظمه وتغيير ترتيبه. # ولقد كانوا يأخذون أنفسهم بكثرة دراسة القرآن، والقيام به والتبتل له. # حتى ظهر ذلك من حالهم وانتشر، حتى تظاهرت الروايات بأن الصحابة كان # لهم إذا قرؤوا في المسجد دوي واشتباك أصوات بقراءة القرآن، حتى يروى # أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم إذا قرأوا أن يخفضوا أصواتهم ~~لئلا يغلط بعضهم بعضا، وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: "إن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ # PageV01P139 # سورة السجدة سجد فنسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكانا لجبهته ". # وروي عنه أيضا أنه قال: "كنا نقرأ عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~السجدة فنسجد حتى يزحم بعضنا بعضا". # وهذا من أوضح الأدلة على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يلقي القرآن # إلقاء شائعا ذائعا ويجمعهم له ويأخذهم بتعليمه والإنصات له، وأن الحفظة # له كانوا في عصره خلقا كثيرا. # وكان عبد الله بن مسعود يقول: "تعلمت من في رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سبعين سورة، وإن زيدا له ذؤابة يلعب مع الغلمان ". # وقال معاذ بن جبل: "عرضنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يعب ~~على أحد منا، وقرأت عليه قراءة سفرتها سفرا فقال: يا معاذ هكذا فاقرأ". # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ على أبى وهو أعلم بالقرآن ~~منه وأحفظ، ليأخذ أبي نمط قراءته وسنته، ويحتذي حذوه. # وقد روي هذا التأويل عن أبي وابن أبي. # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرفهم قدر القرأة، ويأمرهم ~~بتعظيمهم، وأخذ ms064 القرآن منهم، ويقول: "خذوا القرآن من أبي وعبد الله بن ~~مسعود وحذيفة" # فروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "خذوا القرآن من أربعة: # PageV01P140 # عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل "، ~~ثم يحثهم على كثرة دراسته، ويأمرهم بتزيين القرآن بأصواتهم، ويحثهم على ذلك ~~خوف الكلال والملال، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "زينوا القرآن بأصواتكم ~~". # وروي عنه رواية مشهورة أنه قال وقد سمع قراءة أبي موسى الأشعري: # "لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود". # وروي عنه أنه قال ل أسيد بن حضير وكان حسن الصوت بالقرآن وقد قرأ # من الليل فسمع حسا جالت منه فرسه حتى خشي أن تطأ ابنه، فانصرف من # صلاته إلى فرسه، ونظر فإذا مثل الظلة من السماء، فيها كالمصابيح، فأخبر # بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~((تلك الملائكة دنت لصويك، ولو مضيت لرأيت العجائب ". # وكان مع ذلك يأمر بتقديم القرأة وتعظيمهم، ويعزفهم ما لهم من عظيم # الثواب في تحصيله، وشدة الأمر في الإبطاء عنه والنسيان له، ويأخذ كل # PageV01P141 # داخل في الإسلام بقراءة القرآن وتعلمه إياه بعد الشهادتين، ولا يقدم على # ذلك شيئا غيره، ويعرفهم قدر موقعه، ولا يدع ذلك ببلده ودار مهاجره # وسائر الآفاق والأقطار التي افتتحها وفشا الإسلام فيها، ولا يخلي أهل ~~ناحية # وجماعة من الأمة من معلم القرآن ومنتصب له فيهم، كما لا يخليهم من # معلم للإسلام وأركانه وفرائض دينهم التي لا يسعهم جهلها والتخلف عن # حفظه ومعرفتها، وظهر ذلك من أمره واشتهر لكثرة إبدائه وإعادته بالقرآن # وتعظيم الشأن فيه والحث عليه وكثرة تلاوته بقوله على أهل المواسم # والمحافل في أيام الحج وغيرها، والإذاعة له في أندية قريش ومجالسهم. # وذكر أصحابه ورسله والداعين إليه للقرآن، وأخذهم الناس بتعليمه وتحفطه # حتى صار كثير من قريش ومن اليهود والنصارى يحفظون كثيرا منه كما # يحفظ المسلمون، ويعرفون ما يتلى عليهم منه كما يعرفه الناظر في # المصحف من المسلمين والذي كثر طرقه لسمعه وإن لم ms065 يحط حفظا به. # ولم يكن هذا أمرا خافيا ولا مكتوما، فروى الناس رواية ظاهرة أن النفر # من الأنصار الذين منهم النقباء والأفاضل لما لقوا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - # في الموسم فأجابوه إلى الإسلام ولم يرجعوا إلى المدينة حتى حفظوا في # وقتهم صدرا من القرآن وكتبوه ورجعوا به إلى المدينة، فلما كان من قابل # كانت العقبة الأولى، ونشأ الإسلام في المدينة، فأرسلت الأنصار إلى رسول # الله - صلى الله عليه وسلم - يطلبون رجلا يقرئهم القرآن ويفقههم في ~~الدين، فوجه # إليهم مصعب بن عمير، وكانوا يسمونه المقرئ، وما زال مقيما عندهم # PageV01P142 # ويقرئهم القرآن إلى أن انتشر الإسلام بالمدينة واستعلى، وكانت العقبة # الثانية، وذكر أن مصعب بن عمير عاد إلى النبي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في # بعض تلك الأيام إلى مكة ثم عاد إلى المدينة وهاجر ابن أم مكتوم معه. # أو بعده، وكان مصعب وابن أم مكتوم يقرئان القرآن بالمدينة إلى توافي # أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة مهاجرين إليها. # ولما افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة خلف بها معاذ بن جبل ~~يعلم # الناس القرآن، ويفقههم في الدين، وقال عبادة بن الصامت: "كان رسول # الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم عليه الرجل مهاجرا دفعه إلى رجل منا ~~يعلمه # القرآن، قال: فدفع إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا وكان معي ~~في البيت # أعشيه عشاء البيت وأقرئه القرآن، وقال عبادة أيضا: "علمت رجلا من # أهل الصفة القرآن والكتابة". # وكان المسلمون بأرض الحبشة لما هاجروا إليها يتدارسون القرآن # ويحاجون به مخالفيهم، ويستظهرون به على الطاعن في دينهم، وذكروا أنه لما # أنزلت: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد ~~إلا الله ولا نشرك به شيئا) . # مع آيات أنزلها الله تعالى في محاجة أهل الكتاب كتب بهن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV01P143 # إلى جعفر ابن أبي طالب عليه السلام وأمره أن يحاج بهن النصارى # فيما كان يحاجهم به من القرآن. # ولما ms066 قدم وفد الحبشة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة ~~ودعاهم إلى # الإسلام واحتج عليهم وأوضح لهم، فأسلموا وحسن إسلامهم، وأقاموا عنده ~~ثلاثا، فيقال إنهم أخذوا عنه في تلك الأيام قرآنا كثيرا ورجعوا به إلى ~~بلادهم. # ولما جاء وفد ثقيف كان منهم عثمان بن أبي العاص، فجعل # يستقرئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن ويتعلمه منه ويختلف إليه ~~فيه، حتى # أعجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رأى من حرصه على تعلم القرآن ~~فأمره # على قومه، وكان من أحدثهم سنا. # وروى عبد الله بن مسعود قال: "جاء معاذ إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - # فقال: يا رسول الله أقرئني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا ~~عبد الله أقرئه، قال: فأقرأته ما كان معي، ثم اختلفت أنا وهو إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقرأت ومعاذ وصار معلما من المعلمين على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه إلى المدينة لقيه بريدة ابن # الحصيب في بعض الطريق، فعرض عليه الإسلام فأسلم، وعلمه من وقته # صدرا من سورة مريم، ثم قدم بريدة بعد ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - # فقال له رسول الله: ما معك من القرآن با بريدة، فقال: يا رسول الله ~~علمتني # PageV01P144 # بالغميم ليلة لقيتك صدرا من السورة التي يذكر فيها مريم، فأقبل رسول الله # - صلى الله عليه وسلم - على أبى بن كعب، فقال: "يا أبى أكملها له "، ثم ~~قال: "يا # بريدة تعلم سورة الكهف معها، فإنها تكون لصاحبها نورا يوم القيامة". # وكان بريدة يقرئ قومه، واستعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~صدقاتهم. # وقد عرفت حال الصحابة في حسن طاعة النبي صلى الله عليه والانقياد # له وإيثار نصرته والانتهاء إلى أوامره، وأنهم قتلوا الآباء والأبناء في ~~طاعته. # فكيف يجوز مع ذلك أن يهملوا القرآن ويحتقروا شأنه وهم يرون ويسمعون # من تعظيم النبي صلى الله عليه وحثهم على تعليمه، وأخذهم بدرسه وإقرائه ms067 # بالشهادتين، وجعله تالي ما يدعو إليه من فرض التوحيد. # ولقد ظهر من حرصهم وشدة عنايتهم لحفظ القرآن ودراسته، والقيام به # في آناء الليل وآخر النهار ما ورمت معه أقدامهم، واصفرت ألوانهم. # وعرفت به سيماهم من أثر السجود والركوع، حتى هم خلق كثير منهم # بالتبتل والرهبانية والإخلاد والاجتهاد إلى العبادة فقط، وقطع الحرث # والنسل حتى أنكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونهاهم عنه، حتى ~~ظهر عن # سعد بن مالك أنه قال: "لقد رد رسول الله صلى الله عليه على عثمان بن # مظعون التبتل، ولو رخص فيه لاختصينا". # PageV01P145 # ولقد كثرت قراءة رسول الله صلى الله عليه والصحابة للقرآن وإقراؤهم # إياه وتدارسه بينهم ومواظبتهم عليه وكثرة دعائهم الناس إليه حتى حفظ ~~كثيرا منه البوادي والوفود والأعراب، فضلا عن المهاجرين والأنصار، فروي عن ~~عمرو بن سلمة قال: "كنا على حاضر فكان الركبان يمرون بنا راجعين من عند ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأدنوا منهم فأسمع حتى حفظت قرآنا ~~كثيرا"، وهذا لا يكون إلا مع كثرة الراجعين بالقرآن من عنده، وانطلاق ~~ألسنتهم به، ولصقه بقلوبهم، وحرصهم على معاودته ودراسته. وفي رواية أخرى عن ~~عمرو بن سلمة قال: "كان ركبان يأتوننا من قبل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فنستقرئهم فيخبروننا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"ليؤمكم أكثركم قرآنا" فكنت أؤمهم وكنت من أحدثهم سنا، وكنت من أكثرهم ~~قرآنا"، وهذا يدل على حفظ الوفود له وشهرة إمرة القرآن فيهم، وكثرة ~~الحافظين له منهم، ولقد حفظوه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحفظ ~~كثيرا منه النساء والصبيان، لظهور أمره وتعاظم قدره وكثرة حث الرسول عليه ~~السلام وحضه على تعليمه. # قالت عائشة رضوان الله عليها في قصة الإفك لما قصتها وذكرتها لما # نزلت به من القرآن في الوقت الذي أجابت فيه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: # PageV01P146 # "وكنت جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن "، فدلت بذلك على # أنها قد كانت تقرأ منه وأن كبار النساء آنذاك كن يحفظن كثيرا ms068 من القرآن. # وأن الحداثة منعتها من مشاكلتهن في ذلك. # وجاءت الأخبار بأنه قد كان إذ ذاك نساء كن يحرصن على قراءة القرآن # وجمعه وحفظه، وأن أخت عمر بن الخطاب رضوان الله عليها كانت # تقارىء زوجها سورة طه، وأن عمر عليه السلام دخل عليها فجأة فسمعهما # يقرآن، وسأل عن ذلك، وكان ما سمعه واستعاده سبب إسلامه. # وروى الوليد بن عبد الله بن جميع: مما حدثتني جدتي أم ورقة بنت # عبد الله بن الحارث الأنصاري، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يسميها الشهيدة. # وكانت قد جمعت القرآن، وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يزورها ويقول: "انطلقوا بنا نزور الشهيدة"، وأقر أن يؤذن لها، وأن يؤذن في ~~أهل دارها في الفرائض ". # PageV01P147 # وكانت أم الدرداء من المشهورات بحفظ القرآن وأخذ نفسها بدرسه # والقيام بإعرابه، وروى يونس بن ميسرة الجيلاني عن أم الدرداء قالت: "إني # لأحب أن اقرأه كما أنزل، وكانت أم عامر الأشملية مقن تقرأ القرآن ويكتب # لها، وجاءت بما كانت تحفظه إلى زيد بن ثابت أيام جمع أبي بكر القرآن # مكتوبا لها بخط أبى بن كعب. # وروى داود بن الحصين عن أبيه عن أبي سفيان مولى ابن أبي # أحمد قال: سمعت أم عامر تقول: قرأت قبل أن يقدم رسول الله # - صلى الله عليه وسلم - علينا من مكة إحدى وعشرين سورة، ثم عدتها في ~~الرواية عنها، منها من الطوال ومنها من المفصل، ومن الطوال يوسف، وطه، ~~ومريم، ومن الحواميم. # فنرى أنه كم يجب على هذا أن يكون حفظ القرآن وكثيرا منه عند انتشار # الإسلام وظهوره في الآفاق، وكثرة أهل العلم والشدة فيهم وسماع أزواج # PageV01P148 # الرسول عليه السلام كحفصة وأم سلمة وعائشة عند ترادف نزول الوحي به # وتلاوته في بيوتهن، وأخذه من منازلهن، وحضور من يحضر من النساء # عندهن، ويقرأ عليهن ويحتجن إلى تدريسهن، ويأمرهن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - بتعليمهن. # وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يأخذ الصحابة بتعليم الولايد ~~والأطفال # والأخذ لهم به، حتى روى سعيد بن جبير عن ms069 عبد الله بن عباس أنه قال: # "جمعت المحكم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "، يعني المفصل ~~وكانت سنه إذ ذاك ثلاث عشرة سنة أو دونها. # وقد تحفظ أيضا زيد بن ثابت شيئا كثيرا في حال صغر سنه. # فروى ابن أبي الزناد عن أبيه أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت أنه ~~أخبره # أنه قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، قال زيد: فذهب بي ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليعجب بي، فقالوا: يا رسول الله هذا ~~غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك سبع عشرة سورة، قال: فأعجب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا ~~زيد، تعلم كتاب يهود، فإني والله ما آمن يهود على كتابي "، قال: فتعلمت له ~~كتابهم، فما مرت بي # PageV01P149 # خمسة عشر حتى حذقته، وكنت أقرأ كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا # كتب، وذكر أنه كانت سنه إذ ذاك إحدى عشرة سنة. # وأن زيد بن ثابت قال: "كانت وقعة بعاث وأنا ابن ست سنين، وكانت # قبل هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخمس سنين، فقدم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - المدينة وأنا ابن إحدى عشرة سنة، فلم أجز في بدر ولا ~~أحد، وأجزت في الخندق ". # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أمره للصحابة بتعليم القرآن # والانتصار له وتأكيد الوصية بذلك ينهاهم عن أخذ رفد أو أجرة عليه. # إعظاما له، وحثا على طلب القربة والمثوبة به، فروي أن رجلا قدم وأبي # يقرىء في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعل يختلف إليه يعلمه، ~~فأعجبت أبيا قوس كانت مع الرجل، فسأله أن يبيعه إياها، فوهبها له الرجل، ثم ~~سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فنهاه عن قبولها. # وذكر في بعض الأخبار أنه قال: "قوس من نار". وذكر أن هذا الرجل كان # الطفيل بن عمرو الدوسي، قال بعض الرواة: إن المقرىء كان زيد بن # ثابت، ms070 وقال آخرون: كان عبادة بن الصامت، وقال آخرون: أبي بن كعب، مع ~~اتفاقهم على تصحيح هذه القصة وثبوت الرواية. # PageV01P150 # ولقد كثر حفاظ القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتشروا ~~وعرفوا به حتى كانوا يدعون أهل القرآن وقراء القرآن والقرأة من الصحابة، ~~وينادون به في المغازي وعند المعترك وشدة الحاجة إلى الجهاد والإذكار ~~بالآخرة، ويتنادون بأصحاب سورة البقرة، هذا مع العلم بأن طالب القرآن منهم ~~لم يكن يبدأ بتحفظ البقرة وأمثال ها وإن كان منهم الشاذ النادر ممن يفعل ~~ذلك، وإنما كانوا يبدأون بالمفصل وما خف وسهل حفظه على النفس، وإنما كان ~~يتعرض لحفظ البقرة وأخواتها من الطوال من قد حفظ سائر ما أنزل ولم يبق عليه ~~منه إلا القليل، وربما جعل البقرة آخر شيء يحفظه، هذا هو العادة والمعروف ~~من أحوال من سبقت هجرته وطالت صحبته، وحال من ابتدأ الدخول في الإسلام ومن ~~بلغ الحلم واحتاج إلى التعليم والتدريج، فثبت بذلك أن أهل سورة البقرة إنما ~~كانوا حفاظ القرآن، وكان يكنى بذكر البقرة عن حفظ سائر القرآن لكونها أصعب ~~سورة منه وأطولها. # وقد روى الناس أنه لما كان يوم حنين خاضت بغلة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وكانت بغلة بيضاء، فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينهزم ~~فاعتنق البغلة حتى مال السرج حتى كاد يقع عن بطنها، قال عبد الله: فأتيته ~~فأدخلت يدي تحت إبطه، ثم رفعته حتى عدلت السرج، ثم قلت: "ارتفع رفعك الله ~~"، ثم أخذت بلجام البغلة فوجهتها في وجه العدو، ونودي في الناس: يا أصحاب ~~سورة البقرة، يا أصحاب الصفة، فأقبلوا بالسيوف كأنها الشهب، وأخذ رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، فهزمهم الله ~~جل وعز. # وفي رواية العباس مثل ذلك، وأنه قال: فرمى بالتراب وقال: # PageV01P151 # "شاهت الوجوه "، وأن المؤمنين وأهل القرآن توافوا بالسيوف، وأحدقوا # برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحفوا به إحداق البقر بأولادها، قال: ~~حتى خفت على رسول الله - صلى الله ms071 عليه وسلم -، يعني من الزحام حوله وشدة ~~الذيادة عنه. # والأغلب من حال هذه الرواية أن يكون أكثر من أحدق برسول الله صلى # الله عليه هم أهل سورة البقرة، وحفاظ كتاب الله، وأهل الصفة الذين كانوا ~~متبتلين لعبادة ربهم، ومنتصبين لقراءة القرآن ولحفظه، وأخذ أنفسهم به، ولعل ~~سائر أهل الصفة كانوا حفاظا لكتاب الله جل وعز على ما يوجبه # ويقتضيه ظاهر حالهم، لأنهم لم يكن لهم في زمن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عمل ولا معيشة ولا حرفة غير ملازمة المسجد والصلاة وتعلم القرآن ~~والتشاغل بصالح الأعمال، لا يتشاغلون بشيء سوى ذلك، وكان الناس قد عرفوهم ~~بذلك فكانوا لأجل ما ذكرناه من أحوالهم يحنون عليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم، ~~ويراعون أمورهم، ويشركونهم في أقواتهم، ويرون تفضيلهم على أنفسهم، وإجارتهم ~~عظيم الفضل بما انقطعوا إليه من التشاغل بأمر الآخرة والانتصاب لحفظ القرآن ~~وتدارسه والصلاة به. # والأشبه بمن هو دون هؤلاء في الفضل والدين وحسن البصائر، وثاقب # الأفهام، وصحة القرائح والنحائر، وسرعة الحفظ والاقتدار على الكلام # ، وحفظ ما قصر وطال: أن لا يبطئوا ويتخلفوا عن حفظ القرآن الذي هو # أصل دينهم، وعماد شريعتهم، وأفضل أعمالهم، وأعظمه ثوابا عند الله # تعالى، فوضع العادة يقتضي إحاطة جميع أهل الصفة بحفظ جميع ما كان # ينزل من كتاب الله تعالى، فكيف يجوز مع ما وصفناه أن يهملوا أمر القرآن. # ويعرضوا عن تحفظه، ويحتقروا شأنه، ويتشاغلوا بغيره عنه، وقد سمعوا من # PageV01P152 # الله ومن رسوله في الحث عليه والتفضيل لقرأته ما حكيناه من حالهم في # إعظامه وإعظام أهله ما وصفناه. # وهم مع ذلك لم يحولوا طول تلك الأيام عن صفتهم، ولا ارتدوا عن # دينهم، ولا لحقهم عناء ولا فتور في طاعة ربهم، ونصرة نبيهم، وحسن # الإصغاء والإنصات لما يورده عليهم، ويأخذهم بحفظه، ويأمرهم بحياطته. # بل يزدادون في كل يوم بصيرة وتيفنا وتمسكا بطاعة الله تعالى وتثبيتا. # وبذلك وصفهم الله تعالى في غير موضع من كتابه وعلى لسان رسوله، فمن # أي ناحية يتجه عليهم الظنة في تضييع القرآن وإهماله والذهاب ms072 عن تأليفه # وترتيبه واستجازة تغييره وتبديله والزيادة فيه والنقصان منه لولا قلة ~~الدين # والذهاب عن التحصيل؟! # ولقد اتسع حفظ القرآن في الناس في زمن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه ~~وكثر حفاظه، والقائمون به، والتالون له، حتى إنه # كان لهم في ذلك هيعة وضجة وأمر عظيم مشهور. # وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن سيرين قال: # PageV01P153 # "كان أبي يقوم للناس على عهد عمر في رمضان، فإذا تمت عشرون ليلة انصرف ~~إلى أهله وقام للناس أبو حليمة". # وروى ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس قال: # سمعت ابن عباس يقول: "دعاني عمر أتسحر عنده، أو أتغذى عنده في شهر # رمضان، فسمع عمر هيعة الناس خرجوا من المسجد، فقال لي: ما هذا. # قلت: الناس حين خرجوا من المسجد، قال: ما بقي من الليل أحب إلي مما # ذهب منه ". # وروى عاصم عن أبي عثمان قال: "كان لعمر ثلاثة قراء، فأمر # أسرعهم قراءة بأن يقرأ ثلاثين آية، وأوسطهم بخمس وعشرين، وأدناهم # بعشرين ". # PageV01P154 # وروى حماد بن زيد عن كثير بن شنظير عن الحسن أن # عمر بن الخطاب رضوان الله عليه أمر أبيا أن يصلي بالناس في رمضان. # وروى يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عن عمه قال: "جمع # عمر الناس على أبي بن كعب وتميم الداري ". # وروى محمد بن سيف عن السائب بن يزيد أنه قال: "أمر عمر بن # الخطاب أبي بن كعب وتميم الداري أن يقوما للناس، قال: فكان القارىء # يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف # إلا في بزوغ الفجر". # PageV01P155 # وروى ابن جريج أن أول من قام لأهل مكة في خلافة عمر بن # الخطاب زيد بن منقذ بن زيد بن جدعان، وكان من شاء قام معه، ومن # شاء قام لنفسه، ومن شاء طاف ". # PageV01P156 ### | (سبب جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس في صلاة التراويح على إمام واحد) # وروى مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن # عبد الرحمن بن عبد الله ms073 القاري قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة # في شهر رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل # لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي لصلاته الرهط، فقال عمر: "إني لأرى لو # جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل"، ثم عزم فجمعهم على أبى بن # كعب، ثم خرجت بعد ليلة أخرى والناس يصلون، فقال عمر بن الخطاب: # "نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون " يريد آخر # الليل، وكان الناس يقومون أوله ". # PageV01P157 # وذكر أصحاب التواريخ أن عمر بن الخطاب أمر بالقيام في شهر رمضان # في المدينة، وكتب إلى البلدان في سنة أربع عشرة، ثم لم يزل كذلك طول # سنينه وأيام نظره إلى أن مات رضوان الله عليه، ولم يزل الأمر كذلك إلى # أيام عثمان وعلي والتلاوة تكثر، والحفظ يتسع، والقرآن ينتشر، والإصغاء # إليه يحصل من الصغير والكبير، والحاضر والبادي، والقاصي والداني، فلا # يحفظ على أحد من الناس أنه قال في طول تلك الأيام: إن القرآن مبدل # ومغير، ومزيد فيه ومنقوص منه، ومرتب على غير سننه ووجهه الذي أنزل # عليه، ولا يقدح بهذا على راع ولا رعية، ولا تابع ولا متبوع، ولا يتناكر # الناس شيئا مما يظهر بينهم منه، ولا يتحزن متحزن ولا يتأسف متأسف على # ضياع شيء منه، ولا يطعن طاعن، ولا يقدح قادح على تاليه ومقرئه وكاتبه # وناسخه بتغير شيء منه، أو الزيادة فيه، أو النقصان منه، وكل هذا يدل # دلالة بينة على تكدب من ادعى تغيير القرآن وانقطاع نقله وخفاء أمره، وقلة ~~حفاظه، وانصراف همم الناس ودواعيهم عن حفظه وإحرازه، وأنه لو وقع فيه تغيير ~~أو تبديل، أو زيادة أو نقصان، أو مخالفة في الترتيب لسارع الناس إلى نقل ~~ذلك والمذاكرة به، والتذامر لأجله، والإبداء والإعادة له، وفي فقد العلم ~~بذلك دليل على بطلان ما يدعونه من هذا الباب. # فإن قال قائل: هذا الفصل من الكلام ومن فعل عمر وسيرته وإن كان # شاهدا لكم على ما قلتم، وحجة لصحة ما اعتقدتم، فإنه من أوله إلى آخره # طعن على ms074 عمر وقدح فيه، وغض في عمله وقدره، لأنكم جميعا تشهدون # عليه بأنه أحدث في هذا الباب سنة لم تكن على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وفعل ما لم يره الرسول صوابا، وقدم رأيه لرأي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، واعتقد أنه قد استدرك من مصلحة الأمة وحسن الاحتياط لها ~~ما ذهب على # PageV01P158 # الرسول علمه، وكل هذا طعن على من اعتقده في نفسه وأبدع في الدين ما # لم يشرعه الله سبحانه ولم يسنه رسوله، فما العذر عندكم لعمر في هذا # الباب، وما المخرج له منه؟ # فيقال لمن اعترض بهذا من أغبياء الرافضة وأوغادها: ليس الأمر في # هذا على ما توهمتم، بل ما وصفناه: من فضائل عمر الشريفة وسننه الرضية # الحميدة التي رضيها المسلمون، ونور بها مساجدهم، وقوى بها هممهم # ودواعيهم على طاعة ربهم، وحفظ كتابه، وإعظام دينه، وإقامة معالمه. # وكان ما صنعه من ذلك متبعا للرسول - صلى الله عليه وسلم - وحاضا على ما ~~حث عليه ودعا إليه ورغب فيه، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ~~كان صلى بالناس هذه الصلاة في شهر رمضان، جمعهم لها وقام بهم فيها، ثم ترك ~~ذلك مع إيثاره له ورغبته فيه خوفا من فرضه على أمته، أو خوف توهم متوهم من ~~بعده أنها لمداومة الرسول عليها من اللوازم المفروضات، وأخبرهم بأنه إنما ~~تركها لهذه العلة، لا لقبحها ولا لكونها بدعة في الدين، ولا لأجل أنها ~~مفسدة للدين والمسلمين، ولا مما يجب أن يزهدوا فيه ويرغبوا عنه. # وروى أحمد بن منصور الرمادي عن عبد الرزاق عن معمر عن # الزهري عن عروة عن عائشة رضوان الله عليها قالت: "صلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالناس في شهر رمضان في المسجد، ثم صلى الثانية واجتمع ~~تلك الليلة أكثر من الأولى، فلما كانت الليلة الثالثة والرابعة امتلأ ~~المسجد حتى غص بأهله، فلم يخرج إليهم، فجعل الناس ينادونه الصلاة، فلم ~~يخرج، # PageV01P159 # فلما أصبح قال عمر بن الخطاب: ما زال الناس ينتظرونك يا رسول الله. # البارحة، ms075 قال: أما إنه لم يخف على أمرهم، ولكني خشيت أن تكتب # عليهم ". # وروى قتيبة بن سعيد عن مالك عن ابن شهاب، عن عروة عن # عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى في المسجد ~~ذات ليلة فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من ~~الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه، فلما ~~أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت ~~أن يفرض عليكم ". # وذلك في رمضان. وقد تظاهرت الأخبار بصلاة رسول الله صلى الله عليه بهم، ~~وإخبارهم بأنه إنما امتنع من ذلك لما ذكره، فبين بهذه الأخبار أن هذه ~~الصلاة سنة حسنة، فإن الاجتماع لها والقيام بها فضل كثير، وسنة جميلة، ولو ~~كان ذلك مكروها عند الله تعالى في دينه لم يفعله وإنما وقع من الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - باجتهاده: لكان خليقا بأن جبريل نهاه عن ذلك وأخبره أن ~~هذه الصلاة # PageV01P160 # بدعة مكروهة، وأن الاجتماع لها ليس من المصلحة، فلما عدل عن ذلك # إلى القول بأنه إنما ترك ذلك مخافة أن تفرض عليهم ثبت أن هذه الصلاة # والتجمع لها سنة حسنة، وأنه إنما امتنع من ذلك - مع إيثاره لها - خيفة أن # تفرض، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وانختم الوحي وانقطعت # الرسالة، أمن فرض ذلك وزال الخوف منه عادت الصلاة والتجمع لها إلى ما # كانت عليه من الحسن، واستحب لكل مسلم فعل مثل ما كان رسول الله # - صلى الله عليه وسلم - فعله - على وجه التقرب - ودعا إليه، ورغب فيه، ~~وقد تظاهرت الأخبار عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يكثر الترغيب في ~~هذه الصلاة ويحث على فعلها، ويرى الناس مجتمعين للقيام بها وأفذاذا، فيقر ~~الفريقين جميعا ويستحسن ذلك من صنيعهم. # وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أن القيام كان على عهد # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان يقوم النفر والرجل كذلك، ~~والنفر وراء الرجل، فكان ms076 عمر أول من جمع الناس على قارئ واحد، ومن المحال ~~أن يكثر هذا منهم ويتردد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يرى ~~عليه السلام اجتماعهم، ولا يسمع منه بذلك، ولو كان الاجتماع لهذه الصلاة ~~منكرا لأنكره وزجره عنه، ورغب في سواه، وإنما ترك هو التقدم بهم لعلة ما ~~ذكره، ولعلهم أو كثيرا منهم مجمعون لأنفسهم ويبلغه ذلك فلا ينكر عليهم، ~~وكيف ينكر عليهم ذلك وهو يحثهم ويبعثهم على هذه الصلاة والمحافظة عليها ~~بغاية الترغيب؟! # PageV01P161 # وروى الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يرغب في قيام شهر رمضان من غير أن يأمر بعزيمة فيه، فيقول: "من قام ~~رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ". # وروى الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن # عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه قال: "من قام # رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ". # وفي أمثال لهذه الرواية كلها بهذا المعنى، وقريبة من هذا اللفظ، فكيف # تكون هذه الصلاة بدعة. # وهذا قدر حث رسول الله صلى الله عليه عليها، وترغيبه فيها، وقد ثبت # مع ذلك أنه جمع الناس للقيام بها، ثم امتنع من ذلك للعلة التي ذكرناها. # وقد بينا أن هذه العلة مأمونة غير مخوف وقوعها بعد وفاة النبي صلى الله # عليه فوجب أن يكون القيام بها والاجتماع لها سنة حسنة جميلة مع ما في # ذلك من أخذ الإمام نفسه بتجويد الحفظ وإقامة القراءة والحذر من عيب # الغلط وشدة إصغاء من خلفه وتذكرهم وضبطهم لما يسمعونه، وتفريغ # قلوبهم وأذهانهم كذلك، وانصراف هممهم إلى سماعه وتأمله وتصفحه # PageV01P162 # والاتعاظ به، فإن لسماعه من قارئه في المحراب من عظيم الاتعاظ والموقع # والتدين من نفوس المؤمنين ما لا خفاء به، فأي بدعة في هذا ومخالفة # للسنة! وهي سنة جميلة في تعظيم الدين ومصالح المسلمين وإكادة عدوهم. # وإقامة معالم دينهم وتنوير مساجدهم، والترغيب في طاعة ربهم، والتشاغل # بعبادته ms077 وتعظيم كتابه، فمن ظن هذا بدعة من أغبياء الشيعة وعامتهم فلا ~~حيلة في أمره، ومن قال ذلك وناظر عليه ممن له أدنى مسكة منهم فلا شك ولا ~~شبهة علينا ولا على أحد في تلاحده وتلاعبه، أو فرط تعصبه وتنقصه لعمر رضوان ~~الله عليه والحرص على بخسه حظه، وتحيفه فضائله، وتطلب العنت له والعيب عليه ~~بما لا عيب فيه ولا نقيصة، ولا أقل - مع الإنصاف وترك العناد - من سلامة ~~عمر من هذا الفعل، كفافا، لا له ولا عليه، فأما الطعن عليه والغض منه ومن ~~قدره لأجله فإنه إفراط في الجهل والعنادة، والله # المستعان. # فإن قيل: ما معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما منعني أن أخرج ~~إليكم إلا خشية أن تكتب عليكم "؟ # قيل له: معنى ذلك ظاهر، وهو إيثاره التخفيف عن الأمة، ويمكن أن # يكون قد أخبره الله جل وعز على لسان جبريل أنه إن خرج إليهم وواصل # هذه الصلاة فرضت عليهم، إما لإرادته فرضها فقط على ما يذهب إليه، أو # لأنه إن دام عليها حدث فيهم من الاعتقادات وتغير الحالات والأسباب ما # يقتضي أن تكون أصلح الأمور لهم كتب هذه الصلاة عليهم، وأنه إذا تركها # لم يكن منهم ما يوجب كون فرضها صلاح حالهم. # ويحتمل أيضا أن يكون ظن أن ذلك سيفرض عليه، وأن تكون قد جرت # عادته وعادة الصحابة في أعمال القرب أنهم إذا داوموا عليها على وجه # PageV01P163 # الاجتماع عليها والاشتراك فيها كتب عليهم، فامتنع من ذلك على وجه إيثار ~~التخفيف عن الأمة، وقد يمكن أيضا أن يكون عنى بقوله: "خشية أن تكتب عليكم " ~~إنني أخاف أن يظن ظان بعدي من خليفة وإمام أنها واجبة في # شريعتي لمداومتي عليها فيلزمكم إياها ويأخذكم بها وبالقول إنها مفروضة # في الدين، وما قلناه أولا أقرب، لأن إطلاق القول إنها تكتب وتفرض # عليكم إنما يعقل منه أن يكتبها ويفرضها من له - تعالى - تعبد خلقه # وتكليفهم وامتحانهم، دون من ليس له ذلك ممن يظن أن الله قد فرض # وكتب على خلقه ما يدعوهم ms078 هو إليه، وكل هذه الأسباب مأمونة بعده - صلى ~~الله عليه وسلم -، وفي إقامتها والاجتماع عليها ولها من الفضل والانتفاع ~~بها ما قدمنا وصفه، فبطل بذلك جميع ما توهموه قادحا في فضيلة عمر بهذا ~~الباب وإضافة بدعة إليه، وأنه شرع في الدين ما ليس منه. # فإن قال قائل: جميع ما ذكرتموه من أخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~في الحث على حفظ القرآن وإقرائه له، الشهادة الحق، وكلمة التوحيد، وتعليمه ~~إياه كل داخل في الإسلام، وقراءته على الوفود أيام المواسم، وحفظ خلق من ~~أهل الكفر لكثير منه، فضلا عن المسلمين بحفظ النساء والصبيان له، وإنفاذ ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلفاءه ودعاته به إلى البلاد، وسبق ~~الأنصار بحمله إلى المدينة قبل الهجرة، وحصول قراء له عندهم ومنتصبين ~~لإقرائه الناس قبل مهاجره وظهور تسمية حفاظه بأنهم أهل القرآن، وأهل سورة ~~البقرة، ووجوب توافي همم أهل الصفة على حفظه، وتشاغل سائرهم به دون غيره. # ومما روي من تغليظ القول في نسيانه بعد حفظه، وشدة تفلته # وعظيم المأثم في تركه، إلى غير ذلك مما أطنبتم في ذكره، يقتضي في # مستقر العادة وتركيب الطبيعة وما فطر الناس عليه أن يكون في الصحابة خلق # PageV01P164 # كثير من المهاجرين ثم من الأنصار قد حفظوا جميع القرآن وجمعوه. # وأحاطوا به حتى لم يذهب عليهم شيء منه، بل يجب أن تكون هذه حال # كافة أهل العلم والفضل والهجرة والسابقة من الصحابة، فإذا لم يكن الأمر # على هذا علم أن الحجة لم تقم بهذه الأخبار التي رويتموها، وأن الأمر في # حال القرآن وتعظيم شأنه لم يكن عند القوم ولا في صدر الشريعة على ما # وصفتم، والأخبار قد تظاهرت من الجهات المختلفة بأن الذين جمعوا # القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا أربعة نفر فقط أو ~~خمسة، وهذه الأخبار هي من طرقكم ورواياتكم، وعن الرجال الذين توثقون نقلهم ~~وتسكنون إلى أخبارهم، فروى الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: "جمع القرآن على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه ms079 وسلم - أربعة: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، ~~ومجمع بن جارية، وسالم مولى أبي حذيفة، وكان ابن مسعود قرأ على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - سبعين سورة"، في أمثال لهذا الخبر كلها وردت بأن قدر ~~عدد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # ما ذكرناه، وهذا نقيض ما ادعيتموه. # يقال لهم: جميع ما قدمناه من أحوال الصحابة وشدة تدينهم وتمسكهم # بالدين والقرآن وتحفظه وتلقنه، والإقبال عليه، وحث الرسول عليه السلام # لهم على حفظه ودراسته، وإنفاذ الدعاة به، إلى غير ذلك مما وصفناه، مما # PageV01P165 # قد تواترت وتظاهرت به الأخبار على المعنى وإن اختلفت في ذلك الألفاظ # والعبارات، وعلم ضرورة ثبوته، كما نعلم في الجملة تمسك الصحابة # بالإيمان وتصديقهم الرسول وإعظامهم له وشدة نصرتهم إياه، وإن اختلفت # الروايات فيما كان من أفعالهم وألفاظهم وحالاتهم الدالة على صدق # جهادهم، وشدة إيثارهم له، وعداوتهم لأهل الشرك، وليس هذا مما لعاقل # فيه شبهة ولا يجب ترك هذه الروايات المتوافية على المعنى والعلم بما عليه # العادات وما كانت عليه الصحابة بمثل الأخبار المروية في أنه لم يجمع # القرآن من الصحابة إلا أربعة نفر، بل يجب أن يعتقد فيه أحد أمرين: # الضعف والوهاء، والسهو والإغفال لما هي عليه من اختلاف المتون # والألفاظ، وزيادة عدد الحفاظ في بعض الأخبار ونقصانهم في بعضها. # والشك في حفظ آخرين، وتنافي ما جاءت به أو تصحيحها وتخريجها # وتأويلها على وجه صحيح يمكن معه الجمع بينها وبين ما قدمناه، واعتقاد # حفظ هؤلاء النفر وحفظ خلق معهم من المهاجرين والأنصار، هذا ما لا بذ # منه. # وأول ما نقول في هذا أن الأخبار المروية في حفظ هؤلاء النفر قد # وردت من جهة الآحاد ورودا مختلفا متفاوتا يدل على الاضطراب وقلة # الضبط وضعف المخرج والنقل، وذلك أنه روي عن عبد الله بن عباس ما # حكيناه عنهم، وروى أيضا عبد الله بن إدريس عن شعبة عن قتادة قال: # PageV01P166 # سمعت أنسا يقول: "قرأ معاذ وأبي وزيد وأبو زيد، قال: قلت: من أبو # زيد، ms080 قال: أحد عمومتي " يعني: على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وروى مسلم بن إبراهيم عن قرة قال: حدثنا قتادة قال: "قرأ # القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبي بن كعب وزيد بن ~~ثابت ومعاذ بن جبل وأبو زيد، قال: قلت: من أبو زيد، قال: من عمومة أنس "، ~~ولم يخبر قتادة في هذين الخبرين ولا عبد الله بن العباس بذلك عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، ولا عن النفر الأربعة بلفظ ينفي حفظ غيرهم للقرآن، ~~وإنما قالا ذلك من جهة غالب الظن والرأي، أو على وجه ما يذكره من التأويل. # وكذلك كل رواية وردت في ذلك ليست عن الرسول ولا بلفظ عن قوم يحج خبرهم ~~يقتضي أن لا حافظ للقرآن سوى من ذكره الرواة. # وروى غير واحد في غير خبر عن محمد بن سيرين في ذلك روايات # مختلفة، فمنها أنه قال في بعض: "جمع القرآن على عهد رسول الله صلى # الله عليه أبي بن كعب وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان وتميم الداري "، # PageV01P167 # وفي رواية أخرى عنه أنه قال: "كان أصحابنا لا يختلفون أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مات ولم يجمع القرآن من الصحابة إلا أربعة كلهم من ~~الأنصار: معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو زيد"، وروى الواقدي ~~قال: حدثني معمر وجماعة عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: "لم يختلفوا في ~~أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واختلفوا في ~~رجلين، قال: "جمع القرآن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أبي ومعاذ ~~بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد الأنصاري، واختلفوا في رجلين: عثمان بن عفان ~~وتميم الداري،، وقال بعضهم: عثمان بن عفان وأبو الدرداء". # وروى سعد بن إسحاق عن أبي بن كعب القرظي قال: "جمع القرآن # على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسة من الأنصار: أبي بن كعب وأبو ~~أيوب وعبادة بن الصامت ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء". # وروى أيضا ربيعة ms081 بن عثمان عن أبى بن كعب القرظي قال: "علي وابن مسعود ~~وعثمان جمعوا # PageV01P168 # القران على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وروى عن سليمان بن ~~يسار قال: "كان عثمان بن عفان قد جمع القرآن من المهاجرين على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - " فقلت: غيره، قال: "لا أعلمه ". # وروى الأصبع بن أبي منصور عن زيد بن أسلم أن عثمان بن عفان # جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وروى الثوري عن ~~إسماعيل عن الشعبي قال: "جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله # عليه خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت. # وأبو زيد، وأبو الدرداء". # وروى عاصم عن الشعبي أنه قال: "ستة بعد # PageV01P169 # هؤلاء" قال: "ونسيت السادس ". وروى ابن أبي ذئب عن سعيد بن # خالد عن ابن مسعود أنه جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - # وروى صالح بن محمد بن زائدة عن مكحول: قال أبو الدرداء: "ممن # جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبي بن كعب، ~~ومعاذ، وزيد، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد، ولم يقرأه أحد من الخلفاء من # أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا عثمان بن عفان، وقرأه مجمع ~~بن # جارية إلا سورة أو سورتين ". # وروى ابن عيينة عن زكريا عن الشعبي قال: "لم يقرأ القرآن على # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ستة، كلهم من الأنصار: معاذ بن ~~جبل، # PageV01P170 # وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد، وبقي على مجمع ~~بن جارية سورة أو سورتين "، وروى موسى بن عقبة عن شيخ من ولد عبادة ابن ~~الصامت، عن عبادة بن الصامت قال: "جمع القرآن أبي بن كعب، وعبادة بن ~~الصامت، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وعثمان ابن عفان ". # وأكثر هذه الروايات مختلفة متفاوتة مضطربة على ما نراها من الزيادة # والنقصان، عن الرجال وعن الرجل الواحد أيضا، وليس فيهم أحد أخبر # بذلك عن ms082 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد الصحابة أو جماعة ~~منهم بلفظ يقتضي لا محالة نفي حافظ القرآن غير من ذكره، وقد يجوز إن صحت ~~الأخبار عن هؤلاء القوم أن يكون ذلك إخبارا عن تقديرهم وغالب رأيهم ~~واجتهادهم، وأن يكون معناها ما سنذكره فيما بعد، وإذا أحصي عدد من ذكر في ~~هذه الأخبار من الحفاظ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا نحو ~~خمسة عشر رجلا، لأنه قد ذكر منهم: أبي، ومعاذ، وسالم، وزيد بن ثابت، وعبد ~~الله بن مسعود، وأبو زيد، ومجمع، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد، وتميم ~~الداري، وأبو أيوب الأنصاري، وعبادة بن الصامت، وعلي بن أبي طالب، وعثمان ~~بن عفان، وهؤلاء أربعة عشر رجلا من المهاجرين والأنصار، والمعترض علينا ~~بهذه الأخبار وبهذا الضرب من المطالبة والسؤال أراد أن يجعل الحفاظ على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة نفر فقط، والأخبار التي حاول ~~التعلق بها توجب أن الحفاظ أضعاف ما قاله. # PageV01P171 # فهذه جملة تدل على اختلاف الروايات واضطرابها في هذا الباب، وأنه # لا يجوز أن يترك ما قدمنا ذكره من الأخبار المستفيضة عن الصحابة وما عليه # تركيب الطبائع والعادة لأجل هذه الروايات، فإما أن تكون مدخولة أو # منصرفة إلى ما سنذكره من التأويل، على أنه قد روى جماعة عن عبد الله بن # عمرو بن العاص أنه كان ممن جمع أيضا على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وما يوجب أن يكون أبوه عمرو بن العاص ممن جمعه أيضا على # عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروي أيضا ما يوجب أن يكون عثمان ~~بن أبي العاص ممن حفظه وجمعه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرأه ~~في ليلة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني أخشى أن يطول ~~عليك الزمان وأن تمل، فاقرأ به في شهر"، فراجعه في ذلك ونازله إلى أن بلغ ~~إلى تقريره له سبع ليال. # وروى سماك بن الفضل عن وهب بن منبه، عن عبد ms083 الله بن عمرو # أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - في كم يقرأ القرآن، فقال له: "في ~~أربعين "، قال عبد الله: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "في شهر، " قال: إني ~~أطيق أكثر من # PageV01P172 # ذلك، قال: "في خمسة عشر"، ثم قال: "في عشر"، ثم قال: "في سبع ". # ولم ينزل من سبع. # وروى معمر عن قتادة أن عبد الله بن عمر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: في كم تقرأ القرآن، قال: "في شهر"، فقال: إني أطيق أكثر من ذلك. فذكر ~~مثل حديث سماك، حتى انتهى إلى ثلاث، ثم قال النبي صلى الله عليه: "من قرأه ~~فيما دون ثلاث لم يفهمه ". # وظاهر هذه الرواية تقتضي أن عبد الله كان ممن جمع القرآن على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وإن كان يحتمل أن يكون جمع كثيرا منه من المكي إلى وقت ~~سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا السؤال، غير أن ذلك خلاف ~~الظاهر. # وروى الحارث بن سعد العتقي عن عبد الله بن منين من بني عبد # هلال عن عمرو بن العاص أن النبى صلى الله عليه أقرأه خمس عشرة # PageV01P173 # سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان "، وهذا # الخبر يوجب ظاهره في غالب الحال جمع عمرو بن العاص جميع القرآن # على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأنه لا يمكن أن يتفق أن لا ~~يتحفظ عمرو من هذه السورة إلا سجود القرآن فقط، ولا اتفق هذا لغيره، ولا ~~يعلم أن أحدا اعتمد على ذلك وقصده وحده، ولو كان ذلك مما انفرد به عمرو ~~لكان مفارقا لعادة القوم وما نحن أيضا عليه في هذا الوقت ولوجب أن يظهر ذلك ~~عنه وأن يبحث عن غرض فيه وأن يكون من الناس قول في هذا الباب. # وفي عدم ذلك دليل على أنه كان يعرض القرآن على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأنه وقفه على السجدات التي في القرآن وفصلها له، وعرفه مواضعها، ~~وهذا أمر لا يصنع مع المبتدىء ms084 ولا يؤخذ به، فوجب لظاهر الحال من هذه ~~الرواية أن يكون عمرو ممن جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وروى مبارك بن فضالة قال: حدثني أبو محرز مولى عثمان بن # أبي العاص، عن عثمان بن أبي العاص قال: "وفدت إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مع ناس، فكنت أنا أصغرهم، قال: فلما قدمنا المدينة خلفوني أحفظ ~~متاعهم، قال: فقلت لهم: إني أشترط عليكم أن تنتظروني حتى آتي # PageV01P174 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأطلب إليه حاجة، قالوا: نعم، فلما ~~رجعوا أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته عن أشياء قال أبو ~~فضالة: حفظتها قال: قلت: أعطني المصحف الذي عندك، قال: فأعطاني واستعملني ~~عليهم، فكنت أؤمهم حتى جئت ". # وما على أحد شك ولا شبة فيما كان عليه عثمان بن أبي العاص من # التوفر والحرص على تعلم القرآن لما وفد على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وتلقنه منه، حتى قيل إنه لم يلبث إلا يسيرا حتى تحفظ القرآن عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وطلب منه مصحفه فأعطاه، ولولا أنه أكثر قومه ~~الوافدين معه قرآنا وأخذا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يوله الصلاة ~~عليهم، ولم يوقره ويستعمله عليهم، ولم يقدموه في صلاتهم، ولم يخصه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بإعطائه مصحفه على ما ورد في هذه الرواية، ~~وهذا الظاهر من الأمر يدل على أن عثمان كان أيضا ممن حفظ القرآن وجمعه على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ولو تتبع هذا لطال وكثر واتسع الخرق فيه، وإذا كان ذلك كذلك، لم # يكن لقول من قال إله لم يجمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا أربعة نفر: معنى، ومثل روايته التي يتعلق بها في ذلك يقتضي أن ~~يكون قد حفظه نحو عشرين رجلا، وإذا كان ذلك كذلك زال التعلق علينا بما ~~ذكروه، فإن القول بأن فلانا جمع القرآن كله على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم ms085 - دون غيره قول يتعذر العلم بالوصول إلى حقيقته، لأنه لا يمكن ~~علم ذلك مع قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم، واتصال نزول ~~الوحي عليه، والعلم بتجويز # PageV01P175 # قرآن ينزل عليه في كل يوم وليلة إلى يوم يموت - صلى الله عليه وسلم - مع ~~العلم أيضا بأنه لا يمكن أن يقال في كل سورة نزلت على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إنها قد كملت لجواز أن ينزل بعد ذلك ما يضم إليها، ويكتب ~~معها، على ما كان يأمرهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإذا كان ذلك ~~مما اتفق عليه تعذر العلم بأن فلانا قد حفظ جميع القرآن على عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، لأن ذلك أمر لا يتحقق ويتيقن إلا بعد وفاة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وانقطاع الوحي. # وإذا كان ذلك كذلك لم يستجز كثير من الصحابة أن يخبر عن نفسه أنه # قد حفظ جميع كتاب الله وهو لا يدري لعله سينزل على الرسول بعد ذلك # مثل قدر ما حفظه عنه، ولا يدري لعل فيما نزل ما قد نسخ ورفعت تلاوته # فلم يحفظه، ولعله قد نزل على الرسول في الساعة التي فارقه عليها قرآن # كثير غير الذي قرأه لم يقرئه الرسول إياه وحفظه غيره وألقاه إلى سواه، ~~وإذا # كان جوز العلماء والفضلاء منهم جميع هذه الأمور لم يستجيزوا أن يخبر كل # واحد منهم عن نفسه ولا عن غيره أنه قد حفظ جميع القرآن وجمعه، بل # يجب أن يتجنبوا هذا القول وأن يعدلوا عنه. # وإذا وجب ذلك لم يستفض بينهم عدد حفاظ جميع ما نزل، ولم # يكن لهم إلى ذلك سبيل ولا طريق، ولم ينكر لأجل هذا أن يكون حفظ # القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جماعة لم يخبروا بذلك ~~عن أنفسهم ولا خبر به عنهم غيرهم، لأن ذلك أمر لا ينتشر ويستفيض ويتقرر ~~علمه إلا بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - وانقطاع الوحي والعلم بآخر ~~ما نزل وختم به # PageV01P176 # الكتاب، ms086 وأن السورة قد كملت واستقرت وتم نظمها ورتبت في مواضعها. # وجمعت فيها آياتها. # وإذا كان ذلك كذلك وجب بهذه الجملة أن لا يكون فيما روي من هذه # الأخبار حجة تدفع ما قلناه، وأن يكون القوم الذين قالوا ذلك وخبروا بما # أخبروا به عن الاجتهاد وغلبة الظن وأمر غير متيقن وعلى قدر ما سمعوه # ممن قال: حفظت جميع القرآن، أو فلان قد حفظ جميعه، والظن في هذا # لا حجة فيه، وقد يمكن أيضا أن يكون على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- خلق كثير قد حفظوا القرآن وكتموا ذلك على أنفسهم ولم يذيعوه ولا دعاهم ~~داع إلى إظهاره والتحدث به، ورأوا أن كتمانه وترك المفاخرة والتبجح به أولى ~~وأفضل لأجل أن التزين بذلك قدح في العمل وشوب ونقص يلحق صاحبه، وإن اتفق أن ~~يقول ذلك قائل من الصحابة فلأجل سبب يدعوه إلى ذلك غير القصد إلى التزين به ~~والإخبار بكثرة علمه وعمله، وعظم مرتبته، هذا أولى الأمور بالصحابة. # وقد روي ذلك عن جلة منهم، فروي أنه قيل لعبد الله بن مسعود في # رجل يزعم أنه قرأ القرآن البارحة، فقال: "ما له إلا كلمته التي قال ". # وروي عن تميم الداري أن رجلا قال له: كم جزءا تقرأ، فغضب تميم وقال: لعلك ~~من الذين يقرأ أحدهم القرآن في ليلة ثم يصبح فيقول: قرأت القرآن # الليلة! # هذا شأن القوم وشجيتهم، فكيف يمكن مع ذلك استفاضة حال حفظة # القرآن واشتهارهم به وهذه صفتهم؟! # وقد روي عن الحسن البصري أنه # PageV01P177 # قال: "لقد أدركنا أقواما إن أحدهم قد جمع القرآن وما شعر به جاره، ولقد # أدركنا أقواما ما كان في الأرض عمل يقدرون على أن يعملوه سرا فيكون # علانية أبدا". # وكذلك روي أن رجلا قال بحضرة قوم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قرأت الليلة كذا وكذا، فقالوا: "حظك منه هذا"، وهذا تغليظ منهم شديد ~~في التحدث بذلك، فكيف لا تتوفر دواعي خلق منهم على أن لا يشعر غيره بما ~~يحفظه، ولا يرون إظهاره. # وقد ms087 يجوز أيضا أن يكونوا إنما كرهوا أن يقال فلان حافظ للقرآن كله أو # جامع له أو قرأ جميع القرآن لأجل أنه لا يأمن قائل هذا قد سقط عليه من # الحفظ أو الدرس كلمة أو آية، أو شيء منه، أو بعض حروفه التي أنزل بها. # فيكون إطلاق القول لذلك تزيدا في المعنى، فتوزعوا عن ذلك، ويمكن # أيضا أن يكونوا إنما كرهوا أن يقال ذلك لأجل أنهم كانوا يرون أن المستحق # لهذه الصفة والتسمية هو المتمسك العامل بجميع حدود القرآن، والعالم # بأحكامه، وحلاله وحرامه. # وقد روى أبو الزاهدية أن رجلا أتى أبا الدرداء فقال: يا أبا الدرداء. # إن ابني هذا قد جمع القرآن، فقال: "اللهم غفر"، إنما جمع القرآن من سمع # له وأطاع "، فهذا إنكار يدل على أن هذا الوصف عندهم بجمعه إنما # يجري على من عمل بموجبه ووقف عند حدوده. # PageV01P178 # وروي أن بعض التابعين ذكر عنده إنسان فقيل: "أحكم القرآن"، "فكره # ذلك فقيل: "حامل قرآن " فكرهه، وقال: "قولوا: حفظ ". لأنه اعتقد أن # الحفظ إنما يراد به التلاوة. # وقولهم: أحكم، وحمل القرآن، وحافظ القرآن # إنما يجري على القائم بحدوده السامع المطيع لموجبه. # وحكي عن الحسن البصري أنه كان يقول: إن أحدكم ليقول: والله لقد # قرأت القرآن كله، وما أسقطت منه حرفا واحدا، وقد والله أسقطه كله ". # يعني بذلك ترك العمل بموجبه، والمحافظة على حدوده ومراسمه. # وروي أن عقبة بن عامر كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن، فاستقرأه # عمر فقرأ عليه براءة، فبكى عمر، ثم قال: "ما كنت أظن أنها نزلت ". # إنما قال ذلك لما وجد من نضارتها وجدتها بحسن قراءة عقبة، وما جددته # وأحدثته له من الخوف والوجل والإذكار بأمر الله تعالى، والتحذير من ~~وعيده، والترغيب في ثوابه على نحو ما يقول القائل: كأني ما قرأتها قط ولا ~~سمعتها. # ومن ظن بعمر رضي الله عنه أنه لم يعرف أن سورة براءة قد نزلت مع # شهرتها وإنفاذ الرسول بها إلى أهل مكة مع أبي بكر وعلي، وتذلل أبي # هريرة بها، وما تضمنته من ms088 حال العقود والعهود وغير ذلك: فهو الغبي # المغرور، بل من ظن ذلك بأدنى المؤمنين منزلة فقد جهل جهلا فاحشا. # وقد يجوز أيضا أن تكون كراهتهم لإطلاق القول بأن فلانا حافظ للقرآن # وجامع له لأجل أنهم اعتقدوا أن ذلك إنما يجري على من حفظ ناسخ القرآن # ومنسوخه، وجميع وجوهه وحروفه التي أنزل عليها، فلا يوصف به عندهم # PageV01P179 # إلا من أخذه وجمعه من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقرأه عليه ~~لما لا يؤمن من الغلط بكلمة أو آية أو حرف أو قراءة شيء منه بوجه لا يجوز ~~ويسوغ مثله. # وإذا كان ذلك كذلك وجب حمل الأمر في إنكار هذه الألفاظ والامتناع # من هذه الإطلاقات، ودعوى القوم حفظ القرآن والحمل له والإحاطة به: # على الوجوه التي ذكرناها دون ما ظنوه وتوهموه من سقوط شيء من القرآن # على سائر الأمة أو عدم حافظ لجميعه فيهم، وكونه غير مشهور ظاهر بينهم. # وإذا كان ذلك كذلك كان هذا أيضا أحد الأسباب المانعة من العلم # بجميع عدد حفظة القرآن على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وما ينكر ~~أيضا على هذا الأصل أن لا يعرف ذلك بعد موته، لأنه لا ينكر أن يحفظه بأسره ~~قوم منهم، وماتوا بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يطلع على ~~ذلك من أمرهم وإن علم في الجملة أنهم من حملة القرآن ودرسته، وهذا يمنعهم ~~من التعلق بما ذكروه منعا عنيفا. # فإن قالوا: فما تأويل هذه الأخبار المروية في تحديد عدد حفظة القرآن # على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ # قيل لهم: يحتمل أن نثبت وجوها من التأويل، فمنها: # - أن يكون معنى قولهم: ما جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا أربعة نفر أو خمسة أنه لم يجمعه على جميع الوجوه والأحرف # والقراءات التي نزل بها وخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنها كلها ~~شاف كاف إلا أولئك النفر فقط، وهذا غير بعيد، لأنه لا يجب على سائرهم ولا ~~على أولئك النفر أيضا ms089 أن يحفظوا القرآن على جميع أحرفه ووجوهه السبعة. # PageV01P180 # - ويمكن أيضا أن يكون معنى ذلك أنه لم يجمع ما نسخ منه وأزيل رسمه # بعد تلاوته مع ما ثبت رسمه وبقي فرض حفظه وتلاوته إلا تلك الجماعة # وحدها، لأنه قد ثبت أنه قد كان أنزل قرآن نسخ رسمه، وأزيلت تلاوته. # - ويجوز أيضا أن يكون معنى ذلك أنه لم يجمع جميع القرآن عن رسول # الله - صلى الله عليه وسلم - ويأخذه من فيه تلقيا غير تلك الجماعة، فإن ~~أكثرهم أخذ بعضه عنه وبعضه عن غيره. # - ويحتمل أيضا أن يكون معنى هذا القول أنه لم يجمع القرآن على عهد # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ممن ظهر به وأبدى ذلك من أمره وانتصب ~~لتلقينه عن تلك الطبقة المذكورة، مع جواز أن يكون فيهم حفاظ لا يعرفهم ~~الراوي إذا لم يظهر ذلك منهم. # هذا ما لا بد من صرف الأخبار إليه إن ثبت وحملها عليه، لأجل ما # قدمناه ولأجل تظاهر الروايات أيضا بما يوجب ويقتضي حفظ الأئمة الأربعة # لجميع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإحاطتهم به، ~~ولأجل أن هذا هو الواجب من حالهم في العادة وما كانوا عليه من الأحوال في ~~السبق إلى الإسلام والتقدم وإعظام الرسول لهم وما توجبه العادة في مثلهم، ~~وتأمين النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم وتقديمه إياهم، وما روي من طول ~~قراءتهم وكثرة تعليمهم الناس القرآن له عنهم، وهم عندنا أولى الناس بحفظ ~~كتاب الله، وأحقهم بالسبق إلى ذلك، والرغبة عن الإبطاء عنه والتمادي فيه، ~~مع ما كانوا منصوبين ومرشحين له، ومع ارتفاع أقدارهم وعلو شأنهم، وامتداد ~~الأعين والأعناق إليهم، وتعويل النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوائب ~~والمهمات عليهم. # PageV01P181 ### | (فصل في فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه وحفظه للقرآن) # فأما أبو بكر الصديق صلوات الله عليه فقد وردت الأخبار المتظاهرة # بدوام تقدمه في الصلوات وقراءته لطوال السور في المحراب التي لا يتهيأ # إقامتها إلا لأهل القدر والإتقان والقوة في الحفظ، وكثرة الدرس والدربة # بقراءة القرآن، ms090 فروى هشام الدستوائي قال: حدثنا قتادة عن أنس: "صلى # بنا أبو بكر الصديق رضوان الله عليه صلاة الصبح، فقرأ آل عمران، فقالوا # له: يا خليفة رسول الله كادت الشمس أن تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا # غافلين ". # وروى سفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس بن مالك: "أن أبا بكر # رضوان الله عليه قرأ في صلاة الصبح البقرة، فقال عمر: كادت الشمس أن # تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين ". # PageV01P182 # وقد علم أن كثيرا من الحفاظ وأهل الدربة وإدمان درس القرآن يتهيبون # الصلاة بالناس مثل هذه السور الطوال، وما هو دونها بالشيء الكثير، وهذا # يقتضي أن أبا بكر كان حافظا للقرآن، وليس بين هذين الخبرين معارض. # لأجل أنه ذكر في أحدهما صلاته بالبقرة، وفي الأخرى صلاته بآل عمران. # ووقوع جواب واحد عن ذلك، لأنه لا يمكن أن يكون ذلك في وقتين وفي # صلاتين، وأن يكون جوابه لعمر قد وقع له ولغيره بلفظ واحد، وهذا غير # مستنكر ولا بعيد. # وقد تظاهرت الروايات بأن أبا بكر رضوان الله عليه بنى مسجدا بمكة # قبل الهجرة في فناء داره، وأنه كان يقوم بالقرآن فيه ويدعو إلى الله وإلى # رسوله، ويشتري عرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويزين صوته ~~بالقرآن، ويكثر بكاؤه ونشيجه، فإذا كان ذلك منه أسرع عوام المشركين ونساؤهم ~~وولدانهم يسمعون قراءته وتسبيحه، حتى قالت عائشة رضوان الله عليها في ~~خطبتها: "أبي وما أبيه، أي والله لا تعطوه الأيدي، ذلك والله طود منيف، وظل ~~مديد، صدق والله إذ كذبتم، وسبق إذ وثبتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد، ~~فتى قريش ناشئا وكد لها كهلا، يكلأ عانيها، ويريش مملقها، يرأب صدعها، حتى ~~خلبته قلوبها، ثم استشرى في دينه، فما برحت تلك شكيمته في ذات الله، حتى ~~اتخذ بفنائه مسجدا، يحيي به ما أمات المبطلون، وكان رحمة الله عليه غزير ~~الدمعة، وقيد الجوارح، شجى النشيج، فأصفقت إليه نسوان قريش وولدانها، ~~يسخرون منه ويستهزئون به، (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) ، ~~وأكبرت ذلك رجالات ms091 قريش، فحنت له أفئدتها، وفوقت يمامها، وامتثلوه عرضا فما ~~ملوا له صفاة، ولا قصفوا له قناة". # PageV01P183 # ثم مرت رضوان الله عليها في صفته وصفة دعائه إلى الله تعالى، وعظيم # عنائه في الإسلام، وتمسكه به، وكيف لا يظن بمثل أبي بكر في فضله # وسابقته وقيامه في الدعوة إلى الإسلام يقرأ بالقرآن، وتزيينه لصوته، وشدة # نشيجه: إنه أولى الناس بحفظ كتاب الله عز وجل وأحرصهم عليه وأقربهم # إليه، فكيف لا يظن بمثله أنه حافظ؟ # وكان عثمان بن أبي العاص لما دخل في الإسلام وقصد رسول الله # - صلى الله عليه وسلم - ليتعلم القرآن يختلف إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فإذا لم يجده جاء إلى أبي بكر فاستقرأه القرآن، وربما جاء إلى أبي ~~بن كعب على ما ذكر، فلولا أن أبا بكر كان إذ ذاك محل من يحفظ القرآن، ويؤخذ ~~عنه لم تكن هذه حال من اختلف إليه، إذا لم يجد الرسول صلى الله عليه ولولا ~~علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك من أمره لم يقدمه لإمامة المسلمين، ~~وهو حاضر يشاهد مكان غيره ويقول: "يأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر، ~~وإنكن لصويحبات يوسف "، هذا مع قولي: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، ~~وأكثرهم قرآنا". # وفي خبر آخر إلى ذكر الهجرة والسن، إلى أن قال: "فأثبتهم صلاحا"، وقوله: ~~"أئمتكم شفعاؤكم إلى الله، فانظروا بمن تستشفعون ". # وقوله: "ليؤم القوم أفضلهم ". # في أمثال لهذه الأخبار كلها تدل على أنه يجب أن ألا، يتقدم في # PageV01P184 # ذلك المقام الشريف إلا أقرأ الأمة لكتاب الله تعالى وأثبتهم فضلا وصلاحا. # ولولا علم الرسول بذلك من حاله وسكونه إليه لم يؤمره على الناس في # المواسم سنة تسع، وتقديمه يوم المجتمع الأعظم للصلاة بالناس وتعليمهم # المناسك وأركان الحج وتقويمهم وإرشادهم في هذا الشأن العظيم والخطر # الجسيم، فكل ما ذكرناه مع مقتضى العادة وموجبها في مثل حال أبي بكر # يوجب أن يكون من كبار الحفاظ والأماثل. # PageV01P185 ### | (فصل في فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحفظه للقرآن) # وأما عمر بن الخطاب صلوات ms092 الله عليه فقد تظاهرت الروايات عنه بمثل # ذلك، فروى الناس عنه أنه كان يؤم الناس بالسور بالطوال، وحفظوا عنه أنه ~~كان قرأ مرة سورة يوسف فبلغ إلى قوله تعالى: (وابيضت عيناه من الحزن فهو ~~كظيم) ، فأنشج حتى سمع بكاؤه من وراء الصفوف، وأنه # قرأ يوما سورة الأحزاب فلما بلغ إلى قوله تعالى: (يا نساء النبي من يأت ~~منكن بفاحشة مبينة) ، جهر جهرا شديدا، فقيل له في ذلك فقال: # "أذكرهن العهد". # وأنه قرأ من سورة الحج فسجد فيها سجدتين. # وروى عبد الله بن عمر أنه قال: "لقد رأيت أمير المؤمنين عمر بن # الخطاب وأنه لجالس على المنبر والمهاجرون والأنصار حوله يعلمهم # الدين والقرآن كما يعلم الكاتب الغلمان " وكيف تكون هذه حاله وقدره إلا # وحفظ القرآن سجيته وشأنه، وتلاوته دأبه وديدنه. # وروى أبو معاوية عن ... # PageV01P186 # الأعمش عن زيد بن وهب قال: "جاء رجلان إلى عبد الله - يعني ابن # مسعود - فقال أحدهما: يا أبا عبد الرحمن، كيف نقرأ هذه الآية، فقال # عبد الله: من أقرأك، قال: أبو حكيم المزني، وقال للآخر: من أقرأك. # قال: أقرأني عمر، قال: اقرأ كما أقرأك عمر، ثم بكى حتى سقطت دموعه # في الحصى، ثم قال: إن عمر كان حصنا حصينا على الإسلام، يدخل فيه # ولا يخرج منه، فلما مات انثلم ذلك الحصن بفريق يخرج منه ولا يدخل # وروى زائدة قال: قال عبد الملك بن عمير: حدثني قبيصة بن # جابر قال: "ما رأيت أحدا كان أعلم بالله، والقراءة لكتاب الله، ولا أفقه # في دين الله من عمر". # PageV01P187 # وروى أيضا عبد الملك بن عمير عن زيد بن وهب قال: قال عبد الله # يعني ابن مسعود: "ما أظن أهل بيت من المسلمين لم يدخل عليهم حزن # على عمر يوم أصيب عمر إلا أهل بيت سوء، إن عمر كان أعلمنا بالله. # وأقرأنا لكتاب الله، وأفقهنا في دين الله ". # ولولا أن هذه كانت حاله وصفته في حفظ القرآن وأنه من أقرأ الناس # لكتاب الله لم يكن أبو بكر الصديق بالذي يضم إليه زيد ms093 بن ثابت ويأمرهما # بجمع القرآن واعتراضه، ويجعل زيدا تبعا له، لأنه لا يجوز في صفة من هو # دون أبي بكر في الفضل والحزم أن ينصب مع مثل زيد بن ثابت لاعتراض # القرآن وجمعه من ليس بحافظ له، ولا كل حافظ أيضا يصلح لهذا الباب. # فبان بذلك أنه أحد حفاظ القرآن المتقدمين، فمن هذه حاله وصفته في تقدمه # وفي قراءته بالطوال، وإقرائه الصحابة وتعليمهم بالقرآن مع الفقه والدين. # وقول ابن مسعود فيه: "ومحله من حفظ القرآن محله، كان أقرأنا لكتاب # الله "، كيف يمكن أن يكون غير حافظ لكتاب الله الذي هو أقرؤهم له؟!. # PageV01P188 ### | (فصل في فضل عثمان بن عفان رضي الله عنه وحفظه للقرآن) # وأما عثمان بن عفان رضوان الله عليه فقد وردت الروايات بأنه كان ممن # جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما قد بينا، ~~وقد كان من المشهورين بقراءة القرآن وكثرة درسه، والقيام به في آناء الليل ~~والنهار. # وإكثاره من ذلك وبلوغ الغاية القصوى منه، هذا مع سنه وسابقته وتقدم # إسلامه، وعظم محله من الدين والمسلمين. # وقد روى الناس أن عثمان رضوان الله عليه لما دخل عليه المصريون # ليقتلوه ابتدروه ضربة بالسيف، فوقعت على يده فمدها وقال: "إنها والله # لأول يد خطت المفصل ". # وقد روى الناس أن إحدى نساء عثمان إما نائلة بنت الغرافصة أو غيرها # قال: "لما هجموا عليه الدار ليقتلوه إن يقتلوه أو يتركوه فإنه كان يحيي ~~الليل بجميع القرآن في ركعة"، وفي رواية أخرى: "فلطالما ختم القرآن في # ركعة". # PageV01P189 # وروي أن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: قلت: لأغلبن الليلة # على المقام، فلما قمت إذا أنا برجل يزحمني عليه، فنظرت فإذا عثمان. # فتأخرت عنه فصلى، فإذا هو يسجد سجود القرآن، حتى إذا قلت هذه هوادي الفجر ~~أوتر بركعة لم يصل غيرها ثم انطلق ". # وروي أن علي بن أبي طالب عليه السلام كان إذا سئل: كم بقي من # الليل، قال: "انظروا أين بلغ عثمان من القرآن "، وكل هذا وما هو أكثر # منه ms094 ظاهر مشهور من حال عثمان، فمن هذه حاله في ختم القرآن في ركعة. # ومن تقدر ساعات الليل وماضيه وباقيه بدرسه للقرآن وقيامه به، كيف يتوهم ~~أنه لم يكن حافظا جامعا للقرآن؟!. # PageV01P190 ### | (فصل في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وحفظه للقرآن) # وأما عي بن أبي طالب صلوات الله عليه فقد عرفت حاله وفضله # وسابقته وجهاده، وثاقب فهمه ورأيه وسعة علمه، ومشاورة الصحابة له. # وإقرارهم بفضله، وتربية الرسول - صلى الله عليه وسلم - له ونشوؤه عنده، ~~وأخذه له بفضائل الأخلاق والأعمال، ورغبته في تخريجه وتعليمه، وكثرة ~~أقاويله فيه، وما كان يرشحه له وينبه عليه من أمره، نحو قوله: "أقضاكم علي، ~~وإن تولوها عليا تجدوه هاديا مهديا، يحملكم على المحجة البيضاء والطريق ~~المستقيم ". # ومن البعيد الممتنع أن يقول مثل هذا فيه وليس هو من قراء الأمة # للقرآن، وممن إن تقدم في الصلاة كان أقرأهم لكتاب الله، أو من الطبقة # الذين هذه سبيلهم. # وقد كان ممن يقرىء القرآن ويؤخذ عنه، وأحد من قرأ عليه أبو عبد الرحمن ~~السلمي وغيره، وكان من المشهورين بقراءة القرآن # والتبحر فيه، ومعرفة تنزيله وتأويله، والكلام في مشكله وغامضه، وقد كان # سائر أصحابه الدعاة إلى طاعته يظهرون عند استدعاء الناس إلى نصرته # PageV01P191 # والدخول في بيعته أنه أفقه الأمة وأعلمها وأقرؤها لكتاب الله، ولا يرد ~~عليهم أحد ولا يعترض فيه، منهم الحسن وعمار وعبد الله بن عباس، وزيد، ~~وصعصعة بن صوحان العبدي وغيرهم من شيعته، وهو أول من نشر # المصحف بالبصرة ثم بصفين، ودعا إلى تحكيمه والرجوع إلى ما فيه، على # ما سنشرحه فيما بعد إن شاء الله. # وروي عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص أنه قال: قلت لعبد # الله بن عباس بن أبي ربيعة: ألا تخبرني عن أبي بكر وعلي، قال: "إن أبا # بكر كانت له السن والسابقة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكل ~~الناس صاغية إلى على"، قال: "يا ابن أخي، كان له والله ما شاء من حرس قاطع، ~~والبسطة في المنصب، وقرابة ms095 من الرسول ومصاهرته، والسابقة في الإسلام، ~~والعلم بالقرآن، والفقه في السنة، والنجدة في الحرب، والجود في الماعون ". # فهذا وغيره ممن ذكرنا بفضيلة له، وشرح خطبه ومقاماته بفضل علي في # كتابي الإمامة يذكرون أنه من أعلم الناس بالقرآن وإقرائهم له، فلا يعترض # في ذلك معترض يحفظ قوله. # وقد كان أبو عبد الرحمن السلمي من حفاظ # PageV01P192 # كتاب الله تعالى وأهل العلم به، وهو يعترف لعلي بأنه ما رأى رجلا أقرأ # للقرآن منه. # روى همام بن أبي نجيح عن عطاء بن السائب أن أبا عبد الرحمن # السلمى حدثه، قال: "ما رأيت رجلا أقرأ للقرآن من علي بن أبي طالب. # صلى بنا الصبح فقرأ سورة الأنبياء فأسقط آية، ثم قرأ تدرجا ثم رجع إلى # الآية التي أسقطها فقرأها ثم رجع إلى المكان الذي انتهى إليه، لا يتتعتع ~~". # وروي أيضا عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "صلى بنا علي في شهر # رمضان فقرأ بنا عشر آيات عشر آيات "، وهذا لا يكون إلا مع تقدم الحفظ # وكثرة الدراية وحسن الإتقان. # وإذا كان ذلك كذلك وجب بما وصفناه في وضع العادة وما عرف من # أخلاق هؤلاء الأئمة وطرائقهم وما كانوا عليه ومنصوبين له، وما ظهر من # قراءتهم وتقدمهم، وتقدمة الرسول لهم أن يكونوا حفاظا للقرآن وجامعين # له، وأن يكون العمل بذلك والرجوع إليه أولى من الرجوع إلى الأخبار التي # يذكر فيها أن الحفاظ كانوا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أربعة نفر ليس فيهم أحد من هؤلاء الأئمة القادة الذين هم عمد الدين وفقهاء ~~المسلمين. # وعلى أننا أردنا بما بسطناه ووصفناه من حال هؤلاء الأئمة ما تقتضيه # العادة من وجوب كثرة الحفاظ للقرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - # وبعده: تأكيد أمر القرآن، ودفع قول من قال على القطع والبتات أنه لم # PageV01P193 # يجمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة نفر، لأننا ~~لا نحتاج # في حفظ جميع الأمة للقرآن وظهور نقله والإحاطة بجميعه إلى أن يعتقد ~~ويتبين # أن فيهم حفاظا ms096 لجميعه، لأنه لو اتفق مع بعد ذلك في العادة وتعذره أن لا # يجمعه أحد منهم لوجب بالعادة المعلومة من تركيب الطباع وعظم شأن القرآن ~~ومورده والداعي إلى حفظه والتمسك به والتحاكم إليه، والرد إلى موجبه ~~وإخباره بأن معدن العلم وينبوعه أن لا يذهب على جميع الأمة حفظ سائره، وأن ~~لا بد أن يتفق لخلق منهم أن يحفظوا مواضع منه، ولآخرين أن يحفظوا مواضع ~~أخر، ولخلق الاستكثار منه، ولقوم الاقتصار على ما يجزىء به من قراءته، ~~ولقوم إيثار الطوال منه، ولآخرين إيثار حفظ المفضل السهل. # ولخلق منهم حفظه ومعرفته ضبطا ونظرا في المصاحف، ولخلق منهم # التفقه به، ولآخرين القيام للصلاة به، ولآخرين الانتصاب لتعليمه، حتى لا # يذهب شيء منه على كافتهم، ولا يتوهم من له أدنى مسكة وفهم ومعرفة # بعلوم التجربة والعادة توافي همم جميع الأمة على تضييع شيء منه وذهابه # عليهم، وأن الشاة دخلت فأكلت كثيرا منه! كانوا جمعوه فلم يوجد في غير # تلك النسخة، ولا في صدر رجل من الأمة، ولا عند أحد ممن يقرأ نظرا حفظه ~~والعلم به، وأن اعتقاد ذلك من الأمور الدالة على فرط الجهل والغباوة. # فوضح بهذه الجملة أنه لا حاجة ماسة ولا غير ماسة إلى إقامة الأدلة # والبراهين على كون حفاظ لجميع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وبعده، وأن ذلك إن ذكرناه فعلى سبيل التأكيد والكشف عن صورة الحال ~~وموجب العادة في ذلك. # فإن قال قائل: فإذا كانت الحال في موجب شهرة الأخبار التي رويتموها # في كثرة الحفاظ وارتفاع النزاع في حفظ الأربعة نفر على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV01P194 # في وضع العادة في وجوب حفظ جلة المهاجرين والأنصار # للقرآن لما هم عليه مما وصفتموه، فما وجه القول عندكم في الأخبار # المروية بأن هؤلاء الأربعة لم يكونوا ممن حفظ جميع القرآن ولا الأئمة # الأربعة ومن جرى مجراهم في الفضل، وهي واردة بنقيض ما ادعيتموه # بموجب العادة والأخبار التي قدمتم ذكرها، فمن هذه الأخبار ما رواه ابن # علئة عن ms097 منصور بن عبد الرحمن عن أبي عبد الرحمن عن الشعبي قال: # "مات أبو بكر وعمر وعلي ولم يجمعوا القرآن "، وروي عنه من طريق آخر # "أن عمر مات ولم يجمع القرآن، لأنه كان يحب أن يموت وهو في زيادة # ولا يموت وهو في نقصان بنسيان القرآن ". # وروى عبيد بن جبير قال: "قلت لزيد بن ثابت عند مقتل عثمان: # اقرأ علي الأعراف، فقال زيد: لست أحفظها، ولكن اقرأها أنت علي. # فقرأتها فما أخذ علي ألفا ولا واوا"، وروي أن جماعة من الصحابة أتوا عبد # الله بن مسعود ليقرأ عليهم (طسم) الشعراء فقال: "ما هي عندي، عليكم # بأبي عبد الله خباب "، فأتينا خبابا فسألناه يقرأها علينا. # PageV01P195 # وروى أبو إسحاق الهمداني عن سعيد بن وهب قال: "قدم علينا # عبد الله - يعني ابن مسعود - فقلنا: اقرأ علينا البقرة، فقال: لست ~~أحفظها". # وروى الهيثم بن واقد عن عطاء بن أبي مروان قال: "قلت للطفيل بن # أبي: أبوك جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: ~~بعده. # قلت: إن أناسا أخبرونا أنه جمعه أربعة على عهد رسول الله، فيهم أبوك. # فقال الطفيل: أترى أن أناسا أعلم بأبي مني، ". # وروى عكرمة عن ابن عباس: "إن القرآن لم يجمعه أحد على عصر # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "، وروى بشر بن حميد المري عن أبيه ~~قال: # "سمعت أبا قلابة يحدث عمر بن عبد العزيز في خلافته أن أربعة من # PageV01P196 # أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمعوا القرآن على عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبا زيد، ~~فقال عمر: قد بحثت عن هذا الحديث بالمدينة إذ كنت عليها واليا فقلت لخارجة # بن زيد: إن الناس يقولون إن أباك جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقال: جمعه بعد، أو جمع أكثره ". # في أمثال لهذه الأخبار والألفاظ كثيرة، وردت تنفي حفظ أحد من # هؤلاء وغيرهم للقرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms098 - فما وجه ~~هذه # الأحاديث عندكم؟ # قيل له: وجه القول عندنا فيها أنها أخبار آحاد غير ثابتة، ولا سبيل إلى # العلم بصحتها، وأنها حالة في الظهور والانتشار محل الأخبار الواردة بحفظ # هذه الجماعة، والشيء الظاهر المعلوم لا يترك لما ليس ثابتا وما لا سبيل # إلى العلم بثبوته، فوجب ترك الإحفار بهذه الأخبار، ولأجل أن العادة في # الصحابة وما كانوا عليه وجميع ما وصفناه يدل على ضعف هذه الأخبار # واضطرابها وأنها مما لم تقم الحجة بها، وأقصى أحوال هذه الأخبار أن # تكون معارضة للأخبار الواردة بحفظ هذه الجماعة للقرآن على عهد الرسول # - صلى الله عليه وسلم - ومعاذ الله أن يكون كذلك لإطباق أهل النقل على ~~أنها # ليست في الثبوت والظهور وصحة المخارج والطرق واتفاق الألفاظ: بجارية # مجرى الأخبار المروية في حفظ هذه الجماعة للقرآن وشهرتها. # وقد روى مقسم عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "جمع القرآن # PageV01P197 # على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة. # وعد معاذ بن جبل وأبيا وعبد الله وزيد بن ثابت "، وهذا معارض لما روي عنه ~~من أنه لم يجمع القرآن أحد في حياة الرسول، فيجب إذا كان ذلك كذلك اطراح ~~هذه الأخبار، والرجوع إلى ما ذكرناه من الأخبار الثابتة ومقتضى العادة في ~~مثل الصحابة. # على أننا لو سلمنا للسائل صحة هذه الأخبار التي تعلق بها وسلامتها من # التخليط والفساد، وأحللناها محل الصحيح الذي رويناه في حفظ الجماعة # التي تقدم ذكرها للقرآن لوجب حملها على وجوه من التأويلات توافق # موجب الأخبار بالعادة التي ذكرناها، فإنها كلها معرضة لتأويل لا يخالف ما # قلناه، فمنها: # - أن يكون معنى قولهم إنهم لم يحفظوا الفرآن أنهم لم يحفظوا جميع ما # نزل من ناسخه ومنسوخه الذي سقط رسمه وزال فرض حفظه بعد ثبوته. # وهذا ليس ببعيد، لأنهم لا يجب عليهم ولا على غيرهم أن يعنوا بحفظ ما # نسخ ورفع رسمه، ويكون معنى قول خارجة بن زيد: "جمعه أو أكثره بعد # ذاك "، أي: جميع المنسوخ المزال فرض رسمه وتلاوته أو أكثره بعد وفاة ms099 # الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # - ويحتمل أيضا أن يكون معنى ذلك أن هؤلاء الأربعة لم يحفظوا جميع # حروف القرآن السبعة التي أنزل عليها، وأخبر الرسول عليه السلام أنه أقرىء ~~بها، ولا أحاطوا بجميعها ولا أحد غيرهم أيضا من الأمة في حياة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ثم جمع ذلك منهم من يعمل بحفظها وأخذ نفسه بها كأبي ~~وغيره من المبرزين في حفظ القرآن على جميع وجوهه وأحرفه. # PageV01P198 # - ويحتمل أن تكون رواية الشعبي وغيره ممن روى مثل روايته أن أبا # بكر وعمر وعليا عليهم السلام لم يجمعوا القرآن أنهم لم يجمعوا ناسخه # ومنسوخه، ولم يجمعوه بجميع قراءاته وحروفه التي أنزل عليها. # - ويحتمل أيضا قول عبد الله بن مسعود في البقرة والشعراء أنهما ليستا # عنده وأنه لا يحفظهما، وقول زيد بن ثابت لعبيد بن جبير: "لست أحفظ # الأعراف " أنهما لا يحفظان ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأنهما لم يقرآ هذه السورة عليه ولا أخذاها من فيه بغير واسطة، وإنما ~~حفظاها عمن أخذ عنه، فلذلك قال عبيد بن جبير: "فقرأت الأعراف على زيد فما ~~أخذ علي ألفا ولا واوا". يعني أنه لم يحفظ عليه فيها غلطا واحدا ولا عرف، ~~ولولا أن زيدا كان يحفظ الأعراف كيف كان يجوز أن يأخذ عليه فيها الغلط، ~~وليس ينكر أن يكون لم يتفق لهما جميعا ولا لغيرهما من الأمة أن يكونا # حفظا جميع القرآن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسمعاه منه، وإن ~~أخذا عنه # الأكثر وسمعاه منه وأخذا باقي ذلك وسمعاه ممن أخذ عنه وسمع منه، وإذا # كان ذلك كذلك ساغ هذا التأويل أن أحدا لم يجمع القرآن على عهد رسول # الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يريدون هذا أو بعض ما تقدم. # ويمكن أيضا أن يكون كل واحد من هؤلاء النفر قد سمع منه قبل موت # النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبر عن نفسه أنه لم يجمع القرآن، وإنما ~~كانوا يقولون ذلك - وإن حفظوا جميع ما نزل - لما لا يأمنون ms100 من نزول ما ينزل ~~بعد ذلك، وعلمهم بأن الوحي ونزول القرآن غير مأمونين منه ما دام الرسول ~~حيا، فامتنعوا لذلك أن يقولوا:حفظنا جميع القرآن، وإن كانوا قد حفظوا جميع ~~ما أنزل على الرسول إلى وقت سمع منهم هذا القول. # PageV01P199 # وبعد، ما ندري من قال إنهم لم يحفظوا جميع القرآن على عهد رسول # الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد غيرهم أن ما قاله على ما ذكره، وقد ~~بينا من قبل # أنهم كانوا يحفظون ولا يمارون ولا يتحدثون بذلك، ولا يشعر به من # أحوالهم، خوف المدح في الطاعة، وإيثار الاستسرار بفعل الخير والتقرب # إلى الله تعالى، وإذا كان ذلك كذلك، وكانت هذه الأخبار التي اعترضوا بها # تحتمل من التأويل ما قد ذكرناه وجب حملها إن صخت على موافقة # موجب العادة في باب الصحابة والأخبار المشهورة التي قدمنا ذكرها في # حفظ هذه الجماعة وغيرها للقرآن، وهذا بتن في زوال الشبهة بما تعلقوا به. # وإن هم قالوا: إن موجب العادة التي وصفتم في أمر الصحابة لأجل # سبقهم وجهادهم وحرصهم على نصرة الدين وحفظه والأخذ بمعالمه. # وتقديم الأعظم فالأعظم، والأهم فالأهم منه يوجب حفظ جميع الفضلاء # الأماثل منهم للقرآن، وأنهم لا يتأخرون عن ذلك لقاطع يصذهم وأمبر يكون # التشاغل به أولى وأهئم من التشاغل بحفظ القران. # قيل لهم: أجل، كذلك توجب العادة والحال عندنا في أمرهم. # فإن قال: كيف يكون ذلك كذلك وقد روي عن عبد الله بن عباس أنه # كان يقرىء عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر بن الخطاب، وعبد # الرحمن عندكم من الفضل والسابقة والجهاد والعلم والسن والعناء في # الإسلام ولحوقه بالطبقة الأولة من الصحابة بالمحل المعروف، وعبد الله من # حداثة السن وقرب العهد بحيث يعرفون، وقد روى الزهري # PageV01P200 # أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أخبره أن عبد الله بن العباس ~~أخبره أنه كان # يقرىء عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر بن الخطاب، قال: فلم أر أحدا # يجد من القشعريرة ما يجد عبد الرحمن عند القراءة، ms101 قال ابن عباس: فجئت # ألتمس عبد الرحمن يوما فلم أجده، فانتظرته في بيته حتى رجع من عند عمر # وهو يومئذ بمنى آخر حجة حجها عمر، وهذا خلاف موجب أخباركم # والعادة التي وصفتم. # يقال لهم: فظاهر تلك الأخبار وما ذكرناه من موجب العادة في مثل # عبد الرحمن في فضله وتقدمه ونبله يوجب المصير إلى ما قلناه من وجوب # حفظه القرآن وإيقاف خبركم هذا، وإحالة علم طريقه وتخرجه على الله # سبحانه الذي هو أعلم به، فإما أن نترك ما وصفناه من المتيقن لأجله، فذلك # غير سائغ، على أن الخبر إن صح وثبت فمعناه محمول على موافقة ما ادعيناه، ~~وذلك أن الناس كانوا يتحفظون القرآن بأن يقرؤوه على الحفاظ. # وبأن يقرأه عليهم الحافظ، ويأخذونه من لفظه، وفي الناس إلى هذا الوقت # من ذلك أسهل عليه وأقرب إلى فهمه، وأكثر من يعمل ذلك إنما يعمله # ليأخذ نمط القارىء الحافظ ويسلك في القراءة سننه، ويتبع ألفاظه، وكذلك # كان الرسول - صلى الله عليه وسلم -، إنما قرأ على أبي على وجه التخصيص ~~والتعظيم ليأخذ أبي طريقته، ويحكي لفظه، ويقفو أثره، وكذلك ذكر عن أبي وابن ~~أبي. # PageV01P201 # وإذا كان ذلك كذلك وجب حمل قراءة عبد الرحمن على عبد الله على # هذا التأويل، مع أن عبد الله بن عباس قد صرح بهذا المعنى عن نفسه، في # خبر آخر ورد من هذا الطريق، فروى معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد ~~الله بن عتبة عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف رجع إلى منزله بمنى. # قال ابن عباس: "وكنت أقارىء رجلا من المهاجرين، فكان عبد الرحمن # ممن أقارىء، فوجدني عبد الرحمن بن عوف في منزله أنتظره في آخر حجة # حجها عمر، فقد صرح عبد الله بأنه كان يقارىء الصحابة، والرجل لا # يقارىء إلا الحفظة، ولا يقارىء من لا يحفظ أو من هو دونه، فوجب حمل # الخبر على ما قلناه، على أن اختلاف عبد الله إلى عبد الرحمن إلى منزله # وانتظاره له يدل على أنه كان يقصده ليتعلم القرآن ms102 منه ويذاكره به، لأن ~~العادة لم تجر بقصد الملقن إلى المتعلم وانتظاره إلا عادة الأجراء ~~والمتكسبين # بإقراء القرآن، والصحابة أجل قدرا من أن ينسب أحد منهم إلى ذلك، فإذا # كان هذا هكذا سقط ما ظنه السائل. # ومما يدل أيضا على تعظيم منزلة عبد الرحمن وشدة تقدمه، وأنه كان # من المشهورين بحفظ القرآن ومن أقرأ الناس وأكثرهم قرآنا ما رواه الناس # من تقدم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه للصلاة بالناس وصلاة النبي # - صلى الله عليه وسلم - خلفه، وذلك من المشهور المدون في كتب فقهاء ~~الأمصار. # وقد روى عروة بن المغيرة عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV01P202 # غزوة تبوك، قال: فبرز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الغائط، فحمل ~~معه إداوة قبل الفجر، فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذت ~~أهريق على يده من الإدواة، وهو يغسل يديه ثلاث مرات، ثم غسل وجهه، ثم ذهب ~~يحسر جبته عن ذراعيه، فضاق كمام جبته، فأدخل يده في الجبة حتى أخرج ذراعيه ~~من أسفل الجبة، وغسل ذراعيه إلى المرفق، ثم توضأ ومسح على خفيه، ثم أقبل، ~~قال المغيرة: ثم أقبلت معه حتى نجد الناس قدموا عبد الرحمن بن عوف قد صلى ~~بهم، فأدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى الركعتين وصلى معه الناس ~~الركعة الآخرة، فلما سلم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتم صلاته، ~~فلما قضى صلاته أقبل على الناس يعلمهم، ثم قال: "أحسنتم "، يغبطهم أن صلوا ~~الصلاة لوقتها، قال المغيرة: وفي رواية أخرى: فأردت تأخير عبد الرحمن فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "دعهم". # ولولا أن عبد الرحمن كان أقرأ أهل تلك الغزاة وأشهرهم بذلك أو كان ~~كأقرئهم # وأكثرهم قرآنا لم يقدموه ويعدلوه عمن هو أقرأ منه وأحق بالتقديم، ولولا # علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بذلك لم يقرهم على ذلك، ولم يخلهم من ~~التنبيه والتصريح على وجوب تقدمة غيره وأنهم قد عدلوا عن الواجب أو الأفضل ~~وهو يقول: "يؤم ms103 القوم أقرؤهم لكتاب الله " و"أئمتكم شفعاؤكم " # و"أئمتكم خياركم ". # وفي تركه لهم وقوله: "أحسنتم " أوضح دليل على فضل عبد الرحمن، وأنه كان ~~يومئذ من حملة القرآن، وأهلا للإمامة والتقدم بالناس، فإذا كان ذلك كذلك ~~زالت هذه الشبهة، ووجب صحة ما قلناه من # موجب العادة والأخبار المتظاهرة التي قدمنا ذكرها في حفظ أفاضل الصحابة # والأماثل منهم لجميع كتاب الله تعالى قبل موت الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأن الأخبار المروية في نقيض ذلك محمولة على ما ذكرناه وبيناه من ~~قبل. # PageV01P203 ### | (باب) # (القول في بيان حكم بسم الله الرحمن الرحيم # والناس والفلق، ودعاء القنوت وترتيب سور القرآن ونظم آياته وعددها والقول ~~في أول ما أنزل منه وآخره) # فإن قالوا: جميع ما وصفتم وأكدتم القول فيه من ظهور أمر القرآن على # عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعده، وكثرة حفاظه والقائمين به، ~~والمنقطعين إلى تحفظه وتبحره وظهور نقله وإذاعته، وكثرة فضائله وتوفر # الهمم والدواعي على الإحاطة به، ومعرفة أحواله وأسبابه وتنزيله وفاتحته # وخاتمته إلى غير ذلك مما قلتموه: يقتضي لو كان الأمر في بابه على ما # وصفتم علم جماعة الصحابة وكافة الأمة بحكم بسم الله الرحمن الرحيم. # وهل هي آية من كتاب الله تعالى في افتتاح كل سورة أم لا، وهل هي آية من ~~سورة الحمد أم لا، وهل هي إن كانت آية في افتتاح كل سورة من جملة # السور أو منفصلة عنها وغير داخلة فيها، وهل كان يجهر بها الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - أم لا، وقد علمتم أن كل هذا مختلف فيه من حكمها، فمن مثبت ~~له، ومن راد منكر، وإذا كانت هذه حالهم في البعد عن العلم بحكم بسم الله ~~الرحمن الرحيم كانوا عن تحصيل حكم غيرها أبعد، وإلى التخليط فيه أقرب، وهذا ~~يمنع أشد المنع من أن يكون أمر القرآن في الظهور والانتشار وقيام الحجة به ~~على ما وصفتم. # PageV01P204 # وكذلك كل الذي وصفتم وأطنبتم فيه وأسهبتم يوجب لو كان على ما # ادعيتم ظهور أمر المعوذتين، وهل هما من كتاب ms104 الله ال منزل أم لا، وأن # يرتفع اللبس والإشكال عن الصحابة في أمرهما، وأن لا يخفى ذلك على # عبد الله بن مسعود حتى يخرجه جحدهما إلى حكهما من مصحفه، وإلى # أن يقول: "لا تدخلوا فيه ما ليس منه " وأن يقول إذا سئل عنهما: "سألت # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: "قيل لي قل، فقلت "، فنحن ~~نقول كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". # وكان يجب أيضا أن لا يختلف ترتيب المصاحف وفواتحها إن كان قد # وقفوا على ترتيب السور فيها، وقد روي ذلك في اختلاف كثير سنذكر طرفا منه ~~عند القول في جمع أبي بكر الصديق رضوان الله عليه للقرآن بين لوحين، فواحد ~~يثبت فاتحة الكتاب أوله وآخر يثبت (اقرأ باسم ربك) ، وآخر يثبت غير ذلك، ثم ~~يخالفون أيضا بين ترتيب باقي السور، وكان يجب أن لا يختلفوا في عدد آي ~~القرآن ورؤوسها، وقد ظهر من حالهم في ذلك ما لا خفاء به. # وكان يجب على كافتهم العلم بأول شيء أنزل منه وآخره وارتفاع تنازعهم # في هذا الباب. # وكل هذا يدل دلالة قاطعة على بطلان ادعائكم لظهور نقل القرآن وكثرة # حفظته، وقيام الحجة على المكلفين بجمعيه، وأن بيان سائره وقع في # الأصل شائعا ذائعا على حالة تقتضي تظاهر نقله وإحاطة الأمة بمعرفته. # يقال لهم: ليس في شيء مما ذكرتموه دليل على فساد ما ادعيناه، وبعض # ما ذكرتموه قد وقفوا عليه وظهر بينهم وحصل عليهم به، وبعضه مما لم # يوقفوا عليه ولم تقم الحجة بظهوره، ولم تكن الحاجة إلى معرفته كالحاجة # PageV01P205 # إلى معرفة نفس التلاوة ونظم آيات السور، ونحن نفصل كل شيء من ذلك # ونكشف عن حقيقة القول فيه إن شاء الله. # وأما بسم الله الرحمن الرحيم فإنها عندنا ليست ثابتة من فاتحة الكتاب # ولا هي فاتحة كل سورة، وإن كانت قرآنا في سورة النمل، وقد زعم قوئم # من أهل العلم أنها آية من فاتحة الكتاب، وقال آخرون: هي آية في فاتحة # كل سورة، ووقف آخرون مع ms105 اعتقاد كونها قرآنا في أنها آية فاصلة مفردة أو # من أول كل سورة، ونحن نبدأ بإبطال قول من زعم أنها كذلك منزلة، وذكر ما ~~تحمله، ثم نبين ما نقوله. # وقد استدل من يزعم أنه قرآن منزل على ذلك باتفاق الصحابة في # عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو في زمن أبي بكر وعمر وعثمان عليهم ~~السلام على القول بأن ذلك قرآن منزل، وأن جميع ما في المصحف من أوله إلى ~~آخره كلام لله تعالى ووحيه ومنزل من عنده، وأنهم قد وقفوا على ذلك وأخبروا ~~به هذه الجملة مما لا شبهة على أحد في قول الجماعة بها. # واتفاقهم على نقلها والإخبار بها. # وليس لأحد أن يقول إن هذا الإجماع منهم والنقل إنما وقع على ما عدا # بسم الله الرحمن الرحيم المرسومة في فواتح السور، لأن ذلك مما لم # يوقفونا عليه ولا عرف من قصدهم ولا بعادة وعرف مواضعة بينهم، كما أنه # ليس لأحد أن يدعي ذلك فيما عدا تبت أو الناس والفلق، فلما اتفقوا على # أن جميع ما انطوى عليه المصحف - الذي هو الإمام - كلام الله ووحيه بغير # اختلاف بينهم: ثبت أن ذلك كلام الله وقرآن منزل، وهذا مما لا خلاف # بينهم في اعتقاد جملته، وليس هذه حال الأمة في جميع ما انطوت عليه # المصاحف التي هي عن الإمام المجمع عليه. # PageV01P206 # وإذا كان ذلك كذلك ثبت أن بسم الله الرحمن الرحيم آية وقران منزل # في كل موضع رسمت فيه، لأن إطباق الأمة على ذلك قائم مقام توقيف # الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونصه على أن جميع ما في ذلك الإمام قرآن ~~منزل وتلاوة ونص قرآن بذلك، فكما أنه لو وقف على ذلك وتلا به قرانا يجب ~~حمله على ما عدا بسم الله الرحمن الرحيم مع معرفة قصده إلى التوقيف، على أن ~~جميع ما فيه قران منزل فكذلك سبيل توقيف الأمة على هذا الباب. # قالوا: وقد تظاهرت الأخبار بذلك عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ونقل ~~أهل الآثار أن النبى - صلى الله ms106 عليه وسلم - والمسلمين إنما كانوا يعرفون ~~انقضاء السورة والابتداء بغيرها إذا نزلت بسم الله الرحمن الرحيم، ولا يجوز ~~أن يقال: نزل في جملة القرآن، ومع ذكره وبواديه وخواتمه ما ليس بقرآن. # قالوا: وقد روى عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: # "إن جبريل عليه السلام كان إذا نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بسم ~~الله الرحمن الرحيم عرف أنها سورة قد ختمت واستقبل السورة الأخرى". # وروى ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة "أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يعد بسم الله الرحمن الرحيم آية فاصلة"، وروى ابن جريج وسفيان ~~بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير قال: "ما كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يعرف انقضاء السورة حتى تنزل عليه # بسم الله الرحمن الرحيم ". # PageV01P207 # وروى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: "كان المسلمون # لا يعرفون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، فيعلمون أن # السورة قد انقضت ". # وروى عطاء عن ابن عباس قال: "كنا نتعلم القرآن # على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما يعرف فصل السورة حتى تنزل ~~بسم الله الرحمن الرحيم ". وكل هذا ينبئ عن أن بسم الله الرحمن الرحيم آية ~~منزلة عند فواتح السور، ولفظ الأخبار توجبه. # قالوا: على أننا نعلم علما لا شك فيه أنه قد ادعى كون بسم الله الرحمن # الرحيم قرآنا منزلا عند فواتح السور جماعة من الصحابة، وأعلنوا ذلك # وظهر عنهم وعرف القول به من دينهم، فلم ينكر ذلك عليهم أحد ولا رده # ولا قال فيه قولا يمكن ذكره وحكايته، وهذا أيضا يدل على ظهور هذا القول ~~بينهم وتسويغه والرضا به والمصير إليه، لأنه ليس مما يجوز أن يقال إن كل ~~مجتهد فيه مصيب أو إن الإثم عن مخطىء الحق فيه موضوع، لأنه إدخال # في القرآن ما ليس منه، وهو بمثابة إخراج بعضه منه، وليس ذلك كمسائل # الأحكام، والقول في الحلال والحرام الموكول إلى الاجتهاد ms107 بالرأي عند # عدم النصوص، فيظن تسويغ إطلاقه مع الخلاف فيه واحتمال الأمر. # وقد تظاهرت الأخبار والروايات عن عبد الله بن عباس "أنه كان يقول # قولا ظاهرا فيمن يترك افتتاح السور ببسم الله الرحمن الرحيم حتى ترك # PageV01P208 # الناس من كتاب الله تعالى آية وسرق الشيطان من إمام المسلمين آية، ومن # ترك أن يقرأ بهذه الآية فقد ترك آية من كتاب الله عز وجل ". # وروى حنظلة وشهر بن حوشب عن ابن عباس قال: "من ترك بسم الله الرحمن ~~الرحيم أن يقرأ بها فقد ترك آية من كتاب الله ". # وروى عمر بن قيس عن عطاء ابن أبي رباح عن ابن عباس قال: "ترك الناس من ~~كتاب الله بسم الله الرحمن الرحيم ". # وروى جابر عن عكرمة عن ابن عباس قال: "إتهم ليتركون من # القرآن آية بسم الله الرحمن الرحيم ". # وروى عطية عن ابن عباس وغيره أيضا عنه أنه قال: "سرق الشيطان من إمام ~~المسلمين بسم الله الرحمن الرحيم ". # PageV01P209 # فهذه قصة ظاهرة عن ابن عباس وظاهر من قوله لا ينكر عليه أحد ولا # يرده، ولا يقول له قد فرقتنا بترك آية من كتاب الله، وما هذا نحوه، وكل # ذلك ينبئ عن كون بسم الله الرحمن الرحيم منزلة عند فواتح السور. # ومما يدل على علم الصحابة بأن بسم الله الرحمن الرحيم آية منزلة عند # افتتاح كل سورة وأن التارك لقراءتها في درسه إنما يترك عند نفسه آية ~~منزلة # ليست من جملة السور بل منفردة عنها: اتفاق جميعهم على إثبات بسم الله # الرحمن الرحيم في افتتاح كل سورة، وتركهم لذلك في افتتاح سورة براءة. # فلولا أنهم موقوفون على إثباتها وكونها آية عند افتتاح كل سورة سوى سورة # براءة لأثبتوها أيضا في أول سورة براءة، لأنهم كانوا إنما فعلوا ذلك ~~بالرأي # والاستحسان على وجه الافتتاح للتلاوة بها، وجب لهذه العلة افتتاح براءة # أيضا بها، وفي عدولهم دليل على أنها ليست بآية في ذلك الموضع وإن # كانت آية منزلة في افتتاح كل سورة. # قالوا: ومما يدل أيضا على هذا ms108 القول ويؤكده ما ظهر وعرف من كراهة # جماعة من سلف الأمة الأفاضل النبل أن نثبت في المصحف شيئا ليس منه. # من ذكر اسم السورة وذكر خاتمتها وأعشارها وغير ذلك من تزيين # المصاحف بالذهب وإحداث أمر فيه لم يكن مرسوما في مصحف الجماعة # الذي هو الإمام، إلى أن أعظموا القول في ذلك، وقالوا إنه بدعة ممن فعله. # وطلبت العلل والمعاذير لمن فعل ذلك بأخذه لحاجته إلى معرفة أسماء # السور، ومواضع الأعشار منها، هذا مع ظهور الحال في ذكر أسماء السورة # وخاتمتها، وعدد أعشارها وأخماسها، وأنه لا شبهة على أحد في أن ذلك # ليس بقرآن منزل، فكيف بهم في إثبات ما يلتبس ويشكل، وقد شاع ذلك # عنهم، فلو كانت بسم الله الرحمن الرحيم ليست من جملة القرآن ولا مما # PageV01P210 # أمروا واتفقوا على رسمه وإثباته لظهر أيضا اختلافهم في ذلك وإنكاره # والخوض فيه ظهورا يجب لنا العلم به، فلما لم يكن ذلك كذلك صح هذا # القول وثبت. # فروى ليث عن مجاهد أنه كره التعشير في المصحف، وروى أيضا # ليث عن مجاهد أنه كان يكره أن يكتب في المصحف تعشيرا أو تفصيلا # وروى هشام بن الغاز عن مكحول أنه كره نقط المصاحف، وروى ابن # جريج عن عطاء قال: "هذه بدعة"، يعني ما يكتب عن كل سورة # خاتمتها، وهي كذا وكذا آية، وروى أيضا عن عكرمة أنه قال: "هو بدعة". # قالوا: فأما جلة الصحابة فذلك أيضا مروي عن كثير منهم، فروى # إسرائيل عن عامر قال: "كتب رجل مصحفا عند كل آية تفسيرها، فدعا # PageV01P211 # به عمر بن الخطاب رضوان الله عليه فقرضه بالمقاريض ". # وروى يحيى بن وثاب عن مسروق عن عبد الله أنه كره تعشير المصاحف، وروى ~~سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن ابن مسعود قال: "جردوا القرآن " يقول: "لا ~~تعشروه ". # وروي عن عبد الله أيضا أنه رأى خطا في مصحف فحكه وقال: "لا تخلطوا به ~~غيره " وهذا أكثر مما يحصى جمعه ويتسع. # وكل هذه الأخبار تدل على اتفاق الأمة أن جميع ما في الإمام ms109 الذي كتبه # عثمان قرآن منزل من عند الله جل وعز، ولو كان بسم الله الرحمن الرحيم # مكتوبا على وجه الفصل والخاتمة لوجب أيضا إنكار هؤلاء القوم لذلك. # لأنه ليس من جملة ال منزل، بل هو مثل ما أنكروه بعينه. # ويوضح ذلك أيضا ويكشفه أن قوما من التابعين ومن بعدهم من السلف # قد استجازوا كتب التعشير وخاتمة سورة كذا وعدد آياتها كذا وكذا، فأنكر # PageV01P212 # ذلك عليهم من بدعهم فيه، فلم يحتجوا لصواب فعلهم بكتابة عثمان بسم # الله الرحمن الرحيم في فواتح السور، وأنه لم يكن من القرآن في شيء. # ولو كانوا يعتقدون ذلك لسارعوا إلى الاحتجاج به، ولم يجز على سائرهم # إغفال هذا الأمر الظاهر الناقض لقول من خالفهم وبدعهم، فهذا أيضا # يكشف عن أن إثبات عثمان والجماعة بسم الله الرحمن الرحيم لم يكن على # وجه الفصل والافتتاح، والعلامة تدل على أنه منزل من عند الله سبحانه. # قالوا: فإن قال قائل: كيف يسوغ لكم أن تدعوا أن أحدا لم يدفع أن # تكون بسم الله الرحمن الرحيم آية منزلة عند كل سورة، وقد وردت الأخبار # عن الحسن البصري بأنه أنكر ذلك، وقال لما سئل عنها: "صدور الرسائل "، وصح ~~عنه أنه كان لا يفتتح الجهر بها ويقول: "إنني رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - والأئمة من بعده لم يجهروا بها". # يقال لهم: ليس في هذه الرواية ما يدل على إنكار الحسن لكونها آية # منزلة في فواتح السور، وإنما فيها أنه كان ينكر أن تكون من الحمد ولا # يعدها آية منها، ولا يرى الجهر بها، وكل ذلك لا يدل على أنها ليست بآية # PageV01P213 # منزلة وإن لم تكن من الحمد ولا من جملة غيرها سوى النمل، ونحن لا # نعتقد أنها آية من الحمد ولا نرى افتتاحها بها ولا يتبين بهذا القدر فقط ~~أنها # ليست بآية من كتاب الله منزلة في فواتح السور، وعلى هذا خلق من أهل # العلم جلة أماثل. # وقوله: "صدور الرسائل " ليس فيه أنها ليست بآية منزلة، لأنها قد تكون # آية وإن ms110 صدرت بها الرسائل، وقد تصدر بها أيضا السور وتفتتح وإن صدرت بها ~~الرسائل، وقد كان المسلمون يصدرون (باسمك اللهم) حتى أنزلت: (إنه من سليمان ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) . # فصدر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون، وقد يجوز أيضا أن ~~يكون الحسن ممن اعتقد أنه تصدر بها الكتب والرسائل، وأنه يجب أن تصدر بها ~~السور، ويستفتح بها في الكتابة، كما كان يفعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وكما اتفق عليه المسلمون من بعده وإن لم يجب أن يفتتح بها في ~~القراءة. # وكل ذلك إذا أمكن لم يكن في قول الحسن هذا نطق بإنكار كونها آية منزلة. # قالوا: فأما ما روي أيضا عن الحسن من أنه قال: "يكتب في أول # الإمام، واجعلوا بين كل سورتين خطا"، فإنه خبر باطل، لأن فاعل ذلك # والآمر به مخالف لسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين وما قد ~~اتفقوا عليه، لأن الحسن وكل أحد من أهل عصره يعلم علما لا شبهة عليه فيه أن ~~الأمة كانت تكتب ذلك، ولم يكن من رأيه مخالفة فعل الأمة، وكيف يصنع ذلك وهو ~~يحتج لترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بترك الأئمة لذلك، والأئمة بأسرها ~~قد أثبتوا بسم الله الرحمن الرحيم بين كل سورتين، ولو # صحت هذه الرواية لوجب حملها على وجهين: # PageV01P214 # أحدهما: أنه يمكن أن يكون بلغه أن قائلا قال: إنها من كل سورة، أو # ظن ذلك كما يقول هذا ويظنه بعض أهل عصرنا فقال: "يجعل بين كل # سورتين خطا" لزوال هذه الشبهة، وإن كان السلف قد كتبوها غير أنه لم # يدخل عليهم في ذلك شبهة، والآن فقد تغيرت الحال. # - ويمكن أيضا أن يكون الحسن قد اعتقد أنه لا يجب أن تكتب في # فواتح السور إذا دونت واتصلت الكتابة مما لا يجب أن يقرأ إذا اتصلت # قراءة السور، وهذا لا ينبني عن أنه يعتقد أنها ليست بآية منفردة منزلة ~~عند # افتتاح كل سورة وإن لم يكن منها، ولم يجب على كاتب القرآن وتاليه # وخاتمه أن ms111 يكتبها ويتولها. # قالوا: فإن قال القائل: فخبرونا عن بسم الله الرحمن الرحيم أهي # عندكم آية من الحمد أم لا؟ # قيل له: لسنا نعلم أنها آية من الحمد أم لا، كما لا نعلم أنها آية من # غيرها أم لا وإن كنا نعلم أنها آية مفتتحة بها، لأنه ليس معنا توقيف على # ذلك يوجب العلم ولا توقيف على أنها ليست منها، وليس فيما يتعلق به من # زعم أنها آية من الحمد لأجل أن الحمد سبع آيات، وبسم الله الرحمن # الرحيم مشبهة لآياتها وما بعدها في العدد والطول، فإذا اتفق على أن الحمد # سبع آيات ولم تعد بسم الله الرحمن الرحيم آية منها وجب على مسقطها أن # يعد مكانها (أنعمت علهيم) آية، وليست مشبهة لآيات الحمد، أو يعد # PageV01P215 # مكانها (إياك نعبد) آية منها كما روي عن الحسن البصري، و (إياك # نعبد) لا تشاكل أيضا مثيلاتها من آيات الحمد، فوجب إذ ذاك عد بسم الله # الرحمن الرحيم آية منها وجعلها من جملتها. # فهذا عندنا مما لا شبهة فيه ولا تعلق لأحد لأجل الاتفاق على أنه لا # يجب أن تكون آيات السورة كلها متساوية متشابهة، لأن أهل البصرة قد # عدوا (لذة للشاربين) آية من سورة الصافات وفي سورة محمد صلى الله # عليه، وليست مشبهة لآياتها، وعدوا في لم يكن (مخلصين له الدين) آية # وليست مشاكلة لما قبلها ولا لما بعدها، وعد الناس جميعا (إذاجاء نصر # الله والفتح) آية وهي لا تشبه ما بعدها، وعد أهل الكوفة في سورة طه (ما # منعك إذ رأيتهم ضلوا) آية وهي غير مشبهة لشيء من آيات طه، وعدوا في بني ~~إسرائيل (يخرون للأدقان سجدا) آية وليست كآياتها، ولو"تتبع ذلك لكثر، وإذا ~~كان ذلك كذلك بطلت هذه الشبهة. # والصحيح عندنا أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست بآية من الحمد ولا # من غيرها سوى سورة النمل فإنها قرآن من جملتها، لأنه قد ثبت وصح أن # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الجهر بها وإن كان قد روي أنه ربما ~~جهر بها ms112 وأن الأئمة بعده تركوا الجهر بها، وقد ثبت وجوب الجهر بجميع سورة ~~الحمد في صلاة الجهر وموضعه، فلو كانت آية من الحمد لوجب الجهر بها كوجوبه ~~في سائر آياتها، لأنه لا وجه للجهر ببعض السورة في موضع الجهر وترك الجهر ~~ببعضها، ولا مثل لذلك في الشرع ولا نظير، فهذا يدل على أنها ما تستفتح بها ~~السور، وأنه لا يجب تقديمها أمامها، ولا اعتقاد كونها أنها من جملتها. # PageV01P216 # ومما يدل أيضا على أنها ليست بآية من الحمد اتفاق الكل من الأئمة # والقراء على أنها ليست بآية من غير الحمد وإن كانت مرسومة في افتتاحها. # لأنه لا خلاف بينهم في ترك عدها مع آيات كل سورة وإن اختلفوا في عدها # آية من الحمد، فيجب حملها مع الجهر على وجه حملها مع غيرها من # السور في أنها ليست من جملتها. # غير أن القائل بأنها من جملة الحمد أعذر ممن قال: هي منها ومن كل # سورة، لارتفاع الخلاف في أحد الموضعين، وعلى أنه ليس ببعيد أن يجعل # الله بسم الله الرحمن الرحيم آية من الحمد وبعضا لها، ولا يجعلها بعضا # لغيرها بل آية مفردة منها تفتتح السور بها أو كلاما ليس بقرآن يندب إلى # افتتاح سور القرآن بها، ولكنا سنذكر بعد ما يدل قطعا على أنها ليست من # الحمد ولا من غيرها. # قال الزاعمون إنها آية فاصلة بين السور، وأننا لا ندري أنها من الحمد أو ~~لا. # إن قال قائل: خبرونا عمن قرأ جميع القرآن وأسقط تلاوة بسم الله # الرحمن الرحيم من أولها أهو عندكم خاتم للقرآن، كما أن قارئها في افتتاح # كل سورة خاتم للقرآن؟ # قيل له: أجل، وقد جعل الله تعالى ختم القرآن على وجهين: # أحدهما ختم سائر سوره مع إسقاط بسم الله الرحمن الرحيم، وختم له مع تلاوة ~~بسم الله الرحمن الرحيم، كلاهما ختم للقرآن. # قالوا: فإن قال: كيف يكون مسقط بسم الله الرحمن الرحيم خاتما # لجميع القرآن وقد أسقط عندكم منه كلاما كثيرا وحروفا كثيرة؟ # قيل له: لأجل أن الله ms113 سبحانه ورسوله والمسلمين جعلوا فاعل ذلك # خاتما للقرآن، يراد بذلك لجميع سور القرآن وإن أفرد منها بسم الله الرحمن ~~الرحيم # PageV01P217 # لأنها ليست من جملتها، وإن كان قارئ جميع السور مع بسم الله # الرحمن الرحيم قد ختم جميع السور وضم إليها قرآنا ليس منها، ولو كان # مسقط بسم الله الرحمن الرحيم غير خاتم للقرآن لأنه قرأ ما هو أقل عدد # حروف من عدد الحروف التي قرأها تالي بسم الله الرحمن الرحيم لوجب أن يكون ~~قارئ جميع سور القرآن مع بسم الله الرحمن الرحيم غير خاتم للقرآن إذا قرأه ~~على غير قراءة أهل مكة، بل بإسقاط واو الجمع وحذفه في قوله عليهموا ~~وعليكموا وهموا وأنتموا وإليكموا، وما أشبه ذلك في جميع سور # القرآن: غير خاتم القرآن، لأنه ترك ما قد اتفق على أنه أصل الكلام وتحقيق # لفظه، وقد ترك بترك ذلك حروفا لا تحصى كثرة، وقارئ القرآن بحرف # أهل مكة قد أتى بذلك أجمع. # ولقا لم يجب ذلك وكانت الأمة متفقة على أن قارئ القرآن على # الوجهين خاتم له لأن الله جل ذكره جعل التلاوتين ختما لكتابه، كذلك حكم ~~خاتم القرآن بإسقاط بسم الله الرحمن الرحيم، إلا في سورة النمل، وخاتمه مع ~~تلاوة بسم الله الرحمن الرحيم في فواتح سوره إلا (براءة من الله ورسوله) ~~وحدها، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه. # قالوا: فإن قال: أفترون مع قطعكم على أن بسم الله الرحمن الرحيم آية # منزلة فاصلة بين السور أن ثواب خاتم جميع القرآن مع إسقاطه تلاوة بسم ~~الله # الرحمن الرحيم كثواب خاتم مع تلاوتها والافتتاح بها؟ # قيل له: كثرة الثواب وقلته مما لا تعلق له في هذا الكتاب، ولو قلنا: # إن ثواب خاتمه مع الافتتاح ببسم الله الرحمن الرحيم أكثر من ثواب خاتمه # مع إسقاطها لم يدل ذلك على أن من قل ثوابه ليس بخاتم للقرآن، لأنه قد # يكون له ختمتان، ثواب أحدهما أكثر من ثواب الأخرى، على أن هذا مما لا # PageV01P218 # سبيل أيضا إلى علمه، كما أنه لا سبيل ms114 لنا إلى أن خاتم القرآن بحرف أهل # مكة والنطق بواو الجمع أكثر ثوابا من مسقط هذا الواو، وإن تيقنا أن عدد # حروف إحدى الختمتين أكثر من عدد الأخرى بشيء كثير، لأجل أن # الاجتهاد إذا أدى إلى أن حذف هذا الحرف - الواو - أولى وأخف على # القلب واللسان وألطف موقعا في قلوب سامعي القراءة، أو أدعى لهم إلى # التعلم والإصغاء كان ذلك بمنزلة من أداه اجتهاده إلى أن إثباتها أولى. # والنطق بها لأجل وجوه أخر، ولأنها الأصل في الكلام، وغير ذلك. # فكذلك من أداه اجتهاده إلى إسقاط قراءة بسم الله الرحمن الرحيم عند # افتتاح كل سورة يريد وصلها بغيرها التي بعدها لأجل ما يقصده من تذليل # لسانه ورياضة نفسه واقتداره على وصل آخر السورة بابتداء غيرها لمعرفة # حكم الابتداء والإعراب في ذلك، مع اعتقاده فيه الوقف عند فراغه من # آخر السورة، وإتباعها فيه الوصل لافتتاح ما بعدها، وليعرف كيف يفعل # ذلك، وكيف كلام أهل العلم واللغة فيه، فإن هذا الجمع اجتهاد وتوصل # إلى علم نافع وتدرب بهذا القرآن والتبسط في تلاوته وحسن الإفصاح به. # فما يمكننا مع قصد مسقط الافتتاح ببسم الله الرحمن الرحيم من ختمته إلى # ما ذكرناه أن نعلم أن ثوابه أقل من ثواب المفتتح بما في مبادىء السور في # ختمته. # وربما كان أيضا ثواب الخاتمين مع تلاوة بسم الله الرحمن الرحيم أكثر # من ثواب الآخر لما تقارب ختمته من الخنوع والخشوع والاتعاظ والإخلاص # وصدق العمل، وربما كان ثواب الختمة الواحدة أكثر من ثواب الختمات # الكثيرة إذا توافرت مثل هذه الأسباب، وربما كان ثواب قراءة الآية وأقل أو ~~السورة الواحدة أكثر من ثواب الختمة إذا قادت الآية إلى الإخلاص وصدق # PageV01P219 # النية، وارتفاع الشوب والقصد إلى القربة، ما لم يقارف الختمة، وإذا كان # ذلك بطل هذا السؤال، وزال عن القوم ما ظنوه. # واعلموا وفقكم الله أن الذي نختاره ونذهب إليه أن بسم الله الرحمن الرحيم ~~ليست بآية من الحمد، ولا من سورة سوى النمل، فإنها قرآن من # جملتها، وأن القطع بذلك ms115 واجب، وأنه لا حجة في شيء مما قدمناه عن # القوم قاطعة على أنها آية من القرآن مفردة فاصلة بين السورتين، ولا على # أنها من جملة كل سورة. # والدليل على ذلك أننا نحن وجميع من خالفنا في هذا الباب ممن يعرف # أصوله وطريق نقل القرآن وكيفية بيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - له ~~وتلقيه عنه: متفقون على أنه قد ثبت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين ~~جمع القرآن بيانا واحدا على وجه تقوم به الحجة وينقطع العذر، وأنه لم يبين ~~بعضه بيانا ظاهرا معلنا تقوم به الحجة، وبين بعضه بيانا خفيا موعزا إلى ~~الواحد # والاثنين ومن لا تقوم الحجة بإخباره عنه لما سمعه منه - صلى الله عليه ~~وسلم - من القرآن، وأن هذه العادة في بيان جميع القرآن كانت عادة الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم -، لأنه لو كان ذلك كذلك لوجب في مستقر العادة وطريقة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيان القرآن وترتيبه وما يجب فيه ~~وتضييق تركه وتحريم الجهل به وأن يكون قد بين ذلك للأمة بيانا تقوم به ~~الحجة، وأن يعرفها هذين الوجهين اللذين لكل واحد منهما إذا قرئت السورة ~~عليه خاتمة مخصوصة، ويكشف لهم عن ذلك كما عرفه ابن مسعود، ويوضحه لهم ~~الإيضاح الذي إذا شك فيه ابن مسعود ووهم لم يشك غيره، ولم تجر العادة ~~بتوافي همم # جميع من بين ذلك له على إهماله أو السهو عنه والشك فيه، وأن لا يلقي # PageV01P220 # ذلك إلى ابن مسعود وحده إلقاء خاصا لا تقوم الحجة به ولا يعرفه من دينه # غير عبد الله وحده، لأنه لم تكن هذه عادته صلى الله عليه في بلاع القرآن. # ولو جاز ذلك عليه لجاز أن يبين بعض الحروف السبعة وبعض ترتيب # السور لعبد الله بن مسعود وحده، ولا يوقف عليه غيره، ولو أمكن ذلك # لأمكن أيضا وجاز أن يتين بعض القرآن الذي كان أنزل عليه ويبلغه إلى ابن # مسعود وحده دون غيره، فإذا كان هذا باطلا من قولنا جميعا وجب أحد # أمرين: ms116 # - إما أن يكون هذا الخبر ضعيفا مدخولا لم تقم به الحجة عن عبد الله. # - أو يكون ثابتا، ويكون ذلك مما كان مباحا أن يختم السورة بخاتمتين # على التخيير بغير اشتراط وجهين من القراءة ثم نسخ ذلك وذهب عن عبد # الله، أو يكون مما كان مباحا ومشروطا أن تقرأ السورة على وجهين، لكل # وجه فيهما خاتمة مخصوصة، فنسخ أحد الوجهين ونسخت خاتمته وبقي # الوجه الآخر وبقي أيضا خاتمته، وذهب ذلك على عبد الله وعرفته الأمة. # فإما أن يكون باقيا ثابتا ولا تعرفه الأمة ولا تقف عليه الأمة، ولا تقف ~~عليه # من دين الرسول إلا عبد الله وحده، فإئه باطل بعيد لما بيناه من قبل، ~~فيسقط # بما وصفناه من تعلقهم بهذه القصة. # فإن قالوا: أفليس قد روى ابن جريج عن عطاء أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مر بأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وهو يخافت في قراءته، ومر بعمر ~~- رضي الله عنه - وهو يجهر، وببلال وهو يقرأ من هذه السورة، ومن هذه ~~السورة، فقال: "كل ذلك حسن " أو نحوه من الكلام، وهذا إقرار منه # PageV01P221 # لبلال على جواز خلط السور وإدخال بعضها في بعض، كما أنه إقرار على # المخافتة والجهر. # يقال لهم: قد روى أبو عبيد عن الحجاج عن الليث بن سعد عن # عمر مولى غفرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مر بأبي بكر وهو ~~يخافت، ومر بعمر وهو يجهر، ومر ببلال وهو يقرأ من هذه السورة، ومن هذه ~~السورة، فقال لأبي بكر: مررت بك وأنت تخافت، فقال: إني أسمعت من ناجيت، ~~فقال: ارفع شيئا، وقال لعمر: مررت بك وأنت تجهر، فقال: أطرد الشيطان وأوقظ ~~الوسنان، فقال: اخفض شيئا، قال لبلال: مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة، ~~ومن هذه السورة فقال: أخلط الطيب بالطيب، فقال: إذا قرأت السورة فأنفذها"، ~~يعني - صلى الله عليه وسلم - اقرأها على وجهها إلى آخرها، لا معنى لإنفاذها ~~ها هنا إلا هذا. # PageV01P222 # فهذا أمر منه لبلال ولكل قارئ لسورة بأن ينفذها ويقرأها على وجهها. ms117 # وهذه الرواية أظهر وأشهر من الرواية التي ذكروا فيها أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "كل ذلك حسن "، فوجب العمل على التفضيل والتفسير ~~الذي وردت به الرواية الزائدة. وقد يجوز أن يكون أراد بقوله: "كل ذلك حسن " # لصنع أبي بكر وعمر فقط من الجهر والمخافتة، وواجههما بذلك لما أقبل # عليهما، ولم يسمع الراوي تمام كلامه لبلال فادرج القصة ولم يفصل من # غير اعتماد لتحريف على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وطعن، يتعلق قوم من ~~بعده بهذا في جواز خلط السور بعضها ببعض، وبعض ترتيبها، ومخالفة تاليها فلا ~~تعلق لهم في لفظ خبرهم - لو ثبت - مع جواز ما قلناه، وقد روينا من قبل أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال عند ذلك: "اقرأ السورة على ~~نحوها". # وقد روي: "على وجهها"، وروى ذلك سعيد بن المسيب عن النبى - صلى الله عليه ~~وسلم - وإذا كان ذلك كذلك بطل تعلقهم بهذه القصة. # فإن قالوا، أفليس قد روي أن عليا عليه السلام كان يقرأ سورة الأنبياء # فأسقط آية، ثم قرأ بعدها ثم رجع إليها فقرأها ثم عاد إلى الموضع الذي كان # بلغ إليه، وهذا فعل منه يدل على جواز تقديم بعض آيات السورة على بعض # ومخالفة تأليفها، ولولا أن ذلك عنده كذلك لم يستجز بعد أن رجع إلى ما # أسقطه وقرأه أن يتبعه من الموضع الذي بلغ إليه، وإنما كان أن يتبعه بما ~~يليه # حتى يكون جميع ما قرأه إلى حيث بلغ، ويصله بما بعده. # يقال لهم: ليس في الأمة ممن روى هذا الحديث ومن غير رواية ابن # عمر أن عليا عليه السلام اعتمد ذلك وقصده، بل كان من صحح هذه الرواية عن ~~ابن عمر أنه فعل ذلك على طريق العذر ووجه السهو، وأنه لم يكن من دينه خلط ~~آيات السور بعضها ببعض، ونقصها، ومخالفة ترتيبها وإفساد # PageV01P223 # تأليفها، لأن ذلك فساد وتخليط، وعائد بدخول الخلل والفبس وقلة الضبط # لكتاب الله تعالى، والذهاب ببهائه وبهجته، وقد يسوغ من هذا الباب على # وجه ms118 السهو والنسيان ما لا يجوز مع الذكر والاعتماد، كما يجوز التفرقة بين # حكم الأفعال الواقعة على وجه السهو والنسيان والأفعال الواقعة على وجه # العمد والقصد في الصلاة، وكثير من أحكام الشرع في باب سقوط الإثم في # آخر الفعل إذا وقع على وجه السهو، وإفساده إذا وقع على وجه العمد. # وقد استقر من عمل الأمة ودينها جواز مثل فعل علي عليه السلام إذا # وقع لعذر وعلى وجه السهو، وعلى حظره ومنعه إذا وقع على وجه القصد # والعهد، والحكم بأنه إفساد لنظم القرآن، ونقض لتأليفه، ومخالفة لسنة # الرسول - صلى الله عليه وسلم - والسلف الصالح من بعده، فلا وجه للجمع بين ~~الأمرين أو حمل ذلك الفعل من على عليه السلام على أنه قصده واعتمده، وقد ~~يجوز أن يكون الله سبحانه إنما أباح ذلك في حال السهو وعذر فاعله، " لأجل ~~علمه سبحانه بأن أحدا لا يكاد يسلم من السهو والإغفال، وأنهم لما كلفوا متى ~~سهوا عن آية أن لا يقرؤوا ما بعدها حتى يذكروها لمنعوا بذلك من الدرس، ~~واكتساب عظيم الأجر وتهذيب الحفظ، ولو كلفوا إذا ذكروا الآية التي أسقطوها ~~في الخمس الأول من البقرة بقرب آية الدين أن يرجعوا فيقرؤوها ثم يعيدوا ~~جميعها ما كانوا قرؤوا بعدها إلى حيث بلغوا: لعاد ذلك بتغليظ المشقة عليهم ~~والسآمة منهم والضجر والملال بما كلفوا، وشدة الاستثقال لما ألزموا، وقلة ~~الحرص عليه والقيام به، والله تعالى أعلم بتدبير خلقه ومصالح عباده ووجوه ~~الألطاف فيما تعبدهم به، وإذا كان ذلك كذلك سقط تعلقهم بهذا الخبر إن صح، ~~ولزم قلوبنا العلم بثبوته. # PageV01P224 # فإن قال قائل: فهل يجوز مثل هذا إن نال الإنسان أو لحقه في سورة # الحمد؟ # قيل لهم: أما من قال إن قراءة الحمد على ترتيبها ركن من أركان # الصلاة أو فرض من فروضها فإنه لا يجوز ذلك ولا يقيم به العذر، كما أنه # لا يجيز الصلاة مع ترك الإحرام والركوع والسجود ولكل فرض فيها وإن # وقع على وجه السهو، وأما من لم يقل من العلماء إن قراءة ms119 الحمد من # فرائض الصلاة فإنه يجيزه ويجعل الصلاة صحيحة، وليس الكلام في هذا # مما نحن فيه من جواز نقص آيات السور، ومخالفة ترتيبها مع القصد والذكر # في الصلاة وغيرها فكنا نغرق فيه، وهذه جملة كاشفة عن صحة ما قلناه مع # ثبوت النصوص والإجماع على وجوب ترتيب آيات السور وقراءتها على # وجهها، وأن ذلك لم يكن عن رأي واجتهاد من الأمة، وإن كان تأليف # السور وتصنيفها مما لا نص فيه ولا توقيف عندها. # PageV01P225 ### | (باب) # ذكر اختلافهم في عدد الآي وتقديرها # ومعنى وصفها بأنها آية # فإن قالوا: كيف سوع لكم أن تدعوا ظهور نقل القرآن وإذاعة الرسول # لشأنه وإشاعته وإقامة الحجة على المكلفين به ونحن نجدهم يختلفون في # قدر الآية، فيعد بعضهم قدرا من الكلام آية وينكر ذلك غيره، ويعد بعضهم # السورة مائة آية مثلا ويعدها غيره أكثر من ذلك وأقل، وما ذكرتموه من # ظهور توقيف النبي - صلى الله عليه وسلم - على بيان القرآن وكشف ترتيبه ~~وتأليفه وأحكامه الواجبة له في حفظه وتلاوته، وإحصاء آياته، فوجب علم ~~جميعهم بذلك، وارتفاع النزاع بينهم فيه. # يقال لهم: ليس فما وصفتموه قدح فيما قلنا ولا توهين لما ادعيناه # وبيناه، وذلك أننا إنما ادعينا وجوب ظهور نقل ما فرض رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على الأمة حفظه وحظر عليهم الذهاب عنه، وألزمه الله تعالى ~~إشاعته وإذاعته، لتقوم الحجة به، وعرفت عادته عليه السلام من إظهار البيان ~~وشدة القصد، والإيثار له للكشف والإعلان به، وإذا كان ذلك كذلك وكنا لا ~~نقول إن من هذا الباب عدد آيات سور القرآن وقدر ما هو آية من الكلام، بل ~~نقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحد في عدد آيات السور حدا، ~~ولا وقفهم عليه في ذلك على شيء، ولا كان هو - صلى الله عليه وسلم - يعد ذلك ~~وإن جاز أن يكونوا هم قد كانوا يعدون في عصره وعند القراءة عليه لأنفسهم، # PageV01P226 # فلا ينكر ذلك عليهم، بل يخليهم وما عدوا إذا لم ينقصوا من السورة ولم # يزيدوا ms120 فيها شيئا، ولا غيروا من تأليف آياتها أمرا، ولا قدموا مؤخرا، ولا # أخروا مقدما، وإذا كان ذلك كذلك لم يلزمنا شي مما قلتم، لأنه لا نص # من الرسول على عدد الآي ومقاديرها. # فإن قالوا: وما الدليل على ذلك؟ # قيل لهم: من الأدلة عليه علمنا بأنه لو كان صلى الله عليه قد نص لهم # على عدد الآيات وقدر الكلام الذي يكون آية، ومواضع الفصول من السور، وضيق ~~عليهم معرفة ذلك وجعله من فرائض دينهم، وحد لهم فيه حدا # أخذهم به وحده ومنعهم من تجاوزه أوجب أن يكون بيانه لذلك كبيانه # لتأليف آيات كل سورة، وكبيانه للقرآن نفسه، ولوجب في مستقر العادة # ظهور ذلك عنه، وتوفر الدواعي والهمم على ضبطه وذكره وحراسته # وتقييده، كما وجب عليهم بتأليف آيات كل سورة، وبالقرآن نفسه. # ولارتفع الخلاف عليهم في ذلك والنزاع، ولما لم يظهر ذلك ولم نجد # أنفسنا عالمة بهذه الجملة من توقيف الرسول ودينه كما نجدها عالمة بتوقيفه # على نزول جميع القرآن من عند ربه، وعلى تأليف آيات السور وكلماتها: # علمنا أنه لا نص كان منه على هذا الباب، ولا قول ظهر منه في ذلك ولا أمر ~~يجب حفظه وإذاعته، ولزم القلوب العلم به. # ومما يقوي ذلك ويشهد له أن ثبت أنه قد وردت بهذه الرواية، فروى # يحيى بن سعيد الأموي عن الأعمش عن # PageV01P227 # عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: "تمارينا في سورة # من القرآن، فقال بعضنا خمس وثلاثون، وقال بعضنا سث وثلاثون، فأتينا # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتغير لونه، وأسر إلى علي عليه السلام ~~شيئا، فسألنا عليا: ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "إن ~~الله يأمركم أن تقرؤوا القرآن كما علمتموه ". # وهذا الخبر يدل على أنه لم يأمرهم بعد الآي بل نهاهم عنه إذ ذاك، أو # أطلقه لهم ووكله إلى آرائهم وما يؤديهم الاجتهاد إلى أنه فصل وموضع آخر # الآية، ليستعينوا بذلك على الحفظ ويقيدوه، ويدل أيضا على أنهم كانوا # يعدون عدا مختلفا. ms121 # فإن قالوا: فهل تقطعون بهذا الخبر على أن القوم كانوا يعدون في زمن # الرسول صلى الله عليه أم لا؟ # قيل لهم: لا لأنه من أخبار الآحاد التي لا توجب علما. # فإن قيل: أفتجوزون أن يكونوا قد كانوا يعدون إذ ذاك؟ # قيل لهم: يجوز ذلك. # فإن قيل: فهل تجوزون أن يكون عددهم لآيات السور وقدر الآيات # متفقا أو أن يكون ذاك مختلفا؟ # PageV01P228 # قيل لهم: أجل، يجوز أن يكونوا قد عدوه في عصره صلى الله عليه # عددا متفقا غير مختلف، غير أنهم عدوا ذلك لأنفسهم استعانة به على تقييد # الحفظ وضبط السور من غير أن ينص لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ~~ذلك، فلذلك لم ينقل عنه شيء في هذا الباب، فلما انقرض ذلك العصر ولم ينقل ~~ذلك العدد عنهم لأنه لم يكن من فرائض دينهم ولا مما نص لهم الرسول عليه ~~وأحدهم به: ذهب على من بعدهم العدد الذي كانوا اتفقوا عليه في زمن الرسول، ~~والناس من بعدهم يعدون ذلك لأنفسهم، وبحسب ما أداهم الاجتهاد إليه. # ويجوز أيضا أن يكونوا قد عدوا على عصر الرسول وعند القراءة عليه # عدا مختلفا، وعرضوه على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعرف اختلافهم ~~فيه، وأقرهم على جميعه، وسنح لكل واحد منهم العمل بما غلب على ظنه، إذا علم ~~أنه يقصد # بذلك تقييد حفظه وضبطه، والاستعانة عليه، ولم يكن الله سبحانه قد أمره # بتوقيفهم على حذ محدود وشيء معلوم في ذلك ولا ألزمهم إياه، فما ندري # أنه كان ذلك كذلك، فكيف كان حقيقة هذا الأمر منهم على زمن الرسول. # وقد يجوز أيضا أن لا يكونوا تشاغلوا بعدد متفق ولا مختلف في زمن # الرسول، بل أقبلوا على حفظ القرآن فقط على سياق آيات سوره وتعرف # أحكامه وحلاله وحرامه، ورأوا أن التشاغل بعدد الآي ومواضع الفصول من # السور شاغل لهم عن حفظ القرآن نفسه وتعلم ما يحتاج إلى العلم به من # أحكامه، ويكون حالهم في ذلك حال خلق من حفاظ القرآن في هذا الوقت، الذين ~~يحفظونه ويتقنونه ms122 ولا يشتغلون بوضع عدد لآياته من عند أنفسهم # وعلامات لهم على مواضع الفصول، ولا يتعرف ما قاله غيرهم في العدد # لاعتقادهم العناء به والاشتغال بما هو أهم وأمس، من علم تأويله وأحكامه # PageV01P229 # ومعانيه وغير ذلك من فروض الدين كل هذا الذي وصفناه جائز من أمر # الصحابة وغير بعيد ولا ممتنع. # فإن قالوا على هذا الجواب: فكيف يجوز أن يخليهم الله تعالى من نص # لهم على عدد الآي ومواضع الفصول التي هي عنده وفي معلومه سبحانه أنها # مواضع الفصول؟ # قيل: يجوز ذلك من حيث أمكن أن يكون تعالى قد علم أن نصه لهم # على حا في ذلك تضييق عليهم وشغل لهم عن حفظ القرآن نفسه، ومؤد إلى # رغبتهم عن طاعته وإيثارا إلى معصيته، وأنه إذا وكل ذلك إليهم وجعلهم في # فسحة من عده بحسب اجتهادهم وعلى وجه إيثارهم كان ذلك رفقا لهم # وعونا على ضبط ما يحاولون ضبطه، ولطفا لهم في فعل الطاعة وترك # المعصية، كما علم سبحانه أنه إذا أفقدهم النص على حكم كثير من # الحوادث ووكلهم فيها إلى العمل بآرائهم وما يؤديهم إليه اجتهادهم كان # ذلك تخفيفا لمحنتهم وتوسعة عليهم ولطفا لهم في فعل الطاعة وترك # المعصية، وادعا الأمور لهم إلى حسن الانقياد والخنوع. # وكما أنه يجوز أن يعلم أن ترك نصه لهم على عدد حروف السورة # وكلماتها من أصلح الأمور لهم وأن نصه على ذلك مما لا ينتفعون به ولا # يصلحون عنده بل يكون مفسدة وشاغلا لهم أو لكثير منهم عن حفظ القرآن # نفسه وما يجب ويلزم من معرفة أحكامه وتأويله، وإذا كان ذلك كذلك بان # بما وصفناه سقوط التعجب من ترك النص لهم على عدد الآي. # PageV01P230 ### | (فصل) # من الكلام في هذا الباب # فإن قال قائل: فهل تقولون: الآية التي يختلف الناس في عددها لا بد # أن يكون عند الله وفي معلومه تعالى على ما يقوله أحد العادين لها، أم ليس # الأمر كذلك؟ # يقال لهم: قد اختلف الناس في ذلك، فقال فريق منهم: إن الآية عند # أهل العدد ms123 وفي مواضعتهم لها سقيت آية لأنها علامة للفصل بين الكلامين. # وأن الله سبحانه جعل ذلك كذلك ليستعين الناس بما يظنونه فصلا موضع آية # على تقييد السور وحفظها وضبطها، فإذا أفقدهم مع ذلك النص منه على # الفصول، ولم يجد لهم في ذلك حدا فقد عرفنا أنه إنما وكل هذه التسمية # إلى آرائهم واجتهادهم وما يظنه كل قارئ منهم أنه موضع علامة وفصل وأنه # يجب على هذا أن يرجع في حصول هذه التسمية إلى ما يضعه القراء ويغلب # على ظنونهم من مواضع الفصول. # لأن قولنا حينئذ إنه لا يفيد حقيقة هي علته وصفة لازمة لها، وقدر من # الأحرف والكلمات لا يجوز الزيادة عليه والنقصان منه، بل هو اسم. مقصور ~~على اجتهاد القراء، فهو في هذا الباب بمثابة تسمية الشيء حراما على قول بعض ~~الفقهاء إذا أداه اجتهاده إلى أنه حرام، وتسمية الآخر حلالا إذا أداه الرأي ~~أنه حلال إذا كان هذا هو حكم الله تعالى في تسمية الأفعال والحوادث التي لا ~~نص له فيها ولا حكم سوى ما أدى إليه اجتهاد العلماء، والحادثة مستحقة ~~للاسمين في الحقيقة على القولين وفي المذهبين، فكذلك الآية # PageV01P231 # مستحقة للتسمية بأنها آية على الحقيقة عند من أداه اجتهاده إلى أنه موضع # الفصل، وغير مستحقة لذلك في الحقيقة على قول من لم يؤده الاجتهاد إلى # ذلك، وهذا القول قريب لا دخل عليه. # وقال فريق آخر من الناس: إن الآية إنما سميت آية لانفصالها عن الآية # الأخرى، وأنها في القرآن بمثابة البيت من القصيدة والقوافي في الشعر، غير # أنه لا يتميز كتميز القوافي في موضع الروفي من الشعر، لأن الآية ليست # منفصلة عن الأخرى بمثل القافية والزوي من الشعر، ولذلك اختلف في قدر # كثير من الآيات، وإنما تنفصل الآية من الآية الأخرى بقصد المتكلم بالقرآن ~~إلى فصل ذلك القدر منه مما بعده وقطعه عنه، وإذا لم يقصد ذلك لم تكن آية ~~ولا موضع الفصل، وقصده إلى ذلك لا يتبين ويظهر للحس. # ولكن لو جعل عليه علامة من الكتابة عند ms124 رسمه لعرف ذلك من حاله. # كنحو ما يجعله الكاتب في كتابته في البياض ومد الأحرف في مواضع # الفصول، وإن كان من لم يشاهد ذلك ولا يعرف قصده إلى الفصل إذا أمكن # أن يكون بعض الكلام متعلقا ببعض. # وإذا كان ذلك كذلك فلا بد على هذا من أن يكون الله تعالى قد قصد # إلى قطع الكلام عما بعده وإفراده عنه، فيكون ذلك موضع الآية عنده وفي # معلومه، وأن لا يكون قصد ذلك، فلا يكون موضع آية عنده، غير أنه لم # ينص للعباد على ذلك ولا كلفهم إياه ولا أمر الرسول بحد فيه، فهو إذن # بمثابة قول القائل: أي شيء يحسن زيد، وقوله: سلالم عليكم الذي يصح أن ~~يقصد الاستفهام عما يحسنه أو التقليل له أو التفخيم والتعظيم. # ويصح أن يقصد بقوله: سلام عليكم الهزل والاستجهال ويصح أن يريد # التحية والإكرام، فيصير مرة تحية واستفهاما بالقصد، ويصير الكلامان تارة # PageV01P232 # أخرى تقليلا واستجهالا بالقصد إلى ذلك وإنما يكون القصد بهذا ضرب # المثل لما يصير الشيء به مستحقا للوصف بالقصد وإذا لم يكن هذا المثل # مستمرا فى نفس الكلام القائم في النفس عندنا، لأن الاستفهام منه استفهام # لنفسه لا لمعنى، وكذلك الأمر به والنهي والخبر وجميع أقسامه، غير أن # هذه الأصوات التي هي عبارة عنه عندنا تسمى استفهاما إذا قصد به التعبير # عن استفهام في النفس لدلاتها على الاستفهام، وتسمى تارة أخرى تقليلا لما # يحسنه المذكور للقصد بها إلى التعبير عن التقليل الذي في النفس لدلالتها # عليه. # وهذا الجواب الثاني أيضا قريب مستمر لا دخل فيه، وقد بينا أن ذلك # في الجملة ليس من فرائض الدين ولا مما نص الرسول عليه، فضلا عن أن # يكون نصه عليه مستفيضا متواترا يقتضي حصول العلم به وارتفاع النزاع فيه، ~~وهذا هو الذي حاولوه، وقد أوضحنا عن فساده بما أبطل ما حاولوه. # فأما تسمية الآية بأنها آية على طريقة أهل اللغة فإنما تفيد أنها علامة، ~~وعلى # هذا المعنى سميت الآية من القرآن آية، لأنها علامة على موضع الفصل. ms125 # قال النابغة الذبياني: # توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع # فسمى ما عرفها به آية، وقولهم في آيات الرسل إنها آيات لما يعنون بها # أنها دلالة على صدقهم والفصل بينهم وبين الكذابين، وقوله تعالى: (إن آية ~~ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم) # يقول: علامة ملكه ما ذكره، وقولهم آي وآيات إنما هو اسم الجمع. # فأما فائدة تسمية السور من القرآن بأنها سورة، فقد قيل فيه أشياء: # PageV01P233 # - أحدها: أنه يفيد فيه الإبانة لها من غيرها من السور المنفصلة عنها. # وقال النابغة: # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # يريد انقطاعا من الناس والملوك ومباينة لهم. # وقيل: إن فائدة وصفها بأنها سورة أنها قطعة منه وطائفة من القرآن. # مأخوذ من قولهم: إن فيه لسورة من جمال، أي: طائفة وبقية منه. # وقيل أيضا: إن فائدة وصفها بذلك أنها سورة معظمة شريفة، وأن ذلك # مأخوذ من معنى قولهم: فلان له سور في المجد وسؤدد فيه، والمعنى في # ذلك أن له شرفا فيه وارتفاعا، من ساد يسود، قالوا: ومنه سمي سور # المدينة سورا لعلوه وارتفاعه. # وأما تسمية القرآن قرآنا فإنه قد قيل فيه أقاويل، نحن نذكرها، ونقول # قبل ذلك إنه من قرأت قراءة وقرآنا فيكون مصدقا، وإنما قال الله تعالى: # (إن علينا جمعه وقرآنه) ، يعني قراءته، فهو على هذا المعنى # مصدر، وقال تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة حجابا مستورا (45) . # هو ها هنا اسم لا مصدر، ومرادهم بقوله: قرأت قرآنا أي: قراءة، وهو على ~~نحو ما جاء من قوله تعالى: (والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) . # أي: إنباتا، وقولهم: كتبت كتابا، وشربت شرابا، أي كتبت كتابة، وشربت ~~شرابا، فيقيمون الاسم مقام المصدر. # قال حسان بن ثابت يرثي عثمان بن عفان: # PageV01P234 # ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # أي قراءة، فأقام الاسم مقام المصدر، فأخذ ما قيل في تسميته قرآنا لأئه # جمع وضم وضمت آيات كل سورة منها إلى أخواتها، قال: وقول ms126 عمرو بن # كلثوم: # ذراعي عيطل إذ ما بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا # أي أنها لم يضم رحمها ولدا. # وقيل أيضا: إنما سمي قرآنا لأنه يحمله ويجمعه حفظته، وأنه مأخوذ # من قولهم: قرأت المرأة إذا حملت الجنين في بطنها. # وقيل أيضا: إنما سمي بذلك لأله يلقى من الفم إذا تلي وهذ ويظهر # بالنطق والدرس، وأن ذلك مأخوذ من قول العرب: ما قرأت الناقة سلايقط، أي: ~~لم ترمي به وتلقيه. # وقيل: إنه سمي فرقانا لأنه يفرق بين الحق والباطل، وقيل إن معنى # قوله: (يجعل لكم فرقانا) ، أي مخرجا وطريقا، وكأن القرآن # طريق ومخرج إلى معرفة الحق من الباطل ومفرق بينهما، وليس الكلام في # هذه الأسماء مما قصدنا له وما يريده القادحون في نقل القرآن وإنما ذكرناه # لاتصاله بالباب الذي ذكرناه، ولأنه ربما مست الحاجة إلى ذكره ومعرفته في # خطاب القوم، وإنما قصدهم ما قدمنا ذكره من دعوى النصوص على # الآيات، وذهاب الأمة عن معرفتها ليسهلوا بذلك سبيل القول بنص الرسول # على قرآن قد ذهب علمه على الأمة ولم ينتشر ويظهر نقله، وقد بينا فساد ما ~~ظنوه بما يوضح الحق إن شاء الله. # PageV01P235 ### | (باب) # الكلام في بيان الحكم في أول ما نزل من القرآن وآخره # ومكيه ومدنيه، وهل نص الرسول عليه السلام على ذلك أم لا # فإن قال قائل: كيف يمكن أن يكون أمر القرآن مي الظهور والانتشار # واستفاضة النقل وحصول علم السلف والخلف به، ومعرفتهم لجملته وتفصيله ~~وأوله وآخره، ومكيه ومدنيه، والأحوال التي خرج عليها، والأسباب التي نزل ~~لأجلها: صحيحا على ما قلتموه مع اختلاف الصحابة الذين هم القدوة فيه عندكم ~~في أول ما أنزل منه وآخره، ومكيه ومدنيه، وذهاب بعضهم في ذلك إلى ما يزده ~~غيره ويدين بخلافه، وما ذكرتموه من شهرة نقله ووجوب إحاطة السلف به يقتضي - ~~إن كان على ما ادعيتموه - معرفة القول بأول ما نزل منه وآخره، ومكيه ~~ومدنيه، ومتى اختلفوا في ذلك علم أن الأمر في ظهور نقله وانتشاره وقيام ~~الحجة به بخلاف ما قلتم وأنه ms127 لا سبيل إلى منع دخول التحريف فيه والتغيير له ~~والزيادة والنقصان فيه، وعدم قيام الحجة بكثير. # يقال لهم: ليس فيما ذكرتموه من اختلافهم في هذين الفصلين ما يفسد # شيئا مما ادعيناه وكشفناه بواضح الأدلة عن صوابه، وذلك أننا لم ندع # وجوب ظهور ما نقل ما لم ينص الرسول عليه، وتوفر الهمم على معرفة ما # PageV01P236 # لم يكن منه قول فيه، ولا أوجبنا اتفاق الأمة وحصول معرفة من تقوم الحجة # منا بما ليس من فرائض دينها ولا هو من نوافله أيضا ومما يسعها ترك # الخوض فيه، وإنما أوجبنا هذا أجمع فيما نص الرسول عليه نصا جليا # معلنا قطع العذر فيه وفيما فرضه على أمته، وضيق عليهم وجوب معرفته. # ولم يعذرهم في التخلف والإبطاء عن علمه وإدراكه، وفيما يقتضي موضوع # العادة تحريك البواعث لهم على نقله وحفظه واللهج بذكره والإشاعة # والإذاعة له. # وإذا كان ذلك كذلك وكنا لا نعتقد مع هذه الجملة أن الرسول قد نص # لصحابته على ما نزل عليه من القرآن أولا وما نزل منه آخرا وعلى جميع مكيه ~~وسائر مدنيه، ولا كان منه قول في ذلك ظاهرا جليا لا يحتمل التأويل ولا ألزم ~~الأمة حفظه والتدين به ولا جعله أيضا من نوافل دينهم كما أنه ألزمهم نظم ~~سور القرآن وترتيب كلماته وحروفه على وجه مخصوص وحد مرسوم أخذ عليهم لزومه ~~ومنعهم من تغييره والعدول عنه: لم يجب أن يظهر وينتشر نقل ذلك عنه، وكيف ~~يجب نقل ما لم يكن وما لا أصل له والإخبار به فضلا عن وجوب ظهوره وانتشاره! ~~وإذا كان ذلك كذلك فقد بأن سقوط ما سألتم عنه وزوال ما توهمتموه. # فإن قالوا: ما الدليل على أنه لم يكن من الرسول نص على ذكر أول ما # أنزل عليه من القرآن وعلى آخره، وعلى مكيه ومدنيه، وأنه لم يلزم الأمة # علم ذلك ويدعهم إلى معرفته حسب نصه على ترتيب آيات السور وكلماتها # وإلزامهم العلم بها، ولزوم المنهج الذي شرعه ونص عليه في تلاوتها؟ # قيل لهم: الدليل على ذلك أنه ms128 لو كان كما تدعون وكان نصه على # الأمرين قد وقع سواء وفرضه لهما على الأمة قد حصل حصولا متماثلا # PageV01P237 # معتدلا لوجب في مستقر العادة نقل ذلك وظهوره وحفظ الأمة له، وعلمهم # به وتأثيم من خالف المنصوص عليه في ذلك، وتخطئة من عدل عن الواجب # عن معرفة ما فرض العلم به، ويجري أمرهم في ذلك وتخطئته على حسب # ما جرى أمرهم عليه من حفظ للقرآن نفسه، ومعرفة نظمه وترتيب آياته # وكلماته، وعلى وجه ما أوجب حفظهم لترتيب صلواتهم وما يجب أن يكون # متقدما منها ومتأخرا، وما يفعل منها في النهار دون الليل، وفي الليل دون # النهار، وغير ذلك من فرائض دينهم الواجبة عليهم، والتي وقع النص لهم # عليها وقوعا شائعا ذائعا. # ولما لم يكن ذلك كذلك ولم يدع أحد من أهل العلم أن رسول الله # - صلى الله عليه وسلم - كان قد نص على ذكر أول ما أنزل عليه من القرآن ~~وآخره نصا جليا ظاهرا فرض علمه، ولم يكن بين سلف الأمة وحلفها اختلاف في أن ~~العلم بذلك ليس من فرائض الدين، وأنه مما يسع الإبطاء عن علمه والسؤال عنه، ~~ولا يأثم التارك للنظر فيه إذا قرأ القرآن على وجهه ولم يغيره عن نظمه ولم ~~يزد فيه ولم ينقص منه: علم بهذه الجملة أنه لا نص من الرسول قاطع على أول ~~ما أنزل عليه من ذلك وآخره، وعلى تفصيل مكية ومدنيه، وإذا ثبت ذلك بطل ما ~~حاولتموه. # ومما يدل أيضا على صحة ما قلناه أن المختلفين في ذلك من الصحابة # لا يرون اختلافهم فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل إنما ~~يخبرون بذلك عن أنفسهم وما أداهم إليه اجتهادهم واستدلالهم بظاهر الأمر، ~~وإن روى بعضهم في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا لم يروه نصا ~~قاطعا، وإنما يحكى عنه قولا محتملا، وقصة للتأويل والظنون عليها سبيل ~~وطريق، وليس يجب اتفاقهم على ما هذه سبيله، ولا أن يكون نقلهم لما سمعوه ~~منه في هذا # PageV01P238 # الباب من الكلام المحتمل ظاهرا ms129 منتشرا إذا كان لم يقع من الرسول وقوعا # معلنا بحضرة من تقوم به الحجة، ولا هو مما أراد وقصد وقت قوله ذلك # للواحد والاثنين أن يذاع عنه وينتشر من قبله حتى يكرره ويردده ويقصد ~~إذاعته وإقامة الحجة بإظهاره، وإذا كان ذلك كذلك لم يجب شيء مما قلتموه. # وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في أول ما أنزل من القرآن وآخره. # ورويت في ذلك روايات كلها محتملة للتأويل، فقال قوم منهم: أول شيء # أنزل: (يا أيها المدثر (1) . # وقال آخرون: أول ما أنزل: (اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) . # وقال قوم: أول ما أنزل: (الحمد لله رب العالمين) إلى آخر فاتحة الكتاب. # فروى يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن: # أي القرآن أنزل أولا، فقال: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل # أولا، قال: (يا أيها المدثر (1) . # قلت: أو (اقرأ) ، قال جابر بن عبد الله: # ألا أحدثكم بما حدثنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت نزلت ~~استبطنت بطن الوادي، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر ~~شيئا، ثم نوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر شيئا، ثم ~~نظرت إلى السماء فإذا هو على العرش - قيل: يعني أنه الملك على العرش - في ~~الهواء، فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثروني، ثم # PageV01P239 # صبوا علي الماء، فأنزل الله تعالى: (يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) ~~وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) . # وروى الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضوان الله عليها قالت: # "أول سورة أنزلت من القرآن: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) . # وروى همام عن الكلبي عن أبي صالح أن أول شيء أنزل من القرآن: # (اقرأ باسم ربك الذي خلق) ، حتى بلغ (إن إلى ربك الرجعى (8) . # وقال قتادة أيضا بمثل ذلك، وفي بعض الروايات التي أسند فيها هذا # الحديث أن حجاجا قال: "ثم أنزل بعدها ثلاث آيات من أول نون، وثلاث # آيات من أول ms130 المدثر". # وروى سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: "هي أول سورة # أنزلت على محمد - صلى الله عليه وسلم - (اقرأ باسم ربك الذي خلق) ، ثم ~~نون ". # PageV01P240 # فأما من قال: إن أول سورة أنزلت الحمد لله رب العالمين، فإنهم # يروون ذلك من طريق إسرائيل بن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال: # "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا مر سمع من يناديه: يا محمد، ~~فإذا سمع الصوت انطلق هاربا، فأتى خديجة فأخبرها، فأسرت ذلك إلى أبي بكر ~~الصديق، فقال: انطلقي بنا إلى ورقة، فحدثه، فقال ورقة: هل رأيت شيئا، قال: ~~لا، فقال: إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقال لك، فلما سمع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: يا محمد قال: لبيك، قال: قل: أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا عبده ورسوله، ثم قل: الحمد لله رب العالمين.. فاتحة الكتاب ~~" وساق الحديث. # وهذا الخبر منقطع غير متصل السند، لأنه موقوف على أبي ميسرة، وأثبت ~~الأقاويل من خلاف الصحابة قول من قال: إن أول # ما أنزل: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) ، وما يليه في القوة قول جابر،. ومن ~~قال أول ذلك (يا أيها المدثر) . # وليس في هذه الأخبار نص من الرسول لا يحتمل التأويل ولا فيها ما # يقتضي لفظه ومجيئه أنه قال ذلك للكافة وألزمهم نقله واعتقاده وحظر عليهم # التخقف عن حفظه ومعرفته، فلذلك لم يجب ظهور هذه الأخبار، ولزوم # القلوب العلم بصحتها والقطع عليها، وإن كنا في الجملة نقول: إن الحق لا # يخرج عن اختلاف الصحابة للدليل القائم على ذلك، وهذه الأخبار المروية # PageV01P241 # في هذا الباب وإن لم يكن متضمنها من فروض الدين فهي محتملة للتأويل # أيضا، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقل في خبر عائشة وخبر ~~جابر بن عبد الله وخبر أبي ميسرة إن الله تعالى أنزل عليه (يا أيها المدثر ~~(1) . # ولم ينزل علي شيئا قبل ذلك، وكذلك القصة في قوله: "قيل" في (اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق) # وقوله: قيل لي: قل: ms131 (الحمد لله رب العالمين) ، لأنه لم يقل في القصتين: ~~ولم ينزل علي شي لا قبل ذلك، ولا قال في كل قصة: وكان ذلك أول شيء أنزل على ~~من القرآن لم يتقدمه شيء، ولا نحو ذلك من الكلام الظاهر الجلي الذي لا ~~يحتمل غير ما صرح به فيه، فيحتمل إذا لم يقل ذلك. # وقد كان ينادى مرات كثيرة، ويرى النور ويسمع الصوت ويرجف # لذلك، ويتردد ذلك عليه عند استفتاح النبوة، حتى أوجب ذكره لخديجة # عليها السلام ولورقة بن نوفل أن يكون قد كان ابتدأ بأن أنزل عليه # (اقرأ باسم ربك الذي خلق) في بعض تلك المرات، ثم نودي بعد ذلك فمضى إلى ~~خديجة، ودثر ثم أنزل: (يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) . # فيكون بعد شيء أنزل قبله، وكذلك خبر أبي ميسرة يحتمل أن يكون قيل له في ~~أحد تلك المرات: قل الحمد لله رب العالمين إلى آخرها، بعد أن قد كان أنزل ~~عليه (اقرأ باسم ربك الذي خلق) و (يا أيها المدثر (1) . # وإذا احتمل الأمر ما ذكرناه ساغ فيه التنازع والخلاف والاجتهاد # وترجيح الظنون. # وقد كان يسمع من تكلم في ذلك من الصحابة وروى فيه ما روى ترك # الكلام فيه، ولم يكن مأثوما لو ترك الكلام فيه، ولم يكن ليمنعه أن لا ~~يتلو # السورة على ترتيب آياتها ونظامها، لأن ذلك من آكد شيء فرض عليه # وألزمه، وحظر عليه خلافه على ما بيناه من قبل، فافترق الأمران في هذا # الباب، وكذلك من ترك من أهل عصرنا الخوض في أول ما أنزل من القرآن # PageV01P242 # وعدل عنه لم يكن بذلك مأثوما ولا تاركا للفرض، وأن يوجب عليهم إذا # خاضوا في ذلك أن لا يخرجوا عن أقاويل السلف التي اتفقوا على أن الحق # في أحدها، وغير خارج عنها إذا حصل لهم إجماع على ذلك متيقن # معروف. # كذلك أيضا فقد اختلفت الصحابة ومن بعدهم في آخر ما أنزل من # القرآن، فروي عن أبي بن كعب أنه قال: "آخر آية أنزلت على رسول الله # - صلى الله عليه وسلم ms132 -: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) ، ~~وروى سعيا عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران # عن ابن أبى بن كعب عن أبيه قال: "آخر آية أنزلت على رسول الله صلى الله ~~عليه: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) الآية . # وابن أبي هذا إما أن يكون محمدا أو الطفيل، وهما المعروفان، وكلاهما ~~مقبول الحديث. # وروي ذلك عن أبي قتادة أيضا. # PageV01P243 # وروى ابن عباس قال: "آخر ما أنزل من القرآن، (إذا جاء نصر الله والفتح) . # وروى عبد الحميد بن سهل عن عبيد بن عدي قال: قال لي # ابن عباس: "تعلم آخر سورة من القرآن أنزلت جميعا، قلت: نعم، (إذا جاء نصر ~~الله والفتح) ، قال: صدقت ". # وروي أن عائشة رضوان الله عليها قالت: "آخر سورة أنزلت المائدة". # وروى أبو الزاهر عن جبير بن نفيير قال: "حججت فدخلت # على عائشة رضي الله عنها فقالت: يا جبير، هل تقرأ المائدة، قلت: نعم. # قالت: أما إنها آخر سورة أنزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحقوه. # وما وجدتم فيها من حرام فحرموه ". # وروي أن البراء بن عازب قال: "آخر سورة أنزلت كاملة سورة براءة". # وروى هناد بن السري # PageV01P244 # عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: "آخر سورة من # القرآن أنزلت كاملة سورة براءة، وآخر آية أنزلت خاتمة النساء". # وروي أن أبا صالح وسعيد بن جبير قالا: "آخر آية نزلت من القرآن: # (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ~~(281) . # وروي أن إسماعيل السدي قال: "آخر آية أنزلت: (فإن تولوا فقل حسبي الله لا ~~إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129) . # وروى ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه # أخبره أن أحدث آية بالعرش آية المواريث: (يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة) . # وليس في شيء من الروايات ما رفع إلى النبي عليه السلام، وإنما هو خبر # عن القائل به، وقد يجوز أن يكون قال بضرب من الاجتهاد، وتغليب ms133 الظن # PageV01P245 # وبظاهر الحال، وليس العلم بذلك أيضا من فرائض الدين، ولا هو مما نص # الرسول على أمر فيه بينه وأشاعه وأذاعه وقصد إلى إيجابه وإقامة الحجة به. # فلذلك لم يجز ظهوره عنه وحصول الاتفاق عليه وثبوت العلم به قطعا يقينا. # وقد يحتمل أن يكون كل قائل مفن ذكرنا يقول إن ما حكم بأن ما ذكره # آخر ما نزل لأجل أنه اخر ما سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~اليوم الذي مات فيه، أو ساعة موته على بعد ذلك، أو قبل مرضه الذي مات فيه ~~بيومين أو ساعة، وقد سمع منه غيره شيئا نزل بعد ذلك وإن لم يسمعه هو ~~لمفارقته له ونزول الوحي بقرآن بعده، ويقد يحتمل أيضا أن تنزل الآية التي ~~هي آخر آية تلاها الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليهم مع آيات نزلت معها، ~~فيؤمر برسم ما نزل معها وتلاوتها عليه بعد رسم ما أنزل أخيرأ وتلاوته، فيظن ~~سامع ذلك أنه اخر ما نزلت في الترتيب، ويحتمل أيضا أن ينزل عليه آية في ~~الليل منع من أدائها وشغل بعذر عن ذلك وانتظر النهار، فلما أصبح أنزلت عليه ~~آية لا شيء نزل عليه بعدها، ثم قيل له: اتل عليهم هذه أولا واكتبها ثم اتل ~~عليهم بعد ذلك ما كان نزل قبلها ومرهم برسمه وإثباته، هذا ما لا سبيل إلى ~~منعه وإحالته، فيظن سامع الأخير من القرآن أنه آخر ما أنزل عليه، وليس ~~كذلك، بل قد أنزل بعده ما قدمت تلاوته وإثباته. # وإذا كان ذلك كذلك وكان الرسول لم يكشف ولم يفرض على الأمة # علمه، ولا أمره الله سبحانه بإلزامهم ذلك وبيانه لهم، ولا رأى ذلك من # مصالحهم ومراشدهم ولا مما تمسهم الحاجة إليه في دينهم: لم يجب أن # يظهر ذلك عن الرسول ولا أن ينقل نقلا متواترا، ولا أن لا يختلف فيه ولا # يعمل الاجتهاد، وتزحم الظنون فيه، ولم يرو في شيء من هذه الآثار إن كل # قائل بمذهب من هذه المذاهب سئل فقيل له يقطع ms134 ويتيقن أن هذا هو آخر ما # PageV01P246 # أنزل أو أوله من حيث لا يجوز غير ما قلته فقال: نعم، ولا نقلت الأمة عنه # أنها عرفت من دينه أنه لا يقول ذلك على ظاهر الحال وغالب الظن والرأي. # إذا كان ذلك كذلك بأن صحة ما قلناه، وبطل ما حاولوا به الطعن على نقل # القرآن وجواز تغييره وتبديله. # فأما المكي والمدني من القرآن فلا شبهة على عاقل في حفظ الصحابة # والجمهور منهم إذا كانت حالهم وشأنهم في حفظ القرآن وإعظامه وقدره من # نفوسهم ما وصفناه لما نزل منه بمكة ثم بالمدينة، والإحاطة بذلك والأسباب # والأحوال التي نزل فيها ولأجلها، كما أنه لا بد في العادة من معرفة معظم # العالم والشاعر والخطيب وأهل الحرص على حفظ كلامه ومعرفة كتبه # ومصنفاته من أن يعرفوا ما نظمه وصنفه أولا وآخرا، وحال القرآن في ذلك # أمثل، والحرص عليه أشد، غير أنه لم يكن من النبي عليه السلام في ذلك # قول ولا نص، ولا قال أحد ولا روى أنه جمعه، أو فرقة عظيمة منهم تقوم # بهم الحجة وقال: اعلموا أن قدر ما أنزل علي من القرآن بمكة هو كذا # وكذا، وأن ما أنزل بالمدينة كذا وكذا، وفصله لهم وألزمهم معرفته، ولو # كان ذلك منه لظهر وانتشر، وعرفت الحال فيه. # وإنما عدل - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك لأنه مما لم يؤمر فيه، ولم يجعل ~~الله تعالى علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم مع ~~معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، ليعرف الحكم الذي ضمنها، وقد يعرف # ذلك بغير نص الرسول بعينه وقوله هذا هو الأول والمكي وهذا هو الآخر # المدني. # وكذلك الصحابة لما لم يعتقدوا أن من فرائض التابعين ومن بعدهم # معرفة تفصيل جميع المكي والمدني وأنه مما يسع الجهل به، لم تتوفر # PageV01P247 # الدواعي على إخبارهم به ومواصلة ذكره على أسماعهم وأخذهم معرفته. # وإذا كان ذلك كذلك ساغ أن يختلفوا في بعض القرآن هل هو مكي أو # مدني، وأن يعملوا في القول بذلك ضربا من ms135 الرأي والاجتهاد، وإن كان # الاختلاف زائلا عنهم في جله وكثيره، وإذا كان ذلك كذلك لم يلزم أيضا أن # ينقل عن الصحابة نقلا متواترا ذكر المكي والمدني، ولم يجب أيضا على # الصحابة وعلى كل داخل في الإسلام بعد الهجرة وعند مستقر النبى - صلى الله ~~عليه وسلم - في المدينة أن يعرف أن كل آية أنزلت قبل إسلامه مكية أو مدنية، ~~يجوز أن يقف في ذلك أو يغلب على ظنه أحد الأمرين، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما ~~توهموه من وجوب نقل هذا وشهرته في الناس ولزوم العلم به لهم والتفريط ~~بالتخلف عن علمه ووجوب ارتفاع الخلاف والنزاع فيه. # وقد روى شعبة عن قتادة ويزيد النحوي عن عكرمة والحسن بن أبي # الحسن قال: قال قتادة: "إن الذي أنزل بالمدينة البقرة وآل عمران والنساء # والمائدة، وآية من الأعراف: (واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر) ، ~~والأنفال والرعد، غير أن فيها مكيا، (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) ، إلى ~~آخرها، ومن إبراهيم (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم ~~دار البوار (28) . # إلى آخر السورة، والحج غير أربع آيات # أولهن: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان ~~في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ~~(52) . # إلى قوله: (ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو ~~يأتيهم عذاب يوم عقيم) . # والنور وعشرة من العنكبوت، والأحزاب والحمد والفتح والحجرات والرحمن ~~والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والصف والجمعة والمنافقون ويا أيها ~~النبي إذا طلقتم النساء # PageV01P248 # ويا أيها النبي لم تحرم، ولم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب، وإذا زلزلت، ~~وإذا جاء نصر الله، وبقية السور مكي كله ". # وروى شعبة عن قتادة هذا الحديث على سياق ما ذكرناه، وذكر ابن # مسعود أنه قال: "كل شيء في القرآن (يا أيها الناس) أنزل بمكة"، وذكر # ذلك عن علقمة، وذكر عن علقمة قال: "كل شيء في القرآن (يا أيها الذين # آمنوا) مدني ". # والروايات عنهم في ms136 ذلك كثيرة، ولا يعرف منها ما يرفعونه # عن الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والسبب في ذلك ما قدمناه من ~~أنه لم يكن منه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك نصق على تفصيل ذلك وقول ~~قاطع، ولا هو مما عنيت الصحابة بذكره للتابعين وإن كان قد ذكره منهم القراء ~~ومن انتصب لذلك لمن أقرأه القرآن إذا سئل عن الآية والسورة، غير أن ذلك لم ~~يقع وقوعا ظاهرأ منتشرا. # وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهموه قادحا في نقل القرآن وعائدا # بالطعن عليه، وأن هذا الذي ذكرناه هو الذي يمنع تجويز كون قرآن كثير # أنزله الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وإن كان لا سبيل لنا إلى العلم # والقطع على أنه قرآن منزل من الله سبحانه على رسوله، وأننا لا نأمن أن # يكون عند علي أو أبي وعبد الله بن مسعود أو بعض آحاد الأمة عشر ايات أو ~~عشر سور بينها الرسول له وحده، دون جميع الأمة، وأن مدعي ذلك مبطل لا شبهة ~~علينا في كذبه لعلمنا بعادة الرسول في بيان جميع ال منزل عليه. # وإذا كان ذلك كذلك وجب أن نعلم بهذا الدليل قطعا أن بسم الله # الرحمن الرحيم ليست بقرآن منزل في غير سورة النمل، وأنها ليست من # جملة كل سورة، ولا أنها فاصلة بين السورتين، لأنها لو كانت آية منزلة إما # على أن تكون مفردة فاصلة بين السورتين أو على أن تكون من جملة كل # PageV01P249 # سورة لوجب أن يبين ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيانا ظاهرا ~~مكشوفا، موجبا للعلم، قاطعا للعذر، مزيلا للريب، رافعا لاختلاف الأمة ودخول ~~شبهة على أحد منهم في هذا الباب كما فعل ذلك في جميع آيات السور وسائر ما ~~أنزل الله تعالى من كلامه الذي ضمن حفظه وحياطته وجمعه وحراسته. # فلما لم يكن ذلك كذلك، ولم نجد أنفسنا عالمة بذلك، ولا وجدنا # الأمة متفقة على هذا الباب اتفاقها على جميع سور القرآن وآياتها المبينة # فيها، بل وجدنا فيهم من يقول ms137 إنها آية من الحمد وحدها، وفاتحة لغيرها. # ومنهم من يحمل نفسه عند حد النظر على أن يقول إنها من كل سورة. # ومنهم من يقول إنها آية فاصلة بين السورتين وليست من جملة كل سورة. # وإنني أعلم ذلك قطعا وإنني لا أدري أنها من جملة سورة الحمد أم لا # لموضع الخلاف فيها، ومنهم من يقول: لست أدري أنها من كل سورة أم لا # ، وأنه يجوز أن تكون مفردة فاصلة، ويجوز أن تكون من جملة كل سورة هي # فاتحتها: علم بذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يوقف على شيء ~~من هذه المذاهب والأقاويل، فلم يبين للأمة أنها قرآن منزل. # ولو جاز لمدعي أن يدعي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بين أنها ~~قرآن منزل وإن خفي ذلك على أكثر الأمة لجاز لآخر أن يدعي أن عند الإمام ~~وآحاد من الصحابة قرآنا كثيرا وإن خفي ذلك على أكثر الأمة لجاز أيضا أن ~~يدعي مدع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نص نصا بينا قاطعا معلنا ~~على أنها آية من الحمد وحدها وفاتحة لغيرها، وإن خالف في ذلك كثير من الأمة ~~وخفي ذلك عليهم، وأن يدعي مدع أنه قد نص - صلى الله عليه وسلم - نصا قاطعا ~~معلنا على أنها آية منزلة مفردة فاصلة بين السور، وليست من جملة شيء منها، ~~وإن خالف أكثر الناس في ذلك، وخفي عليهم. # PageV01P250 # ولما لم يسمع هذه الدعاوي وبطلت وتكافأت علم أنه لو كان منها حق # قد بين على حسب ما ادعي لكان ظاهرا مشهورا كظهور سائر آيات القرآن # وسوره، ووجب القطع على أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست بقرآن منزل # في غير النمل، ولا فاصل بين السور، ولا من جملتها أيضا، فلهذا لم يجب # عندنا علم الأمة بأنها قرآن وأنها من سورة الحمد على ما طالبنا به ~~القادحون # في نقل القرآن وصحته، لأنه إنما يجب تواتر النقل وحصول الاتفاق على ما # بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل عليه من القرآن ms138 دون ما لم ~~يبينه ولم ينزل عليه. # وهذا الذي قالوه أيضا بأن يدل على صحة ما قلناه في وجوب ظهور # نقل القرآن والعلم به أولى، وذلك أنه إذا اختلفت الأمة في إثبات ما يظن # قوم أنه قرآن لأجل افتتاح الرسول به وإثبات الأمة له في أوائل السور. # فقطعوا لذلك على أنه قرآن ودانوا به وتوفرت هممهم ودواعيهم على حفظه # والإحاطة به وبلغ به قوم إلى أنه قرآن منزل: وجب أن يكون حفظهم وتوفر # هممهم ودواعيهم على نقل ما بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~القرآن أولى وأحرى، وأن يكون ذلك فيهم أظهر وهم به أعرف، فكل هذا يدل على ~~وجوب حفظ الأمة لما نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أنه قرآن، ~~وعلى أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست من جملة القرآن في غير المواضع التي ~~اتفقوا عليها، وعلى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين كونها قرآنا فيه ~~وقطع العذر، وهذا أيضا أحد الأدلة على أنه لم يكن من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بيان لكون بسم الله الرحمن الرحيم قرآنا منزلا وفاصلا بين السور ولا ~~من جملتها # ولا من جملة الحمد، لأنه لو كان منه بيان لذلك لجرى مجرى بيانه لكوبها # قرآنا في سورة النمل بقوله: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ~~(30) . # PageV01P251 # ولارتفع لأجل بيانه لذلك الشك والريب عن جميع الأمة في # كونها آية مفردة فاصلة إن كانت أو من جملة الحمد وحدها إن كانت # كذلك، وإن لم يكن هذا هكذا بطلت جميع هذه الأقاويل، وثبت بما # وصفناه أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست من القرآن إلا في السورة التي # يذكر فيها النمل. # فإن قال قائل: فقولوا لأجل دليلكم هذا إن المعوذتين ليست بقرآن منزل # أصلا، وإن الرسول لم يبين كونها قرآنا منزلا بيانه لسائر سور القرآن ~~وآياته، لأجل خلاف عبد الله بن مسعود في ذلك وجحده أن يكونا من القرآن! # قيل له: ليس الأمر عندنا في جحد عبد الله كذلك على ما ms139 ادعيت، بل # ذلك كذب وزور لا ينبغي لمسلم أن يثبته على عبد الله ويضيفه إليه بأخبار # آحاد غير موجبة للعلم كلها معارضة بما هو أقوى وأثبت عن رجال عبد الله # في إثباتها من القرآن وإقرائهم إياها، وسنستقصي القول مما روي عنه في # ذلك وقدر ما قاله وتأويله، وأنه ليس فيه ما يوجب إخراجها من القرآن إن # شاء الله. # فأما ما اعتمد عليه من زعم أن الأمة اتفقت على أن جميع ما بين # اللوحين قرآن منزل من عند الله تعالى، وأن ذلك بمنزلة قول النبي أو أخذ # ، المصحف ونشره ورقة ورقة وقال: اعلموا أن جميع ما فيه قرآن وتلي # عليهم أيضا بذلك قرآنا فإنه لا تعلق فيه، لأنها دعوى باطلة، لأننا لا ~~نعلم # من دين الأمة المتفقة على كتبة المصحف أنها وقفت على أن جميع ما فيه # من فواتح السور وغيرها قرآن منزل من عند الله، وإن علمت أنهم قد أثبتوا # بسم الله الرحمن الرحيم فاتحة للسور، وكيف نعلم ذلك ونحن وجميع من # يوافقنا على قولنا يعتقد أن الصحابة لم تتفق قط على القول بذلك وإضافته # PageV01P252 # إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ونقول: إنه لو ثبت ذلك من عقدهم ~~ودينهم لوجب القطع على أنه قرآن، لأن الأمة عندنا لا تجتمع إلا على حق ~~وصواب، فبان أنه لا شبهة في فساد هذه الدعوى. # وأما قولهم بعد هذا إنهم لا يخالفون في إطلاقهم القول بأن ما بين # اللوحين قرآن منزل، وليس لنا أن نقيد ما أطلقوه ولا أن نخص ما عموه. # فإنه تعليل وتدقيق عن مبوح به، لأن العموم عندنا وعند أكثر الأمة ما ثبت ~~له الأمة للعمومات في الأحكام والمواضع التي اعتقدت العموم بها بإطلاقها # لقفظ الذي يدعي أنه موضوغ للعموم، وإنما يعلم ذلك عند مشاهدتها # ضرورة بالأمارات الظاهرة المقارنة لإطلاقها، ويعلم ذلك من دينها عند # الغيبة عنها بنقل من يوجب خبره العلم أنه علم ذلك من دينها ويحقق قطعها # عليه، ولا يسأله عن وجه علمه بذلك ويعلم أنه لم يعلم ذلك ms140 من حالها # بنفس اللفظ ولا الإطلاق الذي يحتمل الخصوص والعموم، ولكن بالأسباب # والقرائن والأمارات المقارنة للفظ الذي لا يمكن نعتها ووضعها وتجديدها # وتحبيسها لما قد بيناه في أصول الفقه وغيره في فصول القول في إبطال # العموم، وإذا كان ذلك كذلك فلا معنى للتعلق والتشبث بانه لا وجه لتقييد # ما أطلقوه، وتخصيص ما عموه. # وأما قولهم إنه لو لم يعلم ذلك بنفس قول الأمة وإطلاقها لم يعلم ذلك # أيضا بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإطلاقه ونشره المصحف ورقة ~~ورقة، فإنه كذلك يقول لأنه قد يطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللفظ ~~الذي يدعي قوم أنه العموم ويكون مراد به الخصوص، ويتلو أيضا بذلك قرآنا يظن ~~قوم أنه على العموم والمراد به الخصوص. # PageV01P253 # وليس قوله - صلى الله عليه وسلم - لو قال: كل ما في مصحف عثمان كلام ~~الله، تأكد من قوله تعالى: (تدمر كل شيء بأمر ربها) . 25) . (وأوتيت من كل ~~شيء) ، و (يجبى إليه ثمرات كل شيء) . # (والله على كل شيء قدير) . # وقد ثبت أن ذلك على الخصوص بقول الله تعالى # وقول رسوله، وقول الأمة في هذا سواء في أنه كله على الاحتمال للخصوص # والعموم، فإن لم يظهر معنى قول الرسول إن كل ما في المصحف أو جميعه # وسائره وقليله وكثيره وسواده وعمومه وبواديه وخواتمه أمارات وأحوال # يضطر عندها إلى مراده ومعرفة قصده إلى استيعاب جميع ما في المصحف. # ولم يقطع على مراده ووقفنا، وليس هذا من الحجة لثبوته والشك في خبره # على ما يظنه بعض الجهال بسبيل، ولكنه وقف في مراده باللفظ المحتمل # لأمرين ليس أحدهما أولى به من الآخر لفقد الدليل على مراده به. # وإن كان ذلك كذلك وكنا لا نعلم ضرورة لمشاهدة السلف وسماع # توقيفهم على أن جميع ما في المصحف قرآن منزل ورؤية أماراتهم ومخرج # خطابهم ومعرفة أسبابهم والأحوال التي صدر عليها خطابهم، ولا ينقل من # يضطر إلى صدقه أنه عرف ذلك من قصد الأمة واعتقادهم لعموم إطلاقها. # كما نعلم ضرورة من دينها أن (تبت ms141 يدا أبي لهب) من القرآن، وأن قوله: # (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) . # من القرآن: بان وظهر أنه لا جدوى ولا طائل لأحد من التعلق بإطلاق السلف ~~لهذه الألفاظ، ولا سيما مع قيام الدليل على أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست ~~من القرآن، وأن ما بينه الرسول صلى الله عليه منه لا يحتاج في إثباته إلى ~~حصول إجماع عليه، وإنما يجب أن يكون متواترا، ومما يعلم صحته وبيان الرسول ~~له اضطرارا. # PageV01P254 # وأما قولهم إنه قد ساغ وظهر في الصحابة أن قوما منهم ادعوا أن بسم # الله الرحمن الرحيم آية من القرآن فلم ينكر ذلك الباقون ولا اعترضوا فيه # بشيء: فإنه باطل، وأول ما فيه أننا لا نعلم أن ذلك شاع وظهر في # الصحابة، لأن ذلك لم يرو عن أحد منهم إلا عن عبد الله بن عباس. # والأخبار الواردة عنه بذلك أخبار آحاد لا نجد أنفسنا عالمة بصحتها لا # اضطرارا ولا نظرا واستدلالا، فلا حجة فيها. # على أنه يمكن لو صحت الأخبار التي قدمنا ذكرها عن ابن عباس في # هذا الباب وعلم بثبوتها: أن يكون كف القوم عن إنكارها لأنه لم يظهر # ويشيع فيهم، وإنما يجب أن ينكروا ما تأدى إليهم، وقد يمكن أن يكون # أيضا إنما تركوا إنكار قوله لذلك، وإنما قال: "سرق الشيطان من إمام # المسلمين آية، ومن ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم ترك من كتاب الله ~~آية" # ونحو ذلك، وهذا كله قوله ورأيه وليس فيه ما رفعه إلى رسول الله صلى الله # عليه، فقد بين بترك الذكر لذلك الشك في صحة مذهبه وعدم العلم بأنه حق أو ~~باطل، وقد يترك كراهة المناظرة عليه والعلم بأنه ليس من الأمة قائل # بذلك، وأنه لا شبهة في بطلانه، وأن المناظرة عليه تغري صاحبها بالتمسك # به، وقد ينزل الله عليه لاعتقاد كثير منهم أن ذلك مسألة اجتهاد وأن الغلط # فيها سهل مغفور لموضع أن الرسول كان يفتتح السور بها، وربما جهر بها # إمام الجهر في صلاته، وأن ذلك قائم ms142 مقام توقيفه على أنها قرآن منزل. # فيصير ذلك محقه التأويل، والصحيح أن هذه الأخبار غير ثابتة ولا معلومة # عن ابن عباس، فلا وجه لدعوى ظهور هذا القول وانتشاره في الصحابة مع # الإمساك عليه. # PageV01P255 # وأما قول ابن عباس: "كان المسلمون لا يعرفون انقضاء السورة # حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، فيعلمون أن السورة قد انقضت " فإنه لا ~~تعلق فيه لأمرين: # أحدهما: أن قوله حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم إخبار عن ظنه أنها # تنزل لاعتقاده كونها قرآنا، وليس في اعتقاده لذلك وإخباره به لا عن # توقيف الرسول: حجة. # الوجه الآخر: أن قوله: (حتى تنزل) محتمل لأن يكون تحقيقا لنزولها. # وأن الرسول وقف على أن الملك ينزل بها، ويحتمل أن يكون أراد على أنها # كلام تفتتح به السور ويعرف بها انقضاء ما قبلها، ويكون علامة لذلك وإن # لم يكن قرآنا منزلا أمام السور، لأنه قد ينزل الملك على الرسول بقرآن وما # ليس بقرآن من الوحي. # وقولهم بعد ذلك: "ظاهر قولي (ينزل) يقتضي أنها منزلة قرآنا" لا حجة # فيه، لأنه قول يحتمل، لأن الظاهر والإطلاقات غير مقنعة في إثبات قرآن # منزل مقطوع به على الله سبحانه، فبطل ما قالوه. # وهذا الجواب عما روي من قول ابن عباس: "كان جبريل إذا أتى النبي # صلى الله عليه ببسم الله الرحمن الرحيم علم أنها قد ختمت سورة فاستقبل # الأخرى"، لأنها قد جعلت علامة للرسول ولغير ذلك عند التلاوة والكتابة. # وإن لم يكن من القرآن. # فأما ما روي عن أم سلمة من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعد بسم ~~الله الرحمن الرحيم آية فاصلة فإنه من أخبار الآحاد التي لا نعلم بثبوتها ~~اضطرارا واستدلالا، وقد بتنا فيما سلف بما يزيل الشك والريب أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV01P256 # لو عد ذلك وبينه لوجب علمنا به ونقل الأمة له نقلا ظاهرا متواترا # كنقل سائر ما عداه من آيات القرآن وبينه، وما هذا الخبر عندنا إلا بمثابة # رواية راو عن أم سلمة أن رسول الله - صلى ms143 الله عليه وسلم - كأنه يصلي ~~صلاة سادسة وسابعة مفروضة واجبة ويعرف الناس ذلك من حالها في وجوب رد هذا ~~الخبر والعلم بأنه لو كان صحيحا عن أم سلمة لوجب أن تنقل الأمة تلك الصلاة ~~نقلها الخمس صلوات وسائر الفروض العامة، وكذلك لو بين أن بسم الله الرحمن ~~الرحيم آية وعدها كبيانه لغيرها لظهر واستفاض نقلها. # وللزم القلوب العلم بكونها قرآنا منزلا، فإذا لم يكن ذلك كذلك لم يجب # تصحيح هذا الخبر. # على أنها لم تجب بذلك عن قول الرسول، وإنما قالت: "كان رسول # الله - صلى الله عليه وسلم - يعدها آية فاصلة". # وذلك إن صح عنها خبر عن رأيها واعتقادها، وليس ذلك بحجة بخلاف غيرها لها ~~في ذلك. # وأما كراهة عبد الله بن مسعود وغيره مما قدمنا ذكره من قتادة وغيره من # التابعين لتفسير القرآن وكتب آية كذا وعدها كذا وكذا آية، وإنكار عمر ~~لكتب التأويل والتفسير مع التنزيل، مع تسويغه وتسويغ جماعة الصحابة ~~والتابعين لكتب بسم الله الرحمن الرحيم فصلا في فواتح السور، فإنه أيضا مما ~~لا حجة فيه ولا تعلق، وذلك أنهم إنما أنكروا ذلك وقال بعضهم إنه بدعة # لعلمهم بأن الرسول لم يبين ذلك ولا أمر بكتابته، وأنه قد أمر بكتب بسم ~~الله الرحمن الرحيم في فواتح السور ما نزل عليه مما أمر بكتبه، وليس يجب أن # يسوغوا كتب ما لم يأمر به الرسول لتسويغهم رسم ما سن كتبه، ولا يجب # أن يعتقدوا أيضا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يكتب في افتتاح ~~السورة المنزلة إلا قرآنا منزلا، لجواز أن يؤمر بافتتاحها في الكتابة بما ~~ليس بقرآن # PageV01P257 # على ما بيناه من قبل، ولأجل أنهم سمعوا الرسول يفتتح في الصلاة ببسم الله # الرحمن الرحيم، ويجهر بها أحيانا إمام الجهر، فأجيز الائتمام به في ~~افتتاح # السور في الكتابة بها، وليس مثل عدد من فعله في تعشير القرآن وكتب رأس # الأجزاء والأسباع والأخماس وخاتم كذا وعدد آياتها كذا، وكتب التفسير مع # التأويل. # وإذا كان ذلك كذلك بأن أنه لا ms144 حجة لهم في شيء مما أوردوه، وأن # بسم الله الرحمن الرحيم ليست بآية من القرآن، وأنها جعلت علامة وفاصلة # بين السور، وأمارة على ختم السورة والأخد في الأخرى. # فإن قال قائل: فإذا كان الأمر فيها على ما وصفتم فلم لم تكتب في أول # سورة براءة للفصل بينها وبين الأنفال؟ # قيل له: لأمرين: # أحدهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك ليشعر من بعد ~~أهل عصره أن السلف من الأمة الآخذين عنه لم يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم ~~في فواتح السور باجتهادهم وآرائهم، وإنما اتبعوا في ذلك ما سن وشرع لهم، ~~وأن ذلك لو كان برأيهم لوجب عليهم أن يكتبوا بين الأنفال وبراءة، لأنه لا ~~معنى يقتضي الفرق بين الفصل بين هاتين السورتين بها وبين الفصل بين غيرهما ~~بها، ولو فعل ذلك في غير سورة براءة وأسقطها من افتتاحها لسد ذلك مسد ~~اطراحها من أول سورة براءة في إشعارهم بهذا الباب، ولو أعلمهم أيضا - ~~سبحانه - أن السلف ما كتبوها في أوائل السور إلا لسنة الرسول بغير هذا ~~الوجه وشيء سوى إسقاطها من أول سورة براءة لصح ذلك منه وجاز، غير أنه يمكن ~~أن يكون إعلامهم هذا الباب بهذا الضرب من التنبيه وبإسقاطها من # PageV01P258 # أول براءة دون غيرها: لطفا لهم أو لبعضهم، وأدعى الأمور لهم إلى # التصديق بالقرآن وتحفظه والعمل بموجبه، وإعظام مؤديه ومتحمله. # وقد يمكن أيضا أن يكون إنما أسقطت في أول سورة براءة لأنها نزلت # بالسيف والوعيد والتهديد والطرد والإبعاد والإخافة والإهانة، وكانت إنما # تكتب في أوائل ما يتلى من السور على وجه الرفق والإيناس والتسكين # بالابتداء بذكر الله تعالى ووصف فضله ورحمته. # ومما يدل على بطلان قول من زعم أن السلف أجمعوا على اعتقاد كون # بسم الله الرحمن الرحيم آية أن بسم الله الرحمن الرحيم فيها معنى الرحمة # والأمان، وبراءة لم تجىء في هذا المعنى، وإنما جاءت بضده ونقيضه. # فلم تكتب كذلك في أولها، وقد روى علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه # عبد الله ms145 قال: سألت علي بن أبي طالب: لم لم يكتب بين براءة والأنفال # بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: "لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان، وبراءة ~~نزلت بالسيف لا أمان فيها"، فهذا هو نفس التأويل الذي قلناه وعلمه الجمهور ~~من أهل العلم، وإذا كان ذلك كذلك زال ما اعترضوا به. # ومما يدل على بطلان قول من زعم أن السلف أجمعوا على اعتقاد كون # بسم الله الرحمن الرحيم أنها آية من الحمد ومن كل سورة ما ظهر على ما # ذكر وانتشر من قول ابن عباس: "ترك الناس آية من كتاب الله، وسرق # الشيطان آية من كتاب الله "، وقد علم أنه لا يقول ذلك حتى يترك الناس # قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب وفاتحة كل سورة، ويكون # هو وحده هو المتمسك بذلك، هذا هو الذي يقتضيه ظاهر قوله: "سرق # PageV01P259 # الشيطان آية من كتاب الله، وترك الناس آية من كتاب الله "، لأنهم لو ~~كانوا يقرؤونها لما قال ذلك، فهذا يدل على مخالفة الجماعة له على قوله هذا # وتركهم لقراءتها وذلك بأن يدل على فساد ما قالوه أولى. # فإن قيل: فإذا كان قد اعتمد عندهم أنها من القرآن وهم يعلمون أتها # ليست من القرآن، فلم تركوا النكير عليه، وأن يقولوا له: قد أعظمت الخطأ ~~والفرية في إدخالك ما ليس من القرآن فيه؟ # يقال لهم: يكفي في الرد لقوله والخلاف عليه تركهم الرجوع إلى قوله # مع سماع ذلك منه وتكرره وكثرة ضجيجه هو بقوله: "ترك الناس آية من # كتاب الله، وسرق الشيطان آية من كتاب الله "، لأن هذا القول مع ظهوره منه ~~يدل على أن القوم لا يعتدون بقوله هذا ولا يثبتون به بسم الله الرحمن # الرحيم قرآنا، ولعله أن يكون فيهم من قال في خلافه ما ذكروه وخرج عن # الإغلاظ له إلى مثل ما وصفوه. # ويمكن أيضا أن يكونوا إنما تركوا الإنكار عليه وأن يقولوا له في أخطأت # ليست من القرآن، لأجل أنه لم يتحقق عندهم أنه اعتقد أنها آية منزلة من كل ~~سورة، ms146 وظنهم أنه اعتقد أنه كلام يفتتح به السور والجمل، وأن السنة قد جرت ~~بذلك عنده، وأنه إنما قال: "سرق الشيطان من كتاب الله آية، وترك الناس من ~~كتاب الله آية" يريد أنه سرق منه ما يقوم مقام آية مما جرت السنة عندنا ~~بالافتتاح به، وقد قال الله سبحانه: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم (98) . # فلو ترك تارك الاستعاذة عند قصده عرض القرآن، لساغ أن يقول قائل: سرق ~~الشيطان الاستعاذة، وسرق آية من كتاب الله، يريد بذلك أنه سرق ما يقوم مقام ~~آية من الاستعاذة التي أمر بها. # PageV01P260 # وساغ أن يقول أيضا: "سرق الشيطان آية" أي: أنه سرق موجب آية وهو قوله: ~~(فاستعذ بالله) ، إذا احتمل قوله جميع ما ذكرناه وبطل التعلق به. # ويمكن أن يكون معنى قوله: "سرق الشيطان آية من كتاب الله "، أي: # سرق قرآنا ثابتا في النمل، ومفتتحا به في الحمد، وفي كل سورة، لأنه قرآن # من النمل يفتتح به عنده في غيره، وقد كان أنس بن مالك ينكر ما يقوله ابن # عباس، ويروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلم ومن بعده من الأئمة لم ~~يكونوا يقرؤون ببسم الله الرحمن الرحيم، فروى مالك عن حميد عن أنس: "أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا لا يقرؤون ببسم الله ~~الرحمن الرحيم ". # فإن قيل: أراد أنهم كانوا لا يجهرون بقراءتها. # قيل لهم: ظاهر الخبر ترك القراءة بها جملة، لأن ترك الجهر بالقراءة # ليس بترك للقراءة، فلا وجه للعدول بالخبر عن ظاهره. # وشيء أخر وهو أنه إن كان معنى الخبر ترك الجهر بها فذلك دليل على أنها ~~ليست من الحمد لاتفاقهم على الصلاة التي يجب الجهر فيها، لا يجهر فيها ببعض ~~السورة ويخافت بالبعض، كما لا يفعل ذلك فيما عدا الحمد من السورة التي يجب ~~الجهر فيها. # PageV01P261 # وقد روي أيضا عن الأعمش عن شعبة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: صليت خلف ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان، وكانوا لا يجهرون ms147 ببسم ~~الله الرحمن الرحيم. # ولو كانت من الحمد لجهروا بها في صلاة الجهر، وقد ظهر أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال لأبي كيف تقرأ إذا كبرت؟ # فقال: الله أكبر (الحمد لله رب العالمين) فلم يذكر بسم الله الرحمن ~~الرحيم، ولا قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تركت آية من الحمد، ~~كما قال ابن عباس على ما رووه عنه، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وتعليمه الصلاة وترك الأخذ بقراءة بسم الله الرحمن الرحيم أولى أن يعمل به ~~ويكون حجة. # وقد روى عبد الوارث قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سئل أنس: أيفتتح ~~الرجل الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم؟ # فقال: ما قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولاعمر ~~ولاعثمان حتى كانت هذه # PageV01P262 # الغشية"، فهذا إنكار منه شديد واعتقاد لكون قراءتها والافتتاح بها بدعة ~~في # الدين. # وروى الناس أن عبد الله بن مغفل سمع ابنا له يقرأ بسم الله الرحمن # الرحيم فقال: "يا بنى إياك والحدث، فإني صليت خلف رسول الله صلى الله # عليه وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا مثهم يقرأ ببسم الله الرحمن # الرحيم "، وهذا أيضا إنكار من عبد الله بن مغفل لقراءة بسم الله الرحمن # الرحيم، وإخبار عن اعتقاده واعتقاد السلف أن فعل ذلك بدعة وحدث في # الدين، فكيف يمكن أن يقال إنه لم يكن في السلف منكر غير ابن عباس. # وحالهم ما وصفناه. # ومما يدل على أنها ليست بآية من الحمد أيضا ومن كل سورة اتفاق # الدهماء على أن: (تبارك الذي بيده الملك) ثلاثين آية، وظهور الخبر بذلك # عن الرسول، وقد روى شعبة عن قتادة عن عباس الجشمي عن أبي هريرة # قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من القرآن سورة ثلاثين ~~آية، جعلت تجادل عن رجل غفر له، وهي تبارك ". وقد اتفق على أنها إذا عدت مع ~~"بسم الله الرحمن الرحيم " كانت إحدى وثلاثين آية. # وكذلك قد اتفق القراء كلهم على أن الكوثر ثلاث آيات، فلو ms148 كانت بسم # الله الرحمن الرحيم آية منها لكانت أربع آيات، وذلك خلاف الإجماع. # PageV01P263 # فإن قيل: هي في تبارك والكوثر بعض آية، وفي الحمد آية تامة. # قيل: هذا محال، لأنه لا يجوز أن تكون آية كاملة في موضع وفي غيره # بعض آية وهي كلام واحد غير مختلف ولا متفاضل في نظمه أو عدد # حروفه، فكل هذا يدل على أنها ليست بقرآن ولا آية من الحمد ولا من # غيرها إلا في سورة النمل. # ومما يدل على ذلك أيضا قوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) . # فلو كانت من الحمد ومن كل سورة لحفظها الله تعالى علينا. # وجعل لنا إلى العلم بذلك طريقا، ولم ينكر سلف الأمة وأكثر خلفها كونها # قرآنا من الحمد ومن كل سورة، كما أنها لما كانت قرآنا من النمل لم ينكر # ذلك أحد ولم يختلف فيه. # فإن قيل: فإن لم تثبتوا بسم الله الرحمن الرحيم قرآنا، باختلاف وخبر # غير متواتر فلا تثبتوا أيضا المعوذتين قرآنا لوقوع الخلاف فيهما؟ # قيل لهم: معاذ الله أن يكون السلف اختلفوا في أن المعوذتين قرآن. # وإنما اختلفوا فى إثباتها في المصحف، وكان عبد الله بن مسعود لا يرى # ذلك، لأنه لم يكن عنده سنة فيهما، فأما أن ينكر كونها قرآنا فذلك باطل. # وشيء آخر، وهو أنه قد ثبت القرآن بإعجاز نظمه وإن لم يثبت بالتواتر. # والإعجاز قائم في المعوذتين وليس هي في بسم الله الرحمن الرحيم، ولا # خبر متواتر يعلم في ذلك، فبطل ما قالوه. # فإن قيل: فإذا قلتم إن بسم الله الرحمن الرحيم ليست آية من الحمد ولا # من جمل سورة هي في افتتاحها، فهل تكفرون من قال إنها من الحمد وأنه # بمثابة من قال إن: "قفا نبك" من الحمد أم لا؟ # PageV01P264 # قيل له: لا، وإنما يلزم هذا الكلام من قال من أصحابنا: لو كانت من # الحمد ومن كل سورة لوجب إكفار من أنكر كونها من الحمد، فيقال له: # ولو لم تكن من الحمد لوجب إكفار من قال إنها من الحمد، وليست ms149 هذه # عندنا طريقة صحيحة ولا مرضية في النظر، ولا واجبة في حكم الدين، بل # الواجب أن نقول: إن معتقد كونها من الحمد ومن كل سورة، أو آية منزلة # مفردة فاصلة بين السور: مخطىء ذاهب عن الحق، لأجل عدوله عما وجب # عليه من العلم بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لو كان قد نص على ذلك ~~من حكمها لوجب تواتر نقله وظهوره وانتشاره، ولزم في القلوب العلم بصحته، ~~وأن ذلك عادة الرسول في بيان جميع ما أنزل عليه من القرآن، فلما عدل عن ذلك ~~وعمل على ظاهر افتتاح الرسول بها وأمره بكتبها للفصل بين السور، وجهره بها ~~تارة، فظن بهذا أنها من جملة القرآن: كان بذلك غالطا وعادلا عن بعض ما لزمه ~~ووجب عليه في العلم ببيان الرسول بمثل القرآن وعادته فيه، وكان بذلك متأولا ~~ضربا من التأويل لا يصيره بمنزلة من ألحق بالقرآن ما قد علم ضرورة من دين ~~الرسول، وباتفاق أمته أنه ليس من القرآن. # ولأننا أيضا لسنا نقول - مع قولنا إنها ليست بقرآن من الحمد وأول كل # سورة - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال قولا ظاهرا معلنا أن بسم ~~الله الرحمن الرحيم ليست بآية من كتاب الله، ولا هى من جملة الحمد ولا من ~~جملة غيرها، وأن هذا التوثيق سمع منه، ونقلته الحجة القاطعة عنه، حتى يكون ~~من حجته هذا القول، وقال إنها من القرآن كافة أو بمثابة من سمع ذلك من ~~الرسول فرده وامتنع من قبوله، فلم يجب إكفار المتأول لكونها من القرآن. # وكذلك مخطئو مخالفينا يقولون إنه لا يجب إكفار من قال إنها ليست # من الحمد ولا من كل سورة سوى النمل، لأن الرسول لم يوقف توقيفيا # PageV01P265 # ظاهرا معلنا باديا منقولا متواترا على أن بسم الله الرحمن الرحيم قرآن ~~وبعض لسورة الحمد ولكل سورة هي افتتاحها، وإنما يعلم ذلك بدليل وضرب من ~~الطلب والاجتهاد، فلم يجب إكفار جاحد كونها آية من الحمد أو غيرها من حيث ~~وجب إكفار جاحد الحمد جملة أو آية الدين أو ms150 غيرها من آيات السور المعلوم ~~ضرورة من دين النبى - صلى الله عليه وسلم - توقيفه على أنهما قرآن. # وإجماع الأمة على ذلك، وإذا كان هذا هكذا سقط ما توهموه، وبان بطلان # التعلق بهذا الفصل من الفريقين جميعا، والله الموفق للصواب. # PageV01P266 ### | (باب) # القوله في ببان حكم كلام القنوت، وما روي عن أبي من الخلاف في ذلك # فإن قاه قائل إذا كان أمر القرآن في الظهور والانتشار، وحصول علم # الأمه بما هو مته وما ليس من جملته على ما ذكرتم، وجب أن يكون # أبي بن كعب من أعلم الناس بذلك، وأحفظهم له، وأشدهم حرصا عليه. # وأعرفهم بما هو منه مما ليس منه، فكيف جاز أن يذهب عليه مع ذلك أن # يذهب عليه أن كلام القنوت ليس من القرآن الذي أنزل، ووقفت الأمة عليه، ~~ويجب - كيف دارت القصة - أن يكون أمر القرآن على خلاف ما ادعيتم من الظهور. # والانتشار بين الصحابة ومن بعدهم، لأجل أن سورتي القنوت إما أن تكون # قرآنا أو ليستا بقرآن، فإذا كانتا غير قرآن فقد ذهب على أبي وأثبتهما فى # مصحفه، واعتقد أنهما قرآن، وإذا جاز ذلك عليه جاز مثله على غيره، وجاز ~~منه ومن غيره أن يعتقدوا أيضا فى كلام آخر من كلام رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - والأدعية أنه من كلام الله تعالى، ولم يأمن أن يكون فيما ~~أثبتوه كثير. # هذه سييلهم فيه، وإن كان دعاء القنوت من القرآن فقد عرفه أبي وحده # وأثبته، وجهله وذهب عن علمه جمع الأمة سوى أبى وحده، وإذا جاز ذلك # في سورتي القنوت، جاز مثله فى غيرهما، وبان بذلك أن إثبات جميع ما هو # من القرآن وما ليس منه، لم يقع من النبى - صلى الله عليه وسلم - على وجه ~~واحد من # PageV01P267 # الإشاعة والإذاعة والإعلام، وقطع عذر الكافة فيه، وأن منه ما قد أثبتت ~~بظن واجتهاد، وإعمال رأي وظن بمن رواه لهم من جهة الآحاد، وشهد عندهم من ~~العدول بأنه سمعه من الرسول وتلقاه، وكل هذا نقض لما أصلتموه، وخلاف لما ~~ادعيتموه. ms151 # يقال لهم: الذي عندنا في هذا أن دعاء القنوت ليس من القرآن بسبيل. # ولأنه لو كان من القرآن لكان بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - وإيعازه ~~في أمره كبيانه لسائر القرآن، ولكانت الحجة قائمة والعادة جارية بضبطه عنه ~~وحفظه، وتوفر الهمم والدواعي على إظهاره وإشهاره، فإذا لم يكن أمره كذلك ~~بطل بطلانا بينا أنه من القرآن، ولأننا أيضا قد علمنا قصور نظمه في البلاغة ~~والفصاحة عن رتبة القرآن وإن كان أفصح وأوجز وأحسن من كثير من كلام العرب، ~~وإنما يعلم ذلك ويتأمله أهل العلم والفصاحة وأهل البيان والبلاغة والمعرفة ~~بنظوم الكلام وأوزانه وموقع معانيه، وشرف تأليفه ومعانيه، ومباينته لسائر ~~ما قصر عن بلاغته. # ويدل على ذلك أيضا ما سنذكره من اتفاق أبي وعبد الله وجميع الأمة # على تصحيح مصحف عثمان وأن ما انطوى عليه هو جميع القرآن الثابت # الرسم، وأن ما خالفه وزاد عليه فليس بقرآن، والأمة لا تجتمع على خطأ # وضلال، وقد ثبت أن أبيا عمر إلى زمن جمع عثمان الناس على مصحفه. # وأنه كان أحد من حضر ذلك وأشاد به بما سنذكره فيما بعد إن شاء الله فلعل # أبيا إن كان قال ذلك أو كتب الدعاء في مصحفه ورقعه التي كان يثبت فيها # القرآن إنما قاله وأثبته على وجه التوهم والغلط ثم استدرك ذلك واسترجع # لما وجد الأمة دافعة لذلك وراغبة عنه، ولما علم أنها لا تجمع على خطأ # وتضييع للحق. # PageV01P268 # وهذا هو المعتمد، لأن ذلك لو كان قرآنا على ما ظنه لوجب ظهوره # وانتشاره ومعرفة الكافة به، وعلم أن هذا هو العادة في نقل ما يقتضي ~~أحواله # تحزك الدواعي والأسباب على نقله وإذاعته، فكل هذا يدل دلالة قاطعة على # أن القنوت ليس من القرآن بسبيل. # وأول ما نقول ما روي عن أبي بعد تقريرنا لهذه الدلالة على أن دعاء # القنوت ليس من القرآن في شيء أن أحدا لا يقدر أن يروي عن أبي لفظة # واحدة في أن دعاء القنوت قرآن نزل، وإنما روى قوم عنه أنه أثبت ms152 دعاء # القنوت في مصحفه، وإذا لم يقل ذلك تصريحا ولا حفظ عليه ولم يكن # إثباته له في مصحفه أو رقعة من مصحفه يدل دلالة قاطعة على أنه يعتقد # كونه قرآنا لما سنبينه فيما بعد: بأن بهذه الجملة أنه لا حجة لأحد فيما ~~يروى # من إثبات أبى لهذا الدعاء. # ثم إذا صرنا إلى القول فيما روي عنه من إثبات هذا الدعاء في مصحفه # لم نجده ظاهرا منتشرا ولا مما يلزم قلوبنا العلم بصحته ويلزمنا الإقرار ~~به # والقطع على أبي بأنه كتب ذلك، بل إنما يروى ذلك من طرق يسيرة نزرة # رواية الآحاد التي لا توجب العلم ولا تقطع العذر، ولا ينبغي لمسلم عرف # فضل أبى وعقله وحسن هديه وكثرة علمه ومعرفته بنظم القرآن ووزنه وما هو ~~منه مما ليس من جملته: أن تنسب إليه أنه كتب دعاء القنوت في مصحفه أو اعتقد ~~أنه قرآن فإن اعتقاد كونه قرآنا أبين وأفحش في الغلط من كتابته في # المصحف وأن يقطع على أبي الشهادة بذلك من جهة أخبار الآحاد ويشهد # بذلك عليه، ويشهد به على من دون أبي من العلماء المؤمنين، وإذا كان # ذلك كذلك وكنا لا نعرف صحة إثباته له بهذه الرواية: فسقط التعلق بها # سقوطا ظاهرا. # PageV01P269 # ومما يدل على وهاء هذا الخبر عن أبي علمنا بأن عثمان يشدد ويصعب # في قبض المصاحف المخالفة لمصحفه، وفي المطالبة بها وتحريقها ودرس # آثارها، والمنع من العمل على ما فيها، وإذا كان ذلك كذلك كانت العادة # توجب أن يكون مصحف أبي أول مقبوض ومأخوذ، وأن يكون عثمان تسرع إلى ~~مطالبته وحرصه على قبضه وتحصيله أشد من تسرعه إلى مصحف غيره ممن تنقص رتبته ~~عن منزلته، ولا تتعلق القلوب وتتطلع النفوس إلى ما عنده وما في مصحفه، وقد ~~جاءت الرواية عن محمد والطفيل ابني أبي بن كعب وأنهما قالا لوفد من أصحاب ~~عبد الله عليهما يطلب مصحف أبيهما، فذكرا أنه قد قبضه عثمان منه، وإذا كان ~~ذلك كذلك، وجب أن يكون مصحف أبي الذي فيه إثبات هذا ms153 الدعاء - إن كان ذلك ~~على ما روي - مما قد أخذ وقبض، فكيف بقي حتى رآه الناس ورووا أنه كان عند ~~أنس بن مالك وأنه كان فيه دعاء القنوت! # ويقول بعضهم: هذا لا أصل له، وقد رأينا مصحف أنس الذي ذكر أنه # مصحف أبي وكان موافقا لمصحف الجماعة بغير زيادة ولا نقصان، ولو # صح وثبت أنه وجد مصحف ينسب إلى أبي فيه دعاء القنوت لوجب أن يعلم # أنه متكذب موضوع قصد بوضعه لفساد الدين وتفريق كلمة المسلمين والقدح، في ~~نقلهم، والطعن في مصحفهم الذي هو إمامهم، ولا ينبغي لعاقل أن يقطع الشهادة ~~على أبي بأنه أثبت دعاء القنوت في مصحفه واعتقد أنه قرآن بوجود صحيفة ذلك ~~فيها يذكر أنه مصحف أبي من وجه لا يوجب العلم ولا يقطع العذر ولا يحل في ~~الظهور والانتشار محل ما من شأنه أن يظهر عن مثل أبي ويكثر الخوض فيه ~~والرواية له. # PageV01P270 # وكذلك فلا يجب أن تقطع الشهادة بذلك برؤية صحيفة هذه سبيلها على # من هو دون أبي من المؤمنين، وأن الوضع والكذب والتلفيق قد يرسم في # المصحف وينسب إلى أهل الفضل لقصد ما ذكرناه، وإنما يجب أن يقطع # على أن الكتاب والمصنف كتاب الرجل وتأليفه، وثبتت الشهادة عليه بذلك # بالأخبار المتظاهرة المستفيضة الموجبة للعلم دون وجود الكتاب فقط. # وبمثل هذه الأخبار أثبتنا مصحف عثمان وأنه جمعه، وبمثلها علمنا أن # "موطأ مالك " و "رسالة الشافعي " و "مختصر المزني " و "العين " للخليل # و"المقتضب " للمبرد: من تصنيف من ينسب إليه من العلماء، لا بوجود # الكتب والصحف فقط التي لا تبين عن نفسها ولا تخبر عن صحتها # وبطلانها، فإذا كان ذلك كذلك لم يكن في وجودنا أية نسخة أو بأية نسخة # فيها دعاء القنوت منسوبة إلى أبي ما يوجب القطع عليه بدلك والعلم بأنه من # جمعه وإثباته، فبان أنه لا تعلق لهم في هذه الآية. # وقد ذكر الناس أن الذي لهج بذكر ذلك على أبي وخاض فيه وأشاع # ذكره عنه أصحاب عبد الله بن مسعود، وأن الداعي كان ms154 لهم إلى ذلك شدة # حرصهم وعنايتهم بطلب كل مصحف يخالف مصحف عثمان بما قل أو كثر # ليجعلوا ذلك حجة وذريعة إلى تسهيل سبيل مخالفة الناس لمصحف عثمان # والعمل به وبغيره من مصحف عبد الله وأبي وغيرهما، وكان هذا سبب ذكر # الناس لهذه القصة عن أبي، فروى بشر بن سعيد عن محمد بن أبى بن كعب # PageV01P271 # أنه قال: "قدم ناس من أهل العراق إلي فقالوا: إنا قد أعملنا إليك المطي # ، من العراق، فأخرج لنا مصحف أبي، فقلت لهم: قد قبضه عثمان، فقالوا: ~~سبحان الله! أخرجه إلينا، فقلت: قد قبضه عثمان. # وروى صدقة بن زياد عن أبي نعيم عن الطفيل بن أبي بن كعب أنه قال: قدم ~~أربعة نفر من أهل الكوفة بعد وفاة أبى في خلافة عثمان فقالوا: إنا قدمنا ~~إليك لتخرج إلينا مصحف أبيك لننظر فيه، فإن أباك كان أعلم الناس بالقرآن، ~~فقلت: قد قبضه عثمان، فقالوا: سبحان الله! ما لعثمان ولمصحف أبيك؟ # قلت: ما لعثمان ولكن عمر بن الخطاب حزقها". # فهذا ينبىء عن قبض عثمان لمصحف أبي على ما قد بيناه من قبل. # وعلى ما ذكرناه من شدة حرص أهل العراق وطمعهم في أن يعثروا على # مصحف يخالف مصحف عثمان، فقد يجوز إذا كان ذلك كذلك وتحدث # متحدث وقال: إتي رأيت عند أنس بن مالك أو غيره مصحفا هو مصحف # أبي فيه دعاء القنوت: أن يكثر أصحاب عبد الله ذكر ذلك ويجعلوه حجة في # الامتناع من تسليم مصحف عبد الله وغيره من المصاحف المخالفة لمصحف # عثمان، لظنهم صدق هذا الراوي وإن لم يكن لذلك أصل، وإذا كان ذلك # كذلك بطل التعلق بهذه الرواية الشاذة الموجبة لخلاف ما عليه العادة في # شهرة ذلك عن أبي وما هو عليه من معرفة القرآن وحسن تلقيه ووجوب علمه ~~ومعرفته بتمييزه من غيره. # PageV01P272 # على أنه لو صحت الرواية عن أبى بإثبات دعاء القنوت في مصحفه من # وجه لا يمكن جحده والشك فيه لوجب أن يحمل ذلك منه على وجه لا # يقتضي اعتقاد كويه قرآنا ms155 ومخالفة الجماعة في ذلك، بل على ما يوجب # موافقة الأدلة التي قدمنا ذكرها، وهو أن يكون أبى لما وجد دعاء القنوت # وداوم عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصار سنة متأكدة وبابا من ~~أبواب الشريعة وعملا من أعمال الصلاة يجب حفظه والمواظبة عليه: رأى أن ~~يثبته في آخر مصحفه أو تضاعيفه إن كان مصحفه مثبت على قدر ما كان من # أخذه وحفظه للقرآن على غير ترتيب السور وتاريخ نزوله، لكي لا يذهب # عليه كلمة ولا حرف من الدعاء، لا على أنه قرآن منزل ومما قد قامت # الحجة به، فهذا غير ممتنع ولا مدفوع. # ويمكن أيضا أن يكون لم يثبت دعاء القنوت في مصحفه، ولكن في # صحيفة أو ورقة كان فيها كلام أراد نقله وضمه إلى المصحف، وكما يتفق # للناس مثل ذلك عند الحاجة إلى التعليق والضبط، فلما حملت الصحف # والرقاع إلى أبي بكر الصديق رضوان الله عليه ليجمع ما فيها ويضمه ويجعله # إماما وجد دعاء القنوت في بعض ما كان عند أبى، ثم درس ذكر ذلك # والخوض فيه والسؤال لأبى عنه لعلمه بارتفاع الشبهة عنه في أنه دعاء ليس # بقرآن، فلما تمادى الزمان وجمع عثمان الناس على مصحفه وحرقه جدد # ذكره لذلك مجددا وأعاده وأبداه ليجعل ذلك ذريعة إلى مخالفة عثمان # وتسهيل سبيل لقرآن غير ما في مصحفه وظهوره. # وقد يمكن أيضا أن يحمل أمر أبي في هذا الباب على غاية ما حاولوه # من أمره، وهو أن يقال إن ذلك إن صح عن أبي فإنه إنما فعل ذلك لأنه # اشتبه عليه دعاء القنوت وظن لفصاحته وبلاغته ووجدانه مداومة الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV01P273 # عليه في صلواته وفتتاح عمر بن الخطاب وغيوه من الصحابة # ببسم الله الرحمن الرحيم في قنوته وفي أول التشهد في الصلاة، فقدر لأجل ~~هذا أجمع أنه من جملة القرآن فأثبته معه، فقد روي عن عطاء عن عبيد بن # عمير أن عمر بن الخطاب كان يقول في قتوته بعد دعائه للمؤمنين ودعائه # على الكفرة: "بسم الله الرحمن ms156 الرحيم اللهم نستعينك ونستهديك ونثني # عليك الخير، ونشكرك ولا نكفرك" ونخلع وتترك من يكفرك، بسم الله الرحمن ~~الرحيم، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ~~ونخاف عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق. # وهذا القدر لا يدل على أن الدعاء من القرآن، كما لا يدل افتتاح كثير # من كلام التشهد ببسم الله الرحمن الرحيم على أنه قرآن.. # وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لنافع كيف كان ابن عمر يتشهد، ~~قال: كان يقول: # بسم الله الرحمن الرحيم التحيات لله الصلوات الطيبات ا@طييأ@) ! . # وروي عن طاووس أنه كان يقول في التشهد: "بسم الله الرحمن الرحيم # التحيات المباركات والصلوات والطيبات لله " إلى آخر كلام التشهد # وروى الحارث عن علي عليه السلام أنه كان إذا تشهد قال: بسم الله الرحمن ~~الرحيم فإذا رأى # PageV01P274 # أبي مداومة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ذلك وافتتاح علي وعمر به ~~جاز أن يظن أن ذلك كان قرآنا منزلا فيلحقه بالمصحف. # فإن قالوا على هذا الجواب: فأبي على قولكم لم يكن يعرف وزن القرآن من ~~غيره! # قيل لهم: معاذ الله! بل كان من أعرف الناس بذلك، ولكنه ظن أن دعاء القنوت ~~وإن قصر عن رتبة باقي السور في الجزالة والبلاغة فإنه يجوز أن يكون قرآنا، ~~وأن يتعذر أن يؤتى بمثله، وإن كان غيره أبلغ من القرآن، كما قد قال الناس: ~~إن من القرآن ما هو أوجز وأفصح وأبدع مما سواه عنه، وإن كان معجزا كله، ~~قوله تعالى: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا) ، وقوله تعالى (وقيل يا أرض ~~ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي) ، ~~وقوله تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199) . # فهذا أوجز وأفصح من مثل قدره من غيره ولو كان معجزا كله إذا بلغ قدر سورة ~~أو آية في طول السورة. # وقد زعم قوم أنه لا يمتنع أن يكون دعاء القنوت كان قرآنا فنسخ أو أزيل ~~فرض كتابته وتلاوته مع القرآن لما فيه من فصاحة النظم ms157 وجزالته ومناسبته ~~ومقاربته لنظم القرآن، وإن كان هذا هكذا فإثبات أبي له كإثبات قوم غيره ~~لأشياء نسخت بعد أن أنزلت، وإنما لم يجب أن يسيغ نقل دعاء القنوت ما يظهر ~~على هذا الجواب كظور نقل غيره مما يثبت، لأجل أنه لما نسخ انصرفت الهمم ~~والدواعي عن نقله وإحاطته إلا في موضع الدعاء به فقط، كما انصرفت هممهم عن ~~نقل كثير مما نسخ رسمه وتلاوته، ففي هذا نظر! أعني قولهم إنه معجز، لأن ~~نظمه مباين لنظم القرآن وغير خارج عن # PageV01P275 # وزن كلام العرب، ولكن يحتاج ذلك إلى لطيف فكر وتدبر ونقل وتأمل. # وما يعلم أن أحدا من الأمة ينكر أن لا يكون العلم بكون جميع القرآن معجزا # مما يعلم بالبديهة وبأول سماع حتى يعرف أن دعاء القنوت ليس بمعجز كما # يعرف أنه كلام أعيى الناس وألكنهم ليس بمعجز، ويعرف أن الناس والفلق # معجزتان بأول سماع لهما، كما يعرف بأن البقرة وآل عمران معجز باهر # بأول سماع، بل لا ينكر أن يكون مما ليس بمعجز من الكلام ما يكاد أن # يخفى ويقارب، فيحتاج إلى تأمل، وأن بعض ما هو معجز إذا كان يسيرا # قليلا كالناس و (إنا أعطيناك الكوثر) احتاج في العلم بأنه معجز إلى نظر # دقيق وفكر وتحر بقدر شرف نظم الكلام ومعانيه، وعدد ما يشتمل عليه من # المعاني الصحيحة والمقاصد الكثيرة، وإذا كان ذلك كذلك جاز أن يكون # حال أبي محمولة في ذلك على بعض هذه الوجوه التي ذكرناها. # وقد زعم أيضا بعض الناس أن دعاء القنوت معجز قاهر من كلام رسول # الله صلى الله عليه، وإنه لا يمتنع أن يكون المعجز من الكلام والنظم # ضربين: أحدهما: كلام الله، والآخر: كلام لرسوله، وفي هذا نظر أيضا. # لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ظهر عند التحدي بمثل شيء من ~~كلامه، ولا ادعى ذلك قط لنفسه، ولو كان ذلك كذلك لظهر ذلك عنه وعلم من ~~حاله، ولكان ذلك زيادة في حجته، ولأن ذلك أيضا لو فعله عند قوم لعاد بتهمته ms158 ~~ودخول الشبهة على سامع كلام الله منه، وظنه أنه من بلاغته هو صلى الله عليه ~~ونظمه، ورجع بالشك في ثبوته، والله تعالى قد حماه مما هو دون ذلك من قول ~~الشعر المعروف عندهم، ومن أن يخط كتابا أو يتلوه قبل نبوته، لئلا يظنوا أنه ~~من تقوله وأنه افتراه ونظمه، أو أنه مما وجده في الكتب ولقنه. # ولأجل أن تأمل كلام القنوت ينبي من عرفه أنه ليس بمعجز البشر عن # الإتيان بمثله وإن كان من فصيح الكلام ووجيزه وبليغه، فوجب أنه لا معنى # PageV01P276 # لهذا القول ولا الذي قبله، ووجب أن يحمل أمر أبى في ذلك إن صح الخبر # عنه على بعض ما قدمناه، وإن لم يصح فقد كفينا مؤنة تطلب تأويل له. # وهذا هو الثابت أعني بطلان هذه الرواية عنه وتكذبها، وليس يروى ذلك إلا ~~عن ابن سيرين وآخر معه، أنهم قد وجدوا مصحفا عند أنس ذكر أنه مصحف أبى، فيه ~~دعاء القنوت، ومثل هذا لا يثبت فيه على أبي إدخال شيء في القرآن ليس منه. # وروى بعض المعتزلة القدرية عن عمرو بن عبيد أنه قال: "رأيت # مصحفا كان لأنس بن مالك قرأه على أبي بن كعب، فكان فيه دعاء # القنوت"، وهذا أوهى وأضعف وأولى بالرد من الأول، قال أبو الحسن علي # بن إسماعيل الأشعري: "وقد رأيت أنا مصحف أنس بالبصرة عند بعض # ولد أنس، فوجدته مساويا لمصحف الجماعة لا يغادر منه شيئا"، وكان # يروى عن ولد أنس عن أنس أنه خط أنس وإملاء أبي، وإذا كان ذلك كذلك وجب أن ~~يكون ما رواه من ذلك باطلا لما ذكرناه من العادة في بيان القرآن وقلة شهرة ~~ذلك عن أبي، ومعارضة الأخبار الثابتة لهذه الرواية بأن مصحف أنس كان موافقا ~~له، وشهادة الطفيل ومحمد ابني أبي أن عثمان قبض # مصحف أبي، فوجب بهذه الجملة وضوح سقوط التعلل بهذه الرواية. # والاستناد في الطعن في نقل القرآن وإبطال شهرة بيانه، وظهور نقله، وحفظ # الأمة لجميعه إلى مثلها والاعتماد عليها. # PageV01P277 ### | (باب) # القول في ترتيب سور ms159 القرآن وهل وقع ذلك منهم عن توقيف أو اجتهاد # فإن قالوا: كيف يسوغ لكم أن تدعوا أن بيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~وقع شائعا ذائعا مستفيضا، وأن القوم حفظوا ذلك عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وهم غير عالمين بترتيب سور المصحف ونظامها بل مختلفون في ذلك ~~اختلافا شديدا، فمنهم من رتب في أول مصحفه الحمد، ومنهم من جعل في أوله ~~(اقرأ باسم ربك الذي خلق) وهذا أول مصحف علي عليه السلام فيما رواه عنه ~~الزبير بن عبد الله بن الزبيرعن زياد الأخرم قال: مررت على محمد بن عمر بن ~~علي فقال: ألا أريك يا زياد مصحف علي؟ # قال فأراه فإذا أوله (اقرأ باسم ربك الذي خلق) # فأما مصحف ابن مسعود فإن أوله فيما رواه (مالك يوم الدين) ثم البقرة. # روى ذلك طلحة بن مصرف أنه قرأ على يحيى بن وثاب وقرأ يحيى على علقمة # PageV01P278 # وقرأ علقمة على عبد الله، وأن تأليف مصحفه كان (مالك يوم الدين) ، ثم # سورة البقرة ثم سورة النساء، ثم كذلك على ترتيب مختلف لا حاجة إلى # الإطالة به، وأما مصحف أبي فقد روى بعض ولد أنس عن أنس أن مصحف # أبي كان عنده، وأن أوله الحمد والبقرة والنساء، ثم آل عمران ثم الأنعام ~~ثم # الأعراف ثم المائدة ثم كذلك على اختلاف شديد في ترتيب السور. # وقد روي من الاختلاف ما هو أكثر من هذا، فإن جاز أن يكون الرسول - # قد وقف على ترتيب السور وتأليفها، وقد ذهب عليهم علم ذلك حتى # صاروا في الاختلاف إلى مثل هذا الحد، فلم لا يجوز أن ينص على قرآن # ويوقفهم عليه وإن جاز أن يختلفوا فيه عنده وأن يقر به قوم ويجحده # آخرون، وهذا يبطل أيضا ما ادعيتموه من ظهور نقل القرآن وحصول بيانه # على وجه يوجب العلم ويقطع العذر. # فيقال لهم: أما اختلاف مصاحفهم في ترتيب السور فإنه كالظاهر # المشهور وما يدفعه، وإن كان في الناس من ينكر ذلك ويقول إن هذه # الأخبار أخبار آحاد غير ms160 أننا لا نقول - مع إثبات اختلافهم في ترتيب السور ~~- إنه قد كان من الرسول صلى الله عليه توقيف على ترتيبها وأمر ضيق عليهم في ~~تأليفها إلا على حسب ما حده ورسمه لهم، بل إنما كان منهم تأليف سور المصحف ~~على وجه الاجتهاد والاحتياط وضم السور إلى مثلها وما يقاربها، وإذا كان ذلك ~~عندنا كذلك سقط ما توهمه السائل - # وقد زعم قوم أن تأليف السور على ما هو عليه في مصحفنا إنما كان # توقيفا من الرسول لهم على ذلك وأمر به، وأن ما روي من اختلاف # مصحف أبي وعلي وعبد الله ومخالفة سائرهم لمصحف الجماعة إنما كان # قبل العصر الأخير، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رتب لهم تأليف ~~السور بعد # PageV01P279 # أن لم يكن فعل ذلك، والذي نختاره ما قدمناه، وفيه سقوط ما ظنوا القدح # به في ظهور نقل القرآن واستفاضته. # واعلموا رحمكم الله أن من قال من أهل العلم إن تأليف سور المصحف # كان واجبا عن توقيف من الرسول لا يقول مع ذلك إن تلقين القرآن وتلاوته # والصلاة به يجب أن يكون مرتبا على حسب الترتيب الموقف عليه في # المصحف، بل إنما يوجب تأليف سوره كذلك في الرسم والكتابة، ولا نعلم # أحدا منهم قال إن ترتيب ذلك واجب في الصلوات المفروضة وغيرها، وفي # تلقين القرآن ودرسه، وإنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة، ويقرأ # في صلاته الحج بعد الكهف، ولا أن يدرس البقرة ثم يدرس بعدها النحل # والرعد، هذا مما لا نعرفه مذهبا لأحد وإن كان وجوب الترتيب في الرسم # والكتابة مذهبا لجماعة من أهل العلم والقرآن، والذي نقوله: إن تأليف # السور ليس واجبا في الكتابة ولا في الصلاة ولا في الدرس ولا في التلقين # والتعليم، وإنه لم يكن من الرسول في شيء من ذلك نص على ترتيب # وتضييق لأمر حده لا يجوز تجاوزه، فلذلك اختلفت تأليفات المصاحف # التي قدمنا ذكرها، واستجاز الرسول والأئمة من بعده وسائر أهل أعصار # المسلمين ترك الترتيب للسور في الصلاة والدرس والتلقين ms161 والتعليم. # فإن قالوا: وما الدليل على صحة قولكم هذا؟ # قيل لهم: الذي يدل على ذلك أنه لو كان من الرسول نص وتوقيف # ظاهر على وجوب ترتيب تأليف السور في الكتابة والرسم لوجب ظهور ذلك # وانتشاره وعلم الأمة به، وأن ينقل عنه نقل مثله، وأن يغلب إظهار ذلك # وإعلانه على طيه وكتمانه، كما أنه لما كان منه نص وتوقيف على سور # PageV01P280 # القرآن وجب نقله وظهوره، كذلك لما كان منه نص وتوقيف على سور # القرآن وجب نقله وظهوره، وكذلك لما كان منه نص وتوقيف على وجوب # ترتيب آيات كل سورة من السور والمنع من تقديم كتابة بعضها على بعض # وتلاوة بعضها قبل بعض: نقل ذلك عنه وظهر، واتفقت الأمة على وجوب # ترتيب الآيات وحظر تقديم بعضها على بعض وتغييرها في الكتابة، والتلاوة # وغير ذلك، فكذلك لو كان منه صلى الله عليه توقيف على ترتيب سور # القرآن لنقل ذلك عنه، وعرف من دينه، ولم يختلف في تأليف السور في # المصاحف الاختلاف الذي قدمناه، فوجب بذلك أنه لا توقيف من الرسول # صلى الله عليه على ترتيب تأليف سور القرآن. # ومما يدل أيضا على صحة ما قلناه ويؤكده ما رواه يزيذ الرقاشي عن # ابن عباس قال: فلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى # الأنفال وهى من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم ~~تكتبوا # بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال، فقال # عثمان: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتي عليه الزمان وهو ينزل ~~عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا من يكتب له فيقول: ~~"ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا"، وإذا نزلت عليه الآيات قال: ~~"ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا"، وإذا نزلت عليه ~~الآيات قال: "ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" # قال: وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة، وكانت براء" من آخر القرآن # فكانت شبيهة بقصتها، فظننت أنها ms162 منها، وقبض - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~يبين أنها # PageV01P281 # منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن # الرحيم ووضعناها في السبع الطوال ". # فهذا تصريح من عثمان بأنه لم يكن من الرسول نص على وجوب تأليف # الأنفال إلى براءة، وأنهم إنما عملوا ذلك بالرأي والاجتهاد الذي ذكره # عثمان عن نفسه، وما غلب على ظنه، وليس في الأمة من يفرق بين تأليف # السورة فيجعل بعضه مضيقا موقفا على ترتيبه وبعضه موسعا ومخيرا فيه # وغير منصوص على تأليفه، فلذلك لم يجز لأحد أن يقول: إنما ترك رسول # الله - صلى الله عليه وسلم - التأليف والترتيب في الأنفال وبراءة فقط، ~~وأوجبه ونص عليه في غيرها. # فإن قال قائل: فهل تزعمون أن ظن عثمان لكون براءة من الأنفال لشبه # قصتها بقصتها صحيح وأمر يجوز الاعتلال به؟ # قيل له: لا، ولسنا نعلم قطعا أن كلام عثمان خرج على هذا الوجه، بل # لعله خرج على وجه آخر بزيادة لفظة ونقصان لفظة اختصره الراوي أو زاد # فيه، ويدل على ذلك أيضا أن عثمان قد قال وعلم أن كل واحدة من # السورتين لها اسم يخصها وعلم تعرف به، وأنه قد كان يتلقى إحدى # السورتين على عهد الرسول، وبعده من لا يحفظ الأخرى ولا يعلمها ومن # يضم إلى تعلم الأنفال سورة أخرى مما بعد براءة، وكل هذا يوجب أنهما # سورتان منفصلتان تعرف كل واحدة منهما بغير التي تعرف بها الأخرى. # وليس ترك الفصل بينهما بكتب بسم الله الرحمن الرحيم دليلا على أنهما # سورة واحدة، لأنه قد يجوز أن يكون إنما لم يكتب في أول براءة بسم الله # الرحمن الرحيم لما قدمناه من قبل من كونها نازلة بالسيف لا أمان فيها، أو # لغمر ذلك، لا لأنها من جملة الأنفال، ويدل على صحة ما قلناه ويوضحه ما # PageV01P282 # رواه ابن جريج عن يوسف بن ماهك قال: "إني عند عائشة إذ جاءها عراقي فقال: ~~أريني مصحفك، قالت: لم؟ # قال لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنا نقرؤه غير مؤلف، قالت: فلا يضرك ms163 أيه ~~قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ~~تاب الناس نزل الحلال والحرام، لقد أنزل بمكة - وأنا جارية ألعب - على محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - (والساعة أدهى وأمر (46) . # وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده" # ثم أخرجت إليه مصحفا، فجعلت تملي عليه. # فهذا أيضا نص من عائشة - رضي الله عنها - على سقوط فرض ترتيب سور القرآن، ~~وأنه لا يجب أيضا تأليفه على تاريخ نزوله، ولو قد كان من الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - نص في ذلك يوجب العلم ويقطع العذر لوجب شهرته، وأن تكون عائشة ~~أقرب الناس إلى علمه وأعرفهم به، ولم تكن بالذي يقول لا تبالي بأيه بدأت ~~قبل" # وهذا يدل على أنهم كانوا مخيرين في تأليف السور، وكان مردودا إلى رأيهم ~~واجتهادهم. # فأما استلال من استدل على إسقاط وجوب ترتيب السور والمصحف وتأليفها على ~~ما هي به في الإمام بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في إحدى ~~الركعتين ويقرأ في التي بعدها بغير التي تليها، وأنه كان يعلم أن في الناس ~~من يتحفظ السورة ويأخذ بعد الفراغ من حفظها في حفظ غير التي تليها، وأن ~~فيهم من يتعلم المفصل قبل الطوال ويقتصر عليه، وأن فيهم من يدرس السور على ~~غير هذا الترتيب الذي في المصحف فلا ينكر ذلك # PageV01P283 # ولا يرده، وأن عمل الأمة بذلك مستقرأ إلى اليوم في تلقي القرآن على هذه # السبيل، ودرسه أيضا كذلك، والصلاة به على غير تأليف، وأن ذلك أجمع # ينبني عن أنه لا توقيف من الرسول في تأليف سوره، فإئه باطل لا حجة في # شيء منه، لأن هذا أجمع يدل - لعمري - على أن تأليف السور غير واجب # في التلاوة والدرس وفي الصلوات وفي الحفظ والتلقين والتعليم، وذلك لا # يدل على أنه ساقط في الكتابة وتأليف المصحف، لأن رسول الله صلى الله # عليه لو قال نصا: " إذا تحفظتم القرآن أو درستموه أو لقنتموه أو تلقيتموه ~~أو صليتم به فلا جناح عليكم في البداية ms164 بأي السور شئتم، ولكم الخيار في # ذلك، وإذا أنتم درستموه وكتبتموه فعليكم أن تؤلفوه على هذا الضرب من # التأليف الذي عليه مصحف عثمان، ويجب أن تكتبوا كذا قبل كذا، وكذا # بعدها، لم يكن ذلك مستحيلا ولا ممتنعا ولا مما لا يجوز أن يكون لطفا # ومصلحة وعائدا بالاحتياط للإمام الذي يكتب فيه القرآن لا يقع مختلطا # اختلاطا يمكن أن يوقع معه الشك فيه، وإن يدخل فيه ما ليس منه وإن لم # يكن يجب الترتيب في التلقين والتحفظ والدرس وفي الصلاة، وإذا كان # ذلك كذلك لم يجب أن يكون ما دل على سقوط الترتيب في أحد الموضعين # يدل على سقوط في الآخر وقد أجاز المسلمون اللفظ بأحرف في القراءة. # لا يجوز إثباتها في المصحف على ذلك اللفظ، وإثبات أحرف في المصحف # لا يجوز التعلق بها كذلك، وإذا كان ذلك كذلك بطل اعتبار أحد الأمرين # بالآخر بطلانا بينا. # واستدل أيضا قوم على سقوط ترتيب تأليف السور بأنه قد علم أنه ليس # في الدنيا مترسل أديب ولا شاعر مفلق ولا خطيب مصقع يأخذ الناس بترتيب # تأليف قصائده وخطبه ورسائله، وإنما يريد أن يحفظوا قصيدة منها على # PageV01P284 # ترتيب نظمها وتأليف أبياتها وسياق بيانها، ثم لا يبالي أيهما كتب في ~~ديوانه # أولا وآخرا ووسطا، كذلك المترسل والخطيب. قالوا: فكذلك رسول الله # صلى الله عليه إنما أراد من الأمة حفظ السور وتلاوتها على نظامها وترتيب # آياتها فقط، ولم يرد منهم تأليف كل سورة منها قبل صاحبتها. # وهذا أيضا باطل من الاعتلال لا حجة فيه، وذلك أنه لا يجب القياس في مثل ~~هذا، لأنه لا يمتنع على قول أحد أن يعلم الله سبحانه أن من مصالح الأمة أو ~~بعضها أو من اللطف للرسول فقط: الأمر بتأليف السور على وجه مخصوص لا ~~"يتجاوز ولا يحل سواه، وكذلك الأمر في الحفظ والتلاوة، ولا ورد بذلك سمع ~~وأن ذلك واجب كان نصه واجبا علينا، وإن لم يجب حمل وجوب ترتيب قصائد الشاعر ~~وخطب الخطيب. # وإذا كان ذلك كذلك سقط ما قالوه. ms165 # ويدل على فساد ذلك أيضا أنه حرام غير جائز قراءة السورة منكوسة # الآي والأحرف من آخرها إلى أولها وإن لم يحرم ذلك في كلام الخطبة # والرسالة وإنشاد القصيدة، وليس ذلك إلا لأن الله سبحانه أوجب ذلك في # القرآن وحظر تجاوزه، وأسقطه في الخطب والرسائل والشعر ولم يوجبه. # وإذا كان ذلك كذلك سقط هذا الاعتبار، وفيما قدمناه من الأدلة على ذلك غنى ~~عن هذه التلفيقات. # فأما من زعم أن الرسول قد نص على تأليف سور القرآن ورسمها في # المصاحف على ما هي عليه من الإمام فقد استدل على ذلك بأمور لا حجة # في شيء منها، فمن ذلك أن قالوا: قد اشتهر عن بعض الشلف وهو عبد الله # ابن مسعود وعبد الله بن عمر أنهما كرها أن يقرأ القران منكوسا، فروي أن # عبد الله بن مسعود سئل عن رجل يقرأ القرآن منكوسا فقال: "ذاك منكوس # القلب". # وأن عبد الله بن عمر ذكر له أن رجلا يقرأ القرآن منكوسا فقال: # PageV01P285 # "لو رآه السلطان لأدبه" وكلام هذا نحوه، قالوا: يدل ذلك على وجوب ترتيب ~~السور وتأليفها في القراءة والرسم. # وهذا لا حجة فيه، لأنهما إنما عنيا بذلك من يقرأ السور منكوسة ويبتدأ من ~~آخرها إلى أولها، لأن ذلك حرام محظور، وفي الناس من يتعاطى هذا في القرآن ~~وفي إنشاد الشعر فيذلل عند نفسه بذلك لسانه ويقتدر به على الحفظ، وذلك مما ~~حظره الله تعالى ومنعه في قراءة القرآن لأنه إفساد للسورة ومخالفة لما قصد ~~بها وتجاوز لما حد في كتابتها وتلاوتها، وليس يريد بذلك من قرأ القرآن من ~~أسفل إلى فوق، ومن بدأ ب آل عمران وثنى بالبقرة وكيف يريدون ذلك وهم قد ~~علموا اختلاف تأليف المصاحف، وأن في الأمة من يبدأ بحفظ ما خف من المفصل ثم ~~يرتفع إلى حفظ ما طال وصعب، ومنهم من يحفظ متفرقا من المواضع المختلفة ~~ويتلوه كذلك، ومن يصلي به في فرائضه ونوافله على هذا الوجه، وهو مذموم بل ~~عمل الأمة على تجويز ذلك وأنه شائع مستقر إلى ms166 اليوم، وقول ابن مسعود: "ذاك ~~رجل منكوس القلب" # إنما خرج على وجه الذم، فلا ذم على من قرأ البقرة وثنى بالنحل لو صلى ~~كذلك، فثبت أن التأويل ما قلناه. # ويدل على ذلك قول ابن عمر: "ولو رآه السلطان لأدبه أو عاقبه"، وقد علم ~~أنه لا أدب ولا عقاب على من قرأ البقرة وثني بالحج، فصح أن تأويل منكس ~~القرآءة تنكيس آيات السور، وقول عبد الله بن مسعود: "ذاك رجل منكوس القلب" ~~يعني أنه مقيم على معصية الله تعالى ومخالف لأمره في لزوم ترتيب آيات السور ~~وترك قلبها أو قلب حروف آياتها. # PageV01P286 # واستدلوا أيضا على وجوب ترتيب سور القرآن على ما في الإمام بما # رواه أبو قلابة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من شهد ~~خاتمة القرآن كان كمن شهد فتحا في سبيل الله تعالى". # وأن المسلمين أجمعوا على أن للقرآن قاتحة وخاتمه وهذا أيضا لا حجة فيه، ~~لأن قوله من حضر خاتمة القرآن إنما يريد آخر ما يقرأ منه، الذي يكون قارئه ~~مع قراءة ما قبله خاتما لكتاب الله، ولم ينص على خاتمته فلا حجة لهم في ~~ظاهر الخبر، ولكنا لا ننكر مع ذلك أن تكون الحمد قد جعلته فاتحة ما يكتب ~~ويتلى، والناس خاتمة لذلك وإن لم يوجب ترتيب ما بينهما من السور، فلذلك ~~اتفق أصحاب المصاحف على الافتتاح بالحمد في القراءة والختم بالناس، وإن لم ~~يرتبوا ما بينهما، وأنه يمكن أن تكون الفاتحة والخاتمة قد جعلتا فاتحة # وخاتمة في التلاوة دون الرسم والكتابة، فلا حجة في التعلق بهذا، ونرى أن # هذا الخبر لم يسمعه أصحاب المصاحف المختلفة الترتيب. # راستدلوا أيضا على وجوب تأليف السور على ما في الإمام ونص # الرسول على ذلك بأن عمل أهل مكة استقر على التكبير عند ختم القرآن إذا ~~بلغ القارئ إلى سورة الضحى، وأنهم يكبرون عند ختم كل سورة إلى آخر القرآن. # قالوا: وذلك لا يكون إلا عند توقيف على ترتيب السور، وإيجاب # التكبير. # وهذا أيضا ما لا شبهة فيه، ms167 لأنه قد يجوز أن يكون الجماعه لما رتب # المصحف هذا الترتيب عمل أهل مكة على التكيير عند مقاربة الختمة. # تعظيما للقرآن وتوخيا للثواب وإنذار الناس بقرب ختمه والبلوغ إلى آخره # PageV01P287 # للحضور إلى ذلك، والاجتماع للدعاء عنده والتبرك به وغير ذلك مما # أصلوه، وليس يدل ذلك على وجوب التكبير ولا وجوب التأليف. # واحتجوا أيضا لذلك بأنه قد روي أنه كان عند عبد الله بن الزبير # مصحف فيه القرآن على نظمه وتاريخه الذي أنزل عليه وألف، وهذا باطل. # لأنها من روايات الآحاد، وما روي أن أحدا رأى هذا المصحف أو وجده. # ولو رؤي ذلك لم يدل تأليفه على ما هو به أنه مما أمر الرسول بتأليفه # كذلك، لأن للناس آراء في التأليف، فلعل مؤلف ذلك المصحف رأى أن # يجمع سوره على تاريخ نزوله المكي منها ثم المدني، وإن لم يمكنه ذلك # في آيات السور لما نبينه فيما بعد إن شاء الله، فوجب بهذه الجملة أنه لا # حجة لأحد في صحة توقيف الرسول على تأليف سور القرآن وترتيبها في # التقديم والتأخير. # فإن قال قائل: فإذا أثبتم بما وصفتم أنه لا نص في ذلك، وأنهم ألفوا # سوره بالرأي والاجتهاد وضم الشيء إلى ما أشبهه وقاربه، فألا ألفوه على # تاريخ نزوله فبدأوا بالمكي منه قبل المدني، وبما أنزل منه أولا ثم بما ~~أنزل # بعده على ترتيب نزوله، فيكونون بذلك أقرب إلى الصواب وترتيب إنزاله أو ~~إلى معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ وما يحتاج إليه في معرفة الأحكام؟ # قيل له إنما لم يفعلوا ذلك لأنه أمر لا يصح إلا بنقض آيات سور # القرآن وإفساد نظمها وتغييرها عما حد لهم، وقد صح وثبت أنه لا رأي لهم # ولا عمل ولا اجتهاد في ترتب آيات سور القرآن على ما سنذكره فيما بعد إن ~~شاء الله، وقبل أن نبين ذلك فإنا نقول: إن كل عاقل يعرف فضل عقول # الصحابة ولطيف نظرهم وقوة أفهامهم ومعرفتهم بالتنزيل وأسبابه، وأنهم # أولى الناس بصحيح الرأي والتدبير، فمن ظن بنفسه فضل تقدم عليهم في # PageV01P288 # ذلك ms168 واستدراك عجز وتفريط وترك حرم كان منهم: فهو من الغباء والجهل # بحيث لا ينتفع بكلامه. # ثم نقول: ليس لأحد أن يقول: لم لم يؤلفوا سور القرآن على تاريخ # نزوله ليكونوا بذلك متوافقين في التقديم والتأخير أوقات نزوله، وليس هو # بقوله هذا بأولى ممن قال: بل الواجب هو ما فعلوه من تصنيف السور وضم # كل شيء إلى مثلها وشكلها، لا سيما إذا علموا أن الله سبحانه ورسوله عليه # السلام قدم في السورة الواحدة إثبات المنسوخ على الناسخ، وأنه كان منزل # منه المدني فيؤمروا بإثباته في السور المكية، وأن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يراع في إثبات آيات السور وتاريخ نزولها، فكذلك لا يجب ~~عليهم هم أن يراعوا في تأليف تاريخ نزولها، ولجاز أيضا لأحد أن يقول: ما ~~الحق إلا فيما فعلوا من تقديم طوال السور على القصار، لأنها أعظم قدرا في ~~النفوس وأخرق للعادة، وأعظم في الإعجاز، وأجمع للفوائد، وأكثر اشتمالا على ~~المواعظ والأقاصيص وضرب الأمثال وتفصيل الحلال والحرام، وكان ذلك من فعلهم ~~أولى. # وقد يسوغ أيضا لآخر أن يقول: بل كان الواجب عليهم تقديم قصار # السور لكونها أقرب مأخذا وأسهل وأخف على المتعلم من التشاغل # بطوالها، وكل هذا تخليط وتعنت للصحابة، ومحاولة للقدح في آرائهم بما # يعود بالدلالة على غباوة المعترض وجهله، والذي يدل على أنه لا يجوز # لهم تأليف سور القرآن على تاريخ نزوله أنهم لو فعلوا ذلك لوجب أن # يجعلوا بعض آيات السور في سورة أخرى، وأن ينقضوا ما وقفوا عليه من # سياق ترتيب آيات السور ونظامها، لأنه قد صح وثبت أن الآيات كانت تنزل ~~بالمدينة فيؤمروا بإثباتها في السور المكية. # PageV01P289 # ويقال لهم: "ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا"، فلو أتلفوا # السورة على تاريخ النزول لوجب أن ينقضوا ترتيب آيات السور ويخلطوها # ويجعلوا بعض هذه السورة في هذه السورة، وبعض هذه في هذه، وهذا # تخليط وإفساد قد حرم عليهم. # ولو قصدوا أيضا إلى تأليف معظم ما نزل من الآي متتابعا، فجعلوه في # صدر السور ms169 وأخروا ما نزل بعد ذلك لم يكن فيه فائدة ولا دلالة على تاريخ # الناسخ والمنسوخ، لأن الآية الناسخة قد تنزل بعد المنسوخة في سورتها # فيؤمروا بإثباتها قبل المنسوخة، وربما كانت الناسخة مدنية فيؤمروا بإثبات # ذلك في سورة مكية وأن لا يثبت في شيء من المدنية، فلا معنى لضم ما # يقارب نزوله وتوالي ذلك وجعله في صدور السور لأجل ما وصفناه. # وقد يجوز أن يكونوا إنما عدلوا أيضا عن هذا خوفا من أن يظن ظان # أن ترتيب جميع آيات السور على هذا التاريخ، وذلك أمر يدهشه، ويخيل # إليه أن الآية الناسخة ليست بناسخة لما تقدم من نزوله إذا وجدوها في آخر # السورة وكانت المنسوخة متقدمة النزول وفي صدر السورة، فإذا خيف ذلك # ولم يؤمن توهم مثله وجب العدول عن مراعاة تاريخ نزول القرآن في تأليف # سوره، ووجب أن يكون ضمهما على وجه المشاكلة والمقاربة والتصنيف # لذلك، وضم الشيء إلى ما يقاربه أولى، وسقط بذلك ما سأل عنه السائل. # فإن قال قائل: وما الدليل على صحة ما ادعيتموه من أن الرسول كان # يأمر بإثبات الآية النازلة في سورة متقدمة النزول دون الموضع الذي قبلها ~~في # قرب نزوله؟ # قيل: هذا ظاهر مكشوف من دين الرسول وحاله وأمره برسم القرآن. # وقد وردت بذلك الأخبار وتظاهرت، فروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن # PageV01P290 # عباس في قوله تعالى: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) . # قال: "هذه آخر آية نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن جبريل ~~نزل عليه فقال: ضعها على رأس ثمانين ومئتين من البقرة"، وقد علم أن ذلك ~~الموضع ليس هو الذي يلي نزولها، فهذا يدل على صحة ما قلناه. # وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: # حدثني أبي بن كعب قال: ربما نزل على رسول - صلى الله عليه وسلم - الصدر ~~من السور فأكتبها، ثم ينزل عليه فيقول: "يا أبي اكتب هذه في السورة التي ~~يذكر فيها كذا وكذا"، وربما نزل عليه فأقف حتى أنظر ms170 ما يقول حتى يحذدث إلي ~~فيقول: "تلك الآيات ضعها في سورة كذا وكذا"، وهذا أيضا تصريح بأنه كان يلحق ~~ما يتأخر نزوله بما دون ما يليه، وكان أبي قد علم أن إثباته على تاريخ ~~نزوله باطل غير واجب، ولولا ذلك لم يكن ليوقفه، وانتظار أمر الرسول بأن ~~يثبتها معني، وهو قد أعلمه واستقر من دينه أنه يجب إثبات الآيات على تاريخ ~~نزولها، فهذا يقضي على صحة ما قلناه. # وروى عبد الرحمن بن شماسة المهري عن زيد بن ثابت قال: بينما # نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال: ~~"طوبى # PageV01P291 # للشام "، قيل: يا رسول الله، ولم ذلك، قال: "إن ملائكة الرحمن باسطو # أجنحتها عليه "، وهذا حديث ينبىء أيضا عن أن القرآن كان سوره تؤلف # على غير تاريخ نزوله، لأنه لو كان مرتب الآيات على تاريخ النزول ما احتاج ~~إلى تأليف وترتيب، ويدل على ذلك أيضا ما رواه عبد الله بن عباس عن عثمان بن ~~عفان رضوان الله عليه لما سأله: لم لم يجعلوا بين الأنفال وبراءة # سطر بسم الله الرحمن الرحيم، فقال عثمان: إن الآية والآيات كانت إذا # نزلت يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ضعوا هذه الآية في سورة ~~كذا". # وكل هذه الأخبار تكشف عن صحة ما قلناه من وجوب ترك مراعاة # تاريخ نزول القرآن، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يراعي ~~في تأليف آي السور تاريخ نزول الآيات، فإذا ثبت ذلك لم يكن تاليف سور ~~القرآن على تاريخ نزوله إلا بخلط بعض السور ببعض وإفساد نظمها ونقص تأليفها ~~الذي أمروا بقراءتها عليه. # PageV01P292 ### | (باب) # الكشف عن وجوب ترتيب آيات السور وأن ذلك إنما حصل # بالنص والتوقيف دون الاجتهاد # وأنه ليس لأحد أن يخلط # آيات السور بغيرها ولا يضع مكان الآية غيرها مما قبلها أو بعدها # فإن قال قائل: قد قلتم في غير موضع إن ترتيب آيات السور فيها واجب # وإن ذلك لم يكن إلا عن نص وتوقيف، فما الدليل على ms171 ذلك، وما الحجة # في أنه ليس لأحد أن يخلط في التلاوة بعض آيات السورة بغيرها، وأن يقدم # من آياتها المؤخر، ويؤخر المقدم؟ # قيل له: يدل على ذلك أمور، أحدها: جميع ما قدمناه من الأخبار في # الباب الذي قبل هذا" لأن جميع ذلك يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - هو الذي كان يأمرهم ويوقفهم على إثبات آيات السورة وترتيبها، وأنه ~~ليس لهم في ذلك خيار، ولا هو مما رد إلى آرائهم، فيجب أن تكون هذه حال ~~التلاوة والدرس # ومما يدل على ذلك أنه لا يخلو أن يكون النبي صلى الله عليه قد أخذ # على القرأة والكتبة أن يرتبوا سور القرآن في الرسم والتلاوة، وضيق ذلك # عليهم، وجعلهم في فسحة من تقديم بعض الآيات على بعض، وجعل أول # السورة آخرها وآخرها أولها، وجعل شطرها في غيرها وشطر غيرها فيها، # PageV01P293 # وأن يضعوا في ذلك كيف رأوا وأحبوا، فإن كان قد وقفهم على الترتيب # وتأليف آياتها على النظام الذي هي عليه في الإمام فذلك ما نقول، وإن كان # قد نص لهم على التخيير في ذلك وجب أن يظهر هذا من دينه ويعرف من # حاله وتتوفر الدواعي على نقله وذكره، وأن لا يسوغ أن يقع من الأمة ترتيب ~~للسور وحصر لها وتتميز بأسماء تدعى بها، وأمور تذكر فيها، كما أنه لو نص - ~~صلى الله عليه وسلم - على جواز تقديم الآية على غيرها وتأخير المتقدم منها ~~من كلماتها وحرفها وتقديم المتأخر، وعلى جواز القراءة من آخر السورة إلى ~~أولها: لوجب أن يكون ذلك ظاهرا منتشرا عنه ومعلوما من دينه، وفي العلم ~~ببطلان ذلك وعدم ذكره، وعمل الأمة بخلافه بأخذهم أنفسهم ومن يعلمونه بقراءة ~~السورة على ترتيب آياتها، وحظر تأخير المقدم منها وتقديم المتأخر وخلطها ~~بغيرها: أوضح دليل على فساد هذا القول، فأما نصه على الترتيب الذي قلناه، ~~فقد ذكرنا تظاهر الأخبار به من قبل، وبينا أن عمل الأمة مستقر بذلك، وحاصل ~~إلى اليوم. # ويدل على ذلك أيضا ويوضحه ما قدمنا ذكره من قول ms172 عبد الله بن مسعود # وابن عمر فيمن يقرأ القرآن منكوسا: "ذاك رجل منكوس القلب "، و"لو رآه ~~السلطان لعاقبه "، وقد بينا أن ذلك غير واجب في تقديم بعض السور على بعض، ~~فيجب أن يكون في تقديم بعض آيات السور على بعض، وعلى أنهما إن كانا عنيا ~~بذلك تقديم بعض السور على بعض فلأن يكون تقديم بعض آيات السور على بعض ~~وخلطها بغيرها أولى وأحرى أن تستحق ذلك، فهذا أيضا يدل دلالة قاطعة على ~~علمهم بوجوب ترتيب آيات السور في الكتابة والتلاوة. # ولو كان الأمر على ما يدعيه السائل عن هذا الباب لم تحتج السور إلى # أن يكون لها أول وآخر، وابتداء وخاتمة، ولم يكن على أحد في حفظ # PageV01P294 # القرآن كلفة إذا كان له خلطه وتلاوته كيف شاء، ومما يدل أيضا على صحة # ما قلناه ويؤكده ما رواه عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب # قال: "مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بلال هو يقرأ القرآن من ~~هذه السورة ومن هذه السورة، قال: مررت بك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة ~~ومن هذه، فقال: بأبي أنت يا رسول الله، إني أردت أن أخلط الطيب بالطيب، ~~فقال: اقرأ السورة على نحوها"، يعني - صلى الله عليه وسلم -: على نظامها ~~وترتيبها من غير خلط لآياتها بغير ما هو منها، وهذا نص على ما قلناه. # ومما يدل على ذلك ويوضحه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ربما ~~سهى وأسقط من تلاوته آية فيستعيدها ممن حفظها عنه، وإذا أسقط آية وهو في ~~الصلاة شعر بذلك من خلفه، وكانوا يسألونه إذا فرغ ويقولون له: تركت آية كذا ~~يا رسول الله، ليتعلموا بذلك أنه قد سها، أو حدث نسخ أو رفع وتغيير، ولذلك ~~قال له أبي وغيره في مثل هذا: "يا رسول الله نسيت آية كذا، فقال: "نسيتها"، ~~ولو كان له أن يؤخر ويقدم ويضع موضع الآية # غيرها ويجعل بعض آيات السورة في غيرها لساغ له أيضا أن يترك قراءة # بعض السور، ويزيد ms173 في ذلك وينقص منه، ولم يكن لقولهم "نسيت " أم # "نسخت " معنى، وكل هذا يدل دلالة قاطعة على أن الواجب رسم السورة # وتلاوتها في الصلاة وغيرها على نظام آياتها وترتيبها. # PageV01P295 # ومما يدل على ذلك ويؤكده ما رواه الفضل بن دكين عن الوليد بن # جميع أن خالد بن الوليد أم الناس بالحيرة فقرأ من سور شتى، ثم التفت # حين انصرف فقال: "شغلني الجهاد عن تعلم القرآن ". # وفي رواية أخرى أنه قال: "إني بطأت عن الإسلام وشغلني الجهاد عن تعلم ~~القرآن "، ولو كان للناس تقديم المؤخر من الآي وتأخير المقدم، وخلط آيات ~~السور بآيات سور غيرها، ولم يكن عليهم في ذلك ترتيب وحد محدود: لم يحتج ~~خالد إلى اعتذار، ولم يقل: "شغلني الجهاد عن حفظ القرآن "، لأن القرآن لا ~~يجب حفظه عند الخصم إلا على ما قرأه خالد وأورده، فهذه أيضا رواية تنبىء عن ~~وجوب ترتيب آيات السور وتلاوتها على سياقها، اللهم إلا أن يعرض عارض مثل ~~الذي عرض لخالد من النسيان والأمور الصادة عن ذلك. # فإن قال قائل: أفليس قد روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "نزلت # على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة المرسلات ونحن في غار ~~فأقرأنيها، وأنا أقرؤها قريبا مما أقرأني، فلا أدري أختمها بقوله: (وإذا ~~قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) . # أو بقوله: (فبأي حديث بعده يؤمنون (50) . # PageV01P296 # وهذا نص منه على أنه لا يعلم خاتمتها، وأنه قد يختم تارة بهذا وتارة # بهذا، وأن الأمر في ذلك عنده سهل قريب بقوله: "فأنا أقرؤها قريبا مما # أقرأني "، ولأجل أنه ترك أن يستثبت ذلك من رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى أن مات، فلو كان ترتيب آيات السور وختمها بآية منها مخصوصة لا ~~يجوز وضع غيرها مكانها أمرا مضيقا: لم يهمل عبد الله سؤال رسول الله صلى ~~الله عليه عن ذلك، ولم يستجز أن يقول: "فأنا أقرؤها قريبا مما أقرأني "، ~~وهذا يدل على خلاف ما ادعيتم. # يقال له: ليس فيما ذكرته ما يدفع قولنا، بل هو من أدل ms174 الأمور على # صحة ما نذهب إليه وفساد قولك، لأجل أن عبد الله لو لم يجب عنده مراعاة # خاتمة السورة وسياقها على نظم آياتها وعلى وجه ما لقنوه عن رسول الله # صلى الله عليه ولولا ذلك لم يكن لذكر إقراء رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - له معنى ولذكر خاتمة السورة، ولقوله: "فأنا أقرؤها قريبا مما ~~أقرأنيها"، فهذا الخبر بأن يدل على صحة قولنا أولى. # فإن قيل: فإذا كان ذلك عندكم كذلك فلم لم يستثبت عبد الله ذلك من # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعرفه حتى لا يخالف نهج قراءته ونظمه، ~~قيل لهم: إنما لم يفعل ذلك لأجل أنه كان يعتقد أن لسورة المرسلات خاتمتين ~~إذا قرئت على وجهين، فيختم بإحدى خاتمتيها إذا قرئت على وجه وبالآية الأخرى ~~إذا قرئت على وجه آخر، لأنه قد صرح بذلك فيما صح عنه من الرواية لهذه ~~القصة، وذلك أن الأعمش روى عن ابن رزين عن زر بن حبيش قال: قال ابن مسعود: ~~"نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - (والمرسلات عرفا) ونحن في غار، ~~فأقرأنيها، فإني لأقرؤها قريبا مما أقرأني، فما أدري بأي خاتمتها ختم: ~~(وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) ، أو (فبأي حديث بعده يؤمنون (50) . # PageV01P297 # وهذا نص منه على أن لها عند الرسول خاتمتين يختم بهما هذه # السورة، وليس يمتنع أن يجعل الله سبحانه لبعض السور خاتمتين، إما على # التخيير بأن يختم القارىء بأيهما شاء، ويجعل الخاتمة الأخرى قبل أن يختم # بها وأقرب الآيات إليها لكونها خاتمة مثلها، أو يجعلها حيث شاء من # السورة، أو بأن يجعل لها خاتمتين إذا قرئت على وجهين مختلفين في # الترتيب، فإن قرئت على وجه كذا كانت خاتمها كذا، وإن قرئت على الوجه ~~الآخر ختمتها بالآية الأخرى. # ويكون هذا الوجه أحد الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها، أو أحد # الوجوه من سبعة أحرف أخر غير السبعة الثابتة، وأن يكون الله سبحانه قد # نسخ إطلاق ذلك بعد أن أطلقه وجعل للمرسلات خاتمة واحدة، وعرف ذلك ~~المسلمون وذهب على ms175 عبد الله بن مسعود إذ لم يسمعه، لأن نسخ ذلك كان قريبا ~~من موت النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الأمة قد أجمعت على أنه ليس لهذه ~~السورة بعد موت النبي صلى الله عليه إلا خاتمة واحدة، ويكون عبد الله قد ~~تمسك بالحكم الأول، فلما عرفه المسلمون ذلكم عرفه وعلم صحة ما نقلوه، من ~~نسخ ما كان مباحا، والدليل على ذلك اتفاق جميع أصحاب عبد الله وكل من أخذ ~~القراءة منه وروى عنه على أنه ليس لهذه السورة عنده فيما ثبت واستقر به ~~عمله وقراءته إلا خاتمة واحدة، فيجب إذا كان ذلك كذلك أن يكون نسخ إحدى ~~خاتمتيها. # فإن قيل على هذا: أفليس من دينكم أن السبعة الأحرف والوجوه من # القراءات كلها شافية كافية باقية لم تنسخ؟ # قيل لهم: أجل، وقد ينزل القرآن على سبعة أوجه وأحرف أخر ينسخ # بعضها ويبقى البعض، ويترك على ثلاثة أحرف، وقد وردت بذلك الأخبار # PageV01P298 # وفسرت السبعة الأوجه بتفسير ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والصحابة لا يجوز أن تلغي من الوجوه السبعة وجها ثابتا غير منسوخ، فوجب أن ~~لا يكون للمرسلات خاتمتان بإجماعهم على منع ذلك، وأن لا يكون هو من السبعة ~~الأوجه من القراءات الثابتة على ما سنبينه فيما بعد عند بلوغنا إلى الكلام ~~في هذا الباب إن شاء الله. # فإن قيل: فلم لم يظهر في الناس نقل هذا الحكم وهو أن للمرسلات # خاتمتين نسخت إحداهما؟ # قيل لهم: لأنه ليس من شأن الناس في العادة أن يصرفوا هممهم إلى # نقل ما كان ورفع وإذاعته، وإنما يأخذون أنفسهم بذكر ما ثبت واستقر عليهم ~~فرضه، وربما نقلوا فرض التلاوة المنسوخة والحكم الذي تضمنها وعدلوا عن نقل ~~التلاوة الموجبة لها إذا نسخت وأزيلت وبقي حكمها، وإذا كان ذلك كذلك لم يجب ~~أن يعبأ الناس بأنه كان للمرسلات خاتمتان نسخت إحداهما، وإنما ذكر ذلك ابن ~~مسعود لنسيان كان عن نسخ إحدى الخاتمتين. # فلما عرف ذلك بنقل من نقله إليه وأخبره به استقرت قراءته وعمله # بذلك، وهذا ms176 ينفي التخيير الذي ادعوه، وهذا الذي ذكرناه أولى من قول من ~~قال إنه قد كان لها خاتمتان إذا قرئت على وجهين، وإن عبد الله شك في # الوجه الذي قرئت عليه كانت خاتمته كذا وكذا ولم يشك في الخاتمتين. # وإن إطلاق قراءتها على الوجهين وختمها بالخاتمتين ثابت مستقر إلى أن # مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # PageV01P299 ### | (باب) # الكلام في المعوذتين والكشف عن ظهور نقلهما وقيام الحجة بهما، وإبطال ما ~~يدعونه من إنكار عبد الله بن مسعود لكونهما قرآنا منزلا، # وتأويل ما روي في إسقاطهما من مصحفه وحكه إياهما، وتركه # إثبات فاتحة الكتاب في إمامه وما يتصل بهذه الفصول # فإن قال قائل: كيف يسوغ لكم أن تدعوا وجوب تظاهر نقل جميع # القرآن وقيام الحجة وتساوي حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بيانه ~~إلى الكافة على وجه يوجب العلم ويقطع العذر ويزيل الريب والشك مع الذي قد ~~ظهر وانتشر عن عبد الله بن مسعود من إنكاره أن تكون المعوذتان من جملة ~~القرآن ومنافرته في ذلك وإسقاطه إياهما من مصحفه، وحكه لهما من مصحف غيره، ~~وما يقوله عند حكه لهما: "لا تخلطوا فيه ما ليس منه " (1) ، فكيف يمكن أن ~~يعتقد أن ظهور بيان المعوذتين والتوقيف على أتهما قرآن منزل # كظهور النص على غيرهما من السور، بل كيف يمكن أن يقال إن الصحابة ~~PageV01P300 # قد كانت أحاطت علما بجميع كتاب الله لظهور أمره وإقامة الحجة به، وهذه # حال عبد الله بن مسعود في إنكار بعضه وجحده وهو من جملتهم وعمد من # عمدهم في حفظ الكتاب، والمتبتلين لقراءته وإقرائه والتبحر في علم أحكامه # ووجوهه وحروفه والمناظرة عليه، الذابين عنه، ولو لم يرو عن الصحابة إلا # هذه القصة وحدها لكان ذلك كافيا في إبطال ما أصلتموه وفساد ما ادعيتموه. # فيقال لهم: أما دعوى من ادعى أن عبد الله بن مسعود أنكر أن تكون # المعوذتان قرآنا منزلا من عند الله تعالى وجحد ذلك فإنها دعوى تدل على # جهل من ظن صحتها وغباوته وشدة بعده عن التحصيل، وعلى ms177 بهت من # عرف حال المعوذتين وحال عبد الله وسائر الصحابة، لأن كل عاقل سليم # الحسن يعلم أن عبد الله لم يجحد المعوذتين ولا أنكرهما، ولا دفع أن يكون # النبي صلى الله عليه تلاهما على الأمة، وخبر أنهما منزلتان من عند الله # تعالى، وأئه أمر بأن يقولهما على ما قيل له في أولهما، وكيف يمكن عبد ~~الله # ابن مسعود أو غيره من الصحابة جحد ذلك وإنكاره، وذلك مما قد أعلنه # الرسول وأظهره وتلاه وكرره وصلى لله به وجهر به في قراءته، وخبر أنه من # أفضل ما أنزل عليه، وكشف ذلك وأبانه بيانا قد اتصل بنا نحن ولزم العلم به ~~قلوبنا، وارتفع منه شكنا وريبنا. # حتى لو حاول أحدنا وغيرنا من أهل الملل السامعة لأخبارنا والعارفة # بما أتى به نبينا أن يجحد ذلك ويدفعه لم يجد إلى ذلك سبيلا، هذا مع # تطاول المدة وتباعد عصرنا من عصر النبى صلى الله عليه، فإذا كانت # الأخبار متواترة متظاهرة علينا بذلك تواترا قد أصارنا في اليقين وزوال ~~الريب # إلى ما وصفناه، فكيف بأهل عصر الرسول الذي تلقوه وسمعوه، وأخبروا به # من بعدهم ونقلوه، لأنه لا بد أن يكون عبد الله بن مسعود أحد من حضر # PageV01P301 # تلاوة الرسول لها، وإخباره بنزولها، أو واحدا ممن خبر بذلك، وجاءته # الأخبار من كل طريق وناحية مجيئا لا يمكن معه الشك في ذلك، كما لا # يمكنه الشك في جميع ما ظهر وانتشر من دين الرسول وأقواله وأفعاله التي # لم يسمعها منه ولم يشاهدها، ولو تهيأ لأحد من أهل عصر الرسول أن يشك # في نزول المعوذتين وتلاوة الرسول لهما طول حياته، وإلى بعد وفاته بخمس # وعشرين سنة، والحال ما وصفناه لأمكنه لحق ذلك. # وفي العلم بفساد هذا ولزوم العلم بما وصفناه لقلوبنا وزوال الريب عنا: ~~دليل واضح على أنه لقلب عبد الله ألزم، وأنه عنده أظهر وأشهر، وإذا # كان ذلك كذلك بأن أن عبد الله بن مسعود لا يجوز منه مع عقله وتمييزه # وجريان التكليف عليه، أن يحمل نفسه على جحد ms178 المعوذتين وإنكار نزولهما # وأن الله تعالى أوحى بهما إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم -. # ومما يوضح ذلك أيضا ويبينه أنه لو كان عبد الله قد جحد المعوذتين # وأنكرهما مع ظهور أمرهما وإقرار جميع الصحابة بهما لم يكن بد من أن # يدعوه داع إلى ذلك وأن يكون هناك سبب يعتد عليه، ولو كان هناك سبب # حداه على ذلك وحزكه لخلاف فيه لوجب في موضوع العادة أن يحتج به # ويذكره ويعتد به، ويبدي ويكثر اعتذاره له وتعويله عليه، ولكان لا بد أيضا ~~في مقتضى العادة من ظهور ذلك عنه وانتشاره وحصول العلم به، إذا كان خلافا ~~في أمر عظيم وخطر جسيم، وأعظم مما نهي عنه من الإقامة على # التطبيق في الصلاة، وقوله في تزويج بنت فاسق، وخلافه في الفرائض. # وغير ذلك، مما شهر من مذاهبه وكلما عظم الخطر في الأمر وجل وقعه في # النفوس كان الخلاف فيه أظهر والعناية به أشد، واللهج بذكره وتطلب # النقض والرد له أكثر وأشهر. # PageV01P302 # ولو كان من عبد الله هذا الخلاف على الصحابة مع العلم بأنهم يعتقدون # كون المعوذتين قرآنا، ويرون أن جاحدهما بمنزلة جاحد الكهف ومريم. # لوجب في مستقر العادة أن يعظم ردهم عليه وعسفهم له، وتبكيتهم إياه. # والمطالبة له بذكر ما دعاه إلى ذلك، والمناظرة له على ما يحتج به ولكان # ذلك أعظم معايب عبد الله وسقطاته عند مخالفه ومنافره، ولوجب أن يحتج # بذلك عثمان عليه في عزله والعدول في كتابة المصحف عنه، ولوجب # تغليط القوم له، والحكم عليه بالكفر والردة، وأنه بمثابة من جحد جميع # كتاب الله، وأن يطالبوا الإمام بإقامة حق الله تعالى عليه في ذلك، ~~ومفارقته # وترك مقاربته على جحد ما يعلمون أنه سورتان من كتاب الله، لأنهم أنكروا # عليه ما هو دون هذا، وكرهوه من قوله حيث قال: "معشر المسلمين أعزل # عن كتابة المصحف، والله لقد أسلمت، وإن زيدا لفي صلب رجل # كافر". # قال ابن شهاب وغيره: "ولقد كره مقالته هذه الأماثل من أصحاب # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وما ms179 هذا نحوه من اللفظ، وقد كان ~~ناظره عثمان وراسله مناظرة ظاهرة على امتناعه من تسليم مصحفه، فكيف لم ~~يناظره على إنكاره المعوذتين ويهتف به ويجعل ذلك ذريعة وسبيلا إلى الدلالة ~~على سوء رأيه وشدة عناده، وأنه لا يجب أن يعبأ بمن جحد سورتين من كتاب الله ~~قد اشتهر نص الرسول عليهما في الخاص والعام، والصغير والكبير، والقاصي ~~والداني. # PageV01P303 # وفي عدم العلم بظهور الخلاف من عبد الله في ذلك وذكر السبب # الباعث له عليه، والعلم بأن الأمة وإمامها لم يناظروه على ذلك بحرف # واحد ولا أغلظوا له فيه ولا ظهر عنهم أمر يجب ظهوره في مثل ذلك، ولا # عرضوا عبد الله على السيف ولا أقاموا عليه حدا، ولا شهدوا عليه بتفسيق # وتضليل تجب الشهادة به على من جحد كلمة من كتاب الله فضلا عمن جحد سورتين ~~منه: أوضح دليل على أنه لم يكن من عبد الله قط جحد المعوذتين، وإنكار ~~لكونهما قرآنا منزلا. # ومما يدل أيضا على كذب من أضاف إلى عبد الله جحد المعوذتين # وعناده إن كان عالما بما ركبت عليه الطباع والعادات، أو جهله وغفلته إن # كان مقصرا عن منزلة أهل البحث عن هذا الباب، اتفاق الكل من جميع فرق # الأمة وأهل النقل والسيرة على أن عبد الله كان أحد القراء المبرزين، ~~ووجها # من وجوه المقرئين المنتصبين لتدريس كتاب الله جل وعز وتعليمه والأخذ له # عنه، وأنه من المعروفين بذلك على عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإلى ~~حين وفاته صلى الله عليه، وأنه قد أخذ عنه القرآن ولقنه منه ورواه عنه ~~جماعة جلة مشهورون معروفون منهم عبيدة السلمانئ، ومسروق بن الأجدع، وعلقمة ~~بن قيس، وعمرو بن شرحبيل، والحارث بن قيس، # PageV01P304 # والأسود بن يزيد بن قيس، وجماعة غير هؤلاء أخذوا عنه ورووا قراءته، فما ~~ذكر عن جميعهم ولا عن أحد منهم رواية ظاهر ولا غير ظاهرة أنه أنكر كون ~~المعوذتين قرآنا ولا أسنده عن عبد الله، ولا قال - مع إضافته ذلك إلى عبد ~~الله - إنه حق على ما ذكره ms180 ولا أنه باطل يرغب عنه، وقد علم بمسقر العادة ~~أنه إن كان قد صح عن عبد الله كون المعوذتين غير قرآن فلا بد من معرفة ~~أصحابه والمتمسكين # لحرفه، والمنحازين إلى كتبته، والناصرين لقوله من أن يعرفوا ذلك من دينه # وأن يكونوا أقرب الناس إلى العلم به، وأنه لا بد مع ذلك أن يصوبوه على # قوله هذا ويتبعوه، أو يردوه وينكروه، ولا بد من ظهور ذلك عنهم وانتشاره ~~من قولهم، وأن يكون قولهم فيه من موافقة عبد الله على ذلك ومخالفته أشهر ~~وأظهر من تمسكهم بحرفه وأخذهم أنفسهم به، ولو قد كان منهم أحد الأمرين ~~لاستفاض وظهر ولزم قلوبنا العلم به والخنوع بصحته، فلما علمنا وعلم الناس ~~جميعا أنه لم يرو عن جميع الصحابة ولا عن أحد منهم قول ولا لفظة في هذا ~~الباب - أعني إنكار عبد الله لكون المعوذتين قرآنا - علمنا أنه لا أصل لما ~~يدعى عليه من ذلك وأنه زور وبهتان. # فإن قيل: فلعل أصحاب عبد الله إنما لم يعرضوا لذلك عن عبد الله لقبح # هذا القول عندهم وشناعته وخروج قائله عن مذهب الأمة، وتركه ما يجب # عليه عن الإقرار بتوقيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المعوذتين ~~ونصه. # قيل له: فقد كانوا مع هذا قوما مسلمين أخيارا أبرارا، فكان يجب # انحرافهم عن عبد الله في هذا القول وإظهارهم لغلطه، وتفنيد رأيه، لأن # العادة لم تجر بإمساك مثلهم عن إنكار منكر لأجل تعصب وميل وطلب # PageV01P305 # رئاسة، على أنه لو أمكن مثل ذلك منهم مع تعذره في العادة لم يكن إمساك # جميع الناس عن مسألتهم في هذا الباب والمطالبة بما يصح عندهم من قول # عبد الله في ذلك، وما الذي يعتقدونه ويدينون به فيه، ولكان لا بد لهم عند # ذلك من الجواب بتصويبه أو تخطئته أو تصحيح هذا القول عليه والشهادة # به، أو إنكاره ونفيه عنه، ولكان لا بد من أن يظهر ذلك عنهم وينتشر ويلزم ~~القلوب لزوما لا يمكن الشك فيه ولا الارتياب به، وفي إطباق الأمة من ms181 أهل ~~السيرة وجميع أهل العلم على أنه لا شيء يروى عن أحد من أصحاب عبد الله في ~~هذا الباب: أبين شاهد على تكذب هذه المقالة، ووضع هذه الرواية. # ومما يبين أيضا أن عبد الله لم يجحد كون المعوذتين قرآنا ووحيا منزلا. # علمنا بما هو عليه من جزالة الوصف ومفارقة وزنهما لسائر أوزان كلام # العرب ونظومه، وأن عبد الله مع براعته وفصاحته وعلمه بمصادر الكلام # وموارده وأنه من صاهلة هذيل وهي من أفصح القبائل: لا يجوز أن يذهب # عليه أن المعوذتين ليستا بقرآن وأنهما على وزن كلام المخلوقين وبحاره. # ويجب في حكم الدين نفي مثل ذلك عمن هو دون عبد الله بطبقات كثيرة في # الجلالة والقدر وحسن الثناء والمعرفة وعظيم السابقة والصحبة وتدربه # بمعرفة حال القرآن ونظمه، والفرق بينه وبين غيره، وإذا كان ذلك كذلك # وجب إبطال هذه الرواية عنه والحكم بتكذبها عليه. # ومما يدل على وجوب إنكار هذه الرواية عن عبد الله وتنزيهه عنها أنه # قد صح وثبت إيمان عبد الله وجلالته وفضل سابقته ووجوب تعظيمه # وموالاته، وأن الواجب على المسلمين من سلف الأمة وخلفها خلع ولاية # من جحد ما قد صح وثبت أنه سورتان من القرآن ولعنه والبراءة منه، والحكم ~~بقتله وردته، وإذا كان ذلك كذلك وجب إنكار هذا القول عن عبد الله لأننا # PageV01P306 # لا نعرف صحته ولا نقف عليه، فلو كان من الأخبار التي يمكن أن تكون # صحيحة لوجب اطراحها، لأن مثبتها على عبد الله والشاهد بذلك عليه قد # عمل على مطالبتنا بوجوب إكفار عبد الله بن مسعود ولعنه والبراءة منه # والقدح في إيمانه والحكم عليه بحبوط عمله بخبر واحد لا يوجب العلم ولا # يقطع العذر. # وهو مع ذلك مما لا يمكن أن يكون صحيحا لأمور، منها: ما قدمناه # من وجوب ظهور ذلك عن عبد الله لو ثبت وانتفى الشكوك عنا فيه، وغير # ذلك مما قدمناه، ومنها: أنه لو كان صحيحا عليه وقد علمنا أنه لم يكن من # الصحابة إنكار عليه ولا إغلاظ ولا عسف، ولا قتل ولا ms182 عقوبة ونكال ولا # حكم مما يجب أن يحكم به على جاحد آية من كتاب الله تعالى وكلمة فضلا # عن جاحد سورتين منه لوجب الحكم على جميع الأمة بالضلال والانسلاخ # من الدين، لأن ذلك يوجب حينئذ أن يكون عبد الله قد ضل وأخطأ وفسق # بإنكاره وجحده سورتين من كتاب الله، وأن يكون جميع باقي الأمة الذين # هم غيره قد ضلوا وفسقوا بترك تكذيبه والرد عليه وإقامة حد الله فيه وكشف ~~حاله للناس والعدول إلى تركه ومسامحته والتمكين له من الترأس والتصدر، ~~وإقراء ونشر الذكر، والتوصل إلى الأسباب التي يصير بها إماما متبعا وحجة ~~مقتفى. # فمن ظن أننا نحكم على عبد الله وعلى الأمة في تركه وتمكينه من ذلك # بهذه الأحكام لأجل خبر واحد ضعيف واه يجيء من كل ناحية متهمة وسبيله # وغيره يكون معارضا بما هو أثبت وأظهر منه، فقد ظن عجزا وحل من # الجهل محلا عظيما، وهذا لو أمكن أن يكون هذا الخبر صحيحا، فكيف # وقد بينا بغير طريق أنه من أخبار الآحاد التي يجب كونها كذبا لا محالة. # PageV01P307 # واعلموا رحمكم الله أن هذه سبيل القول عندنا في كل أمر يروى من # جهة الآحاد يوجب تفسيق بعض الصحابة وتضليله أو تفسيق من هو دونه من # المؤمنين وإلحاق البراءة منه واعتقاد الذم له في أنه لا يجب قبوله ولا ~~العمل # به، كما أنه لا يجب العمل بصحته، وإنما يوجب العمل بخبر الواحد الذي # لا يوجب العلم في مواضع مخصوصة من الشريعة لموضع التعبد بذلك، فأما # أن نعلمه في تفسيق المؤمنين الأبرار وإيجاب خلع موالاتهم والقضاء على # إحباط أعمالهم، وفي الحكم على الأمة قاطبة بالضلال والفسق وفي ترك # إنكار ذلك الشيء المروي الذي يجب إنكاره وأنه غير جائز، فهذا أيضا # جملة توجب الحكم بإبطال هذه الرواية وبترك الإحفال بها والعمل عليها. # وكيف يجوز لمسلم الشهادة على عبد الله بن مسعود بجحد سورتين من # القرآن وبما يوجب الكفر والارتداد والتبري بخبر الواحد ويعدل عما ثبت # عنده من إيمانه وسابقته وكثرة أقاويل الرسول فيه، ms183 وكونه مرضيا مقبولا عند # الصحابة، نحو قوله صلى الله عليه: "من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل ~~فليقرأ بحرف ابن أم عبد"، وقوله: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم # عبد، ولو كنت مستخلفا أحدا من أمتي استخلفت ابن أم عبد". # وقول عمر فيه مع جلالة قدره: "كشف طي علمها"، إلى غير هذا مما هو # PageV01P308 # معروف من فضائله ومناقبه وشدة نسكه ومسألته، وكلما وصفناه من حاله # يقتضي نفي هذا التكدب عليه. # قال بعض أصحابنا: ومما يدل على أن المعوذتين قرآن منزل من عند # الله تعالى اتفاق الأمة في هذا العصر وقبله من الأعصار من لدن التابعين # وإلى وقتنا هذا على أنهما من جملة القرآن، فلو ثبت أن عبد الله خالف في # ذلك أهل عصره لوجب أن يكون حصول الإجماع بعده على خلاف قوله # قاطعا لحكم خلافه، لأن الإجماع بعد الاختلاف حجة ، كما أنه حجة إذا # انعقد وانبرم ابتداء عن غير اختلاف تقدم، وقد أوضحنا نحن فيما سلف أن # هذه الرواية متكذبة مفتعلة، وأنه لم يحفظ على عبد الله حرف واحد في # التصريح بأن المعوذتين ليستا من القرآن فلم يحتج مع ذلك إلى التعلق # بالإجماع بعد الاختلاف. # ومما يدل أيضا على تكذب هذه الرواية على عبد الله والغلط والتوهم # للباطل في هذه الإضافة إليه تظاهر الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بالنص على أن المعوذتين من القرآن، ومن أفضل ما أنزله الله عليه، وكثرة ~~أقاويلهم وتضخيم شأنهما وصلاته بهما جهرا، وإن مثل هذا إذا كثر وتردد وجب ~~ظهوره وانتشاره، وأن يكون متواترا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ~~المعنى وإن لم يكن اللفظ متواترا، وإن مثل هذا لا يكاد يخفى على عبد الله ~~وينطوي عنه حتى لا يسمعه ولا شيئا منه من الرسول، ولا يبلغه عنه من الجهات ~~المختلفة فيحصل العلم به حسب حصوله بجميع ما اشتهر من دينه وظهرت فيه ~~أقاويله. # فمن هذه الأخبار المروية عن الرسول في هذا الباب ما رواه قيس بن # أبي حازم عن ms184 عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: # PageV01P309 # "أنزلت علي آيات لم ينزل علي مثلهن قط: المعوذتان ". # وروى أيضا عقبة بن عامر قال: اتبعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~راكب فوضعت يدي على قدمه، وقلت: أقرئني من سورة هود أو سورة يوسف، فقرأ، ~~وقال: "لم تقرأ شيئا أبلغ عند الله من (قل أعوذ برب الفلق) . # وروى زيد بن أسلم عن معاذ بن عبيد بن خبيب أعن أبيه، قال: # "كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طريق مكة ومعنا صحابة، ~~فوقعت علينا ضبابة من الليل حتى سترت بعض القوم، فلما أصبحنا قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "قل يا خبيب "، فقلت: ما أقول يا رسول الله، قال: ~~(قل أعوذ برب الناس) ، فقرأها وقرأتها حتى فرغ منها، ثم قال: "ما استعاذ أو ~~ما استعان أحد بمثل هاتين السورتين قط ". # PageV01P310 # وروى ابن عابس الجهني قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا ~~ابن عابس، ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ به المعوذون، " قال: "قل أعوذ برب ~~الفلق، وقل أعوذ برب الناس ". # وروى عقبة بن عامر الجهني قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"اقرأ بالمعوذتين كلما نمت وكلما قمت ". # وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~((اقرأ قل أعوذ برب الفلق "، ثم قال: "اقرأ"، قلت: وما # أقرأ، قال: "اقرأ (قل أعوذ برب الناس) # يا جابر، اقرأهما ولن تقرأ مثلهما". # وروى أيضا عقبة بن عامر الجهني قال: كنت أقود ناقة رسول # الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر، فقال: "يا عقبة، ألا أعلمك خير ~~سورتين قرئتا، فعلمني (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) . # وروى معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن # PageV01P311 # عقبة بن عامر أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المعوذتين، ~~وقال: "أمنا بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر"، وفي ~~رواية أخرى قال: ms185 "سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المعوذتين، أمن ~~القرآن هما، فأمنا بهما في صلاة الفجر". # وروى وكيع عن هشام بن الغاز عن سليمان بن موسى # عن عقبة بن عامر قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه في سفر، فلما طلع ~~الفجر " أذن وأقام وأقامني عن يمينه، ثم قرأ بالمعوذتين، فلما انصرف قال: ~~"كيف رأيت، " قلت: قد رأيت يا رسول الله، قال: "واقرأهما كلما نمت وقمت ". # فكل هذه الأقاويل وإن اختلفت صيغها نص من رسول الله صلى الله # عليه على أن الفلق والناس قرآن منزل من عند الله سبحانه، ولم يرد في أكثر # سور القرآن من النصوص عليها مثل هذه الأخبار، ولا بد أن يكون عقبة بن # عامر قد سال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المعوذتين أمن القرآن ~~هما، على ما ذكرناه فيما روي وظهر منه ما يعلم به أو يغلب على الظن عند ~~رؤيته وسماعه أن عقبة قد ظن أن المعوذتين ليستا بقرآن، فلما اعتقد الرسول ~~فيه ذلك صلى بهما الفجر من حيث يسمع عقبة وغيره ليؤكد في نفسه أنهما قرآن ~~منزل، فلذلك قال له: "وكيف رأيت أني قد صليت بهما" ويمكن أن يكون عقبة لم ~~يسمع الرسول قط يصلي بهما، فسبق لأجل ذلك إلى اعتقاده تجنب النبي صلى الله ~~عليه للقراءة في الصلاة بهما لكونهما غير قرآن فصلى بهما رسول الله، فقال ~~له: "كيف رأيت، " ليعلم بذلك أنهما قرآن، وأنه لم يتجنب # PageV01P312 # الصلاة بهما للسبب الذي خطر له، وهذا غاية التأكيد وأبلغ في النص على # أنهما قرآن، فكيف يجوز أن يذهب سماع هذا أجمع وعلمه عن عبد الله بن # مسعود وأن يخفى عليه خفاء يجوز معه إنكار كون المعوذتين قرآنا؟! # وقد بينا من قبل أنه لو صح عن عبد الله جحد المعوذتين لوجب أن # يكون أصحابه أعلم الناس بذلك عنه وأنه لم يكن من أحد منهم لفظة في هذا # الباب، بل المروي عن جلتهم الإقرار بأنهما قرآن، وروى سفيان عن الأعمش عن ~~إبراهيم قال: "قلت ms186 للأسود: أمن القرآن هما، قال: نعم "، يعني المعوذتين، ~~وروى زائدة وابن إدريس عن حصين عن الشعبي قال: # "المعوذتان من القرآن "، فهاذان وجهان من وجوه أصحاب عبد الله يخبران # بأن المعوذتين من القرآن، وفي بعض ما ذكرناه أوضح برهان على كذب من # ادعى على عبد الله جحد كون المعوذتين قرآنا منزلا. # فإن قال قائل: جميع ما قدمتموه من موجب العادة في إيجاب ظهور # إنكار عبد الله للمعوذتين إذا كان ذلك صحيحا، ووجوب مشاجرة الصحابة # له، ووجوب علم أصحابه به وحرصهم فيه، وإقرار ذلك من قلبه، أو إنكاره إلى ~~غير ذلك مما وصفتموه يقتضي بأن يكون قد كان من عبد الله بن مسعود أو غيره ~~أمر اقتضى الخوض في أمر المعوذتين وحصول كلام فيهما، وحال أوجبت إضافة مثل ~~هذا القول إلى عبد الله وأنه لو لم يكن منه فيهما شيء لم يجب في وضع العادة ~~إضافة جحد المعوذتين إليه دون غيره من الصحابة # PageV01P313 # وسائر أهل عصره، ولم يجز أيضا أن يضاف ذلك إليه في المعوذتين خصوصا # من بين سائر القرآن كما لا يجوز أيضا أن يضاف شيء من هذا إليه في البقرة # وآل عمران وكل ما لم يكن فيه قول منه. # يقال له: أما هذا الذي قلته فصحيح لا شك فيه، ولا بد من أن يكون قد # كان منه سبب يقتضي تعليق ذلك عليه وإضافته إليه، أو كان من غيره أمر # واجب عنده أن يكون منه في أمرهما شيء يسوغ مع مثله افتعال الكذب عليه # أو التوهم والغلط عليه، والذي كان منه عندنا في هذا الباب أمور، منها: # - أنه أسقط المعوذتين من مصحفه ولم يرسمهما فيه، فتوهم لأجل ذلك # عليه قوم من المتأخرين الذين لم يعرفوا ما دعاه إلى ذلك أنه إنما أسقطهما # لكونهما غير قرآن عنده. # - ومنها: أنه قد روي عنه أنه حك من المصحف شيئا رآه فيه لا يجوز # عنده إثباته فظن من سمع ذلك - مع سماعه أنه لم يكن يثبت المعوذتين في # مصحفه - أنه حكهما من مصحف غيره، وقد ms187 ذكر في بعض الروايات أنه # حكهما ولم يقل الراوي المعوذتين بل بهذا اللفظ، وقال: "لا تخلطوا به ما # ليس منه "، فظن سامع ذلك أنه حك المعوذتين. # - ولعله أن يكون حك حرفين أو كلمتين الفاتحة والخاتمة لأن منه من # كان يكتب فاتحة كذا وخاتمة كذا، وكان هو ينكر ذلك ولا يراه. # - وقد يمكن أيضا أن يكون بعض الناس سأل عبد الله بن مسعود عن # عوذة من العوذ رواها عن رسول الله فظن السائل عنهما أنهما من القرآن. # فقال عبد الله: "إن تلك العوذة ليست من القرآن "، فظن سامع ذلك أو من # روى له عنه أنه قال ذلك في المعوذتين. # PageV01P314 # - وقد يجوز أن يكون منها سماعه سؤال أبي بن كعب للنبي صلى الله # عليه عن المعوذتين على ما رواه أبو عبيد عن عبد الرحمن عن سفيان # عن عاصم عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله صلى # الله عليه عن المعوذتين، فقال: "قيل لي: قل، فقلت "، قال أبي: قال لنا # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنحن نقول كما قال "، فلما سمع هذا ~~الجواب من الرسول أو أخبره به أبي أو غيره اعتقد أنهما من كلام الله تعالى ~~ووحيه، غير أنه لا يجب أن يسميا قرآنا، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يسمهما بذلك. # وقد يمكن أن يكون أحد ما قوى هذا في نفسه سماعه لسؤال عقبة بن عامر # الجهني لما قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "أمن القرآن، "، قال: ~~"فصلى الصبح بهما"، فيمكن أن يكون عبد الله لما لم يسمع جواب النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - بأنهما قرآن وعرف أنه صلى الصبح بهما قوي عنده أنهما من ~~كلام الله تعالى ال منزل عليه غير أنه لم يحب أن يسقى قرآنا، لأن رسول الله ~~لم يسمه بذلك. # - ومنها: أن يكون لم يسمع قط الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصلي بهما في ~~صلاة كما صلى بغيرهما ولا سمعه يفردهما بالدرس، فلما سئل عبد الله عن جواز ~~الصلاة ms188 بهما قال لسائله: "ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~بهما قط"، فظن به لأجل ذلك أنه يعتقد أنهما ليستا من جملة القرآن. # فهذه الأسباب هي التي طرحت عليه إضافة جحدهما إليه، ودخول # الشبهة على بعض من ليس من أهل عصره، ولا ممن شاهده وعرف أحواله # PageV01P315 # ومقاصده، ولولا أن ذلك قد كان منه لم يكن إلى التأويل عليه سبيل ولا # طريق، وليس لأحد أن يقول: ما يكون السبب الذي كان منه غير ما وصفتم، لأنه ~~لا شيء ظهر عنه وحال بدت يوهم بها عليه ما أضيف إليه غير ذلك، ولو قد كان ~~منه أو حدث هناك في باب المعوذتين شيء غير ما وصفناه # لوجب ذكره وتوفر الدواعي على نقله، وليس في شيء من هذه الأمور ما # يدل على أن عبد الله لم يكن يعتقد كون المعوذتين قرآنا منزلا من كلام ~~الله # تعالى ووحيه وإن رأى أن لا يسميه قرآنا. # فإن قال القائل: فخبروني قبل أن تكلموا على تأويل سبب كل خبر كان # منه في هذا الباب: إذا كنتم قد عرفتم أنه ليس فيما ذكر عنه من هذه الأمور # ما يدل على إخراجه المعوذتين من القرآن، فلم سأل زر بن حبيش أبيا عن # ذلك، ولم سأل الناس علقمة والأسود وغيرهما من أصحاب عبد الله عن # المعوذتين وعن قولهم وقول عبد الله في ذلك؟ # قيل لهم: إن هذا أيضا مما لا يلزمنا عهدته وتطلب المخرج منه، ولا # معرفة السبب الباعث على السؤال عن ذلك والمبين له، غير أننا نقول: ليس # يمتنع أن يكون زز بن حبيش وغيره ممن سأل أصحاب عبد الله عن هذا # الباب توهموا أو خطر لهم أن عبد الله قد اعتقد أنهما ليستا من القرآن ~~لتركه الصلاة بهما أو تركه تسميتهما قرآنا وتركه إثباتهما في مصحفه، ولم ~~يكن منهم نظر في ذلك وتوفية للفحص عنه حقه، فلما نظروا وتأملوا عرفوا أنه ~~ليس في شيء من ذلك ما يدل على ماظنوه، ولما لم يجد زر بن حبيش عند ms189 # PageV01P316 # أبي إلا الإخبار بأنهما من وحي الله تعالى وكلامه، ولم يجد من سأل أصحاب # عبد الله عندهم إلا الإقرار بكونهما قرآنا وأنه مذهب عبد الله، انقطع ~~الكلام والخوض وقل خطره ودرس ذكره، وزالت الشبهة عن الناس في هذا الباب، ~~فلما نبغ الملحدون والمنحرفون والطاعنون على القرآن والسلف ونصبوا الحبائل ~~والغوائل في ذلك لأهل الإسلام وتطلبوا لكفرهم وبدعتهم الأباطيل والتعاليل ~~أكثروا وأعادوا وأبدوا بذكر سؤال زر لأبي عن ذلك، وسؤال من سأل أصحاب عبد ~~الله عن هذا الباب، وخيلوا للناس أن كل من سأل عن ذلك فإنما كان يسأل لدفعه ~~أن يكون قرآنا، ولظهور شك الناس في ذلك ونزاعهم وتشاجرهم فيه، وليس الأمر ~~في ذلك على ما أوهموا به، وإنما قصدهم الطعن على الشريعة والقدح في نقل ~~القرآن فقط، فأما أن يكون على أحد من الصحابة والتابعين شك في أن المعوذتين ~~من كلام الله تعالى ووحيه ومما أنزله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~فمعاذ أن يكون ذلك كذلك. # فإن قالوا: فلم زعمتم أنه ليس في شيء مما ذكرتموه، وقلتم إنه هو # الذي طرق سوء التأويل على عبد الله، ما يدل على أنه لم يكن معتقدا لجحد # المعوذتين وإنكاره أن يكون من كلام الله تعالى؟ # قيل لهم: يدل على ذلك أن إسقاطه للمعوذتين من مصحفه يحتمل # أمورا غير جحده لكونهما قرآنا وكلاما لله تعالى، فمنها: أنه يمكن أن يكون # إنما لم يثبت الحمد والمعوذتين في مصحفه لشهرة أمرهما في الناس وكثرة # الحقاظ لهما وفى دوام الصلاة بالحمد والمعوذتين في كل ليلة، وكثرة تعوذ # الناس بالناس والفلق، واعتقاده أن حفظهما وحفظ الحمد في الناس فاش # ظاهر لا يحتاج معه إلى إثباتهما وتقييدهما بالخط، فدعاه ذلك إلى ترك # إثبات هذه السورتين. # PageV01P317 # ويمكن أيضا أن يكون إنما لم يكتبهما ولا الحمد لأنه لم ير قط رسول # الله - صلى الله عليه وسلم - أكتبهن أحدا ولا أمر بكتابتهن، ولا اتفق أنه ~~بلغه ذلك من وجه يوجب العلم عنده، ورآه صلى الله عليه قد كتب جميع سور ms190 ~~القرآن، وأمر بأن تكتب فكتب منه ما كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وكتب بحضرته وأمر بأن يكتب، ولم يكتب الحمد والمعوذتين، لأن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لم، يكتبها، فتكون شدة إيثاره للاتباع وترك الإحداث ~~في القرآن لما لم يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي حداه على ~~ذلك، وهذا غاية التشدد. # وأدل الأمور على الورع، ويكون باقي الناس، إنما كتبوا هذه السورة لعلمهم ~~بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتبهن كما كتب غيرهن. # فإن قال قائل: هذا الذي قلتم مما لم يذكر ولا روي عن عبد الله. # يقال لهم: يمكن أن يكون لم يقل ذلك كله لأنه لم يسأل عنه، لأن # الناس لما سمعوه - مع ترك كتابته هذه السورة - يقرؤهن ويصلي بهن. # ويديم الصلاة بهن والدرس لهن، وإن كان لا يفردهن في الصلاة ولا في # الدرس: زالت عنهم الشبهة في أن يعتقد كونهن قرآنا، فلم يباحثوه عما دعاه ~~إلى ترك كتابتهن في مصحفه، وهذا جائز ليس ببعيد، وإذا احتمل ترك كتابة هذه ~~السورة ما وصفناه بطل التعلق بهذا الباب. # ويجوز أيضا أن يكون عبد الله إنما لم يكتب الحمد والمعوذتين في # مصحفه على خلاف ترتيب إثباتها في مصحف عثمان، بل كان يرى أن يثبته # على تاريخ نزوله، فلما رتب ذلك لنفسه كره أن يقدم على سورة في # المصحف السور التي أنزلت قبلها على ما أوجبه التاريخ وترتيب مصحفه. # لأجل تسمية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجمع الأمة الحمد فاتحة ~~الكتاب وأم الكتاب، فامتنع لذلك من أن يفتتح المصحف بغيرها لئلا يخالف ~~السنة في # PageV01P318 # هذه التسمية ويؤخر كتابة ما هو الفاتحة، وكره أيضا مع ذلك أن يثبتها في # أول المصحف مقدمة على ما نزل قبلها، فيكون بذلك كاتبا لها على غير # تاريخ النزول، ومفسدا به ما أصل كتابة مصحفه عليه، فترك لأجل ذلك أن # يكتبها لا لأجل جحده أن تكون قرآنا منزلا، فلما فعل ذلك في الحمد الذي # هو فاتحة الكتاب فعل مثله ms191 في الخاتمة، لاعتقاده أنه قد نزل بعد نزول ~~الناس # والفلق شيء من القرآن، فكره أن يختم بذلك النازل الذي هو آخر ما نزل # لأن السنة غير ذلك، وكره أن يثبت الناس في خاتمة مصحفه فيكون قد قدم # على الناس والفلق في الرسم ما هما قبله في النزول، فيفسد أيضا بذلك # تأليف مصحفه على التاريخ الذي عمل عليه، وإذا احتمل الأمر ما وصفناه لم # يجب حمل ذلك منه على جحد ما ترك رسمه وكتابته وإن كان عنده كونه # قرآنا منزلا. # فإن قال القائل: ما قلتموه في الخاتمة من التأويل إنما يتم لكم في # الناس التي هي الخاتمة، فما باله لم يثبت الفلق - وهي سور منفصلة عنها - # على تاريخ نزولها؟ # قيل له: يمكن أن يكون إنما فعل ذلك لأنه لم يسمع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قط يتلو الناس مفردة منفصلة من الفلق، ولا رأى أحدا يكتبها ~~مفردة عنها، فرأى أن السنة في إثباتها ما فعله رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من الجمع بينهما في الرسم، وذلك كان عنده ناقضا لتأليف مصحفه أو ~~فعله، فلم يفعله، أو لأنه رأى أن السنة في إثبات هاتين السورتين في الوصل ~~بينهما كالسنة في تلاوة الرسول لهما، فلم يجب أن يفرق بينهما في الرسم ولا ~~أن يحتم بهما جميعا مصحفه، وقد نزل قبلهما قرآن غيرهما، وإذا كان ذلك كذلك ~~بطل ما سأل عنه السائل. # PageV01P319 # وقد يحتمل أيضا أن يكون إنما ترك كتابة الحمد في مصحفه لأجل أنه # كان المستحب المندوب إليه عنده أو من سننه هو وعادته أن لا يقرأ شيئا من # القرآن إلا قرأ قبله سورة الحمد، فإذا قطع القراءة وأخذ في عمل غيرها ثم # أراد العود إليها ابتدأ أيضا بالحمد من حيث قطع، ثم كذلك أبدا كلما قطع # وابتدأ، ورأى مع ذلك أن المستحب في كتابة القرآن من هذا مثل المستحب # منه في تلاوته، ولم يمكنه التبتل لكتابة مصحفه من أوله إلى آخره دفعة # واحدة من غير قطعه وتشاغل بعمل غيره، وأن ms192 يستكتب له كتابا يكتبه له على ~~هذه السبيل، وهو مستسلم يحتاج إلى إقامة صلاته وأكل ما يقيم رمقه وغير ذلك ~~مما تمس الحاجة إليه ويقطعه الاشتغال به عن كتابته للمصحف، فرأى عند ذلك ~~أنه يجب أن يكتب الحمد في كل موضع قطع عند الكتابة ثم يصلها بما بعد الذي ~~انتهى إليه، فيحتاج أن يكتبها في مواضع كثيرة من المصحف، وفي ذلك نقض ~~لتأليف المصحف وإفساد له، فعدل لأجل ذلك عن إثبات الحمد جملة، وروي عن ~~إبراهيم النخعي أن عبد الله بن مسعود كان لا يكتب فاتحة الكتاب، ويقول له: ~~"لو كتبتها لكتبتها في أول كل شيء"، يعني بذلك أنه كان يكتبها عند كل شيء ~~ابتدأ به بعد قطع ما قبله على ما قلناه من قبل، وأن يكتبه في أول كل جزء إذ ~~قسم المصحف وجعله أجزاء مفردا، وذلك نقض لتأليف المصحف، فهذا إن صح عنه يدل ~~على أن الأمر في ذلك كان عنده على ما تأولناه. # وفي الجملة فإننا قد علمنا أن عبد الله بن مسعود لم يكتب الحمد في # مصحفه، وجاءت بذلك الأخبار عنه كمجيئها بأنه لم يكتب المعوذتين في # PageV01P320 # مصحفه، وقد علم وتيقن أن عبد الله لم يكن ينكر كون الحمد قرانا منزلا. # وأنه كان يعتقد هو وكل مسلم إكفار من جحد كونها من القرآن، وكيف لا # يكون ذلك كذلك وأمرها أظهر وأشهر وأقاويل الرسول صلى الله عليه فيها # أكثر منه في غيرها، وهو يراه ويسمعه ويصلي بها في اليوم والليلة يبيت # مرات يجهر بقراءتها فيها ويداوم عليها، ويسمع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقرؤها ويحث على تعلمها وحفظها ويعظم شأنها ويعيد ويبدي بذكر فضلها. # وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد قرأ عليه ~~أبي ابن كعب أم القرآن فقال: "والذي نفسي بيده ما أنزل الله جل وعز في ~~التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، إنها السبع من # المثاني ". # وروى أبو هريرة أيضا عن النبي صلى الله ms193 عليه أنه قال: "هي # فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم ". # وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه أنه قال: "من قرأ فاتحة الكتاب فكأنما ~~قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ". # PageV01P321 # وروى أيضا ابو هريرة عن النبي صلى الله عليه أنه قال: "يقول الله سبحانه: # قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، نصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي # ما سأل، يقوم العبد فيقول: الحمد لله رب العالمين، فيقول الله تعالى: # حمدني عبدي، ويقول العبد: الرحمن الرحيم، فيقول الله: أثنى علي # عبدي، ويقول العبد: مالك يوم الدين، فيقول الله تعالى: مجدني عبدي. # ويقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، فيقول الله تعالى: هذه بيني وبين # عبدي: أؤلها لي وآخرها لعبدي، وله ما سأل، ويقول العبد: "اهدنا الصراط ~~المستقيم" إلى آخرها، فيقول الله تعالى: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل ". # في نظائر لهذه الأخبار وردت في تعظيم شأن الحمد وفضيلتها، والنص # على كونها قرآنا، فقد أصارها إلى ما هي عليه من الظهور، فلا شبهة على # عبد الله بن مسعود ولا على غيره في كفر من أنكرها وجحدها، وعبد الله مع # ذلك يترك كتابتها في مصحفه لوجه ما، فكذلك يجب أن يكون إنما ترك # كتابة الناس والفلق لوجه ما. # وروى أبو عبيد عن إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن سيرين # قال: "كتب أبي بن كعب في مصحفه فاتحة الكتاب والمعوذتين، واللهم إنا # PageV01P322 # نستعينك، واللهم إياك نعبد، وتركهن ابن مسعود، وكتب عثمان منهم فاتحة ~~الكتاب والمعوذتين ". # وروى الشعبي عن ابن عوف عن محمد بن أبي بن كعب: "كتب أبي خمس سور في ~~المصحف، فاتحة الكتاب والمعوذتين، واللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد، ~~ولم يكتبهن ابن مسعود، فلما جمع ابن عفان المصحف كتب ثلاثا وأخر اثنتين، ~~فاتحة الكتاب والمعوذتين، وأخر اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد". # فمن ظن بعبد الله أنه إنما أسقط المعوذتين من مصحفه لكونهما غير # قرآن عنده لزمه مثل ذلك في إسقاطه الحمد من مصحفه، ومن اتهم عبد الله # بذلك وقذفه به واعتقد فيه فليس هو ms194 عندنا بمحل من يكلم في العلم ولا ممن # يرجى فهمه واستدراكه. # فأما ترك عبد الله لإفرادهما في درسه وإفرادهما في الصلاة بهما إذا # صلى ويملأ وقته أبدا في الصلاة والدرس بغيرهما، إن كان فعل وثبت من # اختياره فإنه لا يدل أيضا على أنه كان لا يعتقدهما قرآنا منزلا، لأجل أنه ~~قد # يعتقد أن السنة والفضل والاختيار في أن لا يفردهما في الدرس ولا في # الصلاة، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك فيما رواه ~~وسمعه. # وقد كان مجاهد فيما ذكر عنه يكره ذلك، وروى يحيى بن أبي بكير عن إبراهيم ~~بن نافع قال: سمعت سليما مولى أم علي أن مجاهدا # PageV01P323 # كان يكره أن يقرأ بالمعوذات وحدها حتى يجعل معها سورة، ولم يجب # لأجل ذلك أن يكون مجاهد منكرا لكون المعوذتين قرآنا، وكذلك عبد الله. # إن ثبت ذلك عنه، وقد قال الشافعي: إنه لا يقتصر في الأربع ركعات على # فاتحة الكتاب وحدها، ولم يدل ذلك على أنها ليست بقرآن عنده وكذلك # حكم الناس والفلق عند عبد الله ومجاهد في أنهما لا يفردان في الصلاة # والدرس عن غيرهما، ولا يقرآن إلا متصلتين بسواهما، وإن كانتا من القرآن # ال منزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما ~~التأول عليه في إخراج المعوذتين من كلام الله تعالى بهذا الضرب من التأويل. # وأما جوابه لمن قال له: "إن العوذ من القرآن " بأنها ليست من القرآن. # فإنه رد يدل على إنكاره إن كان قد سئل عن ذلك في عوذة ليست من # القرآن، وقال ذلك لأنه لم يسأل عن العوذة التي هي الفلق والناس أو هما. # وإنما سئل عن عوذة ليست من القرآن، وليس كل عوذة رويت عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من القرآن، وكان يجب لمتوهم ذلك على عبد الله أن يتأمل ما ~~الذي يسأل عنه من العوذ وأن يستفهم عبد الله: أفي عوذة أنكرت كونها من ~~القرآن، الناس والفلق أم غيرها، ولا يتسرع إلى اعتقاد ms195 الباطل فيه بالتوفهم ~~والظن، فبطل أيضا التأول عليه بهذا الجواب وإن كان قد وقع منه. # وأما التأويل عليه في جحدهما وإنكارهما بمنعه تسميتهما قرآنا - إن كان # قد امتنع من ذلك - فإنه أيضا باطل، لأن الله تعالى لو نص لنا أو رسوله ~~عليه السلام على أن لا يسمى يوسف والرعد قرآنا لوجب أن لا يسميها بذلك لأجل ~~السمع والاتباع، وإن لم يدل تركنا لهذه التسمية على اعتقادنا أنهما # PageV01P324 # ليستا من القرآن، فكذلك سبيل من تأول تأويلا أداه إلى الامتناع من تسمية # المعوذتين قرآنا في أنه لا يجب بهذا القدر أن يعتقد فيه إنكار كونهما ~~قرآنا. # وسواء غلط وتوهم في ذلك الاجتهاد أم أصاب وصحح. # فأما تعلق عبد الله في منع تسميتها قرآنا وغيرها برواية أبي عن النبي # - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لما سأله: أمن القرآن هما،: "قيل لي: قل، ~~فقلت "، فإنه لا تعلق في ذلك لعبد الله ولا لأبى ولا غيرهما من كل من توفهم ~~ذلك، لأن قول الرسول صلى الله عليه: "إتما قيل لي: قل، فقلت "، ليس بنفي ~~لتسميتهما قرآنا، بل هو تنبيه منه على أنه قرآن، قيل له: "قل، واقرأ على ~~حسب ما أوحي إليك وقيل لك، ولو كان قول الله تعالى له في السورتين: (قل) ~~وإخبار الرسول بأنه أقر بذلك دلالة على أنهما ليستا من كتاب الله لوجب أن ~~تكون هذه سبيل كل موضع قيل له: قل. # وقد قال الله سبحانه لنبيه: (قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) . # وقال: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) . # و (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من ~~تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير) . # في نظائر لهذه الآيات # قد قيل له - صلى الله عليه وسلم - في جميعها: (قل) ، ولم يصير ذلك شبهة ~~لأحد في أنها ليست بقرآن، ولا مما يجب أن يسمى قرآنا، وكذلك قوله: (قل أعوذ ~~برب الفلق) و ms196 (قل أعوذ برب الناس) لا يدل على ذلك، وقول الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم -: "قيل لي: قل.. " ليس فيه تصريح بأن ما قيل له فيه: (قل) ، ليس ~~بقرآن ولا تنبيه على ذلك أيضا، فبطل التأويل في إخراج المعوذتين عن أن تكون ~~قرآنا بهذه الرواية وهذا الجواب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # PageV01P325 # روى عبد الله بن محمد بن أبي شيبة عن حسين بن علي عن # زائدة عن عاصم عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي: إن ابن مسعود لا # يكتب المعوذتين في مصحفه، فقال: "إني سألت عنهما النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: "قيل لي: قل، فقلت "، فقال أبي: نحن نقول كما قيل لنا"، وقد ~~علم أن أبيا مع ذلك ومع قوله: "فنحن نقول كما قيل لنا" قد كتب المعوذتين ~~ولم يعتقد خروجهما عن كلام الله جل وعز ولا منع تسميتها قرانا، وهو الأصل ~~في هذه الرواية، فوجب أنه لا تعلق لأحد فيها مع نفي كون المعوذتين قرآنا، ~~ولا في من تسميتها بذلك. # فأما ما روي من حك عبد الله للمعوذتين من المصحف فإنه بعيد. # ويجب أن يكون ذلك إنما روي عنه عن طريق الظن به والتوهم عليه، لأنه لو ~~كان من عبد الله حك المعوذتين من المصحف ظاهرا مشهورا معلوما لم يخل ذلك ~~الحك الذي كان منه وظهر من أن يكون حكا لهما من مصحفه # ومصاحف أصحابه التي انتسخت منه أو من مصحف عثمان وفروعه التي # انتسخت منه، فإن كان ذلك إنما كان حكا من مصحفه، فذلك باطل، لأنه # لم يلفهما ثابتتين من مصحفه ولا كتبهما، فكيف يمحوهما منه! وكذلك # سبيل فروع مصحفه. # PageV01P326 # وإن كان إنما حكهما من مصحف عثمان أو بعض فروعه فذلك أمر # عظيم وخطب جسيم وعمل لنفسه على خطه من الخلاف الشديد وشق # العصا، وقد علم أن ذلك لم يكن مما يمهيأ لعبد الله بن مسعود، ولأنه لو # كان منه لعظم الخطب بينه وبين عثمان والجماعة ويجري في ذلك ما تشيب # منه النواصي، وما يجب ms197 أن يهجم علمه على نفوسنا فيلزم قلوبنا، وفي عدم # العلم بذلك دليل على أن ذلك لم يكن من عبد الله. # وإن كان إنما فعل ذلك سرا وفي خفية عن الناس في بعض المصاحف # فقد دل هذا الخوف منه أن أمر المعوذتين في المسلمين مشهور ظاهر، وأنه # لا يمكن لمسلم أن يكاشف بإنكارهما أو حكهما من المصحف، وعبد الله # أولى الناس بعلم ما عرفه المسلمون وإنكار ما أنكروه، على أنه إن كان قد # فعل ذلك فمن ذا الذي رآه منه وخبر به عنه وهو قد استسر بذلك؟! # وإن كان قد استسر بين جماعة يعلم أنه لا يكتم عليه ما يظهرهم عليه من ~~أفعاله وأقواله فليس ذلك بسر منه، بل يجب أن يكون ظاهرا عنه، وإن كان قد ~~استسر به بحضرة الواحد والاثنين ما يجب أن تضيف إلى عبد الله ذلك # ويقطع عليه ومن دينه بخبر واحد ومن جرى مجراه ممن لا يوجب خبره # علما ولا يقطع عذرا، فيجب إذا كان ذلك كذلك إبطال هذه الرواية عنه. # وقد روي عن عبد الله أنه كان يحكها بلفظ الواحد دون التثنية، وهذه # الرواية خلاف رواية من روى: كان يحكهما، فلعل بعض المنحرفين زاد فيه # ميما، أو لعل بعض الرواة توهم ذلك، أو لعل بعض الكتبة غلط فزاد ما يدل ~~على الكناية عن الاثنتين وهذا ليس ببعيد. # وقد روى عبد الرحمن بن زيد # PageV01P327 # قال: "كان عبد الله يحكها ويقول: لا تخلطوا به ما ليس منه " يعني # المعوذتين، وهذا تفسير الراوي ليس هو النص من عبد الله على ذلك # فيحتمل أن تكون التي حكها هي الفواتح والفواصل التي لا يجوز عنده أن # تكتب في المصحف على ما رويناه عنه وعن غيره في باب الكلام في بسم # الله الرحمن الرحيم، فهذه الرواية التي ليس فيها لفظ التثنية تقوي ما ~~قلناه من # تاويل ذلك عليه أو توهمه، فقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه رأى خطأ # في مصحف فحكه وقال: لا تخلطوا به غيره "، فيمكن أن يكون ms198 من رآه # يحك لم يره يحك الخط، وقد كان سبق علمه بأنه لا يكتب المعوذتين # فتسرع إلى أنه كان يحك المعوذتين، فروى على التأويل أنه كان يحكهما. # على أنه لو روي بلفظ التثنية أنه كان حكهما لاحتمل ذلك التأويل. # فيحتمل أن يكون كان يحك حرفين وقراءتين لم يثبتا عنده، وكلمتين قد # كتبتا ملونتين، أو على وجه لا يجوز عنده. # ويحتمل أيضا أن يكون المراد بلفظ التثنية أنه كان يحك الفاتحة # والخاتمة، فعبر عن جنس الفاتحة والخاتمة اللتين كان يكتبهما بعض الناس # PageV01P328 # بلفظ التثنية، وقد رويت أخبار بأنه كان يحكهما ليس فيها ذكر المعوذتين. # وإذا كان ذلك كذلك حمل الأمر فيما روي عنه على ما وصفناه على بيانه. # ولو ثبت عنه بنص لا يحتمل أنه كان يحك الناس والفلق من المصحف # لاحتمل ذلك تأويلات عن إنكاره أن يكونوا قرآنا، فمنها أن يكون إنما # حكهما لأنه لم ير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتبها بحضرته، ولا ~~أمر بذلك فيهما، فاعتقد لهذا أن السنة فيهما أن لا يكتبا. # ومنها أن يكونا قد كتبا في بعض المصاحف في غير موضعهما الذي # يجب أن يكتبا فيه وأن يكون الذي كتبهما حيث تيسر له وإلى جنب البقرة # لما حفظها، فحكهما وأراد بقوله: "لا تخلطوا به ما ليس منه ": التأليف # الفاسد الذي ليس منه، دون ذاتي السورتين. # ومنها أن يكون قد رآهما كتبتا بزيادة ونقصان وضرب من التغيير # فحكهما لما لحقهما في الرسم مما يفسد نظمهما وترتيبهما وقال: "لا # تخلطوا به ما ليس منه " يعني: فساد نظمها وترتيبهما، ولم ير في ذلك شيئا # لحقه الفساد والتغيير غيرهما فخصهما بالذكر لهذه العلة. # ومنها أن يكون إنما حكهما لأنه كان من رأيه أن لا يثبت القرآن إلا على # تاريخ نزوله، وأنه يجب لذلك إسقاط رسم فاتحة الكتاب والمعوذتين لأنهما # قد جعلتا خاتمتين في التلاوة، وتقديم نزولهما يمنع من تأخيرهما في الرسم # وإن تقدم عليهما ما نزل بعدهما، فحكهما لذلك وقال: "لا تخلطوا به ما # ليس منه "، يعني بذلك ms199 إن ختموه في القراءة والتلاوة بهذه الخاتمة ~~وافتتحوه # بالفاتحة، ولا تكتبوهما على غير تاريخ نزولهما. # وإذا كان ذلك كذلك واحتمل حكهما ما وصفناه بطل من زعم أنه يجب # حمل هذا الفعل منه على جحد المعوذتين وإنكار كوبهما قرآنا، وفي بعض # PageV01P329 # هذه الجملة دلالة باهرة واضحة على أن هذه الأخبار متكذبة على عبد الله # بن مسعود لا أصل لها، أو محمولة متأولة على ما قلناه دون الجحد والإنكار # منه لكونهما قرآنا، وأنه لا خلاف بين سلف الأمة في كون المعوذتين قرآنا # منزلا وكلاما لله تعالى، وأن النقل لهما والعلم بهما جار مجرى نقل جميع # القرآن في الظهور والانتشار وارتفاع الريب في ذلك والنزاع. # وأما اعتراضهم بأنه لو كان نقل القرآن ظاهرا مشهورا عندهم لم يحتج # أبو بكر في إثبات ما جمعه منه إلى شهادة شاهدين عليه، ولم يشك زيد في # آيات منه لما جمعه في أيام عثمان، فسنقول في ذلك قولا بينا عند القول في # جمع أبي بكر القرآن وجمع عثمان الناس على مصحفه، ونجيب هناك عن # جميع ما يسوغ التعلق به إن شاء الله. # PageV01P330 ### | (باب) # ذكر اعتراضهم في نقل القرآن بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~قوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شاف كاف ". # ووصف تواتر الأخبار بذلك، وذكر تأويلها واختلاف الناس # في تفسيرها، وهل نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأمة على جميعها ~~وجملتها وتفصيلها ووقفهم على إيجابها على حسب نصه # وتوقيفه على نفس القرآن وجميع ما ظهر من دينه من الأحكام أم لا، ووصف ما ~~نختاره في هذه الفصول. # فإن قالوا: كيف يجوز لكم أن تدعوا أن ظهور نقل القرآن، وما يجب له # وفيه، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألقى ذلك إلى من تقوم الحجة ~~بنقله ويجب العلم بخبره، وأنتم قد رويتم روايات كثيرة متظاهرة عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أنزل القران على سبعة أحرف، كلها شاف كاف ~~"، ثم # PageV01P331 # أنتم مع ذلك مختلفون في تأويل هذه السبعة الأحرف ms200 ومدهشون في تفسيرها # ولا تعرفون شيئا نحكونه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها. # فإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندكم قد بئن هذه الأحرف ~~السبعة ونص عليها، وعرف أجناس اختلافها وما هي، وكيف يجب أن يقرأ بها، ~~وأوضح ذلك وقطع العذر فيه وأنتم مع هذا مختلفون في ذلك الاختلاف # الكثير، فلا تجدون خبرا تروونه عن النبي صلى الله عليه في تفصيل هذه # الأحرف السبعة والنص عليها والتعريف لكل شيء منها، إما لانقطاع الخبر # عن النبى صلى الله عليه عن ذلك أو دثوره، أو لعناد الأمة وغلط سائر ~~النقلة # أو لغير ذلك، فما أنكرتم أن يكون رسول الله صلى الله عليه قد نص على # قرآن كثير شهر أمره وأعلن النص عليه وقطع العذر في بابه، وإن جاز أن # يجهله بعض الأمة وينكره ويذهب عن معرفته، وجاز أيضا أن ينقطع ذكره # ويعفو أمره ويهي نقله ويندرس ذكره، حتى يصير إلى حد ما لا يروى عن # النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يذكر كما جرى مثل ذلك في اندراس ذكر ~~تفصيل الأحرف. # وإن كان الرسول صلى الله عليه عندكم لم يبين هذه الأحرف التي أنزل # القرآن بها وجرت الأمة في القراءة بأنها شاؤوا، وأمروا أن يعتقدوا أنها ~~كلها # منزلة من عند الله ومما لا يجوز رده وإنكاره وتسخطه، وأن ذلك رخصة منه # وتيسير على عباده واستصلاح لخلقه، ومما يجب أن يعلموا أنه منزل من # PageV01P332 # وحيه ومشروع في دينه، أو بينها لآحاد وأفراد من أمته لا يحتج بخبرهم ولا # تقطع العذر نقلهم، فما أنكرتم أيضا من أنه يجوز أن لا يبين كثيرا من ~~القرآن # الذي أوحي به إليه، ولا ينص عليه ولا يبلغ كثيرا من فرائض الذين ونوافله # وما شرع للأمة معرفته وأن يصدف عن ذكره جملة، أو يثبته لآحاد وأفراد لا ~~تقوم الحجة بهم، ولا يوجب العلم خبرهم، كما صنع ذلك في الأحرف التي أمر ~~بتعريفها وبلاغها والنص عليها. # قالوا: وهذا مما لا جواب لكم عنه، وهو من أدل الأمور ms201 على تخليطكم # هذا، على أنكم قد رويتم أيضا في هذه الأخبار تفسيرا لهذه السبعة الأحرف # عن النبى صلى الله عليه والصحابة لا يجوز ولا يمكن أن تكون تفسيرا لها # على قولنا وقولكم، لأنكم رويتم أنها تحليل وتحريم ووعد ووعيد وقصص # وأمثال وأمر ونهي، وأنتم مع هذا ترون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "فاقرؤوا كيف شئتم"، وقال فيمن قرأ عليه بالأحرف المختلفة: "أصبتم ~~وأحسنتم". # وأنه قال: "فبأيها قرأتم فقد أصبتم وأحسنتم ". # فيجب على قولكم وروايتكم هذه أن يكون من جعل مكان الأمر نهيا وموضع ~~الوعيد وعدا ومكان القصص أمرا ونهيا فقد أصاب وأحسن وأجمل، وهذا جهل من ~~قائله وخلاف دين المسلمين. # وكيف يكون أمر القرآن فيهم ظاهرا مشهورا، وقد رويتم في هذه # الأخبار أن أبيا وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود نافروا هشام بن حكيم # وغيره لما قرأ بخلاف قرائتهم وردوها حتى ترافعوا إلى رسول الله صلى الله # عليه فأقرهم جميعا على ما قرؤوا به، وشهرة القرآن توجب علمهم جميعا # PageV01P333 # ثم رويتم بعد ذلك كله ما ينقض ما رويتموه أولا! لأنكم قد رويتم عن # النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أنزل القرآن على أربعة أحرف "، ~~وأنه قال مرة أخرى: "أنزل القرآن على ثلاثة أحرف "، وهذا ينقض أن يكون أنزل ~~على سبعة أحرف. # وهذا كله يدل على أن أمر القرآن لم يكن مشهورا عندهم ولا كان # عذرهم بينا منقطعا، وأنهم لم يعلموا في جميع ما كانوا فيه على نص # الرسول في ذلك، بل اجتهدوا واستحسنوا واستعملوا غالب الظن والرأي # وتغيروا وتأمروا وعدلوا عن معرفة الصواب وأخذ الأمر عن أهله، ومن أمر # بالرجوع إليه، وأن لا يفرقوا بين الكتاب وبينه حيث قال لهم صلى الله ~~عليه: "إئي مخلف فيكم الثقلين وما إن تمسكتم به لم تضلوا: كتاب الله وعترتي # أهل بيتي، ألا وإنهما حبلان ممدودان ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض ". # PageV01P334 # قالوا: على أن في الخبر إحالة عن وجوه أخر، منها: # - أنه لا يجوز أن يقال: أنزل القرآن ms202 على سبعة أحرف قبل نزول جميع # القراءات الكاملة، وأنتم ترون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ~~ذلك قبل موته بدهر طويل، فهذا إحالة منكم. # ومنها: أن في الخبر ما يوجب إبطاله، لأنه إذا نزل القرآن على سبعة # أحرف أدى ذلك إلى الاختلاف والنزاع والهرج والريب والشك وإلى مثل ما # رويتم أنه جرى بين عمر وهشام بن حكيم وأبي وعبد الله بن مسعود مع # من سمعوه يقرأ بخلاف ما أقرأهما الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى شك ~~أبي واضطرب على ما رويتم، وذلك ما لا يجوز رده. # فيقال لهم: ليس في جميع ما وصفتم شيء يعترض على نقل القرآن ولا # يوهنه ولا يوجب دخول زيادة فيه ولا نقصان منه، ولا تغيير له ولا إمكان # ذلك فيه، وليس الخبران اللذان يذكر فيهما أن القرآن أنزل على أربعة أحرف ~~وثلاثة أحرف مناقضين للخبر الذي فيه أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وليس ~~منافرة عمر بن الخطاب لهشام بن حكيم، ومنافرة أبي وعبد الله لمن نافراه ~~واستشنعا قراءته بدليل على أن أمر القرآن نفسه وما أنزل منه لم يكن ظاهرا ~~معلوما عندهم، وكذلك ليس اختلافنا نحن اليوم في تأويل هذه # السبعة الأحرف دليلا على أن نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نفس ~~القرآن وتأليف آيات سوره لم يكن ظاهرا مشهورا، ونحن نبين ذلك بما يوضح الحق ~~إن شاء الله. # PageV01P335 # فأما شهرة أمر القرآن نفسه وظهور نص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ~~جميع ما أنزله الله على طريقة واحدة ووجه يوجب العلم ويقطع العذر، فقد ~~بيناه وأوضحناه من قبل بما يغني عن إعادته، وليس يوجب ذلك عندنا على الرسول ~~ولا في حكم التعبد والشريعة أن ينص الرسول لكافة الأمة أو من تقوم به الحجة ~~على كل حرف من تلك الحروف والفصل بينه وبين غيره، وأن يوقفه على أن هذا ~~الحرف الذي أقرأتك به أو الحروف التي أقرأتك بها # هي من جملة الحروف السبعة التي أنزلها الله تعالى دون وجوه أخر ms203 قد كان # أنزلها فيما سلف ومما نزل من القرآن، ووجوه قد كان يقرىء بها. # ولا يمتنع ولا يستحيل أن يكون الرسول عليه السلام قد أعلم في # الجملة أن القرآن قد أنزل على سبعة أحرف وأوجه نص له عليها وعلى # تفصيلها، وخير في أن يقرىء أمته مجتمعين ومتفرقين كيف أحب وشاء على # أي وجه سهل عليه وعلى الأخذ عنه وتيسر له، وأن يقرىء واحدا منهم # جميع السبعة الأحرف في سور كثيرة من القرآن أو في جميعه ولا ينص له # على أن هذه الوجوه على السبعة الأحرف أو من السبعة الأحرف، ويقرىء # آحادا منهم بواحد منها فقط ولا ينص له على أنه أحد الأحرف السبعة، فيظن ~~القارىء أن ذلك الوجه ليس هو من السبعة الأحرف، ويقرىء آخر باثنين منها أو ~~ثلاثة ولا يعرف ذلك كما لم يعرف الواحد، فلا يخرج عليه السلام من الدنيا ~~حتى يقرء جميعها على هذه السبيل وإن لم يكن منه نص على # تفصيلها لكل آخذ عنه وإن كانت قد حصلت لجميعهم وعرفت عندهم على # السبيل الذي وصفناه، وأن يكون تعالى قد علم أن إلقاء هذه الأحرف وبيانها ~~على هذه السبيل من الجملة دون التفصيل من أصلح الأمور للأمة وأدعاها لهم ~~إلى الإيمان وقبول القرآن والحرص على حفظه ودراسته، وأنه لو # PageV01P336 # جمعهم ونص لهم على تفصيل عدد هذه الأحرف وجنس اختلافها لنفروا عن # طاعته وخالفوا رسوله. # وإذا لم يمتنع هذا ساغ أن يكون بيانه لهذه الأحرف لم يقع إلى كل # واحد منهم وإلى جماعتهم مفصلا مبينا بيانا يمكن أن يتقنه ويحكمه، وإن # كان الرسول قد لقن تلك السبعة الأحرف جميع الأمة على سبيل ما وصفناه. # حتى إنه لم يبق منها حرف إلا وقد أقرأ به بعض أمته ونص على جوازه. # ونظير ذلك أن إنسانا منا لو عرف قراءة السبعة الأحرف وعلم ذلك من # حاله واتساع معرفته بالقراءات ثم آثر أن يقرىء الناس بالجائز من ذلك وأن # لا يلقن كل أحد حرفا مجردا على وجهه من هذه الأحرف لساغ له ms204 وجاز أن # يقرىء بعض الناس بحرف أبي عمرو ولا يعرفه أنه حرفه، ويقرىء آخر # شيئا من القرآن بحرف ابن عامر، وشيئا منه بحرف عاصم ويقرىء آخر # شيئا بحرف حمزة، وشيئا بحرف ابن كثير، وشيئا بحرف يعقوب # الحضرمي، ثم لا يعرفه تفصيل هذه الحروف بل يعلمه أن ذلك كله شائع # PageV01P337 # جائز وأنه حق وصواب: لكان ذلك من فعله حسنا جائزا ولا سيما إذا كان # ذلك أسهل عليه وأيسر. # وإذا ظن أن أخذه على المتعلم بالجائز أقرب عليه وأسهل وأن تجويز # إقرائه بحرف على وجهه مما يشق ويصعب وينفره عن الحفظ والضبط. # فكذلك الرسول عليه السلام إذا خير في إقراء الناس بالسبعة الأحرف المنزلة # عليه وجعل له فعل الأخف عليه، ولم يؤخذ عليه تفصيل تعريف ذلك # الناس، وظن أن إقراءهم بالجائز من ذلك أسهل عليهم وأيسر: جاز له له # تلقينه على هذه السبيل وأن يقرىء ربع القرآن بحرف منها ويقرىء الربع # الآخر بحرف آخر ويقرىء كل سبع منه بحرف من تلك السبعة، ويخلط ذلك # فلا يفضله تفصيلا تعرفه الأمة والآخذون عنه حرفا من حرف، بل يظنون # ذلك حرفا واحدا من السبعة يقرأ على وجهين وثلاثة أو سبعة، أو حرفان # منها يقرآن على تلك الوجوه. # ويجوز أن تكون هي كل السبعة قد أقرئوا بها شائعا في جميع القرآن. # ويكون ذلك أصلح لهم وأنفع وأقرب إلى تحفظهم وحرصهم وتسهيل # دواعيهم على جميع القرآن ومعرفة تأويله وأحكامه دون عدد حروفه. # وتجريد كل حرف منه، غير أنه لا بد في الجملة من أن يشتهر عن رسول الله # - صلى الله عليه وسلم - جملة ما أقرأ به من الحروف، إما بتلقيه منه أو ~~بالإخبار به عنه، وإن لم يعرف بذلك تفصيل السبعة الأحرف. # فإن قال قائل: فهذا الذي ذكرناه من إقراء الرسول والصحابة على هذا # الوجه يوجب أن تكون الصحابة غير عالمة بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف # ولا متبعين لذلك: أنها إذا لم تعرف ولا كل واحد منها تلك السبعة الأحرف # وتفصلها لم تكن عالمة بأنه منزل ms205 على سبعة أحرف. # PageV01P338 # يقال له: لا يجب ما قلته لأجل أنهم إذا ظهر بينهم نص الرسول صلى # الله عليه بأنه منزل على سبعة أحرف ويكون ذلك على أسماعهم وعند التنازع # والترافع إليه وتواتر الخبر بذلك عنه على من لم يسمعه من فيه: حصل # لجميعهم العلم بأنه على سبعة أحرف، وإن لم يعرفوا تفصيل ذلك وظنوا أن # بعضها إذا سمعوه ولم يكن تقدم علمهم به ليس منها، ولهذا أن يعلم اليوم # أكثر الناس بالخبر المتواتر أن للقراء السبعة سبعة أحرف يقرؤونها لا ~~يشكون # في ذلك، وإن لم يعرفوا تفصيلها ولم يحيطوا علما بجميعها، ولم يعلموا # أن بعض ما يسمعونه يقرأ بشيء منها هو من جملتها، وكذلك أكثر الناس # يعلم أن للرسول أحكاما كثيرة هي معظم دينه وجل شريعته، وإن لم يعرف # تفصيلها، ولم يحفظ ألفاظ نصوصه - صلى الله عليه وسلم - عليها، وجوز إذا ~~لم يكن من أهل هذا الشأن أن يكون بعض ما يحكى له من الأحكام ويذكر له فيه ~~من الآثار ليس من جملة ما استقر في دينه ولا مما قاله ونص عليه. # ولهذه العلة بعينها ساغ لأبي وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود أن # ينكروا بعض القراءات التي سمعوها مخالفة لما لقنوه من الرسول، لأنهم لما # لم يكن كل واحد منهم يحفظ جميع هذه الحروف ويحيط علما بتحصيلها # وتفصيلها، ولم يكن من سمعوه يقرأ ممن يوثق بضبطه وحفظه أو ممن # يسكن السكون التام إلى رضائه وأمانته، ظنوا به الغلط أو التحريف أو # القراءة على المعنى أو التساهل في ذلك، وكان أمر القرآن عندهم أشد # وأضيق من أن يقع فيه ضرب من التساهل أو التغافل، فلذلك خرج عمر # وأبي وعبد الله إلى ما خرجوا إليه، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما حاولوه من # القدح في نقل القرآن متى لم يبين الرسول جميع هذه الأحرف ويفصلها لكل # الأمة مجتمعين أو لكل واحد من الأمة، وزال جميع ما طالبوا به. # PageV01P339 # فإن قالوا: فإذا قلتم إن الرسول صلى الله عليه لم يكن ms206 يبين لكل واحد # ممن يقرئه جميع الأحرف والوجوه التي نزل القرآن عليها ويفصلها لكل الأمة # مجتمعين، وأنه كان يقرئهم قراءة مختلفة من تلك الحروف وعلى سبيل ما # تيسر له: وجب أن لا تقوم الحجة على الأمة بكل حرف مما أقرأ به، وأن لا # يتيقن ذلك من دينه، وأن يجد الملحد والمعاند سبيلا إلى إدخال حرف # ووجه في القرآن ليس هو مما أنزل على الرسول، ويعمل له إسنادا وطريقا # ويضيفه إلى النبى صلى الله عليه ويدخل بذلك فيما أنزل الله تعالى - من # الوجوه ما لم ينزله، ويفسد القرآن ويوقع الشبهة والإلباس على أهل # الإسلام، كما زعمتم من قبل أنه لو كان يبين بعض القرآن بيانا خاصا لا # تقوم به الحجة لصار ذلك طريقا إلى أن يدخل في القرآن كلمات وأيات # تقصر عن حد المعجز، وأن يضاف ذلك إلى الرسول أو أن يكون ذلك ذريعة # إلى الشبهة والإلباس، وهذا ما لا فصل لكم فيه. # يقال له: لا يلزم ما وصفته، لأننا قد قلنا من قبل إن رسول الله صلى الله # عليه وإن كان لم يبين تفصيل الحروف السبعة لكل واحد ممن أقرأه وأخذ # عنه ولا جمع الأمة ووقفهم على ذلك، وأنه كان يقرىء بما يسهل وشر له # وللمتعلم منه، فإنه لا بد أن يظهر عنه ويستفيض كل وجه وحرف قرأ به # وأقرأه، إما بتكرر سماع ذلك منه أو بالنقل له عنه، ولا بد أن يبلغ الحديث # والسماع في طول تلك السنين، وتكرير عرضه صلى الله عليه القرآن على # جبريل عليه السلام في كل عام، وعرضه إياه مرتين في العام الذي مات # فيه، وتكزر قراءته وإقرائه إياه وأخذه عنه مبلغا يظهر ويستفيض حتى يزول # عن الناس فيه الريب والشك، وأنه مما قرأه رسول الله صلى الله عليه وأقرأ # PageV01P340 # كما أنه لا بد إذا بين الآية إذا نزلت عليه في منزله لأهله وقرابته ومن # حضره من الآحاد من أن يبينه أيضا لغيرهم ومن أن يتحدث بذلك عنه، ومن أن ~~يبلغه الحديث به عنه ودعوى ms207 نزوله له عليه، وأنه مما ألقاه وبلغه حتى # يبلغ مبلغا يزول معه الريب والشك في أنه مما أنزل عليه وبلغه، وإذا كان # ذلك كذلك سقط ما ظننته وبطل ما حاولته. # ونظير هذا أننا إذا عرفنا عدالة رجل في وقتنا هذا وطهارته وشدة تدينه # وحسن منسكه وعلمه بقراءة الأئمة السبعة وأنه يقرىء الناس بها، غير أنه لا # يجرد كل حرف منها ويفرد للأخذ عنه ولا يبين ذلك له ويفصله ويقول له: # هذا حرف فلان وهذا حرف فلان ورواية فلان: لا يمتنع علينا مع ذلك أن # نعلم أن الحروف والوجوه التي يقرىء بها هي الأحرف السبعة المشهورة # ويتيقنها، وإن كنا لا نعرف تفصيلها ونعلم أنه لم يفصلها للآخذين عنه، وأن # نعلم مع ذلك كذب من يكذب عليه وأضاف إليه القراءة بالشواذ، ومما يستنكر ~~ولا يجوز مثله ومما لم يقرىء به أحدأ لأنه وإن كان لا يجرد لكل أحد عنه ~~حرفا واحدا يقرئه جميع القرآن به، فإنه مع ذلك قد اشتهر عند كل وجه # وحرف مما يقرىء به وعرف من رأيه، فإذا أضيف إليه مع ذلك أنه يقرأ أو # كان يقرىء في أيام حياته قراءة ابن شنبوذ والشواذ المنكرة، والقراءة ~~المروية # عن السبعة علمنا بكذب ذلك عليه لشهرة ما كان يقرىء به عنه والعدول عما ~~سوى ذلك، وإن كان يقرىء قراءة مختلطة ممتزجة من قراءة جميع الأئمة. # وكذلك الرسول إذا كان لم يمت حتى ظهر عنه وانتشر جميع الوجوه # والأحرف التي كان يقرىء بها ويداوم عليها ولا يقرىء بغيرها لم يسغ أن # يتوهم عليه متوهم صحة ما يروى عنه أن ما كان يقرىء به: (إن علينا جمعه ~~وقرآنه (17) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) . # وأنه كان يقرىء: # PageV01P341 # {وكفى الله المؤمنين القتال (بعلى) } ، وأمثال هذا إذا كان قد ظهر # وانتشر عنه جميع ما أقرأ به وليس هذا من جملته، وإذا كان ذلك كذلك فقد ~~بطل ما سألوا عنه بطلانا ظاهرا. # فأما قولهم: كيف يسوغ أن تدعوا ظهور إقراء الرسول بهذه الوجوه # وأنتم تختلفون في تفسيرها فإنه ms208 لا تعلق فيه، لأننا قد بينا أن رسول الله ~~صلى # الله عليه أقرأ بجميعها وظهر منه ذلك، وأنه مع هذه الحال لم يفسر تلك # الوجوه ويسمي كل شيء منها باسم يخصه، فنحن نعلم في الجملة أنه منزل # على سبعة أحرف وأن الرسول قد بفلغها وأقرأ بها وظهرت عنه، وإن اختلف في ~~تأويلها لعدم نصه على التأويل والتفسير، كما أننا نعلم أن ما بلغه قرآن من ~~عند الله، وأنه قد بينه وظهر عنه وقامت الحجة بانه كلام الله تعالى، وإن ~~كنا نختلف في تفسير كثير منه ونتنازع في تأويله الذي لم ينص لنا صلى الله ~~عليه ولا وقفنا عليه، فاختلافنا في تفسير الآية لا يمنعنا من العلم بأنها ~~قرآن،، وكذلك اختلافنا في تأويل السبعة الأحرف والأوجه لا يمنعنا من العلم ~~أنه منزل على سبعة أحرف، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بلغها وأقرأ ~~بها، فبطلت بذلك شبهتهم باختلاف الأمة في هذا الباب. # وأما قولهم: إنكم قد رويتم في تفسير هذه الأحرف ما لا يمكن ولا # يجوز في صفة الرسول أن يفسرها به، نحو رواية من روى أنها: أمر ونهي # وقصص ومواعظ وأمثال وحلال وحرام ونحو ذلك، وأنه لا يجوز أن يكون # الجاعل مكان الأمر نهيا وموضع الوعظ مثلا ومكان الوعد وعيدا: محسنا # مصيبا، وأنتم قد رويتم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لكل مختلفين ~~في هذه الأحرف: "أحسنتما وأصبتما"، و"هكذا أقرأتكما"، والرسول عليه السلام ~~يجل من هذه الصفة ويرتفع عن هذه الرتبة، بل يجب تبرئة أدنى المؤمنين # PageV01P342 # منزلة عن ذلك، فإنه باطل لا تعلق لهم فيه، وذلك أن إخباره عليه السلام # بأن القرآن منزل على سبعة أحرف وأوجه من القراءات كلها جائزة وحسنة # وصواب، لأنها في الخبر، غير أنه قد أنزله على سبعة أحرف هي أوجه أخر # منها أمر ومنها نهى ومنها وعد ومنها وعيد ومنها قصص وأمثال وتحليل # وتحريم، فلا تكون هذه السبعة هي التي إذا اختلف المختلفون فيها وجعلوا # مكان كل شيء منها غيره فقد أحسنوا وأصابوا، ms209 بل لا يمتنع أن تكون هذه # السبعة الأوجه والأقسام قسما من السبعة الأحرف التي أنزل الله القرآن ~~عليها، وباقي السبعة يصوب المختلفون فيها سوى هذا الوجه، ولا يمتنع غير ذلك ~~على ما سنشرحه فيما بعد إن شاء الله، وإذا كان ذلك كذلك بطل توهمهم لتعارض ~~هذين الخبرين، وإحالة هذا التفسير على الرسول عليه السلام. # وأما قولهم: إن روايتكم في هذا متناقضة لأجل أنكم قد رويتم عن # النبى - صلى الله عليه وسلم - أن القرآن نزل على ثلاثة أحرف، وأنه قال في ~~خبر آخر: "أنزل على أربعة أحرف "، فإنه أيضا لا شبهة فيه لعالم ولا تعلق، ~~وذلك أن أول ما في هذا الباب أن الثلاثة والأربعة داخل في السبعة، فيمكن أن ~~تكون هذه الأحرف أنزلت أولا فأول، وأنزل منها ابتداء ثلاثة فقط، ثم زيد ~~الرسول عليه السلام رابعها، ثم زيد ثلاثة فصارت سبعا، هذا غير ممتنع لولا ~~أن في لفظ إخبارنا بأنه أنزل على سبعة ما يمنع هذا التأويل، ولكن لهم من ~~الزيادة ما لم يدخلوه في شيء من اعتراضهم، وهو أن في كثير من الروايات أن ~~الملك قال: على حرف أو حرفين، فقال الملك الذي معي عن شمال: على حرفين، ~~فقال الملك: على حرفين أو ثلاثة، فقال:. على ثلاثة، إلى أن بلغت سبعة أحرف، ~~وهذا اللفظ يقتضي أن يكون قد أقرىء بالسبعة جملة، وشرع له ذلك في مجلس ~~واحد، على أنه يحتمل أن تكون بعض تلك # PageV01P343 # الأحرف السبعة يقرأ على ثلاثة أوجه كلها جائزة، وبعضها يقرأ على أربعة # أوجه تسمى أحرفا كلها جائزة، فيكون قوله: أنزل على أحرف وأربعة أحرف ~~منصرفا إلى وجهين من وجه القراءات السبعة، يقرأ أحدهما على ثلاثة أوجه ~~والآخر على أربعة أوجه، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهموه من التعارض. # ويحتمل أيضا أن تكون الثلاثة الأحرف والأربعة اللاتي خبر في هذين # الخبرين وأن القرآن أنزل عليها غير الأحرف السبعة التي خبر فيها، وليس # يمتنع أن ينزل القرآن على سبعة أحرف وينزل أيضا على أربعة أحرف وثلاثة ms210 # أوجه أخر غير الأربعة وغير السبعة على ما نبينه فيما بعد، وإذا كان ذلك # كذلك سقط ما توهموا من تعارض هذه الأخبار وتنافي موجبها. # وأما قولهم: كيف يكون أمر القرآن ظاهرا مشهورا وعمر وأبي وعبد الله # يناكرون من قرأ خلاف قراءتهم وينافرونه ويرافعونه إلى الرسول، وقد قلنا # في ذلك من قبل ما يغني عن إعادته، وهو أن الرسول كان يقرئهم قراءة من # وجه من السبعة الأحرف، ولم يكن كل واحد منهم يعرف جميعها ولم تكن # الأخبار بذلك ظهرت واستفاضت بجميع ما يقرئه الرسول على الأوقات. # فلذلك أنكروا خلاف ما لقنوه عن الرسول. # ويحتمل أن يكون الرسول كان يقرىء عمر وأبيا وعبد الله بوجوه # وأحرف جائزة قبل نزول هذه السبعة الأخر التي خبر الرسول عنها، ثم نزلت ~~هذه الأحرف وأقرأ بها رسول الله صلى الله عليه وقت نزولها أو يوم ذلك، ولم ~~يكن انتشر عنه، فلما سمع القوم ذلك أنكروه واحتاجوا إلى البحث عنه وسؤال ~~الرسول عن صحته. # ويحتمل غير هذا مما لعلنا أن سنذكره فيما بعد إن شاء الله، وإذا كان # ذلك كذلك بطل قدحهم في ظهور نقل القرآن بإنكار هذه الفرقة ما لم يكن # PageV01P344 # تقدم سماعها له، ولم يمر من الزمان وتطاول الوقت ما يقتضي ظهوره # وحصول الغنى عن السؤال عنه، وهذا يبطل جميع ما عولوا عليه وموهوا به # في نقل القرآن وعدم قيام الحجة. # فإن قال منهم قائل: إن في خبركم هذا إحالة وتناقضا ظاهرا من وجه # آخر، وهو أنه قد ثبت وعلم أن القرآن لم ينزل على الرسول صلى الله عليه # جملة واحدا وإنما نزل في نيف وعشرين سنة، وأنه لم يتكامل نزوله إلا عند # تقارب وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وآخر عهده بالدنيا، وهذا الخبر ~~الذي رويتموه لا شك أنه قد قاله قبل موته بدهر طويل وقبل نزول كثير من ~~القرآن، فهذا تناقض بين؟ # يقال له: لا يجب ما قلته، لأن من الناس من يقول: إن هذا الظاهر لا # يقتضي أكثر من أن يكون في ms211 القرآن كلمة واحدة أو اثنتين تقرأ على سبعة # أوجه، فإذا حصل ذلك فيه وفي الخبر حقه وموجبه، ومنهم من يقول: ذلك # إنما يستعمل إذا قرئ جملة القرآن أو كثير منه على سبعة أحرف وأوجه. # وهذا هو الذي نختاره، وسندل على ذلك فيما بعد إن شاء الله. # وإذا كان ذلك كذلك ولم ينكر أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال ~~هذا القول بعد أن نزل شطر القرآن أو ثلثاه أو ستة أسباعه: ساغ أن يقال إذ ~~ذاك إنه منزل على سبعة أحرف، ويعني بذلك - صلى الله عليه وسلم - هذا الذي ~~نزل، ويكون جبريل عليه السلام قد أخبره أن قدر ما نزل عليك هو معظم القرآن ~~وكثيره، وأن ما ينزل عليك فيما بعد قليل بالإضافة إليه، فيحسن لذلك، وجاز ~~أن يقال: أنزل القرآن على سبعة أحرف لأن معظمه قد أنزل كذلك، فبطل بذلك ما ~~قلتموه. # PageV01P345 # ولو حمل الأمر في هذا على أن قوله: أنزل القران على سبعة أحرف لا # بد أن يتناول كل سورة لوجب أن يحمل على أنه قد أريد به أن كل آية منه # تقرأ على سبعة أوجه، وعلى أن كل كلمة من الآية يجب أن تقرأ على سبعة # أوجه، بل يجب أن يحمل على أن كل حرف من حروف الكلمة منه تقرأ على سبعة ~~أوجه، ولما لم يجب ذلك كما لا يجب إذا قلنا هذه القصيدة تنشد # على وجهين، وهذه الخطبة والرسالة تروى على وجهين، ومصنف فلان في # الفقه يروى على وجهين، أن يكون كل بيت من القصيدة، وكل مصراع وكل كلمة ~~وكل حرف من الكلمة تنشد على وجهين، وكل مسألة من الكتاب وكل كلمة منه تروى ~~على وجهين، لم يجب إذا قيل إن القرآن أنزل على سبعة أحرف أن تكون كل سورة ~~منه وكل آية وكل كلمة وكل حرف من الكلمة منزلا على سبعة أحرف، وإذا كان ذلك ~~كذلك بطل ما ظنوه من إحالة هذا القول. # على أنه قد يجوز أيضا أن يكون جبريل لما أقرأ ms212 الرسول عليهما السلام # في ابتداء أمره شيئا من سور القرآن أنزل مواضع منها على سبعة أوجه ووقفه # على أنها جارية في جميع ما ينزل عليه على هذه السبيل والطريقة، كأنه قال # له: اقرأ غير المغضوب عليهم وعليهمو، فكل ما جاء من كتابة الجمع فهذه # طريقته نحو إليهم وإليهمو، وأنعمت عليهمو، أو قرأ هذا الحرف بالهمزة. # وترك الهمزة، وكل حرف مثله مما نزل عليك، ومما سينزل مثله، وكذلك # القول في الإمالة وترك الإمالة في الحرف والكلمة التي يجوز فيها الرفع # والنصب، وغير ذلك، فيعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك أن جميع ~~ما نزل وينزل عليه من القرآن، فهذه سبيل اختلاف حروفه ووجوهه، وإذا كان ذلك ~~كذلك بأن سقوط ما تعلقوا به من أنه لا يجوز أن يقول مثل هذا القول حتى ~~يتكامل نزول جميع القرآن. # PageV01P346 # فأما قولهم: إن في الخبر ما يدل على فساده، وأن متضمنه لا يجوز # على الله سبحانه، وهو أن القرآن منزل على سبعة أحرف مختلفة، وقد علم # أنه جهته، ولا معنى في إنزاله على سبعة أحرف إلا القصد إلى حصول # الخلاف والتنازع والتنافر فيه، والتحريف له، ووجود السبيل إلى أن يدخل # فيه حرف ليس منه وإلى تعذر حفظ هذه السبعة والإحاطة بها، وتثقيل العبادة # بتكليف معرفتها، حتى يؤدي ذلك إلى ما رويتم من تلبب عمر بن الخطاب # بهشام بن حكيم، وأخذه إلى النبي صلى الله عليه منكرا عليه حرفا أقرأه به # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقرأه عمر ولم يعرفه. # مثل ما رويتم أنه قال أبي بن كعب لما أنكر على رجل آخر سمعه يقرأ # بخلاف ما كان لقنه هو من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قرأ عليه ~~وقال لهما: "فيما رويتماه أحسنتما وأصبتما، هكذا أقرأتكما"، فقال أبي: ~~فأخذني عند ذلك من الشك أشد مما أخذني في الجاهلية، فضرب النبي # صلى الله عليه صدري وأخسأ عني الشيطان، فقال: يا أبي، أعندك من الشك ~~والتكذيب، قال: ففضت عرقا، وكأني أنظر إلى الله ms213 فرقا، ثم قال لي: إن جبريل ~~أتاني فقال لي: اقرأ القرآن على حرف فقلت: رب خفف عن أمتي، فلم يزل يقول ~~كذلك حتى قال له - فيما رويتم: إن الله تعالى يأمرك أن تقرأ القران على ~~سبعة أحرف، فلا معنى لإنزاله على سبعة إلا ما رويتموه، ويؤدي إليه من هذه ~~الشكوك والريب والتخاصم والخلاف، وذلك مما لا # يجوز على الله سبحانه، فوجب بذلك بطلان ما رويتموه. # فيقال لهم في جواب هذا وجواب جميع ما قدمناه عنهم: فإن كان هذا # الخبر باطلا مفتعلا فقد نال طعنكم على نقل القرآن بأن الرسول لم يبين تلك # السبعة الأحرف، وأنه كان يجب ظهورها، وأن لا تختلف الأمة وأزلتم عنا # PageV01P347 # بذلك كلفته، وإن كان هذا عندكم صحيحا وهو ذاك على أن أمر القرآن لم # يكن عندكم ظاهرا مستفيضا فقد بطل مدحكم فيه بهذه المطاعن، وهذا # اختلاط منكم أنتم إلى أن نبين عن فساد كل شيء توهمتموه مبطلا لهذه # الأخبار، فهذا مما تجب موافقتهم عليه عند المطالبة بواجب كل اعتراض # يوردونه على هذه الرواية. # ثم يقال لهم: لا يجب أن يكون هذا الذي توهمتموه قادحا في الخبر. # وذلك أنه لا يمتنع أن يعلم الله سبحانه أن مصلحة عباده متعلقة بإنزال ~~القرآن على سبعة أحرف أو أكثر منها، كما لا يمتنع أن يعلم أن مصلحتهم ~~متعلقة بإنزاله على حرف واحد، لأنه إذا علم سبحانه أن طباع الناس وسجاياهم # مختلفة في النطق والكلام، وأن منهم من يألف التكلم بالكلمة والحرف على # وجه وطريقة هي أخف عليه وألصق بقلبه وأسهل وأجرى على لسانه، ومنهم # من يصعب عليه ويستثقل أن يميل ويهمز الحرف ويزيد الواو من قوله: # عليهمو وإليهمو، ويخف عليه إليهم وعليهم، وأنه لو كلف كل واحد منهما # ما هو في طبع غيره وأسهل عليه لشق ذلك عليه، وصار طريقا إلى نفوره # واستثقاله وملاله وصعوبة حفظه، وأنه إذا لم يلزمه إلا قدر ما تيسر عليه ~~منه # كان ذلك لطفا له، ساغ لهذا أن يكون إنزاله الحرفين والسبعة أحرف أصلح # من ms214 تضييق الأمر فيه، وحمل الناس في النطق به على وجه واحد صعب # متعشر ثقيل على أكثرهم، فلعله لو كلف هشام بن حكيم والرجل الذي # خالف أبيا أن لا يقرأ إلا بما أقرأه النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر ~~وأبيا لثقل ذلك عليهم أو أعرضا عنه وشكا في نبوة الرسول، وصارا جربا للرسول ~~صلى الله عليه وعمر وأبي على أصل الدين ودعوة الحق، وإذا كان ذلك مما لا ~~يمتنع في المعلوم بطل ما توهموه. # PageV01P348 # وكذلك إذا علم أن في الناس الألكن والفصيح والألثغ والطلق الذرب # والتمتام العي، والقادر المنبسط ساغ أن ينزل القرآن بالهمز وغير الهمز. # وأن يجعل مكان الحركة التي تثقل على التمتام تسكينا لا يثقل عليه، وهذا # أولى وأجدر وأقرب في تخفيف المحنة وتيسير العبادة وأحرس للعباد إلى # الطاعة. # وكذلك إذا جاز أن يعلم أن من الناس السكتة النزر الكلام القليل # الحفظ، وأن منهم الذكى الحفوظ الذي يميل طبعه إلى تشويق # الكلام والتبسط والتصرف في وجوه الألفاظ والعبارات، وأنه ينقل عليه لزوم ~~نهج واحد وسبيل لا يختلف في النطق ويعظم عليه حفظ ذلك، ويؤديه # تكليفه إياه إلى الضجر والملل وقلة الرغبة والإعراض، جاز لذلك أن ينزله # على حرفين وسبعة وعشرة ليحفظه على الوجه الواحد من قدمنا ذكره. # ويحفظ على هذه الوجوه الكثيرة من وصفنا قدرته وتبشطه وميله إلى الإكثار # والتنفل في وجوه الخطاب. # وكذلك أيضا فقد يجوز أن يعلم سبحانه أنه إذا أنزل القرآن على حرف # واحد، لزم الأمة بأسرها أن لا تقرأ الآية، جاز أن يشك شاك في ذلك # الحرف ويتبناه، وينطلق لسانه بحرف غيره يقوم مقامه ولا يبطل معناه. # وأنهما إذا ترافعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاقرأهما فأخطأ ~~أحدهما وترك القراءة بذلك الحرف الواحد المنزل، وقال له الرسول عند ذلك: ~~أخطات، أو أسات، أو ما هكذا أقرأتك، انكسف باله وصغرت حاله ونفسه، وانكسرت ~~حدته، وفترت شهوته، وقل حرصه، وصار ذلك طريقا إلى ضجره وملاله، # PageV01P349 # وقلت دواعيه في تعلم القرآن وتحفظه أو لحقه عند ذلك من ms215 الأنفة والحمية ~~وعزة النفس وكراهة الغلبة عند المناقشة والمشاحة والهرب من عار القهر ~~ونسبته إلى السهو والغفلة وسوء الفهم وجلافة الطبع وقلة الحفظ والضبط، ما ~~يكون أدعى الأمور إلى الزهد في الإسلام جملة والرغبة عنه، ومتى أمكن أن ~~يكون هذا أجمع مما قد سبق في علم الله سبحانه، بطل بذلك طريق من توهم أنه ~~لا وجه لإنزال القرآن بسبعة أحرف إلا الاستفساد للعباد والتهارج والفساد ~~وهذا ما لا مدخل لهم عليه. # ثم يقال لهم: فيجب على اعتلالكم أن لا ينزل الله سبحانه في كتابه # مجملا ولا محتملا ولا متشابها بل يجعله كله نصا جليا، لأننا نعلم أن في # الناس من يلحد في تأويله ويتعلق بمتشابهه ويلبس ويوهم الباطل في التعلق # بمجمله ومحتمله، وهذا أولى مما قلتم وأقرب لو كنتم مقسطين ولأن الله # سبحانه قد نص على هذا، والذي قلناه من فساد خلق بمتشابهه ولم ينص # على ما ادعيتم من فساد قوم بإنزاله على سبعة أحرف، ولا رأينا هشام بن # حكيم ولا أبيا ولا عبد الله، ولا من خالفهم كفروا ولا ارتدوا عند الترافع # إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بل استجابوا لقوله وخنعوا لطاعته، ~~ورضوا جميعا بما أقرهم به على اختلافهم. # وقد قال سبحانه فيما عارضناكم به: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) . # فكان يجب على موضوع اعتلالكم أن لا ينزل من القرآن متشابها يبتغى العسر ~~به ويلبس على العباد في تأويله ويلحد في صفات الله سبحانه عند تنزيله، فإن ~~لم يجب هذا عندكم # فقد بطل جميع ما أوردتموه في هذا الفصل بطلانا بينا، وبان لكم أن هذا # PageV01P350 # الضرب من الطعن في نقل القرآن وإنزاله من مطاعن الملحدين على الله # وعلى رسوله وعلى جملة كتابه وتفصيله، وهكذا فعل الله سبحانه بمن صد # عن دينه وصدف عن صحيح النظر في براهينه، واشرأب قلبه إلى التعلق # بالشبهات والميل إلى الزيغ والضلالات. # فإن قالوا: أفليس قد رويتم أن الذين بعث عثمان رضي الله عنه على # جمع ms216 الناس على مصحفه، وقراءته والمنع من باقي الحروف التي أنزلها الله # جل وعز ما حدث في عصره، وشدة الاختلاف والتشاجر والتبري والإكفار # في القراءات بهذه الحروف المختلفة، فألا علمتم أن إنزاله على سبعة أحرف # سبب لما قلناه؟ # يقال لهم: ليس الأمر في هذا على ما وصفتم، لأن القوم عندنا لم # يختلفوا في هذه الحروف المشهورة عن الرسول صلى الله عليه التي لم يمت # حتى علم من دينه أنه أقرأ بها وصوب المختلفين فيها، وإنما اختلفوا في # قراءات ووجوه أخر لم تثبت عن الرسول عليه السلام ولم تقم بها حجة. # وكانت تجيء عنه مجيء الآحاد وما لا يعلم ثبوته وصحته، وكان منهم من # يقرأ التأويل مع التنزيل نحو قوله: والصلاة الوسطى، (وهي صلاة العصر) . # فاؤوا (فيهن) ، ولا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم (في مواسم # الحج) ، وأمثال هذا مما وجدوه في بعض المصاحف، فمنع عثمان من هذا # الذي لم يثبت ولم تقم الحجة به وأحرقه وأخذهم بالمتيقن المعلوم من # قراءات الرسول عليه السلام. # فأما أن يستجيز هو أو غيره من أئمة المسلمين المنع من القراءة بحرف # ثبت أن الله أنزله ويأمر بتحريقه والمنع من النظر فيه والانتساخ منه، ~~وتضييق # على الأمة ما وسعه الله تعالى، ويحرم من ذلك ما أحله الله ويمنع منه ما # PageV01P351 # أطلقه وأباحه، فمعاذ الله أن يكون ذلك كذلك، لماذا كان هذا هكذا سقط ما ~~قلتموه، على أننا لو سلمنا لكم نظرا أن أهل عصر عثمان رضوان الله عليه ~~اختلفوا في هذه الأحرف السبعة، وأدى ذلك خلفا منهم إلى البراءة من # أهل الحق، لم يجب أن لا ينزل الله سبحانه القرآن بها إذا علم أن من يصلح # بقراءته بها على اختلافها أكثر ممن يفسد، أو أنه لا أحد يفسد عنه ذلك إلى # - زمن عثمان، فيسوغ حينئذ لعثمان على قول بعض الناس أخذه للأمة ببعض تلك ~~الأحرف والمنع من باقيها لأجل حدوث ما حدث مما لم يكن من قبل. # أو لعله سبحانه قد علم أنه لو لم ينزل ms217 القرآن على سبعة أحرف كان # منكر حرف منها والمختلفين فيها يعرضون عن الإسلام جملة والانخلاع من # الإيمان وإلى أن يكونوا حربا للرسول صلى الله عليه وإن اختلافهم في # القراءات أسهل من اليسير من ذلك. # فإننا ننكر عليكم ونقول لكم: فيجب على اعتلالكم أن لا ينزل الله # سبحانه المتشابه المحتمل من كتابه لموضع إخباره باتباع أهل الزيغ لما ~~تشابه # منه ابتغاء الفتنة والإلحاد في تأويله، فإن لم يلزم ذلك لم يلزم شيء مما # قلتموه، وقد بينا - رحمكم الله - في غير موضع من الكلام في التعديل # والتجويز أنه لا يجب على الله استصلاح جميع خلقه، وفعل أصلح الأمور # لهم، والمساواة في اللطف لجميعهم، وأنه لا يصح منه أن يضر بعضهم # ويطبع على قلبه ويختم على سمعه وبصره، وأنه قال سبحانه فى كتابه: إنه # (هدى للمتقين) ، وقال في أخرى: وهو عليهم عمى) # وقد بينا ذلك بما يغني الناظر فيه، ولولا أننا لم نصنع كتابنا لهذا الفن # من الكلام لأسهبنا في ذلك، غير أنه مخرج لنا من غرض الكتاب، وفيما # أجبناهم به بلاغ وإقناع. # PageV01P352 ### | (فصل) # ونحن الآن نذكر بعض ما جاء من الروايات في أن القرآن منزل على # ثلاثة أحرف وأربعة وسبعة ليعلم قارئ كتابنا ظهور ذلك وانتشاره في علماء # الأمة من سلفها وخلفها، ونتكلم على ما يجب الكلام عليه من هذه الأخبار # ثم نبين القول في تفسير السبعة الأحرف بما يوضح الحق ويزيل الشك # والريب، وما توفيقنا إلا بالله. # وقد روى الشعبي عن ابن عوف عن محمد عن ابن مسعود قال: "أنزل # القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف " كقولهم: هلم، تعال، أقبل. # وروى حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي # صلى الله عليه قال: "أنزل القرآن على ثلاثة أحرف "، وروى سعيد بن أبي # سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - # PageV01P353 # "أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه، وغرائبه فرائضه، فإن القرآن أنزل # على خمسة وجوه: حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فخذوا بالحلال # ودعوا ms218 الحرام، واعملوا بالمحكم وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال ". # فهذه الثلاثة الأخبار تقتضي أن يكون القرآن منزلا على ثلاثة أحرف # وعلى أربعة أحرف وعلى خمسة أحرف، وقد بينا فيما سلف أن ذلك لا # يناقض ما روي من أنه منزل على سبعة أحرف، وتكلمنا على ذلك بما # يوضح الحق، وقلنا إن ذلك الحلال والحرام، وما أتبع يحتمل أن يكون # وجها من وجوه السبعة، وأن الأظهر أنه غيرها، لأن تلك مخير في القراءة # بأيها شاء القارىء على ما وردت به الروايات التي سنذكرها، وقلنا إن ~~الثلاثة الأوجه والأربعة التي لم تفسر بهذه الأقسام من الأمر والنهي ~~وغيرهما. # يحتمل أن يكون بعض السبعة التي خير الناس في القراءة بأيها شاؤوا. # ويحتمل أن تكون غيرها. # وقد تحتمل أيضا هاتان الروايتان أن يكون معنى قول النبى صلى الله # عليه أنزل القرآن على ثلاثة أحرف وعلى أربعة أحرف، أن من الحروف # السبعة حرفا يقرأ على ثلاثة أوجه، وإن حرفا منها آخر يقرأ على تلك ~~الثلاثة وعلى وجه رابع، أو أن حرفا منها يقرأ على أربعة أوجه غير الثلاثة ~~الأوجه التي يقرأ حرف آخر من السبعة عليها، ويكون باقي السبعة الأحرف لا ~~يقرأ كل شيء منها إلا على طريقة واحدة، فلا يكون في هذا تعارض ولا تناقض. # ويمكن أيضا أن يكون أراد بهذين الخبرين أن ثلاثة أحرف من تلك # السبعة الأحرف يقرأ على وجه ونحو من الاختلاف متقارب، ليس بالمتباين # الشديد وهو حرف زيد والجماعة، والذين أكثرهم كان يألفه ويقرأ به # ويعلق بقلبه وينطلق به لسانه، وأربعة أحرف أخر من السبعة منزلة على تباين # PageV01P354 # شديد غير متقارب، وعسى أن تكون هي حروف الأربعة النفر الذي أمر # رسول الله صلى الله عليه بأن تؤخذ القراءة عنهم وهم أبي بن كعب وعبد الله # ابن مسعود ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة، أو لعل هذه الأربعة # الأحرف المتقاربة التي ليست بشديدة التباين هي التي كان يقرأ الناس كثيرا # بها وعليها الجمهور وعامة الناس. # ولسنا نقف على حقيقة هذا غير أننا قد ms219 بينا أن قوله صلى الله عليه: أنزل # القرآن على ثلاثة أحرف وأربعة وخمسة لا تنافي قوله: إنه منزل على سبعة # أحرف، وهذا هو الغرض المقصود دون تفصيل أجناس الاختلاف بين الثلاثة # والأربعة والخمسة والسبعة، وإذا كان ذلك كذلك بطل إكثارهم بذكر هذا # الباب ووجب حمل الأمر فيه على ما قلناه. # فأما الروايات الوارد" عنه صلى الله عليه بأن القرآن منزل على سبعة # أحرف فإنها كثيرة متظاهرة مشهورة عند أهل العلم والنقل، وهي أكثر شيء # روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلها مع اختلاف ألفاظها وطرقها ~~متوافية على المعنى، فيجب لذلك وصول العلم بمتضمنها وإن اختلفت ألفاظها ~~وتشعبت طرقها فمنها ما رواه عبيد الله بن عمر عن أبي الحكم عن أبي بن كعب ~~أن رسول الله صلى الله عليه قال: "أتاني آت من ربي جل وعز فقال: يا محمد # PageV01P355 # اقرأ القرآن على حرف، فقلت: يا رب، خفف على أمتي، ثم أتاني آت من # ربي فقال: يا محمد اقرأ القرآن على حرفين، فقلت: خفف على أمتي، ثم # أتاني فقال: يا محمد اقرأ القرآن على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة # لك، فقلت: يا رب اغفر لأمتي، ثم قلت: يا رب اغفر لأمتي، وأخرت # الثالثة شفاعة لي يوم القيامة، والذي نفسي بيده إن إبراهيم عليه السلام # ليرغب في شفاعتي ". # وروى يونس عن ابن شهاب قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن # عباس حدثه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أقرأني جبريل عليه ~~السلام على حرف، ولم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف ". # قال ابن شهاب: "بلغني أن تلك السبعة إنما هي في الأمر الذي يكون واحدا لا ~~يختلف في حلال ولا حرام ". # PageV01P356 # وروى حميد قال: قال أنس: قال أبي بن كعب: إن رسول الله صلى الله # عليه قال: "جاءني جبريل وميكائيل فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن # يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ ~~سبعة أحرف وكل كاف شاف ". # وروى سعد عن ms220 الحكم عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن # أبى بن كعب "أن النبي صلى الله عليه كان بأضاة بني غفار فأتاه جبريل ~~فقال: # إن الله تعالى يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف، قال: أمتي لا تطيق ذلك، ثم # أتاه فقال: على حرفين، فقال: أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثالثة فقال: ~~على ثلاثة أحرف، فقال: أمتي لا تطيق ذلك ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله ~~يأمرك أن تقرأ أمتك على سبعة أحرف، فايما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا". # وروى أنس بن عاصم قال: أخبرني أبو حازم عن أبي سلمة قال: لا # أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أنزل ~~القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر ثلاث مرات فما عرفتم فاعملوا ~~به وما جهلتم فردوه إلى عالمه ". # وروى أيضا أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنزل ~~القرآن على سبعة أحرف عليما غفورا رحيما". # وروى عقيل بن خالد عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن # PageV01P357 # أبيه عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه قال: "كان الكتاب الأول # أنزل من باب واحد، وكان على حرف واحد، فنزل القرآن من سبعة أبواب # على سبعة أحرف: أمر ونهي وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال # فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه. # واعتبروا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا". # وروى بشر بن سعيد بن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن # العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أنزل القران على ~~سبعة أحرف، فأي حرف قرأتم فقد أصبتم، فلا تماروا فيه، فإن المراء فيه كفر". # وروى واصل بن حيان عن أبي الهذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كل آية منها ظهر ~~وبطن ولكل حد مطلع ". # وروى عمرو بن أبي قيس عن عاصم ms221 عن زر عن أبى بن كعب قال: # لقي رسول الله صلى الله عليه جبريل عليه السلام عند أحجار المرقي - أحجار ~~بالمدينة - فقال له: يا جبريل أرسلت إلى أمة أميين منهم الغلام والجارية ~~والشيخ والعجوز والرجل الفارسي لم يعلم كتابا قط، فقال: إن القرآن أنزل على ~~سبعة أحرف ". # PageV01P358 # وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد # القاري أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة # الفرقان على غير ما أقرأها، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلت حتى انصرف، فلما انصرف لببته برادئه ~~ثم جئت به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، إني ~~سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال علي عليه السلام: ~~أرسله، فأرسلته، فقال: اقرأ، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: هكذا أنزلت، ثم قال: اقرأ فقرأت، فقال: "هكذا ~~أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه ". # وروى عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث وابن # لهيعة أن بكيرا حدثهما: أن عمرو بن العاص قرأ آية من القرآن، فسمع # رجلا يقرأها خلاف قراءته، فقال له: من أقرأك، فقال: رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فذهب إليه فذكر له ذلك وقرأ عليه كلاهما فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "أصبتما إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ". # قال بكير: فذكر لي أنه # PageV01P359 # قيل لسعيد بن المسيب: ما سبعة أحرف، قال: كقولك هلم وتعالى، وأقبل # وكل ذلك سواء. # وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب قال: "كنت في # المسجد فدخل رجل فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى # قراءة صاحبه، فقمنا جميعا فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه فقلت له: # يا رسول الله إن هذا دخل فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل اخر فقرأ غير # قراءة صاحبه، ms222 فقال لهما النبى صلى الله عليه: اقرأ، فقرأ، فقال: أحسنتما، ~~فلما قال لهما النبي صلى الله عليه الذي قال، كبر على ولا إذ كنت في # الجاهلية، فلما رأى النبي ما قد غشيني ضرب على صدري ففضت عرقا # وكأني أنظر إلى الله فرقا، فقال: يا أبي إن ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن ~~على # حرف، فرددت إليه أن هون على أمتي، فأرسل إلي أن اقرأ على سبعة أحرف ولك ~~بكل ردة مسألة تسألنيها. # قال: قلت: اللهم اغفر لأمي اللهم اغفر لأمتي. # وأخرت الثالثة ليوم يحتاج إلي فيه الخلق حتى إبراهيم الخليل عليه السلام ~~". # وفي رواية أخرى عن سقير العبدي عن سليمان بن صرد عن أبى # بن كعب قال: "دخلت المسجد فإذا رجل يقرأ قلت له: من أقرأك هذه # القراءة، قال: النبى - صلى الله عليه وسلم -، قلت: انطلق إليه، قال: ~~فانطلق، قال: قلت: استقرىء، قال: فاستقرأ، فقال: أحسنت، قال: قلت: ألم ~~تقرئني # PageV01P360 # كذا وكذا، قال: بلى، قال: وأنت فقد أحسنت، فنكبت بيدي هكذا، وقد أحسنت، ~~قال: فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صدري وقال: اللهم أذهب عن ~~أبي الشك، قال: فارفضضت عرقا وامتلأ جوفي فرقا، ثم قال صلى الله عليه: يا ~~أبي أتاني ملكان اثنان فقال أحدهما: اقرأ على حرف، فقال الآخر: زده، قال: ~~قلت: زدني، قال: اقرأ على حرفين، فقال الآخر زده، قلت: زدني قال: اقرأ على ~~ثلاثة أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدني قال: اقرأ على أربعة أحرف، قال ~~الآخر: زده، قلت: زدني، قال: اقرأ على خمسة أحرف، قال الآخر: زده، قلت: ~~زدني، قال: اقرأ على ستة أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدني، قال: اقرأ على ~~سبعة أحرف ". # وروى قتادة عن يحيى بن يعمر عن سليمان بن صرد الخزاعي عن # أبي بن كعب، قال: "قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها فأتينا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا، قال: بلى، قال ابن مسعود: ~~ألم تقرئنيها كذا وكذا، قال: بلى، كلاكما محسن مجمل، فقلت: كلانا ms223 ما أحسن ~~ولا أجمل، فضرب في صدري وقال: يا أبي إني أقرئت القرآن، فقيل لي: على حرف ~~أو حرفين، فقال الملك الذي معي: قل على حرفين. # قلت: على حرفين، فقيل: على حرفين أو ثلاثة، فقال الملك الذي معي: # على ثلاثة، قلت: على ثلاثة، هكذا حتى بلغ السبعة أحرف ليس منها إلا # شاف كاف، إن قلت غفور رحيم، سميع عليم، أو عليم حكيم، عزيز حليم هو كذلك، ~~ما لم تختم عذابا برحمة أو رحمة بعذاب ". # PageV01P361 # وقد روي في ذلك أخبار كثيرة يطول تتبعها، وفي بعض ما ذكرناه منها # ما يدل على ما نقصده من العرض وكشف الشبهة، وأدل ما نقول في هذا: # إن هذه الأخبار التي ذكرناها أخيرا من مشاجرة عمر لحكم بن هشام وأبي # لعبد الله بن مسعود ورجل آخر، وعمرو بن العاص لآخر خالف ما لقنه عن # النبي - صلى الله عليه وسلم - وترافعهم إليه وتخاصمهم بحضرته واستعظامهم ~~الأمر في ذلك، من أدل الأمر على تشدد القوم في هذا الباب وتصعبهم وتدينهم ~~بقراءة القرآن على ما أقرئوا عليه من اللفظ دون المعنى والعمل والاجتهاد في ~~القراءة على غلبة الظن فيها، وأنهم كانوا لا يرون وضع الآية والكلمة منه في ~~غير الموضع الذي وضعت فيه، وأنهم كانوا يحرمون ذلك ويأخذون أنفسهم بترتيبه ~~على ما أنزل وقراءته على ما وقفوا عليه من غير تغيير ولا تبديل ولا تقديم ~~ولا تأخير ولا تساهل في القراءة بالمعنى، على كذب من ادعى عليهم شيئا من ~~ذلك واستجازته وأنهم أجازوا تقديم المؤخر وتأخير المقدم والقراءة على ~~المعنى والاستحسان وغالب الظن والرأي والاجتهاد، لأن ما يجوز فيه ذلك عندهم ~~لا يقع فيه هذا التخاصم والتشاجر والإعظام له، فوجب بذلك نفي ما فرقوا به ~~الصحابة من ذلك وأضافوه إليهم منهم. # وكيف يستجيزون ذلك، وقد علموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يعرض عليه القرآن في كل مرة وظهرت الرواية بينهم بذلك، حتى رووا أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعرض عليه القرآن في كل ms224 عام مرة، حتى كان ~~العام الذي توفي فيه يعرض عليه مرتين، قالوا: فكأنهم يرون أن العرضة ~~الأخيرة في قراءة ابن عفان، وكل هذا يدل على إحاطة القوم بعلم ترتيب القرآن ~~على الوجه الذي رتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه لا يجوز أن ~~يذهب عليهم ذلك مع تكرر عرض الرسول له في كل عام، ولا أن يتسمحوا # PageV01P362 # ويتساهلوا في نظمه وترتيبه على خلاف ما رتبه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وعرضه، ولا أن تتوافى همم الجميع منهم على ترك ذلك وتسويغ خلاف ~~ترتيب النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو ترك الإنكار والتغليظ على من فعل ~~ذلك وأجازه، ولو كان هذا مما قد وقع وفصل وأنكره منكر، لوجب في مستقر ~~العادة ظهور هذا الإنكار وشهرته، وعلمنا ضرورة لخلاف من خالف نظم الرسول ~~وترتيبه وإنكار المنكرين لذلك، وفي عدم العلم بذلك وحصول الإجماع بخلافه ~~دليل على سقوط جميع هذه الدعاوى وتكذبها وسلامة أبي بكر وعمر وعثمان وسائر ~~الصحابة مما قذفوهم به وأضافوه إليهم من التبديل والتغيير والزيادة ~~والنقصان والتقديم والتأخير وغير ذلك مما رموهم به. # ثم رجع بنا الكلام إلى معنى السبعة الأحرف المروية وتفسيرها ووجوب # إطلاق القراءة بسائرها، فنقول أولا: إن جميع ما قدمنا ذكره من الأخبار # المتظاهرة عن الرسول نص منه على أن القرآن منزل على سبعة أحرف # وسبعة وجوه من القرآن كلها صواب وحلال مطلق القراءة بها، فلذلك قال # جبريل عن الله سبحانه: "بأيها قرأتم فقد أصبتم وأحسنتم ". # وقال الرسول صقى الله عليه لعمر وهشام وأبى وعبد الله بن مسعود وعمرو بن ~~العاص والرجل الذي رافعه إليه: "قد أصبتم وأحسنتم ". # ثم أخبرهم أن كل تلك القراءات منزلة من عند الله تعالى، ومن جملة السبعة ~~الأحرف التي راجع فيها وسأله التخفيف عن أمته، وأنه استزاد الملك فزاده حتى ~~بلغ سبعة أحرف، فوجب بذلك القطع على تصويب كل قارىء ببعض هذه السبعة ~~الأحرف، وأنها بأسرها من عند الله تعالى، وأن عثمان وأبيا وعبد الله بن ~~مسعود لم يختلفوا قط ms225 في شيء من هذه الأحرف السبعة، ولا أنكر أحد منهم على ~~صاحبه القراءة ببعضها والإخبار له وإطلاق الباقي لمن قرأ به، # PageV01P363 # وأن عثمان لم يحرق شيئا من المصاحف لتضمنها شيئا من هذه القراءات، وأنه ~~إنما حرق منها ومنع من التمسك به لتضمنها شيئا لم يثبت أنه قرآن، وما أثبت ~~على خلاف ما أنزل الله، أو لتضمنه الآية وتفسيرها التي يخاف على غير مثبتها ~~توهمه لكون التفسير قرآنا، أو لتضمن تلك المصاحف لقرآن كان أنزل ثم نسخ ~~ومنع وحظر رسمه، فلم يعرف ذلك من سمعه أو أثبته بذكره لنفسه لا ليجعل مصحفه ~~إماما. # وقد روى رواية ظاهرة أن عمر رضي الله عنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لما نزلت آية الرجم: والشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة، أثبتها يا رسول ~~الله، فقال له: لا أستطيع ذلك لقوله عليه السلام إنه مما نهي عن رسمه، ولو ~~كان مما أمرنا بإثباته لاستطاع أن يثبته ولم يكن لتركه وإجابة عمر بأنه لا ~~يستطيع ذلك وجه. # فيجب إذا كان ذلك كله أخذ المصاحف المتضمنة لمثل هذه الأمور # وتصفية آثارها والمنع من التمسك بها والانتساخ منها إذا كان ذلك من # أجلب الأمور لفساد نقل القرآن وإدخال السنة والتخاليط فيه، وخلطه بما # ليس منه على مارتبناه وبيناه من قبل. # ووجب لذلك أن لا يكون بين عثمان وعبد الله وأبي خلاف في هذه # القراءات، وفي تسويغ جميعها وإطلاقه والقطع على أنها من عند الله جل # ذكره، وأنه لا يجوز لعثمان ولا لغيره منع القراءة بشي، من هذه الأحرف # وحظره وتخطئة القارىء به وتأثيمه بعد توقيف الرسول على صواب القارىء # بكل شيء منها، لأنه لا يسوغ لأحد أن يحرم ويحظر ما أحقه الله جل وعز # ويخطىء من حكم الله بصوابه، وحكم الرسول بأنه محسن مجمل في قراءته، # PageV01P364 # وأنه لا يجوز أبدا أن تتفق الأمة على حظر ما أحقه الله تعالى وتخطئة من # أخبر الله بصوابه، لأن ذلك إجماع على خطأ وهو ممتنع على الأمة. # وأنه لا يسوغ أيضا لمذع أن ms226 يدعي أن ما أحقه الله وأطلقه وحكم بصواب # فاعله حلال بشريطة أن لا يحرمه إمام الأمة ويمنع منه أو بأن لا يجمع # المسلمون على خلاف ما حكم الله به، لأن الإجماع على ذلك خطأ وإجماع # على مخالفة حكم الله سبحانه، ولن يجوز أن يتفق منهم أبدا، ولأن ذلك لو # ساغ أن يقال في بعض ما حكم الله به لساغ أن يقال مثله في جميع أحكام الله # تعالى، وأن جميع ما أحقه وحرمه وأوجبه وأباحه وأطلقه إنما أوجبه وأباحه # وحرمه بشريطة أن لا يحكم إمام الأمة فيه بخلاف حكم الله تعالى، ويرى أن # مخالفة حكم الله من مصالح الأمة، وبأن لا يجمع الأمة على مخالفة حكم # الله بذلك الشيء، ويرى أن منعه أصوب وأحوط للأمة من إطلاق مقال لا # ينكر سقوط قطع السارق وجلد الزاني والقصاص إذا أدى ذلك في بعض # الأوقات إلى تهارج الأمة وسفك الدماء وتعطيل جميع الحدود والأحكام. # وأن يسقط أيضا لمثل ذلك في بعض الأحايين فرض الصلاة والحج # والصيام، إذا خيف في تيقنه فرضه على الناس تهارج وفتنة وتعطيل الأحكام # والارتداد واللحوق بدور الكفر، فإن من صار على ذلك أجمع خرق # الإجماع وفارق الدين، وإن أباه لم يجد فصلا. # وإن قال: إنه لا يجوز أن تفسد الأمة أو بعضها بنفيه بعض الأحكام على ما # حكم به، ويكون ذلك لطفا في فسادها، قيل له: وكذلك لا يجوز أن يتفق مثل ~~هذا في إطلاق القراءات التي أنزلها الله سبحانه وأحقها وحكم بصواب القارىء ~~بها. # PageV01P365 # وإن قالوا: بالضرورة يعلم أن حكم الله تعالى بوجوب قطع السارق وجلد # الزاني وفرض الحج والصلاة دائم مؤبد على الأمة بغير شرط، قيل لهم: وبمثل ~~هذه الضرورة يعلم أن إطلاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهذه القراءات ~~والحكم بصوابها مؤبد، ولا جواب عن ذلك، وقد أشبعنا هذا الكلام فيما سلف بما ~~يغني عن إعادته. # وإذا كان ذلك كذلك ثبت صواب جميع هذه الأحرف والقراءات وإطلاقها # على التأبيد، وأن الصحابة لم يكن بينهم خلاف في ms227 هذا الباب، وأنه يجب أن # يحمل الأمر في كل خلاف روي عنهم في المصاحف والقراءات، خرجوا فيه # إلى المنافرة والإنكار والمنع من القراءة بما اختلفوا فيه، على أن ذلك # الاختلاف ليس من هذه الأحرف السبعة والقراءات التي أحل الله سبحانه # جميعها في شيء، وإنما هو في بعض ما تقدم ذكره مما لم يصح وتقوم الحجة # بأنه قرآن منزل، أو فيما كان نزل ونسخ أو فيما أثبت من تأويل مع تنزيل ~~على وجه التذكرة، أو مما أسقطت كتابته وحذف، وهو قرآن ثابت، قد أمر الله ~~سبحانه به وألزم إثباته وقراءته، ونحو هذا مما يجب إنكاره ومنعه والمنافرة ~~فيه، وهذه جملة كافية في هذا الباب، وبالله التوفيق. # PageV01P366 ### | (باب) # القول في تفسير معنى القراءات السبع التي أنزل الله جل وعز القرآن بها # فإن قال قائل: فما هذه الأحرف السبعة، وما تأويلها وحسن الاختيار # فيها، قيل له: هي في الأصل على أربعة أضرب، فثلاثة منها مروي تفسيرها # عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعض التابعين، والضرب الرابع ثابت عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يكن نص في تفسيرها، وقد اختلف الناس ~~في تأويله اختلافا سنذكره فيما بعد إن شاء الله، ونصف ما نختاره ونقيم ~~الدليل على صحته، وحرفان من # الأحرف الثلاثة المروي تفسيرها قد ورد تفسيرها عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من ذلك فهو ما قدمنا ذكره من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن ~~الكتاب الأول أنزل من باب واحد، وكان على حرف واحد، وأنزل القرآن من سبعة ~~أبواب على سبعة أحرف: نهي وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا ~~حلاله وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا ~~بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا". # فهذا نص منه على تفسير هذه السبعة الأحرف بما يمنع ويحظر من زيادة # عليها ونقصان منها، أو تفسيرها بغير ما فسره - صلى الله عليه وسلم - ~~وبينه، وليست هذه السبعة الأحرف هي الأحرف التي أجاز لعمر وهشام وعبد الله ~~وأبي ms228 وعمرو ومن رافعه إليه القراءة بجميع ما اختلفوا فيه وصوبهم عليه، وقال ~~لهم في سائره أصبتم وأحسنتم، وهكذا أقرأتكم، لأن القرآن على عصر الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV01P367 # وبعده لم يختلف في أنه لا يجوز التحريم موضع التحليل والمحكم موضع ~~المتشابه والأمر في مكان النهي، هذا مما لم يختلف قط فيه سلف الأمة ولا ~~خلفها، ولا يجوز أن يقع ذلك منها، وإنما اختلفت في وجوه الإعراب والإمالة ~~والتقديم والتأخير وتغيير الاسم بما ينوب عنه إلى أمثال ذلك من وجوه الأحرف ~~السبعة مما سنشرحه فيما بعد إن شاء الله وكذلك قال ابن شهاب عند ذكره ~~السبعة الأحرف التي رواها: "بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر ~~الذي يكون واحدا لا يختلف في حلال ولا حرام ". # وإذا كان ذلك كذلك ثبت أن هذه السبعة المفسرة عن الرسول ليست # هي السبعة الأحرف التي يسوغ الاختلاف فيها، وليس يجب إذا أنزل الله # القرآن على سبعة أحرف هي: أمر ونهي وتحليل وتحريم وغير ذلك أن لا # ينزله على سبعة أحرف أخر وهي: أوجه وإعراب مختلف وإنها مختلفة # اللفظ متفقة المعنى، وغير ذلك، وأن تكون الأخبار عن أنه أنزل على سبعة # أحرف لا يسوغ بغيرها، والاختلاف فيها منافيا للإخبار بأنه منزل على سبعة # أحرف أخر ليست من هذه الضروب، يسوغ الاختلاف فيها. # وإذا كان ذلك كذلك صح ما قلناه وثبت أن هذه السبعة الأحرف # المفسرة ليست هي القراءات السبعة المختلف في تأويلها. # فإن قال قائل: الأمر والنهي والتحليل والتحريم لا يسمى في اللغة # حرفا، وإنما يسمى كل ضرب منه وجها وضربا من الكلام وكلمة، فكيف # استجاز الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يسمي الأمر والنهي حرفين. # يقال له: هذا اعتراض على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسؤال لازم له إن ~~كان لازما دوننا. # فإن كان السائل عن ذلك معترفا بالنبوة فلا سؤال له، # PageV01P368 # وإن كان مبطلا لها لم يجب أن يكلم في تفسير الأحرف والقراءات، ثم يقال ~~له: قد صح بما سنبينه فيما بعد ms229 إن شاء الله أن الوجه الذي يقع عليه الفعل ~~والكلام يسمى في اللغة حرفا ولذلك قال الله سبحانه: (ومن الناس من يعبد ~~الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر ~~الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) . # وإنما عنى بالحرف - وهو أعلم وأحكم - الوجه الذي تقع العبادة عليه، يقول ~~إن منهم من يعبد على النعمة والرخاء والغنا ويطمئن إلى ذلك، فإن تغيرت حاله ~~إلى فقر وشدة وغير ذلك، ترك عبادة ربه وكفر به، وإذا كان ذلك كذلك، وكان ~~الأمر وجها والنهي وجها آخر منه، وكذلك التحليل والتحريم، جاز أن يسمي رسول ~~الله كل ضرب من هذه الضروب حرفا، على تأويل أنه وجه من وجوه الكلام، وإذا ~~كان ذلك كذلك سقط السؤال وزالت الشبهة والاعتراض. # وأما الضرب الثاني من الثلاثة التي روي تفسيرها فهو ما قدمنا ذكره في # رواية أبى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يا أبي إني أقرئت ~~القرآن، فقيل لي على حرف أو حرفين، فقال الملك الذي معي: على حرفين، فقلت: ~~على حرفين، فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة، فقال الملك الذي معي: على ثلاثة، ~~قلت: على ثلائة، هكذا حتى بلغت سبعة أحرف، ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت: ~~غفور رحيم سميع عليم، أو عليم حكيم عزيز حكيم هو كذلك ما لم تختم عذابا ~~برحمة أو تختم رحمة بعذاب ". # هذا آخر الخبر. # وفي هذا الخبر أيضا من نص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على تفسير هذه ~~الأحرف ما يمنع من التأويل والاختلاف فيه، وتكليف غير ما قاله الرسول أو ~~تغييره، وهل السبعة الأحرف الأخر أيضا ليست السبعة الأولة التي فسرها ~~بالأمر والنهي على ما قدمناه، ولا السبعة التي هي وجه من القراءات، واختلاف # PageV01P369 # اللفظ والإعراب والتقديم والتأخير، وإنما هي سبعة أوجه من أسماء الله # تعالى لها سبعة معاني وسبع عبارات مختلفة، وليس يجب إذا أنزل الله تعالى # القرآن على هذه السبعة الأحرف والتي قبلها أن ينزله على سبعة أحرف ms230 على # السبعتين الأولتين، لأن ذلك غير متناف ولا متضاد ممتنع. # فإن قال قائل: فما تقولون في بقاء حكم هذه السبعة الأحرف الثابتة. # ومما روي من تفسيرها، وأنه يجوز أن يجعل مكان غفور رحيم ومكان # حكيم عليم ومكان عزيز عليم ما لم يختم عذاب برحمة أو رحمة بعذاب. # هل حكم ذلك باق، وهل يجوز أن يكون مكان كل اسم لله تعالى من هذه # الأسماء غيره مما هو بمعناه أو مخالف لمعناه أم لا؟ # يقال له: نقول في ذلك إن هذه الرواية إذا صحت وثبتت، وجب أن # يحمل الأمر فيها على أن ذلك كان شائعا مطلقا ثم نسخ ومنع وأخذ على # الناس أن لا يبدلوا أسماء الله تعالى في آية وموضع من المواضع بغيره، مما # هو بمعناه أو مخالف لمعناه، لأن ذلك مما قد اتفق المسلمون عليه، ولذلك # لم يسغ أن يقال قل أعوذ برب البشر مكان الناس، وقل أعوذ بخالق الناس # مكان رب الناس، وتبارك الله أحسن المقدرين أو المخترعين أو المنشئين # مكان قوله الخالقين، في أمثال ذلك مما قد اتفق على منعه وحظره، فثبت # أن هذا مما كان مطلقا مباحا، ونسخ. # ويجوز أن يكون قد شرع في صدر الإسلام أن يجعل مكان الحرف # الواحد خلافه مثل مكان عليم قدير، وأن يجعل مكانه مثله مثل مكان غفور # رحيم، ثم نسخ ذلك من بعد، فأما أن يجعل مكانه ضده مثل مكان غفور # شديد العقاب، فلم يكن ذلك جائزا بالإجماع. # PageV01P370 # وقد يجوز أن يقول قائل: إن المباح كان من الأسماء المبدلة التي يسوغ # وضع كل شيء منها مكان غيره سبعة من أسماء الله فقط، حتى لا يلزمه ذلك # في سائر أسمائه تعالى، وذلك غير ممتنع، إلا أنه لما اتفق المسلمون على # أنه ليس في شيء من أسمائه تعالى الثابت في آية من الآي ما يجوز أن يبدل # بغيره علم بذلك نسخ ما تضمنه هذا الخبر من إطلاق هذا الباب ورفعه بعد # تحليله، وليس بمحال أن ينزل الله سبحانه القرآن على وجه ثم ينسخ ms231 ذلك # الوجه من القراءة بغيره، كما أنه ليس بمحال أن ينزله في الأصل إلا على # وجه واحد وليس بمحال واحد، وليس بمحال رفع التلاوة نفسها ونسخها # بعد إنزالها وإيجاب القراءة لها، وإذا كان ذلك كذلك ثبت ما قدمناه. # فأما الوجه الثالث المروي تفسيره عن بعض التابعين، فهو ما قدمنا ذكره # عن عمرو بن الحارث وابن لهيعة روايتان رواهما بكير: # إحداهما: أن عمرو بن العاص قرأ آية من القرآن فسمع رجلا يقرؤها # خلافا لقراءته، فقال من أقرأك هذا، فقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فذهب به إليه، فذكر له وقرأ عليه كلاهما، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أصبتما، إن القرآن نزل على سبعة أحرف "، فقال بكير: وذكر لي ~~أنه قيل لسعيد بن المسيب: ما سبعة أحرف، فقال: كقولك هلم وتعال وأقبل، وكل ~~ذلك سواء. # وهذا التفسير وإن كان مما لا يلزمنا قوله والقطع على صحته لكونه مذهبا ~~وقولا لسعيد بن المسيب ولا سأل بكير عن ذلك سعيد. # وقوله: بلغني أن سعيدا قيل له، ولم يذكر من بقغه ذلك عن سعيد، فإنه يمكن ~~أن يكون صحيحا، وأن يكون الله سبحانه قد كان أباح للقارىء في صدر الإسلام ~~أن # PageV01P371 # يجعل مكان اسم الشيء المذكور في الآية غيره من أسمائه التي هي بمعنى # ذلك الاسم، أو أباح ذلك في سبعة أسماء فقط، إما من أسماء الله تعالى أو # من أسماء غيره، أو أباح ذلك في سبع كلمات ليست بأسماء له، معنى كل # واحدة منها معنى الأخرى، وأطلق القراءة بأيها شاءوا وخيرهم في إبدال # الاسم والكلمة بما هو بمعناها في تلك السبع الكلمات أو الأسماء المخصوصة. # ثم إنه سبحانه حظر ذلك بعد إباحته ومنع على ما بيناه من قبل. # وتحتمل هذه الرواية أيضا أن يكون من سعيد بن المسيب تفسير لبعض # الحروف السبعة، الشافي حكم القراءة له، فكأنه قال: هذه سبيل السبعة # الأحرف أو أكثرها في أنه اختلاف بالإعراب والتقديم والتأخير والإمالة # وتركها، والجمع والتوحيد لا يفسد معنى ولا يغيره، مثل الصوف ms232 المنفوش # مكان العهن، وقوله إن كانت إلا زقية واحدة مكان صيحة، وطعام الفاجر # مكان الأثيم، مثل هلم وتعال وأقبل، وكأنه فسر السبعة بوجه منها، ليبينه # بذكره على أنها أو أكثرها جارية مجرى ذلك الوجه، في أنها لا تغير معنى # ولا تفسده، وإن كان فيها ما يختلف معناه اختلافا لا يتضاذ ويتنافى على ما # سنبينه فيما بعد إن شاء الله، فهذا وجه القول في هذا التفسير المروي عن # سعيد بن المسيب وما جرى مجراه مما روي عن غيره. # وأما الوجه الرابع من ضروب السبعة الأخر: فهو الضرب الذي صوب # فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القراءة بجميعها، وأنه وافاه عمر ~~وهشام وأبى وعبد الله وعمرو ومن خالفه على سائرها، وهي التي راجع الله ~~تعالى فيها فزاده وسهل على أمته لعلمه بما هم عليه من اختلاف اللغات ~~واسستصعاب مفارقة الطبع والعادة في الكلام إلى غيره، وتأويل هذا الضرب من ~~السبعة الأحرف أنه أنزل على سبع قراءات وسبعة أوجه، وقوله أحرف وقراءات ~~ولغات وأوجه # PageV01P372 # بمعنى واحد، والدليل على صحة هذا التأويل أن الحروف في اللغة إنما # تستعمل في الأصل في أحد شيئين: # أحدهما: طرف الشيء وشفيره وحاشيته، ومنه قولهم: حرف الطريق # وحرف الوادي وحرف الإجانة وحرف الرغيف، وكذلك قولهم في حرف # الدرهم والدينار وطرف كل جسم وشفيره وحاشيته وهذا مما لا خلاف فيه. # ويستعمل أيضا في المثال المقطوع من حروف المعجم التي فيها الألف # والباء والتاء وغير ذلك، وتستعمل أيضا في الكلمة التامة التي هي حروف # كثيرة مجتمعة وذلك ظاهر بينهم معروف في الاستعمال، وذلك أنهم يقولون # ما سمع عن زيد في هذا الباب حرف ولا تكلم فيه بحرف ولا به في هذا # العلم من الكلام حرف واحد، وما ذكر فلان من خبره، وما سئل عنه حرفا # ألبتة، وقد نغم فلان في هذه القصة بحرف سوء. # وقد عرف أنهم لا يعنون بذكر الحرف في جميع هذا الكلام عنه حرف # واحد مقطوع أنه لم يسمع ممن نقل الكلام عنه، حرف واحد مقطوع من ms233 أل # أو يا، أو واو، ولأن الحرف الواحد لا يصح التكلم به فيسمع أو لا يسمع، ~~وكذلك إذا قالوا ما نطق ولا تكلم بحرف واحد، فإنهم إنما يعنون أنه ما # تكلم بكلمة ولا أورد نقطة، لأن الحرف الواحد المنقطع لا يكون قولا ولا # كلاما فلا يصح أن ينفى التكلم به أو يثبت، وكذلك إذا قيل: ما صنف فلان ~~ولا تكلم في هذا العلم بحرف، فليس يعني بذلك إلا نفي كلامه فيه، ولا يعني ~~أنه لم يورد فيه ألفا أو واوا. # وكذلك إذا قالوا: ما تكلم فلان من خبر فلان بحرف، إنما يعنون أنه لم # يتكلم بكلمة هي خبر عن بعض أموره، لأن الكل قد أطبقوا على أن الحرف # PageV01P373 # المقطوع من حروف المعجم ليس بخبر، ولا يصح أن يكون خبرا حتى يقال # إنه ما أخبر به الرجل أو أخبر به، وإذا كان ذلك كذلك ثبت أنهم يسمون # الكلمة المجتمعة من حروف كثيرة حرفا. # ويبين ذلك أيضا ويوضحه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أخبر على ~~وجه الترغيب بأن للقاريء بكل حرف عشر حسنات بين ذلك وفسره، فقال: "أما إني ~~لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام وميم حرف " فتبين أنه أراد بذلك الصور ~~المقطعة من حروف المعجم التي هي اب ت ث، لئلا يظنوا أنه أراد بذكره الحروف ~~الكلمة المنظومة التامة من حروف كثيرة ولو الم، تسم الكلمة عندهم حرفا، لم ~~يكن لهذا التفسير معنى، وكل هذا يوضح عن أن الكلمة تسمى في اللغة حرفا، ~~وكذلك الكلمة قد استعملت عندهم في أقل الكلام وأكثره واستعملت في القصيدة ~~بأسرها والخطبة بطولها والرسالة # بتمامها. # وقال الشاعر: # إنك لو شاهدتنا بالخندمة ... إذ فر صفوان وفر عكرمة # لم تنطقي باللوم أدنى كلمة # يريد أقل كلمة وأيسرها لشدة ذلك وصعوبته، وما قالوا ما يسرهم. # قال الشاعر في كلمة كذا وكذا يريدون بذلك في قصيدته، لأنهم ربما حكوا عنه ~~كلاما كثيرا من كلمات فقالوا مع ذلك هذا، قالوا في كلمته، وليس يجوز أن ~~يقول ms234 في كلمة واحدة كلمات كثيرة، وربما حكوا أنه قال في كلمة وصف حرب طال، ~~أو حال رجل شجاع أو جبان أو حكوا عنه شيئا طويلا # PageV01P374 # يقولون: قاله في كلمته، فعلم أنهم يعنون بالكلمة القصيدة، وشهرة هذا # عنهم يغني عن الاحتجاج له، وإن كان ما ذكرناه يزيل ريب من علم له # بجوامع كلام القوم، وكذلك إذا قالوا: قال المترسل أو الخطيب في كلمته # كذا وكذا، إنما يعنون به الخطبة والرسالة. # وإذا كان ذلك كذلك وثبت أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يرد بقوله: ~~أنزل القرآن على سبعة أحرف، حروف المعجم المصورة على المثال الذي يكون منها ~~ألف وباء وتاء، لأن ذلك لا معنى له، لأنه منزل إذا على التسعة والعشرين، ~~ولأن كل مثال منها حرف على الحقيقة إلا لام الألف لأنها مؤلفة من حرفين ~~وأدخلت الألف في اللام، فصارت صورتها صورة لا. # وإذا كان ذلك كذلك وكان القرآن منزلا بسائر حروف المعجم، فما # معنى حمل الخبر على أنه سبعة أحرف منها، هذا ليس من كلام أهل العلم # والتحصيل بسبيل، ولا يجوز أن يكون المراد بذلك أنه أنزل على سبع # كلمات فقط، لأن الكلام المنزل أكثر من سبع كلمات وسبع وسبع بشيء # كثير، فما معنى تأويل الخبر على أنه منزل على سبع كلمات، هذا أيضا مما # لا محصول له ولا تعلق لأحد فيه. # فثبت بذلك أن الأحرف السبعة التي ذكرت إنما هي سبع لغاب وسبعة # أوجه وسبع قراءات مختلفات، والوجه والطريقة التي يكون الكلام وغيره # أيضا عليها يسمى في اللغة حرفا، قال الله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله ~~على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا ~~والآخرة) . # ولم يرد تعالى بذكره الحرف في هذه العبارة الحرف من حروف المعجم ولا أراد ~~الكلمة، وإنما أراد وهو سبحانه أعلم الوجه والطريقة التي تقع عليها # العبادة، وأن منهم من يعبد الله على الخير يصيبه والنماء في ماله، وإكمال # PageV01P375 # صحته ووفور نعمه، ومنهم من يعبده على الشدة ms235 والبأساء والرجاء، وكيف # تصرفت به الأحوال، لأنه عنده أهل لأن يعبده مع التفضل والامتحان وعلى # الخيرات والإنعام. # وقد قيل: إن معنى قوله تعالى: (يعبد الله على حرف) أي على شك # وغير استبصار وطمأنينة، وجعل الحرف مثلا لقلة الطمأنينة، كما يقال فلان # على شفا جرف، إذا كان غير متمكن في الأمر، قال أبو عبيد: وكل شاك في شيء ~~فهو على حرف. # وقيل: إن الآية نزلت في أعاريب من بني أسد أسلموا على يد النبي # - صلى الله عليه وسلم -، فكانوا إذا سلمت مواشيهم وأعطوا من الصدقة ~~استقاموا على الإسلام، وإذا لم يعطوا وهلكت مواشيهم ارتدوا عن الإسلام، وهو ~~العبادة لله سبحانه أيضا عباد له على وجه وطريقة هي الشك وعدم اليقين، ~~ومخالفة لعبادته باليقين، والصبر على البأساء والضراء، فلا معنى لقول من ~~زعموا أن الوجه لا يسمى حرفا. # وإذا كان ذلك كذلك ثبت أن الوجه والطريقة التي لا يقع الشيء عليها # تسمى في اللغة حرفا، فوجب لذلك أن يكون قوله سبعة أحرف أنه أنزل على سبعة ~~أوجه وسبع لغات وسبع قراءات مختلفة، والاختلاف فيها إما أن يكون # في تبيينها وصوريها، أو في معناها بحركة أو إمالة أو وجه من وجوه # الإعراب بغير معناها، وإن كانت الصورة في الكتابة بعينها غير مختلفة على # ماسنبينه من بعد إن شاء الله. # ومما يدل على صحة هذا التأويل قول الناس إن هذه الكلمة مقروء في # حرف أبي بكر أو في حرف عبد الله بغير هذا، وفي حرف زيد والجماعة # PageV01P376 # بخلاف حرف عبد الله وأبي، وإنما يعنون بذكر حرف كل واحد منهم قراءته # واللغة التي يختارها، والقراءة التي اجتباها وآثرها على غيرها. # وإنما سميت القراءة حرفا، وإن كانت كلاما كثيرا، لأن منها حرفا غير # نظمه أو كسر وقلب إلى غيره أو أميل أو زيد أو نقص أو قلب نحو قيوم، إذا # قلبت فقيل قيام، وقد جعلت الواو من قيوم ألفا، فينسب القراء واو الكلمة # الثابتة إلى الحرف المغير المختلف الحكم من القراءتين، ومما يدل أيضا # على صحة ms236 ما قلناه ويزيده وضوحا أن الناس اختلفوا في تأويل ما روي في # ذلك على وجوه: # فقال قوم السبعة الأحرف: حلال وحرام وأمر ونهي وموعظة وقصص # وأدب، وقال قوم: محكم ومتشابه وقصص، وقال آخرون: تأويل الأحرف # أنها سبعة أنواع من الكلام، خبر واستخبار وأمر ونهي وتمن وتشبيه وجحد. # وقال قوم: معنى الأحرف أنها سبعة أسماء تترادف على الشيء الواحد # يكون معناها واحدا، واختلفت صورها مثل قولك أقبل وهلم وتعال وجيء # واقصد وتقدم وادن واقرب، وما جرى مجرى ذلك، وقال آخرون: معنى # الأحرف أنها أسماء وصفات لله تعالى، مثل عليم حكيم وسميع عليم وبصير # وعزيز حكيم، وأمثال ذلك. # وقال قوم: الأحرف المذكورة في الخبر: وعد ووعيد وحلال وحرام # ومواعظ وأمثال واحتجاج، وقال آخرون: معناها حلال وحرام وأمر ونهى # وخبر ما كان قبل وخبر ما هو كائن بعد وأمثال، وقال آخرون: معناها سبع ~~قراءات بلغات سبع في حرف واحد، إما بتغيير إعراب سبع جهات أو في حرف للسبع ~~لغات بغير تغيير إعراب بل بصور مختلفة أو زيادة أو نقصان. # PageV01P377 # ثم اختلفوا في تأويل الخبر من وجه آخر، فزعم قوم أن كل كلمة # تختلف القراءة بها فإنها مقروءة منزلة على سبعة أوجه وإلا بطل معنى # الحديث. # قالوا: ولكنا نعرف بعض هذه الأوجه في الكلمة المختلفة القراءة # لظهور نقله ومجيء الخبر به، ولا يعرف بعضها، لأن الخبر لم يأتنا بذلك. # وقال منهم قائلون: ليس بموجب ظاهر الحديث أكثر من أن يوجد في القرآن # كلمة أو كلمتان تقرآن على سبعة أوجه، فإذا حصل ذلك تم معنى الحديث. # وأننا لا نعرف قدر ما فيه مما أنزل على سبعة أحرف على التحقيق، غير أننا # نعرف أن ذلك شي بلا كثير لاختلاف القراءة في مواضع كثيرة، ولو لم توجد # فيه إلا كلمة تقرأ ليقرأ على سبعة أوجه فهي أوفت الحديث معناه. # والذي نختاره أن معنى ذلك: أنه وجه وطريقة يقرأ عليها جميع القرآن # أو معظمه أو قريبا من معظمه، وهذا التأويل هو المراد بقول الناس: # حرف عثمان والجماعة يخالف ms237 حرف عبد الله بن مسعود، وحرف أبي غير # حرف زيد، وفلان يقرأ بحرف عاصم دون حمزة، يعني بذلك وجها وطريقة # من القراءة يقرأ معظم القرآن عليها. # ومن البعيد أن يكون ذلك منصوبا إلى كلمة منه أو اثنتين فقط تقرآن # على سبعة أوجه، لأن قوله: أنزل القرآن على سبعة أحرف". # عبارة لا تستعمل في العادة إلا في جميع القرآن أو معظمه، يدل على ذلك أن ~~الناس إذا اختلفوا في بيت من قصيدة أو كلمة أو رسالة أو مسألة أو كلمة من ~~كتاب مصنف، لم يجز في العادة أن يقال: هذه القصيدة أو الخطبة أو الرسالة ~~تنشد وتروى على وجهين أو وجوه، وإنما يجب أن يقال: إن الكلمة الفلانية من ~~الخطبة أو البيت الفلاني من القصيدة تنشد وتروى على وجوه، وكذلك # PageV01P378 # لا يقال: هذا الكتاب مروي على وجهين ونسختين لاختلاف وقع في كلمة # فيه، وإنما يقال هذه المسألة فيه والكلمة تروى على وجهين، فوجب بذلك # أن تكون العادة في هذا الاستعمال على ما وصفناه. # وقد زعم قوم أن معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنزل القرآن على ~~سبعة أحرف "، أنه منزل على سبع لغاب مختلفات، وهذا أيضا باطل إن لم يرد ~~باللغات الوجوه المختلفة التي يتكلم بجميعها وتستعمل في اللغة الواحدة، ~~والدليل على فساد ذلك علمنا بأن لغة عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم وأبي بن ~~كعب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت كلها لغة واحدة وإنها ليست لغات ~~متغايرة، وهم مع ذلك قد تنافروا وتناكروا القراءة وخرجوا إلى ما قدمنا ~~ذكره، ولو كانوا أيضا يتكلمون بلغات مختلفة لم يكن ما بينهما من الاختلاف ~~مع كونها لغة العرب ولسانها، يوجب خروجهم إلى ما خرجوا إليه، لأنه لم يكن ~~في تلك اللغات مستشنع ولا مستضعف مرذول يجب إنكاره ورده. # فوجب بذلك أن يكون ذلك الاختلاف في حروف ووجوه من القراءات # أنزل القرآن عليها، وإن كانت كلها لغة قريش ومن جاورهم وقارئهم. # فوجب أن يكون التأويل ما نذهب إليه، ومتى أقمنا الدليل ms238 على بطلان جميع # هذه التأويلات صح ما قلناه من أن المعني في الأحرف أنها أوجه وقراءات # ولغات مختلفة بالذي نذكره فيما بعد إن شاء الله. # والذي يبين فساد جميع هذه التأويلات توقيف رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على إباحة القراءة بجميع الأحرف السبعة وإطلاقه لذلك وإخباره بأنه ~~كذلك أنزل، وقوله في غير خبر: "فاقرؤوا كيف شئتم واقرؤوا منه ما تيسر". # وإذا كان ذلك كذلك بطل قول من زعم أن معنى الأحرف أنه حلال وحرام ووعد ~~ووعيد # PageV01P379 # ومواعظ وأمثال وجحود وتشبيه وخبر ما قبل وخبر ما بعد، وأنها أسماء الله # تعالى وصفات أو أنها أسماء سبعة تترادف على شيء واحد بمعنى واحد # وغير ذلك مما حكيناه، لأنه لو كان الأمر على ما ذكروه لكان القاريء # لكتاب الله تعالى مخيرا في أن يجعل مكان الأمر نهيا، ومكان الخبر # استخبارا، ومكان الوعد وعيدا، ومكان التمني تشبيها، وموضع التشبيه # جحودا، وموضع الجحود مثلا، وأن يجعل مكان عزيز حكيم سميع عليم. # وأن يجعل موضع قدير جواد كريم، وأن يجعل مكان نزل به الروح الأمين # هبط به، ومكان إني ذاهب إلى ربي إني منصرف إلى ربي، وموضع قوله # تعالى: (وجاء ربك) أقبل ربك. # ولما أجمع المسلمون على فساد ذلك أجمع، وحظره وتحريمه وأنه لا # يحل ولا يسوغ إبدال الوعيد بالوعد والجحد بالمثل والخبر بالاستخبار # والذهاب بالانصراف، وأن الواجب قراءة كل شيء من ذلك على ما هو # مكتوب مرسوم بغير تغيير ولا تبديل، سقطت هذه التأويلات سقوطا ظاهرا. # ومما يوضح فساد ذلك أيضا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أن ~~جبريل أقرأه القرآن بحرف ثم استزاده فزاده فقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ما زلت أستزيد جبريل ويزيدني حتى أقرأني بسبعة أحرف ". # وقد علم أنه لا يستزيد مكان الأمر نهيا وموضع الوعد وعيدا، ومكان الخبر ~~استخبارا وأمثال ذلك مما قالوه. # ولا خلاف بين الأمة في إحالة هذه الاستزادة على الرسول، وإذا كان ذلك ~~كذلك بطلت هذه التأويلات بطلانا بينا. # ومما يدل على فساد تأويل ms239 قول من قال: معنى الأحرف، عليم حكيم # وسميع بصير أن هذا في القرآن أكثر من سبعين اسما وصفة وكل أسماء الله # PageV01P380 # سبحانه وصفاته الذاتية والفعلية أسماء وصفات، وقد جاء الأثر: "إن لله # تعالى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة"، وذلك لا يدل على أنه # ليس له أكثر من هذه الأسماء، ولكن يقتضي ظاهر الخبر أن من أحصى تلك # التسعة والتسعين اسما على وجه التعظيم لله تعالى دخل الجنة، وإن كان له # أسماء أخر، فكيف يقال إن هذه الأسماء والصفات سبعة فقط. # وعلى أننا قد بينا أن القراءة بالأحرف كلها مباحة مطلقة، فلو كان # معناها أنها أسماء الله وصفاته لحل وساغ أن يقرأ القارىء مكان: (الحمد ~~لله رب العالمين) ، الشكر لله رب العالمين، وموضع: (قل أعوذ برب # الناس) ، قل أعوذ بخالق الناس، وموضع: (الخلاق العليم) ، هو الرزاق # العليم، ومكان: (قل هو الله أحد) ، قل هو الخالق الفرد، فلما أجمع # المسلمون على تضليل من صنع ذلك في قراءته وتأثيمه إذا كان قاصدا إلى # ذلك غير غالط ولا ناس ولا ساه، فسد التأويل فسادا بينا لأن ذلك لو كان # كما قالوه لم يجب حفظ القرآن على وجه، ولم يكن على الناس كلفة في # حفظه ودرسه وترتيبه، وإذا جاز أن يجعلوا موضع الرب الإله، ومكان # الخلاق الرزاق وموضع العزيز المنيع ومكان العليم الحكيم، هذا مما لا # يصير إليه أحد من المسلمين فبان بذلك فساد ما ذهبوا إليه، وقد ثبت أنه لا # يجوز إن كان ذلك مباحا في سبعة أسماء فقط من أسماء الله تعالى ثم نسخ. # فأما أن يكون تأويل السبعة الأحرف التي اختصمت الصحابة فيها فلا. # وأما من قال إن معنى الأحرف السبعة أنها: أمر ونهي وخبر واستخبار # وتمن وأمثال، فقد بينا فساد ذلك حيث قلنا إن القاريء ليس بمخير في أن # يجعل كل ضرب من هذه الضروب مكان غيره، وقد استدل على فساد ذلك # بما ليس بالقوي، فميل: ويدل على فساد ذلك أيضا أن أهل العربية قد # PageV01P381 # أدخلوا بعض هذه الأقسام ms240 في بعض، فقالوا الكلام خمسة أنواع، وقالوا أكثر # من ذلك شيء كثير، ثم حصروا ذلك بأن قالوا: خبر واستخبار وأمر ونهي. # ودعاء دخل في الأمر نحو قولك: اللهم افعل بي كذا وكذا، وجحد دخل في # الخبر نحو قولك: ما قام زيد، وكذلك القسم خبر، والإعراب داخل في # الأمر، والتمني داخل في الطلب، فمنهم من يقول الذي يحيط بجميع # ضروب الكلام خبر واستخبار وأمر ونهي، وإذا كان ذلك كذلك بطل قولهم # إن السبعة الأحرف هي هذه الأقسام، لأنها أربعة على التحقيق بدل السبعة. # فبان فساد ما قالوه من أنه لا معنى للسبعة الأحرف المذكورة إلا هذا. # ولكن يمكن أن تكون هذه سبعة أحرف أنزلت على ما فسره الرسول # جمييه، وهي غير السبعة التي صوب المختلفين فيها من الأوجه والقراءات. # فحصر أوجه السبعة بأربعة أوجه لا يدل على فساد هذا التأويل. # وأما ما يدل على فساد قول من زعم أن معنى الأحرف السبعة أنها أسماء # مترادفة على شيء واحد، إن ذلك لو كان كذلك لوجب أن يكون القرآن # منزلا على أكثر من سبعة أحرف وعلى أقل منها أيضا، لأن من الأشياء التي # ذكرها الله تعالى أكثر من سبعة أسماء في اللغة، ومنه ما له أقل من سبعة # أسماء، ومنه ما لا اسم له إلا واحدا، فبطل ما قالوه. # فإن قيل: أراد بذلك أن الأسماء التي ذكرها الله تعالى وأودع اسمها # كتابه ما ذكره لسبعة أسماء من أسمائه فقط وإن كان له أكثر من تلك # الأسماء، قيل لهم: هذا فاسد لأننا لا نعرف في شيء مما ذكره الله تعالى # ، مما له سبعة أسماء ذكره الله تعالى بها في موضع واحد أو في مواضع # متفرقة، وإن كان ذلك كذلك سقط ما قالوه. # PageV01P382 # ويدل على فساد هذا التأويل أيضا أن قارئا لو قرأ مكان (وجاء ربك) ، ووافى ~~ربك، وقرأ: "إني ماض إلى ربي" مكان، (إني ذاهب إلى ربي) # ولو قرأ: "جيئوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم" أو: "وافوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم" مكان قول ms241 الله تعالى: (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) # لم يسغ ذلك ولم يحل بإجماع المسلمين، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه # من كل وجه، ولسنا ننكر مع ما أفسدنا به قولهم أن يكون من الحروف السبعة ~~التي أنزل بها القرآن هذا الوجه بأن يكون الله تعالى ذكر شيئا أو أشياء من ~~كتابه باسمين مختلفين ولفظين متغايرين أو أسماء متغايرة مختلفة الصور، ~~ويكون هذا الباب حرفا مما أنزله وطريقة وقراءة معروفة، ولكنها تكون مع ذلك ~~بعض السبعة الأحرف، ولا يكون معنى جميع السبعة الأحرف هذا الوجه. # وقد روي أن عبد الله قرأ "كالصوف المنفوش" مكان (العهن المنفوش) . # وقرأ: "إن كانت إلا زعقة واحدة" مكان: (صيحة واحدة) . # وقرأ بعضهم: "إن شجرة الزقوم طعام الفاجر" مكان: (طعام الأثيم) . # فيكون هذا الاختلاف في الأسماء التي معناها واحد وجها مما # أنزله الله تعالى وسماه الرسول حرفا، وجعله بعض السبعة الأوجه التي أنزل # الكتاب بها، وإنما ننكر أن يكون هذا الضرب فقط هو معنى جميع الوجوه # والأحرف التي أنزلت على ما قاله أصحاب هذا التأويل، فهذا هو الفصل # بيننا وبينهم في تنزيل هذا الوجه ومرتبته، فدل ما ذكرناه على أن المراد ~~بذكر # الأحرف السبعة المطلقة للاختلاف إنما هو أوجه. # PageV01P383 ### | (فصل) # القول في تفسير اللغات والأوجه والقراءات السبعة التي قلنا # إنها المعنية بقوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف " # فإن قالوا: قد أوضحتم أن معنى الأحرف أنها أوجه ولغات وقراءات # سبعة وأفسدتم ما عدا هذا التأويل، فخبرونا ما تلك الأوجه واللغات؟ # قيل لهم: أول ما نقول في جواب ما سألتم عنه أنه إذا صح ما قلناه أن # معنى هذه الأحرف أنها أوجه ولغات وقراءات متغايرة، ولم يدل نص # الرسول على أعيانها بأسرها وأجناس اختلافها وطرق اللغات فيها، ولم تتفق # الأمة على ذلك فيما علمنا في عصر من الأعصار اتفاقا بلغنا، وقامت الحجة # به علينا، ولم ينتشر تفسير ذلك عن السلف ولا عن إمام في هذا الباب، ظهر ~~قوله وعلم تسليم الأمة له صحة ما قاله وفسره، وثبت ms242 أنه ليس في كتاب الله ~~سبحانه حرف أو كلمة أو آية قرئت على سبعة أوجه فينصرف الخبر إليها، وجب أن ~~نقول في الجملة: إن القرآن منزل على سبعة أوجه من اللغات والإعراب وتغيير ~~الأسماء والصور، وإن ذلك متفرق في كتاب الله تعالى، ليس بموجود في حرف واحد ~~وكلمة واحدة أو سورة واحدة تقطع على إجماع ذلك فيها، وإن لم يعرف أعيان تلك ~~القراءات والأوجه واللغات، وتحيط بحقيقة أجناس تلك الضروب من الاختلاف، غير ~~أننا نعلم أنها سبعة # أوجه موجودة في كتاب الله تعالى كما أخبر الرسول، ولم يثبت لنا توقيف # PageV01P384 # عنه تقوم به الحجة علينا في تغيير تلك الضروب من اللغات والقراءات فيخبر # بتعيينه ويقطع على ذلك من أمره. # وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون اعتقاد هذه الجملة في معنى # الأحرف السبعة من غير تفصيل وتعيين مقنعا كافيا، فسقط عنا بذلك تكلف # تفسير هذه اللغات والأوجه السبعة، وهذا أبين في صحة الاعتماد على هذا # الجواب ومع هذا فإنا لا ننكر أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد ~~بين للصحابة أو للعلماء منهم وحملة القرآن والعلم عنه عدد تلك اللغات ~~والقراءات السبعة بأعيانها، ووقفهم على عددها وأجناسها، وعلى كل شيء منها ~~أو الفرق بينه وبين غيره، وعلى موضعه الذي أنزل فيه دون غيره، وأوضح لهم ~~ذلك إيضاحا قامت به الحجة على من ألقاه إليه، ثم لم ينقل ذلك إلينا نقلا ~~تقوم به الحجة، إذ كان معرفة تلك اللغات والأوجه وتفصيلها وتنزيلها ليس من ~~فرائض ديننا، وكأن من قرأ بوجه منها أو بما تيسر من ذلك أجزأه وكفاه عن ~~غيره، فيكون العلم بعدد تلك الأجناس وتفصيل ذلك الاختلاف من فرائض من قامت ~~الحجة به عليه، وإن لم يكن ذلك من فرائضنا، إذا لم يكن شاذا لها نادرا تقوم ~~به الحجة علينا وينقطع عند سماعه عذرنا. # فبان أيضا أن عدم علمنا وقطعنا على أعيان تلك القراءات السبعة وتفصيل # اختلافها وأجناسها، لا يدل على أنه لا بد أن تكون هذه حال الصحابة، ms243 بل # يمكن أن يكون حالهم في ذلك حالنا إذا لم يوقفوا على أجناس الاختلاف. # ويمكن أن يكون قد بين ذلك لهم، فهذا ما يجب ضبطه في هذا الباب. # ومع ذلك قد يمكن أن يقال إن السبعة الأحرف واللغات التي نزل بها # القران محصورة معروفة بما يقرب أن يكون هو المراد بالخبر ولا يبعد، وأن # من هذه الأوجه الاختلاف في القراءة بالتقديم والتأخير نحو قوله: # PageV01P385 # (وجاءت سكرة الموت بالحق) ، وقد قرئ: "وجاءت سكرة الحق بالموت" (1) # وهذا اختلاف في التقديم والتأخير. # والوجه الثاني: أن يكون الاختلاف في القراءتين في الزيادة والنقصان # مثل قوله تعالى: "وما عملت أيديهم" (وماعملته أيديهم) ، بزيادة # هاء، وقوله تعالى في موضع: (إن الله هو الغني الحميد) . # وقوله في موضع آخر: (فإن الله لغني حميد) ، بنقصان هو. # وقرأ بعضهم: "يا مال" موضع: (يا مالك) ، بنقصان الكاف، ومنه # أيضا قوله تعالى: (عظاما نخرة) ، و "ناخرة" و (سراجا) و (سرجا) ونحو ذلك، ~~وروي أن بعض المتقدمين قرأ مع قوله: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها) قرأ: ~~"أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها". # وقرأ بعضهم أيضا بعد قوله: (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ~~واحدة) . # وزاد فقرأ: "تسع وتسعون نعجة أنثى"، وهذا اختلاف لم يثبت # وهو اختلاف القراءة بالزيادة والنقصان، ويقول إن الرسول أقرأ بالتقديم ~~تارة وبالتأخير أخرى، وبالزيادة تارة وبالنقصان أخرى، ووقف على ذلك إذا ثبت ~~هذا الباب في الاختلاف وأنه مروي عن الرسول عليه السلام. # والوجه الثالث: أن يكون الاختلاف في القراءة اختلافا يزيد صورة # اللفظ ومعناه، وذلك مثل قوله تعالى: (وطلع منضود) مكان قوله: (وطلح # منضود) ، ونقول أيضا: إن هذا إذا ثبت فقد أقرأ بهما الرسول # عليه السلام، وأنزل عليه كذلك، وقد روي عن بعض السلف أنه قال: معنى الطلع ~~والطلح واحد، وأنهما اسمان لشيء واحد، فإن كان ذلك كذلك فهما PageV01P386 # بمنزلة العهن والصوف والأثيم والفاجر، فيكون مما تختلف صورته في # النطق ولا يختلف معناه. # وقال الجمهور من الناس غير هذا، فزعم بعض أهل التفسير أن ms244 الطلح # هو زينة أهل الجنة، وأنه ليس من الطلع في شيء، وقال كثير منهم إن الطلح # هو الموز، وقال آخرون إن الطلح هو الشجر العظام الذي يظل ويعرش. # وإن قريشا وأهل مكة كان يعجبهم طلحات وج - وهو واد بالطائف - لعظمها ~~وحسنها، فأخبروا عن وجه الترغيب في الجنة طلحا منضودا يراد به متزاحم كثير، ~~قالوا إن العرب تسمي الرجل طلحة، على وجه التشبيه له بالشجرة العظيمة ~~المستحسنة، وإذا كان ذلك كذلك ثبت أن الطلع والطلح إذا قرئ به كان مما ~~تختلف صوره ومعناه. # والوجه الرابع: أن يكون الاختلاف في القراءتين اختلافا في حروف # الكلمة بما يغير من معناها ولفظها من السماع ولا يغير صورتها في الكتاب. # نحو قوله تعالى: (وانظر إلى العظام كيف ننشزها) ، (ننشرها) بالإعجام، ~~والانتشار الإتيان والزيادة، والإنشار الإنشاء والإحياء # بعد الممات، وقد أنزل القرآن كذلك، لأنها منشأة مبدعة ومنشور ومحياة # بعد الممات فأريد إيداع المعنيين في القراءتين. # والوجه الخامس: أن يكون الاختلاف بين القراءتين اختلافا في بناء # الكلمة وصورتها بما لا يزيلها في الكتاب ولا يغير معناها، نحو قوله ~~تعالى: # (وهل نجازى إلا الكفور) ، و (هل يجازى إلا الكفور) ، وصورة ذلك # في الكتاب واحدة، وقوله تعالى: (ويأمرون الناس بالبخل) # بالضمة، و (بالبخل) بالفتح، و (ميسرة) و (ميسرة) بالنصب والضم. # و (يعكفون) ، و (يعكفون) بالرفع والكسر، والصورة واحدة # PageV01P387 # وأمثال ذلك، ومنه أيضا قوله: (وفومها) ، أو (ثومها) ، وأمثال # ذلك كثير. # والوجه السادس: أن يكون الاختلاف بين القراءتين بما يغير صورتها # ولا يغير معناها، نحو قوله: (كالعهن المنفوش) # و"كالصوف المنفوش"، و (إن كانت إلا صحية واحدة) و "إن هي إلا زعقة ~~واحدة"، و (إن شجرت الزقوم (43) طعام الأثيم (44) . # و (طعام الفاجر) ، ومنه قوله: (وفومها) و (ثومها) ، وأمثال هذا مما لا # تختلف به صور الأسماء وحروفها، وإن لم يختلف معناها، وهذا مما أنزله # الله تعالى، لأن في العرب من يثقل عليه مفارقة طبعه ونمط كلامه، وأن # يقول صوف مكان عهن وزعقة مكان صيحة، فأنزل القراءتين وأطلقهما # رخصة وتخفيفا عن عباده مع حصول ms245 السلامة والاستقامة وإرادة الرخصة لهم # وتخليهم وطباعهم وعادتهم وسجية أنفسهم في الكلام. # والوجه السابع: أن يكون الاختلاف بين القراءتين للاختلاف في # الإعراب للكلمة وحركات بنائها، بما يغير معناها ولا يزيلها عن صورتها في # الكتاب، نحو قوله تعالى: (ربنا باعد بين أسفارنا) ، على طريق # الخبر، و (ربنا باعد بين أسفارنا) ، و (ربنا بعد بين أسفارنا) ، و (ربنا ~~بعد بين أسفارنا) بفتح العين وكسرها، وقوله: و (وادكر بعد أمة) # و (بعد أمه) ، ومعنى أمة حين، وأمه معناها النسيان، وذلك صحيح لأنه ادكر ~~بعد حين، وبعد أن نسي أيضا، فضم الله تعالى المعنيين في القراءتين، وقوله ~~تعالى: (ربخابخعذتتن أشفارنا@ بكسر العين، معناه: الطلب والمسألة من أهل ~~سبأ أن يفرقهم الله ويباعد بين أسفارهم، وقد كانوا سألوا ذلك، ومنه أيضا: ~~(يعكفون) ، و (يعكفون) بالضم والكسر، والصورة في # PageV01P388 # الكتاب واحدة، فحكى سبحانه السؤال والطلب عنهم في قوله: ((ربنا باعد بين ~~أسفارنا) للإخبار عنهم بأنهم قد بوعد بين أسفارهم، وقد كان من أهل سبأ ~~أمران لأنهم سألوا الله سبحانه أن يفرقهم ويباعد بين أسفارهم فحكى ذلك ~~عنهم، فلما فعل ذلك بهم وأجابهم إلى مسألتهم، أخبروا عن أنفسهم بأن الله ~~أجابهم وباعد بين أسفارهم، فحكى الله تعالى ذلك عنهم. # وكذلك قوله: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء) ، لأن فرعون # قال لموسى: إن ما أتيت به السحر والتخييل، فقال موسى مخبرا عن نفسه: # إنني ما أتيت إلا بآيات وبصائر، وقال أيضا لفرعون مرة أخرى: لقد علمت # أنت أيضا أن ما جئت به بصائر وآياب ليست بسحر، فحكى الله تعالى # الأمرين جميعا، وهما صحيحان يأتيان غير متضادين ولا متنافيين، وكذلك # كل ما ورد من هذا الضرب. # فهذا الذي ذكرناه والله أعلم هو تفسير السبعة الأحرف دون جميع ما # قدمنا ذكره، وقد أخبرنا فيما سلف أنه لا يجب علينا الإخبار عن عدد # اللغات والأوجه السبعة، وذكر أجناس الاختلاف بينها وضروبه إذا لم يكن # عندنا توقيف في ذلك، وهذه جملة كافية في هذا الباب إن شاء الله. # فإن قالوا: فإذا قلتم إن الحروف ms246 المنزلة إنما هي قراءات وأوجه مختلفة # بإعراب مختلف، كالضم والفتح والكسر، أو إمالة وترك إمالة، أو إدغام # وترك إدغام، أو قلب حرف إلى حرف، أو تقديم وتأخير وزيادة حرف في # الكلمة أو نقصان حرف منها، لا غير ذلك، فكيف سمى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - هذه الأوجه والحركات والإعراب المختلف وقلب الحرف إلى غيره ~~حرفا، والإعراب الذي هو الضم والفتح ليس بحرف، وإمالة الحرف ليس بحرف وقلب ~~الحرف إلى غيره ليس بحرف، وإبدال الاسم بحرف وتقديم الكلمة # PageV01P389 # على كلمة أخرى، وجميع ما قلتموه في هذه القراءات ليس بحرف لأن # نقصان الحرف ليس بحرف، وزيادة الحرف في الكلمة لا يصير الكلمة # باسرها حرفا، فما وجه تسمية هذه الوجوه في القراءات حرفا؟ # يقال لهم: قد نبهنا على جواب هذا فيما سلف، وذلك أنه قد ثبت أن # العرب تسمي الشيء باسم ما هو منه وما قارنه وجاوره وكان بسبب منه # وتعلق به ضربا من التعلق، وتسمي الجملة باسم البعض منها، وتسمي # القصيدة والخطبة والرسالة كلمة، وتسمي الكلمة التامة حرفا فنقول: # (الم) حرف على ما قلناه من قبل، وإذا كان ذلك كذلك جاز أن يسمي # النبي - صلى الله عليه وسلم - الكلمة التامة والقراءة الطويلة حرفا على ~~تأويل أن منها وفيها حرفا يغير كلمة وحالة في القراءة، فيقرأ مرة بالفتح ~~ومرة بالضم، أو أن سبب هذه القراءة حرفا يثبت تارة فيها وتارة ينقص، أو أن ~~منها حرفا مرة يقرأ على ما هو به ومرة يقلب إلى غيره ويبدل بسواه، أو أن ~~منها حروفا تقدم في القراءة، ومرة تؤخر، وتسمى الحروف حروفا وتريد به جنس ~~الحروف. # وإذا كان هذا بينا جاريا في استعمال العرب وجب صحة ما روي واتفق # عليه من قولهم: هذا يقرأ من حرف عبد الله بكذا، ومن حرف أبي بكذا. # ومن حرف زيد بكذا، فتنسب الكلمة والقراءة إلى الحرف الذي فيها، فبطل # تعجب من ظن بعد هذا أو استهجانه في اللغة. # ويجوز أيضا أن يقال إنه - صلى الله عليه وسلم - سمى الكلمة ms247 والقراءة حرفا ~~مجازا واتساعا واختصارا، كما سميت القصيدة كلمة، كذلك الرسالة والخطبة على ~~ما بيناه من قبل. # PageV01P390 # ويجوز أيضا أن يكون إنما سمى جميع هذه الوجوه واللغات المختلفة # والقراءات المتغايرة حرفا على تأويل أن كل شيء منها طريقة وسبيل على # حذتها غير الطريقة الأخرى، كما قال سبحانه: (ومن الناس من يعبد الله على ~~حرف) ، أي على سبيل وطريق، وإن تغيرت عليه تغير عن عبادته # وشكره على حسب ما شرحناه من قبل، وإذا كان ذلك كذلك سقط قوله إن الإعراب ~~في الإمالة لا يسمى حرفا، لأن الحرف ها هنا على هذا التأويل، ليس المراد به ~~الصور من الخط الممثل، وإنما هي الطريقة والوجه والسبيل فقط. # وليس في جميع القراءات المنزلة التي يسوغ الاختلاف فيها وصوب # القارئون لسائرها ما يتضاد معناه وينفي بعضه بعضا وإنما فيه مختلف اللفظ # والإعراب، وإن كان معناه واحدا ومختلف الصورة واللفظ والإعراب # والبناء، لتضمنه معاني مختلفة غير متضادة ولا متنافية مثل قولهم: (باعد) # ، بكسر العين و (باعد) بفتحها على الخبر، وأمثال ذلك مما يختلف # ولا يتضاد، وإنما المحال المنكر أن يكون فيه قراءات متناقضة متضادة # المعاني، والله تعالى عن إنزال ذلك وتصويب جميع القراءة به. # وقال قوم من الناس: إن تأويل السبعة الأحرف هو أن الاختلاف الواقع # في القرآن بجميعه، ويحيط به سبعة أوجه منها وجا يكون بتغيير اللفظ # نفسه، والوجوه الستة تكون بأن يثبت اللفظ في جنسها ويتغير من قبل واحد # منها، فإن الستة الباقية تكون في الجمع والتوحيد والتذكير والتأنيث # والتصريف والإعراب، واختلاف الأدوات، واختلاف اللغات. # قالوا: والوجه الأول من السبعة الذي هو تغير اللفظ في نفسه وإحالته # إلى لفظ آخر: هو كقوله: (وانظر إلى العظام كيف ننشزها) . # قالوا: وننشزها بالزاي المعجمة، وما جرى مجرى ذلك. # PageV01P391 # والوجه الأول من الستة: الجمع والتوحيد كقوله: (وصدقت بكلمات ربها وكتبه ~~(وكتابه) ، وكقوله: (كطي السجل للكتب) (وللكتاب) . # والوجه الثاني: التذكير والتأنيث نحو قوله: (صنعة لبوس لكم لتحصنكم من ~~بأسكم) ، بالنون ولتحصنكم بالتاء المعجمة من فوقها. # والوجه الثالث: هو التصريف ms248 كقوله: (ومن يقنط من رحمة ربه) ، بكسر النون ~~ويقنط بنصبها. # والوجه الرابع: الإعراب كقو له: (ذو العرش المجيد) بكسر # الدال والمجيد برفعها، وأمثال ذلك. # والوجه الخامس: اختلاف الأدوات كقوله تعالى: (ولكن الشياطين كفروا) ، ~~بتشديد لكن وبتخفيفها إذا قلت لكن مخففا. # وقوله: (لما عليها حافظ) ، بالتخفيف ولما بالتشديد إلى أمثال ذلك. # والوجه السادس: اختلاف اللغات كقوله: (والصابئون) # والصابون بالهمزة وإسقاطها، وقوله: (والشمس وضحاها) ، بالإمالة # والتفخيم، فهذه سبعة أوجه كلها منزلة وسائغة جائزة. # وفي بعض ما ذكرناه من تأويل هذه الرواية ما يوضح الحق ويمنع أهل # التأمل والاستبصار من التورط في الشبهات والأحوال بتعلل أهل الزيغ # والضلال، وبالله التوفيق والتسديد والعصمة والتأييد. # PageV01P392 ### | (باب) # ذكر ضروب أخر من اعتراضات الرافضة وشبههم وغيرهم # من الملحدين والمنحرفين، ووصف حال الروايات # التي يتعلقون بها في هذا الباب مما ادعوا فيه نقل # المؤالف والمخالف، ومما انفردت الشيعة خاصة # بنقله عن علي بن أبي طالب عليه السلام # والعترة من ولده، # والكشف عن فسادها # فأما ما يتعلقون به ويكثرون ذكره عن عبد الله بن مسعود في إسقاطه الحمد # والمعوذتين من مصحفه، فقد ذكرنا ما يجب فيه والوجه في ذلك، وضروبا # من التأويلات والوجوه فيه، أبما، يغني عن إعادة القول في ذلك. # فأما ما يتعلقون به من منافرته لعثمان وامتناعه من تسليم مصحفه وما # كان من كراهيته لعزله عن كتب المصحف وتوليته زيد بن ثابت وما قال فيه. # فسنفرد له بابا عند ذكرنا جمع عثمان الناس على حرفه وكتب الإمام الذي # أخذهم به، ونذكر فيه جميع ما روي عنه وعن عثمان وعن الجماعة. # ونصف قدر ما نقمه وتبين أنه لم يقرن عثمان ولا أحدا من الجماعة بتغيير # القرآن ولا بالزيادة فيه ولا النقصان منه، ولا خطأهم في اختيار حرفهم ~~الذي # صاروا إليه، ونصف رجوعه إلى قول عثمان ورأي الجماعة وحثة وحضه # على ذلك ونأتي منه على جملة توضح الحق إن شاء الله. # PageV01P393 ### | (باب) # ذكر ما روي عن أبي بن كعب في هذا الباب # فأما تعلقهم بالروايات عن أبي بن كعب ms249 في هذا الباب وأنه قال: "إنا # كتا نقرأ سورة الأحزاب، فوالله الذي أنزل القرآن على محمد لقد كانت # توازي سورة البقرة، وإن فيها آية الرجم "، فإنه لا تعلق لهم فيه أيضا، ~~لأجل أن هذه الرواية عن أبن لو كانت صحيحة ثابتة لوجب أن يشتهر عن أبي ~~الشهرة التي تلزم القلوب ثبوتها، ولا يمكن جحدها وإنكارها، لأن هذه هي ~~العادة في مثل هذه الدعوى من مثل أبن في نباهته وعلو قدره في حفاظ # القرآن، فإذا لم يظهر ذلك عنه الظهور الذي يلزم الحجة بمثله علم بطلان # الخبر، وأنه لا أصل له. # ومما يدل أيضا على بطلان هذه الرواية أنه لا يجوز أن يضيع ويسقط # من سورة الأحزاب أضعاف ما بقي منها فيذهب ذكر ذلك وحفظه عن سائر # الأمة سوى أبي بن كعب مع ما وصفناه من حالهم في حفظ القرآن والتدين # بضبطه وقراءته وإقرائه والقيام به والرجوع إليه والعمل بموجبه وغير ذلك ~~من # أحكامه، وأن مثل هذا ممتنع في سائر كلام البشر الذي له قوم يعنون به # ويأخذون أنفسهم بحفظه وضبطه وتبحر معانيه والاستمداد فيما يثورهم منه # أو الاحتجاج به والتعظيم لقائله، فلأجل ذلك لم يجز أن يظن ظان أن "قفا # نبك" كانت أضعاف مما هي كثيرا فسقط معظمها ولم يظهر ذلك وينتشر عند # رواة الدواوين وحفاظ الشعر وأصحاب كتب الطبقات، ومصنفي غريب هذه # PageV01P394 # القصيدة والمتكلمين على معانيها والمعروفين بهذا الشأن، ولم يسغ لعاقل # عرف عادات الناس في امتناع ذهاب ذلك عليهم أن يقبل رواية راو يروي له # من جهة الآحاد عن لبيد أو حسان أو كعب بن زهير أو غيرهم من أهل # عصرهم أو من بعدهم أنهم كانوا ينشدون قصيدة امرىء القيس أضعاف ما # هي وأنها كانت خمس مائة بيت، وأطول من "ديوان ابن الرومي " أو أبي # نواس، وأكثرها ومعظمها ذهب وسقط ودرس أثره وانطوى علمه وانقطع # على الناس خبره، هذا جهل لا يبلغ إلى اعتقاده وتجويزه من له أدنى معرفة # بالعادات في الأخبار وما يعلم بالفطرة كونه كذبا أو ms250 صدقا أو يمكن الشك # والوقف فيه. # وكذلك لو ادعى مدع مثل هذا فيما يروى ويقرأ من "موطأ مالك " و"الأم # للشافعي " و"مختصر المزني "، و"جامع محمد بن الحسن "، و"الصحيح # للبخاري " و"المقتضب " وغير ذلك من الكتب المشهورة المحفوظة # المتداولة، وقال: إن كل كتاب من هذه الكتب قد كان أضعاف ما هو. # وأنه قد ذهب وسقط أكثرها ومعظمها، وبقي الأقل اليسير منها، وروى لنا # في ذلك الأخبار والحكايات لوجب أن يقطع على جهله ونقصه وعلى أن كل # ما يروونه في هذا الباب كذب موضوع ومردود مدفوع لا يسوغ لعاقل # تصديق شيء منه والسكون إليه. # وإذا كان ذلك كذلك، وعلمنا أن هذا القول المروي عن أبي لم يكن # ظاهرا في الصحابة ولا متداولا بينهم، ولم نعلم أيضا أن أحدا قاله وروي # عنه، ولم يعلم أيضا صحة هذه الرواية نفسها فضلا عن شهرتها ووجوب # ذكرها عنه وعن غيرها، علم بذلك وتيقن تكذبها على أبى واحتقار واضعها # عليه لعظم الإثم والبهتان. # PageV01P395 # ولو نشطنا لقبول مثل هذا عن أبن لوجب أن نقبل خبر الشيعة عن النص # على إمام بعينه وروايتهم لأعلام الأئمة من أهل البيت وما يروونه من فقههم # وأحكامهم، ومن ذم علي عليه السلام وولده للسلف والتبري منهم ووصف # ظلمهم وغشمهم، فإن هذه الروايات عندي أظهر وأشهر من هذه الرواية عن أبى، ~~وقد بينا بغير حجة الدلالة على تكذب هذه الأخبار وما جرى مجراها فسقط ما ~~قالوه. # على أن هذه الرواية لو أمكن أن تكون صحيحة ثابتة، وأمكن أن تكون # كذبا لوجب اطراحها بما هو أشهر وأظهر منها، لأن الكافة والدهماء رووا # جميعا عن أبي أنه كان يقر بأن هذا القرآن هو جميع ما أنزل الله تعالى على # رسوله، وأمر بإثبات رسمه، وأنه كان على مذهب الجماعة ورأيهم في هذا # المصحف وأنه أحد من أملاه على زيد والنفر القرشيين ونصبه عثمان لذلك. # وسنذكر ما ورد في هذا من الروايات فيما بعد إن شاء الله، وأن أبيا كان ~~يقرأ ويقرأ بهذا المصحف كما يقرؤه غيره لا يدعي زيادة ms251 فيه ولا نقصانا منه. # وهذه الرواية هي الظاهرة المعروفة، وأقل أحوالها أن تكون كرواية من روي # عنه سقوط كثير من الأحزاب وأن تكون مكافئة لها، وإذا تكافئتا سقطتا # جميعا، ووجب حمل أمر أبي على ما عليه الكافة من تسليم صحة هذا # المصحف فكيف وقد دلنا بأدلة قاطعة على تكذب هذه الرواية عن أبي. # ومما يدل على بطلان هذا الخبر عن أبي رواية جماعة الناس عن أبي أنه # أدخل في مصحفه دعاء القنوت، وأئبته في جملة القرآن، فإذا كان أبي قد # حفظ دعاء القنوت وحرص عليه وأدخله في مصحفه لتوهمه أنه مما أنزل الله # من القرآن، فكيف يجوز أن يذهب عليه أكثر سورة الأحزاب، وأن تذهب # عليه وعلى أبي موسى وغيرهما من الصحابة سورة أنزلت مثل البقرة ذهبت # PageV01P396 # بأسرها حتى لم يذكروا منها إلا كلمة أو كلمتين، وهم قد حفظوا عن # الرسول سننه وآدابه وأخلاقه وطرائقه ومزاحه وكيف السنة في الأكل والشرب، ~~وفي التغوط والبول إلى غير ذلك، حتى أحاطوا علما به ودونوه وشهروه وتداولوا ~~به، ثم يذهبون مع ذلك عن حفظ سورة بأسرها إلا كلمة واحدة منها أو اثنتين، ~~وعن حفظ الأحزاب إلا أقلها، وهذا جهل وغباء ممن أجازه على من هو دون ~~الصحابة في التدين بحفظ القرآن وجودة القرائح والأفهام وسهولة الحفظ ~~وانطلاق الألسن وانشراح الصدور لحفظ ما يأمرهم الرسول بحفظه ويحثهم ويحضهم ~~على تعلمه وتعظيمه، ويعرفهم عظيم الأجر على تلاوته ويحذرهم أليم العقاب في ~~نسيانه وذهابه عن القلوب بعد حفظه. # فإذا كان ذلك كذلك علم ببعض ما ذكرناه سقوط هذه الروايات وتكذبها. # وأنه لا أصل لشيء منها، ولما يجري مجراها من الحروف الزائدة المروية # عن جماعة من الصحابة على ما سنذكره مفصلا فيما بعد إن شاء الله. # ثم يقال لهم: إن هذه الرواية لو صحت عن أبي لم توجب نقصان القرآن # ولا سقوط شيء منه عليه ولا على سائر الصحابة مما يلزمهم حفظه وتلاوته # ويلحقهم التقصير والتفريط بتضييعه، وذلك أنه قول محتمل لأن يكون ما # كانوا يقرؤونه في ms252 سورة الأحزاب قد نسخت تلاوته وزال عنهم فرض حفظه، فلذلك ~~لم يثبتوه ولم يقرؤوه، وأبي لم يقل مع قوله: "إنا كنا نقرأ سورة # الأحزاب، وأنها - كانت توازي سورة البقرة"، أنه ضاع أكثرها ومعظمها، ولا ~~أنهم وأنا جميعا ذهبنا عن حفظها وفرطنا فيما وجب علينا من ذلك، وإنما قال: ~~"كنا نقرؤها، وأنها كانت توازي سورة البقرة وأنه كان فيها آية الرجم "، فما ~~في هذا ما يوجب أن فرض تلاوتها وحفظ جميعها باق، وأن القوم فرطوا في حفظها ~~وضيعوا، مع كونه قولا محتملا للنسخ لتلاوة أكثرها، # PageV01P397 # وهذا هو الأشبه الأليق به وبالصحابة، وليس يستنكر أن يكون كان أكثرها # قصصا وأمثالا ومواعظ فنسخت التلاوة ونسخ فيها التلاوة في الرجم، ولهذا # قال: "وإن كان فيها آية الرجم "، وقد بينا أن آية الرجم منسوخة التلاوة، ~~وإن كانت باقية الحكم فكأنه قال لنا: نقرؤها قبل النسخ، وكان فيها آية ~~الرجم فنسخ منها أكثرها وكان مما نسخ آية الرجم. # وقال عمر بن الخطاب: لولا أن يقال: زاد عمر في كتاب الله لأثبتها وتلا: ~~"والشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة"، ولم يقل ذلك إلا لعلمه وعلم الأمة بأن ~~الآية منسوخة وأن إثباتها زيادة على ما ثبت فرض إثباته وحفظه على ما سنبينه ~~فيما بعد إن شاء الله. # وإذا كان ذلك كذلك لم ينكر أن تكون سور بأسرها قصصا وأخبارا # وأمثالا، أو عظمها كسورة يوسف والكهف وأمثالهما، وأن لا يكون فيهما ما ~~فيه حكم ثابت إلا اليسير الذي بقي فرضه، أو نسخ وبقي حكمه وحفظت تلاوته مع ~~زوال فرضه لموضع تضمنه للحكم اللازم لهم، لم يجب مع # إمكان ذلك أن يجعل قول أبي هذا دلالة على نقصان القرآن، أو أن أبيا كان # يعتقد ذلك أو أنه عرض به في هذا القول، وهذا بين في إبطال تعلقهم بهذه # الرواية من كل وجه. # فأما ما يذكرونه عنه في الحروف والكلمات الزائدة في مصحفه نحو ما # ذكر أنه كان يقرأ وغيره من الصحابة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) ~~، (وهي صلاة العصر) ، ونحو ذلك فإنه ms253 أيضا مما لا أصل # له، ولو ثبت لاحتمل من التأويل ما نذكره فى هذا الفصل من الجواب عن # القراءات الزائدة على ما في مصحف عثمان، وهذه جملة تكشف عن إبطال # ضجيجهم وتهويلهم بخلاف عبد الله وأبى، وهذان الرجلان هما العهدة فيما # يدعى من خلافهما للجماعة وكثرة مخالفة مصحفيهما لمصحف الجماعة، وقد # ثبت أنه لا حجة لهم في شيء مما يروونه عنهما بما في بعضه إقناع وبلاغ. # PageV01P398 ### | (باب) # ذكر ما يتعلقون به من الروايات عن عمر بن الخطاب # رضوان الله عليه والإبانة عن فساده # وأما ما يروونه عن عمر بن الخطاب من أنه قال: "لقد قتل يوم اليمامة # قوم كانوا يقرؤون قرآنا كثيرا لا يقرؤه غيرهم فذهب من القرآن ما كان # عندهم "، فإنه أيضا من الأماني الكاذبة والترهات الباطلة، ومما لا يذهب # فساد التعلق به على ذي تحصيل، لأننا قد روينا فيما سلف من تظاهر أبي # بكر وعمر وجماعة الصحابة على جمع القرآن وعرضه وتدوين عمر له # وعرضه عرضة ثانية وضبطه في الصحيفة التي خلفها عند ابنته حفصة زوج # النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخذه الناس بذلك وتعريفهم أنه جميع الذي ~~كان أنزله الله سبحانه ما هو أظهر وأشهر وأثبت من هذه الرواية، بل هو ~~الثابت المعلوم من حاله ضرورة فثبت بذلك تكذب هذه الرواية على عمر، وأنها ~~لا أصل لها، وأقل ما في ذلك أن تكون هذه الرواية معارضة بالروايات التي ~~ذكرناها، فلا متعلق لأحد فيها ولا سبيل له إلى تصحيحها عن عمر. # ثم يقال لهم: إن هذه الرواية لو صحت عن عمر لكانت محتملة لتأويل # صحيح غير الذي قدمتموه، وذلك أن قوله: "لقد قتل يوم اليمامة قوم كانوا # PageV01P399 # يقرؤون قرآنا كثيرا لا يقرؤه غيرهم، فذهب من القرآن ما كان عندهم ". # يحتمل أن يكون أراد به أنهم كانوا يكثرون دراسة القرآن وتلاوته والتهجد # به والانتصاب لقراءته في المحاريب وغيرها في آناء الليل وأطراف النهار # ويقدرون من ذلك على ما يثقل ويتعذر على كثير ممن بقي من الأمة، وإن # كان منهم ms254 اليسير ممن يساوي من قتل باليمامة من هذا الباب، ويكون قوله: # "فذهب من القرآن ما كان عندهم " محمولا على أنه ذهب أكثر درسة القرآن # وتلاوته وترك التهجد والابتهال به ما كان عندهم، وهذا هو الذي أراده # وقصده إن صح هذا القول عنه دون ذهاب شيء من القرآن على سائر من بقي من ~~الأمة. # وكيف يقول ذلك وهو يعلم أن القوم الذين قتلوا إنما أخذوا القرآن عن # أبي وعبد الله وأمثالهما، وأئمتهم باقون، أو أخذوه عن الرسول والرسول قد ~~أقرأه وحفظه عن أبي وعبد الله بن مسعود وستة من أمته حفاظ، وأن العادة ~~مستقرة موضوعة على إحالة انكتام أمر قرآن كثير وذهاب حفظه عن مثل من بقي من ~~أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي وعبد ~~الله بن مسعود وزيد بن ثابت لولا غباوة من يظن أن في التعلق بمثل هذه ~~الرواية شبهة، فوجب بما وصفناه بطلان هذه الرواية أو حملها على التأويل ~~الذي وصفنا إن سلمنا صحتها يوما ونظرا. # وأما ما يتعلقون به في هذا الباب من الرواية عن عمر بن الخطاب من أنه # خطب وقال على المنبر: "أيها الناس إئاكم أن تهلكوا عن آية الرجم فلقد # رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد نزلت وقرأ بها، ولولا أن يقول ~~الناس زاد ابن الخطاب في كتاب الله، لكتبت فيه أو لألحقت في حاشيته: # PageV01P400 # والشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة "، وأنه قال في موقف آخر: "إن الله تعالى ~~بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالحق وأنزل عليه الكتاب، وكان مما أنزل ~~إليه آية الرجم فرجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده، ألا ~~وإن آية الرجم في كتاب الله حق: "والشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة جزاء بما ~~قضيا من الشهوة نكالا من الله، والله عزيز حكيم ". # وقولهم إن هذا تصريح منه بنقصان القرآن وسقوط آية الرجم، فإنه أيضا # جهل من المتعقق به وذهاب عن الواجب، لأن هذه الرواية بأن تكون عليهم # وحخة على فساد قولهم أولى ms255 من أن تكون دلالة لهم. # وذلك أنه لما كانت هذه الآية مما أنزله الله تعالى من القرآن لم يذهب # حفظها عن عمر بن الخطاب وغيره، وإن كانت منسوخة التلاوة وباقية # الحكم، وقد زال فرض حفظ التلاوة مع النسخ لها ولم تنصرف همم الأمة # عن حفظ ما نزل مما تضمن حكما خيف تضييعه، وأن يحتج محتج في # إسقاطه بأنه ليس من كتاب الله تعالى، فلو كان هناك قرآن كثير منزل غير # الذي في أيدينا ثابت غير منسوخ ولا مزال فرضه لم يجز أن يذهب حفظه # على عمر وغيره من الصحابة، كما لم يجز أن يذهب عليهم حفظ هذه الآية # الساقط فرض تلاوتها بالنسخ لها، بل العادة موضوعة جارية بأنهم أحفظ لما # ثبت حكمه وبقي فرض حفظه وتلاوته وإثباته، وأنهم إذا لم يجز أن يذهب # عليهم حفظ القليل الزائل الفرض، لم يجز أن يذهب عليهم حفظ الكثير # الباقي فرض حفظه وتلاوته وإجزاء الصلاة به، وإذا كان ذلك كذلك كانت # PageV01P401 # هذه الرواية من أدل الأمور على إبطال قولهم بسقوط شيء كثير من القرآن # وذهاب الأمة عن حفظه. # والدليل على أن هذه الآية كانت محفوظة عند غير عمر من الأمة قوله: # "كنا نقرؤها"، وتلاوته لها بمحضر من الصحابة وترك النكير لقوله والرد له. # وأن يقول قائل في أيام حياته أو بعده أو مواجها له أو بغير حضرته متى ~~نزلت # هذه الآية ومتى قرأناها، والعادة جارية بمثل هذا في قرآن يدعى إنزاله لا # أصل له ويدعى فيه حضور قوم نبل أخيار أبرار، أهل دين ونسك وحفظ # ولسن وبراعة، وقرائح سليمة وأذهان صافية، فإمساكهم عنه أوضح دليل # على أن ما قاله وادعاه كان معلوما محفوظا عندهم، وكذلك سبيل غيرهم لو # كان هناك قرآن أكثر من هذا قد نزل وقرىء على عهد رسول الله صلى الله # عليه، ولا سيما مع بقاء رسمه ولزوم حفظه وتلاوته، وهذا واضح في سقوط # قولهم. # وأما ما يدل على أن هذه الآية منسوخة برواية جميع من روى هذه # القصة، وأكثر من تكلم ms256 في الناسخ والمنسوخ: أن هذه الآية كانت مما # أنزلت ونسخت فهي في ذلك جارية مجرى ما أنزل ثم نسخ، وهذه الرواية # حخة قاطعة في نسخ تلاوة الآية في الجملة، فإنها لما كانت قرآنا منزلا # حفظت واعترف الكل بأنها قرآن منزل، وإن خالف قوم لا يعتد بهم في # نسخها، فكذلك يجب لو كان هناك قرآن منزل غير هذا أن يكون محفوظا لا # سيما مع بقاء فرضه وتجب الإحاطة به، وإن اختلفت في نسخ حكمه وتلاوته # لو اتفق على ذلك. # ومما يدل أيضا على أن آية الرجم منسوخة الرسم قول عمر بن الخطاب # في الملأ من أصحابه: "لولا أن يقال زاد ابن الخطاب في كتاب الله ~~لأثبتها"، # PageV01P402 # ولولا علمه وعلم الجماعة بأنها منسوخة الرسم لم يكن إثباتها زيادة في # كتاب الله تعالى، ولم يحسن من عمر أن يقول ذلك، ومن يقول هذا في # قران ثابت التلاوة غير منسوخ فإظهارا لهذا القول، وترك أن يقول له القوم # أو بعضهم كيف زيد في كتاب الله إذا أثبت ما هو باق الرسم والحكم. # أوضح دليل على أنه وإياهم كانوا عالمين بنزول هذه الآية ونسخ رسمها. # وبقاء حكمها، وكل هذا ينبي عن أن القوم يجب أن يكونوا أحفظ لسورة # الأحزاب التي رووا أنها كانت توازي سورة البقرة ولغير ذلك مما أسقط من # كتاب الله تعالى لو كان هناك شيء منزل غير الذي في أيدينا، فبان بهذه # الجملة كون هذا القول من عمر حجة عليهم وبرهانا على بطلان دعواهم. # وبالله التوفيق. # PageV01P403 ### | (باب) # الكلام فيما يتعلقون به عن أبي موسى الأشعري في هذا الباب والدخل عليه # فأما احتجاجهم بما يروونه عن أبي موسى الأشعري من أنه قال: "والله # لقد كنا نقرأ سورة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنا نشبهها ~~ببراءة تغليظا وتشديدا ونسيناها غير أني أحفظ منها حرفا أو حرفين: "لو كان ~~لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا ~~التراب، ويتوب الله على من تاب ". # وما رووه من ms257 قوله - أعني أبا موسى - "كانت الأحزاب مئتا آية وخمسا # وسبعين) آية، فذهب منها مئتا آية، فقيل يا أبا موسى، ذهبت من سورة # واحدة مئتا آية، فقال: نعم، وقرآن كثير". # وذكر أن سورة "لم يكن " كانت مثل البقرة، فلم يبق منها إلا سبع # آيات، فإنها رواية باطلة والدليل على بطلانها كل شيء ذكرناه من إبطال مثل ~~هذه الرواية عن عمرو وأبى بن كعب وهي مع ذلك معارضة برواية للكافة والدهماء ~~الثبت الثقات عن أبي موسى أن هذا الذي بين اللوحين هو جميع كتاب الله الذي ~~أنزله، وأنه مرسوم على ما أنزل وأنه كان يقرأه ويقرئه ويلقنه من غير قدح ~~فيه ولا وصف له بزيادة ولا نقصان، وهذه الرواية أولى # PageV01P404 # بالثبوت والصحة من الرواية التي ذكروها، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما # تعلقوا به، لأن من شأن الخبرين المتعارضين أن يتساويا، فإما أن يكون # أحدهما خبر واحد والآخر تواتر، ونقل الكافة بأن هذا هو القرآن كله تواتر، ~~وجميع ما يروى من خبر أبي موسى وعائشة وغيرهما أخبار أدلة ضعاف لا # يرتفع بها، فسقط ما قالوه. # وعلى أن هذه الروايات لو صحت عن أبي موسى لاحتملت من التأويل # الصحيح غير ما ذهبوا إليه، وذلك أن قوله: "والله لقد كنا نقرأ سورة على # عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنا نشبهها ببراءة تغليظا وتشديدا ~~فنسيناها غير أني أحفظ منها حرفا أو حرفين " إلى آخر الخبر ليس بتصريح منه ~~ولا يقره فكأنهم ذهبوا عن حفظ ما لزمهم حفظه وبقي رسمه، ولا بأن غيره كان ~~لا يحفظ من هذه السورة المنسوخة ما يذهب عليه حفظه، وإنما هو إخبار منه ~~بأنهم كانوا يقرؤون سورة هذه صفتها، فيمكن أن يكون ذلك صحيحا عنه، وأن تكون ~~تلك السورة نسخ رسمها فتشاغل أبو موسى بحفظ الواجب الباقي رسمه عن حفظها ~~فلم يبق عليه منه إلا حرف أو حرفان، وأن يكون غيره قد كان يحفظها بأسرها أو ~~كثيرا منها، وهو لم يصرح بأنهم أسقطوها ونقصوها وأنها باقية غير منسوخة، ~~وإنما ms258 أخبر أنهم كانوا يقرؤونها فقط، وهذا لا يدل على بقاء رسمها ويدل على ~~أن هذه الرواية إن صحت فهذا قصده بذكر ما قاله في قوله: "غير أني أحفظ منها ~~لو كان لابن آدم". # وهذا من جملة ما قد تظاهرت الأخبار بأنه منسوخ، فيجب أن يكون # حكم ما نسيه في أنه منسوخ حكم ما ذكره معه، في ظاهر الحال وقد يجوز # أن يذهب الناس عن حفظ ما يسقط فرض حقه ونسخ رسمه، ولا يجوز في # مستقر العادة ذهابهم جميعا عن حفظ الباقي الرسم الثابت الفرض، وإذا # PageV01P405 # احتملت هذه الرواية ما ذكرناه بطل أن تكون دلالة على اعتراف أبي موسى # بنقصان القرآن الباقي الرسم وذهاب الأمة عن حفظ كثير منه. # وأما قوله: "إن الأحزاب كانت مائتي آية وخمسا وسبعين آية فذهب # منها مئتا آية، وقولهم له: ذهب من سورة واحدة مئتا آية، وقوله: نعم وقرآن ~~كثير، فإن معناه أيضا - إن صح - أنه نسخ قرآن كثير من سورة الأحزاب ومن ~~غيرها فذهب حفظه لما سقط وزال فرض تلاوته، نسخ رسمه، وكذلك قوله: إن (لم ~~يكن) كانت مثل البقرة فبقي منها سبع آيات معناه: أنها نسخ أكثر رسمها وبقي ~~منه سبع آيات، وإذا كان ذلك كذلك بطل توهمهم، وظن من ظن بأبي موسى أنه ~~اعتقد في نفسه وباقي أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أنهم قد ذهبوا عن حفظ ~~قرآن كثير ثابت باقي الرسم، وهذا واضح في بطلان قولهم. # وكذلك الجواب عما يروونه في هذا الباب من نحو قول عبد الله "إنه # كان إذا سمع الإنسان يقول مع فلان القرآن كله يقول: ما يدريك لعله قد # ذهب قرآن، فما وجد بعد" ونحو رواية عبد الله بن عباس عن أبي أنه سمعه # وقد قال له رجل: "يا أبا المنذر إني قد جمعت القرآن، فقال له: ما يدريك # لعله قد سقط قرآن كثير فما وجد بعد". # وأن عائشة رضوان الله عليها قالت: "والله لقد أنزلت رضاعة الكبير # عشرا ورجم المحصن فكانت في ورقة تحت سريري، فلما ms259 قبض رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV01P406 # تشاغلنا به فدخل داجن الحي فأكله ". # وروى الناس عنها أنها قالت: "كان فيما يقرأ من القرآن فسقط: يجزئ من ~~الرضاع عشر رضعات، ثم نسخت إلى خمس معلومات "، وفي بعض الروايات عنها أنها ~~قالت: "وكان مما يقرأ إلى أن مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". # ونحوهما روي عن أبي بكر وعمر من أنه كان مما نزل: "لا ترغبوا عن # آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ". # ومن نحو ما روي من قصة أهل بئر معونة وأن الله تعالى أنزل فيهم قرآنا ~~فروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه "أنه دعا على الذين قتلوا أهل بئر ~~معونة ثلاثين غداة يدعو على رعل وذكوان وعصية، عصت الله ورسوله " قال أنس: ~~"أنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآن كثير حتى نسخ بعد، أن بلغوا قومنا ~~أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا". # فجوابنا عن كل ما يرد من هذا الجنس أنه مما كان قرآنا رفع ونسخت # تلاوته، وذلك ما لا ينكره ولا يدفع في الجملة أن يكون الله سبحانه قد ~~أنزل # قرآنا كثيرا ثم نسخ تلاوته وإن كنا لا نتيقن صحة كل خبر من هذه الأخبار. # وقرآن من هذا الذي روي أنه نزل ثم نسخ إذا لم يتفق عليه المسلمون ولم # يتواتر الخبر به تواترا يلزم معه العلم بصحته، ولم يدك على ثبوته دليل # قاطع، وليس يوقفنا في غيره كل خبر من هذه الأخبار يوجب عدم علمنا بأنه # PageV01P407 # قد أنزل في الجملة قرآن ثم نسخ ورفع بقول أبي وعبد الله، وما يدريك لعله # سقط أو ذهب قرآن كثير، فما وجد بعد إنما هو أنه لا ينبغي لأحد أن يدعي # أنه قد جمع ما أنزل من ناسخ القرآن ومنسوخه، وقولهم: "فيما وجد بعد" # فما نجد اليوم من يحفظ جميع ما نسخ وسقطت تلاوته، وهذا مما لا بد # منه، ونحوه من التأويل لأجل ما ذكرناه من شهرة أمر القرآن وظهور نقله. # وقد يمكن أيضا أن يكون ms260 أبي وعبد الله بن عمر قد علما من حال من # قال أو كان يقول: "إني جمعت القرآن " أي: قد جمعته على جميع وجوهه # وحروفه التي أنزل عليها، فقالا له: وما يدريك لعله قد ذهب أو سقط قرآن # كثير لم يوجد بعد، أي: لم تجده أنت ولا وقع علمه إليك، أو لم تجد بعد # من يحفظ جميع تلك الأحرف والقراءات التي أنزل القرآن عليها" وإن كانت # ظاهرة في الناس ومتفرقة منهم، على ما سنبينه فيما بعد، لأن رسول الله # صلى الله عليه كان يقرئهم بما سهل عليه وعليهم، ولا نعلمه أقرأ رجلا فيهم ~~بجميع الأحرف السبعة وحفظه إياها وأفرده بها، لأن ذلك مما لا يجب عليه ولم ~~يره من مصالح الأمة، أو لم يتفق له أو لمن أخذ عنه نشاط لحفظ جميع # تلك الأحرف، وإذا كان ذلك كذلك صح ما قلناه من التأويل الذي هو أليق ~~وأشبه أن يكون الصحابة قصدته وأرادته مع ما ظهر من إقرارها جميعا بأن ما ~~بين اللوحتين هو جميع الثابت الرسم الذي أنزله تعالى. # وأما ما روي عن عائشة رضي الله عنها في الرضاع فإنه أيضا دليل على # ما قلناه، لأنها قالت: "كان مما أنزل ثم نسخ بخمس ". # وقولها: "نسخ " ليس فيه دلالة أنه نسخ بقرآن، لأنه قد ينسخ بوحي # ليس بقرآن لقيام الدلالة على جواز نسخ نفس التلاوة ونفس حكمها بالسنة، # PageV01P408 # وقد بينا ذلك وأوضحناه في كتاب "أصول الفقه " بما يغني الناظر فيه، وبينت # ذلك أنها قرنت نسخ العشر رضعات المحرمات بنسخ آية الرجم، وهي # قوله: (والشيخ والشيخة) ، وقد علم أنها إنما نسخت تلاوتها بسنة، فبينت ~~ذلك لا بقرآن. # وقولها: "لقد كانت مكتوبة في ورقة تحت سريري " يدل أيضا على # ذلك، لأنه دلالة على قلة الحفظ له والاحتراز والاعتناء بحياطته، لأن # عادتهم في الثابت الباقي الرسم صيانته وجمعه وحراسته دون طرحه في # الظهور تحت الأسرة والرجل وبحيث لا يؤمن عليه، فأما إذا نسخ وسقط # فرضه جاز ترك حفظه والاعتناء به، وجعل ما يكتب فيه ظهورا ms261 ينتفع به # ويثبتون فيها ما يريدون. # وقولها: "فدخل داجن الحي فأكله " لا يدل على أنه لم يكن عند أحد # غيرها لم يأكله من عنده شيء". # وقولها: "ولقد كان يقرأ إلى أن مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وكان مما يقرأ" تعني به أنه كان مما يحفظه كثير من الناس أقرب عهد بنسخه، ~~ولم تقل بالخبر: "إنه كان مما يقرأ" على أنه ثابت باقي الرسم، ونحن اليوم ~~نقرأ ذلك ونقرأ ما روي لنا من المنسوخ على سبيل الحفظ والمذاكرة به، وكما ~~يقرأ كثير منا التوراة والإنجيل والزبور لا على أنه واجب علينا حفظه ~~وتلاوته، وإذا كان ذلك سقط أيضا التعلق بهذه القصة. # فأما ما ذكروه من القرآن المنزل في بئر معونة فإننا لا ننكر أن يكون ذلك # صحيحة قد كان، إلا أنه قد نسخ وزال لأن نسخه مروي، ولأنه لو كان ثابتا ~~باقيا لوجب نقله وحفظ الأمة له كأمثاله من القرآن الثابت، وقد قال أنس - ~~رضي الله عنه - # PageV01P409 # وهو راوي الخبر: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بعث حراما زوج ~~أم سليم في سبعين رجلا - وذكر قصتهم - وقال: فأنزل علينا وكان مما نقرأ ~~فنسخ: (أن بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) ، وليس يجب على ~~الأمة حفظ ما نسخ من القرآن وضبطه وإلحاقه بما ثبت منه وخلطه به، ولا سيما ~~إذا لم يكن مما ورد في حكم ثابت أو زائل يهتم الناس بمعرفة تاريخه وسببه، ~~وإذا كان ذلك كذلك بطل أيضا التعلق بهذه القصة، وقد قال الله سبحانه: (ما ~~ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) . # فنص على أنه ينسخ الآية ويزيلها، وقد ينسخ التلاوة ويبقي الحكم، وينسخ ~~الحكم وتبقى التلاوة، وربما نسخا جميعا. # وقد ذكر قوم أن المراد بقوله: (ما ننسخ من آية) أي: نرفعها أو # ننسها، أي: نأمر بترك العمل بها إلا أتينا بمثلها أو خير منها لكم أن ~~نأتي # بعبادة مثل التي تركت، ويكون الثواب على الاتي أكثر، أو بأن يكون ms262 # عمل الناسخ أخف والثواب متساوي، فيكون ذلك خيرا لكم. # وقيل أيضا في معنى: (ننسها) أن الله جل ذكره كان إذا أراد نسخ الآية # أذهب بحفظها عن قلوب جميع الحافظين للآية، فإذا أصبحوا عرضوا ذلك # على الرسول وسألوا عنها فأخبرهم أن الله قد نسخها ورفع تلاوتها، وهذا # PageV01P410 # عندنا صحيح غير مستحيل، وإن كان مثله اليوم متعذرا على وضع العادة مع ~~كمال العقل، لأن الله جل وعز إنما خرق العادة بحفظ ذلك على زمن # الرسول، لكي يجعل ذلك آية له ودلالة قاهرة على صدقه في الناسخ # والمنسوخ، وليرد بذلك قول من حكى عنه أن ذلك افتراء من الرسول في # قوله: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت ~~مفتر) ، فهذا عندنا أحد آيات الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # وقال قوم: إنما كان يذهب بحفظها من قلوب جماعة منهم يجوز على # مثلهم النسيان، فأما على سائرهم فلا، فإذا عرض ذلك البعض الآية خبروا # بأنها قد نسخت عن الكل، فوقع عند ذلك الفتور من الجميع والإعراض عن # التحفظ، فعم النسيان جميعهم. # وقال آخرون: إنما كان نفر منهم ينسون منها مواضع قد جرت بنسيان # مثلها فيضطرب عليهم ضربا من الاضطراب، فإذا عرضوا ذلك على الرسول خبروا ~~بأنها قد نسخت عن الجميع، فأما أن ينسى النفر منهم جميع الآية فإنه محال ~~ممتنع في مستقر العادة مع بقاء الفهم وكمال العقل. # وقال آخرون: بل كان الله تعالى يذهب عن قلب كل واحد منهم حفظ # موضع منها غير الموضع الذي يذهب بحفظه عن قلب الآخر، فينسى كل # واحد منهم غير ما ينساه الآخر، وذلك جائز في العادة، فإذا عرضوا ذلك # على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاضطراب جميعهم فيها على هذه ~~السبيل خبروا بأنها قد نسخت عنهم، فاما أن يتفق لجماعتهم نسيان جميع الآية ~~أو نسيان موضع واحد منها أو مواضع متساوية فذلك محال. # وكل هذا ممكن عندنا وإن كان في بعضه خرق العادة، لأنه آية للرسول. # وليس الكلام في هذا الباب مما ms263 قصدنا له فكنا نسهب فيه. # PageV01P411 # وإذا كان الأمر على ما وصفناه ثبت بهذه الجملة حصول العلم لنا بأن # الله تعالى قد كان نسخ أشياء كثيرة من كتابه بعد أن أنزلها على رسوله. # فيجب حمل جميع ما روي عن الصحابة والتابعين من ذهاب قرآن كثير # وسقوطه وقولهم لمن ادعى جمع القرآن كله: "فما يدريك لعله قد ذهب # قرآن كثير لم يوجد بعد" على التأويل الذي وصفناه، وهذا بين في سقوط # جميع ما يتعلقون به من هذه الألفاظ. # وليس على جديد الأرض أجهل ممن يظن أن الرسول والصحابة كانوا # جميعا يهملون أمر القرآن ويعدلون عن تحفظه وإحرازه ويعولون على إثباته # في رقعة تجعل تحت سرير عائشة وحدها، وفي رقاع ملقاة ممتهنة حتى # دخل داجن الحى فأكلها أو الشاة ضاع منهم وتفقت ودرس أثره وانقطع # خبره! وما الذي كان ترى يبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا ~~التفريط والعجز والتواني وهو صاحب الشريعة والمأمور بحفظه وصيانته ونصب ~~الكتبة له، ويحضره خلق كثير متبتلون لهذا الباب ومنصوبون لكتب القرآن الذي ~~ينزل وكتب العهود والصلح والأمانات وغير ذلك مما نزل ويحدث بالرسول خاصة ~~وبه حاجة إلى إثباته. # وكان - صلى الله عليه وسلم - يعرض القرآن في كل عام، وعرضه في العام الذي ~~مات فيه عرضتين، ويقول لهم: "إذا أنزلت الآية ضعوها في السورة التي يذكر ~~فيها كذا" وينظم لهم الآيات في السور، ويقول لعمر وقد قال له في آية الرجم ~~"الشيخ والشيخة": ألا نثبتها يا رسول الله، قال: "لا أستطيع ذلك "، يعني: ~~أنها قد نسخت وأزيل رسمها وبقي حكمها، وسنذكر في باب جمع أبي بكر القرآن ~~جملة من ألفاظ الرسول - صلى الله عليه وسلم - في إثبات ما نزل عليه من ~~القرآن مما قاله لأبي وزيد بن ثابت وغيرهما. # PageV01P412 # وقد كان له عليه السلام جماعة أماثل عقلاء أفاضل، كلهم كتبة له # ومعروفون بالانتصاب لذلك من المهاجرين والأنصار، فمن كتب له من # قريش من المهاجرين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان. # وعلي، وزيد بن أرقم، ms264 خالد بن سعيد وذكر أهل السير أنه كان # ائتمنه حتى كان يأمره بطي ما كتب وختمه، وكان أيضا كاتبا لأبي بكر وعمر ~~ليستعمله على بيت المال. # ومنهم أيضا: الزبير بن العوام، وحنظلة الأسدي، وخالد بن أسد، وجهيم بن ~~الصلت بن محرمة # PageV01P413 # والعلاء بن الحضرمي، وشرحبيل بن حسنة، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، وأبو ~~سلمة بن عبد الأسد، ومهاجر بن أبي أمية، وحويطب بن عبد # العزى، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، # PageV01P414 # وأبان بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو أخو عثمان بن ~~عفان لأمه، وعمرو بن العاص، وعبد الله ابنه، وأبو سفيان بن حرب، ومعاوية بن ~~أبي سفيان. # وكتب له من ثقيف: المغيرة بن شعبة، وحنظلة بن الربيع، ومات # نفر فنسينا، يذكر أن امرأته رثته فقالت: # إن سواد الشعر أودى به ... وجدي على حنظلة الكاتب # وكتب له - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار: زيد بن ثابت، وأمره أن يتعلم ~~كتاب اليهود فتعلمه، فكان يكاتبهم عنه، وكتب له عبد الله بن مسلمة، وعبد ~~الله بن رواحة، # PageV01P415 # وأبو أمامة أسعد بن زرارة، والمنذر بن عمر و، وأبي بن كعب، وكان - فيما ~~ذكر - أول من كتب للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدم المدينة، وكان يكتب ~~هو وأبو بكر وعلي في آخر كتب رسول - صلى الله عليه وسلم - من العهود والنشر ~~وكان: "كتب أبى"، وكان أول من كتب # ذلك، وكانا يكتبان في آخر كتب رسول - صلى الله عليه وسلم -: "شهد عبد ~~الله ابن أبي قحافة وعلي بن أبي طالب ". # وكتب لرسول الله أيضا: مالك بن العجلان، وأسيد بن حضير. # ومعن بن عدي، وأبو عيسى بن جبير، وسعد بن الربيع وأوس بن # خولي، # PageV01P416 # وبشير بن سعد، وأسد بن الصامت، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن أبي # سلول، والسجل، ومنه يقال: (كطي السجل للكتب) # روى ذلك عبد الله بن عباس، وكتب له عامر بن فهيرة، وغير هؤلا # أيضا. # وقد علم أن هؤلاء جميعا وإن لم يكونوا كتبة ملازمين لحضرة ms265 الرسول # فقد كتب الكل أو كان ممن يحسن يكتب ما استكتبه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، يمكن أن يكون الرسول ممن يسثقل إثبات ما نزل من القرآن حتى لا يحصل # PageV01P417 # إلا عند عائشة في رقعة تحت سريرها، وعند آخر أكلته الشاة من عنده! لولا # الجهل والغباوة! # والرسول عليه السلام منصوب للبيان وحياطة القرآن وحفظ الشريعة # فقط، لا حرفة له ولا شيء يقطعه من أمور الدنيا غير ذلك إلا بنصب يعود # بنصرة الدين وتوكيده، ويثبت أمر القرآن ويشيده، وكيف يجوز في العادة أن ~~يذهب على هؤلاء وعلى سائر الصحابة آية الرضاع والرجم فلا يحفظها # ويذكرها إلا عائشة وحدها لولا قلة التحصيل والذهاب عن معرفة الضرورات وما ~~عليه تركيب الفطر والعادات. # فقد بأن بجملة ما وصفناه من حال الرسول والصحابة أنه لا يجوز أن # يذهب عليهم شيء من كتاب الله تعالى قل أو كثر، وأن العادة توجب أن # يكونوا أقرب الناس إلى حفظه وحراسته وما نزل منه وما وقع وتاريخه # وأسبابه وناسخه ومنسوخه، وأن من حمل قول قائلهم: "وما يدريك لعله قد # سقط به أو ذهب قرآن كثير" على أنه دثر وضاع ونقلت عن سائر الصحابة # وجميع الأمة لإعراضها عن إعظامه وقلة رغبتها في حفظه وحراسته # واشتغالها عنه بغيره وما هو عندهم أهم منه: فقد صار من الجهل بالعادات # وما عليه أحوال الناس إلى أمر عظيم. # فوجب بذلك حمل جميع ما روي عن آحاد الصحابة من هذه الأقاويل # التي ذكرناها وما لم نذكره منها أيضا على التأويل والتفسير الذي أوضحناه. # دون ما يظنه من لا علم له ولا تحصيل عنده، وبالله التوفيق. # PageV01P418 ### | (باب) # تعلقهم بما يروونه من مشاجرة الحسن بن علي عليه السلام لسعيد بن العاص ~~رحمة الله عليه # فأما تعلقهم في ذلك بما روي من مشاجرة سعيد بن العاص للحسن بن # علي، وإن سعيدا قال للحسن: "أما إني قد أدخلت في كتابكم ألف # حرف، وأسقطت منه ألف حرف، فقال له الحسن: فأنا مؤمن بما أسقطت # كافر بما أدخلت، فقال له: ms266 ليس حيث يذهب إنما أردت إصلاح اللحن منه، فقال ~~له الحسن: فأي الثلاثة لحن: الله تعالى الذي تكلم به، أم جبريل الذي نزل ~~به، أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بلغه، " فإنه أيضا مما لا ~~تعلق لهم فيه من وجوه. # أحدها: إن هذه الرواية باطلة غير ثابتة ولا تعرف صحتها باضطرار ولا # بنظر واستدلال. # والثاني: أنها معارضة بما نعرفه ضرورة من جمع عثمان لزيد بن ثابت # وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد # PageV01P419 # ابن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وغيرهم على كتابة المصحف. # وأمره لهم بإثبات ما اختلفوا فيه على ما يقوله النفر القرشيون، وقوله إنه # بلسانهم نزل وإنهم لم يختلفوا إلا في التابوت فقال القريشيون: التابوت. # وقال الباقون: التابوه، وأنهم رفعوا ذلك إلى عثمان فأمرهم أن يكتبوه بلغة # قريش، وهذه رواية ظاهرة مستفيضة، ولو كانوا قد اختلفوا في ألفي حرف # ساقط وزائد من جهة اللحن لوجب في مستقر العادة ظهور ذلك وإشهاره # واللهج بذكره، لأن اللحن في هذا الباب أعظم وأفحش وأخطر من اختلاف # لغتين سائغتين، فكيف ذهبوا عن حفظ ألفي حرف وحفظوا اختلافهم في # التابوت والتابوه حتى شهروه وأظهروه. # وإذا لم يجز مثل ذلك علم تكذب هذه الرواية على سعيد بن العاص. # وإن الثابت عنه وعن العبادلة القرشيين ما وصفناه، وسنزيد ذلك شرحا وبيانا ~~في الاحتجاج لصحة صنع عثمان في جمع القرآن. # والوجه الثالث: أن سعيدا إن صحت عنه هذه الرواية قد اعترف أنه إنما # أراد بالزائد والناقص اللحن، فإما أن يكون قصد إزالة إثبات حروف يصير # الكلام لحنا بإسقاطها، ونقصان حروف يصير لحنا بزيادتها، وأراد بذكر # الحروف الحركات والإعراب، وليس هذا من نقصان القرآن وذهاب كثير منه في ~~شيء، وإذا كان ذلك كذلك بأن أيضا أنه لا شبهة لهم في هذه الرواية # ولا تعلق من كل وجه. # PageV01P420 ### | الجزء الثاني ### | (باب) # تعلقهم بالشواذ والزوائد المروية عن السلف رواية الآحاد، وبيان فساد ~~تعلقهم بذلك # فأما تعلقهم بما ms267 رواه أبو عبيد وغيره من النقلة عن كثير من السلف من # قراءة كلمات وحروف زائدة على ما بين الدفتين، ونقصان حروفي وتقديم # كلمة على كلمة، وقولهم: إن هذه الروايات إذا كانت من روايتكم وجب أن تكون ~~حجة عليكم ولازمة لكم، فإنه أيضا باطل من وجوه: # أولها: أنه لا يجوز لأحد من الشيعة التعلق بشيء منها ولا بشيء مما # قدمناه أيضا من الروايات التي ذكروها عن أبى وعبد الله بن مسعود وعمر # وأبي موسى وغيرهم، لأن هذه الأخبار إذا لم تبلغ في الشهرة والظهور مبلغا # تقوم به الحجة، وتلزم القلوب العلم بصحتها ضرورة، وكانت من روايات # الآحاد، وكان هؤلاء الآحاد الذين رووها عن هذه الطبقة ليس هم عليا # والحسن والحسين وفاطمة ولا عمار وسلمان وأبا الذر وقنبرا وهذه الطبقة # من الشيعة، وإنما هم عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعائشة وأبو ~~هريرة وعبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري. # وهؤلاء إذا قالوا قولا، وروى بعضهم عن بعض عن النبي صلى الله عليه # فهم فيه غير ثقات مأمونين، لأنهم نواصب كفار ضلال غشمة يجب عندهم # PageV02P421 # لعنتهم والبراءة منهم، فضلا عن العمل بأخبارهم والتوثيق لروايتهم، ولم # يجز أن يعتقد الشيعة نقصان القرآن بقول هؤلاء الكفرة الضلال، وإن كانوا # عند غيرهم عدولا أبرارا. # وكذلك حال من يروى عنهم من شيعتهم وأتباعهم في أنهم غير مأمونين # ولا مبرئين من الكذب ووضع الزور، فلا حجة في رواية أحد من هؤلاء # وأتباعهم لنقصان القرآن ولا لغيره من الأمور فإنما يجب أن يعلم الشيعة # ويقطع على نقصان القرآن بخبر يعلم صدقه ضرورة، أو دليل قاطع إذا كان # خبر بار عدل أو بخبر الإمام المعصوم من الكذب، فأما التعويل على خبر من # ليس بمعصوم من الشيعة كان أو من الناصبة فإنه لا حجة فيه. # فإن قالوا: فنحن لسنا نعمل في ذلك على رواية هذه الطبقة، وإنما نعلم # نقصان القرآن بنقل الشيعة وتواتر خبرهم عن الأئمة الهادية من أهل البيت. # أن القوم قد أسقطوا من القرآن شيئا كثيرا. ms268 # قيل لهم: قد علمناكم على خبر الشيعة هذا الذي تدعونه من قبل بما # يغني عن إعادته، وسنذكر فيما بعد ما يروونه عن أهل البيت من الترهات في # هذا الباب الذي لا أصل لها، وأما نحن فإننا وإن كنا نوثق جميع من ذكرناه # من السلف وأتباعهم، فإنا لا نعتقد تصديق جميع ما يروى عنهم، بل نعتقد # أن فيه كذبا كثيرا قد قامت الدلالة على أنه موضوع عليهم، وأن فيه ما يمكن ~~أن يكون حقا عنهم، ويمكن أن يكون باطلا ولا يثبت عليهم من طريق العلم ~~البتات بأخبار الآحاد، وإذا كان ذلك كذلك وكانت هذه القراءات والكلمات ~~المروية عن جماعة منهم المخالفة لما في مصحفنا مما لا يعلم صحتها # وثبوتها، وكنا مع ذلك نعلم اجتماعهم على تسليم مصحف عثمان وقراءتهم # PageV02P422 # وإقرائهم ما فيه والعمل به دون غيره، لم يجب أن نحفل بشيء من هذه # الروايات عنهم لأجل ما - ذكرناه. # وقد روي من هذه القراءات شيء كثير رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في # كتابه المترجم ب "فضائل القرآن" عن رجاله وغيره رواية غير ثابتة عن أبي # عبيد على ما ذكر ولا عند غيره، فمن ذلك ما روي أن عمر بن الخطاب كان ~~يقرأ: "غير المغضوب عليهم وغير الضالين"، ومنه ما روي عن عبد الله بن ~~الزبير أنه كان يقرأ: "صراط من أنعمت عليهم". # وروي أن ابن عباص كان يقرأ: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) وأنه كان يقرأ، "وعلى الذين ~~يطوقونه فدية"، يعني يكلفونه ولا يطيقونه، وأنه كان يقرأ: # (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) "في مواسم الحج". # وأنه كان يقرأ: "للذين يقسمون من نسائهم تربص أربعة أشهر". # وأن أبي بن كعب كان يقرأ: (فإن فاءوا " (فيهن" فإن الله غفور رحيم) . # وإن حفصة زوج النبى صلى الله عليه كانت تقرأ وأثبتت في # مصحفها الذي أمرت بكتابته: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) ، أن ~~تكتب بعد ذلك "صلاة العصر"، وأن أبي ms269 بن كعب كان # يقرؤها: "والصلاة الوسطى صلاة العصر". # PageV02P423 # وأن عبد الله بن عباس كان يقرؤها كذلك، وأن عبد الله بن مسعود كان # يقرأ: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس "يوم القيامة") . # وأن عمر كان يقرأ افتتاح آل عمران: (الم (1) الله لا إله إلا هو الحي ~~"القيام") ، مكان (القيوم) . # وأن سعد بن أبي وقاص قرأ: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو ~~أخت "من أمه") . # وإن ابن عباس كان يقرأ: (فما استمتعتم به منهن "إلى أجل مسمى" فآتوهن ~~أجورهن) . # وأن أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود كانا يقرآن: (ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك "وأنا كتبتها عليك") . # وأن عبد الله بن مسعود كان يقرأ: (بل يداه بسلطان) ، وأن # سلمان كان يسأل عن هذه الآية: (ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا) # فقال لسائله: دع القسيسين في الصوامع والحرب، أقرأنيها # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك بأن منهم صديقين رهبانا. # وإن ابن مسعود كان يقرأ: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) ، وأن عثمان # كتب في مصحفه: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة "صحيحة وصالحة" غصبا) . # وأن أنس بن مالك كان يقرأ: (إني نذرت للرحمن صوما "وصمتا") . # وأن عمر بن الخطاب كان يقرأ: (وإن كان مكرهم لتزول منهم "الجياد") ، وأن ~~عليا كان يقرأ: (وإذا أردنا أن نهلك قرية "بعثنا أكابر مجرميها" فمكروا ~~فيها فحق عليهم القول) . # وأن ابن عباس كان يقرأ: (حتى تسلموا على أهلها "وتستأذنوا") . # وأن ابن مسعود كان يقرأ: (فعلتها إذا وأنا من الجاهلين) ، وأنه كان يقرأ: ~~"أنا أنظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك"، # PageV02P424 # وأن ابن عباس كان يقرأ: (بلى أدرك علمهم) ، وأن أبن بن كعب قرأها: (أم ~~أدرك علمهم في الآخرة) ، على الاستفهام، وأن ابن جبير كان يقرأ: (والصوف ~~المنفوش) ، وأن عليا كان يقرأ: (والعصر ونوائب الدهر لقد خلقنا الإنسان في ~~خسر وأن فيه إلى آخر الدهر) . # وأن أسماء بنت ms270 أبي بكر قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: (ويل أمكم قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف) . # وأن ابن عباس قرأ: (إذا فتح الله النصر) ، إلى أمثال هذا مما يكثر ويطول ~~تعداده. # وقد قلنا من قبل إن هذه أخبار آحاد غير مقطوع عليها ولا موثوق # بصحتها، وإننا لا نجؤز أن نثبت قرانا بطريق لا يوجب العلم ولا يقطع # العذر، وإن الشهادة على أدنى المؤمنين منزلة بمثل ذلك، وأنه قد زاد في # كتاب الله تعالى ما ليس منه أو نقص شيء منه غير مقبولة، فلا يجب الاعتداد # بمثل هذه القراءات على وجه. # وقلنا أيضا: إننا نعلم إجماع الأمة وسائر من رويت عنهم هذه الروايات # من طريق يوجب العلم تسليمهم بمصحف عثمان والرضا به والإقرار بصحة # ما فيه، وأنه هو الذي أنزله الله على ما أنزله ورتبه، فيجب إن صحت هذه # القراءات عنهم أن يكونوا بأسرهم قد رجعوا عنها وأذعنوا بصحة مصحف # عثمان، فلا أقل من أن تكون الرواية لرجوعهم إلى مصحف عثمان أشهر من # جميع هذه الروايات عنهم، فلا يجب الإحفال بها مع معارضة ما هو أقوى # وأثبت منها. # وقلنا أيضا: إنه لا يجوز للشيعة التعلق بالنقصان من كتاب الله تعالى أو # الزيادة فيه بهذه الأخبار، لأنها عندهم أخبار قوم كذبة ضلال كفار، لا ~~يؤمن عليهم وضع الكذب والزيادة والنقصان في كتاب الله، هذا لو تواتر الخبر ~~عنهم بهذه القراءات، فكيف وهي في أدون طبقات أخبار الآحاد الواهية الضعيفة، # PageV02P425 # ومما يجب أن يعتمد أيضا عليه في إبطال كون هذه القراءات كلها من كتاب # الله الواجب قراءته ورسمه بين الدفتين، إجماع المسلمين اليوم وقبل اليوم # وبعد موت من رويت هذه القراءات عنه على أنها ليست من كلام الله الذي # يجب رسمه بين اللوحين، والإجماع قاض على الخلاف المتقدم وقاطع # لحكمه، ومحرم للقول به لما قد بيناه في كتاب الإجماع من كتاب "أصول # الفقه"، بما يغني الناظر فيه، فوجب بذلك إبطال جميع هذه القراءات. # وقد يحتمل أن يكون جميع هذه القراءات قد ms271 كانت منزلة على ما رويت # عن هذه الجماعة ثم نسخت الزيادة على ما في مصحفنا والنقصان منه وإبدال # الحرف بغيره، والكلمة بغيرها، ونهي القوم عن إثباتها وتلاوتها، فظن كل # من كان لقن شيئا منها أنه باقي الرسم غير منسوخ وعلم ذلك عثمان والجماعة ~~ونهوهم عنه، ثم علم أصحاب هذه القراءات صحة ما دعاهم إليه عثمان من إزالة ~~هذه القراءات ونسخها، وأن الحجة لم تقم بها، ولم يتيقن من وجه يوجب العلم ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ بها فرجعوا عند التأمل والتنبيه ~~إلى قوله وأذعنوا بصحة مصحفه. # ويحتمل أن يكون جميع ما سمع منهم أو أكثره أو وجد مثبتا في مصحف # لهم إنما قرأوه وأثبتوه على وجه التفسير والتذكير لهم أو الإخبار لمن ~~يسمع # القراءة بأن هذا هو المراد بها، نحو قوله: (والصلاة الوسطى) ، (وهي # صلاة العصر) ، وقوله: (فإن فاءوا "فيهن") وأمثال ذلك فقدر من سمعهم # يقولون ذلك أو رآه مثبتا في مصحفهم، أنهم إنما قالوه وأثبتوه على أنه ~~قرآن # منزل، ولم يكن الأمر عندهم كذلك ولا قصدوا لكتبه بمصاحفهم وجعلها # إماما ومدرسة للناس، وكانوا لا يثبتون فيها إلا ما ثبت أنه قرآن، دون ~~غيره. # PageV02P426 # وإذا احتمل أمر هذه القراءات جميع هذه الوجوه كان القطع على أنها # من كلام الله تعالى الذي يجب إثباته وقراءته جهلا وتفريطا ممن صار إليه ~~ولا # سيما مع العلم بحصول إجماع الأمة على مصحف عثمان رضوان الله عليه. # وإذا كان ذلك كذلك بأن بهذه الجملة سقوط كل ما يتعلقون به من هذه # الروايات وأن العمل في هذا الباب على ما نقله المسلمون، خلف عن سلف # على وجه تقوم به الحجة، وينقطع العذر عن عثمان والجماعة وأن عليا # وغيره من الصحابة كانوا لا يقرؤون إلا هذه القراءة ولا يرجعون إلا إليها. # ولا يحكمون غير هذا المصحف فيما نزل بهم، وبالله التوفيق.. # PageV02P427 ### | (باب) # ما روي من الآي المنسوخة ووجه القول فيها # وأما تعلقهم بما ذكروا من الآي المنسوخة من نحو قوله: # "إنا أنزلنا المال لإقامة ms272 الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أن لابن آدم واديا # لأحب أن يكون إليه الثاني، ولو كان الثاني لأحب أن يكون إليهما الثالث. # ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب ". # وما قيل # PageV02P428 # في رواية اخرى: "لو أن لابن آدم واديان من ذهب وفضة لابتغى إليهما # ثالثا، ولا يملأ بطن ابن - آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب ". # وما روي في رواية أخرى: "لو أن لابن آدم واديا مالا لأحب أن يكون إليه ~~مثله،ولا يملا* جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب ". # وما روي أنه كان في مصحف عائشة رضوان الله عليها: "إن الله # - وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما، وعلى الذين يصلون الصفوف الأولى". # وما روي عن عمر بن الخطاب وقوله: "كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم # فإنه كفر"، ثم قال لزيد بن ثابت أكذلك يا زيد، قال: نعم، وإنه قال - أعني ~~عمر - لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا أن جاهدوا كما # جاهدتم أول مرة فإنا لا نجدها،، فقال عبد الرحمن: أسقطت فيما أسقط # من القرآن "، وما روى من آية الرجم والشيخ والشيخة فقد مضى عنه أجوبة. # وجملة القول في ذلك أن جميع هذه الروايات أخبار آحاد لا سبيل إلى # صحتها والعلم بثبوتها، ولا يخيل لنا أن ننسب إلى أحد من الصحابة ومن # دونهم إثبات قرآن زائد على ما في أيدينا، أو نقصانا منه بمثلها، ولا نضيف # PageV02P429 # إليهم من ذلك أمرا غير معلوم ولا متيفن، مع أن نظم ما روى من قوله: لو # أن لابن آدم، نظم خفيف يباين وزن القرآن ويفارقه، وإذا كان ذلك كذلك # سقط التعلق بهذه الأخبار واقتضى ما فيها أنها لو صحت لوجب القطع على # أنه قرآن كان أنزل ونسخ رسمه وأسقط، وحظر علينا إثباته بين الدفتين # وتلاوته على أنه قرآن ثابت. # وكذلك سبيل ما روي عن عائشة من قولها: "كان مما أنزل الله تعالى # عشر رضعات معلومات يحرمن ثم ms273 نسخن بخمس رضعات ". # ولعل قولها ثم نسخن من كلامها، والصحيح في هذا أنه ليس شيء من هذه ~~الروايات مستقرا متيقنا معلوما صحته، فلا يجب الإحفال بها. # وكذلك ما روي عن ابن عمر في قوله: "لا يقول أحدكم أخذت القرآن # كله وما يدريه ما كله، قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل أخذت ما ظهر # منه "، وما ذكر في سورة الأحزاب وغيرها مما قدمنا ذكره، وقد كان القوم # يعلمون ويعلم أكثرهم أن ما صح من هذه الكلمات والقراءات التي ليست # في مصحف عثمان مرفوعة منسوخة فربما عبروا عنها بالنسخ، وربما قالوا # سقطت، وقد روي: "أن عثمان بن عفان رضوان الله عليه مر برجل يقرأ في # المصحف: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) "وهو أبوهم" ~~فقال عمر: لا تفارقني حتى يأتي أبي بن كعب، فأتى أبي بن كعب فقال عمر: يا ~~أبي، ألا تسمع هذا كيف يقرأ هذه الآية، فقال أبي: كانت فيما أسقط. # وقد علم أنه لا يجوز أن يذكر عمر وأبي وعائشة، وهذه الجماعة # وأمثالهم في الفضل والسابقة قرآنا كانوا يعلمون أنه كان أنزل النبي صلى ~~الله # عليه وأنه لم ينسخ وترتفع تلاوته ولا أزيل رسمه، فيتركوا قراءته وإثباته ~~في # PageV02P430 # المصحف، وأخذ الناس بحفظه، ويعتذرون في ذلك بأنه مما أسقط. # ويعنون بذلك أنه أسقطه الناس من المصحف، وتركوا حفظه وإثباته، لأنه لو # كان مثل هذا عذرا في ترك حفظه وإثباته لكان لو أسقط الناس جميع القرآن # على هذا المعنى أو ثلثيه ونصفه على اعتماد إسقاطه والذهاب عن حفظه # وضبطه، أن يجب على من كان لقنه وعرفه وحفظه أن يترك قراءته وإثباته # ورسمه لأجل أن غيره من الناس عصى الله وأسقطه، وهذا جهل لا يظنه # بالصحابة إلا غبي مغرور، فإن حال أدون المؤمنين منزلة يرتفع عن هذه # الرتبة، فكيف بالصحابة في فضلهم وجلالة قدرهم وشدة تدينهم، وما # وصفهم الله تعالى به من أنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم يأمرون # بالمعروف وينهون عن المنكر، إلى غير ذلك مما وصفهم به، فبان ms274 بما # وصفناه أنه لا تعلق لهم في شيء مما حكيناه من كل وجد وطريق. # قال أبو عبيد عقيب القراءات الشاذة التي قدمنا ذكرها، وهذه الآيات # التي ذكر أنها كانت مما أنزل ثم رفع وأسقط، وقد ذكر في بابين شيئا كثيرا # قد ذكرنا بعضه، فقال أبو عبيد: " هذه الحروف التي ذكرناها في هذين # البابين الزوائد لم يروها العلماء، واحتملوها على أنها مثل الذي بين # اللوحين من القرآن، ولا أنهم كانوا يقرؤون بها في صلاة، ولم يجعلوا من # جحدها كافرا بما يقرأ في الصلاة، ويحكم بالكفر على الجاحد لهذا الذي # بين اللوحين، وهو مما يثبت في القرآن الذي نسخه عثمان بإجماع من # المهاجرين والأنصار وإسقاط ما سواه، ثم أطبقت عليه الأمة فلم يختلف في # شيء منه، يعرفه جاهلهم كما يعرفه عالمهم، وتوارثه القرون بعضها عن # بعض، ويتعلمه الولدان في المكتب، وكانت هذه إحدى مناقب عثمان # PageV02P431 # العظام، ثم مر في ذكر أخبار وروايات عن الأماثل في تفضيل عثمان في هذا # الباب إلى أن قال: "فالذي ألفه عثمان هو الذي بين ظهراني المسلمين # اليوم، وهو الذي يحكم على من أنكر منه شيئا بما يحكم على المرتد من # الاستتابة فإن أبى فالقتل ". # فأما ما جاء من هذه الحروف التي لم يؤخذ علمها إلا بالإسناد والروايات # التي يعرفها الخاصة من العلماء دون عوام الناس، فإنما أراد أهل العلم ~~منها. # أن يستشهدوا بها على تأويل ما بين اللوحين، ويكون دلائل على معرفة # معانيه وعلم وجوهه، قال: "وكذلك قراءة حفصة وعائشة: (حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى) (صلاة العصر) . # وكقراءة ابن مسعود: "والسارقون والسارقات فاقطعوا أبدانهم"، ومثل قراءة ~~أبي بن كعب: (فإن فاءوا "فيهن") ، وكقراءة سعد: (فإن كان له أخ أو أخت "من ~~أمه") ، وكما قرأ ابن عباس: (لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم "في ~~مواسم الحج") . # وكذلك قراءة جابر: (فإن الله من بعد إكراههن "لهن" لغفور رحيم) ، فهذه # الحروف وأشباه لها كثير قد صارت مفسرة للقرآن، وقد كانوا يروون مثل # هذا عن بعض التابعين يعني بذلك ms275 استجازة كتابة التفسير مع الآية، ثم هل في # كلام هذا معناه من تضعيف هذه الروايات تارة، وأنها ليست توجب علما، بأن ~~ما روي قرآن منزل يجب إكفار من جحدة واستتابته وإلا قتل كالمرتد، ويكون ~~بمثابة ما يعلم أنه قرآن، مما ثبت بين اللوحين، ومن أن العلماء إنما ~~احتملوه إن صح عندهم على وجه التفسير به لمعاني القرآن، وإذا كان ذلك كذلك ~~ثبت أن أبا عبيد يعتقد في هذه الأخبار ما يعتقد من أن الحجة لم تقم بها، ~~وأن معناها إن صحت بعض ما ذكرناه، وهذا رأي جميع أصحاب الحديث وفرق ~~المسلمين الرواة لهذه الأخبار من مخالفي من يدعي الزيادة - فيه والنقصان ~~منه. # PageV02P432 # ولو سئل كل واحد منهم عما يرويه من هذه الحروف، لقال فيها وفي # معتقد إثباتها: والقطع على أنها قرآن أكثر وأغلظ مما قال أبو عبيد، هذا # معلوم من حال جميعهم، وإذا كان ذلك كذلك لم يكن في قول المخالف لنا # أننا إنما ندل بروايات هذه الآثار عن رواتكم لإقامة الحجة بها عليكم، لأن # هؤلاء الأئمة عندهم في هذه الروايات ما ذكرناه مما يبقي اعتقاد القطع على # صحتها، ويوجب أن الصحيح غيرها، لأنهم قد قالوا صريحا: إن الذي # أجمع عليه المسلمون هو الذي بين اللوحين، وهو الذي يحكم على جاحد # شيء بحكم المرتدين، وقالوا أيضا: إن ما أجمع عليه المسلمون هو الحق # والصواب، وأن ما عداه مطرح مرذول لأننا نعلم ضرورة من مذاهبهم اعتقاد صحة ~~الإجماع، واطراح ما عداه، فكيف تكون رواياتهم لأخبار يعتقدون هذا فيها حجة ~~عليهم لولا الغباوة والجهل، ولو كانوا قاطعين على أن هذه الحروف والكلمات ~~قرآن لم يعبأ بهم عند المخالف، لأنهم عند المخالف قوم حشو طغام، وعلى النصب ~~ومخالفة الرسول والإمام المعصوم، ولا معتبر بقول من هذا دينه ومذهبه، وإذا ~~كان ذلك كذلك سقط ما يتعلقون به من الاحتجاج برواية مخالفيهم من أهل الحديث ~~سقوطا بينا. # ثم يقال لهم: إذا لم تكن هذه الأخبار مما قد بلغت حد التواتر، ولا # مما يلزم قلوبنا العلم ms276 بصحتها، وكان راويها عندكم ممن يصح عليهم الغلط # والإغفال ووضع الكذب فما الذي يدل على صحة هذه الإخبار وصدق # رواتها، فلا يجدون في ذلك متعلقا. # فإن قالوا: لو جاز أن يكونوا قد غلطوا وتكذبوا في هذه الأخبار لجاز # أن يكون جميع ما روي من الأخبار التي أجمع عليها المسلمون من إعلام # الرسول وغيرها تكذبا. # PageV02P433 # قيل لهم: ولم قلتم إنه إن جاز عليهم الغلط، والاعتماد في هذه الأخبار # جاز ذلك فيما أطبق عليه المسلمون من الإعلام وغيرها من الأخبار، فلا # يجدون في ذلك متعلقا. # ثم يقال لهم: إذا كانت هذه الأخبار أخبار آحاد لم تبلغ حد التواتر. # ولم يدل عقل ولا سمع ولا شهادة من سائر الأمة على صحتها، ولا ادعي # سماعها من الرسول صلى الله عليه، وحضور إلقائها على جماعة يستحيل في # العادة عليهم الإمساك عن إنكار كذب من يدعي عليهم، ويضاف إلى # مشاهدتهم وسماعهم، ولا غير ذلك من وجوه الأدلة لم يجب القول # بصحتها، وليس هذه سبيل الإخبار التي يروونها الأمة قاطبة ويعرفها الخاصة # والعامة، وسبيل ما دل على صحته بعض هذه الأدلة، فجمعهم بين الأمرين # دعوى لا برهان عليها ولا معها. # ثم يقال لهم: فقد روى هؤلاء القوم من أهل الأحاديث كأبي عبيد # وغيره ممن ذكر هذه القراءات من طريق هي أسلم من الطرق التي ذكروها. # وعن قوم هم أثبت ممن روي عنه هذه القراءات، وبإسناد هو أظهر وأشهر # من أخبار الرؤية والشفاعة، ووقوع الطلاق في الحيض، وتحريم المتعة بعد # إطلاقها، والمسح على الخفين وإيجاب غسل الرجلين، وأن النبى صلى الله # عليه لا يورث، وأن ما تركه صدقة، وأنه شهد للعشرة بالجنة، قال صلى الله ~~عليه: "اقتدوا بالذين من بعدي أي أبي بكر وعمر". # وأنهما من الدين # PageV02P434 # بمنزلة السمع والبصر من الرأس "، و "أنهما سيدا كهول أهل الجنة". # و"أنهما وزيراه من أهل الأرض "، وأنه "لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن # يتقدمهم غيره"، وأن "لو كان بعده نبى لكان عمر"، ولأن أبا بكر خير # الأولين والآخرين إلا النبيين ms277 والمرسلين ممن مضى في سالف الدهر ومن في # غابره"، ورووا في كل واحد ممن تكفرون أنتم وتشهدون عليه بالضلال # والكفر من الفضائل والمناقب أمرا عظيما كثيرا، وقالوا كلهم: هذه الفضائل # أظهر وأشهر عندهم من نقل هذه الأحرف الشواذ، فيجب لذلك أن يوثقهم # ويصدقوهم فيما رووه من هذا أجمع. # ومتى قلتم إنهم قد كذبوا أو غلطوا ووهموا في جميع ما رووه من هذه # الأخبار وجب على اعتلالكم أن لا تأمنوا أن تكون جميع الأخبار التي أطبق # عليها المسلمون من إعلام الرسل وغيرها كذبا وزورا، وأن لا تثقوا بصحة # خبر ألبتة، وهذا ما لا فصل لهم فيه، وقد بينا فيما سلف وسنبين في باب # الكلام في جمع عثمان المصحف وأخذهم بالقراءات الثابتة أنه لا يسوغ # إطلاق ما روي من روايات الآحاد، ومن وجه لا يوجب العلم بما يقطع على # PageV02P435 # أنه قرآن، وخلط المعلوم المتيقن من ذلك بالمجهول، وأنه أجلب الأمور # لإدخال اللبس والشكوك في المصحف، وأن يثبت كل أحد فيه ما يريد # ويوقن مما ورد هذا المورد من القرآن والقراءات، وأن يدعي أنه أثبت من # الحمد والبقرة وآل عمران وذلك من الفساد والتخليلط ما لا خفاء به. # وسنوضح أيضا فيما بعد أنه لا يجوز إثبات شيء من هذه القراءات في # المصحف على حكم الظاهر، والعمل بخبر الواحد دون القطع على أنه قرآن، وأن ~~ذلك من أدعى الأمور إلى خلط الصحيح بالفاسد والسليم بالسقيم. # وفتح دعاوى الملحدين بأن كل ما بين الدفتين ثابت على طريقة. واحدة، وأنه ~~معلوم، أو أن يدعوا أنه كله غير متيقن ولا معلوم، أو أن يقولوا: ما نعرف ما ~~قامت الحجة به مما لم يقم ولا المعلوم منه ولا المجهول، وأن ما أدى # إلى ذلك وسهل سبيله وجب منعه والحظر له ونكشف ذلك يما يوضح الحق # إن شاء الله. # PageV02P436 ### | ( ### | فصل # ) # ومما يدل عملى أنه جميع هذه القراءات، والقرآن الذي يدعى إنزاله # والكلمات الزائدة ليست بمثابة القرآن المتيقن المعلوم، إجماع الأمة على ~~أن # من جحد الحمد والبقرة أو بعض ms278 القرآن، وقال: إنها ليست بقرآن، أو قال: لست ~~أدري أنها قرآن أم لا، وجب إكفاره والحكم بردته وخروجه عن جملة المسلمين، ~~ولا سيما إذا كان ممن ينسب إلى العلم وحفظ القرآن وسماع # النقل والأخبار، وأن من جحد قوله: (وهي العصر) ، (والسارق والسرقة # فاقطعوا (أبدانهم)) ، (ويأخذ كل سفينة (صحيحة) غصبا) ، (وأن تبتغوا فضلا ~~من ربكم في (مواسم الحج)) ، (والشيخ والشيخة، ولو أن لابن آدم واد من ذهب) ~~، (ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) ، وأنكر أن ~~يكون ذلك قرآنا، وقال: إني لست أدري أقرآن هو أم لا،، وقال: أقرأه كما روي ~~على الظاهر دون القطع عليه، لم يكفر بذلك ولم يكن خارجا عن جملة المسلمين ~~باتفاق، فوجب لذلك جهل من اعتقد أن هذه الشواذ جارية في ظهورها وثبوتها ~~وحصول العلم بها، مجرى الحمد والنمل والكهف، وبعض سور القرآن، وثبت بذلك ~~افتراق الأمر فيهما. # فإن قالوا: ولو لم تكن هذه الكلمات والأحرف الزائدة قرآنا، ولا من # سبيل يوجب أن يكون من أدخلهما في القرآن واعتقد أنها منه كافرا، وبمثابة # من أدخل (قفا نبك) ، (وألا هبي) ، (وودع عميرة) في القرآن واعتقد أنها # منها، فلما لم يكن ذلك كذلك، وجب أن تكون هذه الكلمات من القرآن. # PageV02P437 # يقال لهم: لا يجب بما قلتم، لأن هذه الأمور وإن لم نقطع ونعلم أنها # قرآن من عند الله، وكان الدليل قد قام على أنها ليست من القرآن، فإنه قد # روي روايات الآحاد أنها قرآن منزل، وقال بعضهم: قد نسخ ذلك. # وقال آخرون: بل هو ثابت فصارت هذه الروايات شبهة لمن ظن أنها قرآن إذا ~~خفي عليه الدليل، على أنه لا يجوز إثباتها وإلحاقها بالثابت المعلوم، وصار # ذلك على ضرب من التأويل الذي قد غلط فيه، وإن لم يقصد الجهل والغباء # فلم يجب إكفاره، ومن قال ذلك في شعر امرئ القيس، وبعض كلام الله # فلا تأويل ولا شبهة، فوجب إكفاره وافترقت الحال في ذلك. # فإن قالوا: فكذلك لا يحب إكفار من جحد أن تكون الكلمات ms279 الزائدة # من القرآن، وأنكر ذلك، وأن يكون بمثابة من جحد الحمد وثبت المتفق # بغير خلاف على أنها قرآن، لأن هذه الكلمات الزائدة لم تتفق الأمة على ~~أنها # قرآن منزل ولا تواتر الخبر بكونها قرآنا، ولا قامت بذلك حجة، وإن رويت # الأخبار الكثيرة في أنها قرآن، وليس كذلك سبيل الحمد وثبت بحصول # الإجماع والتواتر على أنهما قرآن، وزوال الريب والشكوك في ذلك. # يقال لهم: فقد صرتم لنا إلى ما أردناكم عليه، وأخبرنا بصحته من # أقرب الطرق، لأنكم لما طالبتمونا بجعل هذه الكلمات من القرآن لموضع # هذه الروايات، قلنا لكم: لا يجب ذلك لأنه لها اتفاق من الأمة حصل على # أنها من القرآن ولا تواتر الخبر بذلك ولا علم ضرورة من دين الرسول. # وليس كذلك سبيل الحمد وآل عمران، وإنما هي روايات جاءت مجيء # الآحاد التي لا توجب علما، ولا تقطع عذرا في إثباتها، وأنه لا يجب إثبات # ما هذه سبيله، فقلتم في جواب ذلك: إن ساغت لكم هذه الدعوى في هذا # القرآن ساغ مثلها في دعوى ظهور الرسل والإعلام من جميع ما روي من # PageV02P438 # الأحكام، وأجبنا عن ذلك بما قطع شغبكم، وأنتم الآن قد التجأتم عند حيز # النظر وتحقيق الأمر إلى الاعتراف والإذعان بأن حال الروايات الواردة بهذه # الأحرف الشواذ والكلمات الزائدة في أنها غير مقطوع على صحتها، ولا مما # ظهر أمرها واتفق عليها، فوجب الاعتراف بأنها قرآن منزل حال الرواية # بسورة ألهاكم، والعصر، وهكذا يفعل الله سبحانه بمن حاول الطعن في # الدين والقدح في أئمة المسلمين وإيقاع الشكوك واللبس في التنزيل. # دليل لهم آخر: وقد استدل قوم منهم على تغيير الأمة للقرآن، وفساد # نظمه وتحريفه والنقصان منه والزيادة فيه بما روي عن النبى صلى الله عليه ~~أنه # قال: "لتسلكن سنن الذين من قبلكم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة حتى # إن أحدهم لو دخل جحر ضب لدخلتموه، قيل يا رسول الله: اليهود والنصارى، ~~قال: فمن إذن، ". # قالوا: وقد صح أن اليهود غيرت كتاب الله وحرفته ونقصت منه أشياء كانت ~~فيه، وزادت ms280 فيه أشياء ليست منه، وأن النصارى # أيضا حرفت الإنجيل وغيرته وأفسدته، بخلط ما ليس منه وإسقاط ما هو # منه، وقد خبره الله تعالى بذلك من أمرهم، فقال تعالى: (وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون (146) الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) . # وقال تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند ~~الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ~~(79) . # وقال تعالى: (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب ~~وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون (78) . # PageV02P439 # فنص هذه الآي على تغيير أهل الكتاب لكتابهم وزيادتهم فيه ونقصانهم منه، ~~وإذا ثبت ذلك وصح أن الرسول قد ختر عن سلوك هذه الأمة لسننهم في جميع ما ~~كانوا عليه، وجب القطع على أن فيهم من غير الكتاب، وأحال نظمه وقصد إيقاع ~~التخليط والإلباس فيه، وساوى في ذلك من سبقه من أهل الكتابين. # يقال لهم: لا تعلق لكم فيما ذكرتم من وجوه: # أولها: أنكم قد علمتم على القطع بأن الأمة قد غيرت القرآن وبدلته # ونقصت منه من جهة هذا الخبر، وهذا عجز منكم وتقصير بين، لأجل أن # هذا الخبر من أخبار الآحاد التي لم نعلم صحتها ضرورة ولا استدلالا، ولا # هو مما تلقته الأمة بالقبول، ولا دل عليه بعض الأدلة الذالة على صحة # الأخبار، وإذا كان ذلك كذلك، لم يجز أن نتيقن ونقطع على أن الأمة أو # بعضها قد غيرت القرآن وحرفته من جهة خبر لا سبيل إلى العلم بصحته. # لأننا إذا لم نعلم صحته كنا عن العلم بتضمنه أبعد وهذا مما لا خلاف فيه. # أعني أنه لا يجوز إثبات أصل يقطع به على الله تعالى بخبر لا يعلم بثبوته. # ولا نقطع بصحته، وإذا كان ذلك كذلك سقط تعلقكم بهذه الرواية سقوطا # ظاهرا. # فإن قالوا: هذا الخبر من أخبار التواتر، بهتوا وكابروا وسقطت مؤونة # كلامهم، وادعي في كل خبر ينكرونه ويجحدونه ms281 أو يقفون في صحته أنه خبر # تواتر، ولا سبيل إلى دفع ذلك. # وإن قالوا: قد قام الدليل على صحة هذا الخبر وإن قصر عن حد التواتر؟ # قيل لهم: وما ذلك الدليل، فلا يجدون إلى ذكر شيء سبيلا، ثم يقال لهم: # أنتم تجحدون خبر الرؤية والشفاعة، أو كثير منكم، وتجحدون # PageV02P440 # فضائل أبي بكر وعمر وعثمان، وغيرهم ممن تتبرءون منه من الصحابة، وتكذبون ~~ما روي من قول النبي صلى الله عليه لمعاذ: "بم تحكم، إلى قوله أجتهد رأيي ~~وأحكم "، وقوله صلى الله عليه عقب ذلك: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ~~". # وقوله: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد # فأخطأ فله أجر". # وقوله لعمرو بن العاص: "اجتهد، فقال: أجتهد وأنت حاضر، قال: نعم ". # وما روي من غسل الرجلين، والمسح على الخفين # وأمر الرسول بذلك، وأن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سها وقال ~~لذي اليدين عند قوله: "يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت، قال: كل ذلك لم ~~يكن، وقوله: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى لأسن ". # وغير هذا من الأخبار الظاهرة المشهورة عند الثبت الثقات مع إطباق سلف ~~الأمة وجميع الفقهاء، ومن خالفكم من المتكلمين في سائر الأعصار عليها، ~~واعتقادهم لثبوتها، فكيف يسوغ لكم التعلق في هذا الأصل العظيم بمثل هذا ~~الخبر الذي لا يجري مجرى ما أنكرتموه، ولا يقاربه ولا يدانيه في الصحة ~~والثبوت، ولولا القحة وقلة الدين لم تقولوها في مثل هذه الأخبار الثابتة ~~المعلومة هذه من أخبار المروانية وشيعة معاوية ووضع ( ... ) والحنابلة، ~~وتدعون في مثل خبركم الذي تعلقتم به أنه من الأخبار الثابتة التي يجب أن ~~يقطع من جهته # PageV02P441 # على تحريف كثير من الأمة للقرآن وتغييره، نعوذ بالله من الجهل والعناد # وقصد التمويه والإلباس. # ثم يقال لهم: لو سلمنا لكم صحة هذا الخبر ووجوب القطع على ثبوته # لم يكن لكم فيه متعلق من وجوه: # أحدها: أنه لو قال صلى الله عليه: "لتسلكن سنن الذين من قبلكم حذو # النعل بالنعل، والقذة بالقذة إلا في تغيير القرآن، وإفساد ms282 الدين، وعبادة # العجل والمسيح، وكذا وكذا" لصح ذلك وجاز، ووجب أن يعتقد عموم # سلوكهم لسننهم إلا فيما استثناه، وإذا كان ذلك كذلك، وكان قد ورد عنه ما ~~هو قائم مقام هذا الاستثناء وأبلغ منه وجب الحكم بما قاله من ذلك، وقد ورد ~~عنه صلى الله عليه من الجهات المختلفة والطرق الواضحة المشهورة عن الثبت ~~ورودا متواترا على المعنى، وإن اختلف اللفظ: "أن الأمة لا تجتمع # على ضلال ولا خطأ"، فوجب أن تكون ما شهدت بأنه حق أو باطل، فإنه # على ما شهدت به، فروي عنه صلى الله عليه أنه قال: "سألت الله تعالى أن # لا يجمع أمتى على ضلال فأعطانيها". # وأنه قال: "أمتي لا تجمع على خطأ، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى ~~يقاتلوا الدجال". # وفي خبر آخر: "حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك". # وفي خبر آخر: "على الحق لا يضرهم خلاف من خالفهم إلا ما أصابهم من ~~لأواء"، # PageV02P442 # وأنه قال: "فمن سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، ~~وهو من الاثنين أبعد". # وفي رواية أخرى: "فإن يد الله على الجماعة، لا يبالي الله شذوذ من شذ"، ~~إلى نظائر هذه الأخبار التي يطول تتبعها، وقد ذكرناها وبينا صحتها وثبوتها ~~وتسليم الأمة لها وتواترها على المعنى وإن اختلفت ألفاظها. # وأوضحنا فساد جميع ما يعترضون به عليها في كتاب الإجماع من كتاب # "أصول الفقه الصغير" بما يغني متأمله والناظر فيه. # وإذا كان ذلك كذلك وكنا قد بينا فيما سلف، وسنبين أيضا فيما يأتي إجماع ~~الأمة في عصر أبي بكر عند جمعه للقرآن، وفي زمن عثمان وجمعه الناس على ~~القراءات والأحرف الثابتة، أن ما بين اللوحين من القرآن الحاصل في أيدينا ~~هو جميع كتاب الله الذي أنزله على رسوله، ومرسوم تأليفه الذي ألف عليه، ~~ومقروء على وجه ما أنزل عليه، وجب لذلك أن تكون صادقة محقة فيما شهدت به من ~~هذا الباب، لإخبار الرسول عنها بأنها لا تخطىء وتضل ولا تصدق كذبا، ولا ~~تكذب حقا وصدقا، فوجب لأجل ms283 ما وصفناه حمل قوله: # "لتسلكن بكم سنن الذين من قبلكم على سلوك سننهم فيما عدا تغيير # المصحف وتحريف الكتاب" لأجل هذا الإجماع وشهادة الرسول والأمة # على أنه محفوظ إلى يوم القيامة، وأن قوله: (وإنا له لحافظون) . # PageV02P443 # و (إن علينا جمعه وقرآنه) ، دالا على ذلك ومقتض له، فيجب # الأمان من تخوف تغيير وتحريف للكتاب، لا تقوم الحجة بفساده ويوجب # إحباط صحيحه بفساده. # فإن قالوا: ما حصل على هذا إجماع، لأن عليا وشيعته وأبيا وعبد الله # ابن مسعود لم يتفقوا على ذلك، فقد أوضحنا فساد هذه الدعاوى وبينا # دخول علي عليه السلام في الجماعة، وتحكيمه مصحف عثمان وقراءته له # وإقرائه إياه، وتسليمهم كذلك، وأنه لا معنى لدعواهم التقية في ذلك، ولا # صحة عليه، وإذا كان ذلك كذلك وجب استثناء هذا القدر من سنن أهل # الكتاب ومنع وقوعه من الأمة. # فإن قالوا: الإجماع أصل يقطعون بصحته على الله تعالى، وهذه الأخبار # التي رويتموها عن الرسول في تصحيح الإجماع، ونفي الخطأ عن أهله # أخبار آحاد غير ثابتة. # قيل لهم: هذه الأخبار متواترة ثابتة، ومتلقاة بالقبول ومتواترة على # المعنى، ومن أكثر شيء روي عن الرسول، فلا معنى لجحدها ولا أقل من # أن تكون على كل حال أثبت وأظهر من خبركم الذي تعلقتم به، فلا معنى # للغطرسة والمدافعة، ثم يقال لهم: إن صح ما قلتموه فصنيعنا في هذا # الكتاب كصنيعكم، لأنكم أنتم استدللتم على أصل تقطعون به على الله تعالى # بخبر واحد، فإن كنا قد أخطأنا فخطأنا في ذلك مثل خطئكم، وإن كنتم على # صواب فيما تعلقتم به فلا ينبغي أن ترفعوا عنه النظر وتعيروا به خصومكم. # وفي بعض ما ذكرناه ما يسقط تعلقكم بالخبر. # PageV02P444 # ومما يدل على أن تأويل الخبر إن صح بما قلناه،، وأنه لم يقصد ذهاب # القرآن وتغيير الأمة له وتحريفه وتضييع أحكامه وحدوده، علمنا بأن رسول # الله - صلى الله عليه وسلم -، قد كان يخبرهم بآيات الساعة وأشراطها، وعن ~~الحوادث التي تحدث بينهم، والحروب،، ويحذر من التسرع فيها ويكرر عليهم ~~أمثال هذه الأقاويل، ms284 فلو علم صلى الله عليه أن الأمة ستضيع القرآن وتغيره ~~وتبدله لوجب أن يخبرهم بذلك ويعرفهم أنه من إحداثهم، ومما يخافه عليهم، ~~فلما عدل عن هذا إلى إخبارهم بما يدل على أن القرآن أبدا هاد، وأن التمسك ~~به والرجوع إليه وحمل السنن والآثار عليه لأنه باق فيهم، وإن خاف عليهم عدم ~~الانتفاع به كما عدمت اليهود والنصارى الانتفاع بكتابهم، فما أغنى عنهم ~~شيئا، دل ذلك على ظهور أمر القرآن أبدا، وقيام الحجة به وانقطاع العذر فيه. # وقد روى التاس على طبقاتهم، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في ~~خطبته على الناس في الحرم في حجة الوداع، ويوم الجمع الأعظم بعد # أن عرفهم حرمة الشهر والبلد، وتحريم دمائهم وأموالهم، وأمرهم بأمور # ونهاهم عن أمور: "قد خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله # وسنتي ". # ولو علم أن كتاب الله سيذهب ويصير من التغيير والفساد إلى # حال لا تقوم به الحجة لم يكن للأمر بالرجوع إليه والتمسك به وجه، ولكان # يجب أن يخبرهم بأن الكتاب سيذهب، فلا يبقي معهم ما يرجعون إليه # ويهتدون به، وكيف يكون ذلك كذلك وهو يحذرهم في هذه الخطبة من # PageV02P445 # الكذب عليه ويحثهم على الأداء عنه كما سمعوا، ويأمرهم بضبطه وأخذ # العلم عنه قبل فوته، فيقول: "خذوا العلم قبل رفعه، وقبل ذهابه " في نظائر # هذه الألفاظ سنذكرها فيما بعد إن شاء الله، ولا يخبرهم في شيء من هذه # الأخبار بذهاب القرآن، ولا ضياع شيء منه ولا بتحريف وتغيير يقع فيه، بل ~~يأمرهم بالرد إليه والعمل عليه، وفي هذه الخطبة قال صلى الله عليه "نضر # الله أمرا سمع مقالتي فحفظها وأداها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه # إلى من هو أفقه منه ". # وفي بعض الروايات: "فأداها كما سمعها فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل ~~فقه إلى من هو أفقه منه ". # ويحذرهم من الكذب عليه، ولو علم أن القرآن سيغير ويبدل لأخبرهم بذلك ~~وحذرهم أيضا منه. # وقد روى أبو صالح عن أبي هريرة ms285 عن النبي صلى الله عليه قال: # «سيأتيكم عنى أحاديث مختلفة فما جاءكم موافقا لكتاب الله ولسنتى فهو منى ~~وما جاءكم مخالفا لكتاب الله ولسنتى فليس منى» (1) . # وروي عن ميمون الحضرمي أن أبا موسى الغافقى سمع عقبة بن عامر # الجهني يحدث على المنبر عن النبي صلى الله عليه أحاديث، فقال أبو موسى: # إن صاحبكم لحافط أو هالك، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان آخر ~~ما عهد إلينا أن قال: "عليكم بكتاب الله وسنتي، وسترجعون إلى قوم يحدثون ~~الحديث عني فمن قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومن حفظ شيئا ~~فليحدث به. PageV02P446 # وروى الأعرج عن عبد الله بن بحينه قال خطب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: (ما أتاكم عني يوافق القرآن فهو عني، وما خالف القرآن فليس ~~عني " # فإذا كان صلى الله عليه قد أمرهم بعرض حديثه على القرآن، فكيف يظن به # أنه قد علم من حالهم تضييعه وتغييره وتحريفه وبلوغه إلى حد لا يجوز أن # يدين به موافقة الحديث له أو مخالفته إياه، فكل هذا يدل على أنه لم يقصد # بقوله: "لتسلكن سنن الذين من قبلكم" تغير القرآن وتحريفه وتضييعه. # وروى وكيع عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن زياد بن لبيد قال: # ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا فقال: "وذلك عند أوان ذهاب ~~العلم. # قال: قلت يا رسول الله كيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن، وفي رواية # أخرى: وفينا كتاب الله نقرئه أبنائنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم ~~القيامة. # قال: ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة". # وفي رواية أخرى: "إن كنت لأعدك من فقهاء المدينة، أو ليس هذه اليهود # والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما، " ولو علم # ذهاب القرآن لرد عليهم قوله: ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة. # ويقال: إنكم ستضيعون القرآن أيضا وتغيرونه تغييرا لا يمكن معه معرفة # العلم. # وروى القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة الباهلى أن رسول الله ms286 صلى # الله عليه قال: "خذوا العلم قبل أن ينفد ثلاثا، قالوا: يا رسول الله وكيف # ينفد وفينا كتاب الله، قال: فغضب لا يغضبه إلا الله، ثم قال: # PageV02P447 # ثكلتكم أمهاتكم أو لم تكن التوارة والإنجيل في بني إسرائيل ثم لم تغن ~~عنهم شيئا، إن ذهاب العلم ذهاب حملته ". # وروى أيضا القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وقف في حجة الوداع وهو مردف الفضل بن عباس على جمل آدم، فقال: ~~"يا أيها التاس خذوا العلم قبل رفعه وقبضه ". # قال: "وكنا نهاب مسألته بعد نزول الآية: (لا تسألوا عن أشياء) . # فقدمنا إليه أعرابيا فرشوناه بردا على مسألته، فاعتم به حتى # رأيت حاشية البرد على حاجبه الأيمن، وقلنا له: سل رسول الله صلى الله # عليه كيف يرفع العلم وهذا القرآن بين أظهرنا، وقد تعلمناه وعلمناه نساءنا # وذرارينا وخدمنا، قال: فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه وقد ~~علا وجهه حمرة من الغضب فقال: ثكلتك أمك، أو ليست هذه اليهود والنصارى بين ~~أظهرها المصاحف وقد أصبحوا ما يتعلقون منها بحرف مما جاءت به أنبياؤهم، إن ~~ذهاب العلم أن يذهب حملتهم". # وكل هذه الأخبار أيضا تنبىء عن بقاء الكتاب بين المسلمين وتعقلهم له # ومحافظتهم عليه، ولو علم أن القرآن سيضيع ويحرف ويغير وتزول الحجة # به لقال لهم: وأول ذهاب علمكم ضياع القرآن منكم وتغييره وتبديله، وهذا هو ~~الذي أريده بذهاب العلم، ولم يحلهم على أن ذهاب العلم وقبضه # ورفعه هو ذهاب حملته، ولا ردهم إلى قوم قد كان الكتاب بينهم، # PageV02P448 # وأنه لا يغني عنهم شيئا، وليس يجوز أن يعنى بهذه الأخبار إلا كتابا صحيحا ~~لا يعنيهم شيئا، لأن المسقط والمحرف والمغير ليس بكتاب الله، ولو تأملوا ~~أيضا ما أغنى عنهم شيئا، وهذا بين يوضح أن الكتاب باد ظاهر مستفيض عار من ~~كل شبهة وتحريف، على هذا دل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزال طائفة ~~من أمتي على الحق " # في سائر الأخبار التي قدمنا في صحة الإجماع، ms287 ولو علم أن القرآن سيضيع ~~عقيب موته ويحرف ويغير ويبدل حتى لا تقوم به الحجة لكانت الأمة كلها قد ~~عرفت وعطلت من قام لله بحقه في حفظ الكتاب وحراسته. # وقد دل على هذا أيضا قوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) . # وقوله تعالى، (إن علينا جمعه وقرآنه) ، وقد بينا ذلك فيما سلف بما يغني ~~عن رده، وأنه لو ضيع القرآن وحرف وصار إلى حد لا يعرف صحيحه من سقيمه لم ~~يكن تعالى حافظا له ولا جامعا له على خلقه. # وكذلك قوله: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم ~~حميد (42) . # يوجب ذلك ويقتضيه. # فكذلك قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله ولو كره المشركون (33) . # وقوله: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ~~كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من ~~بعد خوفهم أمنا) . # وهذان خبران من الله تعالى بأنه سيظهر دين الرسول صلى الله عليه # على الدين كله وأن يمكنه، ولو علم تعالى أن أصله وأسه ومعدنه سيذهب # ويغير ويبدل ويحرف وتسقط الحجة به عقيب موته صلى الله علعه لم يخبر # بمثل هذا، ولكان إخباره عن وهايته وعدم تمكنه وشدة ضعفه ودروس أثره # PageV02P449 # أولى بالإخبار عن ظهوره وتمكلينه، وكل مسلم تدبر هذه الآيات والآثار التي # ذكرناها عرف أنه لم يقصد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله "لتسلكن ~~سنن الذين من قبلكم" تضييعكم القرآن وتحريفه وتبديله. # فإن قالوا: أفليس قد زعمتم أن النبي صلى الله عليه قد حذرهم في هذه # الأخبار من تضييع العلم، وأمرهم بتعلمه قبل ذهابه، فيزعمون أن العلم # يذهب دون القرآن على ما أصلتم. # قيل له: لا، لأنه أراد عندنا بذهاب العلم ذهاب كثير من أهله وقلته في # الناس، كما يقول القائل: ذهب الإسلام، وذهب الجود وارتفع الخير، ونفد ~~العلم والأدب، أي: قد قل ذلك وقل أهله وطلابه، ولا يعني به أنه لم يبق قائم ~~بذلك ولا معروف به، ms288 ويدل على أن هذا هو مراده بقوله: (وليمكنن لهم دينهم) ، ~~و (ليظهره على الدين كله) ، ولو ذهب بأسره وانقرض جميع أهله لم يكن مظهرا ~~له على الدين كله، ولا ممكنا له، ويدل عليه قول الرسول صلى الله عليه: "لا ~~تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك". # ولو علم أنه سيضيع جميع العلم، أو باب من أبوابه حتى لا يوجد # في الأمة قائم، لوجب أنها قد عطلت، وخلت من قائم بالحق في ذلك. # فأما تحذيره ونهيه عن تضييع العلم، وحثه عليه وأمره به ونهيه عن # تركه، فإنه لا يدل شيء منه على أنهم سيضيعونه ويفعلون ما نهوا عنه، هذه # حالة أمره بطلب العلم ونهيه عن تركه، أو تجرد أو كيف بهما إذا قارنهما ما # يدل على أنه لا يذهب من قول النبي صلى الله عليه: "لا تزال طائفة من أمتي # على الحق"، وقوله تعالى: (ليظهره على الدين كله) ، وقد قال الله تعالى: ~~(لئن أشركت ليحبطن عملك) ، ولم يجب ذلك علمه # PageV02P450 # بمواقعته صلى الله عليه للشرك، وقال تعالى: (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي ~~جاءك من العلم) ، ولم يقتض ذلك علمه بأنه يتبع أهواءهم، وقال # تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته) ، فحثة وحضه على أداء ما حمل، وقال له: (فاصدع بما تؤمر) # ، ولم يوجب أن يكون تعالى قد علم من حاله صلى الله عليه أنه # سيترك البلاغ والصدع بما أنزل، بل المعلوم من حاله أنه سيفعل ذلك ويبالغ # ويجتهد في حسن القيام به والحرص عليه، فهذا إذا تجرد لم يدل على أنه لا # يبلغ ما أنزل إليه، فكيف به إذا انضم إليه قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول ~~من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (128) . # في أمثال هذه الآيات مما خبر فيها عن مناصحته صلى الله عليه واجتهاده ~~وإيذائه في الله جل وعز، وكذلك تجرد أمره للأمة بطلب العلم ونهيهم عن ~~تضيعيه لا يدلان ms289 على أنهم سيضيعونه، فكيف بهم إذا انضم إليهما ما وصفناه من ~~إخبار الله تعالى ورسوله أنهم لا يزالون على الحق ظاهرين، وأن دينهم ظاهر ~~على الأديان وأنه سيمكنه لهم، في أمثال ذلك، فإذا كان ذلك كذلك سقط ما ~~توهموه في هذا الفصل. # ثم يقال لهم: أليس قد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما وصفتم، ~~وإن علمنا أن الأمة لم تعبد ولا أحد منهم عند غيبته عنهم في غزواته عجلا ~~ولا وثنا، ولم يقولوا ولا أحد منهم: يا محمد اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، ~~ولا # قالوا له: أرنا الله جهرة ولا أخذتهم الصاعقة. # فإذا قالوا: أجل، قيل لهم: فما أنكرتم أيضا أن لا يكونوا حرفوا القرآن # ولا غيروا نظمه، وإن كان قد فعل ذلك أهل الكنائس وأنه يجب لأجل ما # وصفناه أن نعلم أنه أراد سلوك سننهم في كثير من سيرتهم وأبواب دنياهم. # PageV02P451 # فإن قالوا: أراد بقوله "لتسلكن" في المستقبل بعد وفاتي، فإن قوم # موسى لم يعبدوا العجل، ولا سألوا من شيء أن يريهم الله جهرة، وأن # يجعل لهم إلها يعبدونه بعد وفاته، وإنما سألوا ذلك وفعلوه في أيام حياته # وحرفوا الكتاب بعد وفاته، يقال له: وما الدليل على أنه أراد بعد وفاته. # وقوله "لتسلكن" لا يقتضي ظاهره سوى وقوع ذلك في المستقبل منهم وهو # متناول لأيام حياته المستقبلية، ولما بعد وفاته من الأزمان فما الموجب # لتخصيص هذا الكلام، ولا سبيل لهم إلى ذلك، بل الواجب بطلان قوله # "لتسلكن" أن يكون خطاب مواجهة للصحابة دون المعدومين الذين يأتون # بعده، وقد علم أن الصحابة لم تعبد العجل ولا تحدث إلها دون الله تعالى # ولا عبدت وثنا في أيام حياته ولا بعده صلى الله عليه فزال بما قالوه. # فإن قالوا: أراد إلا عبادة العجل، وسؤال جعل إله مع الله، وأن يروه # جهرة، قيل لهم: وأراد إلا تحريف الكتاب وتغييره ولا فصل في ذلك. # فإن قالوا: قد علمنا أن ما ذكرتموه لم يقع من الأمة، قيل لهم: فقد بطل ~~التعلق بعموم ms290 الخبر، والاستدلال به على أنه لا بد أن تفعل هذه الأمة مثل ~~جميع ما فعلته اليهود والنصارى، وقيل لهم أيضا: وقد علمنا أنهم لم يحرفوا ~~القرآن ولا غيروه فأراد ما سوى ذلك. # فإن قالوا: ظاهر الخبر يوجب وقوع تحريف الكتاب لأنه من سنن الذين # من قبلهم، قيل لهم: وظاهره يقتضي وقوع عبادة تحصل منها للعجل وطلب # إله مع الله، وأن يروه جهرة، لأن ذلك من سنن الذين من قبلهم. # ولا جواب عن هذا وإنما أراد النبي صلى الله عليه إن صح هذا الخبر عنه ~~حدوث خلاف كثير وتنازع بينكم وفتن غير هذا الباب، على ما بيناه من قبل. # PageV02P452 # ثم يقال لهم: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقل ليلحقن كتابكم ~~من الفساد والتغيير باختلاط حقه بباطله والتباسه بالحق كدأب من قبلكم من # اليهود والنصارى، وإنما يقتضي هذا الظاهر على ما قلتم أن يقع من الأمة أو # قوم منها تغيير الكتاب وتحريفه فقط، ولا يوجب ذلك أن يصير كتابنا بذلك # التغيير مفسدا أو بالغا إلى حد في الوهاء وضعف النقل وقلة الحفاظ والضبط. # لا نعرف صحيحه من فاسده وسقيمه من سليمه ولا تقوم الحجة به، وإذا # كان ذلك كذلك لم ينكر أن يكون قوم من المنافقين والمدغلين للدين في # صدر الإسلام قد قصدوا إلى تغيير القرآن وتقديم مؤخره، وإدخال ما ليس # منه فيه، وإخراج بعض ما هو منه عنه، وأن يكون عثمان والجماعة قد ألغت # ذلك وأبطلته، وأوضحت عن فساده، وقامت بالحق والواجب في حفظ # القرآن ورسمه ونقله وضبط قراءته الثابتة التي أنزل عليه بيانا قطع به ~~العذر # وأوجب الحجة ونفى عنه تحريف الزائغين وكيد المبطلين، وأن يكون قد # كان في كثرة تلك المصاحف التي حرقها شيء كثير من هذا الباب، وإذا كان ذلك ~~كذلك سقط ما تعلقتم به، فكذلك لا ننكر أن يحدث قوم في بعض الأعصار يقصدون ~~إفساد نظم القرآن وتغييره وتحريفه وإكثار دعاوى الأباطيل فيه، وإن لم يخلهم ~~الله تعالى فمن يرد قولهم ويكشف شبههم ويبين ms291 باطلهم لأجل ضمان الله سبحانه ~~لحفظه وجمعه على ما بيناه من قبل. # فإن قالوا: ما أراد بهذا القول إلا أن عثمان وشيعته يحرفون القرآن # ويغيرونه، قيل لهم: لا، بل أراد إلا من رد عليه عثمان في أمر القرآن وبرئ ~~منه، وما أراد بذلك غيركم وغير أتباعكم في باب القرآن، وما تدعونه فيه من ~~التغيير والنقصان والحروف والكلمات التي تروونها وتدعون اعتماد السلف ~~لإسقاطها، وأنتم أقرب إلى ذلك وأحق به، وأشبه أن يكون الذي عناكم # PageV02P453 # الرسول صلى الله عليه بالوصف لتحريف القرآن، ولا جواب عن هذا أيضا، ويقال ~~لهم: هل عنى الرسول بقوله "لتسلكن سنن الذين من قبلكم"، جميع # الأمة أو بعضها. # فإن قالوا: جميع الأمة، قيل لهم: فعلي وولداه عليهم السلام، وعمار # وسلمان، وجميع الشيعة المعاصرين كانوا للرسول ومن حدث بعده داخلون # في هذا القول وهذا ما لا يصير أحد منهم إليه. # وإن قالوا: أراد بعض الأمة دون بعض، قيل لهم: هذا مسلم لكم، فما # الدليل على أن ذلك البعض هو عثمان والمتفقون معه على مصحفه دون أن # يكون هو المختار، وابن عبيد قتله مصعب بن الزبير صبرا مع سبعة من # أصحابه، وكان يدعي النبوة ويقول: جبريل عن يميني وميكائيل عن شمالي # وأمثاله من قادتكم، ومن قال منكم: (إن من القرآن، وإن علينا جمعه # وقرءانه) ، (وإن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم (وآل محمد) على # العالمين) ، ومن روى عن علي عليه السلام: (والعصر ونوائب الدهر إن # الإنسان لفي خسر وإن فيه إلى آخر الدهر) ، ومن روى عن بعض أهل البيت # أنه قال: (أنزل ربع القرآن فينا وربعه في عدونا) ، وروى عنهم أنهم قالوا: # "لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتمونا مسمين فيه كما سمي من كان قبلنا". # إلى أمثال هذه الخرافات والترهات، ورواة هذا والقائلون به أقرب إلى # التهمة والظنة بنقصان القرآن وتحريفه من عثمان ومن سائر السلف الصالح. # بل هم عندنا مقطوع على موضوعهم وتكذبهم وإكادتهم الدين، ونصبهم له # الحبائل والغوائل وطلبهم أهله والناصرين له والقائمين بحثه بالطوائل # PageV02P454 # وتكسبهم بالمذهب ms292 معروف، وإحرافهم له معلوم، وما هم عليه من مذموم # الطرائق وشدة الرغبة في العاجل، وقلة اكتراثهم بأمر الآخرة، ويقال لمن # استدل بهذا الخبر منهم - ممن يزعم أن قد نقص منه ولم يزد فيه ولا يمكن # أن يزاد فيه، لإعجاز نظمه تعذر الإتيان بمثله -: أنت في غفلة مما تخوض # فيه لأنك قد اعترفت بأن أهل الكتابين زادوا في القرآن ونقصوا منه، وأن ~~الله سبحانه خبر بذلك حيث يقول: (ويقولون هو من عند الله) . # وقوله: (يكتبون الكتاب بأيديهم) ، فيجب إذا كان ذلك كله أن # يدل هذا الخبر دلالة قاطعة على أن القرآن مزيد فيه ومدخل فيه كثير ليس # منه، كما دل على أنه نقص منه حتى يكون من ضيع ذلك من الأمة سالكا # لسنن من قبله حذو النعل بالنعل، فإن مر على ذلك ظهر عجزه ورغب عن # مذهبه، دهان أباه أسقط استدلاله بالخبر سقوطا ظاهرا. # وإن قالوا: أراد أنهم يسلكون سنن أهل الكتاب إلا في الزيادة في # الكتاب، قيل له: وأراد سلوك سننهم إلا في النقصان من الكتاب، وإلا # تحريفه وتغييره وقصد ما عدا ذلك، وهذا ما لا حيلة فيه ولا جواب عنه. # وكذلك الكلام على من قال: إنه مزيد فيه وليس بمنقوص أو مغير النظم # والتأليف فقط من غير زيادة ولا نقصان منه، وفي بعض ما أشرنا إليه أوضح # دليل على سقوط تعلقهم بهذه الرويات. # دليل لهم آخر على نقصان القرآن وتحريفه: بأن الشيعة تنقل خلفا عن # سلف عن علي والأئمة من عترته، عن سلف لهم تقوم بهم الحجة وينقطع # العذر: أن القرآن قد نقص منه وغير وبدل وأحيل عن نظمه، قالوا: والكذب ~~ممتنع على من ذكرنا، والعذر ببعضهم، فوجب لذلك صدقهم فيما نقلوه من هذا ~~الباب، والقطع من جهة خبرهم على نقصان القرآن وتغييره. # PageV02P455 # يقال لهم: ما الدليل على صحة نقلكم هذا مع مخالفتنا لكم فيه، وما # أنكرتم من أنه لو كان نقل الشيعة لذلك صحيحا فيه شرط التواتر لوجب أن # نعلم ضرورة أن في صدر الأمة من قال إن ms293 القرآن قد نقص منه وغير عما # أنزل عليه على ما ذكرنا من قبل، فلما لم نعلم من ذلك شيئا علم فساد # إدخالهم، ولأن الإسماعيلية والغالية يزعمون أنهم قد نقلوا خلفا عن سلف # لهم عن الأئمة أن الأمر في أصول الدين وفروعه على ما يعتقدونه وينزلونه. # ولأن الشيعة معترفة بحجج بعضها إذا نقل عن سماع ومشاهدة، وكل فريق # منهم يذكر أنه أخذ دينه في الأصول والفروع جميعا عن سلف لهم، والسلف # عن سلف إلى أن ينتهي ذلك إلى الأئمة وإلى قوم منهم في الأصل تقوم بهم # الحجة، فيجب لذلك العمل على قول جميع الشيعة مع اختلافها، وإذا كانت # هذه دعاوى متكافئة لا يعلم صحة شيء منها بطل جميعها، ولأنهم مثل هذا # النقل يدعون في النص على علي عليه السلام ورواية الأخبار الكثيرة في # وجوب شتم السلف ولعنهم والبراءة منهم ومن سائر أتباعهم، ونحن فلا # شبهة علينا في كذب هذا الخلف الذي يدين بذلك في الأئمة وجلة # الصحابة، فلا معتبر بهذه الدعاوى التي قد أخلقت وعرف جوابها وأغراض # مدعيها، وقد بسطنا الأدلة عليهم في هذه الفصول وما جانسها والدعاوى # وما أشبهها في كتاب:الإمامة" بما يغني الناظر فيه. # فأما ادعاؤهم أن عبد الله بن مسعود كان يقرأ: {وكفى الله المؤمنين القتال ~~(بعلي) وكان الله قويا عزيزا} . # وأنه كان يقرأ في آل عمران: # {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران (وآل محمد) على ~~العالمين} . # فإنه بهت وزور وليس هذا بمعروف، في أصحاب الحديث ولا مروي رواية ما قدمنا ~~ذكره من السواد، ولو كان بمثابته السداد لكانت الحال فيه لهي كما قدمنا # PageV02P456 # ذكرنا له من القراءة التي لم تقم الحجة بها، وقد علم أنهم ليس يدافعون عن # هذا لتضمنه معنى فاسدا عند مخالفتهم، لأن الله قد كفى النبي والمؤمنين # القتال بعلي في مواطن كثيرة حسن فيها إبلاؤه وجهاده، وأن آل محمد # مصطفون كآل نوح وآل إبراهيم، فمذهب الشيعة والسنة في هذا سيان فلا # معنى لقولهم: النصب حملهم على جحد هذه القراءات وما جرى ms294 مجراها. # كذلك سبيل ما يدعونه من أمر روايات الذين لا يعرفون بالرفض والطعن # على الصحابة وأم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها، أن ابن عباس قال: "إن ~~لله تعالى حرمات ثلاث ليس مثلهن، كتابه وهو حكمته نطق به وأنزله، بيته الذي ~~جعله للناس مثابة وأمنا، وعترة نبيه فيكم - صلى الله عليه وسلم - فأما ~~الكتاب فحرفتم، وأما البيت فخربتم، وأما العترة فشردتم، وقتلتم "، أن حذيفة ~~قال للصحابة: "أرأيتم لو حدثتكم أنكم تأخذون مصاحفكم فتحرفونها، وتلقونها ~~في الحشوش أكنتم مصدقي، قالوا: سبحان الله ولم نفعل ذلك. # قال: أرأيتم إن قلت لكم إن أمكم تخرج من فئة فتقاتل أكنتم مصدقي. # قالوا: سبحان الله ولم نفعل ذلك! # قال: أرأيتم إن قلت لكم أن يكون فيكم قردة وخنازير، أكنتم مصدقي، فقال ~~رجل: يكون فينا قردة وخنازير،! قال: # وما يؤمنك من ذلك لا أم لك. # فإنها أيضا كذب وزور وبهتان لأصحاب الحديث، لأنهم كلهم يروون # عن عبد الله بن عباس وحذيفة نقيض هذه الأخبار، ووصف الأمة بالفضل # PageV02P457 # والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتفضيل لعائشة، وجميع من يتبرأ # منه الشيعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا أظهر عندهم ~~وأكثر من أن تحتاج إلى تكلف الروايات عنهما في تفضيل الصحابة ووصف الأمة. # وقد تواتر من الأخبار التي لا يمكن دفعها أن أول من خاطب عثمان في جمع # القرآن وأشار به عليه وناشده الله في ذلك حذيفة بن اليمان، وأنه لما # قدم عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل # العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القرآن، فقال حذيفة: يا أمير المؤمنين. # أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى". # فشرع عثمان رضوان الله عليه عند ذلك في جمع الناس على القرآن، وأرسل # إلى حفصة زوج النبي صلى الله عليه في شأن الصحيفة التي كانت عندها. # فكيف يأمر عثمان بذلك -، ويقسم عليه فيه من بعده ويعيب فعله، هذا بهت ممن ~~صار إليه وأضافه إلى أحد من ثقات أصحاب الحديث الذين لا مغمز ms295 # عليهم في قلة أمانة وابتداع في الدين، فأما ما يروونه قوم منهم من أن # PageV02P458 # الأخبار قد وردت متواترة مستفيضة من جهة نقل هذه الفرقة من الشيعة بأن # القرآن مغير ومبدل وأنه قد نقص منه وأسقط أسماء الأئمة الإثني عشر # المذكورين فيه، وأسماء سبعين رجلا من قريش ملعونين فيه باسمائهم # وأنسابهم، وأن ربع القرآن منزل في فضائل الأئمة الإثني عشر وأهل البيت. # وأن عثمان والجماعة وضعت مكان رجل مسمى ملعون من قريش: (يا ويلتى ليتني ~~لم أتخذ فلانا خليلا (28) . # ومحوا اسمه، إلى غير هذه الجهالات والأماني الكاذبة والتلاحد الذي ~~يستهوون به العامة الطغام، ويقصدون به إبطال الإسلام فإنه لا شبهة على من ~~له أدنى مسكة في فساده وتكذب مفتريه وواضعه، وسنتكلم على تكذب جميع هذه ~~الروايات وعند مفتعلها عند فراغنا من حكاية عمل ما يروونه في هذا الباب إن ~~شاء الله. # PageV02P459 ### | ### | فصل # # فيما ذكروه في هذا الباب وادعوا انتشاره وظهوره، ومعتقدي نقصان # القرآن من الشيعة أن عليا عليه السلام جمع القرآن بعد النبي صلى الله ~~عليه # وجاء به يحمله قنبر لا يغلانه فوضع، ثم تلى عليهم آيات يكبتهم بها في # تقدمهم بن يديه، وهي قوله: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم (22) أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) . # فقال له عمر عند ذلك: ارفع ارفع مصحفك لا حاجة لنا إليه. # ومن ذلك - زعموا - ما تواترته نقل الشيعة خلفا عن سلف عن علماء # أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، منهم علي بن موسى بن جعفر، ~~وموسى بن جعفر بن محمد، وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين. # والحسن بن علي بن محمد، وعلي بن محمد بن على بن موسى، وأمثالهم # من أهل البيت، أنهم جميعا قالوا: أنزل القرآن أربعة أرباع، ربعا فينا، ~~وربعا # في عدونا، وربع سير وأمثال، وربع فرائض وأحكام، ولنا أهل البيت # PageV02P460 # فضائل القرآن، وأنهم قالوا: لو قرئ القرآن كما أنزل لوجد فيه أسماء # سبعين رجلا من قريش ملعونين بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم. ms296 # وأن رجلا قرأ على جعفر بن محمد الصادق من سورة آل عمران: # (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله) ، فقال له الصادق: يا ويحك كيف تكون أمة قتلت عترة نبيها، وحرفت ~~كتاب ربها وهدمت بيته، خير الأمم كلها، بل كيف تأمر بالمعروف وهي تخالفه، ~~وكيف تنهى عن المنكر وهي تأتيه، فقال له الرجل: جعلت فداك، فكيف نزلت، ~~فقال: كنتم خير أئمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر". # وأن رجلا آخر قرأ عليه - أعني جعفر بن محمد - في سورة هود: (أفمن كان على ~~بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة) ، فقال ~~الصادق: ما هكذا أنزل الله تعالى، إنما أنزل الله: "أفمن # كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه إماما ورحمة ومن قبله كتاب # موسى". # وأن رجلا قرأ عليه من سورة التحل: (أن تكون أمة هي أربى من أمة) ، فقال ~~له: ويحك! ما أربى، إنما هو: "أن تكون أمة هو أزكى من أمة". # وأن آخر قرأ عليه: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة ~~أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) . # فقال الصادق: ولقد سأل هؤلاء القوم عظيما أن يجعلهم أئمة للمتقين، فقال ~~له الرجل: كيف أقرأها، فقال له: واجعل لنا من المتقين إماما. # وأن رجلا قرأ بحضرته: (فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما ~~لبثوا في العذاب المهين (14) . # فقال له: إن الجن كانوا يعلمون # PageV02P461 # أنهم لا يعلمون الغيب. # وأن رجلا قرأ على الصادق: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) ، فقال له: ~~يا هذا كيف يذل قوم في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له # الرجل: كيف أقرأ، قال: "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ضعفاء". # وأن الصادق كان يقرأ: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي (ولا محدث) ~~إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} . # ، وأنه كان يقرأ: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس (لتعمهوا ~~فيها) } . # وأنه قرأ: (والعصر إن الإنسان لفي خسر وأنه ms297 فيه إلى آخر الدهر إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وائتموا بالحق وائتموا بالصبر". # وأنه كان يقرأ في النور: "ليس (عليهن) جناح أن يضعن ثيابهن غير # متبرجات لزينة"، وأنه كان يقرأ في سورة النساء: {ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جاءوك (يا علي) فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله ~~توابا رحيما} . # وأن الباقر كان يقرأ: "لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والأنصار". # ويقرأ في سورة التوبة: "فأنزل الله سكينته على رسوله وأيده بجنود لم # تروها"، وأن الأئمة كانت تقرأ: "إن علينا جمعه وقراء به "، وإن من الشيعة # ينقل نقلا متواترا عن العترة أنهم كانوا يقرؤون في: (ألم نشرح لك صدرك ~~(1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ذكرك (4) } "وأيدناك ~~بصهرك" إلى أمثال هذا مما يروونه مما لا أصل له. # PageV02P462 ### | فصل # مما يدل على كذب الرافضة في هذه الدعوى، صحة ما قلناه في ثبوت # القرآن والإطباق عليه، وعلمنا وعلم الكافة من الشيعة وغيرهم بدخول على ~~عليه السلام في الجماعة التي اتفقت على كتب المصحف وأخذ الناس به. # وإلغاء ما عداه، والتصويب لعثمان فيما صنعه من ذلك، حتى لم يحفظ عليه # كلمة ولا حرف واحد في الطعن على هذا المصحف والحرف الذي اتفقوا # عليه، بل روى الناس عنه رواية ظاهرة أنه كان يقريء به ويعلمه كما يقريء # به غيره، وروى ذلك عنه أبو عبد الرحمن السلمي وغيره: أنه أقرأه فلم # يختلف عنه في ذلك، ولا روي عنه خلاف للجماعة فيما اتفقت عليه، لا من جهة ~~الآحاد ولا من طريق التواتر. # ولو كان من خلاف في هذا الباب أو يسير قول لوجب في مستقر العادة # أن يظهر ويستفيض حتى لا يمكنه جحده وإنكاره كما ظهر عن عبد الله بن # مسعود اختيار القراءة بحرفه، وكراهية نصبه وبدل كتبة المصحف، ولو كان # مثل هذا قد وقع من علي والأئمة العلماء من ولده لوجب أن يكون نقله أظهر ~~وأشهر، وأن يكون العلم به أثبت في النفوس وألزم للقلوب بجلالة قدر علي ~~وعترته، وعظيم شأنهم في النفوس، ms298 وقد ثبت أن نقل كلام ممن ارتفع قدره وعظم ~~شانه وكثرت شيعته والاقتداء به يجب أن يكون أظهر وأكثر من نقل كلام قصر عن ~~محله، وفي رجوعنا إلى أنفسنا وعلمنا بأنه لم يرو عنه حرف واحد في هذا الباب ~~بل رويت موافقته وتصويبه ومتابعته أوضح دليل على أنه صلى الله عليه كان أخذ ~~القراءة بحرف عثمان والداخلين فيها عليه، ودانوا # PageV02P463 # بتصويبه، ولو كان الأمر عند علي عليه السلام في أمر القرآن كما يدعيه ~~الشيعة من تغييره وتبديله ومخالفة نظمه الذي أنزل عليه، وإسقاط كثير منه أو ~~الزيادة، لم يسعه السكوت عن إنكاره لذلك وتوقيف الناس على تغيير كتاب الله ~~وتبديله، وتحريفه وتصحيفه ودخوله الخلل فيه، وإشاعة ذلك في شيعته ~~والمنحرفين عنه، لأنه أحق من أمر بمعروف ونهى عن منكر، ولا شيء في المنكر ~~أعظم وأفحش من تغيير الكتاب وتحريفه وإفساد نظمه وترتيبه، لأن ذلك إفساد ~~للدين وإبطال للشرع، وعلي عليه السلام أجل قدرا وأرفع موضعا وأشد احتياطا ~~لدينه وللأمة من أن يتساهل في إقرار مثل هذا ويسامح نفسه به، ولو كان منه ~~قول في ذلك لوجب أن يعلمه على حد ما وصفناه من قبل. # فإن قالوا: قد نقلت الشيعة، وببعضهم تثبت الحجة عن مثلهم عن علي # عليه السلام أنه أنكر على القوم وخالفهم وعرفهم أن القرآن ناقص مغير # محرف. # قيل لهم: هذا بهت منكم وشيء وضعه قوم من غلاتكم، والقادحين في # الشريعة، وإلا فما نقل أحد من أسلاف الشيعة في ذلك حرفا واحدا، بل نقل ~~أنه كان داخلا في الجماعة ومقرا بما اتفقوا عليه ومصوبا له، وأنه كان يقريء ~~به ويعلمه، وعلى ذلك الدهماء من الشيعة والسواد الأعظم إلى اليوم، وبعد فما ~~الذي قاله لهم لما وقفهم على تبديل القوم وتغييرهم وما الذي عرفهم به مما ~~غيره، وما الذي لقنهم مما أسقطوه وكيف يمكنه أن يقول لهم: إن القوم حرفوا ~~كتاب الله وغيروه، ولم يمكنه أن يوقفهم على موضع التغيير # ويذكر لهم الذي ألغوه منه وكتموه، وهو لو قال لهم ms299 ذلك لكان أظهر لحجته # PageV02P464 # وأشد تأييدا لقوله، ولتذكر عند توقيفه على ما كتموه الساهي، وتبينه ~~العاقل ولحفظ الناسي، ولم يجز أن يذهب ذكر ذلك ومعرفته على سائرهم وقد ~~سمعوا ذلك، وكان يكون هذا من أفصح الأمور لهم، وأدل الأشياء على # ضلالهم وسوء اختيارهم، وخبث اعتقادهم في الدين وأهله، فإن كان قد # ذكر من ذلك شيئا فاذكروا ما هو، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلا، إلا زيادة # أحرف وكلمة وكلمتين لم تقم الحجة بشيء منه، وسنذكر فيما بعد ما يروونه # من هذه الأحرف عن علي عليه السلام، وعن الصادق وغيره من أهل البيت # ونبين بطلان ما يروونه عن العترة، وأنهم براء مما يضيفونه إليهم، ولم # يجدوا إلى ذكر شيء عن هذه الأحرف سبيلا، اللهم إلا أن يفتعلوا كلاما # سخيفا متفاوتا غير ملئتم ولا متناسب، أو خارج عن أوزان كلام العرب # المعروفة من الشعراء أو الخطابة أو الرسائل، ويضيفونه إلى علي عليه ~~السلام، فلا يبعد على كل أحد نظم ضده وخلافه وإضافته إلى علي عليه السلام، ~~ولا يشكل على أحد أنه ليس من نظم القرآن في شيء وهم لعلهم بهذا لا نراهم ~~يتعاطون حكاية ما يدعون نقصانه وروايته عن علي ولا عن غيره من ولده ولا ~~اللفظة والحرف والحرفين، ويحيلون معرفة ما طال وكثر على القائم المنتظر، ~~وكل هذا تخبط وتخليط وإدغال للدين وأهله، وكل هذه الأقاويل والدعاوى باطلة ~~مخالفة لظاهر ما عليه علي عليه السلام فيجب تركها وإطراحها، لأنه كان ~~باتفاق جميعنا يحكم مصحف عثمان، ويدعو الناس في المحافل إلى العمل بما فيه ~~دون قرآن يدعيه ومصحف يظهره غيره ويجتبيه، ويحلف مع ذلك أنه لا شيء عنده، ~~ولا عهد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير ما في صحيفة أخرجها ~~وغيرها على قائم سيفه على ما ذكر. # PageV02P465 # وروى عبد الله بن عباس قال: "لما تواقعنا يوم الجمل وعلى عليه # السلام بين الصفين أعطاني مصحفا منشورا وقال: اذهب به وقل لطلحة # والزبير وعائشة يدعوكم إلى ما فيه. # قال ابن عباس: فخرجت والناس ms300 على صفوفهم وعلي عليه السلام قائم ينتظرني، ~~فجئت القوم فقلت: إنما يدعوكم إلى ما في هذا المصحف، فاتقوا الله ولا ~~تقتلوا أنفسكم، فصاحوا صيحة واحدة: والله لا يكون ما يريد صاحبك ويراد، لا ~~نعطيه إلا السيف. # فقلت: والله أذن ننزل بكم السيف حتى تخافوه، فرجعت إلى على فقلت: لا يريد ~~القوم إلا السيف ". # وفي رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال: # "أرسلني على عليه السلام إلى طلحة والزبير بمصحف فدعوتهما إلى ما فيه # وجئتهما به منشورا تقلبه الريح ورقة ورقة فعرضت عليهما ما قال، # PageV02P466 # فقالا: يا ابن عباس، ارجع إلى صاحبك فإنه يريد ما نريد، يعنيان الإمارة، ~~فلما رجعت إليه وهو يرشق بالنبل: فقال: جلعتنا عرضا للقوم، خل عنا وعنهم، ~~قال: لا والله حتى تاتوني بقتيل فأتيناه بقتيل من أصحابه وهو يشحط دما فلما ~~رآه كبر وقال: احملوا فحملنا فلم يلبث القوم أن انهزموا. # وروى مسلم الأعور عن حبة بن جوين العرني قال: "قام علي عليه # السلام يوم الجمل ومعه مصحف فقال: من يأخذ هذا فيأتي به إلى هؤلاء # القوم فيدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول، فلم يجبه أحد، فقام رجل يقال له # مسلم، عليه قباء أبيض جديد، فقال: أنا، فنظر إليه ثم أعرض عنه ثم قال: # من يأخذ المصحف فيدعوا القوم إلى ما فيه وهو مقتول، فلم يجبه أحد. # وقام مسلم فقال: أنا، فأعطاه إياه ثم دعاهم فضربه رجل بالسيف فقطع يده ~~وأخذه بيده الأخرى فقطعها، ثم احتضنه حتى قتل، وذكر بعض الرواة لهذه # القصة أن شاعر أهل العراق قال في ذلك: # لاهم إن مسلما أتاهم ... يتلو كتاب الله لا يخشاهم # فزملوه من دم إذ جاهم ... وأمهم قائمة تراهم # يأتمرون الغى لا تنهاهم ... # PageV02P467 # يعني عائشة رضي الله عنها وأنها أنكرت هذا الشعر وعاتبت عليه، ولما # دعاه معاوية وأهل الشام إلى التحكيم أمر الحكمين بالرجوع إلى كتاب الله # وتحكيمه من فاتحته إلى خاتمته، فكان يقول: والله ما حكمت مخلوقا وإنما # حكمت القرآن. # ولو كان عنده ms301 قرآن غير هذا ومصحف يجتبيه غير مصحف عثمان # لكانت هذه المواطن وقت إظهاره وإعلانه والاحتجاج له وإدخال الناس بما # فيه، ولكان ذلك من أكبر الحجج على القوم وأشدها كشفا لباطلهم وتنفير # الناس عنهم، وكان ذلك لعلي من تحكيمه وإظهاره لصحابته والرضا بما # فيه، وقد زالت التقية وشقرت السيوف ووقعت المكاشفة والمكاسرة. # وأصل جميع ما كانوا فيه وأسه قتل عثمان وما خرج معه إليه، ولو قد # كان مصحفه مغيرا ومبدلا ومنقوصا منه ومنظوما على القراءة بغير ما أنزل ~~الله تعالى، والمنع من القراءة بصحيح ما أنزله علينا وتحريمه، للزم عليا ~~فرض # إظهار ذلك، ولكان التغافل عنه أضر بالأمة والدين من تولية معاوية الشام. # ومن ترك عائشة وطلحة والزبير بالعراق، ولا شيء إذ ذاك يمنعه من إظهار # كلام الله تعالى والقدح في المصحف له، ولم يكن حاله إذ ذاك دون حال # عبد الله بن مسعود، لما نافر عثمان في الامتناع من تسليم مصحفه وعزله عن # كتبة المصحف بزيد بن ثابت، حتى قال ما قال إلى أن عرف الصواب # ورجع، وكان لا أقل من أن نكذب من ادعى أن عنده قرآنا وأشياء أخذها عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس عند الأمة ولا مما بينه للجماعة، فإن ~~ذلك أيضا مما يزيد في الشبهة ويقؤي الباطل ويوهن الحق وأهله ويضعف شأنه، ~~وقد روي عنه التكذيب لمن ادعى له شيئا من ذلك والحلف عليه. # PageV02P468 # وقد روى الأعمش عن إبراهيم التيمى عن أبيه قال: خطبنا علي # بن أبي طالب عليه السلام، فقال: من زعم أن عندنا شيئا نقرأه إلا كتاب ~~الله تعالى وهذه الصحيفة، صحيفة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"المدينة حرم فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا". # وفي رواية أخرى عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: "خطبنا علي عليه # السلام وفي قائم سيفه صحيفة، فقال: إيه والله ما عندنا كتاب نقرؤه ليس # كتاب الله، ولا في هذه الصحيفة، ms302 فأخذها فنشرها فإذا فيها: المدينة حرم # فمن أحدث فيها ... نحو الخبر الأول إلى قوله صرفا ولا عدلا". # وروى أيضا الأعمش عن إبراهيم التيمى عن أبيه قال: "ما عندنا شيء # إلا كتاب الله وهذه الصحفية عن النبي صلى الله عليه قال: "من تولى مولى # قوم بغير إذن فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا قبل الله منه ~~صرفا # ولا عدلا. # فلو كان كتاب الله الذي عنده غير الذي جمعهم عثمان عليه لوجب أن # يظهره، وكان ذلك أولى من إظهار الصحيفة، وقد اتفق الكل # PageV02P469 # على أنه ما أظهر مصحفا غير مصحفهم، ولا ادعى لله كلاما غير الذي معهم، ~~وليس ما يدك في بعض الروايات من أنه كان له مصحف، أوله اقرأ باسم ربك، ~~فخالفه عليهم، لأنه ليس في ترتيب السور نص ولا توقيف على ما بيناه من قبل، ~~وليس بين هاتين الروايتين أيضا تعارض - أعني قوله: المدينة # حرم إلى آخر ما ذكرها، وقوله: من تولى مولى قوم بغير إذن مواليه - لأنه # يجوز أن يكونا جميعا كانا في الصحيفة، وأن يكون قرأ ذلك في وقعتين. # وحفظ عليه مرتين لما رآه من المصلحة في ذلك، لا تعارض بين هذه # الروايات وبين ما روي في بعض الآثار من أنه كان في الصحيفة أسنان الإبل # يعني إبل الصدقة، وأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا # لا يقتلن مؤمن بكافر ولا حر بعبد، لأنه قد يكون ذلك أجمع فيها ويقرأها # في مرات، ويذكره في مواقف شتى. # وقد كان عليه السلام يلقن أولاده وأصحابه القرآن، فما روي عنه أنه # أقرأ أحدا منهم شيئا يخالف مصحف الجماعة، وكان أبو عبد الرحمن يقرىء # الناس في مسجد الكوفة أربعين سنة بحرف الجماعة ويقول: أقرأني بذلك # علي وعثمان وزيد بن ثابت، فلم يعترض عليه أحد في هذه الدعوى ولا # ردها، كل هذا يدل على كذب من ادعى على على عليه السلام مخالفة # الجماعة على مصحفهم، ويقرأه بقرآن عنده. # PageV02P470 # ثم يقال لهم: لو كان نقل الشيعة الذي ذكرتموه واردا على شرط ما ms303 # وصفتم، كثرة عن كثرة حتى ينتهي في الأصل إلى قوم بهم تقوم الحجة. # سمعوا إنكاره على علي وخلافه على القوم بما قل أو كثر، لوجب لنا علم # الضرورة بصدقكم، وللزم قلوبنا العلم بصحة نقلكم وثبوت روايتكم، لأن # هذه سبيل العلم بكل خبر تواتر نقله واستوى طرفاه ووسط، وفي رجوعنا # إلى أنفسنا مع سماعنا لقول مدعي ذلك منكم، ووجودنا أنفسنا مع سماعنا # غير عالمة بصحة دعواه وروايته أوضح دليل على كذبكم في هذه الرواية. # وبمثل هذه الطريقة بعينها يعلم بطلان نقلكم لنص النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على علي عليه السلام، وأمره للناس بالانقياد والخنوع لطاعته، وقد ~~أشبعنا القول في ذلك في كتابي "الإمامة" وغيرها بما يغني متأمله. # فإن قالوا: لم يبلغ نقلنا لذلك عن علي عليه السلام مبلغا يوجب علم # الضرورة، وإنما يعلم صحة نقلنا بدليل، قيل لهم: فما ذلك الدليل، فإنا # غير عالمين بصحة ما ذكرتم، ولا عارفي الدليل على ثبوته. # فإن قالوا: الدليل عليه كثرة نقلة هذا الخبر من الشيعة، ونعرف هممهم # ودواعيهم واعتراضهم وتباعد ديارهم وأوطانهم، وامتناع اتفاق الكذب من # جميعهم في الأمر الواحد لداع واحد ودواع متفرقة، أو تراسلهم وتشاعرهم # بذلك مع إكتامه عليهم واستمرار السلامة بهم فيه، قيل لهم: فبدون العدد # الذي وصفتم تقع الضرورة إلى صدق النقلة ويزول الشك والشبهة، وبنقل # مثل هذا العدد ودونه حصلت لنا الضرورة إلى العلم بأن في العالم صينا # وخراسانا، وإذا كان ذلك كذلك بطل أن يكون نقل من ذكر حاله مما نحتاج # في العلم بصحته إلى نظر وتفكر وإقامة برهان ودليل. # PageV02P471 # وإن هم قالوا: أنتم تعلمون ضرورة صحة نقل من نقل هذا من الشيعة # عن علي، ولا تشكون عند سماع نقلهم أن عليا قد خالف القوم وأنكر ورود # ما - صنعوه، قيل لهم: ما الحيلة عندنا في أمركم إلا السكوت عنكم وتنبيه # الناس على بهتكم، وكثرة التعخب مما أحوجكم في نصرته إلى هذا البهت # والعناد والمكابرة، فإنكم تعلمون ضرورة أن قلوب جميع مخالفيكم خالية # فارغة من العلم بما وصفتم، ms304 وأنهم جميعا معتقدون لتكفير من دان بذلك # والبراءة منه، وإن كنتم تقنعون منا بالإيمان على وجودنا أنفسنا غير عالمة # بما قلتم واذعيتم عليها، بذلنا لكم منها ما يقنعكم، وإن أبيتم إلا القحاح # والمكابرة، فما الفرق بينكم وبين من قال: إنكم تعلمون ضرورة أنكم # تكذبون في دعواكم هذه على علي، وتجدون أنفسكم عالمة بخلاف ذلك. # وتعلمون ضرورة أننا نعلم أنكم تكذبون، ولولا أنكم قد اضطررتم إلى العلم # بأنكم تكذبون لم نجد أنفسنا مصرة إلى العلم بكذبكم، وهذا مما لا سبيل # لهم إلى الخروج عنه أبدا. # فإن قالوا عند تحصيل هذا الكلام: ما أنكرتم أن يكون ما نقلتموه من # متابعة علي الجماعة وإظهاره، والاقتداء بمصحف عثمان والعمل به، فيه # تفضيل لأبي بكر وعمر وعثمان، وحسن الثناء عليهم وجميل القول فيهم. # صحيحا على ما وصفتم، وأن يكون إنما فعل ذلك على وجه التقية والخوف # من إظهار حقه وإنكار باطله، - وكشف تحريفهم وتحيرهم وقد كانت التقية # دينه، قيل لهم: وما الذي خافه في ذلك، وأي شيء منعه منه، ومن الذي # قتل أو سجن أو عسف في أيام عثمان بحضور الجماعة على حق قاله ودعا # إليه، ولو جرى ذلك على علي عليه السلام لا من مثله عليه مع عظم قدره # وشجاعته وعزة نفسه والعلم بتقدمه في الإسلام وسابقته وقرابته وفضله ومنع # PageV02P472 # بني هاشم وشيعتهم منه وحمايتهم لجانبه، فقد كان يحب أن يظهر ما عنده # في ذلك وينظر ما الذي يحدث عنه، وإنما كان يكون له عذر في ذلك لو # تكرر من أبي بكر وعمر وعثمان وشيعتهم إخافة قوم وقتلهم لدعائهم إلى # حق وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وترادف ذلك منهم ترادفا يخاف معه # القتل، فأما وجميع هذه الأسباب معدومة الغميزة على عثمان إذ ذاك واقعة. # وعلى غيره نجد كثيرا من الناس يثلبه وينتقصه له كعمار وابن أبي بكر وابن # أبي حذيفة، وأهل مصر والكوفة، ومن سار من البصرة والأشتر النخعي. # وحجر بن عدي والتجيبي والغافقي وعمرو بن الجمق، وأبي بديل بن ورقاء. # والجمهور من الصحابة، ms305 فإنه قد كان يجب عليهم الإنكار على عثمان ومن # كان قبله، وكشف ما صنعوا من تغير القرآن ونقصانه وإفساد نظمه، وكان # ذلك وقت التغيير والمقال، وقد كان الناس عتبوا على عثمان وتعقبوه وثلبوه # ونقصوه بما لا تعلق فيه من حميته الحمى وإتمام الصلاة بمنى، وأنه رجع # يوم أحد ولم يحضر بدرا، وولى أما اربه، وأمثال ذلك. مما لا عتب عليه فيه. # وقد رويتم أنتم أن عليا عليه السلام أيام أفضت الخلافة إليه، وطعن عليه # وعلى الواليين: قبله، وقال في خطبه الشقشقية (1) بعد ذمه لأبي بكر وقوله ~~في عمر: "وصاحبها كراكب الضبعة إن أسلس لها عسفت، وإن غمزتها # جريت، ثم قام ثالث القوم ( ... ) ، يخصمون مال الله تعالى خصم الإبل # بيت الربيع حتى أموت به بطنته، وأهجم عليه عمله " وأنه خطب الناس أيام ~~PageV02P473 # نظره خطبة قال فيها: "أما إني لو أشاء أن أقول لقلت عفا الله عما سلف. # مضى الرجلان وقام الثالث كالغراب همته بطنه يا ويحه لو قصر جناحه. # وقطع ريشه كان خيرا له شغل من الجنة، والنار أمامه، ثم قال: ألا إن كل # قطيعة اقتطعها عثمان بن عفان أو مال أعطاه من مال الله فهو مردود على # المسلمين في بيت مالهم "، وأنه بعد ذلك قبض كل سلاح كان في دار عثمان # ومال به على الناس، وأنه قبض سيفه ودرعه وكانت في داره متخذة له، وأنه ~~قال في أبي بكر وعمر: "ألا إنهما منعاني حقي وهما يعلمان أن محلها مني # محل القطب من الرحى، وقالا: ألا إن في الحق إن نأخذه وفي الحق إن # نمنعه، فأصرا وجئت حبوا متأسفا، فصبرت من كظم الغيظ على أمر من # ، العلقم وأمر للقلب من حر الشغار"، في كلام له يروونه طويل، وأنه قال: # "أما والله لقد نقص بها أوجودهم وهو يعلم أن مكانها مني مكان القطب من # الرحى يتحادر إلى السيل ولا يرقى إلى الطير، لكني سدلت دونها ثوبا # وطويت عنها كشحا"، في أمثال لهذا كثيرة يروونها عنه، وقد نزهه الله عنها # ورفع قدره عن ms306 التلفظ بها، بل قد حفظ عليه الثبت الثقات ضدها ونقيضها. # غير أنكم تعتقدون صحة هذه الروايات عنه وثبوتها، وكل هذا نقض التقية، ~~وكلام من لا يخاف السطوة، وهو مبطل لقولكم عند ضيق المطالبة إنه لم # ينقض أحكام أبي بكر وعمر وعثمان ويرد فدك على مستحقها، وأنفذ ما # أمضاه القوم وأقره، لأن أنصاره كانوا شيعة أبي بكر وعمر وعثمان، فإذا لم # يكن عليه إظهار ما رويتموه من ذمه لهم وتبزيه منهم وقبح الثناء عليهم # والوصف لظلمهم وتجبرهم تقية، لم يكن عليه أيضا تقية في إظهاره لتحريفهم # القرآن وإلغاء كثير منه، وذكر لما عنده من الضحيح ودعائه إليه وإذكارهم # PageV02P474 # إياه فكان ذلك لو فعله من أوضح حججه على ظلمهم وأقوى أسبابه، وذريعة إلى ~~ما يدعون الناس إلى البراءة منهم والكشف عما يدعونه من ضلالاهم. # وبعد: فأي تقية عليه بعد حصول الأمر له وإشهار سيفه وقتل من قتل # بصفين والبصرة، ونصب الحرب بينه وبين مخالفيه فيما هو دون تغيير القرآن # وامتناعه من إقرار معاوية على الشام، وقوله: (وما كنت متخذ المضلين عضدا) ~~. # فقد كان يجب أيضا أن يكشف الحال في تغيير القوم للقرآن # وذكر ما فيه من نقصان، ويكون جهاده على ذلك أعظم وتعلقه به أشد. # وكان لا أقل من أن يترك إظهار متابعة القوم أن يقرأ ويقرىء بقراءتهم إذ ~~لم # ينفرد بقراءة حرف غير ما كانوا يقرؤون كانفراد ابن مسعود وترك متابعته ~~له، وكان ذلك كافيا في تشكك القوم وانقطاع التهمة والريب ولكان أعذر له من ~~اتباع القوم على ما كانوا عليه. # وبعد: فكيف أمكن خلاف عبد الله بن مسعود وزالت عنه التقية في # انفراده بحرفه ومنافرته لهم في تركه وإخراج مصحفه إليهم وترك متابعته لهم # على قراءة يعلم أنها منزلة له ومباحة مطلقة، واستبداده بحرفه إلى حين # رجوعه إلى قولهم، ويتميز الحق له، ولم يمكن علي أن ينفرد عنهم، ويظهر # ما عنده ويصنع كصنيع ابن مسعود، وقد رآه فارق الجماعة فلم يقتل صبرا # ولا خيف ولا سجن، وقد كان عليه السلام ms307 أقوى نفسا وأعز عشيرة وأكثر # شيعة وأنصارا من عبد الله بن مسعود، فقد كان يجب أن يفعل كفعله حتى # يكون ذلك عذرا له وحجة لشيعته والمتبعين له، ولو كان ذلك قد وقع # لوجب علمنا به على حد ما وصفناه، وإذا كان ذلك كذلك بطل تعلقهم # بالتقية بطلانا ظاهرا، وصح تسليم علي عليه السلام على إقراءه الجماعة # وفرقهم والمتابعة لهم على ثبوت نقل القرآن وصحته من حيث لا يمكن دفعه # PageV02P475 # والارتياب به، - وجميع هذا الذي وصفناه يدل على كذبهم على الأئمة من # ولده بنقصان القرآن. # ثم يقال لهم: إن جميع أخباركم هذه التي تدعون تواتركم فيها إنما هي # مروية عن نفر من أهل البيت، وقد روينا عن سائرهم ومن هو أكثر منهم عددا ~~من أهل البيت نقيض ما رويتموه، وأنهم جميعا كانوا يعظمون عثمان والصحابة، ~~ويفضلون أبا بكر وعمر وعثمان، ويشهدون لهم بالجنة ويصونوهم عن جميع أفعالهم ~~وسيريهم، وقدر ما رويتموه عن علي عليه السلام من أنه حمل المصف هو قنبر لا ~~يقيلانه لا يدل على أن القرآن الذي حمله كان أكثر مما جمعوه، وعلى خلاف ~~ترتيبه، ولعله كان فى جلود كثيفة ثقيلة المحمل، وقدر ما قراه عليهم لا يدل ~~على أنهم نقصوا وضيعوا من القرآن، بل إنما قرأ عليهم منه ما في مصحفه، ~~والروايات عنهم متظاهربلا متواترة على ما سنضيفه بعد ما وصفتم، وتصويب أبي ~~بكر وعمر وعثمان والإخبار بأن ما فعلاه كان بملأ من الأمة، وأحوط الأمور ~~لكتاب الله غير أننا نعدل في هذا الموضوع عن ذلك أجمع ونذكره على التفصيل ~~وقت الحاجة إليه. # ونسلم لكم نظرا صحة - جميع وواياتكم عن أهل البيت لتغييره ونقصانه # وأنها قد ثبتت وعلم صحتها، ونقطع على صدقكم فيها، فخبرونا مع تسليم # ذلك، ما الدليل على صحة قراءة هؤلاء النفر من أهل البيت لما قرؤوه # وقولهم أن ربع القرآن كان منزلا فيهم فأسقط، وأنه قد خنس منه ما فيه لعن # سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم، وأنتم جميعا # تروون عنهم رواية لا ms308 تشكون فيها أنهم كانوا يعتقدون - أن أول هؤلاء # السبعين أو من جملتهم أبو بكر وعمر وعثمان، وطلحة والزبير وعبد الرحمن # ابن عوف، وسعد بن مالك وسعيد بن زيد بن عمر بن نفيل، # PageV02P476 # وأبو عبيدة بن الجراح، وغير هؤلاء ممن لا حاجة بنا إلى ذكره، وقد عرفتم ~~أن جميع من خالفكم يعتقد أنه ليس فيما أنزل الله سبحانه لعن أحد من هؤلاء، ~~بل فيه تقريظهم وتعظيمهم وحسن الثناء عليهم والأمر بالاستغفار لهم ~~والاقتفاء لآثارهم، وأن جميع من اعتقد نقص هذه الطبقة من سلف الأمة وخلفها ~~وأن الله قد أنزل في لعنها قرآنا في نص كتابه ومحكم تنزيله فقد ضل وأخطأ، ~~وأنهم جميعا - أعني مخالفيكم ينزهون جميع أهل البيت الذين رويتم # عنهم هذه الروايات، وغيرهم منهم عن هذا الذي أضفتموه إليهم وعلقتموه # عليهم، وينسبونكم إلى الكذب والافتعال عليهم ووضع هذه التلفيقات # عليهم للتأكل والتكسب، وتروون عن أهل البيت وصفكم بالكذب عليهم # والتأكل بهم واللعن لكم، والبراءة منكم، فإن أبيتم إلا دفع الأخبار التي # يروونها مخالفوكم عن أهل البيت وتصحيح رواياتكم هذه عنهم، فما الدليل # على صحة قولكم هذا، أو صحة رواياتكم عنهم وعلى صدقكم عليهم، وما البرهان ~~على أنهم لم يغلطوا، عليهم السلام، ولم يتأؤلوا في ذلك أقاويلا # ليس على ما قدروه، ولم يأخذوا كثيرا من هذه الأقوال والروايات عن قوم # وضعوها لهم وتخرصوها وأسندوها إليهم إلى النبي صلى الله عليه، أو عن # أبيهم علي بن أبي طالب عليه السلام، وأنتم لم ترووا أن قراءة جعفر بن # محمد، وما رويتموه أيضا عن غيره من أهل البيت مرفوعة عندهم عن النبي # صلى الله عليه، ولا عن علي عليه السلام، وإنما رويتم أنهم قالوا: لو قرئ # القرآن كما أنزل لوجدوا فيه كذا وكذا، وأن كل رجل منهم قرأ بكذا وكذا، ~~وإذا لم يسندوا ذلك ولم يرفعوه إلى جدهم وإلى أبيهم فما يدرينا لعلهم # PageV02P477 # قالوه برواية راو لهم لا تقوم الحجة بمثله، ويمكن الكذب والافتعال في # قوله وروايته، أو لعلهم بضرب من الرأي والتقدير، ولعلهم ms309 استجازوا # القراءة بالمعنى وقالوا في ذلك ضربا من التأويل، فمن أين نعلم صواب هذه # القراءات التي رويتموها عنهم مع تجويزها عنه مع تجويز ما وصفناه، وليس # هم أيضا أهل تواتر فيما يروونه، هذا مع أن قراءتهم هذه مخالفة لقراءة # عثمان وعلي والجماعة، وقد اتفق عليه عندنا سائر سلف الأمة، الذين كل # من حدث بعدهم من أولاد نبيهم وغيرهم محجوجين بقولهم وإجماعهم. # فإن قالوا: الذي يدل على صحة ما قرأوه أنه هو كتاب الله المنزل دون # ما خالفه من قول من كان قبلكم وقد يحدث بعدهم، ما صح وثبت من # إمامتهم ونص الرسول عليهم، وما هم عليه من العصمة التامة والوقارة # الكاملة، وامتناع الكذب والسهو والخطأ والإغفال والتقصير عليهم، لما # أفردهم الله تعالى من عصمتهم وألزم العالم من فرض طاعتهم والانقياد # لهم، لأن الله تعالى لا ينص على إمامة قوم على لسان رسوله إلا أن يكونوا # أبرارا معصومين من كل زلة وسهو وخطيئة، ويسير الذنوب وكثيرها. # فيقال لهم: من سلم لكم النص عليهم، وأنهم أئمة الأمة، وأنهم من # الوقارة والعصمة بحيث وصفتم، وأنتم تعلمون أننا نمنع ذلك أجمع في على # وأبي بكر وعمر وعثمان ونبطل هذه الجملة، فما الحجة أيضا على صواب # هذه الدعوى، وأن الخلاف فيها كالخلاف في أمر القرآن بل لعله أعظم # وأخطر، فإن كان صحة هذه القراءات المروية عنهم منوطا معقودا بصحة # إمامتهم وثبوت النص عليهم، فيجب أن تدعوا أولا عن ثبوت هذه الجملة. # وأن فرض الإمامة واجب من جهة العقل وأنها لا تثبت إلا بنص من الرسول. # وأن ذلك النص إذا وجب لا يجوز أن يقع إلا على وافر معصوم فإننا # PageV02P478 # نخالفكم في هذا أجمع، ونرده أشد من ردنا لصحة هذه القراءات التي # رويتموها عن هذا السلف الصالح، وقد يجب أن يقولوا على هذا الباب دون # ذكر التواتر والاستفاضة وإيجاب خبر الشيعة للعلم وقطعه للعذر، وهذا # محير منهم، فإن عدلوا إلى تثبيت هذه الأصول وتصحيح النص كلموا في ذلك بما ~~ذكرناه وشرحناه في كتاب "الأمامة"، وفي "شرح ms310 اللمع" وغيره من الكتب، ولولا ~~كراهتنا التطويل والإكثار لذكرنا منه طرفا. # وإذا فسد بما ذكرنا هناك النص وصح الاختيار، ولم يكن هذا العدد من # أهل البيت الذين رووا هذه القراءات عنهم عددا يثبت بهم التواتر لو رفعوا # أقاويلهم هذه التي رويتموها وقرآنهم إلى النبي صلى الله عليه، وإلى أبيهم # على بن أبي طالب عليه السلام، وكان الخطا والسهو والإغفال والغلط في # التأويل وقبول رواية من لم يقطع خبره العذر جائزا عليهم كما أنه جائز ~~عندنا # على أبي بكر وعمر وعثمان، لم يكن معهم حجة على صواب قولهم وصحة # قراءاتهم، إذا كانت الحال على ما وصفناه ولا محيص لهم من ذلك إلا تنقل # الكلام إلى الإمامة وتصحيح النص، والأمر في ذلك أسهل وأقرب فما نحن # معهم فيه. # ويقال لهم أيضا: اعلموا على أننا قد سلمنا لكم عصمتهم ونص # الرسول عليهم، فمن أين لنا أنكم صادقون مما تروونه عنهم من هذه # القراءات، ولستم بمعصومين من السهو والإغفال والكذب والافتعال، بل # ما نشك في أنكم تكذبون عليهم في هذا وغيره من الضلالات التي تضيفونها # إليهم فبان أنه لا تعلق لكم أيضا في عصمتهم وثبوت النص عليهم. # ثم يقال لهم: ألستم جميعا تزعمون أن عليا عليه السلام وجماعة ولده # وعترته قد أظهروا في أوقات كثيرة متغايرة القول بصحة مصحف عثمان؟! # PageV02P479 # وأنه هو كتاب الله المنزل على ما أنزل، وقرأوا به وأقرأوه على سبيل ~~التقية # والخوف من قتل الظالمين وسيوفهم وسطوتهم؟! لأن القوم كانوا شيعة أبي # بكر وعمر وعثمان. # فإن قالوا: نعم، ولا بد من ذلك لأنه دين جميعهم، قيل لهم: فهل دل # إظهارهم لذلك على أنهم كانوا يعتقدون ما يظهرونه. # فإن قالوا: نعم، قيل لهم: فما أنكرتم إذا كان هذه جائزا على الأئمة # من أن يكون جميع ما أظهره علي عليه السلام وولده من بعده من هذه # القراءات والأقاويل في القرآن إنما أبدوه وقالوا على سبيل التقية من مالك # الأشتر وعمرو بن الحمق، وبديل بن ورقاء الخزاعي ومحمد بن أبي حذيفة. # والتجيبي والغافقي وحكيم ms311 بن جبلة العبسي، وسائر أهل الفتنة الذين كانوا # يدعون إلى إمامته ويظهرون موالاته، وأنهم كانوا مع ذلك لا يتعلقون في # الدين بشيء، وأنهم تهددوه وتوعدوه بأنه لم يظهر مخالفة القوم في # المصحف، والوصف لهم بالظلم اغتالوه وسفكوا دمه، فخاف عند ذلك # سطوتهم وعلم مخالفتهم ومفارقتهم للدين، وأنهم ليسوا بشيعة لأبي بكر # وعمر وآله، فلما خافهم على نفسه أظهر ولده من ذلك ما رويتم، ولم يكن # هؤلاء عترته على اعتقاد شيء من ذلك، وكذلك كانت حال محمد بن الحنفية، ~~والصادق والباقر في أنهم جميعا كانوا يخافون سطوة من يتأكل بهم وينسب إليهم ~~وإلى موالاتهم، ويرهبونهم ويخافونهم على أنفسهم، فأظهروا هذه القراءات وهذه ~~الأقاويل في القرآن على وجه التقية والخوف من المختار بن عبيد، وأمرائه من ~~جنده من كان في عصرهم ممن ينسب إلى التشيع، وتعلم هذه الفرقة من أهل البيت ~~أنهم ليسوا من المسلمين - في - شيء -، وأن تكون بواطنهم منظومة على خلاف ما ~~أبدوه أظهروه، فإن ذلك ليس بأعظم من # PageV02P480 # إظهار علي والحسن والحسين بصحة مصحف عثمان وقراءته به والإقراء به # دهرا طويلا على وجه التقية مع علمهم عندكم بانه مغير ومبدل ومرتب على # التخليط والفساد، وهذا ما لا جواب لهم عنه. # ويقال لهم: فلعل القرآن المرتب على حساب ما أنزل ليس هو عند علي # والأئمة من ولده مما في مصحف عثمان، ولا هو هذه القراءة التي رويتموها # عنه وعنهم، وأن يكون غير ذلك أجمع، إلا أن التقية منعت من إظهاره فلا # يجدون إلى دفع ذلك سبيلا. # فإن قالوا: المتقي الخائف لا بد له مع إظهار ما يظهره مما هو متق فيه # عن أسباب ورموز وإشارات وأحوال لا يمكن نقلها وأسباب تظهر منه يعلم # بها ما هو الحق عند شيعته وأتباعه ودعاته وإن خفي ذلك على عدوه ومن # خافه على نفسه، ومن لم يفعل ذلك كان غاشا ملبسا، وقد كانت هذه # الأسباب كلها موجودة في علي والأئمة من ولده وقت إظهارهم القول # بتسليم مصحفه - أعني عثمان وصحبه - وعلم من حالهم استبطانهم ms312 لخلاف # ما أظهروه، ولم يكن منه ولا من ولده شيء من هذه الأمور عند إظهارهم # للقراءة التي رويتموها عنهم والأقوال التي قالوها في القرآن، فوجب لذلك # أن يكون دينهم في القرآن ما رويناه عنهم دون ما رواه سائر فرق الأمة. # وفيل لهم: ما الفصل بينكم وبين من قال لكم إن جميع هذه الأسباب # كانت مفقودة من علي وولده عند إظهمارهم القول بصحة مصحف عثمان # والاعترأف به،، وأنها بأسرها قد وجدت من علي وولده عند إظهارهم لهذه # القراءات والأقوال التي رويتموها عنهم في القرآن، فعلم بذلك أن دينهم في # القرآن وأنه بأسره الذي بين اللوحين على ترتيب ما أنزل مذهب عثمان " # والجماعة، فهل تجدون في ذلك فصلا، # PageV02P481 # فإن قالوا: قد نقلت الشيعة خلفا عن سلف، وهم قوم أثبتت الحجة # أنهم علموا ضرورة من دين علي والأئمة من ولده أن دينهم في القرآن ما # رووه عنهم دون ما رواه أصحاب الحديث وسائر فرق الأمة، فوجب أن # يكون القول في ذلك ما قالت الشيعة. # قيل لهم: ما الفصل بينكم وبين من قال إن أصحاب الحديث وسائر # فرق الأمة قد رووا جميعا، وببعضهم تثبت حجة التواتر خلفا عن سلف أنهم # علموا ضرورة من دين علي وولده أنهم يعتقدون في القرآن صحة مذهب # عثمان والجماعة، فوجب أن يكون الحق ما قاله مخالفكم. # فإن قالوا: لو علموا ذلك ضرورة لعلمناه كما علموه، ولاشتركنا في # ذلك ونحن نجد أنفسنا غير عالمة بصحة دعواهم هذه. # قيل لهم: لو علمتم أنتم ضرورة عند تلقيكم لهذه الأخبار عن رواتها أن # مذهب علي والجماعة من ولده ما وصفتم، لعلمنا نحن وسائر مخالفيكم # ضرورة من ذلك ما علمتموه، فلما لم نجد أنفسنا عالمة بذلك بأن كذبكم # في هذه الدعاوي. # فإن قالوا: أنتم تعلمون صحة قولنا ضرورة ولكنكم تجحدون وتعاندون. # قيل لهم: وكذلك أنتم تعلمون صحة نقلنا عن علي وأهل البيت ولكنكم # تجحدون وتعاندون. # فإن قالوا: لو لم تضطرونا إلى صحة قولنا فيما ندعيه على أهل البيت # لم نضطر نحن إلى ذلك، فلما ms313 كنا إليه مضطرين علمنا أن حالكم في ذلك # حالنا؟ # قيل لهم: ولو لم تضطروا إلى صدق ما ندعيه على علي وولده وأنكم # تكذبون في ادعائكم عليهم خلاف ذلك لم نضطر نحن إلى أنكم تكذبون، # PageV02P482 # وإلى أن دين علي والجماعة ما وصفناه، فلما اضطررنا إلى ذلك علمنا أنكم # قد اضطررتم إلى ما نحن إلى العلم مضطرون، ولا جواب لهم عن هذا أبدا - # فإن قالوا: إنما يعلم دين أهل البيت من توالاهم وثبت النص عليهم # وتبرأ من أعدائهم، وهذه هي صفة الشيعة. # قيل لهم: نحن نتوالهم ونتبرأ من أعدائهم ولا نثبت النص عليهم، ولو # كنتم محقين في إثبات النص عليهم وكنا نحن في إنكاره مبطلون، لم يدل # ذلك على أنكم لا بد أن تضطروا إلى العلم بدينهم في القرآن إذا جازت عليه # التقية مع ثبوت النص، وقد يعرف دين الرجل وما يقصد أن يضر به مخالفه # وعدوه كما يعرفه موافقه ومواليه، فلا متعلق ولا طائل فيما ذكرتم فبطل # بذلك توهيمكم بذكر الولاء والبراء وعودكم إلى النص. # ثم يقال لهم: إن وجب القطع على صدق هذه الطبقة من الشيعة في # روايتهم عن علي والسلف الصالح من ولده في تغيير القرآن ونقصانه، فما # أنكرتم من وجوب تصديق الفريق الآخر من الشيعة الذين يروون عن مثلهم # مع كثرة عددهم واختلاف هممهم وتفرق ديارهم عن علي والأئمة من ولده # أن هذا القرآن المرسوم بين اللوحين هو جميع كتاب الله المنزل على رسوله # على ترتيبه ونظامه غير مغير ولا مبدل ولا مزيد فيه، وأنهم كانوا يقرؤونه # ويقرئونه ويوقفونهم على اعتقادهم لصحته وكماله وتمامه، والكذب # مستحيل على مثلهم، وخبرهم هذا معارض لخبركم في نقيض موجبه، وقد # علمتم علما لا يتخالجكم فيه الشك والريب أن في الشيعة خلقا عظيما # يعتقدون في صحة القرآن ونظمه وترتيبه اعتقاد أصحاب الحديث وسائر فرق # الأمة، وأئهم يروون ذلك عن علي عليه السلام والأئمة من ولده، فما الذي # جعل خبركم بالتوثيق والتصديق أولى من خبرهم وهم في الكثرة كأنتم بل # PageV02P483 # أكثر، لأن الدهماء من ms314 الشيعة والسواد الأعظم ينكر نقصان القرآن وتغييره # وتبديله، ويعظم ذلك ويتبرأ من قائله ويكفر الدائن به، ويفرق في ذم معتقده # والناصر له كثر من افتراق جميع فرق الأمة، والقليل منهم القائل بقولكم # والناصر له، ولا جواب لهم عن ذلك. # فإن قالوا: القائل بهذا من الشيعة يناقض بهذا القول مذهبه، ودافع # بمقالته هذه للولاء، ومتول بقوله الأعداء من ظالمي أهل بيت رسول الله صلى # الله عليه ومصور لهم على ما كانوا عليه، وهذا لا يشبه اعتقادهم فيهم ~~ويبرئه منهم ونحن على سنن في فرق القوم بما قلناه وإضافة هذه الضلالة ~~إليهم. # يقال لهم: ما قلتموه لا يخرج القوم عن أن يكونوا كثرة يخبرون أنهم # نقلوا عن كثرة إلى أن يتصل ذلك بعلي والأئمة من ولده أن القرآن بأسره هو # الذي بين اللوحين غير مغير ولا مبدل ولا منقوص منه، فنقلهم لهذا بمثابة # نقلكم لضد روايتهم، فإن كانت هذه الرواية توجب عليهم ترك الولاء والبراء ~~فيجب أن يصيروا إلى ذلك، ويجب أن تصيروا أنتم أيضا إلى ذلك إذا كان هذا ~~الخبر الذي رووه حجة كاعتقادهم وآباءهم بشيء يوجب نقيض موجب الخبر، لا يخرج ~~الخبر أن يكون صحيحا، فالتعلل في هذا بما قلتم لا معنى له. # ثم يقال لهم: إن الولاء والبراء غير مفتقر على أصولكم إلى اعتقاد تغيير # أبي بكر وعمر وعثمان وسائر الأمة للقرآن، وإنما يجب تولي علي والأئمة. # واعتقاد كونهم أئمة منصوصا عليهم، والتبري ممن ظلمهم وغصبهم ودفعهم # عن حقوقهم وتآمر عليهم، وقد أمر بأن يكون رعية لهم. وما يتصل بهذه # الجملة مما هو في معناها، وليس يفتقر اعتقاد الولاء والبرأء إلى الكذب # على أبي بكر وعمر وعثمان بنقصان القرآن وتغييره، كما لا يوجب ذلك أن # PageV02P484 # يعتقد فيه الزندقة، وأنهم كانوا ثنوية أو براهمة أو عبدة الديك والتدرج. # ومظهرين لذلك ومناظرين عليه حتى يجب أن يكون من لم يعتقد أن هذه # الأمور كانت دين أبي بكر وعمر وعثمان فقد نقض قوله بالولاء والبراء، وإذا ~~كان ذلك كذلك بطل تعلل النفس ms315 بهذا الضرب من الجهل، ووجب أن يكون نقل هذه ~~الطبقة من الشيعة عن علي والأئمة من ولده تصحيح هذا القرآن وتسليمه، وأنه ~~على ما أنزل غير مغير ولا مبدل مع كثرة عددهم وامتناع اتفاق الكذب منهم ~~ووقوع تواطىء عليه، مع انكتامه عليهم يوجب توثيقه والقطع على صحته، ولا ~~حيلة لهم في دفع ذلك. # فإن قالوا: قول هذا الفريق من الشيعة والمفضلين لعلي وعترته قول # محدث، وإلا فقد صح أن يذهب علي وجميع السلف والأئمة من ولده أن # القرآن مغير مبدل منقوص، فلا معتبر بخلافهم. # يقال لهم: افصلوا بينكم وبين من قال إن قولكم مذهب علي وولده # القول بنقصان هذا القرآن وتغييره، مذهب محدث قريب الحدوث، وأن # شيوخ الشيعة وغيرهم أكثر وأقدم منه، وأن القول بأن مذهب علي والأئمة # من ولده أن جميع ما أنزل الله تعالى من القرآن على نبيه صلى الله عليه هو # هذا المرسوم بين اللوحين على وجهه وترتيبه، هو المذهب القديم المعروف # المروي عن الثبت الثقات وعن الكافة فلا معتبر بقولكم وخلافكم، فهل # ترون لكم من هذا مخرجا؟ ! # PageV02P485 # ويقال لهم أيضا: إن وجب ولزم القول بصحة خبركم والقطع بصدقكم. # والمصير إلى موجب روايتكم عن على وولده في نقصان القرآن وتغييره # وتبديله، وإفساد نظمه وإيقاع التخليط فيه لأجل ما أنتم عليه من كثرة ~~العدد واختلاف الهمم وتعذر اتفاق الكذب من مثلكم، واستحالة التواطؤ ~~والتشاعر عليكم، فما أنكرتم من وجوب القطع على صحة خبر سائر أصحاب الحديث، ~~وجميع فرق الأمة: من المعتزلة والمرجئة والنجادية والمثبتة، في روايتهم عن ~~علي وولده الاعتراف بصحة هذا القرآن المرسوم بين اللوحين وأنه جميع كتاب ~~الله تعالى، ومرتب منظوم على ما أمر القوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~بنظمه وترتيبه، وإخبارهم عن على وولده بما هو معنى هذا القول بتفضيل أبي ~~بكر وعمر وعثمان، وحسن الثئاء عليهم والمدح لهم والتمني المضي على سبيلهم، ~~واللعن للطاعن عليهم والتبري منهم، وما يروونه عنهم من ذم الرافضة ولعن ~~الرسول لهم والإخبار عنهم بأنهم هم المعتقدون لدينكم # ومذهبكم ms316 في الصحابة، لأجل أن رواة هذا أجمع عن علي وولده من # أصحاب الحديث وغيرهم من فرق الأمة أكثر منكم ومن سائر الشيعة عددا # وأشد تفرقا في البلاد وتباينا في الأحوال والأنساب، وحالهم أثبت وسندهم # أظهر وأشهر عن قوم معروفين، وهم مع هذا أجمع غير متهمين على علي # وولده، ولا طاعنين عليهم ولا متبرئين منهم، وأنتم متهمون في جميع ما # تروونه من ذم أبي بكر وعمر وعثمان وشتمهم والتبري منهم، فسوء اعتقادهم ~~فيه وشدة طعنكم عليهم واعتقادكم لبرءاتهم من الإسلام جملة، وإخباركم بأن ~~هذا دين علي وولده فيهم، والرواية للعن القوم وذمهم، إذا جاءت ممن هذا دينه ~~فيهم كان من التهمة والظنة ما تعرفون، وإذا كان ذلك كذلك وكانت أخبار جميع ~~هذه الفرق المخالفة لكم متواترة على علي وولده بما # PageV02P486 # وصفناه وجب تصديقهم والقطع على صحة رواياتهم دون رواياتكم، فإن لم # تجب هذه الجملة فلا أقل من أن يكون خبركم معارضا لخبرهم ومقاوما له. # وهيهات أن يكون ذلك كذلك، وأخباركم عند أهل النقل وأصحاب الحديث التي ~~تدعونها على أهل البيت معروفة النقل والطرق والرجال، وأخبار أصحاب الحديث ~~المروية عن مثل: مالك والثوري وطبقتهما في عصرهما، وعن معمر والزهري وعلقمة ~~وإبراهيم والنخعي وسعيد بن المسيب وأحزابهم من أهل عصرهم، إلى أن ينتهي ذلك ~~إلى النبي صلى الله عليه فشتان بين هذه الطبقة وبين غيرهم من جملة أخبارهم ~~ممن لا حاجة بنا إلى ذكره، فوجب بهذه الجملة سقوط خبركم، والعمل على ما ~~ترويه هذه الفرق والطبقات المعروفة عن علي وعترته في أمر القرآن، وغيره من ~~تفضيل الصحابة وتقريظهم، والبراءة ممن دان فيهم بدينكم، وقال عليهم قولكم. # فإن قالوا: فما هذه الروايات التي ترويها هذه الفرق الموجبة لضد # رواياتنا عن علي وأهل البيت. # قيل لهم: هي أكثر من أن تحصى ويحاط بها، فمنها ما رواه التاس عن # سفيان عن السدي عن عبد خير عن علي عليه السلام أنه قال: "رحمة الله # على أبي بكر هو أول من جمع القرآن بين اللوحين"، ولو كان جمعه ms317 له بين # اللوحين ضلالة وبدعة على ما يصفون، أو كان جامعا له على خلاف ما أمر # الله جل وعز في نظمه وترتيبه، لكان عليه السلام خبرنا بذمه وإظهار ركوبه # المحظور في هذا الباب، وذكر تأليفه له على غير وجهه، ونقصان ما نقصه، # PageV02P487 # وكان ذلك أولى به من الترحم عليه، وجعل ذلك منقبة له، والتوهم لصواب فعله ~~وصحة تأليفه. # وروي أيضا عن عبد خير في خبر آخر عن علي عليه السلام أنه قال: # "أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول # من جمع القرآن بين اللوحين "، ورووا جميعا عن شعبة بن علقمة بن # مرثد، عن سويد بن غفلة عن على عليه السلام قال: "لو كنت وليت # الذي ولي عثمان لفعلت الذي فعل "، يعني في المصاحف، قال جميع من # روى ذلك: إنهم علموا من قوله هذا أنه قد قصد إلى أنه كان يصنع كصنعته # في المصاحف. # وروى بعضهم أيضا عن علقمة بن مرثد عن سويد بن غفلة قال: سمعت # على بن أبي طالب عليه السلام يقول: "أيها الناس الله الله وإياكم والغلو ~~في # عثمان وقولكم حراق المصاحف، فوالله ما حرقها إلا عن ملأ منا أصحاب # محمد" في كلام له في مدحه طويل سنذكره فيما بعد، إلى أن قال عليه # السلام: "لو وليت مثل الذي ولي لصنعت مثل الذي صنع " # PageV02P488 # فهذه الروايات كلها أظهر وأشهر من رواياتكم عنه بخلاف ذلك وأصح # سندا وأثبت رجلا، وإنما نعني بصحة السند وثبت الرجال، الطريق في غير # خبر من هذه الأخبار إذا أفرد وخص، فأما أن نحتاج إلى ذلك في علمنا في # الجملة بأن عليا عليه السلام كان يقرأ هذا المصحف ويلقنه ويحكمه ويعترف # بصحته، ويقول بقول الجماعة فيه فإنه باطل، ولا ما نعلم ضرورة إظهار # علي عليه السلام القول بهذا، وأنه كان على هذه الطريقة، ولا نعلم ضرورة # ولا باستدلال أن عليا أظهر في وقت من الأوقات خلاف ذلك على ما يدعيه # قوم من الشيعة، ولا خلاف بيننا وبينهم وبين ms318 مخالفينا من الشيعة في هذا # الباب بأن عليا عليه السلام كان يظهر القول بهذه الجملة، وأن دينه في # المصحف لعثمان ما وصفناه ولا يمكن أحد منهم دفع هذا أو جحده. # وقولهم بعد هذا: أنه أظهر ذلك برهة من الزمان ثم أظهر خلافه، وأنه كان # ابتدأ بإظهار خلافه باطل لا أصل له. # ويقال لهم: إن كان ابتدأ بإظهار خلاف ثم أظهر بعد ذلك خلافه بما # وصفناه فذلك رجوع منه عن قوله الأول، ويجب العمل في مذهبه إلى ما # صار إليه، وإن كان أظهر خلاف ما قلناه، وعلمنا إظهاره له ضرورة، وكان ~~إنما أظهر ما قلناه أولا على سبيل التقية، ولم نأمن أن يكون أيضا إنما أظهر ~~الثاني لأجل تقية أخرى من قوم آخرين هم أشر من القوم الذين خافهم على نفسه ~~أولا أو مثلهم في الشر، بل لعل القول الصحيح عنده هو الذي وقف عليه وهو ~~معتقد له القول الأول الذي هو دين عثمان والجماعة، وأن يكون القول الثاني ~~إنما ظهر منه على سبيل التقية من أشرار قوم كانوا مختلطين بأصحابه، قليلي ~~البصائر والرغبة في طاعة الله تعالى وكثيري الخلاف عليه والشق لعصاه ~~والتعقب على أمره، وهم الذين حملوه على التحكيم # PageV02P489 # وكف الحرب، وهم الذين عناهم بقوله: "بدل الله لي بكم أصحاب معاوية صرف ~~الدرهم بالدينار"، وكثرة الذم لهم والدعاء عليهم، وتمني الخلاص # منهم، وما حفظ عليه شيء من ذلك في فريق من الأمة قبل أيام نظره بأواخر # أفعاله وأقواله الواقعة منه في هذه الأيام أشبه بأن تكون واقعة على سبيل # التقية إذ كانت أسباب التمية ظاهرة، وقد بئتا في غير موضع بطلان هذه # التقية، وأنه لا أصل لها ولا دليل لهم عليها بما يغني عن رده. # وكل هذه الروايات عن علي في القرآن وفي القراءات المنسوبة إلى # مصحف عثمان نقيض تواتركم عنه الذي تدعونه، ومع ذلك فقد وافقتمونا # على أنه كان مظهرا للجملة التي ذكرناها عنه في باب القرآن، ونحن غير # موافقين لكم في روايتكم عنه أنه قال في بعض ms319 الأوقات غير ذلك، وأنه إنما # أظهره على سبيل التقية، وإذا كان ذلك كذلك كانت أخبارنا أولى بالثبوت ~~والصحة من أخباركم من كل وجه وطريق. # وكذلك أيضا فقد روى أصحاب الحديث كافة عن كافة خلفا عن سلف # من تفضيل علي عليه السلام لأبي بكر وعمر وعثمان، وتعظيم شأنهم وجميل # الثناء عليهم ما في بعضه دلالة على أنهم لم يغيروا القرآن ولا بدلوه ولا ~~شيئا # من أحكام الدين، فمن هذه الأخبار ما روته الجماعة عن أبي الأحوص عن # أبي جحيفة قال: "سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام على منبر # الكوفة يقول: إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم خيرهم بعد أبي بكر # لم أجده. # PageV02P490 # عمر، والثالث لو شئت لسميته "، وروي عن شريك عن الأسود بن # قيس عن عمر عن سفيان قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام: "سبق # رسول الله صلى الله عليه وثنى أبو بكر وثلث عمر". # وروي عن علي بن هاشم عن أبيه عن أبي الجحاف قال: "قام أبو بكر بعد ما ~~بويع له، وبايع علي وأصحابه، قام ثلاثا يقول: "أيها التاس # قد أقلتكم بيعتكم هل من كاره، فيقوم علي عليه السلام أوائل الناس يقول: ~~لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله فمن الذي يؤخرك ". # ورووا عنه عليه السلام أنه قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه أبا بكر ~~يصلي بالناس، وقد رآني وما كنت غائبا ولا مريضا، ولو أراد أن يقدمني ~~لقدمني، فرضينا # PageV02P491 # لدنيانا من رضيه رسول الله لديننا". # وروى عبد خير قال: "سمعت عليا يقول: قبض الله تعالى نبيه على خير ما قبض ~~عليه نبيا من الأنبياء، وأثنى عليه، ثم استخلف أبو بكر فعمل بعمل رسول الله ~~وسنته، ثم قبض أبو بكر على خير ما قبض الله عليه أحدا وكان خير هذه الأمة ~~بعد نبيها، ثم استخلف عمر فعمل بعملها وسننهما، ثم قبض على خير ما قبض الله ~~عليه أحدا، وكان خير هذه الأمة بعد نبيها وبعد أبي بكر". # وروى عن كثير النواء عن ms320 أبي سريحة قال: "سمعت عليا يقول # على المنبر: ألا إن أبا بكر كان أواها منيب القلب، وأن عمر ناصح الله # فنصحه ". # وروي عن سالم بن أبي حفصة عن عبد الله بن مليل عن على # ابن أبي طالب أنه قال: "لكل نبي سبعة نجباء من أمته، وإن لنبينا أربعة ~~عشر # نجيبا منهم: أبو بكر وعمر". # ورووا من غير طريق عن منذر الثوري # PageV02P492 # وغيره عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي علي بن طالب: من خير الناس # بعد رسول الله، قال: أبو بكر، قلت -: ثم من، قال: ثم عمر، ثم بادرت # فخفت أن أساله فقلت: ثم أنت، قال: أبوك رجل من الناس له حسنات # وسيئات يفعل الله ما يشاء". # ورووا أن عليا عليه السلام قيل له: استخلف علينا، قال: ما أستخلف. # لكن إن يرد الله بهذه الأمة خيرا يجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد # نبيهم على خيرهم ". # ورووا عن عبيدة السلماني وغيره من الرواة عن علي بن أبي طالب أنه # أرسل إلى رجل بلغه أنه عيب أبا بكر وعمر ويطعن عليهما، فجيء بالرجل # فعرض علي عليه السلام بعيبهما عنده، ففطن الرجل فقال: أما والذي بعث # محمدا بالحق لو أني سمعت منك الذي بلغني عنك أو يثبت به عليك بنية # لألقيت عنك أكثرك شعرا، يعني رأسه". # ورووا عن جعفر بن محمد أنه روى عن أبيه قال: قال رجل لعلي: يا أمير ~~المؤمنين، سمعتك تقول في الخطبة أيضا: اللهم أصلحنا كما أصلحت به الخلفاء ~~الراشدين المهديين، فمن هم، فاغر ورقت عيناه ثم أهملهما، وقال: هما حبيباي ~~وعماك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، إماما الهدى وشيخا الإسلام ورجلا قريش ~~المقتدى بهما بعد رسول الله - صلى الله عليه، من اقتدى بهما عصم، ومن تبع # PageV02P493 # آثارهما هدي إلى صراط مستقيم، ومن تمسك بهما فهو حزب الله وحزب # الله هم المفلحون". # ورووا عن علي بن أبي طالب عليه السلام وأبي أيوب الأنصاري أن # النبي صلى الله عليه قال: (إن الله أمرني أن أتخذ أبا بكر والدا (1) . # ورووا ms321 عن أبي رجاء العطاردي قال: "سمعت عليا والزبير بن العوام يقولان: # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفضل أمتي أبو بكر". # ورووا أيضا عن أبي رجاء العطاردي عن على بن أبي طالب والزبير بن # العوام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: "الخليفة بعدي أبو بكر # ثم عمر". # قال أبو رجاء فدخلنا على علي فقلنا يا أمير المؤمنين، سمعنا # الزبير يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: الخليفة بعدي أبو بكر # ثم عمر، فقال: صدق، وسمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه، ورووا # أيضا عن غير واحد من أصحاب علي عليه السلام أنه كان إذا ذكر عنده ~~PageV02P494 # أبو بكر قال: السباق تذكرون يقولها ثلاثا: والذي نفسي بيده ما استبقنا ~~إلى خير قط إلاسبقنا إليه". # وروي عن جابر بن عبد الله وأبي جحيفة وجعفر بن محمد عن أبيه عن # جده عن علي عليه السلام قال: "كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه # فأقبل أبو بكر وعمر، فقال لي: يا علي هذان سيدا كهول الجنة من الأولين # والآخرين، ما خلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما يا على". # ورووا في أكثر الروايات عنه: "ما خلا النبيين والمرسلين ممن مضى في سالف ~~الدهر، ومن بقي في غابرة، يا علي: لا تخبرهما بمقالتي هذه ما عاشا،. # وقد روى عن النبى صلى الله عليه هذا الخبر خلق من الناس غير علي. # منهم أبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس. # وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، والحسن بن علي، وأبو مريم السلولي، وأنس ~~بن مالك، كل روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل رواية علي عليه ~~السلام يزيد لفظة، واللفظتين أو ينقص، وروى هذا الخبر عن علي بن أبي طالب ~~خلق من الرواة منهم: سويد بن غفلة، وزر بن حبيش، وعبد الله بن أبي ليلى. # PageV02P495 # وعمرو بن شرحبيل أبو ميسرة، وعاصم بن ضمرة، والحارث الأعور. # وعامر الشعبي، وأبو البختري الطائي، وأبو عبد الرحمن السلمي. # وغيرهم أيضا، وبدون هؤلاء ms322 يثبت التواتر عنه، وليس في أخباركم خبر # تروونه عنه في نقصان القرآن وتغييره يجري مجرى هذا الخبر ولا يقاربه، بل # لا رواية تعلم عنه أصلا في ذلك إلا ما تصنعونه وتلفقونه. # ورووا أيضا عن مالك بن مغول عن السدي عن عبد خير قال: "كنت # عند علي بن أبي طالب عليه السلام جالسا فقال له رجل: يا أمير المؤمنين. # من أول من يدخل الجنة من هذه الأمة، فقال أبو بكر وعمر: فقال له رجل # اخر: يا أمير المؤمنين، ويدخلانها قبلك، قال: أي والله ويشبعان من # ثمارها" # وروي أيضا عبد خير عن علي عليه السلام قال: سبق رسول الله # وصلى أبو بكر وثلث عمر ثم خبطتنا فتنة يعفو الله عما شاء". # وروى أبو الطفيل عن علي قال: "سبق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو ~~بكر وثلث عمر، وخبطتنا فتنة، فهو ما شاء الله عز وجل ". # وفي رواية أخرى عنه: "فما شاء الله "، # PageV02P496 # وفي رواية أخرى: "يصنغ الله فيها ما شاء" # وفي رواية أخرى عن عبد خير قال: "سمعت عليا يقول: سبق رسول الله، وصلى ~~أبو بكر، وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة فهو ما شاء الله، فمن فضلني على أبي بكر ~~وعمر فعليه حد المفتري من الضرب، وطرح الشهادة". # ولولا خوف الإطالة والإكثار لذكرنا من كلامه في تفضيلهما في خطبه على ~~المنابر ومقاماته ومشاجراته أضعاف ما ذكرنا. # فأما ما يرويه جماعة أصحاب الحديث رواية ظاهرة مستفيضة عن علي # في عمر من التفضيل والتقريظ فهو أيضا أكثر من أن يحاط به، فمنها ما # ذكرناه من قوله: "إن أبا بكر كان أواها منيبا، وإن عمر ناصح الله فنصحه. # وقد كئا نرى شيطانه يهابه أن يأمره بمعصيته ". # وهذا مروي من طريق الشعبي # ومن رواية الشعبي أيضا عن علي أنه قال: "كان عمر ليقول الحق فينزل # القرآن بتصديقه ". # وروى مجالد عن عامر الشعبي عن على كرم الله وجهه، أنه قال: # "إن في القرآن من كلام عمر كلاما كثيرا". # يريد من الأوامر والأحكام. # PageV02P497 # وروي عن واحد عن ms323 علي عليه السلام أنهم سمعوه يقول: لأدخلت على عمر حين ~~وجأة أبو لؤلؤة وهو يبكي، فقلت: ما أبكاك يا أمير المؤمنين، فقال: أبكاني ~~خبر السماء، أيذهب بي إلى الجنة أو إلى النار، فقلت: أبشر بالجنة، فإني ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ما لا أحصي: "سيدا كهول أهل ~~الجنة أبو بكر وعمر، وأنعما، فقال: أشاهد أنت يا على بالجنة، فقلت نعم، ~~وأنت يا حسن فاشهد على أبيك رسول الله، أن عمر من أهل الجنة". # وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: "لما طعن # عمر عليه السلام قال: أعن ملإ منكم هذا، فقال علي: ما كان عن ملإ منا # ولوددنا أنه قد زيد في عمرك من أعمارنا". # ورووا جميعا عن عقيل بن خالد عن محمد عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه ~~عن عبد الله ابن عباس قال: قال لي علي بن أبي طالب: ما علمت أحدا من ~~المهاجرين هاجر إلا متخفيا إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة تقلد ~~سيفه # PageV02P498 # وتنكب قوسه وانتضى أسهما في يده وأحضر عترته، ومضى قبل الكعبة. # والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا متمكنا، ثم أتى المقام فصلى # متمكنا، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، فقال لهم: شاهت الوجوه لا # يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه أو يوتم ولده أو يرمل # زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، قال علي عليه السلام: فما تبعه أحد إلا # قوم من المستضعفين عليهم دار شرهم ومضى لوجهه". # ورووا جميعا عن عبد الله بن عباس وغيره من الصحابة أن عمر لما مات # دخل عليه علي بن أبي طالب عليهما السلام وهو مسجا بثوبه، فقال: ما أحد ~~أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجا بينكم، ثم قال: رحمك الله يا ~~ابن الخطاب أن كنت بذات الله لعليما، وأن كان الله في صدرك لعظيما # وأن كنت لتخشى الله في الناس ولا تخشى الناس في الله، كنت جوادا ms324 بالحق # بخيلا بالباطل، خميصا من الدنيا بطينا من الآخرة، لم تكن غيابا ولا # مداحا". # في أمثال لهذه الأقاويل كثير قالها ورواها في عمر، فيها من # تفضيله وتعظيم شأنه وذكر قدره ومحله عند الله ورسوله، ومكانه من الذين، ~~يؤذن بفضل عظيم وتقديم شديد، كرهنا الإطالة بها، كل هذه الأقاويل # والروايات لا تجوز عندنا وعندهم أن نقولها ونرويها في قوم ابتدعوا في # الدين ما ليس منه بجمع كتاب الله بين لوحين، وغيروا القرآن وبذلوا كثيرا # PageV02P499 # منه ونقصوا منه أمرا عظيما، وأسقطوا أسماء رجال ملعونين في نص تنزيله. # وحذفوا أسماء آخرين ممدوحين مقرظين مأمور باتباعهم في نصه، فإن فاعل # هذا بالخروج عن الدين والإدغال له والاستحقاق للعن والإهانة وقبيح # الأسماء وعظيم الذم أولى بما وصفه ورواه علي فيه، وكل هذه الروايات # أشهر وأظهر وأعلى وأكثر رجالا وأوضح طرقا من رواياتكم، ونحن وإن لم # نعلم عين كل خبر من هذه الأخبار ضرورة، فقد عرفنا في الجملة ضرورة # مدح علي لهما وحسن ثنائه عليهما، وقد قلتم معنا بذلك وادعيتم عليه # التقية، وأنه قال في مقامات أخر نقيض هذه الأقوال، وهذأ منكم غير مسموع ~~ولا مقبول ولا معلوم صحته، فصح ما قلناه وبطل تسويفكم أنفسكم بالتعاليل ~~والأباطيل، وأما روايات أهل البيت عن علي وسائر أسلافهم بتفضيل الصحابة ~~وتقديمهم وحسن الثناء عليهم والتبري من أعدائهم والقادح في فضلهم، فأكثر من ~~أن يحاط بها، فمن هذه الأخبار: # ما رووه عن محمد بن فضيل عن سالم ابن أبي حفصة قال: # "سألت أبا جعفر محمد بن علي وجعفر بن محمد عن أبي بكر وعمر. # فقالا: يا سالم توالاهما، وابرأ من عدؤوهما فإنهما كانا إمامي هدى". # ورووا أيضا عن بشير بن ميمون أبي صيفي عن جعفر بن محمد عن أبيه، # PageV02P500 # قال: "توالوا أبا بكر وعمر، فما أصابكم من ذلك فهو في عنقي ". # ورووا عن أبي عقيل عن كثير النواء قال: "قلت لأبي جعفر بن محمد بن علي: ~~أخبرني عن أبي بكر وعمر أظلما من حقكم شيئا أو ذهبا به فقال: لا ms325 ومنزل # الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، ما ظلما من حقنا من يزن حبة # خردلة، قال: قلت: أتتوالاهما جعلني الله فداك قال: نعم يا كثير أتوالاهما # في الدنيا والآخرة، قال: وجعل يصل عنق نفسه بعنقي، قال: ثم قال: برئ الله ~~ورسوله من المغيرة بن سعيد وبيان، فإنهما كذبا علينا أهل البيت ". # ورووا أيضا عن خلف بن حوشب عن سالم بن أبي حفصة، قال: # دخلت على جعفر بن محمد الصادق وهو مريض، قال: فقال: اللهم إني # أحب أبا بكر وعمر وأتوالاهما، اللهم إن كان في نفسي غير هذا فلا تنالني # شفاعة محمد صلى الله عليه ". # ورووا أيضا عن سالم بن أبي حفصة قال: قال لي جعفر بن محمد يا سالم: أيسب ~~الرجل جده، أبو بكر جدي، لا نالتني شفاعة محمد صلى الله # عليه يوم القيامة إن لم أكن أتوالاهما وأبرأ من عدوهما". # PageV02P501 # ورووا عن عبد العزيز بن محمد الأزدي، قال: حدثنا حفص بن # غياث قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: "ما أرجو من شفاعة علي عليه # السلام شيئا إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله. # ورووا عن علي بن الجعد عن زهير بن معاوية عن أبيه، قال: # "كان لي جار يزعم أن جعفر بن محمد بن على بن الحسين يتبرأ من أبي بكر # الصديق وعمر، قال: فغدوت على جعفر فقلت له: إن لي جارا يزعم أنك # تتبرأ من أبي بكر الصديق وعمر، فما تقول له: قال برئ الله من جارك، إني # لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر الصديق، ولقد اشتكيت شكاة # أوصيت فيها إلى خالي عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر". # PageV02P502 # ورووا عن أبي حازم عن أبيه، قال: "سئل علي بن الحسين عن # أبي بكر وعمر ومنزلتهما عن النبي صلى الله عليه قال: لمنزلتهما اليوم منه # هما ضجيعاه ". # وروي عن إسحاق الأزرق عن بسام بن عبد الله الصيرفي قال: "سألت أبا جعفر ~~محمد بن علي قلت: ما تقول في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؟ ms326 # فقال: والله إني لأتوالاهما وأستغفر لهما، وما أدركت أحدا من أهل بيتي ~~إلا وهو يتوالاهما". # ورووا عنه أيضا أنه قال: "من جعل عمر بن الخطاب بينه وبين الله فقد # استوثق ". # ورووا عن جعفر بن قيس قال: "سألت عبد الله بن حسن عن المسح # على الخفين فقال: امسح فقد مسح عمر بن الخطاب، قلت: إنما أسألك. # أنت، أمسح، قال: ذاك أعجز لك، أخبرك عن عمر وتسالني عن رأيي؟ ! # فعمر كان خيرا مني وملء الأرض مثلي ملزوما، يا محمد إن ناسا يقولون # PageV02P503 # هذا منكم تقية فقال لي، ونحن بين القبر والمنبر: اللهم إن هذا قولي في # السر والعلانية، فلا تسمعن قول أحد بعدي، ثم قال: من هذا الذي يزعم أن ~~عليا كان مقهورا، وأن رسول الله صلى الله عليه أمره بأمر لم ينفذه، وكفى ~~بهذا أزرا على علي ومنقصة أن يزعم قوم أن رسول الله صلى الله عليه أمره ~~بأمر فلم ينفذه ". # ورووا أيضا عن محمد بن شعبة الباهلي عن علي بن هاشم عن أبيه # قال: "سمعت زيد بن علي بن الحسين، يقول: "البراءة من أبي بكر وعمر # البراءة من علي عليهم السلام ". # ورووا عن ابن داوود عن فضيل بن مرزوق قال: قال زيد بن علي بن الحسين: ~~"أما أنا فلو كنت مكان أبي بكر لحكمت بمثل ما حكم به أبو بكر في فدك ". # وروي عن عمرو بن سمرة عن عروة بن عبد الله الجعفي قال: "قلت لأبي جعفر ~~أنسفي أبا بكر الصديق قال: سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصديق، ~~فمن لم يسمه الصديق فلا صدق الله لقوله في الدنيا والآخرة". # PageV02P504 # ورووا عن زيد بن علي أنه قال: "أبو بكر الصديق إمام الشاكرين، وقرأ # (وسيجزي الله الشاكرين) . # ورووا عن السري بن يحى عن هلال بن حيان عن الحسن بن محمد بن الحنفية أنه ~~قال: "يا أهل الكوفة اتقوا الله ولا تقولوا لأبي بكر وعمر ما ليس له بأهل، ~~إن أبا بكر الصديق كان مع رسول الله صلى الله عليه في ms327 الغار، ثاني اثنين، ~~وإن عمر عز الله به الدين "، وروي عن أبي خالد الأحمر قال: "سألت عبد الله ~~بن حسن بن حسن عن أبي بكر وعمر، فقال صلى الله عليهما، ولا صلى الله على من ~~لا يصلي عليهما". # وروي عن نصاح بن حسان عن فضيل بن مرزوق قال سمعت عبد الله بن حسن بن حسن ~~يقول لرجل من الرافضة: "إن قتلك لقربة إلى الله تعالى". # ورووا أيضا عن جعفر بن عون عن فضيل بن مرزوق قال: "سمعت # الحسن بن الحسن وقال له رجل: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه من كنت # مولاه فعلي مولاه، قال: بلى، أما والله لو يعني بذلك الإمارة والسلطان # لأفصح لهم بذلك، فإن رسول الله صلى الله عليه كان أنصح الناس للمسملمين ~~لقال لهم: "أنها الناس هذا ولي أمركم والقائم عليكم من بعدي، فاسمعوا # PageV02P505 # له وأطيعوا، ما كان هذا يشق فوالله لئن كان الله ورسوله اختار عليا لهذا # الأمر، والقيام به للمسلمين من بعده ثم ترك على عليه السلام أمر الله # ورسوله أن يقوم به أو تعذر منه إلى المسلمين إن كان أعظم الناس في ذلك # خطيئة لعلي إذ ترك ما أمر الله ورسوله واختاره الله ورسوله له وحاشاه من # ذلك!. # ورووا أيضا عن مصعب بن سلام عن جعفر بن محمد عن أبيه أن # عبد الله بن جعفر قال: "رحم الله أبا بكر كان لنا واليا فنعم الوالي كان ~~لنا. # ما رأينا قاضيا قط كان خيرا منه ". # ورووا عن محمد بن الصباح عن يحيى ابن سليمان قال: "سمعت جعفر بن محمد ~~يقول: سمعت أبي يقول: سمعت عبد الله بن جعفر يقول: ولينا أبو بكر رضوان ~~الله عليه فخير خليفة، وأرحمه بنا، وأحناه علينا". # ولو أردنا تتبع ما روي عن أهل البيت وولد علي خاصة في تفضيل أبي # بكر وعمر، ونشر محاسنهما، وجميل الثناء عليهما والقول فيهما لخرجنا # بذلك عن غرض الكتاب، وقد أسهبنا فيما ذكرناه من هذه الأخبار صوبا من # الإسهاب للحاجة إلى معارضة بنقيضها، ms328 وليعلم قارئ ما ذكرناه أن # الروايات عن أهل البيت ظاهرة منتشرة بضد ما يروونه عنهم، وأما ما روي # عن على عليه السلام وولده في سب الرافضة ولعنهم والبراءة منهم فكثير # أيضا، وظاهر مستفيض بين أهل النقل، فمن هذه الأخبار ما رواه الناس عن # PageV02P506 # حصين بن عبد الرحمن عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي عليه السلام # قال: "قال لي رسول الله صلى الله عليه سيأتي من بعدي قوم لهم نبز يقال له # الرافضة، فإن أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون، قال: قلت: يا رسول الله # والعلامة فيهم، فقال: يقرظونك فيما ليس فيك، ويطعنون على السلف ". # ورووا أيضا عن على عليه السلام قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - "أنت وشيعتك في الجنة، وإن قوما لهم نبز يقال لهم الرافضة، فإن ~~لقيتهم فاقتلهم فإنهم مشركون ". # وقال على عليه السلام: "ينتحلون حبنا أهل البيت # وليسوا كذلك، وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر عليهما السلام " ورووا ~~عن كثير النواء عن إبراهيم بن حسن بن حسن عن أبيه عن جده على بن أبي طالب ~~عليه السلام أن النبى صلى الله عليه قال: "يظهر في أمتي في آخر الزمان قوم ~~يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام ". # وروي عن أبي الجحاف داود بن أبي عوف عن محمد بن عمر الهاشمى # عن زينب بنت على عن فاطمة بنت محمد قالت: "نظر النبي صلى الله عليه # إلى علي كرم الله وجهه، فقال: هذا في الجنة، وإن من شيعته قوما يغطون # الإسلام ثم يلفظونه، لهم نبز يسمون الرافضة، من لقيهم فليقتلهم فإنهم # مشركون". # PageV02P507 # ورووا عن الفضل بن غانم عن سوار بن مصعب عن عطية العوفي عن # أبي سعيد الخدري عن أم سلمة قالت: "كانت ليلتي، وكان النبي صلى الله # عليه عندي فأتته فاطمة ومعها علي، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~يا علي أنت وأصحابك في الجنة، أنت وشيعتك في الجنة، ألا إن ممن يزعم أنه ~~يحبك لأقوام يظهرون الإسلام، ثم يلفظونه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ~~لهم نبز ms329 يقال لهم الرافضة فجاهدهم فإنهم مشركون، قال: يا رسول الله ما ~~العلامة فيهم، قال: لا يشهدون جمعة ولا جماعة ويطعنون على السلف الأول ". # فإن قالوا: جميع هذه الأخبار وما رويتموه من تفضيل على وولده لأبي # بكر وعمر، وجميل القول فيهما، وما رويتموه من قول علي في أبي بكر: # "رحمة الله على أبي بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين "، وقوله في # جمع عثمان لمصحفه: "ولو وليت مثل الذي ولي، لصنعت مثل الذي # صنع "، وقوله: "إياكم والغلو في عثمان وقولكم حراق المصاحف " إلى آخر # الخبر، وجميع ما يروونه عن الرسول عليه السلام من فضائل أبي بكر وعمر # وعثمان وغيرهما من أعداء أهل البيت، أخبار مفتعلة متكذبة لا أصل لها. # وإنما هي من وضع أبي هريرة وشيعة معاوية، وأكلة المضائر وأتباع # المروانية، وتكذب الحنابلة والبربهازية، ولا يجب القول بشيء منها ولا # العمل به، وأخباركم التي رويناها في نقصان أئمتكم من القرآن وغير ذلك من ~~الأخبار عن ظلمهم وتجبرهم وسوء الثناء عليهم مروي عن العترة والصفوة ~~والقدوة من أهل البيت، يوجب العمل على روايتنا دون روايتكم لأنكم # PageV02P508 # تردون أخبار أهل البيت، وتقبلون رواية معمر والزهري وابن المسيب # ومالك وسفيان وأمثال من ذكرنا. # قيل له: هذا الكلام قد ألف منكم وعرف به قصدكم والوقت الذي # تحتاجون إليه، لأنكم إنما توردون ذلك عند ضيق الأمر بكم، وبلوغكم # المساقط وحين تعلمون أنه لا حيلة ولا مهرب إلا إلى التشنيع والشغب # والإلباس بهذا الكلام على من ليس من العلم وأهله بسبيل، فأول ما نقول # لكم فيما تعاطيتم به إثبات أخباركم ودفع ما رويناه لكم: أن جميع ما ~~رويناه # في هذه الفصول، وفي أقوال علي عليه السلام، وجميع من ترون إمامته # وعصمته من أهل البيت بصحه القرآن وسلامة هذا المصحف من التحريف # والزيادة والتقصان ظاهر منتشر بين أصحاب الحديث وأهل الآثار لا يمكن # أحد دفعه، وظهوره بينهم وكثرة رواته، وصحة سنده وثبت رجاله، وأنه من أكثر ~~شيء تروونه، وأن علمهم بذلك وشهرته عن على وعترته كشهرة جميع ms330 ما شهر من ~~مذاهب علي وأقواله، فلا سبيل إلى جحد ذلك بالقدح في # مذاهب رواة هذه الأخبار، والطعن على دينهم وأمانتهم فقط بغير حجة. # وأما قولكم إن هذه الأخبار من وضع أبي هريرة وشيعة معاوية وبني # مروان، فإنها دعوى فارغة لا حجة معها، وهي بمثابة قول من قال لكم: إن # جميع أخباركم والفضائل التي تروونها -، وكلما تذكرونه في نقصان القرآن # إنما هو في الأصل من وضع الأشتر النحعي، وحجر بن عدي، وعمرو بن # الحمق، وكنانة بن بشر التجيبي، والغافقي، وحكم بن جبلة العبسي. # وعبد الله بن سبأ" وسودان بن حمران المصري، والمختار بن أبي عبيد، ~~وشيعته، وابن كيسان وطبقته، ومنه ما وضعه هشام ين الحكم وعلي بقن ميتم # PageV02P509 # وأبو جعفر الأحول، وأصحاب البراء، والقول بالرجعة وأهل الغلو، فلا يجب ~~الإحفال بشيء منها، ولا العمل عليها. # فإن قالوا: الأشتر وعمرو بن الحمق والغافقي وجميع من ذكرتم من # سلف الشيعة، أجل قدرا من أن يحملوا أنفسهم على وضع الكذب. # قيل لهم: وكذلك أبو هريرة وأنس بن مالك، وجرير بن عبد الله. # والئعمان بن بشير، إلى من هو فوق هؤلاء من عبد الله بن مسعود، وأبي. # ومعاذ بن جبل، وسعد وسعيد وأبو عبيدة، وأمثال هذه الطبقة مثل معاوية # وعمرو بن العاص ومن تبعهم، أجل قدرا من أن يحمل أدناهم منزلة نفسه # على الكذب والوضع على الرسول، وجميع ما تروونه من الفضائل إنما هو # غير هذه الطبقات، فإن لم تغيروا عندكم من الوضع على الرسول لم يغير من # ذلك مالك الأشتر وعبد الله بن سبأ، وعمرو بن الحمق، وحكيم بن جبلة. # وسائر هذه الطبقة، لأنها بأسرها دون أبي هريرة، فضلا ممن هو أفضل منه # عمن يروي أخبارنا عنه. # فإن قالوا: فكل هؤلاء نواصب وأعداء لأمير المؤمنين، والكذب غير # بعيد منهم؟. # قيل لهم: وجميع من ذكرناه لكم روافض وخصماء لأبي بكر وعمر # وعثمان وغيرهم، وهم غير مرضيين ولا متبرئين من وضع الكذب على # الرسول، ثم على علي في ذم السلف والطعن على مصحف عثمان وغير ms331 # ذلك ولا فصل به. # فإن قالوا: بينكم وبين السلف من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # خلق من الحشود العامة يمكن تكذبهم ولا يمتنع الوضع عليهم. # PageV02P510 # قيل: وكذلك بينكم وبين أئمتكم والعترة التي ذكرتم خلق من العامة لا # يبعد تكذبهم ووضعهم، ولا يمتنع ذلك عليهم، ولا جواب عن هذا أبدا. # ثم يقال لهم: أنتم لم تلقوا عليا ولا أحدا من العترة والأئمة من ولده. # وإنما تروون أخباركم هذه عمن يرويها لكم عن الأئمة، والوسائط عندكم # غير معصومين من الكذب والبهتان والافتعال والغلط والنسيان، فما أنكرتم # أن تكون أخباركم هذه كذبا على علي والأئمة من ولده، وأن يكون من وضع ~~الدعاة والأبواب والوسائط، فلا يجدون إلى دفع ذلك سبيلا. # فأما قولكم: إتا لا نقبل خبر الصادق والباقر والرضا وأمثالهم، ونقبل # خبر الزهري وسعيد بن المسيب ومالك وسفيان ومن جرى مجراهم، فإنه # بهت منكم وكذب على خصومكم بل من ديننا تصديق جميع ما ذكرتم من # أهل البيت ومن هو دونهم والعمل على خبره، إذا سمع منهم أو صح وثبت # عنهم، وإنما نرد أخباركم الباطلة عندنا عنهم لعلمنا بتكذيب الوسائط عنكم ~~بينهم ووضعهم عليهم الكذب والبهتان، وإن طريقكم إليهم قبيح وعر مظلم، فنحن ~~إنما نكذبكم أنتم تارة ونكذب أخرى القوم الذين بينكم وبين هؤلاء الأئمة، ~~فأما هم عليهم السلام فائمتنا وسادتنا، ومن أخذ علينا # حجتهم وموالاتهم والتقرب إلى الله سبحانه في إعظامهم وإجلالهم وحسن # الثناء عليهم، فكيف نكذب قوما هذا قدرهم عندنا وفي أنفسنا. # فأما تقريعكم لنا بقولنا الأخبار عن الزهري ومعمر وسعيلد بن المسيب # ومالك وسفيان ومن جرى مجراهم، فإنه أيضا جهل منكم، لأن هؤلاء أعلام # وأئمة في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والحفظ له والإحاطة به، ~~ونفي الكذب عنه، ولكل رجل منهم من الفضائل والأفعال والأقوال الدالة على ~~توخي الصدق وشدة التحري في الحديث والامتناع من الأخذ عن الضعفاء # PageV02P511 # ومن ليس الحديث من شأنه ما يطول تتبعه، وأعجب من هذا كله دعيتكم عن ~~روايات هذه الطبقة والرجوع إلينا ms332 مع الظاهر من عدالتها وتشددها والمشهور من ~~أمرها وتعويلكم في أخذ أديانكم على هشام بن الحكم، وعلي بن الميثم، وشيطان ~~الطاق، ويونس بن عبد الرحمن القمي، والسيد الحميري، ودعبل بن على الخزاعي، ~~وأبي عيسى الوراق، وابن الراوندي، وانحطاطكم إلى السوسي، والعوني، والناشي، ~~وأمثال هذه الطبقة، وأخذهم الحديث عن أبي محنف، وأمثاله من شيوخ أهل الكوفة ~~لا حاجة بنا، إلى ذكرهم مع العلم بسوء مذاهبهم وقبح طرائقهم، وما ظهر منهم ~~مما لا حاجة بنا إلى ذكره، ولولا أنكم فتحتم هذا الباب لم يكن لذكرنا له ~~وجه، ولكنكم # تتروحون إلى هذه الترهات عند ضيق العطن وصعوبة المخرج، ولا بد من # جوابكم عنه ورفع إلباسكم، فلا معنى إذا كان الأمر على ما وصفناه لقولكم # لنا في جميع ما يروونه لكم أنه من وضع أبي هريرة وشيعة بني مروان، وأنتم # أعداء أهل البيت، فإن جوابه ما عرفتم، وأنفع من هذا السكوت عنكم عند # لجائكم إلى مثل هذا والإعراض عن كلامكم في مجالس التحصيل، وحيث # يؤمن اغترار العامة بهذه الشنعة التي لا محصول لها ولا يحسن لمن له أدنى # مسكة فى العلم الاعتصام بها والاستناد إليها، نعوذ بالله من التمادي في # الأباطيل والتعلق بالأضاليل. # PageV02P512 ### | دليل لهم آخر في تغيير المصحف وإفساد نظم القرآن، ووقوع الغلط والتحريف فيه # قالوا: ومما يدل على تغيير القوم للقرآن وإفسادهم تأليفه ونظمه # وجهلهم بترتيبه وتصدي بعضهم إلى الإفساد والعناد في ذلك، اتفاقنا جميعا # على أن القرآن نزل مرتبا ومكيا أولا ثم مدنيا، وإن الناسخ منه نزل بعد # المنسوخ، والمنسوخ في الرتبة والتنزيل قبله، وإن القرآن أولا نزل لم ينزل # قبله شيء منه، وإذا ختم به لم ينزل بعده شيء منه، وإن أبا بكر وعمر # وعثمان ومن اتفق معهم على تأليف القرآن خلطوا في هذا الباب فقذموا # المدنى على المكى في التأليف، والله تعالى قد رتبه بعده، وجعلوا الناسخ # باتفاق في كثير من المواضع قبل المنسوخ به، والله سبحانه قد أخبره عنه # وأنزله بعده، ولم يبتدئوا في المصحف بما ابتدأ الله ms333 سبحانه بإنزاله ولا # جعلوا آخره ما ختمه - به، وقد كان من حقهم والواجب عليهم أن يرتبوه كما ~~رتبه تعالى في التنزيل، والتقديم والتأخير، ولما لم يفعلوا ذلك دل ما صنعوه ~~على جهلهم بتأليفه أو قصدهم إلى التخليط والعناد بإفساده وتأخير ما قدمه ~~الله وتقديم ما أخره. # فيقال لهم: أما قولكم إن الله تعالى أنزل المكى قبل المدنى والمنسوخ # قبل الناسخ، وأنزل من القرآن أولا لا شيء قبله وأخر منه لا شيء بعده # فصحيح لا خلاف فيه بيننا وبينكم. # وأما قولكم إنه سبحانه ورسوله صلى الله عليه كذلك رتباه في النظم ~~والتأليف فدعوى مجردة تعلمون يقينا أننا وجميع # PageV02P513 # فرق الأمة ومعظم الشيعة المخالفين لكم في هذا الباب والمقرين معنا بسلامة # هذا المصحف من التحريف والتغيير والئقصان نخالفكم فيها، وننسبكم نحن # وجميع من وافقكم إلى الكذب في ادعائها، فما الدليل إذا كان ذلك كذلك # على صحة قولكم إن الله تعالى ورسوله رتباه وألفاه على سبيل ما أنزل عليه # في التقديم والتأخير، وخبرونا عنكم باضطرار تعلمون صحة هذه الدعوى # أم بحجة ودليل؟. # فإن قالوا: باضطرار، عرفنا ذلك، عارضناكم بأننا مضطرون إلى العلم # بأن الأمر على خلاف ما ادعيتموه، وأنهم يكذبون في هذه الدعوى، وأن الله # تعالى أمر بتأليف القرآن ونظمه إذ ذاك على ما جمعه أبو بكر وعثمان # وجماعة الأمة، وهذه الدعوى أحق وأولى لأن نقل الكافة وارد بها وناطق # بصحتها ودعواهم فارغة لا حجة معها ولا فصل في ذلك. # فإن قالوا: إنما علمنا أن الله سبحانه ألف القرآن على حسب ما نزل # وقدمه في التنزيل وأخره بنقل من قال بهذا المذهب من الشيعة عن الأئمة # عليهم السلام. # قيل لهم: قد مضى جواب هذا فيما سلف بما يغني عن إعادته، وجملته # أننا لا نعلم صحة هذا النقل بل نعتقد بطلانه ونعرف بحرص ناقله، فإن كنتم # تعلمون صدق من نقل ذلكم إليكم من الشيعة ضرورة، فلسنا نضطر إلى # ذلك، وإن كنتم تعلمون صدقهم بدليل فما الدليل عليه. # فإن قالوا: الدليل على ذلك كثرة نقلة ms334 هذا الخبر من الشيعة وامتناع # الكذب عليهم. # PageV02P514 # قيل: لو كان الأمر على ما ذكرتم، وكان أول خبرهم كآخره ووسطه # كطرفيه لوجبت الضرورة إلى صدقهم، وإذا لم يكن ذلك كذلك بطلت أيضا # هذه الدعوى، ثم يقال لهم: فقد نقل سائر من خالفكم من جميع فرق الأمة # والدهماء من الشيعة خاصة، أن الله تعالى ورسوله ألقى القرآن على ما هو # عليه في مصحفنا ورتبناه كذلك، وفرق منهم أكثر منكم عددا وأصح سندا # وأثبت رجالا وأوثق وأعدل من سائر من تروونه عنه، بل مخالفوكم الشيعة # فقط في هذا المذهب أكثر عددا منكم وأوثق وأقرب إلى الحق منكم وأشد # أنفة من احتمال عار الكذب والبهتان من سائركم، فيجب إذا كان ذلك # كذلك تصديق جميع مخالفيكم في نقلهم لتأليف القرآن ونظمه على ما هو به # عن الرسول، ولا جواب عن ذلك. # وإن هم قالوا: لسنا نستدل على أن الله جل وعز رتب المكى قبل # المدني، والمنسوخ قبل الناسخ، والأول منه قبل آخره بالرواية ونقل الشيعة # أو غيرهم إذا تعلقنا بهذه الطريقة، بل إنما نستدل على ذلك بأن الله ~~سبحانه # لقا أنزل المكى قبل المدني، والمنسوخ قبل الناسخ، والأول منه قبل آخره. # وجب أن يرتبه الله تعالى في التأليف والجمع على ما أنزله عليه، وأن ~~يأمرهم # بتقديم ما تقذم إنزاله في الرسم، وتأخير ما أخر إنزاله عن المقدم. # قيل لهم: هذا أيضا هو نفس دعواكم، فما الحجة عليها وما الدليل على # صحتها، فإننا قد علمنا أن الله سبحانه أنزل المكى قبل المدنى والناسخ قبل # المنسوخ ولسنا نعلم مع ذلك أنه يجب أن يرتبه في الرسم والتلاوة على # ما أنزله، فما وجه الدليل بما وصفتم، خبرونا أباضطرار تعلمون وجوب # PageV02P515 # تأليف الله سبحانه له وجمعه إياه في الرسم والتلاوة على حسب ما أنزله ~~عليه # أم بدليل. # فإن قالوا: باضطرار تعلم وجوب جمعه وتأليفه على وجه نزوله، بهتوا. # وقيل لهم: نحن نعلم باضطرار كذبكم في هذه الدعوى وأنه لا يجب ما # وصفتم. # وإن قالوا: بدليل علمنا ذلك، قيل لهم: ms335 وما هو، وقد كان يجب أن # تذكروه مع ذكر تنزيله إذ كان مجرد التنزيل لا يدل على وجوب الترتيب. # فإن قالوا: الدليل على ذلك أن الله جل وعز لم يقدم ذكر بعضه على # بعض في التنزيل إلا لاستصلاح عباده بذلك، وعلمه بكونه لطفا لهم وأدعى # الأمور إلى صلاح دينهم ودنياهم، وإذا كان ذلك كذلك وجب أيضا أن # يكون أصلح الأمور لهم بتقديم ما أنزل أولا في الرسم والتأليف والتلاوة # على ما أنزل أخيرا. # يقال لهم: أنتم تعلمون أنكم تخالفون في وجوب فعل اللطف والأصلح # على الله سبحانه، وأننا وسائر أهل الحق ننكر أن يكون الله سبحانه أنزل ~~كتابه أو فعل شيئا أو يفعل شيئا في المستقبل لعلة من العلل وسبب من الأسباب ~~هو الاستصلاح أو غيره، فلو ضايقناكم في هذا الباب لاشتد الأمر بكم وطال ~~تعبكم واحتجتم إلى الخروج عن الكلام في نظم القرآن إلى الكلام في الأصلح ~~والتعديل والتجويز، غير أننا نسلم ذلك لكم قودا ونظرا، ونبين لكم أنه لا ~~يجب مع ذلك ما ادعيتم. # ويقال لهم: قد سلمنا لكم أن الله تعالى ما أنزله مقدما ومؤخرا إلا لعلمه # بتعلق صلاح عباده بإنزاله كذلك، فلم زعمتم أيضا أنه لا بد أن يعلم أن # PageV02P516 # مصلحة عباده متعلقة بتأليفه ونظمه في الرسم والتلاوة على حسب ما أنزله، ~~وما الحجة في ذلك، وباضطرار تعلمون أن المصلحة إذا تعلقت بإبراء له # كذلك وجب أن يتعلق بنظمه وتأليفه كذلك أم بدليل. # فإن قالوا: باضطرار، ظهر أمرهم وبان بهتهم وعجزهم. # وإن قالوا: بدليل، سألناهم عنه، ولن يجدوا إلى ذكر شيء سبيلا، لأن # ذلك ليس من موجبات العقول، وإنما هو بحسب ما نعلم من تعلق مصالح # المكلفين. # ثم يقال لهم: ما المانع من أن يكون الله سبحانه قد علم أن مصلحة # عباده متعلقة بتقديم بعض المدني على المكي أو جمعه في الرسم والتأليف # والتلاوة، وتقديم التأليف الناسخ كله قبل المنسوخ أو بعضه، وأن نظمه # وتأليفه على غير هذا الوجه، وأخذهم بتلاوته كذلك مفسدة لهم ولطف في ms336 # عصيانهم وخلافهم وعدولهم عن الحق والعمل به والتصديق لمورده، فإن # حاولوا ذكر حجة في هذا الباب، لم يجدوها، وإن مروا على إجازة ما # سألناهم عنه أبطلوا دليلهم بطلانا ظاهرا. # وإن قالوا: إذا علم أن تلاوتهم لما أنزله أولا حين أنزله كانت أصلح # لهم في الوقت من تلاوة ما أخر إنزاله عنه، وجب أن يعلم أن هذا حالهم في # تلاوته في سائر الأوقات. # قيل لهم: هذه نفس دعواكم وفيها اختصمنا، فما الدليل على صحتها. # وما المانع من أن يعلم الله سبحانه أن تلاوتهم للناسخ والمنسوخ والمكي # حين أنزله أصلح من تلاوتهم الناسخ في ذلك الوقت، وأن يعلم أن تلاوتهم # في غير ذلك الوقت، وفي جميع ما بعده من الأوقات للناسخ قبل المنسوخ # والمدنى قبل المكي من أصلح الأمور لهم، فهل تجدون إلى دفع هذا سبيلا. # PageV02P517 # وإن هم قالوا: إنما وجب أن يكون تأليف المنسوخ قبل الناسخ. # والمكي قبل المدني، لأنه لو لم يفعل ذلك لظن سامع المدنى قبل المكي. # وسامع الناسخ قبل المنسوخ والمشاهد لهما مكتوبين كذلك أنهما كذلك رتبا # في التنزيل، وأن اعتقاد هذا جهل، والله تعالى لا يفعل ما يدعوا إلى فعل # الجهل، ويكون شبهة في جواز اعتقاده. # يقال لهم: ولم قلتم إن سامعه مفردا كذلك ورائيه مكتوبا كذلك يجب # أن يعتقد أنه كذلك إنزاله قبل أن يسأل عن وقت التنزيل، ويعرف التاريخ. # بل ما أنكرتم أن يكون الواجب عليه في الجملة إذا عرف أن إحدى الآيتين # منسوخة والأخرى ناسخة أن يعلم أن الناسخ نزل بعد المنسوخ وأن ترتيب # تلاوته بعده، لأن ذلك مما لا شبهة فيه على عاقل، ولن يجوز في المكي # والمدني إذا سمع المدني قبل المكى ولم يعرف أيهما المكي من المدني أن # هذا أنزل أولا بدل الآخر، وأن يكون الآخر قدم عليه، لأن ذلك غير مستحيل ~~في العقل وإن رتب في التلاوة على ما هو به، فلم قلتم إن الواجب التسرع إلى ~~اعتقاد تنزيله على حسب تلاوته، وتأليفه. # فإن قالوا: لسنا نقول إن ذلك واجب ms337 على العقلاء إذا سمعوه، ولكنه # مما يجوز أن يظهر ويتوهم فيجب نفي هذا الظن. # يقال لهم: ولم إذا علم تعالى جواز توهم هذا ممن قل ضبطه وتحصيله # أن لا يؤلفه ويجمعه كذلك إذا علم أن مصلحة عباده متعلقة بنظمه كذلك. # وما أنكرتم من أنه لا يجوز ما وصفتم إنزال شيء من المحتمل المتشابه الذي # لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، لأنه قد يظن ظان أن المراد ~~به # غير ما قصده الله وأراده، فيجهل بذلك ويعتقد فيه غير معناه، وقد قال الله # تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله) . # PageV02P518 # فيجب على اعتلالكم أن لا ينزل متشابها ومجملا ومحتملا، وقوله: (يضل من ~~يشاء) ، وقوله: (ولقد ذرأنا لجهنم) ، وقوله: (وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ~~ربها ناظرة (23) . # وقوله: (والله خلقكم وما تعملون) ، وقوله: (وفاكهة وأبا) . # وأمثال هذا قد تعلق به عندكم المبطلون، واحتج بكثير منه الملحدون، فإن ~~مروا على ذلك جحدوا التنزيل، ودفعوا قوله: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ~~آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) . # وكفينا بالتسرع إلى ركوب هذا مؤونة كلامهم، وإن أجازوه مع علم الله ~~سبحانه بأنه سيفسد ويضل عند ذلك المحلدين في آياته تركوا اعتلالهم، فليس مع ~~العلم بذلك بطريق لأهل الزيغ والجهل إلى التعلق بالمتشابه واعتقاد غير ~~مراده به، وإذا كان ذلك كذلك تركوا أيضا اعتلالهم تركا ظاهرا. # وإن قالوا: قد نصب الله وأوضح الأدلة على مراده بالمجمل والمتشابه - # المحتمل، فلم يضر إنزاله كذلك. # قيل لهم: وكذلك قد نصب الله وأوضح الأدلة، وبين البراهين على # تقديم ما قدمه في التنزيل، وتأخير ما أخره، وحفظه على العباد ذلك بنقل من # نقله، وحفظ من حفظه وضبطه وعمل المكي والمدنى والناسخ والمنسوخ. # وذكر أوقاته وأسبابه وأيامه وساعاته وأجهد نفسه في ذلك، ولم يخل بشيء # منه، فلم يضر مع ذلك تقديم المدنى على المكى، والناسخ على المنسوخ # في الرسم والتأليف والتلاوة، وهذا مما لا جواب لهم عنه. # ويقال لهم أيضا: وما قدر المآثم والعصيان ms338 في اعتقاد إنزال الله المدني # على المكى إذا صدق المرء بجميعه وآمن به، حتى لا يجوز أن يفعل الله # سبحانه ما يكون شبهة في هذا الباب، وهو قد أنزل المتشابه الذي يعلم أنه # PageV02P519 # يضل عند إنزاله الزائغون، ويتعلق به الملحدون لولا النقص وإيثار العنت. # ومن احتج بهذا الاحتجاج من اليهود والنصارى في تخليط الرسول في كتابنا # الذي ادعى إنزاله عليه من قبل الله سبحانه، وأنه لما لم يفتتح رسمه ~~وتلاوته # بأول ما ادعي أن الله سبحانه أنزله، علم أنه ليس من عند الله، كان الجواب # له ما أجبنا الرافضة به، فإنه بأسره كأسره لتوهمهم. # ثم يقال لهم: لو كان ما قلتموه واجبا، لوجب الحكم بتخليط موسى # وعيسى في دعواهما نزول التوراة والإنجيل عليهما، وتخليط قومهما أيضا. # لأن النصارى متفقون على أنه ليس أول المرسوم في الإنجيل هو أول ما أنزله # الله تعالى منه، وأكثر الأناجيل التي معهم أولها ليس من كلام الله جملة. # وإنما هي كلام عيسى، ووصف نفسه وسيرته، وذكر تلامذته ودعويه، وأول ~~التوراة عند اليهود في التلاوة والرسم هو غير ما أنزل على موسى أولا # وخوطب به، لأن أول ما أنزل عليه وهو عندهم في التوراة: (فاخلع نعليك إنك ~~بالواد المقدس طوى) ، وليس هذا أول التوراة فوجب بذلك # القدح في كتابهم، وإن لم يجب هذا سقط ما تعلقوا به، وهم أول من سبق # إلى الاحتجاج في الطعن على القرآن بهذا الضرب، فظن بعض الرافضة أنه # حجة فيما قال أو شبهة ينال بها باطلا وأنى لهم بذلك. # PageV02P520 ### | دليل لهم آخر على تغيير المصحف ونقصان القرآن، وتحريف السلف له # واستدلوا على ذلك بأن قالوا: وجدنا فيه كتابة لا معنى لها، ولا يجوز # أن يستعملها إلا من يخاف المداراة أو يحتاج إلى التورية والمداجاة، والله # تعالى يجل عن ذلك، وقد وجدنا في المصحف: (ليتني لم أتخذ فلانا خليلا) . # قالوا: وهذا لا معنى له، ولا وجد من رب العالمين، وقد # روينا عن الأئمة والسلف من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام: أن فلانا ms339 هذا # الذي كنا القوم عن ذكره، كان رجلا معينا مسمى في نفس التنزيل باسمه # المشهور، فحذف القوم ذكره، واتبعهم النواصب على ذلك وجعلوا مكانه # فلانا، قالوا: وكان هذا الرجل عمر بن الخطاب، قالوا وقوله: (ويوم يعض ~~الظالم على يديه) ، قالوا: يعني أبا بكر يقول: (ليتني لم أتخذ فلانا خليلا) ~~، يعني عمر، وإنما قال: ليتني لم أتخذ عمر خليلا لقد أضلني # عن الذكر بعد إذ جاءني، يعني أن عمر أضله عن اتباع علي وتسليم الأمر # إليه، والانقياد له فندم، - زعموا - على أن لم يؤمن بالرسول ولم يتخذ معه ~~سبيل هدى وحق، وتندم على اتخاذه عمر خليلا، وطاعته في غصب علي الأمر، ~~قالوا: وإلا فلا معنى للكتابة ممن لا يخاف الاستضرار ولا يتقي شر العباد - # فيقال لهم: ليس العجب ممن يضع منكم هذه الترهات والخرافات إذا # كان إنما يضعها على علم منه بتكذيبه وتجاهله، إما لكوبه ملحدا خليعا # متلاعبا بالدين وقاصدا بما يصنعه من ذلك الغض من سلف المسلمين، # PageV02P521 # والقدح في الدين وفي رسول رب العالمين المختص بأبي بكر وعمر # والمادح لهما والمحسن للثناء عليهما، أو متكسب متأكل بما يظهره من ذلك # مع خلو قلبه من اعتقاده وخوف سخط الله تعالى وتعجيل العقاب والنكال له # بما يصنعه ويفتريه، وإنما العجب من العامة والرعاع منكم الذين يتسرعون # إلى تصديق هذا التآويل ويقدمون على البراءة من أبي بكر وعمر لأجله. # وفيهم من يفسر للعامة كل آية نزلت في الظالمين والمشركين والفاسقين في # أبي بكر وعمر وجماعة الصحابة سوى نفر تستثنونهم فيتسرعون إلى # قبول ذلك، وينصتون إليه إنصات واثق به وثلج الصدور بما قيل فيه. # وهذا من جنس تفسير من قال: إن الخمر والميسر والجبت والطاغوت # هما أبو بكر وعمر، وأن الصلاة والصيام والحج رجال، وأن الخمر والميسر # والأنصاب والأزلام رجال أمرنا بموالاة بعضهم والبراءة من بعضهم، أو # أنهما أسماء أفعال ممدوحة ومذمومة، وأن الطلاق والنكاح ليس هما الفرقة # والعقد، وهل بين هذا التفسير الذي ارتضوه لأنفسهم وبين تفسير الإسماعيلية # والغلاة فرق، وهل هم في ms340 ذلك إلا بمثابة من قال: إن محمد بن إسماعيل # القائم المنتظر العالم بما ظهر وبطن، قد فسر الصلاة المذكورة في الكتاب # بأنها هي الإمام نفسه، وأن إقامتها هي لزوم طاعته والانقياد له، واستدل # على ذلك بقوله: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) . # والصلاة - زعموا - لا تنهى عن الفحشاء، وإنما الإمام هو الآمر # بالمعروف والناهي عن المنكر، وأن الصوم إنما هو الإمساك عن ذكر علم # الباطن وإظهاره فقط، فمن فعل ذلك فقد صام، ولا يجب عليه غير ذلك. # وأن الفطر هو ما أطلع الأساس جميع الأئمة الستة عليه من أولاده من علوم # PageV02P522 # الباطن فقط، وأن الزكاة إنما هي كناية عن الإقرار بخمسة روحانية وهو: # الأساس، والمقيم وهو التالي، واللاحق واليد والجناح، الذين عنهم يوخذ # علوم الباطن، ومنهم إله، ومنهم نبي، ومنهم إمام، ومنهم جناح، ومنهم # ناطق داع مأذون في الدعوة. # وأن الحج إنما هو علامة على محمد صلى الله عليه وبابه علي، والمنازل # دليل الدعاة حالا بعد حال إلى حين الرجوع إلى العلم، وأن الإحرام إنما هو # تحريم النطق بغير باطن الشريعة فقط، وأن تحريم الطيب والنساء إنما هو # تحريم النطق بما عرفه المبين له الحق، وإن كان حقا وطيبا حتى يأذن له من # فوقه فيصير عند ذلك مأذونا له، وأن معنى تحريم الصيد، إنما هو تحريم # دعاء المخالف لحقهم وقولهم إلا بعد إذن من الإمام، وأن معنى الطواف # سبعا، إنما هو محمد - والسبعة أئمة من ولده، وأن الميقات اسم أساس # الدعوة، والتلبية إنما هي اسم إجابة المدعو إلى الحق بالقبول، ونزع ~~الثياب # خلع ما خالف دينهم، ورفضه فقط، وأن الاغتسال المراد به غسل القلب من ~~الدنس، وأن حلق الرأس اسم لرمي ما علن من الناس، وظهر من الشرائع وترك ~~العمل بها فقط، ومعنى لبس الثوبين الجديدين، إنما هو الإقرار بمحمد وعلى ~~والناطقين والأسين. # وأن الوضوء إنما هو اسم أخذ العهد على الداخل في دعولهم فقط. # وكل من لم يدخل في العهد لم يكن في الدعوة، كما أن من لم يتوضأ ms341 لم # يدخل في الصلاة، وأن معنى النكاح المذكور في كتاب الله إنما هو العهد # الذي يأخذه المأذون له في الدعوة، وأن معنى الجماع إنما هو تعليم الداعي # للمدعو علم الباطن، وأن معنى الحمل المذكور في الكتاب أنه حفظ علم # الباطن والفهم عن المأذون له، ومعنى أنه لا يحل للمرأة أكثر من زوج # PageV02P523 # واحد، أنه لا يحل لأحد من المستجيبة أن يأخذ هذا العلم ويتلكنه إلا مفن # أخذ عليه العهد فقط، وأن معنى الطلاق أنه مفارقة من أخذ عليه العهد بما # حلف عليه، وإفشاءه السر للناس وإظهاره، ومعنى أنه لا يحل نكاح المطلقة # ثلاثا إلا بعد زوج ثاني، أن مظهر السر لا يعلم، ويلقن حتى يؤدي ما التمس # منه الحجة ثم يؤخذ عليه العهد ثانيا، وأن معنى تحريم الزنا المحرم في # التنزيل أنه كلام مأذون له، أعني لرجل أخذ عليه العهد، وكلمه مأذون آخر، ~~فالمأذون الثاني الداخل على الأول هو الزاني لكلامه لزوجة المأذون الأول. # والزوجة اسم المتعلم، ومعنى الزوج أنه المعلم وأن على بن أبي طالب كان # عندهم زوجة للنبي، ثم صار لاحقا وإماما، وأن معنى اللواط أنه كلام # المأذون له في الدعوة لمن لا يؤنس منه، وإذا فعل ذلك فقد لاط وبطلت # نطفته، وأن معنى السرقة المحرمة هو أن يتسمع متسمع كلامهم ثم يفشيه # ويظهره، وأن هذه الشرائع والأسماء إنما جعلت دلائل على هذه الحقائق # ووسيلة إليها، فإذا عرفها الإنسان سقطت عنه الفرائض وزال عنه التكليف، ~~وصا روحانيا ربانيا إذا ترقى في علم الباطن رتبة بعد رتبة حتى يصير لاحقا # وجناحا ويدا بعد أن كان داعيا ومأذونا. # وقالت الإسماعيلية: إن الكناية في قولي تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم ~~(1) الحمد لله رب العالمين (2) . # وقوله: (ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) ، و (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) . # وقوله: (فادعوا الله مخلصين له الدين) ، كله يدل على أن الله # سبحانه ليس هو منزل القرآن، لأن الذي هو عندنا الله عز وجل الواحد # القديم، لم ينزل القرآن عندكم، ولا خلق العالم، وأنه لم يخلق إلا ms342 الأول # فقط وهو العقل عندهم، ويولد من العقل الروحاني، وهو الثاني عندهم وهو # PageV02P524 # الخالق للعالم، ومنزل القرآن، ولو كان الواحد القديم هو منزل لم يكن # للكناية معنى، ولوجب أن يقول بسمي بدل بسم الله، وأن يقول ادعوني بدلا من ~~قوله ادعوا الله، أو ادعو الرحمن، ومن قوله ادعو ربكم، وأن يقول ادعوني ~~بدلا من قوله (ادعوا الله مخلصين) ، لأنه - زعموا - لا وجه ولا معنى ~~للكناية عن نفسه في هذه المواضع لو كان هو منزل القرآن، والمتعبد به إذ كان ~~لا يخاف ولا يذهب ولا يبقي ضرر أحد، وهذا بعينه هو الذي قالته الرافضة، ~~وعملت عليه في تأويل قوله: (ليتني لم أتخذ فلانا خليلا) . # وأنه لا معنى للكناية ها هنا بذكر فلان، وكذلك قالت الإسماعيلية: إن جميع # هذه الكنايات في قوله: ادعوا الله، وادعوا ربكم، وادعوا الله مخلصين. # والحمد لله، ولم يقل لي ولا لنفسي، دليل على أن القرآن من عند الروحاني # الذي أحدث العالم وخلقه، وأنه ليس من عند الباري القديم، وأن هذا # الروحاني المتولد عن العقل هو الذي فهم الرسول هذا القرآن وصوره في # قلبه، فاتحد به، وهو معنى الوحي، ومعنى جبريل والروح الأمين أنه يصور # المعاني في قلب الرسول بتفهيم الروحانى له وتصويرها في قلبه عبر عنها # الرسول باللفظ العربى والكلام للرسول، ومعانيه المتصورة في قلبه للثاني # الروحاني المتولد عن العقل الأول الذي خلقه القديم الأزلي الذي هو عند # المسلمين - باعث الرسل ومنزل الفرائض والكتب وخالق السموات والأرض. # ولولا خوف الإطالة وخروج الكلام عن غرض الكتاب، لذكرنا من # جنس التفاسير عن الرافضة والإسماعيلية وأشياعهم من الطاعنين على # الشريعة ما فيه أعجوبة للمتأملين وأوضح دلالة على تمام نعمة الله علينا # وعلى المؤمنين بتوفيقه للتمسك بالدين، ولزوم سنن المؤمنين، والعدول # عن التورط في الجهل والأضاليل. # PageV02P525 # فيقال للرافضة - لعنهم الله -: إن وجب علينا قبول تفسيركم هذه الكناية # على ما ذهبتم إليه لاجتهاداتكم إلى ذلك، أو روايتكم له خلف عن سلف # عن الأئمة والعترة من أهل البيت، وجب لمثل ذلك قبول هذه ms343 التفاسير # بأسرها في الكناية عن أسماء الله، وفي جميع أسماء الشرائع والعبادات. # لأنهم جميعا يروون ذلك خلف عن سلف عن علي عليه السلام والأئمة من # ولده، وعن محمد بن إسماعيل قيم الزمان، ويبدلون عليه العهود والأيمان # ويكذبون كل من أنكر أن يكون ما قالوا مذهب على عليه السلام والأئمة من ~~ولده، وهو عند كثير من الناس أحسن وألطف من تأويلات الإمامية، فهل بينكم ~~وبينهم في ذلك من فضل وكلكم تروون ذلك عن الأئمة، والله # المستعان، وإليه سبحانه الرغبة في تعجيل النكال والانتقام ممن حاول إبطال # الدين، والقدح في التنزيل، وتحريف التأويل، إنه سميع قريب مجيب. # ثم يقال لهم: ليس الأمر على ما ادعيتموه من أن الله سبحانه لا يجوز أن # يكني عن اسم أحد ويعرض بذكره من غير تصريح، وأن ذلك لا يفعله إلا # من يحتاج إلى المداراة والمداجاة، لأن استعمال الكناية والتعريض مذهب # العرب في كلامها معروف مشهور، وكذلك يقولون: رب إشارة هي أفصح # من عبارة، وتعريض أبلغ من تصريح، وقد يقول الرجل لمن يكذبه ويخالفه # ويباهله عند الرد عليه، والتكذيب له: إن أحدنا لكاذب، وإن أحدنا لخائن # وجبان، وإن أحدنا لجاهل غبي، ويقيم هذه الكناية مقام قوله لخصمه # ومخالفه: أنت كاذب وجبان وجاهل، وربما كان هذا التعريض أبلغ من # التصريح وأبدع وأنكى للقلب وأبلغ في الرد، وهو مع ذلك أحسن في # اللفظ، وأجدر أن ينسب صاحبه إلى الوقارة والعقل والتوصل إلى غاية # غرضه بغير المستهجن من اللفظ، وقد أطلقه الله سبحانه وأجازه في خطبة # PageV02P526 # النساء في عدتهن، فقال تعالى: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة ~~النساء أو أكننتم في أنفسكم) ، وحظر سبحانه التصريح بذلك. # وقال أهل العلم: إن الكناية عن ذكر التزويج والخطبة، أن يقول الرجل # للمرأة: إن النساء لمن حاجتي وإني فيك لراغب وعليك لحريص، ولعل الله # أن يرزقك بعلا صالحا، ووالله إنك لجميلة، ونحو هذا من الكلام. # وقد ورد القرآن بالكناية والتعريض في مواضع على وجوه مختلفة منها # قوله: (وهل أتاك نبأ الخصم إذ ms344 تسوروا المحراب (21) ، إلى آخر القضة. # فكنى عن ذكر الملكين المتسورين، وقد كان يجوز أن يذكرهما ويسميهما. # ولم يعدل عن ذلك لحاجة إلى مداجاة وخوف من سطوة ومبادأة. # وكذلك قوله تعالى: (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال ~~أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) . # فكنى عن ذكر النساء بذكر النعاج (1) ، ولم يامر الله سبحانه الملكين بهذه ~~الكناية لخوف سطوة ودفع بلية، ولو تتبع هذا لكثر وطال. # وإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى قد أراد بقوله: (ليتني لم أتخذ فلانا ~~خليلا) ، الإخبار عن كل من أطمع في معصيته الله، وأراد بذكر الظالم كل # ظالم وعادل عما وجب عليه، كنى عنهم بذكر فلان، ولو جعل مكان هذه # الكناية تفصيل أسمائهم لطال ذلك وكثر واستهجن ومجته القلوب والأسماع. # ولخرج بذلك عن مذهب العرب، وطريقة سائر الئاس في الكلام، لأنه كان # يجب أن يقول: (ويوم يعض الظالم على يديه) فرعون وقارون وهامان، وأبو # لهب وأبو جهل بن هشام، وعتبة وشيبة والوليد، وهذا من الطول والغثاثة # من مستعمله بحيث لا خفاء على أحد به، وهو مع ذلك قاصر للكلام عن # تناوله لكل من قصد به من الظالمين والمطاعن في معصيته الله، لأنه لو سمى ~~PageV02P527 # ألفا أو مائة ألف خرج الكلام بصريح التشبيه لمن سماه عن تناول من تقدم # من الظالمين قبل نزول القرآن ومن يتأخر منهم عن وقت نزوله، ويوجد في # المستقبل، والله سبحانه باتفاق الأمة إنما قصد بهذا الكلام تحذير جميع # المكلفين من الظلم، ومن اتخاذ خليل يطاع في معصية الله جل وعز، فكانت # الكناية عنهم بذكر الظالم الذي هو للجنس إذا لم يكن للعهد، والتعريف عند # كثير من الناس أولى وأجدر، وبذكر فلان عن كل من أطيع في معصية الله # أولى من تعديد قوم منهم بأسمائهم والتصريح بذكرهم على وجه يوجب # قصره عليهم فقط، فإذا كان ذلك كذلك بطل ما أصلتموه. # ويمكن أيضا أن يكون الله سبحانه إنما قصر بذلك لفلان وبهذه الكناية # قادة أهل الكفر والشرك، وأكابر الظلمة وأئمة أهل ms345 الضلال والظلم والعدوان، ~~فكنى عنهم بذكر فلان، لأن العرب تقول: ما جاءك اليوم إلا فلان بن فلان، ~~يعنون بذلك الأكابر والأماثل المعروفين والمشهورين من الناس، والشاعر # يقول: أمسك فلان عن قيل، يعني عن فلان يريد في عظم الأمر وتزايد # الشدة في الحرب أو في الخطابة والكلام والمفاخرة، وليس يريد بقوله # أمسك فلان عن فلان برجلين قط بأعيانهما. # ومن هذا الباب أيضا قوله: (ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا) . # و (إن الإنسان لفي خسر (2) . # وإنما أراد به سائر الكفرة والناس إلا من استثناه منهم بصفته، وفي بعض ما ~~ذكرناه دليل على فساد ما ظنه في هذا الباب، وليس هذا القدح والاحتجاج من ~~استخراج من قال به الرافضة، بل هو ما سبق إلى الطعن والقدح في القرآن به ~~الملحدون، وقالوا: إن الكناية والتعريض إنما يستعمله الخائف المداجي، وليس ~~هذه صفة منزلة لله عند الموحدين، فظنت الرافضة أن لهم في هذا شبهة ومتعلقا. # PageV02P528 # ثم يقال لهم: لو سلم لكم أن الكناية لا يستعملها إلا من ذكرتم حاله # من الخائفين، وأنه يجب في حكم اللغة أن يكون في موضع فلان هذا رجلا # مذكورا باسمه وعينه، لم يدل ذلك على أنه يجب أن يكون هو عمر بن # الخطاب، وأن يكون الظالم هو أبو بكر، والذكر هو علي بن أبي طالب. # ولم تكونوا بتأويلكم هذا أولى ممن تأوله من الخوارج في ضد تأويلكم. # وزعم أن فلانا هذا هو مالك الأشتر، وأن الذكر الذي ضل عنه هو عبد الله # ابن وهب الراسبي، أو يزيد بن حصين الفزاري، وأن الظالم هو محارب # هؤلاء القوم، وعمل لذلك إسنادا وطرقا من الحديث عن عمران بن حطان # وقطري بن الفجاءة وأبي مالك الخارجي وغيرهم من أئمة الضلال، وادعى # صخة نقله لما نقله وحصول العلم به، ولو خفتم مجاهرة مناظركم على ما # توردونه من هذه الجهالات بمثل هذه المقابلة لقلة دعاويكم وقصرت # ألسنتكم، وقل تبسطكم في شتم الصحابة، وقذفهم بكل كفر وضلال. # ولكنكم لما عرفتم من حالنا إعظام أمير المؤمنين، واعتقاد موالاته، ms346 وقولنا # بفضله، وتبرينا من كل من نفصه وغض باليسير من قدره وتضليلنا له، وأننا # لا نستحل ونستجيز مقابلتكم بوصف أمير المؤمنين علي بغير صفته، وإضافة # نقيصة أو تقصير أو تبسطكم وعظم إقدامكم، وصرنا وإياكم كمسلم يناظر # يهوديا أو نصرانيا يتناول محمدا صلى الله عليه، ويغض من قدره ويقدح في # رسالته، والمسلم مبتلا - به محوج إلى حل شبهته وتعظيم موسى وعيسى # عليهما السلام، والإذعان له بفضلهما، وليس ذلك بتقوية لحجة اليهودي # والنصراني، ولا بموهن لحجاج المسلم ودليله، ولكنه من شبه جهال اليهود # والنصارى وعامتهم إذا سمعوا اليهودي يقول: للمسلم أنت قد أقررت بنبوة # PageV02P529 # موسى وعظم قدره وجلالة محله، وأنا منكر لبنوة محمد صلى الله عليه وما # تدعيه من شرف موضعه، وكذلك سبيل عامتكم في الاغترار بكم إذا قلتم # عند ضيق الخناق وخلق البطان: قد أقررتم لنا بفضل علي وإمامته، وأنكرنا # نحن فضل أبي بكر وعمر وبرئنا منهما وجحدنا إمامتهما وإسلامهما، ونحن # نعوذ بالله من التعلق بمثل هذه الأباطيل والتعاليل. # واعلموا رحمكم الله أن أهل التفسير قد فسروا هذه الآية، وذكروا فلانا # هذا الذي جعلت الكناية عن ذكره عامة متناولة لجميع من أطيع في معصية # الله بما يزيل الريب والشك، فقال عبد الله بن العباس: إن سبب هذه الآية ~~أن عقبة بن أبي معيط صنع طعاما، ودعا إليه أشراف أهل مكة وكان النبي صلى ~~الله عليه فيهم فامتنع من أن يطعم أو يشهد عقبة بشهادة الحق ففعل، فأتاه ~~أبي بن خلف الجمحي، وكان خليله وصفته فقال له: أصبأت، فقال: لا، ولكن دخل ~~علي رجل من قريش فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فقال: ما كنت لأرضى ~~حتى تبصق في وجهه وتفعل وتفعل، ففعل عقبة # ذلك، فأنزل الله سبحانه هذه الآية عامة في الظالمين بمثل ذلك الظلم، وفي # جميع من أطيع في معصية الله، وسبب نزولها هذان الرجلان، هذا مما عليه # جماعة أهل التفسير، وإن اختلفوا في لفظ قضتهما وسياقهما، فالعدول # بها إلى أبي بكر وعمر من القحة والغثاثة، وادعاء إبطال الخطاب ms347 بالكناية # ونقصان اسم الزجل من كتاب الله وتغييره جهل وفرط غباوة، ولولا تعلقهم # بمثل هذا وخوف ظن الجهال لصحته وخشية اغترارهم به لكان من الواجب # تركه وتنزيه الكتاب عن ذكره والحشو به. اه. # PageV02P530 ### | الكلام عليهم فيما طعنوا على القرآن ونحلوه من اللحن # قالوا: ويدل أيضا على تغيير أبي بكر وعمر وعثمان للمصحف وتحريفهم # له، وغلطهم فيه ولحوق الخلل والفساد به، ما نجده فيه من اللحن الفاحش # الذي لا يسوغ مثله، ولا يجوز على الله سبحانه، ولا على رسوله التكلم به، ~~والأمر بحفظه وتبقية رسمه ودعوى الإحكام والإعجاز فيه، نحو قوله: (إن هذان ~~لساحران) ، وهو موضع نصب، وقوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون) ~~، وهو موضع نصب لا إشكال فيه على أحد. # وقوله: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) . # وموضع المقيمين رفع واجب في هذا الموضع وجوبا ظاهرا بينا. # وقوله: (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء) . # وهو الصابرون بغير اختلاف بين أهل الإعراب، وقوله في المنافقين: (فأصدق ~~وأكن من الصالحين (10) . # وهو موضع نصب، وهو في المصحف مجزوم. # قالوا: وقد ثبت وعلم أن الله سبحانه لا يجوز أن يتكلم باللحن ولا # يتزل القرآن ملحونا، وأن ذلك إئما هو تخليط ممن جمع القرآن وكتب # المصحف، وتحريفهم إما للجهل بذلك وذهابهم عن معرفة الوجه الذي # أنزل عليه، أو لقصد العناد والإلباس وإفساد كتاب الله وإيقاع التخليط ~~فيه. # PageV02P531 # قالوا: وهم إلى هذا الوجه أقرب وهو بفعلهم، وما أخبروا به عن # أنفسهم أشبه، لأنه قد روي عنهم رواية ظاهرة أن في القرآن لحنا، وأن # العرب ستقيمه بألسنتها، وأنه من غلط الكاتب، واشتهر ذلك عنهم في باقي # الصحابة، ثم لم يغير قائل ذلك ولا سامعه هذا اللحن ولا أسقطوه، مع # القدرة عليه، والتمكن منه، فلا وجه لتركهم ذلك إلا قصد العناد والإلباس # وإيقاع التخليط والفساد في كتاب الله تعالى، وقد رويتم أن عثمان لما نسخ # مصحفه ورفع إليه نظر فيه وقال: "أرى فيه ms348 لحنا وستقيمه العرب بألسنتها" ~~(1) ، ورويتم عن هشام بن عروة: "عن عائشة أنها قالت: ثلاثة أحرف هي في كتاب ~~الله تعالى خطأ من الكاتب: (إن هذان لساحران) ، و: (إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئون) في المائدة، و ((لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون ~~يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) ~~. # فأي عذر للقوم في إقرارهم هذا اللحن وتركه على حاله، وأي مخرج - لقائل ~~هذا أو سامعيه إذا لم يتسرعوا إلى تغييره وإنكاره، وأخذ الناس برسمه على ~~وجه ما أنزل علمه،. فلولم يدل على جهل القوم وتخبيطهم وإدغالهم للدين ودخول ~~الخلل والفساد في الكتاب، وذهابهم عن ضبطه وقصد قوم منهم إلى تحريفه سوى ما ~~وصفناه، لكان كافيا لمن تدبر. PageV02P532 # فيقال لهم: قد جمعتم في كلامكم هذا بين ضروب من التخليط: # أحدها: ظنكم لصحة هذه الرواية عن عثمان وعائشة وقيام الحجة بها # ووجوب القطع على أنهما قد قالا ذلك، ووجوب طلب المخرج لهما منه. # وليست هذه صفة هذا الخبر عندنا. # والوجه الآخر: توهمكم أن ذلك إن صح عنهما فإنه لا عذر لهما ولا # مخرج من إقرار الخطأ، وليس الأمر في ذلك على ما توهمتم. # والوجه الثالث: قولكم: إن القوم جهلوا الصواب، وذهبوا عنه مع # اعترافكم بأنهم قد عرفوا اللحن وذكروه، وهذا جهل منكم وتخليط. # والوجه الرابع: دعواكم أن القوم إنما قصدوا بذلك إيقاع التخليط # والإلباس في كتاب الله، مع اعترافكم بأنهم قد نبهوا على اللحن، وذكروه # وذكروا مواضعه، وهذا أيضا تخليط ظاهر. # والوجه الخامس: توهمكم أن هذه المواضع ملحونة لا محالة لا وجه # لجوازها في اللغة، فليس الأمر في ذلك على ما تقدرون، ونحن نتكلم على # فصل مما أوردتموه بما يوضح الحق ويكشف تخليطكم وفساد تعلقكم إن # شاء الله تعالى. # وأول ما نقول في ذلك: أنكم قد زعمتم أن عثمان وعائشة قد اعترفا بأن # في كتاب الله لحنا وخطأ، وأنه من غلط الكاتب، وأنهما أقرا ذلك وعصيا # الله بإقراره، وترك تغييره، وإنكاره، وعصى الله أيضا جميع من سمع ms349 ذلك # من الصحابة وعرفه فلم ينكره مع ظهور هذا القول فيهم وانتشاره بينهم. # وليس يجوز أن يقطع على تخطئة الصحابة وتفسيقهم ونسبتهم إلى العصيان # بقول يحكى عن بعضهم ويدعى انتشاره في باقيهم، يوجب ذم قائله وسامعه # PageV02P533 # مع إقراره له بخبر ورواية لم تقم بها الحجة ولا هي مما علم صحتها بضرورة ~~أو # دليل، بل يجب أن لا ينسب إلى أدنى المؤمنين منزلة شيء من ذلك، ولا # يقطع به عليه، إلا بخبر تقوم به الحجة ويلزم القلوب العلم بثبوته، وبمثل # هذا بعينه أبطلنا مطاعن الخوارج على علي بروايات تروونها لم تقم الحجة # بها، ولا علم بثبويها لا حاجة بنا إلى ذكرها، ولو علمنا على إضافة مثل ~~هذا # إلى عثمان وعائشة والقطع عليهما به وذمهما لأجله بخبر الواحد ومن جرى # مجراه، لوجب ذم سائر الصحابة وقذفهم بالخطأ والعصيان والتفريط، لأنه # ليس فيهم إلا من قد روي عنه أمر لم يثبت عليه، ولم تقم حجة به، ولما لم # يجب ذلك سقط ما تعلقتم به، إذ كنا لا نعلم بثبوت هذه الرواية بضرورة ولا ~~بدليل. # فأما عدم علمنا بصحتها ضرورة، فأمر لا شبهة علينا ولا عليهم فيه. # لأن أحدا لا يسوغ له دعوى الضرورة إلى العلم بصحة هذه الرواية، وكيف يسوغ ~~ذلك وهو لو كان مما قد ظهر وانتشر واستفاض وبلغ حد التواتر الموجب للعلم ~~القاطع للعذر، لوجب أن نجد أنفسنا مضطرة إلى العلم به، وغير واجدة للسبيل ~~إلى دفعه، أو الشك فيه، وباضطرار يعلم من أنفسنا أنه لا علم فينا بصحة هذه ~~الرواية، وأن لطوارق الريب والشكوك فيه تسلطا وسبيلا على قلوبنا كتسلطه على ~~ذلك في جميع ما يروى لنا مما لم تقم به الحجة من أخبار الآحاد، ومن دفعنا ~~عن ذلك لم يكن عندنا في حد من # يجب كلامه ويحسن مناظرته ولا ممن يرجى الانتفاع بمشاجرته، ولم تكن # الحيلة في أمره، إلا أن يقال له: إنك تعلم ضرورة أن هذا الخبر لا يوجب # العلم ولا يقطع العذر، ويعلم ضرورة أنه متكذب باطل، ms350 ويضطر إلى أنه # PageV02P534 # لم يثبت عن عثمان وعائشة، ولم ينتشر في الصحابة فإنه لا فصل له في شيء # من ذلك، وإذا كان هذا هكذا بطلت دعوى الضرورة إلى صحة هذه الرواية. # لمان قالوا: بدليل نعلم صحتها وحجة دون الضرورة. # قيل لهم: وما ذلك الدليل والحجة، أهو إجماع الأمة على تصحيح هذه # الرواية عنهما، أو توقيف الله ورسوله على ذلك، أو إيجاب العقل لقولهما # لذلك، أم أي شيء هو، فلا يجدون إلى ذكر شيء سبيلا. # فلو كان هذا الخبر سليما مما يدل على اضطرابه وفساده، ويمكن أن # يكون صحيحا عن عثمان وحاله ما وصفناه، لم يجب القطع به والعمل عليه. # فكيف وفي نقله من الاضطراب ما يوجب ترك الإصغاء إليه والعمل عليه. # وذلك أن هذا الخبر إنما مداره على قتادة وعنه يروى، وقتادة إنما أرسله عن # عثمان وتارة يرويه عن يحيى بن يعمر وهو لم يسمعه من يحيى بن يعمر. # وإنما سمعه على ما ذكره من قوم من أهل العلم عن نصر بن عاصم # الجحدري، ويحيى بن يعمر يرويه عن رجل مجهول مشكوك فيه غير # معروف وهو ابن فطيمة أو ابن أبي فطيمة، ولو كان هذا الرجل مشهورا # معروفا لما وقع مثل هذا الشك في أمره. # PageV02P535 # فروى أبو بكر بن مجاهد عن أبي أحمد بن محمد بن موسى قال: # حدثنا ابن أبي سعيد قال: حدثنا سليمان بن خلاد: قال حدثنا شبابة قال: # حدثنا أبو عمرو بن العلاء: قال حدثنا قتادة قال: "لما كتب المصحف # عرض على عثمان، فقال: إن فيه لحنا ولتقيمنه العرب بألسنتها". # وروى ابن مجاهد عن محمد بن يحيى عن أبي جعفر المكفوف عن شبابة بن سوار عن ~~أبي عمرو بن العلاء عن قتادة قال: "لما كتب المصحف رفع إلى عثمان # فنظر فيه، فقال: إن فيه لحنا ولتقيمنه العرب بألسنتها". # فهذان الخبران إرسال قتادة عن عثمان بهذه الرواية، والمرسل في مثل # هذا غير مقبول لأننا لا نعرف من بين قتادة وعثمان، ولعلنا لو عرفنا لم ~~يكن # عندنا وعند الشيعة ms351 ممن يقبل خبره، ويسكن إلى قوله، بل لعله أن يكون من # الناصبة وشيعة الجمل والمنحرفين عن القول بالنص على علي، ومن هذه # صفته فخبره عند الشيعة مردود غير مقبول، وليس لأحد أن يقول: إن قتادة # لا يرسل إلا عن ثقة عنده، لأنه لا دليل على ذلك، وقد يرسل الثقة في # حديثه عمن إذا سئل عنه وثقة وأحسن الثناء عليه، ويرسل عمن إذا سئل عنه ~~وصف بالتهمة له أو الكذب والتدليس ووضع الحديث وأشياء إلينا عليه، فلا حجة ~~معنا في أن قتادة لا يرسل إلا عن ثقة، وليس لأحد أن يقول إنه إذا أرسل عن ~~غير ثقة عنده فقد ألبس ودلس وغش من روى له، لأنه لا يعلم أن أهل العلم لا ~~يقلدون في ذلك، وأنهم يعلمون أنهم مأمورون بالبحث # PageV02P536 # والسؤال عمن أرسل عنه والاجتهاد في الخبر المرسل، وأنه لا معتبر في # تعرف حال الوسائط بالإرسال عنهم، والسكت عن ذكرهم، على أن أيضا # حال قتادة أنه لا يرسل إلا عن ثقة عنده، وقد يكون الثقة عنده غير ثقة ~~عندنا ولا عند الشيعة، بل يكون معروفا عندنا جميعا بما يسقط عدالته ويبطل ~~خبره وشهادته ويعرفه غير قتادة بما لا يعرفه به قتادة، ولم يوجب الله علينا ~~تقليد قتادة في تعديل من أرسل عنه، ومن هو ثقة عنده، فإذا كان ذلك كذلك بان ~~بهذه الجملة أنه لا حجة في الأخبار التي أرسلها قتادة أو غيره عن عثمان في ~~هذا الباب، فهذا هذا. # وأما الرواية المسندة عن قتادة في هذا فصفتها في الاضطراب ما قدمنا # ذكره، فروى ابن مجاهد قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا # يزيد بن سنان، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا عمران القطان عن قتادة عن ~~نصر بن عاصم عن عبد الله بن فطيمة عن يحيى بن يعمر، "قال: "قال لي عثمان: ~~إن في القرآن لحنا تقيمه العرب بألستتها". # وروى ابن مجاهد قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا عمرو بن مرزوق، قال: ~~أخبرنا عمران القطان عن قتادة عن ms352 نصر بن عاصم عن عبد الله بن أبي فطيمة عن ~~يحيى ابن يعمر قال: "لما عرضت المصاحف على عثمان، قال: "إن في مصحفنا لحنا ~~تقيمه العرب بألسنتها". # وروى ابن مجاهد، قال: حدثني أبو عبد الله # PageV02P537 # أحمد بن عبدوس، قال: حدثنا محمد بن عبد الله المخزومي، قال: # حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا عمران القطان عن قتادة عن يحيى # ابن يعمر عن ابن فطيمة، قال: "قال عثمان: إن في القرآن لحنا وإن العرب # ستقيمه بألسنتها". # وفي هذه الروايات المسندة المرفوعة ضروب من التخليط، فمنها أن # قتادة مرة يروي الخبر عن يحيى بن يعمر ولا يذكر نصرا، ومرة يروي عن # نصر بن عاصم عن يحيى، وتارة ترد الرواية عنه بأن يحيى بن يعمر هو الذي # يروي عن ابن أبي فطيمة، وتارة يرد بأن ابن فطيمة هو الراوي عند يحيى بن # يعمر، وهذا اختلاف وتخليط ظاهر، وتارة يقول الراوي ابن فطيمة وآخر # يقول ابن أبي فطيمة، وهذا أوضح دليل على الجهالة بابن أبي فطيمة هذا # وخفاء أمره وخمول ذكره وحصول الشكوك في أمره، وأنه غير معروف عن # أهل الضبط والنقل، ولو كان معروفا لزالت عنهم الشكوك في أمره، فمن # ظن أننا نقطع على عثمان بصحة هذه الرواية، وأنه قال هذا القول وأذاعه # بمثل هذا الخبر فقط، فقد ظن بعيدا، وقد بينا فيما سلف أنه لو سلم جميع # ما ذكرناه لم يجب من ناحية القطع على عثمان بموجبه وتصحيحه عليه، وإذا # كان ذلك بان أنه لا تعلق لأحد على عثمان بمثل هذا الخبر من كل وجه. # PageV02P538 ### | فصل # وأما روي عن عائشة من قولها في أحرف في المصحف إنها لحن. # وإنها من غلط الكاتب، فإنه أيضا جاري مجرى الخبر المروي عن عثمان في # هذا الباب، لأنه من أخبار الآحاد التي لم تقم الحجة بها، ولا سبيل إلى # العلم بصحتها لا من ناحية الضرورة، ولا من جهة الدليل، وكل شيء ثبت # أنه من الرواية عن عثمان من أخبار الآحاد، فإنه بتعينه دال على أن هذه # الرواية ms353 من أخبار الآحاد فلا حاجة بنا إلى إعادته، ولم يرو هذا الخبر ~~عنها # إلا عروة بن الزبير وحده، وعروة عندنا غير متهم ولا ظنين بل ثقة أمين # وعدل صدوق، غير أننا لا نعلم ضرورة ولا استدلالا صحة هذه الرواية عن ~~عروة، ولا يقطع على أنه روى ذلك عن عائشة، ولا ندري كيف حال الرواية كذلك ~~عند عبد الله. # ومتى كان ذلك كذلك لم نجز القطع على أن عائشة حكمت أن في # المصحف حروفا ملحونة أخطأ فيها الكاتب والمملي والمجتمعون على كتب # المصحف وعرضه، وهم قوم من جلة الصحابة، وأهل ثقة وأمانة وبراعة. # ولسن وعلم وفهم ثاقب بصحيح الكلام والسائغ الجائز منه في اللغة # والملحون الفاسد الذي لا يحسن ولا يسوغ التكلم به، لأن ذلك قذفا منها # لهم بالتجهيل والتخطئة، والنسبة إلى ما يبعدون عنه، أو بالتهمة وقبح ~~الطنة # وقصد التمويه والإلباس في كتاب الله، وكل ذلك منفي عنهم، ويجب أن # ينفى أيضا عن عائشة قذفهم بذلك، لأنها أعلم بعدالتهم وأعرف بثاقب # PageV02P539 # أفهامهم وصحة نحائرهم وفصاحتهم ولسنهم، وأن اللغة طباعهم، والكلام # بها شأنهم ونشوءهم وديدنهم، وأنه لا يمكن أن يذهب عليهم معرفة اللحن # في لغتهم وهم أفصح قومهم أو من أفصحهم وأعرفهم باللسان ومواقع # الخطاب ووجوه الإعراب، فمن توهم أننا لا بد أن نلصق بعائشة هذه الرواية # ونقطع بها عليها ونحققها من قبلها بمثل هذا الخبر الذي الله سبحانه أعلم # بحال طريقه إلى عروة بن الزبير، فقد توهم علينا العجز والتفريط، وإذا كان # ذلك كذلك بطل أيضا التعلق بهذه الرواية على أن الذي روى عنها في ذلك # هو ما رواه أبو بكر بن مجاهد وغيره من الرواة يرفعونه إلى عروة بن ~~الزبير. # فروى ابن مجاهد عن يحيى بن زياد الفراء، قال: حدثني أبو معاوية # الضرير، وروى أيضا أنه حدثه فضل الوراق عن خلاد بن خالد عن أبي # معاوية الضرير، وروى أنه حدثه موسى بن إسحاق عن منجاب عن # علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه: "أن عائشة قالت: في ms354 # (والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) ، و (وإن الذين آمنوا والذين هادوا # والصابئون) ، (إن هذان لساحران) ، أن ذلك خطأ من الكاتب ". # وقد بينا فيما سلف أننا لا نعرف كيف الحال فيمن دون هشام بن عروة # من الرواة عند الله، وأنه لا حجة فيما هذه سبيله من الإخبار في الأمر ~~الذي # PageV02P540 # يجب القطع به على الله، وعلى المروي عنه وما يقتضيه من ذمة والبراءة منه # أوتعظيمهه ووجوب موالاته، فوجب بذلك أنه لا حجة في هذه الرواية، على أن ~~في الرواية ما يدل على ضعف الخبر عنها وبعدها عن أن تكون قالته، وذهب عليها ~~وجه الخطأ عنه وذلك أنها ذكرت ثلاثة أحرف: منها حرفان # صحيحان جائزان عند سائر أهل العربية، فيها الرفع والنصب جميعا في لغة # قريش وغيرها وهما: قوله: (والصابئون) ، وقوله: (والمقيمين الصلاة) . # وسنذكر وجه جواز ذلك وحجته إن شاء الله، فهذه جملة تسقط تعلقهم بهذه # الرواية عن عثمان وعائشة. # ثم إنا نقول بعد ذلك: فإن صحت هذه الرواية وكانت على ما يدعون # ظاهرة معلومة في الصحابة مشتهرة فيهم، فقد بطل بذلك قولهم إن الصحابة ~~جهلت وحذفت وأثبتت في المصحف ما لا علم لها بصوابه من خطئه، لأجل أن عثمان ~~وعائشة قد عرفا اللحن والخطأ وذكرا ذلك عن أنفسهما. # ولو لم يعرفاه لما ذكراه ونبها عليه، وكذلك سائر الصحابة يجب أن تكون # قد عرفت هذا اللحن والخطأ، إن كانت هذه الرواية عن عثمان وعائشة # مشهورة فيهم عنهما، لأجل أنهم أهل الفصاحة واللسن والمعرفة بوجوه # العربية وضروب الخطاب والتصويب في الكلام، واللغة لغتهم، وإنما أنزل # القرآن بلسانهم وفيهم، وليس يقصر الخلق الكثير والدهماء منهم في # الفصاحة والمعرفة بلسان العرب والجائز فيه وغير الجائز، عن منزلة عثمان # . وعائشة، بل فيهم من قد قيل إنه أفصح منهما وأكثر انبساطا وتصرفا في # معرفة اللسان والقدرة على التكلم به، فإذا شهر فيهم قول عثمان وعائشة إن ~~في القرآن لحنا وإنه من خطأ الكاتب فلم نحفظ أحدا أنكر ذلك على عثمان ~~وعائشة أو عارض فيه أو احتج فيه أورده ms355 أو قدح فيه بوجه من وجوه الطعن، # PageV02P541 # علم بذلك أنهم لم يمسكوا عن المعارضة في هذا الأمر العظيم إلا لعلمهم # بصواب ما قاله عثمان وعائشة ومعرفتهم بذلك، ولولا هذا لأنكروا هذا # القول وردوه، ولم يكن في موضع العادة أن لا يقدح قادح منهم في هذا # القول، مع اعتقادهم خطا قائله وصخة ما نسبه إلى الخطا واللحن، ولو رد # هذا منهم راد وقدح فيه قادح لوجب في مستقر العادة ظهور رده وقدحه. # وأن يعلم في الجملة أن ذلك أمر قد روي كما روي ما هو قدح فيه من قبل # عثمان وعائشة، وإذا لم يكن ذلك كذلك ثبت أن هذا القول كان مسلما في # الصحابة، وغير مردود إن كان قد ثبت صحة هذه الرواية وظهورها في # الصحابة على ما يدعون، وإذا كان ذلك كذلك وجب علم سائر الصحابة # والدهماء منهم بوقوع هذا اللحن والخطأ في المصحف وبان بذلك جهل من # نسبهم إلى الجهل به والذهاب عن الصواب. # وكذلك هذه الرواية إن كانت صحيحة على ما يدعون، فقد ناقضوا في # قولهم إن عثمان وعائشة وكثيرا من الصحابة قصدوا إلى تحريف بالمصحف # وتبديله والإلباس على الأمة فيه والغش لها والإدغال في دينها بإثبات ~~اللحن # والخطأ فيه، لانهما لو قصدا ذلك لكتما ذكر اللحن وأعرضا عنه وتغافلا # عنه ولم يناديا به وينتها، وكذلك الباقون منهم لو قصدوا أو بعضهم غش من # بعدهم والإلباس في كتاب الله لناقضوا عائشة وعثمان وردوا عليهما واحتجوا # للحن والخطأ وألبسوا ترتيبه ورد قول من نبه عليه، حتى يصوروا الباطل # بصورة الحق، هذه سبيل من قصد الإلباس والتمويه وكتمان الصواب وطيه # ونشر الباطل وإذاعته، والدعاء إليه، فلما أظهرت عائشة وعثمان هذا القول ~~ورضي به الباقون وأقروه وصوبوه وعدلوا عن القدح فيه والاعتراض عليه، # PageV02P542 # ثبت أنهم جميعا أنصار الحق، وأهل الحياطة والحراسة لكتاب الله والتنبيه # على الواجب له وفيه، وما يجب أن نعتقد في صحيح ما ثبت فيه، وغلط من # أدخل فيه ما ليس منه، وكيف ينسب قوم هذه سبيلهم إلى التمويه ms356 وقصد # الإلباس والإدغال للذين وأهله، لولا الغباوة وجهل من يعتقد ذلك فيهم. # ويروي مثل هذه الرواية عنهم، وبمواضع التخليط والمناقضة في كلامه # واحتجاجه، ونحن الآن نبين وجه التأويل في هاتين الروايتين لو صحتا عن # عثمان وعائشة وما الذي قصداه بذلك، وأنهما لم يعتقدا أن في القرآن # لحنا لا يجوز في لغة منه وعلى كل وجه. # فنقول وبالله التوفيق: إنه يمكن إن كانت هذه الرواية صحيحة أن يكون # عثمان لما أراد بقوله: "أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها"، إن فيه ~~لحنا # في لغة بعض العرب وعلى مذهب قبيلة منهم لا يتكلمون بتلك الكلمات # على الوجه الذي أثبت في المصحف، وأن من لم يألف الكلام بتلك # الحروف على ذلك الوجه اعتقد أنه لحن وأئه لا يقرأ به، وأن لسانه لا ينطلق # به، ولا يمكنه مفارقة نشوءه وطبعه وعادته في الكلام، فأراد بقوله إنه لحن # عند من اعتقد ذلك وصعب عليه التكلم به، واستكبره وخفي عليه وظن # لأجل ذلك أن الله لم ينزله ولم يقل ذلك على سبيل القطع بأنه لحن وأنه غير # جائز، وأراد بقوله: لتقيمنه العرب بألسنتها أنه ستقرأ تلك الكلمات وينطق # بها كل ناطق منهم على الجائز في لغته والمألوف في طبعه وعادته، فيتكلم # به قوم على وجه ما ثبت في المصحف إذا كان التكلم به على ذلك الوجه # لسانهم، ويتكلم به آخرون على الوجه الشائع الجائز المألوف في لغته، لأن # الله سبحانه أطلق القراءة بتلك الأحرف على هذه الوجوه المختلفة نظرا # لعباده وتسهيلا عليهم وتخفيفا لمحنتهم في التكليف، ولم يرد بقوله: ~~ولتقيمنه # PageV02P543 # العرب بألسنتها، أنه ليس فيها متكلم به على وجه ما ثبت في المصحف. # وأن ذلك خطأ غير جائز. # ويمكن أيضا أن يكون إنما قصد بقوله: إن فيه لحنا عند من توهم ذلك # وخفي عليه وجه الصواب في إعرابه على ما ثبت رسمه، ولم، يعرف الوجه # في جوازه، وأن يكون أراد بقوله: ولتقيمنه العرب بألسنتها، أي لتحتجن # العرب وليتيحن الوجه في صحة ذلك، وصواب ما ثبت في المصحف. ms357 # وليبيحن الله تعالى منهم في كل عصر وأوان يظهر فيه دعوى وقوع اللحن # فيما يتوهم ويظن أنه لحن من يعرب عن صوابه، ويحتج بجوازه،، ويكشف # عن وجه صحته، وتخطئة دعوى الخطأ فيه، وذلك إقامة له ممن صنعه من # العرب وإفصاح عن معناه وصوابه بلسانه. # فأما أن يكون أراد القطع على أن فيه لحنا، لا يسوغ بوجه، وهو مع # ذلك مقر له وغير مغيره، فذلك غير جائز ولا بد من حمل كلامه على مثل # هذا التأويل ونحوه، لأجل قيام الدليل القاطع على أنه لا لحن ولا خطأ في # المصحف، وأن هذه الأحرف جائزة حسنة وصواب على ما ثبت رسمها في # المصحف بما سنوضحه ونكشفه فيما بعد، وأنه لا بد أن تكون عائشة وعثمان من ~~أعرف الناس بجواز ذلك وصحته، وأنهما أفصح وأعرف بهذا الباب من سائر من ~~بعدهما من أهل الأعصار وجميع من يظن أنه يستدرك عليهما. # ومما يعتمد عليه في تأويل قول عثمان: أرى فيه لحنا، هو أن المقصد # به ما وجد فيه من حذف الكاتب واختصاره في مواضع وزيادة أحرف في # مواضع أخر، وأن الكاتب لو كان كتبه على مخرج اللفظ وصورته لكان أحق # وأولى وأقطع للقالة وانقى للشبهة عمن ليس الكلام باللسان طبعا له. # وقوله: "لتقتمنه العرب بألسنتها"، معناه أنها لا تلتفت إلى المرسوم ~~المكتوب الذي # PageV02P544 # وضع للدلالة فقط، وأنها تتكلم به على مقتضى اللغة والوجه الذي أنزل عليه ~~من مخرج اللفظ وصورته. # فمن هذه الحروف والكلمات، ما كتب في المصحف من الصلاة والزكاة # والحياة بالواو دون الألف، وكان الأولى أن تكتب الصلاة والزكاة والحياة # على مخرج اللفظ ومطابقته، وكذلك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وصالح # والرحمن وأمثال هذه الأسماء التي تسقط الألف منها وهي ثابتة في اللفظ # والمخرج، ونحو إلحاقهم في آخر الكلمة من قالوا وقاموا وكانوا وأمثال # ذلك ألفا، والألف غير ثابتة ولا بينة في اللفظ، فرأى عثمان كتابة هذه # بالكلمات أو الأسماء ورسمها على مطابقة اللفظ ومخرجه أولى وأحق، وأن # المتكلم إن تكلم بها وتلاها على حد ms358 ما رسمت في المصحف كان مخطئا # لاحنا خارجا عن لغة العرب وعادتها، ومتكلما بغير لسانها، غير أنه عرف # هو وكل، أحد من كتب المصحف وغيرهم من أهل العلم باللغة أن العرب لا # تلفظ بالصلاة والزكاة والحياة بالواو وتسقط الألف، ولا تحذف الألف في # لفظها بالرحمن وسليمان وإسماعيل وإسحاق وصالح ونحو ذلك، ولا تأتي # بالف في قاموا وقالوا وكانوا وأمثال ذلك، وأنها لا تتكلم بذلك، إلا على # مقتضى اللفظ ووضع اللغة لشهرة ذلك وحصول العلم به، وتعذر النطق به # على ما رسم في المصحف، فلذلك قال: "ولتقيمنه العرب بألسنتها"، أي # أنها تنطق به على واجبه ولا تشك في ذلك، لأجل أن الرسم في الخط # بخلافه. # ومما يدل على صحة هذا: التأويل، وأنه المقصو بما صدر عن عثمان. # ما رواه، أبو عبيد عن حجاح بن هارون بن موسى عن الزبير بن حريث عن # عكرمة قال: - "لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد حروفا من # PageV02P545 # اللحن، فقال: لا تغيروها فإن العرب ستغيرها، أو قال: ستغير بها بألسنتها. # أو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم تؤخذ فيه هذه الحروف. # وإنما قصد بذلك والله أعلم، أن ثقيفا كانت أبصر بالهجاء وأشد تمسكا # في الكتابة بمخارج الألفاظ وأعلم بذلك، وأن هذيلا تظهر الهمز في ألفاظها # وتكثر استعمالها في مواضع لا تستعمله قريش، والهمزة إذا بانت وظهرت # في لفظ المملي سمعها الكاتب وصورها على مخرج اللفظ، وكان القاريء # لذلك الرسم مخيرا بين أن يسلك طريقة قريش فيلين ويسقط الهمز، وبين أن # يهمر على لغة هذيل، ومتى لم يحمل قوله هذا على ما ذكرناه لم يكن لذكر # ثقيف وهذيل معنى يعرف وتقف عليه، ولذلك قال عثمان: "لا يملين # مصاحفنا ولا يكتبها إلا غلمان قريش وثقيف، ولم يذكر هذيلا، لأنه لم يكن # يرى الهمزة في جميع المواضع التي تستعمل هذيل فيها الهمزة. # وإذا كان ذلك كذلك ثبت أن اللحن الذي أراده عثمان هو غلط # الكاتب وتركه مراعاة مخرج اللفظ وحذفه في موضع ما هو ثابث في اللفظ. ms359 # وزيادته في موضع ما ليس فيه، ولم يقصد بذلك أن فيه لحنا لا يجوز التكلم # به، لأنه كان والصحابة والكتبة للمصحف وزيد بن ثابت أجل قدرا وأفصح # لسانا وأثبت معرفة وفهما باللغة من أن يكتبوا فيه لحنا، ويذهب ذلك على # الجماعة سوى عثمان وعائشة، ولو قصد عثمان بذكر اللحن هذه الحروف # الأربعة التي يدعى أنها لحن، لم يجر أن يعدل عن تغييرها ومحوها وإثباتها # على الواجب الصحيح مع قلتها ونزاردها، وأنه لا كلفة عليه ولا على الكتبة ~~وكل من عنده نسخة في تغييرها ورسمها على الصواب، فلا عذر لهم في ذلك. # PageV02P546 # فوجب أنه إنما أراد بذكر اللحن الهجاء الذي رسم على غير مطابقة # اللفظ ومنهاجه، وأنه لما رأى ذلك قد اتسع وكثر في المصحف كثرة يطول # تتبعها، ويحتاج معها إلى إبطال النسخة التي رفعت إليه، واستئناف غيرها. # إلزام الكتبة في ذلك وسائر من عنده نسخة منه كلفة ومشقة شديدة، وعلم أن ~~ذلك يصعب على أهل الذكاء والفطنة الذين نصبهم لكتبة المصحف # وعرضه، لأنهم لم يعتادوا الكتابة إلا على ذلك الوجه، وأن أيديهم لا تجري # إلا به، أو خاف نفورهم من ذلك، وتنكرهم له ونسبتهم إلى ميل عليهم # وقدح فيهم، وخشي حصول قالة وتفرق الكلمة فأبقاه على ما رفع إليه من # لحن الهجاء، وقال: إن العرب ستقيمه بألسنتها، لموضع شهرة تلك # الألفاظ، وعلمه وعلم الناس بأن العرب لا تتكلم بها أبدا على ما قيلت # ورسمت في الخط، وإذا كان ذلك بان صحة ما قلناه وبطلان ما قدروه. # فإن قالوا: على هذا الجواب فقد صرتم إلى أنه قد وقع في خط المصحف # ورسمه خطأ، وما ليس بصواب، وما كان غيره أولى منه، وأن القوم أجازوا # ذلك وأمضوه وسوغوه، وذلك إجماع منهم على خطأ، وإقرار بما ليس # بصواب. # يقال لهم: لا يجب ما قلتم، لأجل أن الله إنما أوجب على القراء # والحفظة أن يقرؤوا القرآن ويؤدوه على منهاج محدود، وسبيل ما أنزل # عليه، وأن لا يجاوزوا ذلك ولا يؤخروا منه مقدما ولا يقدموا ms360 مؤخرا، ولا # يزيدوا فيه حرفا ولا ينقصوا منه شيئا، ولا يأتون به على المعنى والتعريب # دون لفظ التنزيل على ما بيناه فيما سلف، ولم يأخذ على كتبة القرآن وحفاظ ~~المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم وحظر ما عداه، لأن ذلك لا يجب لو ~~كان واجبا إلا بالسمع والتوقيف، وليس في نص الكتاب ولا في # PageV02P547 # مضمونه ولحنه أن رسم القرآن وخطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص وحد # محدود، ولا يجوز تجاوزه إلى غيره، ولا في نص السنة أيضا ما يوجب # ذلك ويدل عليه، ولا هو مما أجمعت عليه الأمة، ولا دلت عليه المقاييس # الشرعية، بل السنة قد دلت على جواز كتبه بأي رسم سهل وسنح للكاتب، لأن ~~رسول الله صلى الله عليه كان يأمر برسمه وإثباته على ما بيناه سالفا، ولا ~~يأخذ أحدا بخط محدود ورسم محصور ولا يسألهم عن ذلك، ولا يحفط # عنه فيه حرف واحد، ولأجل ذلك اختلفت خطوط المصاحف، وكان منهم # من يكتب الكلمة على مطابقة مخرج اللفظ، ومنهم من يحذف أو يزيد مما # يعلم أنه أولى في القياس بمطابقته وسياقه ومخرجه، غير أنه يستجيز ذلك # لعلمه بأنه اصطلاح وأن الناس لا يخفى عليهم، ولأجل هذا بعنيه جاز أن # يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول، وأن يجعل اللام على صورة الكاف # وأن يعوج الألفات، وأن يكتب أيضا على غير هذه الوجوه، وساغ أن يكتب ~~الكاتب المصحف على الخط والهجاء القديمين، وجاز أن يكتب بالهجاء # والخطوط المحدثة، وجاز أن يكتب بين ذلك. # وإذا علم وثبت أن خطوط المصاحف وكثيرا من حروفها مختلفة متغايرة # الصورة، وأن الناس قد أجازوا ذلك أجمع ولم ينكر أحد منهم على غيره # مخالفة لرسمه وصورة خطه، بل أجازوا أن يكتب كل واحد بما هو عادته # واشتهر عنده، وما هو أسهل وأولى من غير تأثيم ولا تناكر لذلك، علم # أنه لم يوجد على الناس في ذلك حد محدود محصور، كما أخذ عليهم في # القراءة والأداء، والسبب في ذلك أن الخطوط إنما هي علامات ورسوم # تجري ms361 مجرى الإشارات والعقود والرموز وكل شيء يدل على اللغظ وينبي # عنه، وإذا دك الرسم على الكلمة وطريقها والوجه الذي يجب التكلم عليه # PageV02P548 # بها، وجب صحته وصواب الكاتب له على أي صورة كان وأي سبيل كتب، وإذا كان ~~ذلك كذلك بطل ما توهموه. # وفي الجملة فإن كل من ادعى أنه قد ألزم الناس وأخذ عليهم في كتب # المصحف رسما محصورا وصورة محدودة لا يجوز العدول عنها إلى غيرها. # لزمه إقامة الحجة وإيراد السمع الدال على ذلك وأنى له به، وإن عارضوا # بمثل هذا في قراءة القرآن على إيراد معناه أي لفظ كان وعلى أي سبيل تسنح ~~وبوجه، وقد بينا من قبل الحجة على فساد ذلك بغير طريق فأغنى عن # إعادته. # فأما قول عائشة في تلك الحروف إنها من غلط الكاتب، فقد قلنا فيه أنه # أيضا من أخبار الآحاد التي لا حجة فيها، وأنه لا يسوغ لذي دين أن يقطع # على أن عائشة لحنت الصحابة وخطأت الكتبة، ومحلهم من الفصاحة والعلم # بالعربية محلهم بمثل هذه الرواية، على أن فيها ما يدل على بطلان الخبر # عنها، لأنها خطأت الكاتب في جميع هذه الحروف ومنها ثلاثة جائزة سائغة # عند سائر أهل العربية وواحد ليس هو من لغة قريش، وهو قوله: "إن هذان # لساحران "، يذكر أنه لغة بالحارث بن كعب، فلو كانت خطأت الكاتب في # هذا الحرف فقط لخروجه عن لغة قريش، لكان الأمر أقرب، فأما أن تخطئه # فيما لا خلاف في جوازه في كل لغة، وإن كان غير ذلك الوجه أشهر وأظهر # فإنها بعيدة فيه لبراعتها وفصاحتها وكونها من العلماء باللسان ووجوه # الخطاب والإعراب. # PageV02P549 # والأشبه فيما يروى عنها وعن غيرها من الصحابة في هذا الباب إن صح # وسلم مسنده وطريقه، أن يكونوا قالوا: إن الوجه الأشهر الظاهر المعروف # المألوف في هذه الحروف غير ما جاء به المصحف وورد به التنزيل، وإن # استعماله على ذلك الوجه غامض قليل، أو غلط عند كثير من الناس، ولحن # عند من لا يعرف الوجه فيه ونحو هذا الكلام فلم ms362 بضبط ذلك الرواة عنهم. # ولم يسمعوا علته ولم يوردوه على وجهه، إما لسهو لحقهم أو لذهابهم عن # سماع تمام الكلام، أو لاقتصارهم على شاهد الحال وإذكارهم بذلك من # كان سمع هذا الكلام من عائشة وعثمان، فأما أن يقطع عثمان وعائشة على # أن في القرآن لحنا وغلطا وقع من الكتبة فذلك باطل لما بيناه سالفا. # فأما قوله تعالى: (إن هذان لساحران) ، فإنه يجوز قراءته على موافقة # خط المصحف الذي نقلته الجماعة وقامت به الحجة، ويجوز أيضا قراءته # بمخالفة خط المصحف وأن يتلى: "إن هذين لساحران ". # فأما ما يدل على صحة قراءته على موافقة خط المصحف فنقل جماعة # الأمة الذين ببعضهم تقوم الحجة على أن القرآن منزل على وجه موافقة # المصحف، وأنه يجوز أن يقرأ: "إن هذان لساحران "، وأن ما تضمنه # المصحف من هذا الحرف وغيره صحيح سليم من الخطأ، فلا وجه لإنكار # ذلك وتخطئة القاريء به مع النقل والإجماع الذي وصفناه، وقد قال قائلون # من جلة أهل النحو: إن إثبات الألف في الرفع والنصب والخفض في هذان # هو الأصح وهو القياس، قالوا: لأن الألف في ذلك تتبع فتحة ما قبلها كما # أن الواو في مسلمون تابعة لضمة ما قبلها، والياء في مسلمين تابعة للكسرة # ما قبلها، قالوا وغيرهم من سائر الناس والرواة: وهذه اللغة هي لغة # PageV02P550 # بالحارث بن كعب، وأنهم يقولون: مررت برجلان، وقبضت منه درهمان. # وجلست بين يداه، وركبت بغلاه، وأنشدوا في ذلك: # تزود منا بين أذناه ضربة ... دعته إلى هابي التراب عقيم # يعني موضعا كثير التراب. # وأنشدوا فيه: # فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لناباه الشجاع لصمما # وأنشدوا أيضا قول الآخر: # شالوا علاهن فشل علاها ... وأشد مستاحقت حقواها # وقال الآخر: # أي قلوص راكب تراها ... طارقا علاهن قطر علاها # وإذا كان الأمر في جواز هذا الحرف، وتكلم أهل اللغة من فصحاء # العرب واحتجاج قوم له وقولهم إنه الأصل، وإنه أقيس على ما وصفناه. # ووجدناه مكتوبا في المصحف على ذلك، وجدنا نقله متواترا قد قامت به # الحجة، وعلمنا أن الصحابة والفصحاء ms363 الذين كتبوا المصحف مع أمانتهم # وفضل علمهم وشدة احتياطهم وصحة قرائحهم وأذهانهم، وقرب عهدهم # بالوحي، وكون القرآن منزلا عليهم، وثاقب معرفتهم بتصرف الكلام ووجوه ~~الإعراب، لم يكتبوا ذلك في المصحف إلا عن علم واتباع سنة وموافقة لتوقيف ~~على جواز ذلك وصحته، وجب القطع على صحة قراءة هذه الحروف على موافقة خط ~~المصحف وتوثيقه، لأن نقل خط المصحف وشهادة الجماعة # PageV02P551 # بصحته وسلامته، وأنه لا خطأ فيه، أحد الأدلة على صحة الخط والتلاوة. # وعلى موافقته، فوجب بذلك جواز هذا الحرف وصحته، وتجهيل من أنكره # واستبعده واستوحش من قراءته على هذا الوجه. # فإن كان مخالفا للغة قريش، وكانت قريش لا تكاد تتكلم به على هذا # الوجه، فأما وجه جواز قراءته بخلاف خط المصحف، وأن يقرأ: (إن هذين # لساحران "، فهو: إن الأمة قد اتفقت على جواز ذلك وترك تخطئة من قرأه # بخلاف خط المصحف، والعدول عن تضليله وتأثيمه، وأن ذلك هو لغة # قريش مع اتفاقها على أن القرآن منزل بلغة قريش. # وإذا كان ذلك كذلك، وكان هذا الحرف في لغة قريش فيتكلم به على # خط المصحف، وجب أن يكون منزلا أيضا على مخالفة خط المصحف. # وأن يكون القاريء به على مخالفة خط المصحف مصححا مصيبا إذا كان # ذلك هو لغة قريش، كما أن القاريء له بخلاف لغتهم مصحح لنقل الجماعة # لذلك وشهادتهم بصحة خط المصحف، وأنه منزل على ما ثبت فيه، وأن # الأشهر الواضح هو المعروف في لغة قريش وأكثر العرب، وهو المعروف # الذي لا يشك فيه، يوجب جواز القرائتين وتصحيحهما استدلالا بما ثبت من # خط المصحف، وترك التأثيم والتضليل في ذلك، ولذلك استجاز كثير من # السلف أن يقرؤوا: "إن هذين لساحران". # وروي ذلك عن عائشة وعن عبد الله ابن الزبير، والحسن البصري وسعيد بن جبير ~~وإبراهيم النخعي، وقرأ به جماعة من قراء الأمصار، منهم: أبو عمرو بن ~~العلاء، وعاصئم الجحدري، وعيسى بن عمران، وأبان بن تغلب، ومسلمة بن محارب. # وهذا أشهر وأظهر عند أهل النقل من أن يحتاج فيه إلى إطالة وإكثار، حتى ms364 إن ~~في الناس من يقول: لا يجوز قراءته، إلا على مخالفة خط المصحف، وقد علم أن # PageV02P552 # هذه الطبقة لا تقرأ بما تعلم أنه مخالف للتنزيل، وأن الأمة لا تترك ~~تأثيمهم # وتضليلهم مع علمهم بأنهم قد قرؤوا وأقرأوا الناس بخلاف المنزل، وبما لا # يجوز ويسوغ، وإذا كان ذلك كذلك ثبت بهذه الجملة جواز قراءة هذا # الحرف على الوجهين واللحنين جميعآ. # وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يختار أن لا يقرأ الناس إلا بلغة # قريش، وروى الئاس عنه أيضا: أنه سمع رجلا يقرأ هذا الحرف من يوسف: ~~{ليسجننه (عتى) حين} ، فقال له عمر: من أقرأك هذا. # قال: ابن مسعود، قال عمر: (ليسجننه حتى حين) ، ثم كتب إلى ابن # مسعود: سلام عليك، أما بعد فإن الله أنزل هذا القرآن فجعله قرآنا عربيا # مبينا، وأنزله بلغة هذا الحي من قريش، فإذا أتاك كتابي هذا فأقريء الناس # بلغة هذا الحي من قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل ". # فهذا عمر يختار أن لا يقرأ الناس إلا بموافقة لغة قريش، وليس هذا # القول من عمر، ومن كل من روى عنه إنكارا لأن يقرأ الناس بغير لغة قريش # إذا كان منزلا بلغة قريش، وبوجه يخالف لغتهم، وكانت الحجة قد قامت # بذلك، ولكئه اختيار منهم لملازمة لغة قريش، لأنها هي الأظهر المعروفة. # والناس لها آلف، والألسن بها أجرى، والقلوب لها أوعى، وليس يمنع ذلك # من أن ينزله الله سبحانه بخلاف الوجه الأظهر، كما أنزله على الوجه الأظهر # المعروف " وقد ينظم الشاعر قصيدة وينشىء الخطيب خطبة، ويعمل المترسل # رسالة، فيعرب كل واحد منهم بكلمة في قصيدته وخطبته فيكون ذلك سائغا # PageV02P553 # جائزا، غير أنه مما يقل استعماله ومعرفة الناس بجوازه، ويكون الأظهر # الأشهر غيره، وكذلك يسوغ أن ينزل الله الكلمة بقراءتين إحداهما أظهر # وأشهر، ولا ننكر مع ذلك أن يكون الرسول قد أقرأ في أكثر أيامه في آخر # عمره، وآخر عرضه عرض القرآن فيها بالوجه الذي يخالف خط المصحف. # ليبين لهم أنه منزل على ذلك الوجه، وليستفيض ويظهر عنه، وأن ms365 يكون كثر ~~الناس قد قرأوا على عصره وبعده بموافقة خط المصحف للذي هو الأقل في ~~الاستعمال، ولم يلتفتوا إلى أن ذلك ليس بمعروف في لغة قريش، لأن الغرض في ~~ذلك القراءة بالجائز، وما كثر استعماله وأن يؤثروا القرءاة على آخر ما وقع ~~عليه العرض، وإن كان غيره شائعا جائزا، وإذا كان ذلك كذلك ثبت بما وصفناه ~~جواز القرائتين جميعا وأن الكلمة منزلة على الوجهين جميعا. # وأما قوله تعالى: (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ~~والضراء) ، فقد اختلفت في وجه القراءة بالصابرين. # فقال بعضهم: هو نصب على المدح، والعرب تنصب على الذم والمدح، كأنهم - ~~زعموا - قرنوا قراءة المدح بمدح مجدد غير متبع لأول الكلام، وقال بعضهم: ~~إنما نصب الصابرين لأنه أراد: (وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء) # لأن الباساء الفقر، وكأنه قال: وءاتى الفقراء، والضراء: البلاء في البدن ~~من المرض والزمانة، وكأنه قال: وآتى المال الصابرين من الفقراء وأصحاب # البلاء الصابرين على فقرهم وبلائهم الذين لا يسألون ولا يلحون، وجعل # الموفين وسطاء بين المعطين والضابرين نسقا على من آمن بالله وهذا بين غير # متعسف ولا مستبعد، والقراء جميعا على نصب الصابرين إلا عاصم الجحدري، # PageV02P554 # فإنه كان يرفع الحرف الذي قرأ به، وينصبه إذا كتبه كراهية مخالفة خط # المصحف الذي هو الإمام. # فأما قوله تعالى: (والمقيمين الصلاة) ، فقد ذكر فيه وجوه. # فقال قوم: أراد به يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة. # وقال آخرون: أراد يؤمنون بما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمن الصلاة . # قالوا: وكان الكسائي يرده إلى يؤمنون بما أنزل إليك ويؤمنون بالمقيمين # الصلاة، واعتبروه بقوله في موضع آخر: (ويؤمن للمؤمنين) . # وقال خلق من أهل العربية هو نصب على المدح، لأن العرب تنصب # على المدح، وتفرد الممدوح وتعطف عن رده إلى ما قبله، وقال أبو عبيدة # وجلة من أهل العلم بالعربية: هو نصب على تطاول الكلام بالسبق وهم # يستعملون ذلك ms366 في الكلام إذا طال أو تكرر الوصف الذي يمدحون به أو # يذمون، يتحرجون من الرفع إلى النصب، ومن النصب إلى الرفع، وربما # فعلوا ذلك وإن لم يتطاول الكلام أيضا ولم ينكروا الوصف والذم والمدح. # ويعملون في ذلك على القصد والنية في اتباع الكلام بعضه بعضا، وربما # أضمروا شيئا ينصبون به أو يرفعون، نحو ما قدمنا عنهم من أنه أراد يؤمنون # بما أنزل إليك، وإلى المقيمن الصلاة، أو أنه أراد يؤمنون بما أنزل من ~~قبلك # ومن قبل المقيمين الصلاة ونحو ذلك، وأنشدوا في جواز رفع ذلك ونصبه # على تطاول الكلام وتكرر الوصف والمدح قول الشاعر: # لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر # النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر # PageV02P555 # وأنشد في ذلك أيضا: # وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم ... إلا نميرا أطاعت أمر غاويها # الطاعنين ولما يطعنوا أحدا ... والقائلون لمن دار تخيلها # وقد اتفقوا على جواز إسناد ذلك على الوجهين جميعا: # أحدها: أن يقولوا النازلين والطاعنين منصوب، ثم يقولوا والطيبون # والقائلون فيرفعون، أو أن يقولوا النازلون والطاعنون فيرفعون، ثم يقولوا # والطيبين أو القائلين فينصبون، ويعملون الكلام في الإعراب على النية ~~وإتباع # الكلام بعضه بعضا، وقد قالوا: إن رفع مثل هذا ونصبه عند تطاول الكلام # شائع جائز، وإذا كان ذلك كذلك وجب القول بصحة هذه القراءة وصوابها وغلط ~~من زعم أنها ملحونة. # فأما قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون) . # فقد قيل فيه أيضا: إنه رد على موضع إن الذين آمنوا، قالوا: وموضعه رفع، ~~لأن إن ها هنا مبتدأ لا تحذف في الكلام معنى أخواتها، لأنك تقول: زيد # قائم، ثم تقول: إن زيدا قائم فلا يكون بين إدخال إن واطراحها فرق في # المعنى، وكذلك نقول زيد قائم، ثم نقول: لعل زيدا قائم، فيحدث في # الكلام معنى الشك، ونقول: زيد قائم، ثم نقول: ليت زيدا قائم، فتحدث # ليت معنى التمني، ويدل على هذا أنهم يقولون: إن عبد الله قائم وزيد. # فيرفع زيدا، لأنك قلت: عبد الله قائم وزيد، وتقول: لعل عبد الله ms367 قائم # وزيدا، فتنصب مع لعل وترفع من أن لما أحدثته لعل من معنى الشك، ولأن # PageV02P556 # إن لم تحدث فيه شيئا، وكان الكسسائي يجيز: إن عبد ألله وزيد قائمان، وإن ~~عبد الله وزيدا قائم، وإن عبد الله وزيد قائم، والبصريون يجيزون ذلك # ويحتجون بقو له: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) # وينشدون في ذلك: # فمن يك أمسى بالمدينة داره ... فإني وقيار بها لغريب # وهذه جمل تنبىء عن صحة هذا الحرف، وبطلان دعوى كونه ملحونا. # قالوا: ومما ورد أيضا ملحونا خطأ لا يجوز ما أثبتوه في مصحفهم من # قوله في المنافقين: (فأصدق وأكن من الصالحين) . # وموضعه نصب وإنما هو فأكون بإثبات الواو لا غير ذلك. # فإنه يقال لهم: ليس الأمر على ما قدرتم، بل الوجهان جميعا جائزان # سائغان، وقد قرأ السلف الآية على الوجهين، فقرأ بعضهم: " وأكن " مجزوما، ~~وقرأ منهم: "فأكون " منصوبا بإثبات الواو، ولكل من ذلك وجه، وقد اشتهر عنهم ~~قراءة الوجهين جميعا، فقرأ أبي وعبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة: ~~"وأكون " بإثبات الواو، وروى ابن مجاهد عن أحمد بن الحسن. قال: حدثنا الحسن ~~بن عرفة قال: حدثنا شجاع بن أبي نصر عن عيسى بن عمر الثقفى: "أن أبي بن كعب ~~وعبد الله بن مسعود وسالما مولى أبي حذيفة كانوا يقرأون "فأصدق وأكون ". # وروى أيضا ابن مجاهد عن شجاع بن أبي نصر عن حمزة الزيات عن الأعمش عن ~~أصحاب عبد الله بن مسعود الذي # PageV02P557 # قرأ عليهم الأعمش عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ: "فأصدق وأكون "، ~~وهذه القراءة هي قراءة ابن محيص وأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر # الثقفي، وكل هذه الأخبار والروايات، وعمل القراء بذلك وتجويزهم له. # أوضح دليل على جواز القراءة بهذا الوجه، أعني النصب لجوازها بالجزم. # لأن مثل هذا الحذف المثبت في المصحف على خلاف الوجه الأشهر الظاهر # يحرك دواعي القوم وهممهم عن البحث عنه، والسؤال عما لأجله ثبت في # الإمام بخلاف الوجه الأظهر، وكيف سبيله والمخرج عنه، وكيف هو في # قراءة عبد الله ms368 وأبى وغيرهما من القراء المشهورين المنتصبين لإقراء ~~القرآن. # ولا يجوز في مستقر العادة وما ركبت عليه الطباع إهمال الأمة لذلك. # وذهاب أهل القرآن عن البحث عن ذلك، والسؤال عن قراءة في حرف كل # مشهور بالقراءة، ومعروف بالأخذ عنه، ولو كشف لهم البحث والسؤال عن أنه ~~مقروءا في كل حرف وعند كل قارئ على وجه واحد لا يسوغ غيره، لتوفرت هممهم ~~ودواعيهم على نقل ذلك عن كافتهم، واشتهاره ولارتفع # الخلاف فيه، ولم يخف عليهم إجماع القراء عليه والمضي على ذلك الخلف # بعدهم والمتبعون لهم. # ولما لم يكن ذلك كذلك وكانت القراءة بالنصب، وإثبات القراء ظاهر # منهم ومشهور عنهم، وكانت مقروءة ومأخوذا بها عند جماعة من الأئمة # والخلف الصالح، ثبت بذلك إشهار القرائتين جميعا، وأن الحرف مقروء على # الوجهين، وأن القوم قد وقفوا على أن الحرف منزل على الوجهين جميعا. # فإن السنة قاضية بذلك فهذه جملة تكشف عن جواز القراءتين على الوجهين # جميعا، وأن القوم قد وقفوا على أن الحرف متزل على الوجهين جميعا # وصحتها، وغلط من زعم أنه لا يجوز قراءة الحرف بالنصب، وإثبات الواو. # PageV02P558 # فأما وجه جواز القراءة بالجزم وحذف الواو وهي الأكثر والموافقة لخط # المصحف، فهو أنه عطف ب أكن على موضع الفاء من فأصدق، فيجعل # حكمهما مردودا إلى ما يجب لأصدق من الإعراب لو لم تدخل الفاء في # الكلام، فلما دخلت الفاء عملت في نصب أصدق، وبقيت وأكن على # حكمها قبل دخول الفاء، لأنها عطف على الفعل المجزوم. # وأما جواز القراءة بالنصب، وإثبات الواو فهو بين ظاهر، لأنه عطف # على الفعل المنصوب الذي هو التصدق، وموضعه نصب، وقد قال أهل # العلم بالعربية: إن القراءة بإثبات الواو لا تخالف خط المصحف، قالوا: # لأن الواو إنما حذفت من الكتاب اختصارا، وحكوا: أن في بعض المصاحف: { ~~(فقلا) له قولا لينا} ، قاف، لام، ألف، بغير واو، وقالوا: وهذا # لا يكون وإن أثبت كذلك وحذفت الواو من فقولا إلا على أن ينطق بالواو. # وإن كانت محذوفة، وإن حذفت من الكتاب على وجه الاختصار، ms369 وهذا # أيضا ليس ببعيد، ويجب أن يكونوا إنما أثبتوا الواو في كل موضع ذكر فيه # أكون، لأنه لا يجوز أن يقرأ إلا بالنصب وإثبات الواو، وأثبت في هذا # الموضع أكن بحذف الواو، وخص بذلك لأجل جواز قراءته مجزوما # ومنصوبا، فأثبت على أحد الوجهين الجائزين وهو الأخصر لحذف الواو. # وإن كانت الحجة قائمة لجواز قراءته بالئصب وإثبات الواو لا يخالف خط # المصحف الذي حذف منه الواو، وعلى سبيل الاختصار، وإن لم تكن # القصة كذلك، وقد ذكرنا وجه جواز النصب وقيام الحجة به وشهرته وثبوته # عن السلف، وأخذهم وكثير من الخلف به. # وإذا كان ذلك كذلك صح ما قلناه، وبطل قول من منع جواز قراءة هذا # الحرف بغير الجزم، وبطلان قول من ادعى كون الجزم في القراءة ملحونا. # PageV02P559 # فإن قالوا: إذا أجزتم قراءة هذا الحرف بالجزم والنصب، وأجزتم أيضا # قراءة قوله: (إن هذان لساحران) ، تارة كذلك وتارة: "إن هذين لساحران" "، ~~فألا أجزتم أيضا قراءة قوله: (والمقيمين الصلاة) ، بالرفع، وأن يقرأوا: # إ والمقيمون الصلاة "، وكذلك فألا أجزتم قراءة قوله: "والصابئون " ~~بالنصب، وأن يقرأوا: "والصابئين " منصوبا، وإن كان ذلك مخالفا لخط المصحف، ~~كما صنعتم ذلك في "أصدق وأكن "، و "إن هذين لساحران "، وإن خالفت القراءة ~~خط المصحف حيث تكونوا قد أعطيتم القياس حقه ومضيتم مع موجبه. # يقال لهم: لا يجب ما قلتم لأجل أننا قد بينا جواز قراءة الحرفين الأولين # على الوجهين جميعا، وبينا أن قوما من السلف، وخلقا من الخلف قرأوا # بذلك، فاشتهر عنهم وقامت الحجة به من غير تناكر ولا ترافع، وأوضحنا # ذلك بما يغني عن رده، فوجب تجويز الوجهين جميعا في "أصدق وأكن ". # وفي "إن هذين لساحران"، ولم ينقل عن أحد من السلف، ولا قامت الحجة # بأن أحدا منهم قرأ: "والمقيمين الصلاة" بالرفع، "والصابئين بالنصب "، وهو # إذا قرئ كذلك مخالف لخط المصحف، وإذ قرئ على موافقة خط المصحف # فقد قرىء بوجه صحيح جائز، وقد بينا صحته وسلامته لغير وجه، فلا يسوع لأحد ~~ترك قراءتهما على موافقة خط المصحف الذي قد نتفق ms370 أنه قد أنزل كذلك، وقرىء ~~به إلى مخالفة الخط في المصحف الذي لا يؤمن معه أن # يكون الله سبحانه ما أنزله على ذلك الوجه، وإن كان جائزا سائغا، وقد # أوضحنا فيما سلف أن القراءة تثبت تارة جواز ما بخط المصحف ونقله # والشهادة بصحته، وتثبت تارة بالنقل عن السلف وظهور القراءة للحرف بينهم، ~~وإن خالف خط المصحف، فوجب لأجل هذه الجملة جواز قراءة ما قلناه على الوجهين ~~جميعا، ولم يجز قراءة: "والمقيمين الصلاة": "الصابئون # PageV02P560 # بخلاف خط المصحف، وعلى ما لا نعلم أن الله سبحانه أنزله عليه، وإن # كان سائغا ظاهرا وكان هو الأشهر في اللغة العربية، لأنه قد يجوز أن "يترك # الحرف والحرفان على خلاف الوجه الأظهر الأشهر على ما بيناه من قبل إذا # كان لإنزاله على خلاف ذلك في اللغة توجها صحيحا، وإذا كان ذلك كذلك بطل ~~ما سألوا عنه وطالبوا به. # فأما ما يروى عن عاصم الجحدري من أنه كان إذا قرأ: "والصابئون " # قرأه بالرفع، وإذا كتبه كتبه منصوبا كراهية مخالفة خط المصحف، فإنه إن # ثبت عنه رواية لذلك عن السلف وجب إجازة قراءته على الوجهين، وإن لم # يكن عنده في ذلك رواية وكان من رأيه واجتهاده وظنه أن ذلك من # اللحن، فإنه خطأ منه مردود، لأننا قد بينا جواز ذلك ووجه ما يجوز أن # يضمر فيه فلا وجه لمخالفته إن لم تكن هناك رواية مشهورة عن الصحابة # الذين هم السلف في جواز قراءة هذا على خلاف خط المصحف وهذه جملة # تكشف عن بطلان جميع ما يتوهمونه في هذا الباب من دخول الخلل والغلط # في نقل القرآن وجمعه وإثباته. # واعلموا رحمكم الله. أن ضبط السلف والخلف لهذه الأحرف اليسيرة # المعدودة وخوضهم فيها، واختلافهم في وجوه قواءتها، وما ذكر عن بعضهم: ~~أنها ملحونة على تأويل ما قلناه، أو: أنها من غلط الكاتب، وقول بعضهم: إنه ~~لا يجوز قراءة شيء منها على مخالفة خط المصحف، وقول آخرين: يجوز ذلك، وقول ~~بعضهم: يجوز قراءة بعضها على مخالفة خط المصحف وعلى موافقته، ولا ms371 يجوز ~~قراءة بعضها على مخالفة خط المصحف، وحمل بعصهم نفسه على أن يقرأ بعضها على ~~مخالفة خط المصحف، فإذا كتبه كتبه على موافقة خط المصحف كراهية مخالفة ~~الإمام وكلام الناس في هذا الباب. # PageV02P561 # وتخريج الوجوه وتقدير الحرف وإظهار الأسباب الذي يخرج بها الكلام # عن أن يكون لحنا إلى غير ذلك مما ذكر في هذا الباب من أدل الأمور على # صحة نقل القرآن وضبطه، وشهرة أمره فيهم وظهور نقله بينهم وإحاطتهم # بعلمه ومعرفتهم بما ثبت منه وإدراكهم بعلم جميعه وبمعرفة نظمه وترتيبه. # وكماله وسلامته، لأن العادة موضوعة على أن القوم الذين لم يهملوا الكلام # في هذه الأحرف اليسيرة، والبحث عنها وتطلب الوجوه لها، والكشف عن # معانيها والكلام في قراءتها وإثباتها، لا يجوز أن يذهبوا عن معرفة قرآن ~~قد # حذف ونقص، وعن علم قرآن زيد وبدل وغير واختل عن نظمه وسننه. # وأزيل عن نظامه وترتيبه، بل موجب العادة فيهم أنهم لو لحق كتابهم اليسير # من ذلك، لعظم خوضهم واستدراكهم له وتماديهم وتجادلهم فيه، وإذكار # بعضهم لبعض موضع الغلط والإهمال، ولتفاقم الأمر في ذلك وظهر وانتشر # وكثر الحديث به والقول فيه، وظهر ظهورا تعلمه العذراء في خدرها فضلا # عن قراء القرآن، وأصحاب السنن والآثار، ونقلة الحديث والأخبار، ولكانت ~~عنايتهم بذلك واشتغالهم بالخوض فيه من أكثر شأنهم وأفشى شيء فيهم، ولما لم ~~يكن الأمر فيما يدعونه من تغيير القرآن ونقصانه وزيادته ومخالفة ترتيبه، ~~وتقديم مؤخره وتأخير مقدمه، على ما ذكرنا وجب بهذه الجملة بطلان جميع ما ~~يدعون من هذا الباب، وثبت بما وصفناه أن الله سبحانه قد عصم الأمة من ~~ذهابها عن حفظ كتاب ربها، ونفى ذلك عنها، وحفظ عليها ولها ما استحفظها من ~~كلامه، ورعا لها ما استرعاها من القيام بحفظ كتابه، وجمع لها ما ضمن جمعه، ~~وحرسه من أن يأتيه الباطل من بين يديه، أو من خلفه على ما أخبر سبحانه بذلك ~~في نص كتابه، وعلى لسان نبيه ورسوله. # PageV02P562 # فهذا من الحجج القاهرة والأدلة الباهرة على بطلان قول من ادعى # دخول الخلل ms372 والفساد على القرآن، وكيف يجوز في وضع العادة أن يذهب # من القرآن مثل سورة البقرة في المقدار ولا يبقى منها إلا آيات، وأضعاف ما # في أيدينا من سورة الأحزاب، على قوم ضبطوا هذه الأحرف وتكلموا فيها # بما وصفناه وخاضوا فيها الخوض الذي قدمناه، وأن توهم ذلك عليهم من # التفريط الشديد والجهل العظيم والعناد الدال على إلحاد صاحبه وتلاعبه. # نعوذ بالله من الحيرة والضلال ونرغب إليه في التوفيق والسداد. # فإن قال قائل: قد زعمتم أن هذه الأحرف مثبتة في المصحف ومقروءة # على خلاف الوجه الأظهر في اللغة، وعلى ما يظنه من قصر علمه أنها # ملحونة فاسدة، وأن الأشهر في اللغة غير ما أثبت عليه، فخبرونا لم أثبتها # القوم كذلك، فإن كانوا إنما أثبتوها على خلاف الوجه المألوف الأشهر # لأنهم بذلك أمروا وعليه وقفوا فلم أمرهم الله بذلك وأنزله على خلاف # الوجه الأظهر وعدل سبحانه إلى الأمر فكتبه على الوجه الموهم للخطأ وما # يدعو إلى الالتباس والشبهة، وما وجه الحكمة والصواب في ذلك. # يقال له: أما إطباق الجماعة على كتابة هذه الحروف على خلاف الوجه # الأظهر الأشهر فهو أصح دليل على أنهم مأمورون بذلك وموقفون عليه # ومأخذون به، وأنه لولا إلزامهم ذلك وجواز القراءة ببعضها مع إطلاق # القراءة بغيره رحمة، وتضييقه القراءة ببعضها على وجه ما ثبت، وموافقة # خط المصحف، لكتبوه على الوجه الأظهر الأشهر لا سيما وليس في ذلك ما # يتعلق باختلاف منفعة أو دفع مضرة، أو يعود بإثبات إمامة وتأثيل محل # ورئاسة وتفضيل قوم، وبنقص آخرين ولا يضر بهم إثباته على الوجه الأشهر # PageV02P563 # في باب دنيا ولا دين، وإثباته له على ما أثبتوه، إذا كانت الحال على ما # وصفناه من أدل الأمور على أنهم - مأمورون بذلك ومخبرون بصحته وجوازه. # فأما وجه الحكمة من أمرهم بذلك وتوقيفهم عليه، فإننا قد بينا في غير # موضع من الكلام في الأصول أن حكمة الباري سبحانه لا تثبت له إلا من # جهة فعله وتعبده، وأنه لا يشرع ويأمر وينهى ويخفف المحنة تارة، ويغلظها # أخرى لعلة ms373 وباعث وخاطر ومحرك، وأسباب تدعوه إلى ما شرع ويبعثه على # ما تعبد، وكشفنا ذلك بغير وجه، وأقرب ما يقال في هذا أئه إنما أنزله # سبحانه كذلك وأمرهم بإثباته على هذا الوجه، وإن كان السلف يعرفون وجه ~~الصواب فيه، والمخرج تغليظا لمحنة الخلف وتشديدا لها ولتعمل آراءها # وأفكارها، وتكثر نظرها واستخراجها فيما بين صواب هذه الأحرف وتخرجها عن ~~اللحن والخطأ، وينقصون تصحيح ما يؤديهم النظر والاستخراج ومعرفة لطيف ما ~~يحتج به لصحة هذه الأحرف على من خالفهم من الملحدين، وقدح في كتابهم وعلى ~~سلف من الزائغين والمنحرفين، فيكون ذلك ذريعة إلى إجزال ثوابهم وسبيلا ~~ووصله تفضلهم وإعظامهم وألاحتجاج على أهل الجهل والإهمال والتقصير بهم، ~~والأمر بالرجوع إلى بيانهم والمصير # إلى برهانهم، ولو أنزل تعالى جميع كتابه بالأحرف الظاهرة وبما يستوي في # معرفته الخاصة والعامة لبطلت هذه الفضلية وزالت المؤونة، كما أنه لو أنزل # جميع كتابه محكما بينا غير مشكل ولا مجمل ولا محتمل للتأويل ولا مما # يحتاج في معرفة معناه إلى برهان ودليل لخفت المحنة وزالت المؤونة # وبطلت فضيلة العالم على الجاهل، والمجتهد الناظر على المهمل المقصر. # وبطل معنى ما قصده تعالى بقوله: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم) ، ولم يكن هذا التعظيم لشأن أهل العلم، والتفخيبم والإشادة # PageV02P564 # بذكرهم، والنص على تفضيلهم معنى، فهذا وجه من الصواب والحكمة بين # مع تسليم القول بالأصلح، وأن الله سبحانه لم يامر بذلك ويشرعه إلا لعلة # ووجه من وجوه المصالح والحكمة. # وقد يمكن أيضا أن يكون تعالى إنما أنزل هذه على هذا الوجه، وأمر # بإثباتها كذلك ليبعث سلف الأمة وخلفها على حفظ كتابه وتأمل ألفاظه # وتبحر معانيه، وإمعان النظر في وجوهه ومبانيه وطرق إعرابه، والفحص عن # باقي ألفاظه، وهل في الكتاب ما يجري مجرى هذه الحروف ويشاكلها أم # لا، فيصيروا بذلك إلى ملازمة دراسته وكثرة تصفحه، وتعرف حال ألفاظه # وحروفه وشدة ضبطه وتكرار الفكر فيه، والاعتبار لألفاظه ومعانيه والاحتجاج ~~لما طعن فيه والتنبيه على وجه المخرج منه، ويكون هذا أدعى الأمور لهم إلى ms374 ~~حفظه وحراسته والإحاطة به، وإطالة الفكرة فيه، والتتبع له، والتوقيف عند كل ~~شيء منه، ورد بعضه إلى بعض، واعتبار اللفظ بمثله، وقياسه على نظيره، ومعرفة ~~السبب الذي خولف ببعضه حكم مثله، وجعل مباينا لما من سبيله أن يكون كهو ~~وجاري مجراه، حتى يكونون في كل عصر وزمان وحين من الأحيان على مثل هذه ~~الحال من دراسته وتحفظه وتأمل جميعه وتتبعه والاحتجاج له، والاجتهاد في ~~الدفاع عنه، ودفع كيد القادحين في تنزيله والملحدين في تأويله، ولو أخلاهم ~~سبحانه من أحرف منه غريبة وألفاظ # شاذة ووجوه غير مألوفة عند كثير منهم، يحتاج منهم فيها إلى طلب الوجه # والمخرج، لعدل القوم عن الدرس والتحفظ والبحث والتأمل، وثقلت عليهم مؤونة ~~الاحتجاج، وتكلف النظر والاستدلال، ولعولوا على أنه كله ظاهر جلي ومألوف ~~معروف، وأن الحليم العليم سبحانه منزله، ومحمدا صلى الله عليه مؤديه ~~ومتحمله، والأمة المتلقية حفاظه وكتبته، وأن ذلك أجمع يغني # PageV02P565 # عن الفكرة والحفظ وكثرة الدرس والتأمل، فيصير بهم الحال إلى قلة الدرس # له، والقيام به، والإنكار على من قبلهم، والعمل على حكم منزله وصدق # رسوله وفصاحة أمته، وكل ذلك أسباب تدعو إلى التقصير والإهمال، وترك # حياطة القرآن ودراسته ووجود الطاعن والملحد سبيلا إلى القدح في القرآن. # والتوهين لأمره والتمكين من الزيادة فيه، والنقصان منه. # فلما أراد الله تعالى حياطته وحراسته وتحصينه وجمعه، والحفظ له على # أمة نبيه، حرك خوطرهم، وجمع هممهم ودواعيهم على حفظه وتأمله من # ملازمة دراسته والتفكر والتأمل لوجوه إعرابه، بما أنزل فيه من هذه الوجوه # العربية والأحرف الشاذة القليلة في الاستعمال، وهذا أيضا وجه من وجوه # الحكمة والصواب ينبي عن صحة ما قلناه، وفساد ما دانوا به وتوهموه وبالله # التأييد. # PageV02P566 ### | باب ذكر مطاعنهم في صحة القرآن ونظمه من جهة اللغة # ووصف شبه لهم تجمع ضروبا من مطاعنهم على التنزيل والكشف عن إبطالها # قالوا: ومما يدل على نقصان القرآن، وتغيير نظمه وزيادة الكلمة منه في # غير موضعها، والعدول بها عن مكانها الذي هو أولى بها، ودخول الخلل # والغلط على جامعيه - فإن ms375 الصحيح المرسوم على ما أنزل ورتب عند الإمام # وشيعته القائمين لله بالحق فيه والذابين عنه - وجودنا فيه الكلام الذي ~~ليس # له تمام ولا متناسب في اللفظ، ولا في المعنى، ووجودنا فيه كثيرا من # الكلام المنقطع المنبتر الذي لا يقتضي صلته بتمامه، وإيراد جواب له حتى # يكون تاما مفيدا، ووجودنا الاستثناءات منه وارد في غير مواضعها، ومبطلة # مناقضة لما قبلها، وما هي استثناء منه. # وعلمنا بأنه قد أحيل القول في كثير منه، ووصف الشيء فيه بغير صفته # ونسب إلى ما ليس منه في شيء، نحو قوله تعالى: (قوارير من فضة قدروها ~~تقديرا (16) . # والقوارير لا تكون من فضة أبدا، وقوله: (لنرسل عليهم حجارة من طين (33) . # والججارة لا تكون من طين، ووجدنا أيضا # PageV02P567 # المصحف الذي في أيديكم منطويا على وصف الهادي الباري تعالى بغير # صفته نحو قوله: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) . # موضوعة للشك وهو مستحيل في صفته. # وقوله: (وما تلك بيمينك يا موسى (17) . # وهذا لفظ استخبار واستفهام، وهو ممتنع على علام الغيوب. # وقوله: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) . # وذلك يقتضي أن خلق بعض الأشياء أصعب وأشق عليه من غيره الأهون # منه، وهو موجب لأن يكون ممن يناله الوصب والتعب، يتعالى عن ذلك. # ووجدنا فيه أخبارا متنافية متناقضة نحو قوله: (ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها) ، بعد إخباره في أول القصة # بأنه خلق الأرض قبل السماء. # وقوله في آية أخرى: (أم السماء بناها (27) رفع سمكها فسواها (28) وأغطش ~~ليلها وأخرج ضحاها (29) والأرض بعد ذلك دحاها (30) . # يريد بعد خلق السماء وبنائها، وذلك خلف وتناقض من القول. # ووجدناه أيضا منطويا على ما لا معنى له، وعلى كنايات عن قوم لا # وجه لترك ذكرهم وإظهار أسمائهم، نحو قوله: (ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ~~(28) . # وأمثال هذا مما سنذكر في كل فصل منه جملة مقنعة إن شاء الله. # قالوا: وقد علم أن هذا الاختلاف والتخليط واللحن والتناقض والتكرار # للقصة بعينها على وجه يقتضي العي واللكنة والإطالة بما ms376 لا معنى له، لا # يجوز أن يكون واردا من عند العليم الحكيم، فوجب أنه من تحريف جامعي # المصحف وغلطهم، أو إلباسهم وعنادهم، وإدغالهم (1) للدين وأهله # وإدخالهم فيه ما ليس منه. PageV02P568 # واعلموا - رحمكم الله - قبل الكلام عليهم أن هذه المطاعن بأسرها # مطاعن الملحدين في كتاب الله تعالى، وقد سبقوا إلى ذكرها والاحتجاج بها # وزادوا على قدر ما تذكره الرافضة من هذه الأبوإب، لأنها إنما تذكر قليلا # من كثير من كلام الملحدين في هذا الباب، ومن هذه الفصول التي أحتج بها # الملحدون ما تودعه الرافضه كتبها، وتحتج به على تخليط السلف في كتاب # الله، وتغييرهم له، وفيما تورده في نفس المناظرة والدعوة إلى ضلالتهم # على وجه التمويه على المستضعفين ممن يدعونه أو يناظرونه، وربما أجهدوا # أنفسهم عند قوله للعامة الغوغاء من أتباعهم: إن هذا المصحف مصحف # عثمان، وأنه مغير مبدل ومزيد فيه ومنقوص منه ومتواضع على تحريفه. # وقصد التخليط فيه في إيراد جميع شبه الملحدين ومطاعنهم على كتاب الله. # وإن كانوا عالمين بفساده ووجه المخرج منه، وجواز استعماله في اللغة # قصدا منهم إلى الإلباس وتشكيك من اشتركوه في صحة كتاب الله. # والاستعانة بما يوردونه عليه، ضمن شبه الملحدين على ما يحاولونه من # استجابة الناس إلى ذم السلف، ترك العمل على مصحف عثمان، وتعلق # قلوب سامع شبههم بالقرآن الصحيح الذي عند الإمام علمه، وليس على # أحد له أدنى فضل ومسكة ومطالبة شبهة فيما يتعلقون به. # ونحن نذكر في كل ما تعلقوا به جملة بينة على ما وراءها، ونفتح طريق # العلم بصحة ما طعنوا فيه وتوهمهم وعنادهم فيما صاروا إليه على سبيل # الإشارة به والتلويح، وإننا إن قصدنا لاستيفاء الكلام في جميع هذه الفصول # والأبواب، احتجنا أن نبسطه ونتقصاه في دسوس أوراق وخرجنا بذلك # PageV02P569 # عن غرض الكتاب، ونحن نرجو إغناء من نصح نفسه وهدي لرشده بقدر ما # نذكره واستقلاله به عن أمثاله، وما هو بمعناه وما توفيقنا إلا بالله وهو # المستعان. # قالوا: ومما يدل على تغيير القوم لكتاب الله تعالى ونقصانهم منه ما في ms377 # مصحف عثمان من قوله عز وجل: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون ~~آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) . # فذكر أمة واحدة ولم يذكر أخرى، وسواء. - تأتي للمعادلة بين شيئين، ~~يستويان ويتفاضلان، ومتى ذكر أحدهما ولم يذكر الأخرى كان الكلام ناقصا، ~~مبترا غير مفيد، قالوا: ومن هذه أيضا قوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~وأن الله تواب حكيم (10) . # وينبغي أن يقال: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لنالكم كذى وكذى أو # لأصابكم بكذى ونحوه، وإلا لم يكن الكلام تاما. # قالوا: وفيه أيضا قوله: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض ~~أو كلم به الموتى) ، ولم يقل لكان هذا القرآن أو مثل هذا القرآن ونحو # ذلك مما تتم به الفائدة، ومن هذا أيضا قوله، (أمن هو قانت آناء الليل ~~ساجدا وقائما) ، ولم يذكر ضد هذا، ولا بد من ذكره ضده وخلافه. # لأنك تقول أم من هو مصدق لك ومنقاد لأمرك كمن هو مخالف عليك # ومكذب لك، ومتى لم يذكر نقيض الموصوف الأول أخلت، وتبتر الكلام. # قالوا: فوجب أن يكون هذا أجمع وأمثاله يقتضي من ناحية وضع اللغة. # ومقتضى الخطاب أن يكون القرآن المرسوم في مصحف عثمان مغيرا ناقصا. # يقال لهم: لا يجب شيء مما ظننتم، لأن سائر ما تعلقتم به وادعيتم الإحالة # فيه معروف مستعمل في اللغة، وقد تكلم فيه أربابها. # وقالوا: إنه باب حذف الجواب المقدر في الكلام على وجه الاختصار والاقتصار ~~على شاهد الحال، # PageV02P570 # ومفهوم الخطاب، فأما قوله: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة) إلى # آخر الآية، والمراد وأمة أخرى ليست كذلك فحذف الجواب على وجه # الاختصار. # وأما قوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم) ، فإنما ~~المراد والله أعلم لعذبكم بذنوبكم أو أخذكم بها، ونحو ذلك الحذف أيضا على ~~الاختصار، وكذلك المقصد بقوله: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به ~~الأرض أو كلم به الموتى) ، لكان هذا القرآن أو مثل هذا القرآن ونحوه، فحذف ~~اقتصارا على العلم بالمراد به. # فأما ms378 قوله تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما) ، فالمراد به ~~والله # أعلم كمن هو بضد هذه الصفة وتارك لهذه القربة وهذا الاجتهاد، فحذف # اقتصارا على ما ذكره بعد ذلك من قوله: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون) ، وقد ورد مثل هذا في اللغة والشعر كثير من ذلك. # قال الشاعر: # عصيت إليها القلب إني لأمرها ... سميع فما أدري أرشد طلابها # أراد: فما أدري أرشد طلابها، أم غي، فحذف ذكر الغي. # وقال آخر: # فأقسم لو أنا يا رسول سواك ... ولكن لم نجد لك مدفعا # أراد به: رددناه أو حجبناه، فحذف ذكر الرد والحجاب. # وقال آخر: # أراك فلا أدري أهم هممته ... وذو الهم يوما خاشع متضائل # PageV02P571 # أراد أهم هممته أو شيء غيره فحذف ذكر غير الهم، وهذا كثير من أن # ومثل هذا ما يتعلقون به قوله عز وجل: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ~~والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ~~(1) . # ثم وصف المؤمنين ثم قال: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من ~~المؤمنين لكارهون (5) # ، ولم يذكر الشيء الذي شتهه بإخراج الله له من بيته بالحق، وكما أنه يدخل ~~في الكلام لتشبيه الشيء بغيره، وذلك أن الله تعالى شبه إخراجه من بيته مع ~~كراهة قوم من المؤمنين لذلك بتنفيله عليه السلام يوم بدر لسلب القاتل، ~~وجعله لمن أتى بأسير كذى وكذى، وإنما فعل ذلك لقلة المسلمين يومئذ وكراهة ~~كثير منهم القتال، وكره قوم منهم أن يكون لكل من قتل قتيلا سلبه، فقال الله ~~لهم: قل الأنفال لله والرسول، أي يضعها حيث شاء، (فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا الله ورسوله) ، أي فرقوها بينكم على ما أمر الله ثم قال: ~~((كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) ، أي أنهم كرهوا ذلك كما كرهوا إخراجك يوم ~~أخرجت من بيتك، فحذف وجعل # ما تقدم في أول السورة جوابا لهذا الكلام، واقتصر على دلالة الكلام عليه. # ومثل هذا قول الشاعر: # فلا تدفنوني إن دفني محرم ... عليكم ولكن خامري أم ms379 عامر # يقول: لا تدفنوني، ولكن دعوني للتي يقال لها إذا صيدت: خامري أم # عامر يقصد الضبع لتأكلني، فحذف ولكن دعوني، للعلم باقتضاء الخطاب # له. # PageV02P572 # قالوا: ومن هذا الباب أيضا قوله تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون) ، ~~ولم يأت بالشيء الذي جعل الجنة مثلا له، وهذا يتقضي فساد # الكلام وخلوه من فائدة، واستعماله على غير ما يجب وذلك ينفي أن يكون # من عند الحليم العليم. # يقال لهم: ليس الأمر في ذلك على ما قدمتم لأن المثل قد يكون معناه # النسبة الذي هو مماثلة الشيء لغيره، لأنك تقول: هذا الشيء مثل هذا # وأمثاله، كما تقول هذا شبه الشيء، وشبيهه وشبهه، وقد يكون بمعنى صفة # الشيء وصورته، وكذلك المثل والمثال يكون بمعنى الصفة والصورة # والخلقة، يدل على ذلك قولهم للمرأة الجميلة الرقيقة الرائعة كأنها تمثال # ومثال أي كأنها صورة، وكما يقال كأنها دمية، يعني الصورة، وهذه المرأة # مثل أي صورة، ومنه قولهم مثلت له كذى أي صورته، وأرني مثال الدار # ومثال زيد أي: صورة ذلك، وقولهم: مثل له الحظ أي صوره له ما يقتفي # فيه أثر الممثل، وهذا أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى إكثار وإذا كان ذلك # كذلك حمل قوله تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير ~~آسن) إلى آخر ما نعتها به على أنه أراد أن صورتها وصفتها أن فيها كذى وكذى. # ومن هذا أيضا قوله: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم) ، إلى آخر ما وصفهم وصورهم، لأنه لم يضرب لهم مثلا # في أول الكلام، فيرد بمثلهم عليهم، وروي أن عليا عليه السلام كان يقرأ: # "مثال الجنة التي وعد المتقون "، و"أمثال الجنه "، وهذا بمثابة مثل ~~الجنة. # فأما قوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من ~~دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له) . # فإنه إنما لم يأت بالمثل، لأن في الكلام معناه، وما يدل عليه وهو قوله: ~~(إن الذين تدعون من دون الله) # PageV02P573 # فكأنه قال إنما مثلكم أيها ms380 الناس في عبادة الأصنام # وغيرها مثل من عبد إلها لا يقدر على خلق ذبابة ولا يقدر على الاعتصام من # سلب ما يسلبهم الذباب في أن عابد من هذه صفته جاهل مقصر وقاصد # بالعبادة والتعظيم من لا يجوز له فحذف على وجه الاختصار والاحتذاء بما # يدل على ما في سياق الكلام، ومن الحذف والاختصار أيضا حذف جواب # القسم، ومنه قوله: (والنازعات غرقا) (إلى قوله) (فالمدبرات أمرا) ، ثم ~~قال (يوم ترجف الراجفة) ، ولم يذكر ما أقسم لأجله وإنما معناه والنازعات # وكذى وكذى لتبعثن، وكذلك قوله: (ق والقرآن المجيد (1) . # ثم قال (بل عجبوا) ولم يات بذكر ما أوقع القسم له، والتقدير والقرآن ~~لتبعثن، فقال الكافرون هذا شي عجيب، فحذف ذكر البعث لما في الكلام من ~~الدلالة عليه من جحد الكفار للبعث والنشور، ومن هذا أيضا قوله: (إلا كباسط ~~كفيه إلى الماء ليبلغ فاه) ، فأراد إلا كباسط كفيه إلى الماء # ليفيض عليه ليبلغ فاه، فاستطال وحذف لدلالة الكلام عليه. # قال الشاعر: # فإني وإتاكم وشوقا إليكم ... كقابض ماء لم تسقه أنامله # أراد كقابض ماء ليرفعه لم تسقه أنامله، فحذف واقتصر، وقد يقع الحذف # والاقتصار بالكناية عن غير مذكور تقدم، كما نكني عما تقدم له ذكر ~~الاقتصار على دلالة الحال والخطاب، وما خرج الكلام عليه، ومنه قوله تعالى: ~~(فأثرن به نقعا) ، يعني الوادي، وقوله: (إذا جلاها) ، يعني الدنيا، ولم ~~يتقدم لها ذكر وقوله: (حتى توارت بالحجاب) ، يعني # PageV02P574 # الشمس، ولم يجر ذكرها وقوله: (إن كادت لتبدي به) ، أي: بموسى، وإن لم ~~يذكره وقوله: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) ، يعني القرآن، ولم يتقدم ذكره ~~وقال: (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة) ، يعني الأرض، ~~وإن لم يتقدم لها ذكر، وهذا أجمع سائغ مستحسن في اللغة، ومعروف عند أهلها، ~~وليس لأحد أن يقول: إن هذا كلام ناقص مبتر غير مفيد، إذا كانت المقاصد به ~~معروفة والعادة باستعمال أمثاله جارية مألوفة. # قال المثقب العبدي: # فما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني # أألخير الذي أنا أبتغيه ms381 ... أم الشر الذي هو يبتغيني # فكنا بقوله أيهما عن الخير والشر لما ذكرهما بعد الكناية. # وقال آخر: # إذا نهي السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف # يعني تاليه إلى السفه. # ومنه قول حاتم: # أما وي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # PageV02P575 # يعني النفس، ولم يتقدم لها ذكر. # وقال لبيد: # حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها # يعني الشمس إذا أبتدأت في المغيب، والكافر المعط، والثغور الأودية # والشعاب، من كل موضع يخافه يسمى ثغرا. # وقد يحذف ويختصر بأن يوقع على شيئين وهو لأحدهما ولا يذكر فعل # الآخر، ويقام فعل أحدهما مقام ما ذكر معه على وجه الإيجاز والاختصار # ويضمر في الكلام ما كان يجب أن يذكر ويظهر، ومن هذا قوله تعالى: # (يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) بأكواب وأباريق وكأس من معين (18) لا ~~يصدعون عنها ولا ينزفون (19) وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون ~~(21) وحور عين (22) . # والفاكهة واللحم والحور لا يطاف بها، وإنما معنى ذلك أنهم يؤتون # مع ما يطاف به عليهم بلحم طير وفاكهة وحور عين، ومنه أيضا قوله تعالى: # (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) ، أي فادعوا شركاءكم. # قال الشاعر: # تراه كان الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه بان له وفر # وإنما عني تراه كان الله يجدع أنفه ويفقأ عينيه، فأجرى على العين فعل # الأنف على سبيل الحذف والاختصار. # PageV02P576 # وقال الشاعر: # ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا # والرمح لا يتقلد به، وأجرى عليه فعل السيف. # وقال آخر: # إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا # والعيون لا تزجج وإنما أراد زججن الحواجب وكحلن العيونا. # وقد يحذف أيضا المضاف ويقام المضاف إليه مقامه، ويجعل الفعل له. # ومنه قوله: (وأشربوا في قلوبهم العجل) ، أي حب العجل # و (الحج أشهر معلومات) ، أي: وقت الحج، وقوله: (لهدمت # صوامع) ، الصلو ات وبيوت الصلوات، وقوله: (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف ~~الممات) ، يريد ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، في أمثال لهذا يطول ذكر ~~جميعها، وليس لأحد أن يدعي # الفساد والإحالة والنقصان ms382 في شيء من هذا، وإن ظن ذلك الجاهل الذي # لا علم له بعادة الاستعمال، وطريقة أهل اللسان، ومن الحذف والاختصار # المعروف في كلامهم حذف لا في القسم، ومنه قوله: (يبين الله لكم أن تضلوا) ~~، أي: ألا تضلوا فحذف لا، وقوله: (كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم) ، أي ~~لا تحبط. # قال الشاعر: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # PageV02P577 # يريد: يمين الله لازمة لي لا أبرح قاعدا، فحذف على وجه الاختصار. # وهذا أكثر من أن يتتبع فمن ادعى الفساد والتخليط بمثل هذا فقد جهل # وأبعد. # قالوا: ومما يدل أيضا على نقصان القرآن وتغيير نظمه أننا وجدنا في # مصحف عثمان ما ليس بملائم ولا متناسب من الكلام، والله يجل عن إنزال # كلامه على هذا الوجه من الفساد والنقصان. # قالوا فمن هذا قوله تعالى: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ~~والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات ~~وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم) . # قالوا: فأي مناسبة بين جعله البيت الحرام قياما للناس وبين قوله: # (لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء ~~عليم) . # وهل كان أن لو لم يجعل البيت قياما للناس أن لا يعلموا أن الله بكل شيء # عليم، وإذا كان بكل شيء عليم جعل ذلك أو لم يجعله، فما معنى هذا # الكلام، وما معنى جعله البيت الحرام والشهر الحرام قياما للناس. # فيقال لهم: ليس الأمر في هذا على ما ظننتم، وذلك أن العرب كانت # في جاهليتها تشن الغارات، وتسفك الدماء الحرام، وتأخذ الأموال بغير # الحق وتخيف السبيل وتطلب الثأر فيقتل بالمقتول قاتله وغير قاتلة. # وبالواحد الجماعة ويقتل القاتل وجاره ومن في ذمامه فجعل الله الكعبة ~~البيت # الحرام وما حوله والشهر الحرام قواما للناس أي أمنا لهم، لأن الخائف # منهم كان إذا لجأ إلى البيت حقن دمه، وسلمت نفسه وزال خوفه، قال الله ~~تعالى: (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم) . # PageV02P578 # يعني ms383 بالقتل والإخافة والغارات وكانوا إذا دخل الشهر الحرام يكفون عن # الحرب والقتل وشن الغارات ويتبسطون في الأرض آمنين على أموالهم # وأنفسهم، فجعل الله البيت الحرام وما حوله والهدي والتقليد إليه من مصالح # خلقه، وعائدا بحفظ نفوسهم وأموالهم وحقن دمائهم، ولو تركهم على ما # كانوا عليه لتفانوا ولذهبت أموالهم وأنفسهم ولم يستقر بهم دار ولا قرار. # وعرفهم تعالى أنه جعل ذلك من مصالحهم، فقال تعالى: (ذلك لتعلموا أن الله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم) . # يقول كما أنني علمت أن جعل الكعبة الحرام والحرم قياما للناس وأمنا لهم، ~~فإن ذلك من مصالحهم، واعلموا أيضا أنني أعلم ما في السموات وما في # الأرض من مصالح أهلها ومرافقهم ووجوه دفع المضار عنهم، وأنني مع # ذلك بكل شيء عليم، فأي كلام أليق بكلام وأشبه به من هذا لولا الجهل # والتخليط. # قالوا: ومن هذا الباب أيضا قوله: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء) ، وهل يصيرون مقسطين في اليتامى بنكاحهم ~~النساء، وكيف يكون ذلك وهم عند نكاح النساء أعجز عن القسط والعدل في ~~اليتامى، وأي تناسب بين هذا الكلام؟ # فيقال لهم: ليس الأمر في هذا أيضا على ما قدرتم، وذلك أن الله شبه # خوفنا بالعجز عن العدل والقسط في اليتامى، بعجزنا عن العدل بين أكثر من # أربع نسوة، لو أطلق لنا نكاح أكثر من أربعة، فقال كما تخافون أن لا ~~تعدلوا بين اليتامى إذا كفلتموهم، فخافوا أيضا أن لا تعدلوا بين النساء إذا # نكحتموهن وأكثرتم منهن، فانكحوا إذا كنتم تخافون ذلك اثنتين وثلاثا # وأربعا، ولا تتجاوزوا ذلك، لا تقصروا وتعجزوا عن العدل بينهن، ثم قال # PageV02P579 # وإن خفتم أيضا أن لا تعدلوا بن الاثنتين والثلاث والأربع فانكحوا واحدة. # واقتصروا معها على ما ملكت أيمانكم من الإماء، ذلك أدنى أن لا تعولوا. # أي لا تميلوا وتجاوزوا. # وقد روي هذا الذي قلناه بعينه عن ابن عباس، فإنه قال: "قصر الرجال # على أربع من أجل اليتامى فيقول لما ms384 كان النساء مكفولات بمنزلة اليتامى. # وكان العدل على اليتامى صعب شديا على كافلهم قصر الرجال على ما بين # الواحدة إلى الأربع من النساء، ولم يطلق لهم ما فوق ذلك لأن لا يميلوا". # وإذا كان ذلك كذلك بطل توهمهم وزال تعجبهم. # وقد قيل: إن تأويل هذه الآية أنه قد كان مباحا لهم في صدر الإسلام أن # ينكحوا ربائبهم اللاتي في حجورهم من نسائهم اللاتي دخلوا بهن، وأن # منهم من كان يخاف أن لا يعدل بين الربيبة وبين غيرها ممن ليست بربيبته. # لكونه واليا على الربيبة ومربيا لها ومستوليا على أمرها فقال لما علم ذلك ~~من # حالهم: (وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى) إذا أنتم نكحتموهن وتزوجتم # بهن فيما يتعلق بحقوق الزوجية والعدل بينهن وبين غيرهن، فانكحوا غيرهن # من النساء اللاتي ليس في حجوركم ولا لكم عليهن ولاية لتحسم أطماعكم # في تحيفهن، وهذا تأويل صحيح. # وقيل أيضا: إن تأويل الآية ألكم إن خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى # الأطفال إذا تزوجتم بهن وكن ذوات أموال تخافون أخذها وأكلها بالباطل # وعجز الأطفال عن منعكم منها وصدكم عنها، واستيفاء ما تتلونه منها. # فانكحوا ما طاب لكم النساء البذل القادرات على تدبير أموالهن، ومنعكم # من تخطفها، لأنكم تكونون عند ذلك أبعد في أكل أموالهن بالباطل. # والاعتداء عليهن، وهذا أيضا قريب ليس ببعيد. # PageV02P580 # ويمكن أيضا أن يكون التأويل في ذلك أنكم إذا خفتم الإثم والنار بأن # لا تعدلوا بين اليتامى فخافوا مثل ذلك في ترك العدل بين النساء، وانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء، يعني به من أحل لكم منهن وهم اثنتين أو ثلاث أو # رباع، ولا تنكحوا أكثر من ذلك فتتركوا العدل بينهن إذا كثروا فتتورطوا # لذلك في الإثم والنار، فكأنه قال: إن خفتم النار بترك العدل بين اليتامى # فخافوا ذلك في ترك العدل بين النساء وانكحوا قدر ما أحللته لكم مما أعلم # أنكم تستطيعون العدل بينهن، ولا تتجاوزوا ذلك، ولو قال مكان هذا فإن # خفتم أن لا تعدلوا بين اليتامى فاعدلوا في الحكم ms385 وأوفوا الكيل وقوموا # بالفرائض لتتبرؤا من الإثم، لكان ذلك صحيحا جائزا كما يقول القائل: إن # خفت السلطان في منع الحرام فلا تقذف المحصنات، ولا تشتم الناس، يريد # بذلك فإن الضرر عليك في مثل هذا، ما خفت منه أو أكثر، وقد يمكن أيضا # أن يكون أراد بالآية أنكم إن خفتم إذا تزوجتم بالأيتام أو الأطفال اللاتي ~~لا # ولي لهن وطالبنكم بحقوق الزوجية وإقامة العدل بينهن، فانكحوا البالغات # البذل اللاتي يقدرن على أخذكم بالعدل بينهن، وتكونون عند نكاحهن أبعد # من الظلم لهن. # قالوا: ومن ذلك أيضا قوله: (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ~~ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (31) . # قالوا: فما معنى تخصيصه للصبار الشكور دون غيره، وفيما ذكره آيات لكل ~~مكلف ممن صبر وشكر وممن ليست هذه صفته. # فيقال لهم: ليس فيما ذكرتموه من هذا متعلق وذلك أن الله كنى وهو # أعلم بذكر الصبار الشكور عن المؤمن لأجل أن أفضل صفات المؤمن الصبر # المقترن بالشكر، فكأنه قال: إن في ذلك لآيات لكل مؤمن، وقد قال في # PageV02P581 # موضع آخر: (إن في ذلك لآية للمؤمنين) فلا تعلق فيما وصفتم، وإنما يخص ~~المؤمنين المتفكرين والمعتبرين بالذكر في ذلك، وتضاف الآيات إليهم دون ~~الكافرين، ومن أهمل نفسه وصدق وعاند وتنكر الحق لأجل أنهم هم المنتفعون ~~بالنظر في هذه الآيات، والمستدلون بها # والمعتبرون بعجيب صنعها ولطيف ما فيها، وكذلك قوله: (إن في ذلك لذكرى لمن ~~كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37) . # يعني من كان له علم، وإن كان لو نظر في ذلك من لا علم له لعلم بصحيح ~~النظر ما علمه المؤمنون، واتعظ وانزجر بذلك، فذلك ما ظنوه. # قالوا: ومن هذا الباب أيضا قوله تعالى: (كمثل غيث أعجب الكفار نباته) ، ~~وكيف يعجب النبات الكفار دون المؤمنين الأبرار. # وهذا إذا طلع واخضر وأينع، أعجب المؤمنين والكافرين. # فيقال لهم: لم يرد الله تعالى بذكر الكفار ها هنا الكفار بالله تعالى # وبالأديان، وإنما عنى وهو أعلم بالزراع الكفار، لأن مغطي ms386 الزرع إذا بذره # في الأرض وستره كافر، ومنه قيل للمتسلح المعتد: متكفر بسلاحه، أي: # متغطي به، من قول الشاعر: # في ليلة كفر النجوم غمامها. # يريد غطى الغمام النجوم وسترها وإنما قال يعجب الزراع نباته. # وخصهم بذلك لأنهم هم المبلون به والمترقبون لما تخرجه الأرض # والمنتفعون به قبل غيرهم، فأضاف ذلك إليهم. # قالوا: ومن ذلك أيضا قوله تعالى: (قوارير من فضة قدروها تقديرا (16) . # وقد علم أن القوارير لا تكون من فضة، وفي هذا الكلام إحالة وفساد # PageV02P582 # ونقصان ما لا يتم الفائدة، وينتظم الكلام ومعناه الآية، فوجب أن يكون ما # هذه صفته فليس من عند الله. # يقال لهم: ليس الأمر في هذا على ما قدرتم، لأن الله تعالى أراد أن # تلك الأكواب التي هي كيزان لا عرى لها في بياض الفضة وصفء القوارير # على مذهب النسبة، فكأنه قال: هي أكواب قوارير كأنها الفضة من بياضها # فحذف كأنها أو مثل الفضة، أو تشبه الفضة لحصول العلم بذلك وعلم أهل # اللسان به، وهذا شبيه بقوله: (كأنهن بيض مكنون) ، و (كأنهن الياقوت ~~والمرجان) ، ولو قال: إنهن ياقوت ومرجان وبيض مكنون وحذفت كأنهن، وهو يعني ~~بذلك لكان صحيحا سائغا على طريقة # أهل اللسان، ولهذا استجازوا أن يقولوا: فلان درة لا قيمة لها وجوهرة # نفيسة، وهذه الجارية لؤلؤة وياقوتة، وهذا شراب من نار ومن نور، يريدون # بذلك أنه يشبه الجوهرة والياقوتة، وأن الشراب يشبه النور والنار، وإذا ~~كان ذلك كذلك سقط ما تعلقوا به هم وإخوانهم من الملحدين. # قالوا ومن هذا أيضا قوله: (لنرسل عليهم حجارة من طين) . # وقد علم أن الحجارة خلاف الطين، فعلم بذلك فساد هذا الكلام. # وأن الله لم ينزله كذلك. # يقال لهم: هذا غلط لأن عبد الله بن عباس ذكر الذي أرسل عليهم آجر. # والآجر حجارة من طين لأن أصله الطين، وسماه حجارة لأنه كان في صلابة # الحجارة وشدتها، وذلك صحيح غير بعيد، بأن يكون الله تعالى أمر الملائكة # أن ترميهم بالآجر، وأن يكون هو تعالى رماهم بها، فخلق حركات الآجر # PageV02P583 # واعتماداته على ms387 رؤوسهم، وقد ذكر في السيرة أن ولد نوح عليه السلام # تفرقوا في الأرض، وكانت الأرض لسانا واحدا، فلما ارتحلوا من المشرق # وجدوا بقعة في الأرض سبعة سبخة فنزلوا ثم جعل الرجل يقول للرجل: # هلم فلنلين لبنا فنحرقه فيكون اللبن حجارة ونبني مجدلا رأسه في السماء. # وذكر بعض من رأى هذه الحجارة أنها حمن مختمة، وقال آخرون: بل هي # مخططة وذلك تسويمها، وهذا يزيل توهمهم ويبطل شبههم. # قالوا: ومما يدل على تغيير القوم لنظم القرآن وترتيبه على غير ما أنزل # ووضعهم لأشياء منه في غير حقها ومواضعها وجود الاستثناءات منه # واردة في غير مواضعها وموجبة للنقص وفساد المعنى والمقصود قالوا: # فمن ذلك قوله: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) . # قالوا: وقد ثبت أن أهل الجنة وغيرهم أيضا من الأحياء لا يصح أن # يذوق الموتة الأولى التي ماتوا بها في الدنيا، لأن الموت الذي كان في ~~الدنيا # مضى وانقضى، ولا يجوز أن يعاد ويخلق مرة أخرى، فيذوقه أهل الجنة ولا # غيرهم. # قالوا: على أنه قد أخبر في غير موضح، أن أهل الجنة لا يموتون أبدا. # ولا يألمون ولا ينقطع ويزول ما هم فيه من العيش السليم والنعيم المقيم. # ومن هذه حاله لا يذوق الموت جملة، لا الموتة الأولى التي كانت في الدنيا # ولا في غيرها، ووجب أن يكون قوله إلا الموتة الأولى استثناء يفسد من # وجهين: # PageV02P584 # أحدهما: أن الموتة الأولى لا تصح أن تعاد فيذوقها أحد، والآخر: أن # أهل الجنة لا يذوقون الموت أبدا، لا الموتة الأولى ولا غيرها. # قالوا فهذا يدل على أن هذا الاستثنى ليس من كلام الله، أو هو من # كلامه غير أنه وارد في غير هذا الموضع، أو على غير هذا الوجه، أو كان # معه كلام من حكاية عن مبطل، أو قول لقائل، أو مقدم أو مؤخر يخرجه عن ~~الفساد والاستحالة. # فيقال لهم: لا يجب شيء مما قلتم، لأجل أن إلا ها هنا بمعنى سوى. # وسوى هو بمعنى غير، فكأنه قال تعالى "لا يذقون الموت غير الموت ms388 الذي # كانوا ذاقوه في الدنيا، وقوله فيها ليس معناه أنهم يذوقون في غيرها ~~الموت. # ولكن لما ذكر الجنة ووصفها، بأنها دار مقامهم وقرارهم وأنه لا دار لهم # سواها، قال: لا يذوقون فيها الموت، ومثل هذا قوله: (ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) ، يعني سوى ما قد # سلف في الجاهلية، وقد يقول القائل: ما ينالك في هذا الأمر ضرر ولا حزن # إلا ما نالك وسوى ما نالك، لا يريد بذلك أنك ينالك ما قد نالك وانقضى # ومضى، وإنما يعني بذلك أنه لا ينالك شيء غير الذي قد نالك من قبل وهذا # أبين من أن يحتاج إلى إكثار. # وأما قولهم: إن أهل الجنة لو جاز أن يموتوا لم يصح أن يذوقوا الموتة # الأولى التي كانت في الدنيا، لأنها لا تصح أن تخلق وتعاد مرة أخرى، فإنه # باطل، لأن الموت المنقضي وجميع الأعراض الفانية يصح أن تخلق وتعاد # بعد فنائها، وأن يقدم خلقها ويؤخر أيضا، وإن استحال بقاؤها واستمرار # الوجود بها وقتين فصاعدا، وقد بينا ذلك ودللنا على صحته # PageV02P585 # في كتاب "شرح اللمع لأبي الحسن الأشعري " بما تغني الناظر فيه، وإذا كان ~~ذلك كذلك سقط ما قالوه. # قالوا: ومن هذه أيضا قوله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ~~إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) . # قالوا: وقد علم أن قوله غير مجذوذ يقتضي أن يكون دائما غير مقطوع، وقوله: ~~(إلا ما شاء ربك) يقتضي أنهم يمكثون في الجنة دهرا ثم لا يكونون فيها ~~لقوله: (إلا ما شاء ربك) ، لأنه يقتضي إلا ما شاء الله من إخراجهم، وهذا ~~تناقض واستثناء في غير موضعه. # يقال لهم: لا يجب ما قلتم لأن العرب تعبر عن معنى الأبد والتأبيد # بألفاظ كثيرة، يقصدون بها الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده، فمن ذلك # قولهم: لا أفعل ذلك ما تكرر العصران وما اختلف الجديدان، وما اختلف # الليل والنهار، وما طلعت الشمس، وما غربت، وما ظمأ البحر، وما أقام # أحد، وما در لله شارق، وأمثال هذه ms389 الألفاظ قال امرؤ القيس: # وإني مقيم ما أقام عسيب # يعني جبلا قائما، استجازوا جعل هذه الألفاظ مكان ذكر الأبد لاعتقادهم # أن العصرين يتكرران أبدا سرمدا، وأن الليل والنهار يختلفان ويتجددان أبدا # PageV02P586 # دائما، وأن البحر لا يزال ظاميا مرتفعا، وأن الجبل والسموات والأرض لا # تزولان ولا يتغيران أبدا، فقالوا كذلك: لا أكلمك ما اختلف الجديدان وما # ظمأ البحر، وهم لا يعنون بذلك مدة من الزمان منقطعة متناهية، وإنما # يعنون الأبد الذي لا انقطاع له ولا تأخير، فخاطب الله العرب بما تعهده في # كلامها وتعرفه في عرفها فقال تعالى: (خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض) ، يعني أنهم خالدون فيها أبدا سرمدا فعبر عن هذا بدوام السموات ~~والأرض لاعتقادهم في أصل اللغة أنهما غير منقطعين ولا مبتعدين. # فهذا الكلام جواب من قال: كيف قال خالدين فيها ما دامت السموات # والأرض، وقدر دوام السموات والأرض منقطع متناهي، وهو قد أخبر أن # خلودهم ودوامهم غير مجذوذ ولا مقطوع، وإن وجب اعتقاد انقطاع دوام # السموات والأرض من جهة السمع، قال الله تعالى: (يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات) ، وقال: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب) ، فأخبر عن تغييرها ~~وتبديلها. # وأما قوله تعالى: (إلا ما شاء ربك) ، فإن معناه سوى ما شاء ربك، ومعنى # ذلك أن الله تعالى لما علم أن مكث السموات والأرض منقطع متناهي. # قال: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) ، أي سوى ما ~~شاء # PageV02P587 # ربك من إدامة خلودهم بعد فناء السموات والأرض وتبديلهما الذي علمه. # وإن كنتم أنتم لا تعرفون ذلك في وضع لغتكم وتعارفكم، لأنه لو لم يقل: # إلا ما شاء الله أن تكون مدة مقامهم في الجنة مدة مقام السموات والأرض # إلى حين فنائها وتبديلها، هذا وجا صحيح، وقد يقول القائل: لأسكنن في # هذه الدار حولا أو شهرا إلا ما شئت، وقد يصح أن يريد بقوله: إلا ما شئت ~~أن أزيد على ذلك، وقد يصح أن يعني إلا ما شئت أن أنقص منه فإذا علمنا بوجه ~~قاطع أنه ms390 لا ينقص من سكنى سنة حمل قوله: إلا ما شئت على الزيادة على ذلك ~~دون النقصان، وكذلك إذا قال بعد قوله: (إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) ، ~~يعني غير مقطوع حمل على أنه أراد سوى ما شاء من الزيادة على قدر دوام ~~السموات والأرض، إذ كان قدر دوامها منقطعا متناهيا. # ويحتمل أيضا أن يكون تعالى أراد بقوله: (إلا ما شاء ربك) ، مع دوام # السموات والأرض من كونهم في الدنيا ومن كونهم بأرض المحشر، لأنهم # في الدنيا وفي الموقف للحساب لا في الجنة ولا في النار، فكأنه قال: وهم # أبدا في الجنة وعبر عن ذلك بدوام السموات والأرض إلا قدر ما نقص من # ذلك من مدة مقامهم في الدنيا، وفي المحشر وهذا أيضا وجه صحيح. # ويحتمل أيضا أن يكون تأويل قوله: (إلا ما شاء ربك) من كون المؤمنين # من أهل الإجرام في النار، فقال خالدين فيها يعني المؤمنين إلا ما شاء ربك # من مدة كونهم معاتبين في النار على إجرامهم إلى حين تدركهم رحمة الله # لهم وشفاعة نبيه فيهم، وإذا كان ذلك كذلك زال توهمهم للمحال بهذا # الاستثناء وسقط تعجبهم. # PageV02P588 # قالوا: ومما يدل أيضا على تغيير القرآن وتلاوة القوم له ورسمه على # خلاف ما أنزل الله تعالى، وجودنا فيه خطابا للحاضر بما هو مبين للغائب. # وليس يحسن أن يقول القائل اختبرتك فوجدته ثقة مناصحا، ورأيتك أمس # صحيحا مناظرا فاستعقلته واسترجحته، لأن ذلك أجمع خطاب للحاضر بما # هو موضوع للغائب، وقد وجدنا مثل هذا في مصحف عثمان فمن ذلك قوله: (حتى ~~إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة) ، فبدأ بخطاب الحاضر # فيه بقوله: "كنتم " ثم جاء بخطاب الغائب بقوله: "وجرين بهم "، ومنه أيضا # قوله: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان) ، وذلك خطاب الحاضر، ثم قال: (أولئك هم الراشدون) ، وهو ~~خطالب للغانب، ومنه أيضا قوله تعالى: (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله ~~فأولئك هم المضعفون (39) . # وهم للغائب وقوله: آتيتم وتريدون للحاضر، وهذا تخليط ms391 لا يجوز وروده من ~~عند الحكيم العليم. # فيقال لهم: هذا توهم منكم، لأن أهل اللغة قد أطبقوا على أنه قد # يحسن أن يصل الخطاب الحاضر ما يصلح للغائب في مواضع قد عرفت # وجرت بها عادتهم، ولذلك قد يرد خطاب الغائب أيضا على وجه ما # يستعمل خطاب الحاضر، ويجب أن يسوغ ذلك ويستحسنه حيث استحسنوه. # قال الشاعر: # يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت ومر عليها سالف الأبد # يريد: قويت يا دار، ومر عليك سالف الأبد. # PageV02P589 # وقال آخر: # يا ويح نفسي كان جلدة خلة ... وبياض وجهك للتراب الأعفر # فبدأ بخطاب الغائب ثم وصله بما يصلح للحاضر، وإن لم يجب أن # يقاس على ذلك سائر ما ذكروه، وكذلك يحسن من الله تعالى استعمال مثل # هذا، وإن لم يستحسن ذلك في كل موضع، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما # تعلقوا به. # فأما قوله تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى (17) . # وقوله: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) . # وقوله: (ماذا أجبتم المرسلين) ، (من يكلؤكم بالليل والنهار) . # فإنه وارد على طريق التقرير والتقريع للقوم، والاحتجاج على # من ادعى على عيسى وأمه ما ادعت النصارى، وربما ورد من هذا الباب لفظ ~~الاستفهام والمراد به التعجب نحو قوله: (عم يتساءلون (1) عن النبإ العظيم ~~(2) . # كأنه قال: عم يتساءلون يا محمد؟! قال: عن النبأ العظيم يتساءلون. # وكذلك قوله: (لأي يوم أجلت) ، جاء على وجه التعجب. # ثم قال: (ليوم الفصل (أجلت) ، وما ورد منه على وجه التوبيخ نحو # قوله تعالى: (أتأتون الذكران من العالمين) ، ومذهب العرب في # هذا معروف إذا قال قائلهم: تعرفني، أتدري من أنا، على مذهب التهديد. # فلا تعلق لأحد منهم في هذا الباب. # PageV02P590 # ومما خلطوا به ما ليس منه قوله تعالى: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ~~(147) . # وأو موضوع للشك وهو مستحيل على الله، وهذا باطل وقد قيل فيه ثلاثة أشياء، ~~فقيل إن أو هاهنا بمعنى الواو فكأنه قال: إلى مائة ألف ويزيدون، وأنشدوا في ~~ذلك قول الشاعر: # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... بزينتها ms392 أو أنت في العين أملح # يريد: وأنت في العين أملح. # وقول الآخر: # نال الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر # يريد وكانت له قدرا. # وقال قائلون: إن أو هاهنا بمعنى بل يزيدون، وقالوا: أراد الشاعر بأو: # بل كانت له قدرا، وبل أنت في العين أملح، قالوا: وقد تجيء الواو بمعنى # أو، قال الله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) . # يريد مثنى أو ثلاث أو رباع، وقال قائلون: أراد بقوله: أو يزيدون عندكم # وفي تقديركم، فكأنه قال: أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون في حزركم # وحدسكم، وهذا أيضا وجه حسن، فبطل ما توهموه. # PageV02P591 # ومن تخاليطهم في المصحف الذي لا يليق بالله سبحانه قوله: (وهو الذي يبدأ ~~الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) . # قالوا: وذلك يؤذن بأن فعل بعض الأمور أشق عليه من بعض. # قال الملحدون: وهذا ما يأباه القوم في صفة صانعهم، قالوا ومن هذا # قوله تعالى: (الله يستهزئ بهم) ، وقوله: (ويمكرون ويمكر الله والله خير ~~الماكرين) ، واللعب والاحتيال ممتنع عليه، وهذا باطل، وقد قال الناس في هذا ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أراد وهو أهون عليه عندكم وفي تقديركم إذا كان ابتداء # الشيء لا على مثال ونظير تقدم أصعب عندكم من إعادته على مثال سلف. # فضرب لهم المثل بما عندهم، ثم قال عقيب ذلك: (وله المثل الأعلى) ، أي ~~أنني أجل عن أن تكون هذه صفتي، وهذا ضد قوله: أو يزيدون يزيد عندكم وفي ~~تقديركم. # وقال آخرون: أراد بقوله: "وهو أهون عليه " على الخلق، والهاء في # عليه مردودة عليهم، وإنما صار ذلك كذلك لأنه يقول لهم سبحانه: كونوا # أحياء ناطقين مميزين وإذا هم بشر منتشرون، وذلك أسهل عليهم من كونهم # نطفة ثم علقة ثم مضعة ثم طفلا، ومن التنقل من أصلاب الرجال إلى أرحام # النساء ومن الطفولية إلى الكبر والهرم حالا بعد حال فكذلك صارت الإعادة # أهون عليهم من الابتداء، فيمكن أن يكون أراد بقوله: "وهو أهون عليه " في ~~أنه هين عليه، فيكون أهون ms393 بمعنى هين، لأن ذلك مستعمل في اللغة وهو # المراد بقولهم الله أكبر إنما معناه الكبير ولم يرد إضافته إلى شيء هو ~~أكبر منه # والمبالغة في تعظيمه عليه. # PageV02P592 # قال الفرزدق يهجو جريرا: # إن الذي رفع السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول # يريد أنه عزيز طويل ولم يرد وصف بيت جرير بأنه عزيز، وأن بيته أعز # وأطول منه. # وقال آخر: # لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أننا نغدوا المنية أول # يريد أني وجل فجعل أوجل بمعنى وجل، لأن أفعل تستعمل بمعنى # فعل، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما تعلقوا به بطلانا بينا. # وأما قوله تعالى: (سنفرغ لكم أيه الثقلان) ، فلم يرد الفراغ # من الشغل، يتعالى عن ذلك، وإنما أراد أننا نقصد لحسابكم وجزائكم. # والعرب تقول: سأفرغ لكلامك وسأفرغ لمسائلتك ومواقفتك يعني بذلك # القصد إلى هذا دون الفراغ من شغل قاطع، فلا تعلق لهم في هذا الباب. # وأما قوله تعالى: (ويمكرون ويمكر الله) ، وقوله: (الله يستهزئ بهم) . # وأن المراد به والله أعلم يجازيهم على مكرهم واستهزائهم، وقد نسمي # الجزاء على الشيء باسمه لما بينهما من التعلق، وقد ذكر هذا في إثبات # المجاز، وذكروا منه قوله: (فما أصبرهم على النار) . # وقوله: (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ، وقوله: (وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها) . # وقال الشاعر: # ألا لايجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # PageV02P593 # يريد فنكافئه على جهله، وقد قيل الجزاء على الشيء إنما يسمى باسمه # لمقاربته له وتعلقه به وطول الاصطحاب، كما قالوا: القمران والعمران # والأسودان، وهلاك أمتي في الأحمرين وأمثال ذلك. # قال الشاعر: # أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع # يعني الشمس والقمر. # وقال آخر: # فقولوا لأهل المكتين تحاشدوا ... وسيروا إلى آطام يثرب والنخل # يعني مكة والمدينة، وكذلك لما كان الجزاء مقرونا بالعمل، وكان على # كل جرم عقوبة سموا الجزاء على الفعل باسمه للاصطحاب، وإذا كان ذلك # كذلك بطل ما توهموه من أن الله تعالى وصف نفسه باللعب، والهزل # والمكر الذي هو تطلب المكائد والحيل. # فأما تعلقهم بأن الله لا يصف رسله ms394 بما لا يجوز عليهم، وقد وجدنا في # المصحف أن إبراهيم قال لما جن عليه الليل ورأى كوكبا قال: هذا ربي # إلى آخر القصة، فقد قيل في هذا إنه كان أول حال بلوغه وطلب ما كلفه - صلى ~~الله عليه وسلم - من معرفته ربه تعالى، ولم يعرف كفرا ولا شركا قبل ذلك، ~~ولا في حال نظره. # وقيل أيضا: إنه خرج على مذهب العلم لقومه والبينة لهم على وجه # الاستدلال على حدث هذه الأفلاك. # PageV02P594 # وقيل أيضا: إنه خرج على مذهب التقرير والاستفهام وأن ألف الاستفهام # أسقط على مذهب الإيجاز والاختصار، فكأنه قال على طريق التعجب # والتوبيخ لقومه أهذا ربي فحذف ألف الاستفهام وأنشدوا في ذلك قول # الشاعر: # كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا. # يريد أكذبتك عينك، فحذف الألف اقتصارا على ما في الكلام من دلالة # استفهام، وهو قوله أم رأيت بواسط لأن أم من حروف الاستفهام. # ويقول الآخر: # ثم قالوا تحبها قلت بهرا ... عدد القطر والحصى والتراب # يريد قالوا أتحبها. # وأنشدوا أيضا قول امرىء القيس: # أصاح ترى ومضا أريك وميضه # أراد صاح أترى، فحذف الألف على وجه الاختصار، وإذا كان ذلك # كذلك، سقط ما ظنوه. # PageV02P595 # قالوا: ومما يدل أيضا على وقوع التخليط والتناقض والتناقض الذي لا # يجوز على الله سبحانه في القرآن، ما نجده فيه من الكلام المتناقض، نحو # قوله تعالى: (هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) . # وقوله: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان (39)) . # مع قوله: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. # و (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) . # وقوله: (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) . # وقال: (لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد) . # وقوله: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله) . # وقوله: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) . # وقوله بعد ذلك: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك) . # وكيف يكون في شك وصفته ما قدم، ومنه أيضا قوله: (ليس لهم طعام إلا من ~~ضريع) . # وقوله في موضع آخر: (فليس ms395 له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من ~~غسلين (36) . # والغسلين غير الضريع، وهذا - زعموا - تناقض على أن الضريع نبت والنار لا ~~نبات فيها، وكذلك قوله: (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه ~~رءوس الشياطين (65) . # قالوا ولا معنى لهذا التشبيه الذي لا يعرفونه، ولأنه لا يجوز أن يكون في ~~النار شجرا ونبتا، لأن النار تحرق الشجر والنبات. # قالوا: ومنه أيضا قو له: (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) . # وقوله على إثر ذلك: (وما لهم ألا يعذبهم الله) وهذا تناقض بين. # قالوا: ومنه قوله: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) # على وجه نفي الاختلاف عنه وفيه. وقد وجد من الاختلاف في # PageV02P596 # القرآن المكي والمدني والناسخ والمنسوخ، والاختلاف في أحكامه التي ضمته # العقلية والسمعية شيء كثير لا خفاء به، وذلك تناقض بين وخلل في القول. # ومنه أيضا أنه أخبر أنه خلق الأرض قبل السماء، ثم أخبر أنه خلق # الأرض بعد السماء، حيث قال: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) ~~إلى قوله (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين (11) . # ثم قال في موضع آخر: (أم السماء بناها (27) رفع سمكها فسواها (28) وأغطش ~~ليلها وأخرج ضحاها (29) والأرض بعد ذلك دحاها (30) . # وهذا أيضا - زعموا - تناقض ظاهر، ومنه أنه أخبر في غير موضع # أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ئم فضلها لهم في ثمانية فقال: # (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب ~~العالمين (9) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في ~~أربعة أيام سواء للسائلين (10) ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11) فقضاهن سبع سماوات في ~~يومين وأوحى في كل سماء أمرها) . # واليومين مع الستة التي خلقت الأرض وأقواتها فيها ثمانية، فأجمل ذلك في ~~ستة وفصلها في ثمانية، وهذا - زعموا - تناقض بين. # قالوا: ومن ذلك أيضا قوله: (تبيانا لكل شيء) ، و (ما فرطنا في ms396 الكتاب من ~~شيء) . مع قوله: (وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ~~منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به) . # والواو ها هنا واو استئناف لا واو عطف، وقوله: (كهيعص، وحم، عسق، والم) ~~وغير ذلك من الحروف المذكورة في أوائل السور التي لا يعرف معناها # وقوله: (وفاكهة وأبا) ، ما يعرف معناه وغير ذلك مما لا يعرف الخلق له ~~معنى، وهذا - زعموا - نقض قوله: (تبيانا لكل شيء) . # PageV02P597 # فيقال لهم: ليس فيما أوردتموه شبهة يسوغ التعلق بها. # فأما قوله: (هذا يوم لا ينطقون) . # فإن ذلك اليوم أوقات وتارات وهو في طوله بجنب ما وصف الله سبحانه في ~~قوله: (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) . و (ألف سنة مما تعدون) . # (هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) 36) . # (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) . # عند قيامهم من قبورهم وحشرهم وتبديل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا ~~لله الواحد القهار فلا يزالون كذلك إلى حين العرض والمسائلة، ثم يؤذن لهم ~~في النطق، فإذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار لم يوذن لهم ~~في الاعتذار ولا في الخصام، وقيل لهم: (لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم ~~بالوعيد) . # وذلك لا ينفي تخاصمهم في النار وتلاومهم وما ذكره الله من ندمهم في قوله: ~~(نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل) . # إلى أمثال ذلك، وهذا ينفي التناقض الذي ظنوه. # فأما قوله تعالى: (ليس لهم طعام إلا من ضريع) ، مع قوله: (فليس له اليوم ~~هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) . # فإنه غير متنافي ولا متناقض، وذلك أن عذاب أهل النار دركات وطبقات وأهلها ~~فيها على قدر ذنوبهم في الكثرة والقلة. # وكذلك قصة أهل البوار، وفريق منهم طعامه الضريع، وفريق منهم طعامه # الغسلين، وفريق آخر طعامه الزقوم، كما أخبر الله في موضع آخر، وقوم # منهم شرابهم الحميم، وقوم منهم شرابهم الصديد، فالذي ليس له طعام إلا # من غسلين غير الذي لا يطعم إلا الضريع، وشارب الصديد فيها ms397 غير # شارب الحميم، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهموه، والضريع نبت يكون # PageV02P598 # بالحجاز يقال لرطبه الشبرق وهو مما لا يشبع ولا يسمن ولا يغني شيئا. # والعرب تعرفه وتصفه بذلك. # قال الهذلي يصف سوء رعي الإبل: # وحبسن في هزم الضريع فكلها ... حدباء دامية اليدين حرود # والحروج التي لا تلد، فضرب الله لهم بذكر الضريع مثلا، فكأنه قال: # إن أهل النار يقتاتون ما لا يغنيهم ولا يشبعهم، فهم في ذلك كآكل الضريع # الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، والغسلين هو من فعلين، من غسلت فهو # غسالة أهل النار، وقال قوم هو ما يسيل من أجسام المعذبين. # فأما قوله: (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم) ، (ليس لهم طعام إلا من ضريع) ~~، وقولهم: كيف يكون في النار نبت وشجر، فإنه لا تعلق لهم فيه، إن كان كنى ~~بذلك الضريع وشجرة الزقوم عن جوعهم. # وأنهم لا يشبعون وعن شيء مشبه لشجرة تشبه رؤوس الشياطين في قبح # منظرها، فليس هناك نبت ولا شجر، وإنما ذلك أمثال وتشبيه، وإذا كان # أراد تعالى تحقيق نبت وشجر يخرج من النار، فإن ذلك غير مستحيل. # وأما قولهم إنه لا معنى لتمثيل طلع الشجرة برؤوس الشياطين من وجهين: # أحدهما: أن الشجرة لا طلع لها وإنما يكون الطلع دون الشجر. # والوجه الآخر: أننا لا نعرف رؤوس الشياطين، وليس هو ما تعرفه # العرب، فيمثل لها به بعض الأشياء، فإنه باطل لأنه إنما أراد بقوله تعالى: # PageV02P599 # طلعها ثمرها لطلوعه كل سنة ومنه سمي طلع النخل طلعا عند أول # خروجه، مأخوذ ذلك من طلوعه، فإذا تغيرت حاله وانتقل إلى حكم آخر # سمي باسم آخر من بلح وبسر ورطب، فطلعها المراد به ثمرها الطالع، وأما # الشياطين التي مثلها برؤوسها فإنها حيات خفيفات الأجسام قبيحات المناظر # والرؤوس. # قال الشاعر: # عجين تحلف حين أخلف ... كمثل شيطان الحماط أعرف # يريد كأنه حية تأوي الحماط، والحماط شجر، والأعرف الحية من هذا # الذي له عرف، والعرب تقول إذا رأت منظرا قبيحا كأنه شيطان الحماط. # وقال يشبه التواء زمام ناقته ms398 بتلؤي الحية: # تقلب مني حضرمى كأنه تعمج شياطين بذي خروع قفر # يزيد تشبيه تلؤي زمامها بتلوي هذه الحية التي تسمى شيطان، ولم يرد # الشياطين الذين هم الجن، وإذا كان ذلك كذلك بطل تعجبهم وزال تمويههم. # فأما قوله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم ~~وهم يستغفرون (33) ، مع قوله: (وما لهم ألا يعذبهم الله) ، فلا تناقض فيه، ~~وذلك أن النضر بن الحارث قال: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) ، يعني بذلك أهلكنا جميعا ~~ومحمدا ومن اتبعه عاما، فأنزل@ الله تعالى: (وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون) أي: وفيهم قوم يستغفرون وهم # PageV02P600 # المسلمون، ثم بين ذلك قوله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) . # ثم قال تعالى: (وما لهم ألا يعذبهم الله) يعني: النضر ومن كان بمثابته ~~(وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون) . # يعني المسلمون، فلا تناقض في ذلك. # وأما قوله: (والأرض بعد ذلك دحاها) مع قوله: (ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان) فلا تنافي فيه لأن قوله: (دحاها) معناه بسطها وليس معناه أنه # خلقها وأنشأنها، وقد جاء في الحديث "أن الأرض خلقت ربوة غير مبسوطة # ثم بسطت "، فقوله: دحاها يريد بسطها، وقد يخلقها ربوة ويخلق السماء # بعدها ثم يبسطها بعد خلق السماء فلا تنافي في ذلك. # فأما قولهم إنه أجمل خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم فصلها # لهم في ثمانية، فإنه أيضا لا تعلق فيه من وجهين: # أحدهما: أنه إذا أدخل القليل في الكثير المشتمل عليه كان ذلك # صحيحا، لأنه إذا خلقها في ثمانية أيام فقد خلقها في ستة لا محالة، لأن # الستة داخلة في الثمانية، ولذلك لم يكن من أقز وأخبر بأن لزيد عليه ستة # دراهم ثم أقر له بعد ذلك بثمانية فاعترف أن له ثمانية كاذبا في إقراره # وخيره، لأن أحد إقراريه وخبريه داخل في الآخر، فهذا جواب. # وجواب آخر: وهو أن الله سبحانه لم يخبر أنه خلق ms399 الأرض في يومين # هما غير الأربعة أيام التي قدر فيها أقوات الأرض، لأنه يمكن أن يكون خلق # الأرض في يومين، وخلق أقواتها في يومين آخرين، ثم قال: خلق الأرض # في يومين وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام، أي أن خلقها وخلق # أقواتها كاق في أربعة أيام، وهذا كما يقول القائل حوطت داري وبنيت # PageV02P601 # سورها في يومين وفرغت منها ومن بيوتها ومرافقها في عشرة أيام، لا يعني # بذلك عشرة ليس فيها اليومين اللذين فرغ فيهما من تسويرها، وإذا كان ذلك ~~كذلك سقط ما توهموه وزال ما نحلوه كتاب الله من التناقض والاختلاف. # فأما قوله تعالى: (لا إكراه فى الدين) ، مع قوله: (فاقتلوا المشركين) . # وقوله: (فضرب الرقاب) . # وأخذه للعباد بالدخول في الدين ففيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه لا إكراه في الدين ولا قتل ولا حرب لمن له عهد وذمة بقي # عليها، ويمكن أن يكون التأويل في ذلك أنه لا إجبار ولا حمل ولا اضطهاد # في الدين، أي ليس يفعله فاعل إلا على سبيل الطوع والاختيار، وعلى وجه # يقتضي الثواب، ولا بد أن يكون من كلفه إما قادرا عليه أو على تركه # والانصراف عنه والإيثار لضده عليه. # ويمكن أيضا أن يكون المعنى في ذلك أن ما وقع منهم من التصديق # على سبيل الإلجاء والجهل والفزع من السيف ومن ظاهر القول والإقرار. # فليس بدين يعتد به و"شاب صاحبه وإنما الدين منه ما وقع طوعا مع قصد # دينه، ولذلك قال تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا) . # أي: استسلمنا خنوعا ورهبة من السيف وما وقع كذلك # فليس بدين ولا إسلام. # ويمكن أيضا أن يكون أراد بقوله: (لا إكراه في الدين) أي: لا إكراه # يقع ويصح في نفس التصديق والإقرار الذي يكون بالقلب، لأن الإكراه على # تصديق القلب والمعرفة لا يصح، لأنه يقع مكتسبا مستدلا عليه بما يختار # عند إيقاعه، ولا يصح الإكراه عليه كما يتأتى ذلك في الأفعال الظاهرة # PageV02P602 # الواقعة بالجوارح، وقد قال خلق من الناس إن الإكراه على العلوم ms400 وأفعال # القلوب لا يصح، وإنما يتأتى ذلك في أفعال الجوارح، والدين من أفعال # القلوب، وإذا كان ذلك كذلك بطل ظنهم أن نفي الإكراه عن الدين ينصرف إلى ~~نقض أمره بالقتال عليه والدخول فيه. # وأما قوله تعالى: (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها) . # وقد نرى من يريدها فلا يصل إليها ليس ينقض لأن من ها هنا ليست للعموم # والاستغراق، بل يراد بها تارة الكل وتارة البعض فكأنه أراد أن من أراد ~~ثواب الدنيا آتاه منها إذا كان في المعلوم أنه يؤتاه منها ولم يرد بذلك ~~الكل، وقد أوضحنا ذلك في كتابي "أصول الفقه " وغيرهما أنه لا صيغة للعموم ~~بهذا # اللفظ ولا بغيره بما يغني الناظر فيه، فبطل تعلقهم به، ويحتمل أن يكون # أراد بقوله نؤته منها إما قليلا أو كثيرا، أو لم يرد أننا نأتيه الكثير ~~وكلما # يريده، وليس أحد أراد ثوابها إلا وقد أتي منها إما قليل أو كثير فبطل ما # ظنوه. # فأما قوله في قصة إبراهيم: (رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي) ، فليس بنقض لقوله: (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) ، ~~وقوله: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) . # فيحتمل أن يكون أراد بقوله: (ليطمئن قلبي) بإجابتك لي # إلى ما سالته وإلى مشاهدة نمرود ومن أنكر نبوءتي إجابتك لي، ولم يرد # ليطمئن قلبي بإزالة شك في كونك قادرا على ذلك. # PageV02P603 # ويمكن أن يكون أراد بقوله ليطمئن قلبي مشاهدتي ميتا أحييته، لأنني # وإن كنت عالما معترفا بكونك قادرا على ذلك فإنني غير راء له ولم أره # قط، فقال أرني لأخبر به إذا أخبرت عن مشاهدة، فيطمئن قلبي إلى مشاهدة # ذلك لا إلى العلم بأنه من مقدوراتك. # ويمكن أن يكون تأويل قوله: "ليطمئن قلبي " أي: ليطمئن قلوب هؤلاء # الشاكين في ذلك فذكر نفسه وأراد غيره، ومثل هذا قد يقوله ويستعمله # المحتج على غيره يقول القائل أنا أريد أن أفعل كذا ليراه ويطمئن قلبي # برؤيتك له، أي ليزول شكك فيطمئن قلبي بسكون قلبك وزوال شكك، وإذا كان ms401 هذا ~~هكذا بطل التناقض الذي توهموه. # فأما قوله تعالى: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل ~~توبتهم) ، فلا منافاة أيضا بينه وبين قوله: (يقبل التوبة عن عباده) . # وقوله: (تواب حكيم) ، وقوله: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة) . # ونحو ذلك، لأنه يحتمل أن يكون أراد بقوله: (لن تقبل توبتهم) أي: التوبة ~~الأولة من الكفر الأول، أي لا تنفعهم توبتهم من الكفر مع عودتهم إليه ~~ومفارقتهم الإيمان، وذلك صحيح، لأن التوبة # الأولة غير نافعة مع العود، فإما أن تكون غير عاصمة من العقاب على الكفر # الثاني، أو يكون العود إلى الكفر والذنب ناقصا للتوبة الأولة، حتى يرجع # عقاب الأول والثاني على قول كثير من الناس، ولم يرد بقوله لن تقبل توبتهم # إن تابوا من ارتدادهم، ووافق الله بالتوبة والإقلاع عن الكفر، فبطل ما ~~ظنوه. # PageV02P604 # ويمكن أيضا أن يكون التأويل في ذلك أنه لن يقبل توبتهم الظاهرة. # وإذا وقعت على وجه النفاق، فيحتمل أن يكونوا قوما آمنوا نفاقا ثم عادوا # إلى إظهار الكفر، فقال تعالى: إن تابوا منه نفاقا مثل توبتهم الأولى فلن ~~يقبل # منهم هذا الجنس من الإقلاع، لأنه ليس بتوبة في الباطن، وإن كان توبة في # الظاهر عند من لا يعرف المواطن والأسرار، فلم تكن هذه توبة ندم على # الكفر وعدم مواقعة مثله، وهذا أيضا يبطل ما قدروه من التناقض. # وقد قيل إن الآية نزلت في المتربصين من أهل مكة حين تربصوا # بالنبي صلى الله عليه ريب المنون، وقالوا له: فإن ذهبت الحرف ذهبنا إليه # وتبنا فقبل توبتنا فقال الله تعالى قل لهم لن تقبل توبتهم هذه لأنها على # الحقيقة ليست مخلصة لله، وإنما هي للتربص والمدافعة. # فأما قوله تعالى: (وكانوا لا يستطيعون سمعا) ، (ما كانوا يستطيعون السمع) ~~وقوله: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا) . # فلا منافاة أيضا بينه وبين قوله: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) . # و (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) ، لأن قوله: (لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها) أراد به بعض الأنفس ms402 دون بعض، وكذلك قوله: (إلا ما آتاها) ، وقوله: ~~(لا يستطيعون سمعا) . # خبر عن بعض المكلفين دون بعض فزال ما توهموه. # ويحتمل أن يكون أراد بالسمع وما آتاها أنه لا يكلف الإنفاق ولا الزكاة # مع عدم المال، وما كلف ذلك تعالى، لأنه مما لا يستطاع فعله، ولا تركه # وليس كذلك حال عدم الاستطاعة على الإيمان والقبول، لأنه قد يستطاع # تركه والدخول في ضده، فليس كتكليف الزكاة والنفقة مع عدم الطول # والمال. # PageV02P605 # ويحتمل أيضا أن يكون أراد بقوله: (وكانوا لا يستطيعون سمعا) ، أنهم # كانوا لا يستطيعون ذلك لتركه وإيثار ضده لا للعجز عنه، وأن يكون أراد # بقوله: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ، أي ما لا تعجز عنه من تكليف # الطيران وتنقيط المصاحف مع العمى، والإخبار عن الغيوب، ونحو ذلك # وهذا ما لا تنافي فيه ولا تناقض، فبطل ما توهموه. # وقد قال كثير من الناس إن معنى قوله: (لا يستطيعون سمعا) ، أي أن # ذلك يثقل عليهم ويأبونه، ويكرهونه كما يقول القائل: أنا أكلم زيدا وما # أستطيع كلامه والنظر إليه، أي: إن ذلك يثقل علي، لا يعني به نفي قدرته # على خطابه، وكيف ينفيها وهو قد خاطبه، ويحتمل أيضا أنهم كانوا يمنعون # من سماع بعض ما يضرون به النبي - صلى الله عليه وسلم - من أخباره وأحواله ~~وعن أمته، ويمنعون من ذلك ويحال بينهم وبينه مع حرصهم عليه وطلبهم له، وليس ~~ذلك من باب تكاليفهم في شيء. # وأما قولهم: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا) ، أي: ~~لا يستطيعون معارضة القرآن والطعن عليه بوجه يوجب # فساده وتناقضه، وكونه شعرا ومن أساطير الأولين، كما زعموا ذلك # وادعوه. # ويحتمل أن يكون أراد أنهم لا يستطيعون جعلك مجنونا كما ادعوا # ذلك عليك أو الكشف عن أنك ساحر على ما ادعوه وراقبوه، وليس هذه # السبيل التي أمروا بها فيكون ذلك تناقضا على ما قدروه. # فأما قوله تعالى: (لا بيع فيه ولا خلة) ، فلا تناقض بينه # وبين قوله: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) . # لأنه عنى ms403 تعالى - وهو أعلم - لا خلة فيه تنفع وإن كانت هناك خلة لا تنفع، # PageV02P606 # فيمكن أن يكون أراد لا بيع فيه ولا خلة أي لا خلة مبتدأة، مستأنفة لما # الناس عليه من شغل العرض والحساب والجزاء والثواب والعقاب. # ويحتمل أن يكون أراد به لا خلة في الآخرة بين أهل النار، فكأنه قال ~~الأخلاء في الدنيا يومئذ أعداء لا تنفعهم خلتهم التي كانوا في الدنيا ~~عليها، ولم يرد إثبات الخلة في الآخرة من حيث نفاها فتعالى عن ذلك، فبطل ما ~~قالوه. # وأما قوله: (إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) . # وقوله: (حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين) . # فلا تناقض بينه وبين قوله: (علام الغيوب) ، و (بكل شيء عليم) . # ونحوه، لأنه عنى وهو أعلم إلا لتعلم أنت يا محمد ويعلم الذين معك فذكر # نفسه وأراد غيره، وذلك شائع في اللغة، والقائل بقول يريد أن يفعل كذى # ليعلم ويحتج لكذى، ليعلم من المحق من المبطل، والقوي من الضعيف. # أي: ليعلم ذلك من شك فيه دون المحتج المتقدم العلم بصحة ما يحتج له. # ويحتمل أن يكون أراد بقوله إلا ليعلم أتباع الرسول ممن يتبعه ممن هو # كائن موجود، فإنه قد علمه قبل كونه متيقنا معروفا وهو يعلمه إذا كان. # ووجد ثابتا موجودا، وكذلك قوله: (حتى نعلم المجاهدين منكم) ، أي حتى تعلم ~~أنت وهم أو حتى نعلم المجاهدين مجاهدين، ونعلم جهادهم كائنا # موجودا، لأنه يعلمه قبل وجوده معدوما ويعلمه إذا وجد كائنا موجودا. # والتغيير والوقت جاري على معلومه لا علي نفسه تعالى وعلمه، لأنه لم يزل # بصفات ذاته غير متغير ولا حائل على صفته، والعلم من صفات نفسه. # وقيل إن الله تعالى لما أمرهم باتباع الرسول ونهاهم عن المفارقة # والانقلاب علي الأعقاب، قال: (إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على ~~عقبيه) ، # PageV02P607 # أي: فليتبعوا الرسول ولا ينقلبوا على أعقابهم، فنعلمهم عند ذلك منقلبين. # ومثله قول الشاعر: # لا أعرفنك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي # أي لا تكن كذلك، ولا تفعل هذا فأعرفك به ms404 وفاعلا له على مذهب # النهي والتحذير له من ذلك، ومن أن يعرف بهذه الصفة، والنهي على # الحقيقة نهي عن المعروف الذي هو الفعل لا عن المعرفة التي هي فعل # المعلوم أو صفته، وكذلك إذا قال القائل: لا أريتك ها هنا ولا أسمع لك # كلمة، فإنما هي نهي عن الكون المرئي والكلام المسموع المتعلقين بقدرة # المكلف الموجود، وليسا بنهي عن رؤية الزاجر المتقوي وسمعه، لأن ذلك # ليس من مقدورات المخاطب الموجود، فعلى هذه التأول يسوغ حمل الآية # وفي إبطال ذلك إبطال ما قدره. # فأما قوله تعالى: (وسع كرسيه السماوات والأرض) ، وقولهم # يجب أن يكون كذبا لأننا نرى السموات والأرض في غير كرسي ولا شيء # يحيط بهما، فإنه لا تعلق لهم فيه، وذلك أنه أراد بهذا وهو أعلم أن له # كرسيا قدر عظمه وسعته، قدر عظم السموات والأرضين وسعتهما، ولم يرد # أنهما في الكرسي، كما يقول القائل قد وسع حلم زيد الإغضاء عن كل # أحد وإن لم يوجد من كل أحد مكروه عليه حلم عنه. # وقد يمكن أن يكون أراد بالكرسي القدرة والسلطان، والكرسي عند # العرب الأصل، فلما كانت الأشياء كلها داخلة ثم قدرته تعالى وسلطانه، # PageV02P608 # صار سلطانه أصلا لكل قدرة وسلطان لأحد، ولكل مقدور مخترع، فقال # لأجل ذلك وسع كرسيه السموات والأرض. # وقد يمكن أن يكون أراد بقوله: (وسع كرسيه السماوات والأرض) علمه # المحيط بجميع الأشياء وبجميع السموات والأرض وما فيهما وبينهما. # والعرب تسمي العلم كرسيا قال الشاعر: # مالي بعلمك كرسي أكاتمه ... وهل بكرسي علم الغيب مخلوق # وقال آخر: # يحف بها بيض الوجوه وعصبه ... كراسي وبالأحداث حين تنوب # يعني بكراسي: علماء بما كان وما يحدث وينوب من الخطوب. # فأما قوله: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه) . # وطعنكم عليه بأنه كذب وأن أحدا من أولئك ومن غيرهم لا يتمنى الموت بل # يأباه ويكرهه، فلا تعلق لهم فيه من وجهين: # أحدهما: أنه لا يمتنع أن يكون فيهم من قد تمنى الشهادة وأحب لقاء # الله تعالى بما يعلمه ويرجوه من تحصيل ثوابه. ms405 # والوجه الآخر: أنه أراد بذكر الموت أنهم كانوا يتمنون اللقاء والحرب. # ثم قال: فقد رأيتموه أي فاصبروا على ما كنتم تمنونه ولم يرد تمني مفارقة # الحياة، فبطل ما قالوه، وقد يسمى اللقاء والحرب موت على معنى أنه من # أسباب الموت، وكذلك يقال لمن هو في الصف والشدة إنه في الموت. # أي: في الشدة. # PageV02P609 # قال الشاعر: # يا أيها الراكب المرخي مطيته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت # وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا ... قولا يبرئكم إني أنا الموت # ولم يرد أنه ضد الحياة، ولكنه عنى أنه يكون فيه ما هو من أسباب الموت # فبطل ما توهموه. # فأما قوله تعالى: (لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا) . # فإنه لا تنافي أيضا بينه وبين قوله: (علام الغيوب) ، و (يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذروه) ، و (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو ~~سادسهم) ، وما جرى مجرى ذلك، لأن الله تعالى لا يجوز أن يكتم شيئا، لكونه ~~عالما بالغيوب، وما أضمرته القلوب، وانطوت # عليه النفوس، وإنما أراد تعالى لو تسوى بهم الأرض، أي: تمنوا أن تسوى # بهم الأرض وتمنوا أن لا يكتموا الله حديثا، فحذف واو العطف اقتصارا على # مفهوم الخطاب، وأراد بقوله: (ولا يكتمون الله حديثا) ، أي: لا يتهيأ لهم # كتمان شيء من أعمالهم واعتقاداتهم وإخلاصهم ونفاقهم عنه. # ولا يستطيعون ذلك لكونه عالما بما ينطوي عليه، فكأنه قال لست ممن أكتم ~~شيئا أو ينكتم عنى شيء. # ويمكن أيضا أن يكون في جهال الناس من ظن أنه إذا استسر بشيء في # نفسه انكتم يوم القيامة عن ربه، وكان اعتقاده هذا كفر وضلال فإذا ورد # أرض القيامة وحاسبه على اعتقاده وسرائره وذاته، لم يكن اعتقد في الدنيا # كتمان شيء عنه تعالى لما انكشف وعلم ضرورة أن الأسرار غير خافية ولا # منكتمة عنه، فندم عند ذلك على جهله واعتقاده فيه سبحانه ما يستحيل # ويمتنع في صفته، وإذا كان ذلك كذلك زال ما قدروه وبطل ما توهموه. # PageV02P610 # وأما تعلقهم بقولي: (والله ربنا ما ms406 كنا مشركين) ، وقولهم كيف يخبر عنهم ~~بذلك وهم مشركون، فإنه لا تعلق لهم أيضا فيه من وجوه: # أحدها: أن هذا القول حكاية عنهم وخير عن قولهم ولم يقل الله إنه هو # يقول يوم القيامة إنهم غير مشركين فيكون ذلك نقضا لإخباره عنهم أنهم # مشركون وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قدروه. # وقد يحتمل أيضا أن يكونوا يخبرون بذلك عند أنفسهم عن ظنهم # وتوهمهم أنهم كانوا غير مشركين بالله، فيحلفون يوم القيامة أنهم ما كانوا # عن أنفسهم في الدنيا مشركين وإن تبين لهم يوم القيامة أنهم كانوا مشركين. # ويحتمل أيضا أن يكونوا يحلفون يوم القيامة أنهم ما عبدوا الأصنام في # الدنيا على وجه الإشراك بالله واعتقاد استحقاقها للعبادة على وجه ما ~~يستحقه الله، وإنما عبدناها على وجه التقرب إلى الله، وإن كان نفس عبادتها ~~على هذا الوجه شرك بالله. # ويمكن أيضا أن يكونوا إنما يقولون هذا القول ويحلفون بهذه الأيمان # يوم القيامة إذا استديم العذاب وزفرت بهم جهنم، وأملوا بهذا القول والحلف # والاستغاثة والضجيج أن يخفف عنهم من عذابهم، فيقولون عند تأميل ذلك # بالصياح: والله ربنا ما كنا مشركين (وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين ~~أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين (29) . # و (يا حسرتنا على ما فرطنا فيها) ، و (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) ~~، و (نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل) ، ونحو هذا من القول # رجاء التخفيف، قال الله تعالى: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم) . # PageV02P611 # أي: كيف أخلفت آمالهم وظنونهم بهذا القول، وكيف يكذبون في قولهم: # (ما كنا مشركين) ، رجاء التخفيف، وهو لا ينفعهم. # قال الشاعر: # كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسيف قائم # يعني كذبت آمالكم، وأخلف ظنكم وقد قيل: إن معنى كذبوا على # أنفسهم، أنهم أوجبوا بقولهم هذا وبكفرهم أيضا في الدنيا على العذاب. # كما يقال كتب عليهم الحج أي: وجب. # فأما قوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) . # فإنه لا اختلاف ولا تناقض فيه، لأنه عنى سبحانه ms407 وهو أعلم ما يومن # أكثرهم بلسانه إلا نفاقا وهو مشرك بقلبه، ولذلك قال: (قل لم تؤمنوا) ، ~~ويمكن أن يكون أراد وما يؤمن أكثرهم بالله أي ما يصدق # أكثرهم باستحقاق الله للعبادة إلا وهم مشركون مع ذلك، بتصديقهم # لاستحقاق الأصنام والملائكة، وكلما عبدوه العبادة، كما يستحقها الباري # تعالى، وذلك شرك بالله، فلا تناقض في هذا، ويحتمل أيضا أن يكون أراد # بقوله: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) . # بعد إيمانهم فيكون معنى مشركون إلا وهم يشركون في الثاني، ويكون الخبر ~~خاصا فيمن علم ارتداده بعد إسلامه، وهذا أيضا ينفي التناقض الذي توهموه ~~إبطالا ظاهرا. # فأما قوله تعالى: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ~~(33) . # فإنه لا تناقض بينه وبين إخباره بأنهم يكذبونه، وقد كذبوه في # كثير من المواضع كقولهم: (ما هذا إلا سحر مفترى) ، # PageV02P612 # (إفك افتراه) ، و: (إفك قديم) ، و: (أم يقولون افتراه) ، و: (ما هذا إلا ~~سحر مفترى) . # (أساطير الأولين اكتتبها) ، وأمثال ذلك مما يطول تتبعه. # لأنه تعالى إنما عنى بقوله: (فإنهم لا يكذبونك) ، إنهم لا يستطيعون جحد # حجتك ومعارضة آياتك، وإقامة برهان على تكذيبك وكذبك، فلما عجزوا # عن ذلك قال فإنهم لا يكذبونك عند الناس بحجة تكشف عن تكذبك، ولا # يكذبونك أيضا بمعناه، ولم يرد بذلك أنهم لا يكذبونه في شيء يخبرهم به. # ولا أنهم لا يقولون إنه كاذب ولكنه عليه السلام لا يصير بذلك كاذبا، ~~وإنما # يكون مكذبا، ومكذبا إذا أقاموا على كذبه حجة وبرهانا. # فأما قوله تعالى في قصة الملائكة والرسل: (قالوا لا علم لنا) ، فإنه لا ~~تناقض بينه وبين إخباره عن كونهم كراما كاتبين وعن قوله: # (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) ، وكيف يجيء بأنبياء # وملائكة للشهادة على الأمم، وهم يقولون إننا لا علم لنا بما هم عليه، أو # بما كانو عليه، وذلك أنه إنما يقول الملائكة والرسل: إنه لا علم لنا # بسرائرهم وما في ضمائرهم من إخلاص لك ونفاق، أو لا علم لنا بما # استسروا به من الأعمال دون أنبيائهم، ولا علم لنا ms408 بما حدث منهم بعدنا # وبعد مفارقتنا لهم، فأما أن يقولوا لا علم لنا فيما قد علموه ورأوه ~~وشاهدوه # من أفعال الأمم الظاهرة، فذلك محال في صفتهم فبطل بهذا ما قالوه. # وأما قوله: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) ، فإنه ليس ~~بمخبر عن إثبات قولهم لذلك حتى يكون نقيضا لإخباره عنهما بأنهما مؤمنان، ~~وإنما هو قول صورته الاستفهام، وإنما يقال لهما ذلك في القيامه على مذهب ~~التقرير لهما، ليسمع مدعي ذلك عليهما وأنهما # PageV02P613 # قالاه إنكارا لقوله وتكذيبهما له، وليس ذلك على وجه الاستفهام لهما ولا # على تحقيق الإخبار عنهما بقول ذلك ولا على التقريع لهما به، وإنما هو # على وجه ما قلناه. # وأما قوله: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) ، ~~فإنه لا تناقض بينه وبين إخباره بأنه خلق آدم وأسجد له # ملائكته قبل خلق ولده وتصويرهم، لأنه تعالى لم يرد بقوله ثم صورناكم ثم # قلنا للملائكة قبل خلق ولده وتصويرهم، لأنه تعالى لم يرد به الترتيب # والتراخي، وإنما جعل ثم ها هنا بمعنا واو الجمع، فكأنه قال: خلقناكم # وصورناكم وقلنا للملائكة اسجدوا لآدم، وواو الجمع لا توجب الترتيب ولا ~~تراخي ولا تعقيب، ومثل هذا شائع في اللغة، قال الشاعر: # سألت ربيعة من خيرها ... أبا ثم أما فقالت يزيدا # يريد أن يزيد خيرهم أبا وأما ولم يرد بثم ها هنا التراخي والترتيب. # وإنما أراد سألت ربيعة من خيرها أبا وأما، وهذا يبطل ما قدروه. # ويمكن أيضا أن تكون ثم إنما جاءت لنسق خبر على خبر كأنه هو الذي # أخبرك أنه خلقكم وأخبركم أنه صوركم، وأخبركم أنه أسجد الملائكة لآدم # وأمرها بذلك، وهذا الأمر بالإسجاد هو المتقدم، وقد وقع في الخبر # متأخرا، وذلك شائع في اللغة والعرب تقول: فلان جواد كريم طريف ثم # شريف الوالدين، ولا يعني بذلك أن شرف والديه يكون بعد هذه الصفات. # بل هو متقدم، وإن تأخر في الذكر والخبر. # وكذلك الجواب عن قوله تعالى: (وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا مرجعهم ms409 ثم الله شهيد على ما يفعلون (46) . # وهو شهيد على ما يفعلون # PageV02P614 # قبل أن يرجعوا إليه، وإن تأخر في الذكر، وثم ها هنا بمعنى الواو على ما # ذكرناه أو بمعنى مع، كاته قال وهو مع ذلك شهيا على ما يفعلون ثم # صورناكم، وقلنا مع ذلك للملائكة اسجدوا لآدم، وإذا جعلت ثم بمعنى مع # أو بمعنى الواو بطل توهمهم وما حاولوا به الطعن في القرآن. # فأما قوله في إخباره عن صالح: (فما تزيدونني غير تخسير) . # وليس ينقض لإخباره عن ثواب الرسل ورفع درجتهم ومنازلهم بغيرهم على # ردائتهم وتكذيبهم، لأنه لم يرد بقوله: فما تزيدونني غير تخسير لكم. # وضلال وشر لاحق بكم دوني، وكذلك قوله: (يا حسرة على العباد ما يأتيهم من ~~رسول إلا كانوا به يستهزئون (30) . # ليس بتحسر من الله، لأن التحسير لا يجوز عليه، ولكن يا حسرة لهم في ~~تخلفهم عن إجابة الرسل، وكذلك يقول القائل منا لمن يعظه ويرشده إذا طغى ولم ~~يقبل: ما تريد بي إلا شرا ووبالا، يعني بذلك شرا ووبالا عليك دوني فكذلك ~~تأويل الآية وهذا يبطل كيدهم وإلباسهم إبطالا ظاهرا بينا. # وأما قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا) ~~، فإنه لا منافاة أيضا بينه وبين قوله: (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) . # لأنه تعالى لم يرد بالآية الثانية نفي الموازنة ونفي الموازين، وإنما # أراد أحد أمرين: # إما أن يكون أراد أننا لا نقيم لهم مع أمرهم قدرا ولا جاها ولا نخلطهم # بأهل الجاه والأقدار عندنا كما يقال: فلان لا وزن له عند فلان يعني بذلك # أنه لا قدر له، وليس يعني أنه لا يزن شيئا وأنه لا ثقل له، ولا يمكن ~~وزنه. # أو أن يكون أراد أننا لا نقيم لهم يوم القيامة وزنا مستقيما ينفعهم، إذا ~~كانت # PageV02P615 # أعمالهم باطلة وطاعاتهم معدومة، محبطة فموازينهم يومئذ خفيفة شائلة لا # حسنة ولا طاعة تردها وتقومها، فلا نقيم وزنا إلا ناقصا متفاوتا. # فأما تعلقهم بقولي تعالى: (ومن دخله كان آمنا) . # وقولهم مثل الخلق بالحرم والثبت من ms410 الأماثل والأفاضل كعبد الله بن ~~الزبير. # ومن جرى مجراه، وهذا تكذيب للخبر، فإنه لا تعلق لهم فيه، لأن هذا # القول خرج مخرج الخبر والمراد به الأمر بأمان من دخل البيت، وأن لا يقتل # ولم يرد الإخبار عن أن كل داخل إليه آمن، وعلى مثل هذا خرج قول # الرسول: "من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. # ومن دخل الكعبة فهو آمن "، إنما قصد به الأمر بأمان من ألقى سلاحه. # ودخل هذه المواضع، ولم يرد بذلك الخبر، ومثل هذا قوله تعالى: # (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) ، وهو يعني بذلك # الأمر لهم بالتربص دون الخبر عن تربص كل مطلقة لأنها قد تعصي الله ولا # تتربص، وكذلك قال: (ومن دخله كان آمنا) أي: أمنوا من دخله وهو على صفة من ~~يحب أن يؤمن، فمن لم يفعل ذلك عصى وخالف، ومتى جعل هذا القول أمرا بطل ~~تمويههم. # وقد يمكن أيضا أن يكون أراد بقوله: ومن دخله كان آمنا عام الفتح. # وقد قال الرسول صلى الله عليه: "من ألقى سلاحه كان آمنا ومن دخل دار # أبي سفيان كان آمنا ومن اعتصم بالكعبة كان آمنا ومن أغلق بابه كان آمنا". # فلا يناقض عدم الأمن في غير ذلك الوقت وجوده فيه. # ويحتمل أن يكون أراد أن كل من دخل البلد الحرام الذي هو مكة كلها # كان آمنا في بعض الأوقات دون بعض جميعها، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما # توهموا به. # PageV02P616 # فأما قوله: (فإن يصبروا فالنار مثوى لهم) ، إنه لا تناقض بينه وبين ~~إخباره عنهم بالضجيج، والاستغاثة وعض الأنامل والتأسف، والحسرة وشكوى ~~العذاب والآلام، لأنه لم يقل إنهم يصبرون على نار جهنم، فيكون ذلك نقيضا ~~لإخباره عنهم بالضجيج والاستغاثة، وإنما قال: (فإن يصبروا فالنار مثوى لهم) ~~، يقول: فإن يصبروا أو يجزعوا لا ينفعهم ذلك فإن # النار مثوى لهم. # ويمكن أن يكون إنما أراد بقوله: فإن يصبروا على آلهتهم والعبادة لها # ومداومة تعظيمها، فالنار مثوى لهم، وإن ينتقلوا عن ذلك ويرجعوا عنها # يسلموا، لأن ms411 الله سبحانه قد أخبر عنهم أنهم قالوا: (إن كاد ليضلنا عن ~~آلهتنا لولا أن صبرنا عليها) ، فقال في جواب ذلك: فإن # يصبروا فالنار مثوى بهم يعني ما قالوا إنهم صبروا عليه. # فأما قوله تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون) . # فإنه أيضا غير مناف لإخباره عن إرساله بالآيات. # وقوله: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) ، وإخباره عن انفراق # البحر وقلب العصا حية، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وغير # ذلك، من ناقة صالح وطوفان نوح، لأنه يحتمل أن يكون عنى تعالى وما # منعنا أن نرسل بالآيات المهلكة المصطلمة إلا أن كذب بها الأولون، فكأنه # قال حكمنا بإرسالها على من كذب بها من الأولين، وليس من حكمنا أن # نرسل بها على من كذب بها من أمة محمد صلى الله عليه. # ويمكن أن يكون إنما أراد وما منعنا أن نرسل بالآيات التي طلبها اليهود # وقوم محمد عليه السلام إلا أننا قد حكمنا أننا إذا أرسلنا بها وكذبت ~~عجلنا # PageV02P617 # العقاب واصطلمنا، فقال حكمنا بذلك منعنا من أن نرسل بها في هذه الأمة # وهذه الآيات نحو قوله: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء) ~~، وقوله: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك ~~جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) أو تسقط السماء كما ~~زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (92) أو يكون لك بيت من ~~زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه) . # ونحو ذلك. # ويمكن أيضا أن يكون تأويل قوله وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن # كذب بها الأولون، وتكون إلا ساقطة وعلى وجه الزيادة في الكلام، فكأنه # قال: ما منعنا أن نرسل بالآيات تكذيب من كذب بها من الأولين، بل نرسل # بها وإن كذبت فيما سلف، ومثله قول الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمرو أبيك إلا الفرقدان # أي: والفرقدان، فدخل إلا زيادة في الكلام، وهذا يبطل أيضا ما ظنوا # الانتفاع به. # وأما قوله ms412 تعالى: (وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان) ، فإنه لا منافاة ~~بينه وبين إخباره بأنه آتى محمدا - صلى الله عليه وسلم - الفرقان وأنزله ~~عليه، ليكون للعالمين نذيرا، لأن أكثر ما فيه أن يكون آتاههما جميعا ~~الفرقان، وأنزل عليهما، وهذا غير متناقض ولا متضاد لو كان المراد بالفرقان ~~كتاب محمد صلى الله عليه، وكيف وليس ذلك هو المراد، فيحتمل أن يكون أراد ~~بفرقان موسى آياته التي فرق بها البحر وفرق بها بينه وبين فرعون والسحرة، ~~فتكون تلك الآيات فرقانا بين الحق والباطل، والنبي والمتنبي. # ويحتمل أيضا أن # PageV02P618 # يكون أراد بذكر الفرقان انفراق البحر دون كتاب أنزله سماه فرقانا، لأنه # قال: (وإذ فرقنا بكم البحر) . # ويحتمل أيضا أن يكون آتى موسى كتابه وكتابا كان قبله اسمه فرقان # كاسم كتابنا، ويحتمل أيضا أن يكون أراد بالآية أننا آتينا موسى ذكر ~~القرآن الذي أنزلناه عليك وأوحينا بذكره إليه ليصدق ويوصي بتصديق من ينزل ~~عليه ويثبتونه، ليكون ذلك حجة على قومه، وعلى وجه الحجة للنبي صلى الله ~~عليه في دفع ذلك عن موسى. # ويمكن أيضا أن يكون عنى بالآية وإذ آتينا موسى الكتاب وآتيناكم # الفرقان فحذف وآتيناكم على مذهب الاختصار والاكتفاء بشاهد الكلام. # وإخراج القول على المعنى، كما قال الشاعر: # تراه كان الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه بان له وفر # أي ويعمي عينيه، فحذف واختصر، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما # تعلقوا به من التأويل. # فأما قوله: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) ، فإنه لا منافاة # بينه وبين إخباره عن قولهم في الدنيا، لأنه يمكن أن يكونوا يحيون في # قبورهم ويعذبون بعذاب دون عذاب الآخرة، ثم يقال لهم في الآخرة أدخلوا # أشد العذاب، ووقت عذابهم في القبر غير وقت موتهم في الدنيا. # ويمكن أن يكون أراد نقلهم في جهنم من طبقة إلى طبقة أسفل منها إلى # ما هو أشد منه، فقال لهم: أدخلوا آل فرعون عذابا أشد مما كنتم فيه. # ويجوز أن يكون أشد العذاب هو نفس العذاب بجهنم الذي وعدوا به، فقيل # لهم أدخلوا أشد العذاب، ms413 وهو الذي كنتم توعدون به، كما يقال القائل: # PageV02P619 # أدخلوا فلانا المسجى والمطبق ثم يقال أدخلوه إلى أضيق محبس، ويكون # الأضيق هو السجن، والمطبق الذي ذكره من قبل فلا تنافي بين هذا الكلام # وبين شيء من كلام الله سبحانه، وقيل معناه أنهم بعرضها أي: قاربوا # دخولها كما يقال فلان بعرض هلكة أي: قد قاربها وقيل أعمالهم أعمال من # يستحق أبدا المقام على الذل ونحو ذلك، فكأنهم يغدون ويرجعون إليها # بأعمالهم كما يقول القائل: غدو فلان يغدوا ويروح إلى النار أي من غدو # ورواح على أعمال أهل النار. # فأما قوله تعالى: (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين (6) . # فإنه لا مناة بينه وبين قوله: (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) . # وقوله في المرسلين: (وما على الرسول إلا البلاغ المبين (54) . # ونحوه من إعذار الرسل، لأنه أراد بقوله: (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) ، ~~سؤال استخبار واستفهام لإحصائها وتقدم العلم بها والكتابة # لها، وأراد بقوله: (ولنسألن المرسلين) ، مسألة تقرير للحجة على الكافر # ليستمعوا قول الرسل وشهادتهم عليهم بالأداء إليهم. # ويمكن أن يكون سؤال الرسل سؤال تخصيص لهم وأمر بإقامة الشهادة # على الأمم، كقول القائل: هذا يقوم، وهذا يضرب زيدا أي افعل ذلك كما أمرت، ~~وقد يكون السؤال سؤال تقريع بالعجز كقولك: هل تعلم من الغيب شيئا، وهل ~~تستطيع أن تتكلم، وقد يكون السؤال سؤال توبيخ وتفنيد مواقفة على ترك ~~الواجب، كقول الشاعر: # ألم أك جاركم فتركتموني ... لكلبي في دياركم عواء # يريد التوبيخ لهم بتضييع جارهم وقلة حفاظهم. # PageV02P620 # فأما قوله تعالى في قصة النتي صلى الله عليه وأمره له بأن يقول: (ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) ، فإنه غير مناقض # لإخباره عنه بأنه يتلقى وخبر عما كان ويكون وعن أمور السموات، لأن ذلك ~~إنما يعلمه ويدركه بتوقيف جبريل له، وليس ذلك من الغيب في شيء، وإنما - ~~العالم بالغيب من علمه بغير خبر وتوقيف، وحجة ودليل وضرورة وطباع، وهو الله ~~تعالى. # ويحتمل أيضا أن يكون تأويل ذلك أنني لا أعلم وقت مولي فأسكثر من # فعل الطاعات والبر، وهو ms414 وإن علم بعض الغيوب بالوحي إليه فغير عالم # بجميعها، ويجوز أيضا أن يكون معنى الآية إن أهل مكة لما قالوا للرسول # ألا يخبرك ربك بالبيع الرخيص فتشتريه فتربح فيه، ويخبرك بالأرض التي # تريد "أن تجدب فترحل عنها إلى الخصبة، فأنزل الله قل: (ولو كنت أعلم ~~الغيب لاستكثرت من الخير) ، أي: لا أعلم هذا ولا يجب أن # أعلمه، ولا يجب على الله إعلامي إياه، لأن له امتحان قلبي ونفسي بما # شاء. # فأما قوله في قصة إبراهيم: (يجادلنا في قوم لوط) ، فإنه ليس # بنقيض، لإخباره بأنه (لحليم أواه منيب) ، منقاد، لأنه أراد وهو أعلم # بقوله أي تكلمنا وتسألنا في قوم لوط، ولم يرد أنه يناظرنا ويخاصمنا، ~~ويروم # إبطال قولنا وإخبارنا وأمرنا وهذا كما يقوله السيد منا لعبده، ومن يجب # عليه - طاعته إذا سأله في الأمر: أنت تجادلني في هذا وتحاجني، أي: تلح # PageV02P621 # في المسألة والطلب، ويحتمل أن يكون أراد بقوله يجادلنا في قوم لوط، أي: # يجادل رسلنا من الملائكة الذين أخبروه بأنهم جاؤوا بعذابهم واصطلامهم. # ويحتمل أن يكون ذلك الجدال ليس بمنازعة ومناظرة إنما هو سؤال لهم # وبحث عن قصتهم كقوله: (فما خطبكم أيها المرسلون (57) . # ونحو ذلك مما باحثهم عنه وفيه. # فأما قوله تعالى: (كلما خبت زدناهم سعيرا) ، فإنه ليس بنقض لقوله: (فلا ~~يخفف عنهم) ، و: (لا يفتر عنهم) ، لأنه لم يرد بالخبو السكون والهدوء، ~~وإنما أراد كلما أرادت وقاربت أن تخبوا زدناها سعيرا، ويحتمل أن يكون أراد ~~كلما قدروا أنها تخبوا وتهدأ زدناهم سعيرا، بخلاف ظنهم. # ويمكن أن يكون أراد أن الخبو هو نفس الزيادة في السعير، فكأنه قال # خبت ازداد حرها وتضرمها وتلظيها، وازداد كذلك عذابهم وألمهم، فيكون # ذلك خبرا عن نفس خبوها هو نفس الزيادة في سعيرها الذي به يزيد ألمهم # ونحو هذا قول الشاعر: # فقلت أطعمني عمير تمرا ... وكان تمرا كمثرة وزندا # فجعل نفس الكمثرة والزند تمرا. # فأما قوله تعالى: (فإذا هي ثعبان مبين) ، وهو أكبر الحيات. # فلا منافاة بينه وبين قوله: (تهتز كأنها جان) ، لأن الجان هو ms415 # الصغير من الحيات، - زعموا - لأن التأويل أنه رآها في خفة حركتها # وسرعتها وتلويها، وتلففها كأنها الجان الصغير في خفته وسرعته، وهذا من # PageV02P622 # أحسن التشبيه، ويمكن أن يكون أراد بقوله كأنها جان، كانها من الجن في # هول منظرها، وقبحها وبشاعتها والهلع والترويع برؤيتها. # فأما قوله: (فأوجس في نفسه خيفة موسى) ، فإنه أيضا غير مناف # لإخبار الله عنه بتصديقه وسكون قلبه، لأن تلك الخيفة طباعية بشرية غير # كسبية اختيارية، وليست من الشك في قوله: (خذها ولا تخف) . # في شيء ولا من جنسه ولكنها خيفة بشرية، ويمكن أن يكون أوجس خيفة في # غير الوقت الذي قال له فيها لا تخف، إما قبل أن يقول له ذلك إلى أن قال # خذها ولا تخف، أو بعد ذلك الوقت، لأنه لم يقل لا تخاف أبدا فلا تعلق # لهم في ذلك، ويمكن أن يكون تأويل الآية أنه خاف أن يفتتن قومه ويظنون # أن ما أتى به سحر كقول السحرة فقال له: لا تخف إنك أنت الأعلى، أي إن ~~آيتك تنكشف عن صدقك وتزيل كل ريب من قلوب أتباعك المؤمنين فيكون كذلك أعلى ~~بالحجة والبراهين. # فأما قوله تعالى: (ثم لا يموت فيها ولا يحيى) ، فإنه غير متناقض. # لأنه لم يرد أنه يكون غير ميت ولا حي وإنما عنى وهو أعلم أن حياته لا # تنعدم فيستريح من العذاب وإدراك الآلام، ولا يحيى حياة طيبة يسلم فيها # من العذاب وإدراك الآلام. # قال الشاعر: # ألا من لنفس لا تموت فينقضي قضاها ... ولا تحيا حياة لها طعم # ولم يرد أنها غير حية ولا ميتة، وإنما أراد المعنى الذي وصفناه. # وأما قوله تعالى: (سمعوا لها تغيظا وزفيرا) ، فإنه ليس بخبر # باطل على ما توهموه، لأن الغيظ لا يسمع، لأنه قد يمكن أن يخلق لهم في # PageV02P623 # الآخرة إدراك النفس للغيظ ووجوده في أسماعهم، ويسمى سماعا للغيظ. # وكذلك القول عندنا في جواز سماع كل موجود ورؤيته من أفعال الجوارح. # وأفعال القلوب، وأما تعلقهم بأنها جماد لا تغتاظ فيسمع غيظها أو لا يسمع # فباطل، لأنه إنما ms416 كنى بذكر الغيظ عن تسعرها وشدة لهيبها. # وقد يمكن أن يحييها الله عز وجل على يبسها، ويخلق فيها غيظا على # أهلها، لأن الحياة لا تحتاج إلى بينة ولا بلة، ولا يضادها اليبوسة ~~والحرارة. # بل لا تحتاج إلا إلى محلها فقط، وقد بينا ذلك في الكلام في الأصول بما # يغني عن تأمله، ويحتمل أن يكون أراد سمعوا لها زفيرا وتلهبا، وعلموا عند # ذلك تغيظها، واستدلوا على العلم بالتغيظ والزفير واللهيب المسموع،. # وسمي العلم بالتغيظ سماعا له. # فأما قوله تعالى: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) ، فإنه غير متناقض من ~~حيث كان السيئات لا تبدل حسنات أبدا، لأنه تعالى لم يعن # هذا، وإنما أراد وهو أعلم أنني أبدل عذابهم وجزاء سيئاتهم حسنات في # نعيم ورحمة بما أحدثوه وجددوه من الإنابة والتوبة، فلا تعلق لهم في ~~الآية. # فأما قوله تعالى: (إذا أخرج يده لم يكد يراها) . # فإنه لا اختلاف فيه ولا تناقض لأنه لم يكن يعن بذلك أنها بحيث يجوز أن ~~يراها، ويمكن ذلك فيها مع قوله: (ظلمات بعضها فوق بعض) ، والعادة على ما هي ~~عليه في رؤية الله وامتناع روية الكائن فيما هذه سبيله، وإنما أراد بقوله ~~لم يكد يراها، لم يرد أن يراها أي: لأنه لا يطمع في ذلك ولا يرجوه، فكان # معنى يريد. # قال الأفوه الأودي: # فإن تجتمع أوتاد وأعمدة ... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا # PageV02P624 # أي: الأمر الذي أرادو، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما ظنوه. # فأما قوله تعالى: (أكاد أخفيها) ، فتأويله أكاد أدنيها آتي بها # على وجه التقريب كذلك، والتهديد، ثم قال: أخفيها لتجزي كل نفس بما # تسعى، قال الشاعر: # هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله # فأما قوله تعالى: (نودي أن بورك من في النار) ، فليس فيه نقض # لذم من في النار ولعنهم، وإنما أراد بورك موسى المقارب للنار التي رآها. # كما يقال: فلان في النار وفي الماء إذا قارب ذلك، وإن لم يكن فيه، وكما # يقول القائل: إذا بلغت المحول ومطربل فأنت في بغداد، على ms417 وجه التقريب # لذلك، فيقال إن الله سبحانه بارك بهذه الآية على من في النار. # فأما قوله تعالى: (وهل نجازي إلا الكفور) ، فإنه ليس بنقيض # لقوله: (لتجزى كل نفس بما تسعى) ،: وقوله في المؤمنين: (جزاء بما كانوا ~~يعملون) ، ونحو ذلك، لأنه إنما عنى بقوله: (وهل نجازي إلا الكفور) ، مثل ما ~~يجازي به الكفور، أي لا يعاقب في النار بعقاب الكفر # إلا كافر، ويحتمل أن يكون عنى وهل نجازي بما جوزوا به من تغيير النعم # أو إنزال الخسف والنقم إلا الكفور. # فأما قوله تعالى: (بل عجبت ويسخرون) ، فإنه غير مناف # لإخباره عن عصمة الله ووفاء ربه وتصديقه، وإنما أراد بل جازيتهم على # تعجبهم منك ومما جئت به ويسخرون أي وهم في تماديهم، ويمكن أن # يكون ذلك على معنى الأمر كأنه قال: قل يا محمد بل عجبت ويسخرون # على وجهه، على جهة الخطاب لمن تعجب مما ينزل بهم. # PageV02P625 # فأما قوله: (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) ، فإنه غير مناف # لقوله: (مقداره خمسين ألف سنة) ، لأنه أحوال وتارات، فتارة منه # تقدر بألف سنة، وتارة بخمسين ألف سنة، ويمكن أن يكون أراد أن الملك # يعرج من الأرض إلى حيث يخرج من السموات ما مقداره من سني غيره ألف # سنة من أيام الدنيا، فلا تناقض إذا في هذا. # وأما توله: (وجعل القمر فيهن نورا) ، لم يرد أنه جعلها في # الكواكب، وإنما عنى وهو أعلم، وجعل القمر معهن نورا فجعل فيهن مكانا # معهن. # نافا تو له: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها) ، فليس بخبر على أنها أحياء مكلفة، وإنما قصده تعالى تعظيم # شأن حمل الأمانة، وأن كل أحد يضعف عنها، وإن عظم خلقه، ويضعف # عن أن يطيقها، قالوا: وذلك نحو قول العرب عرضت الحمل على البعير # فأبى أن يحمله، أي أنه صغير لا يقوى على الحمولة لصغره وضعفه. # وقيل إنه أراد بذلك أنه تعالى عرضها على أهل السموات والأرض # والجبال فأبوا أن يحملوها لثقلها، والقصور عن القيام بحقها، كما قال # (واسأل ms418 القرية) ، يريد: أهل القرية، وأصحاب العير، وقوله: # (وحملها الإنسان) ، يعني: الكفور بجهله بحق الله فيها، واستحقاره # لها فبطل ما قالوه أن تجيء السموات والأرض ويعرض عليهن القيام بحق # الله فيما فرضه، والخروج من جميعه فأبين ذلك واعترفن بالعجز عنه فلا # إحالة في هذا ولا تناقض من كل وجه. # فأما قوله: (وقوم نوح لما كذبوا الرسل) ، وأنه ليس بنقيض لإخباره أنه هو ~~وحده كان الرسول، لأنه يمكن أن يكذبو لما كذبوه صاروا # PageV02P626 # بذلك إلى تكذيب من كان قبل نوع لما بشروا بنوع ووصوا بتصديقه وقبول # قوله، فيصير المكذب له مكذبا لمن كان قبله، وكذلك هم مكذبون لمن بعد # نوح من الرسل، الذين يخبرون بنبوته ومكذبون لمن كان قبله منهم ممن خبر # بذلك، ويمكن أن يكون منهم من قد أدرك أنبياء قبل نوح، فكذبهم، أو من # اتصلت بهم دعوة الرسل وحججهم فكذبهم، وأرسل نوحا فكذبه أيضا. # ويمكن أن يكون معنى قوله: لما كذبوا الرسل أي كذبوه، فكذبوا الملائكة # التي كانت تنزل بالوحي عليه، وإذا كان ذلك كذلك اضمحل إلباسهم. # فأما قوله: (والنجم إذا هوى) ، فليس بخبر عن باطل لرؤيتنا # النجم غير هاو ورؤية ذلك وقت مبعث النبي صلى الله عليه، لأنه قد قيل إن # النجوم قرب مبعث النبي صلى الله عليه كثر انقضاضها وراع ذلك قريشا # والعرب، وسألوا بعض الكهان عن ذلك فقال: إن كانت النجوم العوامل # تنقض فهي القيامة، يعني البروج الإثنا عشر والطوالع السبعة، وإن لم تكن # هي فيسظهر أمر عظيم، فظهر بعث النبي صلى الله عليه وآياته، فلما كذبت # قريش قال الله سبحانه: (والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) . # أي: هو الذي دل انقضاض النجوم على أمره، فلا إحالة في هذا ولا اختلاف. # PageV02P627 ### | ### | فصل # من هذا الباب # فأما دعوى الملحدة تناقض ما ورد من آي القرآن في الهدى والضلال # وخلق الأفعال والقضاء، وتقدير الأعمال وتكليف ما لا يطاق وما يكثر ابن # الرواندي وأضرابه من هذا الباب وتضل به القدرية والمعتزلة ومن تابعهم من # التعلق بهذه الآيات في ms419 حملهم لها على غير تأويله وما قصده الله لها، إما # للجهل بذلك أو لقصد العناد وإيثار التمويه والإلباس، فإنه لا تعلق ~~للفريقين # في شيء منه، ونحن نبين ذلك بيانا يوقف على الواضحة إن شاء الله. # قال الملحدون: ومما ورد متنافيا متناقضا من آي القرآن تناقضا لا خفاء # به على أحد قوله: (ويضل الله الظالمين) ، وقوله: (أفرأيت من اتخذ إلهه ~~هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة) ، وقال: ~~(ومن يضلل الله فما له من هاد) ، في أمثال # هذه الآيات مما فيها ذكر إضلال الله لمن أضله ونحو قوله: (واعلموا أن ~~الله يحول بين المرء وقلبه) ، وقوله: (إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ~~وفي آذانهم وقرا) ، وقوله: (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا) ، بعد ~~قوله: (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد ~~الله أن يطهر قلوبهم) . # وقوله: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم) ، وقال: (ونذرهم في طغيانهم يعمهون) ~~، وقال: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) ، وقوله: " ~~(فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون) ، وقال: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ~~ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) # PageV02P628 # وقال: (أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) . # وقوله: (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) ، وقوله: (من يشإ الله يضلله) ، ~~وقوله: (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) . # وقال في هزيمة المؤمنين يوم أحد: (وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم ~~من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم) ، في نظائر ~~هذه الآيات مما أخبر فيها أنه تعالى # تولى إضلالهم والختم على قلوبهم، وتغشية أبصارهم وجعل الأكنة على # قلوبهم. # قالوا: ثم نقض ذلك أجمع بأن خبر في آيات كثيرة أنهم هم المضلون # لأنفسهم والخاتمون عليها وتبريه من معاصيهم وإضلالهم، ونقض ذلك # أيضا بأن أضاف إضلالهم مرة إلى آلهتهم ومرة إلى الشيطان، ومرة إلى # فرعون ms420 والسامري ومرة إلى الشياطين، وكل هذا متهافت متناقض لا شبهة # في تناقضه بزعمهم. # فأما نقضه لذلك بإضافته إليهم فكثير، منه قوله سبحانه: (كفارا حسدا من ~~عند أنفسهم) ، وقوله: (قل هو من عند أنفسكم) # وقوله: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) . # وقوله: (ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم) ، فأضاف ذلك # إليهم - دونه، وقوله: (بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) . # وقوله: (يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ~~(30) . # فأضاف ذلك إليهم وقال: (جزاء بما كانوا يعملون) . # PageV02P629 # (ذلك بما قدمت يداك) ، و: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) . # يعني عما يفعلون، فأضاف أفعالهم إليهم، كما أضاف فعل نفسه إليه تعالى، ~~وقوله: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع ~~هواه بغير هدى من الله) ، فأضاف الاتباع إليهم. # وقوله: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) ، فأضاف ما ~~عوقبوا عليه إليهم دونه. # وقوله: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) ، فأضاف الزيغ الأول # إليهم، وجعل الثاني عقوبة، وقوله: (ويقولون هو من عند الله وما هو من عند ~~الله) . # وقوله: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) . # وقال: (فما لهم لا يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) ، ~~فاستبطأهم استبطاء من يعلم أن الفعل لهم ومنهم وبأيديهم. # وكذلك قوله: (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم ~~الله) . # وقوله: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) . # PageV02P630 ### | ### | فصل # # وأما نقضه ما قدمناه - زعموا - بنفيه ذلك عن نفسه وبين كثيرا منه قوله: # (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) . # وقوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ،، وقوله في ذمه الكفار # بقولهم: (لو شاء الرحمن ما عبدناهم) ، وقوله: (سيقول الذين أشركوا لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء) ، فأفهم بهذا القول الذي أخبر ~~به عن نفسه في قوله: (ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137) . # وقوله: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) ، في أمثال ms421 هذا ما خبر فيه بمثل ~~قول المشركين الذي ذمهم وعيرهم به. # وقوله: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) . # وقوله: (ويضل الله الظالمين) ، وقوله: (وما يضل به إلا الفاسقين) . # وقوله: (وما ربك بظلام للعبيد) . # وهو قد أخبر فيما سلف أنه يسألهم عن فعله ويعذبهم على قضائه وقدره. # وذلك هو الظلم بعينه. # فأما نقض ما أخبر به من توليه لإضلالهم بإضافته ذلك إلى غيره من # المجرمين والشياطين وغيرهم فظاهر كثير، منه قوله: (وأضل فرعون قومه وما ~~هدى (79) . # وقوله: (وما أضلنا إلا المجرمون (99) . # وقوله: (ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ~~ليكونا من الأسفلين (29) . # وقوله: (وأضلهم السامري (85) . # وقوله: (ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار) . # وقوله: (الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) . # PageV02P631 # وقوله: (فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ~~(15) . # فأضاف ذلك إلى الشيطان. # وقوله: (وزين لهم الشيطان أعمالهم) ، ثم نقض قوله: (ومن يرد الله فتنته ~~فلن تملك له من الله شيئا) ، بقوله: (والله لا يحب الفساد) . # وقوله: (ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم) . # وقوله: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في ~~الدنيا والآخرة) ، فذم من أحب ذلك بما خبرنا به يريد ذلك أجمع، وهذا زعموا ~~تناقض ظاهر لا يأتي من قبل حكيم عليم سميع بصير. # قالوا ثم أخرج نفسه والشياطين عن أن يكون لهم في الإضلال صنع # وسلطان بقوله: (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) . # و (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) . # وقوله: (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر) ، وقوله: (فما لهم لا ~~يؤمنون) . # وبذمه لهم على هذه الأفعال، ولو كانت من عنده أو من عند قادتهم أو من عند ~~الشياطين لما ذمهم على ذلك، ولكان ذم من بقي من قبله أولى. # وكيف يقول: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) . # (وماذا عليهم لو آمنوا) ، وهو يقول: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ~~وعلى أبصارهم غشاوة) ms422 ، (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم ~~فهم لا يبصرون (9) . # ويقول: (إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا) ، وكيف ~~يسمع أو يخنع ويستجيب من ختم على قلبه وبصره وسمعه، وحيل بينه وبين قلبه ~~ورشده. # واعلموا رحمكم الله أنه لا تنافي ولا تناقض في شيء مما تلاه الملحدون # وتعلقوا به.، ولا حجة فيه ولا شبهة لقدري يحاول بما يتلوه من ذلك إبطال # PageV02P632 # إضلال الله الضالين بالختم والطبع والتغشية، وتقليب القلوب والأبصار # والتفرقة بين المرء وقلبه. # ونحن نكشف ذلك كشفا يزيل ما حاولوه من الإلباس والتمويه ويجلي # غماء الشبهة بإذن الله عن ذي الجهل والنقص منهم. # فأول ما يجب أن نثبته في هذا الفصل الفرق بين الإضلال والضلال. # فنقول: إن الضلال هو الذهاب عن الحق، وضده الهدى وتصور الأمور # على غير ما هي به، وهو من فعل النفس، والخبر عن ذلك باللسان عبارة # عن الضلال الذي في القلب، ومن فعل النفس وهو أيضا في نفسه ضلال. # لأنه خبر باطل وقول كذب وضد الحق والصدق، والذي هو الخبر عن # الشيء على ما هو به، وهو محرم على المخبر به إذا شرح بالكفر صدرا ولم # يكن معتقدا به، كما أن اعتقاد الباطل معصية محرمة على معتقدها، فقد # استوى العقد والقول الذين ليسا بحق وهما ضد الهدى، والصواب في أنهما # ضلالات وذهابات عن الحق أحدهما عقد والآخر قول وخبر، والضلال # الذي هذه صفته لا يكون إلا لضال به، ومن ضال يوصف به، ويتعلق بقدرته إذا ~~كان منتهيا عنه ومأمورا بتركه، هذا أصل الضلال، ومنه سمي الضلال عن الطريق ~~المحجة إذا عدل عنها للجهل بها ضالا عن الطريق، ومنه # الضلال عن الرأي الذي هو الذهاب عن صوابه، ومنه الضلال عن الحق # الذي هو العدول، ومنه سميت الضالة ضالة. # وقد قيل: إن الضلال عن الحق الذي هو بمعنى العذاب، واستشهد # قائل ذلك بقوله: (إن المجرمين في ضلال وسعر (47) . # يعني: في عذاب وسعر وليس هذا باستشهاد صحيح، لأنه يحتمل أن يكون عن أن ms423 ~~المجرمين في الدنيا في ضلال عن الحق وفي سعر في الآخرة، أو في ضلال في ~~الدنيا # PageV02P633 # عن الحق، وسعر هو نفس ضلالهم عن الحق، وإنما سمى أعمالهم سعرا # على معنى أنه يستحق بها الكون في السعير، كما قال: (فما أصبرهم على ~~النار) ، يعني على عمل أهل النار فلا حجة في الآية، وعلى # أنه لو كان الأمر على ما ذكروه لصار تقدير الكلام إن المجرمين في عذاب # لأن السعير نفسه عذاب، وهو يغني عن ذكر العذاب، وهذا مستثقل مستغث من ~~الكلام، فوجب أن يكون قوله: في ضلال يعني ذهاب عن الحق، وفي سعر من أعمالهم ~~هذه، أو سيكون في سعر يوم القيامة، وعلى أنه سمى العذاب ضلالا فعلى معنى ~~أنه ذاهب بصاحبه عن الثواب واللذات، فهو راجع إلى الذهاب عن الجنة على وجه ~~الشبه بالذهاب عن الحق، والأمر # المقصود الذي فيه السلامة والنجاة. # وقيل إن الضلال يكون بمعنى الهلاك بدلالة قوله: (أإذا ضللنا في الأرض) ، ~~أي: هلكنا، وقد يمكن أيضا أن يكون ضلالهم في # الأرض ذهاب عن مواضع مقصودة فيها المصالح والرشاد وإن سلم أن # الضلال بمعنى الهلاك والبلى في القبور، فذلك غير ضار ولا نافع للملحد # ولا لقدري على ما سنبينه إن شاء الله. # وقيل إن الضلال يكون بمعنى الغفلة، ومنه قوله: (أن تضل إحداهما فتذكر ~~إحداهما الأخرى) . # وقوله: (ووجدك ضالا فهدى) . # أي: تغفل إحداهما، ووجدك غافلا على النبوة، فهداك إليها وشرف قدرك بها، ~~وهذا أيضا عائد إلى معنى الذهاب عن الشيء # وذلك أن غفلة إحداهما التي خيفت إنما هو ذهابها عن ذكر الحق وإقامة # الشهادة عليه بحسب الصواب، وما يجب في التحفل والأداء، والذهاب عن # ذلك بالغفلة ذهاب عن الحق، كما أن الذهاب عنه بالقصد والاعتماد ذهاب # عن الحق، غير أن إحداهما معتمد، والآخر غير معتمد. # PageV02P634 # وقوله: (ووجدك ضالا فهدى) أي غير عارف بشريعة بعينها قامت بها # الحجة لحصول الفترة والذهاب عن العلم، فذلك ذهاب عن أمر من # الصواب، الواجب على من علمه وقامت الحجة عليه به وإن لم ms424 يكلفه عليه # السلام مع الفترة، وليس كل ضلال مذموما بنفس الاسم وبكونه ضلالا. # وإنما المذموم من ذلك ما حظره الله ونهى عنه، ولذلك نقول قد ضل زيد # عن الرأي، وذهب عليه رشده وإن لم يقصد بذلك ذمه، بل الإخبار عن # ذهابه عما قصده فقط، وربما كان قصده التذكير على المؤمنين. # فأما قوله: (فعلتها إذا وأنا من الضالين) ، فليس فيه دلالة على # أنه كان من الغافلين عما فعله، بل لا ينكر عندنا أن يقع منه الذنب على ~~وجه العمد وإن كان مغفورا، ويمكن أن يكون وقع عن غفلة وسهو، أعني القتل ~~ولكن ليس حجة ذلك قوله: وأنا من الضالين بل شيء آخر إن دل على ذلك، وكل شيء ~~يسمى ضلالا فإن هذا أصله وهو مأخوذ منه ومشبه به. # فأما الإضلال فإنه غير الضلال وهو متعلق بالمضل للضال دون الضال # بقدرته، وإن قيل أحيانا زيد قد أضل نفسه بكفره وخلافه عن الحق، فعلى # وجه التشبيه بإضلال غيره له، والإضلال الحقيقي الذي هذه الأسماء اسم له # قولنا إغواء وتزيين للباطل وتقبيح الحق، إنما هو الحيلولة بين المرء ~~وقلبه # وإزاغة القلوب عن الحق، وخلق الباطل فيها الذي هو اعتقاد غير الحق # وقولنا ختم وطبع وغشاوة وصم وعمي وسدا إنما هو عبارة عن هذا # الاسم من المفعول في القلوب والمضاد لاعتقاد الحق والصواب، والله هو # المنفرد بخلق ذلك في قسمه لنا به، وعدل عليه في حكمه وقضائه. # والمتفرد بالقدرة على تقليب القلوب والحيلولة بين أصحابها وبينها. # والقدرة على خلق ضد الحق فيها لا يشركه في القدرة على إغواء القلوب # PageV02P635 # وتصوير الأمور بخير ما هي به، والخلوص إلى الطبع والختم، ملك مقرب # ولا نبى مرسل، ولا شيطان متقول، ولا أحد من خلق الله، هذا هو حقيقة # الإضلال. # وقد يسمى الدعاء إلى الباطل والتزيين له، والتحمل في اعتقاده # والوسوسة المخيلة لكونه حقا إضلالا لمن قبل ذلك، وأجاب إليه. # واستصير به وإغواء الشيطان ووسوسته إضلالا لمن قبل دون من لم يقبله. # وكذلك دعاؤه إلى الضلال ودعاء سائر أئمة ms425 الكفر إليه إضلالا لمن قبل # ذلك، واستصير به، وكذلك سحر السحرة وفعل السمامري الذي هو صياغة العجل ~~إضلالا وإغواء لمن قبل ذلك واستصير به دون من خالفه، وبعد عنه، وقد يسمى ~~تسميته الضال ومن ليس بضال والحكم عليه باسم الضلال إضلالا، وإن لم يكن ~~إضلالا على الحقيقة، ولكن على وجه التشبيه له بفعل الضلال في الغير وبما ~~يستصير به المفعول فيه، قال النجاشي: # ما زال يهدي قومه ويضلنا ... حقا وينسبنا إلى الكفار # ولسوف يعلم حين يلقى ربه ... من شرنا وأحقنا بالنار # يعني ما زال يسمينا ضالين ويحكم لنا بذلك ويسمي قومه مهتدين. # وقال آخر: # وما زال شرف الراح حتى أشرني ... صديقي وحتى سائني بعض ذلك # يعني: تسمية صديقه وجليسه له شريرا دون خلق الشر فيه، وهذا إن # جاز استعماله فمجاز وعلى وجه الاستعارة والتشبيه بالإضلال الذي هو # نفس الذهاب عن الحق، وكان الخبر بذلك قد صار بمثابة من فعل ذلك فيه # إذا كان عند المسمى قضية ما سماه به، كما إن من خلق به الضلال ضال عند # PageV02P636 # من خلق الضلال في قلبه، وتسمية المسمى المخبر بذلك على وجه التشبيه # بفاعل الضلال في القلوب. # ويمكن أن يكون لما كان الحكم والتسمية للغير بالضلال يضر بالمسمى # ويغمه ويصوره عند الناس قبح حاله، كما أن وجود الضلال في قلبه يغمه # ويضمره ويهلكه أجري على التسمية لهذه الوصمة والمضرة اسم ضلال للقلب الذي ~~هو الذهاب عن الحق. # والضلال في الحقيقة، هو ضد الهدى الذي يوجد في محله ويعاقبه. # قال الله تعالى: (ومن يضلل الله فما له من هاد) ، وقال: (فمنهم من هدى ~~الله ومنهم من حقت عليه الضلالة) . # وأمثال لهذه الآيات فيها تحقيق الضلالة التي هي ضد الهدى والذهاب عن الحق ~~والصواب. # قال لبيد بن الربيعة: # من هداه سبل الخير اهتدى ... نعم البال ومن شاء أضل # ولم يرد بالهدى الذي به ينعم بال المهتدي، الحكم والتسمية ولا # بالضلال، التسمية به، بل أراد شرح الصدور وتضييق القلوب. # فأما الهدى فهو ضد الضلال وهو معرفة القلب ms426 بوجوب كل واجب # وتصديقه بذلك، واعتقاد الأمور على ما هي به، والإخبار عن ذلك باللسان # هدى أيضا، لأنه خبر حق وصدق، ونقيض ما صور به، والهداية التي هي # الإرشاد من الله خلق الهدى في القلوب وشرح الصدور وتوسعتها وإقرارها # بالحق وتسهيله وتيسيره عليها وفعل الألطاف الجامعة لهم على فعل الطاعات، # PageV02P637 # وقد تكون الهداية بمعنى الدعاء إلى الشيء، ولا تسمى الدعوة إلى الحق # هداية إليه إلا لمن قبلها وانتفع بها. # قال القطامي: # ماذا هداك لتسليم على دمن ... بالغمر غيرهن الأعصر الأول # يريد بقوله (ماذا هداك) : ماذا دعاك إلى الهدى إذ اهتديت لتسليم على # دمن بالغمر غيرهن الأعصر الأول وبعثك على ذلك. # وقد تكون الهداية بمعنى التوفيق وشرح الصدر وتسهيل القول الحق # على ما بيناه من قبل، وهي الهداية الحقيقية المقصودة بقوله: (إنك لا تهدي ~~من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) ، أي: إنك لا توفق من # أحببت، ولم يرد أنك لا تأمره بالهدى وتدعوه إليه، وهي المراد بقوله: # (ومن يهد الله فما له من مضل) ، والمعتمد في الرغبة إلى الله في # الهداية في الرغبة، لأن الدعوة قد حصلت لكل، ولأنه قد ضل كثير ممن # دعي إلى الحق، فدل ذلك على أن الهدى المرغوب فيه والذي لا يضل # صاحبه، ولا يهدي به النبي عليه السلام من أحب هدايته هو التوفيق وشرح # الصدور الذي قدمناه. # قال الحطيئة: # تحنن علي هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا # يريد: وققك المليك للحق، وشرح صدرك به ولم يرد دعوته إلى # ذلك، لأنها قد سلفت ووجدت. # وقد تكون الهداية إلى الشيء بمعنى التقديم إليه، ومنه قولهم: قد أقبلت # هوادي الخيل أي: مقدماتها، ويقال هوادي الخيل أعناقها لأنها تتقدمها. # PageV02P638 # قال الشاعر: # إذا لم يختزن للبيت لحما غريضا ... من هوادي الوحش جاعوا # يعني: تدخر لهم من أوائل ما يتقذم إلى الوحش. # وقال الأعشى: # إذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدر القناة أطاع الأميرا # يعني أوائل القناة ومواضع الأسنة منها، والعصا تسمى الهادية إما لأنها # تتقدم المتوكىء عليها، أو لأنها من ms427 شدة تهديه بحسه بها وتوقيه الوهاد # والتلاع، وما في سبله من الأذى، وما يريد معرفته. # وأما قول من زعم أن الهداية تكون بمعنى الزيادة، واعتل لذلك بقوله # تعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدى) ، فإنه تعلق باطل، لأن قوله زادهم # هدى، إنما يريد بزيادتهم رشادا وتبصرا، واتخاذا للهداية في قلوبهم في # مستقبل أزمانهم وأعمارهم، وليس يبين معنى الهداية بجعله زيادة على هدى # كان قبله، وكما أنه قال قائل لما علموا زدناهم علما إلى علمهم، ولم يكن # في ذلك إخبار عن خاصية العلم وحده، وحقيقته المحيطة به، فكذلك ذكر # الهداية والزيادة فيهما لا ينبىء عن معناها. # وقد قيل إن الهدى ثواب الجنة، واحتج لذلك بقوله: (والذين قتلوا في سبيل ~~الله فلن يضل أعمالهم (4) سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم ~~(6) . # يعني: أنه يهديهم إلى طريق الجنة، وهذا أيضا إن صح فعلى وجه تشبيه الثواب ~~في نفعه بهدى القلب واستبصاره في الانتفاع به، واستدفاع الضرر، هذه جملة في ~~معنى # PageV02P639 # الهداية والهدى والإضلال والضلال كافية، اذا كانت هذه الجملة ثابتة # وجب أن يكشف بعد ذلك بأنه لا تناقض في إضافة إضلال كل ضال من # العصاة بالكفر وغيره إلى نفسه، وبين إضافته إلى الفراعنة والمردة مرة ~~وإلى # الشياطين وإلى فرعون والسامري وكل داع إلى ضلالة وإن القرآن يشهد # بعضه لبعض، ويصدق بعضه بعضا. # فنقول: إن الهداية التي أضافها الله تعالى إلى نفسه وأخبر بها لا يشركه # فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا أحد من خلقه، وهي شرح الصدور وتطهير ~~القلوب، وخلق الإيمان والتصديق فيها وتسهيله عليها، وخلق الألطاف الجامعة ~~الدواعي والهمم على فعله من القدرة على فعله، والأسباب المسهلة له، وغير ~~ذلك مما لا يقدر عليه أحد من خلقه، فهذا الضرب من الهداية لم يضفه الله ~~تعالى إلى الملائكة ولا إلى أنبيائه ولا إلى أحد من خلقه، إذ لم يكن ذلك من ~~أفعالهم ولا مما يدخل تحت قدرهم، وإنما معنى الهداية التي # يضيفها الله تعالى ورسوله والمسلمون مرة إلى الأنبياء ومرة إلى الأئمة # والعلماء، إنما ms428 هي الدعوة إلى الإيمان وشهادة الحق والإرشاد إليها، بذكره # الأدلة والتنبيه على موضع الحجة والتزيين لذلك والتقبيح لتركه، والتحذير # والوعيد عن التخلف عنه وتجنبه، وكثرة الحث والحض على فعله، والإخبار # بما عليه من جزيل الثواب وبما في تركه من أليم العقاب، إلى غير ذلك. # وجملة هذه الهداية المضافة إلى غير الله من سائر أوليائه، إنما هي # معنى الدعوة إلى الإيمان والتزيين له والإرشاد إليه والتنبيه على مواضع # الهداية عليه، والترغيب في فعله والتحذير من تركه، فأما أن يكون لأحد # منهم سلطان على فعل في القلوب وشرح الصدور وخلق القدر والألطاف # وتقليب القلوب والأبصار وصرفها والحيلولة بين المرء وقلبه، فإن ذلك غير # PageV02P640 # جائز على قول أحد من الأمة، ومما قد قامت الأدلة على بطلانه وكذب كل # من ادعى ذلك لنفسه من الخلق أو لغيره من الخلق، ولو كان إلى الأنبياء # والمؤمنين هداية الخلق بما يهديهم إليه سبحانه به ليهدوا الناس أجمعين # ومن آثروا إيمانه وكرهوا إضلاله. # وكيف يكون ذلك كذلك والله تعالى يقول لرسوله: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن ~~الله يهدي من يشاء) . # وقال له: أفتراه إنك لا تأمر من أحببت ولا تدعوه إلى كلمة الحق ولا تزين ~~له الصواب، ولا ترغب وترهب مع إخباره عنه بأنه موضع لرسالته، والأداء عنه، ~~هذا مما لا يقوله مسلم ولا ملحد لأن الكل قد اتفقوا على أنه عليه السلام ~~بين وأنذر وحذر، وإنما قال له: (إنك لا تهدي من أحببت) ، أي ليس إليك ~~هدايته بشرح - الصدر وتوسعته وتطهير القلب، وخلق الإيمان فيه وتسهيله عليه ~~ولذلك روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "بعثت داعيا ومبلغا، ~~وليس إلي من الهدى شيء، وخلق إبليس مزينا وليس له من الإضلال شيء" (1) . # وقد ورد القرآن بتصديق هذا في قوله: (إنك لا تهدي من أحببت) . # وقوله: (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) . # وقوله: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء) . # وقوله: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين) . # وقوله تعالى: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا ms429 إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا (46) . # في أمثال هذا مما خبر فيه أن الهداية إليه وحده وليس يجوز أن يكون إليه ~~وحده ما هو مشترك بينه وبين خلقه. PageV02P641 # واعلموا - رحمكم الله - أن دعوة الرسول لا تكون هداية لأحد ولا # توصف بذلك حتى يقارنها قبول المدعو وانتفاعه بها، ومتى عريت من ذلك # لم تكن هداية له، فلذلك لا يجوز أن يقال إن الرسول قد هدى أبا جهل وأبا # لهب وسائر من كفر به من قريش، ولم ينتفع بدعوته لأنه إذا لم ينتفع # المكلف بالدعوة لم تكن من أسباب هدايته، وصارت ضررا عليه ووبالا # وطريقا إلى عقابه، لأنه لو لم تكن الدعوة لم يستوجب العقاب، فهي إذن # ضرر مع عدم القبول والانتفاع، قال سبحانه وتعالى: (الم (1) ذلك الكتاب لا ~~ريب فيه هدى للمتقين (2) . # وقال: (وما يضل به إلا الفاسقين) ، وقال: (وهو عليهم عمى) . # فبين بذلك أجمع وأمثاله من الأخبار أن الدعوة هداية لمن قبلها وانتفع بها ~~دون # من ردها واستضر بورودها، فبان بهذه الجملة أنه لا منافاة بين إضافة الله # سبحانه الهداية إليه، وبين إضافة الهداية إلى رسله وملائكته والمؤمنين ~~إذا # كان من أضافه إلى نفسه من ذلك غير ما أضافه إلى خلقه. # على أن الهداية التي أضافها إليهم إنما هي الدعوة والتزيين والإرشاد # والتنبيه والترغيب والتحذير، وعلى ذلك يدل قوله: (وما نرسل المرسلين إلا ~~مبشرين ومنذرين) ، وقوله: (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) . # وكل هذا مما قد هدى الله سبحانه المؤمنين به على وجهين: # أحدهما: أن نفس دعوة الرسل وترغيبهم وترهيبهم وإرشادهم من فعل # الله تعالى وخلقه وترتيبه وتدبيره، فهو أيضا هاد بذلك للمنتفع بالدعوة ~~حسب هداية المكتسب له من الرسل، ولا يجوز أن يكون الباري الهادي بهذه # الهداية المكتسب لها دون خالقها الذي صارت نفسا حادثة موجودة به دون # المكتسب لها، فوجب لذلك أن يكون لا تناقض بين إضافة الهداية الواحدة # PageV02P642 # إليهم تارة وإليه أخرى، لأنها مضافة إليه تعالى من جهة الخلق والاختراع. # ومضافة إليهم من جهة التصرف والاكتساب، وقد شرحنا ms430 هذه الفصول. # وكيف يكون عدلا واحدا لعدلين وهداية لمهديين، ووجه الاشتقاق من خلق # الهداية والعدل واكتسابها وطريق تعلقهما وإضافتهما في "شرح اللمع " وغيره # مما يغني الناظر فيه إن شاء الله. # والوجه الآخر: أن الله تعالى قد هدى كل قابل للإيمان بمثل هداية الرسل # في الدعوة والإرشاد والتزين والترغيب والترهيب، فصارت هذه الهداية # مشتركة ومضافة إلى الله تعالى وإلى أوليائه، ومعنى الاشتراك فيها أن # المضاف إلى الله سبحانه منها كالمضاف إلى رسوله وأوليائه، والضرب # الأول هو الذي انفرد الله تعالى به، ولم يضفه إلى أحد من خلقه، وهو الذي # عناه بقوله: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) . # وقوله: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان) ، وقوله: (حبب إليكم الإيمان وزينه ~~في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) ، فلم ~~يضف من ذلك شيئا إلى رسله ولا إلى أحد من خلقه. # فبان بهذا أنه لا تناقض في إضافات الهداية مرة إلى الله سبحانه، ومرة إلى # رسوله، ومرة إلى المؤمنين والملائكة إذا نزلت بحسب ما بيناه ورتبناه. # فأما إضافته الإضلال مزة أخرى إلى نفسه تعالى ومزة إلى الشياطين # ومزة إلى المجرمين ومرة إلى السامري وإلى فرعون وغيره من الكفار، فإنه # لا تناقض أيضا في ذلك ولا تنافي، وذلك أن الإضلال الذي أضافه الله إلى # نفسه هو الذي لا يدخل تحت قدرة أحد من خلقه من جميع الفراعنة والشياطين ~~والمجرمين، وهو الطبع على القلوب، وجعل الأكنة عليها والختم والإعماء، # PageV02P643 # وما ذكره من المد في الطغيان والوقر في الآذان، وتقليب الأفئدة والأبصار. # والحول بين المرء وقلبه وتضييق صدره وما يعقبه من النفاق في قلوب أعدائه # الأشرار، وكل هذا مما ينفرد الله بالقدرة عليه، وكذلك خلق نفس الكفر # والإضلال والإقدار عليه والتمكين منه، مما ليس لكافر ولا لشيطان مارد # سلطان ولا قدرة على خلقه في القلوب فما أضاف الله تعالى شيئا من ذلك إلى # أحد من خلقه بل قال: "ختمنا" و "طبعنا" ms431 و "جعلنا على أبصارهم غشاوة". # "نقلب أفئدتهم وأبصارهم "، و"أعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ". # و"جعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ". # فلم يضف تعالى شيئا من ذلك إلى أحد من الشياطين أو المجرمين أو فرعون # أو السامري، إذ ما كان ذلك من صفاتهم ولا مما يدخل تحت قدرهم. # وأما الإضلال الذي أضافه الله تعالى إلى الكفار والمجرمين فهو الدعوة # إلى الضلال، وتزيينه وإيراد الشبهة فيه، وليس ذلك من خلق شيء في # القلوب بسبيل، وأما الإضلال المضاف إلى فرعون والسامري خاصة ومن # جرى مجراهم فهو إلباسهم في الدين ومكرهم بأهله، وحيلهم التي نصبوها # لإيقاع الشبه في الحق، وليس ذلك من خلق الضلال في القلوب في شيء. # وأما الإضلال المضاف إلى إبليس والشياطين فقد يكون أيضا بمعنى # الدعوة إلى الضلال، ويكون الوسوسة في الصدور، وحديث النفس بما جعل # لهم من السلطان على هذه الوسوسة وعلى سلوك بني آدم وختومه على # قلوبهم، فهذا مما يختص به الشياطين دون سائر الخلق، وكل هذه التفاسير # في الإضلال التي نزلناها قد ورد بها الأخبار والقرآن على ما سنذكر جملة # منه، وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن من إضافة الإضلال إلى نفسه تعالى # PageV02P644 # وإلى جميع من ذكر من خلقه منافاة ولا مناقضة على ما يظئه الملحدون ومن # تابعهم من القدرية والمتحيرين في مذاهبهم من أهل الملة، فبان بهذه الجملة # أن الله تعالى لم يجعل إلى أحد من خلقه إضلال أحد، وإن جعل له القدرة # على هذه الأسباب التي ذكرناها، ولو قدر إبليس والشياطين والمجرمون # على إضلال أحد من الناس، وكان ذلك إليهم وفي أيديهم لأضلوا الأنبياء # وسائر المؤمنين، وكل من آثروا إضلاله وحاولوا الإلباس عليه في دينه. # ولما لم يكن ذلك كذلك، ثبت أن الإضلال الذي أضافه تعالى إلى نفسه لم # يجعل لأحد من خلقه إليه سبيلا، ولا عليه سلطانا. # وكذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وخلق إبليس مزينا وليس له ~~من الضلالة شيء ". # وقد قال الله تصديقا لهذه ms432 الرواية ولما قلناه: (إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان) ، وقال: (وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق ~~عليهم القول) . # وقال: (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) ، فأخبر أن القرناء إنما إليهم التزيين # فقط، وأنهم إنما ضلوا بما حق عليهم من القول والقسمة لجهنم. # قال الله تعالى: (كما بدأكم تعودون (29) فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة) ، ثم قال: (من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ~~(178) . # وقال: (ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (17) . # وقال: (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما ~~له من هاد (36) ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37) ~~. # فبين بذلك وأمثاله أن الضال من أضله الله، وأنه لا هادي له وأن المهتدي # من هداه وأنه لا مضل له فهذا تنزيل يزيل الريب والشبهة ويبطل ما يلبس به # القدرية والملحدة، وقد أخبر سبحانه أن الإضلال منه ما وصفناه من الطبع # PageV02P645 # الختم على القلوب وتغشية الأبصار وتقليب القلوب والحول بين المرء وقلبه. # وغير ذلك مما عددناه، وخبر تعالى أن إضلال الشياطين إنما هي الوسوسة # والتزيين والتسويل للنفس، ووعد الشر، وأمثال ذلك. # قال الله تعالى: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) . # وقال: (قل أعوذ برب الناس) فأخبر أنه يوسوس في صدور الناس، وقال: # (يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) . # وقال: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء) . # وقال: (الشيطان سول لهم وأملى لهم) . # والشيطان يضل على وجهين: # أحدهما: الدعوة إلى الضلال والوعد والتزيين للباطل. # والآخر: الوسوسة، وقد ورد عن الرسول تصديق ذلك والإقرار به. # فروى عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن ~~للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمه الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب ~~بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد من ذلك شيئا ~~فليعلم أنه من الله وليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم، ثم قرأ عليه السلام: (الشيطان يعدكم الفقر ms433 ويأمركم بالفحشاء والله ~~يعدكم مغفرة منه وفضلا) . # وروى أنس بن مالك عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إن # الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي الله ~~التقم قلبه "، وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال: (إنما سمي الشيطان # PageV02P646 # الوسواس الخناس لأنه خاتم على القلب، فإذا ذكر الله خنس، وإذا لم يذكر # وسوس ". # في روايات كثيرة في هذا المعنى، من نحو قوله: "إن الشيطان # ليجري من ابن آدم مجرى الدم". # وقوله: "ما منكم من أحد إلا وله شيطان، قالوا ولا أنت يا رسول الله، قال ~~ولا أنا، ولكن الله يعينني عليه " # وفي رواية أخرى: "ولكن أعان الله عليه" # وأمثال هذا، فهذا القدر من الإضلال هو الذي إلى الشيطان، وهذه الوسوسة هي ~~تزيين وحديث وكلام خفي لا يسمعه الموسوس له، ثم يعتقده إن لم يعصم ويوفق ~~ويعان، وليست شيئا يفعلها الشيطان في قلب ابن آدم لأنه لا قدرة له، ولا ~~لأحد من الخلق على أن يفعل شيئا في غير محل قدرته من قلب آدمي وغيره من ~~الأماكن والمحال. # وأما إضلال المجرمين، فقد أخبر الله تعالى، أنه هو دعاؤهم إلى # الضلال وإلباسهم في الدين في غير موضع من كتابه، قال تعالى: (وما أضلنا ~~إلا المجرمون (99) . # يعني: الذين نصبوا الأصنام وعبدوها وسنوا ذلك ودعوا إليه، وقال تعالى: ~~(قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) . # يريدون من قدم لنا الدعوة إلى ذلك وأمر به، وقالوا: # (ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من ~~الأسفلين (29) . # PageV02P647 # وقد تظاهرت الروايات بأن المضل من الجن إبليس، والمضل # من الإنس ابن آدم الذي قتل أخاه. # وأما إضلال فرعون لقومه، فإئما هو الدعوة إلى الضلال وإلباسه عليهم # بالشبهات وإشغالهم عن تأمل آيات موسى بقوله: (يا هامان ابن لي صرحا) # ، ومنه قوله: (إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهم) ، ~~وبقوله: (ذروني أقتل موسى وليدع ربه) . # يوهم بذلك أنه قادر على قتله وأن رب موسى ms434 لا ينفعه. # ومنه قوله: (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون (51) ~~. # يوهم بذلك أن هذه صفة من ينبغي أن يعبد. # وقوله: (أنا ربكم الأعلى (24) . # وقوله: (فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38) . # يوهم قومه أنه ينادي صاحب الخضر أو يشغلهم ببناء الصرح عن النظر في آيات ~~موسى وتصديقه، ويتحمل في المدافعة بالأوقات. # ومنه قوله: (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) . # يعني: موسى لأجل لثغة كانت في لسانه، وعقدة، فعابه لأجلها بأنه لا يبين ~~عن نفسه، ثم قال: (فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة ~~مقترنين (53) . # يوهم أنه لو كان عظيم الشأن لكان مسورا بسوار من ذهب، لأنه كذى كان شأن ~~العظيم إذا ارتفع منهم، أن يسور سوارا من ذهب، فهذا قدر طاقة فرعون ومبلغ ~~ما عنده في إضلاله # فأما أن يكون له سلطان على القلوب والنفوس والإضلال بما ينفرد الله # سبحانه بالقدرة عليه من ذلك فمعاذ الله، وقد قال الله تعالى: (وما كيد ~~فرعون إلا في تباب (37) . # ولو أمكنه إضلال أحد لأضل موسى وقومه. # مع إيثاره لذلك وحرصه عليه، ولكن ذلك ليس إليه ولا داخل تحت قدرته. # PageV02P648 # فأما إضلال السامري لعبدة العجل، فهذا أيضا بالدعاء لهم إلى ذلك # وتزيينه، وقوله هذا إلهكم وإله موسى، وبما صنعه من قبضة قبضها من أثر # الرسول وما سولت له نفسه، وقد قال الله تعالى في قصة موسى: (فإنا قد فتنا ~~قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) . # فبدأ بذكر الفتنة التي بها بدأ، وذلك أن الله بصره أثر الرسول فقبض منه ~~القبضة وجعل للعجل بعد أن صنع خوارا يخور به ويمشي، وليس ذلك تحت قدرة أحد ~~من الخلق ولولا الخوار ومشيه لما عبده القوم، ولا كان عليهم فيه شبهة. # وروي من غير طريق عن ابن عباس: "إن العجل كان يخور ويمشي وإن موسى قال: ~~يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل، أرأيت ms435 الروح من نفخها فيه، قال ~~الرب: أنا، قال: فأنت إذا أضللتهم وفي رواية أخرى "يا رب علمت أن الحلي حلي ~~آل فرعون، وأن السامري صاغ العجل، والخوار ممن، فقال مني يا موسى (1) ، ~~فقال: (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء) . # فأخبر موسى أن الفتنة من عند الله، وأن الله يهدي من يشاء، ويضل بها من # يشاء ولم يضف إلى السامري ذلك ولا جعله إليه، وموسى عند القدرية # مجبر مذموم بهذا القول، وإن كانوا يخافون في إظهار ذلك من خوف السيف. # فبان بهذه الجملة كيفية إضافة الله تعالى الإضلال تارة إلى نفسه وتارة ~~إلى # فرعون والسامري وتارة إلى المجرمين، وتارة إلى إبليس والشياطين، وأنه لا # تناقض في ذلك ولا تنافي إذا كان منزلا مرتبا على ما بيناه، وبطل بذلك ما # قاله الملحدون وتوهموه. # واعلموا - رحمكم الله - أن خلق الله الروح والخوار والمشي في العجل. # ودعوة السامري وإلباس فرعون والمجرمين لا يكون ضلالا إلا لمن استضر # به وأجاب إليه، وضل عند مشاهدته، وكان ممن قسمه الله لناره، ولا يجوز ~~PageV02P649 # أن يكون شيء من ذلك إضلالا لمن خالفه واعتقد بطلانه، ودعا إلى خلافه # وتمسك بالحق الذي أمر به، ولذلك لم يكن مضلا بما خلقه من حياة العجل # وخواره أحدا ممن لم يعبده، ولا كان فرعون والسامري والمجرمون # والشياطين مضلين لأحد من الأنبياء والمؤمنين والمتمسكين بإيمانهم، لما لم # يستضروا بذلك ولا أجابوا إليه، فوجب بذلك أن تكون الدعوة إلى الضلال # إضلالا لمن أجاب إليها، دون من خالفها وردها، ولو لم يكن الأمر في # ذلك على ما قلناه، وكان على ما قاله الملحدون في آيات الله وتوهمته # القدرية لما أخبر الله بعض قولنا هذا، وتأويلنا عن أصفيائه وأنبيائه # والمتحملين لرسالته ومن جعلهم واسطة بينه وبين خلقه. # قال الله تعالى في قصة شعيب بعد وصف سيرته مع قومه: (قال الملأ الذين ~~استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ~~ملتنا قال أولو كنا كارهين (88) قد افترينا ms436 على الله كذبا إن عدنا في ملتكم ~~بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ~~وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ~~وأنت خير الفاتحين (89) . # فأخبر عنه عليه السلام باعترافه بأن الله قد نجاه من ملتهم التي هي ~~الكفر، وقد علم أن هذه النجاة ليست هي الدعوة والبيان، لأنه لو كان ذلك ~~كذلك لكان نجا بدعوته جميع قوم شعيب وسائر الكافرين، ثم قال: (وما يكون لنا ~~أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا) ، فأخبر أن عوده وعود كل أحد ~~إلى ملة الكفر ودخوله فيها لا يكون إلا بمشيئة الله، وهذا نفس ما قلناه ~~وأخبرنا به. # فأخبر تعالى عن موسى بمثل ذلك فقال: (واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا ~~بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ~~ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين (155) . # PageV02P650 # فأخبر عنه أنه أضاف فتنتهم وضلالهم إليه، وأنه يضل بها من يشاء ويهدي ~~بهداه من يشاء، هذا مع المروي عنه في التفاسير # مما قد بيناه، ومن قوله: "فممن الخوار، قال: مني يا موسى، قال: إن هي # إلا فتنتك تضل بها من تشاء"، وهذا تصريح منه بمذاهب أهل الحق التي # أخبرنا عنها، ومثل هذا أيضا قول موسى: (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة ~~وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك) . # وأخبر تعالى بمثل هذا بعينه عن نوع عند ذكر قصته مع قومه وكثرة # دعائه لهم فقال تعالى: (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما ~~تعدنا إن كنت من الصادقين (32) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم ~~بمعجزين (33) ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون (34) . # فأخبر عنه أنه اعتقد وقال إن نصحه غير نافع لهم، ms437 إن كان # الله يريد أن يغويهم، ولو لم يجز أن يعذبهم الله، وأن يزيد غيهم وضلالهم # يضف إرادة ذلك إليه سبحانه، ويحيل عليه ضيق المقاليد بالأمر عليه، ولو # تتبعت قصص الرسل وأقاويلهم لوجدت جميعها شاهدة بما قلناه، وليس # يجوز أن يكون لرسول من الرسل قول ومذهب في القدر وخلق الأفعال # والهدى والضلال يخالف مذهب نوح وشعيب وموسى عليهم السلام، لأن # ذلك يوجب تكذيب بعض أنبياء الله لبعض، واعتقاد بعضهم فيه تعالى ما لا # يليق به، ولا يجوز في صفته وقد نزههم الله عن ذلك، ورفع أقدارهم وعظم # بالإيمان والتقدم في العلم به على سائر الخلق شأنهم ومكانهم. # وكيف لا يكون هذا قول الرسل ودينهم في الله تعالى، وهم يسمعونه # يقول في كتبهم مثل الذي قاله لرسولنا في كتابه، وما هو بمعناه مما حكاه # PageV02P651 # عنهم وما لم يحكه، والله يقول في كتابنا المنزل على رسوله: (ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) . # وقد علم كل ذي تحصيل أنه لا يجوز أن يكون أراد بهذا الفضل الذي لولاه ~~لاتبعوا الشيطان، وما زكى منهم من أحد، وكانوا من الخاسرين، هو نفس البيان ~~والأمر الذي هو على من ضل وخسر واتبع الشيطان، فدل بذلك على أن هذا الفضل ~~هو الهداية لخلق الإيمان وتوسعة الصدور والتوفيق، وجمع الهمم والدواعي على ~~إيثاره وفعله وأنه ليس له مثل هذا الفضل على من كفر وضل، وعلى هذا دل قوله: ~~(يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان إن كنتم صادقين (17) . # ولو كانت الهداية هي الدعوة والبيان فقط، لكانت هذه # المنة بعينها له على أبي جهل وأبي لهب وسائر الكافرين، ولو كانت الكتمان # والتصديق والطاعة والانقياد من اختراع المؤمنين وخلقهم وتقديرهم دون # رب العالمين ودون رسوله لم يكن لله عليهم منة بالإيمان والتصديق ولا # لرسوله، إذ كان الإيمان فعلهم ومن تقديرهم وواقع باختيارهم، وكان من # المحال أن يمن الله عليهم بفعلهم وخلقهم، ولا قدرة له عليه عندهم ولا # ملك ms438 له يتعلق عليه، ولا هو ردث له ولا إله له. # وكذلك قو@ه سبحانه: (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة) . # وقوله: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) . # وقد علم الله أنه لا يمكن أن يكون هذا التحبيب للإيمان والتزيين له ~~والتكريه # للكفر، هو نفس الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، إذ قد ~~وجد ذلك لمن ليس بمحب الإيمان ولا كاره للكفر، وكذلك فلا يجوز # أن تكون الحسنى السابقة للمؤمنين هو سبق بيانه إليهم وترغيبه إياهم، لأن # PageV02P652 # ذلك أجمع مما قد سبق للكافرين، وهم غير مبعدين من النار، ولا يجوز # أيضا أن يكون سبق الحسنى لهم بمعنى أنها الجنة بما كان لأمره ونهيه # إياهم، وإنما سبقت الجنة إن كانت هي الحسنى بما سبق لهم من الهداية # وقسمهم لها دون البيان والأمر والنهي. # وعلى هذا دل قوله: (وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك ~~بنصره وبالمؤمنين (62) وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت ~~بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) . # وقوله في مثل هذا: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت ~~الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على ~~شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ~~(103) . # فأخبر سبحانه أن لو أنفق جميع ما في الأرض ما ألف بين قلوبهم وأنهم ~~أصبحوا بنعمته إخوانا، وأنقذهم من النار، وامتن بهذا أجمع عليهم، وقد علم ~~أنه لا يجوز أن يكون هذا التأليف بين قلوبهم والاستنقاذ لهم هو نفس الدعوة ~~والبيان، لأن ذلك أجمع موجود في الكافرين لا يوجب أن لا يكون الله سبحانه ~~في هذا التأليف والاستنقاذ من النعمة إلا ما للرسول، وما لبعضهم على بعض، ~~لأن الدعوة والإقدار قد وجد من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن بعضهم ~~لبعض، فدل ذلك على أنه # إنما امتن عليهم بما هو وحده القادر ms439 عليه، والمختص بالتفضل به. # وكيف يكون التأليف بين قلوبهم هو نفس الدعوة والإنذار وهو يقول # للرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين ~~قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) . # وهو عليه السلام على قولهم قد ألف بين قلوبهم، إن لم يكن التأليف بين # قلوبهم شيئا سوى الدعوة والإنذار، هذا خلف من القول وبما يتعالى الله # عنه. # PageV02P653 # ثم أخبر تعالى فيما قدمنا ذكره من الآي وغيرها أنه فعل بالضالين # والكافرين من ضيق الصدور والطبع على القلوب والختم، وجعل الأكنة # عليها، والتغشية على الأبصار نقيض ما فعله بالمؤمنين وأخبر عن أوليائه # وأصفيائه، ومن هو أعلم بالله من جميع الملحدة والقدرية أنهم رغبوا في أن # يفعل بهم ما فعله بالمؤمنين وأن يجمعهم عليه ويجنبهم ما فعله بالكافرين. # فقال تعالى فيمن أحسن الثناء عليه وأقر بالاقتداء به: (والذين جاءوا من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا للذين آمنوا) . # وهذا قول من قد علم أن جعل الغل في قلوبهم من فعل الله رب العالمين، ولو ~~لم يجز ذلك عليه، وكان فعله ظلما وسفها على ما يقوله المبطلون، لكان ذلك ~~رغبة إلى الله في أن لا يفعل ما يستحيل في صفته وما إذا فعله كان بفعله ~~ظالما جائرا سفيها، وكل سائل وراغب إلى الله فيه جاهل به ومستخف مفتر عليه، ~~والله تعالى يجل عن أن يثني على قوم هذه سبيلهم وصفتهم. # وليس يجوز أن يكون مرادهم بقولهم ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين # آمنوا أي لا تسمينا غالين ومدغلين ومنافقين ونحو ذلك، لأنهم لا بد أن # يكونوا إنما رغبوا إليه في أن لا يسميهم بذلك، إذا فعلوا الغل والنفاق # والإدغال وإذا لم يفعلوه، فإن كانوا رغبوا إليه في أن لا يسميهم بقبح # أفعالهم وموجب صفاتهم، وإن فعلوا ذلك ووقع منهم بذلك رغبة إليه في # السفه والإغراء بمعاصيه وقلب اللغة، وإبطال الترغيب والترهيب والكذب # في خبره، والتسوية بين أعدائه وأوليائه، والظلم باهل طاعته إذا ms440 لم يفرق ~~في # الأسماء القبيحة بينهم وبين حالي الإجرام والذنوب، والله سبحانه لا يثني # على قوم هذه صفتهم، وإن كانوا رغبوا إليه في أن لا يسميهم بذلك إذا لم # PageV02P654 # يفعل الغل والنفاق فكأنهم إنما رغبوا إليه في أن لا يكون عليهم ولا يضيف # إليهم ما لم يكن منهم، ويصفهم بما ليس في صفتهم، وفي أن لا يظلمهم # ولا يجور عليهم في ذمهم بما لم يكن منهم، والله يجل عن هذه الصفة وعن # مدح قوم رغبوا إليه في أن لا يكون على هذه الأوصاف. # وكل هذا يدل على ما قلناه، وعلى إبطال ما قاله القدرية والملحدون # في آيات الله، وكذلك القول في كل رغبة وقعت من مؤمن في أن يجعله # مؤمنا مصدقا وأن لا يجعله كافرا ولا ضالا نحو قول إبراهيم: (ربنا واجعلنا ~~مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) ،، ولا يجوز أن يكون معنى # هذه الدعية أن سمينا مسلمين إذا أسلمنا أو سمينا بذلك، وإن لم نسلم ولا # أن تبين لنا وأمرنا لأحد سبق منه هذا الأمر وتقدم إليه وإلى غيره من # الكافرين، فالتعلق بكل هذا تعليل وتمريض. # وقولهم بعد ذلك: إن هذه الدعوات من الرسل والمؤمنين إنما وقعت # على وجه الرغبة فقط، لا معنى لها ولا يجوز على غير ما رغبوا إليه فيه. # وأنها بمثابة قوله لنبئه: (قال رب احكم بالحق) ، وقد علم أنه لا يجوز ~~عليه # الحكم بغير الحق وإنما ذلك أمر بالرغبة فقط، إنما هو لبس وقصد للتمويه # لأن التأويل في قوله: (قال رب احكم بالحق) : أي عجل الحكم به كله أو # بعضه، لأنه تعالى له تعجيل الحكم بالحق وله تأخيره، وليس له عند # المعتزلة تقديم جعل الغل للمؤمنين في القلوب ولا تأخير ذلك ولا يصح أن # يقع منه بحال، وهذا يبطل تمويهاتهم بهذه الأباطيل. # PageV02P655 # وكيف لا يجوز على الله ما قلناه وهو تعالى يقول: (وما أصابكم يوم التقى ~~الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) . # وليس يجوز أن تكون هزيمة من انهزم وانحرافه بأمر الله وإيجابه، وإنما ~~أراد ms441 بذكر إذنه قضاءه وقدره وما قذفه في قلوبهم، وقد قال تعالى: (فبما ~~نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا ~~حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم ~~واصفح إن الله يحب المحسنين (13) ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ~~فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) . # فأخبر أنه - جعل قلوبهم قاسية وأنه أغرى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة، وليس هذا من الحكم والتسمية بسبيل، ولأن ذلك لو كان كذلك لكان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين وكل منتم لهم، وحاكم عليهم يجعله ~~إيمانهم قد أغرى العداوة بيتهم وجعل قلوبهم قاسية. # وهو ما لا يقوله أحد. # وقال سبحانه: (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك) ، فأخبر بتغطية قلوبهم ~~وليس ذلك من التسمية بسبيل. # وقال: (ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي ~~المحسنين (84) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل ~~واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86) ومن آبائهم وذرياتهم ~~وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) ذلك هدى الله يهدي به ~~من يشاء من عباده) . # ولو كان الهدى منه لا يكون إلا بمعنى الدعوة والبيان لم يكن لهذا ~~الامتنان عليهم معنى، ولكان قد هدى بهذا الهدى جميع المكلفين، ولم يكن ~~لقوله: (يهدي به من يشاء من عباده) معنى، وكل هذا يبطل ما قالوه. # وقال تعالى في نقيض صفة هؤلاء الأنبياء: (قل إنما الآيات عند الله وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) . # PageV02P656 # افترى أنه فعل بهؤلاء ما فعله بمن قال وألف بين قلوبهم، وبمن قال وكنتم ~~على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، لولا الجهل والعناد وقصد التمويه ~~والإلباس، فهوكيف يكون ذلك كذلك والله تعالى يقول: (ولو شاء ربك لجعل الناس ~~أمة واحدة ولا يزالون ms442 مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ~~ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) . # فأخبر أنه للخلاف الذي لا يزالون عليه خلقهم، وأنه قد حقت كلمته بأن يملأ ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولا يجوز أن يكون قوله ولذلك خلقهم منصرفا ~~إلى الرحمة وهو يقول: (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في ~~السماء) ، ويقول: (ولو شاء ربك ما فعلوه) ، (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) ~~،، (ولو شاء الله ما فعلوه) ، (ولو شاء الله ما أشركوا) ، فكل هذا يدل على ~~بطلان تأويلهم. # وأما تعلق القدرية في كثير من إخباره تعالى بإنعامه على المؤمنين # وتأليفه بين قلوبهم واستنقاذهم من جهنم وحرمان الكفار ذلك أجمع، بأنه # إئما أريد بذلك إعطاؤه تعالى للمؤمنين الألطاف الداعية لهم إلى فعل # الطاعة، والجامعة لهممهم عليها، وأنه ليس له مثل هذه النعمة والهداية على # الكافرين، فإنه أيضا باطل من قولهم، لأن اللطف عندهم واجب على الله # سبحانه فعله بعد تكليفهم وقبح منه تركه، كما أنه يجب عليه فعل الإقدار # والتمكين وفعل الثواب والجزاء بعد الطاعة، فمحال منه إذا أن يمتن على # المؤمنين بما هو واجب عليه ولازم له، ولأنه تعالى أيضا عندهم غير قادر # على إعطاء مثل ذلك اللطف للكافرين، ولا هو عنده وفي خزائنه وسلطانه، # PageV02P657 # لأنه لو كان ملم بفعله بهم لوجب بخله عليهم واستفساده لهم، وذلك إخراج له ~~عن الحكمة، فإذا لم يكن عندهم قادرا على التسوية بين الكافرين # والمؤمنين فما معنى امتنانه على المؤمنين، وإخباره بتخصيصه لهم بأجر لو # حاول فعله بالكافرين لم يكن عنده ولا تحت قدرته، على أن القول بأن # الهداية لطف من فعل الله فيهم نقض لقول من قال منهم إنها لا تكون بمعنى # الحكم والتسمية، وجميع ما قدمناه ونزلناه يدل على إبطال ما ألبس به # الملحدون، وتعلقت به القدرية، وتكشف عن ترتيب الإضلال من الله ومن # غيره، وترتيب الهداية منه وتفضيلها، ويوجب تنزيل الظواهر التي يوردونها. # وحملها على ما رتبناه دون ما قالوه. # فأما إضافة ms443 المعاصي وضروب الكفر والضلال في آيات كثيرة من كتابه # إلى أنفس العصاة والكفار، فإنه أيضا غير مناف لإضافة إضلالهم تعالى إلى # نفسه، لأنه سبحانه إنما أضاف ذلك إليهم من حيث كانوا مكتسبين له # وقادرين عليه، وعلى تركه، ومن حيث كانت هذه المعاصي صفات لهم # وحالة فيهم ومتعلقة بهم ضربا من التعلق، وأضاف إضلالهم إلى نفسه تعالى # من حيث هو الخالق لها والقادر على اختراعها دون جميع الخلق، ومن # حيث كان سبب اكتسابهم لها وما ورطهم فيها من قوله تعالى وإن كان عادلا # حكيما بذلك أجمع، لأن الخلق خلقه وهم تحت قبضته لا اعتراض لمخلوق # ، في حكمه وقضائه وقدره، فهذا التنزيل أيضا لا ينافي إضافة المعاصي تارة # إليهم وتارة إليه، من جهة الخلق قال الله سبحانه: (والله خلقكم وما ~~تعملون) ، وقال: (وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (18) ، ~~وقال: (إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) . # وقال: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) . # PageV02P658 # وقال: (وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13) ألا يعلم من ~~خلق وهو اللطيف الخبير (14) . # يقول: كيف لا أعلم القول وإن أخفيتموه، وأنا الخالق # له، في نظائر لهذه الآيات خبر فيها عن خلق أفعال العباد. # ثم قال في إضافة الأفعال إليهم: (كفارا حسدا من عند أنفسهم) . # وقال: (ذلك بما قدمت يداك) ، وقال: (جزاء بما كانوا يعملون (24) ، وقال: ~~(إنهم ساء ما كانوا يعملون (15) ، وقال: (فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما ~~أنزل بعلم الله) ، (فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) . # فأضاف اتباع الهوى إليهم، وقال: (ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم ~~وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور (14) . # وقال: (فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم) . # وقال: (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية) ، فأضاف # جعل ذلك إليهم في نظائر هذه الآيات يكثر تتبعها، أضاف في جميعها # الاكتساب إليهم، وذلك لا ينافي ما أخبر به من خلقه لأفعالهم على ما بيتاه # ورتبناه. ms444 # ثم بين تعالى أن سبب ضلالهم بما اكتسبوا مما نهوا عنه، كان من عنده # ومن قبله في آيات كثيرة، كما بين أنه خالق لأفعالهم في آيات كثيرة فقال # تعالى: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم) ، فأضاف صرف # قلوبهم إلى نفسه، وهو سبب انصرافهم عن الحق، وقال: (سأصرف عن آياتي الذين ~~يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) . # وقال: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (28) ~~، وقال: (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) . # PageV02P659 # فأضاف الإملاء والصرف عن آياته إلى نفسه وجعله من أسباب ضلالهم. # وقال تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) ، ~~فأضاف تقييض الشيطان إلى نفسه، وجعل ذلك من أسباب ضلال # المتبع لغيره، وقال: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ~~فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (16) . # فأخبر أن سبب هلاكهم، هو إرادته لذلك وتأميره لمن في أهل القرية. # فبين تعالى بجميع هذه الآيات وجه إضافة الضلال والإضلال إليهم. # ووجه إضافة ذلك إليه وأكذب من افترى عليه، وقال إنه غير خالق لأفعال # عباده ولا قادر عليها ولا مالك لها، ومن قال من العباد لا يكتسبون شيئا ~~ولا # يقدرون عليه ولا يتعلق بهم أمر من الأمور وأنهم كالباب والحجر والجماد. # ومتى تدبرت هذه الآيات ونزلت التنزيل الذي وصفناه ورتبت الترتيب الذي # رتبه الله تعالى وأراده انتفى عنها التناقض والاختلاف، وصار بعضها حجة # لبعض وشاهدا بصدقه، ومتى جهل ذلك التبس عليه الأمر وضرب بعض # القرآن ببعض، واعتمد تنافيه وتناقضه، وصار ذلك ذريعة إلى تعطيله # وتلاحده نعوذ بالله من الحيرة والضلال. # فأما تعلق الملحدة والقدرية في معارضة ما تلوناه من الآي في أن الباري # مضل لمن شاء من العباد بضروب الضلال الذي ذكرناه بقوله تعالى: (ما أصابك ~~من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) ، فإنه من عناد # الزنادقة وجهل القدرية وغفلتها، وذلك أن الله سبحانه عاب هذا القول من # قائله وذمه وفنده عليه، فقال في أول ms445 القصة: (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه ~~من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك) ، فعيرهم بهذا القول ~~وأخرجه مخرج الذم لهم عليه، ثم قال: (قل كل من عند الله) فرد هذا القول # PageV02P660 # وأخرجه مخرج الذم الذي عيرهم عليه وأكذبهم فيه، بقوله لنبيه عليه السلام: ~~(قل كل من عند الله) ثم قال (فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) ~~ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) ، على وجه التعيير ~~لهم بهذا القول اقتصارا على شاهد الحال ومفهوم ذمهم وتعييرهم بهذا القول في ~~أول الخطاب، فكأنه قال كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا، يقولون ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك، فحذف ~~يقولون لأجل دلالة الخطاب ومخرج القصد والبينة والكلام، ويدل على أن هذا هو ~~التأويل أمران: # أحدهما: إجماع الأمة على أن الله ذم قائل هذا في النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فلا يجوز أن يذمهم بقوله ويصدقهم فيه ويقول مثل قولهم ولا جواب عن ~~هذا. # والوجه الآخر: أن الله تعالى قال: (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند ~~الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك) فهذا يدل على أن الذي يصيبهم من ~~قبل غيرهم، وأنه ليس من اكتسابهم، لأن أهل اللغة لا يستجيزون أن يقول ~~القائل منهم: أصابتني سيئة إذا اكتسبت معصية، وإنما يقولون أصبت سيئة أي ~~فعلتها، وكذلك إذا فعل الحسنة لا يقول: أصابتني حسنة، وإنما يقول أصبت ~~حسنة، والمصاب عندهم بالحسنة والسيئة هو الموجود ذلك به، من فعل غيره من ~~نعمة هي حسنة أو بلية وأذية ونقمة، هي من فعل غيره، فأما استعمال أصابني ~~ذلك في فعل الإنسان نفسه، فذلك محال ممتنع، فبطل # بذلك ما قالوه. # فأما القدري فإنه لا يقول إن الحسنة التي هي الطاعة وضد السيئة من # الله، لأنه لا يقول أن الله خلق الحسنة كما لا يقول أنه خلق السيئة. # PageV02P661 # فإن قالوا: أراد بقوله: (ما أصابك من حسنة ms446 فمن الله) ، أي: فالله أمر بها # ودعا إليها ولم يرد أنه خلقها. # قيل لهم: فكذلك أراد بقوله: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) ، أي: # من نفسك الأمر بها ودعاؤها إلى فعلها، ولم يرد أنك تخلقها كما لم يرد # بإضافة الحسنة إلى نفسه تعالى بأنه خالق لها فإنما أضاف السيئة إلى رسوله # على وجه ما أضاف الحسنة إلى نفسه، فإن لم يكن أراد بإحدى الإضافتين # الخلق منه، ولم يرده أيضا بالأخرى، ولا جواب لهم عن هذا. # وقد أجمع أهل التأويل والعلم بالقرآن على أن المراد بذكر الحسنة # والسيئة في هذه الآية النصر والغنيمة والانصراف والهزيمة وذهاب المال # والكراع وغير ذلك من الأموال، وأنها منزلة في شأن الحرب. # قال الله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو ~~انفروا جميعا (71) وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة (أي هزيمة) قال ~~قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا (72) ولئن أصابكم فضل من الله (أي ~~نصر من الله) ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز ~~فوزا عظيما (73) } . # إلى قوله {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم ~~حسنة (النصر) يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ~~(قال الله تعالى) قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا (78) } . # يقولون ما أصابك من حسنة فمن الله على وجه الذم والتعيير لهم بهذا القول، ~~فأما أن يكون عرض بذكر هذه الآية لأفعال العباد فليس بقول لأحد من أهل ~~التأويل. # وقد قيل في تأويل قوله: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) أي: ما أصابكم # من مصيبة فمن أنفسكم أي: مما اكتسبتم من الخلاف على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في # PageV02P662 # لزوم أماكنكم وانصراف الرماة منكم يوم أحد لطلب الغنيمة، وتركهم الصف حتى ~~أعقبكم ذلك السيئة التي هي الهزيمة. # قال الله تعالى في قصة أحد: {أولما أصابتكم مصيبة (يعني ما أصابكم # يوم أحد) قد أصبتم مثليها (يعني ms447 يوم بدر) قلتم أنى هذا (يعني ما أصابكم ~~يوم أحد) قل هو من عند أنفسكم} أي: عقوبة بما كان من # عصيانكم لأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - للرماة منكم بلزوم مركزهم ~~فلما انكشف العدو قال الرماة أو بعضهم: نخاف أن يجعل رسول الله لكل قاتل ~~وكل إنسان ما يصيبه من الغنيمة وسلب من قتله ففارقوا مكانهم واختلطوا ~~بالمشركين، ودخلوا رجالاتهم، وأصاب المشركون فرصة وخللا في الصف، فانثنوا ~~عليهم وكان ما كان من هزيمتهم، فالملحد يقدر أن هذه الآية نقض لإخبار الله ~~سبحانه عن نفسه بأنه يضل ويختم على القلوب، والقدري يتوهم أنها معارضة لما ~~يحتج به أهل الحق ونافية لكون السيئات التي هي المعاصي من عند الله، فإن ~~الله سبحانه ما عرض لشيء من ذلك، وإنما تأويل السيئة الشدة والمصيبة. # قال الله سبحانه: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها) ولم يرد # أصابتكم ذنوب أصبتم مثليها، وقال: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفو عن كثير (30) . # يريد من شدة ونقمة ولم يرد ما أصابكم من مصيبة فبما كسبتم من معصية، فوجب ~~أن يكون التأويل في ذلك على ما وصفناه # وأن لا يكون للملحد والقدري في الآية تعلق. # وقد قيل إن تأويل الآية أن القوم كانوا إذا أصابهم الجدب والشدة قالوا # هذا من عند محمد وبشؤم طائره، وإذا أصابهم الخصب والرخاء قالوا هذا # من عند الله وبرأوا الرسول منه غضا من قدره وتطيرا به، فأنكر الله تعالى # PageV02P663 # ذلك من قولهم، وقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (قل كل من عند ~~الله) ، فالحسنة والسيئة ها هنا إنما هما الشدة والرخاء، قال الله تعالى: ~~(إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل) ، وقال: ~~(وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) يعني الشدة والرخاء # والنصر والهزيمة ولم يرد الطاعة والمعصية. # ومما يدل على ذلك ويشهد له إخبار الله تعالى عمن سلف من منافقي # الأمم بمثل هذا القول الذي أخبر به عن منافقي أمة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - قال تعالى: ms448 {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم ~~يذكرون (130) فإذا جاءتهم الحسنة (يعني الخصب) قالوا لنا هذه وإن تصبهم ~~سيئة (يعني السنين نقص الثمرات) يطيروا بموسى ومن معه} . # يقولون هذا بشؤم موسى ومن تبعه. # وكذلك كانت قصة المنافقين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~أصابهم نصر ورخاء وإنعام أو هزيمة وشدة وجدب، فعابهم الله على ذلك، كما عاب ~~قوم فرعون، وقال لصالح: {يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة (يعني ~~بالعذاب والنقم قبل العافية) لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون (46) } . # فكل هذه الآيات والأخبار تدل على أن السيئة والحسنة ليستا مقصورتين على ~~الطاعة والمعصية وتدل على غباوة الملحدة والقدرية في تأويل هذه الآية. # وأما تعلق الملحد والقدري بقوله تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ~~ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا ~~بأسنا) ، وقوله: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن ~~هم إلا يخرصون (20) . # وقوله: (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا ~~آباؤنا) . # فالجواب عنه أن القوم إنما # PageV02P664 # قالوا ذلك على وجه النفاق واعتقاد خلاف ما يظهرون من هذا القول، وعلى وجه ~~الهزل بالرسول والإنكار لقوله: (ولو شاء الله ما فعلوه) . # (ولو شاء الله ما أشركوا) ، (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) . # ونحو هذا القول، فقالوأ هذا القول على وجه الرد والإنكار، كما قال سبحانه ~~في ذمهم بقولهم: (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) ، وهذا القول حق لمن قالوه ~~معتقدين لصحته ولكنهم قالوا ذلك على سبيل التكذيب للرسول، وكما ذم ~~المنافقين بقوله تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ~~والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) . # فأكذبهم في قولهم، لأنهم قالوه نفاقا على غير وجه الاعتقاد لصحته، ويدل ~~على ذلك أن القوم كانوا يجحدون الرحمن وينكرونه ولا يعرفون الله سبحانه ~~فيكف يصدقون بأنه لو شاء الرحمن ما عبدوهم. # قال الله تعالى: (وإذا قيل لهم ms449 اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما ~~تأمرنا وزادهم نفورا (60) . # وقال تعالى: (ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا) ، فقالوا ~~هم لما سمعوا ذلك لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شي، قال ~~الله سبحانه: (كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا) ، فأخبر أنهم ~~قالوا هذا القول على وجه التكذيب، وكل هذا رد على الملحدة والقدرية، وكيف ~~يجوز أن يعرف الله سبحانه ويعرف أنه لو يشاء أن يؤمن لآمن من هو كافر ومن ~~هو غير عارف به، هذا جهل ممن ظنه وتوهمه لأنهم لو عرفوا الله وعرفوا أنه ~~قادر على أن يلطف بهم ويجعلهم مؤمنين لكانوا مصدقين أبرارا، ولم يكونوا ~~كافرين مكذبين ولم يقل الله: ((كذلك كذب الذين من قبلهم) # PageV02P665 # (وإن أنتم إلا تخرصون) أي: تكذبون فكيف يرد هذا القول على المشركين لو ~~قالوه على وجه الإقرار والتصديق وهو سبحانه يخبر بصحة ذلك ويدعوا # إليه، ويقول: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه) . # ويقول: (اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) ~~ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (107) ~~. # ويقول: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم ~~وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه) ، في أمثال لهذه الآيات يخبر ~~فيها أنه لم يكن ما كان من الكفار إلا بمشيئته، وأنه لو شاء أن لا يكون لما ~~كان، فكيف يكذب قوما قالوا هذا القول واعتقدوا صحته، لولا جهل من يتعلق ~~بهذا ووغادته من القدرية والملحدة. # ومما يدل أيضا على أن التأويل في ذلك على ما قلناه وإن كان ظاهرا لا # يحتاج إلى تأويل عند من تأمل صدور الكلام والقصص، وإعجازها. # ومخارج الكلام وأسبابه، أن الله تعالى قال: (سيقول الذين أشركوا لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم) # ، بالتشديد كما ms450 كذب قومك يا محمد ولو أراد الإخبار عن أن # هذا القول كذب منهم لقال كذلك كذب الذين من قبلهم مخففا من الكذب # ولم يقل كذب مشدد من التكذيب، فهذا أيضا دليل واضح من نفس التلاوة # على أن القوم قالوا ذلك على وجه التكذيب للرسل، ولما ورد من إخبار الله # تعالى بما قدمنا ذكره ولم يقولوه على وجه الاعتقاد والتصديق. # فإن قالوا: قد قال الله تعالى عقيب قوله: (سيقول الذين أشركوا لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ~~ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم ~~إلا تخرصون (148) . # PageV02P666 # أي: تكذبون في قولكم لو شاء الله ما أشركنا فقد أكذبهم في هذا القول. # قيل لهم: معاذ الله أن يكون أكذبهم في هذا القول مع اعتقاد صحته # والإيمان به، وكيف يكذبهم فيه وهو قد أخبر به على ما قد بيناه من قبل. # وإنما عنى تعالى بقوله: (إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) . # أي: # تكذبون بقولكم إن الله حرم هذا وحرم السائبة علينا والوصيلة والحام. # والبحيرة وأنه شرع ذلك لهم، قال الله تعالى: (ما جعل الله من بحيرة ولا ~~سائبة ولا وصيلة) ، أي: لم يفعل ذلك. # وقال تعالى: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها) ، قال الله تعالى: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما ~~لا تعلمون) ، فعلى مثل هذا قال: إن أنتم إلا تخرصون في ادعائكم تحريم الله ~~سبحانه ما لم يحرمه فبطل بذلك ما تعلقوا به. # فأما ما تعلقوا به من قوله: (كفارا حسدا من عند أنفسهم) ، فإنه لا تعلق ~~فيه، لأن الله تعالى قال: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا) موضع الوقف وانقطاع الكلام، ثم تبدأ بقوله: (حسدا من عند ~~أنفسهم) ، وذلك أن اليهود قالوا: كل الأنبياء من ولد إسحق، فما بال هذا من ~~ولد إسماعيل، فحسدوه إذ لم يكن من ms451 أنفسهم من بين إسرائيل وعاندوه وأصحابه، ~~وحتى بعث # PageV02P667 # رؤساؤهم طائفة منهم يؤمنون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا لهم ~~آمنوا أول النهار واكفروا آخره فإن سئلتم عن ذلك فقولوا قد كنا نظن أنه ~~النبي الذي بشرنا به فآمنا، فلما رجعنا إلى أحبارنا وعلمائنا أخبرونا بأنه ~~ليس هو الذي بشرنا به، فلعلهم إذا فعلتم ذلك أن ينفض جمعه ويكفر به أصحابه، ~~ومتى كان آمن به فأخبر تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بذلك والمؤمنين ~~فقال: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه ~~النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) . # يعني عن الإيمان بما آمنوا به من تصديق محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~قال: (كفارا حسدا من عند أنفسهم) ، أي لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يكن من بني أمتهم وأعمامهم قال الله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) ، ~~أي من بني أمتكم ومن بنبي عمكم، وقال: (لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم ~~من دياركم) ، أي: لا يخرج بعضكم بعضا. # وقوله: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) ، أي لا يقتل بعضكم ~~بعضا، ولم يذكر النفس في هذه المواضع الروح والحياة، والنفس التي في الجسد، ~~وإنما أراد بالنفس البعض. # ويمكن أن يكون أراد بقوله: (كفارا حسدا من عند أنفسهم) ، أي: أن # قولهم إن الله أمرنا بتكذيبك وردك إلى دين موسى كذلك يفترونه من عند ~~أنفسهم ما أنزله الله ولا وقف عليه ولا أمرهم به ولم يرد إنني ما خلقت ~~تكذيبهم ولا قدرته ولا قضيته وإذا كان ذلك كذلك سقط ما ظنه القدرية ~~والملحدون. # وأما قوله تعالى: (يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من ~~الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله) ، فإنه # PageV02P668 # ليس بنقض لإخباره عن إضلالهم والطبع على قلوبهم والخلق والتقدير # لأعمالهم، لأن القوم لم يدعوا أن الله خلق أفعالهم وقضى وقذر أعمالهم. # فينفي الله سبحانه ذلك عن نفسه بقوله: (وما هو من عند الله) ، وإنما ~~ادعوا # أن التوراة أنزلها ms452 الله محرفة ومبدلة على ما أوهموا سفلتهم وعامتهم ~~وأوغاد # الناس، وإنما ادعوا ذلك بعد أن حرفوا التوراة وغيروها، وغيروا وصف # الرسول وذكر البشارة به في التوراة فقال الله تعالى: {يلوون ألسنتهم ~~بالكتاب لتحسبوه من الكتاب (يعني: التوراة واللي الكذب، ومنه قوله تعالى: ~~(ليا بألسنتهم وطعنا في الدين) ، ثم قال: {لتحسبوه من الكتاب وما هو من ~~الكتاب (كما يدعون) وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند ~~الله} . # أي: لم ينزل الله عليهم الكتاب بذلك، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما # ظنه الملحدة والقدرية من التعلق بهذه الآية. # فأما قوله تعالى: (أن الله بريء من المشركين ورسوله) ، وأنه أيضا لا ~~معارضة بينه وبين إخباره عن إضلالهم، وتوليه لخلق أعمالهم، لأنه تعالى إنما ~~قصد بذلك البراءة من العهود التي كانت بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وبين المشركين، ولم يعرض لذكر شركهم ومعاصيهم، فقال الله تعالى: (براءة ~~من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض أربعة ~~أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين) ، إلى قوله ~~(فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) . # فكل هذا يدل على أن البراءة من الله ورسوله إنما هي براءة من العهود ~~وإنفاذ الرسول لسورة براءة، والقصة في ذلك مشهورة، وأنه قال: "لا يؤدي عني ~~إلا رجل مني " يعني عليا عليه السلام. # فحمل الآية على التبري من شركهم ومعاصيهم جهل وغباوة أو عناد # وإلباس على الضعفاء، ولو كانت براءة الله فيهم براءة من خلق أفعالهم # PageV02P669 # لكانت براءة الرسول منهم براءة من خلق أعمالهم، وذلك جهل ممن صار # إليه، ولو كانت براءة الله من المشركين براءة من خلق أعمالهم لكانت أيضا # براءة من خلق ذواتهم، لأن البراءة براءبلا منهم دون شركهم، لأن الله ~~سبحانه لم يعرض لذكره، وإنما ذكرهم بأعيانهم، ولو كانت براءته من المشركين ~~براءة من خلق أعمالهم لكانت ولايته للمؤمنين وقوله: (الله ولي الذين آمنوا) ~~، توليا لخلق أعمالهم وإيجاد طاعاتهم، ولما لم يجب # ذلك بطل ما ms453 قالوه. # فأما قوله تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) ، فإنه أيضا لا معارضة ~~بينه وبين إخباره عن خلق كثير منهم ومعاصيهم المتفاوتة # القبيحة، وتوليه لإضلالهم والختم والطبع على قلوبهم، لأنه إنما عنى بخلق # الرحمن في هذه الآية السماء، يدل على ذلك أنه ابتدأ وقال: (خلق سبع ~~سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) ، يعني في السماء، ثم # قال: (فارجع البصر هل ترى من فطور) ، يعني هل ترى في السماوات # من صدوع وشوق وخلل وقد علم أن الكفر لا يرجع البصر فيه وإليه، ولا # يجوز أن يكون فيه فطور وشقوق، فثبت أنه إنما نفى التفاوت عن السماوات # من المخلوقات، ولم يعرض في هذه الآية لذكر المعاصي وغيرها من أفعال # العباد فبان بذلك سقوط ما ظنه الملحدة والقدرية. # ويمكن أيضا أن يكون إنما نفى التفاوت عن جميع ما خلق من حيث لم # يقع شيء منه وغيره متفاوتا على إرادته، وبخلاف ما قصده، ولا قصد أن # يكون شيئا منه قبيحا فوقع حسنا، وحسنا فوقع قبيحا بخلاف القصد بالكفر، ~~وإن كان متفاوتا على مكتسبه من حيث قصد كونه حسنا دينا فوقع قبيحا # فاسدا، فإنه غير متفاوت على الله لأنه منافي خلقه على ما قصده وأراده # PageV02P670 # من القبيح وخلاف للحسن، فوجب بذلك بطلان ما قالوه، وهذا كما يقول: إن رمي ~~الكافر للمؤمن وإصابته له غير متفاوت عليه، من حيث كان إصابة # لما قصده ولتأتيه على ما أراده وإن كان متفاوتا عليه من حيث قصده حسنا # دينا فكان قبيحا فاسدا، فإذا ليس في جميع خلق الله ما هو متفاوت على الله # تعالى، وإن كان منه المتفاوت على غيره لتأتيه بخلاف قصده وإرادته. # وأما قوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه) ، فإنه لا معارضة بينه وبين ~~إخباره عن إضلال الكفار وخلق أعمالهم والختم على # قلوبهم، لأنه لم يقل الذي حسن فيكون معناه جعل الشيء حسنا، وإنما قال # الذي أحسن يعني يحسن كيف يخلق ويعلم ذلك، وهذا كما يقول: إن الكافر قد ~~أحسن الرمي ms454 إذا أصاب نبيا ومؤمنا فقتلهما، ولا نقول إن رميه حسن، ولا أنه ~~محسن في فعله، وإنما نعني بقولنا أحسن الرمي أي علم ذلك # وأحسنه، على أنه يمكن أن يكون أراد بقوله: (أحسن كل شيء خلقه) من # خلال المعاصي التي نهى عنها، والعموم عندنا لا صيغة له، وهذا كقوله: # (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) . # (وأوتيت من كل شيء) ، (تدمر كل شيء) ، (يجبى إليه ثمرات كل شيء) ، أي: ~~بعض الأشياء فكذلك قوله: (أحسن كل شيء) ، معناه بعض الأشياء إن كان من حسن ~~يحسن، وإن كان من أحسن يحسن فهو على العموم في جميع ما خلقه، لأنه عالم ~~بجميع خلقه. # وأما قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) . # (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق) ، وإنما المعنى في # ذلك أنه خلقهما بقوله كونا، وقوله الحق، وقوله: وما بينهما باطلا، أي ما # PageV02P671 # خلقناهما ونحن لا نريد إثابة "المنيبين الطائعين وعقوبة المجرمين العاصين # قال الله تعالى: (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) . # ويحتمل أيضا أن يكون أراد أنني ما خلقت ذلك وليس لي خلقه # وإحداثه وما خلقته إلا ولي ذلك وأنا مالك لذلك وفاعل لما لي فعله وعادل # به، وهو سبحانه على ما أخبر به من صفة ملكه وقدرته وتصرفه من حيث له # ذلك، لا معقب لحكمه ولا اعتراض لمخلوق عليه، ولذلك قال: (لا يسأل عما ~~يفعل وهم يسألون) . # فأما تعلق الملحدة والقدرية بقوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون (56) ، فإنه لا تعارض بينه وبين قوله: (كما بدأكم تعودون (29) ~~فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) . # وقوله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس) ، وذلك أنه أراد # تعالى بعض الإنس وبعض الجن، وهم الذي قسمهم للجنة، وعلم وقوع # العبادة منهم دون الكفار الذين قسمهم للنار، وقد أجمع المسلمون على # خصوص الآية، لأنه لم يرد بها الأطفال من الجن والإنس ولا المجانين # المستنقصين ولعلهم مثل عدد العقلاء البالغين، فكذلك لم يرد الكفار الذين # أخبر أن الضلالة ms455 حقت عليهم وأنه خلقهم لناره. # فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون إنما أراد بقوله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا ~~من الجن والإنس) أي: سيذرأ لها في الميعاد خلقا من الجن والإنس. # قيل لهم: هذا صرف الكلام عن ظاهره يغير حجة، فإن ساغ لكم هذه # الدعوى ساغ لنا أن نقول إنما أراد بقوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون) ، أي: ما أخلقهم في الآخرة إلا ليعبدون، وذلك يقع # PageV02P672 # منهم أجمعين في الآخرة اضطرارا فيكون وما خلقنا بمعنى وما يخلق في # المستقبل كما قال: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) ، يعني عاقبة ~~أمره وهم إنما التقطوه ليكون لهم حبيبا، وكذلك # قول الشاعر: # أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها # يريد أن ذلك عاقبة أمرها، ولم يرد أن المال يجمع للوارث، وأن الدور # تبنى لخرابها وكذلك قوله: (إني أراني أعصر خمرا) ، أي ما يكون خمرا ويؤول ~~حاله إلى ذلك، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما ظنه # الملحدون من تعارض، وما ظنه القدرية من التأويل. # ومما يدل على ذلك أيضا أن أهل التأويل قالوا: إن قوله (إلا ليعبدون) . # أي لكي يعبدون، وكل كي من الله تعالى فهي نافذة واجبة، وإن كانت غير # نافذة ولا واجبة من المخلوقين في جميع الأحوال قال تعالى: (فإنما يسرناه ~~بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) . # وقد يسر به وأنذر ونفذ الأمر فيها كما أخبر، وقال تعالى: (فينسخ الله ما ~~يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52) ليجعل ما يلقي ~~الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم) ، وقد قدر ذلك. # وكذلك قوله: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1) ~~. # وقد كان وتم وقامت حجة النذارة به، في أمثال لهذه الآيات كثيرة قد تم # وانبرم فيها خبر كي، لأنها من الله تعالى واجبة نافذة، فلو كان الله أراد ~~أنه # خلق جميع الإنس والجن لعبادتهم له، ولم يمتنع أحد منهم من عبادته، ولكنه ~~تعالى أراد البعض منهم دون الكل. # PageV02P673 # ويمكن أيضا أن يكون أراد ms456 بقوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ~~. # أي إلا للأمر بعبادتي والتكليف لذلك، وقد كانوا مأمورين وعلى صفة ما # أراد منهم من كونهم مكلفين مأمورين بالطاعة والإيمان، ولم يرد أنه خلقهم # لكي تقع العبادة منهم أبدا، وفي كل وقت، وإنما أراد أنهم يكونون مأمورين # بذلك في سائر الأوقات، أعني أوقات السلامة من الجنون والآفات. # والأحوال المانعة الصادة عن التكليف، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قاله # الملحدة والقدرية. # فأما تعلقهم بقوله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) ~~، فلا معارضة بينه وبين إخباره بأنه أضل الكافرين من ثمود # وغيرهم، لأنه يمكن أن يكون أراد بقوله: هديناهم أرشدناهم وبينا لهم. # فاستحبوا العمى على الهدى، أي فلم ينقادوا لما بين لهم، وذلك لا ينفي أن # يكون قد خلق استحبابهم العمى على الهدى وضلالهم عن الحق، لأن خلقه # لضلالهم لا ينافي بيانه للحق لهم من طريق القول والخبر، وذكر الأدلة # ومراقيها فكأنه إنما أراد بالهداية ها هنا الإرشاد بالقول والدلالة، ~~ويكون إنما # سمي البيان والإرشاد بالقول هداية على معنى أننا بينا لهم بالقول بيانا ~~لو # قبلوه وانتفعوا به، لكان هداية لهم، ولم يرد بذلك أن القول هداية لهم، ~~وإن # لم يقبلوه وينتفعوا به، وتقدير الكلام: وأما ثمود فهديناهم وآتيناهم من # القول والبينات ما لو قبلوه وصاروا إليه لكان هداية لهم، فلا منافاة إذا ~~بين # هذه الهداية وبين إضلاله لهم بخلق الضلال وتضييق الصدور. # ويحتمل أن يكون أراد بقوله: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى) ، الإخبار عن قوم خلق هدايتهم، وإيمانهم ثم استحبوا العمى بعد # ذلك على الهدى، بالردة عن الإيمان، وذلك لا ينقض بعضه بعضا، لأننا # PageV02P674 # نقول: إن الله خلق هداية كل مهتدي في المعلوم أنه يرتد ويرجع بعد هدايته # وخلق رجوعه عن ذلك، وليس في قوله فاستحئوا ما يدل على أنه غير خالق # لاستحبابهم وضلالهم. # ويحتمل أيضا أن يكون إنما أراد بقوله: (وأما ثمود فهديناهم) ، فهدينا # فريقا منهم وهم المؤمنون ويكون قوله: (فاستحبوا العمى على الهدى) مقصودا ~~به الكافرين منهم ms457 دون الذين لم يستحبوا لأنهم كانوا فريقين مؤمنون # وكافرون، قال الله تعالى: (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا ~~الله فإذا هم فريقان يختصمون (45) . # فيمكن أن يكون الذين هداهم المؤمنون، والذين استحبوا العمى على الهدى هم ~~الكافرون، فيكون قوله: هديناهم على الخصوص، وكذلك قوله: فاستحبوا، فبان ~~بهذا أنه لا اعتراض لملحد ولا لقدري بهذه الآية علينا ولا تعلق. # وأما تعلقهم بقوله: (وما يضل به إلا الفاسقين) ، وقوله: (فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم) ، وقوله: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ~~ما يتقون) ، وأنه أيضا لا تعلق لملحد فيه ولا لقدري، بل هذه الآيات كلها ~~شاهدة على فساد قول القدرية، وذلك أنه لا تعارض بين قوله: (فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم) وبين إخباره عن إضلاله لكل ضال على سبيل الابتداء والجزاء، ~~لأنه يحتمل أن يكون أراد أنهم لما زاغوا زيغا أولا أزاغ الله قلوبهم زيغا ~~ثانيا هو أشد من الأول، وإعماء لهم أكثر من الأول لأنه تعالى حكم أنه لا ~~يزيغها ذلك الزيغ الشديد إلا بعد زيغ أول هو دونه، وأن يجعل ذلك جزاء لهم ~~وعقوبة على الزيغ # PageV02P675 # الأول، وإن كان هو الخالق، لأن الجزاء عليه لم يقع من حيث الخلق. # ولكن من حيث اكتسبوه على ما بيناه في كتاب "خلق الأفعال"، وكذلك # قوله: (وما يضل به إلا الفاسقين) ، كأنه ضلال عظيم مخصوص حكم تعالى بأنه ~~لا يضل به إلا بعد خلقه بضرب من الضلال دونه في الفاسقين، فإذا فسقوا ~~بالضلالة الأولة، أضلهم بالضلال الثاني الذي هو أعظم وأضر من الأول، وكذلك ~~قوله: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) ، إنما ~~هو متوجه إلى ضلال مخصوص، فكأنه # قال: وما كان الله ليضل قوما بذلك الضرب من الضلال حتى يبين لهم ما # يتقون ثم يعصون في البيان الأول، يضلهم بالإضلال العظيم الثاني على # سبيل العقوبة والانتقام، وإن كان قد قيل في تأويل الآية وجه آخر، وليس # بين إخباره بأنه لا يضل ms458 بضرب من الضلال إلا قوما فسقوا وضلوا وزاغوا عن ~~الحق، وبين إخباره بأن كل ضلال ابتداء فهو المضل به تناقض ولا منافاة # وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهموه. # فأما القدرية فإن جميع هذه الآيات عليهم لأنهم فريقان، فريق زعم أن # الله لا يضل أحدا بفعل شيء فيه، وإنما يضل بمعنى الحكم والتسمية # بالضلال، وهو عندهم يضل بالحكم والتسمية على طريق الابتداء، وعلى # غير وجه الابتداء، لأنه لا يجوز عندهم أن لا يسمي أحدا بضلالة ضالا إلا # حتى يكون منه ضلالا قبل ذلك وزيغ قلب، لأنه يسمى بالضلال والزيغ # الأول، وإن لم يكن قبل ضلاله ضلال ولا زيغ، فلا حجة لهم في هذه # الآيات. # ولو جاز أن لا يسمي الله بالضلال إلا من كان فيه فسق وضلال تقدم # لجاز أيضا أن لا يسمى الفسق والضلال الثاني إلا من كان منه ضلال أول، # PageV02P676 # وما الفرق بين أن لا يسمى بضرب من الضلال وبين أن لا يسمى بشيء منه. # ولجاز أيضا أن لا يسمى بالهدى والطاعة من ابتدأ بالهدى والطاعة، وأن لا # يسمى بذلك إلا من كان منه هدى وطاعات قبل ذلك، وهذا عندهم ظلم # وتخليط وخروج عن مقتضى اللغة والاشتقاق، وإيجاب الأحكام فبان أنه لا # تعلق لهذا الفريق بهذا الباب. # والفريق الثاني: منهم من خلط على أصله ولم يحقق، يتسرع إلى القول # بأن الله يضل على وجه الجزاء على إضلال سلف وزيغ مقدر، ولذلك قال: # (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) . # فيقال لهم: قد قدرتم بأن الله يضل ويخلق الضلال في الضالين على # وجه الجزاء فكأنه عندكم يفعل القبيح والجهل والذهاب عن الحق على وجه # الجزاء والانتقام، وهذا ترك لقولكم إنه لا يفعل الكفر إلا كافر، ولا يفعل # القبيح إلا سفيه ولا يفعل العصيان والشر إلا عاص شرير، فإذا جاز أن # يفعل الله ذلك أجمع على وجه الجزاء، وإن لم يكن سفيها ولا عابثا ولا # موصوفا بهذه الأفعال الواقعة منه فما أنكرتم أن يفعل ذلك ابتداء وإن لم ~~يكن # سفيها شريرا، ولم ms459 يوصف بشيء من أسماء هذه الأفعال، وهذا ترك قولهم. # ويقال لهم: وكيف جاز عندكم أن يضل من كان منه ضلال متقدم، ولم # يجب عليه نقله عن ذلك الضلال ورده عنه وإرشاده إلى الحق، وهذا بدأه # بالضلال كابتدائه وفعل ما هو عندهم مذموم فاعله في الشاهد، وممن وقع # منه. # فإن قالوا: إنما أراد بالضلال الواقع منه على سبيل الجزاء الحكم # والتسمية بالضلال، تركوا قولهم ولحقوا بالفريق الأول وكلشموا بما كلموا ~~به من قبل. # PageV02P677 # قيل لهم: فكان الله عندكم لا يسمي الفاسق العاصي بمعصيته # وفسقه حتى يتقدم منه فسق وعصيان قبل ذلك، فإن كان قالوا: أجل. # قيل لهم: فإذا جاز أن لا يسميهم بالفسق والعصيان الأول وإن كان كالثاني ~~ومن جنسه ويكون ذلك عدلا وصوابا منه، فلم لا يجوز أن لا يسميهم أيضا # بالفسق والعصيان الثاني؟! ، ويكون ذلك عدلا وصوابا منه، ولم لا يجوز أن # لا يسمى العبد بطاعته وإيمانه الأول المبتدأ ويسميه بمثل ذلك إذا وقع منه # ثانيا، وهذا جهل منهم وتخليط، فبان بذلك أن هذه الآيات بأن تكون على # القدرية أولى، وأنه لا مغمز ولا مطعن لملحد فيها. # وقد فسر الناس قوله تعالى: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون) على أنه لم يكن الله ليضل المؤمنين بعد أن آمنوا # واهتدوا، ويترك أن يبين لهم ما يجب أن يتمونه ويحذرونه من استغفارهم # للمشركين، وذلك أن المؤمنين كانوا يستغفرون للمشركين، وأن النبى - صلى ~~الله عليه وسلم - أراد أن يستغفر للمشركين، لأبيه أو لبعض عمومته، فأنزل ~~الله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي قربى) ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن إبراهيم استغفر لأبيه ~~"، وقال المسلمون: "إن استغفر النبي لأبيه أو لعمه استغفرنا لآبائنا ~~وأمهاتنا"، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، ولو تركهم وذلك مع حكمه بأنه لا ~~يغفر ولا يحل الاستغفار لهم لكان ذلك ضلالا منهم وذهابا عن الحق الذي هو ~~حكم الله ودينه، فلم يدعهم الله وذلك وأن ms460 يضلوا # بفعل ما يظنونه جائزأ سائغا فانزل جل ذكره: (وما كان استغفار إبراهيم ~~لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) ، إلى ~~قوله: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) ، ~~فإنما أراد بهذا الإضلال ترك البيان للمؤمنين ما يجب أن يبن # PageV02P678 # لهم، ولم يرد خلق الضلال فيهم على وجه الابتداء والجزاء، فبان أنه لا # تعلق لملحد ولا لقدري في ذلك. # وأما تعلقهم بقوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) ، وإن هذا نقض ~~لإخباره أنه خلق المعاصي وقدرها، وأضل أهل الضلال، وختم على قلوبهم، فإنه ~~ليس الأمر فيه على ما توهمه الملحدون والقدرية في هذا الباب، وذلك أنه إنما ~~أراد بهذا القضاء الأمر بعبادته والوصية بذلك، وذكر أن عبد الله بن مسعود ~~كان يقرأ "ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه"، وأنه كذلك مثبت في مصحفه، وهذه ~~الوصية عامة للكافرين والمؤمنين، وذلك لا ينقض أن يكون قد قضى معاصيه ~~والكفر به على معنى الخلق لذلك، والإعلام لكونه، والكتابة له، والقضاء يكون ~~بمعنى الأمر وهو قوله (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) ، أي: أمر ربك، ويكون ~~بمعنى # الخلق والإيجاد، نحو قوله: (فقضاهن سبع سماوات في يومين) . # أي: خلقهن، ونحو قوله: (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة ~~الأرض) ، يريد خلقنا موته، وقد قيل القضاء نفسه بمعنى الموت # ومنه قولهم: نزل به قضاء الله، وقضى فلان نحبه إذا مات، ويكون القضاء # بمعنى الإعلام والإخبار قال الله تعالى: (وقضتنآ اك بنى (وقضينا إلى بني ~~إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4) . # أي: أعلمناهم وأخبرناهم في الكتاب كقوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) ~~إنما يعني به أنه أمر بذلك، وهذا لا ينفي قضاءه للكفر، والخلاف على معنى ~~التقدير والخلق والإيجاد فبطل توهمهم وتوهم القدري لانتفاعه بهذه الآية. # وأما تعلقهم بقوله: (فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان) ، ~~فإنه أيضا لا معارضة بينه وبين إضافة ms461 ذلك إلى الله تعالى وبين # PageV02P679 # إخباره بانه خلق الوكزة وما كان عندها، وذلك أنه إنما أراد بقوله: (هذا ~~من عمل الشيطان) أنه يأمر به الشيطان ويزينه ويدعو إليه ولم يرد أن الوكزة ~~من خلق الشيطان وفعله وتقديره، وكيف يقول ذلك وهذا جهل ممن صار إليه وقاله، ~~وليس مذهب لأحد، وليس يجب إذا نسبة ذلك إلى الشيطان، على أنه من دينه وما ~~يدعو إليه، أن يكون ذلك منافيا لإضافة خلقه وتقديره إلى الله، فثبت أنه لا ~~حجة لملحد ولا لقدري في التعلق بهذه الآية. # فأما تعلق الملحدة والقدرية بقوله تعالى: (ولا يرضى لعباده الكفر وإن ~~تشكروا يرضه لكم) ، وقوله: (والله لا يحب الفساد) . # وقوله: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في ~~الدنيا والآخرة) ، الآية. # فإنه لا تعلق لهم أيضا فيه، لأنه أراد بالآيتين المتقدمتين أنه لا يحب ~~الفساد # لأهل الصلاح ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، ولم يرد أنه لا يرضاه لأحد # من خلقه ولا يحبه من أحد منهم، وكيف يكون ذلك كذلك وهو يقول: # (ولو شاء ربك ما فعلوه) ، ويقول: (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا) ~~، ويقول: (ولو شاء الله ما أشركوا) ، فدلت هذه الأخبار على أنه لم يرض ~~لعباده المؤمنين الكفر، ولا يحب منهم الفساد، وإن كان قد أحب ذلك ورضيه ~~لأهل الكفر والفساد، ومن نحو هذا قوله: (عينا يشرب بها عباد الله) ، وقوله: ~~(يا عباد فاتقون) ، وقوله: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم) ، وكل هذا على الخصوص دون العموم، وكذلك حكم الآيتين. # ويمكن أيضا أن يكون إنما أراد والله لا يحب الفساد أن يكون صلاحا # ودينا مشروعا، ولا يرضى لعباده الكفر أن يكون دينا لهم وشرعا مأذونا فيه، ~~وأنه رضي أن يكون قبيحا مذموما فسقط بذلك ما قالوه. # PageV02P680 # ويحتمل أيضا أن يكون أراد بالرضا والمحبة الاجتباء والتفضيل # والاصطفاء، فقال: لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر أي لا # يصطفيهما ويفضلهما، لأن المحبة والرضى عند كثير من الناس ms462 اصطفاء # وتفضيل، وذلك منفي عن الكفر والفساد، لأن الله سبحانه قد حقرهما # وذمهما، وقال أصحاب هذا الجواب: وإطلاق المحبة والرضى يوهم الأمر # بهما ويدين العباد بفعلهما، وذلك باطل. # فأما قوله: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا) فإنما ذمهم # بمحبتهم أن يكون ما قيل في أم المؤمنين حقا وصدقا، فالله سبحانه لم يحب # أن يكون ما أشيع من الفاحشة حقا وصدقا على ما أشيع، وأن يكون إنما # ذمهم على هذه الإرادة لكونها قبيحة منهيا عنها، لأنهم قد نهوا عن إشاعة # الفاحشة في المؤمنين والتخرص عليهم والأراجيف بهم، ونهوا عن محبة # إشاعة الفاحشة في المؤمنين، فنفس الإشاعة ونفس الإرادة لذلك معصيتان # قبيحتان، وإرادة الله لذلك ليست بقبيحة ولا معصية، فلم يجب أن يكون # مذموما بإرادته المعصية أن تكون قبيحة فاسدة ممن علم وقوعها منه، إذا لم # يكن منهيا عن إرادته لذلك كما يجب أن يكون مطيعا لإرادته للطاعة من # العباد إذا لم يكن مأمورا بإرادته للطاعة، وإن كانت إرادتنا نحن للطاعة ~~طاعة # من حيث أمرنا بها، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهمه القدرية والملحدة # من حصول طائل ونفع لهم في التعلق بهذه الآيات. # فأما تعلق الفريقين بقوله تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن ~~شاء فليكفر) ، وقوله: (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا) . # و (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) ، فإنه لا تعلق لهم في ذلك، لأجل أن ~~الأمة متفقة وجميع أهل اللغة والتفسير على أن المراد بقوله: (فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر) # PageV02P681 # إنما أخرج على وجه الزجر والتهديد، وعلى نحو # قوله: (اعملوا ما شئتم) ، ولم يرد به التخيير لهم بين الكفر # والإيمان، ولا الإخبار عن كونهم مخيرين في ذلك، ورد المشيئة إليهم. # وقد روي عن ابن عباس أنه قال: "فمن شاء الله له الإيمان فليؤمن بمشيئته. # ومن شاء الله له الكفر فليكفر بمشيئته ". # فأما قوله: (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) ، (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا) ~~، فإنه غير معارض لإخباره بأن الأشياء كلها ms463 كائنة بإرادته، ومشيئته. # لأنه قد خبر في آيات أخر أن هذه المشيئة التي ذكرها وأثبتها لهم لا تكون # وتوجد أو يشاء لهم كون ما أرادوه، ولا أن يشاء لهم أن يسوء ذلك الشيء # فقال سبحانه: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) . # لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين # فأخبر أنهم لا يشاؤون شيئا إلا أن يشاء لهم أن يشاؤوه، وقد يشاء مشيئتهم ~~للشيء وإن لم يشاؤوا ما شاؤوه بأن يكون شائيا لتمنيهم لذلك الشيء، وإن لم ~~يكن متمنيا لهم، وقال سبحانه: (لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاءون إلا ~~أن يشاء الله) ، فنص لهم على أنهم لا يشاؤون الاستقامة # حتى يشاء لهم، وفي ضمن هاتين الآيتين أنني إذا شئت لكم أن تشاؤوا # الإيمان شئتموه لا محالة، وإلا فلا وجه لتمدحه بقوله: (وما تشاءون إلا أن ~~يشاء الله) ، وقوله: (لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله رب العالمين) ، ولأنهم إذا شاؤوا الاستقامة على ما يقول المعتزلة فلم ~~يشاؤوا ما شاء لهم أن يشاؤوا لم يكن لقوله: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) ~~معنى، لأنه قد شاء الله عندهم أن يشاؤوا ذلك، فلا يشأه، والمعقول من قول ~~القائل: ما يطلق فلان من محبسه إلا أن أشاء، أي: إذا شئت أن يطلق أطلق لا ~~محالة، وأن كونه في الحبس لا يكون إلا بمشيئته، وإلا فإذا شاء أن # PageV02P682 # يخرج فلم يخرج وحبس بغير مشيئته كان كاذبا في تمدحه بقوله: ما يخرج # فلان إلا أن أشاء وإذا شئت إطلاقه أطلق، فهذه الآيات دالة على صحة ما # نقوله ونذهب إليه، وعلى إبطال ظن الملحدة والقدرية. # وأما تعلقهم بقوله: (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر) . # وقوله: (فما لهم لا يؤمنون) ، ونحو ذلك، فإنه غير معارض # لإخباره بإضلالهم والطبع على قلوبهم، لأنه إنما ورد ذلك على مذهب # الترغيب والحث لهم على اكتساب الإيمان، وليس بين ترغيبهم وحثهم على # اكتساب الإيمان بالقول وبين إضلاله لهم بالفعل تنافي ولا ms464 تضاد. # ويمكن أيضا أن يكون إنما قال ذلك على وجه الرد لقول من يقول إنهم # ممنوعون من فعل الإيمان لعجز وآفة، وغير قادرين عليه، ولا على تركه. # وأنهم مجبرون على الكفر الذي وقع منهم، فأخبر أنهم غير ممنوعين ولا # مجبرين، وأنهم مختارون لترك الإيمان ومؤثرون للكفر عليه، وأن ما كان # منهم لم يكن على وجه الجبر والاضطهاد، وذلك غير مناف لإخباره # بإضلالهم، وإن كانوا مختارين ومؤثرين له، فبطل ما توهموه. # فأما تعلقهم في ذلك بذم العصاة ونهيهم عن المعاصي، وأنه لا ينهى # عما قضى وقدر وخلق وينهى عنه، فإنه باطل لأنه لم ينه العصاة عن خلق # معاصيهم وإيجادها وتقديرها، لأن ذلك مما لا يصح منهم فعله ولا تركه ولا # يدخل تحت قدرهم، وإنما ينهاهم عن اكتساب ما خلقه وهم على ذلك # قادرون ولما خلقه فيهم مكتسبون، وأثابهم وعاقبهم على اكتسابهم للأفعال # التي هي متعلقة بهم، فالثواب على الخلق، والعقاب والذم عليه ليس يتوجه # من حيث كان خلقا غير متعلق بالمكلف، ولكن من حيث كان كسبا مقدورا # PageV02P683 # له ومتعلقا به على ما قد بيناه وشرحناه في الكلام في المخلوقين، وإذا كان # ذلك كذلك بطل ما تعلقوا به. # فأما تعلق الملحدة والقدرية بقوله: (ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم) . ~~وقوله: (فما لهم لا يؤمنون) . # وقوله: (أفلا يتدبرون القرآن) ، (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ~~ويستغفروا ربهم) . # في أمثال هذه الآيات مما فيه توبيخ لهم على ترك الإيمان واستبطاءه، وقول ~~الفريقين فما معنى توبيخه إياهم واستبطائه لهم مع قوله: (وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) . # وقوله: (إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه) . # وقوله: (وطبع على قلوبهم) ، وختم عليها بنفس الكفر المضاد للإيمان # الذي يطالبون به، وقوله: (ومن يضلل الله فما له من هاد) . ونحو # ذلك. # فالجواب عن سائره أنه أراد تعالى أن يبين لهم بذلك أن جميع ما ذكروه # من الختم والطبع وتغشية القلوب والأبصار والتفرقة بين المرء وقلبه، وغير # ذلك مما ذكره ms465 ليس بمنع لهم عن فعل الطاعة والقبول ولا عجز عن ذلك. # ولا جهل بما بينه لهم من الحق ودلهم عليه من الهدى والرشد، ولا مخرج # لأدلة التوحيد عن كونه أدلة ولا مضادة لكمال عقل الكافر والضال ومخرجة # صفة له عن صفة من لو استدل على الحق لعرفه، ولو قصده وآثره لقدر عليه # وتأتى منه، ولو حاوله لم يعوزه ويتعذر عليه فعله، فكأنه أراد تعالى ~~الإخبار # عن أن جميع ما فعلته بالكافرين وخبرت به من الطبع على قلوبهم غير مخرج # عن اختيار الكفر وإيثاره وكراهية الإيمان واستثقاله، وأنهم مختارون للكفر # على الإيمان، ومؤثرون لتركه عليه، وربما تجاوزوا إيثار ذلك إلى حد من # PageV02P684 # التمسك به، يؤدون عليه الحرية ويقيمون على الذل ولا ينزلون عن اعتقاد ما ~~هم عليه وإظهاره برغبة أو برهبة، فلما كانوا مع الختم والطبع وتغشية # القلوب والأبصار قادرين على الكفر الذي دخلوا فيه ومختارين لترك الإيمان # وكارهين لفعله وعلى صفة من لو أراد الإيمان لوقع منه ولو كره الكفر لتأتى # له تركه والخروج عنه، ولم يكن مع فعل الطبع والختم عاجزا عن فعل ما # أمر به ولا ممنوع منه، ولا محال بينه وبينه ولا مخبول منتقص، ولا ممن # يتعذر عليه الاستدلال على الصواب الذي رغب فيه وفساد الباطل الذي # اختار الدخول فيه -، بل آلته تامة ومعارفه كاملة، والأدلة المنصوبة له # واضحة، صح لأجل ذلك أجمع أن يقال لهم (فما لهم لا يؤمنون) ، (وما منع ~~الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) ، (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم ~~الآخر وأنفقوا) ونحو هذا، لأن لا يظن ظان ويتوهم متوهم أنهم مجبرون # على الكفر غير قادرين عليه، ولا مختارين لترك ما أمروا به ولا راغبين # عنه، وأنهم ممن لو حاول الإيمان والنظر في الاستدلال لتعذر منه وامتنع # عليه، ومعاذ الله أن يكون ذلك كذلك وأن يكونوا عجزة أو مجبرين على ما ظنه ~~الملحدة والقدرية، أو أن يكون تكليفهم لفعل الإيمان وصحيح النظر # والاستدلال، بمثابة تكليف المقعد القيام والأخرس الكلام والضرير تنقيط # المصاحف وإدراك ms466 المرئيات، وتكليف الناس علم الغيوب ومعرفة ما كان # ويكون مع قصد السبيل وعدم الدليل، وكيف يكون ذلك والأدلة على # التوحيد لائحة باهرة موجودة ثابتة، وكمال عقل الكافر موجود كائن، ومعه، ~~من كمال العقل والآلة - ما يصل به إلى معرفة الغوامض واستخراج اللطيف ~~والدقائق، وحجاج المحتجين ومغالطة كثير من المؤمنين، والحذق في # الجدال يوالبيان يوم الخصام والإعراب عما في النفس والغلبة والإلباس في # PageV02P685 # الانتصار لباطله وبمجيئه حق خصمه، وكيف يكون من هذه حاله ممنوعا من # النظر ومحالا بينه وبين صحيح الفكر والرؤية. # وإذا كان ذلك كذلك كان جميع ما أخبر الله أنه فعله بالكافرين من # الختم والطبع والإضلال لم يصرفهم إلى حال العجزة الممنوعين والأطفال # المنتقصين، ولا إلى صفة المكرهين المجبرين على فعل ما نهوا عنه، وكونهم # غير قادرين عليه، ومؤثرين له على ضده حسن، لأجل ذلك أن يقول لهم: # (فما لهم لا يؤمنون) ، (وماذا عليهم لو آمنوا بالله) ، (ولو آمن أهل ~~الكتاب لكان خيرا لهم) ، (وما منع الناس أن يؤمنوا) ، أي أن ما فعلته من # ذلك ليس بعجز عما كلفوه ولا منع لهم ولا مبطل لكمال عقولهم وآلتهم ولا # رافع لقدرهم على فعل ما دخلوا فيه، وترك ما أمروا به، وهذا بين في إبطال # ما توهمه الفريقان، فإن قالت الملحدة والقدرية: فالإنسان المختوم على # قلبه الذي خلق في قلبه الكفر وضد الحق قادر عندكم على الحق وعلى فعل # الإيمان حتى يصح أن يوبخ على تركه ويستبطىء في تأخره عنه. # قيل لهم: إن نفس قدرتهم على الكفر هي قدر على الإيمان وإنها # تصلح للضدين وتكون قدرة على الفعلين الخلافين، وإنما يكتسب بها ما # تؤثر القادر على الفعل دون الذي يأباه ويكرهه. # فإن قالوا: فكان يمكنه أن يفعل بقدرة الكفر الإيمان، قيل لهم: أجل # على هذا الجواب، غير أنه اختار الكفر على الإيمان، فتصرف بقدرته في # فعل أحد مقدوريه، وإذا كان ذلك كذلك زال جميع ما تشبعون به وتشنعون. # فإن قالوا: أفيمكنه أن يجمع بقدرته بين الإيمان والكفر الذي اكتسبه # وخلق فيه، ms467 قيل لهم: لا، كما لا يمكنه عندكم أن يجمع بين الإيمان والكفر # PageV02P686 # في حال ما وجد بقدرته أحدهما، وإنما يمكنه أن يفعل بالقدرة على الضدين. # وكل واحد منهما بدلا من صاحبه، فأما الجمع بينهما، فإنه باطل ومحال # ممتنع في قدرة كل قادر، وإن كانت قدرة على الضدين، والجواب الآخر # يقول: إن القدرة على الكفر غير القدرة على الإيمان، ونقول مع ذلك إن # الكافر في حال كفره قد كان يصح وقوع الإيمان منه، ويتوهم بأن لا يكون # كان الكفر منه، بل كان الإيمان بدلا منه. # فإن قالوا: أفيصح من الكافر ترك الكفر الذي خلق فيه؟ # قيل لهم: أجل، بأن لا يكون كان خلق فيه فهو عندنا على هذا الجواب، قادر ~~على الإيمان لو آثره واختاره، وكره الكفر وأباه. # فإن قالوا فهو عندكم قادر على كره الكفر، قيل لهم: بأن يختار الإيمان. # فإن قيل: أفيقدر على اختيار الإيمان وفعله؟ # قيل لهم: أجل، إن كره الكفر وآثر الخروج عنه، فليس هو عندنا بمثابة الزمن ~~والمقعد والعاجز، ومن لو حاول القيام بعمل لامتنع عليه، وتعذر لعجزه ومنع ~~الآفات له من إيثاره بل الكافر مخلا عندنا بينه وبين إيثاره واختياره، ~~وممكن من الإيمان إن شاء وأحب وكره الكفر وتجنبه، وهذا الجواب أيضا يبطل ما ~~توهموه إبطالا بينا وينبغي في الجملة أن تكون المحاورة والمشاجرة في ~~الاستطاعة والبدل والعجز والمنع والفعل والترك وتشبيه عدم القدرة على الفعل ~~بفقد كمال العقل وعدم الدليل، وبطلان الجوارح والآلات بيننا وبين القدرية ~~المعتزلة. # والكلام في هذه الأبواب مذكور معروف، واستظهار أهل الإثبات # عليهم في هذه المذاهب التي يعتقدون بطلانها على وجه قد صار معهم فيه # الجلة والأئمة، وحذاق أهل النظر وسائر البخارية والقدرية، وأنهم قد بلغوا # بالحذق والتمويه في باطلهم إلى حد ما صاروا به في استهواء الناس أكثر من # PageV02P687 # أهل الحق، وصار الحق أكثر شبهة المثبتة والبخارية مهجورا، وصار صاحبه # خائفا حذرا، وصار حقه مغمورا لا يقدر عليه أن يظهره بين العامة، وعند # كثير من الخاصة، ولا في الجوامع ms468 والمساجد والثغور والمواسم أمر بين لا # خفاء به، وهو من أدل الدليل على كذب القدرية والمعتزلة في تسميتهم # خصومهم في هذه المذاهب حشو وعامة ونائبه. # وعلى أتباعهم عند تضايق الأمر بهم سبيل إخوانهم الملحدة في تسمية # كافة المسلمين والملتين طغام وحشو وعامة، غير موهن لحق المثبة ولا حاط # عند ذي تيقظ وتحصيل عن رتبة التدقيق والحذق، وإيراد ما يذهل القدرية # ويخرس المعتزلة، ويملأ قلوبهم وصدورهم غيظا وخنقا، ويحذرون محه # على نفوسهم ومهجتهم من تخطف العامة والدهماء لهم في قولهم: إنهم # يخلقون كخلق الله ويصنعون كصنعه وينفردون بتقدير أعمالهم وإنشائها دون # ربهم ويكون ما يؤثرون ويشاؤون، ولا يكون ما شاء الله مع قول الأمة ما شاء ~~الله كان وما لم يشأ لم يكن. # فأما الملحدون فلا ينبغي أن يقبل من مطاعنهم واعتراضاتهم ما يصيرون # به إلى قول بعض المتكلمين من المسلمين، لأنه إذا صاروا إلى ذلك تركوا # الإلحاد والطعن على النبوة والقرآن، وإنما يجب أن تكون مسائلهم # واعتراضاتهم أمورا تبطل دين المسلمين جملة، ويقدح في سائر مذاهبهم. # لأنهم لا يقصدوا ذكر هذا التناقض والاختلاف الذي يظنونه في القرآن لإبطال ~~مذهب المثبتة دون مذهب القدرية، وإنما قصدوا الإدخال على الجملة وضمنوا بما ~~أوردوه إبطال القرآن والتوحيد والنبوءة، فإذا صاروا إلى نصرة بعض مذاهب ~~المصلين إلى القبلة فقد عجزوا عما ضمنوه وظهر بغضهم تخلفهم، وكذلك فمتى ~~سالوا عن آية وشيء من القرآن متوهمين - فساده # PageV02P688 # وتناقضه فيخرج، ويصح جوابه على مذاهب بعض الأمة، فقد زالت العهدة # ووضح الحق، وبطلت الشبهة، وهكذا يفعل الله سبحانه بمن ضل وعند عن # الحق. # وقد علموا أن من الأمة من يقول إن قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم) ، مراد به ~~أننا سنذرأ يوم القيامة، وأن قوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ، ~~على عمومه، وكذلك قوله: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) ، ~~وأن قوله: (ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) ، أي: ~~أنه للرحمة خلقهم. # وأن قوله: (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا) . # أي: ms469 من أراد عقابه بما كان من كفره، وأن الفتنة تكون بمعنى العذاب. # قال الله تعالى: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا) . # يقول عذبوا المؤمنين والمؤمنات، وأن جميع ما ذكره الله من الختم والطبع ~~والتغشية والإضلال إنما المقصد به الحكم والتسمية دون فعل شيء في القلوب، ~~وأن قوله: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) ، (ولو شاء الله ما فعلوه) ، ~~(ولو شاء الله ما اقتتلوا) ، (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) ، إننا لو ~~شئنا أن نجبرهم ونلجئهم إلى ذلك، لفعلناه دون مشيئة ذلك على وجه الطوع ~~والاختيار، وأنه ليس من شيء يتعلق به المثبتة إلا وقد أعدوا له عند أنفسهم ~~جوابا، وإذا كان ذلك كذلك، فجميع ما يتوهمونه متناقضا من هذا الباب، فإنه ~~على خلاف ما توهموه من قولنا وقول المخالفين من أهل القبلة، وليس يجب على ~~المسلم في جواب مما يتعلقون به أكثر من تخريجه وتصحيحه على بعض المذاهب ~~والوجوه، وإذا كان ذلك بطل ما قالوه وكان الكلام معهم إذا صاروا إلى # PageV02P689 # اعتقاد ذلك المذهب كلاما في القدر، وزال الطعن على القرآن والإسلام. # وهذا بين في إبطال جميع ما يحاولونه. # فتأملوا رحمكم الله فصول الأجوبة لهم على ما نزلناه وبيناه يتضح لكم # جهلهم وتعرفون حيرتهم وتخليطهم وتعلقهم بالأباطيل والتعاليل، وأنهم # كحاطب ليل وكالغريق بما يجد يتعلق وعلى ما وصفهم الله تعالى به من # قوله: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (44) . # لأن الأنعام ممنوعة من النظر والاستدلال والخلو من تصحيح النظر ولطيف ~~الفكر إلى كشف الغامض وحل الملتبس. # والملحدة في تركها النظر ومعرفة وجوه الخطاب وتصاريف الكلام. # ومعرفة ما يراد به وعليه من مجمل ومفسر، وخاص وعام، ومطلق ومقيد. # وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، ومستثنى في تصاريف الكلام، ومنقطع # ومحذوف ومختصر، وكناية وتصريح وتأكيد وتنبيه، وحقيقة ومجاز، واستعارة ~~وتشبيه، وقصد إلى ضرب مثل وتشبيه، ومستعمل على سبب حادث وأمر حاصل وجواب ~~شامل، وشخص مخصوص وأمر محصور وعهد متقدم، وعرف مستقر وعادة في الخطاب، ~~وتعويل على متقدم أو مؤخر من ms470 البيان، أو على العرف وشاهد الحال، أو على ~~إناطته وربطه بدلائل العقول وقضاياها والرد إلى المستقر فيها، وبما جاء في ~~الخطاب بلفظ المواجه الحاضر، والمراد به الغائب وبما جاء باللفظ الموضوع ~~للغائب، والمراد به الحاضر، على ما بيناه من قبل، وربما ذكر من له الاسم ~~فيه وأريد غيره وربما ذكر الغير وأريد هو، وربما ورد اللفظ المشترك بين ~~أمور مختلفة والمراد أحدها، وإن كان الظاهر لا ينبىء عنه فلذلك أمر الله ~~سبحانه بالتدبر والاعتبار والاستبصار # وجعل أهل العلم درجات، وفضلهم على ذوي الجهل والنقص. # PageV02P690 # وليس في شيء مما حكيناه عنهم ونحكيه مستأنفا إلا ومعناه ثابت # صحيح إذا حمل على بعض هذه الوجوه، والقرآن لا يبطل ولا تستحيل # معانيه، ويناقض لظن الملحد لذلك وحمله على ما يصنعه لنفسه ويقدره # بجهله، أو تجاهله وإلباسه، وإنما يصير وضعه وتوهمه فاسدا متناقضا دون # التنزيل وكلام رب العالمين. # فكيف يكون ذلك كذلك والله يقول: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ~~(9) . # ويقول: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) . # ويقول: (إن علينا جمعه وقرآنه) ، ويقول: (تبيانا لكل شيء) ، و (هذا بيان ~~للناس) ، و (ما فرطنا في الكتاب من شيء) . # في نظائر هذه الأخبار الواردة في حفظ القرآن وحياطته # وصونه عن مطاعن الملحدين والزائغين وحراسته، وقد بان بما قدمنا وما # سنذكره من أجوبتهم صدق ما خبر الله به من حفظ كتابه وحصول الاهتداء # والبيان به. # فأما تعلقهم بقوله تعالى: (كذلك زينا لكل أمة عملهم) . # وقوله: (زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون) ، وقوله: (زين للناس حب الشهوات من ~~النساء والبنين) . # إلى نظائر هذه الآيات، فقد قلنا من قبل في تأويل هذا التزيين، وأنه ليس ~~من تزيين الكافرين والشياطين بسبيل، وأنه ليس هو الدعوة إلى ذلك والترغيب ~~فيه، وفي الناس من يحمل ذلك على أنه إنما أراد بالتزيين خلق الشهوة وما جعل ~~في الطباع من الميل والتوق إلى ذلك، وليس معناه الترغيب فيه والدعاء إليه، ~~فبطل توهم من ظن أن معنى زينا أننا أمرنا بذلك ودعونا إليه ms471 ورغبنا فيه. # PageV02P691 # فأما قوله: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) ، فلو حمل # على أنه خلق لكل أهل دين دينهم وما هم عليه وطريقتهم، لما أخل ذلك # بصحة القرآن ولزوم التكليف، وحصول البيان على ما قد ييناه من قبل. # ولكن ليس هذا هو القصد، وإنما أراد بالشرعة ما شرعه لهم وتعبدهم به. # وهذا الجعل بمعنى التعبد، وتقدير الأديان وتوظيف الفرائض والعبادات. # وليس من خلق الفعل في شيء فبطل ما قدروه. # وأما تعلقهم بقوله: (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) ، ~~فإن حمل ذلك على أنه خلق عداوة بعضهم لم يخرجهم ذلك عن # التكليف إلى يوم القيامة، وإمكان النظر والاستدلال وتأتيه وقيام الحجة # عليهم، ولزومها لهم على ما بيناه من قبل، وإن حمل على أن معنى ذلك أننا # ألقينا بين ضروب أهل الكفر التعادي على كفرهم، وتبري بعضهم من بعض، لم ~~يكن ذلك عند أحد قبيحا ولا ظلما، فكأنه ألقى في قلوب اليهود عداوة # النصارى على القول بالتثليث، وذلك عداوة لباطل، وألقى في قلوب النصارى ~~عداوة اليهود والمجوس على شتم المسيح وتكذيبه والقول بالنور والظلمة وذلك ~~عداوة لباطل، فكأنه على هذا الفرق ألقى بين أهل الباطل. الذين ذمهم على ~~التعادي على باطنهم ولم يلق على قلوب "المبطلين عداوة للحق وأهله، وإذا كان ~~الكلام محتملا لذلك بطل ما توهموه وزال التناقض الذي قدروه. # فأما تعلقهم بقوله كلعالى: (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) . # فإن حملناه على أنه خلقهم للنار والضلال فذلك صحيح على ما قلناه. # ويمكن أيضا أن تجاب الملحدة أن يقال: إنما عنى بقوله: (ليزدادوا إثما) ~~على عاقبة الفعل وإنهم سيزدادون في الآخرة. # وكذلك قوله: (فزادتهم رجسا إلى رجسهم) أي سيزيدهم عذابا بما كان من # PageV02P692 # رجسهم وأمرهم بذلك، كما قال: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) ، ~~على عاقبة أمره، وما يؤول به الحال إليه، ولم يلتقطوه # وقت أخذه إلا ليكون لهم حبيبا وأنيسا. # وأما تعلق الملحدين بقوله تعالى: (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن ~~الله) ، وقولهم فما ذنب الساحر إن كان ms472 بإذن الله فعل، ما أبيح له وأمر به، ~~فإنه ليس على ما قدره، ولم يرد بقوله: بإذن الله، بأمر الله وإطلاقه ~~وإباحته له فعل السحر الذي قد اتفق على أنه قد نهاه عنه، وإنما أراد بإذن ~~الله أي أن الله خلق ذلك السحر وقدره قبيحا باطلا كما يقال جاء # المطر بإذن الله، ومات زيد ومرض وصح بإذن الله أي: بخلق الله ذلك # وتقديره وإيجاده، وليس ذلك بمعنى قوله: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر ~~فيها اسمه) ، وما جرى مجراه، ويمكن أيضا أن يكون أراد بالإذن # ها هنا أن الضرر الذي يكون عند فعل الساحر، والألم ليس من كسبه وفعله، ~~ولكن الله هو الذي يخلقه، ويضر المسحور به بجري العادة، ويمكن أيضا # أن يكون بإذن الله أي بعلم الله وسابق ما كتبه عليه في اللوح المحفوظ ~~فيعتر # عن ذلك بالإذن. # ويمكن أن يكون أراد بالإذن أن ترك الساحر وسحره، وترك إماتته # وإعدامه وإبطال لسانه وجوارحه، وغير ذلك مما يمنعه من السحر لم يكن # إلا بإذن الله، فكأنه قال: لو شئت أن أمنعهم بهذه الأمور من السحر ~~لمنعتهم # ولكن تركتهم، وذلك بإذني، ويمكن أن يكون أراد بالإذن خلق الشخص # المسحور ممن يقبل الألم ويستضر به كل يإذن الله وإيجاده له كذلك. # ويحتمل أيضا غير هذا من الوجوه، فبطل قولهم أن الإذن لا يكون إلا بمعنى # الإباحة والإطلاق. # PageV02P693 # وأما تعلقهم بقوله تعالى: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) ، ~~فإنه لم يخرج على الشك والارتياب بما جاءهم به، وكيف يكون # ذلك كذلك وهو يخبرهم بأنه الحق، ويحذرهم بالنار من مخالفته، وإنما # عنى وهو أعلم ولكنه على مذهب التوبيخ والتنبيه لهم والتعريض بأنهم هم # المبطلون كما يقول القائل لمن يلاحه ويشاجره: إما أن نكون جميعا مبطلين # أو محقين، وإني وإياك لعلى حق أو في ضلال، يعني بذلك أن أحدنا محق # أو أننا على أحد الأمرين إذا قال الرجل لمن يشير عليه بترك ما هما جميعا # فيه إلى غيره إني وإياك لعلى ms473 هدى أو ضلال، يريد أننا على هذا فلا يفارقه # في خطأ ومهلكة، فلا يخالف في الخلاص من ذلك، وقد قيل إن معنى الآية # الكريمة أننا لعلى هدى وإنكم لعلى ضلال فحذف تكرار ذكرهم، وأو هاهنا # بمعنى الواو كما قيل: # جاء الخلافة أو كانت له قدرا # أي: وكانت له قدرا. # فأما تعلقهم بقوله تعالى: (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق) ، ~~وأن ذلك شك وإحالة على ما هو وهم فيه إلى الله، فإنه باطل، لأنه إنما # ورد ذلك على وجه المتاركة والزجر لهم عما هم عليه، كما يقول الرجل # للرجل: مجلس الحكم بيننا ثم يحكم بيننا بالحق، ليس على وجه الشك في # حقه ولكن على وجه المتاركة وقطع المزايدة والتحذير من الحكم عليه بباطله. # فأما تعلقهم بقوله: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) ، وأن ذلك # شك منه ونقض لما وعد وتوعد به، فإنه بعد وتخليط منهم، لأنه لم يعن # ذلك، وإنما أراد ما أدري ما أتعبد به ويفرض علي وعليكم من الوظائف # والعبادات واتباع شريعة من سلف أو استئناف سواه وتبعية ما قد شرع لي أو # نسخه وتغيره، ولم يرد أنني لا أدري هل يثاب المؤمنون ويجازى الكافرون # أم لا؟ # PageV02P694 # وقد قيل: إنه كانت له عليه السلام ذنوب خاف منها قبل أن يقال له # وينزل عليه: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) ، فقال لما # خاف من ذلك: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم معاشر المذنبين من غفران # لي ولكم أو عقاب أو مجازاة، وليس هذا من الشك في دينه ونبوته بسبيل. # وأما تعلقهم بقوله تعالى: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده ~~من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) ، ونحو ذلك وأنه نقيض # لقوله: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا (85) . # وذلك أنه لا جواب لما سألوا عنه من ماهية الروح وصفتها # إلا ما قال لهم، فكأنم ظنوا أن الروح جسم محسوس، وشخص مدرك وشيء ms474 # متمثل متجسد، ذو طعم وهيئة ومحسة ورطوبة ويبوسة فقال "ويسألونك عن الروح ~~يعني أهي صورة أم صغيرة أم كبيرة أم حلوة أم حامضة، أم رطبة أو يابسة أو ~~بيضاء أو سوداء، فقال: قل الروح من أمر ربي، أنها جنس يخالف جميع هذه ~~الأجناس المدركات وذوات الصور والهيئات والصفات التي # سألتم عنها، وكذلك سبيل الجواب عن نعت كل شيء لا يدرك بالحواس. # وعن ماهيته في أن هذا جوابه. # ولو قال قائل: خبرونا عن الحياة ما هي وما صفة الغم والشرور واللذة # والألم، أمتحرك هو أم ساكن، أم أسود أم أبيض، أم صغير أم كبير، مربع # أو مسدس، لوجب أن يكون هذا هو جوابه، فيقول: هذه الأجناس التي # سألت عنها من الحياة والحزن والسرور شيء من خلق الله، وأمور من فعله # لا يعلمها إلا هو، أي لا يتأتى فعلها وجعلها على صفاتها إلا له، وليس ~~فيها # ذو هيئة وشكل وطعم ورائحة يخبرك عنه، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما # توهموه من قصور القرآن والرسول عن الجواب عن الروح، وهم يعنون # PageV02P695 # بالسؤال هل الروح حي أم لا، وهل تبقى أم لا، وهل الروحاني روحاني # بمعنى أو بنفسه، وإنما سألوا عن ماهية الروح ونعته كأنهم يعنون صورتها # وهيئتها، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قدروه. # وأما تعلقهم بقوله: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) ، فإنه ~~تعلق باطل، لأنهم لم يسألوه ما جنس الأهلة، ولم تطلع وتغرب، وكيف سيرها، ~~وما جنس الزمان ومعناه، وإنما أرادوا لم # 5551، وضعت الأهقة، ولماذا خلقت، فقال: (هي مواقيت للناس والحج) أي: لهذا ~~خلقت ووضعت، لأجل ديونهم ومدد أعمالهم وأجورهم، ومعرفة أوقات حجهم وصيامهم ~~ووظائف دينهم، وقول من زعم أنهم سألوا عن كيفية الأهلة الغامضة جهل منه، ~~ولو سألوا عن ذلك وهم يعنون بالكيفية جنس الهلال وطبيعته أو تقلبه وحركته، ~~وعن جنس الوقت نفسه وجنس التقدير، لأخبرهم بجميع ذلك. # فأما تعلقهم بقوله: (أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ~~(67) . # (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا) ms475 ، وأنه نقيض لقوله: (سبحان الذي خلق ~~الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) . # وأن ذلك إخبار بأنه قد خلق الأزواج كلها من أنفسهم # ومن أشياء أخر لا يعلمون، فإنه أيضا مما لا تعلق لهم فيه، لأنه لا يمكن ~~أن # يكون إنما أراد بقوله: (ولم تك شيئا) أي: أنه لم يكن شيئا مذكورا # ومدركا وشيئا عاملا مكلفا وشيئا فطنا حاسا بل كان طينا جمادا إن كان عنى # آدم عليه السلام، أو نطفة وماء مهينا إن كان أراد المخلوق من ولده، وقول # المسلمين إنه خلق الإنسان لا من شيء صحيح، وليس بنقيض لهذا الكلام. # لأنه أراد أصول الأزواج وأول الحيوانات وعناصر الأشياء وليس الماء # PageV02P696 # والهواء والتراب والنار التي هي عند الفلاسفة أصول الأشياء التي هي قديمة # لم تزل، ومنها تنمو الأشياء وتزيد، وإليها تنحل وتفسد، وإذا كان ذلك # كذلك بطل ما قالوه، وقد يقول القائل لمن يسمع كلامه ويدركه ويشاهد # فعله ويحسه: ما قلت شيئا وما صنعت شيئا، أي: ما صنعت شيئا نافعا. # وما قلت شيئا مفيدا محصلا، وليس يعني بذلك كونه ووجوده، وهذا يزيل # توهمهم ويقطع مادة أشغالهم. # فأما تعلقهم بقوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم (19) ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين (20) مطاع ثم أمين (21) . # وأنه نقيض لقوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة ~~فلن يغفر الله لهم) . # وأن هذه صفة معصي غير مطاع، فإنه جهل منهم لأن الرسول المطاع هو جبريل في ~~قول كثير من المسلمين، هو مطاع في السماء وعند الملائكة ولم يرد به إجابة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى جميع ما يلتمسه. # ويحتمل أن يكون الرسول هو محمد - صلى الله عليه وسلم - ويكون معنى قوله: ~~(مطاع ثم أمين) عند المؤمنين به وعند خزنة الجنة، وليس يعقل من قول مطاع أن ~~الله هو الذي يطيعه، وإنما يعقل من ذلك أنه إنما يطيعه من يأمره وينهاه ممن ~~أجابه وعرف حقه ونبوته، فبطل ما قالوه. # فأما تعلهم بقوله في قصة نوح ومحمد ms476 عليهما السلام وقوله: (ولا أقول لكم ~~عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك) . # وقوله في قصة محمد مثل ذلك، وأنه نقيض قوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر ~~على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا (27) . # فإنه ليس على ما ظنوه، لأن نوحا ومحمدا - صلى الله عليهما وسلم - إنما ~~نفيا عن أنفسهما إدراك الغيوب من غير توقيف وإخبار على وجه ما يدركه الله ~~سبحانه # PageV02P697 # من العلم بمعلوماته الغائبة من غير اضطرار ولا استدلال ولا خبر، فإذا # اطلعا على ذلك صارا يعلمانه من جهة الوحي والتوقيف، وإذا كان ذلك # كذلك بطل ما قالوه. # ويحتمل أن يكون قوله: (إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه) # قطع الكلام واستئنافا لذكر الرسول وقصته وتأييده وحفظه وغير ذلك، وإذا # كان ذلك كذلك بطل ما قالوه. # فأما تعلق الملحدة بقوله: (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين) ، وذكر ~~فيها من صحاف الذهب والفضة والولدان وغير ذلك # من تعظيم شأن نعيمها وإيصال لذاتها وسرورها وأنه منقوص بوصفه لها # بأن فيها أنهارا من ماء غير آسن، وأنهارا من لبن لم يتغير طعمه، وأنهارا ~~من # خمر لذة للشاربين، وقولهم أن اللبن والخمر ليس مما يستلذ، واللبن خاصة # لا يطلبه ويشتهيه إلا جائع مضرور، وأن الموضع الموصوف بأن فيه ماء غير # آسن لا يكون إلا جدبا قحطا غير مخصب فإنه باطل، لأن الخمر عند كل # أحد مستلذ مشتهى، ولذلك حرمت ومنعت كسائر اللذات، وما تدعوه إليه النفوس ~~والطباع، وذكره الأنهار إنما هو إخبار عن كثرته، وأنه غير محصور ولا مغير ~~مقتر محدود. # فأما ذكره اللبن فإنه صحيح، لأن العرب تلذ اللبن وتشتهيه وتؤثره على # الماء وتختاره عليه، وتجعله بمثابة الطعام والشراب، وليس بعد الماء شراب # مفطور مخلوق من غير صنعة ولا مزاج، وشرب غيره من كل مائع سواه. # فإنه لا يلذ بشربه إلا بصنعة ومزاج وتعديل، وكذلك ذكره العسل، لأنه مما # يلذ ويحب. # PageV02P698 # فأما قولهم: إنه قل ما ms477 يؤكل ويشرب عسلا صرفا حتى يمزج ويعالج. # فإنه كذب، لأن كثيرا من الناس يشتهيه صرفا، ولعله يمزج لمزاجته # ممزوجا، والله سبحانه إنما ذكر لهم الأشربة في الجنة من هذه الأجناس. # ليدلهم على أن هناك لبن وعسل وخمر وماء وأنواع ما تدعو إليه الأنفس، لا # لكي يدل بذلك على أنه مثل طعم الذي في الدنيا وصفته لا يفوقه ويزيد # عليه، وكذلك إنما وصف الماء بأنه في أنهار وأنه غير آسن ولا متغير، لأن # القوم الذين خوطبوا بذلك إنما كانوا يشربون من العيون الضيقة والآبار ~~النزة # وربما كان الماء لقلته آسنا متغيرا، فعرفهم أنه هناك غير قليل ولا محصور # مغير مقتر محدود، فبان بذلك بطلان ما قالوه، وكذلك قوله: (فيهما فاكهة ~~ونخل ورمان) ، (ولحم طير مما يشتهون) ، وغير ذلك إنما أورده لكي يعرفهم ~~أنواع ما في جنانه، ولم يذكره لكي يعرفهم أنه على # صفات ما في الجنة من الثمار واللحوم، على صفات ما تقع عليه هذه # الأسماء والنعوت في الدنيا من غير تحصيل مزية ولا زيادة حسن وطيب # ولذة، وما لا يقدر جميع من على وجه الأرض على تركيب طعام وشراب # يبلغ لذته، وإن صنعوه وعالجوه بكل مزاج وتركيب، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما ~~توهموه. # فأما تعلقهم بقوله: (رحيق مختوم (25) ختامه مسك) ، وإن ذلك نقيض لوصفه ~~أنهار الخمر، لأن الختم يقتضي العزة والقلة. # وقولهم: ولم ختمه الخشية الغارة واللصوص؟ ونحو ذلك من الجهالات. # فإنه حمق وبله وتلاعب من الملحدة، لأن معنى (ختامه مسك) أي منقطعه # يوجد عنده طعم المسك من رائحته وهو من أجمل الشراب، ولو كان الختام # هو الختم والطابع لم يدل ذلك على القلة ولكان على التشريف لأولياء الله # PageV02P699 # والكرامة، ولذلك يتخذ الملوك خزائن الشراب ويضعون عليها الخواتيم # والأقفال ويغطون الآنية بفاخر الثياب، ويتهادون الأشربة مختومة مضمونة. # وإن أرسلوها مع أمنائهم وأولادهم إلى أخص الناس بهم مع أمان السم # والإدغال ومزاج الشراب ما يؤذي شاربه، وكل هذا على وجه التكرمة # والإعظام فبطل بذلك ما قالوه. # *************** # يتلوه إن شاء الله ms478 في الورقة التي تليها بعد البياض الذي يلي هذه # الصفحة فإن قالوا: مزاجها كافورا وزنجبيلا فإنه غير مفسد لطعم الشراب. # والحمد لله رب العالمين. # فرغ منه كاتبه حامدا الله تعالى ومصليا على رسوله سيدنا محمد النبي، وآله ~~الطاهرين وسلامه وحسبنا الله ونعم الوكيل. # فصل (1) : PageV02P700 ### | ### | فصل # # رب أنعمت فزد # فإن قالوا: مزاجها كافورا وزنجبيلا، فإنه غير مفسد لطعم الشراب لأن # من الناس من يعجبه الشراب عند مقطعه شيء من لذع الزنجبيل والكافور # وطعمهما وريحهما، ويميل إلى شدة برد الشراب، ولعله تعالى أراد طعم # الكافور وريحه وبرده، أو برده خاصة وكل ذلك محبوب مشتهى عند أكثر # الناس. # ويمكن أيضا أن يكون عنى تعالى أن برد ذلك الشراب ونفاذ عمله في # اللذة وطعمه وريحه اللذين هما له، كنفاذ برد الكافور والزنجبيل وطعمه # وريحه، من غير أن يكون معنى ذلك الشراب في الطعم والريح معناهما. # وقد يقول القائل: إن له لسانا أحد من السيف، وشرابا مثل شعل النيران. # وأن ريح هذا تيم كريح المسك والكافور ولا يعني بذلك تساوي معنى ما # ذكره وما شبهه، وإنما يعني نفاذ عمله ورائحته، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما ~~قالوه. # فأما قوله: (يحلون فيها من أساور من ذهب) ، وأن ذلك ليس # تعظيما في الزينة، ولا من زينة الرجال، فإنه كذب، لأن العسجد من أفضل # الزينة، وإنما كره للرجال لموضع التشبيه بالنساء، ولعله أن يكون لأجل ما # يلحق البلواء والخيلاء، وصار ذلك مستهجنا في الدنيا لموضع التعبد # والعادة، وفي عامة الناس وأوساطهم، فأما ملوك العرب والعجم والروم # PageV02P701 # فهم إلى اليوم يتسورن ويلبسون الأطواق والإسورة والتيجان، ويبالغ في # ذلك ويتنوق فيه ويرصعه، ولكن ذلك لعظمائها دون صغارها وسفاسفها. # وأهل الجنة في أجل رتبة وأرفع منزلة وأيسرهم نعيما في الجنة، وإن لم يكن # في نعيمها يسيرا أعظم من سائر نعيم ملوك الدنيا، فزال ما قالوه. # فأما تعلقهم بقوله: (عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق) . # وإن ذلك نقص منه، لتعظيم شأن ما فيها لأجل أن السندس هو البزيون - # زعموا، والإستبراق غليظ الديباج، ms479 فإنه لا تعلق فيه، لأنه إن كان السندس # هو البزيون، فإن لهم من الفرش ما هو على نمط البزيون وصفته، ومخالف # لجنسه في كونه وهيئته ولينه، ولعلمه أن يكون ألين من كل سندس من # مرعزي الأوبار وألين الأصواف، وما لا يقدر البشر أبدا على إيجاد مثله ولا # ينتهون إليه، فأما الإستبرق فإنه إن كان غليظ الديباج فإنه من الحسن # والهيئة، وجميل المنظر ولين الملمس، بحيث يقصر عنه وصف الواصفين. # وليس كل الناس ترغب في ضعيف الديباج ورقيقه، بل الدهماء منهم ترغب # في متينه وغليظه، لأنه أجل ولذلك عظم الرومي والملكي على التستري وما # جرى مجراه، فكيف بغليظه إذا كان بصفة ما قلناه؟! وكل هذا تلاعب منهم # وتخالع واستهواء للعامة من أتباعهم، والأوغاد من معظميهم وشيعتهم. # ومن أدل الأمور على ضيق الأمر بهم، وعدم المطاعن على شيء من كتاب # الله. # فأما تعلقهم بقوله: (إن الله لا يظلم الناس شيئا) ، (وما ربك بظلام ~~للعبيد) ، (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ، # PageV02P702 # ونحو هذا، وأن ذلك منقوض بقوله تعالى: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها ليذوقوا العذاب) ، ولا جرم - زعموا - للجلود التي لم تكن # عليهم في الدنيا، ولم تصحبهم، وتكون من جملتهم وقت المعصية، فعقاب # جلودهم وإيلامها على ذنب لم يكن منها ولا هي من جملته وقت # اقترافهما: ظلم وعدوان، فإنه باطل لا تعلق فيه من وجوه: # أحدها: أن الأمر في هذا ليس على ما يدعونه عند أهل الحق من أن # إيلام الحي على غير جرم ولا لعرض ظلم، وإنما يكون ذلك ظلما ممن # ليس له فعله، ومن نهي عنه وتجاوز ما حد له وتصرف في ملك غيره. # والذي هو أملك بالمخلوقات منه، والله تعالى ليس هذه سبيل إيلامه لما آلمه # من خلقه، وقد أتلف الأطفال في الدنيا وأباح إيلام الحيوان وذبحه وسلخه # وأكله، وكده وحمل الأثقال عليه لغير ذنب ولا لغرض، كان مصير # البهائم إليه بجزاء وثواب وعذاب، وذلك حسن وعدل منه. # والجواب الآخر: إنما أراد بقوله: غيرها أنها كلما نضجت واحترقت # فصارت حمما ms480 أعيدت حينئذ رطبة مؤتلفة محتملة للألم والعقوبة، فقيل # غيرها أي أعيدت كالذي كانت، وعلى صفتها التي صارت بالاحتراق إليها. # كما يقول جاءني زيد اليوم بغير الوجه الذي فارقني به بالأمس، أي: بغير # صفة الوجه التي كان عليها، وكذلك قولهم: زيد هذا الذي عرفناه وأنت غير ~~الذي كنا نعرفك، يعنون تغاير صفاته دون ذاته. # ويمكن أيضا أن يقال: إن العذاب إنقا هو على الأرواح دون الخلق. # فإذا عظمت جلودهم وأنضجت آلمت أرواحهم، وهي المعاقبة دون الجلود، # PageV02P703 # فإذا أمكن تخريج هذا على بعض مذاهب المسلمين، فقد خابت آمالهم # وانقطع رجاؤهم وزال إشغابهم، وصح أن القرآن هدى ونور منزل من عند # حكيم عليم. # وأما تعهفقهم بقوله تعالى: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون ~~أحدا إلا الله) ، وأنه نقض ذلك قوله: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت ~~عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس ~~والله أحق أن تخشاه) ، لأن هذا تصريح بأنه خشي الناس # ولم يخش الله أو كاد أن لا يخشاه، وهو نقيض الخبر الأول، فإنه مما لا # تعلق لهم فيه من وجوه: # أحدها: أن في الناس من يحمل هذا على أن الله سبحانه حكى قول # رسوله لزيد بن حارثة، وأنه كان يعظه بمثل هذا الكلام، وبقوله: (واتق الله ~~وتخفي في نفسك ما الله مبديه) ، كأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لزيد: وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وقال له: (وتخشى الناس والله أحق أن ~~تخشاه) ، وليس هذا بعتاب للنبي صلى الله عليه ومثل هذا التأويل سائغ غير ~~بعيد. # والوجه الآخر: أنه قد كان أوحي إلى النبي صلى الله عليه أن امرأة # زيد تكون زوجة لك فكتم هذا ولم يخبر به زيدا ولا غيره، مخافة أن يتسرع # زيد إلى طلاقها إذا علم رغبة الرسول فيها، وأن يقول عند ذلك المنافقون # أمره بطلاقها، وفرق بينه وبينها، ثم تزوجها، ويجعلون ذلك وصمة ومطعنا # وذريعة إلى الغميزة عليه والقدح في فضله، فيجب لذلك الإخبار بما أنزل ms481 # الله عليه فأخبر به خشية ما ذكرناه فقال: (وتخشى الناس والله أحق أن ~~تخشاه) # أي: لا تخف في إظهار ذلك، فإنهم لن يضروك بشيء خفته. # PageV02P704 # وقوله -: (والله أحق أن تخشاه) أمر له بأن يخشى الله وبينه على أنه أحق # وأولى أن يخشى،، وذلك لا يدل على مخالفة المأمور إلى ضده وارتكابه # لتركه أو العزم على ذلك، فبطل التعلق بهذا الموضع. # ويحتمل أيضا: أن يكون كره إظهار ذلك لئلا يقول المنافقون: قد حرم # الله على أمته حلائل أبنائهم، وزيد ابنه، وقد تبناه، ثم تزوج بحليلته، ~~فقال: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله) ، أي ليس زيد # ابنه. بنوة تمنع من تزويج امرأته، فقال: قل لهم هذا ولا تخشاهم، فإن الله # أحق أن تخشاه، وليس ذلك بركوب لمأثم. # ثم إنه لو سلم أن الرسول صلى الله عليه كان راغبا فيها ومؤثرا، لطلاقها # لكي يتزوجها إذا فورقت واعتدت: وحلت للأزواج، وأنه خاف أن يظهر ذلك ~~الموضع للقالية التي قدمناها والقذف له لم يكن ذلك - ذنبا من ذنوبه، وخشية ~~الناس وتركه لخشية الله، لأن ميل الطباع وشهوات النفوس والرغبة في النساء ~~والوقوع في حبائلهن، وتعلق القلوب بهن إذا خرج عن التكليف # والاكتساب لم يكن صاحبه ملوما مذموما إذا عزم العازم، على التزويج بمن # يوثره إذا حلت للأزواج، لتسكين طبعه وإحمام نفسه ودفع الوسوسة. # والحوم حول الحمى ومكابدة الألم ومدافعة، النفس وطلب الاشتغال عن # ذلك بطاعة الله، فإنه بهذا الحزم والقصد مطيع لله، فكأنه قال له عليه ~~السلام # "لا تحف الناس في كشف هذه الحال لهم بأنها مطلقة مباحه، واعلم أن الله # أحق أن تخشاه، ويخبر بالمباح المطلق لك من دينه وفي شريعته، وإذا كان # ذلك كذلك بان أنه لا عيب على الرسول ولا عار، وأنه غير مواقع بذلك # دنبا ولا عصيانا ولا تارك لخشية الله تعالى، وبطل ما قدروه وززال ما # توهموه. # PageV02P705 # فأما قولهم: إنه لا معنى لقوله في أم الكتاب (بسم الله الرحمن الرحيم) # لأنه قد أفاد بالرحمن ما أفاده ms482 بالرحيم، ولا لقوله: (الحمد لله رب ~~العالمين) لأنه إن كان حمد نفسه فأي فائدة في حمده لنفسه، وإن كان أراد ~~الأمر بحمده فألا قال: قولوا (الحمد لله رب العالمين) ، فإنه تعلق باطل ~~وليس الأمر فيه على ما توهموه، لأن في قوله: (بسم الله) إضمار كلام مقدر قد ~~حذف لأنه قد عرف أن القصد به بسم الله أفتتح أو أبتدء أو أستعيذ أو أستنصر ~~ونحو ذلك، ولكن لما كثر استعمال ذلك وما يقوم مقامه في فواتح الكتب والخطب ~~والرسائل وعرف الغرض فيه ومقصد # العرب بقولهم في مبادىء كتبهم: "باسمك اللهم" حذف ذكر الابتداء أو # الافتتاح أو الاستعاذة وما يقدر في هذا الكلام مما تتم به فائدة، لأنه إن ~~لم # يقدر ذلك لم يكن للقول: "بسم الله " معنى ولا خبر فتنعقد به الفائدة، ~~وهذا # يسقط ما توهموه. # فأما قوله: (الرحمن الرحيم) فإن ابن عباس قال في تأويله: # "إنهما اسمان دقيقان أحدهما أدق من الآخر صاحبه، فالرحمن الدقيق والرحيم # العاطف على خلقه بالرزق والإنعام، وهما اسمان مشتقان من الرحمة. # وقد يجوز أن يكون إنما كرر الاسم باللفظين، لأن في أحدهما من # المبالغة ما ليس في الآخر، لأن رحمان من أبنية المبالغة على وزن قولك # شبعان وغضبان وملآن إذا امتلأ غضبا وشبعا، فقال: "الرحيم" وهو اسم # مشترك بينه وبين غيره لأنك تقول: الله رحيم، وزيد رحيم، ومولى رحيم. # ثم قال: "الرحمن " على وجه المبالغة، لأن رحمته وسعت كل شيء ولأن # عنده من الرحمة ما ليس عند خلقه ثم قال: "الرحيم" على وجه المبالغة # أيضا، فإنه بمعنى العاطف الرقيق على خلقه بالرزق والإنعام، وإن كانت # PageV02P706 # الرقة منتفية عنه تعالى فوجب أن يكون إنما كرر الاسم المشتق من الصفة # الواحدة بلفظين لمعنيين متزايدين مختلفين على ما بيناه من قبل. # وقد قيل إنه إنما كرر قوله: (الرحمن الرحيم) على وجه # التوكيد وتمكين المعنى المقصود وأنه بمنزلة قوله تعالى: (فأوحى إلى عبده ~~ما أوحى) ، وقوله: (فغشاها ما غشى) ، و (فغشيهم من اليم ما غشيهم) ، وكل ~~هذا على وجه ms483 التوكيد، على أنه قد قيل إن قوله: (فغشيهم من اليم ما غشيهم) ~~أي: غشي قوم موسى منه مثل ما غشي قوم # فرعون فسلم قوم موسى من مثل ما هلك به قوم فرعون، وقيل: (فغشيهم من اليم ~~ما غشيهم) أي: غشيهم قدر منه دون جميعه، وقيل إنه أراد أنه أظلم منه قدرما ~~جعل ما تحته يبسا فمشوا فيه. # وأما قوله تعالى: (الحمد لله) فإن فيه فائدة، وهو قول يحتمل أن يراد # به الخبر بأن الحمد لله، وإذا أريد به ذلك فمعناه أن المستحق للحمد ~~والشكر # هو الله المنعم على جميع الخلق، ولكل نعمة أنعم بها أحد على أحد فأخبرهم # بذلك أنه هو تعالى مستوجب الحمد، ويحتمل أن يكون أمرا، ومعناه إذا كان ~~أمرا مضمرا وإن كان محذوفا، أي: قولوا الحمد لله، ومثل ذلك قول الشاعر: # وقفت يوما به أسائله ... والدمع مني الحثيث يستبق # يا ربع أنى بقولهم سلكوا ... بأي وجه تراهم افترقوا # يريد: أقول يا ربع، فحذف، ومثل هذا كثير فبطل ما توهموه. # فأما تعلقهم بقوله: (هو الله الذي لا إله إلا هو) . # وبقوله: (الحي القيوم) ، و (هو الله الخالق البارئ المصور) . # و (قل هو الله أحد) ، وقولهم: ما فائدة القول، إن كان # PageV02P707 # مدحا فهو قبيح، وإن لم يكن مدحا فما فائدته، فإنه لا تعلق فيه، لأننا # نقول: هو مدح وإن لم يكن قبيحا لثلاث أوجه: # أحدها: أنه امتدح لغير اجتلاب منفعه ولا دفع مضرة، وليس كذلك # سبيل مادح نفسه منا، ولذلك قبح أن يمدح نفسه. # والوجه الآخر: أنه إنما يقبح المدح منا بكل صفة لأنه لا بد أن يلحقنا # نقص فيها، والباري على غاية الكمال والتناهي في أوصافه. # والثالثة: أنه إنما قبح أن نمدح أنفسنا، لأن غيرنا هو الجاعل لنا، والله # سبحانه لم يجعله جاعل على ما هو به من الصفات، فحسن منه لذلك مدح # نفسه. # وقد يجوز أن يكون قال ذلك ليعلمنا كيف نمدحه ونثني عليه لا ليمدح # هو نفسه، ويجوز أيضا أن يكون قال ذلك الكلام في معنى ms484 التكرار وفوائده. # فأما تعلقهم بقوله تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم) . # وقولهم: إن الموات والجماد والأعراض لا يجوز أن تسبح، فإنه لا تعلق فيه ~~لأنه إنما أراد بذلك وإن من شيء ناطق حي إلا يسبح بحمده، ولم يرد كل ما يقع ~~عليه اسم شيء، وقد يجوز أن يكون أراد وإن من شيء ناطق مؤمن مصدق إلا يسبح ~~بحمده، لأن الكافر والمجنون والطفل أحياء ناطقون غير مسبحين له، وقد قيل ~~إنه أراد بالتسبيح في هذه # الآية الإخبار عن فاقته وحاجته إلى مدبر يدبره ومقيم يقيمه، فكأنه قال: ~~لو # كان كل مخلوق يعرف نفسه وخالقه لسبح بحمد خالقه، واعترف بربوبيته # لموضع حاجته وافتقاره إليه. # PageV02P708 # وأما تعلقهم بقوله تعالى: (وإن منها لما يهبط من خشية الله) . # وقوله: (والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه) . # وقوله: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس) ، وقوله: (والنجم ~~والشجر يسجدان) ، وقوله: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا ~~متصدعا من خشية الله) ، فإنه لا تعلق لهم في شيء منه، ولا إحالة فيه بوجه. # وذلك أن قوله: (لرأيته خاشعا متصدعا) أي: لو أنزلناه على جبل # يعقله ويسمعه لانقض وتصدع على ما هو عليه من عظمة وصلابة، ولو كان # ممن يعقل على وجه التقدير، ويمكن أن يكون أراد أننا لو عقلنا الجبل # وأسمعناه القرآن لانقض وتصدع من خشية الله. # فأما ما أخبر به من سجود الشمس والقمر والجبال والشجر وغير ذلك. # وتسبيح هذه الأشياء فإنما أراد به - وهو أعلم - الإخبار عن ذلها ~~وتواضعها، والذل والتواضع الحاصل فيها إنما هو فقرها وحاجتها إلى صانع ~~يصنعها. # ومدبر يدبرها ويقيم ذواتها، ولولاه لم تكن، وكذلك قوله: (يهبط من خشية ~~الله) أي: أن فيه آثار الصنعة ودلائل الفاقة والحاجة، فسمي بذلك # هبوطا وخضوعا وسجودا وتسبيحا على هذا التأويل، ولم يرد السجود # بالجبهة والتسبيح الذي هو النطق، قال جرير: # لما أتى خبر الزبير تضعضعت ms485 ... سور المدينة والجبال الخشع # وقال ابن أحمر الشاعر: # وعرفت من شرفات مسجدها ... حجرين طال عليهما العصر # بكيا الخلاء فقلت إذ بكيا ... ما بعد مثل بكاكما صبر # PageV02P709 # والحجارة لا تبكي ولا تخشع إلا على التمثيل والتقدير والإخبار عن # عظم الأمر وأنه مما تهد الجبال وتبكي له على وجه التعظيم للشأن. # وقال آخر: # ساجد المنخر لا يرفعه ... خاشع الطرف أصم المستمع # ولم يرد سجود الجبهة. # وقال أمية: # سبحان من سبحت طير الفلاة له ... والريح والرعد والأنعام والكفر # يعني بالكفر مواضع الرهبان، وهي الصوامع، وقال أيضا: # هو الذي سخر الأرواح ينشرها ... ويسجد النجم للرحمن والقمر # وإنما أراد بذلك ما قدمناه من الفاقة والحاجة إلى الصانع الحكيم. # ويمكن أيضا أن يكون إنما أراد بقوله: (يهبط من خشية الله) . # وقوله: (والنجم والشجر يسجدان) ، (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ~~ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم) ، أي: لو رأى ذلك المسخر المتدبر ~~بحاله وحاجته إلى صانع يقيمه لسجد لله ولسبحه ولهبط عند التأمل والفكر من ~~خشية الله الخالق، كذلك لما في ذلك من أوضح الأدلة والبراهين، قال الشاعر: # أما النهار ففي قيد وسلسلة ... والليل في جوف منحوت من الساج # يعني بذلك أن من في النهار وفي الليل على هذه الصفة واللفظ لليل # والنهار والمراد به غيرهما. # PageV02P710 # قال الطرماح: # وأخو الهموم إذا الهموم تحضرت ... جنح الظلام وساده لا ترقد # فجعل الوسادة لا ترقد، يريد أن من عليها لا يرقد لطرق الهموم قلبه # وفكره، فكذلك إنما ذكر الله تعالى هذه الأشياء ووصفها بهذه الصفة، وهو # يريد بذلك الوصف لغيرها الذي يشاهدها ويعتبر بها، ويفكر في خلقها. # وهذا أيضا ليس ببعيد، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما توهموه من سقوط # معنى هذا الكلام وحصول الإحالة فيه. # وقد ذكروا أن مما لا معنى له في القرآن قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ~~ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) ، ~~قالوا: وقد علم كل سامع لهذا الكلام أنه لا معنى ms486 لقوله: بلغ (وإن لم تفعل ~~فما بلغت) ، وأي فائدة في أن يقال لمن لم يبلغ الرسالة: # اعلم أنك إن لم تبلغ فما بلغت. # يقال لهم: في هذا أجوبه: # أحدها: أنه إنما أراد بقوله تعالى - وهو أعلم - (وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته) أي لم تبلغ كل ما أرسلت به على كماله وتمامه وترك الكتمان والطي # لشيء منه، ولم يرد بقوله: (فما بلغت رسالته) في الشيء الذي لم يبلغه # بعينه، فإن ذلك أمر معلوم على ما وصفتم، وإذا كان ذكر الرسالة مجملا # معرضا لأن يراد به كل الرسالة على الاستيفاء لها والاستيعاب، وأنه يعنى ~~به # البعض منها دون جميعها كان حمل الآية على هذا التأويل صحيحا ممكنا. # وأن يكون إنما حث على تبليغ الرسالة في شيء بعينه أوحي إليه، قيل له فيه # PageV02P711 # إن لم تفعل ذلك فما تحملت عن الله سبحانه كل ما أمرك به ولا أديت جميع # رسالاته، وهذا واضح من التأويل وبالله التأييد. # وجواب آخر وهو: أنه يمكن أن يكون المراد بقوله تعالى: (وإن لم تفعل فما ~~بلغت رسالته) أي: فما تستحق ثوابا ولا جزاءا على أداء ما أديته منها # إذا أخللت بأداء شيء من جميعها، كما يقول السيد لعبده والمستأجر # لأجيره: ابن داري هذه وعلي شرفها وإن لم تعل الشرف منها فما عملت # شيئا ولا ثواب لك على عملك، وهو ليس يعني بقوله: فما عملت إلا # إسقاط الاعتقاد بما عمله، وهذا أيضا بين في جواب ما تعلقوا به. # وجواب آخر هو: أنه يحتمل أن يكون المراد بقوله: (بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك) هو المراد بقوله: (فاصدع بما تؤمر) أي: تبلغه تبليغا شائعا ذائعا # مكشوفا تقوم به الحجة، وينقطع به العذر، ويؤثر في النفس التأثير الذي يقع # معه العلم بصحته ولذلك قال: "اصدع" لأنه عنى به شدة البلاغ وكشفه على وجه ~~يؤثر تأثير الصدع في الزجاج وغيره مما يتصدع وينكسر، فكأنه # سبحانه قال له: (بلغ ما أنزل إليك من ربك) بلاغا ظاهرا، وأراد بقوله: ~~(وإن لم تفعل فما ms487 بلغت رسالته) ، أي: إن لم تظهر، وأديته خفيا مكتوما فما ~~بلغت البلاغ الذي قيل لك بلغه وهذا أيضا واضح في إسقاط ما تعلقوا به. # وقد طعنوا أيضا في القرآن وفي تصديق الرسول صلى الله عليه بقوله: # (ومن دخله كان آمنا) ، قالوا: وقد قتل فيه الخلق من عبد الله # ابن الزبير وغيره، ولعل الخوف والقتل فيه وفي المسجد في كثير من # الأوقات كان أكثر وأظهر منه في غيره، فهذا كذب لا محاله - زعموا - وهذا # PageV02P712 # باطل لا تعلق لهم فيه، لأنه لم يرد بذلك الإخبار عن حصول الأمر، وإنما # هو كلام صورته الخبر، والمراد به الأمر كأنه قال تعالى: ليكن من دخله ~~آمنا # غير مخوف، وهو جاري مجرى قوله: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) ، ~~وصيغته الخبر، والمراد به ليتربصن المطلقات بأنفسهن # ثلاثة قروء، وقد لا يفعلن ذلك ويعصين بترك التربص، لأن هذا القول ليس # بخبر عن حصول ذلك منهن، وإنما هو أمر ورد بصيغة الخبر فزال ما # توهموه. # وقد يمكن أن يكون خبرا عن الأمان من عذاب الآخرة وسوء النكال إذا # دخله خائفا لله وخاشعا له ونادما على تفريطه ومتقربا بذلك إلى وجهه تعالى # بعد المهاجرة من داره وبلده، ولم يرد أنه آمن من ظلم الخلق، أو من إقامة # ما يجب عليه من قصاص وقود وحد، وقد يمكن إن كان خبرا عن حصول # الأمر أن يكون أراد به وقتا مخصوصا وعاما مخصوصا وناسا مخصوصين. # فيكون صيغته العموم والمراد به الخصوص إن ثبت للعموم صيغة. # فأما طعنهم في القرآن بقوله: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه ~~راجعون (46) . # وإن في هذا مدحا لهم على الظن للقاء ربهم. # والظن - زعموا - شك وضد اليقين، وهم بذمهم لأجل ظنهم لذلك وشكهم فيه وترك ~~العلم به أولى بالمدح. # والجواب عنه: أنه أراد تعالى بذكر الظن ها هنا اليقين، لأن الظن يكون # بمعنى اليقين، ومنه قوله تعالى: (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم ~~مواقعوها) ، يريد تيقنوا ذلك وتحققوه، ومنه أيضا قوله: (ووجوه يومئذ باسرة ~~(24) تظن أن يفعل بها فاقرة ms488 (25) . # يريد تتيقن المفاقرة، وترى وتشاهد العذاب غير أنه لما ذكر رؤية المؤمنين ~~لربهم باسم النظر ثم ذكر # PageV02P713 # رؤية الكافرين للعذاب وما يقع به النكال عبر عن رؤيتهم بذلك بغير اسم # النظر فقال: (تظن أن يفعل بها فاقرة) ، أي: ترى العذاب وما يقع به # وتتيقنه، وقول من قال: إن الظن لا يكون بالوجه باطل، لأنه إذا كان بمعنى # اليقين ورؤية البصر كان واقعا بالعين التي في الوجه. # قال الشاعر: # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد # أراد أن أيقنوا بذلك واعلموه. # وقد طعنوا أيضا في القرآن بقوله سبحانه: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) ، قالوا: وهذا نقض ظاهر # وإبطال للمعنى المقصود بالكلام، لأنه استثنى بقوله: (إلا قليلا) بعض من # أخبر بفضله عليه وعصمته له التي لأجلها نجى من سلم من اتباع الشيطان. # وإذا جعل فضله عليهم هو المانع لهم من اتباع الشيطان، فكيف يتبعه قليل # ممن تفضل عليه ورحمه، وإن جاز أن يتبع بعض من عليه فضله ورحمته # للشيطان، فلم لا يجوز اتباع جميع من تفضل عليه ورحمه الشيطان، وهذا # هو الإحالة والإفساد لمعنى الكلام، والإفساد لمعنى الكلام، وإثبات التفضل # والامتنان. # فيقال: الاستثناء في هذا الموضع بقوله: (إلا قليلا) لم يرجع إلى # أقرب المذكور إليه في الآية، إنما رجع إلى المذكور المتقدم قبل الذي ~~يليه. # لأن الله سبحانه قال: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ~~ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) . # ثم عقبه بقوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) # PageV02P714 # فقوله (إلا قليلا) إما أن يكون استثني من قوله (لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم) إلا قليلا لا يستنبطون ولا يعلمون لتركهم الاستنباط، أو لمقاربة معنى ~~استنباطهم من إفساد له باستثقال الحق، أو تخليط فيه بتقديم # أو تأخير وطلب الغلبة، وما جرى مجرى ذلك، فكأنه قال: لعلمه الذين # يستنبطونه منهم إلا قليل لا يستنبطون فلا يعلمون، أو إلا قليلا يستنبطون # استنباطا فاسدا فلا يعلمون. # أو أن ms489 يكون استثني من قوله: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا ~~به) إلا قليلا منهم إذا جاءهم ذلك لا يدفعونه، فيرد الاستثناء فيه إلى # المذكور المتقدم، والاستثناء في الكلام ربما رجع إلى أقرب المذكور وهو # الذي يليه، وربما رجع إلى جميع الجملة المقدم ذكرها، وربما رجع إلى # أبعد المذكور منها إذا وسعه، وإنما يجب إيقافه على حكم الدليل لموضع # الاحتمال لردة إلى كل شيء من ذلك، وقد بينا ذلك وأوضحناه في كتاب # "جامع الأبواب والأدلة"، واستقصينا القول في الأصول الشرعية وفي غيره # من أصول الفقه بما يغني الناظر فيه إن شاء الله. # فأما تعلقهم بقوله: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون ~~الكتاب من قبلك) ، وأن هذا نقيض ما وصف به سائر رسله من # أنهم أعلم الخلق به، وأعرفهم بصدقه وصفاته، وأنهم مختارون ومصطفون # على علم على العالمين، فإنه لا تعلق لهم فيه من وجوه. # أولها: أن هذا القول ليس بخبر عن حصول شكه عليه السلام فيما أنزل # عليه وإنما هو تقرير له وتنبية أنه منزل على غيره أيضا، وقد يقول القائل ~~لمن # يعلم أنه لا شك عنده في الأمر، ولا ريب: فإن كنت في شك مما أنزله # وأخبر به فسل غيري وسل الناس عنه، وسيما إذا كان يريد بذلك إظهار # PageV02P715 # صدقه بحضرة من ينكر ذلك ويدفعه، وربما قال له ذلك في الأمر الشائع # الذائع ليجعل له طريقا إلى سؤال الناس وإخبارهم بما عندهم من العلم في # ذلك الأمر ليزول ذلك الشك ويقوى سلطان الحجة، وتبطل الشبهة. # والقوم أعني قريشا، ومن خالف الرسول كانوا يقولون له فيما نقلوه إفك # افتراه، وإفك مفترى ومحدث ومجنون، وإن هذا إلا خلق الأولين، وشاعر # مجنون، فقال له: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون ~~الكتاب من قبلك) ، ليجعل له ذريعة إلى ذلك، ومطالبة علمائهم مثل عبد الله ~~بن سلام وغيره بما في كتابهم من ذلك تصديقا لقوله أننا قد أبنا بذلك من كان ~~قبلك، ولم يقل إنك ms490 شاك فيما أنزل عليك. # ويوضح هذا أيضا أن القائل قد يقول لمن يعلم بتيقنه ظلم زيد وجهله # وتخليطه وأنه لا شك في ذلك: إن كنت في شك من ظلم زيد فعامله لتنظر. # وإن كنت في شك من تخليط فلان وخبطه فقاوله وناظره، وإن كنت في شك # من هول البحر فاركبه، وإن كنت في شك من جود فلان أو بخله فمن يعرف حاله ~~فسله والتمس منه لتعلم رده أو إجابته، في أمثال هذا مما قد ظهر # استعماله بينهم، فعلى هذا الوجه ورد قوله: (فإن كنت في شك) . # وقد يمكن أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ظن أن بعض ما أنزل إليه ~~من العبادات أو بعض ما قص عليه قد أنزل على موسى، وأحب الله أن يقطع شكه في ~~ذلك فقال: فإن كنت في شك مما أنزل إليك في أنه منزل على موسى ومن كان قبلك ~~فسلهم عن ذلك ليخبروك عنه، فيزول شكك، وقد يكون من مصالحه ومصالح أمته أو ~~بعضها الأمر بسؤال أهل الكتاب عما يشك عليه السلام في أنه منزل عليهم، ~~وربما كان ذلك تقوية ليقين غيره إذا عرفه، فلم يرد بذلك الشك في أنه من عند ~~الله، وإنما أرأد الشك في أنه منزل على غيره أم لا (1) . PageV02P716 # وقد يجوز أيضا أن يكون أتزل عليه جملة قصة وعبادة مجملة أخر عنه # بيانها إلى وقت الحاجة،. وقد بين تفصيلها وشرح تلك القصة في كتاب # موسى، فقال له: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك) يعني في شك من تفصيله، ~~فارجع في ذلك إلى أهل الكتاب فإنني قد أنزلت تفصيل ذلك عليهم، وليس هذا من ~~الشك في أن ما أنزل عليه منزل من عند الله بسبيل. # وقد يجوز أن يكون أراد بقوله: (فإن كنت في شك) أي إن كان قومك أو # بعضهم في شك فسل أهل الكتاب ليخبروهم بمثل ما تخبرهم به فيؤمن عند # ذلك من كان إخبارهم إياه به لطفا له، فيكون ذاكرا للنبي صلى الله عليه # والمراد به غيره، ms491 وعلى نحو هذا ورد قوله: (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن ~~من الخاسرين (65) . # الخطاب له في الظاهر والمراد به غيره الشاك فزال بذلك ما قدحوا به (1) . # فأما تعلقهم بقوله عز وجل: (في يوم كان مقداره ألف سنة) # وأنه مناقض لقوله: (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) ، فإنه باطل لأنه ~~أراد بقوله ألف سنة، أن جبريل ينزل من السماء ويصعد إليها في # يوم، ومقدار سيره مسيرة ألف سنة من سني خمسمائة البشر في الدنيا، لأن ما ~~بيننا وبينها مسيرة خمسمائة عام، فلذلك قال تعالى وهو أعلم: (يدبر الأمر من ~~السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) ، ~~يعني مقدار سيركم له لو سرتموه ألف سنة، وقوله: (في يوم كان مقداره ألف ~~سنة) فإنما أراد به - وهو أعلم - يوم القيامة، وأن الله سبحانه يحاسب جميع ~~الخلق فيه، ومقدار حساب جميع الخلق لو تولاه غير الله خمسين ألف سنة من ~~أيام الدنيا، لذلك قال عز وجل في آخر الكلام: (وهو أسرع الحاسبين) ، لأنه ~~يحاسب في ذلك اليوم وحده قدر زمن تحاسب PageV02P717 # الخلق في مدة خمسين ألف سنة، فصار لذلك أسرع الحاسبين. # وقد روي عن عبد الله بن عباس أنه قال: قوله: (ألف سنة) يعني به نزول ~~جبريل من السماء إلى الأرض، وقوله: (مقداره خمسين ألف سنة) يريد قدر نزوله ~~من العرش إلى الأرض وصعوده إليه، لأن ما بين العرش إلى الأرض أضعاف ما بين ~~السماء إلى الأرض ". # وقد يجوز أن يكون عنى بقوله - وهو أعلم - خمسين ألف سنة، أن الناس # يلحقهم من الشدة والهول أمر عظيم كما يقول القائل كأن يومنا هذا سنة. # وكانت ليلتي شهرا يعني بذلك ما ناله فيها من الشدة، فيعبر عن ذلك بالطول. # فأما ادعاؤهم التناقض في قوله تعالى: (رب المشرق والمغرب) . # و (رب المشرقين ورب المغربين) ، و (برب المشارق والمغارب) . # فإنه باطل من وجوه: # أحدها: أنه يمكن أن يكون أراد بالمشرق والمغرب اسم الجنس العام # لكل مشرق ومغرب، فيكون المشرق والمغرب على ms492 هذا التأويل هما # المشارق والمغارب وهذا نحو قوله: (إن الإنسان لفي خسر) . # و (قتل الإنسان ما أكفره) ، والإنسان ونحو ذلك مما يراد به الجنس # دون الواحد. # وقد يتأول الناس ذلك على تأويل صحيح لا تناقض فيه، وهو أنه إنما # أراد برب المشرق والمغرب اليوم الذي يستوي فيه الليل والنهار، فتشرق # الشمس فيه في مشرق واحد في ذلك اليوم، وتغرب في مغرب واحد أبدا في # ذلك اليوم إلى أن تعود إلى الشروق والغروب فيهما لا يعود إلى مثلهما إلا # بعد حول في ذلك اليوم. # PageV02P718 # فأما قوله: (رب المشرقين ورب المغربين) ، وأنه عنى أطول يوم # في السنة يشرق فيه في مشرق وتغرب في مغرب ولا تعود إلى مثلها إلا # بعد سنة، والاخر أقصر يوم في السنة تشرق فيه في مشرق وتغرب في مغرب # لا تعود إلى مثلها إلا بعد سنة، وأما قوله: (برب المشارق والمغارب) . # فإنما أراد به مشارق أيام السنة كلها ومغاربها، لأنها تطلع كل يوم في ~~مشرق # غير المشرق الذي تطلع فيه في اليوم الثاني وكذلك غروبها تغرب كل يوم في # مغرب غير المغرب الذي غربت فيه قبله، وعلو الشمس ودنوها من العالم. # وقربها وبعدها وحر الزمان وبرده واعتداله أحد الأدلة على اختلاف مغاربها # ومشارقها، وهذا واضح في إبطال ما ظنوه من التناقض والاختلاف. # فأما تعلقهم بقوله تعالى: (إن لبثتم إلا عشرا) ، و (إن لبثتم إلا يوما) . # و (إن لبثتم إلا قليلا) ، و (ما لبثوا غير ساعة) ، وادعاؤهم الاختلاف ~~والتناقض فيه، فإنه باطل لأنهم لما خرجوا من قبورهم ورأوا ما كانوا يكذبون ~~من النشور قال بعضهم لبعض إن لبثتم إلا عشرا، ثم استكثر بعضهم العشر فقال: ~~إن لبثتم إلا يوما. # وقد دل على ذلك قوله: (يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا) ، ثم # قال: (نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما) . # ثم شكوا في اليوم، فقيل لهم: (كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم) ، ثم استكثروا ذلك فقالوا: (إن لبثتم إلا ms493 قليلا) . # ثم استكثروا ذلك فحلفوا ما لبثوا غير ساعة، والاختلاف في القول والتلون # إنما يكون من الكفار ومكذبي البعث يوم الحساب، لاختلاف ظنونهم وشدة # PageV02P719 # ما يمر بهم، وهذا يلحق الناس مع الأمن والسكون، أعني السكون واختلاف # الظنون، فكيف به مع الحيرة والهول. # فأما "تعلقهم بالتناقض عندهم في قوله: (ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا) ، ~~وأنه نقيض قوله: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) ~~، وقوله: (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) ، ونحوه فإنه ~~باطل، لأنه روي أن الله عز وجل يسأل الرسل - عند زفرة جهنم الرابعة - وغلبة ~~الجزع والفزع على قلوبهم وزوال الذكر عنهم وشغلهم بأنفسهم، فيقولون عند ~~ذلك: لا علم لنا، ثم تسكن جهنم ويزول عنهم الروع والفزع، ويعود الذكر ~~والعلم فيشهدون عند السكون وزوال الروع على أممهم، وقد يلحق الناس ذلك عند ~~شدة الموج وعصوف الرياح وظهور الزلازل، والسواد والصواعق والآيات والأمور ~~المخوفة، فينقطعون بذلك عن التمييز فكيف بهم عند هول يوم القيامة وزفير ~~جهنم ورؤيتها. # وأما تعلقهم بتناقض قوله: (هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون ~~(36) . # وقوله: (يتساءلون) ، و (يتلاومون) ، ونحوه، فقد أجبنا عنه بأنه تارات ~~ينطقون في بعضها، ولا ينطقون في البعض، ويمكن أيضا أن يكون عنى بذلك أنهم ~~لا ينطقون فيه بعذر ولا حجة، والعرب تقول واقفت فلانا على جرمه، وما صنع، ~~فما تكلم ولا تنفس ولا اعتذر، يعنون بأنه ما تعلق بحجة وعذر، وكذلك يقولون: ~~نوظر فلان فيما يقوله ويدين به فما أتى منه بكلمة ولا حرف يراد بذلك كلمة ~~احتج بها وحرف دل به على مذهبه، وإن كان ذلك كذلك سقط ما ظنوه. # PageV02P720 # وكذلك الجواب عن قوله: (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) ، يعني عنذ ~~القيام من القبور لشدة الروع، فإذا اختلطوا وامتزجوا وطال الوقوف تكلموا ~~وتساءلوا وتلاوموا، وإذا دخلوا أيضا جهنم # تلاعنوا كما أخبر فقال: (كلما دخلت أمة لعنت أختها) . # وكذلك الجواب عن قوله: (اخسئوا فيها) ، يعني في وقت منها ثم ينطقون بعد ~~ذلك ms494 من شدة العذاب فيقولون ربنا أخرجنا منها، وارجعنا نعمل صالحا، وغير ذلك ~~مما حكاه عنهم تعالى، وقد يمكن أن يكون أراد لا يتكلمون بعذر ولا يحتجون ~~بحجة، وكذلك لا يتساءلون ولا ينطقون بحجة، ولكن بالتلاوم والتوبيخ والندم ~~والتأسف على ما كان منهم. # فأما تعلقهم بما ادعوه من التناقض في خلق آدم من قوله: (خلقه من تراب) ، ~~وقوله في موضع آخر: (من سلالة من طين) ، وقوله في موضع آخر: (من صلصال ~~كالفخار) ، وقوله في موضع آخر: (من حمإ مسنون) ، وفي موضع # آخر: (وبدأ خلق الإنسان من طين) . # وقولهم إن هذا غاية التناقض والتضاد، فليس الأمر على ما ادعوه. # وذلك أن الله سبحانه خلق آدم من تراب أحمر وأبيض وأسود وغير ذلك على # ما وردت به التفاسير، فلذلك اختلفت ألوان ذريته، ثم بل ذلك التراب بماء # فصار طينا ثم صار سلالة يعني لازقا إذا عصر ينسل من بين الأصابع، ثم # خمره فأنتن فصار حمأ مسنونا فحلق من الحمأة بعد تنقل أحوال الطين، فلما # صور جسمه قبل أن ينفخ فيه الروح جف ويبس فصار صلصالا كالفخار يابسا إذا ~~ضرب سمع له صلصه، ثم نفخ فيه الروح فصار إنسانا. # PageV02P721 # فأما قوله: (من سلالة من ماء مهين) ، فلم يعن به آدم، وإنما # أراد به ذريته أول إنسان خلق منهم، خلق من نطفة آدم وحواء ثم كل # أولادهم من نطفة إلا عيسى ابن مريم. # فأما تعلقهم بقوله: (والله ربنا ما كنا مشركين) ، وأنه نقيض # قوله: (ولا يكتمون الله حديثا) ، لأنهم إذا حلفوا له أنهم غير # مشركين فقد كتموه حديثا، وأي حديث، فإنه لا تعلق لهم فيه، لأجل أن الله ~~ضمن للموحدين غفران ما دون الشرك إن شاء، والتجاوز عنهم، والجزاء على ~~إيمانهم، فلما رأى المشركون الصفح عنهم، وذكروا ضمان الله الغفران لهم قال ~~بعضهم لبعض إذا سألنا حلفنا أنا لم نكن مشركين حتى يتجاوز عنا وذلك قوله: ~~(يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء) ، ~~فلما اجتمعوا قال لهم تعالى: أين ms495 شركائي قالوا عند ذلك: (والله ربنا ما كنا ~~مشركين) ، فلما كتموا الشرك الذي كانوا عليه في الدنيا ختم الله عند ذلك ~~على أفواههم وأنطق جوارحهم فتشهد بالشرك عليهم فيودون أن الأرض انشقت بهم، ~~ولم يكتموا الله ما دانوا به من الشرك. # ويمكن أيضا أن يعني بقوله: (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى ~~بهم الأرض) ، من شدة الهول والجزع، ثم ابتدأ فقال: # (ولا يكتمون الله حديثا) ، لأنه عالم به ولا يقدرون على كتمان ما # هو أعلم به منهم، ويمكن أن يكون أراد أنهم يحلفون أنهم ما كانوا عند # أنفسهم مشركين بالله أي أننا كنا نظن أننا على الحق، وكنا غير متعقدين # للشرك، وذلك أن ما حلفوا عليه غير نافع لهم ولا مقبول منهم، لأنهم كانوا # بصفة من يصح علمهم بباطلهم ويتأتى لهم متى أرادوه وقصدوه. # PageV02P722 # فأما تعلقهم في قوله تعالى في قصة موسى: (وأنا أول المؤمنين) ، فإنه أراد ~~المصدقين بأن أحدا لا يراك في الدنيا، لأنه قال: (سبحانك تبت إليك وأنا أول ~~المؤمنين) يعني من سؤاله الرؤية، والقصة تشهد بذلك، والتوبة ها هنا الرجوع ~~عن المسألة فقط، لا على أن ذلك ذنب قبيح تجب التوبة منه، والندم عليه الذي ~~هو الإقلاع عن الذنب، وقوله في قصة # السحرة: (أن كنا أول المؤمنين) ، يعني المصدقين بموسى ونبوته، وما جاء ~~به، وقوله في قصة محمد صلى الله عليه: (وأنا أول المسلمين) ، يعني أنه أول ~~المسلمين من أهل مكة، فلا تناقض في ذلك ولا تضاد. # فأما تعلقهم بقوله تعالى: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) . # وأنه نقيض قوله: (فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) . # فإنه غير متناقض لأنه عنى - وهو أعلم - أدخلوا آل فرعون أشد العذاب الذي ~~هو عذاب الدخول من الباب الذي يدخلون منه إلى جهنم، وقوله: (فإني أعذبه ~~عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) يعني بالمسخ لهم خنازير ولم يعذب بذلك في ~~الدنيا أحدا غيرهم، وقوله في المنافقين: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار) ، فيمكن أن يكون آل فرعون ms496 والمنافقون # جميعا في أشد العذاب بأن يدخلوا جميعا من باب واحد ويحصلوا في درك # جهنم، فما الذي يمنع من ذلك، وقد يمكن أن يكون الدرك الأسفل فيه مراتب ~~وطبقات من العذاب آل فرعون في أشده، والمنافقون في قريب منه، وقوله: (ليس ~~لهم طعام إلا من ضريع) ، و (غسلين) ، و (شراب من حميم) . (إن شجرت الزقوم ~~(43) طعام الأثيم (44) ، # PageV02P723 # فإنه غير متضاد لأنه طعام أهل طبقات جهنم وأحوالهم مختلفة وكذلك الحميم # والغسلين لأهل طبقتين، وقد يجوز أن يكون الغسلين من الحميم والضريع # من شجرة الزقوم فلا يكون في ذلك تناقضا ولا تنافيا. # فأما تعلقهم بقوله: (وأن الكافرين لا مولى لهم) . # وأنه نقيض قوله: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) ، فإنه غير متناقض لأنه # أراد لا ناصر لهم من دون الله، ومنه قوله: (فإن الله هو مولاه) . # وقوله: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) ، فلأنهم اتخذوا مواليا # عبدوهم وعنوهم وقلدوهم، فلما حشروا وراءهم خذلوهم وتبرءوا منهم. # ولم ينفعوهم، فقال الله: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) فلا تناقض في ~~ذلك، فأما تعلقهم بقوله: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) . # وأنه مخالف لقوله: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ~~حتى يهاجروا) ، فإنه ليس على ما ظنوه لأن الولاية الأولة ولاية الدين ~~والنصرة والمحبة في الله، والولاية الثانية ولاية المواريث، لأن الله كان ~~حكم في بدء الإسلام بقطع المواريث بين من لم يهاجروا جميعا، فإن مات مسلم ~~غير # مهاجر رد ماله على من هاجر من المسلمين دون أهله وأقاربه حثا وحضا # على الهجرة، فلما كثر الإسلام واستقل الناس واستغنى المهاجرون وأثروا # رد الله المواريث بين الأهل هاجروا أو لم يهاجروا، فسقط بذلك ما قدروه # من التناقض. # فأما تعلقهم بقوله: (لا تدركه الأبصار) ، وأنه نقيض قوله: (إلى ربها ~~ناظرة (23) . # فإنه باطل لأنه أراد أنها لا تدركه في الدنيا، وقوله (إلى ربها ناظرة) ~~يومئذ يومئذ هو يوم القيامة، فلا تناقض في ذلك # PageV02P724 # ولا اختلاف، وقد بينا الكلام في الآيتين وجميع ما يمكن أن يقال ms497 فيهما في # الكلام في الأصول بما يغني الناظر فيه إن شاء الله. # فأما تعلقهم بقوله تعالى: (وكان الله عليما حكيما) ، (وكان الله قويا ~~عزيزا) ، و (سميعا بصيرا) ، وأنه نقيض قوله: (وهو بكل شيء عليم) ، (على كل ~~شيء قدير) ، لأن قوله "كان" موضوع لما مضى وباد وانقضى، وقوله (وهو بكل شيء ~~عليم) ونحوه يقتضي وجوده في هذا الوقت، وكونه عالما وعلى هذه الأوصاف، وذلك ~~مختلف متضاد، فإنه لا تعلق لهم فيه، لأن لفظة كان # موضوعة لما مضى وسبق وتقدم، وقد يكون ما هذه سبيله باقيا وقد يكون # معدوما منقضيا، لأن الجالس في مكانه قد يقول: كنت جالسا من أول النهار، ~~وكنت ذاكرا لما تجاريناه عند لقاء زيد، وهو لا يعني بذلك أنه كان جالسا # وقام ذاكرا ثم نسي وذهب ذكره، وإنما يعني تقدم جلوسه وذكره، وكذلك # لو قال كانت الشمس منذ أول الدهر، وكانت السماء يوم ابتدىء العالم. # ونحو هذا لم يوجب بذلك اللفظ تقضيهما، وعدمهما بعد الكون السابق. # وإنما يوجب بذلك سبقهما وتقادم وجودهما ونفي حدوثهما في هذا الوقت. # وكذلك قوله: (وكان الله عليما حكيما) ، و (قويا عزيزا) ، و (سميعا بصيرا) ~~، أنه لم يزل على هذه الأوصاف وأنه لم يستحدثها ولم يتجدد له # وليس يوجب ذلك عدمه بعد تقدمه وخروجه عن هذه الصفات بعد ثبوتها. # وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهموه. # وقد يقال كان زيد موجودا، وكان مرضه شديدا، وكان ماله كثيرا ويعني # بذلك أنه كان وعدم وتقضى بلفظة "كان " التي تفيد التقدم وسبق ما جرى في ~~وصفه، ثم قد تقدم الدليل على عدمه، وقد لا يكون معدوما. # PageV02P725 # فأما تعلقهم بقوله: (نسمع سرهم ونجواهم) ، (لا يخفى عليه شيء) ، ونحوه، ~~وأنه نقيض قوله: (ولا ينظر إليهم) ، فإنه باطل لأنه عنى بالأول أنه عالم ~~وأنه سميع بصير لا تخفى عليه الأوصاف والمرئيات ولا تستر عنه بعض ~~المعلومات، وأراد بالثاني نظر التعطف والرحمة، من قولهم فلان لا ينظر لنفسه ~~وعيلته، يراد أنه لا يتعطف عليهم ولا يرحمهم، وليس هو من نظر الرؤية ms498 في ~~شيء. # وأما تعلقهم بقوله تعالى: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) ، وأنه نقيض ~~قوله: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) ، لأن الآثم والكفور ممن أغفل ~~قلبهما عن ذكره وفي الآية الأولى تخيير له في أن لا يطيع الآثم إن شاء أو ~~الكفور فإنه باطل، لأن أو في هذا الموضع بمعنى الواو، لا بمعنى التخيير، ~~وهو مثل قوله: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) ، يعني ويزيدون، ومنه ~~قولهم: ما أكره أن يأكل طعامي أو يلبس ثيابي أو يتبسط في ملكي، ويركب ~~مركوبي وليس هو ها هنا واو تخيير وإنما يريد أنه لا يكره أن يأكل أو يلبس ~~ويركب وقد مضى في هذا من قبل ونحوه ما فيه مقنع. # وأما قوله: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) ، فإنما ~~يريد التقرير على ذلك ليكذبهم وتقوى الحجة عليهم، وليس # يعني به السؤال والاستخبار، وكذلك قوله: (وما تلك بيمينك يا موسى) ، إنما ~~هو تقوية لإظهار ما يريد فيها من الأعجوبة، وقد قيل إن # عيسى عليه السلام لم يعلم ما أحدثوا بعده من الكفر بعبادته، فقال له ذلك # ليقول لا، فيعلمه أنهم قد عبدوه بعده. # PageV02P726 # فأما تعلقهم بقوله تعالى: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) . # وأنه نقيض قوله وأمره بالسجود لأنه تفنيد له على أن لم يسجد، وهو قد # أخبر في هذه الآية أنه قد أمره أن لا يسجد فكيف يلومه على أن لا يسجد. # فإنه باطل لأنه إنما عنى أن لا يسجد أن يسجد، لأنهم يقولون ما منعك ألا # تجيبني وتتبعني إذا خفت، يريدون ما منعك أن تجيبني وتتبعني فيدخلون لا # وإلا زائدا في الكلام، قال الشاعر: # وما ألوم البيض الا تسخرا ... إذا رأين الشمط القفندرا # يعني: لا ألومهن إن يسخرن إذا رأين الشيب. # وأما تعلق الملحدة والقدرية بقوله تعالى: (وتخلقون إفكا) ، (وإذ تخلق من ~~الطين كهيئة الطير) ، و (إن هذا إلا خلق الأولين) ، و (فتبارك الله أحسن ~~الخالقين) ، وأن ذلك أجمع على زعم الملحدة خاصة نقيض قوله: (هل من ms499 خالق غير ~~الله) ، (والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) ، وقوله: ~~(أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه) ، فإنه باطل لا تعلق # فيه لأن الآيات الأولة كلها وردت لنفي الخلق والإبداع وإكذاب من قال إنه # أو بعض من يعبده يخلق ويبتدع ويخترع وهو بمثابة قوله: (من إله غير الله ~~يأتيكم بليل تسكنون فيه) ، و (أإله مع الله) ونحو هما مما نفي به إله غير ~~الله، وليس يجب إذا وصل قوله: (هل من خالق غير الله) ، بقوله: (يززقكم) ، ~~أن يكون إنما نفى بذلك خالقا غير الله يرزق على ما تزعم القدرية كما لا يجب ~~إذا وصل قوله: (من إله غير الله) بقوله: (يأتيكم بليل تسكنون فيه) ، أن ~~يكون إنما نفى إلها غير الله يأتي بليل، ولم ينف إلها لا يأتي بليل، لأن ~~هذا ليس بقول لمسلم أنه # PageV02P727 # امتدح بنفي إله معه كما امتدح بنفي خالق وغيره معه على كل وجه، فلذلك # قال: (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه) ، ولو كانوا يخلقون ~~أجناسا وأعيانا من الأعراض لقالوا هذه الأشياء كلها من خلق الله وهذه كلها ~~كخلق الله ومثله، فوجب أن يكون كل ما قدموه من نفي خالق غير الله على النفي ~~والمدح على الحقيقة. # فأما قوله: ((وتخلقون إفكا) ، فإنما يعني به أنكم # تختلقون كذبا، لأن الخلق يكون بمعنى الاختلاق الذي هو الكذب، ومنه # قولهم: حديث مخلوق يعنون مختلق متكذب وقوله: (إن هذا إلا خلق الأولين) ، ~~إنما هو حكاية عن قول الكفار في القرآن، وإنما عنوا به أنه من كذب الأولين، ~~وقوله: (فتبارك الله أحسن الخالقين) ، إنما يعني به - وهو أعلم - أحسن ~~المصورين تصويرا وأحسن المقدرين تقديرا، لأن الخلق يكون بمعنى التصوير ~~والتقدير، وكذلك التأويل في قوله: # (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير) يعني تصور وتقدر، والتصوير # والتقدير قد يوصف به الخلق كما يوصف به الخالق، وليس التقدير والتصوير # من الإبداع والإنشاء في شيء، فإنما نفى خالقا غيره مبدعا منشئا، ولم ينف # مصورا ومقدرا غيره، وليس معنى المصور ms500 أنه خلق الصورة والتصوير، ولا # معنى المقدر أنه خلق الفكر والتقدير، وإنما معناه أن له تقديرا وتصويرا. # وهل هو خالق لما هو له من ذلك أو غير خالق له، معتبر بالدليل. # قال الحجاج: # أني لا أهم إلا أمضيت ... ولا أخلق إلا فريت # يعنى: أقدر إلا أمضيت، وهذا التقدير فكر وروية وطلب للعلم بصواب # العاقبة، وهذا غير جائز على الله سبحانه. # PageV02P728 # وقال الشاعر: # ولأنت تفري ما خلقت وبعض ال ... قوم يخلق ثم لا يفري # يعني بذلك تقدر ما تمضيه وتنفذه، ومنهم من يقدر ويفكر ولا يمضي # لتردده وتشككه أو تهيبه ورهبته، وذلك أيضا غير جائز على الله سبحانه. # وقال آخر: # ولا نيط بأيدي الخالقين ولا ... أيدي الخوالق إلا جيد الأدم # يريد بأيدي المقدرين والمصورين، وهذا التقدير الذي معناه التصوير # للشيء يجوز على الخلق وعلى الخالق سبحانه، فقوله: (وإذ تخلق من الطين) ~~يعني تصور، وقوله: (أحسن الخالقين) ، يريد أحسن المصورين # تصويرا، فصار التقدير ضربين: # أحدهما فكر وروية واستخراج صواب العاقبة وذلك ممتنع على الله # سبحانه. # والآخر التصوير، وذلك جائز على الله سبحانه، وتصوير الله تعالى لما # يصوره خلق له سبحانه، وموجود بالأجسام المصورة وهو تأليفها وجعلها # على مقدار ما، وصورة مخصوصة، وتصوير العباد إنما هي حركاته أيديهم # وآلتهم وقبضها وبسطها في الجهات وفعل ألاعتمادات التي يفعل الله عندها # تقطيع الأجسام وتوصيلها وتألفها على وجوه مخصوصة بجوي العادة وتلك # الحركات والاعتمادات موجودة بأنفسهم " وفي مجال قدرهم وليس من # تقطيع الأجسام وتوصيلها واختراع تأليفها في شيء، والعباد مكتسبون لما # يوجد بهم من هذه الحركات والاعتمادت التي توصف وتسمى تقديرا # PageV02P729 # وتصويرا وغير خالقين لها ولا مبدعين لأعيانها، وقد بينا هذا وفصلناه في # الكلام في المخلوق بما يغني الناظر فيه إن شاء الله. # فأما تعلقهم بقوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) ، ~~وأنه نقيض قوله: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) ، وقوله: (واعبدوا الله ولا ~~تشركوا به شيئا) ، ونحو ذلك فإنه باطل، لأنه لم يرد بقوله: (فأنا أول ~~العابدين) المقرين بالولد، ولا أراد بقوله: ms501 (قل إن كان للرحمن ولد) ، الشك ~~في ذلك والارتياب به وإنما هو على معنى قول العرب إن أنكرها يقول فإني أنكر ~~ما يقول وتقولون، والله إن كان لفلان عندي حقا، ووالله إن كان لفلان ولد ~~أي: والله ماله عندي حقا وماله ولدا، فإن هاهنا ليس للشك ولا للشرط على ~~الحقيقة، وقوله تعالى: (فأنا أول العابدين) فإنما يعني به الآبقين الغضاب ~~له من ذلك. # قال الشاعر: # متى يشادوا الوصل تصرم حبله ... ويعبد عليه لا محالة ظالم # يعني بذلك أنه يأنف ويتكذب عليه. # وقد قيل إن العابد يكون بمعنى الجاحد، تقول العرب: عبدني حقي أي # جحدني، والأول أولى. # فأما تعلق الملحدة بقوله: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) . # وقوله: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) ، وقوله عن أهل النار: # (لم نك من المصلين) ، فإن ذلك أجمع نقيض قوله: (فويل للمصلين) ، لأنه ~~أوجب بذلك الويل للمصلين وهو قد أمرهم بها ودعاهم إليها، ومدحهم عليها، ~~فإنه من الباطل الضعيف، لأنه قد وصل # PageV02P730 # قوله: (فويل للمصلين) بما يدل على أنهم مذمومون بصلاة فعلوها على # غير وجه ما أمروا بها، لأنه قال بعد ذلك: (الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) ~~الذين هم يراءون (6) ويمنعون الماعون (7) . # فكأنه ذمهم على الصلاة المفعولة في غير وقتها، وذمهم بالسهو عن أدائها في ~~وقتها، إما بالتغافل عن ذلك أو بالاشتغال عنها بالتجارة واللهو وغير ذلك، ~~ومؤخر الصلاة عن أوقاتها عاص مذموم. # وقوله: (الذين هم يراءون) يمكن أيضا أن يكون ذما للمصلين للرياء # والنفاق لا لله تعالى، والمصلي على هذا الوجه منافق مذموم، ويمكن أن # يكون أراد بقوله: (فويل للمصلين) لغير الله تعالى من الجن والنيران أو # الشمس أو الملائكة أو الكواكب الذين هم عن الصلاة لله سبحانه ساهون # تاركون لها، وقوله: (ويمنعون الماعون) أي: يمنعون أداء الزكوات # وحقوق الأموال، فأي تناقض في ذلك، لولا الجهل والعناد، وقوله: (لم نك من ~~المصلين) إنما هو إخبار من الكفار عند سؤال الخزنة لهم: (ما سلككم في سقر) ~~فقالوا: (لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض ms502 مع ~~الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) . # فقالوا: إنما عوقبنا على هذا أجمع، وذلك أحد الأدلة على أن الكفار ~~مخاطبون بالشرائع والأحكام بشريطة تقديم فعل التوحيد والإيمان بالله ثم ~~تعقيبه بالصلاة وما يترتب بعدها من العبادات، ولو لم يكونوا بالصلاة ~~مأمورين لم يكونوا على تركها معاقبين، وقد تكلمنا على ذلك وعلى ما يمكن أن ~~يتعلق به في هذا التأويل في أصول الفقه بما يقنع من تأمله إن شاء الله، فمن ~~ظن أن ذلك نقيض قوله: (أقم الصلاة) ، وكان يأمر أهله بالصلاة، وأمر أهلك ~~بالصلاة، فقد أبعد وضل ضلالا بعيدا، والناس أبدا يقولون ويل للمصلين لغير ~~وجه الله تعالى # PageV02P731 # وللمصلي رياء ونفاقا، ولقبول الوصايا وأخذ الودائع والحيل # على أموال الناس ولذلك تمثلوا: # ذيبا ترأه مصليا فإذا بصرت به ركع ... يدعو وجل دعائه ما للفريسة لا تقع # وكذلك قال: (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون) ~~، فترى أنه ذمهم على الصلاة أم على فعلها بالكسل # وغير نية ولا على وجه العبادة والقربة؟ ! # وأما تعلقهم بقول الله تعالى: (إن الله يحب المقسطين) . # وأنه نقيض قوله: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) ، فإنه باطل # لا تعلق به لأن القاسط غير المقسط، لأنه بالميم العادل المنصف، فإذا قلنا # فلان مقسط أردنا به أنه عادل منصف، والقاسط بلا ميم في الاسم إنما هو # اسم الجائر الظالم وهو حطب جهنم، فهذا مما يشتبه لفظه ويتقارب ومعناه # مختلف، وإنما هو كقولهم هجد وتهجد، فهجد بلا تاء معناه نام ورقد. # وتهجد بالتاء بمعنى قام لله وسهر. # فأما قوله تعالى: (وله الدين واصبا) ، وقوله: (ولهم عذاب واصب) ، فمعناه ~~متفق لأن الواصب هو الدائم الثابت الباقي، فقوله: (وله الدين واصبا) يعني ~~باقيا دائمأ، والدين خير محمود وقوله: (ولهم عذاب واصب) يعني مقيم دائم غير ~~أنه لا خير لهم فيه ولا فرج. # أما تعلقهم بقوله تعالى: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) ، وأنه نقيض قوله: ~~(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ، فإنه لا تناقض ms503 ~~فيه من وجوه: # أولها: أن العموم لا صيغة له بمقولة الذنوب جميعا ولو وصله بقوله # كلها وسائرها وقليلها وكثيرها وصغيرها وكبيرها، لم يكن ذلك أجمع مفيدا # PageV02P732 # للعموم الذي هو استغراق جنس ما وقع عليه الاسم، لما قد ييناه في الفقه # وغيره من الكلام في التوكيد. # والوجه الآخر: أنه أراد بقوله: (يغفر الذنوب جميعا) أنه يغفرها بالتوبة # منها والندم عليها والعزم على ترك معاودة أمثالها، وقد دخل في ذلك الكفر # والشرك وما دونهما وتولى تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء) ، يعني أنه يغفر ما دون الشرك بغير توبة تفضلا منه، ولا ~~يغفر الشرك بغير توبة، ولا يتفضل على المشرك بذلك فخالف بين المشرك # والموحد في هذا الباب، وهذا أيضا ينفي ما ظنوه من التناقض والاختلاف. # والوجه الآخر: آنه أراد على قول قوم أنه يغفر الذنوب جميعا التي هى # صغائر إذا وقعت مجانبة للكبائر، فلذلك قال، (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم) ، فهذه الآية عندهم مفسرة لذلك # ومثبتة لمعناها، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما توهموه. # وأما قوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) ~~، وقولهم إن هذا تناقص، لأنه لا يجوز أن يأتي على ما هو # إنسان حين لا يكون فيه شيئا وهو مع ذلك إنسان، فإنه ياطل لأنه أراد - وهو ~~أعلم - أحد معنيين: # أحدهما: أنه أتى عليه وهو معدوم حين لم يكن فيه إنسانا ولا شيئا بل # كان عدما متلاشيا، وقوله، (على الإنسان) إنما يعني: هل أتى على الإنسان # أي على من صار إنسانا بعد أن لم يكن شيئا ولا إنسانا. # والوجه الآخر: أنه أرأد ذلك أنه قد أتى على آدم عليه السلام حين وهو # مصور من طين، لم يكن شيئا حيا عاقلا مذكعورا بالحياة والتمييز والتحصيل # PageV02P733 # ثم نفخت فيه الروح، فصار حيا عالما مذكورا بالخيرة مخاطبا، والعرب # تقول: كم أتى عليك من دهر وزمان لم تكن فيه شيئا تعني بذلك أنك لم # تكن ms504 مقدرا فيها إنسانا يذكر، وممن يفكر فيك وتخطر على بال، وإن كان قد ~~كان شخصا ماثلا وشيئا ثابتا. # فأما تعلقهم بقولي: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) . # و (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) ، وأمثاله، فإنما عنى به # سبحانه أنهم من شدة الخوف والفزع بمثابة السكران والثمل وما هم مع ذلك # بسكارى، أي هم عقلاء عالمون بما ينالهم، والعرب تقول: فلان قد أسكره # الجوع والعطش، وأسكره المال والغمر، أي: جعله بمثابة السكران وإن كان # عاقلا مميزا، وقوله: (وتراهم ينظرون إليك) ، أي: كأنهم ينظرون إليك. # وهم لا ينظرون، يعني به أمثلة العيون من الأصنام وضربه مثلا لمن يسمع # ولا يعقل ولا ينتفع ويبصر ولا يستدل، ولا يعتبر على ما قلناه من قبل. # وأما تعلقهم بقوله تعالى: (فإذا هي ثعبان مبين) . # وقوله: (تهتز كأنها جان) ، وأن ذلك متناقض لأن الجان صغير الحيات # والثعبان كبيرها، فإنه باطل لأنه قال: (فإذا هي ثعبان مبين) ثم قال: ~~(تهتز كأنها جان) ، فقال: كانت مع كبرها وعظمها تهتز وتسرع في المشي ~~والتلوي والتثني اهتزاز الجان الصغير، وهذا غاية الهول من منظرها وإظهار ~~الآية والأعجوبة فيها، ولم يقل فإذا هي جان فيكون ذلك نقيض قوله، فإذا هي ~~ثعبان مبين، وإنما قال (تهتز كأنها جان) فبطل ما ظنوه. # فأما تعلقهم بقوله تعالى: (وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله ~~لمبلسين) ، وقولهم: كيف أدخل "قبل" مرتين وما معنى هذا # الكلام، فإنه أيضا لا تعلق فيه، لأنه يجوز أن تكون (قبل" الثاني لغير ما ~~ورد # PageV02P734 # له "قبل" الأول، لأنه قال: (وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم) ، يعني قبل # إنزال العذاب عليهم، وما أنزله فيكون (قبل) ها هنا قبل إنزال العذاب ~~عليهم وما أنزله، فتكون قبل ها هنا قبل إنزال، ثم قال: من قبله، أي من قبل ~~رؤيته، والنظر إليه، فيكون "قبل" الثاني وارد بغير ما ورد له الأول، فالأول ~~قبل إنزال ما أنزل و "قبل" الثاني قبل النظر، وقد يجوز أيضا أن يكون ذكر ~~قبل مرتين على وجه ms505 التأكيد وعلى مثال قولهم: عجل عجل، واضرب # اضرب، والأسد الأسد، ونحوه قال الشاعر: # يرمي بها من فوق فوق وماؤه ... من تحت تحت شربه يتغلغل # فأما تعلقهم بقوله تعالى: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ~~وما يهلكنا إلا الدهر) ، وقولهم: هذا قول دهرية جحدة، فكيف يقرون # بالحياة بعد الموت، وهم يستجهلون معتقد ذلك فإنه لا تعلق أيضا فيه من # وجهين: # أحدهما: أنهم قالوا ذلك على وجه التقديم بما هو مؤخر عندهم # فكأنهم قالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا نحيا ونموت، فقالوا مكان ذلك # نموت ونحيا، كما تقول العرب شربت وأكلت، والأكل قبل الشرب، يعنون أكلت ~~وشربت، وكذلك قولهم: نروح ونغدوا، والغدو قبل الرواح. # والوجه الآخر: أنهم لم يريدوا بذلك أنفسهم فقط، بل عنوا به جنس # الناس، فقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت، ويحيا قوم بعدنا من نسلنا. # ويموت أولئك ويجيء بعدهم آخرون، وأن أهل الدنيا لا ينفكون من موت # وحياة، ولا حياة ولا موت في دار غيرها فأكذبهم الله تعالى في ذلك. # وقال: إن ذلك ظن منهم وتوهمم وأخبر به في غير موضع فبطل ما قدروه. # PageV02P735 # فأما تعلقهم بقوله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) . # وقالوا وأنتم تقولون إنه كله مبارك وشفاء، فالجواب إن "من" ها هنا صلة # قكأنه قاله وينزل القرآن شفاء،. فأدخل من زائدة وهو كقوله: (يغفر لكم من ~~ذنوبكم) ، وقولهم: فلان في صحة من عقله، يعنون في صحة # عقله، وقولهم: عين من هذا الثوب قميصا ومن الفضة خاتما، يعنون # جميعا دون البعض وكقولهم: خاتم من حديد، وثوب من خز، وأدخلوا من # رائدة في الكلام. # فأما تعلقهم بقوله تعالى: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) . # وقولهم: كيف يكون من رحمه عاصما من أمر الله، فالجواب عنه: لا # معصوم عن أمر الله إلا من رحم فأقام عاصم مقام معصوم، وقد يمكن أيضا أن ~~يكون أراد لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم بأن جعل له شفاعة ودعاء ~~مقبولا، في ms506 دفع العذاب فيكون بدعائه ورغبته عاصما من أمر الله وعذابه. # فأما تعلقهم بقوله تعالى: (فبصرك اليوم حديد) ، فإه نقيض قوله: (خاشعين ~~من الذل ينظرون من طرف خفي) ، فكيف ينظر من طرف خفي من يكون بصره حديدا؟ # فالجواب عنه: أنه أراد - وهو أعلم - فبصرك اليوم حيديد علمك بعلمك وتيقنك ~~وذكرك له بعد أن كنت فيه شاكا أو جاحدا. # وقوله: (خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي) يعني به # الذلة والخوف والعستكانة والاستسلام لعذاب الله، ولا تناقض في ذلك # بحمد الله ومنه. # واعترضوا أيضا قوله تعالى (وجاء ربك والملك صفا صفا) ، وقوله (يأتيهم ~~الله في ظلل من الغمام) . # قالوا والمجيء والإتيان حركة وزوال وذلك عندهم محال في صفته، فالجواب عن ~~ذلك عند بعض # PageV02P736 # الأمة إنه يجيء ويأتي بغير زوال ولا انتقال ولا تكييف بل يجب تسليم ذلك # على ما روي وجاء به القرآن. # والجواب الآخر: أنه يفعل معنى يسميه مجيئا وإتيانا فيقال: جاء الله بمعنى ~~أنه فعل فعلا كأنه جائيا، كما يقال أحسن الله، وأنعم وتفضل على معنى أنه ~~فعل فعلا استوجب به هذه الأشياء. # ويمكن أن يكون أراد بذلك إتيان أمره وحكمه والأهوال الشديدة التي # توعهم بها وحذرهم من نزولها ويكون ذلك نظيرا لقوله عز وجل: (وظنوا أنهم ~~مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب) ، ولا خلاف في أن معنى هذه الآية أن أمره وحكمه إياهم وعقوبته ~~ونكاله، وكذلك قوله:، (فأتى الله بنيانهم من القواعد) . # وأما قولهم: وما معنى ظلل الغمام، وأي مدخل للغمام في هذا الوعيد # والتحذير، وأي ضرر عليهم بكونه آتيا في غمام، فإنه باطل # لأن الظلل ها هنا الأهوال وشدة الحساب، وهو على نحو قوله عز وجل: (وإذا ~~غشيهم موج كالظلل) أي: في عظم السحائب وبما خلق من غمها وكربها، ويجوز أن ~~يكون الظلل والغمام بعينه ويجعل الله عز وجل ما ينالهم من كونه إذا أظلهم ~~وغمهم به دليلا على حضور وقت المحاسبة والمسائلة وهول يقاسونه ويخافون من ~~ذلك. # واعترضوا أيضا ms507 فى القدح في الرسل وأخبار القرآن بقوله عز وجل عن # إبراهيم عليه السلام: (رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ~~ولكن ليطمئن قلبي) ، وقالوا وهذا يوجب شكه واضطراب قلبه # ومعرفته، وذلك نقيض قوله ووصفه لهم بأنهم مصطفون ومهتدون وخلاف # أمره بالاقتداء بهم في قوله -: (فبهداهم اقتده) . # PageV02P737 # والجواب عن ذلك أمور منها: أنه قال ليطمئن قلبي على معنى أنني # أزداد إيمانا بك، ويمكن أن يكون أراد ليطمئن قلبي لإجابتك لي إلى ذلك. # ولتكون آية لي وحجة على قومي، لأن في ترك الإجابة توهم لانحطاط # قدره، ويمكن أن يكون أراد بقوله: ليطمئن قلبي أي لأعلم ذلك ضرورة # ومشاهدة، وإن كنت عالما به من جهة النظر والاستدلال فإن الخواطر تزول # مع المشاهدة وهي قائمة طارقة مع عدم الضرورة وإن كان إبراهيم وغيره من # ، النبيين والصديقين يدفع العارض منها بحجج الله القاهرة وأدلته الباهرة. # فإن قالوا: فقد سال موسى عليه السلام مثل ذلك في قوله: (رب أرني أنظر ~~إليك) ، فلم يجبه وقال: لن تراني، يقال لهم: قد يجوز أن تكون إجابة إبراهيم ~~إلى ما سأل من مصالحه أو مصالح بعض أمته. # وأن تكون إجابة موسى إلى ما سأل عنه ليس من مصالحه ومصالح أحد من # قومه، ويجوز أن يمنع موسى لأنه أراد منعه، وأجاب إبراهيم لأنه أراد # إجابته، ولو منعهما جميعا أو أجابهما لكان ذلك جائزا، على أن إبراهيم لم # يسل إزالة المحنة جملة، وإنما سأل إزالة المحنة بالنظر في إثبات القدرة # على إحياء الموتى فقط، وموسى سأل رؤية الله ببصره، وفي ذلك زوال # المحنة والتكليف جملة، فبطل ما اعترضوا به. # قالوا: ومن الإحالة في القرآن قوله: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من فضله) ، ~~قالوا: فكيف يكون المقتول حيا، فرحا مع موته ونقض بنيته # وتقطع أوصاله ومشاهدته على حاله، وما ظنوه من الإحالة في هذا باطل لأن # أكثر الأمة تقول: إن الله يحييهم في قبورهم وينعم أرواحهم في أجسامهم ms508 أو # بعضهم، فمنهم من يقول: إن ذلك حالهم دائما ومنهم من يقول: يكون # PageV02P738 # ذلك عند المسائلة في القبر، وبعد فراق منكر ونكير له، وكذلك قولهم # عذاب الكافرين، وقد بين هذا الكلام ما ورد فيه من الأخبار في باب عذاب # القبر ونعيمه، وهذا ليس بمستحيل من جهة العقل والحياة، وعند أهل الحق # لا يحتاج إلى بنية وبلة ورطوبة، فبطل ما توهموه، ومن الناس من يقول: # أراد بقوله: أحياء، الإخبار عن عاقبة أمرهم وما يؤول إليه حالهم من ~~النعيم # بثواب الآخرة وفرحهم بذلك، كما يقال: ما مات من ذكره باقي، وما مات من ~~خلف مثل فلان من الولد بل هو حي، وكما يقال للمظلوم المقهور: أنت الغالب ~~الرابح وظالمك هو الخاسر، يراد بذلك أن عاقبتك الربح والنصر وعاقبته ~~الخسران والنقص، وكما يقال: ما مات فلان ما بقي ذكره وأثر إحسانه وكتب ذكره ~~وبيانه. # قال الشاعر: # فقلت والدمع من حزن ومن فرح ... في اليوم قد أخذ الخدين منسجمه # ألم تمت يا شقيق الجود من زمن ... فقال لي لم يمت من لم يمت كرمه # قال وعلى هذا قال رجل للنعمان بن مقرن وقد كتب إلى عمر بن الخطاب # كتابا يقول له فيه: "وقد يرى الشاهد ما لا يرى الغائب"، فقال له الرجل # ألعمر تقول هذا، بل هو والله الشاهد، وأنت الغائب، يريد بذلك أن فهمه # أحضره، ومعرفته أكبر فهو أمثل لذلك من حالك، وإن كنت حاضرا، فأما # القطع على أنه لا بد من بلاء الشهداء وتقطع أوصالهم، فإنه لا طريق إليه. # بل الروايات بخلاف ذلك على ما يرويه أهل البصرة في طلحة بن عبيد الله. # وأن عائشة بنته لما أخرجته من موضع النز وقد رأته في اليوم يشتكي ذلك # ويخبر بتأذيه فوقعت المسحاة على إصبع له فدمت. # PageV02P739 # وروى جابر بن عبد الله قال: "لما أراد معارية أن يجري العين التي عند # قبور الشهداء أمر مناديا فنادى - في المدينة من كان له قتيل فليخرج إليه، ~~قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطابا ينثنون وأصابت المسحاة إصبع ms509 رجل ~~منهم فانقطرت دما" فقال الحسن البصري وقد سمع ذلك - ألا ينكر بعد هذا منكر. # قالوا: ومن الإحالة أيضا قوله: (كل نفس ذائقة الموت) . # وفي الناس خلق يقتلون، وفي الأنفس بهائم تذبح والمقتول ليس بميت ولا # ذائق للموت، فيقال لهم: إن كان الأمر على ما ذكرتم من أن المقتول لا # موت فيه، فإنما أراد بذلك كل نفس ماتت حتف أنفها ولم تقتل فيكون قولا # مخصوصا وبمثابة قوله: (كل نفس ذائقة الموت) و (كل نفس بما كسبت رهينة) ، ~~ولم يرد أنفس الأطفال والبهائم والمتنقصين فزال ما ظننتم. # والصحيح أن المقتول ميت وأن الله يميته، ويرفع بالموت ما فيه من # الحياة، لأنه مع نقض البنية محتمل الحياة والموت ولا يجوز ارتفاع الموت # إلا بضده من الحياة وإلآ آل ذلك إلى جواز تعري الجواهر من جميع # المتضادات من الأكوان وغيرها من الأعراض، وذلك باطل محال لما قدمناه # في غير هذا الكتاب، وقد يجوز أن يقول قائل أراد بذكر ذوق الموت مفارقة # الحياة، فعبر عن ذلك بذكر الموت كما يجوز بقوله ذائقة الموت، والموت # لا يذاق ولا يجوز ذلك عليه، ولكنه هو من مجاز الكلام فسقط ما قالوه. # قالوا: ومما ورد ولا معنى له قوله عز وجل: (وندخلهم ظلا ظليلا) ، والظل ~~لا يكون إلا ظليلا، وهذا باطل لأن من الظل ما، هو ظل، تتخرقه السماء ثم ~~الرياح، والسافي المؤذي فيكون ظلا وليس بظليل، # PageV02P740 # وأراد وهو أعلم بقوله ظليلا أنه ظل لا يتخرقه شيء من ذلك وأن أهله على # سلامة من جميعه. # وقالوا: ومن الإحالة في الكلام قوله: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ~~إلا من ظلم) ، فكأنه يحب من المظلوم أن يجهر بالسوء. # وهذا متناقض جدا - زعموا - فيقال لهم: ليس ذلك على ما توهمتم، ومعنى هذه ~~اللفظة الذي هو لفظ الاستثناء لكن لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ولكن ~~من ظلم فله أن يخبر بظلم من ظلمه ودخول الضرر عليه، ولا يجب الكشف عن عورات ~~الناس وزلاتهم وكثرة التتبع لهم والتجسس عليهم. ms510 # وقال بعضهم: قوله إلا من ظلم فإنه يحل له أن يدعو الله على ظالمه # ويستكفه شره، ويرغب إليه في منعه من ظلمه، وقد قال قوم قوله: لا يحب الله ~~الجهر بالسوء من القول كلام تام، ثم ابتدأ فقال: إلا من ظلم فإن له أن ~~ينتصر ويمنع الظلم ويدفعه فبطل بذلك ما قالوه. # قالوا: ومن هذا قوله تعالى أيضا: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته) ، قالوا: ونحن نجد خلقا يموتون ولا يؤمنون به، فيقال # لهم: إنما عنى بقوله: قبل موته، قبل موت المسيح عليه السلام، ولم يرد # أن كل من هو من أهل الكتاب يؤمن بالمسيح قبل موته أن يموت وتضرب # عنقه، فإن من قتل ولم يؤمن به فقد مات ولم يؤمن، فليست الهاء راجعة # على المكلف من أهل الكتاب، وإنما أراد أن أهل العصر الذي ينزل فيه # عيسى من السماء من أهل الكتاب، يؤمنون به عند نزوله ويعرفون صدقه. # قالوا: ومن هذا حكايته عن اليهود لعنهم الله أنهم قالوا: (نحن أبناء الله ~~وأحباؤه) ، واليهود لم تقل ذلك، ولا ذهب إليه أحد من # أسلافهم ولا أخلافهم. # PageV02P741 # والجواب عن هذا أن المذكور في تأويل هذه الآية أن أسلافهم قالوا لنا # قربة ومحبة منه كقرب الولد من والده ومحبة الوالد لولده، ولم يقولوا إنهم # أبناء الله على مثل قول النصارى لعنهم الله في المسيح إنه ابن الله وقنوم ~~من # أقانيمه، وقد يقول القائل: أنا ابنك وأخوك، أي: خير لك ومكاني منك # مكان أخيك وأبيك، وتقول: أنت ابني وولدي أي: مكانك مني ولطيف # منزلتك عندي ومني كمنزلة ولدي وأقرب الناس إلي، ومثل هذا غير منكر # في مجاز الكلام، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما تعلقوا به. # قالوا: ومن الإحالة الواردة في القرآن قوله: (فإنها محرمة عليهم أربعين ~~سنة يتيهون في الأرض) ، قالوا وقد روي أنهم كانوا عسكرا # كثيرا ومحال في مستقر العادات والضرورات أن يتيه العالم الكثير في قطعة # من الأرض اتسعت أو ضاقت أربعين سنة لا يهتدون إلى الخروج منها. ms511 # فيقال لهم، خرق هذه العادة من آيات موسى عليه السلام وكان زمن # خرق العادات، فإذا أراد الله تيههم والانتقام منهم بذلك محى الآثار وأبطل # العلامات وخالف بين الآراء وطمس على القلوب وألقى في القلوب الشكوك # في غير المحجة، فتاه الخلق عند ذلك، وانخرقت بما يفعله العادة، وكان # ذلك من حجج النبوة فزال ما قلتم. # وقد تأول قوم الآية على أنه لم يرد بالتيه أربعين سنة ضلالهم وذهابهم # عن الطرق، إنما عنى بذلك، أنه فرض عليهم الجولان في تلك الأرض # أربعين سنة وحبسهم فيها وحزم عليهم الخروج عنها عقوبة لهم على ما # سلف من خلافهم وإجرامهم، فشبه مقامهم ودورانهم في تلك الأرض # أربعين سنة بحال الذين يتيهون في الأرض، وهذا إن صح الخبر عنه فليس # ببعيد في التأويل، فبطل ما توهموه. # PageV02P742 # فأما قوله تعالى: (لعله يتذكر أو يخشى) ، وأمثال ذلك فليس # بوارد على الإيجاب، وهو نظير قول الرجل لمن يخاطبه: كل من هذا الطعام # لعلك تشبع، نحو قول السيد لعبده: أطعني لعلك تسلم من ذمي، وتنال ما # تحب من جهتي، وهذا ترغيب منه، لو أراد الشك لم يكن من عنى في # طاعته ولكن إدخال لعل في الكلام أرق وألطف وأدعى إلى المراد وأجمع # للهمة على الطاعة. # وأما اعتراضهم على قوله: (أجيب دعوة الداع إذا دعان) . # وقد يدعى فلان يجيب فإنه باطل من وجوه أقربها: أنه أراد بقوله: أجيب إن # شئت أن أجيب، ففيه إضمار، ويمكن أن يكون أراد أجيب إن كان في # معلومي أني أجيب، ويحتمل أن يكون أراد بقوله: أجيب إن كانت إجابة # المسألة مصلحة للسائل، فإذا لم يجبه علم أنه لم تكن مصلحة له، ويكون # قد شرط في إجابة الدعاء أن تكون مصلحة للمكلف، فمن أجيب بذلك كان من ~~مصالحه، ومن لم يجب فليس ذلك بصلاح في دين ولا دنيا، وليس # يعترض هذا الجواب سؤال من قال لنا فهو لا بد أن يفعل الأصلح، سأل # ذلك أم لم يسأله، لأن هذا قول القدرية، ويجوز عندنا أن لا يفعل بالعبد ms512 ما # هو الأصلح له ويكون قد حكم أنه لا يجيب دعوة داع إلا بأن تكون إجابته # من مصالحه. # ويمكن أن يكون أراد: أجيب دعوة الداعي من قبيل دون قبيل وفريق # دون فريق، ولم يرد جميع من يسمى داعيا، ومن يكون منه دعاء وإن اعترض # في ذلك فلا نقض عليه بالعلم، لأن الله عز وجل لا بد أن يكون عالما بما # يفعله، ولا بد أن يفعله، وما لا يفعله ولا بد أن لا يفعله، ويقال لهم: ~~فما # معنى الدعاء إذا كان لا يفعل مع سبق العلم بأنه لا يفعل ولا بد أن يفعل ~~مع # PageV02P743 # سبقه بأن يفعل، سأل السائل أم لم يسأل، ولا جواب لهم عن ذلك، إلا نحو # ما قلناه، وإذا كان الطاعن بذلك منجما مثبتا لأحكام النجوم، قيل له، فما # معنى السعي والكدح من المنجم، والاضطراب في طلب الكسب والمعاش. # لماذا كانت النجوم والطوالع توجب حصول المطلوب، فلا بد من حصوله. # وإن كانت لا توجبه فلا بد من عدمه، وعدم الانتفاع بتمنيه والسعي له، ولا ~~جواب عن ذلك. # واعترضوا أيضا على قوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) ، وقالوا: ~~وما معنى هذه الشهادة من الله عز وجل، وأي فائدة وحجة فيها # على التوحيد وهي شهادة منه لنفسه؟ # والجواب عن ذلك أن هذه الشهادة تنزيه منه لنفسه وتعظيم له سبحانه وتعالى ~~عما يقول المشركون المتخذون معه إلها غيره. # وشيء آخر وهو أنه يجوز أن يكون معنى شهادته لنفسه بذلك هو ما # أظهره من إتقان صنعه وعجيب تدبيره في كل حادث وإلزامه إمارة الصنع # والالتجاء إلى صانع صنعه ومدبر دبره لتقوم دلالة أفعاله على وحدانيته ~~مقام # الشهادة بذلك، كما يقال: أفعال زيد تشهد بعدالته وتقاه، وأفعال فلان # تشهد بفجوره وفسوقه، يعني بذلك أنها تدل دلالة الشهادة عليه وله بذلك، ~~ومعنى شهادة الملائكة وأولي العلم له بذلك، هو إيضاحهم لهذه الأدلة # والتنبيه عليها والدعاء إلى النظر فيها، فيكون تنبيههم قائما مقام ~~الشهادة به، فبطل ما ظنوه. # قالوا: ومما لا معنى ms513 له، ومن الإحالة في القول قوله تعالى في قصة # عيسى: (إني متوفيك ورافعك إلي) ، قالوا: وما الفائدة في أن # يرفع إليه أو إلى ملائكته ميتا، وكيف يرفعه إليه حيا أو ميتا # PageV02P744 # وليس هو في مكان ولا تحويه الأقطار، فيقال لهم: هذا من المقدم المؤخر ~~فكأنه قال: إتي رافعك إلي ومتوفيك، والواو لا توجب الترتيب، وإنما توجب ~~الجمع بين المذكورين، وقد قال قوم إنه أراد برفعه رفع درجته وتعظيم شأنه ~~وتبليغه المنزلة التي من بلغها عظمت منزلته. # قالوا: وقوله إلي، أي: إلى موضع كرامتي ومواضع أوليائي وهو بمثابة # قول إبراهيم: (إني ذاهب إلى ربي) ، أي: إلى حيث أولياؤه # وحيث يعبد ويذكر. # وقال أكثر الأمة: أراد بقوله: (ورافعك إلي) أنه رفعه إلى السماء حيا. # وأنه لا يموت حتى ينزل فيصلي خلف المهدي، ويكون داعيا إلى شريعة # نبينا عليه السلام ومؤكدا لها غير داع إلى شريعته، فأما قوله: (متوفيك) ~~فقال أكثرهم: مميتك بعد رفعك وإنزالك من السماء، وقال قوم: متوفيك بمعنى ~~قبضتك إلي لا بمعنى الموت، قالوا: والتوفي القبض ولذلك قيل توفي زيد # إذا قبض، فبطل طعنهم بما ذكروه (1) . # وقالوا: ومن الإحالة في الكلام قوله عز وجل: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من ~~قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون (173) . # قالوا: وليس في العالم مكلف ولا غير مكلف يذكر أخذ مثل هذا الإقرار عليه، ~~وإشهاد الله نفسه على ذلك، ولو كان ذلك حقا وأمرا مأخوذا عينا لوجب علمنا ~~به وذكرنا له؟ # وهذا باطل من تعلقهم من وجوه: # أحدها: أنه لا يجب ذكرنا لأخذ الإقرار علينا، وإن كنا إذ ذاك عالمين # به، لأن الله سبحانه أنسانا ذلك فأذهب ذكره وحفظه عن قلوبنا وفعل من ~~PageV02P745 # ذلك ما شاء، وقد ينسى الإنسان أشياء كثيرة كان رآها وسمعها، وأمورا # كانت منه ومن غيره إذا تطاول بها الدهر، وإذا كان ms514 ذلك كذلك لم ينكر ما # ذكره تعالى وأخبر به من أخذه الإقرار عليهم بالربوبية على أنه لو كانت # العادة جارية بأن مثل هذا لا ينسى في وقتنا وعادتنا لم يجب أن يكون مثله ~~لا # تنساه الذرية، لأن العادة المتقررة في وقت من الأوقات لا يجب أن تكون # مقررة مستمرة أبد الدهر وفي سالفه، ولا يجب أن تكون العادة لقوم عادة # لغيرهم إلا فيما ساوى الله فيه بين أحوال الناس على اختلافهم، وإذا كان # ذلك كذلك لم يجب أن تكون عادة الذرية أن لا ينسى ما كان من إقرارها # وأخذه عليها وشهادة أنفسهم عليهم. # فإن قالوا: فأنتم خاصة تذهبون إلى أنهم استخرجوا من ظهر آدم عليه # السلام كأمثال الذر صغرا مستضعفين، ومن هذه حاله لا يصح كمال عقله # وتمام فكرته ووقوع النظر منه، لأن العقل والنظر يحتاج إلى بنية وبلة # وذاك متعذر في الذرة، فبطل ما قلتم. # يقال لهم: العلم والأقدار والكلام والنظر، والاستدلال لا يحتاج شيء # منه ولا من غيره من الصفات إلى بنية وبلة على ما بيناه في غير هذا ~~الكتاب. # فبطل ما قالوه، على أنه إن احتاج إلى ذلك فلا يمنع أن تبنى الذرة وما في # قدرها بنية تحتمل العلم كما بنيت بنية تحتمل الحياة والإدراك والإحساس. # ونحن نجد الذرة والنمل والبعوض حيا مدركا ملهما لأمور ادخار الأقوات # وحفظها وإظهارها ونفي ما يزيل العفن والفساد عنها إلى غير ذلك من # عجيب أفعالها، فيجوز أيضا إكمال عقل الذرة وما هو أصغر منها. # فإن قالوا: فيجوز أن ينطق ويسال ويجيب، قيل كل ذلك صحيح في # المقدور، وإن لم تجريه عادة، فإن قالوا: فيجوز أن تقدر الذرة على حمل # PageV02P746 # الجبال والأرضين والسموات كما يجوز ما قلتم، يقال لهم: المحدثات # بأسرها ما عظم جرمه وما صغر من ملك وإنسان وشيطان لا يصح أن يفعل # في المحمول حملا وأكوانا تتحرك وترتفع بها، وإنما يفعل الحمل في نفسه # وهو حركاته واعتماداته التي يفعل الله عندها ارتفاع الأجسام المرفوعه، ~~ولو # سكن الخردلة عند اجتهاد جبريل ms515 في دفعها لم ترتفع، ولو رفع الجبال الثقال # عند محاولة الطفل والبعوض لرفعها لارتفعت، وإذا كان ذلك كذلك بطل # هذا التعجب ووجب إثبات الخبر باستخراج الذرة وأخذ الإقرار عليهم. # وإكمال عقولهم ونظرهم. # وقد قال قوم: إنهم إذ ذاك كانوا ملهمين ومضطرين إلى المعرفة والإقرار. # والأولى أن يكونوا مكتسبين لذلك، لأن الكلام خارج مخرج الاحتجاج # عليهم في الآخرة بما كان من إقرارهم وإشهادهم أنفسهم عليهم، وقد قال # سبحانه: (شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) ، فأخبر ~~أنهم يخبرون بغفلتهم عن ذلك ونسيانهم له وقال: (وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم قالوا بلى) ، فالآية كلها تدل وتشهد بما يذهب إليه أهل الحق ودهماء ~~الأمة. # فإن قالوا: فقد قال الله عز وجل: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا) ، فإذا لم يلعموا وهم أطفال كاملوا البنية والحواس كانوا عن ~~العلم والأمور والتوحيد إذا كانوا كالذر مستخرجين من صلب آدم أولى. # يقال لهم: لا حجة فيما تعلقتم به، لأنه لا يمتنع أن يمنعهم من العلم # إذا كانوا أطفالا ويعطيهم ذلك إذا كانوا كالذر، وقد أعطى الله عز وجل # PageV02P747 # عيسى ابن مريم النطق وهو صبي ساعة ولد، وأعطى يحيى بن زكريا الحكم # صبيا، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما اعترضوا به. # وقد قال قوم من مدعي الأمة إنه ليس معنى الآية ما طعن به الملحدون # ولا صح الحديث باستخراج الذرية، بل ظاهر الآية يوجب أخذ الإقرار من # بني آدم في كل حين يبلغون فيه حد التكليف، لأنه قال: (وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم من ظهورهم) ، ولم يقل من آدم وقال من ظهورهم، ولم يقل من ظهره، وقال ~~ذرياتهم ولم يقل ذريته، قالوا: فهذا يوجب أن يكون # الإقرار مأخوذا على ذرية آدم في كل حين (حين) بلوغهم حد التكليف. # قالوا: وكذلك قال: (أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل) ، ولم يقل أبونا، ~~وكنا ذرية من بعدهم، يقول: إنني لو أمتهم أطفالا لقالوا: # إنما أشرك آباؤنا وكنا نحن أطفالا لم نبلغ حد التكليف ms516 وتلقي الدعوة، ~~فأراد # الله تعالى الإخبار بأنه بلغهم حد من أشرك من آبائهم قبل شركهم، وإذا كان ~~ذلك كذلك فقد زال طعن الملحدين عن أصحاب هذا الجواب. # والجواب الأول هو الحق لأن الله تعالى قد أخبر عن الذرية أنها أقرت # بالربوبية، وقالت بلى، ونحن نعلم أن كثيرا من بني آدم المكلفين لم يقولوا # عند التكليف: بلى أنت ربنا، ولا أقروا بذلك، وأنهم ماتوا وهم كفار # جاحدون مكذبون فبطل الجواب الثاني. # فإن قالوا: لم يرد بقوله: (قالوا بلى) ، القول المسموع وكذلك قوله: # (ألست بربكم) ، ليس هو من القول المسموع وإنما أراد أنه ألزمهم آثار # الصنعة والحدوث والالتجاء إلى صانع صنعهم فعبر عن ذلك بقوله: # PageV02P748 # (ألست بربكم) يريد إلزامي لكم صفات المربوبين، وقوله: بلى، أي لم يمتنعوا ~~من أمارات الحدث، ولم يستطيعوا الانفكاك منها فأقام لزومها لهم مقام قولهم ~~لم يطيقو وصدقوا بلى. # وقوله: (وأشهدهم على أنفسهم) معناه ما أوجده في أنفسهم وأراهم إياه بعد ~~النسيان والقوة من، تغير الحالات والزيادة والنقصان # والكبر والهرم بعد الشباب والقوة من الخبر إلى غير ذلك. # يقال لهم: كل هذا الذي قلتموه إن ساغ استعماله في اللغة فإنه مجاز # واتساع وليس بحقيقة ولا وجه للعدول بالكلام عن ظاهره في إخباره عن # قوله لهم وجوابهم ببلى بغير حجة ولا دليل بل الواجب التمسك بظاهر # الكلام، فإن قيل: الذي يدل على ذلك استحالة نطق الذر وعلمه فقد بينا # فساد ذلك بما يغني عن رده، فدعواهم لذلك باطل. # فإن قالوا: فقد قال من بنى آدم وأنتم تقولون من آدم، يقال لهم: الخبر # الثابت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه: استخرجها من آدم - فيجب ~~إثباته، وذلك لا ينافي قوله من بني آدم، لأنه استخرجها من آدم عليه السلام ~~كما ورد به الخبر، ثم استخرج بعضهم من بعض، فاستخرج من المستخرج ذرية، ومن ~~الذرية ذرية أخرى إلى آخرهم،، وأحصاهم وعدهم عدا، وإذا كان ذلك كذلك ثبت ~~الاستخراج من صلب آدم بالخبر والاستخراج من الذرية المستخرجة عنه بالقرآن،، ~~وإذا كان ذلك ms517 كذلك بطل ما قالته القدرية وما تعلقت به الملحدة وبالله. ~~التوفيق # قالوا: ومما لا معنى له أيضا قوله تعالى: (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه ~~يلهث أو تتركه يلهث) . # قالوا: فأي فائدة في تمثييل الكافر بالكلب في هذأ المعنى، وليس الأمر على ~~ما توهموه لأجل أن # PageV02P749 # الله عز وجل ضرب هذا المثل للكافر الذي إن وعظ وزجر نفر وكفر، وإن # ترك أو رفق به استكبر وكفر فهو مع العظة والتذكرة ضال معرض، ومع # الترك ضال معرض، وكذلك الكلب حاله تخالف سائر الحيوان لأن كل ما # يلهث من الحيوان فإنما يلهث لمرض وتعب وكلال وعارض يزول اللهث # بزواله، والكلب يلهث في جميع حالته في صحته ومرضه وراحته وكلاله # وريه وعطشه، فلا مثال لمن ذكر الله حاله من الكفار من جميع الحيوان إلا # الكلب، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما قالوه. # قالوا: ومن هذا أيضا قوله تعالى: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما ~~شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا ~~نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) . # قالوا: فكيف أمره بأن يقول: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء ~~الله) ، وهو يملك تصرفه وجميع أفعاله، ويتصرف فيها بإرادته وما معنى قوله: ~~(ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) ، وقد استكثر من الخير من لا يعلم ~~الغيب. # يقال لهم: ليس الأمر على ما توهمتم لأن النبى عليه السلام وغيره لا # يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، وإنما مالك نفعه وضره الله عز وجل الخالق لعين # النفع والضر القادر على إيجادهما، والخلق لا يقدرون على ذلك ولا # يتصرفون فيما يريدون أو يكرهون إلا بأن يشاء الله تصرفهم. # وفي هذه الآية دلالة بينة واضحة على أن الله خالق أفعال عباده وما # يضرهم منها وما ينفعهم، فإنه مالك لها وقادر عليها وموجه لها إذا وجدت. # وهي مقدورة له، لأن مالك الشيء والقادر عليه فاعل له إذا وجد مقدوره # ومملوكه، وليس يكون فاعلا لمقدوره إلا لوجوده فقط. ms518 # PageV02P750 # وأما التعلق بقوله: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني ~~السوء) فمعناه - والله أعلم - أنني لو كنت أعلم الغيب لكنت إلها قديما. # والقديم لا يناله السوء ولا يلحقه نقص ولا تغيير. # ويمكن أن يكون أراد أنني لو كنت أعلم الغيب لنجوت من الحوادث والنوازل أو ~~اعتددت لكل أمر عتاده وما يدفعه ويزيله. # ويحتمل أيضا أن يكون أراد أنني لو كنت أعلم أجلي ووقت موتي وقربه # لأكثرت الطاعة لله والجهاد في سبيله، وإنما أؤخر بعض ذلك لإخفاء وقت # أجلي، وليس يمتنع أن يستكثر من الخير من لا يعلم الغيب على غلبة ظنه # وقوة حدسه أو الاحتياط والتحرر، وإن صح أن يستكثر من الخير من قد # علم حاله واطلع على ما يكون منه فلا تناقض في هذا. # وقد قيل إن السوء المذكور ها هنا هو الخبال والجنون، ومنه قوله # تعالى: (إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء) ، قيل: بخبال وجنون نسبوه # إليه فكأنه قال: لو كنت أعلم الغيب ما مسني من المرض والنوم والآفات # المستغرقة القاطعة عن التمييز وما يجري مجرى السوء الذي هو الخبال. # قالوا: ومن هذا أيضا قوله: (رب فلا تجعلني في القوم الظالمين) ، وكيف ~~يجعله مع الظالمين وهو قد نهاه عن الظلم وعن الكون مع الظالمين، يقال لهم: ~~قد بينا الكلام في هذا في باب خلق الأفعال والتعديل والتجويز بما يغني ~~الناظر فيه. # وقد يجوز أن يجعله الله مع الظالمين بأن يضله ولا يلطف له ويحرمه ~~التوفيق، وذلك عدل منه وصواب في حكمته، وإنما أمره بأن يرغب إليه في ~~التثبيت على الإيمان وأن لا يزيغ قلبه بجواز وقوع ذلك منه تعالى. # PageV02P751 # ولا وجه لجواب القدرية عن هذا، فإنه أقر له بالدعاء ليزيد في ثوابه. # لا أنه يجوز أن يجعله مع الظالمين، لأن الله لا يأمر برغبة لا معنى عنها # وبأن نرغب إليه في أن لا يفعل ما إذا فعله به، كان سفيها عند القدرية، ~~فإن # كان رغب إليه في أن لا يضله ولا يخلق ضلاله فتلك عندهم رغبة باطلة. ms519 # وإن كان يرغب إليه في أن لا يجازيه على ظلمه وأن يحكم بثوابه ولا يحكم # بعقابه، فذلك أيضا سؤال باطل لا وجه له فبطل جواب القدرية عن الآية # قالوا: ومن الأخبار الباطلة في القرآن قوله: (فإذا نفخ في الصور فلا ~~أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) ، وكيف لا يكون بينهم أنساب مع ثبوت ~~أنسابهم، وكون بعضهم ابن بعض وأباه وأخاه وأمه، وكيف لا يتساءلون مع قوله: ~~(وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) . # وقد قدمنا الجواب عن هذا، وقلنا إنهم لا يتساءلون تارة ويتساءلون # أخرى، ويمكن أن يكون أراد لا يتساءلون ساعة النفخ في الصور وانتشارهم # من القبور، فإذا نفخ فيه أخرى قاموا ينظرون، وأقبل بعضهم على بعضهم # يتساءلون وقالو (يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) ، ويسألون إذ ذاك عما # هم فيه، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة رضي الله ~~عنها، وقد سألتة عن هذه الآية (هي ثلاث مواطن يذهل الناس فيها: وقت إلقاء ~~كتاب كل إنسان: إليه، ووقت نصب الموازين وعند الجواز على جسر جهنم". # فهذه الثلاث مواطن لا معارف فيهن لأحد، ولا يتساءلون. # PageV02P752 # فأما قوله: (فلا أنساب بينهم) يعني فلا يتعارفون في هذه المواطن # أنسابهم، وعلى هذا دل قوله: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت) ، ~~ويحتمل أن يكون أراد بقوله: (فلا أنساب بينهم يومئذ) ، فلا أنساب بينهم ~~نافعة لهم، ولا أنساب بينهم يتراحمون ويتعاطفون # بها كتعاطف ذوي الأنساب بعضهم على بعض في الدنيا، وإذا كان ذلك # كذلك بطل ما توهموه. # قالوا: ومن هذا أيضا قوله تعالى: (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق) ، وقد ~~علم أن أكثر الأديان التي يوفيها أهلها ليست بحق، وهذا أيضا # باطل من توهمهم، لأنه لم يرد تعالى بالدين ها هنا الدينونة بالمذاهب # والتدين بالأقوال وإنما - أراد الحساب والجزاء، من قولهم: كما تدين تدان، ~~أي كما تفعل يفعل بك، ومنه: (مالك يوم الدين) ، يعني # يوم الجزاء والحساب، ومنه قوله: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ~~في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ms520 منها أربعة حرم ذلك الدين القيم) ، ~~أي: الحساب الصحيح، وفي قول: (يوفيهم الله) دليل على ذلك، لأنه إنما يوفى ~~العالمين جزاء اكتسابهم من ثواب أو عقاب. # قالوا: ومما لا معنى له قوله تعالى: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) ، ~~وكيف يكون الله هو الرامي والرسول لم يرم، وهو الرامي على الحقيقة، فيثبت ~~الرمي لمن لم يكن منه وينفيه عمن وقع منه؟ # يقال لهم: إنما أراد بذلك - والله أعلم - أنني أنا المقدر لك على الرمي # والموفق لله فيه، والتبليغ برميك ما لم تظن أنك تبلغه بها، فأضاف الرمي ~~إلى # نفسه على هذا التأويل، ونفاه عن نبيه على معنى نفي إقداره لنفسه وتوفيقه # لها وبلوغه بالرمية ما قيضه الله من هزيمة العسكر يوم بدر وذلك أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - # PageV02P753 # حين حمي الوطيس في ذلك اليوم قبض قبضة من تراب وحثاه في وجوه # المشركين وقال: "شاهت الوجوه" فانهزم القوم بإذن الله، ولم يقدر النبي ~~عليه # السلام أن يبلغ رميته تلك ما بلغ، وإن القوم ينهزمون ونظير هذا قول الرجل ~~لغيره: ما أنت عملت ما عملت، ولا أنت كلمتني ولقيتني بهذا، وإنما فلان فعله ~~بي، وأنا فعلته بنفسي إذا كان قد أرشد إلى ذلك ومكن منه وأعان عليه، ومهد ~~أسبابه لماذا كان ذلك كذلك سقط ما توهموه سقوطا بينا ظاهرا. # قالوا: ومما ورد في القرآن من الإحالة قوله: (والله خلق كل دابة من ماء ~~فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع ~~يخلق الله ما يشاء) . # قال الملحدون: وفي هذه الآية إحالة من وجوه. # أحدها: قوله أنه خلق كل دابة من ماء، وليس الأمر كذلك لأن منها ما # خلق من البيض والتراب دون النطف والماء الدافق، فبطل أن تكون كل دابة # من ماء. # ومنها حصره مشي جميعها على بطنها أو على رجلين أو على أربع، وليس # الأمر كذلك، لأن فيها كثيرا يمشي على أكثر من أربع كالعنكبوت وكرخان # الأذن والسرطان وغير ذلك فلا وجه ms521 لحصره المشي على قدر ما ذكره. # ومنها أنه لا فائدة في ذكر هذا وإعلامنا إياه لأننا قد علمنا أن الدواب # تمشي كذلك، وأي فائدة في ذكره إلا الحشو به والتشاغل بما لا معنى له. # قالوا على أنه قال فمنهم، وهذا كناية عن العقلاء، وقوله: كل دابة يدخل # فيها ما يعقل وما لايعقل؟. # يقال لهم: جميع ما ذكرتم لا يوجب القدح في القرآن. # فأما قوله: (كل دابة) ، فإن لفظة كل ليست موضوعة للاستغراق والعموم بل هي ~~معرضة للعموم والخصوص، وكذلك جميع وسائر وأي ومن، وكل لفظ يدعي # PageV02P754 # القائلون بالعموم أنه موضوع هو محتمل للعموم والخصوص، وقد بينا ذلك # في أصول الفقه وغيره بما يغني الناظر فيه، فبطل تعلقهم بالعموم ولو ثبت # أيضا لجاز تخصيصه بدليل فإذا علمنا أن منه ما لم يخلق من ماء قلنا أراد # بقوله كل دابة ذكرها، وكل ما يمشي على بطنه أو على رجلين أو على أربع # دون ما عدا ذلك، على أنه لم يقل من ماء دافق، وإنما قال من ماء، وكل # دابة مخلوقة مما فيه صور من البلة والرطوبة، فإن الأصول عند كثير منهم # الماء والأرض والهواء والنار هذه هي أصول الأشياء التي منها تنمو، أو ~~إليها # تنحل وتفسد فكل دابة مركبة من أصل فيه بلة ورطوبة وجزء من المائية # فبطل ما قالوه. # فأما قولهم فمنهم فإن ابتدأ فقال كل دابة وهو لفظ يصلح تناوله للناس # وغيرهم، ويجب عند قوم تناوله لذلك، ثم فصل وذكر الناس منهم فقال # منهم: فكنى عنهم كناية العقلاء وقال على بطنه يريد الحية وما يجري ~~مجراها، والعرب تقول: لا يكون المشي إلا لما له قوائم يمشي بها المعتمد ~~عليها. # ولكنها مع ذلك إذا خلطت ما لا يمشي مع الماشي وصف الجميع بأنه يمشي # كما يقول: أكلت خبزا ولبنا، والخبز هو الذي يقال أنه يؤكل واللبن يشرب ~~فيقولون أكلت خبزا ولبنا لجمعهم لهما في الذكر، ولا يقولون: أكلت لبنا ~~فكذلك يقولون: الحية والإنسان يمشيان ولا يقولون الحية تمشي وكذلك العرب ~~تعبر ms522 عما لا يعقل إذا ذكر مع العاقل في اللفظ الموضوع لما يعقل فيقولون: ~~الرجل وإبله مقبلون، ولا يقولون ذلك في الإبل وحدها، ويقولون في الإنسان ~~وغيره هذان مقبلان، وهذان الشخصان مقبلان، ولا يقولون ذلك في اثنين لا عاقل ~~فيهما، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه. # PageV02P755 # فأما قولهم إنه حصر مشي جميع الدواب على أربع وفيها ما يمشي على # أكثر من ذلك، فإنه باطل لأنه لم يحصر ذلك ولا قال لا شيء من الدواب. # وإن كل الدواب تمشي على أربع، وإنما قال فمنه من يمشي كذا، ومنه من يمشي ~~كذا، ومنهم من يمشي كذا، ولا شك أن منهم من يمشي على ما ذكر # فهذا لا ينقض أن يكون منهم من يمشي على أكثر من ذلك ولا كون من # يمشي على أكثر من أربع قوائم ناقضا بمشي ما يمشي على أربع وأقل منها. # وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه. # على أنه قد قال كثير من الملحدين إن كل حيوان إذا سعى ومشى فإنه لا # يمشي إلا على أربع من قوائمه، ويكون معتمدا عليها في أربع جهات لا على # أكثر منها، فإن كان ذلك كما قالوه، فما يمشي حيوان وإن زادت قوائمه # على أربع على أكثر من أربع منها، وبطل ما قالوه. # وأما قولهم فلا معنى لذكر ذلك إذا علم قبل خبره، فإنه باطل لأن معنى # ذلك إخبارهم بقدرته على إقدارهم على المشي مع اختلاف آلة المشي، وأنه # لو شاء أن يجعلها كلها تمشي على بطونها أو على قوائم تعتمد عليها لفعل # ذلك، فكأنه يقول: انظروا أفليس في الحيوان ما يمشي كذلك لجنسه أبر # إيجاب خلقته أو لصورته، وإنما ذلك بتقدير العزيز العليم الذي يعطي القدرة # على المشي على وجه واحد تقطع به المسافة مع اختلاف الآلة، وإذا كان # ذلك كذلك بطل ما توهموه. # قالوا: ومن هذا أيضا قوله عز وجل: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن ~~في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ms523 (67) لولا ~~كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) فكلوا مما غنمتم حلالا ~~طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69) . # PageV02P756 # قالوا: وفي هذه الآية # ضروب من الإحالة. # فمنها لومه للنبي عون وعتابه له على أخذه الفداء، وقوله إن ذلك ليس له # منع قولكم بأنه معصوم في الأداء عن الله ووضع الشرع وإخباره تعالى بأنه # مصطفى معصوم. # ومنها تغليظ في العتاب له ولهم بقوله: (تريدون عرض الدنيا والله يريد ~~الآخرة) ، وهذا نمن منه على عصيان رسوله وعصيان متبعيه على رأيه، وإنهم ~~خالفوا بما صنعوا من ذلك حكمه ومراده، واتبعوا عرض الدنيا مؤثرين له على ~~ثواب الآخرة. # ومنها الزيادة في بيان اقترافه وإياهم الذنب في أخذ الفداء بقوله: (لولا ~~كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) ، وهذا تعظيم منه لشأن # معصيتهم وقبح تجرمهم. # ومنها أنه قال عقيب ذلك: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) ، قال: وكيف # يأكلونه حلالا طيبا وهم قد خالفوا فيما أخذوه وعدلوا عن نصرة الدين إلى # أخذ عرض من الدنيا يسير فشتان بين الإخبار عن أكلهم له حلالا طيبا وبين # الإخبار عن قصدهم به تحصيل عرض الدنيا والإعراض عني ثواب الآخرة. # ليوافقه أمره في الإثخان في القتل، قالوا: وهذا كله متناقض جدا؟. # فيقال لهم: لاتعلق لكم في شيء مما ذكرتم. # فأما قول الله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) # فليسى بعتاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم، ولا لوم منه له ~~على ذلك لخطإ # PageV02P757 # كان منه في أخذ الفداء، لأن الناس في أخذه الفداء وقتل من قتل، ومنه على # من أطلق على أقاويل. # فمنهم من يقول كان قد نص له عليه السلام على التخيير بين القتل أو # المن أو أخذ الفداء، والقائلون بهذا لا يسوغ لهم القول بأنه لم يكن له ~~أخذ # الفداء مع نصه له عليه ومنهم من يقول لم يكن عنده نص في ذلك وإنما فعله # باجتهاده وعضده مشورة أبي بكر ومن كان على مثل رأيه في المن ms524 وأخذ # الفداء وهؤلاء على قسمين. # فمنهم من يقول إن الرسول لا يجوز عليه الخطأ في الاجتهاد، فكيف لا # يكون له فعل ما أداه إليه الاجتهاد، وهو فرضه وصواب مقطوع عليه إذا # فعله، ومنهم من يقول يجوز على النبى - صلى الله عليه وسلم - الخطأ في ~~الاجتهاد غير أن المأثم عنه في ذلك موضوع، وفرضه الحكم بما أداه إليه ~~الاجتهاد. # ولا يجوز لقائل هذا أن يقول: إن لم يكن للنبي عليه السلام أخذ الفداء ممن # رأى أخذه منه، جمع قوله: إن ذلك فرضه عليه السلام إذا رآه، وكان جهد ما ~~عنده لأن ذلك تناقض من القول لا شبهة فيه على أحد، فعلم أنه لا عتب # على النبى عليه السلام في ذلك إن كان منصوصا له على جواز ما فعله # والتخيير له بينه وبين غيره، أو كان ذلك بقياسه وجهد رأيه وإذا كان ذلك # علم أنه ليس التأويل في الآية علي ما توهموه. # وقد زعم قوم من ضعفة المفسرين ومن الفقهاء والمتكلمين أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إنما عوتب لأنه أخذ الفداء من غير تقدم من الله عز وجل ~~إليه في ذلك ولا أذن له فيه، لا من جهة نص له على التخيير في ذلك، ولا من ~~جهة الاجتهاد المؤدي إلى أن الواجب في الحكم أخذه، وإذا كان ذلك أنظر للأمة ~~وأبصر للدين، وهذا القول خطأ من قائله، لأنه غاية الطعن على # PageV02P758 # الرسول والقدح في عدالته، لأنه إذا فعل من ذلك ما لم يأذن الله له فيه من # جهة نص أو اجتهاد، فقد عصى الله بذلك، وتقدم بين يديه وافتات في دين # الله وحكم فيه بهواه وذلك نقيض وصفه عز وجل له في قوله: (وما ينطق عن ~~الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) . # وإن جاز ذلك عليه لم نأمنه منه في جميع ما أداه ووضعه من الشرع. # وليس يجوز لمسلم أن يقطع على تخطئة أدنى المؤمنين منزلة في قول # أو فعل وهو يجد سبيلا إلى حمل ذلك منه على تأويل يخرجه عن ms525 الخطأ # والعصيان، فضلا عن الرسول عليه السلام ونحن نجد للآية من التأويل ما # يوجب نفي ما قالوه عن الرسول عليه السلام، وعلى كل حال فلا بد من أن # يكون له في الأسرى حكم شرعى أو حكم عقلي، فإن كان له حكم شرعي # في ملة الرسول عليه السلام فلا يجوز أن يخفى ذلك عليه باتفاق. # وإن لم يكن له في ذلك حكم شرعي وجب تبقيتهم في أنفسهم # وأموالهم على حكم العقل، فإما أن تكون أنفسهم في العقل وأموالهم مباحة # أو محظورة، وكل ذلك لا يوصف بأنه مباح ولا محظور، ولا بد أن يكون # النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلم الناس به، لمان كان ذلك مباحا في ~~العقل أو غير محظور فيه، وإن لم يوصف بإباحة ولا حظر لم يكن في أخذ الأموال ~~منهم جرم، لأن حكم العقل الواجب التمسك به إلى حين نقل السمع له إلى غيره، ~~فلا عيب على فاعله، وإن كان ذلك محظورا في العقل ولم يرد السمع على الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - لإطلاقه وتغيير حكمه فقد ركب عليه السلام محظورا ~~مخالفا لحكم الله وذلك منتف عنه - صلى الله عليه وسلم - وإذا كان ذلك كذلك ~~بطل قول من زعم أنه فعل من ذلك ما لم يكن له بنص ولا اجتهاد. # PageV02P759 # وقد اعتذر قوم منهم في هذا بأن قالوا: ما فعله الرسول من أخذ الفداء # ممن أخذه، كان هو الصواب عند الله والأنظر للأمة والأقوى والأصلح في # باب الدين، ولكن إنما عاتبه لأنه فعل الذي هو الأصلح والأولى من غير أن # يأمر الله به، فلامه وعنفه على ذلك لفعله قبل أمره، وإن كان لو أمره لم # يأمره إلا بذلك بعينه. # قالوا: وعلى هذا نجد كثيرا من السادة يلومون من تحت طاعتهم على # فعل الأصلح والأصوب الذي لو أمروهم لم يأمروهم إلا به، لأجل فعلهم له # بغير إذن منهم، وهذا الاعتذار غير مخلص لهم مما ألزمناهم وإن كان ما # فعله النبي هو الأنظر للدين والمسلمين، لأنه لا بد إذا لم ms526 يكن أمره به من ~~أن # يكون قد نهاه عنه، وحظره عليه في عقل أو سمع، أو لا يكون ناهيا له عنه، ~~وإن كان ناهيا له عنه، فقد أخطأ واعتمد ترك الصواب، ومخالفة النهي. # وهذا تصريح بالقدح فيه والطعن في عدالته وأمانته حاشاه من ذلك، وإن # كان غير ناه له عنه ولا محرم لفعله في عقل ولا سمع فلا عيب عليه ولا وجه # لقوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) وهو قد جعل له ذلك، وهذا ما لا # مخرج لهم منه. # وقد احتج قوم بهذه الآية في إبطال الاجتهاد جملة، واحتج بها آخرون # في إبطال اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه لم يكن مأمورا بذلك، ~~وهذا الاحتجاج باطل من قولهم، وذلك أنه لا يخلو النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- من أن يكون اجتهد، أو لم يجتهد # وإن كان لم يجتهد فلم يبطل الله اجتهادا له ولا لامه عليه ولا خطأه فيه، ~~وإن # كان قد اجتهد وحكم برأيه، فقد أقروا أنه كان مجتهدا. # فإن قالوا: كان مأمورا بالاجتهاد فقد أبطلوا قولهم، وإن كان منهيا عن # ذلك، ومحظورا عليه الحكم به ففعل من هذا ما نهي عنه عاد بهم الأمر إلى # PageV02P760 # الطعن على الرسول - صلى الله عليه وسلم - والقدح في أمانته والجرح ~~لعدالته تبطل ما قالوه. # ولو صح أن النبي عليه السلام منهي عن الحكم بالاجتهاد، لم يدل ذلك على # نهي الأمة عن ذلك ومنعهم منه، وأن أكثر القايسين يقولون إنه كان محظورا # عليه الاجتهاد، وإن كان مفروضا على الأمة لعلل قد ذكرناها في أصول الفقه ~~بما يغني الناظر فيها وفي الاعتراض عليها. # وإذا كان ذلك كذلك بطل التعلق بالآية في إبطال أمر النبي عليه السلام # بالاجتهاد وأمر الأمة به ولو ثبت أن النبي عليه السلام أخطأ في اجتهاده ~~في # هذا الحكم - وحاشاه من ذلك - لم يوجب خطأه فيه أن يكون في الأصل # منهيا عن الاجتهاد، فهذا بعيد من المعتل به في إبطال القياس، ثم رجع بنا # الكلام إلى تأويل الآية ms527 على وجه ينفي الخطأ والعصيان والعيب عن الرسول # عليه السلام. # فإن قال الملحدون، أو بعض من ذكرناه من ضعفة المسلمين: فما # معنى الآية عندكم، قيل لهم: يحتمل - والله أعلم - أن يكون أراد بقوله: ~~(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) ، أي: لم يكن ذلك لنبي من ~~قبلك، وإنما خصصناك أنت بذلك تخفيفا على الأمة التي بعثت إليها وتكرمة لذلك ~~بتمييز قومك وأهل عصرك بتحليل العفو عنهم، وأخذ الفداء منهم، فكأنه قال ما ~~كان لنبي غيرك فحذف ذكر الغير وما يقوم مقامه لكونه مما يفهم ويعلم من حال ~~الرسول. # ويحتمل أيضا أن يكون أراد ما كان لنبي أن يفعل ذلك إذا كان الإثخان # في القتل هو الأحوط في باب نصرة الدين، والأصلح الأنظر للمسلمين، ولم # يقل إن ذلك ليس لنبي على الإطلاق، ولكن بهذه الشريطة، لأن كل نبي، # PageV02P761 # مبعوث بما هو الأحوط للملة في نظام أمر الشريعة، فكأنه قال: ما كان لنبي # أن يكون له أسرى وأخذ فداء دون القتل، والقتل عنده أحظ، وما فعلت من ذلك ~~إلا الأحظ الأصلح في باب الدين وهو أليق بالنبي صلى الله عليه وغيره من ~~النبيين، ويدلك على صحة هذا التأويل أنه قد يقوى المسلمين بأخذ الفداء، ~~وأنه قد أمن عليه من أولئك الأسرى، وآمن خلق من نسلهم وولدوا أنصارا للدين ~~والمسلمين، ولا يجوز عند كثير من الأمة أن يأمر الله بقتل من في المعلوم ~~أنه إن بقاه آمن وأسلم، ونسل أذكياء طاهرين، وأنصارا للدين والمؤمنين، حتى ~~خلطوا وضاقوا ذرعا في جواب هذا السؤال لما طولبوا به. # فقالوا: كان الأصلح أن لا يقتل من أخذ منه الفداء، ولكن لم يجز للنبي # عليه السلام أن يفعل هذا الأصلح الأصوب إلا بإذن الله، وحتى يكون هذا # الذي يشرعه له ويأمره به، فيكون الأصلح للنبي أن لا يأخذ الفداء، وأن # ينتهي عن أخذه حتى يأتيه أمر من الله عز وجل بذلك. # وهذا يؤول بهم إلى أن النبي عليه السلام قد كان فعل ما هو ms528 الأصلح # الأصوب عند الله، ولكنه فعله بغير أمره وتقدم بذلك بين يديه، وهو لا يعلم # ما الأصلح من ذلك عند الله، فإن كان قد نهاه عن أخذ الفداء بعقل أو سمع # إلا بأن يأمره بأخذه، فأخذ بغير أمره فقد عصا واعتمد الخطأ وحاشاه من # ذلك، وإن كان لم ينهه عنه فلا معنى لقولهم ليس له فعل ذلك حتى يأذن له # فيه، ولغيرهم أن يقول لهم وليس له الامتناع من أخذه، وإن كان ذلك # الأضر في باب الدين، حتى يحظر الله عليه فعل ذلك، حتى يكون هو الناهي # له عنه والمنزل فيه وحيا، وهذا جواب من قال منهم قد فعل الأصلح عنده # من غير أن يأذن له فيه. # PageV02P762 # وقد تحتمل الآية أن يقولوا في جوابها وجواب هذه المطالبة، إنما # أراد في الجملة أنه ليس لنبي أن يكون له أسرى، وإن كان ذلك هو الأصلح # عند الله، إلا بإذن الله دون أمره، ولم يخبر الله أن رسوله فعل من ذلك ~~شيئا # بغير أمره، وإنما ذكر هذه الجملة فقط، فكل هذا يبين صحة التأويلين اللذين ~~ذهبنا إليهما دون الحكم بتخطئة الرسول في نص أو اجتهاد. # فإن قالوا: فما معنى قوله: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) ؟ # قيل لهم: أراد بذلك - وهو أعلم - إن منكم من أخذ ذلك تعجلا لعرض الدنيا، ~~ولم يقصد به نصرة الدين والأحظ للمؤمنين، وأنه أخذه مع الغناء عنه، فإما أن ~~تكون هذه صفة للرسول عليه السلام وأبي بكر وعلية المؤمنين الذين قالوا إن ~~أخذه منهم فداء قوة للدين، ولعلهم أن يؤمنوا فيكثروا المسلمين، فمعاذ الله ~~أن يكون قصد من هذه سبيله ابتغاء عرض الدنيا، وأن يخلوا أمة وأهل عصر نبي ~~وعسكر إمام وخليفة نبي وإمام من قوم تكون الدنيا عندهم وتعجيل أعراضها آثر ~~من ثواب الآخرة، ويكونون إليها أميل، والله سبحانه إنما عاتب هذه الطبقة ~~دون من عداها وهذا بين في سقوط ما قالوه. # PageV02P763 ### | (فصل) # فإن قالوا: فما وجه قوله: لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب ms529 ~~عظيم (68) ؟ # قيل له: معنى ذلك أنه لولا سبق حكمي وأمري بإطلاق أخذ الفداء لكم وتحليل ~~أكل غنائم المشركين من محاربتكم، وأنني فرقت # في ذلك بينكم وبين من عداكم من الأمم السالفة، لنا لكم ومسكم فيما # أخذتم عذاب عظيم، لأنه قد روي في السيرة وذكر المفسرون أنه لم تحل # الغنائم لأمة نبي قبل نبينا عليه السلام وأمية قبل أمتنا، وأنهم كانوا ~~إذا أخذوا الغنائم حازوها ولم يردوها على المشركين، ولم ينتفعوا بها ولكن ~~يحرقونها بالنار، فأكرم الله هذه الأمة وزاد في تفضيله عليها، والتوسعة في ~~أحوالها، لتحليله لها أخذ الغنائم والانتفاع بها في وجوه التصرف من الأكل ~~وغيره، فهذا تأويل قوله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب ~~عظيم) ، يعني سبق حكمه بإطلاق ذلك. # فأما قوله تعالى: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) ، فهذا هو # الدال على صحة ما قلناه، من أنني قد أحللت لكم ذلك بعد أن كنت حرمته # على سائر الأمم قبلكم، فسلمتم بأخذه مع التحليل بسبق الكتاب به من # العذاب، ثم أكد تحليله وإطلاقه وبيان الفرق في ذلك بيننا وبين من سلف من # الأمم بقوله تعالى: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) أي: لستم في أكله ولحوق # مأثم بكم فيه كمن قبلكم، ممن حرمت ذلك عليه، وإذا كان ذلك كذلك بان سقوط ~~قدحهم في القرآن بهذا الضرب من الاعتراض. # PageV02P764 # فإن قال قائل من المحلدة والقادحين في أخبار رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وغيرهم من ضعفاء الأمة ومبتدعيها والطاعنين على سلفها، فما معنى ما ~~روي من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "لو نزل عذاب من السماء ما نجا ~~منا إلا عمر ابن الخطاب"؟ # قيل له: أراد بذلك أنه لم يكن ينجو إلا هو، ومن كان على مثل رأيه # وصدق نبيه في مناصحة الرسول ونصرة الدين، والاحتياط على المسلمين. # وإنما خصه بالذكر لما كان أظهر نفسه وإشهاره بالسيف، وسؤاله للرسول # بأن يسلم إلى كل رجل أقرب الناس إليه ليضرب عنقه، وقوله افعل يا وسول # الله واقطع شأفة الكفر، ms530 فهؤلاء الذين أخرجونا من مكة وفعلوا وفعلوا، فلما # كان أكثرهم حرصا على ذلك، وإظهار القول فيه نسب أهل رأيه من الأمة # إليه، فقال عند ذلك: لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه أي من الأمة إلا # من كان على مثل رأي عمر في منصاحته الدين ممن أشار بالقتل واستئصاله # شأفة الكفر، وممن أشار بالمن وأخذ الفداء إذا كان ذلك هو الأصلح الأنظر # للأمة، وليسوا مطالبين بها عند الله في هذا الباب، وإنما يطالب كل واحد # منهم بأن يشير ويقول بما هو عنده الأحظ للدين، سواء كان هو الأحظ عند # الله أم لا، وحرام على من الرأي عنده أخذ الفداء والمن أن يشير بالقتل. # وحرام على من رأى الأحوط للدين والمؤمنين بالقتل أن يشير بأخذ الفداء # والمن، لأن فرض كل واحد من المشيرين وأهل الرأي، خلاف فرض غيره # إذا اختلفت عندهم الآراء ووجوه الصواب، وإن كانوا إذا اتفقوا على الرأي # صار فرضهم واحدا كمشاهدي القبلة والذين يغلب على ظنهم كونها في جهة واحدة ~~في تساوي فرضهم ووجوب اختلاف فرائض من اختلف في # اجتهاداتهم وآرائهم في جهة القبلة. # PageV02P765 # فإذا كان ذلك كذلك بأن الرسول عليه السلام لم يرد بهذا القول إن ثبت # جميع الأمة، وهو منهم كانوا مستوجبين للعذاب لو نزل إلا عمر بن الخطاب، ~~فهذا بعيد من الصواب، ولكنه أراد عليه السلام أنه هو ومن كان على مثل رأيه ~~هم الناجون. # فإن قيل: وما معنى نزول العذاب على قوم قد أشار كل واحد منهم بما # عنده وما هو فرضه، والأولى في الدين أن يشير به، فكلهم إذا كانوا كذلك # بمثابة عمر بن الخطاب، في رأيه ومشورته وأدائه بما أشار به لفرضه. # يقال لهم: لم يعن الرسول عليه السلام أحدا بذلك ممن ذكرتم، وكانت # حاله في الاحتياط للدين والمسلمين كحال عمر بن الخطاب، لأنهم كلهم # على ما ذكرتم بمنزلة واحدة في درجة من الحق والصواب متساوية، ولكنه # علم عليه السلام أن فيهم قوما منافقين قصدهم بما يذكرونه من الرأي إضعاف ~~الدين ms531 وتوهين المسلمين، ومنهم أيضا طبقة من المسلمين هم إلى جمع # الأموال وتعجل عرض الدنيا أميل منهم إلى ثواب الآخرة لعاجل النفع # ومركب الميل والطبع، فهم بذلك عصاة غير كفار، وإن كانوا ليسوا من أهل ~~القوة والبصائر في الدين، وتحصيل وافر الحظ من ثواب الله عز وجل، فإذا كان ~~ذلك عنده عليه السلام متقررا ساغ أن يقول مثل هذا القول في عمر وموافقته ~~وطبقته تحذيرا من قلة المناصحة في الدين والمثابرة عن نيل قطعة # من الدنيا وفان حقير، وهذا بين واضح في إبطال ما تعلقوا به، وبالله ~~التأييد. # قالوا: ومما ورد من الإحالة في القرآن قوله عز وجل: (قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون ~~دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29) . # PageV02P766 # فمن الإحالة في الآية أمره لهم بإعطاء الجزية وأمرنا بأخذها منهم. # وإن كانوا يمتنعون بإعطائها من الإيمان به ويقيمون بها على الكفر، فلا # يخلوا إعطاؤهم الجزية من أن يكون طاعة لله أو معصية له، فإن كان معصية # له لأنه طريق الامتناع من الايمان والاعتصام به مع المقام على الكفر، ~~فكيف # يأمرهم بما هو معصية له. # والمعصية هي ما نهى عنه فهذا يوجب أن يكون أداء الجزية طاعة منهم # من حيث أمروا به، ومعصية من حيث امتنعوا به من الإيمان، والإقرار # بالرسول عليه السلام وهذا هو الاحالة، وإن كان أداء الجزية طاعة منهم # وليس بمعصية فكيف يكون طاعة لهم وهو ممتنع به من الإيمان به، هذا # أيضا إحالة من القول. # قالوا: وكذلك إن كنا نحن والرسول مطيعين في أخذ الجزية منهم. # وجب أن نكون مطيعين بأخذ ما يمتنعون به من الإيمان بالله، وذلك محال # لأن الواجب علينا ترك كلما يؤدي فعله إلى الصد عن الإيمان به. # قالوا: ومن الإحالة في الآية أيضا قوله تعالى في أهل الكتاب أنهم: # (لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) ، وليست هذه صفة أهل الكتاب، لأنهم # يؤمنون بالله وبالثواب والعقاب واليوم ms532 الآخر، فهذا - زعموا - تقويل عليهم ~~ووصف لهم بغير صفتهم. # فيقال لهم: لا تعلق لكم في شيء مما وصفتم وذكرتم، فأما قولكم # إنهم مأمورون بدفع الجزية إلينا فإنه باطل، لأنهم مأمورون بفعل الإيمان ~~بالله # ورسوله وبترك ما يمتنعون به من ذلك، فإن كانوا يمتنعون بأداء الجزية من # الإيمان فهم مأمورون بترك الأداء، ولكن ليس أداء الجزية مما يمتنعون به # PageV02P767 # من الإيمان بالله وتصديق رسوله، فإنما يمتنعون به، عن قتلنا لهم وقتالنا ~~إياهم، فإنما يأخذها منهم بدلا من قتلهم وقتالهم لا من الإيمان بالله ~~وبرسوله، ولو # آمنوا بهما لزال فرض قتالهم، وإذا زال فرضها لم يجز إثبات بدل منه يقوم # مقامه، فبان بذلك أن الجزية ليست ببدل من إيمانهم. # وأما قولكم: إنهم مأمورون بأدائها مع المقام على الكفر بالله وبرسوله. # قإنه أيضا كلام باطل محال، لأن الكافر لا علم له بالله، ولا إيمان فيه به ~~وقد # أقمنا أوضح الدليل على ذلك في باب الكلام في الوعيد والأسماء # والأحكام، وإذا ثبت ذلك، ثبت أن الله سبحانه لا يجوز أن يأمر الكافر به # بأن يفعل طاعة لوجهه، من أداء جزية أو صدقة أو بر أو شيء من القرب مع # المقام على الكفر به والجحد له ولرسله، لأنه لا يجوز وقوع طاعة من الكافر # يصح أن يراد الله بها، وأن لا يراد بفعلها من المقام على الجهل، والكافر # كذلك عندنا غيز مأمور مع المقام على جهله بالله وكفره بشيء من القرب إلى # الله عز وجل، وكيف يؤمر بالقرب إلى الله سبحانه وفعل طاعته لوجهه من # يجحد الله ولا يعرفه؟ ! # واليهود وكل كافر بالله وجاحد لنبوة بعض أنبيائه غير عارف بالله ولا # إيمان فيه به على ما بيناه في غير هذا الكتاب، وإذا صح ذلك بطل أن يكون # الكافر مأمورا مع المقام على كفره بشيء من القرب إلى الله عز وجل، وإنما # يؤمر الكافر بفعل الطاعة والعبادات بشريطة، تقديمه فعل الإيمان بالله، ثم # التقرب إليه بفعل الطاعة له، وقد علم أن أهل الكتاب لو آمنوا بالله ms533 ~~وبرسوله لم يجب قتالهم وقتلهم ولم يلزمهم أداء الجزية إلينا، يكون بدلا من ~~قتلهم وقتالهم، لأن ذلك محظورا علينا إذا آمنوا بالله وبرسوله، فسقط بذلك ~~ما ظنوه من أمر الكافر بأداء الجزية. # PageV02P768 # وقد قال من خالف أهل الحق من القدرية: إن أهل الكتاب مأمورون # بأداء الجزية إذا أقاموا على كفرهم ولم يؤمنوا بالله وبرسوله، وأنهم لم # يؤمروا بأدائها ليمتنعوا بها من الإيمان، ولكن يمتنعون به من قتلهم ~~وقتالهم. # قالوا: وهم مطيعون لله بهذا الفعل وببر الوالدين وكثير من القرب، غير # أنهم غير مثابين على فعل هذه الطاعات في الآخرة لامتناعهم من الإيمان # الذي بفعله يصلون إلى ثواب أعمالهم، وذلك معرض لهم لو أرادوا # الوصول إليه بأن يؤمنوا ليصلوا بذلك إلى ثواب طاعاتهم، فقدر أصحاب # هذا الجواب على أنهم مأمورون بأداء الجزية وغير ذلك مما إذا فعلوه كانوا # مطيعين به، غير أنهم ليسوا بمثابين على طاعاتهم، فلا سؤال لهم عليه من # حيث طعنوا. # ولكن يجب البيان للقدرية بأنهم مخبطون في قولهم على أصولهم # الفاسدة بأنهم مأمورون بما لا ثواب لهم عليه، لأن ذلك جور على # أصولهم، لأن الأمر بالطاعة والعبادة أمر بإدخال ضرر على النفس وألم وكد # مع المقام على الجحد، فإن كان لا ثواب عليه وفي تركه عقاب، فكان # الكافر والفاسق المصر عندهم مأمورين بفعل الطاعة لله مع المقام على الكفر # والفسق، ومعروف أنهم غير مثابين على الضرر الداخل عليهم بفعل العبادة # إذا فعلوها، وإن عليهم في ترك ذلك عقابا فهذا عندهم نفس الظلم # والعدوان، والقول بجواز إدخال ألم وضرر على المكلف، لا نفع له فيه في # عاجل ولا آجل، ولا هو مستحق ولا مقصود به النفع، وهذا عندهم حد # الظلم وحقيقته، فكأن الكافر والفاسق إنما يجب أن يطيعا الله عز وجل خوفا # من عقابه فقط، لا لرجاء ثوابه، وليس بعادل ولا حكيم عندهم المطاع الذي # هذه صفته، فهذا نقض لأصولهم بين. # PageV02P769 # فأما نحن فإننا مأمورون لا محالة بأخذ الجزية من أهل الكتاب بما # أقاموا، على كفرهم ومطيعون بذلك، لأنه ms534 مأخوذ علينا ذلك فيهم، سواء # امتنعوا من أدائها إلينا من الإيمان، أو من قتلنا لهم والقتال، ولو قال ~~لنا # سبحانه صريحا خذوا الجزية ممن يمتنع بأخذكم لها من الإيمان بي، لوجب # أن نكون بأخذها طائعين، وإن كانوا هم بالمقام على أدائها والامتناع من # الإيمان عاصين، كما نكون نحن طائعين بطاعة الإمام إذا أمرنا بتنفيذ حكم # يقول لنا قد علمت وجوبه، أو قامت البينة عندي به، وأنتم لا تعرفونها. # وإن كان هو عاصيا بالأمر بإنفاذ الحكم إذا علم من جرح الشهود ما لم # يعلمه، وكان غير عالم بما ادعى العلم به، وكما يجب على المستفتي قبول # قول المفتي، وإن كان المفتي له عاصيا بفتواه له بغير دين الله، وإن لم ~~يفعل # ذلك العامي، وإذا كان ذلك كذلك لم يستحيل أن يكون فعل الشيء من # غير المكلف معصية، ويكون اتباعه عليه والانقياد له منا طاعة وبطل بذلك # كل ما قالوه في هذا الفصل. # فأما قوله عز وجل في صفة أهل الكتاب بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم # الآخر، فإنه صحيح على أصول أهل الحق خاصة، لأنهم كفار بالله، والكافر ~~بالله غير مؤمن به من وجه، وقول الله بأنهم غير مؤمنين أصدق من إخبارهم عن ~~أنفسهم بأنهم مؤمنين بالله، ولو علم أنهم مؤمنون به لما قال إنهم # كافرون به، لأن ذلك تحيف لهم، ووصف بغير صفتهم، ولم يقل إن # الجاحد لنبوة الرسل يجب كونه كافرا بالله وغير مؤمن به، لأجل إيجاب # العقل ليضمن الجهل بالنبوة لعدم العلم بالله، والإقرار بوجوده وقدمه # وربوبيته، لكن لأجل ورود السمع بأن جاحدها كافر بالله، فصار جحد النبوة ~~أحد الأعلام والأدلة على كفر الجاحد لها بالله، وبمثابة كون دخول الدار # PageV02P770 # علامة على الكفر والإيمان إذا قال الرسول لا يدخل هذه الدار إلا مؤمن ~~بالله # وبرسوله، أو كافر بالله وبرسوله، لا لأجل تضمن الأكوان التي هي دخول # الدار لوجود الإيمان بالله أو الكفر به على ما بيناه في غير أهل الكتاب، ~~وكل # مخبر من أهل الكتاب المظهر لليهودية وغيرها ms535 من الملل، إما أن يكون # جاحدا بقلبه ومظهرا بلسانه ما ليس فيه أو يكون مخبرا عن اعتقاد موطن # لوجود الباري وقدمه وتوحيده، وتقليد منه في ذلك، وهو يظنه علما. # فيكون لذلك جاهلا بالله وغير مؤمن به، وإذا كان ذلك كذلك بطل قولهم إن ~~اليهودي مؤمن بالله واليوم الآخر، هذا جوابنا. # وقد أجاب قوم عن ذلك بأن قالوا إنما أراد بقوله في صفة اليهود وأهل # الكتاب بعد قوله: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم ~~هذا) ، بأنهم لا يؤمنون بالله أن أفعالهم، أفعال من لا يؤمن بالله ويضاهون ~~أفعالهم وطرائقهم، فيكون ذلك على طريقة التشبيه لهم بمن لا يؤمن بالله، لا ~~على نفي الإيمان عنهم على التحقيق، كما يقول # القائل: هذا الظالم الجبار لا يؤمن بالله، أي: فعله وطريقته فعل من لا ~~يؤمن # بالله على مذهب التشبيه. # وأجاب آخرون عن ذلك بأنهم قالوا: إنما عنى بقوله: (قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله) الذين ابتدأ بذكرهم في قوله: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا) ، فقال: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين ~~أوتوا الكتاب) ، فحذف تكرار لفظة الذين، وقد يكرر هذا اللفظ تارة ويستثقل ~~تكراره أخرى، ويقتصر على ذكره دفعة واحدة على وجه الحذف والاختصار. # وإذا كان ذلك كذلك بطل ما تعلقوا به في هذه الآية من جميع الوجوه. # PageV02P771 # قالوا: ومن الإحالة الواردة في القرآن في صفة اليهود قوله عز وجل: # (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله) . # قالوا: واليهود جميعا تنكر ذلك، وقد علم أن هذا ليس من دينها. # فيقال لهم: صيغة الظاهر لا توجب استغراق جميع اليهود، وقولهم # كلهم بذلك وتناوله لمن مضى منهم ومن في الحال، ومن هو آت بل هو # قول محتمل للخصوص والعموم، وظاهره أيضا مفيد لفعل ماض من قوم # قالوا ذلك وسلفوا من اليهود، وليس يخبر عمن يأتي بعد النبي عليه السلام # من أهل عصرنا ms536 وغيرهم من أهل الأعصار، وإذا كان ذلك كذلك وكان الله # عز وجل أصدق منهم وكان المؤدي لهذا القول عنه من قامت الحجة القاهرة # بثبوت نبوته، وجب حمل الآية على أن طائفة منهم ممن سلف قال ذلك # واعتقده، أو رئيس من رؤسائهم وداع من دعاتهم، وقد ورد في الآثار عن # بعض السلف أن الذي قال ذلك واحد منهم، هو المسمى فنحاص، ويجوز # أن يكون هو الذي ابتدأ القول بذلك واتبعه عليه قوم منهم فقال: وقالت # اليهود، وهو يريد البعض منهم، إما رئيس منهم أو طائفة منهم، وإذا كان # ذلك كذلك بطل ما تعلقوا به. # وأما قوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) . # فإنما أراد - وهو أعلم - أنهم كانوا يجدون فيه تنافيا وتناقضا # كثيرا لا معنى له، ولا يسوغ ويجوز استعمال مثله في اللغة العربية ولو وجد # نظمه مختلفا متنافيا من ضروب من أوزان كلام العرب، لا يخرج عما # يعرفونه ولوجدوا فيه الثقيل الجزل الرصين، والخفيف المستغث السخيف. # كما يوجد ذلك أجمع في كلام جميع العرب من أهل النظم والنثر. # PageV02P772 # ولم يجدوه على حد واحد ونمط غير مختلف ولا متزايد في جزالة اللقظ. # وحسن النظم والفصاحة، والبراعة الخارقة للعادة. # ولم يعن بقوله: (لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) اختلاف قراءته واختلافا # في تأويله وأحكامه الغامضة، فكيف يريد ذلك وهو تعالى قد أنزل القرآن # على سبعة أحرف كلها شاف كاف، وقد تظاهرت الأخبار بذلك عن الرسول عليه ~~السلام وأنه أقرأهم قراءات مختلفة وصوبهم، فلم يقل له قائل منهم هذا اختلاف ~~في التنزيل. # ولو كان الأمر على ما ادعوه لم يذهب ذلك على الصحابة، ولم يجز # في مستقر العادة إضرابهم عن ذكر هذه الموافقة، وكذلك لا يجوز أن يكون # على اختلافه في الأحكام والتأويل، لأن ذلك لا يجعل القرآن نفسه مختلفا. # والله قال: (لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) ، والاختلاف في تأويله غير ~~الاختلاف # في تنزيله ولا خلاف بين أهل اللغة أن التناقض والكذب يسمى مختلفا # وخلفا من القول، ولذلك يقولون فيمن اعتقدوا ms537 فيه الكذب حديثه مختلف. # وقد اختلفت روايته وقوله في هذا، وهذا خلف من الكلام، والله تعالى إنما # نفى عن كلامه هذا الاختلاف لأن ذلك يوجب أن يكون نفس كلامه # مختلفا، وليس الاختلاف في تأويل كلامه اختلافا فيه، لأن الله تعالى قد # نصب الأدلة القاطعة على مراده بالمحتمل، إما ببيانه في آية أخرى أو سنة # ثابتة أو إجماع من الأمة، أو دليل عقل وخبر جل ثناؤه فيما احتمل أمورا # كثيرة من الأحكام الشرعية نحو قوله: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء) ، وقوله: (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) ، وقوله: (أو لامستم ~~النساء) ، وأمثال ذلك. # PageV02P773 # وليس يجب إذا اختلف العلماء في ذلك وخيروا فيه، إذا استوت عندهم # التأويلات، وخيرت العامة في استفتاء من شاؤوا منهم أن يكون ذلك مصيرا # لكتابه مختلفا، كما أنه لا يجب إذا خير العلماء والعامة في الكفارات ~~الثلاثة # أن يصير حكمه مختلفا، فإذا كان ذلك كذلك ثبت أن التأويل في نفي # الاختلاف ما قلناه دون ما ظنوه. # وقد يمكن أيضا أن يكون تعالى عنى بقوله: (لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) ~~عاريا من دليل قائم على صحيح ما اختلف فيه من فاسده، حتى # يصير لعروه من ذلك مشكلا ملبسا لا سبيل إلى معرفة المراد بتأويله والقصد # به، ولم يرد نفي الاختلاف الذي قام الدليل على صحة صحيحه وبطلان # فاسده، فإذا كان ذلك كذلك زال ما تعلقوا به. # فأما قوله تعالى: (ترميهم بحجارة من سجيل) ، (لنرسل عليهم حجارة من طين) ~~، وقوله: (قواريرا (15) قوارير من فضة قدروها تقديرا (16) . # فإننا قد أبنا الجواب عنه والمراد به فيما سلف بما يغني عن رده. # فأما قوله تعالى: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون ~~الكتاب من قبلك) ، مع قوله: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون) ، ~~والخطاب له عند كافة أهل التأويل، والمراد به أمته، وهذا مما يسوغ ويجوز في ~~اللغة، ومثله قوله: (لئن أشركت ليحبطن عملك) ، الخطاب له والمقصود به غيره، ~~على أنه قد يجوز أن يقول القائل لغيره في الأمر ms538 الذي يعلم أنه يحقه ويعرفه # PageV02P774 # يقينا فإن كنت في شك مما قد أخبرتك به وريب مما قلته فسل فلانا، وسل # غيري، وإنما يورد ذلك على وجه التأكيد والتثبيت للعارف بما يقوله، لا على ~~أنه في الحقيقة شاك مرتاب في خبره، وكذلك قد يهدد المرء من يعلم أنه لا ~~يخالفه ولا يعصيه ويقول له: إن عصيتني عاقبتك، إذا علم أن ذلك لطف له في ~~التمسك بطاعته والانزجار عن معصيته وإذا علم أن سامعي توعده يصلحون ويرهبون ~~سماع ذلك الوعيد، وإذا كان ذلك كذلك زال تعلقهم بالآية. # وأما قوله تعالى: (تبيانا لكل شيء) ، و (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ، ~~وقوله: (هذا بيان للناس) ، فلا منافاة بينه وبين قوله: (هو الذي أنزل عليك ~~الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم ~~زيغ فيتبعون ما تشابه منه) ، لأمور: # أحدها: أنه يمكن أن يكون المراد بقوله تبيانا لكل شيء، وهذا بيان # للناس على قول من وقف على قوله: (وما يعلم تأويله إلا الله) . # وجعل قوله: (والراسخون في العلم) ، واو استئناف، أنه سبحانه ما # فرط فيه من شيء فرض على المكلفين علمه والعمل به والمصير إلى موجبه. # وجعلهم في حرج ومأثم في الجهل به، أو رعاهم وندبهم على سبيل القصد # إلى معرفته، وكذلك قوله: (تبيانا لكل شيء) و (بيان للناس) ، إنما أراد به # أنه لما ألزموه وكلفوه وأخذوا بمعرفته، ولم يرد تعالى أنه بيان لما لا ~~نهاية له # من معلوماته على وجه التفصيل، ولا أنه بيان لجميع ما تعبد به من شرائع # من سلف من النبيين ومشتمل على شرح جميع سنن المتقدمين وأقاصيص # الأولين. # ولذلك قال: (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك) ، ولا ~~أراد أنه بيان لتأويل ما لا يعلم تاويله إلا الله # PageV02P775 # وحده، وبمعنى قوله: (كهيعص) ، وغير ذلك من الحروف # المقطعة - في أوائل السور وغيرها من الكلمات التي لا يعلم معناها إلا ~~الله # تعالى على قول من وقف عند قوله: (وما يعلم تأويله إلا الله) ms539 قالوا: لأن # القرآن خاص وعام، وكذلك قوله: (تبيانا لكل شيء) ، و (ما فرطنا في الكتاب ~~من شيء) ، مخصوص فيما ألزم الناس معرفته دون ما أسقط الله عنهم فرض العمل ~~به من المتشابه وهو بمثابة قوله: (خالق كل شيء) . # و (يجبى إليه ثمرات كل شيء) ، (وأوتيت من كل شيء) ، و (تدمر كل شيء) . # وكل ذلك على الخصوص، وإن كان واردا بلفظ العموم، وإذا ثبت هذا بطل ما ~~تعلقوا به. # فأما نحن وكثير من أماثل أهل العلم، فإتنا لا نعتقد أن للعموم صيغة # تثبت له، ونقول إنه يجب التوقيف والتثبت في قوله: (تبيانا لكل شيء) ، و ~~(ما فرطنا في الكتاب من شيء) ، وهل أراد به الخصوص أو العموم، لأنه # عندنا كلام محتمل للأمرين جميعا فلا مطالبة لهم علينا، والذي نختاره # ونذهب إليه في تأويل قوله: (وأخر متشابهات) أنه ما اشتبه ظاهره، واحتمل # تأويلات كثيرة مختلفة، واحتيج في معرفة المراد به إلى فحص وتأمل، ورد # له إلى ظاهر آخر ودليل عقل وما يقوم مقام ذلك، مما يكشف المراد به. # وإن ذلك مما يعلم الله تأويله، ويعلمه أيضا الراسخون في العلم، وأن الله # سبحانه لم ينزل من كتابه شيئا لا يعرف تأويله، ولا طريق للعرب الذين أنزل # عليهم، ولا لهم سبيل إلى العلم به، ولا يجوز أن يكلمهم بما هو سبيله مع # قوله: (إنا جعلناه قرآنا عربيا) ، وقوله: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه) ، وقوله: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) ، في ~~نظائر هذه الآيات الدالة على # PageV02P776 # أنه نزل بلسان العرب، وما تعرفه وتعقله في عادة خطابها، ولا نقول بالوقف # على قوله: (إلا الله) بل الواو عندنا في قوله: (والراسخون في العلم) واو ~~نسق وعطف، وأن جميع ما روي عن بعض المفسرين وأهل اللغة أنه لا يعرف له ~~تأويلا، فإنه معروف المعنى والتأويل عند غيره، ومما قد كشف الله سبحانه # عن المراد بواضح أدلته، وبين براهينه، وإذا كان ذلك كذلك بطل توهمهم # أن الله سبحانه قد أنزل في كتابه ما ms540 لا يعرفه أهل اللغة ولا طريق للخلق # جميعا إلى معرفة المراد به. # فإن قالوا: فلا معنى على هذا التأويل لقوله: (وأخر متشابهات) ، لأن ما # قد أوضح الدليل على المراد به وعرف به معناه فليس بمتشابه. # قيل لهم: ليس الأمر على ما ظننتم لأن ما عرف بالدليل إذا كان ظاهره # محتملا لتأويلات مختلفة، فهو مشتبه على من أهمل وصدف بنفسه عن # صحيح النظر، وعلى من نظر واجتهد إلى أن يعلم ويعرف المراد به، وتزول # الشبهة والريب عن قلبه،، وهو أيضا مشتبة على من ارتد عن دينه، واعتقد ~~الجهل وصحة الشبهات بعد معرفته وصحيح نظره، لأنه إذا لم يكن طريق معرفة ~~المراد بالمتشابه الضرورات ودرك الحواس وتركيب الطباع والعادات، ولا صيغة ~~للكلام بظاهره، جاز أن يلحق الناس فيه ما وصفناه، وكلما كان الشيء المقصود ~~بالآية ألطف وأغمض، كانت معرفته أصعب وأبعد، وكان الاشتباه فيه أكثر، وكلما ~~قرب كان أجلى وأظهر، ولو كان كل قول إلى معرفةالمراد به سبيلا وطريقا غير ~~متشابه، لم يجز على هذا أن، يكون في كلام البلغاء والشعراء أو الخطباء ~~والعرب العاربة شيء متشابه، ولوجب أن تكون الخاصة والعامة في منزلة ~~متساوية، وطبقة واحدة، من معرفة اللغة، وإثبات المعاني، وغامض الإعراب، ~~ومعرفة غريب الشعر والحديث، # PageV02P777 # وكلام الفصحاء ونوادر اللغة، إذا لم يكن في ذلك شيء مشتبه، وهذا جهل ممن ~~صار إليه وحمل نفسه عليه. # وإذا كان الأمر على ما وصفناه وكان كل ما ذكرنا حاله من غريب الكلام # ومشكل الألفاظ متشابها على من لم يعرفه، وعلى من عرفه قبل تحققه، وعلى # من جهله وشك فيه بعد العلم به، وإن كان الدليل على المراد به قائما # منصوبا معرضا لمن طلبه سقط ما قالوه، ووجب أن يكون ما هذه سبيله من # كلام الله سبحانه متشابها وإن كان الدليل على المراد به منصوبا لائحا. # فإن قالوا: أفليس قد قال كثير من أهل التفسير إن الوقف واجمث على # قوله (إلا الله) وأنكروا ما قلتموه. # قيل لهم: أجل، فقد غلط ووهم من قال ذلك ms541 لأنهم لم يرووه عن الله # تعالى ولا عن رسوله، وإنما صاروا إلى ذلك بتأويلهم واجتهادهم وهم غير # معصومين من الزلل. # فإن قالوا: فقد يجوز عندكم أن تكون الواو في قوله: (والراسخون في العلم) ~~واو استئناف لوصف المؤمنين بأنهم يؤمنون به، ويسلمونه من غير # معرفة بالمراد به، ويجوز أن تكون واو نسق واشتراك في الصفة. # قيل لهم: يجوز ذلك عندنا وعند سائر أهل اللغة وصحة الاستعمال. # غير أن الله تعالى ورسوله عليه السلام قد دلا بما قدمنا ذكره عن الآي على # أن الله سبحانه أنزل القرآن بلسان العرب، وما تجد وتعتقد في خطابها. # فلذلك جعلنا الواو ها هنا واو نسق واشتراك. # فإن قالوا: كيف يسوغ لكم جعل الواو واو نسق، وأنتم إذا فعلتم ذلك # قطعتم ((والراسخون في العلم)) عن أن يقولوا آمنا به، لأنه ليس في الكلام # PageV02P778 # واو نسق توجب للراسخين فعلين، ولو كان التأويل على ما ذكرتم لكان من حقه ~~أن يقول: وما يعلم تاويله إلا الله والراسخون في العلم، ويقولون آمنا به ~~حتى يوجب لهم الواو الأول نسقهم على الله سبحانه والواو الثاني قولهم: # آمنا به كل من عند ربنا، وإذا لم يفعل ذلك بطل ما قلتموه. # يقال لهم: لا يجب ما طالبتم به لأن أهل اللغة قالوا: إن يقولون ها هنا # في معنى الحال واسم الحال، وبمثابة قوله لو قال والراسخون في العلم # قائلون آمنا به لأنهم يحلون الفعل المضارع محل الاسم من وجوه: # أحدها: إنك تقول مررت برجل يأكل، ويقوم ويقول، فيحله محل # قولك مررت برجل قائم، وقائل هذا - زعموا - أحد وجوه المضارعة بين # الاسم والفعل، ويوضح ذلك ويبينه أنهم يقولون: لا يأتيك إلا عبد الله زيد # يقول: أنا مسرور بزيارتك، يعنون لا يأتيك إلا عبد الله زيد قائلا أنا ~~مسرور # بزيارتك، فجعلوا يقول بمنزلة قولهم: قائل مسرور. # قال الحميدي يرثي رجلا في قصيدة أولها: # أصرمت حبلك من أمامة بعد أيام برامه ... الريح تبكي شجوه والبرق يلمع في ~~غمامه # يعني بذلك البرق لامعا في غمامة تبكي شجوه ms542 أيضا، لأنه لو لم يرد أن # البرق يبكي شجوه، كما أن الريح تبكي شجوه لكان هاذيا، ولكان قوله: # والبرق يلمع في غمامة كلاما متقطعا أجنبيا مما قاله، ولم يكن لذكر لمعان # البرق معنى، لأنه لا تعلق بين لمعان البرق وبكاء الريح شجوا من بكائه # وكأنه رجل، قال: والريح تبكي شجوه وزيد راكب أتانته، وأي تعلق بين # بكاء الريح وركوب زيد، فدل ذلك على أنه أراد بقوله: والبرق يلمع في # PageV02P779 # غمامة أنه لامع في غمامة تبكي أيضا شجوه ولم يحتج أن يقول الريح تبكي # شجوه والبرق يلمع في غمامه، وإذا كان ذلك كذلك بطلت هذه الشبهة. # وصح أن التأويل على ما وصفناه. # وقد اختلف الناس في معنى وصف الخطاب بأنه متشابة ومحكم، فأما # معنى وصفه بأنه محكم فإنه منصرف إلى معنين: # أحدهما أن يكون ظاهرا مبينا عن المراد بنفسه وظاهره، نحو قوله: # (محمد رسول الله) ، (يا أيها النبي) ، (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم) ، ~~(ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة) ، ونحو ذلك. # وقد يوصف أنه محكم على معنى إحكام النظم والتأليف، وتضمنه # للمعنى الصحيح من غير اختلاف ولا تناقض ولا غيره من معنى يصح أن # يقصد بالخطاب إليه، وكذلك صار غريب حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وصحابته، ومشكل كلامهم وكلام البلغاء من الشعراء والخطباء والمترسلين ~~محكما، وإن كان غامضا يحتاج إلى تفسيير وتأويل. # فأما معنى وصف الخطاب بأنه متشابه، فقد اختلف فيه، فقال قائلون: # المتشابه هو المنسوخ من الآية، وأن المحكم هو الناسخ، وقال آخرون: # المتشابه هو مثل قوله: (الم، الر، كهيعص، طسم، حم، عسق) # ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وما عدا ذلك فهو محكم # بأسره. # وقال قائلون: المحكم الذي يعرف المراد به من نفس ظاهره من غير # تأويل ولا نظر واجتهاد ورد له إلى غيره، والمتشابه: ما كان المراد به في # تأويله دون لفظه، والمحكم تأويله هو تنزيله من غير صرف له عن ظاهره # وتطلب لمعناه، وقال آخرون: المتشابه ما اشتبه لفظه واختلف معناه. # PageV02P780 # والذي نختاره في ms543 ذلك أن المتشابه هو كل ما أشكل والتبس المراد به # واحتيج في معرفة معناه إلى طلب التأويل، وسواء كان مشتبه اللفظ وإن # اختلف معناه، أو كان لفظا غير مشبه للفظ آخر، غير أن المراد به لا يعرف # ولا يوصل إليه من نفس ظاهره وفحواه ولحنه، ولكن بالتأمل والاستخراج. # وإنما سمي ما هذه سبيله متشابها لاشتباه معناه واختلاطه والتباسه بغيره ~~عند # من لم يعرفه ولم يوف النظر حقه. # وأصل المتشابه في الكلام أن يشبه اللفظ اللفظ في صيغته وصورته. # وإن اختلف معناهما، ومنه قوله: (تشابهت قلوبهم) ، أي: أشبه بعضها بعضا في ~~الكفر والإصرار والعتو، ومنه قوله تعالى في ثمر الجنة: (وأتوا به متشابها) ~~، يعني في الصورة واللون والهيئة، وإن اختلفت الروائح والطعوم، ومنه قولهم: ~~أشبه زيد عمرا في خلقته وحسن هديه وطرائقه، وقولهم: اشتبه علي الأمر إذا ~~ألبس بغيره، ومنه سميت الشبهة المصورة للباطل بصورة الحق شبهة، ومنه سمي ~~نصار الباطل، وأصحاب الحيل والنارنجيان أصحاب الشبه، هذا أصل التشابه في ~~اللغة، وقد يكون المشتبه من كتاب الله مشتبها بأن يتفق لفظه وصورته ويختلف ~~معناه، وقد يكون بأن يغمض ويدق ويخفى معناه، فلا بد من تبيين الإمعان ~~بالنظر، والبحث عنه، وليس فيه إلا ما قد عرف أهل العلم تأويله. # والمراد بحجته ودليله وليس في أهل التأويل من قال: إني لا أعرف معنى # هذه الكلمة والآية منه، بل قد فسروا سائره وبينوه وكشفوا عنه، وكل ما # يروى عن أحد منهم من السلف، ومن بعدهم أنه لا يعرف معنى شيء منه. # فإنه لا معتبر به، لأنه خبر واحد ويجب صرفه إلى أنه قد عرفه وفسره بعد أن # كان لا يعرفه، أو إلى أنه هو وحده لا يعرف ذلك دون رسول الله وصحابته، # PageV02P781 # والراسخون في العلم، وليس يحفظ عن أحد منهم أنه قال: لست أعرف # معنى هذه الكلمة ولا رسول الله، ولا أحد من علماء الأمة، وإذا كان ذلك # كذلك بطل شغبهم وزال توهمهم. # فأما قوله: (الم @، (الر، (حم) ، (عسق، (كهيعص) . # ونحوه من الحروف المقطعة ms544 في أوائل السور، فقد اختلف الناس في # تأويلها، فقال بعضهم: إنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله # سبحانه، وهذا باطل بما قدمناه من قبل، ومن قال إن معناه معروف عند أهل # العلم في ذلك أقاويل. # فقال بعضهم: هي أسماء السور وبمثابة الأسماء الأعلام الموضوعة # للأشخاص. # وقال آخرون: إنها أقسام أقسم الله بها لأجل تضمنها لأجل ما # سنصفه بعد ذكر الخلاف. # وقال آخرون: هي حروف مأخوذة من أسماء الله تعالى وصفاته، وكل حرف منها ~~كناية عن اسم هو منه. # وقال بعض من تكلم في هذا الباب: هذه الحروف كناية عن حساب # كحساب الجمل، وأن كل حرف منها لقدر من عدد سني بقاء أمة محمد # صلى الله عليه، وقال آخرون: معنى التكلم بها وجعلها في أوائل السور # أن قوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانوا يلغون في القرآن ولا يسمعون ~~له ويصدون عن سماعه وفهمه قصدا للطعن فيه والصدف عنه، فأراد الله أن يبدأهم ~~بهذه الحروف المقطعة، ليفرغوا لذلك ويصغوا إليه ويستكثروه ويطمعوا في أن ~~يقول بعضهم لبعض اسمعوا ما يقوله ويهذي به، وإذا نصتوا له أقبل عليهم ~~بالقرآن ووالى حكم الكلام وفصيح الخطاب بعد ما صرفهم بالحروف المقطعة عن ~~اللغو والإعراض. # PageV02P782 # وقال آخرون: إنه لا معنى لهذه الحروف أكثر من ابتداء الكلام بها # وتقديمها أمامه، لأن ذلك من شأن العرب وعادتهم عند التكلم، لأنها تبدأ # بالحرف والحرفين، فيقول القائل منهم: ألا إني ذاهب، إلى قائل لفلان كذا # وكذا. # هذه جملة ما يعلم أنه قيل في تأويلها، وليس يخرج عن أن يكون بعض # ما قيل في ذلك. # فأما من قال: إنها أسماء أعلام السور التي هي في أولها، فليس ببعيد # لأن صاد وقاف ونون قد صارت أسماء أعلام لهذه السور كزيد وعمرو، لأنه # قد علم من قول القائل: إني قرأت صاد أنه قرأ السورة إلى آخرها، التي هذه ~~الحروف في أولها، ويجب على هذا أن يقال إن الله سبحانه قد أحدث في # الشريعة أسماء لهذه السور لم تكن من قبل ms545 أسماء لشيء في اللغة، وليس # هذا من تغيير الأسماء اللغوية في شيء، لأن تغيير الاسم عن وضع اللغة إنما # هو نقله إلى غير ما وضع له، وهذه الحروف لم تكن في اللغة أسماء # لأشياء، ثم صارت أسماء في الشريعة لغيرها، فلم يكن لذلك تغيير اللغة. # وعلى أن في الناس من أجاز تغيير الأسماء اللغوية، ووضعها في الشريعة # لإفادة ما لم تكن مفيدة في اللغة، ولا سؤال عليهم في ذلك. # فإن قيل: أو ليس قد وقع بعض هذه الحروف مشتركا نحو حم اللتين # هما في أوائل الحواميم السبعة، فكيف يجوز أن تكون أعلاما؟ # قيل لهم: إذا اتفق ذلك ضم إليها شيء تصير مع ذكره مميزة لما بقي # له، فيقال: قرأت حم السجدة، وحم المؤمن، وحم الأحقاف، وذلك بمثابة ~~الأسماء المشتركة التي تكون أعلاما مميزة مع ضمها إلى نعوت أصحابها # وصفاتهم وغير ذلك. # PageV02P783 # فأما من قال: معناها أنها أقسام أقسم الله سبحانه بها فإنه أيضا غير # بعيد، ووجه القسم بها أمران: # أحدهما: تعظيم هذه الحروف وتفخيم شأنها، وإنما عظمها بالقسم # لأنها مبادىء كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة ومبادىء أسمائه الحسنى ~~وصفاته # العلى، وأصول كلام الأمم التي بها يتفاهمون ويتخاطبون ويوحدون الله # سبحانه، ويسبحونه، وموقع الانتفاع بها عظيم خطير، والجهل بها ضرر # عظيم، فكأنه أراد بهذا التأويل ب حم عسق، أي وحروف المعجم لهو الكتاب لا ~~ريب فيه، وحروف المعجم لهو كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، والعرب ~~قد تكني عن جميع الشيء بكلمة منه وتذكر بعضه، فيقول القائل: قرأت البقرة ~~والحمد، وأنشدت قفا نبك، يريد بذلك جميع السور والقصيدة، كما يقول القائل: ~~تعلمت أب ت ث يريد جميع المعجم لا هذه الأربعة أحرف فقط. # قال الشاعر: # لما رأيت أمرها في حطي ... وأزمعت في لددي ولطي # أخذت منها بفروق شمط # ولم يرد حطي فقط، وإنما كنا بذكر حطي عن أبي جاب التي منها حطي. # لأنه قصد بذلك التمثيل لعودها إلى أول ما تكرهه، كتبدي الصبي بتعلم أبي # جاد. # فأما قول من ms546 قال: إنها مأخوذة من أسماء الله وصفاته وكناية بكل حرف # عن الاسم الذي هو فيه فليس بمستنكر أيضا، # PageV02P784 # وقد روي عن عبد الله بن عباس: "أنه قال في كهيعص: إن الكاف من كاف والهاء ~~من هاد والياء من حكيم والعين من عليم والصاد من صادق ". # والعرب تستعمل الترخيم في كلامها، ويكنى ببعض حروف الاسم # والفعل عن جميعها فيقولون: يا حار يريدون يا حارث، ويا صاح يريدون # يا صاحب، ويقولون عم صباحا أي: أنعم صباحا، وقال بعض القراء: # "ونادوا يا مال ليقض علينا ربك "، يعني: يا مالك، فرخم. # قالوا: والعرب تقول أمسك فلان عن فل يعنون عن فلان، وأنشدوا قول الشاعر: # فواطبا مكة من ورق الحمى # يعني الحمام. # وقال آخر: # فقلت لها قفي فقالت قاف # أي وقفت وأومأت بالقاف عن اسم الوقوف، وهذا في كلامهم أكثر من # أن يحصى، وإذا جاز ذلك وساغ في اللسان جاز أن يكنى الله تعالى بكل # حرف من هذه الحروف عن اسم من أسمائه هو من جملته على وجه الحذف # والاختصار، فكأنه قال: الكافي الهادي الحكيم العليم الصادق الذي أنزل # عليك الكتاب، وقد يجوز أن يكون أقسم بالأسماء والصفات التي هذه # الحروف منها، فكأنه قال: والعليم الحكيم وصاحب هذه الأسماء، لقد # " أنزل عليك الكتاب. # PageV02P785 # فأما قول من قال: إنها حروف وضعت لحساب قدر بقاء الأمة فقد # يجوز ذلك إذا أطلع الله نبيه عليه، أو بعض ملائكته بأن يعرفه أن كل حرف # منها لقدر من السنين كما قيل: ألف واحد وياء اثنين، وكذلك في سائر # حروف الجمل. # فأما قول من قال: إنها ابتدئت في أوائل السور ليروعهم سماعها # وتنصرف هممهم إلى الإصغاء إليها، فليس ببعيد أيضا، لأنه يمكن أن يقصد # ذلك، ولكن لا بد لها من معنى هو القسم بها أو بأسماء الله التي هي من # جملتها أو توقيف على وضعها بحساب السنين، وإلا عريت من فائدة. # وليس يجوز أن يلهيهم عن لغوهم وصدفهم عن سماع القرآن بأصوات وأمور # لامعنى لها. # وإذا كان الأمر في تأويل هذه ms547 الأحرف على ما وصفناه زال وبطل # تعلقهم بها وقولهم إنه لا يعرف معناها ولا وجه للخطاب بها وثبت بذلك أن # جميع ما أنزله الله من محكم ومتشابه معلوم معروف المعنى. # وقوله تعالى: (وفاكهة وأبا) ، إنما أراد به الحشيش لأن (أبا) # اسم الحشيش على ما ذكر، وليس من شيء ذكره الله تعالى إلا ومعناه # معروف وإليه سبيل، وإن جهله أهل التفسير ومن لا إغراق له في البحث # والتأمل. # فإن قالوا: فما الذي أراد بإنزال المتشابه، قيل لهم: أراد بذلك امتحان # عباده واختبارهم وتفضيل الذين أوتوا العلم درجات، وأن ينفع بذلك من # يعلم قوة يقينه واستبصاره بمعرفة المتشابه وأن يضل به ويضر من علم أنه # يصدف عن تأويله ويلحد فيه ويستبصر ويعمي عند إنزاله بصيرته ويصير # PageV02P786 # طريقا وسبيلا إلى تعلقه به، وإيثار الفتنة به وسوء التأويل فيه، كما ~~وصفهم # بذلك في ظاهر التنزيل، فلا سؤال علينا في ذلك ولا مطعن. # قالوا: ومما يدل أيضا على وقوع الخلل والتخليط في القرآن ما نجده # فيها من الحشو للكلام الذي لا معنى له نحو ما فيه من قوله: (يقولون ~~بأفواههم ما ليس في قلوبهم) ، والقول لا يكون إلا بالفم. # وقوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) ، والكتابة لا تكون # إلا باليد، وقوله: (ولا طائر يطير بجناحيه) ، والطائر لا يطير إلا # بجناحيه، وقوله: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور) ، وقوله: (فخر عليهم السقف من فوقهم) ، والسقف # لا يخز إلا من فوقهم، وقوله: (فراغ عليهم ضربا باليمين) ، ولا معنى لذكر ~~اليمين دون الشمال، وقوله: (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك ~~عشرة كاملة) ، وأغبى الناس وأقلهم ذهنا وبصيرة يعلم أن # ثلاثة وسبعة عشرة، فلا معنى لهذا الكلام. # فيقال لهم: لا تعلق لكم في شيء مما ذكرتم لأمرين: # أحدهما: أن العرب قد تكرر وتريد اللفظة التي معناها معنى ما قبلها # للتوكيد، وتستجيز ذلك وتستحسنه في عادتها وصرف خطابها، ولذلك يقول القائل ~~منهم: رأي عيني وسمع أذني، وكلمته من فمي، وسمعته من فيه، على ms548 وجه التأكيد ~~للخبر، وكذلك قولهم: عجل عجل، وقم قم، فإذا ساغ ذلك وجاز تكرار الكلمة ~~لتوكيد، كان تكراره بلفظين مختلفين أحسن # وأولى، والله سبحانه إنما خاطب العرب على عادتها، والمألوف من # خطابها، فسقط بذلك ما قلتم. # والوجه الآخر: أن لكل شيء مما أوردتموه معنى زائدا صحيحا. # PageV02P787 # فأما قوله تعالى: (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) فإنما المراد به ~~أنهم قالوا ذلك بأنفسهم وأفواههم بغير إشارة ولا كتاب ولا مراسلة لأن ~~القائل قد يقول: قلت لزيد كذا وهو يعني أمرت من يقول له، وراسلته به، وكتبت ~~بذلك إليه، وأشرت إشارة ورمزت رمزا، قال الله تعالى: (آيتك ألا تكلم الناس ~~ثلاثة أيام إلا رمزا) . # وقال الشاعر: # وقالت له العينان سمعا وطاعة ... واحدرتا كالدر لما ينظم # وقال آخر: # وتخبرني العينان ما القلب كاتم ... فإذا قال له قلت له بفمي ولساني # زالت التأويلات. # وكذلك الجواب في قوله: (يكتبون الكتاب بأيديهم) لأنه أراد أنهم # تولوا خطه بأيديهم لا بواسطة وأمر منهم، وعلى وجه ما يقول القائل: كتب # رسول الله إلى النجاشي، وكتب الخليفة إلى فلان، أي أمر بالكتاب إليه. # فأما قوله تعالى: (ولا طائر يطير بجناحيه) ، فإنه أراد جنس الطيران دون # السرعة في الأمر والقصد لأن القائل من العرب قد يقول لمن يأمره طر # وأسرع في هذا الأمر، أي بادر، ويقول: طرت إلى فلان، أي أسرعت، فإذا قيل ~~طار الشيء بجناحيه انصرف إلى جنس الطيران بالجناح الذي هو الأصل الذي يشته ~~به السرعة في القصد والأمر. # فأما قوله: (ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) فإنما أورده تعالى على # مذهبهم في قولهم نفسي التي بين جنبى، ونفسه لا تكون إلا بين جنبيه. # فأما قوله تعالى: (فخر عليهم السقف من فوقهم) ، فهو لأن السقف قد # يخر عليهم من تحتهم إذا كانوا في الغرف، وقد يقول القائل: خر علي في # PageV02P788 # بيتي سقف، وإن كان تحته، وقد يخر عليهم السقف أيضا وإن لم يكونوا # تحته ولا فوقه، كما يقول القائل: خر علينا في الدار سقف، وإن لم يكونوا # تحته ms549 ولا فوقه، وإنما يقصد الإخبار عن سقوط السقف فقط في ملكه وداره. # أو قربه وجواره، فإذا قال: من فوقي أفاد أنه كان تحته. # وأما قوله تعالى: (فراغ عليهم ضربا باليمين) ، فإنما ذكر اليمين لأنه بها ~~وقع # دون الشمال، وقد يقع الضرب بالشمال كما يقع باليمين ولأن اليمين أكثر # قوة وأشد تمكنا وبطشا من الشمال. # قال الشماخ: # إذا ما راية رفعت ... لمجد تلقاها عرابة باليمين # أي أخذها بقوة وبطش وتبسط في الكرم. # وأما قوله تعالى: (تلك عشرة كاملة) ، ففيه وجوه: # أحدها: أن ذلك عادة العرب في كلامها وإكمالها للعدد الذي تفصله # قال الشاعر: # تجمعن من شتى ثلاث وأربع ... وواحد حتى كملن ثمانيا # PageV02P789 # وقال آخر: # ثلاث واثنتان فهن خمس ... وسادسة تميل إلى ثمان # ولم يستهجن هذا أحد في تخاطب أهل اللسان وعادتهم، وكذلك حكم # قوله: (تلك عشرة كاملة) ، وقوله تحالى: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ~~وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة) . # والوجه الآخر: أنه قال تلك عشرة كاملة، أخرج الواو هاهنا عن أن # تكون بمعنى التخيير وبمثابة قوله أو سبعة إذا رجعتم، كما قال: (مثنى ~~وثلاث ورباع) ، يعني أو ثلاث أو رباع، فكان يجوز أن يظن ظان أو السبعة في ~~الحضر بدل من صيام الثلاثة في السفر، وأنه للتخيير وبمعنى أو. # فرفع سبحانه جواز ذلك وقطعه بقوله تلك عشرة كاملة. # ويحتمل أيضا أن يكون إنما أراد تلك عشرة كاملة، ليدل بذلك أن # السبعة في الحضر هي أيام أيضا، لأنه لو قال فصيام ثلاثة أيام في الحج # وسبعة إذا رجعتم، وقال: أردت سبعة أشهر أو سبع سنين أو أسابيع لساغ # ذلك، فلما قال: تلك عشرة كاملة دل بذكر العشرة والكمال على أن السبعة ~~أيام، لا يحسن أن يقال ثلاثة أيام وسبع سنين، أو سبعة أرطال عشرة كاملة، ~~وإنما دخل ذكر التكميل في جنس المعدود. # ويحتمل أيضا قوله كاملة أنها كاملة الأجر والثواب، وإذا كان ذلك # كذلك سقط جميع ما يتعلقون به من هذا الجنس سقوطا بينا. # قالوا: ومما يدل أيضا على وقوع الفساد ms550 والتخليط من القوم في القرآن. # ودخول الخلل في الكتاب ما نجده فيه من الكلام المنقطع عن تمامه ونظامه # والمتصل بما ليس من معناه في شيء، نحو قوله في العنكبوت في قصة # PageV02P790 # إبراهيم عليه السلام ووعظه لقومه في قوله: (اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير ~~لكم إن كنتم تعلمون (16) إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن ~~الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق ~~واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون (17) . # ويجب أن يتصل بذلك: # (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار ~~إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) . # فقطعوا تمام القصة وبتروها ووصلوا بقوله (إليه ترجعون) قصة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وما يخرج عن قصة إبراهيم، وهو قوله: (وإن تكذبوا فقد كذب ~~أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين (18) أولم يروا كيف يبدئ ~~الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) قل سيروا في الأرض فانظروا ~~كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير (20) ~~يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) وما أنتم بمعجزين في الأرض ~~ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (22) والذين كفروا ~~بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم (23) . # ثم أتبعوا ذلك بقوله: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه) ~~، وهذا تمام قول إبراهيم لهم: (فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له ~~إليه ترجعون) ، وهذا - زعموا - تخليط ظاهر وبتر للكلام وقطع له عن صلته ~~وخلطه بما ليس منه بسبيل. # فيقال لهم: ليس الأمر في هذا على ما توهمتم، وذلك أن الله سبحانه # هو الذي رتبه كذلك، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على ما بيناه من قبل ~~وما سنوضحه فيما بعد، فأما ظنكم أن هذا بتر للكلام وإفساد له فإنه جهل ~~وذهاب عن معرفة فضل الفصاحة والقدرة على التصرف في الكلام، لأن أهل اللغة ~~يعدون ms551 هذا الباب من ضروب الفصاحة والبلاغة والقدرة على # PageV02P791 # التبسط في الكلام، والخروج عنه إلى نعت ما يعرض فيه ووصفه، ثم العود إليه ~~على وجه غير مستهجن ولا مستثقل، ويصفون من صنع ذلك في خطبته وشعره ~~بالاقتدار على الكلام. # ويسمون هذا النمط في الشعر الاستطراد، ومعنى ذلك أن يكون في وصف شيء ~~ونعته فيعرض عن ذكره إلى ذكر غيره الذي عرض ذكره فيما كان فيه، أو لم يعرض ~~ثم يعود إلى صفة ما كان فيه واستيفاء ما قصد عن الإخبار عن معانيه بالكلام ~~السهل والرجوع المسلسل المتناسب، ويسمونه الالتفات، وهو انصراف المتكلم عن ~~المخاطبة إلى الإخبار وغير ذلك من الالتفات، وهو الخروج من معنى يكون فيه ~~إلى معنى آخر، وليس يقدر على مثل ذلك كل فصيح لسن حتى يكون ذلك مع فصاحته ~~قادرا منبسطا في الكلام، لأن إتمام القصة وحكايتها إذا طالت ربما تعذر نظمه ~~على وجه الفصاحة والبراعة على أهل البلاغة واللسن، وربما احتاجوا في ذلك ~~إلى تكلف شديد مختلف فيه كلامهم، حتى يكون من الجزل الرصين، ومنه اللين ~~الخفيف وكيف بالخروج عن قصة إلى غيرها ثم العود إليها، لأن ذلك أشد وأصعب ~~عند كل متكلم بلغة، ومتعاط لنظم حكايات السير والقصص وضروب الأمثال، ~~ومحاولة البلاغة في الكلام، وهذا النمط من الخروج عن كلام إلى غيره وما ليس ~~من معناه ولا مما قصد بافتتاح الكلام ثم العود إلى ما ابتدأ بالكلام فيه ~~وقصد إليه كثير معروف، ومن الاستطراد قول حسان بن ثابت - رحمه الله - # PageV02P792 # إن كنت كاذبة التي حديثني ... فنجوت منجا الحارث بن هشام # ترك الأحبة أن يقاتل عنهم ... ونجا برأس طميرة ولجام # وقد علم أن حسان لم يقصد بابتداء الكلام والتحذير من الكذب في الحديث إلى ~~ذكر هرب الحارث بن هشام وفشله وتعييره به، وإنما قصد شيئا غير ذلك، وإن كان ~~قد أدخله في كلامه، وخرج به عما ابتدأ الكلام لأجله. # وقال أبو تمام الطائي: # صب الفراق علينا صب من كثب ... عليه إسحاق بعد الروع منتقما # وقد عرف أيضا ms552 كل سامع لهذا الشعر أن الشاعر لم يقصد بابتداء الكلام ~~الإخبار عن انتقام إسحاق ممن انتقم منه بعد ترويعه، وإنما قصد الإخبار عن ~~صفة الفراق وشدته فقط، ثم خرج إلى الدعاء عليه بانتقام إسحاق، فخرج من معنى ~~إلى غيره. # وقال البحتري في صفة فرس كريم سهل الأخلاق: # سهل موارده ولو أوردته ... يوما خلائق حمدويه الأحول # وقد علم أن البحتري لم يقصد في هذا الكلام وصفه خلائق حمدويه وشجيته، ~~وإنما قصد غير ذلك، ثم عاد إلى ذكره. # وقال سري الرفا: # نزع الوشاة لهم بسهم قطيعة ... يرمي بسهم البين من يرمي به # PageV02P793 # ليت الزمان أصاب حب قلوبهم ... بفتى بن عبد الله أو بحرابه # بسلاح معتقل السلاح وإنما ... يعتل بين طعانه وضرابه # وقد علم أيضا أن الشاعر لم يقصد بما شرع فيه إلى وصف سلاح ابن # عبد الله واعتلاله، وما لأجله يعتل من الضرب والطعن، وإنما قصد إلى ذم # الوشاة وما حاولوه من الأمور الموجبة للضرر والقطعية، وإن كان قد خرج # بين ذلك إلى الدعاء عليهم بقتال ابن عبد الله وحرابه وبعث السلاح، وما لم # يبتدىء بالكلام لأجله، فأما الالتفات في الكلام الذي هو خروج من معنى # كان فيه إلى معنى آخر ما على أن يعود إليه بعد ذكر ما يعرض ونعته، أو بأن # يضرب عنه جملة، فإنه كثير في كتاب الله وفي كلام العرب وشعر الفصحاء. # وأظهر من أن يحتاج معه إلى إغراق، قال الله تعالى: (حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم بريح طيبة) ، فعدل عن خطاب الحاضر إلى ما هو كناية # عن الغائب، وسواء كتى عن الحاضر الذي ابتدأ بخطابه أو غير الحاضر فقد # خرج، وقال الله تعالى: (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (19) وما ذلك على ~~الله بعزيز) ، ثم قال: (وبرزوا لله جميعا) ، وذلك كثير. # وقال جرير في هذا المعنى: # متى كان الخيام بذي طلوع ... سقيت الغيث أيتها الخيام # أننسى يوم تصقل عارضيها ب ... قرع بشامة سقي البشام # ولو لم يخرج من معنى إلى غيره لكان من حقه أن ms553 يقول: متى كان # الخيام بذي طلوع أيتها الخيام، لأن هذا هو تمام ما ابتدأ به من الكلام ~~فقط. # فأما الدعاء للخيام بسقي الغيث، ووصف عارضي صاحبته وفرعها، فليس # PageV02P794 # مما ابتدىء الكلام لأجله، وشرع فيه بسبيل، غير أنه اقتدار في البلاغة # وحسن الفصاحة. # وقال أيضا الطائي: # وأنجدتم من بعد اتهام داركم ... فيا دمع أنجدي على ساكني نجد # فخرج عن الإخبار بانتقالهم من نجد إلى تهامة، إلى التحزن واستدعاء # الدمع، وقال أهل اللغة ومن جنس البلاغة والتمكن من الخروج عن الشيء # إلى غيره ثم العود إليه اعتراض الكلام في كلام لم يتم معناه ثم العود ~~إليه. # وأنشدوا قول النابغة الجعدي: # ألا زعمت بنو سعد بأني.., ألا كذبوا كبير السن أني # فاعترض في كلامه وخبر أخبارا عنهم بأنهم كذبوا فخرج عن الإخبار # عن قولهم قبل تمامه إلى الإخبار بكذبهم عليه، ثم عاد إلى تمام الإخبار # عنهم، وإلا فقد كان يكفيه أن يقول: زعمت بنو سعد بأني كبير السن أني. # وقال كثير عزة: # لو أن الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا # PageV02P795 # فأعرض في ذكر الإخبار بأن الباخلين لو رأوه لتعلموا منه المطال إخباره # بأنه من جملة الباخلين، ولو لم يعرض ذلك لكان من حقه أن يقول: لو أن # الباخلين رأوك لتعلموا منك المطالا. # وقال آخر: # ظلموا بيوم دع أخاك بمثله ... على مشرع يروي ولما يصرد # ولو لم يعرض في الكلام طلب ترك أخيه لمثله لقال: ظلموا بيوم دع لى # مشرع تروي ولما يصرد، وهذا أكثر من أن يتتبع. # قال أبو حية البحتري: # ألا حي من أجل الحبيب الغوانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا # ثم رجع بعد قوله لبسن بما لبسن اللياليا، أي تتميم ما شرع فيه. # وأكد من هذا أجمع وأبين قوله تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر) . # ثم أضرب عن ذلك، وخرج منه إلى غيره، فقال: (بل الذين كفروا في عزة وشقاق) ~~، فعدل عما بدأ بذكره إلى غيره اقتدارا على الكلام والبلاغة وإذا كان هذا ~~أجمع وأمثاله ما قد بيناه في الفصاحة والبلاغة ms554 والقدرة على التبسط في ~~الكلام. # وكان ما خاطب الله سبحانه به ورسوله عليه السلام مما تعلقوا به # أقرب من كثير مما ذكرنا وأشبه وأشد تلاوة، إلا أنه خرج من قصة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وحكاية كلام قومه إلى قصة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - هو مخاطب له، وإلى تفنيد قومه من قريش على تكذيبهم وردهم، ~~تثبيتا للنبي عليه السلام وحثا له على الصبر وقوة العزم، وكل هذا مناسب، ~~لأنه قص على رسول الله قصة رسول قبله وخطابه لأمته، ثم خرج من ذلك إلى أن ~~ذكر قريشا في تكذيبهم لرسوله وتشبيه ذلك بتكذيب الأمم قبلهم وصبر أولي ~~العزم من الرسل على ردهم ومكارههم، # PageV02P796 # ثم خرج من ذلك إلى تنبيههم على آثار قدرته وشواهد ربوبيته، وحذرهم عقابه، ~~ثم عاد بأحسن الرجوع والنظم إلى إخبار رسوله بخوافي قوم إبراهيم، وكل هذا ~~اقتدار على النظم لا خفاء به، ومما يتعذر على أكثر أهل العلم والخطابة ~~والنثر ولا يسهل ولا يتأتى إلا للقليل منهم، فمن توهم إفساد الكلام به ~~وإخراجه عن طريقة البلاغة وعادة أهل اللغة، فقد ظن عجزا وتقصيرا. # وكذلك الجواب عن كل ما خرج الله تعالى في قصة من حكايتها وذكرها. # إلى شيء غيرها، ثم عاد إلى تمامها واستيعابها، ولا تعلق لهم بهذا ونحوه - # قالوا: وما يدل أيضا على فساد كثير من المودع بين الدفتين وتغييره # وخروجه عن سنن الحكمة وجودنا فيه ما لا فائدة ولا غرض في ذكره ولا # معنى له معقول يجري إلى إفادته نحو قوله: (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه ~~يلهث أو تتركه يلهث) ، وما لهذا الكلام والمثل معنى # يعرف، ونحو قوله: (وبئر معطلة وقصر مشيد) . # وقوله: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ~~ذات الشمال) ، ولا فائدة تعرف في الإخبار عن تزاور الشمس عن # كهفهم ذات اليمين وانقراضها ذات الشمال، وأمثال هذا ما يطول تتبعه. # وقسمه بالتين والزيتون، وبمواقع النجوم وبالنفس وما سواها وبالفجر. # وغير ذلك مما لا معنى للقسم ms555 به. # فيقال لهم: ليس شيء مما تتعلقون به وتظنون أنه لا فائدة فيه إلا وفيه # من الفوائد وضروب الحكمة ما يبطل تؤهمكم. # فأما قوله: (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) ، فإن ~~الله سبحانه ضرب بذلك مثلا للكافر الذي لا يرجع ويرعوي # وينزجر إن وعظ ودعي إلى طاعة الله، وذكر بآلائه ونعمه، وإن ترك ولم # PageV02P797 # يوعظ فهو في ذلك كالكلب الذي يلهث عند التعب، والإعياء والعطش. # ويلهث في حال الراحة والصحة والشبع والري، وكل ما سواه من الحيوان # إنما يلهث عند الإعياء والمرض والعطش، فمثل الكافر في عدم انتفاعه # بالعظة وتركها كالكلب الذي يلهث كيف تصرفت به الحال. # وأما قوله: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت ~~تقرضهم ذات الشمال) ، فإن المقصد به تعريف الله سبحانه إيانا حسن # اختياره لهم أصلح المواضع، وأنه تعالى بوأهم كهفا في مغناة من الجبل # مستقبلا بنات نعش، وأنها إذا طلعت تزاور عنهم يمينا وتستدبرهم في # كهفهم طالعة وجارية وغاربة، ولا تصل إليهم وتدخل كهفهم فتؤذيهم بحرها # وسمومها، وتشحب ألوانهم وتبلي ثيابهم، وأنهم مع ذلك كانوا في فجوة # من الكهف وهو المتسع منه، ينالهم فيه نسيم الريح وبردها وينفي عنهم غمة # الغار وكربه، فهذا هو الفائدة في ذكر طلوع الشمس وتزوارها، والفجوة من ~~الغار وما في ذلك من حسن الصنيع واللطف والاختيار. # وأما قوله تعالى: (وبئر معطلة وقصر مشيد) ، فإنه أراد به تخويف # الكافرين وعظتهم، والتنبيه لهم على انقراضهم وتعطيل مساكنهم ولحوقهم # بالأمم قبلهم فيتعظون ويعتبرون بالنظر إلى آثار من كان قبلهم وخلو ~~مساكنهم وانهدام قصورهم فيتعظون عند رؤيتهم لبيوت من سلف قبلهم خاوية قد ~~سقطت على عروشها، وبئر كانت يشرب أهلها قد غار معينها، وعطل غشاؤها، والعرب ~~أبدا تبكي الآثار وتندب الديار وتصف الذمن والأطلال # وتقول: يا دار أين ساكنوك وبانوك وعامروك، قال الله سبحانه: (فتلك بيوتهم ~~خاوية بما ظلموا) ، وقال: (فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا) ، ~~وقال: (هل تحس منهم من أحد أو تسمع ms556 لهم ركزا (98) . # PageV02P798 # وكل هذا وعظ وتحذير من الله سبحانه عذابه ونزول # نقمه ومذكرة العمل للدار الباقية، وقال الأسود بن يعفر: # جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد # فأرى النعيم وكل ما يلها به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد # وما ذكره الله تعالى أبلغ في الموعظة وأوجز وأبدع نظما وأجدر أن يلوذ # به سامعه ويعمل لمعاده. # فأما قوله تعالى: (والشمس وضحاها (1) ... إلى قوله (ونفس وما سواها (7) . # (والفجر (1) وليال عشر) . (والتين والزيتون) . # وكل شيء أقسم بذكره فإنما المراد به - والله أعلم - القسم بخالقه # تعالى ومقدره والنافع به والمحكم لعجيب صنعه وتدبيره، فحذف ذكر # الخالق لذلك اقتصارا واختصارا، وقد يمكن القسم بنفس الشيء العظيم # النفع به ولذلك أقسم بالتين والزيتون، لأن الانتفاع بهما وبما يعتصر من # زيت الزيتون كثير، وقد قيل إن التين والزيتون جبلان: # أحدهما: الجودي الذي نزل عليه نوح، والآخر جبل طور سيناء، وقيل # غير ذلك من المواضع الشريفة، وقيل هما مسجد بيت المقدس ومسجد مكة. # وقوله: (وهذا البلد الأمين) " يعني مكة، وقد يجوز القسم بالمواضع الشريفة ~~على وجه التعظيم، كما يجوز القسم بالله تعالى، وليس يقسم بالشيء إلا على ~~وجه التعظيم إما لكونه خالقا إلها أو لكونه رسولا له أو لعظم الانتفاع به ~~أو لغير ذلك مما يوجب تعظيمه، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه وبالله ~~التوفيق. # PageV02P799 ### | (باب) الكلام في معنى التكرار وفوائده ونقض ما يتعلقون به فيه # قالوا: ومما يدل على فساد نظم القرآن ووقوع التخليط فيه كثرة ما فيه # من تكرار القصة بعينها مرة بعد مرة وتكرار مثلها، وما هو بمعناها وتكرار # اللفظ والكلمة بعينها مرات كثيرة متتابعة، والإطالة بذلك، وذلك - زعموا - ~~في وحشو للكلام بما لا معنى له واستعمال له على وجه قبيح ضعيف # مستغيث في اللغة، قالوا: وإن لم يكن الأمر على ما وصفناه فخبرونا ما # الفائدة بتكرار القصة الواحدة والقصص المتماثلة؟. # يقال لهم: ليس الأمر في ذلك على ما قدرتم، وللتكرار فوائد نحن # ذاكروها - إن شاء الله - فمنها أن الله سبحانه لما ms557 خاطب العرب بلسانها ~~على وجه ما تستعملها في خطابها، وكانت تستجيز الإطالة والتكرار تارة إذا ~~ظنوا أن ذلك أبلغ في مرادها وأنجع، وتقتصر على الاختصار أخرى في مواطن ~~الاختصار، خاطبهم الله سبحانه على ما جرت عليه عادتهم، والعرب تقول: عجل ~~عجل وقم قم، فتقول: والله لا أفعله، ثم والله لا أفعله، إذا أرادت التوكيد ~~وحسم الطمع في فعله، وتقول تارة: والله أفعله بإسقاط لا فتختصر مرة وتطوله ~~أخرى، ويقول قائلهم: آمرك بالوفاء وأنهاك عن الغدر، وآمرك بطاعة الله ~~وأنهاك عن معصيته، والأمر بالوفاء نهي عن الغدر، والأمر بطاعة الله نهي عن ~~معصيته. # PageV02P800 # وقال الشاعر: # كم نعمة كانت لنا كم كم وكم # وقال آخر: # هلا سألت جموع كندة ... حين قوم ولوا أين أينا # وقال عوف بن الجزع: # وكادت فزارة تصلي بنا ... وأولى فزارة أولى فزارا # وذلك كثير لو تتبع، فعلى هذا الوجه من الكلام جاء قول الله تعالى: # (أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) . # و (كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف تعلمون (4) . # وقوله: (وما أدراك ما يوم الدين (17) ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) ، ~~وقوله: (فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) . # على أنه يحتمل أن يكون معنى قوله: (إن مع العسر يسرا) إن عسرا كان معه ~~يسرا، ثم إن مع العسر يسرا عسرا آخر غير الأول. # ويحتمل قوله تعالى: (كلا سوف تعلمون) إذا حضرتم وعاينتم # الملائكة، (كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف تعلمون (4) . # إذا حشرتم وحوسبتم، ورأيتم أهل الجنة وأهل النار فيكون ذلك في وقتين، ~~ومتعلقا بشيئين. # ووجة آخر في حسن التكرار من الله عز وجل، وهو أن في ذلك مرة بعد # مرة من التثبيت لرسوله عليه السلام والمؤمنين، والمواعظة والتخويف لهم # والرغبة في طاعة الله والانزجار عن معصيته عند تكرار الكلام، وإعادة # القصص وضرب الأمثال ما ليس في المرة الواحدة ولا شبهة على أحد في # تعاظم النفع بتكرير الزجر والوعظ وعظيم موقعه من النفس وتوفيقه للقلب # والتثبيت على طاعة الله، والإذكار لجنته وناره، قال الله سبحانه: # PageV02P801 # (وقال ms558 الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ~~ورتلناه ترتيلا (32) . # فأخبر أن إنزاله أجزاء ونجوما وتكراره عليه في الأوقات # المتراخية تثبيتا له وللمؤمنين لأنهم إذا سمعوا ما أخبر الله سبحانه من ~~إهلاكه # العاصين وتنجيته المؤمنين كانوا أقرب إلى طاعته وأشد انزجارا عن معصيته. # ووجه آخر في حسن ذلك، وهو أن الله سبحانه أنزل المتكرر في أوقات # متغايرة، وأسباب مختلفة فحسن منه تكرار القصة للزجر والموعظة، كما # يحسن ذلك من الخطيب إذا خطب وتكلم في المحافل ويوم المجتمع. # ودعى إلى حقن الدماء ونصرة الجار، أو التطول والإفضال، فقد يجوز # ويحسن أن يكون في هذه المواقف إذا تغايرت واختلفت أسبابه وخطبه # وقيامه في الناس ببعض ما كان ذكره في غير ذلك الموقف، وإنما يستثقل # ويستغث التكرار إذا كان في موقف واحد، وسبب واحد، والله سبحانه إنما # كرر بعض القصص والوعد والوعيد في أوقات متغايرة ولأسباب مختلفة # فحسن ذلك منه تعالى وساغ على عادة أهل اللسان. # ووجه آخر أيضا يوجب حسن ذلك من القديم تعالى، وهو أن النبي # عليه السلام كان يحتاج إلى إنفاذ الرسل والدعاة إلى النواحي والبلدان # ليدعوا إلى الحق وإلى طاعة الله وليقرأوا عليهم القرآن فأنزل الله سيرة ~~نبي # بعد نبي وقصة بعد قصة، والقصة واحدة بألفاظ مختلفة لتقرأ كل قصة على # أهل ناحية، ولتقرأ القصة الواحدة بالألفاظ المختلفة على أهل الأطراف # والنواحي المختلفة، وربما علم أن سماع أهل النواحي المتغايرة القصة # الواحدة يكون لطفا لهم في الانزجار والانقياد إلى الإيمان فكررها وأنزلها # بألفاظ مختلفة على قدر ما أراده تعالى وعلمه من اللطف، ثم على سماعه # لتلك القصة بالألفاظ المختلفة، وربما كان لطف أهل الناحيتين والمصيرين # PageV02P802 # في استماع قصتين من قصص الرسل والإخبار بنوعين من العقاب، وإن # كانت سيرة النبيين مع قومهما سواء، وإذا كان ذلك كذلك ساغ وحسن منه تعالى ~~تكرار القصص والقصة الواحدة على سبيل ما وصفناه. # ومن الفوائد في تكرار القصة والقصص المتماثلة بالألفاظ المختلفة على # الوزن الواحد، أنه تعالى إنما كرر ذلك ms559 لأن لا تقول قريش أو بعضها للنبي # - صلى الله عليه وسلم - كيف تتحدانا أن نأتي بمثل هذا الكلام الذي حكيت ~~به قصة نوح وموسى وإبراهيم، وليس له لفظ يحكى به ويورده من البحر والوزن ~~الذي أوردته إلا اللفظ الذي بدأت به وسعيت إليه، فإن أوردناه بعينه، قلت: ~~هذا نفس ما تلوته عليكم وتحديتكم بمثله، وإن طالبتنا بمحاولة لفظ غيره، ~~فليس للقصة والمعنى الذي عبرت عنه بهذا الوزن من الكلام لفظ غير الذي ~~أوردته وسبقت إليه فكأنك إذا تطالبنا بالمحال وهذه شبهة كما ترى، فأراد ~~الله تعالى حسم أطماع العرب في التعلق بذلك فكرر القصة الواحدة، والقصص ~~المتماثلة والمعنى الواحد بألفاظ مختلفة من بحر واحد وعلى وزن واحد هو وزن ~~القرآن الخارج عن جميع النظوم والأوزان ليعلمهم اقتداره وعظم البلاغة في ~~كلامه ويعرفهم عجزهم عن ذلك ويقطع به شعثهم وشبههم، وهذا من جيد ما يعتمد ~~عليه في فوائد التكرار. # فإن قالوا: فما الفائدة في تكرار: (قل يا أيها الكافرون (1) ؟ # قيل لهم: قد ذكر في ذلك وجوه. # فمنها أنه أراد يا أيها الكافرون لا أعبد الآن ما تعبدون، ولا أنتم الآن # عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم في المستقبل، ولا أنتم عابدون ما # أعبد في المستقبل وإنما أنزلت السورة في قوم المعلوم عند الله من حالهم # PageV02P803 # أنهم لا يؤمنون ولا يعبدون الله أبدا وإذا كان ذلك كذلك خرج الكلام على # هذا التأويل عن أن يكون تكرارا. # ويحتمل أيضا أن يكون أراد لا أعبد ما تعبدون مع عبادتي الله بل أفرده # بالعبادة وحده، ولا أنتم عابدون ما أعبد مع عبادتكم الأصنام ولا أنا عابد ~~ما عبدتم مفردا لعبادته ولا قارنا بينها وبين عبادة الله تعالى وهذا أيضا ~~يخرج # الكلام عن التكرار. # ويحتمل أيضا أن يكونوا قالوا له: اعبد بعض آلهتنا حتى نعبد إلهك # فقال: لا أعبد ما تعبدون ولا أسلمه، ولا أنتم عابدون ما أعبد، يريد إن لم # تؤمنوا حتى أعبد أنا بعض آلهتكم، وهذا أيضا يخرج الكلام من التكرار. # ويحتمل ms560 أيضا أن يكونوا قالوا له: اعبد آلهتنا يوما واحدا أو شهرا واحدا # حتى نعبد إلهك يوما أو شهرا أو حولا، فأنزل الله تعالى: (ولا أنا عابد ما ~~عبدتم (4) ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) . # على شريطة أن تؤمنوا به في وقت وتشركوا به في وقت آخر، وهذا أيضا يزيل ~~معنى التكرار. # وقد قيل أيضا إن قريشا أرادت النبي - صلى الله عليه وسلم - على عبادة ~~آلهتها ليعبدوا ما يعبد وأنهم كرروا هذا القول وأبدوا وأعادوا به، فكرر ~~الله سبحانه جوابه، وأبدى وأعاده لكي يقطع بذلك أطماعهم فيما أرادوه منه. # قالوا وهو تأويل قوله: (ودوا لو تدهن فيدهنون) ، أي: تلين لهم فيلينون في ~~أذاهم، وهذا أيضا فائدة أخرى في جنس التكرار في هذه # السورة وترداد الكلام فبطل تعلقهم بهذا وإعظامهم الأمر فيه. # وإن قالوا فما معنى تكرار: (ويل يومئذ للمكذبين) . # وقوله: (فهل من مدكر) ، وقوله في سورة الرحمن: # PageV02P804 # (فبأي آلاء ربكما تكذبان) ، قيل لهم: فليس في هذا شيء من التكرار # المستكره بل هو الفصاحة وما عليه عادة أهل الخطاب. # فأما قوله تعالى في المرسلات: (ويل يومئذ للمكذبين) فهو: أنه ذكر # فيها، تعالى أمرا بعد أمر من خلقهم وأهل الكفر والطغيان من عباده خلفهم # بسلفهم ثم قال عقيب كل شيء يذكره من ذلك فويل يومئذ للمكذبين بهذا # الشيء الأول، الذي ذكرته، ثم ويل يومئذ للمكذبين بالشيء الثاني الذي # ذكرته، فالويل الثاني غير الويل الأول وربما كان لغير من له الويل الأول ~~كأن # المكذب بالويل الأول مما ذكره غير المكذب الثاني، لأنه تعالى قال: # (ألم نهلك الأولين (16) ثم نتبعهم الآخرين (17) كذلك نفعل بالمجرمين (18) ~~ويل يومئذ للمكذبين (19) . # بإهلاكنا الأولين وإلحاقنا بهم الآخرين، ثم قال: (ألم نخلقكم من ماء مهين ~~(20) فجعلناه في قرار مكين (21) إلى قدر معلوم (22) فقدرنا فنعم القادرون ~~(23) ويل يومئذ للمكذبين (24) . # ثم كذلك أخبر بالويل لمكذب كل شيء غعده ووصفه من نعمه ونقمه ووجوب أفضاله ~~وحكمه، فخرج ذلك عن أن يكون تكرارا لأن القائل قد يقول لغيره، ألم ننعم ~~عليك بإيوائك وأنت طريد، أتكذب بهذا، ms561 ألم أهلك عدوك وأنصر وليك ومن نصرك، ~~أتكذب بهذا، ويقول: ويل لمن كفر نعمتي وويل لمن جحد حقي، وويل لمن ظلمني ~~وويل لمن كذب على، في أمثال ذلك مما لا يعده أحد من أهل اللسان عيا ولا ~~لكنا وإطالة وتكرارا. # وأما: قوله تعالى في سورة القمر: (فهل من مدكر) فهو جار أيضا على # هذه السبيل، لأنه تعالى عدد فيها نعما وأفضالا وعقابا وانتقاما وأمورا ~~متغايرة، ثم قال عقيب كل شيء من ذلك: (فهل من مدكر) يعني متعظ ومنزجر بهذا، ~~لأنه قال تعالى: (وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) تجري بأعيننا جزاء لمن ~~كان كفر (14) ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) . # PageV02P805 # ثم قال: (فكيف كان عذابي ونذر (16) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ~~(17) . # وتيسير القرآن غير الآية والسفينة والغرق، ثم قال في آخرها: (ولقد أهلكنا ~~أشياعكم فهل من مدكر (51) . # يعني أشياع أهل الكفر والخلاف على النبي - صلى الله عليه وسلم - # وذلك غير القصص الأولة فكأنه قال: فهل من مدكر منكم بما كان # من إهلاكي لمن كان قبلكم وأشياعكم. # فأما قوله في مواضع من هذه السورة: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من ~~مدكر) ، فإنه تعالى إنما قال ذلك لأنه أودع في القرآن أقاصيص الأولين # وسير المتقدمين، وما كان من تفضله على المؤمنين وإهلاكه للكافرين # بضروب الهلاك والانتقام، وقال عقيب كل قصة من تلك القصص، ولقد # يسرنا لكم قراءة القرآن وحفظ القصص المتغايرة التي أودعناها فهل من # مدكر، ومتعظ بتيسيرنا لذلك وسماعه وحفظه له. # وقد يقول القائل: لقد يسرت سبيل هذا الباب من العلم فاسلكه # واعرفه، ثم يقول في غيره أيضا: ولقد سهلت لك هذا الباب الآخر من # العلم فاضبطه وحصله ثم كذلك شأن ما نبه عليه وسهل السبيل إليه، وكذلك لما ~~أودع الله سبحانه كل شيء من القرآن وموعظة وقصة غير الأخرى جاز أن يقول: ~~ولقد يسرنا القرآن الذي فيه ذكر هذه القصة فهل من مدكر بها، ثم يقول: ولقد ~~يسرنا أيضا القرآن الذي فيه ذكر القصة الثانية والثالثة وما بعدها فهل ms562 من ~~مدكر بذلك، وإذا كان هذا كذا لم يكن ذلك من المعنى والتكرار بسبيل. # وكذلك حكم قوله تعالى في الئمل: (أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من ~~السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع ~~الله) # PageV02P806 # ثم قال: (أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل ~~بين البحرين حاجزا أإله مع الله) . # يقول الله تعالى مع ذكر كل نعمة من نعمه وأنه من آثار قدرته وشواهد ~~ربوبيته: هل مع الله إله يفعل ذلك أو يقدر، على وجه التنبيه لهم والإذكار ~~بنعمه والدعاء إلى الاستدلال على وحدانيته، وليس هذا ونحوه من العي ~~والتكرار في شيء. # فأما تكراره في سورة الرحمن: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) . # فإنه أيضا ليس بتكرار، لأنه عدد لهم ضروبا من الإنعام مختلفة، ثم قال ~~للإنس والجن عقيب ذكر نعمه، (فبأي آلاء ربكما تكذبان) ، أي بأي هذا تكذبان ~~أم بهذا أم بهذا، فيدلهم بذلك على كثرة نعمه عليهم، وأنه لا ينبغي أن ~~يكفروا ويجحدوا شيئا من ذلك. # وقد تقول العرب لمن تنهاه عن البغي والفساد في الأرض، أتقتل فلانا # وأنت تعلم براءة ساحته، وتقتل فلانا وأنت تعرف نسكه ودينه، وتقتل فلانا # وأنت تعلم إجابة دعوته، وحسن قبوله في الناس، ولا يزال يعدد عليه # أوصاف من ينهاه عن قتله، ويعتقد انزجاره بذكر صفاته، ويكرر ذكر القتل # وليس ذلك بعي ولا تكرار من القول بل هو نفس تعبير البراعة، وحسن # اللسن، فسقط ما تعلقوا به. # فإن قالوا: فإن الله تعالى قد كرر في هذه السورة قوله: (فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان) ، عند ذكر ما ليس من النعم والإفضال في شيء، فقال: (هذه جهنم التي ~~يكذب بها المجرمون (43) يطوفون بينها وبين حميم آن (44) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (45) . # وقال: (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران (35) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (36) . # PageV02P807 # يقال لهم: إن ذكره للمؤمنين وإعلامه إياهم ما أعده لأهل الكفر من # عذاب السعير ووصفه لجهنم وشواظها وشرها نعمة له على المؤمنين الذين ms563 # علم أنهم ينتفعون بهذا الوعظ والتحذير، وأنهم ينهون بذلك عنه ويعرفون # مراده ويخافون سطوته وعقابه ويرجون رحمته وثوابه، لأن ذلك لطفا وداع # إلى الطاعة وحسن الانقياد لله المفضي لهم إلى الخلود في العيش السليم # والنعيم الدائم المقيم فذكر الوعيد للمؤمنين ووصف جهنم وحرها وشدة # نكالها من أعظم النعم على المؤمنين من الجن والإنس، وإذا كان ذلك # كذلك صح ما قلناه واضمحل ما تعلقوا به. # فأما قوله تعالى: (يعلم سرهم ونجواهم) . # فليس بتكرار، لأنه قيل إن السر ما أسروه في أنفسهم، والنجوى ما أبدوه ~~وتناجوا به بينهم، ولو كان السر هو النجوى لجاز أن يذكره مكررا بلفظين ~~معناهما واحد، كما يقول القائل: آمرك ببر والديك وأنهاك عن عقوقهم، وآمرك ~~بالوفاء وأنهاك عن الغدر، ومعنى اللفظين واحد، ولا تعلق لهم في هذا أيضا. # وهذه جمل تكشف عن نقض ما ذكرناه من مطاعنهم في كتاب الله عز وجل من جهة ~~اللغة، وننبه على طريق الجواب عما أضربنا عن ذكره إن شاء الله تعالى. # تم الكتاب بحمد الله تعالى ومنته. # وفرغ منه كاتبه حامدا الله تعالى ومصليا على رسوله - صلى الله عليه وسلم ~~- وآله وصحابته وحسبنا الله ونعم الوكيل. PageV02P808 ms564