######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_001262 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الباقلاني #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن الطيب الباقلاني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 403 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الكتب الجامعة في العقائد :: الكتب الجامعة لمسائل العقيدة :: كتب العقائد والملل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل #META# 030.LibURI :: JK_001262 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عماد الدين أحمد حيدر #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مؤسسة الكتب الثقافية #META# 044.EdPLACE :: لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1407هـ - 1987م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل PageV01P001 # | بسم الله الرحمن الرحيم # # | الله المعين # الحمد لله قامع الأباطيل ومدحض الأضاليل وهادي من اختصه برحمته إلى سواء ~~السبيل ومضل الناكب عن النهج المستقيم والحايد عن واضحات الحجج ونيرات ~~البراهين # أحمده حمد معترف بأنه لا شبه له يساويه ولا ضد ينازعه ويناويه وأنه مالك ~~الخلق ومنشئه ومعيده ومبديه ومفقره ومغنيه وراحمه ومبتليه لا مالك فوقه ~~يزجره ولا قاهر ينهاه ويأمره وإن الخلق جميعا في قبضته ومتقلبون بمشيئته ~~ومتصرفون بين حدوده ومراسمه ولا معقب لحكمه ولا راد لأمره ولا اعتراض ~~لمخلوق في قضائه وقدره # وأرغب إليه في الصلاة على خيرته من خلقه محمد خاتم النبين وإمام المتقين ~~كما أوضح السبيل وأنار الدليل وعلى إخوانه من المرسلين وأهل بيته الطاهرين ~~وأصحابه المنتخبين ومن بعدهم من التابعين وأسأله التوفيق لإصابة ما به ~~أمرنا والاقتداء بالسلف الصالح من أمة نبينا وصرفنا عن الميل إلى الحايد عن ~~ديننا والطاعن على ملتنا # أما بعد فقد عرفت إيثار سيدنا الأمير أطال الله في دوام العز بقاءه وأدام ~~بالتمسك بالتقوى ولزوم الطريقة المثلى نعماءه ومن بإرشاده وهداه وجعل له من ~~وافر عقله وحزمه واعظا ومن علو همته وسؤدده زاجرا ورقيبا ومن استكانته لربه ~~تعالى والخنوع لطاعته سامعا ومطيعا حتى يلحقه اعتقاد فعل الخير وإيثاره ~~بأهل النجاة والسلامة ويبلغه بما يتيحه له من ذلك PageV01P023 ويوفقه لأقصى ~~منازل أهل الزلفة والكرامة لعمل كتاب جامع مختصر مشتمل على ما يحتاج إليه ~~في الكشف عن معنى العلم وأقسامه وطرقه ومراتبه وضروب المعلومات وحقائق ~~الموجودات وذكر الأدلة على حدث العالم وإثبات محدثه وأنه مخالف لخلقه وعلى ~~ما يجب كونه عليه من وحدانيته وكونه حيا عالما قادرا في أزله وما جرى مجرى ~~ذلك من صفات ذاته وأنه عادل حكيم فيما أنشأه من مخترعاته من غير حاجة منه ~~إليها ولا محرك وداع وخاطر وعلل دعته إلى إيجادها تعالى عن ذلك وجواز ~~إرساله رسلا إلى خلقه وسفراء بينه وبين عباده وأنه قد فعل ذلك وقطع العذر ~~في إيجاب تصديقهم بما أبانهم به ms001 من الآيات ودل به على صدقهم من المعجزات ~~وجمل من الكلام على سائر أهل الملل المخالفين لملة الإسلام من اليهود ~~والنصارى والمجوس وأهل التثنية وأصحاب الطبائع والمنجمين # ونعقب ذلك بذكر أبواب الخلاف بين أهل الحق وأهل التجسيم والتشبيه وأهل ~~القدر والاعتزال والرافضة والخوارج وذكر جمل من مناقب الصحابة وفضائل ~~الأئمة الأربعة وإثبات إمامتهم ووجه التأويل فيما شجر بينهم ووجوب موالاتهم ~~ولن آلو جهدا فيما يميل إليه سيدنا الأمير حرس الله مهجته وأعلى كعبه من ~~الإختصار وتحرير المعاني والأدلة والألفاظ وسلوك طريق العون على تأمل ما ~~أودعه هذا الكتاب وإزالة الشكوك فيه والارتياب وأنا بحول الله وقوته أسارع ~~إلى امتثال ما رسمه وأقف عنده وإلى الله جل ذكره أرغب في حسن التوفيق ~~والإمداد بالتأييد والتسديد PageV01P024 & باب الكلام في حقيقة العلم ~~ومعناه & # فإن قال قائل ما حد العلم عندكم قلنا حده أنه معرفة المعلوم على ما هو به ~~والدليل على ذلك أن هذا الحد يحصره على معناه ولا يدخل فيه ما ليس منه ولا ~~يخرج منه شيئا هو منه والحد إذا أحاط بالمحدود على هذه السبيل وجب أن يكون ~~حدا ثابتا صحيحا فكل ما حد به العلم وغيره وكانت حاله في حصر المحدود ~~وتمييزه من غيره وإحاطته به حال ما حددنا به العلم وجب الاعتراف بصحته وقد ~~ثبت أن كل علم تعلق بمعلوما فإنه معرفة له وكل معرفة لمعلوم فإنها علم به ~~فوجب توثيق الحد الذي حددنا به العلم وجعلنا تفسيرا لمعنى وصفه بأنه علم # فإن قال قائل فلم رغبتم عن القول بأنه معرفة الشيء على ما هو به إلى ~~القول بأنه معرفة المعلوم على ما هو به قيل لما قام من الدليل على أن ~~المعلوم يكون شيئا وما ليس بشيء ولأن المعدوم معلوم وليس بشيء ولا موجود ~~فلو قلنا حده أنه معرفة الشيء على ما هو به لخرج العلم بما ليس بشيء من ~~المعلومات المعدومات عن أن يكون علما وذلك مفسد له فوجب صحة ما قلناه ~~وبالله التوفيق PageV01P025 & باب الكلام في ms002 أقسام العلوم & # فإن قال قائل فعلى كم وجه تنقسم العلوم قيل له على وجهين فعلم قديم وهو ~~علم الله عز وجل وليس بعلم ضرورة ولا استدلال وعلم محدث وهو كل ما يعلم به ~~المخلوقون من الملائكة والجن والإنس وغيرهم من الحيوان & باب في أقسام ~~العلم المحدث & # فإن قال قائل فعلى كم وجه تنقسم علوم المخلوقين قيل له على قسمين فقسم ~~منها علم ضرورة والثاني منها علم نظر واستدلال # وهذه الثلاثة العلوم التي وصفناها غير مختلفة فيما له يكون الشيء علما من ~~كونها معرفة للمعلوم على ما هو به وقد تقدم القول في إيضاح ذلك & باب العلم ~~الضروري & # فإن قيل فما معنى وصفكم للضروري منها بأنه ضروري على مواضعة المتكلمين ~~قيل له معنى ذلك أنه علم يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه معه الخروج عنه ~~ولا الانفكاك منه ولا يتهيأ له الشك في متعلقه ولا الارتياب به وحقيقة وصفه ~~بذلك في اللغة أنه مما أكره العالم به على وجوده PageV01P026 لأن الاضطرار ~~في اللغة هو الحمل والإكراه وهو الإلجاء وكل هذه الألفاظ بمعنى واحد فلا ~~فرق عندهم بين قول القائل اضطره السلطان إلى تسليم ماله وبيع عقاره وبين ~~قوله أكرهه على ذلك وحمله عليه وألجأه إليه فالواجب بما وصفناه أن يكون ما ~~قلنا هو معنى وصف العلم وغيره بأنه ضرورة # وقد يوصف العلم وغيره من الأجناس بأنه ضرورة على معنى أن العالم به محتاج ~~إليه لأن الضرورة في اللغة تكون بمعنى الحاجة يدل على ذلك قولهم فلان مضطر ~~إلى تكفف الناس وسؤالهم يعنون أنه محتاج إلى ذلك ومنه قوله تعالى @QB@ فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد @QE@ وقوله @QB@ إلا ما اضطررتم إليه @QE@ وهو الذي ~~يريده المسلمون بقولهم إن المضطر إلى أكل الميتة قد أبيح له أكلها يعنون به ~~المحتاج إلى ذلك فكل محتاج إلى علم أو غيره من الأجناس فهو مضطر إلى ما ~~احتاج إليه & باب العلم النظري & # فإن قيل فما معنى تسميتكم للضرب الآخر منها علم نظر واستدلال قيل له ~~مرادنا بذلك ms003 أنه علم يقع بعقب استدلال وتفكر في حال المنظور فيه أو تذكر ~~نظر فيه فكل ما احتاج من العلوم إلى تقدم الفكر والروية وتأمل حال المعلوم ~~فهو الموصوف بقولنا علم نظري PageV01P027 وقد يجعل مكان هذه الألفاظ لام ~~نقل العلم النظري هو ما بني على علم الحس والضرورة أو على ما بني العلم ~~بصحته عليهما ومعنى قولنا في هذا العلم إنه كسبي أنه مما وجد بالعالم وله ~~عليه قدرة محدثة وكذلك شيء شركه في ذلك أعني العلم في وجود القدرة المحدثة ~~عليه فهو كسب لمن وجد به & باب الكلام في مدارك العلوم & # فإن قال قائل فمن كم وجه يقع العلم بالمعلوم إذا كان ضرورة قيل له من ستة ~~طرق فمنها الحواس الخمس وهي حاسة البصر وحاسة السمع وحاسة الذوق وحاسة الشم ~~وحاسة اللمس وقصدنا بذكر الحاسة ها هنا الإدراك الموجود بالحواس لا الأجسام ~~المؤتلفة على الصورة التي ما حصل عليها من الأجسام سميناه عينا وأنفا وأذنا ~~وفما ويدا # فكل علم حصل عند إدراك حاسة من هذه الحواس فهو علم ضرورة يلزم النفس ~~لزوما لا يمكن معه الشك في المدرك ولا الارتياب به وكل حاسة من هذه الحواس ~~تختص في وقتنا هذا على عادة جارية بإدراك جنس أو أجناس PageV01P028 فحاسة ~~الرؤية تدرك بها اليوم الألوان والأكوان والأجسام وحاسة السمع يدرك بها ~~الكلام والأصوات وحاسة الشم تدرك بها الأراييح وحاسة الذوق تدرك بها الطعوم ~~وحاسة اللمس وكل عضو فيه حياة تدرك بها الحرارة والبرودة واللين والخشونة ~~والرخاوة والصلابة على قول من زعم أن الخشونة والرخاوة واللين والصلابة ~~معان زائدة توجد بالجواهر كالحرارة والبرودة # والضرب السادس منها ضرورة تخترع في النفس ابتداء من غير أن تكون ~~PageV01P029 موجودة ببعض هذه الحواس كعلم الإنسان بنفسه وما يجده فيها من ~~الصحة والسقم واللذة والألم والغم والفرح والقدرة والعجز والإرادة والكراهة ~~والإدراك والعمى وغير ذلك مما يحدث في النفس مما يدركه الحي إذا وجد به ~~ومنه أيضا العلم الواقع بقصد المتكلم إلى ما يقصد ومن يقصده بخطابه دون ms004 ~~غيره وأنه قاصد إلى اكتساب ما يوجد به من ضروب مقدوراته من الكلام وغيره ~~ومنه أيضا العلم بأن الأجسام متى كانت موجودة فلا بد من أن تكون مجتمعة ~~متماسة الأبعاض أو مفترقة متباينة وأن الخبر عن وجود الشيء وأنه على بعض ~~الأوصاف لا بد أن يكون صدقا أو كذبا وأن الخبرين المتضاد مخبرهما لا يجوز ~~أن يكونا جميعا صدقا أو كذبا وما جرى مجرى ذلك من الأمور المنقسمة في العقل ~~إلى أمرين لا واسطة بينهما # ومنه أيضا العلم بخجل الخجل ووجل الوجل والعلم بالشجاعة والجبن والبر ~~والعقوق والتحية والاستهزاء والواقع عند مشاهدة الإمارات ومنه أيضا العلم ~~المخترع في النفس بما تواتر الخبر عن كونه واستفاض عن وجوده نحو العلم ~~الواقع عند إخبار المخبرين عن الصين وخراسان وفارس وكرمان وعن ظهور موسى ~~وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع PageV01P030 النبيين والخبر عن ~~الوقائع والفتن والممالك والدول وغير ذلك من الأمور الحاصل الخبر عنها من ~~قوم قطع العذر نقلهم ووجب العلم عند خبرهم # فكل هذه العلوم الواقعة لنا بالمعلومات التي وصفناها توجد مخترعة في ~~النفس وجدت هذه الحواس وما يوجد بها من الإدراكات أو لم توجد سوى العلم ~~الواقع عند الخبر المتواتر والعلم بخجل الخجل ووجل الوجل وقصد القاصد إلى ~~من يقصده وما يقصده بكلامه فإنه وما جرى مجراه في وقتنا هذا مضمن بوجود ~~الإدراك للخبر عن المعلوم بمشاهدة الإمارات التي عند مشاهدتها يقع العلم ~~بما ذكرناه وقد يصح أن يخترع الله العلم بوجود المخبر عنه من غير سماع خبر ~~عنه في الزمن الذي يصح فيه خرق العادات وإظهار المعجزات وخروج الأمور عما ~~هي في العادة عليه وتسميتهم الإدراكات الموجودة بالحواس لمسا وذوقا وشما ~~إنما جرت عليها على سبيل المجاز والاتساع لما بينه وبينها من التعلق على ~~طريقتهم في التجوز بإجراء اسم الشيء على ما قاربه وناسبه وتعلق به ضربا من ~~التعلق والإدراك في الحقيقة شيء غير اللمس واتصاف سائر الحواس بالمحسوسات ~~وأماكنها وغيره من ضروب الاتصال & باب الكلام في الاستدلال ms005 & # فإن قال قائل فعلى كم وجه ينقسم الاستدلال قيل له على وجوه يكثر تعدادها ~~فمنها أن ينقسم الشيء في العقل على قسمين أو أقسام يستحيل أن تجتمع ~~PageV01P031 كلها في الصحة والفساد فيبطل الدليل أحد القسمين فيقضي العقل ~~على صحة ضده وكذلك إن أفسد الدليل سائر الأقسام صحح العقل الباقي منها لا ~~محالة نظير ذلك علمنا باستحالة خروج الشيء عن القدم والحدث فمتى قام الدليل ~~على حدثه بطل قدمه ولو قام على قدمه لأفسد حدثه # ومنها أن يجب الحكم والوصف للشيء في الشاهد لعلة ما فيجب القضاء على أن ~~من وصف بتلك الصفة في الغائب فحكمه في أنه مستحق لها لتلك العلة حكم ~~مستحقها في الشاهد لأنه يستحيل قيام دليل على مستحق الوصف بتلك الصفة مع ~~عدم ما يوجبها وذلك كعلمنا أن الجسم إنما كان جسما لتأليفه وأن العالم إنما ~~كان عالما لوجود علمه فوجب القضاء بإثبات علم كل من وصف بأنه عالم وتأليف ~~كل من وصف بأنه جسم أو مجتمع لأن الحكم العقلي المستحق لعلة لا يجوز أن ~~يستحق مع عدمها ولا لوجود شيء يخالفها لأن ذلك يخرجها عن أن تكون علة للحكم # ومن ذلك أن يستدل بصحة الشيء على صحة مثله وما هو في معناه وباستحالته ~~على استحالة مثله وما كان بمعناه كاستدلالنا على إثبات قدرة القديم سبحانه ~~على خلق جوهر ولون مثل الذي خلقه وإحياء ميت مثل الذي أحياه وخلق الحياة ~~فيه مرة أخرى بعد أن أماته وعلى استحالة خلق شيء من جنس السواد والحركات لا ~~في مكان في الماضي كما استحال ذلك في جنسهما الموجود في وقتنا هذا # وقد يستدل بتوقيف أهل اللغة لنا على أنه لا نار إلا حارة ملتهبة ولا ~~إنسان إلا ما كانت له هذه البنية على أن كل من خبرنا من الصادقين بأنه رأى ~~PageV01P032 نارا أو إنسانا وهو من أهل لغتنا يقصد إلى إفهامنا أنه ما شاهد ~~إلا مثل ما سمي بحضرتنا نارا أو إنسانا لا نحمل بعض ذلك على بعض لكن بموجب ms006 ~~الاسم وموضوع اللغة ووجوب استعمال الكلام على ما استعملوه ووضعه حيث وضعوه # وقد يستدل بالمعجزة على صدق من ظهرت على يده لأنها تجري مجرى الشهادة له ~~ويستدل على صدق المخبر الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يكذب ~~وكذلك يستدل بخبر من خبر عن صدقه صاحب المعجزة على صدق من أخبر عنه أنه لا ~~يكذب # وقد يستدل أيضا على بعض القضايا العقلية وعلى الأحكام الشرعية بالكتاب ~~والسنة وإجماع الأمة والقياس الشرعي المنتزع من الأصول المنطوق بها وما جرى ~~مجرى القياس على العلة من ضرب الاجتهاد الذي يسوغ الحكم بمثله من الشرع على ~~مذهب القايسين فكل هذه الأدلة السمعية جارية في الكشف عن صحة القياس مجرى ~~ما قدمنا ذكره من الأحكام العقلية وإن كان فرعا لأدلة العقول وقضاياها ~~وفيما أومأنا إليه من وجوه الاستدلال كفاية وتنبيه على ما أضربنا عن ذكره & ~~باب آخر في معنى الدليل والاستدلال & # فإن قال قائل فما معنى الدليل عندكم قيل له هو المرشد إلى معرفة الغائب ~~عن الحواس وما لا يعرف باضطرار وهو الذي ينصب من PageV01P033 الأمارات ~~ويورد من الإيماء والإشارات مما يمكن التوصل به إلى معرفة ما غاب عن ~~الضرورة والحس ومنه سمي دليل القوم دليلا وصمت العرب أثر اللصوص دليلا ~~عليهم لما أمكن معرفة مكانهم من جهته ومنه وسمت الأميال والعلامات المنصوبة ~~والنجوم الهادية أدلة لما أمكن أن يتعرف بها ما يلتمس علمه # وإنما سمي ناصب الآيات والأمارات التي يمكن التوصل بها إلى معرفة المعلوم ~~دليلا مجازا واتساعا لما بينه وبين الدليل الذي هو الأمارات والتأثيرات من ~~التعلق وإنما الدليل في الحقيقة هو ما قدمنا ذكره من الأسباب المتوصل بها ~~إلى معرفة الغائب عن الضرورة والحواس من الأمارات والعلامات والأحوال التي ~~يمكن بها معرفة المستنبطات وهذا الدليل وصفنا حاله هو الدلالة وهو المستدل ~~به وهو الحجة # وأما الاستدلال والنظر فهو تقسيم المستدل وفكره في المستدل عليه وتأمله ~~له وقد يسمى ذلك أيضا دليلا ودلالة مجازا واتساعا لما بينهما من التعلق وقد ms007 ~~تسمى العبارة المسموعة التي تنبىء عن استدلال القلب ونظره وتأمله نظرا ~~واستدلالا مجازا واتساعا لدلالتها عليه وقد ذكرنا صورة الاستدلال بتغير ~~الأجسام على إثبات صانعها وتقصينا طرفا من الكلام في الأبواب التي قدمنا ~~ذكرها في كتاب كيفية الاستشهاد في الرد على أهل الجحد والعناد بما نستغني ~~به عن الترداد & باب الكلام في أقسام المعلومات & # جميع المعلومات على ضربين معدوم وموجود فالموجود هو الشيء الثابت الكائن ~~لأن معنى الشيء عندنا أنه موجود يدل على ذلك قول أهل PageV01P034 اللغة شيء ~~إثبات وقولهم ليس بشيء نفي يبين ذلك أن القائل يقول ما أخذت من زيد شيئا ~~ولا سمعت منه شيئا ولا رأيت شيئا نفي للمذكور وقولهم أخذت شيئا وسمعت شيئا ~~ورأيت شيئا إثبات للمذكور ورجوع إلى كائن موجود فوجب أن يكون كل موجود شيئا ~~وكل شيء موجودا # والمعدوم منتف ليس بشيء فمنه معلوم معدوم لم يوجد قط يصح أن يوجد وهو ~~المحال الممتنع الذي ليس بشيء وهو القول المتناقض نحو اجتماع الضدين وكون ~~الجسم في مكانين وما جرى مجرى ذلك مما لم يوجد قط ولا يوجد أبدا ومنه معدوم ~~لم يوجد قط ولا يوجد أبدا وهو مما يصح ويمكن أن يوجد نحو ما علم الله أنه ~~لا يكون من مقدوراته وأخبر أنه لا يكون من نحو رده أهل المعاد إلى الدنيا ~~وخلق مثل العالم وأمثال ذلك مما علم وأخبر أنه لا يفعله وإن كان مما يصح ~~فعله له ومعلوم معدوم في وقتنا هذا وسيوجد فيما بعد نحو الحشر والنشر ~~والجزاء والثواب والعقاب وقيام الساعة وأمثال ذلك مما أخبر تعالى أنه ~~سيفعله وعلم أنه سيوجد ومعلوم آخر هو معدوم في وقتنا هذا وقد كان موجودا ~~قبل ذلك نحو ما كان وتقضى من أحوالنا وتصرفنا من كلامنا وقيامنا وقعودنا ~~الذي كان في أمس يومنا وتقضى ومضى ومعلوم آخر معدوم PageV01P035 هو مقدور ~~ويمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون ولا يدرى هل يكون أم لا يكون نحو ما يقدر ~~الله تعالى عليه مما لا نعلم أيفعله ms008 أم لا يفعله نحو تحريك الساكن من ~~الأجسام وتسكين المتحرك منها وأمثال ذلك & باب الكلام في الموجودات & # والموجودات كلها على ضربين قديم ولم يزل ومحدث لوجوده أول # فالقديم هو المتقدم في الوجود على غيره وقد يكون لم يزل وقد يكون مستفتح ~~الوجود دليل ذلك قولهم بناء قديم يعنون أنه الموجود قبل الحادث بعده وقد ~~يكون المتقدم بوجوده على ما حدث بعده متقدما إلى غاية وهو المحدث المؤقت ~~الموجود # وقد يكون متقدما إلى غير غاية وهو القديم جل ذكره وصفات ذاته لأنه لو كان ~~متقدما إلى غاية يؤقت بها فقال إنه قبل العالم بعام أو مائة ألف عام لأفاد ~~توقيت وجوده أنه معدوم قبل ذلك الوقت والله يتعالى عن ذلك PageV01P036 ~~والمحدث هو الموجود من عدم يدل على ذلك قولهم حدث بفلان حادث من مرض أو ~~صداع إذا وجد به بعد أن لم يكن وحدث به حدث الموت وأحدث فلان في هذه العرصة ~~بناء أي فعل ما لم يكن قبل & باب أقسام المحدثات & # والمحدثات كلها تنقسم ثلاثة أقسام فجسم مؤلف وجوهر منفرد وعرض موجود ~~بالأجسام والجواهر # فالجسم هو المؤلف يدل على ذلك قولهم رجل جسيم وزيد أجسم من عمرو إذا كثر ~~ذهابه في الجهات وليس يعنون بالمبالغة في قولهم أجسم وجسيم إلا كثرة ~~الأجزاء المنضمة والتأليف لأنهم لا يقولون أجسم فيمن كثرت علومه وقدره ~~وسائر تصرفه وصفاته غير الاجتماع حتى إذا كثر الاجتماع فيه يتزايد أجزائه ~~قيل أجسم ورجل جسيم فدل بذلك على أن قولهم جسم مفيد للتأليف # والجوهر هو الذي يقبل من كل جنس من أجناس الأعراض عرضا واحدا لأنه متى ~~كان كذلك كان جوهرا # ومتى خرج عن ذلك خرج عن أن يكون جوهرا # والدليل على إثباته علمنا بأن الفيل أكبر من الذرة فلو كان لا غاية ~~لمقادير الفيل ولا لمقادير الذرة لم يكن أحدهما أكثر مقادير من الآخر ولو ~~كان كذلك لم يكن أحدهما أكبر من الآخر كما أمه ليس بأكثر مقادير منه ~~PageV01P037 & باب الكلام في الأعراض & # والأعراض هي التي ms009 لا يصح بقاؤها وهي التي تعرض في الجواهر والأجسام وتبطل ~~في ثاني حال وجودها والدليل على أن هذا فائدة وصفها بأنها أعراض قوله تعالى ~~@QB@ تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة @QE@ فسمى الأموال أعراضا إذ كان ~~آخرها إلى الزوال والبطلان وقول أهل اللغة عرض بفلان عارض من حمى أو جنون ~~إذا لم يدم به ذلك ومنه أيضا قول الله تعالى إخبارا عن الكفار في اعتقادهم ~~فيما أظلهم من العذاب أنه عارض لما اعتقدوا أنه مما لا دوام له @QB@ هذا ~~عارض ممطرنا @QE@ & باب الكلام في إثبات الأعراض & # والدليل على إثبات الأعراض تحرك الجسم بعد سكونه وسكونه بعد حركته ولا بد ~~أن يكون ذلك كذلك لنفسه أو لعله فلو كان متحركا لنفسه ما جاز سكونه وفي صحة ~~سكونه بعد تحركه دليل على أنه متحرك لعلة هي الحركة # وهذا الدليل هو الدليل على إثبات الألوان والطعوم والأراييح والتأليف ~~والحياة والموت والعلم والجهل والقدرة والعجز وغير ذلك من ضروبها # ويدل على ذلك أن الجسم لا يخلو من أن يكون متحركا لنفسه أو لمعنى ويستحيل ~~أن يكون متحركا لنفسه لأن ذلك لو كان كذلك لوجب أن PageV01P038 لا يوجد من ~~جنسه في ذلك الوقت إلا ما كان متحركا ألا ترى أن السواد إذا كان سوادا ~~لنفسه لم يجز أن يوجد من جنسه ما ليس بسواد وفي العلم بأنه قد يوجد من جنس ~~الجواهر والأجسام المتحركة ما ليس بمتحرك دليل على أن المتحرك فيها ليس ~~بمتحرك لنفسه وأنه للحركة كان متحركا # ومما يدل على ذلك علمنا بأن الإنسان تارة يقدر على التحرك ويعجز عنه أخرى ~~وقد ثبت أنه لا بد لقدرته من تعلق بمقدور وكذلك القديم تعالى يقدر عند ~~الموحدين وعند من أثبته من الملحدين النافين للأعراض على تحريك الجسم تارة ~~وعلى تسكينه أخرى فلا يخلو أن يكون مقدور القدرة على تحريك الجسم هو إحداث ~~الجسم وإيجاده أو إحداث معنى فيه أو إعدامه أو إعدام معنى منه أو لا لنفسه ~~أو لمعنى تعلق بنفسه # ويستحيل أن تكون القدرة ms010 على ذلك لا تعلق لها بمقدور كما يستحيل وجود علم ~~لا تعلق له بمعلوم وذكر لا تعلق له بمذكور # ويستحيل أن يكون مقدور القدرة هو إيجاد الجسم وإحداثه لأنه إنما يتحرك في ~~الثاني من حال وجوده مع استحالة حدوثه وتجدده في ذلك الوقت ولأن ذلك إن كان ~~كذلك فقد صح وثبت حدوث الجسم وهذا هو الذي نبتغيه بإثبات الأعراض # وإن قيل يستحيل أن يكون مقدور القدرة إعدام معنى من الجسم لأن ذلك المعنى ~~لا يخلو أن يكون جسما أو عرضا فإن كان جسما أقروا بجواز عدم الجسم وصح بذلك ~~حدوثه لاستحالة عدم القديم عندنا وعندهم وذلك PageV01P039 ما أردناه وإن ~~كان عرضا فقد أقروا بوجود الأعراض وعدمها بعد الوجود وهذا ما رمنا إثباته ~~ولأن عدم معنى من الجسم ليس بشيء يحدث ولا يكتسب فمحال تعلق القدرة بما ليس ~~بمعنى يحدث ويكتسب فبطل هذا القول # ولأن الجسم لو تحرك في جهة بعينها وإلى محاذاة بعينها لعدم معنى منه مع ~~صحة تحركه مع عدم ذلك المعنى إلى غير تلك الجهة والمحاذاة لم يكن بأن يتحرك ~~إلى الجهة والمحاذاة التي تحرك إليها أولى من تحركه إلى غيرها وفي العلم ~~بكونه أولى بالتحرك إلى ما تحرك إليه وأحق به في ذلك الوقت دليل على بطلان ~~هذا القول # ولأن الجسم أيضا لو تحرك لعدم معنى منه لم يكن هو بالتحرك أولى من غيره ~~من الأجسام لأن ذلك المعنى الذي عدم منه ليس هو فيه ولا في غيره فيجب لذلك ~~تحرك كل ما ليس فيه ذلك المعنى وفي العلم ببطلان هذا دليل على فساد هذا ~~القول # ويستحيل أيضا أن يكون مقدور القدرة على تحريك الجسم ما ليس هو نفس الجسم ~~ولا معنى سواه لأن ما ليس هو نفسه ولا معنى غيره ليس بشيء يصح أن يكون ~~حادثا أو مكتسبا فبطل أيضا هذا الوجه وصح بذلك أن قدرة القادر على تحريك ~~الجسم قدرة على فعل معنى فيه أو اكتسابه وهذا هو معنى قولنا إن المتحرك كان ~~متحركا بالفاعل ms011 # ويدل على أن قدرة الإنسان على المتحرك لا يجوز أن تكون قدرة على نفسه ~~علمنا وهم باستحالة كون الإنسان فاعلا للأجسام وأنه لو صح ذلك وأن يقدر على ~~نفسه لصح أن يقدر على مثله ومما يدل أيضا على أنه لا يجوز أن يكون المتحرك ~~متحركا لا لنفسه ولا لعلة أن ذلك لو كان كذلك لصار قولنا فيه إنه متحرك ~~لقبا لا فائدة تحته ولجرى مجرى تسميتنا زيدا زيدا وذلك باطل ولأن ذلك لو ~~كان كذلك لم يكن هو بالتحرك أولى من غيره ولخرج قولنا متحرك عن أن يكون له ~~مثبتا PageV01P040 ومخبرا عنه وإن كان إثباتا وخبرا لأنه غير راجع إلى نفس ~~الجسم ولا إلى معنى سواه وذلك باطل باتفاق وهذا يحيل أن يكون شيء من ~~الأوصاف مستحقا لا لنفس ولا لعلة وفي بعض ما أومأنا إليه دليل على إثبات ~~الأعراض & باب الكلام في إثبات حدث العالم & # جميع العالم العلوي والسفلي لا يخرج عن هذين الجنسين أعني الجواهر ~~والأعراض وهو محدث بأسره والدليل على حدثه ما قدمناه من إثبات الأعراض # والأعراض حوادث والدليل على حدوثها بطلان الحركة عند مجيء السكون لأنها ~~لو لم تبطل عند مجيء السكون لكانا موجودين في الجسم معا ولوجب لذلك أن يكون ~~متحركا ساكنا معا وذلك مما يعلم فساده ضرورة # والدليل على حدوث الأجسام أنها لم تسبق الحوادث ولم توجد قبلها وما لم ~~يسبق المحدث محدث كهو إذ كان لا يخلو أن يكون موجودا معه أو PageV01P041 ~~بعده وكلا الأمرين يوجب حدوثه # والدليل على أن الجسم لا يجوز أن يسبق الحوادث أنا نعلم باضطرار أنه متى ~~كان موجودا فلا يخلو أن يكون متماس الأبعاض مجتمعا أو متباينا مفترقا لأنه ~~ليس بين أن تكون أجزاؤه متماسة أو متباينة منزلة ثالثة فوجب ألا يصح أن ~~يسبق الحوادث وما لم يسبق الحوادث فواجب كونه محدثا إذ كان لا بد أن يكون ~~إنما وجد مع وجودها أو بعدها PageV01P042 فأي الأمرين ثبت وجب به القضاء ~~على حدوث الأجسام & باب الكلام في إثبات الصانع ms012 & # ولا بد لهذا العالم المحدث المصور من محدث مصور والدليل على ذلك أن ~~الكتابة لا بد لها من كاتب ولا بد للصورة من مصور وللبناء من بان وأنا لا ~~نشك في جهل من خبرنا بكتابة حصلت لا من كاتب وصياغة لا من صائغ فوجب أن ~~تكون صور العالم وحركات الفلك متعلقة بصانع صنعها إذ كانت ألطف وأعجب صنعا ~~من سائر ما يتعذر وجوده لا من صانع من الحركات والتصويرات # ويدل على ذلك علمنا بتقدم بعض الحوادث على بعض وتأخر بعضها عن بعض مع ~~العلم بتجانسها ولا يجوز أن يكون المتقدم منها متقدما لنفسه وجنسه لأنه لو ~~تقدم لنفسه لوجب تقدم كل ما هو من جنسه وكذلك لو تأخر المتأخر منها لنفسه ~~وجنسه لم يكن المتقدم منها بالتقدم أولى منه بالتأخر وفي العلم بأن المتقدم ~~من المتماثلات لم يكن بالتقدم أولى منه بالتأخر دليل على أن له مقدما قدمه ~~وجعله في الوجود مقصورا على مشيئته # ويدل على ذلك أيضا علمنا بصحة قبول كل جسم من أجسام العالم لغير ما حصل ~~عليه من التركيب وصحة كون المربع منها مدورا وكون المدور مربعا وكون ما هو ~~بصورة بعض الحيوان بصورة غيره وانتقال كل جسم عن شكله إلى غيره من الأشكال ~~فلا يجوز أن يكون ما اختص منها بشكل معين مخصوص إنما اختص به لنفسه أو لصحة ~~قبوله له لأن ذلك لو كان كذلك لوجب قبوله لكل شكل يصح قبوله له في وقت واحد ~~حتى يجتمع فيه PageV01P043 جميع الأشكال المتضادة وفي فساد ذلك دليل على ~~بطلان هذا القول ووجوب العلم بأن كل ذي شكل منها إنما حصل كذلك بمؤلف ألفه ~~وقاصد قصد كونه كذلك & باب في أن المحدث ليس فاعلا لنفسه & # والدليل على أنه ليس بفاعل لنفسه أن منه الموات والأعراض التي لا يصح أن ~~تحيا والفاعل لا يكون إلا حيا قادرا ولأن الحي منه كان مواتا في بدء أمره ~~وجاهلا بنفسه وكيفية تركيبه ولن يجوز أن يصنع المحكمات إلا حي عالم قادر ~~وليس ms013 يجوز أن يكون كل شيء منه فعل غيره لأن المخلوق لا يفعل في غيره شيئا ~~وسنبين ذلك فيما بعد إن شاء الله وأيضا فإنه لو صح أن يفعل المحدث غيره وما ~~هو مثل له لصح أن يفعل نفسه إذ كانت بمعنى ما هو فعل له ومن جنسه ولما ~~استحال ذلك بما قدمنا أولا صح أن لجميع العالم خالقا غيره ليس منه & باب في ~~أنه لا يجوز أن يكون صانع المحدثات مشبها لها & # ولا يجوز أن يكون صانع المحدثات مشبها لها لأنه لو أشبهها لكان لا يخلو ~~أن يشبهها في الجنس أو في الصورة ولو أشبهها في الجنس لكان محدثا كهي ~~ولكانت قديمة كما أنه قديم لأن المشتبهين هما ما سد أحدهما مسد صاحبه وناب ~~منابه ودليل ذلك أن السوادين المشتبهين يسدان في المنظر مسدا واحدا وكذلك ~~البياضان والتأليفان ولو أشبهها في الصورة والتأليف لم يكن شيئا واحد ولوجب ~~أن يكون له مصور جامع لأن الصورة لا تقع إلا من مصور لما قدمناه من قبل ~~ولوجب أن يكون من جنس الجواهر المتماسة وأن يكون محدثا كهي وذلك محال ~~PageV01P044 & باب في أنه لا يجوز أن يكون فاعل المحدثات محدثا & # ولا يجوز أن يكون فاعل المحدثات محدثا بل يجب أن يكون قديما والدليل على ~~ذلك أنه لو كان محدثا لاحتاج إلى محدث لأن غيره من الحوادث إنما احتاج إلى ~~محدث من حيث كان محدثا وكذلك القول في محدثه إن كان محدثا في وجوب حاجته ~~إلى محدث آخر وذلك محال لأنه كان يستحيل وجود شيء من الحوادث إذا كان وجوده ~~مشروطا بوجود لا غاية له من الحوادث شيئا قبل شيء وهذا هو الدليل على إبطال ~~قول من زعم من أهل الدهر أن الحوادث لا أول لوجودها & باب الكلام في أن ~~صانع العالم واحد & # وليس يجوز أن يكون صانع العالم اثنين ولا أكثر من ذلك والدليل على ذلك أن ~~الاثنين يصح أن يختلفا ويوجد أحدهما ضد مراد الآخر فلو اختلفا وأراد أحدهما ~~إحياء جسم وأراد ms014 الآخر إماتته لوجب أن يلحقهما العجز أو واحدا منهما لأنه ~~محال أن يتم ما يريدان جميعا لتضاد مراديهما فوجب أن لا يتما أو يتم مراد ~~أحدهما فيلحق من لم يتم مراده العجز أو لا يتم مرادهما فيلحقهما العجز ~~والعجز من سمات الحدث والقديم الإله لا يجوز أن يكون عاجزا & باب في أن ~~صانع العالم حي & # فإن قال قائل فما الدليل على أن صانع الأشياء حي قيل له الدليل على ذلك ~~أنه فاعل عالم قادر والفاعل العالم القادر لا يكون إلا حيا # يبين ذلك أنه لو جاز أن تظهر الأفعال المحكمات ممن ليس بحي ولا عالم ولا ~~PageV01P045 قادر لم ندر لعل ما يظهر من الناس من الكتابة والصياغة وسائر ~~التصرف يظهر منهم وهم موتى جماد عجزه ولم نذر لعل السائل لنا عن هذا السؤال ~~المناظر لنا على تصحيح مذهبه وإبطال قولنا ميت أو موات وهذا تجاهل من راكبه ~~وجحد لما نحن إلى إثباته مضطرون فوجب أن يكون الصانع عالما قادرا حيا & باب ~~في أن الصانع عالم & فإن قال قائل وما الدليل على صحة ما تذهبون إليه في ~~أنه عالم قيل له يدل على ذلك وجود الأفعال المحكمات منه لأن الأفعال ~~المحكمات لا تقع منا على ترتيب ونظام كالصياغة والتجارة والكتابة والنساجة ~~إلا من عالم وأفعال الله تعالى أدق وأحكم فكانت أولى بأن تدل على أنه حي ~~عالم & باب في أن الصانع سميع بصير متكلم & # فإن قال قائل فما الدليل على أنه سميع بصير متكلم قيل له الدليل على ذلك ~~أنه قد ثبت أنه حي بما وصفناه والحي يصح أن يكون متكلما سميعا بصيرا ومتى ~~عري من هذه الأوصاف مع صحة وصفه بها فلا بد من أن يكون موصوفا بأضدادها من ~~الخرس والسكوت والعمى والصمم وكل هذه الأمور آفات قد اتفق على أنها تدل على ~~حدث الموصوف بها فلم يجز وصف القديم بشيء منها فوجب أن يكون سميعا بصيرا ~~متكلما PageV01P046 & باب في أنه مريد & # فإن قال قائل فما الدليل على أنه مريد ms015 قيل له وجود الأفعال منه وتقدم ~~بعضها على بعض في الوجود وتأخر بعضها عن بعض في الوجود فلولا أنه قصد إلى ~~إيجاد ما أوجد منها لما وجد ولا تقدم من ذلك ما تقدم ولا تأخر منه ما تأخر ~~مع صحة تقدمه بدلا من تأخره وتأخره بدلا من تقدمه & باب في الرضا والغضب ~~وأنهما من الإرادة & # فإن قال قائل فهل تقولون إنه تعالى غضبان راض وإنه موصوف بذلك قيل له أجل ~~وغضبه على من غضب عليه ورضاه عمن رضي عنه هما إرادته لإثابة المرضي عنه ~~وعقوبة المغضوب عليه لا غير ذلك # فإن قال قائل فما الدليل على أن غضب الباري جل وعز ورضاه ورحمته وسخطه هو ~~إرادته لإثابة المرضي عنه ولمنفعة من رضي عنه وعقاب من غضب عليه وإيلامه ~~وضرره قيل له الدليل على ذلك أن الغضب والرضا إما أن يكونا إرادة للنفع ~~والضر أو يكون الغضب تغير الطبع ونفور النفس والرضى السكون بعد تغير الطبع ~~ولا يجوز أن يكون الباري جل وعز ذا طبع يتغير وينفر ويسكن ولا ممن يألم ~~ويرق من حيث ثبت قدمه وغناه عن اللذة وامتناع تألمه بشيء ينفر عنه ويتألم ~~لإدراكه إذ ليست هذه الأشياء من جنسه وشكله أو مضادة له أو منافرة ~~PageV01P047 لصفاته لما قام من الدليل على أنه ليس بذي جنس ولا نوع ولا شكل ~~ولا ملتذ ولا متألم ولا منتفع ولا مستضر فثبت بذلك أن رضاه وغضبه وسخطه ~~إنما هي إرادته وقصده إلى نفع من المعلوم أنه ينفعه وضرر من سبق علمه وخبره ~~أنه يضره لا غير ذلك وكذلك الحب والبغض والولاية والعداوة هو نفس الإرادة ~~للنفع والأضرار فقط # | مسألة في أنه لا يجوز عليه الشهوة # فإن قال قائل فهل تجوز عليه الشهوة قيل له إن أراد السائل بوصفه بالشهوة ~~الإرادة لأفعاله فذلك صحيح في المعنى غير أنه قد أخطأ وخالف الأمة في وصفه ~~القديم بالشهوة إذ لم يكن ذلك من أوصافه وأسمائه وإن أراد بوصفه بالشهوة ~~توقان النفس وميل الطبع إلى المنافع ms016 واللذات فذلك محال ممتنع عليه لما قد ~~مر من قبل & باب في أنه لم يزل حيا عالما قادرا سميعا بصيرا متكلما مريدا & # فإن قال قائل ولم زعمتم أن الصانع لم يزل حيا عالما قادرا سميعا بصيرا ~~متكلما مريدا كما أنه اليوم موصوف بذلك قيل له لأنه لو كان فيما لم يزل غير ~~حي ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم ولا مريد لكان لم يزل ~~ميتا عاجزا أخرس ساكتا فتعالى عن ذلك # ولو كان لم يزل موصوفا بالموت الذي يضاد الحياة والعلم والقدرة لكان إنما ~~يوصف بذلك لنفسه أو لعلة قديمة ولو كان لنفسه كذلك لاستحال أن يحيا ما دامت ~~PageV01P048 نفسه كائنة وكذلك لو كان على ما ذكرالسائل لعلة قديمة لاستحال ~~أن يحيا اليوم لاستحالة عدم موته القديم لأن القديم لا يجوز عدمه وإذا ~~استحال ذلك استحال أن يفعل ويوجد منه ما يدل على أنه اليوم حي قادر وفي صحة ~~ذلك منه ووجوده دليل على أنه لم يزل حيا وكذلك لو كان لم يزل حيا وهو غير ~~متكلم ولا سميع ولا بصير ولا مريد ولا عالم ولا قادر لوجب أن يوصف بأضداد ~~هذه الصفات في أزله من الخرس والسكوت والصمم والعمى والاستكراه والسهو ~~والجهل والعجز فتعالى عن ذلك أجمع # ولو كان لم يزل موصوفا بهذه الأوصاف لنفسه أو لمعنى قديم لاستحال خروجه ~~عنها ووصفه بضدها لاستحالة عدم القديم ولوجب أن يكون في وقتنا هذا غير حي ~~ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير وذلك خلاف إجماع المسلمين & باب في أن ~~القديم لا يجوز عليه العدم & # فإن قال قائل ولم قلتم إن القديم لا يجوز أن يعدم قيل له لأجل أنه لو عدم ~~لصح وجوده بعد عدمه على سبيل الحدوث كما أنه قد صح له الوجود من قبل فلو ~~حدث لكان محدثا لنفسه قديما لنفسه إذ لنفسه كان قديما ونفسه قد وجدت لما ~~حدثت وهي تلك النفس بعينها ومحال أن يكون القديم قديما لنفسه محدثا لنفسه ~~كما ms017 يستحيل أن يكون السواد سوادا لنفسه بياضا لنفسه # ويدل على ذلك أيضا أنه لو جاز عدم القديم بعد وجوده لوجب أن تكون ~~PageV01P049 ذاته مما يصح عليها العدم تارة والوجود أخرى ولو كانت كذلك ~~لجرت مجرى سائر الذوات المحدثات التي يجوز عليها العدم تارة والوجود أخرى ~~ولو كانت كذلك لاحتاجت إلى موجد يوجدها كما أن الحوادث التي هذه سبيلها لا ~~تكون بالوجود أولى منها بالعدم إلا عند قصد قاصد وإرادة مريد تكون موجودة ~~بإرادته ومتعلقة بمشيئته # فلما لم يجز تعلق القديم بمحدث لم يجز عليه العدم بعد وجوده & باب في أن ~~صنع الله للعالم ليس لغرض & # فإن قال قائل فهل تقولون إن صانع العالم صنعه بعد أن لم يصنعه لداع دعاه ~~إلى فعله ومحرك حركه وباعث بعثه وغرض أزعجه وخاطر اقتضى وجود الحوادث منه ~~أم صنعه لا لشيء مما سألت عنه قيل إنه تعالى صنع العالم لا لشيء مما سألت ~~عنه فإن قيل وما الدليل على ذلك قيل الدليل عليه أن الدواعي المزعجات ~~والخواطر والأغراض إنما تكون وتجوز على ذي الحاجة الذي يصح منه اجتلاب ~~المنافع ودفع المضار وذلك أمر لا يجوز إلا على من جازت عليه الآلام واللذات ~~وميل الطبع والنفور وكل ذلك دليل على حدث من وصف به وحاجته إليه وهو منتف ~~عن القديم تعالى وكذلك الأسباب المزعجة المحركة الباعثة على الأفعال إنما ~~تحرك الغافل وتنبه الجاهل وتخطر للخائف والراجي الذي يخاف الاستضرار بترك ~~الأفعال ويرجو بإيقاعها الصلاح والانتفاع والله يتعالى عن ذلك لأنه عالم ~~بما يكون قبل أن يكون وبما تؤول إليه عواقب الأمور ويعلم السر وأخفى ولا ~~يجوز على من PageV01P050 هذه صفته خطور الأمر بباله كالذي لم يكن عالما به ~~ولا أن تبعثه الدواعي والبواعث على أفعاله وذلك إنا إذا قلنا لفاعلنا ما ~~الذي دعاك إلى الفعل وحركك على إيقاعه وما الغرض في دون غيره وفي فعله دون ~~تركه والانصراف عنه فإنما نأله ليخبرنا أقصد بذلك اجتلاب منفعة أو دفع مضرة ~~أم لا فإن قال فعله لا ms018 لاجتلاب منفعة ولا لدفع مضرة مع علمه بوقوعه وجب ~~القضاء على تسفيهه لأنه ممن يحتاج إلى جر المنافع ودفع المضار وهو مأمور ~~بذلك وإيقاعه الفعل عاريا من القصد إلى ذلك والتصدي له سفه وخلاف لما وجب ~~عليه والقديم تعالى ليس بذي حاجة ولا ممن يلزمه الانقياد والطاعة فلم يجز ~~أن يقاس على فاعلنا & مسألة في أن القديم لم يفعل العالم لعلة & # فإن قال قائل فهل تقولون إن القديم فعل العالم لعلة أوجبت حدوثه منه قيل ~~له لا لأن العلل لا تجوز عليه لأنها مقصورة على جر المنافع ودفع المضار ~~ويدل على ذلك أيضا أنه لو كان تعالى فاعلا للعالم لعلة أوجبته لم تخل تلك ~~العلة من أن تكون قديمة أو محدثة فإن كانت قديمة وجب قدم العالم لقدم علته ~~وألا يكون بين العلة القديمة وبين وجود العالم إلا مقدار زمان الإيجاد وذلك ~~يوجب حدوث القديم لأن ما لم يكن قبل المحدث إلا بزمان أو أزمنه محدودة وجب ~~حدوثه لأن فائدة توقيت وجود الشيء هو أنه كان معدوما قبل تلك الحال فلما لم ~~يجز حدوث القديم لم يجز أن يكون العالم محدثا لعلة قديمة وإن كانت تلك ~~العلة محدثة فلا يخلو PageV01P051 محدثها أن يكون أحدثها لعلة أو لا لعلة ~~فإن كانت محدثة لعلة وعلتها أيضا محدثة وجب أن تكون علة العلة محدثة لعلة ~~أخرى وكذلك أبدا إلى غير غاية وذلك يحيل وجود العالم جملة لتعلقه بما ~~يستحيل فعله وخروجه إلى الوجود وإن كانت العلة والخاطر والداعي والباعث ~~والمحرك محدثة لا لعلة وكانت بالوجود لما وجدت من فاعلها أولى منها بالعدم ~~لا لعلة # وكان فاعلها حكيما غير سفيه جاز حدوث سائر الحوادث منه لا لعلة وكان ~~حكيما غير سفيه ولم يكن خروجه عن السفه بإحداث محدث واحد لا لعلة أولى من ~~خروجه عنه بإحداث جميع الحوادث لا لعلة وهذا يبطل ما توهموه إبطالا ظاهرا & ~~مسألة في علة الفعل الصادر عن الفاعل الحكيم & # فإن قال قائل فهل وجدتم فاعلا حكيما يفعل الفعل لا ms019 لعلة مع العلم والذكر ~~قيل له لا إذا صح أن يوقعه على وجه يصح انتفاعه به أو دفع الضر عنه فإن قال ~~فيجب حمل أمر القديم في فعله على حال فاعلنا قيل له لا يجب ذلك لافتراقهما ~~في علة جواز النفع والضرر عليهما وقد مر ذلك بما يغني عن رده # ويقال لهم لو لم يصح القضاء إلا بما شوهد ووجد لوجب إحالة ما تذهبون إليه ~~من إثبات حوادث لا أول لها وإحالة القضاء على قدم الجسم وأنه لا أول لوجوده ~~وإحالة قول من قال منكم بأن الهيولي والطينة قد كانت خلت من الكمية والصورة ~~والكيفية وجميع الأعراض وإحالة قول من قال PageV01P052 إن الطبائع الأربع ~~قد كانت غير مركبة في الأجسام وقول من قال إن النور والظلام قد كانا في ~~القدم خالصين غير ممتزجين لأن ذلك أجمع مما لم ير ولم يشاهد ولوجب على من ~~نشأ في بلاد الزنج ولم يشاهد فيها إنسانا إلا أسود ولا ماء إلا عذبا ولا ~~زرعا إلا أخضر أن يقضى على أنه لا إنسان ولا ماء ولا زرع إلا على صفة ما ~~وجد وشاهد حتى ينفي وجود الروم والصقالبة وماء البحار والأحمر والأصفر من ~~النبات فلما لم يجب ذلك أجمع وكان القضاء بذلك قضاء بالجهل بطل التعلق ~~بمجرد الشاهد والوجود وزال جميع ما يسألون عنه من هذا الجنس & باب الكلام ~~على القائلين بفعل الطباع & # فإن قال قائل لم أنكرتم أن يكون صانع العالم طبيعة من الطبائع وجب حدوث ~~العالم عن وجودها قيل له أنكرنا ذلك لأن هذه الطبيعة لا تخلو أن تكون معنى ~~موجودا أو معدوما ليس بشيء # فإن كانت معدومة ليست بشيء لم يجز أن تفعل شيئا أو أن يكون عنها شيء أو ~~ينسب إليها شيء لأنه لو جاز ذلك جاز وجود الحوادث من كل معدوم وعن كل معدوم ~~لأن ما يقع عليه هذا الاسم فليس بذات ولا يختص ببعض الأحكام والصفات فلو ~~كان منه ما يحدث الأفعال أو تجب عنه لصح ذلك من كل ms020 معدوم وذلك باطل باتفاق # وإن كانت الطبيعة التي نسب إليها السائل حدوث العلم وعلقه بها معنى ~~موجودا لم تخل تلك الطبيعة الموجبة عندهم لحدوث العالم من أن تكون قديمة أو ~~محدثة فإن كانت قديمة وجب أن تكون الحوادث الكائنة عنها PageV01P053 قديمة ~~لأن الطبيعة لم تزل موجودة ولا مانع من وجود الحوادث الموجبة عنها فيجب ~~وجودها مع الطبيعة في القدم كما يجب اعتماد الحجر مع وجود طبعه وإحراق ~~النار وانحلال الطبع والإسكار مع وجود طبع النار والسقمونيا والشراب إذا لم ~~يمنع من ذلك مانع فكذلك يجب وجود العالم في القدم وإن كان محدثا مع وجود ~~الطبع الكائن عنه عندهم # إذا لم يمنع من ذلك مانع وفي إطباقنا وإياهم على استحالة قدم الحوادث ~~دليل على أنها لا يجوز أن تكون حادثة عن طبيعة قديمة # فإن قالوا هذا يلزمكم في قولكم إن صانع العالم لم يزل قادرا على إيجاده ~~لأن قدرته على الإيجاد قديمة قلنا لا يجب ذلك من وجهين أحدهما أننا نحن لا ~~نزعم أن القديم سبحانه قادر بقدرة في الأزل على أن تكون الأفعال مع القدرة ~~وإنما تقول إنه قادر على أن يستأنف الأفعال وعلى أن يحدثها في زمان قد كانت ~~قبله معدومة ومحال أن تكون قدرة على ما لم يكن معدوما قبل وجوده فلم يجب ~~قدم الأفعال لقدم القدرة عليها # والأمر الآخر أننا نحن لا نزعم أن قدرة القديم سبحانه علة للأفعال ولا ~~موجبة لها حسب ما تقولونه أنتم في إيجاب الطبع لحدث عنه وكونه علة له ووجوب ~~كونه عنه ولا نحيل أن توجد قدرة القديم في الأزل وهو غير PageV01P054 فاعل ~~بها وإن كانت على صفة ما يصح أن يفعل بها وكان هو تعالى على صفة من يصح أن ~~يفعل بها وكان المعدوم المقدور مما يصح أن يخرج إلى الوجود ولا مانع يمنع ~~من خروجه لأن قدرته ليست بعلة ولا سبب لمقدوره ولا موجبة له وأنتم تزعمون ~~أن الطبع الكائن عنه العالم وكل طبع كان منه أمر من الأمور موجب ms021 لما يحدث ~~عنه ومقتض له إذا لم يمنع من ذلك مانع فبان الفرق بين قولنا وقولكم # وكذلك الجواب إن ألزموا هذا الإلزام في إرادة الله تعالى للأفعال وإن ~~كانت قديمة عندنا لأنها على قولنا إرادة لكون الفعل على التراخي ولأنها ~~ليست علة لوجود المراد # فإن قالوا إن هذا الطبع القديم هو شيء حي عالم قادر ليس بموجب للفعل ولا ~~علة له بل يفعل بالقدرة والاختيار أقروا بالحق وصانع العالم الذي نثبته وإن ~~خالفونا في تسميته طبعا وكان هذا عندنا محظورا بالشرع # وإن كان الطبع المحدث للعالم محدثا فلا يخلو أن يكون حادثا عن طبع أولا ~~عن طبع فإن كان حادثا عن طبع أوجبه وجب أيضا أن تكون تلك الطبيعة كائنة ~~حادثة عن طبيعة أخرى أوجبتها وكذلك القول في طبع الطبع أبدا إلى غير غاية ~~وهذا يحيل وجود العالم لأنه متعلق بوجود ما لا غاية له وقد ثبت استحالة ~~خروج ما لا غاية له إلى الوجود كما ثبتت استحالة اجتماع الحركة عن المكان ~~والسكون في المحل الواحد معا فكما تجب استحالة وجود العالم وحدوثه لو علق ~~باجتماع الحركة عن المكان والسكون PageV01P055 فيه أيضا معا فلذلك أيضا تجب ~~استحالة وجوده وحدوثه إذا علق بوجود طبائع هي حوادث لا غاية لها وفي صحة ~~وجود العالم وحدوثه دليل على فساد هذا القول # وإن كانت الطبيعة الموجبة لحدوث العالم حادثة لا عن طبيعة أوجبتها جاز ~~أيضا حدوث العالم لا عن طبيعة أوجبته وحدوث الإسكار والإحراق والتبريد ~~والتسخين وسائر الحوادث لا عن طبيعة كما أنه لو جاز حدوث محدث واحد لا من ~~محدث لجاز حدوث سائر الحوادث لا من محدث وهذا يبطل قولهم بإثبات طبيعة حدث ~~العالم عنها # وعلى أن هذه الطبيعة إن كانت محدثة فلا تخلو أن يكون أحدثها محدث أولا ~~فإن كانت حادثة عن محدث فلا تخلو أن يكون أحدثها محدثها بطبع أو بغير طبع ~~فإن كان أحدثها بطبع وكان طبعه أيضا محدثا وجب أن يكون لطبعه محدث ولمحدثه ~~طبع محدث له محدث أبدا ms022 إلى غير غاية وذلك محال وإن كان محدث الطبيعة أحدثها ~~بغير طبع جاز حدوث العالم أيضا من محدث ليس بذي طبع وبطل إثبات الطبع وإن ~~كان محدث الطبيعة التي حدث العالم عنها قديما وكان طبعه قديما وجب قدم ~~الطبيعة وقدم العالم الكائن عنها على ما بيناه من قبل هذا وهذا ظاهر في أنه ~~لا يجوز أن يكون العالم حادثا عن طبع من الطبائع # أما قول من قال إن العالم بأسره مركب من الطبائع الأربع الحرارة والبرودة ~~والرطوبة واليبوسة فإنه باطل من وجوه أحدها أن هذه الطبائع أعراض محدثة ~~متضادة على الأجسام لأنه محال اجتماع الحرارة مع البرودة في محل واحد فيجب ~~حدوث الحرارة بعد بطلان البرودة وكذلك الرطوبة بعد PageV01P056 اليبوسة ~~فهذه الطبائع جارية مجرى الحركة والسكون والسواد والبياض وسائر الأعراض ~~المتضادة فيجب حدثها واستحالة كونها قديمه أو بعضا لكلية حرارة وبرودة ~~ورطوبة ويبوسة قديمة أزلية لأن المحدث لا يجوز أن يكون بعضا للقديم كما لا ~~يجوز أن تكون جزئيات الحركة والسكون منفصلات عن كليات قديمة فوجب القضاء ~~على حدوث هذه الطبائع وأنها حادثة من غير طبائع فكذلك جائز حدث سائر العالم ~~عن غير طبيعة # وعلى أنا قد بينا أن هذه الأجناس أعراض وبينا أن الأعراض لا يجوز أن تفعل ~~شيئا لأن الفاعل لا يكون إلا حيا عالما قادرا قاصدا إذا كان فعله محكما فلم ~~يجز أن تكون هذه الطبائع فاعله للعالم # ومما يدل على أستحالة قدم هذه الطبائع أنها لو كانت قديمة وكان العالم ~~حادثا عنها لوجب قدمه مع قدمها على ما بيناه من قبل إذ لا مانع يمنع من ~~كونه معها # فإن قالوا كذلك نقول قيل لهم فإذا كان الطبع قديما أزليا وكان الكائن عنه ~~قديما أزليا فلم كان أحدهما بأن يكون موجبا للآخر وسببا له أولى من أن يكون ~~المسبب سببا وعلة فلا يجدون في ذلك متعلقا # وإن قالوا العالم محدث التركيب والتصوير عن اجتماع هذه الطبائع واختلاطها ~~دون وجود ذواتها قيل لهم فخبرونا عن اختلاط هذه الطبائع ms023 وامتزاجها أهو هي ~~أم معنى سواها فإن قالوا هو هي قيل لهم فهي قديمة الأعيان فيجب قدم تركيب ~~العالم وتصويره لقدم الاختلاط وإن قالوا معنى سواها قيل أقديم هو أم محدث ~~فإن قالوا قديم قيل لهم فيجب قدم التصوير والتركيب لقدم الاختلاط الموجب ~~لذلك وإن قالوا محدث قيل لهم أفمن طبع حدث أو من غير طبع فإن قالوا من طبع ~~غير الطبائع PageV01P057 الأربع أقروا بطبع خامس وتركوا قولهم وإن قالوا ~~بغير طبع قيل لهم فما أنكرتم من جواز حدوث تركيب العالم وسائر الأشكال بغير ~~طبع فلا يجدون من ذلك مخرجا # ويقال لهم كيف اجتمعت هذه الطبائع الأربع وتركبت في الأجسام وهي لم تزل ~~متنافرة متباينة حيز كل واحد في القدم غير حيز صاحبه وطبع كل شيء منها ~~البعد عن صاحبه والنفور عنه وهل يجوز أن يجتمع شيئان أحدهما ثقيل يهوى ~~وينزل بطبعه والآخر خفيف متصاعد بطبعه من غير جامع يجمعهما وقامع يقمعهما ~~على الاجتماع لأن ما هذا سبيله متى لم يقهر على الاجتماع لم يزدد من ~~الاجتماع والتقارب إلا بعدا فإن قالوا ها هنا صانع أو طبيعة قهرت هذه ~~الطبائع على الاختلاط والاجتماع بعد التنافر والتباعد والتضاد تركوا قولهم ~~وأثبتوا طبعا خامسا وصانعا غيرها وإن أجازوا ذلك بغير صانع ألزموا اجتماع ~~الخفيف والثقيل والمنحدر والمتصاعد بغير سبب ولا جامع بل بسجيتهما وسوم ~~أنفسهما ولا فصل في ذلك # وأما اعتلالهم بأنهم لم يجدوا جسما يخلو من هذه الطبائع الأربع فوجب أن ~~تكون الأجسام مركبة منها فإنه يوجب عليهم أن تكون الأجسام مركبة من النور ~~والظلام والألوان والطعوم والراوئح والحركات والسكنات وسائر ما لا تنفك منه ~~الأجسام وفي بطلان ذلك دليل على بطلان ما قالوا PageV01P058 ومما يدل أيضا ~~على فساد ما يذهبون إليه من إثبات فعل الطبائع أنه لو كان الإسكار والإحراق ~~والتبريد والتسخين والشبع والري وغير ذلك من الأمور الحادثة واقعة عن طبيعة ~~من الطبائع لكان ذلك الطبع لا يخلو من أن يكون هو نفس الجسم المطبوع أو ~~معنى سواه فإن ms024 كان هو نفس الجسم وجب أن يكون تناول سائر الأجسام يوجب حدوث ~~الإسكار والشبع والري ومجاورة كل جسم يوجب التبريد والتسخين لقيام الدليل ~~على أن الأجسام كلها من جنس واحد وقد علم أن الشيء إذا أوجب أمرا ما وأثر ~~تأثيرا ما وجب أن يكون ما هو مثله وما جانسه موجبا لمثل حكمه وتأثيره ~~كالسوادين الموجودين بالمحل والحركتين في الجهة الواحدة وما جرى مجراها من ~~الأجناس وفي العلم باختلاف ما يحدث عند تناول هذه الأجسام دليل على أنه لا ~~يجوز أن يكون الموجب لشيء منه بعض الأجسام الذي هو مجانس لسائرها وأن الشبع ~~والري والإسكار لو وجبت عن تناول الطعام والشراب لوجب حدوث ذلك عند تناول ~~الحصى والتراب والفث والحنظل وأن يحدث الري والإسكار عند شرب الخل والبلسان ~~وسائر المائعات والجامدات أيضا لأنها من جنس الطعام والشراب # وإن كان ذلك الطبع الذي يومئون إليه عرضا من الأعراض فسد إثباته فاعلا من ~~وجوه # أحدها أن الأعراض لا يجوز أن تكون فاعلة كما لا يجوز أن تفعل الأفعال ~~الألوان والأكوان وغيرهما من أجناس الأعراض وكما لا يجوز أن PageV01P059 ~~يصنع دقائق المحكمات من الصياغة والنساجة والكتابة شيء من الأعراض ولا ~~الميت ولا الجماد # وعلى أنه لو جاز وقوع هذه الأفعال من الشبع والري والإسكار والصحة ~~والإسقام من الأعراض لجاز وقوعها من الموات ولو جاز ذلك لجاز أن نفعل نحن ~~جميع ذلك لأننا قادرون عالمون مريدون فوقوع هذه الأفعال من الحي العالم ~~القادر أقرب في عقل كل عاقل من وقوعها من الأعراض والموات وفي تعذر ذلك ~~علينا دليل على أنه أشد تعذرا على من قصر عن صفتنا # ولأن هذه الأمور لو كانت حادثة عن طبائع هي أعراض موجودة بهذه الأجسام ~~المطبوعة نحو النار والطعام والشراب لم تخل تلك الأعراض من أن تكون موجودة ~~بالأجسام عن طبيعة أو غير طبيعة فإن كانت موجودة بها عن طبيعة أخرى وجب ~~تعلق ذلك بما لا غاية له كما بيناه من قبل وإن كانت موجودة عن غير طبيعة ~~جاز أن ms025 تحتمل أيضا الأجسام وجود الإسكار والشبع والري عن غير طبيعة توجب ~~ذلك وهذا يبطل إثبات الطباع إبطالا ظاهرا # ويقال لهم أيضا خبرونا عن هذه الطبائع من أي أجناس الأعراض هي ومن أي ~~قبيل هي فلا يجدون إلى ذكر شيء سبيلا # ومما يدل على فساد فعل الطباع أيضا أنه لو جاز وقوع بعض الحوادث من الشبع ~~والري والصحة والسقم واللذة والألم من طبع ليس بحي ولا قادر ولا قاصد لجاز ~~وقوع الإرادة والنظر والكتابة ودقائق الصياغة والنجارة من طبع وعن طبع ليس ~~بحي ولا قادر ولا عالم كما أنه لو جاز استغناء بعض الحوادث عن محدث لجاز ~~غنى سائرها عن ذلك فلما كان جهة تعلق الإرادة بفاعل حي قادر هي كونها فعلا ~~حادثا دون كونها إرادة ثبت أن سائر الحوادث المشاركة للإرادة في وصف الحدوث ~~محتاجة إلى ما تحتاج إليه الإرادة من فاعل حي قادر PageV01P060 ومما يدل ~~أيضا على إبطال قولهم بفعل الطبائع علمنا بوجوب وجود كل معلول بعلة كلما ~~وجدت وتكررت وكلما وجد مثلها ووجوب كثرة المسببات عند كثرة أسبابها على قول ~~من أثبت السبب والمسبب # ألا ترى إلى وجوب كون العالم عالما بالشيء والمريد مريدا له كلما تكررت ~~له الإرادة والعلم له وجد به أمثالها في كل وقت زمان ولم يجز أن توجد به ~~علة الحكم في بعض الأماكن والأزمان ولا يوجد الحكم وكذلك يجب عند القائلين ~~بتولد الألم عن الضرب وذهاب الجسم عند الدفعة أن يكثرا عند كثرة أسبابهما ~~ويشتدا عند كثرة الضرب والاعتماد والدفع # وكذلك يجب لو كان الإسكار والشبع والري ونماء الزرع حادثا عن طبع الشراب ~~والطعام والسقي والتسميد وحمى الشمس لوجب أن تزداد هذه الأمور ما كانت ~~الأجسام محتملة لها عند وجود أمثال ما أوجب ذلك وتناوله فكان يجب أن يزيد ~~الزرع وينمي وإن بلغ حد النهاية في مستقر العادة إذا أديم سقيه وأكثر ~~تسميده وإظهاره للشمس حتى يزيد أبدا وينمي وأن توجب له هذه الأمور الزيادة ~~في غير إبان الزرع وحينه كما توجب ذلك ms026 في وقت عادة خروجه وفي علمنا أن ~~السقي والتسميد يعود بتلفه إذا بلغ مقدارا ما وأنه لا يوجب له في ذلك غير ~~حين نمائه دليل على سقوط ما قالوه وكذلك فلو أن الإنسان أكل وشرب فوق شبعه ~~لم يحدث له أبدا من الشبع والري ما يحدث عند الحاجة إلى تناول الطعام ~~والشراب بل يصير ذلك ضررا وألما وإذا كان هذا هكذا وجب بطلان ما قالوه وفسد ~~أن تكون الطبائع PageV01P061 التي في هذه الأشياء بزعمهم موجبة لهذه الأمور ~~لا على أحد إيجاب العلة للحكم ولا على سبيل ما تولد عن سبب يوجبه على مذهب ~~أصحاب التولد # وقد ثبت أيضا بما قدمناه أنه لا يجوز أن تكون الأعراض فاعلة للأفعال فبطل ~~ما يثبتونه من فعل الطبائع أو إيجابها لهذه الحوادث # فأما ما يهذون به كثيرا من أنهم يعلمون حسا واضطرارا أن الإحراق والإسكار ~~الحادثين واقعان عن حرارة النار وشدة الشراب فإنه جهل عظيم وذلك أن الذي ~~نشاهده ونحسه إنما هو تغير حال الجسم عند تناول الشراب ومجاورة النار وكونه ~~سكران ومحترقا ومتغيرا عما كان عليه فقط فأما العلم بأن هذه الحالة الحادثة ~~المتجددة من فعل من هي فإنه غير مشاهد بل مدرك بدقيق الفحص والبحث # فمن قائل إنه من قديم مخترع قادر وهو الحق الذي نذهب إليه ومن قائل يقول ~~إنه من فعل الإنسان الذي جاور النار وتناول الشراب ومتولد عن فعله الذي هو ~~سبب الإحراق والإسكار ومن قائل يقول إنه فعل الطبع في الجسم ولا أدري أهو ~~نفس الجسم المطبوع أم معنى فيه ومن قائل يقول إن الطبع عرض من الأعراض # فكيف يدرك حقيقة ما قد اختلف فيه هذا الضرب من الاختلاف بالمشاهدة ودرك ~~الحواس ولو جاز لزاعم أن يزعم أنه يعلم صحة فعل الطبع في الجسم لما حدث من ~~هذه الأمور اضطروا لجاز لنا أن ندعي أنا نعلم كذب مدعي ذلك اضطرارا وأنه هو ~~مضطر إلى ذلك وهذا مما لا PageV01P062 حيلة لهم في الخلاص منه وقد ثبت أن ~~ما يعلم ms027 بالضرورة ودرك الحواس لا يجوز أن يجتمع على جحده وإنكاره قوم بهم ~~تثبت الحجة وينقطع العذر كما لا يجوز مثل ذلك في جحد وجودنا السماء فوقنا ~~والأرض تحتنا وسماع كلام السائل لنا في هذا الباب وفي جحد أكثر العالم ~~والأمم لفعل الطباع والعلم بهذه الطبائع أصلا دليل على جهل مدعي هذه الدعوى # وعلى أن كثيرا من المتكلمين ينكر العلم بوجود حوادث هي إحراق وإسكار من ~~جهة الإضطرار فكيف يعلم حدوثها من محدث بعينه وعن شيء بعينه اضطرار وكثير ~~من الناس يجهلون وجود هذه الأعراض وأعيانها فكيف يضطرون مع ذلك إلى العلم ~~بفاعلها وعلى أن سائر المتكلمين وأهل التحصيل قد أطبقوا على أن حدوث الشيء ~~وكونه عن عدم لا يعلم اضطرارا فكيف يعلم ممن حدث وعن أي شيء حدث اضطرارا ~~والعلم بحدث الشيء وما حدث عنه فرع للعلم بأنه محدث فإذا لم يعلمه محدثا ~~اضطرارا ولم يشاهده معدوما قبل وجوده وموجودا بعد عدمه فكيف يضطر إلى العلم ~~بمحدثه لولا الغفلة والذهاب عن التحصيل # ويقال لهم في هذا أيضا لو قال لكم قائل من المعتزلة القائلين بالتولد ~~إنني أعلم حدوث الألم وذهاب السهم والحجر متولدين عن الرمي والدفع ~~والاعتماد وكذلك الكسر والقطع وتأليف الأجسام عند حركات البنائين واعتمادهم ~~وإنني أشاهده وأحسه اضطرارا هل كان في دعواه ذلك إلا بمنزلتكم في إدعاء فعل ~~الطباع لأنه يقول وجدت هذه الأمور PageV01P063 تحدث عند الرمي والاعتماد ~~والضرب والرجم والصكة وأحس ذلك فيتعلق في ذلك بمثل ما به تعلقتم فإن سوغوه ~~ذلك صاروا إلى إثبات التولد وتركوا القول بفعل الطباع وإن امتنعوا منه لم ~~يجدوا إلى الفصل سبيلا # وتعارض المعتزلة في القول بتولد هذه الأمور عن الصكة والضرب والرمية بقول ~~المثبتين للطباع فلا يجدون في ذلك فص 4 # وإن قال أصحاب الطبائع قد توجد هذه الحركات والاعتمادات أحيانا غير ~~متولدة لما ادعته المعتزلة فبطل أن تكون متولدة في حال من الأحوال يقال لهم ~~وكذلك قد يوجد تناول الشراب ومجاورة النار أحيانا مع عدم الإحراق والإسكار ~~فبطل أن ms028 يكون الإحراق واجبا عن فعل الطباع # فإن قالوا إنما تفعل طباع الأغذية والأدوية مع عدم المانع لها قيل وكذلك ~~إنما تتولد هذه الأسباب مع عدم الموانع من مسبباتها ولا فصل في ذلك # فأما قول كثير من هؤلاء إن للفلك طبيعة خامسة ليست بحرارة ولا برودة ولا ~~رطوبة ولا يبوسة فإنه أيضا قول باطل لا حجة عليه فيقال لهم لم قلتم ذلك وما ~~دليلكم عليه فإن قالوا لأنا وجدنا الفلك يتحرك حركة دورية أبدا سرمدا ولا ~~يصح أن يتحرك في جهات العالم الست ولا أن يقف ويسكن بدلا من الحركة فوجب أن ~~تكون له طبيعة خامسة لأن الدال على طبائع الأجسام حركاتها في جهة العلو ~~والسفل فيقال لهم لم قلتم هذا وما PageV01P064 الحجة فيه وما يدريكم أن ~~الفلك لا يجوز أن يسكن يوما ما ولا أن يتحرك حركة مستقيمة في إحدى الجهات ~~الست وإن كنتم لم تجدوا ذلك قط فإن قالوا لأن ذلك لو جاز لجاز أن يتحرك ~~الماء والأرض سوم أنفسهما إلى فوق وأن تتحرك النار سوم نفسها إلى أسفل قيل ~~لهم ما أنكرتم من جواز ذلك إن كان ها هنا متحرك يتحرك سوم نفسه بغير متحرك ~~يحركه وما في وجودكم لتعذر هذا اليوم ما يدل على استحالته # ثم يقال لهم ما الدليل أولا على أن ها هنا متحركا يتحرك سوم نفسه بغير ~~محرك يحركه ويخترع فيه الحركة أو من غير أن يكون قادرا على تحريك نفسه ~~ومختارا لذلك فلا يجدون إلى تصحيح ذلك سبيلا # ثم يقال لهم فيجب على اعتلالكم هذا استواء طبع الهواء والنار والماء ~~والأرض لأن النار والهواء يتحركان أبدا صعدا سوم أنفسهما ولا يتحركان في ~~غير هذه الجهة فيجب استواء طبعهما لاستواء حركتيهما إن كان اختلاف الحركات ~~دالا على اختلاف الطباع وكذلك يجب اتفاق طبع الماء والأرض لاتفاق حركتيهما ~~إلى جهة السفل وهذا ترك لقولهم إن الماء رطب والأرض يابسة والهواء رطب ~~والنار يابسة فإن قالوا الأرض أقرب حركة من المركز من الماء فوجب اختلاف ~~طبعيهما ms029 قيل لهم فوجب مخالفة طبع الصفحة التي نحن عليها من الأرض لطبع ~~الصفحة التي تلي المركز لأن ذلك أقرب حركة إلى المركز وكذلك القول في تركيب ~~الصفحات وهذا ترك قولهم # ويقال لهم ويجب على اعتلالكم هذا أن تقضوا على اتفاق طبع كلية ~~PageV01P065 الماء والأرض والنار والهواء لأن من طبع كليات هذه الأشياء ~~الوقوف في عالمها الذي هو موضع مركزها وأن لا تتحرك عنه فإن صاروا إلى ذلك ~~تركوا قولهم وإن قالوا اتفاق كليات هذه الأشياء في السكون في مراكزها ~~ومواضع كلياتها لا يدل على اتفاق طبعها قيل لهم وكذلك اختلاف حركات ~~جزيئاتها الموجودة في عالمنا لا يدل على اختلاف طباعها ولا فصل في ذلك # ويقال لهم أيضا يجب على موضوعكم هذا أن يكون طبع جزئيات هذه الأشياء ~~مخالفا لكلياتها وأن تكون طباعها خلاف طباع كلياتها وذلك أن من شأن هذه ~~الجزئيات الموجودة في عالمنا الحركة ومن شأن كلياتها السكون والوقوف فيجب ~~لذلك اختلاف طباع الجزئيات والكليات فإن مروا على ذلك تركوا قولهم وإن أبوه ~~قيل له فما أنكرتم أيضا من اتفاق طبع الفلك والنار والهواء والماء والأرض ~~وإن اختلفت حركات هذه الأمور فلا يجدون إلى دفع ذلك سبيلا & باب الكلام على ~~المنجمين & # إن قال قائل فما أنكرتم أن يكون صانع هذا العالم ومصوره ومدبره ونافعه ~~وضاره ومبتليه الأفلاك السبعة التي هي الطوالع الشمس والقمر وزحل ~~PageV01P066 والمريخ والمشتري والزهرة وعطارد قيل له أنكرنا ذلك لعلمنا ~~بحدوث هذه النجوم وأنها جارية مجرى سائر أجسام العالم وذلك أنه قد جاز ~~عليها من الحد والنهاية والتأليف والحركة والسكون والانتقال من حال إلى حال ~~ما يجوز على سائر أجسام العالم فلو جاز أن تكون قديمة مع ما وصفنا لجاز قدم ~~سائر الأجسام # والدليل على حدوث هذه الأفلاك علمنا بأن الشمس تكون في برج الحمل ثم ~~تنتقل إلى برج الثور ثم إلى غيرها من البروج وقد علمنا أنها لا تجوز أن ~~تكون كائنة في برج الحمل ومتحركة إليه لعينها ونفسها لأن ذلك لو كان كذلك ~~لم ms030 تعلم نفسها إلا وهي كائنة في برج الحمل ولوجب أن تكون لم تزل كائنة فيه ~~لعينها ولا تزال كذلك وأن يستحيل خروجها عنه وانتقالها منه إذ كانت كائنة ~~فيه لعينها كما أنها إذا كانت قديمة لعينها وجوهرا لعينها استحال خروجها من ~~القدم والجوهرية وفي علمنا لخروجها PageV01P067 من كل برج إلى غيره وأن ~~كونها فيه مضاد لكونها في غيره دليل أنه لا يجوز أن يكون كونها في هذه ~~البروج قديما لأن ذلك لو كان كذلك لوجب أن تكون في برج الحمل في حال كونها ~~في برج الثور ولم تكن بأن تكون في أحد المكانين بأولى من أن تكون في الآخر ~~إذا كان كونها فيهما قديما لم يزل موجودا ولا يزال كذلك موجودا وإذا لم يجز ~~ذلك ثبت حدوث حركات هذه الأفلاك وأكوانها وثبت بذلك حدوثها لأنها عندنا ~~وعندهم لم توجد قط منفكة من هذه الأكوان وما لم يسبق الحوادث فواجب كونه ~~محدثا وقد أفسدنا من قبل قول من زعم أن الحوادث لا أول لها بما يغني عن رده ~~فوجب القضاء على حدوث هذه الأجسام وقد قام الدليل على أن الجسم المحدث لا ~~يصح أن يفعل في غيره وأنه لا توجد أفعاله إلا في نفسه فلم يجز أن تكون هذه ~~الآثار الأرضية من فعل الأفلاك إذ ليست هذه الأفعال موجودة بذواتها # وعلى أن هذه الأفلاك إذا ثبت حدثها بما وصفناه فلا تخلو من أن يكون لها ~~محدث مدبر أو لا محدث لها ولا مدبر فإن لم يكن لها محدث جاز وقوع الآثار ~~الأرضية والعلوية وسائر الحوادث من غير محدث هو فلك أو غيره وإن كان لها ~~محدث فلا يخلو أن يكون أحدثها بالطبع أو بالقدرة والاختيار فإن كان أحدثها ~~بالطبع وجب أن تكون قديمة لقدم الطبع الذي وجبت عنه على ما بيناه وخرجت عن ~~أن تكون محدثة وقد بينا فساد ذلك من قبل وجاز أن تكون سائر الحوادث ~~والتأثيرات حادثة بطبع ذلك الصانع المحدث لهذه الأفلاك دون طباع هذه ~~الكواكب فتكون كل ms031 الحوادث واقعة بطبع ذلك الفاعل وإن كان أحدثها بالقدرة ~~والاختيار فلا يخلو أن يكون PageV01P068 قادرا على ألا تكون الحوادث التي ~~يوجبون وجودها عند كون الشمس في برج الثور ومقابلتها لما قابلته أو غير ~~قادر على ذلك فإن كان غير قادر عليه وجب ممانعة هذه الأفلاك له وغلبتها ~~إياه وذلك يقتضي نقصه وحدوثه وإن كان صانعها قادرا على المنع من وجود هذه ~~التأثيرات مع وجود الأفلاك ومقابلتها وتربيعها وتسديسها وثبوت طبائعها ~~ويقدر على إيجاد غيرها من الحوادث بطل أن تكون لهذه الكواكب أفعال وتأثير ~~وطباع توجب حدوث ما يحدث في عالمنا وثبت أن ذلك أجمع فعل فاعل قادر مختار ~~يحدثه إذا شاء ويتركه إذا شاء # ومما يدل أيضا على أنه لا يجوز أن تكون هذه التأثيرات والحوادث الأرضية ~~والسماوية من فعل هذه الكواكب أنها لو كانت من فعلها لم تخل من أن تكون ~~فعلت هذه الأمور وهي قادرة عليها أو غير قادرة على ذلك فإن كانت غير قادرة ~~على ذلك استحال وقوع الأفعال منها كما يستحيل وقوع القصد والاختيار وحل ~~الأشكال وعمل الهندسة ودقائق الكتابة والنساجة والزرع والمساحة عندهم ~~وعندنا ممن ليس بقادر وذلك لأن الفعل إنما تعلق بفاعل حي قادر من حيث كان ~~فعلا فإذا جاز وقوع بعض الأفعال من غير قادر خرج جميعها عن الحاجة إلى ~~التعلق بقادر وفي بطلان ذلك دليل على أنها لا تجوز أن تكون غير قادرة # وإن كانت قادرة على ما كان منها ومختارة له فلا يخلو كل واحدة منها قديمة ~~كانت أو محدثة من أن يكون قادرا على ممانعة الآخر من فعله والاستبداد بوجود ~~مراده دون مراد PageV01P069 مخالفه أو لا يكون فيها قادرا على ذلك أو يكون ~~بعضها قادرا على هذا وبعضه غير قادر عليه ويساق معهم دليل التمانع بعينه ~~فإنه مفسد لقولهم وموجب لحدوث سائر هذه الأفلاك وفيه ترك تدينهم بقدمها # فأما من قال من المنجمين إن هذه الكواكب محدثة وأنها حية قادرة قاصدة ~~فإنه جوز تمانعها ولحوق العجز بها فإنهم لا سبيل ms032 لهم إلى العلم بكونها ~~قادرة مختارة وما معهم فيه سوى الدعوى فيقال لهم لم قلتم إن هذه الأفلاك ~~حية قادرة فإن قالوا لظهور ما ظهر من سيرها وقطعها البروج وكونها فيها على ~~ترتيب ونظام وفي الأوقات المعلومة قيل لهم وما الدليل على أن هذه الحركات ~~من فعلها وأنها قادرة عليها مع علمنا وإياكم بأنه قد يتحرك الحي والميت ~~والقادر ومن ليس بقادر فما في ظهور الحركات منها ما يدل على أنها قادرة وما ~~أنكرتم أن يكون صانعها خالقا للسير وقطع البروج فيها # فإن قالوا الذي به نعلم أن ما يظهر من حركات الناس وتصرفهم فعل لهم به ~~نعلم أن سير هذه الكواكب وكونها في البروج فعل لها يقال لهم لم قلتم ذلك ~~وما أنكرتم أن يكون علم الإنسان بأن نفسه فاعلة لقيامه وقعوده وضروب تصرفه ~~المتعلق بقدرته هو وجوده لنفسه قادرة على ذلك ومختارة له وعلى خلاف صفته ~~إذا دفع وسحب واضطر إلى حركة مثل حركة الحمى والفالج وأن يكون علمه بأن ~~غيره من الناس المتصرفين في الصياغة والكتابة مختارون لذلك وقاصدون إليه ~~وقادرون عليه يقع اضطرارا من وجه يلزم النفس العلم به لأننا قد نضطر إلى ~~علم كون PageV01P070 المريد منا مريدا والقاصد قاصدا وأنه بالصفة التي إذا ~~كنا نحن عليها سمينا قادرين عند أحوال تظهر منهم ليست بأسباب لكونهم قادرين ~~ولا دالة على ذلك ولكنا نضطر عند مشاهدتها والعلم بها إلى كونهم قاصدين ~~وأنهم بصفة القادرين على سبيل وضع العادة ومستقرها كما نضطر إلى خجل الخجل ~~ووجل الوجل وشجاعة الشجاع أو جبن الجبان عند أمور تظهر منهم ليست بأسباب ~~الشجاعة والجبن ولا دالة عليها ولكن العادة جارية بحصول العلم الضروري ~~بأحوالهم عند حصولها وإذا كان ذلك كذلك ولم نكن مضطرين إلى العلم بأن ~~النجوم مختارة قادرة حية ولا عالمين بذلك من جهة الاستدلال لفقد الدليل ~~عليه ثبت أنه لا سبيل لهم إلى العلم بأنها حية قادرة # وعلى أنه لو قال قائل إن ما يظهر من حركات النجوم وسيرها ودوران ms033 الفلك ~~على نمط واحد وسجية واحدة غير مختلفة يدل على أنها مجبولة على ذلك ومضطرة ~~إليه ومطبوعة عليه على قول أصحاب الطباع لكان ذلك أقرب لأن المطبوع المجبول ~~على الفعل من شأنه أن يكون ما يضطر إليه على سجية واحدة وليس كذلك المتصرف ~~باختياره لأنه يفعل الشيء وضده وخلافه فتأثيرات هذه النجوم لما تؤثره على ~~سنن واحد يجري مجرى تأثير النار والثلج للتسخين والتبريد على سجية واحدة ~~وتأثير الطعام والشراب وما جرى مجرى ذلك فما ظهر من حركاتها أقرب إلى أن ~~يدل على قول أصحاب الطباع # فأما استدلال من استدل منهم على حياة الفلك الأعظم وهذه الأفلاك التي ~~دونه لعظم أجرامها وضيائها وإشراقها وعلو شأنها فإنه من وساوس النفوس وذلك ~~أن عظم الجسم وعلو مكانه وشدة إشراقه وضيائه لا يدل على كونه حيا وكذلك ~~ظلمة الجسم ولطافته وصغر شأنه لا يدل على المنع من كونه حيا لأنه قد يكون ~~PageV01P071 المضيء العظيم غير حي والخسيس المظلم اللطيف من الأجسام حيا ~~دراكا كالذر والبق وما جرى مجرى ذلك فلا تعلق في هذا # وأما تعلقهم في إثبات تأثيرات هذه الكواكب بحمي الزمان عند قرب الشمس ~~وبرده عند بعدها عن عالمنا وكون الاعتدال في زمن الخريف والربيع عند توسطها ~~فإن ذلك أجمع لا يدل على أن ما يحدث في عالمنا من هذه الأمور من فعلها كما ~~لا يدل حدوث التبريد والتسخين في الأجسام عند مجاورة الثلج والنار على أن ~~ذلك من فعلها وكل شيء نقضنا به على القائلين بفعل الطباع بهذا الاستدلال ~~فهو بعينه ناقض لتعلق المنجمين به # ومما يدل على ذلك أيضا أن هذه الحوادث الأرضية لا تخلو أن تكون واجبة من ~~ذوات الأفلاك أو عن أكوانها في هذه البروج فإن كانت كائنة موجبة عن ذواتها ~~وجب أن تكون سائر الأجسام موجبة لمثل ما توجبه هذه الأفلاك من هذه الآثار ~~لقيام الدليل على تجانس الأجسام وتماثل جرم المشتري وزحل والشمس والقمر ~~فكان يجب أن يكون تأثير كل شيء منها كتأثير غيره سواء وكذلك ms034 سائر أجسام ~~العالم # وعلى أنه لا بد أن تكون ها هنا جهة من قبلها يصح العلم بأن ذوات هذه ~~الأجرام وأنفسها توجب حدوث هذه الآثار وفي تعذر ذلك عليهم دليل على فساد ~~هذه الدعوى # وإن كانت هذه الحوادث إنما تحدث عن أكوان هذه الأجسام في تلك البروج فيجب ~~أن يكون كون القمر والمشتري في برج الحمل موجبا لما يوجبه كون الشمس فيه ~~لأن كون كل جرم نيرا كان أو غير نير رطبا كان أو يابسا في المكان من جنس ~~كون غيره فيه ألا ترى أن كون الزئبق PageV01P072 والبلسان في القدح والمكان ~~المعين من جنس كون الماء فيه وكذلك كون الجمرة في المكان من جنس كون قطعة ~~الثلج فيه وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون كون كل كوكب في برج من هذه البروج ~~موجبا لمثل ما أوجبه كون غيره فيه لأن الشيئين المتماثلين يجب أن يكون ~~تأثيرهما والموجب عنهما واحدا ألا ترى أنه لما كان كون القمر في برج الحمل ~~من جنس كون الشمس فيه وجب أن يصير كل واحد من الكونين في تلك المحاذاة وذلك ~~البرج بعينه فكذلك يجب أن يكون سائر موجبات الكونين واحدا وكذلك السوادان ~~المتماثلان يجب أن يكون تأثيرهما في المحل والمنظر تأثيرا واحدا ولا يجوز ~~أن يكون أحدهما مسودا والآخر مبيضا # وكذلك الحرارتان والبرودتان لا يجوز أن تكون إحداهما مسخنة والأخرى مبردة # فإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون تأثير الشمس إذا كانت في برج الحمل هو ~~تأثير المريخ وزحل إذا كانا فيه وأن يكون كوننا نحن في ذلك البرج لو وجدنا ~~فيه أو بعض الحجارة موجبا من التأثير مثل الموجب عن كون الشمس فيه وإن لم ~~يصح وجود نجم من هذه الطوالع في مكان الآخر وفلكه وجب أن يؤثر كون الشمس في ~~البرج والدقيقة في الدرجة إذا كانت مقارنة لزحل أو مقابلة لبعض الطوالع ما ~~تؤثره إذا لم تكن تلك في المقابلة والمقارنة وفي إجماعهم على بطلان ذلك ~~دليل على أن هذه التأثيرات لا يجوز ms035 أن تكون واجبة عن ذوات هذه الأفلاك ولا ~~PageV01P073 عن ذوات أكوانها في البروج ولا كائنة عنها على سبيل الطبع ولا ~~على وجه القدرة والاختيار فلا معنى إذا لنسبة هذه الآثار إلى الأفلاك # فإن قال قائل منهم ما أنكرتم أن يكون تعلق هذه الآثار بالأفلاك ونسبتها ~~إليها على حسب تعلق الحكم بالعلة ونسبته إليها وذلك ككون العالم عالما ~~والقادر قادرا والمتحرك متحركا والواجب عن العلم والقدرة والحركة لا على ~~سبيل الفعل ولا على سبيل الطبع قيل له لا يجب ما قلته من وجوه # أحدها أن الحكم عندنا الذي زعمت أنه موجب عن العلة ليس هو شيئا غير العلة ~~بل كون العالم عالما والمتحرك متحركا ليس بمعنى أكثر من وجود الحركة والعلم ~~فقط فيجب على هذا ألا تكون هذه الحوادث الكائنة في الأرض معنى سوى ذوات ~~الكواكب أو كونها في تلك البروج وهذا جهل لا يصير أحد إليه # والوجه الآخر أن الحكم الواجب عن العلة لا يصح أن ينفصل عن العلة ولا عن ~~الذات التي توجد بها العلة فلذلك لم يجز أن تكون الحركة موجبة لكون غير من ~~وجدت به متحركا وكذلك العلم والإرادة وسائر ما يوجب حكما لا يجوز أنه يوجب ~~حكما في غير محله فيجب إذا كان ذلك كذلك ألا توجب أنفس هذه الأفلاك وكونها ~~في البروج شيئا من التأثيرات إلا في أنفسها ومواضع أكوانها وفي العلم ~~بانفصال هذه الأفعال عن ذوات البروج ومحل أكوانها دليل على فساد تشبيههم ما ~~ادعوه بالعلة والحكم # فإن قالوا أفليس الفعل والعدل والتفضل يوجب كون الفاعل فاعلا والعادل ~~عادلا وإن لم يوجد ذلك في محله لأن الفعل والعدل من الله تعالى منفصل من ~~ذاته تعالى PageV01P074 قيل لهم ليس للفاعل بكونه فاعلا وعادلا حكم أكثر من ~~وجود الفعل والعدل منه وليس يتغير حكم نفسه بوجود الفعل كما يتغير حكم من ~~ليس بعالم ولا مريد بوجود العلم والإرادة فسقط ما سألتم عنه # فإن قال منهم قائل ما أنكرتم أن يكون تعلق هذه الحوادث بالأفلاك على حسب ms036 ~~تعلق الفعل المتولد بما ولده من الأسباب قيل أنكرنا ذلك لأمور أحدها أن ~~التولد عندنا باطل غير ثابت في أفعال الخلق ولا في أفعال الخالق تعالى فلا ~~معنى لتشبيه الأمور به # والوجه الآخر أن هذه الحوادث لا تخلو أن تكون متولدة عن ذوات الأفلاك ~~وجواهرها أو عن أكوانها في البروج فإن كانت متولدة عن ذواتها فقد ثبت عند ~~كل أحد ممن ينفي التولد ومن يثبته أن ذوات الأجسام لا تولد شيئا وعلى أنه ~~لو جاز توليدها لهذه التأثيرات لوجب توليد الشمس لمثل ما يولده القمر ~~وتوليد الصخور الصلاب وسائر الأجسام لما تولده ذوات هذه الأفلاك لأنها كلها ~~من جنس واحد وهذا باطل عندنا وعندهم # وإن كانت هذه الحوادث متولدة عن أكوان هذه الأفلاك في البروج وجب أن يكون ~~كون الشمس في برج الحمل مولدا لما يولده كون المشتري والقمر فيه وذلك باطل ~~عندهم # وإنما وجب ذلك لما قلناه من وجوب تجانس هذه الأكوان في المكان الواحد مع ~~تغاير الكائنين فيه وفي بطلان هذا دليل على فساد ما ظنوه من ذلك ويجب إن لم ~~يصح كون الشمس سائرة في PageV01P075 برج القمر وكائنة في الدقائق التي يكون ~~فيها القمر أن يكون كون الشمس في تلك الدقيقة من فلكها ومن البروج مؤثرا ~~لذلك الحادث متى وجد سواء كان في مقابلة الكائن فيه شيء أو لم يكن وسواء ~~ربع الكواكب أو سدسه لأن الكوكبين في ذلك المكان لا شك من جنس واحد فبطل ~~بذلك ما قالوه # وعلى أن الفاعل في غيره على سبيل التولد لا يفعل فيه إلا بأن يماسه أو ~~يماس ما ماسه ومحال عند أصحاب التولد أن يخترع فيه الفعل اختراعا بغير ~~مماسة له ولا مماسة لما ماسه فيجب إذا كان كذلك ألا يصح فعل هذه الأفلاك ~~فينا وتأثيراتها في أنفسنا وعالمنا إلا بأن تماسنا أو تماس ما ماسنا لأنه ~~لو جاز أن تفعل فينا بالتولد على غير هذه السبيل لجاز وصح أن نفعل نحن أيضا ~~فيها تأثيرات وحوادث من غير أن ms037 نماسها أو نماس ما ماسها وفي تعذر ذلك ~~واستحالته دليل على استحالة فعل هذه الكواكب فينا على هذه السبيل وإذا بطل ~~ذلك صح أنه لا فعل ولا تأثير لهذه الكواكب والأفلاك بحال بتة # فأما من أقر منهم بالإسلام وأذعن لحدوثها وأنها متعلقة بمحدث أحدثها وزعم ~~أن الله تعالى جعلها دلالة على ما يحدث في العالم في أوقاته فإنه أيضا خبط ~~وتخليط لأن الدليل المتعلق بمدلوله لا بد أن تكون جهة تعلقه به معروفة ~~معلومة كجهة تعلق الكاتب بالكتابة وبكون صانعها عالما ودلالة الحوادث على ~~حدوث ما لا يسبقها ولا يفنك منها ودلالة المعجزات PageV01P076 على صدق ~~صاحبها وأمثال ذلك مما قد عرف جهة تعلق الدليل فيه بمدلوله ولا وجه من قبله ~~يعلم لدلالة كون هذه الأفلاك في البروج وسيرها وحركاتها على حدوث ما يحدث ~~من الأمطار والنماء والنقصان وغلاء الأسعار وسفك الدماء وسكون الهيج ~~والفساد وعلى ما يستسر الناس بعلمه وما ينطوون عليه # وقد أخبر الله تعالى عن كذب مدعى علم ذلك وأنه تعالى المستبد بعلم ما كان ~~ويكون فقال @QB@ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم @QE@ # فجعل ذلك من دليل النبوة وما لا يطلع عليه إلا من أوحي به إليه وقال @QB@ ~~إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ~~ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت @QE@ وقال @QB@ عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول @QE@ # وفي نظائر هذه الآيات ما يدل على أن علم ما يكون لا يدركه إلا علام ~~الغيوب أو من أطلعه على ذلك فكيف يدرك ذلك بقطع الأفلاك وسير النجوم وكيف ~~يجتمع في قلب مؤمن تصديق الرسل وتصحيح الآيات مع اعتقاد تصحيح أحكام ~~المنجمين واعتقاد كون سير الأفلاك أدلة على علم ما كان ويكون وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من صدق PageV01P077 كاهنا أو عرافا وفي ~~بعضها أو منجما فقد كفر بما أنزل على قلب محمد ) صلى الله عليه وسلم في ms038 ~~أمثال لهذه الرواية يطول ذكرها & باب الكلام على أهل التثنية & # القائلين بأن العالم من أصلين أحدهما نور والآخر ظلام لم يزالا متباينين ~~ثم امتزج منهما جزآن وأن النور خير حكيم بطبعه وأن الظلام شرير سفيه بطبعه # فإن قال قائل منهم لم أنكرتم أن يكون العالم من أصلين قديمين أحدهما نور ~~والآخر ظلام قيل له لسنا ننكر أن يكون من جملة العالم ما هو نور ومنه ما هو ~~ظلام غير أنهما لا يجوز عندنا أن يكونا من أشخاص العالم وأجسامه القائمة ~~بأنفسها ولا أن يكونا قديمين ولا فاعلين بالطبع ولا بالاختيار ولا أن تكون ~~الأجسام من النور والظلام في شيء # فإن قيل ولم أنكرتم أولا أن يكون النور والظلام المختلفان في الجنس ~~أجساما قيل له أنكرنا ذلك لقيام الدليل على أن الأجسام كلها من جنس واحد من ~~حيث كان كل واحد منها يسد مسد الآخر وينوب منابه ويجوز عليه من الوصف مثل ~~ما جاز عليه من الحركة والسكون والاجتماع PageV01P078 والافتراق والزيادة ~~والنقصان وغير ذلك من الأوصاف وليس معنى المثلين المتشابهين أكثر من ذلك ~~فلو كان بعض الأجسام نورا مع اشتباهها وتماثلها لكانت كلها نورا وكذلك لو ~~كان منها ما هو ظلام لكانت كلها ظلاما كما أنه لو كان منها ما هو حركة أو ~~سكون أو امتزاج أو تباين أو إرادة أو علم لكانت كلها كذلك مع تماثلها وفي ~~فساد هذا دليل على أن الأجسام كلها جنس واحد مشتبه غير متضاد ولا مختلف ليس ~~منها نور ولا ظلام ولا اجتماع ولا افتراق ولا حركة ولا سكون ولا ظهور ولا ~~كمون وبان بذلك أن النور والظلام هما السواد والبياض اللذان يوجدان ~~بالأجسام وأنهما من جملة الأعراض وبعض العالم وليس بكل العالم ولا مريدين ~~ولا قائمين بأنفسهما # فأما ما يدل على أنهما ليسا بقديمين فهو ما قدمناه من الدلالة على ~~تضادهما وجواز كون الشخص مرة مضيئا نيرا ومرة أسود مظلما وأنه لا يجوز أن ~~يكون ضياء الجسم ونوره موجودا به في حال وجود سواده ms039 وظلامه كما لا يجوز أن ~~تكون حركته موجودة في حال سكونه فوجب أنهما يحدثان ويتجددان على الأجسام ~~ويبطل النور في حال وجود الظلام كما تبطل الحركة عند مجيء السكون # وقد قام الدليل أيضا على أنه لا يجوز عليهما ولا على غيرهما من الأعراض ~~الظهور والكمون لأن الظهور خروج إلى مكان والكمون انتقال عنه وكون في غيره ~~من الأماكن واستتار ببعض الأجسام والحركة والسكون والاستتار والظهور من ~~صفات الأجسام دون الأعراض لما قدمناه من قبل في باب إثبات الأعراض # وأما ما يدل على أن النور والظلام وغيرهما من الأعراض لا يجوز أن ~~PageV01P079 يكونا فاعلين بالطباع ولا بالاختيار لخير ولا شر ولا نفع ولا ~~ضر فهو أن الدلالة قد قامت على أن الفاعل لا يكون إلا حيا قادرا مختارا وأن ~~هذه الصفات مستحقة لمعان توجد بالموصوف وسندل على ذلك فيما بعد إن شاء الله # وقد اتفقنا على استحالة قبول الأعراض للأعراض فبطل أن تكون فاعلة ولو جاز ~~وقوع بعض الأفعال من الأعراض ومن الموات وبفعل الطباع لجاز وقوع القصد ~~والاختيار والعلم والنظر ونساجة الديباج بالتصاوير ودقائق المحكمات من ~~الأعراض والموات وبفعل الطباع فإن مروا على ذلك تركوا قولهم وإن أبوه لم ~~يجدوا من ذلك فضلا # ويقال لأهل التثنية لم زعمتم بأن العالم بأسره من أصلين قديمين أحدهما ~~نور والآخر ظلام فإن قالوا لأننا وجدنا جميع الأجسام لا تنفك من أن تكون من ~~ذوات الظل أو ليست من ذوات الظل كالنار والنور النيرين وغير ذلك من الأجسام ~~التي لا ظل لها وما كان من هذا القبيل فهو من أشخاص النور وما كان من الأول ~~فهو من أشخاص الظلام ووجدناها أيضا لا تخلو أن تكون ستارة مناعة من إدراك ~~ما وراءها كالحديد والصخر والحيطان الغلاظ المانعة من إدراك المرئيات ~~والمسموعات أو ليست كذلك نحو الهواء والماء الصافي والقوارير وكل ما يصف ما ~~وراءه ولا يمنع من إدراك ما وراءه من المرئيات والمسموعات وما كان كذلك فهو ~~من أشخاص النور والضرب الأول من أشخاص الظلام ms040 # ولأننا أيضا وجدناه لا ينفك من شخصين إما خفيف صاف شأنه الارتفاع ~~والتصاعد واللحوق بعالمه والشوق إلى معدنه وموضع مركزه أو ثقيل مظلم شأنه ~~الهبوط والانحدار وخرق الخفيف والاعتماد على ما تحته كالحديد والصخر والأرض ~~وغير ذلك من الأجسام الثقيلة المعتمدة على ما تحتها PageV01P080 والموهنة ~~لحاملها ككارة الحمال وسائر الأجسام الواقفة بالحبس والاعتماد وما كان من ~~هذا الضرب فهو من أشخاص الظلام والأول الخفيف من أشخاص النور فوجب أن يكون ~~سائر أجسام العالم لا تنفك من نور وظلام # فيقال لهم ولم قلتم إن سائر الأجسام لا تنفك من ذلك ألأنكم لم تجدوا ~~خلافة ولم زعمتم أن القضاء على غائب الأمور وما نأى من العالم عنا بمجرد ~~الشاهد والوجود ثابت صحيح وأن الشيء على مثله وكل ما انفصل عنه فلا يجدون ~~في ذلك سوى الدعوى # ثم يقال لهم ما أنكرتم أن يكون في أجسام العالم ما طبعه الوقوف كالهواء ~~وما جرى مجراه فيكون لا منحدرا ولا متصاعدا وما أنكرتم إن دل اختلاف حركة ~~جزئيات النور والظلام في هذا العالم لطلب المركز والشوق إلى كليهما على ~~اختلاف جنسيهما أن يدل وقوف كلية الظلام والنور في عالمها وموضع مركزهما ~~على تماثلهما وتجانسهما واتفاق طباعهما فإن مروا على ذلك تركوا قولهم وإن ~~أبوه نقضوا استدلالهم على اختلاف جنس النور والظلام وطباعهما باختلاف حركات ~~جزئياتهما # ثم يقال لهم في جواب الدلالة الثالثة التي هي عمادهم ومفزعهم ما أنكرتم ~~على اعتلالكم من أن يكون العالم بأسره من طبائع أربع حرارة وبرودة ورطوبة ~~ويبوسة على ما قاله الأطباء وأصحاب الطبائع فإن مروا على ذلك تركوا دينهم ~~وإن راموا فصلا لم يجدوه # وإن هم قالوا إن سائر الأجسام المركبة من الطبائع الأربع لا يخلو أن تكون ~~ذوات ظل أو ليست بذوات PageV01P081 ظل فوجب أنها من نور وظلام قيل لهم ~~وجميع الأجسام التي لا تنفك من أن تكون ذوات ظل أو ليست بذوات ظل لا تخلو ~~ولا تنفك من الطبائع فوجب أن يكون النور والظلام مركبا من الطبائع الأربع ms041 ~~ولا فصل في ذلك # وكذلك يعارض أصحاب الطبائع إذا استدلوا بالشاهد والوجود فيلزمون قول ~~الثنوية ثم يؤخذ الفريقان بأن تكون الأجسام من أجناس كثيرة وما لا غاية له ~~من نحو الحركات والسكون والروائح والطعوم والألوان واللين والخشونة والحياة ~~والموت وغير ذلك مما لا تنفك منه أجسام العالم فإن ركبوه تركوا قولهم وإن ~~أبوه نقضوا استدلالهم ولم يجدوا من المعارضة فصلا # ويقال لمن زعم منهم أن الأصول ثلاثة نور خالص وظلام خالص وأصل ثالث معدل ~~بينهما ليس بنور ولا ظلام لم قلتم ذلك فإن قالوا لما ثبت من تضاد النور ~~والظلام وتنافيهما فلا بد من أصل ثالث معدل بينهما يقال لهم فهل يخلو ذلك ~~الأصل من أن يكون من جنسهما أو من جنس أحدهما أو مخالفا لهما جميعا فإذا ~~قالوا لا قيل لهم فإن كان من جنسهما وجب أن يكون نورا ظلاما وألا يعدل ~~بينهما وذلك محال وإن كان من جنس أحدهما فكيف يعدل بينهما وهو ضد للآخر ~~وكيف لم يحتج إلى معدل وكيف لم يستغن الأصل الذي هو من جنسه عن معدل مثله ~~وإن كان PageV01P082 مخالفا لهما احتاج إلى معدل بينه وبينهما كحاجتهما ~~لموضع اختلافهما وتضادهما ولا جواب عن ذلك & مسألة في تباين الأصلين ~~وامتزاجهما & # ويقال لهم خبرونا عن الأصلين ألأنفسهما تباينا في الأزل أم لمعنى هو ~~تباين فإن قالوا لأنفسهما قيل لهم فيجب أن يكونا متباينين في حال امتزاجهما ~~لوجود أنفسهما في حال تباينهما حتى يكونا متباينين ممتزجين وما أنكرتم أن ~~يكونا أيضا ممتزجين لأنفسهما فإن قالوا هو كذلك قيل لهم فامتزاجهما إذا هو ~~تباينهما لأن الامتزاج والتباين هو هما فإن قالوا أجل قيل لهم فإذا كانت ~~الدنيا لأجل امتزاجهما ولم تكن لأجل تباينهما فيجب أن تكون الآن دنيا وألا ~~تكون دنيا لأن التباين هو الامتزاج ويجب أن تكون لأنفسهما كانت الدنيا ~~ولأنفسهما لم تكن وهذا يوجب أن يكون مآله وجد الشيء وكان هو بعينه ما له ~~عدم ولم يكن فإن جاز ذلك جاز أن يكون ماله تحرك الجسم ms042 وخرج عن مكانه هو ما ~~لأجله سكن واستقر فيه وماله يكون الشيء قديما له يكون حادثا مستفتحا وذلك ~~باطل باتفاق # وإن قالوا تباين الأصلين معنى ثالث لا يقال هو هما أقروا بقدم أصل ثالث ~~هو تباين ونور وظلام وتركوا التثنية # وقيل لهم أيضا خبرونا عن التباين أبطل لما جاء الامتزاج أم لا فإن قالوا ~~بطل قيل لهم فإذا جاز عدم القديم الذي هو التباين وبطلانه لعلة ما فلم لا ~~يجوز بطلان النور والظلام القديمين وعدمهما لعلة ما وسبب يقتضي ذلك فإن ~~مروا على ذلك تركوا دينهم وإن أبوه لم يجدوا فصلا # وإن قالوا بل التباين باق موجود في حالة وجود الامتزاج قيل لهم فيجب أن ~~يكونا متباينين PageV01P083 ممتزجين وأن تكون اليوم دنيا وألا تكون دنيا ~~لوجود الامتزاج والتباين اللذين كانت لأحدهما ولم تكن للآخر وهذا جهل # وإن قالوا إن تباين الأصلين محدث وامتزاجهما محدث قيل لهم فهل ينفك ~~الأصلان من التباين والامتزاج فإن قالوا نعم تركوا قولهم بتباين الأصلين في ~~القدم وإن قالوا لا قيل لهم فيجب القضاء على حدوث النور والظلام إذا كانا ~~لا ينفكان من حادثين ولا يخلوان منهما وكنا قد بينا أن ما لم ينفك من ~~المحدث ولم يسبقه فهو محدث # وإن قالوا # لا غاية لتباين الأصلين وامتزاجهما وإن كانا حادثين ولا تباين إلا وقبله ~~امتزاج ولا امتزاج وقبله تباين أبدا لا أول لذلك ولا غاية قيل لهم فمحال ~~على قولكم هذا أن الدنيا لم تكن في الأزل لأن الامتزاج على قولكم هذا لا ~~أول له ولا شيء منه إلا وقد كان قبله مثله وتباين يخالفه إلى غير غاية # ثم يقال لهم ولمن قال بذلك من أهل الدهر إن قولكم لا أول للحوادث يقتضي ~~قدمها وأنها لم تكن عن عدم وقولكم فيها إنها حوادث نقض لذلك لأن القول ~~حوادث هو جمع حادث والحادث حقيقته أنه ما وجد عن عدم فحقيقة الجمع الذي يقع ~~عليه الاسم أنه موجود عن عدم # ومن المحال أن يدخل في جمع الحوادث ما ms043 لا أول لوجوده فمحال إذا قولكم إن ~~ما وقع عليه قولكم حوادث لا أول له أو منه ما لا أول له ولا جواب لهم عن ~~ذلك PageV01P084 # | مسألة في الرد على الديصانية # ويقال للديصانية منهم لم زعمتم أن الظلام موات فعال للشر بطبعه دون النور ~~فإن قالوا لأنهما لما كانا خلافين بأنفسهما وكان النور حيا بذاته استحال أن ~~يكون الظلام حيا بذاته يقال لهم ما أنكرتم أن يكون الظلام محدثا لأنه لما ~~ثبت من قولكم إن النور قديم لذاته استحال أن يكون الظلام قديما بذاته ونفسه ~~ولا جواب لهم عن ذلك # | مسألة في الرد على جميع الثنوية # ويقال لجميعهم إذا جاز أن يصير ما لم يزل متباينا ممتزجا فلم لا يجوز أن ~~يصير ما لم يزل نورا ظلاما وما لم يزل ظلاما نورا فلا يجدون له مدفعا # | مسألة في إلزام جميع الثنوية # ويقال لجميعهم أيضا خبرونا عن قائل قال أنا ظلام هل يخلو أن يكون من ~~أشخاص النور أو من أشخاص الظلام فإن قالوا لا قيل لهم فمن أيهما هو فإن ~~قالوا من أشخاص النور قيل لهم فقد كذب النور إذا PageV01P085 في قوله أنا ~~ظلام لأنه ليس بظلام وهذا نقض قولكم وإن قالوا من أشخاص الظلام قيل لهم # فقد صدق في قوله أنا ظلام ووجد الصدق والكذب من جوهر واحد وإن جاز ذلك ~~جاز وقوع الخير والشر والعدل والجور والتبريد والتسخين من جوهر واحد وهذا ~~ترك دينهم فإن قال منهم قائل قد وقع الصدق والكذب من جوهر الظلام وهما شران ~~قيل لهم ما أنكرتم من أن يقع منه الجور والعدل والإيلام والإلذاد ويكون شرا ~~كله فإن قالوا لا يجوز أن يكون من العدل والإلذاذ شر قيل لهم ولا يجوز أن ~~يكون من الصدق شر # ويقال لهم أيضا اعملوا على أن الصدق والكذب الواقعين من الظلام شر أليس ~~أحدهما خبرا عن الشيء على ما هو به والآخر خبر عنه على خلاف ما هو به فما ~~أنكرتم أن يقع العدل والجور من جوهر ms044 واحد مع اختلافهما # وإن قال من الديصانية قائل إن الظلام ليس بصادق في قوله أنا ظلام لأنه ~~غير عالم بقوله وما كان منه والصدق مقرون بالقصد إليه والعلم به قيل له لم ~~قلت ذلك ثم يقال أفليس هو مع ما وصفت خبرا عن الشيء على ما هو به وقد يوجد ~~أيضا من الظلام الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به فما أنكرت من جواز وقوع ~~العدل والجور جميعا من الظلام ولا فصل في ذلك PageV01P086 # | مسألة في نقض آخر لجميع الثنوية # ويسألون أيضا عمن خبأ شيئا في موضع ونسيه وذهب عنه ذكره فيقال لهم أليس ~~قد صار الناسي ذاكرا ووقع الذكر والنسيان مع تضادهما واختلافهما من جوهر ~~واحد فلم لا يجوز أيضا وقوع العدل والجور من جوهر واحد فإن قالوا الواضع ~~للشيء لم ينسه وإنما غلبت عليه أجزاء الظلام وذكره باق قائم يقال لهم ~~فالناسي إذا للشيء بغلبة أجزاء الظلام عليه ذاكر له في حال نسيانه لأن ذكره ~~عندكم موجود في هذه الحال وهذا دفع الحس والاضطرار لأن الإنسان يجد نفسه ~~عند غلبة النسيان عليه غير ذاكر لما نسيه أصلا ولا عالما بموضعه وهذا يدل ~~على أن الذاكر قد يصير ناسيا بعد الذكر وهو الذاكر نفسه وإن جاز ذلك جاز أن ~~يصير المسخن مببردا والمبرد مسخنا وهذا نقض قولهم & باب الكلام على المجوس ~~& # القائلين بأن حدوث الشيطان من شكة شكها شخص من أشخاص النور في صلاته ~~والقائلين بأنه حدث من فكر الله تعالى والقائلين بأنه حدث PageV01P087 من ~~عقوبة عاقب الله بها سبحانه وتعالى # إن قال منهم قائل لم أنكرتم أن يحدث فعل من الله هو الشيطان أو غيره من ~~فكرة فكرها أو شكة شكها أو عقوبة عاقب بها قيل له لقيام الدليل على استحالة ~~الفكر والشك على القديم كما يستحيل عليه الجهل PageV01P088 والموت والغفلة ~~والنوم وغير ذلك من الآفات الدالة على نقص من جازت عليه وحدوثه ولأنه لو ~~كان سبحانه في أوله مفكرا مرتابا شاكا لاستحال أن يعلم وأن تقع ms045 منه الأفعال ~~المحكمة الدالة على العلم والقصد وذلك باطل بما قدمناه # فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون قد خلا في القدم من الفكر والشك والعلم ~~والجهل قيل لهم لو جاز ذلك عليه مع صحة وجود العلم له وجوازه عليه لجاز ~~خلوه تعالى في القدم من الحياة والموت والقدرة والعجز وذلك باطل من قولنا ~~وقولكم ففسد ما قلتموه # فأما حدوث الفعل عن عقوبة فإنه أيضا باطل لأن العقوبة التي ذكرتم لو كانت ~~ثابتة لكانت فعلا وعرضا من الأعراض ومحال وقوع شخص الشيطان أو غيره من ~~العرض على سبيل الابتداء للفعل والتوليد كما يستحيل حدوث سائر الأشخاص من ~~الأعراض على هذه السبيل # | مسألة في نقض المجوس # ثم يقال لهم خبرونا عن الشك أو التفكر أو العقوبة التي حدث منها الشيطان ~~أمحدث ذلك أم قديم فإن قالوا بقدم هذه الأمور ألزموا إحالة كون الباري ~~عالما وأوجب عليهم قدم الجهل # ثم قيل لهم فإن كان الشك والفكر والعقوبة التي عنها كان الشيطان قديمة ~~فما أنكرتم أن يكون الشيطان قديما لقدم ما كان عنه فإن مروا على ذلك تركوا ~~قولهم بحدوثه ولا خلاص لهم من ذلك PageV01P089 وإن قالوا إن الشك محدث ~~وكذلك العقوبة والفكر عند القائل بكل واحد منهما قيل لهم أفمن محدث حدث ~~الشك أم لا من محدث فإن قالوا لا من محدث قيل لهم فما يؤمنكم أن يكون سائر ~~الأفعال والحوادث كائنة لا من محدث وفي ذلك التعطيل وإبطال الصانع # وإن قالوا من محدث حدثت هذه الأمور قيل لهم فمن محدثها فإن قالوا الشيطان ~~تجاهلوا وقيل لهم فقد كان الشيطان قبل الفكر والشك اللذين كان عنهما فكيف ~~يكون الشيء قبل أصله وسببه الذي عنه كان ووجد # وإن قالوا الله أحدث الشك والفكرة قيل لهم فخبرونا عن الشك والفكرة أشر ~~هما أم خير فإن قالوا خير قيل لهم فكيف كان عنهما الشيطان الذي هو شر وما ~~أنكرتم إن جاز ذلك أن يفكر الشيطان الذي هو شر فكرا هو شر يتولد عنه ويقع ~~الخير إن ms046 جاز ذلك وقوع التبريد عن النار والتسخين عن الثلج وهذا نقض قولهم ~~وإن قالوا بأن الشك شر لأنه ولد الشيطان الذي هو شر # قيل لهم فقد فعل الله الخير الشك الذي هو شر من الشر وهو أصل الشيطان وإن ~~جاز ذلك فلم لا يجوز أن يفعل سائر الشرور وجميع الأشخاص الضارة من السباع ~~والعقارب والحيات والهموم والأحزان وسائر الشرور وما الفصل في ذلك ولا فصل ~~فيه # وكذلك السؤال على أصحاب الفكر والعقاب # ويقال للقائلين بأن الشيطان حدث عن عقوبة من خلق العاصي المستوجب للعقاب ~~فإذا قالوا الله قيل لهم أفليس من كان منه العصيان شرا كالذي كان منه ~~PageV01P090 فإذا قالوا أجل قيل لهم أفليس قد خلق الله شريرا عصاه ابتداء ~~وكان عندكم بذلك حكيما فلم لا يجوز على هذا أن يبتدىء خلق الشيطان الذي كان ~~منه الشر ويكون بذلك خيرا حكيما فإن راموا فصلا لم يجدوه وإن مروا على ذلك ~~تركوا قولهم وقيل لهم فما أنكرتم أن يخلق الله سائر الشرور ويكون بذلك ~~حكيما # | مسألة أخرى في نقض المجوس # وكذلك يسألون فيقال لهم خبرونا عن الشيطان أمحدث هو عندكم أم قديم فإن ~~قالوا قديم تركوا قولهم وإن قالوا محدث قيل لهم أفمن محدث حدث أم لا من ~~محدث فإن قالوا لا من محدث قيل لهم فما أنكرتم من وقوع الحوادث لا من محدث ~~وإن قالوا من محدث قيل لهم ومن محدثه فإن قالوا الله سبحانه ولا بد من ذلك ~~قيل لهم فما أنكرتم أن يحدث الباري سبحانه سائر الشرور ويكون بذلك حكيما ~~غير سفيه ولا فصل في هذا # ويعارض من قال إن الشيطان حدث من شكة شكها بعض أشخاص النور بقول من قال ~~حدث عن فكرة ويعارض أهل الفكر بأصحاب الشك ويعارض الفريقان بقول أصحاب ~~العقاب # | مسألة في نقض المجوس أيضا # ويقال لهم إذا جاز قدم النور الذي هو الباري فما أنكرتم من قدم الشيطان ~~الذي هو ظلام فإن تعاطوا إقامة الدليل على حدث الظلام بشيء PageV01P091 ~~أريناهم به وبما هو ms047 أقوى منه حدث النور وبينا بذلك أن الله تعالى ليس بنور ~~ولا ظلام # | مسألة أخرى عليهم # ويقال لهم خبرونا عمن سمعناه يقول أنا من خلق الشيطان من الذي خلقه فإن ~~قالوا النور خلقه قيل لهم فقد خلق النور من كذب وأضاف خلق نفسه إلى غير ~~خالقه وإن جاز ذلك جاز أن يخلق الظالم الجائر وجاز أن يخلق سائر الشرور وإن ~~قالوا الشيطان هو الذي خلق هذا القائل قيل لهم فقد صدق هذا الناطق فإن جاز ~~أن يخلق الشيطان خيرا صادقا عليه فما أنكرتم أن يخلق سائر الخير وجميع ~~فاعليه حتى يكون منه الخير والشر وهذا ترك دينكم # | مسألة أخرى عليهم # ويقال لهم هل يجوز أن يخلق الله شريرا كذابا يعصيه ويشتمه ويفتري عليه ~~فإن قالوا نعم تركوا قولهم وقيل لهم فما أنكرتم أن يكون خالقا لجميع الشرور ~~وإن قالوا لا قيل لهم فخبرونا عن رجل كان مجوسيا دائنا بقولكم ثم تهود ~~وانتقل عن المجوسية وأكفر أهلها من خلق من هو فإن قالوا من خلق الشيطان قيل ~~فقد فعل الشيطان خيرا معتقدا للخير برهة من الدهر وإن جاز ذلك جاز أن يخلق ~~جميع الخير وإن قالوا من خلق الرحمن قيل لهم فقد خلق الرحمن الشرير الذي ~~تهود وتزندق وكذب عليه وإن جاز ذلك جاز أن يفعل سائر الشرور # وإن PageV01P092 قالوا الذي تزندق وتهود غير الذي كان مجوسيا قيل لهم ~~فعلى هذا ما انتقل أحد قط عن حق اعتقده والمعتقد للمجوسية على ما هو عليه ~~وإن صار إلى التدين باليهودية والزندقة لم يفارق ما اعتقده قط ولا برىء منه ~~وهذا جحد الضرورة والحس لأن الإنسان يجد من نفسه اعتقادا لغير ما كان ~~معتقدا له وذمه لما كان عليه بعد مدحه له فلا معنى لمناظرة من انتهى إلى ~~هذا الحد # | باب الكلام على النصارى في قولهم إن الله تعالى جوهر # يقال لهم لم قلتم إن الله سبحانه جوهر وما دليلكم على ذلك فإن قالوا ~~الدليل على ذلك أننا وجدنا الأشياء كلها في الشاهد ms048 والوجود PageV01P093 لا ~~تخلو من أن تكون جواهر وأعراضا وقد اتفقنا على أن القديم ليس بعرض فوجب أن ~~يكون جوهرا أو قالوا الدليل على ذلك أنا وجدنا الأشياء كلها لا تخرج عن ~~قسمين إما قائم بنفسه أو قائم بغيره والقائم بغيره هو العرض والقائم بنفسه ~~هو الجوهر فلما فسد من قولنا وقولكم أن يكون قائما بغيره وأن يكون عرضا ثبت ~~أنه قائم بنفسه وأنه جوهر من الجواهر # أو قالوا الدليل على ذلك أنا وجدنا الأشياء كلها على ضربين فضرب منها يصح ~~منه الأفعال وهو الجوهر وضرب تتعذر وتمتنع منه الأفعال وهو العرض فلما ثبت ~~أن القديم فاعل وممن تأتي منه الأفعال ثبت أنه جوهر أو قالوا الدليل على ~~ذلك أنا وجدنا الأشياء على ضربين شريف وهو الجوهر القائم بنفسه المستغني في ~~الوجود عن غيره وخسيس قائم بغيره ومحتاج إليه وهو العرض فلما لم يجز أن ~~يكون القديم من قبيل الخسيس ثبت أنه شريف وأنه قائم بنفسه PageV01P094 ~~فيقال لهم لم زعمتم أولا أنكم إذا لم تجدوا الأشياء في الشاهد إلا على ما ~~وصفتم وجب القضاء على الغائب بمجرد الشاهد وأن الموجود في الغائب لا ينفك ~~من أصناف الموجودات في الشاهد وما حجتكم على ذلك فإن الخلاف في جهة ~~استدلالكم أعظم والغلط والخطأ فيه أفحش # ثم يقال لهم فأنتم أيضا لم تجدوا حادثا إلا وقبله حادث ولا شيئا إلا عن ~~شيء ولا جسما إلا وبعده جسم وفوقه جسم وتحته جسم ومن عن يمينه وشماله ~~وتجاهه وخلفه جسم ولا وجدتم فاعلا اخترع الأجسام وأحدث الأفعال بغير أدوات ~~وآلات وجوارح وعلاج فاقضوا بذلك على قدم العالم ونفي النهاية عنه وأن ~~الحوادث لا أول لها وأن الأجسام لا كل لها ولا غاية وألا إنسان إلا من نطفة ~~إلا من إنسان ولا طائر إلا من بيضة ولا بيضة إلا من طائر أبدا إلى غير ~~نهاية وهذا لحوق بأهل الدهر # وكذلك فاقضوا على أنه لا فاعل لأجسام العالم وأن الفاعل لأغراضه يفعلها ~~بآلات وأدوات وأوجبوا على من نشأ ms049 في بلد الزنج فلم يجد بها ماء إلا عذبا ~~ولا إنسانا إلا أسود ولا زرعا إلا أخضر أن يقضي على أنه لا ماء إلا عذب ولا ~~إنسان إلا كما وجد وشاهد حتى يوجبوا القضاء بالجهل الذي يعلم بطلانه ~~اضطرارا فإن مروا على ذلك أجمع لحقوا بأهل الدهر والجهالات وإن امتنعوا منه ~~نقضوا استدلالهم PageV01P095 ثم يقال لهم أفليس قد اتفقنا على أنه لا موجود ~~معلوم في الشاهد والمعقول إلا محدث موجود عن عدم فإذا قالوا أجل قيل لهم ~~فيجب أن يكون صانع العالم جل ذكره موجودا محدثا قياسا على الشاهد فإن مروا ~~على ذلك تركوا مذهبهم وإن أبوه نقضوا دليلهم # ثم يقال لهم فهل وجدتم جوهرا في الشاهد إلا متحيزا قابلا للأعراض من جنس ~~هذه الجواهر المعقولة فإذا قالوا بلى قيل لهم فيجب عليكم إذا كان القديم ~~تعالى جوهرا أن يكون كالجواهر المعقولة ومن جنسها وقابلا للأعراض كقبولها ~~فإن مروا على ذلك تركوا دينهم وإن أبوه قيل لهم فما أنكرتم أن يكون القديم ~~سبحانه موجودا ليس بجوهر ولا عرض ولا كالموجودات في الشاهد كما أنه ليس ~~كالجواهر ولا فصل في ذلك أبدا # ثم يقال لهم على سائر أدلتهم التي قدمنا ذكرها ما أنكرتم أن يكون القديم ~~حاملا للأعراض بمثل كل دليل ذكرتموه وذلك أنا وجدنا الأشياء كلها على ضربين ~~فضرب فعال شريف قائم بنفسه ليس بعرض وهو الحامل للأعراض وضرب آخر ليس قائما ~~بنفسه ولا فعالا ولا شريفا وهو العرض فلما ثبت أن القديم فعال قائم بنفسه ~~شريف ليس بخسيس ثبت أنه حامل للأعراض ذو حيز وشغل فإن مروا على ذلك تركوا ~~دينهم وإن أبوه أبطلوا استدلالهم إبطالا ظاهرا # ثم يقال لهم إنكم قد أخطأتم في قسمة الأشياء المعقولة الموجودة ~~PageV01P096 لأن منها الفعال الشريف القائم بنفسه الذي هو الجسم المؤلف ~~وليس بشيء واحد ومنها الشريف القائم بنفسه الذي هو الجوهر الذي ليس بمؤلف ~~فما أنكرتم أن يكون الباري سبحانه جسما فإن قالوا لأننا لم نعقل جسما إلا ~~متغايرا مؤتلفا مصورا وهذه ms050 الأمور من صفات الحدث والباري سبحانه لا يجوز ~~عليه ذلك فبطل أن يكون جسما يقال لهم أيضا فما أنكرتم من استحالة كونه ~~جوهرا لأننا لم نعقل جوهرا إلا شاغلا متحيزا قابلا للحوادث من جنس هذه ~~الجواهر وهذه الأمور دالة على حدث من جازت عليه فلما لم يجز أن يكون القديم ~~سبحانه محدثا لم يجز أن يكون جوهرا # فإن قالوا الجواهر ضربان شريف وخسيس فالخسيس هو القابل منها للأعراض الذي ~~يتميز ويشغل المكان والشريف هو ما لا يجوز ذلك عليه منها فوجب أن يكون غير ~~متميز ولا قابل للأعراض قيل لهم ما أنكرتم أيضا أن تكون الأجسام على ضربين ~~جسم خسيس وهو المتميز القابل لصورة والتأليف والحوادث وضرب شريف لا يقبل ~~شيئا من ذلك ولا يجوز عليه والقديم سبحانه شريف فوجب أنه جسم ليس بذي صورة ~~ولا مكان ولا قابلا للأعراض ولا جواب لهم عن شيء من ذلك PageV01P097 # | الكلام عليهم في الأقانيم # يقال لهم لم زعمتم أن الباري سبحانه ثلاثة أقانيم دون أن تقولوا إنه ~~أربعة وعشرة وأكثر من ذلك فإن قالوا من قبل أنه قد ثبت أن الباري سبحانه ~~موجود جوهر وثبت أنه حي وأنه عالم فوجب أنه جوهر واحد ثلاثة أقانيم منها ~~الجوهر الموجود ومنها العلم والحياة لأن الحي العالم لا يكون حيا عالما حتى ~~يكون ذا حياة وعلم فوجب أن الأقانيم ثلاثة فيقال لهم ما أنكرتم من أن تكون ~~الأقانيم أربعة لأننا نقول إن القديم موجود حي عالم قادر والقادر لا بد له ~~من قدرة فوجب أن تكون الأقانيم أربعة # فإن قالوا القدرة هي الحياة فهما أقنوم واحد قيل لهم فما أنكرتم أن يكون ~~العلم هو الحياة فوجب أن يكون الباري سبحانه أقنومين # فإن قالوا قد ينقص العلم ويزيد ويوجد ويعدم والحياة باقية بحالها فوجب أن ~~يكون العلم ليس من معنى الحياة في شيء قيل لهم فكذلك قد تنقص القدرة وتزيد ~~وتعدم جملة ثم توجد والحياة بحالها فوجب أن تكون القدرة غير الحياة وبخلاف ~~معناه PageV01P098 # فإن قالوا قد ms051 يبطل العلم جملة في حالة النوم والغشي والإنسان حي قيل لهم ~~وكذلك قد تبطل القدرة جملة حتى لا يقدر الإنسان على تحريك يده أو لسانه أو ~~إيماء بعض جوارحه وهو حي في تلك الحال فوجب أن تكون القدرة غير الحياة وأن ~~الأقانيم أربعة # فإن قالوا دخول حرف المبالغة في صفة العالم في قولنا عالم وأعلم منه ~~واستحالة المبالغة في صفة الحي والتفضيل بين الحيين دليل على أن العلم ليس ~~من الحياة في شيء قيل لهم فقولوا لأجل هذا بعينه إن القدرة غير الحياة ~~لأننا قد نبالغ في صفة القادر ونقول قادر وأقدر منه ولا نقول حي وأحيا منه ~~فوجب أن تكون القدرة غير الحياة # وكذلك يقال لهم ما أنكرتم أن تكون الأقانيم خمسة وعشرة لأننا نقول إن ~~الباري موجود حي عالم قادر ونقول إنه مريد وباق وسميع وبصير ومتكلم والباقي ~~السميع البصير المتكلم المريد لا يكون كذلك إلا لوجود بقاء وإرادة وسمع ~~وبصر وكلام # فإن قالوا البقاء هو هو قيل لهم والحياة والعلم هما هو فقولوا إنه أقنوم ~~واحد # فإن قالوا الكلام والإرادة فعل من أفعال المتكلم المريد قيل لهم وكذلك ~~العلم فعل من أفعال العالم فقولوا إنه أقنومان # فإن قالوا قد يعلم بالعلم من لم يفعله قيل لهم وقد يريد بالإرادة ويتكلم ~~بالكلام من لا يفعله وكذلك إن قالوا سمع الباري سبحانه وبصره هو نفس علمه ~~فوجب أنهما ليس PageV01P099 بأقنومين غير العلم قيل لهم وكذلك علم الباري ~~سبحانه هو حياته فوجب أن يكون أقنومين ولا جواب لهم عن شيء من ذلك # فإن قال منهم قائل الأقنومية إنما ثبت للباري بصفة ترجع إلى نفسه لا تعلق ~~لها بغيره وهي كونه موجودا وجوهرا يرجع إلى نفسه وكونه حيا يرجع إليه ولا ~~تعلق له بغيره وكونه عالما بنفسه صفة يرجع بها إلى نفسه وإنما له أقنوم ~~بكونه عالما بنفسه لا بغيره قيل لهم وكذلك هو قديم بنفسه وليس كل موجود ~~جوهرا قديما بنفسه فوجب أن يكون كونه قديما أقنوما رابعا وكذلك كونه ms052 باقيا ~~صفة هو شيء موجود بنفسه وجوهر بنفسه فيجب أن يكون كونه شيئا موجودا أقنوما ~~وكونه جوهرا أقنوما لأنه ليس كل موجود جوهرا يرجع إلى نفسه لا تعلق له ~~بغيره وليس كل موجود باقيا فيجب أن يكون كونه باقيا أقنوما خامسا ولا جواب ~~لهم عن ذلك وفيه ترك التثليث # | مسألة عليهم في الأقانيم # يقال لهم خبروني عن الجوهر العام الجامع للأقانيم الذي هذه PageV01P100 ~~الأقانيم له أقانيم أهو عندكم الأقانيم أم غيرها فإن قالت اليعقوبية ~~والنسطورية ليس الجوهر بغير الأقانيم قيل أفليس الجوهر غير مختلف من حيث ~~كان جوهرا ومن حيث لم يكن معدودا ومن حيث لم تكن له PageV01P101 خواص ~~متباينة المعنى فإن قالوا أجل وهو قولهم قيل لهم أفليس الأقانيم مختلفة من ~~حيث هي خواص متباينة المعنى ومن حيث هي معدودة ومن حيث هي أقانيم ومن حيث ~~أن الابن منها تدرع واتحد بجسد المسيح عليه السلام دون الروح فإن قالوا نعم ~~ولا بد من ذلك قيل لهم فإذا كان الجوهر هو الأقانيم والأقانيم مختلفة ~~معدودة متباينة في الاختصاص ومنها المتحد وهي نفس الجوهر فنفس الجوهر إذا ~~مختلفة معدودة متباينة متحدة بناسوت المسيح عليه السلام فيجب أن يكون نفس ~~الجوهر الذي ليس بمعدود ولا مختلف ولا متحد ولا متباين المعنى هو نفس ~~المختلف المعدود المتباين المعنى المتحد وهذا جهل ممن صار إليه وليس ذلك من ~~قولهم في الجوهر ولا خلاص لهم منه # فإن قالت الملكية منهم وهم الروم إن الجوهر غير الأقانيم قيل لهم فإذا ~~كان الجوهر آلها والأقانيم الثلاثة آلهة وهي غيره فالآلهة إذا أربعة جوهر ~~وثلاثة أقانيم غيره وهذا يبطل قولكم بالتثليث # وإن قالوا الآلهة ثلاثة أقانيم والرابع جوهر ليس بإله غير الثلاثة قيل ~~لهم فلا فرق إذا بين قول الأقانيم ثلاثة ولا جوهر هناك يجمعها وتكون له ~~وبين قول إن هناك ثلاثة أقانيم وجوهرا جامعا لها فيجب أن يكون وجود الرابع ~~كعدمه وإثباته كنفيه وهذا جهل ممن صار إليه # ويقال لهم إن جاز أن يكون الرابع من الثلاثة ms053 ثلاثة فقط فما PageV01P102 ~~أنكرتم أن يكون الروح والعلم مع الإله الموجود واحدا فقط وأن يكون أقنوما ~~واحد ولا يكون الثاني والثالث شيئا يزيد على الواحد كما لم يكن الرابع شيئا ~~يزيد على الثالث فتكون الثلاثة الأقانيم هي جوهر واحد كما كانت الأربعة ~~التي منها الجوهر ثلاثة ولا جواب عن ذلك # وكذلك يقال لهم وللنسطورية واليعقوبية في قولهم إن الأب إله وإن الابن ~~إله وإن الروح إله وإن الآلهة مع ذلك واحد لأنه إذا كان كل واحد منهم إلها ~~فهم ثلاثة آلهة ولا معنى لقولهم إله واحد وهم قد جعلوا الإلهية لكل واحد ~~منهم # | مسألة أخرى على الملكية # يقال لهم خبرونا عن الجوهر الذي هو عندكم غير الأقانيم أهو مع ذلك مخالف ~~لها أو موافق لها فإن قالوا إنه موافق لها قيل لهم PageV01P103 فيجب أن ~~يكون أقانيم مثلها وأن يكون الجوهر ابنا من حيث وافق الابن وأن يكون روحا ~~من حيث وافق الروح وأن يكون أقنوما وخاصا لجوهر آخر خامس كما أن الأقانيم ~~خواص لجوهر ويجب أيضا أن تكون نفسه متباينة المعنى مختلفة من حيث أشبهت ~~أقانيم مختلفة المعاني وأن يكون ابن نفسه وروح نفسه لأنه مثل ابنه وروحه ~~وبمعناهما وهذا جهل عظيم وترك لقولهم إن صاروا إليه # وإن قالوا ليس الجوهر موافقا للأقانيم من كل جهة وإنما يوافقها بالجوهرية ~~لأن جوهرها من جوهره وإنما يخالفها في القنومية قيل لهم فالجهة التي وافقها ~~بها وهي الجوهرية هي الجهة التي خالفها بها وهي القنومية فإن قالوا نعم ~~جعلوا معنى الجوهرية هو معنى القنومية وقيل لهم فما أنكرتم أن يكون الجوهر ~~أقنوما لجوهر آخر ولنفسه وذلك ترك قولهم # فإن قالوا جهة الاختلاف بينهما وهي القنومية غير جهة الاتفاق التي هي ~~الجوهرية قيل لهم فيجب أن يكون هناك خلاف ثابت بين الجوهر والأقانيم في ~~القنومية وأن يكون ذلك الخلاف لا يعدو أن يكون جوهرا أو عرضا وإلا وجب أن ~~يوافقها بنفسه في الجوهرية ويخالفها بنفسه في القنومية وإن جاز ذلك جاز أن ~~يكون وفاق ms054 الشيئين هو خلافهما وأن يكون PageV01P104 قدمه هو حدوثه وأن يكون ~~قديما محدثا لنفسه وفي فساد ذلك دليل على بطلان ما قالوا # فإن قال منهم قائل أفليس قد قلتم أنتم في صفات الباري سبحانه إنها ليست ~~بموافقة له ولا مخالفة له فما أنكرتم أيضا أن يكون الجوهر غير موافق ~~للأقانيم ولا مخالفا لها قيل لهم إنما سألناكم عن هذا لأجل قولكم إن الجوهر ~~غير الأقانيم ونحن فلا نقول إن الله سبحانه غير صفاته فلا يلزم ما قلتم # وعلى أننا لو قلنا إن الله تعالى مخالف لصفاته في معناها بمعنى أنه يجوز ~~عليها ما يستحيل عليه وأنه لا يسد مسدها ولا ينوب منابها لم يدخل علينا مثل ~~ما لزمكم من كون المتفق بنفسه مختلفا بنفسه وكون جهة الاتفاق هي جهة ~~الاختلاف لأننا لا نزعم أن الله سبحانه موافق لصفاته في جهة من الجهات ~~وأنتم تزعمون أن الجوهر موافق للأقانيم بالجوهرية فإنه موافق لها بنفسه ~~ومخالف لها أيضا في القنومية بنفسه فشتان بين قولنا وقولكم # وإن قالوا لا نقول إنه موافق لها ولا مخالف لها قيل لهم فلا بد أن يسد ~~مسدها فيوافقها أو لا يسد مسدها فيخالفها وهذا المعنى بنفسه هو الذي نعنيه ~~بالاتفاق والاختلاف فلا معنى للمراوغة # وإن قالوا أليس لا يقال إن يد الإنسان من الإنسان مخالفة له ولا موافقة ~~له وكذلك الواحد من PageV01P105 العشرة والبيت من القصيدة والآية من السورة ~~فما أنكرتم من مثل ذلك في الجوهر والأقانيم قيل لهم إنما لم يجز إطلاق ~~الخلاف والوفاق فيما ذكرتم لأن قولنا إنسان واقع على الجملة التي منها اليد ~~وكذلك العشرة والواحد منها والبيت من القصيدة والآية من السورة ومن المحال ~~أن يكون الشيء مثل نفسه أو غيره أو خلاف نفسه وقولنا جوهر ليس بواقع عندكم ~~على الجوهر والأقانيم التي هي خواصه ولا من أسماء الجمل فسقط ما سألتم عنه # | ذكر اختلافهم في معنى الأقانيم # زعم قوم منهم أن معنى الأقانيم التي هي الخواص أنها صفات للجوهر فيقال ~~لهم إذا استحال ms055 أن تكون أقانيم وخواص لأنفسها وإنما تكون صفات وأقانيم لشيء ~~آخر هو غيرها ولا يقال إنه هي فهذا يوجب إثبات أربعة معان منها جوهر وثلاث ~~خواص له وهذا ترك التثليث وإن قالوا هي خواص لأنفسها وأقانيم لأنفسها قيل ~~لهم فيجب أن يكون الابن ابن نفسه والروح روح نفسه والصفة صفة نفسها وهذا ~~جهل عظيم ويجب بطلان ما هي خواص له ونفيه وألا يكون هناك مخصوصا بهذه ~~الخواص وهذا إبطال للجوهر # وزعم قوم منهم أن معنى الأقانيم والخواص أنها أشخاص فيقال لهم ~~PageV01P106 أهي شخاص لأنفسها أم لجوهر يجمعها فإن قالوا لأنفسها تركوا ~~قولهم وإن قالوا لجوهر جامع لها أبطلوا التثليث # وقال بعضهم معنى الأقانيم أنها خواص فقط فيقال لهم أهي خواص لأنفسها أم ~~لجوهر جامع لها هي خواص له # ويكلمون في ذلك بما كلما به من زعم أنها أشخاص وصفات ولا جواب لهم عن ذلك # | مسألة أخرى عليهم في الأقانيم # ويقال لهم إذا كانت الأقانيم جوهرا واحدا وكان الأب جوهره جوهر الابن ~~وجوهر الروح من جوهرهما فلم كان الابن والروح بأن يكونا ابنا وروحا خاصين ~~للأب أولى من أن يكون كل واحد منهما أبا وأن يكون الأب خاصا لهما إذا كان ~~الروح والابن جوهرين لأنفسهما وكان جوهرهما من جوهر الأب وكان الأب جوهرا ~~لنفسه وكان قديما لنفسه وكانا أيضا قديمين لأنفسهما ولم يكن الأب قبل ~~الأقانيم والخواص ولا أسبق في الوجود ولا الخواص أسبق منه فما الذي جعله ~~بأن يكون أبا لهما أولى من أن يكون كل واحد منهما أبا لما جعلتموه أبا له ~~وأن يكون الأب خاصا فلا يجدون إلى تصحيح تحكمهم سبيلا # | الكلام عليهم في معنى الاتحاد # وقد اختلفت عباراتهم عن معنى الاتحاد فقال منهم معنى الاتحاد أن الكلمة ~~التي هي الابن حلت جسد المسيح عليه PageV01P107 السلام # وقالت طائفة أخرى وهم اليعاقبة وكثير منهم إن الاتحاد هو اختلاط وامتزاج ~~وزعمت اليعقوبية أن كلمة الله انقلبت لحما ودما بالاتحاد # وزعم كثير منهم أعني اليعقوبية والنسطورية أن اتحاد الكلمة بالناسوت ~~اختلاط ms056 وامتزاج كاختلاط الماء وامتزاجه بالخمر واللبن إذا صب فيهما ومزج ~~بهما # وزعم قوم منهم أن معنى اتحاد الكلمة بالناسوت الذي هو الجسد هو اتحادها ~~له هيكلا ومحلا وتدبيرها الأشياء عليه وظهورها فيه دون غيره # واختلفوا في معنى ظهور الكلمة في الهيكل وادراعها له وإظهار التدبير عليه ~~فقال أكثرهم معنى ذلك أنها حلته ومازجته واختلطت به اختلاط الخمر واللبن ~~بالماء عند امتزاجهما # وقال قوم منهم إن ظهور الكلمة في الجسد واتحادها به ليس على معنى المزاج ~~والاختلاط ولكن على سبيل ظهور صورة الإنسان في المرآة والأجسام الصقيلة ~~النقية عند مقابلتها من غير حلول صورة الإنسان في المرآة وكظهور نقش الخاتم ~~وكل طابع في الشمع والطين وكل ذي قابل للطبع من الأجسام من غير حلول نقس ~~الخاتم والرسم في الشمع والطين والتراب # وقال بعضهم أقول إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح عليه السلام على معنى أنها ~~حلته من غير مماسة ولا ممازجة ولا مخالطة كما أقول أن الله سبحانه حال في ~~السماء وليس بمماس لها ولا مخالط PageV01P108 وكما أقول إن العقل جوهر حال ~~في النفس وهو مع ذلك غير مخالط للنفس ولا مماس لها # وزعمت الروم وهي الملكية أن معنى اتحاد الكلمة بالجسد أن الاثنين صارا ~~واحدا وصارت الكثرة قلة وصارت الكلمة وما اتحدت به واحدا وكان هذا الواحد ~~بالاتحاد اثنين قبل ذلك هذا جملة المشهور عنهم في معنى الاتحاد # فأما من زعم منهم أن معنى الاتحاد هو ظهور الابن في الجسد وادراعه له على ~~سبيل ظهور الوجه في المرآة والنقش في المطبوع من غير حلول الوجه في المرآة ~~وانتقال النقش إلى الشمع فلا معنى له لأن الوجه ليس يظهر في المرآة ولا ~~صورة مثله ولا ينتقل إليها ولا يوجد على صفحتها ولا ممازجا لها وإنما يدرك ~~الإنسان وجه نفسه عند مقابلة الأجسام الصافية الصقيلة بإدراك يحدث له بجري ~~العادة عند مقابلة الأجسام بانعكاس الشعاع على ما يذهب إليه بعض المتكلمين ~~فيظن عند إدراكه لنفسه ومقابلة الجسم الصقيل أن في المرآة صورة هي ms057 وجه أو ~~مثل وجه وليس كذلك وقد بينا هذا في غير موضع بما يغني الناظر فيه وإذا ثبت ~~أنه لا شيء يظهر في المرآة ولا يختص بها بطل بناء الاتحاد عليه # وأما تشبيههم ذلك بظهور نقش الطبع في الشمع والطين فإنه باطل PageV01P109 ~~وتخليط من قائله وذلك أن الظاهر في الشمع شيء مثل نقش الخاتم وهو غيره لأن ~~الحروف الموجودة بالشمع هي بعض له وجزء من أجزائه وما في الطابع من الحروف ~~هو بعض الطابع ومن جملته وهما غيران يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر فظنهم أن ~~نفس النقش الذي في الشمع هو نفس الطابع جهل وتخليط فيجب على هذا إن لم تكن ~~الكلمة هي نفسها الظاهرة في جسد المسيح أن يكون الظاهر فيه غيرها وهو شيء ~~مثلها وأن يكون لله سبحانه ابنان وكلمتان أحدهما لا يحل الأجسام ولا يتخذها ~~هيكلا ومكانا والآخر حال في جسد المسيح وهذا قول بأربعة أقانيم وترك القول ~~بالتثليث # وأما من قال إن الاتحاد إنما هو حلول الكلمة في المتحد به واختلاطها به ~~وممازجتها له فإنه يقال له إذا جاز على الكلمة الحلول في الجسد المخلوق ~~وممازجتها له واختلاطها به وهي مع ذلك قديمة فما أنكرتم من اجتماعها مع ~~الجسد ومماستها له وإذا جاز على القديم سبحانه المماسة والمجاورة والمخالطة ~~للمحدث والممازجة له فلم لا يجوز عليه مقابلة المحدث ومحاذاته ولم لا يجوز ~~عليه الظهور والكمون والحركة والبعد والقرب والشغل والتفريغ والتصوير ~~والتركيب فإن راموا في ذلك فصلا لم يجدوه وإن مرو على ذلك قيل لهم فإذا جاز ~~أن يكون ما هذه صفته قديما وقد كان في القدم غير مماس ولا ممازج ولا مخالط ~~فما أنكرتم أن يكون سائر الأجسام المماسة المختلطة المتحركة الساكنة قديمة ~~وما الذي جعل الكلمة التي هذه صفتها بالقدم أولى منها بالحدث وما ~~PageV01P110 الذي جعل الأجسام بالحدوث أولى من الكلمة # ويقال لليعقوبية إذا جاز أن ينقلب ما ليس بلحم ولا دم لنفسه وما هو مخالف ~~للدم واللحم لنفسه لحما ودما بالاتحاد فلم ms058 لا يجوز أن تنقلب الكلمة التي ~~تخالف المحدثات لنفسها وليست بمحدثة لنفسها محدثة بالاتحاد فيصير القديم ~~لنفسه بالاتحاد محدثا عند اتحاده كما صار لحما ودما عند اتحاده ولم لا يصير ~~المحدث لنفسه قبل اتحاد القديم به قديما عند اتحاد القديم به فيخرج عن أن ~~يكون لحما ودما عند اتحاده في المتحد به فتصير الطبيعتان واحدة ويصير ما ~~ليس بلحم ودم لحما ودما وما هو لحم ودم غير لحم ولا دم فلا يجدون إلى دفع ~~ذلك سبيلا # وأما قول من قال إن الاتحاد هو حلول الكلمة في الناسوت من غير مماسة وأنه ~~كحلول الباري سبحانه في السماء وكحلوله على العرش من غير مماسة لهما فإنه ~~باطل غير معقول وذلك أن الباري سبحانه ليس في السماء ولا هو مستو على عرشه ~~بمعنى حلوله على العرش لأنه لو كان حالا في أحدهما ومستويا على الآخر بمعنى ~~الحلول لوجب أن يكون مماسا لهما لا محالة # وأما قولهم إن العقل جوهر حال في النفس مماس لها فإنه باطل لأن الجوهر لا ~~يحل في العرض وإنما يحل في الجسم على معنى المماسة له والاعتماد عليه ~~واتخاذه مكانا يعتمده ويحيط به من جهاته PageV01P111 كحلول الماء في الجب ~~والدهن في القارورة # وإذا لم يعقل الحلول إلا مماسة وملاصقة وكانت المجاورة والاجتماع من صفات ~~الأجسام وكانت كلمة الله غير جسم لم يجز عليها الاتحاد والحلول في الأماكن # وأما قول الروم إن الاتحاد هو أن يصير الكثير قليلا والاثنان واحدا فإنه ~~قول جميعهم لأنهم كلهم يزعمون أن الاتحاد أن يصير الكثير قليلا والروم ~~توافق اليعاقبة والنسطورية في أن الاتحاد لا يكون إلا بامتزاج واختلاط ~~فيقال لهم إذا لم يجز أن يحصل الاتحاد وأن يصير الاثنان واحدا إلا ~~بالاختلاط والامتزاج وكنا قد بينا أن ذلك مماسة وملاصقة وأنه بمنزلة الحركة ~~والسكون والظهور والكمون وأن هذه الأمور أجمع تختص بالأجسام ولا تجوز إلا ~~عليهما لم يصح الاتحاد على الكلمة القديمة ولا أن يصير الاثنان واحدا أبدا ~~لأنه معلق بمحال لا يصح وهو ms059 مماسة ما ليس بجسم وذلك ممتنع محال # ويقال للروم إذا جاز أن يتحد قديم بمحدث فيصيران واحدا وقد كانا اثنين ~~قبل الاتحاد فما أنكرتم أن يتحد محدث بمحدث إذا خالطه ومازجه فيصيران بذلك ~~واحدا وما أنكرتم أن يصير الرطلان والقدحان اللذان أحدهما خمر والآخر ماء ~~إذا اختلطا وامتزجا رطلا واحدا وقدحا واحدا وما أنكرتم أيضا من أن يصير ~~العرضان إذا وجدا في محل واحد عرضا واحدا جنسا واحدا وإن كان أحدهما حركة ~~والآخر سوادا وما أنكرتم من أن تتكثر القلة فتصير الطينة الواحدة والشيء ~~الواحد الذي لا بعض له ولا نصف ولا تأليف فيه ولا صورة له مائة ألف شيء وذا ~~أبعاض وأبعاد وأقطار PageV01P112 وصور متغايرة وأشكال مختلفة على حد ما ~~يقوله بعض الفلاسفة فإن مروا على هذا أجمع تركوا قولهم وتجاهلوا وإن أبوه ~~لم يجدوا فصلا # ويقال للروم أيضا إذا كان من دينكم مخالفة النسطورية واليعاقبة في قولهم ~~إن الكلمة اتحدت بإنسان واحد جزئي دون غيره وكنتم تزعمون أن الابن إنما ~~اتحد بالإنسان الكلي وهو الجوهر الجامع لسائر أشخاص الناس لكي يخلص الجوهر ~~الجامع لسائر الناس من المعصية وهو إذا اتحد بالإنسان الكلي صار معه واحدا ~~فيجب أن يصير الجوهر الكلي جزئيا وأقنوما واحدا لأن الابن أحد الأقانيم ~~وليس هو كل الأقانيم والخواص فهو من حيث القنومة شخص واحد جزئي فإذا صار ~~عند الاتحاد بالإنسان الكلي الذي هو الجوهر الجامع لكل الناس شيئا واحدا ~~وجب أن يكون كليا جزئيا لأنه كلي من حيث كان جوهرا جامعا لسائر الناس وجزئي ~~من حيث كان خاصا وقنوما للجوهر العام فيجب أن يكون كليا جزئيا وهذا غاية ~~الإحالة & فصل في قول النصارى إن الاتحاد فعل & # وقد أطبقت النصارى على أن الاتحاد فعل من الأفعال صار به المتحد متحدا ~~والمسيح مسيحا فيقال لهم خبرونا عن الاتحاد بالإنسان المتحدة به الكلمة إذا ~~كان فعلا فهل له عندكم فاعل أم لا فإن قالوا لا فاعل له قيل لهم فما أنكرتم ~~من أن يكون سائر الأفعال والحوادث ms060 لا فاعل لها وليس ذلك من قولهم # وإن قالوا الاتحاد فعل لفاعل فعله وكان به متحدا قيل لهم فمن فاعله أهو ~~الجوهر الجامع للأقانيم دون الأقانيم أم الأقانيم الثلاثة دونه أم هو ~~والثلاثة الأقانيم أم الفاعل له واحد من الأقانيم فإن PageV01P113 قالوا هو ~~الجوهر العام الجامع للأقانيم قيل فيجب أن يكون الجوهر هو المتحد بالجسد ~~والإنسان الكلي أو الجزئي على ما تختارونه لأن المتحد عندكم هو من فعل ~~الاتحاد دون من لم يفعله ويجب أيضا أن يكون هو الإله المستحق للعبادة لأنه ~~هو الفعال لها # وكذلك إن قالوا الجوهر والأقانيم فعلوا الاتحاد قيل لهم فيجب أن يكون هو ~~والثلاثة الأقانيم متحدين بالإنسان ولا معنى لقولكم إن الابن وحده هو ~~المتحد دون الأب والروح ودون الجوهر العام الجامع للأقانيم وهذا نقض قولكم ~~إن الاتحاد للابن فقط # وكذلك إن قالوا إنما فعل الاتحاد الأقانيم الثلاثة دون الجوهر قيل لهم ~~فيجب أن يكون الروح أيضا متحدا وألا يكون الابن وحده من خواص الجوهر متحدا # وإن قالوا فاعل الاتحاد إنما هو الابن وحده ولإنفراده بفعل الاتحاد كان ~~متحدا دون الروح قيل لهم فإذا جاز أن ينفرد الابن بفعل حادث هو الاتحاد دون ~~الروح والأب ودون الجوهر العام فلم لا يجوز أن ينفرد الروح بفعل حادث ~~وحوادث أخر وأن ينفرد كل أقنوم من الأقانيم بعوالم وأفعال لا يفعلها الآخر ~~وينفرد الجوهر الجامع بفعل غير فعلها # وإذا كان ذلك كذلك جاز أن تتمانع وتختلف # ويقال هم إذا كانت الأقانيم تفعل كما أن الجوهر الجامع لها يفعل فلم صار ~~بأن يكون جامعا لها وأن تكون خواص له أولى من أن يكون هو خاصا لها وهي ~~PageV01P114 جامعة له فيكون أقنوما من أقانيمها فلا يجدون لذلك مدفعا # | مسألة في الاتحاد # ويقال لهم كيف اتحدت الكلمة التي هي الابن بجسد المسيح دون الأب والروح ~~مع قولكم بأنه غير مباين لهما ولا منفصل عنهما وإن جاز ذلك فما أنكرتم من ~~أن يكون الماء الممازج للخمر المختلط به مشروبا دون الخمر أو ms061 الخمر مشروبا ~~دون الماء وإن كانا غير منفصلين ولا متباينين وإذا استحال هذا عندكم وجب أن ~~يكون شارب الخمر الممتزج بالماء شاربا للخمر والماء إذا كانا غير منفصلين ~~ولا متباينين فما أنكرتم من أن يجب إذا كان الابن متحدا وهو غير منفصل من ~~الروح والأب ولا مباين لهما أن يكون الأب والروح متحدين به كما أن الابن ~~متحد به # فإن قالوا إن الكلمة إنما اتحدت بالإنسان الكلي في الجزئي الذي ولدته ~~مريم عليهما السلام قيل لهم فيجب أيضا أن يكون الأب والروح متحدين بالكلي ~~في الجزئي الذي ولدته مريم لأننا لسنا نقصد بهذا السؤال الكلام في الإنسان ~~الذي اتحدت به الكلمة وهل هو جزئي أو كلي أو اتحاد بالكلي في الجزئي الذي ~~ولدته مريم وإنما الكلام في كيف يمكن أن يكون الابن متحدا بما اتحد به كلي ~~أو جزئي دون الأب والروح وهو غير مباين لهما ولا منفصل عنهما فأجيبوا عن ~~هذا إن كنتم قادرين PageV01P115 # ثم يقال لهم إن كانت الكلمة اتحدت بالإنسان الكلي فلا يخلو أن تكون اتحدت ~~به في مكان أو لا في مكان فإن كانت اتحدت به لا في مكان فليس بينها وبين ~~الجسد المولود المأخوذ من مريم إلا ما بينه وبين سائر أجسام الناس وسائر ~~الأجساد ولا مزية لمريم ولا للجسد المأخوذ منها إذا لم يكن للابن اتحاد به ~~ولا بغيره ويجب أن يكون القتل والصلب جاريين على الجسد فقط لا على الابن ~~ولا على المسيح لأن الجسد الذي لا اتحاد للابن به ليس بمسيح فكيف يكون ~~المسيح مقتولا مصلوبا وإن كان اتحاد الابن بالكلي اتحادا به في مكان ما هو ~~الجسد المأخوذ من مريم أو غيره من الأجسام فيجب أن يكون الكلي محصورا في ~~ذلك المكان الجزئي وأن يكون الجزئي حاويا محيطا بالكلي ومكانا له وإن كان ~~جزءا منه وهذا عكس ما في العقل وقلبه لأن ذلك لو جاز لجاز اشتمال العدد ~~القليل على العدد الكثير وزيادته عليه ولجاز أن يكون الصغير من الأجسام ~~محيطا ms062 بالعظيم وحاويا له وإذا علمنا بأوائل العقول فساد ذلك علمنا أيضا ~~استحالة اتحاد الابن بالكلي إن كان ها هنا كلي في مكان صغير جزئي # | مسألة على الملكية # يقال لهم خبرونا كيف ولدت مريم الابن دون الأب وروح القدس وهو غير مباين ~~لهما ولا منفصل عنهما فيكون المتحد بالجسد حملا في بطن مريم والأب والروح ~~والجوهر الجامع للأقانيم لا في بطن مريم وهما مع PageV01P116 ذلك غير ~~متباينين ولا منفصلين مما هو حال في الجسد في بطن مريم فما لا ينفصل ولا ~~يتميز من الذات كيف يكون منه مولود ومنه غير مولد ومنه غير متحد لولا الجهل ~~والعجز # | مسألة أخرى على الملكية # يقال لهم خبرونا عن مريم أهي إنسان كلي أم إنسان جزئي فإن قالوا إنها كلي ~~تجاهلوا وقيل لهم فما أنكرتم أن يكون كل ذكر وأنثى من الناس إنسانا كليا ~~فإن قالوا هو كذلك تركوا قولهم وقيل لهم فأي هو الإنسان الجزئي وكل جزئي ~~تشيرون إليه على قولكم هذا فهو كلي فلا يجدون إلى إثبات الجزئي سبيلا وفي ~~هذا هدم مذهبهم # وإن قالوا مريم عليها السلام إنسان جزئي قيل لهم فالإنسان الذي ولدته ~~أليس هو الذي اتحد الابن بولادته وإذا قالوا نعم قيل لهم فخبرونا عن ~~الإنسان الذي ولدته مريم أكلي هو أم جزئي فإن قالوا جزئي تركوا قولهم بأن ~~الابن متحد بالإنسان الكلي الذي أراد خلاصه وصاروا إلى قول النسطورية ~~واليعاقبة # وإن قالوا الإنسان المأخوذ من مريم هو ابن مريم فإذا قالوا أجل قيل لهم ~~فهو كلي وأمه التي هي مريم إنسان جزئي فيجب على قولكم أن يكون الإنسان ~~الكلي ابن الإنسان الجزئي وهذا طريف جدا لأننا لو فرضنا عندهم عدم مريم لم ~~يعدم الإنسان الكلي ولو فرضنا عدم الإنسان الكلي لم تكن مريم ولا غيرها من ~~جزئيات الإنسان # وكيف يكون PageV01P117 الكلي ابن ما لا يجب أن يعدم بعدمه ويرتفع ~~بارتفاعه ويكون الجزئي حاويا للكلي # ويقال لهم أنتم تقولون إن الجوهر الكلي وكل ما تقولون إنه كلي لا تصح ~~ولادته ms063 ولا أن يحويه مكان دون مكان والمولود من مريم كان في بطنها وكان ~~مكانه منها حاويا له فكيف يكون كليا فإن جاز أن يكون الكلي ابن الجزئي فلم ~~لا يجوز أن تكون مريم ابنة عيسى المولود منها وأن يكون آدم ونوح ابني مريم ~~التي هي ابنة لهما هذا تجاهل عظيم لا يبلغه صاحب تحصيل # | مسألة على جميعهم # ويقال لهم خبرونا عن اتحاد الابن بالجسد أكان باقيا موجودا في حال وقوع ~~القتل والصلب به أم لا فإن قالوا كان باقيا موجودا قيل لهم فالذي مات مسيح ~~من طبيعتين لاهوت وهو الابن وناسوت وهو الجسد فيجب أن يكون ابن الله القديم ~~قد مات كما قتل وصلب لأن جواز القتل والصلب عليه كجواز الموت وإذا صار ~~الابن عند القتل ميتا لم يجز أن يكون في تلك الحال إلها لأن الإله لا يكون ~~ميتا ولا ناقصا ولا ممن يجوز عليه الموت ولو جاز ذلك عليه لجاز موت الأب ~~والروح وهذا ترك قولهم # وإن قالوا الاتحاد بطل عند القتل والصلب قيل لهم فيجب انتفاض الاتحاد عند ~~القتل والصلب وهذا ترك قولهم # ويجب أيضا ألا يكون PageV01P118 المقتول مسيحا لأن الجسد عند انتفاض ~~الاتحاد ومفارقة المتحد به ليس بمسيح وإنما يكون الجسد وما اتحد به مسيحا ~~مع ثبوت الاتحاد ووجوده فإذا بطل كان المقتول المصلوب الواقع عليه الموت ~~إنسانا ولا معنى لقولكم إن المسيح قتل وصلب # | مسألة أخرى على جميعهم في الاتحاد # يقال لهم لم قلتم إن كلمة الله اتحدت بجسد المسيح دون جسد موسى وإبراهيم ~~وغيرهما من النبيين فإن قالوا لأجل ما ظهر عل يد عيسى من فعل الآيات ~~واختراع المعجزات التي لا يقدر البشر على مثلها من نحو إحياء الموتى وإبراء ~~الأكمه والأبرص وجعل القليل كثيرا وقلب الماء خمرا والمشي على الماء وصعود ~~السماء وإبراء الزمن وإقامة المقعد وغير ذلك من عجيب الآيات فوجب أن يكون ~~إلها وأن الكلمة متحدة به يقال لهم لم زعمتم أن عيسى فاعل لما وصفتم من ~~الآيات ومخترع لها وما ms064 أنكرتم أن يكون غير قادر على قليل من ذلك ولا كثير ~~وأن يكون الله تعالى هو الذي فعل جميع ما ظهر على يده من ذلك وتكون حاله ~~فيه حال سائر الأنبياء فيما ظهر عليهم من الآيات # ثم يقال لهم ما أنكرتم أن يكوم موسى عليه السلام إلها وأن تكون الكلمة ~~متحدة به لما فعله من الآيات البديعة نحو قلب العصا حية ذات فم وعينين ~~وخروق ولم تكن من قبل حية ولا فيها رسم عينين ولا فم PageV01P119 ونحو فلق ~~البحر وإخراج يده بيضاء وغير ذلك وما أتى به من الجراد والقمل والضفادع ~~والدم وغير ذلك مما لا يقدر عليه البشر فإن قالوا موسى لم يكن مخترعا لشيء ~~من ذلك وإنما كان يدعو ويرغب إلى الله تعالى في أن يظهر على يديه ذلك يقال ~~لهم فما أنكرتم أن تكون هذه حال عيسى وأنه كان يرغب إلى خالقه وربه ومالكه ~~في أن يظهر الأيات على يده # وقد نطق الإنجيل بذلك لأن في الإنجيل أن عيسى عليه السلام بكى فقال رب إن ~~كان في مشيئتك أن تصرف هذه الكأس عن أحد فاصرفها عني وأنه أراد أن يحيي ~~كهلا فقال يا أبي أدعوك كما كنت أدعوك فتستجيب لي وإنما أدعوك من أجل هؤلاء ~~ليعلموا وقال يا أبي أنا أحمدك وقال وهو على الخشبة وقت الصلب بزعمهم إلهي ~~إلهي لم تركتني وهذا فوق دعاء موسى وتضرعه وابتهاله فوجب أنه عبد مربوب ~~ومحدث مخلوق كموسى وغيره من الرسل عليه السلام # وإن قالوا عيسى كان يدعو ويرغب بهذا الدعاء عل سبيل التعليم للأتباع ~~والتلاميذ وإلا فقد يخترع الآيات اختراعا ويأمر أن PageV01P120 يكون فيكون ~~قيل لهم فما أنكرتم من أن يكون دعاء موسى ورغبته إنما وقع على سبيل التعليم ~~وإلا فقد كان يخترع فلق البحر وإخراج اليد بيضاء وقلب العصا ثعبانا ~~وتظليلهم بالغمام واختراع المن والسلوى ويأمر بأن يكون ذلك فيكون فلا يجدون ~~إلى ذلك مدفعا # فإن قالوا قولنا مسيح اسم لمعنيين لاهوت هو إله وناسوت هو إنسان مخلوق ms065 ~~فما كان من تضرع ودعاء فإنما وقع من الإنسان الذي هو الناسوت وما كان من ~~إحداث آية وإظهار معجزة فهو واقع من الإله دون الإنسان يقال لهم فما أنكرتم ~~من أن يكون موسى أيضا إسما لمعنيين إله وإنسان فما كان من دعاء ورغبة فإنه ~~واقع من الناسوت وما كان من اختراع آية أو إبداع معجزة فإنه من اللاهوت دون ~~الناسوت ولا فصل في ذلك # فإن قالوا كل واحد من هؤلاء الأنبياء قد أقر بلسانه بأنه مخلوق وعبد ~~مربوب مألوه مرسل من عند الله عز وجل والمسيح لم يقر بذلك قيل لهم وكذلك ~~المسيح قد اعترف بأنه نبي مرسل وعبد مخلوق لأن الإنجيل ينطق بأنه قال إني ~~عبد الله وأرسلت معلما وقال فكما بعثني أبي فكذلك أبعثكم عمدوا الناس ~~وغسلوهم باسم الأب والابن والروح القدس قال في الإنجيل إن النبي لا يكرم في ~~مدينته في نظائر PageV01P121 هذه الإقرارات عنه كثيرة بأنه نبي وعبد مرسل ~~ومألوه مدبر فوجب أنه ليس بإله # فإن قالوا هذه الإقرارات واقعة من ناسوت المسيح دون لاهوته قيل لهم فما ~~أنكرتم أن يكون كل إقرار سمع من نبي بأنه خلق وعبد ونبي فإنه إقرار ناسوته ~~دون لاهوته فهل تجدون في ذلك فصلا # وإن قالوا إنما قلنا إن المسيح إله لأن الله قال في الكتب إنه إله وسماه ~~بذلك فقال العذراء البتول تحمل وتلد ابنا يدعى أو يسمى إلها يقال لهم فقد ~~قلتم قال الله لموسى إني قد جعلتك إلها لهارون وجعلتك إله فرعون على معنى ~~أنك مدبر له وآمر له وواجب عليه طاعتك فقد كانت هذه لغة # ثم يقال لهم لم يخبر الله تعالى بأنه هو سماه أو يسميه إلها وإنما قال ~~يدعى اسمه إلها فيمكن أن يكون أراد أن قوما يغلون في تعظيمه ويدعونه بذلك ~~ويتجاوزون به الحد ويكذبون في ذلك ويفترون فمن أين لكم ما سمي به من ذلك ~~واجب صحيح فلا يجدون إلى ذلك سبيلا # وإن هم قالوا إنما قلنا إن عيسى إله وإن الكلمة ms066 اتحدت به لأنه ولد ~~PageV01P122 لا من فحل وليس كذلك من ذكرتموه من الرسل فيقال لهم فيجب على ~~قياسكم أن يكون آدم عليه السلام إلها لأنه وجد لا من ذكر ولا أنثى فهو أبعد ~~عن صفة المحدث لأنه لم يحل بطن مريم ولا غيرها ولا كان من معدن ولد ولا ~~موضع حمل وكذلك يجب أن تكون حواء ربا لأنها خلقت من ضلع آدم من غير ذكر ولا ~~أنثى فهو أبعد # وكذلك المطالبة عليهم في وجوب كون الملائكة آلهة لأنهم لا من ذكر ولا ~~أنثى ولا على وجه التبني # فإن قالوا إنما وجب القضاء على ربوبيته لأنه قال في الإنجيل وهو الصادق ~~المصدوق في قوله أنا وأبي واحد ومن رآني فقد رأى أبي يقال لهم ما أنكرتم أن ~~يكون معنى ذلك أن من أطاعني فقد أطاع أبي أي مرسلي ومعلمي الحكمة ومن عصاني ~~فقد عصاه فيكون معنى أبي أي إنه معلمي ومرسلي وقوله فمن رآني فقد رآه معناه ~~فكأنه قد رآه وسمع كلامه وأمره ونهيه لأنه لو كان هو وأبوه واحدا لوجب أن ~~تكون الولادة والحمل والقتل والصلب والأكل والشرب والحركة الجارية عليه كل ~~ذلك جاريا على الأب وإذا كان هو PageV01P123 المتحد بالجسد أن يكون الأب ~~متحدا به فهذا كله ترك لقولهم إن ركبوه # فإن قالوا إنما وجبت آلهية المسيح لأنه قال وهو الصادق في قوله أنا قبل ~~إبراهيم وهو إنسان من ولد إبراهيم فعلمنا بذلك أنه قبل إبراهيم بلاهوته ~~وابنه بناسوته # يقال لهم فما أنكرتم أن يكون المراد بقوله أنا قبل إبراهيم أن كثيرا من ~~ديني وشرعي كان متعبدا به مشروعا قبل إبراهيم على لسان بعض الرسل أو ما ~~أنكرتم أن يكون أراد بقوله أنا قبل إبراهيم أي مكتوب عند الله وأنا معروف ~~قبل إبراهيم عند قوم من الملائكة أو أنا مبعوث إلى المحشر قبل إبراهيم إذ ~~لا يجوز إثبات الربوبية بجسد أكل الطعام ومشي في الأسواق # والقول بأن اللاهوت اتحد به قول بعيد لا يحتمل التأويل وفي سفر الأمثال ~~وقد ms067 قال سليمان عليه السلام في كتابه أنا قبل الدنيا وكنت مع الله سبحانه ~~حيث مد الأرض وكنت صبيا ألعب بين يدي الله تعالى ولم يجب أن يكون سليمان ~~قبل الدنيا أو مع الله سبحانه حيث مد الأرض بلاهوته وأن يكون ابنا لداود ~~بناسوته فإن PageV01P124 قالوا أراد أن إسمي عند الله قبل خلق الدنيا وفي ~~علمه وعنده حيث مد الأرض والعلم بإرسالي وتمليكي أو غير ذلك من التأويلات ~~قيل لهم مثله فيما احتجوا به ولا جواب عنه PageV01P125 & باب الكلام على ~~البراهمة & # وقد افترقت البراهمة على قولين فمنهم من جحد الرسل وزعم أنه لا يجوز في ~~حكمة الله PageV01P126 سبحانه وصفته أن يبعث رسولا إلى خلقه وأنه لا وجه من ~~ناحيته يصح تلقي الرسالة عن الخالق سبحانه # وقال الفريق الآخر إن الله تعالى ما أرسل رسولا سوى آدم عليه السلام ~~وكذبوا كل مدع للنبوة سواه # وقال قوم منهم بل ما بعث الله تعالى غير إبراهيم وحده وأنكروا نبوة من ~~سواه # وهذا جملة قولهم # فيقال لمن أحال من الله سبحانه إنفاذ رسله إلى خلقه لم قلت ذلك وما دليلك ~~عليه فإن قال لعلمه سبحانه بأن الرسول من جنس المرسل إليه وأن جوهرهما واحد ~~وأن تفضيل أحد المتماثلين المتساويين على مثله ونوعه ومن هو بصفتة حيف ~~ومحاباة وميل وخروج عن الحكمة وذلك غير جائز على الحكيم يقال لهم لم قلتم ~~إن تفضيل الله سبحانه بعض الجنس على بعض ورفع بعضهم إذا كان محاباة للمتفضل ~~عليه وجب أن يكون ظلما وخروجا عن الحكمة وما أنكرتم أن يكون لله سبحانه ~~PageV01P127 أن يختص بفضله من يشاء من خلقه وله التسوية بين سائرهم فإن ذلك ~~أجمع عدل منه وصواب من تدبيره # فإن قالوا لأن تفضيل أحد المتجانسين على الآخر في الشاهد سفه منا فوجب ~~القضاء بذلك على القديم تعالى قيل لهم ولم قلتم إن ذلك سفه وما أنكرتم من ~~أنه جائز لنا وصواب في حكمتنا أن نحبو بعض عبيدنا وأصدقائنا والمتصرفين ~~معنا كتصرف غيره بأكثر مما مما نحبو به ms068 غيره ونفضله بعطاء وتشريف لا يستحقه ~~أكثر مما نحبو به غيره فلم قلتم إن هذا سفه وقبيح من فعلنا # ويقال لهم نحن نمنعكم أشد المنع من أن يكون في العقل بمجرده طريق لقبح ~~فعل أو لحسنة أو حظره أو إباحته أو إيجابه ونقول إن هذه الأحكام بأسرها لا ~~تثبت للأفعال إلا بالشرع دون قضية العقل وسنتكلم على هذا الباب وما يتصل به ~~في باب التعديل والتجوير من كتابنا هذا إن شاء الله فإن قالوا لو حسن من ~~الله ما قلتم لحسن من الله أن يشكر ويثنى على من لم يعمل شيئا أو من قل فعل ~~البر منه بأكثر مما يشكر ويثني على العامل الزاهد المجتهد قيل لهم لم قلتم ~~ذلك ثم يقال لهم ما أنكرتم أن يكون الفرق بينهما أن الشكر والثناء على ~~المرء بما لم يكن منه كذب والكذب مستحيل على الله تعالى إذ كان الصدق من ~~صفات نفسه ولغير ذلك كما يستحيل عليه الجهل والعجز والتفضل على من لم يعمل ~~أو على من عمل أقل من عمل غيره بأكثر من التفضل PageV01P128 على العامل ~~إنعام وإحسان وليس ذلك بقبيح ولا من الكذب بسبيل فبطل ما قلتم # ثم يقال لهم ما أنكرتم على من قال من مثبتي نبوة الرسل إن الله تعالى ليس ~~يفضل أحد الشخصين على الآخر المجانس له ابتداء ولا لأجل جنسه ولكن لأجل أنه ~~مستحق للتفضيل بالرسالة وغيرها بعمله والإخلاص في الاجتهاد كما أن الله ~~تعالى يفضل المنيب وقابل الحجج العقلية عندكم على من لم يقبلها لا لجنسه ~~ولا لابتدائه بذلك ولا لغير علة ولكن لأنه مستحق للتعظيم والشكر والثناء ~~عندكم لما كان من بره وطاعته فيكون التفضيل بالرسالة إذا أراد الله سبحانه ~~إرسال بعض عباده إلى باقيهم مستحقا لأنه أفضلهم وأكثرهم عملا فلا يجدون ~~لذلك مدفعا # ويقال لهم أيضا ما أنكرتم من أنه لا يجوز في عدل القديم سبحانه وحكمته ~~على موضوع دليلكم أن يخلق في بعض عباده الجهل وفي بعضهم العلم وفي بعضهم ~~العمى والبكم ms069 والخرس والزمانة وفي بعضهم القوة والتمكين وصحة الآلة وكمال ~~العقل والنحيزة الطبيعية لأن ذلك تفضيل بعض الجنس على بعض # فإن قالوا عطيته العلم والحياة وكمال العقل والحواس لبعضهم ومنعه لغيرهم ~~مصلحة للمعطى والممنوع وسبيل لهم إلى نفع عظيم هو سبحانه أعلم به قيل لهم ~~فما أنكرتم أن يكون إرساله بعض الخلق PageV01P129 وجعله راعيا وجعل باقيهم ~~رعية مصلحة للراعي والرعية وللرسول والمرسل إليه ولطفا لهم في النظر في حجج ~~العقول التي أمرهم بالرجوع إليها والعمل على موجبها # ويقال لهم إن بنيتم الأمر على قبح ذلك في الشاهد بزعمكم فيجب أن تقضوا ~~على أن الفاعل للعالم لا يفعله إلا لاجتلاب منفعة أو دفع مضرة وداع دعاه ~~إلى الفعل وبعثه عليه وأنه تعالى جسم مؤلف ذو حيز وقبول للأعراض وفي مكان ~~دون مكان لأنكم لم تعقلوا فاعلا في الشاهد إلا كذلك فإن مروا على هذا ~~أبطلوا الحدوث والمحدث وسيقت عليهم مطالبات الدهرية وإن أبوه نقضوا ~~استدلالهم بمجرد الشاهد والوجود # | علة أخرى لهم # فإن قالوا الدليل على أنه لا يجوز أن يرسل الله تعالى رسولا إلى خلقه أنا ~~وجدنا الرسول في الشاهد والمعقول من جنس المرسل فلما لم يجز أن يكون ا ~~لقديم من جنس المخلوقات بذاته ثبت أنه لا يجوز أن يرسل رسولا إلى خلقه ~~فيقال لهم فيجب على اعتلالكم هذا ألا يكون الله سبحانه محتجا على الخلق ~~بعقولهم ولا آمرا لهم بما وضعه فيها عندكم من وجوب فعل الحسن وترك القبيح ~~واستعمال النظر وفعل التوحيد لله والمعرفة به والشكر لنعمه لأن المحتج ~~الآمر في الشاهد من جنس المأمور المحتج عليه فإن مروا على ذلك تركوا ~~التوحيد ولحقوا بأهل التعطيل وإن أبوه وراموا فصلا نقضوا استدلالهم # ويقال لهم فيجب على PageV01P130 موضوعكم ألا يكون القديم سبحانه شيئا ولا ~~فاعلا ولا عالما حيا قادرا لأن ذلك يوجب أن يكون من جنس الأشياء المعقولة ~~لأن الشيء في الشاهد والوجود لا ينفك من أن يكون جسما أو جوهرا أو عرضا ~~والحي العالم القادر لا يكون إلا جسما ms070 وجواهر مجتمعة والفاعل منا لا يفعل ~~إلا في نفسه أو في غيره بسبب يحدثه في نفسه فإن لم يجب هذا أجمع سقط ما ~~تعلقتم به # | قول آخر لهم # واستدلوا أيضا على منع إرسال الرسل بأن قالوا لم نجد وجها من قبله يصح ~~تلقي الرسالة عن الخالق جل ذكره وذلك أنه ليس ممن يدرك بالأبصار ويشاهد ~~بالحواس فيتولى مخاطبة الرسول بنفسه من حيث يراه ويعلمه مخاطبا له حسب ~~الرائيين أحدهما للآخر وإنما يدعي الرسول العلم بالرسالة من جهة صوت يسمعه ~~أو كتاب يقع 15 إليه أو سماع شخص ماثل بين يذكر أنه بعض ملائكة ربه قالوا ~~وذلك كالذي ادعاه موسى بن عمران من أن الله تعالى كلمه وتولى خطابه بلا ~~واسطة ولا ترجمان قالوا ولم يدع مع ذلك رؤية ربه سبحانه وإنما أخبر عن صوت ~~سمعه فيما يدريه لعل صاحب ذلك الصوت ومكلمه PageV01P131 بعض الملائكة أو ~~الجن أو مستتر عنه من الإنس ولا له إلى أن يعلم أن متولي خطابه هو الله رب ~~العالمين مع علمه بأن في العالم أرواحا ناطقة بمثل ما سمعه ومن جنسه وعلى ~~صفته # وكذلك زعموا أن قول الرسول إن الذي أدى إليه الرسالة عن ربه ملك مقرب قول ~~لا سبيل له إلى العلم به ولعل الذي خاطبه عفريت من العفاريت أو بعض السحرة ~~والمخيلين فأما التعويل على كتاب يظن أنه من عند ربه فهو أبعد الأمور من أن ~~يعلم أن ذلك الكتاب ليس من عمل البشر ونظمهم ولو أنه أيضا سقط عليه من نحو ~~السماء لم يدر لعله مما طرحه عفريت من العفاريت أو مما أرسل مع الريح أو ~~حملته فألقته إليه # وإذا كان ذلك كذلك فلا سبيل إذا للرسول إلى تلقي الرسالة عن الخالق تعالى ~~وفي فساد الطريق إلى ذلك فساد القول بنبوة الرسل عليهم السلام # فيقال لهم ما أنكرتم من سقوط ما تعلقتم به وذلك أن موسى عليه السلام وكل ~~من تولى الله خطابه بلا واسطة ولا ترجمان يعلم أن خالق العالم هو المتولي ms071 ~~لخطابه من أربعة أوجه أحدها أن كلام الله سبحانه الذي يخاطب به من يشاء من ~~خلقه ليس من جنس كلام الآدميين ولا مشبها لكلام المخلوقين بل هو مخالف ~~لسائر الأجناس والأصوات وأبنية اللغات وإن كان مسموعا بحاسة السمع لما قام ~~عندنا من الدليل على قدمه واستحالة خلقه وأنه صفة من صفات ذات المتكلم به ~~وسنوضح ذلك بما يوضح الحق في باب القول في الصفات PageV01P132 إن شاء الله ~~تعالى # وإذا كان ذلك كذلك علم من تولى الله خطابه أن المتكلم له بما سمعه هو ~~القديم الذي ليس كمثله شيء وأنه الذي ينبغي أن يكون ما سمعه كلاما له دون ~~سائر الخلق # والوجه الآخر أنه لو كان ما سمعه الرسول أو الملك من جنس كلام الآدميين ~~لكان الله سبحانه قادرا على أن يضطره إلى العلم بأنه هو المكلم له وأن ~~الكلام الذي سمعه كلام له بأن يضطره أولا إلى العلم بذاته ووجوده ثم يضطره ~~إلى العلم بأن الكلام كلامه وأن مراده به إن كان بصيغة ما يحتمل وجوها من ~~الكلام كذا وكذا وسقط عن الرسول تكليف معرفته وفرض العلم بوجوده إذا كان قد ~~اضطره إلى العلم به ويكلفه تحمل الرسالة وأداءها إلى من شاء من خلقه ولعل ~~في ملائكته من هذه سبيل علمه به وبكلامه ومراده له إن لم يمنع من ذلك سمع ~~أو توقيف ولا سمع نعرفه في ذلك يمنع منه وإذا كان ذلك كذلك بطل سؤالكم أنه ~~لا سبيل للرسول إلى العلم بتلقي الرسالة عن الخالق # وما أنكرتم أيضا من أن يصح علم الرسول بأن الله سبحانه هو المتولي لكلامه ~~مع بقاء المحنة عليه وإلزام الله سبحانه إياه معرفته من وجهين أحدهما أن ~~يجعل الخطاب له خبرا عن غيب استسره موسى عليه السلام واعتقده في نفسه ولم ~~يطلع عليه أحدا من الخلق ويخبره PageV01P133 عما أحبه قلبه وانطوى عليه ~~ضميره أخبارا متصلة تخرج بكثرتها عن حد ما يمكن إصابة الظان والمخمن فيه ~~لأن المعلوم بمستقر العادة أن الحادس يصيب في الخبر ms072 والاثنين والثلاثة ولا ~~يصيب في المائة والمائتين والألف والألفين حتى لا يغلط في واحد منها وإذا ~~كان ذلك كذلك كان الله تعالى متى أراد إعلام من يتولى خطابه أنه المتولي ~~لكلامه ضمن خطابه الإخبار عن الغيوب وما أسرته النفوس فيعلم المخاطب عند ~~ذلك أن المتولي لكلامه هو علام الغيوب لتقدم علمه بأن الإخبار عن ذلك ~~والإصابة له في جميعه متعذر على المخلوقين وأن المنفرد بهذا هو الله رب ~~العالمين وهذا طريق للعلم بصحة الرسالة عن الله واضح لا إشكال فيه # وقد يمكن أن يعلم الله سبحانه الرسول أنه المتولي لخطابه بأن يقول أنا ~~الله الذي لا إله إلا أنا وآية ذلك أني أقلب الجماد حيوانا وأخرج يدك بيضاء ~~وأفلق البحر وأخرج الحيوان من الصخر فيعلم الرسول أن المتولي لخطابه هو ~~محدث الآيات ومبدع المعجزات لتقدم علمه بأن الخلق لا قدرة لهم على ذلك # وليس يجوز أن يحمل الله الرسالة لبعض أنبيائه وهو مع ذلك ممن لم يتقدم ~~علمه بأن أحدا من المخلوقين لا يستطيع الإخبار عن الغيوب والإصابة فيها ولا ~~يقدر على إبداع الأجسام وإحياء الموات وخرق العادات بل لا يرسل إلا أكمل ~~الخلق علما به ومعرفة له وإذا كان ذلك كذلك سقط ما توهمتم PageV01P134 ~~وكذلك أيضا إنما يتبين الرسول من البشر أن المنزل عليه بالرسالة ملك من عند ~~ربه بأن يكون الخطاب الذي أداه إليه متضمنا لإخباره عن الغيوب أو بأن يظهر ~~معه من الآيات مثل الذي ظهر على أيدي الرسول عند الأداء إلى أمثالهم من ولد ~~آدم فيعلم عند ذلك أن من ظهرت هذه الأمور على يده فليس بساحر ولا شيطان ولا ~~متمثل من الأرواح وكل هذا يبطل ما توهموه فأما الكتاب الساقط على يد الرسول ~~فلا بد من أن يكون معه آية تظهر على يد ملك سواء يؤديه أو بأن ينطق الله ~~الكتاب ويحييه حتى يؤدي عن نفسه ويخبر بمتضمنه ويخرق العادة بما يظهر منه ~~فلا تعلق لهم في ذلك # | قول آخر لمنكري الرسالة # واستدلوا على إبطال ms073 الرسالة بأن قالوا وجدنا المدعين للرسالة يزعمون أنه ~~لا طريق إلى العلم بصدقهم إلا وجود محالات ممتنع في العقل وجودها من نحو ~~فلق البحر وخلق ناقة من صخرة وقلب العصا حية وإحياء الموتى وإبراء الأكمه ~~والأبرص والمشي على الماء وإنطاق الذئب والحصا وما جرى مجرى ذلك من ادعائهم ~~جعل القليل كثيرا والقليل لا يتكثر كما أن الكثير لا يتقلل ويتوحد وإذا كان ~~كذلك بطل ما يدعونه فيقال لهم ما الذي أردتم بقولكم إن هذه الأمور مستحيلة ~~ممتنعة أعنيتم بذلك أنها مستحيلة في العادة أو في قدرة الصانع تعالى فإن ~~قالوا في قدرة PageV01P135 الصانع ألحدوا وتركوا دينهم وقيل لهم ما الدليل ~~على إحالة ذلك وإن قالوا لأننا لم نجد أحدا فعله ولا يقدر عليه ولا رأينا ~~ذلك قط ولا جرى مثل ما تدعون قيل لهم فيجب أن تحيلوا أيضا أن يخلق الله ~~تعالى الأجسام وألا يوجد آدم إلا من ذكر وأنثى وألا يخلق دجاجة إلا من بيضة ~~أو بيضة إلا من دجاجة أو نطفة إلا من إنسان أو إنسانا إلا من نطقة لأن ذلك ~~أجمع لم يوجد قط ولم يشاهد فإن مروا على ذلك لحقوا بأهل الدهر وإن أبوه ~~نقضوا اعتلالهم # وإن قالوا عنينا أن هذه الأمور مستحيلة في العادة قيل لهم فما أنكرتم أن ~~ينقض الله سبحانه العادات ويظهر المعجزات على أيدي رسله لما أراده من حسن ~~النظر لهم ولمن علم أنه يؤمن بهم ويعمل من العبادات ما يكون وصلة وذريعة ~~إلى إجزال ثوابهم كما جاز وحسن منه أن يحتج عليهم بعقولهم فلا يجدون إلى ~~دفع ذلك من حيث اعتلوا متعلقا # فأما ما قالوه من استحالة كون الكثير قليلا والقليل كثيرا فإنه صحيح على ~~ما ادعوه وإنما معنى قول المسلمين وكل ذي ملة إن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~يجعل القليل من الطعام والشراب كثيرا هو أن الله سبحانه يخلق عند دعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم ووضعه يده في الطعام والشراب أمثال PageV01P136 ~~ذلك الطعام والشراب ويخترع أضعافه لا أن ms074 كل جزء فيه يصير جزئين أو أكثر من ~~ذلك لأن الكثير لا يتوجد كما أن الواحد لا يتكثر وكذلك يعدم عند دعائه عليه ~~السلام بعض الموجودات ويبقى بعضها وإن كان التأويل في ذلك على ما وصفنا سقط ~~ما توهموه # | قول آخر لهم # وإن قالوا الدليل على كذب مدعي الرسالة على على ربه أنا وجدنا كل مدع ~~لذلك يخبر عن سبحانه بإباحة ما تحظره العقول من إيلام الحيوان وذبحه وسلخه ~~وتسخيره وغير ذلك مما يجري مجراه والحكيم لا يجوز أن يبيح ما تحظره العقول ~~ولا أن يبعث من يتكذب عليه في إطلاق ذلك وإباحته فدل ما وصفناه على أنهم ~~ليسوا من عند الله سبحانه فيقال لهم أول ما في هذا أن الذي ذكرتموه إنما ~~فيه أن يكون مبيح هذه الأمور ومدعي الإباحة على الله سبحانه كاذبا في ادعاء ~~الرسالة وأن الله تعالى لا يجوز أن يرسله وليس فيه ما يدل على أنه لا يجوز ~~أن يرسل غير من ذكرتم ولا من يبيح محظورا في العقل ولا يحظر PageV01P137 ~~مباحا فيه فليس الكلام معكم في نبوة قوم بأعيانهم فإن الكلام في ذلك جار ~~بين أهل الملل والمجوزين لإرسال الله تعالى الرسل وأنتم تحيلون أن يرسل ~~الله رسولا أصلا فلا معنى للكلام في تعيين رسالة فلان دون فلان فإنه خروج ~~عن الكلام وعجز وانتقال من باب إلى باب # ثم يقال لهم ما أنكرتم أن يكون جميع ما ادعيتم حظره في العقل غير محظور ~~فيه ولا مباح أيضا وأن الحظر والإباحة إنما هما ورود القول المبين عن مالك ~~الأعيان بإباحة ما أباحه وحظر ما حظره فلم قلتم إن في العقل إباحة وحظرا # ثم يقال لهم ما أنكرتم أن يكون العقل قاضيا على أن لخالق الأعيان ومالك ~~الذوات أن يتلفها ويؤلمها وأن يبيح ذلك فيها وأن يبتدئها باللذات بدلا من ~~الآلام وبالآلآم بدلا من اللذات لأنه لا مالك فوقه ولا زاجر يجدد له فلا ~~يجدون إلى دفع ذلك سبيلا # فإن قالوا فما الدليل على أن الله ms075 سبحانه ابتدأ الحيوان بالآلام من غير ~~عوض ولا جرم قيل لهم الدليل على ذلك اتفاقنا وسائر أهل التوحيد وأهل الملل ~~على أن لله تعالى متفضل على الحيوان بالنعم واللذات التي يبتدئهم بها وأنه ~~مستوجب للحمد والشكر على ذلك وإذا كان هذا هكذا وكان للمتفضل فعل التفضل ~~وله تركه على وجه ما كان له فعله وأن هذا هو الفرق بين التفضل وبين المستحق ~~الواجب الذي يجب الظلم بتركه ثبت أن لله سبحانه أن يترك فعل اللذة في ~~الحيوان على وجه PageV01P138 ما كان له فعلها فإذا ثبت ذلك وكان الدليل قد ~~قام على أن الحيوان المحتمل للذات والآلام المتضادة لا يجوز أن ينفك منها ~~بأسرها كما لا يجوز أن تنفك الأجسام من سائر المتضادات ثبت أن الله سبحانه ~~إذا ترك فعل اللذة في الحيوان حسن منه ذلك وكان عدلا وصوابا في الحكمة ولن ~~يترك الله اللذة إلا بما يضادها من الألم وذلك يوجب أن يكون فعل الألم بغير ~~جرم ولا لعوض عدلا من الله سبحانه وإن كان مثله ظلما وجورا منا إذا كلفنا ~~تركه وأمرنا من هو أملك بالحيوان منا بترك إيلامه # فإن قالوا أو قال إخوانهم من المعتزلة ما أنكرتم أن يكون لله سبحانه ترك ~~التفضل من اللذة بفعل الموت النافي للألم واللذات وليس له ذلك بفعل الألم ~~وقيل لهم أنكرنا ذلك لأجل ما اتفقنا عليه من أنه متفضل بفعل اللذة في الجسم ~~مع وجود الحياة لا مع عدمها فيجب أن يكون له ترك فعل اللذة على الوجه الذي ~~كان له فعلها وله فعلها مع الحياة فيجب أن يكون له تركها مع الحياة ولن ~~يترك اللذة مع وجود الحياة إلا بفعل الألم وإذا كان ذلك كذلك سقط ما سألتم ~~عنه وبطل ما تعلقتم به وثبت أن لمالك الأعيان أن يبيح خلقه ما يشاء منها من ~~إتلاف بعض الحيوان وإيلامه وأنه لا اعتراض لمخلوق في حكمه # ويقال لهم لو سلم لكم أن ذبح الحيوان وإيلامه محظور في العقل ما لم يبح ~~ذلك ms076 فيها مالكها لم يجب لأجل هذا أن يكون ذبحها PageV01P139 محظورا مع ~~إطلاق المالك # فإن قالوا المحظور في العقل محظورا أبدا وكيف تصرفت به الحال قيل لهم لم ~~قلتم ذلك ثم يقال لهم ما أنكرتم من أن ذلك كان محظورا بشريطة عدم إذن مالكه ~~فيه وإطلاقه وحظره في العقل بهذا الشرط لا ينقلب أبدا # ثم يقال لهم أليس الأكل والشرب والاصطلاء بالنار والتبرد بالثلج قبيحا مع ~~الشبع والري التامين اللذين يخاف الضرر فيما يتناول بعدهما وكذلك الاصطلاء ~~بالنار مع الحمى والتبرد بالثلج مع شدة البرد محظور مع الغنى عنه فإذا ~~قالوا أجل ولا بد لهم من ذلك قيل لهم فيجب أن يكون ذلك أجمع محظورا مع حصول ~~الحاجة إليه وشدة لهب الجوع والظمأ والحر والقر وخوف الضرر بتركه فإن مروا ~~على ذلك تركوا دينهم وإن أبوه وأباحوا هذه الأمور وأوجبوها أيضا عند الحاجة ~~إليها قيل لهم فقد صار المحظور في العقل مباحا وانقلبت قضايا العقول وهذا ~~ما تكرهون # وإن قالوا كل شيء مما سألتم عنه مباح بشرط الحاجة إليه ومحظور بشرط الغنى ~~فيه وخوف الضرر بتناوله وفعله قيل لهم مثل ذلك في إيلام الحيوان # وكذلك يسألون عمن هدده الملحدون بالقتل إن لم يلحد بربه ويشتمه ~~PageV01P140 ويسيء الثناء عليه وخاف نزول القتل به إن لم يفعل كلمة الكفر ~~وشتم رب العالمين ورجاء البقاء والحياة إن فعله ما الذي يجب عليه فإن قالوا ~~يجب عليه فعل شتم رب العالمين وسوء الثناء عليه يقال لهم فقد صار المحظور ~~في العقل مباحا وكذلك إن قالوا يلزمه ألا يكفر وإن أدى ذلك إلى تلف نفسه ~~قيل لهم فقد صار قتل نفسه وإلقاؤها في التهلكة مباحا بعد أن كان محظورا ~~وهذا ما كرهتم المصير إليه # ويقال لهم إن قالوا فعل كلمة الكفر أولى فما أنكرتم أن يكون الكف عن ذلك ~~مع القتل أولى لأنه يكف عن شتم ربه وليس هو القاتل لنفسه # فإن قالوا فالكف عما قلتم أولى قيل لهم ما أنكرتم أن يكون إظهار كلمة ~~الكفر ms077 أولى إذا لم يشرح بالكفر صدرا لحفظ نفسه وعلمه بأن الله سبحانه عالم ~~باعتقاده وأنه مخلص في وحدانيته وأنه لا يستضر سبحانه بإظهار ما يظهره وأنه ~~هو يستضر بترك إظهاره ويطرق إلى قتل نفسه وتعدي الحق في إتلاف ملك ربه وفعل ~~المحظور عليه فعله ولا جواب لهم عن ذلك # فإن هم قالوا إن إلقاء النفس في التهلكة محظور في العقل إذا لم يؤد إلى ~~الكفر بصانعها وجحد نعمه وإن أدى إلى ذلك كان مباحا أو قالوا إن الكفر ~~بالصانع محظور في العقل إذا لم يؤد إلى تلف النفس فإن أدى إليه كان مباحا ~~من غير أن ينقلب المباح في العقل محظورا قيل لهم وكذلك إتلاف الحيوان ~~وإيلامه PageV01P141 محظور في العقل إن لم يبحه مالكه فإن أباحه لم يكن ~~محظورا في العقل من غير إتلافه نفسه بقضية العقول أو كان مشروطا بما كان ~~شرطا له # | قول آخر # فإن قالوا الدليل على أنه لا يجوز في حكمة الله سبحانه إرسال الرسل أن ~~إرساله الرسل إلى من يعلم أنه يكفر به ويشتمه ويرد قوله ويستوجب بذلك ~~العقاب الأليم سفه وخلاف الصواب فلما لم يجز السفه على الله سبحانه لم يجز ~~أن يرسل الرسل إلى من حاله ما وصفنا فيقال لهم أول ما في هذا أنه يجب جواز ~~إرسال الله تعالى الرسل إلى من يعلم قبوله منهم وانتفاعه بهم لأن هذه العلة ~~عنهم زائلة ثم يقال لهم فيجب على اعتلالكم ألا يخلق الله سبحانه من يعلم ~~أنه يكفر به ويجحد نعمه ويلحد في صفاته ولا ينتفع بوجود نفسه وألا يحتج ~~بالعقول وما وضعه من الأدلة فيها على أحد علم أنه يجحدها ولا يستعملها ولا ~~ينيب إلى ما وضح في عقله حسنه ولا يحذر مما حذر منه فإن مروا على ذلك تركوا ~~دينهم وإن أبوه نقضوا اعتلالهم # وإن قالوا إنما خلق من يعلم أنه يكفر واحتج عليه بعقله مع العلم بأنه لا ~~يقبل ما كلفه بعقله تعريضا منه للقبول وحسن الانتفاع به إذا كان ~~PageV01P142 منهم ms078 قيل لهم فما أنكرتم أيضا أن يكلف على ألسنة الرسل من علم ~~أنه يكفر ولا ينتفع إذا قصد بذلك تعريضه لنفع لا يصل إليه إلا بالتكليف ~~السمعي وإن علم أنه يخالف ولا يقبل فإن قالوا علمه بأنه لا يقبل يمنع من ~~حسن النظر له بإنفاذ الرسل إليه قيل لهم وكذلك علمه بأنه لا يقبل حجج ~~العقول ولا ينظر ولا يختار إلا الإلحاد وفعل الظلم والعدوان يمنع من حسن ~~النظر له بإقامة حجة العقل عليه وتكليف المصير إليها ولا جواب لهم عن ذلك # | قول آخر لهم # فإن قالوا الدليل على فساد الرسالة قبح السعي بين الصفا والمروة والطواف ~~بالبيت وتقبيل الحجر والجوع والعطش في أيام الصيام والمنع من فعل الملاذ ~~التي تصلح الأجسام وأنه لا فرق بين البيت الحرام وبين غيره وبين الصفا ~~والمروة وبين غيرها من البقاع وبين عرفة وبين غيرها فثبت أن ذلك أجمع ليس ~~من أوامر الحكيم سبحانه يقال لهم ما أنكرتم أن يكون ذلك أجمع حكمة إذا علم ~~الله سبحانه أن فعله والتعبد به صلاح لكثير من خلقه وداع لهم إلى فعل ~~توحيده والثناء عليه بصفاته وما هو أهله وغير ذلك مما ينالون به جزيل ثوابه ~~وأن يكون ذلك بمنزلة حسن ركوب البحر وقطع المهمة القفر في طلب الرفد والربح ~~وبمنزلة عدو الإنسان بجهده PageV01P143 وطاقته في الحزن والوعر من الأرض ~~خوفا من السبع وممن يريد قتله وسفك دمه ظلما وأخذ ماله وقبح ذلك منه إذا لم ~~يفعله لاجتلاب منفعة ولا دفع مضرة # وأما قولكم إنه لا فرق بين الصفا والمروة والسعي بينهما وبين غيرهما ولا ~~بين البيت الحرام وبين غيره فهو كما وصفتم ولو شاء الله أن يتعبد بالسعي في ~~كل بقعة والتوجه إلى كل جهة لساغ ذلك منه إذا عرض به لثوابه ولم يكن ذلك ~~ناقضا لحكمته # ويقال لهم وكذلك لم تجدوا حكيما بنى أحسن البنيان وصور أكمل الصور ~~وأشرفها ثم نقضها وهدم صورها وقبحها وذهب ببهجتها وشوه خلقها فإن قالوا إذا ~~كان في ذلك مصلحة ms079 المخلوق جاز تغيير خلقه وقلب صفته ومحو محاسنه قيل لهم ~~وكذلك إذا كان صوم النهار وقيام الليل وتقبيل الحجر والطواف والسعي ورمي ~~الجمار يعود بصلاح المكلف حسن تكليفه وكان ذلك أحسن في العقل إن كان فيه ~~حسن من إتلاف نفس المكلف وإبطال حياته وهدم صورته ومحو محاسنه وإبطال عقله ~~وحواسه ولا جواب لهم عن ذلك # | علة أخرى لهم # وإن قالوا الدليل على منع إرسال الرسل والغنى عنهم أن الله سبحانه أكمل ~~العقول وحسن فيها الحسن وقبح فيها القبيح وجعلها دلالة PageV01P144 على ~~مراشد الخلق ومصالحهم ومنع بها من التظالم وجعلها دلالة وذريعة إلى علم كل ~~ما يحتاج إليه # وليس يجوز أن يأتي الرسل بغير ما وضع في العقل فدل ذلك على الغنى عنهم ~~وعدم حاجة الخلق إليهم # فيقال لهم ما أنكرتم من أنه لا سبيل من ناحية العقل إلى إيجاب شيء ولا ~~إلى حظره ولا إلى إباحته وأن ذلك لا يثبت في أحكام الأشياء إلا من جهة ~~السمع وأن التعريض للثواب لا يقع بالأفعال الواقعة مع فقد السمع لأنها لا ~~تكون مع فقده طاعة لله سبحانه ولا قربة إليه ولا يثاب صاحبها وإذا كان ذلك ~~كذلك فلا بد من سمع يأتي على لسان رسول بفعل قرر السمع وجوبه فعلم أن العلم ~~بالقرب وحصول الثواب عليها لا يجوز أن يثبت عقلا فقد بطل قولكم إن جميع ما ~~يحتاج إليه العباد من المراشد والمصالح مدرك من ناحية العقول فدلوا على صحة ~~ما تدعونه من إيجاب العقل لشيء من الأفعال وحظر شيء منها وإباحته حتى يسلم ~~لكم ما بنيتم عليه # فإن قالوا أو قال إخوانهم من المعتزلة الدليل على ذلك علمنا بوجوب النظر ~~عند قرع الخواطر لقلوبنا وتخويف بعضها من الضرر بترك النظر ونعلم أيضا وجوب ~~شكر المنعم وترك الكفر به ووجوب معرفة الله وحسن العدل والإنصاف وقبح الظلم ~~والعدوان فوجب تقرير الفرائض من ناحية العقول يقال لهم أما قولكم إنكم ~~تعلمون وجوب النظر اضطرارا عند اختلاج الخواطر على القلوب فإنه باطل لأن ~~ذلك ms080 لو كان كذلك لاشترك في علمه جميع العاقلين ولم يسع جحده من قوم بهم ~~ثبتت الحجة PageV01P145 ونضطر إلى صدق نقلهم فيما أخبروا به عن مشاهدة ~~واضطرار # وفي علمنا بخلاف ذلك من أنفسنا وعلمنا أن كثيرا من الدهرية وأهل الملل ~~ينكر حسن النظر جملة وقول كثير من الثنوية إنه باطل وإنه سفه وشر وإنه من ~~تدبير الظلام لأنه يورث العداوة والأحقاد ويخرج إلى الهرج والفساد واستحلال ~~الدماء والأموال دليل على أن العلم بوجوبه أبعد عن أن يكون اضطرارا # وكيف يعلم وجوبه اضطرارا من لا يعلم حسنه اضطرارا أو يعتقد وجوب تركه ~~وقبحه هذا غاية البهت ممن صار إليه من لبراهمة والمعتزلة # ويقال لهم في قولهم إنا نعلم وجوب شكر المنعم وترك الكفر به اضطرارا ما ~~الفرق بينكم وبين من قال إنكم تعلمون بطلان ذلك اضطرارا فلا يجدون لذلك ~~مدفعا # وكذلك يقال لهم لو علمتم حسن إلذاذ غيركم لكم إذا قصد نفعكم وقبح إيلامه ~~لكم إذا قصد الاضرار بكم لوجب أن نعلم من حسن ذلك أو قبحه ما علمتم من غير ~~سمع وتوقيف على حسن ذلك وقبحه اللهم إلا أن يعنوا بالحسن ميل الطباع إلى ~~فعل اللذات ونفورها عن فعل الآلام فهذا لعمري معلوم حسا ولكن ليس ميل ~~الطباع إلى الشيء يقتضي شكر فاعله ولا نفورها عنه يقتضي قبحه وذمه على سبيل ~~ما تدعونه فبطل ما تعلقتم به # وإن قالوا لو كان العلم بوجوب هذه الأمور وقبح القبيح الذي PageV01P146 ~~ذكرناه منها وحسن الحسن لا يعلم إلا من طريق السمع لم يعلم قبح ذلك ولا ~~حسنه إلا من علم السمع وعرفه فلما كنا نعلم ذلك ويعلمه كثير من أهل الملل ~~قبل العلم بصحة السمع وبلوغه إلينا ثبت أن العلم بما وصفنا ليس بموقوف على ~~ورود السمع يقال لهم ما أنكرتم ألا يعلم ذلك إلا من علم السمع وعرف وجوبه ~~وأن يكون من اعتقد قبح القبيح وحسن الحسن من غير علم بما له كان حسنا ~~وقبيحا فإنه معتقد للشيء على ما هو به وإن ms081 لم يكن اعتقاده ذلك علما بل هو ~~ظن وتقليد وعلى سبيل المتابعة لأهل الشرائع كما أن المعتقد للشيء على ما هو ~~به من غير جهة الاضطرار والاستدلال غير عالم به وإن كان معتقدا له على ما ~~هو به وكما أن المعتقد لكون الوصف والحكم ثابتا للشيء مع الجهل بعلته التي ~~كان لها غير عالم به في الحقيقة وهذا يبطل تعلقهم # فإن قال من الفريقين قائل أعني البراهمة والمعتزلة لو كان قبح هذه الأمور ~~وحسنها غير معلوم بالعقل بل بالسمع لوجب أن يكون العلم بقدم القديم وحدوث ~~المحدث وحقيقة الجوهر والعرض والعلم بكل معلوم غير مدرك من ناحية العقل بل ~~بحجة السمع فلما لم يجز ذلك بطل ما قلتم قيل لهم لم قلتم هذا فلا يجدون في ~~ذلك سوى الدعوى # ثم يقال لهم ما الفصل بينكم وبين من زعم أنه لو جاز أو وجب أن يعلم بعض ~~المعلومات اضطرارا لا استدلالا لجاز أو وجب أن يعلم سائر المعلومات اضطرارا ~~لا استدلالا وكذلك لو جاز أن يعلم بعض المعلومات نظرا PageV01P147 ~~واستدلالا لا اضطرارا لوجب أن يعلم سائر المعلومات نظرا واستدلالا وكان يجب ~~أن يكون العلم بسائر المشاهدات والمحسوسات علما واقعا عن نظر واستدلال وهذا ~~جهل من راكبه # وكذلك يقال لهم لو جاز أو وجب العلم ببعض هذه الأمور من ناحية الخبر ~~كالعلم بالصين وخراسان والسير والممالك لجاز أن يكون سائر الأمور معلومة ~~خبرا وإذا جاز أو وجب أن يعلم بعض الأمور بغير خبر استحال العلم بشيء من ~~جهة الخبر أصلا فإن لم يجب هذا أجمع لم يجب إذا علم بعض الأمور عقلا أن ~~يعلم سائرها من هذه الجهة ولا إذا علم بعض الأمور اضطرارا وجب العلم ~~بسائرها من هذه الطريقة # ويخص حشو أصحاب هذه المقالة من أتباع المجوس البراهمة وهم المعتزلة إن ~~استدلوا بهذه الدلالة بأن يقال لهم لو كان ما قلتموه صحيحا لوجب إذا كان ~~العلم بوجوب بعض الواجبات وحسن بعض المحسنات وقبح بعض المقبحات لا يدرك ~~وينال إلا سمعا نحو ms082 وجوب الصلاة وتقديرها والزكوات ونصابها وحسن إيجاب ~~الدية على العاقلة وتقبيل الحجر والسعي بين الصفا والمروة وقبح شرب الخمر ~~والوطء بغير عقد ولا ملك يمين وقبح ترك الصلوات وما جرى مجرى ذلك مما لا ~~سبيل إلى علم وجوبه وقبحه وحسنه من ناحية العقل أن يكون العلم بوجوب النظر ~~عند الخاطر ووجوب المعرفة وحسن العدل والإنصاف وقبح الظلم والعدوان ووجوب ~~شكر المنعم وترك الكفر به مدركا كالعلم بسائره من جهة السمع دون العقل فإن ~~مروا على ذلك تركوا قولهم وأن أبوه أبطلوا استدلالهم PageV01P148 # وإن قال الفريقان ومن تابعهم الدليل على أن قضايا العقول تحسن وتقبح ~~علمنا بأن من أمكنه التوصل إلى غرضه بالصدق والكذب وجب عليه أن يتوصل إليه ~~بالصدق دون الكذب وأنه لا يقع منه إلا ذلك وليس يترك إلى الغرض في هذه ~~الأمور بالكذب إلى الصدق إلا لحسن الصدق وقبح الكذب فوجب قضاء العقل على ~~حسن الحسن وقبح القبيح فيقال لهم ما أنكرتم من أنه إن كان القاصد إلى ~~التوصل إلى غرضه ممن لا يعتقد تفضيل الصدق على الكذب ولا هو بين قوم ~~يعتقدون ذلك ولا يرون في الكذب عارا ولا في الصدق مدحا ولا تعظيما ولا ~~يفرقون في التفضيل بين الكذب والصدق وبين الكذب والصدق ولا يدينون بذلك أنه ~~مخير في التوصل إلى غرضه بين الصدق والكذب كما أن المعتقد للتوصل إلى غرضه ~~بكل واحد من الدرهمين اللذين معه على وجه واحد وبالكلام والسكوت على حد غير ~~مختلف وبحركة يمينه وشماله والدفع بهما من غير مزية تحصل في الدفع بإحداهما ~~مخير بين إنفاق أي الدرهمين شاء وبين السكوت والكلام والتحريك باليمين ~~والشمال إذ استوت هذه الحال عنده في ذلك واعتدلت في نفسه وإذا كان ذلك كذلك ~~سقط ما اعتللتم به # فإن قالوا بعد هذا يجب على هذا الإنسان أن يختار الصدق على الكذب لحسنه ~~قيل لهم ذلك جهل من الكلام وعدول عن النظر وذلك أنهم جعلوا وجوب التوصل إلى ~~الغرض بفعل الصدق دون الكذب دلالة PageV01P149 على حسن الصدق ms083 فلما أبطلنا ~~ذلك عليهم رجعوا يجعلون الدلالة على وجوب فعل الصدق دون الكذب حسنه وهذا ~~يؤدي إلى أن لا يثبت حسن الصدق ولا وجوب فعله وذلك أنا إذا لم نعلم وجوب ~~فعل الصدق إلا إذا علمنا حسنه ولم نعلم حسنه إلا إذا علمنا وجوبه لم يكن ~~لنا طريق إلى العلم بوجوبه ولا بحسنه كما أن قائلا لو قال إني لا أعلم أن ~~زيدا في الدار حتى أعلم أن عمرا فيها ولا أعلم أن عمرا فيها حتى أعلم أن ~~زيدا فيها لم يجز أن يعلم ان زيدا في الدار ولا عمرا لأنه قد جعل شرط علمه ~~بالشيء شرطا لما هو شرط له وذلك ما يحيل وقوع كل واحد من المشروطين وإذا ~~كان ذلك كذلك ثبت بهذه الجملة أن العلم بوجوب الأفعال وحظرها وإباحتها غير ~~مدرك بقضايا العقول وثبت أنه لا بد من سمع يكشف عما ينال به الثواب والعقاب ~~ويحظر الله تعالى به الجهل بوجوده وترك النظر فيما يؤدي إلى معرفته على من ~~كلفه ذلك من خلقه وهذا أعظم الأمور وأجسمها خطرا وهذا غير مدرك علمه من جهة ~~العقول فبطل قول البراهمة إن العقل يستغنى به في إدراك جميع المراشد ~~والمصالح # ثم يقال لهم خبرونا من أين عرفت العقلاء الأغذية من الأدوية والسموم ~~القاتلة الوحية منها وغير الوحية وإنما هجموا على العالم بغتة وليس في ~~دلائل عقولهم ما يعرفون به الأغذية والأدوية والسموم القاتلة ولا ~~PageV01P150 في مشاهداتهم وسائر حواسهم ما يدل على ذلك أو يحس به معرفة ما ~~يحتاج إليه من هذا الباب ولا هو مما يعرف باضطرار # فإن قالوا إنما أدرك الناس ذلك قديما وعرفوه بالامتحان والتجربة على ~~أجسامهم وأجسام أمثالهم من نسل آدم عليه السلام قيل لهم فهذا مخرج للقديم ~~سبحانه عن الحكمة لأنه قد كان قادرا عندكم وعندنا أن يعرفهم السمومات ~~ويوقفهم على الاغتذاء بما فيه صلاح أجسامهم والأدوية التي عند تناولها تزول ~~أمراضهم وأسقامهم فيغنيهم ذلك عن إتلاف أنفسهم وأمثالهم وذهاب كثير منهم ~~بالامتحان وطول التجربة وليس ms084 بحكيم عندكم من قدر أن يوقف أولاده وضعفته ومن ~~يحب مصلحته على تجنب ما فيه هلكته وتناول ما فيه سلامته وبقاء مهجته فلم ~~يفعل وأحالهم على التجربة والامتحان الذي فيه عطب البعض منهم والبوار وهذا ~~ما لا حيلة لهم فيه # فإن قالوا إنما أدرك علم ذلك بالامتحان على أجسام غير الناس من الحيوان ~~نحو الذئاب والكلاب وأجناس الطير وغيرهم من الحيوان قيل لهم فالمسألة ~~بحالها لأن إتلاف جميع الحيوان عندكم قبيح فإذا أباحكم الله إتلاف بعضه ~~بالتجربة والمحنة وهو قادر على توقيفكم على ما يغني عن إتلاف الحيوان فقد ~~سفه على أوضاعكم وخرج PageV01P151 على زعمكم عن الحكمة ولا فرق بين الناس ~~في ذلك وبين كل حيوان يلذ ويألم # ويقال لهم ما أنكرتم من أن لا يحصل أيضا لبني آدم علم ما يحتاجون إليه في ~~هذا الباب بالتجربة على أجسام الحيوان سوى الإنسان وذلك أن الحيوان مختلف ~~الطباع والأغذية والأدوية وأن منه ما يعالج مرضه بما لو عولج به الإنسان ~~لتلف ومنه ما يغتذي بما لو اغتذى به الإنسان أو أكل يسيره لتلف كالوعل الذي ~~يأكل الحيات والظبي الذي يرعى الحنظل والوحش الذي لا يعمل في جسده شيء من ~~خشاش الأرض وكالنعم الذي يقتات التبن والقت والسمك التي ترعى الطين وغيره ~~ولو أكل الإنسان بعض هذه الأشياء لأدى إلى تلفه فمن أين لابن آدم بالحيوان ~~الذي طبعه في التسوية مثل طبعه وغذاؤه مثل غذائه ودواؤه مثل دوائه مع ~~اختلاف طبائعه وتباين تركيبه وشهواته ونفوره فلا يجدون إلى دفع ذلك سبيلا # ثم يقال لهم أليس قد تجرب الحشيشة على جسم بعض الحيوان فتولد حمى في كبده ~~أو ورما في طحاله أو تقطعا في أمعائه وغير ذلك من الأدواء التي يعظم شأنها ~~ويخاف التلف بها فلا يعلم ما ولدت تلك الحشيشة والثمرة لأنه ليس بناطق يذكر ~~ما يجده ويخبر بسببه فما يؤمننا أن يتناول من ذلك شيئا فيولد مرضا مثل الذي ~~ولده في جسم الحيوان فلا يقدرون على دفع ذلك بحجة # وكذلك يقال ms085 لهم أليس من السموم ما PageV01P152 يقتل لوقته وساعته ومنه ~~ليومه ومنه ما يقتل بعد شهر وحول فإن قالوا نعم قيل لهم فما الذي يؤمننا من ~~أن يكون تلف ذلك الحيوان بعد يوم أو شهر أو سنة من تأثير تلك الثمرة وعمل ~~تلك الحشيشة وإننا لا نأمن أن يكون ما جربناه عليه قاتلا بعد سنة فما ~~الأمان لنا عند أكله من الاستضرار والتلف بعده بوقت أو أوقات فلا يجدون ~~سبيلا إلى الخلاص من ذلك # وهذا يدل على بطلان ما تعلقوا به فوجب أن يكون العلم بهذا الشأن الجسيم ~~والخطب العظيم غير منال ولا مدرك من جهة العقل وأن الناس محتاجون في علم ~~ذلك إلى سمع وتوقيف وأن الواجب على أصولهم أن يكون العلم بأصل الطب موقفا ~~عليه ومأخوذا من جهة الرسل عليهم السلام وإن قيس على ذلك واحتذي عليه وعلى ~~هذا أكثر الأمة وكثير ممن خالفهم من أهل الملل # ومما يدل على صحة إرسال الله تعالى الرسل وجوازه هو أنه إذا لم يكن في ~~إرسالهم إفساد التكليف ولا إبطال المحنة ولا إيجاب قلب بعض الأدلة ولا ~~إخراج القديم عن قدمه ولا قلب لبعض الحقائق ولا إلحاق صفة النقص بالمرسل جل ~~ذكره وكان في إرساله تعريض لخلق من المكلفين لثواب جزيل ونفع عظيم صح ذلك ~~في حكمته وكان PageV01P153 عدلا من فعله سبحانه # ومما يدل على جواز إرسال الله الرسل وأنه قد فعل ذلك علمنا بأن اليهود ~~والنصارى والمسلمين قد أطبقوا على نقل أعلام موسى وعيسى ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم وعليهم وأن الكذب مستحيل جوازه على مثلهم من ناحية التراسل ~~والتكاتب المواطأة على ذلك لأن تمام ذلك وانتظامه من مثلهم محال متعذر في ~~العادة ومحال أيضا جوازه على مثلهم بأن يجتمعوا جميعا في بقعة واحدة من حيث ~~يشاهد بعضهم بعضا ويتوافقوا على الكذب ونقله وإذاعته لأن اجتماع مثلهم في ~~بقعة واحدة متعذر في مستقر العادة ولو أمكن أيضا اجتماعهم لتعذر في مستقر ~~العادة تواطؤهم على الكذب ونقله واستتار ذلك منهم وانكتامه عليهم ms086 لأن ~~العادة موضوعة على خلاف ذلك ويستحيل أيضا وقوع الكذب من جماعة من ذكرنا من ~~نقله أعلام الرسل باتفاق وقوعه لأن العادة لم تجر باتفاق وقوع الكذب في ~~مائة ألف إنسان عن مخبر واحد لداع واحد ودواع متفرقة وإن جاز ذلك من الواحد ~~والاثنين والنفر اليسير وليس يمكن وقوع الكذب من هذه الجماعات إلا على هذه ~~الوجوه فإذا امتنعت فسد جواز الكذب عليهم وفي فساد ذلك إيجاب صدقهم فيما ~~نقلوه وصحة ما إليه ذهبنا ولو أمكن وقوع الكذب من جميع ما ذكرناه من نقلة ~~أعلام الرسل على بعض هذه الوجوه أو غيرها لداع واحد أو دواع متباينة لأمكن ~~وقوعه من نقلة الأمصار والبلدان والممالك PageV01P154 والسير ولم نأمن ألا ~~تكون في العالم بلدة تدعى خراسان والنهروان والبردان ولجاز جحد ما نأى وقرب ~~منا من البلدان وفي بطلان ذلك دليل على صحة إثبات نبوة الرسل عليهم السلام # وسنقول في الكلام في الأخبار وأقسامها ونصف التواتر منها والآحاد وما ~~يعلم صحة مخبره باضطرار وما يعلم بنظر واستدلال وأحوال المخبرين عنه عند ~~انتهائنا إلى الكلام في الإمامة والرد على اليهود قولا بينا إن شاء الله ~~تعالى # ومتى ثبت صحة نقله أعلام الرسل من المسلمين وغيرهم من أهل الملل علم بذلك ~~ثبوت نبوتهم لأن الله سبحانه لا يظهر المعجزات ويخرق العادات على الذي يدعى ~~النبوة مع العلم بدعواهم عليه إلا للدلالة على صدقهم والشهادة بثبوت نبوتهم # فأما المثبتون من البراهمة لنبوة آدم الجاحدون لمن بعده من الرسل ~~والمثبتون لنبوة إبراهيم الجاحدون لمن بعده من الرسل فقد أقروا بجواز إرسال ~~الرسل وأنه قد وجد ونقل وإن خالفوا في نبوة قوم بأعيانهم وليس ذلك من قول ~~محيل الرسالة جملة في شيء فيقال PageV01P155 لهم ما الدليل على إثبات نبوة ~~آدم وإبراهيم عليهما السلام فإن قالوا ظهور الأعلام على أيديهما قيل لهم ~~وما الدليل على صحة هذه الأعلام ونحن لم نشاهدها ولا عاصرنا أصحابها فإن ~~قالوا لنقل من يستحيل عليه الكذب لها عورضوا بمثل ذلك في نقل أعلام موسى ms087 ~~وعيسى ومحمد عليهم السلام والكلام مع هؤلاء كالكلام مع اليهود وسنذكر منه ~~ما ينبىء عن الحق إن شاء الله تعالى & باب الكلام على اليهود في إثبات نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم والرد على من أنكرها وطعن فيها من المجوس والصابئة ~~والنصارى & # فإن قال قائل قد دللتم على جواز إرسال الله الرسل عليهم السلام فما ~~الدليل على إثبات نبوة نبيكم مع خلاف من يخالفكم PageV01P156 فيها من ~~النصارى واليهود وغيرهم من أهل الأديان قيل له الدليل على ذلك ما ظهر على ~~يده صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة والمعجزات القاهرة والحجج النيرة ~~الخارقة للعادة والخارجة عما عليه العادة وتركيب الطبيعة والله سبحانه لا ~~يظهر المعجزات ولا ينقض العادات إلا للدلالة على صدق صاحبها وكشف قناعه ~~وإيجاب الإقرار بنبوته والخضوع لطاعته والانقياد لأوامره ونواهيه # فإن قالوا وما هذه المعجزات الدالة على صدقه قيل أمور PageV01P157 كثيرة ~~منها القرآن المرسوم في مصاحفنا الذي أتى به وتحدى العرب بالإتيان بمثله ~~ومنها حنين الجذع وكلام الذئب وجعل قليل الطعام كثيرا وانشقاق القمر وتسبيح ~~الحصى في يده وكلام الذراع له في غير هذه الآيات مما يجري مجراها وقد علم ~~أن مجيء مثلها من الخلق ممتنع متعذر وأنه من مقدورات الخالق سبحانه # فإن قالوا وما الطريق إلى العلم بصحة هذه الآيات وظهورها على يديه قيل ~~لهم السبيل إلى ذلك من طريقين أحدهما الاضطرار والآخر النظر والاستدلال # فأما العلم بظهور القرآن على يده ومجيئه من جهته وأنه تحدى العرب أن تأتي ~~بمثله فواقع لنا ولكل من خالفنا باضطرار من حيث لا يمكن جحده ولا الارتياب ~~به كما أن العلم بظهور النبي صلى الله عليه وسلم بمكة والمدينة ودعوته إلى ~~نفسه واقع من جهة الاضطرار لأن المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والصابئة ~~والثنوية والزنادقة وكل منحرف عن الملة يقرون بأن القرآن المتلو في ~~محاريبنا المرسوم في مصاحفنا من قبل النبي صلى الله عليه وسلم نجم ومن جهته ~~ظهر من غير اختلاف بينهم في ذلك # فلو حمل حامل نفسه على ذلك ms088 لجحد الضرورة وسقطت مطالبته كما لو ادعى مدع ~~أن التوراة والإنجيل ليس هما من جملة ما ظهر من قبل موسى وعيسى عليهما ~~السلام لكان معاندا وجاحدا PageV01P158 للضرورة بل لو جحد جاحد ما دون هذا ~~فزعم أن قفا نبك ليست من شعر امرىء القيس ودع هريرة إن الركب مرتحل ليس من ~~نظم الأعشى ونزل إلى جحد خطب الحجاج وزياد ورسائل ابن المقفع وإنكار كون ~~الكتاب لسيبويه لوجب عناده وسقط كلامه وقد علم أن ظهور الخبر بمجيء القرآن ~~من جهة النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وحاله أشهر فوجب أن يكون ما تواتر ~~الخبر عنه على هذه السبيل والعلم به اضطرارا لا يمكن جحده ولا الشك فيه ولا ~~PageV01P159 يحتاج به في إثباته إلى استعمال الرؤية والنظر في الأدلة # فأما سبيل العلم بكلام الذراع وتسبيح الحصى وحنين الجذع وجعل قليل الطعام ~~كثيرا وأشباه ذلك من أعلامه عليه السلام فهو نظر واستدلال لا اضطرار # فإن قال قائل وما الدليل على صحة ظهور هذه الأمور على يده مع علمكم بخلاف ~~من يخالف فيها وإقراركم بأنكم غير مضطرين إلى العلم بصحتها قيل له الدليل ~~على ذلك أنا نعلم ضرورة وجميع أهل الآثار ونقلة الأخبار ومعرفة السير أن ~~هذه الأعلام قد نقلت للنبي صلى الله عليه وسلم في جميع أعصار المسلمين وأن ~~الأمة لم تخل قط في زمن من الأزمان من ناقلة لهذه الأعلام وما جرى مجراها ~~وأنها قد أذيعت في الصدر الأول ورويت من حيث يسمع رواتها من شاهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعاصره وأن الناقلين لها وإن قصر عددهم عن عدد أهل التواتر ~~وكانوا آحادا فإن كل واحد منهم أضاف ما نقله للنبي صلى الله عليه وسلم من ~~هذه الأعلام إلى مشهد مشهود وموقف معروف وغزاة قد حضر أهلها وبقعة أكثر ~~السامعين لخبره قد شهدها ومجتمع قد عرفوه وحضروه فقال كان في الغزاة ~~الفلانية كذا وكذا وكلم الذراع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده يوم ~~مجتمع أصحابه وجعل قليل PageV01P160 الطعام كثيرا يوم ms089 أولم في قصة كذا وكذا ~~وفي بقعة كذا وكذا وكذا كل شيء من ذلك إلى مشهد قد حضره السامعون لنقلهم ~~ومشهد قد شهدوه فلم ينكروا ذلك ولا أحد منهم عليه ولا ردوا نقلهم ولا ظهر ~~منهم تهمة للنقلة ولا شك في أمرهم لا عند سماعهم وطرقه لأسماعهم ولا بعد ~~ذلك # وقد علم بمستقر العادة إمساك العدد الكثير والجم الغفير عن إنكار كذب ~~يدعي عليهم ويضاف إلى سماعهم ومشاهدتهم وعلمهم مع ما هم عليه من نزاهة ~~الأنفس وكبر الهمم وعظم الخطر وجلالة القدر والتدين بتحريم الكذب والنفور ~~عنه والذم له والتبجح بالصدق وشدة تمسكهم به فلو كانوا عالمين بكذب ما ~~ادعاه النقلة عليهم لسارع جميعهم أو الجمهور منهم وقت سماع الكذب عليهم ~~وإضافة ما لا أصل له إليهم وبعد ذلك الوقت إلى إنكاره وتبكيت ناقليه ~~وتكذيبه وذمه وإعلام الناس كذبه كما أنه لو ادعى في وقتنا هذا مدع أن من ~~أعلام محمد صلى الله عليه وسلم قلب العصا حية وفلق البحر وإبراء الأكمه ~~والأبرص وغير ذلك من الآيات التي ليست له لم يلبث أن نسارع إلى تكذيبه ورد ~~قوله وإعلام الناس بطلان ما أتى به ولقلنا له أو أكثرنا لسنا محتاجين في ~~إثبات نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى وضع هذا الكذب الذي لا أصل له # وكذلك لو ادعى مدع بحضرة كافة أهل بغداد أو الجانب الشرقي منها ~~PageV01P161 أو الغربي أو في محلة من محالها أنهم رأوا ما لم يروا وسمعوا ~~ما لم يسمعوا وشهدوا ما لم يعاينوه لم يلبثوا أن يردوا قوله ويشهدوا بكذبه ~~ويعلموا الناس بطلان ما ادعاه عليهم هذا ثابت في مستقر العادة كما أنه ثابت ~~فيه أن اجتماع مثل عدد من ذكرنا على نقل كذب وكتمان ما شوهد ممتنع مع ~~استمرار السلامة في النقل والكتمان من غير ذكر سبب دعاهم إلى ذلك وجمعهم ~~عليه وظهور الحديث به وانطلاق الألسن بذكره ولهج النفوس بحفظه وكما يستحيل ~~في موضوع العادة على نقلة السير والوقائع والبلدان الكذب فيما نقلوه ms090 وإذا ~~كان ذلك كذلك دل إمساك الصحابة رضوان الله عليهم عن تكذيب ما نقل من هذه ~~الأعلام وادعي فيه مشاهدتهم وحضورهم وسماعهم على صدق ما أضيف إليهم وادعي ~~عليهم وقام إمساكهم عن إنكار ذلك مقام نقلهم لمثل ما نقله الآحاد وشهادتهم ~~من جهة النطق به وقولهم قد صدقوا فيما نقلوه وقد شاهدنا منه مثل الذي ~~شاهدوا وهذه دلالة ظاهرة وحجة قاهرة على صحة نقل هذه الأعلام وصدق رواتها ~~وإن قصروا عن التواتر # فإن قال قائل أليس قد يجوز عندكم إمساك المخالفين عن القول والمذهب ~~الظاهر فيهم مع خلافهم عليه واعتقادهم لفساده فإن لم يدل إمساكهم على ~~توثيقهم له واعتقادهم إياه فما أنكرتم أيضا من مثل ذلك في الإمساك عما يدعي ~~على الجماعات الكثيرة حضوره ومشاهدته إذا أمسكوا عن PageV01P162 إنكار ذلك ~~في أنه غير دال على توثيقهم للخبر واعتقاد صحته قيل له لا يجب ما قلته من ~~وجوه # أحدها أن كثيرا من المسلمين يحيل ظهور المذهب بين الجماعات التي تعتقد ~~فساده وخطأ الدائن به والذاهب إليه من غير إنكار منها له وردها على قائله ~~ويجعل السكوت على القول الظاهر فيها إجماعا على تصويبه وبمنزلة النطق ~~بتصديقه وتصحيحه ولا يفرقون بين أن يكون ذلك القول الظاهر بين العلماء ~~والأئمة مع السكت من فروع الدين أو من أصوله التي يقع في مثلها التأثيم ~~والتفسيق فهذا الاعتراض زائل عن هؤلاء # والجواب الآخر أن العادة في ذلك مختلفة وللسكوت على المذهب المستخرج ~~بالقياس والدليل علل تقتضي السكت عنه ليست في القول المدعى على الناس حضوره ~~ومشاهدته # والأصل في ذلك أن العادة لم تجر بإمساك الجماعات عن إنكار كذب يدعى عليهم ~~كما لم تجر بنقل الجماعة الكذب وكتمان ما شوهد وسمع لما بيناه من قبل ولما ~~جعلهم الله عليه من تفرق الدواعي والأغراض وليس كذلك العادة في المذهب ~~المقول من ناحية الرأي والقياس لأنه قد يكون المعتقد لصحته عددا قليلا يجوز ~~إمساك مثلهم عن إظهار مذهبهم وقد يكون الأكثر منهم عددا في مهلة النظر ~~والروية وممن ms091 لم PageV01P163 تنكشف له صحة قول في ذلك المذهب وقد يكون ~~القول الظاهر مما يسوغ أن يعتقد فيه أكثر الساكتين أن كل مجتهد فيه مصيب ~~نحو مسائل فروع الدين وما يتعلق بالأحكام والحلال والحرام # وقد يسكت العالم ببطلان القول لاعتقاده العزم على إنكاره بعد ذلك الوقت ~~وأنه أولى أصوب وليس يمكن في العادة سكوت عدد مثل أهل جانبي بغداد على ~~إنكار كذب يدعى فيه مشاهدتهم وحضورهم ولا اليسير منهم أيضا لعلة من هذه ~~العلل كما لا يجوز في العادة عليهم نقل الكذب وكتمان ما رؤي وشوهد لعلة من ~~العلل وإذا كان ذلك كذلك بطل هذا الاعتراض # | سؤال آخر على هذا الاستدلال # فإن قال قائل فما أنكرتم أن يكون الصحابة أو كثير منهم قد أنكروا مشاهدة ~~ما ادعاه الناقلون عليهم وسماعه وإن لم ينقل ذلك إلينا قيل لهم هذا باطل من ~~قبل أن إنكار هذه الأعلام مما يجب توفر الدواعي على نقله وضبطه ومعرفة عين ~~المعترض فيه ولفظه حتى يشتهر ذلك ويظهر وينتشر وينقل نقل مثله ويجرى مجرى ~~الخبر الذي هو اعتراض عليه وإنكار هذا واجب في مستقر العادة ووضعها كما أن ~~عيسى وموسى لو عورضا في نقل أعلامهما لوجب أن ننقل المعارضة كنقل الأمر ~~PageV01P164 المعارض ولحل في الظهور والشهرة محله وكذلك إنكار نقل الأعلام ~~يجب أن يظهر كظهور نقل الأعلام وإلا وجب بطلانه والعلم بفساده # | سؤال آخر على ما قدمناه # فإن قال قائل فما أنكرتم أن يكون ما نقله الآحاد كذبا وإن سلمت الجماعات ~~نقلهم بدلالة إنكار اليهود والنصارى والمجوس الذين عاصروا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وجحدهم لها وقولهم قد رأيناه وعاصرناه فما ظهر على يده مما نقله ~~الآحاد من متبعيه شيء ولو كان ذلك صحيحا لم يتهيأ لهم جحده وإنكاره فدل ذلك ~~على بطلانه يقال لهم هذا باطل من وجهين أحدهما أن نقول لو دل على إنكار من ~~ذكرتم على كذب نقل الآحاد مع إمساك الجماعات عن رده لدل ذلك أيضا على كذب ~~النقل ولو شهدت الجماعات بصحته بدلا ms092 من سكتها عليه إذ لا فرق بين إمساكها ~~عن إنكاره وإنكار ما ادعي عليها وبين تصويبها له على ما بيناه ولو كان ذلك ~~كذلك لدل على إنكار البراهمة والمجوس وأهل التثنية والإلحاد والتنجيم ~~والطبائعيين لأعلام موسى وعيسى وقول من شاهدهما وعاصرهما من هذه الفرق إنا ~~قد شاهدنا هذين الرجلين وعاصرناهما فلم نر مما ادعي لهما من هذه الأمور ~~التي هي فلق البحر وإخراج اليد بيضاء وإحياء ميت وإبراء أكمه وأبرص وزمن ~~ومن مشي على الماء وغير PageV01P165 ذلك على بطلان ما ادعي ونقل لهما فلما ~~لم يكن هذا عندنا وعندهم كذلك لم يكن في إنكار الفرق لما قام الدليل على ~~صحته وثبوته دليل على بطلانه وكذب ناقليه فإن قالوا ليس ينكر أحد ممن ذكرتم ~~ظهور هذه الأمور على يدي موسى وعيسى وإنما ينكرون كونها معجزا ويدعون أنها ~~حيل وتخييل ومخاريق فبطل ما قلبتم به الاعتراض علينا قيل لهم ليس الأمر على ~~ما ظننتم لأن أكثر من ذكرناه بل الكل منهم يجحد هذه الأمور أصلا وإن تعاطى ~~المتحذلق منهم أحيانا تسليمه جدلا والطعن فيه بادعائه أنه من ضروب السحر ~~والحيل وغير ذلك فلا معنى لإنكارهم لذلك # وشيء آخر يبطل ما سألتم عنه وهو أنا لا ننكر تكذب الواحد والاثنين وجحد ~~ما شاهدوه وطيه وكتمانه من المسلمين وغيرهم من سائر الملل وإذا كان ذلك ~~كذلك وكنا نعلم أنه لم يحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المشاهد ~~والغزوات من اليهود والنصارى والمجوس عدد ينقطع بهم العذر ولا يجوز عليهم ~~الكذب وطي ما شوهد بل لا نعلم أيضا أنه حضر في أكثرها أحد منهم لما كان من ~~إبعاده إياهم وإخراجهم عن تلك الديار وتحيزهم إلى حيث يمكنهم قتال ونصب ~~راية حرب معه من الحصون PageV01P166 والنواحي كخيبر وغيرها لم يجب أن يكون ~~إنكار من أنكر ذلك من اليهود والنصارى حجة في إبطاله لأنهم إما ألا يكون ~~حضر معه في أكثرها أحد منهم أصلا أو أن يكون حضر منهم الواحد والاثنان ~~والخمسة أو العدد ms093 الذي يجوز عليهم الكذب وعلى مثلهم افتعاله والكتمان لما ~~سمع وشوهد وإذا كان ذلك كذلك بطل هذا الاعتراض بطلانا ظاهرا # فأما العلم بظهور القرآن على يده ومجيئه من جهته فضرورة لا إشكال فيها ~~ولا جدال # فإن قال قائل فما وجه دلالة ظهور القرآن على يده مما يدل على صدقه قيل له ~~وجه ذلك من طريقين أحدهما نظمه وبراعته والثاني ما انطوى عليه من أخبار ~~الغيوب وعلمها فأما وجه الدلالة من جهة نظمه فهو أنا نعلم أنه صلى الله ~~عليه وسلم تحدى العرب بأن تأتي بمثله في براعته وفصاحته وحسن تأليفه ونظمه ~~وجزالته ورصانته وإيجازه واختصاره واشتمال اللفظ اليسير منه على المعاني ~~الكثيرة ودعاهم إلى ذلك وطالبهم به في أيام المواسم وغيرها مجتمعين ~~ومتفرقين فقال لهم في نص التلاوة @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ يقول ~~مواليا معينا وقال @QB@ فأتوا بعشر سور مثله مفتريات @QE@ وقال @QB@ فأتوا ~~بسورة من مثله @QE@ مبالغة في تقريعهم بالعجز عنه مع PageV01P167 أن اللسان ~~الذي نزل به لسانهم ومع العلم بما هم عليه من عزة الأنفس وعظم الأنفة وشدة ~~الحمية والحرص على تكذيبه وتشتيت جمعه وتفريق الناس من حوله والتوفر على ~~إكذابه وما عره وغض منه وخروجهم إلى ما خرجوا إليه معه من الحرب والمسايفة ~~وحمل الأنفس على إراقة الدماء والخروج عن الديار ومفارقة الأوطان # فلو كانوا مع ذلك قادرين على معارضته أو معارضة سورة منه لسارعوا إلى ذلك ~~ولكان أهون عليهم وأخف من نصب الحرب معه والجلاء عن الأوطان وتحمل الأهوال ~~والصبر على القتل وألم الجراح واحتمال الذل والعار لأنه قد كان صلى الله ~~عليه وسلم مكنهم من تكذيبه من وجهين أحدهما قوله لن تأتوا بمثله والآخر ~~قوله إن أتيتم فلجتم وكنت مبطلا وكنتم المحقين هذا مع تلاوته عليهم في نص ~~التنزيل قوله @QB@ وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا ~~لارتاب المبطلون @QE@ # ولو عرفوه بذلك أو بصحبة أهل الكتب ونقلة ms094 السير ومداخلة أهل الأخبار ~~ومجالسة أهل هذا الشأن لم يلبثوا أن يقولوا له هذا كذب لأنك ما زلت معروفا ~~بصحبة أهل الكتب ومجالستهم وقصدهم إلى مواضعهم ومواطنهم ومجاراتهم والأخذ ~~عنهم والاستفادة منهم PageV01P168 # وفي صدفهم عن هذا أجمع وعن تكلف معارضة سورة منه أو إيراد ما قل وكثر من ~~ذلك مع علمهم بخروج نظم القرآن عن سائر أوزان كلامهم ونظومهم أعظم دليل على ~~صدقه صلى الله عليه وسلم وأن ظهور القرآن منه وهو نشأ معهم وبين أظهرهم ولم ~~يعرفوه بقصد أهل الكتاب ومجالسة غير من لقوه وعرفوه والاقتباس منه ولا ~~انفرد بمداخلة فصيح منهم ومتقدم في البراعة واللسن عليهم آية عظيمة وأمر ~~خارق للعادة لأن مثل ذلك لا يكتسب بتعلم وتدقيق ذكاء وفطنة ولطيف حس وحيلة # ولا فرق بين ذلك وبين أن يبيت صلى الله عليه وسلم وهو غير عالم بلغة ~~الزنج والترك وغيرهما من اللغات ثم يصبح أفصح الناس بكل لغة منها وأجرأهم ~~فيها مع العلم بأنه لم يأخذ ذلك عن أهلها لأن خلق العلم فيه بذلك وإقدراه ~~عليه في يسير الوقت خرق للعادة وخارج عما عليه بناء الطبيعة وكذلك تعلم هذه ~~اللغات واكتساب معرفتها والتمكن من علمها وتحصيلها في يسير الوقت الذي لا ~~يكتسب في مثله العلم بعظيم ما جاء به آية عظيمة وخرق للعادة # فإنزال هذا الكلام عليه واضطراره إلى إجراء لسانه أو خلق لطبيعة يتمكن ~~بها من إدراك هذا النظم ورصفه وبيانه من أظهر الآيات وأبين الدلالات لأن ~~التمكن من تعلم ذلك بكل لطيفة في يسير الوقت مما لم تجر العادة بمثله نقض ~~لها والله سبحانه لا يظهر الآيات إلا لما ذكرنا من القصد إلى الدلالة على ~~صدق الرسل عليهم السلام PageV01P169 # | مسألة في الرد على منكري إعجاز القرآن # فإن قالت اليهود والنصارى ما أنكرتم أن يكون ما أتى به النبي صلى الله ~~عليه وسلم من جنس كلامهم غير أنه كان أفصح وأوجز وأحسن نظما وأن يكون ذلك ~~إنما تأتى له بتقدمه في البلاغة عليهم وحسن فصاحته ولسنه ms095 وبرعهم بذلك وزاد ~~فيه على جميعهم قيل لهم إن قدر ما يقتضيه التقدم والحذق في الصناعة قدر ~~معروف لا يخرق العادة مثله ولا يعجز أهل الصناعة والمتقدمون فيها عنه مع ~~التحدي والتقريع بالعجز والقصور لأن العادة جارية بجمع الدواعي والهمم على ~~بلوغ منزلة الحاذق المتقدم في الصناعة وما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم ~~من القرآن قد خرج عن حد ما يكتسب بالحذق وعجز القوم عن معارضته ومقابلته مع ~~إيثارهم لذلك واجتماع هممهم له وتوفر دواعيهم عليه وعلمهم بجعله حجة له ~~ودلالة على صدقه فخرج بذلك عن نمط ما سألتم عنه # وعلى أن الآية في القرآن أنه منزل بلسان العرب وكلامهم ومنظوم على وزن ~~يفارق سائر أوزان كلامهم ولو كان من بعض النظوم التي يعرفونها لعلموا أنه ~~شعر أو خطابة أو رجز أو طويل أو مزدوج غير أن ناظمه قد برع وتقدم فيه وليس ~~يخرج الحذق في الصنعة إلى أن يؤتي بغير جنسها وما ليس منها في شيء وما لا ~~يعرفه أهلها وإذا كان ذلك كذلك وكنا نعلم أن قريشا أفصح العرب وأعرفها ~~باللسان وأقدرها على سائر أوزان الكلام وأنها قد دهشت وطاشت عقولها فيما ~~أتى به فقالت مرة إنه سحر وقالت تارة إنه @QB@ معلم مجنون @QE@ وقالت أخرى ~~^ أساطير الأولين PageV01P170 اكتتبها ) وقالت تارة أخرى @QB@ شعر @QE@ ~~وقالت تارة سلمان يلقنه ويلقي إليه حتى قال تعالى @QB@ لسان الذي يلحدون ~~إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين @QE@ علم بذلك أن ما أتى به ليس من جنس ~~الحذق والتقدم في الصناعة في شيء وعلى أن الله سبحانه إذا أباح له هذا ~~التقدم والحذق وجمع له أسبابه ووفر دواعيه وهمته على تحصيله وعلم مع ذلك ~~أنه سيدعيه آية له وحجة على صدقه جمع همم من تحداه على فعل مثله ولا أتاحه ~~لهم ولا مكنهم منه صار ذلك آية من فعله وخرقا للعادة وجرى مجرى سائر الآيات ~~ولو علم الله سبحانه أنه كاذب فيما يدعيه لوفر الدواعي والهمم وجمعها على ~~معارضته وخلق اللطائف التي يتوصل بها ms096 إلى بلوغ منزلته لكي يبطل حجته ويزيل ~~شبهته ومتى لم يفعل ذلك كان ناقضا للعادة بصرف الهمم عن فعل ذلك وجمع ~~الدواعي عليه ومنع اللطائف والأسباب الممكنة منه والله تعالى لا ينقض ~~العادات إلا للدلالة على الصدق # | مسألة في التحدي # فإن قال قائل وكذلك يقولون إن صاحب كتاب إقليدس PageV01P171 والمجسطي ~~والقائل قفا نبك لو تحدوا بمثل ما أتوا به وجعلوه دلالة على صدقهم وأنهم ~~رسل الله سبحانه فلم يعارضوا وجب أن يكون ذلك آية لهم قيل له أجل إلا أن ~~الله سبحانه إذا علم أن المدعي لذلك كاذب فلا بد أن يجمع الهمم ويوفر ~~الدواعي على معارضة ما تحدى القوم به فلا يلبثون عند احتجاجهم به أن يأتيهم ~~الناس بأمثاله وما هو أبلغ منه في معناه لكي ينقض كون ما ادعوه معجزا # | مسألة في المعارضة # فإن قالوا ما أنكرتم أن تكون العرب قد عارضته وأن يكون خوف سيفكم يمنع من ~~إظهار معارضته قيل لهم لو كان الأمر على ما ادعيتموه لجاز نقله وذكره وذكر ~~المعارض والمتولي له ولوجب بمستقر العادة أن يغلب إظهاره على طيه وكتمانه ~~حتى يكون العلم به كالعلم بالقرآن الذي هو عروضه وإن منع الخوف من النص ~~عليه والتبيين من كل واحد لذكره لأنه كان لا بد من تحدثهم بينهم إذا خلوا ~~وجالسوا من يأمنون سيفه على وجه يجب أن يضطر إليه كما يجب أن تعلم الأسباب ~~الحاملة على الكتمان والكذب الواقعين من السلطان لغرض في الحمل على ذلك مع ~~الخوف منه وكما يجب في مستقر العادة تحدث الناس بعيوب سلطانهم وجبابرتهم ~~ومذموم الخصال التي فيهم وإن لم ينقل PageV01P172 ذلك نقلا ظاهرا ويقع ~~تفصيله والنص عليه والبيان له من كل رجل بعينه وإذا كنا لا نعلم وجود ~~المعارضة للقرآن كعلمنا لظهوره من جهة النبي صلى الله عليه وسلم وجب سقوط ~~ما قالوا وأيضا فلو كان الخوف من السيف مانعا من نقلهم المعارضة لمنع ذلك ~~أيضا من دعوى المعارضة فإذا لم يمنع الخوف من قولكم قد عورض وإن ms097 كان تصريحا ~~بالقدح في القرآن والتكذيب له مع عروة من حجة أو شبهة فكيف يمنعكم الخوف من ~~إظهار ما ادعيتم # ويقال لمن سأل عن هذا من اليهود والنصارى لو كان ما قلتموه صحيحا لجاز ~~لمدع أن يدعي أن موسى وعيسى عليهما السلام قد عورضا في قلب العصا حية وفلق ~~البحر وإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص وأن الخوف من أسيافكم يمنع من ~~قتل ذلك وأن الخوف من سيوف المسلمين اليوم يمنع من نقله الآن لأن مكذب موسى ~~وعيسى عند المسلمين بمنزلة مكذب محمد صلى الله عليه وسلم فإن لم يجب هذا لم ~~يجب ما قلتم # | مسألة في حفظ المعارضة # فإن قال قائل ما أنكرتم أن تكون المعارضة قد وقعت ونسيت وذهب ذكرها ~~وضبطها عن كل فرقة لأن الله صرف دواعي الناس وهممهم عن PageV01P173 حفظها ~~والتوفر على نقلها قيل لهم هذا أيضا غير جائز لأنه بمنزلة ابتداء إظهار ~~المعجزات على أيدي الكذابين لأنه لا فرق بين خرق العادة بقلب العصا حية ~~وفلق البحر وغير ذلك وبين خرقه العادة في صرف دواعي الناس عن نقل الأمر ~~العظيم والخطب الجسيم وما قد جرت العادة بحفظه وانطلاق الألسن عليه وإلهاج ~~الأنفس بذكره وغلبة إشهاره وإظهاره على طيه وكتمانه لأن ذلك أجمع خرق ~~للعادة ولأنه أيضا إفساد الأدلة وسد العلم بإثبات النبوة لأنه لو جاز ذلك ~~لم نأمن أن يكون جميع الرسل قد عورضوا في آياتهم وصرف الله سبحانه دواعي ~~الناس عن نقل المعارضة وحفظها فلا يكون لنا مع ذلك سبيل إلى العلم بصدق ~~واحد نقل المعارضة وحفظها فلا يكون لنا مع ذلك سبيل إلى العلم بصدق واحد ~~منهم وقيام حجة على أمته لأننا إذ لم نأمن كون المعارضة وإن جهلناها لموضع ~~ترك النقل لها لم نأمن أن يكونوا كذبه غير صادقين وذلك يضاد اعتقاد نبوتهم ~~وهذا كلام ليس لبعض أهل الملل على بعض وإنما هو للطاعن على سائر النبوات ~~وجوابه ما كرناه من أنه إفساد للأعلام وإيجاب لعجز القديم سبحانه عن الأدلة ~~على صدق الصادق ms098 والتفرقة بينه وبين الكاذب # | مسألة في المعارضة والإعجاز # فإن قال قائل ما أنكرتم أن يكون القوم إنما تركوا معارضة القرآن لإعراضهم ~~عن النظر في أن مقابلته بمثله موجب لتكذيب من أتى به قيل لهم فهذا مما لا ~~نظهر فيه ولا تأمل لأنه لا شبهة على أحد كمل عقله في أن PageV01P174 من قال ~~له قائل إنك لن تقوم ولن تقدر على القيام كاذب إذا قام وقدر على القيام ~~والأطفال المنتقصون يعلمون هذا فضلا عن قريش في وفارة عقولهم وجودة قرائحهم ~~ونحائزهم وصحة آدابهم وما وصفهم الله تعالى به من أنهم قوم خصمون والتماسهم ~~من الرسول صلى الله عليه وسلم آيات غير التي أتى بها حتى قال تعالى @QB@ ~~وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون @QE@ يعني التي سألوها ~~ومع قولهم @QB@ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من ~~نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ~~أو تأتي بالله والملائكة قبيلا @QE@ وقوله @QB@ أو يكون لك بيت من زخرف أو ~~ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه @QE@ # ومع ما ذكره عن اليهود في قوله @QB@ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم ~~كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة @QE@ مع ~~ما عليه أهل الإلحاد والتعطيل من الاحتجاج والعناد فكيف جهل هؤلاء أجمع ولم ~~ينبه بعضهم بعضا عليه لولا جهل السائل عن هذا # ويقال للسائل عن هذا من اليهود والنصارى فما أنكرتم ألا يكون PageV01P175 ~~إضراب السحرة والأطباء عن معارضة موسى وعيسى في آياتهما لعجزهم عن ذلك ~~وإنما صدفوا عنه لذهابهم في النظر في أن معارضتهما تؤدي إلى تكذيبهما ولا ~~جواب عن ذلك أبدا # | مسألة في المعارضة والسيف # فإن قال قائل ما أنكرتم أن يكون الصارف للقوم عن معارضته اعتقادهم أن ~~السيف أنجع في أمره وأحسم لمادة شبهته لا للعجز عن ذلك قيل له لو كان في ~~قدرة القوم التكلم بمثل القرآن لأتوا ms099 به مع نصب الحرب كما أنهم كانوا يأتون ~~مع ذلك بالشعر والرجز والخطابة والرسائل وكل ما هو من طباعهم وفي ترك ذلك ~~دليل على بطلان ما قلتم # | مسألة في المعارضة والشبهة # فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون المانع لهم من معارضته هو خوفهم من دخول ~~الشبهة على أوليائه وقوله لهم إنه ليس بعروض لما أتيت به قيل لهم هذا باطل ~~لأن اللسان لسانهم واللغة لغتهم وهي طباع لهم ولا شبهة عليهم في معرفة ما ~~هو بوزن كلامهم ولا مجال ولا مسرح للشك في هذا الباب ثم يقال لهم فبإزاء ~~الخوف من ذلك الرجاء لوضوح بطلان ما أتى به لهم ووقوفهم عليه فكيف لم ~~يبعثهم هذا على معارضته ويقال لهم في هذه المسألة والتي قبلها ما أنكرتم أن ~~يكون هذا هو الصارف لقوم موسى PageV01P176 وعيسى عن معارضة ما ادعوه آية ~~لهما فكل شيء أجابونا به فهو جوابنا # | مسألة في صفة الإعجاز في القرآن # فإن قال قائل فإذا قدر العباد عندكم على مثل الكلمة والكلمتين والحرف ~~والحرفين فما أنكرتم أن يقدروا على مثل جميعه وألا يكون في ذلك إعجاز يقال ~~له لو وجب ما قلته لوجب إذا قدر الناس على مثل ما سألت عنه أن يكونوا كلهم ~~شعراء وخطباء وأصحاب نظم ورسائل لقدرتهم على الكلمة والاثنتين وهذا جهل ممن ~~صار إليه وليس يجب إذا تعذر على الإنسان نظم الكثير أن يتعذر عليه نظم ~~اليسير كما لا يجب إذا تعذر عليه شرب ماء البحار والأنهار أن يتعذر عليه ~~شرب الجرعة والجرعتين وإذا تعذر عليه الصعود إلى السماء وحمل الجبال أن ~~يتعذر عليه قطع الذراع إلى فوق والذراعين وحمل الرطل والرطلين وإذا كان حمل ~~الجبال والصعود إلى السماء آية لمن ظهر على يده وجب أن يكون نظم القرآن آية ~~لمن أتى به وإن لم يكن نظم ما دون سورة منه آية لأحد # | مسألة في كيفية الإعجاز في القرآن # فإن قالوا كيف يكون القرآن معجزا وهو غير خارج عن حروف المعجم التي يتكلم ~~بها الخلق ms100 من أهل الفصاحة والعي واللكنة قيل لهم ليس الإعجاز في نفس الحروف ~~وإنما هو في نظمها وإحكام PageV01P177 رصفها وكونها على وزن ما أتى به ~~النبي صلى الله عليه وسلم وليس نظمها أكثر من وجودها متقدمة ومتأخرة ~~ومترتبة في الوجود وليس لها نظم سواها وهو كتتابع الحركات إلى السماء ووجود ~~بعضها قبل بعض ووجود بعضها بعد بعض ولو كان ما سألتم عنه يبطل مزية القرآن ~~وموضع الأعجوبة في نظمه لوجب إبطال فضيلة الشاعر المفلق والخطيب المصقع ~~والمرسل الفصيح المقتدر حتى لا يكون على أحد تكلم باللسان العربي وإن كان ~~أعيا من باقل فضل لسحبان وائل وهذا أيضا جهل ممن صار إليه فبطل ما تعلقتم ~~به # | مسألة في التحدي بالحروف المنظومة لا بالكلام القائم بالله # فإن قال قائل من اليهود والنصارى والمعتزلة كيف لا يجوز التحدي بمثل ~~القرآن وهو عندكم قديم لا مثل له من كلام الآدميين ولا يجانس كلام ~~المخلوقين قيل له لم يتحد النبي صلى الله عليه وسلم بمثل الكلام القائم ~~بالله سبحانه وإنما تحداهم بمثل الحروف المنظومة التي هي PageV01P178 عبارة ~~عنه في براعتها وفصاحتها واختصارها وكثرة معانيها وإذا كان ذلك كذلك بطل ما ~~سألتم عنه # على أنه يصح من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتحدى بمثل ~~الكلام القديم إذا ادعى ملحد أو معاند أنه مثل كلام الآدميين ومن جنس كلام ~~المخلوقين بأن يقال له إيت بمثله إن كان له مثل على ما تدعيه كما قال تعالى ~~@QB@ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين @QE@ و @QB@ فإن كان لكم كيد فكيدون ~~@QE@ و @QB@ أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون @QE@ فطالبهم بذلك على مذهب ~~التحدي والتقريع إن كان للباطل برهان وللقديم سبحانه شريك أو كيد يكاد به ~~وإذا كان ذلك كذلك سقط تعجبهم من ذلك وثبت أنه لا تعلق لأحد فيه # | مسألة في الحفظ والإعجاز # فإن قال قائل لو كان القرآن معجزا لوجب إذا حفظه بعض الناس وتلاه على أهل ~~بلده وادعاه آية له أن يكون دلالة على صدقه قيل له ms101 لا يجب ما قلته من وجهين ~~أحدهما أن القرآن لا يكون معجزا عند من سمعه إلا بعد فحصه وبحثه وتفتيشه ~~وعلمه بأنه لا أحد سبق الذي أتى به إليه وأنه من جهته نجم ومن PageV01P179 ~~قبله ظهر ومتى لم يعلم ذلك لم يعلمه معجزا له وحافظ القرآن إذا ادعاه آية ~~لم يلبث سامع دعواه مع أدنى بحث حتى يعلم أنه ظاهر لغيره فسقط احتجاجه به # والوجه الآخر أن الله تعالى إذا علم ذلك من حال من حفظه أنساه إياه وذهب ~~بحفظه من قلبه أو خلق لسامعه القدرة على حفظه من أوله إلى آخره حتى يقول ~~لمن أتى به هذا أمر حفظناه وعرفناه ولعلك عني أخذته فسقط التعلق بهذا # | مسألة في الإعجاز في التوراة والإنجيل # فإن قالوا ما أنكرتم أن تكون التوراة والإنجيل معجزا قيل لهم أنكرنا ذلك ~~لعدم العلة التي لها كان القرآن معجزا وهي عجز العرب عن معارضة مورده مع ~~حرصهم على تكذيبه وما عره وغض منه وإيثارهم لقتله وبلوغ كل غاية في مكارهه ~~وفض الجمع من حوله فلو تحدى موسى وعيسى عليهما السلام أعداءهما بمثل ~~التوراة والإنجيل وغيرهم من أهل الأهواء والملحدين فعجزوا عند التحدي عن ~~ذلك لوجب أن يكون ما أتيا به من ذلك معجزا وإذا لم يكن ذلك كذلك لم يجب ما ~~قلتموه PageV01P180 # | مسألة في لزوم حجة القرآن عند غير العرب # فإن قالوا كيف لزمت حجة القرآن الهند والترك وهم لا يعرفون أن ما أتى به ~~معجز قيل لهم من حيث إنهم إذا فتشوا علموا أن العرب الذين بعث فيهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم كانوا أفصح الناس وأقدرهم على نظم الكلام العربي وأنهم ~~النهاية في هذا الباب وأنهم مع ذلك أحرص الناس على تكذيبه صلى الله عليه ~~وسلم وأنه نشأ معهم وأنهم يعرفون دخيلته وأهل مجالسته في ظعنه وإقامته وأنه ~~ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه وأنه مع ذلك كله أجمع تحداهم ~~بمثله أو بسورة من مثله مجتمعين أو مفترقين فعجزوا عن ms102 ذلك أجمع كما أن حجة ~~موسى وعيسى عليهما السلام قائمة على من ليس بساحر ولا طبيب لعلمه بأنهما ~~تحديا أطب الناس وأعظمهم سحرا بمثل ما أتيا به فعجزوا عن ذلك مع الحرص على ~~تكذيبهما والإتيان بمثل ما أتيا به # | مسألة في معارضة مسيلمة للقرآن # فإن قال قائل ما أنكرتم أن يكون مسيلمة قد عارض القرآن وقابله ~~PageV01P181 بقوله يا ضفدع بنت ضفدعين نقي فكم تنقين لا الماء تغيرين ولا ~~الشارب تمنعين وقوله والزارعات زرعا فالحاصدات حصدا والطاحنات طحنا وأمثال ~~ذلك من الكلام الركيك السخيف قيل له هذا الكلام دال على جهل مورده وضعف ~~عقله ورأيه وما يوجب السخرية منه والهزء به وليس هو مع ذلك خارجا عن وزن ~~ركيك السجع وسخيفه وما زاد على ذلك قليلا خرج إلى وزن الشعر كقول بعضهم في ~~شعره # ( وقرا معلنا ليصدع قلبي % والهوى يصدع الفؤاد السقيما ) # ( أرأيت الذي يكذب بالدين % فذاك الذي يدع اليتيما ) وعلى أن هذا الكلام ~~لو كان معجزا لتعلقت العرب وأهل الردة به ولعرف أتباع النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه عروض له ولوقع لهم العلم اليقين بأنه قد قوبل وفي عدم ذلك دليل ~~على جهل مدعى ذلك وعلى أن مسيلمة لم يدع هذا الكلام معجزا ولا تحدى العرب ~~بمثله فعجزوا عنه بل كان في نفسه ونفس كل سامع له أخف وأسخف وأذل من أن ~~يتعلق به ولذلك لا نجد له نبأ ولا أحدا من العرب تعلق به PageV01P182 # | مسألة في العلم بالتحدي # فإن قال قائل من أهل الملل وغيرهم من أين يعلم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم تحدى العرب أن تأتي بمثله وطالبهم بذلك قيل لهم يعلم ذلك اضطرارا من ~~دينه وقوله كما نعلم وجوده وظهوره وكما نعلم وجود القرآن نفسه اضطرارا هذا ~~على أنه في نص التلاوة نحو قوله @QB@ فأتوا بسورة من مثله @QE@ و @QB@ قل ~~لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله @QE@ ~~وهذا غاية التحدي والتقريع وقد وصل قوله @QB@ فأتوا بسورة من مثله @QE@ ~~بقوله ms103 @QB@ وادعوا شهداءكم من دون الله @QE@ فلا متعلق لأحد في هذا الباب # ويقلب السؤال على من سأل عنه من اليهود والنصارى والمجوس المدعين لنبوة ~~زرادشت فيقال لهم من أين علمتم أن موسى وعيسى وزرادشت تحدوا قومهم بمثل شيء ~~مما أتوا به وما أنكرتم أن يكون ذلك قد ظهر من غير احتجاج منهم ولا تحد إلى ~~مثله فكل شيء تعلقوا به فهو جوابنا عما سألوا عنه # | مسألة في إبطال دعوى المعارضة # فإن قالوا كيف تبطلون حجة من أتى بكلام منظوم وزعم أنه مثل القرآن ~~PageV01P183 وعروضه قيل له لعلمنا بأنه ليس بمثل له ولا من جنس نظمه فإن ~~قدر على ذلك قادر فليأت به لنريه أنه خلاف له ونعلم ذلك بعجز العرب أيضا عن ~~معارضة القرآن مع العلم بأنهم أفصح الفصحاء وأبلغ البلغاء وأشعر وأخطب من ~~على وجه الأرض ممن تكلم بلسانهم بعدهم فتعلم بذلك تعذر معارضته على من ~~بعدهم وعلى أن من الناس من يزعم أن الله سبحانه إنما أعجز العرب أيضا عن ~~معارضته وقت التحدي بالإتيان بمثله لكي يخرق بذلك العادة لصاحبه ويدل على ~~صدقه وقد يجوز أن يقدرهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم على مثله # ومنهم أيضا من يقول قد كانت العرب قادرة قبل التحدي على الإتيان بمثله ~~وإنما أعجزهم الله سبحانه عن ذلك وقت تحدي الرسول صلى الله عليه وسلم ونقض ~~عادتهم ليدل على صدقه ولعمري إن ذلك لو كان كذلك لكان آية عظيمة وخرقا ~~للعادة كما أن نبيا لو تحدى قومه بتحريك أيديهم والخروج عن أماكنهم إلى ~~أقرب المواضع إليها فمنعوا القدرة على ذلك وقد اعتادوا الاقتدار عليه ثم ~~أقدروا عليه ثانية بعد تقضي تحديه لكان خرق العادة بإيجاد القدرة على ذلك ~~وإعدامها على خلاف المتعالم المألوف آية عظيمة وحجة بينة فإذا كان ذلك كذلك ~~سقط ما سألوا عنه PageV01P184 # | مسألة في وجوه الإعجاز # فإن قال قائل فهل في القرآن وجه من وجوه الإعجاز غير ما ذكرتموه من بديع ~~نظمه وعجيب رصفه وتأليفه قيل له أجل فيه ms104 وجهان آخران من وجوه الإعجاز # أحدهما ما انطوى عليه من أخبار الغيوب التي يعلم كل عاقل عجز الخلق عن ~~معرفتها والتوصل إلى إدراكها نحو قوله @QB@ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون @QE@ فدخلوه كما وعدهم وأخبرهم ~~ومن ذلك قوله تعالى @QB@ سيهزم الجمع ويولون الدبر @QE@ فكان ذلك كما أخبر ~~وقوله @QB@ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون @QE@ وقد أظهره الله ~~وأعلى دعوته وأذل الملوك المحاولة لأبطاله التي كانت حول صاحب الدعوة إليه ~~وقوله تعالى @QB@ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم @QE@ # وكان من ذلك ما وعدهم الله تعالى واستخلف الأربعة الأئمة الخلفاء ~~الراشدين # وقوله لليهود ^ قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما PageV01P185 قدمت أيديهم ~~) فأخبر أنهم إن تمنوا الموت ماتوا وأنهم لن يتمنوه فلم يتمنوه على ما أخبر ~~به علما منهم بصدقه وأنهم لو تمنوا الموت لماتوا لا محالة # وكذلك امتنع النصارى عن مباهلته عند دعائه لهم إليها ومطالبته بها في ~~قوله تعالى @QB@ فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين @QE@ فامتنعوا عن المباهلة ~~خوفا من النكال وأليم العقاب وأن ينزل بهم ما توعدهم به وليس ذلك إلا ~~لعلمهم بصدقه وثبوت نبوته ومن أخبار الغيوب قوله تعالى @QB@ الم غلبت الروم ~~في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون @QE@ فغلبت الروم فارس في بضع ~~السنين كما أخبر تعالى في نظائر هذا مما يكثر تتبعه واتفاق الصواب في هذا ~~أجمع على سبيل التخمين والظن ممتنع متعذر فدل ذلك على أنه من أخبار علام ~~الغيوب سبحانه # والوجه الآخر ما عليه القرآن من قصص الأولين وسير الماضين وأحاديث ~~المتقدمين وذكر ما شجر بينهم وكان في أعصارهم مما لا يجوز حصول علمه إلا ~~لمن كثر لقاؤه لأهل السير ودرسه لها وعنايته بها ومجالسته لأهلها وكان ممن ~~يتلوا الكتب ويستخرجها مع العلم ms105 بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتلو ~~كتابا ولا يخطه بيمينه وأنه لم يكن ممن يعرف بدراسة الكتب PageV01P186 ~~ومجالسة أهل السير والأخذ عنهم ولا لقي إلا من لقوه ولا عرف إلا من عرفوه ~~وأنهم يعرفون دأبه وديدنه ومنشأه وتصرفه في حال إقامته بينهم وظعنه عنهم ~~فدل ذلك على أن المخبر له عن هذه الأمور هو الله سبحانه علام الغيوب # فهذا وجه الإعجاز في القرآن # | باب الكلام على اليهود في الأخبار # وقد افترقت اليهود في الأصل على فرقتين فزعمت الشمعنية منهم أن نسخ ~~الشرائع وإرسال نبي بعد موسى عليه السلام لنسخ شريعته جائز من طريق العقل ~~وأنهم إنما منعوا نسخ شريعتهم على يد نبي بعد نبيهم من جهة توقيف الله جل ~~اسمه في التوراة وعلى لسان موسى عليه السلام أنه لا ينسخها ولا يبعث نبي ~~بتبديلها بألفاظ سنذكر بعضها # وزعمت العناية منهم أن نسخ الشرائع محال من جهة العقل وأن السمع أيضا قد ~~ورد بتأكيد ما في العقل من ذلك # وأجمعوا إلا فريقا منهم على أن نسخ الشيء قبل امتثاله ووقت فعله بداء ~~PageV01P187 ودلالة على الجهل إلا فريقا منهم فإنهم أجازوا نسخ العبادة بما ~~هو أغلظ منها وأشق على سبيل العقوبة للمكلف # وقالت السامرية منهم بنبوة موسى وهارون ويوشع بن نون وأنكرت بنبوة غيرهم ~~من الرسل الذين بعدهم كسليمان وحزقيل واليسع وغيرهم # وقال الباقون منهم بنبوة كل من ظهرت الأعلام على يده PageV01P188 بعد ~~موسى وأن محمدا وعيسى عليهما السلام ليسا نبيين وأن الذي أظهراه إما أن ~~يكون لا أصل له أو يكون من الحيل والمخاريق وأن عيسى الذي هو المسيح الذي ~~أخبروا بنبوته لم يأت بعد وأنه سيأتي وأنه نبي صادق وزعمت العيسوية منهم ~~أصحاب أبي عيسى الأصبهاني أن محمدا وعيسى عليهما السلام نبيان صادقان ~~وأنهما أرسلا إلى قومهما ولم يرسلا بتبديل شريعة موسى # فيقال لهم جميعا ما الدليل على إثبات نبوة موسى عليه السلام فإن قالوا ما ~~ظهر على يده من الأعلام المعجزة كفلق البحر وإخراج اليد البيضاء ms106 وغير ذلك ~~من أعلامه قيل لهم وما الدليل على صحة هذه الأعلام وثبوتها مع علمكم بخلاف ~~من يخالف فيها من البراهمة والمجوس والملحدين وأهل التنجيم وغيرهم من ~~الجاحدين فإن قالوا PageV01P189 الدليل على ذلك نقل اليهود خلفا عن سلف وهم ~~قوم بهم تقوم الحجة لما هم عليه من كثرة العدد وتفرق الدواعي والهمم وتباين ~~الأوطان وتباعد الديار واختلاف المذاهب والكذب ممتنع على مثلهم أن موسى ~~عليه السلام أتى بهذه الأعلام التي ذكرناها فوجب العلم بصحتها يقال لهم ~~أليس قد أنكر جميع من قدمنا ذكره من المجوس والبراهمة وغيرهم صحة ما نقله ~~أسلافكم وأخلافكم فكيف يكون النقل موجبا للعلم مع إنكار من أنكره وطعن من ~~طعن فيه # فإن قالوا إذا استوى أول الخبر وطرفاه من آخره ووسطه ثبتت صحته ووجب ~~العلم بصدق نقلته وإن خالف في ذلك مخالفون # يقال لهم ما أنكرتم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا وأن يكون ما ~~أثبته المسلمون من أعلامه صحيحا بنقل من نقل ذلك من المسلمين وذلك أن ~~المسلمين في وقتنا هذا قوم ببعضهم يثبت التواتر وتقوم الحجة وقد نقلوا خلفا ~~عن سلف مع كثرة عددهم وتنافر طباعهم وتباين أغراضهم ودواعيهم واختلاف ~~آرائهم ومذاهبهم وتفرق أوطانهم وامتناع جواز الكذب على مثلهم أن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم أتى بالأعلام الباهرة والبراهين اللائحة فمنها ما قد أطبقوا ~~جميعا وسائر أهل الملل على نقله والعلم به كالقرآن ومنها ما أخبرت الحجة من ~~المسلمين أنها أخذته عن حجة والحجة عن مثلها حتى ينتهي ذلك إلى قوم نقلوه ~~بحضرة جماعة الصحابة PageV01P190 وأضافوه إلى مشاهدتهم وعلموا تصديقهم لما ~~ادعي عليهم وإقرارهم بصحته كالذي نقل من أعلام موسى وادعي فيه مشاهدة من ~~سلف ممن عاصره فوجب القضاء بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم # وإن قالوا سلف المسلمين الذين أخذ النقل عنهم كانوا قلة ونفرا يجوز على ~~مثلهم الكذب وإن كان خلفهم اليوم بخلاف هذه الصفة فلذلك لم يجب العلم ~~بصدقهم قيل لهم فما أنكرتم أن يكون السلف الذين نقلوا في ms107 الأصل أعلام موسى ~~عليه السلام قلة ونفرا يجوز على مثلهم الكذب فلذلك لم يجب ثبوتها وعلم ~~البراهمة والمجوس بصحتها فإن قالوا قد أخبرت اليهود وهم اليوم حجة أنهم ~~أخذوا هذا النقل عن قوم هم حجة كهم وعمن نقل بحضرة الحجة وادعى حضورهم ~~لإخراج اليد بيضاء ومشاهدتهم لذلك فأمسكوا عن إنكاره قيل لهم فكذلك ~~المسلمون وهم اليوم حجة بل بعضهم يخبرون أنهم أخذوا نقلهم عن حجة كهم وممن ~~نقل بحضرة الحجة فلم ينكر ما نقله مع ادعائه حضورهم # فإن قالوا لو كان ذلك كما يدعون لعلمنا صدقهم فيما نقلوه ضرورة قيل لهم ~~أول ما في هذا تجويزكم الكذب على عدد المسلمين اليوم في قولهم إنما أخذوا ~~ذلك عن حجة وإن جاز الكذب عليهم في هذه الدعوى جاز عليهم في جميع ما يدعونه ~~وينقلونه وجاز أيضا على PageV01P191 أمثالهم من اليهود والنصارى والمجوس ~~ونقلة البلدان وفي ذلك التعطيل للأخبار والعلم بشيء من جهتها أصلا وتجويز ~~أن تكون اليهود اليوم كاذبة في قولها إن النقل أخذته عن حجة كهي وذلك ما لا ~~خلاص منه # ويقال لهم لو كان ما تنقله اليهود اليوم وتدعيه صحيحا ومأخوذا عن مثلها ~~من سلف هم حجة لعلم الملحدون والبراهمة وأهل التثنية والمجوس وأصحاب ~~الطبائع والفلاسفة والمنجمون صحة نقلهم اضطرارا فلما لم تكن ذلك كذلك وكان ~~سائر من ذكرناهم يجحد نقلهم بطل أن يكون صحيحا # فإن قالوا هم يعلمون ذلك ضرورة ولكنهم يجحدون ما يعلمون قيل لهم وكذلك ~~أنتم وسائر النصارى عالمون بصحة نقل المسلمين لأعلام نبيهم غير أنكم تجحدون ~~ذلك على علم منكم لصحته فإن قالوا نجد أنفسنا بخلاف ما تدعون قيل لهم وكذلك ~~تزعم البراهمة والمجوس والفلاسفة وأهل الإلحاد أنهم يجدون أنفسهم غير ~~عالمين بصحة نقلكم فلم يجب تصديقكم ولا جواب لهم عن ذلك # وإن هم قالوا ليس نعلم صدق السلف الذين نقلوا أعلام موسى واضطرارا وإنما ~~نعلم ذلك من أمرهم استدلالا لسكوت من سكت عن إنكار ما نقلوه مع ادعاء ~~حضورهم ومشاهدتهم ومن صد عن النظر في ms108 PageV01P192 ذلك جهل الحق فيما نقلوه ~~قيل لهم مثل ذلك في العلم بصحة كثير من أعلام النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأنها معلومة بمثل هذا الاستدلال وأنهم إنما جهلوا لتركهم النظر فيما يدل ~~على صحته # فإن قالوا إنما وجب صحة نقل أعلام موسى والانقياد له لإطباق أهل الأديان ~~المختلفة عليه كاليهود والنصارى والمسلمين وهذه العلة مفقودة من خبركم قيل ~~لهم لم وجب ذلك دون أن يجب بطلانه وتكذيبه لاجتماع أهل الأديان المختلفة ~~على تكذيبه ورده كالبراهمة والمجوس والفلاسفة وضروب الدهرية فإن كان إطباق ~~المختلفين في دياناتهم على تكذيب المخبر لا يدل على كذبه فما أنكرتم أن ~~يكون إطباق المختلفين في دياناتهم على تصديق المخبرين لا يدل على صدقهم # ثم يقال لهم فما أنكرتم من وجوب ثبوت خبر المسلمين وصدقهم لإطباقهم ~~وإطباق العيسوية منكم على تصديقهم وهم أهل دينين مختلفين وملتين متباينتين ~~فإن قالوا العيوسية إنما أخذوا نقل أعلام محمد صلى الله عليه وسلم عنكم ~~وأنتم في الأصل فرقة واحدة قيل لهم وكذلك المسلمون والنصارى إنما أخذوا نقل ~~أعلام موسى عليه السلام عن أسلافكم وعنكم وأنتم في الأصل فرقة واحدة فلا ~~تجب الحجة بنقلكم ثم يقال لهم فيجب على موضوع اعتلالكم تصحيح آيات المسيح ~~عليه السلام لإطباقنا والنصارى والعيسوية على صحتها فإن أجابوا إلى ذلك ~~تركوا دينهم وإن أبوه تركوا اعتلالهم PageV01P193 فإن قالوا قد ضمت النصارى ~~إلى نقلهم أعلام المسيح ما تحبله العقول من التثليث قيل لهم إن النصارى لم ~~تنقل التثليث فيفسد نقلها وإنما تأولته واستدلت عليه عند أنفسها وضربت ~~للحلول والاتحاد والأقانيم والجوهر الأمثال وغلطت وأخطأت في اجتهادها ~~وتأويلها وذلك لا يوجب غلطها في نقلها أن المسيح أبرأ الأكمه والأبرص ومشى ~~على الماء ونحو ذلك فبطل ما قلتم # ويقال لهم فيجب تصحيح أعلام المسيح صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم بنقلنا ~~ونقل العيسوية ونقل الموحدة من النصارى من رؤوس الأروسية الذين يقولون إن ~~عيسى ابن الله على جهة الاختصاص والإكرام ولا يجدون لذلك مدفعا # ثم يقال لهم فيجب أيضا أن ms109 يكون نقل اليهود لأعلام موسى كذبا باطلا لأنهم ~~قد ضموا إلى نقل ذلك ما تحيله العقول من قولهم بالتشبيه والتجسيم وأن الله ~~تعالى جسم ذو صورة ومتناه محدود أبيض الرأس واللحية وأنه مهموم محزون بما ~~عليه العباد من الظلم والفساد في الأرض وأنه تعالى عن قولهم ندم على ~~الطوفان وتغريق العالم وقال لن أعود إلى إغراق الأرض أبدا وتخطوا في الجهل ~~إلى حد لن تبلغه النصارى في التثليث والاتحاد PageV01P194 وإن قالوا ليس كل ~~اليهود يقولون ذلك قيل لهم ولا كل النصارى يقولون بالتثليث وإثبات النبوة ~~على حد ما تذهب إليه الملكية واليعاقبة والنسطورية ونحن إنما نحتج بقول ~~الموحدة منهم # فإن قالوا ليس في النصارى إلا قائل بالتثليث الذي تحيله العقول قيل لهم ~~ولا في اليهود إلا قائل بالتشبيه والتجسيم الذي تحيله العقول ولا جواب عن ~~ذلك # ثم يقال لهم خبرونا عن نقلكم أعلام موسى عليه السلام هل كانت الحجة قائمة ~~به قبل وجود النصارى والمسلمين وإطباقهم معكم على النقل مع خلاف البراهمة ~~لكم وسائر من ذكرناه فإن قالوا لا تركوا دينهم وأوجبوا سقوط فرض شريعة موسى ~~عن كل برهمي ومجوسي وملحد وفلسفي وأنه لا حجة عليها قبل نقل المسلمين ~~والنصارى لأعلام موسى وليس ذلك من قولهم وإن قالوا قد كانت الحجة لازمة ~~بنقل اليهود وحدهم مع خلاف من خالفهم مع كثرة عددهم واختلاف دياناتهم قيل ~~لهم فما أنكرتم من قيام الحجة بنقل المسلمين لأعلام نبيهم صلى الله عليه ~~وسلم مع خلاف من خالفهم من أهل الملل فلا يجدون بدا من ترك ما تعلقوا به # ثم يقال لهم هل يخلو نقل المسلمين والنصارى لأعلام موسى عليه PageV01P195 ~~السلام من أن يكون مأخوذا في الأصل عنكم أو عن عيسى ومحمد اللذين لم يأخذا ~~عنكم وإنما أخذا عن الله تعالى فإن كانوا إنما أخذوا ذلك عنكم وأنتم في ~~الأصل طبقة واحدة والحجة بقول الطبقة الواحدة غير ثابتة وإن كانوا أخذوا ~~ذلك عن عيسى ومحمد اللذين لم يأخذا عنكم فقد أخذوا عن الله سبحانه وهذا ms110 ~~إقرار منكم بنبوتهما فإن قالوا إنما وجب صحة نقل اليهود لأنهم في دار ذلة ~~وممن تؤخذ منهم الجزية وليس كذلك المسلمون لأنهم ليسوا في دار ذلة ولا ممن ~~يؤدي الجزية فيقال لهم فلا يجب على قولكم إثبات صحة خبر نقلة البلدان ~~والسير لأنه ليس بوارد عن أهل ذلة وممن يؤدي جزية ويجب لهذه العلة صحة نقل ~~النصارى لأعلام عيسى عليه السلام لأنهم في دار ذلة وممن يؤدي الجزية فلا ~~يجدون من ذلك بدا أو يتركوا اعتلالهم ويقال لهم فيجب سقوط فرض اعتقاد نبوة ~~موسى عليه السلام وصحة ما جاء به قبل أن يحصوا في دار ذلة وتؤخذ منهم ~~الجزية فإن مروا على ذلك تركوا دينهم وإن أبوه أبطلوا هذا الشرط في صحة ~~الأخبار # ويقال لهم فيجب صحة أعلام المسيح لإطباقهم والعيسوية ونحن معهم على نقلها ~~لأن الفريقين يؤدون جزية وهي في دار ذلة وكذلك يجب PageV01P196 صحة نقل ~~المسلمين لأعلام محمد صلى الله عليه وسلم لإطباق العيسوية على نقلها وهم ~~أهل ذلة وممن يؤدي الجزية فإن قالوا عنكم أخذوا هذا النقل وأنتم في الأصل ~~فرقة واحدة قيل لهم وكذلك المسلمون والنصارى ومحمد وعيسى عليهما السلام ~~إنما أخذوا النقل لأعلام موسى عنكم وأنتم في الأصل طبقة واحدة ونقل الفرقة ~~عندكم لا تقوم به الحجة فبطل نقلكم # فإن قالوا قد شهدتم وشهدت النصارى لنا بصحة أعلام موسى وذلك كالبينة على ~~دعوانا ولم نشهد لكم بصحة أعلام نبيكم قيل لهم وشهاداتنا وشهادة النصارى هي ~~شهادة على شهادتكم وأنتم في الأصل فرقة واحدة وكثرة الشهادات على شهادة ~~واحدة من واحد أو فرقة واحدة ليست بحجة ولا بينة # ثم يقال لهم وكذلك قد شهدنا نحن والعيسوية بصحة أعلام عيسى عليه السلام ~~فيجب إثباتها عندكم فإن قالوا شهادتهم على ذلك شهادة على شهادتكم وهي شهادة ~~واحدة في الأصل قيل لهم مثل ذلك فيما تعلقوا به # فإن قالوا إنما وجب القول بثبوت أعلام موسى عليه السلام لأن الناقلة لها ~~لم يحملوا على نقلهم بالسيف ونقلة أعلام محمد عليه ms111 السلام محمولون على ~~النقل بالسيف قيل لهم ولم زعمتم أنا محمولون على النقل للأعلام بالسيف وما ~~دليلكم على ذلك وما أنكرتم أن تكون هذه الدعوى كذبا لأننا لم نحمل أحدا ~~أسلم وأقر بالشهادتين على نقل أعلام نبينا عليه السلام ولو اعترض معترض ~~جمهور الأمة لم نجد عندها PageV01P197 من نقل هذه الأعلام شيئا ولا معرفة ~~بكثير منها وإنما نطالبهم بالدخول في الدين بعد قيام الحجة فقط # ثم يقال لهم أليس موسى عليه السلام كان من دينه وشريعته أن يقتل من ارتد ~~عن دينه وفارق ملته بعد الدخول فيها فإذا قالوا نعم قيل لهم فما أنكرتم أن ~~تكونوا محمولين على نقل أعلام موسى عليه السلام بالسيف وأن يكون أسلافكم ~~الذين كانت منهم المنة والرئاسة إنما دخلوا في دين موسى رغبة وحبا لأسباب ~~الدنيا والترأس فيها وضمن لهم ذلك فلما دخلوا في الدين لم يمكنهم الخروج ~~منه خوفا من القتل فصاروا محمولين على النقل فإن قالوا لم يكن أسلافنا ~~يحملون الناس على الدخول في الدين وإن حملوهم على المقام عليه بعد الدخول ~~فيه فلم يكونوا لذلك محمولين قيل لهم وكذلك نحن لا نقتل من دخل في ديننا ~~إذا لم ينقل أعلام نبينا ولا نقتل أيضا من أدى الجزية وأقام على دينه ولم ~~يدخل في ديننا إذا لم ينقل أعلام نبينا أو كان من أهل العهد والصلح فلم يجز ~~أن يكونوا محمولين على نقل أعلام نبينا عليه السلام # ويقال لهم أيضا فيجب صحة نقل أعلام محمد بنقل العيسوية وهم أمة عظيمة ~~لأنها لم تحمل على ذلك بالسيف وكذلك يجب صحة نقل أعلام المسيح عليه السلام ~~لنقلهم ونقل العيسوية لها وهم غير محمولين على النقل بالسيف فإن قالوا ~~النصارى محمولة على النقل بالسيف قيل لهم وكذلك أنتم محمولون وقيل لهم ~~فالعيسوية غير محمولة على نقل أعلام PageV01P198 المسيح فيجب إثبات أعلامه ~~بنقلهم # ويقال للنصارى إن قالوا لنا أنتم محمولون على نقلكم بالسيف ما أنكرتم أن ~~تكونوا أيضا محمولين على نقلكم بالسيف فإن قالوا النصارى مفترقون في ms112 البلاد ~~والمهامة وبطون الأودية ورؤوس الجبال والصوامع وأطراف السند والهند فكيف ~~يكونون محمولين على النقل بالسيف ولا أحد في هذه البقاع يحملهم قيل لهم ~~ولليهود وكذلك المسلمون منتشرون في البراري والقفار والبحار والرباطات ~~وأطراف البلاد وفي دار مملكتكم وتحت غلبتكم بقسطنطينية وعمورية ورومية وفي ~~قلاعكم ومطاميركم وفي أسركم منهم خلق عظيم لا يحصي عددهم إلا الله تعالى ~~كلهم ينقلون أعلام النبي صلى الله عليه وسلم ويدينون بدينه فكيف يكون من ~~ذكرناه محمولا على تصديق محمد صلى الله عليه وسلم ونقل أعلامه فإن قالوا ~~جميع من ذكرتم إنما أخذوا النقل في الأصل عن قوم محمولين عليه قيل لهم ~~وكذلك جميع من ذكرتموه من النصارى واليهود في سائر الأقطار إنما أخذوا ~~النقل عن قوم محمولين عليه في الأصل أو عمن حمل عليه وألجىء إليه بالسيف ~~ولا جواب لهم عن ذلك # ثم يقال لهم خبرونا عن الحامل للمسلمين على النقل أهم PageV01P199 ~~الحاملون لأنفسهم أم غيرهم ممن باين ملتهم وكذب نبيهم حملهم على نقل أعلامه ~~بالسيف فإن قالوا غيرهم حملهم مع تكذيبهم لنبيهم تجاهلوا وتركوا قولهم وما ~~توجبه قضية العقل والعادة وإن قالوا هم الحاملون لأنفسهم على نقل أعلام ~~نبيهم قيل لهم فكيف يحمل الحامل نفسه على الشيء إلا من حيث لو آثروا ترك ~~النقل لصاروا إليه ووقع منهم فهذا يعود إلى أنهم نقلوا ذلك مختارين للنقل # وإن قالوا إنما صاروا محمولين على النقل بأن حمل بعضهم بعضا يقال لهم فلا ~~بد أن تكون فيهم فرقة غير محمولة هي الحاملة لغيرها فإذا قالوا هو كذلك قيل ~~لهم فما أنكرتم أن تكون أعلام محمد صلى الله عليه وسلم صحيحة ثابتة بنقل ~~تلك الطبقة التي هي غير محمولة أصلا وهذا يبطل تعلقهم بالحمل # وإن قالوا هذه الفرقة التي ليست بمحمولة يقصر عددها عن عدة من يوجب خبره ~~العلم قيل لهم وكذلك الأصل في الذين نقلوا أعلام موسى وأخذتم النقل عنهم ~~فرقة يقصر عددها عن عدة من يوجب خبره العلم # فإن قالوا قد أخبرت اليهود اليوم وهم ms113 أهل تواتر أن سلفهم PageV01P200 ~~كخلفهم فوجب صدقهم في ذلك قيل لهم فما بال البراهمة والمجوس وأهل الإلحاد ~~والتنجيم والفلاسفة لا يعلمون ذلك ويجحدونه وينكرونه فإن قالوا هم يعلمون ~~ذلك ولكنهم يكابرون قيل لهم فكذلك المسلمون قد أخبروا اليوم وهم أهل تواتر ~~أنهم أخذوا النقل عن سلف كخلفهم ومن آحاد نقلوا بحضرة من هو كخلفهم وادعوا ~~حضورهم وسلموا نقلهم فوجب صدقهم وأنتم وكل واحد تعلمون ذلك ولكنكم تجحدون ~~وتعاندون ولا جواب عن ذلك # فإن قالوا ليس تنكر البراهمة والمجوس والفلاسفة والملحدة ظهور هذه الأمور ~~على يد موسى وإنما يدعون أنها حيل ومخاريق قيل لهم ليس كذلك كما تقولون ~~لأنهم جميعا ينكرون فلق البحر وخروج اليد بيضاء ونبع الماء من الصخرة جملة ~~وإنما يستضعفون بعض من يسلمون له ذلك جدلا طمعا في انتهاز فرصته وإظهار ~~عجزه من كل وجه # وقيل لهم وكذلك أنتم لا تنكرون إذا خلوتم بأنفسكم أن يكون محمد صلى الله ~~عليه وسلم أتى بهذه المعجزات الخارقة للعادة وإنما تظنون أنها حيل ومخاريق ~~فإن قالوا لسنا نقول ذلك قيل لهم وكذلك البراهمة والمجوس وأهل الإلحاد لا ~~يقرون بوجود شيء مما تدعونه لموسى عليه السلام ولا جواب عن ذلك # وقد زعم كثير من اليهود أن من شرط الخبر الموجب للعلم القاطع للعذر أن ~~تكون الناقلة لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد ولا يجوز PageV01P201 على مثلهم ~~التكاتب والتراسل وأن تتغاير آباؤهم وتختلف أنسابهم وتتفرق دواعيهم وهممهم ~~وأغراضهم وأن تختلف مللهم ودياناتهم وألا يحملوا على نقلهم بالسيف ولا ~~يضموا إلى خبرهم ما تحيله العقول وأن يكونوا في دار ذلة وممن تؤخذ منهم ~~الجزية قالوا وكل هذه الشرائط موجودة في نقل اليهود دون المسلمين والنصارى ~~والمجوس لأن المسلمين محمولون على نقلهم بالسيف والمجوس يقولون بقدم اثنين ~~وعبادة النور وهو شخص محدود والنصارى يقولون بالتثليث وكل هذا تحيله العقول ~~وتدفعه فوجب القضاء بصحة أعلام موسى عليه السلام دون أعلام محمد وعيسى ~~وزرادشت وقد تكلمنا عليهم في الحمل على نقل الأعلام بما يغني عن رده وكذلك ms114 ~~قد قدمنا القول في اشتراطهم كون النقلة في دار ذلة وممن تؤخذ منهم الجزية ~~وفي ضم ما تحيله العقول إلى النقل في توثيق الخبر بإطباق أهل الملل ~~المختلفة عليه وبينا أنه لا تعلق لهم في شيء مما ذكروه # فأما تغاير الآباء واختلاف الأنساب وتباعد الأوطان والديار فإنه لا معنى ~~له ولا لاشتراطه لأنه لو نقل إلينا خبرا عن مشاهدة أهل بلدة واحدة وبنو أب ~~واحد وأهل نسب واحد وأهل دين واحد وهم أهل تواتر لوجب العلم بصدقهم وصحة ~~نقلهم وكذلك لو كانت حرفتهم واحدة # وأما اشتراطهم ألا يضموا إلى خبرهم ما تحيله العقول فإنه باطل لأن ~~PageV01P202 أهل التواتر لا يجوز وقوع الكذب منهم ونقل ما تحيله العقول كذب ~~لا محالة ولو جاز عليهم ذلك لبطل العلم بخبرهم والنصارى لم تنقل التثليث ~~ولكن تأولته على ما بيناه من قبل # فإن قالوا فقد نقلنا ونقلت النصارى أن المسيح قتل وصلب فيجب القطع بصحة ~~خبرنا قيل لهم قد قال بعض الأمة وأكثر الناس إن النقل مأخوذ عن أربعة من ~~الحواريين لوقى ومتى ومرقش ويوحنا والأربعة يجوز عليهم الكذب وقال بعضهم ~~إنكم صدقتم وصدق أسلافكم في أن شخصا قتل وصلب ولكنكم توهمتم أنه المسيح لأن ~~المقتول تحول عن صفته هذا وتقع الشبهة في أمره والخبر لا يكون موجبا للعلم ~~حتى تكون الناقلة قد اضطرت إلى ما أخبرت عنه وزالت الشبهة فيه وإذا كان ذلك ~~كذلك بطل ما سألتم عنه # وكذلك الجواب عن المطالبة بصحة أعلام زرادشت إما أن نقول إنها في الأصل ~~مأخوذة عن آحاد لأن العلم بصدقهم غير واقع لنا أو نقول إنه نبي صادق ظهرت ~~على يده الأعلام ودعا إلى نبوة نوح وإبراهيم وإنما كذبت المجوس عليه في ~~إضافة ما أضافته إليه من القول بالتثنية وقدم النور والظلام وحدوث الشيطان ~~من فكرة وشكة شكها بعض أشخاص النور وهو بمنزلة كذب النصارى على المسيح عليه ~~السلام من دعائه إلى اعتقاد التثليث والاتحاد والاختلاط وأن مريم ولدت ~~مسيحا بلاهوته دون ناسوته وغير ذلك PageV01P203 من ms115 جهالاتهم ولا سؤال لهم ~~علينا في شيء من ذلك # وسنقول في تفصيل الأخبار وذكر التواتر فيها وصفة أهله وما يجب كونهم عليه ~~وحال أخبار الآحاد وما يستدل به على صحة الصحيح منها وبطلان الباطل والوقف ~~فيما عري من الدليل وغير ذلك من أحكام الأخبار في باب القول في الإمامة إن ~~شاء الله تعالى # | باب الكلام على منكر نسخ شريعة موسى عليه السلام من جهة السمع دون ~~العقل # يقال لمن زعم ذلك منهم ما الخبر الموجب لمنع نسخ شريعة موسى عليه السلام ~~فإن قالوا هو ما تنقله اليهود خلفا عن سلف عمن شاهد موسى عليه السلام منهم ~~أنه قال وهذه الشريعة مؤبدة عليكم ولازمة لكم ما بلغت السماوات لا نسخ لها ~~ولا تبديل ونحو هذا من اللفظ وأنه أمر بتكذيب كل من دعى إلى نسخ شريعته ~~وتبديلها فوجب منع النسخ بما ذكرناه من الخبر فيقال لهم ما أنكرتم أن يكون ~~هذا القول الذي نقلتموه عن موسى عليه السلام صحيحا ولكن لم زعمتم أن مراده ~~به نفي النسخ على كل حال ولزوم العمل PageV01P204 بشريعته وإن ظهرت الأعلام ~~على يد من يدعو إلى نسخها وتبديلها # وما أنكرتم أن يكون إنما أراد بقوله إن شريعته لازمة لكم ما دامت ~~السماوات والأرض ما لم تظهر المعجزات على يد داع يدعو إلى خلافها وتبديلها ~~لأنه قد قيد في العقل وجوب تصديق من ظهرت الأعلام على يده والمصير إلى حكم ~~قوله وسقوط العمل بما أخبر بنسخه وإزالته كما أنه قد قيد في عقولنا وجوب ~~سقوط فرض العمل بالشريعة مع الموت والعدم والعجز عندكم فوجب أن يكون معنى ~~قوله الشريعة لازمة لكم ما دامت السماوات والأرض وما كنتم أحياء موجودين ~~وما لم تموتوا أو تعدموا أو تعجزوا وإن لم يكن ذلك في سياق اللفظ لأجل أنه ~~مقيد في العقل # وكذلك ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله إنها مؤبدة لازمة لكم ما لم يبعث ~~الله نبيا تظهر الأعلام على يده يدعو إلى نسخها وتبديلها فإن قالوا لولا أن ~~اليهود ms116 قد نقلت وهي اليوم أهل تواتر عن مثلهم عمن شاهد موسى عليه السلام ~~أنه أكد هذا النفي للنسخ وقرنه بما يدل على أنه أراد عموم الأزمان على جميع ~~الأحوال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وأزال بما كان من توقيفه على ذلك ~~وتأكيده وظهور الأسباب التي اضطروا عندها إلى أنه أراد أن الله تعالى لا ~~يبعث أبدا نبيا بنسخها لأجرنا من التأويل ما قلتموه وسألتم عنه # ولكن الضرورة التي نقلتها إلينا أهل الحجة أمنت مما PageV01P205 ذكرتموه ~~فوجب حمل الخبر على العموم يقال لهم هذه الدعوى كذب لأنه لو كان الذي ~~أخبركم عن هذه الضرورة الواقعة بقصد موسى عن سلفكم أهل تواتر وكذلك من ~~قبلهم إلى القوم الذين شاهدوا موسى وهم أهل تواتر قد اضطروا إلى ما أخبروا ~~عنه لوجبت لنا الضرورة بأن موسى صلى الله عليه وسلم قد وقف على ذلك وأراده ~~وثبت أنه من دينه لأننا قد سمعنا الخبر كما سمعتم وعرفناه كما عرفتم فلو ~~كان من التوقيف والتأكيد ما وصفتم وقد نقله أهل الحجة لعلمنا ذلك ضرورة كما ~~علمنا وجود موسى عليه السلام ضرورة لما نقل وجوده ومشاهدته قوم هم حجة إلى ~~مثلهم إلى من سمعناه وكذلك سبيل وجوب العلم بكل أمر تواتر الخبر عنه واستوى ~~فيه طرفا الخبر ووسطه وفي رجوعنا إلى أنفسنا ووجودنا إياها غير عالمة بذلك ~~في جملة ولا في تفصيل فضلا عن أن تكون مضطرة دليل على كذبهم في هذه الدعوى # فإن قالوا لو لم تكن هذه الضرورة صحيحة ثابتة لكانت اليهود اليوم كاذبة ~~في قولهم إنهم مضطرون إلى العلم بصحة هذه الضرورة التي أخبرهم بحصولها ~~سلفهم وكذلك أيضا سلفهم قد كذبوا وسلف سلفهم في دعواهم العلم بهذه الضرورة ~~وكذبوا في نقلها وفي الإخبار عنها ولو جاز ذلك عليهم لجاز أن يكون كل ما ~~نقلوه كذبا ولجاز مثل ذلك على سائر الأمم وعلى نقلة البلدان والأمصار وهذا ~~يبطل التواتر رأسا PageV01P206 يقال لهم ولو كانت هذه الضرورة التي تدعونها ~~صحيحة ثابتة وقد سمع المسلمون ms117 بنقلها كما سمعتم لوجب أن يكونوا مضطرين إلى ~~العلم بصحتها وأن تكون حالهم في العلم بذلك كحالهم ولو كان ذلك كذلك لوجب ~~أن يكون المسلمون مع كثرة عددهم وامتناع التراسل والتشاعر عليهم قد كذبوا ~~في قولهم إنا غير عالمين بذلك ولا مضطرين إليه لأنهم عندكم مضطرون إليه ولو ~~جاز عليهم الكذب على انفسهم في جحد ما هم إلى العلم به مضطرون لجاز عليهم ~~الكذب على غيرهم ولجاز أن يكونوا كذبة في سائر ما نقلوه ولجاز مثل الجائز ~~عليهم على سائر الأمم من أهل الملل ونقلة البلدان وهذا يبطل التواتر جملة ~~فإن مروا على ذلك تركوا دينهم وإن أبوه أبطلوا دعواهم # ومما يدل على كذب هذه الدعوى أننا لا نعلم ضرورة أن موسى قال هذا القول ~~جملة أعني ما ادعوه عليه من قوله هذه الشريعة لكم لازمة ما دامت السماوات ~~والأرض فضلا عن أن يعلم مراده به لأن العلم بمراده بالقول هو فرع للعلم ~~بوجود القول ونحن فلا نعلم أنه قال هذا القول جملة فكيف يدعى علينا العلم ~~بمراده ضرورة # ويقال لهم قد زعم أكثر اليهود ومن يعتمد عليه في المناظرة والمدافعة أن ~~الذي نقل عن موسى عليه السلام في هذا الباب هو أنه قال إن أطعتموني فيما ~~أمرتكم به ونهيتكم عنه ثبت ملككم كما PageV01P207 ثبتت السماوات والأرض وما ~~ذكر النسخ ولا أن الشريعة لا تنسخ ولا أنه لا نبي بعده ينسخها ولا أنها ~~مؤبدة عليكم ولازمة لكم ما دامت السماوات ولا شيء من هذه الألفاظ وكل ما ~~يدعونه من هذا أباطيل ومقابلات للنصارى والمسلمين وأستعارة لكلامهم ~~وألفاظهم # وليس في قوله إن أطعتموني فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه دليل على أن ~~الشريعة التي أمر بطاعته في العمل بها لا تنسخ لأن الإنسان قد يقول مثل هذا ~~ثم ينسخ العمل ويديم ما ضمنه على الطاعة فيه قبل نسخه لأن القائل إذا قال ~~إن أطعتني فيما أمرتك ودعوتك إليه ثبتت مكنتك عندي ودامت كرامتك لدي وقرب ~~مكانك من مكاني جاز أن ينسخ الأمر ms118 بعد فعله ووجب أن يديم بعد نسخه ما ضمنه ~~وإنما لم يثبت ملك بني إسرائيل لأنهم عصوه في أيام حياته وبعد وفاته وحرفوا ~~وغيروا وبدلوا فزال عند ذلك ملكهم وضربت عليهم الذلة كما قال الله تعالى ~~فكان فيهم المسخ بالعدو في السبت وغير ذلك من ضروب عصيانهم له فلا معنى ~~لدعوى هذه الألفاظ التي لا أصل لها على موسى عليه السلام # ومما يدل أيضا على تحرصهم في هذه الألفاظ على موسى عليه السلام علمنا أنه ~~عبراني اللسان وأن ما نقلوه عنه بصورة ما يوردونه علينا من قولهم إن ~~الشريعة مؤبدة وإنها لا نسخ لها وإن العمل بها واجب ما دامت PageV01P208 ~~السماوات والأرض وأمثال ذلك وإنما ينقلون كلام موسى ويترجمونه وينقلونه من ~~لغة إلى لغة ويفسرونه والغلط والتحريف يدخل في النقل كثيرا فلم تجب الضرورة ~~بصحة ما نقلوه وفسروه ومن ادعى ذلك طولب بأن يذكر لفظ موسى بالعبرانية ~~وحروف لفظه لنعرضه على أهل لغته فإنك تجد فيه من الخلاف بينهم أمرا عظيما # وإن هم قلبوا هذا وقالوا ما الذي يدل عندكم على منع نبي بعد نبيكم عليه ~~السلام قيل لهم الخبر الوارد عنه صلى الله عليه وسلم وهو ما نقلته كافة ~~الأمة من قوله لا نبي بعدي وقد نقلوا ذلك عن سلفهم والخلف عن سلف حتى يتصل ~~ذلك بمن شاهد النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكد هذا القول وعراه عن كل ~~قرينة توجب تخصيصه وقرنه بكل ما أوجب العلم بعموم مراده للنفي لسائر ~~الأنبياء بعده ممن ينسخ شريعته وممن لا ينسخها من العرب وغيرها وفي عصره ~~وبعد وفاته وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها # فإن قالوا فمثل هذه الدعوى بعينها حكينا لكم عن موسى عليه PageV01P209 ~~السلام فلم تقبلوها فإن كان ما قلتموه من هذا حجة لكم فهو أيضا حجة لنا ~~فيقال لهم الفرق بين خبرنا وخبركم الذي ادعيتم على موسى ثلاثة أمور أحدها ~~أن ما نقمناه لكم هو لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم غير مفسر ولا منقول ~~بتفسير ms119 ونقل يمكن دخول الغلط والتحريف في مثله وليس كذلك سبيل خبركم لأنه ~~منقول من لغة إلى لغة # والوجه الآخر إن نبينا صلى الله عليه وسلم لما قال ( لا نبي بعدي ) تلا ~~قوله تعالى @QB@ وخاتم النبيين @QE@ وعراه مما يوجب تصديق نبي بعده وأمر ~~بتكذيب كل مدع لنبوة معه وبعد موته وأكد ذلك وقرنه بما تقع الضرورة عنده ~~إلى مراده وموسى عليه السلام قرن خبره الذي تدعونه عليه بالأمر لكم بتصديق ~~الرسل بعده وقد صدقتهم يوشع وحزقيل واليسع وداود وسليمان وصدقت العيسوية ~~منكم بنبوة أبي عيسى الأصبهاني وأنتم تنتظرون المسيح إلى اليوم وتنتظرون ~~رسلا تأتيكم إلى وقتنا هذا ونبينا صلى الله عليه وسلم منع من ذلك ووقف عليه ~~PageV01P210 وأكده فبان الفرق بين الأمرين # والأمر الثالث أن الله تعالى عندنا وعندكم لا يبطل الحجج بعضها ببعض ولا ~~يقلب العلوم ولا يغير حقائق الأمور فلو كان موسى قد وقفكم على منع نسخ ~~شريعته توقيفا اضطركم به إلى مراده ونفي وجوه سائر الاحتمال عنه لكان لا ~~يخبر بذلك إلا عن الله سبحانه ولو أمره الله بذلك ووقفه عليه وألزمه توقيف ~~خلقه عليه وإعلامهم إياه لم يجز أن يظهر المعجزات على يد من يدعو إلى نسخها ~~وتبديلها وفي ثبوت نقل المسلمين للقرآن وغيره من الأعلام وثبوت الإعجاز ~~فيما نقلوه عن نبيهم بالأدلة التي نقلناها والنقل الذي يحج مثله دليل على ~~كذب مدعي توقيف موسى عليه السلام على ما قلتم فهذه فروق بين الدعوتين توضح ~~صحة ما قلناه وبطلان ما ادعيتم # فإن قال منهم قائل قد كذب المسلمون في نقل أعلام محمد عليه السلام قيل ~~لهم وقد كذبت اليهود والنصارى أيضا في نقل أعلام موسى وكذبت نقلة الأمصار ~~وكل طريق تثبتون به أعلام موسى فبه وبما هو أقوى منه تثبت أعلام محمد صلى ~~الله عليه وسلم وقد بينا ذلك فيما سلف بما يغني عن رده # فإن قال منهم قائل لسنا نعلم ضرورة ولا غير ضرورة أن PageV01P211 محمدا ~~صلى الله عليه وسلم قال إني خاتم النبيين قيل لهم ms120 هذا الآن منكم بهت لأنكم ~~تقرون بالقرآن وأنه من قبله ظهر وفي نص التلاوة قوله تعالى @QB@ وخاتم ~~النبيين @QE@ وقد نقل كافة الأمة هذا القول أعني قوله ( لا نبي بعدي ) نقلا ~~متواترا لا يمكن دفعه وثبت من دينه وجوب قتل كل مدعي الرسالة بعده حتى لو ~~سئل سائر أهل الملل والإلحاد عن ذلك لعرفوه فلا معنى للبهت وبالله التوفيق # | باب الكلام على محيل النسخ منهم من جهة العقل # يقال لمن قال ذلك منهم لم قلتم هذا وما دليلكم عليه فإن قالوا لأن أمره ~~بالشيء يقتضي كونه مصلحة والنهي عنه يقتضي كونه مفسدة فإذا نهانا عما أمرنا ~~به وجب أن يكون سفيها إما في أمره بالفساد أو في نهيه عن الصلاح لأن ما نهي ~~عنه بعد أمره به لا بد أن يكون صلاحا أو فسادا فلما لم يكن أن يكون الباري ~~سبحانه سفيها غير حكيم لم يجز نهيه عما كان أمر به يقال لهم ما أنكرتم إن ~~كان ما قلتموه من ذلك صحيحا على تسليم ما بنيتموه وإن كنا لا نقول به أن ~~يكون ذلك إنما يقتضي أن يكون النهي عن نفس المأمور به قبل امتثاله على وجه ~~أمر به يوجب ما قلتم وأن يكون ناهيا عن فعل المصلحة وألا يوجب PageV01P212 ~~إحالة نهيه عن نفس ما أمر به إحالة نهيه عن مثله بعد فعله لأن مثله الذي من ~~سبيله أن يقع بعده هو غيره والنهي عن غير الشيء في غير وقته لا يكون نهيا ~~عنه في وقته ولا جواب لهم عن ذلك # وهذا الجواب هو جوابهم على اعتلالهم في هذا الباب أن الأمر بالشيء يقتضي ~~كونه طاعة والنهي عنه يقتضي كونه إذا فعل معصية والطاعة لا يجوز أن تكون ~~معصية لأن مثل الشيء إذا نهي عنه بعد فعله فليس بنهي عنه فلم تصر الطاعة ~~معصية وهو بعينه الجواب عن اعتلالهم بأن نسخ الشريعة بعد الأمر بها يوجب ~~كون الحسن قبيحا والحكمة سفها لأن الأمر بالشيء يقتضي كونه حكمة حسنا صوابا ~~والنهي عنه ms121 يقتضي كونه قبيحا عبثا ولا يجوز أن يكون الحسن قبيحا لأن النهي ~~عن مثل الحسن المأمور به نهي عن غيره وليس يمتنع أن يكون مثل الصلاح في وقت ~~فسادا في وقت آخر ومثل الطاعة في وقت معصية في وقت آخر ومثل الحسن في وقت ~~قبيحا في غيره # ألا ترى أن الأكل والشرب والعلاج بالكي طاعة حسن صواب مصلحة عند العطش ~~والجوع وحدوث الأمراض المقتضية للعلاج وفعل ذلك أجمع عند الشبع والري ~~والصحة والغنى عن التداوي قبيح وسفه ومعصية لله عز وجل فليس يمتنع عند جميع ~~العقلاء أن تكون هذه العبادات السمعية نحو الصوم والصلاة والتوجه إلى بيت ~~المقدس وترك العمل في السبت PageV01P213 مصلحة في وقت مفسدة في وقت طاعة ~~وصوابا في وقت ومثلها معصية وسفها في وقت آخر وإذا كان ذلك كذلك بطل جميع ~~ما يتعلقون به من هذه الأمور # وإن هم قالوا الدليل على منع النسخ من جهة العقل أن الأمر بالشيء يدل على ~~أنه مراد للأمر والنهي عنه يدل على كراهته ومحال أن يكون المراد كونه لله ~~سبحانه مكروها مع كونه له مرادا أجيبوا بمثل ما تقدم لأن المراد في وقت هو ~~غير مثله الذي يكره في وقت آخر كما أن المراد من الأكل مع لهب الجوع غير ~~المكروه منه مع البطنة والامتلاء والشبع التام ولا جواب عن ذلك # وإن قالوا الدليل على إحالة النسخ من جهة العقل أنه يوجب البداء لأن ~~الأمر بالشيء يقتضي كونه مصلحة واعتقاد الأمر به كونه كذلك والنهي عنه بعد ~~الأمر به يدل على أنه قد بدا للآمر وانكشف له أن ما كان أمر به مفسدة ليس ~~بمصلحة على ما توهمه وذلك منتف عن الله جل ذكره كان الجواب عنه أيضا ما ~~تقدم وذلك أن الله تعالى إنما نهى لما نسخ شريعة موسى عن مثل ما كان أمر به ~~وأن يفعل ذلك في وقت غير وقت ذلك المفعول الأول والنهي عن مثل الشيء في ~~وقته ليس بنهي عنه PageV01P214 كما أن النهي عن العمل ms122 في السبت ليس بنهي عن ~~العمل في الجمعة والأحد والأمر بالعمل في الجمعة ليس بأمر بالعمل في السبت # وأيضا فإنا نحن نجوز نسخ الشيء قبل وقت فعله وقبل امتثاله ولا يوجب ذلك ~~البداء إذا علم الآمر به أن تبقية الأمر مشقة داعية إلى ترك المكلف كل ~~الواجبات وأن تخفيف المحنة به بالنهي عنه مصلحة ولطف في فعل المكلف لما نفي ~~الأمر به فيكون الأمر به مصلحة وإزالته قبل امتثاله مصلحة غير أن النهي عنه ~~يتناوله على غير الوجه الذي يتناوله الأمر لأن الأمر بالفعل كان أمرا بأن ~~يفعل إن بقي الأمر به والنهي عنه يرد مع زوال الأمر به وليس ذلك بنهي عنه ~~مع بقاء الأمر به والأمر بفعله كان أمرا به مع بقائه دون إزالته وقد شرحنا ~~هذا الكلام في أصول الفقه بما يغني الناظر فيه إن شاء الله # ويقال لهم في اعتلالهم في البداء ما أنكرتم أن يكون الله سبحانه إذا أمات ~~الجسم بعد حياته وأسقمه بعد صحته وآلمه بعد إلذاذه وغيره عن حالته فهذا بدا ~~له وعلم أن ما كان فعله مفسدة ليس PageV01P215 بمصلحة فإن قالوا الآلام ~~والعقاب إنما توقع بهم بعد التفضل باللذات على سبيل الجزاء الانتقام وكان ~~ذلك هو الصلاح لهم لأنه أزجر لهم عن المعصية وأدعى إلى الطاعة قيل لهم ~~اعملوا على أن ذلك كما ادعيتم أليس قد كان الله تعالى ابتدأهم بالتفضل ~~باللذة فلما عصوه أبدلهم بها ألما وسقما على سبيل النقمة فهل بدا له من فعل ~~اللذة ومثلها فإن قالوا أجل تركوا دينهم وإن قالوا لا ولكن التفضل في وقت ~~باللذات أصلح لهم والانتقام بعد ذلك بالآلام على الإجرام أصلح لهم من ~~اللذات قيل لهم فما أنكرتم من مثل ذلك في الأمر لهم بالشيء في وقت النهي عن ~~مثله فيكون كفعل الشيء في وقت وترك مثله بعده # ثم يقال لهم ما تقولون أيضا في إيلام الأطفال والبهائم والمجانين بعد ~~إلذاذهم ونقض بنيتهم بعد صحتها وتقطع جوارحهم بعد سلامتهم والذهاب بأسماعهم ~~وأبصارهم أتقولون ms123 إن ذلك على سبيل الانتقام منهم فإن قالوا أجل تركوا قولهم ~~ولحقوا بأهل التناسخ الذين يقولون إن هذه الأرواح المحبوسة في البهائم ~~والأطفال قد غضب الله عليهم ونقلهم في الأكوان والأدوار وذلك ترك قولهم وإن ~~قالوا ليس تغير حالات الأطفال في هذه الأمور انتقاما ولكن ذلك على سبيل ~~المصالح فقط قيل لهم مثله في الأمر بالشيء في وقت والنهي عن مثله بعده # وكذلك يسألون عن نقض الجماد بعد تأليفه وتربيعه بعد تسديسه وترطيبه بعد ~~تيبيسه وتحريكه بعد تسكينه وتسويده بعد تبييضه وغير ذلك من تغير ~~PageV01P216 أحواله وأوصافه فيقال لهم ألبداء من الله تعالى واستدراك علم ~~غير ما فعله ونقض ما ألفه وفرق ما جمعه وحرك ما سكنه وأحيا ما أماته أم ليس ~~لبداء فإن قالوا لبداء تركوا دينهم واعتلالهم وإن قالوا ليس لبداء ولكن لأن ~~النقض في وقت مصلحة للمكلفين والتأليف مصلحة في غيره وكذلك التحريك ~~والتسكين قيل لهم مثله في الأمر بالشيء في وقت والنهي عن مثله في غيره ولا ~~جواب لهم عن شيء من ذلك PageV01P217 & باب الكلام على العيسوية منهم الذين ~~يزعمون أن محمدا وعيسى عليهما السلام إنما بعثا إلى قومهما ولم يبعثا بنسخ ~~شريعة موسى عليه السلام $ # يقال لهم إذا أوجبتم تصديق محمد وعيسى عليهما السلام في قولهما إنهما ~~نبيان من عند الله فما أنكرتم من وجوب تصديقهما في قولتهما إنهما قد بعثا ~~إلى كل أسود وأبيض وأنثى وذكر وبنسخ شريعة موسى وكل صاحب شرع قبلهما فإن ~~كان قد كذبا في هذا القول مع ظهور المعجزات على أيديهما فما أنكرتم أن ~~يكونا كاذبين في سائر أخبارهما وهذا يبطل النبوة جملة فإن قالوا نحن لا ~~نكذب محمدا وعيسى عليهما السلام في هذا القول لو قالاه لأنهما لو كذبا في ~~بعض ما يخبران به عن الله سبحانه لم يكونا نبيين ولكننا نكذب النصارى ~~والمسلمين في ادعائهم ذلك عليهما فالكذب واقع من ناحية أمتيهما ولم يقع من ~~جهتهما يقال لهم إذا جاز الكذب على النصارى والمسلمين في هذا الخبر الذي ms124 ~~يدعونه على محمد وعيسى عليهما السلام فلم لا يجوز عليهم الكذب في جميع ما ~~نقلوه عنهما وفي نقلهم أعلامهما ولم لا يجوز مثل ذلك على اليهود أيضا ونقله ~~البلدان والسير وهذا يعود إلى إبطال القول بالأخبار جملة وفي إطباقنا ~~PageV01P218 وإياهم على فساد ما أدى إلى ذلك دليل على فساد قولهم وصحة قول ~~المسلمين والنصارى في هذا الباب # وكذلك أيضا يقال للخرمذانية الذين يقولون بتواتر الرسل أليس قد نقل من ~~خالفكم من كافة المسلمين عن نبيهم أنه قال ( لا نبي بعدي ) وأنه أكد ذلك ~~وقرنه بما علموا به ضرورة قصده إلى نفي كل نبي على التأبيد وعلى كل حال ~~فإذا قالوا أجل قيل لهم فهل هم عندكم صادقون في نقلهم ذلك أم كاذبون فإن ~~قالوا هم صادقون أبطلوا إثبات نبوة أحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم وإن ~~قالوا قد كذبوا في هذه الدعوى عليه قيل لهم فما أنكرتم أيضا من أن تكونوا ~~كاذبين في نقل أعلامه وما أنكرتم من جواز الكذب على اليهود والنصارى وسائر ~~نقلة الأعلام وإن جاز هذا جاز أيضا عليكم الكذب في نقلكم أعلام كل نبي ~~أثبتم نبوته وبطل أصل دينكم ولا جواب لهم عن شيء من ذلك PageV01P219 # | باب الكلام على المجسمة # إن قال قائل لم أنكرتم أن يكون القديم سبحانه جسما قيل له لما قدمناه من ~~قبل وهو أن حقيقة الجسم أنه مؤلف مجتمع بدليل قولهم رجل جسيم وزيد أجسم من ~~عمرو وعلما بأنهم يقصرون هذه المبالغة على ضرب من ضروب التأليف في جهة ~~العرض والطول ولا يوقعونها بزيادة شيء من صفات الجسم سوى التأليف فلما لم ~~يجز أن يكون القديم مجتمعا مؤتلفا وكان شيئا واحدا ثبت أنه تعالى ليس بجسم # فإن قالوا ومن أين استحال أن يكون القديم مجتمعا مؤتلفا قيل لهم من وجوه ~~أحدها أن ذلك لو جاز عليه لوجب أن يكون ذا حيز وشغل في الوجود وأن يستحيل ~~أن يماس كل بعض من أبعاضه وجزء من أجزائه غير ما ماسه من الأبعاض وأجزاء ms125 ~~الجواهر أيضا من جهة ما هما متماسان لأن الشيء المماس لغيره لا يجوز أن ~~يماسه ويماس غيره من جهة واحدة PageV01P220 وليس يقع هذا التمانع من ~~المماسة إلا للتحيز والشغل ألا ترى أن العرض الموجود بالمكان إذا لم يكن له ~~حيز وشغل لم يمنع وجوده من وجود غيره من الأعراض في موضعه وإذا ثبت ذلك وجب ~~أن تكون سائر الأبعاض المجتمعة ذا حيز وشغل وما هذه سبيله فلا بد أن يكون ~~حاملا للأعراض ومن جنس الجواهر والأجسام فلما لم يجزأن يكون القديم سبحانه ~~من جنس شيء من المخلوقات لأنه لو كان كذلك لسد مسد المخلوق وناب منابه ~~واستحق من الوصف لنفسه ما يستحقه ما هو مثله لنفسه فلما لم يجب أن يكون ~~القديم سبحانه محدثا والمحدث قديما ثبت أنه لا يجوز أن يكون القديم سبحانه ~~مؤتلفا مجتمعا # ويدل على ذلك أيضا أنه لو كان القديم سبحانه ذا أبعاض مجتمعة لوجب أن ~~تكون أبعاضه قائمة بأنفسها ومحتملة للصفات ولم يخل كل بعض منها من أن يكون ~~عالما قادرا حيا أو غير حي ولا عالم ولا قادر فإن كان واحد منها فقط هو ~~الحي العالم القادر دون سائرها وجب أن يكون ذلك البعض منه هو الإله المعبود ~~المستوجب للشكر دون غيره وهذا يوجب أن تكون العبادة والشكر واجبين لبعض ~~القديم دون جميعه وهذا كفر من قول الأمة كافة وإن كانت سائر أبعاضه عالمة ~~حية قادرة وجب جواز تفرد كل شيء منها بفعل غير فعل صاحبه وأن يكون كل واحد ~~منها PageV01P221 إلها لما فعله دون غيره وهذا يوجب أن يكون الإله أكثر من ~~اثنين وثلاثة على ما تذهب إليه النصارى وذلك خروج عن قول الأمة وكل أمة ~~أيضا وعلى أن ذلك لو كان كذلك لجاز أن تتمانع هذه الأبعاض ويريد بعضها ~~تحريك الجسم في حال ما يريد الآخر تسكينه فكانت لا تخلو عند الخلاف ~~والتمانع من أن يتم مرادها أو لا يتم بأسره أو يتم بعضه دون بعض وذلك يوجب ~~إلحاق العجز بسائر الأبعاض ms126 أو بعضها والحكم لها بسائر الحدث على ما بيناه ~~في الدلالة على إثبات الواحد وليس يجوز أن يكون صانع العالم محدثا ولا شيء ~~منه فوجب استحالة كونه مؤلفا # فإن قالوا فكذلك فجوزوا تمانع أجزاء الإنسان إذا قدر وأراد وتصرف كل شيء ~~منها بقدرة وإرادة غير إرادة صاحبه قيل له لا يجب ذلك ولا يجوز أيضا تمانع ~~الحيين المحدثين المتصرفين بإرادتين وإن كانا متباينين لقيام الدليل على ~~أنه لا يجوز أن يكون محل فعل المحدثين واحدا واستحالة تعدي فعل كل واحد ~~منهما لمحل قدرته والتمانع بالفعلين لا يصح حتى يكون محلهما واحدا فلم يجب ~~ما سألتم عنه # فإن قالوا ولم أنكرتم أن يكون الباري سبحانه جسما لا كالأجسام كما أنه ~~عندكم شيء لا كالأشياء قيل له لأن قولنا شيء لم يبن لجنس دون جنس ولا ~~لإفادة التأليف فجاز وجود شيء ليس بجنس من أجناس PageV01P222 الحوادث وليس ~~بمؤلف ولم يكن ذلك نقضا لمعنى تسميته بأنه شيء وقولنا جسم موضوع في اللغة ~~للمؤلف دون ما ليس بمؤلف كما أن قولنا إنسان ومحدث اسم لما وجد من عدم ولما ~~له هذه الصورة دون غيرها فكما لم يجز أن نثبت القديم سبحانه محدثا لا ~~كالمحدثات وإنسانا لا كالناس قياسا على أنه شيء لا كالأشياء لم يجز أن ~~نثبته جسما لا كالأجسام لأنه نقض لمعنى الكلام وإخراج له عن موضوعه وفائدته # فإن قالوا فما أنكرتم من جواز تسميته جسما وإن لم يكن بحقيقة ما وضع له ~~هذا الاسم في اللغة قيل لهم أنكرنا ذلك لأن هذه التسمية لو ثبتت لم تثبت له ~~إلا شرعا لأن العقل لا يقتضيها بل ينفيها إن لم يكن القديم سبحانه مؤلفا ~~وليس في شيء من دلائل السمع من الكتاب والسنة وإجماع الأمة وما يستخرج من ~~ذلك ما يدل على وجوب هذه التسمية ولا على جوازها أيضا فبطل ما قلتموه # فإن قالوا ولم منعتم من جواز ذلك وإن لم توجبوه قيل لهم أما العقل فلا ~~يمنع ولا يحرم ولا يحيل إيقاع هذه ms127 التسمية عليه تعالى وإن أحال معناها في ~~اللسان وإنما تحرم تسميته بهذا الاسم وبغيره مما ليس بأسمائه لأجل حظر ~~السمع لذلك لأن الأمة مجمعة على حظر تسميته عاقلا وفطنا وإن كان بمعنى من ~~يستحق هذه التسمية لأنه عالم وليس العقل PageV01P223 والحفظ والفطنة ~~والدراية شيئا أكثر من العلم وإجازة وصفه وتسميته بأنه نور وأنه ماكر ~~ومستهزىء وساخر من جهة السمع وإن كان العقل يمنع من معاني هذه الأسماء فيه ~~فدل ذلك على أن المراعي في تسميته ما ورد به الشرع والإذن دون غيره وفي ~~الجملة فإن الكلام إنما هو في المعنى دون الاسم فلا طائل في التعلل والتعلق ~~بالكلام في الأسماء # فإن قال قائل ما أنكرتم أن يكون جسما على معنى أنه قائم بنفسه أو بمعنى ~~أنه شيء أو بمعنى أنه حامل للصفات أو بمعنى أنه غير محتاج في الوجود إلى ~~شيء يقوم به قيل له لا ننكر أن يكون الباري سبحانه حاصلا على جميع هذه ~~الأحكام والأوصاف وإنما ننكر تسميتكم لمن حصلت له بأنه جسم وإن لم يكن ~~مؤلفا فهذا عندنا خطأ في التسمية دون المعنى لأن معنى الجسم أنه المؤلف على ~~ما بيناه ومعنى الشيء أنه الثابت الموجود وقد يكون جسما إذا كان مؤلفا ~~ويكون جوهرا إذا كان جزءا منفردا ويكون عرضا إذا كان مما يقوم بالجوهر ~~ومعنى القائم بنفسه هو أنه غير محتاج في الوجود إلى شيء يوجد به ومعنى ذلك ~~أنه مما يصح له الوجود وإن لم يفعل صانعه شيئا غيره إذا كان محدثا ويصح ~~وجوده وإن لم يوجد قائم بنفسه سواه إذا كان قديما وليس هذا من معنى قولنا ~~جسم ومؤلف بسبيل فبطل ما قلتم PageV01P224 فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون ~~معنى جسم ومعنى قائم بنفسه وغير قائم بغيره ومعنى أنه حامل للصفات هو معنى ~~أنه شيء لأنه لو لم يكن معنى جسم ومعنى قائم بنفسه وغير قائم بغيره ومعنى ~~أنه حامل للصفات هو معنى شيء لجاز وجود شيء حامل للصفات ليس بشيء وقائم ~~بنفسه وغير ms128 قائم بغيره وليس بجسم ولو جاز ذلك لجاز وجود جسم ليس بشيء ولا ~~قائم بنفسه ولا حامل للصفات فلما لم يجز ذلك وجب أن يكون معنى الجسم ما ~~قلناه يقال لهم لو كان هذا العكس الذي عكستموه صحيحا واجبا لوجب أن يكون ~~معنى موجود محدث مؤلف مركب حامل للأغراض معنى لأنه لو لم يكن ذلك كذلك لجاز ~~وجود شيء ليس بموجود ولا محدث ولا مؤلف ولا مركب ولا حامل للأعراض ولا قائم ~~بنفسه ولو جاز ذلك لجاز وجود محدث قائم بنفسه مركب مؤلف حامل للصفات ليس ~~بشيء ولا موجود فلما لم يجز ذلك ثبت أن معنى شيء غير معنى محدث مؤلف حامل ~~للأعراض فإن لم يجب هذا لم يجب ما قلتموه # | مسألة # ويقال لهم ما الدليل على أن صانع العالم جسم فإن قالوا لأننا لم نجد في ~~الشاهد والمعقول فاعلا إلا جسما فوجب القضاء بذلك على PageV01P225 الغائب ~~قيل لهم فيجب على موضوع استدلالكم هذا أن يكون القديم سبحانه مؤلفا محدثا ~~مصورا ذا حيز وقبول للأعراض لأنكم لم تجدوا في الشاهد وتعقلوا فاعلا إلا ~~كذلك فإن مروا على ذلك تركوا قولهم وفارقوا التوحيد وأن أبوه نقضوا ~~استدلالهم PageV01P226 & باب الكلام في الصفات & # فإن قال قائل ولم قلتم إن للقديم تعالى حياة وعلما وقدرة وسمعا وبصرا ~~وكلاما وإرادة قيل له من قبل أن الحي العالم القادر منا إنما كان حيا عالما ~~قادرا متكلما مريدا من أجل أن له حياة وعلما وقدرة وكلاما وسمعا وبصرا ~~وإرادة وأن هذا فائدة وصفه بأنه حي عالم قادر مريد يدل على ذلك أن الحي منا ~~لا يجوز أن يكون حيا عالما قادرا مريدا مع عدم الحياة والعلم والقدرة ولا ~~توجد به هذه الصفات إلا وجب بوجودها به أن يكون حيا عالما قادرا فوجب أنها ~~علة في كونه كذلك كما وجب أن تكون علة كون الفاعل فاعلا والمريد مريدا وجود ~~فعله وإراداته التي يجب كونه فاعلا مريدا لوجودها وغير فاعل مريد بعدمها ~~فوجب أن يكون الباري سبحانه ذا حياة ms129 وعلم وقدرة وإرادة وكلام وسمع وبصر ~~وأنه لو لم يكن له شيء من هذه الصفات لم يكن حيا ولا عالما ولا قادرا ولا ~~مريدا ولا متكلما ولا سميعا ولا بصيرا يتعالى عن ذلك PageV01P227 كما أنه ~~لو لم يكن له إرادة وفعل لم يكن عندنا وعندهم فاعلا مريدا لأن الحكم العقلي ~~الواجب عن علة لا يجوز حصوله لبعض من هو له مع عدم العلة الموجبة له ولا ~~لأجل شيء يخالفها لأن ذلك يخرجها عن أن تكون علة الحكم # | دليل آخر # ومما يدل أيضا على إثبات علم الله تعالى وقدرته ما ظهر من أفعاله الدالة ~~على كونه عالما قادرا وأنه مفارق للجاهل العاجز وقد ثبت أن الفعل الدال على ~~كون الفاعل عالما قادرا لا بد له من تعلق بمدلول وأن مدلوله لا يجوز أن ~~يكون نفس الفاعل ووجوده ولا صفة ترجع إلى نفسه من حيث ثبت أن معنى وصفه ~~بأنه عالم قادر زائد على وصفه بأنه شيء موجود وأن الوصف له بأنه عالم قادر ~~قد ينتفي عنه مع وجود نفسه وكونه شيئا موجودا فوجب اختلاف معنى هذه الأوصاف # وكذلك لا يجوز أن تكون دلالة الفعل على أن الفاعل عالم قادر دلالة على ~~صفة ترجع إلى نفسه لأمرين أحدهما أن ذلك لو كان كذلك لوجب ألا توجد نفس ~~العالم القادر إلا عالمة قادرة وألا ينتفي عنه هذان الوصفان إلا بانتفاء ~~نفسه وبطلانها كما أن السواد الذي هو سواد لنفسه يجب ألا تعلم نفسه وتوجد ~~إلا وهي PageV01P228 سواد وألا ينتفي عنه الوصف بأنه سواد إلا بانتفاء نفسه ~~فلم يجز لذلك أن تكون دلالة الفعل على أن الفاعل عالم قادر دلالة على صفة ~~ترجع إلى نفسه # والأمر الآخر أن ذلك لو كان كذلك لوجب أن تكون نفس العالم علما كما أن ~~الأسود إذا كان أسود لنفسه وجب أن تكون نفسه سوادا ولما استحال أن تكون نفس ~~العالم القادر القديم والمحدث علما استحال أن تكون دلالة الفعل على أنه ~~عالم دلالة على نفسه ووجوده أو على ms130 صفة ترجع إلى نفسه وإذا ثبت ذلك وجب أن ~~يكون مدلول الفعل ومتعلقه هو العلم والقدرة # | دليل آخر # ويدل على ذلك أيضا أنه إذا صح وثبت أنه ليس معنى أن العالم عالم والقادر ~~قادر أكثر من أنه ذو علم وقدرة ومن وجود هاتين الصفتين به وأنه ليس له ~~بكونه عالما قادرا صفتان وحالتان منفصلتان عن العلم والقدرة أو في حكم ~~المنفصل عن ذلك وجب أن تكون دلالة الفعل على أن العالم القادر عالم قادر ~~دلالة على علمه وقدرته كما أنه إذا ثبت أنه ليس معنى الأسود الفاعل أكثر من ~~وجود السواد به ووقوع الفعل منه وجب أن تكون الدلالة على أنه أسود فاعل ~~دلالة على وجود السواد به فقط ووقوع الفعل منه PageV01P229 # | باب الكلام في الأحوال على أبي هاشم # فإن قال قائل ما أنكرتم أن تكون دلالة الفعل على أن فاعله عالم قادر ~~دلالة على حال له فارق بها من ليس بعالم ولا قادر قيل له أنكرنا ذلك لأن ~~هذه الحال لا تخلو أن تكون معلومة أو غير معلومة فإن كانت غير معروفة ولا ~~معلومة فلا سبيل إلى معرفتها والدلالة عليها والعلم بأنها لزيد دون عمرو ~~ولأن ما ليس بمعلوم لا يصح قيام دليل عليه ولا أن يعلم اضطرارا ولا أن يعلم ~~أنه لزيد دون عمرو لأن العلم بأن الحال حال لفلان دون فلان فرع للعلم به ~~وكذلك العلم بأنها معلومة بالاستدلال دون الاضطرار فرع للعلم بها جملة فإذا ~~استحال العلم بها جملة استحال العلم بأنها لفلان دون فلان وأنها معلومة ~~باستدلال دون اضطرار وقولهم بعد هذا إن نفس من له الحال معلومة على الحال ~~كلام متهافت محال لأنه إذا استحال أن تكون الحال معلومة استحال أن يعلم أن ~~النفس على الحال وأن الحال حال لها دون غيرها ووجب أن يكون العلم علما ~~بالنفس فقط دون الحال واستحال قولهم إن العلم علم بالنفس على الحال # ويدل على فساد هذا الكلام أنه لا يخلو العلم بأن النفس على الحال من أن ms131 ~~يكون علما بالنفس فقط دون الحال أو علما بالحال فقط دون النفس أو علما بهما ~~جميعا أو علما لا بالنفس ولا بالحال فإن كان علما لا PageV01P230 لا بالنفس ~~ولا بالحال فذلك محال من قولنا جميعا وإن كان علما بالنفس دون الحال فذلك ~~محال وموجب لأن يكون العلم بالنفس أنها نفس علما بالحال وأن يكون علم كل من ~~علم ذات من له الحال ووجوده علم اختصاصه بتلك الحال وذلك محال وإن كان ~~العلم بأن النفس على الحال علما بالحال فقط فقد ثبت أن الحال معلومة وإن ~~كان العلم بذلك علما بالنفس والحال فقد وجب أن يكونا معلومين جميعا وأن ~~تكون الحال معلومة كما أن النفس معلومة وأن تكون النفس والحال في حكم ~~معلومين لأنه قد يصح العلم بالنفس مع عدم العلم بالحال وعدم العلم بأن ~~النفس على تلك الحال كما يصح العلم بزيد دون عمرو وهذا يبطل قولهم إن الحال ~~غير معلومة # فإن كانت هذه الحال معلومة وجب أن تكون إما موجودة أو معدومة فإن كانت ~~معدومة استحال أن توجب حكما وأن تتعلق بزيد دون عمرو وبالقديم دون المحدث ~~وإن كانت موجودة وجب أن تكون شيئا وصفة متعلقة بالعالم وهذا قولنا الذي ~~نذهب إليه وأنما يحصل الخلاف في العبارة وفي تسمية هذا الشيء علما أو حالا ~~وليس هذا بخلاف في المعنى فوجب صحة ما نذهب إليه في إثبات الصفات # وعلى أن هذه الحال على أصل القائل بها تقتضي إثبات أحوال لا PageV01P231 ~~غاية لها لأنها تخلو أن تكون حالا لمن هي حال له ومختصة به لأنها حال فقط ~~أو لأنها على حال اقتضت كونها حالا لمن هي حال له فإن كانت حالا له لأنها ~~حال فقط وجب أن يكون كل حال حالا له وإن كانت حالا له بحصولها على حال أخرى ~~فتلك الحال يجب أن تكون حالا للحال بحال ثالثة أبدا إلى غير غاية وذلك محال ~~باتفاق فسقط ما قالوه وإن كانت الحال حالا له لنفسه وثبوته لم تكن نفسه بأن ~~توجب ms132 كون الحال حالا لها أولى من سائر الأنفس ولوجب أيضا ألا توجد نفسه إلا ~~وهي موجبة لتلك الحال وفي اتفاقنا على أن نفس من له الحال قد توجد غير ~~موجبة لذلك دليل على أنها لا تجب إذا وجبت له نفسه # فإن قالوا الحال حال من هي حال له لا لنفسه ولا لعلة ولا لحال هو عليها ~~ولا لأمر يجب العلم به وكذلك كل حكم موصوف فارق غيره لصفة هو عليها قيل لهم ~~فما أنكرتم أيضا أن يكون العالم مفارقا لمن ليس بعالم لنفسه لا لنفسه ولا ~~لعلة ولا لحال هو عليها ولا لأمر يجب العلم به وكذلك حكم المتلون والمتحرك ~~وكل PageV01P232 موصوف بصفة فارق بها غيره بصفة وهذا يؤول إلى إبطال سائر ~~الأعراض وفي فساد ذلك دليل على بطلان ما يذهبون إليه في تصحيح الأحوال ~~وإثبات الصفات التي خبرنا عن ثبوتها # ويدل على إثبات علم الله وقدرته من نص كتابه قوله @QB@ أنزله بعلمه @QE@ ~~وقوله @QB@ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه @QE@ وقوله @QB@ أولم يروا ~~أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة @QE@ والقوة هي القدرة فأثبت لنفسه ~~العلم والقدرة # | شبهة لهم في نفي العلم # يقال لهم ما أنكرتم أن يكون لله سبحانه علم به علم فإن قالوا لأنه لو كان ~~له علم لوجب أن يكون عرضا حادثا وغيرا له وحالا فيه وغير متعلق بمعلومين ~~على سبيل التفصيل وأن يكون واقعا عن ضرورة أو استدلال وأن يكون مما له ضد ~~ينفيه لأن كل علم عقلناه ثبت لعالم به في الشاهد المعقول فهذه سبيله وإثبات ~~علم على خلاف ما ذكرناه قول لا يعقل وخروج عن حكم الشاهد والمعقول وذلك ~~باطل باتفاق قيل لهم ولم زعمتم أن القضاء بخلاف الشاهد والوجود محال وأن ~~الشاهد والوجود دليل على ما وصفتم فلا يجدون في ذلك متعلقا # ويقال PageV01P233 لهم ما أنكرتم على اعتلالكم من استحالة وجود إنسان لا ~~من نطفة وطائر لا من بيضة وبيضة لا من طائر وفاعل فعل الأجسام لأن ذلك أجمع ~~مما ms133 لم يوجد ويعقل في الشاهد وهذا لحوق بأهل الدهر # ويقال لهم فأحيلوا حيا عالما قادرا لنفسه لأنكم لم تجدوا ذلك في الشاهد # ثم يقال لهم فما أنكرتم على اعتلالكم ألا يصح كون صانع العالم جل ذكره ~~عالما لأن العالم في الشاهد والمعقول وكل منا أثبتناه عالما في شاهدنا لا ~~يكون إلا جسما محدثا متحيزا حاملا للأعراض مؤتلفا متغايرا ومتبعضا ومضطرا ~~ومستدلا ولا بد أن يكون ذا قلب ورطوبة وأن لا يكون الله سبحانه شيئا موجودا ~~لأن الشيء المعقول لا يخرج عن أن يكون جسما أو جوهرا أو عرضا فإن مروا على ~~ذلك تجاهلوا وتركوا التوحيد وإن أبوه تركوا تعلقهم بمجرد الشاهد والوجود # فإن قالوا ليس علة كون العالم عالما ما وصفتم ولا حده ولا معنى كونه ~~عالما أنه جسم أو ذو قلب أو مستدل أو مضطر قيل لهم وكذلك فليس علة كون ~~العلم علما ما وصفتم ولا حده ولا معنى كونه علما أنه محدث عرض غير العالم ~~وحال فيه واستحالة تعلقه بمعلومين وأنه ضرورة أو استدلال لأنه قد يشركه في ~~جميع هذه الأوصاف ما ليس بعلم لأن الحركة لا تتعلق بمعلومين وتقع اضطرارا ~~أو اكتسابا وهي عرض محدث غير العالم وليست من العلم بسبيل فحاز لذلك إثبات ~~علم على خلاف صفة ما ذكرتم كما جاز ذلك في الشيء والعالم PageV01P234 # ثم يقال لهم فإن كنتم على الشاهد تعتمدون وعليه تعولون فأوجبوا إذا كان ~~الباري سبحانه عالما أن يكون ذا علم وهذا أوجب لأنه غير منتقض من أحد طرفيه ~~لأن كل عالم منا فهو ذو علم وكل ذي علم فهو عالم وليس كل محدث عرضا غير ~~العالم وحالا في قلب ومما يستحيل تعلقه بمعلومين على وجه التفصيل فهو علم ~~فإن جاز إثبات عالم ليس بذي علم وإن كان ذلك خلاف المعقول جاز أيضا إثبات ~~علم ليس بعرض محدث حال غير العالم وإن كان ذلك خلاف المعروف في الشاهد ~~والوجود # وإن هم قالوا هذه الأوصاف هي شروط في كون العلم علما وليست بعلة ms134 لكونه ~~علما ولا حدا له # قيل لهم لم قلتم ذلك فلا يجدون إلى تصحيح ذلك سبيلا إلا بأنهم لم يجدوا ~~علما ينفك من ذلك فيقال لهم فما أنكرتم أيضا أن يكون جميع ما عارضناكم به ~~في العالم من شروط كونه عالما وإن لم يكن من حده ولا معنى وصفه أنه عالم ~~ولا من علة كونه عالما بدلالة أنا لم نجد ولم نعقل بيننا إلا كذلك # وإن قالوا فمن أين نعلم أن الصفة شرط في استحقاق صفة أخرى وهل طريق هذا ~~إلا أنا لم نجد أحد الوصفين مستحقا إلا مع وجود PageV01P235 الآخر وثبوته ~~قيل له ليس الأمر على ما ظننته # لأنه لو كان الدليل على أن الصفة شرط في استحقاق صفة أخرى ما ذكرتم لوجب ~~أن نقضي على أن من شرط العالم الموجود القائم بنفسه أن يكون جوهرا قابلا ~~للأعراض ذا حيز في الوجود # ثم إنا لم نجد عالما في الشاهد إلا جوهرا متحيزا في الوجود قابلا للأعراض ~~وهذا يبطل التوحيد # وإنما المعتمد في هذا الباب هو أن يقال إنه إنما يعلم أن وجود الصفة شرط ~~في استحقاق صفة أخرى إذا علمنا أن وجود إحدى الصفتين مع عدم الأخرى التي ~~جعلت شرطا فيها مؤد إلى ضرب من المحال والجهالات وقلب الحقائق والدلالات ~~وما قد دل العقل على فساده وأن الضرورة تقضي بإبطاله # وذلك كوصف المتحرك بأنه متحرك بكونه موجودا ووصف العالم بأنه عالم بكونه ~~حيا من حيث علم أنه لو جاز أن يكون المتحرك بالحركة معلوما والعالم غير شيء # | مسألة لهم أخرى # فإن قالوا لو كان الباري سبحانه ذا علم لم يزل به عالما لوجب أن يكون ~~قديما لنفسه كما أن العالم به قديم لنفسه ولو كانا قديمين لأنفسهما لوجب أن ~~يكونا مثلين مشتبهين وأن يكون العلم إلها حيا قادرا عالما قائما بنفسه وأن ~~يكون العالم صفة غير حي ولا عالم ولا قادر ولا قائم بنفسه من حيث أشبه ما ~~هذه صفته # فلما فسد ذلك فسد أن يكون له علم فيقال ms135 لهم أولا لم قلتم إن المشتركين في ~~صفة واحدة من صفات النفس يجب أن يكونا مثلين فإنا لكم في ذلك مخالفون ثم ~~يقال لهم ما أنكرتم إن كان ما قلتموه PageV01P236 في ذلك صحيحا أن يكون ~~السواد والبياض مشتبهين من حيث كانا خلافين غيرين لأنفسهما وكان وصفهما ~~بذلك متساويا فلا يجدون لذلك مدفعا # ثم يقال لهم ولم قلتم أيضا إن الباري سبحانه إذا كان قديما كان قديما ~~لنفسه وكذلك علمه وما أنكرتم أن يكونا قديمين بقدم هو قدم لهما وما أنكرتم ~~أن يكون الباري قديما بقدم والعلم قديما بنفسه # وما أنكرتم أيضا أن يكون العلم ليس بقديم ولا بمحدث على قول من قال ذلك ~~من أصحابنا فلا يجدون لذلك مدفعا # ثم يقال لهم إن كان ما قلتموه واجبا فما أنكرتم أن يكون الإنسان مثلا ~~لعلمه إذ كانا محدثين لأنفسهما فإن قالوا ليس المحدث عندنا محدثا لنفسه بل ~~هو محدث لا لنفسه ولا لعلة فلم يجب ما سألتم عنه قيل لهم فما أنكرتم أيضا ~~أن يكون كل قديم وصف بالقدم من صفة وموصوف فإنه قديم لا لنفسه ولا لعلة فلا ~~يجب بذلك تماثل القديمين فإن قالوا إنما وجب أن يكون القديم قديما لنفسه ~~لأن نفسه لا تعلم إلا قديمة قيل لهم فقولوا لأجل هذا بعينه إن السواد ~~والبياض شيئان غيران خلافان لونان عرضان لأنفسهما لأنهما لا يعلمان إلا ~~كذلك وقولوا أيضا إن كل واحد منهما واحد لنفسه لأن نفسه لا تعلم إلا واحدة ~~فإن مروا على ذلك قيل لهم فما أنكرتم من وجوب تماثلهما إذا كانا مشتركين في ~~هذه الأوصاف لأنفسهما ولا محيص لهم من ذلك وإن أبوه PageV01P237 وقالوا إن ~~هذه الأوصاف جارية على السواد والبياض لا لأنفسهما ولا لعلة وإن لم تعلم ~~أنفسهما إلا عليهما قيل لهم فما أنكرتم أيضا أن يكون القديم وعلمه قديمين ~~لا لأنفسها ولا لعلة وإن لم تعلم أنفسهما إلا قديمتين ولا فصل لهم في ذلك ~~وفيه سقوط ما عولوا عليه # | شبهة لهم أخرى # وإن هم قالوا ms136 الدليل على أن الله سبحانه لا يجوز أن يكون عالما بعلم أنه ~~لو كان علم لوجب أن يتعلق بالمعلومات على وجه تعلق علومنا بها ولو كان كذلك ~~لوجب أن يكون علمه من جنس علومنا لأن العلمين إنما يجب تماثلهما لتعلقهما ~~بمعلوم واحد على وجه واحد فلما لم يجز أن يكون علمه من جنس علومنا ثبت أنه ~~لا علم له يقال لهم لم قلتم إن طريق العلم بتماثل العلمين المحدثين هو أن ~~يكون متعلقهما واحدا على وجه واحد أباضطرار علمتم هذا أم بنظر واستدلال # فإن قالوا باضطرار أمسك عنهم أو قلب الكلام عليهم في منع تماثل ما هذه ~~سبيله وادعي فيه علم الاضطرار وإن قالوا بنظر قيل لهم وما هو فإن قالوا هو ~~علمنا بتماثل كل علمين من علومنا إذا كان متعلقهما واحدا على وجه واحد قيل ~~لهم وما في هذا من الدليل وما أنكرتم أنهما لم يتماثلا لهذه العلة ولكن ~~لأنفسهما فقط ومن حيث علم أنه لا صفة جازت على أحدهما إلا وهي جائزة على ~~الآخر ولا صفة وجبت PageV01P238 لأحدهما إلا وهي واجبة للآخر وليس كذلك ~~سبيل علم القديم وعلم المحدث # ثم يقال لهم لو كان جهة العلم بتماثل ما له تعلق بغير أن يكون متعلقهما ~~واحدا على وجه واحد لوجب أن تكون الإرادة والقدرة المتعلقتان بالشيء الواحد ~~المقدور والمراد على وجه الحدوث متماثلين لتعلقهما بمتعلق واحد على وجه ~~واحد فلما بطل هذا من قولنا وقولكم بطل اعتباركم الذي إليه استندتم # ثم يقال لهم فيجب على اعتلالكم هذا إذا كان القديم سبحانه عالما لنفسه ~~وبنفسه أن تكون نفسه كنفس علومنا لأنها متعلقة بالمعلومات كتعلق علومنا بها ~~فلما لم يجز ذلك لم يجز أن يكون عالما بنفسه # فإن قالوا نحن لا نقول إنه عالم بالمعلومات بنفسه على أنه بنفسه يعلمها ~~وأن المعلومات متعلقة بها وإنما نريد بذلك أنه عالم بها لا لمعنى يقارن ~~نفسه فعبرنا عن هذا المعنى بأنه عالم بنفسه قيل لهم وكذلك نحن لسنا نريد ~~بقولنا إن القديم تعالى ms137 يعلم المعلومات بنفس علمه أن علمه آلة له ومتعلق ~~بالمعلومات تعلق الحبل بالحبل والجسم بالجسم وإنما نعني بقولنا إنه يعلم ~~المعلومات بنفس علمه أنه يعلمها لا لمعنى يقارن العلم فعبرنا عن ذلك بأنه ~~يعلم بنفس العلم وكذلك كل شيء PageV01P239 قلنا فيه إنه موصوف بما وصف به ~~لنفسه إنما نعني به أنه موصوف به لا لعلة فلم يجب ما قلتم # ثم يقال لهم إن كان معنى أن الباري عالم بنفسه أنه عالم لا لمعنى يقارن ~~نفسه فيجب أن يكون المحدث محدثا لنفسه والشيء شيئا لنفسه لأنه محدث لا لعلة ~~وشيء لا لعلة وكذلك يجب أن تجعلوا كل وصف يستحق لا لعلة مستحقا لنفس ~~الموصوف به وهذا ترك قولهم بأوصاف تستحق لا للنفس ولا لعلة فإن قالوا لا ~~يجب إذا علم الباري سبحانه المعلومات بنفسه أن تكون نفسه كنفس علومنا لأن ~~تعلق نفسه بالمعلومات تعلق العالمين وتعلق العلم بها تعلق العلوم قيل هذه ~~حيرة وقلة دين وإيثار للتخليط وذلك أن كون العالم عالما بالمعلومات بعلمه ~~هو عندنا وعندكم بمعنى كونه عالما بالمعلومات بنفسه لو ثبت أنه عالم بنفسه ~~وكونه عالما بعلمه لا يختلف ولا يتزايد فيجب أن يكون ما أوجب كونه عالما ~~علم أو حال متساويا متماثلا لأن المعتبر في ذلك بكون العالم عالما على حد ~~متساو وجب تماثل ما أوجب هذه الصفة المتساوية فقولكم بعد هذا إن نفس الباري ~~سبحانه تتعلق بالمعلوم تعلق العالمين ونفس العلم تتعلق تعلق العلوم تخليط ~~وإبهام أن كون العالم عالما PageV01P240 بالمعلوم تارة بنفسه وتارة لمعنى ~~يختلف فإذا لم يجز ذلك لم يكن لما قلتموه محصول ولا معنى معقول ولا جواب ~~لهم عن ذلك # | شبهة أخرى # فإن قالوا الدليل على أنه لا علم لله سبحانه أنه لو كان له علم لم يخل من ~~أن يكون مثلا للقديم تعالى أو مخالفا له فإن كان مماثلا له وجب أن يكون ربا ~~إلها عالما قادرا كهو وهذا كفر من قائله وإن كان مخالفا له وجب أن يكون ~~غيرا له وأن ms138 يكون معه في القدم غير له وذلك باطل باتفاق فوجب أنه لا علم له ~~يقال لهم لم قلتم إنه لا بد أن يكون علمه إذا ثبت موافقا له أو مخالفا وما ~~أنكرتم أن يكون محالا أن يقال فيما ليس بغيرين إنهما متفقان أو مختلفان كما ~~يستحيل أن يقال إن الباري جل اسمه مثل للأشياء كلها أو مخالف لها كلها وكما ~~يستحيل أن يقال ذلك في الآية من السورة والبيت من القصيدة والجزء من الجملة ~~والواحد من العشرة من حيث استحال أن يكون أحد المذكورين هو الآخر أو غيره ~~فما الذي به تدفعون هذا PageV01P241 ثم يقال لهم إن أردتم بقولكم إن علم ~~القديم سبحانه مخالف له أنه غير له وأنه من جنس والباري سبحانه من جنس غير ~~جنسه كم يقال ذلك في السواد والبياض فذلك محال لقيام الدليل على أن علم ~~الله سبحانه ليس بغير له من حيث لم تجز مفارقته له بزمان أو مكان أو الوجود ~~أو العدم وقد ثبت أن معنى الغيرين وحقيقة وصفهما بذلك أنه ما جاز افتراقهما ~~على أحد هذه الثلاثة الأوجه وكذلك فقد دل الدليل على أن القديم سبحانه ~~وعلمه ليسا بجنسين ولا مختلفين ولا متفقين وإن عنيتم بخلاف القديم سبحانه ~~لعلمه بعد شبهه منه وأنه لا يسد مسده ولا ينوب منابه ولا يستحق من الوصف ما ~~يستحق ولا يجوزعليه من الأوصاف جميع ما يجوز عليه فهذا صحيح في المعنى وإن ~~كانت العبارة ممنوعا منها لا تجوز باتفاق أو سمع أو دليل أوجب ذلك إن قام ~~عليه وليس الكلام في الإطلاقات والعبارات وإنما الكلام في المعاني # لأننا لو لم نعرف لغة أصلا و لم نتكلم بها لصح علمنا بالقضايا العقلية ~~عند التأمل والنظر في الأدلة # والتعلق بذكر الخلاف وإلزام التسمية به عجز وتقصير عن الخوض فيما يجب أن ~~يكون معلوما بالأدلة PageV01P242 فإن قالوا فما معنى قولكم إن لله تعالى ~~علما أتعنون بذلك أنه ملكه أو فعله أو حال فيه أو أنه عالم بنفس العلم الذي ~~أضيف ms139 إليه قيل لهم معنى ذلك أنه علم بالنفس التي هي علم له فقط # وليس ذلك من معنى أنها ملكه أو فعله أو حالة فيه بسبيل # وهذا كما نقول نحن وأنتم إن الإرادة إرادة له وإن الحركة حركة للمتحرك لا ~~بمعنى أنها ملكه أو فعله أو حالة فيه لأنه قد يحصل فيه ما ليس بحركة ولا ~~إرادة له # وكذلك فقد يريد ويتحرك بما ليس بملك له ولا فعل له ويحل فيه ما ليس بحركة ~~له # وبالله التوفيق PageV01P243 & باب الكلام في معنى الصفة وهل هي الوصف أم ~~معنى سواه & # إن قال قائل ما الصفة عندكم وما الوصف وهل هما واحد أم لا # قيل له أما الصفة فهي الشيء الذي يوجد بالموصوف أو يكون له ويكسبه الوصف ~~الذي هو النعت الذي يصدر عن الصفة # فإن كانت مما يوجد تارة ويعدم أخرى غيرت حكم الموصوف وصيرته عند وجودها ~~على حكم لم يكن عليه عند عدمها # وذلك كالسواد والبياض والإرادة والكراهة والعلم والجهل والقدرة والعجز ~~وما جرى مجرى ذلك مما يتغير به الموصوف إذا وجد به ويكسبه حكما لم يكن عليه # وإن كانت الصفة لازمة كان حكمها أن تكسب من وجدت به حكما يخالف حكم من ~~ليست له تلك الصفة # وذلك نحو حياة الباري سبحانه وعلمه وقدرته وكلامه وإرادته وما عدا ذلك من ~~صفاته الثابته الموجبة له مفارقة من ليس على هذه الصفات وإن لم يتغير ~~القديم سبحانه بوجودها به عن حالة كان عليها # إذ كانت لم تزل موجودة ولم يكن قط سبحانه موجودا وليس بذي حياة ولا علم ~~ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ثم وجدت هذه الصفات بعد أن لم تكن له # ولا يجوز أيضا أن يوجد وقتا ما وليس له هذه الصفات إذ كان العدم عليها ~~مستحيلا # وإنما يتغير بوجود PageV01P244 الصفات من لم تكن له من قبل ومن جاز أن ~~يفارقه الصفات والله سبحانه يتعالى عن ذلك # وقد دللنا فيما سلف على إثبات هذه الصفات لله سبحانه وبينا أنه لا يجوز ~~حدوثها ms140 له # لأن ذلك يوجب أن تكون من جنس صفات المخلوقين وأن تكون ذات أضداد كصفات ~~المخلوقين وأن يكون الباري سبحانه قبل حدوثها موصوفا بما يضادها وينافيها ~~من الأوصاف # ولو كان ذلك كذلك لوجب قدم أضدادها ولاستحال أن يكون القديم سبحانه ~~موصوفا بها في هذه الحال وأن يوجد منه من ضروب الأفعال ما يدل على كونه ~~عالما قادرا حيا وفي بطلان ذلك دليل على قدم هذه لصفات وأن الله سبحانه لا ~~يجوز أن يتغير بها ويصير له حكم لم يكن قبل وجودها إذ لا أول لوجودها # وأما الوصف فهو قول الواصف لله تعالى ولغيره بأنه عالم حي قادر منعم ~~متفضل # وهذا الوصف الذي هو كلام مسموع أو عبارة عنه غير الصفة القائمة بالله ~~تعالى التي لوجودها به يكون عالما وقادرا ومريدا # وكذلك قولنا زيد حي عالم قادر هو وصف لزيد وخبر عن كونه على ما اقتضاه ~~وجود الصفات به وهو قول يمكن أن يدخله الصدق والكذب # وعلم زيد وقدرته هما صفتان له موجودتان بذاته يصدر الوصف والاسم عنهما ~~ولا يمكن دخول الصدق والكذب فيهما # فإن كان الله الواصف لنفسه بأنه حي عالم قادر قديم أزلي كان PageV01P245 ~~وصفه لنفسه معنى لا يقال هو علمه وحياته وقدرته ولا يقال هو غير هذه الصفات ~~لقيام الدليل بما سنذكره في باب نفي خلق القرآن على قدم كلامه سبحانه وأنه ~~جار مجرى سائر صفات ذاته # وقد ثبت أن الصفات القديمة لا يجوز أن تكون متغايرة من حيث لم تجز مفارقة ~~شيء منها للآخر بزمان ولا مكان ولا بأن يوجد منها شيء مع عدم الآخر # وكان هذا معنى الغيرين وحقيقة وصفهما بذلك # فثبت بهذه الجملة أن وصف القديم سبحانه لنفسه بصفات ذاته ليس بغير لصفات ~~الذات # وإن كان وصف الله سبحانه لنفسه وصفا بصفات أفعاله نحو قوله تعالى إني ~~خالق ورازق وعادل ومحسن ومتفضل وما جرى مجرى ذلك كان وصفه لنفسه بهذه ~~الصفات غير صفاته التي هي الخلق والرزق والعدل والإحسان والإنعام # لأن هذه الصفات هي أفعال ms141 الله تعالى وهي محدثات ومن صفات أفعاله # والكلام الذي هو قوله إني خالق عادل متفضل محسن من صفات ذاته # وصفات الذات غير صفات الأفعال لأنها قد كانت موجودة مع عدمها # فوجب أن يسدل ذلك على تغايرها لأنفسها # وكذلك كل غيرين إنما يتغايران لأنفسهما # وافتراقهما بالزمان والمكان والوجود والعدم إنما يدل على تغايرهما ويكون ~~تفسيرا لوصفهما بأنهما غيران وليس من هذه المفارقات ما هو علة في كون ~~الغيرين غيرين # وإن كان الواصف لنفسه محدثا فإن وصفه لنفسه أيضا هو قوله PageV01P246 إني ~~حي قادر منعم متفضل عالم # وذلك القول الذي هو الوصف هو غير صفاته التي هي من أفعاله ومن غير فعله # لأن جميع صفات الإنسان محدثة # وكلامه الذي هو وصفه لنفسه بما وصفها به محدث # وكل محدثين ليسا بجملة ولا داخلين تحت جملة فهما غيران # وقولنا وصف وكلام ليس بوصف واقع على كلام الإنسان وشيء من صفاته سوى ~~الكلام # فيستحيل أن يكون الوصف غيرا لتلك الصفة فوجب أن يكون وصف الإنسان غير ~~سائر صفاته التي ليست بوصف # ووجب تفصيل ذلك في وصف القديم سبحانه وصفاته على ما قلناه وبيناه من قبل # ومما يجب علمه في هذا الباب هو أن يعلم أن الوصف وإن كان غير الصفة التي ~~هي الحركة والعلم والقدرة فإنه أيضا صفة من حيث كان كلاما للمتكلم به ~~ونافيا لسكوته ومحصلا له عند وجوده بخلاف صفة من لا كلام له # فهو في هذا الباب جار مجرى الحركة والسواد والبياض من حيث غير حكم ~~الموصوف به وأوجب له حكما لا يجب إلا بوجوده # فهو لذلك صفة للمتكلم به وهو أيضا وصف لغيره ودلالة على وجود شيء به إذا ~~كان قولا صدقا ليس بكذب # فيحب لذلك أن يكون كل وصف صفة من حيث كان قولا وكلاما ومكسبا للمتكلم ~~المخبر به حكما وإن كان مع ذلك وصفا لكونه إخبارا عما يوجد بما هو وصف له # ولا يجب أن يكون كل صفة وصفا لأن العلم والقدرة ليسا بوصفين لشيء ولا ~~خبرين عن معنى ms142 من المعاني وإن كانا صفتين للعالم والقادر # فكل وصف صفة وليس كل صفة وصفا # وهذا جملة القول في الإخبار عن حقيقة الوصف والصفة PageV01P247 # وقد زعمت المعتزلة القدرية وكل من اغتر بشبههم من أهل الأهواء المضلة أن ~~الصفة ليست بمعنى أكثر من الوصف الذي هو قول القائل وإخبار المخبر عمن أخبر ~~عنه بأنه عالم قادر # وتفخموا القول بأن الله تعالى كان في أزله بلا صفة ولا اسم من أسمائه ~~وصفاته العليا # قالوا لأنه لا يجوز أن يكون في القدم واصفا لنفسه لاعتقادهم خلق كلامه ~~ولا يجوز أن يكون معه في القدم واصف له مخبر عما هو عليه # فوجب أنه لا صفة لله سبحانه قبل أن يخلق خلقه وأن الخلق هم الذين يجعلون ~~لله الأسماء والصفات لأنهم هم الخالقون لأقوالهم التي هي صفات الله سبحانه ~~وأسماؤه # ولأنهم أيضا يزعمون أن الاسم هو التسمية وهو قول المسمى لله تعالى وأن ~~الله سبحانه كان قبل خلق كل من كلمه وأمره ونهاه بلا اسم ولا صفة # فلما أوجد العباد خلقوا له الأسماء والصفات تعالى عن ذلك # وهذا القول خروج عما عليه كافة الأمة قبل خلق المعتزلة ووجودهم # ومع أنهم أيضا عند تضييق الكلام عليهم وتحصيله يرهبون أتباعهم ومخالفيهم ~~من الإخبار عن حقيقة قولهم هذا ولا يطلقون أن الله تعالى كان قبل خلق عباده ~~بلا اسم ولا صفة وأن العباد هم الذين خلقوا لله تعالى الأسماء والصفات # ويخافون تخطف الناس لهم وبسط أيديهم عليهم علما منهم بأنه مخالفة للإجماع ~~PageV01P248 ومما ينفر عنه الخواص والعوام # | مسألة # فإن قال منهم قائل فما الدليل على صحة ما تذهبون إليه من أن الصفة معنى ~~لا يقال هو الوصف الذي هو القول # قيل له يدل على ذلك أمور من جهة وضع اللغة ودلالات العقول أيضا # فأما ما يدل على ذلك من جهة اللغة فهو أن أهل اللغة قد قالوا إن الصفة ~~التي هي النعت على ضروب # فمنها خلقة لازمة كقولك أسود وأبيض وطويل وقصير وعاقل وظريف وما جرى مجرى ~~ذلك # ومنها ms143 حرفة وصناعة كقولك كاتب وبان وحداد وبزاز وما جرى مجرى ذلك # ومنها صفة بالدين كقولك مؤمن وكافر ونحو ذلك # ومنها صفة هي نسب كقولك عربي وعجمي وقرشي وهاشمي وما جرى مجرى ذلك # ولا خلاف بينهم في أن النعوت هي الصفات التابعة للأسماء # وإذا كان ذلك كذلك وكانوا قد وقفونا على أن الصفة تكون دينا وتكون نسبا ~~وتكون خلقة لازمة وتكون حرفة وصناعة وجب أن تكون الصفات عندهم هي هذه ~~المعاني والأفعال التي اشتقت هذه الأسماء منها # لأن قولنا في زيد إنه أسود وأبيض ليس بخلقة له لا لازمة ولا غير لازمة # وكذلك قولنا بزاز ونجار ليس بحرفة ولا صناعة # وكذلك قولنا قرشي وهاشمي ليس بنسب للموصوف # وأهل اللغة قد وقفونا على أن النعوت والصفات هي الخلق والحرف والأديان ~~والأنساب # فوجب أن يكون PageV01P249 القول ليس بصفة لمن هو وصف له وإنما سمي صفة ~~مجازا وعلى معنى أنه وصف له وإخبار عن الصفة التي اشتق الاسم منها ويسمى ~~بذلك أيضا حقيقة على معنى أنه صفة للمتكلم المنبر به # فأما أن يكون صفة للظريف والأسود والطويل والقصير يكون بها الظريف ظريفا ~~والطويل طويلا فمحال على ما بينا من قبل # ومما يدل على ذلك أيضا ويبينه إجماع أهل اللغة كافة على أن القائل إذا ~~قال لفلان علم بالكتابة والصناعة وله علم بالفقه والهندسة وله عقل حسن وخلق ~~قبيح فقد وصفه بالعلم والمعرفة وحسن الخلق وقبحه # لأن قائلا لو قال لسامع هذا الكلام من أهل اللغة بماذا وصف زيد عمرا وبأي ~~شيء نعته لقالوا بأجمعهم وصفه بالعلم والمعرفة والطول والقصر وحسن الخلق ~~وقبحه # فلو لم تكن هذه المعاني الموجودة بالإنسان صفات له لم يجز أن يكون موصوفا ~~بها لأنه لا يكون موصوفا بما ليس بصفة # وفي قولهم وصفه بالعلم دليل على أن القول ليس بصفة في الحقيقة لمن أخبر ~~عن صفته لأنه ليس هو علما يكون العالم به عالما # ومما يدل على ذلك أيضا إجماع الأمة قاطبة على أن العدل والإحسان من صفات ~~الله تعالى ms144 وأن من قال إن العدل والإحسان ليسا من صفات الله فقد فارق ما ~~عليه المسلمون # وهذا الإجماع أيضا يبطل قولهم إن الصفة ليست بمعنى أكثر من الوصف لأن ~~العدل والإحسان الذي يفعله الله تعالى ليس بقول ولا وصف لواصف PageV01P250 ~~ومما يدل على ذلك أيضا إجماع الأمة على أن لله تعالى أسماء وصفات قبل أن ~~يخلق خلقه # ولو كانت أسماء الله وصفاته هي أقوال عباده وتسميتهم وأوصافهم له لكان ~~الله تعالى قبل خلقه لعباده وخلق كلامهم غير مسمى ولا موصوف ولا ذي اسم # وفي منع الأمة لذلك دليل على أن الوصف والتسمية غير الاسم والصفة التي ~~يكون الموصوف المسمى بها مسمى موصوفا # ومما يدل على ذلك أيضا إطلاق أهل اللغة أن المصادر هي أسماء الأفعال ~~والصفات وأنها عن الأفعال صدرت # والأفعال التي أرادوها هي الأحداث الماضية والمستقبلة والكائنة في الحال ~~التي يعبر عنها بالقول ضرب يضرب # والمصادر إنما صدرت عن هذه الأفعال لا عن قول القائل وإخبار المخبر # ويوضح هذا أن قائلا لو قال فيمن لا حركة له ولا علم ولا قدرة ولا ضرب إنه ~~متحرك عالم قادر ضارب لكان في هذا الوصف كاذبا # وإنما صار كاذبا لأنه لم يشتق هذه التسمية من وجود الأفعال والصفات التي ~~تصدر هذه الأسماء عنها وتوجد منها # ولو تقدم وجودها لكانت الأوصاف حقا وصدقا # وهذا يكشف عن وجوب تقدم الأفعال والصفات التي تصدر التسميات والأوصاف ~~عنها لوجود التسمية والوصف # فكيف يكون الصفة والاسم هما القول الذي من سبيله أن لا يجري ويستحق إلا ~~بعد تقدم الاسم والصفة والفعل وإذا كان ذلك محالا دل ما قلناه على أن الاسم ~~والصفة غير تسمية المسمي ووصف الواصف # وهذا واضح من PageV01P251 جهة المعنى ومن طريق اللغة أيضا # ومما يدل على ذلك أيضا من جهة المعنى أنه لو كانت الصفة في الحقيقة ليست ~~بمعنى أكثر من وصف الواصف وقوله إن زيدا عالما قادر حي لوجب أن يكون لزيد ~~في الحقيقة في حالة واحدة صفتان متضادتان د # ولوجب أن يكون حيا ms145 ميتا وقادرا عاجزا وعالما جاهلا إذا قال بعض الواصفين ~~له إنه حي وقال آخر إنه ميت وقال قائل إنه قادر عالم وقال آخر إنه عاجز ~~جاهل # فيجب أن لا يكون العلم من صفته أولى من الجهل لأنه قد وجدت له الصفتان ~~فيجب أن يكون زيد عالما جاهلا وحيا ميتا لوجود صفتيه اللتين هما القول # فلما لم يجز ذلك وكان العالم في الحقيقة هو من وجد به العلم ولوجوده به ~~صار عالما بطل أن تكون الصفة هي القول وثبت أنها ما يوجد بذات الموصوف كما ~~أن الحركة واللون هما ما وجدا بذات المتحرك والمتلون دون القول إنه متحرك ~~متلون # | دليل لهم آخر # وقد استدلوا على أن الصفة هي نفس الوصف الذي هو القول بأن أهل العربية ~~قالوا إن الوصف والصفة بمعنى واحد وإنهما بمنزلة الوجه والجهة والوزن ~~والزنة والوعد والعدة فوجب أن تكون الصفة هي القول لأجل هذا الإطلاق ~~PageV01P252 # يقال لهم ما أنكرتم أن يكون معنى إطلاق أهل العربية أن الوصف والصفة واحد ~~أنهما مصدران لا غير ذلك لأن الوزن والوعد والوصف مصادر # تقول وعدت وعدا ووزنت وزنا ووصفت وصفا # فهو كقولك وعدت عدة ووزنت زنة ووصفت صفة # وكان الأصل وعدت وعدة ووزنت وزنة ووصفت وصفة كقولك قعدت قعدة وجلست جلسة ~~ومشيت مشية # فتكسر أوله إذا أردت به هيئة من الجلوس والقعود # وليس ذلك بمنزلة قولك جلست جلسة وقعدت قعدة وركبت ركبة بفتح أوله # لأنه إذا فتح أوله كان المراد به مرة واحدة من الفعل وإذا كسر أوله كان ~~المراد به هيئة ذلك الفعل # وإنما حذفت الواو من قولك وصفت صفة ووعدت عدة من المصدر لأنها حذفت من ~~الفعل # وذلك أنهم قالوا وعد يعد ووصف يصف ووزن يزن والأصل يوعد ويوزن ويوصف ~~فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة في قولك يوصف # ومن شأنهم إذا غيروا الفعل ضربا من التغيير أن يحملوا المصدر عليه # فلذلك قالوا صفة وعدة وزنة والأصل وعدة ووزنة ووصفة على ما بيناه # فهذا مراد أهل النحو بقولهم إن ms146 الوصف والصفة واحد # ويجوز أيضا أن نقول إن أهل العربية إنما أرادوا بقولهم إن الوصف هو الصفة ~~أن وصف زيد لعمرو بأنه عالم هو صفة زيد الواصف لعمرو PageV01P253 # فيكون صفة للواصف لقيامه به وإيجابه حكما له وهو كونه قائلا ومخبرا به # ويكون وصفا لعمرو لكونه خبرا عن وجود صفته به وأنه على ما هو عليه # وحمل هذا القول على هذا التأويل أولى فسقط تعلقهم بهذا # | دليل لهم آخر # فإن قالوا الدليل على أن المعاني الموجودة بالذوات من العلوم والقدر ~~والحركات ليست بصفات في الحقيقة وأن الصفة هي قول الواصف إجماع الأمة على ~~أن الله تعالى إذا قال إن الجسم عالم أسود متحرك فقد وصفه بهذا القول وإذا ~~خلق فيه العلم والقدرة والسواد والحركة لم يكن واصفا له عند أحد من الأمة # فيجب أن تكون الصفة هي ما يكون الواصف بها واصفا دون ما لا يكون به كذلك # يقال لهم لم قلتم إن الاشتقاق الواجب من خلق الصفة واصف وما دليلكم على ~~ذلك وما أنكرتم من أن لا يصح من فعل الصفة اشتقاق على وجه لا واصف ولا وصف ~~ولا موصوف ولا غير ذلك وأن يكون قولنا واصف مشتقا من الوصف دون الصفة لأنهم ~~يقولون وصف فهو واصف ولا يقولون فعل الصفة فهو واصف # وفعل لا يجيء منه أكثر من فاعل # وهذا يبطل ما قالوه # ثم يقال لهم ما أنكرتم من أن لا يجب ما قلتموه من وجه آخر وهو أنه قد صح ~~وثبت من قولنا وقولكم أنه ليس الواجب أن يشتق لله تعالى PageV01P254 من كل ~~ما خلقه في غيره اسما # لأن ذلك يوجب أن يشتق له من فعل الإرادة في غيره مريدا ومن فعل الأذى بدم ~~الحيض وفساد الزرع مؤذيا ومفسدا ومن فعل الهوس والجنون والطيش مهوسا ومجننا ~~ومطيشا وليس ذلك بقول لأحد # ولا يحب أن لا يشتق له من جميع أفعاله اسم # لأن ذلك يوجب أن لا يشتق له من العدل عادل ومن الإحسان والتفضل محسنا ~~متفضلا وذلك خلاف ms147 الإجماع # فوجب أن يشتق له من بعض ما خلق ولا يشتق له من بعض # فلا يجب إذا لم يشتق له من فعل العلم والسواد في غيره واصف أن لا يكون ~~العلم صفة كما لا يجب إذا لم يشتق له من فعل الإرادة والأذى وفساد الزرع ~~مريد ومؤذ ومفسد أن لا يكون ما خلقه في غيره إرادة وأذى وفسادا # ولا جواب عن ذلك وبالله التوفيق & باب الكلام في الاسم ومما اشتقاقه وهل ~~هو المسمى أو غيره & # اختلف الناس في الاسم ومما اشتقاقه # فقال أهل الحق إنه مشتق من السمو # وقالت المعتزلة وغيرها من أهل الأهواء إنه مشتق من السمة وهي العلامة # والدليل على صحة ما قلناه إنه مشتق من PageV01P255 سما يسمو وليس من وسم ~~يسم أن العرب صغرته فقالت سمي # ولو كان من السمة لقالوا وسيم كما قالوا في تصغير عدة وزنة وعيدة ووزينة # فدل ذلك على أن المحذوف منه لام الفعل دون الفاء # وأهل العربية يعنون بلام الفعل آخر حرف من حروفه ويريدون بفاء الفعل أول ~~حرف من حروفه # وقد أطبقوا على أن اسم قد حذف منه لأنه على حرفين السين والميم وأصله سمو ~~على ما قلناه # والألف التي قبل السين في قولك اسم ألف وصل لا يعتد بها وإنما أدخلت في ~~الكلام ليتوصل بها إلى النطق بالساكن # وإذا كان ذلك كذلك ثبت أن اسم على حرفين فقط السين والميم # وعلمنا بذلك أنه قد حذف منه حرف لأن أقل الأصول في الأسماء # ما كان على ثلاثة أحرف # فإذا وجدنا اسما على أقل من ذلك علما أنه قد حذف منه حرف مثل يد ودم وأب ~~وابن وما جرى مجرى ذلك مما هو على حرفين # وإذا ثبت ذلك فلا يخلو أن يكون المحذوف منه الفاء أو اللام # ولا يجوز أن يكون المحذوف منه الفاء لأن العرب قالت في تصغيره سمي كما ~~صغرت ابنا فقالت فيه بني فردت منه اللام # ولو كان المحذوف منه الفاء لقالوا وسيم كما قالوا في تصغير عدة وزنة ms148 وجهة ~~وعيدة ووزينه ووجيهة لأنه من الوعد والوزن والوجه # وإنما حذفت الواو من المصدر لأنها حذفت من الفعل # لأنهم قالوا يعد مكان يوعد # ومن شأنهم إذا غيروا الفعل ضربا من التغيير أن يحملوا المصدر عليه ~~فيفعلوا فيه كما يفعلون في الفعل # وإنما حذفت الواو من الفعل المضارع إذا كان في أوله الياء لوقوعها بين ~~ياء وكسرة # وذلك مثل قولك وعد يعد ووزن PageV01P256 يزن والأصل يوعد ويوزن # وحمل باقي حروف المضارعة وهي التاء والنون والألف على الياء لئلا يختلف ~~الفعل فقالوا نعد وتعد وأعد والأصل نوعد وتوعد وأوعد # فإذا صغرت عدة قلت فيه وعيدة ولم يعتد بهاء التأنيث # فإذا لم يعتد بها بقي الاسم على حرفين وهما العين والدال # وقد علمنا أنه لا يجوز تصغير الاسم الذي يكون على حرفين وإنما يصح ذلك ~~فيه إذا كان على ثلاثة أحرف فصاعدا # فاحتجنا أن نرد المحذوف وهو الواو فقلنا في تصغيره وعيدة # وكذلك القصة في تصغير زنة وجهة # فإذا صغرت اسما قلت فيه سمي وذلك لأنك رددت المحذوف وهو الواو ثم أدخلت ~~باء التصغير إليه ساكنة # فاجتمع ياء وواو والأول منهما ساكن فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء فيها ~~فصار سمي كقولك حجير وجبيل وبني # وهذا أصل مطرد في كلامهم إذا اجتمعت واو وياء والأول منها ساكن أدغم ~~أحدهما في صاحبه فصار ياء مشددة # مثال ذلك قولهم سيد وميت # وأصله سيود وميوت لأنه فيعل من ساد يسود ومات يموت # فلما اجتمعت الياء والواو والأول منهما ساكن أدغم أحدهما في صاحبه فصار ~~ياء مشددة # فلذلك قالوا في تصغير اسم سمي وفي تصغير ابن بني # وهذا واضح في إبطال قول من زعم أنه من وسم يسم وأن المحذوف منه فاء الفعل ~~ودل على أنه من سما يسمو PageV01P257 # | فصل # واختلف الناس في الاسم هل هو المسمى نفسه أو صفة توجد به أو قول غير ~~المسمى # والذي يذهب إليه أهل الحق أن الاسم هو المسمى نفسه أو صفة متعلقة به وأنه ~~غير التسمية # وزعمت المعتزلة مع سائر من ms149 وافقها من أهل الأهواء والبدع أن الاسم غير ~~المسمى وأنه قول المسمى وتسميته لما سماه # والذي يدل على صحة ما قلناه أن أهل اللغة الذين هم العمدة قد صرحوا بذلك ~~وقالوا إن الاسم هو المسمى نفسه # وبذلك كان يقول أبو عبيدة وغيره من أهل اللغة # وأنشد أبو عبيدة في ذلك قول لبيد # ( إلى الحول ثم اسم السلام عليكما % ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر ) ~~قالوا وإنما أراد باسم السلام السلام نفسه # فكيف يكون الاسم هو التسمية التي هي قول المسمي وهم قد جعلوا نفس المسمى ~~وإن كان شخصا أو عرضا هو الاسم وليس لقول من قال إن لبيدا إنما أراد بقوله ~~ثم اسم السلام عليكما ثم اسم الله عليكما وإن السلام اسم من PageV01P258 ~~أسماء الله تعالى معني # لأن السلام وإن كان اسما من أسماء الله فليس هو الذي يراد بالقول سلام ~~عليكم وعلى زيد السلام # وإنما يراد به التحية في مثل هذا الكلام واسمها هو هي # ويدل على ذلك أيضا ويوضحه قول سيبويه في كتابه والأفعال أمثلة أخذت من ~~لفظ أحداث الأسماء # يريد بذلك قولهم ضرب ويضرب وضارب المأخوذ من الأحداث الماضية وأحداث ~~الحال والأحداث المستقبلة والأحداث هي الأفعال # فقد نص أن الأحداث للأسماء في قوله أخذت من لفظ أحداث الأسماء # فكيف يجوز أن تكون الأسماء هي الأقاويل والأحداث لا يجوز أن تكون ~~للأقاويل وإنما هي أحداث لمن يصح أن يفعلها وتتعلق به إما على سبيل وجودها ~~بذاته أو فعله لها والقول يستحيل فيه الأمران جميعا # فإن قالوا إنما أراد بقوله أحداث الأسماء أحداث أصحاب الأسماء وأحداث من ~~له الأسماء # قيل لهم إنما يجب صرف الكلام عن ظاهره إذا كانت دلائل العقل والسمع تمنع ~~من استعماله على ما ورد به # ولا شيء يمنع من أن يكون سيبويه قد اعتقد أن الاسم هو نفس الشخص الذي يقع ~~منه الأحداث على ما قاله غيره من أهل اللغة # وقد يمكن أن يقال إن سيبويه إنما عنى بقوله PageV01P259 أخذت من لفظ ~~أحداث الأسماء أنها ms150 أخذت من لفظ أحداث المصادر التي هي الضرب والقتل على ما ~~ذهب إليه البصريون من أهل العربية من أن الفعل مشتق من المصدر # غير أن هذا وإن كان ممكنا فالظاهر من قوله أحداث الأسماء أنها أحداث ~~الأشخاص لأنه لا يحسن أن يقال في الأحداث إنها أحداث المصادر # ومما يدل على أن الاسم قد يكون هو المسمى قول الله تعالى @QB@ ما تعبدون ~~من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان @QE@ # فأخبر أنهم يعبدون أسماء # وهم إنما عبدوا الأشخاص دون الكلام والقول الذي هو التسمية # فدل ذلك على أن الاسم الذي ذكره هو نفس المسمى # فإن قالوا إنما عني ما تعبدون إلا أصحاب الأسماء ومن له أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم # كان الجواب عنه كالجواب عن تأويلهم لإطلاق سيبويه لذلك # ولا حجة لهم فيه تمنع من استعمال الكلام على ظاهره بل الحجج توجب ذلك ~~وتقتضيه فسقط تأويلهم # ويدل على ذلك أيضا قول الله سبحانه @QB@ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~عليه @QE@ أي مما لم يذكر الله عليه # كذلك قوله @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ أي سبح ربك الأعلى # ولا حاجة بنا إلى حمل ذلك على أنه أريد به سبح باسم ربك لأنه قد يجوز أن ~~يسبح PageV01P260 باسم ربه ويجوز أن يسبح ربه الذي هو الله نفسه # وكذلك قوله سبحانه @QB@ تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام @QE@ لأن من له ~~الجلال والإكرام والإنعام هو الله تعالى # وكل هذا يؤيد أن كثيرا من الأسماء هي المسماة وأن الاسم ليس من التسمية ~~في شيء # | مسألة # فإن قال قائل فعلى كم وجه تنقسم أسماء الله تعالى قيل له على ضربين # فضرب منها هو هو تعالى إذا كان اسما عائدا إلى نفسه ككونه موجودا وشيئا ~~وقديما وذاتا واحدا وغيرا لما غاير وخلافا لما خالف وأمثال ذلك من الأسماء ~~الراجعة إلى ذاته تعالى # لأن ذاته ليست بمعنى سواه أو معنى لا يقال هو هو # وقد دلت الدلالة على أنه شيء موجود قديم وذات وواحد وغير ms151 لما غايره وخلاف ~~لما خالفه لنفسه لا لمعنى # فوجب أن تكون هذه الأسماء هي الله تعالى # والضرب الآخر اسم هو لله تعالى وهو الصفة الحاصلة له # وهي على ضربين إما أن تكون صفة ذات أو صفة فعل # فإن كانت صفة ذات كقولنا عالم الراجع إلى العلم وقادر وحي وما جرى مجرى ~~ذلك فهي أسماء له ولا يقال هي غيره لاستحالة مفارقتها له على بعض وجوه ~~المفارقات الموجبة للغيرية # وما PageV01P261 كان من أسمائه راجعا إلى إثبات صفة من صفات فعله ككونه ~~عادلا ومحسنا ومتفضلا ومحييا ومميتا فهي غيره # لأنه قد كان موجودا متقدما عليها ومع عدمها # غير أن تسميته سبحانه لنفسه ترجع إلى إثبات صفة لنفسه # وصفات ذاته غير مختلفة لا يقال هي الله ولا يقال هي غيره # لأن تسميته هي قوله وكلامه من صفات نفسه كسائر صفاته الذاتية فوجب أن ~~يقال إنها كلام له فقط # وقد زعم قوم من أصحابنا أن جميع أسماء الله سبحانه وأسماء غيره هي ~~المسماة غير أن منها ما يفيد ذات المسمى فقط ومنها ما يفيد صفة له # غير أن الاسم المفيد للصفة هو نفس المسمى لا معنى سواه # | مسألة # فإن قال قائل فإذا كان الاسم هو المسمى نفسه فخبرونا أليس قد يجوز أن ~~يكون للشيء الواحد عدة أسماء يستحقها لنفسه فكيف يكون الاسم هو المسمى ~~والمسمى شيء واحد والأسماء التي له كثيرة # قيل له الأسماء كثيرة في العدد على معنى كثرة التسميات والعبارات عنها لا ~~على معنى أن الذات أشياء كثيرة # ألا ترى أن للسواد الواحد صفات كثيرة وهي كونه موجودا ومحدثا وسوادا وإن ~~كانت هذه الصفات التي تختلف العبارات عن معناها لذات واحدة فكذلك قولنا في ~~الله سبحانه إنه موجود وإنه شيء وإنه قديم وإنه غير لما غاير وخلاف لما ~~PageV01P262 خالف تسميات وعبارات عن أسماء الله تعالى التي هي ذاته فقط # غير أن ذاته على أحكام وتلك الأحكام هي الأسماء وهي النفس ولكنا نعبر ~~عنها بتسميات وعبارات مختلفة # فإن قالوا فإذا سمي زيد من ms152 نايحة كونه زيدا بعشرة أسماء فهي هو # قيل لهم أما اسم زيد فهو زيد وليس له من حيث هو زيد أكثر من اسم واحد ~~ولكن له تسميات كثيرة متغايرة # وتأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لله تسعة وتسعون اسما من أحصاها ~~دخل الجنة ) أي له تسع وتسعون تسمية هي عبارات عن كون الباري تبارك وتعالى ~~على أوصاف شتى منها ما يستحقه لنفسه ومنها ما يستحقه لصفة تتعالق به # وأسماؤه العائدة إلى نفسه هي هو وما تعلق منها بصفة له فهي أسماء له ~~فمنها صفات ذات ومنها صفات أفعال # وهذا هو تأويل قوله تعالى @QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها @QE@ أي ~~تسميات # وأما ما يتعلقون به من الجهل والتعويل على أنه لو كان الاسم هو المسمى ~~لكان من قال نار احترق فوه ومن قال زيد وجد زيد في فيه لأن اسم النار واسم ~~زيد في فيه فإنه من كلام العامة وتعلق الأغبياء # لأن PageV01P263 القول نار # والقول زيد الموجودين في الفم ليس باسم زيد واسم النار وإنما هو تسمية ~~ودلالة على الاسم فسقط ما قالوه # ولو وجد اسم النار واسم زيد في فم الناطق لوجدت النار وزيد في فيه لأن ~~اسم النار هو النار واسم زيد هو زيد # وكذلك الجواب عن الكتابة الدالة على النجاسة والنار إذا حصلت على الثوب ~~قالوا فيجب أن يحترق الثوب وينجس لأن الكتابة التي هي الحروف ليست باسم ولا ~~تسمية في الحقيقة وإنما هي أجسام من جنس المكتوب عليه # فسقط ما قالوه # | فصل آخر من الكلام في هذا الباب # إن قال قائل فهل تزعمون أن أسماء الله مشتركة بينه وبين خلقه قيل له هذه ~~مسألة محال لأن أسماءه هي نفسه أو صفة تتعلق بنفسه ونفسه تعالى وصفات نفسه ~~لا يجوز أن تكون مشتركة بينه وبين خلقه # إلا أن التسمية التي تجرى عليه التي بدل بها على اسمه يجوز أن يجرى بعضها ~~على خلقه وليدل بها على أن للخلق أسماء هي هم أو أوصاف تعلقت بهم نحو القول ms153 ~~بأن الله حي عالم قادر سميع بصير متكلم مريد وخالق ورازق وعادل # ومنها تسميات لا يجوز أن تجرى إلا على الله PageV01P264 سبحانه مثل قولنا ~~الله الرحمن والإله والخالق والمبدع وما جرى مجرى ذلك مما لا يجوز إجراؤه ~~على الخلق # | مسألة # فإن قال قائل فما أعم الأسماء وما أخصها # قيل له هذه أيضا مسألة باطلة # لأن الأسماء هي الذوات أو المعانيا المتعلقة بها # والذوات لا يجوز أن تكون عامة ولا خاصة وكذلك المعنى القائم بها # وإنما العام في الحقيقة هو القول والتسمية التي تعم أشياء كثيرة تجرى ~~عليها على سبيل واحد # وقولهم عطا عام ونعيم عام مجاز واتساع والمراد به أن في زيد من النعيم ~~والألم مثل الذي في غيره وليس الذي فيه في الحقيقة هو الذي في غيره فيعمهما # والقول المجرى على شيئين فصاعدا هو العام دون المعاني والذوات # | مسألة # فإن قال قائل فما أعم التسميات # قيل له قولنا معلوم ومذكور ومخبر عنه لأن هذه التسميات جارية على الموجود ~~والمعدوم والقديم والمحدث # وأعم التسميات بعد هذه قولنا شيء لأنه يقع على كل موجود # وقال قائلون من أصحابنا وغيرهم أعم الأسماء قولك شيء وموجود وذات ونفس ~~وعين ويريدون بالأسماء العامة التسمية المشتملة على سائر الذوات # وقولنا قديم PageV01P265 أخص من قولنا شيء لأنه ليس كل شيء قديما # وكذلك قولنا محدث أخص من قولنا شيء لأن الشيء قد يكون قديما غير محدث # غير أن قولنا قديم أخص من قولنا محدث بالإضافة إلى القول محدث لأن القول ~~محدث يشتمل على أكثر من عدد ما يشتمل عليه قولنا قديم # ثم إن القول عرض أخص من قولنا محدث لأن المحدث قد يكون عرضا وما ليس بعرض # والقول في العرض إنه لون أخص من القول إنه عرض لأن العرض قد يكون لونا ~~وما ليس بلون وهو الحركة والتأليف # ثم إن القول في اللون إنه سواد أخص من القول إنه لون لأن اللون قد يكون ~~سوادا وما ليس بسواد كالحمرة وغيرها # والقول سواد زيد وسواد السبج والقار والغراب ms154 أخص من القول سواد مطلق لأن ~~إطلاق السواد لا يفيد الإضافة إلى محل وقولنا سواد القار يفيد ذلك وإن كانت ~~صفة السواد لا تختلف من حيث هو سواد في حكم الإضافة والإطلاق فهذا أخص ~~الخاص وأعم العام وما بدأنا بذكره وما بينهما خاص من وجه وعام من وجه # | فصل آخر في الأسماء # ومن الأسماء ما يفيد نفس المسمى كما ذكرنا وهي الأسماء العائدة إلى نفس ~~المسمى كشيء وموجود # ومنها ما يفيد تمييز نفس المسمى من شيء آخر كغير وخلاف وهذا أيضا هو نفس ~~المسمى # ومنها ما يفيد صفة للمسمى # وقد تكون تلك PageV01P266 الصفة بنية وصورة له كفرس ورجل وإنسان وما جرى ~~مجرى ذلك من الأسامي المفيدة للبنية والتأليف وقد تكون هيئة له كالبياض ~~والسواد وغيرهما من الألوان وقد تكون صفات توجد بذاته ليس بهيئة ولا صورة ~~كالحياة والعلم والإرادة والنظر وغير ذلك وقد يكون من الصفات ما هي فعل له ~~ككاتب وضارب وقد يكون منها ما ليس بفعل له كحي وقادر ومتلون وما جرى مجرى ~~ذلك من الأسماء # وليس في الأسماء ما يخرج عما قلناه # فإن قال قائل فهل في الأسماء والصفات النفسية والمعنوية ما يوجب الاشتراك ~~فيما جانسها من المسميات # قيل له ليس في الأسماء شيء يوجب الاشتراك فيه تجانسا وتماثلا وإنما يجب ~~تجانس الشيئين لأنفسهما # فوجب إذا كشفت الدلالة من حالهما أن كل واحد منهما يسد مسد الآخر وينوب ~~منابه في جميع أحكامه وأوصافه أن يكونا مثلين # وليس يجب ذلك لهما لأجل اشتراكهما في شيء من الأسماء والصفات # فكذلك ما لم تجب مشابهة المحدث للقديم سبحانه إذا شاركه في كونه شيئا ~~موجودا وفي كونه حيا عالما قادرا سميعا بصيرا حكيما وغير ذلك من الأسماء # ولم يجب اختلاف المحدثين إذا افترقا في هذه الأسماء والصفات # وليس الذي أوجب تجانس السوادين والجوهرين اشتراكهما في هذين الاسمين ~~والوصفين PageV01P267 المستحقين للنفس ولكن لأجل قيام الدليل على أن كل ~~واحد منهما ساد مسد الآخر وناب منابه # وكذلك اشتراك الشيئين في الاسمين المشتقين من ms155 معنيين لا يوجب تشابه ما ~~اشتقا منه # فلذلك لم يجب اشتباه صفات القديم سبحانه وصفاتنا وإن كانت توجب الاشتقاق ~~على وجه واحد وبالله التوفيق # | في نفي خلق القرآن # قال أبو بكر والذي يدل على نفي خلق القرآن من القرآن قوله تعالى ^ إنما ~~قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ^ فلو كان القرآن مخلوقا لكان ~~مخلوقا بقول آخر # وذلك يوجب أن لا يوجد من الله تعالى فعل أصلا إذا كان لا بد أن يوجد قبله ~~أفعال هي أقاويل لا غاية لها # وذلك محال باتفاق منا ومنهم # دليل آخر وهو أنه لو كان القرآن مخلوقا لكان لا يخلو أن يكون جسما قائما ~~بنفسه أو عرضا مفعولا في غيره # ويستحيل أن يكون جسما كما أنه لا يجوز أن يكون بنفسه قائما وأن يكون ~~كلاما لا لمتكلم لأن الجسم ليس له تعلق بغيره كتعلق الصفات ولأن الأجسام ~~كلها من جنس واحد فلو كان بعضها كلاما لخالق أو مخلوق لوجب أن تكون جميعا ~~كلاما # وفي فساد ذلك دليل على أن الكلام لا يجوز أن يكون جسما PageV01P268 # ويستحيل أيضا أن يكون عرضا # لأنه لو كان عرضا مفعولا لم يخل أن يكون الباري سبحانه فاعلا له في نفسه ~~أو في غيره أو لا في مكان # ويستحيل من قولنا جميعا أن يفعله في نفسه تعالى لأنه ليس بمحل للحوادث # ويستحيل أن يفعله لا في شيء كما يستحيل فعل حركة ولون وحياة لا في شيء # ولأنه لو فعله لا في شيء لصح أن يحمل الصفات # لأن الشيء إنما جاز قيام الصفات به لاستغنائه في الوجود عن شيء يوجد به ~~ولذلك لم يجز أن تحمل الصفات الصفات # وإذا استحال كون الكلام حاملا للصفات استحال قيامه بنفسه # ويستحيل أيضا أن يخلقه في غيره # لأن ذلك يوجب أن يكون صفة وكلاما لمن خلق فيه كما أن العلم والإرادة ~~المخلوقين في الأجسام صفتان لمن وجدا به دون الخالق بهما # ولما لم يجز أن يكون كلام الباري صفة لغيره وكلاما لغيره لم ms156 يجز أن يكون ~~مخلوقا في غيره # وإذا استحال أن يخلقه تعالى في نفسه أو في غيره أو قائما بنفسه استحال أن ~~يكون خالقا له # إذ لو خلقه لم يخل من ذلك # دليل آخر وهو أنه لو كان كلام الله سبحانه مخلوقا وليس من جنس الأجسام ~~عندنا وعندهم لوجب أن يكون عرضا # ولو كان عرضا لوجب أن يكون فانيا في الثاني من حال حدوثه وأن لا يكون ~~الباري سبحانه في وقتنا هذا آمرا بشيء ولا ناهيا عنه ولا واعدا ولا ~~PageV01P269 متوعدا ولا مرعبا ولا مخبرا # وفي إجماع الأمة على أن الله تبارك وتعالى آمر لخلقه في هذا الوقت بطاعته ~~وناه لهم عن معصيته وأنه متكلم بالأمر والنهي لخلقه دليل على أنه لا يجوز ~~أن يكون متكلما بكلام عرض مخلوق لأن الدلالة قد دلت على استحالة بقاء ~~الأعراض # دليل آخر وهو أن كلام الله تعالى لو كان مخلوقا لكان من جنس كلام ~~المخلوقين وغير خارج عن حروف المعجم # ولوجب أن تكون الألف منه مثل الألف من كلامنا # وكذلك الدال والواو وغيرها من الحروف # ولوجب أن يكون الخلق قادرين على مثله وما هو من جنسه من حيث صحت قدرتهم ~~على ضروب الكلام الذي لا تخرج جملته من حروف المعجم # وقد أكذب الله تعالى من قال ذلك حيث يقول @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله @QE@ وأبطل قول من قال @QB@ ~~إن هذا إلا قول البشر @QE@ ^ وسحر يؤثر ^ ^ وإنه أساطير الأولين ^ # والمعتزلة تزيد على ذلك أجمع لأنهم يقولون إنهم يقدرون على ما هو أفصح ~~وأحسن وأوجز من كلام الله وإن القدرة على الخطابة والنثر والنظم وضروب كلام ~~البشر هي القدرة على مثل كلام الله تعالى # فيقال لهم فما يؤمننا أن يأتي بمثله وبما هو أفصح منه بعض البشر إذا قصد ~~ذلك وتوفرت دواعيه على التعمق في طلب العلم بنظمه PageV01P270 # فإن قالوا يؤمننا من ذلك جهل الخلق بكيفية نظم مثله # قيل لهم فلعلهم أو أكثرهم سيكتسبون العلم بذلك ثم ms157 يفعلونه # أو لعله سيتفق لهم فعله لأن فيهم القدرة عليه ولأنهم غير مضطرين إلى ~~الجهل بنظمه لا من فعل الله تعالى ولا من فعل غيره # لأن الجهل قبيح والله تعالى عندكم لا يفعل القبيح # وإذا كان الجهل به من فعلهم وفيهم القدرة على اكتساب العلم به صح منهم ~~ترك الجهل وفعل العلم # فلا يجدون لذلك مدفعا وفيه ترك الإسلام والطعن على الرسالة # دليل آخر قوله عز وجل @QB@ ألا له الخلق والأمر تبارك الله @QE@ # ففصل بين الخلق والأمر # فلو كان القرآن مخلوقا لكان خلقا لأن الخلق هو المخلوق فيصير الكلام في ~~تقدير القول ألا له الخلق والخلق # وذلك عي من الكلام مستهجن مستغث والله يتعالى عن التكلم والإخبار بما لا ~~فائدة فيه # فدل ذلك على أن الأمر ليس بخلق # | فصل # فإن قالوا فما وجه الاستدلال على نفي خلق القرآن بما قدمتموه من قوله ^ ~~إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ^ # قيل لهم وجه التعلق به هو أنه أخبر تعالى أنه يقول لما يخلقه كن # فلو كان كلامه مخلوقا لكان قائلا له كن وذلك محال باتفاق الأمة # فبطل أن يكون قوله كن مخلوقا # فإن قالوا من أين استحال أن يكون قائلا لقوله PageV01P271 قيل لهم لأنه ~~لو كان قائلا له لم يخل من أن يقول له بنفسه تعالى أو لا بنفسه ولا بقول ~~آخر أو بقول آخر أو بنفسه أعني بنفس القول # فيستحيل أن يقول له بنفسه تعالى لأن ذلك يوجب أن تكون نفسه قولا وأن يكون ~~قائلا لكل شيء بنفسه وأن تكون نفسه لم تزل متكلمة كما أنه لو كان عالما ~~بنفسه لوجب أن تكون نفسه لم تزل عالمة وهذا ما أبوه وكرهوه # ويستحيل أن يكون قائلا لقوله لا بنفسه ولا بقول آخر كما يستحيل أن يكون ~~قائلا لكل شيء كلمه وقال له لا بنفسه ولا بقول # ويستحيل أن يكون قائلا له بقول آخر لأن ذلك يوجب تعلق كل قول بقول إلى ~~غير غاية وذلك مما اتفقنا على فساده ms158 وإحالته # ويستحيل أن يكون قائلا لقوله بنفس قوله لأن ذلك يوجب أن يكون قوله مخلوقا ~~وأن يكون كل قول هو كن من جنسه مقولا له بنفسه # وذلك محال لأنه قد يقول كن من لا يعتقد أن له كلاما أصلا إذا كان ممن ~~ينفي الأعراض فكيف يقول لقوله بنفس قوله من لا يعتقد أن له قولا وإذا فسد ~~ذلك استحال أن يخلق الله سبحانه كلامه وأن يقول لقوله PageV01P272 # | مسألة # فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون قوله أن نقول له كن مجازا واتساعا وهو ~~بمنزلة قوله @QB@ أتينا طائعين @QE@ # وقوله @QB@ جدارا يريد أن ينقض @QE@ وبمثابة قول الشاعر # ( وقالت له العينان سمعا وطاعة % وأحدرتا كالدر لما ينضد ) وقول الآخر # ( وتخبرني العينان ما القلب كاتم % ) وقول الآخر # ( يشكو إلي جملي طول السرى % صبرا جميلا فكلانا مبتلى ) وقول الآخر # ( فازور من وقع القنا بلبانه % وشكا إلي بعبرة وتحمحم ) وقولهم # ( إمتلأ الخوض وقال قطني % مهلا رويدا قد ملأت بطني ) في أمثال هذا مما ~~ورد مجازا واتساعا # قيل لهم أنكرنا ذلك لأمور # أحدهما أن هذه الأمور التي وصفت بالكلام والقول والإخبار منها جماد ~~يستحيل أن يتكلم عندكم ومنها حيوان PageV01P273 يعلم بدليل قاطع أنه غير ~~ناطق فوجب صرف وصفها بالقول والإخبار والشكوى إلى المجاز # والباري سبحانه حي لا يستحيل عندنا وعندكم أن يكون قائلا متكلما فوجب أن ~~يكون وصفه لنفسه بالقول محمولا على الحقيقة دون المجاز # ولأنه لو جاز أن يكون وصفه لنفسه بالقول مجازا ومقيسا على هذه الأمور ~~لوجب أن يكون وصفه لنفسه بالإرادة والعلم والقدرة مجازا واتساعا وعلى معنى ~~أنه فاعل فقط وأن الأشياء لا تتعذر عليه قياسا على هذه المجازات التي ~~ذكرتموها # فإن لم يجب هذا لأن المجاز لا يقاس عليه لم يجب ما قلتم # وعلى أن قوله @QB@ قالتا أتينا طائعين @QE@ حقيقة عندنا فلا تعلق فيه # وإنما يستحيل تكلم الجماد بالكلام الذي يوجد بالنفس مقارنا للقصد ~~والتمييز # ومما يدل على أنه لا يجوز أن يكون قوله @QB@ أن نقول له كن فيكون @QE@ ~~مجازا واتساعا وعلى معنى أنه ms159 يكونه من غير أن يقول له اتفاق أهل العربية ~~على أن العرب إذا ذكرت المصدر وأكدت به الفعل وجب أن يكون حقيقة كقولهم ~~كلمته تكليما وضربته ضربا وأنه لذلك لم يجز أن يؤكدوا شيئا من المجاز الذي ~~سألتم عنه فيقولوا # قال الحائط قولا وتخبرني العينان إخبارا # لأن ذلك يوجب أن تكون هذه الأوصاف حقائق فيما أجريت عليه # ولذلك صار قوله ^ وكلم الله موسى PageV01P274 تكليما ) حقيقة ودلالة على ~~أنه متول لكلامه بنفسه لما أكد وصفه بكلامه له بالمصدر الذي هو قوله تكليما # وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون قوله @QB@ أن نقول له كن فيكون @QE@ حقيقة ~~لأن قولنا مصدر أول وأن نقول له مصدر ثان قد وكد به المصدر الأول # فلم يجز أن يكون مجازا وثبت أنه حقيقة # | مسألة # فإن قالوا فما أنكرتم أن يكون قوله أن نقول له كن فيكون يراد به كل ما ~~يخلقه إلا قوله كن من جملة مخلوقاته لأن العموم لا صيغة له عندكم # قيل لهم من أصحابنا من أجراه على العموم فسقط السؤال # وعلى أنا أنكرنا ذلك لإجماع الأمة على بطلان هذا التأويل # وذلك أن الأمة بين قائلين إما قائل يقول إن الله سبحانه قائل لكل ~~مخلوقاته على العموم كن وبين قائل يقول بأنه لا يقول لشيء مما يخلقه أصلا ~~كن وإن قوله أن نقول له مجاز # فما سألتم عنه مدفوع بالإجماع # | مسألة # فإن قالوا فما أنكرتم أن يكون قوله أن نقول له كن فيكون دلالة على حدث ~~الكلام لأنه يوجب أن يكون المكون كائنا عقيب القول له PageV01P275 كن بحق ~~قوله فيكون # لأن الفاء موضوع في اللغة للتعقيب وقد اتفقنا على أن ما لم يسبق المحدث ~~إلا بقدر زمان واحد أو أزمان متناهية فمحدث مخلوق # قيل لهم لا يجب ما قلتم # لأن الفاء وإن كان إذا جاء للنسق أوجب الترتيب والتعقيب فإنه لا يوجب ذلك ~~في جواب الأمر وجواب جملة تقدمت ولا في الجزاء أيضا # لأن القائل إذا قال لا تسؤني فأسؤك ليس يريد به التعقيب ms160 وإنما يقصد ~~الإخبار عن إيقاع المجازاة فقط # وكذلك لم يوجب قوله تعالى @QB@ ومن عاد فينتقم الله منه @QE@ التعقيب # وكذلك قوله @QB@ فيسحتكم بعذاب @QE@ لا يوجب التعقيب # فأما الفاء الداخل في جواب الأمر وجواب جملة الكلام فلا خلاف بينهم في ~~أنه لا يوجب التعقيب # لأن القائل إذا قال لعبده إذا دخلت مكة فاشتر لي عبدا وبعيرا وثوبا فليس ~~يريد تعقيب شراء العبد بدخوله # وكذلك قوله @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم @QE@ لم يرد ~~به تعقيب القيام بغسل الوجه دون غيره من الأعضاء # وكذلك قوله أن نقول له كن فيكون جواب قوله كن وهو الأمر فلم يقتض التعقيب ~~لأن ليس هذا فاء التعقيب # ويدل على PageV01P276 ذلك أيضا أن العرب تقول إنما جاءك زيد مع عبده أن ~~يأمره بالفعل فيفعله # وهو لا يريد بذلك تعقيب إيقاع الفعل عقيب الأمر # لأنه قد يأمره بأن يفعل الفعل بعد حول وشهر ولا يقتضي الأمر تعقيب الأمر ~~به معجلا لأن ذلك عصيان # وإنما المراد بقولهم فيفعل الإخبار عن طاعته # وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهموه من كون الفاء موجبا للتعقيب في كل مكان # | مسألة # فإن قالوا فما أنكرتم أن يكون قوله أن نقول له كن فيكون دلالة على حدث ~~الكلام واستئنافه لأن أهل العربية قالوا أن الخفيفة إذا دخلت مع الفعل كانت ~~معه بمنزلة المصدر # فإن كان الفعل ماضيا كان معنى المصدر ماضيا كقولك سرني أن قمت معناه سرني ~~قيامك # وإن دخلت على فعل مضارع كان المصدر للاستقبال كقولك يعجبني أن تقوم فيكون ~~معناه يعجبني قيامك في المستقبل # ويحسن فيه ذكر غدا ويحسن في المصدر لما مضى ذكر أمس ولا يجوز أن يكون ~~الفعل الواقع بعد أن الخفيفة للحال # فوجب أن يكون قوله تعالى @QB@ أن نقول له كن فيكون @QE@ دلالة على ~~استقبال القول وحدوثه PageV01P277 # يقال لهم لعمري إن أهل العربية قد قالوا إن أن الخفيفة مع الفعل بمنزلة ~~المصدر # ولذلك صار قوله وأن تصوموا خير لكم بمعنى ^ والصيام خير لكم ^ # فأما ادعاؤكم أن الفعل الواقع بعد ms161 أن الخفيفة لا يصلح أن يكون فعل الحال ~~فباطل غير مسلم # ومن قال هذا من النحاة سألناه عنه وعن الحجة عليه لأنه ليس بمحكي عن ~~العرب حكاية اللغة وإنما هو رأي قوم من النحويين # فيقال لمن قال ذلك منهم لم قلت هذا وما دليلك عليه # فإن قال لأن الحال إنما يكون بالاسم نحو قوله جاءني زيد ضاحكا وماشيا ~~وراكبا وضربت عمرا مشدودا # فالحال إنما يكون بأسماء الفاعلين والمفعولين # فإذا وقع الفعل موقع الاسم لم يجز أن يدخل عليه شيء من عوامل الأفعال لأن ~~عامل الفعل لا يدخل على الاسم وأن الخفيفة من عوامل الأفعال # فيقال له ما أنكرت من أن لا يجب ما قلته لأجل أن الفعل المضارع قد وقع ~~موقع الاسم في مواضع # منها أنه وقع موقعة في خبر الابتداء كقولك زيد يقوم فهو بمنزلة قولك زيد ~~قائم # ومنها أنه قد وقع موقعة في الصفة كقولك مررت برجل يقوم فهو بمنزلة قولك ~~مررت برجل قائم PageV01P278 # ومنها أن لام الابتداء يدخل عليه كما يدخل على الاسم كقولك إن زيدا ليقوم ~~فهو بمنزلة قولك إن زيدا لقائم # ومنه قوله تعالى @QB@ إن ربك ليحكم بينهم @QE@ أي إنه لحاكم بينهم # فقد وقع الفعل المضارع موقع الاسم في هذه المواضع ولم يمنع ذلك من أن ~~يدخل عليه عوامل الأفعال # ألا ترى أنك تقول زيد لن يقوم فنصبته بلن ولم يمنع وقوعه موقع الاسم من ~~أن يدخل عليه عامل الفعل فينصبه على الأصل الذي يجب في حكم إعراب الأفعال # وهذا مبطل لاعتمادهم إبطالا ظاهرا # ومما يدل على بطلان ذلك وفساده أن الخليل بن أحمد وغيره من جلة أهل ~~العربية قالوا إن الفعل الذي في أوله الزوائد الأربعة مضارع للاسم من ~~الوجوه التي ذكرناها # وقالوا إنه مضارع وإن وقع بعد أن الخفيفة # وقال الخليل إن الفعل المضارع يصلح أني كون للحال ويصلح أن يكون ~~للاستقبال # فبهذا الوجه أيضا ضارع قولك رجل الذي يصلح أن تريد به زيدا ويصلح أن تريد ~~به عمرا # ولم يقل إن دخول ms162 أن الخفيفة عليه يخرجه عن هذه المضارعة وإنما قال إن ~~السين وسوف يخرجانه عن الحال إلى الاستقبال # فمن ادعى أن أن الخفيفة في هذا الباب بمنزلة السين وسوف وأنها مبطلة ~~للمضارعة كان عليه الدلالة على PageV01P279 ذلك # لأن ذلك غير محكي عن العرب حكاية اللغة وقد أفسدنا ما احتج به القائلون ~~بذلك من النحاة # فبطل قولهم # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله @QB@ ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث @QE@ # قيل لهم معناه ما يأتيهم من وعظ من النبي صلى الله عليه وسلم ووعد وتخويف ~~@QB@ إلا استمعوه وهم يلعبون @QE@ # لأن وعظ النبي صلى الله عليه وسلم ووعيده وتحذيره ذكر # قال الله تبارك وتعالى # @QB@ فذكر إنما أنت مذكر @QE@ # ويقال فلان في مجلس الذكر # وهذا أولى لأن قريشا لم تضحك وتلعب بالقرآن ولكن أفحمت عند سماعه وتشتت ~~فيه أهواؤهم وآراؤهم # ويحتمل أن يكون أراد ما يأتيهم من نبي بعد نبي إلا استمعوا قوله ولعبوا ~~وأعرضوا عنه # وقد سمى الله تعالى الرسول ذكرا فقال @QB@ ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات ~~الله @QE@ # وأيضا فإن الله تعالى لم يقل ما يأتيهم من ذكر من ربهم إلا كان محدثا # وفي الآية دلالة على أن في الذكر ما ليس بمحدث لأجل نعته للذكر بالحدوث # ولو كان لا ذكر إلا محدث لم يكن لقوله من ذكر من ربهم محدث معنى # كما أنه لا معنى لقول القائل ما يأتيني من رجل ذكر إلا أكرمته ولا هاشمي ~~شريف إلا قدمته إذا كان الرجل لا يكون PageV01P280 إلا ذكرا والهاشمي لا ~~يكن إلا شريفا # فوجب أن يكون نعت الذكر بالحدوث دلالة على أنه منه ما ليس بمحدث # فيجب أن يكون هو القرآن للإجماع على أن كل ماعداه من الذكر محدث # واختلافنا في كلام الله سبحانه والآية بأن تدل على قولنا أقرب # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله تعالى @QB@ وكان أمر الله مفعولا @QE@ و @QB@ ~~قدرا مقدورا @QE@ # قيل لهم أراد تعالى عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره للمؤمنين ومن حكم ~~به وقدره من الأفعال # ومن ذلك قوله تعالى ms163 ( جاء أمرنا ) وقوله ^ وما أمر فرعون برشيد ^ يعني ~~شأنه وأفعاله وطرائقه # قال الشاعر # لها أمرها حتى إذا ما تبوأت % بأخفافها مرعى تبوأ مضجعا ) وقال آخر # ( فقلت لها أمري إلى الله كله % وإني إليه في الإياب لراجع ) يعني شؤوني ~~وأفعالي ولم يرد بذلك الأمر الذي هو القول وجمع هذا أمور وجمع الأمر من ~~القول أوامر # ولولا العجز لم يلجأوا إلى مثل هذا التمويه PageV01P281 # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا @QE@ # قيل لهم معنى ذلك إنا جعلنا العبارة عنه بلسان العرب وأفهمنا أحكامه ~~والمراد به باللسان العربي وسميناه عربيا لأن الجعل قد يكون بمعنى التسمية ~~والحكم # قال الله عز وجل @QB@ الذين جعلوا القرآن عضين @QE@ يعني سموه كذبا ~~وحكموا عليه بذلك ولم يرد أنهم خلقوه # وقال @QB@ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا @QE@ يعني سموهم ~~بذلك وحكموا لهم به ولم يرد أنهم خلقوهم إناثا # والجعل إذا عدي إلى مفعول واحد كان بمعنى الفعل لا محالة وإذا عدي إلى ~~مفعولين صار بمعتى الحكم والتسمية في أكثر الاستعمال مثل قوله تعالى @QB@ ~~وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما @QE@ وهذا بمعنى الخلق ومثل قوله @QB@ ~~وجعلنا الليل والنهار آيتين @QE@ # وأما الذي يعدى إلى مفعول واحد فمثل قوله @QB@ الحمد لله الذي خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور @QE@ # ولذلك لم يجز أن يقول قائل جعلت النجم والرجل ويقطع حتى يصله بقوله جعلت ~~النجم هاديا ودليلا وجعلت الرجل صديقا ومتألفا # وقوله @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا @QE@ متعد إلى مفعولين فصار بمعنى ~~الحكم والتسمية PageV01P282 # | مسألة # فإن قالوا فيجب على كل حال أن تقولوا إن كلام الله أصوات وحروف متبعض ~~متغاير لأنكم لم تعقلوا كلاما إلا كذلك # ويجب أن تقولوا إن الأمر منه غير النهي والخبر غير الاستخبار # يقال لهم لو وجب ما قلتموه لأجل الشاهد لوجب إذا كان القديم سبحانه ~~موجودا أن يكون جسما أو جوهرا أو عرضا وإذا كان بنفسه قائما أن يكون جوهرا ~~ذا حيز في الوجود وإذا كان متكلما أن يكون الكلام موجودا به أو أسباب ~~الكلام ms164 وإذا كان حيا عالما قادرا أن يكون ذا حياة وعلم وقدرة # لأنكم لم تعلقوا شيئا إلا كذلك ولا متكلما حيا عالما قادرا إلا كما ~~ذكرناه # ولوجب أيضا عليكم أن لا يكون الباري سبحانه حيا عالما قادرا سميعا بصيرا ~~بنفسه لأنكم لم تجدوا نفسا واحدة تستحق هذه الأوصاف لنفسها # فكل هذا الذي تقولونه خلاف الشاهد والوجود # ثم يقال لهم قد وهمتم علينا في قولكم إنا لم نعقل كلاما إلا حروفا ~~وأصواتا لأننا لم نعقل قط ذلك # لأن الكلام فيما بيننا إنما هو معنى قائم بالنفس يعبر عنه بهذه الأصوات ~~المسموعة تارة وبغيرها أخرى # ولذلك ما يختلف الناس في الفصاحة والبلاغة في العبارة عن الكلام الذي هو ~~في النفس مع اتفاقه واختلاف العبارة عنه بالإطالة مرة والاختصار أخرى ~~PageV01P283 قال الله تعالى @QB@ ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول @QE@ # وقال تعالى @QB@ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به @QE@ # ويقول العرب في نفسي كلام أريد أن أبديه لك # وقال الأخطل # ( لا يعجبنك من أثير حظه % حتى يكون مع الكلام أصيلا ) # إن الكلام من الفؤاد وإنما % جعل اللسان على الفؤاد دليلا ) فأخبر أن ~~الكلام في النفس يكون وإن عبر عنه باللسان # وقد قال الله تعالى @QB@ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ~~والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون @QE@ أراد به فبما ~~في نفوسهم لا قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم # فقد بطل توهمكم وزال تعلقكم # وهذا كاف في هذا الباب يتلوه الخبر الثاني من باب الكلام على المعتزلة & ~~باب في بيان آراء المعتزلة & # وهذا الكلام الذي قدمناه على المعتزلة لأنهم جميعا يزعمون أنه لا حياة ~~لله ولا علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر PageV01P284 . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. PageV01P285 # وزعم البغداديون منهم أنه لا إرادة له تعالى # وجحد معمر شيخ من شيوخهم أن يكون لله سبحانه كلام # وزعم أن الكلام الذي سمعه موسى عليه السلام كلام للشجرة التي وجد بها لم ~~يأمر قط ولم ينه عن شيء ولا رغب في شيء ولا زجر عنه ms165 ولا كلم أحدا ولا أخبر ~~بخبر بتة # وزعموا جميعا أنه لا وجه لله تعالى مع قوله عز وجل @QB@ ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام @QE@ وأنه لا يد له مع قوله PageV01P286 عز وجل @QB@ بل ~~يداه مبسوطتان @QE@ وقوله تعالى @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ # وزعم أبو الهذيل شيخ المعتزلة والمقدم فيها أن الله سبحانه ليس بمخالف ~~لخلقه لأن المخالف زعم ما حله الخلاف وذلك لا يجوز إلا على الأجسام # وزعم البغداديون منهم أن لله تعالى ليس بسميع ولا بصير وإنما يوصف بأنه ~~يسمع الأصوات ويبصر الأشخاص على معنى أنه يعلم ذلك لا مزية له في هذين ~~الوصفين على الضرير والأصم الذي لا يسمع ولا يبصر # وقالت المعتزلة بأسرها إن كلمة الله تعالى مخلوقة يخلقها في الشجرة ~~وغيرها من الأجسام اتباعا منهم للنصارى في قولهم إن كلمة الله مخلوقة من ~~وجه وحالة في جسد مخلوق # وقالوا بأسرهم إن كلام الله تعالى من جنس كلام البشر ومثل له PageV01P287 ~~وإنهم يقدرون على الإتيان بمثله وما هو أحكم منه وإن منعوا من ذلك وقتا ما ~~لفقد العلم به أو لشر غيره # وزعم شيخ من رؤوسائهم وهو الجبائي أن الله تعالى أحبل مريم بنت عمران ~~بخلقه الحبل فيها وكذلك هو محبل لسائر نساء العالمين استخفافا منه بالدين ~~وتجاوزا لما قالته النصارى في رب مريم وعيسى وسائر العالمين # وزعموا بأسرهم أن الله سبحانه لا يقدر على قليل من أفعالهم ولا على كثير ~~منها وأنه قد يقدرهم على ما لا يقدر عليه وأنهم أقدر من ربهم # وقالوا جميعا إلا رجلا منهم يعرف ببشر بن المعتمر أن الله PageV01P288 ~~تعالى ليس في سلطانه ولا في خزائنه شيء يقدر أن يفعله بمن يعلم أنه يموت ~~كافرا فيؤمن عنده وأن العبد نفسه يقدر أن يؤمن وأن الله سبحانه لا يقدر أن ~~يفعل به ما يؤمن عنده وأنه سبحانه يقدر أن يفعل بجميع الخلق ما يكفرون عند ~~وجوده ويفسدون ويعطبون ولا يقدر على فعل ما يؤمنون عنده وإنه يقدر على ~~استفسادهم ولا ms166 يقدر على استصلاحهم # وزعم النظام وهو شيخهم المعظم وكبيرهم المقدم أن الله PageV01P289 سبحانه ~~لا يوصف بالقدرة على طرح بعض الأطفال في النار ولا على قطع الثواب وإبطال ~~العقاب وأن بعض الإنس والشياطين يقدر من طرح طفل أو مجنون في جهنم على ما ~~لا يقدر الله عليه # لأن ذلك عنده ظلم ولو قدر عليه سبحانه على أصله لم يأمن وقوعه منه # وزعم أبو الهذيل العلاف أيضا أن لنعيم أهل الجنة وعقاب أهل النار وسائر ~~أفعال القديم سبحانه آخرا لا يوصف الله بالقدرة إذا فعله ووقع منه على قليل ~~الأفعال ولا على كثيرها ولا يصح حينئذ الرغبة إليه ولا الرهبة منه لأنه لا ~~يقدر إذا ذاك على خير ولا شر ولا نفع ولا ضر # قال ويبقى أهل الجنة خمودا سكوتا لا يفيضون بكلمة ولا يتحركون ~~PageV01P290 بحركة ولا يلتذون بلذة ولا يقدرون ولا ربهم على شيء من ذلك # لأن الحوادث زعم كما لا بد لها من أول تنتهي إليه لم يكن قبل شيء فكذلك ~~لا بد لها من آخر تنتهي إليه لا يكون بعده شيء # وزعم النظام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يره أحد قط ولا شاهده وإنما ~~شوهد ظرفه الذي هو الشخص الظاهر # لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو الروح وراء الجسم الظاهر # وزعم الجبائي أن حالفا لو حلف بالله ليعطين زيدا حقه غدا إن شاء الله ثم ~~جاء الغد ولم يعطه مع التمكن منه كان خانثا # لأن الله تعالى قد شاء أن يدفع إليه الحق وكره مطله وأن الكفارة تلزمه ~~خلافا للأمة وتقحما لمشاقتها # وزعموا بأسرهم أنهم يخلقون كخلق الله عز وجل ويصنعون كصنعه من الحركات ~~والسكون والإرادات والعلوم موافقة منهم لمن جعل مع الله شريكا يخلق كخلقه # قال الله تعالى ^ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ^ # وقال تعالى @QB@ والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~@QE@ # وقال @QB@ هل من خالق غير الله @QE@ فنص على تكذيبهم في ادعائهم خالقا ~~غيره PageV01P291 # وزعم البغداديون ms167 منهم والنظام من البصريين أيضا أن القديم سبحانه قد ~~استصلح عباده بغاية ما يقدر عليه من الصلاح وأنه ليس في خزائنه ولا في ~~سلطانه ولا يتوهم منه صلاح يقدر عليه أكثر مما قد استصلحهم به في دينهم ~~ودنياهم # وزعم البصريون منهم خاصة أنه تعالى قد استصلح عباده بغاية ما في قدرته من ~~الصلاح في باب دينهم خاصة وأنه لا يقدر على صلاح لهم في باب الدين أصلح مما ~~فعله بهم # فأوجبوا جميعا تناهي مقدوراته وأنه يقدر على صلاح لا يقدر على مثله ولا ~~على الزيادة عليه # وزعم البصريون والبغداديون أنه يكون في سلطانه ما يكرهه ولا يريده وأنه ~~يكون شاءه أم أباه وأنه يريد أبدا ما لا يكون ويكون ما لا يريد ردا لما ~~اتفق عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن # وقالوا جميعا إلا من شذ منهم إن الله تعالى لا يرى في المعاد ردا للقرآن ~~وجحدا للسنن والآثار # قال الله تعالى @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ # وقال @QB@ فإن استقر مكانه فسوف تراني @QE@ وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر # وكيف بكم إذا رأيتم الله في أخبار يطول ذكرها PageV01P292 وقالوا كلهم ~~بتخليد كل من اقترف كبيرة ومات مصرا عليها وإن كان مسلما موحدا مصدقا لله ~~تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولجميع ما جاء به من عنده عالما بأن ما ~~ركبه حرام محظور فإن الله يبطل بذلك ثواب توحيده وتصديقه وصلواته وسائر ~~طاعاته ولا يثيبه على شيء أمره بفعله ففعله بل يأخذه بالذنب الواحد الذي هو ~~شرب جرعة من خمر أو منع خمسة دراهم من الزكاة الواجبة في ماله أو غصب عشرة ~~دراهم على حسب اختلافهم في الوعيد ردا لقوله ^ إن الحسنات يذهبن السيئات ^ ~~وقوله تعالى @QB@ من جاء بالحسنة فله خير منها @QE@ وقوله تعالى @QB@ من ~~جاء بالحسنة فله عشر أمثالها @QE@ وقوله تعالى @QB@ أني لا أضيع عمل عامل ~~منكم من ذكر أو أنثى @QE@ في نظائر لهذه الآيات ms168 # واتفقوا بأسرهم على أنه لا شفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم في أحد يستحق ~~أقل العقاب في الآخرة وأنه إن سأل الله تعالى لم يقبل شفاعته ولم يجب ~~مسألته # ولو تتبعت ذكر ضلالتهم وقبح مذاهبهم وشنيع ما أدخلوا في الدين وخالفوا به ~~توقيف السنن وقول كافة المسلمين وسائر السلف الصالحين لطال بذلك الكتاب ~~ولخرجنا بذكره عما له قصدنا ولم نأت مع الإسهاب فيه إلا على القليل منه # وإنما ذكرت طرفا من ذلك لسيدنا الأمير PageV01P293 أطال الله بقاءه ليعرف ~~مفارقتهم للدين وعدولهم عن السبيل وأنهم أضر فرقة على هذه الأمة وأشدها ~~جراءة على الله عز وجل فإلى الله المشتكى وإليه نرغب في كشف البلوى ثم رجع ~~بنا القول إلى إثبات صفات الله تعالى لذاته PageV01P294 & أبواب شتى في ~~الصفات & & باب في أن الله وجها ويدين & # فإن قال قائل فما الحجة في أن لله عز وجل وجها ويدين PageV01P295 # قيل له قوله تعالى لله @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ وقوله ~~@QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ # فأثبت لنفسه وجها ويدين # فإن قالوا فما أنكرتم أن يكون المعنى في قوله @QB@ خلقت بيدي @QE@ أنه ~~خلقه بقدرته أو بنعمته لأن اليد في اللغة قد تكون PageV01P296 بمعنى النعمة ~~وبمعنى القدرة كما يقال لي عند فلان يد بيضاء يراد به نعمة وكما يقال هذا ~~الشيء في يد فلان وتحت يد فلان يراد به أنه تحت قدرته وفي ملكه # ويقال رجل أيد إذا كان قادرا # وكما قال الله تعالى @QB@ خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما @QE@ يريد ~~عملنا بقدرتنا # وقال الشاعر # ( إذا ما راية رفعت لمجد % تلقاها عرابة باليمين ) فكذلك قوله @QB@ خلقت ~~بيدي @QE@ يعني بقدرتي أو نعمتي # يقال لهم هذا باطل لأن قوله @QB@ بيدي @QE@ يقتضي إثبات يدين هما صفة له # فلو كان المراد بهما القدرة لوجب أن يكون له قدرتان # وأنتم فلا تزعمون أن للباري سبحانه قدرة واحدا فكيف يجوز أن تثبتوا له ~~قدرتين وقد أجمع المسلمون من مثبتي الصفات والنافين لها على أنه لا يجوز أن ~~يكون له ms169 تعالى قدرتان فبطل ما قلتم # وكذلك لا يجوز أن يكون الله تعالى خلق آدم بنعمتين لأن نعم الله تعالى ~~على آدم وعلى غيره لا تحصى # ولأن القائل لا يجوز أن يقول رفعت الشيء بيدي أو وضعته بيدي أو توليته ~~بيدي وهو يعني نعمته # وكذلك لا يجوز أن يقال لي عند فلان يدان يعني نعمتين وإنما يقال لي عنده ~~يدان بيضاوان # لأن القول يد لا يستعمل إلا في اليد التي هي صفة للذات PageV01P297 # ويدل على فساد تأويلهم أيضا أنه لو كان الأمر على ما قالوه لم يغفل عن ~~ذلك إبليس وعن أن يقول وأي فضل لآدم علي يقتضي أن أسجد له وأنا أيضا بيدك ~~خلقتني التي هي قدرتك وبنعمتك خلقتني وفي العلم بأنه الله تعالى فضل آدم ~~عليه بخلقه بيديه دليل على فساد ما قالوه # فإن قال قائل فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذ كنتم لم تعقلوا يد ~~صفة ووجه صفة لا جارحة # يقال له لا يحب ذلك كما لا يجب إذا لم نعقل حيا عالما قادرا إلا جسما أن ~~نقضي نحن وأنتم على الله تعالى بذلك # وكما لا يجب متى كان قائما بذاته أن يكون جوهرا أو جسما لأنا وإياكم لم ~~نجد قائما بنفسه في شاهدنا إلا كذلك # وكذلك الجواب لهم إن قالوا فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسائر صفاته ~~لذاته أعراضا أو أجناسا أو حوادث أو أغيارا له أو حالة فيه أو محتاجة له ~~إلى قلب واعتلوا بالوجود & باب تفصيل صفات الذات من صفات الأفعال & # فإن قال قائل ففصلوا لي صفات ذاته من صفات أفعاله لأعرف ذلك # قيل له صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها # وهي PageV01P298 الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة ~~والبقاء والوجه والعينان واليدان والغضب والرضى وهما الإرادة على ما وصفناه ~~وهي الرحمة والسخط والولاية والعداوة والحب والإيثار والمشيئة وإدراكه ~~تعالى لكل جنس يدركه الخلق من الطعوم والروائح والحرارة والبرودة وغير ذلك ~~من المدركات # وصفات فعله هي الخلق والرزق ms170 والعدل والإحسان والتفضل والإنعام والثواب ~~والعقاب والحشر والنشر وكل صفة كان موجودا قبل فعله لها # غير أن وصفه لنفسه بجميع ذلك قديم لأنه كلامه الذي هو قوله إني خالق رازق ~~باسط وهو تعالى لم يزل متكلما بكلام غير محدث ولا مخلوق & باب البقاء من ~~صفات ذاته & # فإن قال قائل وما الدليل على أن البقاء من صفات ذاته قلنا من قبل أنه لم ~~يزل باقيا إذ كان كائنا من غير حدوث والباقي منا لا يكون باقيا إلا ببقاء # دليل ذلك استحالة بقاء الشيء في حال حدوثه # فلو بقي لنفسه كان باقيا في حال حدوثه وذلك محال باتفاق # فصح أنه باق ببقاء إذ كان قديما يستحيل أن تكون ذاته بقاء أو في معنى ~~الصفات PageV01P299 & باب & # فإن قال قائل فخبرونا عن الله سبحانه ما هو # قيل له إن أردت بقولك ما هو ما جنسه فليس هو بذي جنس لما وصفناه قبل هذا # وإن أردت بقولك ما هو ما اسمه فاسمه الله الرحمن الرحيم الحي القيوم # وإن أردت بقولك ما هو ما صنعه فصنعه العدل والإحسان والإنعام والسموات ~~والأرض وجميع ما بينهما # وإن أردت بقولك ما هو ما الدلالة على وجوده فالدلالة على وجوده جميع ما ~~نراه ونشاهده من محكم فعله وعجيب تدبيره # وإن أردت بقولك ما هو أي أشيروا إليه حتى أراه فليس هو اليوم مرئيا لخلقه ~~ومدركا لهم فنريكه & باب & # فإن قال قائل وكيف هو قيل له إن أردت بالكيفية التركيب والصورة والجنسية ~~فلا صورة له ولا جنس فنخبرك عنه # وإن أردت بقولك كيف هو أي على أي صفة هو فهو حي عالم قادر سميع بصير # وإن أردت بقولك كيف هو أي كيف صنعه إلى خلقه فصنعه إليهم العدل والإحسان ~~& باب & # فإن قال قائل أين هو قيل له الأين سؤال عن المكان وليس هو PageV01P300 ~~ممن يجوز أن يحويه مكان ولا تحيط به أقطار # غير أنا نقول إنه على عرشه لا على معنى كون الجسم بالملاصقة والمجاورة ~~تعالى عن ذلك علوا كبيرا & باب ms171 & # فإن قال قائل فمتى كان قيل له سؤالك عن هذا يقتضي كونه في زمان لم يكن ~~قبله لأن متى سؤال عن الزمان # وقد عرفناك أنه قديم كائن قبل الزمان وأنه الخالق للمكان والزمان وموجود ~~قبلهما # وتوقيت وجود الشيء بعام أو مائة ألف عام يفيد أن الموقت وجوده معدوم قبل ~~الزمان الذي وقت به # وذلك مما يستحيل عليه تعالى & باب الكلام في جواز رؤية الله تعالى ~~بالأبصار & # فإن قال قائل فهل يجوز أن يرى القديم سبحانه بالأبصار قيل PageV01P301 له ~~أجل فإن قال فما الحجة في ذلك قيل له الحجة على ذلك أنه موجود تعالى # والشيء إنما يصح أن يرى من حيث كان موجودا إذا كان لا يرى لجنسه لأنا لا ~~نرى الأجناس المختلفة ولا يرى لحدوثه إذ قد نرى الشيء في حال لا يصح أن ~~يحدث فيها ولا لحدوث معنى فيه إذ قد ترى الأعراض التي لا تحدث فيها المعاني # فإن قال فما الدليل على أنه يجوز أن يرى من جهة القرآن # قيل له قوله تعالى مخبرا عن موسى عليه السلام @QB@ رب أرني أنظر إليك ~~@QE@ # فلو كانت الرؤية تستحيل عليه كما قالت المعتزلة كما يستحيل أن يكون محدثا ~~مربوبا وعبدا مخلوقا لاستحال على نبيه وأمينه على وحيه ومن جعله واسطة بينه ~~وبين خلقه ومتحملا لرسالته PageV01P302 أن يسأله المستحيل في صفته كما ~~يستحيل أن يقول له رب كن عبدا مربوبا ومألوها مخلوقا # لأن ذلك أجمع استخفاف بالله سبحانه سواء سأله السائل لنفسه أو سأله لغيره # وليس يجوز على الأنبياء الاستخفاف بربهم ولا أن يكون أسلاف المعتزلة ~~وأخلافها أعلم من الرسل بما يجوز على الله تعالى وما يستحيل في صفته # فدل ما وصفناه على صحة رؤيته # | باب آخر # فإن قال قائل فما الدليل على وجوب رؤيته لا محالة في الآخرة # قيل له قوله تعالى @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ # والنظر في كلام العرب إذا قرن بالوجه ولم يضف الوجه الذي قرن بذكره إلى ~~قبيلة ولا عشيرة وعدي بحرف الحر ولم يعد إلى ms172 مفعولين فالمراد به النظر ~~بالبصر لا غير ذلك # ألا ترى إلى قولهم انظر إلى زيد بوجهك يعنون بالعين التي في وجهك # | مسألة # فإن قالوا أفليس قد تمدح بقوله تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ كما ~~تمدح بقوله @QB@ بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ~~@QE@ فكيف يجوز أن تزول عنه PageV01P303 قيل لهم إنما تمدح بقوله @QB@ وهو ~~يدرك الأبصار @QE@ ولم يتمدح باستحالة إدراكه بالأبصار # لأن الطعوم والروائح وأكثر الأعراض لا يجوز عندكم أن ترى بالأبصار وليست ~~ممدوحة بذلك # فإن قالوا فما أنكرتم أن يكون إنما تمدح بأنه يدرك الأبصار وأنها لا ~~تدركه # قيل لهم هذا باطل لأن الوصفين اللذين يتمدح بهما لا بد أن يكون في كل ~~واحد منهما مدح بمجرده نحو قوله @QB@ إنه عزيز حكيم @QE@ و @QB@ عليم قدير ~~@QE@ وكل واحد من الوصفين مدحة في نفسه تجرد أو انضم إلى # ولما لم يكن كون المعدوم غير مدرك بالبصر مدحا له عندنا وعندكم بطل ما ~~قلتم # لأن أكثر الموجودات عندكم لا يجوز أن يدرك بالأبصار وكل المعدومات عندنا ~~وعندكم لا يدرك بالأبصار وليست بذلك ممدوحات # ألا ترى أنه لو قال الله عز وجل إني عالم معلوم وموجد موجود لكان متمدحا ~~بقوله إني عالم موجد ولم يكن متمدحا بما ضامه من كونه معلوما وموجودا إذا ~~شاركه عندنا وعندكم في هذين الوصفين ما ليس بممدوح بهما فكذلك المدح في ~~قوله @QB@ وهو يدرك الأبصار @QE@ دون قوله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ ~~PageV01P304 # فإن قالوا أفليس قد تمدح بقوله @QB@ لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ و @QB@ ما ~~اتخذ الله من ولد @QE@ ولم يجب أن يكون كل من شركه في ذلك ممدوحا من ~~الأعراض والموات # قيل لهم إنما تمدح جل اسمه بنفي الآفات عنه مع جوازها على غيره من ~~الأحياء وكل حي يمتنع ذلك عليه فإنه ممدوح به وممدوح أيضا بكونه حيا ليس ~~بميت # فنحن إذا قلنا إنه متمدح بكونه حيا وأن السنة والنوم لا تأخذه فقد مدحناه ~~بالأمرين # والمعتمد في هذا أنه سبحانه ذكر السنة والنوم تنبيها على أن ms173 جميع الأعراض ~~ودلالات الحدوث لا تجوز عليه ولم يرد نفي السنة والنوم فقط # وفي الأعراض والميت والجماد من دلائل الحدوث مثل ما في النائم والوسنان # وإنما يمدح الشيء بنفي ما يدل على الحدوث إذا لم يكن فيه ما ينوب في ~~الدلالة منابه # فسقط بذلك ما اعترضوا عليه # ويمكن أن يكون وجه التمدح بقوله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ أنه تعالى ~~يدرك الأشياء وأنه موجود يصح أن يدرك وأنه قادر على أن يمنعنا من إدراكه ~~وأن كل من يرانا يمكن أن نراه من الخلق وأنه هو تعالى قد منعنا من الإدراك ~~له إن كان مدركا لنا وأنه ليس فيمن يدركنا ببصره من يمكنه أن يخلق فينا ما ~~يضاد رؤيته وينفيها # فيكون متمدحا بقدرته على خلق ما يضاد رؤيته # وكونه قادرا على خلق ضد رؤيته لازم له أبدا لا يتغير عنه وكونه خالقا لما ~~يضاد رؤيته تمدح ببعض أفعاله PageV01P305 # ويحتمل أيضا أن يكون وجه التمدح في قوله @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ أنها ~~لا تدركه جسما مصورا متحيزا ولا حالا في شيء على ما يقوله النصارى ولا ~~مشبها لشيء على ما يقوله أهل التشبيه ولا تدركه والدا ولا مولودا على صفة ~~من يلد أو يولد تعالى عن ذلك ويكون القصد بذلك الرد على من وصفه بهذه ~~الصفات # وليس لأحد من المعتزلة التعلق بهذه الآية لأن الله تعالى إنما نفي عندهم ~~من إدراك الأبصار ما أثبته لنفسه في قوله @QB@ وهو يدرك الأبصار @QE@ # ولم يعن بذلك عند البصريين أنه يرى الأبصار وهو تعالى عندهم لا يدرك ~~الأبصار لأنها مما لا يصح أن يدرك ولا يرى أيضا شيئا بتة عند البغداديين # وإنما عني عندهم أنه يعلم الأبصار فيجب عليهم أن يكون إنما نفى بقوله ~~@QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ علمنا به تعالى # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله عز وجل @QB@ لن تراني @QE@ # قيل لهم أراد في الدنيا لأنه إنما سأل ربه أن يريه نفسه في PageV01P306 ~~الدنيا فقوله @QB@ لن تراني @QE@ جواب هذا السؤال # ولو لم يكن جوابا لكان أيضا مخصوصا بقوله @QB@ إلى ms174 ربها ناظرة @QE@ # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله @QB@ تبت إليك @QE@ # قيل لهم لم يقل جل اسمه إنه تاب من مسألته إياه الرؤية # فيمكن أن يكون ذكر ذنوبا له قد قدم التوبة منها فجدد التوبة عند ذكرها ~~لهول ما رأى كما يسارع الناس إلى التوبة ويجددونها عند مشاهدة الأهوال ~~والآيات # ويحتمل أن يكون المعنى في قوله تبت إليك من ترك استيذاني لك في هذه ~~المسألة العظيمة ومثلها ما لا يكون معه تكليف لمعرفتك والعلم بك # ويحتمل أن يكون أراد بقوله تبت إليك أي تبت إليك أن أسألك الرؤية لهول ما ~~أصابني لا لأنها مستحيلة عليك ولا لأني عاص في سؤالي كما يقول القائل تبت ~~من كلام فلان ومعاملته ومن ركوب البحر ومن الحج ماشيا إذ ناله في ذلك تعب ~~ونصب وشدة وإن كان ذلك مباحا حسنا جائزا # والتوبة هي الرجوع عن الشيء ومن ذلك سمي الإقلاع عن الذنوب والعود إلى ~~طاعة الله تعالى توبة منها PageV01P307 ومعنى المراد بقوله @QB@ ثم تاب ~~عليهم ليتوبوا @QE@ أي رجع بهم إلى التفضل والامتنان ليرجعوا عما كانوا ~~عليه # فقوله تبت إليك أي رجعت عن سؤالي إياك الرؤية # وهذا هو أصل التوبة وليس الرجوع عن الشيء يقتضي كونه عصيانا # فبطل تعلقهم بالآية # | مسألة # فإن سألوا عن معنى قوله @QB@ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا @QE@ وعن ~~تأويل ذلك وما معنى التجلي منه # قيل لهم معنى ذلك أنه أرى نفسه للجبل فتدكدك وصار قطعا قطعا لما أحب ~~تعالى من إعلام موسى صلى الله عليه أن أحدا لا يراه في الدنيا إلا لحقه ما ~~لحق الجبل لحكمه تعالى بجعل الدنيا دار تكليف وإيمان بالغيب # ومعنى قوله تجلى أي أنه رفع عن الجبل الآفة المانعة له من رؤيته تعالى ~~وأحياه وخلق فيه الإدراك له فرآه # وقد يكون التجلي ظهورا أو خروجا من وراء السواتر والحجب # وذلك من صفات الأجسام والله يتعالى عن ذلك # وقد يكون التجلي بمعنى رفع الآفات المانعة من الإدراك # ومن ذلك قولهم تجلت لي الألوان وتجلت للضرير المبصرات إذا ms175 أبصر ~~PageV01P308 المرئيات وتجلى لي الأمر إذا زالت عوارض الشبه منه # وأما الحجاب فقد يكون بمعنى الساتر المانع وقد يكون آفة موضوعة في البصر ~~تمنع من إدراك المرئيات # وأصل الحجب المنع # ومنه سمي حاجب الأمير حاجبا لمنعه منه ودفعه عن الوصول إليه # ومنه قوله تعالى @QB@ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون @QE@ يعني الكفار ~~أي إنهم ممنوعون بالآفات الموضوعة في أبصارهم من رؤيته تعالى إهانة لهم ~~وتفريقا بينهم وبين المؤمنين # | مسألة # فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون موسى عليه السلام إنما أراد بقوله @QB@ رب ~~أرني أنظر إليك @QE@ أي عرفني نفسك اضطرارا أو أرني آية من آيات الساعة # قيل لهم أنكرنا ذلك لأنه غير جائز في اللغة # لأن القائل لا يجوز أن يقول لمن يسمع كلامه ويعرفه ولا يشك فيه أرني أنظر ~~إليك وهو يريد عرفني نفسك أو أرني فعلا من أفعالك # هذا غير مستعمل في اللسان # ولأن النظر إذا أطلق فليس معناه إلا رؤية العين # وإن أريد به العلم فبدليل ولأن النظر الذي في الآية معدى بقوله إليك ~~والنظر المعدى ب إلى لا يجوز في كلام العرب أن يراد به إلا نظر العين # فبطل ما قالوا # | مسألة # وإن سألوا عن قوله عز وجل ^ يسألك أهل الكتاب أن تنزل PageV01P309 عليهم ~~كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ) وعن ~~قوله ^ وقلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ^ وعن معنى إنكار الله ~~لذلك من سؤالهم # قيل لهم لم ينكر الله تعالى مسألة أخلاف بني إسرائيل أن ينزل عليهم كتابا ~~من السماء ومسألة أسلافهم أن يروا الله جهرة لاستحالة ذلك # وإنما أنكره لأنهم سألوا ذلك على طريق العناد لموسى ومحمد صلى الله ~~عليهما والشك في نبوتهما والتقدم بين أيديهما والامتناع من فعل ما أوجب ~~عليهم من الإيمان بالله عز وجل حتى يفعل ما يؤثرونه ويقتاتونه # فأنكر الله ذلك من فعلهم وقولهم كما أنكر سؤالهم إنزال كتاب من السماء لا ~~لاستحالة ذلك في قدرته # وكما أنكر قول من ms176 قال @QB@ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا @QE@ ~~إلى قوله @QB@ أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك @QE@ # لأن هذا أجمع إنما كان على وجه الاستخفاف بالرسل والتمرد لا على طلب ~~الزيادة في العلم # ويجب الاعتماد في تخصيص قوله عز وجل @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ وقوله ~~@QB@ لن تراني @QE@ على قوله @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ من ~~حيث ثبت أنه لا يجوز أن يكون معناه إلا رؤية الأبصار # وكذلك يجب أن يعتمد في أنه لا يجوز أن يكون عني بقوله @QB@ لا تدركه ~~الأبصار @QE@ وقوله @QB@ لن تراني @QE@ وقوله PageV01P310 @QB@ فأخذتهم ~~الصاعقة @QE@ الدلالة على إحالة رؤيته تعالى لأن نفي الشيء لا يدل على ~~استحالته # لأنه قد ينفى عنه الجائز أحيانا وينفى المستحيل الممتنع في صفته # ولما صح أن قوله @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ يقتضي النظر ~~إليه بالأبصار لأن النظر في كلام العرب يحتمل وجوها منها نظر الانتظار ~~ومنها الفكر والاعتبار ومنها الرحمة والتعطف ومنها الإدراك بالأبصار وإذا ~~قرن النظر بذكر الوجه وعدي بحرف الجر ولم يضف الوجه إلى قبيلة وعشيرة الوجه ~~الجارحة التي توصف بالنضارة التي تختص بالوجه الذي فيه العينان فمعناه رؤية ~~الأبصار # ألا ترى إلى قوله عز وجل @QB@ فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه @QE@ أي ~~انظره بعينك # ولما لم يرد بقوله تعالى @QB@ فناظرة بم يرجع المرسلون @QE@ نظر العين لم ~~يعده ب إلى ولا قرنه بالوجه # وكذلك قوله @QB@ ما ينظرون إلا صيحة واحدة @QE@ لما أراد به الانتظار دون ~~نظر الأبصار لم ينطه بالوجه ولا عداه ب إلى # قال الشاعر # ( فإن يك صدر هذا اليوم ولى % فإن غدا لناظره قريب ) فلم يقرن النظر بذكر ~~الوجه ولا عداه ب إلى لما أراد الانتظار PageV01P311 # فإن قالوا فما معنى قول جميل بن معمر # ( إني إليك لما وعدت لناظر % نظر الذليل إلى العزيز القاهر ) قيل لهم ~~معناه نظر العين المقرون بالذل والانكسار لأنه نظر إليه ببصره مقتضيا ~~متنجزا لوعده نظر الذليل إلى العزيز القاهر # فإن قالوا فما معنى قول حسان بن ثابت # ( وجوه ناظرات يوم ms177 بدر % إلى الرحمن يأتي بالفلاح ) قيل لهم أراد نظر ~~الأبصار إلى سماء الرحمن وترقب النصر عند رميهم بالأبصار إلى الجهة التي ~~منها يرجى النصر وقوله إلى الرحمن يعني به إلى سماء الرحمن وجهة الرغبة ~~إليه ولم يرد الانتظار # فإن قالوا فما أنكرتم أيضا أن يكون الله تعالى إنما أراد بقوله @QB@ إلى ~~ربها ناظرة @QE@ أي إنها إلى جنان ربها وأفعاله وعظيم ما PageV01P312 أعده ~~لأولئك ناظرة # قيل لهم هذا التأويل يجعل الآية مجازا وليس لنا فعل ذلك إلا بحجة # فإن قالوا ما أنكرتم أن تكون الحجة في ذلك إحالة العقول لرؤيته # قيل لهم العقول عندنا تجيز رؤيته وتبطل دعواكم وقد بينا ذلك فيما سلف ~~وسنفسد ما تتعلقون به فيما بعد إن شاء الله # فإن قالوا فما معنى قول الشاعر # ( ويوم بذي قار رأيت وجوههم % إلى الموت من وقع السيوف نواظر ) والموت لا ~~يرى ولا ينظر إليه # قيل لهم ما أراد الشاعر إلا رؤية الأبصار وإنما أراد بالموت الضرب والطعن ~~وفلق الهام # لأن ذلك يسمى في اللغة موتا لأنه من أسباب الموت وما يقع عنده غالبا ~~والشيء عندهم يسمى باسم سببه # ويمكن أيضا أن يكون أراد بذكر الموت الأبطال الذين يوجد الموت عند كرها ~~وإقدامها # قال جرير # ( أنا الموت الذي خبرت عنه % فليس لهارب مني نجاء ) PageV01P313 وقال آخر # ( يأيها الراكب المزجى مطيته % سائل بني أسد ما هذه الصوت ) # ( وقل لها بادروا بالعذر والتمسوا % قولا يبرئكم إني أنا الموت ) يريد به ~~البطل الذي يكون عند فعله الموت فإن قيل فما معنى قول الآخر # ( وجوه بها ليل الحجاز على النوى % إلى ملك ركن المغارب ناظرة ) قيل لهم ~~هذا شعر لا يعرفه أحد من أهل العلم فلا حجة # فيه وإن صح لم يفسد ما قلناه لأننا قد قلنا إن الوجوه المقرونه بذكر ~~البلدة والعشيرة إنما يراد به سادة الناس # والله تعالى وصف الوجوه التي هي الجوارح بأنها تنظر إليه لأنه تعالى ~~وصفها بما لا يجوز أن يوصف به إلا الجارحة حيث قال @QB@ وجوه يومئذ ناضرة ~~@QE@ # والنضارة ms178 لا تكون إلا في الجارحة التي هي الوجه # | مسألة # فإن قالوا ما أنكرتم من أنه لو رئي بالأبصار لوجب أن يكون جسما أو جوهرا ~~أو عرضا أو محدودا أو حالا في محدود أو مقابلا للمكان أو مباينا للمكان أو ~~متصلا به الشعاع أو متصلا بمكانه أو متخيلا متمثلا متصورا بالقلوب عند ~~غيبته وأن يكون من جنس المرئيات لأننا لم نعقل PageV01P314 مرئيا بالبصر ~~إلا كذلك # يقال لهم لو وجب هذا لوجب إذا كان معلوما بالقلوب وموجودا أن يكون جسما ~~أو جوهرا أو عرضا وفي العالم أو غيره من الأماكن أو ما يقدر تقدير الأماكن ~~لأننا لم نعقل معلوما إلا كذلك وإذا كان شيئا أن لا يخلو من أن يكون جسما ~~أو جوهرا أو عرضا لأننا لم نعقل شيئا إلا كذلك وإذا كان عالما قادرا سميعا ~~بصيرا أن يكون جسما مجتمعا ذا حيز في الوجود لأننا لم نعقل حيا عالما قادرا ~~رائيا إلا كذلك # فإن مروا على ذلك تركوا التوحيد وإن أبوه أبطلوا ما سألوا عنه # وأما قولهم إنه لو رئي بالأبصار لوجب أن يكون متمثلا متخيلا فإنهم إن ~~أرادوا به أنه إذا تعدم رؤيته نتخيل له شكلا أو جسما ونعتقد أنا رأينا ذا ~~هيئة وشكل فإن ذلك باطل لقيام الدليل على أن القديم سبحانه ليس من جنس ~~المرئيات # وإن عنوا به أنا نعلم بعد رؤيته أننا رأينا شيئا ^ ليس كمثله شيء ^ فإن ~~ذلك صحيح # وتسمية هذا العلم تخيلا وتمثلا باطل بالإجماع # | مسألة # فإن قالوا ما أنكرتم من أنه لو جاز أن يرى لرأيناه الساعة لأن الموانع ~~المانعة من رؤية ما يجوز أن يرى منتفية عنه وهي الرقة واللطافة والحجاب ~~والبعد وذلك مستحيل على الله تعالى # فوجب أن نراه لو كان مما يجوز أن يرى # يقال لهم ليس فيما ذكرتم شيء يمنع من رؤية المرئي # لأنا نرى PageV01P315 اللطيف مع لطافته عند زيادة الإدراك ونرى البعيد مع ~~بعده ونرى المحجوب إذا قوي الإدراك وزاد الشعاع عندكم فأنفذ خروقه # والمحتضر بالموت يرى ملك الموت ms179 ونحن لا نراه وإن كنا بحضرته # وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرى جبريل عليه السلام والصحابة لا ~~تراه # وكذلك الملائكة يرى بعضهم بعضا مع رقتهم ونحن لا نراهم # وما منع من رؤية الشيء لا يجوز أن يقارن الرؤية له # فوجب أن لا يكون فيما ذكرتموه شيء يمنع من رؤية المرئيات كما أن الجهل ~~المانع من العلم بالشيء لا يجوز أن يقارنه العلم بحال # فإن قالوا فما المانع من رؤية هذه الأمور # قيل لهم هو وجود ما يضاد إدراكها في أبصارنا ولو رفعه تعالى أدركناها # وهذا المانع هو الذي يمنع من رؤية الله تعالى في هذا الوقت # فإن قالوا فأجيزوا أن يخلق الله فيكم إدراك ذرة ويمنعكم من إدراك فيل إلى ~~جنبها # قيل لهم هذا جائز عندنا في قدرة الله تعالى # فإن قالوا فأجيزوا الساعة ذلك وشكوا في أن بحضرتكم فيلة وجمالا وأنهارا ~~جارية وأنتم لا ترون ذلك وإن كنتم ترون ما هو أصغر منه PageV01P316 # قيل لهم لولا أننا مضطرون إلى العلم بأن ذلك ليس بموجود لأجزناه # وليس يجب أن نشك اليوم في أن الله تعالى قد فعل كل مقدور عنده كما لا يجب ~~أن نشك في أنه قد خلق اليوم إنسانا لا من أبوين وفرسا لا من نتاج ونارا غير ~~محرقة لشيء وتمرا لا من نخل ولبنا لا من ضرع وأنه قد أحيا الأموات بسائر ~~الأقطار وعرج بنا البارحة إلى ملكوت السموات ثم ردنا إلى مضاجعنا وأنه قد ~~أمات كل من فارقناه يوما أو ساعة من أقاربنا وأصدقائنا ألف مرة ثم أحياهم ~~بعد ذلك وإن كان ذلك أجمع مقدورا لله تعالى # فبطل بذلك ما سألتم عنه # | باب القول في أن الله تعالى مريد لجميع المخلوقات # إن قال قائل فلم قلتم إن الله تعالى مريد للطاعة والمعصية وسائر الحوادث # قيل له لأن الله تعالى قال في كتابه ^ فعال لما يريد ^ # وقد PageV01P317 قام الدليل على أنه فعال لسائر أفعال الخلق وجميع ~~الحوادث فوجب أنه مريد لذلك أجمع # ولقوله تعالى @QB@ ولو ms180 شاء الله ما فعلوه @QE@ وقوله @QB@ ولو شاء ربك ~~لآمن من في الأرض كلهم جميعا @QE@ فأخبر أنه لو لم يرد منهم العصيان ~~والتكذيب والخلاف لما كان ولا فعلوه وأنه لو شاء أن يؤمنوا جميعا لآمنوا # فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون إنما أراد أنه لو أراد ذلك على سبيل الإكراه ~~والإلجاء لكان لا محالة # قيل لهم لو جاز أن يريد الإيمان منهم طوعا فلا يكون ولا يلحقه عجز ولا ~~تقصير عن بلوغ مراده لجاز أن يريده منهم على سبيل الإلجاء والإكراه ولا ~~يكون ولا يلحقه عجز ولا تقصير عن بلوغ مراده # فإن قالوا لو لم يتم ما أراد منهم على سبيل الإلجاء لدل ذلك على عجزه عن ~~فعل سبب يلجئهم به إلى الإيمان من ترهيب وإحضار نكال وغير ذلك والعجز غير ~~جائز عليه # قيل لهم ولو لم يتما ما أراده من إيمانهم طوعا واختيارا لدل ذلك على عجزه ~~عن فعل لطف وسبب من الأسباب يختارون عند فعله الإيمان وذلك منتف عنه ~~PageV01P318 # فإن قالوا قد لا يكون في المعلوم شيء يؤمنون عنده فلا يلحق العجز بفقد ~~القدرة عليه # قيل لهم وقد لا يكون في المعلوم شيء يلتجئون عند فعله بهم إلى الإيمان به ~~وإن يقطعوا إربا إربا وأنزل عليهم أعظم العذاب والنكال والآلام بأن يعلم ~~أنهم لا يختارون عند شيء من ذلك فعل الإيمان # فلا يجب بنفي القدرة عليه إثبات عجز عنه # ولا جواب عن هذا # ومما يدل على أن الله تعالى مريد لجميع أفعال العباد أنه لو كان في ~~سلطانه منها ما ليس بمريد لكونه للحقه العجز والتقصير عن بلوغ المراد # وكذلك لو أراد منها ما لم يكن كما أنه لو أراد من فعل نفسه ما لم يكن أو ~~كان منه عندنا وعندهم ما لم يرده وهو مما يصح أن يكون مرادا لدل ذلك على ~~عجزه وتقصيره وتعذر الأشياء عليه # فلا فرق في ذلك بين فعل نفسه وفعل خلقه الذي جعله لهم كسبا كما أنه لا ~~فرق بين أن يكون من ms181 فعل نفسه ما لا يعلم ولا يكون منه ما علم أنه يكون وبين ~~أن لا يكون من خلقه ما يعلم أنه يكون وبين أن يكون منهم ما علم أنه لا يكون ~~في إيجابه لتجهيله تعالى عن ذلك # فإن قالوا فيجب إذا كان من خلقه ما لم يأمرهم به أن يدل ذلك على عجزه # قيل لهم هذا ساقط باتفاق لأنه قد كانت أكثر أفعاله ولم يأمر بها أحدا من ~~خلقه ولم يلحقه العجز # فكذلك حكم فعل خلقه له # ولأنه إذا PageV01P319 لم يكن ما أمر بكونه وكان ما لم يأمر به وهو تعالى ~~مريد لكون ما لم يأمر به وغير مريد لما أمرهم به لم يلحقه عجز ولا تقصير # لأن ذلك إنما يلحق من خولف في أمره إذا أراد ما أمر به وكره ما نهى عنه ~~فسقط ما سألتم عنه # | مسألة # فإن قالوا فكيف يكون آمرا بما لا يريده ويكون بذلك حكيما # قيل لهم هذا مما قد ورد به القرآن واتفق عليه سلف الأمة # لأن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح إسماعيل عليهما السلام ولم يرد ذلك منه ~~بل نهاه عنه بعد أمره به وفداه مما أمره بفعله من ذبحه # ولو كان قد فعل الذبح لم يكن لافتدائه معنى # ولو كان إنما أمره بالإضجاع وإمرار السكين فقط دون الذبح لم يكن ذلك ~~امتحانا منه ولم يكن لقوله @QB@ إن هذا لهو البلاء المبين @QE@ معنى ولا ~~كان لافتدائه من إضجاع قد وقع معنى # وكذلك لو ذبحه ثم التحم لم يكن للفداء معنى ولا لبلائه معنى # وكذلك لو كان قد منعه من ذبحه بقلب صفحة عنقه نحاسا على ما يقوله بعض ~~جهالهم لكان عندهم بذلك سفيها ومكلفا للفعل مع العجز عنه والمنع منه وذلك ~~عندهم باطل PageV01P320 # | مسألة # فإن قالوا وجدنا كل مريد للقبح والسفه سفيها عابثا # فلو كان الباري تعالى مريدا للسفه لكان عابثا سفيها # قيل لهم لم قلتم هذا وما أنكرتم أن يكون مريد السفه منا سفيها إذا كان ~~منهيا عن إرادة السفه والباري تعالى ms182 لا يجوز ذلك عليه ولهذا لم يكن الطفل ~~والمجنون سفيهين بإرادتهما للسفه إذا لم يكونا عن فعل الإرادة لذلك منهيين # ثم يقال لهم فيجب على اعتلالكم أن يكون بإرادته الطاعة والصلاح والتقى ~~مطيعا صالحا تقيا لأننا وإياكم لم نجد مريدا للطاعة إلا طائعا # فإن مروا على ذلك تركوا دينهم وإن أبوه أبطلوا سؤالهم # وإن قالوا مريد الطاعة منا مطيع لأنه مأمور بفعل إرادة الطاعة والله ~~يتعالى عن ذلك # قيل لهم ومريد السفه منا سفيه لأنه منهي عن فعل إرادة السفه والله يتعالى ~~عن ذلك # | مسألة # فإن قالوا فما معنى ذم الله للكافرين في قوله ^ وقال الذين PageV01P321 ~~أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ) الآية # قيل لهم معنى ذلك أنهم قالوا ذلك على جهة الهزل والاستهزاء بالرسل ~~والمؤمنين في قولهم ^ ولو شاء الله لهداكم ^ ولو شاء لآمنتم # فقالوا في جواب هذا مستهزئين @QB@ لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا @QE@ ~~منكرين بذلك لما قاله الرسل والمؤمنون # وهذا جواب على حد ما تقولونه أنتم أبدا لنا لو شاء الله أن نؤمن لآمنا ~~ولو قدر وقضى لنا الطاعة لأطعنا مستهزئين بذلك ومنكرين لقضاء الله وقدره ~~ومشيئته # وعلى هذا النحو جاء قوله في إنكاره على المنافقين في قولهم للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إنك لرسول الله حيث قال @QB@ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد ~~إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ~~@QE@ # فأنكر الله ذلك عليهم لكونهم غير معتقدين لصحة ما قالوه # وكما أنكر على من قال @QB@ أنطعم من لو يشاء الله أطعمه @QE@ لقولهم هذا ~~على سبيل الاستهزاء والهزل بالرسل لما أخبروهم أن الله تعالى لو شاء أن ~~يطعمهم لأطعمهم # | مسألة # فإن قالوا كيف يجوز أن يريد الله الفواحش وقد ذم من أحب @QB@ أن تشيع ~~الفاحشة في الذين آمنوا @QE@ # قيل لهم الله عز وجل إنما ذم من وصف أهل الطهارة بما ليس فيهم ~~PageV01P322 وأحب كون ذلك حقا وصوابا # والله تعالى لم يرد أن يكون قذف المحصنات حقا وصوابا فلم يرد من ms183 ذلك ما ~~أرادوا # ولأنهم أيضا قد نهوا عن إرادة ذلك # وإذا كان ذلك كذلك وكان النهي لله عن كونه مريدا محالا في صفته فبطل ما ~~قالوه # | باب الكلام في الاستطاعة # فإن قال قائل فهل تقولون إن الإنسان مستطيع لكسبه PageV01P323 # قيل له أجل # فإن قال ولم قلتم ذلك قلنا لأن الإنسان يعرف من نفسه فرقا بين قيامه ~~وقعوده وكلامه إذا كان واقعا بحسب اختياره وقصده وبين ما يضطر إليه مما لا ~~قدرة له عليه من الزمانة والمرض والحركة من الفالج وغير ذلك # وليس يفترق الشيئان في ذلك لجنسهما ولا للعلم بهما ولا لاختلاف محلهما ~~ولا للإرادة لأحدهما # فوجب أن يحصل مع كسبه على هذه الصفة لكونه قادرا عليه # | مسالة # فإن قال فهل تزعمون أنه يستطيع أن يكتسب بنفسه أو بقدرة # قلنا لا بل بقدرة تحدث له # والدليل على ذلك كونه قادرا على الحركة مرة وغير قادر عليها أخرى وعلى ما ~~هو مثلها ومن جنسها مرة أخرى # | مسألة # فإن قال فهل تزعمون أنه يستطيع الفعل قبل اكتسابه أو في حال اكتسابه ~~PageV01P324 # قلنا لا بل في حالة اكتسابه ولا يجوز أن يقدر عليه قبل ذلك # فإن قال لم قلتم ذلك قيل له لأمور # منها أن القدرة على الكسب عرض لا يصح أن يبقى # فلو وجد الفعل في ثاني حال حدوثها وهي معدومة في تلك الحال لكان قد وجد ~~بقدرة معدومة قد كانت وفنيت # ولو جاز ذلك لجاز وقوع الإحراق بحرارة معدومة كانت وفنيت والبطش بيد ~~معدومة وذلك أجمع محال باتفاق # ولأن الإنسان لو كان يستطيع أن يفعل الفعل قبل كونه لكان في حال اكتسابه ~~له ومستغنيا عن ربه وغير محتاج إليه في أن يعينه على الفعل # ولو جاز أن يستغني عن معونة الله في حال الفعل لكان بالاستغناء عنه إذا ~~لم يكن فاعلا أولى # وذلك محال باتفاق # فوجب أن الاستطاعة مع الفعل للفعل & باب & # فإن قال قائل ولم قلتم إنه لا يجوز أن تبقى إلى حين وجود الفعل ولا شيء ~~من الأعراض # قيل ms184 له لأنه لو جاز بقاؤها لكانت إنما تبقى لنفسها أو لعلة # ولو بقيت لنفسها لبقيت في حال حدوثها وذلك محال # ولو بقيت لعلة لوجب أن تقوم بها العلل وذلك يوجب أن تكون جسما أو جوهرا ~~ليس بعرض وذلك فاسد لما قدمناه من قبل # | مسألة # فإن قالوا فإذا جاز أن يقدر القادر على الشيء في حال حدوثه PageV01P325 ~~ووجوده فأجيزوا أن يقدر في تلك الحال على ضده أو تركه # قيل لهم لا يجب ما قلتموه لأن الدليل قد قام على أن القدرة الواحدة ~~المحدثة لا يصح أن يقدر القادر بها على مقدورين لا مثلين ولا مختلفين غيرين ~~ولا ضدين ولا خلافين ليسا بضدين # فلو صح أن يقدر القادر منا على الفعل قبل حال حدوثه لم يجب أيضا أن يكون ~~قادرا على تركه # | مسألة # فإن قالوا لو جاز أن يقدر القادر على الشيء في حال حدوثه وهو موجود في ~~تلك الحال لصح أن يقدر عليه في الثاني والثالث من حال حدوثه مع اتصال وجوده ~~وذلك محال باتفاق # يقال لهم لو وجب ما قلتم لوجب إذا جاز أن يقدر القادر على الشيء قبل حال ~~حدوثه بوقت ووقتين أن يقدر عليه قبل حال حدوثه بسنة وسنتين لأن معدوم في ~~سائر هذه الأزمان ولجاز أن يقدر على الشيء بعد عدمه وتقضيه لأنه معدوم في ~~تلك الحال كما جاز أن يقدر عليه قبل حال حدوثه لأنه معدوم في تلك الحال ~~والعدم في سائر هذه الأحوال متساو غير متزايد # فإن لم يجب هذا لم يجب ما قلتم # ويقال لهم لو لزم ما قلتم للزم إذا كان الفاعل للشيء فاعلا له في حال ~~حدوثه وهو موجود في تلك الحال أن يصح كونه فاعلا له PageV01P326 في ثاني ~~حال حدوثه وثالثها مع اتصال وجوده لأنه موجود في هذه الأحوال # فإن لم يجب هذا أجمع عندنا وعندكم لم يجب أيضا ما سألتم عنه # | مسألة # فإن قالوا لو كانت القدرة مع الفعل في حالة واحدة لم يكن أحدهما بأن يكون ~~قدرة على صاحبه ms185 أولى من الآخر # قيل لهم لم قلتم ذلك ثم يقال لهم لو كان الجوهر موجودا مع الكون في حالة ~~واحدة لم يكن أحدهما بأن يكون كونا لصاحبه أولى من الآخر # وكذلك لو كانت حركة اليد مع حركة الخاتم ودخول الحجر في القدح مع خروج ~~الماء منه والإرادة مع المراد والعلم بالألم مع وجود الألم لم يكن السبب ~~بأن يكون سببا أولى من أن يكون مسببا ولا كانت الإرادة بأن تكون إرادة أولى ~~من أن تكون مرادا ولا كان العلم بالألم بأن يكون علما به أولى من المعلوم # فإن لم يجب ذلك عندنا وعندكم بطل ما قلتموه # | مسألة # فإن قالوا متى استطاع أن يطلق المطلق زوجته ويعتق المعتق عبده استطاع ذلك ~~في حال العتق والطلاق أم قبله # فإن قلتم إنه مستطيع لذلك في حال العتق والطلاق والمرأة ليست بزوجة في ~~حال الطلاق والمعتق ليس بعبد في حال العتق فإنما استطاع أن يطلق من ليست ~~بزوجة له ويعتق من ليس بعبد له PageV01P327 # وإن قلتم إنه قدر على الطلاق والعتق قبل وجودهما أقررتم بما نقول # قيل لهم المطلق والمعتق إنما يستطيع الطلاق والعتاق في حال وجودهما وقدر ~~في تلك الحال على طلاق من ليست بزوجة له في حال الطلاق وقد كانت زوجة له ~~قبل ذلك كما أنا وأنتم نقول إنما يطلق المطلق في حال وجود الطلاق من ليست ~~زوجة له في تلك الحال وقد كانت زوجة له قبل ذلك # وهذا هو الجواب عن سؤالهم عن القدرة على إلقاء العصا وكسر الكوز ~~والانتقال من الظل إلى الشمس وكل ما يوردونه من هذا الجنس # ثم يقلب هذا السؤال عليهم فيقال لهم متى طلق المطلق زوجته وأعتق المعتق ~~عبده أطلقها في حال وجود الطلاق أم قبل ذلك # فإن قالوا طلقها قبل وجود الطلاق خلطوا وصاروا إلى أن المرأة تطلق قبل ~~وجود طلاقها # وإن قالوا إنما طلق في حال وجود الطلاق منه # قيل لهم فإذا كانت المرأة عندنا وعندكم في تلك الحال ليست بزوجة فإنما ~~طلق من ms186 ليست بزوجة له # وكل جواب تعاطوه فهو جوابنا عما سألوا عنه # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ و ~~@QB@ لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها @QE@ PageV01P328 # قيل لهم المراد بذلك والله أعلم أنه لم يكلف أحدا من نفقات الزوجات إلا ~~ما وجد وتمكن منه دون ما لا تناله يده # ولم يرد به إثبات الاستطاعة قبل الفعل # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله عز وجل @QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية @QE@ # قيل لهم معنى ذلك على الذين يطيقون الصيام إن أرادوه وتكلفوه وعدلوا عن ~~الإفطار # والآية منسوخ حكمها على هذا التأويل # ويمكن أن يكون المراد وعلى الذين يطيقون الإطعام ولا يقدرون على الصيام ~~فدية إذا أفطروا # وقد قرىء ^ وعلى الذين يطوقونه فدية ^ يعني يؤمرون به ويكلفونه ولم يعرض ~~على هذه القراءة لذكر القدرة والطاقة # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا @QE@ # قيل لهم معناه أن الله أوجب الحج على كل من وجد زادا PageV01P329 وراحلة # وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الاستطاعة فقال ( زاد و ~~راحلة ) # ونحن لا ننكر تقدم الأجسام للفعل # وكذلك تأويل قوله @QB@ وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم @QE@ # وذم تعالى القاعدين عن الجهاد والحالفين أنهم غير مستطيعين إنما ينصرف ~~إلى الاستطاعة التي هي الظهر والمال دون استطاعة الأبدان # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله @QB@ قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم ~~من مقامك وإني عليه لقوي أمين @QE@ # قيل لهم أراد هذا العفريت أنه قوي عليه في حال حمله إن قواه الله على حسب ~~ما جرت به عادته كما يقول القائل أنا أقدر أن آتيك وأخاطبك في آخر اليوم ~~وآخر الشهر على تأويل إن أقدرني الله على ذلك وعلى أنه يقدر في غالب ~~الأحوال # فإن لم يكن العفريت عني ذلك فقد كذب وافترى في دعواه بقدم قدرته والغنى ~~عن ربه # ولعل سليمان صلى الله عليه قد أنكر عليه وأدبه # فلا ms187 حجة في دعوى العفاريت PageV01P330 # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله تعالى @QB@ فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ # قيل لهم معناه ما كنتم مستطيعين للفعل أو لتركه غير مؤوفين ولا عاجزين # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله @QB@ فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا @QE@ # قيل لهم معناه أن من لم يستطع الصيام لعجز أو آفة فعليه الإطعام دون من ~~لم يستطعه لإيثار تركه # | مسألة # فإن قالوا فإذا قلتم إن القادر منا على الفعل لا يقدر عليه إلا في حال ~~حدوثه ولا يقدر على تركه وفعل ضده لزمكم أن يكون في حكم المطبوع المضطر إلى ~~الفعل # قيل لهم لا يجب ما قلتم لأنه ليس ها هنا مطبوع على كون شيء أو تولد عنه # وأما المضطر إلى الشيء فهو المكره المحمول على الشيء الذي يوجد به شاء أم ~~أبى # والقادر على الفعل يؤثره ويهواه ولا PageV01P331 يستنزل عنه برغبة ولا ~~رهبة # فلم يجز أن يكون مضطرا مع كونه مؤثرا مختارا # ولو كان الأمر على ما وصفتموه لوجب أن يكون الفاعل للشيء مضطرا إليه في ~~حاله لأنه في تلك الحال غير قادر عندنا وعندكم على تركه # فبطل ما سألتم عنه # | مسألة # فإن قال قائل فجميع الذين لم يفعلوا ما أمروا به غير قادرين على ذلك # قيل له أجل هم غير قادرين عليه لتركهم له لا لعجزهم عنه # | مسألة # فإن قال قائل أتزعمون أن الله يكلف عباده ما لا يطيقون # قيل له هذا كلام على أمرين # فإن أردت بعدم الطاقة عدم القدرة على الفعل فذلك جائز # وإن أردت بعدم الطاقة وجود ضدها من العجز فلا يجوز ذلك # لأن العجز يخرج عن الشيء وضده ولا وجه لتكليف من هذا سبيله # وعدم القدرة على الشيء لا يوجب ذلك # | مسألة # فإن قال قائل تقولون إن الله يكلف عباده ما لا يطيقون حسب ما ذكرتم # فما الدليل على جواز هذا التكليف وحسنه من القديم PageV01P332 # قيل له قوله تعالى @QB@ وكانوا لا يستطيعون سمعا @QE@ # والسمع ها هنا القبول باتفاق لأن الكفار قد كانوا يسمعون ما ms188 يؤمرون به ~~وينهون عنه ويدركون دعوة الرسل # وهو محمول على تأويل قولهم فلان لا يسمع ما يقال له ولا يسمع مما نقوله ~~شيئا أي لا يقبل ذلك # وليس يريدون أنه لا يدرك الأصوات # ويدل على ذلك أيضا قوله @QB@ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو ~~حرصتم @QE@ # وقد أمر الله بالعدل بينهن وأوجبه مع إخباره أنا لا نستطيع ذلك # ويدل على صحة ذلك من القديم وأنه عدل وحكمة إخباره عمن أحسن الثناء عليه ~~والمدح له أنهم رغبوا إليه في أن لا يحملهم ما لا طاقة لهم به # فقال إخبارا عنهم @QB@ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به @QE@ # فلو كان تكليف ما لا يطاق ظلما وعبثا وقبيحا من الله تعالى لكانوا قد ~~رغبوا إليه في أن لا يظلمهم ولا يسفه عليهم ولا يوجب من الأوامر ما يخرج به ~~عن حد الحكمة # والله أجل من أن يثني على قوم أجازوا ذلك عليه # فدل هذا أيضا على ما وصفناه & باب & # فإن قال قائل وهل يحسن مثل هذا التكليف منا أو يسوغ لنا قيل له أجل لأنا ~~قد نكلف القاعد القيام والتصرف في حال قعوده PageV01P333 وهو لا يقدر في ~~تلك الحال على ما نكلفه لما قد أوضحناه من الدليل فوجب صحة ذلك من فعلنا & ~~باب الكلام في إبطال التولد & # قال أبو بكر فإن قال قائل خبرونا عن الألم الموجود عند الضرب والكسر ~~الحادث عند الزج وذهاب الحجر الموجود عند الدفعة والألم واللذة الحادثين ~~عند الحكة وغير ذلك من الحوادث الموجودة عند PageV01P334 وجود حوادث أخر هل ~~هي عندكم كسب للضارب الدافع على سبيل التولد أم مخترعة لله وغير كسب لأحد ~~من الخلق # قيل له بل هي عندنا مما ينفرد الله تعالى بخلقها وليست بكسب للعباد # فإن قال ولم أنكرتم أن تكون من أفعال العباد وواقعة منهم على سبيل التولد ~~عن الأسباب التي يكتسبونها في أنفسهم من الحركات والاعتمادات # قيل له أنكرنا ذلك لأجل أنه لو كانت هذه الحوادث اكتسابا للعبد لم تخل من ~~أن يكون ms189 فاعلها من الخلق قادرا عليها أو غير قادر عليها # فإن كان غير قادر عليها صح وقوع جميع أفعاله منه وهو غير قادر عليها # لأنه ليس بعض الأفعال بالغنى عن كون فاعلها قادرا عليه بأولى من غنى ~~سائرها عن ذلك # كما أنه لو جاز وأمكن وقوع بعض الأفعال لا من فاعل لجاز ذلك في جميعها ~~ولم يكن بعضها بالغنى عن فاعل أولى من بعض # وإذا كان ذلك كذلك لم يجز أن يكون فاعل هذه الأمور من الخلق غير قادر ~~عليها # وإن كان الفاعل لها قادرا عليها فلا يخلو أن يكون قدر عليها في حال ~~وجودها أو في حال وجود أسبابها التي تقدمتها PageV01P335 # فإن كان قادرا عليها في حال وجودها فلا يخلو أن يكون قدر عليها بالقدرة ~~على سبيها المتقدم على وجود المسبب أو بقدرة توجد معها في حالها # فإن كان قادرا عليها بالقدرة على سبيها وقد تكون مخالفة لأسبابها فسد ذلك ~~من وجهين # أحدهما ما ذكرنا وبيناه قبل هذا الباب من استحالة تقدم القدرة على الفعل ~~ووجودها مع عدمه وكونها قدرة على ما يوجد بعد وجودها # والوجه الآخر ما ذكرنا أيضا سالفا من استحالة تعلق القدرة المحدثة ~~بمقدورين مثلين أو ضدين أو خلافين ليسا بضدين # وإذا فسد ذلك بما شرحناه استحال أن تكون هذه الحوادث مقدورة للعبد ~~بالقدرة على ما هو عند القوم سبب لهما # وإن كان العبد قادرا على هذه الحوادث بقدرة تقارنها وتوجد معها وتكون ~~قدرة عليها كالقدرة على المباشرة من الأفعال بطل ذلك من وجوه على قولنا ~~وقولهم # فأما وجه بطلانه على قولنا فهو أنه لو صح أن يقدر منا على هذه الحوادث ~~بقدرة توجد معها لم يحتج مع وجود تلك القدرة عليها إلى وجود سبب لها تتولد ~~عنه ولصح أن يفعلها بالقدرة مع عدم الأسباب كما لا يحتاج في كونه مكتسبا ~~للمقدورات المباشرات من مقدوراته في نفسه إلى وجود أسباب لها تتولد عنها # لأنه لا دليل يلجىء إلى ذلك ويوجبه PageV01P336 مع وجود القدرة عليها كما ~~أنه لا ms190 دليل يوجب أن لا يفعل العبد المباشرات من مقدوراته في نفسه إلا ~~بأسباب تتولد عنها وكما أنه لا دليل أيضا يوجب أن لا يفعل القديم ما قدر ~~عليه إلا بأسباب تولده وتوجبه # وهذا يبطل كونها متولدة ويدخلها في معنى المباشرة من الأفعال # والوجه الآخر أنه لو كان الفاعل لهذه الأسباب قادرا عليها بقدرة تقارنها ~~لصح أيضا أن يقدر على أضدادها بدلا من القدرة عليها بقدرة تقارنها # فكان يجب أن تصح قدرة العبد على تسكين الحجر والسهم وحبسهما متى لم يكن ~~قادرا على تحريكهما وأن لا يصح خلوه من فعل الحركة والسكون في جسم غيره إذا ~~لم يكن ميتا ولا عاجزا # لأن من صحت قدرته على الشيء وقدرته على ضده لم ينفك من القدرتين جميعا ~~على الضدين إلا بالعجز عنهما أو بالموت المخرج للميت عن صحة كونه قادرا على ~~شيء أصلا # وفي العلم بأن العبد قد يخلو من القدرة على تحريك جسم غيره وتسكينه مع ~~كونه حيا سليما غير عاجز ولا مؤوف دلالة على فساد هذا القول # وعلى أنه لو صح أن يقدر العبد على تحريك ما قرب منه من الأجسام وعلى ~~تسكينه بغير سبب لصح أن يقدر على تحريك الجسم وتسكينه بغير سبب إذا كان هو ~~بمدينة السلام والجسم بأقصى تخوم خراسان # ولو صحت قدرته على ذلك لصحت قدرته على ذلك في سائر الأجسام ولم يكن بعضها ~~أولى من بعض # وفي فساد ذلك دليل على سقوط هذا القول PageV01P337 وأما ما يدل على فساد ~~ذلك على قولهم فهو أنه إذا قدر على المتولد بقدرة توجد معه صحت القدرة على ~~الموجود في حال وجوده وذلك باطل عندهم وخرجت هذه الحوادث أيضا عن أن تكون ~~متولدة ولحقت بالمباشرة من الأفعال إذا لم يكن ها هنا دليل يلجىء إلى ~~حاجتها إلى الأسباب مع وجود القدرة عليها # وكما أنه لا تحتاج عندهم في حال وجودها إلى قدرة عليها فكذلك لا تحتاج ~~إلى سبب يولدها # ولو لم تحتج إلى الأسباب لصح أن أحرك الجسم وإن لم ms191 أفعل سببا لتحريكه ~~ولوجب أن أسكنه إذا لم أحركه وذلك باطل # وإذا كان ذلك كذلك فقد فسد كون القادر منا قادرا على هذه الحوادث بقدرة ~~توجد معها أو قبلها # فإذا فسد ذلك بطل أن تكون أفعالا للعبد إذا كان لا بد من كونه قادرا على ~~ما هو فعل له # وهذا يبطل ما قالوه بطلانا ظاهرا # ثم يقال لهم ما الدليل على أن هذه الحوادث أفعال للعباد # فإن قالوا الدليل على ذلك أنا نجدها واقعة عند وجود هذه الأسباب وبمقدار ~~قصد العبد إليها وبحسب قدرته عليها وكونها تابعة في الوجود لأسبابها # لأن الإنسان إذا أراد اليسير من إيلام غيره وحركته دفعا يسيرا وضربه ضربا ~~رفيقا # وإذا أراد الكثير من إيلامه وتحريكه ضربة الضرب الشديد فكان عند ذلك ~~الألم الكثير # وإذا قصد إلى ذهاب الحجر في جهة منه دفعه في تلك ولم يدفعه في غيرها # وكل هذا يدل على PageV01P338 أن هذه الحوادث فعل للعبد الفاعل لما يكون ~~عنده من هذه الأمور # يقال لهم لم قلتم ذلك وما دليلكم عليه ففي نفس هذا خالفناكم فلا تجدون ~~فيه متعلقا سوى الدعوى # ثم يقال لهم فيجب على موضوع اعتلالكم لو أجرى الله العادة بفعل سكون ~~الحبل وحبس الحجر في مكانهما عند مباينة يد الإنسان لهما وترك اعتماده ~~عليهما وفعل تحريكهما وخروجهما عن المكان عند مماسة يد الإنسان لهما ~~واعتماده عليهما حتى يحبس الحجر في مكانه ويسكنه كلما فارقه العبد وباينه ~~ويخرجه عن المكان ويفعل ذهابه كلما ماسه واعتمد عليه وقصد حبسه في المكان ~~أن يكون ذهاب الحجر عن المكان وحركته متولدا عن مباينة يده له وترك اعتماده ~~عليه وذهابه وخروجه عن المكان متولدا عن مماسة يده له واعتماده عليه في جهة ~~المكان وقصده إلى حبسه فيه إذا فعل الله ذلك أبدا على وتيرة واحدة وأجرى به ~~العادة لأن ذلك مقدور عندنا وعندكم # وكذلك لو أجرى العادة بأن يفعل الألم الشديد العظيم عند الضرب اليسير ولا ~~يفعل الألم العظيم الكثير عند شديد الضرب بل يفعل ما ms192 ينافيه من اللذات لوجب ~~أن يكون يسير الضرب مولدا لعظيم الألم وشديده مولدا ليسيره # ولو أجرى العادة بأن يفعل اجتماع أجزاء الكون ومجاورتها عند الزجة وتفرق ~~أبعاضه ومباينتها عند إمساكه الرفيق في اليد PageV01P339 وحبسه لوجب أن ~~يكون الكسر متولدا عن حبسه في اليد والصحة والاجتماع والمجاورة متولدا عن ~~دفعه وزجه إذا أجرى العادة بأن يجعل ذلك على وتيرة واحدة # فإن مروا على هذا تجاهلوا وتركوا قولهم وإن أبوه وقالوا لو أجرى العادة ~~بفعل ذلك لم تكن هذه الأسباب مولدة لما سألتم عنه أبطلوا دليلهم إبطالا ~~ظاهرا # وإن قالوا هذا مما لا يجوز أن يفعله الله لأن فيه لو فعله إفسادا للأدلة # قيل لهم هذا جهل عظيم منكم لأنه لو كان ما ذكرتموه دليلا عقليا صحيحا لم ~~يجز فساده بفعل من الأفعال يخرج إلى الوجود كما أنه لا يجوز إفساد دلالة ~~تعاقب الأعراض على الأجسام على حدوثها بفعل يخرج إلى الوجود # وكل ما جوزنا فساده يوما ما من الأدلة العقلية خرج عن أن يكون دليلا # ثم يقال لهم ويجب على اعتلالكم هذا أن يكون حدوث الموت عند ضرب العنق ~~واللذة عند الحكة واللون عند الضرب والبياض والصلابة في الدبس عند سوطه ~~والصحة عند الشد والجبر PageV01P340 وحدوث النماء عند السقي والتسميد فعلا ~~لضارب العنق وفاعل الحكة وسائط الدبس ومسقي الزرع ومسمده # وكذلك الشبع والري والإسكار يجب أن يكون فعلا للآكل والشارب # فإن مروا على هذا أجمع تركوا قولهم لأنه ليس منهم من يجمع بين جميع هذه ~~الأقاويل # وإن أبوه أو شيئا منه نقضوا اعتلالهم نقضا ظاهرا # وبالله التوفيق & باب الكلام في خلق الأفعال & # إن قال قائل لم قلتم إن الباري عز وجل خالق لجميع أفعال العباد ~~PageV01P341 # قيل له الدليل على ذلك من جهة العقول أنه تعالى قادر على جميع الأجناس ~~التي يكتسبها العباد # فإذا ثبت من قولنا جميعا أنه قادر على فعل مثل ما يكتسبه العباد على ~~الوجه الذي يوجد عليه كسبهم وجب أنه قادر على نفس كسبهم # لأنه لو لم يقدر ms193 عليه مع قدرته على مثله لوجب عجزه عنه واستحالة قدرته ~~على مثله # فثبت بذلك أن أفعال الخلق مقدورة له فإذا وجدت كانت أفعالا له # لأن القادر على الفعل إنما يكون فاعلا له إذا حصل مقدوره موجودا وليس ~~يحصل المقدور مفعولا إلا لخروجه إلى الوجود فقط # فدل ما قلناه على خلق الأفعال # ومما يدل أيضا على خلق أعمال العباد علمنا بوقوعها على أحكام وأوصاف ~~وحقائق لا يعلمها العباد من نحو كونها أعراضا وأجناسا مختلفة وأدلة على ما ~~هي أدلة عليه وموجودة على صفة دون صفة مع العلم بجحد كثير منهم للأعراض ~~وإنكار الأدلة عليها والجهل بحقائق ما وقعت عليه الأفعال والصفات التي هي ~~عليها # وليس يجوز أن يخلقها على الحقائق والأحكام والأوصاف التي قدمنا ذكرها ~~الساهي عنها والجاهل بحقائقها ومن ليس بقاصد إلى إيجادها # لأن ذلك لو جاز لجاز وقوع جميع المخلوقات من فاعل هذه سبيله ولاستغنى ~~جميعها عن أن يكون فاعلها عالما قاصدا كما أنه لو جاز وقوع بعضها من غير ~~فاعل لجاز ذلك في جميعها # وهذا يوجب بطلان دلالة شيء من الخلق على علم فاعله وقصده تعالى عن ذلك ~~فثبت أن الخالق لضروب الأفعال هو الله العالم بحقائقها والقاصد إلى إيجادها ~~PageV01P342 # ومما يدل على ذلك أيضا من القرآن قوله تعالى @QB@ والله خلقكم وما تعملون ~~@QE@ # فأخبر أنه خالق لنفس عملنا كما قال @QB@ جزاء بما كانوا يعملون @QE@ ~~فأوقع الجزاء على نفس أعمالهم # فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون أراد أنه خلق الأصنام التي عملوا فيها # قيل لهم الأصنام أجسام والأجسام لا يجوز أن تكون أعمالا للعباد على ~~الحقيقة # فإن قالوا أليس قد قال تعالى @QB@ تلقف ما يأفكون @QE@ وهي لم تلقف إفكهم # قيل لهم أجل لأن الله تعالى ما ذكر إفكهم بل ذكر مأفوكهم لأن ما يأفكون ~~هو المأفوك كما أن ما يأكلون ويشربون ويضربون هو المأكول والمشروب والمضروب # وكذلك قوله @QB@ أتعبدون ما تنحتون @QE@ لم يعرض تعالى فيه لذكر النحت ~~وإنما ذكر المنحوت لأن ما ينحتون هو منحوتهم لا نحتهم # فبطل تعلقهم ms194 وتعليلهم # ويدل على ذلك أيضا من القرآن قوله عز وجل @QB@ وقدرنا فيها السير سيروا ~~فيها ليالي وأياما آمنين @QE@ # والتقدير منه هو خلق الشيء PageV01P343 وجعله على مقدار ما وإيقاعه بحسب ~~قصده وإرادته # ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى @QB@ ومن آياته خلق السماوات والأرض ~~واختلاف ألسنتكم وألوانكم @QE@ # يريد تعالى باختلاف الألسن عند كافة أهل التأويل اختلاف اللغات والكلام ~~بالألسن ولم يرد اختلاف مقاديرها لأنه يبطل معنى تخصيص اختلاف الألسن بكونه ~~آية له فلما كان كلامنا المختلف من آياته وجب أن يكون خلقا له تعالى # ويدل ذلك أيضا على قوله تعالى @QB@ وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم ~~بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ # يقول تعالى كيف لا أعلم ما تسرونه وتخفونه من القول وأنا الخالق له لأن ~~خلقه لموضع القول لا يدل عندنا وعندهم على العلم بما فعل فيه كما لا يدل ~~عندهم بناء الدار وعمل الطوب على علم فاعله بما أودعه غيره وجعله فيه # والله تعالى جعل كونه خالقا دليلا على علمه فيجب أن يكون إنما عنى خلقه ~~نفس القول دون خلقه مكانه وموضعه # ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى @QB@ هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء ~~والأرض @QE@ # ففي أن يكون خالقا غيره كما نفى إلها غيره في قوله @QB@ من إله غير الله ~~يأتيكم بليل تسكنون فيه @QE@ PageV01P344 # فإن قالوا إنما نفى خالقا غيره يرزق من السماء والأرض # قيل لهم وكذلك إنما نفى إلها غيره يأتي بليل تسكنون فيه # فإن مروا على هذا فارقوا الدين وإن أبوه أبينا تأويلهم # ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى @QB@ والذين يدعون من دون الله لا يخلقون ~~شيئا وهم يخلقون @QE@ # وقد عبدت الإنس الملائكة وقد نفى الله تعالى أن يكونوا خالقين لشيء على ~~وجه # ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى ^ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم ^ # فحكم تعالى بشرك من ادعى أنه يخلق كخلقه ومن أثبت ذلك لأحد من خلقه # فلو كان العباد يخلقون كلامهم وحركاتهم وسكونهم إرادتهم وعلومهم وهذه ms195 ~~الأجناس أجمع كخلقه ومن جنس ما يوجده لكانوا قد خلقوا كخلقه وصنعوا كصنعه ~~ولتشابه على الخلق خلقه وخلقهم تعالى عن ذلك # | ذكر شبه لهم ونقضها # قد قالوا لو كانت أفعالنا خلقا لله لكانت مقدورة لنا وله # ولو كان ذلك كذلك لجاز أن نفعلها ويتركها هو أو نتركها ويفعلها فيكون ~~الشيء الواحد مفعولا متروكا PageV01P345 # قيل لهم هذا باطل لأن الإنسان لا يقدر على الفعل إلا في حال وجوده فلا ~~يجوز أن يتركه في حال قد وجد فيها # ولا يجوز أيضا أن يتركه الله في تلك الحال لأنه هو الموجد لعينه دون ~~العبد الذي يكسبه فلو تركه لم يكن موجودا # فإن قالوا الدليل على أن أفعالنا خلق لنا كونها واقعة بحسب قصودنا ~~وإرادتنا وامتناعنا منها إذا شئنا # قيل لهم ما أنكرتم أن يكون الله هو الخالق لها والخالق لقصودكم إليها وهو ~~التارك لخلقها في حال انصرافكم عنها وإعراضكم عن القصد إلى اكتسابها فلا ~~يجدون في ذلك متعلقا # فإن قالوا الدليل على أنه لا يجوز أن تكون أفعالنا خلقا لله تعالى أنه لو ~~كان هو الخالق لها لم يصح أمره بها ونهيه عن بعضها وإثابته على الحسن ~~الجميل منها وعقابه على القبيح من جملتها # قيل لهم لم قلتم ذلك فلا يجدون في ذلك وجها ثم يقال لهم ما أنكرتم أن لا ~~يكون الله تعالى آمرا لأحد من خلقه بخلق شيء من الأفعال ولا ناهيا له عن ~~ذلك ولا مثيبا لأحد على أن خلق شيئا ولا معاقبا له على ذلك لأن الخلق ~~مستحيل من العبد وأن يكون إنما أمر باكتساب ما خلقه ونهى عن ذلك وأثاب ~~وعاقب وذم ومدح ووعد وتوعد على أن اكتسب العبد ما نهى عنه وأمر به فقط بل ~~ما أنكرتم أن يكون إنما جعل هذه الأفعال علما على إثابة من أحب إثابته ~~وعقاب من أحب عقابه فقط PageV01P346 # فإن قالوا لا نعقل معنى قولكم اكتسب الفعل حتى نعقل الأمر به والنهي عنه # قيل لهم معنى الكسب أنه تصرف في الفعل بقدرة ms196 تقارنه في محله فتجعله بخلاف ~~صفة الضرورة من حركة الفالج وغيرها # وكل ذي حس سليم يفرق بين حركة يده على طريق الاختيار وبين حركة الارتعاش ~~من الفالج وبين اختيار المشي والإقبال والإدبار وبين الجر والسحب والدفع # وهذه الصفة المعقولة للفعل حسا هي معنى كونه كسبا # فلا معنى لدعواكم أن ما نقوله غير معقول # فإن قالوا الدليل على أن الله غير خالق لأفعال العباد أن منها الظلم ~~والجور والفساد # فلو كان خالقا لها لكان بخلق الظلم والجور والسفه ظالما جائرا سفيها # فلما لم يجز ذلك صح ما قلناه # يقال لهم لم قلتم إن هذا واجب وما دليلكم عليه # فإن قالوا لأن فاعل الظلم منا ظالم وفاعل الجوز منا جائر # قيل لهم ما أنكرتم أن يكون فاعل الظلم والجور منا ظالما جائرا لأنه منهي ~~عنه وفاعل له في نفسه ولنفسه والقديم تعالى يخلق الظلم والجور والسفه جورا ~~وظلما وسفها لغيره لا لنفسه ولا في نفسه # وهو PageV01P347 تعالى غير مأخوذ بذلك ولا مطالب بتركه ولا مخالف بفعله ~~أمر من يلزمه طاعته والانقياد له # فبطل ما قلتم # ثم يقال لهم إن وجب أن يكون الباري بفعل الظلم ظالما قياسا على الشاهد ~~وجب أن يكون بفعل الإرادة لغيره مريدا وبفعل فساد الزرع ودم الحيض الذي هو ~~أدى كما أخبرنا مريدا مؤذيا مفسدا لأن فاعل الإرادة والأذى والفساد منا ~~مفسد مؤذ مريد # فإن مروا على ذلك فارقوا الدين وإن أبوه لعله ما تركوا التعلق بالوجود # ويقال لهم فيجب على اعتلالكم أن يكون الباري سبحانه بخلقه حركة غيره ~~وموته وحياته وعلمه وجهله وصحته وسقمه وجنونه وهوسه ولونه وضرورته متحركا ~~متلونا وحيا وميتا ومضطرا وصحيحا وسقيما # فإن مروا على ذلك فارقوا الدين وإن أبوه تركوا اعتلالهم # ويقال لهم قولنا ظالم وجائر إنما أخذ في اللغة من جار وظلم ولم يؤخذ من ~~فعل الجور والظلم # كما أن قولنا ضارب ومتلون ومتحرك إنما أخذ من قولنا تحرك وضرب وتلون لا ~~من خلق الحركة والضرب واللون وفعل ذلك # فكما جاز أن ms197 يخلق الحركة واللون والضرب من ليس بضارب متلون متحرك جاز ~~أيضا أن يخلق الظلم والجور من ليس بظالم ولا جائر # ولا جواب عن ذلك PageV01P348 & باب ذكر آيات من القرآن يحتج بها القدرية ~~في أن العباد يخلقون أفعالهم & # وإن استدلوا بقوله تعالى @QB@ وتخلقون إفكا @QE@ فالجواب عنه أنه تعالى ~~عنى إنكم تختلقون كذبا أي تتخرصون وتكذبون كذبا # فالخلق يكون بمعنى الكذب والاختلاق # ومنه قوله تعالى @QB@ إن هذا إلا اختلاق @QE@ و @QB@ إن هذا إلا خلق ~~الأولين @QE@ يعنون كذبهم # وقولهم هذا حديث مخلوق يريدون به هذا المعنى # وإن استدلوا بقوله عز وجل @QB@ وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني @QE@ # فالمراد بذلك إنك تقدر بقلبك وتصور بيدك # والخلق يكون بمعنى تقدير القلب وفكرته ويكون معناه تصوير اليد وحركاتها ~~واعتماداتها التي يخلق عنده أشكال ما ماسته اليد وباشرته # ونحن لا ننكر أن يكون عيسى عليه السلام مفكرا بقلبه ومحركا ليده وجوارحه ~~حركات وفكرا يخلق الله عنده اجتماع المصدورات من الأجسام PageV01P349 # قال الشاعر زهير # ( ولأنت تفري ما خلقت % وبعض القوم يخلق ثم لا يفري ) يعني تمضي ما قدرت ~~ومنهم من يقدر ثم لا يمضي # وقال آخر # ( ولا ينيط بأيدي الخالقين ولا % أيدي الخوالق إلا جيد الأدم ) يريد أيدي ~~المقدرين للأدم بأيديهم وقلوبهم # وإن استدلوا بقوله تعالى @QB@ فتبارك الله أحسن الخالقين @QE@ فالجواب ~~عنه أنه تعالى عنى وهو أعلم أحسن المقدرين تقديرا وأحسن المصورين تصويرا # يقول إن تصويره ألطف وأحسن من تصويرهم وإن تقديره التي هي إرادته وقصده ~~أصوب من تقديرهم وارتيائهم # ويحتمل أن يكون الله تعالى لما ذكر نفسه مع غيره الذي ليس بخالق سماهم ~~باسمه مجازا واتساعا # كما قالوا عدل العمرين يعنون أبا بكر وعمر # وكما قالوا الأسودان يعنون الماء والتمر # وكما قال الشاعر # ( أخذنا بآفاق السماء عليكم % لنا قمراها والنجوم الطوالع ) يعني الشمس ~~والقمر # فكذلك قوله الخالقين والخالق منهم واحد PageV01P350 # فإن قالوا الألف الذي في قوله أحسن ألف مبالغة لا يدخل في مثل هذا الكلام ~~إلا للاشتراك وإيقاع التفاضل في الوصف # قيل لهم الأصل في هذه ms198 الألف كما زعمتم # إلا أنها قد تجيء للإفراد بالوصف وتكذيب دعوى من ادعى مشاركة ما ليس له ~~الوصف لما هو له نحو قوله تعالى @QB@ آلله خير أما يشركون @QE@ على وجه ~~التكذيب لدعواهم الخير فيما يشركون به وقول حسان بن ثابت # ( أتهجوه وليست له بند % فشركما لخيركما الفداء ) يعني إن كان في هجاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم خير على ما ادعاه # وكذلك قول الفرزدق # ( إن الذي رفع السماء بنى لنا % بيتا دعائمه أعز وأطول ) يريد إن كان بيت ~~جرير عزيزا طويلا على ما يدعيه # وكذلك قوله تعالى @QB@ وهو أهون عليه @QE@ يعني عندكم وفي اعتقادكم ~~وظنونكم أن ابتداء الشيء على كل فاعل أهون عليه من إعادته # فكذلك PageV01P351 قال @QB@ وله المثل الأعلى @QE@ فكذلك لما علم الله أن ~~قوما ادعوا مع الله خلقا غيره منكم وممن سلف من إخوانكم قال @QB@ فتبارك ~~الله أحسن الخالقين @QE@ الذي ادعى المبطلون أنهم يخلقون فسقط ما توهموه # فإن قالوا أفليس قد قال الله تعالى ^ الذي أحسن كل شيء خلقه ^ فكيف يكون ~~القبيح من خلقه وليس بحسن # قيل لهم ليس أحسن من معنى حسن بسبيل وإنما معنى أحسن أنه يحسن ويعلم كيف ~~يخلق كما يقال فلان يحسن الظلم ويحسن السفه ويحسن فعل الخير والجميل أي ~~يعلم كيف يفعل ويعرفه # وليس معنى قولهم يحسن القبيح والسفه أنه يجعل ذلك حسنا فبطل ما قلتم # فإن قالوا أفليس قد قال الله عز وجل ^ وما خلقنا السموات والأرض وما ~~بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا ^ وقال @QB@ وما خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق @QE@ # والباطل من أفعال العباد ليس بحق # قيل لهم معنى ذلك أنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما وهو لا يريد ~~إثابة المتقين الطائعين ولا مجاراة المسيئين المذنبين والكافرين على ما ~~يتوهمه من زعم أنه لا حشر ولا نشر ولا ثواب ولا عقاب # فلذلك قال تعالى @QB@ ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار @QE@ ~~يعني من إنكارهم الثواب والجزاء والعقاب PageV01P352 وقوله @QB@ وما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ms199 @QE@ يعني أنه ما خلق ذلك إلا بقوله ~~وكلامه الذي هو الحق # ويمكن أن يكون عنى إني ما خلقتهما ظالما لخلقهما ولا تجاوزت بفعلهما أمر ~~آمر ولا زجر زاجر # ويحتمل أن يكون عني إني ما خلقتهما وكلفت أهلهما إلا وأنا مريد لإثابة ~~الطائعين وعقوبة العاصين # | مسألة # فإن قالوا أفليس قد قال الله @QB@ ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت @QE@ ~~فيكف يجوز أن يكون خالقا للكفر والقبائح وهي أفعال فاسدة متفاوتة # يقال لهم إن الله تعالى خبر أنه لا يرى في خلق السموات من تفاوت لأنه قال ~~@QB@ خلق سبع سماوات طباقا @QE@ يعني بعضها فوق بعض @QB@ ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت @QE@ يعني السموات والأرض ثم قال @QB@ فارجع البصر @QE@ ~~يعني في السماء @QB@ هل ترى من فطور @QE@ يعني من صدوع وشقوق يريد الإخبار ~~عن إتقان فعلها وعجيب صنعها # والكفر لا فطور فيه ولا شقوق # ولولا الجهل ما تعلقوا بمثل هذا التأويل # | مسألة # فإن قاولوا فما معنى قول الله تعالى ^ أن الله بريء من PageV01P353 ~~المشركين ) وتبرئة من شركهم قيل لهم إن الله تعالى لم يعرض في هذه الآية ~~لذكر الشرك بتول له ولا تبرو منه # وإنما قال @QB@ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين @QE@ ~~إلى قوله ^ أن الله بريء من المشركين ورسوله ^ يعني من العهود والمواثيق ~~التي كانت بينهم وبين رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قال @QB@ إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام @QE@ # فيجب على تأويلهم ألا يكون قد برىء من شرك الذين عاهدوا منهم وهذا جهل من ~~قائله # ويقال لهم فيجب على تأويلكم أن تكون براءة الرسول منهم براءة من خلق ~~فعلهم وهذا جهل لا يقوله أحد # فدل ذلك على أن التأويل ما ذكرناه # ثم يقال لهم فيجب أن يدل قوله تعالى @QB@ الله ولي الذين آمنوا @QE@ على ~~أنه متول لخلق برهم وإيمانهم # فإن مروا على هذا تركوا دينهم وقالوا بالحق وإن أبوا هذا التأويل أبطلوا ~~استدلالهم وتعلقهم # | مسألة # وإن قالوا فما معنى قوله ^ يلوون ألسنتهم بالكتاب PageV01P354 لتحسبوه من ~~الكتاب وما هو ms200 من ا لكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ) # قيل لهم معنى ذلك أنهم كذبوا التوراة وحرفوها وكتموا صفة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وآله والبشارة به وادعوا أن الله تبارك وتعالى كذلك أنزل التوراة ~~وتعبدهم أن يقولوه # فأنكر الله ذلك وقال ^ وما هو من عند الله أي لم أنزل التوراة كذلك ولا ~~تعبدتهم بالإخبار بما أخبروا به # ولم تكن المناظرة في خلق الأفعال فيكون للجهال في ذلك متعلق # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله ^ فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان ~~^ فكيف لم يقل هذا من عمل الرحمن # قيل لهم لا خلاف بين الأمة أن وكز موسى القبطي ليس من عمل الشيطان وخلقه ~~فلا تعلق لكم في الظاهر # وإنما أراد عليه السلام أنه من جنس الشر الذي يفعله الشيطان وأنه من دين ~~الشيطان ومما يأمر به ويدعو إليه وأنه ليس من دين الرحمن ولا مما تعبد به ~~ودعا إليه وضمن الثواب عليه # ولم يرد إخراج الباري عز وجل عن الخلق وإثبات شريك له فيه من شيطان أو ~~غيره # لأن هذا شرك من قائله وهو نبي يجل PageV01P355 عن هذه الصفة وهذا هو معنى ~~قول أبي بكر الصديق وابن مسعود وغيرهما من الصحابة وإن يكن خطأ فمن الشيطان # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ~~@QE@ # قيل لهم معنى ذلك إلا ليطيعه من في المعلوم أنه يطيع وينقاد دون من علم ~~أنه لا يطيع ولا ينقاد # ويمكن أن يكون التأويل في ذلك إلا ليأمر بطاعته والانقياد له فيكون معنى ~~إلا ليطاع إلا ليأمر بطاعته جميع المكلفين لا لتقع الطاعة من جميعهم # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~@QE@ # قيل لهم أراد بعض الجن والإنس وهم الذين علم أنهم يعبدونه # لأنه قال تعالى في آية أخرى @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~@QE@ أي إنه خلق لجهنم كثيرا من الجن والإنس # فإن قالوا معنى ms201 ذلك إنا سنذرأ PageV01P356 # قيل لهم وقوله @QB@ إلا ليطاع بإذن الله @QE@ يعني في الآخرة وقوله @QB@ ~~ليعبدون @QE@ يعني في المعاد # وإن عبادته والاعتراف به والتصديق له يقع في الآخرة اضطرارا وإن كان من ~~جنس الطاعة إذا وقع اختيارا # ويمكن أيضا أن يكون المراد بقوله @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~@QE@ أي ما خلقتهم إلا لآمرهم بعبادتي # ويكون المقصود بالأمر بالعبادة من بلغ حد التكليف من عقلاء الجن والإنس ~~دون غيرهم # فسمى الأمر بالعبادة عبادة لما بينهما من التعلق # وهذا أيضا ليس ببعيد في التأويل # | مسألة # وإن سألوا فقالوا ما معنى قوله @QB@ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى ~~على الهدى @QE@ # قيل لهم معنى ذلك أن قوما من أصحاب ثمود آمنوا فاهتدوا ثم ارتدوا عن ~~الإيمان وكفروا واستحبوا العمى على الهدى # ويمكن أن يكون أراد أنه هدى فريقا من ثمود فاستحب فريق منهم آخر العمى ~~على الهدى # لأن الله تعالى أخبر أنهم فريقان فقال عز من قائل @QB@ ولقد أرسلنا إلى ~~ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون @QE@ PageV01P357 # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله @QB@ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان @QE@ فكيف يكون خالقا لمحبة ~~الكافرين لكفرهم # يقال لهم هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين المستحبين الراشدين كما وصفتهم ~~الله وليس المراد به الكافرين وسائر المكلفين # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله عز وجل @QB@ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون @QE@ ~~وهم لم يفعلوا عندكم شيئا # قيل لهم معنى ذلك أنهم يسألون عما يكسبون ولا يسأل هو تعالى عما يخلق ~~لأنه لا آمر فوقه ولا تكليف عليه فيما يخلق وعليهم الأمر والتكليف فيما ~~يكسبون # | مسألة # فإن قالوا وكيف يكون الباري سبحانه خالقا لمعاصي العباد وسيئاتهم وقد قال ~~@QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ فالله ~~يتعالى أن تكون السيئة من عنده # يقال لهم أول ما في هذا أنه يجب على موضوع تعلقكم بالآية أن PageV01P358 ~~يكون خالقا للطاعات والحسنات من أفعال العباد لإضافتها إلى ms202 نفسه وهذا ما ~~تكرهون # ثم يقال لهم هذه الآية دلالة على فساد قولكم لأنها إنكار عليكم وعلى من ~~دان بدينكم # وذلك أن القوم كانوا يضيفون الحسنات إلى الله تعالى ويضيفون السيئات إلى ~~أنفسهم # وكانوا إذا أصابهم الرخاء والخير أضافوه إلى الله وبرأوا الرسول منه # وإذا أصابهم الجدب والشدة أضافوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا هذا منه وبشؤوم طائره # فأنكر الله تعالى ذلك من قولهم فقال على سبيل التعجب من قولهم والتفنيد ~~لهم @QB@ إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه ~~من عندك @QE@ # ثم قال ردا لهم @QB@ قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون ~~يفقهون حديثا ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ ~~تعجبا من قولهم هذا # وفي هذا الكلام حذف لا بد منه وتقدير الكلام يقولون @QB@ ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ # فحذف يقولون اقتصادا على شاهد الحال ومفهوم الخطاب والعلم بسبب إنزال هذا ~~الكلام # وهو جار مجرى قوله عز PageV01P359 وجل @QB@ ويتفكرون في خلق السماوات ~~والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا @QE@ أي يقولون ما خلقت هذا باطلا وقوله ~~تعالى @QB@ والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم @QE@ أي يقولون أخرجوا ~~أنفسكم وقوله تعالى @QB@ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم @QE@ ~~أي يقال لهم أكفرتم بعد إيمانكم # ومتى لم يقدر هذا الحذف بطل الكلام ومعناه # ومما يدل على صحة هذا التأويل الذي ذكرناه إضافة الله تعالى السيئة ~~والحسنة اللتين ذكرهما إلى نفسه دون النبي صلى الله عليه وسلم وإخبارهم بأن ~~الحسنة والسيئة نازلتان بهم # ولا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خالقا لما أضافوه من السيئات ~~والحسنات عند أحد من الأمة ولا أن يكون الله خالقا لحسناتهم التي اكتسبوها ~~عند المعتزلة # فصح بذلك ما قلناه في تأويل الآية # | مسألة # فإن قالوا فإذا قلتم إن الله تعالى خلق شتم نفسه وشتم رسله وبغض من أبغض ~~من عباده له ولرسله وسبه لهما ms203 فما أنكرتم أن PageV01P360 يكون الله تعالى ~~أهلا للشتم والعداوة والبعض ومستحقا لذلك # قيل لهم لا يجب ذلك كما لا يجب عندنا وعندكم إذا خلق سبحانه القدرة على ~~شتمه وشتم رسله والبغض له ولهم أن يكون هو تعالى ورسله أهلا للشتم والعداوة ~~والبغض له ولهم أن يكون هو تعالى ورسله أهلا للشتم والعداوة والبغض وكما لا ~~يجب إذا خلق الجنون والإقدار والإتيان أن يكون أهلا لما خلقه وإذا خلق عذاب ~~الكافرين ومحن الممتحنين أن يكون أهلا لأن يعذب ويمتحن تعالى عن ذلك وكما ~~لا يجب عندكم إذا خلق الإنسان الطاهر الوالدين شتم نفسه وأبويه وخلق قتل ~~نفسه أن يكون أهلا لأن يشتم وأن يشتم أبواه وأن يكون مستحقا للشتم له ولهما ~~ولقتل نفسه # وليس كل فاعل لشيء يجب كونه مستحقا له وأهلا له فسقط ما قلتموه # ويقال لهم فيجب أن يكون الباري سبحانه خالقا لحب المحبين له ولرسوله ~~وثنائهم عليهما ومدحهم لهما لأنهما أهلان لذلك # فإن لم يجب ذلك لم يجب ما قلتم # فإن قالوا وإذا قلتم إن الله تعالى يضل عن الدين فلم لا يجوز أن يظهر ~~المعجزات على أيدي الكذابين ليضل عن الدين # قيل لهم لأن في فعله لذلك إيجاب تعجيزه عن أن يدلنا على صدق PageV01P361 ~~الصادقين والفرق بينهم وبين الكذابين # وليس ذلك واجبا في خلق غيره من الضلالة # فإن قالوا فإذا أجزتم فعل القديم لجميع ما يقبح منا وإن لم يقبح ذلك منه ~~فأجيزوا عليه الكذب في خبره ولا يكون ذلك منه قبيحا # قلنا إنما نحيل عليه كما نحيل عليه العجز والسهو لقيام الدليل على أنه لم ~~يزل متكلما قادرا صادقا لا لقبح ذلك منه # فبطل ما ظننتم & باب في وجوب تسميتهم قدرية & # فإن قالوا فلم سميتمونا قدرية # قيل لهم لإدعائكم لأنفسكم الكذب الذي لا أصل له من خلق أعمالكم وتقديرها ~~والتفرد بملكها والقدرة PageV01P362 عليها دون ربكم # وهذا اسم وضع في الشريعة لذم من قال بالكذب في PageV01P363 خلق الأفعال ~~خاصة ودان بغير الحق # فلما كان ما قدمناه من ms204 الأدلة على خلق الأفعال قد أبطل دعواكم وجب أن ~~تكونوا أحق الناس بهذا الاسم # وقولهم بعد ذلك إنهم ينفون القدر عن ربهم وإننا نحن نثبته فيجب أن نكون ~~أولى بهذه التسمية تمويه منهم # لأنهم ينفون تقدير الأعمال وخلقها عن ربهم ويثبتون ذلك لأنفسهم # وهم كاذبون مبطلون في هذه الدعوى فلزمهم هم اسم الذم لادعائهم غير الحق # فإن قالوا فالباري سبحانه قد أثبت الخلق والتقدير لنفسه واثبتموه أنتم له ~~فيجب أن تكونوا بذلك قدرية # قيل لهم لا يجب ما قلتم لأن الله تعالى صادق محق في إثبات الخلق والتقدير ~~لنفسه وكذلك نحن صادقون محقون في إضافة ذلك إلى الله تعالى فلم يلزمنا اسم ~~الذم # وأنتم مبطلون في دعواكم لهذه الأمور # فإن قالوا فأنتم تكثرون ذكر القدر والقول بأن كل شيء قضاء وقدر فيجب لزوم ~~هذا الاسم لكم # قيل لهم نحن محقون في هذا القول ولا يلزم المحق اسم PageV01P364 الذم # وأنتم تكثرون ذكر تقديركم لأفعالكم وتفردكم بملكها وخلقها وتكذبون ~~وتفترون في هذه الدعوى فوجب لزوم الاسم لكم # على أنه لو سئل جميع الفرق وعامة الناس وخاصتهم عن القدرية لم يرشدوا إلا ~~إليكم دون كل فرقة من فرق الأمة # وجملة هذا القول أن قدريا نسبة إلى القول بالباطل في القدر # والقدر يكون بمعنى القضاء ويكون بمعنى جعل الشيء على قدر ما # وقد يقال قدر وقدر مخفف ومثقل # والعرب تقول قدرت الشيء وقدرته # قال النبي صلى الله عليه وسلم في الهلال ( فإن غم عليكم فاقدروا له ~~ثلاثين ) أي قدروا # وقد قال الله تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره @QE@ وتثقيلها جائز # وكذلك قوله ^ فسألت أودية بقدرها ^ # ولو خففت لكان ذلك جائزا شائعا # والعرب تقول قدر الله وقدر الله # قال الشاعر # ( كل شيء حتى أخيك متاع % وبقدر تفرق واجتماع ) PageV01P365 # وقال آخر # ( وما صب رجلي في حديد مجاشع % مع القدر إلا حاجة لا أريدها ) يعني ~~بالقدر القدرة # وكل من قال في القدر قولا باطلا لزمه اسم قدري لأنه وضع لذم المبطل & باب ~~القول في أن الله قضى ms205 المعاصي وقدرها قبيحة على ما خلقها & # فإن قال قائل أفتقولون إن الله تعالى قضى المعاصي وقدرها كما أنه خلقها ~~وأوجدها PageV01P366 # قيل له أجل نقول ذلك على معنى أنه خلق العصيان وجعله على حسب قصده ولا ~~نقول إنه قضى بذلك بمعنى أنه أمر به # | مسألة # فإن قيل فعلى كم وجه ينقسم القضاء # قيل له على وجوه # منها القضاء بمعنى الخلق # قال الله تعالى @QB@ فقضاهن سبع سماوات في يومين @QE@ يعني خلقهن # وقال تعالى @QB@ فلما قضينا عليه الموت @QE@ يعني خلقناه وأوجدناه به # وقد يكون القضاء بمعنى الإخبار والكتابة والإعلام وكذلك القدر # قال الله عز وجل ^ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدون في الأرض ~~مرتين ^ أي أعلمناهم ذلك وأخبرناهم به # وقال في القدر بمعنى التقدير @QB@ وقدر فيها أقواتها @QE@ # والقدر أيضا بمعنى الخلق # ومنه قوله تعالى @QB@ قدر فهدى @QE@ # وقد يكون القضاء بمعنى الأمر # قال الله عز وجل @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه @QE@ أي أمر ربك ~~PageV01P367 # وقد يكون القضاء بمعنى الحكم والإلزام وهو مأخوذ من قولهم قضى القاضي على ~~فلان بكذا أي حكم عليه به وحتمه # فنقول إنه قضى المعاصي وقدرها على كل هذه الوجوه إلا على معنى أنه فرضها ~~وأمر بها وحتم على العباد أن يفعلوها & باب & # فإن قال فالقضاء عندكم هو المقضي أو غيره # قيل له هو على ضربين # فالقضاء بمعنى الخلق هو المقضي لأن الخلق هو المخلوق # والقضاء الذي هو الإلزام والإعلام والكتابة غير المقضي لأن الأمر غير ~~المأمور والخبر غير المخبر عنه إذا لم يكن خبرا عن نفسه أو عما يستحيل ~~مفارقته له على بعض وجوه المفارقات المقتضية للغيرية # وكذلك الكتابة غير المكتوب & باب & # فإن قالوا أفترضون بقضاء الله وقدره # قيل لهم نرضى بقضاء الله الذي هو خلقه الذي أمرنا أن نريده ونرضاه # ولا نرضى من ذلك ما نهانا أن نرضى به ولا نتقدم بين يديه ولا نعترض على ~~حكمه # وجواب آخر وهو أننا نقول إنا نرضى بقضاء الله في الجملة على كل حال ~~PageV01P368 # فإن قالوا أفترضون الكفر والمعاصي التي ms206 هي قضاء الله # قيل لهم نحن نطلق الرضى بالقضاء في الجملة ولا نطلقه في التفصيل لموضع ~~الإبهام # كما يقول المسلمون كافة على الجملة الأشياء لله ولا يقولون على التفصيل ~~الولد لله والصاحبة والزوجة والشريك له # وكما نقول الخلق يفنون ويبيدون ويبطلون ولا نقول حجج الله تفنى وتبطل ~~وتبيد في نظائر هذا من القول الذي يطلق من وجه ويمنع من وجه # ثم يقال لهم أوليس قد قضى الله تعالى موت النبي صلى الله عليه وسلم وعجز ~~المسلمين والإقدار على غزوهم وهدم ثغورهم وسبي نسائهم وقضى إعانة الفراعنة ~~والشياطين وسائر الكافرين وتعاونهم واستظهارهم على المسلمين # فإن قالوا أجل # قيل لهم أفترضون بذلك أجمع # فإن قالوا نعم # قيل لهم مثله فيما سألوه عنه وخرقوا الإجماع بركوب هذا الإطلاق # وإن قالوا لا قيل لهم مثله فيما سألونا عنه PageV01P369 & باب القول في ~~الأرزاق & # فإن قالوا أفتقولون إن الله يرزق الحلال والحرام # قيل لهم أجل وقد دل على ذلك بقوله @QB@ الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم @QE@ # فلما كان منفردا بالخلق والإماتة PageV01P370 والإحياء كان منفردا بتولي ~~الأرزاق # فإن قالوا فما معنى قولكم إنه يرزق الحرام # قيل لهم تأويل ذلك أن يجعله غذاء للأبدان وقواما للأجسام لا على معنى ~~التمليك والإباحة لتناوله لأن ذلك مما قد أجمع المسلمون على خلافه # وهو تعالى رازق الحلال على الوجهين جميعا # فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون معنى الرزق هو معنى التمليك # قيل لهم أنكرنا ذلك لإجماع الأمة على أن الطفل مرزوق لما يرتضعه من ثدي ~~أمه وعلى أن البهائم من ولد النعم مرزوقة لما تتغذى به من لبنها وكذلك هي ~~كلها مرزوقة لما ترتعيه من حشائش الأرض ونباتها وأن البهيمة والطفل لا ~~يملكان ذلك مع كونه رزقا لهما لأنهم متفقون على أن لبن سائر النعم ملك ~~لربها دون سخالها # فبطل ما سألتم عنه # وعلى أنه لو كان الرزق هو التمليك والملك عندهم بمعنى القدرة لكان الباري ~~مملكا للحرام من حيث كان مقدرا على تناوله وعلى أن يكون رازقا ms207 له بهذا ~~المعنى # ولا مهرب لهم من ذلك PageV01P371 & باب القول في الأسعار & # فإن قالوا فخبرونا عن الأسعار غلائها ورخصها من قبل من هو # قيل لهم من قبل الله تعالى الذي يخلق الرغائب في شرائه ويوفر الدواعي على ~~احتكاره لا لقلة ولا لكثرة ولأنه طبع الخلق على حاجتهم إلى تناول الأغذية ~~التي لولا حاجتهم إليها لم يكترث بها ولا فكر فيها # فإن قالوا أفليس لو حاصر بعض السلاطين أهل حصن أو بلد وقطع الميرة عنهم ~~لغلت أسعارهم وقل ما في أيديهم ولصلح أن يقال إن السلطان أغلى أسعارهم # قيل لهم قد يقع الغلاء عند مثل هذا الحصار # ولكن يقال إن السلطان أغلى أسعارهم مجازا واتساعا كما يقال قد أماتهم ~~السلطان جوعا وضرا وهزلا وقد قتلهم بالحصار # وهو في الحقيقة لم يفعل بهم موتا ولا قتلا وإنما فعل أفعالا أحدث الله ~~عندها موتهم وهلاكهم وإن نسب الموت والهلاك إلى السلطان مجازا # فإن قالوا فيجب أن يكون الغلاء الحادث واقعا عن فعل السلطان PageV01P372 ~~الذي أوقع الحصار لأنه لو لم يفعله لم يقع الغلاء # يقال لهم ليس الأمر كما ظننتم لأنهم لو لم يطبعوا طبعا يحتاجون معه إلى ~~المأكول والمشروب لم يمس أطعمتهم شيء من الغلاء # فعلم أنه واقع من فعل من طبعهم على الحاجة إلى الغذاء ولولا طبعه لهم ~~كذلك ما احتاجوا إليه وهذا أولى وأحرى # ومع أنه لو خلق الزهد فيهم عن الاغتذاء وإيثار الموت لما اشتروا ما عندهم ~~وإن قل بقليل ولا كثير # وعلى أنه لو وجب أن يكون غلاء الأسعار من السلطان الذي يوقع الحصار ويحمل ~~الناس ويجبرهم على تسعير الطعام ولأنه لو لم يفعل ذلك لم يقع الغلاء على ~~قولهم لوجب إذا ماتوا جوعا عند الحصار أن يكون هو أماتهم وفعل موتهم # وإذا رفع ذلك عنهم وأمدهم بالميرة فحيوا بأكل ما يحمله إليهم لوجب أن ~~يكون هو أحياهم # فدل ما وصفناه على أن جميع هذه الأسعار من الله تعالى & باب القول في ~~الآجال & # فإن قال قائل فخبرونا عن المقتول ms208 أيموت بأجله المحكوم له به أم هو مقطوع ~~عليه أجله PageV01P373 قيل له بل يموت بأجله المقدور # فإن قال وما الحجة في ذلك # قيل له قوله عز وجل @QB@ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ~~@QE@ # وأجل الموت هو وقت الموت كما أن أجل الدين هو وقت حلوله # وكل شيء وقت به فهو أجل له # وأجل الإنسان هو الوقت الذي يعلم الله أنه يموت فيه لا محالة # وهو وقت لا يجوز تأخير موته عنه لا من حيث إنه ليس بمقدور تأخيره # وجل حياته هو مدة الزمان الذي علم الله عز وجل أنه يحيا إليه لا تجوز ~~الزيادة عليه ولا الانتقاص منه # وقد قال كثير من المعتزلة إلا من شذ منهم إن المقتول مات بغير أجله الذي ~~ضرب له وإنه لو لم يقتل لحيي # وهذا غلط عندنا لأن المقتول لم يمت من أجل قتل غيره له بل PageV01P374 من ~~أجل ما فعله الله سبحانه من الموت الذي وجد به # وليس يجوز أن يقال فيما لم يمت الإنسان من أجله لو لم يكن لحيي # لأن القتل ليس بضد للحياة ولا بدل منها فيقال له إنه لو لم يكن لحيي ~~المقتول # ولأن في ذلك دفع ما تلوناه من التنزيل # وقد قال قوم منهم يجوز أن يحيا لو لم يقتل ويجوز أن لا يحيا وأن يكون ذلك ~~الوقت وقت موته # فإن قال قائل فهل كان جائزا في قدرة الله تعالى أن يبقي من أماته ابن ~~عشرين سنة إلى ثلاثين سنة أو ما هو أكثر منها # قيل له أجل لو بقاه لبقي # وإن كان لا يفعل ذلك كان المعلوم عن حاله أنه يميته ابن عشرين سنة ولن ~~يجوز ترك فعل ما في المعلوم أنه يفعل وإن كان مقدورا تركه # على أنه لو ترك لكان السابق في المعلوم أنه يترك # فإن قال قائل فما أنكرتم أن يكون أجله ثلاثين سنة لأنه لو لم يمته لبقي ~~إلى ذلك الوقت # قيل له لا يجب ذلك لأن أجل الإنسان وقت موته ms209 على ما بينا # وليس يجوز أن يكون ما لم يبق إليه مما كان يصح في العقل أن PageV01P375 ~~تمتد حياته إليه أجلا له إن كان المعلوم من حاله أنه يخترم دونه # كما لا يجوز أن تكون جهنم دار الأنبياء والصالحين وسائر المؤمنين لأنه ~~جائز في العقل أن يدخلوها لو كفروا وأن تكون الجنة دار الفراعنة والكفرة ~~على أنهم لو آمنوا لسكنوها # وكما لا يجب أن تكون المرأة التي يعلم الله أن الإنسان لو بقي لتزوج بها ~~زوجة له على معنى أنه لو بقي وتزوجها لكانت زوجة له # فكذلك لا يجوز أن يكون ما لم يبق إليه من الأوقات أجلا له لأنه لو لم يمت ~~لصح أن يبقى إليه & باب الهدى والإضلال & # فإن قال قائل فهل تقولون إن الله يهدي المؤمنين ويضل الكافرين قيل له أجل ~~PageV01P376 # فإن قال وما معنى هدايته للمؤمنين # قيل له قد يهديهم بأن يخلق هداهم وينور بالإيمان قلوبهم # وقد يهديهم أيضا بأن يشرح صدورهم ويتولى توفيقهم له وإعانتهم عليه ~~وتسهيله لهم السبيل إليه كل ذلك هداية منه لهم # وقد يهديهم أيضا في الآخرة إلى الثواب وطريق الجنة وذلك هدى لهم من فعله # فإن قال فما معنى إضلاله الكافرين # قيل له قد أضلهم بأن يخلق ضلالهم قبيحا فاسدا وقد مر PageV01P377 بيان ~~ذلك سالفا # وقد يضلهم بترك توفيقهم وتضييق صدورهم وإعدام قدرهم على الاهتداء # وقد يضلهم عن الثواب وطريق الجنة في الآخرة كل ذلك إضلال لهم # فإن قالوا وما الدليل على ما قلتهم # قيل لهم يدل على ذلك قوله تعالى @QB@ ويضل الله الظالمين @QE@ # فأخبر أنه يضل ويهدي ووصف نفسه بذلك # فإن قال قائل ما أنكرتم أن لا يكون معنى الإضلال منه والهداية أكثر من ~~الحكم والتسمية كما يقول الناس قد ضلل فلان فلانا وقد عدله وقد سرق فلان ~~فلانا لا على معنى أنه جعله ضالا فاسقا سارقا وفعل له ما من أجله يكون كذلك ~~من السرقة والضلال والعدالة # قيل له لو كان ذلك على ما قلته لم يكن لله على ms210 المؤمنين في هدايته لهم ~~إلا ما لبعضهم على بعض لأنا قد يسمي بعضنا بعضا بالهداية ويخص بعضنا بعضا ~~بهذه التسمية # وكذلك كان يجب أن يكون إضلال بعضنا بعضا كإضلال الله الظالمين وهذا خلاف ~~ما اتفق عليه المسلمون # لأن الله عز وجل قد امتن على المؤمنين بهدايته لهم فقال ^ يمنون عليك أن ~~أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم PageV01P378 بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان إن كنتم صادقين ) # فلو كانت هدايته لهم هي الحكم والتسمية لكانوا قد منوا على أنفسهم بهذه ~~المنة ولكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد من بها عليهم كمن الله إذ قد ~~سماهم بذلك وحكم لهم به وهذا خلاف الإجماع # وكذلك لو كانت هدايته لهم التي من بها عليهم هي دعوته إياهم وبيانه لهم ~~لكان بعضهم قد من على بعض بهذه المنة # لأنه قد يدعو بعضهم بعضا ويبين بعضهم لبعض كما يدعو الله وهذا أيضا خلاف ~~الاتفاق # وعلى أنه لو كانت الهداية والإضلال من الله تعالى بمعنى ما وصفتم لكان ~~إبليس قد أضل الأنبياء وسائر المؤمنين إذ كان قد دعاهم إلى الضلال وسماهم ~~ضالين وحكم لهم بذلك ولكان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون قد أضلوا ~~الكافرين أجمعين إذ كانوا قد سموهم كافرين وحكموا لهم بحكم الضالين # وفي إجماع الأمة على خلاف هذا دليل على سقوط ما قلتم & باب القوم في ~~اللطف & # فإن قال قائل فهل تقولون إن في قدرة الله تعالى لطفا لو لطف به لسائر من ~~يعلم أنه يموت كافرا لآمن PageV01P379 قيل له أجل هو على ذلك قادر # فإن قال ولم قلتم ذلك # قيل له لأنه قادر على أن يقدرهم على الإيمان كما صح أن يقدر على ذلك ~~أمثالهم وكما صح أن يقدرهم على ضده من الكفر والضلال # فلو فعل فيهم القدرة على الإيمان لوجد إيمانهم لا محالة لما بينا من قبل ~~من وجوب كون الفعل في حال وجود القدرة عليه واستحالة تقدمها له ووجودها مع ~~عدمه # فصح بذلك ما قلناه # ويدل على ذلك ms211 أيضا قوله تعالى @QB@ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا ~~لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون @QE@ وقوله @QB@ ~~ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء @QE@ ~~فخبر أنه يقدر على ما لو PageV01P380 فعله بهم لضلوا وكفروا # فيجب أيضا أن يكون قادرا على ما لو فعله بهم لآمنوا واهتدوا # | فصل # ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى @QB@ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا @QE@ # فوجب أنه قادر على ما لو فعله بهم لآمنوا واهتدوا # فإن قالوا أراد بذلك أنه يقدر على فعل لو فعله بهم لآمنوا كرها # قيل لهم وكذلك إنما أخبر أنه يقدر على بسط الرزق لو فعله بالخلق لضلوا ~~كرها لا طوعا # ولا خلاص لهم من ذلك # فإن قالوا أفليس قد قال @QB@ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما ~~تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم @QE@ فخبر أنهم لا يتبعون قبلته # قيل لهم إنما خبر أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أتاهم بكل آية ما تبعوا ~~قبلته ولم يخبر أنه لو أتاهم هو بالآيات ما تبعوا قبلته أو أتاهم غيره صلى ~~الله عليه وسلم بالآيات لما آمنوا فلا حجة في هذا الظاهر PageV01P381 # | فصل # فإن قال قائل أفليس قد قال الله تعالى ^ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ~~وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا ^ # قيل لهم قد استثنى في آخر الآية بقوله @QB@ إلا أن يشاء الله @QE@ فبطل ~~ما قلتم # وعلى أنه أخبر أنهم لا يؤمنون أبدا عند هذه الآيات التي هي إنزال ~~الملائكة وتكلم الموتى وحشر كل شيء قبلا ولم يقل ليس في المقدور فعل شيء ~~يؤمنون عنده فقد يمكن أن يكون في المعلوم أنه لو فعل بهم غير هذه الآيات ~~لآمنوا # فبطل ما قالوه & باب الكلام في التعديل والتجوير & # فإن قال قائل فهل يجوز أن يؤلم الله تعالى الأطفال من غير PageV01P382 ~~عوض وأن يأمر بذبح الحيوان وإيلامه لا لنفع يصل إليهم وأن يسخر بعض الحيوان ~~لبعض ms212 وأن يفعل العقاب الدائم على الأجرام المنقطعة وأن يكلف عباده ما لا ~~يطيقون وأن يخلق فيهم ما يعذبهم عليه وغير ذلك من الأمور # قيل له أجل ذلك عدل من فعله جائز مستحسن في حكمته # فإن قال فكيف جاز ذلك منه وحسن مع قبح ذلك أجمع منا PageV01P383 # قيل له إن ذلك إنما قبح منا وصار جورا من فعلنا لأجل نهي مالك الأعيان ~~والأشياء لنا عن فعله فلولا تقبيحه لذلك ونهيه عنه لما قبح منا # وقد أوضحنا ذلك فيما سلف لما قلنا إن ذلك ليس بقبيح في العقل لنفسه لأنه ~~كان يجب أن يشترك في علمه جميع العاقلين ولكان يجب إذا كان الألم الموجود ~~على هذه السبيل قبيحا لكونه ألما على هذه الصفة أن لا يشركه في كونه قبيحا ~~إلا ما كان ألما هذه صفته وذلك باطل باتفاق وكذلك القول في كل ضرب من ضروب ~~القبيح والباري عز وجل # هو المالك القاهر الذي الأشياء له وفي قبضته لا آمر عليه ولا مبيح ولا ~~حاظر # فلم يجب أن يقبح جميع ما ذكرناه من فعله قياسا على قبحه منا # فإن قال قائل فما أنكرتم أن يكون كل إيلام لا نفع للمؤلم فيه في عاجل ولا ~~آجل ولا هو مستحق ظلما في العقل وقبيحا لنفسه قلنا من قبل ما بينا أولا من ~~أن ذلك لو كان كذلك لعلمنا قبح الضرر الجاري هذا المجرى اضطرارا # وفي كوننا غير مضطرين إلى ما وصفت PageV01P384 دليل على سقوط هذا السؤال # ولأن ذلك لو كان كذلك لوجب قبح هذا الضرر من كل من وجد منه وكان لا معتبر ~~باختلاف فاعليه وتباين محالة # ألا ترى أن الحركة التي تكون حركة لنفسها يجب أن تكون أبدا حركة حيث وجدت ~~وهذا يوجب أن يكون الكلب والسبع وسائر الحيوان الذي لا يعقل ظالما راكبا ~~للقبيح مستحقا للذم والتأنيب وأن يكون عاصيا فاسقا بإيلامه للغير على هذه ~~السبيل # وفي الاتفاق على فساد ذلك دليل على سقوط ما سألت عنه # ولأنه لو كان الأمر على ما ms213 وصفت لم يكن الجهل والكذب قبيحين لأنهما ليسا ~~بألم هذه سبيله # وقد بينا من قبل أن الحكم العقلي الواجب لعلة ولوجه مخصوص لا يجوز ثبوته ~~لبعض من هو حكم له بغير تلك العلة وذاك الوجه لأن ذلك نقض للعلل وإبطال لها # فبطل بذلك ما قلت # فإن قال قائل فهل يصح على قولكم هذا أن يؤلم الله سبحانه سائر النبيين ~~وينعم سائر الكفرة والعاصين من جهة العقل قبل ورود السمع # قيل له أجل له ذلك # ولو فعله لكان جائزا منه غير مستنكر من فعله # فإن قال فما الذي يؤمنكم من تعذيبه المؤمنين وتنعيمه الكافرين ~~PageV01P385 # قيل له يؤمننا من ذلك توقيف النبي وإجماع المسلمين على أنه لا يفعل ذلك # وعلى أنه قد أخبر أخبارا علموا قصده به ضرورة إلى أن ذلك لا يكون # ولولا هذا التوقيف والخبر لأجزنا ما سألت عنه # فإن قال وهل يجوز وقوع الكذب منه والأمر به وبسائر المعاصي # قيل له أما الكذب فلا يجوز عليه لا لأنه يستقبح منه فحسب ولكن لأن الوصف ~~له بأنه صادق من صفات نفسه # ومن كان صدقه من صفات نفسه استحال عليه الكذب كما أن من كان الوصف له ~~بأنه قادر عالم من صفات النفس استحال أن يعجز أو يجهل # وليس وجه إحالة هذه الأمور عليه لأجل القبح فقط لكن لاستحالتها عليه ~~بأدلة العقول # فأما قولك هل يجوز أن يأمر بالمعاصي والكذب فإن ذلك جائز على معنى أنه لو ~~أمر بها لكان أمره بها قديما ولكانت تكون طاعات مستحسنات بدلا من كونها ~~معاصي # إذ كان العصيان إنما يصير عصيانا بالنهي لا لجنسه ونفسه # وقد أمرنا بالكذب في بعض المواضع وأبيح للخائف في دار الحرب على نفسه ~~الكذب # فبان بجميع ما قلناه صحة ما ذهبنا إليه في هذا الباب PageV01P386 & باب ~~القول في معنى الدين & # فإن قال قائل فما معنى الدين عندكم # قيل له معنى الدين يتصرف على وجوه # منها الدين بمعنى الجزاء # ومنه قوله تعالى @QB@ مالك يوم الدين @QE@ # ومنه قول الشاعر # ( واعلم وأيقن أن ms214 ملكك زائل % واعلم بأن كما تدين تدان ) يريد كما تفعل ~~يفعل بك # وقد يكون بمعنى الحكم كقوله @QB@ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك @QE@ أي ~~في حكمه # وقد يكون الدين بمعنى الدينونة بالمذاهب والملل # ومنه قولهم فلان يدين بالإسلام أو اليهودية أي إنه يتدين بذلك على معنى ~~أنه يعتقد وينطوي عليه ويتقرب به # والدين أيضا بمعنى الانقياد والاستسلام لله عز وجل # من ذلك قوله @QB@ إن الدين عند الله الإسلام @QE@ يريد دين الحق لا على ~~أن اليهودية لا تسمى دينا في اللغة وغيرها من الأديان PageV01P387 & باب ~~الكلام في الإيمان والإسلام والأسماء والأحكام & & باب القول في معنى ~~الإيمان & # فإن قال قائل خبرونا ما الإيمان عندكم PageV01P388 # قلنا الإيمان هو التصديق بالله تعالى وهو العلم والتصديق يوجد بالقلب # فإن قال وما الدليل على ما قلتم # قيل له إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن ~~وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو التصديق لا يعرفون في لغتهم إيمانا غير ~~ذلك # ويدل على ذلك قوله تعالى @QB@ وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين @QE@ أي ~~ما أنت بمصدق لنا # ومنه قولهم فلان يؤمن بالشفاعة وفلان لا يؤمن بعذاب القبر أي لا يصدق ~~بذلك # فوجب أن PageV01P389 يكون الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في ~~اللغة لأن الله عز وجل ما غير لسان العرب ولا قلبه # ولو فعل ذلك لتواترت الأخبار بفعله وتوفرت دواعي الأمة على نقله ولغلب ~~إظهاره وإشهاره على طيه وكتمانه # وفي علمنا بأنه لم يفعل ذلك بل أقر أسماء الأشياء والتخاطب بأسره على ما ~~كان فيها دليل على أن الإيمان في الشرع هو الإيمان اللغوي # ومما يدل على ذلك ويبنيه قول الله تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ~~بلسان قومه @QE@ وقوله تعالى @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا @QE@ # فخبر أنه أنزل القرآن بلغة القوم وسمى الأشياء بتسمياتهم # فلا وجه للعدول بهذه الآيات عن ظواهرها بغير حجة وسيما مع قولهم بالعموم ~~وحصول التوقيف على أن الخطاب نزل بلغتهم # فدل ما قلناه على أن الإيمان ms215 هو ما وصفناه دون ما سواه من سائر الطاعات ~~من النوافل والمفروضات & باب القول في معنى الإسلام & # فإن قال قائل ما الإسلام عندكم PageV01P390 . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. PageV01P391 # قيل له الإسلام هو الانقياد والاستسلام # وكل طاعة انقاد العبد بها لربه تعالى واستسلم فيها لأمره فهي إسلام # والإيمان خصلة من خصال الإسلام # وكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا # فإن قال فلم قلتم ذلك وأن معنى الإسلام هو ما وصفتم # قيل له لأجل قوله تعالى @QB@ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا @QE@ # فنفى عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام وإنما أراد بما أثبته الانقياد ~~والاستسلام # ومنه قوله @QB@ لمن ألقى إليكم السلام @QE@ # وكل من استسلم لشيء فقد أسلم وإن كان أكثر ما يستعمل ذلك في المستسلم لله ~~عز وجل ولنبيه صلى الله عليه وسلم & باب القول في معنى الكفر & # إن قال قائل وما الكفر عندكم PageV01P392 . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . PageV01P393 # قيل له هو ضد الإيمان وهو الجهل بالله عز وجل والتكذيب به الساتر لقلب ~~الإنسان عن العلم به فهو كالمغطي للقلب عن معرفة الحق # ومنه قول الشاعر في ليلة كفر النجوم غمامها أي غطاها ومنه قولهم زيد ~~متكفر بسلاحه # ومنه سمي مغطي الزرع كافرا # وقد يكون الكفر بمعنى التكذيب والجحد والإنكار # ومنه قولهم كفرني حقي أي جحدني # وليس في المعاصي كفر غير ما ذكرناه وإن جاز أن يسمى أحيانا ما جعل علما ~~على الكفر كفرا نحو عبادة الأفلاك والنيران واستحلال المحرمات وقتل ~~الأنبياء وما جرى مجرى ذلك مما ورد به التوقيف وصح الإجماع على أنه لا يقع ~~إلا من كافر بالله مكذب له وجاحد له PageV01P394 & باب القول في تسمية ~~الفاسق الملي مؤمنا & # فإن قال قائل فخبروني عن الفاسق الملي هل تسمونه مؤمنا بإيمانه ~~PageV01P395 الذي فيه وهل تقولون إن فسقه لا يضاد إيمانه # قيل له أجل # فإن قال فلم قلتم إن الفسق الذي ليس بجهل بالله لا يضاد الإيمان ~~PageV01P396 # قيل له لأن الشيئين إنما يتضادان في محل واحد # وقد علمنا أن ما يوجد بالجوارح لا يجوز أن ينفي علما وتصديقا يوجد بالقلب ms216 # فثبت أنه غير مضاد للعلم بالله والتصديق له # والدليل على ذلك أنه قد يعزم على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم بقلبه ~~من لا ينفي عزمه على ذلك معرفة النبي صلى الله عليه وسلم وتصديقه له # وكذلك حكم القول في العزم على معصية الله عز وجل وأنه غير مضاد لمعرفته ~~والعلم به والتصديق له هو الإيمان لا غير # فصح بذلك اجتماع الفسق الذي ليس بكفر مع الإيمان وأنهما غير متضادين # فإن قال ولم قلتم إنه يجب أن يسمى الفاسق الملي بما فيه من الإيمان مؤمنا # قيل له لأن أهل اللغة إنما يشتقون هذا الاسم للمسمى به من وجود الإيمان ~~به # فلما كان الإيمان موجودا بالفاسق الذي وصفنا حاله وجب أن يسمى مؤمنا كما ~~أنه لما لم يضاد ما فيه من الإيمان فسقه الذي ليس بكفر وجب أن يسمى به ~~فاسقا # وأهل اللغة متفقون على أن اجتماع الوصفين المختلفين لا يوجب منع اشتقاق ~~الأسماء منهما ومن أحدهما # فوجب بذلك ما قلناه # فإن قال قائل فما أنكرتم أن يكون حكم اللغة ما ذكرتم غير PageV01P397 أن ~~الله تعالى عظم زجر الفاسق والمبالغة في عقوبته بأن حرمه التسمية بإيمانه ~~وجعل تسمية المؤمن مؤمنا علما على استحقاقه ضربا عظيما من الثواب وكذلك جعل ~~تسمية الفاسق فاسقا من أسماء الدين علما لاستحقاقه ضربا من العقاب العظيم ~~وأن يكون حكم هذه الأسماء في الشريعة منقولا عن حكم اللغة # قيل له هذه دعوى لا شبهة في سقوطها # ولو جاز لمدع أن يدعي ذلك لجاز لآخر أن يدعي أن الله تعالى لما عظم شأن ~~الإيمان وبالغ في الترغيب في فضله وجب سقوط التسمية بما قارنه من الفسق لما ~~أراده من تغليب حكم الإيمان على الفسق وجعله مما يعلو ولا يعلى وقصد به إلى ~~الدلالة على استحقاق الثواب # وهذا يوجب أن يكون الفاسق هو الكافر فقط وأن من سواه فليس بفاسق ولا يسمى ~~بذلك # فإن لم يجب هذا لم يجب ما قالوه # ولأن في هذه الدعوى تصحيح تغير الأسماء عن ms217 طريقة اللغة ودفع ما تلوناه من ~~التنزيل # وقد أبنا فساد ما يوجب ذلك من الأقاويل فيما قبل & باب القول في الوعد ~~والوعيد & # فإن قال قائل خبرونا عن جميع الكفرة والعصاة بضروب PageV01P398 . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . PageV01P399 المعاصي هل كان جائزا في العقل أن يغفر الله ~~لجميعهم # قيل له أجل لو قسم جميعهم للجنة لجاز ولم يكن ما وجد من كفرهم وعصيانهم ~~دليلا على أنه يؤلمهم بالنار لا محالة # لأن إيلام الله تعالى لمن يؤلمه ليس يوجد منه لعلة لولاها لم يوجد بل جعل ~~الله تعالى أفعال العباد دليلا على ما قسمه لهم # ويدل على ذلك أن العقاب حق له يجوز له أخذه وتركه # فوجب أن يكون جاريا مجرى التفضل بإنعام غير مستحق # ولأنا قد علمنا جميعا حسن ترك عقوبة الذنب ممن استحقه # بجناية عليه # وقد اتفق المسلمون وغيرهم أيضا على حسن العفو والصفح عن PageV01P400 ~~عقوبة الذنب وعلى مدح من لا يتم ما يتوعد به وتعظيمه ومدحه بالعفو عن فعله # قال كعب بن زهير # ( نبئت أن رسول الله أوعدني % والعفو عند رسول الله مأمول ) وأنشده للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فلم ينكره ولا أحد من المسلمين # وقال آخر # ( وإني إذا أوعدته أو وعدته % لمخلف إيعادي ومنجز موعدي ) وقال آخر في ذم ~~من يفي بوعيده أبدا وليس الصفح من سجيته # ( كأن فؤادي بين أظفار طائر % من الخوف في جو السماء معلق ) # ( حذار امرىء قد كنت أعلم أنه % متى ما يعد من نفسه الشر يصدق ) فذمه على ~~الوفاء بالوعيد # ولا خلاف بين أهل اللغة أن العفو عن الذنب بعد تقدم الوعيد لا يوجب ذم ~~المتوعد ولا جعل خبره كذبا # وكيف لا يحسن من الله العفو عن الذنب وقد أمرنا به وحضنا عليه ومدح من هو ~~من شأنه وقد أجمع الكل على أن ما أمر به وحض عليه ومدح PageV01P401 فاعله ~~فليس بقبيح # قال الله تعالى @QB@ والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس @QE@ ثم قال ~~تعالى @QB@ والله يحب المحسنين @QE@ يعني الواهبين لما استحقوه بما جني ~~عليهم # وقال @QB@ وأن تعفوا أقرب للتقوى @QE@ # وقال ms218 @QB@ وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا @QE@ وكيف لا تجوز هبة الحق لمن ~~يملك أخذه وتركه فدل جميع ما وصفناه على صحة عفو الله تعالى عن سائر ~~المذنبين وجواز ذلك منه لو لم يرد الخبر بأنه لا بد أن يعاقب بعضهم # فإن قال فما يؤمنكم أن يغفر الله لسائر الكفرة أو لبعضهم وإن كان قد قدم ~~وعيده لهم بالنار # قيل له يؤمن من ذلك توقيف النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين ~~الذين لا يجوز عليهم الخطأ أن الله لا يغفر لهم ولا لأحد منهم # لأن الأمة بأسرها نقلت عن شاهد النبي صلى الله عليه وسلم وهم حجة وأهل ~~تواتر أنهم علموا من دينه ضرورة أن جميع الكفار في النار خالدين فيها ~~وعرفوا قصده إلى إستغراق الوعيد لجميعهم وإرادته لكلهم وأن الله يفعل ذلك ~~بسائرهم # ولولا هذا الإجماع والتوقيف الذي اضطررنا إليه لجاز العفو عما سألت عنه ~~PageV01P402 # فإن قال قائل وكيف يكون هذا إجماعا من الأمة وقد زعم قوم من المتكلمين ~~بأن مقلده اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ليسوا في النار # قيل له هؤلاء إنما أنكروا أن يكون المقلد كافرا لشبهة دخلت عليهم ولم ~~يزعموا أن المقلد كافر وأنه مع ذلك ليس في النار # والعلم بأن المقلد كافرا أو غير كافر طريقه النظر دون التوقيف والخبر # فإن قال فما تقولون في مذنبي أهل ملة الإسلام هل يجوز العفو عنهم حتى لا ~~يعاقب الفاسق بما كان من ظلمه لنفسه أو غيره # قيل له نعم # فإن قال فما الدليل على ذلك # قيل له ما قدمناه من حسن العفو من الله ومن غيره وإن لم يرد توقيف اضطرنا ~~إليه على تعذيب سائرهم # ومع أن الله تعالى قد بين ذلك في نص كتابه فقال @QB@ إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ # فاستثنى من المعاصي التي يجوز أن يغفرها الشرك # فألحقت الأمة به ما كان بمثابته من ضروب الكفر والشرك # وقال @QB@ إن الله يغفر الذنوب جميعا @QE@ فلم يخرج من PageV01P403 ذلك ~~إلا ms219 الكفر والشرك # وقال تعالى @QB@ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم @QE@ # والكبائر ها هنا الكفر بدليل قوله @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ # والسيئات التي يغفرها هي ما دون الشرك # وقال تعالى @QB@ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ لا تقنطوا من رحمة الله @QE@ في نظائر لهذه الآيات يطول تعدادها ~~وهي كله فيمن ليس بكافر ولا مشرك # فلما كان الملي الفاسق ليس بكافر ولا مشرك من قولنا وقول المعتزلة ثبت ~~أنه ممن يجوز أن يغفر له وإن مات مصرا إذا كان التائب لا عيب عليه ولا معه ~~عندهم شيء يحتاج معه إلى غفران # وقد دللنا قبل هذا على أن معصية الله بغير الكفر والتكذيب لا تضاد معرفته ~~التي هي الإيمان به # وكذلك معصية غيره لا تنفي العلم بالمعصي # فوجب أن يكون العاصي مؤمنا بالله والمؤمن لا يكون كافرا ولا مشركا & باب ~~القول في الخصوص والعموم & # فإن قال قائل فما معنى قوله تعالى ^ والذين كسبوا PageV01P404 السيئات ~~جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم ~~قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) وقوله تعالى ^ ومن ~~يعص الله ورسوله فإنه له نار جهنم خالدين فيها ^ وقوله تعالى @QB@ ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها @QE@ وما ورد بمعنى هذه الآيات # قيل له المراد بذلك العاصي الكافر الذي لا إيمان ولا حسنة PageV01P405 ~~معه # لأن الله تعالى قد بين في آيات أخر أنه يدخل المؤمنين جنته ومن أتى بحسنة ~~جازاه بعشر أمثالها وأنه يعطيه خيرا منها ويؤمنه من الفزع الأكبر ومن فزع ~~يومئذ وأنه لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى ويجازي بالحسنة ويعفو عن ~~السيئة وأن الحسنات يذهبن السيئات # قال تعالى @QB@ من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون @QE@ # وليس في الحسنات أكبر ولا أعظم شأنا من الإيمان الذي يحبط الكفر ويزيل ~~عقابه # وقال @QB@ إن المتقين في جنات ms220 ونعيم @QE@ و ( إن المتقين في جنات ونهر ) # وقال ^ يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ^ وقال تعالى ^ إن ~~الحسنات يذهبن السيئات ^ # فخبر أن الحسنات تبطل السيئات وتذهب بها # ولا شيء من الحسنات أولى أن يكون كذلك من الإيمان الذي يذهب بالكفر ~~ويمحوه # وقال @QB@ أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى @QE@ # وقال @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره @QE@ # وإذا كان الفاسق الملي مؤمنا على ما بيناه وكان معه حسنات أكبرها الإيمان ~~وكانت له أعمال لا تضيع عليه وجب أنه PageV01P406 ممن لم يرد بالخلود في ~~جهنم وأن يرتب ذلك ترتيبا لا يجوز معه نقض بعض الآيات بعضا # فإن قال إنما أراد بقوله @QB@ من جاء بالحسنة فله خير منها @QE@ إذا لم ~~يقتل نفسا مؤمنة ولم يعص ولم يتعد حدوده # قيل له لا بل أراد بالوعيد على قتل النفس المؤمنة وتعدي حدوده وفعل ~~معصيته من لم يكن منه إيمان ولا حسنة وهم الكفار وهذا أولى # فإن قال قوله ^ من ^ ورد مورد الشرط والجزاء وهذا يوجب استغراق المجازين # قيل له فقل لأجل هذا بعينه إن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وإنه يعطي ~~خيرا منها وهو من فزع يوم القيامة آمن لأجل قوله @QB@ من جاء بالحسنة فله ~~خير منها @QE@ # فإن قال إن صاحب الكبيرة لا يسمى محسنا # قيل له والمؤمن الموحد المصدق لله ولرسوله لا يسمى عاصيا متعديا لحدوده # وكل ذلك خروج عن اللغة # ومع أن قوله ^ من ^ يصلح للعموم وللخصوص وهو معرض لهما لأن القائل يقول ~~جاءني من دعوته وكلمت من عرفته وهو يريد الواحد منهم الذي عرفه ودعاه وهو ~~PageV01P407 بعض من دعاه وعرفه وقال الله عز وجل @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون @QE@ ولم يرد أن حكام المسلمين كفار إذا تركوا ~~الحكم بما أنزل الله وإنما أراد بعض من لم يحكم بما أنزل الله وقال الشاعر # ( ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه % يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ) ولم يرد أن ~~كل من لا يظلم ms221 الناس يظلم لأن الله عز وجل لا يظلم الناس ولا يجوز أن يظلم ~~ولا كل من كان غير ذائد عن حوضه بسلاحه هدم # وإذا كان ذلك كذلك فقد بطل التعلق بظاهر هذه الآي مع جواز احتمالها # وكذلك الجواب إن تعلقوا بقوله تعالى @QB@ وإن الفجار لفي جحيم @QE@ وبما ~~جرى مجراه # قيل لهم يحتمل أن يكون أراد بعض الفجار دون سائرهم # وعورضوا بقوله @QB@ إن الأبرار لفي نعيم @QE@ وأعظم البر التوحيد ~~والإيمان الذي لا يحصل الإنسان بارا مطيعا إلا بوجوده # وقيل لهم قال الله تعالى @QB@ أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ~~@QE@ و ^ لا أضيع أجر المحسنين ^ # وليس في PageV01P408 الطاعات حسنة أكبر من الإيمان بالله ورسوله وتصديق ~~ما جاء به من عنده # وإذا كان الأمر كذلك وجب تفويض أمر عصاة أهل الملة إلى الله سبحانه ~~وتصحيح غفرانه لهم وترك القطع بعقابهم وإيجاب القول بأنه لا يخلد في النار ~~منهم أحد وإن أدخلها # مع أنا لو صرنا إلى ظاهر مقتضى القرآن لوجب أن لا يدخل النار إلا كافرا # قال الله عز وجل @QB@ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين @QE@ وقال @QB@ فأنذرتكم ~~نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى @QE@ وقال @QB@ وأما من ~~أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر @QE@ إلى قوله ~~تعالى @QB@ في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله ~~العظيم @QE@ وقال @QB@ وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من ~~يحموم لا بارد ولا كريم @QE@ إلى قوله @QB@ وكانوا يصرون على الحنث العظيم ~~@QE@ يريد الشرك @QB@ وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا ~~لمبعوثون @QE@ # فأوجب النار لمن ينكر البعث ويكفر بالله وبرسله ولا يؤمن بهم # وليس في فساق أهل الملة من هذا وصفه # فإن لم يجب المصير PageV01P409 إلى عموم هذه الآيات لم يجب المصير إلى ~~عموم الظواهر التي تلوها # فصح ما ذهبنا إليه من جواز العفو عن فساق أهل ملتنا # | مسألة # فإن قال قائل أفليس الله قد أوجب عداوة الفاسق والتبرؤ منه ولعنه وأمرنا ~~بأن ms222 لا تأخذنا رأفة به وأمرنا بالنكال به فقال @QB@ والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما @QE@ الآية وقال @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله @QE@ مع قوله @QB@ وكان ~~بالمؤمنين رحيما @QE@ فكيف يجوز أن يكون صاحب الكبيرة مؤمنا والمؤمن مرحوم ~~وولي لله تعالى # قيل له لسنا نقول إن الفاسق عدو لله ولا إن الله لعنه إلا بشريطة أن يكون ~~في معلومه أنه يعذبه وأن يكون أراد ذلك وقصده # وإنه متى لم يكن ذلك كذلك وكان المعلوم من حاله أنه يثيبه ويغفر له ويشفع ~~فيه نبيه فإنه غير ملعون ولا عدو لله ولا ممن حكم بعقابه # لأن العداوة والبغض من الله إنما هي إرادته لعذاب من علم أنه يعذبه على ~~ما بينا في باب الصفات PageV01P410 # وهذا كما تعبدنا بلعن من ظهر منه كلمة الكفر في دار الحرب والحكم عليه ~~بأنه عدو لله بشريطة أن كان معتقدا للكفر وكان ظاهره كباطنه وكما أمر عندكم ~~بلعن من أظهر الفسق وذمه والبراءة منه إذا لم تعلم توبته بشريطة أن لا يكون ~~قد تاب وندم # وكذلك تعبدنا الله بلعن شهود الزنى والبراءة منهم إذا اختلفت شهادتهم ~~وقصر عددهم والحكم بفسقهم إن كانوا عند الله كذبه لا على الإطلاق # وكذلك قر أمرنا بموالاة من أظهر لنا الإيمان وتوليه بشريطة أن يكون عند ~~الله معتقدا لذلك # وإذا كان هكذا بطل ما قلتم # لأن الله تعالى إن كان قد علم أنه سيغفر للفاسق الملي ويشفع فيه نبيه ~~فليس بملعون عنده ولا عدو له # فأما إن كان في المعلوم أنه سيعاقبه فإن معنى عداوة الله له أنه أراد ~~عقابه على ذنبه وهو أيضا موال له على إيمانه لأنه مريد لإثباته # وليس بمستحيل أن يريد الله عقاب الفاسق في وقت وإثابته في وقت آخر كما ~~أنه ليس بمحال أن يريد الإنسان عقاب ولده على ذنبه فيريد أيضا تبجيله ~~وإثابته على عمله الجميل وحسن طاعته فيما فيه # وإنما تمتنع وتتضاد العداوة والولاية من وجه واحد وعلى عمل واحد ms223 # وقد PageV01P411 قال الله تعالى @QB@ الله ولي الذين آمنوا @QE@ وقال عز ~~وجل @QB@ وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم @QE@ # وقد بينا فيما سلف أن الفاسق الملي مؤمن بما يغني عن إعادته # فوجب أن يكون وليا لله تعالى بإيمانه وبما معه من طاعاته والتقرب إليه # وقوله عز وجل @QB@ وكان بالمؤمنين رحيما @QE@ فالمراد به إرادته لإثابتهم ~~على إيمانهم في الآخرة وطاعاتهم له لأنه لا بد أن يثيبهم على الإيمان # وإرادته أيضا إرادة للحكم عليه في الدنيا بأحكام المؤمنين من المناكحة ~~والموارثة وعيادة مريضهم ودفنهم في مقابر المسلمين # ويحتمل أن يكون أراد بقوله تعالى @QB@ وكان بالمؤمنين رحيما @QE@ أنه ~~رحيم بهم في كل شيء إلا ما علم أنه يجازيهم عليه من ذنوبهم # فبطل ما قالوه # وأما الفاسق من المؤمنين فلا يجوز أن يكون معاديا لله بمعصيته مع إقراره ~~بوجوده وإيمانه بربه وتصديقه له لأن العداوة لله متضمنة للكفر به # وقد يمكن أن يكون الله سبحانه إنما تعبدنا بذم الفاسق ولعنه وجلده وقطعه ~~محنة له ليثيبه على ذلك في الآخرة كما أمر بجلد التائب وقطعه محنة له ~~ليثيبه على ذلك في المعاد # بل فلا جهة لهم في ذم الفاسق وحده # فإن قالوا لو كان مع الفاسق إيمان يستحق به الثواب والتعظيم في ~~PageV01P412 الآخرة لأزال عنه الحد في الدنيا # فلما لم يزل ذلك عنه بطل ما قلتم # قيل لهم لم قلتم ذلك # ثم يقال لهم ولو كان مع التائب المنيب ما يستحق عليه الثواب في الآخرة ~~لاستحق به إزالة العقاب والحدود في الدنيا # فلما كان التائب عندنا وعندهم مقطوعا ومحدودا مع توبته بطل أن يكون من ~~أهل التعظيم والثواب في الآخرة # فإن قالوا إنما لم تزل التوبة قطع التائب وحده وتعمل في إحباطه لأجل أن ~~قطعه وإقامة الحدود عليه ليس بعقاب وإهانة وإنما هو محنة من الله عز وجل له # وليس يجب أن تؤثر التوبة في إزالة المحن التي ليست بنكال ولا عقاب # قيل لهم وكذلك قطع المؤمن الموحد المصدق لله ولرسوله ليس بعقاب ولا ms224 نكال ~~وإنما هو امتحان من الله # وإنما المراد بقوله @QB@ نكالا من الله @QE@ إن كانا مستحلين للزنى وممن ~~قد حكم بعقابهما في الآخرة # فلذلك لم يزل إيمانه وولايته قطعه وحده # ثم يقال لهم لو لم يكن مع المؤمن ما يستحق به ثوابا في الآخرة لبطلت ~~موارثته ومناكحته وحرمت زيارته وعيادة مريضه ودفنه في مقابر المسلمين # فلما لم يزل ذلك علمنا أنه من أهل الثواب في الآخرة # فإن قالوا جميع هذا ليس يدل على أن المفعول به ما وصفتم من أهل الثواب ~~لأن جميع هذه الأحكام تجرى على المنافقين وليسوا بها مثابين PageV01P413 # قيل لهم وكذلك مدحنا للمؤمنين وتوليهم وحسن الثناء عليهم ليس بثواب لأننا ~~نفعل ذلك أجمع بالمنافقين متى أظهروا لنا الإيمان وليس ذلك بثواب ولا دلالة ~~على حصول الثواب في الآخرة # وإن هم قالوا لو جاز أن نعادي الفاسق ونذمه ونلعنه بشريطة أن يكون ممن ~~يعاقب في الآخرة لجاز أن يعاديه الله ويلعنه على هذه الشريطة # يقال لهم ولو جاز أن نلعن نحن شهود الزنى ونبرأ منهم بشريطة أن كانوا ~~كاذبين لجاز أن يلعنهم الله ويعاديهم على هذه الشريطة # فإن لم يجب هذا لم يجب ما قلتم # والسبب المفرق بين لعننا وعداوتنا بشريطة يجوز أن تكون ويجوز أن لا تكون ~~وامتناع لعن الباري لهم بشريطة لأننا نحن لا نعلم عواقب أمورهم والباري ~~سبحانه عالم بذلك فلم يجز عليه لعنهم والعداوة لهم بشريطة وإن جاز وصح ذلك ~~فينا # | مسألة # وإن قالوا الدليل على خلود الفاسق الملي في جهنم أنه قد ثبت أنه مستحق ~~للعقاب وثبت أن ما يستحقه من ذلك دائم كما أنه مستحق للذم دائما ما لم يتب ~~فوجب أنه غير مثاب # يقال لهم وما أنكرتم أن يكون الفاسق غير معاقب بالنار بهذه العلة ~~PageV01P414 بعينها لأنه قد ثبت أنه مستحق لثواب دائم على إيمانه وطاعته ~~كما أنه مستحق لمدح دائم فوجب أنه غير معاقب بالنار # فإن قالوا لو كان مستحقا للثواب لم يلعن ولم يهن في الدنيا ولزالت عنه ~~الحدود # قيل ms225 لهم هذه الحدود ليست بعقاب وإنما هي امتحان # ثم يقال لهم ولو لم يستحق الفاسق بطاعته الثواب لم يستحق المناكحة ~~والموارثة والدفن في مقابر المسلمين # فإن قالوا هذه الأمور ليست بثواب # قيل لهم والحدود ليست بعقاب لأنها جارية على التائب الولي # وكذلك ذمنا وبغضنا ليس بعقاب لأنه جار على شهود الزنى إذا اختلفت شهادتهم ~~ونقص عددهم وإن كانوا صادقين أبرارا عند الله عز وجل # ولا فصل في شيء من ذلك & باب الكلام في الشفاعة & # ومما يدل على جواز الغفران لعصاة أهل الملة ما ورد من الأخبار ~~PageV01P415 الثابتة المتظاهرة في إثبات شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وآله في أهل الكبائر نحو قوله صلى الله عليه وسلم ( ادخرت شفاعتي لأهل ~~الكبائر من أمتي ) # وقد روى خبر الشفاعة عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله عدة منهم أنس بن ~~مالك وجابر بن عبد الله # ورواه حذيفة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم # وروى معبد بن هلال وثابت البناني ذلك في خبر طويل عن أنس بن مالك # ورواه أيضا أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم # قال أنس بن مالك سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم وآله PageV01P416 وسلم ~~يقول ( إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض # فيؤتى آدم فيقال له يا آدم اشفع في ذريتك # فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن # فيؤتى إبراهيم فيقال له مثل ذلك # فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الرحمن # فيؤتى موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته # قال فيؤتى عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد # فأوتى فأقول أنا لها # فأنطلق فأستأذن على ربي # فيؤذن لي عليه فأقوم بين يديه فيلهمني محامده فأحمده بتلك المحامد # ثم أخر ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع # فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه إما قال مثقال ذرة ms226 ~~أو مثقال شعيرة من إيمان فأخرجه منها # قال فأخرجه ثم أعود فأحمده بتلك المحامد وأخر ساجدا # فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع # فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه مثقال خردلة من ~~إيمان فأخرجه منها # قال فأنطلق فأفعل ذلك # ثم أحمده بتلك المحامد ثم أخر ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع ~~وسل تعطه واشفع تشفع # فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فمن كان في قلبه PageV01P417 أدنى من ~~مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار ثلاث مرات ) # وزاد الحسن البصري في هذه الرواية عن أنس ابن مالك وثلاثة وعشرين رجلا # قال حدثني أنس أنه قال فأقوم الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر ساجدا # قال فيقال لي ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع # فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله # فيقال لي ليس لك ذلك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا ~~إله إلا الله # والأخبار في الشفاعة أكثر من أن يؤتى عليها وهي كلها متواترة متوافية على ~~خروج الموحدين من النار بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وآله وإن اختلفت ~~ألفاظها # ففي بعضها أنهم يخرجون بعد ما امتحشوا فيه وصاروا فحما # وفي خبر أنهم يخرجون منها ضبائر ضبائر فيلقون في نهر الحياة فينبتون كما ~~تنبت الطراثيث والحبة في جميل السيل # وأنهم يدخلون الجنة مكتوبا على جباههم الجنميون PageV01P418 وفي خبر آخر ~~عتقاء الله من النار وأن آخر من يخرج من النار رجل يقول في النار يا حنان ~~يا منان # وقد أطبق سلف الأمة على تسليم هذه الرواية وصحتها مع ظهورها وانتشارها ~~والعلم بأنها مروية من الصحابة والتابعين # ولو كانت مما لم تقم الحجة بها لطعن طاعن فيها بدفع العقل والسمع لها على ~~ما يقوله المعتزلة ولكانت الصحابة أعلم بذلك وأشد تسرعا إلى إنكارها # ولو كانوا قد فعلوا ذلك أو بعضهم لظهر ذلك وانتشر ولتوفرت الدواعي على ~~إذاعته ms227 وإبدائه حتى ينقل نقل مثله ويحل العلم به محل العلم بخبر الشفاعة ~~لأن هذه العادة ثابته في الأخبار # وفي العلم بفساد ذلك دليل على ثبوت خبر الشفاعة وبطلان قول المعتزلة إن ~~الغفران باطل بالعقل وموجب لتكذيب السمع وغير ذلك مما يدعونه # | مسألة # فإن قالوا هذه الأحاديث معارضة بمثلها # فروى الحسن البصري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا تنال ~~شفاعتي أهل الكبائر من أمتي ) # فوجب إطراحها # يقال لهم هذه الرواية التي ذكرتموها غير معروفة ولا ثابتة عند أهل النقل # فلا يجب أن يدفع بها ما قد علمنا نحن وأنتم أنه مروي PageV01P419 # ثم يقال لهم لو سلمت روايتكم لوجب حملها مع الأخبار التي رويناها على ضرب ~~من البناء والتأويل حتى لا يدفع من السنن شيء يمكن استعمالها وتصحيحها كما ~~يصنع ذلك في قوله تعالى @QB@ هذا يوم لا ينطقون @QE@ وقوله @QB@ وأقبل ~~بعضهم على بعض يتساءلون @QE@ # فنقول قوله لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي أراد بذلك أن كانت ~~الكبائر الواقعة منهم ردة بعد إسلام أو كفرا بعد إيمان بدلالة الأخبار ~~الأخر التي فيها إخراج أهل الإيمان بشفاعته فلا يكون لذلك معارضا # فإن قالوا قوله لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي يمنع تأويلكم هذا ~~لأنه حكم بأنهم من أمته وذلك يقتضي أنهم قوم مسلمون # قيل لهم يحتمل أن يكون أراد بقوله أمتي الذين كانوا من أمتي ثم ارتدوا # ويحتمل أن يكون أراد أهل قرني وعصري الذين بعثت فيهم فلا تعلق لهم في ذلك ~~PageV01P420 # | مسألة # فإن قالوا أفليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال ( من ~~تحسى سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ) وروي ~~مثله فيمن قتل نفسه بحديدة ومن تردى من جبل # وكذلك روي عنه أنه قال ( لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاق لوالديه ) # وهذه الأخبار معارضة لأخبار الشفاعة # قيل لهم لو ثبتت هذه الأخبار كثبوت خبر الشفاعة لم تكن متعارضة # بل يجب أن يكون قوله من تحسى ms228 سما فقتل نفسه ومن أدمن الخمر ومن عق والديه ~~وتردى من جبل وقتل نفسه بحديدة ينصرف إلى من فعل ذلك أجمع على وجه ~~الاستحلال وتكذيب الخبر والتوقيف على تحريمه # لأن ذلك لا يقع على جهة التكذيب ممن يستحق الشفاعة # | مسألة # فإن قالوا أفليس الرسول صلى الله عليه وسلم عندكم لا يشفع إلا في مؤمن ~~وقد وردت الروايات بأن السارق لا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يزني الزاني ~~حين يزني وهو مؤمن # فكيف PageV01P421 يشفع الرسول صلى الله عليه وسلم وآله فيمن ليس بمؤمن ~~وكذلك روي عنه أنه قال ( ليس منا من بات بطينا وجاره خميص ومن غشنا فليس ~~منا ) فكيف تحصل الشفاعة لمن ليس من أهل ملته # يقال لهم هذه الأخبار أيضا محتملة لوجوه إذا صرفت إليها لم تكن معارضة ~~لخبر الشفاعة # فيحتمل أن يكون المراد بقوله ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا ~~يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ) إذا فعلا ذلك مستحلين للزنى والسرقة ~~ومكذبين بتحريمهما # ولا شفاعة لمن زنى مستحلا لذلك # ويحتمل أن يكون المراد بذلك أنه ليس بمؤمن كالمؤمن الذي لم يكن منه زنى ~~ولا سرقة في البر والطهارة والسلامة من الذنوب # ويحتمل أن يكون ذلك إنما خرج على مذهب التغليظ والمبالغة في الزجر على ~~سبيل قوله ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) وكذلك قوله ( من غشنا ~~فليس منا ) و ( ليس منا من بات بطينا وجاره خميصا ) PageV01P422 # وإذا حملت هذه الأخبار على هذا التأويل بطل التعارض # وقد روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من قال لا ~~إله إلا الله دخل الجنة ) # قال فقلت يا رسول الله وإن زنى وإن سرق وأنه ردد ذلك عليه حتى قال له في ~~الثانية أو الثالثة نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء ) وإذا كان ذلك كذلك وجب ~~حمل هذه الأخبار على البناء والترتيب كما يجب ذلك في آي القرآن المتعارضة ~~الظواهر # فإن قالوا فما معنى قوله @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ # قيل لهم معناه ms229 ولا يشفعون إلا لمن رضي الله سبحانه أن يشفعوا وأذن فيه # ولم يرد بذلك أنهم لا يشفعون إلا لمن رضي عمله لأن من رضي الله سائر عمله ~~لا يحتاج إلى الشفاعة # ويحتمل أيضا أن يكون أراد أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى عمله الذي هو غير ~~ذنبه الذي يستوجب به العقاب # فكأنه قال لا يشفعون إلا لمن معه عمل مرتضى # والفاسق معه طاعات وبر وقرب وتصديق وتوحيد وذلك أجمع مرتضى منه # وإنما تدل هذه الآية على أنه لا شفاعة لكافر لأن الكافر لا طاعة معه ~~PageV01P423 # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله عز وجل @QB@ ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ~~@QE@ # قيل لهم معنى ذلك أنه لا شفاعة للظالمين بالكفر والشرك الذين لا طاعة ~~معهم # قال الله تعالى @QB@ إن الشرك لظلم عظيم @QE@ # ولم يرد أهل التوحيد كما أنه لم يرد عندكم أهل الصغائر الواقعة منهم مع ~~مجانبة الكبائر # فلا تعلق لهم في ذلك # | مسألة # فإن قالوا فما معنى قوله @QB@ لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون @QE@ و @QB@ ~~ولا يخفف عنهم من عذابها @QE@ و @QB@ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب @QE@ # قيل لهم جميع هذه الآيات وما كان بمعناها يراد بها أهل الكفر والجحد ~~والتكذيب # وكذلك قوله @QB@ فما تنفعهم شفاعة الشافعين @QE@ # لأن الله تعالى خبر عنهم أنهم قالوا @QB@ لم نك من المصلين ولم نك نطعم ~~المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين @QE@ # ولم يعن بهذا الوعيد أحدا من أهل الإسلام والتصديق PageV01P424 # | مسألة # فإن قال قائل منهم ما أنكرتم أن تكون شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وشفاعة الملائكة مستحقة للمؤمنين على وجه الثواب لهم والجزاء على أعمالهم ~~وطاعاتهم وتوبتهم لأن الله تعالى أخبر بذلك فقال ^ الذين يحملون العرش ومن ~~حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء ~~رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وادخلهم ~~جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ^ # فأخبر سبحانه أن ذلك على وجه ms230 الثواب لهم # يقال لهم متى أخبر الله سبحانه بذلك وليس في الآية أكثر من أن الملائكة ~~يستغفرون لهم فقط # ثم يقال لهم لو كان استغفار الرسول والملائكة وشفاعتهم إلى الله سبحانه ~~ثوابا على أعمالهم والرسول والملائكة هم الفاعلون الخالقون لكلامهم وطلبهم ~~وشفاعتهم عندكم لكانوا هم المثيبين للمؤمنين التائبين بهذه الشفاعة # لأن فاعل الثواب مثيب كما أن فاعل العقاب معاقب وفاعل الألم والتفضل مؤلم ~~متفضل # فلما أجمع المسلمون على أن الأنبياء والملائكة لا يثيبون الطائعين لله ~~على طاعاتهم له سبحانه وأن الله هو PageV01P425 المثيب على ذلك دون كل أحد ~~بطل ما توهمتم # ثم يقال لهم لو سلمنا لكم أن الشفاعة مستحقة بالإيمان لم يدل ذلك على ~~أنها ليست بشفاعة في غفران الذنوب # لأن الإيمان بالله سبحانه والتوبة من الكفر يستحق به الثواب عندكم # فيجوز أيضا أن يستحق به شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في ذنوبهم التي ~~قارنت الإيمان # فما الذي يدفع ذلك # فإن قالوا لأنه أخبر عنهم أنهم يقولون @QB@ فاغفر للذين تابوا واتبعوا ~~سبيلك @QE@ والمصر ليس بتائب # قيل لهم ما أنكرتم أن يكون أراد بقوله للذين تابوا من كفرهم وطعنهم على ~~النبيين ودين المسلمين واتبعوا سبيله سبحانه واعتقدوا توحيده وتصديق رسله ~~والإقرار بما جاء من عنده فهل تجدون لهذا مدفعا # ولو كانت الملائكة لا تشفع إلا لمؤمن تقي تائب مقلع متنسك لا سبيل ولا ~~حجة عليه لم يكن لشفاعتها معنى إلا الرغبة إلى الله عز وجل في أن لا يظلمه ~~ولا يجوز عليه ولا يسفه بعقابه لأن عقاب من هذه سبيله ظلم وسفه على أصولهم # والأنبياء والملائكة أجل عند الله عز وجل وأعظم قدرا من أن ترغب إليه في ~~أن لا يظلم عباده ولا يجوز في حكمه # ويمكن أيضا على أصولنا أن يكون معنى قوله ^ فاغفر للذين PageV01P426 ~~تابوا ) أي تفضل عليهم بقبول توبتهم فاغفر لهم # لأن قبول التوبة تفضل من الله له أن يفعله وله أن لا يفعله # وهذا التأويل غير مطرد على أصول المعتزلة لأنها توجب قبول التوبة على ms231 ~~الله وتظلمه وتجوزه في ردها وترك قبولها والعقاب على ما هي توبه منه # فلا يسوغ لهم مع ذلك مثل تأويلنا # | فصل # وقد افترقت المعتزلة فريقين # فأنكر فريق منهم الشفاعة جملة وحمل نفسه على جحد الأخبار ورد القرآن # وقال الفريق الآخر إن للأنبياء والملائكة شفاعة إلا أنها تشفع لثلاثة فرق ~~من الناس المؤمنين # ففريق من أهل الشفاعة هم أصحاب الصغائر الذين واقعوها مع مجانبة الكبائر # والفريق الآخر أصحاب الكبائر الذين تابوا منها وندموا عليها # والفريق الآخر هم المؤمنون الذين لا ذنب لهم أصلا # فتكون شفاعة الأنبياء والملائكة فيهم شفاعة في الزيادة لهم من النعيم على ~~قدر ما يستحقون بأعمالهم # فأما الشفاعة في صاحب كبيرة إذا مات مصرا عليها فإنها باطلة # فيقال لهم أما الشفاعة للفريقين الأولين لا معنى لها # لأنها شفاعة إلى الله في أن لا يظلم ولا يجور على عباده بعقاب غير مستحق ~~PageV01P427 لأن صاحب الصغيرة غير مستحق للعذاب إذا فعلها مع مجانبة ~~الكبائر عندكم وعلى أصولكم # وكذلك التائب من الكبيرة قد أزال عن نفسه العقاب بتوبته وصار عقابه عليها ~~مع التوبة ظلما قبيحا # فلا معنى للشفاعة فيمن هذه حاله # فأما الشفاعة للسالم من كل الذنوب في أن يزاد على قدر ما يستحقه فإنها ~~خلاف الشفاعة المروية عن النبي ولأن ذلك لم يذكر في شيء من الأخبار # وكذلك هي مخالفة للقرآن لأن الشفاعة التي ذكرها الله سبحانه عن الملائكة ~~إنما هي شفاعة في الغفران للذين تابوا من الكفر والظلم لأن يقيهم السيئات ~~وليس فيها ذكر الزيادة في النعيم # ولولا العناد والميل إلى سبيل الضالين ووساوس المردة والشياطين لم يعدلوا ~~عن إثبات الشفاعة المذكورة في نص الكتاب والمأثورة في الأخبار إلى الترهات ~~وطريق التأويلات وتلفيق الجهل والضلالات # ويقال لهم ليس الكلام بين الأمة في الزيادة على قدر الثواب وإنما الكلام ~~في الشفاعة التي جاءت بها الأخبار والقرآن فهل لها عندكم معنى أم لا # فإن قالوا لا صاروا إلى جحد القرآن والروايات وسألناهم على حد ما تقدم ~~PageV01P428 # وإن أثبتوها وتأولوها على بعض ms232 ما تقدم كلمناهم بما سلف ولا جواب لهم عن ~~شيء منه # | مسألة لهم هذا الباب # فإن قالوا خبرونا عمن حلف بالطلاق أنه يعمل عملا ينال به شفاعة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ما الذي يجب عليه أن يعمل أتأمرونه بعمل المعاصي أو ~~بماذا تأمرونه # يقال لهم لا بل نأمره أن يطيع الله سبحانه حتى ينال شفاعة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في الزيادة على قدر عمله على ما ارتضيتموه في أقسام الشفاعة # وفي ذلك سقوط سؤالكم # وكذلك الجواب إن قالوا حلف أن يعمل عملا يصير به من أهل الشفاعة # ثم يقال لهم الذي يجب عندنا على هذا الإنسان أن يستديم الإيمان ويتمسك ~~بفعل الخير والطاعات لأنه بذلك عندنا ينال الشفاعة دون ذنوبه # لأن له أذنب ولم يتب مع ذلك ويؤمن لم ينل الشفاعة # فالذي به تثبت له الشفاعة بره وإيمانه كما أن الذي به تثبت لزيد شفاعة ~~صديقه ووليه إنما هو صداقته وسالف الجميل منه وليس هو نفس الذنب والجناية ~~عليه # وهذا معلوم بما يغني عن الحجاج والإكثار PageV01P429 # | مسألة # وإن سألوا عمن حلف أنه يفعل ما يستحق أو يستوجب به شفاعة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإنه إن عنى بالاستحقاق والاستيجاب النيل لها والكون من أهلها ~~أمرناه بما سلف من طاعة الله عز وجل وإن عنى به الاستحقاق على الله أو على ~~رسوله واعتقد ذلك فلا مخرج له عن يمينه لقيام الدلالة على أنه لا يجوز أن ~~يستحق على الله ولا على رسوله وملائكته الشفاعة بشيء من الأعمال # | مسألة # وإن قالوا فما تقولون فيمن حلف أن يفعل فعلا يجوز أن يشفع له فيما استحق ~~عليه من العقاب # قيل لهم هذا لا نأمره بشيء من معاصي الله تعالى # فإن ابتلي بشيء من ذلك فقد زال عنه حكم اليمين # كما أنكم لا تأمرونه بفعل الصغير من الذنوب فإن ابتلي بشيء من ذلك زال ~~عنه حكم اليمين # ثم يقال لهم فما تقولون أنتم فيمن أحب أن يكون من التوابين والمستغفرين ~~لما سمع الله ms233 يثني على التوابين والمستغفرين فحلف أن يعمل عملا تصح توبته ~~واستغفاره منه # فإن قالوا نأمره بفعل الخير والبر PageV01P430 # قيل لهم وكيف تصح توبته واستغفاره من فعل الخير وتقربه بالندم عليه وهذا ~~ما لا يقوله مسلم # وإن قالوا نأمره بفعل بعض معاصي الله سبحانه خرجوا من الإجماع واستجازوا ~~ما حظره الله لأن الأمر بالعصيان عصيان # وإن قالوا لا نأمره بفعل المعصية لكن إن ابتلي بشيء من ذلك قلنا له قد ~~فعلت ما يصح استغفارك وتوبتك منه وزال حكم اليمين عنك أجيبوا بمثل ذلك فيما ~~سألونا عنه # وبالله التوفيق & باب الكلام في الإمامة وذكر جمل من أحكام الأخبار ومما ~~يدل على فساد النص وصحة الاختيار & # قال أدام الله تأييده قد كنا أملينا مختصرا في الإمامة جعلناه ~~PageV01P431 مدخلا إلى كتاب مناقب الأئمة ونقض المطاعن على سلف الأمة ~~اختصرنا PageV01P432 العبارة فيه وأوضحنا معانيه ولم يخل بمعنى يحتاج إليه ~~في فصول منه # فرأينا أن ننقل تلك الفصول على وجهها إلى هذا الكتاب ونزيد في بعضها ~~وننقص من بعض طلبا لسرعة الفراغ من ملتمس أطال الله بقاءه # فنقول إن أصل هذا الباب الذي بمعرفته يتوصل إلى علم الصواب منه هو الوقوف ~~على جملة أقسام الأخبار وما يوجب العلم منها اضطرارا وما يقتصر عن ذلك مما ~~يعلم نظرا واستدلالا ولا سبيل إلى العلم بصحته مما يمكن أن يكون صدقا ويمكن ~~أن يكون كذبا وما يوجب العمل دون العلم من هذه الأخبار وما قد قطع الدليل ~~على بطلانه وكذب ناقليه منها & باب القول في معنى الخبر & # إن قال قائل ما معنى وصفكم للشيء بأنه خبر # قيل له معنى ذلك أنه ما يصح أن يدخله الصدق أو الكذب PageV01P433 لأنه ~~متى أمكن دخول الصدق أو الكذب فيه كان خبرا ومتى لم يمكن ذلك فيه خرج عن أن ~~يكون خبرا وبهذا الاختصاص فارق الخبر ما ليس بخبر من الكلام وسائر الذوات ~~التي ليست بخبر & باب الكلام في أقسام الأخبار & # فإن قال قائل فعلى كم وجه تنقسم الأخبار قيل له على ثلاثة ms234 أضرب فضرب منها ~~خبر عن واجب وهو كل خبر عن أمر ثابت قضت الضرورات ودرك الحواس على إثابته ~~وقامت الأدلة على ذلك من أمره نحو الخبر عن حضور ما ندركه ونشاهده بحواسنا ~~والخبر عن امتناع اجتماع الضدين وكون الجسم في مكانين معا وأمثال ذلك مما ~~يعلم فساده بضرورات العقول والخبر عن حدث العالم وإثبات محدثه وأنه على ما ~~يجب كونه عليه من صفات وصحة أعلام رسله وما جرى مجرى ذلك من كل أمر ثبت ~~العلم بصحته استدلالا ونظرا وهذا ما لا يقع أبدا إلا صدقا من قديم ومحدث ~~ومؤمن وكافر وعدل وفاسق وجماعة وآحاد لثبوت مخبره وصحته وكيف تصرفت ~~بالمخبرين عنه الحال # والضرب الثاني خبر عن محال ممتنع إما بقضية الحواس PageV01P434 والضرورات ~~أو بما قام عليه من الحجج والدلالات نحو الخبر عن عدم ما نشاهده وكونه على ~~خلاف صفة ما ندركه عليه والخبر عن قيام الأموات وقلب العصا حيات وانقلاب ~~دجلة ذهبا في وقتنا هذا والخبر عن وجود الضدين في محل واحد وكون الجسم في ~~مكانين وما جرى مجرى ذلك من الممتنع المعلوم بطلانه وإحالته بقضايا الحواس ~~وموضوع العادات وأوائل العقول والضرورات وهذا الخبر لا يقع أبدا إلا كذبا ~~ممن وقع منه لثبوت العلم ببطلان مخبره وتناوله له على غير ما هو به # وليس يجوز أن يقع هذا الخبر من القديم ولا من نبي ولا ممن خبر نبي عنه ~~أنه لا يكذب ولا من قوم يثبت بهم التواتر ويعلم صدقهم اضطرارا إذا نقلوا عن ~~مشاهدة من غير قهر وإجبار وأسباب يظهر عليهم الحديث بها لأن الكذب لا يجوز ~~على من ذكرناه فيما هذه حاله ونحو الخبر عن حدوث القديم وقدم المحدث وإبطال ~~المعجزات وغير ذلك مما يدل الدليل على ثبوته وأن الخبر قد تناوله على خلاف ~~ما هو به وهذا الخبر لا يقع أيضا من الله ولا من رسوله ولا PageV01P435 ممن ~~أخبر أنه لا يكذب في خبره وقد يجوز أن يقع من قوم لو خبروا عن مشاهدة لحجوا ~~وعلم صدقهم ms235 ضرورة بشبهة تدخل عليهم لأنهم غير عالمين بما خبروا فضلا عن أن ~~يكونوا إليه مضطرين # والضرب الثالث من الأخبار خبر عن ممكن في العقل كونه ومجيء التعبد به نحو ~~الإخبار عن مجيء المطر بالبلد الفلاني وموت رئيسهم ورخص سعرهم وعن كون زيد ~~في داره وخروجه عنها ونحو الإخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم على إمام ~~بعده وعلى حج وصلوات وعبادات أكثر من المتعبد بها في الشريعة وأمثال ذلك ~~مما يمكن أن يكون صدقا ويمكن أن يكون كذبا وما هذه حاله موقوف على ما يوجب ~~الدليل من أمره فإن قام الدليل على أنه صدق قطع به وإن قام على أنه كذب قطع ~~ببطلانه وكذب ناقله وإن عدم دليل صحته ودليل فساده وجب الوقف في أمره ~~وتجويز كونه صدقا وكونه كذبا وإذا وقع الخبر على الممكن كونه من الله ومن ~~رسوله وممن أخبر عنه أنه لا يكذب في خبره ومن جماعة أسندوا ما أخبروا عنه ~~إلى مشاهدتهم ليثبت PageV01P436 التواتر بمثلهم قطع بصدقهم وكذلك كل خبر عن ~~جائز قام الدليل على صدق نقلته # وهذه جملة من القول في تفسير الأخبار مقنعة & باب الكلام في إثبات ~~التواتر واستحالة الكذب على أهله & # إن قال قائل ما الدليل على استحالة الكذب على العدد الذين يثبت بهم ~~التواتر # قيل له ما قدمنا عند القول في نقل أعلام الرسل وهو أن العادة لم تجر ~~باجتماع مثل عدد أهل التواتر على نقل كذب عن مشاهدة ولا على كتمان ما هم ~~عالمون به من غير ظهور الحديث به بينهم والإقرار إذا خلوا بأنهم كتموا ~~وتشاعروا لعلة دعتهم إلى ذلك لأنه لا يجوز أن يستمر بهم ترك ذلك والخوض فيه ~~والحديث به زمانا طويلا أو الأبد حتى لا يعلم في حالهم أنهم قد افتعلوا وإن ~~جاز ذلك على الواحد والاثنين منهم كما أنه لم تجر العادة باجتماع مثلهم على ~~التشويه بأنفسهم والتعالج لتشويه وجوههم وكشف سوآتهم وعوراتهم وطلاق نسائهم ~~والخروج PageV01P437 من ديارهم وشخوص أجمعهم إلى بلد كرمان وشيراز وبلد ~~الصين ms236 واحتمال هول البحر وغير ذلك من المتاجر والصنائع لما جعلهم الله عليه ~~من تفرق الدواعي واختلاف الهمم والأعراض فمن أراد أن يجيز الكذب على جميعهم ~~عند الاجتماع لجواز ذلك على آحادهم عند الانفراد فهو كمن جوز عليهم جميع ~~الذي وصفنا مع اجتماعهم لجواز ذلك على آحادهم عند الانفراد وكل ذلك محال ~~معلوم امتناعه وتعذره في العالم # فإن قال قائل ما الدليل على أن العلم بمخبر خبر من ذكرتم يقع اضطرارا # قيل له الدليل على ذلك أننا نجد أنفسنا عالمة بما يخبرون عنه على حد ما ~~نجدها عالمة بما تدركه من حواسنا وما نجده من أنفسنا مما لا يمكننا الشك ~~فيه ولأنه قد شاركنا في العلم به النساء والعامة والمتنقصون الذين ليسوا من ~~أهل النظر فثبت أن العلم بذلك ضرورة على ما قلناه PageV01P438 & باب آخر في ~~صفات أهل التواتر & # فإن قال قائل هل يجب أن يكون لأهل التواتر صفات لا بد من كونهم عليها # قيل له أجل فإن قال وما هي # قيل له منها أنه يجب أن يكونوا عالمين بما ينقلونه علم ضرورة واقعا عن ~~مشاهدة أو سماع أو مخترع في النفس من غير نظر واستدلال وإلا لم يقع العلم ~~بخبرهم وكذلك ما لم يجب أن يقع العلم بخبر كافة المسلمين لمن خالفهم بحدث ~~الأجسام وإثبات صانعها وكون القرآن معجزا وغير ذلك من الأخبار عن صحة ~~الأمور المعلوم ثبوتها عندهم من جهة الاستدلال لأن الله تعالى لم يجر ~~العادة بفعل العلم بالمخبر عنه إذا علمه المخبرون عنه من هذه الطريقة ولأنا ~~إنما نخبر عن استدلال واقع لنا به العلم فمن عرفه واستعمله ورتبه في موضعه ~~عرف من ذلك ما عرفناه ومن صدف عنه وأعرض عن تأمله لم يعرف صحة ما عنه خبرنا # ومن صفاتهم أن يكونوا عددا يزيدون على الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة ~~وكل عدد أمرنا الله بالاستدلال على صدق المخبر به كالشاهد الواحد ومن أمرنا ~~بالاجتهاد في عدالتهم وتأمل أحوالهم لأنه لو علم تعالى أن PageV01P439 خبر ~~الواحد يوجب علم الاضطرار ms237 وأنه سيفعل ذلك عند خبره لما أمرنا بالاستدلال ~~على صدق أخبار الرسل خاصة مع عدالتهم وارتفاع أقدارهم وشدة تنزههم عن الكذب ~~وتجنبهم له وكذلك لو علم أن الاثنين أو الرجل والمرأتين والأربعة إذا شهدوا ~~بالزنا وقع العلم بخبرهم إذا كانوا صادقين لم يتعبدوا بالاجتهاد في عدالتهم ~~وقبول شهادتهم إذا كانوا عندنا على هذه الصفة وردها إذا كانوا فساقا لأننا ~~إنما نستدل ونجتهد إذا لم نعلم بصدق المخبر فأما إذا علم صدقهم ضرورة فلا ~~وجه للنظر والاستدلال على ما نحن إلى العلم بصحته مضطرون فوجب أن من صفات ~~أهل التواتر تجاوز عددهم لعدة من أمرنا بالاجتهاد في شهادتهم ويكفي في ذلك ~~على أصولنا أن نقول ويجب أن يكونوا عددا يتجاوزون عدة من جرت العادة بألا ~~يعقل العلم بصدق خبرهم ضرورة دون ذكر الأربعة والاجتهاد في العدالة # ومن صفاتهم أن يكونوا عددا كل من خبر عن مشاهدة وكان في الكثرة والعدد ~~كهم وقع العلم بخبرهم ضرورة # ومن صفاتهم إذا كانوا خلفاء لسلف ولسلفهم سلف أن يكون أول خبرهم كآخره ~~ووسط ناقليه كطرفيه في أنهم قوم بهم يثبت التواتر ويقع العلم بصدقهم إذا ~~نقلوا عن مشاهدة PageV01P440 PageV01P441 # هذه الصفات التي يجب لزومها لأهل التواتر دون ما يغلط قوم من أهل النظر ~~بذكره من اختلاف الديانات والملل وتفرق الأوطان وتباعد الديار واختلاف ~~الأنساب وتغاير الأسباب وأن يكونوا في دار ذلة وأن تؤخذ منهم جزية إلى غير ~~ذلك مما يذكرونه من الأوصاف لأنه قد يقع العلم بخبر أهل ملة واحدة وبني أب ~~واحد وأهل بقاع متجاورة وبلدة واحدة ويقع العلم بخبرهم وإن لم يكونوا في ~~دار ذلة ولم تؤخذ منهم جزية كما وقع لنا العلم البلدان وغيرها من الأمور ~~بنقل من ليس في دار ذلة ولا من يعطي الجزية & باب آخر في خبر الواحد & # فإن قال قائل فما معنى وصفكم للخبر بأنه خبر قيل له أما حقيقة هذه ~~الإضافة في اللغة فإنه خبر واحد وأن الراوي له واحد فقط لا اثنان ولا أكثر ~~من ذلك # غير ms238 أن الفقهاء والمتكلمين قد تواضعوا على تسمية كل خبر قصر عن إيجاب ~~العلم بأنه خبر واحد وسواء عندهم رواه الواحد أو الجماعة التي تزيد على ~~الواحد # وهذا الخبر لا يوجب العلم على ما وصفناه أولا ولكن يوجب العمل ~~PageV01P441 إن كان ناقله عدلا ولم يعارضه ما هو أقوى منه على حد ما نذهب ~~إليه مما ليس هذا موضع ذكره & باب الكلام في إبطال النص وتصحيح الاختيار & # إن سأل سائل فقال ما الدليل على ما تذهبون إليه من الاختيار للأمة وإبطال ~~النص على إمام بعينه قيل له الدليل على هذا أنه إذا فسد النص صح الاختيار ~~لأن الأمة متفقة على أنه ليس طريق إثبات الإمامة إلا هذين الطريقين ومتى ~~فسد أحدهما صح الآخر والذي يدل على إبطال النص أنه لو نص النبي صلى الله ~~عليه وسلم على إمام بعينه وفرض طاعته على الأمة دون غيره وقال لهم هذا ~~خليفتي والإمام من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا لكان لا يخلو أن يكون قال ذلك ~~وفرضه بمحضر من الصحابة أو الجمهور منهم أو بحضرة الواحد والاثنين ومن لا ~~يوجب خبره العلم فإن كان قد أعلن ذلك وأظهره وقاله قولا ذائعا فيهم وجب أن ~~ينقل ذلك نقل مثله مما شاع وذاع من نحو الصلوات وفرض الحج والصيام وغيرهما ~~من العبادات التي لا اختلاف بين الأمة في أنها مشروعة مفروضة في دين النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا سيما إن كان فرض الإمامة من الفرائض العامة اللازمة ~~لكل أحد في عينه وكان النص من النبي صلى الله عليه وسلم أمرا عظيما وخطرا ~~جسيما لا ينكتم مثله ولا يستتر عن الناس علمه مع العلم بأن الأمة قد نقلت ~~بأسرها تولية النبي صلى الله عليه وسلم الإمرة لزيد بن حارثة ولأسامة بن ~~زيد وعبد الله بن PageV01P442 رواحة وعمرو بن العاص ولأبي موسى الأشعري ~~وعمرو بن حزم وغير هؤلاء من أمرائه وقضاته حتى لم يذهب علمه على أحد من أهل ~~العلم والأخبار # والنص منه على إمام على صفة ما تدعيه ms239 الشيعة من التصريح والإظهار أعظم ~~وأخطر من تولية الأمراء والقضاة وتوفر الدواعي على نقلة أكثر وإذا كان ذلك ~~كذلك وجب لو كان الأمر على ما قالوه أن يغلب نقل النص من الكافة على كتمانه ~~وأن يظهر وينقله خلف عن سلف إلى وقتنا هذا نقلا شائعا ذائعا يكون أول نقلته ~~ووسطهم وآخرهم سواء في أنهم جميعا حجة يجب العلم عند PageV01P443 نقلهم ولو ~~كان ذلك كذلك لوجب أن يعلم ضرورة صدق الشيعة فيما نقله من النص وألا يوجد ~~لهم مخالف من الأمة يوفي على عددهم ينكر النص ويجحد علمه كما لم يوجد فيها ~~من ينكر فرض الصلاة والصيام وإمرة أسامة بن زيد وزيد بن حارثة # وفي العلم ببطلان هذا ووجود أنفسنا غير مضطرة به ولا عالمة به وعلمنا بأن ~~جمهور الأمة والسواد الأعظم منها ينكر ذلك ويجحده ويبرأ من الدائن به ~~ورأينا أكثر القائلين بفضل علي عليه السلام من الزيدية ومعتزلة البغاديين ~~وغيرهم ينكر النص عليه ويجحده مع تفضيله عليا على غيره وزوال التهمة عنه في ~~بابه أوضح دليل على سقوط ما ذهبوا إليه وبطلانه # فإن قالوا ولم قلتم إن ما هذه سبيله من النقل يوجب علم الاضطرار قيل لهم ~~قد بينا ذلك فيما قبل بما يغنى عن رده # وإذا لم ينقل خبر الشيعة نقل مثله مما وقع شائعا ذائعا في الأصل ولا وجب ~~العلم به كوجوب نظيرة مما يعم فرضه والبلوى به ولا اترفعت الشكوك والشبه ~~فيه كارتفاعها عن نظيره وما جرى مجراه من تأمير النبي صلى الله عليه وسلم ~~لمن أمره وعقد القضاء لمن عقده بل ما يدعونه فوق هذا الباب ولا حصل علم ذلك ~~لأكثر الشيعة والزيدية المفضلين لعلي عليه السلام على غيره من الأئمة ~~والمختصين علما بفضائله ومناقبه والمبرئين من التهمة في بابه عند الفريقين ~~ولا وجب علمنا بما قالوه ضرورة ولا حصل أيضا علمه لمن ليس من أهله مع بحثه ~~عنه ممن يخالف الأمة كحصول علم اليهود والنصارى بمقدار فرض صلواتنا وصيامنا ~~عند تلقيهم لنا وسماعهم لأخبارنا ms240 وجب القضاء على إبطال خبرهم عن النص بأكثر ~~الأدلة PageV01P444 الدالة على فساد الأخبار # وهذا بين لمن نصح نفسه وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم إنما نص عليه ~~النص الذي يدعونه بمحضر من الواحد والاثنين ومن يجوز الكذب والسهو عليه ولم ~~يذع ذلك ويشعه فلا سبيل إذا لنا إلى العلم والقطع على أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نص على رجل بعينه وألزم فرض طاعته دون غيره إذ كان إنما نقل ذلك ~~في الأصل عن الرسول صلى الله عليه وسلم من لا يجب العلم بصدقه ومن يجوز ~~دخول الغلط والسهو عليه وكنا نحن وأنتم قد اتفقنا على أن أخبار الآحاد لا ~~توجب علم الاضطرار وإن كان الآخذون عنهم ممن عددهم كعدد القطر والرمل فلم ~~يقارن أيضا خبر ذلك الواحد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على صدقه ~~بأن يخبر الله تعالى عن ذلك الواحد في نص كتابه أنه لا يكذب في شيء من ~~أخباره أو يخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم من أمره أو تجمع الأمة على ~~تلقي خبره بالقبول والمصير إلى العلم بموجبه والقطع عليه ولا كانت العقول ~~دالة على وجوب النص من الله ورسوله على ذلك الرجل بعينه ومقتضية لصدق ~~المخبرين عن النص عليه ولا ادعى ذلك الواحد والآحاد على سائر الأمة أو على ~~من لا يجوز عليه فيها الكذب والافتعال والإمساك عن إنكار كذب يدعى عليهم ~~أنهم حضروا نص النبي صلى الله عليه وسلم على من ادعي النص عليه وسمعوه كما ~~سمعه فإذا قد عري خبر الواحد عن النص عن كل شيء يدل على صدق أخبار الآحاد ~~فوجب ألا نقطع بذلك ولا نصير إلى علمه بخبر الواحد # وعلى أنه لو كان النص قد رواه واحد وآحاد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~صدر الأمة وادعى مع روايتهم حضورهم له وسماعهم فالواجب أن يقع لنا العلم ~~ضرورة بأن هذا الأمر الخطير والشأن العظيم قد ادعاه ورواه راو في صدر ~~الإسلام وأنه قد استشهد عليه ms241 وأيده بدعواه حضور القوم له وسماعهم إياه لأن ~~توفر الدواعي على نقل ذلك لو كان صحيحا أشد من توفرها على نقل خلاف الأنصار ~~في الإمامة وقول قائلها أنا جذيلها المحكك وعذيقها PageV01P445 المرجب ونقل ~~رواية من روى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( الأئمة من قريش ) وأن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه PageV01P446 وخلاف من خالف فيه إلى ~~نظائر ذلك مما رواه وقاله الآحاد وظهر واشتهر ظهور مثله على ما جرت العادة ~~بمثل رواية الآحاد في الصدر الأول للنص من النبي صلى الله عليه وسلم على ~~إمام بعينه لا بد أن تتلقاه الأئمة بالقبول أو برده بأسرها أو ينكره بعضها ~~ويصححه الآخرون منها ويقع التشاجر بينهم في ذلك لأنه ليس يجوز إغفاله وقلة ~~الإحفال به وترك البحث والتأمل لروايته وحال راويه بل كان يجب أن نعلم ~~ضرورة أن هذا قد ادعي في صدر الإسلام واستدل عليه ببعض الاحتجاج وكيف جرى ~~أمر الأمة في قبوله أو رده أو الاختلاف فيه وألا يرد ذلك ورودا خاصا تفتعله ~~الشيعة بينهم وتضيفه إلى عمار والمقداد وغيرهم من أصحابه ويمنون أنفسهم ~~الأباطيل فيه بل يجب أن تعلمه العذراء في خدرها من المسلمين ومن ليس من أهل ~~الإسلام أيضا من أهل السير وكل ذلك يدل على بطلان دعوى من ادعى منهم أن ~~النص نقله واحد وآحاد في الأصل # فإن قال منهم قائل فاجعلوا خبر الشيعة عن النص بمنزلة أخبار الآحاد التي ~~تعملون بها في الشريعة وإن لم تقطعوا على صحتها وخبر الشيعة عن PageV01P447 ~~النص فيه عمل من الأعمال في الشريعة فصيروا إلى العمل به قيل له قد قلنا ~~فيما قبل إنا إنما نعمل بأخبار الآحاد إذا كانت على صفات مخصوصة وعريت مما ~~يدل على فسادها أو معارضتها وثبتت عدالة نقلتها ونحن لا نعرف أحدا قال ~~بالنص على علي عليه السلام إلا وهو يتبرأ من أبي بكر وعمر وسائر أهل الشورى ~~سوى علي ويشتم الصحابة ويزري على أفعالهم ويزعم أنهم ارتدوا بعد الإسلام ~~على أعقابهم ms242 ويضيف إلى ذلك مذاهب أخر نرغب عن ذكرها لئلا يظن قارىء كتابنا ~~أنا نقصد الشناعة عليهم دون الاحتجاج على فساد قولهم # وببعض هذه الأمور تسقط العدالة وتزول الثقة والأمانة لأن هذا الدين عندهم ~~لا يتم إلا بالولاء والبراء ومنهم من يرى الشهادة لموافقة على خصمه ~~والشريعة إنما أوجبت العمل بخبر الواحد إذا كان عدلا مرضيا وليس هذه صفة ~~القائلين بالنص ولا صفة الآحاد الذين رووا لهم ذلك في الأصل على دعواهم ~~لأنهم يزعمون أن راوي هذه الأخبار لهم كان من القائلين بولاية علي وممن يرى ~~في الصحابة رأيهم ويدين بالبراءة منهم فلا يجب أن يقبل خبر هذا السلف ولا ~~يقبل الخلف لما قد ثبت من إيمان من دانوا بإكفاره وعدالة من دانوا بتفسيقه ~~والبراءة منه # فإن زعموا أن رواة النص في الأصل لم يكونوا ممن يدين بالنص على ~~PageV01P448 علي عليه السلام قيل لهم فهم إذا فساق عندنا وعندكم فوجه فسقهم ~~عندكم تدينهم بترك ما علموه ورووه من النص وتوليتهم الظلمة والفساق ووجه ~~تفسيقهم عندنا روايتهم لما لا أصل له عندهم ولما قد علموا بطلانه وترك ~~العمل به وأوهموه الناس بطلانه فلا معتبر بخبر من هذه صفته عندنا وعندكم ~~فهذا هكذا # ولأن هذه الأخبار التي هي أخبار الآحاد التي تدعونها في النص على علي ~~أخبار قد عارضها إجماع المسلمين في الصدر الأول على إبطالها وترك العمل بها ~~لأن الأمة كلها انقادت لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ودانت بوجوب طاعتهما ~~والسكون تحت رايتهما وفيهم علي والعباس وعمار والمقداد وأبو ذر والزبير بن ~~العوام وكل من ادعي له النص وروي له وهذا الظاهر المعلوم من حال الصحابة ~~رضي الله عنهم لا يمكننا ولا أحدا من PageV01P449 الشيعة دفعه ولهذا قالوا ~~إن التقية ديننا ورواه عن ولد علي أنهم قالوا إن التقية ديننا ودين آبائنا ~~فلا يجوز أن يعمل بخبر الواحد ونحن نتيقن ترك رواته له وإظهاره فوجب ترك ~~العمل على هذه الأخبار لتدينهم بخلافة وترك من روى النص عليه وتكذيبه به ~~لأن الإجماع ms243 الظاهر في المعلوم يترك له ما هو أقوى من هذه الأخبار فوجب ~~أيضا ترك العمل على هذه الأخبار ولولا كانت مروية # على أنا إنما نعمل بخبر الواحد من الشريعة إذا لم يعارضه خبر بضد موجبه ~~وهذا الخبر الذي ادعته الشيعة فقد عارضه خبر البكرية والراوندية وكل من قال ~~بالنص على أبي بكر والنص على العباس وروايتهم في ذلك أظهر وأثبت والعمل في ~~صدر الأمة موافق لرواية النص على أبي بكر عليه السلام فهو إذا أقوى وأثبت ~~فيجب إذا ترك الأضعف بالأقوى فإن لم نفعل ذلك فلا أقل من اعتقاد تعارض هذه ~~الأخبار وتكافئها وتعذر العمل بشيء منها ورجوعنا إلى ما كنا عليه من أن ~~الأصل ألا نص إلى أن يثبت أمر نعود إليه وأنى لأحد بذلك وكل ما يستدل به ~~على بطلان الخبر الواحد موجود في هذه الرواية وفي بعض هذه الجملة كفاية في ~~إبطال النص وإذا بطل النص ثبت الاختيار ثبوتا لا يمكن دفعه وإنكاره # فإن قال من الشيعة المنكرين صريح النص على علي عليه السلام ما أنكرتم أن ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على علي رضي الله عنه PageV01P450 ~~بقوله من كنت مولاه فعلي مولاه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قررهم على ~~وجوب طاعته وأنه أولى بهم من أنفسهم ثم قال بعد قوله لهم ألست أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم فمن كنت مولاه فعلي مولاه فأوجب لعلي من وجوب الطاعة ~~والانقياد له وأنه أولى بهم ما أوجبه لنفسه يقال لهم لا يجب ما قلتم لأن ما ~~أثبته لنفسه من كونه أولى بهم ليس هو من معنى ما أوجبه لعلي بسبيل لأنه قال ~~من كنت مولاة فعلي مولاه فأوجب الموالاة لنفسه ولعلي وأوجب لنفسه كونه أولى ~~بهم منهم بأنفسهم وليس معنى أولى من معنى مولى في شيء لأن قوله مولى يحتمل ~~في اللغة وجوها ليس فيها معنى أولى فلا يجب إذا عقب كلام بكلام ليس من ~~معناه أن يكون معناهما واحدا # ألا ترون أنه لو قال ألست ms244 نبيكم والمخبر لكم بالوحي عن ربكم وناسخ شرائع ~~من كان قبلكم ثم قال فمن كنت مولاه فعلي مولاه لم يوجب ذلك أن يكون قد أثبت ~~لعلي من النبوة وتلقى الوحي ونسخ الشرائع على لسانه ما أوجبه في أول الكلام ~~لنفسه ولا أمر باعتقاد ذلك فيه من حيث ثبت أنه ليس معنى نبي معنى مولى ~~فكذلك إذا ثبت أنه ليس معنى أولى معنى مولى لم يجب أن يكون قد أثبت لعلي ما ~~أثبته لنفسه وإنما دخلت عليهم الشبهة من حيث ظنوا أن معنى مولى معنى أولى ~~وأحق وليس الأمر كذلك # فإن قالوا ولم أنكرتم أن يكون معنى مولى معنى أولى قيل لهم لأن هذا الذي ~~تدعونه لغة ولا يجوز ثبوته إلا بتوقيف من أهلها عليه بنقل يوجب العلم مثله ~~وينقطع العذر به ومتى لم نجد ذلك في اللغة كما ادعيتم بطل ما قلتموه كما ~~أنه إذا لم يكن معنى مولى معنى نبي لم يجب إثبات النوبة لعلي بمثل هذا ~~الكلام # فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون معنى قوله مولى معنى معنى أولى في اللغة ~~بدلالة قوله تعالى ^ مأوكم النار هي مولكم ^ يريد أولى بكم وبدلالة قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( إيما امرأة نكحت PageV01P451 بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل يريد بغير إذن مولاها المالك لأمرها وبدلالة قول الأخطل # ( فأصبحت مولاها من الناس كلهم % وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا ) يقول أصبحت ~~وليها فجعل مولاها بمعنى وليها يقال لهم ليس فيما ذكرتموه ما يدل على أن ~~معنى مولى معنى أولى لأن قوله هي مولكم المراد به مكانهم وقرارهم وكذلك ~~فسره الناس وأما قوله بغير إذن وليها PageV01P452 فليس وليها من مولاها في ~~شيء لأن أبا المرأة وأخوتها وبني عمها أولياؤها وليسوا بمول لها وإن كان ~~ولي الأمة مولى لها لأنه لم يكن مولى لها من حيث كان وليها لأن ما ذكرناه ~~ولي وليس بمولى وقول الأخطل فأصبحت مولاها إنما اراد ناصرها والحامي عنها ~~لأن المولى يكون بمعنى الناصر وكان عبد الملك بن مروان إذ ms245 ذاك أقدر على ~~نصرها وأشدها تمكنا من ذلك فلهذا قال وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا أي إنك ~~أقدرها على إعزاز ونصرة وإجلال وإهابة وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قلتم # وعلى أنه لو ثبت أن معنى مولاه معنى أولى وإن كان محتملا لوجوه أخر لم ~~يجب أن يكون المراد بقوله فمن كنت مولاه فعلي مولاه من كنت أولى به وإن نسق ~~بعض الكلام على بعض وكان ظاهره يقتضي ذلك لدليل صرفه عما يقتضيه وهو أن ~~الأمة مجمعة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب ما أوجبه بقوله ( ما كنت ~~مولاه فعلي مولاه ) في وقت وقوع هذا القول في طول أيام حياة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلو كان إنما أثبت له الولاية عليهم وجعله أولى بهم وألزمهم ~~طاعته والانقياد لأوامره لوجب أن يكون قد أثبته إماما وأوجب الطاعة له آمرا ~~وناهيا فيهم مع وجوده سائر مدته صلى الله عليه وسلم فلما أجمعت الأمة على ~~فساد ذلك وإخراج قائله من الدين ثبت أنه لم يرد به فمن كنت مولاه من كنت ~~أولى به ولم يرد بقوله فعلي مولاه أنه أولى به # ويدل على ذلك أيضا ويؤكده ما يروونه من قول عمر أصبحت مولاي ومولى كل ~~مؤمن فأخبر أنه قد ثبت كونه مولى له ولكم مؤمن فلم ينكر PageV01P453 ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فدل أنه قد أثبت له في ذلك الوقت ما أثبته لنفسه ~~وليس هو الولاية عليهم ولزوم طاعتهم له فهذه دلالة تصرف الكلام عن مقتضاه ~~لو كان معنى مولى معنى أولى وكان نسق الكلام يقتضي ذلك فسقط ما تعلقوا به # فإن قالوا فما معنى مولى عندكم وما الذي أثبته النبي صلى الله عليه وسلم ~~بهذا الكلام لعلي وقصد به قيل لهم أما معنى مولى فإنه يتصرف على وجوه فمنها ~~المولى بمعنى الناصر ومنها المولى بمعنى ابن العم ومنها المولى بمعنى ~~الموالي المحب ومنها المولى بمعنى المكان والقرار ومنها المولى بمعنى ~~المعتق المالك للولاء ومنها المولى بمعنى المعتق الذي ms246 ملك ولاءه ومنها ~~المولى بمعنى الجار ومنها المولى بمعنى الصهر ومنها المولى بمعنى الحلف ~~فهذا جميع ما يحتمله قوله مولى # وليس من معنى هذه اللفظة أن المولى إمام واجب الطاعة قال الله تعالى في ~~المولى بمعنى الناصر @QB@ وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح ~~المؤمنين @QE@ يعني ناصره وقال الأخطل # ( فأصبحت مولاها من الناس كلهم % وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا ) أي فأصبحت ~~ناصرها وحامي ذمارها # وأما المولى بمعنى ابن العم فمشهور # قال الله تعالى @QB@ وإني خفت الموالي من ورائي @QE@ يعني PageV01P454 ~~بني العم قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب يخاطب بني أمية # ( مهلا بني عمنا مهلا موالينا % لا تنبتوا بيننا ما كان مدفونا ) # ( لا تحسبوا أن تهينونا ونكرمكم % وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا ) # ( الله يعلم أنا لا نحبكم % ولا نلومكم ألا تحبونا ) وأما المولى بمعنى ~~المعتق والمعتق فأظهر من أن يكشف يقال فلان مولى فلان يعني معتقه ومالك ~~ولائه وفلان مولى لفلان يراد به معتق له وأما المولى بمعنى الموالى المحب ~~فظاهر في اللغة يقال فلان مولى فلان أي محب له وولي له وقد روي في قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( مزينة وجهينة وأسلم وغفار موالي الله ورسوله ) ~~أي محبون موالون لهما # وأما المولى بمعنى الجار فمعروف في اللغة قال مربع بن دعدعة وكان جاور ~~كليب ابن يربوع فأحسنوا جواره # ( جزى الله خيرا والجزاء بكفه % كليب بن يربوع وزادهم حمدا ) # ( هم خلطونا بالنفوس وألجموا % إلى نصر مولاهم مسومة جردا ) أي إلى نصر ~~جارهم # وأما المولى بمعنى الصهر فمعروف أيضا قال أبو المختار يزيد بن قيس ~~الكلابي في ظلامته إلى عمر في أمرائه # ( فلا تنسين النافعين كليهما % وهذا الذي في السوق مولى بني بدر ) وكان ~~الرجل صهرا لبني بدر # وأما المولى بمعنى الحليف فمذكور أيضا قال بعض الشعراء PageV01P455 # ( موالي حلف لا موالي قرابة % ولكن قطينا يعصرون الصنوبرا ) فأما ما قصد ~~به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) فإنه يحتمل ~~أمرين أحدهما من ms247 كنت ناصره على دينه وحاميا عنه بظاهري وباطني وسري ~~وعلانيتي فعلي ناصره على هذا السبيل فتكون فائدة ذلك الإخبار عن أن باطن ~~علي وظاهره في نصرة الدين والمؤمنين سواء والقطع على سريرته وعلو رتبته ~~وليس يعتقد ذلك في كن ناصر للمؤمنين بظاهره لأنه قد ينصر الناصر بظاهره طلب ~~النفاق والسمعة وابتغاء الرفد ومتاع الدنيا فإذا أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن نصرة بعض المؤمنين في الدين والمسلمين كنصرته هو صلى الله عليه ~~وسلم قطع على طهارة سريرته وسلامة باطنه وهذه فضيلة عظيمة # ويحتمل أيضا أن يكون المراد بقوله فمن كنت مولاه فعلي مولاه أي من كنت ~~محبوبا عنده ووليا له على ظاهري وباطني فعلي مولاه أي إن ولاءه ومحبته من ~~ظاهره وباطنه واجب كما أن ولائي ومحبتي على هذا السبيل واجب فيكون قد أوجب ~~مولاته على ظاهره وباطنه ولسنا نوالي كل من ظهر منه الإيمان على هذه السبيل ~~بل إنما نواليهم في الظاهر دون الباطن # فإن قيل فما وجه تخصيصه بهذا القول وقد كان عندكم في الصحابة خلق عظيم ~~ظاهرهم كباطنهم قيل له يحتمل أن يكون بلغة صلى الله عليه وسلم قدح قادح فيه ~~أو ثلب ثالب أو أخبر أن قوما من أهل النفاق والشراة سيطعنون عليه ويزعمون ~~أنه فارق الدين وحكم في أمر الله تعالى الآدميين ويسقطون بذلك ولايته ~~ويزيلون ولاءه فقال ذلك فيه لينفي ذلك عنه في وقته وبعده لأن الله تعالى لو ~~علم أن عليا سيفارق الدين بالتحكيم أو غيره على ما قرف به لم يأمر نبيه أن ~~يأمر الناس باعتقاد ولايته ومحبته على ظاهره وباطنه والقطع على طهارته وهو ~~يعلم أنه يختم عمله بمفارقة الدين لأن من هذه سبيله في معلوم الله تعالى ~~فإنه لم يكن قط وليا لله ولا ممن يستحق الولاية والمحبة PageV01P456 وفي ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بموالاة علي على ظاهره وباطنه دليل على ~~سقوط ما قرفه أهل النفاق والضلال به # فإن قالوا فإذا كان هذا هو الذي أراده فلم ms248 لم يقل علي مؤمن الظاهر ~~والباطن نقي السريرة وخاتم لعمله بالبر والطاعة فيزيل الإشكال قيل لهم ليس ~~لنا الاعتراض على النبي صلى الله عليه وسلم في تخير الألفاظ ولعله أوحى ~~إليه أن إذاعة هذا الكلام وجمع الناس له وتقديم التقرير لوجوب طاعته لطف ~~لعلي عليه السلام وأنه أجمع للقلوب على محبته وموالاته فلا سؤال علينا في ~~ذلك # ثم يقال لهم فلو كان الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أراد بهذا القول ~~النص عليه فلم لم يقل هذا إمامكم بعدي الواجبة طاعته فاسمعوا له وأطيعوا ~~فيزيل الوهم والإشكال فكل شيء أجابوا به فهو جواب لهم فيما سألوا عنه # | دليل آخر # فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي عليه ~~السلام بقوله ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) قيل ~~لهم لا يجب ذلك لأن معنى ذلك أني أستخلفك على أهلي وعلى المدينة إذا توجهت ~~إلى هذه الغزوة لأنه إنما قال ذلك في غزوة تبوك لما خلفه بالمدينة وماج أهل ~~النفاق وأكثروا وقالوا قد أبغض عليا وقلاه وقال سعد بن أبي وقاص وهو العمدة ~~في روايه هذا الحديث فلحق علي PageV01P457 بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~يا رسول الله أتتركني مع الأخلاف فقال أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون ~~من موسى إلا أنه لا نبي بعدي أي إني لم أخلفك بغضا ولا قلى كما أن موسى لم ~~يخلف أخاه هارون في بني إسرائيل لما توجه لكلام ربه بغضا ولا قلى # ومما يدل على أن هذا المعنى هو الذي قصده بقوله صلى الله عليه وسلم علمنا ~~أنه كان لهارون من موسى منازل منها أنه كان أخاه ومنها أنه كان شريكا له في ~~النبوة ومنها أنه خلفه في قومه لما توجه لكلام ربه وليس منها أنه خلفه بعد ~~موته لأن هارون مات قبل موسى بسنين كثيرة وإنما خلف موسى بعد موته يوشع بن ~~نون فلا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ms249 إنما عنى بقوله ( أنت مني ~~بمنزلة هارون من موسى ) أي إنك أخي لأبي وأمي ولا أنك تخلفني بعد موتي لأن ~~هذه منزلة لم تكن لهارون من موسى فثبت أنه إنما أراد خليفتي على أهلي وعلى ~~المدينة عند توجهي إلى هذه الغزوة كما خلف موسى أخوه هارون في قومه عند ~~توجهه لكلام ربه PageV01P458 # فإن قالوا فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم إلا إنه لا نبي بعدي وكيف ~~يجوز أن يقول أما ترضى أن تخلفني في قومي وفي أيام حياتي إلا أنه لا نبي ~~بعدي قيل لهم لم يرد بقوله بعدي بعد وفاتي وإنما أراد لا نبوة بعد نبوتي ~~ولا معي ولا بعدي وهذا كما يقل القائل لا ناصر لك بعد فلان ولا بيان لك بعد ~~هذا الكلام يريد أنه لا نصرة لك بعد نصرة فلان لا في حباته ولا بعد موته ~~وكذلك قولهم لا بيان لهم بعد هذا الكلام يريد لا بيان معه يزيد عليه ولا ~~بعده فإن قالوا حمل الكلام على هذا التأويل يجعله مجازا لأن قوله لا نبي ~~بعدي يقتضي بعد عينه وأنتم تقولون بعد نبوته ونبوته غيره قيل لهم هذا هو ~~مفهوم الكلام الذي هو أولى به من معناه فهو إذا كان كذلك حقيقة فالمعقول ~~منه أولى به من حمله على ما ليس من مفهومه ثم يقال لهم وأنتم أيضا قد تركتم ~~الظاهر وحملتم الكلام على المجاز لأنكم تزعمون أنه أراد بقوله لا نبي بعدي ~~أي بعد موتي وموت النبي صلى الله عليه وسلم غيره كما أن حركته وسكونه ولونه ~~غيره وأنتم بمنزلة من قال لا نبي بعد حركتي وصفة من صفاتي وذلك تجوز في ~~الكلام # وإذا كان لا بد من ترك الظاهر فتركه إلى المعقول من معناه من استعمال أهل ~~اللغة أولى # فإن قالوا فإذا زعمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بهذا القول ~~استخلافه على أهل المدينة فهو على ولايته إلى أن يصرفه النبي صلى الله عليه ~~وسلم وما روى أحد صرفه قيل لهم ms250 هذا من التعاليل لأن تولي النبي صلى الله ~~عليه وسلم للأمور والإنفاذ لها والاستبداد بالنظر فيها عند رجوعه إلى ~~المدينة صرف له مع أنه ليس في الأمة من يقول إن النظر والحكم والتولية كان ~~لعلي عليه السلام في المدينة عند عود النبي صلى الله عليه وسلم إليها من ~~هذه الغزوة فلا متعلق لأحد في هذا # ثم يقال لهم فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولى في أيام ~~PageV01P459 حياته عدة من الولاة على الموسم والبلدان والأطراف وولى قضاة ~~وحكاما منهم أبو بكر الصديق فإنه ولاه الموسم وإقامة الحج سنة تسع من ~~الهجرة وولى عمر صدقات قريش وولى زيد بن حارثة وولى أسامة بن زيد عند موته ~~الجيش الذي أنفذه أبو بكر إلى الشام وولى عمرو بن العاص وأبا عبيده بن ~~الجراح في غزوة ذات السلاسل وولى خالد بن الوليد PageV01P460 وولى معاذا ~~على اليمن وولى أبا موسى الأشعري وولى عمرو بن حزم فيجب أن يكون هؤلاء على ~~ولاياتهم وإمرتهم وحكمهم وقضائهم لأنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~صرف واحد منهم فإن مروا على PageV01P461 هذا قيل لهم فيجب أن تقولوا ليس ~~لعلي عليه السلام ولاية على أحد من هؤلاء وهذا خلاف دينكم وإن أبوه وقالوا ~~لم تكن هذه الولايات مؤبدة من النبي صلى الله عليه وسلم وأنها منقطعة بموته ~~وأن النبي صلى الله عليه وسلم تولى هذه الأحكام بنفسه بعد توليته لمن ولاه ~~قيل لهم مثل ذلك في تأميره عليا على المدينة # | دليل آخر # فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على علي ~~بقوله ( أنت أخي وخليفتي في أهلي وقاضي ديني ومنجز عداتي ) قيل لهم ليس في ~~هذا أيضا لو ثبت نص على إمامته لأنه إذا أراد بقوله أخي التعظيم لم يكن هذا ~~عهدا في الإمامة ولا من النص على ولايته في شيء وإن كان ذلك خبرا له عن ~~فضله وعظيم محله منه وأمانته في نفسه وهو أيضا خليفته على أهله وهم ms251 فاطمة ~~وولدها عليهم السلام وقوله PageV01P462 وقاضي ديني متوجه إلى أنه أمره ~~بقضاء دينه أو كان قد قضي عنه قبل هذا القول وليس هذا من قوله أنت الإمام ~~بعدي في شيء ولهذا ما لو قال خليفة الأمة في هذا الوقت زيد هذا أخي وخليفتي ~~في أهلي وقاضي ديني لم يكن هذا عهدا إليه في الإمامة ولا من النص على ~~ولايته في شيء وإن كان ذلك خبرا عن فضله عنده وعظيم محله منه وأمانته وثقته ~~فلا متعلق أيضا في هذا القول # ثم يقال لهم فيجب أن تثبتوا النص على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بمثل ~~هذا القول لأنه قد روى مسلم بن إبراهيم عن قزعة بن سويد عن ابن أبي مليكة ~~عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أبو بكر وعمر مني بمنزلة ~~هارون من موسى ) فيجب النص عليهما بهذا القول # فإن قالوا هذا من أخبار الآحاد التي لا نعلمها ضرورة ولا بدليل قيل إن ~~جازت لهم هذه الدعوى جاز لخصمكم أن يزعم أن جميع ما رويتموه وتعلقتم به في ~~النص والتفضيل من أخبار الآحاد التي لا نعلمها ضرورة ولا بدليل فلم يلزم ~~القول بها ولا جواب لهم عن ذلك # ثم يقال لهم كيف لم تعلموا أن جميع ما رويتموه ليس بنص على علي ولا عهدا ~~إليه بترك علي المطالبة بذلك والاحتجاج به في السقيفة وعلى أهل البصرة ~~ومعاوية وفي كل مقام كان يسوغ ذكره والاحتجاج به وعدوله PageV01P463 إلى أن ~~يقول بالبصرة بايعاني بالمدينة وخلعاني بالعراق وتعلمون أن ما ظهر منه من ~~الانقياد لأبي بكر وعمر وعثمان والأخذ لغنيمتهم والموطىء للحنفيه من سبيهم ~~وتزويجه ابنته من عمر بن الخطاب وإقامته حدا بحضرة عثمان وقتاله مع أبي بكر ~~رضي الله عنهم أجميعن وما كان من ثنائه عليهما وقوله في عمر والله ما أحد ~~ألقى الله بصحيفته PageV01P464 أحب إلى من هذا المسجى # وقوله في رواية سويد بن غفلة والجم الغفير من أصحابه ألا إن خير هذه ~~الأمة بعد نبيها أبو ms252 بكر ثم بعد أبي بكر عمر ثم الله أعلم بالخير حيث هو ~~وروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهما ( هذان سيدا كهول أهل ~~الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين ) وقوله ما حدثني أحد عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أحلفته إلا أبا بكر وحدثني أبو بكر وصدق ~~أبو بكر في نظائر هذه الأقاويل المشهورة عنه في مدحهم وتقريظهم وحس الثناء ~~عليهم وأنه راض بإمامتهم وأنه لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد نص عليه ~~وقطع العذر في بابه لم يجز أنه يقول فيمن غصبه وجحده حقه هذه الأقاويل ~~وتكون أفعاله معهم واقتداؤه بهم ما ذكرنا فكيف تركتم هذا الظاهر المعلوم من ~~قوله وفعله إلى تعليل النفوس وشهواتها وتسويفها للأماني فإن قالوا كل هذا ~~الذي ظهر منه على سبيل التقية والإرهاب والخوف منهم قيل لهم وما الحجة في ~~ذلك مع ما فيه من القدح وسوء القول في أمي والمؤمنين فلا يجدون في ذلك ~~متعلقا # ثم يقال لهم كيف لم تستدلوا على إثبات النص لأبي بكر رضي الله عنه بقوله ~~صلى الله عليه وسلم ( يؤم الناس أبو بكر ) وقوله ( يأبى الله ورسوله ~~والمسلمون إلا أبا بكر ) وقوله لعائشة ( إنكن صواحبات يوسف يأبى الله إلا ~~أبا بكر ) وقوله ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ) PageV01P465 ~~وقوله ( لا ينبغي لقوم يكون فيهم أبو بكر أن يتقدمهم غيره وقوله ( إيتوني ~~بدواة وكتف أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه اثنان ) وقوله صلى الله عليه ~~وسلم ( أنتما من الدين بمنزلة السمع والبصر من الرأس ) وقوله ( لو كنت ~~متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن ) وقوله ( إن ~~تولوها أبا بكر تجدوه ضعيفا في بدنه قويا في أمر الله وإن تولوها عمر تجدوه ~~قويا في بدنه قويا في أمر الله وإن تولوها عليا تجدوه هاديا مهديا ) وعلموا ~~بهذه البنية والترتيب أنه قصد التنبيه على النص عليه وبقوله ( الخلافة بعدي ~~إلى ثلاثين ) وقوله ( إن يطع الناس أبا بكر وعمر ms253 رشدوا ) # ورشدت أمتهم وإن يعصوهما غووا وغوت أمتهم ) وقوله ( خير أمتي أبو بكر ثم ~~عمر ) وقوله ( من أفضل من أبي بكر زوجني ابنته وجهزني بماله وجاهد معي ساعة ~~الخوف ) وقوله في عمر ( لو كان بعدي نبي لكان عمر ) و ( لو لم أبعث فيكم ~~لبعث عمر ) و ( إن الله ضرب بالحق على لسان عمر وقلبه يقول الحق وإن كان ~~مرا ) و ( إن منكم لمحدثين ومكلمين وإن عمر منهم ) في نظائر هذه الأخبار ~~والفضائل التي يطول تتبعها فكيف لم تقولوا بالنص عليهما PageV01P466 # فإن قالوا كل هذه الأخبار آحاد غير ثابتة قيل لهم فما الذي يمنع خصومكم ~~على هذه الدعوى في أخباركم يجدون فصلا # ثم يقال لهم فكأنكم قد عزمتم على إنكار جميع ما نرويه لكم وتكذيبه ~~ومطالبتنا بالإقرار والإذعان لجميع ما تروونه وكأنكم إنما تقولون لنا سلموا ~~لنا مذهبنا واتركوا الظاهر المعلوم من قول النبي صلى الله عليه وسلم في أبي ~~بكر وعمر وقول علي فيهما واحملوا ذلك على التقية منه وهذا من حديث النفوس ~~وما لا سبيل لكم إلى المصير إليه & باب الكلام في حكم الاختيار & # فإن قالوا فإذا فسد النص على إمام بعينه فكيف طريق إثبات الإمامة وبماذا ~~يصير الإمام إماما قيل لهم إنما يصير الإمام إماما بعقد من يعقد له الإمامة ~~من أفاضل المسلمين الذين هم من أهل الحل والعقد والمؤتمنين على هذا الشأن ~~لأنه ليس لها طريق إلا النص أو الاختيار وفي فساد النص دليل على ثبوت ~~الاختيار الذي نذهب إليه & باب القول في العدد الذي تنعقد به الإمامة & # فإن قال قائل فبكم يتم عقد الإمامة عندكم قيل له تنعقد وتتم برجل واحد من ~~أهل الحل والعقد إذا عقدها لرجل على صفة ما يجب أن يكون عليه الأئمة # فإن قالوا وما الدليل على ذلك قيل لهم الدليل عليه أنه إذا صح أن فضلاء ~~الأمة هم ولاة عقد الإمامة ولم يقم دليل على أنه يجب أن يعقدها سائرها ولا ~~عدد منهم مخصوص لا تجوز الزيادة عليه والنقصان منه ثبت ms254 بفقد الدليل على ~~تعيين العدد والعلم بأنه ليس بموجود في الشريعة ولا في أدلة العقول أنها ~~تنعقد بالواحد فما فوقه PageV01P467 # فإن قيل ألا جعلتم العقد إلى كل فضلاء الأمة في كل عصر من أعصار المسلمين ~~قيل له أجمع أهل الاختيار على بطلان ذلك ولعلمنا بأن الله قد فرض علينا فعل ~~العقد على الإمام وطاعته إذا عقد له وأن اجتماع سائر أهل الحل والعقد في ~~سائر أمصار المسلمين بصقع واحد وإطباقهم على البيعة لرجل واحد متعذر ممتنع ~~وأن الله تعالى لا يكلف فعل المحال الممتنع الذي لا يصح فعله ولا تركه ~~ولعلمنا بأن سلف الأمة لم يراعوا في العقد لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي حضور ~~جميع أهل الحل والعقد في أمصار المسلمين ولا في المدينة أيضا وأن عمر رد ~~الأمر إلى ستة نفر فقط وإن كان في غيرهم من يصلح للعقد فوجب بهذه الجملة ~~صحة ما قلناه ويوضح ذلك أيضا أن أبا بكر عقدها لعمر فتمت إمامته وسلم عهده ~~بعقده له وسنتكلم في بيان ذلك وصحته عند انتهاء كتابنا إلى القول في إمامة ~~عمر بما يوضح الحق إن شاء الله # | سؤال لهم # فإن قالوا فهل يجب عندكم أن يحضر العقد للإمام قوم من المسلمين قيل لهم ~~أجل وليس يجب أن يكون لمن يحضر العقد منهم حد فإذا حضر نفر من المسلمين تمت ~~البيعة # وقد قال قوم إن أقل ما يجب أن يحضر أربعة نفر بعد العاقد والمعقود له ~~قياسا على فعل عمر في الشورى وهذا ليس بواجب لأن عمر لم يقصد بجعلها شورى ~~في ستة تحديد عدد الحاضرين للعقد وإنما جعلها فيهم دون غيرهم لأنهم أفاضل ~~الأمة وقد أخبر بذلك عن نفسه بقوله أما إنه لو حضرني سالم مولى أبي حذيفة ~~لرأيت أني قد أصبت الرأي PageV01P468 وما تداخلني فيه الشكوك يريد من أخذ ~~رأيه ومشورته فبطل ما قالوه وإنما يمنع أن يعقد الرجل لغيره مستسرا للعقد ~~وخاليا به لئلا يدعي ذلك كل أحد وأنه قد كان عقد له سرا فيؤدي ذلك ms255 إلى ~~الهرج والفساد # | سؤال لهم # فإن قال قائل فهل تملك الأمة فسخ العقد على الإمام من غير حدث يوجب خلعه ~~كما أنها تملك العقد له قيل له لا # فإن قيل فكيف يملك العقد من لا يملك فسخه قيل له هذا في الشريعة أكثر من ~~أن يحصى ألا ترى أن العاقد على وليته لا يملك فسخ النكاح من حيث كان يملك ~~عقده وكذلك العاقد البيع على سلعته لا يملك حله وإن ملك عقده وكذلك يملك ~~عقد الصيام إلى مدة ولا يملك فسخه وكذلك يملك كتابة عبده وتدبيره والمتطوع ~~بالصيام والصلاة إذا دخل فيهما لا يملك حل شيء من ذلك فبطل ما سألتم عنه # | سؤال آخر لهم # فإن قالوا فهل يملك الرجل من أهل الحل والعقد عقد الإمامة لنفسه كما يملك ~~ذلك لغيره قيل لهم لا فإن قالوا كيف يعقل هذا قيل من حيث عقل أمثاله من ~~الشريعة وعقلته الأمة ألا ترى أن الإنسان يملك العقد على وليته لغيره ولا ~~يملك عقد بيعها عليها لنفسه وكذلك العاقد على سلعته يملك عقد بيعها على ~~غيره ولا يملك عقد بيعها على نفسه وكذلك الإنسان يملك كتابة عبده وتدبيره ~~وعتقه ولا يجب أن يملك تدبير نفسه وكتابتها وعتقها مع نظائر لذلك فسقط ما ~~سألتم عنه PageV01P469 # | سؤال آخر لهم # فإن قالوا فما تقولون إذا عقد جماعات من أهل الحل والعقد لعدة أئمة في ~~بلدان متفرقة وكانوا كلهم يصلحون للإمامة وكان العقد لسائرهم واقعا مع عدم ~~إمام وذي عهد من إمام ما الحكم فيهم عندكم ومن أولى بالإمامة منهم قيل لهم ~~إذا اتفق مثل هذا تصفحت العقود وتؤملت ونظر أيه السابق فأقرت الإمامة فيمن ~~بدىء بالعقد له وقيل للباقين انزلوا عن الأمر فإن فعلوا وإلا قوتلوا على ~~ذلك وكانوا عصاة في المقام عليها وإذا لم يعلم أيها تقدم على الآخر وادعى ~~كل واحد منهم أن العقد سبق له أبطلت سائر العقود واستؤنف العقد لواحد منهم ~~أو من غيرهم وإن أبو ذلك قاتلهم الناس عليه فإن تمكنوا وإلا ms256 فهم في غلبة ~~وفتنة وعذر في ترك إمامة الإمام وإن تمكن من العقد لغيرهم فعل ذلك وكان ~~الإمام المعقود له حربا لسائر هؤلاء حتى يذعنوا ويرجعوا إلى الطاعة والسداد ~~وإن تؤملت العقود ووجدت كلها وقعت في وقت واحد أبطل أيضا جميعها واستؤنف ~~العقد لرجل منهم أو من غيرهم ونظير ذلك من الشريعة عقد ولاة المرأة عليها ~~ووجوب تسليمها إلى من سبق بالعقد له فإن أشكل ذلك وتنازع الأزواج وعدمت ~~البينة أبطلت العقود بأسرها وإن انكشف أن جميع أوليائها عقدوا عليها في ~~حالة واحدة فسخت أيضا وكذلك القول في الإمامة # | سؤال لهم آخر # فإن قالوا فما تقولون إذا كانت الأمة مفترقة على مذاهب مختلفة وآراء ~~متضادة والحق منها في واحد وادعى كل واحد منهم أنهم ولاة هذا الأمر دون ~~غيرهم وتمانعوا فيه ما الحكم فيهم ومن أولى منهم بعقد هذا الأمر قيل لهم إن ~~كان ما اختلف فيه من المسائل الشرعية التي الحق عندنا في جميعها والإثم ~~موضوع عن المخطىء فيها على قول غيرنا فكلهم ولاة هذا الأمر فأيهم سبق ~~بالعقد لرجل تمت بيعته ولزمت طاعته وصار المخالف عليه باغيا يجب حربه وإن ~~كان ما اختلفت فيه الأمة مما يوجب التكفير والتفسيق والتضليل فعقد ~~PageV01P470 الإمامة لأهل الحق منهم دون غيرهم ممن كفر أو فسق وضل بتأويله ~~الخطأ في الدين وقد قام الدليل على أن هذه الفرقة هم أصحابنا دون المعتزلة ~~والنجارية وغيرهم من الفرق المنسوبة إلى الأمة فإن تمكنا من ذلك حملناهم ~~على الانقياد لمن نعقد له فإن دفعونا عنه وعقدوا لبعض موافقيهم فليس له ~~إمامة ثابتة ولا طاعة واجبة وكنا نحن في دار قهر وغلبة وإن تقاومت الفرق ~~وتمانعت فتلك فتنة يقوم العذر بها في ترك العقد وإن انحاز أهل الحق إلى فئة ~~ونصبوا حربا وراية وعقدوا لرجل مهم كان هو الإمام دون غيره من أهل الضلال ~~فليس هذا التمانع إن اتفق أكبر من تمانع اليهود والنصارى والمسلمين إذا ~~حصلوا في دار واحدة وتمانعوا وحاول أهل كل دين منهم إقامة ms257 الرياسة لهم ~~وتنفيذ أحكامهم في الدار ولا بأعجب من غلبة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وصحابه بمكة وتعذر إقامة الحق فيها قبل الفتح والهجرة فذلك حكم تغالب فرق ~~الأمة وقهرهم الفرقة الهادية إن اتفق ذلك وبالله التوفيق & باب الكلام في ~~صفة الإمام الذي يلزم العقد له & # فإن قال قائل فخبرونا ما صفة الإمام المعقود له عندكم قيل لهم يجب أن ~~يكون على أوصاف منها أن يكون قرشيا من الصميم ومنها أن يكون من العلم ~~بمنزلة من يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين ومنها أن يكون ذا بصيرة ~~بأمر الحرب وتدبير الجيوش والسرايا وسد الثغور وحماية البيضة وحفظ الأمة ~~والانتقام من ظالمها والأخذ لمظلومها وما يتعلق به من مصالحها ومنها أن ~~يكون ممن لا تلحقه رقة ولا هوادة في إقامة الحدود ولا جزع لضرب الرقاب ~~والأبشار ومنها أن يكون من أمثلهم في العلم وسائر هذه الأبواب التي يمكن ~~التفاضل فيها إلا أن يمنع عارض من إقامة الأفضل فيسوغ نصب المفضول وليس من ~~صفاته أن يكون معصوما ولا عالما بالغيب ولا أفرس الأمة وأشجعهم ولا أن يكون ~~من بني هاشم فقط دون غيرهم من قبائل قريش # فإن قال قائل وما الدليل على ما وصفتم قيل له أما ما يدل على أنه لا يجوز ~~إلا من قريش فأمور منها قول النبي صلى الله عليه وسلم ( الأئمة PageV01P471 ~~من قريش ما بقي منهم اثنان ) وقوله للعباس حيث وصى بالأنصار في الخطبة ~~المشهورة وكانت آخر خطبة خطبها لما قال للرسول صلى الله عليه وسلم ( توصي ~~لقريش ) فقال له ( إنما أوصى قريشا بالناس وبهذا الأمر وإنما الناس تبع ~~لقريش فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم في نظائر هذه الأخبار أو ~~الألفاظ التي قد استفاضت وتواترت واتفقت على المعنى وإن اختلفت ألفاظها # ويدل على ذلك وعلى صحة هذه الأخبار أيضا احتجاج أبي بكر وعمر على الأنصار ~~في السقيفة بها وما روي عن العباس من ذكره لها والأمر باعتماد عليها وما ~~كان من إذعان الأنصار ورجوعهم لموجبها ms258 عند سماعها وإدكارهم بها والاستشهاد ~~عليهم بها ولولا علمهم بصحتها لم يلبثوا أن يقدحوا فيها ويتعاطوا ردها ولا ~~كانت قريش بأسرها بالتي تقر كذبا يدعى عليها ولها لأن العادة جارية فيما لم ~~يثبت من الأخبار أن يقع الخلاف فيه والقدح عند التنازع والحجاج لا سيما إذا ~~احتج به في مثل هذا الأمر العظيم الجسيم مع إشهار السيوف واختلاط القول ~~ومحاولة الإمرة والميل إلى الرياسة والعادة أصل في الأخبار فصح بذلك ثبوت ~~هذا الأمر # ويدل على ما قلناه إطباق الأمة في الصدر الأول من المهاجرين والأنصار بعد ~~الاختلاف الذي شجر بينهم على أن الإمامة لا تصح إلا في قريش وقول سعد بن ~~أبي عبادة لأبي بكر وعمر عند الاحتجاج بهذه الأخبار وادكاره بها ~~PageV01P472 نحن الوزراء وأنتم الأمراء فثبت أن الحق في اجتماعها وأنه لا ~~معتبر بقول ضرار وغيره ممن حدث بعد هذا الإجماع # وأما ما يدل على أنه يجب أن يكون من العلم بمنزلة ما وصفناه فأمور منها ~~إجماع الأمة على ذلك ممن قال بالنص والاختيار # ومنها أنه الذي يولي القضاة والحكام وينظر في أحكامهم وما يوجب صرفهم ~~وجرحهم ونقض أحكامهم ولن يملك علمه بذلك وتمكنه منه إلا بأن يكون كهم في ~~العلم أو فوقهم # ومنها إجماع الأمة على أن للإمام أن يباشر القضاء والأحكام بنفسه ولا ~~يستخلف قاضيا ما استغنى بنفسه ونظره ولن يصلح للحكم إلا من صلح أن يكون ~~قاضيا من قضاة المسلمين فصح بذلك ما قلناه # وأما ما يدل على أنه لا بد أن يكون من الصرامة وسكون الجأش وقوة النفس ~~والقلب بحيث لا تروعه إقامة الحدود ولا يهوله ضرب الرقاب وتناول النفوس فهو ~~أنه إذا لم يكن بهذه الصفة قصر عما لأجله أقيم من إقامة الحد واستخراج الحق ~~وأضر فشله في هذا الأمر بما نصب له # وأما ما يدل على وجوب كونه عالما بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور ~~وحماية البيضة وما يتصل بذلك من الأمر فهو أنه إذا لم يكن عالما بذلك لحق ~~الخلل في جميعه ms259 وتعدى الضرر بجهله بذلك إلى الأمة وطمع في المسلمين عدوهم ~~وكثر تغالبهم ووقفت أحكامهم وأدى إلى إبطال ما أقيم لأجله فوجب بذلك ما ~~قلناه # وأما ما يدل على أنه يجب أن يكون أفضلهم متى لم يكن هناك PageV01P473 ~~عارض يمنع من إقامة الأفضل فالأخبار المتظاهرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في وجوب تقدمة الأفضل ومنها قوله صلى الله عليه وسلم ( يؤم القوم أفضلهم ) ~~وقوله ( أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون ) وقوله في خبر آخر ( أئمتكم ~~شفعاؤكم إلى الله فقدموا خيركم ) وقوله ( من تقدم على قوم من المسلمين يرى ~~أن فيهم من هو أفضل منه فقد خان الله ورسوله والمسلمين ) في أمثال هذه ~~الأخبار مما قد تواترت على المعنى وإن اختلفت ألفاظها # وقد اتفق المسلمون على أن أعظم الإمامة الإمامه الكبرى وأن إمام الأمة ~~الأعظم له أن يتقدم في الصلاة فيجب لأجل ذلك أجمع أن يكون أفضلهم ويدل على ~~ذلك أيضا إجماع الأمة في الصدر الأول على طلب الأفضل وتمثيلهم بين أهل ~~الشورى وقول عبد الرحمن لم أرهم يعدلون بعثمان PageV01P474 أحدا وقول أبي ~~عبيدة لعمر حين قال مد يدك أبايع لك أتقول هذا وأبو بكر حاضر والله ما كان ~~لك في الإسلام فهة غيرها وترك الكافة الإنكار عليه وقبول عمر لهذا منه ~~وإضرابه عن مراجعته وإنما استجاز عمر قبول ذلك خشية الفتنة وأن لا تستقيم ~~الأمة على أفضلها ولذلك قال وقى الله شرها # وأما ما يدل على جواز العقد للمفضول وترك الأفضل لخوف الفتنة والتهارج ~~فهو أن الإمام إنما ينصب لدفع العدو وحماية البيضة وسد الخلل وإقامة الحدود ~~واستخراج الحقوق فإذا خيف بإقامة أفضلهم الهرج والفساد والتغالب وترك ~~الطاعة واختلاف السيوف وتعطيل الأحكام والحقوق وطمع عدو المسلمين في ~~اهتضامهم وتوهين أمرهم صار ذلك عذرا واضحا في العدول عن الفاضل إلى المفضول ~~ويدل على ذلك علم عمر رضي الله عنه وسائر الصحابة والأمة بأن في الستة ~~فاضلا ومفضولا وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدى إلى صلاحهم وجمع ~~كلمتهم من غير إنكار ms260 أحد عليه ذلك فثبت أيضا ما قلناه # وأما ما يدل على أنه لا يجب أن يكون من بني هاشم دون غيرها من قبائل قريش ~~فهو أن ظاهر الخبر لا يقتضي ذلك ولا العقل يوجبه وظاهر قوله صلى الله عليه ~~وسلم ( الأئمة من قريش ) يوجب كونها شائعة في سائرهم # فإن قال قائل هلا قلتم إنها تجوز في موالي قريش لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( موالي القوم منهم ) قيل له هذا إنما قاله مجازا واتساعا وتألفا ~~للموالي PageV01P475 وإكراما لهم ومطلق قوله من قريش يوجب أن يكون من ~~الصميم دون الموالي # وأما ما يدل على أنه لا يجب أن يكون معصوما عالما بالغيب ولا بجميع الدين ~~حتى لا يشذ عليه منه شيء فهو أن الإمام إنما ينصب لإقامة الأحكام وحدود ~~وأمور قد شرعها الرسول صلى الله عليه وسلم وقد تقدم علم الأمة بها وهو في ~~جميع ما يتولاه وكيل للأمة ونائب عنها وهي من ورائه في تسديده وتقويمه ~~وإذكاره وتنبيهه وأخذ الحق منه إذا وجب عليه وخلعه والاستبدال به متى اقترف ~~ما يوجب خلعه فليس يحتاج مع ذلك إلى أن يكون معصوما كما لا يحتاج أميره ~~وقاضيه وجابي خراجه وصدقاته وأصحاب مسائله وحرسه إلى أن يكونوا معصومين وهو ~~فليس يلي بنفسه شيئا أكثر مما يليه خلفاؤه من هذه الأمور # فإن قالوا فهو المولي لخلفائه فيجب أن يكون لذلك معصوما من الخطأ قيل لهم ~~وكذلك أمراؤه وقضاته وعمال خارجه يولون خلفائهم فيجب أن يكونوا لذلك ~~معصومين # ويدل على هذا اعتراف الخلفاء الراشدين بأنهم غير معصومين وترك إنكار ~~الأمة أو واحد منهم تولى الآمر مع اعترافهم ينفي العصمة عنهم # هذا أبو بكر يقول أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم ~~إلى قوله لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم وهذا عمر يقول رحم الله امرءا أهدى ~~إلينا عيوبنا ولولا علي لهلك عمر ولولا معاذ لهلك عمر وهذا عثمان يقول ~~أحلتهما آية وحرمتهما آية يعني في PageV01P476 الجمع بين الأختين بملك ~~اليمين وهذا علي ms261 يرى الرأي ثم يرجع عنه كالذي قيل له في بيع أمهات الأولاد ~~أجمع رأيي ورأي عمر على ألا يبعن وقد رأيت بيعهن ويسأل عن مسائل في الأحكام ~~ويطلب الروايات كطلبهم ويقول فيما بلي به من الحرب والهرج وتشتت الآراء ~~عليه # ( لقد زللت زلة لا أعتذر % سوف أكيس بعدها وأنشمر ) # ( وأجمع الرأي الشتيت المنتشر % ) وفي غير ذلك مما حكي عنه مما تقر ~~الشيعة أنه ليس بصواب في الدين # كفعل التحكيم وبيعه السبي على مصقلة بن هبيرة واحتماله المال وتوليته من ~~خان الله والمسليمن وخانه ولحق باالمنابذين له والخارجين عليه وادعائهم في ~~ذلك التقية ومع ما أعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بما يؤول الأمر إليه # وهذا باطل متروك بالظاهر المعلوم وإن كان هذا أجمع ليس بخطأ من فعله ~~عندنا لما قد بيناه في غير هذا الكتاب & باب ذكر ما أقيم الإمام لأجله & # فإن قالوا فهل تحتاج الأمة إلى علم الإمام وبيان شيء خص به دونهم وكشف ما ~~ذهب علمه عنهم قيل لهم لا لأنه هو وهم في علم الشريعة وحكمها سيان فإن ~~قالوا فلماذا يقام الإمام قيل لهم لأجل ما ذكرناه من قبل من تدبير الجيوش ~~وسد الثغور وردع الظالم والأخذ للمظلوم وإقامة الحدود وقسم الفيء بين ~~المسلمين والدفع بهم في حجهم وغزوهم فهذا الذي يليه PageV01P477 ويقام ~~لأجله فإن غلط في شيء منه أو عدل به عن موضعه كانت الأمة من ورائه لتقويمه ~~والأخذ له بواجبه $ باب ذكر ما يوجب خلع الإمام وسقوط فرض طاعته & # إن قال قائل ما الذي يوجب خلعه الإمام عندكم قيل له يوجب ذلك أمور منها ~~كفر بعد الإيمان ومنها تركه إقامة الصلاة والدعاء إلى ذلك ومنها عند كثير ~~من الناس فسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار وتناول النفوس المحرمة ~~وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود # وقال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث لا ينخلع بهذه الأمور ولا يجب ~~الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء مما يدعو إليه من معاصي ~~الله # واحتجوا في ذلك بأخبار ms262 كثيرة متظاهرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ~~أصحابه في وجوب طاعة الأئمة وإن جاروا واستأثروا بالأموال وأنه قال صلى ~~الله عليه وسلم ( اسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع ولو لعبد حبشي وصلوا وراء ~~كل بر وفاجر ) وروي أنه قال أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك وأطيعوهم ما ~~أقاموا الصلاة في أخبار كثيرة وردت PageV01P478 في هذا الباب # وقد ذكرنا ما في هذا الباب في كتاب إكفار المتأولين وذكرنا ما روي في ~~معارضتها وقلنا في تأويلها بما يغنى الناظر فيه إن شاء الله # ومما يوجب خلع الإمام أيضا تطابق الجنون عليه وذهاب تمييزه وبلوغه في ذلك ~~إلى مدة يضر المسلمين زوال عقله فيها أو يؤذن باليأس من صحته وكذلك القول ~~فيه إذا صم أو خرس وكبر وهرم أو عرض له أمر يقطع عن النظر في مصالح ~~المسلمين والنهوض بما نصب لأجله أو عن بعضه لأنه إنما أقيم لهذه الأمور ~~فإذا عطل وجب خلعه ونصب غيره وكذلك إن حصل مأسورا في يد العدو إلى مدة يخاف ~~معها الضرر الداخل على الأمة ويوأس معها من خلاصه وجب الاستبدال به فإن فك ~~أسره أو ثاب عقله أو برىء من مرضه وزمانته لم يعد إلى أمره وكان رعية ~~للوالي بعده لأنه عقد له عند خلعه وخروجه من الحق فلا حق له فيه # وليس مما يوجب خلع الإمام حدوث فضل في غيره ويصير به أفضل منه وإن كان لو ~~حصل مفضولا عند ابتداء العقد لوجب العدول عنه إلى الفاضل لأن تزايد الفضل ~~في غيره ليس بحدث منه في الدين ولا في نفسه يوجب خلعه ومثل هذا ما حكيناه ~~عن أصحابنا أن حدوث الفسق في الإمام بعد العقد له لا يوجب خلعه وإن كان مما ~~لو حدث فيه عند ابتداء العقد لبطل العقد له ووجب العدول عنه وأمثال هذا في ~~الشريعة كثيرة ألا ترى أنه لو وجد المتيمم الماء قبل دخوله في الصلاة لوجب ~~عليه التوضؤ به ولو طرأ عليه وهو فيها لم يلزمه ذلك وكذلك لو ms263 وجبت عليه ~~الرقبة في كفارته وهو موسر لم يجز غيرها ولو حدث اليسار بعد مضيه في شيء من ~~الصيام لم يبطل حكم PageV01P479 صيامه ولا يلزمه غير ما دخل فيه في أمثال ~~لهذا كثيرة # وكذلك حكم القول في حدوث الفضل على الإمام بعد العقد له & باب الكلام في ~~إمامة أبي بكر رضي الله عنه & # إن قال قائل ما الدليل على إثبات إمامة أبي بكر وأن العقد له وقع موقعا ~~صحيحا قيل له الدليل على ذلك أنه بصفة من يصلح للإمامة وزيادة عليها بما ~~سنصفه فيما بعد إن شاء الله تعالى وأن العاقدين له الأمر يوم السقيفة من ~~أفاضل أهل الحل والعقد ممن يصلح أيضا لإمامة المسلمين والتقدم عليهم # وهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح بمحضر من بشير بن PageV01P480 ~~سعد وأسيد بن الحضير وعمران بن الحصين وغيرهم من الأنصار ومن حضر من ~~المهاجرين وأن هذا العقد وقع بمحضر من جمهور الأمة وأهل القدوة منهم ولم ~~ينكره منكر ولا قدح فيه قادح بل تتابعوا على البيعة من ساعتهم وبقية يومهم ~~وأذعنت له الأنصار وانقادت بعد خلافها وغلطها فيه المتفق عليه لأنها أرادت ~~إخراج الأمر عن قريش ونصب إمامين في وقت واحد # وقال الحباب بن المنذر منهم منا أمير ومنكم أمير وهذا غلط حاولوه باتفاق ~~المسلمين فلو أقاموا عليه وخالفوا أبا بكر بعد عقد من عقد له الأمر لوجب أن ~~يكونوا في ذلك آثمين ولوجب حربهم وقتالهم إلى أن يرجعوا عن البغي وشق العصا ~~لأن العقد قد تم لمن حضر وعقد وقد دللنا على ذلك من قبل فلا نحتاج في إثبات ~~إمامة أبي بكر إلى وقوع الإجماع عليها ولا نستضر ولا نستوحش من خلاف مخالف ~~فيها غير أن الله قد وقى كل أحد من المسلمين في ذلك الوقت مواقعة هذه ~~المعصية ووفر دواعي الصحابة على ذلك وجمع PageV01P481 همتهم على طاعته ~~والإذعان للحق الذي لزمهم الانقياد له # وليس يجوز لمسلم اتقى الله أن يضيف إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ~~والزبير بن ms264 العوام التأخر عن بيعته بأخبار آحاد واهية مجيئها من ناحية ~~متهومة لأن تأخرهم عن البيعة مع ما وصفناه من صحة وثبوتها ضرب من الإثم ~~والعصيان وليس يمكن إضافة معصية إلى الصحابة بمثل هذا الطريق لا سيما إذا ~~رووا مع ذلك أن أبا بكر عليه السلام كان يدعوهم إلى الطاعة ولزوم الجماعة ~~ويحرم عليهم تأخرهم ولا يسوغهم ذلك وكذلك يجب أن ينفى عن عبد الله بن مسعود ~~إخراجه المعوذتين من المصحف ومخالفته الجماعة # وكل أمر روي عن الصحابة فيه تأثيم وقذف بعصيان فيجب أن نبطله وننفيه إذا ~~ورد ورود الآحاد لأن من ثبت إيمانه وبره وعدالته لا يفسق بأخبار الآحاد # وعلى أن نعلم بواضح النظر كذب من ادعى تأخر علي والعباس والزبير لأن مثل ~~هذا الخطب الجسيم في مثل هذا الأمر العظيم يجب إشهاره وظهوره وأن ينقل نقل ~~مثله فكيف حفظت الأمة بأسرها وعلمت مخالفة علي لأبي بكر وغيره من الصحابة ~~في حكم أم الولد والتوريث الذي إنما تعلمه الخاصة وذهب عنها علم تأخره ~~وتأخر الزبير عن البيعة حتى لا يرد إلا وردا شاذا ضعيفا وتكون الأخبار ~~الكثيرة في معارضته ومناقضته والعادة جارية بلزوم مثل هذا للقلوب وإطلاق ~~الألسن بذكره واشتهاره وإظهاره دون طيه وكتمانه PageV01P482 والسهو عنه ~~والإغفال له وإن هذا من العجب العجيب الذي لا يذهب فساده على ذي تحصيل هذا ~~على أن حرصنا إنما هو على نفي الشين والعار وإضافة العصيان عن جلة الصحابة ~~وعليتها بالتأخر عن بيعة قد لزمهم الانقياد لها والخنوع لصاحبها فإن أبوا ~~ذلك ولم يقنعوا إلا بتصحيح الخلاف منهم قلنا لهم فهذا إذا من ذنوبهم وما ~~نرجوه أن يغفر الله لهم وحاشا للصحابة من ذلك # على أنه لا نعرف أحدا روى تأخر علي والزبير عن البيعة أياما إلا وقد روي ~~عنه في هذه القصة رجوعهما إلى بيعته ودخولهما في صالح ما دخل فيه المسلمون ~~وأنهما قالا لا تثريب يا خليفة رسول الله ما تأخرنا عن البيعة إلا أنا ~~كرهنا ألا ندخل في المشورة وأنهما وصفا ms265 من فضله وسابقته وأنه صاحب الغار في ~~كلام طويل # فإن قال قائل وما الدليل على أن أبا بكر كان بصفة ما ذكرتم من صلاحه ~~لإمامة المسلمين واجتماع خلال الأئمة وآلتهم فيه قيل له الدليل على ذلك ~~سبقه إلى الإيمان والجهاد في سبيل الله بماله ونفسه وإنفاقه على الرسول ~~ماله وإيناسه له في الغار بنفسه وتعاظم انتفاع النبي صلى الله عليه وسلم ~~بدعوة من دعاة إلى الإيمان وإسلام من أسلم باستدعائه وبنائه مسجدا يدعو فيه ~~إلى الإيمان وتصديق الرسول حتى قال الناس من آمن بدعاء أبي بكر أكثر ممن ~~آمن بالسيف فمنهم عثمان وطلحة والزبير وغيرهم من علية الصحابة رضي الله ~~عنهم وإنما أرادوا أكثر قوة ومنة لا أكثر عددا ممن آمن بالسيف وشراؤه ~~المعذبين في الله كبلال وعامر بن فهيرة ومناضلته المشركين وقوله لمثل سهيل ~~بن عمرو لما جاء مصالحا عن قريش حيث قال للنبي PageV01P483 صلى الله عليه ~~وسلم ما أرى حولك إلا من لو عضه الحديد أو قربت الخيل لأسلمك فقال له اسكت ~~عضضت ببظر اللات أنحن نسلمه وكونه مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر في ~~العريش وتخصصه له مع العلم بأنه لا يركن في مثل تلك الحال إلا إلى ذي منة ~~ورأي وبصيرة وغناء وقد دل على هذا بقوله للأعرابي حيث قال له إنك ضنين ~~بصاحبك هذا وقد استحر القتل في أصحابك فقال له إن الله أمرني أن اتخذه ~~خليلا أو جليسا أو أنيسا وما هذا معناه من اللفظ هذا مع علمنا ضرورة بأنه ~~كان معظما في الجاهلية قبل الإسلام ومن أهل الثروة والجاه منهم وممن تجتمع ~~إليه العرب وتسأله عن أيام الناس والأنساب والأخبار ففارق ذلك أجمع إلى ~~الذل والصغار والصبر على أذية أهل الكفر وعلمنا ضرورة بأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يعظمه ويشاوره ويخلي له مجلسا عن يمينه لا يجلس فيه غيره # ومما روي من الجهات المشهورة مما قاله عليه السلام فيه نحو قوله ( اقتدوا ~~PageV01P484 بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ) ( وإنهما ms266 من الدين بمنزلة الرأس ~~من الجسد ) ( وما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر ) ( وإني بعثت إلى الناس ~~كلهم فقالوا كذبت وقال أبو بكر صدقت ) فسمي لأجل ذلك صديقا وغلب على اسمه ~~وكنيته واسم أبيه وإلى غير هذه الأخبار مما قد بسطنا طرفا من ذكرها في غير ~~هذا الكتاب # وقد كان أهل الكفر يعرفون هذا من أمره ويعرفون تقدمه في الجاهلية ثم في ~~الإسلام وعند النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا صاح أبو سفيان بأعلى صوته عند ~~تزاحف الصفوف أين أبو بكر بن أبي قحافة أين عمر بن الخطاب يوم بيوم في كلام ~~طويل ولم يناد بغيرهما ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدمه في ~~الشهادة عليه في عهوده وكتب صلحه ويكتب PageV01P485 شهد عبد الله بن أبي ~~قحافة وعمر بن الخطاب وفلان وفلان وهذا مما يعلم ضرورة ولا يمكن دفعه # غير أن الشيعة تزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ممتحنا به وبعمر ~~على نفاق لهما وتقية منهما وهذه أماني دونها خرط القتاد وذهاب الأنفس حسرات ~~ولولا علم النبي صلى الله عليه وسلم بفضل سبقه وهجرته وعلمه لم يأتم به ولم ~~يقدمه عليهم في مرضه ويعظم الأمر في بابه ويقول يأبى الله ورسوله والمسلمون ~~إلا أبا بكر وقوله لحفصة وعائشة ( إنكن صواحبات يوسف ) ولولا شدة تعلق هذا ~~الأمر بأبي بكر وتخصصه بالفضل فيه وخشية الإثم في تقدم غيره لم يقل إنكن ~~صواحبات يوسف ويأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر # والأمر الذي التمس منه أمر سائغ ليس بإثم في الدين لأن فضل السن فقط وما ~~جرى مجراه لا يوجب التحذير بهذا القول # هذا وهو صلى الله عليه وسلم يقول ( يؤم الناس خيرهم ) ( وأئمتكم شفعاؤكم ~~إلى الله فانظروا بمن تستشفعون ) ويقول ( من تقدم على قوم من المسلمين وهو ~~يرى أن فيهم من هو أفضل منه فقد خان الله ورسوله والمسلمين ) # وأما دعوى الشيعة أنه خرج فعزله ودفعه عن موضعه وأنكر تقديمه وأعظمه فمن ~~جنس الترهات والأماني الكاذبة لأن مثل ms267 هذا لو كان لعلمناه PageV01P486 ~~ضرورة كما علمنا أن أبا بكر تقدم ضرورة وإنما اختلف في أن أبا بكر صلى ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم أو صلى به النبي صلى الله عليه وسلم صلاة واحدة ~~ذكر ذلك فيها وصلى بهم بقية أيام مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى ~~الثبت الثقات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما من نبي يموت حتى يؤمه ~~رجل من قومه ) وأن أبا بكر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو الذي ~~عناه أبو بكر بقوله ( وليتكم ولست بخيركم إني وليتكم الصلاة ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حاضر ) ولعمري إنه لا يجوز أن يكون خير قوم فيهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلا معتبر في هذا الأمر العظيم بتلفيق المخالفين ~~وتمنيهم الأباطيل وتلقهم بروايات ترد خاصة منهم ولهم لا يعلمها غيرهم # على أنه لو يعلم جميع هذا من حاله ولم يتقدم له شيء مما ذكرناه من فضائله ~~ومناقبه لكان ما ظهر منه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم من العلم والفضل ~~والشدة في القول والفعل وتحصيل ما ذهب على غيره دلالة على اجتماع خلال ~~الفضل والإمامة فيه بل لو لم يدل على ذلك من أمره إلا ما ظهر منه من ~~التثقيف والتقدم والتشدد وسد الخلل وقمع الردة وأهلها في أيام نظره لكان في ~~ذلك مقنع لمن وفق لرشده # فأول ما ظهر من فضله وتسديد رأيه إعلام الناس موت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكفه عمر وغيره ممن تشتت آراؤهم في موته وفجئتهم PageV01P487 ~~المصيبة بموته وما كان من قوله وفعله في ذلك وقالت عائشة وغيرها من أصحابه ~~إن الناس أفحموا ودهشوا حيث ارتفعت الرنة وسجى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الملائكة بثوبه وذهل الرجال فكانوا كأجرام انتخبت منها الأرواح وحولهم ~~أطواد من الملأ فكذب بعضهم بموته وأخرس بعضهم فما تكلم إلا بعد الغد وخلط ~~آخرون ولاثوا الكلام بغير بيان وبقي آخرون معهم عقولهم فكان عمر ممن كذب ~~بموته ms268 وعلي في من أقعد وعثمان في من أخرس وخرج من في البيت ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مسجى وخرج عمر إلى الناس فقال عمر إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم يمت وليرجعنه الله وليقطعن أيديا وأرجلا من المنافقين يتمنون ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم الموت وإنما واعد ربه كما واعد موسى وهو ~~آتيكم # وأما علي فإنه قعد فلم يبرح من البيت وأما عثمان فجعل لا يكلم أحدا يؤخذه ~~بيده فيذهب ويجاء به حتى جاء الخبر أبا بكر وتواتر أهل البيت إليه بالرسل ~~فلقيه أحدهم بعد ما مات صلى الله عليه وسلم وعيناه تهملان وغصصه ترتفع كقطع ~~الجرة وهو في ذلك جلد العقل والمقالة حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأكب عليه وكشف عن وجهه ومسحه وقبل جبينه وخديه وجعل يبكي ويقول بأبي ~~أنت وأمي ونفس وأهلي طبت حيا وميتا وانقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد من ~~الأنبياء والنبوة فعظمت عن الصفة المصيبة وجللت عن البكاء وخصصت حتى صرت ~~مسلاة وعممت حتى صرنا فيك سواء ولولا أن موتك كان اختيارا منك لجدنا لموتك ~~بالنفوس ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء الشؤون # فأما ما لا تستطيع نفيه عنا فكمد وإدناف يتحالفان لا يبرحان اللهم فأبلغه ~~عنا اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم ~~لما خلفته من الوحشة اللهم ابلغ نبيك عنا واحفظه فينا ثم خرج لما قضى الناس ~~عبراتهم وقام خطيبا فخطب فيهم خطبة جلها الصلاة على النبي محمد صلى الله ~~عليه وسلم PageV01P488 فقال فيها أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخاتم أنبيائه وأشهد أن الكتاب كما أنزل وأن ~~الدين كما شرع وأن الحديث كما حدث وأن القول كما قال وأن الله هو الحق ~~المبين في كلام طويل ثم قال أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ~~ومن كان يعبد الله فإن ms269 الله حي لا يموت وإن الله قد تقدم إليكم في أمره فلا ~~تدعوه جزعا وإن الله قد اختار لنبيه ما عنده على ما عندكم وقبضه إلى ثوابه ~~وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه فمن أخذ بهما عرف ومن فرق بينهما أنكر @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ~~أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا @QE@ ولا ~~يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم ولا يفتننكم عن دينكم وعاجلوا الشيطان بالخزي ~~تعجزوه ولا تستنظروه فيلحق بكم فلما فرغ من خطبته قال يا عمر أأنت الذي ~~بلغني أنك تقول على باب نبي الله والذي نفس عمر بيده ما مات رسول الله أما ~~علمت أن نبي ارقال يوم كذا كذا وكذا وقال الله في كتابه @QB@ إنك ميت وإنهم ~~ميتون @QE@ فقال والله لكأني لم أسمع بها في كتاب الله قبل الآن لما نزل ~~بنا أشهد أن الكتاب كما أنزل وأن الحديث كما حدث وأن الله حي لا يموت وإنا ~~لله وإنا إليه راجعون صلوات الله على رسوله وعند الله نحتسب رسوله ثم جلس ~~إلى أبي بكر # وقد كان العباس قل لهم إن رسول الله PageV01P489 صلى الله عليه وسلم قد ~~مات وإني قد رأيت في وجهه ما لم أزل أعرفه في وجوه بني عبد المطلب عند ~~الموت فلم يرجعوا لقوله حتى كان من أبي بكر ما ذكرناه فرجعوا صابرين ~~محتسبين بقوة نفس وسكون جأش في الدين ولو لم يظهر منه غير هذا الفعل لكان ~~كافيا في العلم بفضله وما هو عليه من اجتماع ما هو مفترق في غيره # ثم ما كان من إنفاذه جيش أسامة ومخالفته للكافة في ترك إنفاذه مع شدة ~~خوفهم من الظفر من عدوهم وقولهم إن هذا الجيش فيه الحامية من نقباء ~~المهاجرين والأنصار وأهل الردة قد أطلعوا رؤوسهم وساقوا المدينة فانتظر ~~بإنفاذه انكشاف الردة فقال والله لأن أخر من السماء فتخطفني ms270 الطير وتنهشني ~~السباع أحب إلي من أن أكون أول حال لعقد عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنفذوا جيش أسامة # ونادى مناديه بخروجهم وسأل نقباء المهاجرين والأنصار عمر أن يسأل أبا بكر ~~أن يصرف أسامة ويولي من هو أسن وأدرب بالحرب منه فسأله عمر ذلك فوثب إليه ~~وأخذ لحيته بيده فهزها وقال ثكلتك أمك يا ابن الخطاب وعدمتك أيوليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أصرفه والله لا يكون ذلك أبدا فأمرهم ~~بالخروج وشيعهم أبو بكر حافيا والعباس معه ومن بقي من الصحابة في المدينة ~~فما زال يدعو لهم ويأمر العباس بالتأمين على دعائه وأسامة يقول إما أن تركب ~~يا خليفة رسول الله أو أنزل وهو يقول لا والله لا أركب ولا تنزل وماذا علي ~~أن تغبر قدماي في تشييع غاز في PageV01P490 سبيل الله تعالى # فنفذ الجيش وفتح الله تعالى لهم وغنم ورجع في نيف وستين يوما ولقي بهم ~~أهل الردة # ثم ما كان منه في قتال أهل الردة وسدة ثلم المدينة وخروجه لمناضلتهم ~~بنفسه ومن معه حتى دفعهم قبل عود جيش أسامة وندائه في المدينة ألا يؤوي أحد ~~أحدا من رسل أهل الردة لما وفدوا إليه الوفود يسألونه الصلح على ترك الزكاة ~~وقوله لما سألوه رفع السيف عنهم وأذعنوا بأداء الزكاة لا والله أو يقولوا ~~إن قتلاهم في النار وقتلانا في الجنة ثم إنفاذه خالد بن الوليد ومن معه من ~~الجيوش إلى أهل الردة ومسيلمة ومن باليمامة من دعاة الكفر حتى أبادهم ~~واستأصل خضراءهم وأيد الله به الدين وكشف الغمة وأزال الكربة ورد الحق إلى ~~نصابه وانحسرت بيمنه الفتنة وضعفت منه أهل الكفر وفشلوا قبل لقاء عسكره حتى ~~قال قائلهم المشهور شعره # ( ألا عللاني قبل جيش أبي بكر % لعل منايانا قريب وما ندري ) # ( لعل جيوش المسلمين وخالدا % سيطرقنا قبل الصباح من البر ) فصبحتهم ~~الخيل # قال الراوي فكان رأس هذا الشاعر أول رأس رمي به تدكدك في باطئة الجمر # فكيف لا يصلح من هذه صفته لإمامة الأمة ms271 هذا مع ما ظهر من علمه ~~PageV01P491 وانتدابه لجمع القرآن وأنه لم يتلعثم في حكم نزل في أيام نظره ~~ولا رجع عنه وقد جلس مجلس النبي وخلفه في أمته وإن ذلك لأمر عظيم ثم ما كان ~~من عهده إلى عمر عند موته وتسديده في رأيه وتنبيهه القوم على فضل رأيه ~~ومكان نظره ما عمر بسبيله وما هو مخصوص به مما سنذكر طرفا منه في باب ~~إمامته # وببعض هذه الأوصاف والخلال وتسديد التدبير والرأي والمقال يصلح ويستحق ~~الإمامة # فإن قالوا وكيف يكون أبو بكر مستحقا لهذا الأمر مع اعترافه بأنه ممن يميل ~~ويضل ويزل وأنه غير معصوم حيث يقول ألا وإني أكثركم شغلا وأثقلكم حملا فإن ~~استقمت فاتبعوني وإن ملت فقوموني أطيعوني ما أطعت الله فيكم وإذا عصيت الله ~~فلا طاعة لي عليكم ومن سبيل الإمام أن يكون معصوما قيل لهم هذا غلط لما قد ~~بيناه في صدر هذا الكتاب من أنه لا يجب أن يكون الإمام معصوما كما لا يجب ~~عصمة أمرائه وقضاته وعماله وأصحاب جيوشه ومسائله إذ كانوا يلون من ذلك ما ~~يليه بنفسه وقد أوضحنا هذا بما نستغني عن رده # وهذا الكلام الذي قاله من أدل الأمور على فضله وأداء الأمانة فيما تحمل ~~والخوف من التقصير فيه وهو ادعى الأمور إلى الرضى به والاجتماع على طاعته # فإن قالوا فكيف يستحق أبو بكر هذا الأمر وهو يعترف بأن له شيطانا يعتريه ~~حيث يقول في هذه الخطبة ألا وإن لي شيطانا يعتريني فإذا رأيتم PageV01P492 ~~ذلك فلا تقربوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم وأقل أحوال الإمام أن يكون ~~عاقلا سليما من عوارض الشيطان يقال لهم ليس على وجه الأرض ذو عقل يرى أن ~~أبا بكر كان مجنونا ومعترفا في هذا القول بالصرع والغلبة ولو كان على هذه ~~الحال لما خفي أمره على الصحابة ولا تركوا بأسرهم دفعة عن هذا الأمر ~~والاحتجاج بأنه مجنون محتاج إلى العلاج دون الإمامة والمناظرة فيها وإقامة ~~الحجاج وهذا جهل ممن بلغ إليه كفينا مؤونة كلامه وإنما قال ms272 ذلك أبو بكر ~~مخبرا بأن الشيطان يوسوس له ويلقي إليه كما يوسوس في صدور جميع الخلق وأنه ~~ليس بمباين لهم في هذا الباب ليتقوا وقت غضبه ووسوسته # وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( ما من أحد إلا وله شيطان ) ~~قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن الله قد أعانني عليه فأسلم ~~) أفترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر في هذا القول عن جنونه حاشاه ~~من ذلك وجنون سائر الصحابة إن هذا لجهل عظيم واقتحام طريف # فإن قالوا فكيف يكون أبو بكر مستحقا لهذا الأمر وهو يقول في هذه الخطبة ~~وليتكم ولست بخيركم فألا علم بذلك أن الأمر لمن هو خير منه وأنه ظالم في ~~استبداده به قيل لهم في هذا أجوبة كثيرة فأولها أنه قال ذلك محتجا على ~~الأنصار وعلى من ظن أنه يتأخر عنه لأنه قد وليهم الصلاة ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حاضر ولعمري إنه لا يجوز أن يكون خير قوم فيهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فكأنه قال كيف لا أليكم بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقد وليتكم مع وجوده ولست بخيركم إذ ذلك ومنها أنه يمكن أن يكون أراد بقوله ~~وليتكم ولست بخيركم أني لست بخيركم قبيلة PageV01P493 وعشيرة ولأن نبي هاشم ~~أعلى منه في ذروة النسب لكي يدلهم بذلك على أن هذا الأمر العظيم ليس يستحق ~~بعلو النسب وأنه ليس بمقصور على بني هاشم دون غيرهم من قريش بظاهر قوله صلى ~~الله عليه وسلم ( الأئمة من قريش ) # ويمكن أن يكون أراد بقوله وليتكم ولست بخيركم أي إنه يجوز علي من السهو ~~والغلط ووساوس الصدور وخواطر النفوس ما يجوز من السهو عليكم لكي يدلهم بذلك ~~على فساد قول من زعم أن هذا الأمر لا يستحقه إلا الوافر المعصوم # ويمكن أن يكون أراد بقوله وليتكم ولست بخيركم لولا أن الله فضلني عليكم ~~بحق الولاية فأوجب عليكم من طاعتي أن صرت إماما وأسقط عني فرض طاعتكم ويمكن ~~أيضا ms273 أن يكون قد اعتقد أن في الأمة أفضل منه إلا أن الكلمة عليه أجمع ~~والأمة بنظره أصلح لكي يدلهم على جواز إمامة المفضول عند عارض يمنع من نصب ~~الفاضل ولهذا ما قال للأنصار وغيرهم قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا ~~أحدهما عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح وهو يعلم أن أبا عبيدة دونه ~~ودون عثمان وعلي في الفضل غير أنه قد رأى أن الكلمة تجتمع عليه وتنحسم ~~الفتنة بنظره وهذا أيضا مما لا جواب لهم عنه # فإن قالوا كيف يكون أبو بكر مستحقا لهذا الأمر وهو يقول أقيلوني أقيلوني # قيل لهم ليس في استقالته من تحمل ثقل الإمامة لفضل دينه وخشيته وورعه ما ~~يقعده عن استحقاقها وما ينبغي لفاضل عرضت عليه أن يظهر المسارعة إليها ~~والسرور بها فإن ذلك ملق له في الظنة ومورط للقوم في التهمة فما قال من ذلك ~~إلى ما يقوله مثله في الفضل والتقدم ولو أقالوه وولوا غيره لكان جائزا وقد ~~قال القائلون بالنص على إمامته إنه إنما أراد بهذا القول وبقوله وليتكم ~~ولست بخيركم امتحان القوم ليرى من يقبل هذا القول ليعرف بذلك المطيع من ~~العاصي وقابل النص عليه من الراد له فيقومه بما يقوم مثله به قالوا وهذا ~~بمنزلة قول عمر لحذيفة لما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P494 عرفه المنافقين نشدتك بالله هل أنا منهم فقال لا ولا أخبر بعدك ~~أحدا وقد علم أن عمر لم يشك في إيمانه وأنه ليس بمنافق وأنه لو كان منافقا ~~لكان يعلم ذلك من نفسه فلا معنى لاستعلامه حال نفسه من حذيفة وإنما قال ذلك ~~امتحانا ليعلم صدقه من كذبه وهذا أيضا ليس ببعيد في التأويل # فإن قالوا كيف يكون أبو بكر مستحقا لهذا الأمر وعمر يقول قولا ظاهرا على ~~المنبر ألا إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها وأمر بقتل من عاد إلى ~~مثلها بقوله في هذا الخبر فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه قيل لهم ما شككنا في ~~شيء فإنا ms274 لا نشك وإياكم في أن عمر لم يكن مجنونا ولا مخلطا وهذا الكلام إن ~~حمل على ما قلتم صار في حكم الجنون من قائله لأن عمر كان يحتج على الناس في ~~إثبات إمامته والدعاء إلى طاعته والانقياد له في الإمامة بعقد أبي بكر له ~~الأمر وعهده إليه فيه وإذا كانت بيعة أبي بكر باطلة يجب قتل صاحبها ومن عاد ~~إلى مثلها وجب أن يكون عهده إلى عمر باطلا كعهد أبي بكر وموجبا لقتل عمر ~~وقتل من نظر في أمور المسلمين بعدهم من إمام فكان يجب أن تقول له الصحابة ~~فأنت أيضا ممن يجب قتلك ولا يجب العمل على عهدك في الشورى # وإنما قال هذا الكلام لما عهد إليهم في الشورى على المنبر وكان يجب أن ~~يقال له أيضا قد قلت فيمن هذا وصفه وددت أن أكون شعره في صدره وما سابقته ~~إلى خير قط إلا سبقني إليه PageV01P495 وكان والله من خيرنا يوم توفي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأمثال هذه الأقاويل # وهذا الاختلال لا يتهم عمر به إلا مخلط جاهل # فإن قالوا فما معنى الخبر قيل لهم إن عمر كان يعتقد أن أبا بكر كان أفضل ~~الأمة ومبرزا فيهم بالفضل وغير مشتكل الأمر وأنه كان يستحق أخذها بالمناظرة ~~عليها وأن من بعدها متقاربون في الرتبة والفضل لا يستحقونها على ذلك الوجه ~~ولذلك جعلها شورى في ستة # وقوله كانت فلته أى تمت على غير إعمال فكر ولا روية بل استوثقت فجاءة ~~وقوله وقى الله شرها يعني شر الخلاف عليها وشق العصا عند تمامها فإنه بعيد ~~عنده أن يتم ذلك مع ما رأى من تواثب الأنصار عليها واطلاع الفتنة رأسها ~~وقوله فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه إنما أراد إلى مثل قول الأنصار وما حكي عن ~~الأنصار من إرادتهم نصب إمامين في وقت واحد بقولهم منا أمير ومنكم أمير ~~ولإخراجهم الأمر من قريش إلى غيرهم وهذان الأمران حرام فعلهما في الدين ~~وجالبان الفتنة وإنما عظم غلط الأنصار فيهما فقال لأهل الشورى وغيرهم ms275 لما ~~عهد إليهم فيها إن من عاد إلى مثل قول الأنصار فاقتلوه # ويمكن أن يكون أراد من حاول أخذها بالمناظرة عليها وإظهار التقدم ~~والتبريز بالفضل على وجه ما فعله أبو بكر وعرف ذلك من أمره فاقتلوه لأنه لم ~~يبق في هذه الأمة من هذه منزلته # وإذا كان كذلك سقط ما تعلقوا به وصح بهذه الجملة إمامة أبي بكر رضي الله ~~عنه ونضر وجهه & باب الكلام في أمامة عمر رضي الله عنه & # إن قال قائل ما الدليل على إثبات إمامة عمر قيل له الدليل على ذلك أن أبا ~~بكر عهد إليه بمحضر من جلة الصحابة بعد تقدمه إليهم وأمره بالنظر في أمورهم ~~والتشاور في إمامتهم وردهم الأمر إلى نظره ورأيه فقال سأخبركم باختياري ~~وخرج معصوبا رأسه فخطب خطبته المشهورة فوصف فيها عمر بصفاته ونعته بأخلاقه ~~وذكر شدته في غير عنف ولينه من غير ضعف PageV01P496 وقدرته على الأمر ثم ~~أجاب طلحة لما قال له تولي علينا فظا غليطا ماذا تقول لربك إذا لقيته قد ~~فركت لي عينيك ودلكت لي عقبيك وجئتني تلفتني عن رأيي وتصدني عن ديني والله ~~لتتركن عضيهته أو لأنفينك في كلام له طويل أقول إذا سألني وليت عليهم خيرا ~~أهلك ثم قال والله لتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم ~~على حسك السعدان يا هادي الطريق جزت إنما هو البحر أو الفجر في كلام له قد ~~ذكرناه في غير هذا الموضع # وقد اعترف طلحة بصواب رأيه ووصف عمر لما شاورهم بالخروج بنفسه إلى ملوك ~~نهاوند بما وصفه أبو بكر وفوقه وقال له في كلام مشهور لقد استقامت العرب ~~عليك وفتح الله على يديك فسر بنا فإنا لا نستعصي عليك وما هذا معناه من قول ~~طلحة وقد قال طلحة وعثمان وعبد الرحمن PageV01P497 لأبي بكر امض لشأنك ~~وأنفذ أمرك واعهد إلى عمر فإنه أهل لها وما هذا نحوه # وقال عثمان لقد أحضرني أبو بكر وقال لي اكتب هذا ما عهد به أبو بكر عبد ~~الله بن قحافة آخر عهده ms276 بالدنيا وقت يسلم فيها الكافر ويبر فيها الفاجر ~~وثقل لسانه فلم يبن عن نفسه فكتبت إلى عمر فلما أفاق قال لي من كتبت قال ~~عثمان قلت عمر فقال أصبت ما في نفسي ولو كتبت نفسك لكنت لها موضعا مطيبا ~~لنفسه وتوخيا لرضاه وتركا للتعسف والجبرية فلم يخب في عمر رأيه ولا خاب ظنه ~~بل زاد على ما أمله منه وقدره فيه وظهر من جلده وشدته في الله وصرامته ما ~~لا خفاء به فافتتح الفتوح وجند الأجناد ومصر الأمصار واستأصل الملوك ~~واستولى على ديارهم وأبعدهم عن ممالكهم وتناول نفوس أكثرهم وصلح بنظره ~~الحاضر والبادي والقاصي والداني وقومهم بالدرة دون السيف وأقام الدعوة وقال ~~لئن عشت للمسلمين ليبلغن الراعي حقه بعدن من هذا المال متواضعا في جميع ذلك ~~لربه خاشعا لأمره غير وان في شيء مما يلزمه القيام به لا تغيره الإمرة ولا ~~تبطره النعمة ولا يستطيل على مؤمن بسلطانه ولا يحابي أحدا في الحق لعظم ~~شأنه ولا يدع استخراجه للضعيف لضعفه ولا تأخذه في الله لومة لائم يحمل ~~الجرة بنفسه ويلبس المرقع ويباشر نفقة الأرامل وأهل المنازل بنفسه ويطوف ~~عليهم في ليله ونهاره حتى سمع في بعض الليالي قول امرأة لبعض أهل البعوث ~~تقول # ( تطاول هذا الليل وازور جانبه % وأرقني ألا حبيب ألاعبه ) # ( فوالله لولا الله لا شيء غيره % لزعزع من هذا السرير جوانبه ) فعرف ~~الدار وصاحبها فقال لحفصة وأهل التجربة من النساء كم أكثر ما يصبر النساء ~~عن أزواجهن فقلن له أربعة أشهر فكان لا يحبس البعث أكثر من أربعة أشهر وحتى ~~قالت عائشة وعبد الرحمن وعمرو بن PageV01P498 العاص وغيرهم من الصحابة ممن ~~وصفه إن عمر أبدت له الدنيا زينتها وزخرفها وألقت إليه أفلاذ كبدها يعني ~~كنوز الذهب فمشى ضحضاحها وخرج منها سليما ما ابتلت قدماه في أمثال هذه ~~الأقاويل ثم يحاسب عماله PageV01P499 ويتفقد أمورهم ويسترجع مال الله تعالى ~~ولا يوليهم أكثر من سنة ويلين لمن خنع منهم ويعنف على من تجبر ثم ينزل إلى ~~تدبير آرائهم وأمر متاجرهم وأولادهم ms277 وضياعهم ويقول لهم تمعددوا واخشوشنوا ~~واقطعوا الركب وانزوا على الخيل نزوا واحفوا وانتعلوا فإنكم لا تدرون متى ~~تكون الجفلة ويكتب إلى أهل البصرة علموا أولادكم العوم ورووهم ما سار من ~~المثل ولا تنهكوا الأرض فإن شحمتها في وجهها وقد كنت نهيتكم عن البنيان فإذ ~~قد فعلتم فعلوا الجدر وقاربوا بين الخشب وباعدوا الحشوش عن المجالس ويقول ~~للناس إذا اشتريتم بعيرا فاشتروه ضخما فإن أخطأ خبرا لم يخطىء سوقا # ويقول لأبي عبيدة بن الجراح وقد قال له لما رآه في بعض طرق الشام وقد ~~انحط عن بعيره وردم الخطام على عنقه وحسر عن ساقيه ليعبر PageV01P500 ~~ضحضاحا وهو يقود بعيره يا أمير المؤمنين أتفعل هذا ولك الكفاة من أصحابك ~~وأنت بإزاء عدو يدل بمنة وقدرة فقال عمر اسكت يا ابن عامر أو يا ابن أخي ~~عامر والله ما أعزكم الله بعد الذلة وكثركم بعد القلة إلا بالخنوع ~~والاستكانة فإن تروموا العز بغيرها تهلكوا في يد عدوكم # ويكتب إلى أبي موسى الأشعري آس بين الناس في مجلسك ونظرك حتى لا يطمع ~~شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من إنصافك ولا يمنعنك قضاء قضيته راجعت فيه ~~رأيك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي ~~في الباطل # الفهم الفهم # ويقول للناس أمير المؤمنين أخو المؤمنين فإن لم يكن أخا المؤمنين فهو عدو ~~للمؤمنين # ويقول رحم الله أمرأ أهدى إلينا عيوبنا # ويقول في جواب المرأة التي راجعته في النهي عن المبالغة في مهور النساء ~~وقولها له لم تمنعنا مما قد جعل الله لنا والله يقول @QB@ وإن أردتم ~~استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه ~~بهتانا وإثما مبينا @QE@ فقال امرأة أصابت ورجل أخطأ وأمير ناضل فنضل ~~واسترجع وقال كل الناس أفقه منك يا عمر # ويقول إذا تأدى إليه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لولا هذا ~~لقضينا فيه برأينا وكدنا أن نقضي PageV01P501 فيه برأينا ) # ويقول ( لولا علي لضل عمر ولولا معاذ لهلك عمر ms278 ) # ولا ينفذ الأحكام إلا بمجمع من أصحابه وحضورهم ومشاورتهم مع فضله وفقهه ~~وحسن بصيرته بمأخذ الأحكام وطرق القياس ومعرفة الآثار # ولو لم يظهر ذلك من أفعاله ولم يعلم من سريرته وأخلاقه لكفى في بابه ~~والعلم بفضله وتقدمه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه نحو قوله ( ~~لما استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده نفر من نسائه وغيرهن وقد ~~علت أصواتهن في مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم حتى استأذن عمر وعرفن صوته ~~ابتدرن الحجاب فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك فقال له عمر ~~مم تبسمك أضحك الله سنك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم عجبت من هؤلاء ~~اللائي كن يضحكن فلما سمعن صوتك ابتدرن بالحجاب # فحول عمر وجهه نحو البيت الذي هن فيه وقال أي عدوات أنفسهم أتهبنني ولا ~~تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله إنه لأحق أن تهبنه # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلمهن يا عمر واخفض عنهن فوالله ما ~~سلكت فجا قط إلا وسلك الشيطان فجا غير فجك يا عمر ) # وقوله ( لو لم أبعث فيكم لبعث عمر ) و ( لو كان بعدي نبي لكان عمر ) و ( ~~إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه يقول الحق وإن كان مرا ) # وقوله ( إن منكم لمحدثين ومتكلمين وإن عمر لمنهم ) # وقوله ( عمر قفل الإسلام ) # وقوله ( اللهم أعز الإسلام وأيد هذا الدين بأحد هذين PageV01P502 الرجلين ~~عمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام ) فسبقت الدعوة في عمر وأظهر الله الدين ~~وأعز به المؤمنين # وقوله ( لا يعبد الله سرا بعد هذا اليوم ) # وكان يقول لأهل مكة إذ ذاك والله لئن بلغت عدتنا مائة لتتركونها لنا أو ~~نتركها لكم ) # يريد أنه كان ينصب راية الحرب بمكة ويحاربهم على إقامة الحق # وتتبع فضائله ومناقبه واستيعاب قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه وقول ~~الصحابة نحو قولهم كان والله عمر للإسلام حصنا حصينا يدخل الناس فيه ولا ~~يخرجون منه فلما مات انثلم وانهدم ms279 ذلك الحصن والله ما صلينا ظاهرين حتى ~~أسلم عمر إلى مثال ذلك مما قالوه نظما ونثرا مما يطول ويكثر # فبان بهذه الجملة أنه بصفة من يصلح العهد إليه والابتداء بالعقد له وفوق ~~صفة الإمامة التي يتوخاها ويبتغيها العاقدون & باب الدلالة على صحة العهد ~~من أبي بكر إلى عمر ومن كل إمام عدل إلى من يصلح لهذا الأمر & # فإن قال قائل قد أوضحتم أن عمر بصفة من يصلح لإمامة المسلمين وابتداء ~~العقد له فما الدليل على صحة عهد أبي بكر إليه وأنه جار مجرى العقد له قيل ~~له الدليل على صحة ذلك أن أبا بكر عهد إليه بمحضر من الصحابة والمسلمين على ~~صفة ما ذكرناه فأقروا جميعا عهده وصوبوا رأيه ولم PageV01P503 يقل قائل ~~منهم لم تعهد في أمر ما جعل الله لك العهد فيه ولا قال ذلك قائل في غير ~~مجلسه ولا بعد وفاته ولو كان عهده إلى عمر خطأ في الدين لسارعوا إلى تعريفه ~~ذلك وموافقته عليه ولكان أجدر من قول قائلهم أتولي علينا فظا غليظا إذ كان ~~ليس له أن يولي عليهم أحدا لا فظا ولا رفيقا وكان تنبيهه على ذلك وادكاره ~~به ومطالبته بتركه أولى من خوضهم في صفة من يعهد إليه لأن الكلام في صفة من ~~يعهد إليه فرع للكلام في صفة العهد أولا وإذا لم يصح العهد جملة سقط الخوض ~~فيه في صفة المعهود إليه وزالت المؤونة ومثل هذا الخطأ والتفريط الظاهر لا ~~يجوز على كافة لمسلمين وقادة الأنصار والمهاجرين لأن الأمة لن تجتمع في عصر ~~الصحابة ولا في غيره على خطأ وإمساك عن إنكار ما من سبيله أن ينكر حتى لا ~~يكون فيها إلا متدين بصحة العهد من الإمام إلى غيره وقائل به ومصوب له لأن ~~القول بالعهد وفعله خطأ من فاعله الرضي به والإقرار له خطأ من المقر له إذ ~~كان العهد خطأ في الدين والأمة لا تجتمع على خطأ # ويدل عليه أيضا إجماع أهل الاختيار الذين هم أهل الحق في القول بالإمامة ~~أن ms280 للإمام أن يعهد إلى إمام بعده ولسنا نعرف منهم من ينكر ذلك ولا يثبت عن ~~أحد منهم برواية شاذة ومقالة مروية أنه لم يكن قائلا بها ولا ذاهبا إليها # ويدل على ذلك أيضا ويوضحه علمنا أن الإمام العدل لو لم يكن إماما وكان ~~رجلا من الرعية لكان له أن يبتدىء العقد لمن يصلح للإمامة وإذا كان ذلك ~~كذلك فكونه إماما لا يحطه عن هذه الرتبة فوجب أن يكون له أن يعقد على إمام ~~بعده ويعهد إليه كما كان له أن يبتدىء العقد له لأن العقد في الحقيقة عقد ~~على صفة فصح بذلك ما قلناه # فإن قال قائل فما أنكرتم من تحريم العهد من الإمام لغيره لموضع التهمة من ~~العاهد وتجويز ميله إلى المعهود إليه وإيثاره لولايته قيل له هذه التهمة ~~معصية لله ممن جناها وظنها بإمام المسلمين إذا كان عفيفا مشهورا ظاهر ~~العدالة منصفا للأمة لم تكن منه خيانة لهم في مدة أيام نظره ولا مخاتلة ولا ~~جبرية فهو بألا يتهم بعد الموت ويحتقب عظيم الإثم في تسليط ظالم ~~PageV01P504 عليهم أو جاهل بأمورهم أولى وفي هذا ما يوجب أن يكون ظن ~~المسلمين بإمامهم الذي لم يعرفوه إلا بالصلاح والاستقامة والتهمة له ذنبا ~~منهم تجب التوبة والاستغفار منه # ولا يجوز أن يبطل العهد منه إلى من عهد إليه وإن كان ممن يصلح أن يبتدىء ~~العقد على غيره لأجل هذه التهمة وعلى أن هذا المعنى قائم في العاقد كوجوده ~~في العاهد # فيجب أيضا أن يبطل عقد العاقد لغيره لأنه قد يجوز أن يعقل لمن يميل إلى ~~نظره ويؤثر ولايته ويرجو الاعتداد والانتفاع به مع العلم بأنه غير مقصر في ~~هذا الشأن فلما لم يجز إبطال العقد بهذه التهمة لم يجز إبطال العهد # فصحت بهذه الجملة إمامة عمر رضي الله عنه وأنه بصفة من يصلح العهد إليه ~~وابتداء العقد له وكان العاقد له إماما عدلا رضى بصفة من له أن يعهد إلى ~~غيره & باب الكلام في إمامة عثمان رضي الله عنه وصحة فعل ms281 عمر في الشورى & # إن سأل سائل فقال ما الدليل على إثبات إمامة عثمان رضي الله عنه قيل له ~~الدليل على ذلك أن عبد الرحمن بن عوف عقدها له بمحضر من أهل الشورى سوى ~~طلحة وأن طلحة بايعه لما قدم وعلم ضرورة من حاله رضاه بإمامته وأن عثمان في ~~فضله وسابقته وقرابته وجهاده بنفسه وماله وما هو بسبيله من الإحاطة بحفظ ~~القرآن ومعرفة الإحكام والحلال والحرام # وقد كملت له الخلال التي يصلح معها التقدم لإمامة المسلمين هذا مع ما قد ~~عرف من كثرة مناقبه وفضل جهاده وإنعامه وأنه مجهز جيش العسرة ومشتري بئر ~~رومة وموسع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من ماله PageV01P505 وكونه من ~~المهاجرين الأولين وتزويج النبي صلى الله عليه وسلم ابنتيه منه وقوله ( لو ~~كانت لنا ثالثة لزوجناك ) وقوله في خبر آخر ( لو أمدنا الله بالبنات ~~لأمددناك بالأزواج ) وقوله ( عثمان أخي ورفيقي في الجنة ) وقوله لما ستر ~~ركبتيه عند دخول عثمان عليه ( ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة ) وقوله ~~فيه وفي علي لما أتياه في شيء حمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن طرح ~~علي جبة شعر ( هكذا تدخلان الجنة ولا يحبكما إلا مؤمن ولا يبغضكما إلا ~~منافق ) وحكمه له بأنه يقتل شهيدا وأمره إياه بألا يخلع ثوبا كساه الله ~~إياه في أخبار كثيرة يطول تعدادها مع تسبيح الحصى في يده وقوله ( اسكن حراء ~~فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد ) وفي بعض الأخبار شهيدان فوجب بذلك أجمع أن ~~يكون PageV01P506 بصفة من يصلح لهذا الشأن # فإن قالوا فما الدليل على أن لعمر أن يجعلها شورى في نفر من المسلمين # قيل لهم ليس الكلام في تصحيح الشورى مما يحتاج إليه في إثبات إمامة عثمان ~~لأن الستة الذين هم أهلها كانوا أفضل الأمة وأحق الناس بهذا الأمر وبالنظر ~~فيه فلو أنهم اجتمعوا بأنفسهم ونظروا في أمر إمامتهم وعقد عبد الرحمن أو ~~غيره لواحد منهم لتمت بيعته ولزم الإنقياد له # فلو اعترفنا بغلط عمر في جعله شورى فيهم لم يضر ms282 ذلك بصحة عقد عبد الرحمن ~~بن عوف لعثمان رضي الله عنهما غير أن البراهين الواضحة ودلت على صوابه ~~وتسديد رأيه وشدة احتياطه للأمة لأنه كان له أن يعهد إلى واحد منهم فلما ~~ترجح الأمر في نفسه وأشكل عليه ولم يرد صلاح الأمة على أيهم يكون أكثر وخاف ~~هرجا وفسادا بعهده وعلم أنهم أفاضل الأمة وبلغه أن قوما يخوضون في أمر ~~الإمامة يريدون إخراجها عن جميع الستة وأخبره بذلك عبد الرحمن وغيره فقام ~~في الناس خطيبا بفضلهم وأخبرهم أن الأمر لا يعدوهم وأنه فيهم فقال لهم في ~~خطبته المشهورة ألا وأني رأيت كأن ديكا نقرني نقرة أو نقرتين وما أظن ذلك ~~إلا اقتراب أجلي ألا وإني جعلت الأمر شورى في هؤلاء الستة الرهط الذين توفي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض وقد بلغني أن قوما يقولون لئن ~~مات عمر لنولين فلانا أولئك أعداء الله الضلال الجهال والله لقد جالدتهم ~~بيدي هذه على الإسلام PageV01P507 # وهذا غاية ما يكون من الإحتياط للأمة وحسم مادة الفتنة وإطماع من طمع في ~~هذا الأمر من غير أهله وتنبيهه للمسلمين على فضل فاضلهم والتوقيف على ~~مراشدهم ومصالحهم وقد كانوا قالوا لعمر ألا تعهد فقال إن أعهد فقد عهد من ~~هو خير مني يعني أبا بكر وإن أترك فقد ترك من هو خير مني يعني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وذكر له عبد الله ابنه لأجل فضله وعلمه ونسكه وكثرة ~~الرضا بمثله فقال لم أكن بالذي أتحملها حيا وميتا وقال يكفي آل الخطاب أن ~~يسأل منهم رجل واحد # وقال أما إنه لو حضرني سالم مولى أبي حذيفة لرأيت أني قد أصبت الرأي وما ~~تداخلني فيه الشكوك وفي خبر آخر أبو عبيدة بن الجراح أو سالم يريد مشاورة ~~سالم وأخذ رأيه دون العقد له لأنه أحد PageV01P508 المحتجين على الأنصار ~~بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( الأئمة من قريش ) وهذا ما لا مطلب وراءه ~~من الاحتياط ولا احتياط بعده # ويا ليت شعري ما الذي حظر على ms283 عمر جعلها شورى وإخبار المسلمين أنهم أفضل ~~الأمة وأن الإمامة لا تعدوهم وقد أجمع المسلمون على ما ذكر هذا مع خوفه مما ~~أنهي إليه من طمع من ليس من أهل هذا الأمر ثم منعهم من أن يصلي بالناس واحد ~~منهم خوفا من أن يظن أو يقدر أنه كالنص عليه وأن رأيه فيه وأن يصير ذلك حجة ~~لمن اعتقد منهم تعظيم نفسه وأنه أولى بالأمر منهم أو لأن لا يكرهه كاره أو ~~ينفر عند تقدمه نافر فتهيج فتنة تعود بتفريق الكلمات وشتات الرأي وخروج ~~الأمر عن نصابه وقدم لهم من لا يشكون في أمانته وصلاحه وهو صهيب فصلى بهم ~~أيام مشورتهم حتى قال شاعرهم # ( صلى صهيب ثلاثا ثم أرسلها % على ابن عفان ملكا غير مقسور ) وقال لا ~~تنتظروا طلحة أكثر من ثلاثة أيام فإن قدم وإلا فأنفذوا أمركم وقال لهم فإن ~~انقسم القوم شطرين فكونوا في حيز عبد PageV01P509 الرحمن بن عوف لعلمه ~~بأمانته وثقته وأنه مرضي عند الكافة وأزهدهم في هذا الأمر على أن هذه ~~الرواية شاذة غير معلومة ولم يكن يبعد إذا اعتقد هذا أجمع في عبد الرحمن أن ~~ينص عليه أو يعهد إليه وظاهر الفعل المتفق عليه يدل على اعتدالهم في نفسه ~~وتقاربهم في المنزلة وما يحتاج إليه من صلاح الأمة # وإذا كان ذلك كذلك وكان عمر بما قدمناه إماما عدلا مرضيا وقد خالف من ~~الأمر ما وصفه وعلم احتياطه وجب أن يكون جعله لها شورى إحدى فضائله ومناقبه ~~ومضافا إلى ما سلف من إنعام نظره للمسلمين ونصحه إياهم # فإن قالوا كيف يجوز أنه يكون قاصدا للمصلحة وحسن النظر للأمة بهذا القول ~~مع ما روي عنه من ذمة لجميع أهل الشورى ووصفه لهم بأنهم لا يقومون بالإمامة ~~ولا يصلحون لها نحو ما روي عنه أنه أمر بهم يوما وهم مجتمعون فأقبل عليهم ~~وقال لهم أكلكم يطمع في هذا الأمر # أما قول وأن طلحة قال له إن رأيت أن تكف عنا القول فافعل فإنك لا تقول ~~خيرا وأن الزبير قال ms284 له قل وما عساك أن تقول فقال لطلحة ما أنت فما أعرفك ~~منذ أن شلت يمينك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البأو والكبر الذي ~~أحدثته ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليك غضبان لما قلت ما ~~قلت حتى نزلت آيه الحجاب ثم قال للزبير وأما أنت فإنك مؤمن الرضا كافر ~~الغضب يوما شيطان ويوما إنسان فمن للمسلمين يوم تكون شيطانا وأقبل على ~~عثمان فقال له أما أنت فوالله لئن وليت هذا الأمر لتحملن بني أبي معيط على ~~رقاب الناس وليأكلن مال الله ولتسيرن العرب إليك ولتقتلنك والله لئن فعلت ~~ليفعلن ثم أخذ لحيته فهزها ثم قال اذكرني إذا كان ذلك يا ابن عفان ثم أقبل ~~على علي فقال له وأما أنت يا علي فلئن وليتهم لتحملنهم على المحجة البيضاء ~~والطريق المستقيم وما يقعدك عن هذا إلا دعابة فيك وأنك PageV01P510 كثير ~~البطالة ثم قال لسعد وأما أنت فصاحب قنص وقوس وسهام ولست بصاحب الجسيم من ~~أمرهم ثم أقبل على عبد الرحمن فقال له وأما أنت فلو وزن إيمانك بنصف إيمان ~~المؤمنين لوفى عليه إلا أنه يقعدك عن هذا الأمر العجز وما زهرة وهذا الأمر # وقوله في خبر آخر في رواية ابن عباس عنه أنه قال له لما دخل عليه فوجده ~~على سرير مرمول قلقا متململا فسلم عليه فقال له والله لقد فرحت بدخولك علي ~~لقرابتك وفضل رأيك ولقد أرقت ليلي وقلقت يومي في أمر الأمة وما أدري ما ~~أصنع بأمر المؤمنين فقلت له ولم يا أمير المؤمنين وهذا الأمر إليك وما هذا ~~نحوه فقال لي فأشر وقل ما عندك قال فقلت إن بدأت بعلي فيقول جاءنا بابن عمه ~~قال فقلت عثمان فصاح وقال والله والله لئن فعلت ليحملن بني أمية على رقاب ~~الناس ولصارت العرب إليه فقتلته قال فقلت طلحة فقال إنه كثمر البأو ولا يمر ~~الذباب على أنفه وما كنت بالذي أجمع على المسلمين بين كبره أو تيهه وإمرته ~~قال فقلت الزبير قال فقال ms285 ذلك ضرس شرس لو ولي هذا الأمر لألفي بالبطحاء ~~يلاطم على مد شعير أو صاع من تمر وفي بعض الأخبار أو قعب من لبن قال فقلت ~~سعد قال فقال فيه مثل ما قال في الخبر الأول قلت فعبد الرحمن فقال فيه مثل ~~مقالته التي قدمناها فقلت فعلي فقال إنه وإنه يقرظه لولا دعابة فيه وفي خبر ~~آخر لولا أنه كثير البطالة في أمثال لهذه الأقاويل رويت عنه فيهم # فيكف يكون مع هذا الرأي مصيبا في ردها إليهم يقال لهم ليس من شأن أهل ~~العلم ومن أراد الله ببحثه وفحصه أن يترك الظاهر المعلوم من حال الصحابة ~~مما يوجب إعظام بعضهم بعضا إلى القول بمجهول من أمرهم والمصير إلى روايات ~~شاذة في ذم بعضهم بعضا ولا سيما إذا عارضها ما هو أقوى منها وأثبت فهذه ~~الأخبار أكثرها كذب موضوع لا محالة وإن جاز أن تكون اللفظة واللفظتان منها ~~صحيحة لأنا علمنا ضرورة من حال عمر أنه عظمهم وقرظهم وأنه جعل الأمر فيهم ~~وأمر الأمة بالانقياد وأخبر أنهم أفضل من بقي # وهذا الثابت المعلوم لا يرده ظاهر هذه الروايات والأقاويل التي رويتموها ~~PageV01P511 فوجب دفعها واطراحها # وكيف يجوز أن يظن بعمر في فضله وتيقظه وصرامته وثاقب رأيه وعلمه بمواقع ~~الخطاب وأحوال الكلام وموارد الأمور ومصادرها أن يناقض بمثل هذه المناقضات ~~في كلامه وهو من أعلمهم بضبط الصحابة وتحصيلهم واستدراكهم للدقيق اللطيف ~~فضلا عن المناقضة الظاهرة وإن كان قاصدا بهذا الكلام القدح في فضلهم وكيف ~~لم يعرف أن القوم يعلمون بأن الكثير البطالة والدعابة لا يحمل الناس على ~~المحجة البيضاء والطريق المستقيم وأن حملهم على هذا المنهاج ضد البطالة ~~والدعابة وتقيضها فلو لم نعلم ضرورة بالروايات المعارضة لهذه الأخبار ~~الواردة عنه في تقريظهم وتعظيمهم لوجب أن ينفى عنه مثل هذه المناقضات فكيف ~~والأمر بخلاف ذلك # وكيف يجوز أن يقبل مثل هذا في طلحة مع ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من تفضيله له وقوله هذا يوم كله لطلحة ولولا أنه قال حس ms286 لطار مع ~~الملائكة وقوله للصحابة وقد أحدقوا به لأخذ درعه وحط السلاح عنه عليكم ~~بطلحة في أمثال لهذه الأخبار معلومة ثابتة # ويكون قاصدا بقوله للزبير ما قاله للتحذير له من التشدد والمضايقة ولم ~~بصفة بالبخل في نفسه لأن الإنسان قد يكون أسخى من الريح الهبوب مع تشدده ~~ومضايقته في المعاملة # وعلى أنه لم يقل فيه إنه قد فعل ذلك أو يفعله وإنما قال لألفي فاعلا على ~~مذهب التحذير # وعلى ذلك تأويل قوله إنه ضرس شرس # وأما قوله يوما شيطان ويوما إنسان وإنه مؤمن الرضا كافر الغضب فإنه أيضا ~~يصف فيه لين أخلاقه تارة وحسن رضا أو شدة غضبه تارة وتعسفه والتحذير له من ~~ذلك إن ولى الأمر # وكذلك قوله في سعد إنه صاحب قنص وقوس وسهام وإنه صاحب مقنب من مقانبهم ~~وليس بصاحب الجسيم من أمرهم إنه خرج مخرج التحذير له من أن يكون بهذه الصفة ~~إن ولي الأمر والدعاء له إلى ترك الاشتغال PageV01P512 بذلك أحيانا ~~والانتصاب إلى النظر في مصالح الأمة وكيف يكون هذا الخبر صحيحا وهو يستكفيه ~~ويؤمره على الأقاليم ويقول عند موته أوصي الخليفة من بعدي أن يولي سعدا ~~فإني لم أصرفه عن خيانة ولا موجدة # وكذلك قوله في علي وأنه لكثير البطالة والدعابة لو صحت هذه الرواية أيضا ~~إنما المراد به النهي والتحذير والدعاء إلى ترك المزح في بعض الأوقات وهذا ~~كله لا يوجب الفجور وإسقاط العدالة وإخراج من له هذه الأوصاف أو شيء منها ~~عن استحقاق الإمامة # وأما قوله في عبد الرحمن وما زهرة وهذا الأمر إنما هو على مذهب التحذير ~~من العجز إن صح ولقد ظهر من صرامة عبد الرحمن وشدته وجمع القوم للنظر في ~~هذا الأمر معه شاكا سلاحه ما يدل على نفي العجز عنه وبعده منه وهذا مع ~~اجتماع القوم على الرضا به والاعتماد على رأيه ومع ما علم من زهده فيه ~~وإخراجه نفسه عنه مع صلاحه له وتمكنه من القيام به # فمن ظن أن عمر أراد غير ما ذكرناه إن صح ms287 الحديث فقد ظن بعيدا ومن قدر أنا ~~نترك الظاهر المعلوم من إعظام عمر لهم وحسن ثنائه عليهم إلى هذه الروايات ~~فقد ظن عجزا وتفريطا عظيما واعتقد شططا & باب ذكر الدلالة على صحة عقد عبد ~~الرحمن لعثمان بن عفان رضي الله عنهما & # فإن قال قائل ما الدليل على صحة عقد عبد الرحمن لعثمان قيل له الدليل على ~~ذلك أنهم تشاوروا ليالي وأياما ونظروا في أمرهم ورضوا بعبد الرحمن أمينا ~~ومشيرا في هذا الباب وعلمنا ضرورة أنه عقد لعثمان وأن الباقين PageV01P513 ~~منهم ومن سائر الأمة انقادوا لعثمان وخاطبوه بأمير المؤمنين وعثمان بصفة من ~~يصلح العقد له والعهد إليه وعبد الرحمن في فضله ونبله وسابقته وعلمه وما لا ~~حاجة لنا إلى الإطالة في ذكره من فضائله ممن يصلح لعقد هذا الأمر بل هو من ~~جلة أهل الحل والعقد # وقد ظهر من تبرئه منها وزهده فيها مع كونه مرضيا عندهم وعند سائر الأمة ~~ما يدل على قوة إيمانه وشدة خوفه وحذره وعظيم مناصحته للأمة فهو أبعد الناس ~~من التهمة في هذا الباب وأشدهم إيثارا وتوخيا لأداء الأمانة وحسن النظر ~~للأمة هذا معلوم من حاله وفعله وما بعد ذلك من الروايات التي لا تليق بما ~~وصفناه ملغاة مطرحة # فإن قالوا أفليس قد روي أن عليا قال لعبد الرحمن لما عقد لعثمان أغدر هذا ~~يا عبد الرحمن وأنكر ما كان منه قيل لهم هذا من الوساوس وحديث النفس لأن ~~المعلوم الذي لا شك فيه مبايعة علي لعثمان وتصرفه معه وإقامته الحدود بين ~~يديه حتى قال كثير من الشيعة إنهم جهلوا الحد فقام يعلمهم وقال آخرون إنه ~~كان في تقية منهم وهذا كله باطل لا سبيل إلى علمه فلا يجوز ترك هذا الظاهر ~~بمثل هذه الروايات هذا لو لم يعارضها من رواية أهل الثبت والثقات ما يطابق ~~الظاهر من فعل علي وانقياده فكيف وقد ورد ذلك بما لا قبل لأحد بدفعه وذلك ~~أن الصحيح في هذا ما روي أن عليا عليه السلام قال لعبد الرحمن بن عوف ms288 بعد ~~أن عرض عليه البيعة على شرط ما روي عنه أنه شرطه فأباه علي والتزمه عثمان ~~فقال له علي عليه السلام بايع أخاك فقد أعطى الرضا من نفسه واستخر بالله ~~واصفق على يده وهذا أشبه بقول علي وفعله # وكذلك إن قالوا أفليس قد روي أن عليا عليه السلام كان يقول أيام الشورى ~~نشدتكم بالله هل فيكم من قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم ( من كنت مولاه ~~فعلي مولاه ) مناديا بذلك ورافعا صوته غيري فكيف يكون راضيا بما صنعوه قيل ~~لهم إن هذه الرواية من جنس روايتكم أنه تأخر عن بيعة أبي بكر وأن عمر رفض ~~فاطمة وأنها سقطت وأنهم أحضروا عليا إلى PageV01P514 البيعة في حبل أسود ~~يسحبه عمر في أمثال هذه الروايات # وليس يجب ترك الظاهر المعلوم من حال علي وسائر الصحابة لأجل هذه الرواية ~~المردودة # وكيف يكون ذلك صحيحا مع ما روي عنه من قوله بايع أخاك فقد أعطاك الرضا من ~~نفسه ومع قوله الظاهر بالكوفة والبصرة والشام والله ما قتلت عثمان ولا ~~مالأت على قتله وقوله اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر وقوله لو رضيت ~~مني بنو أمية أن أحلف لها عند الحجر الأسود أني ما قتلت عثمان لحلفت في ~~أمثال هذه الأخبار ولو كان ما رويتموه من احتجاجه على أهل الشورى بقوله من ~~كنت مولاه فعلي مولاه صحيحا وكان يرى أن هذا القول من النبي صلى الله عليه ~~وسلم نص عليه لوجب أن يكون عالما بأن عثمان باغ مستحق القتل ولم يجز أن ~~يلعن قتله إذا كان باغيا مستحقا للقتل وهذا مما لا يمكن أن يعتقد في مثله ~~مع فضله ونبله وعلمه وقرابته وسابقته وثاقب رأيه فبان بذلك سقوط ما تعلقوا ~~به # وإن قالوا وكيف يكون عقد عبد الرحمن لعثمان صحيحا وقد عقد له على شرط ~~تقليده في الأحكام لأبي بكر وعمر وما روي عنه من أنه قال لعلي نبايع لك ~~ونعقد لك هذا الأمر على أن تحكم بكتاب الله وسنة نبيه وسنة الشيخين من ms289 بعده ~~وأن عليا قال ليس مثلي من استظهر عليه ولكن أجتهد رأيي وأنه عرض ذلك على ~~عثمان فرضي بالشرط وضمنه وعقد له عليه وقد اتفقنا على أن التقليد من العالم ~~لغيره حرام في الدين يقال لهم هذا الخبر أيضا من أخبار الآحاد وليس هو مما ~~يعلم صحته ضرورة ولا بدليل # فإن كان التقليد حراما فإن الصحابة قد كانت أعلم بذلك وأتقى لله من أن ~~PageV01P515 تدخل في الحرام على غير إنكار له وكان يجب على علي عليه السلام ~~مع امتناعه من قبول الشرط أن يقول هذا حرام في الدين لا يحل فعله # وليس لنا أن نطعن على الصحابة بشيء نضيفه إليهم لا نجيزه علينا بروايات ~~الآحاد فسقط أيضا التعلق بهذه الروايات # ويمكن أيضا إن كانت هذه الرواية صحيحة ألا يكون عبد الرحمن أراد بسنة ~~الشيخين اتباعهما على التقليد في الأحكام وإنما أراد السيرة بالعدل ~~والإنصاف وألا يكون قال ذلك أيضا على شك منه في أن عليا سيحكم بالإنصاف ~~والعدل إن صار الأمر إليه وإنما قال ذلك على مذهب التقرير له والتأكيد ~~والتبرئة له ليقع الرضا من الجماعة وتزول الفتنة ويستميل بذلك قلوب ~~السامعين له فيكون عبد الرحمن مصيبا في اشتراطه وتقريره وتأكيد الأمر ويكون ~~علي مصيبا في الامتناع منه ويكون عثمان مصيبا أيضا في قبول الاشتراط لما ~~علمه من أن عبد الرحمن ما قصد إلا التأكيد والتقرير واشتراط السيرة بالعدل # ويدل على ذلك ويؤكده علمنا وعلم سائر الناس أن أحكام أبي بكر وعمر في ~~كثير من الفقهيات مختلفة كتوريث الجد والمفاضلة في العطاء من عمر وتسوية ~~أبي بكر بين الناس فيه وغير ذلك وأن عثمان لا يمكنه ولا يجوز أن يحكم ~~بحكميهما المختلفين فدل ذلك على أنه إنما أراد اشتراط السيرة بالعدل ~~والإنصاف # وقد يمكن أيضا إن كانت هذه الرواية ألا يكون عبد الرحمن اشترط على عثمان ~~ترك التقليد في الأحكام لأن سيرة أبي بكر وعمر ترك التقليد فيهما والنهي عن ~~ذلك # فذلك لم يقلد عمر أبا بكر بل خالفه ولا ms290 قلد أبو بكر عمر في شيء من مسائل ~~الحلال والحرام وقد علم أن من سيرتهما اجتهاد الإمام وترك التقليد لغيره ~~فكيف يدعوه عبد الرحمن إلى التقليد وترك الاجتهاد وهذا وهذا ضد سنتهما فبان ~~أنه لم يدعه إلا إلى ما ذكرناه وأن عليا قدر فيه أنه دعاه إلى التقليد ~~فأصاب في امتناعه من قبول الشرط PageV01P516 وقد قال قوم من الفقهاء إن ~~تقليد العالم للعالم والحكم بالتقليد جائز سائغ في الدين وهي مسألة اجتهاد ~~أعني تقليد العالم للعالم فلعل عثمان وعبد الرحمن كانا يريان جواز التقليد ~~والحكم به وعلي عليه السلام لا يرى ذلك فأصابا فيما تعاقدا عليه وأصاب علي ~~في امتناعه من غير قدح في العقد لأنه لا يحرم ذلك على من رآه وإن وجب عليه ~~ألا يفعله لأنه ليس من رأيه واجتهاده # فبان بذلك أجمع زوال ما تعلقوا به في هذا الفصل # فإن قالوا كيف يكون عقد عبد الرحمن صحيحا وهو قد أنكر على عثمان ونقم ~~كثيرا من أفعاله وقال للصحابة لما قال له بعضهم هذا من عملك حيث عقدت لهذا ~~الظالم الجبار فقال لهم ما علمت وإذا شئتم أخذت سيفي على عاتقي وأخذتم ~~أسيافكم وقتلنا هذا الطاغية وأزلناه عن الأمر ونحو ذلك يقال لهم هذا أيضا ~~من الروايات المختلفة لأن الثابت المعلوم من حال عبد الرحمن رضاه به ~~واختياره له وقوله خطيبا بذلك إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان أحدا فوليته ~~في نظائر لهذه الروايات مما يقتضى موالاة عبد الرحمن لعثمان فلا وجه لترك ~~ذلك والتعلق بالتعاليل والأباطيل # على أنه لو صح عن عبد الرحمن أنه قال إني خلعت عثمان فاقتلوا هذا الطاغية ~~أو سيروا لخلعه لم ينخلع عثمان لهذا القول من عبد الرحمن ولا من غيره لأن ~~الإمامة إذا ثبتت بعقد صحيح مأذون فيه لم ينخلع صاحبها بخلع العاقد له بعد ~~ذلك ولا بخلع غيره ولا بذم أحد له ولا ينخلع بالقرف ولا بالتأويل عليه ~~وإنما ينخلع بالجلي المعلوم من الأحداث الثابتة الظاهرة # فيجب أن ننظر فيما أنكره ms291 عبد الرحمن بعد عقده وما نقمه القوم عليه فإن ~~كان ما يوجب خلع الولاية وسقوط الطاعة صرنا إليه وطالبناه بموجبه وإن كان ~~غلطا في التأويل وقرفا بالباطل أضربنا عنه ولم نحفل به # فإن لم تقنع الشيعة وأبت إلا إبطال إمامة عثمان بهذا التأويل والروايات ~~PageV01P517 التي ليست بثابتة عن عبد الرحمن وإن كان قد عقدها في الأصل ~~طوعا واختيارا عن رأي ومشورة وإخبار الناس أنه وجد الصحابة لا يعدلون ~~بعثمان أحدا عاد ذلك بأعظم الضرر عليهم ووجب عليهم به القدح في إمامة علي ~~لأجل إنكار طلحة والزبير وعائشة لفعله وخلع طلحة والزبير له وإقراره بذلك ~~على ما قد روي بمثل رواية ما ادعوه على عبد الرحمن في قوله في عثمان وقوله ~~بالبصرة بايعاني بالمدينة وخلعاني بالعراق وقولهم في جواب ذلك بايعناك على ~~أن تقتل قتلة عثمان وقول طلحة بايعت واللج على قفي # وقول الزبير بايعته أيدينا ولم تبايعه قلوبنا وقد كان أحضرا مكرهين فيهما ~~أعذر في خلعهما لعلي من عبد الرحمن في خلعه لعثمان ولأجل أن المطالبة بدم ~~عثمان أمر ليس يقع التأويل في مثله وإن كان الحق في يد علي ومعه دون كل من ~~خالفه # وما نقم أحد على عثمان شيئا فيه شبهة ولا متعلق وعلى أن عثمان لم يقعد ~~عنه أحد دعاه إلى نصرته أيام حصاره وسعى أهل الفتنة عليه بل كانوا يبذلون ~~أنفسهم ونصرتهم ويقولون دعنا نكن أنصار الله مرتين فيأبى ذلك ويمنعهم منه # وعلي عليه السلام قعد عن نصرته كثير ممن دعاه إلى القتال معه من جلة ~~الصحابة كسعد وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل PageV01P518 وعبد الله بن عمر ~~ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وسلامة بن وقش وغيرهم ممن لا يحصى كثرة فيجب ~~أن يكون ذلك أظهر في القدح في إمامته وأجدر مما تعلق على عثمان # ونحن نبرأ إلى الله تعالى من القدح في إمامتهما جميعا غير أن الشيعة تفتح ~~على أنفسها من هذا الباب ما لا قبل لهم بدفعه # وليس تفسد إمامة علي بخلع ms292 من عقدها له ولا بالتأويل عليه بأنها عقدت على ~~شرط فيها ولا يوهنها قعود من قعد عنها فكذلك لا تبطل إمامة عثمان بما حكوه ~~عن عبد الرحمن ولا بسعي أوغاد وأهل فتنة إليه وتعديهم عليه لأن إمامته قد ~~ثبتت وصحت فلا يقدح فيها شيء مما ذكروه # فإن قالت الشيعة نحن لا نعتبر بقول طلحة والزبير وخلعهما وقعودهما لأن ~~طريق الإمامة النص من النبي صلى الله عليه وسلم قيل لهم فليس يجب أن ينزلوا ~~معنا إلى الكلام في إمامة عثمان وعقد عبد الرحمن وخلعه لأن الخوض فيها ~~عندكم منكر فإن قالوا إنما نسألكم ونلزمكم على مذهب أهل الاختيار قيل لهم ~~قد أبنا لكم أن ذلك لا يلزم على أصولنا وأنه لو لزم لعاد بإبطال إمامة علي ~~وذلك فاسد PageV01P519 & باب الكلام في مقتل عثمان رضي الله عنه والدليل ~~على أنه قتل مظلوما & # فإن قال قائل فهل تقولون إن عثمان قتل مستحقا للقتل أم مظلوما وهل كان ~~منه حدث أوجب قتله والمطالبة بخلعه أم لا قيل له نقول إن عثمان رضي الله ~~عنه قتل مظلوما وإنه لم يكن منه ما يوجب قتله ولا المطالبة بخلعه ولا سقوط ~~عدالته وموالاته وإن الذين تولوا قتله والإغراق في السعي عليه أهل فتنة ~~ولفيف الأمصار ومن لا مدخل له في هذا الشأن أعني أمر الإمامة وحلها وعقدها ~~وإنهم لم يستندوا في شيء مما خرجوا إليه في أمره إلى ما يمكن أن يكون شبهة ~~فضلا عن أن يكون حجة # فإن قالوا وما الدليل على ذلك الدليل عليه أنه قد ثبت من إيمان عثمان ~~ونزاهته وسابقته وفضله وجهاده ما قدمناه من فضائله ومن صحة أمامته وثبوت ~~بيعته ووجوب طاعته والانقياد له ما نستغني عن إعادته ورد قول فيه وإذا كان ~~ذلك كذلك وجب أن نعتقد أنه على جميع هذه الأوصاف وأنه قتل مظلوما حتى يذكر ~~القاتلون له والساعون عليه والمنتصرون لفجورهم ما يبيحون به دمه على ذلك ~~الوجه ويوجب خلع طاعته وزوال عدالته وأنى لهم بذلك # وعلى أنه لو ms293 ثبت عليه أمر يستحق به خلع الطاعة ويجب به زوال العدالة لم ~~يكن مبيحا لقتله على ذلك الوجه لأنه لم يحم دارا ويمتنع على المسلمين ولا ~~نصب الحرب بينه وبين من سار إليه فقد كان يجب عليهم القبض عليه لما أخذوه ~~وتمكنوا من داره وحريمه أو حبسه وإبعاده عن المدينة أو أخذه بغاية الإرهاب ~~بخلع نفسه لو كان مستحقا للخلع فأما أن يقتل على ذلك الوجه وهو غير ناصب ~~للحرب فضلال وظلم لا محالة # على أنه لو استحق قتله وخلعه وإبعاده لم يجز أن يتولى ذلك من أمره الذين ~~ساروا إليه لأنهم ليسوا من أضرابه ولا أشكاله وممن يداني منزلته ولا ممن له ~~مدخل في الإمامة ولا في عقدها وحلها والاعتراض على أهلها وإنما يعتد بمثل ~~ما جروا إليه ويكون لأحد فيه أدنى تعلق لو تولى ذلك منه أكفاؤه ومن له مدخل ~~في هذا الشأن وليس للرعية كافة أن يتولوا دم من هو دون PageV01P520 عثمان ~~ولا إقامة أقل الحدود على أقل الناس قدرا فكيف بعثمان مع ما ذكرناه من ~~أحواله وهذا واضح في أن القوم يجب تفسيقهم بقتله لو كان ممن يستحق القتل ~~فضلا عن أن يكون غير مستحق له وقد ذكرنا في غير هذا الكتاب أسباب هؤلاء ~~القوم الذين عدوا عليه وكل واحد منهم والذي بعثهم على السير إليه وأنها ~~كانت أحقادا عليه لأجل إمرة طلبوها ولأجل غيظ منهم على أمرائه ولأن بعضهم ~~كان طفلا في حجره ولأن بعضهم حرمه بعض طلبته إلى غير ذلك مما لا حاجة بنا ~~إلى ذكره # وقادة هؤلاء القوم الذين أشاروا عليهم وحملوهم على ما فعلوه الغافقي ~~المصري إمام القوم وكنانة بن بشر التجيبي وسودان بن حمران وعبد الله بن ~~بديل بن ورقاء الخزاعي ومن قادة البصريين حكم بن جبلة العبدي فيمن صحبه ~~منهم ومن أهل الكوفة ملك بن الحارث الأشتر النخعي في رجال قد سميناهم # وقد كان هؤلاء أثاروا الفتنة مدة قبل قتل عثمان رضي الله عنه ورأى من ~~الرأي إبعادهم عن المدينة ms294 فأخرج منهم عن المدينة سبعة عشر نفسا منهم القوم ~~الذين سميناهم ومنهم على ما ذكر صعصعة بن صوجان وزيد بن صوجان العبديان ~~وعبد الله بن الكواء وعمر بن الحمق في آخرين فكان معاوية يقربهم ويدنيهم ~~ويحضرهم طعامه ويكثر إذكارهم بالله ويخوفهم شق العصا والفتك بإمام الأمة ~~وتعظيم حرمة الإمامة ووجوب لزوم الجماعة إلى أن قال له زيد بن صوجان يوما ~~كم تكثر علينا بالإمرة وبقريش فوالله ما زالت العرب تأكل من قوائم سيوفها ~~وقريش تأكل من متاجرها فقال له معاوية اسكت لا أم لك أذكرك بالإسلام ~~وتذكرني بالجاهلية قبح الله من كثر على أمير المؤمنين بكم PageV01P521 ~~فلستم برجال ضر ولا نفع أخرجوا حيث شئتم فأبعدهم ثم أحضر ابن الكواء فسأله ~~عن أهل الفتنة في كل بلد وعن أحوال أهلها # ثم كتب إلى عثمان بأن القوم قد أثاروا الفتنة بالشام وقد خفت انخراق ~~الأمر فأن أمرت أنفذت إليك برؤوسهم وإلا فمر بتسريحهم فكتب إلي إن الفتنة ~~قط اطلعت رأسها وألا ينكأ القرح فسرحهم إلي فأخرجهم معاوية فعدا عليهم عبد ~~الرحمن بن خالد بن الوليد وكان يومئذ أمير الجزيرة وكثير مما يتصل بها فلم ~~يفلت أحد منهم فلما أدخلوا عليه قال لهم لا مرحبا بكم ولا أهلا يا حزب ~~الشيطان قد انصرف الشيطان محسورا وأنتم في ضلالكم تترددون أنا عبد الرحمن ~~أنا ابن خالد بن الوليد أنا ابن فاقىء عين الردة لم لا تقولون لي ما كنتم ~~تقولونه لمعاوية وعبد الله بن عثمان وقمعهم وحصرهم فكان كلما ركب أمشاهم ~~بين يديه ثم يقول لملك بن الأشتر أعلمت يا ملك أن من لم يصلحه الخير أصلحه ~~الشر والله لأحسنن تقويمكم فكانوا عنده سنة يظهرون التوبة والندامة من ~~الطعن على عثمان والإثارة للفتنة وتشعيب الكلمة # وكتب إلى عثمان بتوبتهم فكتب إليه أن سرحهم إلي فلما مثلوا بين يدي عثمان ~~جددوا التوبة والندم وحلفوا له على ذلك فخيرهم البلاد فاختار بعضهم الكوفة ~~واختار بعضهم البصرة فأخرجهم إلى حيث آثروا # فما استقرت بهم البلاد حتى شرعوا ms295 في أعظم مما تابوا منه بأنفس ~~PageV01P522 حنقة وصدور وغرة وقلة إحفال بالإمام والأمة وإيثار الشغب ~~والفتنة # واتصل ذلك بعثمان فأرسل رسلا إلى البلاد ليرفعوا شكواهم ويزيل ظلامتهم ~~فأفسدوا بعضهم وأثاروا الفتنة على باقيهم ولم يقنعوا إلا بالمسير إليه ~~وقتله في داره وهتك حريمه والتغلب على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ~~أن وطئوه وحصبوه ومنعوه الصلاة في المسجد وهو دائبا يسكنهم ويضمن لهم إزالة ~~ظلامتهم وإجمال النظر لهم ويغرق في وعظهم وتخويفهم ويقول ويحلف لهم في غير ~~خطبة خطبها عليهم من فوق داره أنه أبصر الناس بأخذهم سيرة عمر وحملهم على ~~عنف السياق وأنه ما بسطهم عليه إلا لينه وتجاوزه عنهم في صلاحهم فيقول لهم ~~إن رأيتم أن تضعوا رجلي في قيد فضعوها ويقول لهم تارة وقد أشرف عليهم ~~أنشدكم الله هل سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( لا يحل دم امرىء ~~مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس ~~فيقولون اللهم نعم فيقول والله ما كفرت منذ أمنت ولا قتلت نفسا بغير نفس ~~ولا زنيت في جاهلية ولا في إسلام قط فبماذا تستحلون دمي ) ويقول لهم تارة ~~أنشدكم الله هل سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( من وسع مسجدي ~~هذا ضمنت له على الله الجنة ومن جهز جيش العسرة ومن اشترى البئر للمسلمين ) ~~ففعلت ذلك ويقولون اللهم نعم ويقول فما بالكم تمنعوني الصلاة في المسجد وما ~~بالكم آمنون وأنا خائف # في نظائر لهذه الألفاظ # ويقول لرجل هجم على داره من أهل مصر مقتحما بسيفه يريد قتله فلما رأى ~~هيبته وسمع قراءته أحجم عنه فقال له عثمان PageV01P523 مالك رحمك الله فقال ~~إنا جئنا لقتلك فإن القوم كتبوا إلينا أنك كفرت وارتددت وما أراك إلا إماما ~~صالحا قواما فبكى عثمان فقال له ما كفرت منذ آمنت اللهم احكم بيننا وبينهم ~~فقال له الرجل يا أمير المؤمنين إني نذرت دمك وآليت على نفس فأبر قسمي قال ~~فأدناه عثمان وكشف ms296 له عن جنبه فشرط له بالسيف شرطة خفيفة حتى خرج دمه فقالت ~~عند ذلك زوجته نائلة بنت الفرافصة واذل أمير المؤمنين ثم إن الرجل خرج فركب ~~راحلته وانصرف من فوره وتبعه أناس # ثم راسلهم قبل أن يشتد الحصار الثاني عليه بسعد وعبد الله بن عمر ومحمد ~~بن مسلمة وغيرهم يناشدهم ويعظهم ويخوفهم ويرفق بهم ويضمن لهم إزالة كل ما ~~تظلموا منه حتى تناذر الصحابة ومشى بعض الصحابة إلى بعض وسعوا في التسكين ~~عنه وحتى ذكر أن طلحة خرج قبل قتله بليلة أو ليلتين فصاح في الناس وذكرهم ~~الله وقال لهم إن إمامنا قد أعطى الرضا من نفسه وبذل ما كانت الطلبة منه ~~دونه فتفرقوا رحمكم الله وانصرفوا إلى مياهكم ثم بكى فأحدق به خلق من أهل ~~الفتنة وفيهم ملك الأشتر فنتل لخطابه وقال لطلحه الآن ننصرف والله لقد كنا ~~في ثغورنا ما ينتظر أحدنا إلا سهما يقع في لبان فرسه أو غارة تقع في ~~المشركين وكتبتم إلينا أن سيروا إلى من غير الكتاب والسنة فلما جئنا قعد ~~هذا في بيته وأشار إلى حجرة علي وقعدتم تعصرون أعينكم دونه والله لا نبرح ~~العرصة أو نهريق دمه # وهذا قهر عظيم وافتيات على عثمان والصحابة شديد وسرف يدلك على إثارة ~~الفتنة وتشتيت الكلمة ولا سيما إذا كان ذلك أجمع واقعا ممن ليس من أهل ~~الإمامة والخوض فيها والافتيات على أهلها # ويدل على هذا من أمرهم إظهارهم للناس أن يحصروه ليخلع نفسه ويزيل ظلامتهم ~~ولا يظهر منهم غير ذلك ثم يهجمون عليه الدار غلسا وفي خفية لإراقة دمه ~~وتسوروا عليه على ما ذكر من خوخة من دار آل عمرو بن PageV01P524 حزم وفي ~~ذلك يقول الشاعر # ( لا ترثين لحزمي رأيت به % ضرا ولو قذف الحزمي في النار ) # ( الناخشين بمروان بذي خشب % والمقحمين على عثمان في الدار ) وكان النفر ~~الذين ذكر أنهم هجموا عليه من المعروفين دون أتباعهم الغافقي وكنانة بن بشر ~~التجيبي وسودان بن حمران وعبد الله بن بديل بن ورقاء وعمرو بن الحمق ~~الخزاعي ms297 في آخرين منهم محمد بن أبي بكر فتسرع إليه محمد وألقاه لجنبه وجلس ~~على صدره وأخذ لحيته فهزها وغلظ له في القول وذكر أنه ضرب جبهته بمشقص كان ~~في يده فلما أراد أن يثنى وعظه عثمان وقال له يعز على أبيك أن ترقى هذا ~~المرقى واستحيا PageV01P525 وانصرف # وذكر أنه لم يمسه في بعض الروايات فعرف الغافقي وكنانة أنه انصرف حياء ~~منه فأقحما عليه وبدره التجيبي بضربة ألقاه منها لجنبه والمصحف في حجره ~~فلما سقط الدم عليه أطبقه ثم نحاه وضربه غيره # وقاتل البقية قوم من بني عبد الدار فقتل منهم سوى عثمان أربعة نفر وقتل ~~العبد الأسود وارتث مروان بن الحكم خارج الدار وأثخن الحسن حتى حمل مغلوبا ~~بألم الجراح # ولما رأت نائلة بنت الفرافصة زوج عثمان وقع السيف برزت وألقت نفسها عليه ~~فأصابتها ضربة اندرت من يدها ثلاث أصابع وضرب بعض أولئك الفجرة يده عليها ~~وقال ما أكبر عجيزتها نفلونيها وصاح الآخرون ألحقوا بيت المال # وأغاروا بديئا على رجل عثمان وما كان في داره ثم تناولوا ما أمكنهم أخذه ~~من بيت المال وأضرموا الدار عليه بالنار فاحترق أكثر أبوابها # وذكر أن عمرو بن الحمق قال طعنت عثمان تسع طعنات منها ثلاث لله وست لغير ~~الله # وقد علم كل مسلم أنصف نفسه أن ما فعله القوم به ليس من الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر في شيء وأنه أبعد الأمور عن الحق وعن مصلحة الأمة وأدعاها ~~إلى تفريق الكلمة وشتات الرأي وتوهين الدين والإذلال لسلطان المسلمين ~~والتوثب على أئمتهم وتوخي إضعاف أمرهم وقصر هممهم وأيديهم عن إقامة الدين ~~وتنفيذ أحكام المسلمين وأن عثمان رضي الله عنه لو كان في الحقيقة قد ارتد ~~عن دينه أو زنى بعد إحصانه لم يستحق سفك دمه على ذلك الوجه وإحراقهم داره ~~ونهب تراثه والمطالبة بتنفيل زوجته وهذا PageV01P526 أظهر وأبين من أن ~~نحتاج فيه إلى إقامة الدليل على ظلم فاعله وتعديه # وعلى أن ذلك أجمع لو وجب عليه وكان من حدود الله تعالى في شريعة لم ms298 يكن ~~لهؤلاء القوم توليه وإقامته وإنما ذلك إلى سلطان المسلمين ولا أقل من أن ~~يكون للأماثل منهم أهل الحل والعقد ومن يقدر فيه الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر دون من ذكرناه # وكل من ادعي عليه قتله من الصحابة فقد كذب عليه وأضيف إليه ما ليس منه ~~بسبيل كعلي وطلحة والزبير رضوان الله عليهم وما من هؤلاء أجمع أحد إلا وقد ~~أظهر المطالبة بدمه ولعن قتلته وأظهر البراءه منهم والتأسف على ألا يمكنه ~~إقامة الحق عليهم # وهذا ظاهر معلوم من حال علي وطلحة والزبير وما وراء ذلك إنما هو من ~~الشواذ وأخبار الآحاد ولا يحل لمسلم اتقى الله وعرف قدر الصحابة أن يضيف ~~إلى أحد منهم قتل عثمان والرضا به والخذلان له مع دعائه إلى نصرته والدفع ~~عنه بأخبار آحاد يعارضها مثلها تارة وما هو أقوى منها أخرى ويكون الظاهر من ~~قول علي وطلحة والزبير بخلافها وفي نقيضها لأن الظاهر المعلوم لا يترك ~~لروايات غير معلومة بل لو لم يظهر منهم مثل هذا لكانت مثل هذه الأخبار ~~مدفوعة بما ورد من أمثالها في نقيضها ومعارضتها وكيف يجوز لذي علم ودين أن ~~يضيف إلى أدون الصحابة بعض ما يوجب الفسق من قتل عثمان أو التأليب عليه أو ~~خذلانه بروايات لا تساوي مدادها ولا الاشتغال بالإصغاء إليها وقد ظهر عدوان ~~من ذكرناه عليه وتوليه لقتله وفي ذلك يقول الشاعر # ( ألا إن خير الناس بعد ثلاثة % قتيل التجيبي الذي جاء من مصر ) وذكر ~~أيضا محمد بن أبي بكر وغيره في أشعار كثيرة مشهور وقد ذكرناها في غير هذا ~~الكتاب PageV01P527 # وما روي عن عثمان أنه كتب إلى علي أيام الحصار # ( فإن كنت مأكولا فكن خير آكل % وإلا فأدركني ولما أمزق ) إنما هو أيضا ~~من روايات الآحاد # وكيف يصح ذلك وقد أنفذ علي الحسن لنصرته وعثمان يرده ويرد الناس عن الدفع ~~عنه بالقتال لهم ويحملهم الرسائل إليهم بالوعظ لهم وهذا معلوم ظاهر من حاله ~~وأنه قال من كان يظن أن لي في عنقه طاعة فليغمد سيفه ms299 وليلزم بيته وقال ~~لعبيده من غمد منكم سيفه فهو حر لوجه الله ففعلوا إلا الأسود الذي قتل في ~~الدار وهذا لا يشبه ما رووه من استنهاضه لعلي ولأن في ذلك أيضا قرفا لعثمان ~~في اتهامه لمثل علي رضوان الله عليه في هذا الباب # فكل ما جرى مجرى هذه الروايات فإنه مردود # والظاهر من علي تكذيب هذه الرواية من قوله والله ما قتلت عثمان ولا مالأت ~~على قتله # ويمكن لو صحت هذه الرواية أن يكون هذا القول من عثمان ليس على سبيل ~~التهمة لعلي عليه السلام بل على طريق الاستزادة في وعظ القوم وكفهم وإرساله ~~في هذا الباب وقد يقول الإنسان مثل هذا الكلام إذا حزبه الأمر وفجئه ما ~~يخافه على غير سبيل الظنة والتهمة # فإن قال قائل فإذا كان الأمر في هذا على ما وصفتم من ظلم القوم له ~~وتعديهم عليه فما بال الصحابة لم يسارعوا إلى إنكار ذلك وصدهم عنه وأي عذر ~~لهم في إسلامه والتساهل في خذلانه قيل له معاذ الله أن يكون فيهم من خذله ~~أو قعد عن نصرته عند دعائه لهم وإنما لزموا بيوتهم لأنه أمرهم بذلك وكرره ~~عليهم وناشدهم الله عز وجل وعرفهم أن الجيوش توافيه وأنه لا يرى منابذة ~~الصحابة لأهل الفتنة وإنما يجب أن يدفعوا بأمثالهم ووكد هذا القول وضيقه ~~على القوم وقد جاء زيد بن ثابت شاكا في سلاحه وقال له PageV01P528 دعنا نكن ~~أنصار الله مرتين يعني في الدفع عنه مع الدفع عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فمنعه من ذلك فأتاه عبد الله بن عمر متدرعا فكفه طمعا في أن ينصرف ~~القوم ثانية كما انصرفوا في الأول أو في أن يلحق به من البلاد من يدفع عنه ~~غير الصحابة وكره أن يتحدث عنه في أمصار المسلمين وغيرها أن قوما قصدوا ~~بابه لرفع ظلامه فقتلهم وناصبهم الحرب ولقد طمع فيما يطمع فيه مثله وأحسن ~~السيرة والتدبير في الكف عنهم والأمر بذلك # وليس يجوز أن يعتقد فيه أنه أقعدهم عن الدفع عنه ms300 مع غلبة ظنه بأنه يقتل ~~لا محالة وأن القوم يقصدون نفسه دون إشكائه وإزالة الظلامة لأن ذلك خطأ من ~~فعله لو وقع وكذلك فلا يجوز أن يظن بالصحابة ولا بأحد منهم أنهم قعدوا عنه ~~وتركوا الاعتراض عليه في أمره لهم بالكف مع ظنهم وتوهمهم أنه سيقتل لأن ذلك ~~إجماع منه ومنهم على الخطأ وإنما قدروا أن القوم ينصرفون فأطاعوه في أمره ~~وإنما تهجموا على داره غلسا بسحر ولو فعلوا ذلك بمحضر الصحابة أو بعضهم ~~لندرت الرؤوس عن كواهلها دون الوصول إليه ولم يعدم النصرة على كل حال من ~~كافتهم أو الأكثرين منهم عددا # وأما قولهم إنه بقي ملقى على المزبلة ثلاثة أيام فكذب من راويه وطعن على ~~السلف وسائر الأمة بل قد وردت الروايات أنه دفن من يومه وحمل من داره إلى ~~بقيع الغرقد وهذا أظهر وأليق بمثل الصحابة # وهذا جمل تنبىء عن ظلم القوم وعدولهم عن الحق فيما جروا إليه PageV01P529 ~~& باب ذكر ما تعلقوا به على عثمان رضي الله عنه ونقموا من فعله والجواب عنه ~~& # فأما تعلقهم بأنه ضرب عمارا حتى فتق أمعاءه وضرب عبد الله بن مسعود حتى ~~كسر ضلعين من أضلاعه ومنعه العطاء سنين كثيرة وأنه رد عليه عطاءه فباطل عند ~~كثير من الناس # وليس ما يروون في هذا مما نضطر إليه أو مما قام دليل عليه ولا مما يثبت ~~تعلق القوم به # وعلى أنه لو ثبت ذلك لوجب أن يحمل فعله على الصحة وقد روي أن سبب ضربه ~~لعمار أنه قال للطاعنين عليه اكتبوا ما تشكونه من عثمان في كتاب واعطونيه ~~حتى أدخل عليه وأوقفه عليه فكتب ذلك ودخل عليه فغلظ له في القول وافترى ~~واستخف بسلطان الله وليس له ذلك ولا يحل له ولا لغيره أن يخاطب عثمان بذلك ~~وليس بأمير المؤمنين إلا بما يقتضيه ما ذكرناه من محله في الدين ومنزلته ~~بين المسلمين وحرمته وسابقته في الدين فكيف وهو السلطان المأمور بطاعته ~~وترك الافتيات عليه وليس فيما أنكروه عليه منكر يستحق به مثل ما ms301 خرج إليه ~~عمار # وقد روي أنه كان يقول عثمان كافر وكان يقول بعد قتله قتلنا عثمان يوم ~~قتلناه كافرا حتى قال له علي عليه السلام مرة وهو PageV01P530 يخاصم في ذلك ~~الحسن بن علي والحسن ينكر ذلك من قوله أتكفر يا عمار برب آمن به عثمان فقال ~~لا فأرسل الحسن يده من يده # وهذا سرف عظيم من خرج إلى ما هو دونه استحق الأدب من الإمام فلعل عثمان ~~انتهزه وأدبه لكثرة قوله قد خلعت عثمان وأنا بريء منه فأدى الأدب إلى فتق ~~أمعائه # ولو أدى أدب الإمام إلى تلف النفس لم يكن بذلك مأثوما ولا مستحقا للخلع ~~فإما أن يكون ضربه باطلا وإما أن يكون صحيحا فيكون ردعا وتأديبا ونهيا عن ~~الإغراق والسرف وذلك صواب من فعل عثمان وهفوة من عمار # وأما ضربه عبد الله بن مسعود ومنعه العطاء وكراهة عبد الله له فإنه باطل ~~أيضا غير صحيح فإن صح ذلك حمل من عثمان مع ثبوت عدالته وإيمانه على وجه ~~صحيح وهو أن يكون قصد بذلك تأديب عبد الله بن مسعود وردعه عن الامتناع من ~~إخراج المصحف إلى مثل عثمان وعلى سائر الصحابة مع علمه بشدة الهرج والفساد ~~واختلاف القراءة وتوخي عثمان حسم هذه الفتنة وجمع الكلمة والموافقة على ~~مصحف متفق عليه محفوظ محروس يكون العماد في هذا الباب ولقد وفق في ذلك لأمر ~~من الدين عظيم وخير كثير فلم يكن لعبد الله أن يمنع من ذلك هذا مع العجائب ~~التي يذكرون أنها في مصحفه من إلغاء المعوذتين وإثبات ما نسخت تلاوته ويبعد ~~أن يكون من PageV01P531 كلام الله تعالى ومن القرآن وإلى غير ذلك # وقد كان يجب أن يخرج ما في يده ويوافقه عليه فإذا امتنع من ذلك جاز ~~للإمام إرهابه بشيء من الضرب إذا أداه الاجتهاد إلى ذلك فإن أدى الضرب إلى ~~كسر ضلع وإبطال عضو وإذهاب البصر لم يكن الإمام ذلك مأثوما ولا حرجا إذا لم ~~يقصد إلا التأديب والتشديد وكذلك إن قرفه بظلم أو ومعصية ألب عليه ولم ms302 يضمر ~~بذلك الحجة وكانت ظاهر الإمام العدالة جاز له تأديبيه # وأما قولهم إنه كره أخذ العطاء فلعله رأى في وقت رده إلى من هو أحق منه ~~أو لعله استغنى عنه أو لعله اعتقد أن فيه شبهة تمنع من أخذه وإن كان غالطا ~~في اعتقاده ذلك لأنه ليس بمعصوم لا يجوز الزلل عليه أو رأى أنه يستحق أكثر ~~مما أعطاه عثمان ولم يكن يستحق عنده أكثر مما قسمه له وهذا مردود إلى ~~اجتهاد الإمام ورأيه وليس لأحد الافتئات عليه ولا رد العطاء إذا لم يرضه أو ~~يبين ابن مسعود أن رد العطاء لوجه يوجب فسق عثمان فينظر في ذلك فإن لم يكن ~~معنى غير رده حمل أمره على بعض ما قلناه وكذلك ضرب عثمان إياه حمل أمره على ~~الأليق به أولى وأما قولهم إنه منعه العطاء لسنين فإنه غير ثابت فإن صح ~~فلعله كره أن يأخذه أو لعل عثمان صرفه إلى غيره لأنه كان أولى منه وهو مصيب ~~في ذلك إذا أداه اجتهاده إليه # ومثل هذا لا يثبت بأخبار الآحاد ولا يتوصل به إلى القدح في الأئمة وفضلاء ~~الأمة PageV01P532 # وأما تعلقهم بأن عثمان جمع القرآن وحرق المصاحف وسبق إلى ذلك فإنه جهل ~~عظيم لأن هذا من فضائله وتسديد عمله عندما حدث من الاختلاف والتهازج بين ~~القراء وعدوان بعضهم على بعض ووجود كل ملحد ومدغل السبيل إلى الطعن في ~~الدين وإفساد التأويل والهزل بأئمة المسلمين # وهذا كان الواجب على عثمان إذا وقع له وخطر بباله وظن الصلاح ولم الشعث ~~ولو عدل عنه لكان عاصيا مفرطا قائدا إلى الإهمال والتضييع # وأما قولهم إنه سبق إلى ذلك فباطل لأنه قد جمع في أيام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأيام أبي بكر وعمر في الجلود والخزف والأكتاف وغير ذلك ولم ~~تحتج الصحابة إلى جمعه على وجه ما جمعه عثمان لأنه لم يحدث في أيامهما من ~~الخلاف بين القراء ما حدث في أيامه وأما تعلقهم بأن جمعه معصية وبدعة فإنه ~~جهل لأن المعصية هي ما ms303 نهي فاعلها عنها ونحن نقول إن جمعه من فرض عثمان إذا ~~قدر في جمعه من الصلاح ما ذكرناه وليس من نص الكتاب أو السنة الثابتة أو ~~إجماع الأمة أو حجج العقول ما يحظر جمع القرآن ويقضي على عصيان فاعله فبطل ~~بذلك ما ظنوه PageV01P533 # وأما قولهم إنه حرق المصاحف فإنه غير ثابت ولا مما يلزم قلوبنا العلم به ~~ولو ثبت لوجب أن يحمل على أنه حرق مصاحف قد أودعت ما لا تحل قراءته وقد خرج ~~عن أن يكون قرآنا بإفساد نظمه وإحالة معناه في الجملة فإنه إمام من أهل ~~العلم غير معاند للنبي صلى الله عليه وسلم ولا طاعن على التنزيل # هذا هو المعلوم من أمره فيجب أن يكون حرق ما يجب إحراقه # ولذلك ما لم يرو عن أحد من الصحابة أنه قال له قد عصيت الله وأذللت الدين ~~بإحراق مصاحف لا يحل إحراقها # وقد شاهد القوم من ذلك وعرفوا ما ذهب علينا معرفة كنهه وقد ثبت عدالة ~~عثمان وطهارته فلا متعلق في ذلك # وأما تعلقهم بأنه حمى الحمى فلا حجة فيه لأن إبل الصدقة وماشيتها كثرت ~~واتسعت وكثرت الخصومات بين رعاة ماشية الصدقة وحفاظها وقتلوا أرباب المواشي ~~فحسم مادة الفتنة ووسع الحمى وقد حمى أبو بكر وعمر فلم ينكر ذلك أحد ولا ~~نقمه ولا عده من معاصيهما فلا تعلق في ذلك # وأما تعلقهم بأنه نفى أبا ذر إلى الربذة فباطل لأن أبا ذر اختار الخروج ~~إليها لما خيره عثمان وكره المقام في المدينة فلا عتب على عثمان ولو صح أنه ~~أبعده عن المدينة لم يكن بذلك مأثوما ولوجب حمل فعله على العدل والصحة حتى ~~يقوم دليل على ظلمه وتعديه وقد ذكر الناس أن أبا ذر كان PageV01P534 يطعن ~~على عثمان وعلى أمرائه ويقول إنهم قد استأثروا بالمال وعلوا البنيان وركبوا ~~المراكب وكان هذا عنده منكرا رحمه الله لأنه كان ممن يزهد في الدنيا ويرغب ~~في الآخرة ويرى أن التمتع بزينة الدنيا حرام وليس كما توهم # وذكر أنه أفسد على عثمان الشام ms304 وكان أبدا يقول إذا دخل على خلفائه @QB@ ~~يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم ~~لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون @QE@ ويغرق في مجاهرتهم بأغلظ القول وليس له ~~فعل هذا فأنكر عليه ذلك عثمان وقال له إما أن تقيم وتكف عما يثير الفتنة أو ~~تبعد إلى حيث لا يسمع منك ولا ينكر فعلك وكل هذا يحق لو ثبت إبعاده على هذا ~~الوجه فيكف ولم يثبت وإنما اختار الخروج إلى الربذة # وأما تعلقهم بأنه آوى الحكم طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ~~PageV01P535 باطل لأن أكثر الناس ينكره ويقول إن الحكم خرج بأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأنه كف وكبر فاستأذن في الخروج إلى أهله فأذن له # وعلى أن القوم لا يدرون ما سبب طرده فمنهم من يقول إنه كان يحاكي النبي ~~صلى الله عليه وسلم وسلم في مشيته ومنهم من يذكر أنه كان يحاكيه خلف الصفوف ~~وكل هذا من الترهات # وقد روي عن غير طريق أيضا أن عثمان كان قد قال لأبي بكر وعمر إني كنت ~~استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رده فأذن في ذلك فطالباه بآخر معه ~~يشهد بذلك فلم يجد فلما ولى عمل على أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وليس هذا الحكم مما لا يجوز عمل الحاكم فيه وحكمه بعلمه فلا متعلق فيما ~~ذكروه من ذلك # وأما تعلقهم بأنه أتم الصلاة بمنى فإنه أيضا من قلة التوفيق وللدلالة على ~~العناد لأن هذه الصلاة صلاة سفر يجوز له إتمامها ويجوز له قصرها وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتم في السفر تارة ويقصر أخرى وكانت عائشة رضي ~~الله عنها وغيرها من الصحابة يتمون هذه الصلاة خاصة فما نقم ذلك أحد ولا ~~عده ذنبا وعلى أن عثمان قد احتج في ذلك بشيئين لما PageV01P536 سئل عنه ~~أحدهما أنه قال كان أهلي بمكة فصرت في حضر وخرجت عن حكم المسافر وهذا كما ~~قال إذا كان على أهل ومنزل والآخر ms305 أنه قال بلغني أن العرب انصرفت إلى ~~مياهها وصلت ركعتين وقالت إن الصلاة قصرت فخفت دخول الشبهة عليهم وأي تعلق ~~في هذا # وأما تعلقهم بتركه قتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان فإنه أيضا باطل لأنه ~~لم يفعل ذلك إلا عن رأي الأمة ومشورة منهم أو من أكثرهم # لأنه قيل له أمس قتل أبوه ويقتل اليوم ويتحدث بهذا في بلاد الكفر ~~والإسلام فيهن الدين ويذل سلطان المسلمين # وقيل إن الهرمزان حمل أبا لؤلؤة على PageV01P537 قتل عمر حمية للفرس ~~والمجوسية وإن إسلامه لم يكن حسنا وإنه كان يستقل عطاء عمر فإنه كان يفرض ~~له على ما ذكر عشرين درهما ويقول إنه لا أب له في الإسلام وذكر له أن ~~الهرمزان خرج من داره أبو لؤلؤة بالخنجر يوم قتل عمر يرى الخنجر تحت أثوابه ~~فقالوا له هذا من السعي في الأرض فسادا وهو مستحق لما نزل به غير أن هذا ~~إليك وإلى من يقوم بالأمر وقد تعدى عبيد الله بأخذ حقه بيده فقط وقد كان ~~هذا منه في غير سلطانك والعقد لك وليس أخذه للحق بيده حقا لأحد يطالب به ~~فلا شيء الآن عليه # وقد يجوز أن يعتقد بعض الصحابة أن دم عبيد الله مستحق ولا يعتقد ذلك ~~عثمان إذا ظن وقوي عنده أن الهرمزان سعى في الأرض فسادا يقتل عمر بن الخطاب ~~وخاف أمثالها من التوثب على الأئمة فلا شيء عليه في ترك الإفادة من عبيد ~~الله بن عمر # وأما ما تعلقوا به من تولية أقاربه كمعاوية وعبد الرحمن بن عثمان ومروان ~~بن الحكم وغيرهم فلا متعلق فيه دون أن يثبتوا أنهم فساق وأن فسقهم ثبت عند ~~عثمان فأقرهم وأنه ولاهم يوم ولاهم وهم فساق ليسوا بأهل PageV01P538 ~~الولاية وقد كان هؤلاء النفر أهل نجدة وكفاية وبصر بالإمرة وقدرة عليها وإن ~~لم يكونوا زهادا وقد كان معاوية من أمراء عمر طول مدته فما نقم عليه أحد # وأما قولهم إنه كان يحبهم ويخصهم بالعطاء وإنه أعطى مروان جميع خمس ~~إفريقية فإنه باطل وتوهم منهم ms306 وقد كان عثمان أتقى لله وأنزه نفسا مع إنفاقه ~~في سبيل الله وكثرة بذله لماله ونفسه في نصرة الدين # وقد ذكر أنه إنما أعطى من مال نفسه وقال لهم مرة في قسمه إنما اقترضت من ~~بيت مال المسلمين وهذا ضعيف لأنه كان غير محتاج إلى اقتراض مع سعة ماله ~~ومتى لم يثبت عليه ذلك لم يحل قرفه به # وأما تعلقهم بما أنكرته عائشة وغيرها من تجاوزه في تأديب الصحابة الضرب ~~بالدرة إلى الضرب بالعصا فلا عتب عليه في ذلك لأن للإمام التقويم والضرب ~~بالدرة من الواحد إلى الألف مرة بالعصا ومرة بالدرة ومرة بالانتهار والقول ~~ولو أن عمر احتاج معهم إلى العصا لفعل # وأما ما تعلقوا به من أمر الكتاب الذي وجدوه مع عبده على بعيره وما تضمنه ~~في بابهم وباب محمد بن أبي بكر مما أمر به عبد الله بن أبي سرح فلا حجة ~~عليه من وجوه أحدها أنه اعترف أن العبد عبده والبعير بعيره وحلف لهم أنه ما ~~كتب الكتاب ولا أمر من كتبه # وقد كان من حق كل مسلم سمع قسم عثمان أن يصدقه ويثق بقوله فضلا عن يمينه ~~وأما افتياتهم عليه بعد ذلك وقولهم تسلم مروان لأنه هو كاتبه فإنه مطالبة ~~بمعصية لأنه سأل مروان عن ذلك وهو يومئذ معه في الدار فأنكر أن يكون كتبه ~~فلم يجز له PageV01P539 تسليمه إليهم ليتحكموا فيه فلو أنه أيضا اعترف ~~بالكتاب لم يحل دمه ولو حل أيضا دمه لم تكن إقامة الحد لهم ولم يجز لإمام ~~المسلمين أن يمكنهم من إقامة الحدود وهم رعاع ليس إليهم هذا الشأن ولا هم ~~بمأمونين عليه # وعلى أنه لو ثبت أن عثمان ومروان كتبا الكتاب لم يكن ذلك بذنب لهما لأن ~~أولئك القوم كانوا مستحقين له لسعيهم على عثمان وحصرهم له واستنفار الناس ~~عليه وشتمه وتحصيبه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنعه الماء ~~واستخفافهم بسلطان الله وحصرهم الصحابة في منازلهم وتقدم الغافقي على ~~سائرهم واستيلائهم على المدينة وبدون هذه الأفعال ms307 يكتب بما كتب به عثمان ~~فليت القوم انصرفوا وليت الكتاب وصل فإنه لم يكن والله أعلم يجري ما جرى من ~~قتل عثمان وما أثمر من سفك الدماء بعده وما نحن في بقيته إلى اليوم فإن قتل ~~أولئك كان من الصلاح في الدين وتمكينهم ما حاولوه من أعظم الفساد وقد أعقب ~~من الشتات والفرقة وسوء العاقبة ما لا ينقطع في غالب الظن إلى يوم القيامة ~~PageV01P540 # وأما تعلقهم بأنه رقي على المنبر فوق المرقاة التي كان يقوم عليها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإنه غير ثابت ولو ثبت لم يحل بذلك دمه ولم يكن ~~ذلك من معاصيه إذا أداه اجتهاده إلى أن الصعود عليها مصلحة وأنه أرهب للعدو ~~وأبلغ للقول وأقمع للطامع في إذلال الإمام ولعله أن يكون قد جرى ما أوجب ~~ذلك مما لم نقف على كنهه وفي الجملة أنا نعلم أن عثمان لم يقدم نفسه على ~~أبي بكر وعمر فضلا عن الترفع على النبي صلى الله عليه وسلم لأن ذلك كفر من ~~فاعله وإذا كان ذلك كذلك لم يكن في هذا تعلق لأحد إذا فعله الإمام لوجه من ~~المصلحة يراه من تعظيمه لشأن الرسول صلى الله عليه وسلم # وأما تعلقهم بأنه انصرف يوم حنين فإنه ما ثبت أنه انصرف انصراف منهزم ~~وإنما انصرف انصراف متحرف لقتال ومنتهز لفرصة # وقد ذكر أن العسكر بأسره انصرف عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت معه ~~إلا عمه العباس وابنه عبيد الله بن العباس أو قثم حين صاح يا للمهاجرين يا ~~PageV01P541 للأنصار فتراجع الناس # وليس يجب على الواحد الثبوت عند انصراف القوم إلا على أنهم متحرفون لقتال ~~أوعلى غير علم بانقطاع الرسول عنهم إلا من شاء الله فكيف يتورك هذا الذنب ~~على عثمان وحده من بين الجماعة على أن عثمان قد ذكر أنه قال لهم فإن كان ~~الأمر على ما وصفتم فقد عفا الله عني وعن المنصرفين حيث يقول ولقد عفا الله ~~عنهم وقال ثم يتوب من بعد ذلك على من يشاء ms308 فقبل الله توبته وتوبة القوم من ~~ذلك والتوبة تزيل الذنب وعقاب الذنب فلا تعلق في هذا # وأما تعلقهم بأنه لم يحضر بدرا فإنه جهل عظيم لأن أكثر ما في ذلك أن يكون ~~غيره أفضل منه وقد بينا أن إمامة المفضول جائزة مع حصول الفاضل بسبب عارض ~~يقعده على أن الفضيلة له في تأخره عن بدر ثابتة لأنه إنما تأخر بأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم له بذلك وإلزامه له لتعليل ابنته ومشاهدة أمرها ~~لأن بنت الرسول صلى الله عليه وسلم قد كانت مرضت فأمره بالقيام عليها وكان ~~صلى الله عليه وسلم يقول ( إن قوما بالمدينة تخلفوا وما تخلفوا عما نحن فيه ~~) قال الراوي فكنا نرى أنه يعني عثمان وقد جعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم له فضل الحاضرين وضرب له سهمه من غنيمة بدر ولو علم أنه مؤثر للتخلف ~~عن الغزو لغير عذر لكان حربا بذمه والتنبيه على سوء فعله ورأيه فيه وهذا ~~عائد بالطعن على النبي صلى الله عليه وسلم والتهمة له دون غيره # وأما تعلقهم بتأخره عن بيعة الرضوان فإنه غفلة وجهل ولجاج وعناد وذلك أنه ~~إنما تأخر لتحمل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة PageV01P542 ~~حين أرجف بالعسكر أن قريشا قتلت عثمان فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقلق ~~وقال ( والله لئن كان قتلوه لأضرمنها عليهم نارا ) ثم أخذ لأجل هذا الخبر ~~على الصحابة بيعة الرضوان وقال ( هذه شمالي عن يمين عثمان وهي خير له من ~~يمينه ) فهو كان سبب بيعة الرضوان وغضب النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يكون ~~بتأخره عنها منقوصا # فدل جميع ما وصفناه على فضل عثمان ونزاهته وعدالته وسلامة بيعته وأنه قتل ~~مظلوما & باب الكلام في إمامة علي عليه السلام والرد على الواقف فيها ~~والقادح في صحتها & # فإن قال قائل ما الدليل على إثبات إمامة علي وأنه أهل لما قام به وأسند ~~إليه ومستحق لإمامة الأمة # قيل له الدليل على ذلك كمال خلال الفضل فيه واجتماعها له لأنه من ms309 ~~السابقين الأولين وممن كثر بلاؤه وجهاده في سبيل الله وعظم غناؤه في ~~الإسلام وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما له من القرابة الخاصة ~~وتزويجه النبي صلى الله عليه وسلم ابنته وكريمته فاطمة صلى الله عليه وسلم ~~وما روي فيه من الفضائل المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو قوله ( ~~أقضاكم علي PageV01P543 وأفرضكم زيد ) مع العلم بأن القضاء يشتمل على معرفة ~~أبواب الحلال والحرام وأحكام الشرع وما يحتاج إلى علمه إمام الأمة ونحو ~~قوله ( حب علي إيمان وبغضه نفاق ) وقوله في خيبر ( لأدفعن الراية إلى رجل ~~كرار غير فرار يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ) ودفع الراية إليه بعد ~~أن تفل PageV01P544 في عينيه وكان رمد قال علي فما رمدت عيناي بعد ذلك ~~وقوله ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) بعد قوله ( ألست أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم فأوجب من موالاته على باطنه وظاهره والقطع على طهارة سريرته ما ~~أثبته لنفسه وأعلمهم أن عليا ناصر للأمة مجاهد في سبيل الله بظاهره وباطنه ~~لأن المولى يكون بمعنى الناصر المعين باتفاق أهل اللغة قال الله تعالى @QB@ ~~فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين @QE@ يعني ناصره وقال الأخطل # ( فأصبحت مولاها من الناس كلهم % وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا ) يعني أصبحت ~~ناصرها من الناس يعني عبد الملك بن مروان لأن أحدا في وقته لم يقدر على مثل ~~نصرته إذ كان إمامهم إذ ذاك وقائدهم وإن كان فيهم ناصر دونه # ومن فضائله قوله صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك لما لحق به وشكا خوض ~~الناس في بابه ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي ~~بعدي ) أي إني استخلفك على المدينة كما PageV01P545 استخلف موسى أخاه هارون ~~لما توجه لكلام ربه من غير بغض ولا قلى وقوله لا يؤدي عني إلا رجل مني ~~وإنفاذه بسورة براءه يقرؤها على المشركين بمكة وهذا أمر لا يليه إلا أهل ~~القدر والنباهة ومن يصلح للتحمل والأداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى ms310 مثل قريش مع وفارة عقولهم وصحة أحلامهم وما وصفهم الله به فقال @QB@ بل ~~هم قوم خصمون @QE@ # ومن فضائله قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة وقد شكت له بعض حالها ( أما ~~ترضين أن الله قد اطلع على أهل الأرض فاختار منهم رجلين جعل أحدهم أباك ~~وجعل الآخر بعلك # وقوله صلى الله عليه وسلم ( اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي من هذا ~~الطائر ) فجاء علي فأكل معه من PageV01P546 الطائر المشوي الذي كان أهدي ~~إليه إلى غير هذا من الفضائل مما يطول تتبعها # هذا مع ما ظهر من إعظام كافة الصحابة له وإطباقهم على علمه وفضله وثاقب ~~فهمه ورأيه وفقه نفسه وقول مثل عمر فيه لولا علي لهلك عمر وكثرة مطابقتهم ~~له في الأحكام وسماع قوله في الحلال والحرام # ثم ما ظهر من فقهه وعلمه في قتال أهل القبلة من استدعائهم ومناظرتهم وترك ~~مبادأتهم والنبذ إليهم قبل نصب الحرب معهم وندائه ( لا يبدؤوهم بالحرب حتى ~~يبدؤوكم ولا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا يكبس بيت ولا تهج امرأة ) وفي ~~رواية أخرى ولا يكسر بيت ورده رحالات القوم إليهم وترك اغتنام أموالهم ~~وكثرة تعريفه وندائه على ما حصل في قبضته من أموالهم وكثرة الأمر لابن عباس ~~وغيره بقبول شهادة أهل البصرة وصفين إذا اختلطوا ووضعت الحرب أوزارها ~~والصلاة خلفهم وقوله لمن سأل عن ذلك ( ليس في الصلاة والعدالة اختلفنا ~~وإنما اختلفنا في إقامة حد من الحدود فصلوا خلفهم واقبلوا شهادة العدول ~~منهم ) إلى غير ذلك مما سنه من حرب المسلمين حتى قال جلة أهل العلم لولا ~~حرب علي لمن خالفه لما عرفت السنة في قتال أهل القبلة # هذا مع ما علم من شجاعته وغنائه وإحاطته علما بتدبير الجيوش وإقامة ~~الحدود والحروب وحماية البيضة وقوله ظاهرا من غير رد من أحد حفظ عليه إن ~~قريشا تقول إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا رأي له في الحرب # لله أبوهم ومن ذا يكون أبصر بها مني وأشد لها مراسا والله لقد نهضت فيه ms311 ~~وما بلغت العشرين وها أنا اليوم قد ذرفت على الستين ولكن لا إمرة لمن لا ~~يطاع وكثرة ما ظهر منه من مناظرته لأهل البصرة PageV01P547 وصفين وحروراء ~~والنهروان ولطيف ما أحتج به وأبان عن نفسه وفضل رأيه وأنه على الواضحة في ~~سائر ما أتاه مما أنكروه وقد بسطنا ذلك ضربا من البسط في كتاب مناقب الأئمة # وببعض هذه الخصال ودون هذه الفضائل يصلح للخلافة ويستحق الإمامة فبان بما ~~ذكرناه أنه حقيق بما نظر فيه وتولاه # فإن قال قائل فما الدليل مع ما ذكرتم من فضله وجلالة قدره وصلاحه لهذا ~~الأمر على أن العقد له وقع موقعا صحيحا يجب الانقياد لصاحبه والاقتداء به ~~قيل له الدليل على ذلك أن عثمان رضي الله عنه لما قتل استولى الغافقي ومن ~~صار معه من أهل الفتنة على المدينة وهموا بالفتك بأهلها وحلفوا على ذلك ~~للصحابة متى لم يقدموا النظر في أمرهم ويعقدوا الإمامة لرجل منهم فأراد ~~الصحابة حسم مادة الفتنة وعرض هذا الأمر على علي عليه السلام والتمس منه ~~وآثره المصريون فامتنع عليهم وأعظم قتل عثمان وأنشأ يقول # ( ولو أن قومي طاوعتني سراتهم % أمرتهم أمرا يديخ الأعاديا ) ولزم بيته # ثم عرض ذلك على طلحة وآثره البصريون وأبى ذلك وكرهه وأنشأ يقول # ( ومن عجب الأيام والدهر أنني % بقيت وحيدا لا أمر ولا أحلي ) ثم عرض ذلك ~~على الزبير فأبى وأنشأ يقول # ( متى أنت عن دار بفيحان راحل % وباعثها تخني عليه الكتائب ) PageV01P548 # كل ذلك منهم إنكار لقتل عثمان وإعظام له ورزية به # فلما حلف أهل الفتنة على الفتك بأهل المدينة وإلقاح الفتنة وردها جذعة ~~اجتمع وجوه المهاجرين والأنصار عشية اليوم الثالث على ما روي من قتل عثمان ~~فسألوا عليا هذا الأمر وأقسموا عليه فيه وناشدوه الله في حفظ بقية الأمة ~~وصيانة دار الهجرة فدخل في ذلك بعد شدة وبعد أن رآه مصلحة ورأى القوم ذلك ~~لعلمهم وعلمه بأنه أعلم من بقي وأفضلهم وأولاهم بهذا الأمر فمد يده وبايعه ~~جماعة من حضر منهم خزيمة بن ثابت وأبو الهيثم ms312 بن التيهان ومحمد بن مسلمة ~~وعمار في رجال يكثر عددهم من المهاجرين والأنصار وهذا من أصح العقود ~~وأثبتها لأن المعقود له أفضل من بقي ومن ذكرناه من العاقدين بصفة من يملك ~~عقد الإمامة في الفضل والسابقة فوجب بذلك تمام بيعته وصحة إمامته # فإن قال قائل أفليس قد روي أن عليا حضر المسجد ثاني هذا اليوم غدوة ~~فاجتمع أهل المدينة إليه وأحضر طلحة والزبير مكرهين فأخرج أولا طلحة من ~~بيته وأهل البصرة قد حفوا به وحكيم بن جبلة العبدي يحدوه بالسيف من خلفه ثم ~~أخرج الزبير وقد أحدق به أهل الكوفة وملك الأشتر يحدوه بالسيف من خلفه حدوا ~~حتى أحضر المسجد وخطب علي خطبته المشهورة ووصف دخوله في هذا الأمر وقيل ~~لطلحة بايع فبايع مكرها وصفق على يد علي بيده الشلاء فقال قائل من أخريات ~~الناس لا إله إلا الله PageV01P549 أول يد صفقت على يد أمير المؤمنين يد ~~شلاء والله لا يتم هذا الأمر وقال الناس يد شلاء وأمر لا يتم ثم بايع ~~الزبير على هذه الصفة من الإكراه وروي أنهما قالا بايعته أيدينا ولم تبايعه ~~قلوبنا وأن طلحة قال بايعته واللج على قفي يعني السيف # وأنهما قالا بالبصرة بايعناك على أن تقتل قتلة عثمان وأن عليا قال ~~بايعاني بالمدينة وخلعاني بالعراق فكيف لا تكون بيعة القوم على هذا الوجه ~~فاسدة وإمامته باطلة # قيل لهم جميع ما ذكرتموه لا يقدح في صحة إمامته لأن البيعة قد كانت تمت ~~ووجب الانقياد لعلي بعقد من عقدها له ممن ذكرنا قبل حضور طلحة والزبير ~~ومبايعتهما فلا معتبر بالمبايعة بعد تمامها وبالوجه الذي وقعت عليه ممن ~~أوقعها إذ كان فعلهما كالتبع لما تقدم ودخول في طاعة قد وجبت عليهما ولو ~~تأخرا عن الانقياد لإمامته لوجب أن يكونا مأثومين في ذلك كما أنه لو تأخر ~~متأخر عن بيعة أبي بكر وعمر وعثمان لوجب تأثيمه بعد إتمام إمامته وقولهما ~~بايعناك مكرهين قد عورض من النقل بما يدفعه وإن وقعت منهما على سبيل ~~الإكراه لم يضر ذلك بإمامة ms313 علي رضوان الله عليه لأنها قد ثبتت قبل بيعتهما # وقول من قال أول يد صفقت على يد أمير المؤمنين يريد أول يد من أيدي أهل ~~المسجد التي صفقت على يده في ذلك الوقت ولم يرد أنها أول يد بايعته فلا حجة ~~في هذا القول # ويمكن أن يكون هذا القائل ظن أن يد طلحة أول يد صفقت على يد أمير ~~المؤمنين ولم يكن حضر البيعة عشاء فلا متعلق لأحد في هذا القول # وأما ما روى من قولهم بايعناك على أن تقتل قتلة عثمان فإنه مما يبعد أن ~~يكون صحيحا لأن الاتفاق من علي ومنهما اتفاق على خطأ في الدين وذلك ما يجب ~~نفيه عنهم ما أمكن ووجد إليه السبيل وذلك أن عقد الإمامة PageV01P550 لرجل ~~على أن يقتل الجماعة بالواحد لا محالة خطأ لا يجوز لأنه متعبد في ذلك ~~باجتهاده والعمل على رأيه وقد يؤدي الإمام اجتهاده إلى أن لا يقتل الجماعة ~~بالواحد وذلك رأي كثير من الفقهاء وقد يكون ممن يرى ذلك ثم يرجع عنه إلى ~~اجتهاد ثان فعقد الأمر له على ألا يقيم الحد إلا على مذهب من مذاهب ~~المسلمين مخصوص فاسد باطل ممن عقده ورضي به وليس يجوز أن ينسب إلى علي ~~وطلحة والزبير خطأ مقطوع بفساده من جهة أخبار الآحاد التي لا يجب العلم ~~بصحتها وعلى أنه إذا ثبت أن عليا ممن يرى قتل الجماعة بالواحد لم يجز أن ~~يقتل جميع قتلة عثمان إلا بأن تقوم البينة على القتلة بأعيانهم وبأن يحضر ~~أولياء الدم مجلسه ويطالبوا بدم أبيهم ووليهم ولا يكونوا في حكم من يعتقد ~~أنهم بغاة عليه وممن لا يجب استخراج حق لهم دون أن يدخلوا في الطاعة ~~ويرجعوا عن البغي وبأن يؤدي الإمام اجتهاده إلى أن قتل قتلة عثمان لا يؤدي ~~إلى هرج عظيم وفساد شديد قد يكون فيه مثل قتل عثمان أو أعظم منه وإن تأخير ~~إقامة الحد إلى وقت إمكانه وتقصي الحق فيه أولى وأصلح للأمة وألم لشعثهم ~~وأنفى للفساد والتهمة عنهم # هذه أمور ms314 كلها تلزم الإمام في أقامة الحدود واستخراج الحقوق وليس لأحد أن ~~يعقد الإمامة لرجل من المسلمين بشريطة تعجيل إقامة حد من حدود الله والعمل ~~فيه برأي الرعية ولا للمعقود له أن يدخل في الإمامة بهذا الشرط فوجب اطراح ~~هذه الرواية لو صحت ولو كانا قد بايعا على هذه الشريطة فقبل هو ذلك لكان ~~هذا خطأ منهم غير أنه لم يكن بقادح في صحة إمامته لأن العقد له قد تقدم هذا ~~العقد الثاني وهذه الشريطة لا معتبر بها لأن الغلط في هذا من الإمام ~~الثابتة إمامته ليس بفسق يوجب خلعه وسقوط فرض طاعته عند أحد # فإن قال قائل فما تقولون في حربهما له ومطالبتهما بهذا الباب وخلعهما له ~~إن كانا خلعاه قيل له أما خلعهما له إن صح فإنه ليس بشيء ولا قادح في صحة ~~إمامته ولا موجب لسقوط طاعته لأن إمامته قد صحت فلا ينخلع بعد صحتها ~~بخلعهما له ولا بخلع غيرهما ولا بترك الذهاب إلى بعض PageV01P551 مذاهب ~~المسلمين في إقامة الحد إنما ينخلع بالأحداث التي ذكرناها من قبل فقط # فأما حربهما له على ذلك فإنه اجتهاد منهما وما أداهما الرأي إليه وهما من ~~أهل الفقه والرأي وكذلك عائشة # فمن الناس من يجعل هذه المسألة من مسائل الاجتهاد ويقول إن كل مجتهد نصيب ~~كإصابتهم في سائر مسائل الأحكام ومنهم من يقول إن الحق منها في واحد وهو ~~رأي علي وقوله وإن مخالفه مخطىء في الاجتهاد خطأ لا يبلغ به الإثم والفسوق ~~بل الإثم عنه موضوع # ومنهم من يقطع بصواب أمير المؤمنين وخطأ من خالفه ونازعه وأنه مغفور له ~~ومنهم من يقول إنهم تابوا من ذلك ويستدل برجوع الزبير وندم عائشة إذا ذكروا ~~لها يوم الجمل وبكائها حتى تبل خمارها وقولها وددت أن لو كان لي عشرون ولدا ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ~~وأني ثكلتهم ولم يكن ما كان مني يوم الجمل وقولها لقد أحدقت بي يوم الجمل ~~الأسنة حتى صرت ms315 على البعير مثل اللجة # وأن طلحة قال لشاب من عسكر علي وهو يجود بنفسه أمدد يدك أبايعك لأمير ~~المؤمنين وما هذا نحوه # والمعتمد عندهم في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ( عشرة من قريش في ~~الجنة ) وعد فيهم طلحة والزبير قالوا ولم يكن ليخبر بذلك إلا عن علم منه ~~بأنهما سيتوبان مما أحدثاه ويوافيان بالندم والإقلاع # ومن أئمة المعتزلة من يقف في علي وطلحة والزبير وعائشة ولا يدري ~~PageV01P552 من المصيب منهم ومن المخطىء كعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء ومن ~~مال إلى قولهم # وقال جلة من أهل العلم إن الوقعة بالبصرة بينهم كانت على غير عزيمة على ~~الحرب بل فجاءة وكان على سبيل دفع كل واحد من الفريقين عن أنفسهم لظنه أن ~~الفريق الآخر قد غدر بها لأن الأمر قد كان انتظم بينهم وتم الصلح والتفرق ~~على الرضا فخاف قتلة عثمان من التمكن منهم والإحاطة بهم فاجتمعوا وتشاوروا ~~واختلفوا ثم اتفقت أراؤهم على أن يفترقوا فرقتين ويبدؤوا بالحرب سحرة في ~~العسكرين ويختلطوا ويصيح الفريق الذي في عسكر علي بالحرب سحرة من العسكرين ~~ويختلطوا ويصيح الفريق الذي في عسكر علي غدر طلحة والزبير ويصيح الفريق ~~الآخر الذي في عسكر طلحة والزبير غدر علي فتم لهم ذلك على ما دبروه ونشبت ~~الحرب فكان كل فريق منهم دافعا لمكروه عن نفسه ومانعا من الإشاطة بدمه # وهذا صواب من الفريقين وطاعة لله تعالى إذا وقع القتال والامتناع منهم ~~على هذه السبيل # فهذا هو الصحيح المشهور وإليه نميل وبه نقول # فإن قال قائل فإذا كانت إمامة علي من الصحة والثبوت بحيث وصفتم فما ~~تقولون في تأخر سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الله بن ~~عمر ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وسلامة من وقش وغير هؤلاء ممن يكثر عددهم ~~وقعودهم عن نصرته والدخول في طاعته قيل لهم ليس في جميع القاعدين ممن ~~أسميناه أو أضربنا عن ذكره من طعن في إمامته واعتقد فسادها وإنما قعدوا عن ~~نصرته على ms316 حرب المسلمين لتخوفهم من ذلك PageV01P553 وتجنب الإثم فيه وظنهم ~~موافقة العصيان في طاعته في هذا الفعل فلذلك احتجوا عليه في القعود ورووا ~~له فيه الأخبار وقال منهم قائل لا أقاتل حتى تأتيني بسيف له لسان يعرف ~~المؤمن من الكافر ويقول هذا مؤمن وهذا كافر فاقتله ولم يقل إنك لست بإمام ~~واجب الطاعة # وقال له محمد بن مسلمة بعد مراجعته ومعارضته إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عهد إلي إذا وقعت فتنة بين المسلمين أن أكسر سيفي واتخذ مكانه سيفا من ~~خشب وفي خبر آخر أن أغمد سيفي وأمتسك في بيتي حتى تأتيني ميتة ماضية أو يد ~~خاطئة فاحذر يا علي لا تكن أنت تلك اليد الخاطئة ولم يقل له لست بإمام ~~مفروض الطاعة # وكذلك قال له أسامة بن زيد قد علمت يا علي أنك لو دخلت بطن أسد لدخلت معك ~~فيه ولكن لا مواساة في النار ولم يقل إنك لست بإمام وإنما خاف من قتل ~~المسلمين # وليس هذا من القدح في الإمامة بسبيل # وقد كان علي عليه السلام مدفوعا إلى أمر عظيم من قتلة عثمان والمطالبين ~~بدمه والمنكرين لقتلة فكان لا يمكنه إقامة القود والحد على قوم قتلوا رجلا ~~لا يعرفهم بأعيانهم وإن كان يعلم أنهم تحت كنفه ومختلطون بالبراء من أهل ~~عسكره من حيث لا يمكنه تمييزهم والوصول إلى معرفة أعيانهم ولا أن يقيد ~~للولي وهم أهل حرب له وغير مطالبين بالدم لأحد بعينه ولا مقيمين بينة على ~~ذلك ولا حصل لهم إقرار ولا اعتراف من أحد بالقتل على وجه يصح مثله ويمكن ~~العمل به وكانت الحامية من أصحابه مثل ملك الأشتر النخعي وابن بديل بن ~~ورقاء وابن سبأ ومحمد بن أبي بكر والغافقي وغيرهم ممن يرى رأيهم يكثرون ~~الطعن على عثمان والمقالة فيه والبراءة منه وممن تولاه # وكان علي عليه السلام لا يمكنه أن ينتقم منهم ويجرد القول في لعن ~~PageV01P554 قاتل عثمان والبراءة منه والأمر بإقصائهم وإخراجهم من العسكر ~~لتمالئهم وتضافرهم وخوفه من إفساد الأمر عليه والقدح ms317 فيه ولا يلتحم ولا ~~يلتئم ولا يمكنه التصويب لقتل عثمان وإظهار الرضا به لعلمه بأنه قتل مظلوما ~~وتبرئه من قتله وأنه لو قال ذلك اشتد نفور الناس عنه وكوشف واعتقد بذلك ~~الضلال وظن السامعون أنه رأيه في عثمان وهو بريء من ذلك # وكان إذا سئل عنه أورد الكلام المحتمل وتغلغل إلى لطيف التأويل والرفق ~~بالفريقين وكانوا إذا سمعوا منه الكلام المحتمل ورأوا قتلته مختلطين بعسكره ~~ظنوا أنه مؤثر لما جرى وأنه متمكن من إقامة الحد وأخذ القصاص لأوليائه وأنه ~~متحيف لهم وإن كان بريئا من ذلك فيصير ظاهر اختلاط القوم بعسكره وما يسمع ~~من محتملات أقاويله طريقا لاجتهاد المحارب المطالب له بدم عثمان والقاعد ~~عنه لموضع ظنهم به ما هو بعيد عنه فلا يبعد أن يكون المحارب له والقاعد عنه ~~مصيبا فيما فعله لأجل هذه الشبهة فيزول الإثم عمن قصد هذا القصد ولم يطلب ~~بقتاله وقعوده عنه الخذلان للإمامة والفتنة والتهاون بالقصة وحب النهب ~~والغارة وأخذ ما ليس له # وقد روي أن عليا عليه السلام قال بالبصرة والله ما قتلت عثمان ولا مالأت ~~على قتله ولكن الله قتل عثمان وأنا معه وهذا محتمل فظن قوم أنه خدعهم وأنه ~~قد أخبر عن نفسه أنه قتله بقوله وأنا معه وليس ذلك كذلك لأنه أراد به أنه ~~أماته ويميتني معه لأنه قد حلف وهو الصادق أنه ما قتله ولا مالأ على قتله # وروي أنه سئل عن قتل عثمان مرة أخرى فقال والله ما ساءني ذلك ولا سرني ~~فصار هذا أيضا طريقا لتأويل الفريقين عليه غير الحق وهو إنما أراد بقوله ما ~~ساءني مطالبة من يطالب بدمه واجتهاده في ذلك لطلبه له من بابه ووجهه ولا ~~سرني قتل من قتله وكيف يسره ذلك ولا يسوؤه وهو يقول اللهم العن قتلة عثمان ~~في البر والبحر فيقول التأويل PageV01P555 عليه أراد بقوله اللهم العنهم إن ~~كانوا مستحقين للعن وكان عثمان غير مستحق للقتل ليرضى العامة بذلك وإلا فهو ~~الذي سبب قتله وألب عليه وكان ذلك من غرضه ms318 لظلم عثمان وغضبه الأمر # وسئل فيما حكي دفعة أخرى عن دم عثمان فقال إن دم عثمان في جمجمتي هذه ~~فقال أهل الحق إنه أراد أن دمه في عنقي ولازم لي وواجب علي حتى أقيد به ~~وأقتل قتلته متى قامت البينة عليهم بأعيانهم وأمكن أخذ الحق منهم # وقال آخرون لا بل أراد أنه هو الذي قتله وأمر بذلك ودعا إليه وكذلك كان ~~يجب عليه # فكل هذه الأقاويل مع اختلاط القتلة بأهل عسكره وكونهم تحت رايته ليسوغ ~~التأويل للمحارب له والقاعد عنه عند يقينه وتشككه وكان علي عليه السلام ~~أبصر وأعلم بما يعرض لهم من الشبهات وكان لا يجبر القاعد عنه على الحرب ~~علما منه بما سبق إلى وهمه مما هو بريء منه # وقد روي أن عليا عليه السلام قام في الناس خطيبا عند مسيره إلى البصرة ~~فقال أيها الناس املكوا أنفسكم وكفوا أيديكم وألسنتكم عن هؤلاء فإنهم ~~إخوانكم واصبروا على ما نابكم فإن المخصوم من خصم اليوم وسار على تعبئته ~~وأنه قام فيهم مقاما آخر فقال لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم فإنكم بحمد ~~الله على حجة وإذا قاتلتموهم فغلبتموهم فلا تجهزوا على جريحهم وإذا ~~هزمتموهم فلا تتبعوا مدبرا ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل فإذا وصلتم ~~إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ولا تدخلوا دارا إلا بإذن ولا تأخذوا شيئا ~~من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم يعني من سلاح خزائن السلطان فإنه قد ~~بين ذلك وفسره في كلام آخر قد ذكرناه في غير هذا الكتاب ولا تهجوا امرأة ~~وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم فإنهن ضعاف القوى والأنفس والعقول ~~ولقد كنا نؤمر بالكف عنهن وإنهم مشركات # وهذا PageV01P556 يدل على أنهن عنده غير مشركات وإن رأين حربه وأنهم مع ~~هذه الحال مؤمنات # وكذلك قوله فإنهم إخوانكم يدل على أنهم مسلمون ليسوا بكفار ولا فساق أيضا # ولأن مثل هذا الإطلاق يقتضي المساواة عنده في الرتبة والمنزلة الدينية # وقد روى أن الأعور بن أبان المنقري وكان من أماثل أصحاب علي رضي الله عنه ms319 ~~قام إليه في مسيره إلى البصرة فقال يا أمير المؤمنين علام تقدمنا فقال على ~~الإصلاح وإطفاء الثائرة لعل الله يجمع شمل هذه الأمة ويضع حربهم وقد أجابوا ~~قال فإن لم يجيبوا قال تركناهم ما تركونا قال فإن لم يتركونا قال دفعناهم ~~عن أنفسنا قال فهل لهم مثل ما عليهم من هذا قال نعم # وروي رواية ظاهرة أن عليا قام عند منصرفه من الشام وخروج الخوارج عليه ~~وإنكارهم التحكيم وإكفارهم معاوية وأهل الشام والبصرة عند خطاب ورأي أشارت ~~عليه به همذان وجارية بن قدامة التميمي فقال عند ذلك إنا والله ما قاتلنا ~~أهل الشام على ما توهم هؤلاء الضلال من التكفير والفراق في الدين وما ~~قاتلناهم إلا لنردهم إلى الجماعة وأتاكم هذا منهم في الفرقة وإنهم لإخواننا ~~في الدين قبلتنا واحدة ورأينا أننا على الحق ودونهم وإني لعلى عهد من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأمر أمرني فيه بقتال الباغين والناكثين وإن ~~الرشاد عندي أن يجمعنا الله وإياهم وما لهذا الأمر مثل الرفق عسى الله أن ~~يجمع هذه الفرقة إلى ما كانت عليه من الجماعة فما كره الصلح من هؤلاء ~~الضلال إلا من كان يكره الجهاد للعدو ويضنون بأنفسهم عن الحرب ويريدون ~~الاعتداء على المسلمين لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن القتل ~~بين الآباء والأبناء والإخوان وذوي القرابات فما نزداد عل كل مصيبة وكل شدة ~~PageV01P557 إلا إيمانا ونصرا للحق وسلمنا الأمر لله تعالى وصبرنا على ألم ~~الجراح ولكنا لما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيهم من ~~الزيغ والتأويل والشبهة فإذا طمعنا في خصلة يلم الله بها شعثنا ونزلنا بها ~~إلى التقية بيننا ورغبنا فيها وأمسكنا عما سواها ثم قطع الكلام # وجميع ما قاله علي مفارق لما تعتقد الشيعة والشراة في أهل البصرة وصفين ~~من إكفارهم وإخراجهم عن الإيمان فلا عذر لمشنع في الخلاف عليه والسرف ~~والإغراق في إكفار المحارب له على التأويل والقاعد عنه والحال ما وصفناه # وقد أشبعنا القول في جميع هذه ms320 الأبواب وبسطنا البراهين على ما توخينا من ~~الصواب في غير هذا الكتاب بما فيه تبصرة للمسترشدين وبيان للمتوسمين وإن ~~كان فيما أودعناه هذا المختصر إقناع وبلاغ والله المعين # ثم كتاب التمهيد بعون الله وتأييده وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما ~~وكان تمامه في غرة شعبان من سنة اثنتين وسبعين وأربعمائه # كتبه لخزانة المتوكل على الله أبي محمد عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد ~~بن سلمة أيد الله أمره وأعز نصره وأعلى يده وأطال أمده مملوكه ونعمته ~~المنقطع إليه ، ، ، تم بحمد الله ، ، ، PageV01P558 ms321