######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002526 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الباقلاني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 403 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر التفسير عند السنة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002526 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2526_تمهيد-الأوائل-وتلخيص-الدلائل-الباقلاني #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الشيخ عماد الدين أحمد حيدر - مركز الخدمات والأبحاث الثقافية #META# 041.EdNUMBER :: الثالثة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1414 - 1993 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # كتاب تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل PageV00P001 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV00P002 # كتاب تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل تأليف القاضي أبي بكر محمد بن الطيب ~~الباقلاني المتوفى سنة 403 ه‍ تحقيق الشيخ عماد الدين أحمد حيدر مركز ~~الخدمات والأبحاث الثقافية مؤسسة الكتب الثقافية PageV00P003 # ملتزم الطبع والنشر والتوزيع مؤسسة الكتب الثقافية فقط الطبعة الثالثة ~~1414 ه‍ - 1993 م‍ مؤسسة الكتب الثقافية الصنائع. بناية الاتحاد الوطني. ~~الطابق السابع. شقة 78 هاتف المكتب: 640208 ص. ب: 5115 / 114 - برقيا: ~~الكتبكو - تلكس: 40459 بيروت - لبنان PageV00P004 # بسم الله الرحمن الرحيم الله المعين الحمد لله قامع الأباطيل ومدحض ~~الأضاليل وهادي من اختصه برحمته إلى سواء السبيل ومضل الناكب عن النهج ~~المستقيم والحايد عن واضحات الحجج ونيرات البراهين أحمده حمد معترف بأنه لا ~~شبه له يساويه ولا ضد ينازعه ويناويه وأنه مالك الخلق ومنشئه ومعيده ومبديه ~~ومفقره ومغنيه وراحمه ومبتليه لا مالك فوقه يزجره ولا قاهر ينهاه ويأمره ~~وإن الخلق جميعا في قبضته ومتقلبون بمشيئته ومتصرفون بين حدوده ومراسمه ولا ~~معقب لحكمه ولا راد لأمره ولا اعتراض لمخلوق في قضائه وقدره. # وأرغب إليه في الصلاة على خيرته من خلقه محمد خاتم النبيين وإمام المتقين ~~كما أوضح السبيل وأنار الدليل وعلى إخوانه من المرسلين وأهل بيته الطاهرين ~~وأصحابه المنتخبين ومن بعدهم من التابعين وأسأله التوفيق لإصابة ما به ~~أمرنا والاقتداء بالسلف الصالح من أمة نبينا وصرفنا عن الميل إلى الحايد عن ~~ديننا والطاعن على ملتنا. # أما بعد فقد عرفت إيثار سيدنا الأمير أطال الله في دوام العز بقاءه وأدام ~~بالتمسك بالتقوى ولزوم الطريقة المثلى نعماءه ومن بإرشاده وهداه وجعل له من ~~وافر عقله وحزمه واعظا ومن علو همته وسؤدده زاجرا ورقيبا ومن استكانته لربه ~~تعالى والخنوع لطاعته سامعا ومطيعا حتى يلحقه اعتقاد فعل الخير وإيثاره ~~بأهل النجاة والسلامة ويبلغه بما يتيحه له من ذلك PageV00P023 # ويوفقه لأقصى منازل أهل الزلفة والكرامة لعمل كتاب جامع مختصر مشتمل على ~~ما يحتاج إليه في الكشف عن معنى العلم وأقسامه وطرقه ومراتبه وضروب ~~المعلومات وحقائق الموجودات وذكر ms001 الأدلة على حدث العالم وإثبات محدثه وأنه ~~مخالف لخلقه وعلى ما يجب كونه عليه من وحدانيته وكونه حيا عالما قادرا في ~~أزله وما جرى مجرى ذلك من صفات ذاته وأنه عادل حكيم فيما أنشأه من مخترعاته ~~من غير حاجة منه إليها ولا محرك وداع وخاطر وعلل دعته إلى إيجادها تعالى عن ~~ذلك وجواز إرساله رسلا إلى خلقه وسفراء بينه وبين عباده وأنه قد فعل ذلك ~~وقطع العذر في إيجاب تصديقهم بما أبانهم به من الآيات ودل به على صدقهم من ~~المعجزات وجمل من الكلام على سائر أهل الملل المخالفين لملة الإسلام من ~~اليهود والنصارى والمجوس وأهل التثنية وأصحاب الطبائع والمنجمين. # ونعقب ذلك بذكر أبواب الخلاف بين أهل الحق وأهل التجسيم والتشبيه وأهل ~~القدر والاعتزال والرافضة والخوارج وذكر جمل من مناقب الصحابة وفضائل ~~الأئمة الأربعة وإثبات إمامتهم ووجه التأويل فيما شجر بينهم ووجوب موالاتهم ~~ولن آلو جهدا فيما يميل إليه سيدنا الأمير حرس الله مهجته وأعلى كعبه من ~~الاختصار وتحرير المعاني والأدلة والألفاظ وسلوك طريق العون على تأمل ما ~~أودعه هذا الكتاب وإزالة الشكوك فيه والارتياب وأنا بحول الله وقوته أسارع ~~إلى امتثال ما رسمه وأقف عنده وإلى الله جل ذكره أرغب في حسن التوفيق ~~والإمداد بالتأييد والتسديد. PageV00P024 # باب الكلام في حقيقة العلم ومعناه فإن قال قائل ما حد العلم عندكم قلنا ~~حده أنه معرفة المعلوم على ما هو به والدليل على ذلك أن هذا الحد يحصره على ~~معناه ولا يدخل فيه ما ليس منه ولا يخرج منه شيئا هو منه والحد إذا أحاط ~~بالمحدود على هذه السبيل وجب أن يكون حدا ثابتا صحيحا فكل ما حد به العلم ~~وغيره وكانت حاله في حصر المحدود وتمييزه من غيره وإحاطته به حال ما حددنا ~~به العلم وجب الاعتراف بصحته وقد ثبت أن كل علم تعلق بمعلوما فإنه معرفة له ~~وكل معرفة لمعلوم فإنها علم به فوجب توثيق الحد الذي حددنا به العلم وجعلنا ~~تفسيرا لمعنى وصفه بأنه علم. # فإن قال قائل فلم ms002 رغبتم عن القول بأنه معرفة الشيء على ما هو به إلى ~~القول بأنه معرفة المعلوم على ما هو به قيل لما قام من الدليل على أن ~~المعلوم يكون شيئا وما ليس بشيء ولأن المعدوم معلوم وليس بشيء ولا موجود ~~فلو قلنا حده أنه معرفة الشيء على ما هو به لخرج العلم بما ليس بشيء من ~~المعلومات المعدومات عن أن يكون علما وذلك مفسد له فوجب صحة ما قلناه ~~وبالله التوفيق. PageV00P025 # باب الكلام في أقسام العلوم فإن قال قائل فعلى كم وجه تنقسم العلوم قيل ~~له على وجهين فعلم قديم وهو علم الله عز وجل وليس بعلم ضرورة ولا استدلال ~~وعلم محدث وهو كل ما يعلم به المخلوقون من الملائكة والجن والإنس وغيرهم من ~~الحيوان. # باب في أقسام العلم المحدث فإن قال قائل فعلى كم وجه تنقسم علوم ~~المخلوقين قيل له على قسمين فقسم منها علم ضرورة والثاني منها علم نظر ~~واستدلال. # وهذه الثلاثة العلوم التي وصفناها غير مختلفة فيما له يكون الشيء علما من ~~كونها معرفة للمعلوم على ما هو به وقد تقدم القول في إيضاح ذلك. # باب العلم الضروري فإن قيل فما معنى وصفكم للضروري منها بأنه ضروري على ~~مواضعة المتكلمين قيل له معنى ذلك أنه علم يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه ~~معه الخروج عنه ولا الانفكاك منه ولا يتهيأ له الشك في متعلقه ولا الارتياب ~~به وحقيقة وصفه بذلك في اللغة أنه مما أكره العالم به على وجوده ~~PageV00P026 # لأن الاضطرار في اللغة هو الحمل والإكراه وهو الإلجاء وكل هذه الألفاظ ~~بمعنى واحد فلا فرق عندهم بين قول القائل اضطره السلطان إلى تسليم ماله ~~وبيع عقاره وبين قوله أكرهه على ذلك وحمله عليه وألجأه إليه فالواجب بما ~~وصفناه أن يكون ما قلنا هو معنى وصف العلم وغيره بأنه ضرورة. # وقد يوصف العلم وغيره من الأجناس بأنه ضرورة على معنى أن العالم به محتاج ~~إليه لأن الضرورة في اللغة تكون بمعنى الحاجة يدل على ذلك قولهم فلان مضطر ~~إلى ms003 تكفف الناس وسؤالهم يعنون أنه محتاج إلى ذلك ومنه قوله تعالى «فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد» وقوله «إلا ما اضطررتم إليه» وهو الذي يريده المسلمون ~~بقولهم إن المضطر إلى أكل الميتة قد أبيح له أكلها يعنون به المحتاج إلى ~~ذلك فكل محتاج إلى علم أو غيره من الأجناس فهو مضطر إلى ما احتاج إليه. # باب العلم النظري فإن قيل فما معنى تسميتكم للضرب الآخر منها علم نظر ~~واستدلال قيل له مرادنا بذلك أنه علم يقع بعقب استدلال وتفكر في حال ~~المنظور فيه أو تذكر نظر فيه فكل ما احتاج من العلوم إلى تقدم الفكر ~~والروية وتأمل حال المعلوم فهو الموصوف بقولنا علم نظري. PageV00P027 # وقد يجعل مكان هذه الألفاظ لام نقل العلم النظري هو ما بني على علم الحس ~~والضرورة أو على ما بني العلم بصحته عليهما ومعنى قولنا في هذا العلم إنه ~~كسبي أنه مما وجد بالعالم وله عليه قدرة محدثة وكذلك شئ شركه في ذلك أعني ~~العلم في وجود القدرة المحدثة عليه فهو كسب لمن وجد به. باب الكلام في ~~مدارك العلوم فإن قال قائل فمن كم وجه يقع العلم بالمعلوم إذا كان ضرورة ~~قيل له من ستة طرق فمنها الحواس الخمس وهي حاسة البصر وحاسة السمع وحاسة ~~الذوق وحاسة الشم وحاسة اللمس وقصدنا بذكر الحاسة ها هنا الإدراك الموجود ~~بالحواس لا الأجسام المؤتلفة على الصورة التي ما حصل عليها من الأجسام ~~سميناه عينا وأنفا وأذنا وفما ويدا. فكل علم حصل عند إدراك حاسة من هذه ~~الحواس فهو علم ضرورة يلزم النفس لزوما لا يمكن معه الشك في المدرك ولا ~~الارتياب به وكل حاسة من هذه الحواس تختص في وقتنا هذا على عادة جارية ~~بإدراك جنس أو أجناس PageV00P028 # فحاسة الرؤية تدرك بها اليوم الألوان والأكوان والأجسام وحاسة السمع يدرك ~~بها الكلام والأصوات وحاسة الشم تدرك بها الأراييح وحاسة الذوق تدرك بها ~~الطعوم وحاسة اللمس وكل عضو فيه حياة تدرك بها الحرارة والبرودة واللين ~~والخشونة والرخاوة والصلابة على قول ms004 من زعم أن الخشونة والرخاوة واللين ~~والصلابة معان زائدة توجد بالجواهر كالحرارة والبرودة. # والضرب السادس منها ضرورة تخترع في النفس ابتداء من غير أن تكون ~~PageV00P029 # موجودة ببعض هذه الحواس كعلم الإنسان بنفسه وما يجده فيها من الصحة ~~والسقم واللذة والألم والغم والفرح والقدرة والعجز والإرادة والكراهة ~~والإدراك والعمى وغير ذلك مما يحدث في النفس مما يدركه الحي إذا وجد به ~~ومنه أيضا العلم الواقع بقصد المتكلم إلى ما يقصد ومن يقصده بخطابه دون ~~غيره وأنه قاصد إلى اكتساب ما يوجد به من ضروب مقدوراته من الكلام وغيره ~~ومنه أيضا العلم بأن الأجسام متى كانت موجودة فلا بد من أن تكون مجتمعة ~~متماسة الأبعاض أو مفترقة متباينة وأن الخبر عن وجود الشيء وأنه على بعض ~~الأوصاف لا بد أن يكون صدقا أو كذبا وأن الخبرين المتضاد مخبرهما لا يجوز ~~أن يكونا جميعا صدقا أو كذبا وما جرى مجرى ذلك من الأمور المنقسمة في العقل ~~إلى أمرين لا واسطة بينهما. # ومنه أيضا العلم بخجل الخجل ووجل الوجل والعلم بالشجاعة والجبن والبر ~~والعقوق والتحية والاستهزاء والواقع عند مشاهدة الإمارات ومنه أيضا العلم ~~المخترع في النفس بما تواتر الخبر عن كونه واستفاض عن وجوده نحو العلم ~~الواقع عند إخبار المخبرين عن الصين وخراسان وفارس وكرمان وعن ظهور موسى ~~وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع PageV00P030 # النبيين والخبر عن الوقائع والفتن والممالك والدول وغير ذلك من الأمور ~~الحاصل الخبر عنها من قوم قطع العذر نقلهم ووجب العلم عند خبرهم. # فكل هذه العلوم الواقعة لنا بالمعلومات التي وصفناها توجد مخترعة في ~~النفس وجدت هذه الحواس وما يوجد بها من الإدراكات أو لم توجد سوى العلم ~~الواقع عند الخبر المتواتر والعلم بخجل الخجل ووجل الوجل وقصد القاصد إلى ~~من يقصده وما يقصده بكلامه فإنه وما جرى مجراه في وقتنا هذا مضمن بوجود ~~الإدراك للخبر عن المعلوم بمشاهدة الإمارات التي عند مشاهدتها يقع العلم ~~بما ذكرناه وقد يصح أن يخترع الله العلم بوجود المخبر عنه من غير ms005 سماع خبر ~~عنه في الزمن الذي يصح فيه خرق العادات وإظهار المعجزات وخروج الأمور عما ~~هي في العادة عليه وتسميتهم الإدراكات الموجودة بالحواس لمسا وذوقا وشما ~~إنما جرت عليها على سبيل المجاز والاتساع لما بينه وبينها من التعلق على ~~طريقتهم في التجوز بإجراء اسم الشيء على ما قاربه وناسبه وتعلق به ضربا من ~~التعلق والإدراك في الحقيقة شئ غير اللمس واتصاف سائر الحواس بالمحسوسات ~~وأماكنها وغيره من ضروب الاتصال. # باب الكلام في الاستدلال فإن قال قائل فعلى كم وجه ينقسم الاستدلال قيل ~~له على وجوه يكثر تعدادها فمنها أن ينقسم الشيء في العقل على قسمين أو ~~أقسام يستحيل أن تجتمع PageV00P031 # كلها في الصحة والفساد فيبطل الدليل أحد القسمين فيقضي العقل على صحة ضده ~~وكذلك إن أفسد الدليل سائر الأقسام صحح العقل الباقي منها لا محالة نظير ~~ذلك علمنا باستحالة خروج الشيء عن القدم والحدث فمتى قام الدليل على حدثه ~~بطل قدمه ولو قام على قدمه لأفسد حدثه. # ومنها أن يجب الحكم والوصف للشيء في الشاهد لعلة ما فيجب القضاء على أن ~~من وصف بتلك الصفة في الغائب فحكمه في أنه مستحق لها لتلك العلة حكم ~~مستحقها في الشاهد لأنه يستحيل قيام دليل على مستحق الوصف بتلك الصفة مع ~~عدم ما يوجبها وذلك كعلمنا أن الجسم إنما كان جسما لتأليفه وأن العالم إنما ~~كان عالما لوجود علمه فوجب القضاء بإثبات علم كل من وصف بأنه عالم وتأليف ~~كل من وصف بأنه جسم أو مجتمع لأن الحكم العقلي المستحق لعلة لا يجوز أن ~~يستحق مع عدمها ولا لوجود شئ يخالفها لأن ذلك يخرجها عن أن تكون علة للحكم. # ومن ذلك أن يستدل بصحة الشيء على صحة مثله وما هو في معناه وباستحالته ~~على استحالة مثله وما كان بمعناه كاستدلالنا على إثبات قدرة القديم سبحانه ~~على خلق جوهر ولون مثل الذي خلقه وإحياء ميت مثل الذي أحياه وخلق الحياة ~~فيه مرة أخرى بعد أن أماته وعلى استحالة خلق شئ من جنس السواد والحركات ms006 لا ~~في مكان في الماضي كما استحال ذلك في جنسهما الموجود في وقتنا هذا. # وقد يستدل بتوقيف أهل اللغة لنا على أنه لا نار إلا حارة ملتهبة ولا ~~إنسان إلا ما كانت له هذه البنية على أن كل من خبرنا من الصادقين بأنه رأى ~~PageV00P032 # نارا أو إنسانا وهو من أهل لغتنا يقصد إلى إفهامنا أنه ما شاهد إلا مثل ~~ما سمي بحضرتنا نارا أو إنسانا لا نحمل بعض ذلك على بعض لكن بموجب الاسم ~~وموضوع اللغة ووجوب استعمال الكلام على ما استعملوه ووضعه حيث وضعوه. # وقد يستدل بالمعجزة على صدق من ظهرت على يده لأنها تجري مجرى الشهادة له ~~ويستدل على صدق المخبر الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يكذب ~~وكذلك يستدل بخبر من خبر عن صدقه صاحب المعجزة على صدق من أخبر عنه أنه لا ~~يكذب. # وقد يستدل أيضا على بعض القضايا العقلية وعلى الأحكام الشرعية بالكتاب ~~والسنة وإجماع الأمة والقياس الشرعي المنتزع من الأصول المنطوق بها وما جرى ~~مجرى القياس على العلة من ضرب الاجتهاد الذي يسوغ الحكم بمثله من الشرع على ~~مذهب القايسين فكل هذه الأدلة السمعية جارية في الكشف عن صحة القياس مجرى ~~ما قدمنا ذكره من الأحكام العقلية وإن كان فرعا لأدلة العقول وقضاياها ~~وفيما أومأنا إليه من وجوه الاستدلال كفاية وتنبيه على ما أضربنا عن ذكره. # باب آخر في معنى الدليل والاستدلال فإن قال قائل فما معنى الدليل عندكم ~~قيل له هو المرشد إلى معرفة الغائب عن الحواس وما لا يعرف باضطرار وهو الذي ~~ينصب من PageV00P033 # الأمارات ويورد من الإيماء والإشارات مما يمكن التوصل به إلى معرفة ما ~~غاب عن الضرورة والحس ومنه سمي دليل القوم دليلا وصمت العرب أثر اللصوص ~~دليلا عليهم لما أمكن معرفة مكانهم من جهته ومنه وسمت الأميال والعلامات ~~المنصوبة والنجوم الهادية أدلة لما أمكن أن يتعرف بها ما يلتمس علمه. وإنما ~~سمي ناصب الآيات والأمارات التي يمكن التوصل بها إلى معرفة المعلوم دليلا ~~مجازا واتساعا ms007 لما بينه وبين الدليل الذي هو الأمارات والتأثيرات من التعلق ~~وإنما الدليل في الحقيقة هو ما قدمنا ذكره من الأسباب المتوصل بها إلى ~~معرفة الغائب عن الضرورة والحواس من الأمارات والعلامات والأحوال التي يمكن ~~بها معرفة المستنبطات وهذا الدليل وصفنا حاله هو الدلالة وهو المستدل به ~~وهو الحجة. # وأما الاستدلال والنظر فهو تقسيم المستدل وفكره في المستدل عليه وتأمله ~~له وقد يسمى ذلك أيضا دليلا ودلالة مجازا واتساعا لما بينهما من التعلق وقد ~~تسمى العبارة المسموعة التي تنبئ عن استدلال القلب ونظره وتأمله نظرا ~~واستدلالا مجازا واتساعا لدلالتها عليه وقد ذكرنا صورة الاستدلال بتغير ~~الأجسام على إثبات صانعها وتقصينا طرفا من الكلام في الأبواب التي قدمنا ~~ذكرها في كتاب كيفية الاستشهاد في الرد على أهل الجحد والعناد بما نستغني ~~به عن الترداد. # باب الكلام في أقسام المعلومات جميع المعلومات على ضربين معدوم وموجود ~~فالموجود هو الشيء الثابت الكائن لأن معنى الشيء عندنا أنه موجود يدل على ~~ذلك قول أهل PageV00P034 # اللغة شئ إثبات وقولهم ليس بشيء نفي يبين ذلك أن القائل يقول ما أخذت من ~~زيد شيئا ولا سمعت منه شيئا ولا رأيت شيئا نفي للمذكور وقولهم أخذت شيئا ~~وسمعت شيئا ورأيت شيئا إثبات للمذكور ورجوع إلى كائن موجود فوجب أن يكون كل ~~موجود شيئا وكل شئ موجودا. # والمعدوم منتف ليس بشيء فمنه معلوم معدوم لم يوجد قط يصح أن يوجد وهو ~~المحال الممتنع الذي ليس بشيء وهو القول المتناقض نحو اجتماع الضدين وكون ~~الجسم في مكانين وما جرى مجرى ذلك مما لم يوجد قط ولا يوجد أبدا ومنه معدوم ~~لم يوجد قط ولا يوجد أبدا وهو مما يصح ويمكن أن يوجد نحو ما علم الله أنه ~~لا يكون من مقدوراته وأخبر أنه لا يكون من نحو رده أهل المعاد إلى الدنيا ~~وخلق مثل العالم وأمثال ذلك مما علم وأخبر أنه لا يفعله وإن كان مما يصح ~~فعله له ومعلوم معدوم في وقتنا هذا وسيوجد فيما بعد نحو الحشر والنشر ~~والجزاء ms008 والثواب والعقاب وقيام الساعة وأمثال ذلك مما أخبر تعالى أنه ~~سيفعله وعلم أنه سيوجد ومعلوم آخر هو معدوم في وقتنا هذا وقد كان موجودا ~~قبل ذلك نحو ما كان وتقضى من أحوالنا وتصرفنا من كلامنا وقيامنا وقعودنا ~~الذي كان في أمس يومنا وتقضى ومضى ومعلوم آخر معدوم PageV00P035 # هو مقدور ويمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون ولا يدرى هل يكون أم لا يكون ~~نحو ما يقدر الله تعالى عليه مما لا نعلم أيفعله أم لا يفعله نحو تحريك ~~الساكن من الأجسام وتسكين المتحرك منها وأمثال ذلك باب الكلام في الموجودات ~~والموجودات كلها على ضربين قديم ولم يزل ومحدث لوجوده أول. # فالقديم هو المتقدم في الوجود على غيره وقد يكون لم يزل وقد يكون مستفتح ~~الوجود دليل ذلك قولهم بناء قديم يعنون أنه الموجود قبل الحادث بعده وقد ~~يكون المتقدم بوجوده على ما حدث بعده متقدما إلى غاية وهو المحدث المؤقت ~~الموجود وقد يكون متقدما إلى غير غاية وهو القديم جل ذكره وصفات ذاته لأنه ~~لو كان متقدما إلى غاية يؤقت بها فقال إنه قبل العالم بعام أو مائة ألف عام ~~لأفاد توقيت وجوده أنه معدوم قبل ذلك الوقت والله يتعالى عن ذلك. ~~PageV00P036 # والمحدث هو الموجود من عدم يدل على ذلك قولهم حدث بفلان حادث من مرض أو ~~صداع إذا وجد به بعد أن لم يكن وحدث به حدث الموت وأحدث فلان في هذه العرصة ~~بناء أي فعل ما لم يكن قبل. باب أقسام المحدثات والمحدثات كلها تنقسم ثلاثة ~~أقسام فجسم مؤلف وجوهر منفرد وعرض موجود بالأجسام والجواهر. # فالجسم هو المؤلف يدل على ذلك قولهم رجل جسيم وزيد أجسم من عمرو إذا كثر ~~ذهابه في الجهات وليس يعنون بالمبالغة في قولهم أجسم وجسيم إلا كثرة ~~الأجزاء المنضمة والتأليف لأنهم لا يقولون أجسم فيمن كثرت علومه وقدره ~~وسائر تصرفه وصفاته غير الاجتماع حتى إذا كثر الاجتماع فيه يتزايد أجزائه ~~قيل أجسم ورجل جسيم فدل بذلك على أن قولهم جسم مفيد للتأليف. # والجوهر ms009 هو الذي يقبل من كل جنس من أجناس الأعراض عرضا واحدا لأنه متى ~~كان كذلك كان جوهرا. ومتى خرج عن ذلك خرج عن أن يكون جوهرا. والدليل على ~~إثباته علمنا بأن الفيل أكبر من الذرة فلو كان لا غاية لمقادير الفيل ولا ~~لمقادير الذرة لم يكن أحدهما أكثر مقادير من الآخر ولو كان كذلك لم يكن ~~أحدهما أكبر من الآخر كما أمه ليس بأكثر مقادير منه. PageV00P037 # باب الكلام في الأعراض والأعراض هي التي لا يصح بقاؤها وهي التي تعرض في ~~الجواهر والأجسام وتبطل في ثاني حال وجودها والدليل على أن هذا فائدة وصفها ~~بأنها أعراض قوله تعالى «تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة» فسمى ~~الأموال أعراضا إذ كان آخرها إلى الزوال والبطلان وقول أهل اللغة عرض بفلان ~~عارض من حمى أو جنون إذا لم يدم به ذلك ومنه أيضا قول الله تعالى إخبارا عن ~~الكفار في اعتقادهم فيما أظلهم من العذاب أنه عارض لما اعتقدوا أنه مما لا ~~دوام له «هذا عارض ممطرنا». باب الكلام في إثبات الأعراض والدليل على إثبات ~~الأعراض تحرك الجسم بعد سكونه وسكونه بعد حركته ولا بد أن يكون ذلك كذلك ~~لنفسه أو لعله فلو كان متحركا لنفسه ما جاز سكونه وفي صحة سكونه بعد تحركه ~~دليل على أنه متحرك لعلة هي الحركة. # وهذا الدليل هو الدليل على إثبات الألوان والطعوم والأراييح والتأليف ~~والحياة والموت والعلم والجهل والقدرة والعجز وغير ذلك من ضروبها. # ويدل على ذلك أن الجسم لا يخلو من أن يكون متحركا لنفسه أو لمعنى ويستحيل ~~أن يكون متحركا لنفسه لأن ذلك لو كان كذلك لوجب أن PageV00P038 # لا يوجد من جنسه في ذلك الوقت إلا ما كان متحركا ألا ترى أن السواد إذا ~~كان سوادا لنفسه لم يجز أن يوجد من جنسه ما ليس بسواد وفي العلم بأنه قد ~~يوجد من جنس الجواهر والأجسام المتحركة ما ليس بمتحرك دليل على أن المتحرك ~~فيها ليس بمتحرك لنفسه وأنه للحركة كان متحركا. # ومما يدل على ذلك ms010 علمنا بأن الإنسان تارة يقدر على التحرك ويعجز عنه أخرى ~~وقد ثبت أنه لا بد لقدرته من تعلق بمقدور وكذلك القديم تعالى يقدر عند ~~الموحدين وعند من أثبته من الملحدين النافين للأعراض على تحريك الجسم تارة ~~وعلى تسكينه أخرى فلا يخلو أن يكون مقدور القدرة على تحريك الجسم هو إحداث ~~الجسم وإيجاده أو إحداث معنى فيه أو إعدامه أو إعدام معنى منه أو لا لنفسه ~~أو لمعنى تعلق بنفسه. # ويستحيل أن تكون القدرة على ذلك لا تعلق لها بمقدور كما يستحيل وجود علم ~~لا تعلق له بمعلوم وذكر لا تعلق له بمذكور. # ويستحيل أن يكون مقدور القدرة هو إيجاد الجسم وإحداثه لأنه إنما يتحرك في ~~الثاني من حال وجوده مع استحالة حدوثه وتجدده في ذلك الوقت ولأن ذلك إن كان ~~كذلك فقد صح وثبت حدوث الجسم وهذا هو الذي نبتغيه بإثبات الأعراض. # وإن قيل يستحيل أن يكون مقدور القدرة إعدام معنى من الجسم لأن ذلك المعنى ~~لا يخلو أن يكون جسما أو عرضا فإن كان جسما أقروا بجواز عدم الجسم وصح بذلك ~~حدوثه لاستحالة عدم القديم عندنا وعندهم وذلك PageV00P039 # ما أردناه وإن كان عرضا فقد أقروا بوجود الأعراض وعدمها بعد الوجود وهذا ~~ما رمنا إثباته ولأن عدم معنى من الجسم ليس بشيء يحدث ولا يكتسب فمحال تعلق ~~القدرة بما ليس بمعنى يحدث ويكتسب فبطل هذا القول. ولأن الجسم لو تحرك في ~~جهة بعينها وإلى محاذاة بعينها لعدم معنى منه مع صحة تحركه مع عدم ذلك ~~المعنى إلى غير تلك الجهة والمحاذاة لم يكن بأن يتحرك إلى الجهة والمحاذاة ~~التي تحرك إليها أولى من تحركه إلى غيرها وفي العلم بكونه أولى بالتحرك إلى ~~ما تحرك إليه وأحق به في ذلك الوقت دليل على بطلان هذا القول. ولأن الجسم ~~أيضا لو تحرك لعدم معنى منه لم يكن هو بالتحرك أولى من غيره من الأجسام لأن ~~ذلك المعنى الذي عدم منه ليس هو فيه ولا في غيره فيجب لذلك تحرك كل ما ليس ms011 ~~فيه ذلك المعنى وفي العلم ببطلان هذا دليل على فساد هذا القول. # ويستحيل أيضا أن يكون مقدور القدرة على تحريك الجسم ما ليس هو نفس الجسم ~~ولا معنى سواه لأن ما ليس هو نفسه ولا معنى غيره ليس بشيء يصح أن يكون ~~حادثا أو مكتسبا فبطل أيضا هذا الوجه وصح بذلك أن قدرة القادر على تحريك ~~الجسم قدرة على فعل معنى فيه أو اكتسابه وهذا هو معنى قولنا إن المتحرك كان ~~متحركا بالفاعل. ويدل على أن قدرة الإنسان على المتحرك لا يجوز أن تكون ~~قدرة على نفسه علمنا وهم باستحالة كون الإنسان فاعلا للأجسام وأنه لو صح ~~ذلك وأن يقدر على نفسه لصح أن يقدر على مثله ومما يدل أيضا على أنه لا يجوز ~~أن يكون المتحرك متحركا لا لنفسه ولا لعلة أن ذلك لو كان كذلك لصار قولنا ~~فيه إنه متحرك لقبا لا فائدة تحته ولجرى مجرى تسميتنا زيدا زيدا وذلك باطل ~~ولأن ذلك لو كان كذلك لم يكن هو بالتحرك أولى من غيره ولخرج قولنا متحرك عن ~~أن يكون له مثبتا PageV00P040 # ومخبرا عنه وإن كان إثباتا وخبرا لأنه غير راجع إلى نفس الجسم ولا إلى ~~معنى سواه وذلك باطل باتفاق وهذا يحيل أن يكون شيء من الأوصاف مستحقا لا ~~لنفس ولا لعلة وفي بعض ما أومأنا إليه دليل على إثبات الأعراض. # باب الكلام في إثبات حدث العالم جميع العالم العلوي والسفلي لا يخرج عن ~~هذين الجنسين أعني الجواهر والأعراض وهو محدث بأسره والدليل على حدثه ما ~~قدمناه من إثبات الأعراض. # والأعراض حوادث والدليل على حدوثها بطلان الحركة عند مجيء السكون لأنها ~~لو لم تبطل عند مجيء السكون لكانا موجودين في الجسم معا ولوجب لذلك أن يكون ~~متحركا ساكنا معا وذلك مما يعلم فساده ضرورة. # والدليل على حدوث الأجسام أنها لم تسبق الحوادث ولم توجد قبلها وما لم ~~يسبق المحدث محدث كهو إذ كان لا يخلو أن يكون موجودا معه أو PageV00P041 # بعده وكلا الأمرين يوجب حدوثه. والدليل على أن ms012 الجسم لا يجوز أن يسبق ~~الحوادث أنا نعلم باضطرار أنه متى كان موجودا فلا يخلو أن يكون متماس ~~الأبعاض مجتمعا أو متباينا مفترقا لأنه ليس بين أن تكون أجزاؤه متماسة أو ~~متباينة منزلة ثالثة فوجب ألا يصح أن يسبق الحوادث وما لم يسبق الحوادث ~~فواجب كونه محدثا إذ كان لا بد أن يكون إنما وجد مع وجودها أو بعدها ~~PageV00P042 # فأي الأمرين ثبت وجب به القضاء على حدوث الأجسام. # باب الكلام في إثبات الصانع ولا بد لهذا العالم المحدث المصور من محدث ~~مصور والدليل على ذلك أن الكتابة لا بد لها من كاتب ولا بد للصورة من مصور ~~وللبناء من بان وأنا لا نشك في جهل من خبرنا بكتابة حصلت لا من كاتب وصياغة ~~لا من صائغ فوجب أن تكون صور العالم وحركات الفلك متعلقة بصانع صنعها إذ ~~كانت ألطف وأعجب صنعا من سائر ما يتعذر وجوده لا من صانع من الحركات ~~والتصويرات. # ويدل على ذلك علمنا بتقدم بعض الحوادث على بعض وتأخر بعضها عن بعض مع ~~العلم بتجانسها ولا يجوز أن يكون المتقدم منها متقدما لنفسه وجنسه لأنه لو ~~تقدم لنفسه لوجب تقدم كل ما هو من جنسه وكذلك لو تأخر المتأخر منها لنفسه ~~وجنسه لم يكن المتقدم منها بالتقدم أولى منه بالتأخر وفي العلم بأن المتقدم ~~من المتماثلات لم يكن بالتقدم أولى منه بالتأخر دليل على أن له مقدما قدمه ~~وجعله في الوجود مقصورا على مشيئته. # ويدل على ذلك أيضا علمنا بصحة قبول كل جسم من أجسام العالم لغير ما حصل ~~عليه من التركيب وصحة كون المربع منها مدورا وكون المدور مربعا وكون ما هو ~~بصورة بعض الحيوان بصورة غيره وانتقال كل جسم عن شكله إلى غيره من الأشكال ~~فلا يجوز أن يكون ما اختص منها بشكل معين مخصوص إنما اختص به لنفسه أو لصحة ~~قبوله له لأن ذلك لو كان كذلك لوجب قبوله لكل شكل يصح قبوله له في وقت واحد ~~حتى يجتمع فيه PageV00P043 # جميع الأشكال المتضادة وفي ms013 فساد ذلك دليل على بطلان هذا القول ووجوب ~~العلم بأن كل ذي شكل منها إنما حصل كذلك بمؤلف ألفه وقاصد قصد كونه كذلك. # باب في أن المحدث ليس فاعلا لنفسه والدليل على أنه ليس بفاعل لنفسه أن ~~منه الموات والأعراض التي لا يصح أن تحيا والفاعل لا يكون إلا حيا قادرا ~~ولأن الحي منه كان مواتا في بدء أمره وجاهلا بنفسه وكيفية تركيبه ولن يجوز ~~أن يصنع المحكمات إلا حي عالم قادر وليس يجوز أن يكون كل شيء منه فعل غيره ~~لأن المخلوق لا يفعل في غيره شيئا وسنبين ذلك فيما بعد إن شاء الله وأيضا ~~فإنه لو صح أن يفعل المحدث غيره وما هو مثل له لصح أن يفعل نفسه إذ كانت ~~بمعنى ما هو فعل له ومن جنسه ولما استحال ذلك بما قدمنا أولا صح أن لجميع ~~العالم خالقا غيره ليس منه. # باب في أنه لا يجوز أن يكون صانع المحدثات مشبها لها ولا يجوز أن يكون ~~صانع المحدثات مشبها لها لأنه لو أشبهها لكان لا يخلو أن يشبهها في الجنس ~~أو في الصورة ولو أشبهها في الجنس لكان محدثا كهي ولكانت قديمة كما أنه ~~قديم لأن المشتبهين هما ما سد أحدهما مسد صاحبه وناب منابه ودليل ذلك أن ~~السوادين المشتبهين يسدان في المنظر مسدا واحدا وكذلك البياضان والتأليفان ~~ولو أشبهها في الصورة والتأليف لم يكن شيئا واحد ولوجب أن يكون له مصور ~~جامع لأن الصورة لا تقع إلا من مصور لما قدمناه من قبل ولوجب أن يكون من ~~جنس الجواهر المتماسة وأن يكون محدثا كهي وذلك محال. PageV00P044 # باب في أنه لا يجوز أن يكون فاعل المحدثات محدثا ولا يجوز أن يكون فاعل ~~المحدثات محدثا بل يجب أن يكون قديما والدليل على ذلك أنه لو كان محدثا ~~لاحتاج إلى محدث لأن غيره من الحوادث إنما احتاج إلى محدث من حيث كان محدثا ~~وكذلك القول في محدثه إن كان محدثا في وجوب حاجته إلى محدث آخر وذلك محال ~~لأنه ms014 كان يستحيل وجود شيء من الحوادث إذا كان وجوده مشروطا بوجود لا غاية ~~له من الحوادث شيئا قبل شيء وهذا هو الدليل على إبطال قول من زعم من أهل ~~الدهر أن الحوادث لا أول لوجودها. # باب الكلام في أن صانع العالم واحد وليس يجوز أن يكون صانع العالم اثنين ~~ولا أكثر من ذلك والدليل على ذلك أن الاثنين يصح أن يختلفا ويوجد أحدهما ضد ~~مراد الآخر فلو اختلفا وأراد أحدهما إحياء جسم وأراد الآخر إماتته لوجب أن ~~يلحقهما العجز أو واحدا منهما لأنه محال أن يتم ما يريدان جميعا لتضاد ~~مراديهما فوجب أن لا يتما أو يتم مراد أحدهما فيلحق من لم يتم مراده العجز ~~أو لا يتم مرادهما فيلحقهما العجز والعجز من سمات الحدث والقديم الإله لا ~~يجوز أن يكون عاجزا. # باب في أن صانع العالم حي فإن قال قائل فما الدليل على أن صانع الأشياء ~~حي قيل له الدليل على ذلك أنه فاعل عالم قادر والفاعل العالم القادر لا ~~يكون إلا حيا. يبين ذلك أنه لو جاز أن تظهر الأفعال المحكمات ممن ليس بحي ~~ولا عالم ولا PageV00P045 # قادر لم ندر لعل ما يظهر من الناس من الكتابة والصياغة وسائر التصرف يظهر ~~منهم وهم موتى جماد عجزه ولم نذر لعل السائل لنا عن هذا السؤال المناظر لنا ~~على تصحيح مذهبه وإبطال قولنا ميت أو موات وهذا تجاهل من راكبه وجحد لما ~~نحن إلى إثباته مضطرون فوجب أن يكون الصانع عالما قادرا حيا. # باب في أن الصانع عالم فإن قال قائل: وما الدليل على صحة ما تذهبون إليه ~~في أنه عالم قيل له: يدل على ذلك وجود الأفعال المحكمات منه لأن الأفعال ~~المحكمات لا تقع منا على ترتيب ونظام كالصياغة والتجارة والكتابة والنساجة ~~إلا من عالم وأفعال الله تعالى أدق وأحكم فكانت أولى بأن تدل على أنه حي ~~عالم. # باب في أن الصانع سميع بصير متكلم فإن قال قائل: فما الدليل على أنه سميع ~~بصير متكلم قيل له: الدليل على ms015 ذلك أنه قد ثبت أنه حي بما وصفناه والحي يصح ~~أن يكون متكلما سميعا بصيرا ومتى عري من هذه الأوصاف مع صحة وصفه بها فلا ~~بد من أن يكون موصوفا بأضدادها من الخرس والسكوت والعمى والصمم وكل هذه ~~الأمور آفات قد اتفق على أنها تدل على حدث الموصوف بها فلم يجز وصف القديم ~~بشيء منها فوجب أن يكون سميعا بصيرا متكلما. PageV00P046 # باب في أنه مريد فإن قال قائل فما الدليل على أنه مريد قيل له وجود ~~الأفعال منه وتقدم بعضها على بعض في الوجود وتأخر بعضها عن بعض في الوجود ~~فلولا أنه قصد إلى إيجاد ما أوجد منها لما وجد ولا تقدم من ذلك ما تقدم ولا ~~تأخر منه ما تأخر مع صحة تقدمه بدلا من تأخره وتأخره بدلا من تقدمه. # باب في الرضا والغضب وأنهما من الإرادة فإن قال قائل فهل تقولون إنه ~~تعالى غضبان راض وإنه موصوف بذلك قيل له أجل وغضبه على من غضب عليه ورضاه ~~عمن رضي عنه هما إرادته لإثابة المرضي عنه وعقوبة المغضوب عليه لا غير ذلك. # فإن قال قائل: فما الدليل على أن غضب الباري جل وعز ورضاه ورحمته وسخطه ~~هو إرادته لإثابة المرضي عنه ولمنفعة من رضي عنه وعقاب من غضب عليه وإيلامه ~~وضرره قيل له: الدليل على ذلك أن الغضب والرضا إما أن يكونا إرادة للنفع ~~والضر أو يكون الغضب تغير الطبع ونفور النفس والرضى السكون بعد تغير الطبع ~~ولا يجوز أن يكون الباري جل وعز ذا طبع يتغير وينفر ويسكن ولا ممن يألم ~~ويرق من حيث ثبت قدمه وغناه عن اللذة وامتناع تألمه بشيء ينفر عنه ويتألم ~~لإدراكه إذ ليست هذه الأشياء من جنسه وشكله أو مضادة له أو منافرة ~~PageV00P047 # لصفاته لما قام من الدليل على أنه ليس بذي جنس ولا نوع ولا شكل ولا ملتذ ~~ولا متألم ولا منتفع ولا مستضر فثبت بذلك أن رضاه وغضبه وسخطه إنما هي ~~إرادته وقصده إلى نفع من المعلوم أنه ينفعه وضرر من ms016 سبق علمه وخبره أنه ~~يضره لا غير ذلك وكذلك الحب والبغض والولاية والعداوة هو نفس الإرادة للنفع ~~والأضرار فقط. # مسألة في أنه لا يجوز عليه الشهوة فإن قال قائل فهل تجوز عليه الشهوة قيل ~~له إن أراد السائل بوصفه بالشهوة الإرادة لأفعاله فذلك صحيح في المعنى غير ~~أنه قد أخطأ وخالف الأمة في وصفه القديم بالشهوة إذ لم يكن ذلك من أوصافه ~~وأسمائه وإن أراد بوصفه بالشهوة توقان النفس وميل الطبع إلى المنافع ~~واللذات فذلك محال ممتنع عليه لما قد مر من قبل. # باب في أنه لم يزل حيا عالما قادرا سميعا بصيرا متكلما مريدا فإن قال ~~قائل ولم زعمتم أن الصانع لم يزل حيا عالما قادرا سميعا بصيرا متكلما مريدا ~~كما أنه اليوم موصوف بذلك قيل له لأنه لو كان فيما لم يزل غير حي ولا عالم ~~ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم ولا مريد لكان لم يزل ميتا عاجزا ~~أخرس ساكتا فتعالى عن ذلك. ولو كان لم يزل موصوفا بالموت الذي يضاد الحياة ~~والعلم والقدرة لكان إنما يوصف بذلك لنفسه أو لعلة قديمة ولو كان لنفسه ~~كذلك لاستحال أن يحيا ما دامت PageV00P048 # نفسه كائنة وكذلك لو كان على ما ذكر السائل لعلة قديمة لاستحال أن يحيا ~~اليوم لاستحالة عدم موته القديم لأن القديم لا يجوز عدمه وإذا استحال ذلك ~~استحال أن يفعل ويوجد منه ما يدل على أنه اليوم حي قادر وفي صحة ذلك منه ~~ووجوده دليل على أنه لم يزل حيا وكذلك لو كان لم يزل حيا وهو غير متكلم ولا ~~سميع ولا بصير ولا مريد ولا عالم ولا قادر لوجب أن يوصف بأضداد هذه الصفات ~~في أزله من الخرس والسكوت والصمم والعمى والاستكراه والسهو والجهل والعجز ~~فتعالى عن ذلك أجمع ولو كان لم يزل موصوفا بهذه الأوصاف لنفسه أو لمعنى ~~قديم لاستحال خروجه عنها ووصفه بضدها لاستحالة عدم القديم ولوجب أن يكون في ~~وقتنا هذا غير حي ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا ms017 بصير وذلك خلاف إجماع ~~المسلمين. # باب في أن القديم لا يجوز عليه العدم فإن قال قائل ولم قلتم إن القديم لا ~~يجوز أن يعدم قيل له لأجل أنه لو عدم لصح وجوده بعد عدمه على سبيل الحدوث ~~كما أنه قد صح له الوجود من قبل فلو حدث لكان محدثا لنفسه قديما لنفسه إذ ~~لنفسه كان قديما ونفسه قد وجدت لما حدثت وهي تلك النفس بعينها ومحال أن ~~يكون القديم قديما لنفسه محدثا لنفسه كما يستحيل أن يكون السواد سوادا ~~لنفسه بياضا لنفسه. # ويدل على ذلك أيضا أنه لو جاز عدم القديم بعد وجوده لوجب أن تكون ~~PageV00P049 # ذاته مما يصح عليها العدم تارة والوجود أخرى ولو كانت كذلك لجرت مجرى ~~سائر الذوات المحدثات التي يجوز عليها العدم تارة والوجود أخرى ولو كانت ~~كذلك لاحتاجت إلى موجد يوجدها كما أن الحوادث التي هذه سبيلها لا تكون ~~بالوجود أولى منها بالعدم إلا عند قصد قاصد وإرادة مريد تكون موجودة ~~بإرادته ومتعلقة بمشيئته. فلما لم يجز تعلق القديم بمحدث لم يجز عليه العدم ~~بعد وجوده. # باب في أن صنع الله للعالم ليس لغرض فإن قال قائل فهل تقولون إن صانع ~~العالم صنعه بعد أن لم يصنعه لداع دعاه إلى فعله ومحرك حركه وباعث بعثه ~~وغرض أزعجه وخاطر اقتضى وجود الحوادث منه أم صنعه لا لشيء مما سألت عنه قيل ~~إنه تعالى صنع العالم لا لشيء مما سألت عنه فإن قيل: وما الدليل على ذلك ~~قيل الدليل عليه أن الدواعي المزعجات والخواطر والأغراض إنما تكون وتجوز ~~على ذي الحاجة الذي يصح منه اجتلاب المنافع ودفع المضار وذلك أمر لا يجوز ~~إلا على من جازت عليه الآلام واللذات وميل الطبع والنفور وكل ذلك دليل على ~~حدث من وصف به وحاجته إليه وهو منتف عن القديم تعالى وكذلك الأسباب المزعجة ~~المحركة الباعثة على الأفعال إنما تحرك الغافل وتنبه الجاهل وتخطر للخائف ~~والراجي الذي يخاف الاستضرار بترك الأفعال ويرجو بإيقاعها الصلاح والانتفاع ~~والله يتعالى عن ذلك لأنه عالم ms018 بما يكون قبل أن يكون وبما تؤول إليه عواقب ~~الأمور ويعلم السر وأخفى ولا يجوز على من PageV00P050 # هذه صفته خطور الأمر بباله كالذي لم يكن عالما به ولا أن تبعثه الدواعي ~~والبواعث على أفعاله وذلك إنا إذا قلنا لفاعلنا: ما الذي دعاك إلى الفعل ~~وحركك على إيقاعه وما الغرض في دون غيره وفي فعله دون تركه والانصراف عنه ~~فإنما نأله ليخبرنا أقصد بذلك اجتلاب منفعة أو دفع مضرة أم لا فإن قال فعله ~~لا لاجتلاب منفعة ولا لدفع مضرة مع علمه بوقوعه وجب القضاء على تسفيهه لأنه ~~ممن يحتاج إلى جر المنافع ودفع المضار وهو مأمور بذلك وإيقاعه الفعل عاريا ~~من القصد إلى ذلك والتصدي له سفه وخلاف لما وجب عليه والقديم تعالى ليس بذي ~~حاجة ولا ممن يلزمه الانقياد والطاعة فلم يجز أن يقاس على فاعلنا. # مسألة في أن القديم لم يفعل العالم لعلة فإن قال قائل فهل تقولون إن ~~القديم فعل العالم لعلة أوجبت حدوثه منه قيل له لا لأن العلل لا تجوز عليه ~~لأنها مقصورة على جر المنافع ودفع المضار ويدل على ذلك أيضا أنه لو كان ~~تعالى فاعلا للعالم لعلة أوجبته لم تخل تلك العلة من أن تكون قديمة أو ~~محدثة فإن كانت قديمة وجب قدم العالم لقدم علته وألا يكون بين العلة ~~القديمة وبين وجود العالم إلا مقدار زمان الإيجاد وذلك يوجب حدوث القديم ~~لأن ما لم يكن قبل المحدث إلا بزمان أو أزمنه محدودة وجب حدوثه لأن فائدة ~~توقيت وجود الشيء هو أنه كان معدوما قبل تلك الحال فلما لم يجز حدوث القديم ~~لم يجز أن يكون العالم محدثا لعلة قديمة وإن كانت تلك العلة محدثة فلا يخلو ~~PageV00P051 # محدثها أن يكون أحدثها لعلة أو لا لعلة فإن كانت محدثة لعلة وعلتها أيضا ~~محدثة وجب أن تكون علة العلة محدثة لعلة أخرى وكذلك أبدا إلى غير غاية وذلك ~~يحيل وجود العالم جملة لتعلقه بما يستحيل فعله وخروجه إلى الوجود وإن كانت ~~العلة والخاطر والداعي والباعث ms019 والمحرك محدثة لا لعلة وكانت بالوجود لما ~~وجدت من فاعلها أولى منها بالعدم لا لعلة. وكان فاعلها حكيما غير سفيه جاز ~~حدوث سائر الحوادث منه لا لعلة وكان حكيما غير سفيه ولم يكن خروجه عن السفه ~~بإحداث محدث واحد لا لعلة أولى من خروجه عنه بإحداث جميع الحوادث لا لعلة ~~وهذا يبطل ما توهموه إبطالا ظاهرا. # مسألة في علة الفعل الصادر عن الفاعل الحكيم فإن قال قائل فهل وجدتم ~~فاعلا حكيما يفعل الفعل لا لعلة مع العلم والذكر قيل له لا إذا صح أن يوقعه ~~على وجه يصح انتفاعه به أو دفع الضر عنه فإن قال فيجب حمل أمر القديم في ~~فعله على حال فاعلنا قيل له لا يجب ذلك لافتراقهما في علة جواز النفع ~~والضرر عليهما وقد مر ذلك بما يغني عن رده. # ويقال لهم: لو لم يصح القضاء إلا بما شوهد ووجد لوجب إحالة ما تذهبون ~~إليه من إثبات حوادث لا أول لها وإحالة القضاء على قدم الجسم وأنه لا أول ~~لوجوده وإحالة قول من قال منكم بأن الهيولي والطينة قد كانت خلت من الكمية ~~والصورة والكيفية وجميع الأعراض وإحالة قول من قال PageV00P052 # إن الطبائع الأربع قد كانت غير مركبة في الأجسام وقول من قال إن النور ~~والظلام قد كانا في القدم خالصين غير ممتزجين لأن ذلك أجمع مما لم ير ولم ~~يشاهد ولوجب على من نشأ في بلاد الزنج ولم يشاهد فيها إنسانا إلا أسود ولا ~~ماء إلا عذبا ولا زرعا إلا أخضر أن يقضى على أنه لا إنسان ولا ماء ولا زرع ~~إلا على صفة ما وجد وشاهد حتى ينفي وجود الروم والصقالبة وماء البحار ~~والأحمر والأصفر من النبات فلما لم يجب ذلك أجمع وكان القضاء بذلك قضاء ~~بالجهل بطل التعلق بمجرد الشاهد والوجود وزال جميع ما يسألون عنه من هذا ~~الجنس. # باب الكلام على القائلين بفعل الطباع فإن قال قائل لم أنكرتم أن يكون ~~صانع العالم طبيعة من الطبائع وجب حدوث العالم عن وجودها قيل ms020 له أنكرنا ذلك ~~لأن هذه الطبيعة لا تخلو أن تكون معنى موجودا أو معدوما ليس بشيء فإن كانت ~~معدومة ليست بشيء لم يجز أن تفعل شيئا أو أن يكون عنها شيء أو ينسب إليها ~~شيء لأنه لو جاز ذلك جاز وجود الحوادث من كل معدوم وعن كل معدوم لأن ما يقع ~~عليه هذا الاسم فليس بذات ولا يختص ببعض الأحكام والصفات فلو كان منه ما ~~يحدث الأفعال أو تجب عنه لصح ذلك من كل معدوم وذلك باطل باتفاق. # وإن كانت الطبيعة التي نسب إليها السائل حدوث العلم وعلقه بها معنى ~~موجودا لم تخل تلك الطبيعة الموجبة عندهم لحدوث العالم من أن تكون قديمة أو ~~محدثة فإن كانت قديمة وجب أن تكون الحوادث الكائنة عنها PageV00P053 # قديمة لأن الطبيعة لم تزل موجودة ولا مانع من وجود الحوادث الموجبة عنها ~~فيجب وجودها مع الطبيعة في القدم كما يجب اعتماد الحجر مع وجود طبعه وإحراق ~~النار وانحلال الطبع والإسكار مع وجود طبع النار والسقمونيا والشراب إذا لم ~~يمنع من ذلك مانع فكذلك يجب وجود العالم في القدم وإن كان محدثا مع وجود ~~الطبع الكائن عنه عندهم. إذا لم يمنع من ذلك مانع وفي إطباقنا وإياهم على ~~استحالة قدم الحوادث دليل على أنها لا يجوز أن تكون حادثة عن طبيعة قديمة. # فإن قالوا هذا يلزمكم في قولكم إن صانع العالم لم يزل قادرا على إيجاده ~~لأن قدرته على الإيجاد قديمة قلنا لا يجب ذلك من وجهين: # أحدهما أننا نحن لا نزعم أن القديم سبحانه قادر بقدرة في الأزل على أن ~~تكون الأفعال مع القدرة وإنما تقول إنه قادر على أن يستأنف الأفعال وعلى أن ~~يحدثها في زمان قد كانت قبله معدومة ومحال أن تكون قدرة على ما لم يكن ~~معدوما قبل وجوده فلم يجب قدم الأفعال لقدم القدرة عليها. # والأمر الآخر أننا نحن لا نزعم أن قدرة القديم سبحانه علة للأفعال ولا ~~موجبة لها حسب ما تقولونه أنتم في إيجاب الطبع لحدث عنه وكونه علة ms021 له ووجوب ~~كونه عنه ولا نحيل أن توجد قدرة القديم في الأزل وهو غير PageV00P054 # فاعل بها وإن كانت على صفة ما يصح أن يفعل بها وكان هو تعالى على صفة من ~~يصح أن يفعل بها وكان المعدوم المقدور مما يصح أن يخرج إلى الوجود ولا مانع ~~يمنع من خروجه لأن قدرته ليست بعلة ولا سبب لمقدوره ولا موجبة له وأنتم ~~تزعمون أن الطبع الكائن عنه العالم وكل طبع كان منه أمر من الأمور موجب لما ~~يحدث عنه ومقتض له إذا لم يمنع من ذلك مانع فبان الفرق بين قولنا وقولكم. # وكذلك الجواب إن ألزموا هذا الإلزام في إرادة الله تعالى للأفعال وإن ~~كانت قديمة عندنا لأنها على قولنا إرادة لكون الفعل على التراخي ولأنها ~~ليست علة لوجود المراد فإن قالوا إن هذا الطبع القديم هو شيء حي عالم قادر ~~ليس بموجب للفعل ولا علة له بل يفعل بالقدرة والاختيار أقروا بالحق وصانع ~~العالم الذي نثبته وإن خالفونا في تسميته طبعا وكان هذا عندنا محظورا ~~بالشرع. # وإن كان الطبع المحدث للعالم محدثا فلا يخلو أن يكون حادثا عن طبع أولا ~~عن طبع فإن كان حادثا عن طبع أوجبه وجب أيضا أن تكون تلك الطبيعة كائنة ~~حادثة عن طبيعة أخرى أوجبتها وكذلك القول في طبع الطبع أبدا إلى غير غاية ~~وهذا يحيل وجود العالم لأنه متعلق بوجود ما لا غاية له وقد ثبت استحالة ~~خروج ما لا غاية له إلى الوجود كما ثبتت استحالة اجتماع الحركة عن المكان ~~والسكون في المحل الواحد معا فكما تجب استحالة وجود العالم وحدوثه لو علق ~~باجتماع الحركة عن المكان والسكون PageV00P055 # فيه أيضا معا فلذلك أيضا تجب استحالة وجوده وحدوثه إذا علق بوجود طبائع ~~هي حوادث لا غاية لها وفي صحة وجود العالم وحدوثه دليل على فساد هذا القول. # وإن كانت الطبيعة الموجبة لحدوث العالم حادثة لا عن طبيعة أوجبتها جاز ~~أيضا حدوث العالم لا عن طبيعة أوجبته وحدوث الإسكار والإحراق والتبريد ~~والتسخين وسائر الحوادث لا عن ms022 طبيعة كما أنه لو جاز حدوث محدث واحد لا من ~~محدث لجاز حدوث سائر الحوادث لا من محدث وهذا يبطل قولهم بإثبات طبيعة حدث ~~العالم عنها. # وعلى أن هذه الطبيعة إن كانت محدثة فلا تخلو أن يكون أحدثها محدث أولا ~~فإن كانت حادثة عن محدث فلا تخلو أن يكون أحدثها محدثها بطبع أو بغير طبع ~~فإن كان أحدثها بطبع وكان طبعه أيضا محدثا وجب أن يكون لطبعه محدث ولمحدثه ~~طبع محدث له محدث أبدا إلى غير غاية وذلك محال وإن كان محدث الطبيعة أحدثها ~~بغير طبع جاز حدوث العالم أيضا من محدث ليس بذي طبع وبطل إثبات الطبع وإن ~~كان محدث الطبيعة التي حدث العالم عنها قديما وكان طبعه قديما وجب قدم ~~الطبيعة وقدم العالم الكائن عنها على ما بيناه من قبل هذا وهذا ظاهر في أنه ~~لا يجوز أن يكون العالم حادثا عن طبع من الطبائع. # أما قول من قال إن العالم بأسره مركب من الطبائع الأربع الحرارة والبرودة ~~والرطوبة واليبوسة فإنه باطل من وجوه أحدها أن هذه الطبائع أعراض محدثة ~~متضادة على الأجسام لأنه محال اجتماع الحرارة مع البرودة في محل واحد فيجب ~~حدوث الحرارة بعد بطلان البرودة وكذلك الرطوبة بعد PageV00P056 # اليبوسة فهذه الطبائع جارية مجرى الحركة والسكون والسواد والبياض وسائر ~~الأعراض المتضادة فيجب حدثها واستحالة كونها قديمه أو بعضا لكلية حرارة ~~وبرودة ورطوبة ويبوسة قديمة أزلية لأن المحدث لا يجوز أن يكون بعضا للقديم ~~كما لا يجوز أن تكون جزئيات الحركة والسكون منفصلات عن كليات قديمة فوجب ~~القضاء على حدوث هذه الطبائع وأنها حادثة من غير طبائع فكذلك جائز حدث سائر ~~العالم عن غير طبيعة. # وعلى أنا قد بينا أن هذه الأجناس أعراض وبينا أن الأعراض لا يجوز أن تفعل ~~شيئا لأن الفاعل لا يكون إلا حيا عالما قادرا قاصدا إذا كان فعله محكما فلم ~~يجز أن تكون هذه الطبائع فاعله للعالم. # ومما يدل على استحالة قدم هذه الطبائع أنها لو كانت قديمة وكان العالم ~~حادثا عنها ms023 لوجب قدمه مع قدمها على ما بيناه من قبل إذ لا مانع يمنع من ~~كونه معها فإن قالوا كذلك نقول قيل لهم فإذا كان الطبع قديما أزليا وكان ~~الكائن عنه قديما أزليا فلم كان أحدهما بأن يكون موجبا للآخر وسببا له أولى ~~من أن يكون المسبب سببا وعلة فلا يجدون في ذلك متعلقا. # وإن قالوا العالم محدث التركيب والتصوير عن اجتماع هذه الطبائع واختلاطها ~~دون وجود ذواتها قيل لهم فخبرونا عن اختلاط هذه الطبائع وامتزاجها أهو هي ~~أم معنى سواها فإن قالوا هو هي قيل لهم فهي قديمة الأعيان فيجب قدم تركيب ~~العالم وتصويره لقدم الاختلاط وإن قالوا معنى سواها قيل أقديم هو أم محدث ~~فإن قالوا قديم قيل لهم فيجب قدم التصوير والتركيب لقدم الاختلاط الموجب ~~لذلك وإن قالوا محدث قيل لهم أفمن طبع حدث أو من غير طبع فإن قالوا من طبع ~~غير الطبائع PageV00P057 # الأربع أقروا بطبع خامس وتركوا قولهم وإن قالوا بغير طبع قيل لهم فما ~~أنكرتم من جواز حدوث تركيب العالم وسائر الأشكال بغير طبع فلا يجدون من ذلك ~~مخرجا. # ويقال لهم كيف اجتمعت هذه الطبائع الأربع وتركبت في الأجسام وهي لم تزل ~~متنافرة متباينة حيز كل واحد في القدم غير حيز صاحبه وطبع كل شيء منها ~~البعد عن صاحبه والنفور عنه وهل يجوز أن يجتمع شيئان أحدهما ثقيل يهوى ~~وينزل بطبعه والآخر خفيف متصاعد بطبعه من غير جامع يجمعهما وقامع يقمعهما ~~على الاجتماع لأن ما هذا سبيله متى لم يقهر على الاجتماع لم يزدد من ~~الاجتماع والتقارب إلا بعدا فإن قالوا ها هنا صانع أو طبيعة قهرت هذه ~~الطبائع على الاختلاط والاجتماع بعد التنافر والتباعد والتضاد تركوا قولهم ~~وأثبتوا طبعا خامسا وصانعا غيرها وإن أجازوا ذلك بغير صانع ألزموا اجتماع ~~الخفيف والثقيل والمنحدر والمتصاعد بغير سبب ولا جامع بل بسجيتهما وسوم ~~أنفسهما ولا فصل في ذلك. # وأما اعتلالهم بأنهم لم يجدوا جسما يخلو من هذه الطبائع الأربع فوجب أن ~~تكون الأجسام مركبة منها فإنه يوجب ms024 عليهم أن تكون الأجسام مركبة من النور ~~والظلام والألوان والطعوم والراوئح والحركات والسكنات وسائر ما لا تنفك منه ~~الأجسام وفي بطلان ذلك دليل على بطلان ما قالوا. PageV00P058 # ومما يدل أيضا على فساد ما يذهبون إليه من إثبات فعل الطبائع أنه لو كان ~~الإسكار والإحراق والتبريد والتسخين والشبع والري وغير ذلك من الأمور ~~الحادثة واقعة عن طبيعة من الطبائع لكان ذلك الطبع لا يخلو من أن يكون هو ~~نفس الجسم المطبوع أو معنى سواه فإن كان هو نفس الجسم وجب أن يكون تناول ~~سائر الأجسام يوجب حدوث الإسكار والشبع والري ومجاورة كل جسم يوجب التبريد ~~والتسخين لقيام الدليل على أن الأجسام كلها من جنس واحد وقد علم أن الشيء ~~إذا أوجب أمرا ما وأثر تأثيرا ما وجب أن يكون ما هو مثله وما جانسه موجبا ~~لمثل حكمه وتأثيره كالسوادين الموجودين بالمحل والحركتين في الجهة الواحدة ~~وما جرى مجراها من الأجناس وفي العلم باختلاف ما يحدث عند تناول هذه ~~الأجسام دليل على أنه لا يجوز أن يكون الموجب لشيء منه بعض الأجسام الذي هو ~~مجانس لسائرها وأن الشبع والري والإسكار لو وجبت عن تناول الطعام والشراب ~~لوجب حدوث ذلك عند تناول الحصى والتراب والفث والحنظل وأن يحدث الري ~~والإسكار عند شرب الخل والبلسان وسائر المائعات والجامدات أيضا لأنها من ~~جنس الطعام والشراب. # وإن كان ذلك الطبع الذي يومئون إليه عرضا من الأعراض فسد إثباته فاعلا من ~~وجوه: # أحدها أن الأعراض لا يجوز أن تكون فاعلة كما لا يجوز أن تفعل الأفعال ~~الألوان والأكوان وغيرهما من أجناس الأعراض وكما لا يجوز أن PageV00P059 # يصنع دقائق المحكمات من الصياغة والنساجة والكتابة شيء من الأعراض ولا ~~الميت ولا الجماد وعلى أنه لو جاز وقوع هذه الأفعال من الشبع والري ~~والإسكار والصحة والإسقام من الأعراض لجاز وقوعها من الموات ولو جاز ذلك ~~لجاز أن نفعل نحن جميع ذلك لأننا قادرون عالمون مريدون فوقوع هذه الأفعال ~~من الحي العالم القادر أقرب في عقل كل عاقل من وقوعها من ms025 الأعراض والموات ~~وفي تعذر ذلك علينا دليل على أنه أشد تعذرا على من قصر عن صفتنا. # ولأن هذه الأمور لو كانت حادثة عن طبائع هي أعراض موجودة بهذه الأجسام ~~المطبوعة نحو النار والطعام والشراب لم تخل تلك الأعراض من أن تكون موجودة ~~بالأجسام عن طبيعة أو غير طبيعة فإن كانت موجودة بها عن طبيعة أخرى وجب ~~تعلق ذلك بما لا غاية له كما بيناه من قبل وإن كانت موجودة عن غير طبيعة ~~جاز أن تحتمل أيضا الأجسام وجود الإسكار والشبع والري عن غير طبيعة توجب ~~ذلك وهذا يبطل إثبات الطباع إبطالا ظاهرا. # ويقال لهم أيضا خبرونا عن هذه الطبائع من أي أجناس الأعراض هي ومن أي ~~قبيل هي فلا يجدون إلى ذكر شيء سبيلا. # ومما يدل على فساد فعل الطباع أيضا أنه لو جاز وقوع بعض الحوادث من الشبع ~~والري والصحة والسقم واللذة والألم من طبع ليس بحي ولا قادر ولا قاصد لجاز ~~وقوع الإرادة والنظر والكتابة ودقائق الصياغة والنجارة من طبع وعن طبع ليس ~~بحي ولا قادر ولا عالم كما أنه لو جاز استغناء بعض الحوادث عن محدث لجاز ~~غنى سائرها عن ذلك فلما كان جهة تعلق الإرادة بفاعل حي قادر هي كونها فعلا ~~حادثا دون كونها إرادة ثبت أن سائر الحوادث المشاركة للإرادة في وصف الحدوث ~~محتاجة إلى ما تحتاج إليه الإرادة من فاعل حي قادر. PageV00P060 # ومما يدل أيضا على إبطال قولهم بفعل الطبائع علمنا بوجوب وجود كل معلول ~~بعلة كلما وجدت وتكررت وكلما وجد مثلها ووجوب كثرة المسببات عند كثرة ~~أسبابها على قول من أثبت السبب والمسبب. ألا ترى إلى وجوب كون العالم عالما ~~بالشيء والمريد مريدا له كلما تكررت له الإرادة والعلم له وجد به أمثالها ~~في كل وقت زمان ولم يجز أن توجد به علة الحكم في بعض الأماكن والأزمان ولا ~~يوجد الحكم وكذلك يجب عند القائلين بتولد الألم عن الضرب وذهاب الجسم عند ~~الدفعة أن يكثرا عند كثرة أسبابهما ويشتدا عند كثرة الضرب والاعتماد ms026 ~~والدفع. # وكذلك يجب لو كان الإسكار والشبع والري ونماء الزرع حادثا عن طبع الشراب ~~والطعام والسقي والتسميد وحمى الشمس لوجب أن تزداد هذه الأمور ما كانت ~~الأجسام محتملة لها عند وجود أمثال ما أوجب ذلك وتناوله فكان يجب أن يزيد ~~الزرع وينمي وإن بلغ حد النهاية في مستقر العادة إذا أديم سقيه وأكثر ~~تسميده وإظهاره للشمس حتى يزيد أبدا وينمي وأن توجب له هذه الأمور الزيادة ~~في غير إبان الزرع وحينه كما توجب ذلك في وقت عادة خروجه وفي علمنا أن ~~السقي والتسميد يعود بتلفه إذا بلغ مقدارا ما وأنه لا يوجب له في ذلك غير ~~حين نمائه دليل على سقوط ما قالوه وكذلك فلو أن الإنسان أكل وشرب فوق شبعه ~~لم يحدث له أبدا من الشبع والري ما يحدث عند الحاجة إلى تناول الطعام ~~والشراب بل يصير ذلك ضررا وألما وإذا كان هذا هكذا وجب بطلان ما قالوه وفسد ~~أن تكون الطبائع PageV00P061 # التي في هذه الأشياء بزعمهم موجبة لهذه الأمور لا على أحد إيجاب العلة ~~للحكم ولا على سبيل ما تولد عن سبب يوجبه على مذهب أصحاب التولد وقد ثبت ~~أيضا بما قدمناه أنه لا يجوز أن تكون الأعراض فاعلة للأفعال فبطل ما ~~يثبتونه من فعل الطبائع أو إيجابها لهذه الحوادث. # فأما ما يهذون به كثيرا من أنهم يعلمون حسا واضطرارا أن الإحراق والإسكار ~~الحادثين واقعان عن حرارة النار وشدة الشراب فإنه جهل عظيم وذلك أن الذي ~~نشاهده ونحسه إنما هو تغير حال الجسم عند تناول الشراب ومجاورة النار وكونه ~~سكران ومحترقا ومتغيرا عما كان عليه فقط فأما العلم بأن هذه الحالة الحادثة ~~المتجددة من فعل من هي فإنه غير مشاهد بل مدرك بدقيق الفحص والبحث فمن قائل ~~إنه من قديم مخترع قادر وهو الحق الذي نذهب إليه ومن قائل يقول إنه من فعل ~~الإنسان الذي جاور النار وتناول الشراب ومتولد عن فعله الذي هو سبب الإحراق ~~والإسكار ومن قائل يقول إنه فعل الطبع في الجسم ولا أدري أهو ms027 نفس الجسم ~~المطبوع أم معنى فيه ومن قائل يقول إن الطبع عرض من الأعراض. # فكيف يدرك حقيقة ما قد اختلف فيه هذا الضرب من الاختلاف بالمشاهدة ودرك ~~الحواس ولو جاز لزاعم أن يزعم أنه يعلم صحة فعل الطبع في الجسم لما حدث من ~~هذه الأمور اضطروا لجاز لنا أن ندعي أنا نعلم كذب مدعي ذلك اضطرارا وأنه هو ~~مضطر إلى ذلك وهذا مما لا PageV00P062 # حيلة لهم في الخلاص منه وقد ثبت أن ما يعلم بالضرورة ودرك الحواس لا يجوز ~~أن يجتمع على جحده وإنكاره قوم بهم تثبت الحجة وينقطع العذر كما لا يجوز ~~مثل ذلك في جحد وجودنا السماء فوقنا والأرض تحتنا وسماع كلام السائل لنا في ~~هذا الباب وفي جحد أكثر العالم والأمم لفعل الطباع والعلم بهذه الطبائع ~~أصلا دليل على جهل مدعي هذه الدعوى. # وعلى أن كثيرا من المتكلمين ينكر العلم بوجود حوادث هي إحراق وإسكار من ~~جهة الاضطرار فكيف يعلم حدوثها من محدث بعينه وعن شيء بعينه اضطرار وكثير ~~من الناس يجهلون وجود هذه الأعراض وأعيانها فكيف يضطرون مع ذلك إلى العلم ~~بفاعلها وعلى أن سائر المتكلمين وأهل التحصيل قد أطبقوا على أن حدوث الشيء ~~وكونه عن عدم لا يعلم اضطرارا فكيف يعلم ممن حدث وعن أي شيء حدث اضطرارا ~~والعلم بحدث الشيء وما حدث عنه فرع للعلم بأنه محدث فإذا لم يعلمه محدثا ~~اضطرارا ولم يشاهده معدوما قبل وجوده وموجودا بعد عدمه فكيف يضطر إلى العلم ~~بمحدثه لولا الغفلة والذهاب عن التحصيل؟. # ويقال لهم في هذا أيضا لو قال لكم قائل من المعتزلة القائلين بالتولد ~~إنني أعلم حدوث الألم وذهاب السهم والحجر متولدين عن الرمي والدفع ~~والاعتماد وكذلك الكسر والقطع وتأليف الأجسام عند حركات البنائين واعتمادهم ~~وإنني أشاهده وأحسه اضطرارا هل كان في دعواه ذلك إلا بمنزلتكم في ادعاء فعل ~~الطباع لأنه يقول وجدت هذه الأمور PageV00P063 # تحدث عند الرمي والاعتماد والضرب والرجم والصكة وأحس ذلك فيتعلق في ذلك ~~بمثل ما به تعلقتم فإن سوغوه ذلك صاروا ms028 إلى إثبات التولد وتركوا القول بفعل ~~الطباع وإن امتنعوا منه لم يجدوا إلى الفصل سبيلا. # وتعارض المعتزلة في القول بتولد هذه الأمور عن الصكة والضرب والرمية بقول ~~المثبتين للطباع فلا يجدون في ذلك فص. # وإن قال أصحاب الطبائع قد توجد هذه الحركات والاعتمادات أحيانا غير ~~متولدة لما ادعته المعتزلة فبطل أن تكون متولدة في حال من الأحوال يقال لهم ~~وكذلك قد يوجد تناول الشراب ومجاورة النار أحيانا مع عدم الإحراق والإسكار ~~فبطل أن يكون الإحراق واجبا عن فعل الطباع. # فإن قالوا إنما تفعل طباع الأغذية والأدوية مع عدم المانع لها قيل وكذلك ~~إنما تتولد هذه الأسباب مع عدم الموانع من مسبباتها ولا فصل في ذلك. # فأما قول كثير من هؤلاء إن للفلك طبيعة خامسة ليست بحرارة ولا برودة ولا ~~رطوبة ولا يبوسة فإنه أيضا قول باطل لا حجة عليه فيقال لهم لم قلتم ذلك وما ~~دليلكم عليه فإن قالوا لأنا وجدنا الفلك يتحرك حركة دورية أبدا سرمدا ولا ~~يصح أن يتحرك في جهات العالم الست ولا أن يقف ويسكن بدلا من الحركة فوجب أن ~~تكون له طبيعة خامسة لأن الدال على طبائع الأجسام حركاتها في جهة العلو ~~والسفل فيقال لهم لم قلتم هذا؟ وما PageV00P064 # الحجة فيه وما يدريكم أن الفلك لا يجوز أن يسكن يوما ما ولا أن يتحرك ~~حركة مستقيمة في إحدى الجهات الست وإن كنتم لم تجدوا ذلك قط فإن قالوا لأن ~~ذلك لو جاز لجاز أن يتحرك الماء والأرض سوم أنفسهما إلى فوق وأن تتحرك ~~النار سوم نفسها إلى أسفل قيل لهم ما أنكرتم من جواز ذلك إن كان ها هنا ~~متحرك يتحرك سوم نفسه بغير متحرك يحركه وما في وجودكم لتعذر هذا اليوم ما ~~يدل على استحالته. ثم يقال لهم ما الدليل أولا على أن ها هنا متحركا يتحرك ~~سوم نفسه بغير محرك يحركه ويخترع فيه الحركة أو من غير أن يكون قادرا على ~~تحريك نفسه ومختارا لذلك فلا يجدون إلى تصحيح ذلك سبيلا. # ثم يقال ms029 لهم فيجب على اعتلالكم هذا استواء طبع الهواء والنار والماء ~~والأرض لأن النار والهواء يتحركان أبدا صعدا سوم أنفسهما ولا يتحركان في ~~غير هذه الجهة فيجب استواء طبعهما لاستواء حركتيهما إن كان اختلاف الحركات ~~دالا على اختلاف الطباع وكذلك يجب اتفاق طبع الماء والأرض لاتفاق حركتيهما ~~إلى جهة السفل وهذا ترك لقولهم إن الماء رطب والأرض يابسة والهواء رطب ~~والنار يابسة فإن قالوا الأرض أقرب حركة من المركز من الماء فوجب اختلاف ~~طبعيهما قيل لهم فوجب مخالفة طبع الصفحة التي نحن عليها من الأرض لطبع ~~الصفحة التي تلي المركز لأن ذلك أقرب حركة إلى المركز وكذلك القول في تركيب ~~الصفحات وهذا ترك قولهم. # ويقال لهم ويجب على اعتلالكم هذا أن تقضوا على اتفاق طبع كلية ~~PageV00P065 # الماء والأرض والنار والهواء لأن من طبع كليات هذه الأشياء الوقوف في ~~عالمها الذي هو موضع مركزها وأن لا تتحرك عنه فإن صاروا إلى ذلك تركوا ~~قولهم وإن قالوا اتفاق كليات هذه الأشياء في السكون في مراكزها ومواضع ~~كلياتها لا يدل على اتفاق طبعها قيل لهم وكذلك اختلاف حركات جزئياتها ~~الموجودة في عالمنا لا يدل على اختلاف طباعها ولا فصل في ذلك. # ويقال لهم أيضا يجب على موضوعكم هذا أن يكون طبع جزئيات هذه الأشياء ~~مخالفا لكلياتها وأن تكون طباعها خلاف طباع كلياتها وذلك أن من شأن هذه ~~الجزئيات الموجودة في عالمنا الحركة ومن شأن كلياتها السكون والوقوف فيجب ~~لذلك اختلاف طباع الجزئيات والكليات فإن مروا على ذلك تركوا قولهم وإن أبوه ~~قيل له فما أنكرتم أيضا من اتفاق طبع الفلك والنار والهواء والماء والأرض ~~وإن اختلفت حركات هذه الأمور فلا يجدون إلى دفع ذلك سبيلا. # باب الكلام على المنجمين إن قال قائل فما أنكرتم أن يكون صانع هذا العالم ~~ومصوره ومدبره ونافعه وضاره ومبتليه الأفلاك السبعة التي هي الطوالع الشمس ~~والقمر وزحل PageV00P066 # والمريخ والمشتري والزهرة وعطارد قيل له أنكرنا ذلك لعلمنا بحدوث هذه ~~النجوم وأنها جارية مجرى سائر أجسام العالم وذلك أنه قد جاز ms030 عليها من الحد ~~والنهاية والتأليف والحركة والسكون والانتقال من حال إلى حال ما يجوز على ~~سائر أجسام العالم فلو جاز أن تكون قديمة مع ما وصفنا لجاز قدم سائر ~~الأجسام. # والدليل على حدوث هذه الأفلاك علمنا بأن الشمس تكون في برج الحمل ثم ~~تنتقل إلى برج الثور ثم إلى غيرها من البروج وقد علمنا أنها لا تجوز أن ~~تكون كائنة في برج الحمل ومتحركة إليه لعينها ونفسها لأن ذلك لو كان كذلك ~~لم تعلم نفسها إلا وهي كائنة في برج الحمل ولوجب أن تكون لم تزل كائنة فيه ~~لعينها ولا تزال كذلك وأن يستحيل خروجها عنه وانتقالها منه إذ كانت كائنة ~~فيه لعينها كما أنها إذا كانت قديمة لعينها وجوهرا لعينها استحال خروجها من ~~القدم والجوهرية وفي علمنا لخروجها PageV00P067 # من كل برج إلى غيره وأن كونها فيه مضاد لكونها في غيره دليل أنه لا يجوز ~~أن يكون كونها في هذه البروج قديما لأن ذلك لو كان كذلك لوجب أن تكون في ~~برج الحمل في حال كونها في برج الثور ولم تكن بأن تكون في أحد المكانين ~~بأولى من أن تكون في الآخر إذا كان كونها فيهما قديما لم يزل موجودا ولا ~~يزال كذلك موجودا وإذا لم يجز ذلك ثبت حدوث حركات هذه الأفلاك وأكوانها ~~وثبت بذلك حدوثها لأنها عندنا وعندهم لم توجد قط منفكة من هذه الأكوان وما ~~لم يسبق الحوادث فواجب كونه محدثا وقد أفسدنا من قبل قول من زعم أن الحوادث ~~لا أول لها بما يغني عن رده فوجب القضاء على حدوث هذه الأجسام وقد قام ~~الدليل على أن الجسم المحدث لا يصح أن يفعل في غيره وأنه لا توجد أفعاله ~~إلا في نفسه فلم يجز أن تكون هذه الآثار الأرضية من فعل الأفلاك إذ ليست ~~هذه الأفعال موجودة بذواتها. # وعلى أن هذه الأفلاك إذا ثبت حدثها بما وصفناه فلا تخلو من أن يكون لها ~~محدث مدبر أو لا محدث لها ولا مدبر فإن لم يكن لها محدث ms031 جاز وقوع الآثار ~~الأرضية والعلوية وسائر الحوادث من غير محدث هو فلك أو غيره وإن كان لها ~~محدث فلا يخلو أن يكون أحدثها بالطبع أو بالقدرة والاختيار فإن كان أحدثها ~~بالطبع وجب أن تكون قديمة لقدم الطبع الذي وجبت عنه على ما بيناه وخرجت عن ~~أن تكون محدثة وقد بينا فساد ذلك من قبل وجاز أن تكون سائر الحوادث ~~والتأثيرات حادثة بطبع ذلك الصانع المحدث لهذه الأفلاك دون طباع هذه ~~الكواكب فتكون كل الحوادث واقعة بطبع ذلك الفاعل وإن كان أحدثها بالقدرة ~~والاختيار فلا يخلو أن يكون PageV00P068 # قادرا على ألا تكون الحوادث التي يوجبون وجودها عند كون الشمس في برج ~~الثور ومقابلتها لما قابلته أو غير قادر على ذلك فإن كان غير قادر عليه وجب ~~ممانعة هذه الأفلاك له وغلبتها إياه وذلك يقتضي نقصه وحدوثه وإن كان صانعها ~~قادرا على المنع من وجود هذه التأثيرات مع وجود الأفلاك ومقابلتها وتربيعها ~~وتسديسها وثبوت طبائعها ويقدر على إيجاد غيرها من الحوادث بطل أن تكون لهذه ~~الكواكب أفعال وتأثير وطباع توجب حدوث ما يحدث في عالمنا وثبت أن ذلك أجمع ~~فعل فاعل قادر مختار يحدثه إذا شاء ويتركه إذا شاء. # ومما يدل أيضا على أنه لا يجوز أن تكون هذه التأثيرات والحوادث الأرضية ~~والسماوية من فعل هذه الكواكب أنها لو كانت من فعلها لم تخل من أن تكون ~~فعلت هذه الأمور وهي قادرة عليها أو غير قادرة على ذلك فإن كانت غير قادرة ~~على ذلك استحال وقوع الأفعال منها كما يستحيل وقوع القصد والاختيار وحل ~~الأشكال وعمل الهندسة ودقائق الكتابة والنساجة والزرع والمساحة عندهم ~~وعندنا ممن ليس بقادر وذلك لأن الفعل إنما تعلق بفاعل حي قادر من حيث كان ~~فعلا فإذا جاز وقوع بعض الأفعال من غير قادر خرج جميعها عن الحاجة إلى ~~التعلق بقادر وفي بطلان ذلك دليل على أنها لا تجوز أن تكون غير قادرة. وإن ~~كانت قادرة على ما كان منها ومختارة له فلا يخلو كل واحدة منها قديمة كانت ms032 ~~أو محدثة من أن يكون قادرا على ممانعة الآخر من فعله والاستبداد بوجود ~~مراده دون مراد PageV00P069 # مخالفه أو لا يكون فيها قادرا على ذلك أو يكون بعضها قادرا على هذا وبعضه ~~غير قادر عليه ويساق معهم دليل التمانع بعينه فإنه مفسد لقولهم وموجب لحدوث ~~سائر هذه الأفلاك وفيه ترك تدينهم بقدمها. # فأما من قال من المنجمين إن هذه الكواكب محدثة وأنها حية قادرة قاصدة ~~فإنه جوز تمانعها ولحوق العجز بها فإنهم لا سبيل لهم إلى العلم بكونها ~~قادرة مختارة وما معهم فيه سوى الدعوى فيقال لهم لم قلتم إن هذه الأفلاك ~~حية قادرة فإن قالوا لظهور ما ظهر من سيرها وقطعها البروج وكونها فيها على ~~ترتيب ونظام وفي الأوقات المعلومة قيل لهم وما الدليل على أن هذه الحركات ~~من فعلها وأنها قادرة عليها مع علمنا وإياكم بأنه قد يتحرك الحي والميت ~~والقادر ومن ليس بقادر فما في ظهور الحركات منها ما يدل على أنها قادرة؟ ~~وما أنكرتم أن يكون صانعها خالقا للسير وقطع البروج فيها؟. # فإن قالوا الذي به نعلم أن ما يظهر من حركات الناس وتصرفهم فعل لهم به ~~نعلم أن سير هذه الكواكب وكونها في البروج فعل لها يقال لهم لم قلتم ذلك ~~وما أنكرتم أن يكون علم الإنسان بأن نفسه فاعلة لقيامه وقعوده وضروب تصرفه ~~المتعلق بقدرته هو وجوده لنفسه قادرة على ذلك ومختارة له وعلى خلاف صفته ~~إذا دفع وسحب واضطر إلى حركة مثل حركة الحمى والفالج وأن يكون علمه بأن ~~غيره من الناس المتصرفين في الصياغة والكتابة مختارون لذلك وقاصدون إليه ~~وقادرون عليه يقع اضطرارا من وجه يلزم النفس العلم به لأننا قد نضطر إلى ~~علم كون PageV00P070 # المريد منا مريدا والقاصد قاصدا وأنه بالصفة التي إذا كنا نحن عليها ~~سمينا قادرين عند أحوال تظهر منهم ليست بأسباب لكونهم قادرين ولا دالة على ~~ذلك ولكنا نضطر عند مشاهدتها والعلم بها إلى كونهم قاصدين وأنهم بصفة ~~القادرين على سبيل وضع العادة ومستقرها كما نضطر إلى خجل الخجل ms033 ووجل الوجل ~~وشجاعة الشجاع أو جبن الجبان عند أمور تظهر منهم ليست بأسباب الشجاعة ~~والجبن ولا دالة عليها ولكن العادة جارية بحصول العلم الضروري بأحوالهم عند ~~حصولها وإذا كان ذلك كذلك ولم نكن مضطرين إلى العلم بأن النجوم مختارة ~~قادرة حية ولا عالمين بذلك من جهة الاستدلال لفقد الدليل عليه ثبت أنه لا ~~سبيل لهم إلى العلم بأنها حية قادرة. # وعلى أنه لو قال قائل إن ما يظهر من حركات النجوم وسيرها ودوران الفلك ~~على نمط واحد وسجية واحدة غير مختلفة يدل على أنها مجبولة على ذلك ومضطرة ~~إليه ومطبوعة عليه على قول أصحاب الطباع لكان ذلك أقرب لأن المطبوع المجبول ~~على الفعل من شأنه أن يكون ما يضطر إليه على سجية واحدة وليس كذلك المتصرف ~~باختياره لأنه يفعل الشيء وضده وخلافه فتأثيرات هذه النجوم لما تؤثره على ~~سنن واحد يجري مجرى تأثير النار والثلج للتسخين والتبريد على سجية واحدة ~~وتأثير الطعام والشراب وما جرى مجرى ذلك فما ظهر من حركاتها أقرب إلى أن ~~يدل على قول أصحاب الطباع. # فأما استدلال من استدل منهم على حياة الفلك الأعظم وهذه الأفلاك التي ~~دونه لعظم أجرامها وضيائها وإشراقها وعلو شأنها فإنه من وساوس النفوس وذلك ~~أن عظم الجسم وعلو مكانه وشدة إشراقه وضيائه لا يدل على كونه حيا وكذلك ~~ظلمة الجسم ولطافته وصغر شأنه لا يدل على المنع من كونه حيا لأنه قد يكون ~~PageV00P071 # المضيء العظيم غير حي والخسيس المظلم اللطيف من الأجسام حيا دراكا كالذر ~~والبق وما جرى مجرى ذلك فلا تعلق في هذا. # وأما تعلقهم في إثبات تأثيرات هذه الكواكب بحمي الزمان عند قرب الشمس ~~وبرده عند بعدها عن عالمنا وكون الاعتدال في زمن الخريف والربيع عند توسطها ~~فإن ذلك أجمع لا يدل على أن ما يحدث في عالمنا من هذه الأمور من فعلها كما ~~لا يدل حدوث التبريد والتسخين في الأجسام عند مجاورة الثلج والنار على أن ~~ذلك من فعلها وكل شيء نقضنا به على القائلين بفعل الطباع بهذا ms034 الاستدلال ~~فهو بعينه ناقض لتعلق المنجمين به. # ومما يدل على ذلك أيضا أن هذه الحوادث الأرضية لا تخلو أن تكون واجبة من ~~ذوات الأفلاك أو عن أكوانها في هذه البروج فإن كانت كائنة موجبة عن ذواتها ~~وجب أن تكون سائر الأجسام موجبة لمثل ما توجبه هذه الأفلاك من هذه الآثار ~~لقيام الدليل على تجانس الأجسام وتماثل جرم المشتري وزحل والشمس والقمر ~~فكان يجب أن يكون تأثير كل شيء منها كتأثير غيره سواء وكذلك سائر أجسام ~~العالم. وعلى أنه لا بد أن تكون ها هنا جهة من قبلها يصح العلم بأن ذوات ~~هذه الأجرام وأنفسها توجب حدوث هذه الآثار وفي تعذر ذلك عليهم دليل على ~~فساد هذه الدعوى. # وإن كانت هذه الحوادث إنما تحدث عن أكوان هذه الأجسام في تلك البروج فيجب ~~أن يكون كون القمر والمشتري في برج الحمل موجبا لما يوجبه كون الشمس فيه ~~لأن كون كل جرم نيرا كان أو غير نير رطبا كان أو يابسا في المكان من جنس ~~كون غيره فيه ألا ترى أن كون الزئبق PageV00P072 # والبلسان في القدح والمكان المعين من جنس كون الماء فيه وكذلك كون الجمرة ~~في المكان من جنس كون قطعة الثلج فيه؟ وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون كون كل ~~كوكب في برج من هذه البروج موجبا لمثل ما أوجبه كون غيره فيه لأن الشيئين ~~المتماثلين يجب أن يكون تأثيرهما والموجب عنهما واحدا ألا ترى أنه لما كان ~~كون القمر في برج الحمل من جنس كون الشمس فيه وجب أن يصير كل واحد من ~~الكونين في تلك المحاذاة وذلك البرج بعينه فكذلك يجب أن يكون سائر موجبات ~~الكونين واحدا وكذلك السوادان المتماثلان يجب أن يكون تأثيرهما في المحل ~~والمنظر تأثيرا واحدا ولا يجوز أن يكون أحدهما مسودا والآخر مبيضا. وكذلك ~~الحرارتان والبرودتان لا يجوز أن تكون إحداهما مسخنة والأخرى مبردة. # فإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون تأثير الشمس إذا كانت في برج الحمل هو ~~تأثير المريخ وزحل إذا كانا فيه ms035 وأن يكون كوننا نحن في ذلك البرج لو وجدنا ~~فيه أو بعض الحجارة موجبا من التأثير مثل الموجب عن كون الشمس فيه وإن لم ~~يصح وجود نجم من هذه الطوالع في مكان الآخر وفلكه وجب أن يؤثر كون الشمس في ~~البرج والدقيقة في الدرجة إذا كانت مقارنة لزحل أو مقابلة لبعض الطوالع ما ~~تؤثره إذا لم تكن تلك في المقابلة والمقارنة وفي إجماعهم على بطلان ذلك ~~دليل على أن هذه التأثيرات لا يجوز أن تكون واجبة عن ذوات هذه الأفلاك ولا ~~PageV00P073 # عن ذوات أكوانها في البروج ولا كائنة عنها على سبيل الطبع ولا على وجه ~~القدرة والاختيار فلا معنى إذا لنسبة هذه الآثار إلى الأفلاك. # فإن قال قائل منهم ما أنكرتم أن يكون تعلق هذه الآثار بالأفلاك ونسبتها ~~إليها على حسب تعلق الحكم بالعلة ونسبته إليها وذلك ككون العالم عالما ~~والقادر قادرا والمتحرك متحركا والواجب عن العلم والقدرة والحركة لا على ~~سبيل الفعل ولا على سبيل الطبع قيل له لا يجب ما قلته من وجوه. # أحدها أن الحكم عندنا الذي زعمت أنه موجب عن العلة ليس هو شيئا غير العلة ~~بل كون العالم عالما والمتحرك متحركا ليس بمعنى أكثر من وجود الحركة والعلم ~~فقط فيجب على هذا ألا تكون هذه الحوادث الكائنة في الأرض معنى سوى ذوات ~~الكواكب أو كونها في تلك البروج وهذا جهل لا يصير أحد إليه. # والوجه الآخر أن الحكم الواجب عن العلة لا يصح أن ينفصل عن العلة ولا عن ~~الذات التي توجد بها العلة فلذلك لم يجز أن تكون الحركة موجبة لكون غير من ~~وجدت به متحركا وكذلك العلم والإرادة وسائر ما يوجب حكما لا يجوز أنه يوجب ~~حكما في غير محله فيجب إذا كان ذلك كذلك ألا توجب أنفس هذه الأفلاك وكونها ~~في البروج شيئا من التأثيرات إلا في أنفسها ومواضع أكوانها وفي العلم ~~بانفصال هذه الأفعال عن ذوات البروج ومحل أكوانها دليل على فساد تشبيههم ما ~~ادعوه بالعلة والحكم فإن قالوا: أفليس الفعل ms036 والعدل والتفضل يوجب كون ~~الفاعل فاعلا والعادل عادلا وإن لم يوجد ذلك في محله لأن الفعل والعدل من ~~الله تعالى منفصل من ذاته تعالى؟. PageV00P074 # قيل لهم: ليس للفاعل بكونه فاعلا وعادلا حكم أكثر من وجود الفعل والعدل ~~منه وليس يتغير حكم نفسه بوجود الفعل كما يتغير حكم من ليس بعالم ولا مريد ~~بوجود العلم والإرادة فسقط ما سألتم عنه. # فإن قال منهم قائل: ما أنكرتم أن يكون تعلق هذه الحوادث بالأفلاك على حسب ~~تعلق الفعل المتولد بما ولده من الأسباب؟ قيل: أنكرنا ذلك لأمور أحدها أن ~~التولد عندنا باطل غير ثابت في أفعال الخلق ولا في أفعال الخالق تعالى فلا ~~معنى لتشبيه الأمور به. # والوجه الآخر أن هذه الحوادث لا تخلو أن تكون متولدة عن ذوات الأفلاك ~~وجواهرها أو عن أكوانها في البروج فإن كانت متولدة عن ذواتها فقد ثبت عند ~~كل أحد ممن ينفي التولد ومن يثبته أن ذوات الأجسام لا تولد شيئا وعلى أنه ~~لو جاز توليدها لهذه التأثيرات لوجب توليد الشمس لمثل ما يولده القمر ~~وتوليد الصخور الصلاب وسائر الأجسام لما تولده ذوات هذه الأفلاك لأنها كلها ~~من جنس واحد وهذا باطل عندنا وعندهم. # وإن كانت هذه الحوادث متولدة عن أكوان هذه الأفلاك في البروج وجب أن يكون ~~كون الشمس في برج الحمل مولدا لما يولده كون المشتري والقمر فيه وذلك باطل ~~عندهم. وإنما وجب ذلك لما قلناه من وجوب تجانس هذه الأكوان في المكان ~~الواحد مع تغاير الكائنين فيه وفي بطلان هذا دليل على فساد ما ظنوه من ذلك ~~ويجب إن لم يصح كون الشمس سائرة في PageV00P075 # برج القمر وكائنة في الدقائق التي يكون فيها القمر أن يكون كون الشمس في ~~تلك الدقيقة من فلكها ومن البروج مؤثرا لذلك الحادث متى وجد سواء كان في ~~مقابلة الكائن فيه شيء أو لم يكن وسواء ربع الكواكب أو سدسه لأن الكوكبين ~~في ذلك المكان لا شك من جنس واحد فبطل بذلك ما قالوه. # وعلى أن الفاعل في غيره ms037 على سبيل التولد لا يفعل فيه إلا بأن يماسه أو ~~يماس ما ماسه ومحال عند أصحاب التولد أن يخترع فيه الفعل اختراعا بغير ~~مماسة له ولا مماسة لما ماسه فيجب إذا كان كذلك ألا يصح فعل هذه الأفلاك ~~فينا وتأثيراتها في أنفسنا وعالمنا إلا بأن تماسنا أو تماس ما ماسنا لأنه ~~لو جاز أن تفعل فينا بالتولد على غير هذه السبيل لجاز وصح أن نفعل نحن أيضا ~~فيها تأثيرات وحوادث من غير أن نماسها أو نماس ما ماسها وفي تعذر ذلك ~~واستحالته دليل على استحالة فعل هذه الكواكب فينا على هذه السبيل وإذا بطل ~~ذلك صح أنه لا فعل ولا تأثير لهذه الكواكب والأفلاك بحال بتة. # فأما من أقر منهم بالإسلام وأذعن لحدوثها وأنها متعلقة بمحدث أحدثها وزعم ~~أن الله تعالى جعلها دلالة على ما يحدث في العالم في أوقاته فإنه أيضا خبط ~~وتخليط لأن الدليل المتعلق بمدلوله لا بد أن تكون جهة تعلقه به معروفة ~~معلومة كجهة تعلق الكاتب بالكتابة وبكون صانعها عالما ودلالة الحوادث على ~~حدوث ما لا يسبقها ولا يفنك منها ودلالة المعجزات PageV00P076 # على صدق صاحبها وأمثال ذلك مما قد عرف جهة تعلق الدليل فيه بمدلوله ولا ~~وجه من قبله يعلم لدلالة كون هذه الأفلاك في البروج وسيرها وحركاتها على ~~حدوث ما يحدث من الأمطار والنماء والنقصان وغلاء الأسعار وسفك الدماء وسكون ~~الهيج والفساد وعلى ما يستسر الناس بعلمه وما ينطوون عليه. # وقد أخبر الله تعالى عن كذب مدعى علم ذلك وأنه تعالى المستبد بعلم ما كان ~~ويكون فقال «وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم». فجعل ذلك من دليل ~~النبوة وما لا يطلع عليه إلا من أوحي به إليه وقال «إن الله عنده علم ~~الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما ~~تدري نفس بأي أرض تموت» وقال «عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول». # وفي نظائر هذه الآيات ما يدل على أن علم ما ms038 يكون لا يدركه إلا علام ~~الغيوب أو من أطلعه على ذلك فكيف يدرك ذلك بقطع الأفلاك وسير النجوم وكيف ~~يجتمع في قلب مؤمن تصديق الرسل وتصحيح الآيات مع اعتقاد تصحيح أحكام ~~المنجمين واعتقاد كون سير الأفلاك أدلة على علم ما كان ويكون وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من صدق PageV00P077 # كاهنا أو عرافا وفي بعضها أو منجما فقد كفر بما أنزل على قلب محمد) صلى ~~الله عليه وسلم في أمثال لهذه الرواية يطول ذكرها. # باب الكلام على أهل التثنية القائلين بأن العالم من أصلين أحدهما نور ~~والآخر ظلام لم يزالا متباينين ثم امتزج منهما جزآن وأن النور خير حكيم ~~بطبعه وأن الظلام شرير سفيه بطبعه. # فإن قال قائل منهم لم أنكرتم أن يكون العالم من أصلين قديمين أحدهما نور ~~والآخر ظلام قيل له لسنا ننكر أن يكون من جملة العالم ما هو نور ومنه ما هو ~~ظلام غير أنهما لا يجوز عندنا أن يكونا من أشخاص العالم وأجسامه القائمة ~~بأنفسها ولا أن يكونا قديمين ولا فاعلين بالطبع ولا بالاختيار ولا أن تكون ~~الأجسام من النور والظلام في شيء. # فإن قيل: ولم أنكرتم أولا أن يكون النور والظلام المختلفان في الجنس ~~أجساما قيل له أنكرنا ذلك لقيام الدليل على أن الأجسام كلها من جنس واحد من ~~حيث كان كل واحد منها يسد مسد الآخر وينوب منابه ويجوز عليه من الوصف مثل ~~ما جاز عليه من الحركة والسكون والاجتماع PageV00P078 # والافتراق والزيادة والنقصان وغير ذلك من الأوصاف وليس معنى المثلين ~~المتشابهين أكثر من ذلك فلو كان بعض الأجسام نورا مع اشتباهها وتماثلها ~~لكانت كلها نورا وكذلك لو كان منها ما هو ظلام لكانت كلها ظلاما كما أنه لو ~~كان منها ما هو حركة أو سكون أو امتزاج أو تباين أو إرادة أو علم لكانت ~~كلها كذلك مع تماثلها وفي فساد هذا دليل على أن الأجسام كلها جنس واحد ~~مشتبه غير متضاد ولا مختلف ليس منها نور ولا ظلام ولا ms039 اجتماع ولا افتراق ~~ولا حركة ولا سكون ولا ظهور ولا كمون وبان بذلك أن النور والظلام هما ~~السواد والبياض اللذان يوجدان بالأجسام وأنهما من جملة الأعراض وبعض العالم ~~وليس بكل العالم ولا مريدين ولا قائمين بأنفسهما. # فأما ما يدل على أنهما ليسا بقديمين فهو ما قدمناه من الدلالة على ~~تضادهما وجواز كون الشخص مرة مضيئا نيرا ومرة أسود مظلما وأنه لا يجوز أن ~~يكون ضياء الجسم ونوره موجودا به في حال وجود سواده وظلامه كما لا يجوز أن ~~تكون حركته موجودة في حال سكونه فوجب أنهما يحدثان ويتجددان على الأجسام ~~ويبطل النور في حال وجود الظلام كما تبطل الحركة عند مجيء السكون. # وقد قام الدليل أيضا على أنه لا يجوز عليهما ولا على غيرهما من الأعراض ~~الظهور والكمون لأن الظهور خروج إلى مكان والكمون انتقال عنه وكون في غيره ~~من الأماكن واستتار ببعض الأجسام والحركة والسكون والاستتار والظهور من ~~صفات الأجسام دون الأعراض لما قدمناه من قبل في باب إثبات الأعراض. # وأما ما يدل على أن النور والظلام وغيرهما من الأعراض لا يجوز أن ~~PageV00P079 # يكونا فاعلين بالطباع ولا بالاختيار لخير ولا شر ولا نفع ولا ضر فهو أن ~~الدلالة قد قامت على أن الفاعل لا يكون إلا حيا قادرا مختارا وأن هذه ~~الصفات مستحقة لمعان توجد بالموصوف وسندل على ذلك فيما بعد إن شاء الله. # وقد اتفقنا على استحالة قبول الأعراض للأعراض فبطل أن تكون فاعلة ولو جاز ~~وقوع بعض الأفعال من الأعراض ومن الموات وبفعل الطباع لجاز وقوع القصد ~~والاختيار والعلم والنظر ونساجة الديباج بالتصاوير ودقائق المحكمات من ~~الأعراض والموات وبفعل الطباع فإن مروا على ذلك تركوا قولهم وإن أبوه لم ~~يجدوا من ذلك فضلا. # ويقال لأهل التثنية لم زعمتم بأن العالم بأسره من أصلين قديمين أحدهما ~~نور والآخر ظلام فإن قالوا لأننا وجدنا جميع الأجسام لا تنفك من أن تكون من ~~ذوات الظل أو ليست من ذوات الظل كالنار والنور النيرين وغير ذلك من الأجسام ~~التي لا ظل ms040 لها وما كان من هذا القبيل فهو من أشخاص النور وما كان من الأول ~~فهو من أشخاص الظلام ووجدناها أيضا لا تخلو أن تكون ستارة مناعة من إدراك ~~ما وراءها كالحديد والصخر والحيطان الغلاظ المانعة من إدراك المرئيات ~~والمسموعات أو ليست كذلك نحو الهواء والماء الصافي والقوارير وكل ما يصف ما ~~وراءه ولا يمنع من إدراك ما وراءه من المرئيات والمسموعات وما كان كذلك فهو ~~من أشخاص النور والضرب الأول من أشخاص الظلام. # ولأننا أيضا وجدناه لا ينفك من شخصين إما خفيف صاف شأنه الارتفاع ~~والتصاعد واللحوق بعالمه والشوق إلى معدنه وموضع مركزه أو ثقيل مظلم شأنه ~~الهبوط والانحدار وخرق الخفيف والاعتماد على ما تحته كالحديد والصخر والأرض ~~وغير ذلك من الأجسام الثقيلة المعتمدة على ما تحتها PageV00P080 # والموهنة لحاملها ككارة الحمال وسائر الأجسام الواقفة بالحبس والاعتماد ~~وما كان من هذا الضرب فهو من أشخاص الظلام والأول الخفيف من أشخاص النور ~~فوجب أن يكون سائر أجسام العالم لا تنفك من نور وظلام. # فيقال لهم ولم قلتم إن سائر الأجسام لا تنفك من ذلك ألأنكم لم تجدوا ~~خلافة ولم زعمتم أن القضاء على غائب الأمور وما نأى من العالم عنا بمجرد ~~الشاهد والوجود ثابت صحيح وأن الشيء على مثله وكل ما انفصل عنه فلا يجدون ~~في ذلك سوى الدعوى. # ثم يقال لهم ما أنكرتم أن يكون في أجسام العالم ما طبعه الوقوف كالهواء ~~وما جرى مجراه فيكون لا منحدرا ولا متصاعدا وما أنكرتم إن دل اختلاف حركة ~~جزئيات النور والظلام في هذا العالم لطلب المركز والشوق إلى كليهما على ~~اختلاف جنسيهما أن يدل وقوف كلية الظلام والنور في عالمها وموضع مركزهما ~~على تماثلهما وتجانسهما واتفاق طباعهما فإن مروا على ذلك تركوا قولهم وإن ~~أبوه نقضوا استدلالهم على اختلاف جنس النور والظلام وطباعهما باختلاف حركات ~~جزئياتهما. # ثم يقال لهم في جواب الدلالة الثالثة التي هي عمادهم ومفزعهم ما أنكرتم ~~على اعتلالكم من أن يكون العالم بأسره من طبائع أربع حرارة وبرودة ورطوبة ~~ويبوسة ms041 على ما قاله الأطباء وأصحاب الطبائع فإن مروا على ذلك تركوا دينهم ~~وإن راموا فصلا لم يجدوه. وإن هم قالوا إن سائر الأجسام المركبة من الطبائع ~~الأربع لا يخلو أن تكون ذوات ظل أو ليست بذوات PageV00P081 # ظل فوجب أنها من نور وظلام قيل لهم وجميع الأجسام التي لا تنفك من أن ~~تكون ذوات ظل أو ليست بذوات ظل لا تخلو ولا تنفك من الطبائع فوجب أن يكون ~~النور والظلام مركبا من الطبائع الأربع ولا فصل في ذلك. # وكذلك يعارض أصحاب الطبائع إذا استدلوا بالشاهد والوجود فيلزمون قول ~~الثنوية ثم يؤخذ الفريقان بأن تكون الأجسام من أجناس كثيرة وما لا غاية له ~~من نحو الحركات والسكون والروائح والطعوم والألوان واللين والخشونة والحياة ~~والموت وغير ذلك مما لا تنفك منه أجسام العالم فإن ركبوه تركوا قولهم وإن ~~أبوه نقضوا استدلالهم ولم يجدوا من المعارضة فصلا. # ويقال لمن زعم منهم أن الأصول ثلاثة نور خالص وظلام خالص وأصل ثالث معدل ~~بينهما ليس بنور ولا ظلام لم قلتم ذلك فإن قالوا لما ثبت من تضاد النور ~~والظلام وتنافيهما فلا بد من أصل ثالث معدل بينهما يقال لهم فهل يخلو ذلك ~~الأصل من أن يكون من جنسهما أو من جنس أحدهما أو مخالفا لهما جميعا فإذا ~~قالوا لا قيل لهم فإن كان من جنسهما وجب أن يكون نورا ظلاما وألا يعدل ~~بينهما وذلك محال وإن كان من جنس أحدهما فكيف يعدل بينهما وهو ضد للآخر ~~وكيف لم يحتج إلى معدل وكيف لم يستغن الأصل الذي هو من جنسه عن معدل مثله؟ ~~وإن كان PageV00P082 # مخالفا لهما احتاج إلى معدل بينه وبينهما كحاجتهما لموضع اختلافهما ~~وتضادهما ولا جواب عن ذلك. مسألة في تباين الأصلين وامتزاجهما ويقال لهم ~~خبرونا عن الأصلين ألأنفسهما تباينا في الأزل أم لمعنى هو تباين فإن قالوا ~~لأنفسهما قيل لهم فيجب أن يكونا متباينين في حال امتزاجهما لوجود أنفسهما ~~في حال تباينهما حتى يكونا متباينين ممتزجين وما أنكرتم أن يكونا أيضا ~~ممتزجين لأنفسهما فإن ms042 قالوا هو كذلك قيل لهم فامتزاجهما إذا هو تباينهما ~~لأن الامتزاج والتباين هو هما فإن قالوا أجل قيل لهم فإذا كانت الدنيا لأجل ~~امتزاجهما ولم تكن لأجل تباينهما فيجب أن تكون الآن دنيا وألا تكون دنيا ~~لأن التباين هو الامتزاج ويجب أن تكون لأنفسهما كانت الدنيا ولأنفسهما لم ~~تكن وهذا يوجب أن يكون مآله وجد الشيء وكان هو بعينه ما له عدم ولم يكن فإن ~~جاز ذلك جاز أن يكون ماله تحرك الجسم وخرج عن مكانه هو ما لأجله سكن واستقر ~~فيه وماله يكون الشيء قديما له يكون حادثا مستفتحا وذلك باطل باتفاق. # وإن قالوا تباين الأصلين معنى ثالث لا يقال هو هما أقروا بقدم أصل ثالث ~~هو تباين ونور وظلام وتركوا التثنية وقيل لهم أيضا خبرونا عن التباين أبطل ~~لما جاء الامتزاج أم لا فإن قالوا بطل قيل لهم فإذا جاز عدم القديم الذي هو ~~التباين وبطلانه لعلة ما فلم لا يجوز بطلان النور والظلام القديمين وعدمهما ~~لعلة ما وسبب يقتضي ذلك فإن مروا على ذلك تركوا دينهم وإن أبوه لم يجدوا ~~فصلا وإن قالوا بل التباين باق موجود في حالة وجود الامتزاج قيل لهم فيجب ~~أن يكونا متباينين PageV00P083 # ممتزجين وأن تكون اليوم دنيا وألا تكون دنيا لوجود الامتزاج والتباين ~~اللذين كانت لأحدهما ولم تكن للآخر وهذا جهل. # وإن قالوا إن تباين الأصلين محدث وامتزاجهما محدث قيل لهم فهل ينفك ~~الأصلان من التباين والامتزاج فإن قالوا نعم تركوا قولهم بتباين الأصلين في ~~القدم وإن قالوا لا قيل لهم فيجب القضاء على حدوث النور والظلام إذا كانا ~~لا ينفكان من حادثين ولا يخلوان منهما وكنا قد بينا أن ما لم ينفك من ~~المحدث ولم يسبقه فهو محدث. # وإن قالوا لا غاية لتباين الأصلين وامتزاجهما وإن كانا حادثين ولا تباين ~~إلا وقبله امتزاج ولا امتزاج وقبله تباين أبدا لا أول لذلك ولا غاية قيل ~~لهم فمحال على قولكم هذا أن الدنيا لم تكن في الأزل لأن الامتزاج على قولكم ~~هذا لا ms043 أول له ولا شيء منه إلا وقد كان قبله مثله وتباين يخالفه إلى غير ~~غاية. # ثم يقال لهم ولمن قال بذلك من أهل الدهر إن قولكم لا أول للحوادث يقتضي ~~قدمها وأنها لم تكن عن عدم وقولكم فيها إنها حوادث نقض لذلك لأن القول ~~حوادث هو جمع حادث والحادث حقيقته أنه ما وجد عن عدم فحقيقة الجمع الذي يقع ~~عليه الاسم أنه موجود عن عدم. # ومن المحال أن يدخل في جمع الحوادث ما لا أول لوجوده فمحال إذا قولكم إن ~~ما وقع عليه قولكم حوادث لا أول له أو منه ما لا أول له ولا جواب لهم عن ~~ذلك. PageV00P084 # مسألة في الرد على الديصانية ويقال للديصانية منهم لم زعمتم أن الظلام ~~موات فعال للشر بطبعه دون النور فإن قالوا لأنهما لما كانا خلافين بأنفسهما ~~وكان النور حيا بذاته استحال أن يكون الظلام حيا بذاته يقال لهم ما أنكرتم ~~أن يكون الظلام محدثا لأنه لما ثبت من قولكم إن النور قديم لذاته استحال أن ~~يكون الظلام قديما بذاته ونفسه ولا جواب لهم عن ذلك. # مسألة في الرد على جميع الثنوية ويقال لجميعهم إذا جاز أن يصير ما لم يزل ~~متباينا ممتزجا فلم لا يجوز أن يصير ما لم يزل نورا ظلاما وما لم يزل ظلاما ~~نورا فلا يجدون له مدفعا. # مسألة في إلزام جميع الثنوية ويقال لجميعهم أيضا خبرونا عن قائل قال أنا ~~ظلام هل يخلو أن يكون من أشخاص النور أو من أشخاص الظلام فإن قالوا لا قيل ~~لهم فمن أيهما هو فإن قالوا من أشخاص النور قيل لهم فقد كذب النور إذا ~~PageV00P085 # في قوله أنا ظلام لأنه ليس بظلام وهذا نقض قولكم وإن قالوا من أشخاص ~~الظلام قيل لهم فقد صدق في قوله أنا ظلام ووجد الصدق والكذب من جوهر واحد ~~وإن جاز ذلك جاز وقوع الخير والشر والعدل والجور والتبريد والتسخين من جوهر ~~واحد وهذا ترك دينهم فإن قال منهم قائل قد وقع الصدق والكذب من جوهر الظلام ms044 ~~وهما شران قيل لهم ما أنكرتم من أن يقع منه الجور والعدل والإيلام والإلذاد ~~ويكون شرا كله فإن قالوا لا يجوز أن يكون من العدل والإلذاذ شر قيل لهم ولا ~~يجوز أن يكون من الصدق شر. # ويقال لهم أيضا اعملوا على أن الصدق والكذب الواقعين من الظلام شر أليس ~~أحدهما خبرا عن الشيء على ما هو به والآخر خبر عنه على خلاف ما هو به فما ~~أنكرتم أن يقع العدل والجور من جوهر واحد مع اختلافهما. # وإن قال من الديصانية قائل إن الظلام ليس بصادق في قوله أنا ظلام لأنه ~~غير عالم بقوله وما كان منه والصدق مقرون بالقصد إليه والعلم به قيل له لم ~~قلت ذلك ثم يقال أفليس هو مع ما وصفت خبرا عن الشيء على ما هو به وقد يوجد ~~أيضا من الظلام الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به فما أنكرت من جواز وقوع ~~العدل والجور جميعا من الظلام ولا فصل في ذلك. PageV00P086 # مسألة في نقض آخر لجميع الثنوية ويسألون أيضا عمن خبأ شيئا في موضع ونسيه ~~وذهب عنه ذكره فيقال لهم أليس قد صار الناسي ذاكرا ووقع الذكر والنسيان مع ~~تضادهما واختلافهما من جوهر واحد فلم لا يجوز أيضا وقوع العدل والجور من ~~جوهر واحد فإن قالوا الواضع للشيء لم ينسه وإنما غلبت عليه أجزاء الظلام ~~وذكره باق قائم يقال لهم فالناسي إذا للشيء بغلبة أجزاء الظلام عليه ذاكر ~~له في حال نسيانه لأن ذكره عندكم موجود في هذه الحال وهذا دفع الحس ~~والاضطرار لأن الإنسان يجد نفسه عند غلبة النسيان عليه غير ذاكر لما نسيه ~~أصلا ولا عالما بموضعه وهذا يدل على أن الذاكر قد يصير ناسيا بعد الذكر وهو ~~الذاكر نفسه وإن جاز ذلك جاز أن يصير المسخن مببردا والمبرد مسخنا وهذا نقض ~~قولهم باب الكلام على المجوس القائلين بأن حدوث الشيطان من شكة شكها شخص من ~~أشخاص النور في صلاته والقائلين بأنه حدث من فكر الله تعالى والقائلين بأنه ~~حدث PageV00P087 # من ms045 عقوبة عاقب الله بها سبحانه وتعالى. # إن قال منهم قائل لم أنكرتم أن يحدث فعل من الله هو الشيطان أو غيره من ~~فكرة فكرها أو شكة شكها أو عقوبة عاقب بها قيل له لقيام الدليل على استحالة ~~الفكر والشك على القديم كما يستحيل عليه الجهل PageV00P088 # والموت والغفلة والنوم وغير ذلك من الآفات الدالة على نقص من جازت عليه ~~وحدوثه ولأنه لو كان سبحانه في أوله مفكرا مرتابا شاكا لاستحال أن يعلم وأن ~~تقع منه الأفعال المحكمة الدالة على العلم والقصد وذلك باطل بما قدمناه. # فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون قد خلا في القدم من الفكر والشك والعلم ~~والجهل قيل لهم لو جاز ذلك عليه مع صحة وجود العلم له وجوازه عليه لجاز ~~خلوه تعالى في القدم من الحياة والموت والقدرة والعجز وذلك باطل من قولنا ~~وقولكم ففسد ما قلتموه. # فأما حدوث الفعل عن عقوبة فإنه أيضا باطل لأن العقوبة التي ذكرتم لو كانت ~~ثابتة لكانت فعلا وعرضا من الأعراض ومحال وقوع شخص الشيطان أو غيره من ~~العرض على سبيل الابتداء للفعل والتوليد كما يستحيل حدوث سائر الأشخاص من ~~الأعراض على هذه السبيل. # مسألة في نقض المجوس ثم يقال لهم خبرونا عن الشك أو التفكر أو العقوبة ~~التي حدث منها الشيطان أمحدث ذلك أم قديم فإن قالوا بقدم هذه الأمور ألزموا ~~إحالة كون الباري عالما وأوجب عليهم قدم الجهل. # ثم قيل لهم فإن كان الشك والفكر والعقوبة التي عنها كان الشيطان قديمة ~~فما أنكرتم أن يكون الشيطان قديما لقدم ما كان عنه فإن مروا على ذلك تركوا ~~قولهم بحدوثه ولا خلاص لهم من ذلك PageV00P089 # وإن قالوا: إن الشك محدث وكذلك العقوبة والفكر عند القائل بكل واحد منهما ~~قيل لهم أفمن محدث؟ حدث الشك أم لا من محدث فإن قالوا لا من محدث قيل لهم ~~فما يؤمنكم أن يكون سائر الأفعال والحوادث كائنة لا من محدث؟ وفي ذلك ~~التعطيل وإبطال الصانع. # وإن قالوا من محدث حدثت هذه الأمور قيل لهم فمن ms046 محدثها فإن قالوا الشيطان ~~تجاهلوا وقيل لهم فقد كان الشيطان قبل الفكر والشك اللذين كان عنهما فكيف ~~يكون الشيء قبل أصله وسببه الذي عنه كان ووجد؟. # وإن قالوا الله أحدث الشك والفكرة قيل لهم فخبرونا عن الشك والفكرة أشر ~~هما أم خير فإن قالوا خير قيل لهم فكيف كان عنهما الشيطان الذي هو شر وما ~~أنكرتم إن جاز ذلك أن يفكر الشيطان الذي هو شر فكرا هو شر يتولد عنه ويقع ~~الخير إن جاز ذلك وقوع التبريد عن النار والتسخين عن الثلج وهذا نقض قولهم ~~وإن قالوا بأن الشك شر لأنه ولد الشيطان الذي هو شر. # قيل لهم فقد فعل الله الخير الشك الذي هو شر من الشر وهو أصل الشيطان وإن ~~جاز ذلك فلم لا يجوز أن يفعل سائر الشرور وجميع الأشخاص الضارة من السباع ~~والعقارب والحيات والهموم والأحزان وسائر الشرور وما الفصل في ذلك ولا فصل ~~فيه. # وكذلك السؤال على أصحاب الفكر والعقاب. ويقال للقائلين بأن الشيطان حدث ~~عن عقوبة من خلق العاصي المستوجب للعقاب فإذا قالوا الله قيل لهم أفليس من ~~كان منه العصيان؟ شرا كالذي كان منه PageV00P090 # فإذا قالوا: أجل قيل لهم أفليس قد خلق الله شريرا عصاه ابتداء وكان عندكم ~~بذلك حكيما فلم لا يجوز على هذا أن يبتدئ خلق الشيطان الذي كان منه الشر ~~ويكون بذلك خيرا حكيما فإن راموا فصلا لم يجدوه وإن مروا على ذلك تركوا ~~قولهم وقيل لهم فما أنكرتم أن يخلق الله سائر الشرور ويكون بذلك حكيما. # مسألة أخرى في نقض المجوس وكذلك يسألون فيقال لهم خبرونا عن الشيطان ~~أمحدث هو عندكم أم قديم فإن قالوا قديم تركوا قولهم وإن قالوا محدث قيل لهم ~~أفمن محدث حدث أم لا من محدث فإن قالوا لا من محدث قيل لهم فما أنكرتم من ~~وقوع الحوادث لا من محدث وإن قالوا من محدث قيل لهم ومن محدثه فإن قالوا ~~الله سبحانه ولا بد من ذلك قيل لهم فما أنكرتم أن يحدث الباري سبحانه ms047 سائر ~~الشرور ويكون بذلك حكيما غير سفيه ولا فصل في هذا. # ويعارض من قال إن الشيطان حدث من شكة شكها بعض أشخاص النور بقول من قال ~~حدث عن فكرة ويعارض أهل الفكر بأصحاب الشك ويعارض الفريقان بقول أصحاب ~~العقاب. # مسألة في نقض المجوس أيضا ويقال لهم: إذا جاز قدم النور الذي هو الباري ~~فما أنكرتم من قدم الشيطان الذي هو ظلام فإن تعاطوا إقامة الدليل على حدث ~~الظلام بشيء PageV00P091 # أريناهم به وبما هو أقوى منه حدث النور وبينا بذلك أن الله تعالى ليس ~~بنور ولا ظلام. # مسألة أخرى عليهم ويقال لهم خبرونا عمن سمعناه يقول أنا من خلق الشيطان ~~من الذي خلقه فإن قالوا النور خلقه قيل لهم فقد خلق النور من كذب وأضاف خلق ~~نفسه إلى غير خالقه وإن جاز ذلك جاز أن يخلق الظالم الجائر وجاز أن يخلق ~~سائر الشرور وإن قالوا الشيطان هو الذي خلق هذا القائل قيل لهم فقد صدق هذا ~~الناطق فإن جاز أن يخلق الشيطان خيرا صادقا عليه فما أنكرتم أن يخلق سائر ~~الخير وجميع فاعليه حتى يكون منه الخير والشر وهذا ترك دينكم. # مسألة أخرى عليهم ويقال لهم هل يجوز أن يخلق الله شريرا كذابا يعصيه ~~ويشتمه ويفتري عليه فإن قالوا نعم تركوا قولهم وقيل لهم فما أنكرتم أن يكون ~~خالقا لجميع الشرور وإن قالوا لا قيل لهم فخبرونا عن رجل كان مجوسيا دائنا ~~بقولكم ثم تهود وانتقل عن المجوسية وأكفر أهلها من خلق من هو فإن قالوا من ~~خلق الشيطان قيل فقد فعل الشيطان خيرا معتقدا للخير برهة من الدهر وإن جاز ~~ذلك جاز أن يخلق جميع الخير وإن قالوا من خلق الرحمن قيل لهم فقد خلق ~~الرحمن الشرير الذي تهود وتزندق وكذب عليه وإن جاز ذلك جاز أن يفعل سائر ~~الشرور. وإن PageV00P092 # قالوا الذي تزندق وتهود غير الذي كان مجوسيا قيل لهم فعلى هذا ما انتقل ~~أحد قط عن حق اعتقده والمعتقد للمجوسية على ما هو عليه وإن صار إلى التدين ms048 ~~باليهودية والزندقة لم يفارق ما اعتقده قط ولا برئ منه وهذا جحد الضرورة ~~والحس لأن الإنسان يجد من نفسه اعتقادا لغير ما كان معتقدا له وذمه لما كان ~~عليه بعد مدحه له فلا معنى لمناظرة من انتهى إلى هذا الحد. # باب الكلام على النصارى في قولهم إن الله تعالى جوهر يقال لهم: لم قلتم ~~إن الله سبحانه جوهر وما دليلكم على ذلك فإن قالوا الدليل على ذلك أننا ~~وجدنا الأشياء كلها في الشاهد والوجود PageV00P093 # لا تخلو من أن تكون جواهر وأعراضا وقد اتفقنا على أن القديم ليس بعرض ~~فوجب أن يكون جوهرا أو قالوا الدليل على ذلك أنا وجدنا الأشياء كلها لا ~~تخرج عن قسمين إما قائم بنفسه أو قائم بغيره والقائم بغيره هو العرض ~~والقائم بنفسه هو الجوهر فلما فسد من قولنا وقولكم أن يكون قائما بغيره وأن ~~يكون عرضا ثبت أنه قائم بنفسه وأنه جوهر من الجواهر. # أو قالوا: الدليل على ذلك أنا وجدنا الأشياء كلها على ضربين: فضرب منها ~~يصح منه الأفعال وهو الجوهر وضرب تتعذر وتمتنع منه الأفعال وهو العرض فلما ~~ثبت أن القديم فاعل وممن تأتي منه الأفعال ثبت أنه جوهر أو قالوا الدليل ~~على ذلك أنا وجدنا الأشياء على ضربين شريف وهو الجوهر القائم بنفسه ~~المستغني في الوجود عن غيره وخسيس قائم بغيره ومحتاج إليه وهو العرض فلما ~~لم يجز أن يكون القديم من قبيل الخسيس ثبت أنه شريف وأنه قائم بنفسه. ~~PageV00P094 # فيقال لهم لم زعمتم أولا أنكم إذا لم تجدوا الأشياء في الشاهد إلا على ما ~~وصفتم وجب القضاء على الغائب بمجرد الشاهد وأن الموجود في الغائب لا ينفك ~~من أصناف الموجودات في الشاهد وما حجتكم على ذلك فإن الخلاف في جهة ~~استدلالكم أعظم والغلط والخطأ فيه أفحش. # ثم يقال لهم: فأنتم أيضا لم تجدوا حادثا إلا وقبله حادث ولا شيئا إلا عن ~~شيء ولا جسما إلا وبعده جسم وفوقه جسم وتحته جسم ومن عن يمينه وشماله ~~وتجاهه وخلفه جسم ولا وجدتم فاعلا ms049 اخترع الأجسام وأحدث الأفعال بغير أدوات ~~وآلات وجوارح وعلاج فاقضوا بذلك على قدم العالم ونفي النهاية عنه وأن ~~الحوادث لا أول لها وأن الأجسام لا كل لها ولا غاية وألا إنسان إلا من نطفة ~~إلا من إنسان ولا طائر إلا من بيضة ولا بيضة إلا من طائر أبدا إلى غير ~~نهاية وهذا لحوق بأهل الدهر. # وكذلك فاقضوا على أنه لا فاعل لأجسام العالم وأن الفاعل لأغراضه يفعلها ~~بآلات وأدوات وأوجبوا على من نشأ في بلد الزنج فلم يجد بها ماء إلا عذبا ~~ولا إنسانا إلا أسود ولا زرعا إلا أخضر أن يقضي على أنه لا ماء إلا عذب ولا ~~إنسان إلا كما وجد وشاهد حتى يوجبوا القضاء بالجهل الذي يعلم بطلانه ~~اضطرارا فإن مروا على ذلك أجمع لحقوا بأهل الدهر والجهالات وإن امتنعوا منه ~~نقضوا استدلالهم. PageV00P095 # ثم يقال لهم أفليس قد اتفقنا على أنه لا موجود معلوم في الشاهد والمعقول ~~إلا محدث موجود عن عدم فإذا قالوا أجل قيل لهم فيجب أن يكون صانع العالم جل ~~ذكره موجودا محدثا قياسا على الشاهد فإن مروا على ذلك تركوا مذهبهم وإن ~~أبوه نقضوا دليلهم. # ثم يقال لهم فهل وجدتم جوهرا في الشاهد إلا متحيزا قابلا للأعراض من جنس ~~هذه الجواهر المعقولة فإذا قالوا بلى قيل لهم فيجب عليكم إذا كان القديم ~~تعالى جوهرا أن يكون كالجواهر المعقولة ومن جنسها وقابلا للأعراض كقبولها ~~فإن مروا على ذلك تركوا دينهم وإن أبوه قيل لهم فما أنكرتم أن يكون القديم ~~سبحانه موجودا ليس بجوهر ولا عرض ولا كالموجودات في الشاهد كما أنه ليس ~~كالجواهر ولا فصل في ذلك أبدا. # ثم يقال لهم على سائر أدلتهم التي قدمنا ذكرها ما أنكرتم أن يكون القديم ~~حاملا للأعراض بمثل كل دليل ذكرتموه وذلك أنا وجدنا الأشياء كلها على ضربين ~~فضرب فعال شريف قائم بنفسه ليس بعرض وهو الحامل للأعراض وضرب آخر ليس قائما ~~بنفسه ولا فعالا ولا شريفا وهو العرض فلما ثبت أن القديم فعال قائم بنفسه ~~شريف ms050 ليس بخسيس ثبت أنه حامل للأعراض ذو حيز وشغل فإن مروا على ذلك تركوا ~~دينهم وإن أبوه أبطلوا استدلالهم إبطالا ظاهرا. # ثم يقال لهم: إنكم قد أخطأتم في قسمة الأشياء المعقولة الموجودة ~~PageV00P096 # لأن منها الفعال الشريف القائم بنفسه الذي هو الجسم المؤلف وليس بشيء ~~واحد ومنها الشريف القائم بنفسه الذي هو الجوهر الذي ليس بمؤلف فما أنكرتم ~~أن يكون الباري سبحانه جسما فإن قالوا لأننا لم نعقل جسما إلا متغايرا ~~مؤتلفا مصورا وهذه الأمور من صفات الحدث والباري سبحانه لا يجوز عليه ذلك ~~فبطل أن يكون جسما يقال لهم أيضا فما أنكرتم من استحالة كونه جوهرا لأننا ~~لم نعقل جوهرا إلا شاغلا متحيزا قابلا للحوادث من جنس هذه الجواهر وهذه ~~الأمور دالة على حدث من جازت عليه فلما لم يجز أن يكون القديم سبحانه محدثا ~~لم يجز أن يكون جوهرا. # فإن قالوا الجواهر ضربان شريف وخسيس فالخسيس هو القابل منها للأعراض الذي ~~يتميز ويشغل المكان والشريف هو ما لا يجوز ذلك عليه منها فوجب أن يكون غير ~~متميز ولا قابل للأعراض قيل لهم ما أنكرتم أيضا أن تكون الأجسام على ضربين ~~جسم خسيس وهو المتميز القابل لصورة والتأليف والحوادث وضرب شريف لا يقبل ~~شيئا من ذلك ولا يجوز عليه والقديم سبحانه شريف فوجب أنه جسم ليس بذي صورة ~~ولا مكان ولا قابلا للأعراض ولا جواب لهم عن شيء من ذلك. PageV00P097 # الكلام عليهم في الأقانيم يقال لهم: لم زعمتم أن الباري سبحانه ثلاثة ~~أقانيم دون أن تقولوا إنه أربعة وعشرة وأكثر من ذلك فإن قالوا من قبل أنه ~~قد ثبت أن الباري سبحانه موجود جوهر وثبت أنه حي وأنه عالم فوجب أنه جوهر ~~واحد ثلاثة أقانيم منها الجوهر الموجود ومنها العلم والحياة لأن الحي ~~العالم لا يكون حيا عالما حتى يكون ذا حياة وعلم فوجب أن الأقانيم ثلاثة ~~فيقال لهم ما أنكرتم من أن تكون الأقانيم أربعة لأننا نقول إن القديم موجود ~~حي عالم قادر والقادر لا بد له من قدرة ms051 فوجب أن تكون الأقانيم أربعة. # فإن قالوا القدرة هي الحياة فهما أقنوم واحد قيل لهم فما أنكرتم أن يكون ~~العلم هو الحياة فوجب أن يكون الباري سبحانه أقنومين. # فإن قالوا قد ينقص العلم ويزيد ويوجد ويعدم والحياة باقية بحالها فوجب أن ~~يكون العلم ليس من معنى الحياة في شيء قيل لهم فكذلك قد تنقص القدرة وتزيد ~~وتعدم جملة ثم توجد والحياة بحالها فوجب أن تكون القدرة غير الحياة وبخلاف ~~معناه. PageV00P098 # فإن قالوا: قد يبطل العلم جملة في حالة النوم والغشي والإنسان حي قيل ~~لهم: وكذلك قد تبطل القدرة جملة حتى لا يقدر الإنسان على تحريك يده أو ~~لسانه أو إيماء بعض جوارحه وهو حي في تلك الحال فوجب أن تكون القدرة غير ~~الحياة وأن الأقانيم أربعة. # فإن قالوا دخول حرف المبالغة في صفة العالم في قولنا عالم وأعلم منه ~~واستحالة المبالغة في صفة الحي والتفضيل بين الحيين دليل على أن العلم ليس ~~من الحياة في شيء قيل لهم فقولوا لأجل هذا بعينه إن القدرة غير الحياة ~~لأننا قد نبالغ في صفة القادر ونقول قادر وأقدر منه ولا نقول حي وأحيا منه ~~فوجب أن تكون القدرة غير الحياة. # وكذلك يقال لهم ما أنكرتم أن تكون الأقانيم خمسة وعشرة لأننا نقول إن ~~الباري موجود حي عالم قادر ونقول إنه مريد وباق وسميع وبصير ومتكلم والباقي ~~السميع البصير المتكلم المريد لا يكون كذلك إلا لوجود بقاء وإرادة وسمع ~~وبصر وكلام. فإن قالوا البقاء هو هو قيل لهم والحياة والعلم هما هو فقولوا ~~إنه أقنوم واحد. فإن قالوا الكلام والإرادة فعل من أفعال المتكلم المريد ~~قيل لهم وكذلك العلم فعل من أفعال العالم فقولوا إنه أقنومان. فإن قالوا قد ~~يعلم بالعلم من لم يفعله قيل لهم وقد يريد بالإرادة ويتكلم بالكلام من لا ~~يفعله وكذلك إن قالوا سمع الباري سبحانه وبصره هو نفس علمه فوجب أنهما ليس ~~PageV00P099 # بأقنومين غير العلم قيل لهم وكذلك علم الباري سبحانه هو حياته فوجب أن ~~يكون أقنومين ولا جواب ms052 لهم عن شيء من ذلك. # فإن قال منهم قائل الأقنومية إنما ثبت للباري بصفة ترجع إلى نفسه لا تعلق ~~لها بغيره وهي كونه موجودا وجوهرا يرجع إلى نفسه وكونه حيا يرجع إليه ولا ~~تعلق له بغيره وكونه عالما بنفسه صفة يرجع بها إلى نفسه وإنما له أقنوم ~~بكونه عالما بنفسه لا بغيره قيل لهم وكذلك هو قديم بنفسه وليس كل موجود ~~جوهرا قديما بنفسه فوجب أن يكون كونه قديما أقنوما رابعا وكذلك كونه باقيا ~~صفة هو شيء موجود بنفسه وجوهر بنفسه فيجب أن يكون كونه شيئا موجودا أقنوما ~~وكونه جوهرا أقنوما لأنه ليس كل موجود جوهرا يرجع إلى نفسه لا تعلق له ~~بغيره وليس كل موجود باقيا فيجب أن يكون كونه باقيا أقنوما خامسا ولا جواب ~~لهم عن ذلك وفيه ترك التثليث. # مسألة عليهم في الأقانيم يقال لهم: خبروني عن الجوهر العام الجامع ~~للأقانيم الذي هذه PageV00P100 # الأقانيم له أقانيم: أهو عندكم الأقانيم أم غيرها فإن قالت اليعقوبية ~~والنسطورية: ليس الجوهر بغير الأقانيم قيل أفليس الجوهر غير مختلف من حيث ~~كان جوهرا ومن حيث لم يكن معدودا ومن حيث لم تكن له PageV00P101 # خواص متباينة المعنى فإن قالوا: أجل وهو قولهم قيل لهم أفليس الأقانيم ~~مختلفة من حيث هي خواص متباينة المعنى ومن حيث هي معدودة ومن حيث هي أقانيم ~~ومن حيث أن الابن منها تدرع واتحد بجسد المسيح عليه السلام دون الروح فإن ~~قالوا نعم ولا بد من ذلك قيل لهم فإذا كان الجوهر هو الأقانيم والأقانيم ~~مختلفة معدودة متباينة في الاختصاص ومنها المتحد وهي نفس الجوهر فنفس ~~الجوهر إذا مختلفة معدودة متباينة متحدة بناسوت المسيح عليه السلام فيجب أن ~~يكون نفس الجوهر الذي ليس بمعدود ولا مختلف ولا متحد ولا متباين المعنى هو ~~نفس المختلف المعدود المتباين المعنى المتحد وهذا جهل ممن صار إليه وليس ~~ذلك من قولهم في الجوهر ولا خلاص لهم منه. # فإن قالت الملكية منهم وهم الروم إن الجوهر غير الأقانيم قيل لهم فإذا ~~كان الجوهر آلها ms053 والأقانيم الثلاثة آلهة وهي غيره فالآلهة إذا أربعة جوهر ~~وثلاثة أقانيم غيره وهذا يبطل قولكم بالتثليث. # وإن قالوا الآلهة ثلاثة أقانيم والرابع جوهر ليس بإله غير الثلاثة قيل ~~لهم فلا فرق إذا بين قول الأقانيم ثلاثة ولا جوهر هناك يجمعها وتكون له ~~وبين قول إن هناك ثلاثة أقانيم وجوهرا جامعا لها فيجب أن يكون وجود الرابع ~~كعدمه وإثباته كنفيه وهذا جهل ممن صار إليه. # ويقال لهم: إن جاز أن يكون الرابع من الثلاثة ثلاثة فقط فما PageV00P102 # أنكرتم أن يكون الروح والعلم مع الإله الموجود واحدا فقط وأن يكون أقنوما ~~واحد ولا يكون الثاني والثالث شيئا يزيد على الواحد كما لم يكن الرابع شيئا ~~يزيد على الثالث فتكون الثلاثة الأقانيم هي جوهر واحد كما كانت الأربعة ~~التي منها الجوهر ثلاثة ولا جواب عن ذلك. # وكذلك يقال لهم وللنسطورية واليعقوبية في قولهم إن الأب إله وإن الابن ~~إله وإن الروح إله وإن الآلهة مع ذلك واحد لأنه إذا كان كل واحد منهم إلها ~~فهم ثلاثة آلهة ولا معنى لقولهم إله واحد وهم قد جعلوا الإلهية لكل واحد ~~منهم. # مسألة أخرى على الملكية يقال لهم خبرونا عن الجوهر الذي هو عندكم غير ~~الأقانيم أهو مع ذلك مخالف لها أو موافق لها فإن قالوا إنه موافق لها قيل ~~لهم: PageV00P103 # فيجب أن يكون أقانيم مثلها وأن يكون الجوهر ابنا من حيث وافق الابن وأن ~~يكون روحا من حيث وافق الروح وأن يكون أقنوما وخاصا لجوهر آخر خامس كما أن ~~الأقانيم خواص لجوهر ويجب أيضا أن تكون نفسه متباينة المعنى مختلفة من حيث ~~أشبهت أقانيم مختلفة المعاني وأن يكون ابن نفسه وروح نفسه لأنه مثل ابنه ~~وروحه وبمعناهما وهذا جهل عظيم وترك لقولهم إن صاروا إليه. # وإن قالوا ليس الجوهر موافقا للأقانيم من كل جهة وإنما يوافقها بالجوهرية ~~لأن جوهرها من جوهره وإنما يخالفها في القنومية قيل لهم فالجهة التي وافقها ~~بها وهي الجوهرية هي الجهة التي خالفها بها وهي القنومية فإن قالوا نعم ~~جعلوا معنى ms054 الجوهرية هو معنى القنومية وقيل لهم فما أنكرتم أن يكون الجوهر ~~أقنوما لجوهر آخر ولنفسه وذلك ترك قولهم: فإن قالوا جهة الاختلاف بينهما ~~وهي القنومية غير جهة الاتفاق التي هي الجوهرية قيل لهم فيجب أن يكون هناك ~~خلاف ثابت بين الجوهر والأقانيم في القنومية وأن يكون ذلك الخلاف لا يعدو ~~أن يكون جوهرا أو عرضا وإلا وجب أن يوافقها بنفسه في الجوهرية ويخالفها ~~بنفسه في القنومية وإن جاز ذلك جاز أن يكون وفاق الشيئين هو خلافهما وأن ~~يكون PageV00P104 # قدمه هو حدوثه وأن يكون قديما محدثا لنفسه وفي فساد ذلك دليل على بطلان ~~ما قالوا. # فإن قال منهم قائل أفليس قد قلتم أنتم في صفات الباري سبحانه إنها ليست ~~بموافقة له ولا مخالفة له فما أنكرتم أيضا أن يكون الجوهر غير موافق ~~للأقانيم ولا مخالفا لها قيل لهم إنما سألناكم عن هذا لأجل قولكم إن الجوهر ~~غير الأقانيم ونحن فلا نقول إن الله سبحانه غير صفاته فلا يلزم ما قلتم ~~وعلى أننا لو قلنا إن الله تعالى مخالف لصفاته في معناها بمعنى أنه يجوز ~~عليها ما يستحيل عليه وأنه لا يسد مسدها ولا ينوب منابها لم يدخل علينا مثل ~~ما لزمكم من كون المتفق بنفسه مختلفا بنفسه وكون جهة الاتفاق هي جهة ~~الاختلاف لأننا لا نزعم أن الله سبحانه موافق لصفاته في جهة من الجهات ~~وأنتم تزعمون أن الجوهر موافق للأقانيم بالجوهرية فإنه موافق لها بنفسه ~~ومخالف لها أيضا في القنومية بنفسه فشتان بين قولنا وقولكم. # وإن قالوا لا نقول إنه موافق لها ولا مخالف لها قيل لهم فلا بد أن يسد ~~مسدها فيوافقها أو لا يسد مسدها فيخالفها وهذا المعنى بنفسه هو الذي نعنيه ~~بالاتفاق والاختلاف فلا معنى للمراوغة وإن قالوا أليس لا يقال إن يد ~~الإنسان من الإنسان مخالفة له ولا موافقة له وكذلك الواحد من PageV00P105 # العشرة والبيت من القصيدة والآية من السورة فما أنكرتم من مثل ذلك في ~~الجوهر والأقانيم قيل لهم إنما لم يجز إطلاق الخلاف والوفاق ms055 فيما ذكرتم لأن ~~قولنا إنسان واقع على الجملة التي منها اليد وكذلك العشرة والواحد منها ~~والبيت من القصيدة والآية من السورة ومن المحال أن يكون الشيء مثل نفسه أو ~~غيره أو خلاف نفسه وقولنا جوهر ليس بواقع عندكم على الجوهر والأقانيم التي ~~هي خواصه ولا من أسماء الجمل فسقط ما سألتم عنه. # ذكر اختلافهم في معنى الأقانيم زعم قوم منهم أن معنى الأقانيم التي هي ~~الخواص أنها صفات للجوهر فيقال لهم إذا استحال أن تكون أقانيم وخواص ~~لأنفسها وإنما تكون صفات وأقانيم لشيء آخر هو غيرها ولا يقال إنه هي فهذا ~~يوجب إثبات أربعة معان منها جوهر وثلاث خواص له وهذا ترك التثليث وإن قالوا ~~هي خواص لأنفسها وأقانيم لأنفسها قيل لهم فيجب أن يكون الابن ابن نفسه ~~والروح روح نفسه والصفة صفة نفسها وهذا جهل عظيم ويجب بطلان ما هي خواص له ~~ونفيه وألا يكون هناك مخصوصا بهذه الخواص وهذا إبطال للجوهر. # وزعم قوم منهم أن معنى الأقانيم والخواص أنها أشخاص فيقال لهم: ~~PageV00P106 # أهي شخاص لأنفسها أم لجوهر يجمعها فإن قالوا لأنفسها تركوا قولهم وإن ~~قالوا لجوهر جامع لها أبطلوا التثليث. # وقال بعضهم معنى الأقانيم أنها خواص فقط فيقال لهم أهي خواص لأنفسها أم ~~لجوهر جامع لها هي خواص له ويكلمون في ذلك بما كلما به من زعم أنها أشخاص ~~وصفات ولا جواب لهم عن ذلك. # مسألة أخرى عليهم في الأقانيم ويقال لهم إذا كانت الأقانيم جوهرا واحدا ~~وكان الأب جوهره جوهر الابن وجوهر الروح من جوهرهما فلم كان الابن والروح ~~بأن يكونا ابنا وروحا خاصين للأب أولى من أن يكون كل واحد منهما أبا وأن ~~يكون الأب خاصا لهما إذا كان الروح والابن جوهرين لأنفسهما وكان جوهرهما من ~~جوهر الأب وكان الأب جوهرا لنفسه وكان قديما لنفسه وكانا أيضا قديمين ~~لأنفسهما ولم يكن الأب قبل الأقانيم والخواص ولا أسبق في الوجود ولا الخواص ~~أسبق منه فما الذي جعله بأن يكون أبا لهما أولى من أن يكون كل واحد ms056 منهما ~~أبا لما جعلتموه أبا له وأن يكون الأب خاصا فلا يجدون إلى تصحيح تحكمهم ~~سبيلا. # الكلام عليهم في معنى الاتحاد وقد اختلفت عباراتهم عن معنى الاتحاد فقال ~~منهم معنى الاتحاد أن الكلمة التي هي الابن حلت جسد المسيح عليه ~~PageV00P107 # السلام. وقالت طائفة أخرى وهم اليعاقبة وكثير منهم إن الاتحاد هو اختلاط ~~وامتزاج وزعمت اليعقوبية أن كلمة الله انقلبت لحما ودما بالاتحاد وزعم كثير ~~منهم أعني اليعقوبية والنسطورية أن اتحاد الكلمة بالناسوت اختلاط وامتزاج ~~كاختلاط الماء وامتزاجه بالخمر واللبن إذا صب فيهما ومزج بهما وزعم قوم ~~منهم أن معنى اتحاد الكلمة بالناسوت الذي هو الجسد هو اتحادها له هيكلا ~~ومحلا وتدبيرها الأشياء عليه وظهورها فيه دون غيره. # واختلفوا في معنى ظهور الكلمة في الهيكل وادراعها له وإظهار التدبير عليه ~~فقال أكثرهم معنى ذلك أنها حلته ومازجته واختلطت به اختلاط الخمر واللبن ~~بالماء عند امتزاجهما. # وقال قوم منهم إن ظهور الكلمة في الجسد واتحادها به ليس على معنى المزاج ~~والاختلاط ولكن على سبيل ظهور صورة الإنسان في المرآة والأجسام الصقيلة ~~النقية عند مقابلتها من غير حلول صورة الإنسان في المرآة وكظهور نقش الخاتم ~~وكل طابع في الشمع والطين وكل ذي قابل للطبع من الأجسام من غير حلول نقس ~~الخاتم والرسم في الشمع والطين والتراب. وقال بعضهم أقول إن الكلمة اتحدت ~~بجسد المسيح عليه السلام على معنى أنها حلته من غير مماسة ولا ممازجة ولا ~~مخالطة كما أقول أن الله سبحانه حال في السماء وليس بمماس لها ولا مخالط ~~PageV00P108 # وكما أقول إن العقل جوهر حال في النفس وهو مع ذلك غير مخالط للنفس ولا ~~مماس لها. # وزعمت الروم وهي الملكية أن معنى اتحاد الكلمة بالجسد أن الاثنين صارا ~~واحدا وصارت الكثرة قلة وصارت الكلمة وما اتحدت به واحدا وكان هذا الواحد ~~بالاتحاد اثنين قبل ذلك هذا جملة المشهور عنهم في معنى الاتحاد. # فأما من زعم منهم أن معنى الاتحاد هو ظهور الابن في الجسد وادراعه له على ~~سبيل ظهور الوجه في المرآة ms057 والنقش في المطبوع من غير حلول الوجه في المرآة ~~وانتقال النقش إلى الشمع فلا معنى له لأن الوجه ليس يظهر في المرآة ولا ~~صورة مثله ولا ينتقل إليها ولا يوجد على صفحتها ولا ممازجا لها وإنما يدرك ~~الإنسان وجه نفسه عند مقابلة الأجسام الصافية الصقيلة بإدراك يحدث له بجري ~~العادة عند مقابلة الأجسام بانعكاس الشعاع على ما يذهب إليه بعض المتكلمين ~~فيظن عند إدراكه لنفسه ومقابلة الجسم الصقيل أن في المرآة صورة هي وجه أو ~~مثل وجه وليس كذلك وقد بينا هذا في غير موضع بما يغني الناظر فيه وإذا ثبت ~~أنه لا شيء يظهر في المرآة ولا يختص بها بطل بناء الاتحاد عليه. # وأما تشبيههم ذلك بظهور نقش الطبع في الشمع والطين فإنه باطل PageV00P109 # وتخليط من قائله وذلك أن الظاهر في الشمع شيء مثل نقش الخاتم وهو غيره ~~لأن الحروف الموجودة بالشمع هي بعض له وجزء من أجزائه وما في الطابع من ~~الحروف هو بعض الطابع ومن جملته وهما غيران يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر ~~فظنهم أن نفس النقش الذي في الشمع هو نفس الطابع جهل وتخليط فيجب على هذا ~~إن لم تكن الكلمة هي نفسها الظاهرة في جسد المسيح أن يكون الظاهر فيه غيرها ~~وهو شيء مثلها وأن يكون لله سبحانه ابنان وكلمتان أحدهما لا يحل الأجسام ~~ولا يتخذها هيكلا ومكانا والآخر حال في جسد المسيح وهذا قول بأربعة أقانيم ~~وترك القول بالتثليث. # وأما من قال إن الاتحاد إنما هو حلول الكلمة في المتحد به واختلاطها به ~~وممازجتها له فإنه يقال له إذا جاز على الكلمة الحلول في الجسد المخلوق ~~وممازجتها له واختلاطها به وهي مع ذلك قديمة فما أنكرتم من اجتماعها مع ~~الجسد ومماستها له وإذا جاز على القديم سبحانه المماسة والمجاورة والمخالطة ~~للمحدث والممازجة له فلم لا يجوز عليه مقابلة المحدث ومحاذاته ولم لا يجوز ~~عليه الظهور والكمون والحركة والبعد والقرب والشغل والتفريغ والتصوير ~~والتركيب فإن راموا في ذلك فصلا لم يجدوه وإن مرو على ms058 ذلك قيل لهم فإذا جاز ~~أن يكون ما هذه صفته قديما وقد كان في القدم غير مماس ولا ممازج ولا مخالط ~~فما أنكرتم أن يكون سائر الأجسام المماسة المختلطة المتحركة الساكنة قديمة ~~وما الذي جعل الكلمة التي هذه صفتها بالقدم أولى منها بالحدث وما ~~PageV00P110 # الذي جعل الأجسام بالحدوث أولى من الكلمة؟. # ويقال لليعقوبية إذا جاز أن ينقلب ما ليس بلحم ولا دم لنفسه وما هو مخالف ~~للدم واللحم لنفسه لحما ودما بالاتحاد فلم لا يجوز أن تنقلب الكلمة التي ~~تخالف المحدثات لنفسها وليست بمحدثة لنفسها محدثة بالاتحاد فيصير القديم ~~لنفسه بالاتحاد محدثا عند اتحاده كما صار لحما ودما عند اتحاده ولم لا يصير ~~المحدث لنفسه قبل اتحاد القديم به قديما عند اتحاد القديم به فيخرج عن أن ~~يكون لحما ودما عند اتحاده في المتحد به فتصير الطبيعتان واحدة ويصير ما ~~ليس بلحم ودم لحما ودما وما هو لحم ودم غير لحم ولا دم فلا يجدون إلى دفع ~~ذلك سبيلا. # وأما قول من قال إن الاتحاد هو حلول الكلمة في الناسوت من غير مماسة وأنه ~~كحلول الباري سبحانه في السماء وكحلوله على العرش من غير مماسة لهما فإنه ~~باطل غير معقول وذلك أن الباري سبحانه ليس في السماء ولا هو مستو على عرشه ~~بمعنى حلوله على العرش لأنه لو كان حالا في أحدهما ومستويا على الآخر بمعنى ~~الحلول لوجب أن يكون مماسا لهما لا محالة. # وأما قولهم إن العقل جوهر حال في النفس مماس لها فإنه باطل لأن الجوهر لا ~~يحل في العرض وإنما يحل في الجسم على معنى المماسة له والاعتماد عليه ~~واتخاذه مكانا يعتمده ويحيط به من جهاته PageV00P111 # كحلول الماء في الجب والدهن في القارورة. وإذا لم يعقل الحلول إلا مماسة ~~وملاصقة وكانت المجاورة والاجتماع من صفات الأجسام وكانت كلمة الله غير جسم ~~لم يجز عليها الاتحاد والحلول في الأماكن. # وأما قول الروم إن الاتحاد هو أن يصير الكثير قليلا والاثنان واحدا فإنه ~~قول جميعهم لأنهم كلهم يزعمون أن ms059 الاتحاد أن يصير الكثير قليلا والروم ~~توافق اليعاقبة والنسطورية في أن الاتحاد لا يكون إلا بامتزاج واختلاط ~~فيقال لهم إذا لم يجز أن يحصل الاتحاد وأن يصير الاثنان واحدا إلا ~~بالاختلاط والامتزاج وكنا قد بينا أن ذلك مماسة وملاصقة وأنه بمنزلة الحركة ~~والسكون والظهور والكمون وأن هذه الأمور أجمع تختص بالأجسام ولا تجوز إلا ~~عليهما لم يصح الاتحاد على الكلمة القديمة ولا أن يصير الاثنان واحدا أبدا ~~لأنه معلق بمحال لا يصح وهو مماسة ما ليس بجسم وذلك ممتنع محال. # ويقال للروم إذا جاز أن يتحد قديم بمحدث فيصيران واحدا وقد كانا اثنين ~~قبل الاتحاد فما أنكرتم أن يتحد محدث بمحدث إذا خالطه ومازجه فيصيران بذلك ~~واحدا وما أنكرتم أن يصير الرطلان والقدحان اللذان أحدهما خمر والآخر ماء ~~إذا اختلطا وامتزجا رطلا واحدا وقدحا واحدا وما أنكرتم أيضا من أن يصير ~~العرضان إذا وجدا في محل واحد عرضا واحدا جنسا واحدا وإن كان أحدهما حركة ~~والآخر سوادا وما أنكرتم من أن تتكثر القلة فتصير الطينة الواحدة والشيء ~~الواحد الذي لا بعض له ولا نصف ولا تأليف فيه ولا صورة له مائة ألف شيء وذا ~~أبعاض وأبعاد وأقطار PageV00P112 # وصور متغايرة وأشكال مختلفة على حد ما يقوله بعض الفلاسفة فإن مروا على ~~هذا أجمع تركوا قولهم وتجاهلوا وإن أبوه لم يجدوا فصلا. # ويقال للروم أيضا إذا كان من دينكم مخالفة النسطورية واليعاقبة في قولهم ~~إن الكلمة اتحدت بإنسان واحد جزئي دون غيره وكنتم تزعمون أن الابن إنما ~~اتحد بالإنسان الكلي وهو الجوهر الجامع لسائر أشخاص الناس لكي يخلص الجوهر ~~الجامع لسائر الناس من المعصية وهو إذا اتحد بالإنسان الكلي صار معه واحدا ~~فيجب أن يصير الجوهر الكلي جزئيا وأقنوما واحدا لأن الابن أحد الأقانيم ~~وليس هو كل الأقانيم والخواص فهو من حيث القنومة شخص واحد جزئي فإذا صار ~~عند الاتحاد بالإنسان الكلي الذي هو الجوهر الجامع لكل الناس شيئا واحدا ~~وجب أن يكون كليا جزئيا لأنه كلي من حيث كان جوهرا جامعا ms060 لسائر الناس وجزئي ~~من حيث كان خاصا وقنوما للجوهر العام فيجب أن يكون كليا جزئيا وهذا غاية ~~الإحالة. # فصل في قول النصارى إن الاتحاد فعل وقد أطبقت النصارى على أن الاتحاد فعل ~~من الأفعال صار به المتحد متحدا والمسيح مسيحا فيقال لهم خبرونا عن الاتحاد ~~بالإنسان المتحدة به الكلمة إذا كان فعلا فهل له عندكم فاعل أم لا فإن ~~قالوا لا فاعل له قيل لهم فما أنكرتم من أن يكون سائر الأفعال والحوادث لا ~~فاعل لها وليس ذلك من قولهم وإن قالوا الاتحاد فعل لفاعل فعله وكان به ~~متحدا قيل لهم فمن فاعله أهو الجوهر الجامع للأقانيم دون الأقانيم أم ~~الأقانيم الثلاثة دونه أم هو والثلاثة الأقانيم أم الفاعل له واحد من ~~الأقانيم؟ فإن PageV00P113 # قالوا هو الجوهر العام الجامع للأقانيم قيل فيجب أن يكون الجوهر هو ~~المتحد بالجسد والإنسان الكلي أو الجزئي على ما تختارونه لأن المتحد عندكم ~~هو من فعل الاتحاد دون من لم يفعله ويجب أيضا أن يكون هو الإله المستحق ~~للعبادة لأنه هو الفعال لها. # وكذلك إن قالوا الجوهر والأقانيم فعلوا الاتحاد قيل لهم فيجب أن يكون هو ~~والثلاثة الأقانيم متحدين بالإنسان ولا معنى لقولكم إن الابن وحده هو ~~المتحد دون الأب والروح ودون الجوهر العام الجامع للأقانيم وهذا نقض قولكم ~~إن الاتحاد للابن فقط. # وكذلك إن قالوا إنما فعل الاتحاد الأقانيم الثلاثة دون الجوهر قيل لهم ~~فيجب أن يكون الروح أيضا متحدا وألا يكون الابن وحده من خواص الجوهر متحدا. # وإن قالوا فاعل الاتحاد إنما هو الابن وحده ولإنفراده بفعل الاتحاد كان ~~متحدا دون الروح قيل لهم فإذا جاز أن ينفرد الابن بفعل حادث هو الاتحاد دون ~~الروح والأب ودون الجوهر العام فلم لا يجوز أن ينفرد الروح بفعل حادث ~~وحوادث أخر وأن ينفرد كل أقنوم من الأقانيم بعوالم وأفعال لا يفعلها الآخر ~~وينفرد الجوهر الجامع بفعل غير فعلها؟. وإذا كان ذلك كذلك جاز أن تتمانع ~~وتختلف ويقال هم إذا كانت الأقانيم تفعل كما أن الجوهر ms061 الجامع لها يفعل فلم ~~صار بأن يكون جامعا لها وأن تكون خواص له أولى من أن يكون هو خاصا لها وهي ~~PageV00P114 # جامعة له فيكون أقنوما من أقانيمها فلا يجدون لذلك مدفعا. # مسألة في الاتحاد ويقال لهم: كيف اتحدت الكلمة التي هي الابن بجسد المسيح ~~دون الأب والروح مع قولكم بأنه غير مباين لهما ولا منفصل عنهما وإن جاز ذلك ~~فما أنكرتم من أن يكون الماء الممازج للخمر المختلط به مشروبا دون الخمر أو ~~الخمر مشروبا دون الماء وإن كانا غير منفصلين ولا متباينين وإذا استحال هذا ~~عندكم وجب أن يكون شارب الخمر الممتزج بالماء شاربا للخمر والماء إذا كانا ~~غير منفصلين ولا متباينين فما أنكرتم من أن يجب إذا كان الابن متحدا وهو ~~غير منفصل من الروح والأب ولا مباين لهما أن يكون الأب والروح متحدين به ~~كما أن الابن متحد به؟. # فإن قالوا إن الكلمة إنما اتحدت بالإنسان الكلي في الجزئي الذي ولدته ~~مريم عليهما السلام قيل لهم فيجب أيضا أن يكون الأب والروح متحدين بالكلي ~~في الجزئي الذي ولدته مريم لأننا لسنا نقصد بهذا السؤال الكلام في الإنسان ~~الذي اتحدت به الكلمة وهل هو جزئي أو كلي أو اتحاد بالكلي في الجزئي الذي ~~ولدته مريم وإنما الكلام في كيف يمكن أن يكون الابن متحدا بما اتحد به كلي ~~أو جزئي دون الأب والروح وهو غير مباين لهما ولا منفصل عنهما فأجيبوا عن ~~هذا إن كنتم قادرين. PageV00P115 # ثم يقال لهم: إن كانت الكلمة اتحدت بالإنسان الكلي فلا يخلو أن تكون ~~اتحدت به في مكان أو لا في مكان فإن كانت اتحدت به لا في مكان فليس بينها ~~وبين الجسد المولود المأخوذ من مريم إلا ما بينه وبين سائر أجسام الناس ~~وسائر الأجساد ولا مزية لمريم ولا للجسد المأخوذ منها إذا لم يكن للابن ~~اتحاد به ولا بغيره ويجب أن يكون القتل والصلب جاريين على الجسد فقط لا على ~~الابن ولا على المسيح لأن الجسد الذي لا اتحاد للابن به ms062 ليس بمسيح فكيف ~~يكون المسيح مقتولا مصلوبا وإن كان اتحاد الابن بالكلي اتحادا به في مكان ~~ما هو الجسد المأخوذ من مريم أو غيره من الأجسام فيجب أن يكون الكلي محصورا ~~في ذلك المكان الجزئي وأن يكون الجزئي حاويا محيطا بالكلي ومكانا له وإن ~~كان جزءا منه وهذا عكس ما في العقل وقلبه لأن ذلك لو جاز لجاز اشتمال العدد ~~القليل على العدد الكثير وزيادته عليه ولجاز أن يكون الصغير من الأجسام ~~محيطا بالعظيم وحاويا له وإذا علمنا بأوائل العقول فساد ذلك علمنا أيضا ~~استحالة اتحاد الابن بالكلي إن كان ها هنا كلي في مكان صغير جزئي. مسألة ~~على الملكية يقال لهم خبرونا كيف ولدت مريم الابن دون الأب وروح القدس وهو ~~غير مباين لهما ولا منفصل عنهما فيكون المتحد بالجسد حملا في بطن مريم ~~والأب والروح والجوهر الجامع للأقانيم لا في بطن مريم وهما مع PageV00P116 # ذلك غير متباينين ولا منفصلين مما هو حال في الجسد في بطن مريم فما لا ~~ينفصل ولا يتميز من الذات كيف يكون منه مولود ومنه غير مولد ومنه غير متحد ~~لولا الجهل والعجز؟. # مسألة أخرى على الملكية يقال لهم: خبرونا عن مريم أهي إنسان كلي أم إنسان ~~جزئي فإن قالوا إنها كلي تجاهلوا وقيل لهم فما أنكرتم أن يكون كل ذكر وأنثى ~~من الناس إنسانا كليا فإن قالوا هو كذلك تركوا قولهم وقيل لهم فأي هو ~~الإنسان الجزئي وكل جزئي تشيرون إليه على قولكم هذا فهو كلي فلا يجدون إلى ~~إثبات الجزئي سبيلا وفي هذا هدم مذهبهم. # وإن قالوا مريم عليها السلام إنسان جزئي قيل لهم فالإنسان الذي ولدته ~~أليس هو الذي اتحد الابن بولادته وإذا قالوا نعم قيل لهم فخبرونا عن ~~الإنسان الذي ولدته مريم أكلي هو أم جزئي فإن قالوا جزئي تركوا قولهم بأن ~~الابن متحد بالإنسان الكلي الذي أراد خلاصه وصاروا إلى قول النسطورية ~~واليعاقبة. # وإن قالوا: الإنسان المأخوذ من مريم هو ابن مريم فإذا قالوا أجل قيل لهم ~~فهو كلي ms063 وأمه التي هي مريم إنسان جزئي فيجب على قولكم أن يكون الإنسان ~~الكلي ابن الإنسان الجزئي وهذا طريف جدا لأننا لو فرضنا عندهم عدم مريم لم ~~يعدم الإنسان الكلي ولو فرضنا عدم الإنسان الكلي لم تكن مريم ولا غيرها من ~~جزئيات الإنسان وكيف يكون PageV00P117 # الكلي ابن ما لا يجب أن يعدم بعدمه ويرتفع بارتفاعه ويكون الجزئي حاويا ~~للكلي؟. # ويقال لهم أنتم تقولون: إن الجوهر الكلي وكل ما تقولون إنه كلي لا تصح ~~ولادته ولا أن يحويه مكان دون مكان والمولود من مريم كان في بطنها وكان ~~مكانه منها حاويا له فكيف يكون كليا فإن جاز أن يكون الكلي ابن الجزئي فلم ~~لا يجوز أن تكون مريم ابنة عيسى المولود منها وأن يكون آدم ونوح ابني مريم ~~التي هي ابنة لهما هذا تجاهل عظيم لا يبلغه صاحب تحصيل. # مسألة على جميعهم ويقال لهم: خبرونا عن اتحاد الابن بالجسد أكان باقيا ~~موجودا في حال وقوع القتل والصلب به أم لا فإن قالوا كان باقيا موجودا قيل ~~لهم فالذي مات مسيح من طبيعتين لاهوت وهو الابن وناسوت وهو الجسد فيجب أن ~~يكون ابن الله القديم قد مات كما قتل وصلب لأن جواز القتل والصلب عليه ~~كجواز الموت وإذا صار الابن عند القتل ميتا لم يجز أن يكون في تلك الحال ~~إلها لأن الإله لا يكون ميتا ولا ناقصا ولا ممن يجوز عليه الموت ولو جاز ~~ذلك عليه لجاز موت الأب والروح وهذا ترك قولهم. # وإن قالوا: الاتحاد بطل عند القتل والصلب قيل لهم فيجب انتفاض الاتحاد ~~عند القتل والصلب وهذا ترك قولهم. ويجب أيضا ألا يكون PageV00P118 # المقتول مسيحا لأن الجسد عند انتفاض الاتحاد ومفارقة المتحد به ليس بمسيح ~~وإنما يكون الجسد وما اتحد به مسيحا مع ثبوت الاتحاد ووجوده فإذا بطل كان ~~المقتول المصلوب الواقع عليه الموت إنسانا ولا معنى لقولكم إن المسيح قتل ~~وصلب. # مسألة أخرى على جميعهم في الاتحاد يقال لهم لم قلتم إن كلمة الله اتحدت ~~بجسد المسيح دون جسد ms064 موسى وإبراهيم وغيرهما من النبيين فإن قالوا لأجل ما ~~ظهر عل يد عيسى من فعل الآيات واختراع المعجزات التي لا يقدر البشر على ~~مثلها من نحو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجعل القليل كثيرا وقلب ~~الماء خمرا والمشي على الماء وصعود السماء وإبراء الزمن وإقامة المقعد وغير ~~ذلك من عجيب الآيات فوجب أن يكون إلها وأن الكلمة متحدة به يقال لهم لم ~~زعمتم أن عيسى فاعل لما وصفتم من الآيات ومخترع لها وما أنكرتم أن يكون غير ~~قادر على قليل من ذلك ولا كثير وأن يكون الله تعالى هو الذي فعل جميع ما ~~ظهر على يده من ذلك وتكون حاله فيه حال سائر الأنبياء فيما ظهر عليهم من ~~الآيات؟ # ثم يقال لهم ما أنكرتم أن يكوم موسى عليه السلام إلها وأن تكون الكلمة ~~متحدة به لما فعله من الآيات البديعة نحو قلب العصا حية ذات فم وعينين ~~وخروق ولم تكن من قبل حية ولا فيها رسم عينين ولا فم PageV00P119 # ونحو فلق البحر وإخراج يده بيضاء وغير ذلك وما أتى به من الجراد والقمل ~~والضفادع والدم وغير ذلك مما لا يقدر عليه البشر فإن قالوا موسى لم يكن ~~مخترعا لشيء من ذلك وإنما كان يدعو ويرغب إلى الله تعالى في أن يظهر على ~~يديه ذلك يقال لهم فما أنكرتم أن تكون هذه حال عيسى وأنه كان يرغب إلى ~~خالقه وربه ومالكه في أن يظهر الأيات على يده؟. # وقد نطق الإنجيل بذلك لأن في الإنجيل أن عيسى عليه السلام بكى فقال رب إن ~~كان في مشيئتك أن تصرف هذه الكأس عن أحد فاصرفها عني وأنه أراد أن يحيي ~~كهلا فقال يا أبي أدعوك كما كنت أدعوك فتستجيب لي وإنما أدعوك من أجل هؤلاء ~~ليعلموا وقال يا أبي أنا أحمدك وقال وهو على الخشبة وقت الصلب بزعمهم إلهي ~~إلهي لم تركتني وهذا فوق دعاء موسى وتضرعه وابتهاله فوجب أنه عبد مربوب ~~ومحدث مخلوق كموسى وغيره من الرسل عليه السلام. # وإن قالوا عيسى كان ms065 يدعو ويرغب بهذا الدعاء عل سبيل التعليم للأتباع ~~والتلاميذ وإلا فقد يخترع الآيات اختراعا ويأمر أن PageV00P120 # يكون فيكون قيل لهم فما أنكرتم من أن يكون دعاء موسى ورغبته إنما وقع على ~~سبيل التعليم وإلا فقد كان يخترع فلق البحر وإخراج اليد بيضاء وقلب العصا ~~ثعبانا وتظليلهم بالغمام واختراع المن والسلوى ويأمر بأن يكون ذلك فيكون ~~فلا يجدون إلى ذلك مدفعا. # فإن قالوا قولنا مسيح اسم لمعنيين لاهوت هو إله وناسوت هو إنسان مخلوق ~~فما كان من تضرع ودعاء فإنما وقع من الإنسان الذي هو الناسوت وما كان من ~~إحداث آية وإظهار معجزة فهو واقع من الإله دون الإنسان يقال لهم فما أنكرتم ~~من أن يكون موسى أيضا اسما لمعنيين إله وإنسان فما كان من دعاء ورغبة فإنه ~~واقع من الناسوت وما كان من اختراع آية أو إبداع معجزة فإنه من اللاهوت دون ~~الناسوت ولا فصل في ذلك. # فإن قالوا كل واحد من هؤلاء الأنبياء قد أقر بلسانه بأنه مخلوق وعبد ~~مربوب مألوه مرسل من عند الله عز وجل والمسيح لم يقر بذلك قيل لهم وكذلك ~~المسيح قد اعترف بأنه نبي مرسل وعبد مخلوق لأن الإنجيل ينطق بأنه قال إني ~~عبد الله وأرسلت معلما وقال فكما بعثني أبي فكذلك أبعثكم عمدوا الناس ~~وغسلوهم باسم الأب والابن والروح القدس قال في الإنجيل إن النبي لا يكرم في ~~مدينته في نظائر PageV00P121 # هذه الإقرارات عنه كثيرة بأنه نبي وعبد مرسل ومألوه مدبر فوجب أنه ليس ~~بإله. # فإن قالوا هذه الإقرارات واقعة من ناسوت المسيح دون لاهوته قيل لهم فما ~~أنكرتم أن يكون كل إقرار سمع من نبي بأنه خلق وعبد ونبي فإنه إقرار ناسوته ~~دون لاهوته فهل تجدون في ذلك فصلا؟. # وإن قالوا: إنما قلنا إن المسيح إله لأن الله قال في الكتب إنه إله وسماه ~~بذلك فقال العذراء البتول تحمل وتلد ابنا يدعى أو يسمى إلها يقال لهم فقد ~~قلتم قال الله لموسى إني قد جعلتك إلها لهارون وجعلتك إله فرعون على معنى ms066 ~~أنك مدبر له وآمر له وواجب عليه طاعتك فقد كانت هذه لغة ثم يقال لهم لم ~~يخبر الله تعالى بأنه هو سماه أو يسميه إلها وإنما قال يدعى اسمه إلها ~~فيمكن أن يكون أراد أن قوما يغلون في تعظيمه ويدعونه بذلك ويتجاوزون به ~~الحد ويكذبون في ذلك ويفترون فمن أين لكم ما سمي به من ذلك واجب صحيح فلا ~~يجدون إلى ذلك سبيلا. # وإن هم قالوا إنما قلنا إن عيسى إله وإن الكلمة اتحدت به لأنه ولد ~~PageV00P122 # لا من فحل وليس كذلك من ذكرتموه من الرسل فيقال لهم فيجب على قياسكم أن ~~يكون آدم عليه السلام إلها لأنه وجد لا من ذكر ولا أنثى فهو أبعد عن صفة ~~المحدث لأنه لم يحل بطن مريم ولا غيرها ولا كان من معدن ولد ولا موضع حمل ~~وكذلك يجب أن تكون حواء ربا لأنها خلقت من ضلع آدم من غير ذكر ولا أنثى فهو ~~أبعد. وكذلك المطالبة عليهم في وجوب كون الملائكة آلهة لأنهم لا من ذكر ولا ~~أنثى ولا على وجه التبني. # فإن قالوا إنما وجب القضاء على ربوبيته لأنه قال في الإنجيل وهو الصادق ~~المصدوق في قوله أنا وأبي واحد ومن رآني فقد رأى أبي يقال لهم ما أنكرتم أن ~~يكون معنى ذلك أن من أطاعني فقد أطاع أبي أي مرسلي ومعلمي الحكمة ومن عصاني ~~فقد عصاه فيكون معنى أبي أي إنه معلمي ومرسلي وقوله فمن رآني فقد رآه معناه ~~فكأنه قد رآه وسمع كلامه وأمره ونهيه لأنه لو كان هو وأبوه واحدا لوجب أن ~~تكون الولادة والحمل والقتل والصلب والأكل والشرب والحركة الجارية عليه كل ~~ذلك جاريا على الأب وإذا كان هو PageV00P123 # المتحد بالجسد أن يكون الأب متحدا به فهذا كله ترك لقولهم إن ركبوه. # فإن قالوا إنما وجبت آلهية المسيح لأنه قال وهو الصادق في قوله أنا قبل ~~إبراهيم وهو إنسان من ولد إبراهيم فعلمنا بذلك أنه قبل إبراهيم بلاهوته ~~وابنه بناسوته. يقال لهم فما أنكرتم أن يكون المراد ms067 بقوله أنا قبل إبراهيم ~~أن كثيرا من ديني وشرعي كان متعبدا به مشروعا قبل إبراهيم على لسان بعض ~~الرسل أو ما أنكرتم أن يكون أراد بقوله أنا قبل إبراهيم أي مكتوب عند الله ~~وأنا معروف قبل إبراهيم عند قوم من الملائكة أو أنا مبعوث إلى المحشر قبل ~~إبراهيم إذ لا يجوز إثبات الربوبية بجسد أكل الطعام ومشي في الأسواق. ~~والقول بأن اللاهوت اتحد به قول بعيد لا يحتمل التأويل وفي سفر الأمثال وقد ~~قال سليمان عليه السلام في كتابه أنا قبل الدنيا وكنت مع الله سبحانه حيث ~~مد الأرض وكنت صبيا ألعب بين يدي الله تعالى ولم يجب أن يكون سليمان قبل ~~الدنيا أو مع الله سبحانه حيث مد الأرض بلاهوته وأن يكون ابنا لداود ~~بناسوته فإن PageV00P124 # قالوا: أراد أن اسمي عند الله قبل خلق الدنيا وفي علمه وعنده حيث مد ~~الأرض والعلم بإرسالي وتمليكي أو غير ذلك من التأويلات قيل لهم مثله فيما ~~احتجوا به ولا جواب عنه. PageV00P125 # باب الكلام على البراهمة وقد افترقت البراهمة على قولين: # فمنهم من جحد الرسل وزعم أنه لا يجوز في حكمة الله PageV00P126 # سبحانه وصفته أن يبعث رسولا إلى خلقه وأنه لا وجه من ناحيته يصح تلقي ~~الرسالة عن الخالق سبحانه. # وقال الفريق الآخر إن الله تعالى ما أرسل رسولا سوى آدم عليه السلام ~~وكذبوا كل مدع للنبوة سواه وقال قوم منهم بل ما بعث الله تعالى غير إبراهيم ~~وحده وأنكروا نبوة من سواه. وهذا جملة قولهم فيقال لمن أحال من الله سبحانه ~~إنفاذ رسله إلى خلقه لم قلت ذلك وما دليلك عليه فإن قال لعلمه سبحانه بأن ~~الرسول من جنس المرسل إليه وأن جوهرهما واحد وأن تفضيل أحد المتماثلين ~~المتساويين على مثله ونوعه ومن هو بصفتة حيف ومحاباة وميل وخروج عن الحكمة ~~وذلك غير جائز على الحكيم يقال لهم لم قلتم إن تفضيل الله سبحانه بعض الجنس ~~على بعض ورفع بعضهم إذا كان محاباة للمتفضل عليه وجب أن يكون ظلما وخروجا ~~عن الحكمة ms068 وما أنكرتم أن يكون لله سبحانه PageV00P127 # أن يختص بفضله من يشاء من خلقه وله التسوية بين سائرهم فإن ذلك أجمع عدل ~~منه وصواب من تدبيره؟. # فإن قالوا: لأن تفضيل أحد المتجانسين على الآخر في الشاهد سفه منا فوجب ~~القضاء بذلك على القديم تعالى قيل لهم ولم قلتم إن ذلك سفه وما أنكرتم من ~~أنه جائز لنا وصواب في حكمتنا أن نحبو بعض عبيدنا وأصدقائنا والمتصرفين ~~معنا كتصرف غيره بأكثر مما مما نحبو به غيره ونفضله بعطاء وتشريف لا يستحقه ~~أكثر مما نحبو به غيره فلم قلتم إن هذا سفه وقبيح من فعلنا؟. # ويقال لهم نحن نمنعكم أشد المنع من أن يكون في العقل بمجرده طريق لقبح ~~فعل أو لحسنة أو حظره أو إباحته أو إيجابه ونقول إن هذه الأحكام بأسرها لا ~~تثبت للأفعال إلا بالشرع دون قضية العقل وسنتكلم على هذا الباب وما يتصل به ~~في باب التعديل والتجوير من كتابنا هذا إن شاء الله فإن قالوا لو حسن من ~~الله ما قلتم لحسن من الله أن يشكر ويثنى على من لم يعمل شيئا أو من قل فعل ~~البر منه بأكثر مما يشكر ويثني على العامل الزاهد المجتهد قيل لهم لم قلتم ~~ذلك ثم يقال لهم ما أنكرتم أن يكون الفرق بينهما أن الشكر والثناء على ~~المرء بما لم يكن منه كذب والكذب مستحيل على الله تعالى إذ كان الصدق من ~~صفات نفسه ولغير ذلك كما يستحيل عليه الجهل والعجز والتفضل على من لم يعمل ~~أو على من عمل أقل من عمل غيره بأكثر من التفضل PageV00P128 # على العامل إنعام وإحسان وليس ذلك بقبيح ولا من الكذب بسبيل فبطل ما ~~قلتم. # ثم يقال لهم ما أنكرتم على من قال من مثبتي نبوة الرسل إن الله تعالى ليس ~~يفضل أحد الشخصين على الآخر المجانس له ابتداء ولا لأجل جنسه ولكن لأجل أنه ~~مستحق للتفضيل بالرسالة وغيرها بعمله والإخلاص في الاجتهاد كما أن الله ~~تعالى يفضل المنيب وقابل الحجج العقلية عندكم على من ms069 لم يقبلها لا لجنسه ~~ولا لابتدائه بذلك ولا لغير علة ولكن لأنه مستحق للتعظيم والشكر والثناء ~~عندكم لما كان من بره وطاعته فيكون التفضيل بالرسالة إذا أراد الله سبحانه ~~إرسال بعض عباده إلى باقيهم مستحقا لأنه أفضلهم وأكثرهم عملا فلا يجدون ~~لذلك مدفعا. # ويقال لهم أيضا ما أنكرتم من أنه لا يجوز في عدل القديم سبحانه وحكمته ~~على موضوع دليلكم أن يخلق في بعض عباده الجهل وفي بعضهم العلم وفي بعضهم ~~العمى والبكم والخرس والزمانة وفي بعضهم القوة والتمكين وصحة الآلة وكمال ~~العقل والنحيزة الطبيعية لأن ذلك تفضيل بعض الجنس على بعض. # فإن قالوا عطيته العلم والحياة وكمال العقل والحواس لبعضهم ومنعه لغيرهم ~~مصلحة للمعطى والممنوع وسبيل لهم إلى نفع عظيم هو سبحانه أعلم به قيل لهم ~~فما أنكرتم أن يكون إرساله بعض الخلق PageV00P129 # وجعله راعيا وجعل باقيهم رعية مصلحة للراعي والرعية وللرسول والمرسل إليه ~~ولطفا لهم في النظر في حجج العقول التي أمرهم بالرجوع إليها والعمل على ~~موجبها. # ويقال لهم إن بنيتم الأمر على قبح ذلك في الشاهد بزعمكم فيجب أن تقضوا ~~على أن الفاعل للعالم لا يفعله إلا لاجتلاب منفعة أو دفع مضرة وداع دعاه ~~إلى الفعل وبعثه عليه وأنه تعالى جسم مؤلف ذو حيز وقبول للأعراض وفي مكان ~~دون مكان لأنكم لم تعقلوا فاعلا في الشاهد إلا كذلك فإن مروا على هذا ~~أبطلوا الحدوث والمحدث وسيقت عليهم مطالبات الدهرية وإن أبوه نقضوا ~~استدلالهم بمجرد الشاهد والوجود. # علة أخرى لهم فإن قالوا: الدليل على أنه لا يجوز أن يرسل الله تعالى ~~رسولا إلى خلقه أنا وجدنا الرسول في الشاهد والمعقول من جنس المرسل فلما لم ~~يجز أن يكون القديم من جنس المخلوقات بذاته ثبت أنه لا يجوز أن يرسل رسولا ~~إلى خلقه فيقال لهم فيجب على اعتلالكم هذا ألا يكون الله سبحانه محتجا على ~~الخلق بعقولهم ولا آمرا لهم بما وضعه فيها عندكم من وجوب فعل الحسن وترك ~~القبيح واستعمال النظر وفعل التوحيد لله والمعرفة به والشكر لنعمه ms070 لأن ~~المحتج الآمر في الشاهد من جنس المأمور المحتج عليه فإن مروا على ذلك تركوا ~~التوحيد ولحقوا بأهل التعطيل وإن أبوه وراموا فصلا نقضوا استدلالهم. ويقال ~~لهم فيجب على PageV00P130 # موضوعكم ألا يكون القديم سبحانه شيئا ولا فاعلا ولا عالما حيا قادرا لأن ~~ذلك يوجب أن يكون من جنس الأشياء المعقولة لأن الشيء في الشاهد والوجود لا ~~ينفك من أن يكون جسما أو جوهرا أو عرضا والحي العالم القادر لا يكون إلا ~~جسما وجواهر مجتمعة والفاعل منا لا يفعل إلا في نفسه أو في غيره بسبب يحدثه ~~في نفسه فإن لم يجب هذا أجمع سقط ما تعلقتم به. # قول آخر لهم واستدلوا أيضا على منع إرسال الرسل بأن قالوا لم نجد وجها من ~~قبله يصح تلقي الرسالة عن الخالق جل ذكره وذلك أنه ليس ممن يدرك بالأبصار ~~ويشاهد بالحواس فيتولى مخاطبة الرسول بنفسه من حيث يراه ويعلمه مخاطبا له ~~حسب الرائيين أحدهما للآخر وإنما يدعي الرسول العلم بالرسالة من جهة صوت ~~يسمعه أو كتاب يقع 15 إليه أو سماع شخص ماثل بين يذكر أنه بعض ملائكة ربه ~~قالوا وذلك كالذي ادعاه موسى بن عمران من أن الله تعالى كلمه وتولى خطابه ~~بلا واسطة ولا ترجمان قالوا ولم يدع مع ذلك رؤية ربه سبحانه وإنما أخبر عن ~~صوت سمعه فيما يدريه لعل صاحب ذلك الصوت ومكلمه PageV00P131 # بعض الملائكة أو الجن أو مستتر عنه من الإنس ولا له إلى أن يعلم أن متولي ~~خطابه هو الله رب العالمين مع علمه بأن في العالم أرواحا ناطقة بمثل ما ~~سمعه ومن جنسه وعلى صفته. # وكذلك زعموا أن قول الرسول إن الذي أدى إليه الرسالة عن ربه ملك مقرب قول ~~لا سبيل له إلى العلم به ولعل الذي خاطبه عفريت من العفاريت أو بعض السحرة ~~والمخيلين فأما التعويل على كتاب يظن أنه من عند ربه فهو أبعد الأمور من أن ~~يعلم أن ذلك الكتاب ليس من عمل البشر ونظمهم ولو أنه أيضا سقط عليه من نحو ms071 ~~السماء لم يدر لعله مما طرحه عفريت من العفاريت أو مما أرسل مع الريح أو ~~حملته فألقته إليه. وإذا كان ذلك كذلك فلا سبيل إذا للرسول إلى تلقي ~~الرسالة عن الخالق تعالى وفي فساد الطريق إلى ذلك فساد القول بنبوة الرسل ~~عليهم السلام. # فيقال لهم ما أنكرتم من سقوط ما تعلقتم به وذلك أن موسى عليه السلام وكل ~~من تولى الله خطابه بلا واسطة ولا ترجمان يعلم أن خالق العالم هو المتولي ~~لخطابه من أربعة أوجه: # أحدها أن كلام الله سبحانه الذي يخاطب به من يشاء من خلقه ليس من جنس ~~كلام الآدميين ولا مشبها لكلام المخلوقين بل هو مخالف لسائر الأجناس ~~والأصوات وأبنية اللغات وإن كان مسموعا بحاسة السمع لما قام عندنا من ~~الدليل على قدمه واستحالة خلقه وأنه صفة من صفات ذات المتكلم به وسنوضح ذلك ~~بما يوضح الحق في باب القول في الصفات PageV00P132 # إن شاء الله تعالى. وإذا كان ذلك كذلك علم من تولى الله خطابه أن المتكلم ~~له بما سمعه هو القديم الذي ليس كمثله شيء وأنه الذي ينبغي أن يكون ما سمعه ~~كلاما له دون سائر الخلق. # والوجه الآخر أنه لو كان ما سمعه الرسول أو الملك من جنس كلام الآدميين ~~لكان الله سبحانه قادرا على أن يضطره إلى العلم بأنه هو المكلم له وأن ~~الكلام الذي سمعه كلام له بأن يضطره أولا إلى العلم بذاته ووجوده ثم يضطره ~~إلى العلم بأن الكلام كلامه وأن مراده به إن كان بصيغة ما يحتمل وجوها من ~~الكلام كذا وكذا وسقط عن الرسول تكليف معرفته وفرض العلم بوجوده إذا كان قد ~~اضطره إلى العلم به ويكلفه تحمل الرسالة وأداءها إلى من شاء من خلقه ولعل ~~في ملائكته من هذه سبيل علمه به وبكلامه ومراده له إن لم يمنع من ذلك سمع ~~أو توقيف ولا سمع نعرفه في ذلك يمنع منه وإذا كان ذلك كذلك بطل سؤالكم أنه ~~لا سبيل للرسول إلى العلم بتلقي الرسالة عن الخالق. # وما أنكرتم ms072 أيضا من أن يصح علم الرسول بأن الله سبحانه هو المتولي لكلامه ~~مع بقاء المحنة عليه وإلزام الله سبحانه إياه معرفته من وجهين أحدهما أن ~~يجعل الخطاب له خبرا عن غيب استسره موسى عليه السلام واعتقده في نفسه ولم ~~يطلع عليه أحدا من الخلق ويخبره PageV00P133 # عما أحبه قلبه وانطوى عليه ضميره أخبارا متصلة تخرج بكثرتها عن حد ما ~~يمكن إصابة الظان والمخمن فيه لأن المعلوم بمستقر العادة أن الحادس يصيب في ~~الخبر والاثنين والثلاثة ولا يصيب في المائة والمائتين والألف والألفين حتى ~~لا يغلط في واحد منها وإذا كان ذلك كذلك كان الله تعالى متى أراد إعلام من ~~يتولى خطابه أنه المتولي لكلامه ضمن خطابه الإخبار عن الغيوب وما أسرته ~~النفوس فيعلم المخاطب عند ذلك أن المتولي لكلامه هو علام الغيوب لتقدم علمه ~~بأن الإخبار عن ذلك والإصابة له في جميعه متعذر على المخلوقين وأن المنفرد ~~بهذا هو الله رب العالمين وهذا طريق للعلم بصحة الرسالة عن الله واضح لا ~~إشكال فيه. # وقد يمكن أن يعلم الله سبحانه الرسول أنه المتولي لخطابه بأن يقول أنا ~~الله الذي لا إله إلا أنا وآية ذلك أني أقلب الجماد حيوانا وأخرج يدك بيضاء ~~وأفلق البحر وأخرج الحيوان من الصخر فيعلم الرسول أن المتولي لخطابه هو ~~محدث الآيات ومبدع المعجزات لتقدم علمه بأن الخلق لا قدرة لهم على ذلك. # وليس يجوز أن يحمل الله الرسالة لبعض أنبيائه وهو مع ذلك ممن لم يتقدم ~~علمه بأن أحدا من المخلوقين لا يستطيع الإخبار عن الغيوب والإصابة فيها ولا ~~يقدر على إبداع الأجسام وإحياء الموات وخرق العادات بل لا يرسل إلا أكمل ~~الخلق علما به ومعرفة له وإذا كان ذلك كذلك سقط ما توهمتم. PageV00P134 # وكذلك أيضا إنما يتبين الرسول من البشر أن المنزل عليه بالرسالة ملك من ~~عند ربه بأن يكون الخطاب الذي أداه إليه متضمنا لإخباره عن الغيوب أو بأن ~~يظهر معه من الآيات مثل الذي ظهر على أيدي الرسول عند الأداء إلى أمثالهم ~~من ولد ms073 آدم فيعلم عند ذلك أن من ظهرت هذه الأمور على يده فليس بساحر ولا ~~شيطان ولا متمثل من الأرواح وكل هذا يبطل ما توهموه فأما الكتاب الساقط على ~~يد الرسول فلا بد من أن يكون معه آية تظهر على يد ملك سواء يؤديه أو بأن ~~ينطق الله الكتاب ويحييه حتى يؤدي عن نفسه ويخبر بمتضمنه ويخرق العادة بما ~~يظهر منه فلا تعلق لهم في ذلك. # قول آخر لمنكري الرسالة واستدلوا على إبطال الرسالة بأن قالوا وجدنا ~~المدعين للرسالة يزعمون أنه لا طريق إلى العلم بصدقهم إلا وجود محالات ~~ممتنع في العقل وجودها من نحو فلق البحر وخلق ناقة من صخرة وقلب العصا حية ~~وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والمشي على الماء وإنطاق الذئب والحصا ~~وما جرى مجرى ذلك من ادعائهم جعل القليل كثيرا والقليل لا يتكثر كما أن ~~الكثير لا يتقلل ويتوحد وإذا كان كذلك بطل ما يدعونه فيقال لهم ما الذي ~~أردتم بقولكم إن هذه الأمور مستحيلة ممتنعة أعنيتم بذلك أنها مستحيلة في ~~العادة أو في قدرة الصانع تعالى فإن قالوا في قدرة PageV00P135 # الصانع ألحدوا وتركوا دينهم وقيل لهم: ما الدليل على إحالة ذلك وإن قالوا ~~لأننا لم نجد أحدا فعله ولا يقدر عليه ولا رأينا ذلك قط ولا جرى مثل ما ~~تدعون قيل لهم فيجب أن تحيلوا أيضا أن يخلق الله تعالى الأجسام وألا يوجد ~~آدم إلا من ذكر وأنثى وألا يخلق دجاجة إلا من بيضة أو بيضة إلا من دجاجة أو ~~نطفة إلا من إنسان أو إنسانا إلا من نطفة لأن ذلك أجمع لم يوجد قط ولم ~~يشاهد فإن مروا على ذلك لحقوا بأهل الدهر وإن أبوه نقضوا اعتلالهم. # وإن قالوا عنينا أن هذه الأمور مستحيلة في العادة قيل لهم فما أنكرتم أن ~~ينقض الله سبحانه العادات ويظهر المعجزات على أيدي رسله لما أراده من حسن ~~النظر لهم ولمن علم أنه يؤمن بهم ويعمل من العبادات ما يكون وصلة وذريعة ~~إلى إجزال ثوابهم كما جاز وحسن منه ms074 أن يحتج عليهم بعقولهم فلا يجدون إلى ~~دفع ذلك من حيث اعتلوا متعلقا. # فأما ما قالوه من استحالة كون الكثير قليلا والقليل كثيرا فإنه صحيح على ~~ما ادعوه وإنما معنى قول المسلمين وكل ذي ملة إن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~يجعل القليل من الطعام والشراب كثيرا هو أن الله سبحانه يخلق عند دعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم ووضعه يده في الطعام والشراب أمثال PageV00P136 # ذلك الطعام والشراب ويخترع أضعافه لا أن كل جزء فيه يصير جزئين أو أكثر ~~من ذلك لأن الكثير لا يتوجد كما أن الواحد لا يتكثر وكذلك يعدم عند دعائه ~~عليه السلام بعض الموجودات ويبقى بعضها وإن كان التأويل في ذلك على ما ~~وصفنا سقط ما توهموه. # قول آخر لهم وإن قالوا: الدليل على كذب مدعي الرسالة على على ربه أنا ~~وجدنا كل مدع لذلك يخبر عن سبحانه بإباحة ما تحظره العقول من إيلام الحيوان ~~وذبحه وسلخه وتسخيره وغير ذلك مما يجري مجراه والحكيم لا يجوز أن يبيح ما ~~تحظره العقول ولا أن يبعث من يتكذب عليه في إطلاق ذلك وإباحته فدل ما ~~وصفناه على أنهم ليسوا من عند الله سبحانه فيقال لهم أول ما في هذا أن الذي ~~ذكرتموه إنما فيه أن يكون مبيح هذه الأمور ومدعي الإباحة على الله سبحانه ~~كاذبا في ادعاء الرسالة وأن الله تعالى لا يجوز أن يرسله وليس فيه ما يدل ~~على أنه لا يجوز أن يرسل غير من ذكرتم ولا من يبيح محظورا في العقل ولا ~~يحظر PageV00P137 # مباحا فيه فليس الكلام معكم في نبوة قوم بأعيانهم فإن الكلام في ذلك جار ~~بين أهل الملل والمجوزين لإرسال الله تعالى الرسل وأنتم تحيلون أن يرسل ~~الله رسولا أصلا فلا معنى للكلام في تعيين رسالة فلان دون فلان فإنه خروج ~~عن الكلام وعجز وانتقال من باب إلى باب. # ثم يقال لهم ما أنكرتم أن يكون جميع ما ادعيتم حظره في العقل غير محظور ~~فيه ولا مباح أيضا وأن الحظر والإباحة إنما هما ms075 ورود القول المبين عن مالك ~~الأعيان بإباحة ما أباحه وحظر ما حظره فلم قلتم إن في العقل إباحة وحظرا؟ # ثم يقال لهم ما أنكرتم أن يكون العقل قاضيا على أن لخالق الأعيان ومالك ~~الذوات أن يتلفها ويؤلمها وأن يبيح ذلك فيها وأن يبتدئها باللذات بدلا من ~~الآلام وبالآلآم بدلا من اللذات لأنه لا مالك فوقه ولا زاجر يجدد له فلا ~~يجدون إلى دفع ذلك سبيلا. # فإن قالوا فما الدليل على أن الله سبحانه ابتدأ الحيوان بالآلام من غير ~~عوض ولا جرم قيل لهم الدليل على ذلك اتفاقنا وسائر أهل التوحيد وأهل الملل ~~على أن لله تعالى متفضل على الحيوان بالنعم واللذات التي يبتدئهم بها وأنه ~~مستوجب للحمد والشكر على ذلك وإذا كان هذا هكذا وكان للمتفضل فعل التفضل ~~وله تركه على وجه ما كان له فعله وأن هذا هو الفرق بين التفضل وبين المستحق ~~الواجب الذي يجب الظلم بتركه ثبت أن لله سبحانه أن يترك فعل اللذة في ~~الحيوان على وجه PageV00P138 # ما كان له فعلها فإذا ثبت ذلك وكان الدليل قد قام على أن الحيوان المحتمل ~~للذات والآلام المتضادة لا يجوز أن ينفك منها بأسرها كما لا يجوز أن تنفك ~~الأجسام من سائر المتضادات ثبت أن الله سبحانه إذا ترك فعل اللذة في ~~الحيوان حسن منه ذلك وكان عدلا وصوابا في الحكمة ولن يترك الله اللذة إلا ~~بما يضادها من الألم وذلك يوجب أن يكون فعل الألم بغير جرم ولا لعوض عدلا ~~من الله سبحانه وإن كان مثله ظلما وجورا منا إذا كلفنا تركه وأمرنا من هو ~~أملك بالحيوان منا بترك إيلامه. # فإن قالوا أو قال إخوانهم من المعتزلة ما أنكرتم أن يكون لله سبحانه ترك ~~التفضل من اللذة بفعل الموت النافي للألم واللذات وليس له ذلك بفعل الألم ~~وقيل لهم أنكرنا ذلك لأجل ما اتفقنا عليه من أنه متفضل بفعل اللذة في الجسم ~~مع وجود الحياة لا مع عدمها فيجب أن يكون له ترك فعل اللذة على الوجه الذي ms076 ~~كان له فعلها وله فعلها مع الحياة فيجب أن يكون له تركها مع الحياة ولن ~~يترك اللذة مع وجود الحياة إلا بفعل الألم وإذا كان ذلك كذلك سقط ما سألتم ~~عنه وبطل ما تعلقتم به وثبت أن لمالك الأعيان أن يبيح خلقه ما يشاء منها من ~~إتلاف بعض الحيوان وإيلامه وأنه لا اعتراض لمخلوق في حكمه. # ويقال لهم لو سلم لكم أن ذبح الحيوان وإيلامه محظور في العقل ما لم يبح ~~ذلك فيها مالكها لم يجب لأجل هذا أن يكون ذبحها PageV00P139 # محظورا مع إطلاق المالك. # فإن قالوا: المحظور في العقل محظورا أبدا وكيف تصرفت به الحال قيل لهم لم ~~قلتم ذلك ثم يقال لهم ما أنكرتم من أن ذلك كان محظورا بشريطة عدم إذن مالكه ~~فيه وإطلاقه وحظره في العقل بهذا الشرط لا ينقلب أبدا؟. # ثم يقال لهم: أليس الأكل والشرب والاصطلاء بالنار والتبرد بالثلج قبيحا ~~مع الشبع والري التامين اللذين يخاف الضرر فيما يتناول بعدهما وكذلك ~~الاصطلاء بالنار مع الحمى والتبرد بالثلج مع شدة البرد محظور مع الغنى عنه ~~فإذا قالوا أجل ولا بد لهم من ذلك قيل لهم فيجب أن يكون ذلك أجمع محظورا مع ~~حصول الحاجة إليه وشدة لهب الجوع والظمأ والحر والقر وخوف الضرر بتركه فإن ~~مروا على ذلك تركوا دينهم وإن أبوه وأباحوا هذه الأمور وأوجبوها أيضا عند ~~الحاجة إليها قيل لهم فقد صار المحظور في العقل مباحا وانقلبت قضايا العقول ~~وهذا ما تكرهون. # وإن قالوا كل شيء مما سألتم عنه مباح بشرط الحاجة إليه ومحظور بشرط الغنى ~~فيه وخوف الضرر بتناوله وفعله قيل لهم مثل ذلك في إيلام الحيوان. # وكذلك يسألون عمن هدده الملحدون بالقتل إن لم يلحد بربه ويشتمه ~~PageV00P140 # ويسئ الثناء عليه وخاف نزول القتل به إن لم يفعل كلمة الكفر وشتم رب ~~العالمين ورجاء البقاء والحياة إن فعله ما الذي يجب عليه؟ فإن قالوا يجب ~~عليه فعل شتم رب العالمين وسوء الثناء عليه يقال لهم فقد صار المحظور في ~~العقل مباحا وكذلك ms077 إن قالوا يلزمه ألا يكفر وإن أدى ذلك إلى تلف نفسه قيل ~~لهم فقد صار قتل نفسه وإلقاؤها في التهلكة مباحا بعد أن كان محظورا وهذا ما ~~كرهتم المصير إليه ويقال لهم إن قالوا فعل كلمة الكفر أولى فما أنكرتم أن ~~يكون الكف عن ذلك مع القتل أولى لأنه يكف عن شتم ربه وليس هو القاتل ~~لنفسه؟. # فإن قالوا: فالكف عما قلتم أولى قيل لهم: ما أنكرتم أن يكون إظهار كلمة ~~الكفر أولى إذا لم يشرح بالكفر صدرا لحفظ نفسه وعلمه بأن الله سبحانه عالم ~~باعتقاده وأنه مخلص في وحدانيته وأنه لا يستضر سبحانه بإظهار ما يظهره وأنه ~~هو يستضر بترك إظهاره ويطرق إلى قتل نفسه وتعدي الحق في إتلاف ملك ربه وفعل ~~المحظور عليه فعله ولا جواب لهم عن ذلك. فإن هم قالوا إن إلقاء النفس في ~~التهلكة محظور في العقل إذا لم يؤد إلى الكفر بصانعها وجحد نعمه وإن أدى ~~إلى ذلك كان مباحا أو قالوا إن الكفر بالصانع محظور في العقل إذا لم يؤد ~~إلى تلف النفس فإن أدى إليه كان مباحا من غير أن ينقلب المباح في العقل ~~محظورا قيل لهم وكذلك إتلاف الحيوان وإيلامه PageV00P141 # محظور في العقل إن لم يبحه مالكه فإن أباحه لم يكن محظورا في العقل من ~~غير إتلافه نفسه بقضية العقول أو كان مشروطا بما كان شرطا له. # قول آخر فإن قالوا: الدليل على أنه لا يجوز في حكمة الله سبحانه إرسال ~~الرسل أن إرساله الرسل إلى من يعلم أنه يكفر به ويشتمه ويرد قوله ويستوجب ~~بذلك العقاب الأليم سفه وخلاف الصواب فلما لم يجز السفه على الله سبحانه لم ~~يجز أن يرسل الرسل إلى من حاله ما وصفنا فيقال لهم أول ما في هذا أنه يجب ~~جواز إرسال الله تعالى الرسل إلى من يعلم قبوله منهم وانتفاعه بهم لأن هذه ~~العلة عنهم زائلة ثم يقال لهم فيجب على اعتلالكم ألا يخلق الله سبحانه من ~~يعلم أنه يكفر به ويجحد نعمه ويلحد ms078 في صفاته ولا ينتفع بوجود نفسه وألا ~~يحتج بالعقول وما وضعه من الأدلة فيها على أحد علم أنه يجحدها ولا يستعملها ~~ولا ينيب إلى ما وضح في عقله حسنه ولا يحذر مما حذر منه فإن مروا على ذلك ~~تركوا دينهم وإن أبوه نقضوا اعتلالهم. # وإن قالوا إنما خلق من يعلم أنه يكفر واحتج عليه بعقله مع العلم بأنه لا ~~يقبل ما كلفه بعقله تعريضا منه للقبول وحسن الانتفاع به إذا كان ~~PageV00P142 # منهم قيل لهم: فما أنكرتم أيضا أن يكلف على ألسنة الرسل من علم أنه يكفر ~~ولا ينتفع إذا قصد بذلك تعريضه لنفع لا يصل إليه إلا بالتكليف السمعي وإن ~~علم أنه يخالف ولا يقبل فإن قالوا علمه بأنه لا يقبل يمنع من حسن النظر له ~~بإنفاذ الرسل إليه قيل لهم وكذلك علمه بأنه لا يقبل حجج العقول ولا ينظر ~~ولا يختار إلا الإلحاد وفعل الظلم والعدوان يمنع من حسن النظر له بإقامة ~~حجة العقل عليه وتكليف المصير إليها ولا جواب لهم عن ذلك. # قول آخر لهم فإن قالوا: الدليل على فساد الرسالة قبح السعي بين الصفا ~~والمروة والطواف بالبيت وتقبيل الحجر والجوع والعطش في أيام الصيام والمنع ~~من فعل الملاذ التي تصلح الأجسام وأنه لا فرق بين البيت الحرام وبين غيره ~~وبين الصفا والمروة وبين غيرها من البقاع وبين عرفة وبين غيرها فثبت أن ذلك ~~أجمع ليس من أوامر الحكيم سبحانه يقال لهم ما أنكرتم أن يكون ذلك أجمع حكمة ~~إذا علم الله سبحانه أن فعله والتعبد به صلاح لكثير من خلقه وداع لهم إلى ~~فعل توحيده والثناء عليه بصفاته وما هو أهله وغير ذلك مما ينالون به جزيل ~~ثوابه وأن يكون ذلك بمنزلة حسن ركوب البحر وقطع المهمة القفر في طلب الرفد ~~والربح وبمنزلة عدو الإنسان بجهده PageV00P143 # وطاقته في الحزن والوعر من الأرض خوفا من السبع وممن يريد قتله وسفك دمه ~~ظلما وأخذ ماله وقبح ذلك منه إذا لم يفعله لاجتلاب منفعة ولا دفع مضرة. # وأما قولكم إنه ms079 لا فرق بين الصفا والمروة والسعي بينهما وبين غيرهما ولا ~~بين البيت الحرام وبين غيره فهو كما وصفتم ولو شاء الله أن يتعبد بالسعي في ~~كل بقعة والتوجه إلى كل جهة لساغ ذلك منه إذا عرض به لثوابه ولم يكن ذلك ~~ناقضا لحكمته ويقال لهم وكذلك لم تجدوا حكيما بنى أحسن البنيان وصور أكمل ~~الصور وأشرفها ثم نقضها وهدم صورها وقبحها وذهب ببهجتها وشوه خلقها فإن ~~قالوا إذا كان في ذلك مصلحة المخلوق جاز تغيير خلقه وقلب صفته ومحو محاسنه ~~قيل لهم وكذلك إذا كان صوم النهار وقيام الليل وتقبيل الحجر والطواف والسعي ~~ورمي الجمار يعود بصلاح المكلف حسن تكليفه وكان ذلك أحسن في العقل إن كان ~~فيه حسن من إتلاف نفس المكلف وإبطال حياته وهدم صورته ومحو محاسنه وإبطال ~~عقله وحواسه ولا جواب لهم عن ذلك. # علة أخرى لهم وإن قالوا: الدليل على منع إرسال الرسل والغنى عنهم أن الله ~~سبحانه أكمل العقول وحسن فيها الحسن وقبح فيها القبيح وجعلها دلالة ~~PageV00P144 # على مراشد الخلق ومصالحهم ومنع بها من التظالم وجعلها دلالة وذريعة إلى ~~علم كل ما يحتاج إليه وليس يجوز أن يأتي الرسل بغير ما وضع في العقل فدل ~~ذلك على الغنى عنهم وعدم حاجة الخلق إليهم. فيقال لهم ما أنكرتم من أنه لا ~~سبيل من ناحية العقل إلى إيجاب شيء ولا إلى حظره ولا إلى إباحته وأن ذلك لا ~~يثبت في أحكام الأشياء إلا من جهة السمع وأن التعريض للثواب لا يقع ~~بالأفعال الواقعة مع فقد السمع لأنها لا تكون مع فقده طاعة لله سبحانه ولا ~~قربة إليه ولا يثاب صاحبها وإذا كان ذلك كذلك فلا بد من سمع يأتي على لسان ~~رسول بفعل قرر السمع وجوبه فعلم أن العلم بالقرب وحصول الثواب عليها لا ~~يجوز أن يثبت عقلا فقد بطل قولكم إن جميع ما يحتاج إليه العباد من المراشد ~~والمصالح مدرك من ناحية العقول فدلوا على صحة ما تدعونه من إيجاب العقل ~~لشيء من الأفعال وحظر شيء ms080 منها وإباحته حتى يسلم لكم ما بنيتم عليه. # فإن قالوا أو قال إخوانهم من المعتزلة الدليل على ذلك علمنا بوجوب النظر ~~عند قرع الخواطر لقلوبنا وتخويف بعضها من الضرر بترك النظر ونعلم أيضا وجوب ~~شكر المنعم وترك الكفر به ووجوب معرفة الله وحسن العدل والإنصاف وقبح الظلم ~~والعدوان فوجب تقرير الفرائض من ناحية العقول يقال لهم أما قولكم إنكم ~~تعلمون وجوب النظر اضطرارا عند اختلاج الخواطر على القلوب فإنه باطل لأن ~~ذلك لو كان كذلك لاشترك في علمه جميع العاقلين ولم يسع جحده من قوم بهم ~~ثبتت الحجة PageV00P145 # ونضطر إلى صدق نقلهم فيما أخبروا به عن مشاهدة واضطرار. # وفي علمنا بخلاف ذلك من أنفسنا وعلمنا أن كثيرا من الدهرية وأهل الملل ~~ينكر حسن النظر جملة وقول كثير من الثنوية إنه باطل وإنه سفه وشر وإنه من ~~تدبير الظلام لأنه يورث العداوة والأحقاد ويخرج إلى الهرج والفساد واستحلال ~~الدماء والأموال دليل على أن العلم بوجوبه أبعد عن أن يكون اضطرارا. وكيف ~~يعلم وجوبه اضطرارا من لا يعلم حسنه اضطرارا أو يعتقد وجوب تركه وقبحه هذا ~~غاية البهت ممن صار إليه من لبراهمة والمعتزلة. # ويقال لهم في قولهم: إنا نعلم وجوب شكر المنعم وترك الكفر به اضطرارا ما ~~الفرق بينكم وبين من قال إنكم تعلمون بطلان ذلك اضطرارا فلا يجدون لذلك ~~مدفعا. وكذلك يقال لهم لو علمتم حسن إلذاذ غيركم لكم إذا قصد نفعكم وقبح ~~إيلامه لكم إذا قصد الاضرار بكم لوجب أن نعلم من حسن ذلك أو قبحه ما علمتم ~~من غير سمع وتوقيف على حسن ذلك وقبحه اللهم إلا أن يعنوا بالحسن ميل الطباع ~~إلى فعل اللذات ونفورها عن فعل الآلام فهذا لعمري معلوم حسا ولكن ليس ميل ~~الطباع إلى الشيء يقتضي شكر فاعله ولا نفورها عنه يقتضي قبحه وذمه على سبيل ~~ما تدعونه فبطل ما تعلقتم به. # وإن قالوا: لو كان العلم بوجوب هذه الأمور وقبح القبيح الذي PageV00P146 # ذكرناه منها وحسن الحسن لا يعلم إلا من طريق السمع لم ms081 يعلم قبح ذلك ولا ~~حسنه إلا من علم السمع وعرفه فلما كنا نعلم ذلك ويعلمه كثير من أهل الملل ~~قبل العلم بصحة السمع وبلوغه إلينا ثبت أن العلم بما وصفنا ليس بموقوف على ~~ورود السمع يقال لهم ما أنكرتم ألا يعلم ذلك إلا من علم السمع وعرف وجوبه ~~وأن يكون من اعتقد قبح القبيح وحسن الحسن من غير علم بما له كان حسنا ~~وقبيحا فإنه معتقد للشيء على ما هو به وإن لم يكن اعتقاده ذلك علما بل هو ~~ظن وتقليد وعلى سبيل المتابعة لأهل الشرائع كما أن المعتقد للشيء على ما هو ~~به من غير جهة الاضطرار والاستدلال غير عالم به وإن كان معتقدا له على ما ~~هو به وكما أن المعتقد لكون الوصف والحكم ثابتا للشيء مع الجهل بعلته التي ~~كان لها غير عالم به في الحقيقة وهذا يبطل تعلقهم. # فإن قال من الفريقين قائل أعني البراهمة والمعتزلة لو كان قبح هذه الأمور ~~وحسنها غير معلوم بالعقل بل بالسمع لوجب أن يكون العلم بقدم القديم وحدوث ~~المحدث وحقيقة الجوهر والعرض والعلم بكل معلوم غير مدرك من ناحية العقل بل ~~بحجة السمع فلما لم يجز ذلك بطل ما قلتم قيل لهم لم قلتم هذا فلا يجدون في ~~ذلك سوى الدعوى. ثم يقال لهم ما الفصل بينكم وبين من زعم أنه لو جاز أو وجب ~~أن يعلم بعض المعلومات اضطرارا لا استدلالا لجاز أو وجب أن يعلم سائر ~~المعلومات اضطرارا لا استدلالا وكذلك لو جاز أن يعلم بعض المعلومات نظرا ~~PageV00P147 # واستدلالا لا اضطرارا لوجب أن يعلم سائر المعلومات نظرا واستدلالا وكان ~~يجب أن يكون العلم بسائر المشاهدات والمحسوسات علما واقعا عن نظر واستدلال ~~وهذا جهل من راكبه. # وكذلك يقال لهم: لو جاز أو وجب العلم ببعض هذه الأمور من ناحية الخبر ~~كالعلم بالصين وخراسان والسير والممالك لجاز أن يكون سائر الأمور معلومة ~~خبرا وإذا جاز أو وجب أن يعلم بعض الأمور بغير خبر استحال العلم بشيء من ~~جهة الخبر أصلا ms082 فإن لم يجب هذا أجمع لم يجب إذا علم بعض الأمور عقلا أن ~~يعلم سائرها من هذه الجهة ولا إذا علم بعض الأمور اضطرارا وجب العلم ~~بسائرها من هذه الطريقة. # ويخص حشو أصحاب هذه المقالة من أتباع المجوس البراهمة وهم المعتزلة إن ~~استدلوا بهذه الدلالة بأن يقال لهم: لو كان ما قلتموه صحيحا لوجب إذا كان ~~العلم بوجوب بعض الواجبات وحسن بعض المحسنات وقبح بعض المقبحات لا يدرك ~~وينال إلا سمعا نحو وجوب الصلاة وتقديرها والزكوات ونصابها وحسن إيجاب ~~الدية على العاقلة وتقبيل الحجر والسعي بين الصفا والمروة وقبح شرب الخمر ~~والوطء بغير عقد ولا ملك يمين وقبح ترك الصلوات وما جرى مجرى ذلك مما لا ~~سبيل إلى علم وجوبه وقبحه وحسنه من ناحية العقل أن يكون العلم بوجوب النظر ~~عند الخاطر ووجوب المعرفة وحسن العدل والإنصاف وقبح الظلم والعدوان ووجوب ~~شكر المنعم وترك الكفر به مدركا كالعلم بسائره من جهة السمع دون العقل فإن ~~مروا على ذلك تركوا قولهم وأن أبوه أبطلوا استدلالهم. PageV00P148 # وإن قال الفريقان ومن تابعهم: الدليل على أن قضايا العقول تحسن وتقبح ~~علمنا بأن من أمكنه التوصل إلى غرضه بالصدق والكذب وجب عليه أن يتوصل إليه ~~بالصدق دون الكذب وأنه لا يقع منه إلا ذلك وليس يترك إلى الغرض في هذه ~~الأمور بالكذب إلى الصدق إلا لحسن الصدق وقبح الكذب فوجب قضاء العقل على ~~حسن الحسن وقبح القبيح فيقال لهم ما أنكرتم من أنه إن كان القاصد إلى ~~التوصل إلى غرضه ممن لا يعتقد تفضيل الصدق على الكذب ولا هو بين قوم ~~يعتقدون ذلك ولا يرون في الكذب عارا ولا في الصدق مدحا ولا تعظيما ولا ~~يفرقون في التفضيل بين الكذب والصدق وبين الكذب والصدق ولا يدينون بذلك أنه ~~مخير في التوصل إلى غرضه بين الصدق والكذب كما أن المعتقد للتوصل إلى غرضه ~~بكل واحد من الدرهمين اللذين معه على وجه واحد وبالكلام والسكوت على حد غير ~~مختلف وبحركة يمينه وشماله والدفع بهما من غير مزية ms083 تحصل في الدفع بإحداهما ~~مخير بين إنفاق أي الدرهمين شاء وبين السكوت والكلام والتحريك باليمين ~~والشمال إذ استوت هذه الحال عنده في ذلك واعتدلت في نفسه وإذا كان ذلك كذلك ~~سقط ما اعتللتم به. # فإن قالوا بعد هذا: يجب على هذا الإنسان أن يختار الصدق على الكذب لحسنه ~~قيل لهم ذلك جهل من الكلام وعدول عن النظر وذلك أنهم جعلوا وجوب التوصل إلى ~~الغرض بفعل الصدق دون الكذب دلالة PageV00P149 # على حسن الصدق فلما أبطلنا ذلك عليهم رجعوا يجعلون الدلالة على وجوب فعل ~~الصدق دون الكذب حسنه وهذا يؤدي إلى أن لا يثبت حسن الصدق ولا وجوب فعله ~~وذلك أنا إذا لم نعلم وجوب فعل الصدق إلا إذا علمنا حسنه ولم نعلم حسنه إلا ~~إذا علمنا وجوبه لم يكن لنا طريق إلى العلم بوجوبه ولا بحسنه كما أن قائلا ~~لو قال إني لا أعلم أن زيدا في الدار حتى أعلم أن عمرا فيها ولا أعلم أن ~~عمرا فيها حتى أعلم أن زيدا فيها لم يجز أن يعلم ان زيدا في الدار ولا عمرا ~~لأنه قد جعل شرط علمه بالشيء شرطا لما هو شرط له وذلك ما يحيل وقوع كل واحد ~~من المشروطين وإذا كان ذلك كذلك ثبت بهذه الجملة أن العلم بوجوب الأفعال ~~وحظرها وإباحتها غير مدرك بقضايا العقول وثبت أنه لا بد من سمع يكشف عما ~~ينال به الثواب والعقاب ويحظر الله تعالى به الجهل بوجوده وترك النظر فيما ~~يؤدي إلى معرفته على من كلفه ذلك من خلقه وهذا أعظم الأمور وأجسمها خطرا ~~وهذا غير مدرك علمه من جهة العقول فبطل قول البراهمة إن العقل يستغنى به في ~~إدراك جميع المراشد والمصالح. # ثم يقال لهم خبرونا من أين عرفت العقلاء الأغذية من الأدوية والسموم ~~القاتلة الوحية منها وغير الوحية وإنما هجموا على العالم بغتة وليس في ~~دلائل عقولهم ما يعرفون به الأغذية والأدوية والسموم القاتلة ولا ~~PageV00P150 # في مشاهداتهم وسائر حواسهم ما يدل على ذلك أو يحس به معرفة ما يحتاج ms084 إليه ~~من هذا الباب ولا هو مما يعرف باضطرار. فإن قالوا: إنما أدرك الناس ذلك ~~قديما وعرفوه بالامتحان والتجربة على أجسامهم وأجسام أمثالهم من نسل آدم ~~عليه السلام قيل لهم فهذا مخرج للقديم سبحانه عن الحكمة لأنه قد كان قادرا ~~عندكم وعندنا أن يعرفهم السمومات ويوقفهم على الاغتذاء بما فيه صلاح ~~أجسامهم والأدوية التي عند تناولها تزول أمراضهم وأسقامهم فيغنيهم ذلك عن ~~إتلاف أنفسهم وأمثالهم وذهاب كثير منهم بالامتحان وطول التجربة وليس بحكيم ~~عندكم من قدر أن يوقف أولاده وضعفته ومن يحب مصلحته على تجنب ما فيه هلكته ~~وتناول ما فيه سلامته وبقاء مهجته فلم يفعل وأحالهم على التجربة والامتحان ~~الذي فيه عطب البعض منهم والبوار وهذا ما لا حيلة لهم فيه. # فإن قالوا: إنما أدرك علم ذلك بالامتحان على أجسام غير الناس من الحيوان ~~نحو الذئاب والكلاب وأجناس الطير وغيرهم من الحيوان قيل لهم فالمسألة ~~بحالها لأن إتلاف جميع الحيوان عندكم قبيح فإذا أباحكم الله إتلاف بعضه ~~بالتجربة والمحنة وهو قادر على توقيفكم على ما يغني عن إتلاف الحيوان فقد ~~سفه على أوضاعكم وخرج PageV00P151 # على زعمكم عن الحكمة ولا فرق بين الناس في ذلك وبين كل حيوان يلذ ويألم. # ويقال لهم: ما أنكرتم من أن لا يحصل أيضا لبني آدم علم ما يحتاجون إليه ~~في هذا الباب بالتجربة على أجسام الحيوان سوى الإنسان وذلك أن الحيوان ~~مختلف الطباع والأغذية والأدوية وأن منه ما يعالج مرضه بما لو عولج به ~~الإنسان لتلف ومنه ما يغتذي بما لو اغتذى به الإنسان أو أكل يسيره لتلف ~~كالوعل الذي يأكل الحيات والظبي الذي يرعى الحنظل والوحش الذي لا يعمل في ~~جسده شيء من خشاش الأرض وكالنعم الذي يقتات التبن وألقت والسمك التي ترعى ~~الطين وغيره ولو أكل الإنسان بعض هذه الأشياء لأدى إلى تلفه فمن أين لابن ~~آدم بالحيوان الذي طبعه في التسوية مثل طبعه وغذاؤه مثل غذائه ودواؤه مثل ~~دوائه مع اختلاف طبائعه وتباين تركيبه وشهواته ونفوره فلا يجدون إلى دفع ~~ذلك ms085 سبيلا. # ثم يقال لهم: أليس قد تجرب الحشيشة على جسم بعض الحيوان فتولد حمى في ~~كبده أو ورما في طحاله أو تقطعا في أمعائه وغير ذلك من الأدواء التي يعظم ~~شأنها ويخاف التلف بها فلا يعلم ما ولدت تلك الحشيشة والثمرة لأنه ليس ~~بناطق يذكر ما يجده ويخبر بسببه فما يؤمننا أن يتناول من ذلك شيئا فيولد ~~مرضا مثل الذي ولده في جسم الحيوان فلا يقدرون على دفع ذلك بحجة. وكذلك ~~يقال لهم: أليس من السموم ما PageV00P152 # يقتل لوقته وساعته ومنه ليومه ومنه ما يقتل بعد شهر وحول فإن قالوا نعم ~~قيل لهم فما الذي يؤمننا من أن يكون تلف ذلك الحيوان بعد يوم أو شهر أو سنة ~~من تأثير تلك الثمرة وعمل تلك الحشيشة وإننا لا نأمن أن يكون ما جربناه ~~عليه قاتلا بعد سنة فما الأمان لنا عند أكله من الاستضرار والتلف بعده بوقت ~~أو أوقات فلا يجدون سبيلا إلى الخلاص من ذلك. # وهذا يدل على بطلان ما تعلقوا به فوجب أن يكون العلم بهذا الشأن الجسيم ~~والخطب العظيم غير منال ولا مدرك من جهة العقل وأن الناس محتاجون في علم ~~ذلك إلى سمع وتوقيف وأن الواجب على أصولهم أن يكون العلم بأصل الطب موقفا ~~عليه ومأخوذا من جهة الرسل عليهم السلام وإن قيس على ذلك واحتذي عليه وعلى ~~هذا أكثر الأمة وكثير ممن خالفهم من أهل الملل. # ومما يدل على صحة إرسال الله تعالى الرسل وجوازه هو أنه إذا لم يكن في ~~إرسالهم إفساد التكليف ولا إبطال المحنة ولا إيجاب قلب بعض الأدلة ولا ~~إخراج القديم عن قدمه ولا قلب لبعض الحقائق ولا إلحاق صفة النقص بالمرسل جل ~~ذكره وكان في إرساله تعريض لخلق من المكلفين لثواب جزيل ونفع عظيم صح ذلك ~~في حكمته وكان PageV00P153 # عدلا من فعله سبحانه. # ومما يدل على جواز إرسال الله الرسل وأنه قد فعل ذلك علمنا بأن اليهود ~~والنصارى والمسلمين قد أطبقوا على نقل أعلام موسى وعيسى ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم ms086 وعليهم وأن الكذب مستحيل جوازه على مثلهم من ناحية التراسل ~~والتكاتب المواطأة على ذلك لأن تمام ذلك وانتظامه من مثلهم محال متعذر في ~~العادة ومحال أيضا جوازه على مثلهم بأن يجتمعوا جميعا في بقعة واحدة من حيث ~~يشاهد بعضهم بعضا ويتوافقوا على الكذب ونقله وإذاعته لأن اجتماع مثلهم في ~~بقعة واحدة متعذر في مستقر العادة ولو أمكن أيضا اجتماعهم لتعذر في مستقر ~~العادة تواطؤهم على الكذب ونقله واستتار ذلك منهم وانكتامه عليهم لأن ~~العادة موضوعة على خلاف ذلك ويستحيل أيضا وقوع الكذب من جماعة من ذكرنا من ~~نقله أعلام الرسل باتفاق وقوعه لأن العادة لم تجر باتفاق وقوع الكذب في ~~مائة ألف إنسان عن مخبر واحد لداع واحد ودواع متفرقة وإن جاز ذلك من الواحد ~~والاثنين والنفر اليسير وليس يمكن وقوع الكذب من هذه الجماعات إلا على هذه ~~الوجوه فإذا امتنعت فسد جواز الكذب عليهم وفي فساد ذلك إيجاب صدقهم فيما ~~نقلوه وصحة ما إليه ذهبنا ولو أمكن وقوع الكذب من جميع ما ذكرناه من نقلة ~~أعلام الرسل على بعض هذه الوجوه أو غيرها لداع واحد أو دواع متباينة لأمكن ~~وقوعه من نقلة الأمصار والبلدان والممالك PageV00P154 # والسير ولم نأمن ألا تكون في العالم بلدة تدعى خراسان والنهروان والبردان ~~ولجاز جحد ما نأى وقرب منا من البلدان وفي بطلان ذلك دليل على صحة إثبات ~~نبوة الرسل عليهم السلام. وسنقول في الكلام في الأخبار وأقسامها ونصف ~~التواتر منها والآحاد وما يعلم صحة مخبره باضطرار وما يعلم بنظر واستدلال ~~وأحوال المخبرين عنه عند انتهائنا إلى الكلام في الإمامة والرد على اليهود ~~قولا بينا إن شاء الله تعالى. # ومتى ثبت صحة نقله أعلام الرسل من المسلمين وغيرهم من أهل الملل علم بذلك ~~ثبوت نبوتهم لأن الله سبحانه لا يظهر المعجزات ويخرق العادات على الذي يدعى ~~النبوة مع العلم بدعواهم عليه إلا للدلالة على صدقهم والشهادة بثبوت ~~نبوتهم. # فأما المثبتون من البراهمة لنبوة آدم الجاحدون لمن بعده من الرسل ~~والمثبتون لنبوة إبراهيم الجاحدون لمن بعده ms087 من الرسل فقد أقروا بجواز إرسال ~~الرسل وأنه قد وجد ونقل وإن خالفوا في نبوة قوم بأعيانهم وليس ذلك من قول ~~محيل الرسالة جملة في شيء فيقال PageV00P155 # لهم: ما الدليل على إثبات نبوة آدم وإبراهيم عليهما السلام؟ فإن قالوا ~~ظهور الأعلام على أيديهما قيل لهم وما الدليل على صحة هذه الأعلام ونحن لم ~~نشاهدها ولا عاصرنا أصحابها فإن قالوا لنقل من يستحيل عليه الكذب لها ~~عورضوا بمثل ذلك في نقل أعلام موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام والكلام مع ~~هؤلاء كالكلام مع اليهود وسنذكر منه ما ينبئ عن الحق إن شاء الله تعالى. # باب الكلام على اليهود في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والرد على ~~من أنكرها وطعن فيها من المجوس والصابئة والنصارى فإن قال قائل قد دللتم ~~على جواز إرسال الله الرسل عليهم السلام فما الدليل على إثبات نبوة نبيكم ~~مع خلاف من يخالفكم PageV00P156 # فيها من النصارى واليهود وغيرهم من أهل الأديان قيل له: الدليل على ذلك ~~ما ظهر على يده صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة والمعجزات القاهرة ~~والحجج النيرة الخارقة للعادة والخارجة عما عليه العادة وتركيب الطبيعة ~~والله سبحانه لا يظهر المعجزات ولا ينقض العادات إلا للدلالة على صدق ~~صاحبها وكشف قناعه وإيجاب الإقرار بنبوته والخضوع لطاعته والانقياد لأوامره ~~ونواهيه. # فإن قالوا: وما هذه المعجزات الدالة على صدقه قيل أمور PageV00P157 # كثيرة منها القرآن المرسوم في مصاحفنا الذي أتى به وتحدى العرب بالإتيان ~~بمثله ومنها حنين الجذع وكلام الذئب وجعل قليل الطعام كثيرا وانشقاق القمر ~~وتسبيح الحصى في يده وكلام الذراع له في غير هذه الآيات مما يجري مجراها ~~وقد علم أن مجيء مثلها من الخلق ممتنع متعذر وأنه من مقدورات الخالق ~~سبحانه. # فإن قالوا: وما الطريق إلى العلم بصحة هذه الآيات وظهورها على يديه قيل ~~لهم: السبيل إلى ذلك من طريقين: أحدهما الاضطرار والآخر النظر والاستدلال. # فأما العلم بظهور القرآن على يده ومجيئه من جهته وأنه تحدى العرب أن تأتي ~~بمثله فواقع لنا ولكل من ms088 خالفنا باضطرار من حيث لا يمكن جحده ولا الارتياب ~~به كما أن العلم بظهور النبي صلى الله عليه وسلم بمكة والمدينة ودعوته إلى ~~نفسه واقع من جهة الاضطرار لأن المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والصابئة ~~والثنوية والزنادقة وكل منحرف عن الملة يقرون بأن القرآن المتلو في ~~محاريبنا المرسوم في مصاحفنا من قبل النبي صلى الله عليه وسلم نجم ومن جهته ~~ظهر من غير اختلاف بينهم في ذلك. # فلو حمل حامل نفسه على ذلك لجحد الضرورة وسقطت مطالبته كما لو ادعى مدع ~~أن التوراة والإنجيل ليس هما من جملة ما ظهر من قبل موسى وعيسى عليهما ~~السلام لكان معاندا وجاحدا PageV00P158 # للضرورة بل لو جحد جاحد ما دون هذا فزعم أن قفا نبك ليست من شعر امرئ ~~القيس ودع هريرة إن الركب مرتحل ليس من نظم الأعشى ونزل إلى جحد خطب الحجاج ~~وزياد ورسائل ابن المقفع وإنكار كون الكتاب لسيبويه لوجب عناده وسقط كلامه ~~وقد علم أن ظهور الخبر بمجيء القرآن من جهة النبي صلى الله عليه وسلم أعظم ~~وحاله أشهر فوجب أن يكون ما تواتر الخبر عنه على هذه السبيل والعلم به ~~اضطرارا لا يمكن جحده ولا الشك فيه ولا PageV00P159 # يحتاج به في إثباته إلى استعمال الرؤية والنظر في الأدلة. # فأما سبيل العلم بكلام الذراع وتسبيح الحصى وحنين الجذع وجعل قليل الطعام ~~كثيرا وأشباه ذلك من أعلامه عليه السلام فهو نظر واستدلال لا اضطرار. # فإن قال قائل وما الدليل على صحة ظهور هذه الأمور على يده مع علمكم بخلاف ~~من يخالف فيها وإقراركم بأنكم غير مضطرين إلى العلم بصحتها قيل له الدليل ~~على ذلك أنا نعلم ضرورة وجميع أهل الآثار ونقلة الأخبار ومعرفة السير أن ~~هذه الأعلام قد نقلت للنبي صلى الله عليه وسلم في جميع أعصار المسلمين وأن ~~الأمة لم تخل قط في زمن من الأزمان من ناقلة لهذه الأعلام وما جرى مجراها ~~وأنها قد أذيعت في الصدر الأول ورويت من حيث يسمع رواتها من شاهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms089 وعاصره وأن الناقلين لها وإن قصر عددهم عن عدد أهل التواتر ~~وكانوا آحادا فإن كل واحد منهم أضاف ما نقله للنبي صلى الله عليه وسلم من ~~هذه الأعلام إلى مشهد مشهود وموقف معروف وغزاة قد حضر أهلها وبقعة أكثر ~~السامعين لخبره قد شهدها ومجتمع قد عرفوه وحضروه فقال كان في الغزاة ~~الفلانية كذا وكذا وكلم الذراع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده يوم ~~مجتمع أصحابه وجعل قليل PageV00P160 # الطعام كثيرا يوم أولم في قصة كذا وكذا وفي بقعة كذا وكذا وكذا كل شيء من ~~ذلك إلى مشهد قد حضره السامعون لنقلهم ومشهد قد شهدوه فلم ينكروا ذلك ولا ~~أحد منهم عليه ولا ردوا نقلهم ولا ظهر منهم تهمة للنقلة ولا شك في أمرهم لا ~~عند سماعهم وطرقه لأسماعهم ولا بعد ذلك. # وقد علم بمستقر العادة إمساك العدد الكثير والجم الغفير عن إنكار كذب ~~يدعي عليهم ويضاف إلى سماعهم ومشاهدتهم وعلمهم مع ما هم عليه من نزاهة ~~الأنفس وكبر الهمم وعظم الخطر وجلالة القدر والتدين بتحريم الكذب والنفور ~~عنه والذم له والتبجح بالصدق وشدة تمسكهم به فلو كانوا عالمين بكذب ما ~~ادعاه النقلة عليهم لسارع جميعهم أو الجمهور منهم وقت سماع الكذب عليهم ~~وإضافة ما لا أصل له إليهم وبعد ذلك الوقت إلى إنكاره وتبكيت ناقليه ~~وتكذيبه وذمه وإعلام الناس كذبه كما أنه لو ادعى في وقتنا هذا مدع أن من ~~أعلام محمد صلى الله عليه وسلم قلب العصا حية وفلق البحر وإبراء الأكمه ~~والأبرص وغير ذلك من الآيات التي ليست له لم يلبث أن نسارع إلى تكذيبه ورد ~~قوله وإعلام الناس بطلان ما أتى به ولقلنا له أو أكثرنا لسنا محتاجين في ~~إثبات نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى وضع هذا الكذب الذي لا أصل له. # وكذلك لو ادعى مدع بحضرة كافة أهل بغداد أو الجانب الشرقي منها ~~PageV00P161 # أو الغربي أو في محلة من محالها أنهم رأوا ما لم يروا وسمعوا ما لم ~~يسمعوا وشهدوا ما لم يعاينوه ms090 لم يلبثوا أن يردوا قوله ويشهدوا بكذبه ~~ويعلموا الناس بطلان ما ادعاه عليهم هذا ثابت في مستقر العادة كما أنه ثابت ~~فيه أن اجتماع مثل عدد من ذكرنا على نقل كذب وكتمان ما شوهد ممتنع مع ~~استمرار السلامة في النقل والكتمان من غير ذكر سبب دعاهم إلى ذلك وجمعهم ~~عليه وظهور الحديث به وانطلاق الألسن بذكره ولهج النفوس بحفظه وكما يستحيل ~~في موضوع العادة على نقلة السير والوقائع والبلدان الكذب فيما نقلوه وإذا ~~كان ذلك كذلك دل إمساك الصحابة رضوان الله عليهم عن تكذيب ما نقل من هذه ~~الأعلام وادعي فيه مشاهدتهم وحضورهم وسماعهم على صدق ما أضيف إليهم وادعي ~~عليهم وقام إمساكهم عن إنكار ذلك مقام نقلهم لمثل ما نقله الآحاد وشهادتهم ~~من جهة النطق به وقولهم قد صدقوا فيما نقلوه وقد شاهدنا منه مثل الذي ~~شاهدوا وهذه دلالة ظاهرة وحجة قاهرة على صحة نقل هذه الأعلام وصدق رواتها ~~وإن قصروا عن التواتر. # فإن قال قائل أليس قد يجوز عندكم إمساك المخالفين عن القول والمذهب ~~الظاهر فيهم مع خلافهم عليه واعتقادهم لفساده فإن لم يدل إمساكهم على ~~توثيقهم له واعتقادهم إياه فما أنكرتم أيضا من مثل ذلك في الإمساك عما يدعي ~~على الجماعات الكثيرة حضوره ومشاهدته إذا أمسكوا عن PageV00P162 # إنكار ذلك في أنه غير دال على توثيقهم للخبر واعتقاد صحته قيل له: لا يجب ~~ما قلته من وجوه. # أحدها أن كثيرا من المسلمين يحيل ظهور المذهب بين الجماعات التي تعتقد ~~فساده وخطأ الدائن به والذاهب إليه من غير إنكار منها له وردها على قائله ~~ويجعل السكوت على القول الظاهر فيها إجماعا على تصويبه وبمنزلة النطق ~~بتصديقه وتصحيحه ولا يفرقون بين أن يكون ذلك القول الظاهر بين العلماء ~~والأئمة مع السكت من فروع الدين أو من أصوله التي يقع في مثلها التأثيم ~~والتفسيق فهذا الاعتراض زائل عن هؤلاء. # والجواب الآخر أن العادة في ذلك مختلفة وللسكوت على المذهب المستخرج ~~بالقياس والدليل علل تقتضي السكت عنه ليست في القول المدعى على ms091 الناس حضوره ~~ومشاهدته. # والأصل في ذلك أن العادة لم تجر بإمساك الجماعات عن إنكار كذب يدعى عليهم ~~كما لم تجر بنقل الجماعة الكذب وكتمان ما شوهد وسمع لما بيناه من قبل ولما ~~جعلهم الله عليه من تفرق الدواعي والأغراض وليس كذلك العادة في المذهب ~~المقول من ناحية الرأي والقياس لأنه قد يكون المعتقد لصحته عددا قليلا يجوز ~~إمساك مثلهم عن إظهار مذهبهم وقد يكون الأكثر منهم عددا في مهلة النظر ~~والروية وممن لم PageV00P163 # تنكشف له صحة قول في ذلك المذهب وقد يكون القول الظاهر مما يسوغ أن يعتقد ~~فيه أكثر الساكتين أن كل مجتهد فيه مصيب نحو مسائل فروع الدين وما يتعلق ~~بالأحكام والحلال والحرام وقد يسكت العالم ببطلان القول لاعتقاده العزم على ~~إنكاره بعد ذلك الوقت وأنه أولى أصوب وليس يمكن في العادة سكوت عدد مثل أهل ~~جانبي بغداد على إنكار كذب يدعى فيه مشاهدتهم وحضورهم ولا اليسير منهم أيضا ~~لعلة من هذه العلل كما لا يجوز في العادة عليهم نقل الكذب وكتمان ما رؤي ~~وشوهد لعلة من العلل وإذا كان ذلك كذلك بطل هذا الاعتراض. # سؤال آخر على هذا الاستدلال فإن قال قائل: فما أنكرتم أن يكون الصحابة أو ~~كثير منهم قد أنكروا مشاهدة ما ادعاه الناقلون عليهم وسماعه وإن لم ينقل ~~ذلك إلينا؟ قيل لهم هذا باطل من قبل أن إنكار هذه الأعلام مما يجب توفر ~~الدواعي على نقله وضبطه ومعرفة عين المعترض فيه ولفظه حتى يشتهر ذلك ويظهر ~~وينتشر وينقل نقل مثله ويجرى مجرى الخبر الذي هو اعتراض عليه وإنكار هذا ~~واجب في مستقر العادة ووضعها كما أن عيسى وموسى لو عورضا في نقل أعلامهما ~~لوجب أن ننقل المعارضة كنقل الأمر PageV00P164 # المعارض ولحل في الظهور والشهرة محله وكذلك إنكار نقل الأعلام يجب أن ~~يظهر كظهور نقل الأعلام وإلا وجب بطلانه والعلم بفساده. # سؤال آخر على ما قدمناه فإن قال قائل: فما أنكرتم أن يكون ما نقله الآحاد ~~كذبا وإن سلمت الجماعات نقلهم بدلالة إنكار اليهود والنصارى ms092 والمجوس الذين ~~عاصروا محمدا صلى الله عليه وسلم وجحدهم لها وقولهم قد رأيناه وعاصرناه فما ~~ظهر على يده مما نقله الآحاد من متبعيه شيء ولو كان ذلك صحيحا لم يتهيأ لهم ~~جحده وإنكاره فدل ذلك على بطلانه يقال لهم هذا باطل من وجهين: أحدهما أن ~~نقول لو دل على إنكار من ذكرتم على كذب نقل الآحاد مع إمساك الجماعات عن ~~رده لدل ذلك أيضا على كذب النقل ولو شهدت الجماعات بصحته بدلا من سكتها ~~عليه إذ لا فرق بين إمساكها عن إنكاره وإنكار ما ادعي عليها وبين تصويبها ~~له على ما بيناه ولو كان ذلك كذلك لدل على إنكار البراهمة والمجوس وأهل ~~التثنية والإلحاد والتنجيم والطبائعيين لأعلام موسى وعيسى وقول من شاهدهما ~~وعاصرهما من هذه الفرق إنا قد شاهدنا هذين الرجلين وعاصرناهما فلم نر مما ~~ادعي لهما من هذه الأمور التي هي فلق البحر وإخراج اليد بيضاء وإحياء ميت ~~وإبراء أكمه وأبرص وزمن ومن مشي على الماء وغير PageV00P165 # ذلك على بطلان ما ادعي ونقل لهما فلما لم يكن هذا عندنا وعندهم كذلك لم ~~يكن في إنكار الفرق لما قام الدليل على صحته وثبوته دليل على بطلانه وكذب ~~ناقليه فإن قالوا: ليس ينكر أحد ممن ذكرتم ظهور هذه الأمور على يدي موسى ~~وعيسى وإنما ينكرون كونها معجزا ويدعون أنها حيل وتخييل ومخاريق فبطل ما ~~قلبتم به الاعتراض علينا قيل لهم ليس الأمر على ما ظننتم لأن أكثر من ~~ذكرناه بل الكل منهم يجحد هذه الأمور أصلا وإن تعاطى المتحذلق منهم أحيانا ~~تسليمه جدلا والطعن فيه بادعائه أنه من ضروب السحر والحيل وغير ذلك فلا ~~معنى لإنكارهم لذلك. # وشئ آخر يبطل ما سألتم عنه وهو أنا لا ننكر تكذب الواحد والاثنين وجحد ما ~~شاهدوه وطيه وكتمانه من المسلمين وغيرهم من سائر الملل وإذا كان ذلك كذلك ~~وكنا نعلم أنه لم يحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المشاهد ~~والغزوات من اليهود والنصارى والمجوس عدد ينقطع بهم العذر ولا يجوز عليهم ms093 ~~الكذب وطي ما شوهد بل لا نعلم أيضا أنه حضر في أكثرها أحد منهم لما كان من ~~إبعاده إياهم وإخراجهم عن تلك الديار وتحيزهم إلى حيث يمكنهم قتال ونصب ~~راية حرب معه من الحصون PageV00P166 # والنواحي كخيبر وغيرها لم يجب أن يكون إنكار من أنكر ذلك من اليهود ~~والنصارى حجة في إبطاله لأنهم إما ألا يكون حضر معه في أكثرها أحد منهم ~~أصلا أو أن يكون حضر منهم الواحد والاثنان والخمسة أو العدد الذي يجوز ~~عليهم الكذب وعلى مثلهم افتعاله والكتمان لما سمع وشوهد وإذا كان ذلك كذلك ~~بطل هذا الاعتراض بطلانا ظاهرا. # فأما العلم بظهور القرآن على يده ومجيئه من جهته فضرورة لا إشكال فيها ~~ولا جدال. # فإن قال قائل: فما وجه دلالة ظهور القرآن على يده مما يدل على صدقه قيل ~~له: وجه ذلك من طريقين أحدهما نظمه وبراعته والثاني ما انطوى عليه من أخبار ~~الغيوب وعلمها فأما وجه الدلالة من جهة نظمه فهو أنا نعلم أنه صلى الله ~~عليه وسلم تحدى العرب بأن تأتي بمثله في براعته وفصاحته وحسن تأليفه ونظمه ~~وجزالته ورصانته وإيجازه واختصاره واشتمال اللفظ اليسير منه على المعاني ~~الكثيرة ودعاهم إلى ذلك وطالبهم به في أيام المواسم وغيرها مجتمعين ~~ومتفرقين فقال لهم في نص التلاوة: «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا» يقول: مواليا ~~معينا وقال: «فأتوا بعشر سور مثله مفتريات» وقال «فأتوا بسورة من مثله» ~~مبالغة في تقريعهم بالعجز عنه مع PageV00P167 # أن اللسان الذي نزل به لسانهم ومع العلم بما هم عليه من عزة الأنفس وعظم ~~الأنفة وشدة الحمية والحرص على تكذيبه وتشتيت جمعه وتفريق الناس من حوله ~~والتوفر على إكذابه وما عره وغض منه وخروجهم إلى ما خرجوا إليه معه من ~~الحرب والمسايفة وحمل الأنفس على إراقة الدماء والخروج عن الديار ومفارقة ~~الأوطان. # فلو كانوا مع ذلك قادرين على معارضته أو معارضة سورة منه لسارعوا إلى ذلك ~~ولكان أهون عليهم وأخف ms094 من نصب الحرب معه والجلاء عن الأوطان وتحمل الأهوال ~~والصبر على القتل وألم الجراح واحتمال الذل والعار لأنه قد كان صلى الله ~~عليه وسلم مكنهم من تكذيبه من وجهين أحدهما قوله لن تأتوا بمثله والآخر ~~قوله إن أتيتم فلجتم وكنت مبطلا وكنتم المحقين هذا مع تلاوته عليهم في نص ~~التنزيل قوله: «وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون». ولو عرفوه بذلك أو بصحبة أهل الكتب ونقلة السير ومداخلة أهل ~~الأخبار ومجالسة أهل هذا الشأن لم يلبثوا أن يقولوا له: هذا كذب لأنك ما ~~زلت معروفا بصحبة أهل الكتب ومجالستهم وقصدهم إلى مواضعهم ومواطنهم ~~ومجاراتهم والأخذ عنهم والاستفادة منهم. PageV00P168 # وفي صدفهم عن هذا أجمع وعن تكلف معارضة سورة منه أو إيراد ما قل وكثر من ~~ذلك مع علمهم بخروج نظم القرآن عن سائر أوزان كلامهم ونظومهم أعظم دليل على ~~صدقه صلى الله عليه وسلم وأن ظهور القرآن منه وهو نشأ معهم وبين أظهرهم ولم ~~يعرفوه بقصد أهل الكتاب ومجالسة غير من لقوه وعرفوه والاقتباس منه ولا ~~انفرد بمداخلة فصيح منهم ومتقدم في البراعة واللسن عليهم آية عظيمة وأمر ~~خارق للعادة لأن مثل ذلك لا يكتسب بتعلم وتدقيق ذكاء وفطنة ولطيف حس وحيلة. # ولا فرق بين ذلك وبين أن يبيت صلى الله عليه وسلم وهو غير عالم بلغة ~~الزنج والترك وغيرهما من اللغات ثم يصبح أفصح الناس بكل لغة منها وأجرأهم ~~فيها مع العلم بأنه لم يأخذ ذلك عن أهلها لأن خلق العلم فيه بذلك وإقدراه ~~عليه في يسير الوقت خرق للعادة وخارج عما عليه بناء الطبيعة وكذلك تعلم هذه ~~اللغات واكتساب معرفتها والتمكن من علمها وتحصيلها في يسير الوقت الذي لا ~~يكتسب في مثله العلم بعظيم ما جاء به آية عظيمة وخرق للعادة فإنزال هذا ~~الكلام عليه واضطراره إلى إجراء لسانه أو خلق لطبيعة يتمكن بها من إدراك ~~هذا النظم ورصفه وبيانه من أظهر الآيات وأبين الدلالات لأن التمكن من تعلم ~~ذلك بكل لطيفة في ms095 يسير الوقت مما لم تجر العادة بمثله نقض لها والله سبحانه ~~لا يظهر الآيات إلا لما ذكرنا من القصد إلى الدلالة على صدق الرسل عليهم ~~السلام. PageV00P169 # مسألة في الرد على منكري إعجاز القرآن فإن قالت اليهود والنصارى: ما ~~أنكرتم أن يكون ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم من جنس كلامهم غير أنه ~~كان أفصح وأوجز وأحسن نظما وأن يكون ذلك إنما تأتى له بتقدمه في البلاغة ~~عليهم وحسن فصاحته ولسنه وبرعهم بذلك وزاد فيه على جميعهم قيل لهم إن قدر ~~ما يقتضيه التقدم والحذق في الصناعة قدر معروف لا يخرق العادة مثله ولا ~~يعجز أهل الصناعة والمتقدمون فيها عنه مع التحدي والتقريع بالعجز والقصور ~~لأن العادة جارية بجمع الدواعي والهمم على بلوغ منزلة الحاذق المتقدم في ~~الصناعة وما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن قد خرج عن حد ما ~~يكتسب بالحذق وعجز القوم عن معارضته ومقابلته مع إيثارهم لذلك واجتماع ~~هممهم له وتوفر دواعيهم عليه وعلمهم بجعله حجة له ودلالة على صدقه فخرج ~~بذلك عن نمط ما سألتم عنه. # وعلى أن الآية في القرآن أنه منزل بلسان العرب وكلامهم ومنظوم على وزن ~~يفارق سائر أوزان كلامهم ولو كان من بعض النظوم التي يعرفونها لعلموا أنه ~~شعر أو خطابة أو رجز أو طويل أو مزدوج غير أن ناظمه قد برع وتقدم فيه وليس ~~يخرج الحذق في الصنعة إلى أن يؤتي بغير جنسها وما ليس منها في شيء وما لا ~~يعرفه أهلها وإذا كان ذلك كذلك وكنا نعلم أن قريشا أفصح العرب وأعرفها ~~باللسان وأقدرها على سائر أوزان الكلام وأنها قد دهشت وطاشت عقولها فيما ~~أتى به فقالت مرة إنه سحر وقالت تارة إنه «معلم مجنون» وقالت أخرى أساطير ~~الأولين PageV00P170 # اكتتبها) وقالت تارة أخرى «شعر» وقالت تارة سلمان يلقنه ويلقي إليه حتى ~~قال تعالى «لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين» علم بذلك أن ~~ما أتى به ليس من جنس الحذق والتقدم في الصناعة في ms096 شيء وعلى أن الله سبحانه ~~إذا أباح له هذا التقدم والحذق وجمع له أسبابه ووفر دواعيه وهمته على ~~تحصيله وعلم مع ذلك أنه سيدعيه آية له وحجة على صدقه جمع همم من تحداه على ~~فعل مثله ولا أتاحه لهم ولا مكنهم منه صار ذلك آية من فعله وخرقا للعادة ~~وجرى مجرى سائر الآيات ولو علم الله سبحانه أنه كاذب فيما يدعيه لوفر ~~الدواعي والهمم وجمعها على معارضته وخلق اللطائف التي يتوصل بها إلى بلوغ ~~منزلته لكي يبطل حجته ويزيل شبهته ومتى لم يفعل ذلك كان ناقضا للعادة بصرف ~~الهمم عن فعل ذلك وجمع الدواعي عليه ومنع اللطائف والأسباب الممكنة منه ~~والله تعالى لا ينقض العادات إلا للدلالة على الصدق. # مسألة في التحدي فإن قال قائل وكذلك يقولون إن صاحب كتاب إقليدس ~~PageV00P171 # والمجسطي والقائل قفا نبك لو تحدوا بمثل ما أتوا به وجعلوه دلالة على ~~صدقهم وأنهم رسل الله سبحانه فلم يعارضوا وجب أن يكون ذلك آية لهم قيل له ~~أجل إلا أن الله سبحانه إذا علم أن المدعي لذلك كاذب فلا بد أن يجمع الهمم ~~ويوفر الدواعي على معارضة ما تحدى القوم به فلا يلبثون عند احتجاجهم به أن ~~يأتيهم الناس بأمثاله وما هو أبلغ منه في معناه لكي ينقض كون ما ادعوه ~~معجزا. # مسألة في المعارضة فإن قالوا: ما أنكرتم أن تكون العرب قد عارضته وأن ~~يكون خوف سيفكم يمنع من إظهار معارضته قيل لهم: لو كان الأمر على ما ~~ادعيتموه لجاز نقله وذكره وذكر المعارض والمتولي له ولوجب بمستقر العادة أن ~~يغلب إظهاره على طيه وكتمانه حتى يكون العلم به كالعلم بالقرآن الذي هو ~~عروضه وإن منع الخوف من النص عليه والتبيين من كل واحد لذكره لأنه كان لا ~~بد من تحدثهم بينهم إذا خلوا وجالسوا من يأمنون سيفه على وجه يجب أن يضطر ~~إليه كما يجب أن تعلم الأسباب الحاملة على الكتمان والكذب الواقعين من ~~السلطان لغرض في الحمل على ذلك مع الخوف منه وكما يجب في ms097 مستقر العادة تحدث ~~الناس بعيوب سلطانهم وجبابرتهم ومذموم الخصال التي فيهم وإن لم ينقل ~~PageV00P172 # ذلك نقلا ظاهرا ويقع تفصيله والنص عليه والبيان له من كل رجل بعينه وإذا ~~كنا لا نعلم وجود المعارضة للقرآن كعلمنا لظهوره من جهة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وجب سقوط ما قالوا وأيضا فلو كان الخوف من السيف مانعا من نقلهم ~~المعارضة لمنع ذلك أيضا من دعوى المعارضة فإذا لم يمنع الخوف من قولكم قد ~~عورض وإن كان تصريحا بالقدح في القرآن والتكذيب له مع عروة من حجة أو شبهة ~~فكيف يمنعكم الخوف من إظهار ما ادعيتم؟. # ويقال لمن سأل عن هذا من اليهود والنصارى: لو كان ما قلتموه صحيحا لجاز ~~لمدع أن يدعي أن موسى وعيسى عليهما السلام قد عورضا في قلب العصا حية وفلق ~~البحر وإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص وأن الخوف من أسيافكم يمنع من ~~قتل ذلك وأن الخوف من سيوف المسلمين اليوم يمنع من نقله الآن لأن مكذب موسى ~~وعيسى عند المسلمين بمنزلة مكذب محمد صلى الله عليه وسلم فإن لم يجب هذا لم ~~يجب ما قلتم. # مسألة في حفظ المعارضة فإن قال قائل: ما أنكرتم أن تكون المعارضة قد وقعت ~~ونسيت وذهب ذكرها وضبطها عن كل فرقة لأن الله صرف دواعي الناس وهممهم عن ~~PageV00P173 # حفظها والتوفر على نقلها قيل لهم: هذا أيضا غير جائز لأنه بمنزلة ابتداء ~~إظهار المعجزات على أيدي الكذابين لأنه لا فرق بين خرق العادة بقلب العصا ~~حية وفلق البحر وغير ذلك وبين خرقه العادة في صرف دواعي الناس عن نقل الأمر ~~العظيم والخطب الجسيم وما قد جرت العادة بحفظه وانطلاق الألسن عليه وإلهاج ~~الأنفس بذكره وغلبة إشهاره وإظهاره على طيه وكتمانه لأن ذلك أجمع خرق ~~للعادة ولأنه أيضا إفساد الأدلة وسد العلم بإثبات النبوة لأنه لو جاز ذلك ~~لم نأمن أن يكون جميع الرسل قد عورضوا في آياتهم وصرف الله سبحانه دواعي ~~الناس عن نقل المعارضة وحفظها فلا يكون لنا مع ذلك سبيل إلى العلم بصدق ms098 ~~واحد نقل المعارضة وحفظها فلا يكون لنا مع ذلك سبيل إلى العلم بصدق واحد ~~منهم وقيام حجة على أمته لأننا إذ لم نأمن كون المعارضة وإن جهلناها لموضع ~~ترك النقل لها لم نأمن أن يكونوا كذبه غير صادقين وذلك يضاد اعتقاد نبوتهم ~~وهذا كلام ليس لبعض أهل الملل على بعض وإنما هو للطاعن على سائر النبوات ~~وجوابه ما كرناه من أنه إفساد للأعلام وإيجاب لعجز القديم سبحانه عن الأدلة ~~على صدق الصادق والتفرقة بينه وبين الكاذب. # مسألة في المعارضة والإعجاز فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون القوم إنما ~~تركوا معارضة القرآن لإعراضهم عن النظر في أن مقابلته بمثله موجب لتكذيب من ~~أتى به؟ قيل لهم: فهذا مما لا نظهر فيه ولا تأمل لأنه لا شبهة على أحد كمل ~~عقله في أن PageV00P174 # من قال له قائل: إنك لن تقوم ولن تقدر على القيام كاذب إذا قام وقدر على ~~القيام والأطفال المنتقصون يعلمون هذا فضلا عن قريش في وفارة عقولهم وجودة ~~قرائحهم ونحائزهم وصحة آدابهم وما وصفهم الله تعالى به من أنهم قوم خصمون ~~والتماسهم من الرسول صلى الله عليه وسلم آيات غير التي أتى بها حتى قال ~~تعالى: «وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون» يعني التي ~~سألوها ومع قولهم: «لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك ~~جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت ~~علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا» وقوله «أو يكون لك بيت من زخرف ~~أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه». # ومع ما ذكره عن اليهود في قوله: «يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا ~~من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة» مع ما عليه ~~أهل الإلحاد والتعطيل من الاحتجاج والعناد فكيف جهل هؤلاء أجمع ولم ينبه ~~بعضهم بعضا عليه لولا جهل السائل عن هذا؟. # ويقال للسائل عن هذا من اليهود والنصارى ms099 فما أنكرتم ألا يكون PageV00P175 # إضراب السحرة والأطباء عن معارضة موسى وعيسى في آياتهما لعجزهم عن ذلك ~~وإنما صدفوا عنه لذهابهم في النظر في أن معارضتهما تؤدي إلى تكذيبهما ولا ~~جواب عن ذلك أبدا مسألة في المعارضة والسيف فإن قال قائل: ما أنكرتم أن ~~يكون الصارف للقوم عن معارضته اعتقادهم أن السيف أنجع في أمره وأحسم لمادة ~~شبهته لا للعجز عن ذلك قيل له لو: كان في قدرة القوم التكلم بمثل القرآن ~~لأتوا به مع نصب الحرب كما أنهم كانوا يأتون مع ذلك بالشعر والرجز والخطابة ~~والرسائل وكل ما هو من طباعهم وفي ترك ذلك دليل على بطلان ما قلتم. # مسألة في المعارضة والشبهة فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون المانع لهم من ~~معارضته هو خوفهم من دخول الشبهة على أوليائه وقوله لهم: إنه ليس بعروض لما ~~أتيت به؟ قيل لهم هذا باطل لأن اللسان لسانهم واللغة لغتهم وهي طباع لهم ~~ولا شبهة عليهم في معرفة ما هو بوزن كلامهم ولا مجال ولا مسرح للشك في هذا ~~الباب ثم يقال لهم فبإزاء الخوف من ذلك الرجاء لوضوح بطلان ما أتى به لهم ~~ووقوفهم عليه فكيف لم يبعثهم هذا على معارضته؟ ويقال لهم في هذه المسألة ~~والتي قبلها: ما أنكرتم أن يكون هذا هو الصارف لقوم موسى PageV00P176 # وعيسى عن معارضة ما ادعوه آية لهما؟ فكل شيء أجابونا به فهو جوابنا. # مسألة في صفة الإعجاز في القرآن فإن قال قائل: فإذا قدر العباد عندكم على ~~مثل الكلمة والكلمتين والحرف والحرفين فما أنكرتم أن يقدروا على مثل جميعه ~~وألا يكون في ذلك إعجاز؟ يقال له: لو وجب ما قلته لوجب إذا قدر الناس على ~~مثل ما سألت عنه أن يكونوا كلهم شعراء وخطباء وأصحاب نظم ورسائل لقدرتهم ~~على الكلمة والاثنتين وهذا جهل ممن صار إليه وليس يجب إذا تعذر على الإنسان ~~نظم الكثير أن يتعذر عليه نظم اليسير كما لا يجب إذا تعذر عليه شرب ماء ~~البحار والأنهار أن يتعذر عليه شرب الجرعة والجرعتين ms100 وإذا تعذر عليه الصعود ~~إلى السماء وحمل الجبال أن يتعذر عليه قطع الذراع إلى فوق والذراعين وحمل ~~الرطل والرطلين وإذا كان حمل الجبال والصعود إلى السماء آية لمن ظهر على ~~يده وجب أن يكون نظم القرآن آية لمن أتى به وإن لم يكن نظم ما دون سورة منه ~~آية لأحد. # مسألة في كيفية الإعجاز في القرآن فإن قالوا: كيف يكون القرآن معجزا وهو ~~غير خارج عن حروف المعجم التي يتكلم بها الخلق من أهل الفصاحة والعي ~~واللكنة؟ قيل لهم: ليس الإعجاز في نفس الحروف وإنما هو في نظمها وإحكام ~~PageV00P177 # رصفها وكونها على وزن ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم وليس نظمها ~~أكثر من وجودها متقدمة ومتأخرة ومترتبة في الوجود وليس لها نظم سواها وهو ~~كتتابع الحركات إلى السماء ووجود بعضها قبل بعض ووجود بعضها بعد بعض ولو ~~كان ما سألتم عنه يبطل مزية القرآن وموضع الأعجوبة في نظمه لوجب إبطال ~~فضيلة الشاعر المفلق والخطيب المصقع والمرسل الفصيح المقتدر حتى لا يكون ~~على أحد تكلم باللسان العربي وإن كان أعيا من بأقل فضل لسحبان وائل وهذا ~~أيضا جهل ممن صار إليه فبطل ما تعلقتم به. # مسألة في التحدي بالحروف المنظومة لا بالكلام القائم بالله فإن قال قائل ~~من اليهود والنصارى والمعتزلة: كيف لا يجوز التحدي بمثل القرآن وهو عندكم ~~قديم لا مثل له من كلام الآدميين ولا يجانس كلام المخلوقين؟ قيل له: لم ~~يتحد النبي صلى الله عليه وسلم بمثل الكلام القائم بالله سبحانه وإنما ~~تحداهم بمثل الحروف المنظومة التي هي PageV00P178 # عبارة عنه في براعتها وفصاحتها واختصارها وكثرة معانيها وإذا كان ذلك ~~كذلك بطل ما سألتم عنه على أنه يصح من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه ~~وسلم أن يتحدى بمثل الكلام القديم إذا ادعى ملحد أو معاند أنه مثل كلام ~~الآدميين ومن جنس كلام المخلوقين بأن يقال له إيت بمثله إن كان له مثل على ~~ما تدعيه كما قال تعالى «قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين» و ms101 «فإن كان لكم ~~كيد فكيدون» و «أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون» فطالبهم بذلك على مذهب ~~التحدي والتقريع إن كان للباطل برهان وللقديم سبحانه شريك أو كيد يكاد به ~~وإذا كان ذلك كذلك سقط تعجبهم من ذلك وثبت أنه لا تعلق لأحد فيه. # مسألة في الحفظ والإعجاز فإن قال قائل: لو كان القرآن معجزا لوجب إذا ~~حفظه بعض الناس وتلاه على أهل بلده وادعاه آية له أن يكون دلالة على صدقه ~~قيل له لا يجب ما قلته من وجهين: # أحدهما أن القرآن لا يكون معجزا عند من سمعه إلا بعد فحصه وبحثه وتفتيشه ~~وعلمه بأنه لا أحد سبق الذي أتى به إليه وأنه من جهته نجم ومن PageV00P179 # قبله ظهر ومتى لم يعلم ذلك لم يعلمه معجزا له وحافظ القرآن إذا ادعاه آية ~~لم يلبث سامع دعواه مع أدنى بحث حتى يعلم أنه ظاهر لغيره فسقط احتجاجه به. # والوجه الآخر أن الله تعالى إذا علم ذلك من حال من حفظه أنساه إياه وذهب ~~بحفظه من قلبه أو خلق لسامعه القدرة على حفظه من أوله إلى آخره حتى يقول ~~لمن أتى به: هذا أمر حفظناه وعرفناه ولعلك عني أخذته فسقط التعلق بهذا. # مسألة في الإعجاز في التوراة والإنجيل فإن قالوا: ما أنكرتم أن تكون ~~التوراة والإنجيل معجزا؟ قيل لهم: أنكرنا ذلك لعدم العلة التي لها كان ~~القرآن معجزا وهي عجز العرب عن معارضة مورده مع حرصهم على تكذيبه وما عره ~~وغض منه وإيثارهم لقتله وبلوغ كل غاية في مكارهه وفض الجمع من حوله فلو ~~تحدى موسى وعيسى عليهما السلام أعداءهما بمثل التوراة والإنجيل وغيرهم من ~~أهل الأهواء والملحدين فعجزوا عند التحدي عن ذلك لوجب أن يكون ما أتيا به ~~من ذلك معجزا وإذا لم يكن ذلك كذلك لم يجب ما قلتموه. PageV00P180 # مسألة في لزوم حجة القرآن عند غير العرب فإن قالوا: كيف لزمت حجة القرآن ~~الهند والترك وهم لا يعرفون أن ما أتى به معجز؟ قيل لهم: من حيث إنهم إذا ~~فتشوا علموا ms102 أن العرب الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أفصح ~~الناس وأقدرهم على نظم الكلام العربي وأنهم النهاية في هذا الباب وأنهم مع ~~ذلك أحرص الناس على تكذيبه صلى الله عليه وسلم وأنه نشأ معهم وأنهم يعرفون ~~دخيلته وأهل مجالسته في ظعنه وإقامته وأنه ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا ~~يخطه بيمينه وأنه مع ذلك كله أجمع تحداهم بمثله أو بسورة من مثله مجتمعين ~~أو مفترقين فعجزوا عن ذلك أجمع كما أن حجة موسى وعيسى عليهما السلام قائمة ~~على من ليس بساحر ولا طبيب لعلمه بأنهما تحديا أطب الناس وأعظمهم سحرا بمثل ~~ما أتيا به فعجزوا عن ذلك مع الحرص على تكذيبهما والإتيان بمثل ما أتيا به. # مسألة في معارضة مسيلمة للقرآن فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون مسيلمة ~~قد عارض القرآن وقابله PageV00P181 # بقوله: يا ضفدع بنت ضفدعين نقي فكم تنقين لا الماء تغيرين ولا الشارب ~~تمنعين وقوله: والزارعات زرعا فالحاصدات حصدا والطاحنات طحنا وأمثال ذلك من ~~الكلام الركيك السخيف؟ قيل له هذا الكلام دال على جهل مورده وضعف عقله ~~ورأيه وما يوجب السخرية منه والهزء به وليس هو مع ذلك خارجا عن وزن ركيك ~~السجع وسخيفه وما زاد على ذلك قليلا خرج إلى وزن الشعر كقول بعضهم في شعره: # وقرا معلنا ليصدع قلبي * والهوى يصدع الفؤاد السقيما أرأيت الذي يكذب ~~بالدين * فذاك الذي يدع اليتيما وعلى أن هذا الكلام لو كان معجزا لتعلقت ~~العرب وأهل الردة به ولعرف أتباع النبي صلى الله عليه وسلم أنه عروض له ~~ولوقع لهم العلم اليقين بأنه قد قوبل وفي عدم ذلك دليل على جهل مدعى ذلك ~~وعلى أن مسيلمة لم يدع هذا الكلام معجزا ولا تحدى العرب بمثله فعجزوا عنه ~~بل كان في نفسه ونفس كل سامع له أخف وأسخف وأذل من أن يتعلق به ولذلك لا ~~نجد له نبأ ولا أحدا من العرب تعلق به. PageV00P182 # مسألة في العلم بالتحدي فإن قال قائل من أهل الملل وغيرهم: من ms103 أين يعلم ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدى العرب أن تأتي بمثله وطالبهم بذلك؟ قيل ~~لهم: يعلم ذلك اضطرارا من دينه وقوله كما نعلم وجوده وظهوره وكما نعلم وجود ~~القرآن نفسه اضطرارا هذا على أنه في نص التلاوة نحو قوله: «فأتوا بسورة من ~~مثله» و «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله» وهذا غاية التحدي والتقريع وقد وصل قوله: «فأتوا بسورة من مثله» ~~بقوله. # «وادعوا شهداءكم من دون الله» فلا متعلق لأحد في هذا الباب. # ويقلب السؤال على من سأل عنه من اليهود والنصارى والمجوس المدعين لنبوة ~~زرادشت فيقال لهم من أين علمتم أن موسى وعيسى وزرادشت تحدوا قومهم بمثل شيء ~~مما أتوا به؟ وما أنكرتم أن يكون ذلك قد ظهر من غير احتجاج منهم ولا تحد ~~إلى مثله؟ فكل شيء تعلقوا به فهو جوابنا عما سألوا عنه. # مسألة في إبطال دعوى المعارضة فإن قالوا: كيف تبطلون حجة من أتى بكلام ~~منظوم وزعم أنه مثل القرآن PageV00P183 # وعروضه؟ قيل له: لعلمنا بأنه ليس بمثل له ولا من جنس نظمه فإن قدر على ~~ذلك قادر فليأت به لنريه أنه خلاف له ونعلم ذلك بعجز العرب أيضا عن معارضة ~~القرآن مع العلم بأنهم أفصح الفصحاء وأبلغ البلغاء وأشعر وأخطب من على وجه ~~الأرض ممن تكلم بلسانهم بعدهم فتعلم بذلك تعذر معارضته على من بعدهم وعلى ~~أن من الناس من يزعم أن الله سبحانه إنما أعجز العرب أيضا عن معارضته وقت ~~التحدي بالإتيان بمثله لكي يخرق بذلك العادة لصاحبه ويدل على صدقه وقد يجوز ~~أن يقدرهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم على مثله. # ومنهم أيضا من يقول: قد كانت العرب قادرة قبل التحدي على الإتيان بمثله ~~وإنما أعجزهم الله سبحانه عن ذلك وقت تحدي الرسول صلى الله عليه وسلم ونقض ~~عادتهم ليدل على صدقه ولعمري إن ذلك لو كان كذلك لكان آية عظيمة وخرقا ~~للعادة كما أن نبيا لو تحدى قومه بتحريك أيديهم والخروج ms104 عن أماكنهم إلى ~~أقرب المواضع إليها فمنعوا القدرة على ذلك وقد اعتادوا الاقتدار عليه ثم ~~أقدروا عليه ثانية بعد تقضي تحديه لكان خرق العادة بإيجاد القدرة على ذلك ~~وإعدامها على خلاف المتعالم المألوف آية عظيمة وحجة بينة فإذا كان ذلك كذلك ~~سقط ما سألوا عنه. PageV00P184 # مسألة في وجوه الإعجاز فإن قال قائل: فهل في القرآن وجه من وجوه الإعجاز ~~غير ما ذكرتموه من بديع نظمه وعجيب رصفه وتأليفه قيل له: أجل فيه وجهان ~~آخران من وجوه الإعجاز. # أحدهما ما انطوى عليه من أخبار الغيوب التي يعلم كل عاقل عجز الخلق عن ~~معرفتها والتوصل إلى إدراكها نحو قوله: «لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون» فدخلوه كما وعدهم وأخبرهم ومن ذلك ~~قوله تعالى: «سيهزم الجمع ويولون الدبر» فكان ذلك كما أخبر وقوله «ليظهره ~~على الدين كله ولو كره المشركون» وقد أظهره الله وأعلى دعوته وأذل الملوك ~~المحاولة لإبطاله التي كانت حول صاحب الدعوة إليه وقوله تعالى: «وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم». وكان من ذلك ما وعدهم الله تعالى واستخلف الأربعة الأئمة الخلفاء ~~الراشدين. # وقوله لليهود: قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما PageV00P185 # قدمت أيديهم) فأخبر أنهم إن تمنوا الموت ماتوا وأنهم لن يتمنوه فلم ~~يتمنوه على ما أخبر به علما منهم بصدقه وأنهم لو تمنوا الموت لماتوا لا ~~محالة. # وكذلك امتنع النصارى عن مباهلته عند دعائه لهم إليها ومطالبته بها في ~~قوله تعالى: «فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين» فامتنعوا عن المباهلة خوفا ~~من النكال وأليم العقاب وأن ينزل بهم ما توعدهم به وليس ذلك إلا لعلمهم ~~بصدقه وثبوت نبوته ومن أخبار الغيوب قوله تعالى: «ألم غلبت الروم في أدنى ~~الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون» فغلبت الروم فارس في بضع السنين ms105 كما أخبر ~~تعالى في نظائر هذا مما يكثر تتبعه واتفاق الصواب في هذا أجمع على سبيل ~~التخمين والظن ممتنع متعذر فدل ذلك على أنه من أخبار علام الغيوب سبحانه. # والوجه الآخر ما عليه القرآن من قصص الأولين وسير الماضين وأحاديث ~~المتقدمين وذكر ما شجر بينهم وكان في أعصارهم مما لا يجوز حصول علمه إلا ~~لمن كثر لقاؤه لأهل السير ودرسه لها وعنايته بها ومجالسته لأهلها وكان ممن ~~يتلوا الكتب ويستخرجها مع العلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتلو ~~كتابا ولا يخطه بيمينه وأنه لم يكن ممن يعرف بدراسة الكتب PageV00P186 # ومجالسة أهل السير والأخذ عنهم ولا لقي إلا من لقوه ولا عرف إلا من عرفوه ~~وأنهم يعرفون دأبه وديدنه ومنشأه وتصرفه في حال إقامته بينهم وظعنه عنهم ~~فدل ذلك على أن المخبر له عن هذه الأمور هو الله سبحانه علام الغيوب. فهذا ~~وجه الإعجاز في القرآن. # باب الكلام على اليهود في الأخبار وقد افترقت اليهود في الأصل على ~~فرقتين: فزعمت الشمعنية منهم أن نسخ الشرائع وإرسال نبي بعد موسى عليه ~~السلام لنسخ شريعته جائز من طريق العقل وأنهم إنما منعوا نسخ شريعتهم على ~~يد نبي بعد نبيهم من جهة توقيف الله جل اسمه في التوراة وعلى لسان موسى ~~عليه السلام أنه لا ينسخها ولا يبعث نبي بتبديلها بألفاظ سنذكر بعضها. ~~وزعمت العناية منهم أن نسخ الشرائع محال من جهة العقل وأن السمع أيضا قد ~~ورد بتأكيد ما في العقل من ذلك. وأجمعوا إلا فريقا منهم على أن نسخ الشيء ~~قبل امتثاله ووقت فعله بداء PageV00P187 # ودلالة على الجهل إلا فريقا منهم فإنهم أجازوا نسخ العبادة بما هو أغلظ ~~منها وأشق على سبيل العقوبة للمكلف وقالت السامرية منهم بنبوة موسى وهارون ~~ويوشع بن نون وأنكرت بنبوة غيرهم من الرسل الذين بعدهم كسليمان وحزقيل ~~واليسع وغيرهم. وقال الباقون منهم بنبوة كل من ظهرت الأعلام على يده ~~PageV00P188 # بعد موسى وأن محمدا وعيسى عليهما السلام ليسا نبيين وأن الذي أظهراه إما ~~أن يكون ms106 لا أصل له أو يكون من الحيل والمخاريق وأن عيسى الذي هو المسيح ~~الذي أخبروا بنبوته لم يأت بعد وأنه سيأتي وأنه نبي صادق وزعمت العيسوية ~~منهم أصحاب أبي عيسى الأصبهاني أن محمدا وعيسى عليهما السلام نبيان صادقان ~~وأنهما أرسلا إلى قومهما ولم يرسلا بتبديل شريعة موسى. # فيقال لهم جميعا: ما الدليل على إثبات نبوة موسى عليه السلام؟ فإن قالوا: ~~ما ظهر على يده من الأعلام المعجزة كفلق البحر وإخراج اليد البيضاء وغير ~~ذلك من أعلامه قيل لهم: وما الدليل على صحة هذه الأعلام وثبوتها مع علمكم ~~بخلاف من يخالف فيها من البراهمة والمجوس والملحدين وأهل التنجيم وغيرهم من ~~الجاحدين؟ فإن قالوا: PageV00P189 # الدليل على ذلك نقل اليهود خلفا عن سلف وهم قوم بهم تقوم الحجة لما هم ~~عليه من كثرة العدد وتفرق الدواعي والهمم وتباين الأوطان وتباعد الديار ~~واختلاف المذاهب والكذب ممتنع على مثلهم أن موسى عليه السلام أتى بهذه ~~الأعلام التي ذكرناها فوجب العلم بصحتها يقال لهم: أليس قد أنكر جميع من ~~قدمنا ذكره من المجوس والبراهمة وغيرهم صحة ما نقله أسلافكم وأخلافكم فكيف ~~يكون النقل موجبا للعلم مع إنكار من أنكره وطعن من طعن فيه. # فإن قالوا: إذا استوى أول الخبر وطرفاه من آخره ووسطه ثبتت صحته ووجب ~~العلم بصدق نقلته وإن خالف في ذلك مخالفون. يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون ~~محمد صلى الله عليه وسلم نبيا وأن يكون ما أثبته المسلمون من أعلامه صحيحا ~~بنقل من نقل ذلك من المسلمين؟ وذلك أن المسلمين في وقتنا هذا قوم ببعضهم ~~يثبت التواتر وتقوم الحجة وقد نقلوا خلفا عن سلف مع كثرة عددهم وتنافر ~~طباعهم وتباين أغراضهم ودواعيهم واختلاف آرائهم ومذاهبهم وتفرق أوطانهم ~~وامتناع جواز الكذب على مثلهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أتى بالأعلام ~~الباهرة والبراهين اللائحة فمنها ما قد أطبقوا جميعا وسائر أهل الملل على ~~نقله والعلم به كالقرآن ومنها ما أخبرت الحجة من المسلمين أنها أخذته عن ~~حجة والحجة عن مثلها حتى ينتهي ذلك إلى ms107 قوم نقلوه بحضرة جماعة الصحابة ~~PageV00P190 # وأضافوه إلى مشاهدتهم وعلموا تصديقهم لما ادعي عليهم وإقرارهم بصحته ~~كالذي نقل من أعلام موسى وادعي فيه مشاهدة من سلف ممن عاصره فوجب القضاء ~~بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # وإن قالوا: سلف المسلمين الذين أخذ النقل عنهم كانوا قلة ونفرا يجوز على ~~مثلهم الكذب وإن كان خلفهم اليوم بخلاف هذه الصفة فلذلك لم يجب العلم ~~بصدقهم قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون السلف الذين نقلوا في الأصل أعلام موسى ~~عليه السلام قلة ونفرا يجوز على مثلهم الكذب فلذلك لم يجب ثبوتها وعلم ~~البراهمة والمجوس بصحتها؟ فإن قالوا: قد أخبرت اليهود وهم اليوم حجة أنهم ~~أخذوا هذا النقل عن قوم هم حجة كهم وعمن نقل بحضرة الحجة وادعى حضورهم ~~لإخراج اليد بيضاء ومشاهدتهم لذلك فأمسكوا عن إنكاره قيل لهم: فكذلك ~~المسلمون وهم اليوم حجة بل بعضهم يخبرون أنهم أخذوا نقلهم عن حجة كهم وممن ~~نقل بحضرة الحجة فلم ينكر ما نقله مع ادعائه حضورهم. # فإن قالوا: لو كان ذلك كما يدعون لعلمنا صدقهم فيما نقلوه ضرورة قيل لهم: ~~أول ما في هذا تجويزكم الكذب على عدد المسلمين اليوم في قولهم إنما أخذوا ~~ذلك عن حجة وإن جاز الكذب عليهم في هذه الدعوى جاز عليهم في جميع ما يدعونه ~~وينقلونه وجاز أيضا على PageV00P191 # أمثالهم من اليهود والنصارى والمجوس ونقلة البلدان وفي ذلك التعطيل ~~للأخبار والعلم بشيء من جهتها أصلا وتجويز أن تكون اليهود اليوم كاذبة في ~~قولها إن النقل أخذته عن حجة كهي وذلك ما لا خلاص منه. # ويقال لهم: لو كان ما تنقله اليهود اليوم وتدعيه صحيحا ومأخوذا عن مثلها ~~من سلف هم حجة لعلم الملحدون والبراهمة وأهل التثنية والمجوس وأصحاب ~~الطبائع والفلاسفة والمنجمون صحة نقلهم اضطرارا فلما لم تكن ذلك كذلك وكان ~~سائر من ذكرناهم يجحد نقلهم بطل أن يكون صحيحا. # فإن قالوا: هم يعلمون ذلك ضرورة ولكنهم يجحدون ما يعلمون قيل لهم وكذلك ~~أنتم وسائر النصارى عالمون بصحة نقل المسلمين لأعلام نبيهم غير ms108 أنكم تجحدون ~~ذلك على علم منكم لصحته فإن قالوا: نجد أنفسنا بخلاف ما تدعون قيل لهم ~~وكذلك تزعم البراهمة والمجوس والفلاسفة وأهل الإلحاد أنهم يجدون أنفسهم غير ~~عالمين بصحة نقلكم فلم يجب تصديقكم ولا جواب لهم عن ذلك. # وإن هم قالوا: ليس نعلم صدق السلف الذين نقلوا أعلام موسى واضطرارا وإنما ~~نعلم ذلك من أمرهم استدلالا لسكوت من سكت عن إنكار ما نقلوه مع ادعاء ~~حضورهم ومشاهدتهم ومن صد عن النظر في PageV00P192 # ذلك جهل الحق فيما نقلوه قيل لهم مثل ذلك في العلم بصحة كثير من أعلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأنها معلومة بمثل هذا الاستدلال وأنهم إنما ~~جهلوا لتركهم النظر فيما يدل على صحته. # فإن قالوا: إنما وجب صحة نقل أعلام موسى والانقياد له لإطباق أهل الأديان ~~المختلفة عليه كاليهود والنصارى والمسلمين وهذه العلة مفقودة من خبركم قيل ~~لهم: لم وجب ذلك دون أن يجب بطلانه وتكذيبه لاجتماع أهل الأديان المختلفة ~~على تكذيبه ورده كالبراهمة والمجوس والفلاسفة وضروب الدهرية؟ فإن كان إطباق ~~المختلفين في دياناتهم على تكذيب المخبر لا يدل على كذبه فما أنكرتم أن ~~يكون إطباق المختلفين في دياناتهم على تصديق المخبرين لا يدل على صدقهم؟. # ثم يقال لهم: فما أنكرتم من وجوب ثبوت خبر المسلمين وصدقهم لإطباقهم ~~وإطباق العيسوية منكم على تصديقهم وهم أهل دينين مختلفين وملتين متباينتين؟ ~~فإن قالوا: العيوسية إنما أخذوا نقل أعلام محمد صلى الله عليه وسلم عنكم ~~وأنتم في الأصل فرقة واحدة قيل لهم: وكذلك المسلمون والنصارى إنما أخذوا ~~نقل أعلام موسى عليه السلام عن أسلافكم وعنكم وأنتم في الأصل فرقة واحدة ~~فلا تجب الحجة بنقلكم ثم يقال لهم: فيجب على موضوع اعتلالكم تصحيح آيات ~~المسيح عليه السلام لإطباقنا والنصارى والعيسوية على صحتها فإن أجابوا إلى ~~ذلك تركوا دينهم وإن أبوه تركوا اعتلالهم. PageV00P193 # فإن قالوا: قد ضمت النصارى إلى نقلهم أعلام المسيح ما تحبله العقول من ~~التثليث قيل لهم: إن النصارى لم تنقل التثليث فيفسد نقلها وإنما تأولته ~~واستدلت عليه عند أنفسها ms109 وضربت للحلول والاتحاد والأقانيم والجوهر الأمثال ~~وغلطت وأخطأت في اجتهادها وتأويلها وذلك لا يوجب غلطها في نقلها أن المسيح ~~أبرأ الأكمه والأبرص ومشى على الماء ونحو ذلك فبطل ما قلتم. # ويقال لهم: فيجب تصحيح أعلام المسيح صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم ~~بنقلنا ونقل العيسوية ونقل الموحدة من النصارى من رؤوس الأروسية الذين ~~يقولون إن عيسى ابن الله على جهة الاختصاص والإكرام ولا يجدون لذلك مدفعا. # ثم يقال لهم: فيجب أيضا أن يكون نقل اليهود لأعلام موسى كذبا باطلا لأنهم ~~قد ضموا إلى نقل ذلك ما تحيله العقول من قولهم بالتشبيه والتجسيم وأن الله ~~تعالى جسم ذو صورة ومتناه محدود أبيض الرأس واللحية وأنه مهموم محزون بما ~~عليه العباد من الظلم والفساد في الأرض وأنه تعالى عن قولهم ندم على ~~الطوفان وتغريق العالم وقال: لن أعود إلى إغراق الأرض أبدا وتخطوا في الجهل ~~إلى حد لن تبلغه النصارى في التثليث والاتحاد. PageV00P194 # وإن قالوا: ليس كل اليهود يقولون ذلك قيل لهم ولا كل النصارى يقولون ~~بالتثليث وإثبات النبوة على حد ما تذهب إليه الملكية واليعاقبة والنسطورية ~~ونحن إنما نحتج بقول الموحدة منهم. # فإن قالوا: ليس في النصارى إلا قائل بالتثليث الذي تحيله العقول قيل لهم: ~~ولا في اليهود إلا قائل بالتشبيه والتجسيم الذي تحيله العقول ولا جواب عن ~~ذلك. # ثم يقال لهم: خبرونا عن نقلكم أعلام موسى عليه السلام هل كانت الحجة ~~قائمة به قبل وجود النصارى والمسلمين وإطباقهم معكم على النقل مع خلاف ~~البراهمة لكم وسائر من ذكرناه؟ فإن قالوا: لا تركوا دينهم وأوجبوا سقوط فرض ~~شريعة موسى عن كل برهمي ومجوسي وملحد وفلسفي وأنه لا حجة عليها قبل نقل ~~المسلمين والنصارى لأعلام موسى وليس ذلك من قولهم وإن قالوا: قد كانت الحجة ~~لازمة بنقل اليهود وحدهم مع خلاف من خالفهم مع كثرة عددهم واختلاف دياناتهم ~~قيل لهم: فما أنكرتم من قيام الحجة بنقل المسلمين لأعلام نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم مع خلاف من خالفهم من أهل الملل فلا يجدون ms110 بدا من ترك ما تعلقوا ~~به. # ثم يقال لهم: هل يخلو نقل المسلمين والنصارى لأعلام موسى عليه ~~PageV00P195 # السلام من أن يكون مأخوذا في الأصل عنكم أو عن عيسى ومحمد اللذين لم ~~يأخذا عنكم وإنما أخذا عن الله تعالى؟ فإن كانوا إنما أخذوا ذلك عنكم وأنتم ~~في الأصل طبقة واحدة والحجة بقول الطبقة الواحدة غير ثابتة وإن كانوا أخذوا ~~ذلك عن عيسى ومحمد اللذين لم يأخذا عنكم فقد أخذوا عن الله سبحانه وهذا ~~إقرار منكم بنبوتهما فإن قالوا إنما وجب صحة نقل اليهود لأنهم في دار ذلة ~~وممن تؤخذ منهم الجزية وليس كذلك المسلمون لأنهم ليسوا في دار ذلة ولا ممن ~~يؤدي الجزية فيقال لهم: فلا يجب على قولكم إثبات صحة خبر نقلة البلدان ~~والسير لأنه ليس بوارد عن أهل ذلة وممن يؤدي جزية ويجب لهذه العلة صحة نقل ~~النصارى لأعلام عيسى عليه السلام لأنهم في دار ذلة وممن يؤدي الجزية فلا ~~يجدون من ذلك بدا أو يتركوا اعتلالهم ويقال لهم: فيجب سقوط فرض اعتقاد نبوة ~~موسى عليه السلام وصحة ما جاء به قبل أن يحصوا في دار ذلة وتؤخذ منهم ~~الجزية فإن مروا على ذلك تركوا دينهم وإن أبوه أبطلوا هذا الشرط في صحة ~~الأخبار. # ويقال لهم: فيجب صحة أعلام المسيح لإطباقهم والعيسوية ونحن معهم على ~~نقلها لأن الفريقين يؤدون جزية وهي في دار ذلة وكذلك يجب PageV00P196 # صحة نقل المسلمين لأعلام محمد صلى الله عليه وسلم لإطباق العيسوية على ~~نقلها وهم أهل ذلة وممن يؤدي الجزية فإن قالوا: عنكم أخذوا هذا النقل وأنتم ~~في الأصل فرقة واحدة قيل لهم: وكذلك المسلمون والنصارى ومحمد وعيسى عليهما ~~السلام إنما أخذوا النقل لأعلام موسى عنكم وأنتم في الأصل طبقة واحدة ونقل ~~الفرقة عندكم لا تقوم به الحجة فبطل نقلكم. # فإن قالوا: قد شهدتم وشهدت النصارى لنا بصحة أعلام موسى وذلك كالبينة على ~~دعوانا ولم نشهد لكم بصحة أعلام نبيكم قيل لهم: وشهاداتنا وشهادة النصارى ~~هي شهادة على شهادتكم وأنتم في الأصل فرقة واحدة ms111 وكثرة الشهادات على شهادة ~~واحدة من واحد أو فرقة واحدة ليست بحجة ولا بينة. # ثم يقال لهم: وكذلك قد شهدنا نحن والعيسوية بصحة أعلام عيسى عليه السلام ~~فيجب إثباتها عندكم فإن قالوا شهادتهم على ذلك شهادة على شهادتكم وهي شهادة ~~واحدة في الأصل قيل لهم: مثل ذلك فيما تعلقوا به. # فإن قالوا: إنما وجب القول بثبوت أعلام موسى عليه السلام لأن الناقلة لها ~~لم يحملوا على نقلهم بالسيف ونقلة أعلام محمد عليه السلام محمولون على ~~النقل بالسيف قيل لهم: ولم زعمتم أنا محمولون على النقل للأعلام بالسيف وما ~~دليلكم على ذلك وما أنكرتم أن تكون هذه الدعوى كذبا لأننا لم نحمل أحدا ~~أسلم وأقر بالشهادتين على نقل أعلام نبينا عليه السلام؟ ولو اعترض معترض ~~جمهور الأمة لم نجد عندها PageV00P197 # من نقل هذه الأعلام شيئا ولا معرفة بكثير منها وإنما نطالبهم بالدخول في ~~الدين بعد قيام الحجة فقط. # ثم يقال لهم: أليس موسى عليه السلام كان من دينه وشريعته أن يقتل من ارتد ~~عن دينه وفارق ملته بعد الدخول فيها فإذا قالوا: نعم قيل لهم فما أنكرتم أن ~~تكونوا محمولين على نقل أعلام موسى عليه السلام بالسيف وأن يكون أسلافكم ~~الذين كانت منهم المنة والرئاسة إنما دخلوا في دين موسى رغبة وحبا لأسباب ~~الدنيا والترأس فيها وضمن لهم ذلك فلما دخلوا في الدين لم يمكنهم الخروج ~~منه خوفا من القتل فصاروا محمولين على النقل؟ فإن قالوا: لم يكن أسلافنا ~~يحملون الناس على الدخول في الدين وإن حملوهم على المقام عليه بعد الدخول ~~فيه فلم يكونوا لذلك محمولين قيل لهم وكذلك نحن لا نقتل من دخل في ديننا ~~إذا لم ينقل أعلام نبينا ولا نقتل أيضا من أدى الجزية وأقام على دينه ولم ~~يدخل في ديننا إذا لم ينقل أعلام نبينا أو كان من أهل العهد والصلح فلم يجز ~~أن يكونوا محمولين على نقل أعلام نبينا عليه السلام. ويقال لهم أيضا: فيجب ~~صحة نقل أعلام محمد بنقل العيسوية وهم أمة عظيمة لأنها ms112 لم تحمل على ذلك ~~بالسيف وكذلك يجب صحة نقل أعلام المسيح عليه السلام لنقلهم ونقل العيسوية ~~لها وهم غير محمولين على النقل بالسيف فإن قالوا النصارى محمولة على النقل ~~بالسيف قيل لهم: وكذلك أنتم محمولون وقيل لهم: فالعيسوية غير محمولة على ~~نقل أعلام PageV00P198 # المسيح فيجب إثبات أعلامه بنقلهم. # ويقال للنصارى إن قالوا لنا: أنتم محمولون على نقلكم بالسيف ما أنكرتم أن ~~تكونوا أيضا محمولين على نقلكم بالسيف فإن قالوا: النصارى مفترقون في ~~البلاد والمهامة وبطون الأودية ورؤوس الجبال والصوامع وأطراف السند والهند ~~فكيف يكونون محمولين على النقل بالسيف ولا أحد في هذه البقاع يحملهم قيل ~~لهم ولليهود وكذلك المسلمون منتشرون في البراري والقفار والبحار والرباطات ~~وأطراف البلاد وفي دار مملكتكم وتحت غلبتكم بقسطنطينية وعمورية ورومية وفي ~~قلاعكم ومطاميركم وفي أسركم منهم خلق عظيم لا يحصي عددهم إلا الله تعالى ~~كلهم ينقلون أعلام النبي صلى الله عليه وسلم ويدينون بدينه فكيف يكون من ~~ذكرناه محمولا على تصديق محمد صلى الله عليه وسلم ونقل أعلامه فإن قالوا: ~~جميع من ذكرتم إنما أخذوا النقل في الأصل عن قوم محمولين عليه قيل لهم ~~وكذلك جميع من ذكرتموه من النصارى واليهود في سائر الأقطار إنما أخذوا ~~النقل عن قوم محمولين عليه في الأصل أو عمن حمل عليه وألجىء إليه بالسيف ~~ولا جواب لهم عن ذلك. # ثم يقال لهم: خبرونا عن الحامل للمسلمين على النقل: أهم PageV00P199 # الحاملون لأنفسهم أم غيرهم ممن باين ملتهم وكذب نبيهم حملهم على نقل ~~أعلامه بالسيف؟ فإن قالوا: غيرهم حملهم مع تكذيبهم لنبيهم تجاهلوا وتركوا ~~قولهم وما توجبه قضية العقل والعادة وإن قالوا: هم الحاملون لأنفسهم على ~~نقل أعلام نبيهم قيل لهم فكيف يحمل الحامل نفسه على الشيء إلا من حيث لو ~~آثروا ترك النقل لصاروا إليه ووقع منهم فهذا يعود إلى أنهم نقلوا ذلك ~~مختارين للنقل. # وإن قالوا: إنما صاروا محمولين على النقل بأن حمل بعضهم بعضا يقال لهم: ~~فلا بد أن تكون فيهم فرقة غير محمولة هي الحاملة لغيرها فإذا ms113 قالوا هو كذلك ~~قيل لهم فما أنكرتم أن تكون أعلام محمد صلى الله عليه وسلم صحيحة ثابتة ~~بنقل تلك الطبقة التي هي غير محمولة أصلا وهذا يبطل تعلقهم بالحمل. # وإن قالوا: هذه الفرقة التي ليست بمحمولة يقصر عددها عن عدة من يوجب خبره ~~العلم قيل لهم: وكذلك الأصل في الذين نقلوا أعلام موسى وأخذتم النقل عنهم ~~فرقة يقصر عددها عن عدة من يوجب خبره العلم. # فإن قالوا: قد أخبرت اليهود اليوم وهم أهل تواتر أن سلفهم PageV00P200 # كخلفهم فوجب صدقهم في ذلك قيل لهم: فما بال البراهمة والمجوس وأهل ~~الإلحاد والتنجيم والفلاسفة لا يعلمون ذلك ويجحدونه وينكرونه؟ فإن قالوا هم ~~يعلمون ذلك ولكنهم يكابرون قيل لهم: فكذلك المسلمون قد أخبروا اليوم وهم ~~أهل تواتر أنهم أخذوا النقل عن سلف كخلفهم ومن آحاد نقلوا بحضرة من هو ~~كخلفهم وادعوا حضورهم وسلموا نقلهم فوجب صدقهم وأنتم وكل واحد تعلمون ذلك ~~ولكنكم تجحدون وتعاندون ولا جواب عن ذلك. # فإن قالوا: ليس تنكر البراهمة والمجوس والفلاسفة والملحدة ظهور هذه ~~الأمور على يد موسى وإنما يدعون أنها حيل ومخاريق قيل لهم: ليس كذلك كما ~~تقولون لأنهم جميعا ينكرون فلق البحر وخروج اليد بيضاء ونبع الماء من ~~الصخرة جملة وإنما يستضعفون بعض من يسلمون له ذلك جدلا طمعا في انتهاز ~~فرصته وإظهار عجزه من كل وجه. وقيل لهم وكذلك أنتم لا تنكرون إذا خلوتم ~~بأنفسكم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أتى بهذه المعجزات الخارقة للعادة ~~وإنما تظنون أنها حيل ومخاريق فإن قالوا لسنا نقول ذلك قيل لهم: وكذلك ~~البراهمة والمجوس وأهل الإلحاد لا يقرون بوجود شيء مما تدعونه لموسى عليه ~~السلام ولا جواب عن ذلك. # وقد زعم كثير من اليهود أن من شرط الخبر الموجب للعلم القاطع للعذر أن ~~تكون الناقلة لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد ولا يجوز PageV00P201 # على مثلهم التكاتب والتراسل وأن تتغاير آباؤهم وتختلف أنسابهم وتتفرق ~~دواعيهم وهممهم وأغراضهم وأن تختلف مللهم ودياناتهم وألا يحملوا على نقلهم ~~بالسيف ولا يضموا إلى خبرهم ms114 ما تحيله العقول وأن يكونوا في دار ذلة وممن ~~تؤخذ منهم الجزية قالوا: وكل هذه الشرائط موجودة في نقل اليهود دون ~~المسلمين والنصارى والمجوس لأن المسلمين محمولون على نقلهم بالسيف والمجوس ~~يقولون بقدم اثنين وعبادة النور وهو شخص محدود والنصارى يقولون بالتثليث ~~وكل هذا تحيله العقول وتدفعه فوجب القضاء بصحة أعلام موسى عليه السلام دون ~~أعلام محمد وعيسى وزرادشت وقد تكلمنا عليهم في الحمل على نقل الأعلام بما ~~يغني عن رده وكذلك قد قدمنا القول في اشتراطهم كون النقلة في دار ذلة وممن ~~تؤخذ منهم الجزية وفي ضم ما تحيله العقول إلى النقل في توثيق الخبر بإطباق ~~أهل الملل المختلفة عليه وبينا أنه لا تعلق لهم في شيء مما ذكروه. # فأما تغاير الآباء واختلاف الأنساب وتباعد الأوطان والديار فإنه لا معنى ~~له ولا لاشتراطه لأنه لو نقل إلينا خبرا عن مشاهدة أهل بلدة واحدة وبنو أب ~~واحد وأهل نسب واحد وأهل دين واحد وهم أهل تواتر لوجب العلم بصدقهم وصحة ~~نقلهم وكذلك لو كانت حرفتهم واحدة. # وأما اشتراطهم ألا يضموا إلى خبرهم ما تحيله العقول فإنه باطل لأن ~~PageV00P202 # أهل التواتر لا يجوز وقوع الكذب منهم ونقل ما تحيله العقول كذب لا محالة ~~ولو جاز عليهم ذلك لبطل العلم بخبرهم والنصارى لم تنقل التثليث ولكن تأولته ~~على ما بيناه من قبل. # فإن قالوا: فقد نقلنا ونقلت النصارى أن المسيح قتل وصلب فيجب القطع بصحة ~~خبرنا قيل لهم: قد قال بعض الأمة وأكثر الناس إن النقل مأخوذ عن أربعة من ~~الحواريين لوقى ومتى ومرقش ويوحنا والأربعة يجوز عليهم الكذب وقال بعضهم: ~~إنكم صدقتم وصدق أسلافكم في أن شخصا قتل وصلب ولكنكم توهمتم أنه المسيح لأن ~~المقتول تحول عن صفته هذا وتقع الشبهة في أمره والخبر لا يكون موجبا للعلم ~~حتى تكون الناقلة قد اضطرت إلى ما أخبرت عنه وزالت الشبهة فيه وإذا كان ذلك ~~كذلك بطل ما سألتم عنه. # وكذلك الجواب عن المطالبة بصحة أعلام زرادشت إما أن نقول إنها في الأصل ms115 ~~مأخوذة عن آحاد لأن العلم بصدقهم غير واقع لنا أو نقول إنه نبي صادق ظهرت ~~على يده الأعلام ودعا إلى نبوة نوح وإبراهيم وإنما كذبت المجوس عليه في ~~إضافة ما أضافته إليه من القول بالتثنية وقدم النور والظلام وحدوث الشيطان ~~من فكرة وشكة شكها بعض أشخاص النور وهو بمنزلة كذب النصارى على المسيح عليه ~~السلام من دعائه إلى اعتقاد التثليث والاتحاد والاختلاط وأن مريم ولدت ~~مسيحا بلاهوته دون ناسوته وغير ذلك PageV00P203 # من جهالاتهم ولا سؤال لهم علينا في شيء من ذلك. # وسنقول في تفصيل الأخبار وذكر التواتر فيها وصفة أهله وما يجب كونهم عليه ~~وحال أخبار الآحاد وما يستدل به على صحة الصحيح منها وبطلان الباطل والوقف ~~فيما عري من الدليل وغير ذلك من أحكام الأخبار في باب القول في الإمامة إن ~~شاء الله تعالى. # باب الكلام على منكر نسخ شريعة موسى عليه السلام من جهة السمع دون العقل ~~يقال لمن زعم ذلك منهم: ما الخبر الموجب لمنع نسخ شريعة موسى عليه السلام؟ ~~فإن قالوا: هو ما تنقله اليهود خلفا عن سلف عمن شاهد موسى عليه السلام منهم ~~أنه قال وهذه الشريعة مؤبدة عليكم ولازمة لكم ما بلغت السماوات لا نسخ لها ~~ولا تبديل ونحو هذا من اللفظ وأنه أمر بتكذيب كل من دعى إلى نسخ شريعته ~~وتبديلها فوجب منع النسخ بما ذكرناه من الخبر فيقال لهم: ما أنكرتم أن يكون ~~هذا القول الذي نقلتموه عن موسى عليه السلام صحيحا؟ ولكن لم زعمتم أن مراده ~~به نفي النسخ على كل حال ولزوم العمل PageV00P204 # بشريعته وإن ظهرت الأعلام على يد من يدعو إلى نسخها وتبديلها؟. # وما أنكرتم أن يكون إنما أراد بقوله إن شريعته لازمة لكم ما دامت ~~السماوات والأرض ما لم تظهر المعجزات على يد داع يدعو إلى خلافها وتبديلها؟ ~~لأنه قد قيد في العقل وجوب تصديق من ظهرت الأعلام على يده والمصير إلى حكم ~~قوله وسقوط العمل بما أخبر بنسخه وإزالته كما أنه قد قيد في عقولنا وجوب ~~سقوط ms116 فرض العمل بالشريعة مع الموت والعدم والعجز عندكم فوجب أن يكون معنى ~~قوله الشريعة لازمة لكم ما دامت السماوات والأرض وما كنتم أحياء موجودين ~~وما لم تموتوا أو تعدموا أو تعجزوا وإن لم يكن ذلك في سياق اللفظ لأجل أنه ~~مقيد في العقل؟. # وكذلك ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله: إنها مؤبدة لازمة لكم ما لم يبعث ~~الله نبيا تظهر الأعلام على يده يدعو إلى نسخها وتبديلها؟ فإن قالوا لولا ~~أن اليهود قد نقلت وهي اليوم أهل تواتر عن مثلهم عمن شاهد موسى عليه السلام ~~أنه أكد هذا النفي للنسخ وقرنه بما يدل على أنه أراد عموم الأزمان على جميع ~~الأحوال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وأزال بما كان من توقيفه على ذلك ~~وتأكيده وظهور الأسباب التي اضطروا عندها إلى أنه أراد أن الله تعالى لا ~~يبعث أبدا نبيا بنسخها لأجرنا من التأويل ما قلتموه وسألتم عنه. # ولكن الضرورة التي نقلتها إلينا أهل الحجة أمنت مما PageV00P205 # ذكرتموه فوجب حمل الخبر على العموم يقال لهم: هذه الدعوى كذب لأنه لو كان ~~الذي أخبركم عن هذه الضرورة الواقعة بقصد موسى عن سلفكم أهل تواتر وكذلك من ~~قبلهم إلى القوم الذين شاهدوا موسى وهم أهل تواتر قد اضطروا إلى ما أخبروا ~~عنه لوجبت لنا الضرورة بأن موسى صلى الله عليه وسلم قد وقف على ذلك وأراده ~~وثبت أنه من دينه لأننا قد سمعنا الخبر كما سمعتم وعرفناه كما عرفتم فلو ~~كان من التوقيف والتأكيد ما وصفتم وقد نقله أهل الحجة لعلمنا ذلك ضرورة كما ~~علمنا وجود موسى عليه السلام ضرورة لما نقل وجوده ومشاهدته قوم هم حجة إلى ~~مثلهم إلى من سمعناه وكذلك سبيل وجوب العلم بكل أمر تواتر الخبر عنه واستوى ~~فيه طرفا الخبر ووسطه وفي رجوعنا إلى أنفسنا ووجودنا إياها غير عالمة بذلك ~~في جملة ولا في تفصيل فضلا عن أن تكون مضطرة دليل على كذبهم في هذه الدعوى. # فإن قالوا: لو لم تكن هذه الضرورة صحيحة ثابتة لكانت ms117 اليهود اليوم كاذبة ~~في قولهم إنهم مضطرون إلى العلم بصحة هذه الضرورة التي أخبرهم بحصولها ~~سلفهم وكذلك أيضا سلفهم قد كذبوا وسلف سلفهم في دعواهم العلم بهذه الضرورة ~~وكذبوا في نقلها وفي الإخبار عنها ولو جاز ذلك عليهم لجاز أن يكون كل ما ~~نقلوه كذبا ولجاز مثل ذلك على سائر الأمم وعلى نقلة البلدان والأمصار وهذا ~~يبطل التواتر رأسا. PageV00P206 # يقال لهم: ولو كانت هذه الضرورة التي تدعونها صحيحة ثابتة وقد سمع ~~المسلمون بنقلها كما سمعتم لوجب أن يكونوا مضطرين إلى العلم بصحتها وأن ~~تكون حالهم في العلم بذلك كحالهم ولو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون المسلمون ~~مع كثرة عددهم وامتناع التراسل والتشاعر عليهم قد كذبوا في قولهم إنا غير ~~عالمين بذلك ولا مضطرين إليه لأنهم عندكم مضطرون إليه ولو جاز عليهم الكذب ~~على أنفسهم في جحد ما هم إلى العلم به مضطرون لجاز عليهم الكذب على غيرهم ~~ولجاز أن يكونوا كذبة في سائر ما نقلوه ولجاز مثل الجائز عليهم على سائر ~~الأمم من أهل الملل ونقلة البلدان وهذا يبطل التواتر جملة فإن مروا على ذلك ~~تركوا دينهم وإن أبوه أبطلوا دعواهم. # ومما يدل على كذب هذه الدعوى أننا لا نعلم ضرورة أن موسى قال هذا القول ~~جملة أعني ما ادعوه عليه من قوله: هذه الشريعة لكم لازمة ما دامت السماوات ~~والأرض فضلا عن أن يعلم مراده به لأن العلم بمراده بالقول هو فرع للعلم ~~بوجود القول ونحن فلا نعلم أنه قال هذا القول جملة فكيف يدعى علينا العلم ~~بمراده ضرورة؟. # ويقال لهم: قد زعم أكثر اليهود ومن يعتمد عليه في المناظرة والمدافعة أن ~~الذي نقل عن موسى عليه السلام في هذا الباب هو أنه قال: إن أطعتموني فيما ~~أمرتكم به ونهيتكم عنه ثبت ملككم كما PageV00P207 # ثبتت السماوات والأرض وما ذكر النسخ ولا أن الشريعة لا تنسخ ولا أنه لا ~~نبي بعده ينسخها ولا أنها مؤبدة عليكم ولازمة لكم ما دامت السماوات ولا شيء ~~من هذه الألفاظ وكل ما يدعونه ms118 من هذا أباطيل ومقابلات للنصارى والمسلمين ~~واستعارة لكلامهم وألفاظهم. # وليس في قوله: إن أطعتموني فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه دليل على أن ~~الشريعة التي أمر بطاعته في العمل بها لا تنسخ لأن الإنسان قد يقول مثل هذا ~~ثم ينسخ العمل ويديم ما ضمنه على الطاعة فيه قبل نسخه لأن القائل إذا قال: ~~إن أطعتني فيما أمرتك ودعوتك إليه ثبتت مكنتك عندي ودامت كرامتك لدي وقرب ~~مكانك من مكاني جاز أن ينسخ الأمر بعد فعله ووجب أن يديم بعد نسخه ما ضمنه ~~وإنما لم يثبت ملك بني إسرائيل لأنهم عصوه في أيام حياته وبعد وفاته وحرفوا ~~وغيروا وبدلوا فزال عند ذلك ملكهم وضربت عليهم الذلة كما قال الله تعالى ~~فكان فيهم المسخ بالعدو في السبت وغير ذلك من ضروب عصيانهم له فلا معنى ~~لدعوى هذه الألفاظ التي لا أصل لها على موسى عليه السلام. # ومما يدل أيضا على تحرصهم في هذه الألفاظ على موسى عليه السلام علمنا أنه ~~عبراني اللسان وأن ما نقلوه عنه بصورة ما يوردونه علينا من قولهم إن ~~الشريعة مؤبدة وإنها لا نسخ لها وإن العمل بها واجب ما دامت PageV00P208 # السماوات والأرض وأمثال ذلك وإنما ينقلون كلام موسى ويترجمونه وينقلونه ~~من لغة إلى لغة ويفسرونه والغلط والتحريف يدخل في النقل كثيرا فلم تجب ~~الضرورة بصحة ما نقلوه وفسروه ومن ادعى ذلك طولب بأن يذكر لفظ موسى ~~بالعبرانية وحروف لفظه لنعرضه على أهل لغته فإنك تجد فيه من الخلاف بينهم ~~أمرا عظيما. # وإن هم قلبوا هذا وقالوا: ما الذي يدل عندكم على منع نبي بعد نبيكم عليه ~~السلام؟ قيل لهم: الخبر الوارد عنه صلى الله عليه وسلم وهو ما نقلته كافة ~~الأمة من قوله لا نبي بعدي وقد نقلوا ذلك عن سلفهم والخلف عن سلف حتى يتصل ~~ذلك بمن شاهد النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكد هذا القول وعراه عن كل ~~قرينة توجب تخصيصه وقرنه بكل ما أوجب العلم بعموم مراده للنفي لسائر ~~الأنبياء بعده ممن ينسخ شريعته ms119 وممن لا ينسخها من العرب وغيرها وفي عصره ~~وبعد وفاته وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. # فإن قالوا: فمثل هذه الدعوى بعينها حكينا لكم عن موسى عليه PageV00P209 # السلام فلم تقبلوها فإن كان ما قلتموه من هذا حجة لكم فهو أيضا حجة لنا ~~فيقال لهم: الفرق بين خبرنا وخبركم الذي ادعيتم على موسى ثلاثة أمور: # أحدها أن ما نقمناه لكم هو لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم غير مفسر ولا ~~منقول بتفسير ونقل يمكن دخول الغلط والتحريف في مثله وليس كذلك سبيل خبركم ~~لأنه منقول من لغة إلى لغة. # والوجه الآخر إن نبينا صلى الله عليه وسلم لما قال (لا نبي بعدي) تلا ~~قوله تعالى: «وخاتم النبيين» وعراه مما يوجب تصديق نبي بعده وأمر بتكذيب كل ~~مدع لنبوة معه وبعد موته وأكد ذلك وقرنه بما تقع الضرورة عنده إلى مراده ~~وموسى عليه السلام قرن خبره الذي تدعونه عليه بالأمر لكم بتصديق الرسل بعده ~~وقد صدقتهم يوشع وحزقيل واليسع وداود وسليمان وصدقت العيسوية منكم بنبوة ~~أبي عيسى الأصبهاني وأنتم تنتظرون المسيح إلى اليوم وتنتظرون رسلا تأتيكم ~~إلى وقتنا هذا ونبينا صلى الله عليه وسلم منع من ذلك ووقف عليه PageV00P210 # وأكده فبان الفرق بين الأمرين. # والأمر الثالث أن الله تعالى عندنا وعندكم لا يبطل الحجج بعضها ببعض ولا ~~يقلب العلوم ولا يغير حقائق الأمور فلو كان موسى قد وقفكم على منع نسخ ~~شريعته توقيفا اضطركم به إلى مراده ونفي وجوه سائر الاحتمال عنه لكان لا ~~يخبر بذلك إلا عن الله سبحانه ولو أمره الله بذلك ووقفه عليه وألزمه توقيف ~~خلقه عليه وإعلامهم إياه لم يجز أن يظهر المعجزات على يد من يدعو إلى نسخها ~~وتبديلها وفي ثبوت نقل المسلمين للقرآن وغيره من الأعلام وثبوت الإعجاز ~~فيما نقلوه عن نبيهم بالأدلة التي نقلناها والنقل الذي يحج مثله دليل على ~~كذب مدعي توقيف موسى عليه السلام على ما قلتم فهذه فروق بين الدعوتين توضح ~~صحة ما قلناه وبطلان ما ادعيتم. # فإن قال: منهم قائل ms120 قد كذب المسلمون في نقل أعلام محمد عليه السلام قيل ~~لهم وقد كذبت اليهود والنصارى أيضا في نقل أعلام موسى وكذبت نقلة الأمصار ~~وكل طريق تثبتون به أعلام موسى فبه وبما هو أقوى منه تثبت أعلام محمد صلى ~~الله عليه وسلم وقد بينا ذلك فيما سلف بما يغني عن رده. # فإن قال منهم قائل لسنا نعلم ضرورة ولا غير ضرورة أن PageV00P211 # محمدا صلى الله عليه وسلم قال: إني خاتم النبيين قيل لهم: هذا الآن منكم ~~بهت لأنكم تقرون بالقرآن وأنه من قبله ظهر وفي نص التلاوة قوله تعالى: ~~«وخاتم النبيين» وقد نقل كافة الأمة هذا القول أعني قوله: (لا نبي بعدي) ~~نقلا متواترا لا يمكن دفعه وثبت من دينه وجوب قتل كل مدعي الرسالة بعده حتى ~~لو سئل سائر أهل الملل والإلحاد عن ذلك لعرفوه فلا معنى للبهت وبالله ~~التوفيق. # باب الكلام على محيل النسخ منهم من جهة العقل يقال لمن قال ذلك منهم: لم ~~قلتم هذا وما دليلكم عليه؟ فإن قالوا لأن أمره بالشيء يقتضي كونه مصلحة ~~والنهي عنه يقتضي كونه مفسدة فإذا نهانا عما أمرنا به وجب أن يكون سفيها ~~إما في أمره بالفساد أو في نهيه عن الصلاح لأن ما نهي عنه بعد أمره به لا ~~بد أن يكون صلاحا أو فسادا فلما لم يكن أن يكون الباري سبحانه سفيها غير ~~حكيم لم يجز نهيه عما كان أمر به يقال لهم: ما أنكرتم إن كان ما قلتموه من ~~ذلك صحيحا على تسليم ما بنيتموه وإن كنا لا نقول به أن يكون ذلك إنما يقتضي ~~أن يكون النهي عن نفس المأمور به قبل امتثاله على وجه أمر به يوجب ما قلتم ~~وأن يكون ناهيا عن فعل المصلحة وألا يوجب PageV00P212 # إحالة نهيه عن نفس ما أمر به إحالة نهيه عن مثله بعد فعله لأن مثله الذي ~~من سبيله أن يقع بعده هو غيره والنهي عن غير الشيء في غير وقته لا يكون ~~نهيا عنه في وقته ولا جواب لهم ms121 عن ذلك. # وهذا الجواب هو جوابهم على اعتلالهم في هذا الباب أن الأمر بالشيء يقتضي ~~كونه طاعة والنهي عنه يقتضي كونه إذا فعل معصية والطاعة لا يجوز أن تكون ~~معصية لأن مثل الشيء إذا نهي عنه بعد فعله فليس بنهي عنه فلم تصر الطاعة ~~معصية وهو بعينه الجواب عن اعتلالهم بأن نسخ الشريعة بعد الأمر بها يوجب ~~كون الحسن قبيحا والحكمة سفها لأن الأمر بالشيء يقتضي كونه حكمة حسنا صوابا ~~والنهي عنه يقتضي كونه قبيحا عبثا ولا يجوز أن يكون الحسن قبيحا لأن النهي ~~عن مثل الحسن المأمور به نهي عن غيره وليس يمتنع أن يكون مثل الصلاح في وقت ~~فسادا في وقت آخر ومثل الطاعة في وقت معصية في وقت آخر ومثل الحسن في وقت ~~قبيحا في غيره. # ألا ترى أن الأكل والشرب والعلاج بالكي طاعة حسن صواب مصلحة عند العطش ~~والجوع وحدوث الأمراض المقتضية للعلاج وفعل ذلك أجمع عند الشبع والري ~~والصحة والغنى عن التداوي قبيح وسفه ومعصية لله عز وجل فليس يمتنع عند جميع ~~العقلاء أن تكون هذه العبادات السمعية نحو الصوم والصلاة والتوجه إلى بيت ~~المقدس وترك العمل في السبت PageV00P213 # مصلحة في وقت مفسدة في وقت طاعة وصوابا في وقت ومثلها معصية وسفها في وقت ~~آخر وإذا كان ذلك كذلك بطل جميع ما يتعلقون به من هذه الأمور. # وإن هم قالوا: الدليل على منع النسخ من جهة العقل أن الأمر بالشيء يدل ~~على أنه مراد للأمر والنهي عنه يدل على كراهته ومحال أن يكون المراد كونه ~~لله سبحانه مكروها مع كونه له مرادا أجيبوا بمثل ما تقدم لأن المراد في وقت ~~هو غير مثله الذي يكره في وقت آخر كما أن المراد من الأكل مع لهب الجوع غير ~~المكروه منه مع البطنة والامتلاء والشبع التام ولا جواب عن ذلك. # وإن قالوا: الدليل على إحالة النسخ من جهة العقل أنه يوجب البداء لأن ~~الأمر بالشيء يقتضي كونه مصلحة واعتقاد الأمر به كونه كذلك والنهي عنه بعد ~~الأمر ms122 به يدل على أنه قد بدا للآمر وانكشف له أن ما كان أمر به مفسدة ليس ~~بمصلحة على ما توهمه وذلك منتف عن الله جل ذكره كان الجواب عنه أيضا ما ~~تقدم وذلك أن الله تعالى إنما نهى لما نسخ شريعة موسى عن مثل ما كان أمر به ~~وأن يفعل ذلك في وقت غير وقت ذلك المفعول الأول والنهي عن مثل الشيء في ~~وقته ليس بنهي عنه PageV00P214 # كما أن النهي عن العمل في السبت ليس بنهي عن العمل في الجمعة والأحد ~~والأمر بالعمل في الجمعة ليس بأمر بالعمل في السبت. # وأيضا فإنا نحن نجوز نسخ الشيء قبل وقت فعله وقبل امتثاله ولا يوجب ذلك ~~البداء إذا علم الآمر به أن تبقية الأمر مشقة داعية إلى ترك المكلف كل ~~الواجبات وأن تخفيف المحنة به بالنهي عنه مصلحة ولطف في فعل المكلف لما نفي ~~الأمر به فيكون الأمر به مصلحة وإزالته قبل امتثاله مصلحة غير أن النهي عنه ~~يتناوله على غير الوجه الذي يتناوله الأمر لأن الأمر بالفعل كان أمرا بأن ~~يفعل إن بقي الأمر به والنهي عنه يرد مع زوال الأمر به وليس ذلك بنهي عنه ~~مع بقاء الأمر به والأمر بفعله كان أمرا به مع بقائه دون إزالته وقد شرحنا ~~هذا الكلام في أصول الفقه بما يغني الناظر فيه إن شاء الله. # ويقال لهم في اعتلالهم في البداء: ما أنكرتم أن يكون الله سبحانه إذا ~~أمات الجسم بعد حياته وأسقمه بعد صحته وآلمه بعد إلذاذه وغيره عن حالته ~~فهذا بدا له وعلم أن ما كان فعله مفسدة ليس PageV00P215 # بمصلحة فإن قالوا: الآلام والعقاب إنما توقع بهم بعد التفضل باللذات على ~~سبيل الجزاء الانتقام وكان ذلك هو الصلاح لهم لأنه أزجر لهم عن المعصية ~~وأدعى إلى الطاعة قيل لهم اعملوا على أن ذلك كما ادعيتم أليس قد كان الله ~~تعالى ابتدأهم بالتفضل باللذة فلما عصوه أبدلهم بها ألما وسقما على سبيل ~~النقمة فهل بدا له من فعل اللذة ومثلها؟ فإن قالوا ms123 أجل تركوا دينهم وإن ~~قالوا لا ولكن التفضل في وقت باللذات أصلح لهم والانتقام بعد ذلك بالآلام ~~على الإجرام أصلح لهم من اللذات قيل لهم فما أنكرتم من مثل ذلك في الأمر ~~لهم بالشيء في وقت النهي عن مثله فيكون كفعل الشيء في وقت وترك مثله بعده ~~ثم يقال لهم: ما تقولون أيضا في إيلام الأطفال والبهائم والمجانين بعد ~~إلذاذهم ونقض بنيتهم بعد؟. صحتها وتقطع جوارحهم بعد سلامتهم والذهاب ~~بأسماعهم وأبصارهم أتقولون إن ذلك على سبيل الانتقام منهم فإن قالوا أجل ~~تركوا قولهم ولحقوا بأهل التناسخ الذين يقولون إن هذه الأرواح المحبوسة في ~~البهائم والأطفال قد غضب الله عليهم ونقلهم في الأكوان والأدوار وذلك ترك ~~قولهم وإن قالوا ليس تغير حالات الأطفال في هذه الأمور انتقاما ولكن ذلك ~~على سبيل المصالح فقط قيل لهم مثله في الأمر بالشيء في وقت والنهي عن مثله ~~بعده. # وكذلك يسألون عن نقض الجماد بعد تأليفه وتربيعه بعد تسديسه وترطيبه بعد ~~تيبيسه وتحريكه بعد تسكينه وتسويده بعد تبييضه وغير ذلك من تغير ~~PageV00P216 # أحواله وأوصافه فيقال لهم البداء من الله تعالى واستدراك علم غير ما فعله ~~ونقض ما ألفه وفرق ما جمعه وحرك ما سكنه وأحيا ما أماته أم ليس لبداء؟ فإن ~~قالوا: لبداء تركوا دينهم واعتلالهم وإن قالوا ليس لبداء ولكن لأن النقض في ~~وقت مصلحة للمكلفين والتأليف مصلحة في غيره وكذلك التحريك والتسكين قيل لهم ~~مثله في الأمر بالشيء في وقت والنهي عن مثله في غيره ولا جواب لهم عن شيء ~~من ذلك. PageV00P217 # باب الكلام على العيسوية منهم الذين يزعمون أن محمدا وعيسى عليهما السلام ~~إنما بعثا إلى قومهما ولم يبعثا بنسخ شريعة موسى عليه السلام يقال لهم: إذا ~~أوجبتم تصديق محمد وعيسى عليهما السلام في قولهما إنهما نبيان من عند الله ~~فما أنكرتم من وجوب تصديقهما في قولتهما؟ إنهما قد بعثا إلى كل أسود وأبيض ~~وأنثى وذكر وبنسخ شريعة موسى وكل صاحب شرع قبلهما فإن كان قد كذبا في هذا ~~القول مع ظهور ms124 المعجزات على أيديهما فما أنكرتم أن يكونا كاذبين في سائر ~~أخبارهما وهذا يبطل النبوة جملة؟ فإن قالوا: نحن لا نكذب محمدا وعيسى ~~عليهما السلام في هذا القول لو قالاه لأنهما لو كذبا في بعض ما يخبران به ~~عن الله سبحانه لم يكونا نبيين ولكننا نكذب النصارى والمسلمين في ادعائهم ~~ذلك عليهما فالكذب واقع من ناحية أمتيهما ولم يقع من جهتهما يقال لهم إذا ~~جاز الكذب على النصارى والمسلمين في هذا الخبر الذي يدعونه على محمد وعيسى ~~عليهما السلام فلم لا يجوز عليهم الكذب في جميع ما نقلوه عنهما وفي نقلهم ~~أعلامهما ولم لا يجوز مثل ذلك على اليهود أيضا ونقله البلدان والسير؟ وهذا ~~يعود إلى إبطال القول بالأخبار جملة وفي إطباقنا PageV00P218 # وإياهم على فساد ما أدى إلى ذلك دليل على فساد قولهم وصحة قول المسلمين ~~والنصارى في هذا الباب. # وكذلك أيضا يقال للخرمذانية الذين يقولون بتواتر الرسل: أليس قد نقل من ~~خالفكم من كافة المسلمين عن نبيهم أنه قال: (لا نبي بعدي) وأنه أكد ذلك ~~وقرنه بما علموا به ضرورة قصده إلى نفي كل نبي على التأبيد وعلى كل حال ~~فإذا قالوا: أجل قيل لهم فهل هم عندكم صادقون في نقلهم ذلك أم؟ كاذبون فإن ~~قالوا: هم صادقون أبطلوا إثبات نبوة أحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم وإن ~~قالوا قد كذبوا في هذه الدعوى عليه قيل لهم: فما أنكرتم أيضا من أن تكونوا ~~كاذبين في نقل أعلامه وما أنكرتم من جواز الكذب على اليهود والنصارى وسائر ~~نقلة الأعلام؟ وإن جاز هذا جاز أيضا عليكم الكذب في نقلكم أعلام كل نبي ~~أثبتم نبوته وبطل أصل دينكم ولا جواب لهم عن شيء من ذلك. PageV00P219 # باب الكلام على المجسمة إن قال قائل: لم أنكرتم أن يكون القديم سبحانه ~~جسما؟ قيل له: لما قدمناه من قبل وهو أن حقيقة الجسم أنه مؤلف مجتمع بدليل ~~قولهم رجل جسيم وزيد أجسم من عمرو وعلما بأنهم يقصرون هذه المبالغة على ضرب ~~من ضروب التأليف في جهة ms125 العرض والطول ولا يوقعونها بزيادة شيء من صفات ~~الجسم سوى التأليف فلما لم يجز أن يكون القديم مجتمعا مؤتلفا وكان شيئا ~~واحدا ثبت أنه تعالى ليس بجسم. # فإن قالوا: ومن أين استحال أن يكون القديم مجتمعا مؤتلفا؟ قيل لهم: من ~~وجوه: # أحدها أن ذلك لو جاز عليه لوجب أن يكون ذا حيز وشغل في الوجود وأن يستحيل ~~أن يماس كل بعض من أبعاضه وجزء من أجزائه غير ما ماسه من الأبعاض وأجزاء ~~الجواهر أيضا من جهة ما هما متماسان لأن الشيء المماس لغيره لا يجوز أن ~~يماسه ويماس غيره من جهة واحدة PageV00P220 # وليس يقع هذا التمانع من المماسة إلا للتحيز والشغل ألا ترى أن العرض ~~الموجود بالمكان إذا لم يكن له حيز وشغل لم يمنع وجوده من وجود غيره من ~~الأعراض في موضعه وإذا ثبت ذلك وجب أن تكون سائر الأبعاض المجتمعة ذا حيز ~~وشغل وما هذه سبيله فلا بد أن يكون حاملا للأعراض ومن جنس الجواهر والأجسام ~~فلما لم يجز أن يكون القديم سبحانه من جنس شيء من المخلوقات لأنه لو كان ~~كذلك لسد مسد المخلوق وناب منابه واستحق من الوصف لنفسه ما يستحقه ما هو ~~مثله لنفسه فلما لم يجب أن يكون القديم سبحانه محدثا والمحدث قديما ثبت أنه ~~لا يجوز أن يكون القديم سبحانه مؤتلفا مجتمعا. # ويدل على ذلك أيضا أنه لو كان القديم سبحانه ذا أبعاض مجتمعة لوجب أن ~~تكون أبعاضه قائمة بأنفسها ومحتملة للصفات ولم يخل كل بعض منها من أن يكون ~~عالما قادرا حيا أو غير حي ولا عالم ولا قادر فإن كان واحد منها فقط هو ~~الحي العالم القادر دون سائرها وجب أن يكون ذلك البعض منه هو الإله المعبود ~~المستوجب للشكر دون غيره وهذا يوجب أن تكون العبادة والشكر واجبين لبعض ~~القديم دون جميعه وهذا كفر من قول الأمة كافة وإن كانت سائر أبعاضه عالمة ~~حية قادرة وجب جواز تفرد كل شيء منها بفعل غير فعل صاحبه وأن يكون كل واحد ~~منها ms126 PageV00P221 # إلها لما فعله دون غيره وهذا يوجب أن يكون الإله أكثر من اثنين وثلاثة ~~على ما تذهب إليه النصارى وذلك خروج عن قول الأمة وكل أمة أيضا وعلى أن ذلك ~~لو كان كذلك لجاز أن تتمانع هذه الأبعاض ويريد بعضها تحريك الجسم في حال ما ~~يريد الآخر تسكينه فكانت لا تخلو عند الخلاف والتمانع من أن يتم مرادها أو ~~لا يتم بأسره أو يتم بعضه دون بعض وذلك يوجب إلحاق العجز بسائر الأبعاض أو ~~بعضها والحكم لها بسائر الحدث على ما بيناه في الدلالة على إثبات الواحد ~~وليس يجوز أن يكون صانع العالم محدثا ولا شيء منه فوجب استحالة كونه مؤلفا. # فإن قالوا: فكذلك فجوزوا تمانع أجزاء الإنسان إذا قدر وأراد وتصرف كل شيء ~~منها بقدرة وإرادة غير إرادة صاحبه قيل له: لا يجب ذلك ولا يجوز أيضا تمانع ~~الحيين المحدثين المتصرفين بإرادتين وإن كانا متباينين لقيام الدليل على ~~أنه لا يجوز أن يكون محل فعل المحدثين واحدا واستحالة تعدي فعل كل واحد ~~منهما لمحل قدرته والتمانع بالفعلين لا يصح حتى يكون محلهما واحدا فلم يجب ~~ما سألتم عنه. # فإن قالوا: ولم أنكرتم أن يكون الباري سبحانه جسما لا كالأجسام كما أنه ~~عندكم شيء لا كالأشياء؟ قيل له: لأن قولنا شيء لم يبن لجنس دون جنس ولا ~~لإفادة التأليف فجاز وجود شيء ليس بجنس من أجناس PageV00P222 # الحوادث وليس بمؤلف ولم يكن ذلك نقضا لمعنى تسميته بأنه شيء وقولنا جسم ~~موضوع في اللغة للمؤلف دون ما ليس بمؤلف كما أن قولنا إنسان ومحدث اسم لما ~~وجد من عدم ولما له هذه الصورة دون غيرها فكما لم يجز أن نثبت القديم ~~سبحانه محدثا لا كالمحدثات وإنسانا لا كالناس قياسا على أنه شيء لا ~~كالأشياء لم يجز أن نثبته جسما لا كالأجسام لأنه نقض لمعنى الكلام وإخراج ~~له عن موضوعه وفائدته. # فإن قالوا: فما أنكرتم من جواز تسميته جسما وإن لم يكن بحقيقة ما وضع له ~~هذا الاسم في اللغة؟ قيل لهم: أنكرنا ms127 ذلك لأن هذه التسمية لو ثبتت لم تثبت ~~له إلا شرعا لأن العقل لا يقتضيها بل ينفيها إن لم يكن القديم سبحانه مؤلفا ~~وليس في شيء من دلائل السمع من الكتاب والسنة وإجماع الأمة وما يستخرج من ~~ذلك ما يدل على وجوب هذه التسمية ولا على جوازها أيضا فبطل ما قلتموه. # فإن قالوا: ولم منعتم من جواز ذلك وإن لم توجبوه؟ قيل لهم: أما العقل فلا ~~يمنع ولا يحرم ولا يحيل إيقاع هذه التسمية عليه تعالى وإن أحال معناها في ~~اللسان وإنما تحرم تسميته بهذا الاسم وبغيره مما ليس بأسمائه لأجل حظر ~~السمع لذلك لأن الأمة مجمعة على حظر تسميته عاقلا وفطنا وإن كان بمعنى من ~~يستحق هذه التسمية لأنه عالم وليس العقل PageV00P223 # والحفظ والفطنة والدراية شيئا أكثر من العلم وإجازة وصفه وتسميته بأنه ~~نور وأنه ماكر ومستهزىء وساخر من جهة السمع وإن كان العقل يمنع من معاني ~~هذه الأسماء فيه فدل ذلك على أن المراعي في تسميته ما ورد به الشرع والإذن ~~دون غيره وفي الجملة فإن الكلام إنما هو في المعنى دون الاسم فلا طائل في ~~التعلل والتعلق بالكلام في الأسماء. # فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون جسما على معنى أنه قائم بنفسه أو بمعنى ~~أنه شيء أو بمعنى أنه حامل للصفات أو بمعنى أنه غير محتاج في الوجود إلى ~~شيء يقوم به؟ قيل له: لا ننكر أن يكون الباري سبحانه حاصلا على جميع هذه ~~الأحكام والأوصاف وإنما ننكر تسميتكم لمن حصلت له بأنه جسم وإن لم يكن ~~مؤلفا فهذا عندنا خطأ في التسمية دون المعنى لأن معنى الجسم أنه المؤلف على ~~ما بيناه ومعنى الشيء أنه الثابت الموجود وقد يكون جسما إذا كان مؤلفا ~~ويكون جوهرا إذا كان جزءا منفردا ويكون عرضا إذا كان مما يقوم بالجوهر ~~ومعنى القائم بنفسه هو أنه غير محتاج في الوجود إلى شيء يوجد به ومعنى ذلك ~~أنه مما يصح له الوجود وإن لم يفعل صانعه شيئا غيره إذا كان محدثا ms128 ويصح ~~وجوده وإن لم يوجد قائم بنفسه سواه إذا كان قديما وليس هذا من معنى قولنا ~~جسم ومؤلف بسبيل فبطل ما قلتم. PageV00P224 # فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون معنى جسم ومعنى قائم بنفسه وغير قائم بغيره ~~ومعنى أنه حامل للصفات هو معنى أنه شيء لأنه لو لم يكن معنى جسم ومعنى قائم ~~بنفسه وغير قائم بغيره ومعنى أنه حامل للصفات هو معنى شيء لجاز وجود شيء ~~حامل للصفات ليس بشيء وقائم بنفسه وغير قائم بغيره وليس بجسم ولو جاز ذلك ~~لجاز وجود جسم ليس بشيء ولا قائم بنفسه ولا حامل للصفات فلما لم يجز ذلك ~~وجب أن يكون معنى الجسم ما قلناه؟ يقال لهم لو كان هذا العكس الذي عكستموه ~~صحيحا واجبا لوجب أن يكون معنى موجود محدث مؤلف مركب حامل للأغراض معنى ~~لأنه لو لم يكن ذلك كذلك لجاز وجود شيء ليس بموجود ولا محدث ولا مؤلف ولا ~~مركب ولا حامل للأعراض ولا قائم بنفسه ولو جاز ذلك لجاز وجود محدث قائم ~~بنفسه مركب مؤلف حامل للصفات ليس بشيء ولا موجود فلما لم يجز ذلك ثبت أن ~~معنى شيء غير معنى محدث مؤلف حامل للأعراض فإن لم يجب هذا لم يجب ما ~~قلتموه. # مسألة ويقال لهم: ما الدليل على أن صانع العالم جسم؟ فإن قالوا: لأننا لم ~~نجد في الشاهد والمعقول فاعلا إلا جسما فوجب القضاء بذلك على PageV00P225 # الغائب قيل لهم: فيجب على موضوع استدلالكم هذا أن يكون القديم سبحانه ~~مؤلفا محدثا مصورا ذا حيز وقبول للأعراض لأنكم لم تجدوا في الشاهد وتعقلوا ~~فاعلا إلا كذلك فإن مروا على ذلك تركوا قولهم وفارقوا التوحيد وأن أبوه ~~نقضوا استدلالهم. PageV00P226 # باب الكلام في الصفات فإن قال قائل: ولم قلتم إن للقديم تعالى حياة وعلما ~~وقدرة وسمعا وبصرا وكلاما وإرادة؟ قيل له: من قبل أن الحي العالم القادر ~~منا إنما كان حيا عالما قادرا متكلما مريدا من أجل أن له حياة وعلما وقدرة ~~وكلاما وسمعا وبصرا وإرادة وأن هذا فائدة وصفه بأنه ms129 حي عالم قادر مريد يدل ~~على ذلك أن الحي منا لا يجوز أن يكون حيا عالما قادرا مريدا مع عدم الحياة ~~والعلم والقدرة ولا توجد به هذه الصفات إلا وجب بوجودها به أن يكون حيا ~~عالما قادرا فوجب أنها علة في كونه كذلك كما وجب أن تكون علة كون الفاعل ~~فاعلا والمريد مريدا وجود فعله وإراداته التي يجب كونه فاعلا مريدا لوجودها ~~وغير فاعل مريد بعدمها فوجب أن يكون الباري سبحانه ذا حياة وعلم وقدرة ~~وإرادة وكلام وسمع وبصر وأنه لو لم يكن له شيء من هذه الصفات لم يكن حيا ~~ولا عالما ولا قادرا ولا مريدا ولا متكلما ولا سميعا ولا بصيرا يتعالى عن ~~ذلك PageV00P227 # كما أنه لو لم يكن له إرادة وفعل لم يكن عندنا وعندهم فاعلا مريدا لأن ~~الحكم العقلي الواجب عن علة لا يجوز حصوله لبعض من هو له مع عدم العلة ~~الموجبة له ولا لأجل شيء يخالفها لأن ذلك يخرجها عن أن تكون علة الحكم. # دليل آخر ومما يدل أيضا على إثبات علم الله تعالى وقدرته ما ظهر من ~~أفعاله الدالة على كونه عالما قادرا وأنه مفارق للجاهل العاجز وقد ثبت أن ~~الفعل الدال على كون الفاعل عالما قادرا لا بد له من تعلق بمدلول وأن ~~مدلوله لا يجوز أن يكون نفس الفاعل ووجوده ولا صفة ترجع إلى نفسه من حيث ~~ثبت أن معنى وصفه بأنه عالم قادر زائد على وصفه بأنه شيء موجود وأن الوصف ~~له بأنه عالم قادر قد ينتفي عنه مع وجود نفسه وكونه شيئا موجودا فوجب ~~اختلاف معنى هذه الأوصاف. # وكذلك لا يجوز أن تكون دلالة الفعل على أن الفاعل عالم قادر دلالة على ~~صفة ترجع إلى نفسه لأمرين: # أحدهما أن ذلك لو كان كذلك لوجب ألا توجد نفس العالم القادر إلا عالمة ~~قادرة وألا ينتفي عنه هذان الوصفان إلا بانتفاء نفسه وبطلانها كما أن ~~السواد الذي هو سواد لنفسه يجب ألا تعلم نفسه وتوجد إلا وهي PageV00P228 # سواد وألا ينتفي عنه ms130 الوصف بأنه سواد إلا بانتفاء نفسه فلم يجز لذلك أن ~~تكون دلالة الفعل على أن الفاعل عالم قادر دلالة على صفة ترجع إلى نفسه. # والأمر الآخر أن ذلك لو كان كذلك لوجب أن تكون نفس العالم علما كما أن ~~الأسود إذا كان أسود لنفسه وجب أن تكون نفسه سوادا ولما استحال أن تكون نفس ~~العالم القادر القديم والمحدث علما استحال أن تكون دلالة الفعل على أنه ~~عالم دلالة على نفسه ووجوده أو على صفة ترجع إلى نفسه وإذا ثبت ذلك وجب أن ~~يكون مدلول الفعل ومتعلقه هو العلم والقدرة. # دليل آخر ويدل على ذلك أيضا أنه إذا صح وثبت أنه ليس معنى أن العالم عالم ~~والقادر قادر أكثر من أنه ذو علم وقدرة ومن وجود هاتين الصفتين به وأنه ليس ~~له بكونه عالما قادرا صفتان وحالتان منفصلتان عن العلم والقدرة أو في حكم ~~المنفصل عن ذلك وجب أن تكون دلالة الفعل على أن العالم القادر عالم قادر ~~دلالة على علمه وقدرته كما أنه إذا ثبت أنه ليس معنى الأسود الفاعل أكثر من ~~وجود السواد به ووقوع الفعل منه وجب أن تكون الدلالة على أنه أسود فاعل ~~دلالة على وجود السواد به فقط ووقوع الفعل منه. PageV00P229 # باب الكلام في الأحوال على أبي هاشم فإن قال قائل: ما أنكرتم أن تكون ~~دلالة الفعل على أن فاعله عالم قادر دلالة على حال له فارق بها من ليس ~~بعالم ولا قادر؟ قيل له: أنكرنا ذلك لأن هذه الحال لا تخلو أن تكون معلومة ~~أو غير معلومة فإن كانت غير معروفة ولا معلومة فلا سبيل إلى معرفتها ~~والدلالة عليها والعلم بأنها لزيد دون عمرو ولأن ما ليس بمعلوم لا يصح قيام ~~دليل عليه ولا أن يعلم اضطرارا ولا أن يعلم أنه لزيد دون عمرو لأن العلم ~~بأن الحال حال لفلان دون فلان فرع للعلم به وكذلك العلم بأنها معلومة ~~بالاستدلال دون الاضطرار فرع للعلم بها جملة فإذا استحال العلم بها جملة ~~استحال العلم بأنها لفلان ms131 دون فلان وأنها معلومة باستدلال دون اضطرار ~~وقولهم بعد هذا إن نفس من له الحال معلومة على الحال كلام متهافت محال لأنه ~~إذا استحال أن تكون الحال معلومة استحال أن يعلم أن النفس على الحال وأن ~~الحال حال لها دون غيرها ووجب أن يكون العلم علما بالنفس فقط دون الحال ~~واستحال قولهم إن العلم علم بالنفس على الحال. # ويدل على فساد هذا الكلام أنه لا يخلو العلم بأن النفس على الحال من أن ~~يكون علما بالنفس فقط دون الحال أو علما بالحال فقط دون النفس أو علما بهما ~~جميعا أو علما لا بالنفس ولا بالحال فإن كان علما لا PageV00P230 # لا بالنفس ولا بالحال فذلك محال من قولنا جميعا وإن كان علما بالنفس دون ~~الحال فذلك محال وموجب لأن يكون العلم بالنفس أنها نفس علما بالحال وأن ~~يكون علم كل من علم ذات من له الحال ووجوده علم اختصاصه بتلك الحال وذلك ~~محال وإن كان العلم بأن النفس على الحال علما بالحال فقط فقد ثبت أن الحال ~~معلومة وإن كان العلم بذلك علما بالنفس والحال فقد وجب أن يكونا معلومين ~~جميعا وأن تكون الحال معلومة كما أن النفس معلومة وأن تكون النفس والحال في ~~حكم معلومين لأنه قد يصح العلم بالنفس مع عدم العلم بالحال وعدم العلم بأن ~~النفس على تلك الحال كما يصح العلم بزيد دون عمرو وهذا يبطل قولهم إن الحال ~~غير معلومة. # فإن كانت هذه الحال معلومة وجب أن تكون إما موجودة أو معدومة فإن كانت ~~معدومة استحال أن توجب حكما وأن تتعلق بزيد دون عمرو وبالقديم دون المحدث ~~وإن كانت موجودة وجب أن تكون شيئا وصفة متعلقة بالعالم وهذا قولنا الذي ~~نذهب إليه وأنما يحصل الخلاف في العبارة وفي تسمية هذا الشيء علما أو حالا ~~وليس هذا بخلاف في المعنى فوجب صحة ما نذهب إليه في إثبات الصفات وعلى أن ~~هذه الحال على أصل القائل بها تقتضي إثبات أحوال لا PageV00P231 # غاية لها لأنها تخلو أن تكون حالا ms132 لمن هي حال له ومختصة به لأنها حال فقط ~~أو لأنها على حال اقتضت كونها حالا لمن هي حال له فإن كانت حالا له لأنها ~~حال فقط وجب أن يكون كل حال حالا له وإن كانت حالا له بحصولها على حال أخرى ~~فتلك الحال يجب أن تكون حالا للحال بحال ثالثة أبدا إلى غير غاية وذلك محال ~~باتفاق فسقط ما قالوه وإن كانت الحال حالا له لنفسه وثبوته لم تكن نفسه بأن ~~توجب كون الحال حالا لها أولى من سائر الأنفس ولوجب أيضا ألا توجد نفسه إلا ~~وهي موجبة لتلك الحال وفي اتفاقنا على أن نفس من له الحال قد توجد غير ~~موجبة لذلك دليل على أنها لا تجب إذا وجبت له نفسه. # فإن قالوا: الحال حال من هي حال له لا لنفسه ولا لعلة ولا لحال هو عليها ~~ولا لأمر يجب العلم به وكذلك كل حكم موصوف فارق غيره لصفة هو عليها قيل ~~لهم: فما أنكرتم أيضا أن يكون العالم مفارقا لمن ليس بعالم لنفسه لا لنفسه ~~ولا لعلة ولا لحال هو عليها ولا لأمر يجب العلم به وكذلك حكم المتلون ~~والمتحرك وكل PageV00P232 # موصوف بصفة فارق بها غيره بصفة؟ وهذا يؤول إلى إبطال سائر الأعراض وفي ~~فساد ذلك دليل على بطلان ما يذهبون إليه في تصحيح الأحوال وإثبات الصفات ~~التي خبرنا عن ثبوتها. # ويدل على إثبات علم الله وقدرته من نص كتابه قوله: «أنزله بعلمه» وقوله ~~«وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه» وقوله: «أولم يروا أن الله الذي ~~خلقهم هو أشد منهم قوة» والقوة. هي القدرة فأثبت لنفسه العلم والقدرة. # شبهة لهم في نفي العلم يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون لله سبحانه علم به ~~علم؟ فإن قالوا: لأنه لو كان له علم لوجب أن يكون عرضا حادثا وغيرا له ~~وحالا فيه وغير متعلق بمعلومين على سبيل التفصيل وأن يكون واقعا عن ضرورة ~~أو استدلال وأن يكون مما له ضد ينفيه لأن كل علم عقلناه ثبت لعالم ms133 به في ~~الشاهد المعقول فهذه سبيله وإثبات علم على خلاف ما ذكرناه قول لا يعقل ~~وخروج عن حكم الشاهد والمعقول وذلك باطل باتفاق قيل لهم: ولم زعمتم أن ~~القضاء بخلاف الشاهد والوجود محال وأن الشاهد والوجود دليل على ما وصفتم؟ ~~فلا يجدون في ذلك متعلقا. ويقال PageV00P233 # لهم: ما أنكرتم على اعتلالكم من استحالة وجود إنسان لا من نطفة وطائر لا ~~من بيضة وبيضة لا من طائر وفاعل فعل الأجسام؟ لأن ذلك أجمع مما لم يوجد ~~ويعقل في الشاهد وهذا لحوق بأهل الدهر. # ويقال لهم: فأحيلوا حيا عالما قادرا لنفسه لأنكم لم تجدوا ذلك في الشاهد. # ثم يقال لهم: فما أنكرتم على اعتلالكم ألا يصح كون صانع العالم جل ذكره ~~عالما؟ لأن العالم في الشاهد والمعقول وكل منا أثبتناه عالما في شاهدنا لا ~~يكون إلا جسما محدثا متحيزا حاملا للأعراض مؤتلفا متغايرا ومتبعضا ومضطرا ~~ومستدلا ولا بد أن يكون ذا قلب ورطوبة وأن لا يكون الله سبحانه شيئا موجودا ~~لأن الشيء المعقول لا يخرج عن أن يكون جسما أو جوهرا أو عرضا فإن مروا على ~~ذلك تجاهلوا وتركوا التوحيد وإن أبوه تركوا تعلقهم بمجرد الشاهد والوجود ~~فإن قالوا ليس علة كون العالم عالما ما وصفتم ولا حده ولا معنى كونه عالما ~~أنه جسم أو ذو قلب أو مستدل أو مضطر قيل لهم وكذلك فليس علة كون العلم علما ~~ما وصفتم ولا حده ولا معنى كونه علما أنه محدث عرض غير العالم وحال فيه ~~واستحالة تعلقه بمعلومين وأنه ضرورة أو استدلال لأنه قد يشركه في جميع هذه ~~الأوصاف ما ليس بعلم لأن الحركة لا تتعلق بمعلومين وتقع اضطرارا أو اكتسابا ~~وهي عرض محدث غير العالم وليست من العلم بسبيل فحاز لذلك إثبات علم على ~~خلاف صفة ما ذكرتم كما جاز ذلك في الشيء والعالم. PageV00P234 # ثم يقال لهم: فإن كنتم على الشاهد تعتمدون وعليه تعولون فأوجبوا إذا كان ~~الباري سبحانه عالما أن يكون ذا علم وهذا أوجب لأنه غير منتقض من أحد طرفيه ms134 ~~لأن كل عالم منا فهو ذو علم وكل ذي علم فهو عالم وليس كل محدث عرضا غير ~~العالم وحالا في قلب ومما يستحيل تعلقه بمعلومين على وجه التفصيل فهو علم ~~فإن جاز إثبات عالم ليس بذي علم وإن كان ذلك خلاف المعقول جاز أيضا إثبات ~~علم ليس بعرض محدث حال غير العالم وإن كان ذلك خلاف المعروف في الشاهد ~~والوجود. وإن هم قالوا هذه الأوصاف هي شروط في كون العلم علما وليست بعلة ~~لكونه علما ولا حدا له. # قيل لهم: لم قلتم ذلك؟ فلا يجدون إلى تصحيح ذلك سبيلا إلا بأنهم لم يجدوا ~~علما ينفك من ذلك فيقال لهم فما أنكرتم أيضا أن يكون جميع ما عارضناكم به ~~في العالم من شروط كونه عالما وإن لم يكن من حده ولا معنى وصفه أنه عالم ~~ولا من علة كونه عالما بدلالة أنا لم نجد ولم نعقل بيننا إلا كذلك وإن ~~قالوا فمن أين نعلم أن الصفة شرط في استحقاق صفة أخرى؟ وهل طريق هذا إلا ~~أنا لم نجد أحد الوصفين مستحقا إلا مع وجود PageV00P235 # الآخر وثبوته؟ قيل له: ليس الأمر على ما ظننته لأنه لو كان الدليل على أن ~~الصفة شرط في استحقاق صفة أخرى ما ذكرتم لوجب أن نقضي على أن من شرط العالم ~~الموجود القائم بنفسه أن يكون جوهرا قابلا للأعراض ذا حيز في الوجود. ثم ~~إنا لم نجد عالما في الشاهد إلا جوهرا متحيزا في الوجود قابلا للأعراض وهذا ~~يبطل التوحيد. وإنما المعتمد في هذا الباب هو أن يقال: إنه إنما يعلم أن ~~وجود الصفة شرط في استحقاق صفة أخرى إذا علمنا أن وجود إحدى الصفتين مع عدم ~~الأخرى التي جعلت شرطا فيها مؤد إلى ضرب من المحال والجهالات وقلب الحقائق ~~والدلالات وما قد دل العقل على فساده وأن الضرورة تقضي بإبطاله. وذلك كوصف ~~المتحرك بأنه متحرك بكونه موجودا ووصف العالم بأنه عالم بكونه حيا من حيث ~~علم أنه لو جاز أن يكون المتحرك بالحركة معلوما والعالم غير ms135 شيء مسألة لهم ~~أخرى فإن قالوا: لو كان الباري سبحانه ذا علم لم يزل به عالما لوجب أن يكون ~~قديما لنفسه كما أن العالم به قديم لنفسه ولو كانا قديمين لأنفسهما لوجب أن ~~يكونا مثلين مشتبهين وأن يكون العلم إلها حيا قادرا عالما قائما بنفسه وأن ~~يكون العالم صفة غير حي ولا عالم ولا قادر ولا قائم بنفسه من حيث أشبه ما ~~هذه صفته. # فلما فسد ذلك فسد أن يكون له علم فيقال لهم أولا: لم قلتم إن المشتركين ~~في صفة واحدة من صفات النفس يجب أن يكونا مثلين فإنا لكم في ذلك مخالفون ثم ~~يقال لهم: ما أنكرتم إن كان ما قلتموه PageV00P236 # في ذلك صحيحا أن يكون السواد والبياض مشتبهين من حيث كانا خلافين غيرين ~~لأنفسهما وكان وصفهما بذلك متساويا؟ فلا يجدون لذلك مدفعا. # ثم يقال لهم: ولم قلتم أيضا إن الباري سبحانه إذا كان قديما كان قديما ~~لنفسه وكذلك علمه؟ وما أنكرتم أن يكونا قديمين بقدم هو قدم لهما؟ وما ~~أنكرتم أن يكون الباري قديما بقدم والعلم قديما بنفسه؟. وما أنكرتم أيضا أن ~~يكون العلم ليس بقديم ولا بمحدث على قول من قال ذلك من أصحابنا فلا يجدون ~~لذلك مدفعا. # ثم يقال لهم: إن كان ما قلتموه واجبا فما أنكرتم أن يكون الإنسان مثلا ~~لعلمه إذ كانا محدثين لأنفسهما؟ فإن قالوا: ليس المحدث عندنا محدثا لنفسه ~~بل هو محدث لا لنفسه ولا لعلة فلم يجب ما سألتم عنه قيل لهم فما أنكرتم ~~أيضا أن يكون كل قديم وصف بالقدم من صفة وموصوف فإنه قديم لا لنفسه ولا ~~لعلة فلا يجب بذلك تماثل القديمين؟ فإن قالوا: إنما وجب أن يكون القديم ~~قديما لنفسه لأن نفسه لا تعلم إلا قديمة قيل لهم: فقولوا لأجل هذا بعينه إن ~~السواد والبياض شيئان غيران خلافان لونان عرضان لأنفسهما لأنهما لا يعلمان ~~إلا كذلك وقولوا أيضا إن كل واحد منهما واحد لنفسه لأن نفسه لا تعلم إلا ~~واحدة فإن مروا على ذلك قيل لهم: ms136 فما أنكرتم من وجوب تماثلهما إذا كانا ~~مشتركين في هذه الأوصاف لأنفسهما؟ ولا محيص لهم من ذلك وإن أبوه ~~PageV00P237 # وقالوا: إن هذه الأوصاف جارية على السواد والبياض لا لأنفسهما ولا لعلة ~~وإن لم تعلم أنفسهما إلا عليهما قيل لهم فما أنكرتم أيضا أن يكون القديم ~~وعلمه قديمين لا لأنفسها ولا لعلة وإن لم تعلم أنفسهما إلا قديمتين ولا فصل ~~لهم في ذلك وفيه سقوط ما عولوا عليه. # شبهة لهم أخرى وإن هم قالوا: الدليل على أن الله سبحانه لا يجوز أن يكون ~~عالما بعلم أنه لو كان علم لوجب أن يتعلق بالمعلومات على وجه تعلق علومنا ~~بها ولو كان كذلك لوجب أن يكون علمه من جنس علومنا لأن العلمين إنما يجب ~~تماثلهما لتعلقهما بمعلوم واحد على وجه واحد فلما لم يجز أن يكون علمه من ~~جنس علومنا ثبت أنه لا علم له يقال لهم لم قلتم إن طريق العلم بتماثل ~~العلمين المحدثين هو أن يكون متعلقهما واحدا على وجه واحد أباضطرار علمتم ~~هذا أم بنظر واستدلال؟. # فإن قالوا: باضطرار أمسك عنهم أو قلب الكلام عليهم في منع تماثل ما هذه ~~سبيله وادعي فيه علم الاضطرار وإن قالوا بنظر قيل لهم: وما هو فإن قالوا: ~~هو علمنا بتماثل كل علمين من علومنا إذا كان متعلقهما واحدا على وجه واحد ~~قيل لهم: وما في هذا من الدليل؟ وما أنكرتم أنهما لم يتماثلا لهذه العلة ~~ولكن لأنفسهما فقط ومن حيث علم أنه لا صفة جازت على أحدهما إلا وهي جائزة ~~على الآخر ولا صفة وجبت PageV00P238 # لأحدهما إلا وهي واجبة للآخر وليس كذلك سبيل علم القديم وعلم المحدث. # ثم يقال لهم: لو كان جهة العلم بتماثل ما له تعلق بغير أن يكون متعلقهما ~~واحدا على وجه واحد لوجب أن تكون الإرادة والقدرة المتعلقتان بالشيء الواحد ~~المقدور والمراد على وجه الحدوث متماثلين لتعلقهما بمتعلق واحد على وجه ~~واحد فلما بطل هذا من قولنا وقولكم بطل اعتباركم الذي إليه استندتم. # ثم يقال لهم: فيجب على اعتلالكم ms137 هذا إذا كان القديم سبحانه عالما لنفسه ~~وبنفسه أن تكون نفسه كنفس علومنا لأنها متعلقة بالمعلومات كتعلق علومنا بها ~~فلما لم يجز ذلك لم يجز أن يكون عالما بنفسه. # فإن قالوا: نحن لا نقول إنه عالم بالمعلومات بنفسه على أنه بنفسه يعلمها ~~وأن المعلومات متعلقة بها وإنما نريد بذلك أنه عالم بها لا لمعنى يقارن ~~نفسه فعبرنا عن هذا المعنى بأنه عالم بنفسه قيل لهم وكذلك نحن لسنا نريد ~~بقولنا إن القديم تعالى يعلم المعلومات بنفس علمه أن علمه آلة له ومتعلق ~~بالمعلومات تعلق الحبل بالحبل والجسم بالجسم وإنما نعني بقولنا إنه يعلم ~~المعلومات بنفس علمه أنه يعلمها لا لمعنى يقارن العلم فعبرنا عن ذلك بأنه ~~يعلم بنفس العلم وكذلك كل شيء PageV00P239 # قلنا فيه إنه موصوف بما وصف به لنفسه إنما نعني به أنه موصوف به لا لعلة ~~فلم يجب ما قلتم. # ثم يقال لهم: إن كان معنى أن الباري عالم بنفسه أنه عالم لا لمعنى يقارن ~~نفسه فيجب أن يكون المحدث محدثا لنفسه والشيء شيئا لنفسه لأنه محدث لا لعلة ~~وشئ لا لعلة وكذلك يجب أن تجعلوا كل وصف يستحق لا لعلة مستحقا لنفس الموصوف ~~به وهذا ترك قولهم بأوصاف تستحق لا للنفس ولا لعلة فإن قالوا لا يجب إذا ~~علم الباري سبحانه المعلومات بنفسه أن تكون نفسه كنفس علومنا لأن تعلق نفسه ~~بالمعلومات تعلق العالمين وتعلق العلم بها تعلق العلوم قيل هذه حيرة وقلة ~~دين وإيثار للتخليط وذلك أن كون العالم عالما بالمعلومات بعلمه هو عندنا ~~وعندكم بمعنى كونه عالما بالمعلومات بنفسه لو ثبت أنه عالم بنفسه وكونه ~~عالما بعلمه لا يختلف ولا يتزايد فيجب أن يكون ما أوجب كونه عالما علم أو ~~حال متساويا متماثلا لأن المعتبر في ذلك بكون العالم عالما على حد متساو ~~وجب تماثل ما أوجب هذه الصفة المتساوية فقولكم بعد هذا إن نفس الباري ~~سبحانه تتعلق بالمعلوم تعلق العالمين ونفس العلم تتعلق تعلق العلوم تخليط ~~وإبهام أن كون العالم عالما PageV00P240 # بالمعلوم تارة بنفسه ms138 وتارة لمعنى يختلف فإذا لم يجز ذلك لم يكن لما ~~قلتموه محصول ولا معنى معقول ولا جواب لهم عن ذلك. # شبهة أخرى فإن قالوا: الدليل على أنه لا علم لله سبحانه أنه لو كان له ~~علم لم يخل من أن يكون مثلا للقديم تعالى أو مخالفا له فإن كان مماثلا له ~~وجب أن يكون ربا إلها عالما قادرا كهو وهذا كفر من قائله وإن كان مخالفا له ~~وجب أن يكون غيرا له وأن يكون معه في القدم غير له وذلك باطل باتفاق فوجب ~~أنه لا علم له يقال لهم لم قلتم إنه لا بد أن يكون علمه إذا ثبت موافقا له ~~أو مخالفا وما أنكرتم أن يكون محالا أن يقال فيما ليس بغيرين إنهما متفقان ~~أو مختلفان كما يستحيل أن يقال إن الباري جل اسمه مثل للأشياء كلها أو ~~مخالف لها كلها وكما يستحيل أن يقال ذلك في الآية من السورة والبيت من ~~القصيدة والجزء من الجملة والواحد من العشرة من حيث استحال أن يكون أحد ~~المذكورين هو الآخر أو غيره فما الذي به تدفعون هذا؟. PageV00P241 # ثم يقال لهم: إن أردتم بقولكم إن علم القديم سبحانه مخالف له أنه غير له ~~وأنه من جنس والباري سبحانه من جنس غير جنسه كم يقال ذلك في السواد والبياض ~~فذلك محال لقيام الدليل على أن علم الله سبحانه ليس بغير له من حيث لم تجز ~~مفارقته له بزمان أو مكان أو الوجود أو العدم وقد ثبت أن معنى الغيرين ~~وحقيقة وصفهما بذلك أنه ما جاز افتراقهما على أحد هذه الثلاثة الأوجه وكذلك ~~فقد دل الدليل على أن القديم سبحانه وعلمه ليسا بجنسين ولا مختلفين ولا ~~متفقين وإن عنيتم بخلاف القديم سبحانه لعلمه بعد شبهه منه وأنه لا يسد مسده ~~ولا ينوب منابه ولا يستحق من الوصف ما يستحق ولا يجوز عليه من الأوصاف جميع ~~ما يجوز عليه فهذا صحيح في المعنى وإن كانت العبارة ممنوعا منها لا تجوز ~~باتفاق أو سمع أو دليل ms139 أوجب ذلك إن قام عليه وليس الكلام في الإطلاقات ~~والعبارات وإنما الكلام في المعاني. لأننا لو لم نعرف لغة أصلا ولم نتكلم ~~بها لصح علمنا بالقضايا العقلية عند التأمل والنظر في الأدلة. والتعلق بذكر ~~الخلاف وإلزام التسمية به عجز وتقصير عن الخوض فيما يجب أن يكون معلوما ~~بالأدلة. PageV00P242 # فإن قالوا: فما معنى قولكم إن لله تعالى علما أتعنون بذلك أنه ملكه أو ~~فعله أو حال فيه أو أنه عالم بنفس العلم الذي أضيف إليه قيل لهم: معنى ذلك ~~أنه علم بالنفس التي هي علم له فقط. # وليس ذلك من معنى أنها ملكه أو فعله أو حالة فيه بسبيل. وهذا كما نقول ~~نحن وأنتم إن الإرادة إرادة له وإن الحركة حركة للمتحرك لا بمعنى أنها ملكه ~~أو فعله أو حالة فيه لأنه قد يحصل فيه ما ليس بحركة ولا إرادة له. وكذلك ~~فقد يريد ويتحرك بما ليس بملك له ولا فعل له ويحل فيه ما ليس بحركة له 0 ~~وبالله التوفيق. PageV00P243 # باب الكلام في معنى الصفة وهل هي الوصف أم معنى سواه إن قال قائل: ما ~~الصفة عندكم وما الوصف وهل هما واحد أم لا؟ # قيل له: أما الصفة فهي الشيء الذي يوجد بالموصوف أو يكون له ويكسبه الوصف ~~الذي هو النعت الذي يصدر عن الصفة. # فإن كانت مما يوجد تارة ويعدم أخرى غيرت حكم الموصوف وصيرته عند وجودها ~~على حكم لم يكن عليه عند عدمها وذلك كالسواد والبياض والإرادة والكراهة ~~والعلم والجهل والقدرة والعجز وما جرى مجرى ذلك مما يتغير به الموصوف إذا ~~وجد به ويكسبه حكما لم يكن عليه. # وإن كانت الصفة لازمة كان حكمها أن تكسب من وجدت به حكما يخالف حكم من ~~ليست له تلك الصفة. وذلك نحو حياة الباري سبحانه وعلمه وقدرته وكلامه ~~وإرادته وما عدا ذلك من صفاته الثابتة الموجبة له مفارقة من ليس على هذه ~~الصفات وإن لم يتغير القديم سبحانه بوجودها به عن حالة كان عليها إذ كانت ~~لم تزل موجودة ولم يكن ms140 قط سبحانه موجودا وليس بذي حياة ولا علم ولا قدرة ~~ولا سمع ولا بصر ثم وجدت هذه الصفات بعد أن لم تكن له. ولا يجوز أيضا أن ~~يوجد وقتا ما وليس له هذه الصفات إذ كان العدم عليها مستحيلا. وإنما يتغير ~~بوجود PageV00P244 # الصفات من لم تكن له من قبل ومن جاز أن يفارقه الصفات والله سبحانه ~~يتعالى عن ذلك. # وقد دللنا فيما سلف على إثبات هذه الصفات لله سبحانه وبينا أنه لا يجوز ~~حدوثها له. لأن ذلك يوجب أن تكون من جنس صفات المخلوقين وأن تكون ذات أضداد ~~كصفات المخلوقين وأن يكون الباري سبحانه قبل حدوثها موصوفا بما يضادها ~~وينافيها من الأوصاف. ولو كان ذلك كذلك لوجب قدم أضدادها ولاستحال أن يكون ~~القديم سبحانه موصوفا بها في هذه الحال وأن يوجد منه من ضروب الأفعال ما ~~يدل على كونه عالما قادرا حيا. وفي بطلان ذلك دليل على قدم هذه لصفات وأن ~~الله سبحانه لا يجوز أن يتغير بها ويصير له حكم لم يكن قبل وجودها إذ لا ~~أول لوجودها. # وأما الوصف فهو قول الواصف لله تعالى ولغيره بأنه عالم حي قادر منعم ~~متفضل وهذا الوصف الذي هو كلام مسموع أو عبارة عنه غير الصفة القائمة بالله ~~تعالى التي لوجودها به يكون عالما وقادرا ومريدا. # وكذلك قولنا زيد حي عالم قادر هو وصف لزيد وخبر عن كونه على ما اقتضاه ~~وجود الصفات به وهو قول يمكن أن يدخله الصدق والكذب. وعلم زيد وقدرته هما ~~صفتان له موجودتان بذاته يصدر الوصف والاسم عنهما ولا يمكن دخول الصدق ~~والكذب فيهما. # فإن كان الله الواصف لنفسه بأنه حي عالم قادر قديم أزلي كان PageV00P245 # وصفه لنفسه معنى لا يقال هو علمه وحياته وقدرته ولا يقال هو غير هذه ~~الصفات لقيام الدليل بما سنذكره في باب نفي خلق القرآن على قدم كلامه ~~سبحانه وأنه جار مجرى سائر صفات ذاته. وقد ثبت أن الصفات القديمة لا يجوز ~~أن تكون متغايرة من حيث لم تجز مفارقة شيء منها ms141 للآخر بزمان ولا مكان ولا ~~بأن يوجد منها شيء مع عدم الآخر وكان هذا معنى الغيرين وحقيقة وصفهما بذلك ~~فثبت بهذه الجملة أن وصف القديم سبحانه لنفسه بصفات ذاته ليس بغير لصفات ~~الذات. # وإن كان وصف الله سبحانه لنفسه وصفا بصفات أفعاله نحو قوله تعالى: إني ~~خالق ورازق وعادل ومحسن ومتفضل وما جرى مجرى ذلك كان وصفه لنفسه بهذه ~~الصفات غير صفاته التي هي الخلق والرزق والعدل والإحسان والإنعام لأن هذه ~~الصفات هي أفعال الله تعالى وهي محدثات ومن صفات أفعاله. والكلام الذي هو ~~قوله إني خالق عادل متفضل محسن من صفات ذاته. وصفات الذات غير صفات الأفعال ~~لأنها قد كانت موجودة مع عدمها. فوجب أن يسدل ذلك على تغايرها لأنفسها. ~~وكذلك كل غيرين إنما يتغايران لأنفسهما. وافتراقهما بالزمان والمكان ~~والوجود والعدم إنما يدل على تغايرهما ويكون تفسيرا لوصفهما بأنهما غيران ~~وليس من هذه المفارقات ما هو علة في كون الغيرين غيرين. # وإن كان الواصف لنفسه محدثا فإن وصفه لنفسه أيضا هو قوله: PageV00P246 # إني حي قادر منعم متفضل عالم. وذلك القول الذي هو الوصف هو غير صفاته ~~التي هي من أفعاله ومن غير فعله. لأن جميع صفات الإنسان محدثة. وكلامه الذي ~~هو وصفه لنفسه بما وصفها به محدث. # وكل محدثين ليسا بجملة ولا داخلين تحت جملة فهما غيران. وقولنا وصف ~~وكلام. ليس بوصف واقع على كلام الإنسان وشئ من صفاته سوى الكلام. فيستحيل ~~أن يكون الوصف غيرا لتلك الصفة فوجب أن يكون وصف الإنسان غير سائر صفاته ~~التي ليست بوصف. ووجب تفصيل ذلك في وصف القديم سبحانه وصفاته على ما قلناه ~~وبيناه من قبل. # ومما يجب علمه في هذا الباب هو أن يعلم أن الوصف وإن كان غير الصفة التي ~~هي الحركة والعلم والقدرة فإنه أيضا صفة من حيث كان كلاما للمتكلم به ~~ونافيا لسكوته ومحصلا له عند وجوده بخلاف صفة من لا كلام له فهو في هذا ~~الباب جار مجرى الحركة والسواد والبياض من حيث غير حكم الموصوف به ms142 وأوجب له ~~حكما لا يجب إلا بوجوده. فهو لذلك صفة للمتكلم به وهو أيضا وصف لغيره ~~ودلالة على وجود شيء به إذا كان قولا صدقا ليس بكذب. فيحب لذلك أن يكون كل ~~وصف صفة من حيث كان قولا وكلاما ومكسبا للمتكلم المخبر به حكما وإن كان مع ~~ذلك وصفا لكونه إخبارا عما يوجد بما هو وصف له ولا يجب أن يكون كل صفة وصفا ~~لأن العلم والقدرة ليسا بوصفين لشيء ولا خبرين عن معنى من المعاني وإن كانا ~~صفتين للعالم والقادر. فكل وصف صفة وليس كل صفة وصفا وهذا جملة القول في ~~الإخبار عن حقيقة الوصف والصفة. PageV00P247 # وقد زعمت المعتزلة القدرية وكل من اغتر بشبههم من أهل الأهواء المضلة أن ~~الصفة ليست بمعنى أكثر من الوصف الذي هو قول القائل وإخبار المخبر عمن أخبر ~~عنه بأنه عالم قادر. وتفخموا القول بأن الله تعالى كان في أزله بلا صفة ولا ~~اسم من أسمائه وصفاته العليا. قالوا: لأنه لا يجوز أن يكون في القدم واصفا ~~لنفسه لاعتقادهم خلق كلامه ولا يجوز أن يكون معه في القدم واصف له مخبر عما ~~هو عليه. فوجب أنه لا صفة لله سبحانه قبل أن يخلق خلقه وأن الخلق هم الذين ~~يجعلون لله الأسماء والصفات لأنهم هم الخالقون لأقوالهم التي هي صفات الله ~~سبحانه وأسماؤه. ولأنهم أيضا يزعمون أن الاسم هو التسمية وهو قول المسمى ~~لله تعالى وأن الله سبحانه كان قبل خلق كل من كلمه وأمره ونهاه بلا اسم ولا ~~صفة. فلما أوجد العباد خلقوا له الأسماء والصفات تعالى عن ذلك. # وهذا القول خروج عما عليه كافة الأمة قبل خلق المعتزلة ووجودهم. ومع أنهم ~~أيضا عند تضييق الكلام عليهم وتحصيله يرهبون أتباعهم ومخالفيهم من الإخبار ~~عن حقيقة قولهم هذا ولا يطلقون أن الله تعالى كان قبل خلق عباده بلا اسم ~~ولا صفة وأن العباد هم الذين خلقوا لله تعالى الأسماء والصفات ويخافون تخطف ~~الناس لهم وبسط أيديهم عليهم علما منهم بأنه مخالفة للإجماع PageV00P248 # ومما ينفر عنه ms143 الخواص والعوام. # مسألة فإن قال منهم قائل: فما الدليل على صحة ما تذهبون إليه من أن الصفة ~~معنى لا يقال هو الوصف الذي هو القول؟ # قيل له: يدل على ذلك أمور من جهة وضع اللغة ودلالات العقول أيضا. فأما ما ~~يدل على ذلك من جهة اللغة فهو أن أهل اللغة قد قالوا إن الصفة التي هي ~~النعت على ضروب. فمنها خلقة لازمة كقولك أسود وأبيض وطويل وقصير وعاقل ~~وظريف وما جرى مجرى ذلك. # ومنها حرفة وصناعة كقولك كاتب وبان وحداد وبزاز وما جرى مجرى ذلك. # ومنها صفة بالدين كقولك مؤمن وكافر ونحو ذلك. # ومنها صفة هي نسب كقولك عربي وعجمي وقرشي وهاشمي وما جرى مجرى ذلك. # ولا خلاف بينهم في أن النعوت هي الصفات التابعة للأسماء. # وإذا كان ذلك كذلك وكانوا قد وقفونا على أن الصفة تكون دينا وتكون نسبا ~~وتكون خلقة لازمة وتكون حرفة وصناعة وجب أن تكون الصفات عندهم هي هذه ~~المعاني والأفعال التي اشتقت هذه الأسماء منها. لأن قولنا في زيد إنه أسود ~~وأبيض ليس بخلقة له لا لازمة ولا غير لازمة. وكذلك قولنا بزاز ونجار ليس ~~بحرفة ولا صناعة. وكذلك قولنا قرشي وهاشمي ليس بنسب للموصوف. وأهل اللغة قد ~~وقفونا على أن النعوت والصفات هي الخلق والحرف والأديان والأنساب. فوجب أن ~~يكون PageV00P249 # القول ليس بصفة لمن هو وصف له وإنما سمي صفة مجازا وعلى معنى أنه وصف له ~~وإخبار عن الصفة التي اشتق الاسم منها. ويسمى بذلك أيضا حقيقة على معنى أنه ~~صفة للمتكلم المنبر به. فأما أن يكون صفة للظريف والأسود والطويل والقصير ~~يكون بها الظريف ظريفا والطويل طويلا فمحال على ما بينا من قبل. # ومما يدل على ذلك أيضا ويبينه إجماع أهل اللغة كافة على أن القائل إذا ~~قال: لفلان علم بالكتابة والصناعة وله علم بالفقه والهندسة وله عقل حسن ~~وخلق قبيح فقد وصفه بالعلم والمعرفة وحسن الخلق وقبحه. # لأن قائلا لو قال لسامع هذا الكلام من أهل اللغة: بماذا وصف زيد عمرا ~~وبأي ms144 شيء نعته لقالوا بأجمعهم: وصفه بالعلم والمعرفة والطول والقصر وحسن ~~الخلق وقبحه. فلو لم تكن هذه المعاني الموجودة بالإنسان صفات له لم يجز أن ~~يكون موصوفا بها لأنه لا يكون موصوفا بما ليس بصفة. # وفي قولهم وصفه بالعلم دليل على أن القول ليس بصفة في الحقيقة لمن أخبر ~~عن صفته لأنه ليس هو علما يكون العالم به عالما. # ومما يدل على ذلك أيضا إجماع الأمة قاطبة على أن العدل والإحسان من صفات ~~الله تعالى وأن من قال إن العدل والإحسان ليسا من صفات الله فقد فارق ما ~~عليه المسلمون. وهذا الإجماع أيضا يبطل قولهم إن الصفة ليست بمعنى أكثر من ~~الوصف لأن العدل والإحسان الذي يفعله الله تعالى ليس بقول ولا وصف لواصف. ~~PageV00P250 # ومما يدل على ذلك أيضا إجماع الأمة على أن لله تعالى أسماء وصفات قبل أن ~~يخلق خلقه ولو كانت أسماء الله وصفاته هي أقوال عباده وتسميتهم وأوصافهم له ~~لكان الله تعالى قبل خلقه لعباده وخلق كلامهم غير مسمى ولا موصوف ولا ذي ~~اسم. وفي منع الأمة لذلك دليل على أن الوصف والتسمية غير الاسم والصفة التي ~~يكون الموصوف المسمى بها مسمى موصوفا. # ومما يدل على ذلك أيضا إطلاق أهل اللغة أن المصادر هي أسماء الأفعال ~~والصفات وأنها عن الأفعال صدرت. والأفعال التي أرادوها هي الأحداث الماضية ~~والمستقبلة والكائنة في الحال التي يعبر عنها بالقول ضرب يضرب. والمصادر ~~إنما صدرت عن هذه الأفعال لا عن قول القائل وإخبار المخبر. ويوضح هذا أن ~~قائلا لو قال فيمن لا حركة له ولا علم ولا قدرة ولا ضرب إنه متحرك عالم ~~قادر ضارب لكان في هذا الوصف كاذبا وإنما صار كاذبا لأنه لم يشتق هذه ~~التسمية من وجود الأفعال والصفات التي تصدر هذه الأسماء عنها وتوجد منها. ~~ولو تقدم وجودها لكانت الأوصاف حقا وصدقا وهذا يكشف عن وجوب تقدم الأفعال ~~والصفات التي تصدر التسميات والأوصاف عنها لوجود التسمية والوصف. فكيف يكون ~~الصفة والاسم هما القول الذي من سبيله أن لا يجري ms145 ويستحق إلا بعد تقدم ~~الاسم والصفة والفعل وإذا كان ذلك محالا دل ما قلناه على أن الاسم والصفة ~~غير تسمية المسمي ووصف الواصف. وهذا واضح من PageV00P251 # جهة المعنى ومن طريق اللغة أيضا. # ومما يدل على ذلك أيضا من جهة المعنى أنه لو كانت الصفة في الحقيقة ليست ~~بمعنى أكثر من وصف الواصف وقوله: إن زيدا عالما قادر حي لوجب أن يكون لزيد ~~في الحقيقة في حالة واحدة صفتان متضادتان. ولوجب أن يكون حيا ميتا وقادرا ~~عاجزا وعالما جاهلا إذا قال بعض الواصفين له إنه حي وقال آخر إنه ميت وقال ~~قائل: إنه قادر عالم وقال آخر: إنه عاجز جاهل. فيجب أن لا يكون العلم من ~~صفته أولى من الجهل لأنه قد وجدت له الصفتان فيجب أن يكون زيد عالما جاهلا ~~وحيا ميتا لوجود صفتيه اللتين هما القول. فلما لم يجز ذلك وكان العالم في ~~الحقيقة هو من وجد به العلم ولوجوده به صار عالما بطل أن تكون الصفة هي ~~القول وثبت أنها ما يوجد بذات الموصوف كما أن الحركة واللون هما ما وجدا ~~بذات المتحرك والمتلون دون القول إنه متحرك متلون. # دليل لهم آخر وقد استدلوا على أن الصفة هي نفس الوصف الذي هو القول بأن ~~أهل العربية قالوا: إن الوصف والصفة بمعنى واحد وإنهما بمنزلة الوجه والجهة ~~والوزن والزنة والوعد والعدة فوجب أن تكون الصفة هي القول لأجل هذا ~~الإطلاق. PageV00P252 # يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون معنى إطلاق أهل العربية أن الوصف والصفة ~~واحد أنهما مصدران لا غير ذلك؟ لأن الوزن والوعد والوصف مصادر. تقول وعدت ~~وعدا ووزنت وزنا ووصفت وصفا. # فهو كقولك وعدت عدة ووزنت زنة ووصفت صفة. وكان الأصل: وعدت وعدة ووزنت ~~وزنة ووصفت وصفة كقولك: قعدت قعدة وجلست جلسة ومشيت مشية. فتكسر أوله إذا ~~أردت به هيئة من الجلوس والقعود. وليس ذلك بمنزلة قولك جلست جلسة وقعدت ~~قعدة وركبت ركبة بفتح أوله لأنه إذا فتح أوله كان المراد به مرة واحدة من ~~الفعل وإذا كسر أوله ms146 كان المراد به هيئة ذلك الفعل. # وإنما حذفت الواو من قولك: وصفت صفة ووعدت عدة من المصدر لأنها حذفت من ~~الفعل. # وذلك أنهم قالوا وعد يعد ووصف يصف ووزن يزن والأصل يوعد ويوزن ويوصف ~~فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة في قولك يوصف. ومن شأنهم إذا غيروا ~~الفعل ضربا من التغيير أن يحملوا المصدر عليه. فلذلك قالوا صفة وعدة وزنة ~~والأصل وعدة ووزنة ووصفة على ما بيناه. فهذا مراد أهل النحو بقولهم إن ~~الوصف والصفة واحد. # ويجوز أيضا أن نقول إن أهل العربية إنما أرادوا بقولهم إن الوصف هو الصفة ~~أن وصف زيد لعمرو بأنه عالم هو صفة زيد الواصف لعمرو. PageV00P253 # فيكون صفة للواصف لقيامه به وإيجابه حكما له وهو كونه قائلا ومخبرا به. ~~ويكون وصفا لعمرو لكونه خبرا عن وجود صفته به وأنه على ما هو عليه. وحمل ~~هذا القول على هذا التأويل أولى فسقط تعلقهم بهذا. # دليل لهم آخر فإن قالوا: الدليل على أن المعاني الموجودة بالذوات من ~~العلوم والقدر والحركات ليست بصفات في الحقيقة وأن الصفة هي قول الواصف ~~إجماع الأمة على أن الله تعالى إذا قال إن الجسم عالم أسود متحرك فقد وصفه ~~بهذا القول وإذا خلق فيه العلم والقدرة والسواد والحركة لم يكن واصفا له ~~عند أحد من الأمة. فيجب أن تكون الصفة هي ما يكون الواصف بها واصفا دون ما ~~لا يكون به كذلك. # يقال لهم: لم قلتم إن الاشتقاق الواجب من خلق الصفة واصف وما دليلكم على ~~ذلك؟ وما أنكرتم من أن لا يصح من فعل الصفة اشتقاق على وجه لا واصف ولا وصف ~~ولا موصوف ولا غير ذلك وأن يكون قولنا واصف مشتقا من الوصف دون الصفة؟ ~~لأنهم يقولون: وصف فهو واصف ولا يقولون: فعل الصفة فهو واصف وفعل لا يجيء ~~منه أكثر من فاعل. وهذا يبطل ما قالوه. # ثم يقال لهم: ما أنكرتم من أن لا يجب ما قلتموه من وجه آخر؟ وهو أنه قد ~~صح وثبت من قولنا وقولكم أنه ms147 ليس الواجب أن يشتق لله تعالى PageV00P254 # من كل ما خلقه في غيره اسما. لأن ذلك يوجب أن يشتق له من فعل الإرادة في ~~غيره مريدا ومن فعل الأذى بدم الحيض وفساد الزرع مؤذيا ومفسدا ومن فعل ~~الهوس والجنون والطيش مهوسا ومجننا ومطيشا وليس ذلك بقول لأحد. ولا يحب أن ~~لا يشتق له من جميع أفعاله اسم. # لأن ذلك يوجب أن لا يشتق له من العدل عادل ومن الإحسان والتفضل محسنا ~~متفضلا وذلك خلاف الإجماع. فوجب أن يشتق له من بعض ما خلق ولا يشتق له من ~~بعض. فلا يجب إذا لم يشتق له من فعل العلم والسواد في غيره واصف أن لا يكون ~~العلم صفة كما لا يجب إذا لم يشتق له من فعل الإرادة والأذى وفساد الزرع ~~مريد ومؤذ ومفسد أن لا يكون ما خلقه في غيره إرادة وأذى وفسادا ولا جواب عن ~~ذلك وبالله التوفيق!. # باب الكلام في الاسم ومما اشتقاقه وهل هو المسمى أو غيره اختلف الناس في ~~الاسم ومما اشتقاقه. فقال أهل الحق: إنه مشتق من السمو. وقالت المعتزلة ~~وغيرها من أهل الأهواء: إنه مشتق من السمة وهي العلامة. والدليل على صحة ما ~~قلناه إنه مشتق من PageV00P255 # سما يسمو وليس من وسم يسم أن العرب صغرته فقالت سمي. ولو كان من السمة ~~لقالوا وسيم كما قالوا في تصغير عدة وزنة وعيدة ووزينة. فدل ذلك على أن ~~المحذوف منه لام الفعل دون الفاء. # وأهل العربية يعنون بلام الفعل آخر حرف من حروفه ويريدون بفاء الفعل أول ~~حرف من حروفه وقد أطبقوا على أن اسم قد حذف منه لأنه على حرفين السين ~~والميم وأصله سمو على ما قلناه والألف التي قبل السين في قولك اسم ألف وصل ~~لا يعتد بها وإنما أدخلت في الكلام ليتوصل بها إلى النطق بالساكن. وإذا كان ~~ذلك كذلك ثبت أن اسم على حرفين فقط السين والميم. وعلمنا بذلك أنه قد حذف ~~منه حرف لأن أقل الأصول في الأسماء. ما كان على ثلاثة أحرف. ms148 فإذا وجدنا ~~اسما على أقل من ذلك علما أنه قد حذف منه حرف مثل يد ودم وأب وابن وما جرى ~~مجرى ذلك مما هو على حرفين. # وإذا ثبت ذلك فلا يخلو أن يكون المحذوف منه الفاء أو اللام. ولا يجوز أن ~~يكون المحذوف منه الفاء لأن العرب قالت في تصغيره سمي كما صغرت ابنا فقالت ~~فيه بني فردت منه اللام. ولو كان المحذوف منه الفاء لقالوا وسيم كما قالوا ~~في تصغير عدة وزنة وجهة وعيدة ووزينه ووجيهة لأنه من الوعد والوزن والوجه. ~~وإنما حذفت الواو من المصدر لأنها حذفت من الفعل. لأنهم قالوا يعد مكان ~~يوعد. ومن شأنهم إذا غيروا الفعل ضربا من التغيير أن يحملوا المصدر عليه ~~فيفعلوا فيه كما يفعلون في الفعل. وإنما حذفت الواو من الفعل المضارع إذا ~~كان في أوله الياء لوقوعها بين ياء وكسرة. # وذلك مثل قولك وعد يعد ووزن PageV00P256 # يزن والأصل يوعد ويوزن. وحمل باقي حروف المضارعة وهي التاء والنون والألف ~~على الياء لئلا يختلف الفعل فقالوا نعد وتعد وأعد والأصل نوعد وتوعد وأوعد. # فإذا صغرت عدة قلت فيه وعيدة ولم يعتد بهاء التأنيث. فإذا لم يعتد بها ~~بقي الاسم على حرفين وهما العين والدال. وقد علمنا أنه لا يجوز تصغير الاسم ~~الذي يكون على حرفين وإنما يصح ذلك فيه إذا كان على ثلاثة أحرف فصاعدا. ~~فاحتجنا أن نرد المحذوف وهو الواو فقلنا في تصغيره وعيدة. # وكذلك القصة في تصغير زنة وجهة. فإذا صغرت اسما قلت فيه سمي وذلك لأنك ~~رددت المحذوف وهو الواو ثم أدخلت باء التصغير إليه ساكنة. فاجتمع ياء وواو ~~والأول منهما ساكن فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء فيها فصار سمي كقولك حجير ~~وجبيل وبني. وهذا أصل مطرد في كلامهم: إذا اجتمعت واو وياء والأول منها ~~ساكن أدغم أحدهما في صاحبه فصار ياء مشددة. مثال ذلك قولهم سيد وميت. # وأصله سيود وميوت لأنه فيعل من ساد يسود ومات يموت. فلما اجتمعت الياء ~~والواو والأول منهما ساكن أدغم أحدهما في صاحبه فصار ms149 ياء مشددة. فلذلك ~~قالوا في تصغير اسم سمي وفي تصغير ابن بني. وهذا واضح في إبطال قول من زعم ~~أنه من وسم يسم وأن المحذوف منه فاء الفعل ودل على أنه من سما يسمو. ~~PageV00P257 # فصل واختلف الناس في الاسم: هل هو المسمى نفسه أو صفة توجد به أو قول غير ~~المسمى. والذي يذهب إليه أهل الحق أن الاسم هو المسمى نفسه أو صفة متعلقة ~~به وأنه غير التسمية. وزعمت المعتزلة مع سائر من وافقها من أهل الأهواء ~~والبدع أن الاسم غير المسمى وأنه قول المسمى وتسميته لما سماه. # والذي يدل على صحة ما قلناه أن أهل اللغة الذين هم العمدة قد صرحوا بذلك ~~وقالوا إن الاسم هو المسمى نفسه. وبذلك كان يقول أبو عبيدة وغيره من أهل ~~اللغة. وأنشد أبو عبيدة في ذلك قول لبيد: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر قالوا: ~~وإنما أراد باسم السلام السلام نفسه. فكيف يكون الاسم هو التسمية التي هي ~~قول المسمي وهم قد جعلوا نفس المسمى وإن كان شخصا أو عرضا هو الاسم وليس ~~لقول من قال: إن لبيدا إنما أراد بقوله ثم اسم السلام عليكما: ثم اسم الله ~~عليكما وإن السلام اسم من PageV00P258 # أسماء الله تعالى معني. لأن السلام وإن كان اسما من أسماء الله فليس هو ~~الذي يراد بالقول سلام عليكم وعلى زيد السلام. وإنما يراد به التحية في مثل ~~هذا الكلام واسمها هو هي. # ويدل على ذلك أيضا ويوضحه قول سيبويه في كتابه: والأفعال أمثلة أخذت من ~~لفظ أحداث الأسماء. # يريد بذلك قولهم ضرب ويضرب وضارب المأخوذ من الأحداث الماضية وأحداث ~~الحال والأحداث المستقبلة والأحداث هي الأفعال. فقد نص أن الأحداث للأسماء ~~في قوله أخذت من لفظ أحداث الأسماء فكيف يجوز أن تكون الأسماء هي الأقاويل ~~والأحداث لا يجوز أن تكون للأقاويل وإنما هي أحداث لمن يصح أن يفعلها ~~وتتعلق به إما على سبيل وجودها بذاته أو فعله لها والقول يستحيل فيه ~~الأمران جميعا. # فإن ms150 قالوا: إنما أراد بقوله أحداث الأسماء: أحداث أصحاب الأسماء وأحداث ~~من له الأسماء. # قيل لهم: إنما يجب صرف الكلام عن ظاهره إذا كانت دلائل العقل والسمع تمنع ~~من استعماله على ما ورد به. ولا شيء يمنع من أن يكون سيبويه قد اعتقد أن ~~الاسم هو نفس الشخص الذي يقع منه الأحداث على ما قاله غيره من أهل اللغة. ~~وقد يمكن أن يقال إن سيبويه إنما عنى بقوله PageV00P259 # أخذت من لفظ أحداث الأسماء أنها أخذت من لفظ أحداث المصادر التي هي الضرب ~~والقتل على ما ذهب إليه البصريون من أهل العربية من أن الفعل مشتق من ~~المصدر. غير أن هذا وإن كان ممكنا فالظاهر من قوله أحداث الأسماء أنها ~~أحداث الأشخاص لأنه لا يحسن أن يقال في الأحداث إنها أحداث المصادر. # ومما يدل على أن الاسم قد يكون هو المسمى قول الله تعالى: «ما تعبدون من ~~دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان». فأخبر ~~أنهم يعبدون أسماء. وهم إنما عبدوا الأشخاص دون الكلام والقول الذي هو ~~التسمية. فدل ذلك على أن الاسم الذي ذكره هو نفس المسمى. # فإن قالوا: إنما عني ما تعبدون إلا أصحاب الأسماء ومن له أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم. # كان الجواب عنه كالجواب عن تأويلهم لإطلاق سيبويه لذلك. ولا حجة لهم فيه ~~تمنع من استعمال الكلام على ظاهره بل الحجج توجب ذلك وتقتضيه فسقط تأويلهم. # ويدل على ذلك أيضا قول الله سبحانه «ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~عليه» أي مما لم يذكر الله عليه. كذلك قوله: «سبح اسم ربك الأعلى» أي سبح ~~ربك الأعلى ولا حاجة بنا إلى حمل ذلك على أنه أريد به سبح باسم ربك لأنه قد ~~يجوز أن يسبح PageV00P260 # باسم ربه ويجوز أن يسبح ربه الذي هو الله نفسه. وكذلك قوله سبحانه «تبارك ~~اسم ربك ذي الجلال والإكرام» لأن من له الجلال والإكرام والإنعام هو الله ~~تعالى. وكل هذا يؤيد أن كثيرا من الأسماء هي المسماة وأن الاسم ms151 ليس من ~~التسمية في شيء. # مسألة فإن قال قائل: فعلى كم وجه تنقسم أسماء الله تعالى قيل له: على ~~ضربين. فضرب منها هو هو تعالى إذا كان اسما عائدا إلى نفسه ككونه موجودا ~~وشيئا وقديما وذاتا واحدا وغيرا لما غاير وخلافا لما خالف وأمثال ذلك من ~~الأسماء الراجعة إلى ذاته تعالى. لأن ذاته ليست بمعنى سواه أو معنى لا يقال ~~هو هو. وقد دلت الدلالة على أنه شيء موجود قديم وذات وواحد وغير لما غايره ~~وخلاف لما خالفه لنفسه لا لمعنى. # فوجب أن تكون هذه الأسماء هي الله تعالى. # والضرب الآخر اسم هو لله تعالى وهو الصفة الحاصلة له. وهي على ضربين: إما ~~أن تكون صفة ذات أو صفة فعل. # فإن كانت صفة ذات كقولنا عالم الراجع إلى العلم وقادر وحي وما جرى مجرى ~~ذلك فهي أسماء له ولا يقال هي غيره لاستحالة مفارقتها له على بعض وجوه ~~المفارقات الموجبة للغيرية. وما PageV00P261 # كان من أسمائه راجعا إلى إثبات صفة من صفات فعله ككونه عادلا ومحسنا ~~ومتفضلا ومحييا ومميتا فهي غيره. لأنه قد كان موجودا متقدما عليها ومع ~~عدمها. غير أن تسميته سبحانه لنفسه ترجع إلى إثبات صفة لنفسه. وصفات ذاته ~~غير مختلفة لا يقال هي الله ولا يقال هي غيره. لأن تسميته هي قوله وكلامه ~~من صفات نفسه كسائر صفاته الذاتية فوجب أن يقال إنها كلام له فقط وقد زعم ~~قوم من أصحابنا أن جميع أسماء الله سبحانه وأسماء غيره هي المسماة غير أن ~~منها ما يفيد ذات المسمى فقط ومنها ما يفيد صفة له. غير أن الاسم المفيد ~~للصفة هو نفس المسمى لا معنى سواه. # مسألة فإن قال قائل: فإذا كان الاسم هو المسمى نفسه فخبرونا أليس قد يجوز ~~أن يكون للشيء الواحد عدة أسماء يستحقها لنفسه؟ فكيف يكون الاسم هو المسمى ~~والمسمى شيء واحد والأسماء التي له كثيرة؟ # قيل له: الأسماء كثيرة في العدد على معنى كثرة التسميات والعبارات عنها ~~لا على معنى أن الذات أشياء كثيرة. ألا ms152 ترى أن للسواد الواحد صفات كثيرة ~~وهي كونه موجودا ومحدثا وسوادا وإن كانت هذه الصفات التي تختلف العبارات عن ~~معناها لذات واحدة؟ فكذلك قولنا في الله سبحانه إنه موجود وإنه شيء وإنه ~~قديم وإنه غير لما غاير وخلاف لما PageV00P262 # خالف تسميات وعبارات عن أسماء الله تعالى التي هي ذاته فقط. # غير أن ذاته على أحكام وتلك الأحكام هي الأسماء وهي النفس ولكنا نعبر ~~عنها بتسميات وعبارات مختلفة. # فإن قالوا: فإذا سمي زيد من نايحة كونه زيدا بعشرة أسماء فهي هو. # قيل لهم: أما اسم زيد فهو زيد وليس له من حيث هو زيد أكثر من اسم واحد ~~ولكن له تسميات كثيرة متغايرة. # وتأويل قول النبي: صلى الله عليه وسلم (لله تسعة وتسعون اسما من أحصاها ~~دخل الجنة) أي: له تسع وتسعون تسمية هي عبارات عن كون الباري تبارك وتعالى ~~على أوصاف شتى منها ما يستحقه لنفسه ومنها ما يستحقه لصفة تتعالق به. ~~وأسماؤه العائدة إلى نفسه هي هو وما تعلق منها بصفة له فهي أسماء له فمنها ~~صفات ذات ومنها صفات أفعال. # وهذا هو تأويل قوله تعالى: «ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها» أي: تسميات. # وأما ما يتعلقون به من الجهل والتعويل على أنه لو كان الاسم هو المسمى ~~لكان من قال نار احترق فوه ومن قال زيد وجد زيد في فيه لأن اسم النار واسم ~~زيد في فيه فإنه من كلام العامة وتعلق الأغبياء. لأن PageV00P263 # القول نار والقول زيد الموجودين في الفم ليس باسم زيد واسم النار وإنما ~~هو تسمية ودلالة على الاسم فسقط ما قالوه. ولو وجد اسم النار واسم زيد في ~~فم الناطق لوجدت النار وزيد في فيه لأن اسم النار هو النار واسم زيد هو ~~زيد. # وكذلك الجواب عن الكتابة الدالة على النجاسة والنار إذا حصلت على الثوب ~~قالوا: فيجب أن يحترق الثوب وينجس لأن الكتابة التي هي الحروف ليست باسم ~~ولا تسمية في الحقيقة وإنما هي أجسام من جنس المكتوب عليه. فسقط ما قالوه. # فصل آخر ms153 من الكلام في هذا الباب إن قال قائل: فهل تزعمون أن أسماء الله ~~مشتركة بينه وبين خلقه؟ قيل له: هذه مسألة محال لأن أسماءه هي نفسه أو صفة ~~تتعلق بنفسه ونفسه تعالى وصفات نفسه لا يجوز أن تكون مشتركة بينه وبين ~~خلقه. # إلا أن التسمية التي تجرى عليه التي بدل بها على اسمه يجوز أن يجرى بعضها ~~على خلقه وليدل بها على أن للخلق أسماء هي هم أو أوصاف تعلقت بهم نحو القول ~~بأن الله حي عالم قادر سميع بصير متكلم مريد وخالق ورازق وعادل. ومنها ~~تسميات لا يجوز أن تجرى إلا على الله PageV00P264 # سبحانه مثل قولنا الله الرحمن والإله والخالق والمبدع وما جرى مجرى ذلك ~~مما لا يجوز إجراؤه على الخلق. # مسألة فإن قال قائل: فما أعم الأسماء وما أخصها؟. # قيل له: هذه أيضا مسألة باطلة. لأن الأسماء هي الذوات أو المعانيا ~~المتعلقة بها. والذوات لا يجوز أن تكون عامة ولا خاصة وكذلك المعنى القائم ~~بها. وإنما العام في الحقيقة هو القول والتسمية التي تعم أشياء كثيرة تجرى ~~عليها على سبيل واحد. وقولهم عطا عام ونعيم عام مجاز واتساع والمراد به أن ~~في زيد من النعيم والألم مثل الذي في غيره وليس الذي فيه في الحقيقة هو ~~الذي في غيره فيعمهما والقول المجرى على شيئين فصاعدا هو العام دون المعاني ~~والذوات مسألة فإن قال قائل: فما أعم التسميات. # قيل له قولنا معلوم ومذكور ومخبر عنه لأن هذه التسميات جارية على الموجود ~~والمعدوم والقديم والمحدث. وأعم التسميات بعد هذه قولنا شيء لأنه يقع على ~~كل موجود. وقال قائلون من أصحابنا وغيرهم: أعم الأسماء قولك شيء وموجود ~~وذات ونفس وعين ويريدون بالأسماء العامة التسمية المشتملة على سائر الذوات. ~~وقولنا قديم PageV00P265 # أخص من قولنا شيء لأنه ليس كل شيء قديما. وكذلك قولنا محدث أخص من قولنا ~~شيء لأن الشيء قد يكون قديما غير محدث. غير أن قولنا قديم أخص من قولنا ~~محدث بالإضافة إلى القول محدث لأن القول محدث يشتمل على أكثر ms154 من عدد ما ~~يشتمل عليه قولنا قديم. # ثم إن القول عرض أخص من قولنا محدث لأن المحدث قد يكون عرضا وما ليس ~~بعرض. والقول في العرض إنه لون أخص من القول إنه عرض لأن العرض قد يكون ~~لونا وما ليس بلون وهو الحركة والتأليف. ثم إن القول في اللون إنه سواد أخص ~~من القول إنه لون لأن اللون قد يكون سوادا وما ليس بسواد كالحمرة وغيرها. ~~والقول سواد زيد وسواد السبج والقار والغراب أخص من القول سواد مطلق لأن ~~إطلاق السواد لا يفيد الإضافة إلى محل وقولنا سواد القار يفيد ذلك وإن كانت ~~صفة السواد لا تختلف من حيث هو سواد في حكم الإضافة والإطلاق فهذا أخص ~~الخاص وأعم العام وما بدأنا بذكره وما بينهما خاص من وجه وعام من وجه. # فصل آخر في الأسماء ومن الأسماء ما يفيد نفس المسمى كما ذكرنا وهي ~~الأسماء العائدة إلى نفس المسمى كشيء وموجود. # ومنها ما يفيد تمييز نفس المسمى من شيء آخر كغير وخلاف وهذا أيضا هو نفس ~~المسمى. ومنها ما يفيد صفة للمسمى. وقد تكون تلك PageV00P266 # الصفة بنية وصورة له كفرس ورجل وإنسان وما جرى مجرى ذلك من الأسامي ~~المفيدة للبنية والتأليف وقد تكون هيئة له كالبياض والسواد وغيرهما من ~~الألوان وقد تكون صفات توجد بذاته ليس بهيئة ولا صورة كالحياة والعلم ~~والإرادة والنظر وغير ذلك وقد يكون من الصفات ما هي فعل له ككاتب وضارب وقد ~~يكون منها ما ليس بفعل له كحي وقادر ومتلون وما جرى مجرى ذلك من الأسماء. ~~وليس في الأسماء ما يخرج عما قلناه. # فإن قال قائل: فهل في الأسماء والصفات النفسية والمعنوية ما يوجب ~~الاشتراك فيما جانسها من المسميات؟ قيل له: ليس في الأسماء شيء يوجب ~~الاشتراك فيه تجانسا وتماثلا وإنما يجب تجانس الشيئين لأنفسهما. فوجب إذا ~~كشفت الدلالة من حالهما أن كل واحد منهما يسد مسد الآخر وينوب منابه في ~~جميع أحكامه وأوصافه أن يكونا مثلين. وليس يجب ذلك لهما لأجل اشتراكهما في ~~شيء ms155 من الأسماء والصفات. فكذلك ما لم تجب مشابهة المحدث للقديم سبحانه إذا ~~شاركه في كونه شيئا موجودا وفي كونه حيا عالما قادرا سميعا بصيرا حكيما ~~وغير ذلك من الأسماء. ولم يجب اختلاف المحدثين إذا افترقا في هذه الأسماء ~~والصفات. وليس الذي أوجب تجانس السوادين والجوهرين اشتراكهما في هذين ~~الاسمين والوصفين PageV00P267 # المستحقين للنفس ولكن لأجل قيام الدليل على أن كل واحد منهما ساد مسد ~~الآخر وناب منابه. وكذلك اشتراك الشيئين في الاسمين المشتقين من معنيين لا ~~يوجب تشابه ما اشتقا منه. فلذلك لم يجب اشتباه صفات القديم سبحانه وصفاتنا ~~وإن كانت توجب الاشتقاق على وجه واحد وبالله التوفيق. # في نفي خلق القرآن قال أبو بكر: والذي يدل على نفي خلق القرآن من القرآن ~~قوله تعالى: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون. # فلو كان القرآن مخلوقا لكان مخلوقا بقول آخر. وذلك يوجب أن لا يوجد من ~~الله تعالى فعل أصلا إذا كان لا بد أن يوجد قبله أفعال هي أقاويل لا غاية ~~لها. وذلك محال باتفاق منا ومنهم. # دليل آخر: وهو أنه لو كان القرآن مخلوقا لكان لا يخلو أن يكون جسما قائما ~~بنفسه أو عرضا مفعولا في غيره. # ويستحيل أن يكون جسما كما أنه لا يجوز أن يكون بنفسه قائما وأن يكون ~~كلاما لا لمتكلم لأن الجسم ليس له تعلق بغيره كتعلق الصفات ولأن الأجسام ~~كلها من جنس واحد فلو كان بعضها كلاما لخالق أو مخلوق لوجب أن تكون جميعا ~~كلاما. وفي فساد ذلك دليل على أن الكلام لا يجوز أن يكون جسما. PageV00P268 # ويستحيل أيضا أن يكون عرضا. لأنه لو كان عرضا مفعولا لم يخل أن يكون ~~الباري سبحانه فاعلا له في نفسه أو في غيره أو لا في مكان. # ويستحيل من قولنا جميعا أن يفعله في نفسه تعالى لأنه ليس بمحل للحوادث. # ويستحيل أن يفعله لا في شيء كما يستحيل فعل حركة ولون وحياة لا في شيء. ~~ولأنه لو فعله لا في شيء لصح أن يحمل ms156 الصفات. لأن الشيء إنما جاز قيام ~~الصفات به لاستغنائه في الوجود عن شيء يوجد به ولذلك لم يجز أن تحمل الصفات ~~الصفات. وإذا استحال كون الكلام حاملا للصفات استحال قيامه بنفسه. ويستحيل ~~أيضا أن يخلقه في غيره. لأن ذلك يوجب أن يكون صفة وكلاما لمن خلق فيه كما ~~أن العلم والإرادة المخلوقين في الأجسام صفتان لمن وجدا به دون الخالق بهما ~~ولما لم يجز أن يكون كلام الباري صفة لغيره وكلاما لغيره لم يجز أن يكون ~~مخلوقا في غيره. وإذا استحال أن يخلقه تعالى في نفسه أو في غيره أو قائما ~~بنفسه استحال أن يكون خالقا له. إذ لو خلقه لم يخل من ذلك. # دليل آخر: وهو أنه لو كان كلام الله سبحانه مخلوقا وليس من جنس الأجسام ~~عندنا وعندهم لوجب أن يكون عرضا ولو كان عرضا لوجب أن يكون فانيا في الثاني ~~من حال حدوثه وأن لا يكون الباري سبحانه في وقتنا هذا آمرا بشيء ولا ناهيا ~~عنه ولا واعدا ولا PageV00P269 # متوعدا ولا مرعبا ولا مخبرا. وفي إجماع الأمة على أن الله تبارك وتعالى ~~آمر لخلقه في هذا الوقت بطاعته وناه لهم عن معصيته وأنه متكلم بالأمر ~~والنهي لخلقه دليل على أنه لا يجوز أن يكون متكلما بكلام عرض مخلوق لأن ~~الدلالة قد دلت على استحالة بقاء الأعراض. # دليل آخر: وهو أن كلام الله تعالى لو كان مخلوقا لكان من جنس كلام ~~المخلوقين وغير خارج عن حروف المعجم. ولوجب أن تكون الألف منه مثل الألف من ~~كلامنا. وكذلك الدال والواو وغيرها من الحروف. # ولوجب أن يكون الخلق قادرين على مثله وما هو من جنسه من حيث صحت قدرتهم ~~على ضروب الكلام الذي لا تخرج جملته من حروف المعجم. # وقد أكذب الله تعالى من قال ذلك حيث يقول: «قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله». وأبطل قول من قال «إن هذا ~~إلا قول البشر» وسحر يؤثر وإنه أساطير الأولين. # والمعتزلة تزيد على ذلك ms157 أجمع لأنهم يقولون إنهم يقدرون على ما هو أفصح ~~وأحسن وأوجز من كلام الله وإن القدرة على الخطابة والنثر والنظم وضروب كلام ~~البشر هي القدرة على مثل كلام الله تعالى. # فيقال لهم: فما يؤمننا أن يأتي بمثله وبما هو أفصح منه بعض البشر إذا قصد ~~ذلك وتوفرت دواعيه على التعمق في طلب العلم بنظمه؟ PageV00P270 # فإن قالوا: يؤمننا من ذلك جهل الخلق بكيفية نظم مثله. # قيل لهم: فلعلهم أو أكثرهم سيكتسبون العلم بذلك ثم يفعلونه. أو لعله ~~سيتفق لهم فعله لأن فيهم القدرة عليه ولأنهم غير مضطرين إلى الجهل بنظمه لا ~~من فعل الله تعالى ولا من فعل غيره. لأن الجهل قبيح والله تعالى عندكم لا ~~يفعل القبيح. وإذا كان الجهل به من فعلهم وفيهم القدرة على اكتساب العلم به ~~صح منهم ترك الجهل وفعل العلم. فلا يجدون لذلك مدفعا وفيه ترك الإسلام ~~والطعن على الرسالة. # دليل آخر قوله عز وجل: «ألا له الخلق والأمر تبارك الله». ففصل بين الخلق ~~والأمر. فلو كان القرآن مخلوقا لكان خلقا لأن الخلق هو المخلوق فيصير ~~الكلام في تقدير القول ألا له الخلق والخلق وذلك عي من الكلام مستهجن مستغث ~~والله يتعالى عن التكلم والإخبار بما لا فائدة فيه. فدل ذلك على أن الأمر ~~ليس بخلق. # فصل فإن قالوا: فما وجه الاستدلال على نفي خلق القرآن بما قدمتموه من ~~قوله: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون؟. # قيل لهم: وجه التعلق به هو أنه أخبر تعالى أنه يقول لما يخلقه كن. فلو ~~كان كلامه مخلوقا لكان قائلا له كن وذلك محال باتفاق الأمة. فبطل أن يكون ~~قوله كن مخلوقا. # فإن قالوا: من أين استحال أن يكون قائلا لقوله؟. PageV00P271 # قيل لهم: لأنه لو كان قائلا له لم يخل من أن يقول له بنفسه تعالى أو لا ~~بنفسه ولا بقول آخر أو بقول آخر أو بنفسه أعني بنفس القول. فيستحيل أن يقول ~~له بنفسه تعالى لأن ذلك يوجب أن تكون نفسه قولا وأن يكون ms158 قائلا لكل شيء ~~بنفسه وأن تكون نفسه لم تزل متكلمة كما أنه لو كان عالما بنفسه لوجب أن ~~تكون نفسه لم تزل عالمة وهذا ما أبوه وكرهوه. # ويستحيل أن يكون قائلا لقوله لا بنفسه ولا بقول آخر كما يستحيل أن يكون ~~قائلا لكل شيء كلمه وقال له لا بنفسه ولا بقول. # ويستحيل أن يكون قائلا له بقول آخر لأن ذلك يوجب تعلق كل قول بقول إلى ~~غير غاية وذلك مما اتفقنا على فساده وإحالته. # ويستحيل أن يكون قائلا لقوله بنفس قوله لأن ذلك يوجب أن يكون قوله مخلوقا ~~وأن يكون كل قول هو كن من جنسه مقولا له بنفسه. # وذلك محال لأنه قد يقول كن من لا يعتقد أن له كلاما أصلا إذا كان ممن ~~ينفي الأعراض فكيف يقول لقوله بنفس قوله من لا يعتقد أن له قولا؟ وإذا فسد ~~ذلك استحال أن يخلق الله سبحانه كلامه وأن يقول لقوله. PageV00P272 # مسألة فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون قوله: أن نقول له كن مجازا واتساعا؟ ~~وهو بمنزلة قوله: «أتينا طائعين». وقوله: «جدارا يريد أن ينقض» وبمثابة قول ~~الشاعر: # وقالت له العينان سمعا وطاعة * وأحدرتا كالدر لما ينضد وقول الآخر: # وتخبرني العينان ما القلب كاتم * وقول الآخر: # يشكو إلي جملي طول السرى * صبرا جميلا فكلانا مبتلى وقول الآخر: # فازور من وقع القنا بلبانه * وشكا إلي بعبرة وتحمحم وقولهم: # إمتلأ الخوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني في أمثال هذا مما ورد ~~مجازا واتساعا. # قيل لهم: أنكرنا ذلك لأمور. أحدهما أن هذه الأمور التي وصفت بالكلام ~~والقول والإخبار منها جماد يستحيل أن يتكلم عندكم ومنها حيوان PageV00P273 # يعلم بدليل قاطع أنه غير ناطق فوجب صرف وصفها بالقول والإخبار والشكوى ~~إلى المجاز. والباري سبحانه حي لا يستحيل عندنا وعندكم أن يكون قائلا ~~متكلما فوجب أن يكون وصفه لنفسه بالقول محمولا على الحقيقة دون المجاز. ~~ولأنه لو جاز أن يكون وصفه لنفسه بالقول مجازا ومقيسا على هذه الأمور لوجب ~~أن يكون وصفه لنفسه بالإرادة والعلم ms159 والقدرة مجازا واتساعا وعلى معنى أنه ~~فاعل فقط وأن الأشياء لا تتعذر عليه قياسا على هذه المجازات التي ذكرتموها. ~~فإن لم يجب هذا لأن المجاز لا يقاس عليه لم يجب ما قلتم. وعلى أن قوله ~~«قالتا أتينا طائعين» حقيقة عندنا فلا تعلق فيه. وإنما يستحيل تكلم الجماد ~~بالكلام الذي يوجد بالنفس مقارنا للقصد والتمييز. # ومما يدل على أنه لا يجوز أن يكون قوله «أن نقول له كن فيكون» مجازا ~~واتساعا وعلى معنى أنه يكونه من غير أن يقول له اتفاق أهل العربية على أن ~~العرب إذا ذكرت المصدر وأكدت به الفعل وجب أن يكون حقيقة كقولهم كلمته ~~تكليما وضربته ضربا وأنه لذلك لم يجز أن يؤكدوا شيئا من المجاز الذي سألتم ~~عنه فيقولوا. قال الحائط قولا وتخبرني العينان إخبارا. لأن ذلك يوجب أن ~~تكون هذه الأوصاف حقائق فيما أجريت عليه. ولذلك صار قوله: وكلم الله موسى ~~PageV00P274 # تكليما) حقيقة ودلالة على أنه متول لكلامه بنفسه لما أكد وصفه بكلامه له ~~بالمصدر الذي هو قوله تكليما. وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون قوله: «أن ~~نقول له كن فيكون» حقيقة لأن قولنا مصدر أول وأن نقول له مصدر ثان قد وكد ~~به المصدر الأول. فلم يجز أن يكون مجازا وثبت أنه حقيقة. # مسألة فإن قالوا: فما أنكرتم أن يكون قوله: أن نقول له كن فيكون يراد به ~~كل ما يخلقه إلا قوله: كن من جملة مخلوقاته لأن العموم لا صيغة له عندكم؟. # قيل لهم: من أصحابنا من أجراه على العموم فسقط السؤال. # وعلى أنا أنكرنا ذلك لإجماع الأمة على بطلان هذا التأويل. وذلك أن الأمة ~~بين قائلين: إما قائل يقول إن الله سبحانه قائل لكل مخلوقاته على العموم كن ~~وبين قائل يقول بأنه لا يقول لشيء مما يخلقه أصلا كن وإن قوله أن نقول له ~~مجاز. فما سألتم عنه مدفوع بالإجماع. # مسألة فإن قالوا: فما أنكرتم أن يكون قوله: أن نقول له كن فيكون دلالة ~~على حدث الكلام؟ لأنه يوجب أن يكون ms160 المكون كائنا عقيب القول له PageV00P275 # كن بحق قوله فيكون. لأن الفاء موضوع في اللغة للتعقيب وقد اتفقنا على أن ~~ما لم يسبق المحدث إلا بقدر زمان واحد أو أزمان متناهية فمحدث مخلوق. # قيل لهم: لا يجب ما قلتم. لأن الفاء وإن كان إذا جاء للنسق أوجب الترتيب ~~والتعقيب فإنه لا يوجب ذلك في جواب الأمر وجواب جملة تقدمت ولا في الجزاء ~~أيضا. لأن القائل إذا قال لا تسؤني فأسؤك ليس يريد به التعقيب وإنما يقصد ~~الإخبار عن إيقاع المجازاة فقط. # وكذلك لم يوجب قوله تعالى: «ومن عاد فينتقم الله منه» التعقيب. وكذلك ~~قوله: «فيسحتكم بعذاب» لا يوجب التعقيب. # فأما الفاء الداخل في جواب الأمر وجواب جملة الكلام فلا خلاف بينهم في ~~أنه لا يوجب التعقيب لأن القائل إذا قال لعبده إذا دخلت مكة فاشتر لي عبدا ~~وبعيرا وثوبا فليس يريد تعقيب شراء العبد بدخوله. وكذلك قوله: «إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم» لم يرد به تعقيب القيام بغسل الوجه دون ~~غيره من الأعضاء. وكذلك قوله: أن نقول له كن فيكون جواب قوله كن وهو الأمر ~~فلم يقتض التعقيب لأن ليس هذا فاء التعقيب. ويدل على PageV00P276 # ذلك أيضا. أن العرب تقول: إنما جاءك زيد مع عبده أن يأمره بالفعل فيفعله. ~~وهو لا يريد بذلك تعقيب إيقاع الفعل عقيب الأمر. لأنه قد يأمره بأن يفعل ~~الفعل بعد حول وشهر ولا يقتضي الأمر تعقيب الأمر به معجلا لأن ذلك عصيان. ~~وإنما المراد بقولهم فيفعل الإخبار عن طاعته. وإذا كان ذلك كذلك بطل ما ~~توهموه من كون الفاء موجبا للتعقيب في كل مكان مسألة فإن قالوا: فما أنكرتم ~~أن يكون قوله أن نقول له كن فيكون دلالة على حدث الكلام واستئنافه لأن أهل ~~العربية قالوا أن الخفيفة إذا دخلت مع الفعل كانت معه بمنزلة المصدر. فإن ~~كان الفعل ماضيا كان معنى المصدر ماضيا كقولك سرني أن قمت معناه سرني ~~قيامك. وإن دخلت على فعل مضارع كان المصدر للاستقبال كقولك يعجبني أن تقوم ~~فيكون ms161 معناه يعجبني قيامك في المستقبل. ويحسن فيه ذكر غدا ويحسن في المصدر ~~لما مضى ذكر أمس ولا يجوز أن يكون الفعل الواقع بعد أن الخفيفة للحال فوجب ~~أن يكون قوله تعالى «أن نقول له كن فيكون» دلالة على استقبال القول وحدوثه. ~~PageV00P277 # يقال لهم لعمري إن أهل العربية قد قالوا إن أن الخفيفة مع الفعل بمنزلة ~~المصدر. ولذلك صار قوله وأن تصوموا خير لكم بمعنى والصيام خير لكم. فأما ~~ادعاؤكم أن الفعل الواقع بعد أن الخفيفة لا يصلح أن يكون فعل الحال فباطل ~~غير مسلم. ومن قال هذا من النحاة سألناه عنه وعن الحجة عليه لأنه ليس بمحكي ~~عن العرب حكاية اللغة وإنما هو رأي قوم من النحويين. فيقال لمن قال ذلك ~~منهم لم قلت هذا وما دليلك عليه؟. فإن قال لأن الحال إنما يكون بالاسم نحو ~~قوله جاءني زيد ضاحكا وماشيا وراكبا وضربت عمرا مشدودا. فالحال إنما يكون ~~بأسماء الفاعلين والمفعولين. فإذا وقع الفعل موقع الاسم لم يجز أن يدخل ~~عليه شيء من عوامل الأفعال لأن عامل الفعل لا يدخل على الاسم وأن الخفيفة ~~من عوامل الأفعال. # فيقال له: ما أنكرت من أن لا يجب ما قلته لأجل أن الفعل المضارع قد وقع ~~موقع الاسم في مواضع؟ # منها أنه وقع موقعة في خبر الابتداء كقولك زيد يقوم فهو بمنزلة قولك زيد ~~قائم. # ومنها أنه قد وقع موقعة في الصفة كقولك مررت برجل يقوم فهو بمنزلة قولك ~~مررت برجل قائم. PageV00P278 # ومنها أن لام الابتداء يدخل عليه كما يدخل على الاسم كقولك إن زيدا ليقوم ~~فهو بمنزلة قولك إن زيدا لقائم. ومنه قوله تعالى «إن ربك ليحكم بينهم» أي ~~إنه لحاكم بينهم. فقد وقع الفعل المضارع موقع الاسم في هذه المواضع ولم ~~يمنع ذلك من أن يدخل عليه عوامل الأفعال. ألا ترى أنك تقول زيد لن يقوم ~~فنصبته بلن ولم يمنع وقوعه موقع الاسم من أن يدخل عليه عامل الفعل فينصبه ~~على الأصل الذي يجب في حكم إعراب الأفعال. وهذا مبطل لاعتمادهم ms162 إبطالا ~~ظاهرا. # ومما يدل على بطلان ذلك وفساده أن الخليل بن أحمد وغيره من جلة أهل ~~العربية قالوا إن الفعل الذي في أوله الزوائد الأربعة مضارع للاسم من ~~الوجوه التي ذكرناها. # وقالوا إنه مضارع وإن وقع بعد أن الخفيفة. وقال الخليل إن الفعل المضارع ~~يصلح أني كون للحال ويصلح أن يكون للاستقبال فبهذا الوجه أيضا ضارع قولك ~~رجل الذي يصلح أن تريد به زيدا ويصلح أن تريد به عمرا ولم يقل إن دخول أن ~~الخفيفة عليه يخرجه عن هذه المضارعة وإنما قال إن السين وسوف يخرجانه عن ~~الحال إلى الاستقبال. فمن ادعى أن أن الخفيفة في هذا الباب بمنزلة السين ~~وسوف وأنها مبطلة للمضارعة كان عليه الدلالة على PageV00P279 # ذلك. لأن ذلك غير محكي عن العرب حكاية اللغة وقد أفسدنا ما احتج به ~~القائلون بذلك من النحاة فبطل قولهم. # مسألة فإن قالوا فما معنى قوله «ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث»؟ # قيل لهم: معناه ما يأتيهم من وعظ من النبي صلى الله عليه وسلم ووعد ~~وتخويف «إلا استمعوه وهم يلعبون». لأن وعظ النبي صلى الله عليه وسلم ووعيده ~~وتحذيره ذكر. قال الله تبارك وتعالى: «فذكر إنما أنت مذكر». ويقال فلان في ~~مجلس الذكر. وهذا أولى لأن قريشا لم تضحك وتلعب بالقرآن ولكن أفحمت عند ~~سماعه وتشتت فيه أهواؤهم وآراؤهم. ويحتمل أن يكون أراد ما يأتيهم من نبي ~~بعد نبي إلا استمعوا قوله ولعبوا وأعرضوا عنه. وقد سمى الله تعالى الرسول ~~ذكرا فقال «ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله». وأيضا فإن الله تعالى لم يقل ~~ما يأتيهم من ذكر من ربهم إلا كان محدثا. وفي الآية دلالة على أن في الذكر ~~ما ليس بمحدث لأجل نعته للذكر بالحدوث. ولو كان لا ذكر إلا محدث لم يكن ~~لقوله من ذكر من ربهم محدث معنى. كما أنه لا معنى لقول القائل ما يأتيني من ~~رجل ذكر إلا أكرمته ولا هاشمي شريف إلا قدمته إذا كان الرجل لا يكون ~~PageV00P280 # إلا ذكرا والهاشمي لا يكن ms163 إلا شريفا. فوجب أن يكون نعت الذكر بالحدوث ~~دلالة على أنه منه ما ليس بمحدث. فيجب أن يكون هو القرآن للإجماع على أن كل ~~ما عداه من الذكر محدث. واختلافنا في كلام الله سبحانه والآية بأن تدل على ~~قولنا أقرب. # مسألة فإن قالوا فما معنى قوله تعالى «وكان أمر الله مفعولا» و «قدرا ~~مقدورا»؟. # قيل لهم أراد تعالى عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره للمؤمنين ومن حكم ~~به وقدره من الأفعال ومن ذلك قوله تعالى (جاء أمرنا) وقوله وما أمر فرعون ~~برشيد يعني شأنه وأفعاله وطرائقه قال الشاعر: # لها أمرها حتى إذا ما تبوأت * بأخفافها مرعى تبوأ مضجعا وقال آخر: # فقلت لها أمري إلى الله كله * وإني إليه في الإياب لراجع يعني شؤوني ~~وأفعالي ولم يرد بذلك الأمر الذي هو القول وجمع هذا أمور وجمع الأمر من ~~القول ر ولولا العجز لم يلجأوا إلى مثل هذا التمويه. PageV00P281 # مسألة فإن قالوا فما معنى قوله «إنا جعلناه قرآنا عربيا»؟ # قيل لهم معنى ذلك إنا جعلنا العبارة عنه بلسان العرب وأفهمنا أحكامه ~~والمراد به باللسان العربي وسميناه عربيا لأن الجعل قد يكون بمعنى التسمية ~~والحكم. قال الله عز وجل «الذين جعلوا القرآن عضين» يعني سموه كذبا وحكموا ~~عليه بذلك ولم يرد أنهم خلقوه. # وقال «وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا» يعني سموهم بذلك ~~وحكموا لهم به ولم يرد أنهم خلقوهم إناثا. والجعل إذا عدي إلى مفعول واحد ~~كان بمعنى الفعل لا محالة وإذا عدي إلى مفعولين صار بمعنى الحكم والتسمية ~~في أكثر الاستعمال مثل قوله تعالى «وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما» ~~وهذا بمعنى الخلق ومثل قوله «وجعلنا الليل والنهار آيتين». وأما الذي يعدى ~~إلى مفعول واحد فمثل قوله «الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور» ولذلك لم يجز أن يقول قائل جعلت النجم والرجل ويقطع حتى ~~يصله بقوله جعلت النجم هاديا ودليلا وجعلت الرجل صديقا ومتألفا. وقوله «إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا» متعد إلى مفعولين فصار بمعنى الحكم والتسمية. ~~PageV00P282 # مسألة فإن ms164 قالوا فيجب على كل حال أن تقولوا إن كلام الله أصوات وحروف ~~متبعض متغاير لأنكم لم تعقلوا كلاما إلا كذلك. ويجب أن تقولوا إن الأمر منه ~~غير النهي والخبر غير الاستخبار. # يقال لهم: لو وجب ما قلتموه لأجل الشاهد لوجب إذا كان القديم سبحانه ~~موجودا أن يكون جسما أو جوهرا أو عرضا وإذا كان بنفسه قائما أن يكون جوهرا ~~ذا حيز في الوجود وإذا كان متكلما أن يكون الكلام موجودا به أو أسباب ~~الكلام وإذا كان حيا عالما قادرا أن يكون ذا حياة وعلم وقدرة. لأنكم لم ~~تعلقوا شيئا إلا كذلك ولا متكلما حيا عالما قادرا إلا كما ذكرناه. ولوجب ~~أيضا عليكم أن لا يكون الباري سبحانه حيا عالما قادرا سميعا بصيرا بنفسه ~~لأنكم لم تجدوا نفسا واحدة تستحق هذه الأوصاف لنفسها فكل هذا الذي تقولونه ~~خلاف الشاهد والوجود. # ثم يقال لهم قد وهمتم علينا في قولكم إنا لم نعقل كلاما إلا حروفا ~~وأصواتا لأننا لم نعقل قط ذلك لأن الكلام فيما بيننا إنما هو معنى قائم ~~بالنفس يعبر عنه بهذه الأصوات المسموعة تارة وبغيرها أخرى. ولذلك ما يختلف ~~الناس في الفصاحة والبلاغة في العبارة عن الكلام الذي هو في النفس مع ~~اتفاقه واختلاف العبارة عنه بالإطالة مرة والاختصار أخرى. PageV00P283 # قال الله تعالى «ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول». وقال ~~تعالى «سواء منكم من أسر القول ومن جهر به». ويقول العرب في نفسي كلام أريد ~~أن أبديه لك. وقال الأخطل: # لا يعجبنك من أثير حظه * حتى يكون مع الكلام أصيلا إن الكلام من الفؤاد ~~وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا فأخبر أن الكلام في النفس يكون وإن ~~عبر عنه باللسان. وقد قال الله تعالى «إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك ~~لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون» أراد ~~به فبما في نفوسهم لا قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم. فقد بطل توهمكم وزال ~~تعلقكم. وهذا كاف في هذا الباب يتلوه الخبر الثاني من باب ms165 الكلام على ~~المعتزلة. # باب في بيان آراء المعتزلة وهذا الكلام الذي قدمناه على المعتزلة لأنهم ~~جميعا يزعمون أنه لا حياة لله ولا علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر. ~~PageV00P284 # .................................................... ~~................................. PageV00P285 # وزعم البغداديون منهم أنه لا إرادة له تعالى. وجحد معمر شيخ من شيوخهم أن ~~يكون لله سبحانه كلام وزعم أن الكلام الذي سمعه موسى عليه السلام كلام ~~للشجرة التي وجد بها لم يأمر قط ولم ينه عن شيء ولا رغب في شيء ولا زجر عنه ~~ولا كلم أحدا ولا أخبر بخبر بتة. # وزعموا جميعا أنه لا وجه لله تعالى مع قوله عز وجل «ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام» وأنه لا يد له مع قوله PageV00P286 # عز وجل «بل يداه مبسوطتان» وقوله تعالى «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي». ~~وزعم أبو الهذيل شيخ المعتزلة والمقدم فيها أن الله سبحانه ليس بمخالف ~~لخلقه لأن المخالف زعم ما حله الخلاف وذلك لا يجوز إلا على الأجسام. وزعم ~~البغداديون منهم أن لله تعالى ليس بسميع ولا بصير وإنما يوصف بأنه يسمع ~~الأصوات ويبصر الأشخاص على معنى أنه يعلم ذلك لا مزية له في هذين الوصفين ~~على الضرير والأصم الذي لا يسمع ولا يبصر وقالت المعتزلة بأسرها إن كلمة ~~الله تعالى مخلوقة يخلقها في الشجرة وغيرها من الأجسام اتباعا منهم للنصارى ~~في قولهم إن كلمة الله مخلوقة من وجه وحالة في جسد مخلوق. # وقالوا بأسرهم إن كلام الله تعالى من جنس كلام البشر ومثل له PageV00P287 # وإنهم يقدرون على الإتيان بمثله وما هو أحكم منه وإن منعوا من ذلك وقتا ~~ما لفقد العلم به أو لشر غيره. وزعم شيخ من رؤوسائهم وهو الجبائي أن الله ~~تعالى أحبل مريم بنت عمران بخلقه الحبل فيها وكذلك هو محبل لسائر نساء ~~العالمين استخفافا منه بالدين وتجاوزا لما قالته النصارى في رب مريم وعيسى ~~وسائر العالمين. # وزعموا بأسرهم أن الله سبحانه لا يقدر على قليل من أفعالهم ولا على كثير ~~منها وأنه قد يقدرهم على ما لا يقدر عليه وأنهم ms166 أقدر من ربهم. # وقالوا جميعا إلا رجلا منهم يعرف ببشر بن المعتمر أن الله PageV00P288 # تعالى ليس في سلطانه ولا في خزائنه شيء يقدر أن يفعله بمن يعلم أنه يموت ~~كافرا فيؤمن عنده وأن العبد نفسه يقدر أن يؤمن وأن الله سبحانه لا يقدر أن ~~يفعل به ما يؤمن عنده وأنه سبحانه يقدر أن يفعل بجميع الخلق ما يكفرون عند ~~وجوده ويفسدون ويعطبون ولا يقدر على فعل ما يؤمنون عنده وإنه يقدر على ~~استفسادهم ولا يقدر على استصلاحهم. # وزعم النظام وهو شيخهم المعظم وكبيرهم المقدم أن الله PageV00P289 # سبحانه لا يوصف بالقدرة على طرح بعض الأطفال في النار ولا على قطع الثواب ~~وإبطال العقاب وأن بعض الإنس والشياطين يقدر من طرح طفل أو مجنون في جهنم ~~على ما لا يقدر الله عليه لأن ذلك عنده ظلم ولو قدر عليه سبحانه على أصله ~~لم يأمن وقوعه منه. # وزعم أبو الهذيل العلاف أيضا أن لنعيم أهل الجنة وعقاب أهل النار وسائر ~~أفعال القديم سبحانه آخرا لا يوصف الله بالقدرة إذا فعله ووقع منه على قليل ~~الأفعال ولا على كثيرها ولا يصح حينئذ الرغبة إليه ولا الرهبة منه لأنه لا ~~يقدر إذا ذاك على خير ولا شر ولا نفع ولا ضر. # قال ويبقى أهل الجنة خمودا سكوتا لا يفيضون بكلمة ولا يتحركون ~~PageV00P290 # بحركة ولا يلتذون بلذة ولا يقدرون ولا ربهم على شيء من ذلك. # لأن الحوادث زعم كما لا بد لها من أول تنتهي إليه لم يكن قبل شيء فكذلك ~~لا بد لها من آخر تنتهي إليه لا يكون بعده شيء. # وزعم النظام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يره أحد قط ولا شاهده وإنما ~~شوهد ظرفه الذي هو الشخص الظاهر. لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو ~~الروح وراء الجسم الظاهر وزعم الجبائي أن حالفا لو حلف بالله ليعطين زيدا ~~حقه غدا إن شاء الله ثم جاء الغد ولم يعطه مع التمكن منه كان خانثا. لأن ~~الله تعالى قد شاء أن يدفع ms167 إليه الحق وكره مطله وأن الكفارة تلزمه خلافا ~~للأمة وتقحما لمشاقتها. # وزعموا بأسرهم أنهم يخلقون كخلق الله عز وجل ويصنعون كصنعه من الحركات ~~والسكون والإرادات والعلوم موافقة منهم لمن جعل مع الله شريكا يخلق كخلقه. ~~قال الله تعالى أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم. وقال ~~تعالى «والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون». # وقال «هل من خالق غير الله» فنص على تكذيبهم في ادعائهم خالقا غيره. ~~PageV00P291 # وزعم البغداديون منهم والنظام من البصريين أيضا أن القديم سبحانه قد ~~استصلح عباده بغاية ما يقدر عليه من الصلاح وأنه ليس في خزائنه ولا في ~~سلطانه ولا يتوهم منه صلاح يقدر عليه أكثر مما قد استصلحهم به في دينهم ~~ودنياهم. # وزعم البصريون منهم خاصة أنه تعالى قد استصلح عباده بغاية ما في قدرته من ~~الصلاح في باب دينهم خاصة وأنه لا يقدر على صلاح لهم في باب الدين أصلح مما ~~فعله بهم. فأوجبوا جميعا تناهي مقدوراته وأنه يقدر على صلاح لا يقدر على ~~مثله ولا على الزيادة عليه. # وزعم البصريون والبغداديون أنه يكون في سلطانه ما يكرهه ولا يريده وأنه ~~يكون شاءه أم أباه وأنه يريد أبدا ما لا يكون ويكون ما لا يريد ردا لما ~~اتفق عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. # وقالوا جميعا إلا من شذ منهم إن الله تعالى لا يرى في المعاد ردا للقرآن ~~وجحدا للسنن والآثار قال الله تعالى «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة». ~~وقال «فإن استقر مكانه فسوف تراني». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ترون ~~ربكم كما ترون القمر ليلة البدر. وكيف بكم إذا رأيتم الله في أخبار يطول ~~ذكرها. PageV00P292 # وقالوا كلهم بتخليد كل من اقترف كبيرة ومات مصرا عليها وإن كان مسلما ~~موحدا مصدقا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولجميع ما جاء به من ~~عنده عالما بأن ما ركبه حرام محظور فإن الله يبطل بذلك ثواب توحيده وتصديقه ~~وصلواته وسائر ms168 طاعاته ولا يثيبه على شيء أمره بفعله ففعله بل يأخذه بالذنب ~~الواحد الذي هو شرب جرعة من خمر أو منع خمسة دراهم من الزكاة الواجبة في ~~ماله أو غصب عشرة دراهم على حسب اختلافهم في الوعيد ردا لقوله إن الحسنات ~~يذهبن السيئات وقوله تعالى «من جاء بالحسنة فله خير منها» وقوله تعالى «من ~~جاء بالحسنة فله عشر أمثالها» وقوله تعالى «أني لا أضيع عمل عامل منكم من ~~ذكر أو أنثى» في نظائر لهذه الآيات. واتفقوا بأسرهم على أنه لا شفاعة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم في أحد يستحق أقل العقاب في الآخرة وأنه إن سأل الله ~~تعالى لم يقبل شفاعته ولم يجب مسألته. # ولو تتبعت ذكر ضلالتهم وقبح مذاهبهم وشنيع ما أدخلوا في الدين وخالفوا به ~~توقيف السنن وقول كافة المسلمين وسائر السلف الصالحين لطال بذلك الكتاب ~~ولخرجنا بذكره عما له قصدنا ولم نأت مع الإسهاب فيه إلا على القليل منه. ~~وإنما ذكرت طرفا من ذلك لسيدنا الأمير PageV00P293 # أطال الله بقاءه ليعرف مفارقتهم للدين وعدولهم عن السبيل وأنهم أضر فرقة ~~على هذه الأمة وأشدها جراءة على الله عز وجل فإلى الله المشتكى وإليه نرغب ~~في كشف البلوى ثم رجع بنا القول إلى إثبات صفات الله تعالى لذاته. ~~PageV00P294 # أبواب شتى في الصفات باب في أن الله وجها ويدين فإن قال قائل: فما الحجة ~~في أن لله عز وجل وجها ويدين؟. PageV00P295 # قيل له قوله تعالى لله «ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام» وقوله «ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي». فأثبت لنفسه وجها ويدين. # فإن قالوا: فما أنكرتم أن يكون المعنى في قوله «خلقت بيدي» أنه خلقه ~~بقدرته أو بنعمته لأن اليد في اللغة قد تكون PageV00P296 # بمعنى النعمة وبمعنى القدرة كما يقال لي عند فلان يد بيضاء يراد به نعمة ~~وكما يقال هذا الشيء في يد فلان وتحت يد فلان يراد به أنه تحت قدرته وفي ~~ملكه. ويقال رجل أيد إذا كان قادرا. وكما قال الله تعالى «خلقنا لهم مما ~~عملت أيدينا ms169 أنعاما» يريد عملنا بقدرتنا. وقال الشاعر: # إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين فكذلك قوله: «خلقت بيدي» ~~يعني: بقدرتي أو نعمتي. # يقال لهم هذا باطل لأن قوله «بيدي» يقتضي إثبات يدين هما صفة له. فلو كان ~~المراد بهما القدرة لوجب أن يكون له قدرتان. وأنتم فلا تزعمون أن للباري ~~سبحانه قدرة واحدا فكيف يجوز أن تثبتوا له قدرتين وقد أجمع المسلمون من ~~مثبتي الصفات والنافين لها على أنه لا يجوز أن يكون له تعالى قدرتان فبطل ~~ما قلتم. وكذلك لا يجوز أن يكون الله تعالى خلق آدم بنعمتين لأن نعم الله ~~تعالى على آدم وعلى غيره لا تحصى. ولأن القائل لا يجوز أن يقول رفعت الشيء ~~بيدي أو وضعته بيدي أو توليته بيدي وهو يعني نعمته. وكذلك لا يجوز أن يقال ~~لي عند فلان يدان يعني نعمتين وإنما يقال لي عنده يدان بيضاوان. لأن القول ~~يد لا يستعمل إلا في اليد التي هي صفة للذات. PageV00P297 # ويدل على فساد تأويلهم أيضا أنه لو كان الأمر على ما قالوه لم يغفل عن ~~ذلك إبليس وعن أن يقول وأي فضل لآدم علي يقتضي أن أسجد له وأنا أيضا بيدك ~~خلقتني التي هي قدرتك وبنعمتك خلقتني وفي العلم بأنه الله تعالى فضل آدم ~~عليه بخلقه بيديه دليل على فساد ما قالوه. # فإن قال قائل فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذ كنتم لم تعقلوا يد ~~صفة ووجه صفة لا جارحة يقال له لا يحب ذلك كما لا يجب إذا لم نعقل حيا ~~عالما قادرا إلا جسما أن نقضي نحن وأنتم على الله تعالى بذلك. وكما لا يجب ~~متى كان قائما بذاته أن يكون جوهرا أو جسما لأنا وإياكم لم نجد قائما بنفسه ~~في شاهدنا إلا كذلك. # وكذلك الجواب لهم إن قالوا فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسائر صفاته ~~لذاته أعراضا أو أجناسا أو حوادث أو أغيارا له أو حالة فيه أو محتاجة له ~~إلى قلب واعتلوا بالوجود. # باب تفصيل صفات الذات ms170 من صفات الأفعال فإن قال قائل ففصلوا لي صفات ذاته ~~من صفات أفعاله لأعرف ذلك. # قيل له: صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها. وهي PageV00P298 # الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه ~~والعينان واليدان والغضب والرضى وهما الإرادة على ما وصفناه وهي الرحمة ~~والسخط والولاية والعداوة والحب والإيثار والمشيئة وإدراكه تعالى لكل جنس ~~يدركه الخلق من الطعوم والروائح والحرارة والبرودة وغير ذلك من المدركات. ~~وصفات فعله هي الخلق والرزق والعدل والإحسان والتفضل والإنعام والثواب ~~والعقاب والحشر والنشر وكل صفة كان موجودا قبل فعله لها. غير أن وصفه لنفسه ~~بجميع ذلك قديم لأنه كلامه الذي هو قوله إني خالق رازق باسط وهو تعالى لم ~~يزل متكلما بكلام غير محدث ولا مخلوق. # باب البقاء من صفات ذاته فإن قال قائل وما الدليل على أن البقاء من صفات ~~ذاته قلنا من قبل أنه لم يزل باقيا إذ كان كائنا من غير حدوث والباقي منا ~~لا يكون باقيا إلا ببقاء. دليل ذلك استحالة بقاء الشيء في حال حدوثه فلو ~~بقي لنفسه كان باقيا في حال حدوثه وذلك محال باتفاق. فصح أنه باق ببقاء إذ ~~كان قديما يستحيل أن تكون ذاته بقاء أو في معنى الصفات. PageV00P299 # باب فإن قال قائل فخبرونا عن الله سبحانه: ما هو؟. # قيل له إن أردت بقولك ما هو ما جنسه فليس هو بذي جنس لما وصفناه قبل هذا. ~~وإن أردت بقولك ما هو ما اسمه فاسمه الله الرحمن الرحيم الحي القيوم. وإن ~~أردت بقولك ما هو ما صنعه فصنعه العدل والإحسان والإنعام والسماوات والأرض ~~وجميع ما بينهما. وإن أردت بقولك ما هو ما الدلالة على وجوده فالدلالة على ~~وجوده جميع ما نراه ونشاهده من محكم فعله وعجيب تدبيره. وإن أردت بقولك ما ~~هو أي أشيروا إليه حتى أراه فليس هو اليوم مرئيا لخلقه ومدركا لهم فنريكه. # باب فإن قال قائل وكيف هو قيل له إن أردت بالكيفية التركيب والصورة ~~والجنسية فلا صورة له ولا جنس ms171 فنخبرك عنه. وإن أردت بقولك كيف هو أي على أي ~~صفة هو فهو حي عالم قادر سميع بصير وإن أردت بقولك كيف هو أي كيف صنعه إلى ~~خلقه فصنعه إليهم العدل والإحسان باب فإن قال قائل أين هو قيل له الأين ~~سؤال عن المكان وليس هو PageV00P300 # ممن يجوز أن يحويه مكان ولا تحيط به أقطار. غير أنا نقول إنه على عرشه لا ~~على معنى كون الجسم بالملاصقة والمجاورة تعالى عن ذلك علوا كبيرا باب فإن ~~قال قائل فمتى كان؟ قيل له سؤالك عن هذا يقتضي كونه في زمان لم يكن قبله ~~لأن متى سؤال عن الزمان. وقد عرفناك أنه قديم كائن قبل الزمان وأنه الخالق ~~للمكان والزمان وموجود قبلهما. وتوقيت وجود الشيء بعام أو مائة ألف عام ~~يفيد أن الموقت وجوده معدوم قبل الزمان الذي وقت به. وذلك مما يستحيل عليه ~~تعالى باب الكلام في جواز رؤية الله تعالى بالأبصار فإن قال قائل فهل يجوز ~~أن يرى القديم سبحانه بالأبصار قيل PageV00P301 # له أجل فإن قال فما الحجة في ذلك قيل له الحجة على ذلك أنه موجود تعالى ~~والشيء إنما يصح أن يرى من حيث كان موجودا إذا كان لا يرى لجنسه لأنا لا ~~نرى الأجناس المختلفة ولا يرى لحدوثه إذ قد نرى الشيء في حال لا يصح أن ~~يحدث فيها ولا لحدوث معنى فيه إذ قد ترى الأعراض التي لا تحدث فيها ~~المعاني. # فإن قال فما الدليل على أنه يجوز أن يرى من جهة القرآن؟ # قيل له قوله تعالى مخبرا عن موسى عليه السلام: # «رب أرني أنظر إليك». فلو كانت الرؤية تستحيل عليه كما قالت المعتزلة كما ~~يستحيل أن يكون محدثا مربوبا وعبدا مخلوقا لاستحال على نبيه وأمينه على ~~وحيه ومن جعله واسطة بينه وبين خلقه ومتحملا لرسالته PageV00P302 # أن يسأله المستحيل في صفته كما يستحيل أن يقول له رب كن عبدا مربوبا ~~ومألوها مخلوقا لأن ذلك أجمع استخفاف بالله سبحانه سواء سأله السائل لنفسه ~~أو سأله لغيره. وليس يجوز على ms172 الأنبياء الاستخفاف بربهم ولا أن يكون أسلاف ~~المعتزلة وأخلافها أعلم من الرسل بما يجوز على الله تعالى وما يستحيل في ~~صفته. فدل ما وصفناه على صحة رؤيته باب آخر فإن قال قائل فما الدليل على ~~وجوب رؤيته لا محالة في الآخرة؟. # قيل له قوله تعالى «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة». والنظر في كلام ~~العرب إذا قرن بالوجه ولم يضف الوجه الذي قرن بذكره إلى قبيلة ولا عشيرة ~~وعدي بحرف الحر ولم يعد إلى مفعولين فالمراد به النظر بالبصر لا غير ذلك. ~~ألا ترى إلى قولهم انظر إلى زيد بوجهك يعنون بالعين التي في وجهك. # مسألة فإن قالوا أفليس قد تمدح بقوله تعالى «لا تدركه الأبصار» كما تمدح ~~بقوله «بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة» فكيف يجوز ~~أن تزول عنه PageV00P303 # قيل لهم إنما تمدح بقوله «وهو يدرك الأبصار» ولم يتمدح باستحالة إدراكه ~~بالأبصار لأن الطعوم والروائح وأكثر الأعراض لا يجوز عندكم أن ترى بالأبصار ~~وليست ممدوحة بذلك. # فإن قالوا فما أنكرتم أن يكون إنما تمدح بأنه يدرك الأبصار وأنها لا ~~تدركه؟ # قيل لهم هذا باطل لأن الوصفين اللذين يتمدح بهما لا بد أن يكون في كل ~~واحد منهما مدح بمجرده نحو قوله «إنه عزيز حكيم» و «عليم قدير» وكل واحد من ~~الوصفين مدحة في نفسه تجرد أو انضم إلى. ولما لم يكن كون المعدوم غير مدرك ~~بالبصر مدحا له عندنا وعندكم بطل ما قلتم لأن أكثر الموجودات عندكم لا يجوز ~~أن يدرك بالأبصار وكل المعدومات عندنا وعندكم لا يدرك بالأبصار وليست بذلك ~~ممدوحات. ألا ترى أنه لو قال الله عز وجل إني عالم معلوم وموجد موجود لكان ~~متمدحا بقوله إني عالم موجد ولم يكن متمدحا بما ضامه من كونه معلوما ~~وموجودا إذا شاركه عندنا وعندكم في هذين الوصفين ما ليس بممدوح بهما فكذلك ~~المدح في قوله «وهو يدرك الأبصار» دون قوله «لا تدركه الأبصار». ~~PageV00P304 # فإن قالوا أفليس قد تمدح بقوله «لا تأخذه سنة ولا نوم» ms173 و «ما اتخذ الله ~~من ولد» ولم يجب أن يكون كل من شركه في ذلك ممدوحا من الأعراض والموات؟. # قيل لهم إنما تمدح جل اسمه بنفي الآفات عنه مع جوازها على غيره من ~~الأحياء وكل حي يمتنع ذلك عليه فإنه ممدوح به وممدوح أيضا بكونه حيا ليس ~~بميت. فنحن إذا قلنا إنه متمدح بكونه حيا وأن السنة والنوم لا تأخذه فقد ~~مدحناه بالأمرين. والمعتمد في هذا أنه سبحانه ذكر السنة والنوم تنبيها على ~~أن جميع الأعراض ودلالات الحدوث لا تجوز عليه ولم يرد نفي السنة والنوم ~~فقط. وفي الأعراض والميت والجماد من دلائل الحدوث مثل ما في النائم ~~والوسنان. وإنما يمدح الشيء بنفي ما يدل على الحدوث إذا لم يكن فيه ما ينوب ~~في الدلالة منابه. فسقط بذلك ما اعترضوا عليه. # ويمكن أن يكون وجه التمدح بقوله «لا تدركه الأبصار» أنه تعالى يدرك ~~الأشياء وأنه موجود يصح أن يدرك وأنه قادر على أن يمنعنا من إدراكه وأن كل ~~من يرانا يمكن أن نراه من الخلق وأنه هو تعالى قد منعنا من الإدراك له إن ~~كان مدركا لنا وأنه ليس فيمن يدركنا ببصره من يمكنه أن يخلق فينا ما يضاد ~~رؤيته وينفيها. فيكون متمدحا بقدرته على خلق ما يضاد رؤيته. وكونه قادرا ~~على خلق ضد رؤيته لازم له أبدا لا يتغير عنه وكونه خالقا لما يضاد رؤيته ~~تمدح ببعض أفعاله. PageV00P305 # ويحتمل أيضا أن يكون وجه التمدح في قوله «لا تدركه الأبصار» أنها لا ~~تدركه جسما مصورا متحيزا ولا حالا في شيء على ما يقوله النصارى ولا مشبها ~~لشيء على ما يقوله أهل التشبيه ولا تدركه والدا ولا مولودا على صفة من يلد ~~أو يولد تعالى عن ذلك ويكون القصد بذلك الرد على من وصفه بهذه الصفات. وليس ~~لأحد من المعتزلة التعلق بهذه الآية لأن الله تعالى إنما نفي عندهم من ~~إدراك الأبصار ما أثبته لنفسه في قوله «وهو يدرك الأبصار». ولم يعن بذلك ~~عند البصريين أنه يرى الأبصار وهو تعالى عندهم ms174 لا يدرك الأبصار لأنها مما ~~لا يصح أن يدرك ولا يرى أيضا شيئا بتة عند البغداديين. وإنما عني عندهم أنه ~~يعلم الأبصار فيجب عليهم أن يكون إنما نفى بقوله «لا تدركه الأبصار» علمنا ~~به تعالى. # مسألة فإن قالوا فما معنى قوله عز وجل «لن تراني»؟. # قيل لهم: أراد في الدنيا لأنه إنما سأل ربه أن يريه نفسه في PageV00P306 # الدنيا فقوله «لن تراني» جواب هذا السؤال. ولو لم يكن جوابا لكان أيضا ~~مخصوصا بقوله «إلى ربها ناظرة» مسألة فإن قالوا فما معنى قوله «تبت إليك»؟ # قيل لهم لم يقل جل اسمه إنه تاب من مسألته إياه الرؤية. # فيمكن أن يكون ذكر ذنوبا له قد قدم التوبة منها فجدد التوبة عند ذكرها ~~لهول ما رأى كما يسارع الناس إلى التوبة ويجددونها عند مشاهدة الأهوال ~~والآيات. # ويحتمل أن يكون المعنى في قوله تبت إليك من ترك استيذاني لك في هذه ~~المسألة العظيمة ومثلها ما لا يكون معه تكليف لمعرفتك والعلم بك. # ويحتمل أن يكون أراد بقوله تبت إليك أي تبت إليك أن أسألك الرؤية لهول ما ~~أصابني لا لأنها مستحيلة عليك ولا لأني عاص في سؤالي كما يقول القائل تبت ~~من كلام فلان ومعاملته ومن ركوب البحر ومن الحج ماشيا إذ ناله في ذلك تعب ~~ونصب وشدة وإن كان ذلك مباحا حسنا جائزا والتوبة هي الرجوع عن الشيء ومن ~~ذلك سمي الإقلاع عن الذنوب والعود إلى طاعة الله تعالى توبة منها. ~~PageV00P307 # ومعنى المراد بقوله «ثم تاب عليهم ليتوبوا» أي رجع بهم إلى التفضل ~~والامتنان ليرجعوا عما كانوا عليه. فقوله تبت إليك أي رجعت عن سؤالي إياك ~~الرؤية. وهذا هو أصل التوبة وليس الرجوع عن الشيء يقتضي كونه عصيانا. فبطل ~~تعلقهم بالآية. # مسألة فإن سألوا عن معنى قوله «فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا» وعن تأويل ~~ذلك وما معنى التجلي منه قيل لهم معنى ذلك أنه أرى نفسه للجبل فتدكدك وصار ~~قطعا قطعا لما أحب تعالى من إعلام موسى صلى الله عليه أن أحدا ms175 لا يراه في ~~الدنيا إلا لحقه ما لحق الجبل لحكمه تعالى بجعل الدنيا دار تكليف وإيمان ~~بالغيب. ومعنى قوله تجلى أي أنه رفع عن الجبل الآفة المانعة له من رؤيته ~~تعالى وأحياه وخلق فيه الإدراك له فرآه. # وقد يكون التجلي ظهورا أو خروجا من وراء السواتر والحجب. # وذلك من صفات الأجسام والله يتعالى عن ذلك. # وقد يكون التجلي بمعنى رفع الآفات المانعة من الإدراك. ومن ذلك قولهم ~~تجلت لي الألوان وتجلت للضرير المبصرات إذا أبصر PageV00P308 # المرئيات وتجلى لي الأمر إذا زالت عوارض الشبه منه. وأما الحجاب فقد يكون ~~بمعنى الساتر المانع وقد يكون آفة موضوعة في البصر تمنع من إدراك المرئيات. ~~وأصل الحجب المنع. ومنه سمي حاجب الأمير حاجبا لمنعه منه ودفعه عن الوصول ~~إليه. ومنه قوله تعالى «كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون» يعني الكفار أي ~~إنهم ممنوعون بالآفات الموضوعة في أبصارهم من رؤيته تعالى إهانة لهم ~~وتفريقا بينهم وبين المؤمنين مسألة فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون موسى عليه ~~السلام إنما أراد بقوله «رب أرني أنظر إليك» أي عرفني نفسك اضطرارا أو أرني ~~آية من آيات الساعة؟. # قيل لهم أنكرنا ذلك لأنه غير جائز في اللغة. لأن القائل لا يجوز أن يقول ~~لمن يسمع كلامه ويعرفه ولا يشك فيه أرني أنظر إليك وهو يريد عرفني نفسك أو ~~أرني فعلا من أفعالك. هذا غير مستعمل في اللسان. # ولأن النظر إذا أطلق فليس معناه إلا رؤية العين. وإن أريد به العلم ~~فبدليل ولأن النظر الذي في الآية معدى بقوله إليك والنظر المعدى ب إلى لا ~~يجوز في كلام العرب أن يراد به إلا نظر العين فبطل ما قالوا مسألة وإن ~~سألوا عن قوله عز وجل: يسألك أهل الكتاب أن تنزل PageV00P309 # عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله ~~جهرة) وعن قوله وقلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة وعن معنى إنكار ~~الله لذلك من سؤالهم. # قيل لهم لم ينكر الله تعالى مسألة ms176 أخلاف بني إسرائيل أن ينزل عليهم كتابا ~~من السماء ومسألة أسلافهم أن يروا الله جهرة لاستحالة ذلك. # وإنما أنكره لأنهم سألوا ذلك على طريق العناد لموسى ومحمد صلى الله ~~عليهما والشك في نبوتهما والتقدم بين أيديهما والامتناع من فعل ما أوجب ~~عليهم من الإيمان بالله عز وجل حتى يفعل ما يؤثرونه ويقتاتونه. فأنكر الله ~~ذلك من فعلهم وقولهم كما أنكر سؤالهم إنزال كتاب من السماء لا لاستحالة ذلك ~~في قدرته. وكما أنكر قول من قال «لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا» ~~إلى قوله «أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك». لأن هذا أجمع إنما كان على ~~وجه الاستخفاف بالرسل والتمرد لا على طلب الزيادة في العلم. # ويجب الاعتماد في تخصيص قوله عز وجل «لا تدركه الأبصار» وقوله «لن تراني» ~~على قوله «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة» من حيث ثبت أنه لا يجوز أن ~~يكون معناه إلا رؤية الأبصار. وكذلك يجب أن يعتمد في أنه لا يجوز أن يكون ~~عني بقوله «لا تدركه الأبصار» وقوله «لن تراني» وقوله: PageV00P310 # «فأخذتهم الصاعقة» الدلالة على إحالة رؤيته تعالى لأن نفي الشيء لا يدل ~~على استحالته لأنه قد ينفى عنه الجائز أحيانا وينفى المستحيل الممتنع في ~~صفته. # ولما صح أن قوله «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة» يقتضي النظر إليه ~~بالأبصار لأن النظر في كلام العرب يحتمل وجوها منها نظر الانتظار ومنها ~~الفكر والاعتبار ومنها الرحمة والتعطف ومنها الإدراك بالأبصار وإذا قرن ~~النظر بذكر الوجه وعدي بحرف الجر ولم يضف الوجه إلى قبيلة وعشيرة الوجه ~~الجارحة التي توصف بالنضارة التي تختص بالوجه الذي فيه العينان فمعناه رؤية ~~الأبصار. # ألا ترى إلى قوله عز وجل «فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه» أي انظره ~~بعينك ولما لم يرد بقوله تعالى «فناظرة بم يرجع المرسلون» نظر العين لم ~~يعده ب إلى ولا قرنه بالوجه وكذلك قوله «ما ينظرون إلا صيحة واحدة» لما ~~أراد به الانتظار دون نظر الأبصار لم ينطه بالوجه ولا عداه ب ms177 إلى. قال ~~الشاعر: # فإن يك صدر هذا اليوم ولى * فإن غدا لناظره قريب فلم يقرن النظر بذكر ~~الوجه ولا عداه ب إلى لما أراد الانتظار. PageV00P311 # فإن قالوا فما معنى قول جميل بن معمر: # إني إليك لما وعدت لناظر * نظر الذليل إلى العزيز القاهر قيل لهم معناه ~~نظر العين المقرون بالذل والانكسار لأنه نظر إليه ببصره مقتضيا متنجزا ~~لوعده نظر الذليل إلى العزيز القاهر. # فإن قالوا فما معنى قول حسان بن ثابت: # وجوه ناظرات يوم بدر * إلى الرحمن يأتي بالفلاح قيل لهم أراد نظر الأبصار ~~إلى سماء الرحمن وترقب النصر عند رميهم بالأبصار إلى الجهة التي منها يرجى ~~النصر وقوله إلى الرحمن يعني به إلى سماء الرحمن وجهة الرغبة إليه ولم يرد ~~الانتظار فإن قالوا فما أنكرتم أيضا أن يكون الله تعالى إنما أراد بقوله ~~«إلى ربها ناظرة» أي إنها إلى جنان ربها وأفعاله وعظيم ما PageV00P312 # أعده لأولئك ناظرة؟. # قيل لهم هذا التأويل يجعل الآية مجازا وليس لنا فعل ذلك إلا بحجة. # فإن قالوا ما أنكرتم أن تكون الحجة في ذلك إحالة العقول لرؤيته؟. # قيل لهم العقول عندنا تجيز رؤيته وتبطل دعواكم وقد بينا ذلك فيما سلف ~~وسنفسد ما تتعلقون به فيما بعد إن شاء الله. # فإن قالوا فما معنى قول الشاعر: # ويوم بذي قار رأيت وجوههم * إلى الموت من وقع السيوف نواظر والموت لا يرى ~~ولا ينظر إليه؟. # قيل لهم ما أراد الشاعر إلا رؤية الأبصار وإنما أراد بالموت الضرب والطعن ~~وفلق الهام لأن ذلك يسمى في اللغة موتا لأنه من أسباب الموت وما يقع عنده ~~غالبا والشيء عندهم يسمى باسم سببه. ويمكن أيضا أن يكون أراد بذكر الموت ~~الأبطال الذين يوجد الموت عند كرها وإقدامها قال جرير: # أنا الموت الذي خبرت عنه * فليس لهارب مني نجاء PageV00P313 # وقال آخر: # يا أيها الراكب المزجى مطيته * سائل بني أسد ما هذه الصوت وقل لها بادروا ~~بالعذر والتمسوا * قولا يبرئكم إني أنا الموت يريد به البطل الذي يكون عند ~~فعله الموت فإن قيل ms178 فما معنى قول الآخر: # وجوه بها ليل الحجاز على النوى * إلى ملك ركن المغارب ناظرة قيل لهم هذا ~~شعر لا يعرفه أحد من أهل العلم فلا حجة فيه. # وإن صح لم يفسد ما قلناه لأننا قد قلنا إن الوجوه المقرونة بذكر البلدة ~~والعشيرة إنما يراد به سادة الناس. والله تعالى وصف الوجوه التي هي الجوارح ~~بأنها تنظر إليه لأنه تعالى وصفها بما لا يجوز أن يوصف به إلا الجارحة حيث ~~قال «وجوه يومئذ ناضرة». والنضارة لا تكون إلا في الجارحة التي هي الوجه ~~مسألة فإن قالوا ما أنكرتم من أنه لو رئي بالأبصار لوجب أن يكون جسما أو ~~جوهرا أو عرضا أو محدودا أو حالا في محدود أو مقابلا للمكان أو مباينا ~~للمكان أو متصلا به الشعاع أو متصلا بمكانه أو متخيلا متمثلا متصورا ~~بالقلوب عند غيبته وأن يكون من جنس المرئيات لأننا لم نعقل PageV00P314 # مرئيا بالبصر إلا كذلك؟. # يقال لهم لو وجب هذا لوجب إذا كان معلوما بالقلوب وموجودا أن يكون جسما ~~أو جوهرا أو عرضا وفي العالم أو غيره من الأماكن أو ما يقدر تقدير الأماكن ~~لأننا لم نعقل معلوما إلا كذلك وإذا كان شيئا أن لا يخلو من أن يكون جسما ~~أو جوهرا أو عرضا لأننا لم نعقل شيئا إلا كذلك وإذا كان عالما قادرا سميعا ~~بصيرا أن يكون جسما مجتمعا ذا حيز في الوجود لأننا لم نعقل حيا عالما قادرا ~~رائيا إلا كذلك فإن مروا على ذلك تركوا التوحيد وإن أبوه أبطلوا ما سألوا ~~عنه. # وأما قولهم إنه لو رئي بالأبصار لوجب أن يكون متمثلا متخيلا فإنهم إن ~~أرادوا به أنه إذا تعدم رؤيته نتخيل له شكلا أو جسما ونعتقد أنا رأينا ذا ~~هيئة وشكل فإن ذلك باطل لقيام الدليل على أن القديم سبحانه ليس من جنس ~~المرئيات. وإن عنوا به أنا نعلم بعد رؤيته أننا رأينا شيئا ليس كمثله شيء ~~فإن ذلك صحيح. وتسمية هذا العلم تخيلا وتمثلا باطل بالإجماع. # مسألة فإن قالوا ما أنكرتم ms179 من أنه لو جاز أن يرى لرأيناه الساعة لأن ~~الموانع المانعة من رؤية ما يجوز أن يرى منتفية عنه وهي الرقة واللطافة ~~والحجاب والبعد وذلك مستحيل على الله تعالى. فوجب أن نراه لو كان مما يجوز ~~أن يرى. # يقال لهم ليس فيما ذكرتم شيء يمنع من رؤية المرئي. لأنا نرى PageV00P315 # اللطيف مع لطافته عند زيادة الإدراك ونرى البعيد مع بعده ونرى المحجوب ~~إذا قوي الإدراك وزاد الشعاع عندكم فأنفذ خروقه. والمحتضر بالموت يرى ملك ~~الموت ونحن لا نراه وإن كنا بحضرته. # وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرى جبريل عليه السلام والصحابة لا ~~تراه. وكذلك الملائكة يرى بعضهم بعضا مع رقتهم ونحن لا نراهم. وما منع من ~~رؤية الشيء لا يجوز أن يقارن الرؤية له فوجب أن لا يكون فيما ذكرتموه شيء ~~يمنع من رؤية المرئيات كما أن الجهل المانع من العلم بالشيء لا يجوز أن ~~يقارنه العلم بحال. # فإن قالوا فما المانع من رؤية هذه الأمور؟. # قيل لهم هو وجود ما يضاد إدراكها في أبصارنا ولو رفعه تعالى أدركناها. ~~وهذا المانع هو الذي يمنع من رؤية الله تعالى في هذا الوقت. # فإن قالوا فأجيزوا أن يخلق الله فيكم إدراك ذرة ويمنعكم من إدراك فيل إلى ~~جنبها!. # قيل لهم هذا جائز عندنا في قدرة الله تعالى. # فإن قالوا فأجيزوا الساعة ذلك وشكوا في أن بحضرتكم فيلة وجمالا وأنهارا ~~جارية وأنتم لا ترون ذلك وإن كنتم ترون ما هو أصغر منه. PageV00P316 # قيل لهم لولا أننا مضطرون إلى العلم بأن ذلك ليس بموجود لأجزناه. وليس ~~يجب أن نشك اليوم في أن الله تعالى قد فعل كل مقدور عنده كما لا يجب أن نشك ~~في أنه قد خلق اليوم إنسانا لا من أبوين وفرسا لا من نتاج ونارا غير محرقة ~~لشيء وتمرا لا من نخل ولبنا لا من ضرع وأنه قد أحيا الأموات بسائر الأقطار ~~وعرج بنا البارحة إلى ملكوت السماوات ثم ردنا إلى مضاجعنا وأنه قد أمات كل ~~من فارقناه يوما ms180 أو ساعة من أقاربنا وأصدقائنا ألف مرة ثم أحياهم بعد ذلك ~~وإن كان ذلك أجمع مقدورا لله تعالى. فبطل بذلك ما سألتم عنه. # باب القول في أن الله تعالى مريد لجميع المخلوقات إن قال قائل فلم قلتم ~~إن الله تعالى مريد للطاعة والمعصية وسائر الحوادث؟. # قيل له لأن الله تعالى قال في كتابه فعال لما يريد. وقد PageV00P317 # قام الدليل على أنه فعال لسائر أفعال الخلق وجميع الحوادث فوجب أنه مريد ~~لذلك أجمع. ولقوله تعالى «ولو شاء الله ما فعلوه» وقوله «ولو شاء ربك لآمن ~~من في الأرض كلهم جميعا» فأخبر أنه لو لم يرد منهم العصيان والتكذيب ~~والخلاف لما كان ولا فعلوه وأنه لو شاء أن يؤمنوا جميعا لآمنوا. # فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون إنما أراد أنه لو أراد ذلك على سبيل الإكراه ~~والإلجاء لكان لا محالة؟. # قيل لهم لو جاز أن يريد الإيمان منهم طوعا فلا يكون ولا يلحقه عجز ولا ~~تقصير عن بلوغ مراده لجاز أن يريده منهم على سبيل الإلجاء والإكراه ولا ~~يكون ولا يلحقه عجز ولا تقصير عن بلوغ مراده. # فإن قالوا لو لم يتم ما أراد منهم على سبيل الإلجاء لدل ذلك على عجزه عن ~~فعل سبب يلجئهم به إلى الإيمان من ترهيب وإحضار نكال وغير ذلك والعجز غير ~~جائز عليه. # قيل لهم ولو لم يتما ما أراده من إيمانهم طوعا واختيارا لدل ذلك على عجزه ~~عن فعل لطف وسبب من الأسباب يختارون عند فعله الإيمان وذلك منتف عنه. ~~PageV00P318 # فإن قالوا قد لا يكون في المعلوم شيء يؤمنون عنده فلا يلحق العجز بفقد ~~القدرة عليه. # قيل لهم وقد لا يكون في المعلوم شيء يلتجئون عند فعله بهم إلى الإيمان به ~~وإن يقطعوا إربا إربا وأنزل عليهم أعظم العذاب والنكال والآلام بأن يعلم ~~أنهم لا يختارون عند شيء من ذلك فعل الإيمان فلا يجب بنفي القدرة عليه ~~إثبات عجز عنه. ولا جواب عن هذا. # ومما يدل على أن الله تعالى مريد لجميع أفعال العباد أنه ms181 لو كان في ~~سلطانه منها ما ليس بمريد لكونه للحقه العجز والتقصير عن بلوغ المراد. # وكذلك لو أراد منها ما لم يكن كما أنه لو أراد من فعل نفسه ما لم يكن أو ~~كان منه عندنا وعندهم ما لم يرده وهو مما يصح أن يكون مرادا لدل ذلك على ~~عجزه وتقصيره وتعذر الأشياء عليه فلا فرق في ذلك بين فعل نفسه وفعل خلقه ~~الذي جعله لهم كسبا كما أنه لا فرق بين أن يكون من فعل نفسه ما لا يعلم ولا ~~يكون منه ما علم أنه يكون وبين أن لا يكون من خلقه ما يعلم أنه يكون وبين ~~أن يكون منهم ما علم أنه لا يكون في إيجابه لتجهيله تعالى عن ذلك!. # فإن قالوا فيجب إذا كان من خلقه ما لم يأمرهم به أن يدل ذلك على عجزه. # قيل لهم هذا ساقط باتفاق لأنه قد كانت أكثر أفعاله ولم يأمر بها أحدا من ~~خلقه ولم يلحقه العجز فكذلك حكم فعل خلقه له. ولأنه إذا PageV00P319 # لم يكن ما أمر بكونه وكان ما لم يأمر به وهو تعالى مريد لكون ما لم يأمر ~~به وغير مريد لما أمرهم به لم يلحقه عجز ولا تقصير. لأن ذلك إنما يلحق من ~~خولف في أمره إذا أراد ما أمر به وكره ما نهى عنه فسقط ما سألتم عنه. # مسألة فإن قالوا فكيف يكون آمرا بما لا يريده ويكون بذلك حكيما؟. # قيل لهم هذا مما قد ورد به القرآن واتفق عليه سلف الأمة. # لأن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح إسماعيل عليهما السلام ولم يرد ذلك منه ~~بل نهاه عنه بعد أمره به وفداه مما أمره بفعله من ذبحه. ولو كان قد فعل ~~الذبح لم يكن لافتدائه معنى. ولو كان إنما أمره بالإضجاع وإمرار السكين فقط ~~دون الذبح لم يكن ذلك امتحانا منه ولم يكن لقوله «إن هذا لهو البلاء ~~المبين» معنى ولا كان لافتدائه من إضجاع قد وقع معنى. وكذلك لو ذبحه ثم ~~التحم لم يكن ms182 للفداء معنى ولا لبلائه معنى. وكذلك لو كان قد منعه من ذبحه ~~بقلب صفحة عنقه نحاسا على ما يقوله بعض جهالهم لكان عندهم بذلك سفيها ~~ومكلفا للفعل مع العجز عنه والمنع منه وذلك عندهم باطل. PageV00P320 # مسألة فإن قالوا وجدنا كل مريد للقبح والسفه سفيها عابثا. فلو كان الباري ~~تعالى مريدا للسفه لكان عابثا سفيها قيل لهم لم قلتم هذا وما أنكرتم أن ~~يكون مريد السفه منا سفيها إذا كان منهيا عن إرادة السفه والباري تعالى لا ~~يجوز ذلك عليه ولهذا لم يكن الطفل والمجنون سفيهين بإرادتهما للسفه إذا لم ~~يكونا عن فعل الإرادة لذلك منهيين. # ثم يقال لهم فيجب على اعتلالكم أن يكون بإرادته الطاعة والصلاح والتقى ~~مطيعا صالحا تقيا لأننا وإياكم لم نجد مريدا للطاعة إلا طائعا. فإن مروا ~~على ذلك تركوا دينهم وإن أبوه أبطلوا سؤالهم. # وإن قالوا مريد الطاعة منا مطيع لأنه مأمور بفعل إرادة الطاعة والله ~~يتعالى عن ذلك. # قيل لهم ومريد السفه منا سفيه لأنه منهي عن فعل إرادة السفه والله يتعالى ~~عن ذلك. # مسألة فإن قالوا فما معنى ذم الله للكافرين في قوله وقال الذين ~~PageV00P321 # أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا) الآية؟ # قيل لهم معنى ذلك أنهم قالوا ذلك على جهة الهزل والاستهزاء بالرسل ~~والمؤمنين في قولهم ولو شاء الله لهداكم ولو شاء لآمنتم. # فقالوا في جواب هذا مستهزئين «لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا» منكرين ~~بذلك لما قاله الرسل والمؤمنون. وهذا جواب على حد ما تقولونه أنتم أبدا لنا ~~لو شاء الله أن نؤمن لآمنا ولو قدر وقضى لنا الطاعة لأطعنا مستهزئين بذلك ~~ومنكرين لقضاء الله وقدره ومشيئته. # وعلى هذا النحو جاء قوله في إنكاره على المنافقين في قولهم للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إنك لرسول الله حيث قال «إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك ~~لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون». فأنكر ~~الله ذلك عليهم لكونهم غير معتقدين لصحة ما قالوه. وكما أنكر على من ms183 قال ~~«أنطعم من لو يشاء الله أطعمه» لقولهم هذا على سبيل الاستهزاء والهزل ~~بالرسل لما أخبروهم أن الله تعالى لو شاء أن يطعمهم لأطعمهم. # مسألة فإن قالوا كيف يجوز أن يريد الله الفواحش وقد ذم من أحب «أن تشيع ~~الفاحشة في الذين آمنوا» قيل لهم الله عز وجل إنما ذم من وصف أهل الطهارة ~~بما ليس فيهم PageV00P322 # وأحب كون ذلك حقا وصوابا. والله تعالى لم يرد أن يكون قذف المحصنات حقا ~~وصوابا فلم يرد من ذلك ما أرادوا. ولأنهم أيضا قد نهوا عن إرادة ذلك وإذا ~~كان ذلك كذلك وكان النهي لله عن كونه مريدا محالا في صفته فبطل ما قالوه. # باب الكلام في الاستطاعة فإن قال قائل فهل تقولون إن الإنسان مستطيع ~~لكسبه؟. PageV00P323 # قيل له: أجل. فإن قال ولم قلتم ذلك قلنا لأن الإنسان يعرف من نفسه فرقا ~~بين قيامه وقعوده وكلامه إذا كان واقعا بحسب اختياره وقصده وبين ما يضطر ~~إليه مما لا قدرة له عليه من الزمانة والمرض والحركة من الفالج وغير ذلك. ~~وليس يفترق الشيئان في ذلك لجنسهما ولا للعلم بهما ولا لاختلاف محلهما ولا ~~للإرادة لأحدهما. فوجب أن يحصل مع كسبه على هذه الصفة لكونه قادرا عليه. # مسالة فإن قال فهل تزعمون أنه يستطيع أن يكتسب بنفسه أو بقدرة؟. # قلنا لا بل بقدرة تحدث له. والدليل على ذلك كونه قادرا على الحركة مرة ~~وغير قادر عليها أخرى وعلى ما هو مثلها ومن جنسها مرة أخرى. # مسألة فإن قال فهل تزعمون أنه يستطيع الفعل قبل اكتسابه أو في حال ~~اكتسابه؟. PageV00P324 # قلنا لا بل في حالة اكتسابه ولا يجوز أن يقدر عليه قبل ذلك. # فإن قال لم قلتم ذلك قيل له لأمور. منها أن القدرة على الكسب عرض لا يصح ~~أن يبقى. فلو وجد الفعل في ثاني حال حدوثها وهي معدومة في تلك الحال لكان ~~قد وجد بقدرة معدومة قد كانت وفنيت. # ولو جاز ذلك لجاز وقوع الإحراق بحرارة معدومة كانت وفنيت والبطش بيد ~~معدومة وذلك أجمع ms184 محال باتفاق. ولأن الإنسان لو كان يستطيع أن يفعل الفعل ~~قبل كونه لكان في حال اكتسابه له ومستغنيا عن ربه وغير محتاج إليه في أن ~~يعينه على الفعل. ولو جاز أن يستغني عن معونة الله في حال الفعل لكان ~~بالاستغناء عنه إذا لم يكن فاعلا أولى. وذلك محال باتفاق. # فوجب أن الاستطاعة مع الفعل للفعل باب فإن قال قائل ولم قلتم إنه لا يجوز ~~أن تبقى إلى حين وجود الفعل ولا شيء من الأعراض؟. # قيل له: لأنه لو جاز بقاؤها لكانت إنما تبقى لنفسها أو لعلة. # ولو بقيت لنفسها لبقيت في حال حدوثها وذلك محال. ولو بقيت لعلة لوجب أن ~~تقوم بها العلل وذلك يوجب أن تكون جسما أو جوهرا ليس بعرض وذلك فاسد لما ~~قدمناه من قبل. # مسألة فإن قالوا فإذا جاز أن يقدر القادر على الشيء في حال حدوثه ~~PageV00P325 # ووجوده فأجيزوا أن يقدر في تلك الحال على ضده أو تركه. # قيل لهم لا يجب ما قلتموه لأن الدليل قد قام على أن القدرة الواحدة ~~المحدثة لا يصح أن يقدر القادر بها على مقدورين لا مثلين ولا مختلفين غيرين ~~ولا ضدين ولا خلافين ليسا بضدين فلو صح أن يقدر القادر منا على الفعل قبل ~~حال حدوثه لم يجب أيضا أن يكون قادرا على تركه مسألة فإن قالوا لو جاز أن ~~يقدر القادر على الشيء في حال حدوثه وهو موجود في تلك الحال لصح أن يقدر ~~عليه في الثاني والثالث من حال حدوثه مع اتصال وجوده وذلك محال باتفاق. # يقال لهم لو وجب ما قلتم لوجب إذا جاز أن يقدر القادر على الشيء قبل حال ~~حدوثه بوقت ووقتين أن يقدر عليه قبل حال حدوثه بسنة وسنتين لأن معدوم في ~~سائر هذه الأزمان ولجاز أن يقدر على الشيء بعد عدمه وتقضيه لأنه معدوم في ~~تلك الحال كما جاز أن يقدر عليه قبل حال حدوثه لأنه معدوم في تلك الحال ~~والعدم في سائر هذه الأحوال متساو غير متزايد. فإن لم يجب هذا ms185 لم يجب ما ~~قلتم. # ويقال لهم: لو لزم ما قلتم للزم إذا كان الفاعل للشيء فاعلا له في حال ~~حدوثه وهو موجود في تلك الحال أن يصح كونه فاعلا له PageV00P326 # في ثاني حال حدوثه وثالثها مع اتصال وجوده لأنه موجود في هذه الأحوال. ~~فإن لم يجب هذا أجمع عندنا وعندكم لم يجب أيضا ما سألتم عنه. # مسألة فإن قالوا لو كانت القدرة مع الفعل في حالة واحدة لم يكن أحدهما ~~بأن يكون قدرة على صاحبه أولى من الآخر. # قيل لهم لم قلتم ذلك ثم يقال لهم لو كان الجوهر موجودا مع الكون في حالة ~~واحدة لم يكن أحدهما بأن يكون كونا لصاحبه أولى من الآخر. وكذلك لو كانت ~~حركة اليد مع حركة الخاتم ودخول الحجر في القدح مع خروج الماء منه والإرادة ~~مع المراد والعلم بالألم مع وجود الألم لم يكن السبب بأن يكون سببا أولى من ~~أن يكون مسببا ولا كانت الإرادة بأن تكون إرادة أولى من أن تكون مرادا ولا ~~كان العلم بالألم بأن يكون علما به أولى من المعلوم. فإن لم يجب ذلك عندنا ~~وعندكم بطل ما قلتموه. # مسألة فإن قالوا متى استطاع أن يطلق المطلق زوجته ويعتق المعتق عبده ~~استطاع ذلك في حال العتق والطلاق أم قبله؟. # فإن قلتم إنه مستطيع لذلك في حال العتق والطلاق والمرأة ليست بزوجة في ~~حال الطلاق والمعتق ليس بعبد في حال العتق فإنما استطاع أن يطلق من ليست ~~بزوجة له ويعتق من ليس بعبد له PageV00P327 # وإن قلتم إنه قدر على الطلاق والعتق قبل وجودهما أقررتم بما نقول. # قيل لهم المطلق والمعتق إنما يستطيع الطلاق والعتاق في حال وجودهما وقدر ~~في تلك الحال على طلاق من ليست بزوجة له في حال الطلاق وقد كانت زوجة له ~~قبل ذلك كما أنا وأنتم نقول إنما يطلق المطلق في حال وجود الطلاق من ليست ~~زوجة له في تلك الحال وقد كانت زوجة له قبل ذلك وهذا هو الجواب عن سؤالهم ~~عن القدرة على إلقاء ms186 العصا وكسر الكوز والانتقال من الظل إلى الشمس وكل ما ~~يوردونه من هذا الجنس. # ثم يقلب هذا السؤال عليهم فيقال لهم متى طلق المطلق زوجته وأعتق المعتق ~~عبده أطلقها في حال وجود الطلاق أم قبل ذلك؟. # فإن قالوا طلقها قبل وجود الطلاق خلطوا وصاروا إلى أن المرأة تطلق قبل ~~وجود طلاقها. # وإن قالوا إنما طلق في حال وجود الطلاق منه. # قيل لهم فإذا كانت المرأة عندنا وعندكم في تلك الحال ليست بزوجة فإنما ~~طلق من ليست بزوجة له وكل جواب تعاطوه فهو جوابنا عما سألوا عنه. # مسألة فإن قالوا فما معنى قوله تعالى «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها» و ~~«لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها» PageV00P328 # قيل لهم المراد بذلك والله أعلم أنه لم يكلف أحدا من نفقات الزوجات إلا ~~ما وجد وتمكن منه دون ما لا تناله يده. ولم يرد به إثبات الاستطاعة قبل ~~الفعل. # مسألة فإن قالوا فما معنى قوله عز وجل «وعلى الذين يطيقونه فدية»؟. # قيل لهم معنى ذلك على الذين يطيقون الصيام إن أرادوه وتكلفوه وعدلوا عن ~~الإفطار. والآية منسوخ حكمها على هذا التأويل. # ويمكن أن يكون المراد وعلى الذين يطيقون الإطعام ولا يقدرون على الصيام ~~فدية إذا أفطروا وقد قرىء وعلى الذين يطوقونه فدية يعني يؤمرون به ويكلفونه ~~ولم يعرض على هذه القراءة لذكر القدرة والطاقة. # مسألة فإن قالوا فما معنى قوله تعالى «ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا»؟. # قيل لهم: معناه أن الله أوجب الحج على كل من وجد زادا PageV00P329 # وراحلة. وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الاستطاعة فقال: ~~زاد وراحلة. # ونحن لا ننكر تقدم الأجسام للفعل. وكذلك تأويل قوله «وسيحلفون بالله لو ~~استطعنا لخرجنا معكم» وذم تعالى القاعدين عن الجهاد والحالفين أنهم غير ~~مستطيعين إنما ينصرف إلى الاستطاعة التي هي الظهر والمال دون استطاعة ~~الأبدان. # مسألة فإن قالوا فما معنى قوله «قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن ~~تقوم من مقامك وإني عليه ms187 لقوي أمين»؟. # قيل لهم أراد هذا العفريت أنه قوي عليه في حال حمله إن قواه الله على حسب ~~ما جرت به عادته كما يقول القائل أنا أقدر أن آتيك وأخاطبك في آخر اليوم ~~وآخر الشهر على تأويل إن أقدرني الله على ذلك وعلى أنه يقدر في غالب ~~الأحوال. فإن لم يكن العفريت عني ذلك فقد كذب وافترى في دعواه بقدم قدرته ~~والغنى عن ربه. ولعل سليمان صلى الله عليه قد أنكر عليه وأدبه. فلا حجة في ~~دعوى العفاريت PageV00P330 # مسألة فإن قالوا فما معنى قوله تعالى «فاتقوا الله ما استطعتم»؟. # قيل لهم معناه ما كنتم مستطيعين للفعل أو لتركه غير مؤوفين ولا عاجزين. # مسألة فإن قالوا فما معنى قوله «فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا»؟. # قيل لهم معناه أن من لم يستطع الصيام لعجز أو آفة فعليه الإطعام دون من ~~لم يستطعه لإيثار تركه. # مسألة فإن قالوا فإذا قلتم إن القادر منا على الفعل لا يقدر عليه إلا في ~~حال حدوثه ولا يقدر على تركه وفعل ضده لزمكم أن يكون في حكم المطبوع المضطر ~~إلى الفعل. # قيل لهم لا يجب ما قلتم لأنه ليس ها هنا مطبوع على كون شيء أو تولد عنه. ~~وأما المضطر إلى الشيء فهو المكره المحمول على الشيء الذي يوجد به شاء أم ~~أبى. والقادر على الفعل يؤثره ويهواه ولا PageV00P331 # يستنزل عنه برغبة ولا رهبة. فلم يجز أن يكون مضطرا مع كونه مؤثرا مختارا. ~~ولو كان الأمر على ما وصفتموه لوجب أن يكون الفاعل للشيء مضطرا إليه في ~~حاله لأنه في تلك الحال غير قادر عندنا وعندكم على تركه. فبطل ما سألتم عنه ~~مسألة فإن قال قائل فجميع الذين لم يفعلوا ما أمروا به غير قادرين على ذلك. # قيل له أجل هم غير قادرين عليه لتركهم له لا لعجزهم عنه. # مسألة فإن قال قائل أتزعمون أن الله يكلف عباده ما لا يطيقون؟ # قيل له هذا كلام على أمرين. فإن أردت بعدم الطاقة عدم القدرة على الفعل ~~فذلك ms188 جائز. وإن أردت بعدم الطاقة وجود ضدها من العجز فلا يجوز ذلك. لأن ~~العجز يخرج عن الشيء وضده ولا وجه لتكليف من هذا سبيله. وعدم القدرة على ~~الشيء لا يوجب ذلك. # مسألة فإن قال قائل تقولون إن الله يكلف عباده ما لا يطيقون حسب ما ~~ذكرتم. فما الدليل على جواز هذا التكليف وحسنه من القديم؟. PageV00P332 # قيل له قوله تعالى «وكانوا لا يستطيعون سمعا». # والسمع ها هنا القبول باتفاق لأن الكفار قد كانوا يسمعون ما يؤمرون به ~~وينهون عنه ويدركون دعوة الرسل. وهو محمول على تأويل قولهم فلان لا يسمع ما ~~يقال له ولا يسمع مما نقوله شيئا أي لا يقبل ذلك. وليس يريدون أنه لا يدرك ~~الأصوات. # ويدل على ذلك أيضا قوله «ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم». ~~وقد أمر الله بالعدل بينهن وأوجبه مع إخباره أنا لا نستطيع ذلك. # ويدل على صحة ذلك من القديم وأنه عدل وحكمة إخباره عمن أحسن الثناء عليه ~~والمدح له أنهم رغبوا إليه في أن لا يحملهم ما لا طاقة لهم به. فقال إخبارا ~~عنهم «ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به». فلو كان تكليف ما لا يطاق ظلما ~~وعبثا وقبيحا من الله تعالى لكانوا قد رغبوا إليه في أن لا يظلمهم ولا يسفه ~~عليهم ولا يوجب من الأوامر ما يخرج به عن حد الحكمة. والله أجل من أن يثني ~~على قوم أجازوا ذلك عليه. فدل هذا أيضا على ما وصفناه باب فإن قال قائل وهل ~~يحسن مثل هذا التكليف منا أو يسوغ لنا؟ # قيل: له أجل لأنا قد نكلف القاعد القيام والتصرف في حال قعوده ~~PageV00P333 # وهو لا يقدر في تلك الحال على ما نكلفه لما قد أوضحناه من الدليل فوجب ~~صحة ذلك من فعلنا. # باب الكلام في إبطال التولد قال أبو بكر فإن قال قائل خبرونا عن الألم ~~الموجود عند الضرب والكسر الحادث عند الزج وذهاب الحجر الموجود عند الدفعة ~~والألم واللذة الحادثين عند الحكة وغير ذلك من الحوادث الموجودة ms189 عند ~~PageV00P334 # وجود حوادث أخر هل هي عندكم كسب للضارب الدافع على سبيل التولد أم مخترعة ~~لله وغير كسب لأحد من الخلق؟. # قيل له بل هي عندنا مما ينفرد الله تعالى بخلقها وليست بكسب للعباد. # فإن قال ولم أنكرتم أن تكون من أفعال العباد وواقعة منهم على سبيل التولد ~~عن الأسباب التي يكتسبونها في أنفسهم من الحركات والاعتمادات؟. # قيل له أنكرنا ذلك لأجل أنه لو كانت هذه الحوادث اكتسابا للعبد لم تخل من ~~أن يكون فاعلها من الخلق قادرا عليها أو غير قادر عليها. # فإن كان غير قادر عليها صح وقوع جميع أفعاله منه وهو غير قادر عليها. # لأنه ليس بعض الأفعال بالغنى عن كون فاعلها قادرا عليه بأولى من غنى ~~سائرها عن ذلك كما أنه لو جاز وأمكن وقوع بعض الأفعال لا من فاعل لجاز ذلك ~~في جميعها ولم يكن بعضها بالغنى عن فاعل أولى من بعض. وإذا كان ذلك كذلك لم ~~يجز أن يكون فاعل هذه الأمور من الخلق غير قادر عليها. # وإن كان الفاعل لها قادرا عليها فلا يخلو أن يكون قدر عليها في حال ~~وجودها أو في حال وجود أسبابها التي تقدمتها. PageV00P335 # فإن كان قادرا عليها في حال وجودها فلا يخلو أن يكون قدر عليها بالقدرة ~~على سبيها المتقدم على وجود المسبب أو بقدرة توجد معها في حالها. # فإن كان قادرا عليها بالقدرة على سبيها وقد تكون مخالفة لأسبابها فسد ذلك ~~من وجهين. # أحدهما ما ذكرنا وبيناه قبل هذا الباب من استحالة تقدم القدرة على الفعل ~~ووجودها مع عدمه وكونها قدرة على ما يوجد بعد وجودها. # والوجه الآخر ما ذكرنا أيضا سالفا من استحالة تعلق القدرة المحدثة ~~بمقدورين مثلين أو ضدين أو خلافين ليسا بضدين. وإذا فسد ذلك بما شرحناه ~~استحال أن تكون هذه الحوادث مقدورة للعبد بالقدرة على ما هو عند القوم سبب ~~لهما. # وإن كان العبد قادرا على هذه الحوادث بقدرة تقارنها وتوجد معها وتكون ~~قدرة عليها كالقدرة على المباشرة من الأفعال بطل ذلك من ms190 وجوه على قولنا ~~وقولهم. # فأما وجه بطلانه على قولنا فهو أنه لو صح أن يقدر منا على هذه الحوادث ~~بقدرة توجد معها لم يحتج مع وجود تلك القدرة عليها إلى وجود سبب لها تتولد ~~عنه ولصح أن يفعلها بالقدرة مع عدم الأسباب كما لا يحتاج في كونه مكتسبا ~~للمقدورات المباشرات من مقدوراته في نفسه إلى وجود أسباب لها تتولد عنها. ~~لأنه لا دليل يلجىء إلى ذلك ويوجبه PageV00P336 # مع وجود القدرة عليها كما أنه لا دليل يوجب أن لا يفعل العبد المباشرات ~~من مقدوراته في نفسه إلا بأسباب تتولد عنها وكما أنه لا دليل أيضا يوجب أن ~~لا يفعل القديم ما قدر عليه إلا بأسباب تولده وتوجبه. وهذا يبطل كونها ~~متولدة ويدخلها في معنى المباشرة من الأفعال. # والوجه الآخر أنه لو كان الفاعل لهذه الأسباب قادرا عليها بقدرة تقارنها ~~لصح أيضا أن يقدر على أضدادها بدلا من القدرة عليها بقدرة تقارنها. فكان ~~يجب أن تصح قدرة العبد على تسكين الحجر والسهم وحبسهما متى لم يكن قادرا ~~على تحريكهما وأن لا يصح خلوه من فعل الحركة والسكون في جسم غيره إذا لم ~~يكن ميتا ولا عاجزا لأن من صحت قدرته على الشيء وقدرته على ضده لم ينفك من ~~القدرتين جميعا على الضدين إلا بالعجز عنهما أو بالموت المخرج للميت عن صحة ~~كونه قادرا على شيء أصلا. وفي العلم بأن العبد قد يخلو من القدرة على تحريك ~~جسم غيره وتسكينه مع كونه حيا سليما غير عاجز ولا مؤوف دلالة على فساد هذا ~~القول. وعلى أنه لو صح أن يقدر العبد على تحريك ما قرب منه من الأجسام وعلى ~~تسكينه بغير سبب لصح أن يقدر على تحريك الجسم وتسكينه بغير سبب إذا كان هو ~~بمدينة السلام والجسم بأقصى تخوم خراسان. ولو صحت قدرته على ذلك لصحت قدرته ~~على ذلك في سائر الأجسام ولم يكن بعضها أولى من بعض. وفي فساد ذلك دليل على ~~سقوط هذا القول. PageV00P337 # وأما ما يدل على فساد ذلك على قولهم ms191 فهو أنه إذا قدر على المتولد بقدرة ~~توجد معه صحت القدرة على الموجود في حال وجوده وذلك باطل عندهم وخرجت هذه ~~الحوادث أيضا عن أن تكون متولدة ولحقت بالمباشرة من الأفعال إذا لم يكن ها ~~هنا دليل يلجىء إلى حاجتها إلى الأسباب مع وجود القدرة عليها. وكما أنه لا ~~تحتاج عندهم في حال وجودها إلى قدرة عليها فكذلك لا تحتاج إلى سبب يولدها ~~ولو لم تحتج إلى الأسباب لصح أن أحرك الجسم وإن لم أفعل سببا لتحريكه ولوجب ~~أن أسكنه إذا لم أحركه وذلك باطل. وإذا كان ذلك كذلك فقد فسد كون القادر ~~منا قادرا على هذه الحوادث بقدرة توجد معها أو قبلها. # فإذا فسد ذلك بطل أن تكون أفعالا للعبد إذا كان لا بد من كونه قادرا على ~~ما هو فعل له. وهذا يبطل ما قالوه بطلانا ظاهرا. # ثم يقال لهم ما الدليل على أن هذه الحوادث أفعال للعباد؟ # فإن قالوا الدليل على ذلك أنا نجدها واقعة عند وجود هذه الأسباب وبمقدار ~~قصد العبد إليها وبحسب قدرته عليها وكونها تابعة في الوجود لأسبابها. لأن ~~الإنسان إذا أراد اليسير من إيلام غيره وحركته دفعا يسيرا وضربه ضربا ~~رفيقا. وإذا أراد الكثير من إيلامه وتحريكه ضربة الضرب الشديد فكان عند ذلك ~~الألم الكثير. وإذا قصد إلى ذهاب الحجر في جهة منه دفعه في تلك ولم يدفعه ~~في غيرها وكل هذا يدل على PageV00P338 # أن هذه الحوادث فعل للعبد الفاعل لما يكون عنده من هذه الأمور. # يقال لهم لم قلتم ذلك وما دليلكم عليه ففي نفس هذا خالفناكم فلا تجدون ~~فيه متعلقا سوى الدعوى. # ثم يقال لهم فيجب على موضوع اعتلالكم لو أجرى الله العادة بفعل سكون ~~الحبل وحبس الحجر في مكانهما عند مباينة يد الإنسان لهما وترك اعتماده ~~عليهما وفعل تحريكهما وخروجهما عن المكان عند مماسة يد الإنسان لهما ~~واعتماده عليهما حتى يحبس الحجر في مكانه ويسكنه كلما فارقه العبد وباينه ~~ويخرجه عن المكان ويفعل ذهابه كلما ماسه واعتمد عليه وقصد حبسه ms192 في المكان ~~أن يكون ذهاب الحجر عن المكان وحركته متولدا عن مباينة يده له وترك اعتماده ~~عليه وذهابه وخروجه عن المكان متولدا عن مماسة يده له واعتماده عليه في جهة ~~المكان وقصده إلى حبسه فيه إذا فعل الله ذلك أبدا على وتيرة واحدة وأجرى به ~~العادة لأن ذلك مقدور عندنا وعندكم. # وكذلك لو أجرى العادة بأن يفعل الألم الشديد العظيم عند الضرب اليسير ولا ~~يفعل الألم العظيم الكثير عند شديد الضرب بل يفعل ما ينافيه من اللذات لوجب ~~أن يكون يسير الضرب مولدا لعظيم الألم وشديده مولدا ليسيره. ولو أجرى ~~العادة بأن يفعل اجتماع أجزاء الكون ومجاورتها عند الزجة وتفرق أبعاضه ~~ومباينتها عند إمساكه الرفيق في اليد PageV00P339 # وحبسه لوجب أن يكون الكسر متولدا عن حبسه في اليد والصحة والاجتماع ~~والمجاورة متولدا عن دفعه وزجه إذا أجرى العادة بأن يجعل ذلك على وتيرة ~~واحدة. فإن مروا على هذا تجاهلوا وتركوا قولهم وإن أبوه وقالوا لو أجرى ~~العادة بفعل ذلك لم تكن هذه الأسباب مولدة لما سألتم عنه أبطلوا دليلهم ~~إبطالا ظاهرا. # وإن قالوا هذا مما لا يجوز أن يفعله الله لأن فيه لو فعله إفسادا للأدلة. # قيل لهم هذا جهل عظيم منكم لأنه لو كان ما ذكرتموه دليلا عقليا صحيحا لم ~~يجز فساده بفعل من الأفعال يخرج إلى الوجود كما أنه لا يجوز إفساد دلالة ~~تعاقب الأعراض على الأجسام على حدوثها بفعل يخرج إلى الوجود. وكل ما جوزنا ~~فساده يوما ما من الأدلة العقلية خرج عن أن يكون دليلا. # ثم يقال لهم ويجب على اعتلالكم هذا أن يكون حدوث الموت عند ضرب العنق ~~واللذة عند الحكة واللون عند الضرب والبياض والصلابة في الدبس عند سوطه ~~والصحة عند الشد والجبر PageV00P340 # وحدوث النماء عند السقي والتسميد فعلا لضارب العنق وفاعل الحكة وسائط ~~الدبس ومسقي الزرع ومسمده. وكذلك الشبع والري والإسكار يجب أن يكون فعلا ~~للآكل والشارب. فإن مروا على هذا أجمع تركوا قولهم لأنه ليس منهم من يجمع ~~بين جميع هذه الأقاويل. وإن ms193 أبوه أو شيئا منه نقضوا اعتلالهم نقضا ظاهرا. ~~وبالله التوفيق باب الكلام في خلق الأفعال إن قال قائل لم قلتم إن الباري ~~عز وجل خالق لجميع أفعال العباد؟. PageV00P341 # قيل له الدليل على ذلك من جهة العقول أنه تعالى قادر على جميع الأجناس ~~التي يكتسبها العباد فإذا ثبت من قولنا جميعا أنه قادر على فعل مثل ما ~~يكتسبه العباد على الوجه الذي يوجد عليه كسبهم وجب أنه قادر على نفس كسبهم. ~~لأنه لو لم يقدر عليه مع قدرته على مثله لوجب عجزه عنه واستحالة قدرته على ~~مثله. فثبت بذلك أن أفعال الخلق مقدورة له فإذا وجدت كانت أفعالا له. لأن ~~القادر على الفعل إنما يكون فاعلا له إذا حصل مقدوره موجودا وليس يحصل ~~المقدور مفعولا إلا لخروجه إلى الوجود فقط. فدل ما قلناه على خلق الأفعال. # ومما يدل أيضا على خلق أعمال العباد علمنا بوقوعها على أحكام وأوصاف ~~وحقائق لا يعلمها العباد من نحو كونها أعراضا وأجناسا مختلفة وأدلة على ما ~~هي أدلة عليه وموجودة على صفة دون صفة مع العلم بجحد كثير منهم للأعراض ~~وإنكار الأدلة عليها والجهل بحقائق ما وقعت عليه الأفعال والصفات التي هي ~~عليها. وليس يجوز أن يخلقها على الحقائق والأحكام والأوصاف التي قدمنا ~~ذكرها الساهي عنها والجاهل بحقائقها ومن ليس بقاصد إلى إيجادها. لأن ذلك لو ~~جاز لجاز وقوع جميع المخلوقات من فاعل هذه سبيله ولاستغنى جميعها عن أن ~~يكون فاعلها عالما قاصدا كما أنه لو جاز وقوع بعضها من غير فاعل لجاز ذلك ~~في جميعها. وهذا يوجب بطلان دلالة شيء من الخلق على علم فاعله وقصده تعالى ~~عن ذلك فثبت أن الخالق لضروب الأفعال هو الله العالم بحقائقها والقاصد إلى ~~إيجادها. PageV00P342 # ومما يدل على ذلك أيضا من القرآن قوله تعالى «والله خلقكم وما تعملون». # فأخبر أنه خالق لنفس عملنا كما قال «جزاء بما كانوا يعملون» فأوقع الجزاء ~~على نفس أعمالهم. # فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون أراد أنه خلق الأصنام التي عملوا فيها؟. # قيل لهم ms194 الأصنام أجسام والأجسام لا يجوز أن تكون أعمالا للعباد على ~~الحقيقة. # فإن قالوا أليس قد قال تعالى «تلقف ما يأفكون» وهي لم تلقف إفكهم؟. # قيل لهم أجل لأن الله تعالى ما ذكر إفكهم بل ذكر مأفوكهم لأن ما يأفكون ~~هو المأفوك كما أن ما يأكلون ويشربون ويضربون هو المأكول والمشروب ~~والمضروب. وكذلك قوله «أتعبدون ما تنحتون» لم يعرض تعالى فيه لذكر النحت ~~وإنما ذكر المنحوت لأن ما ينحتون هو منحوتهم لا نحتهم فبطل تعلقهم ~~وتعليلهم. # ويدل على ذلك أيضا من القرآن قوله عز وجل «وقدرنا فيها السير سيروا فيها ~~ليالي وأياما آمنين» والتقدير منه هو خلق الشيء PageV00P343 # وجعله على مقدار ما وإيقاعه بحسب قصده وإرادته. # ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى «ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم» يريد تعالى باختلاف الألسن عند كافة أهل التأويل اختلاف ~~اللغات والكلام بالألسن ولم يرد اختلاف مقاديرها لأنه يبطل معنى تخصيص ~~اختلاف الألسن بكونه آية له فلما كان كلامنا المختلف من آياته وجب أن يكون ~~خلقا له تعالى. # ويدل ذلك أيضا على قوله تعالى «وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير». يقول تعالى كيف لا أعلم ما ~~تسرونه وتخفونه من القول وأنا الخالق له لأن خلقه لموضع القول لا يدل عندنا ~~وعندهم على العلم بما فعل فيه كما لا يدل عندهم بناء الدار وعمل الطوب على ~~علم فاعله بما أودعه غيره وجعله فيه. والله تعالى جعل كونه خالقا دليلا على ~~علمه فيجب أن يكون إنما عنى خلقه نفس القول دون خلقه مكانه وموضعه. # ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى «هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء ~~والأرض». ففي أن يكون خالقا غيره كما نفى إلها غيره في قوله «من إله غير ~~الله يأتيكم بليل تسكنون فيه». PageV00P344 # فإن قالوا إنما نفى خالقا غيره يرزق من السماء والأرض. # قيل لهم وكذلك إنما نفى إلها غيره يأتي بليل تسكنون فيه. فإن مروا على ~~هذا فارقوا ms195 الدين وإن أبوه أبينا تأويلهم. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى ~~«والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون». وقد عبدت الإنس ~~الملائكة وقد نفى الله تعالى أن يكونوا خالقين لشيء على وجه. # ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم. فحكم تعالى بشرك من ادعى أنه يخلق كخلقه ومن أثبت ذلك لأحد من ~~خلقه. فلو كان العباد يخلقون كلامهم وحركاتهم وسكونهم إرادتهم وعلومهم وهذه ~~الأجناس أجمع كخلقه ومن جنس ما يوجده لكانوا قد خلقوا كخلقه وصنعوا كصنعه ~~ولتشابه على الخلق خلقه وخلقهم تعالى عن ذلك!. # ذكر شبه لهم ونقضها قد قالوا لو كانت أفعالنا خلقا لله لكانت مقدورة لنا ~~وله. ولو كان ذلك كذلك لجاز أن نفعلها ويتركها هو أو نتركها ويفعلها فيكون ~~الشيء الواحد مفعولا متروكا. PageV00P345 # قيل لهم هذا باطل لأن الإنسان لا يقدر على الفعل إلا في حال وجوده فلا ~~يجوز أن يتركه في حال قد وجد فيها. ولا يجوز أيضا أن يتركه الله في تلك ~~الحال لأنه هو الموجد لعينه دون العبد الذي يكسبه فلو تركه لم يكن موجودا. # فإن قالوا الدليل على أن أفعالنا خلق لنا كونها واقعة بحسب قصودنا ~~وإرادتنا وامتناعنا منها إذا شئنا. # قيل لهم ما أنكرتم أن يكون الله هو الخالق لها والخالق لقصودكم إليها وهو ~~التارك لخلقها في حال انصرافكم عنها وإعراضكم عن القصد إلى اكتسابها فلا ~~يجدون في ذلك متعلقا. # فإن قالوا الدليل على أنه لا يجوز أن تكون أفعالنا خلقا لله تعالى أنه لو ~~كان هو الخالق لها لم يصح أمره بها ونهيه عن بعضها وإثابته على الحسن ~~الجميل منها وعقابه على القبيح من جملتها. # قيل لهم لم قلتم ذلك فلا يجدون في ذلك وجها. # ثم يقال لهم ما أنكرتم أن لا يكون الله تعالى آمرا لأحد من خلقه بخلق شيء ~~من الأفعال ولا ناهيا له عن ذلك ولا مثيبا لأحد على أن خلق شيئا ولا معاقبا ~~له على ذلك ms196 لأن الخلق مستحيل من العبد وأن يكون إنما أمر باكتساب ما خلقه ~~ونهى عن ذلك وأثاب وعاقب وذم ومدح ووعد وتوعد على أن اكتسب العبد ما نهى ~~عنه وأمر به فقط بل ما أنكرتم أن يكون إنما جعل هذه الأفعال علما على إثابة ~~من أحب إثابته وعقاب من أحب عقابه فقط؟. PageV00P346 # فإن قالوا لا نعقل معنى قولكم اكتسب الفعل حتى نعقل الأمر به والنهي عنه. # قيل لهم معنى الكسب أنه تصرف في الفعل بقدرة تقارنه في محله فتجعله بخلاف ~~صفة الضرورة من حركة الفالج وغيرها. وكل ذي حس سليم يفرق بين حركة يده على ~~طريق الاختيار وبين حركة الارتعاش من الفالج وبين اختيار المشي والإقبال ~~والإدبار وبين الجر والسحب والدفع وهذه الصفة المعقولة للفعل حسا هي معنى ~~كونه كسبا. فلا معنى لدعواكم أن ما نقوله غير معقول. # فإن قالوا الدليل على أن الله غير خالق لأفعال العباد أن منها الظلم ~~والجور والفساد. فلو كان خالقا لها لكان بخلق الظلم والجور والسفه ظالما ~~جائرا سفيها. فلما لم يجز ذلك صح ما قلناه. # يقال لهم لم قلتم إن هذا واجب وما دليلكم عليه؟. # فإن قالوا لأن فاعل الظلم منا ظالم وفاعل الجوز منا جائر. # قيل لهم: ما أنكرتم أن يكون فاعل الظلم والجور منا ظالما جائرا لأنه منهي ~~عنه وفاعل له في نفسه ولنفسه والقديم تعالى يخلق الظلم والجور والسفه جورا ~~وظلما وسفها لغيره لا لنفسه ولا في نفسه. وهو PageV00P347 # تعالى غير مأخوذ بذلك ولا مطالب بتركه ولا مخالف بفعله أمر من يلزمه ~~طاعته والانقياد له. فبطل ما قلتم. # ثم يقال لهم: إن وجب أن يكون الباري بفعل الظلم ظالما قياسا على الشاهد ~~وجب أن يكون بفعل الإرادة لغيره مريدا وبفعل فساد الزرع ودم الحيض الذي هو ~~أدى كما أخبرنا مريدا مؤذيا مفسدا لأن فاعل الإرادة والأذى والفساد منا ~~مفسد مؤذ مريد. فإن مروا على ذلك فارقوا الدين وإن أبوه لعله ما تركوا ~~التعلق بالوجود. # ويقال لهم فيجب على اعتلالكم أن يكون ms197 الباري سبحانه بخلقه حركة غيره ~~وموته وحياته وعلمه وجهله وصحته وسقمه وجنونه وهوسه ولونه وضرورته متحركا ~~متلونا وحيا وميتا ومضطرا وصحيحا وسقيما. فإن مروا على ذلك فارقوا الدين ~~وإن أبوه تركوا اعتلالهم. # ويقال لهم قولنا ظالم وجائر إنما أخذ في اللغة من جار وظلم ولم يؤخذ من ~~فعل الجور والظلم كما أن قولنا ضارب ومتلون ومتحرك إنما أخذ من قولنا تحرك ~~وضرب وتلون لا من خلق الحركة والضرب واللون وفعل ذلك. فكما جاز أن يخلق ~~الحركة واللون والضرب من ليس بضارب متلون متحرك جاز أيضا أن يخلق الظلم ~~والجور من ليس بظالم ولا جائر. ولا جواب عن ذلك. PageV00P348 # باب ذكر آيات من القرآن يحتج بها القدرية في أن العباد يخلقون أفعالهم ~~وإن استدلوا بقوله تعالى «وتخلقون إفكا» فالجواب عنه أنه تعالى عنى إنكم ~~تختلقون كذبا أي تتخرصون وتكذبون كذبا. فالخلق يكون بمعنى الكذب والاختلاق. ~~ومنه قوله تعالى «إن هذا إلا اختلاق» و «إن هذا إلا خلق الأولين» يعنون ~~كذبهم. وقولهم هذا حديث مخلوق يريدون به هذا المعنى. # وإن استدلوا بقوله عز وجل «وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني». # فالمراد بذلك إنك تقدر بقلبك وتصور بيدك. والخلق يكون بمعنى تقدير القلب ~~وفكرته ويكون معناه تصوير اليد وحركاتها واعتماداتها التي يخلق عنده أشكال ~~ما ماسته اليد وباشرته. ونحن لا ننكر أن يكون عيسى عليه السلام مفكرا بقلبه ~~ومحركا ليده وجوارحه حركات وفكرا يخلق الله عنده اجتماع المصدورات من ~~الأجسام. PageV00P349 # قال الشاعر زهير: # ولأنت تفري ما خلقت * وبعض القوم يخلق ثم لا يفري يعني تمضي ما قدرت ~~ومنهم من يقدر ثم لا يمضي. وقال آخر: # ولا ينيط بأيدي الخالقين ولا * أيدي الخوالق إلا جيد الأدم يريد أيدي ~~المقدرين للأدم بأيديهم وقلوبهم. # وإن استدلوا بقوله تعالى «فتبارك الله أحسن الخالقين» فالجواب عنه أنه ~~تعالى عنى وهو أعلم أحسن المقدرين تقديرا وأحسن المصورين تصويرا. يقول إن ~~تصويره ألطف وأحسن من تصويرهم وإن تقديره التي هي إرادته وقصده أصوب من ~~تقديرهم وارتيائهم. # ويحتمل أن يكون ms198 الله تعالى لما ذكر نفسه مع غيره الذي ليس بخالق سماهم ~~باسمه مجازا واتساعا كما قالوا عدل العمرين يعنون أبا بكر وعمر. وكما قالوا ~~الأسودان يعنون الماء والتمر. وكما قال الشاعر: # أخذنا بآفاق السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع يعني الشمس ~~والقمر. فكذلك قوله الخالقين والخالق منهم واحد. PageV00P350 # فإن قالوا الألف الذي في قوله أحسن ألف مبالغة لا يدخل في مثل هذا الكلام ~~إلا للاشتراك وإيقاع التفاضل في الوصف. # قيل لهم الأصل في هذه الألف كما زعمتم. إلا أنها قد تجيء للإفراد بالوصف ~~وتكذيب دعوى من ادعى مشاركة ما ليس له الوصف لما هو له نحو قوله تعالى ~~«آلله خير أما يشركون» على وجه التكذيب لدعواهم الخير فيما يشركون به وقول ~~حسان بن ثابت: # أتهجوه وليست له بند * فشركما لخيركما الفداء يعني إن كان في هجاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم خير على ما ادعاه. # وكذلك قول الفرزدق: # إن الذي رفع السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول يريد إن كان بيت ~~جرير عزيزا طويلا على ما يدعيه. وكذلك قوله تعالى «وهو أهون عليه» يعني ~~عندكم وفي اعتقادكم وظنونكم أن ابتداء الشيء على كل فاعل أهون عليه من ~~إعادته. فكذلك PageV00P351 # قال «وله المثل الأعلى» فكذلك لما علم الله أن قوما ادعوا مع الله خلقا ~~غيره منكم وممن سلف من إخوانكم قال «فتبارك الله أحسن الخالقين» الذي ادعى ~~المبطلون أنهم يخلقون فسقط ما توهموه. # فإن قالوا أفليس قد قال الله تعالى الذي أحسن كل شيء خلقه فكيف يكون ~~القبيح من خلقه وليس بحسن قيل لهم ليس أحسن من معنى حسن بسبيل وإنما معنى ~~أحسن أنه يحسن ويعلم كيف يخلق كما يقال فلان يحسن الظلم ويحسن السفه ويحسن ~~فعل الخير والجميل أي يعلم كيف يفعل ويعرفه. وليس معنى قولهم يحسن القبيح ~~والسفه أنه يجعل ذلك حسنا فبطل ما قلتم. # فإن قالوا أفليس قد قال الله عز وجل وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا وقال «وما خلقنا السماوات ms199 والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق». والباطل من أفعال العباد ليس بحق. # قيل لهم معنى ذلك أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما وهو لا يريد ~~إثابة المتقين الطائعين ولا مجاراة المسيئين المذنبين والكافرين على ما ~~يتوهمه من زعم أنه لا حشر ولا نشر ولا ثواب ولا عقاب. فلذلك قال تعالى «ذلك ~~ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار» يعني من إنكارهم الثواب والجزاء ~~والعقاب. PageV00P352 # وقوله «وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق» يعني أنه ما خلق ~~ذلك إلا بقوله وكلامه الذي هو الحق. ويمكن أن يكون عنى إني ما خلقتهما ~~ظالما لخلقهما ولا تجاوزت بفعلهما أمر آمر ولا زجر زاجر. ويحتمل أن يكون ~~عني إني ما خلقتهما وكلفت أهلهما إلا وأنا مريد لإثابة الطائعين وعقوبة ~~العاصين. # مسألة فإن قالوا أفليس قد قال الله «ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت» فيكف ~~يجوز أن يكون خالقا للكفر والقبائح وهي أفعال فاسدة متفاوتة؟. # يقال لهم إن الله تعالى خبر أنه لا يرى في خلق السماوات من تفاوت لأنه ~~قال «خلق سبع سماوات طباقا» يعني بعضها فوق بعض «ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت» يعني السماوات والأرض ثم قال «فارجع البصر» يعني في السماء «هل ترى ~~من فطور» يعني من صدوع وشقوق يريد الإخبار عن إتقان فعلها وعجيب صنعها. ~~والكفر لا فطور فيه ولا شقوق ولولا الجهل ما تعلقوا بمثل هذا التأويل. # مسألة فإن قالوا فما معنى قول الله تعالى أن الله بريء من PageV00P353 # المشركين) وتبرئة من شركهم؟. # قيل لهم إن الله تعالى لم يعرض في هذه الآية لذكر الشرك بتول له ولا تبرو ~~منه. وإنما قال «براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين» إلى ~~قوله أن الله بريء من المشركين ورسوله يعني من العهود والمواثيق التي كانت ~~بينهم وبين رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قال «إلا الذين عاهدتم عند المسجد ~~الحرام». فيجب على تأويلهم ألا يكون قد برئ من شرك الذين عاهدوا منهم وهذا ~~جهل من ms200 قائله. # ويقال لهم فيجب على تأويلكم أن تكون براءة الرسول منهم براءة من خلق ~~فعلهم وهذا جهل لا يقوله أحد. فدل ذلك على أن التأويل ما ذكرناه. # ثم يقال لهم فيجب أن يدل قوله تعالى «الله ولي الذين آمنوا» على أنه متول ~~لخلق برهم وإيمانهم فإن مروا على هذا تركوا دينهم وقالوا بالحق وإن أبوا ~~هذا التأويل أبطلوا استدلالهم وتعلقهم مسألة وإن قالوا فما معنى قوله يلوون ~~ألسنتهم بالكتاب PageV00P354 # لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من ~~عند الله؟. # قيل لهم معنى ذلك أنهم كذبوا التوراة وحرفوها وكتموا صفة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وآله والبشارة به وادعوا أن الله تبارك وتعالى كذلك أنزل التوراة ~~وتعبدهم أن يقولوه. فأنكر الله ذلك وقال وما هو من عند الله أي لم أنزل ~~التوراة كذلك ولا تعبدتهم بالإخبار بما أخبروا به. ولم تكن المناظرة في خلق ~~الأفعال فيكون للجهال في ذلك متعلق مسألة فإن قالوا فما معنى قوله فوكزه ~~موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان فكيف لم يقل هذا من عمل الرحمن؟. # قيل لهم لا خلاف بين الأمة أن وكز موسى القبطي ليس من عمل الشيطان وخلقه ~~فلا تعلق لكم في الظاهر. وإنما أراد عليه السلام أنه من جنس الشر الذي ~~يفعله الشيطان وأنه من دين الشيطان ومما يأمر به ويدعو إليه وأنه ليس من ~~دين الرحمن ولا مما تعبد به ودعا إليه وضمن الثواب عليه. ولم يرد إخراج ~~الباري عز وجل عن الخلق وإثبات شريك له فيه من شيطان أو غيره. لأن هذا شرك ~~من قائله وهو نبي يجل PageV00P355 # عن هذه الصفة وهذا هو معنى قول أبي بكر الصديق وابن مسعود وغيرهما من ~~الصحابة وإن يكن خطأ فمن الشيطان. # مسألة فإن قالوا فما معنى قوله «وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله»؟. # قيل لهم معنى ذلك إلا ليطيعه من في المعلوم أنه يطيع وينقاد دون من علم ~~أنه لا يطيع ولا ينقاد ms201 ويمكن أن يكون التأويل في ذلك إلا ليأمر بطاعته ~~والانقياد له فيكون معنى إلا ليطاع إلا ليأمر بطاعته جميع المكلفين لا لتقع ~~الطاعة من جميعهم مسألة فإن قالوا فما معنى قوله تعالى «وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون» قيل لهم أراد بعض الجن والإنس وهم الذين علم أنهم ~~يعبدونه. لأنه قال تعالى في آية أخرى «ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس» أي إنه خلق لجهنم كثيرا من الجن والإنس. # فإن قالوا معنى ذلك إنا سنذرأ. PageV00P356 # قيل لهم وقوله «إلا ليطاع بإذن الله» يعني في الآخرة وقوله «ليعبدون» ~~يعني في المعاد. وإن عبادته والاعتراف به والتصديق له يقع في الآخرة ~~اضطرارا وإن كان من جنس الطاعة إذا وقع اختيارا. ويمكن أيضا أن يكون المراد ~~بقوله «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» أي ما خلقتهم إلا لآمرهم بعبادتي ~~ويكون المقصود بالأمر بالعبادة من بلغ حد التكليف من عقلاء الجن والإنس دون ~~غيرهم. فسمى الأمر بالعبادة عبادة لما بينهما من التعلق. وهذا أيضا ليس ~~ببعيد في التأويل. # مسألة وإن سألوا فقالوا ما معنى قوله «وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى ~~على الهدى»؟. # قيل لهم معنى ذلك أن قوما من أصحاب ثمود آمنوا فاهتدوا ثم ارتدوا عن ~~الإيمان وكفروا واستحبوا العمى على الهدى. ويمكن أن يكون أراد أنه هدى ~~فريقا من ثمود فاستحب فريق منهم آخر العمى على الهدى. لأن الله تعالى أخبر ~~أنهم فريقان فقال عز من قائل «ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا ~~الله فإذا هم فريقان يختصمون». PageV00P357 # مسألة فإن قالوا فما معنى قوله «ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان» فكيف يكون خالقا لمحبة الكافرين ~~لكفرهم؟. # يقال لهم هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين المستحبين الراشدين كما وصفتهم ~~الله وليس المراد به الكافرين وسائر المكلفين. # مسألة فإن قالوا فما معنى قوله عز وجل «لا يسأل عما يفعل وهم يسألون» وهم ~~لم يفعلوا عندكم شيئا قيل لهم معنى ذلك أنهم يسألون عما يكسبون ولا ms202 يسأل هو ~~تعالى عما يخلق لأنه لا آمر فوقه ولا تكليف عليه فيما يخلق وعليهم الأمر ~~والتكليف فيما يكسبون. # مسألة فإن قالوا وكيف يكون الباري سبحانه خالقا لمعاصي العباد وسيئاتهم ~~وقد قال «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك» فالله ~~يتعالى أن تكون السيئة من عنده؟. # يقال لهم: أول ما في هذا أنه يجب على موضوع تعلقكم بالآية أن PageV00P358 # يكون خالقا للطاعات والحسنات من أفعال العباد لإضافتها إلى نفسه وهذا ما ~~تكرهون. # ثم يقال لهم هذه الآية دلالة على فساد قولكم لأنها إنكار عليكم وعلى من ~~دان بدينكم. وذلك أن القوم كانوا يضيفون الحسنات إلى الله تعالى ويضيفون ~~السيئات إلى أنفسهم. وكانوا إذا أصابهم الرخاء والخير أضافوه إلى الله ~~وبرأوا الرسول منه. وإذا أصابهم الجدب والشدة أضافوا ذلك إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقالوا هذا منه وبشؤوم طائره. فأنكر الله تعالى ذلك من ~~قولهم فقال على سبيل التعجب من قولهم والتفنيد لهم «إن تصبهم حسنة يقولوا ~~هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك». ثم قال ردا لهم «قل ~~كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما أصابك من حسنة ~~فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك» تعجبا من قولهم هذا. # وفي هذا الكلام حذف لا بد منه وتقدير الكلام: # يقولون «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك». فحذف ~~يقولون اقتصادا على شاهد الحال ومفهوم الخطاب والعلم بسبب إنزال هذا ~~الكلام. وهو جار مجرى قوله عز PageV00P359 # وجل «ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا» أي يقولون ~~ما خلقت هذا باطلا وقوله تعالى «والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم» ~~أي: # يقولون أخرجوا أنفسكم وقوله تعالى «فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمانكم» أي: # يقال لهم أكفرتم بعد إيمانكم ومتى لم يقدر هذا الحذف بطل الكلام ومعناه. # ومما يدل على صحة هذا التأويل الذي ذكرناه إضافة الله تعالى السيئة ~~والحسنة اللتين ms203 ذكرهما إلى نفسه دون النبي صلى الله عليه وسلم وإخبارهم بأن ~~الحسنة والسيئة نازلتان بهم. ولا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ~~خالقا لما أضافوه من السيئات والحسنات عند أحد من الأمة ولا أن يكون الله ~~خالقا لحسناتهم التي اكتسبوها عند المعتزلة. فصح بذلك ما قلناه في تأويل ~~الآية. # مسألة فإن قالوا فإذا قلتم إن الله تعالى خلق شتم نفسه وشتم رسله وبغض من ~~أبغض من عباده له ولرسله وسبه لهما فما أنكرتم أن PageV00P360 # يكون الله تعالى أهلا للشتم والعداوة والبعض ومستحقا لذلك؟. # قيل لهم لا يجب ذلك كما لا يجب عندنا وعندكم إذا خلق سبحانه القدرة على ~~شتمه وشتم رسله والبغض له ولهم أن يكون هو تعالى ورسله أهلا للشتم والعداوة ~~والبغض له ولهم أن يكون هو تعالى ورسله أهلا للشتم والعداوة والبغض وكما لا ~~يجب إذا خلق الجنون والإقدار والإتيان أن يكون أهلا لما خلقه وإذا خلق عذاب ~~الكافرين ومحن الممتحنين أن يكون أهلا لأن يعذب ويمتحن تعالى عن ذلك وكما ~~لا يجب عندكم إذا خلق الإنسان الطاهر الوالدين شتم نفسه وأبويه وخلق قتل ~~نفسه أن يكون أهلا لأن يشتم وأن يشتم أبواه وأن يكون مستحقا للشتم له ولهما ~~ولقتل نفسه. وليس كل فاعل لشيء يجب كونه مستحقا له وأهلا له فسقط ما ~~قلتموه. # ويقال لهم فيجب أن يكون الباري سبحانه خالقا لحب المحبين له ولرسوله ~~وثنائهم عليهما ومدحهم لهما لأنهما أهلان لذلك فإن لم يجب ذلك لم يجب ما ~~قلتم. # فإن قالوا وإذا قلتم إن الله تعالى يضل عن الدين فلم لا يجوز أن يظهر ~~المعجزات على أيدي الكذابين ليضل عن الدين؟. # قيل لهم لأن في فعله لذلك إيجاب تعجيزه عن أن يدلنا على صدق PageV00P361 # الصادقين والفرق بينهم وبين الكذابين. وليس ذلك واجبا في خلق غيره من ~~الضلالة. # فإن قالوا فإذا أجزتم فعل القديم لجميع ما يقبح منا وإن لم يقبح ذلك منه ~~فأجيزوا عليه الكذب في خبره ولا يكون ذلك منه قبيحا. # قلنا إنما ms204 نحيل عليه كما نحيل عليه العجز والسهو لقيام الدليل على أنه لم ~~يزل متكلما قادرا صادقا لا لقبح ذلك منه. # فبطل ما ظننتم. # باب في وجوب تسميتهم قدرية فإن قالوا فلم سميتمونا قدرية؟. قيل لهم ~~لإدعائكم لأنفسكم الكذب الذي لا أصل له من خلق أعمالكم وتقديرها والتفرد ~~بملكها والقدرة PageV00P362 # عليها دون ربكم. وهذا اسم وضع في الشريعة لذم من قال بالكذب في ~~PageV00P363 # خلق الأفعال خاصة ودان بغير الحق. فلما كان ما قدمناه من الأدلة على خلق ~~الأفعال قد أبطل دعواكم وجب أن تكونوا أحق الناس بهذا الاسم. # وقولهم بعد ذلك إنهم ينفون القدر عن ربهم وإننا نحن نثبته فيجب أن نكون ~~أولى بهذه التسمية تمويه منهم. لأنهم ينفون تقدير الأعمال وخلقها عن ربهم ~~ويثبتون ذلك لأنفسهم. وهم كاذبون مبطلون في هذه الدعوى فلزمهم هم اسم الذم ~~لادعائهم غير الحق. # فإن قالوا فالباري سبحانه قد أثبت الخلق والتقدير لنفسه واثبتموه أنتم له ~~فيجب أن تكونوا بذلك قدرية قيل لهم لا يجب ما قلتم لأن الله تعالى صادق محق ~~في إثبات الخلق والتقدير لنفسه وكذلك نحن صادقون محقون في إضافة ذلك إلى ~~الله تعالى فلم يلزمنا اسم الذم. وأنتم مبطلون في دعواكم لهذه الأمور. # فإن قالوا فأنتم تكثرون ذكر القدر والقول بأن كل شيء قضاء وقدر فيجب لزوم ~~هذا الاسم لكم. # قيل لهم نحن محقون في هذا القول ولا يلزم المحق اسم PageV00P364 # الذم. وأنتم تكثرون ذكر تقديركم لأفعالكم وتفردكم بملكها وخلقها وتكذبون ~~وتفترون في هذه الدعوى فوجب لزوم الاسم لكم. على أنه لو سئل جميع الفرق ~~وعامة الناس وخاصتهم عن القدرية لم يرشدوا إلا إليكم دون كل فرقة من فرق ~~الأمة. وجملة هذا القول أن قدريا نسبة إلى القول بالباطل في القدر. # والقدر يكون بمعنى القضاء ويكون بمعنى جعل الشيء على قدر ما. وقد يقال ~~قدر وقدر مخفف ومثقل والعرب تقول قدرت الشيء وقدرته. قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الهلال (فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين) أي قدروا. وقد قال ms205 ~~الله تعالى «وما قدروا الله حق قدره» وتثقيلها جائز وكذلك قوله فسألت أودية ~~بقدرها. ولو خففت لكان ذلك جائزا شائعا. والعرب تقول قدر الله وقدر الله ~~قال الشاعر: # كل شيء حتى أخيك متاع * وبقدر تفرق واجتماع PageV00P365 # وقال آخر: # وما صب رجلي في حديد مجاشع * مع القدر إلا حاجة لا أريدها يعني بالقدر ~~القدرة. وكل من قال في القدر قولا باطلا لزمه اسم قدري لأنه وضع لذم المبطل ~~باب القول في أن الله قضى المعاصي وقدرها قبيحة على ما خلقها فإن قال قائل ~~أفتقولون إن الله تعالى قضى المعاصي وقدرها كما أنه خلقها وأوجدها؟. ~~PageV00P366 # قيل له أجل نقول ذلك على معنى أنه خلق العصيان وجعله على حسب قصده ولا ~~نقول إنه قضى بذلك بمعنى أنه أمر به. # مسألة فإن قيل فعلى كم وجه ينقسم القضاء؟. # قيل له على وجوه. # منها القضاء بمعنى الخلق. قال الله تعالى «فقضاهن سبع سماوات في يومين» ~~يعني خلقهن. وقال تعالى «فلما قضينا عليه الموت» يعني خلقناه وأوجدناه به. # وقد يكون القضاء بمعنى الإخبار والكتابة والإعلام وكذلك القدر. # قال الله عز وجل وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدون في الأرض ~~مرتين أي أعلمناهم ذلك وأخبرناهم به. وقال في القدر بمعنى التقدير «وقدر ~~فيها أقواتها». # والقدر أيضا بمعنى الخلق. ومنه قوله تعالى «قدر فهدى». # وقد يكون القضاء بمعنى الأمر. قال الله عز وجل: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه» أي أمر ربك. PageV00P367 # وقد يكون القضاء بمعنى الحكم والإلزام وهو مأخوذ من قولهم قضى القاضي على ~~فلان بكذا أي حكم عليه به وحتمه. # فنقول إنه قضى المعاصي وقدرها على كل هذه الوجوه إلا على معنى أنه فرضها ~~وأمر بها وحتم على العباد أن يفعلوها. # باب فإن قال فالقضاء عندكم هو المقضي أو غيره؟. # قيل له هو على ضربين. فالقضاء بمعنى الخلق هو المقضي لأن الخلق هو ~~المخلوق. والقضاء الذي هو الإلزام والإعلام والكتابة غير المقضي لأن الأمر ~~غير المأمور والخبر غير المخبر عنه إذا لم يكن خبرا عن ms206 نفسه أو عما يستحيل ~~مفارقته له على بعض وجوه المفارقات المقتضية للغيرية وكذلك الكتابة غير ~~المكتوب. # باب فإن قالوا أفترضون بقضاء الله وقدره؟. # قيل لهم نرضى بقضاء الله الذي هو خلقه الذي أمرنا أن نريده ونرضاه. ولا ~~نرضى من ذلك ما نهانا أن نرضى به ولا نتقدم بين يديه ولا نعترض على حكمه. # وجواب آخر وهو أننا نقول إنا نرضى بقضاء الله في الجملة على كل حال ~~PageV00P368 # فإن قالوا أفترضون الكفر والمعاصي التي هي قضاء الله. # قيل لهم نحن نطلق الرضى بالقضاء في الجملة ولا نطلقه في التفصيل لموضع ~~الإبهام. كما يقول المسلمون كافة على الجملة الأشياء لله ولا يقولون على ~~التفصيل الولد لله والصاحبة والزوجة والشريك له وكما نقول الخلق يفنون ~~ويبيدون ويبطلون ولا نقول حجج الله تفنى وتبطل وتبيد في نظائر هذا من القول ~~الذي يطلق من وجه ويمنع من وجه. # ثم يقال لهم أوليس قد قضى الله تعالى موت النبي صلى الله عليه وسلم وعجز ~~المسلمين والإقدار على غزوهم وهدم ثغورهم وسبي نسائهم وقضى إعانة الفراعنة ~~والشياطين وسائر الكافرين وتعاونهم واستظهارهم على المسلمين؟. # فإن قالوا أجل. # قيل لهم أفترضون بذلك أجمع؟. # فإن قالوا نعم. # قيل لهم مثله فيما سألوه عنه وخرقوا الإجماع بركوب هذا الإطلاق. # وإن قالوا لا قيل لهم مثله فيما سألونا عنه. PageV00P369 # باب القول في الأرزاق فإن قالوا أفتقولون إن الله يرزق الحلال والحرام؟. # قيل لهم أجل وقد دل على ذلك بقوله «الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ~~ثم يحييكم». فلما كان منفردا بالخلق والإماتة PageV00P370 # والإحياء كان منفردا بتولي الأرزاق. # فإن قالوا فما معنى قولكم إنه يرزق الحرام؟. # قيل لهم تأويل ذلك أن يجعله غذاء للأبدان وقواما للأجسام لا على معنى ~~التمليك والإباحة لتناوله لأن ذلك مما قد أجمع المسلمون على خلافه. وهو ~~تعالى رازق الحلال على الوجهين جميعا. # فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون معنى الرزق هو معنى التمليك؟. # قيل لهم أنكرنا ذلك لإجماع الأمة على أن الطفل مرزوق لما يرتضعه من ثدي ms207 ~~أمه وعلى أن البهائم من ولد النعم مرزوقة لما تتغذى به من لبنها وكذلك هي ~~كلها مرزوقة لما ترتعيه من حشائش الأرض ونباتها وأن البهيمة والطفل لا ~~يملكان ذلك مع كونه رزقا لهما لأنهم متفقون على أن لبن سائر النعم ملك ~~لربها دون سخالها. فبطل ما سألتم عنه. وعلى أنه لو كان الرزق هو التمليك ~~والملك عندهم بمعنى القدرة لكان الباري مملكا للحرام من حيث كان مقدرا على ~~تناوله وعلى أن يكون رازقا له بهذا المعنى ولا مهرب لهم من ذلك. ~~PageV00P371 # باب القول في الأسعار فإن قالوا فخبرونا عن الأسعار غلائها ورخصها من قبل ~~من هو؟. # قيل لهم من قبل الله تعالى الذي يخلق الرغائب في شرائه ويوفر الدواعي على ~~احتكاره لا لقلة ولا لكثرة ولأنه طبع الخلق على حاجتهم إلى تناول الأغذية ~~التي لولا حاجتهم إليها لم يكترث بها ولا فكر فيها. # فإن قالوا أفليس لو حاصر بعض السلاطين أهل حصن أو بلد وقطع الميرة عنهم ~~لغلت أسعارهم وقل ما في أيديهم ولصلح أن يقال إن السلطان أغلى أسعارهم؟. # قيل لهم قد يقع الغلاء عند مثل هذا الحصار. ولكن يقال إن السلطان أغلى ~~أسعارهم مجازا واتساعا كما يقال قد أماتهم السلطان جوعا وضرا وهزلا وقد ~~قتلهم بالحصار. # وهو في الحقيقة لم يفعل بهم موتا ولا قتلا وإنما فعل أفعالا أحدث الله ~~عندها موتهم وهلاكهم وإن نسب الموت والهلاك إلى السلطان مجازا. # فإن قالوا فيجب أن يكون الغلاء الحادث واقعا عن فعل السلطان PageV00P372 # الذي أوقع الحصار لأنه لو لم يفعله لم يقع الغلاء يقال لهم ليس الأمر كما ~~ظننتم لأنهم لو لم يطبعوا طبعا يحتاجون معه إلى المأكول والمشروب لم يمس ~~أطعمتهم شيء من الغلاء. # فعلم أنه واقع من فعل من طبعهم على الحاجة إلى الغذاء ولولا طبعه لهم ~~كذلك ما احتاجوا إليه وهذا أولى وأحرى. ومع أنه لو خلق الزهد فيهم عن ~~الاغتذاء وإيثار الموت لما اشتروا ما عندهم وإن قل بقليل ولا كثير. وعلى ~~أنه لو وجب أن ms208 يكون غلاء الأسعار من السلطان الذي يوقع الحصار ويحمل الناس ~~ويجبرهم على تسعير الطعام ولأنه لو لم يفعل ذلك لم يقع الغلاء على قولهم ~~لوجب إذا ماتوا جوعا عند الحصار أن يكون هو أماتهم وفعل موتهم. وإذا رفع ~~ذلك عنهم وأمدهم بالميرة فحيوا بأكل ما يحمله إليهم لوجب أن يكون هو ~~أحياهم. فدل ما وصفناه على أن جميع هذه الأسعار من الله تعالى. # باب القول في الآجال فإن قال قائل فخبرونا عن المقتول أيموت بأجله ~~المحكوم له به أم هو مقطوع عليه أجله؟. PageV00P373 # قيل له بل يموت بأجله المقدور. # فإن قال وما الحجة في ذلك؟. # قيل له قوله عز وجل «فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون». ~~وأجل الموت هو وقت الموت كما أن أجل الدين هو وقت حلوله. وكل شيء وقت به ~~فهو أجل له. وأجل الإنسان هو الوقت الذي يعلم الله أنه يموت فيه لا محالة. ~~وهو وقت لا يجوز تأخير موته عنه لا من حيث إنه ليس بمقدور تأخيره. وجل ~~حياته هو مدة الزمان الذي علم الله عز وجل أنه يحيا إليه لا تجوز الزيادة ~~عليه ولا الانتقاص منه. # وقد قال كثير من المعتزلة إلا من شذ منهم إن المقتول مات بغير أجله الذي ~~ضرب له وإنه لو لم يقتل لحيي. # وهذا غلط عندنا لأن المقتول لم يمت من أجل قتل غيره له بل PageV00P374 # من أجل ما فعله الله سبحانه من الموت الذي وجد به. وليس يجوز أن يقال ~~فيما لم يمت الإنسان من أجله لو لم يكن لحيي. لأن القتل ليس بضد للحياة ولا ~~بدل منها فيقال له إنه لو لم يكن لحيي المقتول ولأن في ذلك دفع ما تلوناه ~~من التنزيل. # وقد قال قوم منهم يجوز أن يحيا لو لم يقتل ويجوز أن لا يحيا وأن يكون ذلك ~~الوقت وقت موته. # فإن قال قائل فهل كان جائزا في قدرة الله تعالى أن يبقي من أماته ابن ~~عشرين سنة إلى ثلاثين سنة أو ما هو ms209 أكثر منها؟. # قيل له أجل لو بقاه لبقي. وإن كان لا يفعل ذلك كان المعلوم عن حاله أنه ~~يميته ابن عشرين سنة ولن يجوز ترك فعل ما في المعلوم أنه يفعل وإن كان ~~مقدورا تركه. على أنه لو ترك لكان السابق في المعلوم أنه يترك. # فإن قال قائل فما أنكرتم أن يكون أجله ثلاثين سنة لأنه لو لم يمته لبقي ~~إلى ذلك الوقت؟. # قيل له لا يجب ذلك لأن أجل الإنسان وقت موته على ما بينا. وليس يجوز أن ~~يكون ما لم يبق إليه مما كان يصح في العقل أن PageV00P375 # تمتد حياته إليه أجلا له إن كان المعلوم من حاله أنه يخترم دونه. كما لا ~~يجوز أن تكون جهنم دار الأنبياء والصالحين وسائر المؤمنين لأنه جائز في ~~العقل أن يدخلوها لو كفروا وأن تكون الجنة دار الفراعنة والكفرة على أنهم ~~لو آمنوا لسكنوها. وكما لا يجب أن تكون المرأة التي يعلم الله أن الإنسان ~~لو بقي لتزوج بها زوجة له على معنى أنه لو بقي وتزوجها لكانت زوجة له. ~~فكذلك لا يجوز أن يكون ما لم يبق إليه من الأوقات أجلا له لأنه لو لم يمت ~~لصح أن يبقى إليه. # باب الهدى والإضلال فإن قال قائل: فهل تقولون إن الله يهدي المؤمنين ويضل ~~الكافرين؟. قيل له أجل. PageV00P376 # فإن قال وما معنى هدايته للمؤمنين؟. # قيل له قد يهديهم بأن يخلق هداهم وينور بالإيمان قلوبهم. وقد يهديهم أيضا ~~بأن يشرح صدورهم ويتولى توفيقهم له وإعانتهم عليه وتسهيله لهم السبيل إليه ~~كل ذلك هداية منه لهم. وقد يهديهم أيضا في الآخرة إلى الثواب وطريق الجنة ~~وذلك هدى لهم من فعله فإن قال فما معنى إضلاله الكافرين؟. # قيل له قد أضلهم بأن يخلق ضلالهم قبيحا فاسدا وقد مر PageV00P377 # بيان ذلك سالفا. وقد يضلهم بترك توفيقهم وتضييق صدورهم وإعدام قدرهم على ~~الاهتداء وقد يضلهم عن الثواب وطريق الجنة في الآخرة كل ذلك إضلال لهم. # فإن قالوا وما الدليل على ما قلتهم؟. # قيل لهم يدل على ms210 ذلك قوله تعالى «ويضل الله الظالمين». فأخبر أنه يضل ~~ويهدي ووصف نفسه بذلك. # فإن قال قائل: ما أنكرتم أن لا يكون معنى الإضلال منه والهداية أكثر من ~~الحكم والتسمية كما يقول الناس قد ضلل فلان فلانا وقد عدله وقد سرق فلان ~~فلانا لا على معنى أنه جعله ضالا فاسقا سارقا وفعل له ما من أجله يكون كذلك ~~من السرقة والضلال والعدالة؟. # قيل له لو كان ذلك على ما قلته لم يكن لله على المؤمنين في هدايته لهم ~~إلا ما لبعضهم على بعض لأنا قد يسمي بعضنا بعضا بالهداية ويخص بعضنا بعضا ~~بهذه التسمية. وكذلك كان يجب أن يكون إضلال بعضنا بعضا كإضلال الله ~~الظالمين وهذا خلاف ما اتفق عليه المسلمون. لأن الله عز وجل قد امتن على ~~المؤمنين بهدايته لهم فقال يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم ~~PageV00P378 # بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين. فلو كانت هدايته لهم ~~هي الحكم والتسمية لكانوا قد منوا على أنفسهم بهذه المنة ولكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد من بها عليهم كمن الله إذ قد سماهم بذلك وحكم لهم به ~~وهذا خلاف الإجماع. # وكذلك لو كانت هدايته لهم التي من بها عليهم هي دعوته إياهم وبيانه لهم ~~لكان بعضهم قد من على بعض بهذه المنة. لأنه قد يدعو بعضهم بعضا ويبين بعضهم ~~لبعض كما يدعو الله وهذا أيضا خلاف الاتفاق. وعلى أنه لو كانت الهداية ~~والإضلال من الله تعالى بمعنى ما وصفتم لكان إبليس قد أضل الأنبياء وسائر ~~المؤمنين إذ كان قد دعاهم إلى الضلال وسماهم ضالين وحكم لهم بذلك ولكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون قد أضلوا الكافرين أجمعين إذ كانوا قد ~~سموهم كافرين وحكموا لهم بحكم الضالين. وفي إجماع الأمة على خلاف هذا دليل ~~على سقوط ما قلتم باب القوم في اللطف فإن قال قائل فهل تقولون إن في قدرة ~~الله تعالى لطفا لو لطف به لسائر من يعلم أنه يموت كافرا لآمن ms211 PageV00P379 # قيل له أجل هو على ذلك قادر. # فإن قال ولم قلتم ذلك؟. # قيل له لأنه قادر على أن يقدرهم على الإيمان كما صح أن يقدر على ذلك ~~أمثالهم وكما صح أن يقدرهم على ضده من الكفر والضلال. # فلو فعل فيهم القدرة على الإيمان لوجد إيمانهم لا محالة لما بينا من قبل ~~من وجوب كون الفعل في حال وجود القدرة عليه واستحالة تقدمها له ووجودها مع ~~عدمه. فصح بذلك ما قلناه. # ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى «ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون» وقوله «ولو بسط ~~الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء» فخبر أنه يقدر ~~على ما لو PageV00P380 # فعله بهم لضلوا وكفروا. فيجب أيضا أن يكون قادرا على ما لو فعله بهم ~~لآمنوا واهتدوا. # فصل ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا». فوجب أنه قادر على ما لو فعله بهم لآمنوا واهتدوا. # فإن قالوا أراد بذلك أنه يقدر على فعل لو فعله بهم لآمنوا كرها. # قيل لهم وكذلك إنما أخبر أنه يقدر على بسط الرزق لو فعله بالخلق لضلوا ~~كرها لا طوعا ولا خلاص لهم من ذلك. # فإن قالوا أفليس قد قال «ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا ~~قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم» فخبر أنهم لا يتبعون قبلته؟. # قيل لهم إنما خبر أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أتاهم بكل آية ما تبعوا ~~قبلته ولم يخبر أنه لو أتاهم هو بالآيات ما تبعوا قبلته أو أتاهم غيره صلى ~~الله عليه وسلم بالآيات لما آمنوا فلا حجة في هذا الظاهر. PageV00P381 # فصل فإن قال قائل أفليس قد قال الله تعالى ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ~~وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا؟. # قيل لهم قد استثنى في آخر الآية بقوله «إلا أن يشاء الله» فبطل ما قلتم. ~~وعلى أنه أخبر أنهم لا ms212 يؤمنون أبدا عند هذه الآيات التي هي إنزال الملائكة ~~وتكلم الموتى وحشر كل شيء قبلا ولم يقل ليس في المقدور فعل شيء يؤمنون عنده ~~فقد يمكن أن يكون في المعلوم أنه لو فعل بهم غير هذه الآيات لآمنوا. فبطل ~~ما قالوه باب الكلام في التعديل والتجوير فإن قال قائل فهل يجوز أن يؤلم ~~الله تعالى الأطفال من غير PageV00P382 # عوض وأن يأمر بذبح الحيوان وإيلامه لا لنفع يصل إليهم وأن يسخر بعض ~~الحيوان لبعض وأن يفعل العقاب الدائم على الأجرام المنقطعة وأن يكلف عباده ~~ما لا يطيقون وأن يخلق فيهم ما يعذبهم عليه وغير ذلك من الأمور؟. # قيل له أجل ذلك عدل من فعله جائز مستحسن في حكمته. # فإن قال فكيف جاز ذلك منه وحسن مع قبح ذلك أجمع منا؟. PageV00P383 # قيل له إن ذلك إنما قبح منا وصار جورا من فعلنا لأجل نهي مالك الأعيان ~~والأشياء لنا عن فعله فلولا تقبيحه لذلك ونهيه عنه لما قبح منا. وقد أوضحنا ~~ذلك فيما سلف لما قلنا إن ذلك ليس بقبيح في العقل لنفسه لأنه كان يجب أن ~~يشترك في علمه جميع العاقلين ولكان يجب إذا كان الألم الموجود على هذه ~~السبيل قبيحا لكونه ألما على هذه الصفة أن لا يشركه في كونه قبيحا إلا ما ~~كان ألما هذه صفته وذلك باطل باتفاق وكذلك القول في كل ضرب من ضروب القبيح ~~والباري عز وجل. هو المالك القاهر الذي الأشياء له وفي قبضته لا آمر عليه ~~ولا مبيح ولا حاظر. فلم يجب أن يقبح جميع ما ذكرناه من فعله قياسا على قبحه ~~منا. # فإن قال قائل فما أنكرتم أن يكون كل إيلام لا نفع للمؤلم فيه في عاجل ولا ~~آجل ولا هو مستحق ظلما في العقل وقبيحا لنفسه قلنا من قبل ما بينا أولا من ~~أن ذلك لو كان كذلك لعلمنا قبح الضرر الجاري هذا المجرى اضطرارا. وفي كوننا ~~غير مضطرين إلى ما وصفت PageV00P384 # دليل على سقوط هذا السؤال. ولأن ذلك لو كان كذلك لوجب ms213 قبح هذا الضرر من ~~كل من وجد منه وكان لا معتبر باختلاف فاعليه وتباين محالة. ألا ترى أن ~~الحركة التي تكون حركة لنفسها يجب أن تكون أبدا حركة حيث وجدت وهذا يوجب أن ~~يكون الكلب والسبع وسائر الحيوان الذي لا يعقل ظالما راكبا للقبيح مستحقا ~~للذم والتأنيب وأن يكون عاصيا فاسقا بإيلامه للغير على هذه السبيل. وفي ~~الاتفاق على فساد ذلك دليل على سقوط ما سألت عنه. ولأنه لو كان الأمر على ~~ما وصفت لم يكن الجهل والكذب قبيحين لأنهما ليسا بألم هذه سبيله. وقد بينا ~~من قبل أن الحكم العقلي الواجب لعلة ولوجه مخصوص لا يجوز ثبوته لبعض من هو ~~حكم له بغير تلك العلة وذاك الوجه لأن ذلك نقض للعلل وإبطال لها. فبطل بذلك ~~ما قلت. # فإن قال قائل فهل يصح على قولكم هذا أن يؤلم الله سبحانه سائر النبيين ~~وينعم سائر الكفرة والعاصين من جهة العقل قبل ورود السمع؟. # قيل له أجل له ذلك. ولو فعله لكان جائزا منه غير مستنكر من فعله. # فإن قال فما الذي يؤمنكم من تعذيبه المؤمنين وتنعيمه الكافرين. ~~PageV00P385 # قيل له يؤمننا من ذلك توقيف النبي وإجماع المسلمين على أنه لا يفعل ذلك. ~~وعلى أنه قد أخبر أخبارا علموا قصده به ضرورة إلى أن ذلك لا يكون. ولولا ~~هذا التوقيف والخبر لأجزنا ما سألت عنه. # فإن قال وهل يجوز وقوع الكذب منه والأمر به وبسائر المعاصي؟. # قيل له أما الكذب فلا يجوز عليه لا لأنه يستقبح منه فحسب ولكن لأن الوصف ~~له بأنه صادق من صفات نفسه. ومن كان صدقه من صفات نفسه استحال عليه الكذب ~~كما أن من كان الوصف له بأنه قادر عالم من صفات النفس استحال أن يعجز أو ~~يجهل. وليس وجه إحالة هذه الأمور عليه لأجل القبح فقط لكن لاستحالتها عليه ~~بأدلة العقول. # فأما قولك هل يجوز أن يأمر بالمعاصي والكذب فإن ذلك جائز على معنى أنه لو ~~أمر بها لكان أمره بها قديما ولكانت تكون طاعات مستحسنات بدلا ms214 من كونها ~~معاصي. إذ كان العصيان إنما يصير عصيانا بالنهي لا لجنسه ونفسه. وقد أمرنا ~~بالكذب في بعض المواضع وأبيح للخائف في دار الحرب على نفسه الكذب. فبان ~~بجميع ما قلناه صحة ما ذهبنا إليه في هذا الباب. PageV00P386 # باب القول في معنى الدين فإن قال قائل: فما معنى الدين عندكم؟. قيل له ~~معنى الدين يتصرف على وجوه. # منها الدين بمعنى الجزاء. ومنه قوله تعالى «مالك يوم الدين». ومنه قول ~~الشاعر: # واعلم وأيقن أن ملكك زائل * واعلم بأن كما تدين تدان يريد كما تفعل يفعل ~~بك. # وقد يكون بمعنى الحكم كقوله «ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك» أي في ~~حكمه. # وقد يكون الدين بمعنى الدينونة بالمذاهب والملل. ومنه قولهم فلان يدين ~~بالإسلام أو اليهودية أي إنه يتدين بذلك على معنى أنه يعتقد وينطوي عليه ~~ويتقرب به. # والدين أيضا بمعنى الانقياد والاستسلام لله عز وجل. من ذلك قوله «إن ~~الدين عند الله الإسلام» يريد دين الحق لا على أن اليهودية لا تسمى دينا في ~~اللغة وغيرها من الأديان. PageV00P387 # باب الكلام في الإيمان والإسلام والأسماء والأحكام باب القول في معنى ~~الإيمان فإن قال قائل خبرونا ما الإيمان عندكم؟. PageV00P388 # قلنا الإيمان هو التصديق بالله تعالى وهو العلم والتصديق يوجد بالقلب. # فإن قال وما الدليل على ما قلتم؟. # قيل له إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن ~~وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو التصديق لا يعرفون في لغتهم إيمانا غير ~~ذلك. # ويدل على ذلك قوله تعالى «وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين» أي ما أنت ~~بمصدق لنا. ومنه قولهم فلان يؤمن بالشفاعة وفلان لا يؤمن بعذاب القبر أي لا ~~يصدق بذلك. فوجب أن PageV00P389 # يكون الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة لأن الله عز وجل ما ~~غير لسان العرب ولا قلبه. ولو فعل ذلك لتواترت الأخبار بفعله وتوفرت دواعي ~~الأمة على نقله ولغلب إظهاره وإشهاره على طيه وكتمانه. وفي علمنا بأنه لم ~~يفعل ذلك بل أقر ms215 أسماء الأشياء والتخاطب بأسره على ما كان فيها دليل على أن ~~الإيمان في الشرع هو الإيمان اللغوي. # ومما يدل على ذلك ويبنيه قول الله تعالى «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه» وقوله تعالى «إنا جعلناه قرآنا عربيا». فخبر أنه أنزل القرآن بلغة ~~القوم وسمى الأشياء بتسمياتهم. # فلا وجه للعدول بهذه الآيات عن ظواهرها بغير حجة وسيما مع قولهم بالعموم ~~وحصول التوقيف على أن الخطاب نزل بلغتهم. فدل ما قلناه على أن الإيمان هو ~~ما وصفناه دون ما سواه من سائر الطاعات من النوافل والمفروضات. # باب القول في معنى الإسلام فإن قال قائل ما الإسلام عندكم؟. PageV00P390 # قيل له الإسلام هو الانقياد والاستسلام. وكل طاعة انقاد العبد بها لربه ~~تعالى واستسلم فيها لأمره فهي إسلام. والإيمان خصلة من خصال الإسلام وكل ~~إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا. # فإن قال فلم قلتم ذلك وأن معنى الإسلام هو ما وصفتم؟. # قيل له لأجل قوله تعالى «قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا». فنفى عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام وإنما أراد بما أثبته ~~الانقياد والاستسلام. ومنه قوله «لمن ألقى إليكم السلام». وكل من استسلم ~~لشيء فقد أسلم وإن كان أكثر ما يستعمل ذلك في المستسلم لله عز وجل ولنبيه ~~صلى الله عليه وسلم. # باب القول في معنى الكفر إن قال قائل وما الكفر عندكم؟. PageV00P392 # قيل له هو ضد الإيمان وهو الجهل بالله عز وجل والتكذيب به الساتر لقلب ~~الإنسان عن العلم به فهو كالمغطي للقلب عن معرفة الحق. ومنه قول الشاعر في ~~ليلة كفر النجوم غمامها أي غطاها ومنه قولهم زيد متكفر بسلاحه. ومنه سمي ~~مغطي الزرع كافرا. وقد يكون الكفر بمعنى التكذيب والجحد والإنكار ومنه ~~قولهم كفرني حقي أي جحدني. وليس في المعاصي كفر غير ما ذكرناه وإن جاز أن ~~يسمى أحيانا ما جعل علما على الكفر كفرا نحو عبادة الأفلاك والنيران ~~واستحلال المحرمات وقتل الأنبياء وما جرى مجرى ذلك مما ورد به التوقيف وصح ~~الإجماع على أنه لا يقع إلا ms216 من كافر بالله مكذب له وجاحد له. PageV00P394 # باب القول في تسمية الفاسق الملي مؤمنا فإن قال قائل فخبروني عن الفاسق ~~الملي هل تسمونه مؤمنا بإيمانه PageV00P395 # الذي فيه وهل تقولون إن فسقه لا يضاد إيمانه قيل له أجل فإن قال فلم قلتم ~~إن الفسق الذي ليس بجهل بالله لا يضاد الإيمان؟. PageV00P396 # قيل له لأن الشيئين إنما يتضادان في محل واحد. وقد علمنا أن ما يوجد ~~بالجوارح لا يجوز أن ينفي علما وتصديقا يوجد بالقلب. فثبت أنه غير مضاد ~~للعلم بالله والتصديق له. والدليل على ذلك أنه قد يعزم على معصية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بقلبه من لا ينفي عزمه على ذلك معرفة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتصديقه له. # وكذلك حكم القول في العزم على معصية الله عز وجل وأنه غير مضاد لمعرفته ~~والعلم به والتصديق له هو الإيمان لا غير. فصح بذلك اجتماع الفسق الذي ليس ~~بكفر مع الإيمان وأنهما غير متضادين. # فإن قال ولم قلتم إنه يجب أن يسمى الفاسق الملي بما فيه من الإيمان ~~مؤمنا؟. # قيل له لأن أهل اللغة إنما يشتقون هذا الاسم للمسمى به من وجود الإيمان ~~به. فلما كان الإيمان موجودا بالفاسق الذي وصفنا حاله وجب أن يسمى مؤمنا ~~كما أنه لما لم يضاد ما فيه من الإيمان فسقه الذي ليس بكفر وجب أن يسمى به ~~فاسقا. وأهل اللغة متفقون على أن اجتماع الوصفين المختلفين لا يوجب منع ~~اشتقاق الأسماء منهما ومن أحدهما. فوجب بذلك ما قلناه. # فإن قال قائل فما أنكرتم أن يكون حكم اللغة ما ذكرتم غير PageV00P397 # أن الله تعالى عظم زجر الفاسق والمبالغة في عقوبته بأن حرمه التسمية ~~بإيمانه وجعل تسمية المؤمن مؤمنا علما على استحقاقه ضربا عظيما من الثواب ~~وكذلك جعل تسمية الفاسق فاسقا من أسماء الدين علما لاستحقاقه ضربا من ~~العقاب العظيم وأن يكون حكم هذه الأسماء في الشريعة منقولا عن حكم اللغة؟. # قيل له هذه دعوى لا شبهة في سقوطها. ولو جاز لمدع أن يدعي ذلك لجاز لآخر ms217 ~~أن يدعي أن الله تعالى لما عظم شأن الإيمان وبالغ في الترغيب في فضله وجب ~~سقوط التسمية بما قارنه من الفسق لما أراده من تغليب حكم الإيمان على الفسق ~~وجعله مما يعلو ولا يعلى وقصد به إلى الدلالة على استحقاق الثواب. وهذا ~~يوجب أن يكون الفاسق هو الكافر فقط وأن من سواه فليس بفاسق ولا يسمى بذلك. ~~فإن لم يجب هذا لم يجب ما قالوه. ولأن في هذه الدعوى تصحيح تغير الأسماء عن ~~طريقة اللغة ودفع ما تلوناه من التنزيل. وقد أبنا فساد ما يوجب ذلك من ~~الأقاويل فيما قبل باب القول في الوعد والوعيد فإن قال قائل خبرونا عن جميع ~~الكفرة والعصاة بضروب PageV00P398 # المعاصي هل كان جائزا في العقل أن يغفر الله لجميعهم؟. # قيل له أجل لو قسم جميعهم للجنة لجاز ولم يكن ما وجد من كفرهم وعصيانهم ~~دليلا على أنه يؤلمهم بالنار لا محالة. لأن إيلام الله تعالى لمن يؤلمه ليس ~~يوجد منه لعلة لولاها لم يوجد بل جعل الله تعالى أفعال العباد دليلا على ما ~~قسمه لهم. ويدل على ذلك أن العقاب حق له يجوز له أخذه وتركه. فوجب أن يكون ~~جاريا مجرى التفضل بإنعام غير مستحق. ولأنا قد علمنا جميعا حسن ترك عقوبة ~~الذنب ممن استحقه بجناية عليه. # وقد اتفق المسلمون وغيرهم أيضا على حسن العفو والصفح عن PageV00P400 # عقوبة الذنب وعلى مدح من لا يتم ما يتوعد به وتعظيمه ومدحه بالعفو عن ~~فعله قال كعب بن زهير: # نبئت أن رسول الله أوعدني * والعفو عند رسول الله مأمول وأنشده للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فلم ينكره ولا أحد من المسلمين وقال آخر: # وإني إذا أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وقال آخر في ذم من ~~يفي بوعيده أبدا وليس الصفح من سجيته: # كأن فؤادي بين أظفار طائر * من الخوف في جو السماء معلق هذار امرئ قد كنت ~~أعلم أنه * متى ما يعد من نفسه الشر يصدق فذمه على الوفاء بالوعيد. ولا ~~خلاف بين أهل اللغة أن ms218 العفو عن الذنب بعد تقدم الوعيد لا يوجب ذم المتوعد ~~ولا جعل خبره كذبا. # وكيف لا يحسن من الله العفو عن الذنب وقد أمرنا به وحضنا عليه ومدح من هو ~~من شأنه وقد أجمع الكل على أن ما أمر به وحض عليه ومدح PageV00P401 # فاعله فليس بقبيح. قال الله تعالى «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس» ~~ثم قال تعالى «والله يحب المحسنين» يعني الواهبين لما استحقوه بما جني ~~عليهم. وقال «وأن تعفوا أقرب للتقوى» وقال «وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا» ~~وكيف لا تجوز هبة الحق لمن يملك أخذه وتركه فدل جميع ما وصفناه على صحة عفو ~~الله تعالى عن سائر المذنبين وجواز ذلك منه لو لم يرد الخبر بأنه لا بد أن ~~يعاقب بعضهم. # فإن قال فما يؤمنكم أن يغفر الله لسائر الكفرة أو لبعضهم وإن كان قد قدم ~~وعيده لهم بالنار؟. # قيل له يؤمن من ذلك توقيف النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين ~~الذين لا يجوز عليهم الخطأ أن الله لا يغفر لهم ولا لأحد منهم. لأن الأمة ~~بأسرها نقلت عن شاهد النبي صلى الله عليه وسلم وهم حجة وأهل تواتر أنهم ~~علموا من دينه ضرورة أن جميع الكفار في النار خالدين فيها وعرفوا قصده إلى ~~إستغراق الوعيد لجميعهم وإرادته لكلهم وأن الله يفعل ذلك بسائرهم. ولولا ~~هذا الإجماع والتوقيف الذي اضطررنا إليه لجاز العفو عما سألت عنه. ~~PageV00P402 # فإن قال قائل وكيف يكون هذا إجماعا من الأمة وقد زعم قوم من المتكلمين ~~بأن مقلده اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ليسوا في النار؟. # قيل له هؤلاء إنما أنكروا أن يكون المقلد كافرا لشبهة دخلت عليهم ولم ~~يزعموا أن المقلد كافر وأنه مع ذلك ليس في النار. والعلم بأن المقلد كافرا ~~أو غير كافر طريقه النظر دون التوقيف والخبر. # فإن قال: فما تقولون في مذنبي أهل ملة الإسلام هل يجوز العفو عنهم حتى لا ~~يعاقب الفاسق بما كان من ظلمه لنفسه أو غيره؟. # قيل له نعم. # فإن قال فما الدليل على ذلك؟ ms219 قيل له ما قدمناه من حسن العفو من الله ومن ~~غيره وإن لم يرد توقيف اضطرنا إليه على تعذيب سائرهم. ومع أن الله تعالى قد ~~بين ذلك في نص كتابه فقال «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء». فاستثنى من المعاصي التي يجوز أن يغفرها الشرك فألحقت الأمة به ~~ما كان بمثابته من ضروب الكفر والشرك. وقال «إن الله يغفر الذنوب جميعا» ~~فلم يخرج من PageV00P403 # ذلك إلا الكفر والشرك. وقال تعالى «إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم» والكبائر ها هنا الكفر بدليل قوله «إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» والسيئات التي يغفرها هي ما دون الشرك. # وقال تعالى «إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون» وقال تعالى «لا ~~تقنطوا من رحمة الله» في نظائر لهذه الآيات يطول تعدادها وهي كله فيمن ليس ~~بكافر ولا مشرك. فلما كان الملي الفاسق ليس بكافر ولا مشرك من قولنا وقول ~~المعتزلة ثبت أنه ممن يجوز أن يغفر له وإن مات مصرا إذا كان التائب لا عيب ~~عليه ولا معه عندهم شيء يحتاج معه إلى غفران. وقد دللنا قبل هذا على أن ~~معصية الله بغير الكفر والتكذيب لا تضاد معرفته التي هي الإيمان به. وكذلك ~~معصية غيره لا تنفي العلم بالمعصي. فوجب أن يكون العاصي مؤمنا بالله ~~والمؤمن لا يكون كافرا ولا مشركا. # باب القول في الخصوص والعموم فإن قال قائل فما معنى قوله تعالى والذين ~~كسبوا PageV00P404 # السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما ~~أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقوله ~~تعالى ومن يعص الله ورسوله فإنه له نار جهنم خالدين فيها وقوله تعالى «ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها» وما ورد بمعنى هذه الآيات؟. # قيل له المراد بذلك العاصي الكافر الذي لا إيمان ولا حسنة PageV00P405 # معه. لأن الله تعالى قد بين في ms220 آيات أخر أنه يدخل المؤمنين جنته ومن أتى ~~بحسنة جازاه بعشر أمثالها وأنه يعطيه خيرا منها ويؤمنه من الفزع الأكبر ومن ~~فزع يومئذ وأنه لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى ويجازي بالحسنة ويعفو عن ~~السيئة وأن الحسنات يذهبن السيئات. # قال تعالى «من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون». وليس ~~في الحسنات أكبر ولا أعظم شأنا من الإيمان الذي يحبط الكفر ويزيل عقابه. ~~وقال «إن المتقين في جنات ونعيم» و (إن المتقين في جنات ونهر). وقال يا ~~عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون وقال تعالى إن الحسنات يذهبن ~~السيئات. فخبر أن الحسنات تبطل السيئات وتذهب بها. ولا شيء من الحسنات أولى ~~أن يكون كذلك من الإيمان الذي يذهب بالكفر ويمحوه. وقال «أني لا أضيع عمل ~~عامل منكم من ذكر أو أنثى». وقال «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره». وإذا كان ~~الفاسق الملي مؤمنا على ما بيناه وكان معه حسنات أكبرها الإيمان وكانت له ~~أعمال لا تضيع عليه وجب أنه PageV00P406 # ممن لم يرد بالخلود في جهنم وأن يرتب ذلك ترتيبا لا يجوز معه نقض بعض ~~الآيات بعضا. # فإن قال إنما أراد بقوله «من جاء بالحسنة فله خير منها» إذا لم يقتل نفسا ~~مؤمنة ولم يعص ولم يتعد حدوده. # قيل له لا بل أراد بالوعيد على قتل النفس المؤمنة وتعدي حدوده وفعل ~~معصيته من لم يكن منه إيمان ولا حسنة وهم الكفار وهذا أولى. # فإن قال قوله من ورد مورد الشرط والجزاء وهذا يوجب استغراق المجازين. # قيل له فقل لأجل هذا بعينه إن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وإنه يعطي ~~خيرا منها وهو من فزع يوم القيامة آمن لأجل قوله «من جاء بالحسنة فله خير ~~منها». # فإن قال إن صاحب الكبيرة لا يسمى محسنا. # قيل له والمؤمن الموحد المصدق لله ولرسوله لا يسمى عاصيا متعديا لحدوده. # وكل ذلك خروج عن اللغة. ومع أن قوله من يصلح للعموم وللخصوص وهو معرض ~~لهما لأن القائل يقول ms221 جاءني من دعوته وكلمت من عرفته وهو يريد الواحد منهم ~~الذي عرفه ودعاه وهو PageV00P407 # بعض من دعاه وعرفه وقال الله عز وجل «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الكافرون» ولم يرد أن حكام المسلمين كفار إذا تركوا الحكم بما أنزل الله ~~وإنما أراد بعض من لم يحكم بما أنزل الله وقال الشاعر: # ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه * يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ولم يرد أن كل ~~من لا يظلم الناس يظلم لأن الله عز وجل لا يظلم الناس ولا يجوز أن يظلم ولا ~~كل من كان غير ذائد عن حوضه بسلاحه هدم. وإذا كان ذلك كذلك فقد بطل التعلق ~~بظاهر هذه الآي مع جواز احتمالها. # وكذلك الجواب إن تعلقوا بقوله تعالى «وإن الفجار لفي جحيم» وبما جرى ~~مجراه. # قيل لهم يحتمل أن يكون أراد بعض الفجار دون سائرهم. # وعورضوا بقوله «إن الأبرار لفي نعيم» وأعظم البر التوحيد والإيمان الذي ~~لا يحصل الإنسان بارا مطيعا إلا بوجوده. # وقيل لهم قال الله تعالى «أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى» ولا ~~أضيع أجر المحسنين. وليس في PageV00P408 # الطاعات حسنة أكبر من الإيمان بالله ورسوله وتصديق ما جاء به من عنده. ~~وإذا كان الأمر كذلك وجب تفويض أمر عصاة أهل الملة إلى الله سبحانه وتصحيح ~~غفرانه لهم وترك القطع بعقابهم وإيجاب القول بأنه لا يخلد في النار منهم ~~أحد وإن أدخلها. # مع أنا لو صرنا إلى ظاهر مقتضى القرآن لوجب أن لا يدخل النار إلا كافرا. ~~قال الله عز وجل «وإن جهنم لمحيطة بالكافرين» وقال «فأنذرتكم نارا تلظى لا ~~يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى» وقال «وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ~~يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر» إلى قوله تعالى «في سلسلة ذرعها سبعون ~~ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم» وقال «وأصحاب الشمال ما أصحاب ~~الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم» إلى قوله «وكانوا ~~يصرون على الحنث العظيم» ms222 يريد الشرك «وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أئنا لمبعوثون» فأوجب النار لمن ينكر البعث ويكفر بالله وبرسله ولا ~~يؤمن بهم. وليس في فساق أهل الملة من هذا وصفه. فإن لم يجب المصير ~~PageV00P409 # إلى عموم هذه الآيات لم يجب المصير إلى عموم الظواهر التي تلوها. فصح ما ~~ذهبنا إليه من جواز العفو عن فساق أهل ملتنا. # مسألة فإن قال قائل أفليس الله قد أوجب عداوة الفاسق والتبرؤ منه ولعنه ~~وأمرنا بأن لا تأخذنا رأفة به وأمرنا بالنكال به فقال «والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما» الآية وقال «الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله» مع قوله «وكان بالمؤمنين رحيما» ~~فكيف يجوز أن يكون صاحب الكبيرة مؤمنا والمؤمن مرحوم وولي لله تعالى؟. # قيل له لسنا نقول إن الفاسق عدو لله ولا إن الله لعنه إلا بشريطة أن يكون ~~في معلومه أنه يعذبه وأن يكون أراد ذلك وقصده. # وإنه متى لم يكن ذلك كذلك وكان المعلوم من حاله أنه يثيبه ويغفر له ويشفع ~~فيه نبيه فإنه غير ملعون ولا عدو لله ولا ممن حكم بعقابه. لأن العداوة ~~والبغض من الله إنما هي إرادته لعذاب من علم أنه يعذبه على ما بينا في باب ~~الصفات. PageV00P410 # وهذا كما تعبدنا بلعن من ظهر منه كلمة الكفر في دار الحرب والحكم عليه ~~بأنه عدو لله بشريطة أن كان معتقدا للكفر وكان ظاهره كباطنه وكما أمر عندكم ~~بلعن من أظهر الفسق وذمه والبراءة منه إذا لم تعلم توبته بشريطة أن لا يكون ~~قد تاب وندم. وكذلك تعبدنا الله بلعن شهود الزنى والبراءة منهم إذا اختلفت ~~شهادتهم وقصر عددهم والحكم بفسقهم إن كانوا عند الله كذبه لا على الإطلاق. # وكذلك قر أمرنا بموالاة من أظهر لنا الإيمان وتوليه بشريطة أن يكون عند ~~الله معتقدا لذلك وإذا كان هكذا بطل ما قلتم. لأن الله تعالى إن كان قد علم ~~أنه سيغفر للفاسق الملي ويشفع فيه نبيه فليس بملعون عنده ولا عدو له. ms223 # فأما إن كان في المعلوم أنه سيعاقبه فإن معنى عداوة الله له أنه أراد ~~عقابه على ذنبه وهو أيضا موال له على إيمانه لأنه مريد لإثباته. # وليس بمستحيل أن يريد الله عقاب الفاسق في وقت وإثابته في وقت آخر كما ~~أنه ليس بمحال أن يريد الإنسان عقاب ولده على ذنبه فيريد أيضا تبجيله ~~وإثابته على عمله الجميل وحسن طاعته فيما فيه وإنما تمتنع وتتضاد العداوة ~~والولاية من وجه واحد وعلى عمل واحد. وقد PageV00P411 # قال الله تعالى «الله ولي الذين آمنوا» وقال عز وجل «وبشر الذين آمنوا أن ~~لهم قدم صدق عند ربهم». وقد بينا فيما سلف أن الفاسق الملي مؤمن بما يغني ~~عن إعادته. فوجب أن يكون وليا لله تعالى بإيمانه وبما معه من طاعاته ~~والتقرب إليه. # وقوله عز وجل «وكان بالمؤمنين رحيما» فالمراد به إرادته لإثابتهم على ~~إيمانهم في الآخرة وطاعاتهم له لأنه لا بد أن يثيبهم على الإيمان. وإرادته ~~أيضا إرادة للحكم عليه في الدنيا بأحكام المؤمنين من المناكحة والموارثة ~~وعيادة مريضهم ودفنهم في مقابر المسلمين. ويحتمل أن يكون أراد بقوله تعالى ~~«وكان بالمؤمنين رحيما» أنه رحيم بهم في كل شيء إلا ما علم أنه يجازيهم ~~عليه من ذنوبهم. فبطل ما قالوه. # وأما الفاسق من المؤمنين فلا يجوز أن يكون معاديا لله بمعصيته مع إقراره ~~بوجوده وإيمانه بربه وتصديقه له لأن العداوة لله متضمنة للكفر به. # وقد يمكن أن يكون الله سبحانه إنما تعبدنا بذم الفاسق ولعنه وجلده وقطعه ~~محنة له ليثيبه على ذلك في الآخرة كما أمر بجلد التائب وقطعه محنة له ~~ليثيبه على ذلك في المعاد. بل فلا جهة لهم في ذم الفاسق وحده. # فإن قالوا لو كان مع الفاسق إيمان يستحق به الثواب والتعظيم في ~~PageV00P412 # الآخرة لأزال عنه الحد في الدنيا. فلما لم يزل ذلك عنه بطل ما قلتم. # قيل لهم لم قلتم ذلك؟. # ثم يقال لهم ولو كان مع التائب المنيب ما يستحق عليه الثواب في الآخرة ~~لاستحق به إزالة العقاب والحدود في الدنيا. ms224 فلما كان التائب عندنا وعندهم ~~مقطوعا ومحدودا مع توبته بطل أن يكون من أهل التعظيم والثواب في الآخرة. # فإن قالوا إنما لم تزل التوبة قطع التائب وحده وتعمل في إحباطه لأجل أن ~~قطعه وإقامة الحدود عليه ليس بعقاب وإهانة وإنما هو محنة من الله عز وجل ~~له. وليس يجب أن تؤثر التوبة في إزالة المحن التي ليست بنكال ولا عقاب. # قيل لهم وكذلك قطع المؤمن الموحد المصدق لله ولرسوله ليس بعقاب ولا نكال ~~وإنما هو امتحان من الله: وإنما المراد بقوله «نكالا من الله» إن كانا ~~مستحلين للزنى وممن قد حكم بعقابهما في الآخرة فلذلك لم يزل إيمانه وولايته ~~قطعه وحده. # ثم يقال لهم لو لم يكن مع المؤمن ما يستحق به ثوابا في الآخرة لبطلت ~~موارثته ومناكحته وحرمت زيارته وعيادة مريضه ودفنه في مقابر المسلمين. فلما ~~لم يزل ذلك علمنا أنه من أهل الثواب في الآخرة. # فإن قالوا جميع هذا ليس يدل على أن المفعول به ما وصفتم من أهل الثواب ~~لأن جميع هذه الأحكام تجرى على المنافقين وليسوا بها مثابين. PageV00P413 # قيل لهم وكذلك مدحنا للمؤمنين وتوليهم وحسن الثناء عليهم ليس بثواب لأننا ~~نفعل ذلك أجمع بالمنافقين متى أظهروا لنا الإيمان وليس ذلك بثواب ولا دلالة ~~على حصول الثواب في الآخرة. # وإن هم قالوا لو جاز أن نعادي الفاسق ونذمه ونلعنه بشريطة أن يكون ممن ~~يعاقب في الآخرة لجاز أن يعاديه الله ويلعنه على هذه الشريطة. # يقال لهم ولو جاز أن نلعن نحن شهود الزنى ونبرأ منهم بشريطة أن كانوا ~~كاذبين لجاز أن يلعنهم الله ويعاديهم على هذه الشريطة. # فإن لم يجب هذا لم يجب ما قلتم. والسبب المفرق بين لعننا وعداوتنا بشريطة ~~يجوز أن تكون ويجوز أن لا تكون وامتناع لعن الباري لهم بشريطة لأننا نحن لا ~~نعلم عواقب أمورهم والباري سبحانه عالم بذلك فلم يجز عليه لعنهم والعداوة ~~لهم بشريطة وإن جاز وصح ذلك فينا مسألة وإن قالوا الدليل على خلود الفاسق ~~الملي في جهنم أنه قد ms225 ثبت أنه مستحق للعقاب وثبت أن ما يستحقه من ذلك دائم ~~كما أنه مستحق للذم دائما ما لم يتب فوجب أنه غير مثاب. # يقال لهم وما أنكرتم أن يكون الفاسق غير معاقب بالنار بهذه العلة ~~PageV00P414 # بعينها لأنه قد ثبت أنه مستحق لثواب دائم على إيمانه وطاعته كما أنه ~~مستحق لمدح دائم فوجب أنه غير معاقب بالنار. # فإن قالوا لو كان مستحقا للثواب لم يلعن ولم يهن في الدنيا ولزالت عنه ~~الحدود. # قيل لهم هذه الحدود ليست بعقاب وإنما هي امتحان. # ثم يقال لهم ولو لم يستحق الفاسق بطاعته الثواب لم يستحق المناكحة ~~والموارثة والدفن في مقابر المسلمين. # فإن قالوا هذه الأمور ليست بثواب. # قيل لهم والحدود ليست بعقاب لأنها جارية على التائب الولي. # وكذلك ذمنا وبغضنا ليس بعقاب لأنه جار على شهود الزنى إذا اختلفت شهادتهم ~~ونقص عددهم وإن كانوا صادقين أبرارا عند الله عز وجل. ولا فصل في شيء من ~~ذلك. # باب الكلام في الشفاعة ومما يدل على جواز الغفران لعصاة أهل الملة ما ورد ~~من الأخبار PageV00P415 # الثابتة المتظاهرة في إثبات شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وآله في أهل ~~الكبائر نحو قوله صلى الله عليه وسلم (ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي). ~~وقد روى خبر الشفاعة عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله عدة منهم أنس بن ~~مالك وجابر بن عبد الله. ورواه حذيفة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وروى معبد بن هلال وثابت البناني ذلك في خبر طويل ~~عن أنس بن مالك. ورواه أيضا أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وآله وسلم قال أنس بن مالك سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم وآله PageV00P416 # وسلم يقول (إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض. فيؤتى آدم فيقال ~~له يا آدم اشفع في ذريتك. فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل ~~الرحمن. فيؤتى إبراهيم فيقال له مثل ذلك. # فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم ms226 الرحمن. فيؤتى موسى فيقول لست ~~لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته. قال فيؤتى عيسى فيقول لست لها ~~ولكن عليكم بمحمد. فأوتى فأقول: # أنا لها. فأنطلق فأستأذن على ربي. فيؤذن لي عليه فأقوم بين يديه فيلهمني ~~محامده فأحمده بتلك المحامد ثم أخر ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل ~~تسمع وسل تعط واشفع تشفع. فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال لي انطلق فمن كان في ~~قلبه إما قال مثقال ذرة أو مثقال شعيرة من إيمان فأخرجه منها قال فأخرجه ثم ~~أعود فأحمده بتلك المحامد وأخر ساجدا. فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع ~~وسل تعط واشفع تشفع. فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه ~~مثقال خردلة من إيمان فأخرجه منها. قال فأنطلق فأفعل ذلك. ثم أحمده بتلك ~~المحامد ثم أخر ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع ~~تشفع. فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فمن كان في قلبه PageV00P417 # أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار ثلاث مرات. # وزاد الحسن البصري في هذه الرواية عن أنس ابن مالك وثلاثة وعشرين رجلا. ~~قال حدثني أنس أنه قال فأقوم الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر ساجدا. ~~قال فيقال لي ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول يا رب ائذن لي ~~فيمن قال لا إله إلا الله. فيقال لي ليس لك ذلك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي ~~لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله. # والأخبار في الشفاعة أكثر من أن يؤتى عليها وهي كلها متواترة متوافية على ~~خروج الموحدين من النار بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وآله وإن اختلفت ~~ألفاظها. # ففي بعضها أنهم يخرجون بعد ما امتحشوا فيه وصاروا فحما. وفي خبر أنهم ~~يخرجون منها ضبائر ضبائر فيلقون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الطراثيث ~~والحبة في جميل السيل. وأنهم يدخلون الجنة مكتوبا على جباههم الجنميون ~~PageV00P418 # وفي خبر آخر عتقاء الله من النار ms227 وأن آخر من يخرج من النار رجل يقول في ~~النار يا حنان يا منان وقد أطبق سلف الأمة على تسليم هذه الرواية وصحتها مع ~~ظهورها وانتشارها والعلم بأنها مروية من الصحابة والتابعين. ولو كانت مما ~~لم تقم الحجة بها لطعن طاعن فيها بدفع العقل والسمع لها على ما يقوله ~~المعتزلة ولكانت الصحابة أعلم بذلك وأشد تسرعا إلى إنكارها. ولو كانوا قد ~~فعلوا ذلك أو بعضهم لظهر ذلك وانتشر ولتوفرت الدواعي على إذاعته وإبدائه ~~حتى ينقل نقل مثله ويحل العلم به محل العلم بخبر الشفاعة لأن هذه العادة ~~ثابته في الأخبار. وفي العلم بفساد ذلك دليل على ثبوت خبر الشفاعة وبطلان ~~قول المعتزلة إن الغفران باطل بالعقل وموجب لتكذيب السمع وغير ذلك مما ~~يدعونه مسألة فإن قالوا هذه الأحاديث معارضة بمثلها. فروى الحسن البصري ~~وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من ~~أمتي) فوجب إطراحها. # يقال لهم هذه الرواية التي ذكرتموها غير معروفة ولا ثابتة عند أهل النقل. ~~فلا يجب أن يدفع بها ما قد علمنا نحن وأنتم أنه مروي. PageV00P419 # ثم يقال لهم لو سلمت روايتكم لوجب حملها مع الأخبار التي رويناها على ضرب ~~من البناء والتأويل حتى لا يدفع من السنن شيء يمكن استعمالها وتصحيحها كما ~~يصنع ذلك في قوله تعالى «هذا يوم لا ينطقون» وقوله «وأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون». فنقول قوله لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي أراد بذلك أن ~~كانت الكبائر الواقعة منهم ردة بعد إسلام أو كفرا بعد إيمان بدلالة الأخبار ~~الأخر التي فيها إخراج أهل الإيمان بشفاعته فلا يكون لذلك معارضا. فإن ~~قالوا قوله لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي يمنع تأويلكم هذا لأنه حكم ~~بأنهم من أمته وذلك يقتضي أنهم قوم مسلمون. # قيل لهم يحتمل أن يكون أراد بقوله أمتي الذين كانوا من أمتي ثم ارتدوا. ~~ويحتمل أن يكون أراد أهل قرني وعصري الذين بعثت فيهم فلا تعلق لهم في ذلك. ~~PageV00P420 # مسألة فإن قالوا أفليس ms228 قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال ~~(من تحسى سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا) ~~وروي مثله فيمن قتل نفسه بحديدة ومن تردى من جبل وكذلك روي عنه أنه قال (لا ~~يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاق لوالديه). وهذه الأخبار معارضة لأخبار ~~الشفاعة. # قيل لهم لو ثبتت هذه الأخبار كثبوت خبر الشفاعة لم تكن متعارضة. بل يجب ~~أن يكون قوله من تحسى سما فقتل نفسه ومن أدمن الخمر ومن عق والديه وتردى من ~~جبل وقتل نفسه بحديدة ينصرف إلى من فعل ذلك أجمع على وجه الاستحلال وتكذيب ~~الخبر والتوقيف على تحريمه لأن ذلك لا يقع على جهة التكذيب ممن يستحق ~~الشفاعة. # مسألة فإن قالوا أفليس الرسول صلى الله عليه وسلم عندكم لا يشفع إلا في ~~مؤمن وقد وردت الروايات بأن السارق لا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن. فكيف PageV00P421 # يشفع الرسول صلى الله عليه وسلم وآله فيمن ليس بمؤمن وكذلك روي عنه أنه ~~قال (ليس منا من بات بطينا وجاره خميص ومن غشنا فليس منا) فكيف تحصل ~~الشفاعة لمن ليس من أهل ملته؟. # يقال لهم هذه الأخبار أيضا محتملة لوجوه إذا صرفت إليها لم تكن معارضة ~~لخبر الشفاعة. # فيحتمل أن يكون المراد بقوله (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق ~~السارق حين يسرق وهو مؤمن) إذا فعلا ذلك مستحلين للزنى والسرقة ومكذبين ~~بتحريمهما. ولا شفاعة لمن زنى مستحلا لذلك. # ويحتمل أن يكون المراد بذلك أنه ليس بمؤمن كالمؤمن الذي لم يكن منه زنى ~~ولا سرقة في البر والطهارة والسلامة من الذنوب. # ويحتمل أن يكون ذلك إنما خرج على مذهب التغليظ والمبالغة في الزجر على ~~سبيل قوله (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) وكذلك قوله (من غشنا فليس ~~منا) و (ليس منا من بات بطينا وجاره خميصا). PageV00P422 # وإذا حملت هذه الأخبار على هذا التأويل بطل التعارض. # وقد روى أبو الدرداء عن النبي ms229 صلى الله عليه وسلم أنه قال (من قال لا إله ~~إلا الله دخل الجنة) قال فقلت يا رسول الله وإن زنى وإن سرق وأنه ردد ذلك ~~عليه حتى قال له في الثانية أو الثالثة نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء) وإذا ~~كان ذلك كذلك وجب حمل هذه الأخبار على البناء والترتيب كما يجب ذلك في آي ~~القرآن المتعارضة الظواهر. # فإن قالوا فما معنى قوله «ولا يشفعون إلا لمن ارتضى»؟. # قيل لهم معناه ولا يشفعون إلا لمن رضي الله سبحانه أن يشفعوا وأذن فيه. ~~ولم يرد بذلك أنهم لا يشفعون إلا لمن رضي عمله لأن من رضي الله سائر عمله ~~لا يحتاج إلى الشفاعة. # ويحتمل أيضا أن يكون أراد أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى عمله الذي هو غير ~~ذنبه الذي يستوجب به العقاب. فكأنه قال لا يشفعون إلا لمن معه عمل مرتضى. # والفاسق معه طاعات وبر وقرب وتصديق وتوحيد وذلك أجمع مرتضى منه. وإنما ~~تدل هذه الآية على أنه لا شفاعة لكافر لأن الكافر لا طاعة معه. PageV00P423 # مسألة فإن قالوا فما معنى قوله عز وجل «ما للظالمين من حميم ولا شفيع ~~يطاع»؟. # قيل لهم معنى ذلك أنه لا شفاعة للظالمين بالكفر والشرك الذين لا طاعة ~~معهم. قال الله تعالى «إن الشرك لظلم عظيم». ولم يرد أهل التوحيد كما أنه ~~لم يرد عندكم أهل الصغائر الواقعة منهم مع مجانبة الكبائر. فلا تعلق لهم في ~~ذلك. # مسألة فإن قالوا فما معنى قوله «لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون» و «ولا ~~يخفف عنهم من عذابها» و «كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا ~~العذاب»؟. # قيل لهم جميع هذه الآيات وما كان بمعناها يراد بها أهل الكفر والجحد ~~والتكذيب. وكذلك قوله «فما تنفعهم شفاعة الشافعين». لأن الله تعالى خبر ~~عنهم أنهم قالوا «لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع ~~الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين». ولم يعن بهذا الوعيد أحدا من أهل الإسلام ~~والتصديق. PageV00P424 # مسألة فإن قال قائل منهم ما أنكرتم ms230 أن تكون شفاعة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وشفاعة الملائكة مستحقة للمؤمنين على وجه الثواب لهم والجزاء على ~~أعمالهم وطاعاتهم وتوبتهم لأن الله تعالى أخبر بذلك فقال الذين يحملون ~~العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا ~~وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ~~ربنا وادخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. ~~فأخبر سبحانه أن ذلك على وجه الثواب لهم. # يقال لهم متى أخبر الله سبحانه بذلك وليس في الآية أكثر من أن الملائكة ~~يستغفرون لهم فقط؟. # ثم يقال لهم لو كان استغفار الرسول والملائكة وشفاعتهم إلى الله سبحانه ~~ثوابا على أعمالهم والرسول والملائكة هم الفاعلون الخالقون لكلامهم وطلبهم ~~وشفاعتهم عندكم لكانوا هم المثيبين للمؤمنين التائبين بهذه الشفاعة. لأن ~~فاعل الثواب مثيب كما أن فاعل العقاب معاقب وفاعل الألم والتفضل مؤلم متفضل ~~فلما أجمع المسلمون على أن الأنبياء والملائكة لا يثيبون الطائعين لله على ~~طاعاتهم له سبحانه وأن الله هو PageV00P425 # المثيب على ذلك دون كل أحد بطل ما توهمتم. # ثم يقال لهم لو سلمنا لكم أن الشفاعة مستحقة بالإيمان لم يدل ذلك على ~~أنها ليست بشفاعة في غفران الذنوب. لأن الإيمان بالله سبحانه والتوبة من ~~الكفر يستحق به الثواب عندكم. فيجوز أيضا أن يستحق به شفاعة النبي صلى الله ~~عليه وسلم في ذنوبهم التي قارنت الإيمان. فما الذي يدفع ذلك؟. # فإن قالوا لأنه أخبر عنهم أنهم يقولون «فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك» ~~والمصر ليس بتائب. # قيل لهم ما أنكرتم أن يكون أراد بقوله للذين تابوا من كفرهم وطعنهم على ~~النبيين ودين المسلمين واتبعوا سبيله سبحانه واعتقدوا توحيده وتصديق رسله ~~والإقرار بما جاء من عنده فهل تجدون لهذا مدفعا؟. # ولو كانت الملائكة لا تشفع إلا لمؤمن تقي تائب مقلع متنسك لا سبيل ولا ~~حجة عليه لم يكن لشفاعتها معنى إلا الرغبة إلى الله عز وجل في أن لا يظلمه ~~ولا يجوز عليه ولا يسفه بعقابه لأن عقاب ms231 من هذه سبيله ظلم وسفه على أصولهم. ~~والأنبياء والملائكة أجل عند الله عز وجل وأعظم قدرا من أن ترغب إليه في أن ~~لا يظلم عباده ولا يجوز في حكمه. # ويمكن أيضا على أصولنا أن يكون معنى قوله فاغفر للذين PageV00P426 # تابوا) أي تفضل عليهم بقبول توبتهم فاغفر لهم. لأن قبول التوبة تفضل من ~~الله له أن يفعله وله أن لا يفعله. وهذا التأويل غير مطرد على أصول ~~المعتزلة لأنها توجب قبول التوبة على الله وتظلمه وتجوزه في ردها وترك ~~قبولها والعقاب على ما هي توبة منه. فلا يسوغ لهم مع ذلك مثل تأويلنا. # فصل وقد افترقت المعتزلة فريقين. فأنكر فريق منهم الشفاعة جملة وحمل نفسه ~~على جحد الأخبار ورد القرآن. وقال الفريق الآخر إن للأنبياء والملائكة ~~شفاعة إلا أنها تشفع لثلاثة فرق من الناس المؤمنين. # ففريق من أهل الشفاعة هم أصحاب الصغائر الذين واقعوها مع مجانبة الكبائر. # والفريق الآخر أصحاب الكبائر الذين تابوا منها وندموا عليها. # والفريق الآخر هم المؤمنون الذين لا ذنب لهم أصلا. فتكون شفاعة الأنبياء ~~والملائكة فيهم شفاعة في الزيادة لهم من النعيم على قدر ما يستحقون ~~بأعمالهم. فأما الشفاعة في صاحب كبيرة إذا مات مصرا عليها فإنها باطلة. # فيقال لهم أما الشفاعة للفريقين الأولين لا معنى لها. لأنها شفاعة إلى ~~الله في أن لا يظلم ولا يجور على عباده بعقاب غير مستحق. PageV00P427 # لأن صاحب الصغيرة غير مستحق للعذاب إذا فعلها مع مجانبة الكبائر عندكم ~~وعلى أصولكم وكذلك التائب من الكبيرة قد أزال عن نفسه العقاب بتوبته وصار ~~عقابه عليها مع التوبة ظلما قبيحا فلا معنى للشفاعة فيمن هذه حاله. # فأما الشفاعة للسالم من كل الذنوب في أن يزاد على قدر ما يستحقه فإنها ~~خلاف الشفاعة المروية عن النبي ولأن ذلك لم يذكر في شيء من الأخبار. وكذلك ~~هي مخالفة للقرآن لأن الشفاعة التي ذكرها الله سبحانه عن الملائكة إنما هي ~~شفاعة في الغفران للذين تابوا من الكفر والظلم لأن يقيهم السيئات وليس فيها ~~ذكر الزيادة في النعيم. ms232 # ولولا العناد والميل إلى سبيل الضالين ووساوس المردة والشياطين لم يعدلوا ~~عن إثبات الشفاعة المذكورة في نص الكتاب والمأثورة في الأخبار إلى الترهات ~~وطريق التأويلات وتلفيق الجهل والضلالات. # ويقال لهم ليس الكلام بين الأمة في الزيادة على قدر الثواب وإنما الكلام ~~في الشفاعة التي جاءت بها الأخبار والقرآن فهل لها عندكم معنى أم لا؟. # فإن قالوا لا صاروا إلى جحد القرآن والروايات وسألناهم على حد ما تقدم. ~~PageV00P428 # وإن أثبتوها وتأولوها على بعض ما تقدم كلمناهم بما سلف ولا جواب لهم عن ~~شيء منه. # مسألة لهم هذا الباب فإن قالوا خبرونا عمن حلف بالطلاق أنه يعمل عملا ~~ينال به شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ما الذي يجب عليه أن يعمل ~~أتأمرونه بعمل المعاصي أو بماذا تأمرونه؟. # يقال لهم لا بل نأمره أن يطيع الله سبحانه حتى ينال شفاعة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في الزيادة على قدر عمله على ما ارتضيتموه في أقسام ~~الشفاعة. وفي ذلك سقوط سؤالكم. # وكذلك الجواب إن قالوا حلف أن يعمل عملا يصير به من أهل الشفاعة. # ثم يقال لهم الذي يجب عندنا على هذا الإنسان أن يستديم الإيمان ويتمسك ~~بفعل الخير والطاعات لأنه بذلك عندنا ينال الشفاعة دون ذنوبه. لأن له أذنب ~~ولم يتب مع ذلك ويؤمن لم ينل الشفاعة فالذي به تثبت له الشفاعة بره وإيمانه ~~كما أن الذي به تثبت لزيد شفاعة صديقه ووليه إنما هو صداقته وسالف الجميل ~~منه وليس هو نفس الذنب والجناية عليه. وهذا معلوم بما يغني عن الحجاج ~~والإكثار. PageV00P429 # مسألة وإن سألوا عمن حلف أنه يفعل ما يستحق أو يستوجب به شفاعة النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنه إن عنى بالاستحقاق والاستيجاب النيل لها والكون من ~~أهلها أمرناه بما سلف من طاعة الله عز وجل وإن عنى به الاستحقاق على الله ~~أو على رسوله واعتقد ذلك فلا مخرج له عن يمينه لقيام الدلالة على أنه لا ~~يجوز أن يستحق على الله ولا على رسوله وملائكته الشفاعة بشيء من الأعمال. ms233 # مسألة وإن قالوا فما تقولون فيمن حلف أن يفعل فعلا يجوز أن يشفع له فيما ~~استحق عليه من العقاب؟. # قيل لهم هذا لا نأمره بشيء من معاصي الله تعالى. فإن ابتلي بشيء من ذلك ~~فقد زال عنه حكم اليمين كما أنكم لا تأمرونه بفعل الصغير من الذنوب فإن ~~ابتلي بشيء من ذلك زال عنه حكم اليمين. # ثم يقال لهم فما تقولون أنتم فيمن أحب أن يكون من التوابين والمستغفرين ~~لما سمع الله يثني على التوابين والمستغفرين فحلف أن يعمل عملا تصح توبته ~~واستغفاره منه؟. # فإن قالوا نأمره بفعل الخير والبر. PageV00P430 # قيل لهم: وكيف تصح توبته واستغفاره من فعل الخير وتقربه بالندم عليه وهذا ~~ما لا يقوله مسلم؟. # وإن قالوا نأمره بفعل بعض معاصي الله سبحانه خرجوا من الإجماع واستجازوا ~~ما حظره الله لأن الأمر بالعصيان عصيان. # وإن قالوا لا نأمره بفعل المعصية لكن إن ابتلي بشيء من ذلك قلنا له قد ~~فعلت ما يصح استغفارك وتوبتك منه وزال حكم اليمين عنك أجيبوا بمثل ذلك فيما ~~سألونا عنه. وبالله التوفيق!. # باب الكلام في الإمامة وذكر جمل من أحكام الأخبار ومما يدل على فساد النص ~~وصحة الاختيار قال أدام الله تأييده قد كنا أملينا مختصرا في الإمامة ~~جعلناه PageV00P431 # مدخلا إلى كتاب مناقب الأئمة ونقض المطاعن على سلف الأمة اختصرنا ~~PageV00P432 # العبارة فيه وأوضحنا معانيه ولم يخل بمعنى يحتاج إليه في فصول منه. # فرأينا أن ننقل تلك الفصول على وجهها إلى هذا الكتاب ونزيد في بعضها ~~وننقص من بعض طلبا لسرعة الفراغ من ملتمس أطال الله بقاءه! # فنقول إن أصل هذا الباب الذي بمعرفته يتوصل إلى علم الصواب منه هو الوقوف ~~على جملة أقسام الأخبار وما يوجب العلم منها اضطرارا وما يقتصر عن ذلك مما ~~يعلم نظرا واستدلالا ولا سبيل إلى العلم بصحته مما يمكن أن يكون صدقا ويمكن ~~أن يكون كذبا وما يوجب العمل دون العلم من هذه الأخبار وما قد قطع الدليل ~~على بطلانه وكذب ناقليه منها باب القول في معنى الخبر ms234 إن قال قائل ما معنى ~~وصفكم للشيء بأنه خبر؟. # قيل له. معنى ذلك أنه ما يصح أن يدخله الصدق أو الكذب PageV00P433 # لأنه متى أمكن دخول الصدق أو الكذب فيه كان خبرا ومتى لم يمكن ذلك فيه ~~خرج عن أن يكون خبرا وبهذا الاختصاص فارق الخبر ما ليس بخبر من الكلام ~~وسائر الذوات التي ليست بخبر باب الكلام في أقسام الأخبار فإن قال قائل ~~فعلى كم وجه تنقسم الأخبار قيل له على ثلاثة أضرب: # فضرب منها خبر عن واجب وهو كل خبر عن أمر ثابت قضت الضرورات ودرك الحواس ~~على إثابته وقامت الأدلة على ذلك من أمره نحو الخبر عن حضور ما ندركه ~~ونشاهده بحواسنا والخبر عن امتناع اجتماع الضدين وكون الجسم في مكانين معا ~~وأمثال ذلك مما يعلم فساده بضرورات العقول والخبر عن حدث العالم وإثبات ~~محدثه وأنه على ما يجب كونه عليه من صفات وصحة أعلام رسله وما جرى مجرى ذلك ~~من كل أمر ثبت العلم بصحته استدلالا ونظرا وهذا ما لا يقع أبدا إلا صدقا من ~~قديم ومحدث ومؤمن وكافر وعدل وفاسق وجماعة وآحاد لثبوت مخبره وصحته وكيف ~~تصرفت بالمخبرين عنه الحال. # والضرب الثاني خبر عن محال ممتنع إما بقضية الحواس PageV00P434 # والضرورات أو بما قام عليه من الحجج والدلالات نحو الخبر عن عدم ما ~~نشاهده وكونه على خلاف صفة ما ندركه عليه والخبر عن قيام الأموات وقلب ~~العصا حيات وانقلاب دجلة ذهبا في وقتنا هذا والخبر عن وجود الضدين في محل ~~واحد وكون الجسم في مكانين وما جرى مجرى ذلك من الممتنع المعلوم بطلانه ~~وإحالته بقضايا الحواس وموضوع العادات وأوائل العقول والضرورات وهذا الخبر ~~لا يقع أبدا إلا كذبا ممن وقع منه لثبوت العلم ببطلان مخبره وتناوله له على ~~غير ما هو به. # وليس يجوز أن يقع هذا الخبر من القديم ولا من نبي ولا ممن خبر نبي عنه ~~أنه لا يكذب ولا من قوم يثبت بهم التواتر ويعلم صدقهم اضطرارا إذا نقلوا عن ~~مشاهدة من غير قهر ms235 وإجبار وأسباب يظهر عليهم الحديث بها لأن الكذب لا يجوز ~~على من ذكرناه فيما هذه حاله ونحو الخبر عن حدوث القديم وقدم المحدث وإبطال ~~المعجزات وغير ذلك مما يدل الدليل على ثبوته وأن الخبر قد تناوله على خلاف ~~ما هو به وهذا الخبر لا يقع أيضا من الله ولا من رسوله ولا PageV00P435 # ممن أخبر أنه لا يكذب في خبره وقد يجوز أن يقع من قوم لو خبروا عن مشاهدة ~~لحجوا وعلم صدقهم ضرورة بشبهة تدخل عليهم لأنهم غير عالمين بما خبروا فضلا ~~عن أن يكونوا إليه مضطرين والضرب الثالث من الأخبار خبر عن ممكن في العقل ~~كونه ومجئ التعبد به نحو الإخبار عن مجيء المطر بالبلد الفلاني وموت رئيسهم ~~ورخص سعرهم وعن كون زيد في داره وخروجه عنها ونحو الإخبار عن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم على إمام بعده وعلى حج وصلوات وعبادات أكثر من المتعبد بها ~~في الشريعة وأمثال ذلك مما يمكن أن يكون صدقا ويمكن أن يكون كذبا وما هذه ~~حاله موقوف على ما يوجب الدليل من أمره فإن قام الدليل على أنه صدق قطع به ~~وإن قام على أنه كذب قطع ببطلانه وكذب ناقله وإن عدم دليل صحته ودليل فساده ~~وجب الوقف في أمره وتجويز كونه صدقا وكونه كذبا وإذا وقع الخبر على الممكن ~~كونه من الله ومن رسوله وممن أخبر عنه أنه لا يكذب في خبره ومن جماعة ~~أسندوا ما أخبروا عنه إلى مشاهدتهم ليثبت PageV00P436 # التواتر بمثلهم قطع بصدقهم وكذلك كل خبر عن جائز قام الدليل على صدق ~~نقلته وهذه جملة من القول في تفسير الأخبار مقنعة باب الكلام في إثبات ~~التواتر واستحالة الكذب على أهله إن قال قائل ما الدليل على استحالة الكذب ~~على العدد الذين يثبت بهم التواتر؟ # قيل له ما قدمنا عند القول في نقل أعلام الرسل وهو أن العادة لم تجر ~~باجتماع مثل عدد أهل التواتر على نقل كذب عن مشاهدة ولا على كتمان ما هم ~~عالمون به من غير ظهور الحديث ms236 به بينهم والإقرار إذا خلوا بأنهم كتموا ~~وتشاعروا لعلة دعتهم إلى ذلك لأنه لا يجوز أن يستمر بهم ترك ذلك والخوض فيه ~~والحديث به زمانا طويلا أو الأبد حتى لا يعلم في حالهم أنهم قد افتعلوا وإن ~~جاز ذلك على الواحد والاثنين منهم كما أنه لم تجر العادة باجتماع مثلهم على ~~التشويه بأنفسهم والتعالج لتشويه وجوههم وكشف سوآتهم وعوراتهم وطلاق نسائهم ~~والخروج PageV00P437 # من ديارهم وشخوص أجمعهم إلى بلد كرمان وشيراز وبلد الصين واحتمال هول ~~البحر وغير ذلك من المتاجر والصنائع لما جعلهم الله عليه من تفرق الدواعي ~~واختلاف الهمم والأعراض فمن أراد أن يجيز الكذب على جميعهم عند الاجتماع ~~لجواز ذلك على آحادهم عند الانفراد فهو كمن جوز عليهم جميع الذي وصفنا مع ~~اجتماعهم لجواز ذلك على آحادهم عند الانفراد وكل ذلك محال معلوم امتناعه ~~وتعذره في العالم. # فإن قال قائل ما الدليل على أن العلم بمخبر خبر من ذكرتم يقع اضطرارا؟. # قيل له: الدليل على ذلك أننا نجد أنفسنا عالمة بما يخبرون عنه على حد ما ~~نجدها عالمة بما تدركه من حواسنا وما نجده من أنفسنا مما لا يمكننا الشك ~~فيه ولأنه قد شاركنا في العلم به النساء والعامة والمتنقصون الذين ليسوا من ~~أهل النظر فثبت أن العلم بذلك ضرورة على ما قلناه. PageV00P438 # باب آخر في صفات أهل التواتر فإن قال قائل هل يجب أن يكون لأهل التواتر ~~صفات لا بد من كونهم عليها؟. # قيل له: أجل فإن قال وما هي؟. # قيل له: منها أنه يجب أن يكونوا عالمين بما ينقلونه علم ضرورة واقعا عن ~~مشاهدة أو سماع أو مخترع في النفس من غير نظر واستدلال وإلا لم يقع العلم ~~بخبرهم وكذلك ما لم يجب أن يقع العلم بخبر كافة المسلمين لمن خالفهم بحدث ~~الأجسام وإثبات صانعها وكون القرآن معجزا وغير ذلك من الأخبار عن صحة ~~الأمور المعلوم ثبوتها عندهم من جهة الاستدلال لأن الله تعالى لم يجر ~~العادة بفعل العلم بالمخبر عنه إذا علمه المخبرون عنه من هذه ms237 الطريقة ولأنا ~~إنما نخبر عن استدلال واقع لنا به العلم فمن عرفه واستعمله ورتبه في موضعه ~~عرف من ذلك ما عرفناه ومن صدف عنه وأعرض عن تأمله لم يعرف صحة ما عنه ~~خبرنا. # ومن صفاتهم أن يكونوا عددا يزيدون على الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة ~~وكل عدد أمرنا الله بالاستدلال على صدق المخبر به كالشاهد الواحد ومن أمرنا ~~بالاجتهاد في عدالتهم وتأمل أحوالهم لأنه لو علم تعالى أن PageV00P439 # خبر الواحد يوجب علم الاضطرار وأنه سيفعل ذلك عند خبره لما أمرنا ~~بالاستدلال على صدق أخبار الرسل خاصة مع عدالتهم وارتفاع أقدارهم وشدة ~~تنزههم عن الكذب وتجنبهم له وكذلك لو علم أن الاثنين أو الرجل والمرأتين ~~والأربعة إذا شهدوا بالزنا وقع العلم بخبرهم إذا كانوا صادقين لم يتعبدوا ~~بالاجتهاد في عدالتهم وقبول شهادتهم إذا كانوا عندنا على هذه الصفة وردها ~~إذا كانوا فساقا لأننا إنما نستدل ونجتهد إذا لم نعلم بصدق المخبر فأما إذا ~~علم صدقهم ضرورة فلا وجه للنظر والاستدلال على ما نحن إلى العلم بصحته ~~مضطرون فوجب أن من صفات أهل التواتر تجاوز عددهم لعدة من أمرنا بالاجتهاد ~~في شهادتهم ويكفي في ذلك على أصولنا أن نقول ويجب أن يكونوا عددا يتجاوزون ~~عدة من جرت العادة بألا يعقل العلم بصدق خبرهم ضرورة دون ذكر الأربعة ~~والاجتهاد في العدالة. # ومن صفاتهم أن يكونوا عددا كل من خبر عن مشاهدة وكان في الكثرة والعدد ~~كهم وقع العلم بخبرهم ضرورة. # ومن صفاتهم إذا كانوا خلفاء لسلف ولسلفهم سلف أن يكون أول خبرهم كآخره ~~ووسط ناقليه كطرفيه في أنهم قوم بهم يثبت التواتر ويقع العلم بصدقهم إذا ~~نقلوا عن مشاهدة. PageV00P440 # هذه الصفات التي يجب لزومها لأهل التواتر دون ما يغلط قوم من أهل النظر ~~بذكره من اختلاف الديانات والملل وتفرق الأوطان وتباعد الديار واختلاف ~~الأنساب وتغاير الأسباب وأن يكونوا في دار ذلة وأن تؤخذ منهم جزية إلى غير ~~ذلك مما يذكرونه من الأوصاف لأنه قد يقع العلم بخبر أهل ملة واحدة وبني أب ~~واحد وأهل ms238 بقاع متجاورة وبلدة واحدة ويقع العلم بخبرهم وإن لم يكونوا في ~~دار ذلة ولم تؤخذ منهم جزية كما وقع لنا العلم البلدان وغيرها من الأمور ~~بنقل من ليس في دار ذلة ولا من يعطي الجزية. # باب آخر في خبر الواحد فإن قال قائل فما معنى وصفكم للخبر بأنه خبر قيل ~~له أما حقيقة هذه الإضافة في اللغة فإنه خبر واحد وأن الراوي له واحد فقط ~~لا اثنان ولا أكثر من ذلك. # غير أن الفقهاء والمتكلمين قد تواضعوا على تسمية كل خبر قصر عن إيجاب ~~العلم بأنه خبر واحد وسواء عندهم رواه الواحد أو الجماعة التي تزيد على ~~الواحد. # وهذا الخبر لا يوجب العلم على ما وصفناه أولا ولكن يوجب العمل ~~PageV00P441 # إن كان ناقله عدلا ولم يعارضه ما هو أقوى منه على حد ما نذهب إليه مما ~~ليس هذا موضع ذكره. # باب الكلام في إبطال النص وتصحيح الاختيار إن سأل سائل فقال: ما الدليل ~~على ما تذهبون إليه من الاختيار للأمة وإبطال النص على إمام بعينه قيل له: ~~الدليل على هذا أنه إذا فسد النص صح الاختيار لأن الأمة متفقة على أنه ليس ~~طريق إثبات الإمامة إلا هذين الطريقين ومتى فسد أحدهما صح الآخر والذي يدل ~~على إبطال النص أنه لو نص النبي صلى الله عليه وسلم على إمام بعينه وفرض ~~طاعته على الأمة دون غيره وقال لهم هذا خليفتي والإمام من بعدي فاسمعوا له ~~وأطيعوا لكان لا يخلو أن يكون قال ذلك وفرضه بمحضر من الصحابة أو الجمهور ~~منهم أو بحضرة الواحد والاثنين ومن لا يوجب خبره العلم فإن كان قد أعلن ذلك ~~وأظهره وقاله قولا ذائعا فيهم وجب أن ينقل ذلك نقل مثله مما شاع وذاع من ~~نحو الصلوات وفرض الحج والصيام وغيرهما من العبادات التي لا اختلاف بين ~~الأمة في أنها مشروعة مفروضة في دين النبي صلى الله عليه وسلم ولا سيما إن ~~كان فرض الإمامة من الفرائض العامة اللازمة لكل أحد في عينه وكان النص من ~~النبي ms239 صلى الله عليه وسلم أمرا عظيما وخطرا جسيما لا ينكتم مثله ولا يستتر ~~عن الناس علمه مع العلم بأن الأمة قد نقلت بأسرها تولية النبي صلى الله ~~عليه وسلم الإمرة لزيد بن حارثة ولأسامة بن زيد وعبد الله بن PageV00P442 # رواحة وعمرو بن العاص ولأبي موسى الأشعري وعمرو بن حزم وغير هؤلاء من ~~أمرائه وقضاته حتى لم يذهب علمه على أحد من أهل العلم والأخبار. # والنص منه على إمام على صفة ما تدعيه الشيعة من التصريح والإظهار أعظم ~~وأخطر من تولية الأمراء والقضاة وتوفر الدواعي على نقلة أكثر وإذا كان ذلك ~~كذلك وجب لو كان الأمر على ما قالوه أن يغلب نقل النص من الكافة على كتمانه ~~وأن يظهر وينقله خلف عن سلف إلى وقتنا هذا نقلا شائعا ذائعا يكون أول نقلته ~~ووسطهم وآخرهم سواء في أنهم جميعا حجة يجب العلم عند PageV00P443 # نقلهم ولو كان ذلك كذلك لوجب أن يعلم ضرورة صدق الشيعة فيما نقله من النص ~~وألا يوجد لهم مخالف من الأمة يوفي على عددهم ينكر النص ويجحد علمه كما لم ~~يوجد فيها من ينكر فرض الصلاة والصيام وإمرة أسامة بن زيد وزيد بن حارثة. ~~وفي العلم ببطلان هذا ووجود أنفسنا غير مضطرة به ولا عالمة به وعلمنا بأن ~~جمهور الأمة والسواد الأعظم منها ينكر ذلك ويجحده ويبرأ من الدائن به ~~ورأينا أكثر القائلين بفضل علي عليه السلام من الزيدية ومعتزلة البغاديين ~~وغيرهم ينكر النص عليه ويجحده مع تفضيله عليا على غيره وزوال التهمة عنه في ~~بابه أوضح دليل على سقوط ما ذهبوا إليه وبطلانه. # فإن قالوا ولم قلتم إن ما هذه سبيله من النقل يوجب علم الاضطرار قيل لهم ~~قد بينا ذلك فيما قبل بما يغنى عن رده. وإذا لم ينقل خبر الشيعة نقل مثله ~~مما وقع شائعا ذائعا في الأصل ولا وجب العلم به كوجوب نظيرة مما يعم فرضه ~~والبلوى به ولا اترفعت الشكوك والشبه فيه كارتفاعها عن نظيره وما جرى مجراه ~~من تأمير النبي صلى الله عليه ms240 وسلم لمن أمره وعقد القضاء لمن عقده بل ما ~~يدعونه فوق هذا الباب ولا حصل علم ذلك لأكثر الشيعة والزيدية المفضلين لعلي ~~عليه السلام على غيره من الأئمة والمختصين علما بفضائله ومناقبه والمبرئين ~~من التهمة في بابه عند الفريقين ولا وجب علمنا بما قالوه ضرورة ولا حصل ~~أيضا علمه لمن ليس من أهله مع بحثه عنه ممن يخالف الأمة كحصول علم اليهود ~~والنصارى بمقدار فرض صلواتنا وصيامنا عند تلقيهم لنا وسماعهم لأخبارنا وجب ~~القضاء على إبطال خبرهم عن النص بأكثر الأدلة PageV00P444 # الدالة على فساد الأخبار. وهذا بين لمن نصح نفسه وإن كان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم إنما نص عليه النص الذي يدعونه بمحضر من الواحد والاثنين ومن ~~يجوز الكذب والسهو عليه ولم يذع ذلك ويشعه فلا سبيل إذا لنا إلى العلم ~~والقطع على أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على رجل بعينه وألزم فرض طاعته ~~دون غيره إذ كان إنما نقل ذلك في الأصل عن الرسول صلى الله عليه وسلم من لا ~~يجب العلم بصدقه ومن يجوز دخول الغلط والسهو عليه وكنا نحن وأنتم قد اتفقنا ~~على أن أخبار الآحاد لا توجب علم الاضطرار وإن كان الآخذون عنهم ممن عددهم ~~كعدد القطر والرمل فلم يقارن أيضا خبر ذلك الواحد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما يدل على صدقه بأن يخبر الله تعالى عن ذلك الواحد في نص كتابه أنه ~~لا يكذب في شيء من أخباره أو يخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم من أمره ~~أو تجمع الأمة على تلقي خبره بالقبول والمصير إلى العلم بموجبه والقطع عليه ~~ولا كانت العقول دالة على وجوب النص من الله ورسوله على ذلك الرجل بعينه ~~ومقتضية لصدق المخبرين عن النص عليه ولا ادعى ذلك الواحد والآحاد على سائر ~~الأمة أو على من لا يجوز عليه فيها الكذب والافتعال والإمساك عن إنكار كذب ~~يدعى عليهم أنهم حضروا نص النبي صلى الله عليه وسلم على من ادعي النص عليه ~~وسمعوه كما سمعه ms241 فإذا قد عري خبر الواحد عن النص عن كل شيء يدل على صدق ~~أخبار الآحاد فوجب ألا نقطع بذلك ولا نصير إلى علمه بخبر الواحد. # وعلى أنه لو كان النص قد رواه واحد وآحاد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~صدر الأمة وادعى مع روايتهم حضورهم له وسماعهم فالواجب أن يقع لنا العلم ~~ضرورة بأن هذا الأمر الخطير والشأن العظيم قد ادعاه ورواه راو في صدر ~~الإسلام وأنه قد استشهد عليه وأيده بدعواه حضور القوم له وسماعهم إياه لأن ~~توفر الدواعي على نقل ذلك لو كان صحيحا أشد من توفرها على نقل خلاف الأنصار ~~في الإمامة وقول قائلها أنا جذيلها المحكك وعذيقها PageV00P445 # المرجب ونقل رواية من روى قول النبي صلى الله عليه وسلم (الأئمة من قريش) ~~وأن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه PageV00P446 # وخلاف من خالف فيه إلى نظائر ذلك مما رواه وقاله الآحاد وظهر واشتهر ظهور ~~مثله على ما جرت العادة بمثل رواية الآحاد في الصدر الأول للنص من النبي ~~صلى الله عليه وسلم على إمام بعينه لا بد أن تتلقاه الأئمة بالقبول أو برده ~~بأسرها أو ينكره بعضها ويصححه الآخرون منها ويقع التشاجر بينهم في ذلك لأنه ~~ليس يجوز إغفاله وقلة الإحفال به وترك البحث والتأمل لروايته وحال راويه بل ~~كان يجب أن نعلم ضرورة أن هذا قد ادعي في صدر الإسلام واستدل عليه ببعض ~~الاحتجاج وكيف جرى أمر الأمة في قبوله أو رده أو الاختلاف فيه وألا يرد ذلك ~~ورودا خاصا تفتعله الشيعة بينهم وتضيفه إلى عمار والمقداد وغيرهم من أصحابه ~~ويمنون أنفسهم الأباطيل فيه بل يجب أن تعلمه العذراء في خدرها من المسلمين ~~ومن ليس من أهل الإسلام أيضا من أهل السير وكل ذلك يدل على بطلان دعوى من ~~ادعى منهم أن النص نقله واحد وآحاد في الأصل. # فإن قال منهم قائل فاجعلوا خبر الشيعة عن النص بمنزلة أخبار الآحاد التي ~~تعملون بها في الشريعة وإن لم تقطعوا على صحتها وخبر الشيعة ms242 عن PageV00P447 # النص فيه عمل من الأعمال في الشريعة فصيروا إلى العمل به قيل له قد قلنا ~~فيما قبل إنا إنما نعمل بأخبار الآحاد إذا كانت على صفات مخصوصة وعريت مما ~~يدل على فسادها أو معارضتها وثبتت عدالة نقلتها ونحن لا نعرف أحدا قال ~~بالنص على علي عليه السلام إلا وهو يتبرأ من أبي بكر وعمر وسائر أهل الشورى ~~سوى علي ويشتم الصحابة ويزري على أفعالهم ويزعم أنهم ارتدوا بعد الإسلام ~~على أعقابهم ويضيف إلى ذلك مذاهب أخر نرغب عن ذكرها لئلا يظن قارىء كتابنا ~~أنا نقصد الشناعة عليهم دون الاحتجاج على فساد قولهم. # وببعض هذه الأمور تسقط العدالة وتزول الثقة والأمانة لأن هذا الدين عندهم ~~لا يتم إلا بالولاء والبراء ومنهم من يرى الشهادة لموافقة على خصمه ~~والشريعة إنما أوجبت العمل بخبر الواحد إذا كان عدلا مرضيا وليس هذه صفة ~~القائلين بالنص ولا صفة الآحاد الذين رووا لهم ذلك في الأصل على دعواهم ~~لأنهم يزعمون أن راوي هذه الأخبار لهم كان من القائلين بولاية علي وممن يرى ~~في الصحابة رأيهم ويدين بالبراءة منهم فلا يجب أن يقبل خبر هذا السلف ولا ~~يقبل الخلف لما قد ثبت من إيمان من دانوا بإكفاره وعدالة من دانوا بتفسيقه ~~والبراءة منه. # فإن زعموا أن رواة النص في الأصل لم يكونوا ممن يدين بالنص على ~~PageV00P448 # علي عليه السلام قيل لهم فهم إذا فساق عندنا وعندكم فوجه فسقهم عندكم ~~تدينهم بترك ما علموه ورووه من النص وتوليتهم الظلمة والفساق ووجه تفسيقهم ~~عندنا روايتهم لما لا أصل له عندهم ولما قد علموا بطلانه وترك العمل به ~~وأوهموه الناس بطلانه فلا معتبر بخبر من هذه صفته عندنا وعندكم فهذا هكذا. # ولأن هذه الأخبار التي هي أخبار الآحاد التي تدعونها في النص على علي ~~أخبار قد عارضها إجماع المسلمين في الصدر الأول على إبطالها وترك العمل بها ~~لأن الأمة كلها انقادت لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ودانت بوجوب طاعتهما ~~والسكون تحت رايتهما وفيهم علي والعباس وعمار والمقداد وأبو ms243 ذر والزبير بن ~~العوام وكل من ادعي له النص وروي له وهذا الظاهر المعلوم من حال الصحابة ~~رضي الله عنهم لا يمكننا ولا أحدا من PageV00P449 # الشيعة دفعه ولهذا قالوا إن التقية ديننا ورواه عن ولد علي أنهم قالوا إن ~~التقية ديننا ودين آبائنا فلا يجوز أن يعمل بخبر الواحد ونحن نتيقن ترك ~~رواته له وإظهاره فوجب ترك العمل على هذه الأخبار لتدينهم بخلافة وترك من ~~روى النص عليه وتكذيبه به لأن الإجماع الظاهر في المعلوم يترك له ما هو ~~أقوى من هذه الأخبار فوجب أيضا ترك العمل على هذه الأخبار ولولا كانت ~~مروية. # على أنا إنما نعمل بخبر الواحد من الشريعة إذا لم يعارضه خبر بضد موجبه ~~وهذا الخبر الذي ادعته الشيعة فقد عارضه خبر البكرية والراوندية وكل من قال ~~بالنص على أبي بكر والنص على العباس وروايتهم في ذلك أظهر وأثبت والعمل في ~~صدر الأمة موافق لرواية النص على أبي بكر عليه السلام فهو إذا أقوى وأثبت ~~فيجب إذا ترك الأضعف بالأقوى فإن لم نفعل ذلك فلا أقل من اعتقاد تعارض هذه ~~الأخبار وتكافئها وتعذر العمل بشيء منها ورجوعنا إلى ما كنا عليه من أن ~~الأصل ألا نص إلى أن يثبت أمر نعود إليه وأنى لأحد بذلك وكل ما يستدل به ~~على بطلان الخبر الواحد موجود في هذه الرواية وفي بعض هذه الجملة كفاية في ~~إبطال النص وإذا بطل النص ثبت الاختيار ثبوتا لا يمكن دفعه وإنكاره. # فإن قال من الشيعة المنكرين صريح النص على علي عليه السلام ما أنكرتم أن ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على علي رضي الله عنه PageV00P450 # بقوله من كنت مولاه فعلي مولاه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قررهم على ~~وجوب طاعته وأنه أولى بهم من أنفسهم ثم قال بعد قوله لهم ألست أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم فمن كنت مولاه فعلي مولاه فأوجب لعلي من وجوب الطاعة ~~والانقياد له وأنه أولى بهم ما أوجبه لنفسه يقال لهم لا يجب ما قلتم ms244 لأن ما ~~أثبته لنفسه من كونه أولى بهم ليس هو من معنى ما أوجبه لعلي بسبيل لأنه قال ~~من كنت مولاة فعلي مولاه فأوجب الموالاة لنفسه ولعلي وأوجب لنفسه كونه أولى ~~بهم منهم بأنفسهم وليس معنى أولى من معنى مولى في شيء لأن قوله مولى يحتمل ~~في اللغة وجوها ليس فيها معنى أولى فلا يجب إذا عقب كلام بكلام ليس من ~~معناه أن يكون معناهما واحدا. ألا ترون أنه لو قال ألست نبيكم والمخبر لكم ~~بالوحي عن ربكم وناسخ شرائع من كان قبلكم ثم قال فمن كنت مولاه فعلي مولاه ~~لم يوجب ذلك أن يكون قد أثبت لعلي من النبوة وتلقى الوحي ونسخ الشرائع على ~~لسانه ما أوجبه في أول الكلام لنفسه ولا أمر باعتقاد ذلك فيه من حيث ثبت ~~أنه ليس معنى نبي معنى مولى فكذلك إذا ثبت أنه ليس معنى أولى معنى مولى لم ~~يجب أن يكون قد أثبت لعلي ما أثبته لنفسه وإنما دخلت عليهم الشبهة من حيث ~~ظنوا أن معنى مولى معنى أولى وأحق وليس الأمر كذلك. # فإن قالوا ولم أنكرتم أن يكون معنى مولى معنى أولى قيل لهم لأن هذا الذي ~~تدعونه لغة ولا يجوز ثبوته إلا بتوقيف من أهلها عليه بنقل يوجب العلم مثله ~~وينقطع العذر به ومتى لم نجد ذلك في اللغة كما ادعيتم بطل ما قلتموه كما ~~أنه إذا لم يكن معنى مولى معنى نبي لم يجب إثبات النوبة لعلي بمثل هذا ~~الكلام. فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون معنى قوله مولى معنى معنى أولى في ~~اللغة بدلالة قوله تعالى (مأويكم النار هي موليكم) يريد أولى بكم وبدلالة ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم (إيما امرأة نكحت PageV00P451 # بغير إذن وليها فنكاحها باطل يريد بغير إذن مولاها المالك لأمرها وبدلالة ~~قول الأخطل: # فأصبحت مولاها من الناس كلهم * وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا يقول أصبحت ~~وليها فجعل مولاها بمعنى وليها يقال لهم ليس فيما ذكرتموه ما يدل على أن ~~معنى مولى معنى أولى لأن ms245 قوله هي موليكم المراد به مكانهم وقرارهم وكذلك ~~فسره الناس وأما قوله بغير إذن وليها PageV00P452 # فليس وليها من مولاها في شيء لأن أبا المرأة وأخوتها وبني عمها أولياؤها ~~وليسوا بمول لها وإن كان ولي الأمة مولى لها لأنه لم يكن مولى لها من حيث ~~كان وليها لأن ما ذكرناه ولي وليس بمولى وقول الأخطل فأصبحت مولاها إنما ~~أراد ناصرها والحامي عنها لأن المولى يكون بمعنى الناصر وكان عبد الملك بن ~~مروان إذ ذاك أقدر على نصرها وأشدها تمكنا من ذلك فلهذا قال وأحرى قريش أن ~~تهاب وتحمدا أي إنك أقدرها على إعزاز ونصرة وإجلال وإهابة وإذا كان ذلك ~~كذلك بطل ما قلتم. # وعلى أنه لو ثبت أن معنى مولاه معنى أولى وإن كان محتملا لوجوه أخر لم ~~يجب أن يكون المراد بقوله فمن كنت مولاه فعلي مولاه من كنت أولى به وإن نسق ~~بعض الكلام على بعض وكان ظاهره يقتضي ذلك لدليل صرفه عما يقتضيه وهو أن ~~الأمة مجمعة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب ما أوجبه بقوله (ما كنت ~~مولاه فعلي مولاه) في وقت وقوع هذا القول في طول أيام حياة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلو كان إنما أثبت له الولاية عليهم وجعله أولى بهم وألزمهم ~~طاعته والانقياد لأوامره لوجب أن يكون قد أثبته إماما وأوجب الطاعة له آمرا ~~وناهيا فيهم مع وجوده سائر مدته صلى الله عليه وسلم فلما أجمعت الأمة على ~~فساد ذلك وإخراج قائله من الدين ثبت أنه لم يرد به فمن كنت مولاه من كنت ~~أولى به ولم يرد بقوله فعلي مولاه أنه أولى به. # ويدل على ذلك أيضا ويؤكده ما يروونه من قول عمر أصبحت مولاي ومولى كل ~~مؤمن فأخبر أنه قد ثبت كونه مولى له ولكم مؤمن فلم ينكر PageV00P453 # ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدل أنه قد أثبت له في ذلك الوقت ما أثبته ~~لنفسه وليس هو الولاية عليهم ولزوم طاعتهم له فهذه دلالة تصرف الكلام عن ~~مقتضاه لو ms246 كان معنى مولى معنى أولى وكان نسق الكلام يقتضي ذلك فسقط ما ~~تعلقوا به. # فإن قالوا فما معنى مولى عندكم وما الذي أثبته النبي صلى الله عليه وسلم ~~بهذا الكلام لعلي وقصد به قيل لهم أما معنى مولى فإنه يتصرف على وجوه فمنها ~~المولى بمعنى الناصر ومنها المولى بمعنى ابن العم ومنها المولى بمعنى ~~الموالي المحب ومنها المولى بمعنى المكان والقرار ومنها المولى بمعنى ~~المعتق المالك للولاء ومنها المولى بمعنى المعتق الذي ملك ولاءه ومنها ~~المولى بمعنى الجار ومنها المولى بمعنى الصهر ومنها المولى بمعنى الحلف ~~فهذا جميع ما يحتمله قوله مولى. وليس من معنى هذه اللفظة أن المولى إمام ~~واجب الطاعة قال الله تعالى في المولى بمعنى الناصر «وإن تظاهرا عليه فإن ~~الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين» يعني ناصره وقال الأخطل: # فأصبحت مولاها من الناس كلهم * وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا أي فأصبحت ~~ناصرها وحامي ذمارها. وأما المولى بمعنى ابن العم فمشهور. قال الله تعالى ~~«وإني خفت الموالي من ورائي» يعني PageV00P454 # بني العم قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب يخاطب بني أمية: # مهلا بني عمنا مهلا موالينا * لا تنبتوا بيننا ما كان مدفونا لا تحسبوا ~~أن تهينونا ونكرمكم * وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا الله يعلم أنا لا نحبكم * ~~ولا نلومكم ألا تحبونا وأما المولى بمعنى المعتق والمعتق فأظهر من أن يكشف ~~يقال فلان مولى فلان يعني معتقه ومالك ولائه وفلان مولى لفلان يراد به معتق ~~له وأما المولى بمعنى الموالى المحب فظاهر في اللغة يقال فلان مولى فلان أي ~~محب له وولي له وقد روي في قول النبي صلى الله عليه وسلم (مزينة وجهينة ~~وأسلم وغفار موالي الله ورسوله) أي محبون موالون لهما. وأما المولى بمعنى ~~الجار فمعروف في اللغة قال مربع بن دعدعة وكان جاور كليب ابن يربوع فأحسنوا ~~جواره: # جزى الله خيرا والجزاء بكفه * كليب بن يربوع وزادهم حمدا هم خلطونا ~~بالنفوس وألجموا * إلى نصر مولاهم مسومة جردا أي إلى نصر جارهم. وأما ms247 ~~المولى بمعنى الصهر فمعروف أيضا قال أبو المختار يزيد بن قيس الكلابي في ~~ظلامته إلى عمر في أمرائه: # فلا تنسين النافعين كليهما * وهذا الذي في السوق مولى بني بدر وكان الرجل ~~صهرا لبني بدر. وأما المولى بمعنى الحليف فمذكور أيضا قال بعض الشعراء: ~~PageV00P455 # موالي حلف لا موالي قرابة * ولكن قطينا يعصرون الصنوبرا فأما ما قصد به ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (من كنت مولاه فعلي مولاه) فإنه يحتمل ~~أمرين أحدهما من كنت ناصره على دينه وحاميا عنه بظاهري وباطني وسري ~~وعلانيتي فعلي ناصره على هذا السبيل فتكون فائدة ذلك الإخبار عن أن باطن ~~علي وظاهره في نصرة الدين والمؤمنين سواء والقطع على سريرته وعلو رتبته ~~وليس يعتقد ذلك في كن ناصر للمؤمنين بظاهره لأنه قد ينصر الناصر بظاهره طلب ~~النفاق والسمعة وابتغاء الرفد ومتاع الدنيا فإذا أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن نصرة بعض المؤمنين في الدين والمسلمين كنصرته هو صلى الله عليه ~~وسلم قطع على طهارة سريرته وسلامة باطنه وهذه فضيلة عظيمة. ويحتمل أيضا أن ~~يكون المراد بقوله فمن كنت مولاه فعلي مولاه أي من كنت محبوبا عنده ووليا ~~له على ظاهري وباطني فعلي مولاه أي إن ولاءه ومحبته من ظاهره وباطنه واجب ~~كما أن ولائي ومحبتي على هذا السبيل واجب فيكون قد أوجب مولاته على ظاهره ~~وباطنه ولسنا نوالي كل من ظهر منه الإيمان على هذه السبيل بل إنما نواليهم ~~في الظاهر دون الباطن. # فإن قيل فما وجه تخصيصه بهذا القول وقد كان عندكم في الصحابة خلق عظيم ~~ظاهرهم كباطنهم قيل له يحتمل أن يكون بلغة صلى الله عليه وسلم قدح قادح فيه ~~أو ثلب ثالب أو أخبر أن قوما من أهل النفاق والشراة سيطعنون عليه ويزعمون ~~أنه فارق الدين وحكم في أمر الله تعالى الآدميين ويسقطون بذلك ولايته ~~ويزيلون ولاءه فقال ذلك فيه لينفي ذلك عنه في وقته وبعده لأن الله تعالى لو ~~علم أن عليا سيفارق الدين بالتحكيم أو غيره على ما قرف به ms248 لم يأمر نبيه أن ~~يأمر الناس باعتقاد ولايته ومحبته على ظاهره وباطنه والقطع على طهارته وهو ~~يعلم أنه يختم عمله بمفارقة الدين لأن من هذه سبيله في معلوم الله تعالى ~~فإنه لم يكن قط وليا لله ولا ممن يستحق الولاية والمحبة PageV00P456 # وفي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بموالاة علي على ظاهره وباطنه دليل ~~على سقوط ما قرفه أهل النفاق والضلال به. # فإن قالوا فإذا كان هذا هو الذي أراده فلم لم يقل علي مؤمن الظاهر ~~والباطن نقي السريرة وخاتم لعمله بالبر والطاعة فيزيل الإشكال قيل لهم ليس ~~لنا الاعتراض على النبي صلى الله عليه وسلم في تخير الألفاظ ولعله أوحى ~~إليه أن إذاعة هذا الكلام وجمع الناس له وتقديم التقرير لوجوب طاعته لطف ~~لعلي عليه السلام وأنه أجمع للقلوب على محبته وموالاته فلا سؤال علينا في ~~ذلك. # ثم يقال لهم فلو كان الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أراد بهذا القول ~~النص عليه فلم لم يقل هذا إمامكم بعدي الواجبة طاعته فاسمعوا له وأطيعوا ~~فيزيل الوهم والإشكال فكل شيء أجابوا به فهو جواب لهم فيما سألوا عنه. # دليل آخر فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم نص على ~~علي عليه السلام بقوله (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) ~~قيل لهم لا يجب ذلك لأن معنى ذلك أني أستخلفك على أهلي وعلى المدينة إذا ~~توجهت إلى هذه الغزوة لأنه إنما قال ذلك في غزوة تبوك لما خلفه بالمدينة ~~وماج أهل النفاق وأكثروا وقالوا قد أبغض عليا وقلاه وقال سعد بن أبي وقاص ~~وهو العمدة في رواية هذا الحديث فلحق علي PageV00P457 # بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أتتركني مع الأخلاف فقال ~~أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي أي إني لم ~~أخلفك بغضا ولا قلى كما أن موسى لم يخلف أخاه هارون في بني إسرائيل لما ~~توجه لكلام ربه بغضا ولا ms249 قلى. # ومما يدل على أن هذا المعنى هو الذي قصده بقوله صلى الله عليه وسلم علمنا ~~أنه كان لهارون من موسى منازل منها أنه كان أخاه ومنها أنه كان شريكا له في ~~النبوة ومنها أنه خلفه في قومه لما توجه لكلام ربه وليس منها أنه خلفه بعد ~~موته لأن هارون مات قبل موسى بسنين كثيرة وإنما خلف موسى بعد موته يوشع بن ~~نون فلا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما عنى بقوله (أنت مني ~~بمنزلة هارون من موسى) أي إنك أخي لأبي وأمي ولا أنك تخلفني بعد موتي لأن ~~هذه منزلة لم تكن لهارون من موسى فثبت أنه إنما أراد خليفتي على أهلي وعلى ~~المدينة عند توجهي إلى هذه الغزوة كما خلف موسى أخوه هارون في قومه عند ~~توجهه لكلام ربه. PageV00P458 # فإن قالوا فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم إلا إنه لا نبي بعدي وكيف ~~يجوز أن يقول أما ترضى أن تخلفني في قومي وفي أيام حياتي إلا أنه لا نبي ~~بعدي قيل لهم لم يرد بقوله بعدي بعد وفاتي وإنما أراد لا نبوة بعد نبوتي ~~ولا معي ولا بعدي وهذا كما يقل القائل لا ناصر لك بعد فلان ولا بيان لك بعد ~~هذا الكلام يريد أنه لا نصرة لك بعد نصرة فلان لا في حباته ولا بعد موته ~~وكذلك قولهم لا بيان لهم بعد هذا الكلام يريد لا بيان معه يزيد عليه ولا ~~بعده فإن قالوا حمل الكلام على هذا التأويل يجعله مجازا لأن قوله لا نبي ~~بعدي يقتضي بعد عينه وأنتم تقولون بعد نبوته ونبوته غيره قيل لهم هذا هو ~~مفهوم الكلام الذي هو أولى به من معناه فهو إذا كان كذلك حقيقة فالمعقول ~~منه أولى به من حمله على ما ليس من مفهومه ثم يقال لهم وأنتم أيضا قد تركتم ~~الظاهر وحملتم الكلام على المجاز لأنكم تزعمون أنه أراد بقوله لا نبي بعدي ~~أي بعد موتي وموت النبي صلى الله عليه وسلم غيره ms250 كما أن حركته وسكونه ولونه ~~غيره وأنتم بمنزلة من قال لا نبي بعد حركتي وصفة من صفاتي وذلك تجوز في ~~الكلام. وإذا كان لا بد من ترك الظاهر فتركه إلى المعقول من معناه من ~~استعمال أهل اللغة أولى. # فإن قالوا فإذا زعمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بهذا القول ~~استخلافه على أهل المدينة فهو على ولايته إلى أن يصرفه النبي صلى الله عليه ~~وسلم وما روى أحد صرفه قيل لهم هذا من التعاليل لأن تولي النبي صلى الله ~~عليه وسلم للأمور والإنفاذ لها والاستبداد بالنظر فيها عند رجوعه إلى ~~المدينة صرف له مع أنه ليس في الأمة من يقول إن النظر والحكم والتولية كان ~~لعلي عليه السلام في المدينة عند عود النبي صلى الله عليه وسلم إليها من ~~هذه الغزوة فلا متعلق لأحد في هذا. # ثم يقال لهم فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولى في أيام ~~PageV00P459 # حياته عدة من الولاة على الموسم والبلدان والأطراف وولى قضاة وحكاما منهم ~~أبو بكر الصديق فإنه ولاه الموسم وإقامة الحج سنة تسع من الهجرة وولى عمر ~~صدقات قريش وولى زيد بن حارثة وولى أسامة بن زيد عند موته الجيش الذي أنفذه ~~أبو بكر إلى الشام وولى عمرو بن العاص وأبا عبيده بن الجراح في غزوة ذات ~~السلاسل وولى خالد بن الوليد PageV00P460 # وولى معاذا على اليمن وولى أبا موسى الأشعري وولى عمرو بن حزم فيجب أن ~~يكون هؤلاء على ولاياتهم وإمرتهم وحكمهم وقضائهم لأنه لم يرو عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صرف واحد منهم فإن مروا على PageV00P461 # هذا قيل لهم فيجب أن تقولوا ليس لعلي عليه السلام ولاية على أحد من هؤلاء ~~وهذا خلاف دينكم وإن أبوه وقالوا لم تكن هذه الولايات مؤبدة من النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأنها منقطعة بموته وأن النبي صلى الله عليه وسلم تولى هذه ~~الأحكام بنفسه بعد توليته لمن ولاه قيل لهم مثل ذلك في تأميره عليا على ~~المدينة. # دليل آخر فإن قالوا ms251 ما أنكرتم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد نص ~~على علي بقوله (أنت أخي وخليفتي في أهلي وقاضي ديني ومنجز عداتي) قيل لهم ~~ليس في هذا أيضا لو ثبت نص على إمامته لأنه إذا أراد بقوله أخي التعظيم لم ~~يكن هذا عهدا في الإمامة ولا من النص على ولايته في شيء وإن كان ذلك خبرا ~~له عن فضله وعظيم محله منه وأمانته في نفسه وهو أيضا خليفته على أهله وهم ~~فاطمة وولدها عليهم السلام وقوله: PageV00P462 # وقاضي ديني متوجه إلى أنه أمره بقضاء دينه أو كان قد قضي عنه قبل هذا ~~القول وليس هذا من قوله أنت الإمام بعدي في شيء ولهذا ما لو قال خليفة ~~الأمة في هذا الوقت زيد هذا أخي وخليفتي في أهلي وقاضي ديني لم يكن هذا ~~عهدا إليه في الإمامة ولا من النص على ولايته في شيء وإن كان ذلك خبرا عن ~~فضله عنده وعظيم محله منه وأمانته وثقته فلا متعلق أيضا في هذا القول. # ثم يقال لهم فيجب أن تثبتوا النص على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بمثل ~~هذا القول لأنه قد روى مسلم بن إبراهيم عن قزعة بن سويد عن ابن أبي مليكة ~~عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أبو بكر وعمر مني بمنزلة ~~هارون من موسى) فيجب النص عليهما بهذا القول. فإن قالوا هذا من أخبار ~~الآحاد التي لا نعلمها ضرورة ولا بدليل قيل إن جازت لهم هذه الدعوى جاز ~~لخصمكم أن يزعم أن جميع ما رويتموه وتعلقتم به في النص والتفضيل من أخبار ~~الآحاد التي لا نعلمها ضرورة ولا بدليل فلم يلزم القول بها ولا جواب لهم عن ~~ذلك. # ثم يقال لهم كيف لم تعلموا أن جميع ما رويتموه ليس بنص على علي ولا عهدا ~~إليه بترك علي المطالبة بذلك والاحتجاج به في السقيفة وعلى أهل البصرة ~~ومعاوية وفي كل مقام كان يسوغ ذكره والاحتجاج به وعدوله PageV00P463 # إلى أن يقول بالبصرة بايعاني بالمدينة وخلعاني بالعراق ms252 وتعلمون أن ما ظهر ~~منه من الانقياد لأبي بكر وعمر وعثمان والأخذ لغنيمتهم والوطىء للحنفية من ~~سبيهم وتزويجه ابنته من عمر بن الخطاب وإقامته حدا بحضرة عثمان وقتاله مع ~~أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين وما كان من ثنائه عليهما وقوله في عمر والله ~~ما أحد ألقى الله بصحيفته PageV00P464 # أحب إلى من هذا المسجى. وقوله في رواية سويد بن غفلة والجم الغفير من ~~أصحابه ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم بعد أبي بكر عمر ثم الله ~~أعلم بالخير حيث هو وروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهما ~~(هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين) ~~وقوله ما حدثني أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أحلفته إلا أبا ~~بكر وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر في نظائر هذه الأقاويل المشهورة عنه في ~~مدحهم وتقريظهم وحس الثناء عليهم وأنه راض بإمامتهم وأنه لو كان الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قد نص عليه وقطع العذر في بابه لم يجز أنه يقول فيمن غصبه ~~وجحده حقه هذه الأقاويل وتكون أفعاله معهم واقتداؤه بهم ما ذكرنا فكيف ~~تركتم هذا الظاهر المعلوم من قوله وفعله إلى تعليل النفوس وشهواتها ~~وتسويفها للأماني فإن قالوا كل هذا الذي ظهر منه على سبيل التقية والإرهاب ~~والخوف منهم قيل لهم وما الحجة في ذلك مع ما فيه من القدح وسوء القول في ~~أمي والمؤمنين فلا يجدون في ذلك متعلقا. # ثم يقال لهم كيف لم تستدلوا على إثبات النص لأبي بكر رضي الله عنه بقوله ~~صلى الله عليه وسلم (يؤم الناس أبو بكر) وقوله (يأبى الله ورسوله والمسلمون ~~إلا أبا بكر) وقوله لعائشة (إنكن صواحبات يوسف يأبى الله إلا أبا بكر) ~~وقوله (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) PageV00P465 # وقوله (لا ينبغي لقوم يكون فيهم أبو بكر أن يتقدمهم غيره وقوله (إيتوني ~~بدواة وكتف أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه اثنان) وقوله صلى الله عليه ~~وسلم (أنتما ms253 من الدين بمنزلة السمع والبصر من الرأس) وقوله (لو كنت متخذا ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن) وقوله (إن تولوها أبا ~~بكر تجدوه ضعيفا في بدنه قويا في أمر الله وإن تولوها عمر تجدوه قويا في ~~بدنه قويا في أمر الله وإن تولوها عليا تجدوه هاديا مهديا) وعلموا بهذه ~~البنية والترتيب أنه قصد التنبيه على النص عليه وبقوله (الخلافة بعدي إلى ~~ثلاثين) وقوله (إن يطع الناس أبا بكر وعمر رشدوا). ورشدت أمتهم وإن يعصوهما ~~غووا وغوت أمتهم) وقوله (خير أمتي أبو بكر ثم عمر) وقوله (من أفضل من أبي ~~بكر زوجني ابنته وجهزني بماله وجاهد معي ساعة الخوف) وقوله في عمر (لو كان ~~بعدي نبي لكان عمر) و (لو لم أبعث فيكم لبعث عمر) و (إن الله ضرب بالحق على ~~لسان عمر وقلبه يقول الحق وإن كان مرا) و (إن منكم لمحدثين ومكلمين وإن عمر ~~منهم) في نظائر هذه الأخبار والفضائل التي يطول تتبعها فكيف لم تقولوا ~~بالنص عليهما؟. PageV00P466 # فإن قالوا: كل هذه الأخبار آحاد غير ثابتة قيل لهم فما الذي يمنع خصومكم ~~على هذه الدعوى في أخباركم يجدون فصلا. # ثم يقال لهم: فكأنكم قد عزمتم على إنكار جميع ما نرويه لكم وتكذيبه ~~ومطالبتنا بالإقرار والإذعان لجميع ما تروونه وكأنكم إنما تقولون لنا سلموا ~~لنا مذهبنا واتركوا الظاهر المعلوم من قول النبي صلى الله عليه وسلم في أبي ~~بكر وعمر وقول علي فيهما واحملوا ذلك على التقية منه وهذا من حديث النفوس ~~وما لا سبيل لكم إلى المصير إليه. # باب الكلام في حكم الاختيار فإن قالوا فإذا فسد النص على إمام بعينه فكيف ~~طريق إثبات الإمامة وبماذا يصير الإمام إماما قيل لهم إنما يصير الإمام ~~إماما بعقد من يعقد له الإمامة من أفاضل المسلمين الذين هم من أهل الحل ~~والعقد والمؤتمنين على هذا الشأن لأنه ليس لها طريق إلا النص أو الاختيار ~~وفي فساد النص دليل على ثبوت الاختيار الذي نذهب إليه. # باب القول في العدد الذي ms254 تنعقد به الإمامة فإن قال قائل فبكم يتم عقد ~~الإمامة عندكم قيل له تنعقد وتتم برجل واحد من أهل الحل والعقد إذا عقدها ~~لرجل على صفة ما يجب أن يكون عليه الأئمة. فإن قالوا وما الدليل على ذلك ~~قيل لهم الدليل عليه أنه إذا صح أن فضلاء الأمة هم ولاة عقد الإمامة ولم ~~يقم دليل على أنه يجب أن يعقدها سائرها ولا عدد منهم مخصوص لا تجوز الزيادة ~~عليه والنقصان منه ثبت بفقد الدليل على تعيين العدد والعلم بأنه ليس بموجود ~~في الشريعة ولا في أدلة العقول أنها تنعقد بالواحد فما فوقه. PageV00P467 # فإن قيل ألا جعلتم العقد إلى كل فضلاء الأمة في كل عصر من أعصار المسلمين ~~قيل له أجمع أهل الاختيار على بطلان ذلك ولعلمنا بأن الله قد فرض علينا فعل ~~العقد على الإمام وطاعته إذا عقد له وأن اجتماع سائر أهل الحل والعقد في ~~سائر أمصار المسلمين بصقع واحد وإطباقهم على البيعة لرجل واحد متعذر ممتنع ~~وأن الله تعالى لا يكلف فعل المحال الممتنع الذي لا يصح فعله ولا تركه ~~ولعلمنا بأن سلف الأمة لم يراعوا في العقد لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي حضور ~~جميع أهل الحل والعقد في أمصار المسلمين ولا في المدينة أيضا وأن عمر رد ~~الأمر إلى ستة نفر فقط وإن كان في غيرهم من يصلح للعقد فوجب بهذه الجملة ~~صحة ما قلناه ويوضح ذلك أيضا أن أبا بكر عقدها لعمر فتمت إمامته وسلم عهده ~~بعقده له وسنتكلم في بيان ذلك وصحته عند انتهاء كتابنا إلى القول في إمامة ~~عمر بما يوضح الحق إن شاء الله. # سؤال لهم فإن قالوا فهل يجب عندكم أن يحضر العقد للإمام قوم من المسلمين ~~قيل لهم أجل وليس يجب أن يكون لمن يحضر العقد منهم حد فإذا حضر نفر من ~~المسلمين تمت البيعة. وقد قال قوم إن أقل ما يجب أن يحضر أربعة نفر بعد ~~العاقد والمعقود له قياسا على فعل عمر في الشورى وهذا ليس بواجب لأن عمر ms255 لم ~~يقصد بجعلها شورى في ستة تحديد عدد الحاضرين للعقد وإنما جعلها فيهم دون ~~غيرهم لأنهم أفاضل الأمة وقد أخبر بذلك عن نفسه بقوله أما إنه لو حضرني ~~سالم مولى أبي حذيفة لرأيت أني قد أصبت الرأي PageV00P468 # وما تداخلني فيه الشكوك يريد من أخذ رأيه ومشورته فبطل ما قالوه وإنما ~~يمنع أن يعقد الرجل لغيره مستسرا للعقد وخاليا به لئلا يدعي ذلك كل أحد ~~وأنه قد كان عقد له سرا فيؤدي ذلك إلى الهرج والفساد. # سؤال لهم فإن قال قائل فهل تملك الأمة فسخ العقد على الإمام من غير حدث ~~يوجب خلعه كما أنها تملك العقد له قيل له لا. فإن قيل فكيف يملك العقد من ~~لا يملك فسخه قيل له هذا في الشريعة أكثر من أن يحصى ألا ترى أن العاقد على ~~وليته لا يملك فسخ النكاح من حيث كان يملك عقده وكذلك العاقد البيع على ~~سلعته لا يملك حله وإن ملك عقده وكذلك يملك عقد الصيام إلى مدة ولا يملك ~~فسخه وكذلك يملك كتابة عبده وتدبيره والمتطوع بالصيام والصلاة إذا دخل ~~فيهما لا يملك حل شيء من ذلك فبطل ما سألتم عنه. # سؤال آخر لهم فإن قالوا فهل يملك الرجل من أهل الحل والعقد عقد الإمامة ~~لنفسه كما يملك ذلك لغيره قيل لهم لا فإن قالوا كيف يعقل هذا قيل من حيث ~~عقل أمثاله من الشريعة وعقلته الأمة ألا ترى أن الإنسان يملك العقد على ~~وليته لغيره ولا يملك عقد بيعها عليها لنفسه وكذلك العاقد على سلعته يملك ~~عقد بيعها على غيره ولا يملك عقد بيعها على نفسه وكذلك الإنسان يملك كتابة ~~عبده وتدبيره وعتقه ولا يجب أن يملك تدبير نفسه وكتابتها وعتقها مع نظائر ~~لذلك فسقط ما سألتم عنه. PageV00P469 # سؤال آخر لهم فإن قالوا فما تقولون إذا عقد جماعات من أهل الحل والعقد ~~لعدة أئمة في بلدان متفرقة وكانوا كلهم يصلحون للإمامة وكان العقد لسائرهم ~~واقعا مع عدم إمام وذي عهد من إمام ما الحكم فيهم عندكم ms256 ومن أولى بالإمامة ~~منهم قيل لهم إذا اتفق مثل هذا تصفحت العقود وتؤملت ونظر أيه السابق فأقرت ~~الإمامة فيمن بدىء بالعقد له وقيل للباقين انزلوا عن الأمر فإن فعلوا وإلا ~~قوتلوا على ذلك وكانوا عصاة في المقام عليها وإذا لم يعلم أيها تقدم على ~~الآخر وادعى كل واحد منهم أن العقد سبق له أبطلت سائر العقود واستؤنف العقد ~~لواحد منهم أو من غيرهم وإن أبو ذلك قاتلهم الناس عليه فإن تمكنوا وإلا فهم ~~في غلبة وفتنة وعذر في ترك إمامة الإمام وإن تمكن من العقد لغيرهم فعل ذلك ~~وكان الإمام المعقود له حربا لسائر هؤلاء حتى يذعنوا ويرجعوا إلى الطاعة ~~والسداد وإن تؤملت العقود ووجدت كلها وقعت في وقت واحد أبطل أيضا جميعها ~~واستؤنف العقد لرجل منهم أو من غيرهم ونظير ذلك من الشريعة عقد ولاة المرأة ~~عليها ووجوب تسليمها إلى من سبق بالعقد له فإن أشكل ذلك وتنازع الأزواج ~~وعدمت البينة أبطلت العقود بأسرها وإن انكشف أن جميع أوليائها عقدوا عليها ~~في حالة واحدة فسخت أيضا وكذلك القول في الإمامة سؤال لهم آخر فإن قالوا ~~فما تقولون إذا كانت الأمة مفترقة على مذاهب مختلفة وآراء متضادة والحق ~~منها في واحد وادعى كل واحد منهم أنهم ولاة هذا الأمر دون غيرهم وتمانعوا ~~فيه ما الحكم فيهم ومن أولى منهم بعقد هذا الأمر قيل لهم إن كان ما اختلف ~~فيه من المسائل الشرعية التي الحق عندنا في جميعها والإثم موضوع عن المخطىء ~~فيها على قول غيرنا فكلهم ولاة هذا الأمر فأيهم سبق بالعقد لرجل تمت بيعته ~~ولزمت طاعته وصار المخالف عليه باغيا يجب حربه وإن كان ما اختلفت فيه الأمة ~~مما يوجب التكفير والتفسيق والتضليل فعقد PageV00P470 # الإمامة لأهل الحق منهم دون غيرهم ممن كفر أو فسق وضل بتأويله الخطأ في ~~الدين وقد قام الدليل على أن هذه الفرقة هم أصحابنا دون المعتزلة والنجارية ~~وغيرهم من الفرق المنسوبة إلى الأمة فإن تمكنا من ذلك حملناهم على الانقياد ~~لمن نعقد له فإن دفعونا ms257 عنه وعقدوا لبعض موافقيهم فليس له إمامة ثابتة ولا ~~طاعة واجبة وكنا نحن في دار قهر وغلبة وإن تقاومت الفرق وتمانعت فتلك فتنة ~~يقوم العذر بها في ترك العقد وإن انحاز أهل الحق إلى فئة ونصبوا حربا وراية ~~وعقدوا لرجل مهم كان هو الإمام دون غيره من أهل الضلال فليس هذا التمانع إن ~~اتفق أكبر من تمانع اليهود والنصارى والمسلمين إذا حصلوا في دار واحدة ~~وتمانعوا وحاول أهل كل دين منهم إقامة الرياسة لهم وتنفيذ أحكامهم في الدار ~~ولا بأعجب من غلبة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابه بمكة وتعذر إقامة الحق ~~فيها قبل الفتح والهجرة فذلك حكم تغالب فرق الأمة وقهرهم الفرقة الهادية إن ~~اتفق ذلك وبالله التوفيق. باب الكلام في صفة الإمام الذي يلزم العقد له فإن ~~قال قائل فخبرونا ما صفة الإمام المعقود له عندكم قيل لهم يجب أن يكون على ~~أوصاف منها أن يكون قرشيا من الصميم ومنها أن يكون من العلم بمنزلة من يصلح ~~أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين ومنها أن يكون ذا بصيرة بأمر الحرب وتدبير ~~الجيوش والسرايا وسد الثغور وحماية البيضة وحفظ الأمة والانتقام من ظالمها ~~والأخذ لمظلومها وما يتعلق به من مصالحها ومنها أن يكون ممن لا تلحقه رقة ~~ولا هوادة في إقامة الحدود ولا جزع لضرب الرقاب والأبشار ومنها أن يكون من ~~أمثلهم في العلم وسائر هذه الأبواب التي يمكن التفاضل فيها إلا أن يمنع ~~عارض من إقامة الأفضل فيسوغ نصب المفضول وليس من صفاته أن يكون معصوما ولا ~~عالما بالغيب ولا أفرس الأمة وأشجعهم ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون ~~غيرهم من قبائل قريش. # فإن قال قائل وما الدليل على ما وصفتم قيل له أما ما يدل على أنه لا يجوز ~~إلا من قريش فأمور منها قول النبي صلى الله عليه وسلم (الأئمة PageV00P471 # من قريش ما بقي منهم اثنان) وقوله للعباس حيث وصى بالأنصار في الخطبة ~~المشهورة وكانت آخر خطبة خطبها لما قال للرسول صلى الله عليه ms258 وسلم (توصي ~~لقريش) فقال له (إنما أوصى قريشا بالناس وبهذا الأمر وإنما الناس تبع لقريش ~~فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم في نظائر هذه الأخبار أو الألفاظ ~~التي قد استفاضت وتواترت واتفقت على المعنى وإن اختلفت ألفاظها. # ويدل على ذلك وعلى صحة هذه الأخبار أيضا احتجاج أبي بكر وعمر على الأنصار ~~في السقيفة بها وما روي عن العباس من ذكره لها والأمر باعتماد عليها وما ~~كان من إذعان الأنصار ورجوعهم لموجبها عند سماعها وإدكارهم بها والاستشهاد ~~عليهم بها ولولا علمهم بصحتها لم يلبثوا أن يقدحوا فيها ويتعاطوا ردها ولا ~~كانت قريش بأسرها بالتي تقر كذبا يدعى عليها ولها لأن العادة جارية فيما لم ~~يثبت من الأخبار أن يقع الخلاف فيه والقدح عند التنازع والحجاج لا سيما إذا ~~احتج به في مثل هذا الأمر العظيم الجسيم مع إشهار السيوف واختلاط القول ~~ومحاولة الإمرة والميل إلى الرياسة والعادة أصل في الأخبار فصح بذلك ثبوت ~~هذا الأمر. # ويدل على ما قلناه إطباق الأمة في الصدر الأول من المهاجرين والأنصار بعد ~~الاختلاف الذي شجر بينهم على أن الإمامة لا تصح إلا في قريش وقول سعد بن ~~أبي عبادة لأبي بكر وعمر عند الاحتجاج بهذه الأخبار وادكاره بها: ~~PageV00P472 # نحن الوزراء وأنتم الأمراء فثبت أن الحق في اجتماعها وأنه لا معتبر بقول ~~ضرار وغيره ممن حدث بعد هذا الإجماع. # وأما ما يدل على أنه يجب أن يكون من العلم بمنزلة ما وصفناه فأمور منها ~~إجماع الأمة على ذلك ممن قال بالنص والاختيار. ومنها أنه الذي يولي القضاة ~~والحكام وينظر في أحكامهم وما يوجب صرفهم وجرحهم ونقض أحكامهم ولن يملك ~~علمه بذلك وتمكنه منه إلا بأن يكون كهم في العلم أو فوقهم. ومنها إجماع ~~الأمة على أن للإمام أن يباشر القضاء والأحكام بنفسه ولا يستخلف قاضيا ما ~~استغنى بنفسه ونظره ولن يصلح للحكم إلا من صلح أن يكون قاضيا من قضاة ~~المسلمين فصح بذلك ما قلناه. # وأما ما يدل على أنه لا بد أن يكون من ms259 الصرامة وسكون الجأش وقوة النفس ~~والقلب بحيث لا تروعه إقامة الحدود ولا يهوله ضرب الرقاب وتناول النفوس فهو ~~أنه إذا لم يكن بهذه الصفة قصر عما لأجله أقيم من إقامة الحد واستخراج الحق ~~وأضر فشله في هذا الأمر بما نصب له. # وأما ما يدل على وجوب كونه عالما بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور ~~وحماية البيضة وما يتصل بذلك من الأمر فهو أنه إذا لم يكن عالما بذلك لحق ~~الخلل في جميعه وتعدى الضرر بجهله بذلك إلى الأمة وطمع في المسلمين عدوهم ~~وكثر تغالبهم ووقفت أحكامهم وأدى إلى إبطال ما أقيم لأجله فوجب بذلك ما ~~قلناه. # وأما ما يدل على أنه يجب أن يكون أفضلهم متى لم يكن هناك PageV00P473 # عارض يمنع من إقامة الأفضل فالأخبار المتظاهرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في وجوب تقدمة الأفضل ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (يؤم القوم ~~أفضلهم) وقوله (أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون) وقوله في خبر آخر ~~(أئمتكم شفعاؤكم إلى الله فقدموا خيركم) وقوله (من تقدم على قوم من ~~المسلمين يرى أن فيهم من هو أفضل منه فقد خان الله ورسوله والمسلمين) في ~~أمثال هذه الأخبار مما قد تواترت على المعنى وإن اختلفت ألفاظها. # وقد اتفق المسلمون على أن أعظم الإمامة الإمامة الكبرى وأن إمام الأمة ~~الأعظم له أن يتقدم في الصلاة فيجب لأجل ذلك أجمع أن يكون أفضلهم. # ويدل على ذلك أيضا إجماع الأمة في الصدر الأول على طلب الأفضل وتمثيلهم ~~بين أهل الشورى وقول عبد الرحمن لم أرهم يعدلون بعثمان PageV00P474 # أحدا وقول أبي عبيدة لعمر حين قال مد يدك أبايع لك أتقول هذا وأبو بكر ~~حاضر والله ما كان لك في الإسلام فهة غيرها وترك الكافة الإنكار عليه وقبول ~~عمر لهذا منه وإضرابه عن مراجعته وإنما استجاز عمر قبول ذلك خشية الفتنة ~~وأن لا تستقيم الأمة على أفضلها ولذلك قال وقى الله شرها. # وأما ما يدل على جواز العقد للمفضول وترك الأفضل لخوف الفتنة والتهارج ~~فهو أن الإمام إنما ينصب ms260 لدفع العدو وحماية البيضة وسد الخلل وإقامة الحدود ~~واستخراج الحقوق فإذا خيف بإقامة أفضلهم الهرج والفساد والتغالب وترك ~~الطاعة واختلاف السيوف وتعطيل الأحكام والحقوق وطمع عدو المسلمين في ~~اهتضامهم وتوهين أمرهم صار ذلك عذرا واضحا في العدول عن الفاضل إلى المفضول ~~ويدل على ذلك علم عمر رضي الله عنه وسائر الصحابة والأمة بأن في الستة ~~فاضلا ومفضولا وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدى إلى صلاحهم وجمع ~~كلمتهم من غير إنكار أحد عليه ذلك فثبت أيضا ما قلناه. # وأما ما يدل على أنه لا يجب أن يكون من بني هاشم دون غيرها من قبائل قريش ~~فهو أن ظاهر الخبر لا يقتضي ذلك ولا العقل يوجبه وظاهر قوله صلى الله عليه ~~وسلم (الأئمة من قريش) يوجب كونها شائعة في سائرهم. فإن قال قائل هلا قلتم ~~إنها تجوز في موالي قريش لقول النبي صلى الله عليه وسلم (موالي القوم منهم) ~~قيل له هذا إنما قاله مجازا واتساعا وتألفا للموالي PageV00P475 # وإكراما لهم ومطلق قوله من قريش يوجب أن يكون من الصميم دون الموالي. # وأما ما يدل على أنه لا يجب أن يكون معصوما عالما بالغيب ولا بجميع الدين ~~حتى لا يشذ عليه منه شيء فهو أن الإمام إنما ينصب لإقامة الأحكام وحدود ~~وأمور قد شرعها الرسول صلى الله عليه وسلم وقد تقدم علم الأمة بها وهو في ~~جميع ما يتولاه وكيل للأمة ونائب عنها وهي من ورائه في تسديده وتقويمه ~~وإذكاره وتنبيهه وأخذ الحق منه إذا وجب عليه وخلعه والاستبدال به متى اقترف ~~ما يوجب خلعه فليس يحتاج مع ذلك إلى أن يكون معصوما كما لا يحتاج أميره ~~وقاضيه وجابي خراجه وصدقاته وأصحاب مسائله وحرسه إلى أن يكونوا معصومين وهو ~~فليس يلي بنفسه شيئا أكثر مما يليه خلفاؤه من هذه الأمور. فإن قالوا فهو ~~المولي لخلفائه فيجب أن يكون لذلك معصوما من الخطأ قيل لهم وكذلك أمراؤه ~~وقضاته وعمال خارجه يولون خلفائهم فيجب أن يكونوا لذلك معصومين. # ويدل على هذا اعتراف الخلفاء ms261 الراشدين بأنهم غير معصومين وترك إنكار ~~الأمة أو واحد منهم تولى الآمر مع اعترافهم ينفي العصمة عنهم. هذا أبو بكر ~~يقول أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم إلى قوله لا ~~أوثر في أشعاركم وأبشاركم وهذا عمر يقول رحم الله امرءا أهدى إلينا عيوبنا ~~ولولا علي لهلك عمر ولولا معاذ لهلك عمر وهذا عثمان يقول أحلتهما آية ~~وحرمتهما آية يعني في PageV00P476 # الجمع بين الأختين بملك اليمين وهذا علي يرى الرأي ثم يرجع عنه كالذي قيل ~~له في بيع أمهات الأولاد أجمع رأيي ورأي عمر على ألا يبعن وقد رأيت بيعهن ~~ويسأل عن مسائل في الأحكام ويطلب الروايات كطلبهم ويقول فيما بلي به من ~~الحرب والهرج وتشتت الآراء عليه: # لقد زللت زلة لا أعتذر * سوف أكيس بعدها وأنشمر وأجمع الرأي الشتيت ~~المنتشر * وفي غير ذلك مما حكي عنه مما تقر الشيعة أنه ليس بصواب في الدين. ~~كفعل التحكيم وبيعه السبي على مصقلة بن هبيرة واحتماله المال وتوليته من ~~خان الله والمسلمين وخانه ولحق بالمنابذين له والخارجين عليه وادعائهم في ~~ذلك التقية ومع ما أعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بما يؤول الأمر إليه. ~~وهذا باطل متروك بالظاهر المعلوم وإن كان هذا أجمع ليس بخطأ من فعله عندنا ~~لما قد بيناه في غير هذا الكتاب. # باب ذكر ما أقيم الإمام لأجله فإن قالوا فهل تحتاج الأمة إلى علم الإمام ~~وبيان شيء خص به دونهم وكشف ما ذهب علمه عنهم قيل لهم لا لأنه هو وهم في ~~علم الشريعة وحكمها سيان فإن قالوا فلماذا يقام الإمام قيل لهم لأجل ما ~~ذكرناه من قبل من تدبير الجيوش وسد الثغور وردع الظالم والأخذ للمظلوم ~~وإقامة الحدود وقسم الفيء بين المسلمين والدفع بهم في حجهم وغزوهم فهذا ~~الذي يليه PageV00P477 # ويقام لأجله فإن غلط في شيء منه أو عدل به عن موضعه كانت الأمة من ورائه ~~لتقويمه والأخذ له بواجبه. # باب ذكر ما يوجب خلع الإمام وسقوط فرض طاعته إن قال قائل ما ms262 الذي يوجب ~~خلعه الإمام عندكم قيل له يوجب ذلك أمور منها كفر بعد الإيمان ومنها تركه ~~إقامة الصلاة والدعاء إلى ذلك ومنها عند كثير من الناس فسقه وظلمه بغصب ~~الأموال وضرب الأبشار وتناول النفوس المحرمة وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود. # وقال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث لا ينخلع بهذه الأمور ولا يجب ~~الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء مما يدعو إليه من معاصي ~~الله. واحتجوا في ذلك بأخبار كثيرة متظاهرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعن أصحابه في وجوب طاعة الأئمة وإن جاروا واستأثروا بالأموال وأنه قال صلى ~~الله عليه وسلم (اسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع ولو لعبد حبشي وصلوا وراء كل ~~بر وفاجر) وروي أنه قال أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك وأطيعوهم ما ~~أقاموا الصلاة في أخبار كثيرة وردت PageV00P478 # في هذا الباب. وقد ذكرنا ما في هذا الباب في كتاب إكفار المتأولين وذكرنا ~~ما روي في معارضتها وقلنا في تأويلها بما يغنى الناظر فيه إن شاء الله. # ومما يوجب خلع الإمام أيضا تطابق الجنون عليه وذهاب تمييزه وبلوغه في ذلك ~~إلى مدة يضر المسلمين زوال عقله فيها أو يؤذن باليأس من صحته وكذلك القول ~~فيه إذا صم أو خرس وكبر وهرم أو عرض له أمر يقطع عن النظر في مصالح ~~المسلمين والنهوض بما نصب لأجله أو عن بعضه لأنه إنما أقيم لهذه الأمور ~~فإذا عطل وجب خلعه ونصب غيره وكذلك إن حصل مأسورا في يد العدو إلى مدة يخاف ~~معها الضرر الداخل على الأمة ويوأس معها من خلاصه وجب الاستبدال به فإن فك ~~أسره أو ثاب عقله أو برئ من مرضه وزمانته لم يعد إلى أمره وكان رعية للوالي ~~بعده لأنه عقد له عند خلعه وخروجه من الحق فلا حق له فيه. # وليس مما يوجب خلع الإمام حدوث فضل في غيره ويصير به أفضل منه وإن كان لو ~~حصل مفضولا عند ابتداء العقد لوجب العدول عنه إلى الفاضل لأن تزايد الفضل ~~في غيره ms263 ليس بحدث منه في الدين ولا في نفسه يوجب خلعه ومثل هذا ما حكيناه ~~عن أصحابنا أن حدوث الفسق في الإمام بعد العقد له لا يوجب خلعه وإن كان مما ~~لو حدث فيه عند ابتداء العقد لبطل العقد له ووجب العدول عنه وأمثال هذا في ~~الشريعة كثيرة ألا ترى أنه لو وجد المتيمم الماء قبل دخوله في الصلاة لوجب ~~عليه التوضؤ به ولو طرأ عليه وهو فيها لم يلزمه ذلك وكذلك لو وجبت عليه ~~الرقبة في كفارته وهو موسر لم يجز غيرها ولو حدث اليسار بعد مضيه في شيء من ~~الصيام لم يبطل حكم PageV00P479 # صيامه ولا يلزمه غير ما دخل فيه في أمثال لهذا كثيرة. وكذلك حكم القول في ~~حدوث الفضل على الإمام بعد العقد له. # باب الكلام في إمامة أبي بكر رضي الله عنه إن قال قائل ما الدليل على ~~إثبات إمامة أبي بكر وأن العقد له وقع موقعا صحيحا قيل له الدليل على ذلك ~~أنه بصفة من يصلح للإمامة وزيادة عليها بما سنصفه فيما بعد إن شاء الله ~~تعالى وأن العاقدين له الأمر يوم السقيفة من أفاضل أهل الحل والعقد ممن ~~يصلح أيضا لإمامة المسلمين والتقدم عليهم وهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن ~~الجراح بمحضر من بشير بن PageV00P480 # سعد وأسيد بن الحضير وعمران بن الحصين وغيرهم من الأنصار ومن حضر من ~~المهاجرين وأن هذا العقد وقع بمحضر من جمهور الأمة وأهل القدوة منهم ولم ~~ينكره منكر ولا قدح فيه قادح بل تتابعوا على البيعة من ساعتهم وبقية يومهم ~~وأذعنت له الأنصار وانقادت بعد خلافها وغلطها فيه المتفق عليه لأنها أرادت ~~إخراج الأمر عن قريش ونصب إمامين في وقت واحد. وقال الحباب بن المنذر منهم ~~منا أمير ومنكم أمير وهذا غلط حاولوه باتفاق المسلمين فلو أقاموا عليه ~~وخالفوا أبا بكر بعد عقد من عقد له الأمر لوجب أن يكونوا في ذلك آثمين ~~ولوجب حربهم وقتالهم إلى أن يرجعوا عن البغي وشق العصا لأن العقد قد تم لمن ~~حضر ms264 وعقد وقد دللنا على ذلك من قبل فلا نحتاج في إثبات إمامة أبي بكر إلى ~~وقوع الإجماع عليها ولا نستضر ولا نستوحش من خلاف مخالف فيها غير أن الله ~~قد وقى كل أحد من المسلمين في ذلك الوقت مواقعة هذه المعصية ووفر دواعي ~~الصحابة على ذلك وجمع PageV00P481 # همتهم على طاعته والإذعان للحق الذي لزمهم الانقياد له. # وليس يجوز لمسلم اتقى الله أن يضيف إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ~~والزبير بن العوام التأخر عن بيعته بأخبار آحاد واهية مجيئها من ناحية ~~متهومة لأن تأخرهم عن البيعة مع ما وصفناه من صحة وثبوتها ضرب من الإثم ~~والعصيان وليس يمكن إضافة معصية إلى الصحابة بمثل هذا الطريق لا سيما إذا ~~رووا مع ذلك أن أبا بكر عليه السلام كان يدعوهم إلى الطاعة ولزوم الجماعة ~~ويحرم عليهم تأخرهم ولا يسوغهم ذلك وكذلك يجب أن ينفى عن عبد الله بن مسعود ~~إخراجه المعوذتين من المصحف ومخالفته الجماعة. وكل أمر روي عن الصحابة فيه ~~تأثيم وقذف بعصيان فيجب أن نبطله وننفيه إذا ورد ورود الآحاد لأن من ثبت ~~إيمانه وبره وعدالته لا يفسق بأخبار الآحاد. # وعلى أن نعلم بواضح النظر كذب من ادعى تأخر علي والعباس والزبير لأن مثل ~~هذا الخطب الجسيم في مثل هذا الأمر العظيم يجب إشهاره وظهوره وأن ينقل نقل ~~مثله فكيف حفظت الأمة بأسرها وعلمت مخالفة علي لأبي بكر وغيره من الصحابة ~~في حكم أم الولد والتوريث الذي إنما تعلمه الخاصة وذهب عنها علم تأخره ~~وتأخر الزبير عن البيعة حتى لا يرد إلا وردا شاذا ضعيفا وتكون الأخبار ~~الكثيرة في معارضته ومناقضته والعادة جارية بلزوم مثل هذا للقلوب وإطلاق ~~الألسن بذكره واشتهاره وإظهاره دون طيه وكتمانه PageV00P482 # والسهو عنه والإغفال له وإن هذا من العجب العجيب الذي لا يذهب فساده على ~~ذي تحصيل هذا على أن حرصنا إنما هو على نفي الشين والعار وإضافة العصيان عن ~~جلة الصحابة وعليتها بالتأخر عن بيعة قد لزمهم الانقياد لها والخنوع ~~لصاحبها فإن أبوا ذلك ms265 ولم يقنعوا إلا بتصحيح الخلاف منهم قلنا لهم فهذا إذا ~~من ذنوبهم وما نرجوه أن يغفر الله لهم وحاشا للصحابة من ذلك. # على أنه لا نعرف أحدا روى تأخر علي والزبير عن البيعة أياما إلا وقد روي ~~عنه في هذه القصة رجوعهما إلى بيعته ودخولهما في صالح ما دخل فيه المسلمون ~~وأنهما قالا لا تثريب يا خليفة رسول الله ما تأخرنا عن البيعة إلا أنا ~~كرهنا ألا ندخل في المشورة وأنهما وصفا من فضله وسابقته وأنه صاحب الغار في ~~كلام طويل. # فإن قال قائل وما الدليل على أن أبا بكر كان بصفة ما ذكرتم من صلاحه ~~لإمامة المسلمين واجتماع خلال الأئمة وآلتهم فيه قيل له الدليل على ذلك ~~سبقه إلى الإيمان والجهاد في سبيل الله بماله ونفسه وإنفاقه على الرسول ~~ماله وإيناسه له في الغار بنفسه وتعاظم انتفاع النبي صلى الله عليه وسلم ~~بدعوة من دعاة إلى الإيمان وإسلام من أسلم باستدعائه وبنائه مسجدا يدعو فيه ~~إلى الإيمان وتصديق الرسول حتى قال الناس من آمن بدعاء أبي بكر أكثر ممن ~~آمن بالسيف فمنهم عثمان وطلحة والزبير وغيرهم من علية الصحابة رضي الله ~~عنهم وإنما أرادوا أكثر قوة ومنة لا أكثر عددا ممن آمن بالسيف وشراؤه ~~المعذبين في الله كبلال وعامر بن فهيرة ومناضلته المشركين وقوله لمثل سهيل ~~بن عمرو لما جاء مصالحا عن قريش حيث قال للنبي PageV00P483 # صلى الله عليه وسلم ما أرى حولك إلا من لو عضه الحديد أو قربت الخيل ~~لأسلمك فقال له اسكت عضضت ببظر اللات أنحن نسلمه وكونه مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوم بدر في العريش وتخصصه له مع العلم بأنه لا يركن في مثل تلك ~~الحال إلا إلى ذي منة ورأي وبصيرة وغناء وقد دل على هذا بقوله للأعرابي حيث ~~قال له إنك ضنين بصاحبك هذا وقد استحر القتل في أصحابك فقال له إن الله ~~أمرني أن اتخذه خليلا أو جليسا أو أنيسا وما هذا معناه من اللفظ هذا مع ~~علمنا ضرورة بأنه ms266 كان معظما في الجاهلية قبل الإسلام ومن أهل الثروة والجاه ~~منهم وممن تجتمع إليه العرب وتسأله عن أيام الناس والأنساب والأخبار ففارق ~~ذلك أجمع إلى الذل والصغار والصبر على أذية أهل الكفر وعلمنا ضرورة بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظمه ويشاوره ويخلي له مجلسا عن يمينه لا ~~يجلس فيه غيره. # ومما روي من الجهات المشهورة مما قاله عليه السلام فيه نحو قوله (اقتدوا ~~PageV00P484 # بالذين من بعدي أبي بكر وعمر) (وإنهما من الدين بمنزلة الرأس من الجسد) ~~(وما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر) (وإني بعثت إلى الناس كلهم فقالوا ~~كذبت وقال أبو بكر صدقت) فسمي لأجل ذلك صديقا وغلب على اسمه وكنيته واسم ~~أبيه وإلى غير هذه الأخبار مما قد بسطنا طرفا من ذكرها في غير هذا الكتاب. # وقد كان أهل الكفر يعرفون هذا من أمره ويعرفون تقدمه في الجاهلية ثم في ~~الإسلام وعند النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا صاح أبو سفيان بأعلى صوته عند ~~تزاحف الصفوف أين أبو بكر بن أبي قحافة أين عمر بن الخطاب يوم بيوم في كلام ~~طويل ولم يناد بغيرهما ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدمه في ~~الشهادة عليه في عهوده وكتب صلحه ويكتب: PageV00P485 # شهد عبد الله بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وفلان وفلان وهذا مما يعلم ~~ضرورة ولا يمكن دفعه. # غير أن الشيعة تزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ممتحنا به وبعمر ~~على نفاق لهما وتقية منهما وهذه أماني دونها خرط القتاد وذهاب الأنفس حسرات ~~ولولا علم النبي صلى الله عليه وسلم بفضل سبقه وهجرته وعلمه لم يأتم به ولم ~~يقدمه عليهم في مرضه ويعظم الأمر في بابه ويقول يأبى الله ورسوله والمسلمون ~~إلا أبا بكر وقوله لحفصة وعائشة (إنكن صواحبات يوسف) ولولا شدة تعلق هذا ~~الأمر بأبي بكر وتخصصه بالفضل فيه وخشية الإثم في تقدم غيره لم يقل إنكن ~~صواحبات يوسف ويأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر. والأمر الذي التمس منه أمر ~~سائغ ms267 ليس بإثم في الدين لأن فضل السن فقط وما جرى مجراه لا يوجب التحذير ~~بهذا القول. هذا وهو صلى الله عليه وسلم يقول (يؤم الناس خيرهم) (وأئمتكم ~~شفعاؤكم إلى الله فانظروا بمن تستشفعون) ويقول (من تقدم على قوم من ~~المسلمين وهو يرى أن فيهم من هو أفضل منه فقد خان الله ورسوله والمسلمين). # وأما دعوى الشيعة أنه خرج فعزله ودفعه عن موضعه وأنكر تقديمه وأعظمه فمن ~~جنس الترهات والأماني الكاذبة لأن مثل هذا لو كان لعلمناه PageV00P486 # ضرورة كما علمنا أن أبا بكر تقدم ضرورة وإنما اختلف في أن أبا بكر صلى ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم أو صلى به النبي صلى الله عليه وسلم صلاة واحدة ~~ذكر ذلك فيها وصلى بهم بقية أيام مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى ~~الثبت الثقات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما من نبي يموت حتى يؤمه ~~رجل من قومه) وأن أبا بكر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو الذي ~~عناه أبو بكر بقوله (وليتكم ولست بخيركم إني وليتكم الصلاة ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حاضر) ولعمري إنه لا يجوز أن يكون خير قوم فيهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلا معتبر في هذا الأمر العظيم بتلفيق المخالفين ~~وتمنيهم الأباطيل وتلقهم بروايات ترد خاصة منهم ولهم لا يعلمها غيرهم. # على أنه لو يعلم جميع هذا من حاله ولم يتقدم له شيء مما ذكرناه من فضائله ~~ومناقبه لكان ما ظهر منه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم من العلم والفضل ~~والشدة في القول والفعل وتحصيل ما ذهب على غيره دلالة على اجتماع خلال ~~الفضل والإمامة فيه بل لو لم يدل على ذلك من أمره إلا ما ظهر منه من ~~التثقيف والتقدم والتشدد وسد الخلل وقمع الردة وأهلها في أيام نظره لكان في ~~ذلك مقنع لمن وفق لرشده. # فأول ما ظهر من فضله وتسديد رأيه إعلام الناس موت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكفه عمر وغيره ms268 ممن تشتت آراؤهم في موته وفجئتهم PageV00P487 # المصيبة بموته وما كان من قوله وفعله في ذلك وقالت عائشة وغيرها من ~~أصحابه إن الناس أفحموا ودهشوا حيث ارتفعت الرنة وسجى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الملائكة بثوبه وذهل الرجال فكانوا كأجرام انتخبت منها الأرواح ~~وحولهم أطواد من الملأ فكذب بعضهم بموته وأخرس بعضهم فما تكلم إلا بعد الغد ~~وخلط آخرون ولاثوا الكلام بغير بيان وبقي آخرون معهم عقولهم فكان عمر ممن ~~كذب بموته وعلي في من أقعد وعثمان في من أخرس وخرج من في البيت ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مسجى وخرج عمر إلى الناس فقال عمر إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يمت وليرجعنه الله وليقطعن أيديا وأرجلا من المنافقين ~~يتمنون لرسول الله صلى الله عليه وسلم الموت وإنما واعد ربه كما واعد موسى ~~وهو آتيكم. # وأما علي فإنه قعد فلم يبرح من البيت وأما عثمان فجعل لا يكلم أحدا يؤخذه ~~بيده فيذهب ويجاء به حتى جاء الخبر أبا بكر وتواتر أهل البيت إليه بالرسل ~~فلقيه أحدهم بعد ما مات صلى الله عليه وسلم وعيناه تهملان وغصصه ترتفع كقطع ~~الجرة وهو في ذلك جلد العقل والمقالة حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأكب عليه وكشف عن وجهه ومسحه وقبل جبينه وخديه وجعل يبكي ويقول بأبي ~~أنت وأمي ونفس وأهلي طبت حيا وميتا وانقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد من ~~الأنبياء والنبوة فعظمت عن الصفة المصيبة وجللت عن البكاء وخصصت حتى صرت ~~مسلاة وعممت حتى صرنا فيك سواء ولولا أن موتك كان اختيارا منك لجدنا لموتك ~~بالنفوس ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء الشؤون. فأما ما لا ~~تستطيع نفيه عنا فكمد وإدناف يتحالفان لا يبرحان اللهم فأبلغه عنا اذكرنا ~~يا محمد عند ربك ولنكن من بالك فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفته ~~من الوحشة اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا ثم خرج لما قضى الناس عبراتهم ~~وقام خطيبا فخطب ms269 فيهم خطبة جلها الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ~~PageV00P488 # فقال فيها أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله وخاتم أنبيائه وأشهد أن الكتاب كما أنزل وأن الدين كما شرع وأن ~~الحديث كما حدث وأن القول كما قال وأن الله هو الحق المبين في كلام طويل ثم ~~قال أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن ~~الله حي لا يموت وإن الله قد تقدم إليكم في أمره فلا تدعوه جزعا وإن الله ~~قد اختار لنبيه ما عنده على ما عندكم وقبضه إلى ثوابه وخلف فيكم كتابه وسنة ~~نبيه فمن أخذ بهما عرف ومن فرق بينهما أنكر «يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا ~~أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا ~~فإن الله كان بما تعملون خبيرا» ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم ولا ~~يفتننكم عن دينكم وعاجلوا الشيطان بالخزي تعجزوه ولا تستنظروه فيلحق بكم ~~فلما فرغ من خطبته قال يا عمر أأنت الذي بلغني أنك تقول على باب نبي الله ~~والذي نفس عمر بيده ما مات رسول الله أما علمت أن نبي إذ قال يوم كذا كذا ~~وكذا وقال الله في كتابه «إنك ميت وإنهم ميتون» فقال والله لكأني لم أسمع ~~بها في كتاب الله قبل الآن لما نزل بنا أشهد أن الكتاب كما أنزل وأن الحديث ~~كما حدث وأن الله حي لا يموت وإنا لله وإنا إليه راجعون صلوات الله على ~~رسوله وعند الله نحتسب رسوله ثم جلس إلى أبي بكر. وقد كان العباس قل لهم إن ~~رسول الله PageV00P489 # صلى الله عليه وسلم قد مات وإني قد رأيت في وجهه ما لم أزل أعرفه في وجوه ~~بني عبد المطلب عند الموت فلم يرجعوا لقوله حتى كان من أبي بكر ما ذكرناه ~~فرجعوا صابرين محتسبين بقوة نفس ms270 وسكون جأش في الدين ولو لم يظهر منه غير ~~هذا الفعل لكان كافيا في العلم بفضله وما هو عليه من اجتماع ما هو مفترق في ~~غيره. # ثم ما كان من إنفاذه جيش أسامة ومخالفته للكافة في ترك إنفاذه مع شدة ~~خوفهم من الظفر من عدوهم وقولهم إن هذا الجيش فيه الحامية من نقباء ~~المهاجرين والأنصار وأهل الردة قد أطلعوا رؤوسهم وساقوا المدينة فانتظر ~~بإنفاذه انكشاف الردة فقال والله لأن أخر من السماء فتخطفني الطير وتنهشني ~~السباع أحب إلي من أن أكون أول حال لعقد عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنفذوا جيش أسامة ونادى مناديه بخروجهم وسأل نقباء المهاجرين والأنصار عمر ~~أن يسأل أبا بكر أن يصرف أسامة ويولي من هو أسن وأدرب بالحرب منه فسأله عمر ~~ذلك فوثب إليه وأخذ لحيته بيده فهزها وقال ثكلتك أمك يا ابن الخطاب وعدمتك ~~أيوليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أصرفه والله لا يكون ذلك ~~أبدا فأمرهم بالخروج وشيعهم أبو بكر حافيا والعباس معه ومن بقي من الصحابة ~~في المدينة فما زال يدعو لهم ويأمر العباس بالتأمين على دعائه وأسامة يقول ~~إما أن تركب يا خليفة رسول الله أو أنزل وهو يقول لا والله لا أركب ولا ~~تنزل وماذا علي أن تغبر قدماي في تشييع غاز في PageV00P490 # سبيل الله تعالى. فنفذ الجيش وفتح الله تعالى لهم وغنم ورجع في نيف وستين ~~يوما ولقي بهم أهل الردة. # ثم ما كان منه في قتال أهل الردة وسدة ثلم المدينة وخروجه لمناضلتهم ~~بنفسه ومن معه حتى دفعهم قبل عود جيش أسامة وندائه في المدينة ألا يؤوي أحد ~~أحدا من رسل أهل الردة لما وفدوا إليه الوفود يسألونه الصلح على ترك الزكاة ~~وقوله لما سألوه رفع السيف عنهم وأذعنوا بأداء الزكاة لا والله أو يقولوا ~~إن قتلاهم في النار وقتلانا في الجنة ثم إنفاذه خالد بن الوليد ومن معه من ~~الجيوش إلى أهل الردة ومسيلمة ومن باليمامة من دعاة الكفر حتى أبادهم ~~واستأصل ms271 خضراءهم وأيد الله به الدين وكشف الغمة وأزال الكربة ورد الحق إلى ~~نصابه وانحسرت بيمنه الفتنة وضعفت منه أهل الكفر وفشلوا قبل لقاء عسكره حتى ~~قال قائلهم المشهور شعره: # ألا عللاني قبل جيش أبي بكر * لعل منايانا قريب وما ندري لعل جيوش ~~المسلمين وخالدا * سيطرقنا قبل الصباح من البر فصبحتهم الخيل. قال الراوي ~~فكان رأس هذا الشاعر أول رأس رمي به تدكدك في باطئة الجمر. # فكيف لا يصلح من هذه صفته لإمامة الأمة هذا مع ما ظهر من علمه ~~PageV00P491 # وانتدابه لجمع القرآن وأنه لم يتلعثم في حكم نزل في أيام نظره ولا رجع ~~عنه وقد جلس مجلس النبي وخلفه في أمته وإن ذلك لأمر عظيم ثم ما كان من عهده ~~إلى عمر عند موته وتسديده في رأيه وتنبيهه القوم على فضل رأيه ومكان نظره ~~ما عمر بسبيله وما هو مخصوص به مما سنذكر طرفا منه في باب إمامته. وببعض ~~هذه الأوصاف والخلال وتسديد التدبير والرأي والمقال يصلح ويستحق الإمامة. # فإن قالوا وكيف يكون أبو بكر مستحقا لهذا الأمر مع اعترافه بأنه ممن يميل ~~ويضل ويزل وأنه غير معصوم حيث يقول ألا وإني أكثركم شغلا وأثقلكم حملا فإن ~~استقمت فاتبعوني وإن ملت فقوموني أطيعوني ما أطعت الله فيكم وإذا عصيت الله ~~فلا طاعة لي عليكم ومن سبيل الإمام أن يكون معصوما قيل لهم هذا غلط لما قد ~~بيناه في صدر هذا الكتاب من أنه لا يجب أن يكون الإمام معصوما كما لا يجب ~~عصمة أمرائه وقضاته وعماله وأصحاب جيوشه ومسائله إذ كانوا يلون من ذلك ما ~~يليه بنفسه وقد أوضحنا هذا بما نستغني عن رده. وهذا الكلام الذي قاله من ~~أدل الأمور على فضله وأداء الأمانة فيما تحمل والخوف من التقصير فيه وهو ~~ادعى الأمور إلى الرضى به والاجتماع على طاعته. # فإن قالوا فكيف يستحق أبو بكر هذا الأمر وهو يعترف بأن له شيطانا يعتريه ~~حيث يقول في هذه الخطبة ألا وإن لي شيطانا يعتريني فإذا رأيتم PageV00P492 # ذلك فلا تقربوني لا ms272 أوثر في أشعاركم وأبشاركم وأقل أحوال الإمام أن يكون ~~عاقلا سليما من عوارض الشيطان يقال لهم ليس على وجه الأرض ذو عقل يرى أن ~~أبا بكر كان مجنونا ومعترفا في هذا القول بالصرع والغلبة ولو كان على هذه ~~الحال لما خفي أمره على الصحابة ولا تركوا بأسرهم دفعة عن هذا الأمر ~~والاحتجاج بأنه مجنون محتاج إلى العلاج دون الإمامة والمناظرة فيها وإقامة ~~الحجاج وهذا جهل ممن بلغ إليه كفينا مؤونة كلامه وإنما قال ذلك أبو بكر ~~مخبرا بأن الشيطان يوسوس له ويلقي إليه كما يوسوس في صدور جميع الخلق وأنه ~~ليس بمباين لهم في هذا الباب ليتقوا وقت غضبه ووسوسته. وهذا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول (ما من أحد إلا وله شيطان) قالوا ولا أنت يا رسول الله ~~قال ولا أنا إلا أن الله قد أعانني عليه فأسلم) أفترى أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أخبر في هذا القول عن جنونه حاشاه من ذلك وجنون سائر ~~الصحابة إن هذا لجهل عظيم واقتحام طريف. # فإن قالوا فكيف يكون أبو بكر مستحقا لهذا الأمر وهو يقول في هذه الخطبة ~~وليتكم ولست بخيركم فألا علم بذلك أن الأمر لمن هو خير منه وأنه ظالم في ~~استبداده به قيل لهم في هذا أجوبة كثيرة فأولها أنه قال ذلك محتجا على ~~الأنصار وعلى من ظن أنه يتأخر عنه لأنه قد وليهم الصلاة ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حاضر ولعمري إنه لا يجوز أن يكون خير قوم فيهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فكأنه قال كيف لا أليكم بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقد وليتكم مع وجوده ولست بخيركم إذ ذلك ومنها أنه يمكن أن يكون أراد بقوله ~~وليتكم ولست بخيركم أني لست بخيركم قبيلة PageV00P493 # وعشيرة ولأن نبي هاشم أعلى منه في ذروة النسب لكي يدلهم بذلك على أن هذا ~~الأمر العظيم ليس يستحق بعلو النسب وأنه ليس بمقصور على بني هاشم دون غيرهم ~~من قريش بظاهر قوله صلى الله ms273 عليه وسلم (الأئمة من قريش). # ويمكن أن يكون أراد بقوله وليتكم ولست بخيركم أي إنه يجوز علي من السهو ~~والغلط ووساوس الصدور وخواطر النفوس ما يجوز من السهو عليكم لكي يدلهم بذلك ~~على فساد قول من زعم أن هذا الأمر لا يستحقه إلا الوافر المعصوم. ويمكن أن ~~يكون أراد بقوله وليتكم ولست بخيركم لولا أن الله فضلني عليكم بحق الولاية ~~فأوجب عليكم من طاعتي أن صرت إماما وأسقط عني فرض طاعتكم ويمكن أيضا أن ~~يكون قد اعتقد أن في الأمة أفضل منه إلا أن الكلمة عليه أجمع والأمة بنظره ~~أصلح لكي يدلهم على جواز إمامة المفضول عند عارض يمنع من نصب الفاضل ولهذا ~~ما قال للأنصار وغيرهم قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أحدهما عمر بن ~~الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح وهو يعلم أن أبا عبيدة دونه ودون عثمان وعلي ~~في الفضل غير أنه قد رأى أن الكلمة تجتمع عليه وتنحسم الفتنة بنظره وهذا ~~أيضا مما لا جواب لهم عنه. # فإن قالوا كيف يكون أبو بكر مستحقا لهذا الأمر وهو يقول أقيلوني أقيلوني. ~~قيل لهم ليس في استقالته من تحمل ثقل الإمامة لفضل دينه وخشيته وورعه ما ~~يقعده عن استحقاقها وما ينبغي لفاضل عرضت عليه أن يظهر المسارعة إليها ~~والسرور بها فإن ذلك ملق له في الظنة ومورط للقوم في التهمة فما قال من ذلك ~~إلى ما يقوله مثله في الفضل والتقدم ولو أقالوه وولوا غيره لكان جائزا وقد ~~قال القائلون بالنص على إمامته إنه إنما أراد بهذا القول وبقوله وليتكم ~~ولست بخيركم امتحان القوم ليرى من يقبل هذا القول ليعرف بذلك المطيع من ~~العاصي وقابل النص عليه من الراد له فيقومه بما يقوم مثله به قالوا وهذا ~~بمنزلة قول عمر لحذيفة لما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV00P494 # عرفه المنافقين نشدتك بالله هل أنا منهم فقال لا ولا أخبر بعدك أحدا وقد ~~علم أن عمر لم يشك في إيمانه وأنه ليس بمنافق وأنه لو كان منافقا ms274 لكان يعلم ~~ذلك من نفسه فلا معنى لاستعلامه حال نفسه من حذيفة وإنما قال ذلك امتحانا ~~ليعلم صدقه من كذبه وهذا أيضا ليس ببعيد في التأويل. # فإن قالوا كيف يكون أبو بكر مستحقا لهذا الأمر وعمر يقول قولا ظاهرا على ~~المنبر ألا إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها وأمر بقتل من عاد إلى ~~مثلها بقوله في هذا الخبر فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه قيل لهم ما شككنا في ~~شيء فإنا لا نشك وإياكم في أن عمر لم يكن مجنونا ولا مخلطا وهذا الكلام إن ~~حمل على ما قلتم صار في حكم الجنون من قائله لأن عمر كان يحتج على الناس في ~~إثبات إمامته والدعاء إلى طاعته والانقياد له في الإمامة بعقد أبي بكر له ~~الأمر وعهده إليه فيه وإذا كانت بيعة أبي بكر باطلة يجب قتل صاحبها ومن عاد ~~إلى مثلها وجب أن يكون عهده إلى عمر باطلا كعهد أبي بكر وموجبا لقتل عمر ~~وقتل من نظر في أمور المسلمين بعدهم من إمام فكان يجب أن تقول له الصحابة ~~فأنت أيضا ممن يجب قتلك ولا يجب العمل على عهدك في الشورى. وإنما قال هذا ~~الكلام لما عهد إليهم في الشورى على المنبر وكان يجب أن يقال له أيضا قد ~~قلت فيمن هذا وصفه وددت أن أكون شعره في صدره وما سابقته إلى خير قط إلا ~~سبقني إليه PageV00P495 # وكان والله من خيرنا يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمثال هذه ~~الأقاويل. وهذا الاختلال لا يتهم عمر به إلا مخلط جاهل. # فإن قالوا فما معنى الخبر قيل لهم إن عمر كان يعتقد أن أبا بكر كان أفضل ~~الأمة ومبرزا فيهم بالفضل وغير مشتكل الأمر وأنه كان يستحق أخذها بالمناظرة ~~عليها وأن من بعدها متقاربون في الرتبة والفضل لا يستحقونها على ذلك الوجه ~~ولذلك جعلها شورى في ستة. وقوله كانت فلته أي تمت على غير إعمال فكر ولا ~~روية بل استوثقت فجاءة وقوله وقى الله شرها يعني شر ms275 الخلاف عليها وشق العصا ~~عند تمامها فإنه بعيد عنده أن يتم ذلك مع ما رأى من تواثب الأنصار عليها ~~واطلاع الفتنة رأسها وقوله فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه إنما أراد إلى مثل ~~قول الأنصار وما حكي عن الأنصار من إرادتهم نصب إمامين في وقت واحد بقولهم ~~منا أمير ومنكم أمير ولإخراجهم الأمر من قريش إلى غيرهم وهذان الأمران حرام ~~فعلهما في الدين وجالبان الفتنة وإنما عظم غلط الأنصار فيهما فقال لأهل ~~الشورى وغيرهم لما عهد إليهم فيها إن من عاد إلى مثل قول الأنصار فاقتلوه ~~ويمكن أن يكون أراد من حاول أخذها بالمناظرة عليها وإظهار التقدم والتبريز ~~بالفضل على وجه ما فعله أبو بكر وعرف ذلك من أمره فاقتلوه لأنه لم يبق في ~~هذه الأمة من هذه منزلته. # وإذا كان كذلك سقط ما تعلقوا به وصح بهذه الجملة إمامة أبي بكر رضي الله ~~عنه ونضر وجهه. # باب الكلام في أمامة عمر رضي الله عنه إن قال قائل: ما الدليل على إثبات ~~إمامة عمر قيل له: الدليل على ذلك أن أبا بكر عهد إليه بمحضر من جلة ~~الصحابة بعد تقدمه إليهم وأمره بالنظر في أمورهم والتشاور في إمامتهم وردهم ~~الأمر إلى نظره ورأيه فقال سأخبركم باختياري وخرج معصوبا رأسه فخطب خطبته ~~المشهورة فوصف فيها عمر بصفاته ونعته بأخلاقه وذكر شدته في غير عنف ولينه ~~من غير ضعف PageV00P496 # وقدرته على الأمر ثم أجاب طلحة لما قال له تولي علينا فظا غليطا ماذا ~~تقول لربك إذا لقيته قد فركت لي عينيك ودلكت لي عقبيك وجئتني تلفتني عن ~~رأيي وتصدني عن ديني والله لتتركن عضيهته أو لأنفينك في كلام له طويل أقول ~~إذا سألني وليت عليهم خيرا أهلك ثم قال والله لتألمن النوم على الصوف ~~الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان يا هادي الطريق جزت إنما هو ~~البحر أو الفجر في كلام له قد ذكرناه في غير هذا الموضع. # وقد اعترف طلحة بصواب رأيه ووصف عمر لما شاورهم بالخروج بنفسه إلى ملوك ms276 ~~نهاوند بما وصفه أبو بكر وفوقه وقال له في كلام مشهور لقد استقامت العرب ~~عليك وفتح الله على يديك فسر بنا فإنا لا نستعصي عليك وما هذا معناه من قول ~~طلحة وقد قال طلحة وعثمان وعبد الرحمن PageV00P497 # لأبي بكر امض لشأنك وأنفذ أمرك واعهد إلى عمر فإنه أهل لها وما هذا نحوه. # وقال عثمان لقد أحضرني أبو بكر وقال لي اكتب هذا ما عهد به أبو بكر عبد ~~الله بن قحافة آخر عهده بالدنيا وقت يسلم فيها الكافر ويبر فيها الفاجر ~~وثقل لسانه فلم يبن عن نفسه فكتبت إلى عمر فلما أفاق قال لي من كتبت قال ~~عثمان قلت عمر فقال أصبت ما في نفسي ولو كتبت نفسك لكنت لها موضعا مطيبا ~~لنفسه وتوخيا لرضاه وتركا للتعسف والجبرية فلم يخب في عمر رأيه ولا خاب ظنه ~~بل زاد على ما أمله منه وقدره فيه وظهر من جلده وشدته في الله وصرامته ما ~~لا خفاء به فافتتح الفتوح وجند الأجناد ومصر الأمصار واستأصل الملوك ~~واستولى على ديارهم وأبعدهم عن ممالكهم وتناول نفوس أكثرهم وصلح بنظره ~~الحاضر والبادي والقاصي والداني وقومهم بالدرة دون السيف وأقام الدعوة وقال ~~لئن عشت للمسلمين ليبلغن الراعي حقه بعدن من هذا المال متواضعا في جميع ذلك ~~لربه خاشعا لأمره غير وان في شيء مما يلزمه القيام به لا تغيره الإمرة ولا ~~تبطره النعمة ولا يستطيل على مؤمن بسلطانه ولا يحابي أحدا في الحق لعظم ~~شأنه ولا يدع استخراجه للضعيف لضعفه ولا تأخذه في الله لومة لائم يحمل ~~الجرة بنفسه ويلبس المرقع ويباشر نفقة الأرامل وأهل المنازل بنفسه ويطوف ~~عليهم في ليله ونهاره حتى سمع في بعض الليالي قول امرأة لبعض أهل البعوث ~~تقول: # تطاول هذا الليل وأزور جانبه * وأرقني ألا حبيب ألاعبه فوالله لولا الله ~~لا شيء غيره * لزعزع من هذا السرير جوانبه فعرف الدار وصاحبها فقال لحفصة ~~وأهل التجربة من النساء كم أكثر ما يصبر النساء عن أزواجهن فقلن له أربعة ~~أشهر فكان لا يحبس البعث ms277 أكثر من أربعة أشهر وحتى قالت عائشة وعبد الرحمن ~~وعمرو بن PageV00P498 # العاص وغيرهم من الصحابة ممن وصفه إن عمر أبدت له الدنيا زينتها وزخرفها ~~وألقت إليه أفلاذ كبدها يعني كنوز الذهب فمشى ضحضاحها وخرج منها سليما ما ~~ابتلت قدماه في أمثال هذه الأقاويل ثم يحاسب عماله PageV00P499 # ويتفقد أمورهم ويسترجع مال الله تعالى ولا يوليهم أكثر من سنة ويلين لمن ~~خنع منهم ويعنف على من تجبر ثم ينزل إلى تدبير آرائهم وأمر متاجرهم ~~وأولادهم وضياعهم ويقول لهم تمعددوا واخشوشنوا واقطعوا الركب وانزوا على ~~الخيل نزوا واحفوا وانتعلوا فإنكم لا تدرون متى تكون الجفلة ويكتب إلى أهل ~~البصرة علموا أولادكم العوم ورووهم ما سار من المثل ولا تنهكوا الأرض فإن ~~شحمتها في وجهها وقد كنت نهيتكم عن البنيان فإذ قد فعلتم فعلوا الجدر ~~وقاربوا بين الخشب وباعدوا الحشوش عن المجالس ويقول للناس إذا اشتريتم ~~بعيرا فاشتروه ضخما فإن أخطأ خبرا لم يخطئ سوقا. ويقول لأبي عبيدة بن ~~الجراح وقد قال له لما رآه في بعض طرق الشام وقد انحط عن بعيره وردم الخطام ~~على عنقه وحسر عن ساقيه ليعبر PageV00P500 # ضحضاحا وهو يقود بعيره يا أمير المؤمنين أتفعل هذا ولك الكفاة من أصحابك ~~وأنت بإزاء عدو يدل بمنة وقدرة فقال عمر اسكت يا ابن عامر أو يا ابن أخي ~~عامر والله ما أعزكم الله بعد الذلة وكثركم بعد القلة إلا بالخنوع ~~والاستكانة فإن تروموا العز بغيرها تهلكوا في يد عدوكم. ويكتب إلى أبي موسى ~~الأشعري آس بين الناس في مجلسك ونظرك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ~~ضعيف من إنصافك ولا يمنعنك قضاء قضيته راجعت فيه رأيك وهديت فيه لرشدك أن ~~ترجع إلى الحق فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم ~~ويقول للناس أمير المؤمنين أخو المؤمنين فإن لم يكن أخا المؤمنين فهو عدو ~~للمؤمنين. # ويقول رحم الله أمرأ أهدى إلينا عيوبنا. ويقول في جواب المرأة التي ~~راجعته في النهي عن المبالغة في مهور النساء وقولها له ms278 لم تمنعنا مما قد ~~جعل الله لنا والله يقول «وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن ~~قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا» فقال امرأة أصابت ~~ورجل أخطأ وأمير ناضل فنضل واسترجع وقال كل الناس أفقه منك يا عمر. ويقول ~~إذا تأدى إليه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لولا هذا لقضينا فيه ~~برأينا وكدنا أن نقضي PageV00P501 # فيه برأينا. ويقول (لولا علي لضل عمر ولولا معاذ لهلك عمر. # ولا ينفذ الأحكام إلا بمجمع من أصحابه وحضورهم ومشاورتهم مع فضله وفقهه ~~وحسن بصيرته بمأخذ الأحكام وطرق القياس ومعرفة الآثار. # ولو لم يظهر ذلك من أفعاله ولم يعلم من سريرته وأخلاقه لكفى في بابه ~~والعلم بفضله وتقدمه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه نحو قوله (لما ~~استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده نفر من نسائه وغيرهن وقد علت ~~أصواتهن في مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم حتى استأذن عمر وعرفن صوته ~~ابتدرن الحجاب فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك فقال له عمر ~~مم تبسمك أضحك الله سنك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم عجبت من هؤلاء ~~اللائي كن يضحكن فلما سمعن صوتك ابتدرن بالحجاب. فحول عمر وجهه نحو البيت ~~الذي هن فيه وقال أي عدوات أنفسهم أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فوالله إنه لأحق أن تهبنه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~تلمهن يا عمر واخفض عنهن فوالله ما سلكت فجا قط إلا وسلك الشيطان فجا غير ~~فجك يا عمر. # وقوله (لو لم أبعث فيكم لبعث عمر) و (لو كان بعدي نبي لكان عمر) و (إن ~~الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه يقول الحق وإن كان مرا). # وقوله (إن منكم لمحدثين ومتكلمين وإن عمر لمنهم). وقوله (عمر قفل ~~الإسلام). وقوله (اللهم أعز الإسلام وأيد هذا الدين بأحد هذين PageV00P502 # الرجلين عمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام) فسبقت الدعوة في ms279 عمر وأظهر ~~الله الدين وأعز به المؤمنين. # وقوله (لا يعبد الله سرا بعد هذا اليوم. وكان يقول لأهل مكة إذ ذاك والله ~~لئن بلغت عدتنا مائة لتتركونها لنا أو نتركها لكم. يريد أنه كان ينصب راية ~~الحرب بمكة ويحاربهم على إقامة الحق وتتبع فضائله ومناقبه واستيعاب قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيه وقول الصحابة نحو قولهم كان والله عمر ~~للإسلام حصنا حصينا يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه فلما مات انثلم وانهدم ~~ذلك الحصن والله ما صلينا ظاهرين حتى أسلم عمر إلى مثال ذلك مما قالوه نظما ~~ونثرا مما يطول ويكثر. # فبان بهذه الجملة أنه بصفة من يصلح العهد إليه والابتداء بالعقد له وفوق ~~صفة الإمامة التي يتوخاها ويبتغيها العاقدون. # باب الدلالة على صحة العهد من أبي بكر إلى عمر ومن كل إمام عدل إلى من ~~يصلح لهذا الأمر فإن قال قائل قد أوضحتم أن عمر بصفة من يصلح لإمامة ~~المسلمين وابتداء العقد له فما الدليل على صحة عهد أبي بكر إليه وأنه جار ~~مجرى العقد له؟ # قيل له: الدليل على صحة ذلك أن أبا بكر عهد إليه بمحضر من الصحابة ~~والمسلمين على صفة ما ذكرناه فأقروا جميعا عهده وصوبوا رأيه ولم ~~PageV00P503 # يقل قائل منهم لم تعهد في أمر ما جعل الله لك العهد فيه ولا قال ذلك قائل ~~في غير مجلسه ولا بعد وفاته ولو كان عهده إلى عمر خطأ في الدين لسارعوا إلى ~~تعريفه ذلك وموافقته عليه ولكان أجدر من قول قائلهم أتولي علينا فظا غليظا ~~إذ كان ليس له أن يولي عليهم أحدا لا فظا ولا رفيقا وكان تنبيهه على ذلك ~~وادكاره به ومطالبته بتركه أولى من خوضهم في صفة من يعهد إليه لأن الكلام ~~في صفة من يعهد إليه فرع للكلام في صفة العهد أولا وإذا لم يصح العهد جملة ~~سقط الخوض فيه في صفة المعهود إليه وزالت المؤونة ومثل هذا الخطأ والتفريط ~~الظاهر لا يجوز على كافة لمسلمين وقادة الأنصار والمهاجرين لأن الأمة لن ms280 ~~تجتمع في عصر الصحابة ولا في غيره على خطأ وإمساك عن إنكار ما من سبيله أن ~~ينكر حتى لا يكون فيها إلا متدين بصحة العهد من الإمام إلى غيره وقائل به ~~ومصوب له لأن القول بالعهد وفعله خطأ من فاعله الرضي به والإقرار له خطأ من ~~المقر له إذ كان العهد خطأ في الدين والأمة لا تجتمع على خطأ. # ويدل عليه أيضا إجماع أهل الاختيار الذين هم أهل الحق في القول بالإمامة ~~أن للإمام أن يعهد إلى إمام بعده ولسنا نعرف منهم من ينكر ذلك ولا يثبت عن ~~أحد منهم برواية شاذة ومقالة مروية أنه لم يكن قائلا بها ولا ذاهبا إليها. # ويدل على ذلك أيضا ويوضحه علمنا أن الإمام العدل لو لم يكن إماما وكان ~~رجلا من الرعية لكان له أن يبتدئ العقد لمن يصلح للإمامة وإذا كان ذلك كذلك ~~فكونه إماما لا يحطه عن هذه الرتبة فوجب أن يكون له أن يعقد على إمام بعده ~~ويعهد إليه كما كان له أن يبتدئ العقد له لأن العقد في الحقيقة عقد على صفة ~~فصح بذلك ما قلناه. # فإن قال قائل فما أنكرتم من تحريم العهد من الإمام لغيره لموضع التهمة من ~~العاهد وتجويز ميله إلى المعهود إليه وإيثاره لولايته قيل له هذه التهمة ~~معصية لله ممن جناها وظنها بإمام المسلمين إذا كان عفيفا مشهورا ظاهر ~~العدالة منصفا للأمة لم تكن منه خيانة لهم في مدة أيام نظره ولا مخاتلة ولا ~~جبرية فهو بألا يتهم بعد الموت ويحتقب عظيم الإثم في تسليط ظالم ~~PageV00P504 # عليهم أو جاهل بأمورهم أولى وفي هذا ما يوجب أن يكون ظن المسلمين بإمامهم ~~الذي لم يعرفوه إلا بالصلاح والاستقامة والتهمة له ذنبا منهم تجب التوبة ~~والاستغفار منه. # ولا يجوز أن يبطل العهد منه إلى من عهد إليه وإن كان ممن يصلح أن يبتدئ ~~العقد على غيره لأجل هذه التهمة وعلى أن هذا المعنى قائم في العاقد كوجوده ~~في العاهد. فيجب أيضا أن يبطل عقد العاقد لغيره لأنه ms281 قد يجوز أن يعقل لمن ~~يميل إلى نظره ويؤثر ولايته ويرجو الاعتداد والانتفاع به مع العلم بأنه غير ~~مقصر في هذا الشأن فلما لم يجز إبطال العقد بهذه التهمة لم يجز إبطال ~~العهد. # فصحت بهذه الجملة إمامة عمر رضي الله عنه وأنه بصفة من يصلح العهد إليه ~~وابتداء العقد له وكان العاقد له إماما عدلا رضى بصفة من له أن يعهد إلى ~~غيره باب الكلام في إمامة عثمان رضي الله عنه وصحة فعل عمر في الشورى إن ~~سأل سائل فقال ما الدليل على إثبات إمامة عثمان رضي الله عنه قيل له الدليل ~~على ذلك أن عبد الرحمن بن عوف عقدها له بمحضر من أهل الشورى سوى طلحة وأن ~~طلحة بايعه لما قدم وعلم ضرورة من حاله رضاه بإمامته وأن عثمان في فضله ~~وسابقته وقرابته وجهاده بنفسه وماله وما هو بسبيله من الإحاطة بحفظ القرآن ~~ومعرفة الإحكام والحلال والحرام. # وقد كملت له الخلال التي يصلح معها التقدم لإمامة المسلمين هذا مع ما قد ~~عرف من كثرة مناقبه وفضل جهاده وإنعامه وأنه مجهز جيش العسرة ومشتري بئر ~~رومة وموسع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من ماله PageV00P505 # وكونه من المهاجرين الأولين وتزويج النبي صلى الله عليه وسلم ابنتيه منه ~~وقوله (لو كانت لنا ثالثة لزوجناك) وقوله في خبر آخر (لو أمدنا الله ~~بالبنات لأمددناك بالأزواج) وقوله (عثمان أخي ورفيقي في الجنة) وقوله لما ~~ستر ركبتيه عند دخول عثمان عليه (ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة) وقوله ~~فيه وفي علي لما أتياه في شيء حمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن طرح ~~علي جبة شعر (هكذا تدخلان الجنة ولا يحبكما إلا مؤمن ولا يبغضكما إلا ~~منافق) وحكمه له بأنه يقتل شهيدا وأمره إياه بألا يخلع ثوبا كساه الله إياه ~~في أخبار كثيرة يطول تعدادها مع تسبيح الحصى في يده وقوله (اسكن حراء فما ~~عليك إلا نبي وصديق وشهيد) وفي بعض الأخبار شهيدان فوجب بذلك أجمع أن يكون ~~PageV00P506 # بصفة من يصلح لهذا ms282 الشأن. # فإن قالوا فما الدليل على أن لعمر أن يجعلها شورى في نفر من المسلمين؟. # قيل لهم ليس الكلام في تصحيح الشورى مما يحتاج إليه في إثبات إمامة عثمان ~~لأن الستة الذين هم أهلها كانوا أفضل الأمة وأحق الناس بهذا الأمر وبالنظر ~~فيه فلو أنهم اجتمعوا بأنفسهم ونظروا في أمر إمامتهم وعقد عبد الرحمن أو ~~غيره لواحد منهم لتمت بيعته ولزم الانقياد له. # فلو اعترفنا بغلط عمر في جعله شورى فيهم لم يضر ذلك بصحة عقد عبد الرحمن ~~بن عوف لعثمان رضي الله عنهما غير أن البراهين الواضحة ودلت على صوابه ~~وتسديد رأيه وشدة احتياطه للأمة لأنه كان له أن يعهد إلى واحد منهم فلما ~~ترجح الأمر في نفسه وأشكل عليه ولم يرد صلاح الأمة على أيهم يكون أكثر وخاف ~~هرجا وفسادا بعهده وعلم أنهم أفاضل الأمة وبلغه أن قوما يخوضون في أمر ~~الإمامة يريدون إخراجها عن جميع الستة وأخبره بذلك عبد الرحمن وغيره فقام ~~في الناس خطيبا بفضلهم وأخبرهم أن الأمر لا يعدوهم وأنه فيهم فقال لهم في ~~خطبته المشهورة ألا وأني رأيت كأن ديكا نقرني نقرة أو نقرتين وما أظن ذلك ~~إلا اقتراب أجلي ألا وإني جعلت الأمر شورى في هؤلاء الستة الرهط الذين توفي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض وقد بلغني أن قوما يقولون لئن ~~مات عمر لنولين فلانا أولئك أعداء الله الضلال الجهال والله لقد جالدتهم ~~بيدي هذه على الإسلام. PageV00P507 # وهذا غاية ما يكون من الاحتياط للأمة وحسم مادة الفتنة وإطماع من طمع في ~~هذا الأمر من غير أهله وتنبيهه للمسلمين على فضل فاضلهم والتوقيف على ~~مراشدهم ومصالحهم وقد كانوا قالوا لعمر ألا تعهد فقال إن أعهد فقد عهد من ~~هو خير مني يعني أبا بكر وإن أترك فقد ترك من هو خير مني يعني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وذكر له عبد الله ابنه لأجل فضله وعلمه ونسكه وكثرة ~~الرضا بمثله فقال لم أكن بالذي أتحملها حيا وميتا وقال يكفي ms283 آل الخطاب أن ~~يسأل منهم رجل واحد. # وقال: أما إنه لو حضرني سالم مولى أبي حذيفة لرأيت أني قد أصبت الرأي وما ~~تداخلني فيه الشكوك وفي خبر آخر أبو عبيدة بن الجراح أو سالم يريد مشاورة ~~سالم وأخذ رأيه دون العقد له لأنه أحد. PageV00P508 # المحتجين على الأنصار بقول النبي صلى الله عليه وسلم (الأئمة من قريش) ~~وهذا ما لا مطلب وراءه من الاحتياط ولا احتياط بعده. # ويا ليت شعري ما الذي حظر على عمر جعلها شورى وإخبار المسلمين أنهم أفضل ~~الأمة وأن الإمامة لا تعدوهم وقد أجمع المسلمون على ما ذكر هذا مع خوفه مما ~~أنهي إليه من طمع من ليس من أهل هذا الأمر ثم منعهم من أن يصلي بالناس واحد ~~منهم خوفا من أن يظن أو يقدر أنه كالنص عليه وأن رأيه فيه وأن يصير ذلك حجة ~~لمن اعتقد منهم تعظيم نفسه وأنه أولى بالأمر منهم أو لأن لا يكرهه كاره أو ~~ينفر عند تقدمه نافر فتهيج فتنة تعود بتفريق الكلمات وشتات الرأي وخروج ~~الأمر عن نصابه وقدم لهم من لا يشكون في أمانته وصلاحه وهو صهيب فصلى بهم ~~أيام مشورتهم حتى قال شاعرهم: # صلى صهيب ثلاثا ثم أرسلها * على ابن عفان ملكا غير مقسور وقال: لا ~~تنتظروا طلحة أكثر من ثلاثة أيام فإن قدم وإلا فأنفذوا أمركم وقال لهم فإن ~~انقسم القوم شطرين فكونوا في حيز عبد PageV00P509 # الرحمن بن عوف لعلمه بأمانته وثقته وأنه مرضي عند الكافة وأزهدهم في هذا ~~الأمر على أن هذه الرواية شاذة غير معلومة ولم يكن يبعد إذا اعتقد هذا أجمع ~~في عبد الرحمن أن ينص عليه أو يعهد إليه وظاهر الفعل المتفق عليه يدل على ~~اعتدالهم في نفسه وتقاربهم في المنزلة وما يحتاج إليه من صلاح الأمة. # وإذا كان ذلك كذلك وكان عمر بما قدمناه إماما عدلا مرضيا وقد خالف من ~~الأمر ما وصفه وعلم احتياطه وجب أن يكون جعله لها شورى إحدى فضائله ومناقبه ~~ومضافا إلى ما سلف من إنعام نظره ms284 للمسلمين ونصحه إياهم. # فإن قالوا كيف يجوز أنه يكون قاصدا للمصلحة وحسن النظر للأمة بهذا القول ~~مع ما روي عنه من ذمة لجميع أهل الشورى ووصفه لهم بأنهم لا يقومون بالإمامة ~~ولا يصلحون لها نحو ما روي عنه أنه أمر بهم يوما وهم مجتمعون فأقبل عليهم ~~وقال لهم أكلكم يطمع في هذا الأمر؟ # أما قول وأن طلحة قال له إن رأيت أن تكف عنا القول فافعل فإنك لا تقول ~~خيرا وأن الزبير قال له قل وما عساك أن تقول فقال لطلحة ما أنت فما أعرفك ~~منذ أن شلت يمينك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البأو والكبر الذي ~~أحدثته ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليك غضبان لما قلت ما ~~قلت حتى نزلت آية الحجاب ثم قال للزبير وأما أنت فإنك مؤمن الرضا كافر ~~الغضب يوما شيطان ويوما إنسان فمن للمسلمين يوم تكون شيطانا وأقبل على ~~عثمان فقال له أما أنت فوالله لئن وليت هذا الأمر لتحملن بني أبي معيط على ~~رقاب الناس وليأكلن مال الله ولتسيرن العرب إليك ولتقتلنك والله لئن فعلت ~~ليفعلن ثم أخذ لحيته فهزها ثم قال اذكرني إذا كان ذلك يا ابن عفان! # ثم أقبل على علي فقال له وأما أنت يا علي فلئن وليتهم لتحملنهم على ~~المحجة البيضاء والطريق المستقيم وما يقعدك عن هذا إلا دعابة فيك وأنك ~~PageV00P510 # كثير البطالة ثم قال لسعد وأما أنت فصاحب قنص وقوس وسهام ولست بصاحب ~~الجسيم من أمرهم ثم أقبل على عبد الرحمن فقال له وأما أنت فلو وزن إيمانك ~~بنصف إيمان المؤمنين لوفى عليه إلا أنه يقعدك عن هذا الأمر العجز وما زهرة ~~وهذا الأمر. وقوله في خبر آخر في رواية ابن عباس عنه أنه قال له لما دخل ~~عليه فوجده على سرير مرمول قلقا متململا فسلم عليه فقال له والله لقد فرحت ~~بدخولك علي لقرابتك وفضل رأيك ولقد أرقت ليلي وقلقت يومي في أمر الأمة وما ~~أدري ما أصنع بأمر المؤمنين فقلت ms285 له ولم يا أمير المؤمنين وهذا الأمر إليك ~~وما هذا نحوه فقال لي فأشر وقل ما عندك قال فقلت إن بدأت بعلي فيقول جاءنا ~~بابن عمه قال فقلت عثمان فصاح وقال والله والله لئن فعلت ليحملن بني أمية ~~على رقاب الناس ولصارت العرب إليه فقتلته قال فقلت طلحة فقال إنه كثمر ~~البأو ولا يمر الذباب على أنفه وما كنت بالذي أجمع على المسلمين بين كبره ~~أو تيهه وإمرته قال فقلت الزبير قال فقال ذلك ضرس شرس لو ولي هذا الأمر ~~لألفي بالبطحاء يلاطم على مد شعير أو صاع من تمر وفي بعض الأخبار أو قعب من ~~لبن قال فقلت سعد قال فقال فيه مثل ما قال في الخبر الأول قلت فعبد الرحمن ~~فقال فيه مثل مقالته التي قدمناها فقلت فعلي فقال إنه وإنه يقرظه لولا ~~دعابة فيه وفي خبر آخر لولا أنه كثير البطالة في أمثال لهذه الأقاويل رويت ~~عنه فيهم. # فيكف يكون مع هذا الرأي مصيبا في ردها إليهم يقال لهم ليس من شأن أهل ~~العلم ومن أراد الله ببحثه وفحصه أن يترك الظاهر المعلوم من حال الصحابة ~~مما يوجب إعظام بعضهم بعضا إلى القول بمجهول من أمرهم والمصير إلى روايات ~~شاذة في ذم بعضهم بعضا ولا سيما إذا عارضها ما هو أقوى منها وأثبت فهذه ~~الأخبار أكثرها كذب موضوع لا محالة وإن جاز أن تكون اللفظة واللفظتان منها ~~صحيحة لأنا علمنا ضرورة من حال عمر أنه عظمهم وقرظهم وأنه جعل الأمر فيهم ~~وأمر الأمة بالانقياد وأخبر أنهم أفضل من بقي. # وهذا الثابت المعلوم لا يرده ظاهر هذه الروايات والأقاويل التي رويتموها ~~PageV00P511 # فوجب دفعها واطراحها. # وكيف يجوز أن يظن بعمر في فضله وتيقظه وصرامته وثاقب رأيه وعلمه بمواقع ~~الخطاب وأحوال الكلام وموارد الأمور ومصادرها أن يناقض بمثل هذه المناقضات ~~في كلامه وهو من أعلمهم بضبط الصحابة وتحصيلهم واستدراكهم للدقيق اللطيف ~~فضلا عن المناقضة الظاهرة وإن كان قاصدا بهذا الكلام القدح في فضلهم وكيف ~~لم يعرف أن القوم يعلمون بأن ms286 الكثير البطالة والدعابة لا يحمل الناس على ~~المحجة البيضاء والطريق المستقيم وأن حملهم على هذا المنهاج ضد البطالة ~~والدعابة وتقيضها فلو لم نعلم ضرورة بالروايات المعارضة لهذه الأخبار ~~الواردة عنه في تقريظهم وتعظيمهم لوجب أن ينفى عنه مثل هذه المناقضات فكيف ~~والأمر بخلاف ذلك؟. وكيف يجوز أن يقبل مثل هذا في طلحة مع ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من تفضيله له وقوله هذا يوم كله لطلحة ولولا أنه قال حس ~~لطار مع الملائكة وقوله للصحابة وقد أحدقوا به لأخذ درعه وحط السلاح عنه ~~عليكم بطلحة في أمثال لهذه الأخبار معلومة ثابتة؟. # ويكون قاصدا بقوله للزبير ما قاله للتحذير له من التشدد والمضايقة ولم ~~بصفة بالبخل في نفسه لأن الإنسان قد يكون أسخى من الريح الهبوب مع تشدده ~~ومضايقته في المعاملة. وعلى أنه لم يقل فيه إنه قد فعل ذلك أو يفعله وإنما ~~قال لألفي فاعلا على مذهب التحذير. وعلى ذلك تأويل قوله إنه ضرس شرس. وأما ~~قوله يوما شيطان ويوما إنسان وإنه مؤمن الرضا كافر الغضب فإنه أيضا يصف فيه ~~لين أخلاقه تارة وحسن رضا أو شدة غضبه تارة وتعسفه والتحذير له من ذلك إن ~~ولى الأمر. # وكذلك قوله في سعد إنه صاحب قنص وقوس وسهام وإنه صاحب مقنب من مقانبهم ~~وليس بصاحب الجسيم من أمرهم إنه خرج مخرج التحذير له من أن يكون بهذه الصفة ~~إن ولي الأمر والدعاء له إلى ترك الاشتغال PageV00P512 # بذلك أحيانا والانتصاب إلى النظر في مصالح الأمة وكيف يكون هذا الخبر ~~صحيحا وهو يستكفيه ويؤمره على الأقاليم ويقول عند موته أوصي الخليفة من ~~بعدي أن يولي سعدا فإني لم أصرفه عن خيانة ولا موجدة. # وكذلك قوله في علي وأنه لكثير البطالة والدعابة لو صحت هذه الرواية أيضا ~~إنما المراد به النهي والتحذير والدعاء إلى ترك المزح في بعض الأوقات وهذا ~~كله لا يوجب الفجور وإسقاط العدالة وإخراج من له هذه الأوصاف أو شيء منها ~~عن استحقاق الإمامة. # وأما قوله في عبد الرحمن ms287 وما زهرة وهذا الأمر إنما هو على مذهب التحذير ~~من العجز إن صح ولقد ظهر من صرامة عبد الرحمن وشدته وجمع القوم للنظر في ~~هذا الأمر معه شاكا سلاحه ما يدل على نفي العجز عنه وبعده منه وهذا مع ~~اجتماع القوم على الرضا به والاعتماد على رأيه ومع ما علم من زهده فيه ~~وإخراجه نفسه عنه مع صلاحه له وتمكنه من القيام به. # فمن ظن أن عمر أراد غير ما ذكرناه إن صح الحديث فقد ظن بعيدا ومن قدر أنا ~~نترك الظاهر المعلوم من إعظام عمر لهم وحسن ثنائه عليهم إلى هذه الروايات ~~فقد ظن عجزا وتفريطا عظيما واعتقد شططا باب ذكر الدلالة على صحة عقد عبد ~~الرحمن لعثمان بن عفان رضي الله عنهما فإن قال قائل ما الدليل على صحة عقد ~~عبد الرحمن لعثمان قيل له الدليل على ذلك أنهم تشاوروا ليالي وأياما ونظروا ~~في أمرهم ورضوا بعبد الرحمن أمينا ومشيرا في هذا الباب وعلمنا ضرورة أنه ~~عقد لعثمان وأن الباقين. PageV00P513 # منهم ومن سائر الأمة انقادوا لعثمان وخاطبوه بأمير المؤمنين وعثمان بصفة ~~من يصلح العقد له والعهد إليه وعبد الرحمن في فضله ونبله وسابقته وعلمه وما ~~لا حاجة لنا إلى الإطالة في ذكره من فضائله ممن يصلح لعقد هذا الأمر بل هو ~~من جلة أهل الحل والعقد. وقد ظهر من تبرئه منها وزهده فيها مع كونه مرضيا ~~عندهم وعند سائر الأمة ما يدل على قوة إيمانه وشدة خوفه وحذره وعظيم ~~مناصحته للأمة فهو أبعد الناس من التهمة في هذا الباب وأشدهم إيثارا وتوخيا ~~لأداء الأمانة وحسن النظر للأمة هذا معلوم من حاله وفعله وما بعد ذلك من ~~الروايات التي لا تليق بما وصفناه ملغاة مطرحة. # فإن قالوا أفليس قد روي أن عليا قال لعبد الرحمن لما عقد لعثمان أغدر هذا ~~يا عبد الرحمن وأنكر ما كان منه قيل لهم هذا من الوساوس وحديث النفس لأن ~~المعلوم الذي لا شك فيه مبايعة علي لعثمان وتصرفه معه وإقامته الحدود بين ~~يديه ms288 حتى قال كثير من الشيعة إنهم جهلوا الحد فقام يعلمهم وقال آخرون إنه ~~كان في تقية منهم وهذا كله باطل لا سبيل إلى علمه فلا يجوز ترك هذا الظاهر ~~بمثل هذه الروايات هذا لو لم يعارضها من رواية أهل الثبت والثقات ما يطابق ~~الظاهر من فعل علي وانقياده فكيف وقد ورد ذلك بما لا قبل لأحد بدفعه وذلك ~~أن الصحيح في هذا ما روي أن عليا عليه السلام قال لعبد الرحمن بن عوف بعد ~~أن عرض عليه البيعة على شرط ما روي عنه أنه شرطه فأباه علي والتزمه عثمان ~~فقال له علي عليه السلام بايع أخاك فقد أعطى الرضا من نفسه واستخر بالله ~~وأصفق على يده وهذا أشبه بقول علي وفعله. # وكذلك إن قالوا أفليس قد روي أن عليا عليه السلام كان يقول أيام الشورى ~~نشدتكم بالله هل فيكم من قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (من كنت مولاه ~~فعلي مولاه) مناديا بذلك ورافعا صوته غيري فكيف يكون راضيا بما صنعوه قيل ~~لهم إن هذه الرواية من جنس روايتكم أنه تأخر عن بيعة أبي بكر وأن عمر رفض ~~فاطمة وأنها سقطت وأنهم أحضروا عليا إلى PageV00P514 # البيعة في حبل أسود يسحبه عمر في أمثال هذه الروايات. وليس يجب ترك ~~الظاهر المعلوم من حال علي وسائر الصحابة لأجل هذه الرواية المردودة. # وكيف يكون ذلك صحيحا مع ما روي عنه من قوله بايع أخاك فقد أعطاك الرضا من ~~نفسه ومع قوله الظاهر بالكوفة والبصرة والشام والله ما قتلت عثمان ولا ~~مالأت على قتله وقوله اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر وقوله لو رضيت ~~مني بنو أمية أن أحلف لها عند الحجر الأسود أني ما قتلت عثمان لحلفت في ~~أمثال هذه الأخبار ولو كان ما رويتموه من احتجاجه على أهل الشورى بقوله من ~~كنت مولاه فعلي مولاه صحيحا وكان يرى أن هذا القول من النبي صلى الله عليه ~~وسلم نص عليه لوجب أن يكون عالما بأن عثمان باغ مستحق القتل ولم يجز ms289 أن ~~يلعن قتله إذا كان باغيا مستحقا للقتل وهذا مما لا يمكن أن يعتقد في مثله ~~مع فضله ونبله وعلمه وقرابته وسابقته وثاقب رأيه فبان بذلك سقوط ما تعلقوا ~~به. # وإن قالوا وكيف يكون عقد عبد الرحمن لعثمان صحيحا وقد عقد له على شرط ~~تقليده في الأحكام لأبي بكر وعمر وما روي عنه من أنه قال لعلي نبايع لك ~~ونعقد لك هذا الأمر على أن تحكم بكتاب الله وسنة نبيه وسنة الشيخين من بعده ~~وأن عليا قال ليس مثلي من استظهر عليه ولكن أجتهد رأيي وأنه عرض ذلك على ~~عثمان فرضي بالشرط وضمنه وعقد له عليه وقد اتفقنا على أن التقليد من العالم ~~لغيره حرام في الدين يقال لهم هذا الخبر أيضا من أخبار الآحاد وليس هو مما ~~يعلم صحته ضرورة ولا بدليل. # فإن كان التقليد حراما فإن الصحابة قد كانت أعلم بذلك وأتقى لله من أن ~~PageV00P515 # تدخل في الحرام على غير إنكار له وكان يجب على علي عليه السلام مع ~~امتناعه من قبول الشرط أن يقول هذا حرام في الدين لا يحل فعله. وليس لنا أن ~~نطعن على الصحابة بشيء نضيفه إليهم لا نجيزه علينا بروايات الآحاد فسقط ~~أيضا التعلق بهذه الروايات. # ويمكن أيضا إن كانت هذه الرواية صحيحة ألا يكون عبد الرحمن أراد بسنة ~~الشيخين اتباعهما على التقليد في الأحكام وإنما أراد السيرة بالعدل ~~والإنصاف وألا يكون قال ذلك أيضا على شك منه في أن عليا سيحكم بالإنصاف ~~والعدل إن صار الأمر إليه وإنما قال ذلك على مذهب التقرير له والتأكيد ~~والتبرئة له ليقع الرضا من الجماعة وتزول الفتنة ويستميل بذلك قلوب ~~السامعين له فيكون عبد الرحمن مصيبا في اشتراطه وتقريره وتأكيد الأمر ويكون ~~علي مصيبا في الامتناع منه ويكون عثمان مصيبا أيضا في قبول الاشتراط لما ~~علمه من أن عبد الرحمن ما قصد إلا التأكيد والتقرير واشتراط السيرة بالعدل. # ويدل على ذلك ويؤكده علمنا وعلم سائر الناس أن أحكام أبي بكر وعمر في ~~كثير من الفقهيات مختلفة ms290 كتوريث الجد والمفاضلة في العطاء من عمر وتسوية ~~أبي بكر بين الناس فيه وغير ذلك وأن عثمان لا يمكنه ولا يجوز أن يحكم ~~بحكميهما المختلفين فدل ذلك على أنه إنما أراد اشتراط السيرة بالعدل ~~والإنصاف. # وقد يمكن أيضا إن كانت هذه الرواية ألا يكون عبد الرحمن اشترط على عثمان ~~ترك التقليد في الأحكام لأن سيرة أبي بكر وعمر ترك التقليد فيهما والنهي عن ~~ذلك. فذلك لم يقلد عمر أبا بكر بل خالفه ولا قلد أبو بكر عمر في شيء من ~~مسائل الحلال والحرام وقد علم أن من سيرتهما اجتهاد الإمام وترك التقليد ~~لغيره فكيف يدعوه عبد الرحمن إلى التقليد وترك الاجتهاد وهذا وهذا ضد ~~سنتهما فبان أنه لم يدعه إلا إلى ما ذكرناه وأن عليا قدر فيه أنه دعاه إلى ~~التقليد فأصاب في امتناعه من قبول الشرط. PageV00P516 # وقد قال قوم من الفقهاء إن تقليد العالم للعالم والحكم بالتقليد جائز ~~سائغ في الدين وهي مسألة اجتهاد أعني تقليد العالم للعالم فلعل عثمان وعبد ~~الرحمن كانا يريان جواز التقليد والحكم به وعلي عليه السلام لا يرى ذلك ~~فأصابا فيما تعاقدا عليه وأصاب علي في امتناعه من غير قدح في العقد لأنه لا ~~يحرم ذلك على من رآه وإن وجب عليه ألا يفعله لأنه ليس من رأيه واجتهاده. ~~فبان بذلك أجمع زوال ما تعلقوا به في هذا الفصل. # فإن قالوا كيف يكون عقد عبد الرحمن صحيحا وهو قد أنكر على عثمان ونقم ~~كثيرا من أفعاله وقال للصحابة لما قال له بعضهم هذا من عملك حيث عقدت لهذا ~~الظالم الجبار فقال لهم ما علمت وإذا شئتم أخذت سيفي على عاتقي وأخذتم ~~أسيافكم وقتلنا هذا الطاغية وأزلناه عن الأمر ونحو ذلك يقال لهم هذا أيضا ~~من الروايات المختلفة لأن الثابت المعلوم من حال عبد الرحمن رضاه به ~~واختياره له وقوله خطيبا بذلك إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان أحدا فوليته ~~في نظائر لهذه الروايات مما يقتضى موالاة عبد الرحمن لعثمان فلا وجه لترك ~~ذلك والتعلق ms291 بالتعاليل والأباطيل. # على أنه لو صح عن عبد الرحمن أنه قال إني خلعت عثمان فاقتلوا هذا الطاغية ~~أو سيروا لخلعه لم ينخلع عثمان لهذا القول من عبد الرحمن ولا من غيره لأن ~~الإمامة إذا ثبتت بعقد صحيح مأذون فيه لم ينخلع صاحبها بخلع العاقد له بعد ~~ذلك ولا بخلع غيره ولا بذم أحد له ولا ينخلع بالقرف ولا بالتأويل عليه ~~وإنما ينخلع بالجلي المعلوم من الأحداث الثابتة الظاهرة. # فيجب أن ننظر فيما أنكره عبد الرحمن بعد عقده وما نقمه القوم عليه فإن ~~كان ما يوجب خلع الولاية وسقوط الطاعة صرنا إليه وطالبناه بموجبه وإن كان ~~غلطا في التأويل وقرفا بالباطل أضربنا عنه ولم نحفل به. # فإن لم تقنع الشيعة وأبت إلا إبطال إمامة عثمان بهذا التأويل والروايات ~~PageV00P517 # التي ليست بثابتة عن عبد الرحمن وإن كان قد عقدها في الأصل طوعا واختيارا ~~عن رأي ومشورة وإخبار الناس أنه وجد الصحابة لا يعدلون بعثمان أحدا عاد ذلك ~~بأعظم الضرر عليهم ووجب عليهم به القدح في إمامة علي لأجل إنكار طلحة ~~والزبير وعائشة لفعله وخلع طلحة والزبير له وإقراره بذلك على ما قد روي ~~بمثل رواية ما ادعوه على عبد الرحمن في قوله في عثمان وقوله بالبصرة ~~بايعاني بالمدينة وخلعاني بالعراق وقولهم في جواب ذلك بايعناك على أن تقتل ~~قتلة عثمان وقول طلحة بايعت واللج على قفي. وقول الزبير بايعته أيدينا ولم ~~تبايعه قلوبنا وقد كان أحضرا مكرهين فيهما أعذر في خلعهما لعلي من عبد ~~الرحمن في خلعه لعثمان ولأجل أن المطالبة بدم عثمان أمر ليس يقع التأويل في ~~مثله وإن كان الحق في يد علي ومعه دون كل من خالفه. # وما نقم أحد على عثمان شيئا فيه شبهة ولا متعلق وعلى أن عثمان لم يقعد ~~عنه أحد دعاه إلى نصرته أيام حصاره وسعى أهل الفتنة عليه بل كانوا يبذلون ~~أنفسهم ونصرتهم ويقولون دعنا نكن أنصار الله مرتين فيأبى ذلك ويمنعهم منه. ~~وعلي عليه السلام قعد عن نصرته كثير ممن دعاه إلى القتال ms292 معه من جلة ~~الصحابة كسعد وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل PageV00P518 # وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وسلامة بن وقش وغيرهم ممن ~~لا يحصى كثرة فيجب أن يكون ذلك أظهر في القدح في إمامته وأجدر مما تعلق على ~~عثمان. # ونحن نبرأ إلى الله تعالى من القدح في إمامتهما جميعا غير أن الشيعة تفتح ~~على أنفسها من هذا الباب ما لا قبل لهم بدفعه. وليس تفسد إمامة علي بخلع من ~~عقدها له ولا بالتأويل عليه بأنها عقدت على شرط فيها ولا يوهنها قعود من ~~قعد عنها فكذلك لا تبطل إمامة عثمان بما حكوه عن عبد الرحمن ولا بسعي أوغاد ~~وأهل فتنة إليه وتعديهم عليه لأن إمامته قد ثبتت وصحت فلا يقدح فيها شيء ~~مما ذكروه فإن قالت الشيعة نحن لا نعتبر بقول طلحة والزبير وخلعهما ~~وقعودهما لأن طريق الإمامة النص من النبي صلى الله عليه وسلم قيل لهم فليس ~~يجب أن ينزلوا معنا إلى الكلام في إمامة عثمان وعقد عبد الرحمن وخلعه لأن ~~الخوض فيها عندكم منكر فإن قالوا إنما نسألكم ونلزمكم على مذهب أهل ~~الاختيار قيل لهم قد أبنا لكم أن ذلك لا يلزم على أصولنا وأنه لو لزم لعاد ~~بإبطال إمامة علي وذلك فاسد. PageV00P519 # باب الكلام في مقتل عثمان رضي الله عنه والدليل على أنه قتل مظلوما فإن ~~قال قائل فهل تقولون إن عثمان قتل مستحقا للقتل أم مظلوما وهل كان منه حدث ~~أوجب قتله والمطالبة بخلعه أم لا قيل له نقول إن عثمان رضي الله عنه قتل ~~مظلوما وإنه لم يكن منه ما يوجب قتله ولا المطالبة بخلعه ولا سقوط عدالته ~~وموالاته وإن الذين تولوا قتله والإغراق في السعي عليه أهل فتنة ولفيف ~~الأمصار ومن لا مدخل له في هذا الشأن أعني أمر الإمامة وحلها وعقدها وإنهم ~~لم يستندوا في شيء مما خرجوا إليه في أمره إلى ما يمكن أن يكون شبهة فضلا ~~عن أن يكون حجة فإن قالوا وما الدليل على ذلك ms293 الدليل عليه أنه قد ثبت من ~~إيمان عثمان ونزاهته وسابقته وفضله وجهاده ما قدمناه من فضائله ومن صحة ~~إمامته وثبوت بيعته ووجوب طاعته والانقياد له ما نستغني عن إعادته ورد قول ~~فيه وإذا كان ذلك كذلك وجب أن نعتقد أنه على جميع هذه الأوصاف وأنه قتل ~~مظلوما حتى يذكر القاتلون له والساعون عليه والمنتصرون لفجورهم ما يبيحون ~~به دمه على ذلك الوجه ويوجب خلع طاعته وزوال عدالته وأنى لهم بذلك؟. # وعلى أنه لو ثبت عليه أمر يستحق به خلع الطاعة ويجب به زوال العدالة لم ~~يكن مبيحا لقتله على ذلك الوجه لأنه لم يحم دارا ويمتنع على المسلمين ولا ~~نصب الحرب بينه وبين من سار إليه فقد كان يجب عليهم القبض عليه لما أخذوه ~~وتمكنوا من داره وحريمه أو حبسه وإبعاده عن المدينة أو أخذه بغاية الإرهاب ~~بخلع نفسه لو كان مستحقا للخلع فأما أن يقتل على ذلك الوجه وهو غير ناصب ~~للحرب فضلال وظلم لا محالة. # على أنه لو استحق قتله وخلعه وإبعاده لم يجز أن يتولى ذلك من أمره الذين ~~ساروا إليه لأنهم ليسوا من أضرابه ولا أشكاله وممن يداني منزلته ولا ممن له ~~مدخل في الإمامة ولا في عقدها وحلها والاعتراض على أهلها وإنما يعتد بمثل ~~ما جروا إليه ويكون لأحد فيه أدنى تعلق لو تولى ذلك منه أكفاؤه ومن له مدخل ~~في هذا الشأن وليس للرعية كافة أن يتولوا دم من هو دون PageV00P520 # عثمان ولا إقامة أقل الحدود على أقل الناس قدرا فكيف بعثمان مع ما ذكرناه ~~من أحواله وهذا واضح في أن القوم يجب تفسيقهم بقتله لو كان ممن يستحق القتل ~~فضلا عن أن يكون غير مستحق له وقد ذكرنا في غير هذا الكتاب أسباب هؤلاء ~~القوم الذين عدوا عليه وكل واحد منهم والذي بعثهم على السير إليه وأنها ~~كانت أحقادا عليه لأجل إمرة طلبوها ولأجل غيظ منهم على أمرائه ولأن بعضهم ~~كان طفلا في حجره ولأن بعضهم حرمه بعض طلبته إلى غير ذلك مما ms294 لا حاجة بنا ~~إلى ذكره. # وقادة هؤلاء القوم الذين أشاروا عليهم وحملوهم على ما فعلوه الغافقي ~~المصري إمام القوم وكنانة بن بشر التجيبي وسودان بن حمران وعبد الله بن ~~بديل بن ورقاء الخزاعي ومن قادة البصريين حكم بن جبلة العبدي فيمن صحبه ~~منهم ومن أهل الكوفة ملك بن الحارث الأشتر النخعي في رجال قد سميناهم وقد ~~كان هؤلاء أثاروا الفتنة مدة قبل قتل عثمان رضي الله عنه ورأى من الرأي ~~إبعادهم عن المدينة فأخرج منهم عن المدينة سبعة عشر نفسا منهم القوم الذين ~~سميناهم ومنهم على ما ذكر صعصعة بن صوجان وزيد بن صوجان العبديان وعبد الله ~~بن الكواء وعمر بن الحمق في آخرين فكان معاوية يقربهم ويدنيهم ويحضرهم ~~طعامه ويكثر إذكارهم بالله ويخوفهم شق العصا والفتك بإمام الأمة وتعظيم ~~حرمة الإمامة ووجوب لزوم الجماعة إلى أن قال له زيد بن صوجان يوما كم تكثر ~~علينا بالإمرة وبقريش فوالله ما زالت العرب تأكل من قوائم سيوفها وقريش ~~تأكل من متاجرها فقال له معاوية اسكت لا أم لك أذكرك بالإسلام وتذكرني ~~بالجاهلية قبح الله من كثر على أمير المؤمنين بكم PageV00P521 # فلستم برجال ضر ولا نفع أخرجوا حيث شئتم فأبعدهم ثم أحضر ابن الكواء ~~فسأله عن أهل الفتنة في كل بلد وعن أحوال أهلها. # ثم كتب إلى عثمان بأن القوم قد أثاروا الفتنة بالشام وقد خفت انخراق ~~الأمر فأن أمرت أنفذت إليك برؤوسهم وإلا فمر بتسريحهم فكتب إلي إن الفتنة ~~قط اطلعت رأسها وألا ينكأ القرح فسرحهم إلي فأخرجهم معاوية فعدا عليهم عبد ~~الرحمن بن خالد بن الوليد وكان يومئذ أمير الجزيرة وكثير مما يتصل بها فلم ~~يفلت أحد منهم فلما أدخلوا عليه قال لهم لا مرحبا بكم ولا أهلا يا حزب ~~الشيطان قد انصرف الشيطان محسورا وأنتم في ضلالكم تترددون أنا عبد الرحمن ~~أنا ابن خالد بن الوليد أنا ابن فاقىء عين الردة لم لا تقولون لي ما كنتم ~~تقولونه لمعاوية وعبد الله بن عثمان وقمعهم وحصرهم فكان كلما ركب أمشاهم ms295 ~~بين يديه ثم يقول لملك بن الأشتر أعلمت يا ملك أن من لم يصلحه الخير أصلحه ~~الشر والله لأحسنن تقويمكم فكانوا عنده سنة يظهرون التوبة والندامة من ~~الطعن على عثمان والإثارة للفتنة وتشعيب الكلمة. # وكتب إلى عثمان بتوبتهم فكتب إليه أن سرحهم إلي فلما مثلوا بين يدي عثمان ~~جددوا التوبة والندم وحلفوا له على ذلك فخيرهم البلاد فاختار بعضهم الكوفة ~~واختار بعضهم البصرة فأخرجهم إلى حيث آثروا. # فما استقرت بهم البلاد حتى شرعوا في أعظم مما تابوا منه بأنفس ~~PageV00P522 # حنقة وصدور وغرة وقلة إحفال بالإمام والأمة وإيثار الشغب والفتنة. واتصل ~~ذلك بعثمان فأرسل رسلا إلى البلاد ليرفعوا شكواهم ويزيل ظلامتهم فأفسدوا ~~بعضهم وأثاروا الفتنة على باقيهم ولم يقنعوا إلا بالمسير إليه وقتله في ~~داره وهتك حريمه والتغلب على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن وطئوه ~~وحصبوه ومنعوه الصلاة في المسجد وهو دائبا يسكنهم ويضمن لهم إزالة ظلامتهم ~~وإجمال النظر لهم ويغرق في وعظهم وتخويفهم ويقول ويحلف لهم في غير خطبة ~~خطبها عليهم من فوق داره أنه أبصر الناس بأخذهم سيرة عمر وحملهم على عنف ~~السياق وأنه ما بسطهم عليه إلا لينه وتجاوزه عنهم في صلاحهم فيقول لهم إن ~~رأيتم أن تضعوا رجلي في قيد فضعوها ويقول لهم تارة وقد أشرف عليهم أنشدكم ~~الله هل سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا يحل دم امرئ مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس فيقولون ~~اللهم نعم فيقول والله ما كفرت منذ أمنت ولا قتلت نفسا بغير نفس ولا زنيت ~~في جاهلية ولا في إسلام قط فبماذا تستحلون دمي) ويقول لهم تارة أنشدكم الله ~~هل سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من وسع مسجدي هذا ضمنت له على ~~الله الجنة ومن جهز جيش العسرة ومن اشترى البئر للمسلمين) ففعلت ذلك ~~ويقولون اللهم نعم ويقول فما بالكم تمنعوني الصلاة في المسجد وما بالكم ~~آمنون وأنا خائف في نظائر لهذه ms296 الألفاظ. # ويقول لرجل هجم على داره من أهل مصر مقتحما بسيفه يريد قتله فلما رأى ~~هيبته وسمع قراءته أحجم عنه فقال له عثمان: PageV00P523 # مالك رحمك الله فقال إنا جئنا لقتلك فإن القوم كتبوا إلينا أنك كفرت ~~وارتددت وما أراك إلا إماما صالحا قواما فبكى عثمان فقال له ما كفرت منذ ~~آمنت اللهم احكم بيننا وبينهم فقال له الرجل يا أمير المؤمنين إني نذرت دمك ~~وآليت على نفس فأبر قسمي قال فأدناه عثمان وكشف له عن جنبه فشرط له بالسيف ~~شرطة خفيفة حتى خرج دمه فقالت عند ذلك زوجته نائلة بنت الفرافصة وأذل أمير ~~المؤمنين ثم إن الرجل خرج فركب راحلته وانصرف من فوره وتبعه أناس. # ثم راسلهم قبل أن يشتد الحصار الثاني عليه بسعد وعبد الله بن عمر ومحمد ~~بن مسلمة وغيرهم يناشدهم ويعظهم ويخوفهم ويرفق بهم ويضمن لهم إزالة كل ما ~~تظلموا منه حتى تناذر الصحابة ومشى بعض الصحابة إلى بعض وسعوا في التسكين ~~عنه وحتى ذكر أن طلحة خرج قبل قتله بليلة أو ليلتين فصاح في الناس وذكرهم ~~الله وقال لهم إن إمامنا قد أعطى الرضا من نفسه وبذل ما كانت الطلبة منه ~~دونه فتفرقوا رحمكم الله وانصرفوا إلى مياهكم ثم بكى فأحدق به خلق من أهل ~~الفتنة وفيهم ملك الأشتر فنتل لخطابه وقال لطلحة الآن ننصرف والله لقد كنا ~~في ثغورنا ما ينتظر أحدنا إلا سهما يقع في لبان فرسه أو غارة تقع في ~~المشركين وكتبتم إلينا أن سيروا إلى من غير الكتاب والسنة فلما جئنا قعد ~~هذا في بيته وأشار إلى حجرة علي وقعدتم تعصرون أعينكم دونه والله لا نبرح ~~العرصة أو نهريق دمه. # وهذا قهر عظيم وافتيات على عثمان والصحابة شديد وسرف يدلك على إثارة ~~الفتنة وتشتيت الكلمة ولا سيما إذا كان ذلك أجمع واقعا ممن ليس من أهل ~~الإمامة والخوض فيها والافتيات على أهلها. # ويدل على هذا من أمرهم إظهارهم للناس أن يحصروه ليخلع نفسه ويزيل ظلامتهم ~~ولا يظهر منهم غير ذلك ثم يهجمون ms297 عليه الدار غلسا وفي خفية لإراقة دمه ~~وتسوروا عليه على ما ذكر من خوخة من دار آل عمرو بن PageV00P524 # حزم وفي ذلك يقول الشاعر: # لا ترثين لحزمي رأيت به * ضرا ولو قذف الحزمي في النار الناخشين بمروان ~~بذي خشب * والمقحمين على عثمان في الدار وكان النفر الذين ذكر أنهم هجموا ~~عليه من المعروفين دون أتباعهم الغافقي وكنانة بن بشر التجيبي وسودان بن ~~حمران وعبد الله بن بديل بن ورقاء وعمرو بن الحمق الخزاعي في آخرين منهم ~~محمد بن أبي بكر فتسرع إليه محمد وألقاه لجنبه وجلس على صدره وأخذ لحيته ~~فهزها وغلظ له في القول وذكر أنه ضرب جبهته بمشقص كان في يده فلما أراد أن ~~يثنى وعظه عثمان وقال له يعز على أبيك أن ترقى هذا المرقى واستحيا ~~PageV00P525 # وانصرف. وذكر أنه لم يمسه في بعض الروايات فعرف الغافقي وكنانة أنه انصرف ~~حياء منه فأقحما عليه وبدره التجيبي بضربة ألقاه منها لجنبه والمصحف في ~~حجره فلما سقط الدم عليه أطبقه ثم نحاه وضربه غيره. وقاتل البقية قوم من ~~بني عبد الدار فقتل منهم سوى عثمان أربعة نفر وقتل العبد الأسود وارتث ~~مروان بن الحكم خارج الدار وأثخن الحسن حتى حمل مغلوبا بألم الجراح ولما ~~رأت نائلة بنت الفرافصة زوج عثمان وقع السيف برزت وألقت نفسها عليه ~~فأصابتها ضربة اندرت من يدها ثلاث أصابع وضرب بعض أولئك الفجرة يده عليها ~~وقال ما أكبر عجيزتها نفلونيها وصاح الآخرون ألحقوا بيت المال. وأغاروا ~~بديئا على رجل عثمان وما كان في داره ثم تناولوا ما أمكنهم أخذه من بيت ~~المال وأضرموا الدار عليه بالنار فاحترق أكثر أبوابها. وذكر أن عمرو بن ~~الحمق قال طعنت عثمان تسع طعنات منها ثلاث لله وست لغير الله. # وقد علم كل مسلم أنصف نفسه أن ما فعله القوم به ليس من الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر في شيء وأنه أبعد الأمور عن الحق وعن مصلحة الأمة وأدعاها ~~إلى تفريق الكلمة وشتات الرأي وتوهين الدين والإذلال لسلطان المسلمين ~~والتوثب على ms298 أئمتهم وتوخي إضعاف أمرهم وقصر هممهم وأيديهم عن إقامة الدين ~~وتنفيذ أحكام المسلمين وأن عثمان رضي الله عنه لو كان في الحقيقة قد ارتد ~~عن دينه أو زنى بعد إحصانه لم يستحق سفك دمه على ذلك الوجه وإحراقهم داره ~~ونهب تراثه والمطالبة بتنفيل زوجته وهذا PageV00P526 # أظهر وأبين من أن نحتاج فيه إلى إقامة الدليل على ظلم فاعله وتعديه. # وعلى أن ذلك أجمع لو وجب عليه وكان من حدود الله تعالى في شريعة لم يكن ~~لهؤلاء القوم توليه وإقامته وإنما ذلك إلى سلطان المسلمين ولا أقل من أن ~~يكون للأماثل منهم أهل الحل والعقد ومن يقدر فيه الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر دون من ذكرناه. # وكل من ادعي عليه قتله من الصحابة فقد كذب عليه وأضيف إليه ما ليس منه ~~بسبيل كعلي وطلحة والزبير رضوان الله عليهم وما من هؤلاء أجمع أحد إلا وقد ~~أظهر المطالبة بدمه ولعن قتلته وأظهر البراءة منهم والتأسف على ألا يمكنه ~~إقامة الحق عليهم. وهذا ظاهر معلوم من حال علي وطلحة والزبير وما وراء ذلك ~~إنما هو من الشواذ وأخبار الآحاد ولا يحل لمسلم اتقى الله وعرف قدر الصحابة ~~أن يضيف إلى أحد منهم قتل عثمان والرضا به والخذلان له مع دعائه إلى نصرته ~~والدفع عنه بأخبار آحاد يعارضها مثلها تارة وما هو أقوى منها أخرى ويكون ~~الظاهر من قول علي وطلحة والزبير بخلافها وفي نقيضها لأن الظاهر المعلوم لا ~~يترك لروايات غير معلومة بل لو لم يظهر منهم مثل هذا لكانت مثل هذه الأخبار ~~مدفوعة بما ورد من أمثالها في نقيضها ومعارضتها وكيف يجوز لذي علم ودين أن ~~يضيف إلى أدون الصحابة بعض ما يوجب الفسق من قتل عثمان أو التأليب عليه أو ~~خذلانه بروايات لا تساوي مدادها ولا الاشتغال بالإصغاء إليها وقد ظهر عدوان ~~من ذكرناه عليه وتوليه لقتله وفي ذلك يقول الشاعر: # ألا إن خير الناس بعد ثلاثة * قتيل التجيبي الذي جاء من مصر وذكر أيضا ~~محمد بن أبي بكر وغيره في أشعار ms299 كثيرة مشهور وقد ذكرناها في غير هذا ~~الكتاب. PageV00P527 # وما روي عن عثمان أنه كتب إلى علي أيام الحصار: # فإن كنت مأكولا فكن خير آكل * وإلا فأدركني ولما أمزق إنما هو أيضا من ~~روايات الآحاد. وكيف يصح ذلك وقد أنفذ علي الحسن لنصرته وعثمان يرده ويرد ~~الناس عن الدفع عنه بالقتال لهم ويحملهم الرسائل إليهم بالوعظ لهم وهذا ~~معلوم ظاهر من حاله وأنه قال من كان يظن أن لي في عنقه طاعة فليغمد سيفه ~~وليلزم بيته وقال لعبيده من غمد منكم سيفه فهو حر لوجه الله ففعلوا إلا ~~الأسود الذي قتل في الدار وهذا لا يشبه ما رووه من استنهاضه لعلي ولأن في ~~ذلك أيضا قرفا لعثمان في اتهامه لمثل علي رضوان الله عليه في هذا الباب. ~~فكل ما جرى مجرى هذه الروايات فإنه مردود. والظاهر من علي تكذيب هذه ~~الرواية من قوله والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله. ويمكن لو صحت هذه ~~الرواية أن يكون هذا القول من عثمان ليس على سبيل التهمة لعلي عليه السلام ~~بل على طريق الاستزادة في وعظ القوم وكفهم وإرساله في هذا الباب وقد يقول ~~الإنسان مثل هذا الكلام إذا حزبه الأمر وفجئه ما يخافه على غير سبيل الظنة ~~والتهمة. # فإن قال قائل فإذا كان الأمر في هذا على ما وصفتم من ظلم القوم له ~~وتعديهم عليه فما بال الصحابة لم يسارعوا إلى إنكار ذلك وصدهم عنه وأي عذر ~~لهم في إسلامه والتساهل في خذلانه قيل له معاذ الله أن يكون فيهم من خذله ~~أو قعد عن نصرته عند دعائه لهم وإنما لزموا بيوتهم لأنه أمرهم بذلك وكرره ~~عليهم وناشدهم الله عز وجل وعرفهم أن الجيوش توافيه وأنه لا يرى منابذة ~~الصحابة لأهل الفتنة وإنما يجب أن يدفعوا بأمثالهم ووكد هذا القول وضيقه ~~على القوم وقد جاء زيد بن ثابت شاكا في سلاحه وقال له: PageV00P528 # دعنا نكن أنصار الله مرتين يعني في الدفع عنه مع الدفع عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms300 فمنعه من ذلك فأتاه عبد الله بن عمر متدرعا فكفه طمعا في أن ~~ينصرف القوم ثانية كما انصرفوا في الأول أو في أن يلحق به من البلاد من ~~يدفع عنه غير الصحابة وكره أن يتحدث عنه في أمصار المسلمين وغيرها أن قوما ~~قصدوا بابه لرفع ظلامه فقتلهم وناصبهم الحرب ولقد طمع فيما يطمع فيه مثله ~~وأحسن السيرة والتدبير في الكف عنهم والأمر بذلك. # وليس يجوز أن يعتقد فيه أنه أقعدهم عن الدفع عنه مع غلبة ظنه بأنه يقتل ~~لا محالة وأن القوم يقصدون نفسه دون إشكائه وإزالة الظلامة لأن ذلك خطأ من ~~فعله لو وقع وكذلك فلا يجوز أن يظن بالصحابة ولا بأحد منهم أنهم قعدوا عنه ~~وتركوا الاعتراض عليه في أمره لهم بالكف مع ظنهم وتوهمهم أنه سيقتل لأن ذلك ~~إجماع منه ومنهم على الخطأ وإنما قدروا أن القوم ينصرفون فأطاعوه في أمره ~~وإنما تهجموا على داره غلسا بسحر ولو فعلوا ذلك بمحضر الصحابة أو بعضهم ~~لندرت الرؤوس عن كواهلها دون الوصول إليه ولم يعدم النصرة على كل حال من ~~كافتهم أو الأكثرين منهم عددا. # وأما قولهم إنه بقي ملقى على المزبلة ثلاثة أيام فكذب من راويه وطعن على ~~السلف وسائر الأمة بل قد وردت الروايات أنه دفن من يومه وحمل من داره إلى ~~بقيع الغرقد وهذا أظهر وأليق بمثل الصحابة. وهذا جمل تنبىء عن ظلم القوم ~~وعدولهم عن الحق فيما جروا إليه. PageV00P529 # باب ذكر ما تعلقوا به على عثمان رضي الله عنه ونقموا من فعله والجواب عنه ~~فأما تعلقهم بأنه ضرب عمارا حتى فتق أمعاءه وضرب عبد الله بن مسعود حتى كسر ~~ضلعين من أضلاعه ومنعه العطاء سنين كثيرة وأنه رد عليه عطاءه فباطل عند ~~كثير من الناس. وليس ما يروون في هذا مما نضطر إليه أو مما قام دليل عليه ~~ولا مما يثبت تعلق القوم به. وعلى أنه لو ثبت ذلك لوجب أن يحمل فعله على ~~الصحة وقد روي أن سبب ضربه لعمار أنه قال للطاعنين عليه ms301 اكتبوا ما تشكونه ~~من عثمان في كتاب واعطونيه حتى أدخل عليه وأوقفه عليه فكتب ذلك ودخل عليه ~~فغلظ له في القول وافترى واستخف بسلطان الله وليس له ذلك ولا يحل له ولا ~~لغيره أن يخاطب عثمان بذلك وليس بأمير المؤمنين إلا بما يقتضيه ما ذكرناه ~~من محله في الدين ومنزلته بين المسلمين وحرمته وسابقته في الدين فكيف وهو ~~السلطان المأمور بطاعته وترك الافتيات عليه وليس فيما أنكروه عليه منكر ~~يستحق به مثل ما خرج إليه عمار. # وقد روي أنه كان يقول عثمان كافر وكان يقول بعد قتله قتلنا عثمان يوم ~~قتلناه كافرا حتى قال له علي عليه السلام مرة وهو PageV00P530 # يخاصم في ذلك الحسن بن علي والحسن ينكر ذلك من قوله أتكفر يا عمار برب ~~آمن به عثمان فقال لا فأرسل الحسن يده من يده. وهذا سرف عظيم من خرج إلى ما ~~هو دونه استحق الأدب من الإمام فلعل عثمان انتهزه وأدبه لكثرة قوله قد خلعت ~~عثمان وأنا بريء منه فأدى الأدب إلى فتق أمعائه ولو أدى أدب الإمام إلى تلف ~~النفس لم يكن بذلك مأثوما ولا مستحقا للخلع فإما أن يكون ضربه باطلا وإما ~~أن يكون صحيحا فيكون ردعا وتأديبا ونهيا عن الإغراق والسرف وذلك صواب من ~~فعل عثمان وهفوة من عمار. # وأما ضربه عبد الله بن مسعود ومنعه العطاء وكراهة عبد الله له فإنه باطل ~~أيضا غير صحيح فإن صح ذلك حمل من عثمان مع ثبوت عدالته وإيمانه على وجه ~~صحيح وهو أن يكون قصد بذلك تأديب عبد الله بن مسعود وردعه عن الامتناع من ~~إخراج المصحف إلى مثل عثمان وعلى سائر الصحابة مع علمه بشدة الهرج والفساد ~~واختلاف القراءة وتوخي عثمان حسم هذه الفتنة وجمع الكلمة والموافقة على ~~مصحف متفق عليه محفوظ محروس يكون العماد في هذا الباب ولقد وفق في ذلك لأمر ~~من الدين عظيم وخير كثير فلم يكن لعبد الله أن يمنع من ذلك هذا مع العجائب ~~التي يذكرون أنها في مصحفه من إلغاء المعوذتين ms302 وإثبات ما نسخت تلاوته ويبعد ~~أن يكون من PageV00P531 # كلام الله تعالى ومن القرآن وإلى غير ذلك. # وقد كان يجب أن يخرج ما في يده ويوافقه عليه فإذا امتنع من ذلك جاز ~~للإمام إرهابه بشيء من الضرب إذا أداه الاجتهاد إلى ذلك فإن أدى الضرب إلى ~~كسر ضلع وإبطال عضو وإذهاب البصر لم يكن الإمام ذلك مأثوما ولا حرجا إذا لم ~~يقصد إلا التأديب والتشديد وكذلك إن قرفه بظلم أو ومعصية ألب عليه ولم يضمر ~~بذلك الحجة وكانت ظاهر الإمام العدالة جاز له تأديبيه. # وأما قولهم إنه كره أخذ العطاء فلعله رأى في وقت رده إلى من هو أحق منه ~~أو لعله استغنى عنه أو لعله اعتقد أن فيه شبهة تمنع من أخذه وإن كان غالطا ~~في اعتقاده ذلك لأنه ليس بمعصوم لا يجوز الزلل عليه أو رأى أنه يستحق أكثر ~~مما أعطاه عثمان ولم يكن يستحق عنده أكثر مما قسمه له وهذا مردود إلى ~~اجتهاد الإمام ورأيه وليس لأحد الافتئات عليه ولا رد العطاء إذا لم يرضه أو ~~يبين ابن مسعود أن رد العطاء لوجه يوجب فسق عثمان فينظر في ذلك فإن لم يكن ~~معنى غير رده حمل أمره على بعض ما قلناه وكذلك ضرب عثمان إياه حمل أمره على ~~الأليق به أولى وأما قولهم إنه منعه العطاء لسنين فإنه غير ثابت فإن صح ~~فلعله كره أن يأخذه أو لعل عثمان صرفه إلى غيره لأنه كان أولى منه وهو مصيب ~~في ذلك إذا أداه اجتهاده إليه. ومثل هذا لا يثبت بأخبار الآحاد ولا يتوصل ~~به إلى القدح في الأئمة وفضلاء الأمة. PageV00P532 # وأما تعلقهم بأن عثمان جمع القرآن وحرق المصاحف وسبق إلى ذلك فإنه جهل ~~عظيم لأن هذا من فضائله وتسديد عمله عندما حدث من الاختلاف والتهارج بين ~~القراء وعدوان بعضهم على بعض ووجود كل ملحد ومدغل السبيل إلى الطعن في ~~الدين وإفساد التأويل والهزل بأئمة المسلمين وهذا كان الواجب على عثمان إذا ~~وقع له وخطر بباله وظن الصلاح ولم الشعث ms303 ولو عدل عنه لكان عاصيا مفرطا ~~قائدا إلى الإهمال والتضييع. # وأما قولهم إنه سبق إلى ذلك فباطل لأنه قد جمع في أيام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأيام أبي بكر وعمر في الجلود والخزف والأكتاف وغير ذلك ولم ~~تحتج الصحابة إلى جمعه على وجه ما جمعه عثمان لأنه لم يحدث في أيامهما من ~~الخلاف بين القراء ما حدث في أيامه وأما تعلقهم بأن جمعه معصية وبدعة فإنه ~~جهل لأن المعصية هي ما نهي فاعلها عنها ونحن نقول إن جمعه من فرض عثمان إذا ~~قدر في جمعه من الصلاح ما ذكرناه وليس من نص الكتاب أو السنة الثابتة أو ~~إجماع الأمة أو حجج العقول ما يحظر جمع القرآن ويقضي على عصيان فاعله فبطل ~~بذلك ما ظنوه PageV00P533 # وأما قولهم إنه حرق المصاحف فإنه غير ثابت ولا مما يلزم قلوبنا العلم به ~~ولو ثبت لوجب أن يحمل على أنه حرق مصاحف قد أودعت ما لا تحل قراءته وقد خرج ~~عن أن يكون قرآنا بإفساد نظمه وإحالة معناه في الجملة فإنه إمام من أهل ~~العلم غير معاند للنبي صلى الله عليه وسلم ولا طاعن على التنزيل. هذا هو ~~المعلوم من أمره فيجب أن يكون حرق ما يجب إحراقه. # ولذلك ما لم يرو عن أحد من الصحابة أنه قال له قد عصيت الله وأذللت الدين ~~بإحراق مصاحف لا يحل إحراقها. وقد شاهد القوم من ذلك وعرفوا ما ذهب علينا ~~معرفة كنهه وقد ثبت عدالة عثمان وطهارته فلا متعلق في ذلك. # وأما تعلقهم بأنه حمى الحمى فلا حجة فيه لأن إبل الصدقة وماشيتها كثرت ~~واتسعت وكثرت الخصومات بين رعاة ماشية الصدقة وحفاظها وقتلوا أرباب المواشي ~~فحسم مادة الفتنة ووسع الحمى وقد حمى أبو بكر وعمر فلم ينكر ذلك أحد ولا ~~نقمه ولا عده من معاصيهما فلا تعلق في ذلك وأما تعلقهم بأنه نفى أبا ذر إلى ~~الربذة فباطل لأن أبا ذر اختار الخروج إليها لما خيره عثمان وكره المقام في ~~المدينة فلا عتب على عثمان ms304 ولو صح أنه أبعده عن المدينة لم يكن بذلك مأثوما ~~ولوجب حمل فعله على العدل والصحة حتى يقوم دليل على ظلمه وتعديه وقد ذكر ~~الناس أن أبا ذر كان PageV00P534 # يطعن على عثمان وعلى أمرائه ويقول إنهم قد استأثروا بالمال وعلوا البنيان ~~وركبوا المراكب وكان هذا عنده منكرا رحمه الله لأنه كان ممن يزهد في الدنيا ~~ويرغب في الآخرة ويرى أن التمتع بزينة الدنيا حرام وليس كما توهم. وذكر أنه ~~أفسد على عثمان الشام وكان أبدا يقول إذا دخل على خلفائه «يوم يحمى عليها ~~في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ~~ما كنتم تكنزون» ويغرق في مجاهرتهم بأغلظ القول وليس له فعل هذا فأنكر عليه ~~ذلك عثمان وقال له إما أن تقيم وتكف عما يثير الفتنة أو تبعد إلى حيث لا ~~يسمع منك ولا ينكر فعلك وكل هذا يحق لو ثبت إبعاده على هذا الوجه فيكف ولم ~~يثبت وإنما اختار الخروج إلى الربذة. # وأما تعلقهم بأنه آوى الحكم طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ~~PageV00P535 # باطل لأن أكثر الناس ينكره ويقول إن الحكم خرج بأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأنه كف وكبر فاستأذن في الخروج إلى أهله فأذن له. وعلى أن القوم لا ~~يدرون ما سبب طرده فمنهم من يقول إنه كان يحاكي النبي صلى الله عليه وسلم ~~وسلم في مشيته ومنهم من يذكر أنه كان يحاكيه خلف الصفوف وكل هذا من ~~الترهات. وقد روي عن غير طريق أيضا أن عثمان كان قد قال لأبي بكر وعمر إني ~~كنت استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رده فأذن في ذلك فطالباه بآخر ~~معه يشهد بذلك فلم يجد فلما ولى عمل على أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وليس هذا الحكم مما لا يجوز عمل الحاكم فيه وحكمه بعلمه فلا متعلق فيما ~~ذكروه من ذلك. # وأما تعلقهم بأنه أتم الصلاة بمنى فإنه أيضا من قلة التوفيق وللدلالة على ~~العناد لأن هذه الصلاة ms305 صلاة سفر يجوز له إتمامها ويجوز له قصرها وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتم في السفر تارة ويقصر أخرى وكانت عائشة رضي ~~الله عنها وغيرها من الصحابة يتمون هذه الصلاة خاصة فما نقم ذلك أحد ولا ~~عده ذنبا وعلى أن عثمان قد احتج في ذلك بشيئين لما PageV00P536 # سئل عنه أحدهما أنه قال كان أهلي بمكة فصرت في حضر وخرجت عن حكم المسافر ~~وهذا كما قال إذا كان على أهل ومنزل والآخر أنه قال بلغني أن العرب انصرفت ~~إلى مياهها وصلت ركعتين وقالت إن الصلاة قصرت فخفت دخول الشبهة عليهم وأي ~~تعلق في هذا. # وأما تعلقهم بتركه قتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان فإنه أيضا باطل لأنه ~~لم يفعل ذلك إلا عن رأي الأمة ومشورة منهم أو من أكثرهم. لأنه قيل له أمس ~~قتل أبوه ويقتل اليوم ويتحدث بهذا في بلاد الكفر والإسلام فيهن الدين ويذل ~~سلطان المسلمين. وقيل إن الهرمزان حمل أبا لؤلؤة على PageV00P537 # قتل عمر حمية للفرس والمجوسية وإن إسلامه لم يكن حسنا وإنه كان يستقل ~~عطاء عمر فإنه كان يفرض له على ما ذكر عشرين درهما ويقول إنه لا أب له في ~~الإسلام وذكر له أن الهرمزان خرج من داره أبو لؤلؤة بالخنجر يوم قتل عمر ~~يرى الخنجر تحت أثوابه فقالوا له هذا من السعي في الأرض فسادا وهو مستحق ~~لما نزل به غير أن هذا إليك وإلى من يقوم بالأمر وقد تعدى عبيد الله بأخذ ~~حقه بيده فقط وقد كان هذا منه في غير سلطانك والعقد لك وليس أخذه للحق بيده ~~حقا لأحد يطالب به فلا شيء الآن عليه. # وقد يجوز أن يعتقد بعض الصحابة أن دم عبيد الله مستحق ولا يعتقد ذلك ~~عثمان إذا ظن وقوي عنده أن الهرمزان سعى في الأرض فسادا يقتل عمر بن الخطاب ~~وخاف أمثالها من التوثب على الأئمة فلا شيء عليه في ترك الإفادة من عبيد ~~الله بن عمر وأما ما تعلقوا به من تولية أقاربه كمعاوية وعبد الرحمن ms306 بن ~~عثمان ومروان بن الحكم وغيرهم فلا متعلق فيه دون أن يثبتوا أنهم فساق وأن ~~فسقهم ثبت عند عثمان فأقرهم وأنه ولاهم يوم ولاهم وهم فساق ليسوا بأهل ~~PageV00P538 # الولاية وقد كان هؤلاء النفر أهل نجدة وكفاية وبصر بالإمرة وقدرة عليها ~~وإن لم يكونوا زهادا وقد كان معاوية من أمراء عمر طول مدته فما نقم عليه ~~أحد. # وأما قولهم إنه كان يحبهم ويخصهم بالعطاء وإنه أعطى مروان جميع خمس ~~إفريقية فإنه باطل وتوهم منهم وقد كان عثمان أتقى لله وأنزه نفسا مع إنفاقه ~~في سبيل الله وكثرة بذله لماله ونفسه في نصرة الدين. وقد ذكر أنه إنما أعطى ~~من مال نفسه وقال لهم مرة في قسمه إنما اقترضت من بيت مال المسلمين وهذا ~~ضعيف لأنه كان غير محتاج إلى اقتراض مع سعة ماله ومتى لم يثبت عليه ذلك لم ~~يحل قرفه به. # وأما تعلقهم بما أنكرته عائشة وغيرها من تجاوزه في تأديب الصحابة الضرب ~~بالدرة إلى الضرب بالعصا فلا عتب عليه في ذلك لأن للإمام التقويم والضرب ~~بالدرة من الواحد إلى الألف مرة بالعصا ومرة بالدرة ومرة بالانتهار والقول ~~ولو أن عمر احتاج معهم إلى العصا لفعل. # وأما ما تعلقوا به من أمر الكتاب الذي وجدوه مع عبده على بعيره وما تضمنه ~~في بابهم وباب محمد بن أبي بكر مما أمر به عبد الله بن أبي سرح فلا حجة ~~عليه من وجوه أحدها أنه اعترف أن العبد عبده والبعير بعيره وحلف لهم أنه ما ~~كتب الكتاب ولا أمر من كتبه. وقد كان من حق كل مسلم سمع قسم عثمان أن يصدقه ~~ويثق بقوله فضلا عن يمينه وأما افتياتهم عليه بعد ذلك وقولهم تسلم مروان ~~لأنه هو كاتبه فإنه مطالبة بمعصية لأنه سأل مروان عن ذلك وهو يومئذ معه في ~~الدار فأنكر أن يكون كتبه فلم يجز له PageV00P539 # تسليمه إليهم ليتحكموا فيه فلو أنه أيضا اعترف بالكتاب لم يحل دمه ولو حل ~~أيضا دمه لم تكن إقامة الحد لهم ولم يجز لإمام ms307 المسلمين أن يمكنهم من إقامة ~~الحدود وهم رعاع ليس إليهم هذا الشأن ولا هم بمأمونين عليه. وعلى أنه لو ~~ثبت أن عثمان ومروان كتبا الكتاب لم يكن ذلك بذنب لهما لأن أولئك القوم ~~كانوا مستحقين له لسعيهم على عثمان وحصرهم له واستنفار الناس عليه وشتمه ~~وتحصيبه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنعه الماء واستخفافهم ~~بسلطان الله وحصرهم الصحابة في منازلهم وتقدم الغافقي على سائرهم ~~واستيلائهم على المدينة وبدون هذه الأفعال يكتب بما كتب به عثمان فليت ~~القوم انصرفوا وليت الكتاب وصل فإنه لم يكن والله أعلم يجري ما جرى من قتل ~~عثمان وما أثمر من سفك الدماء بعده وما نحن في بقيته إلى اليوم فإن قتل ~~أولئك كان من الصلاح في الدين وتمكينهم ما حاولوه من أعظم الفساد وقد أعقب ~~من الشتات والفرقة وسوء العاقبة ما لا ينقطع في غالب الظن إلى يوم القيامة. ~~PageV00P540 # وأما تعلقهم بأنه رقي على المنبر فوق المرقاة التي كان يقوم عليها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإنه غير ثابت ولو ثبت لم يحل بذلك دمه ولم يكن ~~ذلك من معاصيه إذا أداه اجتهاده إلى أن الصعود عليها مصلحة وأنه أرهب للعدو ~~وأبلغ للقول وأقمع للطامع في إذلال الإمام ولعله أن يكون قد جرى ما أوجب ~~ذلك مما لم نقف على كنهه وفي الجملة أنا نعلم أن عثمان لم يقدم نفسه على ~~أبي بكر وعمر فضلا عن الترفع على النبي صلى الله عليه وسلم لأن ذلك كفر من ~~فاعله وإذا كان ذلك كذلك لم يكن في هذا تعلق لأحد إذا فعله الإمام لوجه من ~~المصلحة يراه من تعظيمه لشأن الرسول صلى الله عليه وسلم. # وأما تعلقهم بأنه انصرف يوم حنين فإنه ما ثبت أنه انصرف انصراف منهزم ~~وإنما انصرف انصراف متحرف لقتال ومنتهز لفرصة. وقد ذكر أن العسكر بأسره ~~انصرف عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت معه إلا عمه العباس وابنه عبيد ~~الله بن العباس أو قثم حين صاح يا ms308 للمهاجرين يا PageV00P541 # للأنصار فتراجع الناس. وليس يجب على الواحد الثبوت عند انصراف القوم إلا ~~على أنهم متحرفون لقتال أو على غير علم بانقطاع الرسول عنهم إلا من شاء ~~الله فكيف يتورك هذا الذنب على عثمان وحده من بين الجماعة على أن عثمان قد ~~ذكر أنه قال لهم فإن كان الأمر على ما وصفتم فقد عفا الله عني وعن ~~المنصرفين حيث يقول ولقد عفا الله عنهم وقال ثم يتوب من بعد ذلك على من ~~يشاء فقبل الله توبته وتوبة القوم من ذلك والتوبة تزيل الذنب وعقاب الذنب ~~فلا تعلق في هذا. # وأما تعلقهم بأنه لم يحضر بدرا فإنه جهل عظيم لأن أكثر ما في ذلك أن يكون ~~غيره أفضل منه وقد بينا أن إمامة المفضول جائزة مع حصول الفاضل بسبب عارض ~~يقعده على أن الفضيلة له في تأخره عن بدر ثابتة لأنه إنما تأخر بأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم له بذلك وإلزامه له لتعليل ابنته ومشاهدة أمرها ~~لأن بنت الرسول صلى الله عليه وسلم قد كانت مرضت فأمره بالقيام عليها وكان ~~صلى الله عليه وسلم يقول (إن قوما بالمدينة تخلفوا وما تخلفوا عما نحن فيه) ~~قال الراوي فكنا نرى أنه يعني عثمان وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~له فضل الحاضرين وضرب له سهمه من غنيمة بدر ولو علم أنه مؤثر للتخلف عن ~~الغزو لغير عذر لكان حربا بذمه والتنبيه على سوء فعله ورأيه فيه وهذا عائد ~~بالطعن على النبي صلى الله عليه وسلم والتهمة له دون غيره. # وأما تعلقهم بتأخره عن بيعة الرضوان فإنه غفلة وجهل ولجاج وعناد وذلك أنه ~~إنما تأخر لتحمل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة PageV00P542 # حين أرجف بالعسكر أن قريشا قتلت عثمان فغضب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقلق وقال (والله لئن كان قتلوه لأضرمنها عليهم نارا) ثم أخذ لأجل هذا ~~الخبر على الصحابة بيعة الرضوان وقال (هذه شمالي عن يمين عثمان وهي خير له ~~من يمينه) فهو كان ms309 سبب بيعة الرضوان وغضب النبي صلى الله عليه وسلم فكيف ~~يكون بتأخره عنها منقوصا؟. # فدل جميع ما وصفناه على فضل عثمان ونزاهته وعدالته وسلامة بيعته وأنه قتل ~~مظلوما. # باب الكلام في إمامة علي عليه السلام والرد على الواقف فيها والقادح في ~~صحتها فإن قال قائل ما الدليل على إثبات إمامة علي وأنه أهل لما قام به ~~وأسند إليه ومستحق لإمامة الأمة؟ # قيل له الدليل على ذلك كمال خلال الفضل فيه واجتماعها له لأنه من ~~السابقين الأولين وممن كثر بلاؤه وجهاده في سبيل الله وعظم غناؤه في ~~الإسلام وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما له من القرابة الخاصة ~~وتزويجه النبي صلى الله عليه وسلم ابنته وكريمته فاطمة صلى الله عليه وسلم ~~وما روي فيه من الفضائل المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو قوله ~~(أقضاكم علي PageV00P543 # وأفرضكم زيد) مع العلم بأن القضاء يشتمل على معرفة أبواب الحلال والحرام ~~وأحكام الشرع وما يحتاج إلى علمه إمام الأمة ونحو قوله (حب علي إيمان وبغضه ~~نفاق) وقوله في خيبر (لأدفعن الراية إلى رجل كرار غير فرار يحب الله ورسوله ~~ويحبه الله ورسوله) ودفع الراية إليه بعد أن تفل PageV00P544 # في عينيه وكان رمد قال علي فما رمدت عيناي بعد ذلك وقوله (من كنت مولاه ~~فعلي مولاه) بعد قوله (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأوجب من موالاته على ~~باطنه وظاهره والقطع على طهارة سريرته ما أثبته لنفسه وأعلمهم أن عليا ناصر ~~للأمة مجاهد في سبيل الله بظاهره وباطنه لأن المولى يكون بمعنى الناصر ~~المعين باتفاق أهل اللغة قال الله تعالى «فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح ~~المؤمنين» يعني ناصره وقال الأخطل: # فأصبحت مولاها من الناس كلهم * وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا يعني أصبحت ~~ناصرها من الناس يعني عبد الملك بن مروان لأن أحدا في وقته لم يقدر على مثل ~~نصرته إذ كان إمامهم إذ ذاك وقائدهم وإن كان فيهم ناصر دونه. # ومن فضائله قوله صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك لما ms310 لحق به وشكا خوض ~~الناس في بابه (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي ~~بعدي) أي إني استخلفك على المدينة كما PageV00P545 # استخلف موسى أخاه هارون لما توجه لكلام ربه من غير بغض ولا قلى وقوله لا ~~يؤدي عني إلا رجل مني وإنفاذه بسورة براءه يقرؤها على المشركين بمكة وهذا ~~أمر لا يليه إلا أهل القدر والنباهة ومن يصلح للتحمل والأداء عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى مثل قريش مع وفارة عقولهم وصحة أحلامهم وما وصفهم ~~الله به فقال «بل هم قوم خصمون». ومن فضائله قوله صلى الله عليه وسلم ~~لفاطمة وقد شكت له بعض حالها (أما ترضين أن الله قد اطلع على أهل الأرض ~~فاختار منهم رجلين جعل أحدهم أباك وجعل الآخر بعلك؟. وقوله صلى الله عليه ~~وسلم (اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي من هذا الطائر) فجاء علي فأكل ~~معه من PageV00P546 # الطائر المشوي الذي كان أهدي إليه إلى غير هذا من الفضائل مما يطول ~~تتبعها. # هذا مع ما ظهر من إعظام كافة الصحابة له وإطباقهم على علمه وفضله وثاقب ~~فهمه ورأيه وفقه نفسه وقول مثل عمر فيه لولا علي لهلك عمر وكثرة مطابقتهم ~~له في الأحكام وسماع قوله في الحلال والحرام. # ثم ما ظهر من فقهه وعلمه في قتال أهل القبلة من استدعائهم ومناظرتهم وترك ~~مبادأتهم والنبذ إليهم قبل نصب الحرب معهم وندائه (لا تبدؤوهم بالحرب حتى ~~يبدؤوكم ولا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا يكبس بيت ولا تهج امرأة) وفي ~~رواية أخرى ولا يكسر بيت ورده رحالات القوم إليهم وترك اغتنام أموالهم ~~وكثرة تعريفه وندائه على ما حصل في قبضته من أموالهم وكثرة الأمر لابن عباس ~~وغيره بقبول شهادة أهل البصرة وصفين إذا اختلطوا ووضعت الحرب أوزارها ~~والصلاة خلفهم وقوله لمن سأل عن ذلك (ليس في الصلاة والعدالة اختلفنا وإنما ~~اختلفنا في إقامة حد من الحدود فصلوا خلفهم واقبلوا شهادة العدول منهم) إلى ~~غير ذلك مما سنه من ms311 حرب المسلمين حتى قال جلة أهل العلم لولا حرب علي لمن ~~خالفه لما عرفت السنة في قتال أهل القبلة. # هذا مع ما علم من شجاعته وغنائه وإحاطته علما بتدبير الجيوش وإقامة ~~الحدود والحروب وحماية البيضة وقوله ظاهرا من غير رد من أحد حفظ عليه إن ~~قريشا تقول إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا رأي له في الحرب. لله أبوهم ~~ومن ذا يكون أبصر بها مني وأشد لها مراسا والله لقد نهضت فيه وما بلغت ~~العشرين وها أنا اليوم قد ذرفت على الستين ولكن لا إمرة لمن لا يطاع وكثرة ~~ما ظهر منه من مناظرته لأهل البصرة PageV00P547 # وصفين وحروراء والنهروان ولطيف ما أحتج به وأبان عن نفسه وفضل رأيه وأنه ~~على الواضحة في سائر ما أتاه مما أنكروه وقد بسطنا ذلك ضربا من البسط في ~~كتاب مناقب الأئمة. # وببعض هذه الخصال ودون هذه الفضائل يصلح للخلافة ويستحق الإمامة فبان بما ~~ذكرناه أنه حقيق بما نظر فيه وتولاه. # فإن قال قائل فما الدليل مع ما ذكرتم من فضله وجلالة قدره وصلاحه لهذا ~~الأمر على أن العقد له وقع موقعا صحيحا يجب الانقياد لصاحبه والاقتداء به ~~قيل له الدليل على ذلك أن عثمان رضي الله عنه لما قتل استولى الغافقي ومن ~~صار معه من أهل الفتنة على المدينة وهموا بالفتك بأهلها وحلفوا على ذلك ~~للصحابة متى لم يقدموا النظر في أمرهم ويعقدوا الإمامة لرجل منهم فأراد ~~الصحابة حسم مادة الفتنة وعرض هذا الأمر على علي عليه السلام والتمس منه ~~وآثره المصريون فامتنع عليهم وأعظم قتل عثمان وأنشأ يقول: # ولو أن قومي طاوعتني سراتهم * أمرتهم أمرا يديخ الأعاديا ولزم بيته. ثم ~~عرض ذلك على طلحة وآثره البصريون وأبى ذلك وكرهه وأنشأ يقول: # ومن عجب الأيام والدهر أنني * بقيت وحيدا لا أمر ولا أحلي ثم عرض ذلك على ~~الزبير فأبى وأنشأ يقول: # متى أنت عن دار بفيحان راحل * وباعثها تخني عليه الكتائب PageV00P548 # كل ذلك منهم إنكار لقتل عثمان وإعظام له ورزية به. فلما ms312 حلف أهل الفتنة ~~على الفتك بأهل المدينة وإلقاح الفتنة وردها جذعة اجتمع وجوه المهاجرين ~~والأنصار عشية اليوم الثالث على ما روي من قتل عثمان فسألوا عليا هذا الأمر ~~وأقسموا عليه فيه وناشدوه الله في حفظ بقية الأمة وصيانة دار الهجرة فدخل ~~في ذلك بعد شدة وبعد أن رآه مصلحة ورأى القوم ذلك لعلمهم وعلمه بأنه أعلم ~~من بقي وأفضلهم وأولاهم بهذا الأمر فمد يده وبايعه جماعة من حضر منهم خزيمة ~~بن ثابت وأبو الهيثم بن التيهان ومحمد بن مسلمة وعمار في رجال يكثر عددهم ~~من المهاجرين والأنصار وهذا من أصح العقود وأثبتها لأن المعقود له أفضل من ~~بقي ومن ذكرناه من العاقدين بصفة من يملك عقد الإمامة في الفضل والسابقة ~~فوجب بذلك تمام بيعته وصحة إمامته. # فإن قال قائل أفليس قد روي أن عليا حضر المسجد ثاني هذا اليوم غدوة ~~فاجتمع أهل المدينة إليه وأحضر طلحة والزبير مكرهين فأخرج أولا طلحة من ~~بيته وأهل البصرة قد حفوا به وحكيم بن جبلة العبدي يحدوه بالسيف من خلفه ثم ~~أخرج الزبير وقد أحدق به أهل الكوفة وملك الأشتر يحدوه بالسيف من خلفه حدوا ~~حتى أحضر المسجد وخطب علي خطبته المشهورة ووصف دخوله في هذا الأمر وقيل ~~لطلحة بايع فبايع مكرها وصفق على يد علي بيده الشلاء فقال قائل من أخريات ~~الناس لا إله إلا الله! PageV00P549 # أول يد صفقت على يد أمير المؤمنين يد شلاء والله لا يتم هذا الأمر وقال ~~الناس يد شلاء وأمر لا يتم ثم بايع الزبير على هذه الصفة من الإكراه وروي ~~أنهما قالا بايعته أيدينا ولم تبايعه قلوبنا وأن طلحة قال بايعته واللج على ~~قفي يعني السيف. وأنهما قالا بالبصرة بايعناك على أن تقتل قتلة عثمان وأن ~~عليا قال بايعاني بالمدينة وخلعاني بالعراق فكيف لا تكون بيعة القوم على ~~هذا الوجه فاسدة وإمامته باطلة؟. # قيل لهم جميع ما ذكرتموه لا يقدح في صحة إمامته لأن البيعة قد كانت تمت ~~ووجب الانقياد لعلي بعقد من عقدها له ممن ذكرنا ms313 قبل حضور طلحة والزبير ~~ومبايعتهما فلا معتبر بالمبايعة بعد تمامها وبالوجه الذي وقعت عليه ممن ~~أوقعها إذ كان فعلهما كالتبع لما تقدم ودخول في طاعة قد وجبت عليهما ولو ~~تأخرا عن الانقياد لإمامته لوجب أن يكونا مأثومين في ذلك كما أنه لو تأخر ~~متأخر عن بيعة أبي بكر وعمر وعثمان لوجب تأثيمه بعد إتمام إمامته وقولهما ~~بايعناك مكرهين قد عورض من النقل بما يدفعه وإن وقعت منهما على سبيل ~~الإكراه لم يضر ذلك بإمامة علي رضوان الله عليه لأنها قد ثبتت قبل بيعتهما. # وقول من قال أول يد صفقت على يد أمير المؤمنين يريد أول يد من أيدي أهل ~~المسجد التي صفقت على يده في ذلك الوقت ولم يرد أنها أول يد بايعته فلا حجة ~~في هذا القول. ويمكن أن يكون هذا القائل ظن أن يد طلحة أول يد صفقت على يد ~~أمير المؤمنين ولم يكن حضر البيعة عشاء فلا متعلق لأحد في هذا القول. # وأما ما روى من قولهم بايعناك على أن تقتل قتلة عثمان فإنه مما يبعد أن ~~يكون صحيحا لأن الاتفاق من علي ومنهما اتفاق على خطأ في الدين وذلك ما يجب ~~نفيه عنهم ما أمكن ووجد إليه السبيل وذلك أن عقد الإمامة PageV00P550 # لرجل على أن يقتل الجماعة بالواحد لا محالة خطأ لا يجوز لأنه متعبد في ~~ذلك باجتهاده والعمل على رأيه وقد يؤدي الإمام اجتهاده إلى أن لا يقتل ~~الجماعة بالواحد وذلك رأي كثير من الفقهاء وقد يكون ممن يرى ذلك ثم يرجع ~~عنه إلى اجتهاد ثان فعقد الأمر له على ألا يقيم الحد إلا على مذهب من مذاهب ~~المسلمين مخصوص فاسد باطل ممن عقده ورضي به وليس يجوز أن ينسب إلى علي ~~وطلحة والزبير خطأ مقطوع بفساده من جهة أخبار الآحاد التي لا يجب العلم ~~بصحتها وعلى أنه إذا ثبت أن عليا ممن يرى قتل الجماعة بالواحد لم يجز أن ~~يقتل جميع قتلة عثمان إلا بأن تقوم البينة على القتلة بأعيانهم وبأن يحضر ~~أولياء الدم ms314 مجلسه ويطالبوا بدم أبيهم ووليهم ولا يكونوا في حكم من يعتقد ~~أنهم بغاة عليه وممن لا يجب استخراج حق لهم دون أن يدخلوا في الطاعة ~~ويرجعوا عن البغي وبأن يؤدي الإمام اجتهاده إلى أن قتل قتلة عثمان لا يؤدي ~~إلى هرج عظيم وفساد شديد قد يكون فيه مثل قتل عثمان أو أعظم منه وإن تأخير ~~إقامة الحد إلى وقت إمكانه وتقصي الحق فيه أولى وأصلح للأمة وألم لشعثهم ~~وأنفى للفساد والتهمة عنهم. # هذه أمور كلها تلزم الإمام في إقامة الحدود واستخراج الحقوق وليس لأحد أن ~~يعقد الإمامة لرجل من المسلمين بشريطة تعجيل إقامة حد من حدود الله والعمل ~~فيه برأي الرعية ولا للمعقود له أن يدخل في الإمامة بهذا الشرط فوجب اطراح ~~هذه الرواية لو صحت ولو كانا قد بايعا على هذه الشريطة فقبل هو ذلك لكان ~~هذا خطأ منهم غير أنه لم يكن بقادح في صحة إمامته لأن العقد له قد تقدم هذا ~~العقد الثاني وهذه الشريطة لا معتبر بها لأن الغلط في هذا من الإمام ~~الثابتة إمامته ليس بفسق يوجب خلعه وسقوط فرض طاعته عند أحد. # فإن قال قائل فما تقولون في حربهما له ومطالبتهما بهذا الباب وخلعهما له ~~إن كانا خلعاه قيل له أما خلعهما له إن صح فإنه ليس بشيء ولا قادح في صحة ~~إمامته ولا موجب لسقوط طاعته لأن إمامته قد صحت فلا ينخلع بعد صحتها ~~بخلعهما له ولا بخلع غيرهما ولا بترك الذهاب إلى بعض PageV00P551 # مذاهب المسلمين في إقامة الحد إنما ينخلع بالأحداث التي ذكرناها من قبل ~~فقط. فأما حربهما له على ذلك فإنه اجتهاد منهما وما أداهما الرأي إليه وهما ~~من أهل الفقه والرأي وكذلك عائشة. # فمن الناس من يجعل هذه المسألة من مسائل الاجتهاد ويقول إن كل مجتهد نصيب ~~كإصابتهم في سائر مسائل الأحكام ومنهم من يقول إن الحق منها في واحد وهو ~~رأي علي وقوله وإن مخالفه مخطىء في الاجتهاد خطأ لا يبلغ به الإثم والفسوق ~~بل الإثم عنه موضوع. ومنهم ms315 من يقطع بصواب أمير المؤمنين وخطأ من خالفه ~~ونازعه وأنه مغفور له ومنهم من يقول إنهم تابوا من ذلك ويستدل برجوع الزبير ~~وندم عائشة إذا ذكروا لها يوم الجمل وبكائها حتى تبل خمارها وقولها وددت أن ~~لو كان لي عشرون ولدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم مثل عبد الرحمن ~~بن الحارث بن هشام وأني ثكلتهم ولم يكن ما كان مني يوم الجمل وقولها لقد ~~أحدقت بي يوم الجمل الأسنة حتى صرت على البعير مثل اللجة. وأن طلحة قال ~~لشاب من عسكر علي وهو يجود بنفسه أمدد يدك أبايعك لأمير المؤمنين وما هذا ~~نحوه. # والمعتمد عندهم في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (عشرة من قريش في ~~الجنة) وعد فيهم طلحة والزبير قالوا ولم يكن ليخبر بذلك إلا عن علم منه ~~بأنهما سيتوبان مما أحدثاه ويوافيان بالندم والإقلاع. # ومن أئمة المعتزلة من يقف في علي وطلحة والزبير وعائشة ولا يدري ~~PageV00P552 # من المصيب منهم ومن المخطىء كعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء ومن مال إلى ~~قولهم وقال جلة من أهل العلم إن الوقعة بالبصرة بينهم كانت على غير عزيمة ~~على الحرب بل فجاءة وكان على سبيل دفع كل واحد من الفريقين عن أنفسهم لظنه ~~أن الفريق الآخر قد غدر بها لأن الأمر قد كان انتظم بينهم وتم الصلح ~~والتفرق على الرضا فخاف قتلة عثمان من التمكن منهم والإحاطة بهم فاجتمعوا ~~وتشاوروا واختلفوا ثم اتفقت أراؤهم على أن يفترقوا فرقتين ويبدؤوا بالحرب ~~سحرة في العسكرين ويختلطوا ويصيح الفريق الذي في عسكر علي بالحرب سحرة من ~~العسكرين ويختلطوا ويصيح الفريق الذي في عسكر علي غدر طلحة والزبير ويصيح ~~الفريق الآخر الذي في عسكر طلحة والزبير غدر علي فتم لهم ذلك على ما دبروه ~~ونشبت الحرب فكان كل فريق منهم دافعا لمكروه عن نفسه ومانعا من الإشاطة ~~بدمه. وهذا صواب من الفريقين وطاعة لله تعالى إذا وقع القتال والامتناع ~~منهم على هذه السبيل. فهذا هو الصحيح المشهور وإليه نميل وبه نقول. ms316 # فإن قال قائل فإذا كانت إمامة علي من الصحة والثبوت بحيث وصفتم فما ~~تقولون في تأخر سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الله بن ~~عمر ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وسلامة من وقش وغير هؤلاء ممن يكثر عددهم ~~وقعودهم عن نصرته والدخول في طاعته قيل لهم ليس في جميع القاعدين ممن ~~أسميناه أو أضربنا عن ذكره من طعن في إمامته واعتقد فسادها وإنما قعدوا عن ~~نصرته على حرب المسلمين لتخوفهم من ذلك PageV00P553 # وتجنب الإثم فيه وظنهم موافقة العصيان في طاعته في هذا الفعل فلذلك ~~احتجوا عليه في القعود ورووا له فيه الأخبار وقال منهم قائل لا أقاتل حتى ~~تأتيني بسيف له لسان يعرف المؤمن من الكافر ويقول هذا مؤمن وهذا كافر ~~فاقتله ولم يقل إنك لست بإمام واجب الطاعة. وقال له محمد بن مسلمة بعد ~~مراجعته ومعارضته إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي إذا وقعت فتنة ~~بين المسلمين أن أكسر سيفي واتخذ مكانه سيفا من خشب وفي خبر آخر أن أغمد ~~سيفي وأمتسك في بيتي حتى تأتيني ميتة ماضية أو يد خاطئة فاحذر يا علي لا ~~تكن أنت تلك اليد الخاطئة ولم يقل له لست بإمام مفروض الطاعة. وكذلك قال له ~~أسامة بن زيد قد علمت يا علي أنك لو دخلت بطن أسد لدخلت معك فيه ولكن لا ~~مواساة في النار ولم يقل إنك لست بإمام وإنما خاف من قتل المسلمين. وليس ~~هذا من القدح في الإمامة بسبيل. # وقد كان علي عليه السلام مدفوعا إلى أمر عظيم من قتلة عثمان والمطالبين ~~بدمه والمنكرين لقتلة فكان لا يمكنه إقامة القود والحد على قوم قتلوا رجلا ~~لا يعرفهم بأعيانهم وإن كان يعلم أنهم تحت كنفه ومختلطون بالبراء من أهل ~~عسكره من حيث لا يمكنه تمييزهم والوصول إلى معرفة أعيانهم ولا أن يقيد ~~للولي وهم أهل حرب له وغير مطالبين بالدم لأحد بعينه ولا مقيمين بينة على ~~ذلك ولا حصل لهم إقرار ولا ms317 اعتراف من أحد بالقتل على وجه يصح مثله ويمكن ~~العمل به وكانت الحامية من أصحابه مثل ملك الأشتر النخعي وابن بديل بن ~~ورقاء وابن سبأ ومحمد بن أبي بكر والغافقي وغيرهم ممن يرى رأيهم يكثرون ~~الطعن على عثمان والمقالة فيه والبراءة منه وممن تولاه. # وكان علي عليه السلام لا يمكنه أن ينتقم منهم ويجرد القول في لعن ~~PageV00P554 # قاتل عثمان والبراءة منه والأمر بإقصائهم وإخراجهم من العسكر لتمالئهم ~~وتضافرهم وخوفه من إفساد الأمر عليه والقدح فيه ولا يلتحم ولا يلتئم ولا ~~يمكنه التصويب لقتل عثمان وإظهار الرضا به لعلمه بأنه قتل مظلوما وتبرئه من ~~قتله وأنه لو قال ذلك اشتد نفور الناس عنه وكوشف واعتقد بذلك الضلال وظن ~~السامعون أنه رأيه في عثمان وهو بريء من ذلك. وكان إذا سئل عنه أورد الكلام ~~المحتمل وتغلغل إلى لطيف التأويل والرفق بالفريقين وكانوا إذا سمعوا منه ~~الكلام المحتمل ورأوا قتلته مختلطين بعسكره ظنوا أنه مؤثر لما جرى وأنه ~~متمكن من إقامة الحد وأخذ القصاص لأوليائه وأنه متحيف لهم وإن كان بريئا من ~~ذلك فيصير ظاهر اختلاط القوم بعسكره وما يسمع من محتملات أقاويله طريقا ~~لاجتهاد المحارب المطالب له بدم عثمان والقاعد عنه لموضع ظنهم به ما هو ~~بعيد عنه فلا يبعد أن يكون المحارب له والقاعد عنه مصيبا فيما فعله لأجل ~~هذه الشبهة فيزول الإثم عمن قصد هذا القصد ولم يطلب بقتاله وقعوده عنه ~~الخذلان للإمامة والفتنة والتهاون بالقصة وحب النهب والغارة وأخذ ما ليس ~~له. # وقد روي أن عليا عليه السلام قال بالبصرة والله ما قتلت عثمان ولا مالأت ~~على قتله ولكن الله قتل عثمان وأنا معه وهذا محتمل فظن قوم أنه خدعهم وأنه ~~قد أخبر عن نفسه أنه قتله بقوله وأنا معه وليس ذلك كذلك لأنه أراد به أنه ~~أماته ويميتني معه لأنه قد حلف وهو الصادق أنه ما قتله ولا مالأ على قتله. ~~وروي أنه سئل عن قتل عثمان مرة أخرى فقال والله ما ساءني ذلك ولا سرني فصار ~~هذا ms318 أيضا طريقا لتأويل الفريقين عليه غير الحق وهو إنما أراد بقوله ما ~~ساءني مطالبة من يطالب بدمه واجتهاده في ذلك لطلبه له من بابه ووجهه ولا ~~سرني قتل من قتله وكيف يسره ذلك ولا يسوؤه وهو يقول اللهم العن قتلة عثمان ~~في البر والبحر فيقول التأويل PageV00P555 # عليه أراد بقوله اللهم العنهم إن كانوا مستحقين للعن وكان عثمان غير ~~مستحق للقتل ليرضى العامة بذلك وإلا فهو الذي سبب قتله وألب عليه وكان ذلك ~~من غرضه لظلم عثمان وغضبه الأمر وسئل فيما حكي دفعة أخرى عن دم عثمان فقال ~~إن دم عثمان في جمجمتي هذه فقال أهل الحق إنه أراد أن دمه في عنقي ولازم لي ~~وواجب علي حتى أقيد به وأقتل قتلته متى قامت البينة عليهم بأعيانهم وأمكن ~~أخذ الحق منهم. وقال آخرون لا بل أراد أنه هو الذي قتله وأمر بذلك ودعا ~~إليه وكذلك كان يجب عليه. # فكل هذه الأقاويل مع اختلاط القتلة بأهل عسكره وكونهم تحت رايته ليسوغ ~~التأويل للمحارب له والقاعد عنه عند يقينه وتشككه وكان علي عليه السلام ~~أبصر وأعلم بما يعرض لهم من الشبهات وكان لا يجبر القاعد عنه على الحرب ~~علما منه بما سبق إلى وهمه مما هو بريء منه. وقد روي أن عليا عليه السلام ~~قام في الناس خطيبا عند مسيره إلى البصرة فقال أيها الناس املكوا أنفسكم ~~وكفوا أيديكم وألسنتكم عن هؤلاء فإنهم إخوانكم واصبروا على ما نابكم فإن ~~المخصوم من خصم اليوم وسار على تعبئته وأنه قام فيهم مقاما آخر فقال لا ~~تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم فإنكم بحمد الله على حجة وإذا قاتلتموهم ~~فغلبتموهم فلا تجهزوا على جريحهم وإذا هزمتموهم فلا تتبعوا مدبرا ولا ~~تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ~~ولا تدخلوا دارا إلا بإذن ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما تجدونه في ~~عسكرهم يعني من سلاح خزائن السلطان فإنه قد بين ذلك وفسره في كلام آخر قد ~~ذكرناه في غير هذا الكتاب ولا ms319 تهجوا امرأة وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم ~~وصلحاءكم فإنهن ضعاف القوى والأنفس والعقول ولقد كنا نؤمر بالكف عنهن وإنهم ~~مشركات. وهذا PageV00P556 # يدل على أنهن عنده غير مشركات وإن رأين حربه وأنهم مع هذه الحال مؤمنات. ~~وكذلك قوله فإنهم إخوانكم يدل على أنهم مسلمون ليسوا بكفار ولا فساق أيضا. ~~ولأن مثل هذا الإطلاق يقتضي المساواة عنده في الرتبة والمنزلة الدينية. # وقد روى أن الأعور بن أبان المنقري وكان من أماثل أصحاب علي رضي الله عنه ~~قام إليه في مسيره إلى البصرة فقال يا أمير المؤمنين علام تقدمنا فقال على ~~الإصلاح وإطفاء الثائرة لعل الله يجمع شمل هذه الأمة ويضع حربهم وقد أجابوا ~~قال فإن لم يجيبوا قال تركناهم ما تركونا قال فإن لم يتركونا قال دفعناهم ~~عن أنفسنا قال فهل لهم مثل ما عليهم من هذا قال نعم. # وروي رواية ظاهرة أن عليا قام عند منصرفه من الشام وخروج الخوارج عليه ~~وإنكارهم التحكيم وإكفارهم معاوية وأهل الشام والبصرة عند خطاب ورأي أشارت ~~عليه به همذان وجارية بن قدامة التميمي فقال عند ذلك إنا والله ما قاتلنا ~~أهل الشام على ما توهم هؤلاء الضلال من التكفير والفراق في الدين وما ~~قاتلناهم إلا لنردهم إلى الجماعة وأتاكم هذا منهم في الفرقة وإنهم لإخواننا ~~في الدين قبلتنا واحدة ورأينا أننا على الحق ودونهم وإني لعلى عهد من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأمر أمرني فيه بقتال الباغين والناكثين وإن ~~الرشاد عندي أن يجمعنا الله وإياهم وما لهذا الأمر مثل الرفق عسى الله أن ~~يجمع هذه الفرقة إلى ما كانت عليه من الجماعة فما كره الصلح من هؤلاء ~~الضلال إلا من كان يكره الجهاد للعدو ويضنون بأنفسهم عن الحرب ويريدون ~~الاعتداء على المسلمين لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن القتل ~~بين الآباء والأبناء والإخوان وذوي القرابات فما نزداد عل كل مصيبة وكل شدة ~~PageV00P557 # إلا إيمانا ونصرا للحق وسلمنا الأمر لله تعالى وصبرنا على ألم الجراح ~~ولكنا لما أصبحنا نقاتل إخواننا ms320 في الإسلام على ما دخل فيهم من الزيغ ~~والتأويل والشبهة فإذا طمعنا في خصلة يلم الله بها شعثنا ونزلنا بها إلى ~~التقية بيننا ورغبنا فيها وأمسكنا عما سواها ثم قطع الكلام. # وجميع ما قاله علي مفارق لما تعتقد الشيعة والشراة في أهل البصرة وصفين ~~من إكفارهم وإخراجهم عن الإيمان فلا عذر لمشنع في الخلاف عليه والسرف ~~والإغراق في إكفار المحارب له على التأويل والقاعد عنه والحال ما وصفناه. # وقد أشبعنا القول في جميع هذه الأبواب وبسطنا البراهين على ما توخينا من ~~الصواب في غير هذا الكتاب بما فيه تبصرة للمسترشدين وبيان للمتوسمين وإن ~~كان فيما أودعناه هذا المختصر إقناع وبلاغ والله المعين!. # ثم كتاب التمهيد بعون الله وتأييده وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما ~~وكان تمامه في غرة شعبان من سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. # كتبه لخزانة المتوكل على الله أبي محمد عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد ~~بن سلمة أيد الله أمره وأعز نصره وأعلى يده وأطال أمده مملوكه ونعمته ~~المنقطع إليه.# PageV00P558 #####ENDNOTES# ms321