######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : مجموع كتب ورسائل الإمام الحسين بن القاسم العياني العياني ¶ المؤلف : الإمام الحسين بن القاسم العياني العياني #META# auth: الإمام الحسين بن القاسم العياني العياني #META# cat: مجاميع أئمة أهل البيت #META# bkid: 146 #META# الكتاب: مجموع كتب ورسائل الإمام الحسين بن القاسم العياني العياني #META# bkord: 112 #META# idx: 1 #META# iso: مجموع كتب ورسائل الامام الحسين بن القاسم العياني #META# comp: 1 #META# bk: مجموع كتب ورسائل الإمام الحسين بن القاسم العياني #META# max: 286 #META# المؤلف: الإمام الحسين بن القاسم العياني العياني #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | AUTO كتاب الرد على من جحد الله # وقال بقدم الهواء، وغيره من الأشياء # فإن سأل بعض الملحدين، أهل الحيرة المتمردين: # فقال: ما الدليل على حدث الهواء؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على حدثه أنه لم يخل من الزمان طرفة ~~عين، ووجدنا الزمان محدثا وهو حينئذ سكون الهواء، فعلمنا أن ما لم ينفك من ~~المحدث، ولم يوجد إلا بوجوده، أن سبيله في الحدث كسبيله. # فإن قيل: وما الدليل على حدث الزمان؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على حدثه أن كل ساعة لها أول وآخر، وكل ~~ليلة، وكذلك كل يوم وشهر، فكلما حدثت ساعة انقطعت، فهذا دليل على حدث ما ~~مضى من الزمان، فقد انقطع وفني، وما وقع عليه الانقطاع والفناء، فقد تناها، ~~بين البيان، وأوضح البرهان. # فإن قال: وما أنكرت من الزمان أن يكون الزمان، الذي هو سكون الهواء قديما ~~لم يزل، على ما ترى ساعة تبقى بعد ساعة، وساعة قبل ساعة، إلى مالا نهاية ~~له؟كتاب الرد على من جحد الله ¶ وقال بقدم الهواء، وغيره من الأشياء ¶ فإن ~~سأل بعض الملحدين، أهل الحيرة المتمردين: ¶ فقال: ما الدليل على حدث ~~الهواء؟ ¶ قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على حدثه أنه لم يخل من الزمان ~~طرفة عين، ووجدنا الزمان محدثا وهو حينئذ سكون الهواء، فعلمنا أن ما لم ~~ينفك من المحدث، ولم يوجد إلا بوجوده، أن سبيله في الحدث كسبيله. ¶ فإن ~~قيل: وما الدليل على حدث الزمان؟ ¶ قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على ~~حدثه أن كل ساعة لها أول وآخر، وكل ليلة، وكذلك كل يوم وشهر، فكلما حدثت ~~ساعة انقطعت، فهذا دليل على حدث ما مضى من الزمان، فقد انقطع وفني، وما وقع ~~عليه الانقطاع والفناء، فقد تناها، بين البيان، وأوضح البرهان. ¶ فإن ~~قال: وما أنكرت من الزمان أن يكون الزمان، الذي هو سكون الهواء قديما لم ~~يزل، على ما ترى ساعة تبقى بعد ساعة، وساعة قبل ساعة، إلى مالا نهاية له؟ ----NO PAGE NO------ قيل له ms001 ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك، لأن قولك هذا لا يخلو من أحد وجهين: # إما أن يكون عنيت به الزمان الذي انقطع ومضى، وتصرم وفني. # وإما أن تكون عنيت غيره، فإن كنت عنيت غيره، فليس كلامنا إلا فيه، وإن ~~كنت عنيته، فكيف لا يتناهى عند من عقل من أهل النهى شيء قد وقع عليه ~~الانقطاع والفناء، وما انقطع وفني فقد تناهى. # ودليل آخر # إما أن تكون عنيت بقولك: كل ما فني ومضى من الزمان الذي هو سكون الهواء. # وإما أن تكون عنيت ما بقي منه الآن، فإن كنت تريد ما مضى منه وغبر، فقد ~~أجبت نفسك من حيث لم تشعر، وإن كنت عنيت ما بقي من الدهور، وما هو يمر على ~~الخلق ويدور، من الساعات والأيام والليالي والشهور، فها هو اليوم يمضي ساعة ~~حادثة ويحدث غيرها، فكلها حدثت ساعة، فثبتت ساعة وتناهت. # فهذا دليل على ما مضى من سكون الهواء، ولا يزال ذلك أبدا بإبقاء الله ~~تبارك وتعالى، وسنزيد إن شاء الله بيانا، ونوضح لك من ذلك هدى وبرهانا، ~~ونسأل الله أن يوفقنا. # فنقول إن شاء الله: ما تقول أيها السائل عن حدث الهواء؟ أهو في ذلك عندك ~~ساكن أم لا؟ # فإن قال: ليس بساكن كابر عقله، واستغني عن مناكرته بجهله، بأن الهواء ~~لابث غير زائل، لا يمتنع من لبثه عاقل، ولا يكابر فيه عالم ولا جاهل. # وإن أقر بسكونه، قيل له: أخبرنا أكله ساكن أم لا؟ # فإن قال: إلا بعضه كذب كذبا بينا، وإن قال: بل هو ساكن كله، فللكل نهاية ~~وغاية، لا يخلو من السكون، والسكون يدل على تناهيه وتجديده، إذ لا يخلو منه. # ألا ترى أن الشيء إذا لم يخل من صفته، فذلك دليل على حدوده، كمثل اللون ~~والحركة، والسكون والمسخة، وغيرهن من الأعراض، والكلية والأبعاض. # فإن قال: وما أنكرت من أن يكون الساكن ساكنا إلى مالا نهاية له؟ PageV01P081 # قيل له ولا قوة إلا بالله: كلامك هذا محال باطل، لا يقبله من الناس عاقل، ~~لأن ما صح ms002 حدثه فهو كله محدث، ثم نقضت قولك بقولك لا نهاية له، لأن الكل ~~دليل على أنه لم يبق منه شيء حتى حدث بعد عدمه، فبطل ما ادعيت من قدمه. # ودليل آخر # أن العقل لا يقع إلا على الكل والبعض، والطول والعرض، ولا يخلو الهواء من ~~أحد ثلاثة أوجه: # إما أن يكون ساكنا كله. # وإما أن يكون بعضه ساكنا، وبعضه متحركا. # وإما أن يكون لا ساكنا ولا متحركا. # فإن قلت: إنه لا ساكن ولا متحرك جحدته، وأبطلت ما بالقدم وصفته، بل إن ~~كنت من المشبهة فقد عبدته. # وإن قلت: بعضه ساكن وبعضه متحرك، فقد حددته وناهيته، وقسمته وجزأته، ~~وأجملته وبعضته، لأنه إن كان على ما وصفت فهو على ضربين، وجزؤين موصوفين ~~متناهيين محدودين، وحالين مختلفين، متغايرين معروفين. # فإن قلت: إنه ساكن كله، فقد أقررت صاغرا إذ وصفته بالسكون فحددته، إذ لم ~~يبق منه السكون شيئا حتى جرى عليه، ولم يذر منه قليلا ولا كثيرا حتى وصل ~~إليه، فانظر أي القولين أولى بالحق. # - - - ### || AUTO باب الدلالة على حدث الأجسام # ودليل آخر # يقال لمن قال بقدم الأجسام: أخبرنا ما أعظم الأجسام وأجلها، فلا بد أن ~~يقول الأرض والسماء، فيقال له: أهما في الهواء، أم لا؟ # فإن (1) قال: لا، كذب، وإن أقر بذلك صدق، ووجد الأجسام لا تنفك من ~~الهواء، وما لم ينفك من المحدث، ولم يوجد إلا بوجوده، فهو مثله مكون بكونه. # فإن قال: وما أنكرت من أن تكون الأرض منحدرة سفلا إلى ما لا يتناها، ~~وكذلك السماء مصعدة؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: هذا محال باطل فاسد، وذلك أنهما مخلوقتان. # فإن قال: وما الدليل على ما ادعيت من حدثهما؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على حدثهما أنهما لم ينفكا قط من ~~الهواء الذي بينهما، وقد أوضحنا حدث الهواء فيما تقدم من كلامنا، وما لم ~~ينفك من المحدث ولم يكن قبله، فسبيله في الحدث سبيله. PageV01P082 # فإن قال: وما أنكرت من أن يكون الهواء حدث بعدهما، ولم يكن معهما ولا ~~قبلهما، ms003 ولا هو في القدم مثلهما؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك، لأن الأرض لم تخل من التحت، ولم ~~تخل من التباعد والتباين، ولم تخل السماء من الارتفاع، ولم تخل الأرض من ~~الاتضاع، وفوق الأرض فهو الهواء، وكذلك هو تحت السماء، وهو المسافة بينهما، ~~وهو سبب تباعدهما، وهو الفرق بينهما، وأيضا فإنك مقر بأزلية تباينهما، وهذا ~~محال لما بينا من كونهما ووجودهما، بوجود هذا الفضاء. # فإن قال: وما أنكرت من أن يكونا في حال أزليتهما غير مفترقين ثم افترقا؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: هذه حجة عليك لا لك، احتججت بها على نفسك، لأن ~~حدث الافتراق دليل على المفرق، وافتراقهما بعد اجتماعهما، دليل على مفرقهما ~~بعد جمعه، ونقلهما دليل على صنعه. # ودليل آخر # أنك قلت: افترقتا، والافتراق لا يكون إلا في مكان كما وصفنا، وكذلك ~~الاجتماع ووجود المكان، دليل على حدثهما، إذ لم يخلوا من هذا المكان ~~المحدث، الذي بينا حدثه فيما مضى من كلامنا، وإذا لم يسبقا المحدث، أعني ~~الهواء، ولم يكونا قبله، فسبيلهما في الحدث سبيله. # ودليل آخر # أنك قلت: افترقنا، والافتراق لا يكون إلا بعد الاجتماع، وإذا كان ~~للاجتماع آخر فله أول، ويستحيل آخر بلا أول، ألا ترى أنهما إذا كانا لم ~~يزالا مختلفتين ثم افترقتا، فقد بطل ما مضى من كثرة سكونهما واجتماعهما، ~~ولا يخلو هذا الباطل الذي بطل، وهو سكونهما من أن يكون بطل كله، أو بطل بعضه. # فإن قلت: بطل بعضه، فهذا محال، لأنك أقررت بحركة افتراقهما، بعد سكون ~~اجتماعهما، وإذا تحركتا فقد بطل كلما مضى من سكونهما، وإذا بطل جميع السكون ~~والساعات الحادثة، فقد صح أن لهما عددا، وإذا صح بأن للساعات عددا محدثا، ~~وصح بعد حدوثه انقطاع جميعه، والأرض والسماء عندك لم يسبقا سكونهما، هذا ~~الذي ذكرنا، حدث ساعاته، وانقطاعها بعد حدوثها. PageV01P083 # دليل آخر # أن جميع الأجسام من الأرض والسماء، وغيرهما من الرياح والماء، وجميع ما ~~خلق الله سبحانه وبرى، ودبر وذرأ، لا يوجد إلا في وقت وساعات، لأن الأجسام ms004 ~~لا تنفك من السكون والحركات، وكل متحرك أو ساكن لا ينفك من أقل قليل ~~الأوقات، وما لم ينفك من الوقت والزمان، فهو مثله في الحدث والبرهان، لأنا ~~قد أوضحنا حدث الأزمان، فانظر كل علة من العلل، وعرض من الأعراض، فلن تجده ~~إلا في جسم من الأجسام، وما لم يوجد إلا بوجود الجسم فلم يسبق الأجسام، ~~وكيف يسبق ما لم يوجد إلا فيه؟! ولا يستقيم إلا به وعليه؟! وما لو لا هو ~~لما وجد أبد الأبد، ولما رءاه من الخلق أحد، مثل اللون لا يوجد أبدا إلا في ~~جسم، فإذا صح حدث الجسم المنفرد بذاته، فعرضه الذي لا يقوم بنفسه، ولا يوجد ~~إلا متعلقا به، أجدر أن يكون محدثا، وأحرى بأن يكون مصنوعا مدبرا. # ثم انظر إذا أردت أن تعرف حدث جميع الأشياء، فلن تجده إن شاء الله إلا ~~على ما ذكرنا متحركا أو ساكنا، ثم انظر إلى الحركة والسكون، فلن تجدهما ~~أبدا إلا في وقت ولو قل الوقت، ثم انظر إلى يومك وأمسك، وافرق بين ما تأمل ~~من البقاء، وبين الماضي السالك، من عمرك الفائت الذي قد مضى، فإنك تجد كل ~~يوم من أيامك السالفة الماضية، الذاهبة من عمرك الفانية، قد تضمنها الفناء، ~~وكذلك تضمن غيرها، ثم انظر الفناء أوقع عليها كلها أم لا؟! فإنك إن نظرت ~~وجدت كل ساعة من الساعات والأزمنة الماضية الخالية، لم ينقطع آخرها إلا بعد ~~انقطاع أولها، ولم يحدث آخرها إلا بعد حدوث أولها، وكل أول من الزمان حدث ~~وصح حدثه، فلم يحدث آخره حتى فني أوله، وما لم ينفك من الحدث والفناء، فقد ~~تناها منه كل ما مضى، وبلغ غايته وانقضى، فلم يوجد الزمان إلا على هذين ~~الحالين المتناهيين، الحدوث والفناء، وما صح حدثه ومبتداه، وصح فناؤه ~~ومنتهاه، ولم توجد الأجسام جميعا إلا بوجوده، فسبيلهما في الحدث كسبيله. PageV01P084 # ودليل آخر # لما نظرنا إلى الزمان والهواء، فأمكن في المعقول أن ينفردا من الأجسام، ~~علمنا إذ ذلك أنهما كانا قبل الأشياء، ثم نظرنا إلى الأشياء فإذا ms005 هي لا ~~تنفك منهما، ولا يجوز في المعقول أن تكون قبلهما، فعلمنا أن الأشياء محتاجة ~~إليهما، مبنية في الشاهد عليهما، فلما علمنا أن الأشياء لم تكن قبلهما، ولم ~~توجد إلا بوجودهما، رجعنا إلى الطلب لحدوثهما، والاستدلال على صنع الله ~~فيهما، فنظرنا إلى أجلهما وأوضحهما وهو الهواء، هل ينفك طرفة عين أو أقل ~~منها من الزمان؟ فإذا هو لا ينفك منه أصلا، فرجعنا بطلب الدليل على حدث هذا ~~الذي لا ينفك منه شيء من الأشياء، فوجدنا - والحمد لله - في ذلك ما كفانا، ~~ووضح لنا فشفانا، وهو ما ذكرنا، ولو لا خشية التطويل والإكثار، لشرحنا من ~~ذلك ما لا يدفعه عاقل أبدا بإنكار. # ثم علمنا أن الله خلقهما جميعا مع إذ لم ينفك من الزمان الهواء، ثم نظرنا ~~إلى الزمان فإذا هو عرض من أجل الأغراض، دلنا الله به على حدوث جميع ~~الأجسام، وإبطال دعاوى الطغام، أهل التكمه في الإظلام، وأشباه عجم الأنعام، ~~ولما نظرنا إلى هذا العرض الجليل، لم يكن بد له من جسم، فإذا جسمه هذا ~~المكان. PageV01P085 # فيا لمن قال بعدم الطينة الويل! كيف تكون قديمة مع ما بينا من صنع الله ~~الجليل؟! فانظر أيها المسترشد إلى ما ذكرنا، فلن تجده بخلاف ما قلنا، ولن ~~يقدر أحد من الملحدين على فساد ما به دنا، وعلى الله اعتمدنا، وهو حسبنا ~~وخالقنا ومصورنا، وإلهنا ومدبرنا، ومخترعنا ومقدرنا، ورازقنا ومعمرنا، ~~وآمرنا وزاجرنا، وواعدنا وموعدنا، وموفقنا ومسددنا، ومميتنا ومحيينا، ~~وممرضنا وشافينا، ومطعمنا وساقينا، والذي نرجو أن يغفر لنا ذنوبنا ويعفو عن ~~هفواتنا، وبتجاوز عن سيئاتنا وقبيح أفعالنا، وعظيم جرمنا وسيء أعمالنا، وأن ~~يبارك لنا في قصر أعمالنا، ونزع أرواحنا من أجسادنا، وألا يخرج أنفسنا إلا ~~من بعد رضائه عنا، في سبيله بعد اجتهادنا، ونسأله أن يتفضل بذلك علينا، وأن ~~يجعل آخر صحتنا في أعظم ما كلفنا، وأزكى ما به أمرنا، وأن يجعل عند ذلك ~~ذكره آخر كلامنا، واليقين به آخر اعتقادنا، والبذل لأجسادنا في سبيله ~~والغضب له آخر أعمالنا، ولقاه آخر آمالنا، وثوابه آخر ms006 سرورنا، وألم الموت ~~آخر محنتنا، والأجداث أول راحتنا، والطاعة أكبر همنا، والعداوة لأعدائه آخر ~~حقدنا، والموالاة لأوليائه آخر ودنا، وأن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ~~وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يجعلنا من رفاقة نبيه وأحبائه، وجيرانه ~~وأوليائه، وأن يجينا من عذابه، فلا قوة لنا إلا به، فما هي إلا مدة سنسأل ~~فيها عن النعيم، إن لم نجتهد في الطلب غاية الاجتهاد، ونشمر قبل رحلتنا ~~وطلب الزاد. PageV01P086 # فيا عجبا لمن يشتغل عما له خلق بالدنيا!! وقد وعد بالموت والفناء!! ووعد ~~بعد ذلك بالثواب الجزيل إن عمل، أو بالعقاب الجليل إن غفل، وياعجبا كيف آثر ~~ما هو عنه زائل؟! على ما هو أحد يوميه إليه راحل!! وياعجبا له كيف يطيل ~~أمله؟! وهو ينتظر دون ذلك أجله، وياعجبا له كيف يخرب آخرته الباقية؟! ~~بعمران دنياه الفانية، وياعجبا له كيف يعمر دار غيره؟! ويهدم داره، وياعجبا ~~له كيف يحكم على عقله هواه؟! ويؤثر على آخرته دنياه؟! وياعجبا له كيف يشيد ~~محل رحلته؟! ويترك محل إقامته! وياعجبا له كيف يصلح مال غيره ويفسد ماله؟! ~~وياعجبا له كيف يجمع ما ينفع غيره؟! ويترك ما ينفعه، وياعجبا له كيف يجمع ~~ما هو عنه هالك؟! وما هو لغيره تارك. # وسنعود إلى بيان صنع الله وحكمته، وما هو أكثر من الأدلة برحمته، فنقول: ~~إن أعظم الدلائل على الله سبحانه، وعز عن كل شأن شأنه، ما فطر من الأرضين ~~والسماوات العلا، وصنع منهما تبارك وتعالى. # فإن سأل سائل عن بيان صنع الله فيهما وتدبيره؟ وحكمته وتقديره؟ فجوابنا ~~له في ذلك وبالله نستعين، ما شاهدنا من إثبات السماوات بلا عمد وإثبات ~~الأرضين، ففي ذلك أدل الدلائل على رب العالمين. # ودليل آخر # أنا نظرنا إليهما فإذا هما موصولتان مجتمعتان، ولا بد لك توصيل من موصل، ~~فلا بد لكل تفصيل من مفصل، ولا بد لكل مجموع من جامع، ولكل مصنوع محدث من ~~صانع، وهو الله رب العالمين. # فإن قال: وما أنكرت من أن تكون الأرض لا نهاية لها؟! وكذلك السماء؟! ms007 PageV01P087 # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك، لأن ما صح حدثه فقد صح منتهاه، ولا ~~بد لكل مخلوق من غاية يتناها إليها، وصفة لا يوجد إلا عليها، إذ لا بد ~~للمخلوق من تحديد محدد، والإحاطة بعلمه، ولا بد له من منقطع يدل على قاطعه، ~~وحدود تدل على محدده وصانعه، وسنين من ذلك إن شاء الله تعالى طرفا نكتفي به ~~عن التطويل، من صنع الله العظيم الجليل، وكذلك أنا نظرنا إلى الأرض، فإذا ~~هي مختلفة الألوان والأقدار، فعلمنا أن لها صانعا خالف بين أجناسها، ولو ~~كانت قديمة لاتفقت، ولما تفاوتت ولا اختلفت، لأن القديم لا فرق بينه في حال ~~من الأحوال، والمحدث فقد فرق بينه ذو الجلال. # والدليل على نهاية جميع المصنوعات، من الأهوية والأرض والسماوات، أنها لا ~~تخلو من أحد وجهين: # إما أن يكون صانعها فرغ من صنعها وقطعها. # وإما أن تكون ناقصة بعد ما ابتدعها، فإن كان الصانع قد أتم صنعه، وفرغ من ~~العالم وقطعه، فقد صح تناهيه لانقطاعه، وحدده الصانع بعد ابتداعه، وإن كان ~~هذا العالم محتاجا إلى النظام، فناقصه ذو الجلال والإكرام، وما كان ناقصا ~~عن الكمال فهو مقطوع، وما كان له منقطع فهو مصنوع، والله محدثه وصانعه، ~~ومحدده وقاطعه. # فإن قال: فكيف ثبتت الأرض على ثقلها، بغير عمد يعمدها؟! # قيل له ولا قوة إلا بالله: قد قيل في ذلك: إنها ثبتت من قبل الاعتدال، ثم ~~هذا تقول من أحوال المحال، لأنا نجد ما كان ثقيلا، لا يثبت بغير عمد وإن ~~كان معتدلا. # وقيل أيضا: إنها على لحج البحار، ويستحيل كون الأرض على الأنهار، لما ~~طبعت عليه من الإنحدار، وقلة اللبث والقرار. PageV01P088 # وقيل: إنها لم تزل تهوي بما عليها، من أجل قوتها وثقلها، وهذا من أضعف ~~المقال، وهو قول الزنادقة الجهال، الكفرة الفجرة الضلال، أنها لم تزل تهوي، ~~وهذا فما لا يقول به أحد يعقل ولا يعي، ولا يتكلم بهذا إلا من سلب عقله، ~~وعظم موته وجهله، وجلى هلاكه وخبله، لأنها لو كانت تحرك على عظمها ms008 وجلتها، ~~لهلك من على ظهرها، ولما فرق بين الحركة والسكون إذ كانت حركتها لا ترى، ~~فجعلوا السكون حركة والحركة سكونا، والظنون عقولا والعقول ظنونا، فزادهم ~~الله عمى، وخبلا وضلالة وعيا، فيالهم الويل الطويل!! والعذاب والخزي ~~الجليل. أما علموا لا علمهم الله رشدا، ولا وفقهم لخير أبدا، أن الحركة هي ~~الزوال، وأن السكون هو اللبث؟! وشتان بين الهدوء والجمود!! والحركة ~~والجثة!! # أوما علموا أن حقيقة الحركة هي زوال الجسم واختفاقه؟! وحقيقة السكون تخلف ~~الجسم ولبثه واعتتاقه. # أوما علموا أيضا أن الثقيل كلما ثقل كان أعظم لزواله؟! وأسرع لهويه ~~وانتقاله، فقد رأينا بعقولنا، وشاهدنا بأبصارنا الحجر أسرع هويا في الجو من ~~الطين والتراب، ورأينا التراب أسرع انحدارا من الخفيف، فكيف لحقت الحجر ~~الأرض والأرض أثقل منها، والثقيل أسرع مضيا وانحدارا، وأقل لبثا وقرارا، ~~وأجدر بالسقوط والانحدار، وأبعد من اللبث والفرار. # ثم نظرنا إلى الريشة فإذا هي أخف الأشياء، ورأيناها تلحق الأرض على ~~ضعفها، وقلة انحدارها وموتها. # ودليل آخر # أن الجسم إذا هوى سفلا، أو من السفل علوا، أو من غيرهما من الجهات، لا ~~يخلو في حركته من أن يكون قطع أماكنا متناهية، أو قطع أماكنا لا نهاية لها، ~~أو لم يقطع بحركته أماكنا. # فإن قلت: إنه لم يقطع أماكنا، جعلته ساكنا، لأن المتحرك لا يتحرك إلا في ~~مكان، ولا بد المتحرك يقطع مسافة متناهية. # وإن قلت: إنه قطع أماكنا لا نهاية لها، فهذا محال، لأن قولك قطع أماكنا ~~يوجب نهاية الأماكن، لأن القطع جرى عليها، وإذا قطعت فقد تناها قاطعها. PageV01P089 # ثم قولك: لا نهاية نقص لإقرارك الأول، وهو قولك في القطع، وإذا صح تناهي ~~الأماكن بقطع الجسم لها، فقد صح أيضا تناهي حركته وغايتها، إذ لا توجد ~~الحركة إلا في المكان المقطوع، وإن رجعت إلى الحق فقلت: بل قطع أماكنا ~~متناهية، علمت أنه - إن شاء الله - على ما وصفنا، وأنه بأيقن اليقين على ~~ما قلنا. # ألا ترى أن الأرض والرياح إذا كانتا بزعمهم لم تزل حركتهما تقطع مكانا ~~بعد مكان، لا يخلوان ms009 من المكان طرفة عين ولا أقل منها، وإذا إن كانتا غير ~~خاليتين من المكان، ولم توجد حركتهما إلا فيه، [فلا بد] من أن يكونا قطعتاه ~~أو لم تقطعاه، فإن لم يجز عليه القطع منهما، فقد عدمت حركتهما، وصح ~~سكونهما، لأن الأرض بزعمهم إذ هوت، فلا بد أن تقطع بهويها ما عبرت، وإذا صح ~~أنها لا توجد إلا في الأجزاء، ولا تقطع إلا ما أتت عليه من الهواء، وكانت ~~حركتها لا توجد إلا في المقطوع عند سيرها، فقد صح تناهي المكان لقطعها له، ~~وصح نهايته إذ لم تنفك من المكان المعبور، ولم توجد إلا بوجوده عند الهواء ~~والمسير، وفي ذلك - والحمد لله - من الأدلة والبراهين، أكثر مما ذكرنا من ~~التبيين، فما طلبنا من ذلك شيئا يسيرا، إلا وجدنا بمن الله كثيرا، وإذا صح ~~تناهي الأرض بالأدلة الواضحة وقد صح أنها له، لم تثبت على ثقلها إلا بلطف ~~مدبرها، وخالقها ومصورها، وجاعلها ومخترعها، ومقتطرها وصانعها، والقول في ~~السماء، كالقول في الأرض عندنا، فنسأل الله أن يوفقنا، وأن يغفر لنا ~~ذنوبنا. PageV01P090 # والعارف عندنا من أراه طريق النجاة، فليست إلا بالتسليم للمعقول، وجهاد ~~النفس بالقبول، والاعتماد بأمر علام الغيوب، وإكذاب خواطر القلوب، لأن ~~العاقل إذا ورد عليه شيئان أحدهما ظن، والآخر يقين، وجب عليه قبول أصدقهما، ~~وإبطال أفسدهما بأحقهما، فإن الحق لا يشبه المحال، والهدى لا يماثل الضلال، ~~والعلم لا يقاس بالجهل، والظن لا يمثل بالعقل، والصحة لا توازن السقم، ~~والدليل أولى من الوهم، وصحة الخبرة، أولى من وساوس الحيرة، فيجب على ~~المتعبد أن ينظر الأمر من المتناهيين، المختلفين المتغايرين، المتباعدين ~~المتنافرين، فليستمع قولهما، وينظر دلالتهما، ثم ينظر اختلافهما، فلن يشتبه ~~ضدان أبدا. فليأخذ بأوضحهما دليلا، وأنورهما سبيلا، ويجاهد نفسه على قبوله ~~أشد الجهاد، ويحرس قلبه من الفساد، ولا يبرح صابرا مصطبرا، متيقضا من السهو ~~متفكرا، فلن يشتبه الحق والباطل عنده إن عقل، ولن يهدى إلى الرشد إن غفل. # فرحم الله عبدا نظر لنفسه في أوان المهل، قبل حضور ما وعد به من الأجل، ms010 ~~فلعمري لو لم يكن لنا من النظر، إلا ما في أنفسنا من الآيات والعبر، لكان ~~لنا في ذلك كافية، وأدلة واضحة شافية وبراهين جليلة باهرة، وآيات عظيمة ~~قاهرة، وأنوار مبصرة زاهرة، من خلق الذكر والأنثى، من نطفة من مني تمنى، لا ~~سمع فيها ولا بصر، ولا عقل ولا شعر ولا بشر، ولا حياة ولا حكمة، ولا إرادة ~~ولا همة، فبينما هو كذلك إذ هو بشر سوي، حكيم عالم عاقل حي، سميع بصير قوي، ~~أجزاء محكمة، متقنة مفصلة، وآيات محبوكة متسقة موصلة، ومفاصل مجموعة ~~معتملة، وحكمة بالغة معتمدة، مأسورة مشدودة مؤكدة، تدل على حكمة صانعها، ~~ويشهد بالفطرة لفاطرها، وتبين لناظرها، لا يمتنع عاقل حكيم من التصديق بأن ~~تأليفها بعد العدم يدل على مؤلفها، وتصريف فطرتها دليل على مصرفها، وإتقان ~~ما لم يكن متقنا منها دليل على متقنها، وتفصيل أجزائها دليل على مفصلها، ~~وتوصيل آلائها دليل على موصلها. PageV01P091 # فكفى لعمري بوجودها بعد عدمها دليلا على صانعها، وكفى بصنع أدواتها دليلا ~~على علم الصانع بها، وكفى بوجود الأرزاق دليلا على الرزاق، الواحد الخلاق، ~~وكفى بما يشاهد من النعم المنزلة من السماء المبسوطة لنا ولأنعامنا، دليلا ~~على المنعم علينا، وكفى بما نشاهد من الأحسان في الأرزاق دليلا على المحسن ~~علينا، فلعمري لفي أقل من هذا ما دل على الله تبارك وتعالى، فيالها نعما ~~عظمت!! وأياديا جلت وجسمت!! ويالها فضائل كثرت عن التعديد!! وزادت على كل ~~مزيد، والحمد الله الواحد الحميد، العدل الخالق المجيد، فلن نذكر من حكمته ~~إلا قليلا، فسبحان الله بكرة وأصيلا، والحمد لله كثيرا، والله أكبر كبيرا. # ولا تكون نعمة صح حدثها إلا من منعم، ولا كرم صح من بعد العدم إلا من ~~متكرم، ولا حكمة بالغة إلا من حكيم، كما لا يكون العلم إلا من عليم، ولا ~~الحلم في الشاهد إلا من حليم، ولا يجعل الشيء للشيء والمعنى للمعنى، إلا ~~عالم بفاقة المخلوق إلى ما جعل وبنى. PageV01P092 # ألا ترى إلى ما بث الله من الخلق، وما بسط لهم بعد خلقهم من ms011 الرزق، الذي لو ~~لا هو لهلكوا ودمروا، ولما تناسلوا ولا كثروا، ولما ثم بقاء ولا صبروا، ~~فلعلمه بفاقتهم رزقهم، ولإنفاذ الحكمة خلقهم، ولحسن التدبير فطرهم، ~~وبالطاعة والرشد أمرهم، وعن الفواحش زجرهم، وللكفر حذرهم، وبالثواب وعدهم، ~~فسبحان من لا تحصى آياته، ولا تنقطع أبدا دلالاته، فلو لم يكن لنا من ~~الآيات، إلا ما ذكرنا من صنع الله في الحيوانات، لكان ذلك عليه دليلا، ~~ولكان علما عظيما جليلا، من النطف الحقيرة، خلائقا مبثوثة كثيرة، لا يحصيها ~~إلا خالقها، ومبتدعها ورازقها، وما جعل من ذكورها وإناثها، لتكثير نسلها ~~وإحداثها، ثم جعل في الذكور من الشهوة للإناث، ما جعله سببا للجعل ~~والإحداث، وجعل النسل في أصلاب الذكور، بتمام الحكمة والتدبير، ثم جعل لذلك ~~النسل، مسالكا إلى أوصال الإناث، فاتصل بإذن موصله وانفصل من الأصلاب، ~~بمشيئة الله رب الأرباب، فأحسن الصور في الأرحام بإكمالها، بعد أخذها من ~~الأصلاب وإنزالها، ثم آخرجها من بطون الأمهات، وركبها للأغذية واللذات، ~~فجعل لتلك النسول قبل أخراجها أغذية، لعلمه بفاقها، وجعل لتلك الأغذية من ~~ألبان أمهاتها المركبة لهم في أجسادها، لعلمه بضعف الأطفال عن غيرها، مما ~~يغتدي به بعد كبرها، فجعل غذاء الصغير بلطفه، غير غذاء الكبير لما علم من ~~طفولته وضعفه، ثم ألهم هذه النسول رضع أغذيتها، ليتم بذلك ما أراد من ~~حياتها. PageV01P093 # فياعجبا لأطفال البهائم العجم التي لا تعي ولا تعقل كبارا!! فكيف إلا ~~صغارا!! كيف اهتدت لأماكن أغذيتها؟! أجل إن ذلك لمن غيرها لضعفها وصغرها، ~~حتى كأن قد علمت ذلك علما يقينا أو حيرت عليه، أو قيدت قودا إليه، ولما علم ~~الله عز وجل ما ركب من خلقه وجبل، وما نزل من الأرزاق وجعل، علم أن تلك ~~الأغذية لا تتم إلا بالوصول إلى الأجساد، ومباشرة البطون والأكباد، فجعل ~~سبحانه لذلك مسلكا فأوصله، وركبه لعلمه بفاقتهم وجعله، ثم بسط الرزق ونزله، ~~فكم مخلوق عجيب الخلقة خلقه؟! ومرزوق لا يحمل رزقه؟! # فالحمد لله الذي تفضل علينا بنشأته وخلقه، وبسط لنا الكفاية من رزقه، ثم ~~علم عز وجل بما خلق ms012 وفطر وجعل من الحكمة، ودبر وعلم بفاقة المخلوق إلى ~~مخارج الأغذية، التي لو لا مخارجها ما لبث المخلوق حيا، ولا بقي من الدهر ~~شيا، إلا وقتا يسيرا، ثم تصير نعمته عليه تهلكة وتدميرا، فجعل سبحانه لما ~~علم بمولجه مخارجا، لفاقة المخلوق إلى مخارجه، ثم جعل للمتعبدين عقولا، ~~لتكون لهم عليه دليلا، فسبحان من دلنا إلى معرفته!! وجعل لنا العقول ~~برحمته!! ثم جعل لنا حواسا خمسا، عيانا وسمعا وذوقا وشما ولمسا، فجعل ~~العيان لدرك المهيئآت، والأسماع لدرك الأصوات، والذوق لدرك المطعومات، ~~والشم للروائح المختلفات، من الخبائث والطيبات، وجعل اللمس أعراض المجسمات، ~~من الحر والبرد واللين والخشونات، وجعل الأجسام وما فيها من المفاصل ~~للحركات، ودليلا على حكمة فاطر السماوات، وجعل العقول لتمييز الأمور، ~~ومعرفة الخيرات والسرور. PageV01P094 # ثم لم يكلنا إلى ذلك دون أن أرسل إلينا الرسل والنبيين، مذكرين لنا من ~~الغفلة ومخبرين، لما خلقنا له من النعيم والفضل من الله والكرم والتعبد، ~~للفرق بين المطيعين والعاصيين، إذ لم يكن من حكمة الحكيم أن يساوي بين ~~المحسنين والمسيئين، فياخالق الخلق، ويا باسط الرزق: أسألك أن تجعل آخر ~~حياتي، وحضور وفاتي، على أكمل ما يكون من طاعتك، واتباع مرضاتك، والغضب لك، ~~حتى تبلغني بفضلك ماله خلقتني، وأن تختار لي بعلمك، وتقبضني على أيقن ~~يقيني، وتوفاني يا مولاي على شهادة ألا إله إلا أنت الحق اليقين، الصمد ~~الواحد المبين، وأن ترزقني الحياة ما كان الحياة خيرا لي، وأن تمنن علي ~~بالوفاة، في وقت طلبتي للنجاة، وسلوك سبيل الهداية، حتى تتم نعمتك علي ~~وعندي ولدي!! # فقد علمت يا مولاي ندمي على ما هو من غفلتي، فأسألك يا مولاي سؤال من ~~عرفك، واستدل عليك فأيقن بك، أن تقيلني ما كان من عثرتي، وأن تغفر لي ما ~~علمت من خطيئتي، وأن تجاوز عن زلتي، فهاأنا يا مولاي مستعبد إليك، ومتوكل ~~في كل أموري عليك، طارح لنفسي في يديك، فإن عفوت يا مولاي وغفرت، وعدت ~~بفضلك فقد نجوت، وإن لم تغفر لي ما سلف فمن غيرك يا مولاي يغفر ms013 لي؟! وإن لم ~~تهدني فمن غيرك يهديني؟! أو يوفقني أو يرشدني؟! وإن لم تنظر إلي فمن ينظر ~~إلي؟! وإن لم تجب دعائي فمن أدعو؟! وإن لم تنجني فكيف أنجو؟! وإن لم أرجك ~~فمن أرجو؟! وإن لم أحبك فمن أحب؟! وإن لم أطلب منك فمن أطلب؟! وإن لم أهرب ~~إليك فإلى من أهرب؟!! # وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. # - - - PageV01P095 ### | AUTO كتاب # الرد على عبدة النجوم # وغيرهم من فرق الملحدين # كتاب الرد على عبدة النجوم وغيرهم من فرق الملحدين # حسبي الله وكفى ونعم الوكيل، والحمد لله الذي ابتدأنا بالهدى، واستنفذنا ~~من الضلالة والردى، نحمده على ما كثر من الدلائل عليه، والدواعي التي دعت ~~أولياءه إليه، فمن استدل بها عليه نظره، ومن قصر عن فهمها لم يره، فأي ~~دلائل على الله ما أدلها!! وأعظم قدرها وأجلها!! لقد بهرت عقل من عرفها من ~~المؤمنين، ودلت من أيقن بالله من المستدلين، واضطرت العقول إلى رب ~~العالمين، فدلائل الله عليه منيرة لا تطفأ، وشواهد صنعه ظاهرة لا تخفى، تدل ~~من فكر في صنع الله وتدبيره، ومعجز فطرته وتقديره، ولا يكفر بدلائل الله ~~وتبصيره، من اشتغل عن وعظه وتذكيره، وأقبل على لهوه وفجوره، وأنى يظفر ~~بدلائل الله من أقبل على اللهو والمحال؟! وقل خوفه من الكبير المتعال، كلا ~~لن يظفر بذلك من اشتغل عن آخرته بدنياه، وصد عن الله واتبع هواه، ولن يكون ~~ذلك بالله من العارفين، ولا إليه من الهادين، ولا عنده من المقبولين. PageV01P096 # ومن لم يكن لله من العارفين، لم يكن أبدا من المطيعين، ومن قصد إلى دين ~~الله ورغب في طاعته، وهو مختار لترك طلب الأدلة إلى معرفته، ورضي بجهله ~~وغفلته، كان داخلا في الجهل بمعصيته، ومن كان بالله جاهلا، وعن دلائله ~~غافلا، لم يكن عنده من المؤمنين، ولا به من الموقنين، إذ رضي بالجهل ~~والنقصان، واشتغل عن المعرفة والإيقان، فهو في صفات الله متحير جاهل، وعن ~~الدلائل عليه مستوهل ذاهل، إن عسف النظر في ذلك ارتطم في الضلال، وإن رضي ~~بجهله فهو ms014 من أجهل الجهال، لا يملك لقلبه جنة من الشيطان، ولا يؤمن عليه ~~الدخول في محضور ولا عصيان، وإن عبد الله عبده بغير خشوع ولا إيمان، وإن ~~جاهد على الطاعة نفسه، لم ينفعه عند الله علمه وحرصه، إذ كان مطيعا بزعمه ~~من لم يكثر دلائله عليه، ولم يركن حقيقة الركون إليه، وكيف يركن إلى ما هو ~~عنه متحير جاهل؟! وعن العلم بدلائله زائل؟! فليس العمل إلا بمعرفة الله ~~سبحانه، وجل عن كل شان شأنه، فالحمد لله الذي جعل الدلالات عليه للمستدلين، ~~بما صنع من خلقه المصورين. # وبعد فإني لما نظرت الجهل قد شمل كثيرا من الأثام، وقلت معرفتهم لذي ~~الجلال والإكرام، حداني ذلك على أن أضع كتابا للمتعلمين، ومن أراد معرفة ~~الله من العالمين، وأراد التخلص من العذاب المهين. PageV01P097 # فنسأل الله التوفيق في ذلك بمنه، ونعوذ بالله من خذلانه، ونسأله التسديد ~~بعونه، فإنه لا يوفق إلا من هداه، ولا يصيب الرشد إلا من خافه واتقاه، ألا ~~ورحم الله عبدا حذر على نفسه من الدنيا، فإن محنتها أصل كل فتنة، والركون ~~إليها أول كل محنة، تصد من أحبها عن ذكر الرحمن، وتشغل من نالها عن الخشوع ~~والإيمان، وتدعو إلى طاعة الشيطان، فكل ما قضى من حوائجها حاجة طاشت به إلى ~~أخرى، وأعقبته عند الله فقرا، فهو عن الموت غافل مغرور، وبلهوها جذل مسرور، ~~وعن الله ذاهل مغمور، فهي تقوده إلى النار والعذاب، وتبعده عن رب الأرباب، ~~فهو من الموت على ميعاد، وهي إلى تصرم ونفاد. # فنسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك لنا في قليل حياتنا، وأن يحضرنا عفوه ~~عند وفاتنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من عرفه حق ~~معرفته، وأيقن به، وتخضع لعبوديته، ورجاء عفوه عما سلف من خطيئته، وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله وصفوته من بريته، شهادة من صدق بنبوته، وتقرب إلى الله ~~بمحبته، واشتاق إلى لقائه ورؤيته، وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن ~~الله يبعث من في القبور، شهادة أرجو بها عفوه ms015 يوم النشور، وأشهد أن أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه كان خير البرية بعد نبيها صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وأشهد بإمامة ولديه الحسن والحسين ابني رسول الله ~~الفاضلين، وأشهد أن الإمامة من بعدهما فيمن طاب من ذريتهما، وسار سيرتهما ~~واحتذا بحذوهما، واقتدى في دينه بهما، اللهم يا مولاي فاكتبني بذلك مع ~~الشاهدين، واشهد علي بالبراءة من الجاحدين، ووفقني لسبيل الراشدين، واسلك ~~في طريق المهتدين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على مولاي وسيدي خاتم ~~النبيين، وسيد الأولين والآخرين، وعلى موالي وسادتي أهل بيته الطاهرين، ~~الأخيار الأبرار الصادقين. PageV01P098 # قال الإمام المهدي لدين الله الحسين بن القاسم عليهما السلام: ثم نقول من ~~بعد توحيد خالقنا، والقول بالحق في الله سيدنا: إن سأل سائل مسترشد، أو قال ~~قائل متعنت ملحد، كيف السبيل إلى معرفة الله جل جلاله، وظهرت نعمه وأفضاله، ~~وبما يعرف، وما معرفته؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أما السبيل إلى معرفة الله القدير، فالفعل ~~المميز للأمور. # وأما قولك: بما يعرف؟ # فليس يعرف إلا بما أظهر من صنعه وتدبيره، ومعجز فطرته وتقديره. # وأما قولك: وما معرفته؟ # فمعرفته اليقين بإلاهيته، والإقرار والتصديق بربوبيته. # فإن سأل سائل عن معرفة الله سبحانه وظهر دليله وإيقانه، فقال: أمعرفة ~~الله اضطرار أم اختيار؟ # فالجواب له في ذلك: أن معرفته اختيار، ولو كانت معرفته ضرورة كمعرفة ~~الأرض والسماء، وغيرهما من الأشياء، لما كان بين معرفة الجاهل والعالم فرق، ~~ولكان الخلق كلهم بالله عارفين، ولما كانوا أبدا جاهلين، ولكانوا جميعا به ~~موقنين، وعلى معرفته مجمعين، وهذا محال عند أهل العقول. # فأما من كان من الجهال، وأهل الحيرة والضلال، فلن يزال ذلك في الشك ~~مترددا حايرا، وعن اليقين بالله نائيا جائرا، إذا رضي بتعطيل ما ركب الله ~~من عقله، واستغنى عن المعرفة بجهله، وإنه وإن كان بالله جاهلا، وعن اليقين ~~به غافلا، فليس بمعذور في ترك طلب الدليل، والنظر والبحث عن الخطب الجليل، ~~فإن عطل ذلك لم يكن معذورا، وإن كان عن الله جائرا مغمورا، ms016 ألإن الله عز ~~وجل قد جعل له عقلا وفكرا، وتمييزا وذكرا، واضطره إلى درك صنع عجيب، لا ~~يخلو في الفعل من أحد أوجه، من عطلها لم يضطر إلى حقيقتها إذ جهلها، وسنذكر ~~إن شاء الله ما يصح لذوي الألباب، ويستدل به على الله رب الأرباب، وذلك أنا ~~نظرنا إلى أنفسنا، إذ هي أقرب الأشياء إلينا، فرأينا كل جارحة من جوارحنا ~~قد جعلت لسبب ومعنى، ولا يجهل الشيء لصلاح الشيء إلا عالم حكيم بما صنع وبنى. PageV01P099 # من ذلك ما شاهدنا، في جميع الحيوانات منا ومن غيرنا، من عجيب تصويرها، ~~وإحكام صنعها وتدبيرها، وإصلاح منافعها وتعميرها، وما جعل الله لها من ~~تفصيل أجسامها وتوصيلها، وشد أسرها وتعديلها، وإثبات مصالحها التي لو لا هي ~~لهلكت ودمرت، ولما تناسلت ولا كثرت. # ومن ذلك ما جعل فيها من العقول لاختلاف المنافع ونفي المضار، والمفاصل ~~التي جعلها للحركة والمجيء والإياب والإدبار، وما جعل من الحواس الخمس، من ~~العيان والسمع والشم والذوق واللمس، وجعل كل حاسة لشيء بعينه، لما أراد من ~~ثبات الدليل وتبيينه، إذ لا يجعل الشيء للشيء إلا حكيم، ولا يدبر ويصف إلا عليم. # ومن ذلك ما جعل من الذكور والإناث، وأبان في ذلك من الجعل والإحداث، فجعل ~~كل زوج من ذلك يصلح للآخر بتقديره، لما أراد سبحانه من خلق النسل وتكثيره، ~~ثم جعل للنسل معايش في صدور الإناث بلطفه، لما علم من فاقة الطفل وضعفه، ~~وهذا ومثله فلا يتم إلا بعلم من عليم، وتدبير من صانع حكيم، ثم جعل سبحانه ~~للأطفال بعد كبرهم معايش غير معايشهم في حال صغرهم، ليتم بذلك ما أراد من ~~تعميرهم، فبسط لهم الكفاية من رزقه، بعد إكمال تصويره وخلقه، وجعل في ~~الأجساد مداخلا للأغذية لعلمه بفاقتهم إليها، وجعل لهم مخارج لها إذ فطرهم ~~عليها، فلما نظرنا إلى عجيب ما صنع وافتطر، وبين من حكمته وأظهر، صح عندنا ~~بأيقن اليقين أن الحكمة لا تكون إلا من حكيم، لأن ا لحكمة لا تهيأ إلا ~~لعليم، لأن الجهل ليس معه نعمة، ولا ms017 يتم للطبائع التي ادعا الملحدون علم ~~ولا حكمة، لأن الموت لا يكون حكيما ولا سمعيا (1)، ولا يكون المصلح المنعم ~~إلا رحيما. # فمن أنكر ذلك!! قيل له ولا قوة إلا بالله: ما نقول هل فيما ذكرنا حكمة ~~تدل على الواحد الجليل؟ PageV01P100 # فإن قال: ليس في ذلك حكمة خرج من المعقول، وبان كذبه لجميع أهل العقول، لأن ~~جميع الحكم تقصر عما ذكرنا، ولا تماثل حكمة مولانا وسيدنا، ولو جاز كون ~~حكمة من غير حكيم، وعلم ورحمة من غير عليم، لجاز كون رسول من غير مرسل، ~~وأمر ونهي (1) من غير ناه ولا آمر، ولو جاز ذلك لسمع كلام من غير متكلم، ~~ولوجد تعليم من غير معلم، وتفهيم وبيان من غير مبين مفهم، ولو جاز ذلك لجاز ~~أن يوجد ثواب وعقاب، من غير مثيب ولا معاقب. # ولا يخلو الفعل فيما ذكرنا من صنع الله في الحيوانات، وما ركب في الأجسام ~~من الآلات والأدوات، والآيات المحكمات النيرات، من أن تكون شاهدا على أنها ~~من حكيم، أو شاهدا على أنها من غير حكيم، أو غير شاهد على شيء من ذلك، فإن ~~كان شاهدا على أن الحكمة من غير حكيم، أمكن أن يشهد على علم من غير عليم، ~~وحلم موجود من غير حليم. # وإن شهد بذلك لم يسم عقلا، وخرج من الصحة فعاد جهلا، لأن العقل لا يجوز ~~عليه شيء من المحال، ولا يقبل ما فسد من المقال، وإن لم يشهد على شيء من ~~ذلك خرج من تمييز الأمور ولم يفرق بين الخيرات والسرور، وإذا خرج العقل من ~~التمييز فهو زائل فاسد، وما كان من العقول فاسدا، لم يكن عدلا ولا شاهدا. # وإن شهد على أن الحكمة لا تكون إلا من حكيم، صح ذلك لأن الحكمة لا تهيأ ~~إلا من عليم. # وإن رجع إلى مكابرته، وتردد في شكه وضلالته، فقال: ليس في ذلك حكمة!! # قيل له ولا قوة إلا بالله: هل تعرف الحكمة أم لا؟ # فإن قال: إنه لا يعرفها أصلا، وادعا في معرفتها جهلا، كان لما ms018 ذكرنا من ~~الجهل أهلا. # وإن قال: إنه يعرف الحكمة. # قيل له: ما الحكمة في ذاتها؟ وما حقيقة صفاتها؟ # فإن كان جاهلا بها بطل ما ادعا من معرفتها، وإن كان عالما أجاب، وقصد إلى ~~الحق والصواب، فقال: الحكمة ما أتقن من الأمور، وبعد من الفساد والشرور. PageV01P101 # فإذا قال ذلك، قيل له: ويحك ما أجهلك!! وأعظم كفرك وأغفلك!! تقول: إن ~~الحكمة ما حسن من الأفعال، وبعد من الجهل والضلال، ثم تزعم أن ليس فيما ~~ذكرنا حكمة من أعاجيب الصنع الجليل، وما بين الله من الدليل، وأقام على ذلك ~~من شواهد العقول، لأن الحكمة لا تهيأ إلا بالحلم، ولا تتم إلا بالعلم من ذي ~~الجلال والإكرام. # ودليل آخر # لا يخلو صانع هذه الحكمة من أن يكون حيا قديما. وإما أن يكون حيوانا، ~~وإما أن يكون مواتا، فإن كان حيوانا فهو كسائر الحيوانات، في العجز عن دفع ~~الآفات، ونوازل المحن المحدثات، وسلب ما يحب من الحياة، وبيان الصنع فيه ~~والدلالات، وإن كان مواتا فهو كسائر الجمادات، من الترب والحجارة وغيرهما ~~من الموات، والأجسام الجامدة المغفلات، ويستحيل أن يكون ذلك وما جانسه من ~~المدبرات، خالقا لشيء من الحيوانات، وإن كان حيا مدبرا قديما، فقد صح ذلك، ~~لأنه لو كان ميتا لما كان حكيما، ولما كان قديرا ولا عليما. # ودليل آخر # أنا قد أحطنا بجميع الأشياء علما، وأدركناها عيانا وفهما، فلم نجدها إلا ~~على حالين محدثين، ومدبرين بمشيئة الله مصنوعين، وهما الحركة والسكون ~~اللذان لا ينفك منهما شيء موجود، وإذا صح حدثهما، وصح أن جميع الأشياء لم ~~تنفك منهما ولم تكن قبلهما، فهي في الحدث مثلهما، وسيبلها سبيلهما. # والدليل على أن جميع الأشياء لا تنفك منهما، ولا توجد قبلهما، أنها لا ~~توجد إلا زائلة متحركة، أو مقيمة ساكنة، فإن زالت فزوالها حركة، وإن أقامت ~~ولبثت، فالسكون هو لبث وإقامة. PageV01P102 # والدليل على أن الحركة والسكون معنيان، وشيئان غير الأجسام متغايران، أنا ~~نجد الحركة تكثر من الشيء الواحد، فلا تكثر لكثرها، وتقل تارة فلا تقل ~~لقلتها، وتزول تارة ms019 فلا تزول لزوالها، ولا تبطل لبطلانها، مثل حركة النجم ~~التي لا تحصى لكثرتها، والنجم واحد محدود، وحركته معدوم ما مضى منها، وهو ~~بعينه باق موجود، ونجد السكون كذلك يكثر أيضا حتى لا يحصى، والساكن معروف ~~بحدوده وأقطاره، موجود في محله وقراره، مثل الحجر التي لا تحصى ساعات ~~سكونها، فكم من ساعة لا تحصى قد سكنت!! وكم من يوم وليلة قد لبثت!! فتلك ~~الساعات قد عدمت، والحجر موجودة ما برحت، والحركة والسكون على الجملة دهور ~~وأزمان، وعلى التصنيف صنوف وأفنان، وكل ذلك دليل على حدث الأجسام، وبيان ~~على فساد دعاوى الدهرية الطغام، وأشباه عجم الأنعام، وأهل التكمه في ~~الأإلام، وسندل إن شاء الله تعالى على فساد قولهم، ونوضح من حدث الدهر ما ~~عموا عنه بجهلهم. # فإن سأل سائل منهم فقال: ما الدليل على حدث ما مضى من الدهور، والأيام ~~والليالي والشهور؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على حدوث ما مضى من الدهر وأزمانه، أنه ~~لم يحدث ساعة إلا بعد حدوث ما قبلها وبطلانه. # فإن قال: وما أنكرت من أن يكون ما مضى من الساعات ساعة قبل ساعة إلى ما ~~لا نهاية له؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك، لأن ما مضى من الساعات لا يخلو من ~~أحد وجهين: # إما أن يكون عدم وبطل بعد حدوثه. # وإما أن يكون الآن موجودا كله. # فإن قلت: إن ما مضى من الحركة والسكون موجود فهذا محال، لأن ما مضى من ~~الساعات التي هي السكون والحركات فقد عدم كله، بعد حدوث كل ساعة منه، وإذا ~~عدم كله بعد حدوثه فهو محدث، لأن الساعات التي مضت، والأزمان التي بطلت، ~~على حالين: # حال وجدت فيه بعد عدمها أوجب حدوثها، وحال عدمت فيه بعد وجودها. PageV01P103 # فأما الحال الذي كانت فيه موجودة، فهو حدوثها إذ حدثت، وأما الحال الذي ~~عدمت فيه، فهو وقتها إذ تصرمت قبله بعد حدوثها فعدمت، وإذا صح عدم جميع ما ~~مضى، وتصرم بعد حدوث كله وانقضى، فقد صح ما قلنا به من ms020 ذلك، إذ هو في ~~الحدوث كذلك، وإذا صح حدوث الدهر الذي هو كثرة الحركات والسكون، اللذين لم ~~تنفك الأجسام كلها منهما، فسبيله في الحدث سبيلهما، وفي هذا ما قطع أهل ~~الإلحاد والجحود، ودمغ إن شاء الله أهل الكفر والعنود. # وسنزيد بعون الله بيانا، ونوضح إن شاء الله صنع الله لسائلنا بعد إيضاح ~~حملة الدهر وكليته، وكرور أيامه وساعاته، وتبيين صنوفه وأفنانه، ومحاله من ~~الصنع وبيانه. فنقول: إن الحركة أولى ما نحتاج إلى ذكره، إذ هي مشتملة على ~~حدث السكون وغيره، وذلك أن محال الحركة في صنوف من الأجسام، وأماكن من ~~الموات والحيوان، وذلك مثل حركة النجوم والبروق والسحاب، ومثل حركة الأشجار ~~والرياح الهواب، ومثل حركة أمواج البحار، وجري خف التراب والأنهار، وغير ~~ذلك مما يتحرك من الجمادات في الليل والنهار، ومن الحركة ما يحل في ~~الحيوانات، وسنبين إن شاء الله تعالى حدوث جميع الحركات، وما يحل منها في ~~كل حيوان أو موات، فأول ما نبدأ بذكره: حركة الحيوان. # فإن سأل فقال: ما الدليل على حدث حركة الحيوانات وما تنكرون من أن تكون ~~حركات قبل حركات، إلى مالا يتناها من الأوقات؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: دلنا على حدث ما عنه سألت، وفساد ما ظننت ~~وتوهمت، أنا قد بينا لك حدوث الحيوانات فيما تقدم من كلامنا، وأوضحنا نهاية ~~الأوقات في أول قولنا. # ودليل آخر PageV01P104 أن حركة الحيوانات الأوائل المتقدمة التي زعمت أنها غير متناهية، لا تخلو ~~من أن تكون الآن كلها موجودة، أو هي الآن معدوم وبها معدومة، فوجود ما مضى ~~من حركات الأولين محال، لأنهم إنما تحركوا قبل موتهم في قيامهم وقعودهم، ~~وإقبالهم وإدبارهم، وتنقلهم وسيرهم، والقيام والقعود فغير موجودين، بل ~~يكونان عند جميع الخلائق معدومين، وإذا صح عدم جميع الحركات، التي ذكرنا ~~تولدها من أجسام الحيوانات، فقد صح تناهي أجسامهم، لأن أجسامهم لم تنفك من ~~حركاتهم، وللحركات نهاية وغاية وحال عدم فيه جميعها فانتفى عنها العدم. # ودليل آخر # أن جميع الحيوانات لم تنفك أصولها من الحياة، ثم قد ms021 وقع الموت على ~~جميعها، فهي في حالين محدثين، حال أحييت فيه بعد موتها فحييت كلها، وحال ~~أميتت فيه فماتت جميعه، وإذ لم تنفك من الحالين المحدثين فهي محدثة مثلهما، ~~إذ لم توجد ولم تكن قبلهما، وسبيلها في الحدث سبيلهما، إذ تضمنا أصول ~~الحيوانات فلم تخرج منهما، فكيف لا تتناها الأصول وقد حوت الحياة جميعها، ~~ثم تضمنها الموت بعد حياتها. # فإن قال: وما أنكرت أن تكون طينة العالم قديمة لم تزل ميتة، ثم حييت ~~وانتقلت عن سكونها فتحركت؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا قدمها الذي ذكرت، لأنها إذا كانت ميتة ~~كما زعمت، ثم حييت بعد موتها فذلك دليل على محييها، لأن الحياة من أكثر ~~النعم وأجلها وأعظمها، ولا بد لكل نعمة من منعم، ويستحيل أن يكون الكرم من ~~غير متكرم، إذ في الحيوان من الحكمة مالا يتم إلا لعالم، كما يستحيل أن ~~يكون الكلام المحكم من غير متكلم. # ودليل آخر # إذا كانت الطينة بزعمك لم تزل ميتة ثم بطل موتها، فقد بطل قدم الموت، ~~والقديم لا يبطل. # فإن قال: وما أنكرت من بطلانه؟ PageV01P105 # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأن بطلان موتها يدل على حدوثها، وذلك أنها ~~بزعمك قد أقامت ميتة دهورا طويلا، وإذا كانت كما زعمت فللدهور نهاية وغاية، ~~لأن الدهر محدث وما لم ينفك منه فهو مثله في الحدث، لأن الدهر قد انقطع كل ~~ما مضى منه، ولم ينقطع إلا بعد حدوث كل ساعة من ساعاته. # ودليل آخر # أن الطينة إذا كانت لم تزل ساكنة ثم تحركت، فقد انقطع آخر سكونها، ولم ~~ينقطع آخره إلا بعد انقطاع أوله، وإذا صح انقطاع أول السكون وآخره، فقد ~~انقطع كله، وإذا انقطع كله فله نهاية وغاية، وإذا صح أن لسكونها أولا وآخرا ~~فقد انقطعا، فقد صح حدوث السكون، وإذا صح حدوثه فقد صح حدث الطينة، إذ لم ~~يشبه ولم يوجد إلا بوجوده. # وكذلك إن سأل عن الدليل على حدث ما مضى من حركات السحاب والبرق والرياح ~~والأنهار، والنجوم والجمادات من ms022 الأشجار؟ # فالدليل على حدوث ذلك أنا نراه لا يكثر إلا بعد قلته، ولا يزيد إلا بعد ~~نقصانه، فإذا نظرنا في ذلك علمنا أن ما مضى من الحركات لا يحصى، وأنه كائن ~~بعد حدوثه عدما، وما صح حدوثه وصح عدم جميعه فقد تناها، لأنه على حالين ~~متناهيين محدثين، وهما الحدوث والفناء، والحركات لن تنفك منهما. # فإن ادعا أن قبل الحركات سكونا قديما؟ PageV01P106 # قيل له ولا قوة إلا بالله: أليس تعلم أن السكون قد انقطع آخره وأوله بعد ~~حدوثهما، وبطلان جميع دهورهما، فهذا دليل على حدوث جملة جميع الحركة ~~والسكون، وقد زعم بعض الملحدين أن الفلك مدبر قديم، وأنه لا أول لحركته ولا ~~غاية، ولا بدأ لها ولا نهاية، وأن النجوم لم تزل تحرك ولا تغير وتطير، ~~تقترن أبدا، وبدبر وسنين من فساد قولهم إن شاء الله تعالى ما فيه مقنع لذوي ~~الألباب، ودلالة شافية على الله رب الأرباب، فاسمعوا - رحمكم الله - ~~بقلوب سوية، وألطفوا النظر فيما نقول بعقول جلية، فنقول ولا قوة إلا بالله: ~~إن النجوم في أنفسها محدثة مدبرة، ومخلوقة بمشيئة الله مقدرة، ومبرية ~~مصنوعة مصورة، وذلك أنا نظرنا في جميع حالاتها، فإذا هي تدل على صانعها من ~~قبل أجسامها وحركاتها، فأول ما نبدأ إن شاء الله تعالى بذكر حركة الفلك ~~ومسيره، فنقول: إن النجوم لا تخلو في جريها من أحد أربعة أوجه لا خامس لها: # إما أن تكون جرت فوق الأرض في جو السماء، قبل أن تجري في الفلك تحتها. # وإما أن تكون جرت تحت الأرض قبل أن تجري فوقها. # وإما أن تكون لم تبدأ بالحركة قبل أن تجري من تحتها ولا من فوقها. # وإما أن تكون بدأت بهما معا في حال واحد. # فإن قلت: إنها بدأت بالحركة من فوق الأرض قبل أن تجري تحتها، ناهيتها ~~وأقررت بحدثها من الفوق قبل التحت، وجعلت بديها بالحركة من أحد المكانين ~~قبل الآخر. # وإن قلت: إنها بدأت بالحركة من تحتها قبل أن تحرك فوقها، ناهيتها أيضا ~~وجعلت الحدث كان من التحت قبل ms023 الوصول إلى الفوق. # وإن قلت: إنها جرت في الفوق والتحت معا في حال واحد، لأن الفوق غير ~~التحت، والتحت غير الفوق، فكل نجم مما ذكرنا لا يخلو من أن يكون سار من ~~الفوق إلى التحت، أو من التحت إلى الفوق، أو لم يسر من أيهما. PageV01P107 # وإن قلت: إن النجوم لم تبدأ بالحركة من فوق الأرض ولا من تحتها، جحدت ~~حركتها وأبطلتها، وادعيت عدمها، لأنه لا يوجد إلا فوق الأرض في جو السماء، ~~أو تحت الأرض في بعض الهواء. فهذا والحمد لله دليل واضح على بدأ حدثها ~~وجريها، وإبطال ما قيل به من قدمها، والله المستعان، وهو حسبنا وعليه ~~التكلان. # ودليل آخر # أنا نجد النجوم على حالين وهما الطلوع والأفول، ولا تخلو من أحد وجهين ~~فيما مضى من الأزمة: # إما أن تكون تطلع وتأفل. # وإما أن تكون لم تطلع ولم تأفل. # فإن قلت: لم تطلع ولم تأفل جحدت حركتها، وإن أقررت بالطلوع والأفول، لم ~~تخل من أحد ثلاثة أوجه: # إما أن تكون طلعت قبل الأفول. # وإما أن تكون أفلت قبل الطلوع. # وإما أن تكونا جميعا في حال واحد. # فإن قلت: إنها بدأت بالطلوع قبل الأفول، أقررت بمحدث الحركة من الطلوع ~~قبل الغروب. # وإن قلت: إنها بدأت بهما معا في حال واحد، أحلت، وأقررت بالحدث وناقضت، ~~وجعلت الطلوع أفولا، والأفول طلوعا، ولزمك أن تجعل الليل نهارا، والنهار ~~ليلا، والوجود عدما، والعدم وجودا، والباطل حقا، والحق باطلا. # ودليل آخر # أن الذي مضى من الحركة على حالين: طلوع قبل غروب، وغروب قبل طلوع، وللقبل ~~والبعد نهاية وغاية، لأنهما يدلان على الزيادة بعد النقصان، والنقصان يدل ~~على القلة قبل الكثرة، لأن الحركات لم تكثر إلا بعد قلتها، ولا تزيد إلا ~~بعد نقصانها، والزيادة بعد النقصان تدل على نهاية الزائد الذي كان ناقصا ~~قبل زيادة ما زاد فيه. # ودليل آخر # إما أن يكون ما مضى من طلوعها أكثر مما مضى من غروبها. # وإما أن يكون ما مضى من الغروب أكثر مما مضى من الطلوع. # وإما أن ms024 يكونا سواء سواء. PageV01P108 # فإن قلت: إن الطلوع أكثر من الغروب، أو الغروب أكثر من الطلوع فيما مضى، ~~جعلتهما متناهيين، إذا كانا متفاوتين، ألا ترى أن الطلوع إن كان أكثر بمدة ~~فللمدة نهاية وغاية، لأن النجم إذا كان ما مضى من طلوعه أكثر ثمرة أتشيا ~~عند غروبه، وإذا أتشيا فللتسوية نهاية وغاية، وإذا كانا منشقين مرة ~~ومختلفين أخرى، فقد صح تناهيهما إذ لم يخلوا مما ذكرنا. # ودليل آخر # أن الذي مضى من حركة النجوم هما الحالان اللذان ذكرنا، وما مضى من ~~الأشياء فقد تعد وتقضى وما نفد فقد انقطع، وما انقطع فقد تناها. # ألا ترى أن الذي مضى طلوع وغروب، وكل فقد عدم وتناها. # ودليل آخر # أن حركات النجوم لا تخلو من أحد وجهين: # إما أن تكون موجودة. # وإما أن تكون معدومة. # فإن قلت: إنها موجودة أحلت، لأن حركتها في الأيام التي مرت على القرون ~~الأوائل، غير حركتها في الأيام التي مضت علينا، لأن الدهور التي كانت فيها ~~أصولنا، هي غير الدهور التي فيها اليوم فروعنا، لأن تلك أيام عدمت، وهذه ~~أيام حدثت، وهذا فما لا يقول بغيره عاقل. # وإن قلت: بل ما مضى من الحركات معدوم، فقد أقررت بالحق، وما عدم فقد تناها. # فإن قال: وما أنكرت من أن تكون الحركات تحدث وتعدم إلا ما لا نهاية له؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: مسألتك تحتمل وجهين: # إما إن تكون عنيت ما هو الآن يحدث ويدور. # وإما أن تكون عنيت ما مضى وفني بعد حدوثه، فذلك متناهي، لأنه على حالين ~~متناهيين، الحدوث ثم الفناء، وما يصح فناء كله بعد حدوثه كله، فله نهاية ~~وغاية، وإن كنت تريد بقولك: لا نهاية له ما هو الآن يدور من الحركات، فليس ~~يعقل تناهيه وانقطاعه إلا من المسموع، وقد أخبر الله في كتابه بانتثار ~~الكواكب وانكدارها، وسقوطها حيث يريد وانحدارها. # ودليل آخر # إما أن يكون ما مضى من جري الشمس في المنزلتين اليمانية والشهامية ~~موجودا. # وإما أن يكون معدوما. PageV01P109 # فإن قلت: إنه موجود أحلت، ms025 لأنها جرت على المنزلتين دهور مضت قبل حدوثنا ~~بأزمنة مالا يحصيه إلا خالقها. # وإن قلت: إنما مضى من جريها معدوم تناها جريها، لما قدمنا من بيان تناهي ~~المعدوم، لأن الذي مضى من جريها على حالين: حال في المنزلة اليمانية، وحال ~~في المنزلة الشامية، وللحالين الماضيين النافذين نهاية وغاية، وأيضا فقد ~~يدل حدث حركات النجوم في المشرق والمغرب أنها ذات عدد، والعدد على وجهين ~~متناهيين: وهما الشفع، والوتر، ولا يخلو ما فني وعدم من هذه المرار، وحساب ~~الحركات والتكرار، من أن تكون شفعا أو وترا، وللشفع والوتر نهاية وغاية، ~~لأن الشفع هو الأزواج، والوتر هو الفرود من الحساب، وقد عدم الجميع مما ~~مضى، وتضمنه العدم والفناء. # فإن قال: وما أنكرت من أن تكون قبل هذه الحركة ساكنة، ثم وجدت بعد سكونها ~~القديم متحركة؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك من قدم السكون الذي ذكرت، لأنها لا ~~تخلو في حال سكونها من أحد وجهين: # إما أن تكون سكنت دهورا كثيرة. # وإما أن تكون سكنت دهورا قليلة. # وللكثير والقليل نهاية وغاية، وقد قدمنا الدليل على حدث الدهر وغايته، ~~وانقطاعه بعد حدوث ساعاته، والحركة والسكون فهما حالان محدثان لا ينفك ~~الجسم منهما، وهما حقيقة الزمان، وما كان مضطرا إلى حالين محدثين لا يجد من ~~أحدهما بدا، ولا عنهما معا بددا، فلا يدله من بان بناه عليهما، واضطره في ~~الشاهد إليهما. # فإن قال: ما أنكرت من أن تكون النجوم تحركت قبل هذه الحركة التي دللت على ~~انقطاعها، بحركة لم تزل من طباعها؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك لأنها لا تخلو من أن تكون تحركت في ~~بعض الجهات، أو لم تحرك في شيء منها. # فإن قلت: لم تحرك في شيء منها جحدتها، لأنها لا توجد إلا في أماكنها من ~~الأهوية أو من غيرها. # وإن قلت: إنها تحركت في بعض الجهات، فالجهات معروفة، وهي الفوق والتحت، ~~والمشرق والمغرب، واليمن والشام. PageV01P110 # فإن قلت: إنها لم تزل تهوي وتحرك سفلا، مما لا نهاية له ms026 من الأجواء. # أو قلت: إنها تحركت في حال أزليتها علوا مصعدة، مما لا نهاية له من ~~الهواء. # أو قلت: إنها تحركت من المشرق مما لا نهاية له، أو من المغرب إلى المشرق ~~فما لا نهاية له، أو من اليمن مما لا نهاية له، أو من الشام إلى اليمن مما ~~لا نهاية له أيضا. # فالجواب لك في ذلك وبالله توفيقنا: أنا أنكرنا ذلك، لأنها لا تخلو في ~~مسيرها من أي الجهات كانت حركتها من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها: # من أن تكون قطعت بحركتها أماكنا متناهية. # وإما أن تكون قطعت أماكن لا نهاية لها. # وإما أن تكون لم تقطع بحركتها شيئا. # فإن قلت: إنها قطعت بحركتها أماكن لا نهاية لها أحلت وناقضت، لأنك قلت: ~~قطعت بحركتها أماكن، فأوجبت نهاية الأماكن بقطع النجوم لها، لأن المقطوع ~~متناهي، ثم نقضت قولك بقولك: لا نهاية لها، فأوجبت نهاية الحركة، إذ لم تكن ~~الحركة إلا في الأماكن المقطوعة المتناهية، لأن القطع للأماكن لا يكون إلا ~~ببدء الحركة. # وإن قلت: إنها قطعت أماكن متناهية، أوجبت نهاية الحركة، لأن الحركة لم ~~تكن إلا في مكان، والمكان مقطوع، والمقطوع متناهي. # وإن قلت: إنها لم تقطع بحركتها شيئا، لم تخل من أحد وجهين: # إما أن تكون حركتها هذه كاختلاج العروق في أماكنها، أو سيرا من مكان إلى ~~مكان، فإن كانت حركتها من مكان إلى مكان، وقولك لم تقطع شيئا محال، لأن ~~السائر منها لا يكون إلا قاطعا بحركته للهواء، وإذا تحركت النجوم وسارت، ~~فلا بد أن تقطع ما عبرت. PageV01P111 # وإن قلت: إن حركتها كاختلاج العروق في محلها، فقد حددت الحركة وناهيتها، ~~لأنك زعمت أنها كانت تختلج في مواضعها، ثم انتقلت عن الاختلاج فانقطع منها، ~~لأنها لما زالت عن ذلك المكان بطل اختلاجها، وثبتت حركتها وجريها، وإذا ~~انقطع اختلاجها فقد تناها، لأن الحركة أتت بعد انقطاع أوله وآخره، وأيضا ~~فإنه لا يخلو ما انقطع من اختلاجها من أن يكون عدم جميعه أم لا، فلا يجد ~~بدا من أن يعلم ms027 علما يقينا أن جميع ساعات الاختلاج قد بطلت، وعدمت جميعا ~~بعد ما حدثت. # والجواب في حدث حركات الرياح وهبوبها، كالجواب في حركات النجوم في طلوعها ~~وغروبها، وقطعها للأماكن المتناهية بمسيرها، وبيان الحدث في حركتها ~~وتسخيرها، وإذا صح حدث الحركة والسكون، صح أن صانعهما ومحدثهما بخلافهما، ~~وأنه ليس بمتحرك ولا ساكن، لأنه لو كان متحركا أو ساكنا لكان محدثا، وأنه ~~لا يعقل ولا يعرف شيء من الأشياء، إلا بأن لهذه المحدثات صانعا بخلافها، ~~وأنه عز وجل أولى بكل ما حسن من الصفات، وأحق بالتنزيه عن شبه المحدثات، ~~ومن أكرم صفات العلم. # والعلم فهو ذاته. PageV01P112 # والدليل على أنه عالم أنا وجدناه مصلحا حكيما، والحكمة لا تتم للجهال، ~~وأيضا فإن الجاهل ممنوع من العلم، والله ليس له مانع، لئن الممنوع مصنوع، ~~والله صانع، وإذا انتفى عنه أن يكون ممنوعا، أو يكون مدبرا مصنوعا، صح أنه ~~لم يزل من الجهل ممتنعا، وإذا لم يزل بريا من الجهل والنقصان، فعلمه قديم ~~بأبين البيان، وإذا كان علمه قديما أزليا، وكان من تأليف الغير إليه بريا، ~~صح أن علمه هو ذاته، وكذلك قدرته وحياته، لأنه سبحانه لم يزل قادرا حيا، ~~سمعيا بصيرا قويا، وسمعه وبصره فهما: علمه، وعلمه فهو: قدمه سبحانه، وقدمه ~~وعلمه: حياته، وحياته: قدرته، وقدرته: ذاته، وذاته: حقيقته، وحقيقته: ~~وحدانيته، وحقيقة كلمته التي هي من صفات الذات هي: علمه سبحانه بجميع ~~المعلومات، وحقيقة حكمته عز وجل في صنعه لمحدثات هي: إتقانه لما صنع من ~~المحكمات، التي لا تهيأ إلا بالحكمة الأزلية، والصفة السابقة الأولية، ~~وحقيقة عدله: إحسانه، فمن وصفه بالإحسان فقد عدله، ومن نسب إليه القبيح فقد جوره. # وحقيقة رحمته لأوليائه: ثوابه، وحقيقة غضبة على أعدائه: عقابه، وحقيقة ~~كرم ذاته: عظمته، وعظمته: قدرته، وحقيقة كرم فعله: نعمته، وحقيقة عدله في ~~البلوى: تكليف ما يطاق، وحقيقة عدله في التكليف: إظهار الحسن من أفعال ~~عباده، وإظهار الحسن: خير من تركه، وحقيقة عدله في الأمر: بإظهار الحسن، ~~لأن إظهار الحسن عاقبة حسنة من ثوابه، وحقيقة عدله في خلق ms028 الكافر: أنه لم ~~يخلق كفره، بل نهاه عنه وزجره، وأوعده على فعله وحذره، وحقيقة حكمته في ~~خلقه لمن علم بمعصيته: أن خلقه لجسم العاصي وعقله، وحياته بعد موته وايجاده ~~بعد عدمه حكمة جليلة، ونعمة عظيمة، وفعل النعمة والحكمة خير من تركها. PageV01P113 # وأيضا فليس يجب على الحكيم أن يترك الحسن من فعله، لعلمه بقبح القبيح من ~~فعل غيره، وليس علمه بمعصية العاصي يدخله في معصيته، ولا علمه يجبر المطيع ~~بجبره على طاعته، وليس يثيب ويعاقب على علمه، وإنما يثيب العبد أو يعاقبه ~~بفعله، لأن العلم هو الله عز وجل، وليس يثيب الله على نفسه، وإنما يثيب ~~العبد على حسن فعله وطاعته. # فإن قال قائل: فلم لم يجبر عباده على الطاعة كلهم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأنه لو جبرهم على الطاعة، لكانت الطاعة فعله ~~لا فعلهم، ولما استحقوا المدح على فعل غيرهم، وحقيقة عدله في سقم عباده ~~وإمراضهم وموتهم، أن المرض والألم يدعو إلى الخوف من العذاب، والخوف يدعو ~~إلى النعمة والثواب، ولو أمنوا الموت والإنتقام، وشفوا من الأمراض والآلام، ~~لعظمت ذنوبهم، ولهلك بسبب الأمان أكثرهم، ولقل خوفهم، وهاهم اليوم مع قصر ~~أعمارهم قد عظم هلاكهم، وجل ظلمهم وضلالهم، فكيف لو أهملهم من ذلك وأنظرهم، ~~ولكنه جاد علينا بذلك لعلمه بضعفنا، وأغاثنا به على جهاد أنفسها، لأنا ~~وجدنا الخوف يمنع من اللذات، ويشغل عن فعل السيئات، ويدعو إلى فعل الحسنات، ~~ويدعو إلى الأقصار عن الموبقات. # والدليل على أن للصانع رسولا أنه حكيم، والحكيم لا يهمل خلقه من الأمر ~~بالخيرات، والنهي عن المنكرات، ولا يكون ذلك إلا كلاما مسموعا، فوجب أن ~~يرسل إليهم رسولا مسمعا، وحقيقة عدله في ذبح البهائم وإحلالها، أن لها على ~~ذلك ثوابا في آخرتها، وليس ألم البهائم وإتعابها إلا دون ألم الأخيار ~~وموتها، وحقيقة عدله ونفي الجور عنه، أنه غني عن الجور غير محتاج إليه، ~~وأنه عالم بقبحه، وإذا كان عالما بقبحه غنيا عنه لم يفعله، وحقيقة الدليل ~~على البعث أن الصانع حكيم، والبعث والحياة خير من ms029 موت الأبد. # ودليل آخر # أنه لم يخلق الخلق إلا لينفعهم بالبقاء، إذ لا منفعة في الهلاك والفناء. # ودليل آخر PageV01P114 أن موتهم بالكلية لا ينفعه ولا ينفعهم، وشيء لا ينتفع بفعله لا يكون من فعل حكيم. # ودليل آخر # أن بعثهم بعد موتهم لا يؤوده ولا يعجزه، وإذا لم يعجز عن فعل الخير وجب ~~عليه فعله. # ودليل آخر # أنه أمر ونهى فأطاعه قوم وعصاه آخرون، وقد وعد من أطاعه بالثواب، وأوعد ~~من عصاه بالعقاب، ثم انقضت آجال المطيعين ولم يثابوا، وانقضت آجال العاصيين ~~ولم يعاقبوا، فعلمنا أن ثم دارا غير هذه الدار، يثاب فيها المحسنون، ويعاقب ~~فيها المسيئون، لأن المطيع يجب له الثواب، وكذلك يجب على أهل المعصية ~~العقاب، لأن الحكيم لا يخلف الميعاد، لأنه غني عن إخلاف وعده ووعيده. # ألا ترى أن المخلف لوعده إنما يخلفه لأحد ثلاثة أوجه: # إما لاجتلاب منفعة. أو دفع مضرة. أو عبث وسفه. # فاجتلاب المنافع واللذات، لا يكون إلا للمحدثات، لأن لذة المنفعة لا تصل ~~إلا إلى كل شيء أو بعضه، والكل والبعض لا يكون إلا مخلوقا محدثا، ومربوبا ~~مدبرا، لأن المحتاج المضطر لا بد له من مانع منعه من الغناء والسعة والجاه، ~~واضطره إلى الحاجة، وكذلك الدافع عن نفسه للمضار يكون محتاجا إلى الدفاع عن ~~نفسه، ملجأ مضطر إلى الخوف من هلكته، ومن كان مضطرا ضعيفا خائفا، لم يكن ~~ربا ولا خالقا، لأنه محل للخوف واللذات، وملجأ إلى المحن النازلات، غير آمن ~~من المهلكات، فهاتان صفتان للمخلوقين، يتعالى عنها رب العالمين، وفاطر ~~السماوات والأرضين، وخالق الخلق أجمعين، ومجيب المضطرين، وأرحم الراحمين، ~~وأعظم الأعظمين، وأكرم الأكرمين. PageV01P115 # وأما العبث والسفه، فإنما تولد من الشهوات والهوى، والخالق تبارك وتعالى لا ~~يشتهى ولا يهوى، لأن الهوى والشهوة عرض يحل في القلوب، ويتعالى عنه علام ~~الغيوب، وأيضا فقد نجد من المخلوقين الضعفاء المحتاجين من لا يخلف وعده، ~~ولا ينقض أبدا عهده، مع ضعفه وحاجته، ومسكنته وفاقته، وقلة علمه وحكمته، ~~فكيف بمن لا يضعف عن التدبير؟! ولا يهن عن التقدير؟! ولا ms030 يحتاج إلى ظلم ~~عبده وإخلاف وعده ووعيده، ومن هو أحكم الحكماء، وأعلم العلماء، وأرحم ~~الرحماء، وأقدم القدماء، وأخبر الخابرين، وأقدر القادرين، وخير الغافرين، ~~وأحسن الخالقين، وأرزق الرازقين، وأسرع الحاسبين، وأقرب الأقربين، ومن عظمت ~~منته، ووسعت رحمته، وبانت حكمته، وظهرت نعمته، وقامت حجته، وتمت كلمته، ~~ونفذت مشيئته، وقهر سلطانه، وعم إحسانه، وعظم شأنه، ووضح برهانه، وكمل ~~عدله، وجل فضله، وكرم فعله، وبلغت رسله، والحمد لله ولي النعم، والفضل ~~والكرم، على بديء نعمه، وفضله وكرمه، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد ~~وآله وسلم تسليما. # تم كتاب عبدة النجوم # - - - # كتاب الطبائع # كتاب الطبائع # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى ~~أهل بيته الطاهرين، وسلم تسليما. # سألت يا أخي - وفقك الله لطاعته، وخصك بأجزل كرامته، وحباك بأسنى هدايته ~~- عن أولى مسائل المتعبدين، وأاعظم مقاصد المهتدين، وأهلك مهالك الملحدين، ~~فقلت: ما الدليل على حدث السموات والأرضين؟ # وهما أدل الدلائل على رب العالمين. والدليل على حدثهما، أنا نظرنا إلى ~~اختلافهما، فلم يخلوا عندنا من أحد أوجه تدل على حدوثهما: # إما أن يكونا خالفتا بين أنفسهما. # وإما أن يكون اختلافهما من قبل قدمهما. # وإما أن يكون اختلافهما دليلا على حدثهما. PageV01P116 # فإن قلت: إن اختلافهما من فعل أنفسهما، فهذا محال لما علمنا من موتهما، لأن ~~الميت لا يقي نفسه، فكيف بتدبيره لها، وإذا عجز الحي الحكيم عن تدبير نفسه، ~~وتعذر عليه تحسين القبيح من صورته، فالموات أعجز من ذلك، وأجدر بالعجز عن ~~أن يكون كذلك. # وإن قلت: إن اختلاف أجناسهما، وتغاير صفات أجسامهما، من قبل قدمهما، ~~فالقدم لا يوصف بالاختلاف، ولا يتضاد في شيء من الأوصاف، ولأنه إن اختلف في ~~شيء من أوصافه، وقع الفرق بينه لعلة اختلافه، وبطلان اتفاقه وائتلافه، لأن ~~القديم صفة واحدة توجب الإئتلاف، ولا توجب المضادة والاختلاف، فلو كانت ~~السماء والأرض قديمتين، لما كانتا في الأوصاف مختلفين، إذ لا فرق بين ~~قدمهما، فلما وقع التفاضل بين أجزائهما، والاختلاف بين صور أجسامهما، صح ~~عندنا بأيقن اليقين حدثهما، إذ لا فضل ms031 لقديم على قديم مثله، ولا يخالفه إذ ~~هو من شكله. # فإن قال بعض الملحدين بجهله، أو عارض بمكابرة عقله: وكذلك المحدث أيضا لا ~~يخالف محدثا مثله، ولا يوجد في الأوصاف مغايرا له. # فالجواب في ذلك وبالله نستعين: أن اختلاف المحدثات أوجب من اختلاف ~~القديم، لأن القديم لا فرق بين قدمه، ولا مخالف بينه، فيدل فيفصل بعضه على ~~بعض، والمحدثات أضداد مختلفة، وفي الدلالة على الصانع مؤتلفة، واختلاف ~~أجناسها دليل على المخالف بينها، ليعلم أنه سبحانه بخلافها، وتصرف أحوالها ~~دليل على مصرفها، لأنا لما وجدنا السماء قد خصت بالسمو والارتفاع، وخصت ~~الأرض بالهبوط والاتضاع، علمنا أن مختصا خالف بينهما، ودل بذلك على ~~حدوثهما، ومما يدل أيضا على حدوث الأرض إذ هي أقربهما إلينا، وأنشرهما ~~مشاهدة علينا، أنا لما نظرنا إليها، وما أظهر الله من الدلائل عليها، ~~فوجدناها على ضربين مختلفين: PageV01P117 # وهما الكبر والصغر، فما الذي جعل بعضها كبيرا، وجعل منها شيئا صغيرا، حتى ~~خالف بينهما، وما الخصيصة التي فضلت أحدهما بالكبر، وخصت أحدهما بالقلة ~~والصغر، أو لست تعلم أن الخصائص تدل على المختص بها. # ودليل آخر # لما نظرنا اختلاف سهولها وجبالها، وتضآد أحوالها وألوانها، دل ذلك على ~~صانعها وجاعلها، إذا التفضيل لبعضها على بعض، دل على المفضل بينها. # ودليل آخر # أنا نظرنا إلى افتراقها واجتماعها، فوجدنا منها ما هو ملتحم مجتمع، ومنها ~~ما هو مفترق منقطع، [ف] علمنا أن له مفرقا جامعا، ومفتطرا خالقا صانعا، ~~وإلا فما جعل المفترق مفترقا، دون أن يكون ملتما ملتزقا؟ وما خص أحدهما ~~بالتباين والافتراق؟ وخص الآخر بالملائمة والإلتزاق؟! # ومما يدل على حدث الجسم الواحد في ذاته، أنه متغاير مختلف في جميع صفاته، ~~لأن حركة الشيء غير سكونه، ورائحته أبدا غير لونه، وصفاته غير عينه، فلا بد ~~من صانع ألف بين المختلفات بلطفه، وإلا فما الذي خالف بين الموصوف ووصفه؟!! # وسألت عن الدليل على حدث أصول المتناسلة وفروعها، وبيان الصنع في عللها ~~وطبائعها؟ # والجواب في ذلك: أن الدليل على حدث أصولها وفروعها، أن الحكمة لازمة ~~لجميعها، ms032 لأن كل طبيعة من طبائعها قد جعلت لمصلحة من مصالحها، كما أصلحت ~~الأجساد بآلات جوارحها، فكل طبيعة من هذه الطبائع لا تشبه الأخرى، ولولا ~~اختلافها على الحيوانات لهلكت، وما تناسلت ولا كثرت، لا الحيوانات في بدي ~~نشأتها ركبت على ضعف بنيتها، لتعلم بفاقتها وحاجتها، أنها مضطرة إلى المنعم ~~بقوتها، لتشكر فضل نعمه بحياتها، فتستحق المدح والثواب على شكرها. PageV01P118 # والطبائع الأربع فهي أضداد متنافية، وهي في صلاح الأجسام متكافية، لأن الحر ~~والبر ضدان، وكذلك الرطوبة واليبس مختلفان، وكذلك الاختلاف دليل على حكمة ~~صانعها، إذ جعل كل طبيعة يصلح بخلاف ما تصلح له الآخرى، وإلا فما الذي جعل ~~البرد والحر مختلفين؟! دون أن يكونا جميعا مؤتلفين؟! وما الذي خص أحدهما ~~بالتبريد والاجماد؟! وخص الآخرى بالحرارة والاتقاد؟ وما الذي خالف بين ~~اليابس والرطب فاختلفا؟ دون أن يتفقا ويأتلفا؟! وما الذي خص أحدهما ~~بالرطوبة واللين؟ دون أن يكونا على اليبس مجموعين؟! فالموجود من الأجسام ~~كلها لا يصح وجوده إلا يابسا أو رطبا حارا أو باردا؟! ولو بطلت الطبائع من ~~الجسم لما كان موجودا!! كما لا يصح وجود محدث عدمت حركته وسكونه، لأن ~~الموجود صفة لا يصح مع بطلانها كونه، ولو عدم الحيوان طبائع الحركة، لكان ~~ذلك له من أعظم التهلكة، وكذلك القول في الأشجار المغتذية، أنها لا تتم إلا ~~بطبائع الأغذية، وليست الطبائع بفاعلة للحكمة والتدبير، ولا هي بعالمة ~~بعجائب التقدير، وإنما هي حكمة من حكم رب العالمين، ودلالة عليه بجميع ~~المخلوقين. # وأصل الحكمة عند جميع أولي الألباب، فإنما هي إصلاح الأسباب بالأسباب، ~~فلما وجدنا الأشياء مصلحة بطبائعها، دلنا الإصلاح على حكمة صانعها، لأن ~~الطبائع جعلت لمنافعها، فعلمنا أن المتفضل عليها بنعمها، حي عالم بضعف ~~أجسامها، لأنه لو كان ميتا جاهلا بفاقتها، لما اهتدى إلى الصلاح قوام ~~حياتها، لأنا نجد الموت والجهل يوجبان الفساد، ولا يدركان تدبير أمور ~~العباد. # والدليل على أصول هذه الفروع، أن الموت وقع على الجميع، وللجميع نهاية وغاية. PageV01P119 # ألا ترى أن الفروع متشعبة من أصولها، فإن الأصول في التدبير كنسولها، ms033 وإذا ~~صح أن في هذه النسول من الحكمة مثل ما في الأرض فلا بد لها من محكم، وإذا ~~صح أن عليها نعمة فلا بد من منعم، وإذا كانا جميعا محدثين، فهما بغير شك ~~متناهيان، لأن الموت وقع على أصولها كلها، وللكل نهاية وغاية. # ألا ترى أن أصولها على معنيين يدلان على النهاية، ويخبران بالأصل ~~والغاية، وهما الحياة والموت، وذلك أن الحياة حوتهم كلهم فلم تغادر منهم ~~أحدا حتى حوته، ولم تترك من أجسادهم جسما حتى حلته، ثم خرجت الحياة من ~~الأجسام كلها، وانتقلت فروعها وأصولها، فلم تبق الحياة جسما حتى فارقته، ~~ولم تترك جسدا حتى باينته، ثم تضمن الموت جميعهم، وحوى أصولهم وفروعهم، ~~وإذا حواهما الموت فقد ناهاهم، وأوضح حدهم وغاياهم، لأنه لم يقع على الفرع ~~حتى تضمن أصله، ولم يفن الفرع حتى أفنى الأصل قبله، وإذا تناهت الفروع إلى ~~أصولها، ورجع أكثرها إلى قليلها، فلا بد من النظر في الأصل الذي هو أقل من ~~فرعه، والبحث عن (1) فعل الحكيم وصنعه، فإذا نظرنا في ذلك علمنا أن الغاية ~~التي صحت، والنهاية التي سلفت، زوجان أصليان غير مولودين، ولا من الأصلاب ~~والأرحام موجودين. # والدليل على حدثهما، كالدليل على حدث فروعها، وذلك أن في كل واحد منهما ~~حكمة في ذاته، ومصالح في جوارحه وصفاته، ثم علمنا أن فيهما جميعا صنعا ~~محدثا، من عجيب خلق الذكر والأنثى، وجعل كل واحد منهما لصاحبه غمدا، وقصد ~~الصانع لإتفاقها قصدا. # والدليل على أنهما كانا قبل حياتهما ميتين، وكانا قبل الحياة معدومين، ~~أنهما إذا كانا حيين معمرين، فلا يخلو ما مضى من أعمارهما من أن يكون كثيرا ~~أو قليلا، وللكثير والقليل نهاية تدل على الابتداء، لأن ما مضى من العمر ~~فقد تناها، لأن كثيره لم يكثر إلا بعد أوليته. PageV01P120 # ودليل آخر # أن حركتهما فيما مضى لم تكثر إلا بعد قلتهما، وقلة الحركة تدل على ~~أوليتها، وتخبر بقضا جميعهما بنهاياتها، وانقطاع أولها وآخرها بغاياتها، ~~لأن أحد الحركة لم يعدم إلا بعد عدم أولها، وانقطاع أكثرها وقلتها، وفنائها ~~بعد ms034 حدوثها كلها، والحياة مقرونة بالحركات، والسكون مقرون بالممات، فكانت ~~حياتهما مدة والمدة قد عدمت، وكانت لهما حركات فسكنت، وأعمار بعد حدوثهما ~~انقطعت، فرحمة الله عليهما ورضوانه، وصلواته وغفرانه. # وإذا صح أن لحياتهما أولا، لم يخلوا من أن يخلقا في البدء طفلا، أو يكون ~~جعلهما تماما كاملا، فإن كانا في بدء خلقيهما طفلين، وكان إلى التربية ~~واللطف محتاجين، وذلك دليل على خالقهما، إذ جعلهما بعد صغرهما، وقواهما بعد ~~ضعفهما، وكثرهما بعد قلتهما، وعلمهما بعد جهلهما، وأغناهما بعد فقرهما. # وإن كانا في بدء الأمر كاملين، وخلقا في البدء عاقلين، فإنهما في الكمال ~~محتاجان إلى الأغذية، وأنواع المصالح المخلتفة، من المآكل والمشارب الطيبة، ~~واللباس وأظلة الأبنية، وذلك فما لا يقدران عليه، ولا يجدان السبيل أبدا ~~إليه، إلا بالله المنعم الواحد الخلاق، المتفضل الرازق، لأنهما في بدء ~~خلقهما لا يدريان ما أريد بهما، ولا يكون ذلك إلا بعد تأديب مؤدبهما، وقبول ~~إلهام معلمهما، لأنهما مع جهلهما وخبرتهما، لا يعلمان المنافع والمضار إلا ~~بعد طول تجريبهما، والتجربة ربما كان فيها الهلاك والتدمير، وبطلان الحكمة ~~والتدبير، فمن أجل هذا أوجبت أن يكونا معلمين، وبجميع أسباب الحكمة ملهمين. PageV01P121 # والدليل على أصول هذه البهائم ونسلها، كالدليل على هذه الفروع وأصلها، ~~فلعمري لو لم يكن لنا من النظر إلا ما في جوارحنا، لكان في ذلك دلالة على ~~الله سيدنا!! ولكنا علمنا أن الفحص عن أصل هذا لخطب الجليل، أولا بالحكمة ~~عند أهل العقل، ولترك النظر هلك الملحدون، الفسقة الكفرة الجاحدون، الصم ~~البكم المتلددون، الجهلة الفجرة المتمردون، ولترك الأدلة لم يعرفوه، ~~وبعداوتهم جهلوه، فهم كالبهائم التي لا تعرف إلا ما جاهرت، ولا تميز إلا ما ~~حاضرت، ولا تدرك إلا ما شاهدت ونظرت، فزادهم الله نأيا وبعدا، ولا وفقهم ~~لخير أبدا. # وسألت - أكرمك الله - عن دوام التكليف بعد الرسول، وذكرت أن يكون ~~الجواب من المعقول؟ # والدليل على دوام ذلك: أن الحكيم لا يهمل خلقه من الأمر بالخيرات، والنهي ~~عن المنكرات، لأنه إن تركهم على الضلالة ولم يهدهم، ولم يأمرهم ولم ينههم، ms035 ~~فقد اختار لهم الضلالة على الهدى، وأرغبهم في الغواية والردى، ومن اختار ~~الضلالة فغير حكيم، ومن رضي للعباد بالجهل فليس برحيم، فمن هاهنا صح دوام ~~التعبد لجميع العباد، إذ الإهمال يدعو إلى الفساد. # ودليل آخر # أن الحكيم إذا أظهر حكمته لم ينسخها ولم يبدلها، إلا بخير منها أو مثلها، ~~ولم ير بعد القرءان بدله، ولم ير خير منه ولا مثله. # ودليل آخر # أن الحكيم إذا ركب في عباده الاستطاعة والقوى، وفطرهم على منازعة الهوى، ~~فلا بد من صرف ذلك في طاعة (1) وهدى، وهذا أوفى جهل وضلالة وردى، فالعقول ~~تشهد أن الحكيم لا يأمر بصرف نعمه في الفساد، ولا يرضى لعباده بغير الرشاد، ~~ولا رشدا أرشد ولا هدى أهدى، مما نزل الله في الفرقان من الهدى. # ودليل آخر # أن من أخفى هداه وحكمته، فقد نزع عن أوليائه رحمته، ومن أخفى حكمته عن ~~أوليائه وخلع حجته عن أعدائه، فقد برئ من الحكمة والتدبير، إذا رضي بالجهل ~~والتدمير. # ودليل آخر PageV01P122 أن دار البلوى لا يخلو أهلها من التشاجر في أحكامهم وأديانهم، واختلاف ~~آرائهم وأهوائهم، وإذا كانوا من الصفة على ما ذكرنا، وكانوا من الاختلاف ~~على ما به قلنا، فلا بد للحكيم من أحد وجهين: # إما أن يختار لهم أحكامهم على حكمه، ويصطفي جهلهم على علمه. # وإما أن يحكم علمه على جهلهم، وينفي بحكمه باطل حكمهم، وإذا لم يكن بد من ~~كتاب يحكم بينهم، ويبين لهم ما التبس عليهم، فلا يعلم أبين من قوله، وما ~~نزل من الهدى على رسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإذا كانوا من ~~اختلاف الأهواء على ما قدمنا، وفي قلة الإتفاق على ما شرحنا، لم يؤمن أن ~~يلبسوا بذلك على من يريد النجاة بجهلهم، ويبطلوا الحق بأسوأ فعلهم، فمن ~~هاهنا وجب على الحكيم تبارك وتعالى أن يرسل في كل قرن من القرون رسولا ~~ليبين لهم ما فيه يختلفون، وينفي من الباطل ما لبس الضالون، وإذا كان ذلك ~~واجبا عليه لحكمته، لم يؤمن أهل التموية من بريته، أن يلبسوا ms036 على الناس ~~بدعوى رسالته، فمن هاهنا وجب أن يخص بالإمامة أهل بيت معروفين، وبصحة النسب ~~عند الخلائق مشهورين، ليكذب الناس مدعي ذلك من غيرهم، ويكون الطلب للإمامة ~~في بعضهم أيسر من الطلب في كلهم، وأبين للمرتادين، وأهون على المتعبدين، من ~~أن يطلبوه في الخلائق أجمعين، مع أنه لو كان ذلك في جميع الناس، لوقعوا في ~~أعظم الالتباس، لكثرة دواعي الفاسقين، واغتيال الظلمة المنافقين. PageV01P123 # ولما كان ذلك واجبا على الحكيم نظرنا في قوله، فوجدناه قد افترض مودة ذوي ~~القربى من رسوله، ووجدناه أقرب القرابة لديه، وأسبقهم وأعظمهم عليه، ~~وأجداهم في الجهاد بين يديه، وأحبهم إلى الله وإليه علي بن أبي طالب أمير ~~المؤمنين، عليه صلوات رب العالمين، ثم وجدنا أقرب قرابته، وأخصهم بنسبه ~~وولادته السبطين، ابني الرسول الطاهرين، صلوات الله عليهما، وعلى أبيهما ~~وأمهما، وعلى من طاب من ذريتهما، ثم وجدنا الرسول صلى الله عليه قد خصهما ~~بنسبه وولادته، فعلمنا أن ذريتهما أقرب قرابته، مع دلائل تطول لو ذكرناها، ~~ويتسع بها القول لو شرحناها، فهم أقرب قرابة الرسول، وأحقهم بنسبه عند جميع ~~أهل العقول، وإذا كان الإمام من هذين الحيين، وكان لا يوجد في غير آل ~~السبطين، فلا بد له من دلائل يبين بها عنهم، وإلا فلا فرق بينه وبينهم. # فمن تلك الدلائل التي تبينه عن قرابته، وتشهره للناظرين عن أهل نسبته من ~~أهل بيته، أن يكون أرجحهم عقلا، وأحسنهم مقالا وفعلا، وأشهرهم حكمة وفضلا. # وسألت - وفقك الله لمرضاته، وأعانك على طاعته - عن حكمة الله في خلق ~~هذه الضوآر، من ذوات السموم والمضار. # واعلم يا أخي أن هذه الهوآم في أنفسها حكمة جليلة تدل على خالقها، من ~~تركيب آلاتها وأدواتها، وإحكام صنعة هيئاتها، وإصلاح جميع قوام حياتها، ~~وإلهامها لمنافعها ومضارها، ولذات نعيمها ومسآرها، فقد كفيت أسباب أرزاقها، ~~وسهل لها جميع أرفاقها، لعلم الصانع الحكيم بضعفها، عن اختيار الأرزاق ~~وتكلفها، فأعانها عز وجل من سعة فضله، وكفلها بأنواع لطفه، وهي لا تحرث ولا ~~تزرع، ولا يدخر أكثرها ولا يجمع، فكم فيها من ms037 عجيبة تضل فيها العقول!! ~~وحكمة يقصر دون وصفها القول!! وما عسى أن نذكر من عجائب أوصافها!! ونشرح من ~~خصائص ألطافها!! ونحصي من غرائب أصنافها!! لعجزنا عن ذلك وضعفنا، وجل صنع ~~الحكيم عن وصفنا. PageV01P124 # ألا ترى إلى الذرة وضعفها، كيف عجزت الحواس عن وصفها؟! وقصرت عن إدراك ~~مختلف أغراضها، في تصرف إقبالها وإعراضها، ودرك فهمها لمعايشها، ونفورها عن ~~المهالك وخوفها، وشهواتها لجميع لذاتها، وقوام روحها وحياتها، وإصلاح خلقها ~~وتعديلها، وتوصيل جوارحها وتفصيلها، قد جعلن لها أعماد تقلها عن السقوط، ~~وفصلت للإصعاد والهبوط، ولولا تلك الأعماد لما ارتفعت، ولولا تفصيلها لما ~~انتفعت، ولسكنت عن التحرك وانقطعت، ولكن الحكيم جاد عليها برحمته، وامتن ~~عليها بإظهار حكمته، وأتمها بفواضل نعمته. # وأما ما ينال الآدميين من ضرر الهوام، فما هو إلا كسائر الآلام، وما السم ~~إلا سقم من الأسقام، وعلة من علل الأجسام، ومحنة من محن ذي الجلال ~~والإكرام، يعظم فيها الأجر للمسلمين، ويجل فيها ثواب المؤمنين، وتخويف من ~~رب العالمين، وموعظة لعباده الموقنين، وحجة ونعمة للفاسقين، وعقوبة للفجرة ~~الظالمين، لأن الألم يدعو إلى ذكر الموت والفناء، ويزهد ذوي الألباب في ~~الدنيا، فيدعوهم الخوف إلى الإقصار عما يولج في عذاب النار، فهذه حكمة من ~~حكم رب الأرباب، يستحق الشكر عليها من ذوي الألباب، مع أنه عز وجل يثيب ~~المؤمنين على أمراضهم وأسقامهم، أكثر مما يثيبهم مع صحتهم، فالحمد لله الذي ~~جاد علينا بموعظته، وجعل الرحمة في نعمته، فيا لها محنا حسنت؟!! ونعما جلت ~~وحسمت؟!! وحكمة بانت وعظمت!! PageV01P125 # وإذا كان في البهائم لله حكمة، وكان عليها منه نعمة، وكان آلمها بأنواع من ~~الآلام، وامتحنها بالموت والأسقام، فلا بد لها في الآخرة من نعيم لا يبلى، ~~إذا كان إيلامه لها عدلا، وإذا كان بالبهائم الخرس رحيما، وكان في أمورها ~~عدلا حكيما، فكيف بمن عرفه من أوليائه؟! وأيقن بثوابه ولقائه؟! وأحب وأبغض ~~فيه، وهجر في بغضه مبغضيه، وصافا في محبته محبيه، ووالى فيه من يواليه، ~~وعادا وناصب من يعاديه، فرحم الله عبد اتصل بمولاه، وذل له ولمن والاه، ms038 ~~وقطع فيه جميع من عاداه، ولم يركن إلى متاع غرور دنياه. # وقد بلغنا عن بعض أهل الحيرة والعمى، ومن لم يعط من التوفيق عطية لحكماء، ~~أنه زعم أن البهائم تكون بعد الحشر ترابا، ولا يجعل الله لها على ألمها ~~ثوابا، وإنما يقول هذا من جهل حكمة الواحد الرحمن، ولم يوقن برحمته حقيقة ~~الإيقان، وقذفه بالجور والعدوان، ولو كان الأمر في البهائم على ما وصف ~~الجهال!! وقال به الكفرة الضلال!! لم يخل في إماتته لها من أحد وجهين: # إما أن يكون عدلا في إماتتها مرتين، ويثيبها على بعثها ثوابين، بعد أن ~~يحشرها في الآخرة حشرين. وهذا محال عند ذوي العقول، فاسد في الاعتقاد ~~والقول. # وإما أن يكون جائرا كما زعموا. فيعذبها عذابين، بعد أن أحياها كرتين، ~~فكيف يكون عدلا إذا آلمها؟! وامتحنها بعد الحشر فأعدمها؟! ومن عذب في ~~الآخرة والأولى بغير ذنب لم يكن عدلا!! فقذفوا الله تبارك وتعالى وأخرجوه ~~من الحكمة جهلا. # ودليل آخر # إما أن يكون تعالى عن قولهم رحيما في إماتتها. # وإما أن يكون رحيما في حياتها، فالرحمة لا تكون في الموت الأبيد، وإنما ~~الرحمة في الحياة والتخليد. # ودليل آخر # إما أن يكون موتها ينفعه، وإما أن يكون ينفعها، فهو غني عن موتها ~~وحياتها، وهي محتاجة إلى حياة أنفسها، والموت فغير نافع لها، وإذا اتسعت ~~رحمته، فكيف يضيق على البهائم نعمته؟! وهو قادر على تخليدها، وغير عاجز عن ~~مزيدها. PageV01P126 # وسألت عن الدليل على دوام التخليد؟ # والجواب في صدق الوعد والوعيد، أن الحكيم رؤف بالعباد، وإبطال الجنة ~~وأهلها من أكبر الفساد، والحكيم لا يقطع ثوابه عن أوليائه، كما لا يقطع ~~عقابه عن أعدائه، لأنه إن قطع ثوابه فقد ظلمهم، وعبث في خلقه فأهلكهم، ~~والله يتعالى عن العبث والفساد، ويجل عن ظلم العباد، لأن أهل الجنة صبروا ~~على محن الحكيم، والصبر محمود عند كل رحيم، وأيضا فإن الحكيم لا يظهر ~~الحكمة للعبث والفناء، ولكنه جعل ذلك للبقاء، وقد أحسن أهل الجنة بالطاعة ~~والإيمان، فهل يجازى أهل الإحسان بغير الإحسان؟! # أجل ms039 أنه لبعيد عن ذلك!! وأكرم من أن يكون كذلك!! وأيضا فإنه شكور ~~للمطيعين، والشكور لا يقطع شكره عن الشاكرين، ولا يهلك عباده المؤمنين. # ألا ترى أن حكيما من حكمائنا لو أنعم بنعمة ثم سلبها، وانتزعها عن المنعم ~~عليه وأذهبها، لما سميناه مع هذا الفعل الدنيء حكيما!! ولا دعاه أحد أبدا ~~كريما!! ولصار عند الخلائق مذموما! ولكان عند الجميع لئيما! ولما كان عندهم ~~أبدا رحيما! فكيف بأحكم الحاكمين؟! وأرحم الراحمين؟! وأشكر الشاكرين؟! وخير ~~الغافرين؟! # فإن قال بعض الجهال الملحدين، الكفرة الفجرة الجاحدين: فلم زعمتم أنه لا ~~يرحم أهل النار؟! ولا ينقلهم إلى دار الأبرار؟ PageV01P127 # قيل له ولا قوة إلا بالله العظيم: لأن إخراج الفاسقين من العذاب الأليم، ~~إلى الجنة والثواب الكريم، يدعوهم إلى البطر والفساد، وإلى ما كانوا فيه من ~~الكفر والعناد، والعبث والظلم للعباد، وذلك قول الواحد الرحمن، فيما نزل من ~~محكم القرآن:{ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون }[الأنعام:28]. ~~فكيف لا يستحق هؤلاء الفاسقون، ما صاروا إليه من العذاب المهين؟! مع ما علم ~~الله من كفرهم وفسادهم، وفجورهم وعنادهم، حتى أنه علم أنه لو أخرجهم من ~~العذاب، لعادوا لما نهوا عنه من الأسباب، فكيف يا أخي - أكرمك الله بثوابه، ~~ونجانا وإياك من عذابه - يرجي لهؤلاء أبدا ثوابه؟! أو ينتظر منهم إنابة؟! ~~أو تنفع فيهم موعظة أو تذكير؟! مع ما سمع من قول العليم الخبير!! ومتى يرجي ~~لهم فلاح؟! أو صبر أو رجعة أو صلاح؟! إذا لم يزجروا أنفسهم عن اللذات، ~~ويقطعوها قطعا عن الشهوات، ويجاهدوها جهادا عن المهلكات. # فإن قال قائل، أو سأل من الملحدين سائل: فيكف لا يهلكهم ويفنيهم؟! ~~ويميتهم في النار ويبليهم؟! # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأنه لو أماتهم وأهلكهم، لأخلف وعيده في ~~تخليدهم، والحكيم لا يكذب في وعيده، فيكون ناقصا عند جميع عبيده. # وأيضا فإنه لو أهلكهم لكان الموت راحة لهم، ولكان تخفيفا عنهم، وتخليصا ~~لهم من العذاب، وتفريجا من كرب العقاب، فكيف يفرج الحكيم عن من قتل ~~أنبياءه؟! وظلم رسله وأولياءه؟! ms040 وأعان على دينه أعدائه؟! واجتهد في إطفاء ~~نوره! واستهزأ وتلعب أموره، وأقبل على لهوه وفجوره، واشتغل عن وعظه ~~وتذكيره، فكل هؤلاء الظلمة الفجار، الفسقة الأنجاس أهل النار، يظلم على قدر ~~طاقته، ومبلغ قوته واستطاعته. # فمنهم: من فعل جميع الشرور، وركب أنواع الظلمة والفجور، وقتل الأنبياء ~~المرسلين، والأئمة الطاهرين، وأتباعهم الأخيار المؤمنين. # ومنهم: من خذل المرسلين، وأعان بخذلانه لهم القاتلين. PageV01P128 # ومنهم: من كثر بداره ديار الفاسقين، وكثر جمائع الظالمين، وعمر أسواق ~~الجائرين. # ومنهم: من ظلم نفسه وأغواها، واختار الهلكة فأرداها، ثم يطمع أن يخلف ~~الله وعده، ويظلم بإخلاف الوعيد نفسه، والحكيم لا يظلم نفسه بالمحال، ~~وإخلاف صدقه في المقال، للكفرة الفجرة الضلال، العصاة للواحد الرحمن، ~~العظيم المتفضل المنان، ذي العزة والكرم والإحسان، والقدرة والمحال ~~والسلطان، والحكمة والجلال والبرهان، واللطف والبر والإيمان، من لا يعذب ~~أولياءه، ولا يظلم في الحكم أعداءه، ولا يأخذ أحد بغير كسبه، ولا يعذبه إلا ~~بذنبه، ولا يعذب بصغائر الذنوب، ولا تخفى عليه خواطر القلوب (1)، ولا تحتجب ~~عنه خفيات الغيوب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # - - - ### | AUTO كتاب # شواهد الصنع # والأدلة على وحدانية الله وربوبيته # كتاب شواهد الصنع والأدلة على وحدانية الله وربوبيته # الحمد لله الذي لا يعذب من حمده، ولا يضل عن الهدى من أرشده، ولا يخيب ~~رجاء من قصده، ولا يذل من نصره، ولا يضل سعي من شكره، ولا يعمى عن الحق من ~~بصره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله، شهادة من أيقن بوحدانيته، وتعرض لعفوه ورحمته وجوده وكرمه ورأفته، ~~وأقر (2) بذل ملكته، وتخضع لعظمة سطوته، وانقطع إليه بكليته، وأخلص (3) ~~قلبه لمحبته، وانقاد لأمره وطاعته، وتاب إليه من خطيئته، وأستعين به على ~~نصيحته، وأرغب إليه في مودته، وإلهام رشده وحكمته. # وبعد يا أخي (4) فإن الله جل ذكره، تعرف إلى خلقه بإيجاد ما أوجد من ~~بريته، وصنع ودبر بمشيئته، ثم أوصل إليهم العلم لربوبيته، بما أظهر لهم من ~~أعاجيب فطرته، وشواهد صنعه، وآياته. PageV01P129 ### || AUTO باب الدلالة على ms041 الله عز وجل # إن سأل سائل مسترشد، أو قال قائل ملحد: ما الدليل على الله رب العالمين؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم أيها السائل أنا نظرنا إلى (1) الإنسان، ~~فإذا هو أقرب الأدلة على (2) نفسه، فلم يخل عندنا من أحد ستة أوجه لا سابع لها: # إما أن يكون خلق نفسه. # وإما أن يكون قديما لم يزل. # وإما أن يكون حدث لعلة من العلل. # وإما أن يكون هملا رسلا لا من علة ولا من خالق. # وإما أن يكون متولدا لم يزل نطفة من إنسان وإنسانا من نطفة، إلى ما لا ~~نهاية له ولا أصل، ولا غاية ولا أول. # وإما أن يكون من خالق محدث قديم، حي قيوم (3). # فإن قلت: إنه قديم لم يزل، فهذا محال، لأنا وجدناه بعد العدم. # وإن قلت: إنه أحدث نفسه، فهذا محال، لأنا وجدناه في حال كماله وبلوغه ~~وحياته عاجزا عن تحسين القبيح من صورته، فعلمناه في حال نطوفيته وموته ~~وغفلته ونقصانه وقلته، أعجز وأضعف، لأنه إذا عجز في حال الكمال، فهو في حال ~~الضعف أحرى بالعجز. # وإن قلت: إنه حدث من علة من العلل، فهذا محال، لأن العلة لا تخلو في حال ~~إحداثها من أحد (4) وجهين: # إما أن تكون مواتا. # وإما أن تكون جسما حيوانا. # فإن كانت حيوانا فيستحيل تدبير الحيوان مثله، إذ الحيوان مصنوع عاجز عن ~~الصنع ممنوع (5)، وإن كانت العلة مواتا فيستحيل أن يصنع الموات إنسانا ~~محكما مدبرا، متقنا مصورا ، حكيما عالما، إذ الموات لا يعني (6) نفسه، فضلا ~~عن فعل الحكمة البالغة، والنعمة السابغة. PageV01P130 # وإن قلت: إنه حدث بالتولد نطفة من إنسان، وإنسانا من نطفة، إلى ما لا ~~نهاية، ولا أصل ولا بدي، ولم يزل شيئا من شيء، فهذا محال، لأنك قد أقررت ~~بما شاهدت من حدثه، ثم نقضت يقينك بالظن الكاذب، فقلت: لا أصل للمحدث ولا ~~بديء، وهذا المحدث لم يزل شيئا من شيء (1)، فقولك: محدث يقين، وقولك: قديم ظن. # ودليل آخر # أنا نجد في هذا المحدث آثار الحكمة بعد عدمها، ويستحيل ms042 أن تكون الحكمة ~~الحاثة قديمة أزلية. # ودليل آخر # أنا نظرنا الخلق فإذا هو قد أكمل وأحكم، وأنعم عليه وأكرم، فعلمنا أن ~~الإحكام والإكمال لا يكون إلا من مكمل محكم، وأن الكرامة والنعمة لا تكونان ~~إلى من مكرم منعم. # ودليل آخر # أنا وجدنا الإنسان فرعا، ولا بد لكل فرع من أصل، ويستحيل فرع من غير أصل. # ودليل آخر # أنا وجدنا الإنسان ينتسب إلى ذكور وإناث، فإذا أصله على قسمين، وللقسمين ~~نهاية وغاية. # ودليل آخر # يدل على الأصل والفرع من الجدود، أن الموت وقع عليهم، فلم يخل من أحد ~~ثلاثة أوجه: # إما أن يكون وقع على جميع آبائه الأول منهم والآخر. # وإما أن يكون وقع على بعضهم. # وإما أن يكون لم يقع على أول منهم ولا آخر. # فإن قلت: لم يقع على أحد، فأوجدنا جميع جدودك الأحياء الأولين. # وإن قلت: بل وقع على بعضهم، فأوجدنا الأوائل الباقين أهل القدم منهم. # وإن قلت: بل وقع على أولهم قبل وقوعه على آخرهم، فهذا يدل على أن الإنسان ~~قد وقع عليه الموت. # ودليل آخر # لما وجدنا الإنسان فرعا حيا (2)، والجدود أصولا أمواتا، لم يخل الموت من ~~أن يكون وقع على الأصل كله، أو لم يقع، فلا يجد بيدا من أن يقول: بل وقع ~~على كل ذكر وأنثى من الجدود والجدات، وفي إقراره ما كفى إن أنصف عقله. # ودليل آخر # إن قال: ما أنكرتم من أن يكون لم يمت أموات (3) من هذه الأصول، إلا ~~وقبلها أموات إلى ما لا نهاية له (4)؟ PageV01P131 # قيل له ولا قوة إلا بالله: أوليس قد تقدم فيما مضى من كلامنا أن قولك هذا ~~محال، لأنه ظن، وحدوث الحكمة والنعمة والرحمة يدل على المحدث الحكيم، ~~المنعم الرحمن (1) الرحيم بأيقن اليقين، وقبول العقول أولى من قبول الظن. # ودليل آخر # أنا قد بينا لك أيضا أن قولك متناقض فاسد، لأنك أقررت بالحدث!! ثم نقضت ~~ذلك بقولك: قديم، والمحدث لا يكون قديما كما لا يكون القديم محدثا. # دليل آخر # لا يخلو قولك لا نهاية للأموات من ms043 أحد ثلاثة أوجه: # إما أن تكون عنيت جميع الأموات. # وإما أن تكون عنيت بعضهم. # وإما أن تكون ظننت ذلك ظنا وتوهما، فإن كنت ظننت ذلك ظنا، فاليقين أولى ~~بالإتباع من الظن، والحق أولى بالتصديق من الباطل، والتعلق بالخيرة أولى من ~~المقام في الحيرة (2)، وإن كنت أردت بقولك: لا نهاية تريد بعضهم، فهذا ~~محال، إذ لا فرق بين أولهم وآخرهم في وقوع الموت عليهم، وانقطاع آجال ~~جميعهم، وتصرم الكل منهم، وإن كنت عنيت بقولك: لا نهاية له(3) جميع ~~الأموات، فهذا محال، لأن الموت وقع على الكل، وللكل نهاية وغاية. # ألا ترى أن الموت قد حوى الجميع ولم (4) يغادر منهم أحدا، ولم يقع الموت ~~على الفرع حتى تضمن أصله، لأنه لم يفن الفرع حتى أفنى الأصل قبله، ولم يفن ~~بعض الأصل بل أفنى كله. # وإن قلت: إنه حدث من غير محدث، ولا من علة هملا رسلا، فهذا من أحول ~~المحال، وأبطل الباطل وأفسد المقال، لأنه إذا حدث من غير علة ولا محدث، لم ~~يخل من أن يكون حدث من العدم، أو من نفسه!! # فإن قلت: إنه حدث بإحداثه لنفسه فهذا محال، لما قدمنا من فساد ذلك. PageV01P132 # وإن قلت: إنه حدث من العدم فهذا محال بين الفساد، لأن العدم لا يوصف ~~بالإيجاد، ولأن (1) العدم لا شيء، والفاعل لا يكون إلا موجودا مدبرا، حكيما ~~مقدرا، لأن قولك: لا شيء (2) يحدث شيئا نفي للمحدث والمحدث، لأن لا شيء ~~عدم، والشيء وجود، والعدم ليس بعامد ولا معمود، ولا شيء سوى اللفظ مقصود، ~~وإنما قولنا: عدم، نريد النفي بهذا الاسم، وإذا كان هذا المحدث عدما قبل ~~حدوثه، فالعدم لا شيء، ولا شيء لا يكون شيئا بغير شيء، لأنك إذا قلت: معدوم ~~يقوم (3) بمعدوم، نفيت الجميع، إذ كله باطل محال، وعبث من صاحب المقال، ~~وإلا فما الذي (4) جعل وجود المعدوم أولى من عدمه؟! وما جعل حدوثه أولى من تركه؟! # فإن قلت: إن ذلك من أجل أنه متروك فالمتروك متروك. # وإن قلت: من غير الترك، فذلك الفاعل، الحكيم الجاعل، ms044 المتفضل بالتكوين، ~~الخالق بغير معين، الرحمن الرحيم، العليم الحكيم، الواحد الأحد، المفرد (5) ~~الصمد، الذي لا إله سواه، ولا أمد حواه، ولا عين تراه، ولا له مثل (6) ولا ~~نظير، ولا وزير ولا نصير، ولا شريك ولا مشير، إلاهنا وسيدنا، وحبيبنا ~~ومعتمدنا، وربنا وخالقنا، ومنشئنا ورازقنا، من لا تحصى آياته، ولا تنقطع ~~دلالته، ولا تعد نعمه، ولا يتناقض علمه، ولا يستجهل حلمه، ولا يدركه نظر، ~~ولا يحويه قطر، ولا يكتنهه ضمير، ولا يحده مصير، ولا يعجزه تدبير. # ودليل آخر # لو حدث لعلة لم تخل تلك العلة من أحد وجهين: # إما أن تكون جسما. # وإما أن تكون عرضا. # فإن كانت جسما فالجسم محدث ضعيف عاجز، وإن كانت العلة (7) عرضا فالعرض ~~أعجز من الجسم، لأنه لا يوجد إلا بوجود الجسم، ولا يقوم إلا بقوام الجرم، ~~وما لم ينفك من الجسم ولم يكن قبله، فهو بغير شك في الحدوث مثله، وذلك أن ~~الجسم لا يخلو من أحد وجهين: PageV01P133 # إما أن يكون ساكنا. # وإما أن يكون متحركا، وأي المعنيين كان فيه فهو يدل على حدثه (1)، لأنه ~~إن كان ساكنا فسكونه (2) على ضربين: # سكون ماض، وسكون مستقبل. # فالسكون الماضي يدل على مبتداه، والسكون المستقبل فقد ناهاه، لأن ما مضى ~~من السكون له آخر، وما كان له آخر فله أول، ويستحيل آخر بلا أول، لأن آخر ~~السكون هو أقل قليل الأوقات، وما مضى منه فهو أوله الكثير، وذلك السكون ~~الماضي الذي هو بزعمهم قديم لا يخلو من أن يكون عدم كله أو لم (3) يعدم، ~~فإن قالوا: إنه غير معدوم فهذا محال، لأنه قد سكن من الدهور والأزمان ما لا ~~يحصى من ألوف السنين، والألوف فقد عدمت، ولم يعدم آخرها إلا بعد عدم أولها، ~~وإذا صح عدم الجميع فقد صح تناهي السكون الماضي، لأن العدم قد وقع على أوله ~~وآخره، وإذا صح أن له أولا فقد بطل قدمه وثبت حدثه (4)، وإذا بطل قدمه وثبت ~~حدثه (5)، فقد صح حدث الجسم، إذ لم يسبقه ولم يتقدمه. # ودليل آخر # قالوا لما نظرنا ms045 إلى الجبل ساكنا غير زائل، علمنا أنه لم يسكن وقتا إلا ~~وقبل الوقت وقت إلا ما لا نهاية له ولا غاية (6)، وهذا محال بين الإحالة ~~عند من عقل، لأن سكون الجبل على قسمين: # قسم قليل. # وقسم كثير. # فالقسم القليل موجود وهو المستقبل، لأنك إذا نظرت سكونه انتظرت أن يسكن ~~بالمشاهد أقل مما سكن قبل ذلك فيما مضى من الدهور، لأنه قد سكن فيما مضى ~~ألوف سنين (7) لا تحصى، فأنت قد شاهدته لأنه موجود، ولم تشاهد الألوف لأنها ~~قد (8) عدمت كلها، وذهب أولها وآخرها، وللكل نهاية وغاية، وإذا صح تناهي ~~السكون وانقطاعه، وعدم آخر السنين بعد عدم ما قبلها، فهو على ضربين ~~معدومين: # سكون قبل سكون. # وسكون بعد سكون. PageV01P134 # وكل (1) ذلك قد مضى، وتضمنه العدم والفناء، وما صحت نهايته وعدم أوله وآخره ~~فله أول معدوم، وما كان له أول فهو محدث، وإذا صح حدث (2) سكون الجبل ~~فالجبل محدث، إذ لم يسبق سكونه بزعمهم. # ودليل آخر # إذا صح أن سكون الجبل أولا قد عدم، لم يخل ذلك السكون الأول من أن يكون ~~قليلا أو كثيرا، فإن كان قليلا فأقل السكون بعض ساعة، وإن كان كثيرا ~~فالكثير من السكون لا يكثر إلا بعد قلته، ولا يزيد إلا بعد نقصانه، ولا ~~يوجد إلا بعد عدمه، ولا يوجد آخره إلا بعد عدم أوله، وأوله (3) أقل القليل. # ودليل آخر # إذا كان الكثير من سكون الجبل لا يوجد إلا بعد العدم، فالقليل أحرى بأن ~~لا يوجد إلا بعد العدم (4)، وإذا عدم جميع ما مضى منه فالعدم قد وقع على ~~الكل، والفناء قد تضمنه وحوى أوله قبل أن يحوي آخره، وإذا حوى الآخر ~~الكثير، لم يكن ذلك إلا بعد أن مضى على الأول اليسير. # ودليل آخر # إذا قلت: لا أول لسكون الجبل، سألناك هل له آخر؟! # فإن قلت: ليس له آخر، جحدت الجميع. # وإن قلت: بل له آخر بلا أول. سألناك هل قبل الآخر سكون أم لا؟! # فإن قلت: ليس قبله سكون أوجبت حدثه. # وإن قلت: بل (5) قبله ms046 سكون. سألناك أهو موجود أو معدوم؟! # فإن قلت: موجود، أحلت، لأنك لا تجد سكونه ألوف السنين (6) في ساعة واحدة. # وإن قلت: بل هو معدوم أوجبت عدم الجميع. # ودليل آخر # إذا قلت: لا نهاية للمعدوم. سألناك هل عدم كله أو (7) بعضه؟! # فإن قلت: لا كله ولا بعضه، جحدته ونفيته. # وإن قلت: عدم بعضه. سألناك أين الباقي من ما مضى من ألوفه؟! # ودليل آخر PageV01P135 إذا قلت: لم يعدم من سكون الجبل شيء، إلا وقد عدم قبله شيء إلى ما لا نهاية ~~له. سألناك أتريد بقولك: لا نهاية له الكل من المعدومات، أم البعض أم لم ~~ترد كلا ولا بعضا؟! # فإن قلت: لم أرد كلا ولا بعضا جحدته، وأبطلت ما بالقدم وصفته. # وإن قلت: بل (1) عنيت وأردت (بعضه، فالبعض قسم محدود متناهي. # وإن قلت: بل عنيت وأردت) (2) وذكرت بالقدم وقصدت الكل من المعدوم، فقد ~~ناقضت قولك عند أهل العقول، لأن الكل المعدوم قد تضمنه العدم، فلم يغادر ~~منه طرفة عين ولا وهم. # ودليل آخر # إذا قلت: إن العدم قد وقع على الماضي من سكون الجبل كله، لم يخل هذا ~~السكون المعدوم من أن يكون وجد جملة واحدة معا في ساعة واحدة، أو وجد كثيره ~~بعد قليله، وآخره بعد أوله، أو وجد قليله بعد كثيره، أو لم يوجد أي ذلك. # (فإن قلت: لم يوجد شيء مما ذكرت، جحدت ما لا ينجحد وما لا ينكره ممن عقل ~~أحد) (3). # وإن قلت: بل وجد قليله قبل (4) كثيره، وكثيره بعد قليله، أصبت وجعلته ~~عددا (5) معدودا، متناهيا محدودا، والعدد القليل والكثير لا يوجد الآخر منه ~~إلا بعد الأول، ولا الاثنان إلا بعد الواحد، وذلك يدل على سبق قليله لكثيره ~~(6)، إذ لا توجد ساعة إلا بعد عدمها (7)، ولا تكثر إلا بعد قلتها. # وإن قلت: بل وجد جميع ما مضى في ساعة واحدة، أقررت بحدثه وأحلت، لأن ~~الماضي من زمان ساعات لا تحصى، ويستحيل أن تكون (8) الأزمان الكثيرة ساعة ~~يسيرة، بل إذا صح أن العدم وقع على الكل صح منتهاه، إذ ms047 (9) حده العدم ~~وحواه، وتضمنه وغاياه، وأبطل الجميع وناهاه. PageV01P136 # وإذا ثبت في المعقول أن سكون هذا الجسم لا يكون إلا شيئا بعد شيء، ولا يسكن ~~كثيرا إلا بعد سكونه يسيرا، صح ما قلنا به من مبتدأ السكون، وصح بصحته ~~مبتدأ حدوث الجسم، إذ لم ينفك من هذا الحادث ولم يسبقه. # فإن قال: وما أنكرت من أن يكون تحرك قبل ذلك السكون بحركة لا نهاية لها؟! # قيل ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك، لأنه إذا تحرك قبل السكون، فسبيل ~~الحركة سبيل السكون في الحدث. # ودليل آخر # إذا كان للحركة (1) آخر ومنقطع، فلها أول ومبتدع، وذلك أن آخر الحركة ~~التي قطعها السكون أقل القليل، وقد كان قبلها (2) بزعمك أكثر الكثير، ~~فخبرني عن هذا الكثير، أعدم كله أم بعضه، أم لم يعدم منه كل ولا بعض؟! # فإن قلت: لم يعدم أحلت. # وإن قلت: بل عدم بعضه أحلت، لأن الحركة لا يوجد منها شيء بعد السكون. # وإن قلت: بل عدم الكثير كله، ففي قولك: عدم الكل ما كفى، وللكل أبعاض لم ~~يوجد أحد منها إلا بعد وجود أول، ولا يوجد (3) كثير منها إلا بعد وجود قليل. # ودليل آخر # إذا قلت: إن قبل كل حركة سكونا وقبل كل (4) سكونه حركة إلى ما لا نهاية ~~له، سألناك هل تعني بقولك: لا نهاية له، كل ما مضى وعدم منهما، أم تريد بعض ~~ذلك، أم لا تريد أيهما؟! فلا تجد مخرجا مما ذكرنا. PageV01P137 # قال المهدي لدين الله الحسين بن القاسم صلوات الله عليه: إذا لم يكن الجسم ~~كائنا ما كان من الأشياء، لم (1) ينفك من هذين الحالين، فهو محدث بأبين ~~البيان، وإذا كانت الأعراض لا توجد إلا في الأجسام، وكان محالا أن توجد (2) ~~قبلها، فسبيلها في الحدث سبيلها، لأنا نفينا أن تكون علة كون الإنسان وغيره ~~من الحيوان جسما (3) أو عرضا، لأنهما محدثان، فلما بطل أن يكون علة كون ~~الإنسان وغيره من الحيوان جسما أو عرضا أو عدما، صح أن له صانعا قديما، وهو ~~الله رب العالمين. # - - - ### || AUTO باب ms048 الدلالة على صنع الله في الحيوانات # إن (4) سأل سائل فقال: أخبروني (5) ما الدليل على الله عز وجل؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم أيها السائل أن أقرب الأدلة إلى الإنسان ~~نفسه، وذلك أنا نجد الإنسان بعد عدمه، فنعلم أن له موجدا أوجده بعد عدمه، ~~ثم يجد في نفسه حكمة ويجد عليه نعمة، ولا تكون الحكمة إلا من حكيم، ولا ~~النعمة إلا من منعم كريم. # فإن قال: وما الحكمة التي في الإنسان، وما النعمة التي عليه؟ PageV01P138 # قيل له ولا قوة إلا بالله: أما الحكمة التي فيه فالصنع الذي لا يكون إلا من ~~صانع حكيم. وأما النعمة فالرزق المبسوط الذي (1) لا يصح إلا من رازق كريم، ~~وذلك أنا نظرنا الإنسان فإذا هو نطفة من ماء مهين، ميت قليل حقير، غير سميع ~~ولا بصير، ثم وجدناه بعد ذلك إنسانا حيا حكيما مدبرا سميعا بصيرا موصلا ~~مفصلا، قد جعل كل معنى منه لمعنى، ولا يجعل المعنى للمعنى (2) إلا عالم بما ~~صنع وبنى، فأول ما نظرنا منه تكثيره بعد قلته، وقوته بعد ضعفه، وحياته بعد ~~موته، وعلمه بعد جهله، فعلمنا بيقين أن هذه نعم محكمة لا تكون إلا من حكيم ~~عليم، وتدبير لا يكون إلا من مدبر قديم، ورحمة لا تكون إلا من رحيم. PageV01P139 # والدليل على ما ذكرنا من العلم (1) والحكمة والرحمة، أن الرحمة هي الفضل ~~(2) والنعمة. وأن الكرم هو البسط للمنافع عند الحاجة والفاقة، وإن (3) ذلك ~~لا يكون إلا من عالم حكيم، لأنه لم يعط عبيده ما أعطاهم إلا لعلمه بفاقتهم، ~~ولم يتكرم عليهم بإيجادهم إلا لإتمام الحكمة في خلقهم، ولم ينعم عليهم إلا ~~تفضلا برزقهم، وذلك أنا نظرنا إلى ما جعل فيهم من الحياة بعد موتهم، فعلمنا ~~أن الحياة من أكثر النعم، وأعظم الفضل وأكمل الكرم. ثم نظرنا إلى ما جعل ~~فيهم من المفاصل المفصلة التي لا يصلح التدبير ولا يتم إلا بها، فجعل ~~المفاصل للحركة والمسير، والقيام والقعود، والإقبال والإدبار، ولم يكن ذلك ~~ليتم إلا بما جعل من الأبصار، المضيئة المنيرة ms049 في الليل والنهار، الهادية ~~في البر والبحار، ولولا تلك النواظر لما تم التدبير، ولكان العمى من أعظم ~~المهالك والتدمير، ثم جعل الألسن الناطقة، وجعل الأسماع الواعية، وجعل ~~العقول المميزة، التي لولا هي لهلك المخلوق، فجعلها لاجتلاب المنافع ونفي ~~المضار، ومعرفة الخيرات والسرور، واستخراج عجائب الأمور. PageV01P140 # ثم ركب الأجساد على النعم واللذات، والمعايش المقرونة بالحياة، من الأرزاق ~~المبسوطة، المنزلة المجعولة (1)، التي لا قوام لهم إلا بها، ولا غنى لهم ~~أبدا عنها، وعلم أن تلك الأغذية لا تتم إلا بالوصول إلى أجسادهم، ومباشرة ~~بطونهم وأكبادهم، فجعل لها مداخل اضطرهم إليها، وبناهم بناء عليها، وعلم ~~أنه إن لم يجعل لذلك الغذاء مخارج قبل كونه في بطونهم، وإلا هلكوا ودمروا، ~~ولم ينموا ولم يكثروا، فقدم ذلك وجعله، وركبه وفعله، لعلمه بفاقتهم إليه، ~~فركبهم وبناهم عليه،رحمة منه لهم، وتفضلا عليهم، وعلم عز وجل أنهم لا ينمون ~~ولا يكثرون إلا بما جعل من(2) الإناث والذكور، وما في تناسلهم من التدبير، ~~وعجيب الصنع والتقدير، فجعل منهم إناثا وذكورا، ليكون للنسل أصولا، وصنعا ~~عجيبا جليلا (3)، فجعل في الذكور والإناث، من الشهوة ما يكون سببا للإحداث، ~~وجعل لذلك أماكن(4) غير مشتبهة يصلح بعضها لبعض، بتقدير الحكيم، المدبر ~~الحي العليم، وجعل في تلك الأماكن مسالك لنطف الذكور، إلى أماكن الحكمة ~~والتصوير، فانفصل (5) من الأصلاب إلى الأرحام، بتدبير ذي الجلال والإكرام، ~~نطف أقرها الله بقدرته، وأثبتها بمشيئته، إلى أجل معلوم، ووقت من الأوقات ~~مفهوم، ثم أخرج تلك النطف بعد نطوفيتها (6) وموتها أطفالا صغارا، قد شق لهم ~~أسماعا وأبصارا، وأخرجهم سبحانه من بطون أمهاتهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا ~~نفعا، ولا يقدرون للآفات والمضار دفعا ولا منعا، ولا يعقلون بصرا ولا سمعا، ~~ولا يهتدون سبيلا، ولا يملكون عقولا، وعلم عز وجل أنهم لا يقومون، ولا ~~يحيون ولا ينمون، إلا بما ركبهم عليه من الأغذية واللذات، وقوامه الأجساد ~~المجسمات، وأنهم يضعفون بصغرهم(7) PageV01P141 عن المآكل التي لا تصلح للأطفال، فجعل لهم قبل كونهم أغذية في أجساد ~~أمهاتهم، لعلمه بضعفهم وفاقتهم، وجعل في قلوبهن رحمة ms050 بهم فأحياهم بذلك ~~وقواهم، وكفلهم به وأغناهم، وأنبتهم به وأنماهم، وأنعم عليهم (1) بذلك ~~وغذاهم، وشد أسرهم وقواهم، وأعطاهم العقول فهداهم، ثم أمرهم ونهاهم، بعد أن ~~بصرهم هداهم. # فأي عجيب أعجب مما ذكرنا؟! وأي حكمة أكمل مما به قلنا؟! وأي نعمة أسبغ؟! ~~أو أي حجة أبلغ؟! مما ذكرنا من صنع ربنا وخالقنا، وإلهنا ورازقنا، فبينما ~~نحن نطف حقيرة أموات إذ نحن على غاية الكمال، من توصيل الأجساد والأوصال، ~~والحياة بعد موتتنا، والتكثير بعد قلتنا، والعقول بعد غفلتنا، والحمد لله ~~على ما امتن به علينا، وأسداه من النعم إلينا، ولا إله إلا هو جل جلاله، ~~وظهرت نعمه وأفضاله، وسبحانه عن شبه المخلوقين، وتبارك عما يقول به ~~العادلون، وينسب إليه الجاهلون، فلما نظرنا إلى هذه الحكمة البالغة، ~~والنعمة السابغة، علمنا أن الحكمة صفة حكيم، لما فيها من بيان علم العليم، ~~والصفة لا تكون إلا لموصوف، فمن هنا صح ما به قلنا. # ودليل آخر # إما أن يكون العقل شاهدا على أن في هذه الحيوانات حكمة. # وإما أن يكون شاهدا على أنه ليس فيها حكمة. PageV01P142 # فإن قلت: إن العقل شهد على أن ليس فيها حكمة، فهذا من أكبر المحال، وأقبح ~~ما نطق به من المقال، لأن كل حكمة موجودة ليس الأصل فيها إلا من الحيوان، ~~وهو في نفسه وخلقه وعقله وتركيبه، أحكم من فعله وقوله، وإن رجعت إلى الحق ~~فقلت: بل في الحيوانات من الحكمة ما لا (1) أن ينكره عاقل، ولا يكابر فيه ~~عالم ولا جاهل، لم يخل العقل من أن يكون شاهدا على أن هذه الحكمة من صفة ~~حكيم، أو شاهدا على أنها من صفة جاهل موات غير عليم (2)، أو شاهدا على أنها ~~من صفة معدوم، فهذا محال، لأنك جعلت للعدم صفة وهي الحكمة، فجعلت العدم ~~حكيما، فأثبت موجودا والعدم لا شيء، ولا شيء لا يوصف بالحكمة ولا بالجهل!! ~~ولا يوصف بالتدبير ولا العقل!! وأيضا فقد أوجبت الحق بإثباتك الصفة (3) إذ ~~لا تكون الصفة إلا لموصوف، ثم نقضت قولك بإثباتك للمعدوم والعدم ليس بمجهول ms051 ~~ولا معروف. # وإن قلت: إن الحكمة من صفة موات جاهل، فهذا ما لا يقول به من الخلق عاقل، ~~ولا يراه من الناس إلا غافل، لأن من صفة الموات الجهل، وبطلان الحكمة ~~والعقل، وما كان من الأشياء جاهلا، وكان عن التدبير حائرا غافلا، لم يكن ~~حكيما ولا عاقلا، وما كان بالموت والغفلة موصوفا، وكان بالعجز والجهل ~~معروفا، فيستحيل أن يكون منه حكمة بالغة، ونعمة جليلة سابغة، لأن الحكمة هي ~~الإحكام، والكرم والتفضل والإنعام، فإذا بطل أن يكون ذلك من العدم المعدوم، ~~وبطل أن يكون من موات غير عليم، صح الوجه الثالث وهو الله العليم الحكيم. # ودليل آخر # إما أن تكون هذه الحكمة تولدت من طبائع قديمة حية مدبرة. # وإما أن تكون تولدت من طبائع محدثة مصنوعة مدبرة. # وإما أن تكون تولدت من العدم. # فإن قلت: إنها تولدت من العدم أوجبت أنها معدومة ونفيت وجودها، لأن العدم ~~لا يوجب وجودا إذ هو غير موجود، ولا شيء سوى النفي مقصود. PageV01P143 # وإن قلت: إن هذه الحكمة تولدت من طبائع محدثة، فالمحدث لأولها هو المحدث ~~لآخرها، وفي هذا إثبات الخالق لها. # وإن قلت: إن هذه الحكمة تولدت من طبائع قديمة ميتة، فهذا محال، لأنها لا ~~تخلو من (1) أن تكون أوجدتها بعد العدم، أو هي كانت موجودة معها في حال ~~العدم (2). # فإن قلت: إنها كانت قديمة معها، ثم انفصلت عنها، فهذا محال، لأنا قد بينا ~~حدثها، وأوضحنا الدليل على حدوث فرعها وأصلها فيما تقدم من قولنا، وأيضا ~~فإن في (3) الحكمة آثار صنع العالم الحكيم. # وإن قلت: إن هذه الطبائع الميتة أوجدت الحكمة بعد العدم، فهذا محال، ~~لأنها لا تخلو من أحد وجهين: # إما أن تكون أوجدتها بعلم. # وإما أن تكون أوجدتها بجهل. # فإن قلت: إنها أوجدتها بعلم فهذا محال، لأن الميت لا يعلم شيئا، ولا يكون ~~العالم إلا حيا. # وإن قلت: إنها أوجدت الحكمة بجهل فهذا محال، لأن الجاهل الميت لا يعقل ~~ولا يعي، ولا يحسن ولا يسيء (4)، ولا يحكم التدبير، ولا يبرم الأمور. # وإن قلت: ms052 إن هذه الحكمة حدثت من علل قديمة مدبرة، فهذه (5) صفة الخالق ~~والخالق ليس يسمى عللا، وإنما هو الله الذي لا إله إلا هو العليم الحكيم. # ودليل آخر # أن العلل الميتة محدثة، لأن الموات ساكن، والساكن مقيم لابث، واللابث لا ~~يخلو من أن يكون لبث وأقام وقتا طويلا، وأقام وقتا قليلا. # فإن قلت: إنه لبث وقتا قليلا، أوجبت حدثه من قليل من الأزمان. PageV01P144 # وإن قلت: إنه مقيم لابث منذ وقت طويل قديم، فهذا محال أن يكون الوقت قديما، ~~لأن الأوقات هي الأزمان والأزمان قد فنيت، ووقع الفناء على كل ما مضى منها ~~فعدمت، ولم تعدم الأوقات والأزمان كلها إلا بعد حدوثها، ولم يعدم آخرها إلا ~~بعد عدم أولها، وإذا كان للمقام والأوقات أول وآخر فقد صح حدث الجسم المقيم ~~إذ لم ينفك من المقام والأوقات، وما لم ينفك من سكون الساعات، ولم يكن ~~قبلها، فسبيله في الحدث سبيلها. # إن قلت: إن الأجسام كانت قبل الزمان، سألناك أكانت متحركة أو ساكنة؟ # فإن (1) قلت: لا متحركة ولا ساكنة جحدتها ونفيتها. # وإن قلت: إنها كانت قبل الزمان غير منفكة من حركة أو سكون، لم يخل من أن ~~تكون تحركت أو سكنت قليلا أو كثيرا (2). # فإن قلت: إنها تحركت أو سكنت كثيرا، فالكثير أوقات، ودهور وأزمان وساعات، ~~وفي ذلك إثبات ما قلنا به من أن الأجسام، لم تنفك مما ذكرنا من الأزمان. # وإن قلت: إنها تحركت أو سكنت أوقاتا قليلة، أوجبت أيضا أنها لم تنفك من ~~قليل الأوقات، فكأنها لم تنفك من المحدثات، ولم تكن قبلها موجودات، وإذا لم ~~تكن قبلها، ولم تتقدمها فهي محدثة معها، وإذا صح حدث الأجسام كلها، وصح حدث ~~حركاتها وسكونها، لم تخل من أحد أربعة أوجه: # إما أن تكون أحدثت (أنفسها. # وإما أن تكون حدثت هملا. # وإما أن تكون حدثت من) (3) محدث قديم. # فإن قلت: إنها أحدثت أنفسها، فهذا محال، لأنها كانت معدومة، فكيف تحدث ~~أنفسها وهي غير موجودة، والفاعل لا يكون إلا موجودا غير معدوم(4). # وإن قلت: إنها حدثت ms053 لعلة، لم تخل العلة من أحد وجهين: # إما أن تكون جسما. # وإما أن تكون عرضا. PageV01P145 # وقد بينا حدوث الجسم والعرض (1)، ولو كانت المحدثات من محدثات، لكان في ذلك ~~دليل على رب السماوات، إذ كل المحدثات لم تنفك قط من السكون والحركات، وإذا ~~لم ينفك الكل من الحدث، صح بذلك الخالق المحدث. # ودليل آخر # لو كان (2) كل محدث من محدث لكان لذلك آخر، وما كان له آخر فله أول، وما ~~كان له آخر وأول فقد صح حدث الجميع. # ودليل آخر # إذا كان للمحدثات آخر، لم يخل ما مضى من المحدثات من أن يكون الآن كله ~~موجودا (3)، أو بعضه أو كله معدوما. # فإن قلت: عدم كله، أوجبت أنه عدم بعد حدوثه، وصح عدمه كله، بعد حدوثه (4) كله. # وإن قلت: بل عدم بعضه، جعلته على قسمين: # قسم قد عدم فناهاه العدم بعد حدوثه، وأفقده بعد وجوده. # وقسم حدث ثم هو الآن موجود كله. # وإن قلت: إنه الآن موجود كله، فقد ناهاه الوجود، وللكل نهاية وغاية. # ودليل آخر # إذا لم يكن شيء من الأشياء المحدثة كلها ينفك من الحركات (5) والسكون، ~~فقد مضى للحركات والسكون أزمنة تضمنها الفناء، وفي ذلك من الكلام ما قد ~~مضى، وفيه كفاية لمن اكتفى. # وإن قلت: إن الجمادات حدثت في البدء هملا لا من علة ولا من محدث أوجبت ~~عدمها، لأنها إذا كانت عدما لم تخل من أن تكون وجدت من قبل العدم أو وجدت لسبب. # فإن قلت: إنها وجدت للعدم فهذا محال، لأن العدم لا شيء، ولا (6) شيء لا ~~يكون سببا للأشياء، لأن السبب لا يكون معدوما، لأن العدم نفي الأسباب. # وإن قلت: إنها حدثت لسبب، لم يخل ذلك السبب من أحد وجهين: # إما أن يكون قديما. # وإما أن يكون محدثا. PageV01P146 # فإن قلت: إنه محدث فالمحدث مخلوق، وليس كلامنا إلا في المخلوق، لم خلق وما ~~سببه وما علته؟! # وإن قلت: إن السبب الذي أوجد الخلق قديم أصبت، وعرفت الخالق ورشدت (1). # ودليل آخر # لا تعدو هذه الحكمة التي قدمنا ذكرها ms054 من أحد وجهين لا ثالث لهما: # إما أن تكون حكمة قديمة. # وإما أن تكون حكمة محدثة. # فإن قلت: إنها قديمة، فهذا محال، لأنا قد بينا حدثها. # وإن قلت: إنها محدثة، لم تخل من أن تكون حدثت بإحداث الحكيم أو بالإهمال. # فإن قلت: حدثت بالإهمال فهذا من أكبر المحال، لأن الهمل هو العدم، والعدم ~~لا يوجب كون الحكمة ولا غيرها. # وإن قلت: بل حدثت بإحداث الحكيم، صدقت وكان ذلك كما ذكرت. # ودليل آخر # إما أن تكون عنيت بقولك: الحكمة قديمة تريد قدم سببها الموجب لها. # وإما أن تكون أردتها هي بالقدم في نفسها، فهذا باطل لما قدمنا من الدليل ~~على حدثها، وإن كنت تريد سببها الذي أوجدها، فلعمري إن سببها قديم وهو ~~خالقها وربها. # ودليل آخر # لم يختلف أحد في حدث ظهور تمام هذه الحكمة، وإنما اختلف في سببها أصلها ~~وكيفية ظهورها (2) وبيانها، فأجمع الكل أن سببها شيء قديم، ثم اختلفوا فقال ~~بعضهم: طبع موات، وقال بعضهم: رب حي، ففسد قول الملحدين، الكفار الملاعين، ~~لأن الموات لا يكون سببا للحياة (3) وللحيوانات، وفسد قولهم أيضا لأن ~~الموات ليس بحكيم والحكمة صفة للحكيم، كما أن العلم صفة للعليم (4)، وفسد ~~قولهم أيضا لأن الموات محدث كسائر المحدثات، وفسد قولهم أيضا لأن الجود صفة ~~جواد، والموات لا يعي ولا يعقل، فكيف إلى أن يجود ويتكرم، والكرم والجود لا ~~يكونان إلا من كريم، متفضل رحيم. # ودليل آخر PageV01P147 إنما سميت الحكمة: حكمة، لأنها محكمة، والمحكم (1) فهو المتقن المبرم، ~~والإتقان والإبرام فلا يكونان إلا بعلم وإحكام، والعلم والإحكام لا يكونان ~~إلا من الحكيم العلام (2)، والنعمة لا تكون إلا من العالم (3)، لعلمه بفاقة ~~المحكم إلى الإحكام، ولا يبرم المبرمات إلا عالم بحاجتها إلى الإبرام، وذلك ~~كله فلا يكون إلا من ذي الجلال والإكرام. # ودليل آخر # لا بد أن تضاف هذه الحكمة إلى حكيم، أو تضاف إلى غير حكيم، فأيهما شهد ~~بجوازه العقل جاز، فالعقل يشهد بالجواز أن تضاف إلى الحكيم، ولا يجوز في ~~العقل أن تضاف الحكمة إلى غير ms055 حكيم. # ودليل آخر # لا بد أن تضاف هذه الحكمة إلى موات محدث أو إلى (4) قديم حي محدث، فالعقل ~~يشهد (5) بإضافتها إلى القديم المحدث الحي، ولا يشهد بإضافتها(6) إلى الميت ~~المحدث أصلا. # ودليل آخر # إما أن تكون هذه الحكمة أحكمت، وبسطت النعمة وأنعمت، بعلم الحي أو بجهل الميت. # فإن قلت: بالجهل فالجهل لا يوجب خيرا. # وإن قلت: بالعلم فالعلم صفة عالم. # ودليل آخر # إما أن تكون هذه الحكمة تمت بفعل قادر حي. # وإما أن تكون تمت بفعل ميت عاجز. # فإن قلت: بفعل الميت العاجز (7)، فالموت والعجز لا يتمان خيرا. # وإن قلت: بل بفعل قادر حي صدقت، لأن الفعل لا يتم إلا من الحي القادر. # ودليل آخر # إما أن يكون التوصيل والتفصيل من فعل موصل مفصل. # وإما أن يكون من فعل ميت غافل، فالميت الغافل لا يوجب توصيل أوصال، ولا ~~تفصيل مفاصل. # ودليل آخر # إما أن يكون جعل الشيء لمصلحة الشيء من فعل مصلح فاعل (8). PageV01P148 # وإما أن يكون من فعل ميت غافل، فالعقل يشهد أن الإصلاح من المصلح (1) ~~الجاعل. # ودليل آخر # إما أن يكون الرزق للمرزوقين من الميت الغافل. # وإما أن يكون من العالم الحي الرازق، فالعقل يشهد أن الرزق لا يكون إلا ~~من الرازق الخالق، ويستحيل أن يكون ذلك من غير خالق. # ودليل آخر # إما أن يكون الفصل من الميت. # وإما أن يكون من حي فاضل، فالعقل يشهد أن الموات ليس بفاصل. # ودليل آخر # إما أن يكون الهدى من هاد. # وإما أن يكون من ميت، فالعقل يشهد أن الميت ليس بهاد ولا مرشد ولا راشد، ~~ولا هدى أهدى من العقول المركبة في كل عاقل. # ودليل آخر # إما أن يكون التفهيم من مفهم. # وإما أن يكون من موات، فالموات لا يفهم فكيف إلى أن يفهم وليس بفاهم؟! # ودليل آخر # إما أن يكون التعليم من ميت جاهل. # وإما أن يكون من حي عالم، وقد وجدنا هذه الحيوانات معلمة للخيرات، ملهمة ~~لنفي المهلكات، فالعقل يشهد أن التعليم حادث، وأنه من معلم عليم، إذ العقل ms056 ~~يشهد أن التعليم من صفة عالم، ويشهد أن التعليم لا يكون من فعل جاهل ميت ~~غافل، وإن كان التعليم من غير عالم وكان من جاهل(2)، فهذا العدم بعينه، ~~والعدم لا يوجب شيئا. # ودليل آخر # أنا نظرنا إلى جميع الحيوانات فإذا هي مهدية إلى كفالة أولادها، وإلى طلب ~~مناكحها ومآكلها ومشاربها ومنافعها ومساكنها ومصالحها، مفهمة للنفور (3) عن ~~مضارها ومهالكها، فعلمنا أن الهداية هي الدلالة، والدلالة (4) لا تخلو من ~~أن تكون من عالم حي، أو من طبع(5) ميت، فالعقل يشهد أن الدليل لا يكون ~~ميتا، ويشهد أن الهادي لا يكون (6) جاهلا. # ودليل آخر PageV01P149 إما أن تكون هذه العقول المركبة الدالة من مركب دآل. # وإما أن تكون من ميت، فالعقل يشهد أن الميت لا يدل على خير ولا شر، ويشهد ~~أن العقل من أجل العلوم، والعلم لا يكون من فعل الموات (1)، والعقل يشهد أن ~~العلم من فعل عالم. # فإن قلت: إن هذا العلم الحادث في الصدور، المحيط بجميع الأمور، المميز ~~بين الخيرات والشرور، من فعل طبع ميت، فالعقل يشهد أن الميت لا يصنع العلم. # وإن قلت: إنه من فعل لا شيء ناقضت قولك، لأن لا شيء لا (2) يصنع علما ولا ~~جهلا، لأن لا شيء عدم، والعدم ليس بجاهل ولا عالم، ولا حي ولا ميت، وإنما ~~هو نفي والنفي فهو كلامنا ونفينا. # وإن قلت: بل هو من فعل عالم صدقت، وكان ذلك ضرورة كما ذكرت. # وإن قلت: إن هذا العلم لا من حي ولا من ميت، ولا من شيء أصلا، لم تخل من ~~أن تكون أوجبت بهذا القول عدمه أو قدمه، فإن كنت أوجبت عدمه أكذبك وجوده؟! ~~وإن كنت أردت قدمه أكذبك حدثه. # ودليل آخر # إن كنت تريد بهذا القول نفي الخالق، فكيف يثبت الخلق بغير خالق؟!! # فإن قلت: من أجل أن الخلق قديم أحلت، لأنا قد أوضحنا حدثه. # وإن قلت: من أجل علل قديمة، فقد أوضحنا حدوث العلل، وإن قلت: من أجل ~~العدم، فقد أوضحنا (3) لك أن العدم لا شيء، ولا شيء نفي ms057 والنفي لا يوجب ~~إثبات شيء. # وإن قلت: من أجل الحدث، فالحدث من المحدث، إذ ليس إلا المحدث الفاعل أو ~~العدم، فلما انتفى العدم ثبت الخالق تبارك وتعالى. # - - - ### || AUTO باب الدلالة على نفي الصفات عن الخالق # والدليل على قدمه قال المهدي لدين الله، الحسين بن القاسم عليه السلام: # فلما صح أن للأشياء خالقا محدثا جاعلا، صح أنه بخلافها من جميع (4) ~~المعاني، وصح أنه لا يشبهها في الذات، ولا الفعل، ولا الصفات. PageV01P150 # ألا ترى أنه لو أشبهها في بعض الشيء، لكان ذلك البعض مثلها في الحدث، ~~والحدث لا يتعلق بقديم، لأنه لا يوجد متعلقا إلا في كله أو بعضه، وللكل ~~والبعض نهاية، لأن الكل محدود، والبعض لا يتعلق إلا في متحرك أو ساكن، ~~والمتحرك والساكن محدثان، ولو أشبهها في كل شيء لكان محدثا مثلها، ولو كان ~~محدثا لما كان ربا، لأن المحدث مربوب والمربوب مخلوق، ولا فضل لمخلوق على ~~مخلوق في معنى الحدث بعد العدم، فوجب أن الخالق لا يشبه المخلوق، وفي ذلك ~~من الأدلة ما يكثر لو شرحناه، ويطول به (1) الكتاب لو ذكرناه. # فإن قال قائل ملحد، أو سأل سائل مسترشد: فما تنكرون من أن يكون الخالق ~~مخلوقا، وخالقه مخلوق إلى ما لا نهاية له؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك لأنك جعلت الكل مخلوقين، ويستحيل ~~أن يكون(2) المخلوق ربا لمخلوق، إذ هما سواء في الحدث لا فرق بينهما. # ودليل آخر # إما أن تكون هذه المحدثات أحدثت وفعلت بأمر قديم، أو بأنفسها. # فإن قلت: بأنفسها، فهو محال، لأن المحدث مربوب، والمربوب لا فضل له على ~~المربوبات، إذ سبيله سبيل المحدثات. # وإن قلت: إن الأصل هو القديم، أثبت الخالق سبحانه. # ودليل آخر # إذا كان الخالق آخر المخلوقات، وكان محدثا بعد محدثات، لم يخل ما قبله من ~~المحدثات من أحد وجهين: # إما أن يكن كلهن مثله (3) في الحدث. # وإما أن يكون بعض محدثا وبعض (4) قديما. # فإن قلت: كلهن محدثات أوجبت لهن محدثا قديما بخلافهن أحدثهن وخلقهن. # وإن قلت: إن بعضهن محدث ms058 وبعضهن قديم. أوجبت أنهن على قسمين: # قسم محدث مخلوق. # وقسم خالق قديم. # والخالق لا يسمى: قسما، ولا بعضا. # ودليل آخر PageV01P151 إذا كان الخالق بزعمك مخلوقا، وقبله خالق قديم (1) وخالق إلى ما لا نهاية ~~له، فقد جعلته آخر الخالقين المخلوقين، وفي هذا تناقض أن يكون المحدث قديما ~~والخالق مخلوقا، وإذا كان لهم آخر فهم أول، ويستحيل آخر بلا أول. # ودليل آخر # لم يقع كلامك لا على مخلوقات (2)، ولا بد للمخلوقات من خالق قديم. # ودليل آخر # إما أن تكون عنيت بقولك: لا نهاية تريد الكل من المحدثات أو البعض، أو لم ~~تعن (3) كلا ولا بعضا، وفي هذا ما كفى. # ودليل آخر # إذا كان هذا الخالق المخلوق آخر المخلوقات، لم يخل من قبله من الخالقين ~~المخلوقين من أن يكون الآن كلهم موجودين، أو كلهم معدومين، أو بعضهم موجودا ~~أو بعضهم معدوما. # فإن قلت: إن الكل موجود، فللكل نهاية وغاية، إذ لم يبق منهم شيء حتى هو ~~الآن موجود، لم يعدم منهم شيء، وإذا صح وجود الكل، وصح حدث الكل، صح المحدث ~~الخالق الأول القديم، وهو الله (4) الرحمن الرحيم، الواحد الحكيم، العليم. # وإن قلت: إن الكل معدوم الآن فللكل نهاية، لأن ما صح حدثه كله، وصح عدمه ~~كله بعد وجوده وحدوثه، صح محدثه بعد العدم ومفنيه، وهو الله خالقه وباريه (5). # وإن قلت: إن البعض موجود والبعض معدوم. جعلتها مقسمة قسمين: # قسم هو الآن موجود كله مخلوق. # وقسم كله قد عدم بعد حدوثه، ومضى بعد إيجاد موجوده ومحدثه، وكلا القسمين ~~لم يخل من الحدوث، والله محدثهما وخالقهما (6)، ومفني ما فني بمشيئته، ~~ومبقي ما بقي (7) برحمته. # وإن قال: إن قبل كل شيء شيئا. PageV01P152 # قيل له: أتعني بقولك: لا نهاية له، كل ما هو الآن موجود، أو كل ما هو الآن ~~معدوم، أو ما بعضه معدوم وبعضه موجود، فلا يجد مخرجا إلا أن يقول: لم أعن ~~شيئا، فيبطل جميع الأشياء، أو يقول: عنيت بالعدم بعض المعدوم، فينقض قوله، ~~لأنه إذا أوجب العدم على قسم ثم قال: عنيت ms059 بعضه، فقد نقض قوله، (لأنه لا ~~فضل لبعض المعدوم على بعض، إذ كله معدوم، وكذلك إن عنى بالوجود بعض الموجود ~~فقد نقض قوله) (1)، لأن الوجود وجود كله، والعدم عدم كله، وأين ما ذهب لم ~~يجد مذهبا، أو في جميع (2) ما يذهب إليه نهاية للأشياء. # (ودليل آخر # أن هذه الأرباب المخلوقة التي زعمت محدثة، وإذا كانت محدثة فيستحيل قولك ~~خلقت أمثالها، لأن المخلوق لا يقدر على خلق مثله، ويستحيل أن تكون الأجسام ~~من فعل)(3). # - - - ### || AUTO باب الدلالة على نفي الصفات عن الله فاطر السماوات # قال المهدي لدين الله الحسين بن القاسم صلوات الله عليه (4): # إن سأل سائل فقال: هل لله صفات؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: مسألتك تحتمل وجهين: # إما أن تكون أردت أن له صفات غيره، بها علم وقدر. # وإما أن تكون أردت أن له صفات هي هو. # فإن قلت: إن معه صفات غيره بها قدر وعلم، فهذا محال أن يكون في القدم ~~غيره، أو يكون أيضا محتاجا إلى غيره. # ودليل آخر # لو كان له صفات غيره لم تخل تلك الصفات من أحد وجهين: # إما أن تكون متعلقة به. # وإما أن تكون مباينة له منفصلة عنه. # فإن قلت: إنها متعلقة به جعلته محلا وموضعا، والمحل لا يكون إلا مكانا، ~~والمكان لا يكون إلا جسما. # ودليل آخر PageV01P153 لا يخلو من أن تكون (1) متعلقة بجميعه، فيكون له كل، وإما أن تكون متعلقة ~~ببعضه، فيكون جزأين جزء خلا من الحلول، وجزء محلول، والكل والبعض لا يكون ~~إلى مفترقا أو مجتمعا، والمفترق والمجتمع لا يكونان إلا من صفات (2) ~~الأجسام، لأن المفترق مفصل لا بد له من مفصل، والمجتمع موصل لا بد له من ~~موصل، والمجتمع والمفترق لا يكون (3) إلا متحركا أو ساكنا، وقد أوضحنا حدث ~~المتحرك والساكن فيما تقدم من كلامنا. # وإن قلت: إن له صفات هي هو أصبت في قولك، لأنه واحد ليس معه شيء يعلم به ~~ولا يقدر، ولكنه غني حكيم عالم قادر حي، بغير معاني سواه (4). # فإن قال: من أين ms060 علمتم أنه حي؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: دلنا على أنه حي أنا نظرنا (5) إلى صنعه فإذا ~~هو محكم متقن، والإحكام لا يكون إلا من حكيم، والحكيم لا يكون ميتا لأن ~~الميت لا يعقل ولا يعي، ولا يحسن ولا يسيء. # فإن قال: من أين علمتم أنه عالم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأنا نظرنا إلى إحكام الصنع فإذا هو دليل على ~~أنه من غير جاهل، لأن الجاهل حائر (6)، والفاعل لا يفعل إلا بعد علمه ~~بالمفعول. # فإن قال: وما أنكرت من أن يكون فعل بجهل؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك لأنا نظرنا إلى الفاعل بالجهل، فلم ~~يخل عندنا من أن يكون أتقن الصنع وأحكمه بفكر وذكر بعد نسيان. # وإما أن يكون فعل ذلك بعلم لم يسبقه سهو (7) ولا نقصان. # فإن قلت: إنه فعل ذلك بخاطر فكر بعد جهل فهذا محال، لأن الخاطر من صفة ~~مخلوق عاجز غير قادر، لأن الذكر عرض عارض لا يكون إلا في جسم متحرك أو ~~ساكن، كل أو بعض، وكذلك النسيان فهو عرض يحل في القلوب، وذلك أولا ما تنزه ~~عنه علام الغيوب. PageV01P154 # وإن قلت: إنه فعل ذلك وهو عالم أصبت، وكان ذلك أحسن ما ذكرت، وكان الموصوف ~~بالعلم عز وجل (1) أولى من وصفت. # فإن قال: من أين علمتم أنه قادر؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأنا نظرنا إلى الصنع فإذا هو مخترع من غير ~~أصل ولا بدء، فعلمنا أنه من فعل قادر، لأن العاجز لا يصنع الشيء من غير أصل ~~ولا بدء (2)، وقد بينا في أول كلامنا حدث الأشياء من غير شيء، ولأن العجز ~~عرض لا بد أن يكون في الكل والبعض، أو في الطول أو في العرض. # فإن قال قائل: فكيف يعقل (3) شيء ليس بجسم ولا عرض، ولا له كل ولا بعض، ~~ولا طول ولا عرض؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: يعقل بما أظهر (4) من صنعه الجليل، الذي لا ~~تمتنع منه العقول، ولا يوجد إلى دفعه (5) سبيل. # فإن ms061 قال: فكيف تعبد ربا لا تراه؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم أيها السائل أنا لو رأيناه لما عبدناه، ~~وذلك أن الأبصار لا تقع إلا على مفترق أو مجتمع، ولم نستدل على الله إلا ~~بالمفترق والمجتمع، لأنهما محدثان، ولا بد للمحدث من خالق أحدثه، ولا بد أن ~~يكون بخلافه في (6) جميع المعاني. # فإن قال: فبم عرفته؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: عرفته (7) بما هو أولى وأحق من الأبصار، وأصدق ~~من جميع الأخبار. # فإن قال: وما ذلك؟ PageV01P155 # قيل له ولا قوة إلا بالله: ذلك العقل (1) الذي لا يجوز عليه المحال، ولا ~~يقبل ما فسد من المقال، فلو أدركنا صنع جميع الأشياء مشاهدة رأي أعيننا، ~~لما كان (2) ذلك أبدا مثل العقل عندنا، فالحمد الله الذي هدانا إلى معرفته، ~~وعلمنا ما نستدل به على حكمته، ووهب لنا التمييز برحمته (3)، فلقد جاد ~~علينا من العقول بما لا نؤدي شكره، فالحمد لله الذي ضمن قلوبنا نوره، ونسأل ~~الله أن يجعله آمرا لنا بالخيرات، وزاجرا عن السيئات، وأن ينجينا من ~~الموبقات، وينقذنا به من المهلكات، فلم مجوج به لم ينتفع بضياء بهجتهه، ولم ~~ينف به حندس ظلمته، ولم يخرج به من معصيته، ولم يطلب به رضاء الله في ~~آخرته، وصرفه في أهلك مهالكه، وسلك به شر مسالكه، فلعمري ما أتينا من قبل ~~عقولنا!! ولكن من سوء أفعالنا وظنوننا، فنسأل الله المغفرة لما تقدم من ~~ذنوبنا. # - - - ### || AUTO باب الدلالة على التعبد # قال المهدي لدين الله الحسين بن القاسم صلوات الله عليه: إن سأل سائل ~~فقال: ما الدليل على التعبد؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم أيها السائل أن الله ركب الاستطاعة في ~~العباد والشهوة، فلم يكن بد من صرف (4) الاستطاعة في خير أو شر، فتعبدهم ~~بفعل الخيرات، وترك الفاحشات، إذ الحكيم لا يحب الفساد. # فإن قال: ولم ركب فيهم الاستطاعة؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأن الاستطاعة هي القدرة، والقدرة خير من ~~العجز، والعقول هي العلم، والعلم أفضل من الجهل. # فإن قال: فلم ms062 كلفهم ما يستثقلون؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: للفرق بين المطيعين والعاصيين. # فإن قال: ولم فرق بين المطيعين والعاصيين؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: يميز بين الخبيث والطيب، إذ ليس من صفة الحكيم ~~أن يجعل المفسد والمصلح سواء في محل واحد. PageV01P156 # فإن قال: فلم خلقهم وقد علم بإفسادهم (1)؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأن خلقه (2) لهم حسن وفعلهم قبيح، ولم يكن ~~الحكيم ليترك فعل الحسن من صنعه (3)، لقبيح فعل غيره. # فإن قال: فما الدليل على البعث (4)؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على ذلك أن الحكيم لا يخلق الخلق ويظهر ~~الحكمة إلا للبقاء، لأن الفناء بالكلية ليس من الحكمة، وإذا لم يكن بد من ~~أمر ونهي، فلا بد من مأمور مطيع (5) وعاصي، وإذا لم يكن بد من الطاعة ~~والمعصية فلا بد من الثواب والعقاب، وإذا لم يكن (6) بد من الثواب والعقاب ~~ولم يكن ذلك في هذه الدار فلا بد منه في غيرها، وإذا لم يكن بد من التعبد ~~ولم يكن ذلك إلا بأمر ونهى فلا بد من رسول. # فإن قال: فلم خلقهم في بد المنشأ (7)؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأن إظهار الحكمة من صفة الحكيم. # فإن قال: ولم يظهر الحكمة؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأن إظهارها حسن. # فإن قال: ولم يظهر الحسن؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأن إظهار الحسن خير من تركه. # فإن قال: ومن أين كان إظهار الحسن خيرا (8) من تركه؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأنه لم يكن بد من أحد المعنيين، إما تركه ~~وأما فعله، فتركه ليس من صفة الحكيم، وفعله أولى بالحكمة. # فإن قال: فمن أين جاز الشرع؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: من قبل التعبد، لأن الشرع هو نفس العبادة ~~والبلوى، التي بها يعرف بين من أحسن وأسماء. # فإن قال: فمن أين جاز يتنبأ بعض الخلق دون بعض؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأن النبوة ثواب وتفضيل، والثواب والتفضيل لا ~~يكونان إلا ms063 بفعل الطاعة والصبر على المحنة (9). PageV01P157 # فإن قال: فلم ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأنه لم يخرج من الحكمة، إذ جعله نذيرا لجميع ~~الباقين، وحجة إلى يوم حشر العالمين. # فإن قال: ولم جاز أن يكون الميت حجة على الأحياء المتعبدين؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأنه أتى بالتعبد والآيات والقرآن الحكيم، ~~والأئمة الهادون مترجمون عنه، والعقول شاهدة على ذلك على المخلوقين، وكل ~~ذلك فلم يعدم بعدمه صلى الله عليه وآله وسلم. # فإن قال: فهل للإمامة (1) أصل في المعقول؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: نعم أصل الإمامة في المعقول، لأن الحكيم قد ~~علم بأن لا بد من الاختلاف بين المخلوقين، فجعل في كل زمان إماما (2) حيا ~~مترجما لغوامض الأمور، مبينا للخيرات من الشرور، ولا يعدم ذلك في كل قرن من ~~القرون، إما ظاهرا جليا، أو مغمورا خفيا. # فإن قال: وما الظاهر الجلي، وما المغمور الخفي؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أما الظاهر الجلي فالسابق المنذر لجميع ~~الخلائق، والشاهر لسيفه، المصلح لله في عباده وبلاده، وأما المغمور ~~فالمقتصد المحتج لله على جميع العباد، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ~~(3) الفساد، بغير قيام ولا جهاد. # فإن قال: فهل الإمامة في أهل بيت دون غيرهم، أم هي في جميع الناس كلهم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: بل هي في أهل بيت معروفين، مخصوصين بالفضل ~~مشهورين، معلومين غير مجهولين. # فإن قال: ومن أولئك؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أولئك نسل البتول، وأقرب قرابة الرسول. # فإن قال: فهل لهذه الخصصة أصل في العقول (4)؟ PageV01P158 # قيل له ولا قوة إلا بالله: نعم أصل ذلك في العقول، وبعد ذلك في محكم ~~التنزيل، ووحي الواحد الجليل. # فإن قال: وكيف يعقل أن تكون الإمامة في قوم دون سائر الأنام؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأن الله عز وجل حكيم، والحكيم لا يحب الفساد، ~~ولا فساد أعظم من أن يجعل دينه في أيدي الخلائق وأمره ونهيه وحدوده وحلاله ~~وحرامه ms064 ووعده ووعيده وحجته وأحكامه، فيهمل (1) الكل ويلبس عليهم دينهم، إذ ~~جعل الإمامة في جميعهم، ولم يكن ذلك في قوم بأعيانهم مخصوصين بذلك من دون ~~غيرهم حتى لا يختلف فيهم، فهذا في المعقول. # وأما في الكتاب فقول الله عز وجل يدل (2) على أصل الإمامة، وكذلك في ~~السنة المجمع عليها عند جميع الأمة. PageV01P159 # فأما وجوبها في الكتاب فقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم:{ ~~إنما أنت منذر ولكل قوم هاد } [الرعد:7]، فبين أن كل قوم هاديا، فاختلفوا ~~في الهادي من هو وممن هو؟ فبين الله ذلك بفضله، فيما نزل من محكم قوله، ~~فقال عز من قائل: قد أنزل الله إليكم ذكرا(10) رسولا } [الطلاق:10 - 11]، ~~فسمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكرا، ثم أمر بسؤال آله، فقال عز ~~من قائل:{ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [النحل:43، الأنبياء:7]. ~~وأهل الذكر فهم آل محمد عليهم السلام، وفي ذلك ما يقول عز من قائل لنبيه ~~المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فيما نزل من الفرقان إليه:{ قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى } [الشورى:23]. فافترض مودتهم على الخلق ~~فرضا، وأمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يأمر الناس بذلك أمرا، فهذا ~~في الكتاب المبين، وفيه كفاية لجميع المسلمين، غير أنا سنذكر أيضا بعض ما ~~ذكر الرسول، مما لا تنكره العقول، مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني ~~تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل ~~بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا على الخوض)). # وأما في الإجماع فأجمعت الأمة كلها على نبيها صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: ((الحق ما أجمعت عليه الأمة، والباطل ما اختلفت فيه))، ووجدنا ~~الناس كلهم مجمعين على إمامة أمير المؤمنين ونسله في أصل الإجماع، وأصل ~~الإجماع أن الناس أجمعوا كلهم على جواز الإمامة في آل الرسول واختلفوا في ~~غيرهم، فالحق ما أجمعوا عليه من جواز الإمامة في آل نبيهم، والباطل ms065 ما ~~اختلفوا فيه من إمامة غيرهم، لأن الأمة خمس فرق، وهم: الشيعة، والمعتزلة، ~~والخوراج، والمرجئة، والعامة. PageV01P160 # فأما الشيعة فقالت: الإمامة لآل علي دون غيرهم. # وأما المعتزلة والخوارج فزعموا: أنها في الناس كلهم، ومن أجازها في الناس ~~فقد أجازها في أهل البيت، إذ هم خير الناس. # وأما العامة والمرجية فزعموا: أن الإمامة في قريش، ومن أجاز الإمامة في ~~قريش فقد أجازها في آل محمد عليهم الصلاة والسلام، إذ هم خير قريش. وصلى ~~الله على محمد النبي وعلى آله وسلم تسليما كثيرا مباركا (1). # - - - ### | AUTO كتاب # الرد على الملحدين # وغيرهم من فرق الضالين # كتاب الرد على الملحدين وغيرهم من فرق الضالين # توكلت على الله، # الحمد لله الواحد القديم الذي لا نهاية لقدمه، ولا إحصاء لنعمه، المنفرد ~~بوحدانيته، المنعم على جميع بريته، الموصوف بحكمته، الموجد لجميع الخلق ~~بقدرته، ونفاذ مشيئته، وتمام كلمته، العزيز الذي لا يضام، القوي الذي لا ~~يرام، ولا يسن ولا ينام، ولا يدركه الطالبون، ولا ينجو منه الهاربون، ولا ~~يتوهمه المتوهمون، ولا تشتبه عليه الأصوات، ولا يغشاه النور ولا الظلمات، ~~ولا تدركه حواس المحسين، ولا يحيط به فكر المربوبين، ولا يخطر على قلوب ~~المخلوقين، تقدس عن ذلك رب العالمين. PageV01P161 # جاز عن قصد السبيل من كيفه، وأخطاء ظن من اكتنهه، ولم يعرفه من وصفه بغير ~~ما وصف به نفسه، وكفر به من حده بحد، أو أينه، وشبهه من بعضه، وجاربه (1) ~~من جمعه، ليس بمجتمع فيعرف بالتحديد، ولا بمفترق فيعرف بالتعديد، ولا ~~بمتحرك ولا ساكن فيوصف بصفة العبيد، عز عن ذلك ذو العرش المجيد والبطش ~~الشديد، ليس بجسم فتدركه الأبصار، ولا تحويه الأقطار، ولا تقع عليه ~~الأفكار، ولا يشبه شيئا من المصنوعات، فينال بالأوهام الجائلات، ولا تنال ~~معرفته بحاسة من الحواس المدركات، فيدخل في صفة المحدثات المكيفات (2)، ولا ~~ذاته سبحانه في جهة من الجهات، فيوصف بصفات المحدثات المباينات (3)، فتبارك ~~وتعالى من لا يوصف بشيء من هذه الصفات، وحده لا شريك له. # وأشهد إلا إله إلا الله شهادة عبد مقر بعبوديته، مصدق بربوبيته، ومعتقد ms066 ~~لألوهيته، راج لعفوه ورحمته، هارب إليه من خوف عقوبته، معتصم به مستوهب (4) ~~لهدايته، ومؤمن به، متمسك بطاعته، شهادة لا (5) يخالطها شك ولا إرتياب، ولا ~~يعترض دونها شرك ولا إكذاب. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، شهادة مقر بنبوته، معتقد لمحبته. # وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأشهد أن ~~وعده ووعيده حق، وقوله سبحانه صدق، وأنه عدل في حكمه، رؤوف بجميع خلقه. # وأشهد أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه كان خير البرية ~~بعد نبيها صلى الله عليه وآله، وأولاهم بمقام الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وأبرعهم علما، وأكثرهم حلما، وأطوعهم لربه، وأبذلهم في سبيل الله ~~لنفسه، وأكملهم في جميع صفاته. PageV01P162 # وأشهد بإمامة ولديه السبطين، الإمامين الكريمين العالمين الحسن والحسين، ~~ابنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وسليلي البتول، وأن الإمامة من ~~بعدهما فيمن طاب من ذريتهما واحتذا بحذوهما، وكان في جميع صفاته مثلهما، ~~اللهم فمن شهد بمثل ما شهدت به فاكتبه مع الشاهدين، ومن لم يشهد بمثل ما ~~شهدت به فاكتب شهادتي مكان شهادته، والحمد الله على تمام نعمته وإكمال حجته. # وبعد: # فإني لما اطلعت على كثير من أقاويل الملحدين، وزخرف قول المتلددين، ~~واختلاف أهواء الضالين، وباطل كلام المتحيرين، واستغلاط الجاحدين لجهلة ~~المسلمين (1)، وسرعة القلوب إلى الأوهام، وتقحمها في لجج الظلام، وشكها في ~~زخرف الكلام، ووجود ما ذكرت في أكثر الأنام، وإن لم يبدوا غير دين الإسلام، ~~فنعوذ من ذلك بذي الجلال والإكرام، حداني ذلك على تصحيح ما دنا به من ~~الدين، وإبطال وساوس الشياطين. # فكان أول ما ينبغي لنا أن نذكره، ونبين لمن عقل خلله، ونحتج عليه بأبين ~~الحجج، من جحد خالقه، وأنكر صانعه من الدهربة الكفرة، وغيرهم من الثنوية ~~المتوهمين، الظانين بالله ظن السوء الجاحدين. # أجمعوا لعنهم الله على نفي خالقهم، وجحدان (2) صانعهم، حيرة منهم لعنهم ~~الله واستكبارا، واستعظاما لكون الحق وإنكارا، وتسهيلا في الدين ومعاندة ~~للحق جهارا، وإعلانا بالسوء وإسرارا!! PageV01P163 # فنعوذ بالله من قبول خواطر القلوب، والشك ms067 في دين علام الغيوب، ونسأله ~~النجاة من موالاة الشيطان، والحيرة والمرية والجحدان، فكم من هالك أردى ~~نفسه بالوهم؟! وتقحم في لجج الظلم؟! قد فارق الحق والهدى، واتبع الغي ~~والردى، وتردد في الدين ترددا، وتشعبت به أوهامه، فهو في بلية من نفسه، مما ~~تدعوه إليه من تماديه في غيه، وصده عن رشده، قد ملكته فأهلكته بأهوائها، ~~وتفرقت به السبيل بإغوائها، وزخرفت له ما أمرته به (1) من الأسواء، ورددته ~~فيما زينت له من الأهواء، ورغبته فيما دعته إليه من الإغواء، فهو غير مخالف ~~لها فيما تدعوه إليه، ولا منكر عليها فيما تحضه عليه، من ترهات المنى، وما ~~ترغبه فيه من الركون إلى الدنيا، قد نسي الموت وما بعده من الحساب، مما دخل ~~نفسه من الشك والارتياب، فنعوذ بالله مما أردى الكافرين!! وأبعدهم وأقصاهم ~~عن رب العالمين. # - - - ### || AUTO باب الرد على الدهرية # قال المهدي لدين الله الحسين بن الإمام القاسم بن علي صلوات الله عليه: ~~إن سأل سائل فقال: ما الدليل على صنعة الله في الإنسان (2)؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على ذلك قول الله سبحانه:{ ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين{12} ثم جعلناه نطفة في قرار مكين{13} ثم خلقنا ~~النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم ~~أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين{14} [المؤمنون:12- 14]. ~~فأخبرنا سبحانه عما لا ننكره لما شاهدنا من ذلك بأبين البيان وأيقن اليقين ~~محدثا لا يخفى، بينا نوره لا يطفأ. PageV01P164 # فإن قال: وما أنكرت من أن تكون هذه الأشياء قديمة العين حديثة الأحوال ~~بالقوة الهيولية، وهي الأصلية في لغتنا؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك أشد الإنكار، وذلك أن القديم لا ~~يكون محدثا كما لا يكون المحدث قديما، وقولك: قديم نقضه بين إذا قلت ثم حدث ~~فيه حادث، لأن الحادث لا يجري في قديم، كما لا يجرى القديم في الحادث. # ودليل آخر # أن المحدث فيه إبانة صنع محدثه، ومحال أن يكون للقديم صانع محدث. # ودليل آخر # يوضح فساد قولك ms068 (1): قديم العين حديث الأعراض، أن هذا القديم الذي زعمت ~~لا يخلو من أحد وجهين: # إما أن يكون لم يزل ممتنعا من الحدث غير موجود بجميع صفاته. # وإما أن يكون غير ممتنع من الحدث. # فإن كان غير موجود الصفات قبل كونه، وكان غير ممتنع من الحدث، صح أن له ~~خالقا نقله من صفة إلى صفة، حتى أبلغه الغاية التي أراد. # وإن كان لم يزل ممتنعا من الحدث ثبت على امتناعه ودوامه، ولم يجز أن ~~يتغير أبد الأبد عن صفة القديم، لأنه إن تغير إلى صفة الحدث استحال قدمه، ~~ولا يجوز أن يكون القديم مواتا ولا مركبا ولا محدثا، ولا موصوفا بصفة تدل ~~على حدثه، وهذا وجه قد تبين فساده بحمد الله. # - - - PageV01P165 ### || AUTO باب الرد على أصحاب الكمون # فإن قال: وما أنكرتم من أن تكون هذه الأشياء لم تزل موجودة بجميع صفاتها، ~~وهي كوامن في أعيانها؟! # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك لاستحالته وبطلانه، وهذا القول ~~مكابرة العيان، لأنا وجدنا النطفة والعلقة معدومة ثم كانت علقة، والمضغة ~~معدومة (1) في حال كونها علقة ثم مضغة، والعظام معدومة ثم كانت عظاما ~~مؤلفة، لا بد لها من مؤلف، وكسوة اللحم عدم ثم صورة بعد عدم التصوير، ~~والمحدث مالم يكن ثم كان، وقد وجدنا هذه الأحوال بعد العدم، والصورة غير ~~موجودة في حال كونها نطفة، والحركة معدومة في كل (2) موات من الإنس وغيرهم ~~من الجمادات، والحياة معدومة في حال الموت، والصورة لا بد لها من مصور، ~~وفيها إبانة صنع صانع حكيم. # فإن قال: وما إبانة الصنع في الصورة؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: تأليف الأجزاء وإحكامها وتقديرها وإتقانها تدل ~~على صنعها، إذ لم يكن شيء من ذلك، فقضينا على أن لكل مؤلف كان معدوم ~~التأليف مؤلفا، ونظرنا الحياة بعد الموت فعلمنا بيقين أن له محييا، إذ لم ~~نجد صنعا إلا وصانعه موجود وإن لم نره، كالبناء لا بد له من بان وإن لم نر ~~من بناه، والكتاب لا بد له من كاتب وإن ms069 لم نر كاتبه، والأثر وإن لم نر (3) ~~مؤثره، والصوت إذا سمعناه علمنا أن له مصوتا وإن لم نره. # ودليل آخر PageV01P166 وهو أن صنع الحكيم العالم بين، ومحال أن يكون في العلل إبانة صنع، وذلك أن ~~الحكمة لا تكون إلا من حكيم، ولا بيان عليم إلا من عليم، وهو الله الرحمن ~~الرحيم، لأنا نظرنا الإنسان إنسانا كاملا بعد أن كان نطفة من ماء مهين، ~~فعلمنا أن (1) لا بد له من مكمل أكمله، ونظرنا إليه حيا بعد أن كان ميتا، ~~سميعا بصيرا بعد أن لم يكن سميعا ولا بصيرا، فبان صنع العالم الحكيم، إذ ~~جعل سبحانه له (2) سمعا يدرك به الأصوات، وبصرا يدرك الهيئات، وشما يدرك به ~~جميع الروائح الخبائث (3) والطيبات، وذوقا يدرك به ما ذاق (4) من الطعوم ~~المختلفات، ولمسا بالجسد كله يدرك به الحر والبرد والخشن واللين وغيرها من ~~أحوال (5) المجسمات، فكل هذه الحواس المختلفة تدل على حكمة صانعها إذ خالف ~~بينها، فجعل كل حاسة تصلح لخلاف ما تصلح له الآخرى. # ودليل آخر # لا تخلو هذه المختلفات من أحد وجهين: # إما أن تكون خالفت بين أنفسها. # وإما أن تكون خالف بينها مدبرها!! # فإن كانت خالفت بين أنفسها فهذا محال، لأنها لم تكن واعية عند كونها، ولا ~~عالمة في حال عدمها، فلما استحال هذا الوجه صح الثاني وهو أن لها مدبرا ~~خالف بينها، إذ الفاعل الحكيم بين صنعه في إحداثها، وجعل كل (6) واحدة من ~~هذه المختلفات لشيء بعينه، ولا يجعل الشيء للشيء إلا حكيم، ولا يجعل الشيء ~~للضرورات إلا عليم. PageV01P167 # ألا ترى أن هذه الحواس جعلت لعلم جاعلها بضرورة أصحابها إليها وفاقتهم لها، ~~وجعل سبحانه لهم من الأغذية واللذات ما لا قوام لهم (1) باضطرار إلا بها، ~~وجعل لهم مداخل للأغذية ومخارج، ولا يجعل المخارج للشيء إلا عالم بما صنع ~~من المداخل التي لا قوام لهم إلا بها ولا منصرف لهم عنها إذ اضطرهم إليها، ~~وجعل ما ينتفعون به من الآلات والأدوات من (2) الأيدي التي تصلح للبطش، ~~والأرجل التي تصلح للخطو والحركة والسير، ms070 والألسن الناطقة بأفنان الحكمة ~~المؤدية للمصلحة، والعقول المميزة النافرة عن المضار المجتلبة للمنافع، ~~التي هي حجج على من جعلت له. # ولا تكون حكمة محدثة صح حدثها وبطل قدمها، وكانت بعد عدمها إلا من حكيم، ~~مدبر عليم، حي قيوم، ولا يجعل ذلك إلا لبقاءه ونفعه، لا (3) لفنائه وضره، ~~إذ الحكمة موجبة لذلك فيما قد بان من رأفة الصانع، إذ جعل في المصنوعات ~~مصالح تدل على أنه أراد ذلك لها، وأخبر بذلك على لسان نبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وكذلك أوجبت حكمة الألباب أن من مكن من(4) الاستطاعة من الأنام ~~لا بد من إساءته وإحسانه، فوجب لذلك الثواب على إحسان من أحسن من المحسنين، ~~ووجب عقاب من استحق العقوبة من المسيئين، فلما انقضت آجال المحسنين ولم ~~يثابوا، وانقضت آجال المسيئين ولم يعاقبوا، علمنا أن دارا غير هذه الدار ~~يثاب فيها من استحق الثواب، ويعاقب فيها (5) من استحق العقوبة من المسيئين، ~~فنسأل الله أن يرزقنا ما رزق المستحقين لثوابه، وأن يصرف عنا ما استوجب ~~العاصون من عقابه وعذابه، وأن يثبت أقدامنا على صراطه، إنه على كل شيء ~~قدير، وإليه المعاد والمصير. # - - - PageV01P168 ### || AUTO باب الرد على أهل الإلحاد في التولد # وقولهم: إنه لا نهاية لشيء من الأشياء، وإنه لم يزل نطفة من إنسان وإنسان ~~من نطفة، وبيضة من طائر وطائر من بيضة إلى ما لا نهاية، وحبة من سنبلة في ~~سنبلة من حبة إلى مالا نهاية له ولا غاية. # قال المهدي لدين الله ا لحسين بن الإمام القاسم بن علي صلوات الله عليه: ~~فإن قال بعض الملحدين: فما أنكرت من أن تكون هذه الحيوانات لم تزل تحدث شيء ~~من شيء وشيء بعد شيء وشيء قبل شيء إلى مالا نهاية له ولا غاية؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله:أنكرنا ذلك أشد الإنكار، وقولك متناقض فاسد، ~~وذلك أنك قلت: لم تزل فأوجبت أنها أزلية، ثم نقضت قولك بقولك: تحدث فأوجبت ~~الحدث والعدم في حال واحد، فأحلت (1) القول على نفسك، وذلك أنك إذا جعلتها ~~أزلية بطل ms071 الحدث، وإذا جعلتها محدثة أزلية فسد قولك، لاستحالة كونها معا في ~~حال واحد كما ذكرنا. # ودليل آخر # على فساد هذا القول أن كل شيء موجود بذاته محدث له غاية في نفسه. # ودليل آخر # أن لكل (2) منهم وإن كثر كون بعضهم من بعض، له نهاية وغاية وعليه نعمة، ~~وفي تركيبه وبنية حكمة (3)، والنعمة لا تكون إلا من منعم، والحكمة لا تقوم ~~إلا بمحكم (4)، وما كان من الحيوانات منعما عليه، وكان في جميع أسبابه ~~محسنا إليه، فيستحيل أن يكون غير متناهي (5)، وأن يكون من غير أصل ولا بدي. # ودليل آخر # أن كل ما احتمل الزيادة والنقصان فقد كان ناقصا قبل زيادة ما زاد منه إلى ~~غاية الزائد المتناهي إلى النقص، لأن الزائد لا يزيد إلا بعد النقصان، ~~والنقصان متناهي بأبين البيان، لأن المنقوص محدود بأوضح البرهان. # ودليل آخر # أن كل ما كان له آخر فله أول، ويستحيل آخر بلا أول. # ودليل آخر PageV01P169 الفرع والأصل لما وجدنا الفرع دلنا على الأصل(1)، ويستحيل فرع بلا أصل. # ودليل آخر # أن الحيوانات على قسمين: # قسم ميت هو الأصل. # وقسم حي هو الفرع، وللقسمين غاية ونهاية (2). # ودليل آخر # أن الأصل لا يعدو (3) مكانه الذي هو محله، ومحل أصول الحيوانات هذه ~~الأرض، والأرض قد حوت الجميع وحازتهم، وتضمنت جميع الأموات وأحاطت بهم، وكل ~~ما أحيط به فهو محدود، وكل شيء حل موضعا فموضعه(4) أكثر منه عددا، وما كان ~~غيره أكثر منه كان بالنقص (5) محدودا. # ودليل آخر # أن أصول الحيوانات محمولة على الأرض كلها، ولكل نهاية وغاية، لأن المحمول ~~على الأرض أقل من حامله، والأرض فقد حملت جميع الحيوانات، من الأحياء ~~والأموات. # ودليل آخر # أن الأصول التي زعمت أنها غير متناهية لا تخلو من العدد، وكل ذي عدد لا ~~يخلو من النوعين المعروفين وهما الشفع والوتر، وقد وجدنا كل ذي نسل من ~~الإنس والبهائم والطير والزرع من كل الأشجار ذوات زيادة (6) غير منفك من ~~العدد، والشفع له نهاي وغاية، وكذلك الوتر أيضا. # ودليل آخر # أن الأصل وقع عليه الفناء، ms072 وكل ما فني وامتحق فله نهاية وغاية. # ألا ترى أن الموت لا يقع إلا على نفس معدودة، متناهية محدودة. # - - - ### || AUTO باب الرد على أصحاب الطبع # قال المهدي لدين الله الحسين بن الإمام القاسم بن علي عليهما السلام: فإن ~~رجع إلى قول أصحاب الطبائع فقال: ما أنكرت من أن تكون هذه الأشياء حدثت من ~~الطبائع الأربع الخير والشر واليبس والرطوبة عند امتزاجها واعتدالها، ثم ~~نقص من جزء وزيد في جزء فجاء ضرب غير الأول، ثم على هذا القياس كمثل خضرة ~~وحمرة وبياض وصفرة، مزج بينهما (7) فعدلت حينا، ونقص من جزء وزيد في آخر (8)؟ PageV01P170 # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك من وجوه شتى أحدها: # أن قولك ظن بغير يقين شاهدته، فأرنا من ذلك ما رأيت، وأوجدنا من ذلك ما وجدت. # فإن قال: - وهو قائل لا شك - حجتنا على ذلك أنا وجدنا الأجسام لا تنفك ~~من هذه الطبائع الأربع فقضينا (1) عليها بأنها دبرتها، إذ لم تنفك (منها. # قيل له ولاقوة إلا بالله: وكذلك أيضا قد وجدناها لا تنفك من) (2) الألوان ~~من الحمرة والخضرة والبياض والصفرة وغير ذلك، فلو وجب أن يكون ما ادعيتم، ~~لكان أيضا ذلك في القياس على ما ذكرتم. # ودليل آخر # أنا شاهدنا هذه الطبائع في الأجسام بعد إكمال الله لها غير فاعلة فعلا ~~مما(3) ادعيتم. # ودليل آخر # أنا وجدنا في الصور التأليف والتركيب، وآثار صنع الحكيم المؤلف المركب، ~~ومحال أن تكون العلل مؤلفة أو مركبة أو حكيمة عالمة (4)، إذ هي عن ذلك ~~محجوبة، لا إحسان(5) لها، ولا إساءة ولا عقول لها تقي (6) بها أنفسها، فكيف ~~تدبر غيرها؟!! # ودليل آخر # أن هذه الطبائع لا تخلو من أحد وجهين عند اجتماعها: # إما أن تكون جمعت أنفسها. # وإما أن تكون مجموعة بأمر صانعها. # فإن قلت: إنها جمعت بين أنفسها، فكيف تجمع بين أنفسها وهي أعراض لا توجد ~~منفردة (7) بذواتها، ولو كانت منفردة بذواتها (8)، موجودة بأعيانها، ~~لاستحال ذلك ولما أمكن أبدا (9)، إذ المفرق الجامع لا يكون إلا حيا (10). PageV01P171 # ودليل آخر # أن الفاعل ms073 لا يكون إلا (1) موجودا قبل المفعول، وقد وجدنا هذه الطبائع مع ~~وجود المحدثات (2)، فعلمنا أن حال المحدثات سواء، إذ وجدن في حال واحد ~~وعدمن في حال واحد، لأن الطبيعة لا توجد قبل الجسم، والجسم لا يوجد قبل ~~الطبيعة، والطبيعة فإنما هي عرض، والأعراض على وجهين: # فمنها: أعراض حادثة بعد حدوث الجسم. # ومنها: أعراض مع الجسم لم تسبقه ولم يسبقها. # والأعراض فلا تسبق الأجسام أصلا، ولا تنفصل بأعيانها أبدا. # فأما الأعراض التي حدثت مع الجسم فمثل الطبائع الأربع: الحر والبرد ~~واليبس والرطوبة، ومثل الاجتماع والطول والعرض والحركة والسكون، لأنه قد ~~يستحيل أن يوجد جسم ليس برطب ولا يابس، وكذلك يستحيل أن يوجد جسم ليس ~~بمتحرك ولا ساكن، ويستحيل أن يوجد جسم ليس بحار ولا بارد، فمن هاهنا قلنا: ~~إن هذه الطبائع أصلية لم تحدث بعد الجسم، ولها علل تنقل (3) وتصرف يطول شرحها. # وأما العلل التي يمكن أن تحدث بعد حدوث الجسم فمثل أن يكون ساكنا فيتحرك ~~فتحدث الحركة، أو يكون الجسم مجتمعا فيفترق فيحدث الافتراق، أو يكون طويلا ~~فيقصر(4) فيحدث القصر، ومثل الأعراض الحادثة في الحيوان بعد عدمها. # - - - # باب الرد على عبدة النجوم # قال المهدي لدين الله الحسين بن القاسم بن علي عليهما جميعا السلام(5): ~~فإن رجع إلى قول أصحاب النجوم فقال: وما أنكرتم من أن تكون هذه الأشياء ~~تصورت بدور(6) الفلك وحركات النجوم، والفلك متصل بالعالم كاتصال خيوط ~~الإبريسم بآلة الحوك، فإذا دار الفلك على المصنوع بسعد تم وصلح، وإن دار ~~عليه بنحس فسد ولم (7) يتم، كما إذا حرك الصانع آلة الحوك الملائمة السدى ~~واللحام، أظهر في الحوك ما أراد من صورة، إما رأس طائر وإما جناحه؟ PageV01P172 # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنك قايست ما لا يقاس، لأنك قايست اتصال خيوط الإبريسم(1) بآلة ~~الحوك وتحريك الصانع لها، وإظهار ما يريد تحريكه الفلك والمخلوقين، فهذا ~~مالا ينقاس عند ذوي الألباب، لأن الخيوط متصلة بآلة الحوك غير مباينة لها، ~~والنجوم مباينة (2) للمخلوقين، وغير متصلة بأجسامهم، ms074 وحركتها غير متصلة ~~بهم، إذ كل منهم منفرد بذاته، ولو أحدثت حركة النجوم في العالم حكمة، لجاز ~~أن تحدث من تحريك الصانع لجوارحه في الحوك صورة مختلفة بغير ملامسة، لأنه ~~إذا جاز عندك أن يتحرك النجم بنفسه فتفعل(3) حركته في العالم صورا، جاز ~~لحائك الإبريسم وهو بعيد عنها، كما جاز للنجم ذلك في (4) الصور وهو باين ~~منها، فهذا وجه (5) يبطل فيه قياسهم. # والوجه الآخر: أنك زعمت أن الفلك إن دار على المصنوع بنحس فسد ولم يتم، ~~وإن دار عليه بسعد تم وصلح ولم يفسد، ووجدنا الأمر بخلاف ما ذكرت، وذلك أنا ~~نظرنا إلى الأحمال أحمال الإناث (6) من الإنس والبهائم والطير والأشجار وما ~~لا يحصيه إلا الله عز وجل من الحيوان (7)، ربما لم يتم وربما تم في حال دور ~~السعود التي زعمتم أنه يتم في حال دورها، ووجدناه ربما تم وربما لم يتم في ~~حال دور النحوس التي زعمتم أنه لا يتم فيها، وما كان من ذلك فبإذن الله ~~وتقديره، مما سنذكره إن شاء الله تعالى، من بيان صنع الله فيهما، وفساد قول ~~من زعم أنها قديمة الحركات إلى ما لا نهاية له. # والوجه الثالث: أنها في أنفسها مخلوقة أبان الله صنعه في إيجاده إياها. # فإن قال: - وهو قائل لا شك - وما ذلك على أنها مخلوقة؟ PageV01P173 # قيل له ولا قوة إلا بالله: دلنا على ذلك إبانة صنعه فيها. # فإن قال: وما إبانة صنعه فيها؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: وجوه شتى: # أول ذلك تصويرها وإحكامها وتقديرها، ولا بد لكل صورة من مصور، ولكل تقدير ~~من مقدر، ولكل تدبير من مدبر. # ودليل آخر # أنها لو كانت قديمة لما كانت في أوصافها مختلفة، فلما وجدناها مختلفة ~~الأنواع علمنا أن لها مدبرا خالف بينها، وفصل بعض هيئاتها، وخالف بين ~~صفاتها. # ودليل آخر # أن في العالم آثار حكمة صانع العالم، والحركات ليست بعالمة ولا هي بمدبرة ~~حكيمة (1)، ولا هي بحية مقدرة، لأنها علل متعلقة بأجسام النجوم غير ~~متلاحقة، لا تعد ومواضعها من معلولاتها. # ودليل ms075 آخر # على فساد قولهم أن حركات النجوم ليس لها أول، وسنبين إن شاء الله فساد ~~قولهم، وذلك أن ما قد مضى من حركاتها لا تحصى لكثرتها (2) في طلوعها ~~وأفولها وإقبالها وإدبارها، وما مضى فقد وقع عليه الفناء، وما صح حدثه وصح ~~فناؤه فله نهاية، لأن الحركة الماضية على حالين محدثين هما الحدوث والفناء، ~~لأن الحركة الماضية لم تعدم إلا بعد حدوث كل ساعة منها، وما صح حدثه وصح ~~فناؤه بعد حدوثه فله نهاية وغاية، لأن الحركة لم تعدم إلا بعد عدم أولها، ~~وما كان له أول وآخر فله نهاية وغاية. # ودليل آخر # أن دور القمر في المنزلتين الشامية واليمانية يدل على حدوث حركته، وعلى ~~حدوث ما كان من شكله، وذلك أنه لا يخلو من أحد ثلاثة أوجه: # إما أن يكون ما مضى من دوره في أحد المنزلتين أكثر من دوره في المنزلة ~~الآخرى. # وإما أن يكون ما مضى من دوره فيهما سواء بالسوية. # وإما أن يكون لم يدر فيهما أصلا. # فإن قلت: إنه لم يدر جحدت حركته. # وإن قلت: إن دوره في أحد المنزلتين أكثر من دوره في الأخرى، فللكثير ~~العدد نهاية وغاية، لأنها لم تكثر إلا بعد قلتها، وللقليل نهاية وغاية. PageV01P174 # فإن قلت: إن حركته في المنزلتين بالسوية فهي شفع، وللشفع نهاية وغاية، لأن ~~الحركة في موضعين تدل على التناهي، وكذلك القول في أفولها وطلوعها، أنه يدل ~~على حدث الحركة وبدئها، لأن الحركة لا تكون إلا من المشرق إلى المغرب ومن ~~المغرب إلى المشرق، وقد مضى من ذلك ما لا يحصى، وكان بعد حدوثه عدما، وما ~~صح عدم جميعه بعد حدوثه فله نهاية وغاية، لأن الطلوع والأفول حادثان، وهما ~~بعد حدوثهما منصرمان، وكل ما مضى منهما فهو عدم، وللكل نهاية تحيل القدم، ~~وإذا صح حدث الفلك فلا يخلو من أحد ثلاثة أوجه: # إما أن يكون أحدث نفسه. # وإما أن يكون حدث ولا محدث له. # وإما أن يكون أحدثه محدث أبان صنعه من تركيبه وبنيته، وهو الله الذي صنع ~~وافتطر، ms076 وأحكم ودبر. # فإن قال: وما أنكرت من تدبيره لنفسه؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك لأنه لا يخلو في حال تدبيره لنفسه ~~من أحد وجهين: # إما أن يكون دبر نفسه وخلقها في حال الوجود. # وإما أن يكون ذلك في حال العدم، فإن كان في حال العدم فمحال تدبير العدم، ~~لأن الفاعل لا يكون إلا موجودا في حال فعله، والعدم ليس بشيء موجود فيفعل، ~~وإن كان خلقها في حال الوجود فهذا يستحيل، لأنها إذا كانت موجودة استحال ~~قولك: خلقها، إذ كان وجوده سابقا لفعله، وأيضا فإن المخلوق لا يفعل إلا ~~حركة أو سكونا وما أشبههما من الأعراض. # فإن قال: فما أنكرت من أن يكون (1) حدث ولا محدث له؟! # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك لأن قولك: حدث يوجب أن له محدثا، ~~ثم نقضت قولك بقولك: لا محدث له، فأقررت بالحدث ثم نفيته، لأن الحادث لا بد ~~له من محدث، كما لا بد لكل فعل من فاعل، ولا بد لكل بناء من بان، ولكل كتاب ~~من كاتب، ولا بد لكل صوت من مصوت، ولا بد لكل أثر من مؤثر، ومحال أن يكون ~~أثر من غير مؤثر، وصوت من غير مصوت. PageV01P175 # ودليل آخر # أنه لو كان يحدث بلا محدث لم يكن بالوجود أولى منه بالعدم، ولم يكن ~~بالحدوث أولى منه بالقدم (1). # ودليل آخر # أنه لو كان كما زعمت لم يعدم من أن (2) يكون حدث لعلة فهذا محال، لأن ~~العلل ليست بحكيمة مدبرة، ولا بحية مقدرة، كما قد ذكرنا في أول الكتاب، ~~وكذلك أيضا فقد ذكرنا ذلك في كتاب التناهي والتحديد، في بيان صنع الله في ~~العلل وغيرها، فلما استحال هذان الوجهان صح الوجه الثالث وهو صنع الله ~~سبحانه، وعز عن كل شأن شأنه، وذلك أنا نظرنا إلى النجوم والشمس والقمر فإذا ~~هي مسخرات، مدبرات مقدرات، فعلمنا أنه لا بد لكل مسخر كان معدوم التسخير من ~~مسخر، ولا بد لكل تقدير كان بعد عدمه من مقدر، ولكل مدبر كان بعد ms077 عدمه من ~~مدبر، وذلك أنا وجدنا لحركتها غاية تدل على أوليتها، ووجدنا فيها تصويرا ~~وإحكاما يدل على محكمها ومصورها، ووجدنا لها أقدارا تدل على مقدرها، ~~ووجدناها متفاضلة فدل تفاضلها واختلافها على المفضل بينها، ووجدنا فيها ~~دلائلا على منافع العباد، وقدوة للخلق في جميع البلاد، وهداية في ظلمات ~~البر والبحر، ومصالح لهم في الليل والنهار، فدل ذلك على أنها نعمة، والنعمة ~~لا تكون إلا من الواحد القهار، لما جعل(3) فيها من الزينة والأنوار، وأقام ~~بمنفعة ذلك من المعايش والإبصار. # ودليل آخر # أن مكان هذه النجوم والشمس والقمر ضد لها منافر، مفارق مباين (4) غير ~~موافق ولا مؤالف، فلما نظرنا التأليف بين الضدين، دلنا ذلك على حدثهما ~~جميعا، وعلى أن لهما صانعا ألف بينهما (5) بلطفه وقدرته، وتدبيره وإظهاره ~~لحكمته (6). # فإن قال: وما أنكرت من أن تكون ثبتت بطباع لها من غير عمد يعمدها؟ PageV01P176 # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك لأن من طباعها الثقل، لأن أفولها ~~وطلوعها وهويها دليل على قوتها (1) وثقلها، والثقل لا يستقر إلى على معتمد، ~~فإذا لم نر لها عمدا علمنا بيقين، أنها ثبتت (2) بلطف مدبرها. # فإن قال: وما أنكرت من أن يكون الهواء يحملها؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك لأن من طبع الهواء الضعف عن أن ~~يحمل حبة الخردل فما دونها!! فكيف يحمل السموات والنجوم والماء وجبال ~~البرد؟! لأن من طبعها الثقل ومن طبعه الضعف. # ألا ترى السحاب ليس بينه وبين الماء والبرد مشاكله، وكذلك الهواء لا ~~يشاكل الماء، لأن من طبع الهواء الضعف، فلما وجدنا الماء والسحاب مجتمعين ~~علمنا بيقين أن ذلك الاجتماع ليس من فعلهما، وأن الجامع بينهما غيرهما، لأن ~~من طبع الهواء الضعف، ومن طبع السحاب الخفة والطيشان والضعف، فلما وجدنا ~~الماء والسحاب مجتمعين علمنا بيقين أن ذلك الاجتماع ليس من فعلهما وأن ~~الجامع بنيهما غيرهما، لأن من شأن السحاب الخفيف أن يعلو صعدا، ومن شأن ~~الماء أن ينحدر سفلا، فيجب على هذه الطبائع ألا يجتمعا طرفة عين، فأي حديث ~~أعجب من ms078 اجتماع هذه الأضداد التي من شأنها الافتراق؟ وليس من طبعها ~~الاجتماع والالتزاق. # ودليل آخر # أن الهواء لو كان يعمد النجوم لما أسلمها إلى الأفول والطلوع، ولو جاز ~~ذلك في أقل قليل إسلامه لها من حيز إلى حيز، لما كان أي الحيزين أولى ~~بإسلامهما من الآخر، لأن الهواء لو كان يعمدها عند طلوعها لوجب أن يعمدها ~~أيضا عند أفولها، ولو كان الهواء هو الذي يسقطها عند غروبها لأسقطها في ~~وسطه قبل مغيبها، فلما وجدناها لا تسقط عند طلوعها علمنا أن لها مسخرا ~~أطلعها، فلما استقلت في وسط الجو ولم يسلمها إلى الهبوط علمنا أن غيره ~~أمسكها لأنه يضعف عن حملها (3). # - - - PageV01P177 ### || AUTO باب الرد على الثنوية عبدة النور والظلمة # قال المهدي لدين الله الحسين بن القاسم بن علي عليهما السلام: فإن رجع ~~إلى قول الثنوية فقال: وما أنكرتم من أن تكون هذه الأشياء أحدثها اثنان ~~سميعان بصيران عالمان، فالنور يخلق كل خير، والظلمة تخلق كل شر ومكروه ~~وضير(1)، وليس ذلك باختيار ولكن ذلك بطباع أزلية؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك من وجوه شتى أولها: # أنك لا تخلو في قولك هذا من أحد وجهين: # إما أن تكون قلته تظننا وتوهما. # وإما أن تكون قلته بدرك ويقين. # فإن قلت: إنك أدركتهما رأي العين يخلقان أحلت. # وإن قلت: بل ظننت وتوهمت، فقد قال الله عز وجل:{إن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا} [يونس:36]. # وإن قال: - وهو قائل لا شك - حجتي على ذلك أني نظرت في العالم خيرا وشرا، ~~فقضيت على أن الخير والشر من أصلين (2)، أحدهما فاعل خيرا، والآخر فاعل ~~شرا، ولا يمكن أن يأتي بالخير من يأتي بالشر، ولا يمكن أن يأتي بالشر من ~~يأتي بالخير؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: قولك هذا تظنن (3) وتوهم، ويستحيل من وجوه شتى أولها: # أنا وجدنا فاعل الخير والشر واحدا، ولو كان كما توهمت لما أحسن محسن، ولا ~~اعتذر مذنب، ولا تاب مخطئ، إذ زعمت أنه لا يأتي بالخير مسيء أبدا. # ودليل آخر # أن ms079 الخلق تام متقن محكم، وفيه إبانة صنع محدثه، ومحال أن تكون الحكمة من ~~علة من العلل الطبيعية. # ودليل آخر # إما أن يكونا (4) عند تمازجهما أحدثا (5) الخلق بإرادة منهما. # (وإما أن يكون الخلق حدث بغير إرادتهما)(6). # وإما أن يكون حدث بطبائع (7) تمازجهما. PageV01P178 # فإن قلت: إن الخلق حدث بإرادتهما أحلت، لأنك وصفتهما بصفات تدل على حدثهما، ~~وذلك أنك زعمت أن لكل واحد منهما خمس حواس مختلفات، ولا بد لما اختلف من ~~الأشياء من صانع خالف بين أجناسه لإظهار حكمته، فجعل كل واحد (1) يصلح ~~لخلاف ما يصلح له الآخر، لفاقته إلى ما جعل له صانعه، وإذا كان في الشيء من ~~الأشياء ما يدل على حدثه بطل قدمه، وإذا بطل قدمه لم يكن بالفعل أولى من ~~غيره، ولزمه إذ ذلك ما يلزم مثله من العجز عن (2) أن يصنع!!! # وإن قلت: إن الخلق حدث بطباع تمازجهما أحلت، لأن المصنوع المطبوع لا ~~تعدوه طبيعته، والاجتماع هو غرض لا يتعداهما إلى غيرهما، كما أن افتراقهما ~~لا يوجب حكمة في سواهما. # ودليل آخر # أنهما إذا كانا (3) من التصوير على ما ذكرت، وفي تمام الحواس على ما ~~وصفت، فقد يجب شكر المنعم بكمال أدواتهما، والمتفضل بتمام جوارحهما، إذ جعل ~~لهما حواسا خمسا، عيانا وسمعا وذوقا وشما ولمسا، وخالف بين علمهما ~~وحواسهما، وغاير بين صفات أجناسهما. # ودليل آخر # يقال لهم: ما العلة التي أوجبت تمازجهما بعد مباينة كل واحد لضده؟! إذ ~~زعمتم أنهما تمازجا بعد مباينة كل واحد لصاحبه!! # فإن قلتم: إن الظلمة بغت على النور، أوجبتم حدث حركة لاقت بينهما، وإذا ~~حدث بينهما حادث فهما على حالين محدثين، وهما الحركة والسكون، وما كان من ~~الأشياء متحركا أو ساكنا فهو مضطر إلى الحركة والسكون، والمضطر لا بد له من ~~صانع اضطره إلى الحوادث وبناه عليها. # ودليل آخر # قالوا: إنهما تمازج بعضهما ولا نهاية لما بقي منهما، وإذا كان لهما بعض ~~تمازج بحركتهما فالذي بقي منهما، لا يخلو من أن يكون: ساكنا كله فينتظمه ~~السكون ويتعلق بجميعه، أو يكون غير ساكن ms080 ولا متحرك فيكون عدما. PageV01P179 # ودليل آخر # لا يخلو (1) من أن يكونا ميتين أو حيين، فإن كانا ميتين فقد لا بسهما ~~الموت وحواهما، وإن كانا حيين فقد حوتهما الأرواح وناهتهما. # ودليل آخر # لا يخلو كل واحد منهما من أن يكون مجتمعا أو مفترقا، والافتراق يوجب ~~التفصيل (2)، والاجتماع يوجب التوصيل، والتوصيل والتفصيل لا يكونان إلا من ~~صانع موصل مفصل. # ودليل آخر # قال بعضهم: إنهما جنسان فالنور بياض كله، والظلمة سواد كلها، وللكل نهاية ~~وغاية، لأن البياض قد لبس النور كله ولا بد لكل لباس من ملبس، وكذلك القول ~~في السواد إنه قد لبس الظلمة كلها، وللكل نهاية وغاية، وإذا حواهما لباسهما ~~فقد حدهما وتضمنهما، والسواد والبياض فهما عرضان صفتان لغيرهما، والخالق ~~ليس بعرض ولا جسم، لأن الجسم فيه إبانة صنع صانعه، والعرض صفة له، لا إحسان ~~له ولا إساءة، ولا قوة له ولا عقل ولا حياة ولا فعل من الأفعال، فكفى لعمري ~~بشيء هذه صفته عجزا وضعفا!!! # ودليل آخر # أن البياض والسواد لا بد لهما من صانع خالف بين أجناسهما، لأن القديم لا ~~يخالف القديم، والمحدثات أضداد لا بد لها من مضاد ضاد بينهما بقدرته ليعلم ~~أن لا ضد له. # باب الرد على المتجاهلة # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: فإن رجع إلى قول المتجاهلة فقال: ~~وما أنكرت من أن تكون هذه الأشياء لا تصح علم أحدها، لأن النائم لا يصح ~~منامه إذا استيقظ، والظل في الماء والمراية لا تصح إذا طلب، فلعل هذه ~~الأشياء التي تذكرون (3) ستطل كما بطل غيرها؟ PageV01P180 # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك لأن ما بطل من الأشياء إنما بطل ~~لعلة، وذلك أنه لا حقيقة لعقل (1) النائم، وإنما صح عنده الباطل في حال ~~تغير عقله، وبطل عنده الباطل في حال صحة عقله حين استيقظ، مثل رجل رأى في ~~منامه أنه مقطوع اليد ثم انتبه من منامه فلم يجد لما رأى حقيقة، وذلك أنه ~~إنما رأى ذلك عنده بلا حقيقة، فبطل عنده حين عقل، ولو أنه رأى ms081 ذلك في ~~اليقظة في صحة من عقله لما بطل ذلك عنه، ألا ترى أنه لو رأى في منامه أنه ~~قتل وصلب لبطل ذلك عند يقضته، ولو رأى أنه قد قتل (2) في حال صحة عقله ~~ويقضته لما بطل ذلك عنده إلى يوم القيامة، فنعوذ بالله من الكفر بعد ~~الإيمان (3)!! ونسأل الله الثبات على الهدى والبرهان!! ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله ذي العزة والسلطان!! # فإن قال: فما الدليل على حقائق الأشياء؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: وجودها مبرأة من عوارض العلل التي تعرض دون دركها. # فإن قال: فما العوارض التي تمنع من درك الحقائق؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: من ذلك النوم وزوال العقل وتغير الحواس. # فإن قال: فما حقيقة الجسم؟ # قيل له: وجوده بذاته مدبرا مدركا، تحويه الجهات الست: الفوق والتحت ~~واليمين والشمال والخلف والأمام. # فإن قال: فما (4) حقيقة العرض؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: وجوده بحيث أحله الله من الأجسام. # فإن قال: فما حقيقة الحس؟ # قيل له: دركه الحاسة للمحسوس. # فإن قال: فما حقيقة الحركة؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: وجود العضو المتحرك زائلا عن اللبث. # فإن قال: فما حقيقة السكون؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: وجود العضو الساكن لابثا غير زائل. # فإن قال: فما الدليل على أن الحركة غير المتحرك؟ PageV01P181 # قيل له ولا قوة إلا بالله (1): وجود العضو على غير الحركة ساكنا ثم ترى ~~الحركة، فتعلم أن الحركة شيء لم تره ثم رأيته، ولو كانت الحركة هي العضو ~~المتحرك (2) لرأيت الحركة في حال السكون، فلما رأيت العضو ساكنا ولم تر ~~الحركة ثم رأيتها، علمت أن الذي لم تكن رأيته غير الذي كنت رأيت، فقس وافهم ~~إن شاء الله تعالى. ### || AUTO باب الرد على من جحد النبوة # قال الإمام المهدي لدين الله الحسين بن القاسم بن علي عليهما السلام: فإن ~~قال: وما أنكرتم من أن يكون لنا خالق على ما وصفتم ولم يرسل رسلا(3)؟ # فلنا بحمد لله رد على هؤلاء سنذكره، وذلك أنهم جحدوا ms082 الرسل واعتلوا في ~~ذلك بأن الله سبحانه حكيم، والحكيم إذا علم أنك لا تجبه فلا يرسل إليك إلا ~~وهو عابث. # فيقال لهم: ليس الأمر كما توهمتم، ولكن إذا علم الحكيم أنه قد أعطاك قوة ~~تفعل بها ما أمرك بفعله، وتترك ما أمرك بتركه، ثم أرسل إليك فلا يرسل إليك ~~إلا وهو يعلم أن لك قوة إلى فعل ما أمرك بفعله، وترك ما أمرك بتركه. # ويقال لهم: أعلم الله مانع له من إرسال الرسل؟! أم علمه مانع لكم من ~~طاعته؟! # فإن قالوا: إن علمه منعه جعلوه ممنوعا، مضطرا مدفوعا، وجعلوا العلم شيئا ~~مانعا، ولحجته دافعا، فسبحان الله عما يشركون!! وإنما علمه ذاته. # وإن قالوا: إن علم الله مانع لهم من طاعته، فقد أحالوا في قولهم، لأن ~~العلم هو الله، والله حكيم، والحكيم لا يمنع المطيعين من طاعته. # ودليل آخر # أن الحكيم إذا علم أنه يعصى لم يمنعه ذلك من الرسالة إلى من عصاه، لتكون ~~الحجة له عليهم، ولتكون دعوته ورسالته أقطع (4) لعللهم وأدحض لحججهم. # ودليل آخر # أن الحكيم إذا علم بمعصية أعدائه، لم يمنعه علمه بمعصيتهم من الرسالة إلى ~~أوليائه. # - - - PageV01P182 ### || AUTO باب التوحيد ونفي التشبيه # قال المهدي لدين الله الحسين بن القاسم بن علي عليهما السلام: فإن رجع ~~إلى قول أصحاب الاثنين فقال: وما أنكرتم من كون خالقين قديمين بالصفات التي ~~وصفتم بها الواحد القديم، وهو الله الرحمن الرحيم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك لتضاد الاثنين!! # فإن قال: وما أنكرت من اتفاقهما؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لو اتفقا لم تعدوا صفاتهما (1) في العلم ~~والجهل والقدرة والعجز، فإن كان كل واحد منهما يقدر على إخفاء فعله وخلقه ~~في سماواته وأرضه عن صاحبه، خرجا جميعا من العلم وصارا جميعا إلى الجهل، إذ ~~كان كل واحد منهما جاهلا بما يخفي عنه صاحبه من الفعل، وإن كانا لا يقدران ~~على إخفاء كل واحد فعلا يفعله، خرجا من صفات القدرة إلى العجز، إذ كان كل ~~منهما لا يقدر أن يخفى فعله ms083 عن الآخر، وإذا كانا عاجزين جاهلين صح أنهما ~~مخلوقان (2)، وإذا كان أحدهما يقدر على إخفاء فعله والآخر لا يقدر، ثبتت ~~الربوبية للعالم القادر، والمربوب هو العاجز الجاهل بعجزه عن قدرة خالقه، ~~إذ لا بد للعاجز من معجز أعجزه ومنعه. # ودليل آخر # أنهما إذا كانا اثنين لم يخلوا من ثلاثة أوجه: # إما أن يكونا حكيمين. # وإما أن يكونا سفيهين. # وإما يكون أحدهما سفيها والآخر حكيما. # فإن كانا حكيم (وجب عليهما أن يبينا أنفسهما، ولا يخملا حكمتهما)(3) وإن ~~كان سفيهين فهما غير قديمين، لأن السفه والعبث إنما تولد من الهوى، والقديم ~~لا يعبث ولا يهوى، لأن الهوى بنية ضرورية جعلت للبلوى، وإن كان أحدهما ~~حكيما والآخر سفيها، فالربوبية للحكيم الذي بين حكمته، والسفيه مربوب مخلوق ~~عاجز، والله أعجزه وابتلاه، وركبه على الشهوات وبناه. # - - - PageV01P183 ### || AUTO باب الرد على الفضائية # قال المهدي لدين الله الحسين بن القاسم بن علي عليهما السلام: فإن رجع ~~إلى قول الفضائية فقال: فإذا أوضحت لي أنه واحد فما أنكرت من أن يكون ~~الفضاء الهواء المكان الذي فيه الأشياء قديما (1)؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك من وجوه شتى: # أحدها: أن الفضاء جسم ضعيف، والخالق لا يكون جسما، ولو كان جسما لما قدر ~~على خلق جسم، والخالق أيضا لا يكون ضعيفا لأن الضعيف مخلوق. # ودليل آخر # أن الفضاء مجتمع موصل ولا بد لكل مجتمع من جامع، ولا بد لكل توصيل من ~~موصل، والله موصله وجامعه، ومبتدعه وصانعه، وأيضا فإنه محدود ولا بد لكل ~~محدود من محدد قطع حدوده وناهاه، وأوضح نهايته وغاياه. # ودليل آخر # أن الهواء موات ولا بد من مميتة ومجمده، ومضعفه ومحدده، ومن هؤلاء ~~الفضائين من يقر بالقرآن (2)، والله يقول عز وجل من قائل: {ولا يحيطون بشيء ~~من علمه} [البقرة:255]. والهواء يدرك ويحاط بعلمه، ويقول سبحانه: {لا تدركه ~~الأبصار} [الأنعام:103]. والهواء فهو المسافة المدركة بين السماء والأرض. # ودليل آخر # أن الهواء ساكن وربما تحرك فهو مضطر إلى الحركة والسكون، ولا بد له من ~~صانع اضطره إليهما ms084 وبناه عليهما. # ودليل آخر # أن كل ما لم (3) ينفك من الحركة والسكون فهو محدث، لأنهما محدثان يكثران ~~ويقلان، لأن الهواء قد طال مقامه فيما مضى من الأزمان، والأزمان محدثة ~~بأبين البيان، لأن ما مضى منها فلم يعدم إلا بعد حدوثه ساعة بعد ساعة، وتلك ~~الساعات فقد عدم جميعها بعد حدوثها كلها، وللكل نهاية وغاية، وهو لم ينفك ~~منهما ولم يكن قبلهما، وإذا لم يكن قبلهما فهو في الحدوث مثلهما، نسأل الله ~~المغفرة والهدى، ونعوذ به من الحيرة والردى. # - - - # باب المعرفة # فإن قال: فما الدليل على معرفة الخالق وأين هو؟ PageV01P184 # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على معرفته ما أظهر (1) من الصنع المتقن، ~~وأقرب الأدلة إلى الإنسان نفسه، لأنا رأينا كل جارحة من جوارحه، لم تجعل ~~إلا لمصلحة من مصالحه، فعلمنا أن الإصلاح لا يكون إلا من صانع عالم، لأنه ~~لو كان جاهلا لما اهتدى إلى الإصلاح. # وأما قولك: أين هو؟ فإن أين مكان وربنا ليس في مكان، لأنه خالق المكان ~~وهو كان ولا مكان. # فإن قال: فكيف هو؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لا كيف له، لأن كيف صفة من صفات خلقه، تحتمل ~~أوصاف الأجسام، والله ليس بمكيف مصنوع فيوصف بصفات المكينين(2). # فإن قال: ففي أي الجهات هو؟ أفوق كل شيء، أم تحت كل شيء، أم هو محيط بكل ~~شيء، أم هو في كل شيء، أو هو مع كل شيء؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: مسألتك تحتمل ثلاثة أوجه: # إما أن تكون عنيت ذاته. # وإما أن تكون عنيت علمه. # وإما أن تكون عنيت قدرته. # فإن قلت: عنيت بقولك قدرته، فهو لعمري فوق كل شيء قاهر، وذلك قوله ~~سبحانه: {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام:18، 61]. وإن كنت عنيت بفوق وتحت ~~ومحيط وفي ومع تريد: علمه، فهو لعمري كذلك محيط بكل شيء، وفي كل شيء، لا ~~يخلو منه شيء، ومع كل شيء لا يخفى عليه شيء. PageV01P185 # وإن كنت عنيت ذاته، فمحال أن يكون محادا للعالم فيكون مجزأ مبعضا، لأنه إذا ms085 ~~كان فوق العالم فالذي يحاد العالم منه أسفل، وإذا كان تحت العالم فالذي ~~يحاد العالم منه أعلا، وإذا كان محيطا فالعالم منه في كل أو بعض، والكل ~~والبعض من أوصاف المخلوقين، وكذلك إذا كان في العالم كان العالم له محلا، ~~ومسكنا وملجأ ومعقلا، وكان مكانه أكثر منه وكان محدودا، والمحدود لا بد له ~~من محدد، لأنه إذا حاط به المكان فله غاية ومنقطع، وما كان له منقطع فله ~~قاطع، لأن المقطوع مفروغ منه، والفراغ من فعل المحدد القاطع للحدود المناهي ~~لها، وهو(1) الله محدد الأجسام وقاطعهان ومفتطرها وصانعها، ومفرقها ~~وجامعها، وهذه صفات المخلوقين الموهومين (2)، ذوي الأماكن المدبرين، وربنا ~~بخلاف خلقه، لأنه لا يقع عليه الفكر ولا يخطر على بال، لأنه ليس في مكان ~~ولا بينه وبين خلقه مكان، لأن المكان لو كان بينه وبينهم لم يخل ذلك المكان ~~من أن يقربه فيكون قريبا منهم، أو بعيدا فيبعده عنهم، ولو كان قريبا بذاته ~~منهم لكان مقربا لا بد له من مقرب قربه!! ولو كان بعيدا بذاته عنهم لكان ~~مبعدا لا بد له من مبعد أبعده (3). # ودليل آخر # أنه لو كان بينه وبين خلقه مسافة لم تخل تلك المسافة من أن تكون قاربت ~~كله أو بعضه، وللكل والبعض نهاية وغاية، والله سبحانه ليس بذي كل ولا بعض، ~~ولا طول ولا عرض، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا خلف ولا أمام، ~~ولا لون ولا طعم ولا رائحة لا محسة، ولا افتراق ولا اجتماع، ولا حركة ولا ~~سكون، لأن هذه الصفات لا تكون إلا في الأجسام التي ذكرنا، والله خالقها ~~وجاعلها. # - - - PageV01P186 ### || AUTO باب الرد على من أنكر قول آل محمد صلوات الله عليهم في أن الله ~~شيء لا كالأشياء # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: فإن قال قائل: بم (1) زعمت أن الله ~~شيء ولم تقل مشيء الشيء، وقد علمت أنا لم نجد شيئا إلا جسما، فهل نفيت عن ~~ذلك صفات الأجسام؟! # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم أن قولنا: شيء ms086 إثبات موجود ونفي معدوم، ~~وقولنا: لا كالأشياء نفي التشبيه، وذلك قول الله عز وجل: {قل أي شيء أكبر ~~شهادة قل الله شهيد} [الأنعام:19]، فسمى نفسه شيئا، ثم قال:{ ليس كمثله شيء ~~} [الشورى:11]. فحكينا من قوله ما قال، ونسبنا إليه سبحانه ما نسب إلى ~~نفسه، ونفينا عنه ما نفى عن نفسه من شبه خلقه. # مسألة # فإن قال: أهو عالم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: نعم هو سبحانه عالم. # فإن قال: أعلمه هو أم علمه غيره؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم أيها السائل أن علمه وقدرته صفتان (2)، ~~من صفات ذاته، هما الذات والذات هما، وهو العالم بنفسه، القادر بنفسه، الحي ~~بنفسه، لا بحياة سواه، ولا علم ولا قدرة غيره (3). # مسألة # فإن قال: ربكم مريد؟ # قيل له: نعم. # فإن قال: ما إرادته؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: فعله للشيء فقط. # مسألة # فإن قال: ربكم يقدر أن يريد أو يريد أن يقدر؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: هذه مسألة مغالطة، منها ما يصح ومنها ما يفسد. # فأما الصحيح فقولك: يقدر أن يريد، لأن الإرادة فعله وهو لعمري قادر على ~~الأفعال. # وأما الفاسد المحال فقولك: يريد أن يقدر، فكأنك قلت يفعل القدرة وهو لم ~~يزل قادرا، فجعلت القدرة من المفعولات ففسد القول (4) واستحال. # مسألة # فإن قال: ربكم يعلم أن يقدر أو يقدر أن يعلم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: ربنا يعلم أنه يقدر. # وأما قولك: يقدر أن يعلم ففاسد محال، لأن القدرة لا تقع إلا على ~~المقدورات، وليس علم الله بمقدور فتقع عليه القدرة. PageV01P187 # مسألة # فإن قال: ما دليلك على أن الله حي؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأنا نظرنا إلى الخلق، فإذا هو متصل تام محكم ~~متقن، فعلمنا أنه صنع حكيم حي، لأن الميت لا يقي (1) نفسه فضلا عن غيره، ~~ومحال تدبير من هو ميت، والحكيم لا يكون إلا حيا، والميت لا علم له ولا ~~قدرة ولا إرادة ولا حكمة. # مسألة # فإن قال: فما دليلك على أنه ms087 قادر؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أبين الأدلة وأوضحها، وذلك لأن العاجز لا يقدر ~~على فعل شيء أصلا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا!! # مسألة # فإن قال: فما دليلك على أنه عالم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لولا أنه عالم لما اهتدى خلق الأشياء من غير ~~شيء، بل لعلمه بها قبل تكوينه لها خلقها وفطرها واخترعها بغير مثال احتذى ~~عليه، وكيف لا يعلم المبتدع ما ابتدع، والحكيم الصانع ما صنع؟!! # مسألة # فإن قال: هل له حد أو نهاية أو أمد أو غاية (2)؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: تعالى الله خالقنا عن أن يكون له حد أو نهاية، ~~أو أمد أو غاية، لأن كل محدود لا بد له من محدد أحاط به، وكل ذي عدد لا بد ~~له من معدد، وربنا ليس بذي حد به يحد، ولا بذي أجزاء تعد. # مسألة # فإن قال: فهل يدرك بحس أو نفس؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: هذا محال لا يجوز على الله، لأن النفس لا تدرك ~~إلا جسما أو عرضا، وكذلك درك الحس أيضا، والجسم والعرض محدثان، ومدبران بعد ~~العدم مصنوعان. # - - - ### || AUTO باب الحقائق # فإن قال: فما حقيقته في ذاته؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: مسألتك تحتمل وجهين: # إما أن تكون أردت حقيقة ذاته. # وإما أن تكون أردت الدلالة على وجوده. PageV01P188 # فإن كنت أردت ذاته فحقيقته ذاته وذاته حقيقته، وإن كنت أردت الدلالة على ~~حقيقته وصنعه (1)، فالجواب في ذلك أن وجود خلقه وصنعه يدل على أنه شيء حق، ~~وليس عندنا من الجواب في المسألة إن ما ذكرت لك، إذ كل شيء موجود مدرك ~~محسوس تعرف حقيقته بذاته، والله لا يعرف إلا بما أظهر من حكمته، وحقيقته ~~قدمه وهو حقيقة ذاته، وكذلك غير القدم من صفاته كعلمه وقدرته وحياته. # مسألة # فإن قال: فما هو؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: مسألتك تحتمل ثلاثة أوجه: # إما أن تكون سألت عن اسمه. # وإما أن تكون سألت عن صفته. # وإما أن تكون سألت ms088 عن ذاته. # فإن كنت سألت عن اسمه فهو الله الرحمن الرحيم، وإن كنت سألت عن صفته فهو ~~الواحد القديم القدير العليم، وإن كنت سألت عن ذاته فهو الذي ليس كمثله شيء. # مسألة عن الإرادة # فإن قال: أخبرونا لم (2) يزل الله مريدا أم إرادته حدثت ولم تكن أزلية؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم أن إرادة الله سبحانه هي فعله. # وأما إرادته لطاعة عباده فهي أمره لهم فقط، وكذلك سخطه لمعصيتهم فهو نهيه ~~لهم، والله سبحانه لم يزل عالما بجميع فعله، عالما بجميع ما سيريد تكوينه، ~~وإنما الذي يريد بلا علم تقدم، ويضمر بغير تكوين هو الإنسان الجاهل، الجائل ~~الفكر الذي تحدث له النية والضمير والإرادة بإضمار القلب والطوية، ولو كانت ~~إرادته قبل فعله لكانت إرادته كإرادة المخلوقين، ولكانت عرضا في (3) جسم، ~~ولو كان جسما لأشبه الأجسام. وإنما إرادته فعله وفعله مراده، وليس ثم إرادة ~~غير المراد، فيكون مشابها للعباد. PageV01P189 # ومحبة الله هي: رضاه ورضاه محبته، ومحبته ثوابه، وبغضه غضبه، وغضبه عقابه، ~~وكراهته نهيه، لا غير ذلك، وهذه صفات تكون لله فعلا، وتكون للمخلوقين بخلاف ~~ما هي لله أعراض علل في المعلولات، لأن إرادة المخلوقين إهتشاش قلوبهم، ~~ومحبة نفوسهم قبل فعلهم، وكراهتهم ومحبتهم مختلجان (1) في صدورهم، وحاش لله ~~أن يوصف بصفات خلقه، والشهوة والكراهة بغيتان ضروريتان، وحاش الله (2) أن ~~يكون مضطرا إلى شيء أو مبنيا عليه. # مسألة # فإن قال: فما دعاه إلى أن يخلق؟! # قيل له ولا قوة إلا بالله: كلامك هذا فاسد محال، لا يجوز على الله ~~سبحانه، لأنه لم يزل عالما بلا داع خطر، لأن الخاطر الداعي من صفات الجهال ~~المخلوقين، الذين يذكرون بعد (3) النسيان، والناسي لا بد له من مانع منعه، ~~وهو الله الذي فطره على الضعف وصنعه. # مسألة # فإن قال: فأيهما أكثر، إقامته قبل أن يخلق، أم إقامته بعد أن خلق؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: هذه مسألة محال، لا يصح بها اعتقاد ولا مقال، ~~لأن الإقامة من صفات المخلوقين، وليست من صفات رب العالمين، ms089 والإقامة فإنما ~~هي الحركة (4) والسكون. # مسألة # فإن قال: أخبرني عن الله لم لم يخلق خلقه قبل أن يخلقهم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: هذه مسألة تستحيل، ولا تثبت عند أحد من أهل ~~العقول، لأنك قلت: يخلق الخلق قبل أن يخلقه، فأوجبت أن قبل الخلق زمانا ~~مقدما، والله خالق الزمان والمكان، والحين والأوان، وهو الأول الذي لا قبل ~~لأوليته ولا كيف لأزليته، كان في حال القدم قبل (5) بريته، ولا عقل ولا ~~معقول سواه، ولم يكن معه أزمنة ولا شهور ولا ساعات، ولا أمكنة ولا أوقات، ~~ولا علم ولا معلوم، ولا فهم ولا مفهوم، ولا وهم ولا موهوم. # مسألة # فإن قال: خلق الله بعلة (6) أو بقصد وإرادة؟ PageV01P190 # قيل له ولا قوة إلا بالله: أإن العلة لازمة بغير إرادة المعلول، وما كان ~~بغير إرادته فلم يقصده، وما كان غير مقصود فلم يعمده، وما كان غير معتمد لم ~~يخل من أن يكون قديما أو محدثا، فإن كان محدثا فالمحدث له لا يخلو من أن ~~يكون عنه جاهلا مضطرا إلى الجهل، أو ربا عالما بالفعل، فإن كان هذا الصنع ~~من علة بغير قصد ولا مشيئة فهذا محال، لأن العلة لا توجب حكمة بالغة، ولا ~~نعمة سابغة، لأن العلة ضرورة بني عليها المعلول، وليست توجب حكمة عند أهل ~~العقول، وما كان مضطرا فهو ممنوع من الاختيار، وما كان ممنوعا ملجأ إلى ~~الاضطرار، فصانعه بخلافه في جميع الأمور، بفضل الفاطر على المفطور، وأن هذا ~~الصنع من رب عالم صنعه بعلمه واختياره، وأوجبه بقوته واقتداره، وجاد على ~~البرية بإظهاره واقتهاره(1)، غير مضطر إليه، ولا مكره بالعلل عليه، فذلك ~~مجري العلل في المعلولات، وصانع جميع المصنوعات، وفاطر الأرض والسموات. # مسألة # فإن قال: فهل الإرادة الله نهاية؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم أن الإرادة هي الفعل وللفعل نهاية وغاية، ~~والفرق بين (2) إرادة الله وإرادة خلقه أن إرادة المخلوقين خواطر، وإرادة ~~الله سبحانه أجسام موجودة بصفاتها، وبدائع تعرف بجهاتها (3). # مسألة # فإن قال: ما الفرق بين فعل الله وفعل ms090 خلقه؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الفرق بين ذلك أن فعل الله ابتداع واختراع، ~~وفعل العباد حركات وسكون واعتقاد، وأفعال العباد بآلاتهم وهي أعراض متعلقة ~~بأجسامهم، وأفعال الله غير (4) متعلقة بذاته. # مسألة # فإن قال: أخبرني كيف خلق الله الخلق؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: هذه المسألة تشتمل على وجوه كثيرة: # فمن ذلك أن يكون السائل أراد بقوله: كيف خلق؟ أي كيف أسعده الخلق وتهيأ له. PageV01P191 # ومن ذلك: أن يكون أراد بقوله: هل خلقه بحيلة أو علة؟ فإن أراد أنه خلق ~~الخلق بحيلة، فهذا محال لا يجوز عليه، ولا ينسبه عالم إليه. # وإن أراد بذلك أنه خلق بعلة فهذا محال، لأن العلة لا تخلو من صفات ~~المحدثات، والمحدثات لا تخلق أمثالها، ولا توجب أشكالها، لأن المحدثات هي ~~الأجسام والأعراض، والجسم لا يخلق جسما ولا يوجد لحما ولا دما. # وإن أراد كيف خلق؟ يريد بذلك أي كيف تهيأ له الخلق؟ # فالجواب في ذلك: أن الخلق تهيأ له بالقدرة التي لا كيف لها. # مسألة # فإن قال: أخبرني أعلم الله كثير أم قليل؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: إن كنت أردت علمه الذي نزل على أنبيائه ورسله ~~فهو كثير، وإن أردت علمه الذي هو ذاته فليس يوصف بالكثرة فيكون عددا، ولا ~~يوصف بالقلة وبالبعض أبدا، لأن العدد الكثير يدل على التغاير والأبعاض، ~~وذلك فلا يوجد إلا في الأجسام والأعراض، وكذلك العدد القليل فهو منقوص، ~~والمنقوص بالعلة مخصوص. # فإن قال: أمعلوم الله كثير أم قليل؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: معلوم الله كل دقيق وجليل، وصغير وكبير، وممكن ~~ومستحيل، ومعلومه ما قد كان وما سيكون وما لو كان كيف يكون وما لا يكون أنه ~~لا يكون. # مسألة # فإن قال: هل يحصى تقدم الله قبل خلقه؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: هذا محال لا يجوز على الله سبحانه، لأن تقدم ~~الله هو قدمه، وقدمه ذاته، وذاته لا توصف بقلة ولا كثرة ولا عدد، ولا أمد ~~ولا حد، وقدم الله لا يفهم ms091 ولا يدرك ولا يعلم. # مسألة # فإن قال: لم ذكر الله اسمه؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: إن تذكير الاسم أولى من تأنيثه، وإنما الأصل ~~في تذكير الاسم أن الشيء هو الموجود، والموجود مذكر أبدا، وإنما جعل ~~التأنيث للمعنى. # مسألة # فإن قال: خلق الله الخلق من شيء أولا من شيء؟ PageV01P192 # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم أن الله عز وجل خلق الخلق من غير شيء، لأن ~~القديم لا يتغير ولا يزيد ولا ينقص، ولا يعدم بعد وجود كما لا يوجد بعد ~~عدم، لأنه إن تغير لم يخل من أن يكون تغير كله أو بعضه، والكل والبعض لا ~~يكون إلا متحركا أو ساكنا، والحركة والسكون محدثان، وكذلك لا يفنى إلا الكل ~~أو البعض، والكل والبعض متناهيان مقطوعان، ومحدثان بعد العدم مصنوعان، لأن ~~الكل محدود، والتبعيض عدد معدود، والاجتماع دليل على الجامع، والافتراق ~~دليل على المفرق الصانع، فلو كان أصل الخلق قديما لم يخل من أن يكون خلق ~~الخلق من كله أو بعضه، وفي (1) الكل والبعض نفي القدم، وحدوث العالم بعد ~~العدم، لحدوث (2) الكل والبعض والاجتماع والافتراق والحركة والسكون، فلحدوث ~~الأشياء تفرقت واجتمعت، ولتدبير مدبرها تصرفت وتنقلت، فالحمد لله الذي لا ~~ينقص ولا يزيد، ولا يبطل ولا يبيد. # مسألة # فإن قال: لم خلق الله الخلق؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم أن الله سبحانه خلق الخلق لإظهار حكمته. # مسألة # فإن قال: فلم أظهر الله حكمته؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأن إظهار الحكمة حسن، وإظهار الحسن خير من تركه. # مسألة # فإن قال: فلم كلفهم؟ PageV01P193 # قيل له ولا قوة إلا بالله: لإظهار الحسن من فعلهم، لأن الصبر على الكلفة ~~حسن يستوجبون عليه الثواب، لأن التعبد داع إلى الحكمة زاجر عن الجهل، وكلما ~~دعا إلى الحكمة والرشاد، وزجر عن الغي والفساد، ففيه مصلحة لجميع العباد، ~~مع ما في الصبر على المحن التي امتحن الله بها جميع المكلفين من المصلحة ~~لجميع العالمين، والغبطة بما وعد الله من الثواب، والسرور بالنجاة من أليم ms092 ~~العقاب، لأن الثواب بعد المحنة أكمل وأعظم للنعمة، وإنما ابتدأ الله الخلق ~~بدار المحنة لإظهار فضلهم، ولعظيم (1) سرورهم بالنجاة بعد خوفهم، وأيضا فإن ~~طول المحن والتجارب، أفضل من الغفلة عن العجائب، لفضل الحكمة والمعرفة على ~~الجهل، ولما في التجارب من لقاح العقل. # مسألة # فإن قال: فما الدليل على صدق الرسل؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على صدقهم ما أتوا به من المعجزات، ~~مثل: إحياء الموتى، وكلام البهائم والشجر، والرمي بالعصا فإذا هي حية تسعى، ~~وفلق البحر، والسير فيه يبسا. # - - - ### || AUTO باب الرد على من جحد نبوة محمد # صلى الله عليه وآله وسلم وعلى جميع الأنبياء وسلم تسليما. # قال المهدي لدين الله الحسين بن القاسم بن علي عليهما السلام: فإن رجع ~~إلى قول اليهود فقال: وما أنكرتم من أن تكون النبوة لموسى عليه السلام من ~~دون محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك لأنهما نبيان جميعا لا فرق بينهما. # فإن قال: فبم صحت لك نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: بمثل ما صحت لك نبوة موسى. # فإن قال: صحت لي نبوة موسى بالمعجزات؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: وكذلك صحت لنا نبوة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم بالمعجزات. # فإن قال: وما علمكم بصدق الرواة؟ PageV01P194 # قيل له ولا قوة إلا بالله: كعلمك بصدق الرواة، ودلنا أيضا على صدقهم هذا ~~القرآن الذي أتى به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، فعجز الخلق أن يأتوا ~~بمثله أو بسورة من مثله، وفيه تصديق نبوة موسى وعيسى صلى الله عليهما وعلى ~~الأنبياء أجمعين. # فإن قال: وكذلك صحت نبوة موسى بإجماعكم (1) معنا ونحن غير مجمعين معكم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: كلامكم هذا فاسد محال، لأن إجماعنا معكم على ~~نبوة موسى صلوات الله عليه طاعة منا لربنا، نستحق بها منه ثوابه، وجحدانكم ~~لنبوءة محمد صلى الله عليه وآله وسلم معصية الله تستحقون بها منه عقابه، ~~وكذلك الرد عليه ms093 إن كان نصرانيا أو مجوسيا. # - - - ### || AUTO باب الرد على من جحد الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم # قال المهدي لدين الله الحسين بن القاسم بن علي عليهما السلام: فإن رجع ~~إلى الحق، وأقر (2) بكلمة الصدق، وجحد الإمامة فهو مشرك، لأن الإمامة فرض ~~من الله لا يسع أحد جهلها، لأن الحكيم لا يهمل خلقه مع ما يرى (3) من ~~اختلافهم من الحجة على من عند من الحق منهم، والهداية لمن طلب النجاة من ~~أوليائه، والبيان لتلبيس أعدائه، وإلا فقد ساوا بين حقهم وباطلهم، وفي ذلك ~~ما يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((من مات لا يعرف إمامه مات ميتة ~~جاهلية))، وقول الله سبحانه:{ إنما أنت منذر ولكل قوم هاد } [الرعد:7]. ~~فأخبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذر للعباد، وأن لكل قوم هاد إلى ~~الحق في كل زمان، يوضح لهم ما التبس من الأديان، ويرد على من دان بغير دين ~~الإسلام، ويوضح الحجة على جميع الأنام. # فإن قال: من الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ زعمتم أن ~~الأرض لا تخلو من الحجة؟ PageV01P195 # قيل له ولا قوة إلا بالله: الحجة بعد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أقدر ~~الخلق على القيام بأمور الدين، وأكمل جميع المسلمين، ولم يعلم ذلك غير أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب عليه صلوات رب العالمين، وفيه يقول أخوه رسول ~~الله عليه أفضل الصلاة والتسليم: ((علي منى بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ~~لا نبي بعدي)). # ويقول صلوات الله عليه: ((من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، ~~وعاد من عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره)). # - - - ### || AUTO باب الرد على من زعم أن الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في ذريته وفي غيرهم من الأمة # قال الحسين بن القاسم صلوات الله عليه: فإن رجع إلى مذهب أمة نبينا صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: وما أنكرت أن تكون الإمامة بعد النبي في أهل ~~بيته وفي غيرهم، ms094 إذ ليس معكم من الروايات شيء إلا ومعنا أكثر منها؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الحق يعرف من ثلاثة أوجه وهي: # محكم الكتاب، والسنة، وحجج الألباب. # فأما أصل ذلك في حجج العقول فإن الحكيم لو جعلها في جميع الناس، لوقعوا ~~في أعظم الالتباس، لكثرة دعاوي الفاسقين، واغتيال الظلمة المنافقين، فمن ~~هاهنا وجب أن تكون الإمامة في أهل بيت معروفين، وبالفضل والشرف مخصوصين. # وأما في الكتاب فقول الله سبحانه:{ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا } [الأحزاب:33]. وقوله سبحانه لنبيه: {قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى:23]. فافترض سبحانه مودة ذوي ~~القربى من رسوله. PageV01P196 # فيأيها الأمة الضالة عن سبيل رشدها، الجاهدة في هلاك أنفسها، أمرتم بمودة ~~آل النبي؟! أم فرض عليكم مودة تيم وعدي؟! ومن الذين أذهب لله عنهم الرجس ~~وطهرهم تطهيرا، إلا الذين أمرتم بمودتهم من ذوي القربى من آل نبيكم! فهذه ~~بحمد الله حجج واضحة منيرة لا تطفأ، وشواهد مشهورة ولا تخفى، إلا على مكابر ~~عمي، أو شيطان غوي، قد كابر عقله، ورفض لبه. # وأما السنة فهي (1) ما أجمع عليه من إمامتهم، والباطل ما اختلف فيه من ~~إمامة غيرهم. # - - - ### || AUTO باب الرد على الإمامية الرافضة # قال الحسين بن القاسم بن علي عليهما السلام: فإن رجع إلى قول الإمامية ~~فقال: وما أنكرت من أن تكون الإمامة لولد الحسين من دون ولد الحسن صلوات ~~الله عليهما؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك لأنهما في الولادة سواء لا فرق ~~بينهما، وكذلك لا فرق بين ذريتهما، وإلا فما حجتك في رفضهم، وما عذرك عند ~~الله في إبطال إمامتهم؟! # فإن قال: بإجماعكم معنا على إمامة ولد الحسين، ولسنا مجمعين معكم على ~~إمامة ولد الحسن؟ PageV01P197 # قيل له ولا قوة إلا بالله: ليس إجماعنا معكم على الحق بحجة تثبت لكم ~~باطلكم، ولا رفضكم لحجج الله عز وجل مما يصحح دعواكم، وإنما إجماعنا معكم ~~على إمامة ولد الحسين طاعة منا لربنا نستحق بها منه الثواب، وففريقكم بين ~~آل ms095 (1) الرسول معصية تستحقون بها منه العقاب، والله يقول عز من قائل: { قل ~~لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى }[الشورى:23]. فإن كان أولاد ~~الحسن من ذوي القربى فقد افترض الله (2) مودتهم، وإن آخرجتموهم من قرابة ~~النبي فأنتم بالبعد أولى منهم، وقال سبحانه: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم ~~لا تعلمون } [النحل:43، الأنبياء:7]. والذكر فهو رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في هذا الموضع، وذلك قول الله سبحانه: { قد أنزل الله إليكم ذكرا ~~(10) رسولا } [الطلاق:10 - 11]. فسمى رسوله ذكرا، ثم أمر بسؤال أهله. # فإن كان ولد الحسن من آل الرسول لزمكم الإقرار بإمامتهم، وإن كانوا من ~~غير آل الرسول فقد صدقتم في رفضهم، وأصبتم في عداوتهم، ثم أنتم بين أحد وجهين: # إما أن تقروا بإمامتهم، وتتبعوا ما أمركم الله به من سؤالهم، أعني من كان ~~حجة لله (3) منهم، إذ لم يستثن إحدى الطائفتين من دون الأخرى، وأمركم ~~بسؤالهم أمرا. # وإما أن تلجوا في عتوكم ونفوركم، وتخالفوا أمر ربكم، وتظهروا خالفكم (4)، ~~فتثبت حجة الله عليكم. # - - - PageV01P198 ### || AUTO باب الرد على الإمامية في صفة الإمامة # قال المهدي لدين الله الحسن بن القاسم بن علي عليهما السلام: فإن رجع إلى ~~الحق وأقر بولاة الأمر من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقال: قد ~~أقررت بأن الإمامة في ولد السبطين، فما صفة الإمام الذي تلزم الأمة حجته، ~~وتجب عليهم طاعته؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم إن الإمام الذي تجب طاعته، يكون كاملا في ~~جميع خلال الخير، غير ناقص من الصفات المحمودة، عالما بما يحتاج إليه من ~~السنة والكتاب، فهما بما يحتاج إليه من الأسباب، تابعا لآثار سلفه ~~المهتدين(1)، مخالفا لمذاهب الضالين، شجاعا كريما بذولا لماله زاهدا، وفي ~~أمور الله سبحانه جاهدا، رصين العقل، بعيد الجهل. # فإن قال: فما أنكرت من أن يكون يطبع بخاتمه الحصى، ويعلم ما وراء الجدار، ~~وما يحدث في آفاق الأرض والسماء؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك لأن هذا الإمام الذي زعمت لا يخلو ~~من أحد ثلاثة ms096 أوجه: # إما أن يكون يعلم الغيب. # وإما أن يكون يوحى إليه. # وإما أن يكون كاهنا ساحرا. # فإن قلتم: إنه كاهن ساحر، فهذا من القول أعيبه وأفضحه، على من ينتحل ~~التشيع (2) في آل الرسول، لأن من نسب إليهم السحر والكذب فقد غابهم بأعظم ~~العيب، ومن كان ساحرا كذابا فهو ظالم، و{ لا ينال عهدي الظالمين ~~}[البقرة:124]، ولا يوفق الله الكافرين. # وإن قلتم حاش لله أن يكون كذلك (3) ولكنه يوحى إليه!! خرجتم إلى ما هو ~~أعظم مما نفيتم وجعلتموه نبيا، وجحدتم قول الله سبحانه: { ما كان محمد أبا ~~أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين } [الأحزاب:40]. PageV01P199 # وإن قلتم: إنه يعلم الغيب خرجتم من ملة الإسلام، ورجعتم إلى الشرك والآثام، ~~وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالاحتجاج على المشركين فقال: ~~{ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} [الأعراف:188]. ~~وقال:{ وما أدري ما يفعل بي ولا بكم }[الأحقاف:9]. وقال:{ وما تدري نفس ~~ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت }[لقمان:34]. والحمد لله رب ~~العالمين (1)، وصلى الله على محمد النبي وعلى آله الطيبين وسلم تسليما. # تم كتاب الرد على الملحدين # - - - ### | AUTO كتاب # التوحيد والتناهي والتحديد # كتاب التوحيد والتناهي والتحديد # الحمد لله الواحد (2) الذي لا يوصف بالتعديد، العظيم الذي جل عن التحديد، ~~العدل الذي تنزه عن ظلم العبيد، أحمده حمد متوكل عليه، وأعتصم به اعتصام من ~~أناب إليه، وكيف يوصف بالتعديد من أحصى كل شيء عددا؟! بل كيف يوصف بالتبعيض ~~واحد (3)؟! لما في التبعيض والتعديد، من صفات التناهي والتحديد، وإذ لا بد ~~لكل تعديد من معدد، ولكل تحديد من محدد، ولا بد لكل مفترق أو مجتمع من مفرق ~~وجامع، ومفتطر صانع، لما في الافتراق والاجتماع، من بيان الصنع والابتداع، ~~والله سبحانه بخلاف خلقه المدبرين، ذوي الأماكن المصورين، إذ المصور مضطر ~~إلى مصوره، والمدبر محتاج إلى مدبره، والمقدر غير ممتنع من مقدره، لا ينفك ~~من أماكنه ومواضعه، ولا يقدر على دفع إحاطة علم صانعه، فهو إلى محله مضطر ms097 ~~مدفوع، وجهاته وأقطاره تدل على أنه مصنوع. PageV01P200 # وكذلك ينفى عن الله سبحانه، وعز عن كل شأن شأنه، درك الحواس والنفوس ~~والأوهام، إذ لا يقع شيء منها إلا على جسم من الأجسام، في جهة من الجهات، ~~أو على صفة من الصفات، فتبارك الله وتعالى عن الحس والتوجس، أو خاطر نفس من ~~الأنفس، أو مشاكله شيء من أوصاف الموصوفين، أو محادة جنس من أجناس ~~المصنوعين، إذا لدخل عليه ما يدخل على شكله، ولجاز عليه ما يجوز على مثله، ~~من الصفات اللازمة للأجسام (1)، المنفية عن ذي الجلال والإكرام، وأشهد إلا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخيرته من ~~خلقه، صلى الله عليه وآله وسلم. # - - - ### || AUTO باب الدلالة على معرفة الله سبحانه # والرد على الملحدين الكفرة الجاحدين # قال المهدي لدين الله الحسين بن القاسم بن علي عليهما السلام: إن سأل بعض ~~الملحدين، أو الشاكين في جلال رب العالمين، أو قال بعض المتعنتين: فكيف ~~تعبد ما (2) لا ترى، ولا يدرك بحاسة من الحواس؟ وما الدليل الذي دلك عليه؟ ~~وما الدواعي التي دعتك إليه؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم أيها السائل أن الدليل الذي دلنا على ~~الله سيدنا ومولانا، والدواعي التي دعتنا إليه تبارك وتعالى، أنا وجدنا في ~~الصنع آثار حكمة الصانع المتقن الحي العالم، وهو الله رب العالمين. # فإن قال: وما دلكم على بيان علم الصانع وحكمته؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: دلنا على بيان علم الصانع وحكمته، ما شاهدنا ~~من جليل صنعه وفطرته، مما لو رمنا تعديده لما أحصيناه عددا، ولا أدركنا له ~~أمدا، لعجزنا عن إحصاء آياته، والانحصار (3) عن تصنيف دلالالته (4). PageV01P201 # من ذلك ما شاهدنا من جليل صنعه في الحيوانات، وما خلق سبحانه من الذكور ~~والإناث، وأبان في ذلك من الجعل والإحداث، وما جعل بينهم من الأولاد ~~الكثير، من نطف الماء الحقير، فعادوا كثيرا مذكورا، بعد أن كانوا قليلا ~~محقورا، وما شق لهم سبحانه من السمع والأبصار، والأفئدة للتمييز والأفكار، ~~والاجتلاب للمنافع والنفور عن ms098 المضار، وما خلق لنا سبحانه من الحواس الخمس، ~~من العيان والسمع والذوق والشم واللمس، فجعل العيان لدرك الهيئات، وجعل ~~السمع لدرك الأصوات، وجعل المشام لدرك الروائح المختلفات، وجعل الذوق لدرك ~~المطعومات، وجعل اللمس لدرك أحوال المجسمات (1). # فكان ما عوين من اتصال التدبير، واطراد الحكمة والتقدير، دلالة على أحكم ~~الحاكمين، واضطرارا إلى معرفة رب العالمين، ودليلا مبينا على فاسد قول ~~الملحدين، ممن قال بالطبائع من الكفرة الجاحدين، أهل الحيرة المتلددين، إذ ~~صح عند أهل العقول أن هذه العلل المواتات لا تعني (2) أنفسها، فضلا عن أن ~~تعني تدبير غيرها، إذ لا يجعل الشيء للشيء إلا حكيم، ولا يصرف ولا يدبر إلا ~~عليم، وسنزيد إن شاء الله بيانا، ونوضح له من ذلك هدى وبرهانا. PageV01P202 # ألا ترى أنه لا يجعل العين إلا عالم بما جعل من النظر، ولا (1) يجعل الأنثى ~~إلا عالم بما جعل لها من الذكر، ولا يجعل العقول المميزة إلا عالم بما ~~يحتاج إليه ذو الألباب، من الاجتلاب للمنافع والنفور عن المضار، ولا يجعل ~~الأيدي والأرجل، وغيرها من العروق والعصب والمفاصل، إلا عالم بما سيكون من ~~حركاتها، واجتلابها لمنافعها، ولا المراضع في أجساد الإناث، إلا عالم بما ~~سيكون من أولادها قبل الإحداث، وما علم من حاجتها إلى ما جعل لها من ~~الأغذية قبل كونها، فجعل تقدمه غذاء الطفل بلطفه، لما علم من فاقته وضعفه، ~~وألهمه الرضاع وجبره عليه، لما علم من حاجته إليه، ولولا هداية الله سبحانه ~~للأطفال لهلكوا ودمروا. # ألا ترى إلى أطفال (2) البهائم عند خروجها من بطون أمهاتها، كيف تقصد ~~مواضع أغذيتها ولذاتها، وما جعل الله سبحانه من قوام أرواحها وحياتها، ولا ~~يجعل السمع إلا عالم بفاقة صاحبه إلى درك الأصوات، ولا يجعل الأبصار إلا ~~عالم بفاقة أصحابها إلى درك (3) الهيئات، ولا يجعل المعايش والأرزاق إلا ~~عالم بفاقة من جعلت له من الحيوانات، ولا يجعل في الجسد مداخل للأغذية ~~ومخارج قبل كون ذلك إلا عالم بفاقة الإنسان إلى مداخل ذلك ومخارجه، إذ لا ~~قوام له ولا ثبات للتدبير، إلا بما ms099 قدر الله سبحانه من التقدير، فلما ~~استحال عند ذوي الألباب أن تكون العلل الميتة عالمة حية مدبرة، متقنة للصنع ~~مقدرة، علمنا عند ذلك بيقين أنه لا صانع حكيم، مدبر قدير عليم، إلا الله ~~الحي القيوم. # - - - ### || AUTO باب الدلالة (4) على حدث الحيوانات ونهايتها PageV01P203 قال المهدي لدين الله الحسين بن القاسم بن علي عليهم السلام: فإن سأل سائل ~~من الملحدين فقال: ما أنكرتم من أن تكون الحيوانات لم تزل على ما يرى تحدث ~~نطفة من إنسان وإنسانا من نطفة، وبيضة من طائر وطائرا(1) من بيضة، إلى ما ~~لا نهاية له، ليس لشيء من ذلك أول ولا يكون له انقضاء، ولا خالق للأشياء؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك أشد الإنكار، وذلك أنا قدمنا لك أن ~~في هذه الحيوانات آثار حكمة الحكيم، والحكمة (2) لا تهيأ إلا لعليم (3)، ~~وما كان فيه آثار صنع الحكيم العالم فهو محدث مبتدع، ومنشأ بإذن الله ~~مصطنع، وما صح إحكامه وتدبيره، وإنشاؤه وتقديره، فهو محدث مجعول، ومبتدأ ~~مفعول (4)، وما صح حدثه واجتعاله، ونشأته وافتعاله، فقد صح تناهيه ~~واعتماله. # ألا ترى أن في الحيوانات إبانة صنع الحكيم، والقديم لا يكون فيه آثار علم ~~عليم، إذ القدم أغناه عن الفاقة إلى غيره، والأزل لا يوصف بحاجة إلى الحكيم ~~وتدبيره، إذ هو ممتنع عن علمه وتقديره، فلما وجدنا الحيوانات ليست ممتنعة ~~من التدبير، ولا خلية من الإحكام والتصوير، علمنا أنها بخلاف ما ذكرت، ~~وأنها غير ما وصفت، فقولك: ليس لشيء من ذلك أول هو من أحوال المحال، وأفسد ~~الفساد وأضل الضلال، لأن هذه الحيوانات لا تخلو من أحد وجهين في حال قدمها، ~~وما ادعيت من أزلها: # إما أن تكون على ما ترى من إحكامها وتكويرها، ونعيمها وحياتها وتعميرها. # وإما أن تكون ميتة جامدة، وساكنة لابثة هامدة. # فإن قلت: إنها كانت على ما ترى من كمالها، فذلك (5) دليل على حكمة خالقها ~~وجاعلها. PageV01P204 # وإن قلت: إن أصول الحيوانات، كانت ميتة كسائر الجمادات، ففي(1) موتها ~~والحمد لله دليل على صانعها ومميتها، والممتن عليها ms100 بعد إماتتها لحياتها، ~~والمظهر لصنعه في إحكام أدواتها، والمنعم عليها بكفايتها، والعالم بحاجتها ~~إلى جميع آلاتها، والمتفضل عليها لعلمه (2) بعافيتها. # - - - ### || AUTO باب الرد على الجوهرية # وزعم صنف من الملحدين وهم أصحاب الجوهر أن الهيولى - وهو أصل الحيوانات ~~- جوهر قابل للأعراض، وأن معه قوة قديمة وهو قديم، فحرك القوة فحدث البرد ~~فقبله، ثم حرك (3) القوة فحدث الحر فقبله، ثم قبل اليابس والرطوبة. # قال المهدي لدين الله الحسين بن القاسم عليهما السلام: فأي عاقل يجوز ~~عليه قول من قال من الجوهرية، أن الطينة الميتة معها قوة هيولية أصلية، ~~قديمة عنصرية، تدبر لها نفسها، حتى تصير مدركة حيوانية، بعد إن كانت ترابية ~~مواتية، وقد وضح في عقول ذوي الألباب، فساد ما (4) ادعوا من قوة التراب، ~~وكيف يتوهم ذلك متوهم غوي؟! فضلا عن عاقل سوي، وأنى يكون ذلك من فعل التراب ~~وهو موات ضعيف غافل؟! وقد عجز عن ذلك وهو حي حكيم سوي عاقل، وكيف يكون ~~للطينة قوة هيولية، وليس لها إرادة ولا مشية، وهي إذ ذلك غافلة مواتية؟! ~~وإذا عجز الجوهر في حال بلوغه وكماله، عن تدبير صورته وأوصاله، فهو في حال ~~موته ونقصانه، أحرى بالعجز من إحداث خلقه وتبيانه!! وإذا عجز الجوهر(5) في ~~حال حياته وقوته، فهو أحرى بالعجز في حال موته وغفلته. # ودليل آخر # لا يخلو الجوهر الذي ادعيتم قوته وادعيتم خلقه لنفسه (6) من أحد وجهين: # إما أن يكون حيا حكيما عاقلا سويا، قادرا مدبرا قويا. # وإما أن يكون ميتا غافلا ضعيفا. PageV01P205 # فإن قلتم: إنه كان حيا سويا حكيما، مدبرا قويا عليما، فقد أقررتم بأنه ~~مصنوع لما في الحيوان العاقل من آثار التدبير الذي وصفنا، والحكمة التي على ~~الله قدمنا في أول كتابنا. # وإن قلتم: إن الجوهر في حال خلقه لنفسه وتحريكه لقوته، كان (1) ميتا ~~غافلا، فهذا ما لا يقول (2) به المجانين لجهلهم، ولا يتكلمون به مع ذهاب ~~عقولهم، لأن الميت لا يحكم ولا يدبر، ولا يحرك نفسه ولا يقدر، وإذا كان ~~الحي السوي عاجزا عن تدبير نفسه وغيرها، فالميت أعجز ms101 عن إحياء نفسه ~~وتدبيرها. # ومما يدل على فساد قول أصحاب الطبائع أن يقال لهم: لا تخلو هذه الطبائع ~~من أحد وجهين: # إما أن تكون حية قديمة مدبرة، متقنة للصنع مقدرة. # وإما أن تكون مواتا مثل الجوهر الذي هو أصل الحق. # فإن كانت مواتا من جنس الهيولى فقد بان صنع الموات وتقديره، وبطلان حكمته ~~وتدبيره، لأنه لا يعني (3) نفسه فضلا عن تدبيره غيره، بل هو من العجز ~~والضعف فيما لا (4) يمنعه من الحدث، إذ لا قوة له ولا حياة، ولا إحسان له ~~ولا إساءة، وكفى له بذلك عجزا وضعفا!! PageV01P206 # وإن كانت العلة للخلق حيا قديما مدبرا، ليس له شبيه ولا مثيل، ولا نظير ولا ~~عديل، فهذه صفات الخالق، والخالق ليس بعلة ولا معلول، بل هو(1) الله الرحمن ~~الرحيم الذي عجز عن نعته الناعتون، وضل عن وصفه الواصفون، ولم يتوهمه ~~المتوهمون، ولم تقع عليه الظنون، ولم تدركه الأبصار، ولم تحوه الأقطار، ولم ~~تحل عليه الأفكار، بل عجزت عن اكتناهه القلوب، ولم تخف عليه العيوب، ولم ~~تحده الجهات، ولم تنله الأدوات، وجل عن الصفات المحدثات، وعز عن النوم ~~والسبات، وجل عن درك المدركات، ولم يؤده حفظ الأرض والسماوات، ولم يشتبه ~~عليه شيء من الأصوات، ولم يمازج النور ولا الظلمات، ولم تجر عليه عوارض ~~الساعات، ولم تنله صفات عواجز اللهوات، ولم يحتجب عن الأبصار بحجاب ولا سبب ~~من الأسباب، مما يجول في خواطر الألباب، تعالى عن ذلك رب الأرباب، جعل ~~الخلق ليستدل به عليه، ويكون للمكلفين داعيا إليه، وتعبد المخلوقين، للفرق ~~بين المطيعين والعاصيين، وأرسل المرسلين مبشرين ومنذرين، وأكمل بهم (2) ~~الحجة على جميع العالمين{ يهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن ~~الله لسميع عليم } [الأنفال:42]. # - - - # باب الرد على الفضائية والدليل على حدث الفضاء وتهاييه(3) # قال المهدي لدين الله الحسين بن القاسم بن علي عليهما السلام: إن سأل بعض ~~الملحدين فقال: ما الدليل على حدث الهواء، المكان الذي فيه الأشياء؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على حدثه ما شاهدنا ms102 فيه من لبثه ~~وإقامته، وقلة زواله وحركته. # فإن قال: وما في سكونه ولبثه، من الدليل على تكوينه وحدثه؟ PageV01P207 # قيل له ولا قوة إلا بالله: أبين الأدلة وأوضحها، وأقواها في العقول وأصحها، ~~وذلك أن (1) الإقامة لا تكون إلا على وجهين، وهما عند أهل العقول فغير ~~منكرين: # فأحدهما: إقامة لا تحصى عددا أوقاتها، ولا تعتد لكثرة سنيها (2) ~~وساعاتها. # والثانية: فإقامة كانت بعد العدم، وتلك فما لا يدعى أحد (3) أنها توصف ~~بالقدم. # فأما ما كان من الإقامة بعد أن لم يكن، فاستغنينا عن الدليل على حدث ~~ساعاته لكونها بعد العدم. وأما الإقامة التي هي ساعات لا تحصى عددها، ولا ~~يدرك لتقدمته أمدها، فمثل إقامة الهواء، المكان الذي فيه الأشياء، ويستدل ~~إن شاء الله على حدوثها، وبديء (4) كليتها ولبثها، وذلك أن ما مضى من ~~إقامته (5) سنينه وشهوره وساعاته، لا يخلو من أحد ثلاثة أوجه: # إما أن يكون مضى كله. # وإما أن يكون مضى بعضه. # وإما أن يكون لم يمض منه كل ولا بعض. # فإن قلت: لم يمض شيء من دهوره وأزمنته، وما لا يحصى من إقامته، جحدته ~~وجحدت (6) قدمه، وأوجبت حدوثه أو عدمه. # وإن قلت: بل مضى بعض الماضي المتقدم من الأيام، ناقضت بين ما نطقت به من ~~الكلام، ولم تجد بين ما مضى فرقا عند جميع الأنام. # وإن قلت: بل عدم كل ما مضى من ذلك وخلا، وتضمنه العدم بعد حدوثه والفناء، ~~أوجبت أنه محدث لحدوث أوله، وصحة (7) فنائه بأجمعه كله، إذ لم تكثر الإقامة ~~إلا بعد قلة أولها، وبعد حدوثها وفنائها كلها، وإذا صح في المعقول أن ~~لإقامته أولا وبديا، قد (8) تقدم وخلا، فهو بأيقن اليقين محدث لحدوث ~~إقامته، إذ لم ينفك من الإقامة بكليته، وإذا صح أنه مقيم كله بذاته، وصح ~~أنه محدث (9) بجميع صفاته، فقد صح بأبين البيان تناهيه وتحديده، وأن الله ~~مخترعه ومربده. PageV01P208 # فإن رجع إلى مكابرة عقله، وسأل عن المحال بفاحش جهله، فقال: وما أنكرت من ~~أن يكون الهواء قديما قبل إقامته، أو أن يكون متحركا في حال ms103 العدم قبل سكونه؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك لأنه لا ينفك من الإقامة أصلا، ~~لأنه إن تحرك فهو مقيم على الحركة، ولا بد لإقامة الحركة من كثرة أو قلة، ~~ولا بد لها من تبعيض أو كلية، ولا بد إن شاء الله (1) من الكلام، والرد على ~~من توهم حركته في سالف الأيام. # فنقول ولا قوة إلا بالله: إن قولك بحركته هو ما يدل على تناهيه وغاية، ~~ويوضح ما قلنا به من حدوث أوليته، وذلك أنه لو كان قبل سكونه متحركا، ثم ~~وجد بعد ذلك من الحركة منفكا، لكان لتلك الحركة آخر ومنقطع، وللسكون بدء ~~ومبتدع، وإذا صح أن لحركته انقطاعا، ولسكونه حدثا وابتداعا، صح أن الحركة ~~قد انقطعت كلها، وأبطل آخرها وأولها، وانتفى قدمها وأزلها. # فإن قال: هل للفضاء حدود محدود (2) يتناهى إليها وأماكن يعتمد عليها؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: نعم له حدود متناهية، وأطراف متباعدة مباينة. # وأما قولك: هل له أماكن؟ فيحتمل وجهين: # إما أن تكون أردت به الجهات الست، اليمين والشمال والخلف والأمام والفوق ~~والتحت. # وإما أن تكون أردت به غير ذلك مما سنذكره، ونشرحه إن شاء الله ونفسره. # فإن كنت أردت ما وصفنا من الجهات، فليس جهات غيره تحويه، ولا له مكان ~~سواه يحل فيه، لأنه لو احتاج إلى مكان لاحتاج كل مكان إلى مكان، وهذا فيبطل ~~غاية البطلان، لما دللنا عليه من حدوث الأمكنة، التي هي من الأفضاء ~~والأهوية. # وإن أردت بالأمكنة التي ذكرت، وعنها في بدء الكلام سألت، أن الأجزاء ~~الكثيرة منه أماكن لقليله (3) فقد أصبت، ولا اختلاف بين ذوي العقول فيما به ~~نطقت، ألا ترى أن أطرافه تحوي وسطه، وأن أعلاه جهة لما دونه. # فإن قال: هل له أعلا وهل له أسفل وجوانب أم لا؟ PageV01P209 # قيل له ولا قوة إلا بالله: نعم له أعال وأسافل، وله جوانب (1) وقوابل، وكل ~~ما ذكرنا من ذلك فهو حدود وغايات، وليس لها بعد انقطاعه جهات. # فإن قال: وهل (2) بين تلك الحدود مغايرة تعرف، أو ms104 هل وراء الحدود شيء ~~يتغاير (3) أو يوصف؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: أما الحدود في أنفسها فالأعالي من الجو مغاير ~~لأسافله، والأوساط منه فغير قوابله. # وأما سؤالك عن وراء الحدود فليس لها وراء، ولا شيء يتوهم ولا يرى، وإنما ~~المتوهم والمرئي (4) المعقول، هو المحدث المصور المجعول. # فإن قال: فهل لو أرسل الله جسما ثقيلا وخلاه، وأهطبه إلى أسفل الجو ~~وأهواه، أيخرج من حدود الجو إلى شيء سواه؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لو كان ذلك من الله عز وجل، لم يمتنع أن يوسع ~~الله له في المحل. # فإن قال: فما تقولون لو لم يرد في محل الجسم وأهمله، وخلاه ينحدر سفلا ~~سفلا وأرسله؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لو كان الله عز وجل يريد المحال، ويعبث كما ~~توهمت في الأعمال، لكان يهوي حتى يصل الحدود. # تم فيه كلام. # فإن قال: وما ذلك الكلام؟ # (قيل له ولا قوة إلا بالله: إما أن يرسله ويخلق معه مكانا يهوي فيه) (5). # وإما أن يمسكه (6) في الحد الذي وصل إليه. # وإما أن يهويه في غير مكان. # وإما أن يرده من حيث أهواه. # وإما أن يهويه في مكان لا نهاية له. # وإما أن يفنيه إذا وصل الحد ويبطله. # فإن قال: إنه قد يمكن أن يخلق له مكانا، أو يحدث فيه فناء وبطلانا، أمكن ~~ذلك في قدرة الرحمن، وذلك فما لا يختلف فيه عالمان ولا جاهلان. # وإن قلت: إنه قد يمكن أن يمسكه عند بلوغ حده، أو يمكن ما قلنا به من رده، ~~أمكن ذلك في صنع الله وتقديره، ولم ينكر ذلك من تدبيره. PageV01P210 # وإن قلت: إنه يهويه في غير مكان، فهذا القول من مسائل المحال، ومما يتناقض ~~من المقال، لأنك قلت: يهويه فأوجبت حركته وانحداره في مكان، إذ لا تكون ~~الحركة إلا في أماكن الجولان، ثم نقضت قولك بقولك: في غير مكان!! # وإن قلت: إنه يهويه في مكان لا نهاية له، فهذا من أكبر التناقض والفساد، ~~وأعظم الكذب والجحد والإلحاد، وذلك أنك قلت: ms105 يهويه في مكان لا نهاية له، ~~وقد بينا حدث المكان وكليته، وأوضحنا نهايته وغايته، فكيف يكون المخلوق ~~المحدث قديما؟! أو كيف يكون الحد الموجود معدوما؟! # ودليل آخر # أن الله عز وجل لا يفعل فعلا إلا لحكمته، والله يتعالى عن أغاليط ~~الملحدين، ويتنزه عن ألاعيب المفترين، ولولا المبالغة والنصفة للمناظر في ~~الجدال، لما ذكرنا شيئا مما لا يليق بالله من المحال، لكن الواجب علينا أن ~~نبين كذب الجاحدين، ونذب عن دين رب العالمين، إذ كانت في الله رغبتنا، ~~ولدينه بالمجهود (1) نصرتنا، فنسأل الله عالم الغيب والشهادة، أن يجعل ~~حياتنا في طاعته ما أحيانا، وأن يحشرنا مع الأبرار إذا توفانا، ونسأله عز ~~وجل ألا يقبض أرواحنا إلا بعد رضائه عنا، وأن يجعل آخر ساعة من حياتنا في ~~أعظم فروضه التي كلفنا، وألا يخرج أرواحنا من أجسادنا إلا في سبيله عند ~~جهادنا، ونسأله أن يمتن (2) علينا ببلاغ مكروه أعدائه، والنصر للصادقين من ~~أوليائه، وأن يجعل نصره (3) المحقين آخر أعمالنا، والثواب آخر آمالنا (4)، ~~والشهادة آخر محنتنا، والمقابر أول راحتنا، وأن يغفر لنا ذنوبنا، ويثبت على ~~دينه أقدامنا، وأن يجعل ذكره وتوحيده آخر كلامنا، والغضب له إن شاء الله ~~آخر حقدنا، والرضا فيه آخر ودنا، والمحبة إن شاء الله آخر حبنا. # مسألة PageV01P211 فإن قال بعض الملحدين، أو سأل عن رب العالمين، وقدرته في خلق المخلوقين، ~~فقال (1): هل كان الله يقدر أن يخلق الهواء الذي هو محل الأشياء قبل أن يخلقه؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم أيها السائل أن الله عز وجل لم يزل ~~قادرا، وإنما تقع القدرة على المقدورات، وليس يقول أحد يعقل إن القدرة تقع ~~على المحالات، وهذه مسألة محال، لا يفهمها أحد من الجهال، وذلك أنك جعلت ~~الوقت قبل الهواء بقولك: يخلقه قبل أن يخلقه، لأنك إذا أردت يخلق الهواء ~~قبل أن يخلقه، لم يخل أن يخلقه قبل أن يخلقه بقليل أو كثير من الأوقات، ~~ومقادير الأزمنة والساعات؟! # ومحال أن يكون الوقت قبل الهواء، لأنهما خلقا معا فكان الوقت هو (2) ~~إقامة ms106 الهواء، وجعلت أنت أيها السائل صفة الهواء قبله، ومحال أن تكون الصفة ~~قبل الموصوف. وإذا صح حدث الهواء بدلائل الحركة والسكون اللذين هما ~~الأوقات، وهما حقيقة الأزمنة والساعات، فقد صح حدث العلل والمعلولات، لأن ~~كل علة أو معلول، أو دقيق من الصنع أو جليل، لا يكون إلا جسما أو عرضا، ~~ومتحركا (3) زائلا، أو ساكنا مقيما، مجتمعا أو مفترقا، والعرض لا يوجد إلا ~~في جسم، والجسم محدث، وما لا يوجد إلا بوجود المحدثات فهو محدث مثلها، بل ~~هو أضعف منها، إذ كانت هي توجد بأنفسها، والعرض لا يوجد إلا بوجودها، ولا ~~يثبت إلا بعد عدمها. PageV01P212 # والدليل على التناهي والتحديد، فأقرب ما يكون من الحدث الموجود، وتفسير ذلك ~~أن الله سبحانه خلق الأشياء كلها، وإذا صح حدث جميعا فقد تناهت بصحة ابتداع ~~بدائعها، لأن ما صح ابتداعه، وبدء صنعه واختراعه، فقد تناهى حدث أوله، وفرغ ~~(1) الصانع من آخره، والفراغ نهاية (2)، وإنما هذا الدليل يدل على غاية ~~الأجسام، وليس نريد بذلك انقطاع آخر الأزمان، وإنما تناهي الأعراض من ~~الأوقات (3)، تناهي حدوث ساعات وبطلان ساعات، وليس ينقطع حدوثها أبد الأبد، ~~ولا يكون لحدوثها غاية تنقطع ولا أمد، ولا يقطع كرور الساعات قاطع ولا يحد، ~~وذلك (4) بمشيئة الواحد الأحد الجبار الفرد الصمد. # فإن قال قائل: كيف أوجبت دوام حدوث الساعات، وكرور الأزمنة والأوقات؟! ~~وقد وعد الله سبحانه بالفناء في هذه الدنيا، وحكم للآخرة بالبقاء؟!! # قيل له ولا قوة إلا بالله: إن الله عز وجل إنما أراد بقوله: { كل شيء ~~هالك إلا وجهه } [القصص:88]، الحيوان ولم يرد بذلك الأوقات والأزمان، وهذا ~~فمعروف بين غاية البيان، فيما نزل الله سبحانه من الفرقان، وذلك قوله ~~سبحانه في ملكة سبأ وما أوتيت، وما حكى عز وجل مما ملكت:{ وأوتيت من كل شيء ~~ولها عرش عظيم } [النمل:23]، وقد علم بيقين أنها لم تملك كثيرا من الأشياء، ~~من ذلك ملك سليمان وغيره، وإنما هذا القول خاص في بعض الأشياء دون بعضها. # مسألة # فإن قال قائل: أخبروني هل كان قبل الهواء شيء ms107 يعرف، أو يحد أو يوصف؟ PageV01P213 # قيل له ولا قوة إلا بالله: قد قال غيرنا بذلك ولم يصح. فأما قولنا فإن ~~الهواء أول ما خلق الله سبحانه، وسنبين فساد قولهم إن شاء الله وبطلانه، ~~وذلك أنهم زعموا أن الله حكيم، والحكيم بزعمهم لا يخلق خلقا إلا لينتفع به، ~~فزعموا أن الواجب على الحكيم أن يخلق عاقلا، وأن لا يخلق غيره من المنافع أولا. # فأما قولهم: إن الله حكيم فكذلك (1) نقول، وبذلك شهدت حكم العقول. # فأما قولهم: إن الواجب على الحكيم أن يخلق العاقل المنتفع، قبل أن يخلق ~~له المنافع، فهذا والحمد لله غير واجب على الحكيم، وقد خلق الله السماوات ~~العلا، وغيرهن من الأرضين السفلى، قبل أن يخلق أحدا من العقلاء، فلم يدخل ~~على حكمته في ذلك تهجين، ولم يجر عليه فيما أبرم ضعف ولا توهيم، وما في ~~تقديم المنافع قبل المنتفع من سقوط الحكمة؟!! وأي حكمة عند من عقل أحكم من ~~تقديم النعمة؟!! # ألا ترى إلى ما قدم الله سبحانه للأطفال قبل خلقهم، من المراضع التي ~~جعلها لهم وصورها في صدور أمهاتهم، أولا ترى ما في هذا من حكمة التدبير!! ~~وبيان الصنع والنعمة والتقدير!! وفي بعض قولهم والحمد لله عندنا من الدلائل ~~ما يكثر ويطيب، ويصح لكل عاقل لبيب، غير أنا نميل إلى اختصار الكلام، ولو ~~رمنا شرح جميع الدلائل في صنع ذي الجلال والإكرام، لطال ذلك على أكثر ~~الأنام (2)، ولعسر تناوله على جميع أهل الإسلام، ولكنا نلقي إن شاء الله ~~تعالى من ذلك ما فيه كفاية، لمن كان له بنفسه عناية. فرحم الله عبدا نظر ~~لنفسه، واجتهد في طلب الدليل على ربه، وأخذ في عمارة قلبه. PageV01P214 # وليعلم من أراد معرفة الله جل جلاله، وظهرت نعمه وأفضاله، أنه من صار إلى ~~ذلك بنية صادقة، وعزيمة وطاعة متحققة، فهو من خاصة الله وأخلائه، وأحبابه ~~وأوليائه وخلصائه (1) وكفى لعبد أن يكون له (2) وليا، وحبيبا إليه مرضيا، ~~ومن كان كذلك، وعلى ما وصفنا من ذلك، فسيعلم إن شاء الله تعالى ما دام على ms108 ~~ما وصفنا أن الله يمده من معرفته بأكثر مما يحتاج إليه، ويرزقه من يحث لا ~~يحتسب ما كان متوكلا عليه، ويطلعه على كثير من الأسرار المكتومة، ولا يحجب ~~(3) عنه حقيقة علم (4) معلومة، فلا تزل قدمه مع ذلك عن الهدى، ولا تهلك إن ~~شاء الله تعالى مع نور قلبه أبدا. # ألا ترى أن الحكيم منا لا يطلع عدوه على أسراره، ولا يخصه منه ببواطن ~~أخباره، وإذا كان ذلك فينا موجودا وعند حكمائنا معاينا مشهودا، وكان الله ~~عز وجل أحكم منا، كان الواجب عليه أن يبعد من كان له عدوا، ولا يدفع عنه ~~مكروها ولا سوا، وكذلك أيضا عند حكمائنا أن الحكيم لا يخذل له أبدا وليا، ~~ولا يكتمه من أسرار علمه شيا، ولا يقطع عنه أبدا خواص بشاراته، وتحف سرور ~~كراماته، وإذا كان ذلك واجبا على حكمائنا، فهو على الله أوجب إذ هو أحكم منا. # - - - # باب الوحدانية # قال المهدي لدين الله الحسين بن القاسم بن علي عليهم السلام: إن سأل سائل ~~فقال: ما الدليل على أن الله سبحانه واحد؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على وحدانية الله سبحانه تضاد الإثنين ~~وتنافيهما. # فإن قال: وما أنكرت من إتفاقهما؟! # قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك لأنهما لا يخلوان من أحد وجهين: # إما أن يكونا اتفقا من قبل ذلك، فإن كانا اتفقا من بعد ما تضادا، ~~فاتفاقهما ذلك حاجة وضرورة وخوف، فالخائف المضطر المحتاج مخلوق ضعيف عاجز، ~~والخالق فلا يكون بهذه الصفات موصوفا، ولا بمضادة الأمثال معروفا. PageV01P215 # وإن كانا اتفقا من قبل الاختلاف، فما حداهما إلى الاتفاق؟ # فإن قلت: خوفا من الاختلاف، فالخائف ضعيف عاجز، محتاج إلى معين وشريك، ~~والخائف من النوازل والملمات لا يكون إلا مضطرا إلى الخوف مدفوعا، وعن ~~القدرة بالعجز ممنوعا. # وإن قلت: إنهما اتفقا لغير معنى، كان ذلك من أعظم العيوب، وأولى ما تنزه ~~عنه علام الغيوب، لأن الأفعال لا تكون إلا للمعاني أو للعبث والسفه والهوى، ~~والخالق لا يعبث ولا يهوى، لأنه غني غنهما، وفي ms109 ذلك من الدلائل أكثر مما ذكرنا. # - - - ### || AUTO باب القدم # فإن قال: فما الدليل على أن الله قديم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على أنه سبحانه قديم أن في كل محدث صفة ~~تدل على محدثه، وبنية في جسده (1) تدل على بانيه وصانعه، وليس لله عز وجل ~~صفة تدل على حدثه، ولا له ذات مركبة يدل ذلك التركيب على مركبه، وإذا كان ~~الله سبحانه لا يوصف بصفات تدل على الحدث فقد ثبت له القدمن وانتفى عنه ~~الوجود بعد العدم. # فإن قال السائل: فإذا كان لا بد لكل محدث من دليل يدل على حدثه، فكذلك ~~أيضا لا بد للقديم من دليل يدل على قدمه؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على قدمه تبارك وتعالى أنا وجدنا ~~المحدثات تحتاج إلى محدث أحدثها، وأن المحدث لها لا يكون محدثا مثلها، لأنه ~~لو كان مثلها وكان يشبهها، لتعذر عليه خلق الأجسام كما تعذر عليها. # - - - # باب الصفات القديمة التي هي الله عز وجل # قال المهدي لدين الله الحسين بن القاسم عليهما السلام: إن سأل سائل ملحد، ~~أو قال قائل مسترشد: ما الدليل على أن الله عالم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على علمه سبحانه وجود صنعه تاما محكما، ~~والحكمة لا تتم من جاهل، فعلما أنه عالم بكيفية الصنع قبل فعله، كعلمه به ~~بعد جعله. PageV01P216 # ألا ترى أن الفعل يتعذر على من يجهله، وأن الفاعل لا يقصد فعل شيء إلا وهو ~~عالم بكيفيته بعد إكماله، وإلى ما يؤول عند تمامه واعتماله، ألا ترى أنه لو ~~قصده بغير علم لما تم له بجهله، والله يتعالى عن الجهل والنقصان، ويجل عن ~~شبه من خلق من الإنسان. # ودليل آخر # أنه لا يخلو في حال فعله للمفعولات، وصنعه لما صنع من المحدثات، من أحد ~~وجهين مختلفين، متضادين غير مؤتلفين، لا يوجد إلى ثالث سبيل، ولا تشهد ~~بغيرهما العقول: # إما أن يكون صنعها وهو عالم بكيفيتها. # وإما أن يكون صنعها وهو جاهل بصنعها، لا يدري إلى ما تصير ms110 عند كمالها. # فإن كان صنعها وهو عالم فذلك أولى ما وصف به الرحمن، وأوضح ما شهد به ~~البرهان، وإن خلقها وهو لا يدري إلى ما تؤول، فلا فرق بين الفاعل والمفعول، ~~لأن من قصد فعل شيء يجهله، فهو متحير لا يدري كيف يفعله، ومن تحير في شيء ~~وشك في (1) عمله، فهو أحرى بالعجز عن فعله، فكيف يتسق له ما هو به جاهل؟! ~~وعنه متحير غافل؟! وعن الهدى والرشد زائل؟! وبالجهل مستكين (2) ذاهل؟! ~~أبخاطر خطر على باله فجلا عنه ما كان من جهله؟! وأوضح له ما جهل من فعله ~~(3)؟! فالخاطر عرض يخطر (4) في القلوب، ويتعالى عنه علام الغيوب، والعرض لا ~~يحل إلا في الأجسام، وقد بينا حدثها في أول الكلام، وإذا كان له بال يخطر ~~عليه الذكر بعد نسيانه، ويتبين له ما عمي (5) عليه من شأنه، فقد عاد ثلاثة ~~مجموعة: # أولها: الجسم القابل للأعراض، الجاهل الذي لم يخل من الحيرة والأمراض. # والثاني: جهله المركب المبني عليه. PageV01P217 # والثالث: علمه الحادث المضطر إليه، الذي لولا حدثه لما انتفع بجسمه، ولأضر ~~الجهل بما ركب من جرمه، ولوقع في أعظم الهلاك وهو لا يدري، ولكان لا يعقل ~~ولا يعي، ولا بد لما اجتمع من الأشياء بعد افتراقه من جامع، ومفتطر عالم ~~صانع، وهو الله العليم القدير، الواحد السميع البصير، الذي لا تحل به ~~الآفات، ولا تغيره الأوقات، ولا ينقص ولا يزيد، ولا يبطل ولا يبيد. # وكذلك إن سأل عن القدرة فقال: ما الدليل على أنه قادر؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على قدرته عز وجل وجود ما قدر على ~~إيجاده، وإحداث ما صنع من مراده. # والدليل على قدم القدرة (1)، كالدليل على قدم العلم، لأنه لو خلا من ~~القدرة لكان قبل ذلك عاجزا، ولو حدثت القدرة فيه لم يخل من أن يكون هو الذي ~~أحدثها أو غيره. # فإن قلت: هو أحدثها، لم يكن ذلك إلا بقدرة متقدمة. # وإن قلت: غيره أحدث فيه القدرة، جعلت له خالقا، ولم يكن ربا ولا صانعا، ~~وإذا حدث فيه ms111 حادث (2) فهما شيئان مجتمعان، وقد قدمنا الدلالة على حدث ~~الاجتماع بأبين البيان. # فكذلك إن سأل عن الحياة فقال: ما الدليل على أن الله حي سميع بصير؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على أنه حي سميع بصير، أنه عالم حكيم ~~قدير، ومن صح له العلم والقدرة والقدم والحكمة، فقد انتفى عنه الموت ~~والغفلة، لأن الميت لا يكون حكيما، وكذلك الأصم الأعمى لا يكون عليما. # والدليل على قدم الحياة والسمع والبصر، أنه لو خلا من قدمها، لما كان ~~عالما قادرا قبل حدوثها، لأن الميت لا يكون عليها قديرا، ولا يكون سميعا ~~بصيرا، ولو حدثت هذه الصفات بعد عدمها، لكان لها محدثا بخلافها. # فإن قال أخبروني: عن القدم ما هو؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: مسألتك تحتمل وجهين: # إما أن تكون أردت قدم الله رب العالمين. PageV01P218 # وإما أن تكون أردت غيره من قدم إنسان (1) المخلوقين، وتقادم أزمنة الأولين. # فإن (2) كنت عنيت بسؤالك قدم الإنسان، فذلك طول الدهور والأزمان. # وإن كنت عنيت قدم الواحد الرحمن، فقدمه هو ذاته وذاته قدمه، فكذلك علمه ~~قدرته وقدرته علمه، وكذلك القول في سمعه وبصره وحياته، أنها شيء واحد هو ~~الله عز وجل. # ألا ترى أن السمع هو العلم بالأصوات، وكذلك البصر هو العلم بالمبصرات، لا ~~أنه كما قال أهل التشبيه ذو آلات، لما في الآلات والأدوات، من السكون ~~والحركات، والحركة والسكون محدثان، وهما عن الله منفيان، لأنهما عرضان ~~متداولان، وضدان متنافيان، لا يوجدان إلا في مفترق أو مجتمع، ولا يكون ~~الافتراق والاجتماع إلا من مفرق جامع، وخالق فاطر صانع، وهذه صفات المحدثات ~~التي لا تنفك من الأعراض، ولا تمتنع من الكلية والأبعاض، فهي غير ممتنعة من ~~صنع صانعها، وتفريق مفرقها وجمع جامعها، فهي لا تعرف إلا بتقدير مقدرها، ~~ولا تنفك من تدبير مدبرها، فجهاتها تدل على غايتها وانقطاعها، وإكمال صنعها ~~وابتداعها، وحدودها يدل على محددها، وعددها يدل على معددها، وأدواتها تدل ~~على فاقتها، والتفضل بذلك يدل على رحمة صانعها، فتعالى الله مولانا وسيدنا ~~وربنا وخالقنا ms112 عما يقول المفترون!! وتقدس عما يتفوه به العادلون، وينسب ~~إليه الضالون!! وإنما تولد الشرك والتشبيه والتجوير ونسي العدل والتوحيد، ~~من قبل الجهل بحدث العالم، ولو علموا بحدث المحدثات لما شبهوا، ولو أيقنوا ~~حقيقة اليقين لما ألحدوا في الله ولا كفروا. # وقد أظن إن شاء الله تعالى ظنا صادقا، وأعلم علما متحققا، أن من عظم ~~يقينه بالله تبارك وتعالى لا يرغب في معصيته(3) أبدا، ولا يدخل في محظور ~~متعمدا، ولا يخلو قلبه من الخشية والرحمة والهدى، ولا يدخل ما حيي في باب ردى. PageV01P219 # ولقد أظن إن شاء الله تعالى أن من صار إلى ذلك فقد ظفر بأنواع الحكمة كلها، ~~وبرئ إن شاء الله تعالى من جهلها، وعظم بالله سروره وأنسه، وهان عليه ماله ~~ونفسه، وقلت هيبته للموت في الله ليقينه بالمعاد، ووثق بما ادخر لنفسه من ~~الزاد، واجتهد في الله غاية الاجتهاد، وقرب من العفو عن كل من أساء إليه، ~~ولم تنكصه الشبهات على عقبيه، ونظر الدنيا وأهلها بعين الزوال، وأيقين عنها ~~بالارتحال، وأصبح للخيرات كلها أهلا، وللدين محلا ومعقلا، وروي بمعرفة الله ~~من الضمأ، وظفر بالغنائم العظمى. # فإن قال قائل: فلم يعذب الله الجهال على مالم يعلموا، ولم يضطروا إليه ~~فيعرفوا؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: إنما يعذبهم الله عز وجل على ترك طلب الدليل ~~عليه، والتوصل بالفكر في صنعه إليه، والخوف منه والطمع فيما لديه، ألا ترى ~~أنك لو خوفت بشيء من المهالك وجب عليك أن تجتهد في طلب الأمان مما خفت، وأن ~~تحرص في نفي ما كرهت، وأن لا توانا في ذلك، ولو جهلت حتى تعلم حقيقة ما به ~~وعدت، فعلى تفريطهم استحقوا العذاب، ولخلاف أدلتهم عدموا الصواب، ولو ~~تمسكوا بسفن النجاة لما غرقوا في بحور العمى، ولو شربوا من علم آل نبيهم ~~لشفوا من الظمأ، ولظفروا بالغنائم العظمى، ولأنارت قلوبهم لمرافقة الحكماء، ~~ولكنهم اكتفوا بعلم أنفسهم، واستقلوا آل نبيهم. # فلا يبعد الله إلا من ظلم، وعلى نفسه السوء اجترم، فهذا سبب هلاك الجهال، ~~وكثير من أهل ms113 النحلة الضلال، الذين شاهدناهم في عصرنا، ورأيناهم في دهرنا، ~~فكم غريق شاهدناه!! وضال عمي رأيناه!! قد استعمل في أئمة الهدى سوء الظنون، ~~ورضي بباطله عن الحق المبين، وأعرض عن الحكمة واليقين، يرى بجهله أنه قد ~~هدى إلى الصواب، وأنه أولى بالحق من ورثة الكتاب، ولو علم الله عز وجل أنه ~~في ذلك المحل لجعله قدوة لعباده، وحجة على الخلق في بلاده، ولكن الله علم ~~بعمى قلبه، فلم يجعل له حظا في وراثة كتابه. PageV01P220 # فرحم الله عبدا نظر لنفسه، وأعمل الفكر بقلبه، وميز ما ينجو به من عذاب ~~ربه، وألطف النظر في طلب السلامة، من هول عذاب يوم القيامة، ومناقشة الحساب ~~يوم الحسرة والندامة، والتمس النور في الثقلين، اللذين جعلهما الله حجة ~~باقية إلى يوم الدين، وحشر العالمين، ولم يقتصر على واحد منهما دون ثاني، ~~ولا على ميت من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم دون حي، وحذر إجحاف سؤال ~~الرسول ومناقشته، بين يدي الله في ذريته وولده، ومهجة قلبه وثمرة فؤاده، ~~وسلالة لحمه ودمه، الطاهرين الذين احتذوا بحذوه، وساروا بسيرته واقتدوا به، ~~فكم هالك هلك فيهم بسوء ظنه فضل وأضل؟!! وحل من السخط في أعظم محل!! {قل هل ~~ننبئكم بالأخسرين أعمالا } {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا } [الكهف: 103- 104]، { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون } [الشعراء:227]. PageV01P221 # والحمد الله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي خاتم النبيين، ~~وعلى سادتنا أهل بيته الطاهرين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ~~الحي القيوم، الواحد الفرد الصمد القديم، المدبر الخالق العليم، المنعم ~~المتفضل(1) الجواد الكريم، البر الرحيم، الغفور المحسن الحليم، السلام ~~المؤمن المهيمن الحكيم، الذي لا تحصى فضائله، ولا تنقطع أبدا دلائله، ولا ~~يضل من تمسك به عن هداه، ولا يهدى إلى الحق من عاداه (2)، ولا يرشد من خذله ~~وأرداه، ولا يذل من والاه، أحمده حمد من أقر بربوبيته، وأشهد ألا إله إلا ~~هو شهادة من تخضع لعبوديته، وتعرض لعفوه ورحمته، وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله، ms114 وصفوته من خلقه، وأمينه على وحيه، بعثه برسالته، واختصه بهدايته، ~~وانتخبه لأمانته، واحتج به على بريته، فأدى الأمانة، ونصح الأمة، وأكمل ~~الحجة، وبلغ الرسالة، جاهدا مجتهدا، صابرا متعبدا، حتى أكمل به الدين، ~~وأرغم به الشياطين، وأنذر عشيرته الأقربين، ولم يأخذه في الله لوم ~~اللائمين، بل صدع بما أمر به، واجتهد في طاعة ربه، حتى قبضه الله إليه، ~~واختار له (3) ما لديه، على حقيقة من دينه، وصحة من نفسه، رضيا مرضيا، زكيا ~~هاديا مهديا، مقربا نجيا، ختم الله به أنبياءه، وهدى به أولياءه، وأرغم به ~~أعداءه، وأوضح به حجته. # فلما ختم به نبوته ورفعه من الأرض وطهره، وتوفاه إليه وبشره (4)، خلفه ~~الله على أمته، وامتن على بريته، بأخيه ووصيه وحبيبه، ووليه وخدينه وصفيه، ~~وشقيقه ونسيبه، ووزيره وقريبه، أمير المؤمنين، وقاتل الناكثين، وسيف رب ~~العالمين، ومردي الأوثان، وقاصم (5) الأقران، ومستنزل الفرسان(6)، عن كل ~~طامح العنان، إذا التقت صليب المران، المسمى في القرآن بالإيمان، والمبشر ~~في القرآن بالرحمة والرضوانز PageV01P222 تم أكرمه الله بالوفاة، وختم له بالنجاة، وألحقه بنبيه، وأخيه ووليه، محمد ~~خاتم النبيين، وسيد الأولين والآخرين، واحتج على خلقه بالسبطين، الطاهرين ~~المطهرين، أبناء الرسول، وسليلي البتول، الحسن والحسين، ثم قبضهما الله إلى ~~رحمته، وألحقهما بنبيه، وأخيه ووليه، وخلفهما بعترة طيبة مرضية، وشجرة ~~مباركة زكية، وذرية هادية مهدية، يكثر عددهم، وسنذكر إن شاء الله بعض من ~~يجب طاعته منهم، مثل: زيد بن علي رضي الله عنه، إمام المتقين، عليه صلوات ~~الله رب العالمين. # ومثل: ابنه يحيى المقتدي به، والمحتذي بحذوه. # ومثل: محمد بن عبد الله، وإبراهيم أخيه المصممين في أمر الله، المجتهدين ~~في طاعته، المحتسبين في مرضاته، صلوات الله عليهما ورحمته ورضوانه (1) ~~وبركاته وغفرانه. # ومثل: الحسين بن علي الشهيد المحرم، الباذل لنفسه في سبيل الله المصمم، ~~الذي لم تأخذه في الله لومة لائم. # فيحيى بن عبد الله بن الحسن، القائم لله المحتسب، الصابر لله على الشدة ~~والغضب. # ومثل: محمد بن إبراهيم بن إسماعيل، القائم بحجة الله الجليل. # فمثل القاسم بن إبراهيم، الفاضل العالم الكريم. ms115 # فمثل أمير المؤمنين، الهادي إلى الحق المبين، صلوات الله عليه وعلى آبائه ~~الطاهرين. # فمحمد بن الهادي إلى الحق المرتضى، الذي بشر به النبي المصطفى، صلوات ~~الله عليه ورضوانه، ورحمته وغفرانه، ونضر الله وجهه، وتقبل سعيه وعمله، ~~وحشرنا في زمرته، وجعلنا من حزبه، فهؤلاء الذين بشر بهم الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم، اللهم إني أشهدك يا مولاي وسيدي، وأشهد حملة عرشك، وأهل ~~سماواتك وأرضك، أني أشهد بإمامة هؤلاء الذين ذكرت في كتابي هذا، وأتولاهم ~~وأوالي من والاهم، وأعادي من عاداهم، اللهم يا مولاي إني أشهدك أني بريء ~~ممن رفضهم، أو رفض أحدا منهم، إلى يوم حشر العالمين، وصلى الله على محمد ~~النبي وعلى آله وسلم تسليما. # - - - # الجزء الثاني PageV01P223 ### | AUTO من كتاب التناهي والتحديد فيه مسائل المحال # حسبي الله (1) إن سأل بعض المشبهة الضلال، فيما يقولون به في الله ~~ويعتقدونه من المحال، فقال: أخبروني هل لو أراد الله أن يفني نفسه أيجوز ~~ذلك أم لا؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: كلامك هذا فاسد محال باطل لا معنى له، ويستحيل ~~أن يريد الله تعالى المحال، لأن الإرادة لا تقع إلا على الأفعال، والموت ~~والفناء لا يقع إلا على الأجسام، ولا يدرك إلا ما كان جرما من الأجرام (2)، ~~لأن الموت عرض يحله الله في الأشباح، والله ليس بشبح (3) محدود، ولا غيره ~~من العدد المعدود، إذ لا تقع إلا على مفترق من الأشياء أو مجتمع، أو متحرك ~~أو ساكن، ولا يفنى إلا ما كان من الكل والبعض، وما لا ينفك من الطول ~~والعرض، والله ليس بذي كل ولا أبعاض (4)، ولا بذي أحوال ولا أعراض، لأن في ~~ذلك من الحدث، ما يدل على الخالق المحدث. # مسألة # كذلك إن سأل (5) بعض المشبهة الملحدين، الضانين بالله ظن السوء ~~المتحيرين، فقال: أخبروني هل لو أراد الله أن يدركه بعض خلقه أيجوز ذلك أم لا؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: وهذه المسألة أيضا من المحال، والله لا يريد ~~المحالات، ولا يوصف بصفات المحدثات، لأن الأبصار لا تقع ms116 إلا على مفترق من ~~الأشياء أو مجتمع، والمفترق مفصل لا بد له من مفصل، والمجتمع موصل لا بد له ~~من موصل، والله موصل الأشياء ومفصلها، ومفرقها وجامعها، ومبتدعها وصانعها. # وكذلك إن سأل فقال: أخبروني عن الله هل يقدر أن يخلق مثله؟ PageV01P224 # قيل له ولا قوة إلا بالله: كلامك هذا فاسد محال لا معنى له، لأنك قلت: هل ~~يقدر أن يخلق؟ فأوقعت القدرة على مخلوق، ثم نقضت قولك بقولك: مثله، لأن ~~الله خالق وهذا مخلوق، والله مدبر وهذا مدبر، والله صانع وهذا مصنوع، والله ~~غني وهذا فقير، والله قديم وهذا محدث، والله لا نهاية له وهذا متناهي، ~~والله محدده ومفصله وموصله، وهو موصل مفصل، وهذا من أكبر المحال، وأقبح ~~المقال، فكيف يكون مخلوق خالقا؟! ومحدث قديما؟! ورب مربوبا؟! وكيف يكون ~~المحدث مثل القديم؟! أو الخالق مثل المخلوق؟! أو كيف يكون الرازق مثل ~~المرزوق؟!! # مسألة من المحال أيضا # وإن سأل فقال: هل يقدر الله أن يخلق خلقا لا جسما ولا عرضا؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: هذا محال وليس عن المحال. # مسألة # لأن كل محدث فيه آثار حكمة الصانع، وذلك ما ذكرنا من الكل والبعض، والكل ~~والبعض لا يكون إلا جسما من الأجسام، الموصوف بالطول والعرض، فقولك هذا ~~متناقض فاسد لا معنى له، لأنك قلت: يخلق خلقا، والخلق فهو ما ذكرنا. # ثم نقضت قولك فقلت: لا جسما ولا عرضا، فكأنك قلت: يخلق خلقا ليس يخلق. # فإن قال: فلم قلتم (1) إن ربكم شيء ليس بجسم ولا عرض، وقد نفيتم ما ليس ~~بجسم ولا عرض؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: لأنا نفينا أن يكون خلقا محدثا لا محدثا. # لأنك إذا قلت: محدثا، أوجبت فيه دلائل الحدث. # فإذا قلت: ليس فيه دلائل الحدث نفيته، والنفي والإثبات لا يجتمعان في شيء واحد. # وأما قولكم ثم نفينا عن الله سبحانه أن يكون جسما أو عرضا، وأثبتناه ~~شيئا، فالجواب في ذلك: أنا جعلناه قديما، والقديم لا يكون محدثا، وكذلك ~~نفينا أن يكون المحدث ليس فيه دلائل ms117 (2) الحدث، فيكون قديما أو عدما، ~~ويستحيل أن يكون القديم محدثا. PageV01P225 # وأما قولنا: إن الله شيء، فإنما نريد بذلك: إثبات الموجود، ونفي العدم ~~المفقود، إذ ليس إلا موجود أو معدوم (1)، فالموجود شيء والمعدوم لا شيء، ~~فلما وجدنا الصنع علمنا أن الصانع شيء، ويستحيل أن يصنع العدم شيئا، ~~ويستحيل أن يصنع الجسم جسما، لما قد وصفنا. # مسألة # فإن سأل فقال: هل يقدر الله أن يخلق خلقا لا نهاية له؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: مسألتك تحتمل وجهين: # إما أن تكون أردت جسما لا حدود له ولا جهات. # وإما أن تكون أردت أعراض الزمان والساعات، وما وعد الله بدوامه أهل ~~الآخرة من اتصال الأوقات. # فإن (2) كنت أردت جسما لا حدود له فهذا محال، وتناقض من القول والسؤال، ~~لأنك سألت عن الجسم المحدود، ثم نقضت بنفيك للحدود (3). # وإن كنت أردت بسؤالك، وبما ذكرت من مقالك، أعراض الآخرة ودوام ساعاتها، ~~واتصال حدوث أزمنتها وأوقاتها، فكذلك نقول إنه لا انقطاع لدوامها. # مسألة # وإن سأل فقال: هل يقدر الله أن يعلم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: كلامك هذا باطل لا يجوز على الله سبحانه، وعز ~~عن كل شأن شأنه. # وذلك أنك (4) قلت: هل يقدر الله أن يعلم، فجعلت العلم من المفعولات ~~المحدثات، وأخرجته من الصفات الأزليات، والمقدور عليه لا يكون إلا من ~~المحدثات، وذلك كعلم الإنسان المستفاد بالأفهام (5) المدركات، والله يتعالى ~~عن الجهل والنقصان، ويتقدس عن شبه الإنسان، وغيره من الحيوان(6)، وغيره من ~~صنع الواحد الرحمن. # مسألة # فإن سأل فقال: هل يريد الله أن يقدر؟ PageV01P226 # قيل له ولا قوة إلا بالله: هذه مسألة من أحول المحال، وأولى ما تنزه عنه ذو ~~الجلال والإكرام، لأنك قلت: يريد أن يقدر؟! والإرادة فمن المفعولات، ~~والقدرة فمن الصفات الأزليات، ولا تكون الإرادة إلا بقدرة من قدير، لم يسبق ~~قدرته ضعف ولا تقصير، فجعلت الصفة القديمة من المفعولات، فنقضت قولك!! لأنك ~~قلت: يريد، والإرادة فهي الفعل، والفعل لا يكون إلا بقدرة، فكأنك قلت: يخلق ~~القدرة بقدرة، وهذا محال متناقض وربنا ms118 محمود. # مسألة # وإن سأل فقال: هل يريد الله أن يعلم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: هذه مسألة تستحيل عن ربنا جل جلاله، وظهرت ~~نعمه (1) وأفضاله، لأن العلم ليس بمفعول، ولا هو شيء سوى الله معقول، ~~والإرادة على الأفعال، فلا تتم إلا بعد العلم بالأعمال. # مسألة # فإن رجع إلى الحق، وسأل عما يليق بالله من الصدق، فقال: هل يعلم الله أن يقدر؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: نعم هو سبحانه يعلم أنه يقدر. # مسألة # فإن سأل فقال: هل يقدر الله سبحانه (2) أن يريد؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: نعم يقدر سبحانه، وجل علمه وسلطانه، وظهر ~~دليله وبرهانه، أن يريد، لأن الإرادة فعله، والله قادر على الأفعال. # فإن قال: فهل يعلم أن يريد؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: نعم يعلم (3) سبحانه إنه يريد، ولا يخفى عليه ~~في(4) سابق علمه ما سينقص من فعله ويزيد. # مسألة # فإن قال: فهل يعلم أن يعلم؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: نعم يعلم أنه يعلم، ولا يخفى عليه شيء من ~~المحدثات في حال العدم. # مسألة # فإن قال: فهل يقدر أن يقدر؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: هذا محال، لأن القدرة إنما تقع على المحدثات، ~~وليس لله عز وجل قدرتان تقع إحداهما على الأخرى، فتكون واحدة في عداد ~~المفعولات، وتكون الأخرى في عداد الصفات. PageV01P227 # فإن قال قائل: فكيف جاز قولك: يعلم أن يعلم، وبطل (1) قولي يقدر أن يقدر؟! # قيل له ولا قوة إلا بالله: للعلة التي قد ذكرنا، وذلك أن الله عز وجل ~~يعلم أنه عالم بكل معلوم، كما هو قادر على كل مقدور، ويستحيل قولك: يقدر أن ~~يقدر، لأن القدرة إنما تكون على الأفعال، وليس لله قدرة أخرى، فيما يعلم كل ~~ذي عقل وحجى، إلا أن تريد بقولك: يقدر أن يقدر، تريد: أن (2) يفعل ~~المفعولات، فنقول: قد أصبت فيما اقتصرت عليه، ولم تخط فيما نسبت من لفظك إليه. # مسألة # فإن سأل فقال: هل يريد أن يريد؟ # قل له ولا قوة إلا ms119 بالله: اعلم أن الإرادة قد اختلف فيها على وجهين: # إرادة ضمير. # وإرادة فعل. # فأما الضمير فينفى عن الله سبحانه لما قدمنا في ذلك من البيان، وأوضحنا ~~بمن الله من البرهان. # وأما الفعل فهو أولى ما وصف به الرحمن، وأيما قصدت فلن يخلو من أحد ثلاثة أوجه: # إما أن تكون تريد هل يضمر (3) أن يفعل، أو هل يضمر أن يضمر غير ما أضمر. # أو تكون أردت تكرير القول فقط، لا غير الفعل الذي هو إرادة الله عز وجل. # فإن كنت أردت أنه يضمر أن يفعل فهذا محال، لا يجوز على الله ذي الجلال، ~~لما قدمنا من نفي الضمير، عن الله الواحد الخبير. # وكذلك إن أرت أنه يضمر أن يضمر غير ما أضمر، فهذا من أكفر الكفر ~~والجحدان، وأحول ما استحال عن الرحمن، لأن من يحب ويهوى، ويخطر على باله ~~الأشياء، لا يوصف بعلم ولا خبرة، ولا تدبير ولا فطرة، لأنه لا يخلو من أحد وجهين: # إما أن يكون على تلك الشهوات مجبولا مصطنعا. # وإما أن يكون عزيزا عن ذلك ممتنعا. # فإن كان غير ممتنع من الخواطر والأحوال، ولا عزيزا عن الزوال والانتقال، ~~فذلك مضطر مفطور لا يمتنع من الحوادث والتدبير، ولا ينفك من صنع العليم ~~القدير، وإن كان عن ذلك عزيزا، وكان من الخواطر ممتنعا حريزا، فقولك هذا ~~كفر بذي الجلال، وجهل بالله الكبير المتعال!! PageV01P228 # وإن أردت تكرير القول بالإرادة، فقد أصبت، وأخطأت (1) في تكرير القول ~~وترديده على (2) غير معنى. # مسألة # فإن قال: أخبرني عن الله أيعرف نفسه أم ينكرها؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم أنه لا ينكر نفسه، لأن المنكر لنفسه ~~الجاهل بها إذا جهل نفسه فهو لغيرها أجهل، والله يتعالى عن الجهل والنقصان، ~~ويتنزه عن شبه المخلوقين في كل شأن. # مسألة # فإن قال: أخبرني عن معرفته سبحانه لنفسه أهي هو أم هي غيره؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم أيها السائل أن معرفة الله لنفسه هي هو. # مسألة # فإن سأل فقال: أخبرني عن الله سبحانه أخلق ms120 الأشياء من شيء أم من غير شيء؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: اعلم أن الله سبحانه خلق الأشياء من غير شيء، ~~واخترعها اختراعا من غير بدي. # فإن قال: وما أنكرت من أن يكون خلقها من شيء قديم لم يزل، فنقله إلى ~~الحدث حتى أبان فيه صنعه، من غير أن يكون اخترعه؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: قولك هذا فاسد محال، لأنه لا يخلو من أن يكون ~~نقله كله أو نقل بعضه، أو لم ينقل منه كلا ولا بعضا. # فإن قلت: لم ينقل كله ولا بعضه، نفيت ما عنه سألت وجحدت. # فإن قلت: بل نقل كله أو بضعه، أوجبت بأبين البيان حدوثه، ونفيت أزله ~~وقدمه، لأنا قد بينا حدث الكل والبعض فيما تقدم من كلامنا، وأوضحناه في أول ~~كتابنا، وإذا صح أن الأصل كل أو بعض، صح أن ذلك لا يكون إلا جسما، وقد تقدم ~~من قولنا إن الأجسام محدثة، وإذا كانت أصول الأشياء محدثة فقد فسد قولك في ~~(3) نقلها واصطناعها، وصح قولنا في اختراعها وإحداث أصولها وابتداعها. # مسألة # فإن قال: أيقدر الله أن يظلم عبيده، ويخلف وعده ووعيده؟ PageV01P229 # قيل له ولا قوة إلا بالله: نعم هو قادر على ما سألت، وغير عاجز عما ذكرت، ~~وليس كلما قدر عليه الحكيم فعله، لأنا نجد الحكيم منا مع حاجته لا يفعل ~~القبيح لذمامته، فكيف بالحكيم الغني؟! لأن الفاعل لا يفعل فعلا إلا لحاجة ~~تدعوه إلى منفعة أو دفع مضرة، والله لا يحتاج إلى اجتلاب المنافع ولا إلى ~~دفع المضار والفجائع، فتبارك الله وتعالى عن ظلم عبيده، وإخلاف وعده ~~ووعيده!! وأيضا فقد يكون الكذب والسفه والعبث من الظالمين، لغير حاجة ~~تدعوهم إلى ظلم المظلومين. # فإن قال بعض الملحدين: فما تنكر أن يعبث الله؟ تعالى سيدنا عن (1) قول ~~الملحدين!! # قيل له ولا قوة إلا بالله: إن عبثهم هذا الذي ذكرنا، وجورهم لغير حاجة ~~فيما قدمنا، إنما يدعوهم إليه البطر والهوى، والله يتعالى عن ذلك لا يبطر ~~ولا يهوى، لأن الهوى داع إلى كل ms121 منكر، ومنه تولد الظلم والبطر، والهوى فهو ~~ضمير وخاطر، والله يتعالى عن الخواطر، لأنها شهوات لا توجد إلا في القلوب، ~~وما يتعالى عنه علام الغيوب، وقد تقدم كلامنا في الجزء الأول من نفي ~~الخواطر عن رب العالمين، وتبيين حدوث ذلك في المخلوقين. # مسألة # وإن سأل فقال: هل يحب الله نفسه أو بعضها؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: كلامك هذا باطل محال لا يجوز على الله، لأنه ~~غني عن الحب والبغض، لأن الحب يخرج على وجهين، وكذلك البغض: # فمن الحب ما يكون ضميرا أو نية، وشهوة في القلوب مبنية، وهذا من صفات ~~المخلوقين المحتاجين إلى محبة أنفسهم، المجعولين على فطرة شهواتهم. PageV01P230 # وأما الوجه الثاني فهو: حب الله لأوليائه المؤمنين، وهو ثوابه ونعمته ~~للمطيعين، والله غني عنه وغير محتاج إليه، لأن المحتاج إلى الرزق لا يكون ~~إلا مبنيا على الحاجة إليه، والله يتعالى عن الحاجة إلى الأرزاق، واجتلاب ~~النعم والأرفاق، لأن الذي يرتزق ويغتذي (1)، لا يكون إلا مضطرا غير غني، ~~ومن كان مضطرا فهو فقير إلى اللذات، مبني على الحاجة إلى الشهوات، والملتذ ~~لا يكون إلا جسما مجتمعا، متحركا أو ساكنا، وقد بينا حدث الجسم فيما تقدم ~~من كلامنا. # والبغض يخرج على وجهين: # فمن ذلك: بغض الآدميين، وإضمار كراهة (2) ما يكرهون، والله يتعالى عن شبه ~~المخلوقين. # والوجه الثاني فهو: بغض الله الكافرين، وهو أليم عذابه ونكاله للفاسقين، ~~والله ليس بذي جسم فتحله الآلام، ولا بذي شخص (3) فتلعقه الأسقام، بل هو رب ~~العالمين، وفاطر السماوات والأرضين، فتبارك وتعالى عما يقول الظالمون، ~~وتقدس عما يتفوه به الجاهلون، وتنزه عما يقول المفترون!!! # مسألة # وكذلك إن سأل فقال: أيكرم الله نفسه أم يهينها؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: من هذه (4) المسالة ما هو من المحال، ومنها ما ~~يليق بالله ذي الجلال، لأن الكرامة على وجهين: # كرامة تنزيه عن الظلم والعدوان، وذلك أولى ما وصف به لرحمن، فهو يكرم ~~نفسه عن ذلك جل جلاله، وكرمت عن الجور والدناءة أفعاله. # والوجه الثاني: فكرامة النعيم، وما يتعالى ms122 عنه الواحد القديم، وهذه ~~الكرامة فتستحيل على (5) الله الرحمن الرحيم، وكذلك الهوان على وجهين ~~يستحيلان على (6) الرحمن: # فوجه هوان دناءة الأفعال، والجور والسفه في الأعمال، وذلك منفي عن الله ~~ذي الجلال. PageV01P231 # والوجه الثاني فهو: أن العذاب الأليم، وما جعله الله ضد الرحمة والنعيم، ~~وهو مما يستحيل على (1) الخلاق العليم، لأن الألم لا يحل إلا في الأجسام، ~~وذلك فيتعالى عنه ذو الجلال والإكرام. # مسألة # وكذلك إن سأل فقال: هل يقدر الله أن يعلم بعض خلقه جميع معلوماته، فإن ~~قلتم: يقدر فقد صار غيره في العلم مثله، وإن قلتم: لا يقدر عجزتموه؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: هذه مسألة متناقضة، لأنك قلت: هل يقدر أن يعلم ~~بعض خلقه جميع ما يعلمه، فجعلت لمعلومه (2) جميعا، والجميع يتناهى ومعلوم ~~الله لا يتناهى ولا يحد، ولا يحصى أبدا ولا يعد، فالنقض لمسألتك أتى من ~~عندك، لما في مسألتك من تناقض قولك. # ألا ترى أن الله من معلوم نفسه، وليس له جميع فيكون محدودا، وليس بعدد ~~فيكون معدودا، فكيف يريد أن يعلم خلقه نفسه، ونفسه لا تعلم، ولا تدرك بغير ~~الأدلة ولا تفهم، لأنها نفس ليست من الكل والأبعاض، ولا من الأجسام ~~والأعراض، وسؤالك فإنما هو عن (3) كل المعلومات، والكل فلا يصح إلا من ~~المصنوعات. # مسألة (4) # فإن سأل فقال: أخبروني لم زعمتم أن هذه المسائل تستحيل، ولا يجوز [أن] ~~يوصف بها الواحد الجليل؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: إنما استحالت هذه المسائل لتناقصها، وتكاذبها ~~في المقال وتداحضها، لأنك أيها السائل تسأل عن الله الجليل، ثم تنقص بالقول ~~المستحيل، وتشبه الله بالعبد الذليل، مثل قولك: هل يقدر أن يفني نفسه؟! ~~فجعلته ثلاثة وإنما هو الواحد الأحد، القديم العظيم الفرد الصمد، فكأنك ~~سألت عن مخلوق وأنت تحسبه خالقا!! وسألت عن ثلاثة وأنت تحسبها واحدا!! لأن ~~المفي هو الفاعل والمفنى هو المفعول، والفعل هو الثالث المجعول، المتوسط ~~بين القابل والمقبول. # وصلى الله على مولاي وسيدي محمد النبي وآله، ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # - - - PageV01P232 ### | AUTO كتاب # الفرق ms123 بين الأفعال # والرد على الكفرة والظلال # كتاب الفرق بين الأفعال والرد على الكفرة والظلال # وبه نستعين. الحمد الله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، ~~وعلى أهل بيته الطاهرين، الأخيار الأبرار الصادقين، ونسأل الله التوفيق لما ~~قصدنا من الإحسان، ونعوذ به من الضلالة والجهل والخذلان، وأشهد أن لا إله ~~إلا الله، الحق اليقين، الواحد الأحد الصمد المبين، وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله، وصفوته ووليه وخليله، بعثه بالحق هاديا إلى الرشاد، وداعيا إلى ~~رحمة الله لجميع العباد، وزاجرا عن الجهل والغي والفساد، فاجتهد صلوات الله ~~عليه غاية الاجتهاد، وأنذر جميع من حوته أقطار البلاد، حتى أتاه ما وعد ~~الله من اليقين، بعد أن أوضح به مسائل حقائق الدين، فصلوات الله عليه وعلى ~~ذريته الصادقين، والحمد لله رب العالمين، فلما قبضه الله إليه، واختار له ~~من الثواب ما لديه، علم أن سيكون من عباده من يحتاج إلى الهدى، وكشف ~~الضلالة عنهم والردى، بذوي الدين والفضل والحجا، ذرية الرسول أئمة الهدى، ~~وأعلام الدين ومصابيح الدجى، فكشف بهم أغطية الضلال، وقمع بهم من عاند الحق ~~من الجهال، وأهل الحيرة الكفرة الضلال، فمن طلب الحق عند غيرهم فقد جهل، ~~ومن عاندهم فقد ضل وخذل، لأن الله لو علم أن العباد يكتفون بعقولهم، لما ~~فرض سؤال آل نبيه عليهم السلام، فمن رأى أن يكتفي عنهم بعقله، فقد وقع في ~~ضلالته وجهله، لأنه كلف نفسه ما لا يطيق، ومن فعل ذلك منع من التوفيق، ومن ~~لم يوفقه الله وقع في العمى، لفراقه للصفوة الحكماء، ولم يزدد بذلك من الحق ~~إلا بعدا، لما تكلف ونصب نفسه له من الهدى، وقد أمر أن يقصد غيره قصدا، لأن ~~الله قد جعلهم معتمدا، ولم يأمر بقصد غيرهم أحدا، فالحمد لله الذي جعلنا من ~~ذريتهم، وبحبوحة نسبهم وذروتهم. وبعد فلما رأينا خبط جميع الناس في الجهل ~~والضلال، وترددهم بين هؤلاء الجهال، واختلافهم في موجبات جميع الأفعال، ~~حدانا ذلك على تبيان جميع الأحوال، ليعمل PageV01P233 بذلك من أراد التعلق بذي الجلال، ولا يلتفت ms124 إلى غيره من ترهات المقال، وما ~~زخرفه الأوباش من المحال. # فأول ما نبدأ بذكره من الأفعال، فعل الله الواحد الأحد الكبير المتعال، ~~فألطفوا النظر فيما يلقى إليكم من المقال، فنقول: إن فعل الله يخرج على ~~وجهين، وينقسم في المعقول على قسمين: # أحدهما: فعل فعله بالاختراع، يستخرج بالألباب، مثل فعله لأول ما صنع، ~~وفطر من الأهوية وابتدع، وكذلك خلقه للسماوات والأرضين، فذلك ابتداع من ~~أحكم الحاكمين. # والوجه الآخر: فعله بالعلل بالمعلولات، مثل إثباته للأرض بالجبال ~~الراسيات، ومثل إحراقه للزبد بالنيران، ومثل ضربه للماء بالرياح، ومثل خلقه ~~للحيوانات بعواقب النكاح، ومثل حياته التي أثبتها في الأجسام، وأقرها ~~بطبائع الماء والطعام، ومثل خلقه للأشجار، بما نزل برحمته من الأمطار، ~~وحياة جميع الحيوان والثمار، وهو يقدر مع ذلك أن يخلق جميع الأشياء، كخلقه ~~للهوى والنار والماء، ولكنه أراد أن يدل ذوي الألباب على حكمته، بإصلاح ~~الأنساب بالأسباب، لأنه لا يفعل المعنى بالمعنى، إلا عالم بما صنع وبنى، ~~فنقول: إن الله عز وجل دبر جميع مصالح العباد، بالطبائع الأربع المركبة في ~~جميع الأجساد، لما أراد من المصالح ونفي الفساد، وهي: الحر، والبردن ~~واليبس، والرطوبة، وخالف بينها وجعلها من الأضداد، لما أراد من البيان ~~للعباد، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الطبائع، لمن رغب في الحق والرشاد، فأما ~~عرضنا في هذا الكتاب فهو بيان جميع الأفعال، ونفي ما خالف الحق من المقال، ~~وخبط هؤلاء الظلمة الجهال، بما لا تنكره أبدا عقول المكلفين، ولا يقدر على ~~دفعه أحد من الخلق أجمعين. # وأفعال الله عز وجل بالطبائع هي كما ذكرنا، من حياة الأشجار بالماء، فأما ~~التصوير فمن رب العالمين، ولا يكون ذلك أبدا من غير أحكم الحاكمين. PageV01P234 # ووجه آخر: أن صعود الماء إلى الثمار، وعلوه مصعدا في أعالي الأشجار، لا ~~يكون إلا من الواحد القهار، لأن الماء طبع على الانحدار ولم يطبع على ~~الصعود والعلو في الأغصان، لأن ذلك لا يوجد إلا بالله الواحد الرحمن، وكذلك ~~النطف التي في الأرحام، فتصويرها من ذي الجلال والإكرام، وأما الغذاء ~~بحرارة الأرحام، ms125 فهو طبيعة تفضل الله بها على الأنام، كما تفضل عليهم ~~بالماء والطعام، فمن زعم أن الرحم التي صورت، وأن المياه والأرضين التي ~~قدرت، وصنعت الصورة ودبرت، فقد كفر صاغرا وأشرك، وهلك بجهله فأهلك، لأن ~~الماء يغدو بطبيعة البرد واللين، والصورة في نفسها ليس لها طبيعة غير حكمة ~~الله الحق اليقين، لأن كل شيء في الصور يدل على الحكمة، والعلم الحق ~~المبين، ولله عز وجل فعلان، فعل الإرادة والقصد في الأحيان، وفعل طبائع ~~كامنة في الجمادات والأبدان، كمنها قبل هذا الزمان وفي هذه الأزمان، وأما ~~الإرادة والقصد منه تبارك وتعالى، فمثل خلقه للذكر والأنثى، وأما الفعل ~~الكامن فمثل طبائع الحجارة والنيران، ومثل المياه والحديد وغير ذلك من صنع ~~الرحمن. # واختلف في هذه الطبائع فقال بعضهم: هي تفعل لغير صانع صنعها، ولا فاطر ~~فطرها وابتدعها، وهم الملحدون، الكفرة الأنجاس الجاحدون، قد رددنا عليهم في ~~كتاب الطبائع وغيره، ما يكتفى به عن إعادته وتكريره. PageV01P235 # وقال آخرون من المسلمين، وأولياء الله المتقين: إن الله عز وجل كمن في هذه ~~الطبائع خيرا وشرا، وجعل فيها نفعا كامنا وضرا، فمن تناول منها شيئا نفع به ~~وضر، وصرفه أينما شاء من الخير والشر، مثل: ما كمن الله برحمته من طبائع ~~أدوية الأمراض، ومما يعرض لعباده من الأعراض، فبالمشاهدة يعلم أنه ينفع، ~~ويحرك تارة ويقطع، ويكف هيجان الممرة، وينفع ويلين الطبيعة، ومنه ما يحمد، ~~ومنه أيضا ما يبرد، ومنه ما يحرق، ومنه ما يروح البدن ومنه ما يعرق، ~~وبالمشاهدة أيضا أن من الطبائع ما يقتل ويمرض، مثل ما يستعمله أعداء الله ~~من السموم، وما قد نهى عنه الواحد والقيوم. # مسألة # فإن سأل سائل مسترشد، أو قال قائل متعنت ملحد: ما تقولون في المؤمنين، ~~وأصحاب الأخدود المتقين، الذين أحرقهم أعداء الله بالنيران، وما قولكم في ~~الأئمة الطاهرين، الذين قتلهم أعداء الله الكافرون، وأهلكوهم بطبائع ~~السموم، أتقولون ذلك من الحي القيوم، أم من فعل الكفرة الظالمين، الخونة ~~الأشرار المجرمين؟! # فالجواب في ذلك وبالله نستعين: إن إهلاك أصحاب الأخدود، كان بظلم ms126 أهل ~~الكفر والعنود، ولم يكن ذلك من الله الواحد المجيد، فأما النار التي ~~أحرقتهم فلم يحرقهم الله بها، وإنما أحرقهم الذين ألقوهم فيها، وإنما ~~يعذبهم الله على حركتهم، وطرح أولياء الله في النار وإسقاطهم، وجرأتهم على ~~الله في هلاكهم، فأما الإحراق في نفسه فهو من طبيعة النار، التي كمنها الله ~~وجعلها في الأشجار، فتناولها أعداء الله للأبرار، وذلك الحر فعل فعله الله ~~وجعله، وصنعه للمنافع ونزله، فصرفه أعداء الله في غير طاعته، وقلبوه في ~~سخطه ومعصيته، وهو لا يخلو من أحد أوجه لا بد منها، ولا منصرف أبدا في ~~المعقول عنها. # إما أن يكون الله هو الذي أحرق أولياءه في النار. # وإما أن تكون طبيعة الحرارة من فعل الفجار، الظلمة الخونة الأشرار. # وإما أن يكون ذلك من فعل النار. PageV01P236 # وإما أن يكون لا من فعل الله ولا من فعل الكافرين، ولا فعل الطبيعة الكامنة ~~ولا من فعل المقتولين. # فإن قلت: إن الله هو الذي قتل المؤمنين، فهذا ما لا يجوز على رب ~~العالمين، ولا ينسبه إليه أحد من المسلمين. وإن قلت: إن ذلك الإحراق من فعل ~~الكافرين، فهذا ما لا يقول به أحد يعقل من الناس أجمعين، لأن الكافرين لا ~~يقدرون على فعل الإحراق، لأن الحرارة طبيعة من فعل الواحد الخلاق، وإنما ~~فعل أعداء الله الحركة والسكون والضمير، والطرح لأولياء الله في النار ~~والسعير. وإن قلت: إن ذلك الإحراق من فعل المقتولين، فهذا أشبه شيء بقول ~~المجانين! فلا بد من الرجوع إلى ما قلنا من فعل الطبيعة الكامنة في ~~الأجسام، التي كمنها الله لمنافع الأنام. # فإن قال: كيف تفعل الطبيعة وهي لا تعقل ولا تعي، ولا تقصد شيئا من الأمور ~~ولا تهتدي؟ PageV01P237 # فالجواب في ذلك وبالله التوفيق والتسديد، ومنه العون والنصر والتأييد، ~~والقوة والهداية إلى ما نقصد ونريد: إنها تفعل بإذن الله فعل طباع الكمون، ~~ولا تفعل فعل أهل العقول والتدبير، لأن ذوي العقول والتدبير يفعلون ~~بالاختيار، وفعل الطبيعة بالتركيب، وإنما أنكرنا على ذوي الإلحاد، أنهم ~~أضافوا الحكمة إلى الجماد. ms127 فقلنا: ذلك يستحيل، ولا تقبله عن قائله العقول، ~~لأن الجمادات لا تفعل أعاجيب التدبير، ولا يكون ذلك إلا من العليم القدير، ~~لأنا وجدنا الحكمة التي في الجوارح، وتركيب أدوات جميع المصالح، تدل على ~~علم الصانع... (1) الألباب مثل خلقه عز وجل للذكر والأنثى، وجعله لأجسامهما ~~صنعا محدثا، ومثل خلقه وفرقه بين الرؤوس والأقدام، ومثل فرقه بين مخارج ~~الماء والطعام، ومداخلهما ومجاريهما ومسيرهما في الأجسام، ومثل فرقه بين ~~العقول والأوهام، ومثل تقديمه للمراضع في صدور الإناث، لعلمه بحاجة الأطفال ~~قبل الإحداث، ومثل هداية أطفال البهائم إلى الرضاع لعلمه بفاقتها إلى ~~الإلهام، ومثله صنع ذي الجلال والإكرام، لأن الطبائع لا تفعل أعاجيب ~~التدبير، ولا يتم ذلك إلا بالله العليم الخبير، الواحد الأحد السميع ~~البصير، الفرد الصمد العليم القدير، مصلح الأمور بالأمور، والعالم بعجائب ~~التقدير، والمحسن في العباد بالتصوير، وما لا يحصى من عجائب التدبير، وصلى ~~الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وسلم تسليما. # - - - # كتاب الأدلة # كتاب الأدلة # إن الله جل جلاله خلق الخلق لإظهار حكمته، ودلهم على نفسه بآثار صنعه، ~~وجعل أقرب الأدلة عليه لخلقه، ما ركب فيهم من عجائب فعله، فكل ما فطر فهو ~~دليل عليه، وهاد جميع العباد إليه، فالحمد لله الذي هدانا إلى معرفته، ~~وامتن علينا بإظهار حكمته، وابتدأنا بفضله ورحمته، وبعد: PageV01P238 # يا أخي - وفقك الله - فقد سألت عن أولى ما سأل عنه السائلون، وقال به في ~~دين الله القائلون، إذ لم يوجد الله سبحانه الخلق إلا لما عنه سألت، ولم ~~يقصد الحكمة إلا لما قصدت، من إبانة الدليل على وحدانيته، والإقرار بعد ما ~~صنع بإلهيته، والتوصل بذلك إلى رحمته، فعلمت عند سؤالك عن الدليل على الله ~~- سيدنا - أن قد وفقت إن شاء الله لسؤالنا، وحبيت منه بأفضل جوابنا، ~~وأنور الأدلة على مولانا وخالقنا، ورأينا عند ذلك أن دلائل الله أجل من أن ~~تحد، وأكثر من أن تحصى أو تعد، فقصدنا من ذلك أهونه، وأيسر ما يحتاج إليه ~~وأبينه، فاستغنينا لك به إن شاء الله تعالى عن غيره، إذ كان ms128 في قليله كفاية ~~عن كثيره، ورجونا أن لا يعزب عنك الاختصار، وأن يمكنك بعد ذلك الإمعان ~~والإكثار، فنسأل الله أن يعينك على طاعته، وأن يوفقك لمرضاته. ### || AUTO باب الدلالة على معرفة الله سبحانه # قال عليه السلام: إن سأل سائل فقال: ما الدليل على معرفة الله سبحانه؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على معرفته، ما صنع وخلق من بريته، ~~وأقرب الأدلة إلى الإنسان نفسه، وذلك أنا وجدنا الإنسان نطفة من ماء مهين، ~~ثم رأيناه بعد ذلك مؤلفا مركبا، موصلا مفصلا، محكما مدبرا، فعلمنا أن له ~~مدبرا خالقا، إذ لا بد لكل تدبير من مدبر، ولا بد لكل تأليف من مؤلف، ولا ~~بد لكل تفصيل من مفصل، ولا بد لكل توصيل من موصل، ولا بد لكل حكمة من محكم، ~~كما لا بد لكل بناء من بان، وكما لا بد لكل كتاب من كاتب، وكما لا بد لكل ~~أثر من مؤثر. PageV01P239 # والدليل على حكمة الله في صنعه للإنسان: أنا نجده أجزاء وأصنافا، وكل صنف ~~منه قد جعل لشيء بعينه، ولا يجعل الشيء لصلاح الشيء إلا عالم، وذلك مثل ~~المفاصل التي جعلت للحركة، ومثل المداخل والمخارج للأغذية، ومثل العقل الذي ~~جعل للتمييز بين الأمور، واختلاف الخيرات ونفي الشرور، ومثل العين جعلت ~~للنظر، والأذن التي جعلت للسمع، واليد التي هي للبطش، والرجل التي جعلت ~~للخطو والمسير، وغير ذلك مما لا يحصى من التدبير، ومثل خلق الأنثى للذكر، ~~وما فطر عليه من ذلك جميع البشر، ففي هذا والحمد لله من بيان الحكمة ما لا ~~ينكر منكر، ويتحير فيه متحير. # فإن سأل سائل فقال: ما الدليل على أن هذه الحكمة التي ذكرتم، من صانع ~~حكيم، ومدبر خبير عليم، وما تنكرون أن هذه الحكمة من طبع قديم، فسنورد عليه ~~من القول بيانا، ونوضح له إن شاء الله هدى وبرهانا، فاسمعوا لجواب قوله ~~تهتدوا، وضمنوه قلوبكم ترشدوا؟ PageV01P240 # فنقول ولا قوة إلا بالله: الدليل على أن ذلك من الله سبحانه، ومن أسمائه ~~خلق الإنسان حكمة، والحكمة صفة حكيم، ms129 وكذلك في الإنسان آثار العلم، لأن ~~الحكمة لا تهيأ إلا بالعلم من الحكيم، والعلم صفة عليم، وكذلك نجد في ~~الإنسان جميع ما يحتاج إليه، من المصالح والإصلاح، دليل على الرحمة، ~~والرحمة صفة رحيم، فإذا كان في الإنسان آثار الحكمة والعلم والرحمة، فهذه ~~صفات الواحد الحي، لأن الطبع الميت لا يعي ولا يعقل، ولا يحكم ولا يرحم، ~~ففي أقل من هذا دليل على الله سبحانه، وعز عن كل شأن شأنه، وفي هذه الأحرف ~~اليسيرة ما يقطع جميع الملحدين ويدفع عن الله أقاويل الجاحدين، وفيهن ما ~~كفى وأغنى أهل العقول عن التطويل، وعما لا يفهم من نزهات الأقاويل. وقد زعم ~~غيرنا أنه لا يستدل على الله إلا بالأعراض والأحوال، وأتوا في ذلك بكثير من ~~المقال، وقد يصبح بعض ذلك من غير الطرق التي ذكروا، وتنبسط من غير ما ~~آثروا، غير أني حسبت أن ذلك يدق على كثير من المتعلمين، ويطول لو شرحناه ~~على المسترشدين، فلا تعتمدوا من الأقاويل على ما لا يفهم، ولا تخدعوا ~~أنفسكم بما لا يعلم، فليس بحكيم من خدع نفسه بغير مقنع من الجواب، وشغل ~~قلبه بما لا يفهم من الخطاب، ورضي من العلوم بغير الصواب. # - - - # باب الوحدانية # قال عليه السلام: إن سأل سائل فقال: هل مع الله إله آخر؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: ليس مع الله إله ولا شريك ولا مثيل، ولا له ~~نظير ولا شبيه ولا عديل. # فإن قال: وما الدليل على صحة ما ذكرت؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على ذلك أنهما إذا كانا اثنين لم يخلوا ~~من أحد وجهين: PageV01P241 # إما أن يكونا مجتمعين، أو مفترقين. فإن كانا مجتمعين فهما جزءان ملتزمان، ~~وإن كانا مفترقين فهما جزءان مفترقان، وإن اجتمعا أو افترقا فهما مخلوقان، ~~لأن الافتراق والاجتماع لا يكونان إلا في الأجسام، وتعالى عنه ذو الجلال ~~والإكرام، لأن المجتمع موصل، لا بد له من موصل، والمفترق مفصل، لا بد له من ~~مفصل، والله موصل الأشياء ومفصلها، وخالق الأجسام وجاعلها، ومفرقها ~~وجامعها، ومبتدعها ms130 وصانعها. # - - - ### || AUTO باب الصفات # قال عليه السلام: اعلم أن صفات الله على وجهين: # صفات قديمة. # وصفات محدثة. # فأما الصفات القديمة، فالعلم والقدرة، والعلم والقدرة فهما الله عز وجل، ~~وكذلك القول في حياة الله عز وجل، إنما هي الله وحده لا شريك له (1). PageV01P242 # قال عليه السلام: وأما الصفات المحدثة فالإرادة والمشيئة والسخط والرحمة ~~والبغض والمحبة، فالإرادة هي: المشيئة، والمشيئة هي: الإرادة، والمعنى ~~واحد، والإرادة فهي: المراد، وهو الفعل لا غير ذلك، والسخط فهو: البغض، ~~وهو: الغضب، وهو: العقاب، المعنى في ذلك كله واحد، والرحمة فهي: الرزق، ~~وهي: الرأفة، المعنى واحد وإن كثرت الأسماء، والمحبة فهي: الثواب والتوفيق ~~والتسديد. # والدليل على أن العلم والقدرة والحياة هي الله عز وجل، أن هذه الصفات قديمة # وليس ثم قديم غيره عز وجل، فإذا لم يكن ثم قديم سواه، فهي الله، وفي ذلك ~~والحمد لله من الأدلة عندنا، ما يكثر لو شرحناه، ويطول به الكتاب لو ~~ذكرناه، وفيما ذكرنا والحمد مقنع لكل لبيب، وكفاية لكل عبد منيب. # - - - ### || AUTO باب الفرق بين صفات الله وصفات خلقه # قال عليه السلام: إن الله عز وجل لا يوصف بصفات خلقه، وتفسير ذلك: أن ~~قدرة الله هي الله سبحانه، وكذلك علمه هو، فقدرته علمه، وعلمه قدرته، ~~وقدرته حياته، وحياته قدمه، وقدمه حياته، فافهم هذه الصفات الأربع، فإنها ~~هي الله وحده، وإن اختلفت الأسماء الحسنى، وقدرة المخلوق هي: غيره، لأن ~~المخلوق جسم، وقدرته عرض، وهي قوة الجسد، واستطاعة الجوارح، وكذلك علم ~~الإنسان غيره، وهو عرض، والإنسان جسم، وعلمه فهو نفسه، مما جلبت الحواس إلى ~~قلبه، واتصل علمه إلى عقد معقوله، بعد جهله. وكذلك إرادة الله سبحانه فهو: ~~فعله لا غير ذلك، وإرادة المخلوق بمحبة قلبه، واهنشاش من مودته، وضمير قبل ~~فعله، ومحبة الله: ثوابه، وغضبه: عقابه، ومحبة الإنسان: هواه، وبغضه: ~~كراهيته، فاعلم ذلك وافهمه إن شاء الله. # - - - # باب نفي صفات الأجسام عن الله ذي الجلال والإكرام PageV01P243 قال عليه السلام: اعلم أن الله سبحانه ليس بداخل في الأشياء، ولا خارج ~~كخروج الأشياء، ولا ms131 بينه وبين خلقه مكان، ولا هو في مكان، ولا هو فوق ~~الأشياء، ولا هو تحت الأشياء، ولا محيط بالعالم كإحاطة الإناء بالماء، ~~وغيره من الأشياء. # وإنما معنى قول الموحدين أنه فوق الأشياء، إنه قاهر غير مقهور، وغالب غير ~~مغلوب، وذلك قوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده } [الأنعام:18، 61]. # ومعنى قولهم: إنه في كل مكان: يريدون بذلك: أنه مدبر في كل الأماكن، عالم ~~فليس يخلو جميع الخلق من علمه وتدبيره، وذلك قوله سبحانه:{ ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا ~~هو معهم أين ما كانوا } [المجادلة:7]. # ومعنى قولهم: إنه محيط بخلقه، يريدون بذلك: أنه خبير بهم، عالم بجميع ~~أشيائهم، وذلك قوله سبحانه:{ وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا } ~~[الجن:28]. وأن بصره عز وجل هو سمعه، وسمعه بصره، وبصره وسمعه فهما: علمه، ~~ومعنى السمع والبصر فهو: الله وحده. PageV01P244 # ألا ترى أنه لم يزل سميعا بصيرا، كما لم يزل عالما قادرا، وإذا صح قدم ~~السمع والبصر، فليس ثم قديم إلا الله عز وجل، فهما الله لا شريك له، وأنه ~~ليس بذي شخص محدود، ولا عدد معدود، ولا بذي كل ولا بعض، ولا طول ولا عرض، ~~ولا عمق ولا لون، ولا طعم ولا رائحة، ولا محسة ولا سمع، ولا بصر ولا ذوق، ~~ولا شم ولا لمس، ولا فكر ولا نفس، ولا شك ولا ظن، ولا محبة ولا بغض، ولا له ~~صبر ولا غيظ، ولا جهل ولا خاطر، ولا يمين ولا شمال، ولا خلف ولا أمام، ولا ~~فوق ولا تحت، ولا افتراق ولا اجتماع، ولا حركة ولا سكون، ولا ارتفاع ولا ~~اتضاع، وأنه بخلاف كل ما وقع عليه وهم أو أدركه ظن، وأنه لا يخطر على ~~القلوب، وأنه لا يعرف بشيء من الأشياء، إلا بأن لهذا الصنع صانعا، ليس له ~~شبيه ولا مثيل، ولا نظير ولا عديل. # قال عليه السلام: وإنما نفينا عنه هذه الصفات، لأنها من صفات الأجسام، ~~المتعلقة بالصور والأجرام، ms132 والخالق لا يشبه صنعه، لأنه - تعالى عن ذلك - ~~لو أشبهه، لكان محدثا مصنوعا مثله، ولو كان محدثا لكان مربوبا، ولما كان ~~خالقا ولا ربا. فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وصلى الله على سيدنا ~~ومولانا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا. # - - - # كتاب الرد على من أنكر الوحي بعد خاتم النبيين # كتاب الرد على من أنكر الوحي بعد خاتم النبيين # ... فليس يدعي النبوة إلا كاذب في المقال، متكمه في الضلال، لأن الله ختم ~~به نبوته، وأكمل به حجته، فلما قبضه الله إليه، واختار له ما لديه، خلفه في ~~أمته بأخيه وذريته، وجعلهم هداة بريته، فهم خلفاء الله في خلقه، وأمناؤه ~~على وحيه، لا يسلم أحد إلا بولايتهم، ولا يهلك إلا بعداوتهم، فنعوذ بالله ~~من الهلكة في الدين، واتباع مردة الشياطين، فقد جهل الحق من جهلهم، وعادى ~~الله من جهل فضلهم، إذ هم فرع الرسول، وسلالة البتول، وخيرة الواحد الجليل. PageV01P245 # وليعلم من سمع قولنا، وفهم تأويلنا، أن الوحي الذي ذكرنا، فيما تقدم من ~~كلامنا، إن الله ختمه بنبينا، هو هبوط الملائكة، وما كان يسمع موسى من ~~المخاطبة، فذلك الذي ختمه الله وقطعه بعد محمد صلوات الله عليه، لأنه علم ~~أنه أفضل الآدميين، ففرق بينه وبين أهل بيته أجمعين، بأن جعلهم له تابعين، ~~وبشريعته مقتدين، ولو علم في ذريته أفضل منه، لأزاح ختم النبوة عنه، ولجعل ~~بعده أمناء مثله، ولما أبان على فضلهم فضله. # والوحي فهو على أوجه معدودة، وأسباب محدودة: # فمنه: ما يكون على ألسن الملائكة المقربين. # ومنه: ما يخلق في أسماع المرسلين. # ومنه: ما يقذف في القلوب. # ومنه: ما يرى في المنام. وكل ذلك لا يتهيأ إلا لذي الجلال والإكرام. # وأما الوحي فإنما يسمى: وحيا، لأنه شيء خفي، لا يسمعه إلا الموحي إليه، ~~ولا يطلع أحد سواه عليه، لأنه سر من أسرار الحكمة، وكرامة من أجل النعمة، ~~ولطف من أحسن اللطف والرحمة. PageV01P246 # وأما خطاب الملائكة فلا يكون بعد النبي، ولا يدعيه إلا كاذب من الأنام، ~~وكذلك ما كان يسمع موسى عليه السلام ms133 من الكلام. وأما الوحي الذي جعله الله ~~في المنام، فلا ينقطع أبدا عن أهل الفضل والإسلام، ولأئمة الهدى من ذلك ما ~~لا يكون لأحد من المخلوقين، ولا يمكن أن يلقى إلى أحد من المؤمنين، لأن ~~الأئمة شركاء النبيين، وفي ذلك ما يقول أمير المؤمنين الهادي إلى الحق ~~المبين، عليه صلوات رب العالمين: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~أنه قال: ((الرؤيا الحسن من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من ~~النبوة)) (1). وكان يقول صلى الله عليه وآله: ((لم يبق بعدي إلا المبشرات. ~~قيل: ما المبشرات يا رسول الله؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى ~~له، جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)). وكان يقول صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((الرؤيا من الله والحلم من الشيطان)). وقد فسر الحلم في كتاب الرؤيا ~~بأبين البيان، ولقد شاهدنا بحمد الله من عجائب الأسرار المكتومة ما لو ~~ذكرناه لما صدق به إلا من امتحن الله قلبه للإيمان، وإني لأحتاج إلى الحاجة ~~فأطلبها من مولاي تبارك وتعالى، فأرى في المنام قائلا يقول: إن حاجتك التي ~~تطلب في موضع كذا وكذا، أو عند فلان، وربما تحيرت في سبب فأطلب منه البيان، ~~فما ألبث في منامي إلا يسيرا حتى أرى قائلا يقول: قد استجيبت الدعوة، ثم ~~يشرح لي ذلك القائل كلما سألت عنه، حتى أرى من البيان أكثر مما طلبت، وربما ~~أغفل عن الشيء فأرى في المنام من يقول: لا تغفل عن هذا الشيء، فإن فيه خيرا ~~ومصلحة، وإن كان شرا قال: لا تغفل عن هذا واحترز منه، فإن فيه هلاكا وشرا، ~~وربما أرى في المنام سرا مكتوما، وعلما مكنونا، مما سيكون ويحدث، من الخير ~~والشر، والموت والقتل، PageV01P247 فيقال: سيحدث هذا الأمر في الشهر الفلاني، أو في اليوم الفلاني، في أول ~~النهار، وسيقتل فلان، أو سيموت فلان، وهذا على الدوام والحمد لله. # وربما أخبرت بعداوة العدو، وولاية الولي، فأحترز من العدو، وأنبسط إلى ~~الولي، وربما امتحن الله أولياءه الفينة بعد الفينة، وربما أحتاج ms134 إلى معنى ~~من المعاني، فأرى صورة ذلك المعنى في المنام، وإلى ما يئول، وكيف يكون، ~~وربما أطلب من الله حاجة أجهلها، وأطلب منه بيان ما أريد من صلاحها، فإذا ~~هجم علي النوم رأيت رجلا يصف لي الحاجة التي أطلب، ويقول: أنا أشير عليك ~~بطلب حاجتك هذه، ولكنها تعسر عليك من وجه ذا وذا، وتسهل من وجه كذا وكذا، ~~وحاجتك هذه التي أشير عليك بها، صفتها ونهتها وحليتها كذا وكذا، أصلها كذا ~~وكذا، فأنظر ذلك جهارا على ما وصف لي في المنام، وربما أغفل عن النعت ~~والصفة، لوجه من وجوه الحكمة، وضرب من ضروب المحنة، وربما اشتبهت علي ~~الإجابة بالألغاز، والتعريض والإشارات، حتى يتبين لي الجهل من نفسي، والعجز ~~عن إدراك مرادي، فأدعو إلى الله عز وجل: يا رب إني لم أفهم ما أوميت إليه، ~~ولم أقف بفهمي عليه، فبين لي أمره، فإني لا أقدر على فهمه، فإذا نمت هجم ~~علي تفسير تلك الألغاز، بأبين ما يكون من البيان، وأوضح ما يحتاج إليه من ~~البرهان. # وقد يجب على الغافل إذا ورد عليه ما لا يفهمه من اللغز والإشارة ~~والتعريض، لا يعجل ولا يتقحم على الشبهة، فإن التقحم بغير بينة، لا يؤمن ~~معه الزلل والخطأ، لأني رأيت في المنام قائلا يقول: إن من الرؤيا ما لا ~~يتبين عند رؤية النائم، وربما رأيت شيئا والمراد سواه، ولعمري لقد جربت ذلك ~~فربما رأيت السيد في المنام، وإنما الرؤيا لعبده، وربما رأيت الأب، وإنما ~~الرؤيا لولده، وربما رأيت الرؤيا للرجل، وإنما هي سميه أو قريبه، وليس ~~لعاقل أن يفسر الرؤيا لنفسه، ولا يعتقد ظاهر ما يرى في منامه، لأن الرؤيا ~~من حكمة الله، وغور حكمة الله لا يدرك. PageV01P248 # ومن الرؤيا: بيان ولغز وإشارات، وأخبار وبشارات، ومواعظ وآداب وعلامات، ~~وليس يفسر كثيرا من الرؤيا بالوهم، إلا قليل الورع جاهل أحمق، لأنك ربما ~~رأيت شرا وتأويله خير، وربما رأيت خيرا وتأويله شر، وليس يبين الحكيم كل ~~أموره للعباد، وليس يريد بكتمانها التعمية والتجهيل، وإنما يريد بذلك أن ms135 لا ~~يتكلوا على البيان، فيغفلوا عن استعمال العقول، والغفلة ربما كان فيها ~~الهلاك، وإنما يريد أن يمتحنهم بترك البيان، لينظروا ولا يغفلوا، لأن ~~الإتكال على البيان يوجب ترك النظر والبحث والطلب، وترك النظر يوجب ~~البلادة، والبلادة توجب الوقوع في المصائب، والوقوع في المصائب يوجب ~~الهلاك، وترك البيان يوجب الفاقة، والفاقة توجب الخوف، والخوف يوجب الطلب، ~~والطلب يبعث الحيلة مع التثبت والأناة، والتبيين والتمييز، والكشف والبحث، ~~لأن الحكيم عز وجل لا يرضى بالفساد، ولا يقصده لأحد من العباد، ولا فساد ~~أعظم من إهمال العقل، والإقامة في البلاهة والجهل، لأن في ذلك الزهد في ~~الحكمة، ومن زهد في الحكمة فقد رضي بالضلالة، والضلالة مذمومة، ومن اختار ~~المذموم على المحمود فقد بلغ الغاية في الخطأ. PageV01P249 # وقد زعم قوم أن التوكل على الله في جميع الأسباب واجب، وجهلوا حقيقة ~~التوكل، وإنما حقيقة التوكيل على الله اليقين بالله، والرضى بجميع ما قدر ~~وقضى، ولو كان التوكل هو: أن يغلق المتوكل عليه بابه، ويهلك نفسه، لكان من ~~لم يفعل ذلك غير مؤمن بخالقه، ولو جاز له أن يفعل ذلك، لجاز له أن يحج إلى ~~بيت الله الحرام بغير زاد، وأن لا يستعد لأعداء الله في الجهاد، ولا يطلب ~~العلم الذي ينجو به من عذاب الله في يوم المعاد، وإذا صار إلى ذلك فقد ألقى ~~بنفسه إلى التهلكة، وخرج من الحقيقة إلى البدعة، وهذا جهل ممن ظنه وتوهمه، ~~فضلا عمن عمل به واعتقده، لأن الدنيا دار المحنة والحاجة، وليست بدار ~~الآخرة والنعمة، والله يقول عز من قائل: { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون }[الجمعة:10]. ~~وهذا كثير في القرآن، بين غاية البيان. # - - - ### | AUTO كتاب الرؤيا # كتاب الرؤيا # إن سأل سائل فقال: هل الله في الأماكن بذاته، أم هو في الأشياء بعلمه ~~وإحاطته... إلى قوله في الجواب: وإنما معنى قولنا: إنه في الأشياء، نريد ~~بذلك أنه مدبر في الأرض والسماء، وفيما بينهما من الأحوال، لم ينقطع من ~~الأماكن تدبيره، ولم ms136 يعدم فعله وتقديره، وإدراكه للأشياء فهو: علمه بها، ~~وعلمه فهو: قدرته عليها. فأما من زعم أنه عالم قادر، ولم يقل أن العلم ~~والقدرة هما الذات، وكذلك ما وافقهما من الصفات، فقد جهل حقيقة العلم ~~لتناقض قوله، ونفي إدراكه للمعلومات بجهله، وبلغ الغاية في مكابرة عقله، ~~لأنه قد أقر لله بإدراك معلوماته، إذ الدرك من أكرم صفاته، والدرك حق عند ~~جميع ذوي الألباب، وليس شيء غير الله رب الأرباب، لأن الدرك يخرج على وجهين: # فدرك من صفات المخلوقين. # ودرك هو من صفات رب العالمين. PageV01P250 # فأما إدراك العباد فهو: علمهم، وعلم العباد متعلق بهم، وهو ما ركب الله من ~~عقولهم، وجمع بينه وبين أجسامهم، وكذلك علم حواسهم وأوهامهم. وأما علم الله ~~فهو: ذاته، وكذلك قدرته وحياته، لأن علمه لو كان سواه لكان مجموعا إليه، ~~ولكان له جامع فطره عليه. ألا ترى أن من قال: إنه عالم، ثم قال: لا علم له، ~~فقد نقض بأبين البيان قوله، وإنما أنكروا ذلك بجهلهم، وضعف تمييزهم ~~وعقولهم، وقد علم الله سبحانه ذلك منهم، فلم يكلهم إلى أنفسهم، بل أمرهم ~~باتباع آل نبيهم، وسبيل هدايتهم ونجاتهم. # وسألت يا أخي - وفقنا الله وإياك لطاعته، وأعاننا على اتباع مرضاته - ~~عن الإنسان المخاطب المأمور، المتعبد في جميع الأمور، المكافأ على البر ~~والفجور، أهو العقل أم الجوارح؟ # والجواب في ذلك: أن العقل حجة تعبد الله الخلق بعد كمالها، وأثاب وعاقب ~~البرية بفعالها، فأما العقل فلا يقع عليه الثواب والعقاب، وإنما هو شاهد ~~على الخطأ والصواب، وإنما يقع الثواب والعقاب على الجسم والروح إذا اجتمعا، ~~وعلى الروح وحده وإن لم يكونا معا، فأما الجسم الموات، فلا يعقل إذا فارقته ~~الحياة. # وسألت - تولى الله حفظك، ووفر في الثواب الجزيل حظك - عن الرؤيا التي ~~يراها المؤمنون والكافرون، وكيف تلتقي الأرواح، وهل تكون الرؤيا بشيء ليس ~~من الله سبحانه، وهل يصح من الرؤيا ما هو من الشيطان؟ PageV01P251 # فذكر في الجواب: أن الرؤيا من الله وحده، لأن الرؤيا إنما تكون عند خروج ~~الأنفس مع الأرواح، وخروج ms137 الأنفس من القلوب، فلا يتم إلا لعلام الغيوب، ~~والروح فهو: خلق لطيف، حجب الله فهمه، ولا سبيل إلى علم ما أخفى الله علمه، ~~وإلا فأين من يفهم كيفية خروجه؟! ورجوعه في البدن وولوجه؟!! وكيف خرجت ~~الأنفس والعقول معه من الأجساد؟! وأين مخرجه من أجساد العباد؟! وكيف لا ~~يعقل الروح نفسه عند هجوم المنام؟! وكيف يرجى ويترك في جميع الأنام؟! حتى ~~لا يعقل في أكثر الليالي والأيام، وما جعل الله سبحانه من حياة الأرواح ~~وكمالها، وتوصيل جوارحها واعتدالها، فلا يتم إلا بلطف مدبرها وجاعلها، ~~ومفتطرها وفاعلها، لما فيها من صنعه وتدبيره، وبيان حكمته وتصويره. # وأما الرؤيا التي يراها المخلوقون،ويفهمها المؤمنون والكافرون، فهي إخبار ~~من الله، وكرامة للصالحين، وحجة على الظلمة الفاسقين، لأن إعلامه لهم ~~بالحوادث قبل كونها، دليل على علم المخبر بها، ولأولياء الله وأصفيائه، من ~~عجائب الرؤيا ما ليس لأعدائه، وذلك خاصة منه لهم، وإجابة لدعواتهم عند ~~سؤالهم، وأما غير ذلك من رؤيا السرور، ومكاره ما يرى النائم من الأمور، ~~فمنه ما يحتمل التأويل، ومنه ما هو كائن على ما يراه النائم في المنام، ~~وذلك بإعلام الله ذي الجلال والإكرام، ولا يصح الخبر بالشيء في حال عدم، ~~إلا من عالم أحاط به قبل كونه، لأنه لو كان جاهلا به، لما علمه قبل حدوثه، ~~وفي هذا دلالة على الله رب العالمين، وحكمة تفضل بها على المخلوقين. # وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله الطاهرين من قوله: ((إن الحلم ~~من الشيطان)). فإنما أراد بذلك: أن الله سبحانه أطلع العباد في المنام على ~~أفعال الشياطين ليجتنبوها، وليتعوذوا بالله منها ولا يقربوها، لأنها لا تضر ~~من أخلص التوبة إليه من أفعالهم، واستعاذ به من سوء أعمالهم. # - - - PageV01P252 ### | AUTO كتاب # السبيلين (العقل والنفس) # كتاب السبيلين العقل والنفس # الحمد لله الذي فرق بين الأضداد... إلى قوله: وللحق والباطل طريقان، ~~وسبيلان مفترقان، وهما: العقل والنفس، فالعقل محل كل صدق وصيانة، ومعدن كل ~~حق وأمانة، والنفس محل كل باطل وخيانة، ومعدن كل دناءة ومجانة... إلى قوله: ~~فاجعلوها ms138 - رحمكم الله - تابعة للعقل، ولا تجعلوها سلما إلى الجهل، ~~وحكموا العقول عليها، ولا تتكلوا أبدا إليها، ومن أراد أن يظفر بأعظم ~~الكرامة، ويحل في محل السلامة، وينجو من الحسرة والندامة، فليحكم عقله على ~~هواه، ويؤثر آخرته على دنياه، فالعقل إمام الملائكة المقربين، والأنبياء ~~المهتدين، والأئمة الراشدين، وأتباعهم المقتدين، وهو الدليل على رب ~~العالمين، وحجته على المخلوقين... إلى آخر كلامه عليه السلام. # - - - ### | AUTO كتاب الولاء والبراء # كتاب الولاء والبراء # مما سأل عنه أبو عبد الله محمد بن نقصان # الحمد لله رب العالمين، وصلواته على خام النبيين، وعلى آله الطاهرين. # سألت يا أخي - تولى الله حفظك - عما أوجب الله على عباده من الولاية ~~لأوليائه، والعداوة والمباينة لأعدائه؟ # والجواب في ذلك: أن الله عز وجل بين للعباد ما يأتون وما يذرون، وافترض ~~عليهم قبول ما به يؤمرون، فكان مما أمرهم به، وأوجب عليهم من أصول دينه، ~~عداوة أعدائه الأشرار، ومحبة أحبابه الأخيار، فقال عز من قائل:{إنما ~~المؤمنون إخوة } [الحجرات:10]. فوجبت موالاتهم، وقال: {ولا تركنوا إلى ~~الذين ظلموا } [هود:113]، فوجبت عداوتهم، إذ ليس من حكمة الحكيم أن يساوي ~~بين المحسنين والمسيئين، وذلك قوله: { أفنجعل المسلمين كالمجرمين }35{ ما ~~لكم كيف تحكمون }[القلم:35- 36]. PageV01P253 # ثم اعلم - أكرمك الله بهدايته، وأتم عليك ما أولاك من نعمته - أن الهجرة ~~واجبة على جميع المكلفين، لا يعذر الله في تركها أحدا من المخلوقين، ولها ~~وجوه وأبواب وسنذكرها، ونشرحها بعون الله ونفسرها، ولا يجوز لأحد أن يهجر ~~ويباين قبل الدعاء إلى الرحمن، ولا تكون الهجرة إلا بعد البيان، والتلطف ~~والبر والإحسان، وقد روي عن النبي صلوات الله عليه أنه كان يقرب الناس ~~ويدنيهم إليه، ويلطف بهم ويفرش ثوبه لهم لتكمل الحجة بذلك عليهم، وليستعطف ~~قلوبهم بإحسانه إليهم، وفي ذلك ما يقول الله عز وجل فيما أوحى إلى رسوله ~~ونزل: { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } [النحل:125]، وقال: { ~~ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم }[فصلت:34]. ~~فإذا فعل ذلك وقربهم بالموعظة الحسنة إلى ربهم، فهو مستوجب لإحسان الله ms139 ~~وثوابه، ناج عند الله من سخطه وعذابه، فإن هم أجابوا إلى ما دعا إليه، فقد ~~وجب حقهم على الله وعليه، وكان له عند الله كأجر كل من أجابه، وزاده الله ~~على أجره وأثابه، وينبغي له حينئذ ألا يحملهم فوق طاقتهم، ولا يكلفهم جميع ~~الشرائع في آخر ساعتهم، لأن الطبيب لا يحمل على المريض ما لا يطيق، ولا ~~يكلفه من الأدوية ما لا يليق، وإن أبوا إلا التمادي في الضلال، واتباع ~~الكفرة الفجرة الجهال، وجب عليه الإعراض عنهم، والتنحي بجهده وطاقته منهم، ~~وينبغي له إذا هجرهم ألا يفحش في كلامه لهم، إلا أن يطلبوا قتله فيدفعهم، ~~وإن أمسكوا عن قتاله قطعهم، ولم يجز له بعد المقاطعة أن يحل معهم، وإن ~~نابذوه في دينه نابذهم، ولم يجز له أبدا أن يخضع لهم، وحرمت عليه مكاينتهم، ~~ولم يجز له أبدا مقاربتهم، وإن أقروا بفضله عليهم، فلا بأس بالبر والإحسان ~~إليهم، ولا يحرم عليه الانتفاع بهم، إذا كان ماقتا لهم في فعلهم، داعيا لهم طول PageV01P254 دهره إلى ربهم، وكان مع ذلك لا يركن إليهم، ولا يأكل شيئا من ذبائحهم، ولا ~~يجيز شهادتهم، ولا يجيب دعوتهم، وكان يكتمهم أسراره، ويحمل عندهم أموره ~~وأخباره، ففي أولئك ما يقول الله سبحانه، وعز عن كل شأن شأنه: {لا ينهاكم ~~الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ~~وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }8{إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم ~~في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم ~~فأولئك هم الظالمون } [الممتحنة:8 - 9]. ففرق عز وجل بين هؤلاء الفاسقين، ~~وبين هؤلاء الظلمة المحاربين، وإذا أعرضت عن الفاسقين وعن قربهم، واستغنيت ~~في ساعات حوائجك عنهم، فإعراضك وموعظتك حجة لله عليهم، إذ أنت مع ذلك لا ~~تركن إليهم، وإن هجرتهم على فسقهم، ولم تستغن في حوائجك بهم، فذلك جائز لك ~~غير حرام عليك، حتى يرجعوا صاغرين إلى الله وإليك، ويجب على المسلم في ~~والديه، إذا لم يقبلا من الحق ما في يديه، أن ms140 يتباعد منهما بجهده، وكذلك من ~~خالف الحق من أهله وولده، غير أن الله سبحانه أوجب للأبوين من الكسوة ~~والنفقة إذا كانا فاسقين، ما لم يوجب لغيره مما من الأقربين، ولم يحكم به ~~لسواهما من المخلوقين، ويجب على الرجل في زوجته إذا لم تقبل إلى الحق، ولم ~~ترجع من المحال إلى الصدق، أن يهجرها مليا من الدهر أو يطلقها، ولا يحل له ~~أبدا أن يدنو منها، إلا أن تتوب إلى الله من العصيان، وتقبل صاغرة إلى طاعة ~~الرحمن، ويجب عليه في بنيه أن يؤدبهم، ويستقبل بالنصفة قلوبهم، ويحبب إليهم ~~الدين ويقربهم، فإن أبوا إلا عتوهم وكفرهم، وجب عليه أن يبعدهم ويهجرهم، ~~وهذا جواب ما سألت عنه من ولاية PageV01P255 المسلمين، وعداوة أعداء الله المجرمين، والحمد لله رب العالمين، وصلواته ~~على خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين وسلم. # - - - ### | AUTO كتاب # التوفيق والتسديد والآداب # كتاب التوفيق والتسديد والآداب # فأول ما سألت عنه التوفيق والتسديد وما حقيقتهما ومعناهما؟ # والجواب في ذلك: أن التوفيق والتسديد، هما العون من الله والتأييد، فمن ~~أعانه الله على طاعته، ووفقه لمرضاته، فقد وفقه لهداه، وسدده لسبيل تقواه، ~~ولن يوفق الله أبدا من عصاه، وأعرض عن الله واتبع هواه، ثم يقال لمن زعم أن ~~الله وفق العصاة قبل توبتهم، وسددهم في حال معصيتهم: أخبرنا أيها الجاهل عن ~~التوفيق والتسديد، والعون من الله والتأييد، أهما مكافأة للعبد على طاعته، ~~أم عون للفاسق على معصيته، أم تأديب من الله على غفلته، لما علم من إنابته ~~ورجعته. # فإن قال: إنهما زيادة من الله للموقنين، ومكافأة لعباده المؤمنين، فقد ~~أصاب في قوله... إلى قوله: وأصل التوفيق مأخوذ من السداد، وأصله الحق ~~والصدق والرشاد... إلى قوله: وأعلم يا أخي - زادك الله علما، ونجانا وإياك ~~من العمى - أن التوفيق هو التسديد، وهو الهدى من الله والتأييد، وهو زيادة ~~من الله للمهتدين، وإرشاد منه لعباده الراشدين، فمن قبل عن الله الهدى، ~~وشكره على نعمه الابتداء، زاده هدى إلى هداه، وبصره وآتاه تقواه، وأول ~~توفيق الله وتسديده، وعونه للمؤمنين وتأييده، ms141 أن يبصرهم معالم دينهم، ~~ويزيدهم في علمهم ويقينهم، ويعينهم بلطفه على جهاد أنفسهم، وأول خذلان الله ~~لأعدائه تركه لهم على ضلالهم، واستدراجه إياهم بإغفالهم، فإذا خذلهم بالترك ~~والإغفال، لم يصيبوا رشدا في حال من الأحوال، ولم يزالوا مرتطمين في ~~الضلال... إلى آخره. # وسألت عن الشجاعة والجبن، أهما من الله تركيب في الأجسام، أم هما اكتساب ~~من العباد؟ # واعلم يا أخي أن الشجاعة على وجهين، وكذلك الجبن أيضا على معينين: # فمن ذلك شجاعة المتعبدين. # وشجاعة من لا يعقل من المخلوقين. PageV01P256 # فأما شجاعة البهائم، فإلهام وتركيب من رب العالمين. # وأما شجاعة المكلفين، وإقدامهم على ما يكرهون، فهي صبر منهم لدفع ما ~~يخافون، واجتلاب منافع ما يريدون، ولا يتم ذلك لهم إلا بما ركب الله من ~~الاستطاعة فيهم، ولأولياء الله من الصبر والاجتهاد، ما ليس لجهلة العباد، ~~وذلك ليقينهم بالمعاد، وزهدهم في الإقامة والإخلاد. # وأما جبن البهائم وذلها، فهو محنة من الله لها، ونعمة منه لغيرها، ~~ليثيبها على ذلك عند حشرها، وبعثها يوم القيامة ونشرها. # وأما جبن الآدميين، فلا يخلو من أحد وجهين: # إما أن يكون لعلة مرض أذلهم، ومنعهم من الجهاد وأملهم، وأضعفهم عن ذلك ~~وأكلهم. # وإما أن يكون ذلك زهدا منهم في الجهاد، وميلا إلى الراحة والرقاد، فإن ~~كان ذلك لعلة مانعة، ومحنة عن الجهاد قاطعة، فلا يكلف الله سبحانه خلقه ما ~~لا يستطيعون، ولا يسألهم ما لا يجدون، لأنه عز وجل أرأف وأرحم بهم من ~~أمهاتهم وآبائهم، وإن كان ذلك منهم ميلا إلى الفساد، وكراهية منهم لحر ~~الجلاد، وصيانة بالأهل والأولاد، فسيفارقون صاغرين، ويرتحلون عنه مأزورين. # وسألت عن قول الله سبحانه: ? ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ? [الزخرف:32]؟ # والجواب في ذلك: أن الله سبحانه سخر بعضهم لبعض تسخيرا، وجعل في ذلك حكمة ~~وتدبيرا، ولو لا تسخيره لما عاش ضعيفهم مع قويهم، ولما انتفع فقيرهم ~~بغنيهم. # وسألت عن الرياح تهب على إنسان فتسقطه في بئر، أو تهدم عليه جدارا فيموت، ~~أذلك من الله، أم هو من الرياح؟ # والجواب في ذلك: أنه لا يخلو، ms142 إما أن يكون تعرض لذلك، وأهلك نفسه. وإما ~~أن يكون ذلك بغير كسبه، فإن تعرض للهلكة وألقى بنفسه إليها، فقد أثم في ~~نفسه واعتدى عليها، وإن كان لم يتعرض لشيء من ذلك حتى هجم عليه، وورد بغير ~~اكتسابه إليه، فذلك من الله سبحانه صنع وتدبير، وتهلكة منه لعبده وتدمير، ~~فأما الجدار والرياح فلا ينسب الفعل إليهما، ولا يقال به في سبب من الأسباب ~~عليهما. PageV01P257 # وسألت عن الغيث والبرد إذا تلف منهما تالف ومات بأسبابهما؟ # والجواب في ذلك: أن الله أتلفه بالبرد والمطر وأماته، وأذهب عمره بذلك ~~وحياته، فأما الغيث والبرد فلا يعيان ولا يعقلان، ولا يقتلان أحدا ولا ~~ينشران، ولكن أمات بهما وأحيا، ودبر بهما وهيأ، وجعل فيهما خيرا وشرا، وركب ~~فيهما نفعا كامنا وضرا. # وسألت عن الرجل أمأثوم إذا سافر إلى بلد السدم؟ # والجواب: أنه إن تعمد بذلك تلف نفسه فقد أثم، وإنما السدم طبيعة حارة من ~~جنس النار، تقوى بشلكها، وتبطل بخلاف أمثالها، وإنما ركب الله سبحانه أجسام ~~العباد على أربع طبائع مختلفة، متضادة غير مؤتلفة، وهي: الحر والبرد، ~~واليبس والرطوبة، وكل طبيعة من هذه الأربع تقوى بشكلها، وتبطل بضدها، فكل ~~حار من الأغذية يقوى الحرارة التي في الجسد وينميها، وكل بارد من الأغذية ~~يبطل الحرارة وينفيها، ويقمعها أبدا ويطفيها. وكذلك روي عن سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله. # وأما ما روي عنه من المقال، بأن بلد الوباء يقرب في الآجال، فهذا فاسد من ~~الرواية والمقال، ولكن يمكن أن يكون نهى عن بلد الوباء لتعب الحر وأعراضه، ~~ونكد عواقب السدم وأمراضه. فأما الأجل، فلا يقربه إلا الله عز وجل، أو ظلم ~~العباد، وتفريقهم بين الأرواح والأجساد، لأن الله سبحانه طبع الروح والجسم ~~على الاجتماع، والإفتراق عند التغير والإنقطاع، فإذا تغير الجسد خرج الروح ~~بعد قراره وثباته، ومات الجسم وهلك بعد حياته، رحمة منه سبحانه للمخلوقين، ~~وتنبيها بالضعف للغافلين، لينظروا إلى ضعف أنفسهم وأجسادهم، فيزهدوا في ~~الدنيا باجتهادهم، ويقبلوا على طاعة ربهم، ويستعدوا للموت قبل حلوله بهم، ~~حتى ms143 تخرج أنفسهم على أيقن اليقين، ويقفوا بين يدي الله على الحق المبين، ~~ويسلموا بذلك من صفقة الحظ الغبين. # وسألت عن المقتول هل بقي من عمره شيء، أم قد اخترم القاتل أجله قبل وقته؟ PageV01P258 # واعلم أن الله عز وجل خلق الحياة خلقا، وأوجدها إيجادا، فإن شاء قبض ~~الأرواح، وإن شاء تركها. فأما المقتول فقد علم بقتله، ولم يجعل له أجلا ~~بعينه، ولو حتم له أجلا موقوتا لبقي إلى وقته، ولما قدر أحد من المخلوقين ~~على قتله. # وسألت عن رجل كان يسير في طريق فلدغته حية أو غيرها من الهوام؟ ومن ~~الجراد وأكلها للزرع، أذلك من الله بإلهام، أم هو من أنفس الهوام؟ # والجواب في ذلك: أن الله عز وجل ألهم جميع الدواب والأنعام اجتلاب ~~منافعها، ودفع مهالكها، فإن كانت هذه العجم قصدت الملدوغ قصدا، وتعمدت ~~هلاكه عمدا، فذلك بإلهام الله ومشيئته، وإن كان هو الذي تعرض بها فذلك ~~بإرادته، لأنه قصد شرا كامنا بمهجته، لأن الله عز وجل قد ألهمها نفي ما ~~يهجم عليها، وإهلاك ما قصد إليها. # وسألت عن البهائم هل معها عقول تعقل بها، وتميز ما يضرها وينفعها؟ # والجواب في ذلك: أن العقول لا تنسب إلا إلى المتعبدين، ومن كان من ~~المهتدين والضالين، ولكن الله ألهم أنفس البهائم إلهاما، وجعل ذلك لحياتهن قواما. # وسألت عن الأمراض، وما ينال الآدميين من وصب الأعراض؟ # وذلك من الله لا شريك له، وهو الذي صنع ذلك وجعله، وركبه في الأجسام ~~ونزله. وأما ما يستعمله الناس من الطبائع فليس يقدرون على طبعه، وإنما ~~يقدرون على تناوله وجمعه، وليس للعباد فعل في هذه السموم غير الحركات، ولا ~~ينسب قتل السم إلى الجمادات، وإنما هو محنة هلكة من الهلكات، وإنما فعل ~~العباد تفريق وجمع، ورفع ووضع، وصلة وقطع، وطاعة ومعصية، وسكون وحركة، ~~وضمير ونية. فأما الطبائع فهي من فعل الله وتدبيره، وحكمته وتقديره، ولا ~~ينسب الفعل إليها ولا إلى جامعها، ولا يكون ذلك إلا من فعل صانعها. # وسألت عن المرض الذي يسمى الجنون، أهو من الجن، ms144 أم هو فعل من الله في ~~المجنون؟ PageV01P259 # واعلم يا أخي - أكرمك الله - أن الجنون هو ما أجن العقل وستره، وحال بينه ~~وبين المعقولات وغمره، ولا يكون ذلك إلا بملابسة العلل ودخولها، وجولانها ~~في القلوب وحلولها، والجان فلا يتهيأ له الدخول، ولا يمكنه الملابسة ~~والحلول. # وسألت عن قول الله مولانا الواحد الجليل، وما ذكر في أهل الربا من القول: ~~{الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } ~~[البقرة:275]؟ # وهذا مثل ضربه الله لمن يعمل بالربا بالموسوس وخبله، إذ لم ينتفع ولم ~~يزدجر عن الحرام بما ركب الله من عقله، والمس فهو الجنون، وإنما خاطبهم ~~الله بما يعرفون، لأنهم إذا رأوا مجنونا سموه مخبوطا منقوصا، وكان بذلك ~~الاسم عندهم مخصوصا. # وسألت - أكرمك الله - عن العين، وما يعتقد العوام من إصابتها للبهائم ~~للحسان، والأشجار المثمرة، وغير ذلك؟ # واعلم يا أخي أن ذلك لا يصح عند من يعقل، ولا يقول بذلك من الناس إلا من ~~يجهل، ولكنه ربما وافق أمر الله نظرهم، فيتوهمون أن ذلك منهم، وليس يخلو ~~نظرهم من أن يكون انتقل منه جسم إلى الشيء المعجب فلابسه، ووصل إليه ~~ولامسه. وأما أن يكون لم يصل شيء منه إليه، ولم يقع مما توهموا عليه. # فإن قالوا: إنه خرج من أنفسهم وأعيانهم جسم أمرضه، ووصل إليه وعارضه، ~~فهذا الجسم لا يخلو من أن يكون لطيفا، أو يكون عند خروجه كثيفا، فإن زعموا ~~أنه خرج من أعيانهم وأنفسهم جسم كثيف أوجعه، وغلب الشيء المعجب وصرعه، أو ~~أيبس الشجر وقطعه، فهذا محال لأن العين والنسمة ضعيفان، وهما مع ضعفهما ~~لطيفان، وما كان من الأشياء كلها ضعيفا، وكان مع ضعفه لطيفا، فيستحيل أن ~~يخرج منه جسم كثيف. PageV01P260 # وإن قالوا: بل خرج منه جسم لطيف، فليس يخرج من العين والنسمة إلا ما هو ~~ألطف، وأقل منها وأضعف، وما كان ألطف من اللطيف، وأقل وأضعف من القليل ~~الضعيف، لم يذهب في الأهوية إلا ضلالا، وكان كل ما ينسب إليه محالا، وقد ~~علم كل عاقل ms145 أنصف عقله، ولم يتبع جنونه وجهله، أن ذلك لو صح لمدعيه، لما ~~ترك على وجه الأرض أحدا يعاديه، وقد رأينا بالمشاهدة أعداءه أحسن حالا، ~~وأكثر منه ولدا ومالا، فلو كان صادقا فيما يدعي من المحال، وينتحل عند ~~الرعاع والجهال، لما ترك أعداءه يوما واحدا، ولما ترك لهم مالا وولدا، ولا ~~أبقى في إلحاح النظر جهدا، وقد أجمعوا على صحة هذا السبب غاية الإجماع، ~~ولكن لا يلتفت إلى إجماع الرعاع، لأن همج الناس لا يفرقون بين العقول ~~والأوهام، فمن هذا الوجه لا يتكل على إجماع الطغام، ولو أجمعوا على شيء ~~يمكن في المعقول، لما صدقناهم لما هم عليه من الفضول، فكيف تصديقهم في ~~المستحيل، وما لا يمكن أبدا في العقول؟! # وسألت عن العقل في ذاته؟ # وهو عرض ركبه الله في قلوب المتعبدين، وجعله حجة على المكلفين، والعقل ~~والنفس ضدان، وهما في القلوب متعلقان، والجسم والروح لهما موضعان، وأحقهما ~~بحمل النفس والعقل الروح، لأن العقل والنفس روحانيان، وهما في ذاتهما ~~عرضان، والنفس تنقسم على أقسام وأضداد: # فمنها: داع إلى الخير والرشاد. # ومنها: ما يدعو إلى الغي والفساد. # والعقل قسم واحد يقين، وأمين ناصح شاهد مبين. # فأما النفس: # فمنها: الذكر والنسيان، وهما في القلب ضدان متنافيان. # وقسم ثالث: هو الشواهد للذات. # والرابع: ضد الشهوة وهو الكراهية للمكروهات. # والخامس: الأمان، وهو السكون والإطمئنان. # والسادس: ضده وهو الخوف. # والسابع من الأقسام: ما يجول في النفوس من الظنون والأوهام. # والثامن: وهو الوهم وهو اليقين، والحق الواضح المبين. # والتاسع: هو السرور والفرح. # والعاشر: ضده وهو الغم والترح. # والحادي عشر: الرجاء والطمع. # والثاني عشر: وهو اليأس. PageV01P261 # والثالث عشر: الرحمة. # والرابع عشر: ضدها وهو القسوة. # وكثير من هذه الأقسام يوجد بالمشاهدة في أنفس الأنعام، ولكنها تنقسم في ~~قلوب أهل المعقول على أقسام، وتخرج على وجوه يخشى فيها الإمعان في الكلام، ~~ولا فاقة لأحد إليها من الأنام، والنفس فهي تقلب القلوب أطوارا، وتغيره ~~حالا بعد حال مرارا، فمرة تدعوه إلى الصالحات، ومرة تدعوه إلى المهلكات، ~~ومرة تدعوه إلى العقل، ومرة ms146 تدعوه إلى الجنون والجهل، وأصل الجنون وفرعه ~~خلو هذه الأقسام، بغير عقل ولا زمام، وإذا كان العقل مع هذه الأسباب سترها، ~~وعلا نوره عليها فغمرها، وإذا خلت الأقسام بأنفسها من العقل، جالت في أنواع ~~القبائح والجهل، فنستمتع الله بما وهب لنا من العقول، والحمد لله الواحد ~~الجليل. # ثم نقول من بعد: إن الروح محل لهذه الأقسام، وإنه جسم لا يدرى ما هو من ~~الأجسام، لأن الروح ينتقل من الموضع إلى غيره، وذلك بلطف الله وتدبيره، ولا ~~يجوز الانتقال إلا على الأجسام، وما ركب الله من الأجرام. # وسألت عن كلام إبليس اللعين، ومخاطبته لسيدنا آدم وغيره من النبيين، ~~صلوات الله عليهم أجمعين؟ # وقد حكى الله عز وجل في القرآن ما قد سمعت من قسمه لآدم وزوجه، أنه لهما ~~من الناصحين، ولا يكون القسم والحلف إلا بالكلام، ولا يجوز أن يسمى القسم ~~خاطر وهم من الأوهام، وإذا أقسم لهما فقد سمعاه، وروي في ذلك أنهما صدقاه، ~~وحسبا، أن عدو الله لا يجتري على اليمين كاذبا، لما داخلهما من اليقين ~~بالله ذي الجلال، والتوقير لذكر الله عن الكذب والمحال، حتى ظنا صلوات الله ~~عليهما أن في قلب عدو الله من الخشية كالذي في قلوبهما، وإنما اغترا في حال ~~حداثتهما وقلة تدبيرهما وتجربتهما، فلما حكمهما طول الزمان، وكثرة التجارب ~~للأفنان، حذرا من الغرر والجهل، واستقاما على الدين والعقل، حتى قبضهما ~~الله إلى رحمته، وتوفاهما على طاعته. PageV01P262 # وأما سائر الناس، وما يعارضهم من الوسواس، فأكثر ذلك من النفوس وجولانها، ~~وتقلب القلوب وخطرانها، وقد روي أن إبليس اللعين ربما قارب الإنسان في حال ~~فكره، وربما قوى طبع النفس بما هو من شكله، كما يقوى الحر من النار بزيادة ~~مثله، وقيل أيضا: إنه كان يخاطب الناس في أول الزمان ويدعوهم إلى العصيان، ~~ولسنا نبالي أدعاهم أم لم يدعهم، وسواء عندنا أكلمهم أم لم يكلمهم، لأن لك ~~لا يوجب في دين الله فسادا، ولا يضر من أولياء الله أحدا. # وسألت عن رجل أطاع الله وقتا ثم عصاه، ثم ms147 تاب إلى الله ومات على تقواه، ~~هل يثاب على الطاعة التي كفر بعدها، أم تبطل ولا يثاب عليها؟ # والجواب: أنه لا يثاب على شيء قد أبطله، وأفسده عبثا وعطله، ولكن الله قد ~~غفر له، وتاب عليه عند الرجعة وقبله. # وسألت عن رجل عسر عليه الاكتساب، وأراد أن يتفقه في الدين، ويقبل على طلب ~~الحق واليقين، وأعرض عن المنازل والزوجات، فلم يبن لنفسه منزلا، ولم يتخذ ~~من الزوجات أهلا، أيأثم في ترك شيء من ذلك أم لا؟ # والجواب في ذلك: أنه غير مأثوم ولا مأزور، ولكنه في حكم الله مرضي مأجور، ~~وقد أعرض سيدنا المسيح عن ذلك واشتغل بغيره، فلم ينقص الترك لذلك من أجره. ~~وأما ما روي عن سيدنا خاتم النبيين، صلى الله عليه وآله الطاهرين، من قوله: ~~((لا حصر بعد يحيى، ولا سياحة بعد عيسى))، فلما أراد بذلك التخفيف عن ~~المخلوقين، ولم يرد بذلك حظر السياحة في أرض الله على السائحين. # وسألت عن العقول هل هي مستوية، أم بينها اختلاف؟ # والجواب: أن اختلاف عقول الناس كاختلاف قواهم، فمن كانت قوته تبلغ أداء ~~الفرائض وجبت عليه، ومن لم يطق فلا يكلفه الله ما يعدم إليه، ولا يصل بقوته ~~إليه، وإنما العقول على وجوه معروفة، وأحوال بينة موصوفة. # منها: عقول سادتنا الملائكة المقربين. PageV01P263 # ومنها: عقول الأنبياء المرسلين، وعقول الأوصياء المتسخلفين، وعقول الأئمة ~~الطاهرين، وبعد ذلك عقول المكلفين، فأفضل العقول عقول الملائكة الأكرمين، ~~ثم عقول الأنبياء، أكمل من عقول الأوصياء، ثم الأوصياء أكمل من الأئمة في ~~العقول، وأفضل في الاعتقاد والقول، ثم للسابقين من الفضيلة على المقتصدين، ~~كمثل فضل الأنبياء على الوصيين، وللأئمة المقتصدين، من الفضل ما لا يكون ~~لفضلاء المؤمنين، وأفضل الناس كلهم فضلا، وأكملهم دينا وعقلا، محمد خاتم ~~النبيين، صلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين. # وسألت فقلت: هل يثاب من عمر في طاعة الله وقتا يسيرا، كثواب من عمر في ~~الطاعة زمانا طويلا، وكيف يكون كمثله، وتكليفه أطول كمثل نوح ومحمد صلى ~~الله عليهما؟ # والجواب في ذلك: أن أعلمهما ms148 بالله أفضلهما وأخشاهما، وأعظمهما خشية لله ~~أتقاهما، وأتقاهما لله أهداهما، وأهداهما إلى دين الله إحداهما (1)، وأحد ~~الرجلين بأجزل الثواب أولاهما. # واعلم أن عقول حجج الله على قدر كلفتهم (2)، وعلى قدر منازلهم عند الله ~~ومحنتهم. وأما سائر المكلفين، فقد اختلف القول فيهم من المتكلمين، فقال ~~قوم: إن الله ساوى بين خلقه في العقول، كما ساوى بينهم في التعبد، فاستعمل ~~بعضهم عقله، وترك بعضهم النظر وأهمله، وزهد في التمييز وعطله، فأصدأ ~~بمخالفة الله عقله، حتى صار لكثرة اللعب كمن لا يعقل، فأما من كان مغمورا ~~بالخبل، مطبوعا على البلاهة والجهل، وضعف التمييز في الطبيعة والجهل، فليس ~~يكلف الله ذلك، ولا يكون أبدا في المكابرة كذلك، لأنه لم يتعمد في ذلك ~~تجاهلا، ولم يزل عن جميع الأمور جاهلا، ولم يكن مع الناس فيهما عاقلا، ولم ~~يزل عن وجوه التعبد غافلا. PageV01P264 # وزعم قوم آخرون: أن الله خالف بين عقول العباد، ودل جميعهم على الرشاد، فذو ~~العقل المنقوص يلحق بضعف علقه إذا سلم من الجنون، كمثل ما يلحق كامل العقل ~~من الدين، كما أن أضعف الناس يلحق من الصلوات، وأداء جميع المفروضات، كالذي ~~يلحق أقواهم جسدا، وأشدهم بدنا، وهذا قولهم واختلافهم. # والذي أقول أنا واعتقد، والله الموفق والمسدد: إن من عمل على قدر عقله، ~~وسلم من مكابرته وجهله، فهو عند الله من الناجين، ولديه إن شاء الله من ~~المقبولين، ومن كان ضعيف العقل، مغمورا بطباع الحيرة والجهل، فهو بمنزلة ~~البهائم والأطفال، في رحمة الله الواحد المفضال. وأما من غمر عقله باللعب ~~والإهمال، وشبه نفسه بالبهائم في الإغفال، فهو وليس - ولا كرامة - من ~~المعذورين، ولكنه عند الله من الكافرين، ولو استعمل عقله حق الاستعمال، ~~لنال به من الخير كل المنال، ولكنه أقبل على العبث والمحال، حتى ارتطم ووقع ~~في الضلال، وصار من أجهل الجهال، فهذا ما اعتقد وأقول، وإليه أذهب وأميل. # وأما الاختلاف والتبغيض إلى العباد، وسوء الأدب والميل إلى الفساد، ~~والمكابرة واللجاج في الإلداد، فليس ذلك من أخلاق الصالحين، ولا هو من ~~أفعال المسلمين، ولا ms149 يجوز مقاطعة المؤمنين، إلا بكبيرة من كبائر المفسدين، ~~إذا أقام عليها، ولم ينتقل بالتوبة عنها، وقد رأيت كثيرا من المؤمنين، ~~وأولياء الله المتقين، يضلون عن السبب من أسباب الدين، فينبغي للمؤمن أن لا ~~يقاطعهم حتى يبين لهم، ويرفق بهم ولا يعجل عليهم، فإن الله سبحانه لا يعذب ~~وليه على السهو والنسيان، كما يعذب على العمد والبيان. PageV01P265 # وقد زعم بعض الحشوية أهل الضلال، الجهلة الكفرة الضلال: أن هؤلاء الجهلة لا ~~يرجعون إلا بالاحتيال، والاستدراج والنفاق والاغتيال، وأنه يجوز للإمام ~~وغيره أن يوهمهم، ويوقع في أنفسهم أنه على دينهم، حتى إذا اطمأنوا إليه ~~وعظهم، بعد أن يستميل بالتوهيم قلوبهم. وتأولوا لعنهم الله وأخزاهم، وأضل ~~سعيهم وأرداهم وزادهم عمى على عماهم، أن إبراهيم وموسى عليهما السلام دخلا ~~مع قومهما في الضلال، ليخرجاهم من الفساد بالاحتيال، وزعموا أن موسى لما ~~رأى قومه يشبهون الله، قال: { رب أرني أنظر إليك[الأعراف:143]، وقد علم أن ~~الله لا يسعده إلى ما طلب، فلما لم يعطه إرادته قال لهم: يا قوم كم تطلبون ~~رؤية الله؟! وقد ترونه قد منعني ذلك فكيف بكم؟! فزعموا أنه ردهم بهذه ~~الحيلة عن التشبيه، وزعموا أن قوم إبراهيم لما عبدوا النجوم دخل معهم، وقال ~~لهم: لما { رأى كوكبا قال هذا ربي } [الأنعام:76]. حتى يرجعوا معه إذا رجع، ~~ويصنعوا من التوبة ما صنع، فيا للحشوية الويل الطويل!! والعول والعذاب ~~الجليل!! أما سمعوا قول الله سبحانه: {فاصدع بما تؤمر } [الحجر:94]، وقوله: ~~{ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [النساء:145]. ولئن كان الأنبياء ~~عندهم محتالين، وبالكذب للناس مغتالين، لقد جعلوهم قدوة للمنافقين، والله ~~يقول: { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون } [النحل:105]. ولئن لم يرجعوا ~~بنور الحق وبهجته، لارجعوا بالباطل وظلمته، وضعفه وعجزه وركاكته، ولكن ~~الحشوية عجزوا عن الحجج، ونورها، فدخلوا في أبواب النفاق وزورها، وإنما ~~يدعا الناش بلين المراجعة في المقال، ويبين لهم فساد ما يعتقدون من المحال، ~~ويوضح لهم بما هم عليه من الضلال، فإن أقبلوا إلى الحق ورجعوا، وصاروا إلى ~~المؤمنين وأجمعوا، وإلا رفضوا صاغرين ms150 وقطعوا، فيا لعباد الله PageV01P266 أترون موسى كان عيا جاهلا؟! وكان عن حجج المعقول غافلا؟! حتى لا يقول لهم: ~~إن الأبصار لا تبلغ ولا تقع، إلا على ما يفترق من الأشياء ويجتمع، ولا ينظر ~~بالعيان وبالأبصار، إلا ما كان في قطر من الأقطار، وما حوته الأقطار، ~~وأدركته وعاينته الأبصار، فهو أصغر من محله وموضعه، وأقل من مهبطه ومطلعه، ~~وما كان من الأشياء صغيرا منقوصا، وكان بالنقص والصغر مخصوصا، فلا بد له من ~~صانع نقصه وأصغره، وقطع نهايته وبتره!! # فاتقوا الله يا قوم وذروا منكم التجاهل، والجنون والخبل والتغافل، وإلا ~~فإني بريء إلى الله منكم، ومهاجر في أرض الله عنكم، وكذلك الخليل صلوات ~~الله عليه فقد كان غير غبي بالجلال، ولا حصر بمخاصمة أهل المحال، أفهو عاجز ~~عن أن يقول: إن النجوم لا تنفك عن الحركات والمسير؟! والاضطرار على الحركة ~~يدل على التسخير، مع ما فيها من عجائب التقدير، وآثار الحكمة والتدبير، ~~وإلا فما الذي خالف بين ألوانها وهيئاتها، وفرق بين أجسامها وحركاتها، لو ~~كانت يا قوم قديمة لاتفقت، ولما تباينت ولا اختلفت. فاتقوا الله يا قوم ~~وخافوه، ولا تغفلوا ذكر الموت وراقبوه. PageV01P267 # ولكن أعداء الله حسبوا وتوهموا، وتجاهلوا عن الحق فلم يعلموا، أن غضب ~~أولياء الله لربهم، أكثر من غضبهم لأنفسهم، أو ليس قد حكى الله في القرآن ~~مجادلتهم للفراعنة الجبارين؟! العتاة الطغاة المتكبرين، فكيف بضعفة ~~الإسرائليين؟! وغيرهم من المسكنة الضالين؟! وهل كانوا يضنون بأنفسهم عن ~~طاعة رب العالمين؟! وقد حكى الله عن نبيه إبراهيم، من العزيمة ما ألقي ~~لأجله في الجحيم، فنجاه برحمته من كيد الكايدين، وكذلك يجزى الله المحسنين، ~~وأمره الله وامتحنه، وابتلاه ومحضه، واختبره بالعزيمة على ذبح ولده، ولم ~~يرد الله غير [إظهار] عزيمته، ولكنه لم يدر عليه السلام بقصد الله وإرادته، ~~فقام عليه السلام بولده ومهجة قلبه، وثمرة فؤاده ونفسه، ليفري أوداجه ذنجا، ~~طاعة لله ومسارعة ونصحا، مع ما هو عليه من شفقته، وكرم طباعه ورحمته، وحسن ~~أخلاقه ومروته، فما منعه ذلك من طرح ولده على وجه ms151 الأرض وصرعه، وعزيمته على ~~تلفه وقطعه، وتركه لحر جبين ولده على حضيض التراب ووضعه، فلما رأى الله منه ~~ما رأى، وإذ لا شك عنده في طاعة الله ولا امتراء، وأظهر من أمره وفضله ما ~~كان مستورا، أمره حينئذ بأن لا يذبح ولده، بعد ما أظهر سبحانه بهذه المحنة ~~صبره وجلده، ولم يعلم صلى الله عليه بإرادة الله فيما أوحى إليه، وكذلك فعل ~~بقومه وأبيه، بعد احتجاجه ولطفه وتأنيه، واستغفاره لوالده خوفا من أن يكون ~~من الضالين، ورجاء أن لا يكون من المتعمدين، احتياطا منه لطلب الأمان، ~~وخوفا من العذاب والنيران، { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم ~~لأواه حليم } [التوبة:114]. والأواه فهو: المتأوه الحزين، والتأوه في ذاته ~~فهو: الأنين، والزفير والأحزان والحنين، لما دخل قلبه من خالص اليقين، ولما ~~عرف من الحق المبين، فلما امتلأ قلبه نورا، وصار بذكر الله ومعرفته معمورا، ~~حزن على نفسه عند ذلك من ذكر PageV01P268 الموت والعذاب، وأقبل على الدين والحق والصواب، ونقى قلبه وطهره من اللعب، ~~وسلا عن التصابي والجهل والطرب، ولم أر شيئا أجلى للقلوب من العدل ~~والتوحيد، ومعرفة الوعد والوعيد، وتلاوة القرآن، وكثرة الدعاء إلى الرحمان، ~~فمن أراد أن ينجو عند الله من العقاب، ويسدد إلى طريق الصواب، فيتحرز من ~~الكبر والإعجاب، ويحتسب نفسه أذل من التراب، فإن الله عز وجل نهى عن التكبر ~~لما فيه من أصناف العيوب، لأنه أحد متالف القلوب. # وكيف يتكبر من هو ضعيف رذل؟! لمنقوص في جميع الأحوال نذل؟! وكيف يعجب ~~بنفس تزول عن قليل محاسنها؟! ويكثر وشيكا عويلها وحزنها؟! مع ما يستر دائما ~~من عيوبه، ويحمله على مقارنه وقريبه، إلا أن يكون قد أعجب بنفسه لكثير ~~عمله، فهو يعلم أن حقوق الله أكثر من فعله، وأن عمله لا يقوم بنعمة من نعم ~~مولاه، ولا بشربة ماء مما سقاه، ولا بشفاء مرضه مما شفاه، ولا بعافية ساعة ~~مما عافاه. PageV01P269 # وأيضا فإن الإنسان كثير الذنوب، قبيح الفعل كثير العيوب، وإن كان يعجب ~~بشبابه فكيف يعجب بشباب ms152 يصير إلى الهرم؟! إن سلم أحد اليومين من الموت ~~والسقم والمصير إلى التفرق والعدم، وإن كان يعجب بشجاعته، فكيف يعجب ويله ~~لجرأته؟! وهو يضعف عن العملة لعجز بنيته، حتى ربما شغلته ومنعته، من الفكر ~~وقطعته، وإن كان يعجب بنفسه لكثرة علمه، وجودة تمييزه وفهمه، فكيف يعجب ~~بنفس تجهل أكثر مما علمت؟! ولا تدري متى يحل بها ما كرهت، ولو علمت كل علم ~~في الدنيا لما سلمت، وإن العلم يزول إذا عطبت. فأول من فخر، وأعجب بنفسه ~~واستكبر، إبليس، الكافر النجس الرجيس، فمن اقتدى به فقد فعل فعله، وصار ~~بذلك في حكم الله مثله، وذلك أنه فخر بالنار على الطين، وذلك فليس من فعل ~~اللعين، وإنما فخر بالنار لحدتها وضرامتها، وعلوها في الأهوية وخفتها، وما ~~هي عليه من قوة بنيتها، وذلك فإنما هو فعل الله لا فعله، وتقدير الله لا ~~تقديره، وحكمته وفضله. فأما العباد فخيرهم أكرمهم طباعا، وأسبقهم إلى طاعة ~~الله إسراعا، لا ينظر في الخيرة إلا إلى أفعالهم، ولا يفضلون بغير أعمالهم، ~~وقد رأينا من الناس من يتكبر على الجهل وهو لا يعلم، ويحمله الكبر أن لا ~~يقول: الله أعلم، ولو قتل الإنسان نفسه في طلب العلم قتلا، لما برح ولا زال ~~مع معرفته جاهلا. # فاحفظوا رحمكم الله وافهموا، ولا تغفلوا عن ذلك واعلموا، لأن الله سبحنه ~~نقص العباد بأنواع من الشرور، لما في نقصهم من عجائب الأمور، ولو أتمهم ~~وأكملهم وأغناهم، ولم يرهم من النقص والعيوب ما أراهم، لعظم هلاكهم وعتاهم، ~~ولقتلهم حب الدنيا وأطغاهم، ولكنه جاد عليهم بما كفاهم، ثم زجرهم ونهاهم، ~~بعد أن بصرهم هداهم، وبين لهم فجورهم وتقواهم. # وسألت عن الكلام الذين سمعه موسى عليه السلام؟ PageV01P270 # وذكرت أن الحشوية قالوا: إن زعمنا أن الله كلمه دخلنا في مذهبهم، وإن زعمنا ~~أن الكلام هو الذي قال لموسى:{ أنا ربك }[طه:12]، فقد عبدنا الكلام بزعمهم، ~~فقل للحشوية إن كانوا يعقلون، وكان ينصفون عقولهم أو يفهمون: إن الكلام ليس ~~بخالق فيدعي الربوبية، وإنما هو عرض أوجده الله وأوصله، ms153 وخلقه في الشجرة ~~وفعله، وخاطب نبيه به وفصله. وأما مذهبكم فلا نرجع إليه، ولا نفتري على ~~الله كما افتريتم عليه. # ثم يقال لهم: أخبرونا عن الكلام الذي زعمتم أنه قديم، وأنه صفة قديمة ~~للواحد الكريم، أهو مثل معبودكم فيكون معبودكم جزأين؟! ويبطل وحدانيته إذ ~~صار نصفين، لا سيما إذا كان هو والقرآن مثلين، أم تقولون أنه أفضل من ~~القرآن باللسان والشفتين، فتشبهون الله بغيره من المخلوقين، كما لم تزالوا ~~لذلك معتقدين، فإن كان معبودكم على ذلك، وكان في الصفات المحدثة كذلك، فلا ~~بد له من صانع خالف بين شفتيه ولسانه، وغاير بين حنكه وأسنانه، وكذلك لا بد ~~له من صانع خالف بين صوته وجثمانه، لأن الصوت لا يخرج إلا من الجثمان، ولا ~~يفرق بين الحروف إلا بالنسمة والجنان، والحنك والشفتين والأسنان، وإذا كان ~~كذلك فلا فرق بينه وبين الإنسان. PageV01P271 # ويقال لهم أيضا في قولهم: إن معبودهم جالس على كرسيه وعرشه، وأنه يسكن عليه ~~بعد حركاته وبطشه، أليس معبودهم يباشر السرير بأسفله، ويباشر الهوى بأعلاه ~~وأوله، فما الذي فرق بين أعلاه وأسفله، وغاير بين مدبره ومقبله، فلن يجد ~~المشركون - إن شاء الله تعالى - جوابا، ولن يملكوا بعد هذا القول خطابا، ~~فزاد الله قلوبهم عمى وجهلا، وغيا وضلالا وجدلا، فلقد عموا ويلهم عن أعظم ~~الأشياء وأجلها، وانتقصوا أعظم الموجودات وأكملها، وعبدوا غير الله بزعمهم، ~~وما أرى للإمام بعد عرض التوبة غير قتلهم، والتقرب إلى الله بتلفهم، لأنهم ~~بمنزلة عباد الأصنام، وغيرهم من كفرة الأنام، إلا أنهم قد زادوا على شرك ~~المشركين، بقذفهم وشتمهم رب العالمين، وعداوتهم لخاتم النبيين، وذريته ~~الأخيار الطاهرين، صلوات الله عليهم أجمعين، ولعنة الله على الظالمين، ~~والحمد لله رب العالمين، وصلواته على رسوله سيد المرسلين، وأهل بيته ~~الصادقين. # تم الكتاب بمن الله وفضله. # - - - ### | AUTO كتاب الأكفاء # كتاب الأكفاء # سألت يا أخي أكرمك الله بثوابه، ونجانا وإياك من سخطه وعذابه، عن مسألة ~~غرق فيها كثير من الجهال، وتخبط فيها من لا يعقل من الضلال، وعمي عنها جميع ~~أهل الركاكة الأنذال، ms154 ممن جهل الحكمة وضل عن الهدى، واتبع الغي والتكمة ~~والردى، فزاد الله من كان كذلك نأيا وبعدا، وقلت: ما صفة الأكفاء عند ~~النكاح؟ # وسأوضح ما سألت عنه بعون الله أحسن الإيضاح، ولقد سألت عن سبب يلزمني ~~إنكاره وبيانه، ويجب على العباد إيضاحه وتبيانه، ويجب العقوبة باللسان ~~والسيف لمن خالفه، والإخاء والمودة لمن والفه، لأن الله عز وجل حكم بأحكام ~~الحق بين العباد، فمن خالف ذلك وقع في الغي والفساد، وخرج من الحق والصدق ~~والرشاد، فرأيت عند مسألتك أن يكون كتابي هذا جوابا لسؤالك، وزجرا وتحذيرا ~~لمن كان من أولئك، وكان في خلاف حكم الله على ما ذكرنا من ذلك. PageV01P272 # واعلم يا أخي علمك الله رشدا، وزادك إلى هداك هدى، أن الله سبحانه خالف بين ~~أصناف عباده، ونشرهم وكثرهم في بلاده، لغير حاجة منه إلى تكثيرهم، ولا فاقة ~~منه إلى شيء من أمورهم، فجعل النكاح سببا لنشر حكمته، وعجائب صنعته، وإظهار ~~نعمته، وحرم على الأصناف الدنية نكاح من ليس من أشكالها، وأمر تلك الأصناف ~~بنكاح مثلها، وكذلك يكره لأهل الشرف نكاح الزنجيات، وإن كن في حكم الله غير ~~محرمات، وفي ذلك ما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبني هاشم: ~~((عليكم ببنات الأعجميات فإن في أرحامهن بركة)). PageV01P273 # ثم قال عليه السلام: ((وإياكم والزنحيات، وما شابههن من الخلق المكروهات، ~~فإنهن خلق مشئوم))، وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله، أن الزنجيات وما ~~شابههن من الخلق المكروهات، لخلق مشئوم، على أهل الأنساب، وأهل الشرف ~~والمرواءت والأحساب. لأن الولد ربما أشبه من تلك الأمهات قبح ألوانهن ~~وصورهن المقبحات، فيصير الهاشمي بعد حسن أصله الصريح، كالزنجي الشنيع الدني ~~القبيح، فكره رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك لنسله، وزجر من دخل منهم في ~~ذلك لجهله، وقلة تمييزه وركاكة عقله، وكان صلى الله عليه وآله يأمر بأن ~~تحمل الأشكال من جميع الحيوانات على أشكالها، ولا تحمل أبدا عند من عقل على ~~غير أمثالها، وقال صلى الله عليه وآله: ((الكفؤ في المعنيين جميعا، في ~~المنصب ms155 والدين معا)). والمنصب فهو: الأصل الصحيح، والنسب المعروف المهذب ~~الصريح، فأعظم الأنساب كلها نسب ذرية الرسول، وأولاد الوصي وفاطمة البتول، ~~صلوات الله عليهم أجمعين، فنساء رسول الله صلى الله عليه وآله على جميع ~~الخلق محرمات، لأنهن لخاتم النبيين ذرية وبنات، وحرم له على مماليكه ~~محرمات، لأنه صلى الله عليه وآله مالك وغيره مملوك، وهو أولى بهم من ~~أنفسهم، وأعظم حقا عليهم من آبائهم، ولذلك حرم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله نساءه عليهم، وجعلهن للعباد مثل أمهاتهن، وإذا حرمت بحق لأجل النكاح ~~زوجاته، فتحريم نسله أعظم لأنهن بناته، ولأن حق الأولاد أجل من حق الفراش، ~~لا ينكر ذلك أحد من الأخيار والأوباش، وإذا حرمت على بناته زكواتهم، فأجدر ~~أن تحرم عليه مناكحتهم، لأن الله نزههم من وسخ الأموال، فكيف بما هو أقبح ~~من ذلك من الأحوال، فعظم سبحانه بنات رسوله من أقل الأشياء وأسهلها، وطهرهن ~~من زكاة الرعية ونذالتها، فكيف بأعظم القبائح من فعلها، وجعل نكاح زوجات ~~الرسول من أعظم الكبائر كلها، ببنات البتول ونسلها؟! فمن أحل ذلك بعد علمه ~~بتحريمه، أو قال ذلك حلال مع تعظيمه، رأيت قتله في PageV01P274 حكم الله واجبا، وفرضا من الله مؤكدا لازبا. # وبعد ذلك فقريش أكفاء فيما بينهم، وكذلك جميع العرب على قدر أنسابهم، ~~ومعرفتهم بمناصبهم وأحسابهم، فلا تحل نساء العرب إلا لمن هو مثلهن في ~~النسب، أو من هو أفضل منهن في الأصل والحسب، ومن كان مجهول الأصل من العباد ~~فمناكحته حرام على المعروفين، ولا يجوز نكاح المجهول بمعروفة النسب، لأنه ~~لا يؤمن أن يكون أصله من غير العرب، فيكون ذلك النكاح محرما لدناءة المنصب، ~~ومن فعل ذلك رأيت التفريق بينه وبينها واجبا، ورأيت الأدب لوليها، والتنكيل ~~والإبعاد للناكح لها، وكتابي هذا إعذار وإنذار لمن نكح من هؤلاء المجهولين، ~~إلى العرب الصرحاء المعروفين، فرحم الله عبدا عرف أصله، ثم طلب من النسوان ~~من كان مثله، ومن فعل غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ومن سمع كتابي هذا وهو ~~من المذكورين، الذين حرم الله ms156 نكاحه على الصرحاء المعروفين، فيفارق من كان ~~عنده، ويستر بذلك عوره وعرضه، وإلا فيصبر نفسه على كشف أمره، وقبيح شناعته ~~وذمامة ذكره، فإني بعون الله أخزي من حكم بغير حكم الرسول، وأميز بين أهل ~~الدناءة والأصول، وكذلك من كان غير حمي على أصله، ولم ينكف على حرمه وأهله، ~~فيبشر منا بالعقوبة والهوان، وبما يخزيه في الآخرة من عذاب الرحمان، ومن لم ~~يزدجر من آولئك بآدابنا وكلامنا، فسنرده إلى الحق بحد سيوفنا ورماحنا، وقد ~~عرضت لمن عقل بالتلويج، قبل المباينة والضرب والتصريح، فمن قبل ما أمرناه ~~به من حكم القرآن، وإلا قتلته بحدة السيوف والمران، والله حسبنا وعليه ~~التكلان، وكذلك لا يتم النكاح إلا بعد رضى الحرم وإعلامهن، ولا يجوز ~~لأوليائهن ذلك إلا بأمرهن، أو بعد الإخبار بمساكهن، ولا يجوز لأحد أن ينكح ~~من هي كارهة له، والذي أراد الله من العباد، هو كلما أبعد من المقت ~~والفساد، والكفؤ فهو: على ما ذكرنا، وبه من المنصب والدين قلنا، وبعد فلا ~~يجوز لقبيح الصورة ثقيل، أن ينكح ذات جمال وخلق عديل، إلا أن PageV01P275 ترضى به رضى لا تريد معه أن يطلقها، وإلا فيجب عليه في حكم الله أن ~~يفارقها، وبالله لولا ما أراد الله من الحق، وحكم به من العدل والصدق، لما ~~ذكرنا شيئا من ذلك، ولا مسكنا عمن كان من العباد كذلك، ولكن الله أكرم ~~القائلين، قال: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} [الحجر:94]. وصلى الله ~~على مولانا خاتم النبيين، وعلى أهل بيته الطاهرين، وسلم ورحم وكرم. # انتهى كتاب الأكفاء كاملا بحمد الله ومنه. # - - - ### | AUTO كتاب # تفسير الصلاة # كتاب تفسير الصلاة # سألت يا أخي - ألزمك الله بهدايته، وجاد علينا وعليك برحمته - عن تفسير ~~ما أوجب الله من الصلاة على العباد، وشغلهم به عن الغي والفساد، ودعاهم به ~~إلى الخير والرشاد... إلى قوله: وإنما تعبد الله سبحانه المكلفين بالصلوات ~~والخشوع، والتذلل والدعاء إلى الله والخضوع، ليشغلهم بذلك عن التكبر ~~والإعجاب، لما في التكبر والقسوة من سوء الآداب، وفساد القلوب وتغير ~~الألباب، ولأن ms157 التذلل أولى بالعباد، وأبعد لهم من الغفلة والفساد، لأن من ~~خضع لله وذل، فقد سلم لأمر الله وقبل، ومن سلم لأمره سلم من الموبقات، ونجا ~~برحمة الله من المهلكات. # فأول ما نبدأ به - إن شاء الله - حكمة الله في الأمر بالظهور، وما تفضل ~~به علينا من المصلحة في التقدير، فنقول: إن الله عز وجل بنى الإسلام على ~~الطهارة من الأقذار، والنزاهة من الأدران والآثار... إلى قوله: والصلاة في ~~لغة العرب هي: الدعاء إلى الله والابتهال، والتضرع والطلب والسؤال، والأذان ~~فهو: الإيذان والإعلام، والإخبار بوقت الصلاة والإفهام، والتنبيه بالدعاء ~~إلى الصلاة للغافلين، وذلك حجة لله على كل من سمعه من السامعين، وهو أصل من ~~أصول الدين، وداعية إلى الحق المبين. PageV01P276 # فأول ما يقول القائل في الصلاة، عند وجوب ما حد الله من الأوقات، أعوذ ~~بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، ومعنى قوله: أعوذ هو: أستجير بك ~~يا رب، وألوذ من فعل الشيطان المبعد المرجوم. ومعنى السميع: فهو العليم، ~~تأكيد وتكرير لذكر الحليم الحكيم. ثم يقول: الله أكبر، الله أكبر، يريد: ~~الله أقدر الله أقدر، وأعز من جميع المخلوقين، وأعظم قدرا من جميع ~~المربوبين. ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، ~~يريد بقوله: أشهد، أعلم أنه واحد أحد، فإن كان لا يعلم ذلك فليتعلم، وإلا ~~فهو كاذب إن شهد وأقر بما لم يعلم، وكذلك تفسير قول القائل: أشهد أن محمدا ~~رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، صلى الله عليه وآله إلى خلقه، وأمينه ~~على وحيه. ثم ذكر الدليل على أن الله واحد، وعلى نبوة النبي صلى الله عليه ~~وآله... إلى قوله: وسنرجع إن شاء الله إلى تمام التفسير، بعون الله الواحد ~~العليم الخبير، فنقول: معنى قوله: حي على الصلاة: هلم إلى الصلاة. ومعنى: ~~حي على الفلاح: هلم إلى الخير والربح والنجاح، والتقى والسلامة والصلاح. ~~ومعنى: حي على خير العمل، هلم إلى خير أفعال العباد، وأفضل الحسنات بعد ~~الجهاد. ومعنى: قد قامت الصلاة: وجب فرضها ms158 وقام، وثبت على المصلين ودام. ~~ومعنى: الله أكبر، الله أكبر، قد ذكرناه في الكلام. # - - - # باب التوجه والافتتاح PageV01P277 فإذا توجه تعوذ بالله وهو مستقبل القبلة، وليسكن أطرافه، ولا يعجل في شيء ~~من صلاته، وليذكر وقوفه للحساب، ويلهم نفسه الخشية من العقاب، ويقل:{ وجهت ~~وجهي للذي فطر السماوات والأرض...[الأنعام:79] إلى:{ وأنا أول المسلمين ~~}... [الأنعام:163] (1) الآية، ولا يتكلم بكلمة من صلاته إلا ويريد بها ~~الدعاء إلى الله سبحانه، وعز عن كل شأن شأنه. ومعنى قوله: { وجهت وجهي } ~~يريد: توجهت إليك يا رب، وأقبلت إلى طاعتك واتباع أمرك وإرادتك. ومعنى: ~~{فطر السماوات والأرض}: هو الذي صنعهما، وافتطر خلقهما وابتدعهما. ومعنى ~~قوله: حنيفا مسلما، الحنيف فهو: المستقيم الخاشع، والمسلم هو الذي سلم لأمر ~~الله تسليما، وانقطع إليه، ورضي عن الله وتوكل عليه، فلم يرضا من الأشياء ~~كلها إلا بما ارتضاه، ولم يوال أحدا غير من والاه، واتصل بالله سيده ~~ومولاه. ومعنى قوله:{ وما أنا من المشركين } الذين أشركوا مع الله في ~~عبادتهم، وشركوا بين الله وغيره في عملهم، إما بعبادة الأوثان وإما بالنفاق ~~والتزيين، والإنفاق لطلب الذكر والسمعة والجاه عند المخلوقين، والرفعة كما ~~قد رأينا من أفعال الفاسقين، والظلمة المنافقين، المشركين بين الخالق ~~والمخلوقين. PageV01P278 # ومعنى قوله:{ إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين } ~~[الأنعام:162]، يريد بذلك: اللهم إني جعلت دعائي وديني وحياتي ما حييت لك، ~~وموتي في الغضب لك، لا أصرف شيئا من ذلك في غير مرضاتك، ثم يفتتح الصلاة ~~فيقول: { الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ~~ولي من الذل }، الله أكبر. # ومعنى قوله: { الحمد لله } [الإسراء:111] هو: أمر من الله للعباد أن ~~يحمدوه، فيقولوا بأفواههم ويعتقدوا بقلوبهم، ويعملوا بجوارحهم، فمن حمد ~~الله بهذه الأوجه، فقد أطاعه، واستوجب من الله ثوابه. ومعنى قوله:{ لم يتخذ ~~ولدا } فهو: لم يلد ولدا، فيكون أصلا والدا، لأن الوالد مخرج للولد، ~~والمخرج لا يكون إلا من الجسد، والجسد لا يكون إلا متحركا مستمرا، أو ساكنا ~~لابثا مستقرا، وإذا كان ms159 إلى هذين الحالين مضطرا، لم يكن خالقا مدبرا، وإذا ~~كان كذلك لم يستحق شكرا. # ومعنى قوله:{ ولم يكن له شريك في الملك }[الإسراء:111]، فالملك هو: الخلق ~~المملوك، الذي ليس مع الله فيه شريك. ومعنى قوله:{ ولم يكن له ولي من الذل ~~} هو: أنه غير محتاج إلى معين يواليه، وينفي عنه الذل ممن يعاديه. ومعنى ~~قوله: الله أكبر، فهو: أعز وأعظم وأقدر. # - - - # تفسير سورة الحمد # معنى {بسم الله} فهو: بذكر الله نبدأ. ومعنى {الله} هو: الذي تفزع إليه ~~القلوب، وتله ولها إليه، وهو الشوق عند المهمات، والنوازل والمصائب ~~والملمات. # قال الكميت بن زيد يمدح آل رسول الله صلى الله عليه وآله: # ولهت نفسي الطروب إليهم ... ولها حال دون طعم الطعام # يعني بالوله: الشوق. PageV01P279 # ومعنى {الرحمن} هو: ذو الرحمة والإحسان. ومعنى {الرحيم} مثل: تأويل ~~الرحمان، وهو تأكيد بذكر الرحمة وزيادة في البيان، وإنما أراد سبحانه أن ~~يخبر العباد برحمته ليرجوه، ويطيعوه فيما أمرهم ولا يعصوه. ومعنى { الحمد ~~لله رب العالمين } فهو: الشكر لله رب العالمين. والرب فهو: السيد المالك ~~ليوم الدين، والدين في هذا الموضع فهو: الجزاء على الأعمال، والمكافأة على ~~الهدى والضلال. {إياك نعبد } هو: نطيع ونوحد. {وإياك نستعين} من العون، ~~والهداية والتوفيق للطاعة والدين. {اهدنا الصراط المستقيم} هو: أرشدنا يا ~~رب إلى الطريق المستقيم، لأن الصراط في لغة العرب هو: الطريق، وإنما جعل ~~الله عز وجل هذه السورة للدعاء إليه، رحمة منه للعباد، ووسيلة إليه في طلب ~~الرشاد، فهي أشرف ما دعا به الداعون، وتضرع إلى الله به الطالبون. # - - - # تفسير سورة التوحيد # قل هو الله أحد{1} الله الصمد{2} لم يلد ولم يولد{3} ولم يكن له كفوا ~~أحد{4}. معنى {قل} أمر من الله عز وجل بالقول. ومعنى الأحد فهو: الواحد ~~الذي ليس بذي أجزاء ولا عدد، وهو الواحد أيضا في فعله الذي لا يفعل مثله ~~أحد. ومعنى قوله: {الله الصمد} هو: المقصد المصمود إليه في الحوائج ~~والمعتمد. والكفؤ هو: المثل والنظير، فنفى عز وجل أن يكون له أحد كفؤا ~~ونظيرا. # - - - PageV01P280 ### || AUTO ms160 باب الركوع والسجود # فإذا ركع بتكبيرة وضع يديه على ركبتيه، وسبح فقال: سبحان الله العظيم ~~وبحمده، ثلاث مرات. ومعنى سبحان الله هو: بعدان الله من شبه المخلوقين. ~~ومعنى العظيم فهو: الجليل المقدر والقادر على ما أراد فعله. ومعنى: وبحمده ~~فهو: بحمده وطاعته نقول ونعمل، ونعتقد ونقر ونشهد، فإذا رفع رأسه من الركوع ~~قال: سمع الله لمن حمده. ومعنى: سمع الله هو: أجاب الله دعاء من أطاعه، ~~يريد بذلك: الدعاء إلى الله أن يستجيب منه ويرحمه ويجيب دعاه، ويرحم تضرعه ~~ونداه، ثم يكبر ويخر لله ساجدا، وفي التذلل والخضوع جاهدا، ويقول عند سجوده ~~وتمكنه على الثرى بوجهه: سبحان الله الأعلى وبحمده، ثلاثا، سبحان الله قد ~~فسرناه، ومعنى الأعلى هو: الله المستعلي القادر. ومعنى: بحمده، قد فسرناه. # - - - PageV01P281 ### || AUTO باب الجلوس في التشهد # فإذا صلى ركعتين وجلس بعدهما، قال: بسم الله وبالله والحمد لله، ومعنى ~~بسم الله هو: بذكر الله نبدأ، ومعنى: وبالله هو: بالله نستعين على طاعته، ~~والحمد لله هو: الشكر والعمل بطاعة الله، والأسماء الحسنى كلها لله، ومعنى ~~ذلك: أن كل صفة محمودة فالله مستحق أن يسمى بها ويوصف، وينعت بها ويعرف، ~~والصفات مميزة العدد، والموصوف بها واحد أحد. ومعنى: أشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قد فسرناه فيما مضى من ~~كلامنا. ومعنى: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل ~~محمد هو: اللهم أرحم محمدا وآل محمد. ومعنى: بارك على محمد هو: اللهم أعطه ~~البركات، وأمنن عليه بالخيرات وعلى آله. كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى ~~آل إبراهيم إنك حميد مجيد، الحميد هو: المحمود. والمجيد هو: الجواد الكريم. ~~السلام عليكم ورحمة الله يعني: الملكين اللذين عن اليمين وعن الشمال، ~~وكلهما الله بحفظ الأعمال، وأمرهما أن يكتبا على العبد كل فعل ومقال، فرحم ~~الله عبدا أمسك لسانه عما لا يعنيه، وخشي من فعله أن يكتب عليه، واستكثر من ~~الحسنات، وجاهد نفسه عن السيئات، وبكى على نفسه، واشتغل بعيوبه، ms161 وتاب إلى ~~ربه، واستعبر لذنبه. ومعنى: السلام عليكم هو: السلامة لكم، ورحمة الله: ~~وصلواته عليكم. # قال عليه السلام: وأنا أسال الله عالم الغيب والشهادة، أن يمحو عني ما ~~كتب علي من الزلات، وأن يغفر لي ما تقدم وتأخر من العثرات، ويغفر لمن ولدني ~~من المؤمنين والمؤمنات، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين ~~وآله الطييبن وسلم. ms162