######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0005899 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني، أبو بكر (المتوفى: 406هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 406 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مشكل الحديث وبيانه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: شروح الحديث #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0005899 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-5899 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/5899 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: موسى محمد علي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1985م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: عالم الكتب - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله المتفضل بنعمه المتطول بأياديه ومننه الذي خص من شاء بهدايته ~~من غير حاجة ومنعها من شاء من غير نقص ولا آفة # أوجد المخلوقات بقدرته وأتقنها بعلمه ودبرها على حسب إرادته ومشيئته # ودلت بدائعه على حكمته وشهدت صنائعه بعزته وعظمته فكل مفطور شاهد ~~بوحدانيته وكل مخلوق دال على إلاهيته وربوبيته متوحد بصفات العلو والتوحيد ~~والتعظيم في أزله منفرد بأسمائه في قدسه مقدس عن الحاجات مبرأ عن العاهات ~~منزه عن وجوه النقص والآفات متعال عن أن يوصف بالجوارح والآلات والأدوات ~~والسكون والحركات والدواعي # PageV01P033 # والخطرات بل هو الأعلى عن جميع من في الأرض والسموات # لا يليق به الحدود والنهايات ولا يجوز عليه الألوان والمماسات ولا يجري ~~عليه الأزمان والأوقات ولا يلحقه النقائض والزيادات # موجود بلا حد موصوف بلا كيف مذكور بلا أين معبود بلا شبه # لا تتصوره الأوهام ولا تقدره الأفهام ولا يحيط بكنه عظمته الدلائل ~~والأعلام # خلق ما خلق أنواعا متفرقة وأجناسا متفقة فدل بها أولي الألباب على أنه ~~خارج عن كل نوع وجنس بعيد عن مشابهة كل شيء بشكل وشكل # ونحمده على نعمه عودا وبدءا ونشكره على فواضله أولا وآخرا ونستعصمه من ~~الخطأ والزلل ونستوقفه لأرشد القول والعمل ونستعينه على إتمام ما ابتدأ به ~~من فضله ورحمته ونشهد له بالتوحيد والتفرد بإنشاء المخترعات على اختلافها ~~نفعا وضرا وعطاء ومنعا وخيرا وشرا وأن جميع ذلك العدل من فضله والقسط من ~~تقديره وتدبيره # PageV01P034 # ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وصفوته وخيرته أرسله ~~بالحق إلى الخلق بشيرا ونذيرا صادقا أمينا فقطع به العذر وأكمل الحجة وختم ~~الرسالة صلى الله عليه وسلم خاصة وعلى النبيين والمرسلين والملائكة ~~المقربين وعلى جميع المطيعين له عامة وسلم تسليما # PageV01P035 ### | فصل # أما بعد فقد وفقت أسعدكم الله بمطلوبكم ووفقنا الإتمام بما ابتدأنا به ~~على تحري النصح والصواب إلى إملاء كتاب نذكر فيه ما اشتهر من الأحاديث ~~المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يوهم ظاهره التشبيه مما يتسلق ms001 ~~به الملحدون على الطعن في الدين وخصوا بتقبيح ذلك الطائفة التي هي الظاهرة ~~بالحق لسانا وبيانا وقهرا وعلوا وإمكانا الطاهرة عقائدها من شوائب الأباطيل ~~وشوائب البدع والأهواء الفاسدة وهي المعروفة بأنها أصحاب الحديث وهم فرقتان ### | 1 - # فرقة منها هي أهل النقل والرواية الذين تشتد عنايتهم بنقل السنن وتتوفر ~~دواعيهم على تحصيل طرقها وحصر أسانيدها والتمييز بين صحيحها وسقيمها فيغلب ~~عليهم ذلك ويعرفون به وينسبون إليه ### | 2 - # وفرقة منهم يغلب عليهم تحقيق طرق النظر والمقاييس والإبانة عن ترتيب ~~الفروع على الأصول ونفي شبه الملبسين عنها وإيضاح وجوه الحجج والبراهين على ~~حقائقها # PageV00P000 # فالفرقة الأولى للدين كالخزنة للملك والفرقه الأخرى كالبطارقة التي تذب ~~عن خزائن الملك المعترض عليها والمتعرضين لها وذكرتم أن أهل البدع من أصحاب ~~الأهواء الفاسدة العادلة له من مناهج الكتاب والسنة نحو # الجهمية والمعتزلة والخوارج والرافضة # PageV01P038 # والجسمية ومن ناصب هذه الفرقة بالعدواة من سائر أهل الأهواء الباطلة تقصد ~~دائما تهجين هذه العصابة بنقل أمثال هذه الأخبار وتروم بذلك التلبيس على ~~الضعفاء لتوهمهم أنها تنقل مالا يليق بالتوحيد ولا يصح في الدين وتظن أن ~~هذه الفرقة احتملت ذلك لإعتقادها حقائق معاني هذه الألفاظ على حسب المعهود ~~من أحوال الخلق المعروف من صفاتهم وجوارحهم وأدواتهم واشتغلت بذلك وهي ~~ذاهبة عن معانيها غافلة عن المقاصد فيها فرمتها بكفر التشبيه وبفعلة أهل ~~الإلحاد والتعطيل جاهلة أنها إنما نقلت ما وعت عن رسولها وروت ما سمعت عن ~~العدول عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد اعتقدت أصول الدين وحقائق التوحيد ~~بدلائل العقول والسمع فروت ذلك على موافقة أصولها ومعاضدة ما شهدت البراهين ~~بصحتها # وإنما حمل هؤلاء المبتدعة على هذا التهجين والإنكار على هذه الطائفة بنقل ~~ما نقل من ذلك ما حمل الملحدة والمعطلة على إنكار كتاب الله تعالى اعتراضا ~~منهم # PageV01P039 # عليه بذكر بعض ما ذهبت عن معرفه معانيها وخفائها من آياته المتشابهة # وذلك أن آي الكتاب قسمان # فقسم هو محكم تأويله بتنزيله يفهم المراد منه بظاهره وذاته # وقسم لا يوقف على معناه إلا بالرد إلى ms002 المحكم وانتزاع وجه تأويله منه # PageV01P040 # فكذلك أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم جارية هذا المجرى ومنزلة على هذا ~~التنزيل فمنها الكلام البين المستقل في بيانه بذاته # PageV01P042 # ومنها المفتقر في بيانه إلى غيره وذلك على حسب عادة العرب في خطابها وعرف ~~أهل اللغة في بيانها إذ لم يكن كل خطابهم جليا بينا مستغنيا عن بيان وتفسير ~~ولا كله خفيا مستحيلا يحتاج إلى بيان وتفسير من غيره # فإذا كانت دلائل العقل الله تعالى على ما فطر عليها العقول منقسمة فكذلك ~~دلائل السمع منقسمة # وكما لم يعترض ما خفي من دلائل على ما تجلى منها حتى يسقط دلائل العقول ~~راسا فكذلك ما خفي من دلائل السمع لا يعترض على ما تجلى منها وإنما أراد ~~الله عز وجل أن يرفع الذين أوتوا العلم بخصائص رفعه ودرجات فيها يبين حالهم ~~بها عمن لم ينعم عليه بمثلها فإذا كانت دلائل العقول صحيحة مع تفاوتها في ~~الجلي والخفي عند أكثر الملحدة فكذلك دلائل الله عز وجل فيما دلت عليه من ~~الأحكام والأوصاف ونعوت الخالق والخلق وكذلك كون تنويع دلائل السمع الذي هو ~~السنن متنوعة لا يبطلها جهل الجاهل بمعانيها # وهذه المقدمة تكشف لك عن جهالة المبتدعة في إعتراضهم أهل النقل عن ~~أصحابنا في نقل هذه الأخبار فتوضح لك أن قود هذه المقالة يجر القائل به ~~والقائل له إلى أبطال الكتاب بمثل ما أبطل به السنة # PageV01P043 # وإنه متى زعم أن للآي المتشابهة التي وردت في الكتاب معنى وطرقا من جهة ~~اللغة تنزل عليها وتصحح بها من حيث لا يؤدي إلى شبهة ولا إلى تعطيل فكذلك ~~سبيل هذه الأخبار والتطرق إلى تنزيل معانيها وتصحيح وجوهها على الوجه الذي ~~يخرج عن التشبيه والتعطيل كذلك لم يبق إلا أن هؤلاء المبتدعة إنما تقصد ~~بهذا التهجين الكشف مما تستره من العقائد الردية في هذه الطائفة الطاهرة ~~التي هي بالحق ظاهرة سبيل اعتراض الملحدة أجاوبني # وأما ما كان من نوع الآحاد مما صحت الحجة به من طريق وثاقه النقلة وعدالة ~~الرواة وإتصال نقلهم ms003 فإن ذلك وإن لم يوجب العلم والقطع فإنه يقتضي غالب ظن ~~وتجويز حكم حتى يصح أن يحكم أنه من باب الجائز الممكن دون المستحيل الممتنع # وإذا كانت ثمرة ما جرى هذا المجرى من الأخبار ما ذكرناه فقد حصلت به ~~فائدة عظيمة لا يمكن التوصل إليها إلا به وهذا يقتضي أن يكون الإشتغال ~~بتأويله وأيضاح وجهه مرتبا على ما يصح ويجوز في أوصافه جل ذكره محمولا على ~~الوجه الذي نبينه من غير اقتضاء تشبيه أو إضافة إلى ما لا يليق بالله جل ~~ذكره إليه فعلى ذلك تجري مراتب هذه الأخبار وطرق تأويلها فاعلمه إن شاء ~~الله تعالى # PageV01P044 ### | ذكر خبر مما يقتضي التأويل ويوهم ظاهره التشبيه # وهو حديث الصورة وبيان تأويله فمن أقسام الرتبة الأولى من هذه الأخبار ~~مما يدخل في باب المستفيض الذي تلقاه أهل العلم بالقبول ولم ينكره منهم ~~منكر وهو حديث الصورة # وقد روي ذلك على وجهين في بعض الأخبار وهو قوله عليه السلام # إن الله خلق آدم على صورته # ولا خلاف بين أهل العلم والنقل في صحة ذلك # PageV01P045 # وقد روي أيضا إن الله خلق آدم على صورة الرحمن وأهل النقل أكثرهم على ~~إنكار ذلك وعلى أنه غلط وقع من طريق التأويل لبعض النقلة فتوهم أن الهاء ~~يرجع إلى الله تعالى فنقل على المعنى على ما كان عنده في أن الكناية ترجع ~~إلى الله تعالى # وقد روي في بعض أحاديث عكرمة عن ابن عباس وفي حديث أم الطفيل وغيره عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إطلاق لفظ الصورة على وجه آخر وهو قوله عليه ~~السلام # PageV01P046 # رأيت ربي في أحسن صورة // أخرجه الترمذي // # PageV01P047 ### | بيان تأويل ذلك # فأما قوله عليه السلام خلق آدم على صورته فقد تأوله المتأولون من أهل ~~العلم على وجوه كثيرة سنذكرها ثم نزيد فيها ما وقع لنا في تأويله مما يوافق ~~تأويلهم وبين خطأ من ذهب عن وجهه الصواب في تأويله وأظهر وجوه التأويل في ~~ذلك # ومما قيل إن هذا الخبر خرج على سبب وذلك أن النبي ms004 صلى الله عليه وسلم مر ~~برجل يضرب ابنه أو عبده في وجهه لطما ويقول قبح الله وجهك ووجه من أشبه ~~وجهك # فقال صلى الله عليه وسلم # إذا ضرب أحدكم عبده فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته // أخرجه ~~البخاري // # PageV01P048 # وقد نقل الناقلون هذه القصة مع هذه اللفظة من الطرق الصحيحة وإنما ترك ~~بعض الرواة بعض الخبر إختصارا على ما يذكر منه للدلالة على ما يحذف إذا ~~كانت القصة عنده مشهورة مضبوطة بنقل الإثبات لأن أكثر الغرض عندهم الأسانيد ~~دون المتون فلذلك ترك بعضهم ذكر السبب فيه # فالأولى أن يحمل المختصر من ذلك على المفسر حتى يزول الإشكال وإنما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم له ذلك لأنه سمعه يقول # قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك وذلك سب للأنبياء وللمؤمنين فزجره عن ~~ذلك # وخص آدم بالذكر لأنه هو الذي ابتدئت خلقة وجهه على الحد الذي يحتذى عليها ~~من بعده كأنه ينبهه على أنك قد سببت آدم ومن ولد مبالغة في الردع له عن ~~مثله وإذا كان كذلك فهذا وجه ظاهر والهاء كناية عن الضرب في وجهه ولا شبهة ~~فيه # PageV01P049 # والوجه الآخر مما تأوله عليه الناس أن الكناية في قوله صورته ترجع إلى ~~آدم وذلك ينقسم إلى وجوه # أحدها أن يكون معناه وفائدة تعريفنا نعمة الله تعالى على أبينا آدم عليه ~~السلام أن فضله بأن خلقه بيده وأسكنه جنته وأسجد له ملائكته وعلمه ما لم ~~يعلمه أحدا قبله من الأسماء والأوصاف ثم عصاه وخالفه فلم يعاقبه على ذلك # PageV01P050 # بسائر ما عاقب به المخالفين له في نحوه وذلك أنه روي في الخبر أنه أخرج ~~آدم من الجنة وأخرج معه الحية والطاووس فعاقب الحية بأن شوه خلقها وسلبها ~~قوائمها وجعل أكلها من التراب وشوه رجلي الطاووس ولم يشوه خلقة آدم بل أبقى ~~له حسن الصورة ولم يجعل عقوبته في ذلك # PageV01P051 # فعرفنا صلى الله عليه وسلم بذلك أن أباكم آدم عليه السلام كان في الجنة ~~على الصورة التي كان عليها في الدنيا لم ms005 يغير الله خلقته وتكون فائدة ذلك ~~تعريفنا الفرق بينه وبين سائر من أخرجه من الجنة معه وإبانته منهم في ~~الرتبة والدرجة وهذه فائدة لا يمكن الوقوف عليها إلا بخبر الصادق # والوجه الثاني من ذلك إذا قلنا إن الهاء يرجع إلى آدم فسبيله أن النبي ~~عليه السلام أفادنا إبطال قول أهل الذمة أنه لم يكن إنسان إلا من نطفة ولا ~~نطفة إلا من إنسان فيما مضى ويأتي ليس لذلك أول ولا آخر وأن الناس إنما ~~ينتقلون من نشوء على ترتيب معتاد وإن كان ذلك أبدا كان كذلك فعرفنا صلى ~~الله عليه وسلم بتكذيبهم وأن أول البشر آدم عليه السلام خلق على صورته التي ~~كان عليها وعلى الهيئة التي شوهد عليها من غير أن كان من نطفة قبله أو عن ~~تناسل أو تنقل من صغر إلى كبر كالمعهود من أحوال أولاده فأما ما دلت عليه ~~دلائل العقول من كون هذا العالم ذا ابتداء وإنتهاء # وأفاد به ما لا يوصل إليه إلا بالسمع إلا أن الأصل الذي هو منه توالدنا ~~لم يكن عن توالد قبله بل خلق كما كان عليه وهو آدم عليه السلام خلقه الله ~~عز وجل من صلصال كالفخار ثم خلق فيه الروح ولم يكن قط في صلب ولا رحم ولا ~~كان علقة ولا مضغة ولا مراهقا ولا طفلا بل خلق ابتداء بشرا سويا كما شوهد ~~// أخرجه البخاري ومسلم # PageV01P052 # وعهد # والوجه الثالث من وجوه هذا التأويل في الرجوع بالهاء إلى آدم عليه السلام ~~على ما ذهب إليه بعضهم في تأويله وهو أنه أفادنا صلى الله عليه وسلم أن ~~الله عز وجل خلق آدم على الصورة التي كان عليها من غير أن كان ذلك حادثا أو ~~شيئا منه عن توليد عنصر أو تأثير طبع أو فلك أو ليل أو نهار إبطالا لقول ~~الطبائعيين # إن بعض ما عليه آدم عليه السلام من هيئة وصورة لم يخلقه الله عز وجل ~~وإنما كان ذلك من فعل الطبع أو تأثير الفلك // أخرج عبد الرزاق // # PageV01P053 # فنبه بذلك ms006 على أن الله تعالى هو الخالق لآدم عليه السلام على ما كان فيه ~~من الصورة والتراكيب والهيئات لم يشاركه في خلق صورة من صوره أو هيئة من ~~هيئاته أحد سواه فاستفدنا بذلك بطلان قول من قال بتوليد الطبع وإيجابه ~~وتأثير الفلك وتغييره # وخص آدم عليه السلام بالذكر تنبيها على أن من شاركه من المخلوقات في ~~معناه وهذه طريقة للعرب في التفهيم تذكرا على ما في هذا الباب للدلالة على ~~الأدنى # فإذا عرف أن صورة آدم وتركيبه وهيئته لم يخلقها أحد إلا الله عز وجل علم ~~سائر المصورات من أودلاه وغيرهم فحكمها كذلك # وقال بعضهم الهاء يرجع إلى بعض المشاهير من الناس والفائدة في الخبر ~~يعرفنا أن صورة آدم عليه السلام كانت كهذه الصورة إبطالا لقول من زعم أنها # PageV01P054 # كانت على هيئة أخرى كما روي في بعض الروايات من ذكر طوله وقامته وذلك مما ~~لا يوثق به إذ ليس في ذلك خبر صحيح وإنما المعول في مثله على كعب أو وهب من ~~أحاديث التوراة ولا ثقة بشيء من ذلك ولم يثبت من وجهة أخرى أنه قد كانت ~~خلقة آدم عليه السلام على خلاف هذه الخلقة على الحد الزائد الذي يخرج عن ~~المعهود من متفاوت البشر # والطريقة الثانية في تأويل ذلك أن يكون الهاء كناية عن الله وهذا أضعف ~~الوجهين من قبل أن الظاهر أن الهاء ترجع إلى أقرب المذكور إليه إلا أن تدل ~~دلالة على خلاف ذلك # وإذا قلنا هذا احتمل وجوها # أحدها أن يكون معنى الصورة على هذا معنى الصفة كما يقال عرفني صورة هذا ~~الأمر أي صفته ولا صورة للأمر على الحقيقة إلا على معنى الصفة ويكون تقدير ~~التأويل فيه أن الله عز وجل خلق آدم على صفته وذلك أن المخلوقات قسمان # جماد ونام # والنامي نوعان حيوان وما ليس بحيوان # والحيوان على نوعين ناس وبهائم ثم سوى الجن والملك ثم لم يشرف من الحيوان ~~والجماد شيء سوى الإنسان للإضافة إلى النامي والبهائم ولم يشرف من # PageV01P055 # نوع الحيوان الناطق أحد ms007 سوى الأنبياء وذلك أن نوعا من العقلاء من الحيوان ~~كالجن والملك والإنس خص بالعقل والنطق وشرف به وذلك من خصال كمال التعالي ~~ثم لما كان أكمل الأشياء نعتا وأتمها رفعة وتعظيما هو الله عز وجل وكان ~~الحي العالم القادر السميع البصير المتكلم المريد وذلك نعوت عظمة وعزة ~~وجلالة خلق آدم على صفته مما هي صفة التعالي حيا عالما قديرا سميعا بصيرا ~~متكلما مختارا مريدا # فميزه من الجماد والنامي بما نفخ فيه من الروح # PageV01P056 # وميزه من البهائم بما ركب فيه من العقل والنطق # وميزه من جنسه من وقته بأن نبأه وأرسله # وميزه من الملائكة بأن قدمه عليهم وأسجدهم له وجعلهم تلاميذه وأمرهم أن ~~يتعلموا منه فحصلت له رتبة الجلال والعظمة مما نوعه الله عز وجل بأن حصل ~~سجودا له مختصا بالعلم بما لا يشاركه فيه في حالة غيره فتميز بهذه الصفات ~~وهي صفات التعالي من سائر العالمين والمخلوقين في وقته فعرفنا # PageV01P057 # عليه السلام بذلك إسباغ نعم الله عز وجل عليه وتشريفه إياه بخصال التعالي ~~وهي صفات مما في صفات الله على الإختصاص # والوجه الثاني من قولنا أن الهاء راجعة إلى الله وهو أن يعلم من طرق ~~الإضافات إلى الله عز وجل وطرق التخصيص فيها وذلك أن من الأشياء ما يضاف ~~إلى الله عز وجل من طريق أنه فعله كما يقال خلق الله وأرض الله وسماء الله # وقد يضاف مثل هذه الإضافة على معنى الملك فيقال رزق الله وعبد الله وقد ~~يقال على معنى الإختصاص من طريق التنويه يذكر المضاف إذا خص بالإضافة إليه ~~وذلك نحو قوله ناقة الله فإنها إضافة تخصيص وتشريف يفيد التحذير والورع عن ~~التعرض لها # ومن ذلك قوله تعالى # {ونفخت فيه من روحي} # وقول المسلمين للكعبة بيت الله تخصيصا بالذكر في الإضافة إليه تشريفا وهو ~~كقوله أيضا في إضافة المؤمنين إلى نفسه بلفظ العبودية في قوله تعالى # {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} إلى آخر صفاتهم # PageV01P058 # وقوله # {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} # والوجه الآخر من الإضافة ms008 نحو قولك كلام الله وعلم الله وقدرة الله وفي ~~إضافة إختصاص من طريق القيام به كما يقال في إضافة الأرض إلى المحل وما لا ~~يقوم بنفسه إلى ما يقوم بنفسه وليس ذلك من جهة الملك والفعل والتشريف بل ~~ذلك على معنى أن ذاته غير منعوتة منه قياما بها وقعودا ووجودا ثم نظرنا في ~~إضافة الصورة إلى الله عز وجل فلم يصح أن يكون وجه إضافتها إليه على نحو ~~إضافة # PageV01P059 # الصفة إلى الموصوف بها من حيث تقوم به لإستحالة أن يقوم بذاته عز وجل ~~حادث بوجه ولا صورة ولا تأليف ولا غيره لأن ما قام بذات من تأليف وصورة لم ~~يألف غير ما لم يقم به وبذلك يمنع أن يكون غيره قد تصور بها وذلك محال فبقي ~~من وجوه الإضافات كذا الملك والفعل والتشريف فأما الملك والفعل فوجهه عام ~~ويبطل فائدة التخصيص فبقي أنها إضافة تشريف # وطريق ذلك أن الله عز وجل هو الذي ابتدأ تصوير آدم لا على مثال بل اخترعه ~~اختراعا ثم اخترع من بعده على مثاله فتشرفت صورته بالإضافة إليه من حيث ~~كانت مخصوصة بها على هذا الوجه ثم سائر وجوه التشريف مما خص بها آدم عليه ~~السلام من فضائله مما ذكرنا بعضه # واعلم أنا إذا قلنا إن الهاء يرجع إلى الله عز وجل في قولهم في صورته على ~~بعض المعاني التي ذكرنا فإن تأويل ما يروى من هذا الخبر على إظهار الرحمن ~~بعد ذكر الصورة على ما فيه من الضعف والعلة عند أهل النقل وأنه يكون محمولا ~~على ما ذكرناه # إذا قلنا إن الهاء ترجع إلى الله عز وجل وقد أنكر بعض أصحابنا صحة هذه ~~اللفظة من طريق العربية وقال لا يجوز في اللغة أن يقال مثله ولو كان المراد ~~ذلك لكان يقول # إن آدم خلق على صورة الرحمن دون أن يقال إن الله خلق آدم على صورته لأن ~~تقدم ذكره بإسم الظاهر فإذا أعيد ذكره لكني عنه بالهاء من غير إعادة اسمه ~~بالظاهر كقولك # PageV01P060 # إن زيدا ms009 ضرب عبده ولا يقال إن زيدا ضرب عبد زيد والمراد بزيد الثاني هو ~~المراد بالأول # قالوا وإذا لم يكن ذلك سائغا من جهة العربية ولا ثابتا من جهة النقل لم ~~يكن للإستعمال به وجه # ومن أصحابنا من قال # إن هذا ليس مما يمكن أن يدفع به هذا الخبر على هذا الوجه وإنما طريق دفع ~~ذلك من جهة النقل وتعليل أمر رواته لأن مثله قد يصح في العربية وقد وردت ~~بذلك أشعار العرب فمن ذلك قول عدي بن زيد # (لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نقض الموت ذا الغنى والفقيرا) # فأعاد ذكر الموت بلفظه ولم يكن عنه بالهاء ولم يقل لا أرى الموت يسبقه ~~شيء ومثله في القرآن # {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} # ولم يقل إلينا وإليه فإذا كان مثله سائغا لم يكن لإنكاره من هذا الوجه # PageV01P061 # معنى دون أن يقال إن الإثبات من أهل النقل لم يرووه على هذا الوجه بل ~~كلهم أجمعوا على نقل قوله على صورته صورته بالهاء كناية لا إظهارا وذلك ~~محتمل للوجوه التي ذكرناها إن رجع به إلى آدم فيحتمل وهو الأقرب وإن رجع به ~~إلى المضروب على ما روى في السبب فيه معه فظاهر أيضا وإن رجع به إلى الله ~~عز وجل وهو الأبعد كان طريق تأويله ما بيناه لأنه أريد به إثبات صورة الله ~~تعالى على التحقيق وهو بها مصورا ومتصورا لأن صورته هي التأليف والهيئة ~~وذلك لا يصح إلا على الأجزاء المتألفة والأجسام المركبة وقد تعالى الله عز ~~ذكره عن أن يكون جسما أو جوهرا أو مؤلفا مركبا # ومن أصحابنا من قال # إن الهاء ترجع إلى آدم ويكون معناه وفائدته تكذيب القهرية لما زعمت أن من ~~صورة آدم وصفاته ما لم يخلقه الله عز وجل # وذلك أن القدرية على أن صفات آدم على نوعين # منها ما خلقه الله ومنها ما خلقها آدم لنفسه فأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بتكذيبهم # PageV01P062 # وأن الله تعالى خلق آدم على جميع صوره وصفاته ومعانيه وأعراضه ومثله ms010 في ~~الكلام أن يقال عرفني هذا الأمر على صورته إذا أردت أن يعرفك على الإستيفاء ~~والإستقصاء دون الإستبقاء # وكما أفادنا صلى الله عليه وسلم بذلك تكذيب الطبائعيين في كون بعض هيئات ~~البشر من توليد الطبع وإيجابه كذلك أفادنا تكذيب القدرية حيث زعمت أن من ~~معاني آدم عليه السلام وأعراضه وكثير من هيئاته لم يخلقه الله عز وجل وإنما ~~خلقه آدم وأبدعه هو من دون الله عز وجل # ووجه آخر مما يحمل عليه تأويل هذا الخبر إذا قلنا إن الهاء ترجع إلى آدم ~~وهو أن يكون معناه إشارة إلى ما نقول على أصولنا إن الله عز وجل خلق السعيد ~~سعيدا والشقي شقيا فلما خلق آدم وقد علم أنه يعصي ويخالف أمره وكتب ذلك ~~عليه وأنه عز ذكره هكذا خلقه على ما علم وأراد أن يكون عليه وشهد لذلك حديث ~~محاجة موسى لآدم عليهما السلام لما قال موسى لآدم لما التقيا في السماء # ألست الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته ثم عصيته وخالفت ~~أمره # فقال آدم عليه السلام # أكان ذلك شيء مني أو أمر كتبه الله عز وجل علي قبل أن يخلقني # فقال موسى ذلك مما كتبه عليك قبل خلقك قال صلى الله عليه وسلم # PageV01P063 # فحج آدم موسى ثلاثا # فدلنا صلى الله عليه وسلم بقوله # إن الله خلق آدم على صورته على مثل هذا المعنى وإنه خلق ممن سبق العلم ~~بحاله أنه يعصي ثم يتوب فيتوب الله تنبيها على وجوب جريان قضاء الله على ~~خلقه وأنه إنما يحدث الأمور ويغير الأحوال على حسب ما يخلق عليه المرء ~~ويتيسر له وهذا أيضا تأييد لمذهبنا في إضافة تقدير الأمور كلها إلى الله عز ~~وجل # PageV01P064 ### | ### | فصل # # واعلم أن بعض أصحابنا المتكلمين في تأويل هذا الخبر حاد على وجه الصواب ~~وسلك طريق الخطأ والمحال فيه وهو ابن قتيبة توهما أنه مستمسك بظاهره غير ~~تارك له فقال # إن لله عز وجل صورة لا كالصور كما أنه شيء لا كالأشياء # فأثبت لله تعالى صورة ms011 قديمة زعم أنها لا كالصور وأن الله خلق آدم على تلك ~~الصورة وهذا جهل من قائله وتوغل في تشبيه الله تعالى بخلقه # PageV01P067 # والعجب منه أنه تأول الخبر ثم زعم أن الله صورة لا كالصور ثم قال # إن آدم مخلوق على تلك الصورة وهذا كلام متناقض متهافت يدفع أوله آخره ~~وذلك # أن قوله لا كالصور ينقض قوله إن الله خلق آدم عليها لأن المفهوم من قول ~~القائل فعلت هذا على صورة هذا أي ماثلته به واحتذيت في فعله به وهذا يوجب ~~أن صورة آدم عليه السلام كصورته جل ثناؤه ويمنع تأويله أن له صورة لا ~~كالصور وليت شعري إلى أي وجه ذهب في إضافة الصورة إلى الله عز وجل # أراد به إثبات الرب تعالى مصورا بصورة لا تشبه الصور # أم إثباته مصورا بأمثال هذه الصور # أم أراد به أن له هيئة مخصوصة وصورة معينة معلومة # أم رجع بذلك إلى إثبات صفة له سماها صورة لا على معنى وجه الهيئة ~~والتأليف # وليس يخلو ما ذهب إليه من هذه الأقسام وكل ذلك فاسد لا يليق بالله عز وجل ~~لإقتضائه أن يكون مؤلفا مركبا ذا حد ونهاية وبعض وغاية وكل ذلك يؤدي إلى ~~القول بنفيه تعالى وقد بينا وجه ذلك قبل ولا معنى لحمل ذلك على صفة طريقها ~~السمع على نحو ما قلنا في اليد والعين لخلو الكلام من فائدة لو حمل على ذلك ~~فإذا لم يخرجوه من الوجوه التي ينقسم إليها مذهب هذا القائل فقد بان خطاؤه ~~وعدوله عن وجه الصواب في تأويله # PageV01P068 ### | فصل # فأما ما روي في غير هذا الخبر من ذكر الصورة كنحو حديث ابن عباس وأم ~~الطفيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # رأيت ربي في أحسن صورة # فإن طريق مخرج ذلك على الوجه الذي يصح لا يخلو من أحد وجهين # PageV01P069 # أحدهما أن يكون قوله في أحسن صورة يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويكون المعنى رأيت أبي وأنا في أحسن صورة كما يقول القائل # رأيت الأمير في ms012 أحسن زي ومراده وأنا في أحسن زي ويكون فائدة ذلك تعريفنا ~~أن الله عز وجل زين خلقته وجمل صورته عند رؤيته زيادة إكرام وتعظيم ويحتمل ~~أن يكون معنى الصورة معنى الصفة كقول القائل صورة الأمر كذا وكذا أي صفته ~~كذا فتكون الفائدة على هذا الوجه فيه الإخبار عن حسن حاله عندالله عز وجل ~~وتوقير الرب بإنعامه عليه وإعظامه وذلك أن الرائي قد يرى المرئي ويكون حال ~~الرائي عن المرئي محمودة مقبولة فيتلقاه المرئي بالإكرام والإجلال وقد ~~يخالف ذلك فيتلقاه بخلافه # فعرفنا صلى الله عليه وسلم وجود زوائده وحصول فوائده عند لقاء الله عز ~~وجل وأنه كان عنده في أحسن صورة وأجمل حال # والوجه الثاني أن تكون الصورة بمعنى الصفة ويرجع ذلك إلى الله وذلك أن ~~قولك رأيت الأمير راكبا يحتمل معنيين # أحدهما أن يكون الركوب حال الرائي # والثاني أن يكون الركوب حال المرئي # PageV01P070 # وكلا الوجهين سائغ محتمل # فإذا قلنا إن قوله في أحسن صورة يرجع إلى الله تعالى فإن فائدته على نحو ~~ما ذكرنا أيضا قبل وهو أن يفيدنا أنه رأى الله عز وجل وهو على أحسن صفاته ~~معه في إنعامه عليه والإقبال والإفضال إليه والإجلال ويكون حسن الصفة يرجع ~~إلى حسن الإحسان والإكرام وما تلقاه به من الرحمة والرضوان والجود ~~والإمتنان # وقد يقال في صفة الله تعالى أنه جميل وأن له جمالا وجلالا والمراد بوصفنا ~~أنه جميل أنه مجمل في أفعاله والإجمال في الفعل هو فعل الجمال لمن يجملهم ~~به وذلك نوع الإحسان والإكرام فكذلك حسن صفة الله تعالى يرجع إلى ما يظهر ~~من فعل النعم والإبتداء بالمنن # وقد يكون حسن الصورة وجمالها مما يرجع إلى الرب عز ذكره من نفي التناهي ~~في العظمة والكبرياء والعلو والرفعة حتى لا منتهى ولا غاية وراءه # ويكون معنى الخبر على ذلك تعريفنا ما تزايدت من معارفه عليه الصلاة ~~والسلام وعند رؤيته لربه عز ذكره لعظمته وكبريائه وبهائه وبعده من شبه خلقه ~~وتنزيهه من صفات النقص وتعريه من كل عيب # فإذا كان كذلك ms013 فحمل الخبر على أحد هذه الوجوه هو الأليق بتوحيد الله ~~والأولى بصفاته وبقوله عز وجل # PageV01P071 # {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ### | فصل آخر # وقد ذكر بعض المتأولين لهذه الأخبار في تأويل ما روي عنه عليه الصلاة ~~والسلام في قوله # رأيت ربي في أحسن صورة أن ذلك كان رؤيا منام وقد ذكر في حديث أم الطفيل ~~حديث المنام نصا وفي بعض أحاديث ابن عباس رضي الله عنه قال # وإذا كان كذلك منصوصا فقد زال الشك فيه وإن لم يكن منصوصا فإن الأمر فيه ~~محمول على ذلك وهو أن الجميع من مثبتي الرؤية ونفاتها قد قالوا بجواز رؤية ~~الله عز وجل في المنام وقالوا # إن رؤيا النوم وهم قد جعله الله تعالى دلالة للرائي على أمر يكون أو كان ~~من طريق التعبير والأوهام قد يتعلق بالموهوم على خلاف ما عليه الموهوم فلا ~~ينكر أن يقال مثله فيه من طريق الرؤيا إلا أنه سبحانه ببعض تلك الأوصاف ~~التي تعلقت بها الرؤيا متحقق وذلك معهود مثله في أحوال الرؤيا # إن الرائي قد يرى في المنام ما لا يكون على ما يراه # PageV01P072 # كمن يرى في المنام كأنه يطير أو كأنه انقلب حمارا وهو في موضع آخر غير ~~الموضع الذي هو فيه فيكون ذلك توهما منه لا رؤية حقيقة وقد يصح مثله على ~~الأنبياء والأولياء إذ قد وردت الأخبار برؤيا الأنبياء والصالحين أنهم رأوا ~~في منامهم أشياء كانت أحكامها بخلاف ما رآها وصح ذلك لأنها أوهام تجري مجرى ~~الدلالات بإختلاف طريق التأويلات # وقد ذكر بعض أصحاب التعبير ذلك في كتبهم الموضوعة لذلك وعبروا ذلك ~~بتأويله كما عبروا أيضا من يرى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أو يرى ~~القيامة أو الجنة والنار في سائر ما يرى في المنام مما له تعبير قال # وإذا كان ذلك سائغا وقد ذكره نصا بعض الرواة وجب أن يكون التأويل محمولا ~~عليه لإستحالة كون الباري مصورا بالصورة والهيئة والتركيب والحد والنهاية # PageV01P073 # وقد تهور بعض المتكلمين في ذلك أيضا فغير اللفظ ms014 المسموع إلى ما لم يضبط ~~ولم ينقل تعسفا في التأويل فقال # إنما هو ربي بكسر الراء وهو اسم عبد كان لعثمان رضي الله عنه رآه صلى ~~الله عليه وسلم في النوم على تلك الصفات وهذا غلط # لأن التأويل والتخريج إنما يكون لمسموع مضبوط منقول ولم يثبت سماع ذلك ~~على هذا الوجه ولا حاجة إلى مثل هذا التعسف مع إتساع طرق التأويل في بعض ~~الوجوه التي ذكرنا # وذكر بعضهم أيضا أنه أراد بذلك رئي فنقل ربي على التصحيف والرائي هو ~~التابع من الجن # قال فلا ينكر أن يكون الجن متصورا ببعض هذه الصور وهذا أيضا تعسف لأجل أن ~~القول بالتصحيف إنما يكون المعتمد عليه إذا روى بعض الإثبات ذلك على هذا ~~الحد مسموعا مضبوطا ولم يمكن أن يحمل على ضربين وعلى حالين مختلفين # كيف ولم ينقل على هذا الوجه ولم يثبت أنه كان الأصل على هذا الحد وإنما ~~وقع التصحيف من جهة التأويل ولا حاجة تدعو إلى دعوى تصحيف على # PageV01P074 # من ضبط ما سمع فنقل لأجل ما توهم أو تعذر في تخريج معناه على الوجه ~~الصحيح فبطل ذلك أيضا وجميع ما ذكرناه من تلك الوجوه أقرب إلى الصواب وأليق ~~لحكم الباب مما ذكرها هؤلاء المتعسفون # PageV01P075 ### | ذكر خبر آخر في مثل هذا المعنى # مما فيه ذكر الصورة وهو ما روى بعض الرواة وأظنه ثوبان مولى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # أتاني ربي في أحسن صورة # قال محمد بن شجاع البلخي في تخريج هذا الحديث # إن هذا الحديث أولا معلول من طريق الرواية وذلك أنه رواه أبو يحيى عن أبي ~~يزيد عن أبي سلام وأبو يحيى ضعيف قال # وإن صح معناه احتمل أن يكون أريد به أتاني ربي بأحسن صورة ويكون الفاء ~~بمعنى الباء وعلى هذا قد روى ابن عباس رضي الله عنهما في تأويل قوله {هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} # معناه بظلل من الغمام يعني تعجيل العقوبة لهم # وإذا ms015 كان ذلك سائغا في اللغة فيمكن أن يكون المعنى فيه # إن الله عز وجل أراه ملكا من الملائكة في أحسن صورة ويكون قوله # أتاني ربي في أحسن صورة محمولا على أن المعنى أتاني ربي بأحسن صورة ويكون ~~تأويل الإتيان به فعله به وإظهاره له حتى رآه # ونظير ذلك قوله تعالى # PageV01P077 # {فأتى الله بنيانهم من القواعد} # ذلك بإظهار فعل واتخاذ تدبير لا على معنى نقلة وتحول # قال محمد بن شجاع # ويحتمل تأويلا آخر وهو يعني أتاني ربي في الصورة مدبرا لها والصورة ملك ~~والله عز وجل فيها بمعنى التدبير لها # واعلم أن هذا أيضا غلط من محمد بن شجاع وإنما تأول ذلك على مذهبه في قوله ~~إن الله عز وجل في كل مكان على معنى أنه مدبر لكل مكان # ونحن نأبى هذا القول ونحيد أن يقال إن الله عز وجل ثناؤه في كل مكان هل ~~معنى أنه مدبر له فلا يسوغ على أصلنا هذا التأويل من الوجه الذي ذكرنا # فأما أحاديث ابن عباس ففي بعضها زيادات ألفاظ يقتضي تأويلا وتخريجا وذلك ~~أن في بعض أخبار ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال # رأيت ربي في أحسن صورة فقال يا محمد # فقلت لبيك وسعديك # قال فيم يختصم الملأ الأعلى # PageV01P078 # قلت ربي لا أدري # قال فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما بين المشرق والمغرب ~~ثم قال # يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى # قلت ربي لا أدري # قال في الكفارات والمشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في ~~الشتوات وإنتظار الصلاة بعد الصلاة فمن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير وخرج ~~من ذنوبه كيوم ولدته أمه # واعلم أن الذي يقتضي التأويل من هذا الخبر قوله صلى الله عليه وسلم فوضع ~~كفه بين كتفي وقد روي كنفي # فأما تأويل الكف فقد تأوله الناس على وجهين # أحدهما أن يكون بمعنى القدرة كما قال القائل # (هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها) # يعني في قدرته تقديرها تدبيرها # والوجه الثاني ms016 أن يكون المراد بالكف والنعمة والمنة والرحمة وقد استعملت ~~العرب لفظ اليد والإصبع والكف في معنى النعمة وذلك سائغ كثيرا في اللغة ~~وذلك أنهم يقولون # PageV01P079 # لفلان عندي أصبع حسن ولي عند فلان يد بيضاء أي منة كاملة فيكون استعمال ~~الكف على معنى اليد إذ كان بمعنى النعمة فعلى هذا يكون تأويل الخبر # الأخبار عن نعمة الله عز وجل وفضله ولطفه وإقباله عليه بأن شرح صدره ونور ~~قلبه وعرفه ما لم يعرف وعلم ما لم يعلم # وإذا قلنا إن المراد به القدرة احتمل أن يكون المعنى إعترافه بالعجز ~~وإقراره بقدرة الله على ما فعل به من اللطف والعطف حتى عرف كثيرا مما لم ~~يعرفه # وأما قوله بين كنفي فإن كان صحيحا فالمراد به ما أوصل إلى قلبه من لطفه ~~وبره وزوائده وفوائده لأن القلب بين الكتفين وهو محل الأنوار والعلوم ~~والمعارف # وقد روي بين كنفي والمراد بذلك ما يقال في قول القائل # أنا في كنف فلان وفي جانبه وفنائه إذا أراد بذلك أنه في ظل نعمته ورحمته ~~فكأنه قال # PageV01P080 # أفادني الرب تعالى من رحمته وإنعامه بملكه وقدرته حتى علمت ما لم اعلمه # وأما قوله فوجدت بردها فإنه يحتمل أن يكون المراد بذلك برد النعمة بمعنى ~~روحها وأثرها من قولهم عيش بارد إذا كان رغدا في رفاهية وسعة والذي يدل على ~~أن تلك الفوائد زوائد معارف قوله على إثر ذلك # فعلمت ما بين المشرق والمغرب لما نور قلبه وشرح صدره فكان ذلك بإظهار ~~آثاره وتدبيره عن رحمته فيه # وإنما حملناه على ذلك لإستحالة وصف الله تعالى بالجوارح والآلة وذلك ~~لإستحالة أن يكون ذا بعض وعضو وهذا هو ثمرة توحيد ذاته ووقوع المعرفة بكون ~~ذاته شيئا واحدا # وأما ما روى ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ~~الخبر بعد قوله فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري فإن تأويل ~~الأنامل على معنى تأويل الأصابع # PageV01P081 # وقد انتشر في كلام أهل اللغة لفلان على فلان أصبع حسن ms017 # وقال بعض أهل اللغة # إن العرب تقول لفلان على سابقة أنملة أي أصبع حسن وفي نسخة تقول العرب ~~لفلان على إبله أصبع حسن إذا اسمنها وأحسن إليها قال الشاعر {ضعيف العصا ~~بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما اجدب الناس اصبعا} # آي أثرا حسنا # وإذا كان كذلك احتمل أن يكون تأويل الخبر حتى وجدت آثار إحسانه وإمتنانه ~~ورحمته في صدري فتجلى له عند ذلك علم ما بين السماء والأرض برحمة الله وفضل ~~نعمته وسوقه الخير إليه في ذلك # وإذا كان ذلك سائغا في اللغة ولا يجوز وصف الله تعالى بالجوارح والأبعاض ~~كان طريق التأويل فيه ما ذكرنا # فأما ما ذكر في هذا الخبر من قوله عليه الصلاة والسلام مجيبا لربه عز وجل ~~لما قال له # PageV01P082 # فيم يختصم الملأ الأعلى فقال لا أدري فوضع كفه بين كتفي إلى أن ذكر فعلمت ~~ما بين السماء والأرض ثم قال عليه الصلاة والسلام # فقال لي فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا أدري بعد قوله فعلمت ما بين ~~السماء والأرض فوجه ذلك ما ورد في القرآن الكريم من قوله عز وجل # {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام ~~الغيوب} # فيكون ذلك منه أو منهم على ترك التعالم عليه وأن يكون مستعملا للأدب ~~بحضرة من هو أعلم منه لأن الواجب من عادة ذلك حين لا يدعي العلم عند من هو ~~أعلم منه به وعند من علمه ذلك العلم # ويحتمل أن يكون قد علم ما بين المشرق والمغرب بأن أري ذلك كما روي في ~~الخبر أنه قال صلى الله عليه وسلم # زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها # وليس ذلك مما يتعلق بالعلم بأحكام العبادات وما عليها من وجوه الثواب ~~والكرامات جزاء على الطاعات وهو الذي كشف عنه عز ذكره له عليه الصلاة ~~والسلام بعدما قال لا أدري # وإن حمل على ذلك لم يتناقض الكلام وصح الجمع بينهما على الترتيب الذي ~~رتبناه # PageV01P083 ### | ذكر خبر آخر مما ذكر فيه الصورة # وهو من ms018 الأخبار التي ذكرت في الصحاح رفع الحديث إلى أن قال # فيأتيهم في صورة غير الصورة التي يعرفونها فيقول # أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ~~ربنا عرفناه # قال فيأتيهم في الصورة التي يعرفونها فيقول أنا ربكم # فيقولون أنت ربنا فيأتونه # وفي بعض ألفاظ هذا الخبر أنه يقول لهم أو تعرفونه إذا رأيتموه # فيقولون نعم # فيقول وبماذا تعرفونه # فيقولون بيننا وبينه علامة إذا رأيناه عرفناه # هذا الخبر مشهور وفيه طول وقصة ذكرنا منه ما يحتاج إلى تأويل وتأويل ذلك ~~وتخريجه يحتمل وجودها # أحدها أن تكون في ها هنا بمعنى الباء كما روينا عن ابن عباس في قوله عز ~~وجل # {في ظلل من الغمام} # PageV01P086 # وإذا كان سائغا في اللغة إبدال الباقي وفي بالباء لم ينكر أن يكون معنى ~~في ها هنا معنى الباء # وقد يسوغ أيضا في الكلام ولا فرق فيه بين أن يقول الحركة في المتحرك ~~والحركة بالمتحرك وإذا كان معنى الباء أعم فتقديره على هذا التخريج ~~والتأويل # أن الله عز وجل يأتيهم يوم القيامة بصورة غير صورته التي يعرفونها في ~~الدنيا وتكون الإضافة في الصورة إليه من طريق الملك والتدبير كما يقال سماء ~~الله وأرضه وبيت الله وناقته على وجهة الملك والفعل لا على الوجه الذي لا ~~يليق به فيكون المعنى في ذلك أن الخلق عرفوا الله سبحانه وتعالى بدلالاته ~~المنصوبة وآياته التي ركبها في الصور وهي الأعراض الدالة على حدوث الأجسام ~~واقتضائها محدثا لها من حيث كانا محدثين # وأما الإتيان به فعلى معنى ظهور فعله لها منه وهو معنى قوله تعالى # {فأتى الله بنيانهم من القواعد} # PageV01P087 # وقوله تعالى # {وجاء ربك} # وقوله # {الرحمن على العرش استوى} على أحد التأويل # PageV01P088 # أما قوله غير الصورة التي يعرفونها فيحتمل أن يكون المعنى في ذلك أنه ~~يأتيهم يوم القيامة بصورة على خلاف ذلك الشكل وتلك الهيئة التي كانت الصورة ~~عليها في الدنيا ما لم يعرفوه ولم يعهدوه ليس ذلك منكرا لأن عادات أهل ~~القيامة وما يظهر لهم من ms019 الأهوال وعجائب الخلق من صورة الملائكة وزبانية ~~العذاب وخزنة الجنان مما لم يعهدوا على شكلها وهيئتها في الدنيا # وأما قوله فيقول أنا ربكم فقد قال بعض أهل العلم # إن هذا آخر محنة المؤمن وأنه يظهر هذا القول فعلا من الله عز وجل في بعض ~~هذه الصور محنة للمكلفين في الدنيا من أهل الإيمان فيظهر منهم عن صدق ~~توحيدهم وصحة إيمانهم ما يكون إنكارا لذلك وتكون الفائدة فيه يعرفنا تأييد ~~الله تعالى لأهل الإيمان به في الدنيا والآخرة وتثبيته لهم كما قال عز وجل # {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} # أي يثبتهم في الدنيا على الحق عند ظهور القول والمحن ويثبتهم في العقبى ~~أيضا في مواضع المحن # PageV01P090 # وإنما قيل للدنيا دار محنة وتكليف مطلقا وإن كان من نوعها قد يقع منها في ~~العقبى فلا يطلق عليها أنها دار تكليف ومحنة بل يقال إنها دار جزاء لأن ~~الغالب ذلك عليها وهذا كمال يقعل في الدنيا جزاء ولا يضاف إليها لأنه لا ~~يغلب عليها إذا لم يكن به # وأما قوله أنهم يقولون إذا جاء ربنا عرفناه فيحتمل أن يكون معناه مجيئا ~~بإظهار فعل يبديه في قلوبهم من زوائد يقين وعلم وبصر عندما يحدث لهم من ~~إدراكه ومعانيه لأن سائر ما أضيف إلى الله تعالى من إتيان ومجيء فهو لظهور ~~نوع من تدبيره في فضل أو عدل # وأما قوله {فيأتيهم في الصورة التي يعرفونها} فإن معنى الإتيان متأول على ~~الوجه الذي مضى بيانه ويكون تقدير تأويله إنه إذا ظهر لهم نوع الصور ~~المعهودة لهم شكلا وهيئه وخلق إدراكهم به وخاطبهم بأن أسمعهم كلامه # PageV01P091 # وأفهمهم مراده تثبتوا وأيقنوا أن المكلم لهم هو ربهم عز ذكره وتكون ~~الفائدة في ذلك تعريفنا ما يفعله الله عز وجل في العقبى من ألطافه بأوليائه ~~في عصمتهم وحراستهم وتثبيتهم وتأييدهم حتى لا يستفزهم مشاهدة تلك الأهوال ~~العظيمة ولا يستخفهم أمر تلك الصور المنكرة التي لم يعهدوا مثلها # وأما قوله إنه يقول لهم إذا رأيتموه عرفتموه ms020 فيقولون نعم بيننا وبينه ~~علامة الخبر فإن معنى ذلك أنباؤنا بحسن ثباتهم أولا وآخرا وذلك بما وجده من ~~فضله عز وجل في إدامة معرفتهم وبصيرتهم وإزالة قبول الخطأ والزيغ عنهم # وأما تفسير العلامة وذكر ما بينها فمن أهل العلم من قال # إن تلك العلامة التي أشاروا إليها إنا نعرفه بها هو ما بينه وبين خلقه في ~~الصور والأجسام من المخالفة والمباينة وأنه لا يشبه شيئا منها ولا يشبهه ~~شيء منها # ومنهم من قال # إن تلك العلامة ما معهم من المعرفة به وأنهم عبدوه في الدنيا من معرفة ~~بمعبود # PageV01P092 # لا يشبه شيئا مما عرفوه ولا يجوز أن يشبه شيئا ولا أن يشبهه شيء فإذا ~~رأوا ما عرفوه بمثل هذه المعرفة علموا أن الذي رأوه هو الذي عرفوه # فكون علامتهم عن الرؤية معرفتهم فإذا كان مرئيهم في العقبى معروفهم في ~~الدنيا أيقنوا أنه معبودهم # وحكي عن ابن أبي عاصم النبيل أنه كان يقول في تأويل الحديث # إن ذلك تغيير يقع في عيون الرائين كنحو ما يتخيل للإنسان الشيء بخلاف ما ~~هو به فيتوهمه الشيء على الحقيقة # واعلم أنه لا بد أن يحمل هذا الحديث على نوع مما قلنا لإستحالة أن يكون ~~الله تعالى ذكره على صور كثيرة يجهلونه مرة ويعرفونه مرة أو يكون ممن يحل ~~الصور فتنتقل الصورة لإستحالة أن يكون الله عز وجل حالا ومحلا صورة أو ~~مصورا وإنما إتيانه بالصورة بعد الصورة من طريق الفعل كما يحدث الشيء بعد ~~الشيء ويغير الجسم من حال إلى حال بإحداث تغيير # وإضافة الصورة إليه في هذه الأحاديث فهي بمعنى الملك والفعل لا بمعنى ~~التصور بالشيء من الصور تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة ~~والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر # PageV01P093 # المخلوقة وتعاقب الحوادث وتغير ما تقوم به فيها علامة حدث ما تقوم به # ويحتمل أيضا وجها آخر وهو أن الصورة ها هنا بمعنى الصفة فيكون تقدير ~~المعنى فيه ما يظهر لهم من بطشه وشدة بأسه يوم القيامة ms021 وإظهار معايب الخلق ~~ومساويهم وفضائحهم وإنما عرفوه ساترا حليما غفارا كريما فيظهر لهم منها أن ~~ذلك منه وهو معنى قوله فيقول أنا ربكم على معنى قول القائل قالت رجلي فخذك ~~وأذني فطنت على معنى ظهور ذلك فيهما فيقولون عند ظهور ذلك منه مستعيذين ~~بالله # هذا مكاننا أي نلبث ونصبر حتى تظهر رحمته وكرمه وهو إتيان الرب لهم ~~بإظهار جوده لهم وعطفه عليهم فيأتيهم بعد ذلك عند ثباتهم وفي الصورة التي ~~يعرفونها على معنى إبداء عفوه ومغفرته وحلمه على الصفة التي يعرفونه في ~~الدنيا من ستره ومغفرته وحلمه # وإذا كان لفظ الصورة مستعملا في معنى الصفة كما ذكرنا في قول القائل ~~عرفني صورة من هذا الأمر أي صفته لم ينكر أن تكون الفائدة في هذا الخبر ما ~~قلنا وأن يكون هذه الألفاظ من متشابه ألفاظ الأحاديث جارية مجرى متشابه ~~ألفاظ أي الكتاب امتحانا بها أهل العلم لإستنباط الصحيح من معانيها والوقوف ~~على الحد الواجب فيها وافتتان أهل الباطن بها وخروجهم عن الهدى والرشد ~~والحق فيها على النحو الذي جرى عليه حكم متشابه أي الكتاب ومحكمها # PageV01P094 ### | ذكر خبر آخر في معنى ما تقدم ذكره # وهذا النمط في هذه الأحاديث ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أيضا من قوله # لا شخص أحب للغيرة من الله سبحانه # وقد روي هذا الحديث على وجوه أثبتها عند أهل النقل ما روي في أنه قال # لا أحد أغير من الله تعالى # وروي أيضا # لا شيء أغير من الله تعالى ومن غيرته حرم الفواحش // أخرجه الأمام أحمد ~~// # وفي هذا الخبر مما يتأول لفظان # أحدهما لفظ الغيرة والثاني معنى الشخص # فأما معنى الغيرة فهو الزجر والتحريم لأن الغيور هو الذي يزجر عما يغار ~~عليه ويحظر الدنو منه وقد بين عقبيه بقوله ومن غيرته حرم الفواحش أي # PageV01P095 # زجر عنها وحظرها # وقد روي في الخبر أن بعض أزواجه صلى الله عليه وسلم أهدت إليه شيء في غير ~~يومها فأخبرت عائشة رضي الله عنها بذلك فبددته فقال صلى الله عليه وسلم # غارت ms022 أمكم أي زجرت عن إهداء ما أنفذ # ومنه أيضا مما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال # إن سعد بن عبادة سيدكم لغيور وأنا أغير منه والله أغير مني // أخرجه ~~البخاري // # ومعنى ذلك أنه لزجور عن المحارم وأنا أزجر منه والله أزجر من الجميع عما ~~لا يحب من الأفعال # وأن لفظ الشخص فغير ثابت من طريق السند وإن صح فالمعنى ما بينه في الحديث ~~الآخر وهو قوله لا أحد واستعمل لفظ الشخص موضع أحد على أنه يحتمل أن يكون ~~هذا من باب المستثنى من غير جنسه ونوعه وما كان من صفته كما قال الله تعالى # {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} # وليس يظن من معنى العلم بوجه كذلك يكون تقديره إن الأشخاص # PageV01P096 # الموصوفة بالغيرة لا تبلغ غيرتها وإن تناهت غيرة الله عز وجل وإن لم يكن ~~شخصا بوجه وإنما منعنا من إطلاق الشخص عليه تعالى الأمور # أحدها أن اللفظ لم يثبت من طريق السمع # والثاني أن الأمة قد اجتمعت على المنع منه # والثالث أن معناه أن يكون أجساما موافقة على نوع من التركيب وقد منعت ~~الجسمية من إطلاق الشخص مع قولهم بالجسم فدل ذلك على تأكيد ما قلنا من ~~الإجماع على منعه في صفته # PageV01P097 ### | ذكر خبر آخر في معنى ما تقدم ذكره من حديث الصورة في خلق آدم عليه السلام # روى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو ~~آدم على قدر الأرض جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والخشن ~~والخبيث والطيب وبين ذلك // أخرجه الإمام أحمد // # وروي في بعض الأخبار أن الملك الذي حمل إلى الله عز وجل الطين هو المسمى ~~ملك الموت ولذلك سلط على قبض الأرواح # واعلم أن تأويل القبضة على معنى الجارحة والعضو والبعض مستحيل كونه جسما ~~أو أجساما على ما تقدم ذكره وبيانه من قبل ms023 # فإما أن يحمل القبضة على معنى القدرة كقول القائل ما فلان إلا في قبضتي ~~على معنى أني قادر عليه وعلى هذا تأولوا قوله عز وجل # {والأرض جميعا قبضته} # أي تحت قدرته وملكه # وقد قيل أيضا إن معنى الآية من قوله قبضته أن ذلك في حكم الفناء # PageV01P098 # تحقيقا للمعاد واستشهدوا بقول القائل قبض الله نفسي إليه أي أفناه # فأما المراد بالقبضة في هذا الخبر فهو اجتماع جملة من أجزاء المذكور فيه ~~من الطين شهت في إجتماعها بالجملة المجتمعة في قبضة الجارحة # وأما تأويل قوله صلى الله عليه وسلم قبضها الرحمن فيحتمل وجوها # أحدها أن يكون طريق ذلك وتأويله على معنى إظهار فعل كما قال الله تعالى # {فطمسنا أعينهم} # وكما قال تعالى {اليوم نختم على أفواههم} # وليس ذلك طمسا وختما على تأويل معناه ومباشرة ومعالجة وممارسة لما يحدث ~~فيه الفعل بل ذلك على سائر ما يظهر من أفعاله عز ذكره لأنه يفعل أفعاله ~~إبتداء اختيارا بقدرته وإرادته وأمره له كن فيكون # ويحتمل ذلك وجها آخر وهو أن يكون ذلك قبض جارحه ولكنها لبعض الملائكة ولا ~~يمتنع وصف الملائكة بالجارحة فقيل قبضها الرحمن على معنى أن الملك قبض على ~~ذلك بأمر الرحمن ومثاله في الكلام الجاري وبين الناس ضرب الأمير اللص وإنما ~~أمره لضربه والأصل في ذلك إضافة الحوادث إلى المالك لها باللفظ الأعم قد ~~يضاف إليه باللفظ الأخص فإن كان متضمنة على التخصيص لا # PageV01P099 # يصلح له على الوجه الذي يجري على غيره فيحمل ذلك حينئذ على المتعالم ~~المشهود بين الناس وأهل الخطاب في نسبة الفعل باللفظ الأخص إلى من أمر به ~~والمراد بذلك أنه حصل بما أمره وحدث بقدرته وليس بمنكر في العقول أن يكون ~~الله عز وجل وخلق طينة آدم عليه السلام من أجزاء أنواع الطين وأن الأخلاق ~~والخلق إختلفت وتفاوتت كما تفاوتت أجزاء الطين لا لأجل تفاوتها أوجب ذلك بل ~~حدوثها على تلك الوجوه لكنه جعلها عبرا وعلامات ربوبيته ووحدانيته التي ~~حدثت عليه بقدرة الله وإختياره # PageV01P100 ### | ### | ذكر خبر آخر في ms024 مثل هذا المعنى # مما ذكر في خلق آدم عليه السلام # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # إن الله خمر طينة آدم أربعين صباحا ثم خلطها بيده فخرج كل طيب بيمينه ~~وخرج كل خبيث بشماله ومسح إحدى يديه بالأخرى # تأويل ذلك # إعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم إن الله خمر طينة آدم عليه السلام ~~فمعناه ما ذكرنا من إضافة بعض أفعاله على اللفظ الخاص كما يقال عذب وأنعم ~~وحرك وسكن والرجوع في ذلك إلى حدوث المعاني منه بقدرته ويكون ذلك محمولا ~~على حكم سائر أفعاله فإنها تحدث منه لا على معاناه ومباشرة # وتخمير الطينة إنما هو تغيرها من هيئة إلى هيئة وتجديد ذلك عليها حالا ~~فحالا في هذه المدة المذكورة ليجعل هيئة آدم عليه السلام وما خلق عليها عبر ~~للمعتبرين وأن آدم عليه السلام كان أصله طينا على هذا الوجه هذه المدة ~~المذكورة # PageV01P102 # ويشبه أن يكون ما روي في هذا الخبر أن النطفة تكون علقة أربعين ثم تكون ~~مضغة مثلها إلى أن ينفخ فيها الروح فكانت مدة تغير آدم عليه السلام من هيئة ~~إلى هيئة كنحو مدة تغير النطفة وإن كان أمر النطفة مفارقا لعظمة آدم عليه ~~السلام من وجوه أخر # وأما قوله عليه الصلاة والسلام خلطها بيده فإن تأويل قوله خلطها على معنى ~~ما ذكرنا من قوله خمر طينة آدم # وقوله من قبضة قبضها الرحمن وكلا الوجهين من التأويل سائغ # PageV01P103 # فيه إن قلنا إن ذلك إظهار فعل وإضافة إليه باللفظ الخاص من جهة الملك ~~والتقدير سائغ # وإن قلنا إن ذلك على تأويل قول القائل قتل الأمير اللص على أنه أمر به ~~وإن القتل حدث عن ملكه وحكمه كان غير منكر أيضا # وأعلم أنه ليس المراد باليد ها هنا هو المراد بقوله {خلقت بيدي} لأن ~~الخلق هو الإحداث عن العدم وخلط الشيء بالشيء بإحداث له # فإذا قلنا إن إضافة هذا الفعل لله عز وجل من طريق الأمر وإن ذلك حدث عن ~~أيدي بعض المخلوقين من ملائكته وخلقه ms025 فإنه لا ينكر أن يكون خلط مباشرة بيد ~~جارحة كما روي في الخبر الآخر أن ذلك كان ملكا من الملائكة أمره الله عز ~~وجل بجمع أجزاء الطين من جملة الأرض وأمره أن يخلطها بيده فخرج كل طيب ~~بيمينه وكل خبيث بشماله فيكون اليمين والشمال للملك والخلط والتخمير ~~مضافتين إلى الله تعالى من حيث كان عن أمره وحكمه وجعل كون بعضهم من يمين ~~الملك علامة لأهل الخير منهم وكون بعضهم في شماله علامة لأهل الشر # PageV01P104 # منهم # وكذلك يقال في الخبر الآخر # إن الله خلق الطيب من ذريته في الجانب الأيمن من آدم والخبيث في الجانب ~~الشمال وكذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال على بعض ما ~~يذكر من وجوه تأويل قوله أصحاب اليمين وأصحاب الشمال فإن رجع باليمين ~~والشمال إلى يمين الملك وشماله وكان ذلك ابتداء ما أراد أن يضع العلامة على ~~أهل الخير والشر ثم جعلها في صلب آدم على هذا التقدير لم يكن منكرا # PageV01P105 # ويكون تأويل قوله ومسح إحدى يديه بالأخرى على ما ذكرنا # إن ذلك حادث جرى على أيدي بعض الملائكة لم يكن ذلك منكرا ويكون إضافة ~~اليدين اليمين والشمال إلى الملك على طريق أنه جارحة له وبعض ويكون إضافة ~~المسح إلى الله عز وجل من طريق الأمر والحكم والفعل له التقدير ويكون إضافة ~~الوجه إلى الله عز وجل على التأويل الآخر بمعنى الملك والقدرة # ويحتمل أن يقال في قوله ثم خلطها بيده أي بملكه وقدرته ولا يجب على ذلك ~~أن يحمل قوله تعالى خلقت بيدي على مثل هذا التأويل لوجوه تأكد بها ذلك ~~وفارق بها المذكور من اليد ها هنا # وأحدها أنه حمل ذلك على معنى القدرة كان فيه إبطال تفضيل آدم على إبليس ~~وإنما ذلك كلام جرى على طريق الإحتجاج على إبليس في إمتناعه من السجود لآدم ~~عليه السلام وفي حمله على المقدرة ما يوجب المساواة وإسقاط موضع الإحتجاج ~~به على إبليس في تفضيله عليه # فإذا قلنا إن تأويل قوله ثم خلطها بيده أي يملكه ms026 وقدرته فإنه يحتمل قوله ~~فخرج كل طيب بيمينه أي بما أنعم عليه من توفيقه وتسديده # وكل خبيث بشماله بما حرمه من معونته ونصرته # PageV01P106 # والعرب قد تستعمل لفظ اليمين على معنى الجد والحظ من الخير قال قائل # (إذا ما راية دفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين) # أي بجدار وبخت وحظ في الوصول إلى المراد # ويحتمل قوله مسح إحدى يديه بالأخرى أن يكون معناه # إن الله عز وجل لما خلق الذرية خلقها نوعين طيبا وخبيثا وميزها وجعل محل ~~الطيب جانب اليمين عند يمين السعادة والتوفيق وجعل محل الخبيث جانب اليسار ~~من آدم أو من الملك الذي أمره بخلط الطينة كان ذلك متميز العين والحكم ثم ~~خلطها خلطا آخر وهو أن يجعل الطيب في المحل الخبيث والخبيث في المحل الطيب ~~على تأول من تأويل قوله تعالى # {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} # أن معناه تولد الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر لأن ما يحصل عن مسح ~~إحدى اليدين بالأخرى مختلط غير مميز فيحتمل أن يكون ذلك مثل ضربة الله # PageV01P107 # تعالى لتعريفه حكم السعادة والشقاوة بالفريقين من ذرية آدم فأفادنا ~~بتعريف ذلك أنه خلق طينة آدم عليه السلام من أنواع طين مختلف ثم خلق ذريته ~~نوعين في محلين مختلفين من خليقته كما روي في الخبر على مثال الذر وكانا ~~متميزين في المحل فلما حصلت في الترائب والأصلاب حصلت مختلطة غير مميزة ~~فكذلك يختلف الأحوال في حكم الإيمان والكفر والطاعة والمعصية على التناسل ~~والتوالد وإذا احتمل بعض ما ذكرنا وكان ذلك سائغا في العربية وحصل منه ~~الفوائد على التأويل الذي ذكرنا كان أولى من أن يعتقد فيها ما ينافي ~~التوحيد ويؤدي إلى الكفر والتشبيه # PageV01P108 ### | ذكر خبر آخر في مثل هذا المعنى # وقد روي في هذه القصة أيضا في خبر آخر # أن الله عز وجل لما قبض الذرية من ظهر آدم بكفه قال خذ أيهما شئت قال # أخذت يمين ربي وكلتا يديه يمين // أخرجه السيوطي ففتحها فإذا فيها صورة ~~آدم وذريته # قال محمد بن شجاع ms027 انفرد برواية هذا الحديث حاتم بن إسماعيل وكان ضعيفا ~~والمقبري وكان مدلسا وانتشر عنه كان يدلس فيما يروى عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه فلعل هذا الحديث من هذين الوجهين # فأما إذا قيل على ما فيه أمكن أن يكون تأويله على بعض هذه الوجوه التي ~~ذكرنا # أما قوله قبض الذرية من ظهر آدم فلعل الوجه الذي بينا تأويله أن القبضة ~~أضيفت إليه ملكا وفعلا وتقديرا أو حكما وأمرا # وأما الكف فقد ذكرنا فيما قبل أنه يحتمل وجوها وذكرنا شواهد ذلك # فإن حمل على معنى القدرة والملك صح وإن حمل على معنى النعمة والأثر الحسن ~~صح لأن ذلك مما حدث في ملكه بقدرته وعن ظهور نعمته عل بعضهم وآثاره الحسنة ~~فيهم # PageV01P109 # وأما قوله عليه السلام أخذت يمين ربي فيحتمل وجها # أحدها أن اليمين لما كان محلا للطيب من ذريته اختار ما كان اختاره الله ~~عز وجل وأضيف اليمين من الله تعالى إلى الله تعالى من طريق الملك والقدرة ~~والفعل الذي جعله في اليمين من أهل السعادة وهم أولياؤه فقد أخذته على معنى ~~أخترتهم وواليتهم وأحببتهم # ويحتمل أن يكون ذلك على معنى ما ذكرنا من قولهم تلقاها عرابة باليمين # ويكون اليمين من اليمن فأثر الله من ظهرت فيهم وجوه البركة واليمن ~~والسعادة من الله عز وجل وأضيف اليمين إلى الله على معنى أنه هو الذي أسعد ~~به # وقوله وقال محمد بن شجاع معناه أني رددت أمري في ذلك إلى ربي تعالى ~~واخترت ما اختار وفوضت إليه لأنه قال له خذ أيهما شئت فترك أن يختار ورد ~~الأمر إليه كأنه أراد اخترت ما يختار وآثرت ما يؤثره # وأما قوله صلى الله عليه وسلم # وكلتا يديه يمين فقد ذكر بعض مشايخنا في تأويل ذلك أنه كان يقول # إن الله عز ذكره الموصوف بيد الصفة لا بيد الجارحة وإنما تكون يد الجارحة # PageV01P110 # يمينا وشمالا لأنهما يكونان لتبعيض وتجزيء ذي أعضاء وأغيار ولما لم يكن ~~ما وصف الرب به يد جارحة وبين النبي صلى الله عليه ms028 وسلم ذلك بقوله وكلتا ~~يديه يمين أي ليست هي يد جارحة # وقيل أيضا في ذلك إن المراد أن الله عز ذكره لما وصف باليدين ويد الجارحة ~~تكون إحداهما يمينا والأخرى شمالا واليسرى تنقص أبدا في الغالب عن اليمين ~~في القوة والبطش عرفنا صلى الله عليه وسلم كمال صفة الله عز وجل وأنه لا ~~نقص فيها وأن ما وصف به من اليدين ليس كما وصف به ذو الجوارح الذي تنقص ~~مياسره عن ميامنه # ويحتمل أيضا أن يكون معنى ذلك أن آدم عليه السلام لما قيل له خذ أيهما ~~شئت # فقال أخذت يمين ربي وكلتا يديه يمين إنما أراد به بيان الشكر والنعمة لا ~~بيان الحكم والإعتراف بالملك فذكر الفضل والنعمة لأن جميع ما بيديه جل وعز ~~من مننه فضل وطول مبتدأ فمن منفوع ينفعه ومن مدفوع عنه يحرسه فقصد قصد ~~الشكر والتعظيم للمنة وأن ما اختاره هو الكل والجميع حظا مما وراءه تصغيرا ~~لهم وتهجينا # وقال بعضهم معنى كلتا يديه يمين أراد وصف الرب تعالى بغاية الجود والكرم ~~والإحسان والفضل وذلك لأن العرب تقول لمن هو كذلك كلتا يديه يمين وإذا نقص ~~حظ الرجل وبخس نصيبه قبل جعل سهمه في الشمال وإذا لم # PageV01P111 # يكن عنده إجتلاب منفعة ولا دفع مضرة قيل ليس فلان باليمين ولا بالشمال ~~ولذلك قال الفرزدق يمدح # كلتا يديه يمين غير مختلفة # PageV01P112 ### | ### | ذكر خبر آخر في هذا المعنى # # وروي في خبر آخر أن يمين الله سبحانه سحاء لا يغيضها شيء # معناه عطايا الله كثيرة لا ينقصها شيء وإلى هذا المعنى ذهب المرار الشاعر ~~حيث يقول # (وإن على الأوايد من عقيل ... فهل كلتا يديه له يمين) # والعبر تعبر عن النعم والأفضال باليد واليمين كلتيهما # وروي في هذا الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم لنسائه ~~أطولكن يدا أسرعكن موتا // أخرجه مسلم # فكن يتذارعن فكانت سودة أطولهن يدا فلما توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كانت زينب أولهن موتا بعده # فقلن كيف قال رسول ms029 الله صلى الله عليه وسلم ما قال ثم ذكرن أنها كانت ~~أطولهن يدا في # PageV01P113 # الخير # فبان الخير أن العرب تعبر عن النعم والأفضل باليد واليمين # PageV01P114 ### | ### | ذكر خبر آخر في هذا المعنى # # ومثل هذا الخبر ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن // أخرجه ~~مسلم # وقد تأول الناس ذلك على تأولين # فمنهم من قال معناه عن يمين عرش الرحمن على طريقة العرب في الحذف ~~والإضمار كما قال القائل # (واستب بعدك يا كليب المجلس ... ) # يعني أهل المجلس وكما قال عز وجل # {وأشربوا في قلوبهم العجل} أي حبه # وقال بعضهم معنى قوله عن يمين الرحمن أراد به المنزلة الرفيعة والمحل ~~العظيم وهذا سائغ في لغة العرب وذلك أنهم يقولون كان فلان عندنا باليمين اي ~~كان له عندنا المحل الجليل والرتبة العظيمة ولذلك قال الشاعر # (أقول لناقتي إذ بلغتني ... لقد أصبحت عندي باليمين) # أي المحل الجليل وإذا كان هذا معروفا في اللغة فيما بينهم واستحال # PageV01P115 # وصف الله تعالى بالحد والجهة والبعض والغاية والتأليف والممارسة وجب أن ~~يكون محمولا على ما قلنا # PageV01P116 ### | ذكر خبر آخر في هذا المعنى # ومثله أيضا ما روي في خبر آخر عن ابن عباس قال # الحجر الأسود يمين الله في أرضه يصافح بها من شاء من خلقه // رواه ~~الطبراني // # وقد تأول أهل العلم ذلك على وجهين من التأويل # أحدهما أن المراد بذلك الحجر أنه من نعم الله على عباده بأن جعله سببا ~~يثابون على التقرب إلى الله تعالى بمصافحته فيؤجرون على ذلك وقد بينا أن ~~العرب تعبر عن النعم باليمين واليد كما ذكرنا قبل # وزعم بعضهم أن هذا تمثيل وأصله أن الملك إذا صافح رجلا قبل الرجل يده ~~فكأن الحجر لله تعالى بمنزلة اليمين لملك ليستلم ويلثم # PageV01P117 # وقد روي في الخبر أن الله عز وجل أخذ الميثاق من بني آدم وأشهدهم على ~~أنفسهم # ألست بربكم قالوا بلى # جعل ذلك في الحجر الأسود فلذلك يقال عنده ms030 إيمانا بك ووفاء بعهدك # PageV01P118 # ويحتمل وجها آخر وهو أن يكون قوله الحجر يمين الله في أرضه إنما أضافه ~~إليه على طريق التعظيم للحجر وهو فعل من أفعال الله عز وجل سماه يمينا ~~ونسبه إلى نفسه وأمر الناس بإستلامه ومصافحته ليظهر طاعتهم بالإئتمار ~~وتقربهم إلى الله عز وجل فيحصل لهم بذلك البركة والسعادة # PageV01P119 ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل ويوهم ظاهره التشبيه # وهو ما روي أن الله تعالى لما قضى خلقه إستلقى ووضع أحدى رجليه على ~~الأخرى ثم قال # لا ينبغي لأحد أن يفعل مثل هذا # وأكدوا ذلك بما روي عن كعب أنه نهى الأشعث بن قيس أن يضع إحدى رجليه على ~~الأخرى وقال إنها جلسة الرب تعالى # تأويل ذلك أعلم أن قوله لما قضى خلقه أي لما أتم خلقه ما أراد أن يخلق من ~~السماوات والأرضين وما بينهما ومثله في اللغة قضى فلان دينه وصلاته أي أداه ~~ومثله قوله تعالى # {فقضاهن سبع سماوات} أي خلقهن # وقوله {فإذا قضيت الصلاة} أي فرغ منها وأديت # وأما قوله استلقى فقد تأول أهل العلم ذلك على وجهين # أحدهما أن يكون المراد به أن الله عز وجل لما خلق ما أراد أن يخلق من ~~السموات والأرضين وما بينهما ترك أن يخلق أمثالهم دائما أبدا ولو شاء لأدام ~~ذلك لأن هذه كلمة تستعمل في اللغة والعادة على هذا المعنى كثيرا ويقال مثله ~~لمن عمل # PageV01P120 # أعمالا ثم ترك أن يفعل مثلها ويديم ذلك وإذا قيل للإنسان فعل ووضع فإنه ~~يكون بمعاناة وحركة وتعالى الله عن ذلك وإنما هذا كالمثل المضروب بين الناس ~~فيقال بني فلان داره وعجدها واستلقى على ظهره وإن لم يكن قد اضطجع على ~~التمثيل بمن كان على هيئة من يفرغ من عمله ولم يرد أن يفعل مثل ما فعل # والتأويل الثاني أن يكون معناه لما خلق الله ما أراد أن يخلقه من هذه ~~الجمل التي خلقها إستلقى على معنى ألقى بعضها على بعض فجعل السماء فوق ~~الأرض # {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} ms031 # وجعل سماء فوق سماء إلى العرش أطباقا بعضها فوق بعض ويكون دخول السين ~~والتاء في القى ها هنا على معنى قول القائل إستدعى وإستبرأ ونحوه إذا أراد ~~الدعاء والبراءة فلما خلق الله عز وجل ما خلق وأراد أن يلقي بعضه على بعض ~~قيل له إستلقى على معنى ألقى شيئا منه على شيء وهو على الهيئة المعروفة ~~المعتادة # وأما قوله ثم وضع إحدى رجليه على الأخرى ففيه أيضا وجهان من التأويل # أحدهما أن يكون المراد به أن الله عز وجل خلقهم فريقين وزوجين شقيا ~~وسعيدا وغنيا وفقيرا وصحيحا وسقيما فسمى كل صنف منها رجلا ثم وضع إحداهما ~~على الأخرى معناه أنه رفع قوما على قوم فجعل بعضهم ملوكا وبعضهم عبيدا ~~وبعضهم سادة للخير والمحنة # PageV01P121 # والوجه الثاني أن يكون الله تعالى سمى الجماعتين رجلين لأن العرب تسمى ~~الجماعة الكثيرة رجلا ولذلك يقولون مر بنا رجل من جراد أي جماعة كثيرة # وأما معنى النسبة إليه فمن طريق الفعل والملك كما نسب روح آدم إليه # وأما ما روي عن كعب في نهيه الأشعث عن وضع إحدى رجليه على الأخرى فقد قيل ~~إن كعبا كان يأخذ العلم من الكتب وفي الكتب تحريف لما أخبرنا الصادق بأنهم ~~حرفوه وبدلوه على أن كعبا لم يقل أيضا أي رب هو وذلك لفظ مشترك # ويحتمل أن يخرج ذلك أيضا على أن معناه إن هذا جلسة الجبابرة فزجروه عن ~~التشبيه بهم لأن العرب تقول للمعظم الشأن الرب وتحقيق ذلك ما قال الحكم بن ~~عتيبة عن أبي مجلز قال # سألته عن الرجل يجلس ويضع إحدى رجليه على الأخرى قال لا بأس إنما كره ذلك ~~أهل الكتاب زعموا أن الله سبحانه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم إستوى ~~على العرش يوم السبت فجلس تلك الجلسة وأنزل الله تعالى # {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} ~~وبلغ الحسن ذلك فقال # إنما ذلك شيء كانت اليهود تقوله فلما جاء المسلمون أنكروا ذلك # PageV01P122 # وروى الزهري عن عباد بن ms032 تميم المازني عن عمه عبد الله بن زيد قال # رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه ~~على الأخرى وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك رضي الله عنهما # PageV01P123 ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل ويومهم ظاهره التشبيه # وهو من الأحاديث الصحيحة عن أهل النقل # روى قتادة عن أنس وابن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال # إن جهنم لن تمتلئ حتى يضع الجبار قدمه فيها فتقول قط قط // أخرجه الإمام ~~أحمد // # PageV01P125 # وقد روي من وجه غير ثابت عن أهل النقل حتى يضع الجبار رجله فيها فتنزوي ~~فيقول قط قط # أعلم أن هذا الخبر مما طلب أهل العلم قديما وحديثا تأويله وتخريجه بحسن ~~طريقه وصحة سنده وقد حمل كل فريق منهم ذلك على تأويل رأوه صوابا فمن ذلك ما ~~يحكى عن الفضل بن شمبل أنه كان يقول # إن معنى القدم ها هنا هم الكفار الذي سبق في علم الله تعالى أنهم من أهل ~~النار # وحمل معنى القدم على أنه هو المتقدم لأن العرب تقول للشيء المتقدم قدم ~~وقدم وعلى ذلك تأويل المتأولون قوله عز وجل # {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} # أي سابقة صدق # وقال ابن الأعرابي # القدم هو المتقدم في الشرف والفضل خصوصا والقدم هو المتقدم وإن لم يكن ~~فيه شرف # PageV01P126 # وقال وضاح اليمين # (صل لربك واتخذ قدما ... ينجيك يوم العثار والزلل) # الصواب صل لمولاك أراد بذلك معنى من الفضل يتقدم ربه # وقال آخر # (فقدت به قدم الفخار فأصبحت أنسا به منقضة من حالق ... ) # أراد بذلك ما تقدم من الشرف وما يفتخر به أنه عدم ذلك وفقده # وقال العجاج # (ذل بنو العوام عن آل الحكم ... ونشأ الملك بملك ذي قدم) أي متقدم في ~~الشرف والملك # وقال بعضهم القدم خلق من خلق الله يخلقه يوم القيامة فيسميه قدما ويضيفه ~~إليه من طريق الفعل والملك يضعه في النار فتمتلئ منه # وقال بعضهم إن المراد ها هنا قدم بعض ms033 خلقه فأضيف إليه كما يقال ضرب ~~الأمير اللص فيضاف الضرب إليه على معنى أنه من أمره وحكمه # PageV01P127 # وقال بعضهم إن الجبار ها هنا يحتمل أن يكون أريد به الموصوف بالتجبر من ~~الخلق لأن ذلك من الأوصاف المشتركة وليست هي من الأوصاف الخاصة لله تعالى ~~وذلك من وصف الكفار ألا تسمع قوله عز وجل # {كل جبار عنيد} # في وصف الكفار # فإذا كان كذلك احتمل أن يريد بقوله الجبار جنسا من الجبارين وهم الكفرة ~~المعاندون أراد يعرفنا إمتلاء النار بهم وإن جهنم لن تمتلئ إلا بهم # وقال بعضهم الجبار ههنا إبليس وشيعته ذلك أنه أول من استكبر على الله ~~سبحانه في وصفه # {إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} # PageV01P128 # والتجبر والإستكبار بمعنى واحد وجهنم تمتلئ به وبشيعته وأتباعه ولا ينكر ~~وصفهم بالجوارح والأعضاء وإذا احتمل لفظ القدم هذه المعاني فكذلك يحتمل لفظ ~~الجبار أن يراد به غير الله عز وجل من المتجبرين لم يكن لحمله على ما لا ~~يليق بالله عز وجل من إضافة الجوارح والأبعاض إليه # وفأما من روى هذا الحديث على لفظ الرجل فقد قلنا إن هذا غير ثابت عند أهل ~~النقل وإن ثبت فمعناه لا يخلو من الوجوه التي ذكرناها # أما أن يريد به رجل بعض خلقه وأضيف إليه ملكا وفعلا أو يراد به رجل # PageV01P129 # المتجبر المتكبر من خلقه أما أولهم وهو إبليس أو من بعده من أتباعه # وقيل أيضا إن الرجل في اللغة يقال للجماعة الكبيرة تشبيها برجل الجراد ~~لأن العرب تقول # مر بنا رجل من جراد أي قطعة منه فيكون معنى الخبر حتى يدخلها خلق كثيرون ~~ويشبهون من الكثرة الجماعات برجل الجراد وفي ذلك أنشد قول القائل # متى انزوى إليهم من الحي اليمانين أرجل # أي جماعات كثيرة # وإذا كان هذا معروفا في اللغة فحمل الخبر على مثله أهدى إلى الحق وأولى ~~في وصف الرب الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # وأما قوله تقول قط قط أي حسبي كما يقول العرب # (امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا ms034 قد ملأت بطني) # ويقال أيضا إن ذلك حكاية صوت جهنم # PageV01P130 # وقد روي في نحو ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # كثافة جلد الكافر في النار تبلغ أربعين ذراعا بذراع الجبار # وهذا مما يبين لك أن لفظ الجبار ليس مما لا يستعمل إلا في صفة الله عز ~~وجل لأن المراد بالجبار ههنا الموصوف بطول الذراع وعظم الجسد والعرب تقول ~~نخلة جبارة إذا كانت طويلة يفوت اليد طولها وكذا قال عز وجل # {وما أنت عليهم بجبار} # وإذا كان لفظ الجبار محتملا لما قلنا ولا يسوغ وصف الله سبحانه بالأبعاض ~~والأجزاء وكان حملنا له على ذلك يفيد فائدة متجددة لم يكن لحمله على ما لا ~~يليق بالله سبحانه وجه من توهم الجارحة والأداة والعضو والآلات في صفته # PageV01P131 ### | ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل ويوهم ظاهره التشبيه # # مما ذكره الناس في هذا الباب مما يدخل في معناه هو ما روي عن عبيد بن ~~عمير أنه قال إن الله تعالى يقول لداود عليه السلام يوم القيامة # مر بين يدي فيقول إني أخاف أن تدحضني خطيئتي في النار # فيقول مر خلفي # فيقول إني أخاف أن تدحضني خطيئتي # فيقول خذ بقدمي فيأخذ بقدمه فيمر # قال فتلك الزلفى التي قال الله سبحانه # {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} ذكر تأويل ذلك # أعلم أولا أن عبيد بن عمير ليس بحجة ولا هو ممن يجوز أن يعتقد في الله ~~أنه محدود بقوله على أنا نذكر لكلامه وجها صحيحا وتأويلا قريبا فنقول # PageV01P132 # يحتمل أن يكون معنى قوله عز وجل لداود مر بين يدي أي حاسب نفسك قبل أن ~~أسألك فتكون محاسبتك لنفسك أجدى عليك منها قبل أن أسألك عنها وتصديق ذلك ~~قوله عز ذكره # {لا تقدموا بين يدي الله} # أي لا تسبقوا قبل حكم الرحمن عليكم في الشيء فكذلك قوله لداود عليه ~~السلام # مر بين يدي أي خذ في محاسبتك لنفسك قبل مسألتي لك # فيقول داود عليه السلام # أخاف أن تدحضني خطيئتي أي إذا حاسبت نفسي ولم ms035 تصفح عني في محاسبتي لنفسي ~~بأن تستر علي وتعفو عني # وكذلك في خلف تأويله مثل ذلك لما قال مر من خلفي فقال أخاف أن تدحضني ~~خطيئتي إنما أخاف أن يبتدئ بمحاسبة نفسه # فقال ما تبدي بالمسألة ليكون جوابك بعد ما أسألك فخاف مثل ذلك # فقال خذ بقدمي أي بما قدمت لك من العفو والغفران والرحمة فقد صفحت عنك ~~وغفرت لك وتقدم حكمي بذلك سابق علمي # ومما يبين ذلك أن مثل هذا اللفظ قد يستعمل فيما ليس بمحدود أيضا ولا ~~متناه ولا ذي جوارح كقوله عز وجل # PageV01P133 # {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} # ولم يرد الأمكنه بل أراد فيما تقدم من قول الكافرين ولا الباطل الذي يأتي ~~من بعده # وقوله خذ بقدمي إليك كما يقال فيما بيننا خذ بإحساني إليك ودع ما أسأت ~~إلي ولا تأخذ به والذي يؤيد جميع ذلك قوله في آخر القصة فتلك الزلفى قال عز ~~وجل # {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} # يكشف لك عن المراد أنه أريد به ما ذكرناه من تقدم الرحمة له لا قدم جارحة ~~على النحو الذي تأولنا عليه # قوله حتى يضع الجبار فيها قدمه # وفسر المفسرون قوله إن لهم قدم صدق إن ذلك ليس يرجع إلى الجارحة والآلة ~~وإذا احتمل من طريقة العربية ما ذكرنا وكان مثله في الخطاب مستعملا والعرف ~~فيه جاريا كان ما حملناه عليه أولى مما يتوهمه المشبهون من إثبات الجوارح ~~والأبعاض لله تعالى وأولى مما ذهب إليه المعطلة من مبطلي هذه الأحاديث لما ~~بينا من الفوائد التي تتعلق بها ما يشهد بمثله القرآن # PageV01P134 ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل ويوهم ظاهره التشبيه # فمن ذلك ما روى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # إن الله يضحك تبارك وتعالى إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما دخل الجنة ~~يقاتل هذا في سبيل الله فيستشهد ثم يتوب الله على قاتله فيسلم في سبيل الله ~~فيستشهد ms036 // أخرجه بن ماجة // # وكذلك ما روى الفضل بن دكين أبو نعيم عن إسماعيل بن عبد الملك عن علي بن ~~ربيعة قال # حملني أمير المؤمنين علي رضي الله عنه خلفه حتى مر بنا إلى جبانة الكوفة ~~ثم رفع رأسه إلى السماء فقال # اللهم اغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب أحد غيرك ثم التفت إلي يضحك فقلت # يا أمير المؤمنين إستغفارك لذنبك والتفاتك إلي ضاحكا لماذا # PageV01P136 # فقال حملني رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه إلى موضع ذكره ثم رفع رأسه ~~إلى السماء فقال # اللهم اغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب أحد غيرك ثم التفت إلي يضحك ~~فسألته عن ذلك فقال ضحكت لضحك ربي يعجب لعبده إنه يعلم أنه لا يغفر الذنوب ~~أحد غيره # وحديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال إن الله سبحانه ليضحك إلى ثلاث # رجل قام في جوف الليل وأحسن الطهور ثم صلى ورجل نام ساجدا ورجل نجا كتيبة ~~منهزمة وهو على فرس جواد ولو شاء أن يذهب لذهب وما روي عن عدي بن عميرة أن ~~الله يضحك في كل يوم وليلة مرتين # وما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال # يضحك ربنا من قنوط عباده # قال أبو رزين قلت يا رسول الله أيضحك الرب قال لن نعدم من رب يضحك خيرا # PageV01P137 ### | تأويل ذلك # إعلم أن هذا الحديث من الأخبار المشهورة عن أهل النقل وبعضها يبين معنى ~~بعض فمن ذلك أن لفظ الضحك مشترك المعنى في اللغة ويختلف أحكامه بإختلاف من ~~يضاف إليه ذلك ويوصف به وليس هو من الألفاظ التي تختص بمعنى واحد حتى لا ~~يليق به غيره فمن ذلك أن العرب تقول في تكشير أسنان الإنسان وثغر فيه إذا ~~وقع على وجه مخصوص ضحك وكذلك تقول ضحكت الأرض بالنبات إذا ظهر فيها النبات ~~وانفتق عن زهره وكذلك قالت العرب لطلع النخل إذا انفتق عنه كافوره الضحك ~~لأجل أن ذلك يبدو منه مع البياض الظاهر كبياض الثغر يقولون ضحك ms037 الطلعة إذا ~~ظهر منها ما كان مستترا وكذلك قال القائل يضاحك الشمس منها كوكب شرق # وقال ابن الأعرابي ينشد في الربيع # (أما ترى الأرض قد أعطتك زهرتها ... مخضرة فاكتسى بالنور عاليها) # (للسماء بكاء في جوانبها ... وللربيع ابتسام في نواحيها) # يريد الإبتسام ظهور النبات فيها وطلوع النور عليها وأنشد بعضهم في معنى ~~ذلك # (كل يوم باقحوان جديد ... يضحك الروض من بكاء السماء) # PageV01P138 # وكذلك وضحك المزن بها يريد بالمزن السحاب ويضحك البرق الذي ظهر منه ~~وببكائه المطر # وحكى عن بعضهم أن العرب تقول للطريق الواضح البين هذا طريق ضاحك وهذا ~~طريق لاحب إذا أرادوا وصفه بالظهور # واعلم أن معنى مرجع الضحك في جميع هذا الذي ذكرنا إلى البيان والظهور # وأن كل من أبدى أمرا كان يستره فإنه يقال له ضحك # وكذلك يقال لمن أبرز المكتوم وأظهر المستور ذلك # فعلى هذا معنى الخبر في قوله عليه الصلاة والسلام يضحك الله أي يبدي عز ~~وجل من فضله ونعمه وتوفيقه لهذين المقتولين المتقولين في سبيل الله اللذين ~~قتل أحدهما صاحبه ثم قتل قاتله بالشهادة ثانيا من بعد توبته من قتله وبين ~~من ثوابهما وأظهر من كرامته لهما # وكذلك معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخبر الآخر أنه قال # PageV01P139 # ضحكت لضحك ربي أي أظهرت أنا عن أسناني بفتح فمي لإظهار ربي سبحانه فضله ~~وكرمه لمن قال هذا القول وهو قوله اللهم اغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب ~~أحد غيرك # وإذا كان الضحك مما استعمل في اللغة على وجوه مخصوصة # منها تكشير الأسنان وفتح الفم # ومنها ظهور المكتوم من الأمور وبروز المستور من الفعل وكان يستحيل وصف ~~الله عز وجل بالجوارح والعينين لحلول الحوادث في ذاته وجب أن يكون محمولا ~~على ما يصح ويجوز في وصفه وذلك هو الإبانة عن فضله والإظهار لنعمه وكذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم لأبي رزين العقيلي لما قال له يا رسول الله أيضحك ~~ربنا # فقال لن نعدم من رب يضحك خيرا # PageV01P140 # وهذا منه صلى الله عليه ms038 وسلم إشارة إلى وصف الله تعالى ذكره وتقدست ~~أسماؤه بالقدرة على فضل النعم وكشف الكرب والستار عن الخفيات # والكشف عن الأمور المستورة فرقا بينه وبين الأصنام والتي لا يرجى منها ~~خير ولا شر # وإذا كان ذلك رجوعا إلى القدرة على الأفعال بالدفع والنفع فقد صح ما ~~قلناه وبين عليه الصلاة والسلام بذلك عما إليه أشرنا # فأما ما بين لك من الخبر المروي في هذا المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم ~~لأبي رزين العقيلي # لن نعدم من رب يضحك خيرا أي يبدي من فضله ويظهر منه مننه ما يبدي الضاحك ~~ومما يستر عنه تشبيها في معنى إظهار ما كان مكتما وإبداء ما كان مخفيا # وإذا احتمل التأويل ما ذكرنا واستحال وصف الله تعالى بالجوارح والأبعاض ~~وجب أن يحمل ما قلنا # PageV01P141 ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل ويوهم ظاهره التشبيه # وهو ما روى سفيان بن عينية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ~~رضي الله عنهما قال # خلق الله تعالى الملائكة من شعر ذراعيه وصدره أو من نورهما ### | تأويل ذلك # أعلم أن أول ما فيه أن عبد الله بن عمرو لم يرفعه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم # وقد قيل إن عبد الله بن عمرو أصاب وسقين من الكتب يوم اليرموك فكانوا ~~يقولون له إذا حدثهم # حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تحدثنا من وسقك يوم ~~اليرموك # وقد بينا فيما قبل أن الذي ذهب إلى ظاهر التشبيه وحمل الأمر في معنى هذا ~~الخبر على ما هو جوارح الإنسان وأعضاؤه هم اليهود ولذلك كان وهب بن منبه ~~يقول # إنما ضل من ضل بالتأويل # PageV01P143 # يروى في كتب دانيال أنه لما علا إلى السماء السابعة فانتهى إلى العرش رأى ~~شخصا ذا وفرة فتأول أهل التشبيه أن ذلك ربهم عز وجل جهلا منهم بالتأويل # وإنما ذلك إبراهيم الخليل عليه السلام على أن هذا الحديث قد رواه أسامة ~~ولم يقل فيه ذراعيه وصدره بل قال من نور الذراعين ms039 والصدر مطلقا غير مضاف # فإن كان ذلك لم ينكر أن يكون صدرا وذراعين لبعض خلقه # ولم ينكر أيضا أن يكون الصدر والذارعان من أسماء بعض مخلوقاته وقد وجدوا ~~في النجوم ما يسمى بذراعين وليس بمستنكر أن يسمى بهذا الإسم غيره من الخلق ~~فيكون ما خلق من الملائكة خلق من ذلك وتكون الفائدة فيه التنبيه على ما في ~~قدرته عز وجل من خلق المخلوقات وإنشاء المحدثات وإنه لا يعوزه عظيم ما ~~يخلقه ولا يعجزه # وقد قيل في تأويل قوله عز وجل # {يوم يقوم الروح والملائكة} # أن الروح ملك من الأملاك يكون وحده صفا والملائكة كهذا بإزائه صفا # PageV01P144 # وأما ما في حديث سفيان بن عيينة من قوله شعر ذارعيه وصدره فيحتمل أيضا أن ~~يتأول على أن ذلك إضافة من طريق الملك وشبه من طريق الفعل كما قال في قصة ~~آدم علي السلام # {ونفخت فيه من روحي} # وأضاف الروح إلى نفسه إضافة ملك وتقدير لا إضافة بروح بها أو حلول في ~~ذاته تعالى # PageV01P145 # والذي يؤيد ذلك ما كان يقوله ابن شهاب إذا روى هذا الخبر ومثله فإنه كان ~~يقول عند ذلك # والأذرع كلها لله عز وجل والأصابع كلها لله عز وجل يشير إلى معنى الملك ~~العام كسائر المملوكات # وهذا نظير ما يحكى عن الأوزاعي عند روايته لخبر النزول وذلك أنه كان يقول ~~عند ذلك # ويفعل الله ما يشاء يعرفهم أن ذلك نزول فعل لا نزول تحول وإنتقال من مكان ~~إلى مكان # PageV01P146 # هذا يبين لك صحة ما أومينا إليه من أن هذه الإضافة من طريق الفعل والملك ~~لأن سائر ما يضاف إليه عز ذكره لا يخرج عن مثل هذا المعنى إذا لم تكن ~~الإضافة على طريق إضافة الصفة إلى الموصوف بها من جهة القيام بذاته على ~~الوجه الذي يوجب له إشتقاق الإسم والحكم # فإن قيل فإذا أجزتم هذه الطريقة فكيف أنكرتم قول النصارى حيث قالت إن ~~عيسى ابن الله على طريق الكرامة وعلى طريق الملك والفعل # قيل الأصل في سائر هذه الإضافات بهذه الأوصاف ms040 الخاصة التي تجري من طريق ~~الملك والفعل على من يضاف إليه ويوصف به السمع ولا يجوز إطلاق شيء من ذلك ~~على الوجه الخاص إلا بأن يتقدمه سمع ولذلك يكون الأمر فيه مقصورا عليه ولا ~~يتعداه ونحن فلم نجد في شريعتنا إطلاق ذلك بل وجدنا في الشريعة ما يحظر ذلك ~~ولا يجوز إطلاقه بوجه # وأعلم أنه قد يصح معنى الوصف والإضافة في ذكر الله مع شيء من أفعاله من ~~طريق المعنى من حيث إجازة العقول له ثم لا يسوغ إطلاق الإسم والوصف ~~والإضافة في ذلك من حيث حظرت الشريعة منه ومن حيث لم يرد به سمع لقيام # PageV01P148 # الدلالة على أن هذا الباب مقصور على السمع فقط ولا مجال للعقول فيه فلذلك ~~كان إطلاقه موقفا على ما خصه السمع به دون ما لم يرد به سمع وهذا جواب عن ~~سائر ما يمكن أن يسأل عنه في هذا الباب من ذكر تخصيص بعض الأسماء والإضافات ~~إلى الله تعالى دون بعض ما يملكه ويفعله وكل من حاد عن مثل هذه الطريقة في ~~هذا الباب لم يجد فصلا بين الأمرين من جهة العقول فتفهمه إن شاء الله تعالى # PageV01P149 ### | ذكر خبر آخر مما يوهم التشبيه وتأويله # روى أبو رافع عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة # يا ابن آدم مرضت فلم تعدني # فيقول أي رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين # فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده # أما علمت أنه لوعدته لوجدتني عنده # يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني # قال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين # قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه # أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي # يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني # قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين # قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه # أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي // أخرجه الإمام مسلم // # PageV01P150 # واعلم أن الذي يجب أن يبين من هذا الخبر قوله # أما ms041 إنك لوعدته لوجدتني عنده # وأما قوله مرضت فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم وبين معنى ذلك إشارة ~~إلى مرض وليه فأضاف إلى نفسه إكراما لوليه ورفعا لقدره # وهذه طريقة معتادة في الخطاب عربية وعجمية وذلك أن يخبر السيد عن نفسه ~~ويريد عبده إكراما له وتعظيما حتى كأنه هو توهم من جلالته وعظم منزلته ~~مساواته له في المنزلة والجلالة # وعلى هذه الطريقة يحمل قوله تعالى # {إن الذين يحادون الله ورسوله} # وقوله # {إن الذين يؤذون الله ورسوله} # وقوله # {إن تنصروا الله ينصركم} # PageV01P151 # وما جرى هذا المجرى من الآي والأخبار التي ذكر فيها نفسه وأراد وأولياءه ~~وأنبياءه وعلى مثله يحمل قوله {فلما آسفونا انتقمنا منهم} أي آسفوا ~~أولياءنا وأغضبوا أنبياءنا والناصرين لديننا # ولمن كان عليه مقيما لإستحالة أن يغضب الله تعالى وأن يؤذي ويحارب # وأما قوله أما إنك لوعدته لوجدتني عنده معناه أي وجدت رحمتي وفضلي وثوابي ~~وكرامتي في عيادتك له وهذا أيضا كالأول في باب أنه ذكر الشيء بأسمه وأيد ~~غيره كقوله تعالى {واسأل القرية} {وأشربوا في قلوبهم العجل} # وهذه طريقة معتادة غير مستنكرة وإذا كان كذلك فالأولى أن يحمل الخبر عليه ~~وعلى مثله يتأول قوله عز وجل {ووجد الله عنده} # على معنى أنه وجد عقابه وحسابه فذكر الله تعالى وأضيف الفعل إليه والمراد ~~فعله على النحو الذي بيناه ونظائره في كلام العرب ومثاله أيضا قوله عليه ~~الصلاة # PageV01P152 # والسلام في أحد # هذا جبل يحبنا ونحبه // أخرجه البخاري // # ومعنى ذلك أهله أي يحب الساكنون بفنائه والمقيمون في ساحته ونحبهم وإذا ~~احتمل الخبر ما ذكرناه ولا يجوز على الله تعالى الحلول في الأماكن لإستحالة ~~كونه محدودا ومتناهيا وذلك لإستحالة كونه محدثا وجب أن يكون محمولا على ما ~~قلناه # PageV01P153 ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل ويوهم ظاهره التشبيه وتأويله ومعناه # روى صفوان بن محرز أنه كان يماشي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال له ~~يا أبا عبد الرحمن كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى # قال سمعته عليه ms042 الصلاة والسلام يقول # يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع الجبار كنفه عليه فيقرره بذنوبه ~~فيقول هل تعرف # فيقول رب أعرف # فيقول له هل تعرف # فيقول رب أعرف # فيقول عز ذكره إني سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك فيعطي صحيفة ~~حسناته # وأما الكفار والمنافقون فينادي بهم على رؤوس الأشهاد {هؤلاء الذين كذبوا ~~على ربهم} # PageV01P154 ### | ذكر تأويله # أما قوله عليه الصلاة والسلام يدنى العبد من ربه يوم القيامة فمعناه أنه ~~يقرب من رحمته وكراماته وعطفه ولطفه هذا سائغ في اللغة أن يقال فلان قريب ~~من فلان ويراد به قرب المنزلة وعلو الدرجة عنده وعلى هذا يقال # إن أولياء الله قريبون من الله كما أن أعداءه بعيدون منه ويعني بذلك قرب ~~الدرجة وعلو المرتبة ويراد ببعد أعداء الله منهم بعدهم من رحمته وكرامته # وكذلك يقال إن الله عز وجل قريب من أوليائه بعيد من أعدائه ويقال أيضا هو ~~قريب من خلقه والمعنى فيه قربه منهم علما بظواهرهم وبواطنهم وقدرته على ~~أوائل أمورهم وأواخرها وعليه يتأول قوله تعالى # PageV01P155 # {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} # وقوله {ونحن أقرب إليه منكم} # لأن ذلك يرجع إلى القرب بمعنى العلم والقدرة والسمع والبصر # فأما الذي هو قرب بمعنى الكرامة فهو كقوله تعالى {فكان قاب قوسين أو ~~أدنى} # في أن المراد به قرب المنزلة وتوفيره الكرامة # فأما قوله إن رحمة الله قريب من المحسنين فتوسع لأن الرحمة لا توصف ~~بالعلم والقدرة ولا بالإكرام والفضل # وإذا كان سائغا في اللغة كان قوله يدنى العبد من ربه يوم القيامة محمولا ~~على مثله لإستحالة المساحة والمسافة وبعد المكان والنهاية على الله عز وجل # وأما قوله عليه الصلاة والسلام فيضع الجبار كنفه عليه فإنه يبين ما أشرنا ~~إليه في معنى الدنو وإنه على تأويل قرب المنزلة والدرجة وذلك أن اللفظ في ~~الكنف إنما يستعمل على مثل هذا المعنى ألا ترى أنه يقال أنا في كنف فلان ~~وفلان في كنفي إذا أراد أن يعرف إسباغ فضله وعطفه وتوفيره عليه # PageV01P156 # فأما ما ms043 رواه بعض الرواة حتى يضع الجبار كنفه عليه فقد ذكر جمع من أهل ~~العلم أن ذلك تصحيف من الراوي لأن الإثبات قد ضبطوا هذا الحرف على الوجه ~~الذي ذكرنا بالنون وإذا كان ذلك مضبوطا والمعنى الذي حملنا عليه مشهورا كان ~~أولى مما قالوا مع أنه إن صح فإنه يؤول إلى معنى ما ذكرنا مع أنه غير جار ~~في الخطاب ولا مستعمل في اللسان مثله أن يقال وضعت كنفي علي والأثر الحسن ~~والكرامة كان طريقا ويكون إستعمال ذلك فيه مجازا هذا إذا صح أنه قد ضبط ذلك ~~بالتاء على الوجه الذي قالوا مع أنه غير معروف ولا مضبوط فاعلم # PageV01P157 ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل ويوهم ظاهره التشبيه # وهو من الأخبار المشهورة عند أهل النقل وذلك مما يتعلق بذكر المكان وقد ~~روي في معناه أخبار سنذكرها أولا فأولا فمن ذلك # ما روي في الخبر أن جارية عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن ~~أريد عتقها في الكفارة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها أين الله ~~فأشارت إلى السماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقها فإنها مؤمنة # اعلم أن الكلام في ذلك من وجهين # أحدهما في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم أين الله مع إستحالة كونه في ~~مكان # والثاني قوله أنها مؤمنة من غير ظهور عمل منها # فأما الكلام فيما يتضمن قوله صلى الله عليه وسلم أين الله فإن ظاهر اللغة ~~تدل من لفظ أين أنها موضوعة للسؤال عن المكان ويستخبر بها عن مكان المسؤول ~~عنه بأين إذا قيل أين هو وذلك أن أهل اللغة قالوا # PageV01P158 # لما ثقل على أهل اللسان في الإستفهام عن المكان أن يقولوا # أهو في البيت أم في المسجد أم في السوق أم في بقعة كذا وكذا وضعوا لفظة ~~تجمع لجمع الأمكنة يستفهمون بها عن مكان المسؤول عنه بأين وهذا هو أصل هذه ~~الكلمة غير أنهم قد استعملوها عن مكان المسئول عنه في غير هذا المعنى توسعا ~~أيضا تشبيها بما وضع ms044 له وذلك أنهم يقولون # عند استعلام منزلة المستعلم عند من يستعلمه أين منزلة فلان منك وأين فلان ~~من الأمير واستعملوه في إستعلام الفرق بين الرتبتين بأن يقولوا أين فلان من ~~فلان وليس يريدون المكان والمحل من طريق التجاوز في البقاع بل يريدون ~~الإستفهام عن التربة والمنزلة وكذلك يقولون لفلان عند فلان مكان ومنزلة ~~ومكان فلان في قلب فلان حسن ويريدون بذلك المرتبة والدرجة في التقريب ~~والتبعيد والإكرام والإهانة فإذا كان ذلك مشهورا في اللغة احتمل أن يقال # إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم # أين الله استعلام لمنزلته وقدره عندها وفي قلبها وأشارت إلى السماء ودلت ~~بإشارتها على أنه في السماء عندها على قول القائل # إذا أراد أن يخبر عن رفعة وعلو منزلة فلان في السماء # أي هو رفيع الشأن عظيم المقدار # كذلك قولها في السماء على طريق الإشارة إليها تنبيها عن محله في قلبها # PageV01P159 # ومعرفتها به # وإنما أشارت إلى السماء لأنها كانت خرساء فدلت بإشارتها على مثل دلالة ~~العبارة على نحو هذا المعنى وإذا كان كذلك لم يجز أن يحمل على غيره مما ~~يقتضي الحد والتشبيه والتمكين في المكان والتكييف # ومن أصحابنا من قال # إن القائل إذا قال # إن الله في السماء ويريد بذلك أنه فوقها من طريق الصفة لا من طريق الجهة ~~على نحو قوله سبحانه {أأمنتم من في السماء} لم ينكر ذلك # وأما قوله عليه الصلاة والسلام اعتقها فإنها مؤمنة فيحتمل أن يكون قد عرف ~~إيمانها بوحي فأخبر بذلك عن ظهور إشارتها التي هي علامة من علامات الإيمان # ويحتمل أن يكون سماها مؤمنة على الظاره من حالها وأن ذلك القدر يكفي من ~~المطلوب من إيمان من يراد عتقه وأنه لا يعتبر بعد ذلك ظهور الأعمال والوفاء # PageV01P160 # بالعبادات # PageV01P161 ### | ### | ذكر خبر آخر في هذا المعنى وتأويله ومعناه # # ونظير هذا الخبر في باب السؤال عن المكان ما روي أن سائلا سأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال # أين كان ربنا قبل أن يخلق السماء # فقال صلى الله عليه ms045 وسلم كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء # ففي هذا الخبر إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أين الله # وهذا أقرب من أن يكون سؤالا عن المكان على أن قوله صلى الله عليه وسلم في ~~عماء يحتمل أن يكون في بمعنى فوق كما قال الله عز وجل {فسيحوا في الأرض} أي ~~على الأرض # وكما قيل في تأويل قوله {أأمنتم من في السماء} أنه أراد من فوقها # وقد روي هذا الخبر على وجهين # أحدهما بالمد وهو أن يقال في عماء ممدود والعماء في اللغة هو السحاب ~~الرقيق وروي مقصورا وهو أن يقال في عما # PageV01P168 # فإذا روي مقصورا احتمل أن يكون المعنى أنه كان وحده ولم يكن سواه فشبه ~~العدم بالعمى توسعا لإستحالة أن يرى ما هو عدم كما يستحيل أن يرى بالعمى ~~فكأنه قال # أنه لم يكن شيء سواه ولا فوق ولا تحت ولا هواء # فإذا قيل إنه كان في عماء بالمد كان سبيل تأويله على نحو ما تأولنا عليه ~~قوله جل وعلا {أأمنتم من في السماء} وذلك بمعنى القهر والتدبير والمفارقة ~~له بالنعت والصفة دون التحيز في المكان والمحل والجهة # وإذا احتمل ما قلنا ولم يكن اللفظ مما يخص معنى واحدا كان جملة على ما ~~قلناه أولى لأنه لا يؤدي إلى التشبيه والتعطيل وتحديد ما لا يجوز أن يكون ~~محدودا فاعلمه إن شاء الله تعالى # PageV01P169 ### | ذكر خبر آخر في هذا المعنى وتأويله ومعناه # وما يشاكل هذا الخبر ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال # كان جبريل عليه السلام عند النبي صلى الله عليه وسلم وأتاه ملك فقال أين ~~تركت ربنا # قال في سبع أرضين # فجاءه آخر فقال أين تركت ربنا # قال في سبع سموات # فجاءه آخر فسأله مثل ذلك فقال في المشرق # وجاء آخر فسأله فقال أين تركت ربنا فقال في المغرب ### | بيان تأويل ذلك # اعلم أن الثلجي حمل ذلك على ما يذهبون إليه من القول بأن الله تعالى في ~~كل مكان وزعم أنه ms046 نظير ما دلت عليه الآية في قوله عز ذكره {وهو الذي في ~~السماء إله وفي الأرض إله} # PageV01P170 # وقوله تعالى {وهو الله في السماوات وفي الأرض} # وكان يذهب مذهب النجار في القول بأن الله في كل مكان وهو مذهب المعتزلة ~~وهذا التأويل عندنا منكر من أجل أنه لا يجوز أن يقال إن الله تعالى في مكان ~~أو في كل مكان من قبل أن ظاهر معنى في وما وضع في اللغة له هو الوعاء ~~والظرف وذلك لا يصلح إلا في الأجسام والجواهر # فأما قوله عز ذكره {وهو الله في السماوات وفي الأرض} فإن معناه عند ~~أصحابنا # أن الله جل ذكره يعلم سركم وجهركم الواقعين في محل السموات والأرض ~~والسموات والأرض هي محال السر والجهر الواقعين في محل الله عز وجل ولا يصح ~~الوقوف على معنى قوله تعالى {وهو الله في السماوات وفي الأرض} دون أن يوصل ~~بقوله تعالى {يعلم سركم وجهركم} # PageV01P171 # فان قال قائل فما معنى الخبر إذا لم يذكر فيه العلم بل أطلقوا القول ~~فقالوا في الشرق وفي الغرب وفي السموات وفي الأرض # قيل إن صح هذا فمعناه أنه فوقها وإستعمال في بمعنى فوق ظاهر في اللغة ~~منتشر منه قوله عز وجل {فسيحوا في الأرض} أي فوقها # ومنه قوله {ولأصلبنكم في جذوع النخل} # قال المفسرون معناه على جذوع النخل وعليه يتأول قوله {أأمنتم من في ~~السماء} أن المراد بذلك من فوقها وإذا كان ظاهرا في اللغة # PageV01P172 # استعمال في بمعنى فوق وقد قال تبارك وتعالى {وهو القاهر فوق عباده} # وقال {يخافون ربهم من فوقهم} # وأطلق المسلمون أن الله تعالى فوق خلقه كان حمله على أولى وعليه يتأول ~~أيضا قوله {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} # أي هو فوق السماء إله وفوق الأرض إله # أنشد بعضهم هم صلبوا العبدى في جذع نخلة معناه على جذع نخلة # واعلم أنا إذا قلنا إن الله عز وجل فوق ما خلق لم يرجع به إلى فوقية ~~المكان والإرتفاع على الأمكنة بالمسافة والإشراف عليها بالممارسة لشيء ms047 منها ~~بل قولنا إنه فوقها يحتمل وجهين # أحدهما أنه يراد به أنه قاهر لها مستول عليها إثباتا لإحاطة قدرته بها ~~وشمول قهره لها وكونها تحت تدبيره جارية على حسب علمه ومشيئته # والوجه الثاني أن يراد أنه فوقها على معنى أنه مباين لها بالصفة والنعت ~~وأن ما يجوز على المحدثات من العيب والنقص والعجز والآفة والحاجة لا يصح ~~شيء # PageV01P173 # من ذلك عليه ولايجوز وصفه به وهذا أيضا متعارف في اللغة أن يقال فلان فوق ~~فلان ويراد بذلك رفعة المرتبة والمنزلة والله عز وجل فوق خلقه على الوجهين ~~جميعا # وإنما يمتنع الوجه الثالث وهو أن يكون على معنى التحيز في جهة الإختصاص ~~ببقعه دون بقعة وإذا قلنا أنه فوق الأشياء على هذا الوجه قلنا أيضا في ~~تأويل إطلاق القول بأنه فيها على مثل هذا المعنى وقد رأينا في اللغة تعاقب ~~هذين الحرفين على الوجه الذي ذكرنا شواهده من آي القرآن والشعر # سؤال فإن قال قائل فإذا أجزتم أن يقال أنه في السماء وفي الأرض على معنى ~~أنه فوقها أفتجيزون أن يقال إنه في كل على مثل هذا المعنى # قيل إنما يطلق من ذلك ما ورد به أثر ونطق به سمع وليس للقياس عندنا في ~~ذلك مدخل بوجه من الوجوه # قلنا إن صح هذا الخبر كان طريق تأويله على نحو تأويل الآية في قوله عز ~~وجل {أأمنتم من في السماء} إنما زعم مخالفونا أنه واجب أن يقال # إن الله تعالى في كل مكان ورد به خبر أو لم يرد سوى من وافقنا منهم في ~~أخذ أسمائه عن التوقيف خصوصا ولا توقيف على هذا المعنى بوجه بأن الله تعالى ~~في كل مكان فمتى رجعوا في معنى إطلاق ذلك إلى العلم والتدبير كان معناهم ~~صحيحا واللفظ ممنوعا # ألا ترى أنه لا يسوغ أن يقال إن الله تعالى مجاور لكل مكان أو مماس له أو ~~حال أو متمكن فيه على معنى أنه عالم بذلك مدبر له # PageV01P174 # فأما قولهم إن هذا على سبيل قولهم فلان في بناء ms048 داره وفي صلاته وعمله على ~~معنى أنه يدبره # قيل هذا خطأ لأن ما ذكرتم هو من الكلام المقلوب كقولهم # أدخلت القلنسوة في رأسي وأدخلت القبر زيدا وأدخلت الخف في رجلي وإنما ~~تدخل الرجل في الخف وزيد في القبر والرأس في القلنسوة # كذلك العمل في فلان والبناء فيه لا أنه هو في العمل ومثل هذا في الكلام ~~لا يقاس ولا يصلح أن يجعل أصلا لأنه نوع من المجاز وإنما يجعل الحقائق ~~أصولا ويستخرج معانيها إذا كان لإستعمال القياس في ذلك مدخل # وهذا القدر يكفي في الإشارة إلى فساد قول الثلجي ومن ذهب مذهبه في إطلاق ~~القوف بأن الله تعالى في كل مكان وحمل هذا الخبر على مثل مذهبه فيه فاعلمه ~~إن شاء الله تعالى # PageV01P175 ### | ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل ويوهم ظاهره التشبيه # # وهو ما رواه سماك بن حرب عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال # الله أفرح بتوبة العبد من العبد إذا ضلت راحلته في أرض فلاة من يوم قائظ ~~وراحلته عليها زاده ومزاده إذا ضلت أيقن بالهلاك وإذا وجدها فرح بذلك فالله ~~أشد فرحا بتوبة عبده من هذا العبد بوجود راحلته // أخرجه ابن ماجه // # وتطيره أيضا ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # لا يطأ الرجل المساجد للصلاة والذكر إلا يتبشبش الله تعالى به حين يخرج ~~كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم ### | تأويله # اعلم أن الفرح في كلام العرب على وجوه # منها الفرح بمعنى السرور من ذلك قوله عز وجل {حتى إذا كنتم في الفلك ~~وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها} # أي سروا بها فهذا المعنى لا يليق بالله عز وجل لأنه يقضي جواز الشهوة # PageV01P186 # والحاجة وعليه نيل المنفعة # ومنها الفرح بمعنى البطر والأشر من ذلك قوله تعالى {ولا تفرحوا بما ~~آتاكم} # وقوله {إن الله لا يحب الفرحين} # وقوله تعالى {إنه لفرح فخور} # يعني بذلك فرح البطر والأشر ومنه قول الشاعر # (ولست بمفراح ms049 إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب) أي لست ببطر ~~ولا أشر وإن وافقني الدهر وساعدني # والوجه الثالث من الفرح أن يكون بمعنى الرضا من قوله عز وجل {كل حزب بما ~~لديهم فرحون} أي راضون # ولما كان من يسر بالشيء قد رضيه قيل إنه فرح على أنه هو به راض # ومعنى الخبر يحمل على ذلك لأن البطر والسرور لا يليقان بالله ويكون معنى ~~ذلك أن الله تعالى أرضى بتوبة العبد من رضا من وجد ضالته # PageV01P187 # واعلم أن أصل الرضا على أصولنا إنما يتعلق بمن في المعلوم أنه يوافي ربه ~~على الإيمان والطاعة وأن من وفقه الله تعالى للتوبة من معاصيه فقد رضي أن ~~يكون مثابا على الخير مقبولا منه الطاعة والعبادة ولم يزل الله عندنا راضيا ~~عمن يعلم أنه يموت على الإيمان مزكيا مادحا مثنيا عليه بالإيمان والخير ~~والبر # وتكون فائدة الخبر على ما ذكرنا تعريفنا أن الله عز وجل هو التائب على ~~العبد ليتوب كما قال تعالى {ثم تاب عليهم ليتوبوا} # ويدل على صحة ما نقول # أن الله عز وجل هو الخالق لأعمال العبادة والموفق للخير منها وأن ما ~~يستعمل في الخير منها لا يصلح أن يستعمل في الشر وإذا كان كذلك أفاد هذا ~~الخبر تعريف صحة ما نقول في الرضا وأن الطاعة عن رضا الله تعالى تحصل للعبد ~~لا عن العبد وأنه هو الذي يعينه ويوفقه له وأن من علمه أهلا لذلك يسر له ~~طريق ذلك كما أن من يسر بالشيء ييسر له الطريق وكذلك تثبت هذه الصفة بتلك ~~الحالة # وعلى نحو ذلك ما ذكرنا أيضا يتأول قوله عليه الصلاة والسلام في البشبشة ~~وذلك أن معناه يقارب معنى الفرح والرضا بما يحصل في التبشبش لما يبش منه ~~العرب تقول # رأيت لفلان بشابة وبشاشه أي فرحا وتقول فلان هش بش فرح # PageV01P188 # إذا كان منطلقا فيما يحدث له رضا به وعلى هذه الطريقة يكون معنى الخبر إن ~~الله عز وجل قد رضي وطء الواطئين للمساجد للذكر والصلاة وأعانهم عليه ms050 ويسر ~~لهم التقرب به إليه وسهل عليهم طريق الإخلاص فيه كمن يقدم عليه غائبه إذا ~~ابتدأ في تيسير الأمور التي يرضاها له ويحلها به فيقال له عند ذلك تبشبش له # واعلم أن العرب كلامهم استعادات ألا ترى إلى قوله عز وجل {فأذاقها الله ~~لباس الجوع والخوف} # بمعنى الإبتلاء والإختبار وإن كان أصل الذوق بالفم ولذلك تقول العرب # ناظر فلانا ذق ما عنده # ويقولون ذق القوس بالنزع ليعلم لينها وصلابتها # كذلك قوله تبشبش الله والله أفرح يرجع معناه في التحقيق إلى إظهار ~~الأفعال المرضية فيمن يتوب عليه من المعاصي ويوفقه للطاعة تشبيها بحال ~~أحدنا إذا ظهر له ما يسره ويؤنسه وإن لم يكن لائقا بالله عز وجل وإنما أريد ~~به التقريب على الإفهام بالخطاب المعتاد الجاري بين أهله # ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم قصد بذكر هذه الألفاظ في التوبة ~~والطاعة والعبادة وحضور المساجد والذكر ترغيبا في التوبة وحثا على فعلها ~~إذا دعا إليها بأقرب ما يدعى إلى مثله من الألفاظ لتكثر الدواعي إلى فعلها ~~والمبادرة إليها إذا خاطب أهلها # PageV01P189 # بأبلغ الألفاظ فيها # ثم إن وجوه الإستعارات وتحقيق المعاني صحيح ثابت عند أهل المعرفة بها فلا ~~تلبس عليهم ولا تخيل أن المراد هو المعنى الصحيح الذي يجوز عليه جل ذكره ~~دون ما لا يجوز وهذا كسائر ما وصف الله جل ذكره به من أوصاف ذاته وفعله مما ~~يقع مشتركا بينه وبين خلقه فيكون له منه معناه الذي يصح في وصفه ويليق ~~بحكمه ولغيره إذا جرى عليه نحو ما يجوز عليه ولا يجوز أن يستوحش من إطلاق ~~مثل هذا اللفظ إذا ورد به سمع لأن النظر يكشف عن الصحيح من المعنيين ~~والجائز من الحكمين عليه واللغة لا يمكن دفعها والسمع لا سبيل إلى رده إذا ~~صح # والنظر الحكم الفاصل بين الخطأ والصواب فيه كسائر الألفاظ المطلقة ~~المشتركة وما ذكرنا مما قيل في معنى ما ورد من اطلاق لفظ الضحك هو قريب من ~~هذا المعنى # PageV01P190 ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل ويوهم ms051 ظاهره التشبيه # ومما يشاكل هذا الباب مما يقتضي التأويل أيضا ألفاظ رويت في أخبار مختلفة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # عجب ربكم من شاب ليست له صبوة // رواه الإمام أحمد // # وفي خبر آخر عجب ربكم من إياسكم وقنوطكم // رواه الإمام أحمد // # وقد قرأ بعض القراء بل عجبت بضم التاء # وروي أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم # عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل // أخرجه الإمام أحمد // # وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم # ثلاثة يعجب الله إليهم # القوم إذا اصطفوا للصلاة والقوم إذا اصطفوا لقتال المشركين ورجل يقوم إلى ~~الصلاة في جوف الليل // أخرجه الإمام أحمد // # PageV01P191 # وروى أبو هريرة أن رجلا نزل ضيفا برجل من الأنصار فقال لإمرأته # تعالي حتى انطوى الليل لضيفنا فإذا وضعت الطعام بين يديه فاطفئي المصباح ~~حتى يأكل وحده قال ففعلت ذلك وغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~عليه الصلاة والسلام # لقد عجب الله من صنيعكما البارحة فأنزل الله عز وجل فيهما {ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} # معنى ذلك أن أصل التعجب إذا استعمل في أحدنا فالمراد أن يدهمه أمر ~~يستعظمه مما لم يعلم وذلك مما لا يليق بالله سبحانه # وإذا قيل في صفة الله تعالى عجب أو يتعجب فالمراد به أحد شيئين # إما أن يكون يراد به أنه مما عظم قدر ذلك وكبر لأن المتعجب معظم لما ~~يتعجب منه ولكن الله سبحانه لما كان عالما بما كان ويكون لم يلق به أحد ~~الوجهين الذي يقتضي استدراك عالم ما لم يكن به عالما فبقي أمر التعظيم له ~~والتكبير في القلوب عند أهله إذا يراد بذلك الرضا والقبول لأجل أن من أعجبه ~~الشيء فقد رضيه وقبله ولا يصح أن يعجب مما يسخطه ويكرهه فلما أراد النبي ~~صلى الله عليه وسلم تعظيم أقدار هذه الأفعال في القلوب أخبر عنها باللفظ ~~الذي يقتضي التعظيم حثا على فعلها وترغيبا في المبادرة إليها # وأما قوله تعالى من قراءة من قرأ بل ms052 عجبت بضم التاء فتأويله على أحد ~~وجهين # PageV01P192 # إما أن يراد به أنه جازاهم على عجبهم لما أخبر عنهم أنهم تعجبوا من الحق ~~لما جاءهم {هذا لشيء عجاب} # وهذه طريقة للعرب معروفة في تسمية جزاء الشيء بإسمه كما قال القائل # (ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلين) # وكما قال تعالى {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} # وكما قال {وجزاء سيئة سيئة مثلها} # فسمى الثاني بإسمها # والوجه الثاني أن يراد به النبي وطريقة ذلك على نحو ما مضى بيانه قبل في ~~أنه يذكر وليه وخصيصة ويكون الخبر عن نفسه والمراد به هو كما قيل مرضت فلم ~~تعدني وكقوله تعالى {إن الذين يؤذون الله ورسوله} # وكقوله # PageV01P193 # ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل ويوهم ظاهرة التشبيه # وذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # لا تسبو الريح فإنها من نفس الرحمن # // أخرجه الإمام أحمد // وروي لفظ آخر وهو ما روي عنه عليه الصلاة ~~والسلام أنه قال # إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن # وروي في خبر آخر أنه قال # هذا نفس ربي أجده بين كتفي أتاكم الساعة # أعلم أن النفس في كلام العرب يستعمل على معنى النفس ويستعمل أيضا على ~~معنى التنفيس فهو من قولهم نفس منفوسة إذا كان مجوفا يتنفس يخرج منه النفس ~~شيئا بعد شيء وليس المراد بالخير ذلك لإستحالة التنفس على الله عز وجل من ~~قبل أنه ليس بإجزاء متبعضة ولا أجسام متغيرة # وكيف يدعي الجسمية المشبهة إن ذلك على معنى التنفس وعندهم أن تأويل الصمت ~~المصمد الذي ليس بأجوف وإنما التنفس يجيء من أجوف فإذا لم يكن النفس بمعنى ~~التنفس فهو بمعنى التنفيس وذلك معروف من قولهم نفست عن # PageV01P195 # فلان أي فرجت عنه وكلمت زيدا في التنفيس عن غريمه ويقال نفس الله عن فلان ~~كربه أي فرج عنه # وفي الخبر من نفس عن مكروب كربة من المؤمنين نفس الله عنه كربة يوم ~~القيامة # فأما معنى قوله عليه الصلاة والسلام الريح من نفس الرحمن فمعناه على ms053 هذا ~~الوجه # أن الريح مما يفرج الله عز وجل بها عن المكروب والمغموم # وقد روي في الخبر أن الله سبحانه فرج عن نبيه عليه الصلاة والسلام بالريح ~~يوم الأحزاب فقال سبحانه {فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} # ومن الكلام المتداول في العرف والعادة بل تدافع بين أهل اللسان قولهم # اعمل وأنت في نفس من أمرك # PageV01P196 # {فلما آسفونا انتقمنا منهم} # والمعنى أنهم اغضبوا أولياءنا وقد أنكر منكرون هذه القراءة # قال سفيان قرأت عند شريح بل عجبت فقال # إن الله لا يعجب من شىء إنما يعجب من لا يعلم # قال فذكرت ذلك لإبراهيم فقال إن شريحا شاعر يعجبه علمه وعبد الله بن ~~مسعود أعلم منه وكان يقرأ بل عجبت بضم التاء # وقال بعض أهل اللغة إن تقديره معناه # قل يا محمد بل عجبت أنا من قدرة الله تعالى فأضمر القدرة لدلالة الكلام ~~ومثله ما قال الشاعر # (قد أصبحت أم الخيار تدعى ... علي ذنب كله لم أصنع) # (لما رأيت رأسي كرأس الأقرع ... من الليالي أبطيء وأسرعي) # أراد أن يقال لها لا تبطىء وأسرعي فأضمر لدلاة الكلام عليه # PageV01P194 # أي وأنت في فسحة قبل الهرم والمرض وأشباه ذلك من الحوادث # والريح مما يفرج بها الكرب ومن نفس الريح أنها إذا ذهبت في البلد الحار ~~والهواجر أذهبت الوباء وأطالت للمسافر السير وإذا هبت في بعض الأوقات أنشأت ~~السحاب وإذا هبت في بعضها ألقحت الأشجار بإذن الله عز وجل وذلك قوله عز ~~ذكره {وأرسلنا الرياح لواقح} # وكانت العرب تقول # إذا كثرت الرياح كثر الخصب والخير وإذا تنسم الريح عليل أو محزون وجد ~~لنسيمها خفة وفرجا مما يجد وينشدون في ذلك قول الشاعر # (فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفسي محزون تجلت همومها) # وقال بعض العرب # هجمت على بطن واد بين جبلين فما رأيت واديا اخصب منه وإذا وجوه أهله ~~بهيجة وألوانهم مصفرة فقلت لهم # واديكم اخصب واد وأنتم لا تشبهون أهل الخصب # فقال لي شيخ منهم ليس لنا ريح # وهذا مما يبين أن الله عز وجل ms054 جعل في مهب الريح نفسا على معنى التنفيس ~~والتفريج عن المكروب والهعوم المشتملة على القلوب وقرن بمهب بعضها الخير # PageV01P197 # والصلاح للأجساد والأبدان # فعلى هذا يتأول قوله إن الريح من نفس الرحمن # أي هي مما خلق الله فيها التفريج والتنفيس والترويح والإضافة من طرق ~~الفعل # والمعنى أن الله عز وجل جعلها كذلك وقرن التنفيس بها # وأما قوله إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن # فمعناه إني لأجد تفريج الله عني وتنفيسه عن كربتي بنصرته إياي من قبل أهل ~~اليمن وذلك لما نصره المهاجرون والأنصار نفس الله عن نبيه عليه الصلاة ~~والسلام ما كان فيه من أذى المشركين وقتلهم الله على أيدي المهاجرين من أهل ~~اليمن والأنصار وكان صلى الله عليه وسلم كثيرا ما كان يمدح أهل اليمن وروي ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # الإيمان والحكمة يمانية # وأما قوله صلى الله عليه وسلم # هذا نفس ربي أجده بين كتفي أتاكم الساعة # فمعناه أن هذا هو الذي فرج الله ربي عني بما يوحيه إلي الساعة فصرف به ~~همومي وغمومي وكشف عن قلبي وستري عن فؤادي وذلك ما كان يجده صلى الله عليه ~~وسلم في مستقبل أوقاته من زوائد روح اليقين وفوائد التعريف والألطاف التي ~~يجدد الله له صلى الله عليه وسلم فسمي ذلك نفس الرب لأنه هو الذي نفس عنه ~~والإضافة من طريق الملك والتدبير # PageV01P198 # وإذا احتمل لفظ النفس والتنفيس والتنفس وكان التنفس من صفات الأجوف ~~والأجوف لا يكون إلا أجساما متلاصقة وأجزاء ملتمة على وجه مخصوص وذلك لا ~~يليق بالله سبحانه وجب أن يحمل على معنى التنفيس الذي هو التفريج عن الكروب ~~والهموم فاعلمه إن شاء الله ### | ذكر خبر آخر يقتضي التأويل ويوهم ظاهره التشبيه # وذلك ما رواه الجمع الكثير من الأثبات والثقات وهو من مشاهير الحديث في ~~هذا الباب كالمجتمع على صحته عند أهل النقل وذلك ما روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بألفاظ متغايرة في أخبار متفرقة يؤول جمع ذلك إلى معنى واحد ~~وهو ما روي ms055 عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # إن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا # وفي بعض الأخبار في كل ليلة # وفي بعضها في ليلة النصف من شعبان فيقول # هل من مستغفر فأغفر له وهل من سائل فأعطيه // أخرجه البخاري // الخبر ### | ذكر تأويله # اعلم أن أول ما يجب في ذلك قبل شروعنا في تأويله هو أن يعلم أن جميع ~~أوصاف الله تعالى مما لا يخرج من أحد وجهين # PageV01P199 # إما أن يكون استحقه لنفسه أو لصفة قامت به أو لفعل يفعله وأنه لا يطلق ~~شيء من الألفاظ في أوصافه وأسمائه المتفرعة عن هذين الأصلين إلا بعد ورود ~~التوقيف من الكتاب والسنة وعن إتفاق الأمة ولا مجال للقياس وذلك بوجه من ~~الوجوه وأدلة هذا الباب وشرح وجوهه مما قد ذكر في الكتب وليس هذا موضع ~~ذكرها إذا كان الغرض التنبيه على معاني هذه الألفاظ المشكلة التي وردت في ~~الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يوهم التشبيه ويجحدها ~~أهل البدع لتوهمهم أن ذلك مما لا يمكن أن يحمل على تأويل صحيح من غير أن ~~يكون فيه تشبيه أو تحديد أو تكييف ووصف للرب عز وجل بما لا يليق به # واعلم أنه قلما يرد في هذه الأخبار من أمثال هذه الألفاظ إلا ونظائرها ~~موجودة في الكتاب # وهي إذا وردت في الكتاب محمولة عندهم على التأويل الصحيح مخرجة على الوجه ~~الذي يليق بصفاته تعالى # وإذا وردت في الأخبار أبطلوها مناقضة منهم لأصولهم كسائر مناقضاتهم في ~~مذاهبهم المبينة على آرائهم الفاسدة مما لم يشهد بها كتاب ولا سنة ولا بان ~~فيها اتفاق الأمة وذلك لجحدهم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإستخفافهم ~~بأهل النقل وإستهاناتهم برواياتهم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ويظهر ~~مخازيهم ومناقضاتهم # فما ورد في هذا الباب والمعنى من آي الكتاب قوله تعالى {فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف} # وقوله # PageV01P200 # {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} # وقوله {وجاء ربك والملك صفا صفا} ms056 # واعلم أنه لا فرق بين الإتيان والمجيء والنزول إذا أضيف جميع ذلك إلى ~~الأجسام التي تتحرك وتنتقل وتحازي مكانا إن جميع ذلك يعقل من ظاهرها # والمعنى الذي هو الحركة والنقلة التي هي تفريغ مكان وشغل مكان # وإذا أضيف إلى ما لا يليق به الإنتقال من مكان إلى مكان لإستحالة وصفه ~~كان معنى ما يضاف إليه من الإتيان والمجيء على حسب ما يليق بنعمته وصفته ~~إذا ورد به الكتاب وكذلك إذا أضيف النزول إليه وورد به الخبر الصحيح الموثق ~~بروايته ونقله وصحته في باب أنه يحمل على نحو ما حمل عليه معنى المجيء ~~والإتيان إذا ذكرا في أوصافه في الكتاب # وإذا كان كذلك تأملنا معنى ما ورد في هذا الخبر من لفظ النزول ونزلناه ~~على الوجه الذي يليق بوصفه وعلى المعنى الذي لا ينكر استعمال مثله في ~~اللسان في مثل معناه ولا أن يرد الخبر بمثله # فمن ذلك أنا وجدنا لقطة النزول في اللغة مستعملة على معان مختلفة ولم تكن ~~هذه اللقطة مما يخص أمرا واحدا حتى لا يمكن العدول عنه إلى غيره بل وجدناه ~~مشترك المعنى واحتمل التأويل والتخريج والترتيب # PageV01P201 # فمن ذلك النزول بمعنى الإنتقال وذلك في قوله سبحانه {وأنزلنا من السماء ~~ماء طهورا} على معنى النقلة والتحويل # ومن ذلك النزول بمعنى الإعلام كقوله عز وجل {نزل به الروح الأمين على ~~قلبك} # أي أعلم به الروح الأمين محمدا صلى الله عليه وسلم # والنزول أيضا بمعنى القول والعبادة وذلك في قوله عز وجل {سأنزل مثل ما ~~أنزل الله} # والنزول أيضا بمعنى الإقبال على الشيء وذلك هو المستعمل في قولهم والجاري ~~في عرفهم وهو أنهم يقولون إن فلانا أخذ بمكارم الأخلاق ثم نزل منها إلى ~~سفافها أي أقبل منها إلى رديئها # ومثله في نقصان الدرجة والمرقبة لأنهم يقولون # نزلت منزلة فلان عن فلان عما كانت عليه إلى ما دونها إذا انحط قدره عنده # ومن ذلك أيضا النزول بمعنى نزول الحكم من ذلك قول الناس قد كنا في عدل ~~وخير حتى نزل بنا ms057 بنو فلان إلى حكمهم وكل ذلك في معنى النزول متعارف بين ~~أهل اللغة غير مرفوع عندهم اشتراك معناه # فأما قوله # PageV01P202 # {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} # فمن أهل التأويل من قال معناه وخلقنا الحديد # ومنهم من قال إن الحديد أنزلناه على معنى النقل من علو إلى أسفل # فأما قوله {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} فإن إنزال القرآن ليس هو على ~~معنى النقل والتحويل لإستحالة الإنتقال على الكلام وإنما هو بمعنى الإعلام ~~والإسماع والإفهام # وقوله {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} # يكشف أيضا على أنه ليس كل نزول وإنزال نقل وتحويل بل ذلك لفظ مشترك ~~المعنى قد يكون نقلا وتحويلا ويكون على غير هذا الوجه أيضا على المتعارف ~~والمعهود بين أهل اللغة وإذا كان اللفظ مشترك المعنى وجب الترتيب وإضافة ما ~~يليق في المذكور والمضاف إليه على حسب ما يليق به ألا ترى أنه إذا أضيف إلى ~~السكينة لم يكن حركة ولا نقلة وإذا أضيف إلى الكلام لم يكن أيضا تفريغ مكان ~~وشغل مكان وإذا أريد به الحكم وتغير المرتبة فكذلك وإذا كان ما وصف به الرب ~~جل ذكره من النزول محمولا على بعض هذه المعاني التي لا تقتضي له ما لا يليق ~~بنعته من إيجاب حدث يحدث في ذاته وتغيير يلحقه أو نقص تمثيلا أو تحديدا وهو ~~أن # PageV01P203 # يكون على أحد وجوه من المعاني # أما أن يراد به إقباله على أهل الأرض بالرحمة والإستعطاف بالتذكير ~~والتنبيه الذي يلقى في قلوب أهل الخير منهم من أسعده بتوفيقه لطاعته حتى ~~يزعجهم إلى الجد والإنكماش في التوبة والإنابة والإقبال على الطاعة ووجدنا ~~الله عز وجل قد خص بالمدح المستغفرين بالأسحار وقال في وصفهم أيضا {كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون} # وقال تعالى {والمستغفرين بالأسحار} # فيحتمل أن يكون ذلك هو المراد به وهو الأخبار عما يظهر من الطافه ومعونته ~~وتأييده ولأهل ولايته في مثل هذا الوقت بالزواجر التي يقيمها في نفوسهم ~~والمواعظ التي تنبههم بقوة الترغيب والترهيب # ويحتمل أن يكون ذلك ms058 فعلا يظهره بأمره فيضاف إليه كما يقال ضرب الأمير ~~اللص ونادى الأمير في البلد اليوم وإنما أمر بذلك فيضاف إليه على معنى أنه ~~عن أمره ظهر وبأمره حصل وإذا كان ذلك محتملا في اللغة لم ينكر أن يكون لله ~~عز وجل ملائكة يأمرهم بالنزول إلى السماء الدنيا بهذا النداء والدعاء فيضاف ~~ذلك إلى الله عز وجل على الوجه الذي يقال ضرب الأمير اللص ونادى في البلاد # وقد روى لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بما ~~يؤيد هذا الباب # PageV01P204 # وهو بضم الياء من ينزل وذكر أنه قد ضبطه عمن سمعه عنه من الثقات الضابطين ~~وإذا كان ذلك محفوظا مضبوطا كما قال فوجهه ظاهر ولما ذكرناه مما يحتمله من ~~التأويل مؤيد شاهد # ويحتمل أيضا أن يكون على معنى أنهم يقولون # مازلنا في خير حتى نزل بنا بنو فلان على معنى نزول حكمهم وأمرهم فيكون ~~تقدير التأويل ما قلنا فيه من الأخبار عما يفعله الله تعالى في كل ليلة من ~~أفعاله التي هي ترغيب لأهل الخير في الخير وزيادة في الدواعي إلى الطاعة ~~والإستعطاف لأهل العطف مع إنه إذا لم يحل ما أطلق عليه من هذا الوصف من أن ~~يكون مما يلزم الذات لأجل فعل أو يكون مما يجب لأجل إفعال وبطل أن يكون ذلك ~~مما يلزم الذات وجب أن يكون ذلك مما يوصف به من أجل فعل يفعله # وقد روي لنا عن الأوزاعي رحمه الله أنه سئل عن هذا الخبر فقال # يفعل ما يشاء # وهذا إشارة منه إلى أن ذلك فعل يظهر منه عز ذكره # وروي عن مالك بن أنس أنه قال في هذا الخبر # ينزل أمره في كل شيء وأما هو جل ذكره فهو دائم لا يزول ولسنا ننكر تسمية ~~الله تعالى بأسماء أفعاله إذا ورد بها التوقيف بها كسائر ما يسمى لأجل ~~الفعل مثل قوله {والسماء بنيناها بأيد} # وقوله # PageV01P205 # {فدمدم عليهم ربهم} # وقوله تعالى {ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه} # وقد ورد الخبر الصحيح ms059 الذي لا يمكن دفعه وكان حجة في إطلاق التسمية ~~والنظر شاهدة تميز بين المعنيين يقتضي نفي ما لا يليق به فوجب حمله عليها ~~على ما يصح في وصفه من بعض الوجوه التي ذكرناها # PageV01P206 ### | فصل آخر في ذلك # فإن قال قائل فإذا حملتم ما روي من النزول في الخبر على ما ذكرتم فعلام ~~تحملون # قوله {فأتى الله بنيانهم من القواعد} # وقوله سبحانه {وجاء ربك والملك صفا صفا} # وقوله {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} قيل ~~هذا تأويل أهل العلم هذه الآي في وجوه كثيرة فمن ذلك أنهم تأولوا قوله عز ~~وجل {فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف} # أن معناه الإستئصال في الهلاك والدمار بإرسال العذاب كما يقول الناس أي ~~السلطان بلد كذا فقلبه ظهرا لبطن أي استأصله وليس يريدون حضوره البلد بنفسه ~~ولا شهوده بل يريدون الهلاك والتدمير # وقال بعضهم إنما أراد بذلك ظهور فعل من جهته في البنيان سماه إتيانا ولله ~~أن يسمي أفعاله بما شاء وأن يصف نفسه من ذلك بما أراد # PageV01P207 # وأما قوله تعالى {وجاء ربك والملك صفا صفا} فمنهم من قال # إن معناه جاء ربك بالملك صفا وزعم أن الواو هنا بمعنى الباء # ومنهم من قال جاء ربك والملك أمر ربك وحكمه يريد أمر القيامة وما يختص به ~~ذلك الوقت من أمره المخصوص وحكمه الذي لا يقع الشركة فيه بالدعاء والنداء # وقد بينا فيما قبل أنه لا تدافع بين أهل اللغة في قولهم ضرب الأمير اللص ~~ونادى الأمير في البلد بكذا وإنما يراد بذلك أن ذلك الفعل وقع بأمره وعن ~~حكمه فيضاف الفعل إليه باللفظ الذي يضاف إلى من فعله وتولاه ونظير ذلك قوله ~~عز وجل في قصة قوم لوط {فطمسنا أعينهم} وكان الطمس للأعين من الملائكة بأمر ~~الله عز وجل # وإذا كان مثله متعارف في اللغة وإنما ورد الخطاب في القرآن على المتعارف ~~في اللغة والمعهود فيما بين أهلها لم ينكر أن يحمل على ذلك قوله تعالى ~~{وجاء ربك} ms060 # PageV01P208 # وأما قوله سبحانه {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة} # فقد قال بعض أهل التفسير # إن معناه هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالعذاب في ظلل من الغمام وهذا ~~سائغ في اللغة أن يعبر عن الشيء بفعله إذا وقع عن أمره وتدبيره كقولهم أتى ~~الأمير بلد فلان إذا وصل إليه جيشه ودخل السلطان بلد كذا إذا نفذ فيه أمره ~~وحكمه # وقال بعضهم إن قوله {في ظلل من الغمام} يراد به بظلل من الغمام وأن في ~~بمعنى الباء وقد روي ذلك في التفسير عن ابن عباس # PageV01P209 # وقال بعض أهل العلم في الإستشهاد بإبدال الباء من في أن أعرابيا كان يقرأ ~~{ومن شر النفاثات في العقد} فصير الباء في مكان في لما كان عنده أن ذلك ~~سواء مما يبدل أحدهما صاحبه من غير إختلاف المعنى # ويحكى أيضا أنه سمع من بعض الأعراب وهو يقول لصاحبه # ارفع بالسماء يريد ارفع في السماء # وقال بعضهم من أهل التأويل في قوله تعالى {سأل سائل بعذاب واقع} أن معناه ~~عن عذاب واقع وحروف الصفات تدخل بعضها في بعض ويبدل بعضها من بعض إذا ~~تقاربت معانيها ولم تختلف # وروى ابن أبي نجيح عند مجاهد في قوله تعالى {هل ينظرون إلا أن يأتيهم ~~الله في ظلل من الغمام} # قال يأتيهم بوعده ووعيده وأن الله عز وجل يكشف لهم يوم القيامة عن أمور ~~كانت مستورة عنهم # PageV01P210 # وقد روي مثل قول ابن عباس عن الحسن # واعلم أنه إذا كان ما حملناه عليه تأويل الخبر والآية منقولا عن الصحابة ~~والتابعين كان ذلك مما يؤيد ما قلناه ويؤنس المستعلم التأويل ما ذكرنا # ويكشف للناظر أن الألفاظ الواردة في الأخبار كتأويل الألفاظ الواردة في ~~القرآن وأن طريق التخريج فيها واحد إذا وجب أن يحمل ما ورد في الكتاب من ~~ألفاظ المجيء والإتيان على غير معنى النزول والإنتقال الذي هو صفة الجسم ~~المحدود والمتحرك المتنقل المتمكن في مكان بعد مكان # بل هو على معنى ما ورد به الكتاب من الإتيان ms061 والمجيء # ولا فرق بين أن يرد ذلك من طريق صحيح من جهة الأثر والسنة وبين أن يرد ~~ذلك في الكتاب في باب ما يحمل عليه من التأويل على الوجه الذي يليق بالله ~~تعالى فعلى هذا ترتيب الباب فاعلم # PageV01P211 ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل ويوهم ظاهره التشبيه # وروي عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري قال قام فينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأربع فقال # إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام بيده الميزان يخفض القسط ~~ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ~~حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه // ~~أخرجه الإمام مسلم // # PageV01P212 # وفي بعض الأخبار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره ### | تأويل ذلك # اعلم أن كل ما ذكر فيه الحجاب من أمثال هذا الخبر فإنما يرجع معناه إلى ~~الخلق لأنهم هم المحجوبون عنه بحجاب يخلقه فيهم لا يجوز أن يكون الله عز ~~وجل محتجبا ولا محجوبا لإستحالة كونه جوهرا أو جسما محدودا لأن ما يستره ~~الحجاب أكبر منه ويكون متناهيا محاذيا جائزا عليه المماسة والمفارقة وما ~~كان # PageV01P213 # كذلك كانت علامات الحدث فيه قائمة وذلك أن الموحدين إنما توصلوا إلى ~~العلم بحدث الأجسام من حيث وجدوها متناهية محدودة محلا للحوادث فكان ~~تعاقبها عليها دليلا على حدثها ولن يجوز أن تقوم دلالة الحدث على القديم ~~الذي لم يزل موجودا وإذا كان هذا الأصل صحيحا بما كشفنا عنه وجب أن يحمل ~~ذلك على النوع الذي بيناه وقررناه ويشهد لذلك يؤيده قوله عز وجل {كلا إنهم ~~عن ربهم يومئذ لمحجوبون} # فجعل الكفار محجوبين عن رؤيته بما خلق فيهم من الحجاب والمنع منها ولم ~~يصف نفسه بالإحتجاب ولا بأنه هو المحجوب # وأعلم أن أصل معنى الإحتجاب والحجاب في اللغة هو المنع ولذلك يقال لمن ~~يمنع عن الأمير من قد دخل إليه إلا بإذنه حاجب ولذلك قيل للحاجبين اللذين ~~يمنعان عن العينين ms062 لإحاطتها بهما # وإذا قلنا أن الكافر محجوب عن ربه فالمعنى فيه أنه ممنوع عن رؤيته والمنع ~~من الرؤية معنى يضاد الرؤية إذا وجد امتنعت الرؤية لوجوده # والذي يحقق ويؤيد ما عليه تأويلنا ما روي عن علي رضي الله عنه وروى عطاء ~~بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى # PageV01P214 # عن علي أنه مر بقصاب وهو يقول لا والذي احتجب بسبعة أطباق # فقال له علي رضي الله عنه # ويحك يا قصاب إن الله لا يحتجب عن خلقه # وفي بعض هذه الأخبار أن عليا علاه بالدرة فقال # يا لكع إن الله لا يحتجب عن خلقه بشيء ولكن حجب خلقه عنه # وفي بعض هذه الأخبار أنه قال القصاب لعلي # أو لا أكفر عن يميني يا أمير المؤمنين # فقال لا لأنك حلفت بغير الله # وروى عن عاصم عن عطاء عن أبي البختري مثله عن علي فأما قوله عليه الصلاة ~~والسلام # لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه # فقد تأول أهل العلم ذلك منهم أبو عبيد ذكر أن معنى لو كشفها فقال # أي لو كشف رحمته عن النار لأحرقت سبحات وجهه أي لأحرقت وجه المحجوب عنه ~~بالنار # PageV01P215 # والهاء عائدة في سبحات وجهه إلى المحجوب لا إلى الله عز وجل لأن هذا ~~الوصف لا يليق به سبحانه لما ذكرنا أنه يستحيل أن يكون محجوبا أو محتجبا # وقال بعضهم معنى قوله حجابه النار أي جعل خلقه محجوبا بهذا # وروي في بعض الأخبار أن حجابه النور وليس بتفاوت معنى النار والنور ومعنى ~~الإضافة في الحجاب إليه من طريق الجعل والخلق وهو أن جعل الخلق محجوبا به ~~لأنه يحتجب به # فإن قالوا فعلى ماذا تحملون ما روي عن ابن عمر أنه قال # احتجب الله من خلقه بأربع بنار وظلمة ونور وظلمه # قيل قد ذكر بعض أهل العلم في ذلك تأويل أن معناه أن الله عرفنا نفسه ~~بآياته ودلائله فقال له آيات لو ظهرت للخلق كانت معرفتهم به كمعرفة العيان ~~كما ذكر في قوله سبحانه {فظلت أعناقهم لها خاضعين} # وقال محمد بن ms063 شجاع الثلجي # معنى قوله احتجب بالنار أي خلقها دون تلك الدلالات التي تبهر العقول وتدل ~~على معرفته حتى تصير كمعرفة العيان # وهذا الخبر إذا حمل تأويله على ما ذكر الثلجي كان معنى الإحتجاب عن الخلق ~~أنه جعل دلالة فوق دلالة ودلالة أظهر من دلالة ويرجع في التحقيق إلى # PageV01P216 # ما قلنا أنه يحجب الخلق بما يخلقه فيهم من موانع المعرفة والربوبية لا ~~أنه يحتجب احتجاب استتار كالإستتار بالأجسام الحاوية لما يحيط بها ويكتنفها # واعلم أن الأجسام ليست تحجب على الحقيقة في المحدثات أيضا لأنها في ~~الحقيقة غير مانعة رؤية المحجوب المستور المغطى ولا مانعة للمعرفة على ~~الأصل الصحيح من مذاهبنا # وذلك أن المانع من معرفة الشيء ورؤيته ومعاينة ما يمنع من وجود معرفته ~~ومعاينته وما يمنع من ذلك فهو الذي يضاد وجوده وذلك لا يصح إلا في العرضين ~~المتضادين المتعاقبين ولا يصح أن يكون الجسم منعا ولا مانعا من عرض أصلا ~~لأجل أنه لا يصح أن يكون بين العرض والجسم تناف وتضاد على وجه من الوجوه # فبان بهذا أن الذي يججب عن المعاينة والمعرفة في القديم والمحدث هو المنع ~~الذي هو بمعنى موجود تعاقب العلم والرؤية لمن هو ممنوع به فعلى ذلك لا يصح ~~أن يكون المحدث ولا القديم محجوبا بالشيء من سائر الأجسام المغطية ~~والمكتنفة المحيطة # وإنما يقال لهذه الأجسام الساترة أنها حجاب عن رؤية المحجوب لما وراءه من ~~أجل أن المنع من الرؤية يحدث عنده فسمى بإسم ما يحدث عنده ولذلك عطلت ~~المعتزلة في قولهم # إن البارئ سبحانه لا يرى لأجل أنه لو كان مرئيا لرأيناه الساعة لإرتفاع ~~الحجاب والبعد واللطافة والرقة وذلك أن ما قالوا أنه حجاب ومنع فليس بحجاب ~~ولا منع على الحقيقة وإنما يطلق عليه مجازا لأجل أن المنع يحدث عنده # PageV01P217 # فعلى ذلك ترتيب ### | تأويل ه # ذه الأخبار الواردة بلفظ الحجاب ويحقق أن الله عز وجل لا يصح أن يكون ~~محجوبا ولا محجوبا على الحقيقة وإنما هو مانع خالق للحجاب فيضاف الحجاب ~~إليه على معنى أنه ms064 جعله حجابا لمن حجبه به من طريق الفعل لا من طريق ~~الإستتار والإحتواء عليه ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل # وهو ما رواه الجم الغفير والجمع الكثير عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بألفاظ مفترقة ومعان متفقة في مواطن مختلفة وهو أن قال # ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضادون في رؤيته // ~~أخرجه الإمام أحمد // # وفي بعضها لا تضامون من رؤيته بتشديد الميم من تضامون الذي هو بمعنى ~~المضامة # وقد روي أيضا مخففا على معنى نفي الضيم عنهم والذي يجب أن يوقف عليه من ~~هذا الخبر معنى المضارة والمضامة المنفية عن الرائين له # ووجه تشبيه رؤيته برؤية القمر ليلة البدر أن ذلك لا يرجع إلى الرائي بل ~~يرجع إلى الرؤية # PageV01P218 # وروي في خبر آخر لفظ أشكل من هذا وهو أنه # روي أن الله تعالى يبرز كل جمعة لأهل الجنة # وروى على كثيب من كافور فيكونون في القرب على قدر تكبيرهم إلى الجمعة ألا ~~فسارعوا في الخيرات ### | تأويله # أعلم أن قوله ترون ربكم كما ترون القمر لم يقصد به إلا تحقيق رؤية العيان ~~لا تشبيه المرئ بالمرئ بل تحصيل ذلك تشبيه الرؤية بالرؤية حتى كأنه قال # رؤيتكم الله تعالى يوم القيامة كرؤيتكم القمر ليلة البدر # أي كما أنكم لا تشكون ليلة البدر في رؤية القمر أنه هو البدر ولا ~~يتخالجكم # PageV01P219 # فيه ريب وظن كذلك ترون الله جل ذكره يوم القيامة معاينة يحصل معها اليقين ~~بأن ما ترونه هو المعبود الإله الذي ليس كمثله شيء وحقق ذلك قوله لا تضامون ~~في رؤيته # فأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم لا تضامون في رؤيته أي لا ينضم بعضكم ~~إلى بعض كما تنضمون في رؤية الهلال رأس الشهر بل ترونه جهرة من غير تكلف ~~لطلب رؤيته كما ترون البدر وهو القمر ليلة الرابع عشر إذا عاينه المعاين ~~جهرة لم يحتج إلى تكلف في طلب رؤيته ومعاينته # وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لا تضارون أي لا يلحقكم الضرر في رؤيته ms065 ~~بتكلف طلب كما يلحق المشقة والتعب في طلب رؤية ما يخفي ويدق ويغمض وكل ذلك ~~المعاينة وأنها صفة تزيد على العلم # وكذلك من روى تضامون مخففا فإنما مراده الضيم أي لا يلحقكم فيه ضيم ~~والضيم والضرر واحد في المعنى # PageV01P220 # وقد تأولت المعتزلة ذلك على معنى رؤية العلم وأن المؤمنين يعرفون الله ~~يوم القيامة ضرورة وهذا خطأ من قبل أن الرؤية إذا كانت بمعنى العلم تعدت ~~إلى مفعولين وذلك كما قال القائل رأيت زيدا فقيها أي علمته كذلك # فإذا رأيت زيدا منطلقا فلا يفهم منه إلا رؤية البصر وقد حقق ذلك أيضا بما ~~أكده به من تشبيهه برؤية القمر ليلة البدر وتلك رؤية البصر لا رؤيه علم # وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يبشر المؤمنين من أصحابه بذلك ~~وذلك يوجب أن يكون معنى يختصون به # وأما العلم به فمشترك بين المؤمنين والكافرين يوم القيامة وذلك يبطل معنى ~~بشارته للمؤمنين بالرؤية وذلك أن تلك الرؤية رؤية عيان # وقد روى الأثبات منهم خنيس عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ترون ~~ربكم يوم القيامة عيانا وهذا يرفع الإشكال ويمنع الإحتمال # لأن الرؤية وإن كانت تستعمل في معنى العلم فإنها إذا قرنت بلفظ العيان لم ~~يحتمل العلم وذلك كقول القائل رأيت زيدا معاينة وعيانا لا يحتمل معنى العلم # كما أنه قال رأيت زيدا بقلبي لم يحتمل رؤية البصر # فأما ما روي في الخبر الآخر أن الله جل ذكره ينزل كل يوم جمعة لأهل الجنة ~~على كثيب من كافور فيكونون في القرب على قدر تبكيرهم إلى الجمعة ألا ~~فسارعوا إلى الخيرات فقال محمد بن شجاع # إن هذا الخبر مما تفرد بروايته المنهال بن عمرو وهو ضعيف جدا مع أنه إن # PageV01P221 # صح وقيل فإنه يحتمل أن يكون معناه أن أهل الجنة يرونه على مقادير أوقات ~~الدنيا بحسب أعمالهم الحسنة ومسارعتهم فيها وكل ما قيل في ذلك من معنى أيام ~~الدنيا وأوقاتها فيها كقوله ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا فذلك على تقدير ~~أيام ms066 الدنيا وأوقاتها لا أن هنالك غدوة وعشيا أو جمعة أو سبتا # فأما بروزه لأهل الجنة فذلك تجليه لهم وهو أن يخلق لهم رؤية له تعالى فهم ~~على كثيب كافور # فأما معنى قربه منهم فذلك راجع إلى الكرامات والمنزلة لا إلى المكان ~~والمسافة وذلك متعالم مشهور بين الناس أنهم يقولون فلان قريب من فلان وإنما ~~يريدون قرب المنزلة لا قرب المسافة وعليه يتأول قوله # من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا // أخرجه البخاري // # أي تقرب بالطاعة ضعفت له الثواب وزدته كرامة # وكذلك يقولون للفاسق في فسقه أنه متباعد عن الله يريدون بذلك التباعد من ~~طاعته وعبادته وعلى هذا المعنى يقال # إن الكافر بعيد عن الله والمؤمن قريب من الله والله قريب من المؤمنين ~~بعيد عن الكافرين # ومعنى ذلك قرب رحمته وكرامته ولطفه وفضله من المؤمنين وبعد جميع ذلك من ~~الكافر # PageV01P222 # فأما قرب المكان فلا يليق بوصف الله تعالى وعلى ذلك يتأول جميع ما في ~~القرآن مثل قوله تعالى {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} # وقوله {ونحن أقرب إليه منكم} # وقوله تعالى {فكان قاب قوسين أو أدنى} # وقوله تعالى {واسجد واقترب} # إن جميع ذلك لا يخلو أن يكون قربا بالطاعة من العبد أو قربا بالكرامة ~~وإظهار الرحمة من الله تعالى # فعلى ذلك جميع ما يوصف به الله عز ذكره من قربه من الخلق ويوصف به العبد ~~من قربه من الله وكذلك القول في البعد # PageV01P223 ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل # وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه يوم القيامة ويكلمه وليس بينه وبينه ~~ترجمان فيقول ما عملت فيما علمت // أخرجه البخاري // ### | ذكر تأويله # إعلم أن معنى قوله سيخلو به ربه محمول على ما جرى به العرف في كلام العرب ~~من قولهم خلا فلان بعمله وخلا فلان بنفسه ومعنى ذلك إنفراده وتفرده لما ~~تفرد به ويتفرد له فعلى ذلك يكون معنى الخبر # أنه يكلمه بكلام لا يسمعه غيره بل يخص المكلم ms067 بالإسماع لما يكلمه به ~~فيكون خاليا به على هذا الوجه حين يظن من يكلمه ويحاسبه أنه ليس بمكلم لأحد ~~سواه ولا محاسب لغيره # وإنما حملناه على ذلك لإستحالة وصفه عز وجل بالقرب الذي هو قرب المسافة # PageV01P224 # والمساحة وذلك لإستحالة كونه محدودا متناهيا لإستحالة كونه محدودا وقد ~~ذكرنا قبل مثل هذا المعنى في حديث النجوى وقد روي مفسرا # قال ابن عمر رضي الله عنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ~~النجوى # أما المؤمن فيدنى من ربه يوم القيامة حتى يضع كنفه عليه فيقرره بذنوبه ~~وقد بينا فيما قبل أن ذلك أدناه من طريق الكرامة وأن كنفه ستره وكرمه وعفوه ~~ورحمته # كذلك معنى خلوه بالعبد يوم القيامة إنما هو تعريفه أعمال السالفة وإعلامه ~~ومواقع الجزاء من أعماله الخير والشر بالثواب والعقاب ذلك نظير قوله جل ~~ذكره {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} # وكقوله {وهو معكم أين ما كنتم} # لأن ذلك يرجع إلى تأويل العلم به والقدرة عليه والسمع لكلامه والرؤية ~~لذاته وصفاته تعريفا لهم أنه هو الذي لا يخفى عليه شيء من أمور الخلق # كذلك قوله صلى الله عليه وسلم # سيخلو الله تعالى يوم القيامة أي يفرده بالتعريف يوم القيامة حتى لا يسمع ~~غيره ما سمعه ولا يعرف أحد سواه ما يعرفه رحمة بالمؤمنين من عباده وسترا # PageV01P225 # عليهم بإظهار عفوه وكرمه # وقد قيل إنه يحاسب المؤمن عتابا ويحاسب الكافر عقابا ولما كان الله عز ~~وجل هو القادر على إسماع كل واحد من المحاسبين ما يريد أن يسمعه كلامه بحيث ~~لا يسمع غيره مثله في تلك الحال لم ينكر أن يكون ما روى أنه يخلو به حتى ~~يظن أحدهم أنه ليس يكلم أحدا سواه # ومعنى تكليم الله عز وجل خلقه إفهامه إياهم كلامه على ما يريد أما بإسماع ~~عبارة تدل على مراده أو بإبتداء فهم يخلقه في قلبه يفهم به ما يريد أن ~~يفهمه به وكل ذلك سائغ جائز وهو معنى ما يكلم الله تعالى به العبد عند ms068 ~~المحاسبة فإذا أفرده به إسماعا وإفهاما ما كان ذلك خلوا به # PageV01P226 ### | ذكر خبر آخر يقتضي التأويل # وهو ما روى سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # إن الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام ونفخ فيه من روحه عطس آدم فأذن ~~الله له فشكر الله تعالى # فقال له ربه رحمك الله فسبقت له من ربه رحمته # وقال له يا آدم إذهب إلى الملأ من الملائكة فقل لهم السلام عليكم فقال ~~لهم # فقالوا وعليك السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربه فقال له هذه تحيتك وتحية ~~ذريتك بينهم ### | تأويل ذلك # اعلم أن معنى قوله ونفخ فيه من روحه # ومعنى قوله {ونفخت فيه من روحي} ومعنى جميع ذلك إضافة إليه من طريق الملك ~~والفعل وقد بينا أن أفعاله عز وجل لا تغيره ولا تحله وإنما تحدث بقوله كن # PageV01P227 # فيكون وأن بعضها يضاف إليه بالوصف الخاص إتباعا له فيما خص به نفسه ~~لفائدة متجددة إما للتنويه بشأنه والرفع من حاله وقد علمنا أن جملة الأرواح ~~مخلوقة له عز وجل فخص بعضها بالإضافة إلى نفسه كما خص بعض البيوت بالإضافة ~~إلى نفسه وإن كان كلها ملكا له وفعلا للتنويه بذكرها والتشريف والدلالة على ~~فضلها وشرف أمرها # وأما قوله فقال له ربك رحمك الله حين عطس آدم عليه السلام فقد بينا معنى ~~مخاطبة الله تعالى لمن يريد أن يخاطبه وأن ذلك تارة يكون بإسماع بلا واسطة ~~ولا ترجمان وذلك نوع من التخصيص للدلالة على شرف المكلم على هذا الوجه لأنه ~~مكلم لجميع المكلفين بالأمر والنهي وإنما كلمهم بوسائط الرسل والمبلغين عنه ~~إليهم # فأما قوله فسبقت له من ربه رحمته فمعنى ذلك الوعد بالرحمة لأن نفس # PageV01P228 # الرحمة لا يصح فيها تأخر وتقدم بحد ونهاية لأجل أنها عندنا صفة من صفات ~~ذاته لم يزل موصوفا وإنما أراد ههنا ما هو دلالة على الرحمة التي تناوله من ~~قبل الله جل ذكره لأن الكائن عن الشيء والمتعلق به قد يسمى بإسمه ms069 # كما يقال لما يظهر من قدرة الله من أفعاله أنها قدرة الله وتحقيق ذلك أنه ~~هو الكائن عن قدرته # كذلك ما يبدو من النعم عن سابق الرحمة قد يسمى رحمة على التوسع في الكلام # وقد روي في بعض ألفاظ هذا الحديث سبقت رحمتي غضبي // أخرجه البخاري // # ووجه السؤال فيه على أصلنا أنا نقول إن رحمة الله صفة من صفات ذاته وكذلك ~~غضبه ورضاه ولا يصح فيما سبيله ذلك أن يكون مسبوقا وأن يتقدم أحدهما صاحبه ~~لأن ذلك يوجب حدث المتأخر منها # PageV01P229 # ووجه الجواب عن ذلك يرد على النحو الذي بينا من تسمية المصادر عن الشيء ~~بإسمه لما بينهما من التعلق وكذلك الظاهر من نعم الله وفضله الذي سبق إلى ~~الخلق في الدنيا ابتداء وأولا عن رحمته لهم في الأزل وكذلك ما يظهر من نقمه ~~وعقوبته وغضبه الذي لم يزل يسمى به توسعا لأنها عنه تكون وتحدث فلما كان ~~ذلك سائغا في اللغة لم ينكر أن يكون معناه أن الله عز وجل ابتدأ الخلق ~~بنعمته ومنه وعفوه وستره وأخر العقوبة والجزاء على السيئات إلى العقبى ~~والدار الآخرة # فسمى ما سبق ظهوره من فعله النعم لهم في الدنيا رحمة وما أخره عنهم إلى ~~العقبى من العقوبة غضبا على معنى ما ذكرنا من تسمية الشيء بإسم ما يحدث عنه ~~ويظهر منه # وقد بينا فيما قبل تأويل الرحمة والغضب والرضا على أصولنا وأن حقيقة ذلك ~~يرجع على أصولنا وقواعد مذاهبنا إلى ما سبق وجوده لا بمدة وتقدم كونه لائقا ~~به كون سائر المكونات من إرادة الله جل ذكره الأنعام على من علم أنه ينعم ~~عليه إذا خلقه والإنتقام ممن علم أنه أهل لأن ينتقم منه وما يظهر من النعم ~~والنقم فيما لا يزال عن الرحمة والرضا والغضب فيما لم يزل بذلك بما بينهما ~~من التعلق وأن أحدهما يسمى بإسم صاحبه لأنه عنه يقع وعلى حسب تعلقه فيما ~~سبق يحدث وعلى ذلك تتأول الألفاظ في الدعاء إذا قيل # اللهم ارحمنا وارض عنا # من قبل أن ms070 ما هو من صفات الذات لا يصح فيها الطلب والسؤال وإنما يصح ~~الطلب والسؤال فيما طريقه طريق الفعل فيسأل أن يفعل ذلك # PageV01P230 # وعلى هذا الوجه يتأول معنى الدعاء فيقال إن المسؤول بهذا الدعاء هو ~~المرجو أن يحدث عن رحمته ورضاه لا نفس الرحمة والرضا # ونظير ذلك أيضا في الدعاء قولهم # اللهم اغفر لنا علمك فينا وشهادتك علينا # ونفس العلم لا يغفر وكذلك نفس الشهادة وإنما تتعلق المغفرة بالمعلوم ~~والمشهود # وعلى ذلك يتأول قولهم رضي الله عن فلان ورحمه لأن ذلك ليس بخبر عن تقدم ~~الرضا والرحمة له وإنما معنى ذلك الدعاء والطلب لأن يفعل ما إذا فعله كان ~~عن رضاه ورحمته فاختصر اللفظ في الدعاء إختصارا والمعنى غير مشكل ولا ملبس # وأما معنى قوله عليه السلام ثم رجع آدم عليه السلام فقال له هذه تحيتك # فمعنى ذلك أنه رجع إلى مسألته ومخاطبته وقد فسره بقوله فقال له وبين أن ~~ذلك يرجع إلى السؤال والخطاب وليس كل رجوع رجوعا إلى المكان في المكان بل ~~قد يكون ذلك رجوعا عن فعل إلى فعل وأخذا في شيء بعد شيء وعودا إلى مثل ما ~~كان فيه بدأ من طريق الفعل والحكم لا من طريق التنقل والتحول من مكان إلى ~~مكان # PageV01P231 ### | ### | ذكر خبر آخر # مما يقتضي التأويل # روى معاوية بن صالح عن راشد بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # إن الله يطوي المظالم يوم القيامة فيجعلها تحت قدمه إلا ما كان من أجر ~~الأجير وعقر البهيمة وفض الخاتم // أخرجه النسائي // ### | وتأويل ذلك # اعلم أنا قدمنا معنى القدم وذكرنا ما فيه من الإشتراك في استعمالهم له في ~~المعاني المختلفة وليس كل ذلك هو الجارحة والبعض والعضو فقط # وبينا أن ما سمي قدما من الجارحة فلمعنى وهو تقدمه على البدن وأن أصل ~~معناه مأخوذ من التقدم من غير أن مثل هذا اللفظ قد اعتيد استعماله في اللغة ~~في الأمر الذي لا تناقض فيه ولا تطالب به يبطله ولايجعل له حكما وكذلك يقال ~~في ms071 مثل هذا الأمر الذي صفته ما ذكرنا قد جعلته تحت قدمي على تلك المنافسة ~~عليه والمطالبة له # فكأنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يعرفنا مراتب الأعمال وإمتداد الجزاء ~~عليها وأن منها ما يكون إلى العفو عنه أقرب من غيره # فخص بعض الأعمال بالذكر تنويها بها أنه عز ذكره لا يبطل أمره ولا يدع ~~المطالبة بها زجرا عن فعلها وتأكيدا للحث على تركها لأنه أراد بذلك إثبات # PageV01P232 # عضو وجارحة لمن يستحيل ذلك في وصفه وإنما يخاطبهم على المعهود من لغتهم ~~والمتعارف فيما بينهم وذلك من المتعالم المشهود في خطاب العرب والعجم أنهم ~~يعبرون بمثله عن مثل هذا المراد فيقولون جعلت هذا الأمر تحت قدمي أي أعرض ~~عنه ولم يطلبه ولا يطالب به # وقد روي مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما فتح مكة قام على باب ~~الكعبة فقال # كل دم كان في الجاهلية قد جعلته تحت قدمي // أخرجه مسلم // # على معنى أني أعرضت عن المنافسة فيه والمطالبة به # وإذا كان ذلك مستعملا في اللغة على الوجه الذي بينا كان معنى قوله # إن الله يجعل المظالم تحت قدمه يوم القيامة محمولا عليه # PageV01P233 # وليس هذا الخبر مما يشكل معناه على من يعرف عادة العرب في الخطاب حتى ~~يسبق وهمه إلى خلاف هذا المراد الذي يتوهم أنه قدم جارحة وطئ بها وطء ~~الجارحة # فإذا كان كذلك بان لك وجه هذا الخبر في إضافة القدم إليه تعالى # ويحتمل أن يكون هذا تمثيلا بالأمر الذي يوطأ بالقدم لأنه إذا أريد ستره ~~والإعراض عنه وترك كشفه والتوقيف عليه عمل ذلك # ثم يقال للذي شبه به على هذا المعنى اجعله تحت قدمك وجعلته تحت قدمي ~~توسعا وتمثيلا بما ذكرنا فاعلمه إن شاء الله تعالى # PageV01P234 ### | ذكر خبر آخر # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # إن أحدكم إذا تصدق بالتمرة من الطيب ولا يقبل الله إلا الطيب يجعل الله ~~ذلك في كفه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى يبلغ بالتمرة مثل ms072 أحد ~~// أخرجه البخاري // ### | تأويل ذلك # اعلم أن معنى الكف ههنا معنى الملك والسلطان كما قال الأخطل # (أعاذل أن النفس في كف مالك ... إذا ما دعا يوما أجابت بها الرسلا) # ومعنى الخبر على هذا التأويل إن الله عز وجل يجازي المتصدق بما بيناه من ~~الجزاء أضعافا مضاعفة # وفائدته الترغيب في الصدقة وأنها يجب أن يقصد بها الطيب من المال ويخص ~~بالإنفاق ويعلم أن ذلك يجري بعلم الله وقدرته وإرادته ومشيئته أي قد علموا ~~أن الله عز وجل هو المطلع الشاهد وللصدقات قابل لأنها تقع في ملكه وسلطانه ~~على حسب علمه ومشيئته # PageV01P235 # وقد روي أن عمر بن الخطاب كان كثيرا ما ينشد هذين البيتين # (هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها) # (فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها) # ومعنى قوله بكف الإله أي في سلطانه وملكه وقدرته وهذا أيضا جائز في كلام ~~الناس في معاملاتهم وتعارفهم لأنهم يقولون ما فلان إلا في كفي يريدون بذلك ~~أنه ممن يجري عليه أمر ملكه ففي ذلك دليل لنا على خلاف قول القدرية لأن ~~الصدقة فعل المصدق وقد أخبر أنها في كف الله على معنى أنها في ملكه وتحت ~~قدرته وهذا يوجب أن يكون مقدور الله مخلوقا له # وقد تؤول هذا الخبر على وجوه أخر # فقيل إن الكف المراد به ههنا الأثر والنعمة فإذا كان كذلك كان معنى الخبر ~~محمول على أحد وجهين # أحدهما أن يكون المراد بالأصابع ههنا الملك والقدرة ويكون فائدته أن ~~قلوبهم في قبضته جارية قدرته عليها وذلك أن الله تعالى خلق القلوب محلا # PageV01P236 # للخواطر والإرادات والعزوم والنيات وهي مقدمات الأفعال وفواتح الحوادث ثم ~~جعل سائر الجوارح تابعة لها من الحركات والسكنات حتى تقع حركاتها بحسب ~~إرادات القلوب لها إذا كانت اختيارية كسبية # ثم أخبر أن القلوب جارية على حسب إرادة الله تعالى إذ كانت تحت سلطانه ~~وقدرته ليستفاد بذلك أن من كانت فواتح الأمور جارية تحت قدرته فكذلك ~~غاياتها ونهاياتها وهذا أيضا يدل على صحة ما نقول أن أفعال الحيوان مقدرة ~~لله ms073 تعالى مخلوقة له وأنها لا تحدث إلا على حسب سابق إرادة الله ومشيئته ~~فيها فدل صلى الله عليه وسلم بذكر القلب وكونه تحت القدرة جاريا على المراد ~~على أن ما عداه أولى به لأنه هو الذي تصدر أفعال الجوارح عن تقلبه وإرادته # أحدهما أن يكون معناه أن ذلك يقع منكم بنعمة من الله عز وجل في توفيقه ~~إياكم لفعلها ويكون معنى قوله في كف الرحمن أي به يقع وبحسن إنعامه وألطافه ~~يكون ويحدث ثم أنه يجازي من فضله من شاء بما شاء ومنه قول ذي الأصبع من ~~معنى الكف الذي يراد به النعمة # PageV01P237 # (زمان به لله كف كريمة ... علينا ونعماه لهن بشير) أراد بذلك نعم ظاهرة ~~لله فيه ### | ذكر خبر آخر من مثل هذا المعنى وتأويله # روى أنس وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال # إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء // أخرجه ابن ~~ماجه // # أعلم أن أهل العلم قد تأولوا ذلك على وجوه # وإنما مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه قدرة القديم بأوضح ما ~~يفعلون من أنفسهم لأن الرجل منهم لا يكون على شيء أقدر منه إذا كان بين ~~أصبعيه ولذلك يضرب المثل به فيقولون # ما فلان إلا في يدي وخنصري # يريدون بذلك أنه عليه مسلط وأنه لا يعتذر عليه أن يكون على ما يريده # وقال بعض أهل العلم الأصبعين ههنا بمعنى النعمتين # وقد ذكرنا فيما قبل أن العرب يقولون لفلان على أصبع حسن إذا أنعم عليه ~~نعمة حسنة # PageV01P238 # وذكرنا قول الراعي في ذلك # (ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما اجدب الناس أصبعا) # أي إذا وقع الناس في الجدب والقحط ترى له علينا أثرا حسنا # فإن قيل وما تفصيل ما بين النعمتين اللتين يتصرف القلب بينهما د # قيل يحتمل أن يكون بمعنى النفع والرفع وذلك يشتمل جميع النعم لأن النعم ~~على ضربين ظاهرة وباطنة فالظاهرة منها ما نفع المنتفعين بها والباطنة ms074 ما ~~دفع من وجوه الشر وصرف عوارض المحن # فإذا كان كذلك احتمل أن يكون معنى الخبر أفاد به إفادتنا إظهار نعمة الله ~~علينا وأنها قد سبقت وشملت باطنا وظاهرا # وخص القلوب بالذكر لأنها معظم ما في الأبدان وبفسادها يفسد الجمل # وقال بعضهم معناه مبين أثرين من إرادة الله عز وجل وفعلين من أفعاله في ~~الفضل والعدل وقد روي في بعض ألفاظ هذا الخبر ما يدل على ذلك وهو أن بعضهم ~~قال # إذا شاء أزاغه وإذا شاء أقامه فأخبر أن القلوب في زيغها وإستقامتها جارية # PageV01P239 # تحت قدرة الله وقبضته وفي ملكه وسطانه وتحقيق ذلك أنه قد روى فيه أنه قال ~~صلى الله عليه وسلم بعده # يا مقلب القلوب ثبت قلبي # فدل على صحة تأويلنا على أن معناه التوفيق والخذلان وفيه دليل على صحة ~~مذهبنا لأنه عرفنا أن الإزاغة والإقامة مما يجريان على حسب القدرة ونفاذ ~~المشيئة # وأعلم أن لفظ الأصبع مشترك المعنى في اللغة على الوجوه التي ذكرنا ~~والمعاني التي بينا وقد يقال للجارحة اصبع أيضا وليس مخصصا به بل يجوز أن ~~يقال له ولغيره على الوجوه التي ذكرناها وقد قامت الدلالة وأوضحنا الحجة ~~فيما قيل على إستحالة وصف الله عز وجل بالجوارح والأدوات والأبعاض والآلات ~~فلم يجز أن يحمل ذلك على معنى الجارحة لإستحالته في صفته تعالى فوجب أن ~~يحمل على أحد ما ذكرنا من المعاني لأنها تفيد المعنى الصحيح ولا تفيد الكيف ~~والتشبيه الذي يتعالى الله عن ذكره عنه # وإنما ثني لفظ الإصبعين والقدرة واحدة لأنه جرى على طريق المثل والمثل ~~الجاري فيما بين الناس في مثل هذا المعنى على هذا اللفظ وهو أنهم يقولون ما ~~فلان إلا بين أصبعي إذا أراد واضرب المثل بأنه مسلط عليه قادر على ما يريد ~~منه فحكي على لفظ المثل على اللفظ الجاري المعهود # وذلك لفظ التثنية فلذلك ساغ أن يقال أنه بمعنى القدرة وهي واحدة وإن كان ~~اللفظ مثنى إذ ليست حقيقة معنى الأصبع معنى القدرة فيوهم القدرتين # PageV01P240 # وإنما يتمثل ذلك والمراد ms075 به القدرة والسلطان # ذكر خبر الإصبع أيضا على غير هذا الوجه مما يوهم التشبيه # روى إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه # أن رجلا من أهل الكتاب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال # يا أبا القاسم إن الله تبارك وتعالى يمسك السموات على إصبع والأرض على ~~إصبع والجبال والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع ثم يقول أنا الجبار # قال فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قرأ قوله {وما ~~قدروا الله حق قدره} // أخرجه سعيد بن منصور // ### | ذكر تأويله # اعلم أن الخبر يحتمل في تأويله وجوها صحيحة لا يؤدي إلى إثبات الجوارح ~~لمن يستحيل في وصفه ذلك وهو الله جل ذكره لإستحالة كونه جسما مبتعضا متجزأ ~~محدودا فمما يمكن أن يقال في تأويله مما لا يؤدي إلى المحال في وصف الله عز ~~ذكره # أن المراد به إصبع بعض خلقه ويشهد لصحة ذلك أنه لم يذكر في الخبر أصبعه ~~بل اطلق ذلك منكرا # واحتمل أن يكون على ما قلنا أنه يريد به أصبع بعض خلقه وليس ينكر في # PageV01P241 # مقدور الله أن يخلق خلقا على هذا الوجه # وقال محمد بن شجاع الثلجي في تأويل ذلك # يحتمل أن يكون خلق من خلق الله يوافق اسمه اسم الإصبع فقال إنه يحمل ~~السموات على ذلك ويكون ذلك تسمية للمحمول عليه بما ذكر فيه # فإن قال قائل أليس قد ذكر في الخبر الذي رويتم قبل هذا أصابع الرحمن ~~وأضيف إليه أفرأيتم أنه لو أضاف ذلك إلى نفسه فكيف يكون # قيل كان يحتمل أن يكون المراد به القدرة والملك والسلطان على معنى قول ~~القائل # ما فلان إلا بين أصبعي إذا أراد الإخبار عن جريان قدرته عليه فذكر معظم ~~المخلوقات وأخبر عن قدرة الله تعالى على جميعها معظما لشأن الرب في قدرته ~~وملكه وسلطانه # فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم كالمتعجب منه أنه مستعظم ذلك في قدرته ~~وأن ذلك يسير في جنب ما يقدر عليه ولذلك قرأ ms076 عليه الصلاة والسلام # PageV01P242 # {وما قدروا الله حق قدره} # أي ليس قدره في القدرة على ما يخلق على الحد الذي ينتهي إليه الوهم ويحيط ~~به العد والحصر وإذا كان كذلك احتمل ما ذكرنا من التأويل وكان صرفه إليه ~~أولى من صرفه إلى ما يستحيل في صفة الله عز وجل ### | ذكر خبر آخر في مثل هذا المعنى # روى عبيد عن عمير عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # يأخذ الجبار سماءه وأرضه بيده ثم يقبضها ويبسطها ويقول # أنا الجبار أنا الملك أمين الجبابرة أمين المتكبرين // اخرجه ابن جرير // ### | ذكر تأويله # أعلم أن أخذه السماء والأرض بيده يرجع إلى تعريفنا قدرته عليه وجريان ~~سلطانه فيهما # وقبضه لهما يحتمل أن يكون بمعنى إفنائهما كقول القائل قبض الله روح فلان ~~إليه إذا فناه ثم يبسطهما أي يعيدهما على الوجه الذي يريد والهيئة التي ~~يشاء كونهما عليها وقد قال تعالى في كتابه {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه} # PageV01P243 # فتأول بعض أهل التفسير ذلك على معنى الإفناء وأنه يفني السموات والأرضين ~~بقدرته # وقيل يفنيهما بيمينه أي بقسمه التي أقسم بها ثم يعيدها # وقوله ويقول أنا الملك أين الملوك يشهد لهذا التأويل في معنى الإفناء ~~وذلك ما ذكره في قوله {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} # قال المفسرون ذلك عند إفناء خلقه وإماتتهم فلا يكون له مجيب فيجيب نفسه ~~بقوله تعالى {لله الواحد القهار} # PageV01P244 # وأعلم أن القبض والبسط في صفة الله ظاهر قد ورد به القرآن وذلك يرجع إلى ~~معنى الفعل والفعل واقع بالقدرة فتكون فائدة الخبر تعريفنا أنه هو القادر ~~على القبض والبسط # فتارة يقبض الكل ثم يبسطه فدلنا على قدرته على القبض والبسط جملة وتفصيلا ~~ونبه بذلك على أمر المعاد وأنه يغني الخلق ثم يعيدهم ويميتهم ثم يحييهم ~~وعرفنا عجزهم وضعفهم وزوال أملاكهم ودعاويهم وأنه هو الذي تفرد بالملك ~~والقدرة ولا يزول ملكه وقدرته ### | ذكر خبر في التجلي مما يوهم التشبيه وتأويله # روى حماد بن سلمة عن ms077 ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قرأ قوله {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} ثم قال هكذا يعني أنه أخرج ~~طرف الخنصر فقال # فقلت له # PageV01P245 # أرأيت يا أبا محمد ما تريد بهذا فضرب بيده في صدري وقال # أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول ما تريد بهذا ### | ذكر تأويل ذلك # أعلم أن الذي يفسر من هذا الحديث معنى التجلي ومعنى الخنصر # فأما التجلي فمعناه في كلام العرب ظهور الشيء والشيء قد يظهر بمعنيين ~~مختلفين # يظهر جهرة وعيانا بالحس # ويظهر بالدلالة كقول القائل تجلى الأمر لي حتى عرفته وقد تجلى الله للخلق ~~بعلاماته ودلائله ويتجلى للمؤمنين يوم القيامة جهرة وعيانا # والصحيح في معنى التجلي في الآية أن الله عز وجل خلق رؤية في الجبل حتى ~~رأى ربه وذلك بأن أحياه وجعله عالما رائيا ثم دكه بعد الرؤية وجعله فرقا ~~قطعا علامة لموسى عليه السلام في أنه لا يراه في الدنيا # وأما قوله وأخرج طرف الخنصر فإن من أهل العلم من يقول # إن معناه الشي اليسير من آياته كإشارة المخلوقين بذلك فذكر الخنصر وضرب ~~المثل به لا أنه جعل له خنصرا # والعرب تقول وتضرب بالخنصر مثلا عند تقليلهم الشيء وتكون الفائدة فيه # PageV01P246 # أنه ظهور ما أظهر من تفريق أجزاء الجبل الذي كان موسى عليه وذلك يسير ~~بالإضافة إلى الآيات التي يظهرها الله عز وجل يوم القيامة وكان ذلك من ~~النوع الذي يظهر يوم القيامة وكان في القلة إليه كطرف الخنصر # فإن قيل كيف أنكر ثابت على من سأله عن تأويله # قيل يحتمل أن يكون توهم فيه أنه يظن أن ذلك يرجع إلى صفة الله أو إثبات ~~جارحة له أو عضو فلذلك أنكر عليه لينبهه على تأويله على غير ما يتوهمه من ~~ذكر الخنصر على معنى الجارحة # قال محمد بن شجاع # وقد روى عكرمة عن ابن عباس # تجلى مثل طرف الخنصر تشبيها بما قلنا وعليه تأويلنا أن ذلك على طريق ~~التمثيل بالشيء اليسير لا على ms078 معنى إثبات جارحة # وقد قال الثلجي # إن هذا الحديث ضعيف ذكره حماد عن ثابت ولم يروه غيره عنه من أصحابه # وقد قال بعضهم # إن حمادا كانت له خرجة إلى عبادان وابن أبي العوجاء الزنديق أدخل في # PageV01P247 # أصوله ألفاظا وأحاديث احتملها في آخر عمره فرواها بغفلة ظهرت فيه ### | ذكر خبر آخر مما يوهم التشبيه وتأويله # روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ قوله عز وجل ~~{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} إلى قوله {إن الله كان سميعا ~~بصيرا} # فوضع أبو هريرة إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه وقال هكذا سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويضع إصبعه هكذا // أخرجه أبو داود // # PageV01P248 # فزعمت المشبهة أنه أراد بهذا أن لله تعالى عينا وأذنا جوارح ولهذا وضع ~~يده على عينه وأذنه ### | ذكر تأويله # أعلم أن العين والأذن إذا كانا بمعنى الجارحة فلا يصح أن يكونا إلا ~~للأجسام # PageV01P250 # المؤلفة والأجزاء المركبة وقد بينا فيما قبل أن القديم سبحانه وتعالى لا ~~يصح أن يكون جسما ولا ذا أجزاء وآلة وجارحة واستحال أن يكون المراد به ~~إشارة إلى العضو والجارحة وإنما أراد بذلك تحقيق السمع والبصر وأن الله ~~تعالى يرى المرئيات برؤيته ويسمع المسموعات بسمعه # فأشار إلى الأذن والعين تحقيقا للسمع والبصر لأجل أنهما محل السمع والبصر ~~وقد يسمى محل الشيء بإسمه لما بينهما من المجاورة والقرب وهذا كما قال عز ~~وجل {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون ~~بها} # والمراد بذلك ما في القلوب من العلوم والعقول لما لم يستعملوها في التوصل ~~إلى الحق ولم يعملوا فكرهم ونظرهم في تعريف الحق وكذلك ما لم يستعملوا الحق ~~ولم يسمعوه سمع قبول صاروا كأنهم لا أسماع لهم # وكذلك وصفهم في آية أخرى بأنهم {صم بكم عمي} لما تعاموا عن قبول الحق ~~وتصاموا عن فهمه وسماعه # وإذا كان الأذن والعين محل السمع والبصر فينا أراد صلى الله عليه وسلم ~~تحقيق الوصف ms079 بالإشارة عز وجل بالسمع والبصر والإشارة إلى المحل والمراد ما ~~فيه من السمع والبصر لا نفس المحل # ومثل هذا في الكلام قول القائل قبض فلان على مال فلان فقبض يد # PageV01P251 # يشير إلى أنه حائز له لا أنه فعل ذلك بل يريد تحصيل المقبوض # وأيضا فإن هذا الخبر أفادنا أن وصف الله بأنه سميع بصير لا على معنى صفة ~~بأنه عليم كما ذهب إليه بعض أهل النظر فلم يثبتوا لله تعالى في وصفنا له ~~بأنه سميع بصير معنى خاصا وفائدة زائدة على وصفنا له بأنه عليم وإذا كان ~~كذلك أفادنا صلى الله عليه وسلم بذلك تحقيق معنى السمع والبصر على الوجه ~~الزائد معناه على معنى العلم إبطالا لقول من ذهب إلى هذا التأويل في معنى ~~العلم ولو كان معنى الوصف فيه بأنه سميع على معنى الوصف فيه بأنه عليم لكان ~~يشير إلى القلب الذي هو محل العلم لينبه بذلك على معنى أنه سميع بصير أنه ~~عليم فلما أشار إلى العين والأذن وهما محلان للسمع والبصر حقق الفرق بين ~~السمع والبصر وبين العلم وبين فائدة الوصف على الإختصاص على أن العين ~~والأذن وليس مما يبصر به ويسمع وإنما يسمع ويبصر بالسمع والبصر اللذين ~~يكونان في الأذن والعين ألا ترى أنه قد يكون عين ولا يكون بصر وأذن صحيحة ~~ولا يكون سمع # فعلم أن المقصود ليس هو إثبات الجارحة التي لا مدح في إثباتها بل المقصود ~~إثبات الصفة التي بها يكمل الوصف بالمدح والتعظيم وأن الإشارة في ذلك ترجع ~~إلى المستفاد مما في العين والأذن من السمع والبصر لا إلى العين والأذن # والعرب قد تقول كثيرا ما فلان إلا شمس وقمر وبدر وإنا يريدون بذلك ~~التمثيل بوجه دون وجه وفي هذا المعنى قول النابغة # (لأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبق منهن كوكب) # وكذلك قال الآخر # PageV01P252 # (النشر مسك والوجوه دنانير ... نير وأطراف الأكف غنم) # ولم يرد بذلك أن النشر عين المسك وإنما شبه النشر بالمسك لطيب الرائحة ~~وأطراف الأكف بالغنم لإحمراره ورطوبته ms080 بالنعمة لا غير ذلك # وكذلك إشارته صلى الله عليه وسلم إلى الأذن والعين لتحقيق كونه سميعا ~~بصيرا لا لإثبات جارحة لإستحالة الجوارح على الله عز وجل # ومثل هذا الخبر ما روى من خبر آخر أنه قال صلى الله عليه وسلم في وصف ~~الدجال وأنه يدعي الربوبية قال صلى الله عليه وسلم # إن الدجال أعور وإن ربكم ليس بأعور # ومعنى هذا الخبر أيضا تحقيق وصف الله تعالى بأنه بصير وأنه لا يصح عليه ~~النقص والعمى ولم يرد بذلك إثبات الجارحة وإنما أراد نفي النقص لأن العور ~~نقص وقد ذكرنا أنه لا مدح في إثبات الجوارح بل إثباتها لله تعالى مستحيل ~~ووصفه بها يؤدي إلى القول بنفيه وحدثه للوجوه التي بيناها قبل # PageV01P253 ### | ذكر خبر آخر في التجلي وتأويله # روى يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما # أن الله تعالى إذا أراد أن يخوف أهل الأرض أبدى عن بعضه وإذا أراد أن ~~يدمر عليهم تجلى لها # أعلم أنه يحتمل أن يكون المراد بقوله أبدى عن بعضه أي عن بعض آياته ~~وعلاماته مما تكون منذرة ومخوفة ومحذرة كما قال تعالى {وما نرسل بالآيات ~~إلا تخويفا} # وقوله وإذا أراد أن يدمر عليهم تجلى لها يحتمل أن يكون المراد أنه أراد ~~أن يهلكهم ويستأصلهم فأظهر من الآيات أكثر مما أظهرها في الأولى حتى لا ~~يستقر قلوبهم عليها وقد بينا فيما قبل معنى التجلي وأن ذلك ينقسم إلى وجهين # فتارة يكون تجليا بالذات كما تجلى للجبل بأن أرى نفسه الجبل فتدكدك # PageV01P254 # وتقطع # وتارة يتجلى بأفعاله لخلقه بأن يظهر آياته الناقضة للعادات وعلاماته ~~المزعجة للقلوب والأنفس فيسمى إظهاره لذلك تجليا وذلك سائغ في اللغة على ~~الوجهين جميعا كما قال القائل # تجلى لنا بالمشرفية والقنا # يعني بالسيوف والرماح وأراد ظهور القوم بالحرب عليهم وفيهم # وأما معنى التجلي فهو الظهور ولذلك تقول جلوت العروس إذا أظهرتها ~~وأبرزتها ومنه قول القائل # (فإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفاد أو جلاء) # أي ظهرو وبروز ومنه الإنجلاء عن ms081 الأوطان بالظهور منها والخروج # وإذا كان هذا سائغا في اللغة كان الواجب أن يكون محمولا عليه لإستحالة ~~وصف الله تعالى بالكل والبعض والجزء وذكر الشيء والمراد به غيره سائغ في ~~اللغة كقول القائل بنو فلان يطؤهم الطريق والمراد أهل الطريق المارون فيها # والعرب تقول إجتمعت اليمامة يريدون بذلك أهلها # وقال الله عز وجل {واسأل القرية} وأراد أهلها # وإذا ساغ ذلك كان قوله أبدى عن بعضه محمولا على هذا النحو أنه أبدى عن ~~بعض آياته وعلاماته من الأفعال المنذرة الخوفة # PageV01P255 ### | ذكر خبر آخر وتأويله # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أعرابيا جاء إليه وعليه ثياب رثة ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصعد النظر فيه ويصوب ثم قال # ألك مال # فقال نعم # فقال صلى الله عليه وسلم إن الله سبحانه إذا أنعم على عبد يحب أن يرى أثر ~~نعمته عليه ثم جرا له حديث طويل إلى أن وصف البحيرة التي كانت العرب تجرها ~~بشق آذانها فقال صلى الله عليه وسلم # ساعد الله أشد من ساعدك وموساه أحد من موساك // رواه ابن أبي حاتم // # PageV01P256 ### | ذكر تأويل ذلك # أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خاطب العرب على لغاتها والمفهوم ~~من خطابها على عاداتها الجارية فيما بينهم والعرب تقول عند وصف الرجل ~~بالقدرة والقوة عند إنفاذ الأمر # فعلت ذلك بساعدي وبقوة ساعدي ولا يريد بذلك إثبات الساعد دون الوصف ~~بالقدرة والقوة ألا ترى أن الرجل إذا قال أجمعت هذا المال بقوة ساعدي وإنما ~~يريد أنه جمع المال برأيه وتدبيره وقوته دون المباشرة بالساعد والغرض من ~~هذا الكلام معلوم والخطاب به مستقيم والمعنى مفهوم # وكذلك قصد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ساعد الله أشد من ساعدك أي ~~أمره أشد من أمرك وقدرته أتم من قدرتك على العادة التي عرفت العرب في ~~خطابها إذا تكلمت بمثل هذا الخطاب لا على إثبات الساعد الذي هو الجارحة ~~للقديم جل ذكره وهذا نظير ما ذكرنا فيما قيل أن العرب تسمى محل الشيء ms082 بإسم ~~ما فيه من طريق القرب كما سمت البصر عينا والسمع أذنا فسمى القدرة ساعدا ~~وإن كان الساعد محلا للقدرة # فأما قوله صلى الله عليه وسلم وموساه أحد من موساك # فهذا تحقيق ما ذكرنا من التأويل في أن المراد به التمثيل وتحقيق الوصف ~~بالقدرة لا إثبات الجارحة لأن الموسى لما كانت آلة للقطع وكان مراده عليه ~~الصلاة والسلام أن قطعه أسرع من قطعك عبر عن القطع بالموسى إذ كانت سببا له ~~على مذهب العرب في تسمية الشيء بإسم ما يجاوره ويقرب منه ويتعلق به وإذا ~~كان # PageV01P257 # كذلك كان تأويل الخبر محمولا عليه # وليس لأحد أن يقول هلا حملتم ما وصف نفسه به من اليدين في قوله {بل يداه ~~مبسوطتان} و {خلقت بيدي} على القدرة كما حملتم الساعد عليه لأجل ما تقدم ~~ذكره من البيان فإن حمل ذلك على القدرة يبطل وجه الفائدة فيه في الإحتجاج ~~على إبليس من حيث أنه مخلوق بالقدرة كآدم عليه السلام # وإنما ذكر الله ذلك في خطابه على طريق التفضيل لآدم على إبليس في قوله ~~{ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} وليس كذلك ما ذكر في هذا الخبر من الساعد ~~لأنه إن حمل على معنى القدرة لم ينقص أصلا ولم تبطل فائدة بل أمره أظهر في ~~أنه أراد به القدرة ولذلك قال موساه أحد من موساك ### | ذكر خبر آخر وتأويله # روى عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # إذا قام العبد إلى الصلاة فإنه بين عيني الرحمن فإذا التفت قال له الرب # PageV01P258 # تعالى ذكره إلى من تلفت # أإلى من هو خير مني أقبل إلي فإني خير لك ممن تلتفت إليه ### | تأويل ذلك # أعلم أن العين في كلام العرب تستعمل في معان كثيرة # منها ما يراد به الرؤية والمشاهدة # ومنها ما يراد به الحفظ والكلاءة # ومنها ما يراد به الجودة # ومنها ما يراد به الدلالة # ومنها ما يراد به الجارحة # فأما ما يراد به الرؤية ms083 والمشاهدة فقول القائل أنت على عيني واضع هذا ~~المتاع على عينك أي على مرأى منك ومشاهدتك # وأما ما يراد به الحفظ والكلاءة فهو قولهم أنت بعين الله أي أنت في حفظه ~~وكلاءته # وقيل في قوله تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} أي في حفظنا وكلاءتنا # وأما الذي يراد به الدلالة ففي قوله هذا عين الروم أي دليلهم # وأما عين بمعنى الجودة ففي قولهم هذا عين المتاع وهذا عين القلادة أي # PageV01P259 # جيده والمختار منه # فأما العين التي هي بمعنى الجارحة فظاهر المعنى في الإستعمال لأنهم ~~يقولون عين الركبة والحدقة عين # وإذا كان لفظ العين مشتركا مبين هذه المعاني المختلفة وكان وصف الله ~~بالجارحة مستحيلا وجب أن يكون محمولا على بعض هذه المعاني التي ذكرنا في ~~معنى العين وذلك أنه إن حمل على أن المراد به الحفظ والكلاءة كما قيل في ~~قوله {فإنك بأعيننا} وفي قصة نوح {تجري بأعيننا} لم يكن ذلك منكرا وكان ~~معناه # أن الله عز وجل موفق للمصلي حافظ له وأنه يحفظه وكلاءته حين وفقه للصلاة ~~وحرسه عن المعصية في تركها كان بعينه على معنى أنه تحت حفظه ورعايته # ومما يحقق ذلك أن ما ذكر من الخبر يدل عليه من قوله أنا خير لك ممن تلتفت ~~إليه # لأن ذلك واعظ له من نفسه تنبيها له من ربه بزجره عن الإغفال ويدعوه إلى ~~الإقبال وهذه علامة الحفظ والكلاءة من قبل الله عز وجل # وإذا قلنا إن المراد بعين البصر وأنه قد يسمى البصر عينا لأجل أنه مما ~~يتعلق به ويقوم به فينا كان المراد بأن المصلي بمرأى من الله ومشهد يراه ~~ويرى حركاته ويسمع كلامه ويشهد قلبه وتكون الفائدة فيه # PageV01P260 # الترغيب في الحفظ على الصلاة وضم الجوارح للخشوع والحضور بالقلب والنية ~~على رؤية المشاهدة والهيبة والإجلال لمن يصلي له ويناجيه في صلاته بقراءته ~~وذكره وتسبيحه # وإذا قلنا المراد بالعين الجودة والخيار من الشيء فيحتمل أن يكون المعنى ~~فيه أن المصلي ممن إختاره الله من بين خلقه لعبادته وخدمته في أن ms084 وفقه ~~للصلاة له فهو عين من عيونه وولي من أوليائه ومختار من خلقه # وقد قيل في تأويل قوله عز وجل {واصنع الفلك بأعيننا} كلا الوجهين بحفظنا ~~ورعياتنا وكلاءتنا وعلى مراى منا ومشهد # وقيل في قوله {ولتصنع على عيني} الأمر أن جميعا أيضا وكل ذلك محتمل # وأما قوله {تجري بأعيننا} فقد ذكر بعض أهل التفسير أن المعني بأوليائنا ~~وخيار خلقنا لأنهم كانوا هم المؤمنين في وقت نوح عليه السلام # وقال بعضهم أراد بذلك أعين الماء التي أخرجها الله تعالى من الأرض # وقال بعضهم المعنى أنها تجري بمرأى منا ومشهد من حفظنا وكلاءتنا لا # PageV01P261 # تلحقها آفة ولا يعترضها نقص لأجل حفظ الله تعالى لها ولمن فيها # وإعلم أن استعمال لفظ العين في البصر توسع لما ذكرنا أنه تسمية الشيء ~~بإسم محله وبإسم ما هو قائم به وأن ذلك سائغ في اللغة # وقد اختلف أصحابنا فيما ثبت لله تعالى من الوصف له بالعين # فمنهم من قال المراد به البصر والرؤية # ومنهم من قال إن طريق إثباتها صفة لله تعالى السمع وسبيل القول فيها سبيل ~~القول في اليد والوجه وقد مضى بيان ذلك حيث ذكرنا تأويل اليد # وإذا كان لفظ العين مشترك المعنى محتمل التأويل ولا يخص أمرا واحدا هو ~~جارحة فقط كما ذكرنا من مذهب المشبهة فقد بان أن الصحيح في وصف الله أحد ما ~~ذكرناه لإحتمال اللفظ وله وصحة جريان ذلك في وصفه تعالى وإستحالة وصفه ~~بالجارحة والبعض تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا # PageV01P262 ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل # روى مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رأى بصاقا في جدار القبلة فحكه ثم أقبل على الناس فقال # إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه إذا صلى // رواه ~~البزار // # ومثله ما هو قريب من معناه ما روى ابن المسيب عن أبي ذر رضي عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # لا يزال الله سبحانه مقبلا ms085 على العبد ما لم يلتفت في الصلاة فإذا صرف ~~وجهه انصرف عنه // أخرجه مسلم // ### | ذكر تأويله # إعلم أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم إن الله سبحانه قبل وجهه يحتمل ~~وجوها أحدها أن يكون معناه أن ثواب الله لهذا المصلي ينزل عليه من قبل وجه ~~هذا المصلي ومثله قوله صلى الله عليه وسلم # يجيء القرآن بين يدي صاحبه يوم القيامة # PageV01P263 # أي يجيء ثواب قراءته القرآن # وقد روي أيضا في خبر أنه قال # من قرأ ثلث القرآن أعطي ثلث النبوة # والمعنى فيه أنه أعطي ثلث علم النبوة # ومثله أيضا قوله عليه الصلاة والسلام # من عال ثلاث بنات كن له حجابا من النار # أي كان ثواب ذلك حجابا له من النار // أخرجه أبو داوود // # وقال حوثرة قدم مكة عمر بن الخطاب فجعل يطوف في السكك ويقول # قموا أفنيتكم فمر بأبي سفيان فقال له ذلك فقال نعم حتى يجيء مهاننا يعني ~~خدمنا وأحدها ماهن وهو الخادم # قال ثم مر به بعد ذلك فقال ألم أقل لكم قموا أفنيتكم فقال نعم حتى يجيء ~~مهاننا قال فعلاه بالدرة فخرجت هند فقالت أتضربه أما والله لرب يوم لو ~~ضربته لأقشعرت بك بطن مكة فقال صدقت ولكن الله عز وجل رفع بالإسلام أقواما ~~ووضع به أقواما # فقولها اقشعرت بك بطن مكة أي اقشعرت بك أهل بطن مكة وهذا لما # PageV01P264 # ذكرنا من قول أهل اللغة أنهم يقولون جاءت تميم والأزد ويريدون أبناءهم ~~ويقولون جاءت اليمامة ويريدون أهلها وهذه طريقة للعرب ظاهرة في خطابها # فيحتمل على هذا الوجه أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم # فإن الله قبل وجهه إذا صلى أي ثوابه وكرامته # ويحتمل أيضا أن يكون الخبر على معنى الترغيب في إدمان الخشوع في الصلاة ~~والحض عليها يريد صلى الله عليه وسلم بذلك أن أولى الأشياء بالمصلي أن يكون ~~يشتغل قلبه بذكر الله وذكر عظمته وعزته وقدرته ويكون المعنى أن عظمة الله ~~وعزته يجب أن تكون من تلقاء وجهه على معنى أنه يجب أن يكون شغله بها ms086 ~~وبذكرها وتجديد إحضارها القلب عن غيره # ويحتمل أن يكون ذلك ضربا من آداب الصلاة علمه المصلي حتى يكون في صلاته ~~متحرما بحرمتها معظما لأمرها وللجهة التي استقبل إليها خاصة تعظيما لأمر ~~الله تعالى فكذلك لا يبصق قبل تلك الجهة # وعلى هذا يكون تقدير قوله بأن الله قبل وجهه أي أن أمره قد وجه عليه من ~~تعظيم الجهة التي توجه إليها فيجب أن لا يعدل عنها بشيء من جسده ولا شيء من ~~قلبه # فأما قوله صلى الله عليه وسلم # لا يزال الله سبحانه وتعالى مقبلا على عبده ما لم يلتفت في الصلاة # PageV01P265 # فيحتمل أن يكون المعنى فيه أنه لا يزال خيره مقبلا عليه كما يقول القائل ~~أن الأمير أقبل على فلان إذا قبله وقربه وأناله خيرا # وقوله فإذا صرف وجهه إنصرف عنه أي إنصرف خيره وثوابه بقول القائل أن ~~الأمير صرف وجهه عن فلان إذا قطع خيره عنه ولم يحسن إليه في المستأنف كما ~~أحسن إليه فيما قبل وهذا كقول القائل # (وكنا إذا الجبار صعر خده ... أقمنا له من ميله فتقوما) # أي إذا أمال بأن يقطع عطيته ونظره لا أنه يريد بذلك الخد المعروف # ويحتمل أن يكون المعنى فيه لا يزال توفيق الله للعبد ولطفه به وأصلا إليه ~~ما لم يعرض فإذا أعرض فقد أعرض الله عنه بفعل الخير وإعادة اللطف عنه وهو ~~معنى قوله إنصرف عنه وهذا كما قال الله عز وجل {ثم انصرفوا صرف الله ~~قلوبهم} # والمعنى في ذلك أنه لما صرف الله قلوبهم عن الخير بقطع التوفيق واللطف ~~إنصرفت قلوبهم عن الخير وهذا مبني على أصلنا في أنه لا ينصرف أحد عن الطاعة ~~إلا بصرف الله عز وجل وذلك بأن لا يفعل له توفيقا يصل به إلى فعل الخير ~~وعلى ذلك يتأول قوله تعالى {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} # أي لما زاغوا في علمي وحكمي أزغت قلوبهم لما أحدثتهم وخلقتهم # PageV01P266 # وأعلم أن الذي أوجب أن يحمل التأويل في ذلك على معنى ما قلنا إستحالة وصف ~~الله تعالى بالكون ms087 في وجهه ومحاذاة ومقابلة لإستحالة كونه جوهرا أو جسما ~~وإذا سوغت اللغة هذه الطريقة التي حملنا عليها هذا الكلام وكان مفيدا كان ~~حمله عليه أولى من وصف الله تعالى بما لا يليق # PageV01P267 ### | ذكر خبر مما آخر مما يقتضي التأويل # روى أبو ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ثلاثة لا در الله إليه يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان ~~وملك كذاب وعائل متكبر // أخرجه الأمام مسلم // # وروى عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # الذي يجر إزاره خيلاء لا ينظر الله إليهم يوم القيامة # ووجه السؤال في هذا الخبر هو أن قيل # إذا كان الله تعالى لا يصح أن يوصف بالنظر فما فائدة قوله ولا ينظر إليهم ~~ولا يزكيهم # والجواب عن ذلك أن النظر في كلام العرب يتصرف على وجوه # منها نظر العيان # ومنها نظر الإنتظار # ومنها نظر الإعتبار # ومنها نظر التعطف والرحمة # PageV01P268 # فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم لا ينظر الله إليهم أي لا يرحمهم والنظر ~~من الله تعالى لعباده إنما هو رحمته لهم ورأفته بهم وعبادته عليهم ومنها ~~يقول القائل لغيره انظر إلى نظر الله إليك أي ارحمني رحمك الله # ويقال أيضا أنظر إلي بمعنى تعطف علي ويقال في الدعاء أيضا أنظر إلينا ~~نظرة ترحمنا بها # وروي في خبر آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # إن لله في خلقه كل يوم ثلاثمئة وستين نظرة يخفض فيها ويرفع ويعز ويذل # والمراد بهذه النظرات ما يتجدد في كل حال من تغيير الشؤون والأحوال # فأما وصف الله تعالى بأنه ناظر فلا يصح بمعنى الرؤية من قبل أن النظر ~~المقرون بالوجه إلى الذي في اللغة وإذا كان بمعنى الرؤية والعيان فلا يسمى ~~الله سبحانه إلا بما سمى به نفسه وسماه به رسوله واتفقت عليه الأمة وقد ورد ~~الكتاب بأنه رائي بصير وأنه يرى ويبصر ولم يرد بأنه ينظر فلذلك لا يوصف ~~بالنظر على معنى الرؤية ويوصف بالنظر ms088 على معنى التعطف والرحمة وعلى ذلك ~~يتأول أيضا قوله تعالى {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} ~~إلى قوله (ولا ينظر إليهم) # أي لا يتعطف عليهم ولا يرحمهم ولا يجوز أن يوصف رؤية الله بأنها نظر # PageV01P269 # كما لا يوصف بأنه ناظر على معنى أنه رأي وكذلك لا يجوز أن يوصف بأن الله ~~رؤية بعد رؤية كما لا يوصف بأن له علما بعد علم # فما وصف به من تكرير النظرات وتكثيرها فذلك يرجع إلى معنى النظر الذي هو ~~العطف والفضل والرحمة وذلك نوع الفعل ولا يجوز فيما طريقه طريق صفات الذات ~~أن تعدد وتكرر وتكثر # سؤال فإن قال قائل أليس قد روي في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكنه ينظر إلى قلوبكم // ~~أخرجه الأمام مسلم // # فما معنى هذا النظر # قيل هذا يحتمل معناه أن يكون الإحتساب والإعتداد أي أنه لا يعتد بما يظهر ~~على ظواهركم إذا لم تكن موافقة لبواطنكم وهذا كما يقول القائل قصدت فلانا ~~فما نظر إلي أي لم يقع قصدي عنده موقعا اعتد به وإحتسبه وإنما كان كذلك لأن ~~الأعمال الظاهرة منوطة بصحة السرائر والإخلاص في النيات ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم # إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى // أخرجه البخاري // # يريد بذلك أن النيات هي المصححة للأعمال وأنها مع إنفرادها عنها لا تقع ~~مواقع القبول والأجزاء # PageV01P270 ### | سؤال آخر # فإن قال قائل أليس قد روي أيضا في الخبر الآخر أن الله تعالى لم ينظر إلى ~~الدنيا منذ خلقها فما معنى ذلك # قيل قد بينا فيما قبل أن النظر الذي هو بمعنى الرؤية لا يقع فيه الإختصاص ~~وأنه تعالى هو الرائي لكل مرئي لا على معنى طريق الإختصاص ولا يوصف بالنظر ~~على معنى الرؤية من طريق اللفظ والعبادة لأجل أن السمع لم يرد به # وأما الذي يوصف به من ذلك على لفظ النظر نفيا وإثباتا فإنما هو بمعنى ~~التعطف والرحمة أو تركهما أو ms089 بمعنى القبول على الوجه الذي ذكرنا في قولهم ~~فلان ما ينظر إلى فلان إذا أراد أنه لا يعتد به ولم يكن له عنده قدر وعلى ~~ذلك يحمل معنى الخبر بأن الله تعالى لما خلق الدنيا للفناء والزوال وحث على ~~الزهد فيها وترك الإشتغال بها قيل في وصفه على هذا المعنى أنه لم ينظر ~~إليها # أي لم يجل قدرها ولا قدر من ركن إليها وهذا يرجع في التحقيق إلى معنى منع ~~لطفه المشتغلين بها المعرضين عن حكم الآخرة لأن ما وصف من النظر على هذا ~~الوجه راجع إلى معنى اللطف والرحمة والتوفيق وفعل الخير واللطف بأهله ويكون ~~تحقيقه أن المشتغلين بها المعرضين عن الطاعة فيها قد حرموا من # PageV01P271 # اللطف والتوفيق من عنده ما عند حرمانه أعرضوا عن الطاعة واشتغلوا ~~بالمعصية وكل ذلك ترتيب أمر وصفنا الله تعالى بالنظر في قول القائل نظر ~~إليه ولم ينظر إليه ### | ### | ذكر خبر آخر وتأويله # # روي في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # تكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا // أخرجه البخاري ~~// # أعلم أن وصف الله تعالى بالجلالة على معنى السآمة والإستثقال للشيء على ~~معنى نفور نفسه عنه محال لأن ذلك يقتضي تغيره وحلول الحوادث فيه وذلك غير ~~جائز في وصفه ولهذا الخبر طريقان من التأويل # أحدهما أن يكون معناه أن الله سبحانه لا يغضب عليكم ولا يقطع عنكم ثوابه ~~حتى تتركوا العمل وتزهدوا في سؤاله والرغبة إليه فسمى الفعلان مللا تشبيها ~~بالملل وليسا بملل على الحقيقة # PageV01P272 # والوجه الثاني أن يكون معناه أن الله لا يمل إذا مللتم ومثل هذا قولك في ~~الكلام أن هذا الفرس لا يفتر حتى تفتر الخيل وليس المراد بذلك أنه يفتر إذا ~~فترت الخيل ولو كان المراد هذا ما كان له فضل عليها لأنه يفتر معها وأي ~~فضيلة له وإنما المراد بهذا المثل أنه لا يفتر وإن فتر الخيل وكذلك يقول ~~القائل للرجل في كلامه الألد في خصومته # فلان لا ينقطع حتى ينقطع ms090 خصومه # يريد بذلك أنه لا ينقطع إذا انقطع خصومه ولو أراد به أن ينقطع إذا ~~انقطعوا لم يكن له في ذلك القول فضل على غيره ولا وجب له مدحه وقد جاء مثل ~~ذلك في كلامهم وفي الشعر أيضا كما قال قائلهم # (صليت مني هذيل بحرق ... لا يمل الشر حتى يملوا) # لم يرد بأنهم يملون الشر إذا ملوه ولو أراد ذلك ما كان لهم فيه مدح لأنهم ~~حينئذ يكونون فيه مثلهم بل أراد أنهم لا يملون الشر وإن مله خصومهم فعلى ~~هذا يكون الخبر # إن الله عز وجل لا يوصف بالملال على الحقيقة وإن تركوا هم طاعته وقصروا ~~فيها لأن الله عز وجل لا يوصف بالملال على الحقيقة # PageV01P273 ### | ذكر خبر آخر وتأويله # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # لا تسبوا الدهر // أخرجه مسلم // فإن الله هو الدهر # أعلم أن الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه دهر وأنه الدهر على الحقيقة ~~وإنما هذا مثل وأصله أن العرب في الجاهلية كانت تقول أصابني الدهر في مالي ~~بكذا ونالتني قوارع الده ومصائبه فيضيفون كل حادث يحدث مما هو جار بقضاء ~~الله وقدره وخلقه وتقديره من مرض أو صحة أو غنى أو فقر أن حياة أو موت إلى ~~الدهر ويقولون لعن الله هذا الدهر والزمان وكذا قال قائلهم # (أمن المنون وريبها يتوجع ... والدهر ليس بمتعب من يجزع) # وقد يسمى الدهر المنون والزمان أيضا لأنه جالب المنون عندهم والمنون ~~المنية # وروى بعضهم هذا البيت # (أمن المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمتعب من يجزع) # كأنه قال أمن الدهر وريبه تتوجع # وقد قال الله سبحانه # PageV01P275 # {نتربص به ريب المنون} أي ريب الدهر وحوادثه # وكانت العرب تقول لا ألقاك آخر المنون أي آخر الدهر # وقد أخبر سبحانه عن أهل الجاهلية بما كانوا عليه من نسبة أقدار الله ~~وأفعاله إلى الدهر فقال # وقالوا ما هي إلا حياتنا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر # فقال صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الدهر # أي إذا أصابتكم المصائب لا ms091 تنسبوها إليه فإن الله هو الذي أصابكم بها لا ~~الدهر وإنكم إذا سببتم الدهر وفاعل ذلك ليس هو الدهر وقع السب على فاعل ذلك ~~وهو الله تعالى ألا ترى أن الرجل منهم إذا أصابته جائحة من مال أو ولد أو ~~بدن سب فاعل ذلك وتوهمه الدهر فكان المسبوب هو الله جل ذكره # ومثاله في الكلام أن يكون رجلا يسمى زيدا وله عبد يسمى بكر فأمر بكرا أن ~~يقتل رجلا فقتله فسب الناس بكرا فقال لهم قائل لا تسبوا بكرا فإن زيدا هو ~~بكر يريد أن زيدا هو القائل لأن الذي أمره كأنه هو القاتل كذلك # PageV01P276 # الدهر تكون المصائب فيه والنوازل وهي بأقدار الله تعالى فيسبه الناس لكون ~~المصائب فيه وليس للدهر صنع فيقول القائل لاتسبوا الدهر فإن الله هو الدهر # وزعم بعض رواه أهل العلم أن هذه الحديث قد اختصره بعض الرواة وغيروا ~~معناه عن جهته لأن في الحديث كلاما إذا ذكر بأن تأويله # وقد روى الزهري عن ابن المسيب رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # قال الله تعالى يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب ~~الليل والنهار وأنا الدهر # PageV01P277 # وإذا روى هذا الحديث بهذا الشرح بان أن التأويل على ما ذكرناه وقد روي ~~قوله وأنا الدهر على وجهين # أحدهما بفتح الراء من الدهر ويكون معناه أنه جعل ذلك وقتا للفعل المذكور ~~ويرجع معناه إلى أنا الباقي أبدا المقلب للأحوال التي يتغير بها الدهر # وقد روي أيضا بضم الراء وإذا روي على هذا الوجه يكون معناه ما تقدم ذكره ~~أي أنا المغير للدهر والمحدث للحوادث فيه لا الدهر كما يتوهمون # ويكون فائدته تكذيب من اقتصر على الدهر والأيام والليالي في حدوث الحوادث ~~وتغييرها من الملحدين والزنادقة وتحقيقا لإثباته جل ذكره أنه الفاعل لجميع ~~الحوادث المريد لها لا مرور الليالي والأيام وأن الأيام والليالي ظرف ~~للحوادث لا أنها يحدث بها أو منها شيء # PageV01P278 ### | ذكر خبر آخر يقتضي ms092 التأويل # روي في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عقيب كلام ذكره مما لا ~~يقتضي تأويلا ولا يوهم تشبيها # وأن آخر وطأة وطئها الله تبارك وتعالى بوج ### | ذكر تأويله # أعلم أن الوطأة التي هي بمعنى مماسة بجارحة أو ببعض الأجسام لا يصح في ~~وصف الله تعالى لإستحالة كونه جسما وإستحالة الممارسة عليه وإستحالة تغييره ~~بما يحدث فيه من الحوادث وإذا كان كذلك كان محمولا معناه على ما تقدم ذكره ~~في أن ذلك يرجع إلى الفعل دون أن يكون معنى يتعلق بالذات مما يقتضي حدوث ~~معنى فيها # ومعنى الحديث على هذا التأويل أن آخر ما أوقع الله سبحانه بالمشركين ~~بالطائف وكان آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم حنين وادي الطائف ~~ووج اسم موضع فيه وكان سفيان بن عيينة يذهب في تأويل هذا الحديث إلى نحو ما ~~ذكرناه ويقول إن ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم # اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف // أخرجه البخاري ~~// # فتتابع القحط عليهم سبع سنين حتى أكلوا القد والعظام # والعرب تقول في كلامها اشتدت وطأة السلطان على رعيته وليس # PageV01P279 # يريدون وطء القدم # وكذلك يقال وطئهم السلطان وطأ ثقيلا ويقال وطأة المقيد إذا أرادوا وصف ~~الوطأة بالثقل وكذلك قال قائلهم {ووطئتنا وطأ على حنق ... وطء المقيد يابس ~~الهرم} # والمقيد أثقل شيء وطأ لأنه يرسف في قيوده فيضع رجليه معا ويروى نابت ~~الهرم وهو نبت ضعيف فإذا وطئه المقيد فتته # وإذا كان هذا في الكلام سائغا وفي العرب جائزا وجب أن يحمل عليه معنى ~~الخبر لإستحالة وصف الله تعالى بالجوارح والممارسة # PageV01P280 ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل # روى جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # اهتز العرش لموت سعد بن معاذ وقد روى أبو الزبير عن جابر رضي الله عنه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر أنه قال # اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ // أخرجه الشيخان // ### | ذكر تأويله # أعلم أن ms093 بعض أهل العلم يذهب في تأويل هذا الحديث إلى أن ذلك اهتزاز العرش ~~على الحقيقة وأن العرش تحرك على الحقيقة لموت سعد ولسنا ننكر هذا التأويل ~~لأجل أن العرش يجوز عليه الحركة ولكنه تبطل فائدته # وتأوله بعضهم على أن العرش ها هنا السرير الذي كان عليه سعد وهذا أيضا ~~يبطل فائدة الخبر وإنما أفيد بهذا الخبر فضله لسعد ولا فضيلة له في تحرك ~~سريره # والصحيح من التأويل في ذلك أن يقال الإهتزاز هو الإستبشار والسرور يقال ~~إن فلانا يستبشر للمعروف ويهتز له ومنه قيل في المثل إن فلانا إذا دعي اهتز ~~وإذا سئل ارتز والكلام لأبي الأسود الدؤلي # والمعنى فيه أنه إذا دعي إلى الطعام يأكله ارتاح له واستبشر وإذا دعي إلى # PageV01P281 # حاجة ارتز أي تقبض ولم ينطلق ومنه قول الشاعر # (وتأخذه عند المكارم هزة ... كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب) # فمعنى الإهتزاز في الحديث الإستبشار والسرور وأما العرش فعرش الرحمن على ~~ما جاء في الخبر والمعنى في ذلك أن حملة العرش الذين يحملونه ويطوفون حوله ~~فرحوا بقدوم روح سعد عليهم فأقام العرش مقام من يحمله ويطوف به من الملائكة ~~كما قال الله تعالى {فما بكت عليهم السماء والأرض} # يرد أهل السماء وأهل الأرض # وكما قال صلى الله عليه وسلم في أحد # هذا جبل يحبنا ونحبه # يريد يحبنا أهله يعني الأنصار ونحب أهله # وقد جاء في هذا الحديث أن الملائكة يستبشرون بأرواح المؤمنين وأن لك مؤمن ~~بابا من السماء يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه وتعرج منه روحه إذا مات فكأن ~~حملة العرش من الملائكة يفرحون ويستبشرون بقدوم روح سعد بن # PageV01P282 # معاذ عليهم لكرمه عنه الله وحسن عمل صاحبه # وأعلم أن هذا الخبر ليس مما يرجع شيء منه إلى صفات الله تعالى ولكنه مشكل ~~اللفظ فدخل في جملة ما ضمنا تأويله وتفسيره من مشكلات الأخبار ### | ### | ذكر خبر آخر # وتأويله # روى عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقي في ms094 النار ما احترق // أخرجه أبو حميد // # أعلم أن الناس اختلفوا في تأويل هذا الخبر على وجوه # فقال بعضهم إن من من الله عليه بحفظ القرآن وقاه عذاب النار واحتج لذلك ~~بحديث أبي أمامة أن الله لا يعذب قلبا وعى القرآن وقد روي ذلك عن الأصمعي ~~// اخرجه مسلم // # PageV01P283 # وقال بعضهم معناه أن القرآن لو كتب في جلد ثم طرح الجلد في النار ما ~~أحرقته النار وذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لنبوته # وقال قوم تأويله أن القرآن لو كتب في جلد ثم طرح الجلد في النار ما احترق ~~أي ما أحترق القرآن # بمعنى أنه لم يبطل ولم يندرس وإنما يندرس المداد ويحترق الجلد دون القرآن ~~وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن الله سبحانه {إني منزل عليك ~~كتابا لا يغسله الماء} # ولم يرد أنه لو كتب القرآن في شيء وغسل بالماء لم يغتسل إنما أراد أن ~~الماء لا يبطله ولا يفنيه فكذلك قوله ما احترق أي في حقيقة الأمر لا يبطل ~~ولا يندرس ومثل هذا كثير قال الله تعالى {ولا يكتمون الله حديثا} وهم قد ~~كتموا الله لما قالوا {والله ربنا ما كنا مشركين} # وإنما أراد ولا يكتمون الله في حقيقة الأمر لأنهم فيما كتموه لم يغب ما ~~كتموه عن الله وإنما توهموا أنهم كتموه # وذهب ذاهبون من أصحابنا إلى أنه لا يصح أن يكون معناه إن من حفظ القرآن ~~لم يعذب بالنار لأنه قد روي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # PageV01P284 # يكون فيكم قوم تحقرون صلاتكم في صلاتهم وأعمالكم في أعمالهم يقرؤون ~~القرآن لايجاوز حناجرحم يمرقون من الدين كمروق السهم من الرمية // أخرجه ~~الأمام أحمد // // أخرجه البخاري // # فبان أنه أراد بقوله لا يعذب قلبا وعى القرآن إذا حفظ حدوده وعمل بموجبه # وأعلم أن هذا الخبر دليل على صحة ما نقول إن القرآن مكتوب في اللوح ~~والجلد غير حال وأنه لا يجب حلول الكلام في محل الكتابة كما أنه صلى الله ~~عليه وسلم ms095 مكتوب في التوراة ولم يكن حالا فيها وكذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم ما احترق أي إن احترق الجلد وبطلانه لا يؤدي إلى بطلان الكلام لأجل ~~أنه ليس في محل كتابته # ومثل هذا الحديث ما روى عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال # لاينبغي لحامل القرآن أن يجهل مع من جهل وفي جوفه كلام الله سبحانه // ~~أخرجه الأمام أحمد // # وذلك أن معنى قوله يحمل القرآن لمن حفظه ووعاه وفهمه # ومعنى قوله وفي جوفه كلام الله أي حفظ كلام الله وذلك أن كلام الله تعالى ~~محفوظ في القلوب متلو بالألسنة مكتوب في المصاحف كما أن الله جل ذكره مذكور ~~بالألسنة معبود بالجوارح ولا يجوز أن يكون في شيء من ذلك حالا ومثل هذا ~~قوله تعالى # PageV01P285 # {وأشربوا في قلوبهم العجل} والمراد حب العجل لأن العجل لم يحل في قلوبهم # وأعلم أنا لا نأبى أن كلام الله تعالى محفوظ على الحقيقة يحفظ في القلوب ~~مكتوب على الحقيقة في المصحف كتابة حالة فيها متلو بالألسنة بتلاوة فيها ~~مسموع في الأسماع غير حال في شيء من هذه المخلوقات ولا يجاوز ### | ### | ذكر خبر آخر # # فإن قيل فما تقولون فيما روى أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال (ما تقرب العبد إلى الله سبحانه بمثل ما خرج منه يعني القرآن) // ~~أخرجه الترمذي // # قيل لهم إن خروج من الشيء على وجهين # أحدهما كخروج الجسم من الجسم وذلك بمفارقة مكانه وإستبداله مكانا آخر ~~وليس الله تعالى جسما ولا كلامه جسم لأنه لو كان جسما لإقتضى محلا واحدا ~~وذلك فاسد # والوجه الثاني من معنى الخروج كقولك خرج لنا من كلامك خير كثير وأتانا ~~منه نفع مبين إذا أراد أنه ظهر لهم منه منافع # PageV01P286 # فأما الخروج الذي بمعنى الإنتقال فلا يصح على كلام الله سبحانه ولا على ~~شيء من الكلام لأجل أنه ليس بجسم ولا جوهر وإنما يجوز الإنتقال على الجواهر ~~والأجسام # فأما على الوجه الثاني فيصح والمعنى فيه أنه ms096 ما أنزل الله على نبيه وأفهم ~~عباده # وقد قال قائلون إن الهاء في قوله خرج منه يعود إلى العبد وخروجه منه ~~وجوده متلوا على لسانه محفوظا في صدره مكتوبا بيده # وذكر عكرمة أنه شهد جنازة مع ابن عباس رضي الله عنهما قال فجعل جل يقول ~~عند القبر # يارب القرآن إغفر له # فقال ابن عباس مه أما علمت أن القرآن منه # فقال فغطى الرجل رأسه كأنه قد أتى كبيرة # ومعنى قوله إن القرآن منه أي هو صفة الله القائمة بذاته ولم يجز أن يكون ~~ما كان من حكمه مربوبا محدثا # فإن قيل فما معنى قول عمرو بن دينار # أدركت مشايخنا يقولون منذ سبعين سنة # إن القرآن كلام الله منه خرج وإليه يعود # PageV01P287 # قيل معناه عند أهل النظر # أنه هو الذي تكلم به وهو الذي أمر به ونهى به وإليه يعود يعني هو الذي ~~يسألك عما أمرك ونهاك ### | ### | ذكر خبر آخر # # وقد روى عثمان بن عفان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال # فضل القرآن على الكلام كفضل الخالق على المخلوق وذلك أنه منه // أخرجه ~~الترمذي // # وأعلم أن قول القائل إن الشيء من الشيء قد يكون على وجوه # أحدها أن يكون جزءا له كقولنا اليد من الإنسان والواحد من العشرة # وقد يكون الشيء من الشيء على معنى أنه فعله وظهر منه كقوله تعالى {وسخر ~~لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} يعني خلقا وتدبيرا وملكا # وقد يكون منه على معنى أنه صفة له وعليه يتأول قوله إن كلام الله من الله # ومن أصحابنا من قال معنى قولنا كلام الله من الله أي منه يسمع # PageV01P288 # وبتعليمه نعلم وبتفيهمه نفهم # وذكر بعض أصحابنا أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه منه ~~معناه أنه له قال والعرب تقول إن هذا منك على معنى أنه لك كما قال القائل # (فمنك العطاء ومنك الثناء ... ) # أي لك العطاء ولي الثناء عليك # وأعلم أن المشبهة قد تأولت الصمد ms097 على معنى أنه مصمت ليس بأجوف وكيف يصح ~~أن يقال خرج منه كلامه على تقدير خروجه من الأجسام المجوفة فعلمت بذلك ~~تناقض قولهم وأن معنى الخبر ما أشرنا إليه ### | ذكر خبر آخر # فإن قيل فما تقولون فيما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # إن الله سبحانه قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم عليه السلام بألفي عام فلما ~~سمعته الملائكة قالت طوبى لأمة ينزل عليها هذا // ارججه البيهقي // # الجواب أعلم أن معنى قرأ أي أظهر وأسمع وأفهم كلامه من أراد من خلقه من ~~الملائكة في ذلك الوقت # والعرب تقول قرأت الشيء إذا تبعته وتقول ما قرأت هذه الناقة من رحمها ~~سلاقط أي ما ظهر فيها ولد # PageV01P289 # فهلى هذا يكون الكلام سائغا وقراءته إسماعه وإفهامه بعبارات يخلقها ~~وكتابة يحدثها وهو معنى قوله اقرأ كلام الله ومعنى قوله {فاقرؤوا ما تيسر ~~من القرآن} # ومن أصحابنا من قال معنى قوله قرأ أي تكلم به وذلك مجاز كقولهم ذقت لهذا ~~الأمر ذواقا بمعنى اختبرته ومنه قوله تعالى {فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف} # أي ابتلاهم به فسمى ذلك ذواقا والخوف لا يذاق على الحقيقة لأن الذوق في ~~الحقيقة بالفم دون غيره من الجوارح وما قلنا أولا فأوضح في تأويل هذا الخبر ~~لأن كلام الله تعالى أزلي قديم سابق لجملة الحوادث وإنما أسمع وأفهم لمن ~~أراد من خلقه على ما أراد في الأوقات والأزمنة لا أن عبر كلامه يتعلق وجوده ~~بمدة وزمان # PageV01P290 ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل # روى أبو حازم عن سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # دون الله سبعون الف حجاب من نور وظلمة وما يسمع من نفس شيئا من حسن تلك ~~الحجب إلا زهقت نفسها // أخرجه الطبراني // # وروي ايضا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال # احتجب الله من خلقه بأربع بنار وظلمة ونور وظلمة // أخرجه الإمام أحمد // # أعلم أن معنى قوله دون الله سبعون ألف حجاب أي هو حجاب ms098 لغيره من خلقه ~~لأنه لا يصح أن يكون محجوبا لإستحالة أن يكون محصورا محدودا تعالى الله عن ~~الحد والحصر والتشبيه والتمثيل والخلق محجوبون لا رب العالمين والحجب لهم ~~وهم المحجوبون بها ولا يصح أن يكون دونه حجاب يحجبه سبحانه وتعالى عما ~~يشركون # وقد روينا فيما قبل عن علي رضي الله عنه أنه أنكر على من قال # PageV01P291 # لا والذي احتجب بسبع فعلاه بالدرة وقال يا لكع إن الله لا يحتجب من خلقه ~~بشيء ولكن يحجب خلقه عنه # رواه ابن عاصم عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عن علي رضي الله عنه أنه ~~قال ذلك # وقال محمد بن شجاع الثلجي في معنى قوله احتجب الله عن خلقه بأربع أن الله ~~عرفنا نفسه بآياته ودلائله بما خلق من النور والظلمة والنار وأن له آيات لو ~~أظهرها للخلق كانت معرفتهم به كمعرفة العيان وذلك نحو ما ذكرنا من قوله ~~{فظلت أعناقهم لها خاضعين} # ومعنى احتجب بالنار أي خلقها فوق تلك الدلالات التي تبهر العقول وتدل على ~~معرفته # وأعلم أن الغرض من هذا أن تعلم أن الحجاب يرجع إلى المحجوب من الخلق وأن ~~الخالق لا يصح أن يكون محدودا ولا محصورا فإذا علمت أنه لم يرد بالخبر هذا ~~المعنى وأن الحجاب يرجع إلى المحجوب من خلقه سلمت من الغلط وأمنا من دخول ~~التشبيه عليك مما لا يجوز في صفة الله تعالى من إثباته محدودا محصورا تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا # PageV01P292 ### | ذكر خبر آخر وتأويله ومعناه # روى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # إن الله تعالى حي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا ~~خائبين // أخرجه الأمام احمد // # وروى يعلى بن أمية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # PageV01P293 # {إن الله حي ستير يحب الحياء والستر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر} # // ### | أخرجه الأمام أحمد // بيان تأوليه) # أعلم أن وصف الله بالحياء على معنى ما يوصف المخلوق من الحياء الذي هو ~~منه انقباض وتغير وتجمع ms099 لا يجوز لإستحالة كونه جسما متغيرا تحله الحوادث ~~وأما أن يوصف بالحياء على معنى الترك فصحيح وقد عبرت العرب عن سبب الشيء ~~بإسمه فلما كان الحياء سببا لترك المستحيا منه كان معنى ما قال إن الله عز ~~وجل ليستحي لا يترك يدي العبد خاليتين من خير إذا رفعهما إليه في الدعاء # وعلى ذلك يتأول أيضا قوله صلى الله عليه وسلم # إن الله ليستحي أن يعذب المتورع قيل يا رسول الله ومن المتورع # PageV01P294 # قال الذي يحاسب نفسه قبل أن يحاسب // أخرجه الأمام أحمد // # ومعنى ذلك ترك تعذيبه # وعلى ذلك يتأول قوله عز وجل {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا} أي لا يترك # والإستحياء من الله تعالى الترك لأن المستحيي يترك للحياء أشياء كما يترك ~~للإيمان وينقطع بالحياء عن المعاصي كما ينقطع بالإيمان عنها ولهذا قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # الحياء شعبة من الإيمان # وقال أبو وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه # إن آخر ما حفظ من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت # يريد إذا لم يستح الرجل ركب كل فاحشة وقارف كل قبيح ولم يحجزه عن ذلك دين ~~ولا حياء # PageV01P295 # فأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم إن الله حي ستير فقد فسرنا معنى ~~الحياء ومعنى ستير أي ساتر يستر على عباده كثيرا من عيوبهم ولا يظهرها ~~عليهم وستير بمعنى ساتر كما جاء قدير بمعنى قادر وعليم بمعنى عالم وإذا حمل ~~الخبر على ما ذكرنا صح المراد وبطل قول من توهم فيها التشبيه ### | ذكر خبر آخر وبيان تأويله # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال لبنيه # إذا أنا مت فاحرقوني ثم ذروني في البحر لعلي أضل الله تعالى ففعلوا فجمعه ~~الله تعالى ثم قال له ما حملك على ذلك # فقال مخافتك يا رب # وروى حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في هذا الخبر لفظا مشكلا زائدا وهو أن قال ms100 إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # إن رجلا أسرف على نفسه فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال # إذا أنا مت فأحرقوني ثم ذروني في الريح فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني ~~عذابا ما عذبه أحدا ففعلوا به ذلك فقال صلى الله عليه وسلم فيقول له الرب ~~عند البعث ما حملك على ما صنعت // اخرجه البخاري // # فيقول خشيتك فيغفر الله عز وجل له # PageV01P296 ### | ذكر تأويله # أعلم أن هذا الخبر وإن لم يرجع بشيء من ألفاظه إلى ما هو صفة من صفات ~~الله عز وجل فإن لفظه مشكل وكان القائل له مؤمنا مغفور له فوجب أن توقف على ~~معناه ليزول الإشكال فأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم {أضل الله} أي ~~أنسيه كما قال تعالى {لا يضل ربي ولا ينسى} # ولما ذكره من قوله أن تضل إحداهما أي ينسى # وفي بعض الوجوه في تأويل قوله سبحانه {ووجدك ضالا فهدى} أي ناسيا فذكرك # والعرب تقول ضللت كذا أو أضللته أي نسيته وإذا كان ذلك بمعنى الضلال ههنا ~~فمراده أن الله تعالى يميتني ولا يبعثني فأستريح من عذابه # والعرب تقول ضل الماء في اللبن إذا غاب فيه ولم يتبين ويكون تحقيق معنى ~~قوله لعلي أضل الله اي لعل الله لا ينشرني ولا يبعثني فأستريح من عذابه وهو ~~إظهار الجزع والخوف والخشية على أبلغ ما يكون في بابه لأنه إنما كان يعتقد ~~قائله أنه لا يجوز أن ينشر الله أحدا ولا شيئا أو يمكن أن يفوته شيء ومثل ~~ذلك ما روي عن عمر أنه كان يقول في دعائه # اللهم فإن كنت كتبتني شقيا فأمحني وأكتبني سعيدا # PageV01P297 # فذكر أهل العلم أن ذلك إظهار غاية الخوف والخشية حتى يسأل ما لا يكون أن ~~لو كان مما لا يكون حتى لا يفوته التضرع بكل وجه في طلب ما يكون ولا يكون ~~إظهارا لغاية الخوف والخشية لا تطلبا لما يعلم أنه لا يكون # وأما معنى قوله لئن قدر على ربي ليعذبني عذابا عذبه أحدا فلا يصح أن ms101 يكون ~~محمولا على معنى القدرة لأن من توهم ذلك لم يكن مؤمنا بالله عز وجل ولا ~~عارفا به وإنما ذلك على معنى قوله تعالى في قصة يونس {فظن أن لن نقدر عليه} # وذلك يرجع إلى معنى التقدير لا إلى معنى القدرة لأنه لا يصح أن يخفى على ~~نبي معصوم ذلك # وقال الفراء في تأويل قوله {فظن أن لن نقدر عليه} أي لن نقدر عليه ما ~~قدرنا كما قال أبو صخر الهمذاني # (ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر) # أراد ما تقدر يكون فعلى ذلك يحمل قوله عليه الصلاة والسلام حكاية # PageV01P299 # لئن قدر علي ربي ليعذبني # أي كان قدره وحكم علي بالعقوبة فإنه يعاقبني دائما وهكذا كلام خائف جزع # ولما قيل في الخبر إن الله تعالى يغفر له وقد علم أنه لا يغفر للكافرين ~~وجب أن يحمل لفظه على تأويل صحيح لا ينافي المعرفة بالله ولا يؤدي إلى ~~الكفر وإذا حمل على ذلك ما ذكرنا بأن الغرض وبان وجه الإشكال فيه فاعلم إن ~~شاء الله تعالى # PageV01P300 ### | ### | ذكر خبر آخر وبيان تأويله # # روى أبو صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # إن الرحم شجنة معلقة بمنكبي الرحمن يقول الله سبحانه لها من وصلك وصلته ~~ومن قطعك قطعته // أخرجه البخاري // # وذكر في خبر آخر أنه قال # أنا الرحمن وهذه الرحم شققتها من إسمي من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته ### | ذكر التأويل # أعلم أن الشجنة في كلام العرب هو الشعبة من الشيء والقطعة منه ومنه يقال ~~شجرة متشجنة أي متفرعة كثيرة الأغصان ومنه ما حكى عنه أنه قال لإياس بن ~~معاوية # الحديث ذو شجون فقال شجونه خير منه ومعنى الشجون أن ينشعب من الحديث ~~أحاديث كالوادي الذي تتشعب منه المجاري ويتفرع عنه الأنهار من الجهات # PageV01P301 # ومعنى قوله تعلقت بمنكبي الرحمن أي اعتصمت بالله ولاذت به هذه كلمة ~~تقولها العرب عند الإستظهار والإستجارة يقولون استظهرت بفلان واستجرت به ~~وتعلقت بحبله وقال ms102 الشاعر في مثل هذا المعنى # (علقت بحبل من حبال محمد ... أمنت به من طارق الحدثان) # (تغطيت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني) # أي اعتصمت به والله جل ذكره يقول {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} # أي هو قادر على تصريفها كيف شاء والعربي يقول لصاحبه إذا أطاعه # ناصيتي بيدك وزمامي بيدك وقيادي بيدك وليس ثم زمام ولا قياد ولا ناصية ~~وإنما هو مثل للمطيع والمطاع # وكذلك قوله فتعلقت بمنكبي الرحمن أي استجارت واعتصمت فالله تعالى لا يوصف ~~وإنما هو مثل للمطيع والمطاع # وكذلك قوله فتعلقت بمنكبي الرحمن أي استجارت واعتصمت فالله تعالى لا يوصف ~~بالمنكب تعالى على ذلك علوا كبيرا # وأعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خاطبنا على لغة العرب فإذا ورد ~~منه الخطاب حمل على مقتضى حكم اللغة فإذا كان محتملا لوجهين أحدهما له مخرج ~~في اللغة وتأويل صحيح لا يقتضي تشبيها ولا يؤدي إلى محال في وصف الله جل ~~ذكره والثاني يقتضي تشبيها وتكييفا وتمثيلا كان أولى ما حمل عليه من ~~الوجهين ما لا يؤدي إلى وصف الله جل ذكره بالجوارح والآلات # على أنه وإن حمل على ما يتوهمه المشبهة من منكبي الجارحة لم يصح معناه # PageV01P302 # من قبل ان الرحم لا يصح عليها التعلق وإنما هو حق للقرابة من طريق النسب ~~فعلم أن ذلك مثل والمراد به ما ذكرنا أنه إنما أراد تأكيد أمر الرحم والحث ~~على وصلها والزجر عن قطعها فأخبر عن ذلك بأبلغ ما يكون من التأكيد # واعلم أن مثال هذا أيضا من آي الكتاب قوله تعالى {أن تقول نفس يا حسرتى ~~على ما فرطت في جنب الله} # وذلك أنه كلام محمول على نوع من التوسع في عادة العرب في المخاطبة بمثله ~~يقتضي من معناه أن المراد به بأمره وقد انتشر في كلامهم أنهم يقولون # كبر فلان في جنب فلان وهم يريدون بذلك في طاعته وخدمته والتقرب إليه كذلك ~~معنى هذه الآية أن النفوس تظهر الحسرات يوم القيامة على ما ms103 وقع من التفريط ~~منها في طاعة الله والذي يؤيد هذا المعنى ويوضحه أن التفريط لا يقع في جنب ~~الصفة ولا في جنب الجارحة ولما قرب بذكره التفريط علم أن المراد به ما قلنا ~~أن معناه التقصير في طاعة الله والتفريط في عبادته # PageV01P303 ### | ذكر خبر آخر وبيان تأويله # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # صلة الرحم تزيد في العمر // أخرجه البخاري // # وقال في خبر آخر # صل رحمك يزد في عمرك # وقال من أحب أن ينسأ له في عمره فليصل رحمه // أخرجه البخاري ومسلم // # فسأل سائل عن هذا الخبر وقال # وكيف يجمع بينه وبين قوله جل ذكره في محكم كتابه {فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} # وقال في موضع آخر {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها} # فأخبر أن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر فكيف يجوز لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يقول # PageV01P304 # إن صلة الرحم تزيد في العمر ### | تأويله وذكر الجواب عن السؤال # أعلم أنه ليس شيء من هذه الأخبار مخالفا لما في الكتاب وكيف وقد روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ما يؤيد ما في الكتاب وهو كنحو ما روي ~~أن أم حبيبة قالت # اللهم متعني بأبي ابي سفيان وبأخي معاوية # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # لقد سألت في آجال مضروبة وأرزاق مقسومة ولا يؤخر منها شيء // أخرجه ~~الأمام أحمد // # وقال ابن مسعود رضي الله عنه حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~الصادق المصدوق # إن الله تعالى يبعث ملك الأرحام فيكتب أجل المولود في بطن أمه ورزقه ~~وشقاوته وسعادته // أخرجه الأمام أحمد // # وكذلك روى ابن عمر وجابر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في مثل هذا وهذه أخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاءت مجيء كتاب ~~الله إن لكل نفس # PageV01P305 # أجلها لا يتقدم أجلها ولا يتأخر # فأما معنى الزيادة في العمر فقد قال بعض أهل العلم # إن معناه السعة ms104 والزيادة في الرزق # وقد قيل إن الفقر هو الموت الأكبر # وقال بعضهم إن الله سبحانه أعلم موسى عليه السلام أن يميت عدوه ثم رآه ~~بعد ينسج الخوص فقال يا رب وعدتني أن تميته قال قد فعلت ذلك فإني أفقرته ~~وقال الشاعر # (ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء) # (إنما الميت من يعيش فقيرا ... كاسفا باله قليل الرخاء) # فلما جاز أن يسمى الفقراء موتا توسعا جاز أن يسمى الغنى حياة ويسميه ذو ~~مادة في العمر ويريد بذلك السعة والرزق على طريق الثواب والكرامة في الدنيا # وقال قائل إن معنى الزيادة في العمر نفي الآفات عنهم والزيادة في أفهامهم ~~وعقولهم وبصائرهم وليس ذلك زيادة في أرزاقهم ولا في آجالهم لأن الآجال ~~مؤجلة لا زيادة فيها والأرزاق مقسومة لا يزاد لأحد في رزقه ولا ينقص منه ~~شيء # PageV01P306 # لأن الله تعالى قد أخبر أنه قسم الأرزاق بين عباده فقال {نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} # وقال في الأجل {لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون} # ولم يخبر عن ذكره أن غير الأجل والرزق بمنزلة الرزق والأجل وقد أخبر أنه ~~يزيد من يشاء في فضله ولم يخبر أنه يزيد من يشاء في رزقه ويؤخر من يشاء في ~~عمره # وقال قائلون إن الله سبحانه كتب أجل عبده مائة سنة عنده ويجعل تركيبه ~~وهيأته وبنيته لتعميره ثمانين سنة فإذا وصل رحمه زاد الله في ذلك التركيب ~~وفي تلك البنية ووصل ذلك النقص فعاش عشرين سنة أخرى حتى يبلغ مائة وهو ~~الأجل الذي لا مستأخر عنه ولا مستقدم فيه # وقال قائلون إن معنى ذلك أن يكون السابق في المعلوم أنه إذا وصل رحمه كان ~~عمره أكثر منه إذا لم يصل فيكون كله مما سبق في العلم على الحد الذي يحدث ~~ويوجد في المستأنف فإن قيل فما معنى قوله {وما يعمر من معمر ولا ينقص من ~~عمره إلا في كتاب} # PageV01P307 # قيل معنى ذلك لا يعمر من معمر ms105 من ابتداء الأمر ولا ينقص من عمره عن الآخر ~~في الإبتداء الأجل ذلك في كتاب قد أبين صحته وأظهر قدره لا أنه يكون زائدا ~~ثم ينقص أو ناقصا ثم يزيد لأن يؤدي إلى أن لا يكون الله عز وجل عالما ~~بالأشياء قبل كونها على حسب ما يكون ولا يجوز ذلك في وصفه # فعلم أنه المراد به تعريفنا أن التفاوت الواقع بين الأعمار في إختلاف ~~مددها في الطول والقصر والزيادة والنقصان على ذلك في كتاب مبين على حكم ~~واحد صدر عن علم سابق محيط ### | فصل # وأعلم أن الذين خالفوا من القدرية فقالوا بقطع الأجل ومعنى ذلك هو أن ~~يكون الله عز وجل قد جعل لبعض الأحياء مدة الحياة خمسين سنة ثم يقتله ~~القاتل فيجعل ذلك سنة ويقطع عنه بلوغه المدة التي قدر الله تعالى له من ذلك ~~وهذا عندنا مخالفا للكتاب والسنة أولا وقول يؤدي إلى وصف الله تعالى بالقهر ~~والغلبة لأنه إذا أراد أن يكون أجل زيد خمسين سنة ثم يقتله القاتل فيجعل ~~ذلك سنة ويقطع عليه بلوغ مدة ذلك وأراد غيره له وأراد أن يبلغه وقطع عليه ~~أجله فقد قهره في مراده وغلبه في حكمه وذلك لا يليق بوصفه تعالى # PageV01P308 ### | سؤال # فإن قال قائل فما تقولون في قوله تعالى {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ~~أم الكتاب} # قيل قد تأول بعض أهل العلم ذلك على وجوه كثيرة # فمنهم من قال معناه أن الله ينسخ من الأحكام ما يشاء وذلك محوه ويثبت ~~منها ما يشاء وهو إثباته وتقديره وقد يوصف جل ذكره بالنسخ للحكم وبالإثبات ~~ولا يدعو ذلك إلى البداء ولا إلى الزيادة في العمر على خلاف ما ذكرنا # ومنهم من قال معناه يمحو ما سبق من الذنوب بالتوبة المعقبة لها ويثبت ~~للتوبة حكمها # ومنهم من قال إنه يمحو بياض النهار ويثبت سواد الليل ويثبت بياض النهار ~~ويمحو سواد الليل # ومنهم من قال معنى ذلك تعريفنا أن الإيجاد والإعدام والإثبات والنفي ~~متعلق بمشيئته على حسب ما سبق في علمه وجرى ms106 به قلمه نفيا لأن يكون ذلك إلى ~~غيره أو من غيره ### | مسألة # فإن قال قائل من القدرية # PageV01P309 # أليس قد قال الله تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه # {اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى} # وقال عز وجل في آية أخرى {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون} # قيل أما معنى قول نوح عليه السلام أنه يؤخرهم إلى أجل مسمى يعني إن آمنوا ~~واتبعوه وتكون آجالهم ولم يثبت الله لهم أجلا لم يبلغوه ولا قال إلى أجل ~~فيكم مسمى بل لم يضف إليهم ذلك الأجل وينكره # فبان أن المراد أجل من الآجال لو آمنوا واتبعوه كان لهم أجلا # وأما قوله {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} فهو أجل الدنيا والآخرة ولذلك ~~قال {ثم أنتم تمترون} # أي تشكون في البعث وهو الأجل المسمى للثواب والعقاب وأجل الدنيا هو ~~المسمى للفناء وللتكليف فيه وليس في ذلك شيء يؤيد قول القدرية القائلين ~~بقطع الأجل # وأما قول من قال منهم بقطع الأجل وأبى جواز الزيادة فيه فيقال له هلا # PageV01P310 # زعمت أنه يزيد في الأجل المؤجل إذا وصل رحمه أو تجنب الآفات وتعاهد من ~~المطعومات ما يستعين به على إستجلاب الزيادة في عمره وصرف الآفة عنه # فإن جمعوا بين الأمرين وقالوا جائز أن يزيد أحدنا في الأجل الذي قدره ~~الله بنحو ما ذكرناه جاز أن ينقص منه فقد فارقوا قولهم وخرجوا عن ظاهر ~~الكتاب والسنة والعقول لأنه كما نفي الإستقدام في الأجل فكذلك نفى ~~الإستيخار وجمع بينهما في الحكم # ومما يوضح ذلك أن المعنى في قول نوح عليه السلام ما ذكرناه عقيب ذلك {إن ~~أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون} # يريد بذلك مما هو لهم أجل فدل على ما قلناه # PageV01P311 ### | ### | ذكر خبر آخر وتأويله # # ومثل ذلك مما يجري هذا المجرى والسؤال فيه كالسؤال فيما ذكرنا ما روي أنه ~~قال صلى الله عليه وسلم # الدعاء يرد البلاء والصدقة تدفع البلاء // أخرجه الترمذي // # وما ms107 روي أنه قال صلى الله عليه وسلم # إن القضاء والدعاء يتعالجان # وما وري أنه قال الصدقة تدفع القضاء المبرم # ومعنى هذه الأخبار كلها على نحو ما ذكرنا وهو أن يكون السابق في العلم ~~مما يحدث في المستأنف أنه إذا دعا صرف عنه البلاء وكذلك إذا تصدق لا أنه ~~يكون المعلوم في الأزل وصول البلاء إليه ثم إذا حصل الدعاء تغير المعلوم ~~لأن ذلك يؤدي إلى أن لا يكون ذلك في الأزل معلوما ولا قضاء وذلك محال # PageV01P312 # وقيل أيضا إن المراد به العوض من الدعاء والصدقة إذا أتاهما دفع ذلك عن ~~الفاعل بهما وزر الترك وعقوبة العصيان فيه ويكون معنى التخصيص بذلك الذكر ~~التحريض على فعله والحث عليه ### | ذكر خبر آخر وتأويله # روى حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال # إن موسى عليه السلام لطم عين ملك الموت فأعوره // أخرجه البخاري // # فقال بعض أهل الإلحاد على طريق الإنكار لذلك إن جاز على ملك الموت العور ~~جاز عليه العمى قال # ولعل عيسى عليه السلام قد لطم عينه الأخرى فاعماه لأنه أشد كراهية للموت ~~من موسى عليه السلام وذلك أنه قال # اللهم إن كنت صارفا هذه الكأس عن أحد فأصرفها عني ### | بيان تأويله # أعلم أن أهل النقل قد صححوا هذا الحديث وله تأويل صحيح لا ينكر وذلك أن ~~الله عز وجل قد جعل للملائكة أن يتصوروا بما شاؤوا من الصور المختلفة ألا ~~ترى أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة دحية ~~الكلبي ومرة في صورة أعرابي ومرة أخرى وقد سد بجناحيه ما بين الأفق # PageV01P313 # وكذلك قال الله {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا} # إن تقيا إسم رجل تصور جبريل بصورته لمريم عليه السلام # فإن قال قائل وكيف ساغ لنبي أن يلطم عين ملك الموت وإن كان على صورة أخرى # قيل فقد قال بعض أصحابنا ms108 فيه إنما ينتقل فيه من هذه الأمثلة بخييلات وأن ~~اللطمة أذهبت العين التي هي تخييل وليست بحقيقة # ومنهم من قال إن معنى قوله لطم موسى عليه السلام عين ملك الموت توسع في ~~الكلام وهو نحو ما يحكى عن علي رضي الله عنه أنه قال # أنا فقأت عين الفتنة يريد بذلك إلزام موسى ملك الموت الحجة حين رده في ~~قبض روحه على حسب ما روي في الخبر # وأعلم أن للعرب في نحو ذلك إستعارات يعرف معانيها ومجاري خطابها فيها ~~المتوسع في إستقراء كلامهم والمتبحر في المعرفة بلغاتهم فإذا كانت اللطم ~~مستعملة عندهم على أمرين # أحدهما أن يراد به عين الجارحة وإدخال النقص فيها # والثاني أن يراد به عين الشيء وذاته ويراد بالعور محقه ومحوه لم ينكر أن ~~يكون معنى الكلام محمولا عليه على معنى التوسع # PageV01P314 # وقد يقول القائل عورت عين هذا الأمر إذا رده تشبيها لمن أدخل نقصا على ~~العين التي هي حدقة # ولو قال قائل إن ذلك إن كان حقيقة من موسى عليه السلام وكان إدخال نقص ~~على جارحة الملك بإذن الله عز وجل حتى يكون محنة للملطوم وعبادة للأطم لم ~~يكن ذلك منكرا تدفعه العقول لأن لله عز وجل أن يأمر بما يشاء من ذلك ويأذن ~~فيما يشاء منه على أن ما قلناه أولا له وجه في الكلام يصح فيه المعنى على ~~طريق الإستعارة والتوسع في عادة خطاب العرب وإذا كان كذلك لم يكن لما توهمه ~~الزائغ عن الحق معنى وبطل توهمه الطعن بذلك على أنبياء الله عليهم السلام # PageV01P315 ### | ذكر خبر آخر وتأوليه # روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما ~~يحكى عن ربه سبحانه # الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قذفته في النار ~~// أخرجه الأمام أحمد // # ومن اقترب مني شبرا اقتربت منه ذراعا ومن اقترب مني ذراعا اقترب منه باعا ~~ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ~~وأطيب ومن ms109 جاءني يمشي جئته أهرول ومن جاءني يهرول جئته سعيا # وأعلم أن معنى قوله الكبرياء ردائي والعظمة إزاري أي ذلك صفة من صفاتي ~~وأنا المختص به دون غيري فمن نازعني في ذلك بأن تكبر وتعظم على الناس ~~أدخلته وهكذا كما تقول العرب # إن فلانا شعاره ودثاره الزهد والودع أي صفته ونعته وليس يريد بذلك نفس ~~الشعار ولا عين الدثار # PageV01P316 # وأعلم أن العرب قد تعبر مرة بالرداء عن الدين ومرة بالرداء عن السيف ومرة ~~بالرداء عن العطية فيقولون # فلان غمر الرداء إذا كان واسع العطية وإن كان قصير الرداء إذا كان واسع ~~العطية وإن كان قصير الرداء وكذلك يعبرون عن صفاته بالرداء فيقولون رداء ~~فلان وإزاره الفسوق والمروق عن الطاعة أي نعته وصفته قال كثير # (غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال) # وقد يجعلون الرداء الحسن والنضارة إذا كان ذلك ونعته صفته كما قال القائل # (وهذا ردائي عنده يستعيره ... ليسلبني نفسي آمال بن حنظل) يعني يا مالك ~~بن حنظلة # وقد قيل في معنى الرداء الذي هو الدين ما حكى عن علي رضي الله عنه أنه ~~قال # من أراد البقاء ولا بقاء فليخفف الرداء وليباكر الغداء وليقل غشيان ~~النساء # قال بعضهم أراد به الدين أو يسمون السيف رداء لأنه يتقلد كما يرتدي ~~بالرداء توسعا # فأما معنى قوله من تقرب مني شبرا إقتربت منه ذراعا فيحتمل أوجها # أحدها أن يكون معناه الإخبار بسرعة الإجابة لمن أطاعه ودعاه وتقرب إليه ~~وأراد بالإقتراب قرب المنزلة والخطوة لديه لا قرب المسافة والمساحة فيكون ~~هذا # PageV01P317 # الكلام تشبيها وتمثيلا # ويحتمل أن يكون أراد به من أتاني مسرعا بالطاعة أتيته بالثواب أسرع من ~~إتيانه # ويحتمل أن يكون معناه على معنى ما قال جل وعز {من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها} # أي من أطاعني طاعة واحدة جازيته عليها عشرا ويكون ذلك إخبارا عن ما ~~يفعلهم من تضعيف الثواب # ويحتمل أن يكون معناه أي أزيد إلى المتقرب إلى شكر نعمتي نعما كما وعدت ~~الشاكرين من الزيادة # وأما المشي والهرولة فتوسع ms110 وهذا كما قالت العرب فلان موضع في الضلالة # والإيضاح الإسراع في السير وليس يراد به ههنا نفس السير وإنما المراد ~~الإسراع في الضلالة وعلى ذلك معنى قوله سبحانه {والذين سعوا في آياتنا ~~معاجزين} # والسعي هو العدو والإسراع في المشي وليس يراد بذلك أنهم مشوا بل المراد ~~بذلك استعجالهم المعاصي ومبادرتهم إلى فعلها # وأما قوله عليه الصلاة والسلام إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي فذكر # PageV01P318 # العبد لله تعالى في نفسه أن يكون بحيث لا يعلمه أحد غيره ولا يطلع عليه ~~سواه قال عيسى عليه السلام {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} # أي تعلم ما أخبئه وما أستره وأضمره ولا علم لي بما في غيبك مما أخفيته ~~عني # وأعلم أن النفس في كلام العرب على معان # منها نفس منفوسة مركبة مجسمة ذات روح وتعالى الله أن يكون كذلك علوا ~~كبيرا # ومنها النفس بمعنى الدم والعرب تقول له نفس سائلة وليس له نفس سائلة ~~وتريد بذلك الدم # ومنه ما يقال للمرأة نفساء إذا سال دمها على النفاس وتعالى الله عن الوصف ~~بذلك أيضا # ومنها نفس بمعنى إثبات الذات وهذا كما قال العرب هذا نفس الأمر يريدون به ~~إثبات الأمر لا أن له نفسا منفوسة مجسمة وعلى هذا المعنى يوصف الله تعالى ~~بأن له نفسا وقد أخبر الله تعالى بذلك في آي من كتابه # ومنها قوله تعالى {كتب على نفسه الرحمة} # PageV01P319 # وقوله {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} # وقوله {ويحذركم الله نفسه} # وقد قال أهل التأويل في ذلك قولين # منهم من قال معناه يحذركم الله عقوبته # ومنهم من قال يحذركم الله إياه # وزعم بعض أهل التأويل أن النفس بمعنى الغيب أيضا كقوله تعالى {تعلم ما في ~~نفسي} أي في غيبي {ولا أعلم ما في نفسك} أي في غيبك # ومنهم من قال إن معنى قوله {ولا أعلم ما في نفسك} يرجع إلى نفس عيسى وأنه ~~أضاف نفسه إلى الله من طريق الملك والخلق يريد بذلك أن نفسي لك ms111 خلقا وملكا ~~ولا أعلم ما في ملكك مما خلقته إلا ما علمتني # ومعنى الخبر على الوجه الذي يصح من هذه التأويلات أن من أخلص لي في ~~الطاعة وأخفى علمه وخلصه من النفاق والرياء أخفيت ثوابه وهذا كما ذكره في ~~قوله تعالى # PageV01P320 # {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} # وقوله عليه الصلاة والسلام مخبرا عن الله تعالى أنه قال # أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر // ~~أخرجه الأمام أحمد // # فأما قوله من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وأطيب فقد قال بعض أهل ~~العلم # إن المراد بالملأ الملائكة وأنه تعالى يشهدهم على ما يفعل به من الكرامات ~~ويمدحه ويثني عليه عندهم وقد جعل قوم هذا الخبر حجة في تفضيل الملائكة على ~~المؤمنين من بني آدم # ومن ذهب إلى تفضيل الأنبياء والأولياء من الآدميين على الملائكة فإنه ~~يجيب من ذلك # بأن معنى قوله خير منه يرجع إلى الذكر كأنه قال بذكر خير من ذكره وأطيب # PageV01P321 # منه لأجل أن ذكر العبد لله دعاء وتضرع وذكر الله للعبد إظهار رحمته ~~وكرامته وذلك خير للعبد وأنفع # وأعلم أنه إذا احتمل هذا الكلام ما حملناه وساغ في معناه ما ذكرناه وكان ~~فيه تنزيه الله عن مشابهة خلقه مع إعطاء الخبر معنى صحيحا وفائدة كثيرة كان ~~حمله على ذلك أولى من حمله على ما لا يليق بالله جل ذكره # PageV01P322 ### | ذكر خبر آخر وبيان تأويله # روى مكحول عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # عليكم بالجماعة فإن يد الله تعالى مع الفسطاط # أعلم أن الفسطاط في كلام العرب هو المدينة ولذلك قيل لمصر فسطاط ومعنى ~~الخبر أن يد الله مع الفسطاط أي أن الله تعالى مع السواد الأعظم ومع أهل ~~الأمصار وأن من شذ عنهم وفارقهم في الرأي فليس على الحق # وأما معنى اليد ههنا فإن من أصحابنا من يقول إنه بمعنى الذات من قوله ~~{مما عملت أيدينا} أي مما عملنا # وكقوله {مما ms112 ملكت أيمانكم} أي مما ملكتم أنتم # وكقوله {الذي بيده عقدة النكاح} # والمعنى فيه أنه هو المالك لعقدة النكاح بنفسه لأنا رأينا من يملك وهو ~~أقطع اليد # فأما معنى قوله مع الفسطاط إذا قلنا أن معناه أنه مع الجماعة فإنه يرجع # PageV01P323 # في التحقيق إلى أن الله سبحانه معهم بالنصرة لهم وهذا كما قال # إن الأمير مع الخليفة أي بالنصرة لا بالذات # وفائدة هذا الخبر # الترغيب في لزوم الجماعة ومنابذة الفرقة # وفيه دلالة على أن الجماعة من أمة محمد عليه الصلاة والسلام معصومه # وأن الله عاصمهم من الخطأ وناصرهم # ومثل ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين بالحق لا يضرهم من ناوأهم // أخرجه الشيخان ~~// # فإذا اتفقت الجماعة على حكم علم أن تلك الجماعة المعصومة الظاهرة بالحق ~~فيها ومن نابذها وفارقها كان كما قيل في خبر آخر # من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية // أخرجه الحاكم // # ومثله قوله عليه الصلاة والسلام عليكم بالسواد الأعظم # وقوله أيضا يد الله مع الجماعة ومعاني هذه الأخبار متقاربة # PageV01P324 ### | سؤال # فإن قال قائل فإذا حملتم اليد ههنا على معنى الذات فهلا حملتموها أيضا في ~~قوله {خلقت بيدي} على الذات # قيل لا يصح ذلك والفرق بينهما أن الله عز ذكره دئما قال لإبليس {ما منعك ~~أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت} محتجا عليه مفضلا له عليه بهذا التخصيص ~~مبطلا لقوله أنا خير منه ولو حمل على معنى الذات سقطت هذه الفائدة وبطل ~~موضع الإحتجاج من الله تعالى على إبليس وفيه ولم يكن لذكره فائدة لأن قوله ~~خلقت فيه إثبات الذات ولا يصح أن يلغى من كلامه سبحانه شيء وقد يمكن أن ~~يكسى فائدة وقد بينا فيما مضى تأويل اليد على مذهبنا وذكرنا أقسامه وما ~~يضاف إلى الله جل ذكره فعلى أي وجه يضاف بما يغني عن إعادته ههنا # PageV01P325 ### | ذكر خبر آخر وتأويله ومعناه # روى البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # إن فلانا ms113 هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فأهجه اللهم والعنه عدد ما هجاني ~~// أخرجه الأمام أحمد // ### | بيان تأويله # أعلم أن معنى قوله عليه الصلاة والسلام فاهجه اللهم والعنه يريد بذلك ~~جازه على الهجاء ومثل هذا كثير في اللغة من تسمية الجزاء بإسم الشيء قال ~~الله عز وجل {وجزاء سيئة سيئة مثلها} # وقال {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} # وليس الثاني اعتداء ولا سيئة في الحقيقة وإنما سمي بإسمه لما كان جزاء ~~ونظيره أيضا # قوله {يستهزئ بهم} # PageV01P326 # وقوله {سخر الله منهم} # ذكر بعض أهل التأويل أن معنى ذلك أن يجازيهم على السخرية والإستهزاء فسمى ~~الجزاء بإسم المجازي عليه كقول القائل # (ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا) # فسمي الجزاء على الجهل كذلك معنى قوله فاهجه اللهم أي جازه على هجائه عني ~~بعقوبة تحلها به # ويحتمل أن يقال إن معنى فاهجه أي ذمه لأن الهجاء الكلام الذي يقصد به ~~الذم وقد ذم الله الكافرين على كفرهم # فإن قال قائل إنه هجاهم على معنى ذمهم كان المعنى صحيحا وأصلنا في ذلك ~~أنا لا نجيز إطلاق لفظ في وصف الله جل ذكره إلا على الوجه الذي وصف به نفسه ~~لا نتعداه ولا نتقدم بين يديه # PageV01P327 ### | ذكر خبر آخر مما يقتضي التأويل # روى محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال أبو القاسم صلى الله ~~عليه وسلم # عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل ### | تأويل ذلك # أعلم أنا قد بينا معنى العجب المضاف إلى الله تعالى وقد روي في إضافة ~~التعجب إلى الله قد تقدم بيانها وأن ذلك يرجع إلى معنى الرضا والتعظيم وأن ~~الله عز وجل يعظم من أخبر عنه بأنه يعجب منه ويرضى عنه # فأما معنى قوله يقادون إلى الجنة بالسلاسل فقد قيل في معناه # إنهم يكرهون الطاعة التي يصلون بها إلى الجنة من حيث تخالف أهواءهم ~~وشهواتهم وتكرهها نفوسهم من حيث تشق عليهم وتصدهم عن الراحات واللذات في ~~الحال ولكنها سائقة لهم إلى الجنة وهي دار الراحات ومأوى ms114 الطيبات أي هذه ~~النفوس تطلب الراحات واللذات في الدنيا وتكره الطاعات والعبادات لما فيها ~~من المشاق وهي التي تسوقهم إلى اللذات وتقودهم إلى الدرجات # PageV01P328 ### | ذكر خبر آخر وتأويله # روي عن ابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال # إن الله جميل يحب الجمال // أخرجه الأمام أحمد // # وحكي أن بكر بن عبد الله المزني كان يجمل الثياب ويدهن بالغالية ويلبس ~~الطيالسة الطرازية والقمص القوهية فقال له بعض جلسائه # لو قصرت في بعض هذه الكسوة فقال # إن الله تعالى جميل يحب الجمال ### | معنى بيان ذلك # أعلم أن وصفنا الشيء بأنه جميل يحتمل وجهين # أحدهما أن يراد به جمال الصورة والهيئة والتركيب وذلك بأن يستجمله الناظر ~~إليه وذلك مستحيل في وصف الله منفي عنه # فإن قال قائل فكيف نفيتم ذلك عنه مع ما روي في خبر آخر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # رأيت ربي في أحسن صورة # PageV01P329 # قيل إن هذا الخبر أيضا يحتمل التأويل ومحمول على الوجه الصحيح مما يحتمله ~~مما لا يقتضي التشبيه ولا يؤدي إليه وذلك أن يكون معناه وأنا في أحسن صورة # أو يكون معناه كما قال بعضهم وأنا في مكان هو أحسن صورة # أو يكون معناه وأنا في أحسن صفة عند الله عز وجل يخبرنا برضاه عنه عليه ~~الصلاة والسلام وتلقيه له جل ذكره بالكرامة والبشارة ### | سؤال # فإن قيل فإذا لم يجز أن يحمل على جمال الصورة لإستحالة أن يكون الله ~~تعالى جسما ذا تركيب وهيئة فعلى ماذا تحملونه # قيل إن أهل اللغة قد يستعملون مثل هذا اللفظ من فعيل على معنى مفعل ~~كوصفنا الله جل ذكره بأنه حكيم والمراد به محكم لما فعله وكذلك يجوز أن ~~يقال الله تعالى جميل بمعنى مجمل وإجماله المضاف إليه على وجهين # أحدهما أن يكون يحسن الصور والخلق أي أنه يحسن خلق ما يشاء وهو هيأته ~~وصورته كما يقبح خلق من يشاء بتشويه صورته وهيأته # الوجه الثاني من ms115 الأجمال المضاف إلى الله عز وجل وهو بمعنى الإحسان ~~والفضل أي وهو المظهر النعمة والفضل والمبدي من يشاء من خلقه برحمته ~~وكرامته وذلك سائغ عند أهل اللسان ومتعارف فيما بينهم ألا ترى أنهم يقولون # PageV01P330 # أجمل في هذا الأمر إذا وصاه بأن يأتي فيه بالجميل من الفعل والمذهب فيه ~~والله عز وجل أعلم موصوف بأنه مجمل على الوجهين جميعا من تحسين الصور ~~والإبتداء بالفضل والنعمة # فأما جمال الصورة والهيئة على الوجه الذي يستجمله الناظرون على ما ~~يستجملون من هيآت الخلق فما لا يليق بالله سبحانه # وأما قول بكر المزني فراجع إلى مثل ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام ~~أنه قال # إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه // أخرجه ~~الترمذي // # وهو معنى قوله {وأما بنعمة ربك فحدث} # والتحديث بها إظهارها ونشرها فما سبيله من نعم الله أن لا يظهر للناظرين ~~فإظهاره شكر الله عليها وما يمكن أن يظهر فإظهارها نشرها وعلى ذلك يحمل قول ~~بكر المزني وهو أحد المعنيين الذين حملنا عليه خبر الرسول عليه الصلاة ~~والسلام # PageV01P331 ### | ذكر ### | خبر آخر وتأويله # ومعناه # روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # إن الله تعالى رفيق يحب الرفق ويعطي عليه مالا يعطي على العنف // أخرجه ~~البخارى // # أعلم أن معنى قوله عليه الصلاة والسلام إن الله رفيق يحب الرفق أي أنه ~~ليس بعجول وإما يعجل من يخاف الفوت فأما من كانت الأشياء في ملكه وقبضته ~~فليس يعجل فيها # وقوله يحب الرفق أي يحب ترك العجلة في الأعمال والأمور قال الشاعر # (لم أر مثل الرفق في لينه ... أخرج العذراء من خدرها) # يريد لم أر مثل ترك العجلة ومعنى الرفيق معنى الحليم وقد يجوز أن يستعمل ~~أحدهما بدل الآخر # وقد قيل أيضا إن معنى الرفيق بمعنى المرفق كما يكون حكيم بمعنى محكم ~~وجميل بمعنى مجمل والمعنى في ذلك أنه الخالق للرفيق يفعل برفقه بمن يشاء ~~على معنى أنه ينفع من يريد ويلطف بمن ms116 يريد # وأعلم أن هذا الخبر وإن كان من أخبار الآحاد فلم يرد به بما يستحيل في ~~وصف # PageV01P332 # الله تعالى فلم ينكر أن يتأول على الوجه الذي قلنا وقد ورد في بعض ~~الأخبار أيضا مما فيها أسامي الرب أن الله صبور ولم يرد به نص القرآن ولا ~~تواترت به الأخبار ومعناه معنى حليم وقد اختلف أصحابنا في معنى وصفه بأنه ~~حليم # فمنهم من قال إن معنى الحلم ترك تعجيل العقوبة لمن يستحقها # ومنهم من قال معناه نفي السفه عنه وأن الله لم يزل حليما على هذا المعنى ~~وهو مذهب النجار # PageV01P333 ### | خبر آخر وتأويله # فإن قال قائلون فما تقولون فيما رواه محمد بن كعب القرظي # إن الله يمشي في ظلل من الغمام والملائكة ويقف على أدنى أهل الجنة درجة ~~فيسلم عليهم ويردون السلام ثم يرجع إلى مكانه # قيل إن أهل النقل قد ضعفوا هذا الخبر فمنهم من قال إنه وقع إليه كتب من ~~يهود قريظة فكان ينظر فيها ويروي عنها # وقيل أيضا إن الذي رواه عنه زمعة وسلمة بن وهرام وكلاهما ضعيفان وعكرمة ~~أضعف منهما على أنه كان صحيحا فمعناه محمول على سائر معاني أفعاله مثل ~~قولنا # يعدل ويحسن ويحرك ويشكر ويجيء ويأتي وليس ذلك بمعاناة ومعالجة ولا ذلك ~~بإنتقال وحركة كما يكون ذلك منا لأنه لا يفعل في نفسه # فأما قولهم في ظلل من الغمام والملائكة والله فيها بمعنى مقدرها ومدبرها ~~وأن ذلك على التقديم والتأخير وهذا على مذهب من قال من المعتزلة والنخارية ~~أن الله في مكان على معنى أنه مدبر لكل مكان مقدر لما فيه ونحن نأبى ذلك ~~ولكنا نقول على مذهب أصحابنا # PageV01P334 # إن الله عز وجل في السماء على معنى أنه فوقها وعليها كما قال عز وجل ~~{فسيحوا في الأرض} أي فوقها # وكما قال {ولأصلبنكم في جذوع النخل} أي عليها # وأما معنى وقوفه على أهل الدرجات في الجنة فقد قيل معناه # إن الله عز وجل وصف نفسه بكرامته لأهل الدرجات في الجنة درجة بعد درجة ~~الأعلى فالأعلى # فأما ms117 قوله ثم يرجع إلى مكانه فليس ذلك على معنى الإنتقال إلى مكان لأنه ~~ليس في مكان ولا يجوز عليه الإنتقال وإنما معناه العودة إلى أفعاله قبل أن ~~يحدث لهم ما أحدث وذلك توسع في الكلام كما يقال جاءك الخير يعدو عدوا ~~والمراد سرعة الإقبال عليك # وإذا احتمل اللفظ ما ذكرنا وكان خلافه يؤدي إلى التشبيه وإلى وصفه تعالى ~~بما لا يليق به كان أولى الأمور أن يحمل على الوجه الذي يصح معناه ويوافق ~~معنى قوله سبحانه {ليس كمثله شيء} # PageV01P335 ### | ### | ذكر خبر آخر وتأويله # # فإن قيل فما تقولون فيما روي أنه قد قال صلى الله عليه وسلم # دخلت على ربي في جنة عدن شابا جعدا في ثوبين أخضرين # قيل معنى قوله دخلت على ربي كمعنى قول المسلمين في الموسم أتيناك ربنا ~~شعثا غبرا من كل فج عميق لتغفر لنا ذنوبنا # ويقال أيضا في الكلام الجائز الجاري في العرف أقبل الله على فلان ~~بالكرامة وأقبل فلان على الله بالطاعة # أي دخلت جنة ربي بتقريبه لي وبكرامته إياي فرأيت فيها شابا وليا من ~~أوليائه على هذا الوصف دون أن يكون هذا المذكور هو الله عز وجل # وقد يقال دخلت في غير ما يكون في مكان أيضا وذلك متعارف بين أهل اللغة ~~كما يقولون دخل في أمرك البركة وأدخل الله في أموركم البركة أي بارك لهم ~~فيها ويقال دخل فلان على أمري ورأيي ويقال أيضا دخل على فلان في منزلي لا ~~أنه دخل على بدنه وإنما المعنى أنه دخل داره كذلك معنى # PageV01P336 # دخلت على ربي أي دخلت دار ربي وهي الجنة والدار التي أعدها لأوليائه # ويحتمل أن يكون معنى وأنا في الجنة شاب جعد وإن ذلك كان رؤيا في منام ~~والشيء قد يرى في المنام على خلاف ما يكون به فإذا احتمل هذا الكلام ما ~~ذكرنا كان حمله عليه أولى # PageV01P337 ### | ### | ذكر خبر آخر وتأويله # # فإن قيل فما تقولون فيما روي عن مجاهد أنه قال # يقول داود عليه السلام يوم القيامة # رب ذنبي ms118 فيقول أدنه أدنه فيدنو حتى يمسه قال فمس سفيان ركبته يشير إلى ~~أنه مس ركبته # قيل إن مجاهدا مأخوذ من قوله ومتروك ولكنه إن صح فيحتمل أن يقال معناه ~~أنه أدنه بمسألتك إياي وتقرب إلي بذلك وبالخضوع لي حين يمسه عفو الله وصفحه ~~ورحمته # وقيل أيضا يحتمل أن يكون ذلك على المثل أنه يدنو بالتضرع والخشوع إليه ~~حتى يصير كهيئة المماس في المثل على الوجه الذي لا يكون بينه وبين ما يماسه ~~حائل على أن مجاهدا ليس بحجة في مثل هذا وقد قيل أيضا أنه لم يذكر في الخبر ~~ركبة # ويحتمل أن يكون ركبته بعض خلقه أمره بالدنو منه أمر تعبد ليخضع لله جل ~~ذكره بذلك حتى يناله عفوه ورحمته # PageV01P338 ### | ### | ذكر خبر آخر وتأويله # # فإن قيل فما تقولون أيضا فيما روي عن مجاهد أنه قال في تأويل قوله تعالى ~~{عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} إنه يقعده معه على العرش # قيل هذا أيضا غير مأخوذ به من قوله وتأويله مع أنه يحتمل أن يقال إنه معه ~~بمعنى النصرة والمعونة كما قال # PageV01P339 # {لا تحزن إن الله معنا} # وكما قال {أن الله مع المتقين} على معنى النصرة والمعونة وذلك أن مع في ~~الكلام يحتمل وجوها # أحدها بمعنى الصحبة في البقعة والمجاورة لمن فيها وذلك لا يليق بالله ~~سبحانه # ويكون أيضا بمعنى العلم كما قال {وهو معكم أين ما كنتم} # والمعنى فيه أنه عالم بكم سامع لكلامكم راء لأعمالكم وأشخاصكم وذلك جائز ~~في وصفه ويشمل الكافر والمؤمن # فأما إذا قيل إنه مع المؤمن تخصيصا بمعنى النصرة والمعونة فيكون معنى ~~الخبر أن الله تعالى يكرم نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بأبلغ الكرامات ~~حتى يقعده في أرفع المقاعد عنده وهو معه بالنصرة والمعونة والمقاعد المقربة ~~من الله تعالى مقامات الطاعات ودرجات الكرامات دون ما هو من طريق الصحبة في ~~المكان والمجاورة لمن فيه # PageV01P340 ### | ### | ذكر خبر آخر وتأويله # # فإن قال قائل فما تقولون فيما روى الشعبي # إن الله ملأ العرش حتى أن له ms119 أطيطا كأطيط الرحل الجديد قائلا هكذا ووضع ~~إحداهما على الأخرى قال ووضع حماد ساقه على ركبته اليسرى # قيل معنى قوله ملأ العرش يحتمل أن يكون المراد ملأه عظمة ورفعة وعزة ~~وآلاء وهذا كما قال عز وجل {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ~~فأبين أن يحملنها} # والأمانة ليست بجسم # فأما معنى قوله هكذا فيحتمل أن يقال أراد به التجبر والعظمة التي لا يجوز ~~لغيره # وأما معنى وضع حماد ساقه على ركبته اليسرى فليس على معنى إثبات الجارحة ~~والإشارة إلى معناها بل إنما أراد به أنه هو المنفرد بمثل هذه العظمة وأنه ~~العالي المستوى على كل ما خلقه # وأعلم أنه سائغ في الكلام أن يقال # ملأت قلبك فرحا وغما وليس المراد به امتلاء من طريق شغل المكان من جهة ~~المساحة # PageV01P341 # ويقال ملأ فلان هذا البلد علما والمراد به ما نشر فيه من الكتب التي ~~العلم فيها مكتوب وما روى وذكر فيه ولا يكون المراد به على نحو ملء الأواني ~~بالأجسام التي فيها ولما احتمل الكلام هذين المعنيين ولم يجز أحدهما على ~~الله تعالى صح أن المراد به ما قلنا ### | ذكر خبر آخر وتأويله # وكذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # إن العرش يثقل على كواهل حملته من ثقل الرحمن حتى يعرفوا غضبه بثقله على ~~كواهلهم // أخرجه الأمام أحمد // # في خبر هذا معناه قيل أما معنى قوله من ثقل الرحمن فليس ذلك ثقلا كثقل ~~الأجسام والأشباح وإنما هو ثقل عظمته كقول القائل ثقل علي كلامك وليس ثقل ~~كثقل الأجسام # وقد يقال الحق ثقيل مر وليس المراد به ثقلا كثقل الأجسام إنما المراد به ~~ما في تحمله من الصعوبة والمشقة على النفس وقد قال سبحانه وتعالى {إنا ~~سنلقي عليك قولا ثقيلا} # فثقل الرحمن على الملائكة ثقل هيبته في قلوبهم وما يتجدد لهم في بعض ~~الأحوال من ذكر عظمته وعزته فأما ما يعرفون به غضب الرحمن جل ذكره فيحتمل ~~أن يخلق في العرش ثقلا على كواهلهم ويجعل ذلك أمارة لهم ms120 في بعض الأحوال من ~~ذكر إنزال العقوبة بقدر فكلما وجدوا ذلك إزدادوا تعظيما وذكرا # PageV01P342 # وإنما قلنا ذلك لإستحالة وصف الله تعالى بالمماسة والأعتماد على الأجسام ~~وأن يكون جسما له ثقل وإذا احتمل الكلام ما ذكرناه وكان سائغا في اللغة وجب ~~أن يحمل تأويله عليه دون أن يحمل على ما لا يليق بالله ### | ذكر خبر آخر وتأويله ومعناه # فإن قيل فما تقولون فيما روي أن جبرائيل عليه السلام أبطأ على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال إني وجدت ربي يصلي # وفيما روي أن بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام فقالوا أيصلي ربنا ~~فأوحى الله تعالى إليه أن يبلغهم أني أصلي كيما تغلب رحمتي غضبي ولولا ذلك ~~هلكوا # وفيما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به إلى السماء السابعة ~~أتاه جبريل فقال ويداك يا أحمد فإن ربك يصلي فقلت وإن ربي يصلي # قال نعم قلت وأي شيء يقول فقال يقول سبوح قدوس سبقت رحمتي غضبي ### | بيان تأويله # أعلم أن الصلاة على وجوه # PageV01P343 # وإذا أضيفت إلى الله تعالى فمعناها المدح والثناء والرحمة والبركة # وإذا أضيفت إلى الملائكة فمعناها الإستغفار وطلب الشفاعات # وإذا أضيفت إلى المؤمنين من الآدميين فالمراد الدعاء قال الله تعالى {إن ~~الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما} # فصلاة الله عز وجل إظهاره رحمته ومدحه وثناؤه # وصلاة الملائكة إستغفارهم وسؤالهم الفضل والدرجة لمن يصلون عليه # وصلاة المؤمنين دعاؤهم ربهم بإنزال البركات والرحمة على من يصلون عليه # ومعنى قوله تعالى أبلغهم أني أصلي أي أني أرحم وأغفر وأستر # ومعنى قوله كيما تغلب رحمتي غضبي أي حتى يسبق الكائن من رحمتي وغضبي # ورحمته في الحقيقة عندنا إرادته أن ينعم على من أراد تنعيمه # وغضبه إرادة تعذيب من علم تعذيبه وعقوبته على الدوام # ثم سمي الكائن عن الرحمة رحمة والكائن عن الغضب غضبا كما سمي المعلوم ~~علما والمقدور قدرة والموهوب هبة # وإذا كان ذلك كذلك حملنا معنى قوله سبقت رحمتي غضبي # PageV01P344 # وكيما تغلب رحمتي غضبي ms121 على الكائن من رحمته وغضبه والمراد به إظهار بركته ~~وكرامته لأهل البركة والرحمة كما ظهر تعذيبه وعقابه لأهل العقوبة # وأعلم أن معنى الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء كثيرة وبمعنى المكاء ~~والتصدية كما قال تعالى {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} # والمكاء الصفير والتصدية التصفيق # ويقال للصلاة الشرعية صلاة وهي القراءة والتسبيح والركوع والسجود ويعبر ~~عن جملة هذه الأفعال أنها صلاة من طريق الشرع لا من طريق اللغة ولا يجوز أن ~~يوصف الله تعالى بهذا النوع من الصلاة التي تتضمن هذه الحركات والهيئات ~~لإستحالة كونه جسما محدودا يتحرك ويسكن # وجائز وصفه بالصلاة التي هي الثناء والدعاء والرحمة وما وصف به من ذلك ~~فعلى هذا المعنى لا على غيره # PageV01P345 ### | ذكر خبر آخر آخر وتأويله # فإن قيل فما تقولون فيما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في حديثه # أنه يتجلى للخلق فيلقاهم فيقول من تعبدون فيقولون ربنا # فيقول هل تعرفون ربكم فيقولون سبحانه إذا اعترف لنا عرفناه # وفي بعض الألفاظ إذا عرفنا بنفسه عرفنا # قال فعند ذلك يكشف عن ساق ولا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجدا # قيل أما رؤية الله تعالى فجائزة نظرا وواجبة للمؤمنين خبرا وقد تقدم بيان # PageV01P346 # ذلك # فأما قوله فيكشف عن ساق فلم يضف ذلك إلى أحد ومعناه عن شده لأن ثمل هذا ~~الكلام مستعمل في اللغة على معنى شدة الأمر كما قال الشاعر # (وقامت الحرب بنا على ساق ... ) # قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل {يوم يكشف عن ساق} أي شدة ~~الأمر # وقال الحسن في قوله {والتفت الساق بالساق} أي التفت ساق الدنيا بساق ~~الآخرة # وقال الضحاك معناه أمر الدنيا من الآخرة # وقال عمر رضي الله عنه معناه أعمال الدنيا بمحاسبة الآخرة وذلك أمر عظيم # PageV01P347 ### | ### | ذكر خبر آخر وتأويله # # فإن قيل فما تقولون فيما روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال # رأيت ربي جعدا قططا # قيل هذا حديث ضعيف عند أهل ms122 النقل وإن صح معناه يرجع إلى الرائي ويكون ذلك ~~رؤيا نوم والرائي قد يرى نفسه في النوم على خلاف ما هو به لأن هذه الصفات ~~لا تليق بالله سبحانه ولم يرد به كتاب ولا سنة متواترة ولا أجمعت الأمة ~~عليه فيكون ذلك من طريق الإسم لا من طريق المعنى لأن معناه مستحيل في وصفه ~~لإستحالة كونه جسما محدودا متجزئا وقد مضى بيان تأويل ذلك في أول كتابنا # PageV01P349 ### | ### | ذكر خبر آخر وتأويله # # فإن قيل فما تقولون فيما روى حماد عن أبي المهزم عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه # إن الله عز وجل خلق نفسه من عرق الخيل # قيل هذا حديث منكر عند أهل النقل وأبو المهزم مجهول وقال في حماد عبد ~~الرحمن بن مهدي إنه لم يكن يعرف هذه الأحاديث حتى خرج خرجه إلى عبادان فلا ~~أحسب إلا شيطانا دسه في كتبه وكان حماد ذا غفلة وكان لا يحفظ وابن أبي ~~العوجاء ربيبه وكان زنديقا وكان يتهم بأنه درس في كتبه # وقيل إن بعض الزنادقة أخذ في زمان المأمون فقيل له تب فقال كيف أتوب وقد ~~وضعت كذا وكذا في كتاب حماد حديثا وسمعت الناس يتحدثون بها ولقد جهدنا أن ~~نزيد في كتاب الله حرفا فلم نقدر عليه على أنه لو كان صحيحا كان يمكن أن ~~يتأول على أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا # مم ربنا الذي كنا نعبده في الجاهلية من دون الله يريدون من الشياطين ~~الذين دعتهم إلى معصية الله # وأعلم أن هذا الحديث ونحوه من الأخبار المتناقضة التي لا يجوز الإشتغال ~~بها وبتأويلها لظهور فسادها ووضوح الخلل في أمرها وإجماع أهل النقل في أنها ~~موضوعة لا أصل لها # PageV01P350 ### | ذكر خبر آخر و ### | تأويله # # فإن قيل فما تقولون فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # إن بني إسرائيل سألوا موسى بما شبهت كلام الله تعالى # فقال بأشد ما يكون من الصواعق وليس بذلك # وكما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms123 قال # إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفوان ~~فيقولون ماذا قال ربنا فيقال الحق الحق فيقول الملائكة الحق الحق ثم قرأ ~~قوله {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي ~~الكبير} # تأويله # أعلم أن كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت عندنا وإنما العبارات عنه تارة ~~تكون بالصوت والعبارات هي الدالة عليه وأمارات له تظهر للخلق # PageV01P351 # ويسمعون عنها كلام الله فيفهمون المراد فيكون ما سمع موسى عليه السلام من ~~الأصوات مما سمع يسمى كلام الله عز وجل ويكون ذلك في نفسه غير الكلام # ويحتمل أن يكون معناه أن يسمى العبارة كلام الله كما يسمى الدلالة على ~~الشيء بإسمه وكما يسمى الواقع عن القدرة قدرة والكائن عن الرحمة رحمة فيكون ~~معنى قوله بما شبهت كلام الله # أي بما شبهت العبارة عنه والدلالة عليه مما سمعت عندها وسماعها كلام الله ~~عز وجل لإستحالة أن يكون لكلام الله عز وجل شبيه # ويحتمل قوله بأشد من الصواعق أن يكون أراد به ما وجد عند سماعه من ~~التعظيم والإجلال والهيبة كما يستعظم الصواعق والكائن عنها وإذا أقامت ~~الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون كلام الله عز وجل مخلوقا ولا أن يكون ~~أصواتا تتجدد شيئا فشيئا وجب أن يحمل التأويل فيه على ما قلنا # ولسنا ننكر أن يكون كلام الله تعالى عبارات هي أصوات منها أصوات مختلفة ~~ومنها ما يكون علامات له عندها العلم والسمع لكلامه وقد تكون الدلالة في ~~كتاب الله أيضا بالكتاب ويكون الكتابة غير المكتوب كما تكون العبارة غير ~~المعبر فعلى ذلك حمل تأويل الخبر وما ضاهاه # PageV01P352 ### | ### | ذكر خبر آخر وتأويله # # فإن قيل فما تقولون فيم روي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال # إذا سجد أحدكم فإنما يسجد على قدم الرحمن # قيل قد بينا فيما قبل معنى القدم المروي في غير هذا الخبر مما أضيف إلى ~~الله عز وجل والعجب للفرقة المشبهة ربها بالخلق ms124 في إحتجاجها بذلك إذ من ~~قولها # إن الله تعالى على صورة آدم وأن له حدا وغاية وأنه في السماء وعلى العرش ~~مستو إستواء إستقرار # ثم تحتج بأن ابن آدم يسجد على قدم الرحمن وقد حكمت على زعمها بكفر من ~~يقول إن الله تعالى في الأرض وهذه مقالة تنقض بعضها بعضها # PageV01P353 # ومعنى الخبر إن صح أن العبد يتوضأ للصلاة فيكتب بذلك الأجر ويحط الله عنه ~~الوزر ثم يدخل العبد في الصلاة بالتكبير وبما سنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مما يقوله المصلي بعد تكبيرة الإفتتاح للصلاة ثم يقرأ ويركع ويرفع ~~رأسه فإذا سجد كان سجوده آخر كل ركعة على قدمه للرحمن فكان قوله صلى الله ~~عليه وسلم يسجد ابن آدم على قدم الرحمن يعني على ما قدم الرحمن له ألم تسمع ~~قوله عز وجل {أن لهم قدم صدق عند ربهم} # فهذه القدم الصدق هي ما قدمه العباد من خير مهدوا به لأنفسهم # ويحتمل أن يكون معناه أن المصلي يسجد على قدم الرحمن أي يطيع ربه على ما ~~قدم الله جل ذكره له من الحكم بأنه يصلي ومما سبق له من الوعد بالجميل عليه ~~كما قال الله عز وجل {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} # وإذا احتمل الكلام ما ذكرنا وإستحال وصف الله تعالى بالجوارح وجب أن يحمل ~~على ما قلنا دون ما توهمه المشبهة لإستحالته # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # إن أقرب أهل الجنة منزلة من الله عز وجل من ينظر في وجه الله تعالى كل ~~يوم مرتين # PageV01P354 # وروي أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم // أخرجه البيهي // # PageV01P355 ### | ذكر خبر آخر وتأويله # أعلم أن إطلاق وصف الله عز وجل بأن له وجها قد ورد به نص الكتاب والسنة ~~وذلك من الصفات التي لا سبيل إلى إثباتها إلا من جهة النقل ولو لم يرد بذلك ~~خبر لم يجز إطلاقه إذ لا دلالة من جهة العقول تقتضي ذلك ms125 فتوجبه # وذهبت المعتزلة في تأويل ذلك إلى أن معناه أنه هو وأن وجه الشيء قد يكون ~~نفسه وتأولوا قوله سبحانه {فأينما تولوا فثم وجه الله} # أي فثم الله وأن وجه الله هو الله وشبهوا ذلك بقولهم وجه الحائط ووجه ~~الثوب ووجه الأمر وهذا عندنا خطأ لأن القول به يؤدي إلى جواز القول بأن ~~الله عز وجل وجه وأن يجوز بأن يدعى به فيقال يا وجه اغفر لنا وقد أجمعت ~~الأمة على المنع من ذلك # وذهب أصحابنا إلى أن الله عز وجل ذو وجه وأن الوجه صفة من صفاته القائمة ~~بذاته # وذهبت المشبهة إلى وجه الجارحة والآلة وقد بينا في أول هذا الكتاب أنه لا ~~يصح وصف الله تعالى بالجوارح والآلات وإن ذلك يؤدي إلى نقص توحيده وإلى ~~القول بأنه أجزاء مبعضة وأجسام مركبة وذلك محال في وصفه # فأما الذي يجب أن يكشف عنه من تأويل هذا الخبر على أصلنا إذا وجه السؤال ~~إليه فقيل كيف خص النظر إلى وجهه وعلق بذكر الوجه # PageV01P356 # وكيف قال لذة النظر إلى وجهه # وهل الوجه الذي هو صفة مرئي وإذا كان مرئيا ولم يكن هو الذات فما الفائدة ~~بتخصيص النظر إليه ### | والجواب # عن ذلك أنه قد يذكر صفة الشيء والمراد به الموصوف توسعا كما يقول القائل # رأيت علم فلان اليوم ونظرت إلى علمه وإنما يريد بذلك رأيت العالم به ~~ونظرت إلى العالم # كذلك إذا ذكر الوجه ها هنا فالمراد به من له الوجه وعلى هذا يتأول قوله ~~تعالى {إنما نطعمكم لوجه الله} # إن المراد به الله الذي له الوجه وكذلك قوله {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} # فإن المراد به ابتغاء ربه الأعلى الذي له الوجه # فأما ما ذهب إليه المعتزلة من تشبيه ذلك بوجه الثوب ووجه الحائط فغلط من ~~التمثيل من قبل أن وجه الثوب والحائط ليس هو نفس الثوب والحائط بل هو ما ~~واجه به وأقبل به وكذلك وجه الأمر ما ظهر منه فيه الرأي الصحيح دون ما # PageV01P357 # لم يظهر وإذا لم يجز في ms126 اللغة إستعمال معنى الوجه على معنى الذات على ~~الحقيقة في موضع وقد ورد إطلاق الكتاب والسنة بذلك لم يكن لما ذهبت إليه ~~المعتزلة وجه ووجب أن يحمل الأمر فيه على ما قلنا أنه وجه صفته ولا يقال هو ~~الذات ولا غيرها ### | سؤال # فإن قال قائل فإنه لا يعقل وجه الجارحة أو بعض أو نفس الشيء قيل في هذا ~~جوابان # أحدهما أنه إثبات وجه بخلاف معقول الشاهد كما أن إثبات من أضيف إليه ~~الوجه إثبات موجود بخلاف معقول الشاهد # والثاني أن الوجه على الحقيقة لا يكون نفس الشيء لما بينا أن ذلك لا يوجد ~~في اللغة حقيقة أيضا وأما إطلاق البعض على الوجه الذي هو جارحة فتوسع عندنا ~~وإن كان حقيقة أيضا فلم يكن وجها لأنه بعض فيجب أن لا يكون وجه إلا بعض ~~وإذا لم يكن الوجه وجها لأنه بعض ولا لأنه جارحة ولم ينكر إثبات وجه خلافا ~~من الموضعين # وأعلم أن أحد أصولنا في هذا الباب أن كلما أطلق على الله عز وجل من هذه ~~الأوصاف والأسماء التي قد تجري على الجوارح فينا فإنما يجري ذلك في وصفه ~~على طريق الصفة إذا لم يكن وجه آخر يحمل عليه مما يسوغ فيه التأويل وذلك ~~لصحة قيام الصفة بذاته فإن قيامها مما لا يقتضي إنتقاض توحيده وخروجه عما ~~يستحقه من القدم وإلالاهية # PageV01P358 # فأما وصفه بذلك على الحد الذي يتوهمه المشبهة الممثلة لربها بالخلق في ~~إثبات الجوارح والآلات فخلاف الدين والتوحيد وحملها على ما ذهبت إليه ~~المعتزلة فيه إبطال فائدتها وإخراجها عن كونها معقولة مفيدة على وجه الحق ~~والحق بين هذين المذهبين من التعطيل أو التشبيه وأن يمسك بحكم الكتاب ~~والسنة ويتبع ما ورد النص فيها لا على التعطيل كما ذهبت إليه المعتزلة ولا ~~على التمثيل كما ذهبت إليه المشبهة # وأعلم أن هذا الباب يفتح لك طريق الكلام في هذه الأوصاف والإطلاقات ~~ويوقفك على صحة الحق وهو مذهب أصحاب الحديث فيه ويعرفك كيفية سلوكنا بها ~~وإنا لا نسلك في ذلك مسلك من ms127 يروم نفي الصفات من الملحدة والمعتزلة ولا ~~مسلك من أثبتها في حكم التمثيل من المشبهة # وهكذا طريقنا في إثبات اليدين لله عز وجل وكذلك القول في العين فأفهم بما ~~عرفتك الطريقة في هذا الباب وأحمل عليه جميع ما يجري مجراه ### | سؤال آخر # فإن قيل فلم لا تقولون على هذا الوصف قدم صفة وصورة صفة لأن الإضافة قد ~~حصلت في الخبر إليه على هذا الوجه فقيل على صورته وقيل قدمه # قيل إنما لم يحمل ذلك على الصفة لإمتناع المعنى فيه وأن الصفة ليست مما ~~يوصف بالوضع في الأماكن وقد وجدنا لذلك تأويلا صحيحا قريبا يمنع هذه # PageV01P359 # الشبهة وهو ما ذكرنا قبل أنه قدم المتجبر على الله عز وجل يضعها على ~~النار على معني استحقاق العقوبة على عتوه على الله وبينا أن لفظ الجبار ~~مشترك وليس هو مما بوصف به إلا الله عز وجل بل روي في بعض الأخبار أن جلد ~~الكافر يبلغ في النار أربعين ذراعا بذراع الجبار ولأن المراد به ها هنا هذا ~~الرجل الطويل ومن السائغ في اللغة هذه نخلة جبارة إذا كانت طويلة # فأما الصورة فقد بينا أيضا أنه لا يصح أن تكون صفة لما أخبر أنه خلق آدم ~~عليها ولا تكون الصفة مثالا لآدم فيخلق عليها فلا يصح أن يحمل على صورة ~~بمعنى الصفة وإنما حملنا ما أطلق من ذكر الوجه واليدين والعين على الصفة من ~~حيث لم يوجد في واحد منها ما يستحيل ويمتنع وليس كما أضيف إليه فهو عن طريق ~~الصفة بل ذلك ينقسم على أقسام # منها بمعنى الملك ومنها بمعنى الفعل ومنها بمعنى الصفة وإنما يكشف الدليل ~~ويميز القرائن مواقعها على حسب ما بينا ورتبنا فاعلمه إن شاء الله # PageV01P360 ### | ذكر خبر آخر وتأويله # فإن قال قائل فما تقولون فيما روى عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال # رأيت ربي في صورة شاب أمرد عليه حلة حمراء # وفي بعض الأخبار أن عبد الله بن عمر أرسل إلى ابن عباس يسأله ms128 هل كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه # فأرسل إليه عبد الله بن عباس فقال نعم قد رآه في صورته على كرسي من ذهب ~~محتجب بفراش من ذهب في صورة شاب رجل # وفي خبر آخر عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى # PageV01P362 # {ولقد رآه نزلة أخرى} # فقال رأى محمد ربه بعينيه حتى تبين له التاج المخوص باللؤلؤ # وعن الحكم بن أبان قال سمعت عكرمة يقول سمعت ابن عباس رضي الله عنهما ~~وسئل هل رأى محمد ربه قال نعم قلت لإبن عباس أليس الله يقول {لا تدركه ~~الأبصار} # قال لا أم لك ذاك نوره إذا تجلى بنوره لم يدركه شيء // اخرجه البيهقي // # وعن عمارة بن عامر عن أم الطفيل أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يذكر أنه رأى ربه في صورة شاب موفر رجلاه تصير على نعلين من ذهب على وجهه ~~فراش من ذهب # وعن سالم بن أبي زياد قال خرجت من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ورأيت عكرمة مولى ابن عباس فقال لا تبرح حتى أشهد على هذا الرجل فإذا الرجل ~~معاذ بن عفراء قال # أخبرني ما أخبرك أبوك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # قال حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه أنه رأى رب العالمين ~~في حصويين # PageV01P363 # الفردوس إلى نصف ساقيه في صورة شاب يلتمع البصر ### | ذكر تأويل ذلك # والكلام عن تخريجه على الوجه الذي يليق بصفة الله تعالى عز وجل مما لا ~~ينقض التوحيد ولا يؤدي إلى تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم # فأول ما في ذلك أن إحدى عمد التوحيد وأركانه توحيد ذات الله تعالى على ~~المعنيين اللذين تقدم ذكرهما في أول الكتاب من نفي الإنقسام وإستحالة ~~التبعيض عليه # PageV01P364 # والثاني إفراده بالتدبير في إنشاء المخترعات وذلك من الأصل الواجب في ~~تصحيح عقد التوحيد وهو مما لا يسوغ أن يرد السمع إلا بتحقيقه وتثبيته ولا ~~يحوز أن يرد بنقضه وإبطاله خبر صادق على وجه من الوجوه ms129 إلا أن يكون المراد ~~به ما لا يرجع إلى وصف الله عز وجل بذلك ويكون له طريق في التأويل مما لا ~~يأباه عقل ولا ينكره سمع على النحو الذي نبينه ونرتبه بعد ثم بعد ذلك فإن ~~حمل هذه الأحاديث التي ذكر فيها هذه الأوصاف التي ذكرنا في هذا الفصل مما ~~يدور على رواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد ضعف أهل العلم بالجرح ~~والتعديل عكرمة في روايته عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال لنافع لا تكذب ~~علي كما كذب عكرمة على ابن عباس # وإذا كان مداره في الآحاد عليه وهو عند أهل العلم بالنقل ضعيف كان ذلك ~~أحد ما يوهنه ومع ذلك فإن قبله قابل وحكم بصحته حاكم وطلب لذلك وجها من ~~التأويل يطلب به التخلص من التشبيه ليجمع بين قبول هذا الخبر وبين ما يعتقد ~~في التوحيد كان طريق ذلك ممكنا من وجوه # أحدهما أن يكون معنى ذلك أنه يحتمل أن يكون أراد صلى الله عليه وسلم به ~~أنه ممن لا يشغله الذين في حسن الصورة والتركيب على الوجه الذي دبره الله ~~عز وجل وركبه عن الله وعن رؤيته وطاعته لكونه معصوما محروسا من آفات ~~الشهوات وعوارض الغفلات معرفا لنا بذلك فضل الله عز وجل عليه فيه وأنه ممن ~~لا يلهيه حسن المناظر وإنما يرى ربه فيها لا هي على الوجه الذي ذكرنا وتكون ~~فائدته # PageV01P365 # أنه لما أسرى به إلى السماء ودخل الجنة ورأى ما فيها ما يرى من الزين ~~والآلآت وحسن الصور على تلك المناظر التي وصف في الخبر وأن ذلك يرجع إلى ما ~~رأى في الجنة من هذا الخلق وما زينت بها وأنه إنما رأى من جميع ذلك ربه لم ~~يقطعه عن نظره إليها عنه # ويحتمل أيضا أن يقال هذه صفات ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن قول ~~القائل رأيت زيدا راكبا يحتمل وجهين # أحدهما أن يكون الركوب صفة للرائي والثاني أن يكون الركوب صفة للمرئي # وإذا احتمل الوجهان وكان ما ms130 ذكرنا من هذه الصفات مما لا يصح أن يرجع إلى ~~الله تعالى وجب أن يحمل على الوجه الآخر وهو أن يكون الرجوع فيها إلى ~~الرائي وإلى ذكر معانيه وصفاته # وإذا قلنا ذلك أحتمل الكلام فيه بعد ذلك وجهين # أحدهما أن يكون ذلك رؤيا منام كما روي أيضا في حديث أم الطفيل عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال رأيت ربي في النوم وذكر الحديث # ويحتمل أيضا أن يقال إن ذلك وإن كانت رؤية عيان في حال اليقظة فإن ذلك ~~يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويكون المعنى # PageV01P366 # أنه كان في حال رؤيته لله عز وجل في باب الثبات والقوة والتمكين من حاله ~~من حيث لم تستفزه هذه الحال ولا أزعجته وأوهنته كما يكون المذكور في الخبر ~~على تلك الهيئة في أتم أحواله وأقواها وتكون الفائدة فيه ما خصه الله عز ~~وجل به من التمكين في تلك الحالة وإذا احتمل هذا الكلام هذه المعاني وكانت ~~مفيدة إذا حمل عليها المعنى الصحيح كان حمله عليها أولى من حمله على ما لا ~~يليق بالله عز وجل # فإن قال قائل فلم لاتجعلون هذه الأوصاف صفات لله عز وجل ثم تجرونها مجرى ~~الصفات التي ورد بها الكتاب كاليد والعين والوجه # قيل لا لأمور # أحدها أن هذه أخبار لم ترد المورد الذي يقطع العذر ومع ذلك ففيها ما عللت ~~طرقه من جهة الرواية في الآحاد أيضا وإنما يقبل خبر الواحد فيما طريقه طريق ~~العمل على الظاهر دون القطع على الباطن وما جرى هذا المجرى من الأحكام فإن ~~طريقها الإعتقاد والقطع ولا يمكن القطع بأمثال هذا الأخبار وتجويز هذه ~~الأوصاف من صفات الله عز وجل من هذه الطريقة لا يصح وإنما خرجناها على بعض ~~هذه الوجوه التي ذكرناها لئلا يخلو نقلها من فائدة وأن لا يكون ورودها بلا ~~ورود وأن لا تكون مساوية لمن أبطلها وعطلها وإذا أمكن ترتيبها وتخريجها على ~~ما بينا كان فيه إظهار فائدتها وإبانة معانيها على الوجوه التي تصح وتليق ~~به ms131 ولذلك حملناها على ما ذكرنا دون ما قالوه # PageV01P367 ### | فصل ### | فيما ذكره ابن خزيمة في كتاب التوحيد # ثم سألتم عند انتهائها إلى هذا الموضع من كتابنا إن نتأمل مصنف الشيخ أبي ~~بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة رضي الله عنه الذي سماه كتاب التوحيد وجمع فيه ~~نوع هذه الأخبار التي ذكرت فيها هذه الألفاظ المتشابهة وحمل ذلك على أنها ~~صفات الله عز وجل وأنه فيها لا يشبه سائر الموصوفين بها من الخلق فتأملنا ~~ذلك وبينا ما ذهب فيه عن الصواب في تأويله وأوهم خلاف الحق في تخريجه وجمعه ~~بين ما يجوز أن يجري مجرى الصفة وما لا يجوز ذلك فيه وذكرنا ألفاظا ذكرها ~~في كتابه الذي روى وجمعها فيه مما لم يدخل فيما أملينا قبل ورتبنا معانيها ~~وإن كنا قد أومينا إلى أصله وأشرنا إلى طريقته # PageV01P368 ### | ### | ذكر خبر آخر # من ذلك # روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # لما قضى الله الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي // أخرجه ~~البخاري // # وفي حديث آخر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # لما خلق الله الخلق كتب في كتابه هو يكتب على نفسه وهو وضع عنده على ~~العرش إن رحمتي تغلب غضبي // أخرجه البخاري // ### | تأويله # أعلم أن وصف الله تعالى بأن له نفسا وإطلاق القول في ذكره بالنفس مما لا ~~نأباه وقد بينا فيما قبل أن معنى هذا الإطلاق يرجع إلى أنه موجود لأن ذات ~~الشيء هي نفسه ووجوده وقد ورد بذلك نص الكتاب والسنة وعلى إطلاقه أجمعت ~~الأمة # وأما معنى قوله عليه الصلاة والسلام وهو وضع عنده وقد بينا أيضا فيما قبل ~~أن معنى عند مما يضاف إلى الله عز وجل يحتمل وجوها # PageV01P369 # أحدها أن يراد بها الكرامة # والثاني أن يراد به معنى العلم كما قال {فأولئك عند الله هم الكاذبون} أي ~~في علمه # وأما عند على معنى قرب المكان على معنى المسافة والمساحة فلا يليق به عز ~~وجل ms132 والذي يليق بهذا الموضع من معنى عند أن يكون على معنى أنه عالم به ~~ويكون معنى الخبر أن ما كتبه في كتابه معلوم له لا يخفى عليه منه شيء لم ~~يستعن بكتابته عليه لئلا يذهب علمه به # فأما معنى قوله لما قضى الله الخلق فيحتمل أن يكون معناه لما حكم # PageV01P370 # الله عز وجل بخلق ما خلق # ويحتمل أيضا أنه قضى بمعنى الإعلام كقوله تعالى {وقضينا إلى بني إسرائيل ~~في الكتاب} أي أعلمناهم فكأنه أراد لما سبق في علمه وحكمه أنه يخلق ما يخلق ~~خلق كتابا فكتب فيه بمعنى أنه خلق فيه كتابة دالة على ما أراده أن يكون في ~~المستقبل من الأوقات من الحوادث التي يحدث فيها وهذا كما روي في الخبر ~~الآخر # إن أول شيء خلق الله القلم ثم خلق اللوح فقال له أجر بما هو كائن إلى يوم ~~القيامة // أخرجه الأمام أحمد // # وأما معنى قوله إن رحمتي تغلب غضبي فقد بينا معنى الرحمة والغضب في صفات ~~الله عز وجل وأن ذلك يرجع إلى صفة واحدة هي رحمة ويوصف بأنها إرادة لتنعيم ~~من علم أنه ينعمه بكراماته في الجنة وكذلك يقال لهذه الصفة غضب إذا كانت ~~إرادة لتعذيب من علم أنه يعذبه بعقوبته في النار من الكافرين # ثم يقال للصادر عن رحمته رحمة كما يقال للكائن عن قدرته قدرة وللكائن عن ~~أمره أمر وكذلك يقول للكائن عن غضبه غضب على هذا الوجه أيضا # وإذا حملنا ذلك على هذا الوجه ليصح فيها التسابق والتزايد والنيل والغلبة ~~لأن ما هو صفة لله تعالى مما هي الرحمة والغضب على هذا المعنى كان تقدير ~~تخريجه إفادتنا به ما يظهر من رحمته لأهل الرحمة ومن غضبته لأهل الغضب وأن ~~من # PageV01P371 # رحمة الله فقد غلبت رحمته عليه على معنى وصول الصادر عنه إليه وظهر ذلك ~~عليه ظهور إبانة عما وصل إليه الكائن عن غضبه وقد ذكرنا غير ذلك من الوجوه ~~في تأويله فيما قبل مما يغني عن إعادته # فأما قوله كتب بيده على نفسه فقد ms133 أوضحنا أنا لا نأبى القول بإطلاق يد صفة ~~لا نعمة ولا قدرة وأعتمدنا في ذلك على الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ~~إطلاقها وإضافتها إلى الله عز وجل والقول في ذلك مقصور على ما ورد به الخبر ~~لأن الخبر إذا ورد مقيدا بذكر أشياء مخصوصة مضافة إلى الله تعالى فلا يجوز ~~أن يتعدى ما ورد به الخبر لأجل أن إطلاق هذه الإضافة والصفة الخبر ولا مجال ~~للعقل فيه فكذلك القول في تقييده في الموضع الذي قيد فيه لا طريق له غير ~~الخبر وقد روي أنه كتب التوراة بيد وغرس شجرة طوبى بيده // أخرجه الأمام ~~أحمد // # وأما خلق آدم بيده فهو نص الكتاب ومعنى قولنا كتب بيده أي خلق كتابه فيما ~~خلق فيه من اللوح أو غيره مضافة إليه بذكر اليد ووصفها # PageV01P372 # تخصيصا وتبيينا وتمييزا من جهة التفصيل وقد تكلمنا على المعتزلة قبل ذلك ~~في نفيهم لذلك وحملهم ما أطلق من ذكر اليد في الكتاب والسنة على معنى الذات ~~أو على معنى القدرة أو النعمة بما يغني عن ذكره ههنا # PageV01P373 ### | ذكر خبر آخر # مما ذكره صاحب التصنيف بزيادة لفظ لم يجر فيما تقدم ذكره مع تفسيرنا ~~لمعظم ما روى فيه وكشفنا عن أصله من ذكر إضافة الوجه إلى الله عز وجل # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان فأقرب ما تكون من وجه ربها ~~وهي قعر بيتها // أخرجه الطبراني // # وفي حديث آخر في هذا الباب أنه قال # ما التمست المرأة وجه الله بمثل أن تقر في بيتها وتعبد ربها // أخرجه ~~البزاز // # ومما ذكره أيضا روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الدعاء عند الخروج إلى الصلاة وأقبل الله علهي بوجهه # وذكر أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في صفة أهل الجنة # PageV01P374 # ما بين القوم وبين أن ينظروا إلى وجه ربهم في جنة عدن إلا رداء الكبرياء ~~على وجهه // أخرجه أبونعيم // # ثم ذكر هذا اللفظ القائل في ms134 ترجمة باب في هذا النوع زيادة لفظة توهمها ~~معنى الخبر وليس في ذلك نص وهو أن قال باب ذكر وجه ربنا وذكر فيه سبحات ~~الوجه متوهما أن ذلك يرجع إلى الضوء # PageV01P375 ### | - باب ذكر بيان ذلك # وما زيد فيه على ما ذكرنا وإبانة خطأ هذا المتوهم وأما قوله عليه الصلاة ~~والسلام # فأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها # فالمراد بذلك أحد وجهين # أحدهما أن يكون معناه أقرب ما تكون في طاعة ربها الذي الوجه صفة من صفاته # والثاني أن يكون المعنى فيه وأقرب ما تكون من وجه ربها أي من قصدها وجه ~~ربها وطلبها للإخلاص في طاعته ويكون الوجه بمعنى الإتجاه والتوجيه نحو ~~المشي والقصد له ومثله في الخبر الآخر # ما التمست المرأة وجه الله بمثل أن تقر في بيتها # والتأويل فيه على وجهين أيضا # وأما قوله عليه الصلاة والسلام في صفة أهل الجنة وما بين القوم وبين أن ~~ينظروا إلى وجه ربهم في جنة عدن إلا رداء الكبرياء على وجهه فمعناه النظر ~~إلى # PageV01P376 # الله عز وجل الذي له الوجه على ما قلنا في قوله تبتغي وجه الله # وقوله في جنة عدن فإن ذلك يرجع إلى الناظر لا إلى المنظور إليه لأن ~~الكائن في المكان هو الرائي والمرئي لا يصح أن يكون في مكان لما تقدم ذكره # فأما قوله إلا رداء الكبرياء على وجهه فيحتمل أن يكون المراد به إلا ماله ~~من صفة الكبرياء ونعت العظمة من حيث له أن يمنعهم المنظر ولا يتفضل عليهم ~~معرفا لهم بذلك أن النظر إلى الله تعالى إبتداء نعمة وفضل وله أن لا يتفضل ~~به لأنه المتصف بالكبرياء والمنعوت بالعظمة وله أن يتفضل وأن لا يتفضل وقد ~~تقدم تأويل قوله الكبرياء ردائي والعظمة إزاري والمراد به أن ذلك صفة من ~~صفاته ونعت من نعوته # وأما قول هذا المصنف في باب الترجمة ذكر ضوء وجه ربنا عز وجل فغلط منه ~~ونقض لأصله في أن هذا الباب لا يتعدى به المقول والمنقول وأنه لا ms135 يجوز أن ~~يزاد فيه ما لم يرد به نص خبر ولم يذكر في شيء من هذه الأخبار التي ذكر ~~فيها الوجه هذه اللفظة بل إنما توهم هذا القائل من طريق التأويل أن معنى ~~سبحات وجهه من طريق الضوء فرأى في وصفه ما لم يرد به نص ولا يجوز الزيادة ~~في وصف الله تعالى بما لم يرد به نص وقد ذكرنا تأويل السبحات وتأويل قوله ~~حجابه النور وحجابه النار على حسب ما روي ولا يجوز أن يقدر فيه ما يجوز فيه ~~وصفه بالضوء لا لفظا ولا معنى لما ذكرنا فيما قبل ولذلك تأولنا قوله تبارك ~~وتعالى {الله نور السماوات والأرض} على الوجه الذي يصح في وصفه # PageV01P377 # أنه نور لا على معنى إثباته نورا مضيئا ذا شعاع # PageV01P378 ### | ذكر زيادة لفظ آخر # ذكرها هذا القائل في باب إثبات اليد روي عن الشعبي قال سمعت المغيرة بن ~~شعبة على منبره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # إن موسى سأل ربه فقال يا رب أخبرني بأدنى أهل الجنة منزلة # قال هو عبد يأتي بعد ما يدخل أهل الجنة الجنة فقال له أدخل فيقول كيف ~~أدخل وقد سكن أهل الجنة الجنة وأخذوا منازلهم // أخرجه الطبراني // # فيقال له أفترضى أن يكون لك مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا ومثل ما كان ~~لملكيين # وقيل مثل ما كان لثلاثة ملوك من ملوك الدنيا # قال رب رضيت قال لك مثله ومثله ومثله عشرة أضعافه ولك فيها # PageV01P379 # ما اشتهت نفسك ولذت عينك # قال يا رب فأخبرني بأعلاهم منزلة # فقال سوف أخبرك غرست كرامتهم بيدي وختمت عليه فلم تره عين ولم تسمع به ~~أذن ولم يخطر ذلك على قلب بشر مصداق ذلك في كتاب الله {فلا تعلم نفس ما ~~أخفي لهم من قرة أعين} الآية ### | ذكر تأويله # أعلم أنا قد بينا أن إطلاق وصف الله عز وجل بأن له يدين صفتين لا جارحتين ~~ولا نعمتين مما ورد به نص الكتاب والسنة # وتحقيق معناه على الوجه الذي يكون فيه إتباع ms136 الكتاب والسنة من غير تعطيل ~~ولا تشبيه وأما قوله وختمت عليه فيحتمل أمرين # أحدهما أن يكون المراد بذلك أي حكمت لهم به حكم العطاء والهبة لهم ~~والتفضل عليهم بها وهذا مثل ما يجري في قول القائل ختمت عليك بفعل بمعنى أن ~~حكمت وأوجبت عليك وخصصتك به # والوجه الثاني أن يكون معناه وجعلت خاتمة أفضالي عليهم قدرا ومنزلة لا # PageV01P380 # غاية ولا نهاية إبانة لهم بهذا التفضل وإختصاصا لهم بهذا التشريف وقد ~~بينا فيما قبل أن مثل هذا كلام إنما يجري على معنى التفضيل في العبادة ~~وتخصيص المذكور بالزيادة رفعة وشرف فيه # وإذا احتمل ذلك كان الأولى أن يحمل عليه دون الحمل على ما لا يليق بالله ~~عز وجل من وصفه بالآلة والجارحة وإظهار الأفعال بالمباشرة والمعالجة ومن ~~أوهم ذلك في تأويل هذا فقد أخطأ ومن نفى الوصف باليد فقد عطل وعدل عن لفظ ~~الكتاب والسنة # وقد روي في خبر رواه أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ~~وليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها // أخرجه الأمام أحمد // # وأعلم أنه ليس ينكر إستعمال لفظ اليد على معنى النعمة وكذلك إستعماله على ~~معنى الملك والقدرة وقد جرى في كلام الناس بلا خلاف بينهم أن الأمور كلها ~~بيد الله عز وجل وأن أيادي الله على خلقه كثيرة كما يقولون إن أمور الخلق ~~تجري بقدرة الله وأن نعم الله على خلقه وافرة وليس إذا إستعملت لفظة اليد ~~في النعمة والملك والقدرة وجب أن يكون محمولا على ذلك في كل موضع أطلق فيه # PageV01P381 # وكذلك إذا قلنا إن معنى اليد في هذا الخبر معنى النعمة لم يمتنع ولم ~~يمتنع أن يكون ما ذكر في قوله لما خلقت بيدي لا يكون معنى النعمة والقدرة # وإذا كان كذلك فلو تأول متأول هذا ههنا على معنى النعمة لم ينكر ذلك عليه ~~على أن نص القرآن قد ورد ببسط اليد وهذا قوله تعالى {بل ms137 يداه مبسوطتان} # فأنكر الله عز وجل قول اليهود لما قالوا {يد الله مغلولة} فرد عليهم فقال ~~{غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} # ولم ينكر عليهم إطلاق اليد ولا رد عليهم إضافتهم إليه اليد بل أثبتها ~~لنفسه ووصفها بالبسط فدل على جواز إضافة ذلك إليه ووصفه بالبسط # PageV01P382 ### | ### | فصل آخر # # وذكر صاحب كتاب التوحيد في ترجمة كتابه باب توهم فيه الغلط وهو أن قال ~~باب ذكر إثبات الرجل لله عز وجل وأن رغمت أنوف المعطلة الجهمية الذين ~~يكفرون بصفات خالقنا ثم احتج لذلك أيضا بقوله تعالى {ألهم أرجل يمشون بها} # ويقول أمية بن أبي الصلت # (رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد) # وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقه فقال صدق أمية // أخرجه أبو يعلى ~~// # وأعلم أن موضع الغلط في ذلك مما توهم أن القول بإضافة الرجل إليه سبحانه ~~يجري مجرى القول بإضافة اليد إليه وقد بينا فميا قبل أن نصوص الكتاب والسنة ~~على الوجه الذي لا يحتمل التأويل فيه غير ما قلنا مع إطلاق الأمة بأسرها ~~عربيها وعجميها بالفارسية والعربية إضافة اليد إلى الله عز وجل وإجماعهم ~~على إستجازة ذلك وترك إنكاره مع إجماع الأكثرين على إنكار القول بإضافة ~~الرجل إلى الله تعالى وإنكار الجميع من أهل العلم والنظر من مثبتي صفات ~~الله ومنكريها أن يقال # الرجل صفة من صفات الله تعالى وإنما تأول من تأول منهم الخبر الذي أطلق ~~فيه لفظ الرجل على معنى إضافة الخلق والملك لا على معنى الصفة # PageV01P384 # وأما إحتجاجه بقوله {ألهم أرجل يمشون بها} فغير صحيح فيه هذا الموضع من ~~قبل أن الله عز ذكره إنما أراد به رد الكافرين عن عبادة الأصنام وعرفهم ~~أنهم يأنفون من عبادة من له رجل يمشي بها ويد يبطش بها وعين يبصر بها وأذن ~~يسمع بها فكيف يعبدون من ليس له شيء ذلك يقرعهم على عبادة الأصنام التي هي ~~جماد وموتى ليس لها فعل ولا قدرة ولا سمع ولا بصر # وإذا ms138 كان القصد بالآية ما ذكرنا لم يكن فيها ما يوجب إثبات وصف الله عز ~~وجل بالرجل كما ليس فيها ما يوجب إثبات وصف الله تعالى بالأذن ولا ما يوجب ~~وصفه بأن له أرجلا وايدي والمتمسك بظاهر الآية محتجا بها على ما ذكر يوجب ~~عليه أن يكون الأمر فيه على ما قلنا من إثبات ما أجمع المسلمون على إنكاره ~~من القول بالأيدي والأرجل والأذن والأعين # ثم ذكر صاحب هذا المصنف في الباب الذي ترجمه بذلك ما روى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال # يضع الجبار جل جلاله رجله في النار # وقد ذكرنا تأويل ذلك فيما قبل على وجوه تقدم ذكرها لا على معنى إثبات ~~القدم صفة لله عز وجل ولم يذكر رواة هذا الخبر لفظ الرجل إلا بعضهم قال في ~~خبره حتى يضع رجله أو قدمه # وأحتمل أن يكون لما التبس اللفظ وتوهم أن القدم لا يكون إلا رجلا ذكر # PageV01P385 # بدل القدم الرجل وأكثر ألفاظ هذا الخبر بذكر القدم وأنه يضع فيها قدمه ~~ولا يخلو الكلام فيه من ثلاثة أوجه # إما أن يكون على معنى إضافة الصفة إليه فهذا مما يمنع منه الخبر لأنه قال ~~فيه فيضع فيها قدمه وقدم الصفة لا يجوز وصفها بالوضع في المكان وأما قدم ~~الجارحة فمما لا يليق بالله سبحانه لإستحالة أن يكون أجزاء مبعضة وأجساما ~~متركبة وقد بينا فساد ذلك فيما قبل فلم يبق إلا أن معنى القدم الذي أضيف ~~إليه في هذا الخبر بمعنى الخلق والملك على أحد الوجهين اللذين ذكرنا ~~تأويلهما أو على معنى ما قاله النضر بن شميل أن ذلك على معنى ما تقدم في ~~علم الله ممن يكفر به من خلقه # وعليه يتأول قول من روى في هذا الخبر # حتى يدلي فيها رب العالمين قدمه فتنزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط # وذلك بإدلاء الخلق فيها وهم القدم على معنى أنهم هم الذين تقدم لهم العلم ~~من الله جل ذكره أنهم يدخلونها # ولم يذكر صاحب هذا التصنيف في الباب ms139 الذي ترجمه بالرجل ذكر القدم سوى ما ~~ذكر في بعض ألفاظ هذا الخبر من الراوي على طريق الشك حتى يضع قدمه فيها أو ~~رجله # فبان ذلك أنه عدل عن الصواب وأوهم الخطأ بترجمته الباب بما ليس فيه # PageV01P386 # وهذا النحو مما يضيق فيه الأمر حتى لا يمكن التوسع فيه بوجهه من جهة ~~الرأي والهوى لأنه موضع لا يعتمد فيه إلا على الخبر من الكتاب أو السنة ~~الصحيحة وما توهم أنه يرغم به أنوف الجهمية من ترجمة الباب بذكر الرجل مع ~~خلو الباب من ذكره على وجه الصحة فهو على العكس مما توهمه ثم ذكر صاحب ~~التصنيف ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في ~~قوله تعالى {وسع كرسيه السماوات والأرض} # إن الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره # وأعلم أنه قد روي عن ابن عباس في تأويل الكرسي شيئان # أحدهما أن معنى الكرسي العلم وأن معناه وسع علمه السموات # PageV01P387 # والأرض # وروي عنه أن الكرسي موضع القدمين ولم يقل هو موضع قدمي الله فيحتمل أن ~~يكون موضع قدمي بعض خلقه من الملائكة أو غيرهم إذا لم يقل هو موضع قدمي ~~الله ولو قيل ذلك أيضا لكان متأولا على الوجه الذي يصح كما ذكرنا في قوله ~~{يضع الجبار قدمه في النار} # وقد بينا فيما قبل أن القدم هو الشيء المتقدم في اللغة وأن التقديم تارة ~~بالوجود وتارة بالصفة وتارة بين تقدم العلم به # فيحتمل أن يكون الكرسي موضعا لنوعين من خلقه مما تقدم خلقه لهما وإذا ~~احتمل لفظ القدم ما ذكرنا من المعاني ولم يكن يختص معناه بالجارحة فقط كان ~~الأولى أن يحمل على ما يصح من وصف الله منهما دون ما يستحيل # PageV01P388 ### | فصل آخر # ثم ذكر صاحب التصنيف بابا ترجمه بإستوائه على العرش وأوهم معنى التمكين ~~والإستقرار وذلك منه خطأ لأن إستواءه على العرش سبحانه ليس على معنى ~~التمكين والإستقرار بل هو على معنى العلو بالقهر والتدبير وإرتفاع الدرجة ~~بالصفة على الوجه الذي يقتضي مباينة ms140 الخلق ثم روي في هذا الباب حديثا ~~منقطعا عن عمر رضي الله عنه أن إمرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت # أدع الله أن يدخلني الجنة فعظم الله تعالى ثم قال إن كرسيه وسع سبع ~~السموات والأرض وأن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله // أخرجه ~~عبد بن حميد // # وقد بينا تأويل هذا الخبر فيما قبل وأوضحنا أن معنى الرحل الجديد وثقله ~~على كواهل الحملة ثقل التعظيم والإجلال لا ثقل الجنة # PageV01P389 ### | ذكر ### | فصل # آخر # ثم ذكر صاحب الكتاب الذي ذكرنا قبل في ترجمة باب البيان أن الله جل وعلا ~~في السماء # وأعلم أنه ليس ينكر قول من قال إن الله في السماء لأجل أن لفظ الكتاب قد ~~ورد به وهو قوله {أم أمنتم من في السماء} # ومعنى ذلك أنه فوق السماء لا على معنى فوقية المتمكن في المكان لأن ذلك ~~صفة الجسم المحدود المحدث ولكن بمعنى ما وصف به أنه فوق من طريق الرتبة ~~والمنزلة والعظمة والقدرة # ثم ذكر هذا القائل في ذلك قوله عز وجل {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه} # وقوله {بل رفعه الله إليه} # وهذا منه غلط من قبل صعود الكلم الطيب إليه ليس على معنى صعود من سفل إلى ~~علو بالسفل لإستحالة ذلك على الكلام لكونه عرضا لا يبقى وكذلك العلم الصالح ~~وإنما معنى صعود الكلام الطيب إليه قبوله ووقوعه عنه موقع الجزاء والثواب # PageV01P390 # وذكرنا قول القائل الحق ثقيل مر وليس ذلك على معنى الثقل بالوزن # وبينا أنه لا ينكر أن يخلق الله أطيطا في الكرسي يكون ذلك علامة للملائكة ~~فيما يريد أن ينزل من العقوبة ببعض خلقه فيثقل عليهم ثقل استثقال لما يكون ~~فيما يتجدد لهم من الهيبة والإجلال # ثم ذكر أيضا حديث أسماء بنت عميس أنها قالت # كنت مع جعفر بأرض الحبشة فرأيت إمرأة على رأسها مكتل من دقيق فمرت برجل ~~من الحبشة فطرحت على رأسها فسفت الريح الدقيق فقالت أدلك إلى الملك يوم ~~يقعد على الكرسي ويأخذ للمظلوم من ms141 الظالم // أخرجه ابن أبي عاصم // # وأعلم أنه كما لا يصح أن ينفى عن الله عز وجل ما أطلقه لنفسه من الصفة ~~برأي بعض أهل الأهواء الذين لا يوثق بهم فكذلك لا يصح أن يضاف إلى الله ~~سبحانه وصف من غير أن يكون مضبوطا عمن يوثق به وقول هذه المرأة فمما لم ~~يوثقه دليل ولا حجة فيه في إثبات صفات رب العالمين وكيف يستجيز ذلك وذكر ~~مثل هذا الخبر في إثبات صفات الله وليس ذلك مما أثبته نص كتاب ولا سنة # وأعلم أن وصف الله تعالى ذكره بالقعود مما لم يثبت به نص كتاب ولا سنة ~~ولوثبت لكان ذلك محمولا على ما تحمل عليه سائر أوصاف أفعاله كنحو ما ذكر ~~أنه ينزل إلى سماء الدنيا وما ذكر في قوله جل ذكره # PageV01P391 # {فأتى الله بنيانهم من القواعد} # والأصل في ذلك ثبوت اللفظة بنص في كتاب الله أو سنة من طريق موثوق بها ثم ~~يرتب عليها التأويل # فأما شيء لم يثبت من طريق صحيح لفظ القعود في سنة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلا وجه للتعليق به وقد ذكرنا عن مجاهد فيما قبل تأويله لقوله تعالى ~~{عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} # أنه يقعده على العرش معه ولم ينكر إقعاد النبي صلى الله عليه وسلم على ~~العرش تأويلنا لفظة معه على ما يليق به من معنى النصرة والمعونة لأنها لفظة ~~مشتركة مستعملة في معنى العلم كقوله {وهو معكم أين ما كنتم} بمعنى النصرة # وكقوله {إن الله مع الذين اتقوا} # وأما الذي يكون بمعنى المجاورة فلا يليق به جل ذكره # PageV01P392 # وقوله يرفعه لأعلى معنى رفع من مكان إلى مكان ولكن رفع له على معنى أنه ~~قد تقبل وأن الكلام إذا اقترن به العمل الصالح قبلا دون أن ينفرد الكلام من ~~العمل وأما قوله تعالى في قصة عيسى {بل رفعه الله إليه} # فمعناه رفعه إلى الموضع الذي لا يعبد فيه إلا الله ولا يذكر فيه غيره لا ~~على معنى أنه ارتفع إليه كما يترفع الجسم ms142 من سفل إلى جسم في علو بأن يقرب ~~منه بالمسافة والمساحة # ثم ذكر قوله تعالى {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} وتوهم أنه يحتج به على ~~الجسمية فقال أليس العلم محيطا يا ذوي الألباب إن الله عز وجل لو كان في كل ~~موضع ومع كل بشر وخلق كما زعمت المعطلة الجهمية لكان متجليا لكل شيء ويدك ~~جميع ما في الأرض كما دك الجبل وهذا منه وهم فاسد من قبل أن التجلي للرب ~~سبحانه تعالى للجبل على معنى أنه جعل الجبل حيا عالما رائيا حتى رأى الله ~~تعالى ثم دكه عند الرؤية علامة لموسى عليه السلام لأنه لا يراه أحد في ~~الدنيا إلا دكه إلا من خصه بالرؤية إنابة وتشريفا وهو نبينا عليه الصلاة ~~والسلام وليس معنى تجلي الله لخلقه بأن يكون معهم بالمساحة والصحبة ~~والمجاورة ولا أن ذلك مذاهب المخالفين أيضا حتى يتوهم عليهم أنه يجب عليهم ~~إذا قالوا إن الله في كل مكان وموضع قال # PageV01P393 # وإنما يلزم مخالفيه ما لا يلزمهم ويتوهم عليهم ما لا يقولونه وتوهم بذلك ~~الخطأ في التأويل والمذهب ليعلم أنه لم يكن يبني كلامه على أساس صحيح اختل ~~عليه واضطرب فلم يصح مذهبه ولا أفسد مذاهب مخالفيه # ثم ذكر في تأييد ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لفاطمة ~~رضي الله عنها وهي تسأله خادما # قولي اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء منزل ~~التوراة والإنجيل // أخرجه بن عبد البر // # وقال مرة والقرآن العظيم فالق الحب والنوى أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ ~~بناصيتها ومن شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت ~~الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ~~اقض عنا الدين وأعذنا من الفقر # وأعلم أن هذا الخبر يبين صحة ما قلنا في تأويل وصف الله عز وجل أنه فوق ~~كل شيء لا على معنى المسافة والمساحة وذلك أن كل ما ms143 كان فوق شيء على معنى ~~المساحة والتمكن فيه والعلو عليه على هذا الوجه كان دونه شيء وهو على ما ~~عليه من المكان فلما أبان صلى الله عليه وسلم أنه ليس دونه شيء علمنا أن ~~معنى أنه فوق كل شيء لا على معنى التمكين والمساحة والمسافة # وقد أوهم هذا القائل خلاف ذلك وهذا الذي روي من الخبر يدل على # PageV01P394 # فساد ما أوهمه # ثم ذكر في هذا الباب أيضا ما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # إن الملائكة تحضر الميت فإذا كان الرجل الصالح قيل أخرجي أيتها النفس ~~الطيبة وأبشري بروح وريحان ورب عليك غير غضبان # قال فتقول ذلك حين تخرج فإذا خرجت عرجت إلى السماء فيستفتح لها فيقال # من هذا # فيقال فلان فيقال مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسم الطيب ادخلي حميدة ~~وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان # فيقال لهذا كذلك حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الرب تبارك وتعالى // ~~أرجه الأمام احمد // # PageV01P395 # وكذلك ذكر ما روي عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن قريشا جاءت إلى ~~الحصين وكانت تعظمه فقالوا له # كلم لنا هذا الرجل فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم # فجاؤوا معه حتى جاؤوا قريبا من باب النبي عليه الصلاة والسلام دخل حصين ~~فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال # أوسعوا للشيخ فقال حصين # ما هذا الذي بلغنا عنك إنك تشتم آلهتنا وتذكرهم وقد كان آباؤك جفنة وخبزا # فقال يا حصين إن أبي وأباك في النار يا حصين كم من إله تعبد # قال سبعة في الأرض وإلها من السماء # قال فإذا أصابك الضر من تدعو # قال الذي في السماء # قال فإذا هلك المال من تدعو # قال الذي في السماء قال يستجيب لك وحده وتشكرهم معه الحديث # PageV01P396 # بطوله # أعلم أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم حتى تنتهي إلى السماء التي فيها ~~الرب يحتمل أوجها # أحدها أن يكون معناه إلى السماء التي فيها خزائن الأرواح وسائغ أن يقال ~~ذلك في اللغة كقوله تعالى {وأشربوا في ms144 قلوبهم العجل} والمعنى حب العجل # PageV01P397 # وقد ذكرنا فيما قبل أنا لا ننكر القول أن الله في السماء إتباعا للفظ ~~الكتاب ولكنا نأبى أن يكون معناه على معنى كون الجسم في الجسم بالتمكن عليه ~~ولأن ذلك يؤدي إلى القول بحدوثه ونفيه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا # وتأويلنا أيضا حديث الجارية لما قال لها أين الله فقالت في السماء فلم ~~ينكر عليها بل اعتقها فإنها مؤمنة ونابت إشارتها عن إقرارها ودلت على ما في ~~قلبها من الإخلاص والمعرفة بالله فكذلك شهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإيمانها # PageV01P398 ### | فصل # ثم ذكر صاحب الكتاب الذي أورد فصل إصلاح بعض ما غلط في إبهامه وأخطأ مذهب ~~الحق في إيراده حديث النزول وقد بينا تأويله فيما قبل غير أنه ذكر في بعضها ~~لفظا اقتصرنا تأويلها فذكرنا من ذلك ما روى فضالة عن عبيد عن أبي الدرداء ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # إن الله تعالى ذكره في ثلاث ساعات يبقين من الليل يفتح الذكر في الساعة ~~الأولى الذي لم يره أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء # ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن التي لم ترها عين ولم يخطر على ~~قلب بشر ولا يسكنها من بني آدم غير ثلاثة النبيين والصديقين والشهداء فيقول ~~طوبى لمن دخلك # ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا بروحه وملائكته فتنتفض ~~فيقول قومي بعزتي ثم يطلع على عباده فيقول # هل من مستغفر فأغفر له هل من داع فأجيبه حتى تكون صلاة الفجر وكذلك يقول ~~{وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} # PageV01P399 # يشهده الله تعالى وملائكته الليل والنهار # وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في خبر آخر # ثم ينظر في الساعة الثانية في جنة عدن وهي مسكنه لا يكون معه فيها إلا ~~النبيون والصديقون والشهداء وفيها ما لم تره عين ولم يخطر على قلب بشر ثم ~~يهبط في الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا فيقول {من يسألني فأعطيه} الخبر # أعلم أن الذي يحب أن نبين في تأويل ms145 هذه الزيادة بعد ما تقدم ذكر معنى ~~النزول وتأويل قوله ثم ينظر في جنة عدن وهي مسكنه ومعنى ذلك أنها كرامة ~~ومثوبة وهذا كقولنا للكعبة بيت الله وهي إضافة تشريف وتخصص لا على معنى أنه ~~يسكنها سكن مجاورة لكنها مسكن الساكنين من أنبيائه وأوليائه وهي له مسكن ~~على معنى أضافة التخصيص والتشريف # وقوله {لا يكون معه فيها إلا النبيون} فيها بالحلول والسكون والله معهم ~~بالنصرة والكرامة على ما تقدم ذكره في إبانة معنى مع # وأما قوله {ثم يهبط في الساعة الثالثة} فعلى نحو معنى قوله ينزل وذلك ~~إخبار عن فعل يفعله كما روينا عن الأوزاعي في تأويل قوله ينزل الله أنه قال ~~{ويفعل الله ما يشاء} # PageV01P400 # وأما قوله {يمحو الله ما يشاء ويثبت} فليس ذلك على معنى تغيير حكم قد ~~استقر بأمر يبدو له ولكنه على معنى ما له من تغيير الأحوال وتصريف الأسباب ~~على ما يشاء ويريد # وأما قوله {ثم ينظر في الساعة الثانية} فليس ذلك بمعنى نظر الرؤية ولكنه ~~بمعنى نظر التعطف والرحمة وهو يا يبديه من نعمة ويجدده من كراماته # وأما قوله عليه الصلاة والسلام ثم نزل في الساعة الثالثة إلى السماء ~~الدنيا بروحه وملائكته # فيحتمل أن يكون الروح جبريل إضافة إليه تشريفا وإبانة بالذكر تخصيصا وقد ~~ذكر في كتابه تعالى فقال {نزل به الروح الأمين على قلبك} يعني جبريل # وأعلم أن قوله {نزل بملائكته إلى السماء الدنيا} يؤيد ما نقول أنه إنزال ~~فعل وأنه نزول بمعنى ما يحدث عن أمره ويضاف إليه لأجل أنه عن أمره حدث كقول ~~القائل ضرب الأمير اللص إذا أمر به # PageV01P401 ### | ### | فصل آخر # # ثم ذكر صاحب الكتاب أبوابا في أن الله عز وجل كلم موسى موهما فيه خلافا ~~بين الناس ولم يختلفوا على تفاوت مذاهبهم في ان الله عز وجل كلم موسى وخصه ~~بالتكليم بما أبانه من غيره وتكلف ذكر آي وسنن في ذلك ولا معنى لتكلفيه ~~فيما أغنى عنه الإجماع وزال الخلاف فيه ما بين أهل الصلاة كلهم وإنما ~~اختلفوا ms146 في معنى ذلك ولم يعرض لهم ولا فصل فيه موضع الخلاف # ثم ذكر بعد ذلك ترجمة أفسد بها جميع ما تقدم ذكره وما تأخر مما ينتحله من ~~القول بأن القرآن غير مخلوق وأنه كلام الله لم يزل فقال # باب في صفة معنى تكلم الله بالوحي والبيان وأن كلام ربنا لا يشبه كلام ~~المخلوقين لأن كلام الله كلام متواصل لا سكت بينه ولا صمت لا ككلام ~~الآدميين الذين يكون بين كلامهم صمت وسكت لإنقطاع النفس أو التذكر والعي # وأعلم أنه قد نقض بهذه الترجمة ما هو أصل من أصول السنة في أن كلام الله ~~غير مخلوق ولا محدث وأنه لم يزل كلاما وذلك بما ذكره في قوله إنه كلام ~~متواصل لا سكت بينه من قبل أن ما كان كذلك فالثاني متجدد بعد الأول وكذلك ~~الثالث بعد الثاني وما كان كذلك كان محدثا مخلوقا ولم تزد # PageV01P402 # الجهمية القائلون بخلق القرآن على ذلك لما قالوا إنه كلام يحدثه حالا بعد ~~حال ويجدده مرة بعد أخرى فنقض ما أسس وهدم ما بنى وقد تقدم من شرط واضع هذا ~~الكتاب في باب صفات الله أنه لا يتكلم في كيفيتها فإنه لا يثبتها على هذا ~~الوجه بل يجريها مجرى التسليم دون البحث والتغير وهذا منه نقض لذلك الأصل # ثم توهم أن ما روى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم حجته ~~في ذلك وهو قوله # إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصة كجر السلسلة على الصفاء # قال فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبرئيل عليه السلام فإذا أتاهم ~~جبريل فزع عن قلوبهم فيقولون # يا جبريل ماذا قال ربك # قال فيقول الحق فينادون الحق الحق # وفي حديث عكرمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنها ~~سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو ~~العلي الكبير # وفي بعض الأخبار فيفزعون يرون ms147 أنه من أمر الساعة قال فيسمعها مسترقو # PageV01P403 # السمع وهم هكذا واحد فوق الآخر وأشار سفيان بأصبعيه وربما أدرك الشهاب ~~المستمع فيحرقه وربما لا يدركه حتى يرمي إليه به إلى الذي أسفل منه ويرميه ~~الآخر على من هو أسفل منه فيلقيه على فم الساحر أو الكاهن فيكذب معها مائة ~~كذبة فيقال أليس قد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا فوجدناه حقا فيصدق بالكلمة ~~التي سمعت من السماء # وأعلم أن هذا الخبر مما تقدم تأويله ومما بينا أنه إنما أثبت الصلصلة ~~للسماء وبين في خبر آخر أن صوت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنها سلسلة ~~على صفوان ولم يتضمن هذا الخبر شيئا مما ترجم به الباب من قوله إن كلام ~~الله متواصل لا سكت بينه ولا صمت وإنما ذلك توهم منه برأيه الفاسد ولو ~~استعمل ما قدم في أول كتابه من وعده أنه لا يتعدى لفظ الخبر وما نطق به ~~الكتاب ولا يزيد فيه من عند نفسه لإستراح من هذا الغلط وأراح مقلديه فيه # وقد بينا فيما قبل أن معنى ذلك راجع إلى العبارات والدلالات التي هي ~~الطريق إلى الكلام وبها يفهم مراده منه لا أنه تعالى قوله إذا تكلم الله ~~بالوحي أنه يتجدد له كلام ولكنه يتجدد إسماع وإفهام بخلق عبارات ونصب ~~دلالات بها يفهم الكلام ثم يقال على طريق السعة والمجاز لهذه العبارات كلام ~~من حيث أنها دلالات عليه وقد مضى شرح فيما قبل بما يغني عن رده ها هنا # وأعلم أنه لا يصح على أصلنا في قولنا أن كلام الله غير مخلوق ولا حادث ~~بوجه من الوجوه أن يقول # PageV01P404 # إن الله يتكلم كلاما بعد كلام لأن ذلك يوجب حدوث الكلام وإنما يتجدد ~~الإسماع والإفهام ونصب العبارات وإقامة الدلالات على الكلام الذي لم يزل ~~موجودا وحدوث الدلالة والعبارة لا يقتضي حدوث المدلول المعبر عنه كما أن ~~حدوث الذكر والدعاء لا يقتضي حدوث المذكور والمدعو ولسنا نقول أيضا أن الله ~~عز وجل إنما تكلم في الأزل ثم لم يتكلم بعد ذلك كما ms148 توهمه بعض من غلط على ~~أصولنا فظن أنا إذا قلنا إن لله كلاما واحدا لم يزل به متكلما ولا يزال به ~~متكلما فقد قلنا أنه تكلم به مرة ثم لم يتكلم به بعد ذلك حتى حمله إنكار ~~ذلك على القول بأن الله يتكلم كلاما بعد كلام لا سكت بينهما ولا صمت فنقض ~~بذلك أصله أن كلام الله غير حادث ولا متجدد وأبان عن خفاء ما ذهبنا عليه ~~وتوهمه بخلاف ما هو به وذلك أنا نقول # إن الله لم يزل متكلما ولا يزال متكلما وإنه قد أحاط كلامه بجميع معاني ~~الأمر والنهي والخبر والإستخبار وأن العبارات عنه والدلالات كثيرة تتجدد ~~وتتزايد ولا يزيد بتزايد العبارات كما أن الدلالات على الله عز ذكره تتجدد ~~وتتزايد ولا يقتضي تجدد المدلول وتزايده فإذا حصلت هذا الأصل علمت حقيقة ما ~~نقول وأن الغلط في ذلك إنما وقع لمن توهم أن تجديد العبارات تجديد الكلام ~~ولم يفرق على الحقيقة بين ما هو كلام لى الحقيقة وبين ما هو عبارة عنه ~~ودلالات عليه # PageV01P405 ### | ### | فصل # آخر # ثم ذكر صاحب كتاب التوحيد أبوابا وترجم في باب الرؤية وروى أخبارا أكثرها ~~مما ليس فيها ما يشكل معناه ومنها ما يشكل بعض ألفاظه فيقتضي بيانا وتفصيلا ~~غير أنه خلط به ما ليس منه وتأول فيه أخبارا لا تدل على ما قال ثم خلط به ~~قوله أن من الكفار من يرى الله عز وجل يوم القيامة وأنه يراه بعضهم رؤية ~~إمتحان وأن تلك الرؤية قبل أن يوضع الجسر بين ظهري جهنم وأن ذلك كما يكلم ~~الكفار بالطرد والإبعاد ويكلم المؤمنين بالرحمة والقبول وكذلك يراه بعض أهل ~~الكتاب ويراه المنافقون ولا يجدون في رؤيته لذة وسرورا وإنما توجد اللذة ~~والسرور في رؤية المؤمنين فقط # وأعلم أن هذه مقالة محدثة لأن الناس في رؤية الله على مقالتين # فمنهم من قال هي ممتنعة ولا يراه كافر ولا مؤمن وهو مذهب الجهمية ~~والمعتزلة # وقائلون قالوا وهم أهل الحق إن رؤية الله تعالى جائزة في الآخرة وإنما ms149 ~~يراه المؤمنون يوم القيامة دون الكفار لقوله تعالى # PageV01P406 # {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} # فأخبر أن الكافرين محجوبون عن رؤية الله تعالى وأخبر أن الوجوه الناظرة ~~وهي المشرقة وهي وجوه المؤمنين المخلصين هي الناظرة إلى ربها يومئذ فدل هذا ~~التقييد وهذا النص على أن الكافرين لا يرون الله تعالى وما كنت أظن أن أحدا ~~قال برؤية الكفار سوى ابن سلم البصري وكان مذهبه مزهودا فيه عند العلماء ~~مرغوبا عنه مبتدعا فيه عند علماء العراق والحجاز ويهجنونه بذلك وينسبونه ~~إلى البدعة لهذا القول حتى رأيته لهذا المصنف وقد خص بذلك أيضا بعض ~~الكافرين لأنه قال أن المنافقين وبعض أهل الكتاب يرون الله تعالى يوم ~~القيامة وكان ابن سلم يذهب إلى أن سائر الكافرين يرونه ثم وجدت هذا المصنف ~~تعلق في ذلك بخبر رواه أبو سعيد الخدري وقال # سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم ~~القيامة فقال # هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب # قال قلنا لا # قال فهل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب # قال قلنا لا # قال فإنكم ترون ربكم كذلك يوم القيامة # قال ويقال من كان يعبد شيئا فليتبعه # PageV01P407 # فيتبع الذين كانوا يعبدون الشمس الشمس فيتساقطون في النار # ويتبع الذين كانوا يعبدون القمر القمر فيتساقطون في النار # ويتبع الذين كانوا يعبدون الأصنام الأصنام والأوثان الأوثان وكل من كان ~~يعبد من دون الله شيئا فيتساقطون في النار # ويبقى المؤمنون ومنافقوهم بين أظهرهم وبقايا من أهل الكتاب # قال وقللهم بيده فيقال لهم ألا تتبعون ما كنتم تعبدون # فيقولون كنا نعبد الله ولم نر الله # قال فيكشف عن ساق فلا يبقى أحد كان يسجد لله إلا خر ساجدا ولا يبقى أحد ~~كان يسجد رياء وسمعة إلا وقع على قفاه # وفي بعض ألفاظ هذه الأخبار إلا على ظهره طبق كلما أراد أن يسجد خر على ~~قفاه ثم قال ترفع رؤسنا وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أول مرة ~~فنقول # نعم أنت ms150 ربنا ثلاث مرات ثم يضرب الجسر على جهنم قال رسول الله # فأكون أول من يجوز من الرسل بأمتي ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل # وفي بعض ألفاظ هذا الخبر # PageV01P408 # وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في غير صورته فيقول {أنا ~~ربكم} فيقولون نعوذ بالله هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفنا ~~فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقولون # أنت ربنا فيدعوهم ويضرب الصراط بين ظهري جهنم # وذكر في بعض ألفاظ هذا الخبر ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين ~~فيقول ألا تتبعون الناس # فيقولون نعوذ بالله منك الله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ~~ويثبتهم ثم يتوارى ثم يطلع فيقول ألا تتبعون الناس # فيقولون نعوذ بالله منك الله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ~~ويثبتهم قالوا هل نراه يا رسول الله # قال وهل تمارون في رؤية القمر ليلة البدر # قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم لا تمارون في رؤيته تلك الساعة ثم ~~يتوارى تلك الساعة ثم يطلع عليهم فيعرفهم بنفسه فيقول {أنا ربكم فاتبعوني} # فيقوم المسلمون ويوضع الصراط وهم يجوزون على مثل جياد الخيل والركاب ~~وقولهم عليه سلم سلم # PageV01P409 # وذكر في بعض ألفاظه أيضا قال ثم يتمثل الله للخلق فيلقي اليهود فيقول {من ~~تعبدون} إلى ان قال حتى يلقى المسلمين فيقول من تعبدون فيقولون نعبد الله ~~ولا نشرك به شيئا فيقول {هل تعرفون ربكم سبحانه} فيقولون إذا اعترف لنا ~~عرفناه فعند ذلك يكشف عن ساق ولا يبقى مؤمن ولا مؤمنة إلا خر ساجدا # واحتج أيضا بحديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال # فيلقى العبد فيقول ألم أكرمك ألم أسودك ألم أسخر لك الخيل والإبل ألم ~~أزوجك وأتركك ترأس وتربع قال بلى يا رب قال أفظننت أنك ملاقي قال لا يارب ~~قال فاليوم ننساك كما نسيتني # قال ثم يلقى الآخر فيقول ما أنت فيقول أنا عبدك آمنت بك ونبيك وكتابك ~~وصمت وصليت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقال له أفلا نبعث عليك شاهدا ms151 قال ~~فيكفر في نفسه من الذي يشهد عليه قال فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي ~~فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل فذلك المنافق وذلك # PageV01P410 # ليعذر من نفسه وذلك الذي يسخط الله عليه # قال ثم ينادي مناد ألا تتبع كل أمة ما كانت تعبد قال فيتبع الشياطين ~~والصليب أولياؤهم إلى جهنم وبقينا أيها المؤمنون فيأتينا ربنا فيقول على ما ~~هؤلاء # فيقولون نحن عباد الله المؤمنون آمنا بربنا ولم نشرك به شيئا وهو ربنا ~~وهو يأتينا وهو يثبتنا وهو أقامنا حتى يأتينا # فيقول أنا ربكم فانطلقوا فننطلق حتى نأتي الجسر وعليه كلاليب من نار يخطف ~~عند ذلك حلت الشفاعة # اللهم سلم اللهم سلم فإذا جاوزوا الجسر فكل من كان أنفق زوجين من المال ~~في سبيل الله مما يملكه فكل خزنة الجنة يقول يا عبد الله يا مسلم تعالى هذا ~~خير لك # قال أبو بكر يا رسول الله إن هذا عبدي لا توى عليه يدع بابا ويلج من آخر ~~فضرب كتفه وقال إني لا أرجو أن تكون منهم // أخرجه الأمام مسلم // # PageV01P411 ### | فصل ### | الجواب عن ذلك # أعلم إنما ذكرنا ألفاظ هذه الأخبار وانتقيناها من مجموع كلامه لنرى لا ~~حجة له فيه على ما قال ثم نبين بعد ذلك تأويل ما كان فيه مشكلا من اللفظ ~~وتظهر صحة معناه على الوجه الذي يليق بالله جل ذكره ولا يؤدي إلى تشبيه ~~بخلقه # وقد ذكرنا فيما قبل بعض هذه الألفاظ وبينا تأويله وطريق تخريجه وتفسيره ~~على الوجه الصحيح ولكنا نذكر الآن مالم يضمنه كلامنا قبل ليكون ما نذكر مع ~~ما سبق ذكره جامعا لما يهتدي به إلى تأويله على الوجه الصحيح # فأما ما ذكره هذا القائل من أن بعض أهل الكتاب والمنافقين يرون الله عز ~~وجل يوم القيامة رؤية إمتحان وإختبار لا رؤية فرح وإبتهاج إحتجاجا بهذا ~~الخبر فلا دليل فيه وذلك أن ألفاظ هذا الحديث تدور على ثلاثة أوجه # أحدها ما قيل فيه فكشف عن ساق ويخرون له سجدا وليس في ذلك ذكر اللقاء ولا ms152 ~~إثبات رؤية المنافقين وقد فسرنا معنى قوله {يكشف عن ساق} على ما روي عن ابن ~~عباس أنه قال # يكشف عن ساق عن شدة أو يكشف عن أمر عظيم يريد به هؤلاء من أهوال القيامة ~~ولم يذكر في هذا الخبر رؤية الكفار لله عز وجل # PageV01P412 # فأما الوجه الثاني فهو ما قيل فيه فيطلع الله عليهم فليس ذلك مما يختص ~~بمعنى الرؤية لأن الأطلاع عليهم قد يكون بغير أن يردوه بأن يظهر لهم فعلا ~~من أفعاله وعلما من أعلامه وآية من آياته # وأما قوله فيقولون ألا تتبعون الناس فيقولون نعوذ بالله منك # أي من هذا القول الذي تدعونا إليه فيه إلى إتباع الناس # وهذا يدل على أن ذلك لم يكن رؤية إذ لو كان ذلك رؤية عين لقالوا # نعوذ بك منك من هذا القول ولم يقولوا نعوذ بالله منك فدل على أن هذا ~~الإطلاع على الوجه الذي ذكرنا وليس هو مما يختص معنى الرؤية فلا دلالة فيه ~~على ان الكافرين يرون ربهم الله يوم القيامة وذلك معنى قوله بعد ذلك ثم ~~يتوارى ثم يطلع فيقول # ألا تتبعون الناس في أن ذلك يرجع إلى خلق من خلقه وملك من ملائكته ~~يناديهم بأمر الله عز وجل ويخاطبهم عن وحيه فيكون التواري والإطلاع راجعا ~~إليه دون أن يكون راجعا إلى الله عز وجل # فأما قوله ثم يقول انا ربكم فاتبعون فليس فيه أيضا ما يدل على رؤية ~~الكفار لله عز وجل لأن هذا خطاب وليس فيه معنى الرؤية ولا ذكر فيه أنهم ~~يرونه بل فيه أنه يخاطبهم بذلك وقد يجوز أن يخاطب الخلق من غير أن يروه # فأما ما قيل في الخبر الآخر ثم يتمثل الله للخلق فيلقى اليهود فيقول # PageV01P413 # من تعبدون # وأعلم أنه لا يجوز أن يكون لله تعالى مثال يتمثل به للخلق لإستحالة أن ~~يكون له شبه أو مثل بوجه من الوجوه وإذا لم يجز ذلك احتمل معنى هذا الكلمة ~~أن يقال فيه إنه أراد أن خلقا من خلقه يتصور لهم من الملائكة ms153 يخاطبهم بأمر ~~الله تعالى # ويقال على التوسع تمثل الله بخلقه والمراد به ملائكته ووليه كما أنهم ~~يقولون في اللغة ضرب الأمير اللص وإنما أمر به فنسب إليه الفعل إذا كان عن ~~أمره وإذا كان كذلك وأستحال أن يكون لله تعالى من خلقه مثال وجب أن يحمل ~~على ما قلنا وأن يكون التمثيل للخلق هو الذي يلقي اليهود ويخاطبهم عن الله ~~بقوله من تعبدون # فأما معنى قوله في الخبر الآخر # فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقولون # أنت ربنا فقد تقدم تأويل ذلك وبينا أنه نظير ما في الآية من قوله جل ذكره ~~{هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} # فروي عن ابن عباس في تأويله أن معناه بظلل من الغمام وأن في بمعنى # PageV01P414 # الباء وكذلك قوله فيأتيهم في غير صورته بمعنى بغير صورته وإضافة الصورة ~~إليه من طريق الملك # وقيل أيضا أن الآتي في غير صورته غير الله جل ذكره بدلالة قوله إنهم ~~يقولون نعوذ بالله منك ولو كان الآتي هو الله لكان قولهم نعوذ بك ولم ~~يقولون نعوذ بالله منك حتى يأتينا ربنا هذا مكاننا # وأما قوله ويقولون فإذا جاء ربنا عرفناه فتأويل مجيء الرب على ما تقدم ~~ذكره في تأويل الآية من قوله {وجاء ربك} وأن ذلك بظهور فعل لا بتحويل من ~~مكان إلى مكان # وأما قوله فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فمعناه يأتيهم بصورته التي ~~يعرفون فيقولون أنت ربنا ومعنى ذلك أن الإتيان فعل من أفعال الله عز وجل أو ~~فعل بعض ملائكته فيضاف إليه من طريق أنه يقع بأمره # فأما قولهم أنت ربنا فيحتمل وجهين # أحدهما أن يقال إن معناه أنت ربنا يخاطبنا صدقا فيتحققون نداءه وخطابه ~~أنه عن الله تعالى # ويحتمل أن يكون ذلك عن تجلي الله للمؤمنين من خلقه فيقولون عند رؤيتهم له ~~وظهور تلك الصورة التي يعرفون مما أضيف إلى الله تعالى ملكا وخلقا أنت ربنا ~~إعترافا بالربوبية وفصلا بين حالهم وأحوال الكفار الجاحدين فأما ما رتب ~~عليه هذا ms154 القائل هذا الخبر مع الآية في قوله # PageV01P415 # {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} # وأن ذلك يرجع إلى الكافر الجاحد وأن المنافق وإن كان بقلبه مكذبا فهو ~~بلسانه مقرا وأن الله تعالى ذكره يريهم نفسه رؤية إمتحان وإختبار ليكون ~~عجبه إياهم بعد ذلك رؤية حسرة عليهم وندامة فهذا مما لا حاجة إلى ترتيبه ~~على هذا الوجه من قبل أن ما ذكر من الأخبار ليس فيها ما يدل على إثبات رؤية ~~المنافقين والآي ناطقة بتخصيص النظر إلى الرب يوم القيامة للمؤمنين وبحجب ~~الكافرين وإذا كان كذلك وليس للناس في هذه المسألة إلا قولان على الوجه ~~الذي بينا بان لك أن هذه مقالة محدثة لم يسبق هذا القائل إليها حتى فصل بين ~~الكافرين من أهل الكتاب وغيرهم وبين المنافق والمقر وبين الجاحد # وإذا كان كذلك علمت أن ما ذكر من ألفاظ هذه الأخبار فمعناها محمولة على ~~ما ذكرنا على الوجه الذي لا يؤدي إلى تمثيل الله عز وجل بخلقه مع قبول ~~الخبر إفادة معناه وبان لك فساد ما اختار هذا القائل من إثبات رؤية الكافر ~~لله تعالى ذكره وأن لا تعلق فيما احتج به # PageV01P416 ### | ### | فصل آخر # # ثم ذكر صاحب هذا الكتاب الملقب بالتوحيد بابا في إثبات ضحك الرب تعالى ~~فقال # ضحك لا يشبه ضحك المخلوقين كما أن كلامه لا يشبه كلام المخلوق وقال # إنا نؤمن بأنه يضحك ربنا كما أعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم ونسكت عن ~~صفة ضحكه جل وعلا إذ الله استأثر بصفة ضحكه فلم يطلعنا على ذلك ثم ذكر حديث ~~حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال # إن آخر من يدخل الجنة رجل يمشي على الصراط فينكب مرة ويمشي مرة أخرى إلى ~~أن قال في آخر الخبر فيقول الله تبارك وتعالى ما يرضيك مني أي عبدي أيرضيك ~~أن أعطيك من الجنة مثل الدنيا ومثلها معها # قال فيقول أتهزأ بي يارب وأنت رب العزة # قال فضحك عبد الله حتى ms155 بدت نواجذه ثم قال # ألا تسألونني لم ضحكت # فقالوا لم ضحكت # قال لضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال قال لنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV01P417 # ألا تسألونني لم ضحكت # فقالوا لم ضحكت يا رسول الله قال لضحك الرب تبارك وتعالى حين قال # أتهزأ بي يا رب وأنت رب العزة // أخرجه مسلم # وذكر حديث أبي هريرة # إن الناس قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله هل نرى ربنا يوم ~~القيامة فذكر الحديث بطوله وقال # يبقى رجل بين الجنة والنار وهو آخر أهل الجنة دخولا مقبل بوجهه على النار ~~فيقول يا رب اصرف وجهي عن النار فقد أحرقني ذكاؤها وقشبني ريحها # فيقول الله عز وجل # هل عسيت أن فعل بك أن تسأل غير ذلك فيقول لا وعزتك فيعطي ربه ما شاء من ~~عهد وميثاق فيصرف وجهه عن النار فذكر الحديث # فيقول أولست قد أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسأل غير هذا الذي أعطيتك ~~فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فيضحك الله // اخرجه مسلم // منه ثم ذكر ~~باقي الحديث # PageV01P418 ### | ### | فصل آخر # ### | ذكر ما يجب أن نبين ما في الفصل من اللفظ # أعلم أن وصف الله عز وجل بالضحك على ما ورد به الخبر مطلق سائغ وأما على ~~توهم هذا القائل أنه ضحك صفة كالكلام فخطأ وقد بينا فيما قبل تأويل الأخبار ~~التي روي فيها الضحك وفسرناه وبيناه وبينا وجهه وأوضحنا أن أصل معنى الضحك ~~في اللغة هو الظهور والبروز والإيضاح على وجه مخصوص منه # قال ضحكت الأرض بالنبات إذا ظهر نباتها ومنه قول القائل # والأرض تضحك من بكاء السماء وسقيها # أي بظهور زهرتها ونورها من مطر السماء وسقيها وأن معنى وصف الله جل ذكره ~~به من الضحك فهو على معنى إظهار ألطافه وفوائده ومننه ونعمه # وكذلك معناه في هذا الخبر أن يظهر نعمه ومننه لهذا الداخل أخيرا الجنة ~~وليس ذلك ضحك كما توهم ولا الأمر فيه كما قدر أنه مما استأثر الله عز وجل ~~بعلمه ms156 فلم يطلع على ذلك خلقه وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خاطبنا بلغة ~~العرب وإذا وجدنا لكلامه وجها في اللغة صحيح المعنى مفيدا حملناه عليه ولم ~~ينكر أن يكون ذلك هو المراد # والعجب من هذا القائل تارة يروي الحديث ويتكلم في معناه وتارة يقول نسكت ~~لأن الله لم يطلعنا عليه والطريق فيهما واحد وكلما أمكن استدراك معناه من ~~جهة اللغة واستقامت الفائدة فيه لم ينكر أن يحمل الخبر عليه ولا معنى # PageV01P419 # لأن يقال إن ذلك مما لا يوقف على معناه وأن الله جل ذكره استأثر بعلمه ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم خاطبنا به ليفيدنا وخاطبنا بلغة معروفة ~~وطريقة معقولة ولم يعلمنا أن ذلك مما لا يعلم أو أن له معنى غير ما يمكن ~~التوصل إليه من طريق اللغة # فأما معنى قوله أتهزأ بي وأنت رب العزة توسع في الخطاب ومعناه أن مثله ~~إنما يقوله الهازئ لعبد رجائه مما أطمع فيه وإنما استخرج الله تعالى منه ~~ذلك على هذا الوجه من الخطاب ومعناه ليعلمنا أنه الذي لا ينقطع عنه رجاء ~~عبيده كيف تصرفت بهم الأحوال وأنهم أبعد ما كانوا من الرجاء من رحمته ~~بمقربة منها حتى يكونوا أقرب إليها في الحال التي كانوا عندهم أبعد منها ~~وهذه بشارة من الله جل ذكره للمؤمنين برحمته لئلا يياسوا منها # فإن قال قائل كيف قيل في الخبر لم ضحكت يا رسول الله # فقال ضحكت لضحك الرب # قيل إن ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم بتغير يحدث فيه يظهر عنده فرحة ~~وضحك الرب إظهار نعمه وفضله ورحمته ومعنى الخبر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أظهر فرحا وسرورا بما يظهر الله عز وجل من نعمه وفضله ورحمته على من ~~كان من أمته في أبعد حالة من رجاء ظهور مثلها فيه من النعم شكرا لله جل ~~إسمه على ما يخص به الأشقياء من أمته وإلا بعد من رحمته # ثم ذكر صاحب هذا الكتاب أبوابا من شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام ولم ~~يكن ms157 ذلك مما يقتضي ذكر الكلام في التوحيد ومع ذلك فلم يجيء فيه شيء مما يجب ~~أن يبين الخطأ فيه من طريق التوحيد فاعرضنا عنه # إنتهى ما أخذ على ابن خزيمة رحمه الله # PageV01P420 ### | فصل آخر # فيما ذكره الصبغي من كتاب الأسماء والصفات # ثم سألني بعد ذلك عند انتهائنا إلى هذا الموضع من كتابنا أن نتأمل ايضا ~~مجموع الشيخ أبي بكر محمد بن إسحاق صاحب ابن خزيمة وهو الكتاب الذي سماه ~~كتاب الأسماء والصفات فتأملنا ذلك فوجدناه قد رتب أبوابه على الأسماء ~~والصفات وابتدأ بذكر الأمر بالإيمان بالمتشابه وحكى عن بعض السلف أن ما ~~ذكره من المتشابه في الكتاب والسنة من باب الصفات وأسماء الرب تعالى وأنه ~~تمر كما جاءت بلا كيف # وذكر ابن عيينة أنه قال # كما وصف الله تعالى به نفسه فقراءته تفسير فليس لأحد أن يفسره إلا الله ~~عز وجل # PageV01P421 ### | فصل الجواب # أعلم أنا قد ذكرنا في مقدمة هذا الكتاب أن كل ما كان لنا طريق إلى معرفته ~~من طريق اللغة وأفاد معنى صحيحا إذا حمل عليه فإنه لا ينكر أن يقال إن ~~المراد به بذلك إذا كان موافقا بني عليه أصل التوحيد ولم يقتض وجها من وجوه ~~التمثيل لله عز وجل بخلقه وبينا أن ما قال بعض السلف من ذكر الكف محمول على ~~أحد وجهين # إما أن يكون أراد به أمر من ليس من أهله في استنباط تأويله والتطرق إلى ~~معرفة معناه # أو يكون ذلك عند تعذر الطريق إلى معناه فأبانوا أن ذلك ليس بفرض وأن من ~~كف عنه تسليما لأمر تعذر الطريق أن لا يعتقد فيه إعتقادا فاسدا يؤدي إلى ~~تشبيه الله عز وجل بخلقه لم يكن في حرج # وذكرنا أن سائر ما ذكر من هذا الباب مما جمعها الجامعون في تصانيفهم مما ~~يمكن تخريج معناه على الوجه الصحيح من غير تشبيه ولا تمثيل وأن لكل ذلك ~~طريقا في اللغة يشهد لصحته ويبين معناه فوجب أن يكون معنى قوله {وما يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم} ms158 على ما قلنا أن الراسخين في العلم ~~يعلمونه ومع ذلك يصدقون به ويعترفون بصحته وأن معنى ما روي عن النبي عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال # نزل القرآن على خمسة أوجه حلال وحرام ومحكم ومتشابه # PageV01P422 # وأمثال فأحلوا الحلال وحرموا الحرام وأعملوا بالمحكم وآمنوا بالمتشابه ~~واعتبروا بالأمثال // أخرجه ابن الغريس // # على ما قلنا أنه يعلم الراسخون في العلم مؤمنين به وكذلك معنى ما روي عن ~~ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # الأمر ثلاثة أمر مبين رشده فاتبعه وأمر مبين غيه فاجتنبه وأمر اختلف فيه ~~فكله إلى الله تعالى # وذكر الحديث ومعناه أن ما اختلف فيه موكول إلى الله تعالى اي هو مردود ~~إلى كتاب الله وإلى ما بينه وأحكمه وأوضح وجهه وهو معنى قوله عز ذكره # PageV01P423 # {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله} # معناه إلى كتاب الله لتبينوا الحق فيه به وقد أشبعنا هذا الكلام في أول ~~هذا الكتاب بما يغني عن رده وعرفناكم طريقتنا في متشابه القرآن والسنة وإنا ~~لا نقطع القول بأن فيه مالا يعلمه إلا الله عز وجل بل يجوز أن يكون لأهل ~~العلم طريق إلى معرفة ذلك يتوصلون إليها بالفكرة والإستنباط ثم تأملنا بعد ~~ذلك ما ذكر من الأخبار مما يدخل في النوع الذي وضعنا كتابنا لتأويله ~~وتخريجه ونبين معناه # فكل ما وجدنا فيه من زيادة لفظه لم يدخل فيما تقدم ذكره مما يقتضي تأويلا ~~أضفناه إلى ما تقدم وذكرناه وبينا وجهه فمن ذلك أنه ذلك في باب العين ~~الحديث الذي ذكر فيه الدجال من حديث شهر بن حوشب عن أسماء أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جلس مجلسا فحدثهم عن الأعور الدجال فقال اعلموا أن الله ~~صحيح ليس بأعور # وقد بينا ما فيه فيما قبل هذا الخبر وذكرنا أن ما قيل فيه # إن الدجال أعور وأن ربكم ليس بأعور أن المراد به نفي النقص عن الله عز ~~وجل لا إثبات الجارحة وأما هذه الزيادة التي ذكرها في هذا الخبر من قوله ~~اعلموا ms159 أن الله صحيح فمؤيدة لما تقدم ذكره أن المراد بنفي النقص لا إثبات ~~الجارحة ومعنى وصف الله جل ذكره بصحيح إثباته على غاية الكمال في صفات ~~المدح والتعظيم ومن كمال صفات المدح والتعظيم إثباته بصيرا وأن له بصرا هو # PageV01P424 # صفة له قائمة به لا قائمة بجارحة لإستحالة وصفه بالجوارح والآلات # ثم ذكر بعد ذلك أيضا زيادة لفظه في معنى الرؤية # عن عاصم بن لقيط بن عامر خرج وافدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم معه ~~صاحبه قال # فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من صلاة الصبح قال وذكر ~~الحديث وقال فيه # فتخرجون من مصارعكم تنظرون إليه وينظر إليكم # وقد بينا فيما قبل أن معنى ما يوصف الله عز وجل به من النظر إلى الشيء ~~فهو بمعنى نظر التعطف والرحمة وعليه يحمل قوله وينظر إليكم أي يرحمكم ~~ويتعطف عليكم في مصارعكم # ومثله في حديث محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # بينما أهل الجنة في نعيمهم إذا سطع لهم فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب عز وجل ~~قد أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك قول الله ~~تعالى {سلام قولا من رب رحيم} # فقال فينظر إليهم وينظرون فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا # PageV01P425 # ينظرون وذكر الحديث # وأعلم أن النظر أيضا لا يمنع أن يكون المراد التعطف والرحمة وأن الله عز ~~وجل يتعطف عليهم فيرديهم نفسه جل وتعالى # ومثله ما روي عن كعب أنه قال # مانظر الله إلى الجنة قط إلا قال طيبي لأهلك # وقال فازدادت طيبا إلى ما كان سبعين ضعفا # وهذا ايضا نظر تعطف ورحمة لأنه إظهار نعم الله وتجديد كراماته # ولسنا ننكر النظر بمعنى الرؤية إذا كان مقرونا بإلى وكان معه ذكر الوجه ~~مضافا إليه بإلى ولكن أكثر ما ذكر في هذه الأخبار من لفظ النظر فالمعنى فيه ~~نظر التعطف والرحمة # وأما معنى قوله {إذا سطع لهم نور} فيحتمل أن يكون أراد به ما يتجدد من ms160 ~~كرامات الله عز وجل وتأييدهم بألطافه وإسعادهم بما يزيدهم من معارفهم ~~وأنوارها فعند ذلك يرفعون له رؤوسهم على معنى ما يقال رفع فلان رأسه إذا ~~ارتفعت حاله عن إنخفاض أي بما يتجدد لهم في الكرامة يزدادون رفعة فعند ذلك ~~أشرف عليهم الرب من فوقهم ومعنى ذلك من فوق رجائهم لأنهم لم يطمعوا حينئذ ~~في رؤيته فيرون الله عز وجل ويتجدد لهم لذة الرؤية من غير استشراف وإنتظار # ويؤيد الخبر الآخر وهو ما قيل فيه # PageV01P426 # إن منادي الرب ينادي أهل الجنة أن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه ~~فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم ألم فيتجلى لهم الرب عز وجل عند ذلك # فأبان هذا الخبر أن رؤية الله جل ذكره تكون لهم مبادهة من غير إستشراف ~~ولا توقع وهكذا نعيم أهل الجنة ليس لأهلها في شيء منه إنتظار وأفضلها ~~وأتمها عندهم رؤيتهم لله جل وعز فعلى هذا يتأول الخبر لإستحالة المقابلة ~~على الله جل ذكره للأجسام والتحيز في الجهات # PageV01P427 ### | ### | فصل آخر # # ثم ذكر في ذلك أخبارا في ذكر ما أضيف إلى الله عز وجل من الوجه وقد مضى ~~تأويل ذلك على الوجه الصحيح من مذهبنا غير أنا نزيدك إيضاحا ها هنا ونقول # إن جميع ما ذكر في القرآن الكريم والسنة الشريفة من الوجه المضاف إلى ~~الله عز ذكره لا يخلو من معان # أحدها ما أراد به الإخلاص كقوله صلى الله عليه وسلم # يجاء يوم القيامة بصحف مختومة فتنصب بين يدي الله فيقول عز وجل للملائكة ~~ألقوا وأقبلوا قال فيقول الملائكة وعزتك ما رأينا إلا خيرا فيقول وهو أعلم # إن هذا كان لغير وجهي ولا أقبل اليوم من الأعمال إلا ما ابتغي به وجهي // ~~أخرجه الحافظ المنذري // # وكنحو ما روي عنه صلى الله عليه وسلم قال # من بنى مسجدا ابتغى به وجه الله بني له مثله في الجنة // أخرجه الأمام ~~أحمد # وكنحو قوله صلى الله عليه وسلم ثلاث والذي نفسي بيده إن كنت لحالفا عليهن ~~لا # PageV01P428 # ينقص مال من صدقة فصدقوا ms161 ولا يعفو رجل عن مظلمة يبتغي بها وجه الله إلا ~~رفعه الله بها يوم القيامة ولا يفتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح الله ~~عليه باب فقر # فهذا النحو من الأخبار بمعنى ذكر الوجه فيه الإخلاص لله بالطاعة # والوجه الثاني أن يراد بذكر الوجه المضاف إلى الله عز وجل صفته على حسب ~~ما يقول وذلك كقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} # وكقوله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل فقال يا محمد إن ربك سألني ما ~~جزاء من أذهبت كريمتيه في الدنيا فقلت لا علم لي إلا ما علمتني قال جزاؤه ~~الخلد في داري والنظر إلى وجهي # وكقوله وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على ~~وجهه # ومثله ما روي في تأويل قوله عز وجل {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} # عن أبي بكر أنه قال الزيادة النظر إلى وجه ربهم # PageV01P429 # وكذلك روي عن أبي موسى الأشعري وعن حذيفة رضي الله عنهما ومثله ما روي عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول في دبر كل صلاة # بسطت يدك فأعطيت ولك الحمد ربنا وجهك أكرم الوجوه # ومثله ما روي فيما تقدم ذكره من الخبر في قوله لو كشفها لأحرقت سبحات ~~وجهه كل شيء أدركه بصره فأما الوجوه بمعنى الذات فلا يوجد في اللغة أصلا # والوجه الثاني الذي بمعنى الجارحة فلا يليق بالله عز وجل وقد بينا تأويل ~~قوله {فأينما تولوا فثم وجه الله} وأنه بمعنى فثم أمر الله الذي له الوجه ~~فعلى ذلك فرتب كلما ورد عليك من الوجه في السنن والأخبار وآي الكتاب # PageV01P430 ### | ### | فصل # آخر # ثم ذكر بعد ذلك ما روي من الأخبار في ذكر العين وقد تقدم شرحه غير أنه ~~روي في خبر عن أبي بكر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ~~{إن الله كان سميعا بصيرا} فوضع أصبعه الدعاءة على عينه وإبهامه في أذنه ~~وقد بينا تأويل ذلك وأن الفائدة فيه إنكار قول من ذهب ms162 إليه من البدع إلى أن ~~معنى العين ما وصف به جل وعز أنه سميع بصير أنه عليم لا على إثبات سمع وبصر ~~على الحقيقة إلا بمعنى العلم ولم يرد صلى الله عليه وسلم إثبات جارحة ~~لإستحالة وصفه بالجوارح بل أراد تحقيق معنى السمع والبصر في وصفه على غير ~~معنى العلم وبذلك على ذلك أن الجارحة معراة عن السمع والبصر لا تمدح بكونها # ولما قصد النبي صلى الله عليه وسلم مدحة تعالى بذلك وجب أن يحمل عليه ~~وهذا كما أشار إلى القمر ليلة البدر عند تحقيق الرؤية ليعلمهم أنه مرئي ~~بالأبصار لا على معنى العلم كما أن الله تعالى مرئي بالبصر على معنى أنه ~~معلوم فقط ولم يرد تشبيها بالبدر وإنما أراد تحقيق الرؤية على الوجه الذي ~~يمنع تأويل العلم # ومثله ما روي في خبر آخر قال كان ملك في بني إسرائيل نذر أن يمشي على ثدي ~~النساء ففرشت له النساء فجعل يمشي على صدورهن فبينا هو يمشي على صدر إمرأة ~~منهن إذ رفعت رأسها إلى السماء فقالت # اللهم إن هذا بعينك فقال تعالى {على تمرد يا أرض خذيه} # قال فخسفت به الأرض والناس ينظرون # PageV01P431 # وهذا مما ذكر فيه العين مضافا إليه جل ذكره وقد بينا أن ذلك مما لا يمتنع ~~وليس المراد به عين جارحة ولكن المراد عين صفة كما قلنا في اليد والوجه أو ~~يكون المراد به البصر كما ذهب إليه بعض أصحابنا وقد روي في بعض الأخبار ما ~~يؤيده قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه # كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال # يا أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا بصيرا // ~~أخرجه الامام أحمد // # فنفى الصمم والنقص والعمى عنه وأثبت السمع والبصر فدل ذلك على تحقيق معنى ~~وصفه بالسمع والبصر قالت عائشة رضي الله عنها # تبارك الذي وسع سمعه كل شيء # وأثبت له سمعا ولم تثبت له أذنا فدلت على أن صفته التي يوصف بها مما ينفي ~~النقص من الصم عنه ms163 هو السمع لا الجارحة # PageV01P432 ### | فصل # ثم ذكر بعد ذلك السنن المأثورة في ذكر اليد المضافة إلى الله تعالى واتبع ~~هذا الباب بما روي فيه من ذكر الكف والقبضة واليمين وقد تقدم شرح أكثر هذه ~~الأخبار إلا إنا نذكر جملة تقف على تخريج جميعا # وأعلم أن اليد في اللغة تستعمل على معان # منها الجارحة والملك والنعمة وما أضيف إلى الله جل ذكره من ذلك مما هو ~~بمعنى الجارحة فيما بينا فهو بمعنى الصفة في وصفه لإستحالة وصفه بالجوارح ~~وصحة وصفه بالصفات وقد يضاف إليه اليد على معنى الملك والقوة والنعمة ~~والقدرة أيضا وإنما نميز بين معانيها بمواضعها المذكورة فيها قراءتها ~~المقترنة بها فأما معنى قوله جل وعز {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} # وقوله عليه الصلاة والسلام خلق الله آدم يوم الجمعة بيده # فهو بمعنى الصفة لا يليق به معنى النعمة والقوة والملك # وكذلك قوله كتب بيده على نفسه # PageV01P433 # و {أن رحمتي تغلب غضبي} فهذا لا يليق به إلا بمعنى الصفة # فأما ما يليق به معنى الملك والقدرة مما أضيف إلى الله جل ذكره من اليد ~~فكما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاته # لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على ~~كل شيء قدير // أخرجه الحافظ المنذري // # فهذا يحتمل معنى القدرة والملك وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم # تكون الأرض خبزة واحدة يتكافأها الجبار بيده كما يتكافأ أحدكم خبزه في ~~السفر نزلا لأهل الجنة # وأما الذي يحتمل أن يكون أراد به النعمة مثل قوله صلى الله عليه وسلم في ~~الخبر الذي تقدم ذكره # فوضع يده بين كتفي فوجدت برد أنامله # وقد بينا أن المعنى في ذلك ما وصل إلى قلبه من نعم الله وألطافه # وقد تكون اليد أيضا مضافة إليه بمعنى النصرة والمعونة وذلك يرجع إلى معنى ~~النعمة كما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم ms164 # وقال صلى الله عليه وسلم # PageV01P434 # يد الله مع القاضي حتى يقضي ويد الله مع القاسم حتى يقسم ويد الله مع ~~الجماعة فإذا شذ الشاذ منهم اختطفه الشيطان # والذي هو بمعنى الملك أيضا كقوله كثيرا في الأخبار المروية عنه # والذي نفسي بيده لآنية حوضي أكثر من عدد النجوم # والذي نفسي بيده لو أن فاطمة سرقت لقطعتها // أخرجه الطبراني // # والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله // أخرجه البخاري // # فأما ما روي في هذا من ذكر اليمين نحو قوله # يخرج كل طيب بيمينه # وقوله ثم مسح إحدى يديه بالأخرى فقد تقدم بيانه وأن المراد به ظهور فعل ~~ظهر من بعض خلقه من الملائكة أضيف إليه على معنى أنه عن أمره كان كقولهم ~~قطع الأمير اللص # فأما قوله عليه الصلاة والسلام # ما تصدق أحد بصدقة من طيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت ثمرة فتربى ~~في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل # PageV01P435 # فإن اليمين ههنا بمعنى النعمة والفضل وذلك بفضله في القبول وتضعيف الثواب ~~عليها والمراد بالكف القدرة أيضا كما قال القائل # هون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها # ومثله ما روى نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ على ~~المنبر {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} # قال مطوية في كفه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة # فهذا يرجع أيضا إلى معنى القدرة والقبضة يرجع معناها إلى الملك كقول ~~القائل ما هذا الدار إلا في قبضتي وليس يريد قبضة الجارحة وكذلك معنى ~~مطويات فانيات من قولك اطو هذا الأمر والحديث يعني أفنه أي أسكت واقطعه ~~فقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر المعاد في نفوس المشركين المنكرين ~~له وأن ذلك مما لا ينكر في قدرته وكذلك شبهه برمي الغلام بالكرة فهذا يرجع ~~أيضا إلى معنى القدرة تحقيقا لما أراد من معنى القدرة # فأما ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # يد الله ملأى لا ينقصها نفقة سحاء ms165 الليل والنهار مذ خلق الله السموات ~~والأرض وإن ذلك لم ينقص مما في كف الله شيئا واليد الأخرى فيها الميزان ~~يخفض ويضع ويرفع # فيحتمل أن يقال إن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم # PageV01P436 # يد الله ملأى لا ينقصها نفقة أي نعمة وأياديه وفضله # وقوله ما في كف الله أي مما في قدرته على ما تقدم تأويله # وقوله اليد الأخرى فيها الميزان يخفض ويضع ويرفع وإنما أراد بذلك إشارة ~~إلى العدل والفضل وأنه إذا بسط نعمه وفضله لم ينقص مما في يديه شيء بأن ~~يعجزه وإذا أعدل بحق ملكه لهم فيهم خفض ورفع وبسط وقبض # وكذلك ما روى الحسن عن النبي عليه الصلاة والسلام قال # ما التقت فئتان قط إلا وكف الله بينهما فإذا أراد أن يهزم إحدى الطائفتين ~~أمال كفه عليها # فهذا أيضا يرجع إلى معنى القدرة وإظهار النصرة والخذلان # فهذا ايضا يرجع إلى معنى القدرة ما روي عن كعب أن السفينة تجري على كف ~~الرحمن # أي أنها تجري بقدرته وأن الله عز وجل هو المسير لها وهو معنى قوله تعالى ~~{هو الذي يسيركم في البر والبحر} # فأما ما روى حكيم بن هشام أن رجلا قال يا رسول الله أنبتدئ الأعمال أم قد ~~قضي # PageV01P437 # قال إن الله لما أخرج ذرية آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في ~~كفيه فقال هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار # فمعنى ذلك يرجع إلى نوعي العدل والفضل في مقدوراته المقدورة في أمور ~~عباده وأنه قد سبق حكمه لفريق بالفضل ولآخرين بالعدل # وكذلك ما روي من الأصابع والأنامل فمحمول على أحد معنيين # إما على النعمة والفضل كما يقال لفلان على أصبع حسن والمراد بذلك أثر حسن ~~من طريق النعمة # أو يراد به القدرة كما يقال ما فلان إلا في قبضتي وتحت أصبعي # وأما ما روي في الخبر أن ابني مليكة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال # إن أمنا كانت تكرم الزوج وذكر الحديث وقال فيه قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم # فأقوم على يمين ms166 الرحمن مقاما لا يقومه أحد غيري # فالمراد بذلك أحد تأويلين # أحدهما فأقوم على يمين عرش الرحمن فذكر الرحمن وأراد عرشه كما قال {واسأل ~~القرية} وأراد أهلها وأشار إلى مقام أوليائه أصحاب اليمين # والثاني أن يكون معناه ما يظهر له من نعم الله وكرامته وذلك بأن يقوم # PageV01P438 # مقاما يظهر الله عز وجل من فضله له ما يبين به من سائر الأنبياء ~~والمقربين # وإنما قلنا ذلك لأن يمين الجهة ويسار الجهة من صفة الأجسام المحدودة # وكذلك معنى ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # إن على يمين الرحمن منابر وكراسي عليها رجال # وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم # إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس ~~إلا موضع قدمه فأكون أول من أدعى وجبريل عن يمين الرحمن # ومعنى ذلك على ما تقدم من الوجهين # إما أن يراد به يمين عرش الرحمن أو يراد به تقريب المنزلة وتحقيق الرفعة ~~والعظمة # وأما ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # يجاء بهم يوم القيامة فيوقفون على جسر جهنم فمن كان مطواعا لله تناوله ~~الله عز وجل بيمينه حتى ينجيه # ومعنى ذلك ما يلحقه من رحمة الله وكرمه وعفوه وقد ذكرنا فيما تقدم ~~استعمال العرب اليمين في معنى الرحمة والنعمة والفضل # PageV01P439 # وأما ما روى أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # إن الله خلق الخلق وقضى القضية وعرشه على الماء فأخذ أهل اليمين بيمينه ~~وأهل الشمال بشماله # وكذلك ما روي أبو موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # إن الله عز وجل يوم خلق آدم قبض قبضتين فقال # هؤلاء أهل اليمين ولا أبالي أصحاب الجنة وهؤلاء أهل الشمال ولا أبالي ~~أصحاب النار # فكلا الخبرين مطعون في إسنادهما # أما حديث أبي موسى فإن يزيد الرقاشي فيه نظر وحديث أبي أمامة فجعفر بن ~~الزبير فيه نظر على أنه إن ثبت يؤؤل ذلك على ما قلنا فيما قبل ms167 أنهم هم ~~الذرية لأنهم خلقوا من جانبي آدم خلق المؤمنين من يمينه والكافرين من شماله ~~واليمين والشمال لآدم عليه السلام وذلك يرجع إلى المخلوقين فهما من الخلق # وإنما قلنا ذلك لما روي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ~~موثوق به # PageV01P440 # وكلتا يدي الرحمن يمين # وبينا فيما قبل أن فائدة ذلك التنبيه على نفي الجوارح لأن اليمين التي ~~بمعنى الجارحة لا بد أن يكون ما يقابلها يسارا فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم {وكلتا يديه يمين} حديث وليس أية قرانية إشارة إلى نفي التشبيه ~~والجارحة ولم يثبت لفظه في خبر من طريق صحيح بذكر الشمال مضافا إليه جل ~~ذكره فرتب على ما ذكرنا لك جميع ما ورد عليك من هذه الأخبار من لفظ اليد ~~والكف واليمين والأصبع والقبضة والأنامل من غير أن تخرج عن جملة معاني ما ~~ذكرنا فتخرج إلى طريق الضلال والهلاك ترشد إن شاء الله تعالى # PageV01P441 ### | فصل آخر # ثم ذكرنا بعد ذلك ما روي عن ذكر الساق والقدم والرجل اليمنى والأخرى فروي ~~في حديث ذكر الساق وحديث الرؤية وما روي فيه هل بينكم وبينه آية تعرفونها # فيقال الساق فيكشف عن ساق فيسجد له كل مؤمن # وأعلم أن هذا الخبر مما تقدم البيان في تأويله وأوضحنا أنه لا يجوز أن ~~يقال لله ساق أو يكشف عن ساقه من قبل أن الألفاظ المروية في الأخبار وما ~~ورد في القرآن الكريم من ذلك قوله {يوم يكشف عن ساق} سورة الحاقة آية 42 ~~فإنما ورد مطلقا غير مضاف ولا مقيد # وقد روي عن ابن عباس تأويل ذلك وأن معناه يوم يكشف عن شدة وإن ذلك كلام ~~العرب لأنهم يقولون قامت الحرب على ساق أي على شدة # وروى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {يوم يكشف عن ~~ساق} قال عن نور عظيم وورد لفظ النور مطلقا أيضا غير مضاف إلى الله جل ذكره ~~فيحتمل أن يكون المعنى في ذلك ما يتجدد لهم عند رؤية الله ms168 عز وجل من ~~الفوائد والمكاشفات والألطاف التي تظهر لسرائرهم # PageV01P442 # فأما ما روي من الأخبار في الرجل فمن ذلك ما روى عكرمة عن ابن عباس قال # صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أمية بن أبي الصلت في بيتين من شعره # (رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد) # فقال صلى الله عليه وسلم صدق # وروى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # تحتاجه الجنة والنار وذكر الحديث وقال فيه # وأما أهل النار فإنهم يلقون فيها فتقول هل من مزيد فلا تمتلئ حتى يضع ~~فيها رجله # وروي حديث عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها قالت سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه رأى ربه في المنام وذكر الحديث وقال فيه ~~الرجل ### | الجواب # أعلم أنا ذكرنا هذا الخبر فيما تقدم وبينا تأويله وذكرنا أنه يحتمل أن ~~يكون المعنى فيه ما يضعه الله في النار من الكفار وهم الخلق الكثيرون ~~فتمتلئ جهنم بهم وأنه سمي ذلك رجلا على عادة العرب في تسمية الجماعة رجلا ~~لأنهم يقولون للجراد الكثير رجل ويقولون جاءت رجل من الجراد يعنون بذلك # PageV01P443 # جمعا كثيرا # ويحتمل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد بالرجل ههنا الخلق ~~الكثير وإضافة إلى الله تعالى على طريق الملك والفعل # فأما ما في بيت أمية بن أبي الصلت فيحتمل أن يقال # إنه أراد يمين العرش ويساره وأن هذه الأملاك التي تحمل العرش منهم من هو ~~قائم عن يمين العرش ومنهم من هو قائم عن يساره # فأما ما روي في ذكر الرجل في رؤيا النوم فقد مضى بيانه وإنه لا ينكر أن ~~يكون الشيء يرى في المنام على خلاف ما هو به وقد بينا لذلك وجوها أخر قريبا ~~وهو # أن يكون رأى صورة على تلك الهيئة رأى الله تعالى فيها على معنى أنه رآه ~~عند رؤيته له وذلك على أحد معنيين # أحدهما أن يكون معناه أنه لم يلههم النظر إليه عن ذكر الله ms169 عز وجل ورؤيته ~~له بالقلب # والثاني أن يكون معناه أنه رأى ربه فيها معتبرا بها لأنه رأى الهيئة ~~والصورة لله جل ذكره # PageV01P444 ### | ### | فصل آخر # # ثم ذكر بعد ذلك سننا وأخبارا كثيرة يريد بذكرها نص القول بأن الله تعالى ~~لم يزل ولا يزال وينكر قول من حكى عنه أو يتوهم عليه أنه يقول إن الله لم ~~يتكلم إلا مرة ثم لم يتكلم بعد ذلك وليس في جميع ما ذكره ما ينكر # غير أنه قد أوهم برواية هذه الأخبار التي ذكرها أن الله عز وجل يتكلم ~~كلاما بعد كلام ويقول قولا بعد قول وإن لم ينص عليه بتصريح هذه العبارة ~~والأولى في ذلك أن يقال # إن كلام الله لم يزل ولا يزال موجودا فإنه يفهم خلقه معاني كلامه أولا ~~فأولا وشيئا فشيئا وأن الذي يتجدد الأسماع والإفهام دون المسموع المفهوم ~~وقد ذكر في هذا القدر ما يغني عن ترداد الأخبار فيه وإبهام الخطأ بأن تكلم ~~في وقت كذا وتكلم في وقت كذا لأجل أن كلامه لا يخص الأوقات والأزمان كما أن ~~علمه وسمعه وقدرته لا يصح أن يقال فيه شيء من ذلك وإنما يتجدد المعلوم ~~والمقدور بحدوثه شيئا بعد شيء دون العلم به والقدرة عليه # والذي ذكره من الأخبار نحو ما روي أن الله تكلم بعدما خلق آدم يوم أخذ ~~الميثاق # وتكلم لما خلق ذرية آدم # PageV01P445 # وتكلم لما خلق العقل # وتكلم لما خلق الجبال # وتكلم بعد أن بعث إبراهيم صلى الله عليه وسلم وبعد أن بعث أيوب وبعد أن ~~بعث يوسف وموسى وأورد من ذلك وكثر # وأعلم أنه كما ينكر قول من قال إن الله لم يتكلم إلا مرة واحدة كذلك ينكر ~~قول من قال إن الله تكلم مرة بعد أخرى لأن كل ذلك يوجب حدث الكلام # فإن قيل أليس قد روي في الخبر أن الله عز وجل ناجى موسى بثمان مائة ألف ~~كلمة وأربعين الف كلمة وصايا كلها # قيل إن ذلك يرجع إلى تكسير الإسماع والإفهام لا إلى معنى الكلام ms170 الذي لم ~~يزل # فأما كلام الله الذي هو صفة من صفات ذاته غير بائن منه فكلام واحد شيء ~~واحد يفهم منه ويسمع مالا يحصى ولا يعد من الفوائد والمعاني ونظير ذلك ما ~~نقول # إن علمه واحد ولكنه يحيط بمعلومات لا تتناهى والذي تقع عليه الكثرة ~~والقلة المعلومات دون العلم وهذا هو معنى جملة ما ذكر من هذه الأخبار على ~~كثرتها من قوله قال الله ويقول الله وليس المراد تكرير القول وتجديده # PageV01P446 ### | ### | فصل آخر # # فإن قال قائل أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # إن الله عز وجل تكلم ويكلم عباده بعد أن يقيم القيامة وكما قال عز وجل ~~{يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} # و {يوم نقول لجهنم هل امتلأت} # وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم # ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان // متفق عليه // # قيل هذا راجع إلى التكليم والأفهام لا إلى تجديد الكلام ومثال ذلك مثال ~~الأسماع من سمعه والتعليم من علمه والتقدير من قدرته في باب أنه عنه يصدر ~~ولا يكون هو نفسه والمراد بذلك أن يفهمهم خطابه يوم القيامة من غير ترجمان ~~فإذا حاسبهم يوم القيامة أفهمهم كلامه وأسمعهم خطابه من غير واسطة لا كما ~~أفهمهم في الدنيا بوسائط الرسل والكتب # PageV01P447 # ثم ذكر في ترجمة باب أوهم فيه ما ليس هو المذهب وذلك أنه قال في تضاعيف ~~هذه الأبواب التي ذكرها من هذا النوع ذكر الآي المتلوة والسنن المأثورة في ~~أن الرب تعالى لا يزال يتكلم إلى أبد الأبد قال الله تعالى {والله يقول ~~الحق} # وقال {فالحق والحق أقول} # ثم ذكر في ذلك حديث سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة فقال أبو هريرة # أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة # قال سعيد وفيها سوق # قال نعم وذكر الحديث وقال فيه أبو هريرة # حدثني النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل ~~أعمالهم فيؤذن ms171 لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون الله وذكر ~~الحديث وقال فيه أبو هريرة # قلت للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله هل نرى ربنا # قال نعم هل تمارون في رؤية الشمس وفي القمر ليلة البدر # قلنا لا قال وكذلك لا تمارون في رؤية ربكم فلا يبقى في ذلك المجلس أحد ~~إلا حاضره الله محاضرة حتى أنه ليقولن الله جل ثناؤه للرجل # PageV01P448 # يا فلان أتذكر يوم عملت كذا وكذا ويذكره ببعض غدراته في الدنيا # فيقول يا رب ألم تغفر لي # فيقول بلى فتسعه ومغفرته # واعلم بأن إطلاق القول بأن الله عز ذكره لا يزال يتكلم إلى الأبد يوهم ~~الخطأ وأنه يتجدد له كلام بعد كلام وما يتجدد فهو حادث وكما لا يجوز أن ~~يقال # إن الله لا يزال يعلم إلى الأبد لأنه يوهم الخطأ كذلك القول في الكلام # والصحيح أن يقال إن كلام الله لم يزل ولا يزال وأنه مسمع من يشاء من خلقه ~~ومنهم من أراد منهم إفهامه في الوقت الذي يريد أن يسمعه ويفهمه ما يريد من ~~ذلك من غير تجديد قول ولا كلام # وإذا قيل في ألفاظ هذه الأخبار فيقول الله ويتكلم الله فليس المراد به ~~تجديد الأسماع والأفهام للقول الذي لم يزل فعلى ذلك ترتيب كل ما ورد من ~~الأخبار التي ذكرناها من هذه الألفاظ التي نصصتها مما يوهم حدوث قول الله ~~وتجديد شيء منه بعد شيء # ويجب أن تعلم أن ذلك مرتب على ما قلنا لا على الوجه الذي يقتضي حدوث كلام ~~الله وتجدد كلام له بعد كلام فعلى ذلك رتبه # PageV01P449 ### | ### | فصل آخر # # ثم ذكر في ترجمة باب ذكر كيفية تكلم الله جل وعز بالوحي فذكر حديث عبد ~~الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان ~~فيفزعون ويرون أنه من أمر الساعة ثم قرأ {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا ~~قال ربكم قالوا الحق وهو العلي ms172 الكبير} # وأعلم أنه قد بينا قبل معنى هذا الخبر وأن الصلصلة للسموات وهي مضافة ~~إليها في الخبر نصا ومعنى ذلك ما يخلق من العبارات عن كلامه وأن يكون ~~أصواتا مخلوقة في غيره هي أصوات لغيره ولو قال في هذه الترجمة البيان عن ~~معنى تكليم الله بالوحي خلقه لكان أولى لأن الكلام والمتكلم شيء واحد # وأما التكليم فمن أصحابنا من قال # هو صفة الكلام يوصف بها الكلام إذا أفهم المخاطبين مراده بما يحدثه من ~~العبارات والكنايات وليس لتكلم الله كيفية ولأن ما ذكره في الخبر في بيان ~~الترجمة وإنما هو بيان التكليم لا إثبات التكلم # وقد روي في خبر آخر أيضا أن أبا هريرة قال إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال # إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنها ~~سلسلة على صفوان # PageV01P450 # فبين أن تلك الأصوات أصوات أجنحة الملائكة وأن ذلك عند قضائه أمرا ~~وتجديده فعلا وليس ذلك يرجع إلى حدوث الكلام وكذلك ما ذكره بعد كيفية نزول ~~الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكر فيه من خبر عائشة رضي الله ~~عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف يأتيك ~~الوحي # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما ~~قال # وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا ويتكلم فأعي ما يقول // أخرجه البخاري // # قالت عائشة رضي الله عنها # ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليقطر ~~عرقا # وأعلم أن ذلك مما يدلك على ما قلنا من حدوث العبارات فتارة يسمعها من ~~الملك فيسمع كلام الله عندها وتارة يتجدد له فهم بإبتداء بما يريد الله ~~تعالى من معاني مخاطباته بالأمر والنهي وكل ما يرجع إلى العبارات والكنايات ~~فحكمه الحدوث وأما المكتوب المعبر فهو كلام الله جل ذكره وليس نزول الوحي ~~على معنى إنتقال شيء من مكان إلى مكان ولكنه يحدث فيه ويسمع ms173 الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بما سمعه ويفهمه من كلام الله تارة عند حدوث عباراته من ~~أصوات وغيرها وتارة عند حدوث فهم وعلم إبتداء # وقد يسمى كلام الله وحيا كما يسمى العبارة عنه وحيا وهذا كما يسمى الكلام ~~وتلاوته قرآنا وأحدهما متلو والآخر تلاوة وقد تقدم تفصيلنا لذلك # PageV01P451 ### | ### | فصل آخر # # ثم ذكر بعد ذلك باب إستواء الله تعالى على العرش وذكر فيه آي الكتاب وقد ~~روى بعد ذلك أخبارا فقد ذكرنا تأويل الإستواء في موضعه وأما الأخبار التي ~~ذكرها فمنها حديث العباس بن عبد المطلب أنه كان جالسا في البطحاء في عصابة ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فيهم إذ مرت عليهم سحابة فنظروا إليها ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # هل تدرون ما اسم هذه # قالوا نعم هذه السحاب # قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمزن # قالوا والمزن والعنان # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # هل تدرون كم بعد ما بين السماء والأرض # قالوا والله ما ندري # قال فإن بعد ما بينهما إما واحدة أو إثنان أو ثلاث وسبعون سنة والسماء ~~الثانية فوقها كذلك حتى عد سبع سموات ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه ~~وأسفله كما بين السماء إلى السماء ثم فوق ذلك ثمانية أو عال ما بين أظلافهن ~~وركبهن كما بين السماء إلى السماء ثم فوق ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه ما ~~بين سماء إلى سماء والله تعالى فوق ذلك // أخرجه الأمام أحمد // # PageV01P452 # وذكر أيضا بعده حديث جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال # أتى أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله جهدت ~~الأنفس وضاعت العيال وهلكت الأنعام فاشفع لنا إلى ربك فإنا نستشفع بك على ~~الله تعالى ونستشفع بالله عليك # قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # ويحك أتدري ما تقول # وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال يسبح حتى عرف ذلك أو عرف في ~~وجهه ms174 أصحابه ثم قال # إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم # ويحك أتدري ما الله إن عرشه على سمواته وأرضه له كذا بأصابعه مثل القبة ~~عليها وإنه ليئط أطيط الرحل بالراكب // أخرجه ابن حميد // # أعلم أن حديث العباس بن عبد المطلب ليس فيه ما يجب أن نبين معناه سوى ~~قوله {والله تعالى فوق ذلك} # وقد ذكرنا فيما قبل معنى وصف الله سبحانه بأنه فوق خلقه وأن ذلك راجع إلى ~~فوقية المنزلة والمرتبة وفوقية القدرة والعظمة وأما الفوقية بالمسافة ~~والمكان فمحال في وصفه # PageV01P453 # وفائدة الخبر تعريفنا أنه عز ذكره ممن لا يدخل بين طبقتين ولا ممن هو في ~~كل مكان كما ذهب إليه المخالفون # وإذا استفدنا بهذا الخبر تكذيب هذين الفرقتين في دعواهما على الله أنه ~~يحل في بعض المخلوقات ويوصف أنه في كل مكان رجع تأويل الخبر إلى ما نقول ~~أنه أراد به أنه غير مختلط ولا ممتزج بشيء من خلقه وأنه بائن مما خلق ~~بينونة الصفة والنعت لا بالتحيز والمكان والجهة # فأما حديث جبير بن مطعم فليس فيه ما يقتضي تأويلا أكثر من قوله وأنه ليئط ~~أطيط الرحل بالراكب وذلك يرجع إلى العرش # وليس فيه ما يدل على أن الله تعالى مماس له مماسة الراكب لرحله بل فائدة ~~الخبر أنه يسمع للعرش أطيط الرحل إذا ركب # ويحتمل أيضا تأويلا آخر وهو أن يقال # معناه أطيط الملائكة وضجيجهم بالتسبيح حول العرش فأضيف الأطيط إلى العرش ~~والمراد به الطائفون به وهذا سائغ في اللغة كما قال # واستب بعدك يا كليب المجلس # وإنما المراد أهل المجلس كذلك تقول العرب # اجتمعت اليمامة والمراد أهلها # وكذلك يقولون بنو فلان يطؤهم الطريق والمراد المارة في الطريق # ثم ذكر في هذا الباب حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # PageV01P454 # لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي ~~// سبق تخريجه // # وقد بينا فيما قبل تأويل ذلك أن رحمتي سبقت غضبي # فأما قوله فهو ms175 عنده فوق العرش فإن لفظة عند تستعمل على وجوه ومعان # فمنها أن يقال عندالله بمعنى أنه في علم الله تعالى # ويقال عندالله على معنى أنه في حكم الله تعالى # ويقال عند الله على معنى النصرة والكرامة والقدرة والمنزلة على قراءة من ~~قرأ {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} # والمراد وضعهم بالقرب والكرامة # ويحتمل أن يكون ذلك الكتاب موضوعا على العرش على معنى المماسة له ويكون ~~عند الله على معنى إحاطة علمه بما فيه من حديث لا يخفى عليه منه شيء # PageV01P455 ### | ### | فصل آخر # # ثم ذكر ما روي من الأخبار في الكرسي فذكر حديث سعيد بن جبير عن أبن عباس ~~قال # تفكروا في كل شيء ولا تتفكروا في ذات الله فإن ما بين السماء السابعة إلى ~~كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك # PageV01P456 # وذكر حديث ابن عباس أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم فقال # آتي باب الجنة فأفتحها فيفتح فيتجلى الله عز وجل لي على كرسيه وأخر على ~~وجهي ساجدا # وروى حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # قدم جعفر من أرض الحبشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعجب ما ~~رأيت # قال رأيت امرأة على رأسها مكتمل دقيق فمر فارس يركض فأدراه فقعدت تجمع ~~طعامها ثم التفتت إليه فقالت # ويل لك يوم يضع الملك كرسيه فيأخذ للمظلوم من الظالم # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا لها كيف تقدس أمة لا يأخذ ~~ضعيفها حقه من شديدها وهو غير متعتع # وذكر حديث ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # يشتد يوم القيامة على الناس وذكر الحديث وقال فيه فيفتح فآتى باب الجنة ~~فآخذ بحلقة الباب فأقرع الباب فيقال من أنت فأقول محمد صلى الله عليه وسلم # PageV01P457 # فيفتح لي فأرى ربي على كرسيه أو سريره فأخر ساجدا وذكر الحديث // أخرجه ~~البزاز // # وذكر عن أبي ذر أنه قال قلت يا رسول الله أيما آية أنزلت عليك أعظم # قال آية الكرسي ثم قال ms176 يا أبا ذر ما السموات السبع من الكرسي إلا كحلقة ~~ملقاة في أرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة // أخرجه ~~ابن جرير // # أعلم أن جميع ما وصف به الكرسي من عظم الجثة وطول المسافة فلا ينكر في ~~مقدور الله عز وجل ما هو أعظم من ذلك أضعافا مضاعفة فأما ما قال ابن عباس ~~وهو فوق ذلك فكمثل ما تقدم في خبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وهو ~~فوق ذلك كله # وقد بينا أن ذلك ليس من طريق المساحة والمسافة فأما ما روى ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة من قوله فتجلى الله على كرسيه فأخر على ~~وجهي ساجدا فيحتمل أمرين # أحدهما أن تجليه له تصديقا فيما وعده وإظهاره له من الكرامة أكثر مما ~~توهمه ورجاه # وقد يقول القائل تجلى فلان لفلان والمراد بذلك ما يظهر له من فعله ~~وتدبيره وآثاره # ويحتمل أيضا أن يكون أراد به الرؤية وأن النبي صلى الله عليه وسلم يرى ~~الله عز وجل عند دخول الجنة # PageV01P458 # فأما قوله على كرسيه فهو كقوله {الرحمن على العرش استوى} وقد بينا معنى ~~على فيما قبل وأنه ينقسم على وجوه # أحدهما علو الرفعة بالقدرة والمنزلة # والثاني كقوله {وإنك لعلى خلق عظيم} # وكقوله على زيد مال وليس المراد بذلك علو بالمكان وإذا لم يكن معنى على ~~مختصا بعلو المكان فقد بان أن معناه علو على ما يليق به مما لا يقتضي ~~المكان # ولو قال قائل إن معناه النبي صلى الله عليه وسلم على كرسيه في الجنة فيرى ~~ربه عز وجل ويضاف إلى الله عز وجل من طريق الملك والفعل والخلق كما قال ~~{على الأرائك ينظرون} في صفة أهل الجنة وهن السرر # وأما ما روي في حديث جعفر من قول المرأة بأرض الحبشة يوم يضع الملك كرسيه ~~فيأخذ للمظلوم من الظالم فليس فيه ما يحتاج إلى تأويل بل معناه تعريفنا أنه ~~ينتقم ذلك اليوم من الظالم للمظلوم وهذا كما يقول القائل # بسط الأمير ms177 بساطه ووضع وساده يريد بذلك إظهار ملكه وقدرته للإنتصار ~~والإنتصاف وليس هذا مما ينكر # فأما حديث أنس فقد بينا تأويله غير أنه قال فيه فأرى ربي وهو على كرسيه ~~وهذا أخذ معنى التجلي لأنه تصريح بالرؤية وقد بينا وجهه فيما قبل وليس ينكر ~~عندنا رؤية الله عز وجل # PageV01P459 ### | فصل آخر # ثم ذكر بعد ذلك ما روي في الآثار من ذكر الحجاب وذكر حديث سهل بن سعد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # دون الله سبعون ألف حجاب من نور لا يسمع أحد حس شيء من تلك الحجب إلا ~~ذهقت نفسه // أخرجه أبو يعلى // # وذكر حديث عائشة أن رسول الله قال # إن لله ديكا يجاوز رأسه كذا والسبعين الحجاب ورجلاه قد جاوزت السبع ~~الأرضين # وذكر حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول # رأيت البارحة عجبا رأيت رجلا من أمتي جاثيا عن ركبتيه بينه وبين الرب ~~حجاب فجاء حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله عز وجل إليه // أخرجه الأمام ~~أحمد // # وذكر حديث صهيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة} # وذكر الحديث وقال فيه فيكشف لهم عن الحجاب فينظرون إليه # PageV01P460 # وذكر حديث عبد الله بن عمر وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ~~وصية نوح عليه السلام ابنه فقال # أنهاك عن الكبر والشرك فإن الله تعالى يحتجب عنهما # وذكر حديث مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال // أخرجه ابو يعلى // # احتجب الله عن خلقه بأربع بنار وظلمة ونور وظلمة وذكر حديث الحكم بن ~~ثوبان أنه قال سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول # والذي نفسي بيده إن دون الله تعالى يوم القيامة سبعين حجابا إن فيها ~~لحجبا من ظلمة وذكر الآية فيه أيضا وهو قوله {وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب} # وذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن ~~موسى ms178 عليه السلام قال # يا رب أرنا أبانا آدم وذكر الحديث فقال فيه # قال آدم من أنت # فقال أنا موسى قال نبي بني إسرائيل أنت الذي كلمك الله من وراء الحجاب لم ~~يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه # PageV01P461 ### | فصل في الجواب عن ذلك # أعلم أن الذي يجب أن يوقف عليه من هذا الباب مما يبني عليه الكلام فيه أن ~~تعلم أن الله عز وجل ليس بجسم ولا جوهر ولا محدود وأنه لا يصح أن يكون ~~محجوبا على معنى أن يكون مستورا بالسواتر المغطية كما تستر الأجسام الساترة ~~الحائلة بينه وبين غيره وهذا هو الأصل الذي يبنى عليه التوحيد وينفي ~~التشبيه ومن أثبت لله تعالى حدا أو نهاية أو غاية وأجاز أن يكون مستورا ~~محجوبا بحجب التغطية والسواتر المانعة فقد أحال في ذلك ونقص التوحيد وأوجب ~~تشبيه الله تعالى بخلقه # الوجه الثاني من ذكر الحجاب في وصف الله تعالى هو أن يرجع به إلى أن يكون ~~الحجاب في غيره والمحجوب به غيره وذلك إنما يكون بالأعراض المانعة عن رؤيته ~~والموانع الحاجبة عن العلم به وذلك لا يليق به إلا أن يكون معاني حادثة في ~~المخلوقين وأن يكونوا هم المحجوبون عنه بها إما أن يكونوا ممنوعين عن العلم ~~به أو عن رؤيته # ثم قد يقال للموانع التي يحدث عندها المنع للمحجوب حجب وأن تكون # PageV01P462 # تلك الأشياء حجبا على الحقيقة كما يقال # إن الحائط حجاب بيني وبين ما وراءه والمراد بذلك أنه مانع من رؤيته على ~~معنى أن المنع يحصل عنده والحجب يحصل معه لا أنه هو وهذا كما تقول في ~~القيود الثقيلة إنها تمنع من المشي للمقيد بها على معنى أن المنع يحدث عند ~~التقيد بها للمقيد من المشي وإذا كان كذلك فجميع ما ذكرها من ألفاظ الحجاب ~~من هذه الآية والسنن محمول على ما ذكرناه ومرتب على ما قلناه فمحال فيه أحد ~~الوجهين ويصح الآخر وهذه جملة تكفي عن الجواب عن سائر هذه الأخبار # ثم نقول إن معنى قوله صلى الله عليه ms179 وسلم # دون الله سبعون ألف حجاب من نور إنما يرجع جميع ذلك إلى المحجوبين من ~~خلقه بها لا إلى الله عز وجل وأنها حجب لهم لا له # ولم يذكر في الخبر أن تلك حجب الله ليس فيه أكثر من أنها حجب وإذا لم يصح ~~أن يكون الله عز وجل محجوبا كما لا يصح أن يكون ممنوعا ولا مستورا ولا ~~محدودا ولا مغطى ثبت أنه يرجع إلى حجب المخلوقين # فأما حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله # رأيت من أمتي رجلا جاثيا على ركبتيه بينه وبين ربه حجاب # فالمراد به حجاب للعبد عن رحمة الرب أي ممنوع الرحمة والنعمة حتى أثيب ~~على حسن خلقه ورحم بذلك فأخذ الله تعالى بيده أي نجاه وخلصه # PageV01P463 # كما يقال أخذ الله بيدك على أنه نصرك ونجاك # وكذلك قوله فأدخله الله عليه أي أدخله في رحمته وكرامته # وهذا كقول الحجاج أتيناك شعثا غبرا # وكقولهم للحجاج إنهم زوار الله # فأما قولهم في تأويل قوله وزيادة فيكشف لهم عن الحجاب فينظرون إليه فإنه ~~يرجع إلى رفع المانع عن الرؤية من الممنوعين عن رؤيته من الخلق # فأما ما ذكر في وصية نوح عليه السلام ابنه قال # أنهاك عن الكبر والشرك فإن الله يحتجب عنهما فإن ذلك يؤيد ما قلناه أن ~~يكون حجاب واحتجاب لا على معنى التغطية والستر لأن احتجاب الله عز وجل من ~~الكبر والشرك ليس احتجابا عن ساتر ومغط وحاجب ومانع بل ذلك هو منع المتكبر ~~والمشرك ما عنده من الرحمة للمؤمنين وصرف النعمة عنهم فسمي ذلك احتجابا ~~عنهم # فأما قول عبد الله بن عمرو بن العاص # فوالذي نفسي بيده أن دون الله يوم القيامة سبعون ألف حجاب # فقد بينا أنها حجاب للمخلوقين لا لله ولم يذكر أيضا أنها حجاب الله عزوجل ~~وقد ذكرنا وجه تسمية الحوائل والسواتر حجبا وحجابا وأن ذلك يرجع إلى تسمية ~~ما يحدث عنده وذلك أن المنع اللرائي يحصل عنده فيسمى حجابا والحجاب # PageV01P464 # هو المنع الذي يضاد ms180 رؤية المحجوب به على معنى أنه يمنع الرؤية فعلى هذا ~~فرتب ما ذكر من لفظ الحجاب فأما الآية فقد تقدم تأويلها فيما قبل فأغنى عن ~~إعادته ### | ### | فصل # آخر # فيما روي من الأخبار التي ذكرها في التجلي روي أبو بردة عن أبي موسى قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # يتجلى ربنا ضاحكا يوم القيامة # وروى ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية ~~{فلما تجلى ربه للجبل} قال # بدا منه قدر هذا # وعن ابن عباس في قوله تعالى {فلما تجلى ربه للجبل} قال # PageV01P465 # ما تجلى منه إلى قدر الخنصر ### | ### | فصل # ### | في الجواب عن ذلك وبيان تأويله # أعلم أن معنى التجلي الظهور يقال تجلى لي الرأي إذا ظهر له الرأي ولم يكن ~~ظاهرا فإذا تجلى الرب فمعناه يتوجه على وجهين # أحدهما بإظهار أفعاله الدالة عليه على معنى أنه يضع العلامات التي بها ~~يستدل عليه # والثاني أن يكون بمعنى ما يخلق من الرؤية فيهم أي ما يخلق رؤية يوم ~~القيامة للمؤمنين فيتجلى لهم عندها وهذا غاية ما يكون من التجلي لأن ~~المعرفة بالشي بعد مالم يكن تجل والرؤية له أيضا بعد ما لم يره تجلي ~~والعيان في التجلي أبلغ # وأما معنى الضحك فقد بينا فيما قبل أنه هو بمعنى إظهار النعمة وأن الله ~~عز وجل يظهر النعمة يوم القيامة لأوليائه في الجنة # فكأنه قال يتجلى ربنا يوم القيامة بنعمه وأياديه وأحسانه وفضله وأعظم ما ~~يتفضل به على أهل الجنة ما يخلق لهم من رؤيتهم له # PageV01P466 # فأما معنى قوله {فلما تجلى ربه للجبل} فقد ذكرنا فيه جوابين # أحدهما أنه جعل الجبل حيا عالما رائيا حتى رآه فذلك تجليه له # والثاني أن ذلك تجل بإظهار الفعل والتدبير # وأما معنى قوله بدا منه قدر هذا فالمراد به الإشارة إلى الشيء اليسير من ~~آياته # يريد أن ما أظهر الله في الجبل من الآية كان قدرا يسيرا في جنب ما يقدر ~~عليه بالإضافة إلى ما يبديه من علاماته ويظهره ms181 من آياته يوم القيامة # وعلى ذلك يتأول قول ابن عباس ما تجلى منه إلا قدر الخنصر # وذلك أنه مثل يضرب عند تقليل الشيء وقد جرت العادة في لغة العرب والعجم ~~على هذا النحو # وإنما قلنا ذلك لإستحالة أن يوصف الله عز وجل بالتبعيض والتجزئة # PageV01P467 ### | ### | فصل # # مما ذكر فيه النزول والمجيء مع ألفاظ زائدة على ما تقدم ذكرها وبيان ~~تأويلها وما ذكر في بعض الأخبار من ذكر العلو والصعود ومما لم يتقدم ذكره ~~ولا بيان تأويله فمن ذلك ما روى عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى {هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} # قال ينزل الجبار جل جلاله يوم القيامة في سحاب قد قطع كهيئة الطاقات # وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس قال إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد ~~الأديم وذكر الحديث وقال فيه # فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل السموات الست وأهل الأرض بالضعف فيجيء ~~الله تبارك وتعالى فيهم والأمم # وعن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال # إن الله يمهل حتى إذا كان الأول هبط إلى السماء الدنيا فقال هل من مذنب ~~فيتوب الخبر // أخرجه الأمام مسلم // # وروى عطاء بن يسار عن رفاعة بن عرابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # PageV01P468 # إذا مضى شطر الليل أو قال ثلثا الليل ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء ~~الدنيا فيقول لا يسأل عن عبادي أحد غيري من ذا الذي يسألني فأعطيه // أخرجه ~~الأمام مسلم // # وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # ما من أيام أفضل عند الله من أيام عرفة ينزل الله إلى السماء الدنيا ~~فيباهي بأهل الأرض // أخرجه الأمام مسلم // # وعن ابن عباس أنه قال # يوم الحج الأكبر يوم عرفة وهو يوم المباهاة ينزل الله إلى السماء الدنيا ~~فيقول للملائكة أنظروا إلى عبادي # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ هذه الآية {ويوم تشقق السماء ~~بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا} # أهل السماء ms182 الدنيا وهم أكثر من أهل الأرض من الجن والإنس فيقول أهل الأرض ~~أفيكم ربنا فيقولون لا وسيأتي # وذكر الحديث وقال # وفيه تشقق السماء السابعة وهم أكثر ممن أسفل منهم من أهل السموات والأرض ~~فيقولون أفيكم ربنا فيقولون لا وسيأتي ثم يأتي الرب في # PageV01P469 # الكروبيين وهم أكثر من أهل السموات السبع والأرضين // أخرجه عبد بن حميد # وعن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا # وذكر الحديث وقال فيه # فيكون كذلك حتى يصبح الصبح ثم يعلو ربنا إلى كرسيه # وعن عبد الله بن مسعود قال # جاء رجل من بني سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن رآه إلا ~~بمكة يقال له عمرو بن عبسة فقال يا رسول الله # علمني مما أنت به عالم وأنا به جاهل أي صلاة المتطوعين أفضل # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # إذا مضى نصف الليل أو ثلث الليل فتلك ساعة ينزل الله فيها إلى السماء ~~الدنيا فيقول # هل من مستغفر فأغفر له إلى أن قال حتى ينفجر الصبح فإذا انفجر الصبح صعد ~~الرحمن إلى الملأ الأعلى # PageV01P470 ### | ### | فصل # ### | الجواب عن هذا الباب وبيان تأويله # أعلم أنا قد بينا فيما قبل معنى هذا الخبر وأن النزول ينقسم إلى أقسام ~~وليس معناه يختص النزول بالنقلة والتحويل فقط بل معناه في غير الحركة أكثر ~~منه يقال نزل فلان من معالي الأمور ومكارمها إلى سفاسفها # ويقال نزل فلان عن رأيه وأنزل فلان فلانا عن درجته ورتبته وقال الله ~~تعالى {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} # وقال {إنا أنزلناه في ليلة القدر} في صفة القرآن # وأخبر عن المشركين أنهم قالوا {سأنزل مثل ما أنزل الله} # ويقال نزل بني فلان خير وخصب وارتفع عنهم جدب وقحط وليس يراد بذلك معنى ~~النقلة والتحويل من مكان إلى مكان ومع ذلك فمعنى النزول فيه صحيح على الوجه ~~الذي يليق به كذلك معنى ما وصف به الرب من النزول ms183 وإن لم يكن معنى النقلة ~~سائغ في لغة العرب وذكرنا أن ذلك يرجع تأويله إلى إظهار فعل وتدبير في ~~عباده يسميه نزولا وأنه يحتمل أن يقال # PageV01P471 # إن معناه أن يظهر رحمته لهم وإجابته لدعائهم وأنه من له أن لا يجيب ولا ~~يرحم لأن الإجابة منه فضل وتركها منه عدل فإذا أجابهم فقد نزل عماله أن ~~يفعل بهم من ترك الإجابة إلى أن يفعل بهم ما يكون من فعله متفضلا # ويحتمل أيضا أن يكون معناه نزول ملائكته بأمره فيضاف إليه النزول على ~~معنى ما وقع بأمره كما يقال نزل الأمير بموضع كذا إذا نزل أصحابه بأمره ~~ونفذ فيه حكمه وسلطانه # وإذا كان ذلك مما يحتمله اللفظ ويصح معناه وكان حمله على بعضها لا يؤدي ~~إلى وصف الله جل ذكره مما لا يليق به كان أولى مما قالوا # وأما اللفظ الآخر الذي ذكره في الخبر وهو قوله فيجيء الله تبارك وتعالى ~~فيهم فتأويله على نحو قوله تعالى {وجاء ربك والملك صفا صفا} # أحدهما أن يكون المراد به إظهار فعل يسمى مجيئا # والثاني أن يكون يجيء فيهم أي يجيء بهم وهذا نحو ما روي عن ابن عباس في ~~تأويل قوله تعالى {في ظلل من الغمام} أن معناه بظلل وما ذكرنا في تأويل ~~النزول والمجيء فهو تأويل الهبوط وأن ذلك أيضا ليس هو بمعنى التحويل من ~~مكان إلى مكان # فأما ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله إن الحج الأكبر يوم # PageV01P472 # عرفة وأن ذلك يوم المباهاة وأن الله تعالى يقول للملائكة انظروا إلى ~~عبادي فليس فيه ما ينكر ومعنى المباهاة تعريف الملائكة ما يفضل به على بني ~~آدم من الواقفين بعرفة من توفيقه إياهم لطاعته وإحتمالهم المشاق فيها # فأما ذكره في الخبر الآخر من قوله وسيأتي فهو بمعنى قولنا يجيء وجاء ينزل ~~ويأتيهم الله في ظلل وليس معنى شيء من ذلك هو على الحد الذي لا يليق بالله ~~تعالى من الحركة والنقلة والزوال من مكان إلى مكان بل كل ذلك على ms184 معنى ظهور ~~فعله وتدبيره أو على معنى ظهور الفعل من غير بأمره وحكمه فيضاف إليه اللفظ ~~الذي يكون من قبله على معنى أنه بأمره وحكمه وقع وعلى ذلك يتأول ما ذكر فيه ~~من العلو والصعود وأنه لا يخلو المراد فيه من أحد وجهين # إما أن يراد به علو الأملاك الذين نزلوا بأمره إلى حيث يريد من فوق بأمره ~~أيضا فيضاف الفعل إليه كما قلنا أنهم يقولون ضرب الأمير اللص وإنما المراد ~~به أمر بذلك # ويحتمل أيضا أن يكون معناه ظهور فعل بعد فعل فإذا كان فعله فضلا سمي ~~نزولا وإذا كان عدلا سمي صعود الأجل ما يرجع إلى المعقول فيه وإلى صفة ~~الفاعل فيما له أن يفعل وأن لا يفعل # PageV01P473 ### | فصل # في ذكر ألفاظ زائدة في الأخبار التي فيها الضحك فمن ذلك ما روى ابن مسعود ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # إني لأعلم آخر أهل النار خروجا من النار وآخر أهل الجنة دخولا الجنة رجل ~~يقال له ادخل الجنة فيأتيها فيرى أنها ملئت فيرجع فيقول يا رب قد امتلأت # فيقول ارجع ثلاث مرات ثم يقول له # لك مثل الدنيا ولك مثل عشرة أمثالها # فيقول أتضحك بي وأنت الملك قال ورأيته يعني النبي صلى الله عليه وسلم ضحك ~~حتى بدت نواجذه # وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # إن الله ليضحك من إياس العبد وقنوطه وقرب الرحمة منه // أخرجه الأمام ~~أحمد // # وعن طلحة بن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بموت طلحة رفع ~~رأسه إلى السماء وقال # اللهم القه وهو يضحك وأنت تضحك إليه # PageV01P474 # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # يضرب الصراط بين ظهراني جهنم وذكر الحديث وقال فيه # فيقول يا ابن آدم ما أغدرك تعطي عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير ما ~~أعطيت فيقول # أي يا رب لا أكون أشقى خلقك فلا يزال يدعو حتى يضحك الرب منه فإذا ضحك ~~منه قال ms185 له ادخل الجنة # وعن عاصم بن لقيط بن عامر خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # فوافينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من صلاة الغداة فذكر ~~الحديث وقال فيه فيظل يضحك قد علم أن دعوتكم قريب قال لقيط لن نعدم من رب ~~يضحك خيرا // أخرجه أبو حميد // # PageV01P475 ### | ### | فصل # في بيان تأويله # أعلم أن الضحك ليس هو مخصوصا بتكشر الفم وظهور الأسنان وتغير الحال على ~~الإنسان به بل معناه مشترك قالت العرب # ضحكت الأرض بالنبات إذا ظهر فيها النبات قال الشاعر # (تضحك الأرض من بكاء السماء ... ) # يريد بذلك ما تظهر الأرض من النبات وأنواره عن مطر السماء # فأما وصف الله جل ذكره به فذلك راجع إلى ما يظهر من نعمه ويبديه من مننه # فأما ما قيل في خبر من يدخل الجنة آخرا أتضحك بي وأنت الملك فقد قيل في ~~بعض الأخبار أيضا في مثل هذا الموضع منه أتستهزيء وأنت رب العزة # وليس المراد بذلك إلا ما يقع في وهم هذا القائل أن ما يطمع فيه ويرجى غير ~~موثوق به ولا متحقق لما رجع إلى متحقق حالة نفسه في خروجه من النار والعذاب ~~وذلك أيضا مجاز في الكلام أي يفعل مثل ما يفعله من لا يحقق ما يقول والمشبه ~~بالشيء قد يسمى بإسمه قال الله تعالى {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} # وقوله # PageV01P476 # {وجزاء سيئة سيئة مثلها} # فأما قوله في الخبر الآخر {إن الله يضحك من يأس العبيد وقنوطهم} فيحتمل ~~أن يقال # إن معناه أنه عند يأس العبد مما سوى الله جل ذكره يظهر الله رحمته وعطفه ~~ولطفهم فيرحمهم وليس ذلك يرجع إلى يأس العبد من الله جل وعز لأن من كان ~~كذلك لم يظهر له نعم الله جل ذكره # فأما قوله اللهم ألقه وهو يضحك وأنت تضحك إليه فضحك الله إليه إظهار ~~لكرامته وضحكه ظهور الفرح فيه بما يظهر الله من النعم عليه وفيه # فأما قوله في الخبر الآخر وإذا ضحك ربك إلى عبد في ms186 موطن فلا حساب عليه ~~فالمراد أيضا نظره له ورحمته وأنه إذا أبدى نعمه على عبد رفع عنه الحساب ~~فيها إتماما لنعمه وإكمالا لها ولمننه وفضله فيه # وكذلك قوله فلا يزال حتى يضحك الله منه فإذا ضحك منه قال له ادخل الجنة # فالمعنى إظهار إجابته والإنعام عليه وإبتداؤه بالكرم والرحمة وليس يخرج ~~جميع ما وصف به الرب سبحانه من الضحك من أن يكون معناه راجع إلى ما قلنا ~~فعلى ذلك فرتبه للإستحالة في وصف الله جل وعز بما هو تكشر الفم وظهور ~~الأسنان وتغير الأحوال لأن ذلك من صفات الأجسام المحدثة الذي يدل تعاقب ~~الحدوث عليها على حدثها # PageV01P477 ### | ### | فصل # ### | في ذكر ما روي من ألفاظ الفرح والإستبشار # روى النعمان بن بشر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # لله أفراح بتوبة العبد من رجل كان في سفر معه راحلته // أخرجه الأمام ~~مسلم // الحديث # وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول الله عز وجل ~~أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني والله أفرح بتوبة عبده من الرجل يجد ~~ضالته بالفلاة // أخرجه الأمام البخاري // # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاستبشار الله بتوبة ~~أحدكم أفضل من استبشار أحدكم بضالته علهيا زاده ومتاعه وسقاؤه وما يصلحه // ~~أخرجه الأمام أحمد // # وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم الذي إذا اكشفت فئة قاتل ~~وراءها بنفسه لله # وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه ويسبغه حتى يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة ~~فيه إلا يستبشر الله تعالى به كما يستبشر أهل الغائب بطلعته // أخرجه ابن ~~خزيمه // # PageV01P478 ### | ### | فصل # ### | الجواب في ذلك # أعلم أن معنى ما وصف به الله جل ذكره من الفرح فهو بمعنى الرضا لأن الفرح ~~ينقسم معناه إلى السرور والرضا ولا يليق بالله تعالى السرور لأنه يقتضي ~~تغير صفته وحدوث الحوادث ms187 فيه # فأما الذي هو بمعنى الرضا فصحيح في وصفه ويكون معناه إرادته الإنعام على ~~من هو راض عنه ومن تاب الله عز وجل عليه فقد فرح به على معنى أنه راض عنه ~~وأراد الإنعام عليه # فأما معنى استبشاره بتوبة العبد فراجع أيضا إلى ما يظهر للعبد من الكرامة ~~واللطف والنعمة وأفعاله لا تحله ولا تحدث في ذاته بل تحدث في غيره فأما ~~البشبشة فهو بمعنى الإستبشار لأنه يقال في فلان بشبشة وهشاشة وبشاشة وفلان ~~باش إذا كان مظهر الرضا بما يستقبله فلما كان الله عز وجل راضيا عن التائب ~~عن عبيده مظهرا للنعم لديه بتوفيقه إياه للتوبة أولا وتثبيته عليها ثانيا ~~ومثوبته ثالثا كان ذلك منه إستبشارا وبشبشة # PageV01P479 ### | ### | فصل # ### | في ذكر ما روي من ألفاظ الإستحياء # روى أبو واقد الليثي أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في ~~المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل إثنان إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وذهب واحدا قال فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم # فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها فأما الآخر فجلس خلفهم وأما ~~الثالث فأدبر ذاهبا فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # ألا أخبركم عن الثلاثة نفر أما أحدهما فأوى إلى الله فآواه الله والآخر ~~فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض الله عنه // أخرجه الأمام ~~البخاري // # وعن أبي حنيس الغفاري قال # خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تهامة قال خطب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فجاء ثلاثة نفر فجلس إثنان مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال صلى الله عليه وسلم # ألا أخبركم عن النفر الثلاثة # PageV01P480 # أما أحدهما فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأقبل تائبا إلى الله ~~فتاب الله عليه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه # وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # يا أيها الناس إن ربكم حي كريم يستحي أن يمد عبده إليه يديه ms188 أن يردهما ~~خائبتين # وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # إن الله يستحي من عبده أو أمته يعذبهما بعد ما شابا # PageV01P481 ### | فصل ### | في الجواب عن ذلك # أعلم أن الإستحياء من الله عز وجل بمعنى الترك وعلى ذلك تأول المتأول ~~قوله {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا} وأن معناه أنه لا يترك # وأما قوله وأما الآخر فاستحيا فأستحيا الله منه فيحتمل أن يكون معناه ترك ~~أذى القوم بمزاحمتهم في الحلقة فجلس خلفهم فترك الله عز وجل عقوبته وعفا عن ~~ذنوبه # وكذلك معنى قوله إن ربكم حي كريم أنه يترك عقوبة العبد عن خطيئته ويعفو ~~عن زلته بكرامته فإذا رجع إليه سائلا مستغفرا أجابه وغفر له # وكذلك معنى قوله إن الله يستحي من عبده أو أمته أن يعذبهما بعد ما شابا # أنه يترك عذابهما إذا شابا في الإسلام # وإنما قلنا ذلك لأن الحياء الذي هو الإنقباض بتغير الأحوال وحدوث الحوادث ~~فيمن يتغير به لا يجوز على الله عز وجل # PageV01P482 ### | ### | فصل # آخر # في معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الله تعالى بالصبر ~~والغضب والبغض # روى أبو موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى إنه يشرك به ويجعل له ولدا ~~ويرزقهم ويدفع عنهم ويعافيهم // أخرجه الأمام أحمد // # وروى أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # إن الله يبغض الفاحش البذيء # وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # من لم يسأل الله يغضب عليه // أخرجه الأمام أحمد // # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد # أشتد غضب الله عز وجل على قوم قسموا البيضة على رأس نبيهم وهو يدعوهم إلى ~~الله عز وجل // أخرجه ابن حميد // # وعن سلام عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد غضب الله ~~على امرأة ألحقت ولدا بقوم ليس منهم يشركهم في # PageV01P483 # أموالهم ويطلع على عوراتهم // أخرجه ms189 الأمام أحمد // # وعن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # اشتد غضب الله على من كذب علي متعمدا // أخرجه الأمام أحمد // # وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # تدنو الشمس فيبلغ الناس من الكرب والغم مالا يطيقون # وذكر الحديث وقال فيه # فيأتون آدم صلى الله عليه وسلم فيقولون أشفع لنا إلى ربك # فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ولا يغضب مثله بعده // ~~أخرجه الأمام مسلم // # PageV01P484 ### | فصل ### | في الجواب عن ذلك # أعلم أن معنى وصف الله جل ذكره بالصبر فهو بمعنى الحلم ومعنى وصف الله جل ~~ذكره بالحلم فهو تأخير العقوبة عن المستحقين لها ووصف الله بالصبر لم يرد ~~به الكتاب وإنما ورد في نوع من هذه الأخبار وتأوليه على معنى تأويل الحلم # فأما وصفه بالغضب فقد ورد به الكتاب ومعناه إرادة العقوبة لأهلها ومن علم ~~أنه يعاقب عليها وكذلك نقول في الرضا أنه إرادة التنعيم والتفضيل لمن علم ~~أنه أهل لذلك وذلك من صفات الذات لأن تأويله يرجع إلى الإرادة وإرادة الله ~~تعالى من صفات ذاته # فأما معنى اشتد غضبه فالمراد به ما يبديه من زيادة العقوبة على بعضهم دون ~~بعض # فأما ما هو صفة الذات فلا يجوز وصفه بالتزايد وإنما يرجع التزايد إلى ~~الأفعال الصادرة عن الإرادة # وأما معنى السخط فهو بمعنى الغضب # وأما معنى البغض فهو بمعنى الكراهية فإذا قيل أبغض الله فلانا من خلقه ~~فالمراد به كراهته الفضل عليه والإحسان إليه والرحمة له # PageV01P485 # وإذا قيل للموجود إن الله يبغضه فالمعنى فيه أنه يكره أن يكون بخلاف ما ~~هو به وعلى ذلك يتأول قوله إن الله يبغض الفاحش البذيء ### | ### | فصل # آخر # في ذكر ما ورد في السنة من وصف الله جل ذكره بالإعراض # روي عن وائل بن حجر اختصم رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # فذكر الحديث وقال فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # أما إنه حلف ms190 على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله عز وجل وهو عنه معرض // ~~أخرجه النسائي // # وروى عطاء عن أبي أيوب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # هجرة المؤمن ثلاث فإن تكلما وإلا أعرض الله عنهما حتى يتكلما # PageV01P486 ### | فصل ### | في الجواب عن ذلك # أعلم أن وصف الله جل ذكره بالإعراض عند العبد يرجع إلى تركه توفيقه لخيرو ~~معونته عليه أو عن إثباته وإكرامه # فإذا قيل للعبد إنه معرض عن الله عز وجل فالمراد به أنه منصرف عن طاعته # وكذلك يقال في الإقبال إذا قيل إن الله مقبل على عبد أو قيل للعبد إنه ~~مقبل على الله أو إلى الله جل ذكره # فالمراد به وصف الله تعالى به معونة العبد على فعل الخير بتيسيره له طريق ~~الطاعة وإذا وصف به العبد فالمراد به استعماله بالطاعة والعبادة # وإنما قلنا ذلك لإستحالة أن يوصف الله عز وجل بالملاقاة والمقابلة فيكون ~~إعراضه والإعراض عنه حسب الإعراض عن الأجسام والإقبال عليها بتلقي المحاذاة ~~لها ووجه المقابلة وذلك لإستحالة كونه جسما أو جورها وموصوفا بما يؤدي إلى ~~وصفه بالحدوث وسماته # PageV01P487 ### | فصل آخر ### | في ذكر ما روي في الإثارة في المبالاة # فمن ذلك قوله تعالى في كتابه {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} # وروى نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # من جعل الهم هما واحدا كفاه الله هم دنياه ومن تشعبته الهموم لم يبال ~~الله في أي أودية الدنيا هلك // أخرجه البيهقي // # وروى حماد عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي // أخرجه الأمام أحمد // # وروى خالد بن عبد الله عن بيان عن قيس بن مرداس الأسلمي قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P488 # يذهب الصالحون الأول فالأول وتبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر لا ~~يباليهم الله باله // أخرجه الأمام في مسنده // # وروى شهر بن حوشب عن معدي كرب عن أبي ذر ms191 عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يرويه عن ربه جل وعز يا ابن آدم إن تذنب حتى يبلغ ذنوبك عنان السماء ثم ~~تستغفرني غفرت لك لا أبالي // أخرجه الأمام أحمد // ### | فصل في الجواب عن ذلك # أعلم أن كل ما وصف به الله عز وجل من أمثال هذه الألفاظ فالمراد به ~~الأخبار عن غناه عز وجل وأنه ممن لا ينتقص شيء مما يفعله وكذلك معنى ما روي ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في القبضتين اللتين أخرجهما من صلب آدم ~~عليه السلام للنار ولا أبالي وللجنة ولا أبالي # وأفاد بذلك أنه يوصل فضله وعدله إلى ما شاء من خلقه من غير أن يزداد عن ~~فعل الفضل أو يكون له نقص بفعل العدل من تعذيبهم ابتداء من غير جرم وإذا ~~كان كذلك كان معنى الآية محمولا عليه # PageV01P489 ### | ### | فصل # آخر # في البيان عما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وصف الله بالمباهاة # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # إن الله يباهي بأهل عرفات فيقول يا ملائكتي أنظروا إلى عبادي جاؤوني من ~~كل فج عميق أشهدكم أني غفرت لهم # وروى مطرف بن عبد الله بن الشخير أن نوفا البكالي وعبد الله بن عمرو ~~اجتمعا فقال عبد الله بن عمرو # أنا أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلينا معه المغرب ذات ليلة ~~فرجع من رجع وعقب من عقب فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أن يثوب ~~الناس لصلاة العشاء وقد حفزه النفس وهو رافع إصبعيه إلى السماء وهو يقول # أبشروا يا معشر المسلمين هذا ربكم فتح بابا من أبواب السماء يباهي بكم ~~الملائكة # فيقول أنظروا عبادي قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى # وروي أن معاوية خرج على أناس وهم جالسون فقال خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على حلقة وهم جلوس فقال # ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا # PageV01P490 # للإسلام ومن علينا بك فقال الله ما أجلسكم إلا ذلك ms192 # قالوا آلله ما أجلسنا إلا ذلك # قال إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكني أخبرني جبريل عليه السلام أن الله ~~يباهي بكم الملائكة ### | فصل ### | في الجواب عن ذلك # أعلم أن معنى المباهاة هو أن الله عز وجل يظهر من فعله للملائكة ما ~~يحقرون طاعتهم وعبادتهم في عبادتهم # وأصل المباهاة هو مفاعلة من البهاء والبهاء من العظمة فكأنه أراد أن الله ~~عز وجل يظهر من عظمة هؤلاء المطيعين وبهائهم فيها ما يزيد على بهاء ~~الملائكة وحالهم في طاعتهم وعبادتهم والغرض في معنى هذا الخبر وفائدته ~~تعريف الخلق من الآدميين مواضع الفضل في طاعتهم وعبادتهم وأنهم قد تبلغ ~~طاعتهم مبلغا يزيد قدره على قدر طاعة الملائة وهذا مما يمكن أن يستدل به أن ~~أفاضل الآدميين أفضل من الملائكة لأنه لا يباهي إلا بالأفضل # PageV01P491 ### | ### | فصل # آخر ### | مما ذكر في الخبر من معنى المناجاة # روى حميد الطويل عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى نخامة في ~~قبلة المسجد فشق عليه حتى عرف ذلك في وجهه فحكسه وقال # إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة فإنه يناجي ربه وإن ربه بينه وبين القبلة // ~~أخرجه البخاري ومسلم // # وعن أبي هريرة قال # صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سلم فإذا رجل في آخر الصف قال ~~يا فلان ألا تتقي الله ألا تنظر كيف تصلي فإن أحدكم إذا قام يصلي يقوم ~~يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه // أخرجه الحاكم // # وعن صفوان بن محرز قال # بينما أنا أسير مع عبد الله بن عمر آخذا بيده إذ عرض له رجل فقال كيف ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة # قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يدنى منه المؤمن فيقول # أتعرف كذا أتعرف ذنبا كذا // أخرجه الأمام أحمد // # PageV01P492 ### | فصل ### | الجواب عن ذلك # أعلم أن معنى المناجاة هو مخاطبة المخاطب على الوجه الذي يختص به ولا ~~يشاركه في سماع الخطاب غيره وذلك إذا وصف الله تعالى به فالمراد إسماع الله ~~تعالى ms193 وإفهامه من أراد من خلقه على الوجه الذي يختصون به من غير أن يشاركوا ~~في إسماع ما يسمعون وإفهام ما يفقهون وهذا هو معنى النجوى يوم القيامة لأنه ~~تعالى يسمع من يشاء من خلقه خطابه على التخصيص بالخطاب من غير أن يشاركه في ~~سماع ذلك الخطاب غيره # وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ما منكم من أحد إلا وسيخلو لله عز وجل يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان # ومناجاة العبد لله عز وجل هو إخفاء الخطاب من غير أن يسمع غيره وهو أن ~~يذكر الله تعالى سرا فعلى ذلك يحمل معنى المناجاة إذا وصف به الله عز وجل ~~أو وصف به الخلق # PageV01P493 ### | ### | فصل # آخر ### | في تأويل ما روي من النفخ # وهو ما ذكر في قوله عز وجل {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي} # وقال {فنفخنا فيه من روحنا} # وعن قتادة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك فيقولون لو تشفعنا على ربنا ~~حتى يريحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم فيقولون # أنت آدم الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه # وعن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # لقي آدم موسى عليهما السلام فقال له موسى # أنت الذي خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته ونفخ فيك من روحه ~~ثم فعلت ما فعلت // أخرجه الأمام أحمد // وذكر الحديث # PageV01P494 ### | فصل ### | في الجواب عن ذلك # أعلم أن ما يوصف به الله عز ذكره من نفخ الروح فالمراد به خلقه الروح ~~فيمن يخلقه فيه وأفعال الرب جل ذكره غير واقعة على طريق المباشرة والتولد ~~بل أفعاله كلها ابتداء إختراع من قبل أن الله عز وجل لا يقتضي تغير المخترع ~~به ولا حدوث شيء منها فيه # فأما وجه إضافة الروح إليه ومعناه وفائدته فهو تخصيص تشريف لأن المذكور ~~قد يخص بالذكر تشريفا له وإن كان غيره في معناه كما قيل بيت الله ms194 وعبد الله ~~وناقة الله تخصيصا بالذكر من جملة المسميات وإبانة بالفضل وأمارة له يبين ~~بها عما سواه للتنويه بذكره والرفع من حاله # وعلى هذا الوجه أضاف روح عيسى عليه السلام إليه فقال # روح الله وذلك أحد وجوه الإضافات مما معناه لا يخرج عن الملك والخلق ~~والتدبير والقدرة لإستحالة الإضافة إليه من طريق المجاورة له والتغيير به ~~لإستحالة أن يكون جسما أو جوهرا فيتغير بما يحدث فيه أو يجاوره فعلى ذلك ~~فرتب هذه الأبواب إن شاء الله # PageV01P495 ### | فصل آخر # في الكلام على من قال إن ما روينا من هذه الأخبار وذكرنا في أمثال السنن ~~والآثار مما لا يجب الإشتغال بتأويله وتخريجه وتبين معانيه وتفسيره # أعلم أن أول ما في ذلك أنا قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~خاطبنا بذلك ليفيدنا أنه خاطبنا على لغة العرب بألفاظها المعقولة فيما ~~بينها المتداولة عندهم في خطابهم فلا يخلو أن يكون قد أشار بهذه الألفاظ ~~إلى معان صحيحة مفيدة أو لم يشر بذلك إلى معنى وهذا مما يجل عنه أن يكون ~~كلامه يخلو من فائدة صحيحة ومعنى معقول فإذا كان كذلك فلا بد أن يكون لهذه ~~الألفاظ معان صحيحة ولا يخلو أن يكون إلى معرفتها طريق أو لا يكون إلى ~~معرفتها طريق فإن لم يكن إلى معرفتها طريق وجب أن يكون تعذر ذلك لأجل أن ~~اللغة التي خاطبنا بها غير مفهومة المعنى ولا معقول المراد والأمر بخلاف ~~ذلك فعلم أنه لم يعم على المخاطبين من حيث أراد بهذه الألفاظ غير ما وضعت ~~لها أو ما يقارب معانيها مما لا يخرج من مفهوم خطابها # إذا كان كذلك كان تعرف معانيها ممكنا والتوصل إلى المراد به غير متعذر ~~فعلم أنه مما لا يمتنع الوقوف على معناه ومغزاه وأن لا معنى لقول من قال إن ~~ذلك مما لا يفهم معناه أذ لو كان كذلك لكان خطابه خلوا من الفائدة وكلامه ~~معنى عن مراد صحيح وذلك مما لا يليق به صلى الله عليه وسلم # PageV01P496 # فإن قيل ms195 ألستم تقولون في متشابه القرآن أنه مما لا يوقف على معناه وإن ~~كان على لغة العرب ولا بد فيه من فائدة # قيل فيه جوابان # من أصحابنا من قال إن في مشكل القرآن مالا يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به ولا نعلم تأويله لكن الله هو المخصوص ~~بمعرفة تأويله ولكن فائدته التلاوة التي هي طاعة وهي مندوب إليها مثاب على ~~فعلها # ومنهم من قال إنه لا متشابه في القرآن إلا والراسخون في العلم يعرفون ~~تأويله وأن قوله والراسخون معطوف على قوله إلا الله على ذلك يسقط هذا ~~السؤال # فإن قيل أليس معاني هذه ألفاظ التي وردت في هذه الآثار إذا حملت على ~~المعقول فيما بيننا لم يصح في وصف الله تعالى ذكره وإذا خرجت عن معانيها ~~المعقولة أدى إلى أن لا تكون على حسب اللغة وأن يكون ذلك مما يختص بعلم ~~الله # قيل إن معانيها معقولة على حسب ما يصح في وصف الله تعالى محمولة على ذلك ~~وسبيلها كسبيل سائر الأوصاف التي وردت في الكتاب من ذكر الله سبحانه # PageV01P497 # بالنعوت التي حصلت فيها النصوص والتوقيف وكانت معانيها معقولة ومرتبة على ~~حسب ما نزلتها العقول على حسب إختلاف الموصوفين بها بعد أن لا تخرج عن ~~حقائقها وحدودها وأحكامها اللازمة ولو وجب الوقوف في معاني هذه الألفاظ ~~لهذه الأخبار الواردة في وصف الله جل ذكره لأجل ما قالوا لزم الوقوف في ~~سائر وصف الله مما ورد في الكتاب لمشاركتها لهذه في مثل هذا المعنى فلما لم ~~يجز ذلك وكان سائر ما ورد من وصفه محمولا على ما يصح غير متوقف في معناه ~~فكذلك سبيل هذه الألفاظ التي وردت في هذه الآثار # فإن قيل إنكم لا توجبون العلم والقطع بأمثال هذه الأخبار لأنها آحاد وما ~~في معانيها فكيف تجمعون بينها وبين ما في الكتاب # قيل طريق الجمع بينها من وجه آخر وهو أنه مما طلق في وصف الله جل ذكره ~~وله معنى صحيح معقول وإذا كان أحدهما مقطوعا به والآخر ms196 مجوزا وليس ~~لإختلافهما في طريقهما ما يوجب إختلاف حكمها في جواز الإطلاق حمل معانيها ~~الوجه الصحيح # فإن قيل فإذا لم يكن خبر الواحد موجبا للإعتقاد والقطع وليس في هذه ~~الأخبار عمل يقتضي ذلك منها بحسبه فعلى ماذا تحملونها # قيل إنها وإن لم تكن موجبة للقطع بها مقتضية للعلم فإنها مجوزة مغلبة وقد ~~يفيد الخبر التجويز من جهة إطلاق اللفظة وقد يفيد ذلك من طريق القطع ~~والإعتقاد وإذا كان طريقه تواترا وإجماعا ظاهرا أو كتابا ناطقا فإنه يقتضي ~~الأعتقاد والقطع بحسبه # PageV01P498 # وإن كان ذلك مستندا إلى أخبار آحاد وعدول ثقات كان الحكم بها على الظاهر ~~واجبا من طريق التجويز ورفع الإحالة وإن لم يكن فيها القطع والإعتقاد فلذلك ~~رتبنا هذه الأخبار على هذه الوجوه التي ذكرناها # وأعلم أنه إذا كان لا بد من قبول أخبار العدول ولا بد أيضا من أن يكون ~~لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الأثر والفائدة وكان التوقف فيما يمكن ~~معرفة معناه لا وجه له وكان تعطيل هذه الأخبار لأجل توهم تعذر تخريجها ~~وترتيبها لا وجه له وكان بعضهم ممن يتوهم أنه لا سبيل إلى تخريجها يذهب إلى ~~أبطالها وبعضهم يذهب إلى إيجاب التشبيه بها وبعضهم يذهب إلى إخلائها من ~~معان صحيحة وجب أن يكون الأمر فيها على ما قلنا ورتبنا وأن يكون أوهام ~~المعطلين من الملحدة والمبتدعة والمشبهة لله بخلقه فاسدة باطلة وأن يكون ~~معاني هذه الآثار صحيحة معقولة على الوجه التي رتبناها وبطل توهم من يدعي ~~أن ذلك مما لا يجوز تأويله ولا يصح تفسيره # ووجب أيضا أن يكون معنى قول من قال بإمرارها على ما جاءت محمولا على أنه ~~لا يزاد فيها ولا ينقص منها لئلا يؤدي إلى وقوع الغلط فيها وخاصة إذا خاض ~~في تأويلها من لم يكن له دربة بطريق التوحيد ومعرفة الحق فيها ولذلك حملنا ~~هذا القول على هذا المعنى من قائله وإن لم يكن أراد ذلك فإنا بيناه لتوضيح ~~بطلان ما قاله وتصحيح ما قلنا فعلى ذلك فلترتب إن ms197 شاء الله تعالى # كمل بيان ما أشكل ظاهره من صحيح الحديث مما أوهم التشبيه ولبس بذلك ~~المجسمون وازدراه الملحدون وطعن في روايته المبتدعون وإيضاح ما خفي باطنه ~~مما أغفله الجاهلون وأنكره المعطلون وشرح ذلك وتنزيله ما يليق بوصف الله ~~تعالى بالدلائل التي لا شك فيها وموافقة السنة المعمول بها واللغة المجتمع ~~عليها # PageV01P499 # تم الكتاب والحمد لله رب العالمين PageV01P500 ms198