######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_002340
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: الشريف الرضي
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 406
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: حقائق التأويل
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: مصادر التفسير عند الشيعة
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_002340
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2340_حقائق-التأويل-الشريف-الرضي
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: شرح : محمد رضا آل كاشف الغطاء
#META# 041.EdNUMBER :: NODATA
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: NODATA
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الخامس السورة التي يذكر فيها آل عمران (*)
~~1 - مسألة وصف الآيات المحكمات بأم الكتاب الجواب عن وصف هن بأم - القياس
~~في جمع أم - الفاتحة أم الكتاب - حكاية القول - جعل ابن مريم وأمه آية.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات
~~هن أم الكتاب وأخر متشابهات... - 7) فقال: كيف جمع سبحانه بين قوله: (هن) -
~~وهو ضمير لجمع -
# PageV00P001
# وبين قوله: (أم الكتاب) - وهو اسم لواحد -، فجعل الواحد صفة (1) للجمع
~~(2)؟، وهذا فت في عضد البلاغة (3) وثلم في جانب الفصاحة!.
# فالجواب: أن المراد بذلك كون هذه الآيات باجتماعها، وانضمام بعضها إلى
~~بعض في إنزالها، أما للكتاب، وليست كل واحدة أما بانفرادها، فلما كان الامر
~~على ما قلنا جاز وصف الجمع بالواحد، إذ كان في تعلق بعضه (4) ببعض وأخذ
~~بعضه برقاب بعض بمنزلة الواحد، ولأنه سبحانه لو قال: هن أمهات الكتاب، لذهب
~~ظن السامع إلى أن كل واحدة من الآيات أم لجميع الكتاب، وليس المراد ذلك، بل
~~المراد ما قدمنا القول فيه من كون الآيات بأجمعها أما للكتاب دون بعضها،
~~لان المراد بكونها أما للكتاب أن بها يعلم ما هو المقصود بالكتاب من بيان
~~معالم الدين، وذلك لا يرجع إلى كل واحدة من الآيات، بل يرجع إلى جميعها،
~~فالأم ههنا بمعنى: الأصل الذي يرجع إليه ويعتمد عليه، لان المحكم أصل
~~للمتشابه يقدح به فيظهر مكنونه ويستثير دفينه، وعلى ذلك سميت والدة الانسان
~~أما، لأنها أصله الذي منه طلع وعنه تفرع، ولذلك سميت مكة أم القرى، لان
# PageV00P002
# القرى مضافة إليها (1)، وهي المتقدمة عليها (2) والمذكورة قبلها (3).
# وكان القياس أن يقولوا في جمع أم: أمات، ولكنهم قالوا:
# أمهات، لأنه قد جاء في الشعر الفصيح أمهة. فصح الجمع على أمهات، قال قصي
~~بن كلاب:
# أمهتي خندف والياس أبي (4) وقال بعضهم: يقال: أمهات في جمع ما يعقل،
~~وأمات في جمع ما لا يعقل.
# واما وصفهم فاتحة الكتاب بأنها أم الكتاب، فهو راجع أيضا إلى المعنى الذي
~~ذكرناه، لأنهم إنما ms001 وصفوها بذلك من حيث كانت أصلا يبني عليها غيرها من
~~القرآن في صلاة المصلي، وعند تلاوة التالي إذا بدأ بقراءة الكتاب، فقد صارت
~~إذن متقدمة وبواقي السور لاحقة بها وموجفة (5)
# PageV00P003
# خلفها، وكذلك الآيات المحكمات هن أصول للمتشابهات ترد إليها وتعطف عليها،
~~فقد بان: أن المعنى واحد والمراد متفق في وصفهم الآيات المحكمات بأنها أم،
~~وفاتحة الكتاب بأنها أم (1) وقال الأخفش (2): (إنما قال تعالى: أم الكتاب،
~~ولم يقل:
# أمهات الكتاب، كما قال الرجل: مالي نصير، فيقول القوم: نحن نصيرك، و:
~~مالي أنصار، فيقول الواحد: أنا أنصارك، وهو يشبه دعني من تمرتان على
~~الحكاية، يعني: إذا قال القائل لصاحبه: ما عندي إلا تمرتان، فيجيبه الآخر
~~بحكاية قوله). وأنشد قول الشاعر (3):
# تعرضت لي بمكان حل * تعرض المهرة في الطول (4) تعرضا لم تأل عن قتلا لي
~~(5) وأراد: لم تأل عن أن تقول: قتلا لي، فجعله على الحكاية، لأنه كان
~~منصوبا قبل ذلك، كما تقول: نودي بالصلاة الصلاة، حكاية
# PageV00P004
# لقول القائل: الصلاة الصلاة. قال: (وقد قيل إنما هو: (تعرضا لم تأل أن
~~قتلالي)، ولكنه جعله عينا لان أن في لغة هذا الشاعر يجعل في موضعها عن (1)،
~~وقد قال الشاعر (2):
# قال الوشاة لهند: عن تصارمنا * ولست أنسى هوى هند وتنساني أراد: أن
~~تصارمنا، فأبدل، وإنما قال شاعر (3) البيت الأول: (قتلالي) لأنه نصبه على
~~الامر كما تقول: ضربا لزيد). وقد اعترض على هذا القول باعتراضات تمنع طريقة
~~الاختصار من ذكرها وتمييز صحيحها من عليلها.
# PageV00P005
# وقال بعض العلماء: (نظير قوله تعالى: هن أم الكتاب (على التأويل الذي
~~تقدم في توحيد الأم وهي خبر لهن) قول الله سبحانه:
# ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ (1)،
~~ولم يقل: آيتين، لان معناه وجعلناهما جميعا آية، ولو أراد: أن كل واحد
~~منهما آية على انفراده، لقال تعالى: وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين، لأنه قد
~~كان في كل واحد منهما عبرة لهم، وذلك أن مريم عليها السلام ولدت من غير
~~رجل، ونطق ابنها عليه السلام في المهد، وهو صبي لا ms002 يجوز من مثله النطق).
# قلت انا: وقد قال أبو العباس المبرد في هذا المعنى قولا حسنا، وكان
~~إسماعيل بن إسحاق القاضي يذكره كثيرا على وجه الاستحسان له، وهو أنه قال:
~~(إنما وحد سبحانه صفتهما فقال: جعلناهما آية - وهما اثنان -، لان المعنى
~~الذي أعجز منهما شئ واحد، وذلك أن مريم عليها السلام ولدت من غير ذكر وولد
~~عيسى عليه السلام من غير أب، فلو كان هناك زوج لكان أباه وزوجها، فلما كان
~~المعنى المعجز منهما شيئا واحدا، حسن أن يقول سبحانه: جعلناهما آية، وهما
~~اثنان). وهذا حسن جدا، وقد مضى من الكلام في هذه المسألة ما فيه مقنع
~~بتوفيق الله تعالى.
# PageV00P006
# فصل (الراسخون في العلم وعلمهم بتأويل الكتاب) فأما قوله تعالى في ذيل
~~هذه الآية: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به
~~كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب) فبين العلماء فيه اختلاف:
# فمنهم من جعل الوقف عند اسم الله تعالى، واستأنف قوله سبحانه:
# [والراسخون في العلم يقولون آمنا به]، فمن ذهب إلى هذا المذهب منهم يخرج
~~العلماء عن أن يعلموا كنه التأويل وحقيقته، ويطلعوا طلعه (1) ويستنبطوا
~~غوامضه، ويستخرجوا كوامنه، وحطهم بذلك عن رتبة قد استحقوا الايفاء عليها
~~واطلاع شرفها (2)، لان الله سبحانه قد أعطاهم من نهج السبيل وضياء الدليل
~~ما يفتتحون به المبهم ويصدعون المظلم (3)، وكل ذلك بتوفيق الله إياهم ونصب
~~منار الأدلة لهم، فعلمهم بذلك مستمد من علم الله سبحانه، فلا معنى للوقوف
~~بهم دون هذه المنزلة، والاحجام عن إيصالهم إلى أقصى هذه الرتبة.
# وأما الذين يجعلون الوقف عند قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله
~~والراسخون في العلم)، فيوفون الاستثناء حقه بادخال العلماء فيه، ويجعلون
~~لهم مزية العلم بتأويل القرآن، ومعرفة مداخله ومخارجه، وسلوك
# PageV00P007
# محاجه ومناهجه. وهذا القول مروي عن ابن عباس [ره] ومجاهد والربيع (١)
~~فأما المحققون (٢) من العلماء فيقفون في ذلك على منزلة وسطى وطريقة مثلي،
~~فلا يخرجون العلماء ههنا عن أن يعلموا شيئا من تأويل القرآن جملة، ولا
~~يعطونهم منزلة ms003 العلم بجميعه، والاستيلاء على قليله وكثيره.
# بل يقولون: إن في التأويل ما يعلمه العلماء، وفيه ما لا يعلمه إلا الله
~~تعالى: من نحو تعيين الصغيرة (٣) ووقت الساعة وما بيننا وبينها من المدة
~~ومقادير الجزاء على الاعمال وما أشبه ذلك.
# وهذا قول جماعة من متقدمي العلماء: منهم الحسن البصري وغيره واليه ذهب
~~أبو علي الجبائي (٤)، لأنه يجعل المراد بالتأويل في هذه الآية مصائر الأمور
~~وعواقبها، [كقوله] (٥) تعالى: ﴿هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله..﴾ (6)،
~~أي: مصيره وعاقبته، لان أصل التأويل من قولهم: آل يؤول، إذا رجع.
# PageV00P008
# ومما يؤكد ذلك أن مجاهدا قال في قوله تعالى: (ذلك خير وأحسن تأويلا) (1):
~~(إنه سبحانه أراد بالتأويل ههنا: الجزاء على الاعمال)، فهذا المعنى يلامح
~~ما نحن في ذكره، لان الجزاء إنما هو الشئ الذي آلوا إليه وحصلوا عليه.
# وقد قيل أيضا: (إن المراد وما يعلم تأويله على التفصيل إلا الله تعالى أو
~~لا يعلم تأويله بعينه إلا الله، لان كثيرا من المتشابه يحتمل الوجوه
~~الكثيرة، وكلها غير خارج عن أدلة العقول، فيذكر المتأولون جميعها، ولا
~~[يقع] (2) القطع منهم على مراد الله تعالى بعينه منها، ولا يعلم ذلك إلا
~~الله، لان الذي يلزم المكلف من ذلك أن يعلم في الجملة أنه سبحانه لم يرد ما
~~يخالف أدلة القول، ولأنه ليس من تكليفنا أن نعلم [أن] (3) المراد من ذلك
~~بعينه، وإن كان العلماء يعلمونه على الجملة وعلى الوجه الذي يمكن أن يعلم
~~عليه).
# و [في] (4) قول الراسخين في العلم: (آمنا به كل من عند ربنا) دلالة على
~~استسلامهم في ما لم يعلموا من تأويل المتشابه، وما استبد الله بعلمه من
~~قبيل ما ذكرنا: كوقت القيامة وتمييز الصغائر من الكبائر، إلى ما أشبه ذلك،
~~فقد بان أن في تأويل المتشابه ما لا يعلمونه، وإن كان يعلمون كثيرا منه.
# PageV00P009
# وقال قاضي القضاة أبو الحسن (1) - بعد ذكره طرفا من الخلاف في هذه الآية
~~-: [وما يقوله من حمل العطف على حقيقته وجعل للعلماء نصيبا من علم ms004 التأويل
~~على تفصيله أو جملته، إما أن يكون المراد بذلك عنده وما يعلم تأويله إلا
~~الله وإلا الراسخون في العلم ومع علمهم بتأويله (يقولون آمنا به)، أو يكون
~~المراد أنهم يعلمون تأويله في حال قولهم: (آمنا به كل من عند ربنا)، ومن
~~قال بذلك استدل بظاهر العطف، وأنه يقتضي مشاركة الثاني للأول في ما وصف به
~~الأول وأخبر به عنه]. وقال: [إذا أمكن ذلك وأمكن حمل قوله تعالى:
# (يقولون آمنا به) على الحال أو على خبر ثان وجب القول بذلك، ولكلا
~~الوجهين مسرح في طريق اللغة. وإنما ينبغي أن ننظر من جهة المعنى، فان ثبت
~~بالدليل صحة أحد المعنيين قضي به، وإلا لم يمتنع أن يرادا جميعا إذا لم يقع
~~بينهما تناف].
# قلت أنا: وهذه طريقة لأبي علي (2) فيما ورد من القراءات متغايرا فإنه
~~يقول: (إذا كان يمكن حمل الكلام على القراءتين المختلفتين، فإنهما جميعا
~~مرادتان، إذا صحت القراءة بهما جميعا، نظير ذلك قوله سبحانه (وجدها تغرب في
~~عين حمئة) (3) وقد قرئ حامية).
# فيقول: [إنه يجب أن تكون العين على الصفتين معا، فتكون حمئة من
# PageV00P010
# الحمأة، وحامية من الحمي، فتكون هناك حرارة وحمأة، وإلا كان يجب ألا تجوز
~~إحدى القراءتين، لان من أصله أن كل كلام احتمل حقيقتين - ولم يكن هناك
~~دلالة على أن المراد به إحدى الحقيقتين دون الأخرى - فواجب حمل الكلام
~~عليهما جميعا حتى يكونا مرادين بذلك، ومتى لم يمكن حمل الكلام عليهما
~~جميعا، فلا بد من أن يبين الله تعالى مراده منهما بدلالة، وإلا خرج من أن
~~يكون فيه فائدة].
# فأما من قرأ حمئة من الحمأة، فاني قرأت بذلك على شيوخ [القراءة] (1) لابن
~~كثير ونافع وأبي عمرو وحفص، عن عاصم، وأما من قرأ حامية من الحمي، فاني
~~قرأت به لحمزة والكسائي وأبي بكر بن عياش، عن عاصم وعبد الله بن عامر.
# وقد ظن بعض الناس أنه لا يجوز إلا أن يكون تمام الكلام ومقطعه عند قوله
~~تعالى: [وما يعلم تأويله إلا الله]، وأن الواو للاستقبال دون الجمع. ms005 قال:
~~(لأنها لو كانت للجمع لقال: ويقولون آمنا به فيستأنف الواو كما استأنف
~~الخبر،. واحتج على هذا [القول من قال بالقول] (2) الأول، بأن قال: (هذا
~~جائز وقد وجد مثله في القرآن: وهو قوله تعالى - في معنى قسم الفئ -: (ما
~~أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول... إلى قوله سبحانه، إن
~~الله شديد العقاب) (3) ثم أعقب ذلك بالتفصيل وتسمية من يستحق هذا الفئ،
~~فقال: (للفقراء المهاجرين الذين
# PageV00P011
# أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا...
# إلى قوله تعالى: والذين جاءوا من بعدهم يقولون...)، وهؤلاء لا شك داخلون
~~في مستحقي الفئ كالأولين، والواو ههنا للجمع، ثم قال سبحانه، يقولون (ربنا
~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان...)، ومعناه: قائلين: ربنا اغفر
~~لنا ولإخواننا، فكذلك قوله سبحانه: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به)
~~يكون معناه: والراسخون في العلم يعلمون تأويل ما نصبت لهم عليه الدلائل،
~~ونحيت لهم إليه المذاهب من المتشابه قائلين آمنا به، ومن الشاهد على ذلك
~~قول يزيد بن مفرغ الحميري - لما سامه عباد بن زياد أن يبيع عبده بردا في
~~دين لزمه، وحديثه في هذه القصة طويل (1) وهو بعد مستفيض -:
# وشريت بردا، ليتني * من بعد برد كنت هامه (2) فالريح تبكي شجوها (3) *
~~والبرق يلمع في الغمامة قوله: (وشريت) يريد: وبعت، وهو من الأضداد.
# وقوله: (والبرق يلمع...) يريد: والبرق أيضا يبكي شجوه لامعا في الغمامة،
~~أي: في حال لمعانه، ولولا أن المراد هذا لما كان لقوله:
# (والبرق يلمع في الغمامة) اتصال بقوله: (فالريح تبكي شجوها)، بل كان
# PageV00P012
# بعيدا منه قصيا، وغريبا أجنبيا.
# وإذا كان ذلك سائغا في اللغة وجب حمله على موافقة دلالة الآية، في وجوب
~~رد المتشابه إلى المحكم، فيعلم الراسخون في العلم تأويله إذا استدلوا
~~بالمحكم على معناه، ولو كان العلماء لا يعلمون شيئا من تأويل المتشابه بتة،
~~ما كان لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله علم أمير المؤمنين عليه
~~السلام التفسير، معنى، لان معنى التفسير والتأويل إنما يكون لما غمض ودق
~~ولم يعلم بظاهره. ms006 وهذه صفة المتشابه، وأما المحكم الذي يعلم بظاهره، فلا
~~حاجة بأحد إلى تعليمه، لان أهل اللسان فيه سواء، ولولا أن الامر على ذ لك
~~لما كان لدعاء النبي صلى الله عليه وآله لابن عباس (ره) بأن يعلمه الله
~~التأويل معنى، لأنا نعلم أنه لم يرد عليه السلام تعليمه الظاهر الواضح، فلم
~~يبق إلى الغامض الباطن.
# ومن وجه آخر: أن حقيقة الواو الجمع، فوجب حملها على سنن حقيقتها
~~ومقتضاها، ولا يجوز حملها على الابتداء الا بدلالة، ولا دلالة ههنا توجب
~~صرفها عن الحقيقة، فوجب حملها على الجمع، حتى تقوم الدلالة.
# وكان أبو حاتم السجستاني يقول: (إن الوقف على قوله تعالى:
# [وما يعلم تأويله الا الله]، لأنه قد حذف من الكلام (أما)، وكأنه تعالى
~~قال: (وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به)، وزعم أنه إنما جاز حذفها
~~لأنه قد جرى ذكرها وهو قوله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما
~~تشابه منه). قال: (و (أما) لا تكاد تجئ في القرآن مفردة حتى تثني أو تثلث
~~أو تزاد على ذلك كقوله PageV00P013
# سبحانه: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر وأما
~~السائل فلا تنهر﴾ (1) وكقوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين...
~~وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين... وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين... (2)
~~فلما قال سبحانه: (فالذين في قلوبهم زيغ) قدرنا ان (أما) مرادة مع
~~(الراسخين في العلم)، فكأنه تعالى قال: وأما الراسخون في العلم...) وكلام
~~أبي حاتم في ذلك غير سديد ولا مطرد، لأنه قدر في الكلام حذف (أما)، وذكر
~~أنها تقع في القرآن كثيرا مكررة. ولعمري إن الامر كما قال من وقوعها مكررة
~~في القرآن!، وما علمناها جاءت فيه مرادة محذوفة، وكان ينبغي أن يرينا من
~~القرآن موضعا هي فيه مرادة وقد حذفت ليكون شاهدا على ما ذكره، فأما أن
~~يستشهد بتكريرها على حذفها فذلك غير مستقيم، ولو كان الامر على ما قال لكان
~~وجه الكلام أن يقول تعالى: (والراسخون في العلم فيقولون آمنا به)، كما قال
~~سبحانه:
# (فأما الذين في قلوبهم ms007 زيغ فيتبعون...)، فيعلم أن الموضع لاما، وألا لم
~~تكن على ذلك دلالة.
# ولا يجوز الوقف على العلم في الوجهين (3) جميعا لان ما بعد العلم يكون
~~حالا في أحد الوجهين وخبرا في الآخر، و (الوقف التام) (4) على (به)، وقد
~~أوردنا في هذه المسألة ما فيه بلاغ ومقنع بتوفيق الله تعالى.
# PageV00P014
# 2 - مسألة (معنى إزاغة القلوب من الله تعالى) الاعتذار عن التكرير -
~~الجواب عن الشبهة - نسبة القول لغير فاعله - تخصيص القلب بالهداية دون سائر
~~الجوارح - رد المتشابه في المقام إلى المحكم - تفسير آية (فلما زاغوا...) -
~~إضافة الفعل إلى الآمر والى السبب - العمى في الآخرة - التفضيل في أفعال
~~العيوب والألوان ومن سأل عن قوله تعالى: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا
~~وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب - 8) فقال: لو لم تكن إزاغة القلوب من
~~الله سبحانه لما كان للدعاء بألا يفعلها تعالى معنى ولا فائدة، وإزاغة
~~القلوب من قبيل الاضلال والاغراء، وهذا الذي يذهب إليه خصومكم (1)!
# فالجواب: أنا قد بينا في عدة مواضع من أوائل كتابنا هذا معنى الاضلال
~~والضلالة والزيغ والإزاغة، وما يجري هذا المجرى مما ورد في التنزيل، وظاهره
~~لا يجوز على الله تعالى، وكررنا القول في أقسام ذلك ووجوهه وجميع ضروبه
~~وفنونه، ونحن ذاكرون ههنا يسيرا منه، لئلا يخلى هذا الموضع من جواب يصدع
~~الشبهة ويجلي الغمة ويكشف الحيرة.
# PageV00P015
# فلا ينبغي أن ينسب ذلك منا إلى تعاطي التكرير وتكلف الترديد فان العاذر
~~لنا في ذلك أن كتابنا هذا قد بعدت أوائله من أواخره، وانفرج ما بين أعناقه
~~وروادفه، ونزحت مسافات الكلام فيه نزوحا يحتمل التكرير تجديدا للفائدة، ولا
~~تستهجن معه الإعادة مبالغة في الحجة، لا سيما وقد طال بنا الزمان في تأليفه
~~بعوائق عارضتنا بحواجزها، وقواطع زاحمتنا بمناكبها: من تقلب أحوال واشتغال
~~ببواهظ أثقال، وكان انقطاعنا إليه خلسا، واهتمامنا بالزيادة فيه لمعا وفرصا
~~(1)، كنهلة المزءود (2)، أو نشطة المطرود (3) أو كقبسة المستعجل أو حبسة
~~الظاعن المتحمل (4).
# إلا أن الاهتمام أجمع (5) على حالي الشغل والفراغ، والانقباض والانبساط،
~~معقود بأسبابه، ms008 والعزيمة واقفة ببابه، نعم! ولا عيب أيضا على جامع مثل هذا
~~الكتاب البعيد الأطراف، المحتاج إلى فضلات من مدد الزمان، أن تقرر فيه
~~مذاهب كانت [مترجحة] (6) وتطمئن آراء كانت قلقة، على حسب تأثير الزمان
~~الأطول في جلاء الشبه،
# PageV00P016
# وحل عقود الامر المشتبه، واستدراك فوائت الأدلة، واستثارة كوامن الرأي
~~والرواية.
# ومن ذلك ما يمر بقارئ صدور كتابنا هذا: من كلامنا الذي يدل على ميلنا إلى
~~القول بالارجاء، ثم ما يمضي به في أوساطه وأثباجه NoteV00P017N01 من الكلام
~~الدال على تحقيق القول بالوعيد قاطعين به وعاقدين عليه، وإنما كان السبب في
~~تباين هذين القولين سالفا وخالفا وسابقا ولاحقا (تفرع) (2) شبه وشكوك ما
~~زال الزمان بمماطلته يزجي حسيرها (3) ويسهل وعورها، حتى أسرع حابسها وانقاد
~~متقاعسها بلطف الله وتوفيقه ومعونته وتسديده.
# وقد ذهبنا عن سنن الغرض كثيرا، وتياسرنا عن المحجة بعيدا، فلنعد الآن إلى
~~الغرض المقصود والمرمى المطلوب!، فنقول: إن للعلماء في ما سأل عنه السائل
~~من هذه الآية أقوالا.
# 1 - فمنها أن يكون قولهم: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) معناه:
~~الدعاء بألا يعلم (4) تعالى قلوبهم زائغة بعد الهدى، أي: أدم لنا ألطافك
~~وأصحبنا هداك وعصمتك، حتى لا تزيغ قلوبنا فتعلمها زائغة، ويكون ذلك على
~~معنى المصادفة كقولهم: أضللت فلانا، إذا وجدته ضالا، و: سألته فأبخلته، إذا
~~وجدته بخيلا، و: جربته فأجبننه،
# PageV00P017
# إذا وجدته جبانا، وما أشبه ذلك.
# ٢ - ومنها أن يكون معنى ذلك (ربنا لا تزغ قلوبنا) أي:
# لا تبتلنا بأمر صعب، يثقل علينا القيام به والخروج إليك من حقه، فتزيغ له
~~قلوبنا ونميل إلى شهواتنا، ويكون هذا من قبيل قولهم: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من
~~قبلنا..﴾ (١)، والإصر: الثقل، وهو راجع إلى هذا المعنى، وذلك كقوله
~~سبحانه:
# ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم
~~أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم﴾ (2)، وقوله تبارك اسمه:
# (إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم) (3)، فكأنهم دعوه سبحانه:
~~بألا ms009 يبتليهم بما يكبر عليهم ويثقل على كواهلهم، وأضافوا الزيغ إليه تعالى
~~من حيث كان المتولي لفعل التكاليف التي يفتنون بها ويزيغون عندها، وليست
~~بأسباب لوقوع معاصيهم على الحقيقة، وإن كانت معاصيهم لا تقع إلا بعد
~~ابتلائهم بتلك العبادات، فكأنهم سألوه تعالى: ألا يتعبدهم بما يكون عنده
~~وقوع معصيتهم وزيغهم عن هدى طريقتهم، وألا يحملهم من المشقة، ما لا يأمنون
~~معه ذلك، وأن كانوا لا يؤتون إلا من قبل أنفسهم.
# 3 - وقال بعضهم: معنى (لا تزغ قلوبنا) أي: احرسنا من وساوس الشيطان حتى
~~لا نزيغ فتزيغ أنت قلوبنا، لان الله تعالى لا يزيغ أحدا حتى يزيغ هو، كما
~~قال سبحانه: (فلما زاغوا أزاغ
# PageV00P018
# الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين) (1) 4 - وقال بعضهم: معنى
~~ذلك: ثبتنا بألطافك وزدنا من عصمك (2) وتوفيقك، كي لا نزيغ بعد إذ هديتنا،
~~فنكون زائغين في حكمك، ونستحق أن تسمينا بالزيغ وتدعونا به وتنسبنا إليه،
~~لأنه يجوز أن يقال: إن الله سبحانه أزاغهم إذ سماهم بالزيغ، وإن كانوا هم
~~الفاعلين له، على مجاز اللغة، لا أنه تعالى أدخلهم في الزيغ وقادهم إلى
~~الاعوجاج والميل، ولكنهم لما زاغوا عن أوامره وعدوا ما فرض الله من فرائضه،
~~جاز أن يقال: قد أزاغهم، كما قال سبحانه في ذكر السورة: (فزادتهم رجسا إلى
~~رجسهم) (3)، وكقول نوح (ع) (فلم يزدهم دعائي إلا فرارا) (4). أو يكون لما
~~منعهم تعالى ألطافه وفوائده جاز أن يقال: إنه أزاغهم، مجازا، وإن كان تعالى
~~لم يرد إزاغتهم.
# ونظير ذلك من الكلام قولك لمن أطال أظافيره: قد جعلت أضافيرك سلاحا [أي
~~لم تقلمها]، فصارت شكة (5) تحز وشوكة تخز، وهو لم يرد بلوغ أظافيره إلى ذلك
~~الحد، وفي التعارف: إن الرجل إذا ترك سيفه ولم يحادثه (6) بالصقال والارهاف
~~فكل حده وطبع فرنده، قيل له: إنك قد أفسدت سيفك، ولا يراد بذلك: انك قصدت
~~افساده واعتمدت اكلاله، وكيف يتهم بذلك وهو أشد الناس
# PageV00P019
# كراهية لما حدث فيه من ذلك الفساد، [واعترضه من ذلك الكلال] (١)، ولكنه
~~حسن أن يقال له ذلك ms010 في مجرى العادة، لما ترك تعاهده، وأغفل صقله وإحداده.
# ٥ - وقال بعضهم: إنما سألوا الله تعالى: ألا يزيغ قلوبهم عن الثواب، أو
~~عن زيادات الهدى والألطاف، والأمران معا يرجعان إلى معنى واحد، لان زيادة
~~الهدى واللطف تكون ثوابا، والشاهد على ذلك قوله تعالى: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾ (2)، ومعنى
~~ذلك أنهم سألوه تعالى: أن يلطف لهم بكثرة الخواطر، وقوة الزواجر، في فعل
~~الايمان، حتى يقيموا عليه مدة زمانهم، ولا يتركوه في مستقبل أعمارهم،
~~فيستحقوا بتركه وفعل الكفر - بدلا منه - أن يزيغ تعالى قلوبهم عن الثواب،
~~وأن يفعل بها مستحق العقاب، لأنه لا يجوز أن يسألوا الله سبحانه: ألا
~~يعاقبهم إذا كانوا مؤمنين، إلا على هذا المعنى، فاما الثواب الذي يفعله
~~الله تعالى بقلوب المؤمنين، فهو ما ذكره سبحانه من شرح الصدر وكتابة
~~الايمان في القلب، وضد ذلك هو العقاب الذي يفعله بقلوب الكفار من الضيق
~~والحرج والرين والطبع، وهذه طريقة أبي علي (3).
# 6 - وقال بعضهم: إنما أمرهم سبحانه أن يقولوا: (ربنا لا تزغ قلوبنا)،
~~تعبدا، فإذا قالوا ذلك بخضوع واستكانة ويقين وإنابة،
# PageV00P020
# أثابهم عليه، كما قال سبحانه لنبيه [ص]: ﴿قال رب احكم بالحق﴾ (١) والله لا يحكم إلا
~~بالحق، ونظائر ذلك كثير في القرآن.
# ٧ - وقال بعضهم: إن الهدى لما كان على وجوه وكان من جملة أقسامه الثواب
~~وثبت عندنا أن الله سبحانه لا يضل عن الايمان، علمنا أن المسألة بألا يزيغ
~~الله القلوب، إنما يراد بها الإزاغة عن الثواب وأقسامه:
# من شرح الصدور ومسار النفوس.
# والدليل على ذلك قوله سبحانه في موضع آخر: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ (2)، فليس يخلو قوله
~~تعالى: [يهد قلبه] من أحد أمرين: إما أن يكون أراد بذلك: الهداية إلى
~~الايمان، وهذا مستحيل، لأنه لا بد من أن تنقطع أفعال المكلفين من الايمان،
~~وتكون لها غاية، كما أن للتكليف غاية، فآخر ما يقع من ايمانه، لا بد -
~~باجماع الأمة - من ms011 أن يهدي الله قلبه عند فعله، كما ضمن له سبحانه، ولا
~~يكون هذا الهدى بأن يخلق في قلبه إيمانا ثابتا، لان ذلك يتصل بما لا غاية
~~له من الايمان، والهداية إلى الايمان.
# فوجب أن يكون قوله سبحان: [يهد قلبه] إنما عنى به إثابة قلبه على ايمانه،
~~وإنما خص سبحانه القلوب بهذا [الذكر] (3)، دون سائر الجوارح. لان القلب
~~شريف الأعضاء ونفيسها، ومقدمها ورئيسها، ولهذا قال تعالى (إن في ذلك لذكرى
~~لمن كان له قلب) (4)، ولم يقل سمع أو بصر أو غير ذلك: من آلات البدن
# PageV00P021
# ومرافق الشخص المكون، إذ كان القلب ينفرد بخصائص أفعال الانسان:
# مثل الجرأة والاقدام، والكف والاحجام، إلى غير ذلك: من الجذل والغبطة،
~~والكمد والغمة، فخصه تعالى بالذكر، لان سائر الأعضاء في حكم التابعة له
~~والمنوطة به. ومن الشاهد على ذلك أحد التأويلات التي فسر بها قوله تعالى:
~~﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء
~~وقلبه وأنه إليه تحشرون﴾ (1)، فقيل: معنى ذلك أنه يميته، ومعلوم انه
~~إذا اماته حال بين نفسه وبين سائر أعضائه، ولكنه خص القلب بالذكر لشرف
~~موقعه، وعظيم نفعه، وكون سائر الجوارح له خدما وحفدة، وعنه مصدرة وموردة،
~~فلذلك خصه ههنا بالذكر على ما بينا.
# 8 - وقال بعضهم: قد يجوز أن يكون سؤالهم ألا يزيغ الله تعالى قلوبهم
~~معناه ألا يميلها بعقوبة يحلها بها كالمسخ وما يجري مجراه، لان الزيغ في
~~أصل اللغة: الميل، والمسخ: إنما هو إمالة الخلقة عن الحال التي كانت عليها
~~إلى غيرها من الهيئات والصور، ويكون المراد بهذا القول الاستعفاء من عقوبة
~~مستحقة يخافونها، بما لا يأمنونه من مواقعتهم المعاصي في المستقبل. وهذا
~~القول شديد التكلف، إلا أني أحببت ايراده لغرابة طريقته، وغيره أولى
~~بالاعتماد عليه والقول به.
# 9 - وقال قاضي القضاة أبو الحسن: ليس كل من سأل ربه ألا يفعل به شيئا تدل
~~مسألته على أنه تعالى يختار ذلك الشئ ويفعله، فاذن معنى هذا الدعاء إما أن
~~يكون المراد لا تشدد علينا المحنة في التكليف،
# PageV00P022
# فيؤدي ms012 ذلك إلى زيغ قلوبنا بعد الهداية كما تقدم بيانه (1) في قوله سبحانه
~~(... ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا...)، وإما أن يكون
~~المراد بذلك ألا يعدل بهم عن زيادة الهدى والألطاف في هذا الباب.
# 10 - والذي أقوله في ذلك: إن من أصلنا رد المتشابه من الآي إلى المحكم
~~منها، كما بينا أولا، وقد ورد في القرآن من ذكر الإزاغة ما بعضه محكم وبعضه
~~متشابه، فيجب رد متشابهه إلى محكمه - على الأصل الذي قررناه -، فالمتشابه
~~من ذلك قوله سبحانه ههنا: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا)، وهذا لا
~~يجوز أن يكون محمولا على ظاهره، لأنه يقودنا إلى أن نقول: إن الله سبحانه
~~يضل عن الايمان، وقد قامت الدلائل على أنه سبحانه لا يفعل ذلك لأنه قبيح،
~~وهو غني عنه، وعالم باستغنائه عنه، ولأنه تعالى أمرنا بالايمان وحببنا
~~إليه، ونهانا عن الكفر وحذرنا منه، فوجب ألا يضلنا عما أمرنا به، ولا
~~يقودنا إلى ما نهانا عنه، وإذا لم يكن ذلك محمولا على ظاهره فاحتجنا إلى
~~تأويله على الوجوه التي قدمنا ذكرها، فهو متشابه، لان من صفة المتشابه ألا
~~يقتبس علمه من ظاهره وفحواه، فوجب رده إلى ما ورد من المحكم في هذا المعنى،
~~وهو قوله تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم).
# فعلمنا ان الزيغ الأول كان منهم، وأن الزيغ الثاني كان من الله سبحانه
~~على سبيل العقوبة لهم، وعلمنا أيضا أن الزيغ الأول غير الزيغ الثاني، وأن
~~الأول
# PageV00P023
# قبيح إذ كان معصية، والثاني حسن إذ كان جزاء وعقوبة، ولو كان الأول هو
~~الثاني لم يكن للكلام فائدة، وكان تقديره: فلما مالوا عن الهدى أملناهم عن
~~الهدى، فكان خلفا من القول يتعالى الله عنه، لان الكفر الذي حصل في الكفار
~~[الذين وصفهم سبحانه بميلهم عن الايمان] قد أغناهم عن إحداث مثله لهم، وخلق
~~ما يجري مجراه فيهم، فعلمنا أن زيغهم كان عن الايمان، وإزاغته تعالى لهم
~~إنما كانت عن طريق الجنة والثواب، وأيضا فان هذا الفعل لما كان من ms013 الله
~~سبحانه على سبيل العقوبة لهم، علمنا أنه غير الجنس الذي فعلوه، لان العقوبة
~~لا تكون من جنس المعصية، إذ كانت المعصية قبيحة والعقوبة عليها حسنة.
# وليس لقائل أن يقول: إن قوله سبحانه ههنا: (أزاغ الله قلوبهم) متشابه
~~أيضا لأنه لا يفهم بظاهره وهو محتاج إلى الكشف عن باطنه.
# لان قوله سبحانه: (فلما زاغوا) قد صير قوله: (أزاغ الله قلوبهم) في حكم
~~المفهوم الظاهر، إذ قد بينا أن الزيغ الثاني لا يجوز أن يكون هو الزيغ
~~الأول، ولا من جنسه، فقد علم أنه غيره، وإذا علم أنه غيره - والأول الزيغ
~~عن الايمان - وجب أن يكون الثاني غير الزيغ عن الايمان، وأن يكون معناه ما
~~ذكرنا من العقوبة على الميل عن الهدى إلى الضلال، وفي ما أوردناه من ذلك
~~كاف بتوفيق الله تعالى.
# وإذ قد اعترضنا هذه الآية، أعني قوله تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله
~~قلوبهم)، لايرادنا لها في موضع يحتاج إلى الاستشهاد بها فيه، PageV00P024
# وان كانت من أواخر القرآن، ونحن بعد في أوائله، [فإنه] (1) مما يجوز
~~الجمع بينه وبين الآية التي نحن في الكلام عليها، وهي قوله تعالى: [ربنا لا
~~تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا]، لان الكلام فيهما ممتزج، والاحتجاج عليهما
~~مشتبه، فلنذكر طرفا من الكلام في التأويل الذي يخصها، لترد الفائدة
~~بكمالها، وتقوم الحجة على أساسها إن شاء الله تعالى!:
# قال بعضهم في تأويل هذه الآية: إن قال لنا المخالفون: إنكم تزعمون أن
~~الله لا يضل أحدا ولا يزيغه والله سبحانه يقول: [فلما زاغوا أزاغ الله
~~قلوبهم]!. قلنا لهم. أما دعوا كم علينا أنا نقول: إن الله لا يضل أحدا ولا
~~يزيغه، فبهت منكم لنا، بل من ديننا أن من أنكر ذلك رافع لما جاء به القرآن،
~~ولكنا نقول إن إضلال الله سبحانه وإزاغته ليسا كاضلال إبليس وازاغته، لان
~~الله تعالى قد ذم ذلك وبرئ منه، فعلمنا أنه تعالى لا يضل - من حيث يضل - عن
~~الحق وهو يدعو إليه، ولا يمنع منه وهو يأمر به، تعالى عن ذلك علوا ms014 كبيرا.
~~وبعد فإنه سبحانه لم يذكر في هذه الآية أنه ابتدأ قوما بأن أزاغ قلوبهم، بل
~~قال: [فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم]، فأخبر تعالى: أنه إنما فعل ذلك بهم
~~عقوبة على زيغهم وجزاء على فعلهم، فمنعهم الألطاف والفوائد التي يؤتيها
~~سبحانه من آمن به، ووقف عند حده، وخلاهم واختيارهم، وأخلاهم من زيادة الهدى
~~التي ذكر سبحانه في كتابه، فقال: (والذين اهتدوا
# PageV00P025
# زادهم هدى وآتاهم تقواهم) (١) فأضاف سبحانه (٢) الفعل في الإزاغة إلى
~~نفسه، على اتساع مناهج اللغة في إضافة الفعل إلى الآمر، وإن وقع مخالفا
~~لامره، لما كان وقوعه مقابلا لامره، ويكشف عن ذلك قوله تعالى: ﴿إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا
~~آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين. فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم
~~ذكري وكنتم منهم تضحكون﴾ (3)، وهؤلاء الفريق من عباد الله لم ينسوا
~~الفريق الآخر ذكر الله، وكيف يكون ذلك وهم يحادثون أسماعهم وقلوبهم بذكره
~~سبحانه وعظا وتخويفا، وتنبيها وتحذيرا؟!، ولكنهم لما اتخذوهم سخريا وقاموا
~~على سئ أفعالهم وذميم اختيارهم، أنسوهم ذكر الله، فأضيف الانساء إلى ذلك
~~الفريق من عباد الله، إذ كان نسيان من نسي ذكر الله سبحانه إنما وقع في
~~مقابلة تذكيرهم به وتخويفهم منه ودعائهم إليه، فحسنت الإضافة على الأصل
~~الذي قدمناه.
# وأقول: إنه قد جاء الاتساع في اللغة بالزيادة على هذه المرتبة التي
~~ذكرناها من إضافة الفعل إلى الآمر، وإن لم يأمر به، بل أمر بضده، لما وقع
~~مقابلا لامره فسمي من كان سبب الضلال مضلا، وإن لم يكن
# PageV00P026
# منه دعاء إلى الضلال ولا إلى ضده فوقع (1) الضلال عند دعائه. قال سبحانه:
~~(وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام. رب
~~إنهن أضللن كثيرا من الناس... الآية) (2)، فأضاف تعالى ضلال القوم إلى
~~الأصنام، إذ جعلوها سببا لضلالتهم، وهي جماد لا يكون منها صرف عن طاعة ولا
~~دعاء إلى معصية.
# ومثل هذا من كلامهم: إن الرجل يشغف بالمرأة، فإذا عظم وجده بها وقلقه من
~~أجلها، قال ms015 لها: قد أسهرت ليلي، وأمرضت قلبي، وكدرت صفاء عيشي، ولعلها لم
~~تعلم بشئ من أمره، ولم تشعر بأوقات قلقه وسهره، ولكنه لما اعتقد أنها سبب
~~لذلك - وإن لم تفعله - جاز أن ينسب إليها فعله.
# وآكد من ذلك أنها لو شعرت بما يقاسيه فيها ويعانيه من حبها - وكانت ذات
~~عفة تحصنها وتحسم المطامع عنها، فزجرته عن نفسها وخوفته عواقب الاشتغال
~~بها، فكان ذلك سببا لزيادة كلفه وتضاعف شغفه، فانحلت قوى أمره واسترخى وتر
~~صبره وطال بها سهر ليله وتشاغل عن مصالح نفسه - كان جائزا أن ينسب ذلك
~~إليها، فيقول: إنها أسهرت ليلي وأطالت فكري، واقتطعتني عن مصالحي، وذهبت بي
~~عن مراشدي، وهي لم تعظه إلا ليتعظ، ولم تزجره إلا ليزدجر، وإنما
# PageV00P027
# حسن منه أن ينسب جميع ما ذكرنا إليها، لما اعتقد أنها سببه ومن أجلها كان
~~همه وقلقه، وهذا بين كما ترى.
# وقد قال قائل آخر في ذلك: إن أصل لفظ الزيغ في اللغة: مأخوذ من العدول عن
~~الشئ، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ (1)، إنما أراد سبحانه به:
~~أن البصر ما عدل عن رؤية جبرئيل (1) عليه السلام، بل أثبته إثباتا جليا،
~~وعرفه عرفانا حقيقيا! وقال سبحانه:
# (ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير) (2) أي: من عدل عن أمرنا،
~~وقال لبيد بن ربيعة في ذلك:
# وأحب المجامل بالجميل، وصرمه * باق إذا ضاقت وزاغ قوامها (3) أي: إذا
~~عدلت النفس عن سنن الاستقامة، فلما كان الزائغ هو العادل عن الشئ، وكان
~~الله سبحانه عادلا بالكفار عن روحه ورحمته وثوابه وجنته، من أجل عدولهم عن
~~طاعته واتباع ما أمر به من عبادته، كان مزيغا لقلوبهم، وحسن اختصاص القلوب
~~بذلك، لما تقدم من الكلام، ولو كان الله تعالى قال: فلما زاغوا عن الحق
~~أزغناهم عنه، أو لما شكوا في الدين زدناهم تشكيكا فيه، لكان لقائل مقال
~~ولطاعن مجال، فأما وليس في الكلام بيان الامر الذي أزاغهم عنه، فيجب رجوعنا
~~إلى الأدلة التي تدل على ms016 المعنى الذي يجوز في حكمته تعالى ان يعدل
# PageV00P028
# بهم عنه ويحول بنيهم وبينه، فنظرنا فوجدنا العقول توجب لمن عدل عن طريق
~~عبادته أن يعدل به عن طريق مثوبته ألا ترى إلى قوله تعالى: (ومن كان في هذه
~~أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) (1)! وليس يعمى في الآخرة عن الايمان
~~ولا يصرف إلى الكفر والضلال، إذ لا معصية ولا طاعة في الآخرة، لان العباد
~~أجمع هناك ملجئون إلى معرفة الله سبحانه، لا خلاف في ذلك، ولكنه لما كان
~~أعمى في الدار الدنيا - بمعنى الجهل بالحق والتعاشي عن الرشد - أخبر الله
~~سبحانه أنه يعميه عن النظر إلى الجنة ومواقع نعيمها ومطالع سرورها، بمعنى
~~انه يلفته عن ذلك ويصرفه عنه فوصف تعالى الذهاب في الضلال والاقتطاع عن
~~الثواب، بأنهما عمى، [وكذلك] (2) وصف عدول الانسان عن الطاعة والعدول به عن
~~طريق الثواب والجنة بأنهما زيغ.
# ومما يكشف عن ذلك أن زيغ الزائغين فعل لهم، وإزاغة الله تعالى لهم فعل
~~له، فإذا ثبت أن زيغهم عن الايمان علمنا أن إزاغتهم عن الثواب، وإلا لكان
~~الفعلان واحدا، وقد علمنا أن جهتي الفعل مختلفتان.
# فأما قوله تعالى [فهو في الآخرة أعمى] فلا يجوز أن يكون أفعل من عمى
~~العين، لان هذا الجنس مما لا يقع التزايد فيه (3)، فلا يقال:
# هذا أعمى من هذا، ولا هذا أعور من هذا، من أجل أن هذه العيوب والألوان
~~خلق في الجسد بمنزلة اليد والرجل وسائر الأعضاء المباينة
# PageV00P029
# للاحداث والأفعال. وأيضا، فان الألوان والعيوب أفعالها في الأصل على أكثر
~~من ثلاثة أحرف، لأنك تقول في الألوان: احمر، واحمار وابيض، وابياض - وفي
~~العيوب: أعور، واعوار، بالتشديد، فتبلغ بالزيادة ستة أحرف أو خمسة. ولا
~~يجوز أن يقال: هذا أفعل من هذا، إلا في ما يجوز أن يتعجب منه فيقال: ما
~~أفعله وأفعل به، وفعل التعجب إنما يجوز في ما كان ماضيه على ثلاثة أحرف
~~كفعل، مثل علم، أو فعل، مثل قتل، أو فعل، مثل ظرف، فاذن لا يجوز هذا.
# وكان شيخنا وصديقنا أبو ms017 الفتح النحوي يقول: (أما قولهم عور وحول فالأصل
~~فيه أعور واحول، لان جميع نظائره كذلك، ولان العور والحول أدخل في باب
~~الخلقة من الألوان، وليس يقال في الألوان.
# حمر ولا سود، فدل ذلك على أن أصل عور وحول التشديد، والأصل أولى بهذه
~~الأشياء). فإذا لم يجز أن يكون أعمى ههنا من عمى العين على حقيقته لم يخل
~~أن يراد به: ما قلنا من الصدوف به عن رؤية الجنة وثوابها، فكأنه أعمى عنها
~~على المجاز والاتساع، أو يكون المراد به عمى القلب من طريق الجهل، فيصح فيه
~~حينئذ لفظة أفعل، كما يقال: زيد أجهل من عمرو، فأما في قراءة من قرأ: (فهو
~~في الآخرة أعمى) على أنه اسم لذي العمى، كما يقال: رجل أعور - من غير أن
~~يكون بمعنى أفعل من غيره -، فقد يصح فيه أيضا الحمل على المعنيين
~~المذكورين، كأنه تعالى قال:
# ومن كان في هذه أعمى عن الثواب فهو في الآخرة أعمى عن الثواب، أو من كان
~~في هذه أعمى القلب من الجهل فهو في الآخرة أعمى كذلك أيضا. PageV00P030
# وقوله تعالى في آخر هذه الآية: (والله لا يهدي القوم الفاسقين) دليل واضح
~~على ما ذهبنا إليه، لأنهم لما فسقوا ابتداء من قبل أنفسهم، لم يهدهم الله
~~تعالى إلى طريق ثوابه، كما يهدي إلى ذلك من آمن به، فعلمنا أن الإزاغة لهم
~~بعد زيغهم إنما هي عن الثواب والجنة لا غير. ويجري مجرى قوله تعالى: ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم
~~قوم لا يفقهون﴾ (1) والكلام على هذه الآية كالكلام على تلك الآية.
# وروى عن بعض الصحابة في قوله تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)، قال:
~~هم الخوارج، وإن كان ابتداء الآية في ذكر قوم موسى [ع] لان الخروج من قصة
~~إلى قصة في الآية الواحدة كثير في القرآن، والقول الأول أثبت، وفي ما
~~ذكرناه من ذلك بلاغ ومقنع بتوفيق الله تعالى.
# PageV00P031
# 3 - مسألة [معنى تقليل المسلمين في أعين المشركين] وبالعكس تناقض آيتين
~~وان تقليل المسلمين ms018 خلاف المصلحة - الجواب عن الشبهة - عدد المشركين
~~والمسلمين يوم بدر - اختلاف القراءة في ترونهم - الالتفات في الكلام عند
~~العرب - معنى مثلي الشئ وكلام الفراء في ذلك - معنى رأي العين - معنى في
~~منامك: في عينك ومن سأل عن معنى قول الله سبحانه (قد كان لكم آية في فئتين
~~التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله
~~يؤيد بنصره من يشاء... الآية - 13)، فقال:
# كيف ذكر سبحانه ههنا: ان المسلمين يرون المشركين مثليهم في مرآة العين،
~~وقال في السورة التي يذكر فيها الأنفال: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في
~~أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم... الآية - 44)؟، وإذا قرنت الآيتين جامعا
~~بينهما تناقض القول فيهما!.
# وهب الآيتين لم يتناقضا. وكان تقليله تعالى للمشركين في أعين المسلمين في
~~الوقتين جميعا على حد سواء، وذلك معلوم الغرض، وهو أن المسلمين إذا رأوا
~~المشركين قليلا كان ذلك سببا لجرأتهم عليهم وطمعهم فيهم! فما معنى تقليل
~~المسلمين في أعين المشركين؟ فإن كان أريد PageV00P032
# بذلك ما أريد بتقليل المشركين في أعين المسلمين، فهو طريق غلبة الكفار
~~وجرأة الفجار، فما قولكم في الاحتجاج لذلك؟
# فالجواب: أن للعلماء في ذلك أقوالا:
# 1 - فمنها، أن يكون سبحانه قلل المشركين في أعين المسلمين، إرادة منه
~~تهوين أمر المشركين، وتصغير شأنهم عند المؤمنين، لما أراد سبحانه من نصر
~~المؤمنين عليهم، وتمكينهم من نواصيهم، لتكون الغلبة لأوليائه، والدائرة على
~~أعدائه. ثم قلل من بعد ذلك المسلمين في أعين المشركين، لغرض آخر صحيح: وهو
~~أن [يعلم المشركين] (1) أن الغلبة والظفر لم يكونا للمسلمين - مع نقصان
~~العدد وقلة المدد - إلا بامدادهم من عون الله سبحانه ونصرته وتأييده وقوته،
~~بما يقوم مقام السيوف الماضية، والجنن الواقية، والخيول المقحمة، والكتائب
~~المقدمة، فقللهم في أعينهم ليعلموا أن الله سبحانه ناصرهم ومعينهم، وليتحقق
~~المشركون أن الله خاذلهم وموهن كيدهم، فيبعثهم بذلك على الدخول في الدين،
~~وطاعة النبيين.
# وقوله سبحانه: (ليقضي الله أمرا كان مفعولا) يوضح عن ذلك، لان الامر
~~المفعول هو غلبة المؤمنين دون الكافرين، وقوله سبحانه في ms019 الآية المتقدمة:
~~(والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الابصار) دليل على ذلك
~~أيضا، لأنه سبحانه جعل تلك الحال آية ودليلا على أن نصر المؤمنين من قبل
~~الله تعالى، وجعله عبرة
# PageV00P033
# للمتفكرين، من حيث كان النصر مع القلة، والخذلان مع الكثرة، وهذا موضع
~~العبرة. وقال صاحب هذا القول: (وقد يجوز أيضا أن يكون الله سبحانه قلل
~~المؤمنين في أعين المشركين، لتشديد المحنة عليهم). والقول الأول أسد وأقوم.
# 2 - وقول آخر: وهو أن يكون المراد بذلك أن المسلمين يرون المشركين
~~مثليهم، وذلك أن المسلمين كانوا ببدر ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا، وكان
~~المشركون تسعمائة وخمسين رجلا، فقلل الله سبحانه المشركين في أعين
~~المسلمين، حتى رأوهم مثليهم في العدد: [ستمائة ونيفا وعشرين رجلا]، فهذا
~~موافق لقوله سبحانه: [وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في
~~أعينهم]، والغرض في تقليلهم في أعين المشركين أن يطمع المشركون فيهم،
~~فيقدموا عليهم، فإذا لابسوهم أظفرهم الله بهم، وأطال أيديهم في قتلهم، فكان
~~ذلك [أجدى] (1) عليهم من أن يهابوهم فيحجموا عنهم، فلا يصلوا إلى شفاء
~~النفوس من قتلهم، وأحراز الغنائم من أموالهم، وهذا على قول ابن مسعود
~~والحسن البصري، لان الفئة الرائية عندهما هم المسلمون، والمرئبين هم
~~الكافرون.
# 3 - وقول آخر (ومثله محكي عن ابن عباس). قال: [هذه الآية خطاب ينصرف إلى
~~اليهود، والدليل على ذلك قوله تعالى في الآية التي قبلها: (قل للذين كفروا
~~ستغلبون وتحشرون إلى جهنم
# PageV00P034
# وبئس المهاد ٧)، ثم قال سبحانه عقيب ذلك: [قد كان لكم آية في فئتين..
~~الآية]، والمراد بذلك التخويف لهم من فل شوكتهم على حدتها، وتوهين عدتهم
~~على كثرتها، فضرب تعالى لهم المثل بالفئتين الملتقيتين يوم بدر، وهم يرون
~~إحداهما أضعاف الأخرى، فنصر الله القليلة المؤمنة، حتى اجتاحت الكثيرة
~~الكافرة].
# وهذا المعنى يكون على قراءة من قرأ ترونهم مثليهم بالتاء المعجمة (١) من
~~فوقها، كأنه قال: ترون أيها اليهود - الذين الخطاب معهم - إحدى الفئتين
~~[وهي المؤمنة] مثلي الفئة الأخرى (وهي الكافرة)، وقد يجوز أن يكون الخطاب
~~أيضا لليهود ms020 على قراءة من قرأ يرونهم بالياء المعجمة من تحتها، لان للعرب
~~مذهبا في خطاب الحاضر، ثم الانتقال عنه إلى خطاب الغائب، وعلى ذلك قوله
~~سبحانه: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك
~~وجرين بهم بريح طيبة...﴾ (2)، وعكس أيضا مثله وهو الابتداء بخطاب
~~الغائب، ثم الانتقال عنه إلى خطاب الحاضر، وعلى ذلك قوله تعالى: (وسقاهم
~~ربهم شرابا طهورا. إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا) (3) فأما من قرأ
~~ترونهم بالتاء المعجمة من فوقها، فهي القراءة التي
# PageV00P035
# قرأنا بها لنافع بن أبي نعيم المدني، وقرأنا للباقين من السبعة يرونهم
~~بالياء معجمة من تحتها. وحكي عن أبي عبيدة: أن من قرأ يرونهم بالياء فإنما
~~أراد: أن المشركين يرون المسلمين مثليهم في رأي العين، وليس هذا بناقض
~~لقوله تعالى في السورة الأخرى: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا
~~ويقللكم في أعينهم)، فان تكثير المسلمين في أعين المشركين في بعض المواطن،
~~إنما يكون لالقاء الرعب في قلوب المشركين وتخويفهم من شوكة المؤمنين، ليكون
~~ذلك سببا لوهن أيديهم، وانعكاس مراميهم، ويكون تقليل المسلمين في أعين
~~المشركين في بعض المواضع للغرض الذي قدمنا ذكره، وهو غرض صحيح، وفيه لطف
~~عجيب:
# وهو أن يراد بذلك التقليل أن يطمع المشركون فيهم، فيكون ذلك سببا
~~لاقدامهم عليهم، فإذا وقع الخلاط (1) والملابسة، كان النصر للمؤمنين،
~~والدائرة على الكافرين، فيتعجلون إزهاق نفوسهم، واصطفاء أموالهم، ولم تطل
~~المحاجزة (2) بينهم، فيكون في ذلك ضرر على المسلمين، لتأخير الله سبحانه
~~إنجاز وعدهم بالنصر، وملء أيديهم من النفل والغنم (3)، وهذا غرض بين، لطف
~~نير.
# 4 - وحكي عن الفراء: أنه قال: معنى ترونهم مثليهم رأي العين:
# أن تروهم ثلاثة أمثالهم. قال (4) (لأنك إذا قلت: (عندي
# PageV00P036
# ألف وأحتاج إلى مثليها) فأنت تحتاج إلى ثلاثة آلاف)، وقد رد هذا القول
~~عليه جماعة علماء النحو البصريين، وبعض من على مذهبه من الكوفيين فأما
~~المفضل بن سلمة الكوفي منهم، فإنه جرد الرد في كتابه الملقب ب (ضياء
~~القلوب في معاني القرآن) وبينه، ولم أعرف من تعاطى ms021 نصرته في هذا القول من
~~الكوفيين، إلا أبا بكر بن الأنباري، فإنه تكفل بذلك في كتابه الذي وسمه ب
~~(مشكل القرآن)، والصحيح المعمول عليه غير ما ذكره.
# فمما قاله من رد على الفراء قوله المقدم ذكره: (أن الغلط في هذا الباب
~~غلط في جميع المقايس المعلومة والمعقولة والأشياء، لأنا إنما نعقل مثل الشئ
~~مساويا له، ونعقل مثليه ما يساويه مرتين، فإذا جهلنا المثل فقد بطل
~~التمييز، وإنما قال الفراء ذلك، لان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله كانوا
~~يوم بدر ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا، وكان المشركون تسعمائة وخمسين رجلا،
~~فأتي من ههنا، والذي قاله يبطل من جهة اللفظ والمعنى جميعا:
# فأما من جهة اللفظ فلان من قال لغيره: مالي مثلا مالك - وكان مال الأول
~~ألفا -، فالمفهوم أن مال الآخر ألفان، لا يصح غير ذلك.
# وأما من جهة المعنى فلان في هذا القول إبطال الآية المعجزة (في) (1)
# PageV00P037
# هذه الحال، لان المسلمين إذا رأوا المشركين على هيئتهم وصحيح عدتهم، فليس
~~في ذلك آية تدل على الاختصاص لهم، والتمييز من غيرهم، (فمن) (1) زعم أن
~~الآية في هذا غلبة القليل الكثير، فقد أبطل أيضا، لأنه كثير ما يغلب العدد
~~القليل العدد الكثير.
# وإنما الصحيح أن يكون وجه الآية من هذا ان المشركين كانوا تسعمائة وخمسين
~~رجلا، وكان المسلمون ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا، فأرى الله سبحانه المسلمين
~~أن عدة المشركين ستمائة وكسر، وأرى الله المشركين أن المسلمين أقل من
~~ثلاثمائة، والله سبحانه قد قدم إعلام المسلمين أن المائة منهم تغلب
~~المائتين، فأراهم تعالى عدة المشركين على القدر الذي أعلمهم أنهم يغلبونهم
~~- إذا كانوا عليه - لطفا لهم وتقوية لقلوبهم، وأرى الله سبحانه المشركين
~~المسلمين أقل من العدة التي كانوا عليها في الحقيقة، والقى مع ذلك الرعب في
~~قلوب المشركين، فكانوا يرون العدد قليلا ويحسون الرعب كثيرا، فكان سببا
~~لضعف (منهم) (2) وانحلال عقدهم.
# والدليل على صحة هذا القول قوله سبحانه: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في
~~أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا)، فهذا موضع ms022
~~الآية المعجزة: ان رأى كلا الفريقين كل واحد منهما على خلاف صورته، وعلى
~~نقصان من عدته، ليتم الغرض المقصود بذلك).
# PageV00P038
# وهذا القول فحوى كلام أبي إسحاق الزجاج في الرد على الفراء، وقال المفضل
~~بن سلمة في ذلك: (اما قول الفراء في الاستشهاد على أن المراد بمثليكم ثلاثة
~~أمثالكم: (إن القائل يقول - وعنده عبد له -:
# احتاج إلى مثلي عبدي، فهو محتاج إلى ثلاثة أمثاله)، لا يقوم في العقل،
~~وذلك أن عبده قد حصل له واستغنى عن طلبه، وإنما تقع حاجته على المثل
~~والمثلين). قال: (ولو كان الامر كذلك، كان إذا دفع الرجل إلى آخر درهما،
~~وقال: أعطني مثل درهمين طيبا، أعطاه مثليه مرتين، أو قال: أعطني مثليه،
~~أعطاه ثلاثة أمثاله، وهذا يوجب أن يكون المثل في الاعداد والأوزان غير
~~معلوم ولا مضبوط، وذلك غير صحيح).
# 5 - وقد قال بعض العلماء أيضا: (إن قال قائل: كيف ذكر سبحانه ان المسلمين
~~كانوا يرون المشركين مثليهم، وكان المشركون ثلاثة أمثالهم (على ما ذكرناه
~~في ما تقدم)؟ فجوابه: أنهم وإن كانوا ثلاثة أمثال المسلمين، فلم يخرجوا من
~~أن (يكونوا) (1) مثليهم، لان فيهم هذا القدر والزيادة على ذلك من الفضل)
~~وهذا القول عندي غير سديد، وذلك أنه تعالى قال: (يرونهم)، فعم جميعهم
~~بالرؤية على تلك الصفة، ولو كان الامر على ما ذهب إليه هذا القائل، لكان
~~هذا الكلام لغوا وعيا يتعالى الله عنه، لأنه كان يقوم مقامه أن يقول:
~~يرونهم ثلاثة أمثالهم على ما هم عليه في الحقيقة، إذا كان يريد بقوله:
~~(يرونهم مثليهم): أن عدد بعضهم كذا،
# PageV00P039
# وهناك زيادة أخرى على هذا القدر، فلا فائدة في ذلك ولا اعتبار بما هذى به
~~الفراء من قوله: إن المراد بمثليهم ثلاثة أمثالهم، للوجوه التي ذكرناها
~~فيما يفسد به قوله ويظهر زلله.
# ٦ - وقال بعضهم: إنه لا تناقض بين قوله تعالى: (يرونهم مثليهم رأي العين)
~~- ويعني رؤية المسلمين للمشركين -، وبين قوله تعالى في السورة الأخرى: (وإذ
~~يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا)، لان التقليل كان قبل الالتقاء ليطمع ms023
~~المسلمون في المشركين، فلما التقوا واستحرت الحرب، فظهرت أمارات النصر،
~~رأوهم مثليهم حينئذ، ليعلموا ان الله سبحانه هو الذي قواهم على دفعهم
~~وأعانهم على فلهم، مع وفور عدتهم واشتداد شوكتهم، فكان في ذلك آية لهم
~~وتصديق لقول الرسول [ص] فيهم، لأنه عليه السلام قد كان أخبرهم بأن الله
~~ناصرهم وخاذل عدوهم، ولقول الله تعالى: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم... الآية﴾
~~(1) حتى أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول لهم قبل الحرب: هذا مصرع
~~فلان، وهذا مصرع فلان، من أعدائهم، فصرعوا في تلك المواضع بأعيانها، وفي
~~ذلك أكبر آية، وأوضح حجة.
# 7 - وقال بعضهم: (و) (2) قد يجوز أن يكون معنى قوله تعالى:
# (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا) هو: أنهم يرونهم على حال وهن
~~في القتال وهوان عليهم عند اللقاء، لا أن المسلمين يرون المشركين
# PageV00P040
# أقل من العدد الذي كانوا عليه في الحقيقة، كما يرى الانسان الثلاثة
~~اثنين، وهذا كما يقول القائل لجماعة من أعدائه: إني لأرى كثيركم قليلا،
~~وخطبكم يسيرا، على المعنى الذي ذكرناه، ويكون تقليل المسلمين في أعين
~~المشركين الذي ذكره الله تعالى بقوله: (ويقللكم في أعينهم) على هذا الوجه
~~أيضا، كما ذكرناه أولا، ليطمع المشركون فيهم فيقدموا عليهم، ويجعل الله من
~~بعد [الدابرة] (1) على المشركين، والعاقبة للمتقين، وتفترق الرؤيتان على
~~حال القلة والهوان، فيكون ما يراه المسلمون من قلة المشركين سببا لقوة
~~قلوبهم وطريقا للطمع فيهم، ويكون ما يراه المشركون من قلة المسلمين سببا
~~لسرعة الاقدام عليهم، ولئلا يقفوا عنهم هيبة لهم، فيطول التحاجز بينهم،
~~فإذا أسرعوا إليهم منح الله المسلمين النصر والاظهار على جماعتهم، وأظفر
~~أولياءه بهم، وأنجز لهم وعده فيهم، فتكون القلة التي ترى بالمسلمين مفضية
~~إلى كثرة وعزة، والقلة التي ترى بالمشركين مفضية إلى ذلة وشقوة.
# 8 - وقال قاضي القضاة أبو الحسن: (معنى قوله تعالى: (قد كان لكم آية في
~~فئتين التقتا...) يحتمل أن يراد بذلك حجة ودلالة، ويحتمل أن يراد به: أمارة
~~وعلامة (2) تقوي ظنكم ms024 فيما خبرتم به من النصر والاظهار (3)، لتأمنوا ما
~~خفتم وقوعه من غلبة الكفار، لكن
# PageV00P041
# الآية إذا أضيفت إلى الأنبياء عليهم السلام، واليه تعالى فيهم، فالأقرب
~~أن يراد بها الحجة، وهذا يوجب ان في الذي جرى يوم بدر دلالة الرسالة، من
~~حيث ظهور الآية المعجزة. فان قيل: فما تلك الآية؟ قيل: قد ذكر في ذلك
~~أشياء: منها أنه تعالى قلل المشركين في أعين المسلمين، حتى ظنوا أن عددهم
~~مثلا عددهم، وقد ضمن لهم في الجهاد أن تغلب المائة منهم المائتين من غيرهم،
~~فكانوا على ثقة من حصول النصرة لهم، (إذ) (1) كانت الحال هذه.
# فان قيل: فيكف يجوز أن يروهم مثليهم، وهم ثلاثة أمثالهم، ويؤكد تعالى ذلك
~~برأي العين؟ أوليس هذا يوجب أن يكونوا رأوا الشئ أقل مما هو عليه، وذلك غير
~~جائز؟!
# قيل: إن العدد إذا كثر خصوصا عند القتال والمجادلة، حدث في الهواء كدر
~~وقترة، فيجوز أن يكون ذلك حائلا دون رؤية جميعهم، وممكنا من رؤية بعضهم، مع
~~سلامة البصر، لأجل ما ذكرناه من الموانع فيظن بهم القلة وان كانوا كثرة،
~~ويجوز أن يكون تعالى منع من رؤية الثلث منهم منفردا بما يحدث في الهواء من
~~الموانع، فيصح حمله في الوجه الأول على الظن، وفي الوجه الثاني على العلم.
# هذا إذا حمل على أن المسلمين هم الذين رأوا المشركين مثليهم، فأما إن حمل
~~على أن المشركين هم الذين رأوا المسلمين على تلك الصفة من كثرة العدد،
~~فالوجه في ذلك أنه تعالى كثر المسلمين في أعينهم لايقاع الرعب في قلوبهم،
~~لكن ذلك لا يمكن حمله على رؤية العين على الحقيقة، لان القليل
# PageV00P042
# لا يجوز أن يراه أحد كثيرا، فلا بد من حمله على طريقة الظن لبعض
~~الامارات، ويجوز أيضا أن يحمل على أنه تعالى أراهم بعض الملائكة معهم
~~فكثروا عدتهم، والأول أقرب، لان الكلام على الفئتين، ولم يجر معهما ذكر
~~للملائكة.
# قال: (فان قيل فكيف يصح ما ذكرتم أولا مع قوله تعالى في السورة الأخرى:
~~(وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم ms025 قليلا ويقللكم في أعينهم... الآية)؟.
~~أوليس ذلك يوجب انه تعالى قللهم في أعين المشركين، وهذا مع ذلك يتناقض؟!
~~فالجواب: أن التقليل والتكثير يكونان بالإضافة، لا حد لهما يقفان عليه،
~~ويفارق ذلك مثلي العدد، لأنه حد يقتضي أن يكون مثل المذكور مرتين (1)، فإذا
~~صح ذلك لم يمتنع أن يري الله المشركين أن المسلمين مثلا ما هم عليه كما
~~توجبه هذه الآية، ومع ذلك يرونهم قليلا بالإضافة إلى عددهم، لأنهم مع كونهم
~~مثلي ما هم عليه أقل من عدد المشركين (2)، ويحتمل أيضا أن يريد بذلك القلة
~~بمعنى الضعف لا بمعنى العدد، وإذا حمل على هذا الوجه زال التناقض.
# هذا على التأويل الذي ذكرناه، فأما إذا حمل قوله تعالى. (يرونهم مثليهم)
~~على أن الرائين هم المسلمون، والمرئيين هم المشركون، فالمسألة زائلة.
# PageV00P043
# ثم قال: (قد بينا في معنى (رأى العين) ما تزول معه الشبهة، لأنه إن كان
~~هناك منع من رؤية جميعهم، فلم يروهم إلا مثليهم على التحقيق، وإن كان
~~المراد بذلك طريقة الظن، فهو محمول على الامارة، والرؤية مشتركة مستعملة في
~~الادراك، وفي العلم، وفي الظن، فإذا كان المظنون من باب ما يرى وتظهر
~~أمارته عيانا، جاز أن يوصف بذلك).
# قلت أنا: إن الله سبحانه قد بين الغرض في تقليل المشركين في أعين
~~المسلمين في السورة التي يذكر فيها الأنفال قبل الآية التي ذكرناها، وهو
~~قوله تعالى: (إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم
~~ولتنازعتم في الامر... الآية - 43)، ثم أعقب تعالى ذلك بأن قال: (وإذ
~~يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا... الآية) فوجب أن تكون رؤية النوم
~~ورؤية اليقظة يجري بهما إلى غرض واحد، وقد بين تعالى: أنه أرى رسول الله
~~صلى الله عليه وآله في منامه جمع المشركين قليلا لئلا يفشل المسلمون ويهنوا
~~ويتواكلوا ويجبنوا، ولتقوى قلوبهم وتشتد (منهم) (1) بقلة عدد عدوهم، فيجب
~~أن يكون ما أراه الله سبحانه من قلة المشركين في اليقظة مرادا به هذا
~~المعنى، فأما تقليل المسلمين في أعين المشركين، فقد ذكرنا الغرض فيه متقدما ms026
~~فلا معنى لإعادته، وإذا كانت رؤية المنام على الحال المؤنسة، كثيرا ما تقوى
~~بها النفوس وتطمئن إليها القلوب، حتى تزيد في انشراح الصدر وتؤثر في اشتداد
~~الأزر،
# PageV00P044
# فرؤية اليقظة التي معها ثلج الصدور وبرد اليقين أولى أن تبلغ في هذا
~~الباب الغاية الكبرى، وتؤمي إلى الغرض الأقصى، فأما ما قاله بعض المفسرين:
~~من أن المراد بقوله تعالى: (في منامك) إنما هو في عينيك، وإنما عبر بالمنام
~~عن العين لان بها يكون النوم، فهو قول ظاهر التعسف شديد التكلف، لا ينبغي
~~أن يعتمد عليه ولا يلتفت إليه، لان الأثر أولا قد جاء بذكر ما أرى الله
~~تعالى رسوله صلى الله عليه وآله من تلك الحال في منامه، ولان العبارة عن
~~العين بالمنام فيها تلبس على السامع، وعدول في الفصاحة عن الطريق الواضح،
~~ولو كان الامر كذلك لكان قوله تعالى من بعد: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في
~~أعينكم قليلا) قد أغنى عن الرؤية المذكورة في الآية المتقدمة الخاصة للنبي
~~[ص]، وكان ذلك الاختصاص للنبي [ص] بالتقليل في عينيه لا فائدة فيه، لان ما
~~جاء بعده كاف منه، فإنه سبحانه إذا قال للمسلمين (والنبي صلى الله عليه
~~وآله فيهم): (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا) فقد دخل النبي في
~~جملتهم وصار رائيا لذلك معهم، فلما أفرده تعالى في الآية المتقدمة باختصاص
~~الرؤية على تلك الصفة، علمنا أن ذلك في حال المنام، وأن رؤية المسلمين -
~~وهو صلى الله عليه وآله معهم - لما رأوه من قلة المشركين، في حال
~~الاستيقاظ، واختلفت الحالات وانتظم الكلام، وإنما أراد سبحانه أن يجمع لهم
~~رؤية القلة في حال النوم واليقظة، ليكون ذلك أقوى لنفوسهم، وأنفذ لبصائرهم،
~~وأشد لمعاقد عزائمهم. PageV00P045
# فصل (معنى النصر والخذلان من الله تعالى) وأما قوله تعالى: (والله يؤيد
~~بنصره من يشاء) فربما تعلق به متعلق، فقال: إذا أضاف تعالى النصر إلى نفسه
~~فيجب أن يكون من فعله، حتى أن الغالب تكون غلبته بنصر الله، والمغلوب تكون
~~صرعته بخذلان الله، وهذا خلاف مذهبكم!
# فالجواب: أنا قدمنا ms027 في صدر هذا الكتاب من الكلام في حقيقة النصر
~~والخذلان، ما يغني عن تكلف إعادة شئ منه، إلا أننا لا نخلي هذا الموضع من
~~يسير من القول في ذلك: يبلغ قدر الكفاية، ويقيم عمود الحجة بتوفيق الله،
~~فنقول:
# إن النصرة قد تكون بالحجة إذا ظهرت للمؤمن على عدوه عند المنازعة، وقد
~~تكون بما يحصل له من التعظيم والكرامة، وللكافر من الإدالة (1) والإهانة،
~~وقد تكون في الحرب بالظفر والغلبة، وقد تكون بتحمل المشقة فيما يؤدي إلى
~~الاجر والمثوبة، فلذلك قلنا: إن المؤمنين إذا غلبوا في الدنيا لم يخرج
~~الكفار مع ذلك من أن يكونوا مخذولين، من حيث كان ما فعلوه مؤديا إلى عظم
~~النكال، وأليم العقاب، ولم يخرج المؤمنون من أن يكونوا منصورين، من حيث
~~كانوا يستحقون من الله تعالى
# PageV00P046
# الثواب الجزيل والمقام الشريف، والله تعالى يؤيد المؤمنين في حروب
~~الأعداء، وينصرهم بضروب من الألطاف: فتارة ينصرهم بأن يمدهم بالملائكة،
~~وتارة ينصرهم بأن يخطر ببالهم ما أعد لهم من نعيم الجنة، فتقوى بذلك
~~أنفسهم، وتثبت أقدامهم، ويتضاعف إقدامهم، وقد يؤيدهم أيضا بالقاء الخوف في
~~قلوب أعدائهم، فيكون ذلك سببا لتمكين المؤمنين من نواصبهم، وإنزالهم من
~~صياصيهم (1). وربما علم تعالى في بعض المواطن أن الصلاح في ألا يؤيدهم بشئ
~~من ذلك، فيحملهم التكليف الصعب، ويلزمهم الشاق من الامر، إذا علم تعالى أن
~~فيه الصلاح لهم، فلا يكون مؤيدا لهم في باب الظفر والغلبة، وإن كان فاعلا
~~بهم الأولى في باب المصلحة، وما ذكرناه في هذه المسألة كاف بتوفيق الله
~~تعالى.
# PageV00P047
# 4 - مسألة (تزيين حب الشهوات) الجواب عن الشبهة - الشيطان هو المزين لحب
~~الشهوات - ما في الدنيا من لذائذ وآلام مثال لما في الآخرة - معنى أقوى
~~وأنجد وأتهم وأمثالها في اللغة - تمييز الكلام في المسألة وتقسيمه ومن سأل
~~عن معنى قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير
~~المقنطرة من الذهب والفضة...
# الآية - 14)، فقال: إن كان الله تعالى هو المزين للناس حب هذه الأشياء
~~المذكورة، وهي الداعية إلى كثير من المعاصي ms028 والشاغلة عن كثير من الطاعات،
~~فذلك خلاف ما تقولونه!، وإذا ثبت انه سبحانه هو المزين لها فلم زهد فيها
~~وذم طالبيها؟ وفي ذلك ضروب من المناقضة!
# فالجواب: أنه قد تقدم في أوائل كتابنا هذا من الكلام على جملة هذا الباب
~~- أعني: التزيين والاغواء وما يجري مجراهما - ما فيه كفاية، إلا (اننا) (1)
~~نذكر ههنا ما يكشف عن الغرض، ويصدع سدفة (2) الريب والشك، بتوفيق الله
~~تعالى، فنقول:
# قد قال العلماء في ذلك أقوالا (3) 1 - فأحدها، أن الله سبحانه خلق هذه
~~النعم التي (فصلها) (4)
# PageV00P048
# وفصل جملها في الدنيا، وخلق عباده غير ممتنعين من (حب) (1) الاستكثار
~~منها والانغماس فيها والادخار لها، ثم نعبدهم تعالى في ذلك بخلاف ما في
~~طباعهم وما عليه فطرة خلقهم، فأمرهم بأن يأخذوا الأشياء من وجوهها المباحة
~~التي حللها، يعدلوا عما خطر عليهم منها، ولم يأمرهم بشئ مما يحاربون فيه
~~عواصي طباعهم، ويجاهدون نوازغ (2) نفوسهم، إلا وقد جعل فيهم من القوى
~~والقدر (3) والاعتصام والجلد شككا (4) قوية وأسلحة معنية (5): يمتنعون بها
~~في حرب الطباع، على قراع الشيطان، لأنه تعالى لم يأمرهم بشئ إلا وقد جعل
~~لهم الطريق إلى تركه.
# 2 - وقول آخر. قال بعضهم:
# معنى [زين للناس حب الشهوات]؟. يقول: زين لهم الشيطان حبها، لان الله
~~سبحانه قد نهى عنها وزهد فيها، وقد قال الحسن البصري: ما نعلم أحدا أشد ذما
~~لها من الذي خلقها، فكأن الشيطان دعاهم إلى موافقة طباعهم، فأتبعوا أمره،
~~وخالفوا أمر الله سبحانه، وذلك كما يقول الرجل: زينت فلانا في عين الأمير،
~~إذا اثنى عليه عنده، وقربه من قلبه، وأحسن محضره في عينه، وقد قال سبحانه:
~~[وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم] (6) فالأولى أن ينسب التزيين إلى من عادته
~~التزيين، وهو الشيطان، وينسب التزهيد
# PageV00P049
# إلى من عادته التزهيد، وهو الله تعالى، وأي تزهيد أعظم من قوله سبحانه
~~عقيب هذا الكلام: (ذلك متاع الحياة الدنيا) وقوله تعالى في موضع آخر: ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع
~~الغرور﴾ (١)، فخبر سبحانه أن الحياة الدنيا ظل زائل، ms029 وسنان مائل، وخضاب
~~ناصل.
# ٣ - وقول آخر. قال بعضهم: خلق الله هذه الأشياء إذ خلقها، ليدل بما فيها
~~من النعيم الفاني على ما في الآخرة من النعيم الباقي، وجعل طباع الخلق
~~منازعة إليها وراغبة فيها، فهي مزينة من هذا الوجه الذي ذكرناه، وإنما
~~تزيينها المذموم هو تحسين الاقدام عليها من الوجه المحظور، والله سبحانه قد
~~أمر عباده بالكف عنها والترك لها، لينالوا بترك الاقدام على شهواتهم
~~العاجلة ما وعدهم به من النعم الآجلة، والنعيم الدائم الذي لا شوب فيه ولا
~~انقطاع له، كما قال تعالى: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن
~~عملا﴾ (٢)، وهذا ناطق بالغرض الذي ذكرناه، وكذلك خلق سبحانه المصائب
~~والآلام في الدنيا، ليدل بها على ما في الآخرة من مقادير العقاب ومآلم
~~العذاب، فيكون ذلك زاجرا عن مواقعة الخطيئات وارتكاب المحظورات، وعلى هذا
~~فسر قوله سبحانه في صفة النار: ﴿نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين﴾ (3)، فكأنه
~~سبحانه قال: إنما خلقنا النار في الدنيا وعرفنا أليم وقعها، ومضض لفحها،
~~لنذكر بذلك نار الآخرة، التي أوعدنا بها الكفار والعصاة، فيكون الزجر أبلغ.
~~والانزجار
# PageV00P050
# أكثر. و (المقوون): ركاب القواء. وهي: الأرض القفر.
# وإنما خص سبحانه المسافرين بأن النار متاع لهم - وإن كانت أيضا متاعا
~~للمقيمين - لان الحاجة إليها في السفر أكثر، وعدمها فيه أضر.
# وقد قيل أيضا: إن المقوين: النازلون بالقواء والساكنون فيه.
# وكان صديقنا الشبثي رحمه الله يقول في هذا: (إن الأولى أن يكون المراد
~~بالمقوين ههنا المسافرين، وعلى هذا مذهب العرب، ألا تراهم يقولون: أتهم
~~الركب، وأنجد القوم، وأشأم الحي، إذا ساروا فبلغوا هذه المواضع!، ولا يقال
~~للنازل بتهامة: متهم، ولا للنازل بنجد منجد وإنما الأعرف أن يقال: حل نجدا،
~~وسكن تهامة، ألا ترى إلى قول الشاعر: (1) نبي يرى ما لا ترون وذكره * أغار
~~لعمري في البلاد وأنجدا أي: ذهب ذكره ههنا وههنا، وما أراد: أنه أقام ذكره
~~قاطنا بنجد والغور، لان الأول امدح وأفصح، فإذا ms030 كان الامر كذلك فقولهم:
~~أقوى الرجل، مثل قولهم: أنجد، أي: ركب القواء مسافرا). ولعمري إن هذا الذي
~~ذكره هذا الرجل قول يقال مثله ويذهب نحوه!
# ومما يجري هذا المجرى ما فسره لنا شيخنا أبو الفتح عثمان بن جني عند
~~القراءة عليه - وقد مضى - قول الشاعر (وهو الأخطل) في تشبيه الناقة بالحمار
~~الوحشي:
# PageV00P051
# كأنها واضح الاقراب في لقح * أسمى بهن وعزته الأناصيل (1) قال: (أراد
~~بقوله: (أسمى بهن) أي: ركب بهن السماوة، وهو يعني بهن: الحمار وأتنه، وهذا
~~مثل قولهم: أنجد وأتهم).
# وقد ذهبنا عن سنن الكلام في معنى المسألة بعيدا، فلنعد الآن إليه!،
~~فنقول:
# إن أبا علي محمد بن عبد الوهاب قد ميز الكلام من هذه المسألة تمييزا
~~حسنا، وقسمه تقسيما واضحا، لان من تقدم من العلماء ذهب في ذلك إلى أحد
~~مذهبين - كما ذكرنا -: فمنهم من قال: إن التزيين مضاف إلى الشيطان، لان
~~الله سبحانه قد بغض إلى الناس الدنيا وذمها وحذر من الغرور بها، فليس يجوز
~~أن يضاف إليه التزيين لها، وقد ظهر تنفيره عنها. ومنهم من قال: أن التزيين
~~مضاف إليه تعالى، لان ذلك من تمام التكليف، إذ لولا تزيينه لهذه الأمور لم
~~تشتد المحنة في باب التكليف.
# فقال أبو علي: (إن المراد بالشهوات ههنا الأشياء المشتهاة، لأنه قد يقال
~~- في سعة اللغة - لما يشتهيه المرء: إنه شهوته، وإن المشتهى قد يكون (حبه)
~~(2) حسنا، وقد يكون قبيحا، لأنه يكون من وجه يحل ومن وجه يحرم، لان حب ذلك
~~هو إرادته، فقد يكون طاعته
# PageV00P052
# وقد يكون معصية، فإن كان ذلك معصية فالشيطان زينه ودعا إليه، وإن كان ذلك
~~طاعة أو مباحا (1)، فالله سبحانه زينه وأمر به المؤمنين (2)) ومن الدليل
~~على ذلك أن الله سبحانه - كما قلنا في ما تقدم - قد ذم أهل الدنيا بميلهم
~~إليها، وعابهم بحبهم لها، ولم يكن سبحانه ليزين شيئا عند المكلفين ويحببه
~~إليهم، فإذا أحبوه لأمهم عليه وعيرهم به، فعلمنا بذلك أن تزيين ما ذمه
~~وعابه من فعل غيره لا من فعله، ونعني بهذا: التزيين ms031 المذموم الذي هو ركوب
~~المحارم، واحتقاب المآثم، فأما ما كان من القرب والطاعات وسائر المباحات،
~~فهو على ما قال مما يجوز أن ينسب إلى تزيين الله تعالى، بمعنى: أنه جعله
~~حسنا ولم يجعله قبيحا، ألا ترى إلى قوله تعالى من بعد هذه الآية: (قل
~~أؤنبؤكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار...
# الآية - 15)!، ولا يجوز أن يبعث الله تعالى على هذا الامر الذي هو خير من
~~الأول وأفضل، وهو مع ذلك مزين للامر الأول لان تزيين الثاني يؤثر في تزيين
~~الأول
# PageV00P053
# فصل (شهوة القبيح) يتضمن طرفا من الكلام في الشهوة يحتاج إليه في هذا
~~الموضع فان قال قائل: إذا كانت الشهوة على قولكم من فعل الله تعالى، فيجب
~~ألا يكون فيها شهوة القبيح، لأنه سبحانه لا يفعل القبائح عندكم، وإلا كان
~~ذلك ناقضا لقولكم!
# قيل له: إنما كان يجب ما ذكرته لو ثبت أن تعلق الشهوة بالقبيح يقتضي
~~قبحها، كما نقوله في الإرادة، فلما لم يجب ذلك، كما لا يجب مثله في القدرة
~~والعلم والخبر لأنها أجمع وإن تعلقت بالقبيح، فهي حسنة فان قال: فيجب أن
~~تكون كالإرادة، لأنها تدعو إلى القبيح (1) وتخالف سائر ما ذكرتموه. قيل له:
~~إنما كان يجب ذلك لو ثبت في الإرادة أنها داعية إلى القبيح، وأنها قبحت
~~لهذه العلة، ونحن لا نسلم أنها داعية إلى ذلك، لأنها تابعة للمراد فيما
~~تدعو إليه (2) لا أنها هي الداعية إليه،
# PageV00P054
# وإنما يصح قياس الفرع على الأصل، لعلة موجودة فيهما، فإذا لم توجد العلة
~~في الأصل فالقياس مطرح فان قال: إذا قبحت الإرادة مع أنها تتبع المراد في
~~الداعي، فالشهوة للقبيح - إذا كانت بنفسها داعية إليه - أولى بأن تكون
~~قبيحة. قيل:
# هذه دعوى كالدعوى الأولى، لا دليل على صحتها (1)، ألا ترى أنه إذا أراد
~~القبيح من فعل الغير قبحت الإرادة، وإن لم يصح ما ذكرته فيها!
# وحقيقة الشهوة: أنها كالقدرة، (2) (لان متعلقها بالقبيح، تردد الداعي بين
~~الحسن والقبيح، فيصح التكليف، كما أن تعلق القدرة ms032 بالقبيح يصح اختياره على
~~الحسن أو اختيار الحسن عليه، فيجب أن يكون
# PageV00P055
# حسنة)، لا سيما وقد ثبت أنه لا نظير لها في الشاهد يعتبر حالها به في حسن
~~أو قبيح، فيجب أن يرجع في جنسها إلى أنها من فعله تعالى، وقد ثبت أنه لا
~~يفعل القبيح، وإن كان وجه حسنها يعبر بما ذكرناه في أثناء هذا الكلام، وهذا
~~كاف بحمد الله تعالى 5 - مسألة (شهادة الله لنفسه) كيف يشهد الله لنفسه؟ -
~~الجواب عن الشبهة - معنى الشهادة: القول - شهد بمعنى: قضى - تقديم وتأخير
~~في الآية - معنى الشهادة: بيان الأدلة ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (شهد
~~الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم... الآية - 18)، فقال: هذه
~~شهادة منه سبحانه لنفسه، وقد استقر العرف بيننا على أن الشهادة إنما تكون
~~لمن ادعى حقا من الحقوق، أو أمرا من الأمور، بأن يشهد له غيره، لا أن تشهد
~~له نفسه، وبعد فمنزلة الشاهد فيما يتعارف أنقص من منزلة المشهود عنده!
~~PageV00P056
# فالجواب: أن في هذه المسألة أقوالا: - ١ - أحدها، أن تكون شهادته تعالى
~~بذلك، ليعلم عباده به، ويبينه لهم ويحققه عندهم، لان الشاهد إنما يعلم غيره
~~الشئ المشهود به، ويحقق عنده صحته، وكذلك البينة، إنما سميت: بينة، لأنها
~~تبين الحق، وتكشف اللبس، والشهادة في الأصل: طريق للعلم، ويوصف المؤدي بأنه
~~شاهد، إذا كان أداؤه طريقا للعلم الحاصل لغيره. وأما شهادة الملائكة وأولي
~~العلم، فهي أيضا إعلام لمن سواهم من الخلق: أن الله تعالى واحد، وأنه عادل،
~~ليقروا بذلك، ويعلموا أن الله تعالى وملائكته وأولي العلم لا يشهدون إلا
~~بالحق ولا يقولون غير الصدق، ومما يبين ما قلنا أنه خص سبحانه أولي العلم
~~بهذه الشهادة، لأنهم الذين يعلمون الله على حقيقته، فيلزمهم تبيين ما علموه
~~من ذلك لمن دونهم في طبقة العلم، لأنهم القدوة وبهم الأسوة، ألا ترى إلى
~~قوله سبحانه:
# ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾
~~(1)! وإنما خص العلماء بذلك، وإن كان غيرهم يخشى الله سبحانه، لأنهم أعرف ms033
~~به تعالى من غيرهم، فخشيتهم له على قدر معرفتهم به.
# 2 - وقال بعض العلماء: شهادة الله تعالى بأنه لا إله إلا هو إنما يراد
~~بها، ما بني عليه الخلق من الحاجة إليه (والسكينة) (2) والخضوع له، وكل
~~ضعيف وقوي، وفقير وغني، يدل من الوجه الذي ذكرناه، على توحيد الله تعالى.
# PageV00P057
# ٣ - وقال المؤرخ: (أراد تعالى بقوله: [شهد الله]:
# قال الله - بلغة قيس عيلان -، لان الشهادة في الأصل هي:
# قول مخصوص). وفي هذا القول نظر، لان في القرآن مواضع ذكرت فيها شهادة
~~الله تعالى، ولا يجوز أن تحمل على أن المراد بها القول، لان الكلام يفسد
~~على هذا التأويل، فمن ذلك قوله تعالى ﴿لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة
~~يشهدون وكفى بالله شهيدا﴾ (1)، فلا يصح أن يقال ههنا: إن المراد بذلك
~~لكن الله يقول بما أنزل، لفساد المعنى.
# 4 - وقال بعضهم: معنى ذلك: شهد الله عند خلقه، بتدبيره العجيب، وصنعه
~~اللطيف، وحكمته البالغة، وقدرته الباسطة: أنه لا إله إلا هو يدبر الامر
~~ويصرف الخلق، وشهدت الملائكة، بذلك عند الرسل، بما أبانت لهم من الحجج
~~النيرة والاعلام القاهرة، وشهد أولو العلم بذلك عند (سائر) (2) الخلق، بما
~~أوضحوا لهم من البينات، وأظهروا من الدلائل والامارات.
# 5 - وقال بعضهم: معنى شهد الله: قضى الله أنه لا إله إلا هو ولن يخلو أن
~~يكون قضى ههنا بمعنى: أعلم وبين، أو يكون بمعنى: حكم وألزم، فإن كان بمعنى:
~~أعلم وبين، فهو بمعنى: شهد على ما ذكرناه، وقد جاء في التنزيل قضى بمعنى
~~أعلم، في عدة مواضع: منها قوله تعالى، (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب
~~لتفسدن في الأرض
# PageV00P058
# مرتين.. الآية) (1)، ومنها قوله تعالى: (وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر
~~هؤلاء مقطوع مصبحين) (2)، وإن كان بمعنى: حكم وألزم، فالتقدير أن الله
~~سبحانه حكم بأن لا إله إلا هو وألزم خلقه أن يعتقدوا ذلك بالدلالات
~~القائمة، والبينات الواضحة.
# وذلك كقوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) (3)، أي: ألزم ذلك
~~وحكم ms034 به.
# ويكون على الوجه الأول رفع الملائكة وأولى العلم بما ارتفع به اسم الله
~~تعالى، وهو: انهم أعلموا من سواهم من الخلق من لم يعلم كعلمهم أنه لا إله
~~إلا الله، ويكون رفع الملائكة وأولى العلم على الوجه الآخر أيضا على نحو من
~~ذلك المعنى، فكأن الملائكة وأولى العلم ألزموا من دونهم من الخلق، (بما)
~~(4) أظهروه لهم: من واضح الدلائل، وعادل الشواهد، أن يعتقدوا أنه لا إله
~~إلا الله، فالمعنيان متقاربان. والذي ذهب إلى أن معنى شهد ههنا معنى قضى من
~~المتقدمين، أبو عبيدة، وهو قول فيه نظر.
# 6 - وقال بعضهم: إن في ذلك تقديما وتأخيرا، فكأنه سبحانه قال: شهد الله
~~قائما بالقسط: أنه لا إله إلا هو، ومعنى ذلك: أنه أعلم الخلق - بعدله عليهم
~~واحسانه إليهم - أنه لا إله غيره يفعل ذلك بهم.
# 7 - وقال قاضي القضاة أبو الحسن: (قوله سبحانه: (شهد الله أنه لا إله إلا
~~هو) يجب أن يحمل على ما تعود فائدته على العباد وهو أنه تعالى أودع خلقه
~~الأدلة على أنه لا إله إلا هو، ولا تحق العبادة الا له
# PageV00P059
# فمن حيث دل على ذلك، وبينه لجميع ما خلق من الخلق العجيب، باكمال العقول
~~والتكليف، صار شاهدا بأنه كذلك. فأما الملائكة فلا يجب أن تكون (شهادتها)
~~(1) على هذا الوجه، لأنها لا يصح أن تكون دالة على حد ما دل تعالى به على
~~نفسه وتوحيده، فالمراد أنها اعترفت بذلك وعلمته وبينته للأنبياء عليهم
~~السلام، بالتنبيه على الأدلة وإلقاء الحجج البينة، وشهادة أولى العلم من
~~الأنبياء والمؤمنين لغيرهم بعد البصيرة والمعرفة، كشهادة الملائكة، وإذا
~~شهد الله تعالى بأن لا إله إلا هو، خبرا، فذلك توكيد منه لما ذكرناه، لان
~~المعرفة بذلك من جهته إنما (تقع) (2) بالأدلة دون الخبر، وإن كان الخبر
~~يحقق ذلك ويوضحه وينبه عليه ويؤكده، ويدل على أن المراد ما ذكرناه، أنه
~~تعالى خص أولى العلم بالشهادة بذلك مع الملائكة، ولو كان المراد الاقرار
~~لكان غيرهم بمنزلتهم، وإنما خصهم بذلك، إذ كانوا لأجل ما أوتوا ms035 من العلم
~~يتمكنون من البيان لغيرهم، ولمن ينحط في العلم عن درجتهم). وفي هذا القول
~~أيضا تنبيه من الله تعالى للخلق، وبعث لهم على معرفة التوحيد بالعقل، لتصح
~~الشهادة بأن لا آله إلا (الله) (3)، لان الشهادة لا تحسن الا مع المعرفة
~~بما تتضمنه، والا كانت قبيحة، (إذ) (4) كان المؤدي لها لا يؤمن أن يكون
~~كاذبا فيها. وفي ما ذكرناه من ذلك كفاية بتوفيق الله سبحانه (5).
# PageV00P060
# 6 - مسألة إيتاء الله الملك ونزعه ممن يشاء كيف يصح ان ينسب لله تعالى
~~إيتاء ملك الظالمين؟ - الجواب عن الشبهة - تسمية الفقر واللين ذلا مجازا -
~~الفقر من صفة الأنبياء والصالحين - قوم توقعوا النبوة قبل نبينا - الملك
~~الذي حاج إبراهيم وكيف صح ان يؤتيه الله الملك؟ - تقسيم الملك إلى ملك في
~~الدين وملك في الدنيا - الملك بمعنى: القدرة، ومعاني الملك لغة.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء
~~وتنزع الملك ممن تشاء... الآية - 26)، فقال: فحوى هذا الكلام يدل على غير
~~ما تذهبون إليه: من أن الظالم المتملك بغير حق، لا يقال: إن الله سبحانه
~~آتاه الملك ولا استرعاه الخلق، بل هو المتغلب على ذلك والغاصب لما في يده،
~~فاذكروا لنا من تأويل هذا الكلام ما يكون موافقا لمذهبكم، ومستقيما على
~~طريقتكم!.
# فالجواب: أن للعلماء في ذلك أقوالا، تدل على ما ذهبنا إليه في هذا الباب
~~وتصححه وتكشفه وتوضحه:
# 1 - قال بعضهم: معنى (مالك الملك)، أي أنت تملك عبادك فهم وما يملكون لك،
~~و (تؤتي الملك من تشاء) منهم، باضفاء (1)
# PageV00P061
# النعم عليهم، وإقرار الأموال الدثرة (1) عندهم، وبما ترفدهم به:
# من الأولاد والحفدة، والعديد والعدة، وبأن تلزم غيرهم الطاعة لهم من جهة
~~الدين، متى أجابوا داعيك واتبعوا أوامرك ومتى عدلوا عن نهج طاعتك وفارقوا
~~سواء محجتك، نزعت الملك منهم: بأن تسلبهم ملابس نعمك، وتجعل أموالهم غنما
~~ونفلا لغيرهم من عبادك.
# 2 - وقال بعضهم: يعني سبحانه بذلك: أنه مالك لما يؤتيه عباده ويجعلهم به
~~ملوكا، لان هذا الملك لا يكون إلا ما ms036 يخلقه تعالى، فهو مالك له، وبين أنه
~~سبحانه يؤتي الملك من يشاء من عباده، وهو ما للعباد أخذه والتمسك به
~~والإقامة عليه من الملك الحلال، دون ما يفعله الملوك من اغتصاب الأموال،
~~والتملك على الرجال، من طريق الغلبة والقدرة المستولية، لأنه سبحانه لم يؤت
~~أحدا منهم ذلك، وكيف يكون مؤتيا لهم ما هذا سبيله، وقد نهاهم عنه وخوفهم من
~~الإقامة عليه؟!
# ولو كان عطية منه سبحانه لكانوا غير ملومين على التمسك به، فصح بذلك أن
~~الملوك العادلين القائمين بأمر الله في الدنيا هم الذين ملكهم الله بلاده،
~~واسترعاهم عباده، دون من استولى على ذلك متغلبا، وملكه عدوانا وغصبا.
# وعنى بقوله تعالى: (وتنزع الملك ممن تشاء)، أي: ممن آتيته
# PageV00P062
# الملك، فاما أن تنزعه عنه بإماتته أو بتغير نعمه، وتنزع أيضا الملك من
~~الظلمة المتغلبين: بأن تنصر عليهم أولياءك المؤمنين، وتنقل إليهم دولتهم،
~~وتزيل بهم نعمتهم، لأنه تعالى وإن لم يجز أن تؤتى الظلمة الملك، فجائز ان
~~ينزع منهم الملك.
# وعنى بقوله تعالى: (وتعز من تشاء)، أي: بالمال والقوة والعديد والعدة،
~~إذا كانت على طريقة الحق، لا على وجه التغلب والغضب. وعنى بقوله تعالى:
~~(وتذل من تشاء)، أي: من أعدائك في الدنيا والآخرة، لأنه تعالى لا يذل أحدا
~~من أوليائه، وإن أفقرهم وأمرضهم، وأحوجهم إلى غيرهم، لان ذلك يفعله بهم
~~ليعزهم في الآخرة، ويسعدهم في الآجلة، فليس ذلك باذلال لهم وكيف يكون
~~إذلالا وقد أمر الله تعالى باعظامهم وإعزازهم ورفع منازلهم وأقدارهم؟!،
~~وإذا وصف الفقر بأنه ذل فعلى طريق المجاز، كما سمى سبحانه لين المؤمنين ذلا
~~بقوله: ﴿أذلة على المؤمنين﴾
~~(1)، وهذا خارج مخرج المدح، وكيف يكون الفقر ذلا وهو من صفة الأنبياء عليهم
~~السلام والصالحين من العباد؟!، فتجد أحدهم لا يملك إلا القعب (2)، والحلس
~~(3) والحذاء والطمر (4)، وهو عند الله سبحانه في أعلى الدرجات، وفي أعين
~~الناس أهيب من مالكي الأموال وحائزي النعم العظام.
# 3 - وقال بعضهم: معنى ذلك: أن النبي صلى الله عليه وآله سأل ربه
# PageV00P063
# سبحانه ms037 أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، فأنزل الله تعالى هذه الآية،
~~وروي ذلك عن الحسن وقتادة.
# 4 - وقال بعضهم: أراد سبحانه بالملك هنا: ظهور الدين والغلبة، فقال:
~~(تؤتي الملك من تشاء)، أي: ترزق بسطة اليد، وظهور الامر، الذين أتبعوا دينك
~~وأطاعوا أمرك، فجعل الله ما في مملكة كل ملك من غير المسلمين ملكا
~~للمسلمين، وجعلهم أحق بذلك من كل أهل ملة غير ملة الاسلام، فكان الملك في
~~الحقيقة على هذا القول ملك المسلمين، وإن غلب الكفار على بعضه ودافعوهم عن
~~نيله، والمسلمون أحق بحيازته، ولهم أن يطلبوه أبدا، حتى يظفروا به، كما
~~يطالب المغصوب بما غصب منه، وينسب إليه ذلك الشئ وإن كان في يد غيره،
~~فيقال: هذا ثوب فلان، وهذا مال فلان، وإن كان في قبضة الظالم، وخلف رتاج
~~الغاصب.
# فكأنه تعالى جعل الملك في حكمه وسنة نبيه لأهل دينه القائمين بأحكامه،
~~والمقيمين على طاعة أنبيائه، كما جعل للذكر في حكمه مثل حظ الأنثيين، وكما
~~جعل لولي المقتول في حكمه سلطانا على القاتل، وإن رد ذلك الجائرون، وأباه
~~المعتدون، فأعطوا الأنثى مثل حظ الذكر، ولم يقضوا على القاتل بقصاص ولا
~~قود، فالذين آتاهم الله الملك وأعزهم به هم المؤمنون، وإن غلبوا، والذين لم
~~يجعل لهم حظا في الملك وأذلهم بذلك هم الجائرون المعتدون، وإن غلبوا، فعز
~~الكافرين على المؤمنين ليس بعز في الدين، ولا غنم في عاقبة الأمور، لأنه
~~يعود إذلالا PageV00P064
# ويصير وبالا، وذل المؤمنين على أيدي الكافرين ليس بذل في الحقيقة، لأنه
~~يؤول إلى العز اللازم والثواب الدائم، وكيف يسمى ذلك ذلا، وقد أمر الله
~~سبحانه باعزاز أنبيائه السفرة بينه وبين عباده، وإن سطا عليهم الكفار، ونال
~~منهم الأعداء؟!
# وهذا القول يؤول إلى معنى الحكم، فكأنه سبحانه يحكم لمن أطاعه بالملك
~~ويسميه به وينسبه إليه، ولا يحكم لمن عصاه بالملك ولا يسميه به ولا ينسبه
~~إليه، وإن كان الطائع مستضاما مستذلا، وكان العاصي متسلطا متعززا به، كما
~~قال سبحانه: [ومن دخله كان آمنا] (1)، فجعل ذلك حكما لا ms038 أمرا (جزما) (2)،
~~ألا ترى أن كثيرا ممن لجأ إلى المسجد الحرام قد قتلوا فيه وأخيفوا مع
~~المقام به!، ولو كان ذلك خبرا لكان يجب أن يكون مخبره على ما أخبره به،
~~فلما رأينا الامر على خلاف ذلك في بعض الأحايين علمنا ذلك إنما قيل من طريق
~~الحكم لا من طريق الخبر.
# 5 - وقال بعضهم: (تؤتى الملك من تشاء)، يريد تعالى:
# ملك الجنة، يقول: تدخلها من أطاعك. [وتنزع الملك ممن تشاء]، أي: تحرمه
~~دخول الجنة وتهينه بدخول النار، فلا شئ أذل منها ولا أشد هوانا من أهلها.
# وهذا القول غير مرضي عندي، لان فيه استكراها وتعسفا:
# PageV00P065
# وذلك أن سياق الآية والآية التي تليها تدل على أن هذا الملك الذي يؤتيه
~~الله وينزعه إنما هو في الدنيا دون الآخرة، ألا ترى إلى قوله تعالى تالي
~~ذلك: (وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير تولج الليل
~~في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من
~~الحي.. الآية)!، وهذا كله من أحوال الدنيا، لا مدخل فيه لامر الآخرة.
# 6 - وقال بعضهم: (المراد بالملك ههنا النبوة، وكأنه تعالى قال: (تؤتي
~~النبوة من تشاء، وتنزعها ممن تشاء)، فهذا القول محكي عن مجاهد بن جبير،
~~ونزع النبوة يكون على وجهين: أحدهما باخترام النبي بعد تبليغه، وتحويله إلى
~~ما أعد الله له من ثوابه وجنته.
# والوجه الآخر: أن يكون بمعنى صرف النبوة عمن (شاء) NoteV00P066N01 وإن
~~كان تعالى لم يلبسها من صرفها عنه، فينزعها منه، ولكنه قال ذلك مجازا، لأنه
~~قد كان قوم يتوقعون النبوة قبل إرسال النبي [ص] ويعتقدون أنهم سيكونون
~~أنبياء ورسلا: منهم ورقة بن نوفل، ومنهم أمية بن أبي الصلت الثقفي،
~~وغيرهما، فجاز في اتساع اللغة أن يصف تعالى نفسه بأنه نزع النبوة عنهم
~~وآتاهم غيرهم، لأنهم كانوا - بزعمهم - يعتقدون أنهم أهل لها، ويتوقعون
~~الاصفاء بها.
# واستشهد من يقول: إن الملك ههنا النبوة، بقوله تعالى: (ألم تر إلى الذي
~~حاج إبراهيم في ربه أن آتاه ms039 الله الملك) NoteV00P066N02،
# PageV00P066
# أي: آتاه النبوة، فجعل الضمير في آتاه لإبراهيم عليه السلام، والأكثر على
~~أن الضمير في آتاه للملك الذي حاج إبراهيم، والمعنى: أن ذلك الملك استطال
~~على إبراهيم في المحاجة والدعوى الباطلة، بما أوتي من الملك والقدرة.
# فان سأل سائل على قول من قال: إن الضمير في آتاه الله الملك للملك دون
~~إبراهيم (ع)، فقال: كيف قال سبحانه: (آتاه الله الملك)، وهو ظالم طاغ،
~~ومتجبر باغ؟!، فقد ذهب أبو علي وأبو القاسم البلخي إلى: أن الله سبحانه لا
~~يجوز أن يعطي الفاسق حقيقة الملك، ولا ينوط به تدبير الخلق، لأنه سبحانه
~~قال: (لا ينال عهدي الظالمين) NoteV00P067N01، والملك من أعظم العهود وأجل
~~الأمور، لأنه يتضمن سياسة الأمة وحفظ الشريعة، ويتعلق بأوامر الله ونواهيه،
~~وأحكامه وقضاياه، وذلك لا يؤمن عليه الفاسق ولا الكافر، ولا يجعل سبحانه
~~الرعية مؤمنة والرعاة فسقة!.
# فجوابه: أنه يجوز أن يراد بالملك ههنا إعطاء المال وتثمير الحال، وذلك
~~مما يجوز أن يعطاه الفاسقون والظالمون، ألا ترى إلى قوله تعالى:
# (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء
~~وجعلكم ملوكا... الآية) NoteV00P067N02!، (وقد) NoteV00P067N03 قال عامة
~~المفسرين: إنه تعالى أراد بالملك ههنا: حسن الحال والاستكثار من المال،
~~فبين: أنه سبحانه جعلهم ملوكا، وهم
# PageV00P067
# حينئذ فاسقون، ألا ترى إلى قولهم لموسى (ع): ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾ (1)، وقد
~~سماهم تعالى بالفسق، وسماهم موسى (ع) بذلك أيضا، وقال سبحانه: (فلا تأس على
~~القوم الفاسقين) NoteV00P068N02، وقال موسى: (فافرق بيننا وبين القوم
~~الفاسقين) NoteV00P068N03.
# 7 - وقيل أيضا: يجوز أن يقال - في من أخذ الملك من جهته التي أباحها الله
~~تعالى -: إن الله سبحانه آتاه ذلك الملك كالذي يقال في طالوت وذي القرنين:
~~إنهما كانا ملكين ولم يكونا نبيين، ويجوز أيضا أن يكون نزعه تعالى الملك
~~ممن يشاء، بأن يسلط أولياءه على أعدائه فينزعوا الملك منهم، إذا كانوا
~~مستحقين لذلك ببغيهم وكفرهم، كالذي فعل تعالى بالأكاسرة وغيرهم ms040 من
~~الجبابرة.
# 8 - وقال قاضي القضاة أبو الحسن NoteV00P068N04: ما يؤتيه الله من الملك
~~ينقسم إلى ملك في الدين، كالنبوة والإمامة وما يتشعب عنهما، والى ملك في
~~الدنيا، وهو: ما يرزق تعالى من المباح، كالأموال العظيمة والنفائس الجليلة
~~والرأي والحزم والقوى والجلد، إلى سائر ما يتقدم به الملوك في الدنيا، لان
~~جميع ذلك قد يضاف إليه تعالى، لأنه من قبيل المباح.
# ومتى قيل: فهل يصح وجود ملك لا يؤتيه الله تعالى صاحبه؟،
# PageV00P068
# فجوابنا: أنه سبحانه إنما يخلق الأشياء لمنافع غيره، فإن كان ذلك الملك
~~بحيث إذا لم يؤته تعالى بعض العباد فقد الانتفاع به، فلا بد من ذلك
~~NoteV00P069N01، وإلا فجائز خلافه، وخلاف ذلك قد يكون على وجهين: أحدهما أن
~~يجعله سبحانه كالمباحات، والثاني أن يفرقه في العباد تفريقا لا يبلغ حد
~~الوصف بالملك، لأنه إنما يوصف بذلك عند اجتماع أمور كثيرة تشتمل عليها يد
~~انسان واحد.
# 9 - وعندي في ذلك وجه آخر، وهو: أنه يجوز أن يكون معنى قوله تعالى: (قل
~~اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء)، أي: مالك
~~القدرة، تؤتي القدرة من تشاء، وتنزعها ممن تشاء. وهذا القول على أصل قول
~~أبي علي: إن معنى قوله سبحانه: (مالك يوم الدين)، أي: قادر على يوم الدين.
~~لان كل مالك لشئ على الحقيقة فهو قادر عليه، وكل قادر على شئ يمكنه فعله أو
~~تصرفه فهو مالك له.
# وحجته على ذلك أن أكثر ما يستعمل الملك في الأشياء الموجودة، ويوم الدين
~~لم يوجد بعد، وقد أخبر تعالى: أنه مالك له، فليس معنى ذلك إلا أنه قادر
~~عليه، فليس بمستحيل أن (يسمي) NoteV00P069N02 القدرة ملكا لان بها يملك
~~الانسان أمره، ويحمي جانبه، ويمنع مجاذبه، ويتطرق إلى قود المستصعبات،
~~وبلوغ الغايات، وقد قيل في المثل: (العافية
# PageV00P069
# ملك خفي) NoteV00P070N01، وليس العافية أكثر من سلامة الآلات، وصحة
~~الأعضاء، وقيل أيضا: (الجلد عز حاضر) NoteV00P070N02، وبالقوة يصير الذليل
~~عزيزا، كما أن بفقدها يصير العزيز ذليلا.
# فبين سبحانه: أنه يؤتي هذا ms041 الملك (الذي هو القوة) NoteV00P070N03 من شاء،
~~فيكون له شكة، وعلى عدوه شوكة، وينزعه ممن يشاء فيوهن يده ويضعف عضده
~~ويجعله مأكولا بعد أن كان آكلا، وضارعا بعد أن كان صائلا NoteV00P070N04.
~~والملك في الأصل مأخوذ من الشد والربط، ألا ترى إلى قول القائل: ملك
~~العجين، إذا شدد عجنه!، ومنه اشتقاق الاملاك (5)، لأنه عقد يحكم شده، فكأنه
~~يربط المرأة بالرجل، وعلى هذا قول الشاعر (6) في صفة القوس:
# الصحيح (2) الجلد: القوة والصبر، والاستشهاد بهذا القول لا يظهر وجهه،
~~ويجوز أن يكون في النسخ: سقط أو تصحيف، ويجوز أن يكون شاهدا للمثل المذكور،
~~لا لأصل الدعوى، فان القوة من العافية وهما من نوع القدرة (3) كذا في
~~النسخ، وما بعد هذه العبارة من ذكر الأضداد والمناسبات من الوهن والضعف
~~والشد والربط يؤيد ما في النسخ، ولكن الظاهر أنها مصحفة من القدرة، لان
~~الكلام في الملك بمعنى القدرة.
# (4) ضرع: خضع. صال عليه: سطا عليه وقهره.
# (5) التزويج (6) هو: أوس بن حجر. يصف قوسا وقواسا. انشده الفارسي،
~~والمعروف من رواية البيت: (فملك بالليط الذي...)، لا التي، والظاهر أن
~~التصحيف من النساخ. الغرقئ كزبرج: القشرة الرقيقة الملتزقة ببياض البيض،
~~والمراد انه جعل القشر كغرقئ. وكنه: ستره.
# PageV00P070
# فملك بالليط التي تحت قشرها * كغرقئ بيض كنه القيض من عل وموضع التي تحت
~~قشرها: نصب، لأنه مفعول لملك، فكأنه قال: فشدد هذا الانسان بالليط - وهو:
~~القشر الذي على القوس - ما تحت قشرها، فصار له شدادا ورباطا، أي: ترك قشر
~~القوس عليها، ولم يزله عنها، ليكنها ويتمالك به قلبها، أي يتشدد عودها.
~~والقيض:
# قشر البيض. وفي هذا البيت أيضا معنى آخر لطيف، وهو أن الشاعر جعل ترك قشر
~~القوس عليها فعلا لباريها، وإن لم يكن منه فعل في الحقيقة، ولكنه لما كان
~~قد يؤخذ كثيرا من القشر عند بري القياس (1) ثم لم يفعل ذلك بتلك القوس
~~المذكورة، واعتمد ترك قشرها غليها، فصار بقصده لذلك كفاعل فعل فيها، وهذا
~~من اتساع نطاق اللغة، وبعد مرامي الأغراض العربية.
# فان قال قائل: إنه تعالى ms042 إذا نزع الملك ممن آتاه إياه كان في ذلك ظلم له،
~~لان أحدنا إذا وهب لغيره هبة ثم استرجعها منه كان في حكم الظالم له، ومتى
~~حسن ذلك منه تعالى دل على صحة ما يذهب إليه مخالفوكم؟!.
# قيل له: إن التمليك قد يكون مطلقا دائما، وقد يكون مؤجلا موقتا، فلا يجب
~~أن يجعل الباب واحدا، فإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يكون تعالى إنما ملك إلى
~~غاية ومدة، فإذا زال التمليك ونزع الملك عند انقضاء تلك المدة، كان له ذلك،
~~كما يكون مثله للمعير والمعمر على بعض الوجوه NoteV00P071N02.
# ووجه آخر، وهو: أنه سبحانه إذا حسن منه أن يبيح استرجاع الهبة
# PageV00P071
# لا عواض عظيمة، لم يمتنع أن يحسن منه نزع الملك لعوض عظيم. ووجه آخر،
~~وهو: أنه قد يجوز أن يعلم تعالى أن استدامة الملك في ذلك العبد مفسدة في
~~الدين، فيجب نزعه منه لا محالة، وفي ما ذكرناه من الكلام على هذه المسألة
~~بلاغ بحمد الله.
# 7 - مسألة (موالاة الكافرين عند التقية) الجواب عن شهبة إباحة موالاة
~~الكافرين تقية - نزول الآية - تارك التقية اعزازا للدين حتى يقتل أفضل من
~~فاعلها - لا ولاية للكافر على المسلم بحال - آية المسألة خبر لا نهي عن
~~موالاة الكافرين، وابطال ذلك - موالاة الكافرين محرمة مطلقا حتى مع موالاة
~~المسلمين - التقية لا تدخل الا في الظاهر.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون
~~المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة.. الآية
~~28)، فقال: ظاهر هذا الكلام يقتضي إباحة موالاة الكافرين عند الخوف، وليس
~~ذلك قول أحد من المسلمين! PageV00P072
# فالجواب: أن في ذلك أقوالا:
# ١ - منها، أن الاتخاذ في الأصل هو: القصد إلى أخذ الشئ والعزم عليه
~~والتمسك به والملازمة له، ألا ترى إلى قوله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم
~~خليلا) NoteV00P073N0١!، أي: قصد إلى تمييزه بهذه الحال والاظهار لها
~~والمداومة عليها، وإذا تأملت كل ما نطق به القرآن من ذكر الاتخاذ، وجدته
~~يتضمن هذا ms043 المعنى: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا﴾
~~(2)، أي:
# لنجعل هناك موضعا يدوم لبثه، وتكثر الملازمة له. ومنه قوله تعالى
~~(واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) NoteV00P073N03، أي:
~~انقطعوا إليها، وأقاموا على عبادتها، فإذا كان الامر على ما قررنا، بان أن
~~نهي الله تعالى عن إظهار موالاة الكافرين إنما هو على هذا الوجه: من توطين
~~النفس بالعزم على ذلك والقصد إليه والاظهار له، فكأنه تعالى قال:
# لا يظهرن أحد من المؤمنين موالاة أحد من الكفار قاصدا متعمدا، وعادلا
~~بموالاته عن المؤمنين الذين هم أحق بذلك من غيرهم!، لأن هذه الأفعال إنما
~~تكون موالاة بالمقاصد لا بصورة الفعل، ولولا ذلك لم تحسن مع التقية أيضا،
~~وقوله تعالى: (من دون المؤمنين) يدل على ما ذكرنا NoteV00P073N04 وعلى هذا
~~قول القائل: أعطيت فلانا دوني، أي: أعطيته ومنعتني، ولهذا قال سبحانه: (ومن
~~يفعل ذلك فليس من الله في شئ)،
# PageV00P073
# أي: فليس من الله في ولاية ولا محبة، وقيل أيضا. إن معنى ذلك فقد برئ
~~الله منه وبرئ من دين الله.
# ثم استثنى تعالى حال التقية، فقال: (إلا أن تتقوا منهم تقاة)، وقرئ:
~~(تقية)، وكلاهما يرجعان إلى معنى واحد، فكأنه سبحانه أباح في هذه الحال عند
~~الخوف منهم إظهار موالاتهم ومما يلتهم قولا باللسان، لا عقدا بالجنان.
# 2 - وقال بعضهم: معنى ذلك: أن يكون المؤمن بين الكفار وحيدا، وفي حكم
~~الوحيد، إذا كان قليل الناصر، غائب المظاهر NoteV00P074N02، والكفار لهم
~~الغلبة والكثرة والدار والحوزة، فمباح له أن يخالقهم بأحسن خلقه، حتى يجعل
~~الله له منهم مخرجا، ويتيح له فرجا، ولا تكون التقية بأن يدخل معهم في
~~انتهاك محرم، واستحلال محرم، بل التقية بالقول والكلام، والقلب عاقد على
~~خلاف ما يظهره اللسان.
# وروي عن أبي العالية: أنه قال: (التقية باللسان لا بالعمل).
# 3 - وروي عن الحسن البصري: أنه قال: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) في أرحامكم
~~التي بينكم وبينهم، فتتقونهم بالصلة لها، والرعي ms044 لحقوقها، فاما المحبة لهم
~~في الدين وعلى الدين فلا تجوز بحال.
# 4 - وروي عن ابن عباس: أن الآية نزلت في قوم من الأنصار، كان اليهود
~~يفتنونهم في دينهم، ويستميلون قلوبهم بالممازجة لهم، والاختلاط بهم. كعبد
~~الله بن أبي سلول، والجد بن قيس، وغيرهما، فنهى الله
# PageV00P074
# سبحانه عن ملاطفة الكفار ومداخلهم، واتخاذهم شعارا من دون المؤمنين،
~~وبطانة دون أهل الدين، ولهذه الآية في التنزيل نظائر:
# منها قوله تعالى في هذه السورة: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من
~~دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم.. الآية
~~117)، ومنها قوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من
~~حاد الله ورسوله.. الآية) NoteV00P075N01 ومنها قوله تعالى: (وإما ينسينك
~~الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) NoteV00P075N02 ومنها قوله
~~سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم
~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم..) NoteV00P075N03، فكل ذلك يوجب أن
~~يعاملوا بالمغالظة والمخاشنة، دون الملاطفة والملاينة، إلا ما كان شاذا،
~~وخرج نادرا، لعارض من الامر، وواضح من العذر.
# 5 - وقال بعضهم: (إلا أن تتقوا منهم تقاة)، معناه: إلا أن يخاف الخائف
~~منهم تلف النفس، أو بعض أعضاء الجسم، فيتقيهم باظهار الموالاة، من غير
~~اعتقاد لها ولا صدق فيها.
# * * * وقد ذهب المحققون من العلماء إلى: أن من أكره على الكفر فلم يفعل
~~حتى قتل، إنه أفضل ممن أظهر الكفر لسانه، وان أضمر الايمان بقلبه، وقالوا:
~~قد أسر المشركون بمكة خبيب بن عدي، وطالبوه
# PageV00P075
# باظهار كلمة الكفر أو العرض على القتل، فلزم الحنفية، ولم يعط التقية،
~~حتى قتل على ذلك، وكان عند المسلمين أفضل من عمار بن ياسر، حين أعطى
~~التقية، وأظهر كلمة الكفر عند الالحاح عليه بالعذاب: من جره على الرمضاء
~~وتحريقه بالنار، وإن كان قلبه مطمئنا بالايمان، ويستدلون بذلك على أن اعطاء
~~التقية رخصة، وأن الأفضل ترك إظهارها، وكذلك قالوا في كل أمر كان فيه إعزاز
~~الدين، فإقامة المرء عليه حتى يقتل أفضل ms045 من الاخذ بالرخصة في العدول عنه
~~حتى يسلم.
# وفي هذه الآية (وأخواتها) NoteV00P076N01 دلالة على أنه لا ولاية للكافر
~~على المسلم في شئ من الأشياء، فإنه إذا كان له ابن صغير مسلم باسلام أمه،
~~فلا ولاية له عليه في حال من الأحوال.
# وقال بعضهم: (ان قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون
~~المؤمنين) ليس بنهي، وإنما هو خبر، فكأنه تعالى قال: إن هذه صفة المؤمنين
~~ألا يتخذوا الكافرين أولياء). وهذا خطأ من قائله، وذلك أن الامر لو كان على
~~ما ظنه لكان يكون (لا يتخذ المؤمنون) برفع الذال، ولم يكن (يجزمها)
~~NoteV00P076N02، وكسرها لالتقاء الساكنين، فكونها مكسورة يدل على أنها نهي
~~لا خبر، على أن الامر لو كان كما قاله لكان المعنى مقاربا لمعنى النهي،
~~لأنه لا يجوز أن تكون هذه الصفة صفة المؤمن إلا وهو مأمور بموالاة
~~المؤمنين، منهي عن موالاة الكافرين.
# فان قال قائل: ما أنكرتموه من أنه تعالى نهي عن اتخاذ الكافرين
# PageV00P076
# أولياء، بمعنى: أن (يفردوا) NoteV00P077N01 بالموالاة دون المؤمنين، فأما
~~إذا توليناهم وتولينا المؤمنين معهم، فليس ذلك بمنهي عنه. قيل له: إن
~~المراد بالنهي المنع من اتخاذهم أولياء جملة، ونبه تعالى بقوله: (من دون
~~المؤمنين) على أن هذه الولاية يجب أن تكون مقصورة على المؤمنين، ولا تكون
~~مشتركة بينهم وبين الكافرين، فهذا يدل على أن المراد موالاة المؤمنين
~~خصوصا، وترك موالاة الكافرين على كل حال عموما، ثم بين تعالى أن إظهار
~~موالاة الكافرين محرم على المؤمنين إلا عند التقية، وهي:
# أن يخافوا على نفوسهم ان تركوا إظهار موالاتهم.
# وقد علمنا أن التقية لا تدخل الا في الظاهر، دون ما في الضمير الباطن،
~~لان من خوف غيره ليفعل أمرا من الأمور إذا كان من أفعال القلوب، لا يتمكن
~~من معرفة حقيقة ما في قلبه، وإنما يستدل باظهار لسانه على إبطان جنانه،
~~فالذي يحسن عند التقية إظهار موالاة الكفار قولا بالخلاط NoteV00P077N02
~~والمقاربة، وحسن العشرة والمخالقة NoteV00P077N03، ويكون القلب على ما كان
~~من قبل في اضمار ms046 عداوتهم، واعتقاد البراءة منهم، وينوي الانسان بما يظهره
~~من ذلك معاريض NoteV00P077N04 الكلام، واحتمالات الخطاب.
# PageV00P077
# فصل (هل لله نفس؟) وربما تعلقوا بقوله سبحانه في أواخر هذه الآية:
~~(ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير)، فقالوا: قد أثبت تعالى له نفسا،
~~وهذه من صفات المخلوقين، وعلامات المحدثين.
# وجوابهم عن ذلك: أن المراد بقوله تعالى: (ويحذركم الله نفسه) أي: يحذركم
~~الله عقابه، ويخوفكم نقمته، وأراد تعالى بهذا الاختصاص (أعني: بذكر النفس):
~~تحذيرهم من العقاب الذي يأتي من قبله ويصدر عن أمره، لا العقاب الذي يجريه
~~تعالى على أيدي المخلوقين، ويقع من جهة المسلطين، فان العقاب إذا كان على
~~الوجه الأول كان أبلغ ألما وأشد مضضا، كعقوبات الأمم السالفة: بنحو الطوفان
~~والجراد وعقائم الرياح (1)، وما يجري هذا المجرى، فذلك أصعب من عقوبات
~~الخلائق التي ربما صبر عليها، وتموسك تحتها.
# ومثل ذلك ما حكي عن بعض من كان يتعاطى الجلد والقوة: أن بعض السلاطين
~~تقدم به بأن يضرب ضربا مبرحا NoteV00P078N02 فصبر على ذلك الألم غير متألم
~~ولا مسترحم، فقامت له بذلك سوق، وطار له اسم في الجلد عظيم، ثم اتفق أن
~~لحقه بعد أيام من الحال صداع: أقامه وأقعده، وأكثر تألمه وتغوثه، فقيل له
~~من صبر على تلك الآلام العظيمة يقلق
# PageV00P078
# من هذا العارض اليسير والألم القليل!. فقال: ذاك عقاب المخلوقين، وهذا
~~عقاب الخالق، فلا صبر على شئ منه قليلا كان أو كثيرا. فقد بان الفرق بين
~~عقوبة الله تعالى وعقوبة عباده، وظهرت فائدة الاختصاص بتخويف العقوبة من
~~قبله تعالى في قوله: (ويحذركم الله نفسه).
# وقد قيل: إن معنى ذلك ويحذركم الله إياه، لان نفس الشئ هو الشئ، كقول
~~القائل: نزلت بنفس البلد وفي نفس الجبل، وعلى ذلك معنى قوله تعالى: (تعلم
~~ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك...) NoteV00P079N01، أي: تعلم ما أغيبه،
~~ولا أعلم ما تغيبه، وقد قيل: تعلم ما عندي، ولا أعلم ما عندك، وقال الشاعر
~~في نحو ذلك (وهو: أعشى بني قيس):
# يوما بأجود نائلا منه إذا * نفس البخيل ms047 تجهمت سؤالها والمعنى: إذا البخيل
~~تجهم سؤاله، لان النفس لا تجهم، وإنما يتجهم صاحبها. وكذلك معنى قوله
~~تعالى: (ويبقى وجه ربك...) NoteV00P079N02 و (كل شئ هالك إلا وجهه..)
~~NoteV00P079N03 معناه: ويبقى هو، وكل شئ هالك إلا هو، وعلى هذا قول الرجل
~~لصاحبه: إني لأكرم وجهك عن هذا، ولم يستح فلان من وجهي، أي: لم يستح مني،
~~وعلى هذا قول الشاعر:
# بوجهك عن مس التراب مضنة * فلا تبعدي، فكل حي سيعطب وإنما أراد: بك عن مس
~~التراب وبجملتك، فعبر بالوجه عن
# PageV00P079
# ذلك، لأنه لا يجوز أن يضن عن البلى بوجهها، ويسمح له بجملتها، ولو أراد
~~ذلك لكان مناقضا، فليس الا ما ذكرناه.
# وقال بعضهم: النفس NoteV00P080N01 على وجوه: قد يقول القائل:
# أحذرك نفسي، أي: سطوتي وفعلي. ويقول: أحذرك نفسي، يريد به: التهدد لا
~~غيره، ولو قال: أحذرك، ولم يقل: نفسي، لم يعرف المخاطب من الذي يحذر من
~~جهته، فأراد أن يبين من المحذور (كذا وكذا منه) NoteV00P080N02 لكي يتقيه
~~ولا يعصيه. وقد يقال، نفس الشئ ويراد الشئ بعينه لا غيره. ويقول القائل:
~~أنا فعلته بنفسي، وليس يريد شيئا غيره. وتقول: جاءني عشرون نفسا، أي عشرون
~~شخصا. والنفس: التي يستقر فيها العلم. وقيل: هو القلب، ومنه قولهم وقع في
~~نفسي، أي: في مستقر علمي. والنفس:
# الرأي، ومنه قول أحدهم: أنا في هذا الامر بين نفسين، أي:
# بين رأيين في فعله وتركه ومنه قول الشاعر (2):
# يؤامر نفسية كذى الهجمة الإبل أي: رأييه. والنفس: القوة، يقال: ثوب ماله
~~نفس،
# PageV00P080
# أي: لا قوة له، وعلى ذلك قول امرئ القيس.
# فلو أنها نفس تموت سوية NoteV00P081N01 * ولكنها نفس تساقط أنفسا أي:
~~تذهب شيئا بعد شئ. والنفس: الآنفة، ومنه قولهم: لفلان نفس، وهو عزوف النفس،
~~أي: قوي الآنفة، وعلى ذلك قول الشاعر NoteV00P081N02:
# نفس عصام سودت عصاما * وعلمته الكر والاقداما أي: أنفته من الضيم ونفوره
~~عن الذل فعلا به ذلك، وهذا أحد تفسيري هذا الشعر، والآخر NoteV00P081N03:
~~انه اكتسب العلا بنفسه ولم يستعن على ذلك بسؤدد أبيه ms048 ولا أمه، فكأن العز
~~أتاه من شطر نفسه لا من شطر نسبه، ومن ذلك قولهم: دابة (لها)
~~NoteV00P081N04 نفس، أي:
# أنفة من الضرب. والنفس: العين، قال الشاعر:
# أصابتك نفس فاجتنبت مودتي * وكل حسود للمحب عيون NoteV00P081N05 والنفس:
~~قدر دبغة من الشئ الذي يدبغ به الجلود: كالقرظ NoteV00P081N06 والنجب
~~NoteV00P081N07 وما أشبههما، ومن ذلك قولهم: أعطني نفسا أو نفسين، أي: قدر
~~دبغة أو دبغتين. وليس يجوز على القديم تعالى من هذه الوجوه
# PageV00P081
# كلها الا وجه واحد: وهو النفس بمعنى ذات الشئ حسب، فقد وضح إذن: أن معنى
~~قوله تعالى: (ويحذركم الله نفسه) أي: يحذركم إياه، لان النفس ههنا لو كانت
~~غير ذاته، كان كأنه قد حذرهم سواه أو بعضه، وهو يتعالى عن التجزئة
~~والتبعيض، إذا كل ذلك من صفات الأجسام وعلامات المحدثات.
# فصل (فائدة تكرير آية (ويحذركم..)) فان قال قائل: إنه تعالى كرر قوله:
~~(ويحذركم الله نفسه) في موضعين متقاربين من هذه السورة، فما الفائدة في
~~ذلك؟
# فالجواب: أن ذلك ليس بتكرار، لان الذي عناه بالآية الأولى غير الذي عناه
~~بالآية الأخرى، لان الأولى إنما حذرهم فيها عقابه على موالاة الكفار،
~~والثانية إنما حذرهم فيها ذلك على مواقعة سائر المعاصي، فحسن إعادة التحذير
~~عند كل منهي عنه، ليكون الخوف أعم والزجر أبلغ، وليعلم أيضا أن الجرمين في
~~العقاب على حد سواء، فيكون التناهي عن أحدهما كالتناهي عن الآخر. وقد يجوز
~~أيضا أن تكون الآية الثانية نزلت PageV00P082
# بعد الأولة NoteV00P083N01 بزمان متراخ، فحسن التكرير فيها، لانفراج ما
~~بين الأولى وبينها، وهذا مقنع بحمد الله تعالى.
# 8 - مسألة (وليس الذكر كالأنثى) فائدة الاخبار بان ليس الذكر كالأنثى -
~~اختلاف الفقهاء في شهادة المرأة في عقد النكاح - تسمية المرأة بالشاهد -
~~تسمية الشئ بما يخالفه ويناقضه.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى حاكيا عن امرأة عمران: (فلما وضعتها قالت رب
~~إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى... 36) فقال: ومن
~~يشك في أن الذكر ليس كالأنثى؟ فبينوا لنا فائدة هذا الكلام. ليخرج عن الحد ms049
~~الذي لا يليق بالقرآن!
# PageV00P083
# فالجواب: أن امرأة عمران قالت عند حملها بمريم عليها السلام:
# (رب إني نذرت لك ما في بطني محررا... - 35)، فاشترطت ما في بطنها بالنذر،
~~فكان ذلك منها بعد القعود واليأس من الولد، فنذرت أن تجعل ولدها (الذي من
~~الله عليها بحمله) سادنا (1) يخدم بيت المقدس طلبا للقربة، وخروجا من حق
~~النعمة، وكان لا يجوز لخدمة بيت المقدس إلا الذكران، فلما وضعتها أنثى قالت
~~متعذرة إلى ربها، ومشفقة من ألا يتقبل نذرها: (رب اني وضعتها أنثى وليس
~~الذكر كالأنثى)، أي: في المعنى الذي أردته من التقريب بالذكر وتصييره خادما
~~لبيت المقدس، لان الأنثى لا تصلح من ذلك لما يصلح له الذكر، لأجل ما يلحقها
~~من الحيض والنفاس، ويلزمها من الصيانة عن التبرج للناس، ولأنها إذا خالطت
~~الرجال افتتنوا بها، واستضروا بمكانها، فتقبلها الله تعالى وأجراها مجرى
~~الذكر في التقرب به وتحريره لخدمة بيته ولم يفعل ذلك بأنثى غيرها، تمييزا
~~لها من نظائرها، ومعنى محرر أي: جعلته نذيرة NoteV00P084N02 خالصا، وكلما
~~أخلص ولم يعلق بشئ غيره فهو محرر. ومنه تحرر الكتاب، وهو: إخلاصه من سودائه
~~NoteV00P084N03. ومنه قولهم: حررت الغلام، ومعناه: جعلته خالصا لنفسه وأزلت
~~ملكي عن رقبته. ومنه رجل حر، أي: خالص من العيوب.
# والطين الحر: ما خلص من الرمل والحمأة NoteV00P084N04، وكأن المحرر هو
~~المفرغ
# PageV00P084
# للعبادة، فلا يستعان به ولا يشغل عن عبادة ربه، أو يكون معناه: أنه يحرر
~~نفسه فيعتقها من رق المعاصي باجتنابها وترك ولوج أبوابها، فلا يستحق العقاب
~~من أجلها.
# وقال بعضهم: (إنه سبحانه أعلم بحال المنذور في المستقبل، وقيامه بحقوق
~~النذر، فأراد تعالى بقوله: (وليس الذكر كالأنثى) اختلافهما في باب الاحكام
~~الجارية عليهما، لا في الصفات التي بها (تمييز) NoteV00P085N01 أحدهما من
~~الآخر. هذا إذا جعلنا (وليس الذكر كالأنثى) كلاما له سبحانه، ولم نجعله من
~~صلة كلام أم مريم (ع)، ومعنى ذلك: أن امرأة عمران لما أيقنت بأن مولودها
~~أنثى، فزعت إلى الله تعالى في حفظها وإعاذتها وتقويتها على القيام بوظائف
~~دينها لان ms050 الإناث أوهن عقودا، وأضعف معقولا، ووساوس الشيطان فيهن أبلغ
~~تأثيرا، ألا ترى إلى قصور النساء عن منازل الرجال في كثير من الاحكام، لأجل
~~وهن العقول، وانحلال العقود!، ولأجل ذلك لم يجز بعض الفقهاء NoteV00P085N02
~~شهادة النساء في عقود النكاح جملة، وقال: لا يصح النكاح الا بشهادة الرجال
~~دون النساء).
# وهذه مسألة الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي، فان الشافعي يذهب إلى القول
~~الذي ذكرناه، وأبو حنيفة يخالفه في ذلك ويجيز انعقاد النكاح بشهادة رجل
~~وامرأتين، والظهور في هذه المسألة لأبي حنيفة، وقد كنت
# PageV00P085
# علقت عن شيخنا أبي بكر محمد بن موسى الخوارزمي، عند قراءتي عليه مختصر
~~أبي جعفر الطحاوي، وبلوغي إلى هذه المسألة من كتاب النكاح - الحجاج على
~~الشافعي في جواز النكاح بشهادة رجل وامرأتين، وابطال تعلقه بقوله (ع): (لا
~~نكاح إلا بشاهدين)، وذلك أن هذا القول يتناول الرجل والمرأتين، والدليل على
~~ذلك قوله تعالى:
# (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان...)
~~NoteV00P086N02، وتقدير الكلام فإن لم يكن الشاهدان رجلين فالشاهدان رجل
~~وامرأتان. قال: ومما يؤكد ذلك أن أبا الحسن الأخفش قال في كتابه المعروف
~~بالأوسط: (العرب تقول للمرأة: هذه شاهدي، وقد تقول: هذه شاهدتي)، فحكى: أن
~~لغة العرب الفصحى تجري على المرأة اسم الشاهد، كما تجريه على الرجل، وأن
~~الأفصح أن يقولوا: هذه شاهدي، دون أن يقولوا: هذه شاهدتي، لان قوله: (وقد
~~تقول هذه شاهدتي) يدل على أن القول الأول هو الأكثر والثاني هو الأقل.
# قلت أنا: وفي قولهم للمرأة: شاهدي، سر لطيف من لطائف أسرار لغة العرب،
~~وهو أنهم أرادوا بذلك: تتميم نقيصة معناها باجراء صفة المذكر عليها، تشبيها
~~لها به، وذهابا بها في طريقه، وتقريبا لها من معنى الرجل الذي هذا الاسم
~~خاص له، ومقصور عليه، وكأن غرضهم في ذلك يلامح غرضهم في تسمية اللديغ
~~سليما، والمهلكة
# PageV00P086
# مفازة NoteV00P087N01، وإن كان بعض أهل اللغة يدفع ذلك ويقول: إنما سموه
~~سليما لاستسلامه لما به، لا تفاؤلا بسلامته، وسموها مفازة، لان من قطعها
~~وتجاوزها قد فاز ونجا ms051 منها، لا تفاؤلا باسم الفوز لها، والقول الأول أعرف
~~في كلامهم، ونعود بتوفيق الله تعالى إلى بقية الكلام على المسألة:
# فصل (قراءة (وضعت) بضم التاء وسكونها) وقرأنا لعبد الله بن عامر ولأبي
~~بكر بن عياش، عن عاصم: (والله أعلم بما وضعت) بضم التاء، ولبقية السبعة
~~بتسكينها، وقال لي شيخنا أبو الحسن علي بن عيسى النحوي صاحب أبي علي
~~الفارسي (وهذا الشيخ كنت بدأت بقراءة النحو عليه قبل شيخنا أبي الفتح عثمان
~~بن جني، فقرأت عليه مختصر الجرمي، وقطعة من كتاب الايضاح لأبي علي الفارسي
~~ومقدمة أملاها علي كالمدخل إلى النحو، وقرأت عليه أيضا العروض لأبي إسحاق
~~الزجاج، والقوافي لأبي الحسن الأخفش، وهو ممن لزم أبا علي السنين الطويلة،
~~واستكثر منه وعلت في النحو طبقته، وقال لي: بدأت بقراءة مختصر الجرمي على
~~أبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي رحمه الله
# PageV00P087
# في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، ثم انتقلت إلى أبي علي). قال:
# كان أبو علي يقول: قراءة من قرأ بتسكين التاء أجود، لأنها قد قالت (رب
~~اني وضعتها أنثى)، فليس يحتاج بعد هذا القول أن تقول: (والله أعلم بما
~~وضعت). ووجه قراءة من قرأ بضم التاء: أن ذلك كما يقول القائل في الشئ: رب
~~قد كان كذا وكذا - وأنت أعلم -، ليس يريد إعلام الله سبحانه ذلك، ولكنه من
~~قبيل التعظيم والخضوع والاستسلام والبخوع NoteV00P088N01، وكقول القائل:
~~اللهم إني عبدك وابن عبدك، وكقول الرجل لرب نعمته أنا غرس نعمتك ورقيق
~~نعمتك. قال: ومما يقوي قول من أسكن التاء قوله سبحانه: (والله أعلم بما
~~وضعت)، ولو كان من صلة قول أم مريم (ع) لكانت تقول: وأنت أعلم بما وضعت،
~~لأنها تخاطب الله سبحانه:
# قلت أنا: وهذا القول غير سديد، لأنه لا يمتنع أن يكون ذلك من قول أم
~~مريم، وتقول مع ذلك: (والله أعلم بما وضعت) على مجرى العادة في خطاب المعظم
~~من العدول معه من كاف المواجهة إلى هاء الكناية، وفي القرآن مثل ذلك كثير
~~في خطاب الله تعالى وخطاب غيره: من ms052 خروج عن كناية إلى مواجهة ومن مواجهة
~~إلى كناية، ألا ترى إلى قوله سبحانه: (الحمد لله رب العالمين) ثم: (إياك
~~نعبد وإياك نستعين)، والى قوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم
~~بريح طيبة) NoteV00P088N02 إلى غير ذلك مما في معناه، فأما من قرأ:
# (2) يونس 32.
# PageV00P088
# (والله أعلم بما وضعت) بضم التاء، فمعناه - والله أعلم - أنها لما قلت:
~~(رب إني وضعتها أنثى) لم تأمن أن يظن بها أنها مخبرة فبينت بقولها: (والله
~~أعلم بما وضعت) أنها إنما أرادت بقولها:
# (رب إني وضعتها أنثى) إظهار ما لحقها من الخوف، إذ أدخلت في النذر من ليس
~~أهله، ولا يقوم بشرائطه، فجزعت من ألا يقبل نذرها، ولا تتم قربتها، وما
~~أوردناه في ذلك كاف بتوفيق الله.
# 9 - مسألة (استبعاد زكريا أن يكون له غلام) الجواب عن الشبهة في هذا
~~الاستبعاد - منازل الأنبياء وما يجوز عليهم ومن سأل عن معنى قوله تعالى -
~~حاكيا عن زكريا -: (قال رب أني يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر
~~قال كذلك الله يفعل ما يشاء - 40) فقال: كيف أقدم زكريا - وهو نبي - على
~~استبعاد أمر وعده الله به، وضمن كونه له؟! هذا بعد أن كان هو السائل فيه
~~والطالب له! فما الحجة في ذلك؟ PageV00P089
# فالجواب: أن في هذه المسألة أقوالا: - 1 - منها، أن الله سبحانه لما بشر
~~زكريا بالولد، بعد مسألة أن يهب له ذرية طيبة تكون وارثة لوفره وداعمة
~~لظهره، وأيقن أن ذلك كائن لا محالة - اعترف بالنعمة لربه سبحانه، فقال:
~~(أني يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر)، لولا أنك فضلتني على كل
~~من كانت هذه حاله في الكبر والعقم واليأس من الولد!، وذلك أن الله سبحانه
~~لم يرزق الكبير والعقيم (ولدا قبل) NoteV00P090N01 ذلك، فصارت هذه النعمة
~~خاصة لزكريا (ع) فاز بحظوتها وبان بمزيتها، فقال: أنى يكون لي ولد لو سويت
~~بيني وبين من هذه حاله! ولكنك فضلتني بمزية هذه النعمة، وبلغتني ما لم يكن
~~في الأمنية، ولم يقل ذلك على سبيل التعجب، لأنه ms053 يعلم أن الله على كل شئ
~~قدير، وكيف يجوز ان يحمل ذلك منه على الاستبعاد لما وعد به والتعجب من
~~كونه، وقد وعده الله بوقوعه، وهو من الأنبياء الذين تلقوا شرف الوحي
~~والرسالة، وسمعوا حسيس الملائكة، وعلموا أن موعود الله صادق وأمره واقع،
~~وأنه سيورق الهشيم NoteV00P090N02 ويستنتج العقيم؟!.
# 2 - وقيل فيها قول آخر، وهو: أن الله تعالى لما بشره بالولد، وكان عنده
~~أن العاقر لا تلد، والعقيم لا تنسل، قال: أنى يكون لي ولد! أي: من أي امرأة
~~أرزق الولد؟: من امرأتي هذه العاقر أم من
# PageV00P090
# غيرها؟، ليعلم من أي النساء يرزق الولد الذي بشر به، فرجع الله سبحانه
~~إليه القول يخبره أنه هين عليه أن يهب له ذلك من العاقر مع الكبر، فعلم أن
~~الولد يكون من امرأته، وهي على تلك الصفة من العقم، زيادة في قدر النعمة
~~التي خولها، والمنزلة التي أهل لها، لا أنه تعجب من كون ذلك، مع علمه بقدرة
~~الله سبحانه عليه، ولكنه على سبيل الاستفهام:
# أيرزق الولد من العقيم العاقر أو من الولود الناتق NoteV00P091N01؟.
# 3 - وقيل فيها قول آخر، وهو أن زكريا لما بشره الله بالولد، تحقق كونه لا
~~محالة، ولكنه أراد أن يعلم كيف يهبه له؟:
# أيفعل سبحانه ذلك وهو وزوجته على ما هم عليه: من جلال السن وتصرم العمر،
~~أو يعيدهما إلى حال الشباب ثم يرزقهما الولد على مجرى عادات الناس؟، وذلك
~~كقول إبراهيم (ع) (رب أرني كيف تحيى الموتى) (2) ليزداد بذلك علما إلى
~~علمه، فأخبر الله زكريا بقوله: (كذلك الله يفعل ما يشاء) أنه يرزقه الولد
~~من زوجته، وهما على حالهما من الكبر والعقم، لتكون النعمة أتم والآية أعظم،
~~لأنها جاءت بعقب اليأس من الولد، وكان موقعها منهما فوق موقعها ممن يرجو
~~الولد باقتبال زمانه وعنفوان شبابه. وكان الحسن البصري يقول: عجبا لابن
~~آدم! سأل ربه ان يرزقه الولد ففعل ذلك، ثم قال: كيف ترزقنيه؟ فما جبهه عن
~~حاجته دون ان اعلمه ما سأل عنه، ولم يدر متى يكون ms054 ذلك! فأراد أن يرى علامة
~~يعرف بها
# PageV00P091
# أن الولد قد أخذ مستقره من بطن أمه، فقال: (رب أجعل لي آية قال آيتك ألا
~~تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا.. 41) 4 - وقال أبو علي الجبائي: لم يقل
~~زكريا ذلك ردا على ربه وعلى ملائكته، ولكنه قال إقرارا بصحته واستعظاما
~~لقدر النعمة به، إذ جاء على اليأس من الامر المطلوب، وكان خارجا عن العادة
~~والتقدير. وهذه سبيل من كان آيسا من أمر يريده، ثم جاء من وجه كان يستبعد
~~مجيئه منه، أن يقول: كيف كان هذا؟ وكيف وقع؟
# وما أعجب ما اتفق!، فكان قول زكريا ما قاله على هذه الطريقة، لا إنكارا
~~للقدرة ولا ذهابا مع عارض الشبهة.
# ونحا أبو مسلم بن بحر هذا النحو وزاد فيه أن قال: إن من شأن من بشر بما
~~كان يتمناه أن يولد له فرط السرور عند أول ما يهجم على سمعه ما يقتضيه،
~~الاستئناف في المعرفة والزيادة في الاستبانة، ثم عند إنعام الفكر ومراجعة
~~العقل يعلم أن الله على كل شئ قدير.
# 5 - وذكر أبو جعفر الطبري عن عكرمة والسدي: أنهما قالا في ذلك: (إن
~~الملائكة لما نادت زكريا بالبشارة، اعترض ذلك النداء الشيطان، فوسوس إليه
~~أن ما سمعه من غير جهة الملائكة وأنه من جهة الشيطان، ولو كان من الله
~~تعالى لكان وحيا، فشك حينئذ وقال ما قاله).
# وهذا القول جهل عظيم من قائله، وقلة بصيرة بمنازل الأنبياء (ع) وما يجوز
~~عليهم مما لا يجوز، لأنهم عليهم السلام تجل أقدارهم عن تلاعب PageV00P092
# الشياطين بهم، وأن يشكل نداء الشيطان من نداء الملك عليهم، وإذا كانت
~~الملائكة هي التي أتته بالبشارة، وقد جرت عادته - إذ هو نبي - باستماع
~~كلامها، وألف مهابطها، وثلج صدره بما تؤديه إليه عن ربها، فأي عذر له في أن
~~يعترضه الريب أو يختلجه الشك؟ وهل دليل أدل على أن زكريا لم يشك في أن
~~النداء الذي نودي به كان من قبل ربه، من قوله في الجواب عنه: (رب أنى يكون
~~لي غلام)؟، ms055 ولو كان شاكا كما زعموا لما جعل رجع الخطاب متوجها إلى الله
~~تعالى، بل جعله مبهما وموقوفا، كما يفعل الشاك المرتاب، والذاهل الحيران،
~~وكان أقرب أحواله أن يقول: أنى يكون لي غلام، ولا يبدأ مخاطبا لله سبحانه
~~بقوله: (رب أنى يكون لي غلام)، فلما قال ذلك (استدللنا) NoteV00P093N01
~~بخروج الجواب على معرفة الخطاب. وهذا كاف بتوفيق الله.
# PageV00P093
# 10 - مسألة (المسيح كلمة من الله) السؤال عن تسمية المسيح بالكلمة وتذكير
~~الضمير - الجواب عن تسميته بالكلمة - استعمال المصدر بمعنى اسم الفاعل واسم
~~المفعول - الحلف بصفات الله تعالى - الفرق بين تسمية عيسى بالكلمة وبالروح
~~والمسيح - أقوى الوجوه في الجواب - الكلمة بمعنى: الشريعة والأوامر ومن سأل
~~عن معنى قوله تعالى: (يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح.. الآية
~~- 45) فقال: ما معنى الكلمة ههنا؟ ولم سماه كلمة؟ ولم لم يعط التأنيث حقه،
~~فيقول: اسمها المسيح، ليكون الكلام مطردا والمعنى منتظما.
# فالجواب: أن للعلماء أقوالا في ذلك:
# 1 - فمنها، أن الله سبحانه قد كان كرر ذكر المسيح (ع) في منزلات الكتب
~~المتقدمة لميلاده، ووعد بمبعثه، وبشر بنبوته، فلما خلقه تعالى وبعثه قال:
~~هذا كلمتي، أي: هذا ما كنت أخبر به، وأكرر ذكر مورده، وذلك كقول القائل -
~~إذا كان قد تقدم اخباره بأمر متوقع وإنذاره بحادث منتظر، ثم وقع المتوقع
~~وورد PageV00P094
# المنتظر -: قد جاءكم قولي وقد رأيتم كلامي، ويقال له أيضا: هذا قولك، أو
~~هذا كلامك، اي: ما كنت تعد به وتخوف منه.
# 2 - وقول آخر. قيل: قد يجوز أن يكون معنى ذلك أن الله سبحانه قال: نبشرك
~~بكلمة، يعني: بولد ذكر يكون نبيا يهتدى به كما يهتدى بكلمات الله سبحانه،
~~فلذلك سماه: كلمة، على التشبيه بالكلمة الموضوعة للبيان والدلالة، لان
~~الكلمة في الحقيقة (عين) NoteV00P095N01 الكلام، وعيسى (ع) ليس بكلام ولا
~~من جنس الكلام، ولمثل هذا أيضا سماه الله: روحا، لان العباد يحيون به في
~~أديانهم، كما يحيون بالأرواح في أبدانهم.
# 3 - وقول آخر. قال بعضهم: الكلمة من الله سبحانه ههنا هي: الوعد، وكأنه ms056
~~تعالى قال: يبشرك بوعد الله الذي سبق، ومثل ذلك في القرآن كثير: قال
~~سبحانه: (لا تبديل لكلمات الله) NoteV00P095N02 اي: لما وعد الله به، وقال
~~تعالى: (ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) NoteV00P095N03 وقال سبحانه:
~~(وحق عليهم القول) NoteV00P095N04، وقال: (وإذا وقع القول عليهم)
~~NoteV00P095N05، والقول والكلمة بمعنى واحد. وهذا قول أبي مسلم بن بحر، وهو
~~يلاحظ القول الذي ذكرناه أولا، وبقي عليه فيه فضل بيان كان ينبغي ان يشير
~~إليه، وهو أنه إذا قرر أن تكون الكلمة ههنا بمعنى الوعد،
# PageV00P095
# فالعبارة بها عن المسيح (ع) مجاز، لأنه لا يجوز ان نقول: إن المسيح وعد
~~الله، إلا ونحن نريد أنه موعود الله، كما قال الشاعر:
# وإني لأرجوكم على بطء سعيكم * كما في بطون الحاملات رجاء أي: مرجو. ولهذا
~~قال الفقهاء: إن الحالف بكل ما كان من صفات الله تعالى التي استحقها لنفسه
~~يكون حالفا بالله سبحانه، نحو قوله: وقدرة الله، وجلالة الله، وعظمة الله،
~~وكذلك سائر الصفات النفسية، لان قوله: وقدرة الله، بمنزلة قوله: والله
~~القادر، وقوله: وعظمة الله، بمنزلة: والله العظيم، إذ ليس هناك قدرة بها
~~كان قادرا ولا عظمة كان بها عظيما، فكان ذلك حلفا بالله تعالى، لأنه لا
~~معنى يقع الحلف به ههنا غير الله سبحانه. وهذا المعنى مستمر في نظائر هذه
~~الصفات إلا في شئ واحد وهو: قول القائل: وعلم الله لأفعلن كذا، فلم يجعلوا
~~ذلك يمينا، لان هذا في الاستعمال يراد به معلوم الله، كما تقول: اللهم اغفر
~~لنا علمك فينا وشهادتك علينا، ومعناه: معلومك فينا، وقد يطلق المصدر ويراد
~~به المفعول، وهو كثير في اللغة والعادة: قال الله سبحانه: (واعبد ربك حتى
~~يأتيك اليقين) NoteV00P096N01، يريد تعالى: الموقن به، وعلى هذا أيضا تقول:
# اللهم أنت أملنا ورجاؤنا، أي: مرجونا ومأمولنا.
# وإذا كان قول الحالف: وعلم الله، بمعنى: ومعلوم الله، وكان اسم المعلوم
~~يدخل تحته غير الله تعالى، لم يصح الحلف به، وكان
# PageV00P096
# الحالف بذلك كالحالف بغير الله سبحانه، ولا يلزم على هذا قول من ms057 يقول:
# إنه يجوز أن يكون قولهم: وقدرة الله، بمعنى: ومقدور الله، فيكون كالعلم
~~والمعلوم، فلأي معنى وقع التفريق بينهما؟. لان مقدور الله سبحانه لا يكون
~~إلا معدوما، إذ كان الموجود لا يكون مقدورا، وليس في العادة الحلف
~~بالمعدوم، فأما المعلوم فهو يقع على الموجود والمعدوم، فجاز الحلف به لما
~~ذكرناه.
# وبان بذلك أن قول من قال: إن الكلمة بمعنى الوعد، لا بد من أن يحملها على
~~معنى الموعود، للوجه الذي قدمناه.
# 4 - ووجه آخر. قيل: إنما وصف بأنه كلمة، من حيث كانت البشارة - التي هي
~~كلمة - ابتداء معرفته، والمطرقة NoteV00P097N01 بين يدي مورده. وقد اعترض
~~ذلك بأن قيل: لو جاز هذا لجاز أن يوصف الانسان بأنه نطفة بعد تسوية خلقه
~~وتكامل أجزاء جسمه، لان ابتداء خلقه من نطفة، وهذا ممتنع!
# 5 - وحكي عن أبي الهذيل العلاف: أنه قال: إن المراد بذلك قوله تعالى:
~~(كن)، فكان، وإنما خص عيسى (ع) بهذه التسمية - وإن كان كل مولود يكون عند
~~قوله سبحانه له: (كن) - لان كل مولود غيره إنما يكون على طريق العلوق من
~~الرجال، وبتوسط الحمل والولادة وليس كذلك حال عيسى (ع)، فجاز اختصاصه بهذا
# PageV00P097
# الاسم لاختصاصه بهذا المعنى.
# 6 - وحكي عن النظام: (أنه وصف (ع) بذلك على طريق اللقب، إذ لا معنى يشار
~~إليه يمكن أن يقال لأجله وصف بذلك، كما يمكن أن يذكر في وصفه بأنه المسيح -
~~على اختلاف الناس في معنى هذه اللفظة - وأنه روح الله وما يجري هذا المجرى،
~~فان ما تحت ذلك - أجمع - من المعاني معقول، فجرى وصفه بأنه كلمة مجرى وصف
~~أبي إبراهيم بأنه آزر). ولا أعلم لأي حال فرق النظام بين تسميته بروح الله
~~وبالمسيح، وبين تسميته بكلمة الله؟، فان ساغ أن يجعل كلمة الله لقبا ساغ أن
~~يجعل روح الله لقبا، وإن جاز أن نتأول المسيح والروح على المعاني المذكورة
~~فيهما، جاز أن نتأول الكلمة أيضا على المعاني المذكورة فيها، فلا معنى
~~للتفريق بينهما.
# وأقوى هذه الوجوه التي ذكرناها أن تكون الكلمة ههنا بمعنى: ms058
# عدة الله التي تقدم وعده بها، أو يكون إنما سماه تعالى كلمة، لأنه يهدي
~~به كما يهدي بكلمته، فكان ذلك على وجه التشبيه.
# ومما يقوي قول من قال: إن الكلمة بمعنى الوعد ههنا، قوله سبحانه في
~~براءة: (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا... - 40) قال
~~جماعة من المفسرين: إن كلمة الذين كفروا ههنا ما سبق من وعدهم باطفاء نور
~~رسول الله صلى الله عليه وآله، ونحت أثلته NoteV00P098N01 وتعفية شريعته،
~~وكلمة الله ههنا: ما سبق من وعده تعالى
# PageV00P098
# باعلاء بنيانه، ورفع أعلامه، وإبعاد صوته (وصيته) NoteV00P099N0١، وتشريف
~~بيته، وكفايته أمر أعدائه، لقوله سبحانه: (فسيكفيكهم الله وهو السميع
~~العليم) NoteV00P099N0٢، ولقوله تعالى: (والله يعصمك من الناس)
~~NoteV00P099N0٣، إلى غير ذلك مما يشبهه.
# وقد تجئ الكلمة بمعنى: الشريعة والأوامر المفترضة، وذلك كقوله تعالى: ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من
~~القانتين﴾ (4) أي: بشرائعه وأوامره، ومثل ذلك قوله سبحانه في السورة
~~التي يذكر فيها الفتح: (يريدون أن يبدلوا كلام الله - 15) - و (كلم الله)،
~~على اختلاف القراءتين - أي: أوامر الله وفرائضه، والكلم: جمع كلمة، وهي
~~قراءة حمزة والكسائي، وباقي القراء السبعة يقرءون: (كلام الله)، فعلى هذا
~~المعنى أيضا يجوز أن يكون قوله تعالى: (بكلمة منه) فيه تقدير مضاف مسقط،
~~فكأنه تعالى قال: (يبشرك) NoteV00P099N05 بصاحب شريعة أو مبين فريضة، أو ما
~~يجري هذا المجرى.
# PageV00P099
# فصل (تذكير ضمير كلمة في الآية) حمل الكلام على المعنى في التأنيث
~~والتذكير - عجائب القرآن في بلاغته - تفريق القرآن بين الإناث والذكور
~~بالتنكير والتعريف فأما قوله تعالى: (بكلمة منه اسمه المسيح)، ولم يقل:
~~اسمها، فإنه حمل الكلام على المعنى لا على اللفظ، فذكر، لان معنى الكلمة
~~ههنا مذكر، وهو: عيسى (ع) أو الشئ أو الولد أو الشخص، وكل ذلك مذكر: وعلى
~~هذا قوله تعالى: (أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله... بلى قد
~~جاءتك آياتي فكذبت بها...
# الآية) NoteV00P100N01 على خطاب المذكر في إحدى القراءتين، لأنه تعالى
~~عنى بذلك: الانسان ms059 ذا النفس، وعلى هذا قول الشاعر (2):
# من حديث نمي إلي فما ير... فأدمعي ولا ألذ شرابي مرة كالذعاف أكتمها
~~الناس * على حر ملة كالشهاب
# PageV00P100
# فجعل مرة نعتا لحديث، لأنه حمل الحديث على معنى الكلمة، فأنث لهذه العلة،
~~وهذا كقول الشاعر:
# إني أتتني لسان لا أسر بها * من علو لا عجب منها ولا سخر NoteV00P101N01
~~فأنث لأنه جعل اللسان ههنا بمعنى الرسالة أو القولة أو الصحيفة المتضمنة
~~لذلك، والدليل على أن المراد باللسان ههنا ما ذكرناه قول الآخر
~~NoteV00P101N02:
# ندمت على لسان كان مني * وددت بأنه في جوف عكم ولو لم يرد الكلام لم يصح
~~المعنى، لان الندم لا يكون على الأعيان والاشخاص، وإنما يكون على الأقوال
~~والأفعال.
# ومن غرائب القرآن وبدائعه وعجائبه وغوامضه، قوله سبحانه في هذه السورة:
~~(بكلمة منه اسمه المسيح)، فذكر على المعنى الذي
# PageV00P101
# ذكرناه، لأنه سبحانه لو قال: اسمها المسيح، لألبس اللفظ، إذ لم يتقدم من
~~ذكر المسيح (ع) ما يؤمن معه الالباس، فلما جاء في السورة التي يذكر فيها
~~النساء ما أمن معه الالباس، أعطى سبحانه الكلمة حقها ووفاها قسطها، فأنث
~~ضميرها، لان ذكر المسيح (ع) قد تقدم، فأمن اللبس وارتفع الشك قال سبحانه:
~~(إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه...)
~~NoteV00P102N01 فقال: ألقاها، ولم يقل: ألقاه، لما تقدمت أسماء المسيح
~~وتعريفاته التي تؤمن من الالباس: وهي المسيح، وعيسى بن مريم، وإذا نظرت
~~بعين عقلك بان لك ما بين الموضعين من التمييز البين والفرق النير، وعجبت من
~~عمائق قعر هذا الكتاب الشريف الذي لا يدرك غورها، ولا ينضب بحرها، فإنه كما
~~وصفه سبحانه (بقوله) NoteV00P102N02: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
~~خلفه...) NoteV00P102N03، ومن أحسن ما قيل في تفسير ذلك (انه لا يشبه كلاما
~~تقدمه ولا يشبهه كلام تأخر عنه، ولا يتصل بما قبله ولا يتصل به ما بعده،
~~فهو الكلام القائم بنفسه البائن من جنسه، العالي على كل كلام قرن إليه وقيس
~~به)، وإنه (ليرى فيه) (4) عند ms060 الانفراد بتلاوته: من غرائب الفصاحة وثواقب
~~البلاغة ونوادر الكلم وينابيع الحكم، ما يعجز الخواطر عن الكلام عليه
# PageV00P102
# و (الانصياح) (1) عن عجائب ما فيه، فمن ذلك ما تنبه عليه خاطري منذ ليال،
~~وقد بلغت من وظيفة التلاوة إلى السورة التي يذكر فيها الشورى، وهي (حم
~~عسق)، وذلك قوله تعالى في آخر هذه السورة:
# (لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء
~~الذكور - 49)، فانظر إلى لطيف فرقه تعالى بين الإناث والذكور، بأن جعل
~~الإناث نكرة والذكور معرفة، فقال:
# (إناثا) ثم قال: (الذكور)!، لأنهم أعرف سمات وأعلى طبقات، وهذا من لطائف
~~الحكمة وشرائف البلاغة. وفيه من أمثال ما ذكرناه ما لا تحصى أعداده ولا
~~تبلغ آماده، ولعلي أن أورد في أثناء هذا الكتاب بتوفيق الله من هذا المعنى
~~ما يكون غررا شارخة (2) ولمعا ثاقبة، منبها على غوامضه ومشيرا إلى مواضعه،
~~مما لا أعلم سابقا سبقني إلى استنباطه، ولا راميا رمى قبلي في أغراضه، إن
~~شاء الله تعالى. وفي ما ذكرناه من هذه المسألة كاف بعون الله وتوفيقه.
# PageV00P103
# 11 - مسألة (نسبة الامتراء إلى النبي!) الجواب عن الشبهة - معنى سؤال
~~النبي من تقدمه من الرسل - حديث (ليس منا من غشنا) - معاني (من) الجارة.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (الحق من ربك فلا تكن من الممترين - 60)،
~~فقال: ظاهر هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله، فكيف يجوز عليه الامتراء
~~والشك، وقد باشر برد اليقين، وتلقى عن الروح الأمين؟، والشاك لا يكون نبيا،
~~ولا عن الله مؤديا!.
# فالجواب: أن في ذلك أقوالا:
# 1 - أحدها، أن الله تعالى خاطب النبي بمثل هذا الخطاب ونظائره، والمراد
~~به أمته، وذلك في القرآن كثير: كقوله تعالى:
# (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك..)
~~NoteV00P104N01، والمراد بذلك من يشك من أمة النبي صلى الله عليه وآله،
~~وأوضح ما ورد في القرآن من هذا الضرب: مما يدل
# PageV00P104
# على أن المخاطب به الأمة دون النبي صلى الله عليه وآله، قوله تعالى: ms061 (يا
~~أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن... الآية) NoteV00P105N02،
~~فوحد ثم جمع، ليعلم أن الخطاب للأمة، وإنما يبتدئ تعالى بخطاب النبي قبلها،
~~إذ كان المؤدي عنه إليها، والسفير بينه وبينها، والشهيد له عليها، واللسان
~~الناطق عنها، ولان مثل هذا القول لا يلتبس على العقلاء، لأنهم إذا رجعوا
~~إلى أدلة العقول علموا أن الأنبياء لا يجوز عليهم الامتراء في الدين، والشك
~~بعد اليقين، فيصرفون الخطاب إلى منصرفه، ويحملونه على الوجه الأليق به،
~~وهو: أن يكون خطابا للأمة التي يجوز عليها المرية، ويدخل عليها الوهن
~~والنقيصة، ألا ترى أنهم لما سمعوا قوله في السورة التي يذكر فيها الزخرف
~~مخاطبا للنبي صلى الله عليه وآله:
# (وأسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدن -
~~45)، وعلموا أن النبي صلى الله عليه وآله لا يمكنه مسألة من تقدم من الرسل،
~~وقد عمهم الله برضوانه ونقلهم إلى جنانه - (2) تأولوا ذلك على ما يسوغ أن
~~يكون مرادا، فقالوا: معنى ذلك: فاستعلم ما في كتب الأنبياء قبلك، وتعرف ما
~~خلد في أساطيرهم وحفظ من أحكامهم وشرائعهم، فإنك تجد فيها ما يدلك على أنه
~~لا إله مع الله تعالى!، فجعلوا استقراء ما في كتب الأنبياء كمسألة
~~الأنبياء، لأنه عليه السلام لو أمكن أن يسألهم عن ذلك لما أجابوا إلا بما
~~بقوا في كتبهم، وخلدوا في قصصهم وأساطيرهم التي حفظها ثقات أممهم، ونقلها
~~ديانو قومهم.
# PageV00P105
# وقد قيل: إن معنى ذلك واسأل تباع من أرسلنا، فحذف التباع وأقام المرسلين
~~مقامهم، وهذا أيضا مطابق للغرض الذي أردناه. وقد قال بعضهم في ذلك: إن
~~المراد به واسأل الأنبياء الذين في السماء، ويحتمل أن يكون ذلك قبل اجتماعه
~~(ع) معهم في ليلة المعراج، على ما جاءت به الاخبار، قال: والسؤال واقع
~~بالأرواح، وكأنه تعالى قال: واسأل أرواحهم، وقال غيره: السؤال واقع
~~بالاشخاص. وفي هذا الوجه نظر، والصحيح في ذلك الوجهان الأولان.
# 2 - وقد قيل في المسألة وجه آخر، وهو: (أن يكون تعالى أمر نبيه (ع)
~~بالثبات على ما هو ms062 عليه وترك الشك فيه، (ليألوا) NoteV00P106N01 عليه لزوم
~~طريقته، كما يقول الرجل لابنه: إن كنت ابني فتعمد بري، ولعبده: أن كنت عبدي
~~فاسمع لي وأطع أمري، وإنما يريد القائل بذلك تقرير الولد والعبد بوجوب حقه
~~واستدامتهما على بره وطاعته).
# وهذا القول غير سديد، والتمثيل بما يقوله الرجل لابنه وعبده غير مستقيم،
~~لان الرجل إنما يقول لابنه وعبده هذا، استزادة لهما، وعند ظهور أمر يكرهه
~~منهما، ونحن لا نطلق على النبي صلى الله عليه وآله مقاربة فعل يكرهه الله
~~سبحانه منه، فيقول تعالى له ما قال تثبيتا على أمره، وردا له عن مواقعة فعل
~~لا يليق بمثله!.
# PageV00P106
# 3 - وقال بعضهم: ليس المراد بقوله تعالى: (فلا تكن من الممترين) للنبي
~~صلى الله عليه وآله، ولكنه خاطب السامع للبرهان: من المكلفين كائنا من كان،
~~فكل من سمعه منهم كان خطابا له ومصروفا إليه.
# 4 - وفي ذلك وجه آخر، وهو: أنه يجوز أن يكون تعالى أمر النبي صلى الله
~~عليه وآله بألا يكون من الممترين، ليس بأنه داخل معهم في المرية والشك،
~~ولكنه سبحانه أمره بألا يكون منهم بالمقاربة لهم والصبر عليهم والمقارة على
~~قبيح فعلهم، كما قلنا في ما تقدم من كتابنا هذا.
# وقد اعترض تأويل قوله تعالى - حاكيا عن يونس (ع) -:
# (سبحانك إني كنت من الظالمين) NoteV00P107N01 أي: كنت منهم بالمساكنة
~~والمقاربة والممازجة والمناسبة، لا بالدخول معهم في ظلمهم، والرضا بذميم
~~طريقهم (1)، وذلك كقول النبي صلى الله عليه وآله: (ليس منا من غشنا)
~~NoteV00P107N02، قال بعض العلماء في ذلك: (أرأيت لو كان معه مائة كر برا
~~(ثم) NoteV00P107N03 خلط بها مكوكا من شعير أكان يبرأ من الاسلام؟!، ولكن
~~معناه ليس من أخلاقنا أوليس من أفعالنا أوليس ممن نتولاه ونحبه ونحمد
~~طريقته ومذهبه، أي: هو مناف لخلائقنا وسائر طرائقنا)، وروي عن أمير
~~المؤمنين علي (ع): أنه قال: (ليس منا ههنا معناه: ليس
# PageV00P107
# مثلنا)، وهذا أحسن ما قيل في هذا المعنى، ومثل ذلك قوله تعالى لنوح (ع)
~~في ابنه: (ليس من أهلك) NoteV00P108N01، أي: ms063 ليس من أهلك المقتدين بك
~~والسالكين لمذاهبك، ثم قال تعالى - حاكيا عن إبراهيم (ع) -: (فمن تبعني
~~فإنه مني) NoteV00P108N02، وأكثر من اتبعه من لم يكن من أهله، وإنما أراد
~~أنهم منه بلزوم طرائقه والتخلق بخلائقه، فإذا كانت (من) تتصرف على وجوه
~~كثيرة قد أشرنا إلى بعضها، جاز أن نتأول قوله تعالى: (فلا تكن من الممترين)
~~على الوجه الذي ذكرناه آنفا. على أن أصح الأقاويل في ذلك، القول الذي
~~أوردناه أولا: من أن لفظ الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله ومعناه لامته،
~~لان نظائر ذلك كثيرة، وهذا مقنع بتوفيق الله تعالى.
# PageV00P108
# 12 - مسألة (دعاء الأنفس في آية المباهلة) دعاء الأنفس مصروف إلى علي (ع)
~~- الآمر لا يجوز دخوله تحت امره - سؤال المأمون عن دعاء الأنفس واحتجاجه
~~وجواب الرضا (ع) - اطلاق النفس على ابن العم والقريب والأخ في الدين -
~~تسمية ابن البنت ابنا - صحة دخول الصبي في المباهلة.
# ومن سأل عن قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل
~~تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم... الآية -
~~61)، فقال:
# أما دعاء الأبناء والنساء فالمعنى فيه ظاهر، فما دعاء الأنفس؟ والانسان
~~لا يصح أن يدعو نفسه كما لا يصح أن يأمر وينهى نفسه!
# فالجواب عن ذلك: أن العلماء أجمعوا والرواة أطبقوا على أن رسول الله صلى
~~الله عليه وآله لما قدم عليه وفد نصارى نجران، وفيهم الأسقف (وهو أبو حارثة
~~بن علقمة) والسيد والعاقب NoteV00P109N01 وغيرهم من رؤسائهم، فدار
# PageV00P109
# بينهم وبين رسول الله في معنى المسيح (ع) ما هو مشروح في كتب التفاسير
~~(ولا حاجة بنا إلى استقصاء شرحه لأنه خارج عن غرضنا في هذا الكتاب)، فلما
~~دعاهم صلى الله عليه وآله إلى الملاعنة، أقعد بين يديه أمير المؤمنين عليا،
~~ومن ورائه فاطمة، وعن يمينه الحسن، وعن يساره الحسين، عليهم السلام أجمعين،
~~ودعاهم (هو) NoteV00P110N01 صلى الله عليه وآله إلى أن يلاعنوه، فامتنعوا
~~من ذلك خوفا على أنفسهم، وإشفاقا من عواقب صدقه وكذبهم، وكان دعاء الأبناء
~~مصروفا إلى الحسن ms064 والحسين عليهما السلام، ودعاء النساء مصروفا إلى فاطمة
~~عليها السلام، ودعاء الأنفس مصروفا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، إذ لا
~~أحد في الجماعة يجوز أن يكون ذلك متوجها إليه غيره لان دعاء الانسان نفسه
~~لا يصح، كما لا يصح أن يأمر نفسه NoteV00P110N02.
# PageV00P110
# ولأجل ذلك قال الفقهاء: إن الآمر لا يجوز أن يدخل تحت الامر، لان من حقه
~~أن يكون فوق المأمور في الرتبة، ويستحيل أن يكون فوق نفسه، ومما يوضح ذلك
~~ما رواه الواقدي في كتاب (المغازي): (من أن رسول الله صلى الله عليه وآله
~~لما أقبل من بدر ومعه أسارى المشركين، كان سهيل بن عمرو مقرونا إلى ناقة
~~النبي فلما صار من المدينة على أميال (انتشط) NoteV00P111N01 نفسه من القرن
~~وهرب، فقال النبي صلى الله عليه وآله:
# من وجد سهيل بن عمرو فليقتله!، وافترق القوم في طلبه، فوجده النبي صلى
~~الله عليه وآله من بينهم، منقبعا إلى جذم شجرة (2)، فلم يقتله وأعاده إلى
~~الوثاق)، لأنه لم يصح دخوله تحت أمر نفسه، ولو وجده غيره من أصحابه لوجب
~~عليه أن يقتله، لما صح ان يدخل تحت امر النبي صلى الله عليه وآله.
# ويفرق الفقهاء بين ذلك وبين الخبر العام، لأنهم يجوزون دخول المخبر تحته،
~~وعلى هذا قالوا: إن الامام إذا قال: من قتل قتيلا فله سلبه، فإنه يدخل تحت
~~ذلك، إلا أن يخرج نفسه منه بقوله: من قتل منكم قتيلا فله سلبه، فيخرج نفسه
~~حينئذ من ذلك.
# PageV00P111
# ومن شجون (1) هذه المسألة ما حكي عن القاسم بن سهل النوشجاني و قال: كنت
~~بين يدي المأمون في إيوان أبي مسلم بمرو، وعلي بن موسى الرضا (ع) قاعد عن
~~يمينه، فقال لي المأمون: يا قاسم! أي فضائل صاحبك أفضل؟ فقلت: ليس شئ منها
~~أفضل من آية المباهلة، فان الله سبحانه جعل نفس رسوله صلى الله عليه وآله
~~ونفس علي واحدة، فقال لي: إن قال لك خصمك: إن الناس قد عرفوا الأبناء في
~~هذه الآية والنساء، وهم: الحسن والحسين وفاطمة، وأما الأنفس فهي ms065 نفس رسول
~~الله وحده، بأي شئ تجيبه!، قال النوشجاني: فأظلم علي ما بينه وبيني وأمسكت
~~لا اهتدي بحجة، فقال المأمون للرضا عليه السلام: ما تقول فيها يا أبا
~~الحسن؟، فقال له: في هذا شئ لا مذهب عنه، قال:
# وما هو؟، قال: هو انه رسول الله صلى الله عليه وآله داع ولذلك قال الله
~~سبحانه:
# (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم.. إلى آخر الآية) والداعي لا يدعو نفسه
~~إنما يدعو غيره، فلما دعا الأبناء والنساء ولم يصح ان يدعو نفسه لم يصح ان
~~يتوجه دعاء الأنفس إلا إلى علي بن أبي طالب (ع)، إذ لم يكن بحضرته - بعد من
~~ذكرناه - غيره ممن يجوز توجه دعاء الأنفس إليه، ولو لم يكن ذلك كذلك لبطل
~~معنى الآية. قال النوشجاني:
# فانجلى عن بصري، وامسك المأمون قليلا، ثم قال له: يا أبا الحسن إذا أصيب
~~الصواب انقطع الجواب!.
# PageV00P112
# وقال بعض العلماء: إن للعرب في لسانها أن تخبر عن ابن العم اللاصق
~~والقريب المقارب: بأنه نفس ابن عمه، وأن الحميم نفس حميمه، ومن الشاهد على
~~ذلك قول الله تعالى: (ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب..)
~~NoteV00P113N01، أراد تعالى: ولا تعيبوا إخوانكم المؤمنين، فأجرى الاخوة
~~بالديانة مجرى الاخوة في القرابة، وإذا وقعت النفس عندهم على البعيد النسب
~~كانت أخلق ان تقع على القريب السبب، وقال الشاعر NoteV00P113N02:
# كأنا يوم قرى * إنما نقتل إيانا أراد: كأنما نقتل أنفسنا بقتلنا إخواننا،
~~فأجرى نفوس أقاربه مجرى نفسه، لشوابك العصم NoteV00P113N03 ونوائط اللحم
~~(4) وأطيط (5)
# PageV00P113
# الرحم، ولما يخلج من القربى القريبة، ويتحرك من الأعراق الوشيجة
~~NoteV00P114N01. فأما قول الله تعالى في النور NoteV00P114N02: (فإذا دخلتم
~~بيوتا فسلموا على أنفسكم... الآية - 61)، فيمكن أن يجري هذا المجرى، لأنه
~~جاء في التفسير: أن معنى ذلك فليسلم بعضكم على بعض لاستحالة أن يسلم
~~الانسان على نفسه، وإنما ساغ هذا القول، لان نفوس المؤمنين تجري مجرى النفس
~~الواحدة، للاجتماع في عقد الديانة، والخطاب بلسان الشريعة، فإذا سلم الواحد
~~منهم على أخيه كان كالمسلم على نفسه، لارتفاع الفروق واختلاط ms066 النفوس.
# وفي هذه الآية أيضا دليل على أن ابن البنت يسوغ تسميته ابنا في لسان
~~العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى: (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم...)، وقد
~~أجمع العلماء على أن المراد بذلك الحسن والحسين عليهما السلام، وقد روي عن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال للحسن: إن
# PageV00P114
# ابني هذا سيد. وقد قال بعضهم: أن هذا مخصوص في الحسن والحسين أن يسميا
~~ابني رسول الله دون غيرهما، قال: ومن الدليل على خصوص ذلك فيهما قول النبي
~~صلى الله عليه وآله: (كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي)، وليس
~~يتوجه قوله: (ونسبي)، إلا إلى من ولدته فاطمة ابنته (ع)، إذ ليس هناك ولد
~~ذكر من صلبه اتصل نسبه وضرب عرقه، فالنسب إليه من ولد ابنته.
# وروى الحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب أبي حنيفة، عنه: (إن من أوصى لولد فلان،
~~وله ولد ابن وولد بنت، دخل ولد البنت في الوصية)، فعلى هذا القول يسوغ أن
~~يسمى ابن البنت ولدا NoteV00P115N01.
# وقال لي شيخنا أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي: رواية الحسن بن زياد في
~~ذلك تخالف قول محمد بن الحسن، فان محمدا يقول في هذه المسألة: (إن الوصية
~~لولد الابن دون ولد البنت).
# فان قال قائل: كيف صح دخول الحسن والحسين في المباهلة (وهي:
# الملاعنة)، وهما صغيران، والأطفال لا يستحقون اللعن، ولو كانوا أطفال
~~المشركين، لأنهم لا ذنوب لهم استحقوا بها ذلك NoteV00P115N02؟ فالذي
# PageV00P115
# أجاب به قاضي القضاة أبو الحسن في هذا: أن العقوبات النازلة في تكذيب
~~الأنبياء (ع) على وجه الاستئصال تكون عامة تدخل فيها الصغار، وإن كان ما
~~ينالهم على وجه المحنة لا على وجه العقوبة، ويجري ذلك مجرى ما ينزل بهم من
~~الأمراض والأسقام والجرائح العظام وطوارق الحمام، وقد أومأ أبو علي إلى هذا
~~الجواب في تفسيره.
# وقال أيضا: (مما يدل على أنه تعالى لم يعن الصغار باللعن قوله:
# (فنجعل لعنة الله على الكاذبين)، والأطفال لا يدخلون تحت هذا الاسم، لان
~~الكاذبين هم الذين كذبوا ms067 على الله ورسوله، والأطفال ليسوا بهذه الصفة، فقد
~~خرجوا من استحقاق اللعنة).
# ومعنى قوله تعالى: (فنجعل لعنة الله على الكاذبين)، أي: نسأل وتسألون
~~الله سبحانه في دعائنا ودعائكم أن يلزم اللعنة الكاذب منا ومنكم،
~~PageV00P116
# لان لعنة الله سبحانه لا يقدر أحد أن يحلها بأحد، ولا يجعلها على أحد،
~~حتى يكون - تعالى جده - هو الذي يحلها بمستحقها ويلحقها بمستوجبها. وقد
~~يجوز أن يكون المراد فنجعل اسم الله على الكاذبين، وإن كان الله سبحانه هو
~~الذي يفعل معناها بهم، وهو: النقمة والعذاب والابعاد والاطراد، وما ذكرناه
~~في هذه المسألة كاف بحمد الله ومنه وفضله.
# 13 - مسألة (شرك أهل الكتاب في العبادة) الجواب عن الشبهة - اعتقاد
~~النصارى بالمسيح انه آله مع الله - اختصاصه الآية بالنصارى وامكان تعميمها
~~لليهود - وقوع كلمة (بعض) على المؤنث - اكتساب المضاف من المضاف إليه
~~تأنيثا وتذكيرا - استعمال الرب بمعنى السيد والمالك - نصرة صفوان وهو مشرك
~~للنبي يوم حنين.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا
~~وبينكم... إلى قوله تعالى ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله... -
~~64)، فقال: إن أهل الكتاب PageV00P117
# ما كانت عبادتهم لغير الله سبحانه، ولا جاء عنهم ولا عرف منهم أنهم عبدوا
~~غيره، بل كانوا يطعنون في رأي من عبد غير الله تعالى.
# من مشركة الأمم ومؤلهي الصنم!.
# فالجواب عن ذلك: 1 - أن أهل الكتاب عظموا رؤساءهم ورجبوا NoteV00P118N01
~~علماءهم، وقلدوهم في التحليل والتحريم والتأخير والتقديم، وتقحموا ما
~~قحموهم من الاعتقادات الفاسدة والمذاهب الرديئة، فكأنهم جعلوهم - لما ذكرنا
~~- بمنزلة الرب المعبود الذي يعظم قدره ويطاع أمره فأمر تعالى نبيه صلى الله
~~عليه وآله أن يدعوهم إلى ألا يعظموا غير الله ولا يعبدوا سواه، ولا يستحلوا
~~غير ما أحل، ولا يحرموا غير ما حرم. فهذا وجه.
# 2 - وقال بعضهم: معنى ذلك: أن النصارى كانوا يعتقدون ان رهبانهم وديانيهم
~~وصلحاءهم ومتبتليهم يقدرون على إحياء الموتى وإبراء المرضى فكأنهم بهذا
~~الاعتقاد فيهم جعلوهم بمنزلة الأرباب الخالقين، وهم المربوبون المخلوقون،
~~وليس حال هؤلاء ms068 فيما وصفنا كحال عيسى (ع)، لان عيسى كان نبيا مرسلا أعطاه
~~سبحانه علم التصديق NoteV00P118N02، وهو المعجز الذي بان به ممن ليس بنبي،
~~وكان إحياؤه الموتى وإبراؤه المرضى تصديقا لنبوته، وليس هذه صفة الأحبار
~~والرهبان من بعده.
# وكيف ينكر السائل أن يكون من أهل الكتاب من عبد غير الله، وقد علم وعلمنا
~~ان النصارى اعتقدوا أن المسيح (ع) إله مع الله، حتى
# PageV00P118
# قال سبحانه: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله... الآية)
~~NoteV00P119N01، ومن اعتقدت إلهيته استحسنت عبادته ومن الدليل على أن
~~المراد بأهل الكتاب ههنا النصارى قوله تعالى في السورة التي يذكر فيها
~~براءة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم...
~~الآية - 31)، وقد يمكن أن يكون المراد بأهل الكتاب في الآية المتقدمة
~~اليهود والنصارى معا، لان المعنى الذي ذكرناه في النصارى: من تعظيم الرؤساء
~~وتقليد العلماء، موجود فيهم، وإن لم ينتهوا بهم إلى الغاية التي ينتهى
~~النصارى بعلمائهم إليها: من اعتقادهم فيهم أن لهم الحرائج NoteV00P119N02
~~الباهرة، والآيات الظاهرة.
# ومما يدل على تعظيم اليهود كبراءهم وتقليدهم علماءهم قول تعالى في السورة
~~التي يذكر فيها المائدة: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر
~~من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون
~~للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن
~~أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا... - 41) وقوله تعالى:
# (سماعون لقوم آخرين لم يأتوك)، قال المفسرون: يريد بذلك تعالى:
# أحبارهم وعلماءهم. و (لم يأتوك): من صفة (قوم آخرين)، وعليه الوقف
~~الصحيح، ألا ترى إلى قوله تعالى: (يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه
# PageV00P119
# وإن لم تؤتوه فاحذروا)، فأخبر أن علماءهم يأمرونهم بما شاءوا من الاخذ
~~والترك والاعطاء والمنع، وقوله تعالى: (سماعون لقوم آخرين) يدل على كثرة
~~سماعهم منهم وقولهم عنهم، لان فعالون يدل على كثرة الفعل منهم، ولم يقل:
~~سامعون، فينبئ عن القلة، وإذا كانوا من تعظيم رؤسائهم والسماع لأقوالهم،
~~إلى الحد الذي أو مأنا إليه، جاز ms069 أن يلحقوا بالنصارى في النهي بألا يتخذوا
~~بعضهم أربابا، على الوجه الذي ذكرناه.
# وقال قاضي القضاة أبو الحسن NoteV00P120N01: قد يجوز أن يكون إنما خوطب
~~اليهود بذلك لان فيهم مشبهة والمشبه في حكم المشرك.
# قلت أنا: وهذا يستقيم في قوله تعالى: (ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به
~~شيئا) NoteV00P120N02، فيكون خطابا لليهود مع النصارى، على ما ذهب إليه
~~قاضي القضاة في جواز إطلاق اسم المشرك على المشبهة من اليهود. فاما قوله
~~تعالى: (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)، فليس يدخل اليهود تحت
~~الخطاب به، إلا على المعنى المتقدم الذي ذكرناه: من جريهم مجرى النصارى في
~~تعظيم الرؤساء وترجيب العلماء، لان معنى ذلك الانقياد لغير الله على وجه
~~التزام الطاعة له، حتى تحل ما أحل وتحرم ما حرم، وتقلده في الاقدام والكف
~~والاعطاء والمنع
# PageV00P120
# 3 - ووجه آخر. روي عن عكرمة صاحب ابن عباس (رضي الله عنه) في قوله تعالى:
~~(ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)، قال: نهاهم عن سجود بعضهم لبعض،
~~والنصارى يستعملون هذا المعنى من السجود والتكفير والتضاؤل والخضوع
~~لكبرائهم وديانيهم وأولي التقدم في دينهم.
# 4 - ووجه آخر. قال بعضهم: إنما نهاهم بذلك عن عبادة المسيح (ع) خصوصا،
~~وجاز أن يطلق عليه اسم البعض، لأنه بعض الأمة وواحد من الخليقة، والبعض يقع
~~على الواحد، كما يقع على الجماعة إذا كانوا بعضا لغيرهم، وقد يقع أيضا على
~~المؤنث كما يقع على المذكر، وقد استشهد على ذلك بقول لبيد:
# أو يعتلق بعض النفوس حمامها NoteV00P121N01 وأراد: نفسه، وهي مؤنثة. وليس
~~الامر عندي على ما قيل.
# من ذلك، لأنه لما أضاف البعض إلى النفوس، وهي مؤنثة، جعل الراجع إليها
~~ضمير المؤنث، ومثل ذلك قول الآخر:
# مر الليالي أسرعت في نقضي NoteV00P121N02
# PageV00P121
# وقول الآخر NoteV00P122N0١:
# كما شرقت صدر القناة من الدم وهو كثير في كلامهم.
# ٥ - ووجه آخر. قال بعضهم: الأرباب هنا: ملاك الامر، وأصحاب الحل والعقد،
~~وسادة القوم، أي: لا تجعلوا قوما يملكون أمورنا في ديننا، ويلزموننا قبول ms070
~~قولهم واتباع امرهم فيما يضرنا، إذ لا تجب علينا طاعة لاحد سوى الله وحده،
~~أو أمرنا الله سبحانه بطاعته، فتلك أيضا طاعة الله جل اسمه، ومن الدليل على
~~ذلك قوله تعالى: (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا...)
~~NoteV00P122N0٢، وإنما أراد: سيده ومالك امره الذي يربه، ومن الدليل على
~~ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿يا صاحبي السجن
~~أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ (3)، فدل على أنه ههنا من
~~يقع عليه هذا الاسم أريد به معنى السيادة وملك الامر، إلا أنه لا يجوز أن
~~يطلق هذا الاسم لغير الله إطلاقا مجردا، إلا مع القرائن التي يؤمن معها
# PageV00P122
# اللبس، فإذا عدمت تلك القرائن فلا يجوز الاطلاق، لأجل الابهام.
# ومما جاء من الاخبار شاهدا على ذلك قول صفوان بن أمية الجمحي في يوم
~~حنين، وهو مع النبي صلى الله عليه وآله، وحضر ذلك اليوم ولم يسلم بعد،
~~وإنما حضر محاميا عن الأصل لا منافحا عن الدين، في جماعة كانت هذه صفتهم من
~~بطون قريش، فقال له بعض من يسر عداوة النبي صلى الله عليه وآله - لما رأى
~~كثرة جموع العدو من هوازن كالشامت بتلك الحال -: (اليوم لا تبقى لفلان
~~باقية)، يعني النبي صلى الله عليه وآله، فقال له صفوان: (اسكت لا أم لك!
~~فلئن ير بني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن)، يعني: مالك بن
~~عوف النصري، لأنه كان يومئذ جار القوم وقائدهم ومالك تدبيرهم، وإنما أراد:
~~لئن يملك أمري ويلي علي رجل من قريش أحب إلي من أن يملك أمري رجل من غيرهم.
~~وقال الشاعر في ذلك (وهو: الحارث بن حلزة):
# وهو الرب والشهيد على يو... م (الحيارين) NoteV00P123N01 والبلاء بلاء
~~وما ذكرناه من ذلك كاف بتوفيق الله.
# PageV00P123
# 14 - مسألة (أمانة أهل الكتاب وخيانتهم) الجواب عن الشبهة - معنى الأمي -
~~اليهود يستحلون أموال غيرهم - الفرق بين (ليس علي فيه سبيل) وبين (ليس علي
~~له سبيل) - التفريق بين النصارى واليهود بالأمانة والخيانة ms071 - يدخل في الآية
~~العين والدين - دلالة الآية على قبول شهادة أهل الكتاب.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده
~~إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك
~~بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون
~~- 75)، فقال: كيف خص تعالى أهل الكتاب بهذه الصفة وقد علمنا أن في غيرهم
~~أيضا الخائن والأمين والثقة والظنين NoteV00P124N01؟!
# فالجواب: 1 - أنه سبحانه إنما أخبرنا عن أهل الكتاب بما أخبرنا به،
~~لنحذرهم على أموالنا ولا نغتر بظاهر (إحسانهم) NoteV00P124N02 لنا وتقربهم
~~الينا، ثم أعلمنا مع ذلك أن فيهم من يؤدي الأمانة ولو في الشئ
# PageV00P124
# الكثير كما أن منهم من يخونها ولو في الشئ القليل، لئلا يبخسهم تعالى حقا
~~يجب لهم، على كفرهم به وإلحادهم في دينه، وهو الشهادة بما يعلمه الله من
~~بعضهم: من أداء الأمانة والبعد عن الخيانة، ولنعتقد ذلك فيهم أيضا، فلا
~~تمنعنا المشاقة لهم NoteV00P125N01، والانحراف عنهم من أن نشهد أن فيهم
~~الثقة وإن كانت الظنة أغلب عليهم، وأن فيهم الأمين وإن كانت الخيانة أشبه
~~بطرائقهم، وبين تعالى تأويلهم في خيانة أماناتهم، فقال: (ذلك بأنهم قالوا
~~ليس علينا في الأمين سبيل) يعنون: العرب الذين أسلموا، اي: لا حرج علينا في
~~الذهاب بأموالهم وانتهاك حرماتهم لخلافهم علينا ومباينة دينهم لديننا،
~~وإنما سموهم أميين، لاعتقادهم أن لا كتاب لهم كما يسمون من لا يحسن الكتابة
~~(أميا)، وعلى هذا جاء في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يكره
~~ان يظهر الأميون على أهل الكتاب، يريد:
# فارس على الروم، لان الروم لهم كتاب وفارس لا كتاب لهم، وقد ذكرنا معنى
~~قولهم: (أمي) في ما تقدم من هذا الكتاب، فلا معنى لإعادته.
# 2 - وقال بعضهم: كان بين اليهود وبين أقوام من العرب بيوع وقروض، فلما
~~أسلموا قالوا: ليس علينا ان نقضيكم أموالكم، لأنكم قد انتقلتم عن دينكم
~~واستبدلتم بمعتقدكم، وإنما قالوا هذا القول على سبيل ms072 الحيلة لدفع الحقوق
~~ومطال الديون، (لا أن) NoteV00P125N02 ذلك شئ يرونه في دينهم أو يجدونه في
~~كتبهم.
# PageV00P125
# 3 - وقال بعضهم: إنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، فالخلائق غيرنا
~~عبيد لنا ومنخفضون عن علونا، فليس علينا جناح في اكل أموال عبيدنا ومن هم
~~في الرتبة دوننا. قال صاحب هذا القول: واليهود يتدينون باستحلال أموال كل
~~من خالفهم، باستعمال الغش في معاملاتهم، ويدعون أن ذلك فرض عليهم في دينهم،
~~وليس تأولهم لذلك على حد ما يتأوله المسلمون في أهل الحرب.
# 4 - وذهب أبو علي إلى: (ان قولهم: (ليس علينا في الأميين سبيل)، إنما
~~يعنون به ليس علينا لهم سلطان ولا قدرة، فلا يجب علينا اتباعهم، ولا النزول
~~تحت حكمهم، يريدون بذلك النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه، فلذلك استحلوا
~~أموالهم). وهذا اختيار أبي علي مما فسرت به هذه الآية.
# قلت انا: أما قوله: (إنهم قالوا لا سلطان للأميين علينا فلا يلزمنا أن
~~نتبعهم) وقوله: (فلذلك استحلوا أموالهم) (كلام) NoteV00P126N01 غير سديد،
~~لأنه لا تعلق لعدم سلطان الأميين عليهم باستحلال أموالهم، ولكن الأصوب (في)
~~NoteV00P126N02 ذلك أن يكون إنما قالوا: ليس علينا سلطان للأميين، فلا نخاف
~~من الذهاب بأموالهم والمدافعة لهم عن حقوقهم، لان أيديهم تقصر عنا وسلطانهم
~~لا يجري علينا، فقد أمنا تبعات لي حقهم وأخذ مالهم.
# على أن قول أبي علي: إن معنى (ليس علينا في الأميين سبيل)، معناه: ليس
~~علينا لهم سلطان، غير مستقيم أيضا، لان الامر لو كان
# PageV00P126
# كما قال لكان وجه الكلام أن يقولوا: (ليس علينا للأميين سبيل)، ونظير ذلك
~~قول القائل: ليس علي سبيل لفلان، إذا نفى أن يكون له حجة أو قدرة، وأما
~~قولهم: في الأميين سبيل، فهو يعرب عن معنى غير المعنى الأول، لان هذا القول
~~في لسان أهل العربية يدل على نفي الاثم والتبعة عن الانسان في الفعل الذي
~~يقدم عليه، ونظيره قول القائل:
# ليس علي في هذا المال سبيل إن أنفقته، ولا في هذا الطعام سبيل إن اكلته،
~~اي: لا إثم علي في ms073 ذلك ولا تبعة، الا ترى إلى قوله تعالى:
# (ليس على الذين آمنوا وعلموا الصالحات جناح فيما طعموا..) NoteV00P127N01
~~والى قوله سبحانه: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به...) NoteV00P127N02!،
~~فقد بان أن مراد أهل الكتاب أنه ليس عليهم في اكل أموال الأميين والذهاب
~~بحقوقهم تبعة ولا إثم، وهذا خلاف ما ذهب إليه أبو علي، فوجب ان يحمل الكلام
~~عليه دون غيره.
# 5 - وقال بعضهم: قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده
~~إليك)، يعني به: النصارى، وقوله تعالى:
# (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما)، يعني:
# اليهود، لأنهما جميعا يقع عليهما اسم أهل الكتاب، فيجوز ان يعود بعض
~~الذكر على هؤلاء وبعضه على هؤلاء، فعاد على النصارى من هذا القول أليقه بهم
~~وأشبهه بمذهبهم: (من) NoteV00P127N03 التسليم والتلمس NoteV00P127N04، وإن
# PageV00P127
# كان كفارا ضلالا، وعاد على اليهود منه ما هو أشبه بطرائقهم وألصق
~~بخلائقهم، في اعتقاد الغش والخيانة وإضمار الحيلة والغيلة، وأيضا فان
~~النصارى ليس من مذهبهم ان يعتقدوا أن لا حرج عليهم في أخذ أموال غيرهم
~~والذهاب بحقوق مخالطيهم ومعامليهم، فعلمنا أن هذا القول راجع على اليهود،
~~لأنه من اعتقادهم ومن قواعد دينهم.
# * * * ويدخل تحت قوله تعالى: (من إن تأمنه بقنطار) و (من إن تأمنه
~~بدينار) العين والدين، لان الانسان قد يأتمن غيره على مبايعة ومقارضة وغير
~~ذلك، كما يأتمنه على وديعة وعارية وغير ذلك، وليس في الآية بيان أحد
~~الامرين من الآخر، وإن كان المروي عن ابن عباس أنه تأول ذلك على المعاوضة
~~بالأثمان التي يلزمهم دفعها إلى أربابها، والكلام يحتمل الامرين معا.
# ومن الناس من يحتج بهذه الآية في قبول شهادة بعض أهل الكتاب على بعض، لان
~~بعضهم قد وصف بالأمانة، والشهادة ضرب من الأمانة، بل الأمانة أصل في
~~الشهادة وشرط فيها، كما أن بعض المسلمين لما كان مأمونا جازت شهادته، فكذلك
~~الكتابي إذا كان موصوفا بالأمانة دل ذلك على جواز قبول شهادته على الكفار.
~~فان قال قائل:
# فهذا أيضا يوجب ms074 جواز قبول شهادتهم على المسلمين، لان بعضهم قد وصف بأداء
~~الأمانة إلى المسلم إذا ائتمنه عليها. قيل له: كذلك يقتضي الظاهر، إلا أنه
~~مخصوص بالاتفاق، وقد اتفقوا على أنه لا يجوز قبول شهادة PageV00P128
# الكافر على المسلم، وأيضا، فان الآية إنما دلت على قبول شهادة أهل الكتاب
~~للمسلمين، لان أداء أمانتهم حق لهم، لا حق عليهم، فليس في الآية إذن دليل
~~على قبول شهادتهم على المسلمين.
# فصل (ما دمت عليه قائما) فأما قوله تعالى: (إلا ما دمت عليه قائما)
~~فمعناه: إلا ما دمت له متقاضيا، في قول بعضهم. وقال بعضهم: أي: ما دمت
~~مستوثقا من حقك، حتى لا يجد من هو في ضمنه NoteV00P129N01 طريقا إلى منعك
~~منه وغضبك عليه. وقال بعضهم - وهو السدي -: الا ما دمت قائما على رأسه
~~بالملازمة له.
# وفحوى الكلام يحتمل التقاضي والملازمة، على أن أحدهما داخل في الآخر، لان
~~الملازمة في الأكثر لا تكون الا مع تقاض، وقد يكون تقاض بغير ملازمة، فحمل
~~الكلام على الملازمة أولى لانتظامها الامرين جميعا، وفي هذه الآية دليل على
~~جواز ملازمة الطالب للمطلوب بالدين، فأما قول السدي ان معنى ذلك إلا ما دمت
~~قائما على رأسه بالملازمة، فهو قول مفلس من بضاعة العربية، قليل البصر
~~بتصاريف لسان أهل اللغة، لان
# PageV00P129
# قائما ههنا ليس يراد به القيام الذي هو ضد القعود، لان الملازم في الحقوق
~~قد يسمى (قائما) NoteV00P130N01، كان قاعدا أو قائما، ولو قلت إن القاعد
~~أبلغ في باب الملازمة، لكان قولا سائغا، لان قعوده أدل على المطاولة
~~والمداومة NoteV00P130N02، ومكانه أغلظ على من الدين عليه من مكان القائم
~~المستوفز والمعذر غير المصمم. ولا معول على هذا القول أيضا، وإنما أوردناه
~~مقابلة لقول السدي.
# والصحيح: أن معنى القيام المراد في هذه الآية الدوام على اقتضاء الدين.
~~واصله من السكون، ومنه الحديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) أي:
~~الساكن، فأما قوله تعالى: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت...)
~~NoteV00P130N03 فمعناه: مطالب لكل نفس بما جنته ولا يعجز أخذه ms075 ولا يفوت
~~طلبه (4). وللقيام أيضا في لغة العرب معنى آخر، وهو أن يريدوا به تحقق الشئ
~~وصحته، وبلوغ
# PageV00P130
# غايته فمن ذلك قولهم: قد قامت السوق، أي: استحر بيعها وبلغت غايتها، وكذا
~~قولهم: قد قامت القيامة، أي: قد تبين أمرها وصح وظهر ووضح، فأما قولهم: قد
~~قامت الحرب، فمعناه: أشتد بأسها وعظم مراسها، وهذا أراد الشاعر بقوله:
# وقامت الحرب بنا على ساق وقد يمكن أن يرد هذا أيضا إلى الأصل المتقدم
~~فيقال: معناه: أن الحرب قد بلغت الغاية في الشدة، وكذلك قولهم: قام فلان
~~وقعد، عند الامر المهم ينزل به، كناية عن شدة ارتماضه NoteV00P131N01
~~وقلقه، وقولهم:
# أقمت فلانا على رجل، أي: أقلقته وأزعجته، ولا قيام هناك أكثر من بلوغ
~~الغاية في الانزعاج والقلق، وإنما قالوا ذلك لان أكثر أحوال القلق المنزعج
~~والخائف الوجل أن يكون مستوفزا غير مطمئن ومتقلقلا غير مستتر فيكون إلى حال
~~القيام أقرب منه إلى حال القعود، فلما كان ذلك هو الأصل أجروا هذا الوصف
~~على كل من كان شديد القلق والاضطراب والجزع والارتماض، وإن كان قاعدا غير
~~قائم، بل مضطجعا غير قاعد، وكذلك قيام الحرب عندي، إنما أصله قيام أهلها
~~فيها، لان المحارب لا يكون قط إلا قائما، فقالوا: قامت الحرب، كما قالوا:
~~ليل نائم، أي ينام فيه، وكذلك نهار ساكن، أي: يسكن الناس فيه، وأمثال ذلك
~~كثيرة NoteV00P131N02. وفي ما ذكرناه منه كفاية بحمد الله.
# PageV00P131
# 15 - مسألة (أخذ ميثاق النبيين للأنبياء بعدهم!) الجواب عن الشبهة -
~~دلالة الاخبار على اخذ ميثاق النبيين لنبينا - تقدير الآية: جاءكم ذكر رسول
~~- معنى نصرة النبيين لنبينا - الميثاق اخذه الأنبياء على أممهم - إضافة
~~المصدر إلى فاعله ومفعوله - المأخوذ ميثاق أمم الأنبياء - التغليب في
~~التثنية والجمع - تسمية القبيلة باسم رجل واحد - آية (على خوف من فرعون..)
~~- معنى تصديق نبينا للشرايع السابقة مع مخالفتها لشريعته.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من
~~كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه... الآية -
~~81)، فقال: فحوى ms076 هذا الكلام يدل على أنه سبحانه أخذ ميثاق الأنبياء
~~السالفين أن يؤمنوا بالأنبياء الخالفين، فكيف، يجوز أن يكون الكلام على
~~ظاهره!. NoteV00P132N02 مع قوله تعالى: (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم)،
~~والرسل لا يبعث إليهم رسول إلا من الملائكة! فما مجاز هذا القول عندكم؟
# PageV00P132
# فالجواب: أن في ذلك اختلافا بين أهل التفسير:
# فمنهم من يقول. إن الخطاب في قوله تعالى: (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم)
~~للأنبياء، دون أممهم - على ما ذكره السائل -. ومنهم من يقول: إن الخطاب
~~بذلك متوجه إلى أمم الأنبياء دونهم. فإن كان ذلك على الوجه الأخير فالمعنى
~~مكشوف القناع غير محتاج إلى زيادة كشف وإظهار خب ء، وإن كان في اللفظ عدول
~~عن الظاهر وتنكب للطريق الواضح. وإن كان على الوجه الأول احتيج فيه إلى
~~إيضاح الغرض المقصود وإظهار ما فيه من الغموض، وإن كان اللفظ على ظاهره،
~~وغير محوج إلى تأوله.
# وتلخيص ذلك: ان الوجه الأول ملبس اللفظ مفهوم المعنى، والوجه الآخر ملبس
~~المعنى مفهوم اللفظ، فأما من قال: إن الخطاب بذلك متوجه إلى الأنبياء دون
~~أممهم، فإنه روى في ذلك روايات واعتمد على آثار وأخبار NoteV00P133N01: فمن
~~ذلك ما روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام NoteV00P133N02 أنه قال: (لم
~~يبعث الله سبحانه نبيا من لدن آدم (ع) إلى محمد صلى الله عليه وآله إلا اخذ
~~عليه العهد في محمد: لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وكذا روي عن الحسن
~~البصري وعن السدي في معنى هذه الآية. وروي عن ابن عباس وعن طاوس
~~NoteV00P133N03: أن الذين اخذ ميثاقهم هم الأنبياء دون
# PageV00P133
# أممهم، ليصدق بعضهم بعضا، ويشهد بعضهم لبعض.
# وفائدة ذلك أن يعلمنا سبحانه أن الأنبياء وإن جلت اقدارهم وفانت غاياتهم،
~~خصوا بمزايا شرف الرسالة ومعالي كرم النبوة، فإنهم بشر وعبيد يجب عليهم ما
~~يجب على سائر العباد: من طاعة من يأمرهم الله بطاعته، وشقاق من يؤمهم
~~بمشاقته، وليدل تعالى بذلك على خطأ ما ذهبت النصارى إليه في المسيح (ع): من
~~الذهاب في تعظيمه ms077 إلى الحد الذي يكفر قائله ويضل معتقده.
# ويجري هذا الكلام مجرى قول الرجل لصاحبه - وقد أراد سفرا -:
# أتضمن لي إني ان زودتك وحملتك وأنهضتك وأعنتك، حتى تصل إلى مقصدك، ثم تتم
~~غرضك، ثم جاءك كتابي في كيت وكيت - أن تعمل به وتنفذ الامر الذي حددته
~~فيه؟. ليس يريد الاخبار بأنه لا محالة كاتب إليه، ولكن ليختبر طاعته ويتحقق
~~مسارعته.
# وقال بعضهم: على هذا يكون قوله تعالى: (ثم جاءكم رسول) ثم إن جاءكم رسول،
~~وفي هذا دليل على أن قوله سبحانه: (لما آتيتكم) لئن آتيتكم، لان قوله: (ثم
~~جاءكم) منسوق عليه NoteV00P134N01 (فتأويلهما جميعا واحد، وهذا قول فيه
~~نظر.
# وقال بعضهم: إنما أخذ الله ميثاق النبيين بأن يؤمنوا برسل الله بعدهم،
~~لأنهم إذا آمنوا بهم لزم أممهم الاقتداء بهم في ذلك فسلكوا سبيلهم واتبعوا
~~دليلهم.
# PageV00P134
# وقال بعضهم: إنما أراد تعالى بذلك: أن يعلم أهل الكتاب أنه وإن ميز الرسل
~~بعظم الاخطار وعلو الاقدار وإيتاء الكتب والاصفاء بالحكم، فقد أمرهم أن
~~ينقادوا ويخضعوا ويطيعوا ويسمعوا إن أرسل لهم رسولا يأمرهم وينهاهم، واخذ
~~ميثاقهم بنصره وتصديقه وتعظيمه وترجيبه، فأهل الكتاب اذن أولى بالطاعة
~~والانقياد لأنبيائهم، وبألا يأنفوا من اتباع من يجب عليهم اتباعه ويلزمهم
~~الخضوع له.
# وقال أبو علي: (عنى تعالى بذلك الميثاق الذي اخذه على النبيين وهو
~~الايمان بالله سبحانه، وكأنه قال: لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة،
~~وحذف لتبلغن لدلالة الكلام عليه، لان لام القسم إنما يقع على الفعل، فلما
~~كان هناك دلالة على الفعل حذفه اختصارا وايجازا، وقال تعالى بعد ذلك: (ثم
~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه)، وعنى به نبينا محمد صلى
~~الله عليه وآله، وأراد سبحانه بقوله (مصدق لما معكم) أي: بكتبكم المنزلة
~~عليكم). وقد أغفل أبو علي أن يورد فقه المسألة ويكشف عن حقيقة تقدير الكلام
~~في هذه الآية، لأنه إذا ذهب إلى أن الكلام على ظاهره، وأن الأنبياء هم
~~المأخوذ عليهم الميثاق لان يؤمنوا بالرسول المصدق لما معهم، إذا جاءهم دون
~~أممهم، فالمسألة ms078 قائمة بحالها، وما انكشف موضوع السؤال فيها، لان السائل
~~قال: كيف يصح ايمان النبيين الماضين بالنبي الآتي؟ وكيف يجوز أن يكون
~~الكلام على ظاهره في قوله تعالى: (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم)؟ والرسل لا
~~تبعث إليهم الرسل!. PageV00P135
# وحقيقة الكلام عندنا، أن فيه تقدير مضاف محذوف، فكأنه سبحانه قال: ثم
~~جاءكم ذكر رسول أو علم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، ومعنى جاءكم ذلك اي:
~~وجدتموه في كتبكم وعرفتموه من الوحي النازل عليكم، كما قال تعالى: (يجدونه
~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل...) NoteV00P136N01، ولذلك في القرآن
~~نظائر كثيرة: منها قوله سبحانه: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة...)
~~NoteV00P136N02 أي: كخلق نفس واحدة وبعثها، وقوله سبحانه: (واسأل من أرسلنا
~~من قبلك من رسلنا...) (3) أي: اسأل أمم من أرسلنا أو أتباع من أرسلنا، هذا
~~على أحد التأويلين، وقد ذكرنا ذلك متقدما في شجون الكلام. والتأويل الآخر
~~ما قاله بعضهم وهو: أن معنى ذلك واستنبط ما في كتب من أرسلنا قبلك من رسلنا
~~فكأنك إذا عرفت ذلك قد لقيتهم وسألتهم.
# فان قال قائل: فهذا التأويل يتم لكم في قوله تعالى: (لتؤمنن به) لان
~~الايمان بالرسول قد يصح وإن لم يحن بعد حينه، ولم يأت زمانه، إذا علم أن
~~الله سيبعثه، لان الايمان يراد به ههنا التصديق، وهذا كما جاءت الاخبار بأن
~~جماعة من العرب آمنوا بنبينا صلى الله عليه وآله قبل مبعثه، لما كانوا
~~يجدون ذكره في الكتب القديمة، ويتلقونه من القرون السالفة، كزيد بن عمرو
~~(بن نفيل) وورقة بن نوفل وغيرهما، فكيف
# PageV00P136
# يتم لكم مثل ذلك في قوله تعالى: (ولتنصرنه)؟، وهل يصح نصرهم من لم يروا
~~له شخصا ولم يشهدوا معه حربا؟!.
# فجوابنا: أن النصر في اللغة على ضروب قد ذكرنا جملا منها في ما تقدم،
~~فالمراد منها ههنا النصر بمعنى: التصديق والايمان والاقرار والاعتراف،
~~وتقوية الحجة، والتبيين للأمة، وهذه الأمور من أبلغ أسباب النصر، وقد يسمى
~~الانسان مجاهدا، إذا كان ذابا عن دين الله بلسانه، كما يذب المحارب بسنانه،
~~وعلى ms079 ذلك قوله تعالى: ﴿فلا تطع
~~الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا﴾ (1)، قال كثير من المفسرين: إن
~~المراد بهذا الجهاد إقامة الحجة بالقرآن عليهم، حتى يقروا بصحته، ويعترفوا
~~بمعجزه، فكذلك يسمى القائم بحجة غيره، والدال على صدق قوله، والداعي إلى
~~الايمان به: ناصرا، كما سمي فاعل الأمور المقدم ذكرها: مجاهدا، لتفاوت
~~المعنيين.
# وقد قال بعض العلماء: قوله تعالى: (ولتنصرنه) يريد به:
# بقايا كل أمة وأعقابها، كأنه قيل لموسى (ع) ومن معه من بني إسرائيل:
# سيجيئكم رسول مصدق لما معكم من كتابكم، فآمنوا به وانصروه، وإنما المراد
~~بذلك من يكون في زمان محمد صلى الله عليه وآله من اليهود الذين هم أعقاب
~~قوم موسى، ولم يرد به من كان منهم في زمان موسى (ع).
# وقال أبو مسلم بن بحر: (معنى قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين)
~~أراد به: الميثاق الذي اخذه الأنبياء على أممهم عند
# PageV00P137
# إيمانهم بهم، على أن يؤمنوا بكل ما في الكتب المنزلة عليهم، وفيها ذكر
~~النبي محمد صلى الله عليه وآله، وأن الله سبحانه سيبعثه على أعقاب الرسل،
~~مصدقا لما معهم من التوحيد والخلاص والنور والبرهان). قال: (ومثل قوله
~~تعالى: (ميثاق النبيين) - يريد: الذي اخذه النبيون على قومهم - قوله
~~سبحانه: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق...)
~~NoteV00P138N01 اي: الميثاق المأخوذ عليهم بالكتاب). قال: (والمخاطبة بقوله
~~تعالى: (لما آتيتكم من كتاب وحكمة)، وبقوله سبحانه: (أأقررتم وأخذتم على
~~ذلكم إصري ...) NoteV00P138N02 راجعة إلى أهل الكتاب الذين خوطبوا بقوله
~~سبحانه: (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل) NoteV00P138N03 وغير ذلك
~~مما في معناه، فهذه المخاطبة آخرا لاحقة بما سبق من نظائرها أولا، وقوله
~~تعالى:
# (فاشهدوا) راجعة إلى النبيين، لأنه لائق بهم، وهم الذين يشهدون على الأمم
~~بحقائق أفعالهم). قال: (وغير جائز بالعقل ولا في اللغة أن يكون المخاطبون
~~بقوله تعالى: (لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم
~~لتؤمنن به ولتنصرنه) الأنبياء، وقد قبضهم الله تعالى إلى كرامته، ms080 ونقلهم
~~إلى جنته قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وآله لان من تقدم موته لا يؤمر بنصر
~~من يتأخر مولده).
# فأما ما ذهب إليه أبو مسلم من حمل هذا الخطاب على أنه لأمم الأنبياء
~~دونهم، فقد سبق إليه جماعة من أهل التأويل. وأما قوله: (إن المراد
# PageV00P138
# بقوله تعالى: (ميثاق النبيين) الميثاق الذي اخذوه على أممهم) فبإضافة
~~الميثاق إليهم يحتمل أن يكون مأخوذا منهم، ويحتمل أن يكون مأخوذا لهم من
~~غيرهم، فلذلك اختلفوا فيه على ما تقدم ذكره:
# فقال بعضهم: هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على النبيين، أن يصدقوا
~~بالرسول المبعوث بعدهم، يعني بذلك: نبينا صلى الله عليه وآله، ويصدق بعضهم
~~ببعض. وقال الفريق الآخر: بل المراد بذلك ما أخذه الأنبياء على أممهم الذين
~~عرفوا الكتاب والحكمة، بأن يصدقوا بالرسول الذي يجئ بعدهم آخرا، ويوصوا
~~بنصره من يبقى من أعقابهم متأخرا.
# ويجري كون الميثاق مضافا إلى النبيين في أنه يصلح أن يكون مأخوذا منهم
~~وأن يكون مأخوذا لهم من غيرهم، مجرى إضافة المصدر إلى الفاعل والمفعول على
~~حد سواء، لأنه يجوز أن يضاف إلى كل واحد منهما، فتقول: أعجبني ضرب عمرو
~~خالدا، إذا كان عمرو فاعلا، و: أعجبني ضرب عمرو خالد، إذا كان عمرو مفعولا،
~~فمن اضافته إلى الفاعل قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض...)
~~NoteV00P139N0١، ومن إضافته إلى المفعول من غير أن يذكر معه الفاعل قوله
~~تعالى: (لا يسأم الانسان من دعاء الخير...) (٢) وقوله عز اسمه: ﴿لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه...﴾
~~(3)، ومما جاء من اضافته إلى المفعول ومعه الفاعل في الشعر قول الشاعر
~~NoteV00P139N04:
# PageV00P139
# أمن رسم دار مربع ومصيف * لعينيك من ماء الشؤون وكيف؟
# وقال لي شيخنا أبو الفتح عثمان بن جني، عند بلوغي عليه في القراءة من
~~كتاب الايضاح لأبي علي الفارسي، إلى باب المصادر، وقد مضى في أثنائه ذكر
~~هذا البيت - فقال: كأن الشاعر قال: أمن أن رسم دارا مربع ومصيف بكيت لها؟،
~~فالمربع والمصيف فاعلان في المعنى.
# وقال ms081 بعضهم NoteV00P140N01: قد يجوز أن يكون في قوله تعالى: (ميثاق
~~النبيين) مضاف محذوف، كأنه تعالى قال: ميثاق اتباع النبيين أو أمم النبيين
~~فحذف اتباع وأقام النبيين مقامهم، كما قال تعالى: (وأشربوا في قلوبهم
~~العجل) NoteV00P140N02، أي: حب العجل. قال: ومما يشهد بذلك أنها في قراءة
~~ابن مسعود: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب)، ومما يقوي أن قوله
~~سبحانه: (ميثاق النبيين) يريد به: ميثاق أمم النبيين من أهل الكتاب في
~~المعنى - كما ذكر من ذهب إلى هذا الوجه دون الوجه الأول - أن الميثاق إذا
~~أخذ على النبيين فقد أخذ على قومهم، وعامة ما يشرع للأنبياء فقد شرع لأممهم
~~وأتباعهم، لأنهم كالأزمة التي يقاد بها والرؤوس التي يتبعها ما وراءها،
~~فإذا خوطبوا بأمر سرى الخطاب إلى من دونهم من اتباعهم، وتعداهم إلى
~~المنجذبين بقيادهم، وكانوا كالرعاة التي إذا أمرت بمراشدها NoteV00P140N03
~~في اعتماد ماء أو ارتياد
# PageV00P140
# كلا، فان ذلك الامر من حيث عاد على ما يرعاه من إبل أو شاء بالمصلحة في
~~الأبدان والريف في الأعطان، كأنه امر لكافة ذلك الجنس، إذا كان متبعا عقب
~~راعيه، وموجفا خلفه، إلى طرق مصالحه ومناجيه NoteV00P141N01، وكذلك الولاة
~~ورعاياها يجري امرها على هذا السبيل، وتدخل من وراها من الرعية معها في مثل
~~هذه الأمور.
# ولان الأنبياء (ع) من حيث كانوا أسبابا لايمان أممهم الذين استحقوا معه
~~أن يخاطبوا بالشرائع، ويدلوا على المصالح، كان الأمم كالمضافين إليهم
~~والملصقين بهم، فكان خطاب الأنبياء بما يجوز دخول أممهم معهم فيه خطابا
~~للأمم معهم، ألا ترى أن الفروض التي تلزم نبينا صلى الله عليه وآله تلزمنا،
~~والواجبات التي تجب عليه في الأكثر تجب علينا!. ومن هناك جاء قوله تعالى:
# (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء...) NoteV00P141N02، فجمع سبحانه النبي
~~صلى الله عليه وآله ومن تبعه في الخطاب الواحد، وقد ذكرنا جملة من هذا
~~المعنى في ما تقدم عند حال اقتضته، فكفانا ذلك أن نتكلف اعادته.
# ووجه آ خر ذكره الكسائي، قال: (معنى قوله: (وإذ اخذ الله ميثاق النبيين ms082
~~يريد: ميثاق القوم الذين منهم النبيون، يعني: بني إسرائيل، لان الأنبياء
~~كثروا فيهم، فسمي اتباع النبيين بأسمائهم لكثرتهم فيهم). وفي هذا القول ضعف
~~واضطراب للالباس الذي فيه، وكأن قائله ذهب في ذلك إلى أحد الوجهين اللذين
~~ينشد عليهما قول الشاعر NoteV00P141N03:
# PageV00P141
# (قدني من نصر الخبيبين قدي) فان العلماء ينشدون ذلك على وجهين، ولهما
~~معنيان، فمن أنشد الخبيبين بالتثنية فإنما يعني به: عبد الله بن الزبير
~~واخاه مصعبا. إذ كانت احدى كنيتي عبد الله أبا خبيب، باسم ابن له سمي
~~خبيبا، وأخرج الشاعر ذلك مخرج قولهم: العمران والزهدمان (1) والقمران، وما
~~في معنى ذلك، لتغليب الأشهر منهما، ولم يقل الشاعر أبوي خبيب، تخفيفا
~~واكتفى بالاسم من الكنية، ومماثلة لما ورد من نظائر ذلك مما ذكرناه من
~~قولهم: القمران والعمران، ولم يرد في هذا الباب إلا تثنية الاسم دون
~~الكنية، فمضى الشاعر على هذه الطريقة وثنى الاسم مكتفيا به من الكنية. فأما
~~من انشد: الخبيبين، على الجمع، فقالوا في ذلك: إنما أراد عبد الله بن
~~الزبير وأهل بيته والمنسوبين إلى (حرمه) (2)، فقال: الخبيبين، لان الأشهر
~~منهم يعرف بهذا الاسم فغلبه على الباقين، وسماهم به دون أسمائهم التي هي في
~~الشهرة دونه، فإلى هذا ذهب الكسائي في تأويله على بعد مأخذه.
# PageV00P142
# وقد قال غير الكسائي في ذلك قولا هو أقرب من قوله، وإن كان بعيدا أيضا،
~~قال: (معنى النبيين ههنا معنى أممهم، فصار ذكر النبيين كالقبيلة لهم، كما
~~يقال: قيس، وتميم، وعقيل ونمير، وهي أسماء رجال بأعيانهم نسب إليهم
~~أولادهم، فصاروا قبائل، ومنه قوله تعالى:
# (على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم..) NoteV00P143N01، وإنما قال:
~~وملئهم، بالجمع، لأنه جعل فرعون كالقبيلة لأصحابه وأهل دينه، ومنه قول
~~الشاعر NoteV00P143N02:
# أتسألني السوية وسط زيد * ألا إن السوية أن تضاموا!
# فزيد هنا اسم قبيلة، فلذلك قال: وسط زيد).
# وهذا الوجه أيضا غير مستقيم لما ذكرته أولا. فاما قول هذا القائل:
# انه تعالى جعل فرعون كالقبيلة لأصحابه ولذلك قال: وملئهم، فذلك خطأ لأنه
~~لو كان الامر ما قاله ms083 لكان وجه الكلام أن يقول: (على خوف من فرعون وملئهم
~~أن يفتنوهم) إذا كان فرعون عنده في تأويل الجمع بمنزلة اسم أبي القبيلة،
~~كما يقول القائل: جاورت تميما فاستاقت سرحي وسلبت مالي، فيؤنث، لأنه يريد
~~القبيلة، أو يقول: استاقوا سرحي وسلبوا مالي، إذا أراد أعداد القبيلة
~~ورجالها، فأما أن يقول:
# PageV00P143
# جاورت تميما فاستاق سرحي وأخذ مالي، وهو يريد جماع القبيلة، فذلك خطأ
~~فاحش ليس من كلام أهل اللسان الفصيح والنهج المستقيم.
# فاما قوله تعالى: (على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم) ففيه قولان:
~~أضعفهما NoteV00P144N01 انه نسب الملا إلى فرعون إلا أنه قال: وملئهم، لأنه
~~كان ملكا عظيم البسطة نافذ القدرة، فكنى عنه كما يكنى عن الملوك في ذكرها
~~أو الخطاب عنها بالجمع.
# وذلك فاسد من وجهين: (أحدهما) ان قول الله سبحانه ذلك ليس بحكاية لقول
~~أحد فيجوز أن يتأول على تفخيم الخطاب، وإنما هو كلام له تعالى انفرد به،
~~ولا يجوز أن ينسب إليه سبحانه ذكر فرعون - وهو مقيم على كفره وضلاله - بما
~~فيه تعظيم لامره أو تفخيم لقدره، بل لا يجوز أن نجيز عليه تعالى ذكر أحد من
~~خلقه على هذه السبيل من المؤمنين ولا غيرهم، لان هذا القول - إذا صح انه
~~يذكر على وجه التفخيم للملوك - فليس يستعمله معم إلا من ينخفض من طبقاتهم،
~~ويكون كالتابع لهم، لا العالي عليهم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (الوجه
~~الآخر) ان هذا النحو من القول إنما يستعمله الملوك في خطابهم أو يستعمل في
~~الكتاب عنهم، بأن يقول الواحد منهم: فعلنا وصنعنا، وأمرنا ونهينا، وأما أن
~~يقول غيرهم عند ذكر الواحد منهم: إن فلانا الملك فعلوا وصنعوا،
# PageV00P144
# فهو محال من قائله وسفاه من مستعمله.
# فان قال قائل: كيف يصح قوله تعالى: (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم) وهو
~~يريد به نبينا صلى الله عليه وآله، وقد خالف شرعه شرع من تقدمه أشد مخالفة،
~~وباينه أعظم مباينة؟!
# قيل له: إن اختلاف الشرائع في الحقيقة لا يكون اختلافا في متفردات
~~العقول، لأنه ms084 وارد بحسب المصالح، وكما أنا لا نسمي الناسخ والمنسوخ اختلافا
~~(بل نعد ذلك مطابقة ووفاقا، ونقول: إن بعضه يصدق بعضا) فكذلك نقول في سائر
~~الشرائع، فالمراد بقوله تعالى: (مصدق لما معكم) أي: من جمل التوحيد
~~والنبوات والشرائع الواردة بحسب مصالح العباد، وهذه حال نبينا (ع)، فهو اذن
~~مصدق لمن تقدمه من الأنبياء، غير مناقض لهم في جملة، ولا مخالف في عقيدة.
# فصل قراءة (لما آتيتكم) وقد اختلف القراء في قراءة: (لما آتيتكم من كتاب
~~وحكمة)، فقرأنا لحمزة بن حبيب (لما) مكسورة، لأنها لام الإضافة، وقرأنا
~~لباقي القراء السبعة (لما) مفتوحة، لأنها لام الابتداء، وروى هبيرة عن حفص
~~عن عاصم (لما) مكسورة مثل حمزة، وقال (ابن 1) مجاهد في
# PageV00P145
# كتاب (القراءات 1) السبعة: (وذلك غير محفوظ عن حفص) NoteV00P146N02.
# فأما قوله تعالى: (آتيتكم من كتاب وحكمة)، فقرأ نافع وحده (آتيناكم) على
~~خطاب التعظيم، وقرأ باقي السبعة (لما آتيتكم) على التوحيد ووجه قراءة حمزة
~~(لما) بالكسر: أنه يتعلق بالأخذ، وكأن المعنى أخذ ميثاقهم لهذا الامر، لان
~~الذين يؤتون الكتاب والحكمة يؤخذ عليهم الميثاق لما أوتوه من ذلك، لأنهم
~~الأماثل والاعلام، والقادة والحكام.
# وقال سيبويه (3): سألته (يعني: الخليل) عن قوله تعالى: (وإذ اخذ الله
~~ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم
~~لتؤمنن به ولتنصرنه)، فقال: ما ههنا بمنزلة (إن 4)، ودخلتها اللام كما دخلت
~~على إن حين قلت: لئن فعلت لأفعلن، فاللام التي في (ما) تمثل اللام التي في
~~(إن)، واللام التي في الفعل هناك كهذه التي في الفعل ههنا، واللام الداخلة
~~على (ما) لا تكون المتلقية للقسم ولكن تكون بمنزلة اللام في قوله تعالى:
~~(لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض...) NoteV00P146N05، واللام
~~المتلقية للقسم قوله تعالى: (لتؤمنن به) كما انها في (لئن لم ينته
~~المنافقون) قوله سبحانه: (لنغرينك بهم). وهذه اللام الداخلة على إن في
~~(لئن) لا يعتمد القسم عليها NoteV00P146N06، فلذلك جاز حذفها تارة
# PageV00P146
# وإثباتها تارة، كقوله تعالى: (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين
~~كفروا... ms085 الآية) NoteV00P147N01 وقال بعضهم: معنى اللام - في قراءة من قرأ
~~بكسرها - معنى بعد، وجواب الشرط في معنى التقديم، والشرط في معنى التأخير،
~~فكأنه تعالى قال: (وإذ اخذ الله ميثاق النبيين قال لهم لتؤمنن بالرسول
~~ولتنصرنه لما آتيتكم من كتاب وحكمة)، أي: بعد ما آتيتكم ذلك، فتأويل اللام
~~ههنا تأويل بعد، كما قال النابغة NoteV00P147N02:
# تبينت آيات لها فعرفتها * لستة أعوام وذا العام سابع أي: بعد ستة أعوام.
~~وفي هذا القول نظر NoteV00P147N03. وما ذكرناه في هذه المسألة مجزئ بتوفيق
~~الله تعالى.
# PageV00P147
# 16 - مسألة (الاسلام لله تعالى كرها) الجواب عن الشبهة - معاني الاسلام
~~وأقسامه - اطلاق الجمع والعام على الواحد - اسلام الكافر عند الموت - سجود
~~ظلال الكافرين - الاسلام كرها يختص باهل الأرض ومنهم البهائم - اطلاق (من)
~~الموصولة على ما لا يعقل بالتغليب - معنى اسلام ما لا يعقل - جواز أن يكون
~~أسلم بمعنى: سلم.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها
~~وإليه ترجعون - 83) فقال: معنى الاسلام طوعا معروف، فما معناه كرها؟ وهل
~~يصح ذلك مع قوله تعا 0 ى: PageV00P148
# (لا إكراه في الدين) NoteV00P149N01؟
# فالجواب: ان في ذلك وجوها:
# 1 - (أحدها) NoteV00P149N02، أن يقال: معنى (وله أسلم من في السماوات
~~والأرض) أي: ألقوا إليه السلم بما يظهر من حاجتهم إلى ارفاقه وفقرهم إلى
~~أرزاقه، ونقائصهم التي لا تتم إلا بحسن تدبيره لهم، ونعمه السابغة عليهم،
~~فقد دانوا له طوعا وكرها، وولهوا إليه NoteV00P149N03 فقرا وضعفا، فالذين
~~أسلموا له طوعا الملائكة والنبيون، وبعدهم المؤمنون والصديقون، والذين
~~أسلموا كرها إبليس وأشياعه من الجن والإنس، ويصدق ذلك قول إبليس: (رب
~~فأنظرني إلى يوم يبعثون) NoteV00P149N04 فدل استنظاره له تعالى على اقراره
~~بأنه مملوك مدبر، ومصرف مسخر، وأنه لا يعتصم من الله بمذهب، ولا ينجو
~~بمهرب، ولا يبقى إلا أن يبقيه، ولا يأمن إلا أن يؤمنه، فبهذا الوجه عد من
~~المستسلمين له تعالى، وإن كان شاذا عن طاعته شاردا، وصادا عن أمره صادفا.
# وقد جاء الاسلام بمعنى الاستسلام والخضوع في ms086 كلامهم كثيرا، فمن ذلك في
~~التنزيل قوله تعالى: (قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا
~~أسلمنا...) NoteV00P149N05، أي: استسلمنا، وقوله تعالى: (فأخرجنا من كان
~~فيها من المؤمنين. فما وجدنا
# PageV00P149
# فيها غير بيت من المسلمين) NoteV00P150N01 قال بعض المفسرين: المراد بذلك
~~غير بيت من المستسلمين خوف الهلاك، وذهب جماعة من أهل التأويل في معنى هذه
~~الآية إلى غير ما ذكره هذا الانسان، وليس هذا موضع إيراد ما قيل في ذلك إذ
~~الغرض غيره.
# ويقولون: أسلم فلان نفسه إلى العدو اسلاما سريعا، وقد كان يمكنه أن يدافع
~~ويمانع، أو ينحاز ويبعد ولا يسلم نفسه، وإنما يراد بذلك أنه ذل لهم وخضع
~~وانقاد ولم يمتنع، وقد كان يمكنه الامتناع عليهم والحياص (2) عنهم، ولكنه
~~جبن فأوبقه (3) جبنه وأسلمه حينه، فهذا في مذهب اللغة اسلام باكتساب
~~واختيار، لا بإلجاء واضطرار، إلا أن سببه كان الخوف والفرق. ويقولون أيضا:
~~إن فلانا (جار 4) العسكر، لما أطمع في الرغائب ومني بالفوائد، أسلم العسكر
~~بأسره، وهذا أيضا اسلام باختيار ولكن سببه الرجاء والطمع، فخالف الاسلام
~~الأول في السبب. ويقال (5) أيضا: فلان أسلم نفسه للموت، وأسلمه أهله للحين،
~~إذا ألقى بيده ولم يمكنه المدافعة عن نفسه، ولم يمكن أهله المنافحة عنه ولا
~~المحاجزة دونه، فهذا اسلام بكره واضطرار، لا بمشيئة واختيار
~~NoteV00P150N06.
# PageV00P150
# فقوله سبحانه: (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها) يكون المراد
~~به في الجملة الاستسلام الذي هو الانقياد والخضوع والذل والخشوع، إذ هم
~~منقادون لامره، غير ممتنعين من تدبيره، وما يحدثه تعالى فيهم من القبح
~~والدمامة (1) والجمال والوسامة، والمصاح والأسقام واللذات والآلام، ثم
~~ينقسم هذا الاستسلام منهم: فمنه ما يكون طوعا، ومنه ما يكون كرها، فالطوع
~~مثل خلقه سبحانه الانسان وسيما جميلا ومكثرا غنيا، فهو محب لتلك الحال غير
~~كاره لها، والكره مثل خلقه تعالى الانسان قبيحا دميما NoteV00P151N02 ومقلا
~~معدما، فهو يكره ما هو عليه ويحب الانتقال عنه، وكلا الفريقين قد أسلم لله
~~خاضعا، وذل لتدبيره ضارعا، وذلك اسلام اضطرار لا اختيار، وإن كان هذا ms087
~~الاسلام يختلف مواقعه منهم على ما ذكرناه: فبعضه يصدر عن رضا ومحبة، وبعضه
~~يصدر عن إباء وكراهة.
# 2 - وقال بعضهم NoteV00P151N03: (وله أسلم من في السماوات والأرض) جائز
~~أن يوقع الخبر على الكل والمعنى واقع على البعض كقوله تعالى:
# (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم...) (4) وإنما يريد
~~تعالى: بعض الناس، على قول من قال: إن المراد بذلك نعيم بن مسعود الأشجعي،
~~لأنه كان المخبر لرسول الله صلى الله عليه وآله بتألب
# PageV00P151
# قريش عليه وإجماعهم على الرجوع بعد وقعة بدر، وكان المعني بهذا القول
~~واحدا من الناس، ومثل ذلك قوله تعالى: (إذ قالت الملائكة يا مريم...)
~~NoteV00P152N0١، والمراد: بعض الملائكة، لان بعضهم كلمها لا جميعهم.
# ٣ - وقال الشعبي (٢): معنى ﴿وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها): هو قوله
~~تعالى: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله...﴾ (٣) أي: لا يقدرون على
~~جحد خلقه لهم وملكه إياهم، وإن ذهبوا عن أوامره، وأقدموا على زواجره،
~~فكأنهم يقرون بأنه تعالى خالقهم كرها، من غير خضوع لطاعته ولا تقرب إليه
~~بعبادته، بل بمنازعة عقولهم إلى الاقرار بربوبيته.
# ٤ - وقال بعضهم (٤): المراد بذلك إسلام المؤمن طوعا، واسلام الكافر عند
~~موته كرها، كما قال تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا...) (٥)،
~~وكقوله سبحانه في قصة فرعون: ﴿حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت
~~به بنو إسرائيل.. إلى قوله تعالى: ألآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾
~~(6)، فأعلم الله تعالى أن إيمانه في تلك الحال لا يغني عنه، لأنه أسلم كرها
~~وقال ما قال مضطرا.
# PageV00P152
# 5 - وقال بعضهم: معنى ذلك أن المسلم كرها أسلم بحاله الناطقة عنه،
~~والشاهدة عليه من آثار الصنعة وأعلام الصبغة والدلائل التي جعلت في عقله
~~على ذلك تقوده إلى الاقرار به طوعا أو كرها، والتسليم له ضميرا أو قولا.
# 6 - وقال بعضهم: معنى ذلك سجود المؤمنين طائعين، وسجود ظلال الكفار
~~كارهين، على ما جاء في ms088 التنزيل من قوله تعالى: (ولله يسجد من في السماوات
~~والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال) NoteV00P153N01، وهذه الآية يدل
~~فحوى الكلام فيها على أن ظلال المؤمنين والكافرين جميعا يسجد، لأنه قال
~~تعالى: (وظلالهم) فجاء به عموما، فكأن ظلال المؤمنين يسجد بسجودهم، وظلال
~~الكافر NoteV00P153N02 يسجد على الاباء منهم، والخلاف لهم، وهذا معنى قوله
~~سبحانه: (وكرها) NoteV00P153N03.
# 7 - وقال بعضهم: المراد بذلك: من دخل في الاسلام كرها مخافة السيف، وهم
~~مسلمة العرب والمؤلفة قلوبهم من سائر الأمم الذين كان اسلامهم تعوذا،
~~وطاعتهم تحرزا NoteV00P153N04 ومهما كان من هذه الوجوه، فليس يرجع قوله
~~تعالى: (وكرها) إلا إلى أهل الأرض دون أهل السماء، لان أهل السماء هم
~~الملائكة،
# PageV00P153
# والملائكة لا يجوز عليهم الاسلام كرها بوجه، فقد خلص لهم صفة الاسلام
~~طوعا، وكان أهل الأرض يشتركون في استحقاق الصفتين جميعا:
# فمنهم من أسلم طوعا ومنهم من أسلم كرها. وقد يجوز ان يراد باسلام من في
~~الأرض - إذا كان بمعنى الاستسلام ههنا - غير العقلاء: من الأطفال والبهائم،
~~على ما سنبينه من بعد، وعبر عن هذين الجنسين ب (من)، لاختلاط العقلاء بهما
~~في استيطان الأرض، لان العقلاء إذا اختلط بهم من ليس بصفتهم، جاز أن يغلب
~~صفة العقلاء على غيرهم، فيعبر عنهم ب (من) دون (ما) (ثم (1) (من) لفظها
~~واحد مذكر، إلا أنها إذا وقعت تقع على الواحد والاثنين والجماعة من المؤنث
~~والمذكر، فإذا NoteV00P154N02 وقعت على شئ من ذلك كنت فيه بالخيار: إن شئت
~~أجريت اللفظ عليها في نفسها، وإن شئت أجريته على معناها في التثنية والجمع
~~والتأنيث، ألا ترى إلى قول الله تعالى:
# (ومنهم من يستمع إليك) (3) وقوله سبحانه: (ومنهم من يستمعون إليك)
~~NoteV00P154N04، وقال الفرزدق:
# تعش (5) فان عاهدتني لا تخونني * نكن مثل من - يا ذئب - يصطحبان
# PageV00P154
# فثنى اسم (من) على المعنى).
# وعلى هذا قوله تعالى: ﴿والله خلق كل
~~دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي
~~على أربع...﴾ (1) والذي ms089 يمشي على بطنه وعلى أربع ليس ممن يعقل، فغلب ما
~~يعقل لاختلاطه بما لا يعقل، وعلى هذا النحو قول لبيد:
# فعلا فروع الأيهقان فأطفلت * بالجلهتين ظباؤها ونعامها (2) والنعام لا
~~تطفل، ولكنها تبيض، إلا أنه لما خلط ما يلد بما لا يلد أجراه مجراه في
~~الصفة، لان ما يلد أعلى طبقة مما لا يلد. وقد قيل في قوله تعالى: (فمنهم من
~~يمشي على بطنه...) قول آخر وهو: أنه لما قال: (فمنهم) وإن كان فيهم ما لا
~~يعقل صاروا كلهم كأنهم يعقلون، فأجرى على كل صنف منهم (من) عند التفصيل.
# فأما المعنى في استسلام ما لا يعقل فهو تعذر امتناع من هذه صفته مما
~~ينزله تعالى به: من الآلام والشدائد والمخامص والمجاهد NoteV00P155N03، مع
~~كراهته لذلك، فإذا تعذر على من هذه حاله الامتناع من هذه الأمور، صار
~~مستسلما كرها، فالمراد إذن بقوله تعالى: (وله أسلم) الاستسلام الذي
# PageV00P155
# لا يراد به المدح، لأنه لو كان من أسماء المدح لما وصف بعض فاعليه
~~بالكره، فهو على الوجه الذي بيناه، ولهذا صلح أن يدخل تحته من يعقل ومن لا
~~يعقل. ولا يدخل تحت ذلك الجمادات على ما يزعمه من لا علم له من الحشوية،
~~لان الاستسلام على الوجه الذي ذكرناه لا يصح منها على الحقيقة.
# وقد يجوز عندي أن يكون قوله تعالى: (وله أسلم) ههنا بمعنى:
# سلم، كما يقال: أعلم وعلم بمعنى واحد، فيكون المعنى: وله سلم من في
~~السماوات والأرض، أي، اعترف بعجزه عن مثل قدرته أو انتحال شئ من صنعته،
~~وضعف عن مقاومته ومقاهرته، كما يقول القائل:
# قد سلمت لأمرك، أي: عجزت عن مغالبتك، وأقررت بالضعف عن مساواتك ومطاولتك،
~~وهو أيضا راجع إلى معنى القول الأول، إلا أن الفرق بينهما أن أسلم ههنا
~~بمعنى التسليم وهو هناك بمعنى الاستسلام.
# وقال قاضي القضاة أبو الحسن (أما قول من حمل (وله أسلم من في السماوات
~~والأرض طوعا وكرها) على أن جميعهم يعترف بأنه الرب المعبود، وإن كان فيهم
~~من يصدق هذا الاعتراف بالعمل الموافق له ms090 ومنهم من لا يصدقه، فبعيد، لان في
~~المكلفين من لا يؤمن بالله تعالى أصلا، إذ المعرفة به تعالى مكتسبة غير
~~ضرورية. وأما قول من حمله على وقوع الاعتراف بذلك من الكفار عند الموت وحال
~~الالجاء، فقريب (1) لان حال المعاينة (2) وزوال التكليف والعبادة يعلم الله
~~تعالى العبد نفسه باضطرار،
# PageV00P156
# فيحصل مستسلما كرها على هذا الوجه. وأما من حمله على من أسلم كرها حذر
~~السيف، فالصحيح انه لا إكراه هناك في الحقيقة NoteV00P157N01). وفي ما
~~ذكرناه من ذلك مقنع بتوفيق الله تعالى.
# 17 - مسألة (عدم قبول توبة المرتد) كيف لا تقبل توبة المرتد! - الجواب عن
~~الشبهة - الحجة صحيحة وداحضة كالتوبة - التوبة النصوح - من شروط قبول
~~التوبة العزم على ترك المعاودة - نزول الآية - رأي المؤلف في الآية - دخول
~~شبهة على بعض العلماء ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (إن الذين كفروا بعد
~~إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون - 90) فقال:
~~فحوى هذه الآية مخالفة لقولكم في وجوب التوبة، لان من مذهبكم أنه سبحانه
~~لابد أن يقبل توبة التائب مع بقاء التكليف، وقد
# PageV00P157
# قال سبحانه: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده...) NoteV00P158N01، وظاهر
~~هذا الكلام يدل على أن قبول التوبة غير واجب، وأنه سبحانه متفضل بذلك وله
~~ألا يفعله كسائر ما يتفضل به!
# فالجواب: أن اطلاق اسم التوبة ههنا من غير صفة تدل على صحتها أو بطلانها
~~لا تعلق فيه لخصومنا، لان التوبة عندنا لها شرائط، متى لم تكن مطابقة لها
~~وواقعة عليها كانت غير مقبولة، ويجري ذلك مجرى قولهم: (حجة)، في أنها قد
~~تكون صحيحة لازمة، وقد تكون باطلة داحضة، فإذا كانت على الوجوه التي يجب أن
~~تكون عليها، وصفت بالصحة والثبات، وإن كانت على ضد ذلك وصفت بالبطلان
~~والاندحاض، ألا ترى إلى قوله تعالى: (حجتهم داحضة عند ربهم...)
~~NoteV00P158N02 فسماها: حجة، ووصفها مع ذلك بأنها داحضة لا تنصر قائلها ولا
~~تنفع المدلي بها.
# فلهذا قد تسمى التوبة: توبة، مع ذلك غير مقبولة، لأنها لم تقع مطابقة
~~لشرائطها، وعلى ذلك ms091 قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة
~~نصوحا...) NoteV00P158N03، وقرأ أبو بكر بن عياش منفردا عن سائر القراء
~~(عن) NoteV00P158N04 عاصم نصوحا بضم النون، ومعناه، توبة تنصحون فيها
~~نصوحا، وهو مصدر نصح، ومن قرأ نصوحا بفتح النون، فإنما أراد به صفة التوبة:
~~ومعناه: توبة مبالغة في النصح
# PageV00P158
# لأنفسكم، وفعول: من أسماء الفاعلين يستعمل للمبالغة في الوصف، يقال: رجل
~~شكور وصبور، وسيف قطوع، وجمل حمول، فإذا كان نصوحا صفة للتوبة - والمراد به
~~المبالغة على ما قلنا - علمنا أن هناك توبة قد تقع على غير هذه الصفة،
~~ويشملهما جميعا اسم التوبة، حتى يصح أن يوصف إحداهما بالمبالغة، وإلا لم
~~يكن لزيادة هذه الصفة معنى، فبان أن التوبة قد تقع على وجوه فتكون مقبولة،
~~وقد تقع على خلاف تلك الوجوه فتكون غير مقبولة، وهذا يوضح الغرض الذي رمينا
~~إليه.
# وبعد، فإنه سبحانه أخبر في هذه الآية التي كلامنا فيها: انه لا يقبل توبة
~~القوم الذي وصفهم بما وصفهم به، ولم يخبر سبحانه على أي وجه وقعت توبتهم،
~~وقد ثبت أنه لا يجب قبول كل ما يقع عليه اسم التوبة، ألا ترى أن التائب لو
~~تاب من القبيح لا لقبحه بل لامر آخر لم تكن تلك التوبة مقبولة!، وكذلك
~~المعاين عند حضور أجله، وانقطاع أمله NoteV00P159N01 وزوال لوازم التكليف
~~عنه، وحصوله مضطرا إلى المعرفة ملجأ إلى التحرز من ضرر العقوبة، لا تقبل
~~توبته، ويصحح ذلك قوله سبحانه:
# (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت
~~الآن...) NoteV00P159N02، وكذلك توبة أهل النار، لأنهم ملجئون إلى ألا
~~يفعلوا القبيح، ولذلك لا يلزم من أساء إليه غيره أن يقبل اعتذاره، وهو عاجز
~~عن الإساءة في المستقبل.
# فإذا صح ذلك فمن أين للخصوم أنه سبحانه لا يقبل توبة هؤلاء الذين
# PageV00P159
# تابوا وقد وقعت توبتهم على الوجه الذي يوجب قبولها منهم! فظاهر هذا
~~الكلام على ما قدمناه لا يدل على ذلك، لأنه تعالى أضاف التوبة إليهم وهي لا
~~تقع منهم على ms092 كل وجه يصحح وقوعها، فادعاء العموم في جهاتها لا يصح.
# وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك أن التوبة المتقدمة التي كانت قبل
~~الكفر وقبل الازدياد منه لا تقبل منهم، وقد ازدادوا الآن كفرا، لأنه تعالى
~~قد أخبر أنهم كانوا قبل ذلك مؤمنين بقوله: (كفروا بعد أيمانهم) فبين سبحانه
~~بهذا أن توبتهم وقعت محبطة بالكفر الذي ردفها ووقع في عقبها، وإنما تكون
~~التوبة نافعة إذا استمر التائب على طريقة الصلاح، وبعد من قبائح الأفعال،
~~وخرج عن الأصباب (1) والاصرار، إلى الاشفاق والحذار، ألا ترى إلى قوله
~~تعالى: (فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك) NoteV00P160N01 فلم يجتز بقوله:
~~(تابوا) حتى قال: (واتبعوا سبيلك)، أي: لازموا الطريقة الصالحة، وفارقوا
~~الاعمال الموبقة.
# ويحتمل ذلك أيضا أن يكون هؤلاء القوم أظهروا التوبة ولم يعتقدوها بل
~~عزموا في المستقبل على اثبات أمثال ما تابوا منه، ولم يندموا على ما فعلوه
~~لقبحه، وهذان الأمران - أعني: الندم على فعل القبيح لأنه قبيح، والعزم على
~~ترك معاودة مثله في المستقبل - طنبا التوبة
# PageV00P160
# وعموداها اللذان بهما تقوم وعليهما تستقيم، فإذا أخل بهما أو بواحد منهما
~~كانت التوبة معتلة غير سليمة، ومعوجة غير قويمة.
# وقد روي: أن هذه الآية نزلت في قوم ارتدوا مع الحارث بن سويد ابن الصامت
~~الأنصاري ولحقوا بمكة، ثم راجع الحارث الاسلام ووفد إلى المدينة، فتقبل
~~النبي صلى الله عليه وآله توبته، فقال من بقي من أصحابه على الردة: (نقيم
~~بمكة ما أردنا، فإذا صرنا NoteV00P161N01 إلى أهلنا رجعنا إلى المدينة
~~وأظهرنا التوبة، فقبلت منا كما قبلت من الحارث قبلنا)، فهذا الخبر يدل على
~~أنهم عزموا على إظهار التوبة بألسنتهم عياذا NoteV00P161N02، وليسوا
~~بعاقدين عليها اخلاصا فلذلك قال سبحانه: (وأولئك هم الضالون)، لأنهم لو
~~حققوا التوبة وأخلصوا فيها، لكانت مقبولة منهم ومحسوبة لهم.
# يبين ذلك قوله تعالى أمام هذه الآية: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك
~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم - 89) ومعنى الاصلاح ههنا: الاخلاص في التوبة،
~~حتى يكون الباطن كالظاهر والخافي كالعالن، فأخبر سبحانه أنه لا يقبل ms093 من
~~التوبة إلا ما عقدت عليه القلوب والضمائر، وصدقته الأفعال والظواهر.
# وقال بعضهم: إنما قال سبحانه: (لن تقبل توبتهم)، لأنهم تابوا من الكفر
~~الزائد، وثبتوا على الأصل الثابت، فلذلك كانت توبتهم غير مقبولة. وقيل: بل
~~تابوا من الكفر الأول ولم يتوبوا من الكفر
# PageV00P161
# الثاني، فكان كفرهم واقعا بعد التوبة، فلذلك لم يقبل منهم.
# وقد يجوز عندي - والله أعلم - أن يكون المراد بذلك (لن تقبل توبتهم
~~وأولئك هم الضالون) أي: لا تقبل توبتهم وهم على هذه الصفة من كونهم ضالين،
~~فيكون قوله تعالى: (وأولئك هم الضالون) حالا، ولا يكون ابتداء وخبرا، فنفى
~~تعالى قبول التوبة منهم وهم في حال الضلال، لان التوبة - كما بينا أولا -
~~لا يجب قبولها إلا مع الاخلاص والتحقيق، وبقاء العقد والضمير، ألا ترى إلى
~~قوله تعالى في الآية التي فيها يذكر النساء: (إلا الذين تابوا وأصلحوا
~~واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين... الآية - 145)،
~~فذكر تعالى بعد ذكر التوبة، الاصلاح والاخلاص، لان التوبة إن لم يتبعها ذلك
~~لم تسم توبة ولم تسقط عقوبة.
# وقد دخلت على بعض العلماء NoteV00P162N01 شبهة، فزعم أنه لا يجوز أن يكون
~~أراد بقوله تعالى: (لن تقبل توبتهم) عند حضور الموت، وجعل علته في ذلك أن
~~الكافر إذا أسلم قبل موته ولو بطرفة عين، فحكمه حكم من أسلم قبل ذلك
~~بالأيام الكثيرة والمدة الطويلة: في الصلاة عليه والدفن له، وفي الموارثة،
~~وسائر الأحكام الجارية في الشريعة، وذهب عليه انه قد يجوز تعبدنا بذلك كله
~~فيه مع كونه ملجأ إلى إظهار الايمان، كما تعبدنا في المنافقين باجراء احكام
~~المسلمين عليهم، وإن كانوا كفارا بنفاقهم، فكان العمل على صلاح الظواهر مع
~~العلم بفساد البواطن.
# PageV00P162
# فصل (ثم ازدادوا كفرا) فأما معنى قوله تعالى: (ثم ازدادوا كفرا) فقد ذكرت
~~فيه وجوه:
# 1 - أحدها: أن هذه الآية نزلت في اليهود NoteV00P163N01، لأنهم كانوا
~~يبشرون بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله بالحلي والأوصاف، والسمات
~~والاخلاق، والورود بعد الفترة، والجهاد والهجرة، فلما ظهر صلى الله عليه
~~وآله مصدقا ms094 لتلك البشائر، ومحققا لتلك الشواهد، كذبه أعداء الله حسدا له
~~ونفاسة على العرب بمثله، فأنزل الله تعالى فيهم: (إن الذين كفروا بعد
~~إيمانهم) أي: بمحمد صلى الله عليه وآله (ثم ازدادوا كفرا) أي: بما أنزل
~~عليه من القرآن فكفروا كفرا مجددا (لن تقبل توبتهم) أي: عند موتهم.
# وأراد سبحانه ههنا بذكر إيمانهم: تصديقهم بالنبي صلى الله عليه وآله، لان
~~أصل الايمان في اللغة هو: التصديق، إلا أنه من الأسماء المنقولة عن الأصل،
~~لأنه في الشرع اسم من أسماء المدح، وهذا يفيد استحقاق الثواب مع ضرب من
~~التعظيم، ومما يكشف ما ذكرنا من كونه في الأصل اسما للتصديق قوله سبحانه -
~~حاكيا عن بني يعقوب (ع) -: (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين)
~~NoteV00P163N02 أي: بمصدق لنا ولو صدقنا، لشدة تهمتك لنا.
# PageV00P163
# 2 - وقيل في ذلك: إنهم اليهود كفروا بعيسى (ع) وما أنزل عليه ثم ازدادوا
~~كفرا بمحمد صلى الله عليه وآله، فلن تقبل توبتهم عند موتهم، وذلك مروي عن
~~قتادة. وقيل: لن تقبل توبة هؤلاء من كفرهم بالمسيح (ع) مع إقامتهم على
~~الكفر بمحمد صلى الله عليه وآله.
# 3 - وقيل أيضا: إنهم اليهود والنصارى من أهل الكتاب كفروا بعد إيمانهم
~~بالنبي صلى الله عليه وآله عند إعطاء صفاته وذكر علاماته، ثم ازدادوا كفرا
~~بذنوب واقعوها، فلا تنفع توبتهم منها، وهم مقيمون على كفرهم الأصلي الذي
~~كان قبلها.
# 4 - وقيل أيضا: (ثم ازدادوا كفرا) أي: أقاموا على كفرهم إلى وقت حضور
~~آجالهم، ثم تابوا حين لا تنفع التوبة، ولا تماط الحوبة. وفي ما ذكرناه من
~~ذلك كاف بحمد الله تعالى. PageV00P164
# 18 - مسألة (زيادة الواو في (ولو افتدى به)) الجواب عن شبهة زيادة الواو
~~- مذهب المبرد في الحروف المزيدة في القرآن - الشعر يدخله النقص والزيادة
~~دون النثر - بلاغة أمير المؤمنين (ع) ونهج البلاغة - القرآن لا يقاس به
~~كلام - جواب المبرد عن سؤال زيادة واو (ولينذروا به) - الجواب عن الاحتجاج
~~بزيادة (ما) في (فبما رحمة) والواو في (وفتحت أبوابها) - موضعان آخران جاءت
~~فيهما هذه ms095 الواو - الجواب عن الاحتجاج ببيت للهذلي - فائدة هذه الواو في
~~الآية ومعناها.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل
~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به... - 91) فقال: وجه الكلام أن يقول:
~~(لو افتدى به)، بغير واو، فما معنى دخول الواو ههنا، والكلام غير مضطر
~~إليها!
# فالجواب: أن في ذلك أقوالا للعلماء: فمنها - هو أضعفها - أن تكون الواو
~~ههنا مقحمة كاقحامها في قوله تعالى: (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها)
~~NoteV00P165N01، والمراد به فتحت أبوابها.
# وأقول: إن لأبي العباس المبرد مذهبا في جملة الحروف المزيدة في
# PageV00P165
# القرآن، أنا اذهب إليه وأتبع نهجه فيه، وهو: اعتقاد أنه ليس شئ من الحروف
~~جاء في القرآن إلا لمعنى مفيد، ولا يجوز أن يكون لقى مطرحا، ولا خاليا من
~~الفائدة صفرا، وذلك أن الزيادات والنقائص في الكلام إنما يضطر إليها ويحمل
~~عليها الشعر الذي هو مقيد بالأوزان والقوافي، وينتهي إلى غايات ومرام، فإذا
~~نقصت أجزاء كلامه قبل لحاق القافية التي هي الغاية المطلوبة، اضطر الانسان
~~إلى أن يزيد في الحروف، فيمد المقصور ويقطع الموصول NoteV00P166N01 وما
~~أشبه ذلك، وإذا زاد كلامه - وقد هجم على القافية فاستوقفته عن أن يتقدمها
~~وأخذت بمخنقه دون تجاوزها - اضطر صاحبه إلى النقصان من الحروف، فقصر
~~الممدود، ووصل المقطوع، وما أشبه ذلك، حتى يعتدل الميزان وتصح الأوزان.
# فأما إذا كان الكلام محلول العقال مخلوع العذار، ممكنا من الجري في
~~مضماره، غير محجور بينه وبين غاياته، فإن شاء صاحبه أرسل عنانه، فخرج
~~جامحا، وأن شاء قدع NoteV00P166N02 لجامه، فوقف جانحا، لا يحصره امد دون
~~امد، ولا يقف به حد دون حد - فلا تكون الزيادات الواقعة فيه إلا عيا
~~واستراحة، ولغوبا وإلاحة NoteV00P166N03، وهذه منزلة ترفع عنها كلام الله
~~سبحانه الذي هو المتعذر المعوز، والممتنع المعجز، وكل كلام إنما هو مصل خلف
~~سبقه، وقاصر عن بلوغ أدنى غاياته، بل قد يرتفع عن هذه المنزلة كلام
~~الفصحاء،
# PageV00P166
# المتقدمين، والبلغاء المحذقين، فضلا عما هو أعلى طبقات الكلام وابعد ms096
~~مقدورات الأنام.
# وإني لأقول أبدا: إنه لو كان كلام يلحق بغباره، أو يجري في مضماره - بعد
~~كلام الرسول صلى الله عليه وآله - لكان ذلك كلام أمير المؤمنين علي بن أبي
~~طالب عليه السلام، إذ كان منفردا بطريق NoteV00P167N01 الفصاحة، لا تزاحمه
~~عليها المناكب، ولا يلحق بعقوه NoteV00P167N02 فيها الكادح الجاهد، ومن
~~أراد أن يعلم برهان ما أشرنا إليه من ذلك، فلينعم النظر في كتابنا الذي
~~ألفناه ووسمناه ب (نهج البلاغة)، وجعلناه يشتمل على مختار جميع الواقع
~~الينا، من كلام أمير المؤمنين (ع) في جميع الأنحاء والأغراض، والأجناس
~~والأنواع: من خطب وكتب ومواعظ وحكم، وبوبناه أبوابا ثلاثة، لتشتمل على هذه
~~الأقسام مميزة مفصلة، وقد عظم الانتفاع به، وكثر الطالبون له، لعظيم قدر ما
~~ضمنه: من عجائب الفصاحة وبدائعها، وشرائف الكلم ونفائسها، وجواهر الفقر
~~NoteV00P167N03 وفرائدها.
# وكلامه (ع) مع ما ذكرناه من علو طبقته وحلو طريفته NoteV00P167N04،
~~وانفراد طريقته، فإنه إذا حول ليلحق غاية من أداني غايات القرآن، وجدناه
~~ناكصا متقاعسا، ومقهقرا راجعا، وواقفا بليدا NoteV00P167N05،
# PageV00P167
# وواقعا بعيدا، على أنه الكلام الذي وصفناه بسبق المجارين والعلو على
~~المسامين، فما ظنك بما دون ذلك من كلام الفصحاء وبلاغات البلغاء، الذي يكون
~~بالقياس إليه هباء منثورا، وسرابا غرورا!. وهذا الذي ذكرناه أيضا من معجزات
~~القرآن إذا تأمله المتأمل وفكر فيه المفكر، إذ كان الكلام المتناهي الفصاحة
~~العالي الذروة البعيد المرمى والغاية، إذا قيس إليه وقرن به، شال في ميزانه
~~وقصر عن رهانه، وصار بالإضافة إليه قالصا بعد السبوغ NoteV00P168N01،
~~وقاصرا بعد البلوغ، ليصدق فيه قول أصدق القائلين سبحانه إذ يقول: (... وإنه
~~لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)
~~NoteV00P168N02.
# وقد ذهبنا عن غرض المسألة بعيدا للداعي الذي دعانا، والمعنى الذي حدانا،
~~ونحن نعود إلى عمود القول فيها بإذن الله فنقول:
# وقد كان بعض من رام كسر المذهب الذي تقدم ذكرنا له عن المبرد واختيارنا
~~طريقته فيه، سأله عن قول الله سبحانه: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به) ms097
~~NoteV00P168N03، فقال: قد علمنا أن هذه اللام لام كي، فما معنى إدخال الواو
~~عليها إن لم نقدرها مزيدة؟. فقال أبو العباس لسائله:
# ألست تعلم أن قوله تعالى: (هذا بلاغ) مصدر وقوله: (ولينذروا به) فعل
~~موضوع في موضع المصدر، لان الأفعال تدل على مصادرها؟!
# PageV00P168
# فالتقدير أن يكون هذا بلاغ للناس وإنذار، فبطل أن تكون الواو جاءت لغير
~~معنى. وقد أحسن أبو العباس في هذا الجواب غاية الاحسان.
# فأما احتجاج من احتج في تجويز ورود الحروف لغير معنى في القرآن بل على
~~طريق الزيادة والاقحام، بقوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم...)
~~NoteV00P169N01، وقوله: إن (ما) ههنا زائدة، والمراد: فبرحمة من الله لنت
~~لهم - فليس الامر على ما ظنه، لان (ما) ههنا لها فائدة معلومة، وذلك أن
~~معناها تفخيم قدر الرحمة التي لان بها لهم، فكأنه قال تعالى فبرحمة عظيمة
~~من الله لنت لهم، وموقع (ما) ههنا كموقعها في قوله تعالى: (فغشيهم من اليم
~~ما غشيهم) NoteV00P169N02 فمن قولنا انه تعالى أراد: تعظيم ما غشيهم من موج
~~البحر، ولو لم تكن فيه هذه الفائدة لكان عيا لا يجوز على الحكيم تعالى أن
~~يأتي بمثله، وكان يجري مجري قول القائل: أعطيت فلانا ما أعطيته، إذا لم يرد
~~تفخيم العطية.
# وأما استشهاد من استشهد على أن الواو زائدة في قوله تعالى: (ولو افتدى
~~به) بقوله سبحانه: (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها)، ولم يرد بعد ذلك خبر
~~NoteV00P169N03 (إذا) - فليس الامر على ما ظنه لان تقدير ذلك عند المحققين
~~من العلماء: (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها) دخلوها (وقال لهم خزنتها سلام
~~عليكم)، لان في تفتيح الأبواب
# PageV00P169
# لهم دليلا على دخولهم، فترك ذكر الدخول لما في الكلام من الدلالة عليه.
~~وقد يسقط من القرآن كلم وحروف، ويدل فحوى الخطاب عليها اختصارا وحذفا،
~~وإبعادا في مذاهب البلاغة، وإغراقا في منازع الفصاحة، ولان فيما يبقى أدلة
~~على ما يلقى، إذ كانت البلاغة عند أهل اللسان لمحة دالة، وإشارة مقنعة، ولا
~~يجوز أن تزاد فيه الكلم والحروف التي ms098 ليس فيها زيادة معان أو أدلة على
~~معان، على ما قدمناه من كلامنا في هذا المعنى، لان ذلك من قبيل العي
~~والفهاهة، كما أن الأول من دلائل الاقتدار والفصاحة.
# وفي القرآن موضعان آخران جاءت فيهما هذه الواو التي قدر أنها مزيدة، ما
~~رأيت أحدا ينبه عليهما، وإنما عثرت انا بهما عند الدرس، لان العادة جرت بي
~~في التلاوة أن أتدبر غرائب القرآن وعجائبه وخفاياه وغوامضه، فلا أزال أعثر
~~فيه بغريبه، وأطلع على عجيبه، وأثير منه سرا لطيفا، واطلع خبيا طريفا وأحد
~~الموضعين المذكورين، في السورة التي يذكر فيها يوسف (ع)، وذلك قوله تعالى:
~~(فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم
~~بأمرهم هذا وهم لا يشعرون 15) فلم يرد بعد (فلما) خبر لها، وهذا مثل الآية
~~التي في الزمر سواء، إلا أن تلك تداول الناس الاستشهاد في هذا الموضع بها،
~~وهذه خفيت عنهم فترك ذكرها، وتأويل هذه كتأويل تلك لا خلاف بينهما، لان في
~~قوله تعالى: (وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب) دليلا على جعله فيه، بقوة
~~العزم PageV00P170
# منهم والاجماع المنعقد بينهم، وكأنه تعالى قال: (حتى إذا ذهبوا به
~~واجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب) جعلوه هناك (وأوحيناه إليه)، فالموضعان
~~متفقان في المعنى.
# والموضع الآخر قوله تعالى في الصافات: (فلما أسلما وتله للجبين 103
~~وناديناه أن يا إبراهيم 104 قد صدقت الرؤيا... - 105)، فلم يكن بعد قوله
~~تعالى: (فلما) ما يجوز أن يكون خبرا لها، فالمواضع الثلاثة إذن متساوية.
# فأما استشهادهم NoteV00P171N01 ببيت الهذلي NoteV00P171N02، وهو آخر
~~القصيدة ولم يرد بعده ما يجوز أن يكون خبرا له وذلك قوله:
# حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلا كما تطرد الجمالة الشردا (وقتائدة: اسم
~~موضع NoteV00P171N03. والجمالة: أصحاب الجمال كما يقال: الحمارة والبغالة
~~لأصحاب الحمير والبغال. والشل: الطرد.
# والشرد: الإبل الشاردة)، فليس الامر أيضا على ما قدروه في هذا البيت،
~~وذلك أن معناه عند المحققين كمعنى الآيتين المذكورتين سواء، لان الشاعر لما
~~جاء بالمصدر الذي هو قوله: (شلا) كان فيه دلالة ms099 على الفعل، وكأنه قال: حتى
~~إذا أسلكوهم في هذا الموضع شلوهم شلا، فاكتفى بذكر المصدر عن ذكر الفعل،
~~لان فيه دلالة عليه.
# PageV00P171
# فإذا ثبت ما قلنا رجعنا إلى ذكر قول العلماء المحققين في معنى هذه الواو،
~~إذ كانت عندهم واردة لفائدة لو لاها لم تعلم، فنقول:
# إن معنى ذلك عندهم (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم
~~ملء الأرض ذهبا) على وجه الصدقة والقربة ما كانوا مقيمين على كفرهم، ثم قال
~~تعالى: (ولو افتدى بهذا المقدار أيضا - على عظم قدره - من العذاب المعد له
~~ما قبل منه)، فكأنه تعالى لما قال: (فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا) عم
~~وجوه القبول بالنفي ثم فصل سبحانه لزيادة البيان NoteV00P172N01، ولو لم
~~ترد هذه الواو لم يكن النفي عاما لوجوه القبول، وكان القبول كأنه مخصوص
~~بوجه الفدية، دون غيرها من وجوه القربة، فدخلت هذه الواو للفائدة التي
~~ذكرناها من التفصيل NoteV00P172N02 بعد الجملة.
# فأما من استشهد على زيادة الواو ههنا بقوله تعالى في الانعام:
# (وليكون من الموقنين 75)، وقدر ان الواو هناك زائدة، فليس الامر على ما
~~قدره، لان الواو هناك عاطفة على محذوف في التقدير، فكأنه تعالى قال: (وكذلك
~~نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض) لضروب من العبر (وليكون من الموقنين).
# فان قال قائل: قد وردت في القرآن آيات تدل على أن نفي القبول منهم لما لو
~~قدروا عليه لبذلوه إنما هو في الافتداء من العذاب لا غير،
# PageV00P172
# فوجب أن يكون ذلك أيضا في هذه الآية التي نحن في تأويلها مختصا بهذا
~~الوجه، دون وجه الصدقة والقربة، فيصح أن الواو ههنا زائدة. فمن الآيات
~~المشار إليها قوله تعالى في المائدة: (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في
~~الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم
~~عذاب أليم 36) ومنها أيضا قوله سبحانه في الرعد: (للذين استجابوا لربهم
~~الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه
~~لافتدوا به... الآية ms100 18).
# قيل له: قد ورد في القرآن أيضا ما يدل على نفي القبول منهم لما يبذلونه
~~في وجوه القرب والصدقات: فمن ذلك قوله تعالى في براءة: (قل أنفقوا طوعا أو
~~كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين 53 وما منعهم أن تقبل منهم
~~نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا
~~ينفقون إلا وهم كارهون 54)، فإذا وجدنا القرآن قد دل في مواضع على نفي
~~القبول منهم لما يبذلونه على وجه القربة، وما يبذلونه على وجه الفدية
~~والقربة، لم يكن مخالفنا أولى بحمل ذلك على وجه القربة منا بحمله على وجه
~~الفدية والقربة جميعا، إذ كان فيهما زيادة معنى، وكنا مع هذه الحال نافين
~~عن كلام الله تعالى ما لا يليق به من ايراد الزوائد المستغنى عنها، والتي
~~لا يستعين بمثلها إلا من يضطره ضيق العبارة إليها أو يحمله فضل العي عليها،
~~وذلك مزاح عن كلام الله سبحانه، فكلما حملت حروفه على زيادات PageV00P173
# المعاني والأغراض كان ذلك أليق به من حمله على نقصان المعاني، مع زيادات
~~الألفاظ، وفي ما ذكرناه من ذلك مقنع بحمد الله تعالى.
# 19 - مسألة (أول بيت وضع للناس) الجواب عن الشبهة في تقدم وضع البيت -
~~البيت الحرام اقدم من بيت المقدس - جواب للمؤلف مبتكر - اعراب (مباركا) في
~~الآية ومعناه - جواب قاضي القضاة.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا
~~وهدى للعالمين - 96)، فقال: كيف جاز هذا القول، وقد جاء في الاخبار أن آدم
~~عليه السلام وبعض أولاده ابتنوا بيوتا ومساكن، واتخذوا دورا ومدائن، والبيت
~~الحرام إنما بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام؟!
# فالجواب: أن للعلماء في هذه المسألة أقوالا:
# 1 - منها، أن يكون المراد بذلك أن أول بيت وضع لعبادة المكلفين - قبلة
~~لصلاتهم وغاية لحجهم ومؤدى لمناسكهم - هذا البيت ببكة، PageV00P174
# وإن كان من قبله بيوت ليست هذه صفتها. وهذا القول مروي عن أمير المؤمنين
~~علي عليه السلام.
# 2 - وقال بعضهم: إن أول بيت وضع للناس مباركا هذا ms101 البيت، فكأن قوله
~~تعالى: (مباركا) حال للوضع، فانفرد بالحال المميزة من سائر البيوت المتقدمة
~~وأسباب بركته كثيرة: منها أنه متعبد من متعبدات الله العظام التي إذا اخرج
~~المؤمن من الحق الواجب عليه فيها صلاة وحجا، استحق الثواب وأمن العقاب.
~~ومنها أن جعل حكم من دخله أن يأمن مما يخافه حتى يخرج منه، على اختلاف
~~العلماء في (معنى 1) ذلك.
# ومنها أمان الوحش والطير فيه، فلا يختلها خاتل، ولا يقتنصها حابل، وما
~~يجري مجرى ذلك.
# 3 - وقيل: إن هذه الآية نزلت على سبب، وذلك أن اليهود قالوا: (بيت المقدس
~~أعظم قدرا من الكعبة، لأنه مهاجر النبيين وقرارة الصديقين)، فنزلت: (إن أول
~~بيت وضع للناس... الآية).
# وبعد، فالبيت الحرام من بناء إبراهيم (ع)، وأول من اختط بيت المقدس
~~واتخذه مسجدا داود (ع)، وبناه سليمان من بعده فشاد بنيانه وفسح أعطانه
~~NoteV00P175N02، وجاء في الخبر: (انه أصاب بني إسرائيل على عهد داود طاعون
~~أسرع فيهم وذهب بعامتهم، فخرج داود بالناس إلى موضع بيت المقدس، فدعا الله
~~سبحانه ان يرفع عنهم ذلك الموتان،
# PageV00P175
# فاستجيب له، فاتخذ ذلك الموضع مسجدا تبركا به وتعظيما له، وبدأ ببنائه
~~فنودي قبل أن يستتمه، فأوصى إلى سليمان (ع) باستتمامه، فعامته من بناء
~~سليمان)، فثبت ان البيت الحرام اقدم وضعا من بيت المقدس، إذ كان باني ذلك
~~إبراهيم وإسماعيل، وباني هذا داود وسليمان، وبين داود وسليمان، وبين جدهما
~~إبراهيم قرون خالية وأمم متناسخة.
# 4 - وقال بعضهم: معنى (إن أول بيت وضع للناس): أن الله سبحانه تولى وضع
~~أساسه بالملائكة، وسائر البيوت تولى بناءها الناس، واستدل صاحب هذا القول
~~بقوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل...)
~~NoteV00P176N01، فجعل هناك قواعد كانت مقررة قبل بناء إبراهيم فرفعها
~~إبراهيم عليه السلام.
# 5 - وقد يجوز عندي أيضا - والله أعلم - أن يكون المراد بذلك أن أول بيت
~~امر الله تعالى ببنائه البيت الحرام، لما أراد الله سبحانه من تعظيم قدره
~~وإسناء ذكره ونفع الناس به، ومما يقوي ذلك قول إبراهيم وإسماعيل: (ربنا
~~تقبل منا) ms102 فدل ذلك على أنهما جعلا بناء البيت جهة من جهات القربة إلى الله
~~سبحانه في اتباع امره والعمل لوجهه، فكان فحوى هذا الكلام يحتمل أن يكونا
~~أمرا بأمر فاتبعاه ونصا NoteV00P176N02 إلى مدى فبلغاه، وهذا القول مما خطر
~~لي ولم أجده لمن تقدمني.
# وقوله تعالى: (مباركا) ينتصب من وجهين (أحدهما) ب (وضع
# PageV00P176
# للناس)، على الحال من الضمير الذي فيه، وفي هذا الوجه يجوز أن يكون قد
~~تقدمه بيوت غيره، فاختص به هو وتميز، بأنه وضع مباركا. (والوجه الآخر)
~~ينتصب بالظرف من (بكة)، على معنى الذي استقر ببكة مباركا، وفي هذا الوجه لا
~~يجوز أن يكون قد وضع قبله بيت غيره، كما جاز في الوجه الأول لان الوضع ههنا
~~لا تعلق له بالحال التي هي قوله: (مباركا)، فكأنه أول بيت وضع للناس على
~~الاطلاق، فلا حال تميزه من غيره.
# ومعنى قوله تعالى: (مباركا) أي: ثابت النفع للناس، لان أصل البركة مأخوذ
~~من الاستقرار والثبوت، وهو قولهم: برك بركا وبروكا، إذا ثبت على حاله،
~~والبركة: ثبوت الخير واستقراره وزيادته ونماؤه، ومنه قولهم: (تبارك الله)
~~أي: ثبت ولم يزل ولا يزال، ومنه قيل للصدر: البرك، لثبوت المحفوظات فيه،
~~ومنه (بركاء الحرب) NoteV00P177N01 اي: الثبوت فيها أو ثبوتها واستقرار
~~شدتها.
# وقد يمكن - على ما قدمناه - أن يكون معنى كونه مباركا ثبوت العبادة فيه
~~ولزومها واستمرارها واتصالها، على ما يحكى من أن الطواف به لا يكاد ينقطع
~~ليلا ولا نهارا، أو التوجه إليه في الصلاة متصل على وجه الدهر لا انقطاع له
~~ولا زوال.
# 6 - وقال قاضي القضاة أبو الحسن: اختلف الناس في المراد
# PageV00P177
# بقوله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا): فمنهم من يقول
~~إنه أول بيت بني. ومنهم من يقول: أول بيت بني للعبادة كالصلاة والحج
~~والمناسك، ثم اختلفوا في أول من تولى بناءه، فقال بعضهم: إبراهيم وإسماعيل
~~(ع)، وقال آخرون: بل كان مبنيا من قبل، ثم زال البناء بالغرق أيام الطوفان،
~~وإنما أعاد بناءه إبراهيم وإسماعيل، حتى أن فيهم من ms103 يقول: إنه كان موضعا
~~لتعبد الملائكة قبل خلق آدم عليه السلام، ويذكر في ذلك اخبارا كثيرة.
# والذي ثبت بالقرآن أن إبراهيم وإسماعيل بنياه، فذلك يقين، وما تقدم موقوف
~~على الخبر الصحيح، والصحيح: أنه أول بيت وضع للعبادة لا للسكنى، ودليل ذلك
~~أنه تعالى اضافه إلى الناس إضافة مطلقة، والاطلاق يقتضي أن تكون الإضافة
~~إلى الناس في حكم يشتركون فيه، وليس يصح ذلك إلا بأن يكون قبلة لهم، وموضعا
~~لقضاء حجهم ومناسكهم، لأنا نعلم أن الأبنية قد كانت من قبل إبراهيم
~~وإسماعيل بالزمان الطويل والمدى البعيد. PageV00P178
# فصل (آيات بينات مقام إبراهيم) الجواب عن شبهة ابدال المفرد (مقام) من
~~الجمع (آيات) - معاني المقام - آيات الحرم - تألف الوحوش والسباع - اثر قدم
~~إبراهيم بالصخرة - ذهاب حصى الجمار - امتناع الطير من العلو فوق البيت -
~~اختلاط الطير والوحش بالناس - تعجيل عقوبة منتهك الحرم سابقا - اختصاص
~~المعجز بزمان النبي - مرجع ضمير (فيه آيات) - استمرار المعجز بعد النبي فان
~~قال قائل: كيف قال سبحانه: (فيه آيات بينات)، ثم قال: (مقام إبراهيم)،
~~ومقام إبراهيم بدل من آيات بينات، وهذا واحد وتلك جمع، وينبغي أن يكون
~~البدل على حد المبدل منه!.
# قيل له: إن في ذلك أقوالا:
# 1 - أحدها، ما روي عن ابن عباس: أنه قرأ (فيه آية بينة مقام إبراهيم)
~~فجعل البدل على حد المبدل، فسقط سؤال السائل على قراءة من قرأ ذلك. - 2 -
~~وإما رفع مقام إبراهيم بأن يكون على اضمار:
# هي مقام إبراهيم.
# 3 - وقال قائلون: المعنى منها مقام إبراهيم NoteV00P179N01
# PageV00P179
# 4 - وقال بعض العلماء (وهو من الأقوال الغريبة): إن قوله تعالى: (مقام
~~إبراهيم) جمع مقامة، كما جمعوا معونة على معون NoteV00P180N01 ومنه قوله
~~الشاعر (2):
# بثين الزمي (لا) إن (لا) إن لزمته * على كثرة الواشين أي معون اي: الزمي
~~قول: (لا) إظهارا لجحد ما بيننا وغطاء على مكنون ودنا، فان ذلك أعظم معونة
~~على الواشين بنا والماشين علينا، وإذا كان مقام إبراهيم في معنى الجمع على
~~هذا القول سقط سؤال السائل.
# 5 - وقال بعضهم: معنى (فيه آيات ms104 بينات) اي: علامات ظاهرات، وهي المناسك
~~والشعائر التي بين الله للناس مواضعها، ليقضوا متعبداتهم عندها، ولم يرد
~~تعالى بذلك: الآيات التي هي الاعلام الخارقة للعادات كما يقوله عامة
~~المفسرين، وقال صاحب هذا القول NoteV00P180N03: (إن المراد بمقام إبراهيم
~~الحرم كله، لا الموضع المخصوص من الصخرة التي أثر فيها قدمه) إذ كان مقام
~~إبراهيم عنده في تأويل الجمع، وتقديره: مقامات إبراهيم، إلا أنه قال:
~~(مقام)، لان المصدر بمعنى الجمع، كما
# PageV00P180
# قال تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم...) NoteV00P181N01 أي:
~~أسماعهم، وكذلك قوله سبحانه: (لا يرتد إليهم طرفهم...) NoteV00P181N02 لأنه
~~على معنى: طروفهم NoteV00P181N03، وعلى ذلك قول الشاعر NoteV00P181N04:
# - إن العيون التي في طرفها مرض * قتلننا ثم لم يحيين قتلانا فكأنه جعل
~~الآيات البينات ما بينه إبراهيم (ع) للناس بأمر الله تعالى في تلك المواضع:
~~من مناسكهم ومواضع متعبداتهم، فكانت المناسك كلها داخلة في مقام إبراهيم.
# والمقام أيضا: المجلس (وهو من غرائب التفسير) وذلك قوله تعالى في قصة
~~سليمان: (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك...)
~~NoteV00P181N05 اي: من مجلسك، وقوله:
# (قبل أن تقوم) يدل على أنه كان قاعدا، وإنما سمي المجلس: مقاما، لان فيه
~~يكون قيام الجالس بعد قعوده، وهذا من عجائب كلامهم، وغوامض مصارف لسانهم.
~~والمقامة أيضا: الجماعة من الناس، ومنه قول لبيد:
# ومقامة غلب الرقاب كأنهم * جن البدي رواسيا أقدامها NoteV00P181N06
# PageV00P181
# أي: جماعة هذه صفتهم.
# * * * قال بعضهم: ومن آيات الحرم التي لا توجد في غيره أن الوحش والسباع
~~إذا دخلته وصارت في حدوده لا يقتل بعضها بعضا، ولا يؤذي بعضها بعضا، ولا
~~تصطاد فيه الكلاب والسباع سوانح الوحش التي جرت عادتها بالاصطياد لها، ولا
~~تعدو عليها في ارض الحرم، كما تعدو عليها إذا صادفتها خارج الحرم، فهذه
~~دلالة عظيمة وحجة بينة على أن الله تعالى هو الذي أبان هذا البيت وما حوله،
~~بهذه الآية، من سائر بقاع الأرض، لأنه لا يقدر أن يجعل هذه البقعة التي
~~ذكرناها، على ما وصفناه منها، وأن يحول ms105 بين السباع فيها وبين مجاري
~~عاداتها، وحوافز NoteV00P182N01 طبائعها وعمل النفوس السليطة
~~NoteV00P182N02 التي ركبت فيها، حتى تمتنع من مواقعة الفرائس، وقد أكثبت
~~لها NoteV00P182N03 وصارت أخذ أيديها، بل تأنس بأضدادها، وتأنس الأضداد بها
~~- إلا الله سبحانه، لان هذا خارج عن مقدار قوى المخلوقين وتدابير
~~المربوبين.
# ومن الآيات التي خص الله تعالى هذا الموضع بها مقام إبراهيم (ع) في
~~الصخرة، من حيث ألان الله سبحانه له أصلادها NoteV00P182N04 بعد الصلابة،
~~وخلخل اجزاءها بعد الكثافة، حتى أثرت قدمه فيها راسخة، وتغلغلت سائخة، كما
~~يتغلغل في الأشياء الرخوة والأرض الخوارة NoteV00P182N05
# PageV00P182
# ومنها ذهاب حصى الجمار وعدمه وخلو مواضعه منه، على كثرة الرامين به
~~واجتماعه في مواضعه، ولولا أنه سبحانه جعل تقليل كثيره وإعدام موجوده من
~~بعض آيات تلك البقعة، لساوى الجبال أظلالا، وجعل (البطحاء) جبالا، لا سيما
~~وليس موضع الجمرتين الأولتين خاصة موضع مسيل ماء ولا طريق سيل، فيظن الظان
~~أن السيول تذهب بحصاهما NoteV00P183N01، وتفرق ما يجتمع فيهما.
# ومنها امتناع الطير من العلو على البيت الحرام، حتى لا يطير طائر إلا
~~حوله من غير أن يعلو فوقه. ثم استشفاء المريض من الطيب NoteV00P183N02 به
~~على ما تناصر الخبر بذكره NoteV00P183N03 فأما الذي شاهدته أنا عند مقامي
~~بمكة في السنة التي حججت فيها، فامتناع الطير من التحليق فوق البيت، حتى
~~لقد كنت أرى الطائر يدنو من المطرح السحيق والمنزع البعيد، في أحد طيرانه
~~وأسرع خفقان جناحه، حتى أقول: قد قطع البيت عاليا عليه وجائزا به، فما هو
~~إلا أن يقرب منه حتى ينكسر NoteV00P183N04 منحرفا ويرجع متيامنا أو
~~متياسرا، فيمر عن شمال البيت أو يمينه، كأن لافتا يلفته أو عاكسا يعكسه،
~~وهذا من اطرف ما شاهدته وجربته.
# فأما اختلاط الطير بالناس هناك، حتى لا تنفر من ظلالهم، ولا تتباعد عن
~~همس أقدامهم، فهو شئ بين واضح، ولعهدي بجماعات من
# PageV00P183
# المصلين في المسجد الحرام، وهم يكفكفون الطير بأيديهم عن مواضع سجودهم،
~~لشدة قربها منهم واختلاطها بهم، ولقد رأيت ظبيا وحشيا يتخرق الأسواق، ويقف ms106
~~على جماعة من بائعي الأقوات، فربما انتشط NoteV00P184N01 نشطة، أو اجتذب
~~الشئ بعد الشئ خلسة، وعليه سيماء الساكن ودعة المطمئن الآمن، حتى ربما طرد
~~فلم يرعه الطرد ولم يفزعه الايماء باليد. وقيل لي - ولم أره -: إنه إذا
~~جاوز أنصاب الحرم NoteV00P184N02 خرج كالسهم المارق، أو البرق الخاطف، كأن
~~الروعة إنما أدركته بعد خروجه من حدود الحرم ودخوله في أراضي الحل، فتبارك
~~الله رب العالمين!
# ومنها تعجيل العقوبة لمن انتهك حرمته، على عادة كانت جارية بذلك فيما
~~تقدم، قبل استقرار الشرع ووروده بالأمر والنهي - فأما الآن فلا يجب على
~~القديم تعالى عندنا المنع من الظلم في دار التكليف، وفي ذلك كلام طويل ليس
~~هذا موضع ذكره - ومثل ذلك ما فعله الله تعالى في الجاهلية بمن قصد البيت
~~الحرام لاحرابه، والحرم لانتهاكه، عام الفيل، من تعجيل النقمات وإنزال
~~المثلات NoteV00P184N03، وبروك الفيل بالمغمس NoteV00P184N04، حتى لم يقدم
~~به الزجر الشديد والسوق العنيف. وحديث ذلك يطول.
# قال قاضي القضاة أبو الحسن: (ومثل ذلك لا يكون إلا معجزا في زمن نبي،
~~فأما تمكن من تمكن من تخريبه ورميه بالأحجار وإحراقه بالنار، في أيام بني
~~مروان، فلان النبوة قد ارتفعت، فلا يصح ظهور المعجز حينئذ، وإنما يصح ذلك
~~في أزمان الأنبياء. واختلف العلماء في أن الهاء
# PageV00P184
# من قوله تعالى: (فيه آيات بينات) على ماذا ترجع؟، فقال بعضهم:
# ترجع إلى البيت إلا أن يكون هناك دليل يدل على رجوعها إلى غيره.
# ومنهم من يقول: ترجع إلى بكة، وهي موضع البيت (1). وقيل: هي الحرم كله.
~~وكلا المذكورين مظهران (2)، فلا يمتنع رجوع الكناية (3) إليهما). قال:
~~(ظاهر قوله تعالى: (ومن دخله) يقتضي أن يكون المراد البيت، لان إطلاق
~~الدخول يصح فيه دون البقعة).
# قلت أنا: وهذا القول غير سديد، لأنه قد يصح أن يقال:
# دخلت المدينة، كما يقال: دخلت البيت، وذلك أظهر في كلامهم من أن يشار
~~إليه، ألا ترى إلى قوله تعالى: (ولو دخلت عليهم من أقطارها)
~~NoteV00P185N04، وأطبق العلماء - لا يتعاجمون (5) - على أن المعني بذلك
~~مدينة الرسول ms107 صلى الله عليه وآله، وعدوا ذلك من أبواب الفصاحة العجيبة،
~~لأنه أراد سبحانه المدينة، ولم يجر لها في السورة التي هي الأحزاب ذكرا قبل
~~الآية المذكورة ومثل ذلك قوله سبحانه في ص:
# (حتى توارت بالحجاب 32)، وإنما أراد به NoteV00P185N06: الشمس، ولم يجر
~~لها في جميع السورة ذكر.
# وقد قال تعالى أيضا ما هو أوضح مما ذكرناه في ذلك، وهو قوله سبحانه:
# PageV00P185
# ﴿ودخل المدينة على حين غفلة من
~~أهلها...﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله
~~لكم...﴾ (2)، فسمى دخول الأرض دخولا، كما يسمى دخول الأبنية دخولا،
~~ومثل ذلك في كلامهم كثير، فعلى ما بينا يصح قولهم: دخلت البيت والدار، كما
~~يقولون: دخلت المدينة والسوق.
# فان قال قائل: فكيف يكون ما ذكرتموه من آيات البيت مستمرا إلى الآن، على
~~قول من يقول: إن ذلك لا يكون إلا في أزمان الأنبياء، ولا نبي في هذا
~~الزمان؟!
# قيل له: إن بقاء المعجز قد يصح في غير زمن الأنبياء عليهم السلام، فلا
~~يمتنع كون ذلك معجزا لبعض الأنبياء ثم دام واتصل، كما نقوله في الطلسمات
~~وحجر المغناطيس (3) وغير ذلك، ويفارق اتصال المعجز وبقاؤه استينافه
~~وابتداءه، لان الابتداء لا يصح إلا في زمان الأنبياء، والبقاء يصح (4) في
~~غير أزمان الأنبياء، وهذا واضح بحمد الله.
# PageV00P186
# فصل (ومن دخله كان آمنا) واختلف الناس في قوله تعالى: (ومن دخله كان
~~آمنا)، فبعض العلماء ذهب إلى أنه أمان كان وانقطع، وبعضهم ذهب إلى أنه أمان
~~مستمر غير منقطع، ثم اختلفوا: فمنهم من يقول: إنه أمان على الخصوص، ومنهم
~~من يقول: أمان على العموم ومنهم من جعله من جملة الآيات وتفسيرا لما أجمله
~~تعالى من قوله: (فيه آيات بينات)، ومنهم من جعله ابتداء حكم.
# واختلفوا بعد ذلك: فمنهم من جعله خبرا، ومنهم من جعله تعبدا وأمرا.
# فمن قال: إن هذا الأمان إنما كان في الجاهلية دون الاسلام، فإنما عنى به
~~دفع الله سبحانه عن ساكنه وداخله ظلم ms108 الظالمين واعتداء الجبارين، وما وقص
~~NoteV00P187N01 تعالى من رقاب البغاة دونه، وجذ NoteV00P187N02 من أيدي
~~الظلمة عنه، حتى أن ذلك كالعادة المستمرة: تجري على اتساق وتسري بلا انقطاع
~~وتستبطأ إذا تأخرت بعض التأخر، ثقة بأنها جارية على أذلالها NoteV00P187N03
~~وواقعة على عاداتها، لا شك في ذلك وإن أبطأت يسيرا وجنحت قليلا. وقال أيضا
~~صاحب هذا القول: (إن الله سبحانه جعل أمن من دخله - على ذلك العهد - من
~~الانس والوحش، آية
# PageV00P187
# لإبراهيم (ع) عند قومه، ليزدادوا إيمانا به وتعظيما للبيت الحرام من
~~اجله، وإنه في ذلك مباين لبيت المقدس وغيره، لان هذا المعنى من الامن لا
~~يحصل فيه). وقد ذكرنا في ما تقدم: أن هذا النظام اختل في الاسلام للعلل
~~التي أومأنا إليها وهتفنا ببعضها، فصار هذا الأمان - على قول صاحب هذا
~~القول - مما كان فانقطع، لا مما دام واستمر ومن قال منهم: (إنه أمان مستمر
~~غير منقطع في الجاهلية والإسلام) فإنما عنى به أن من دخله - وهو خائف على
~~نفسه من ظلم ظالم أو غشم غاشم - امن على نفسه لما يجب من تعظيم الحرم
~~وإيجاب حرمته وتكريم بقعته وترك ترويع من لجأ إلى ظله واعتصم بحبله، وهذا
~~من طريق الحكم والامر والتمييز لبقعته من بقاع الأرض، وأما من جنى الجنايات
~~واستوجب البوار والقصاص (1)، فان أمانه فيه غير مطلق، بل هو بشروط وقيود،
~~وعلى أوصاف وحدود، نحن بمشيئة الله نشير إليها ونذكر طرفا منها.
# ومن قال: (إنه أمان على الخصوص). فإنه يذهب إلى أن ظاهر قوله تعالى: (ومن
~~دخله كان آمنا) الخبر، لأنه كالوصف، وهو الغرض المقصود، دون تعريف الاحكام
~~والشروط، وإذا كان كذلك - ولم يمكن أن يكون قوله تعالى: (كان آمنا) محمولا
~~على كل آمن، لان المتعالم (2) فيمن دخله أنه لا يأمن من الظلم ولا يأمن من
# PageV00P188
# قبل الله تعالى البلوى بالشدائد والفقر وإنزال الأمراض والموت إلى غير
~~ذلك - فالمراد به اذن أمن مخصوص، وهو: دفاع الله عنه من يريد انتهاك حرمته
~~وإخفار ذمته وإبطال ما خصه الله تعالى به ms109 من التعظيم لقدره و (الإشادة 1)
~~بذكره (2)، إذ يقول عز من قائل: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب
~~أليم) (3) ومن قال: (إنه أمان عام للناس وغيرهم) فإنما جوز أن يدخل في صفة
~~الامن به الوحش والطير أيضا، لان لفظة (من) إذا أريد بها ما يعقل وما لا
~~يعقل صح أن يعبر بها عن الجنسين جميعا، إذا جاز دخولهما تحتها، كما ذكرنا
~~في ما مضى من كلامنا (4)، وذلك قوله تعالى:
# (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على
~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع) NoteV00P189N05، فقال: (منهم) وهي عبارة عما
~~يعقل، ثم قال: (يمشي على بطنه) و (على أربع)، وهما صفتان لما لا يعقل وقد
~~أتى فيهما بمن، وإنما جاز ذلك لتغليب ما يعقل على ما لا يعقل عند الاشتراك
~~في الصفات، فإنه سبحانه لما قال: (فمنهم) وهي كناية عما يعقل، جاز أن يعبر
~~بمن عما لا يعقل، لوقوع الاشتراك.
# وهذا يدلك أيضا على قوة غلبة صفات ما يعقل لصفات مالا يعقل في
# PageV00P189
# كلامهم، وإن كان جنس ما يعقل في اللفظ المذكور أقل من جنس مالا يعقل، ألا
~~ترى أنه تعالى في هذه الآية جاء بثلاث صفات: واحدة منها يختص بها ما يعقل،
~~واثنتان يختص بهما ما لا يعقل.
# وفي الناس أيضا من ذهب في هذه الامن إلى العموم من وجه آخر وهو: أنه حمل
~~قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) على البيت خصوصا، لا على المسجد والحرم،
~~وحرم أن يقام الحد عليه في نفس البيت، فحمل الكلام على عمومه في كل جان إذا
~~اعتصم به ولجأ إليه.
# وقال قاضي القضاة أبو الحسن: قد ظن بعضهم أن قوله تعالى:
# (ومن دخله كان آمنا) لا يجوز أن يكون خبرا لأنه لو كان كذلك لوجب ألا
~~يوجد مخبره على خلافه، فأوجب من هذا الوجه أن يكون تعبدا وأمرا.
# وهذا بعيد، لان الخبر قد يجوز ان يختص NoteV00P190N01 - كما يجوز ذلك في
~~الامر - وقد يدخله الشرط، ms110 فما الذي يمنع أن يجعل ذلك خبرا! إلا أن يثبت
~~بالدليل خلافه، ومما يبين NoteV00P190N02 أنه لا ظاهر لذلك أن العبد لا
~~يخلو من خوف، فلا يصح أن يوصف بأنه آمن على الاطلاق، وما هذه حاله من
~~الأوصاف لابد أن يكون في حكم المجمل المحتاج إلى البيان.
# وقال بعض العلماء: لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله تعالى:
# (ان أول بيت وضع للناس) موجودة في جميع الحرم، ثم قال سبحانه:
# (ومن دخله كان آمنا)، وجب أن يكون مراده بذلك جميع الحرم، واستدل على ذلك
~~بقوله تعالى: (أولم نمكن لهم حرما آمنا
# PageV00P190
# يجبى إليه ثمرات كل شئ...) NoteV00P191N01، وبقوله سبحانه: (أولم يروا
~~أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم..) NoteV00P191N02، وهذا نص على
~~أمان الحرم كله.
# ومعنى قوله تعالى: (آمنا)، أي: يؤمن فيه، لان الحرم نفسه يستحيل أن يوصف
~~بالخوف أو الامن، وإنما يأمن أهله ويخافون، وهذا كثير في كلامهم: كما
~~قالوا: ليل نائم، أي: ينام فيه، ويوم NoteV00P191N03 ساكن، أي: يسكن فيه،
~~وعيش غافل، أي: يغفل فيه، وشباب إبله، أي: يتبله صاحبه فيه ذهولا في سكرته
~~ورسوبا في غمرته، قال الراجز NoteV00P191N04:
# لما رأتني خلق المموه * براق أصلاد الجبين الأجله بعد غداني الشباب
~~الأبله والى قريب من هذا المعنى ذهب بعض المفسرين في قوله تعالى:
# (والشجرة الملعونة في القرآن...) NoteV00P191N05، فقال: المراد بذلك
~~الملعون آكلها، لان الشجرة نفسها يستحيل أن تلعن وتذم. وهذا من غرائب
~~التفسير، وإن كان كثير من العلماء على خلافه، إذ حملوا
# PageV00P191
# اللفظ على غير ظاهره، فيتأولون الشجرة ههنا على أنها كناية عن بني أمية
~~بأخبار كثيرة ينصونها إلى الرسول صلى الله عليه وآله، وقد يعبر بالشجرة عن
~~جماع القوم ومجتمع أصلهم وجمهور نسبهم وقبيلتهم، كما يقال:
# شجرة بني فلان، إذا أرادوا بها ذلك، فكأنه تعالى قال: والقبيلة الملعونة،
~~فيكون اللعن حينئذ متوجها إلى من يجوز أن يستحقه.
# وقال صاحب القول الذي ذكرناه: إن قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) يقتضي
~~أمنه على نفسه، سواء كان جانيا ms111 قبل دخوله، أو جنى بعد دخوله، إلا أن
~~الفقهاء متفقون على أنه مأخوذ بجنايته في الحرم في النفس وما دونها، ومعلوم
~~أن قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) هو أمر، وإن كان في صورة الخبر، كأنه
~~قال سبحانه: هو آمن في حكم الله وفيما امر به، فكان في ذلك أمر لنا بايمانه
~~NoteV00P192N01 وحظر دمه في مكانه، ألا ترى إلى قوله تعالى: (ولا تقاتلوهم
~~عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ...)
~~NoteV00P192N02، فأخبر بجواز وقوع القتل فيه، وأمرنا بقتل المشركين إذا
~~قاتلونا عنده. قال: ولو كان قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) خبرا، لما جاز
~~ألا يوجد مخبره على ما أخبر به، فثبت بذلك أن قوله سبحانه: (ومن دخله كان
~~آمنا) هو أمر لنا بحقن دمه ونهي لنا عن قتله، ولا يخلو ذلك من أن يكون أمرا
~~لنا: بأن نؤمنه من الظلم والقتل اللذين لا يستحقهما، أو أن نؤمنه من قتل
~~يستحقه بجناية
# PageV00P192
# جناها، فلما كان حمله على الايمان من قتل غير مستحق بل بفعل على وجه
~~العدوان والظلم يسقط فائدة تخصيص الحرم - لان الحرم وغيره في ذلك سواء، إذ
~~كانت الأماكن والبقاع كلها لا تختلف في ذلك احكامها ونحن متعبدون بالمنع من
~~إيقاع الظلم في جميعها، من قبلنا وقبل غيرنا، إذا كان ذلك ممكنا لنا -
~~علمنا أن المراد بذلك الامر بايمانه من قتل مستحق والظاهر يقتضي أن نؤمنه
~~من القتل المستحق بجنايته في الحرم وفي غيره، إلا أن الدلالة قد قامت
~~باتفاق العلماء على أنه إذا قتل في الحرم قتل، وقال تعالى: (ولا تقاتلوهم
~~عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فان قاتلوكم فاقتلوهم)، ففرق تعالى بين
~~الجاني في الحرم، وبين الجاني في غيره إذا لجأ إليه واعتصم به.
# فصل (حكم الجاني خارج الحرم) وقد اختلف الفقهاء فيمن جنى في غير الحرم ثم
~~لجأ إليه، فقال أهل العراق - أبو حنيفة وأصحابه أبو يوسف ومحمد بن الحسن
~~وزفر والحسن ابن زياد اللؤلؤي -: إذا قتل في غير الحرم ثم دخل الحرم ms112 لم
~~يقتص منه ما دام فيه، ولكنه لا يبايع ولا يشارى ولا يطعم ولا يسقى، إلى أن
~~يخرج من هناك فيقتص منه، وإن قتل في الحرم قتل فيه، وإن جنى فيما دون
~~PageV00P193
# النفس في الحرم أو في غيره ثم دخله، اقتص منه فيه NoteV00P194N01.
# وقال أهل المدينة - مالك والشافعي -: يقتص منه في الحرم في ذلك كله.
# وأهل العراق يعتمدون - فيما يذهبون إليه: من ترك قتل من جنى في غير الحرم
~~ثم لجأ إليه - على ما روي عن ابن عباس، وابن عمر، وعبيد بن عمير، وسعيد بن
~~جبير، وعطاء، وطاوس، والشعبي، فيمن قتل ثم لجأ إلى الحرم: انه لا يقتل.
# قال ابن عباس: (ولكنه لا يجالس ولا يؤوى، ولا يبايع ولا يشارى، حتى يخرج
~~من الحرم، فيقتل، فان فعل ذلك في الحرم أقيم عليه الحد فيه)، ولم يختلف
~~السلف ومن بعدهم من الفقهاء، في أنه إذا جنى في الحرم كان مأخوذا بجنايته،
~~ويقام عليه الحد فيما يستحقه من قتل أو غيره.
# واما الجناية فيما دون النفس واخذ الجاني بها - وإن لجأ إلى الحرم -،
~~فإنهم يقيسونها على الدين يكون عليه، فيقولون: ألا ترى أنه لو كان عليه دين
~~فلجأ إلى الحرم حبس به والحبس في الدين عقوبة، لقوله عليه السلام: (لي
~~الواجد يحل عرضه وعقوبته)، وفسر إحلال العرض ههنا: باستحلال دمه، والعقوبة:
~~بالحبس له، فجعل عليه السلام
# PageV00P194
# الحبس عقوبة، وهو فيما دون النفس، فكل حق وجب عليه فيما دون النفس أخذ
~~به، وإن لجأ إلى الحرم، قياسا على الحبس في الدين، وفي ما ذكرناه من ذلك
~~كاف بحمد الله تعالى.
# 20 - مسألة (تارك الحج كافر!) الجواب عن الشبهة في كفر تارك الحج - الكفر
~~معناه التغطية - الصحيح في الجواب - تارك الحج يموت يهوديا أو نصرانيا! -
~~الوعيد في الحج مع القول بجواز تأخيره - ان الله غني عن العالمين.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (.. ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه
~~سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين - 97)، فقال: قد أقام سبحانه ms113 قوله:
~~(ومن كفر) ههنا مقام قوله: (فمن لم يفعل الحج) ومعلوم أن تارك الحج مع
~~اعتقاد الاسلام لا يسمى: كافرا، فما معنى ذلك عندكم؟
# فالجواب: أن في ذلك أقوالا:
# 1 - منها، ما روي NoteV00P195N01: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله
# PageV00P195
# عن معنى هذه الآية: فقال: (هو أن يكون المأمور بفعل الحج إن حج لا يرجو
~~ثوابه وإن جلس لا يخاف عقابه)، فكان معنى هذا أن من لم يعتقد أن الحج مفترض
~~عليه ولازم له فقد كفر، وذلك صحيح.
# 2 - وقال بعضهم: إنما قيل هذا في اليهود، لأنهم جحدوا كون البيت قبلة
~~ومنسكا، وادعوا ذلك لبيت المقدس، فكأنه سبحانه قال: ((ومن كفر) بما أمر
~~الله به من حج الكعبة واتخاذها قبلة (فان الله غني عن العالمين)).
# والصحيح: أن العلماء لم يختلفوا في أن المراد بهذا الكفر ما يكون متعلقا
~~بالحج، فهو كفر مخصوص، واختلفوا من بعد: فمنهم من قال:
# المراد فمن كفر بوجوب الحج عليه، ولم يلتزم ما ألزمه الله سبحانه من
~~فرضه، لان قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) إلزام لهم أن يحجوه، وفرض
~~عليهم أن يقصدوه، وهذه اللفظة يعبر بها عن وجوب الواجبات وفرض المفترضات،
~~أعني: (ولله على الناس)، ونظائرها في القرآن كثيرة تدل على ما قلناه: مثل
~~قوله تعالى: (كتب عليكم) في مواضع عدة NoteV00P196N01، ومعنى ذلك: فرض
~~عليكم، وهو نظير قوله سبحانه: (ولله على الناس)، في أن معناه
~~NoteV00P196N02 ايجاب الامر وإلزام الفعل.
# ومنهم من قال: المراد: ومن كفر فلم يطع الله في الحج وقضاء
# PageV00P196
# النسك، والعلل منزاحة، والشرائط متكاملة، ولا عذر يقطع، ولا حاجز يمنع.
# 3 - وقال بعضهم: معنى ذلك من كفر بالآيات التي تقدم ذكرها من قوله تعالى:
~~(فيه آيات بينات).
# 4 - وقال بعضهم: ومن كفر ههنا محمول على أصله في اللغة، لان الكفر في
~~الأصل هو: التغطية، ومنه سمي الدارع كافرا، لتكفره بالدرع أي: تغطيه، فكأنه
~~تعالى قال: ومن غطى كونه مستطيعا لحجه وكتم هذه الحالة من نفسه، ليجعلها
~~سببا للقعود ms114 عن الحج وأداء الفرض، (فان الله غني عن العالمين).
# وفي هذا الوجه بعد وتعسف، فالصحيح من الوجوه ما ذكرناه أولا، وقد ثبت أن
~~المصدق بوجوب الحج وبسائر العبادات وصحة النبوة والشريعة لا يجعل
~~NoteV00P197N01 كافرا بألا يحج، كما (لا 2) يكفر بألا يفعل سائر العبادات
~~الواجبة عليه، فيجب حمل الكفر ههنا على الجاحد بوجوب الحج، أو بايجاب
~~الرسول صلى الله عليه وآله له، لان ذلك معلوم من دينه اضطرارا، فمن جحده
~~NoteV00P197N03 صار مكذبا له، فيكفر من هذا الوجه.
# * * * فان قال قائل: فما المعنى فيما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من
~~قوله: (من
# PageV00P197
# مات ولم يحج غير عذر فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا)؟.
# قيل له: إن الاكفار لا يصح الحكم به والقطع عليه بأخبار الآحاد، إذ كانت
~~ضعيفة السند واهية العمد، لان الكافر إنما يوصف بذلك لاستحقاقه قدرا من
~~العقاب عظيما، ومقادير العقاب لا تثبت إلا بأدلة قاطعة وحجج ظاهرة. ومع
~~ذلك، فلهذا الحديث - إن صح - تأويل يمكن اجراؤه عليه وحمله على معناه،
~~فنقول: إن الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله في ذلك لابد أن يريد
~~به تشبيه من مات ولم يحج، باليهودي والنصراني، لان بترك الحج لا يصير
~~يهوديا ولا نصرانيا على الحقيقة، وهذا معلوم باضطرار، فإذا صح فالمراد به
~~تغليظ العقوبة لتارك الحج. ويحتمل أن يريد به من مات ولم يحج وهو منكر
~~لوجوب الحج، لأنه في استحقاق العقوبة يقارب حاله حال اليهود والنصارى.
# فان قال: كيف يصح الوعيد في الحج مع القول بجواز تأخيره NoteV00P198N01؟.
~~قيل له: إنما يصح ذلك إذا كان المرء لا يحج ولا يأتي بالعزم على الحج بدلا
~~منه، فأما إذا فعل العزم بدلا من الحج فلا حرج عليه، ما لم ينته إلى حد
~~تظهر فيه عنده أمارات الضعف ودلائل العجز، ويعلم أنه متى أخر الحج فاته،
~~فان عند ذلك يلزمه التقديم ولا يسوغ له التأخير.
# PageV00P198
# فأما قوله تعالى: (فان الله غني عن العالمين) فإنما يريد به تعالى:
# إعلام ms115 عباده أن تكليفهم العبادات وأمرهم بالطاعات، لامر يعود عليهم نفعه
~~وتعمهم فائدته: من التعريض لمنازل الثواب، والعصمة من من نوازل العقاب، لا
~~لامر له تعالى فيه منفعة، لان الحاجة تستحيل عليه، والمنافع والمضار لا تصل
~~إليه، وعلى ذلك قوله تعالى: (إن الذين اشتروا الكفر بالايمان لن يضروا الله
~~شيئا.. الآية) NoteV00P199N01، والله تعالى غني لنفسه لا يلحقه نفع بطاعة
~~ولا ضرر بمعصية، وإنما أراد سبحانه أن يبين للعبد أنه إنما كلفه لمنافعه،
~~وأجراه في مضمار تعبده لمصالحه، فان أحسن القيام بما كلف كان محسنا إلى
~~نفسه، وإن أخل بالواجب عليه من ذلك لم يضر إلا نفسه، من حيث حرمها الثواب
~~وجر عليها العقاب، وهذا واضح في المعنى الذي ذكرناه بحمد الله تعالى.
# PageV00P199
# 21 - مسألة (اتقوا الله حق تقاته) الجواب عن شبهة التكليف بما لا يطاق -
~~القول بنسخ الآية بآية أخرى - ابطال القول بالنسخ ومن سأل عن معنى قوله
~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم
~~مسلمون - 102)، فقال:
# كيف امرهم تعالى بأن يتقوه حق تقاته، وذلك داخل فيما لا يستطاع، وأنتم
~~تقولون: إنه تعالى لا يكلف عباده ما يخرج عن الوسع ويفصل عن الطوق؟، فما
~~مخرج الكلام عندكم؟
# فالجواب: أن في ذلك أقوالا كلها تخرجه NoteV00P200N01 تعالى عن أن يكون
~~مكلفا فوق الطاقة، وآمرا بغير الاستطاعة:
# 1 - فمنها، قول بعضهم: إن معنى ذلك اتقوا الله في القيام بأداء ما فرض
~~عليكم، واستعملت به أبدانكم وجوارحكم.
# 2 - وقال بعضهم: (اتقوا الله حق تقاته) على مقدار طاقتكم وغاية ما تصلون
~~إليه باجتهادكم.
# PageV00P200
# 3 - وقال بعضهم: (معنى ذلك: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى)
~~NoteV00P201N01، ومعنى ذلك أن يذكر عند أوامره فتفعل، وعند نواهيه فتترك،
~~(لا أن) NoteV00P201N02 العبد مأخوذ بذكره تعالى ابدا، فان ذلك غير مستطاع،
~~لان الغفلات تخلله، والشهوات تتوسطه، والنوم والاغماء وما في معنى ذلك من
~~الأمراض تحول دونه.
# 4 - وقال بعضهم: المراد بذلك: التوكيد، كقوله تعالى:
# (وإنه لحق اليقين) NoteV00P201N03، وكقول القائل: (هو ms116 الرجل حقا)، إلى
~~غير ذلك 5 - وقال بعضهم: هذا القول على سبيل التغليظ وطريق التشديد،
~~ليهابوا بلوغ أدنى حدود المعصية، ويقفوا عند أول مراتب السيئة، كما روي عن
~~بعض الصالحين. أنه قال: (اجعل بينك وبين الحرام حاجزا من الحلال، فإنك متى
~~استوفيت جميع الحلال تاقت نفسك إلى فعل الحرام، وإذا كثرت الزواجر كانت على
~~المعاصي أردع، والى فعل الطاعات أحوش NoteV00P201N04 وأجذب).
# 6 - وقال بعضهم: لما قال تعالى: (اتقوا الله حق تقاته) كان في الآية دليل
~~على أنه لم يأمرهم إلا بما لهم السبيل إليه، وفيهم القوة
# PageV00P201
# عليه، غير ممنوعين من فعله، ولا محمولين على خلافه، وأنه لو أمرهم بما لا
~~سبيل لهم إلى فعله، لجاز أن يأمرهم بنزح مياه البحار، ونقل صخور الجبال،
~~والعروج إلى السماء والطيران في الهواء، ويكلف الأعمى الابصار، والأصم
~~الاستماع، والمقعد القيام، والمنقوص التمام، وهذه صفة لا تليق بالله
~~سبحانه، لأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها وإلا دون الطاقة منها NoteV00P202N01.
# 7 - وقال بعضهم: (إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:
# (فتقوا الله ما استطعتم...) NoteV00P202N02، وبقوله تعالى: (لا يكلف الله
~~نفسا إلا وسعها..) NoteV00P202N03 و (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها...)
~~NoteV00P202N04). وأنكر أبو علي الجبائي وأبو القاسم البلخي ذلك، وعظما خطأ
~~قائله، وقال أبو علي خاصة: (لا يجوز أن يكون ذلك منسوخا، لان نسخ مثل هذا
~~لا يكون إلا بأن يبيح تعالى للناس NoteV00P202N05 أن يفعلوا بعض المعاصي،
~~وهذا مما لا يجوز عليه تعالى، والذي حمل القائل بهذا على قوله، ظنه أن
~~الناس غير قادرين على أن يتقوا الله حق تقاته، وهذا جهل عظيم ممن ظنه، لان
~~من جانب جميع NoteV00P202N06 ما نهاه الله عنه فقد اتقى الله حق تقاته، ولا
~~يجوز أن يكون أحد لا يقدر
# PageV00P202
# على أن يتقي NoteV00P203N01 جميع ما نهي عنه عنه من المعاصي، ومعنى
~~الآيتين معنى واحد، لان من اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته، لأنه
~~تعالى لا ينهى أحدا عما لا يقدر على فعله وعلى ms117 تركه، ومتى لم يشترط
~~الاستطاعة نطقا فهي مشروطة عقلا).
# وأما أبو القاسم فإنه أنكر أن يكون في السلف من قال بذلك، واحتج بما روي
~~عن معاذ بن جبل: (أن النبي صلى الله عليه وآله قال له: هل تدري ما حق الله
~~على العباد؟ هو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا) قال:
# وليس ذلك مما يجوز أن ينسخ، فكذلك الآية.
# وقال بعضهم: جائز أن يكون ذلك منسوخا، بأن يكون المراد بقوله تعالى: (حق
~~تقاته) القيام بحقوق الله تعالى في حال الخوف والأمن، وترك التقية فيهما
~~على كل وجه، ثم نسخ ذلك في حال التقية والاكراه، وبقي في حال الامن
~~والاختيار، ويكون معنى قوله تعالى في الآية الأخرى: (ما استطعتم)، أي:
~~اتقوه فيما لا تخافون فيه على أنفسكم: من المشاق العظيمة والآلام المتلفة،
~~لأنه قد يطلق نفي الاستطاعة فيما يشق على الانسان فعله، كقوله تعالى:
~~(وكانوا لا يستطيعون سمعا) NoteV00P203N02، وإنما المراد بذلك المبالغة في
~~ذكر المشقة، كما يقول القائل: (ما أستطيع أن أرى فلانا)، عبارة عن بلوغ
~~الغاية في البغضاء له والازورار عنه). وقد كررنا هذا المعنى في عدة مواضع.
# من كتابنا هذا.
# PageV00P203
# وقال قاضي القضاة أبو الحسن - حرسه الله -: قد جوز بعضهم دخول النسخ في
~~ذلك، بأن يكون الاتقاء اللازم مغلظا، فيخفف عنهم، ويكون المراد بحق تقاته
~~التشديد والتغليظ عليهم، والمراد بقوله تعالى:
# (فاتقوا الله ما استطعتم)، أي: بقدر ما تطيقونه ولا يجحف بكم، ويكون ذلك
~~مطابقا لقوله تعالى: (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم...)
~~NoteV00P204N01، كناية عن تسهيل التكليف وتحميل العبء الخفيف، وعلى ذلك
~~قوله عليه السلام: (بعثت بالحنيفية السمحة).
# قال: وهذا القول بعيد، لان الذي يجب أن يتقي NoteV00P204N02 - إذا كانت
~~حاله ثابتة كحاله أولا - لم يجز أن يختلف التكليف فيه بالتثقيل مرة
~~وبالتخفيف تارة، وليس ذلك كالنسخ، لان النسخ يسقط وجوب أشياء كانت واجبة من
~~قبل، فالنسخ إذن يكون داخلا في هذه الواجبات، لا في الاتقاء، كما لو نقص من
~~الصلاة والواجبة بعضها، (و 3) لم يكن ms118 النسخ داخلا في الايمان
~~NoteV00P204N04، وإنما يدخل في هذا الفرض خاصة. وبعد، فان الذي قاله زيادة
~~على الظاهر، لان قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) و (حق تقاته) لا
~~يفهم منها بحكم العقل إلا مراد واحد، فلا يجوز اذن دخول النسخ فيما هذه
~~حاله، ولا وجه لحمل ذلك على التوكيد، وله مساغ في زيادة فائدة
# PageV00P204
# فان قيل: فما تلك الزيادة التي وقع الايماء إليها، قيل: إن الاتقاء في
~~التحقيق هو اتقاء العقاب بفعل الطاعات واجتناب الموبقات وقد علم أن الزيادة
~~والنقصان في ذلك ممكنان، لان المتقي قد يتقي الأقل، وقد يتقي الأكثر وقد
~~يتقي الكل من غير استظهار NoteV00P205N01، وقد يتقي الكل على طريق
~~الاستظهار، فإذا صح ذلك صح التزايد فيه، وما يصح فيه التزايد يجب أن يحمل
~~على أن المراد به بلوغ النهاية، فيما يمكن من الاتقاء والاخذ فيه بوثيقة
~~الاستظهار.
# فصل (ولا تموتن الا وأنتم مسلمون) فأما قوله تعالى - في عجز هذه الآية -:
~~(ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) فقد استوفينا الكلام في معناه عند ذكرنا قوله
~~تعالى: (إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون - 132) في
~~البقرة، إلا أنا نذكر منه ههنا لمعة ساطعة، ونطفة ناقعة NoteV00P205N02،
~~لئلا يخلو هذا الموضع من إزاحة العلة وكشف قناع الشبهة، فنقول:
# PageV00P205
# إن لفظ النهي في الظاهر واقع على الموت، والمعنى واقع على الامر بالإقامة
~~على الاسلام، أي: دوموا على الاسلام، فإذا ورد عليكم الموت صادفكم على هذه
~~الحالة، وإنما جاز هذا لأنه لا لبس في الكلام، إذ كان معلوما أنهم لا ينهون
~~عما ليس من فعلهم، وإنما يتوجه النهي إلى المعنى الذي هو في مقدورهم.
# وتلخيص ذلك: أن المرء قد كتم عنه اجله، لما في كتمانه من المصلحة له، فهو
~~لا يعرف متى تكون منيته؟، وعلى أي جنب صرعته؟، فإذا ثبت ذلك صار تعالى كأنه
~~ألزمه في كل حال أن يكون مسلما، من حيث لا يأمن في كل حال أن يموت عبطة
~~NoteV00P206N01 أو هرما. وأيضا، فان من جملة ms119 كمال إسلام المرء التوبة،
~~واستدراك الذنوب الفارطة فكأنه سبحانه ألزمه - مع التمسك بفرائض الوقت
~~وطاعاته، واجتناب محارمه (2) ومقبحاته - استدراك الماضي بالتوبة، لكي لا
~~يموت إلا وهو مقطوع باسلامه، غير مشكوك في إخلاصه، وما ذكرناه من ذلك كاف
~~بحمد الله.
# PageV00P206
# 22 - مسألة (والى الله ترجع الأمور) كيف ترجع الأمور إلى الله تعالى
~~ولازم ذلك خروجها أولا! - الجواب عن الشبهة - معنى آية (وجعلكم ملوكا) -
~~الاعتقاد الذي سبب الغلو بالبشر والأصنام - أصل الرجوع لغة - وجهان في
~~الجواب للمؤلف ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (ولله ما في السماوات وما في
~~الأرض وإلى الله ترجع الأمور 109) فقال: ما معنى رجوع الأمور إليه، وهي غير
~~خارجة عن سلطانه وقدرته، وتقلب العباد جميعا في قبضته وملكته (1)!، وهذا
~~يدل على أن الأمور تخرج عن تدبيره، حتى يصح أن توصف بالرجوع إليه بعد
~~الخروج عنه.
# فالجواب: أنا قد ذكرنا في ما تقدم من كلامنا في السورة المتقدمة ما يكشف
~~عن المراد بهذا القول عند اعتراض ما يقتضيه، إلا أننا نورد منه ههنا ما
~~يكون أنقع للغلة وأكشف للشبهة بمشيئة الله، فنقول: قد قال العلماء في ذلك
~~أقوالا:
# 1 - منها، أن الله تعالى ملك الناس في دار التكليف أمورا
# PageV00P207
# تملكوها ووصفوا بالملك لها، وسمى تعالى بعضهم: ملوكا على هذا المعنى،
~~فقال تعالى: (اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا...)
~~NoteV00P208N01، قال بعض المفسرين:
# (معنى ذلك: انه جعلكم تملكون أمركم، لا يغلبكم عليه غالب، ولا يحول بينكم
~~وبينه حائل)، وقال بعضهم: (معنى ذلك: أنه جعل لكم من الأحوال والأموال ما
~~لا تحتاجون معه إلى سؤال الناس)، وقال بعضهم: (جعلكم ذوي منازل لا يدخل
~~عليكم فيها إلا باذن، والمعنى راجع إلى ملك الامر).
# فإذا ثبت ما قلنا: من صفة كثير من المخلوقين بتملك الأمور في دار
~~التكليف، جاز أن يقال - عند تقوض هذه الدار وانتقال هذه الأحوال -: إن
~~الأمور كلها رجعت إلى الله تعالى في الآخرة، بمعنى:
# أنها صارت إلى حيث لا يملكها مالك غيره، ولا يحكم فيها ms120 حاكم سواه، كما
~~كان تعالى قبل أن يخلق خليقته، ويبرئ بريئته، ولا مالك للأمور غيره، فرجعت
~~الحال بعد انقضاء التكليف إلى حيث كانت قبل ابتداء التكليف، وصار الامر في
~~الانتهاء مثله في الابتداء.
# 2 - وقال بعضهم: لما كانت الأمور بعد انقضاء الدنيا متقضية ذاهبة
~~ببطلانها وتلاشيها وتقوض مبانيها، وكان الله تعالى يعيدها للجزاء على
~~الاعمال، والأعواض على الآلام، جاز أن توصف بأنها ترجع إليه تعالى، لما
~~أعادها بعد التقضي، واستأنفها بعد التولي
# PageV00P208
# 3 - وقال بعضهم: (معنى (والى الله ترجع الأمور):
# تؤول إلى علم الله تعالى، إذ كان قد علم مصائرها ومصادرها، وإلام ترجع
~~رواجعها وأواخرها، فكأنها رجعت إلى ما كان علم تعالى أنها ترجع إلى عاقبته،
~~وتجري إلى غايته) وفي هذا القول وعيد للمكلفين، معناه:
# أنكم إذا علمتم أنه تعالى يعلم عواقب الأمور، وإلام تصير وتؤول، فاتقوا
~~أن توافوه بمعاصيكم، وتلقوه وقد أقدمتم على ما حظره عليكم.
# 4 - وقال بعضهم: معنى ذلك: أن إليه مصير الأمور، يريد تعالى أنه يجازي
~~عليها بالخير ثوابا وبالشر عقابا، لان ذلك مما لا يملكه إلا هو سبحانه.
# 5 - وقال بعضهم: معنى ذلك: أن الناس في دار التكليف ربما اعتقد بعضهم في
~~بعض - على سبيل الاغترار - أنه يملك الضر والنفع والاعطاء والمنع،
~~بانفراده، من غير أن يكون الله تعالى وهو الذي أقدره وملكه وخوله وموله،
~~حتى أن هذا الاعتقاد غلا ببعضهم (إلى أن) NoteV00P209N01 عبد البشر ضلالا
~~وغيا وعمى وعمها، وربما تجاوز بعضهم تعظيم من يعتقد فيه مثل ذلك من الناس
~~إلى اعتقاد مثله في الأصنام والأوثان والصخور والجماد، فاعتقد - لعدوله عن
~~طريق المعقول ومخالفته نهج الدليل - أنها تملك النفع والضر، وتقسم الرزق
~~والأجل، وعلى ذلك مخرج قول إبراهيم (ع) لأبيه - لما ذهب فيها إلى هذا
~~الاعتقاد -: (يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا)
~~NoteV00P209N02،
# PageV00P209
# وقوله في موضع آخر: (أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم)
~~NoteV00P210N01، فلدخول الشبهة على الطوائف التي ذكرناها (كانوا)
~~NoteV00P210N02 يضيفون ms121 أفعال الله تعالى إلى غيره، ويخلعون صفاته على خلقه،
~~فإذا انحسر قناع الشك، وانكشف غطاء الرأس، واضطر الناس إلى المعارف، وارتفع
~~تكليف المكلف، وتقوض بناء الدنيا، وانقطعت أعمال الورى - علم الجميع أن لا
~~خالق إلا الله تعالى:
# يضر وينفع ويعطي ويمنع، فانتهت إليه الرغبات، وانقطعت من غيره الآمال
~~والأطماع، وعلم أن رجاء غيره غرور، والمشير إلى سواه مغرور، فجاز أن يقول
~~تعالى على هذا المعنى: (والى الله ترجع الأمور).
# 6 - وقال بعضهم: معنى ذلك: أن الأمور كلها في ملكه، وتصريفها على مشيئته،
~~ومن غير أن يكون هناك على الحقيقة خروج عنه، فيكون رجوع إليه، وعلى هذا
~~قولهم: (قد رجعت في فلان أشباه أبيه)، أي: خرج إليه في محاسن خلقه، أو في
~~كرائم خلقه، وليس يريد القائل لذلك أن أمرا كان هناك فانتقل ثم رجع، وفقد
~~ثم وجد، وإنما مراده ما ذكرناه، ومثل ذلك قول القائل: (قد رجع على فلان عتب
~~من فلان، وعاد عليه من جهته لوم) يريد: اصابه منه عتب ولوم لا غير، إذ كان
~~ذلك واقعا على سبيل الابتداء، ومثله قول الشاعر NoteV00P210N03:
# PageV00P210
# فان تكن الأيام أحسن مرة * إلي فقد عادت لهن ذنوب ومعنى ذلك: أن الأيام
~~أساءت إلى بعد احسان، ونقصتني بعد تمام، لا أنه أراد أن الأيام كن أذنبن
~~إلي ونزعن ثم عاودن ورجعن، فكيف يظن به ذلك، وقد ذكر أن إحسانها كان
~~متقدما، وإنما جاء ذمها متأخرا.
# والصحيح في ذلك: أن أصل الرجع والرجوع - في اللغة -: إنما هو انعطاف الشئ
~~إليك، وانقلابه نحوك، لا أنه كان عندك ففارقك، ثم رجع إليك، وإنما استعمل
~~في المعنى الأخير مجازا، وحقيقته ما ذكرناه، وفي كلامهم الرجعة: المرة
~~الواحدة، ومن ذلك قولهم: رجعت إليه القول، أي: خاطبته وصرفت قولي إليه;
~~ويقولون: هل جاءتك رجعة كتابك ورجعانه اي جوابه، وقال الشاعر
~~NoteV00P211N01:
# كأن من عسل رجعان منطقها * إن كان رجع كلام يشبه العسلا قال تعالى: (أفلا
~~يرون أن لا يرجع إليهم قولا...) NoteV00P211N02 وكل ذلك يدل على المعنى
~~الذي قلناه. ms122
# PageV00P211
# 7 - وقال بعضهم: يجوز أن يكون المراد بذلك أن المقدورات تعود إلى قدرته،
~~لان ما أفناه من مقدوراته الباقية NoteV00P212N01: كالجواهر والاعراض
~~الباقية، يصح منه تعالى إعادته بعد توليه، وإيجاده بعد تقضيه، لأنه يرجع
~~إلى قدرته NoteV00P212N02، وإن كان ذلك يمتنع في مقدورات البشر، وإن كانت
~~باقية، لما دل عليه الدليل من اختصاص مقدور القدر NoteV00P212N03 باستحالة
~~العود إليها، من حيث لم يجز فيها التقديم والتأخير (4)، وهذا الحكم أيضا
~~ينفرد به تعالى من سائر القادرين (5).
# 8 - وعندي في ذلك وجه آخر، وهو: أنه يجوز أن يكون المراد بقوله تعالى:
~~(والى الله ترجع الأمور) ما تعبد العباد به من الاستثناء بمشيئة الله
~~تعالى، في كل امر عزموا على فعله في المستقبل، وعلى هذا
# PageV00P212
# قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشئ إني فاعل
~~ذلك غدا. إلا أن يشاء الله..﴾ (1)، ومعنى الاستثناء بالمشيئة: رد
~~الأمور إلى الله تعالى تطامنا لعظمته، واحتياجا إلى معونته، والتجاء إلى
~~حوله وقوته.
# 9 - وقد يجوز أيضا أن يكون معنى ذلك الاتكال على الله سبحانه في الأمور،
~~والتفويض إليه في الخطوب، كما يقول القائل: قد رددت أمري إلى الله توكلا
~~عليه، وانقطاعا إليه، فقوله رددت أمري إلى الله، كقوله: رجعت أمري إلى
~~الله، ومعنى (والى الله ترجع الأمور) كمعنى والى الله ترد الأمور. فهذان
~~الوجهان لم أعثر بهما لاحد ممن تقدم.
# فصل (إقامة الظاهر مقام المضمر في الآية) قال قائل: ما معنى تكرير اسم
~~الله تعالى في هذه الآية، وكان ذكره في الموضع الأول يغني عن إعادته فيما
~~بعد، وكان وجه الكلام إن يقول تعالى: (ولله ما في السماوات وما في الأرض
~~واليه ترجع الأمور)؟!
# قيل له. إنما أعيد اسم الله تعالى ههنا للتفخيم والتأكيد، ومن عادة العرب
~~إذ أجروا ذكر الآمر، يعتمدون تفخيمه ويقصدون
# PageV00P213
# تعظيمه، بأن يعيدوا لفظه مظهرا غير مضمر، إذا كان الاضمار يطأطئ من الاسم
~~ويضائله، بقدر ما يرفع منه الاظهار ويفخمه، وعلى ذلك قول الشاعر
~~NoteV00P214N01:
# لا أرى الموت يسبق الموت شئ ms123 * نغص الموت ذا الغنى والفقيرا فلو قال:
~~يسبقه شئ، لكان مستقيما NoteV00P214N02 ولكنه أعاد الاسم تفخيما، ولم يرض
~~أن ثنى ذكره حتى ثلثه، مبالغة في الغرض الذي رماه، والمعنى الذي نحاه، ومثل
~~ذلك قول أبي النشناش النهشلي NoteV00P214N03 فعش معدما أو مت كريما فإنني *
~~أرى الموت لا ينجو من الموت هاربه وقال أبو الحسن الأخفش: (وهذا كقولهم:
~~أما زيد فقد ذهب زيد)، وقد تقدم ما حكيناه عن شيخنا أبي الفتح النحوي من
~~كلامه في قوله تعالى: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على
~~الذين ظلموا رجزا من السماء.. الآية) NoteV00P214N04، وهو قوله: (إنما كرر
~~تعالى ذكر الذين ظلموا، ولم يقل: وأنزلنا عليهم لان ذلك أشد مبالغة في
~~ذمهم، وأدخل في باب التفحيش لذكرهم، ولان إظهار اسم المستحق للعقاب مع
~~الاخبار بوقوعه به، أبلغ من إضماره، وأجدر بخوف الخائف من مشاركته في وجه
~~استحقاقه).
# وفي الجملة فالمظهر أفخم من المضمر، وينبغي ألا يوضع اسم الله إلا مواضع
# PageV00P214
# التفخيم، ومظان التعظيم، فلذلك حسن تكريره في هذه الآية، لان قوله تعالى:
~~(والى الله ترجع الأمور) دال على عظم ملكه وقوة سلطانه، وذلك موضع تفخيم،
~~فحسن فيه التكرير، وليس ذلك نظير قول الشاعر في البيت الذي تقدم ذكره، وهو
~~قوله: (لا أرى الموت يسبق الموت شئ)، لان هذا الشعر مفتقر إلى الضمير،
~~والآية مستغنية عنه، وإنما احتاج إليه البيت، لان الخبر الذي هو جملة لا
~~يتصل بالمخبر عنه إلا بضمير يعود إليه، فقد فارق الآية من هذا الوجه.
# وقال بعضهم إنما حسن التكرير في ذلك لان قوله تعالى: (ولله ما في
~~السماوات وما في الأرض) خبر مكتف بنفسه، وقوله: (والى الله ترجع الأمور)
~~خبر آخر مفارق للأول، فلذلك حسن التكرير في الخبرين، لان كل واحد منها
~~مستقل بنفسه، وغير محتاج إلى غيره، وفي ما ذكرناه من ذلك كاف بتوفيق الله.
~~PageV00P215
# 23 - مسألة (كنتم خير أمة) وجه الكلام أن يقول: (أنتم خير أمة)! - الجواب
~~عن ذلك - معنى الكنتي - زيادة كان - لكان أربعة ms124 مواضع.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف
~~وتنهون عن المنكر.. الآية - 110)، فقال: فحوى هذا الكلام يدل على فعل ماض،
~~ووصف متقض، أفتقولون: إن هذا الثناء الجميل والمدح الجليل من الله سبحانه
~~لهذه الأمة منقطع بانقطاع سببه، أم مستمر باستمرار موجبه؟ فإن كان مستمرا
~~فما معنى قوله تعالى (كنتم)، وهو يدل على حال تغيرت وصفة انتقلت!
# وإنما كان وجه الكلام أن يقول: (أنتم خير أمة أخرجت للناس) ليدل تعالى
~~بذلك على أن سبب المدح باق لم يزل، ولازم لم ينتقل.
# فالجواب: أن في ذلك أقوالا NoteV00P216N01:
# PageV00P216
# 1 - أحدها، أن يكون معنى (كنتم) ههنا معنى الحدوث والوجود فكأنه تعالى
~~قال: خلقتم أو وجدتم خير أمة NoteV00P217N01، وذلك كقوله تعالى:
# (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة...) NoteV00P217N02 أي: فان وجد أو وقع
~~أو حدث ذو عسرة، ويسمي النحويون هذه: كان التامة، لأنها لا تحتاج إلى خبر،
~~وعلى ذلك قول الشاعر في بعض الروايات NoteV00P217N03:
# إذا كان الشتاء فأدفئوني * فان الشيخ يهدمه الشتاء أي: إذا حدث ووقع،
~~ومثل ذلك قول الرجل: قد كان ما خفت أن يكون، بمعنى قد حدث ووقع، وليس يريد
~~أنه قد مضى وانقطع، وهذا أكشف عن هذا المعنى 2 - وقال بعضهم
~~NoteV00P217N04: معنى (كنتم خير أمة)، أي:
# كنتم عند الله في اللوح المحفوظ على هذه الصفة، لتقدم علم الله فيكم
~~بذلك.
# 3 - وقال بعضهم: أراد تعالى: كنتم على هذه الصفة في الكتب المتقدمة، فلا
~~تخالفوا ذلك وحققوه بأفعالكم، ليكون أوكد لحجتكم على أعدائكم من أهل الكتاب
~~الذين وجدوا في كتبهم صفاتكم فان خالفتم تلك الصفات وأخلفتم العدات، وجد
~~الطاعن مطعنا والغامز مغمزا.
# PageV00P217
# 4 - وقال أبو مسلم بن بحر: (قوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) يحتمل
~~وجهين: أحدهما، أن يكون معناه صرتم خير أمة بأمركم بالمعروف، ونهيكم عن
~~المنكر. والوجه الآخر أن يقدر هذا القول تابعا لقوله تعالى: (وأما الذين
~~ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون 107)، فكأنه تعالى قال: ويقال
~~لهم ms125 - عند مصيرهم إلى الرحمة والخلود في الجنة -: كنتم في دنياكم خير أمة
~~أخرجت للناس، فاستحققتم الآن ما أنتم فيه من عظيم الرحمة ودوام النعمة،
~~ويكون ما عرض بين أول القصة وتمامها، كما لا يزال يعرض في القرآن من نظائر
~~ذلك وأمثاله).
# فأقول: إن قوله في الوجه الأول: (معنى (كنتم خير أمة) اي صرتم خير أمة)
~~ففيه بعد شديد عن سنن فصاحة اللسان العربي، وذلك أن (كان) بمعنى صار وإن
~~استعملت NoteV00P218N01 على بعض الوجوه، فليس بالفصيح الجيد ولا يحمل
~~القرآن إلا على اللغة الفصحى والطريقة المثلى.
# فأما الوجه الآخر الذي ذكره، ففيه فضل تعسف واستكراه وإن كان اصلح من
~~الوجه الأول على كال حال.
# 5 - وقال بعضهم: إنما قال تعالى: (كنتم خير أمة) لما كان يسمع به من
~~الخبر الكائن في هذه الأمة على سبيل البشارة بذلك قبل كون الأمة. وهذا
~~المعنى يشبه قول من قال: إن معنى ذلك أنكم كنتم عند الله بهذه الصفة، أو في
~~اللوح المحفوظ، أو في كتب الأنبياء
# PageV00P218
# المتقدمة، لأن هذه المعاني كلها ترمي إلى غرض، وتجري إلى أمد، ويروى هذا
~~القول عن الحسن البصري، وكان يقول:
# (نحن آخرها وأكرمها على الله)، ومثل ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه
~~وآله أنه قال: (أنكم تتممون NoteV00P219N01 سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها
~~على الله عز وجل، فهو موافق لمعنى (أنتم خير أمة)، إلا أنه تعالى قال:
~~(كنتم) لتقدم البشارة بهذا الحال.
# 6 - وقد روي عن الحسن أيضا: أنه كان يقول: (هكذا والله كانوا مرة)، وبعض
~~المسلمين كان يقول: (أعوذ بالله أن أكون كنتيا)، أي: ممن يقال له: كنت تفعل
~~الخير فيما مضى NoteV00P219N02، لان ذلك دليل على ترك فعله في المستقبل،
~~فهدا القول الأخير المروي عن الحسن يدل على أنه ذهب إلى أن حال القوم تغيرت
~~في المستقبل، وكانت في الماضي على السنة NoteV00P219N03 المحمودة، والطريقة
~~السديدة، وهذا معنى قوله:
# (هكذا والله كانوا مرة).
# إلا أن الامر إذا بين حق التبيين، وجد غير مطابق لما ms126 ذهب إليه الحسن، لان
~~هذا الخطاب إنما خوطب به المؤمنون في زمن النبي صلى الله عليه وآله
# PageV00P219
# المتمسكون بأديانهم، وهو دال مع هذه الحال على صفة حال متقدمة، والسؤال
~~مبني على ذلك، واختلاف العلماء إنما هو في التأول لهذا الخطاب، وكيف يصح
~~فيه لفظ (كنتم)، والمراد به المؤمنون الحاضرون، وهم مقيمون على ايمانهم،
~~متمسكون بأديانهم!، وقول الحسن: (هكذا كانوا مرة) يشير إلى أن الحال تغيرت
~~في زمانه، وأنها كانت على المحمود منها قبل ذلك، ومفهوم الخطاب يخالف هذا
~~القول، لأنه كما ذكرنا يدل بظاهره على مثل ما ذهب إليه الحسن في أيام
~~الرسول صلى الله عليه وآله، وليس هذه الآية نازلة على عهد الحسن فيصح ما
~~قاله من أن القوم كانوا أولا على صفة تغيرت وانتقلت على عهده، فاذن التخليط
~~ناطق من أثناء هذا القول المروي عنه. وعندي أن الصحيح عنه ما ذكرناه امام
~~هذا القول، وإلا فلم يكن يذهب عليه مثله، مع نفاذ بصيرته، وثقوب معرفته،
~~والأولى أن تنسب مثل هذه التخاليط إلى الرواة والناقلين، لا إلى العلماء
~~المحققين.
# 7 - وقال بعضهم: NoteV00P220N01: (معنى ذلك: أنتم خير أمة أخرجت للناس)،
~~وذلك كقوله تعالى: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض...)
~~NoteV00P220N02، وقال سبحانه في موضع آخر:
# (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم...) NoteV00P220N03 فالمعنيان
# PageV00P220
# واحد، إلا أن دخول (كان) في بعض المواضع يفيد الاستمرار على الحال
~~المذكرة، وذلك كقوله تعالى: (وكان الله غفورا رحيما)، فأفاد هذا القول من
~~استمراره تعالى على الغفران والرحمة ما لا يفيده لو كان بدلا منه (والله
~~غفور رحيم). ومما استشهدوا به على وقوع (كان) ملغاة في الكلام لا حكم لها
~~قول الشاعر NoteV00P221N01:
# فكيف إذا رأيت ديار قوم NoteV00P221N02 * وجيران لنا - كانوا - كرام
~~وقالوا: المراد بذلك: وجيران لنا كرام، لا غير، وأنشدنا شيخنا أبو الفتح
~~النحوي في مثل ذلك NoteV00P221N03:
# سراة بني أبي بكر تسامى * على - كان - المسومة العراب وأنشدنيه الشيخ أبو
~~الحسن علي بن عيسى النحوي: (على كان المسومة الجياد)، وقال لي في القراءة ms127
~~عليه: إن لكان أربعة مواضع: أحدها أن تكون مستقلة بالفاعل غير مفتقرة إلى
~~الخبر، نحو: كان الامر، أي حدث ووقع. والثاني، أن تكون ممنوعة من الحديث
~~مفتقرة إلى الخبر، نحو: كان زيد منطلقا، ويكون عمرو شاخصا.
# والثالث، أن تكون زائدة، مثل قولهم: زيد - كان منطلق، وما - كان - أحسن
~~زيدا، أي ما أحسن زيدا، كقول الشاعر: (وجيران لنا كانوا كرام) إذا لم تجعل
~~(لنا) الخبر، وجعلته صفة (جيران)، كأنك
# PageV00P221
# قلت: (وجيران لنا كرام كانوا). والرابع، أن تكون كصار، تقول: كان زيد
~~منطلقا، أي صارت حاله هذه، تريد: هو الآن كذا، لا فيما مضى، وأنشد قول
~~الشاعر NoteV00P222N01:
# بفيفاء قفر والمطي كأنها * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها يريد: صارت
~~فراخا.
# قلت أنا: والصحيح في رواية هذا البيت (قد صارت فراخا بيوضها)، وإنما غير
~~ليوافق الاستشهاد، فلأجل ذلك ضعف هذا القسم من بين أقسام (كان).
# 8 - وقال بعضهم: معنى ذلك: كنتم مذ كنتم خير أمة (خير أمة)
~~NoteV00P222N02 أخرجت للناس، فيجري ذلك مجرى قول الرجل للرجل - وقد نازعه
~~في تقدم نباهته وأشار إلى قرب العهد برئاسته -: (ما كنت مذ كنت إلا نبيها
~~ورئيسا)، فكذلك معنى الآية: (لم تزالوا خير أمة وكنتم مذ كنتم خير أمة)،
~~فكان المعنى أنكم معروفون بهذا الوصف الجميل، والمدح الشريف، مذ كنتم لا أن
~~هناك حالا انتقلت، ولا صفة تغيرت.
# PageV00P222
# فصل (من هو المراد بخطاب كنتم؟) وقد اختلف العلماء فيمن أريد بهذه الآية،
~~فروي عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه قال: قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت
~~للناس...
# الآية) نزلت فيمن خرج مع النبي صلى الله عليه وآله من مكة، وهاجر بعد
~~هجرته إلى المدينة. وحكى: أن بعض الصحابة كان يقول: لو شاء الله لقال:
~~أنتم، فكنا كلنا كذلك، ولكن خرج ذلك في خاصته من أصحاب محمد صلى الله عليه
~~وآله وروي عن مجاهد: أنه قال: المعنى أنكم كنتم خير أمة، على شريطة أن
~~تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله، فأنتم كذلك ما التزمتم
~~هذه الشرائط. ms128
# وروي عن الحسن: (أن ذلك إشارة إلى الصحابة، دون من بعدهم: ممن تغيرت
~~أحواله، واختلفت أوصافه). وفي الناس من حمل ذلك على أمة محمد صلى الله عليه
~~وآله عامة، ولم يخص كونهم على هذه الصفة في حال دون حال، وقدر قوله تعالى:
~~(كنتم) تقدير قوله:
# (أنتم)، كما ذكرنا فيما مضى.
# ثم اختلفوا، فمنهم من قال: (كنتم خير أمة، أي: بالإضافة إلى سائر الأمم،
~~لان جماعة هذه الأمة خير من جماعة كل أمة). ومنهم من قال: (المراد بذلك
~~أنهم أكثر الأمم خيارا، وأقومها بالعدل، PageV00P223
# وأعملها بالحق): ومنهم من قال: (لم يدخل تحت ذلك إلا الخيار منهم دون
~~غيرهم: ممن ليس على صفتهم، فالمراد به الحقيقة، وإن كان ذكر الأمة ههنا على
~~سبيل الاتساع والمجاز).
# وقال قاضي القضاة أبو الحسن: الذي يدل الظاهر عليه أن الأمة هي الجماعة،
~~وإن كان الأغلب أن المراد بذلك أمة محمد صلى الله عليه وآله، بمعنى
~~المصدقين به، فإذا حمل الكلام على هذا الوجه فالضرورة تقود إلى قولنا:
# إن المراد بذلك أكثرهم خيارا، وإن الخير فيهم أظهر منه في غيرهم، ومتى
~~حمل على جماعة مطلقة لم يمتنع أيضا ألا يدخل فيهم إلا الخيار والبررة،
~~الذين يستحقون الثناء والمدح الجميل من الوصف.
# قلت أنا: وليس يمتنع أن يحمل الامر في ذلك على الأغلب، كما يستعمل هذا
~~الحكم في كثير من الأشياء في الشريعة يطول تعدادها، فقال تعالى: (كنتم خير
~~أمة) وفيهم من ليس بخير، إلا أنه الأقل، والصالحون الأخيار فيهم الأكثر
~~الأعم، فلذلك حسن أن يسموا بالأغلب عليهم، ويوصفوا بالأظهر عنهم. وفي ما
~~ذكرناه من ذلك كاف بتوفيق الله تعالى (1). PageV00P224
# 24 - مسألة (لن يضروكم الا اذى) كيف يستقيم استثناء الشئ من نفسه! -
~~الجواب عن ذلك - معنى ابطال الصدقات بالمن والأذى ومعنى اجر غير ممنون -
~~الاستثناء في الآية منقطع والجواب عن ذلك.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (لن يضروكم إلا أذى...
# الآية 111)، فقال: قد علمنا أن كل اذى ضرر، فكان تقدير الكلام لن يضروكم
~~إلا ضررا، وهذا غير ms129 مستقيم ولا منتظم، بل هو متناقض متغاير!
# فالجواب: أن في ذلك أقوالا للعلماء:
# 1 - أحدها، ان الأذى المستثنى وإن كان من قبيل الضرر، فإنه أخف من الضرر
~~ههنا، والمراد به ما يقولونه بألسنتهم من التعريض بكم، والتغيير لكم، دون
~~ما يفعلونه بأيديهم من الايقاع الغليظ، والمكروه الشديد، فحسن استثناء
~~الضرر الأخف من الضرر الأثقل، لما كان بالإضافة إليه غير مؤثر ولا مجحف،
~~ومن الدليل على أن الأذى ههنا يراد به من جنس الأقوال دون الأفعال قوله
~~تعالى: PageV00P225
# (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما
~~قالوا...) NoteV00P226N01، ففسر تعالى الأذى بأنه قول ههنا، فدلنا على أن
~~ما آذوه به كان قولا، ولم يكن فعلا، لقوله تعالى: (فبرأه الله مما قالوا)،
~~وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى...)
~~NoteV00P226N02، فالمراد بذلك - والله أعلم - لا تتبعوا صدقاتكم بما يبطلها
~~من الأقوال التي تتضمن التبجح بها، والامتنان بفعلها، لان في ذلك أذى لمن
~~تقصدونه بالعطاء، يغض من الصنيعة وينقصها، ويكسف ضياءها وينغصها
~~NoteV00P226N03 ألا تسمعه سبحانه يقول: (لهم أجر غير ممنون) NoteV00P226N04
~~اي: لا يكدر عندهم بمنة عليهم، وهذا أحد تأويلي هذه الآية (وقد قيل: إن
~~المراد أجر غير مقطوع، من قولهم: حبل منين وممنون، إذا كان منقطعا) وعلى
~~هذا قول العرب في مدح الرجل منهم: (زاد فلان غير ممنون) إذا كان ممن لا
~~يتبع طعامه منا، ولا يتبجح به لؤما وضنا.
# 2 - وقال بعضهم: معنى (إلا اذى) أي: إلا ضررا يسيرا، وهو ما يلحقكم إذا
~~سمعتم شركهم وكفرهم، وبين هذا بقوله تعالى: (وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار
~~ثم لا ينصرون) NoteV00P226N05، فأعلم تعالى: أن ذلك الأذى شئ دون القتال،
~~ودون المضار
# PageV00P226
# العظام. وهذا القول قريب المعنى من القول المذكور أمامه، 3 - وقال بعضهم:
~~معنى ذلك: أنهم يؤذونكم بالكذب والتحريف والبهتان والجحود، مثل قولهم: عزير
~~ابن الله، والمسيح ابن الله، وما يجري مجرى ذلك، وأما العاقبة فتكون
~~للمتقين، وذلك اذى قليل عند سلامة العواقب، وحميد الخواتم ms130 والمصائر.
# 4 - وقال بعضهم: أخبر الله تعالى بهذا القول: أن المؤمنين لا يستضرون من
~~جهة الكفار، بغلبة لهم ولا قوة عليهم في حرب وقتال وكيد ومحال
~~NoteV00P227N01، إلا أذى، وهو ما تجري به ألسنتهم من سب وتنديد، أو تخويف
~~ووعيد، لا غير ذلك، ومتى بلغ الامر إلى المدافعة، وانتهى الوعيد إلى
~~المواقعة، كان المؤمنون أقوى ظهورا وأشد استظهارا، والكفار أوهن أعضادا،
~~وأضعف عمادا. وذلك من من دلائل صحة النبوة، لان هذا القول مما وجد مخبره
~~على ما أخبره به لان الآية واردة في اليهود، ولم يوافقوا المسلمين قط في
~~حرب إلا منحوهم أكتافهم، وأجزروهم لحومهم، كبني قريظة، والنضير، وبني
~~قينقاع، ويهود خيبر.
# 5 - وقال بعضهم: (قوله تعالى: (إلا أذى) استثناء منقطع عن أول الكلام،
~~كقولهم: ما اشتكى شيئا إلا خيرا). والى هذا ذهب أبو القاسم البلخي وبعض
~~المفسرين. وقد دفع هذا القول المحققون من العلماء، وقالوا: ليس ذلك
~~باستثناء منقطع، لان حمله
# PageV00P227
# على الاستثناء الصحيح ممكن، فلا يجوز حمله على الاستثناء المنقطع،
~~والمعنى:
# لن يضروكم إلا ضررا يسيرا، فالأذى وقع موقع المصدر الأول، الذي تقديره:
~~أن يكون ضررا دون صفة الضرر الذي هو يسير، واما الاستثناء المنقطع فلا يكون
~~فيه الثاني مخصصا للأول، نحو ما بالدار أحد إلا حمارا، وكذلك ما زاد إلا ما
~~نقص، وما نفع إلا ما ضر، وكيف يجوز أن يجعل هذا بمنزلة الاستثناء المنقطع،
~~والأذى على كل حال من قبيل الضرر، وإن قلنا إنه ضرر يسير، وليس كذلك حكم ما
~~جعلوه شاهدا عليه من قولهم ما اشتكى شيئا إلا خيرا، لان الخير لا يجوز أن
~~يكون من قبيل ما يشتكي منه فيكون الاستثناء صحيحا، وإنما أحوج
~~NoteV00P228N01 الكلام إلى حمله على الاستثناء المنقطع لما لم يسغ فيه ما
~~ذكرنا، وقد بينا أن المراد بهذا الأذى هو: الضرر الذي يلحق قلوب المؤمنين
~~باظهار الكفار كلمة الكفر، ومجاهرتهم بالدعاء إلى الضلال عن الدين،
~~وافسادهم قلوب الضعفة من المسلمين، إلى غير ذلك مما في معناه، وذلك اجمع من
~~باب ms131 الضرر الذي إذا لحق قلوب المؤمنين غمهم وأكثر همهم، فقد صح إذن كون ذلك
~~ضررا، ووضح كون الاستثناء صحيحا لا منقطعا، وفي ما ذكرناه من ذلك كاف بحمد
~~الله.
# PageV00P228
# 25 - مسألة (ليس لك من الامر شئ) شبهة الجبر في الآية - الجواب عن ذلك -
~~نزول الآية - في الآية - تقديم وتأخير - نزول الآية أيضا - الوجه الصحيح -
~~كلام قاضي القضاة ومن سأل من المجبرة عن معنى قوله تعالى: (ليس لك من الامر
~~شئ... الآية - 128)، فقال: هذا نص في موضع الخلاف من مذهبنا، وهو دليل على
~~أن جميع تصرف العبد من فعل الله تعالى، كما نقول، والخطاب متوجه إلى النبي
~~صلى الله عليه وآله، وإذا كانت تلك حاله فهي إذن حال غيره!
# فالجواب - 1 - أن المتعلق بهذه الآية في تصحيح قوله الفاسد، وإقامة مذهبه
~~الواهي المتهافت، واقع بعيدا من بغيته، ومحجوز بينه وبين إرادته، أولا يرى
~~هذا السائل أن الله سبحانه أمر نبيه أن يدعو الكفار إلى الله تعالى، مكررا
~~على أسماعهم دعاءه، وناهجا لهم طريق الايمان ومناره، ومنذرا لهم ومحذرا
~~وموقظا ومنبها، وآخذا بحجزهم NoteV00P229N01 من التهافت في النار، ومنهنها
~~NoteV00P229N02 لهم عن حلول دار البوار!
# PageV00P229
# وذلك من أجل الأمور المجعولة له والمنوطة به، فكيف يمكن السائل حمل القول
~~في الآية على ما ظنه مع ما ذكرناه!
# فالمراد إذن بقوله تعالى: (ليس لك من الامر شئ)، أي: لست بمالك شيئا من
~~عقابهم، أو ثوابهم، أو استئصالهم، أو استصلاحهم، أو تدبير مصالحهم في
~~أوقاتها، أو تقديم آجالهم أو تأخيرها، أو المعرفة بما تصلح عليه أحوالهم في
~~الدين، أو تفسد من تبقية مع كفر، لانتظار إيمان، أو اخترام مع ايمان لعاقبة
~~ضلال، وما يجري مجرى ذلك، وكان صلى الله عليه وآله إذا رأى من الكفار
~~التشدد في تكذيبه، والمبالغة في إطفاء نوره، سأل الله تعالى أن يأذن له في
~~الدعاء عليهم بالاستئصال وتعجيل العذاب، على عادة الأنبياء قبله، فقال الله
~~تعالى ذلك، تسكينا له، وتثبيتا لقلبه، وبين له:
# أنه سبحانه العالم بمصائر الأمور، وعواقب التدبير، ms132 وأنه إنما لم يأذن له
~~في الدعاء عليهم، لعلمه أن من يؤمن منهم ويتوب، ويراجع ويثوب، يكون
~~NoteV00P230N01 زائدا في عداده، وعضدا من أعضاده، أو يكون من ظهره من يقوى
~~به الدين، ويزيد في المسلمين، لأنه سبحانه يعلم من مغارس الأشجار مطلع
~~الثمار، ومن أوائل التلاقح والتزاوج عواقب التولد والنتائج، فيجري سبحانه
~~التدبير على أوضاع المصالح وقواعدها، ودلائل العواقب وشواهدها، وعلى ذلك
~~قرر سبحانه موارد الرسل، ومعاقد الدول، وجعل سراء قوم مقفوة بضراء، وضراء
~~قوم مكشوفة بسراء، على
# PageV00P230
# حسب المصالح والمفاسد، وعلم العواقب والمصائر.
# ويكشف عما قلناه قوله تعالى - عقيب هذا الكلام -: (أو يتوب عليهم أو
~~يعذبهم) فبين أن من كفر به يصير في العاقبة إلى أحد أمرين: إما أن يتوب،
~~فيقبل الله توبته ويغفر خطيئته، وإما أن يموت مصرا، فيكون ما يفعله الله به
~~من عذاب الآخرة أعظم مما صرفه عنه من عذاب الدنيا، فلم يجز الاذن له صلى
~~الله عليه وآله في الدعاء عليهم، لما في ذلك من الاقتطاع عن التوبة بعذاب
~~الاستئصال، وقطع الآجال.
# وقيل: إن هذه الآية نزلت يوم أحد عندما أقدم عليه المشركون، من ارتكاب
~~العظيمة من رسول الله صلى الله عليه وآله: كشج جبهته، وكسر رباعيته،
~~واستقطار دمه على صفحته، وهو مع ذلك حريص على دعائهم، ومجتهد في إنقاذهم من
~~ضلالهم، فقال صلى الله عليه وآله: (كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم، وهو
~~يدعوهم إلى عبادة ربهم)، فنزلت هذه الآية للغرض الذي قدمنا القول فيه، وروي
~~ذلك عن أنس بن مالك، وابن عباس، والحسن وقتادة، والربيع.
# وقيل: إنما نزلت الآية لما استأذن صلى الله عليه وآله في الدعاء عليهم
~~بعذاب الاستئصال بعد يوم أحد، لما ركبوا منه العظائم، وبلغوا منه المبالغ.
# 2 - وقال بعضهم: معنى (ليس لك من الامر شئ) أن ما يكون في الحرب بالقوة
~~والجلد أو الضعف والفشل، إليه سبحانه وليس إلى النبي صلى الله عليه وآله
~~ولا إلى غيره شئ منه.
# 3 - وقال أبو مسلم بن بحر: قوله تعالى: (ليس لك ms133 من الامر PageV00P231
# شئ) معطوف على قوله سبحانه: (وما النصر إلا من عند الله) أي:
# ليس لك ولا لغيرك من هذا النصر شئ، وإنما هو من عند الله تعالى، وذلك
~~شبيه بقوله تعالى: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن
~~الله رمى...) NoteV00P232N01.
# 4 - وقال الزجاج: هذه الآية نزلت يوم أحد بعد مصاب النبي صلى الله عليه
~~وآله بما أصيب به، وقوله - وهو يمسح الدم عن وجهه -:
# (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم)، فكأن الله سبحانه
~~أعلمه أن فلاحهم ليس إليه، وإنما عليه أن يبلغ الرسالة، ويجاهد حتى يقرر
~~الشريعة، ليس له ولا عليه غير ذلك. وهذا القول قريب من بعض الأقوال التي
~~ذكرناها في هذا المعنى.
# 5 - وقال بعضهم: هذا على التقديم والتأخير، فكأنه تعالى قال: ليقطع طرفا
~~من الذين كفروا أو يكبتهم، فينقلبوا خائبين، أو يتوب عليهم أو يعذبهم ليس
~~لك من الامر شئ، أي: ليس لك من عقوبتهم شئ إلا أن يجعله الله إليك، فان
~~جعله إليك فأنت مخير بين العقوبة لهم أو العفو عنهم.
# 6 - وقيل أيضا: إن سبب نزول هذه الآية NoteV00P232N02 من قتله عامر ابن
~~الطفيل ولفيفه ببئر معونة من الأنصار الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وآله
# PageV00P232
# ليعلموا الناس القرآن ويعرفوهم الاسلام، وحديث قتلهم على شرح مذكور (في
~~كتاب المغازي) NoteV00P233N01، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله على
~~قاتليهم أربعين صباحا، يقنت عليهم في صلاته، فنزلت: (ليس لك من الامر شئ)،
~~أي: ليس لك تعجيل الانتقام منهم، لكن الله يفعل ما هو الأصلح لخلقه، من
~~تبقية لهم، ليفيئوا أو يراجعوا، أو اخترام لهم أن أصروا أو تتابعوا، وقد
~~نبه الله تعالى على علة تبقيتهم إن بقاهم بقوله: (أو يتوب عليهم) فدل بذلك
~~على وجه الصلاح في تبقيتهم لما يعلمه من توبة بعضهم.
# 7 - وقال بعضهم: إن النبي صلى الله عليه وآله وإن كان إليه شئ من أمر
~~العباد على بعض الوجوه، فذلك قدر يسير لا يعتد ms134 به في تدبيرهم بالإضافة إلى
~~تدبير الله تعالى لهم وما يملكه منهم، فلذلك جاز أن يقال:
# (ليس لك من الامر شئ)، وإن كان له منه شئ على بعض الوجوه، لان الحكم
~~للأغلب والقول على الأعم الأكثر.
# والأصح من هذه الوجوه في نفسي أن يكون الامر ههنا بمعنى السلطان والقدرة،
~~وعلى هذا قول أصحاب بلقيس ملكة سبأ في جوابها NoteV00P233N02: (والامر إليك
~~فانظري ماذا تأمرين) NoteV00P233N03، أي: السلطان لك فأمري بما شئت يطع
~~NoteV00P233N02 أمرك، ومثله قولهم:
# كان ذلك بعد أن تقلد الامر فلان الخليفة أو فلان الأمير، أي: بعد
# PageV00P233
# (أن 1) ملك السلطان ودبر الزمان، وكذلك قولهم: انتقل الامر عن فلان إلى
~~فلان، أي: السلطان والتدبير، فيكون معنى قوله تعالى: (ليس لك من الامر شئ)
~~أي: ليس لك من السلطان والقدرة شئ، وإنما ذلك لله تعالى دون أحد من خلقه،
~~وإن كان له صلى الله عليه وآله أمر في تدبير الأمة من غير جنس السلطان
~~والقدرة الحقيقيين اللذين لا يوصف بحقيقتهما إلا الله تعالى، ومن وصف بذلك
~~من العباد وصف مجازا واتساعا.
# وقال قاضي القضاة أبو الحسن - حرسه الله -: ظاهر قوله تعالى:
# (ليس لك من الامر شئ) يقتضي أن يكون واردا في أمر كان صلى الله عليه وآله
~~يفعل فيه ما يكون هذا القول كالمنع منه، فلذلك وقع الاختلاف في سبب نزوله،
~~وما كان يفعله صلى الله عليه وآله في ذلك لا بد من أن يكون حسنا: من دعاء
~~على قوم مخصوصين مستحقين للعقاب، لكن أدعية الأنبياء بالهلاك المعجل
~~والعذاب المرسل يقتضي الإجابة، وإلا أدت الحال إلى التنفير عنهم، فلا يمتنع
~~أن يكون عليه السلام هم بذلك وعزم عليه واستأذن فيه، فأنزل الله تعالى هذه
~~الآية مبينا له أن الصواب عدوله عن هذا الدعاء، لما في عاقبة الامر من
~~المصلحة، وهو ما يعلمه تعالى من توبة بعضهم، فيكون ذلك سببا لنجاته، ويكون
~~التبقية وجه الصلاح في حياته.
# فأما قول من قال: إن ذلك نزل في لعنه صلى الله عليه وآله الكفار ms135
~~والمشركين
# PageV00P234
# ودعائه عليهم، فقد أخطأ الصواب، وذلك أنه عليه السلام مأمور بأن يلعن
~~الكفار معلنا، ويدعو عليهم مجتهدا، فلا يجوز أن يقال - والحال هذه -: (ليس
~~لك من الامر شئ)، والمراد يتعلق بما ذكرنا، وإنما كان (ع) يدعو عليهم بعقاب
~~الآخرة مشروطا، والشرط: إن لم يتوبوا، فلا يوجب ذلك ألا تقع منهم إنابة ولا
~~توبة إذا كان دعاؤه يقتضي طلب العقوبة لهم في الآخرة، بشرط الموافاة وهم
~~مصرون على المعاصي، وإن دعا عليهم بايقاع المستحق من العقاب في الحال،
~~فتوبتهم أيضا إن وقعت من بعد ذلك كانت غير مؤثرة في حسن الدعاء.
# ثم يقال للسائل: إذا لم يكن للنبي (ع) من الامر شئ على زعمك، فلماذا
~~استحق المدح والسمعة، والاجلال والرفعة! ولماذا خص بما ليس لغيره في باب
~~لزوم الطاعة! ولماذا يلزم اتباعه واقتفاؤه، ويجري على العباد أحكامه، ويكون
~~قوله مسموعا وإيماؤه متبوعا!. وإن كان جميع ما يفعله بمنزلة لونه وهيئته
~~وأعضائه وصورته ليس له فيه شئ ولا إليه منه شئ، فكيف يستحق المدح بأفعاله،
~~والحمد على صالح أعماله!.
# على أن الامر في الحقيقة هو قول القائل لمن دونه في الرتبة: (افعل)، فيجب
~~أن يقتضي ظاهر ذلك أنه صلى الله عليه وآله ليس له أن يأمر وينهى في حال من
~~الأحوال، وذلك ما لا يجوز أن يقوله من فيه مسكة، أو عنده للدين عقيدة.
# ومما يكشف عما ذكرنا أن الله قد أمر النبي بطاعته ونهاه عن PageV00P235
# معصيته، ولولا أنه كان قادرا على الطاعة والمعصية بما جعل فيه من
~~الاستطاعة للامرين جميعا، لما كان لهذا الأمر والنهي معنى، ألا ترى إلى
~~قوله تعالى - والمراد بذلك NoteV00P236N01 الرسول -: (ولو تقول علينا بعض
~~الأقاويل. لاخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين) NoteV00P236N02، فليس
~~معنى قوله تعالى: (ليس لك من الامر شئ)، أي: أنك لا تستطيع أن تعمل خيرا
~~ولا شرا، وكيف يظن ذلك وقد أمره تعالى بأن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة
~~والموعظة الحسنة، ويجاهد الكفار حتى ينقادوا للشريعة، وكل ذلك من الأمور
~~العظيمة، ms136 وإنما أراد تعالى بذلك:
# أنه ليس لك من الحكم في قومك، ولا في غيرهم شئ، وإنما عليك أن تمضي لامر
~~الله تعالى فيهم وتنفذ NoteV00P236N03 احكامه عليهم، وأن تنذر وتبصر وتصدع
~~بما تؤمر.
# فصل الوجه في نصب (أو يتوب عليهم) فأما ما انتصب عليه قوله تعالى: (أو
~~يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون)، فهو على ضربين: أحدهما، أن يكون عطفا
~~على قوله تعالى:
# (ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم...) ثم قال:
# (أو يتوب عليهم أو يعذبهم)، فيكون قوله تعالى: (ليس لك من
# PageV00P236
# الامر شئ) اعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه، كما يقول القائل:
# ضربت زيدا - فافهم - وعمرا.
# والوجه الثاني، أن تكون (أو) هي التي بمعنى: (إلا أن)، فكأنه قيل له: ليس
~~لك من الامر شئ إلا أن يتوب الله عليهم أو يعذبهم، فيكون أمرك تابعا لامر
~~الله تعالى في ذلك، لرضاك بمصارف أقداره ومواقع تدابيره أو تكون بمعنى
~~(حتى)، كأنه قال: حتى يتوب عليهم أو يعذبهم، كما يقول القائل: لا أزال
~~ملازمك أو تعطيني ديني، أي:
# حتى تعطيني ديني.
# وقد قيل في ذلك وجه آخر، وهو أن يكون تقدير الكلام:
# ليس لك من الامر شئ أو من أن يتوب عليهم، فأضمر (من) ههنا اكتفاء بمن
~~الأولى، وأضمر (أن) لبيان معناها، وهي مع الفعل الذي بعدها بمنزلة المصدر.
~~وهذا مذهب غير سديد، وقول غير مستقيم، لأنه ليس من كلام العرب قولك: عجبت
~~من أخيك وتقوم، على معنى من أخيك ومن أن تقوم، والدلائل على فساد ذلك كثيرة
~~لا يحتمل الموضع شرحها. وفي ما ذكرناه من ذلك كاف بحمد الله. PageV00P237
# 26 - مسألة (جنة عرضها السماوات والأرض) ما معنى العرض وما الفائدة في
~~ذكره بدون الطول؟ - الجواب عن ذلك - معاني العرض - آية (فذو دعاء عريض) -
~~جواب النبي صلى الله عليه وآله عمن سأله عن مكان الجنة - آية (ومن الانعام
~~حمولة وفرشا) والرد على ابن بحر.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها
~~السماوات والأرض أعدت للمتقين - 133)، فقال: ms137 ما معنى (عرضها السماوات)؟ وأي
~~فائدة في ذكر العرض ههنا بدلا من الطول؟
# فالجواب: أن في ذلك وجوها:
# 1 - منها، ما روي عن ابن عباس والحسن البصري: أن المراد عرضها كعرض
~~السماوات والسبع والأرضين السبع، إذا ضم بعضهن إلى بعض مبسوطات، وقد بين
~~تعالى ذلك في الآية التي في الحديد، وهي قوله تعالى: (... وجنة عرضها كعرض
~~السماء والأرض ... - 21)، فصارت هذه الآية أصلا لتلك، تحمل عليه وترد إليه،
~~والشواهد على جواز حذف ما هذه سبيله كثيرة، وقد ذكرنا PageV00P238
# كثيرا من ذلك في عدة مواضع من هذا الكتاب، ومن أوضح ما ذكرناه قوله
~~تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة...) NoteV00P239N01، والمراد:
~~إلا كبعث نفس واحدة وخلقها.
# 2 - وقال بعضهم: العرض في كلام العرب على وجوه: فمن ذلك، العرض: الجبل.
~~والعرض الحشيش. والعرض الجيش.
# والعرض خلاف الطول. والعرض السعة، ومن ذلك قوله تعالى: (وجنة عرضها
~~السماوات والأرض)، أي سعتها، ولذلك يقولون: (وفي الأرض العريضة مذهب)، لا
~~يريدون العرض الذي هو خلاف الطول، وإنما يريدون السعة، وعلى ذلك قول النبي
~~صلى الله عليه وآله - للذين هربوا يوم أحد فرارا من الزحف عند رجوعهم إلى
~~المدينة -: (لقد ذهبتم فيها عريضة) اي واسعة، ويعني (ع) الأرض، وعلى ذلك
~~قول الشاعر NoteV00P239N02:
# ودون يد الحجاج من أن تنالني * بساط لأيدي الناعجات عريض وقال الآخر
~~NoteV00P239N03:
# بلاد عريضة وأرض أريضة * مدافع غيث في فضاء عريض أراد: واسعا، والشواهد
~~على ذلك كثيرة جدا.
# PageV00P239
# 3 - وحكى بعض أصحاب محمد بن يزيد المبرد عنه: أنه سئل عن ذلك فقال: يحتمل
~~أن يكون المراد عرضها كطول السماوات والأرض، لأنك إذا قلت لغيرك: عرض ثوبي
~~ثوبك، جاز أن يكون عرض هذا كطول الآخر. فقيل له: فما قولك في قوله تعالى في
~~الموضع الآخر: (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض)؟، فقال: هذا عرض كعرض،
~~ويحتمل أن يكون المراد بالعرض ههنا السعة - على ما تقدم -، والناس يقولون:
~~فلان عريض الجاه والقدر، ولا يستعملون فيهما الطول، إذا أرادوا السعة، إذ
~~العريض يدل على السعة، فيجمع ms138 ماله عرض الطول والعرض، وليس لكل طويل عرض
~~يذكر.
# 4 - ووجه آخر. قال بعضهم: إنما ذكر تعالى عرض الجنة ولم يذكر طولها،
~~لينبهنا سبحانه على أن طولها أعظم من عرضها، فكأنه تعالى قال: إذا كان هذا
~~عرضها فما ظنكم بطولها، ومثل ذلك قوله تعالى: (متكئين على فرش بطائنها من
~~إستبرق...) NoteV00P240N01، فدلنا سبحانه على جلالة الظهائر NoteV00P240N02
~~بتعظيم قدر البطائن، فكأنه سبحانه قال: إذا كانت هذه صفة بطائنها فما ظنكم
~~بجلالة ظهائرها.
# وقد تعلق بعضهم أيضا بقوله تعالى: (وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونأى
~~بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض) NoteV00P240N03، فقال: (لو قال: فذو
~~دعاء طويل، لكان أوجه وأبلغ، لان المعروف
# PageV00P240
# في كلامهم أن يصفوا ما لا طول له ولا عرض في الحقيقة بالطول دون العرض
~~فيقولون: حديث طويل، وكلام طويل، وأمر طويل، ولا يستعملون عريضا إلا فيما
~~يجمع الطول والعرض).
# وليس الامر على ما ظنه هذا القائل، وذلك أن المراد بعريض ههنا ما تقدم
~~ذكره من المبالغة في الوصف بالسعة والكثرة، وقولنا:
# (عريض) أدل على هذا المعنى من قولنا: (طويل)، لان الطويل لا يدل إلا على
~~طول: إما مجرد من عرض، على مذهب القائلين بالخط المجرد من عرض
~~NoteV00P241N01، أو على عرض ما غير معين، في مذهب من يمنع من حدوث طول بلا
~~عرض وإن قل، والعرض لا يكون إلا بطول أكثر منه، وإلا كان الطول هو العرض،
~~وإنما خص العرض بالذكر، لدلالته على أن الطول أزيد منه، ولو ذكر الطول لم
~~يدل على هذا المعنى، وقد روي: أن رسولا لهرقل عظيم الروم سأل النبي صلى
~~الله عليه وآله، فقال: سمعناك تدعو إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فأين
~~النار إذن!، فقال [ص]: سبحان الله! إذا جاء النهار فأين الليل!. وهذه
~~المعارضة تسقط المسألة، لان القادر على أن يذهب بالليل حيث شاء قادر على أن
~~يجعل النار حيث شاء.
# وروي في حديث آخر: أن المشركين سألوه صلى الله عليه وآله عن مكان
# PageV00P241
# هذه الجنة إذا كانت عرضها كعرض ms139 السماوات والأرض، فأنزل الله تعالى:
~~(أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق
~~العليم) NoteV00P242N01، فكان هذا الجواب ناقعا للغليل، وقاطعا للخصوم، كما
~~تقدمه في NoteV00P242N02 جواب من ضرب مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام
~~وهي رميم، قال سبحانه: (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم.
~~الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون...
# إلى آخر السورة)، فبين تعالى أن احياء الأموات وإعادة الرفات ليس بأعجب
~~من اخراج النار من العود الأخضر، والجمع بين المحرق والمورق، فتبارك الله
~~رب العالمين!
# وكان ما ذكره تعالى من هذه الأمثال جوابا عن قول من قال من المشركين:
~~(إذا كانت الجنة كالسماوات والأرض فأين النار)، لأنه تعالى قادر على أن
~~يخلق الجنة فوق السماء، ويخلق النار تحت الأرض، وهما على ما هما على، أو
~~يزيد تعالى في سعة السماوات والأرض، فيخلق فيها الجنة والنار، وتكون سعة
~~الجنة خصوصا على مقدار سعة السماوات والأرض، قبل أن يزيد فيها، فلا يمنع
~~كون الجنة بهذه الصفة من صحة وجود النار على تلك الصفة، وهذا معنى ما روي
~~من تشبيهه (ع) الجنة والنار بالليل والنهار، وذلك لان النهار عبارة عن
~~الأوقات التي تظهر الشمس فيها، مع السلامة من حائل، والتخلص من عائق،
# PageV00P242
# فينحسر قناعها ويبدو شعاعها، والليل عبارة عن الأوقات التي تغيب الشمس
~~فيها، فتخبو أنوارها، وينضم انتشارها، ومعلوم ان الشمس إذا دارت حصل النهار
~~وصار الليل في آخر، فلا يتمانعان في قدرة الله، فكذلك الجنة والنار.
# 5 - وقال أبو مسلم بن بحر في ذلك: (وللعرض وجه آخر من التأويل، وهو: أن
~~يكون معنى ذلك أن الجنة لو عرضت بالسموات والأرض، وجاز أن يكون لها مالك
~~غير الله تعالى، لكانتا ثمنا لها، وهذا من عرضك الشئ للبيع والمقابضة، وإذا
~~أقمت الشئ بإزاء الشئ لتعرف موافقته له، قلت: عرضته NoteV00P243N01 عليه
~~وعارضته به، فصار العرض كما ترى يوضع موضع المساواة بين الشيئين والتوفيق
~~بينهما، لاعتبار حالتيهما، وكذلك ms140 معنى القيمة التي توقع على الشئ وهي تقدير
~~الثمن، وإنما هي لفظة مشتقة من مقاومة الشئ للشئ، حتى يكون كل واحد منهما
~~مثل الآخر وقائما مقامه).
# فأقول: إن هذا التأويل من اعتساف أبي مسلم وخبطه واستكراهه وتعمقه، وقد
~~قال الشاعر: (وعند التعمق الزلل) NoteV00P243N02، ويكفي (في 3) فساد قوله
~~هذا، إجماع الأمة على خلافه، مع ما فيه من شواهد التعسف ودلائل التكلف.
# وليس ذلك أعجب NoteV00P243N04 من ذهابه إلى أن معنى قوله تعالى في
~~الانعام:
# PageV00P243
# (ومن الانعام حمولة وفرشا... - 142) هو ما يفترش للذبح.
# فهل رأيت قولا أعدل عن الجادة، وأشد انحرافا عن المحجة، وأدل على خبط
~~قائله، وتخليط متأوله، من هذا؟! وهل يجوز أن يذهب فكر سليم ويرمي رأي
~~مستقيم إلى مثل هذا القول؟! وأي شئ في قوله تعالى ههنا: (حمولة وفرشا) مما
~~يجوز أن يستدل به على ما يذبح؟! وهل سمع في لسانهم فرش بمعنى ذبح، فيقول:
~~إن الفرش مما NoteV00P244N01 يذبح؟!.
# ولو كان الامر على ما ظنه - على بعده وبرده - لكان، على قوله، يجب أن
~~يكون حمولة وافتراشا، لأنه قال: المراد بذلك ما يفترشونه للذبح، وفسر
~~الافتراش بأنه الاضجاع للنحر، ونظر ذلك بقوله تعالى:
# (فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها..) NoteV00P244N02، أي: سقطت على جنوبها.
~~وخطؤه في هذا التمثيل أعظم من خطئه في ذلك التأويل، فإنه سبحانه دل بقوله:
~~(فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها)، على أن نحر
~~الإبل يكون وهي قائمة، ثم تسقط بعد نحرها وهو معنى قوله: (صواف)، وأبو مسلم
~~قال: معنى ذلك ما يفترش للذبح أي يضجع، فجعل نحرها بعد اضجاعها، ولم يرض
~~بذلك حتى جعل الشاهد على قوله ما هو ضد قوله وإن أراد أن في الانعام ما
~~ينحر مضجعا، فما كان ينبغي أن يجعل النظير له ما ينحر منتصبا.
# هذا، على أن جميع العلماء في الفرش على قولين لا ثالث لهما: أحدهما،
# PageV00P244
# أن يكون المراد به صغار الإبل، لأنهم يسمون صغارها: فرشا.
# والاخر، أن يكون اسم الفرش على ظاهره، فيكون المراد ms141 ما ينسج من أصوافها
~~وأوبارها، ويفترش ويمتهد، والدليل على ذلك قوله تعالى: (ومن أصوافها
~~وأوبارها أثاثا ومتاعا إلى حين) NoteV00P245N01، وروي أن أمير المؤمنين
~~عليا عليه السلام سئل عن الحين المراد ههنا، فقال: (إلى حين بلائها
~~وتهافتها). وهذا من حسن القول. ولو ذهبنا إلى ذكر نظائر ما أوردناه عن أبي
~~مسلم لا تسع نطاق القول، ولعلنا نشير إلى ذلك إذا جاء في مواضعه مستأنفا
~~بتوفيق الله تعالى.
# فصل الجنة والنار مخلوقتان أم تخلقان؟
# في ذكر الجنة والنار، هل هما مخلوقتان الآن أم تخلقان بعد فناء العباد.
# وقد اختلف العلماء في ذلك NoteV00P245N02: فمنهم من قال: هما الآن
~~مخلوقتان وقال بعضهم: إن الجنة خاصة مخلوقة، والصحيح انهما تخلقان بعد.
# PageV00P245
# ومما NoteV00P246N01 يستدل به على ذلك قوله تعالى في وصف الجنة: (أكلها
~~دائم وظلها...) NoteV00P246N02، وقد دل الدليل على أن كل مخلوق الآن لابد
~~أن يفنى، وإذا لاقحنا بين هذين الدليلين، كان نتاجهما أن الجنة والنار غير
~~مخلوقتين، ألا ترى إلى قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما
~~بدأنا أول خلق نعيده وعدا... الآية)! NoteV00P246N03 فإذا انقضت بنية
~~السماء وطويت كطي الكتاب، وجب أن ينتقض أيضا بنية ما يتصل بها، ويكون
~~مستقرا عليها، وقد ثبت أن الجنة تخلق (في 4) السماء أو عليها، وتكون السماء
~~مكانا لها أو عمادا تحتها، وقد وصفها الله تعالى كما ذكرنا بدوام الأكل
~~وبقاء الظل، فلو كانت الآن مخلوقة في السماء لا نطوت لانطوائها وانتقض
~~بناؤها بانتقاض بنائها.
# فأما ما ذكره الله تعالى من أن آدم (ع) كان في الجنة، فاهبط منها إلى
~~الأرض، وما جاءت به الاخبار من أن الأنبياء ينقلون إلى الجنان وينعمون إلى
~~حين فناء العباد، فهو غير قادح فيما ذكرناه، لان المراد بهذه الجنان غير
~~جنة الخلد التي هي قرار المآب وجنة الثواب، والجنة في أصل اللغة يعبر بها
~~عن الرياض والمنابت والأشجار والحدائق والكروم المعروشة والنخيل المتهدلة،
~~وعلى هذا قوله تعالى: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله...)
~~NoteV00P246N05، أراد ms142 تعالى الحديقة
# PageV00P246
# وما في معناها، ولا يمتنع كون مثل هذه الأماكن في السماء وتكون موضعا
~~للملائكة ولكثير من الأنبياء عليهم السلام، ويكون خلق جنة الخلد والنار بعد
~~انقضاء التكليف واستحقاق الثواب والعقاب، فيكون النعيم دائما غير منقطع،
~~والعذاب متصلا غير منفصل، من غير أن يتوسط خلقهما وبقاءهما نقض داريهما، ثم
~~اعادتهما، وإبطال محليهما، ثم استئنافهما.
# فاما الاخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وآله في صعوده إلى السماء،
~~ودخوله الجنة وما شاهد فيها من الأشجار والثمار، حتى وصف نبقها بأنه
~~كالقلال وقول (ع): (دخلت الجنة فرأيت أكثر أهلها البله)، وما حكي عنه (ع)
~~من اجتماعه مع بعض الأنبياء فيها، إلى غير ذلك مما يطول ذكره - فهي أخبار
~~آحاد ولا يعتمد عليها في هذا الباب، وليس طريقها العلم، وإنما يجب أن يعمل
~~في ذلك على القطع والتحقق، كالدلالة التي ذكرناها، ولو ثبت ذلك وصح نقله،
~~لم يمتنع أن يكون المراد به بعض الجنان التي ذكرنا أنها من مواضع الملائكة
~~والأنبياء، لا جنة الخلد والثواب.
# فأما قوله صلى الله عليه وآله: (دخلت الجنة فرأيت أكثر أهلها البله)،
~~فيحتمل وجهين من التأويل: أحدهما، أن يكون (ع) قال ذلك وأراد به الدخول في
~~المستقبل، وإنما عبر عنه بعبارة الكائن الواقع لقوة علمه بأن ذلك سيكون في
~~المستأنف، كما قيل - في قوله تعالى: ﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة...﴾ (1) -: إن ذلك
~~لصحته وتحقق
# PageV00P247
# وقوعه كأنه قد كان، فعبر عنه بعبارة الكائن الواقع. والوجه الآخر، أن
~~يكون أراد (ع) بذلك أنني تصورت بعلمي ورأيت بعين قلبي الجنة، فرأيت أكثر من
~~فيها تلك صفتهم، فجعل يقينه لما يحدث عنه لتحققه له كالشئ الذي شاهده
~~وباشره، لما قوي في علمه أن الامر يكون كذلك لا محالة.
# ومعنى البله ههنا الغافلون عن أذى الناس والاضرار بهم، لا الناقصو
~~العقول، كما يظن بعض الناس، وليس ذلك من صفات الذم، ولكنه من صفات المدح،
~~وعلى ذلك قول الشاعر:
# بعد غداني الشباب الأبله NoteV00P248N01 اي: الغافل صاحبه عن ms143 مواقع
~~الهموم، وطوارق الخطوب، فقد وضع البله ههنا موضع الثناء والمدح، لا موضع
~~العيب والذم.
# فان قال قائل: كيف رغب تعالى المكلفين في ذكر جنة ما خلقها، ولا أوجد
~~جملتها. قيل: إن ذلك جائز سائغ لان خلق الجنة مقدور له تعالى، وهو متمكن
~~منه، وقادر عليه، فمتى شاء أو جدها غير متعذر عليه إيجادها، ولا صعب
~~قيادها، كما رغبهم تعالى في ثواب لم يوجده بعد، وحسن ذلك، لان وعده صادق
~~وأمره واقع، وعلى أنه لولا السمع الوارد والدليل الواضح اللذين أشرنا
~~إليهما، لكان يصح خلقه تعالى جنة الخلد قبل انقطاع التكليف، ولكن السمع منع
~~من ذلك، وفي ما ذكرناه من الكلام على هذه المسألة كاف بتوفيق الله تعالى.
# PageV00P248
# 27 - مسألة (معنى رؤية الموت) في الآية ثلاث مسائل الأولى في رؤية الموت
~~- نسبة الرؤية إلى أسباب الموت - كيف صدق إبراهيم الرؤيا وهو لم يذبح ولده!
~~- آية (إذا حضر أحدكم الموت...) تفسير الرؤية بالعلم.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد
~~رأيتموه وأنتم تنظرون - 143)، فقال: ما معنى رؤية الموت ههنا وليس الموت
~~مما يرى بالأعين، ويثبت بالتأمل والتبيين.
# فالجواب: أن هذه الآية تشتمل على ثلاث مسائل: إحداها، التي ذكرها السائل.
~~والثانية، أن يقال: كيف قال تعالى: (فقد رأيتموه وأنتم تنظرون)! والرؤية
~~تكفي من النظر، فاذن لا فائدة في ذكر النظر بعد ذكر الرؤية. الثالثة، أن
~~يقال: إن تمني المسلمين الموت ههنا معناه القتل في الجهاد، فكان تمنيهم
~~لذلك هو تمن لان يقتلهم المشركون، ويتمكن منهم الكافرون، وقتلهم لهم كفر،
~~فكيف جاز للمؤمنين أن يتمنوا الكفر!.
# والجواب عن المسألة الأولى: أن يقال: رؤية الموت ههنا PageV00P249
# يراد بها رؤية أسباب الموت، لا الموت نفسه، وأسباب الموت يصح عليها
~~الرؤية: مثل الطعن بالرماح، والضرب بالصفاح، والرشق بالسهام، والقذف
~~بالسلام NoteV00P250N01، وكل ذلك يصح أن يرى ويشاهد، ألا ترى إلى قول
~~القائل - إذا لقي أمرا صعبا تعظم مشقته وتصعب خطته -: (قد رأيت الموت
~~عيانا)! يريد أنه باشر أسباب ms144 الموت هولا وشدة وكربا وضغطة، وهذا معروف في
~~كلامهم، وعلى ذلك قول الشاعر:
# ومحلما يمشون تحت لوائهم * والموت تحت لواء آل محلم يريد أسبابا الموت
~~وعلاماته، وعلى ذلك قول كثير:
# إذا أخذوا أدراعهم وتسربلوا * مقلص مسروداتها ومذالها NoteV00P250N02
~~رأيت المنايا شارعات فلا تكن * لها سننا قصدا وخل مجالها أراد: رأيت أسباب
~~المنايا: من بطل دارع، وسيف قاطع، وفرس مسوم NoteV00P250N03، وذابل مقوم.
# ومثل ذلك جوابنا عن قصة إبراهيم في ذبح ولده إسماعيل عليهما السلام، إذا
~~قال القائل: كيف قال إبراهيم لابنه: (إني أرى في المنام أني أذبحك... إلى
~~قوله تعالى: فلما أسلما وتله للجبين ونادينا أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا)
~~NoteV00P250N04؟ فهل يكون مصدقا للرؤيا ولم يذبحه!. فنقول:
# PageV00P250
# إن المراد بذلك أن يفعل أسباب الذبح لا الذبح نفسه، كالاضجاع على الأرض،
~~وأخذ المدية، والربط، وما في معنى ذلك، فيكون بسبيل الذابح، لان من عادتهم
~~أن يسموا سبب الشئ باسمه، على الوجه الذي قدمنا ذكره.
# ومما يقوي ذلك: (أن المراد بالذبح ههنا ما ذكرناه) قوله:
# (اني أذبحك)، ولم يقل: اني ذبحتك، لان قوله: (اني أذبحك) يصلح للحال
~~والاستقبال، حتى تدخل السين أو سوف عليه، فتخصصه للاستقبال، فيكون المعنى
~~أني عازم على ذبحك وآخذ فيه ومريد له، بتعاطي الأسباب التي ذكرناها، فصح
~~حينئذ أن يقول سبحانه - وإن لم يحقق إبراهيم الذبح -: (قد صدقت الرؤيا)،
~~ولو قال: إني أرى أني ذبحتك، لم يكن مصدقا لذلك، حتى يوقع الذبح نفسه،
~~فافهم الفصل بين الامرين فإنه واضح بين وجلي نير!.
# ومثل ذلك قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية
~~للوالدين والأقربين...) NoteV00P251N01، وإنما أراد به تعالى: إذا حضرتكم
~~أسباب الموت، ورأيتم أماراته، وأحسستم بمقدماته، لان المراد لو كان الموت
~~نفسه لاستحال ان يقدر الانسان على الوصية، كما يستحيل من الميت الأمر
~~والنهي والقول والفعل.
# وقال بعضهم: يجوز أن يكون المراد بقوله: (فقد رأيتموه) أي:
# علمتموه، كقول القائل: رأيت فلانا عاقلا، ورأيت فلانا جاهلا، أي: علمته
~~على هذه الصفة، وقد ms145 يقول الأعمى: رأيت زيدا قويا
# PageV00P251
# جليدا، وعمرا واهنا ضعيفا، أي: علمتهما كذلك، فكأنه تعالى أراد: انكم
~~علمتم الموت بالمواجهة والعيان، لا بالخير والسماع.
# وقال بعضهم: معنى ذلك: أنكم كنتم تمنون القتال ولقاء العدو، وذلك سبب
~~الموت، فقد رأيتموه بأعينكم (وأنتم تنظرون) أي: تنتظرون ذلك، ومما يقوي أن
~~قوله تعالى: (تنظرون) ههنا بمعنى تنتظرون، ذكره التمني في أول الكلام،
~~والتمني هو الترجي للشئ، ومع الترجي يكون الانتظار في الأكثر.
# فصل (الفرق بين النظر والرؤية) والجواب عن المسألة الثانية (وهي قول
~~السائل. إذا كان النظر بمعنى الرؤية، فما معنى تكرير اللفظ!): أن يقال:
~~لسنا نسلم أن النظر معناه معنى الرؤية، فيكون اللفظ مكررا، بل النظر عندنا
~~غير الرؤية وهو يقع على وجوه:
# أحدها، ما قدمنا ذكره من كونه بمعنى الانتظار: و (النظر):
# التفكر في الأدلة، ومنه قولهم: فلان من أهل النظر. و (النظر):
# التدبر والتأمل، ومنه قوله تعالى (انظر كيف ضربوا لك الأمثال..)
~~NoteV00P252N01 أي تأمل ذلك، وقد يتعدى هذا بالجار وهو
# PageV00P252
# قوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) NoteV00P253N01، والمراد
~~به الحض على التأمل والتدبر. و (النظر): تقليب الحدقة الصحيحة في جهة
~~المرئي التماسا لرؤيته، وهو المراد في هذا الموضع، وكل راء ناظر، وليس كل
~~ناظر رائيا، فكان حقيقته الطلب، لان الناظر يطلب الرؤية، والمفكر يطلب
~~المعرفة، والناظر - بمعنى المنتظر - يطلب الشئ الذي ينتظره، ويعلق خوفه أو
~~رجاه به. وأنشدنا شيخنا أبو الفتح عثمان بن جني عن أبي علي الفارسي قول ذي
~~الرمة:
# فيامي هل يجزي بكائي بمثله * مرارا وأنفاسي إليك الزوافر واني متى أشرف
~~من الجانب الذي * به أنت من بين الجوانب ناظر قال: وكان يستشهد بهذا الشعر
~~على أن الرؤية غير النظر، ويقول: لو كان النظر بمعنى الرؤية لم يطلب الشاعر
~~عليه الجزاء، لان المحب لا يستثيب NoteV00P253N02 على النظر إلى محبوبه
~~ثوابا، ولا يستجزي عليه جزاء، إذا كان ذلك مراده ومناه وقصده ومغزاه، ألا
~~ترى أنهم يتمنون رؤية أحبابهم ومسارقة النظر إلى أشجانهم NoteV00P253N03،
~~ويشتاقون ذلك في ms146 أسجاعهم واشعارهم، لان فيه قضاء إربهم وبلال غللهم، وإنما
~~يعبرون في اشعارهم بالنظر عن الرؤية، لأنه سببها ومقدمتها والرائد المطرق
~~لها NoteV00P253N04، الا فالرؤية مقصدهم، واليها مرمى غرضهم،
# PageV00P253
# وذلك ألذ شئ عندهم، وأجل موقعا من قلوبهم، ومثل ذلك لا يطلب المحب ثوابا
~~عليه وجزاء به، وإنما يطلب ذلك على ما عليه فيه مشقة وكلفة، كالتلفت إلى
~~الأظعان، وتكرير النظر إلى الديار، واستقطار الدمع في الرسوم والآثار، ألا
~~ترى إلى قول الشاعر:
# ما سرت ميلا ولا جاوزت مرحلة * إلا وذكرك يثني دائبا عنقي وقول الآخر:
~~NoteV00P254N01 تلفت نحو الحي حتى وجدتني * وجعت من الاعياء ليتا وأخدعا
~~والاشعار في ذلك أكثر من أن تستوعب وتستوفي، فإذا وضح ما ذكرناه كان قول ذي
~~الرمة مشيرا إلى هذا المعنى، فيكون طلبه الجزاء والثواب من محبوبه إنما هو
~~على المشقة التي عليه في بكائه، وتصاعد أنفاسه، ومتابعة النظرات إلى الجانب
~~الذي به أحبابه وفيه أشجانه، من غير أن يكون هناك رؤية يلتذ بها، أو لقية
~~يستروح إليها.
# وفي هذا الشعر أيضا دليل على بعد دار من يهواه من داره، لقوله:
# (واني متى أشرف من الجانب الذي * به أنت...)، ولا يكون اشراف البقاع في
~~الأكثر إلا لتطلب رؤية مرمى سحيق، ومسقط حي بعيد، وذلك أيضا أعظم مشقة على
~~الناظر، وأصعب كلفة على الطالب، وهو أجدر لمشقته بأن يطلب عليه الثواب
~~ويلتمس به الجزاء. فأما قول الشاعر NoteV00P254N02:
# فلما بدا حوران والآل دونه * نظرت فلم تنظر بعينيك منظرا
# PageV00P254
# فليس بدليل لهم على أن الرؤية هي النظر لان النظر لو كان بمعنى الرؤية
~~لكان في قوله: (نظرت) دليل على أنه قد رأى، وكان قوله بعد ذلك: (فلم تنظر
~~بعينيك منظرا) مناقضه، ولكن قوله:
# (نظرت) الأول خارج على حقيقته، وهو تقليب الحدقة في جهة المرئي طلبا
~~لرؤيته، وقوله: (فلم تنظر بعينيك منظرا) يحتمل وجهين:
# أحدهما، أن يكون سمى الرؤية نظرا على طريق المجاز والاتساع، ولان النظر
~~سببها وطريقها، فجاز أن تسمى باسمه، ولذلك نظائر كثيرة قد أشرنا إليها في ms147
~~عدة مواضع من هذا الكتاب. والوجه الآخر، أن يكون مخرج النظر على حقيقته
~~أيضا، وأراد أنك قلبت طرفك فتعذر عليك تقليبه في جهة NoteV00P255N01
~~المرئي، لغلبة الدمع على عينيك، فلم يصح لك النظر المفضي إلى الرؤية، وهذا
~~على مثل قول الآخر NoteV00P255N02:
# نظرت كأني من وراء زجاجة * إلى الدار من أعلام مية ناظر وقال بعضهم: معنى
~~(فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) أن ذلك كان قريبا منكم وبمرئى من عيونكم، لان
~~النظر فيه معنى المقاربة، وكأنه تعالى قال: (فقد رأيتموه وأنتم تقربون
~~منه)، ومثل ذلك قولهم:
# دور بني فلان تتناظر، أي تتقابل وتتقارب، وهذا مذهب المبرد في هذه الآية.
# وقال الأخفش: النظر ههنا بمعنى الرؤية، وأنما كرره تعالى توكيدا وتشديدا.
~~قال: وذلك كقوله تعالى: (فإنها لا تعمى
# PageV00P255
# الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) NoteV00P256N01، وقد علم أن
~~القلب لا يكون إلا في الصدر، وإنما بين تعالى هذا البيان على طريق التوكيد،
~~وذلك كما يقول القائل: رأيته بعيني، وسمعته بأذني، لئلا يتوهم ذلك رؤية
~~القلب وسمع العلم.
# وقال بعضهم: معنى ذلك فقد رأيتموه وأنتم بصراء، لان الضرير قد يقول رأيت
~~الشئ بمعنى علمته، فلما كانت الرؤية بمعنى العلم وبمعنى العيان ثم قال
~~تعالى: (فقد رأيتموه وأنتم تنظرون)، على أنها رؤية العيان.
# وقال بعضهم: معنى (وأنتم تنظرون) أي: تتأملون الحال في ذلك الامر على
~~حقيقتها، أي هي رؤية تثبت وتأمل، لا رؤية شك وتخييل.
# فصل (تمني الموت بالقتل في الجهاد تمن للكفر) فأما الجواب عن السؤال
~~الثالث في هذه المسألة (وهو قول القائل:
# كيف تمنى المؤمنون الموت، ومعناه ههنا القتل في الجهاد، وقتل الكفار لهم
~~كفر، فكأنهم تمنوا الكفر)، فهو أن يقال: إن المؤمنين لم يتمنوا ان يقتلهم
~~الكفار، وإنما تمنوا الموت، والموت غير القتل، لان الموت فعل الله تعالى لا
~~يقدر عليه غيره، والقتل فعل القاتل، وهو نقض البنية NoteV00P256N02 التي
~~تحتاج الحياة إليها، وقد اجرى الله تعالى
# PageV00P256
# العادة بأنه يفعل الموت عند فقدها ونقضها، ولذلك جاز تمنيهم أن يميتهم
~~الله تعالى ms148 في الجهاد، وذلك حسن، وإنما كان قبيحا لو تمنوا أن يقتلهم
~~الكفار، لان ذلك في حكم تمني الكفر، فقبح من هذا الوجه، ولا يجوز للمؤمن أن
~~يتمنى الكفر أو يريده أو يرضى به، كما أن رجلا لو تمنى ما فعله المشركون
~~بالنبي صلى الله عليه وآله: من إدماء صفحته وكسر رباعيته، لكان مقدما على
~~عظيم.
# وإنما تمنوا الموت الذي هو من فعل الله تعالى، لكي يموتوا في الجهاد،
~~فيكونوا إلى رضوان الله أقرب وبثوابه أسعد، وهذا تحريض للمؤمنين على
~~الجهاد، وايسار لهم على الأعادي.
# وكان سبب نزول هذه الآية أن قوما من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله -
~~ممن لم يشهد بدرا - كانوا يتمنون يوما مثل يوم بدر يستدركون فيه ما فاتهم،
~~من شرف المسعاة، وفضل الشهادة المبتغاة، فلما استنهضوا للجهاد في يوم أحد
~~نكص بعضهم وفر بعضهم، فعاتبهم الله سبحانه على ذلك، وأثنى على الصابرين
~~منهم والقائمين بجهاد عدوهم.
# وقال بعضهم: إنما تمنى القوم مقدمات القتل، لا نفس القتل، لان القتل لا
~~يجوز تمنيهم له على ما تقدم القول فيه، وكأنهم أنما تمنوا الأحوال التي
~~تبلغ في عظم المشقة والخطر وشدة الخوف والوجل، إلى حال القتل ومعاينته، دون
~~وقوع كنهه وحقيقته. وفي ما ذكرناه من الكلام على السؤالات الثلاثة مقنع
~~بتوفيق الله تعالى. PageV00P257
# 28 - مسألة (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها) الجواب عن الشبهة في الآية -
~~الآية مخصوصة ومعناها التبعيض - رجوع هاء التأنيث إلى الثواب - لا تنافي
~~بين ثوابي الدنيا والآخرة - نكتة قرآنية - تعلق بعضهم بآية (كلوا واشربوا)
~~ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب
~~الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين - 145)، فقال: كيف أطلق تعالى هذا القول
~~على العموم، ونحن نرى كثيرا ممن يريد ثواب الدنيا ويتمناه ويقرع الأبواب
~~توصلا إليه وحرصا عليه، فلا ينال منه نصيبا ولا يبلغ منه مأمولا!
# فالجواب: أن في ذلك أقوالا:
# 1 - أحدها، أن يكون المعنى أن من أراد ثواب الدنيا منفردا عن ثواب الآخرة
~~آتيناه ما ms149 اراده أو بعضه، وحرمناه ثواب الآخرة الذي هو الدائم الباقي،
~~والخالص الصافي، والمراد بثواب الدنيا ههنا منافع الدنيا ولذاتها، وإنما
~~سميت ثوابا على طريق المجاز وتشبيها بالثواب، لما كانت في حكم المستحق عند
~~أمور جعلت أسبابا لذلك. PageV00P258
# وتلخيص ما ذكرناه: أن من أقبل على الدنيا بوجهه ونأى عن الآخرة بعطفه
~~وكدح للدنيا جاهدا ولم يعمل للآخرة صالحا، جاز أن تقول فيه: إنه يريد عاجل
~~الدنيا ومنافعها دون نعيم الآخرة ومنازلها، لا أنه أراد الدنيا على قصد،
~~ولم يرد ثواب الآخرة على عمد، بل لو جمع له الأمران لكان أحب إليه وأجل
~~موقعا عنده، ولكنه لما تشاغل بعمل الدنيا دون عمل الآخرة ساغ أن نصفه - على
~~طريق الاتساع - بأنه يريد عاجل الدنيا دون آجل الآخرة، وهذا كقوله تعالى:
~~(من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم
~~يصلاها مذموما مدحورا. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان
~~سعيهم مشكورا) NoteV00P259N01، وكقوله تعالى: (من كان يريد ثواب الدنيا
~~فعند الله ثواب الدنيا والآخرة...) NoteV00P259N02، فظاهر ذلك يدل على أن
~~من أراد ثواب الدنيا أي منافعها فقط، بعمل يعمله وجهاد يمارسه، لا نصيب له
~~في الآخرة، وإنما يفوز بثواب الآخرة من جعل عمله خالصا طلبا للزلفة لديه
~~والقربة إليه.
# 2 - وقال أبو علي: معنى ذلك: من أراد بجهاده الغنيمة نؤته منها، ومن أراد
~~ثواب الآخرة وهو النعيم الدائم نؤته منه، وجعل سبحانه ذلك ترغيبا في طلب
~~ثواب الآخرة وتزهيدا في طلب نعيم الدنيا. قال: وذلك لطف في المحافظة على
~~الجهاد، لان من قصد
# PageV00P259
# بجهاده طلب نعيم الآخرة لم يزل مقدما على الأعداء، صابرا على اللاواء،
~~ومن كان مراده الغنيمة العاجلة ضعف صبره، ولم يؤمن فشله، وكان ثباته قليلا،
~~فشله مدخولا.
# 3 - وقال أبو القاسم البلخي: يجوز أن يكون ذلك خالصا في المنافقين يوم
~~أحد، فخبر سبحانه أنه ينيلهم بعض ما يريدونه من عرض الدنيا، امتحانا لهم لا
~~رضا عنهم، ومما يقوي أن ذلك مخصوص ms150 أنا نرى كثيرا من الكفار يريدون عرض
~~الدنيا، ولا ينالونه، ويريدون منها الكثير فينالون القليل، فدل ذلك على
~~كونه مخصوصا. ويحتمل أيضا - لما قال سبحانه: (نؤته منها)، ولم يقل نؤته
~~إياها - أن يكون المراد بذلك إيتاء القليل والبعض، لا إيتاء الكثير والكل،
~~لان (من) للتبعيض ههنا، وقل أحد إلا وقد أوتي من منافع الدنيا شيئا: كثر أو
~~قل، ودق أو جل.
# وليس لقائل أن يقول: (فقد قال سبحانه: (ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها)،
~~وهذا أيضا يلزمكم أن يكون المؤتى قليلا)، لان (من) إذا كانت ههنا للتبعيض،
~~فهي دالة على الاعطاء من الجنس المذكور، ويحتمل ذلك الكثرة والقلة، فيتميز
~~ذلك باستحقاق المعطى، فإن كان عمله جزيلا كان ثوابه جزيلا، وإن كان قليلا
~~كان قليلا، وعلى أنه لا بد من ذكر (من) ههنا للدلالة على التبعيض، لأنه
~~سبحانه على الحقيقة يعطي كل عامل على قدر عمله من ثواب الآخرة، ولو لم يقل
~~(نؤته منها) وقال: نؤته إياها، لا وهم أنه يؤتي من يريد PageV00P260
# ثواب الآخرة (جميع ثوابها) NoteV00P261N01، وهذا غير صحيح.
# والهاء في قوله تعالى: (نؤته منها) في الموضعين راجعة إلى الدنيا
~~والآخرة، وهي في المعنى راجعة إلى الثواب، لأنه معروف في كلام العرب أن
~~يقول القائل: اللهم ارزقني الآخرة، وهو يريد ثواب الآخرة، فلما كان ذلك
~~كذلك كان رجوع الهاء على الآخرة كرجوعها على ثواب الآخرة، ألا ترى أنهم قد
~~يؤنثون فعل الاسم المذكر متقدما عليه لأنه مضاف إلى المؤنث، وقد جاء ذلك في
~~اشعارهم كثيرا، فلئن يؤنثوا الضمير الراجع إلى المؤنث الذي أضيف إليه
~~المذكر متأخرا عنه، أحرى، فمما أنثوا فيه فعل المذكر المضاف إلى المؤنث
~~متأخرا عنه قول الشاعر:
# مر الليالي أسرعت في نقضي NoteV00P261N02 وإنما ساغ له ذلك لان مر
~~الليالي في الحقيقة من جملة الليالي، وهي مؤنثة، فأنث الفعل حملا على
~~المعنى، ومما أنثوا فيه فعل المذكر المضاف إلى المؤنث متأخرا عنه (وهو أكثر
~~من الباب الأول) قول ذي الرمة NoteV00P261N03:
# وتشرق بالقول الذي قد أذعته ms151 * كما شرقت صدر القناة من الدم وقول جرير:
# لما أتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع
# PageV00P261
# 4 - وقال بعضهم: معنى ذلك أن من طلب بعمله الدنيا أعطي منها، وكل نعمة
~~على العبد فهي تفضل من الله سبحانه، وعطاء منه، ومن كان قصده بعمله الآخر
~~آتاه الله منها مستحقه، وليس في هذا دليل على أنه يحرمه خير الدنيا مع
~~إعطائه من نعيم الآخرة، لأنه سبحانه لم يقل: ومن يرد ثواب الآخرة لم نؤته
~~إلا منها.
# 5 - وقال بعضهم: معنى ذلك ومن يرد ثواب الدنيا متعرضا له بعمل النوافل مع
~~مواقعة الكبائر يجز بها في الدنيا من غير حظ في الآخرة، لاحباط عمله بفسقه.
# 6 - وقال بعضهم: معنى ذلك أن من كان يقصد طلب الدنيا فقد أعطاه الله من
~~الدنيا ما إن طلب به ثواب الآخرة آتاه ذلك، وإن لم يطلب ثواب الآخرة فقد
~~أعطاه تعالى من الدنيا ما امتحنه به وابتلاه فيه، وكل مكلف فقد أعطي من
~~الدنيا حظا، إن صرفه إلى معاده نال ما عند الله به، وإن لم يفعل ذلك فقد
~~نال ما طلب من الدنيا، وكان وبالا عليه.
# وقال قاضي القضاة أبو الحسن: الأقرب في ذلك أن يكون معناه: أن من أراد
~~بجهاده طريقة الدنيا نؤته من الدنيا ما هو صلاح له، لا أن المراد بذلك أن
~~نفس ما يطلبه المرء بعينه يفعله الله تعالى به، لان ذلك لا يكاد يتم: لا في
~~الجهاد ولا في غيره، إذ كان قدر ما يطلبه العبد من غنيمة أو غيرها لا يكاد
~~يجده، حتى يصير مطلوبه وفقا لمراده غير فاضل عنه ولا قاصر دونه، وهذه طريقة
~~أبناء الدنيا فيما PageV00P262
# يريدونه منها.
# وقوله تعالى: (ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) أي: من نعيم الآخرة
~~والثواب المعد لأهلها، وهذا أيضا لا يدل على أن كل مطلوبه يناله لأنه لو
~~طلب أزيد من مستحقه لم يكن لينال ذلك إلا قدرا ما من التفضل.
# فان قال قائل: فهل يتنافى حصول ثواب الدنيا مع ثواب ms152 الآخرة؟
# قيل له: إن ذلك لا يتنافى، لان من يريد الآخرة بجهاده قد تحصل له الغنيمة
~~في الدنيا، فيكون الله سبحانه جامعا له بين الامرين، ويدل على ذلك قوله
~~تعالى من بعد: (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب
~~المحسنين)، فأما قوله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن
~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) NoteV00P263N01،
~~فلا يعترض به على صحة اجتماع ثواب الآخرة ومنافع الدنيا لبعض العباد، لان
~~معنى هذه الآية أن من كان يريد حرث الدنيا غير عامل للآخرة نؤته من الدنيا
~~شيئا ونحرمه ثواب الآخرة، وما ذكرناه في ذلك أولا يدل على أن من أراد
~~الآخرة بجهاده يؤتيه الله سبحانه ثواب منها، ويرزقه أيضا من فوائد الدنيا
~~ومنافعها ما يكون فضلا على مراده ونيفا على استحقاقه.
# وقوله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه)
# PageV00P263
# نظير قوله سبحانه: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له...)
~~NoteV00P264N01 وقوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها...)
~~NoteV00P264N02، وإنما قال سبحانه ذلك، ترغيبا في العمل للآخرة، إذا كان
~~يضاعف الاستحقاق عليه ويتكفل في الزيادة فيه، تعظيما لقدر ثواب الآخرة، ألا
~~تراه تعالى كيف وصفه بالحسن ولم يصف ثواب الدنيا بذلك! لان حاليهما
~~مختلفان، فقال سبحانه:
# (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة)، وهذا من غوامض القرآن
~~فاستيقظ له!.
# ومما ينظر إلى هذا المعنى ويرمي إلى هذا المغزى قوله تعالى لأهل الجنة:
# (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) NoteV00P264N03،
~~فأمرهم بالأكل والشرب مطلقا، من غير استثناء للاسراف فيه أو الوقوف على حد
~~لا يجوز التجاوز له، وقال لأهل الدنيا: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل
~~مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا... الآية) NoteV00P264N04، فاستثنى سبحانه
~~عليهم الاسراف في الأكل والشرب، علما منه تعالى بأن ذلك مفسدة لهم ومقطعة
~~عن عبادة ربهم، إلى كثير من مضار الاسراف العائدة عليهم، ولما كانت هذه
~~الأمور منتفية ms153 عن أهل الجنة أطلقهم سبحانه في الأكل والشرب إطلاقا غير
~~مقيد، وأمرهم به أمرا غير متعقب، وهذا
# PageV00P264
# أيضا من خبايا القرآن وخفايا هذا الكلام.
# وقد تعلق قوم بقوله تعالى لأهل الجنة: (كلوا واشربوا)، وقالوا: هذا امر
~~يدل على إرادة المباح، وليس ذلك من قولكم، لأنكم تقولون: إنه سبحانه لا
~~يريد من عباده إلا ما يستحقون به الثواب، وإلا كانت الإرادة عبثا.
# والجواب عما تعلقوا به من ذلك: أن وجه الفائدة في هذه الإرادة المخرج لها
~~عن أن تكون عبثا، أنه سبحانه إذا أراد من أهل الجنة أن يأكلوا ويشربوا -
~~وليست الحال حال تكليف - كسبهم ذلك سرورا إذا علموه سبحانه مريدا لأكلهم
~~وشربهم، فيكون مراده تعالى حصول تلك المسرة لهم، فتخرج الإرادة حينئذ من
~~كونها عبثا، وذلك لا يتأتى في المباح. وفي ما ذكرناه من ذلك كاف بتوفيق
~~الله. PageV00P265
# 29 - مسألة (الانسان مختار في فعل ما كتب عليه؟) الجواب عن شبهة الجبر في
~~الآية - معنى كتب: علم - معنى كتب: فرض، وإضافة المصدر إلى مفعوله - تسمية
~~المنكح بالمضجع ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز
~~الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم.. الآية - 154)، فقال: فحوى هذا الكلام
~~يدل على ضد ما تدعونه من أن الانسان قد يمتنع من فعل ما كتب عليه وعلم منه،
~~وهو قادر على ذلك غير عاجز عنه!.
# فالجواب: أن الذي ادعاه الخصم على مخالفيه غير صحيح عنهم، ولا هو قول
~~لأحدهم، وذلك أن أهل الحق لا يقولون: إن أحدا من العباد يجوز أن يقع منه
~~خلاف لما علم الله سبحانه أنه يفعله، ومع ذلك فمن قولهم أن العباد وإن
~~كانوا سيفعلون ما علم الله أنهم يفعلونه لا محالة، فإنهم غير مضطرين ولا
~~مقهورين، بل قادرون مختارون NoteV00P266N01، وبعد، فليس في وقوع المعلوم من
~~فعل الفاعل دليل على اضطراره
# PageV00P266
# وعدم اختياره، لان المسلمين مجمعون على أن ما علم الله سبحانه أنه يفعله
~~فهو فاعل له لا محالة، وليس يوجب ذلك أن يكون مضطرا ولا مضطهدا، ms154 وإن كان
~~تعالى على ضد ما يعلم أنه يفعله قادرا، فقد بطل إذن ما ظنه السائل من القدح
~~في قوله سبحانه: (لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم)، ولم يمتنع أن
~~يكون الذين برزوا إلى مضاجعهم مختارين غير مضطرين، كما أن الله سبحانه
~~مختار لإماتة عباده وبعثهم إلى معاده، وقادر على ضد ذلك فيهم، وإن كان
~~سبحانه لابد أن يفعل الفناء والإماتة والبعث والإعادة، دون أضداد ذلك، وهذا
~~مما لا يدفعه دافع ولا يجحده جاحد.
# وقال بعضهم: الخطاب في ذلك للمنافقين، فكأنه سبحانه قال:
# لو أخلدتم إلى لزوم بيوتكم فلم تخرجوا إلى عدوكم ونصر نبيكم، لبرز
~~المؤمنون إلى نصره وترافدوا على منعه، ومعنى (برزوا) أي: خرجوا إلى البراز،
~~وهو: الضاحي NoteV00P267N01 من الأرض، اي: لأوصلتهم NoteV00P267N02 الأسباب
~~التي عنها يكون القتل إلى مضاجعهم.
# فكان تلخيص الكلام أنه لو قعد عن القتال المنافقون، لخرج إليه وقام به
~~المؤمنون، ولم يرد تعالى بقوله: (كتب عليهم القتل) - على هذا التأويل -
~~معنى: فرض، وإنما أراد معنى: علم ذلك منهم، أو سبق اثباته في اللوح المحفوظ
~~قبل وقوع القتل بهم، كما قال تعالى:
# (ستكتب شهادتهم ويسألون) NoteV00P267N03، وكما قال تعالى:
# PageV00P267
# (سنكتب ما قالوا..) NoteV00P268N01 ومعنى هذا: سنثبت ما قالوا لنجازيهم
~~عليه، ولا وجه لتأول (كتب) على (فرض) ههنا إلا على وجه سنذكره فيما بعد
~~بمشيئة الله تعالى، ولم يرد تعالى بذلك أن القتل الواقع بهم من قبله، لأنه
~~لو كان من قبله لما جاز أن ينهى فاعليه من الكفار عنه ويذمهم عليه ويرصد
~~لهم العقاب على فعله.
# وقد قيل في ذلك وجه آخر، وهو: أن يكون معنى (كتب عليهم القتل) أي: فرض
~~عليهم قتل الكافرين، فيكون القتل واقعا منهم لا بهم، والمصادر - على ما
~~ذكرناه في عدة مواضع من كتابنا هذا - يجوز اضافتها NoteV00P268N02 إلى
~~الفاعلين دفعة، والى المفعولين مرة، وإنما يتخصص بإحدى الجهتين عندما ينضاف
~~إليها من القرائن، ويتصل بها من الدلائل، وقد يجوز أن يكون القتل ههنا
~~بمعنى القتال NoteV00P268N03، فكأنه تعالى قال: ms155 (لبرز الذين كتب عليهم
~~القتال)، وعلى ذلك قراءة من قرأ: (فان قتلوكم فاقتلوهم) NoteV00P268N04،
~~المراد: فان قاتلوكم فاقتلوهم، على بعض التأويلات.
# فان قال قائل: إذا كان الامر على ما ذكرتموه، فما معنى قوله تعالى: (إلى
~~مضاجعهم) فأضاف المضاجع إليهم! والمضاجع على
# PageV00P268
# قولكم هذا إنما تكون لأعدائهم، لا لهم.
# قيل له: في ذلك جوابان: (أحدهما)، أن الخبر جاء أن المنافقين كانوا
~~يثبطون المؤمنين عن الخروج يوم أحد، ويقولون: إنما تخرجون إلى مضاجعكم
~~ومساقط رءوسكم، تهييبا لهم وتجبينا لقلوبهم، فخاطبهم الله تعالى على حد ما
~~قالوا، فكأنه سبحانه قال: (لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل
~~إلى المواضع التي ذكرتم انها مضاجعهم وظننتم أنها مصارع جنوبهم)، وهذا
~~كقوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) NoteV00P269N01 أي: إنك كنت في
~~ظنك أوفي اعتقاد اتباعك بمنزلة العزيز الكريم.
# و (الوجه الآخر)، أن تكون المضاجع عائدة إلى الذين قتلوا، لا إلى الذين
~~قتلوا، ويكون في ذكره تعالى القتل الذي هو مصدر - وقد قدرنا أنه واقع على
~~المفعولين ههنا دون الفاعلين - دلالة على أن هناك مقتولين، فحسن لذلك أن
~~يقول: (إلى مضاجعهم) ويرد الضمير فيها إليهم. وهذا قول لي، ولم يمض (بي 2)
~~لاحد من العلماء.
# والعرب تسمي المناكح: المضاجع، لان المضاجع من أسبابها، كما يسمون
~~النكاح: فراشا، والمرأة: فراشا على مثل ذلك، وقال الشاعر NoteV00P269N03:
# PageV00P269
# ولما بلغنا الأمهات وجدتم * بني عمكم كانوا كرام المضاجع أراد: كرام
~~المناكح.
# ومن شجون هذه المسألة ما ذكر عن أبي الأسود الدؤلي أنه قال لامرأته:
~~(الحمد لله الذي جعلك لي فراشا وكفى بالفراش ذلا)، فقالت له: (الحمد لله
~~الذي جعلك لي غطاء وكفى NoteV00P270N01 بالوقاية مهانة).
# وفي ما ذكرناه من الجواب عن هذه المسألة مقنع بتوفيق الله.
# 30 - مسألة (الشيطان يخوف أولياءه) الجواب عن شبهة تخويف الشيطان أولياءه
~~- جواز أن يكون المراد بالشيطان بعض الانس - المخوفون هم أولياء الشيطان
~~على الحقيقة - يراد بالشيطان الجنس ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (إنما ذلكم
~~الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن ms156 كنتم مؤمنين - 175)، فقال:
~~المعلوم أن الشيطان يخوف أعداءه لا أولياءه، فما معنى هذا الكلام؟.
# PageV00P270
# فالجواب: أن هذه الآية نزلت على سبب، كما جاءت به الرواية، وذلك أن النبي
~~صلى الله عليه وآله ندب الناس ثاني يوم أحد إلى اتباع المشركين، تقوية
~~لقلوب أصحابه، وتجلدا على أعدائه، وكان بالمسلمين من جوائح NoteV00P271N01
~~الجراح ومواقع السلاح ما انتزع قواهم NoteV00P271N02 وأثر في تماسكهم، حتى
~~كان بعضهم يحمل بعضا عند خروجهم في هذا الوجه، ضعفا عن الاستمرار على
~~المشي، والدوام على السعي، فلما ندب صلى الله عليه وآله الناس إلى الخروج
~~قال المنافقون للمؤمنين - على طريق التهييب لهم والمكر بهم -: قد رأيتم ما
~~لقيتم بالأمس من أعدائكم، وأنتم في باحات دياركم ومدارج أقدامكم، حتى لم
~~يفلت منكم إلا الشريد ولم ينج منكم إلا القليل، أفتصحرون لهم اليوم وقد قل
~~عددكم وضعف جلدكم وأسرع القتل في رجالكم!، فأوقع الشيطان قول المنافقين في
~~قلوب بعض المؤمنين، فأنزل الله سبحانه (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه)
~~والمراد يخوفكم من أوليائه الذين هم المشركون، أو يخوفكم بكثرة عدتهم، وحدة
~~شوكتهم.
# وقد يجوز أن يكون المراد ههنا بالشيطان بعض الانس، لان هذا الاسم يقع على
~~الجني والانسي جميعا، قال سبحانه: (شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى
~~بعض... الآية) NoteV00P271N03.
# ثم قال سبحانه: (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) أراد تعالى:
# PageV00P271
# لا تستكينوا لقولهم ولا تقعدوا عن القتال لتخويفهم، أي لا تكن منكم
~~الامارات التي تدل على الخوف: من ظهور الفشل والاخلاد إلى العلل، إذ كان
~~سبحانه قد وعدكم النصر عليهم والظفر بهم، ولم يرد تعالى نهيهم، عن الخوف
~~الذي يرد على قلوبهم من قول المنافقين، لان ذلك مما لا يمكنهم الامتناع منه
~~في أول وهلة إلا بعد زوال الشبه ومراجعة القوى والمنن، وإنما نهاهم تعالى
~~عن إظهار شواهد الخوف ودلائل الروع وذلك في طاقتهم، كما نقوله في النهي عن
~~البكاء على الميت أنه متوجه إلى النحيب والنشيج، لان الانسان متمكن من
~~الامتناع من ذلك، فأما إرسال الدموع فلن يستطيع ms157 الامتناع منه، لأنه فعل
~~الله تعالى فيه.
# فعلم ما ذكرنا من نزول هذه الآية على سبب، يكون (عليه 1) تقدير الكلام:
~~أن الشيطان يخوف المؤمنين بأوليائه الذين هم المشركون فلما أسقط الباء وصل
~~الفعل إلى الأولياء فنصبهم، وعلى ذلك قول الشاعر:
# وأيقنت التفرق يوم قالوا * تقسم مال أربد بالسهام أراد: وأيقنت بالتفرق.
~~أو يكون تقدير الكلام: إنما ذلكم الشيطان يخوفكم أولياءه، فحذف المفعول
~~الأول واكتفى بالثاني، كما يقول القائل: فلان يعطي الأموال ويكسو الثياب،
~~والمعنى يعطي الناس الأموال ويكسوهم الثياب، فحذف ذلك لشهادة الحال به
~~ودلالتها عليه، وعلى ذلك قوله تعالى: (لينذر بأسا شديدا من لدنه...)
~~NoteV00P272N02،
# PageV00P272
# أي: لينذركم بأسا شديدا، فاقتصر على المفعول الثاني من المفعول الأول،
~~ومثله قوله تعالى: (لينذر يوم التلاق) NoteV00P273N01 أي:
# لينذركم ذلك اليوم.
# والى هذا التأويل المذكور ذهب ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
# وذهب كثير من العلماء المتقدمين، منهم الحسن، والسدي، وجماعة من
~~المتأخرين، منهم أبو مسلم بن بحر، وقاضي القضاة أبو الحسن، إلى:
# ان قوله تعالى: (يخوف أولياءه) على ظاهره، وأن المخوفين هم أولياء
~~الشيطان على الحقيقة، ومعنى ذلك: أن الذين يكون خوفهم على ختل الشيطان
~~ووسوسته ومكره وخديعته، إنما هم المنافقون ومن لا حقيقة لايمانه ولا عقدة
~~ليقينه. واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى في سورة النحل: (إنه ليس له سلطان
~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون 99 إنما سلطانه على الذين يتولونه
~~والذين هم به مشركون 100).
# وإنما جعلهم أولياءه من حيث ركنوا إلى وسوسته وانقادوا لغوايته، ومن كان
~~بهذه الصفة فهو ولي الشيطان، بمعنى تولي القبول والركون، لا تولي العبادة
~~والدين، والمؤمن مخالف لهذه الطريقة، لأنه عند الخواطر السيئة من الشيطان
~~ومن غيره يرجع إلى يقينه ويتوكل على ربه. وفي ذلك دليل على أن وسوسة
~~الشيطان لا تؤثر إلا فيمن يقبل منه وينقاد له، ولو كان تأثيرها عاما لم يخص
~~الله تعالى أولياءه
# PageV00P273
# بالذكر، لان المعلوم من حاله أنه يخوف سائر من يتمكن من تخويفه، ولكن
~~أولياءه لما اختصوا بالقبول منه صار ذلك خاصا ms158 لهم، لان من لا يتولاه إذا لم
~~يقبل خديعته لم يسم خائفا منه.
# فان قيل: فإذا كان المعنى على هذا التأويل المذكور خيرا، فما معنى قوله
~~تعالى: (فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين)؟، وإنما كان ذلك خطابا مستقيما
~~على التأويل الأول الذي معناه تخويف المؤمنين من المشركين!
# ففي ذلك جوابان: أحدهما، أن يكون قوله تعالى (فلا تخافوهم) عائدا على
~~القوم الذين بهم خوف الشيطان أولياءه وهم المشركون، لان الشيطان إنما يخوف
~~المنافقين والضعفة من المسلمين بشدة شوكة المشركين وكثرة عددهم ووفور
~~مددهم، ولا يكون مع هؤلاء القوم من قوة الدين واشتداد معاقد اليقين ما
~~يعتصمون به من كيده، وينفون به خواطر وسوسته، بل يصغون إلى قوله ويضعفون في
~~يده، ويكونون في ذلك بخلاف الصفة التي يكون المؤمنون عليها، كما ذكرنا أمام
~~كلامنا هذا، فيصح حينئذ معنى قوله تعالى للمؤمنين: (فلا تخافوهم) إذا كان
~~عائدا على المشركين.
# والجواب: الآخر: أن يكون الشيطان ههنا بمعنى الجنس، أي:
# لا تخافوا هذا القبيل من الجن، وهذا كقوله تعالى: (والعصر إن الانسان لفي
~~خسر)، ثم استثنى سبحانه الذين آمنوا من الجملة، فقال: (إلا الذين آمنوا)،
~~فدل على أن الانسان ههنا بمعنى الجمع.
# فان قيل: فكان يجب أن يكون وجه الكلام على قولكم إنما PageV00P274
# ذلكم NoteV00P275N01 الشيطان يخوفون... أولياءه) على اللفظ
~~NoteV00P275N02، ويقول:
# (فلا تخافوهم) على المعنى، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وإنا إذا أذقنا
~~الانسان منا رحمة فرح بها) NoteV00P275N03 ثم قال سبحانه:
# (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم)، فجاء بقوله (فرح بها) على اللفظ،
~~وبقوله (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم) على المعنى، ثم رد تعالى آخر
~~الآية على أولها، ليكون الطرفان شاهدين على حقيقة المراد بالوسط، فقال
~~سبحانه: (فإن الانسان كفور) إعلاما لنا أن المراد بالإنسان ههنا الجمع.
~~وهذا أيضا من المواضع العجيبة الفصاحة، التي لا تبلغها البشر ولا تقوم بها
~~القوى والقدر.
# فأما قوله تعالى في عجز هذه الآية: (ان كنتم مؤمنين)، فيحتمل معنيين:
~~أحدهما، أن يكون المراد بذلك إن كنتم متمسكين ms159 بجملة الايمان، آخذين به في
~~السر والاعلان. والآخر، أن يكون المعنى أن كنتم موقنين بنصرتي، مصدقين
~~بألطافي ومعونتي. وفي ما ذكرناه من هذه المسألة كاف بتوفيق الله تعالى.
# PageV00P275
# 31 - مسألة (إنما نملي لهم ليزدادوا اثما) ظاهر الآية ان الله يريد
~~المعصية من الكفار - الجواب عن ذلك - قاعدة رد المتشابه على المحكم - ورود
~~اللام بمعنى العاقبة - ورود الآية في الجهاد - خير معناها التفضيل - إضافة
~~المنهي عنه إلى الناهي - اللام والفاء يجريان مجرى واحد والرد على هذا
~~القول - قراءات الآية وما يترتب عليها.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير
~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين - 178)، فقال: فحوى
~~هذا الكلام يدل على أنه تعالى يريد الكفر من الكفار، لأنه سبحانه قد ذكر أن
~~إن إملاءه لهم إنما هو ليزدادوا إثما ويحتقبوا وزرا، وهذه اللام كاللام في
~~قوله تعالى:
# (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) NoteV00P276N01، فكما دل بتلك على
~~أنه تعالى يريد من الخلق طاعته، فكذلك يجب أن يدل بهذه على أنه يريد من
~~الكفار معصيته. وبين أيضا أن هذا الاملاء ليس بخير لهم، وهو مقو لما
~~ذكرناه، ونهاهم سبحانه أن يحسبوا ذلك
# PageV00P276
# الاملاء خيرا لهم وسببا لمنفعتهم.
# فالجواب: أن ما تقدم في كتابنا هذا مكررا ومرددا من الأدلة على حكمة الله
~~سبحانه وصفة عدله ونفي القبائح عن فعله، يغني عن الجواب فيما تعلق به هذا
~~السائل، إلا أننا نذكر بتوفيق الله تعالى جملة من أقوال العلماء في تأويل
~~هذه الآية ليكون ذلك أقطع للعلل وأنقع للغلل بمشيئة الله، فنقول:
# 1 - إنا قد قدمنا في صدر هذا الكتاب - عند الكلام في أصول المحكم
~~والمتشابه - قاعدة يجب أن يقع البناء عليها، والرجوع إليها، وهي:
# أن الآيات المتشابهات إذا وردت وجب ردها إلى الآيات المحكمات، والآية
~~التي نحن في الكلام عليها من المتشابه، وأصلها الذي يجب حملها عليه هو
~~الآية المحكمة التي عارضنا بها السائل، وهي قوله تعالى: (وما خلقت الجن
~~والإنس إلا ليعبدون). ms160 وإنما NoteV00P277N01 صارت هذه الآية من المحكم
~~الموافق لدلالة العقل، من أجل أن اللام في قوله تعالى: (ليعبدون) دخلت على
~~ما يصح أن يكون مرادا، وهو عبادة الجن والإنس، وصارت الآية الأولة
~~NoteV00P277N02 من المتشابه المخالف لدلالة العقل لدخول اللام في قوله
~~تعالى (ليزدادوا إثما) على ما لا يصح أن يكون مرادا، وهو زيادة الاثم،
~~فاحتجنا حينئذ إلى حملها على الوجوه التي (تظاهر) NoteV00P277N03
# PageV00P277
# أدلة العقل وقواعد العد ل. وهذا أصل من أصول الدين يجب العمل عليه والوقف
~~عنده.
# وكيف يجوز أن يتوهم العاقل انه سبحانه أعطى الكفار الصحة والسلامة
~~والاملاء والإقامة، ليفتروا عليه ويكفروا به! وكيف يجوز أن يسخط عليهم بفعل
~~ما خلقهم من أجله وحاشهم NoteV00P278N01 إلى فعله، على قول الخصوم! أولا
~~يستمعون إلى قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى
~~وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي...) NoteV00P278N02! والحكيم لا يأمر إلا
~~بما يريده ولا ينهى إلا عما يكرهه، لان أمره بالشئ يدل على حسنه، ونهيه عن
~~الشئ يكشف عن قبحه.
# وبعد، فان ظاهر هذه الآية لا يدل على أنه تعالى أراد الكفر منهم، وإنما
~~يدل على أنه أراد العقوبة لهم، لان ظاهر الخطاب ينبئ عن الجزاء لا عن نفس
~~الفعل في العرف، ويؤيد ذلك ما يتصل به من قوله تعالى: (ولهم عذاب مهين)،
~~ونحن لا نمنع من أن يريد تعالى عقوبتهم، وإنما نمنع من إرادته الكفر
~~والمعاصي منهم، وهذه اللام وإن كانت ترد في كلامهم بمعنى كي، فإنها ترد
~~أيضا بمعنى المصير والعاقبة، وليس حملها على الوجه الأول بأولى من حملها
~~على الوجه الثاني، لا سيما إذا انضمت إليها القرائن التي تخصصها به وتحيزها
# PageV00P278
# إليه، وقد قدمنا طرفا من الكلام على هذا المعنى في أول كتابنا هذا.
# فما ورد في التنزيل مما يدل على دخول هذه اللام للعاقبة قوله تعالى:
# (وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله...) NoteV00P279N01، والقوم على
~~الحقيقة إنما اتخذوا الآلهة ليقربوهم إلى الله سبحانه على زعمهم، وليعتمدوا
~~بذلك إصابة الحق في دينهم، ms161 فلما كان ذلك صائرا إلى الضلالة ومؤديا إلى
~~الخسار، جاز وصفهم بأنهم فعلوا ذلك للضلال، وقد تكرر ذكرنا لما قيل في ذلك
~~من الاشعار التي منها قول الشاعر:
# أموالنا لذوي الميراث نجمعها * ودورنا لخراب الدهر نبنيها وقول الآخر:
# وللمنايا تربي كل مرضعة * وللخراب تجد الناس عمرانا والناس يربون أولادهم
~~لان يحيوا لا لان يموتوا، ولان ينجو الا لان يعطبوا، ويبنون دورهم لان تعمر
~~لا لان تخرب، ولان تبقى لا لان نذهب، ويجمعون أموالهم لينتفعوا بها هم لا
~~لينتفع بها غيرهم، وليبلغوا بها آرابهم NoteV00P279N02 لا ليحظى بها
~~وراثهم، ولكن العواقب والمصائر لما كانت تؤول إلى خراب الديار وتوريث
~~الأموال وفقدان الأولاد، حسن أن يقول الشاعر ما قال.
# 2 - وقيل: إن المراد بقوله تعالى: (إنما نملي لهم ليزدادوا اثما) اخبار
~~عن عاقبة امرهم ومصيره ومرجعه ومآله، وأنهم غير منتفعين بما أعطوه من
~~الاملاء والانظار لتمام الابتلاء والاختبار.
# PageV00P279
# 3 - وقال بعضهم: إن المراد بذلك: (ولا يحسبن الذين كفروا أن تبقيتهم إذا
~~ضامها NoteV00P280N01 الاصرار على الكفر تكون خيرا لهم)، فكأنه تعالى نفى
~~أن تكون التبقية مع شغلهم لها بالكفر خيرا لهم، وإن كانت خيرا في نفسها،
~~ولكنهم بما اختاروه من الارتكاس في الغواية والاصرار على الضلالة أثروا
~~بالتبقية، فأخرجوها عن صفتها وعكسوها عن طريقتها NoteV00P280N02، فجعلوها
~~شرا عليهم، وإن كان سبحانه إنما أراد بها الخير لهم ليتوبوا ويقلعوا
~~ويثيبوا ويرجعوا، فكانوا كما قال تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله
~~كفرا...) NoteV00P280N03، وذلك كقول القائل لغيره - وقد منحه الأموال
~~العظيمة والرغائب الجسيمة، فصرف ذلك في المحارم والمعاصي -: (إن الذي منحتك
~~شر لك ووبال عليك)، لما صرفه في الوجوه العائدة عليه بذلك، وإن كان المعطي
~~منعما والمانح محسنا مجملا، فبين تعالى أن حال الكافرين بما اختاروه في مدد
~~أعمارهم، من التقاعد عن الجهاد والنكوص عن الأعادي، ليست بخير لهم من حال
~~المؤمنين الذين ثبتوا على الدفاع عن دينهم وأصيبوا في سبيل ربهم، لان حال
~~من أقعد عن الجهاد وثبط عنه خلاف من ms162 ثبت عليه ورغب فيه. وما سبق من الآيات
~~التي وردت أمام هذه الآية تدل على أنها واردة في معنى الجهاد، فأراد سبحانه
~~أن يبين لنا أن بقاء الكافرين في الدنيا، وهو إملاء الله تعالى لهم ليس
# PageV00P280
# بخير لهم من أن يموتوا كما مات المؤمنون في القتال مع الرسول صلى الله
~~عليه وآله شهداء في يوم أحد، بل كان الموت خيرا لهم من الطاعة من البقاء
~~والاملاء مع المعصية.
# 4 - وقال بعضهم: معنى ذلك: ولا يحسبن الذين كفروا أن املاءنا لهم رضا
~~بأفعالهم، بل هو شر لهم، لأنا نملي لهم ويزدادون إثما، فيستحقون به طويل
~~العقاب وأليم العذاب، وكيف يجوز أن يكون إملاء الله لهم ليزدادوا إثما، لا
~~ليؤمنوا أو يهتدوا، على القول الذي ذهب إليه من عشا عن نور الحق، وخبط في
~~طريق الجهل، والرسول صلى الله عليه وآله دائب يدعوهم إلى الايمان، وينهاهم
~~عن العدوان، ويحوشهم إلى المصالح، ويصدهم عن المفاسد، ويحاربهم على الزيغ
~~عن الدين، ويدلهم على الحق المبين، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا
~~كبيرا!
# 5 - وقال بعضهم: معنى ذلك: لا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم بخير كان
~~من أنفسهم استحقوه بفعلهم، أي: فلا يغتروا بذلك فيظنوا انه لمنزلة لهم،
~~لأنهم كانوا يقولون: لو لم يرد الله ما نحن عليه لم يمهلنا، فإنه تعالى قال
~~بل املاؤنا لهم بخير من قبلنا ونعمة من عندنا، فازدادوا بالاملاء إثما
~~وبالانظار كفرا. وفي هذا القول اختلاف واضطراب.
# 6 - وقال أبو علي: ويدل على أن الله تعالى أراد بقوله:
# (ولا يحسبن الذين كفروا أنا نملي لهم خير لأنفسهم) أي: لا يحسبوا أن
~~إملاءنا لهم خير من أن يموتوا كما مات المؤمنون في الحرب PageV00P281
# والجهاد، ولم يرد تعالى بذلك أن هذا الاملاء ليس بخير جملة، وأنه ضرر ولا
~~نفع فيه بتة، لان معنى خير في قول القائل: هذا خير لزيد، لا بد من أن يكون
~~معناه في اللغة أنه خير لزيد من كذا، لان معناه في العربية هو أفعل، وكذلك
~~لو ms163 قيل: هذا شر لزيد، كان يجب أن يكون شرا له من كذا، لان المراد به
~~كالمراد بالأول، وإنما حذفت همزة افعل منه على سبيل الاستخفاف اصطلاحا على
~~غير قياس، ومعناهما على الحقيقة إنما هو أنفع وأضر، فكما لا يجوز أن يقول
~~القائل:
# هذا أنفع لزيد، إلا والمراد به أنفع له من كذا، ولا هذا أضر لزيد إلا
~~والمراد به أضر له من كذا، فكذلك أراد تعالى أن الاملاء ليس بخير لهم من أن
~~يموتوا في الحرب شهداء، أي ليس بأنفع لهم من ذلك، فكما لو قال تعالى: (ليس
~~بأنفع لهم من أن يموتوا في الحرب) لم يدل ذلك على أن الاملاء ليس بنفع،
~~فكذلك لا يوجب ألا يكون هذا الاملاء خيرا، كما لا يوجب ألا يكون نفعا، وإن
~~كان ليس بخير مما ذكرنا ولا أنفع، فإنه أيضا خير ونفع، لأنه من نعم الله
~~عليهم وإحسانه إليهم، وقد يجب عليهم أن يشكروا الله سبحانه عليه، والشكر لا
~~يجب إلا على نعمة، والنعمة لا بد من أن تكون خيرا ونفعا.
# قال وإنما بين الله سبحانه بقوله: (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) المعنى
~~الذي من أجله لم يكن الاملاء خيرا لهم من أن يموتوا، كما مات المؤمنون في
~~الحرب، وهوانهم يزدادون عند إملاء الله سبحانه لهم إثما، فلذلك لم يكن
~~الاملاء خيرا لهم من أن يموتوا في سبيل الله كما مات المؤمنون PageV00P282
# واستشهد الصالحون، ولو كانوا عند الاملاء يؤمنون لكان الاملاء خيرا لهم
~~من أن يموتوا كما مات المؤمنون في الجهاد، لأنهم كانوا يزدادون عند ذلك
~~إيمانا، فيزدادون ثوابا.
# 7 - وقال بعضهم: إنما حسن إضافة الفعل في قوله تعالى:
# (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) إلى الله سبحانه، لما كان كفرهم وإثمهم
~~واقعين بعد تأخير الله لهم وتبقيته إياهم، وهو تعالى لم يبقهم ليأثموا
~~ويكفروا وإنما بقاهم ليؤمنوا وليتذكروا، كما قال سبحانه: (أو لم نعمركم ما
~~يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير..) NoteV00P283N01، إلا أن الكلام خرج على
~~عادة العرب في لسانها، ومن عادتها ms164 أن تضيف الفعل المنهي عنه إلى الناهي إذا
~~كان إبلاغه في النهي لا يزيل المنهي عما كان عليه، فيقول القائل: ما زادتك
~~موعظتي إلا شرا، وما ازددت بتبصيري لك إلا غيا.
# 8 - وقال بعضهم: إنه سبحانه لما أنعم عليهم ليشكروه وأحسن إليهم ليطيعوه،
~~فتمادوا وتتابعوا في ضلالهم فتركهم وما فعلوا، وخلى بينهم وبين ما اختاروا،
~~فلم يمنعهم من ذلك اجبارا، ولم يحل بينهم وبينه اقتسارا - كان جائزا في
~~اللغة أن يسمى ذلك الترك إملاء، ويقول: ليس هذا الاملاء بخير لهم، وإنما هو
~~ليزدادوا اثما، ويريد بذلك تعالى أنه كلما أجراهم في المضمار، وأجرهم طول
~~الانظار، ولم يعاجلهم بمستحق العقاب، تمادوا غيا وازدادوا إثما. وهذا إخبار
~~منه تعالى عن عواقب الحال ومراجع الامر.
# PageV00P283
# ومثل ذلك في عرف كلام العرب أن رجلا لو قطعت يده في سرقة، فقال قائل: ما
~~دعا فلانا إلى هذا الفعل القبيح والامر الفظيع، لجاز لقائل أن يقول: فعل
~~ذلك لتقطع يده وليخزيه الله ويفضحه، وقد علمنا أنه لم يسرق لتقطع يده في
~~الحقيقة، وإنما سرق لينتفع لا ليستضر، وليزداد لا لينتقص، فلما صار آخر
~~أمره إلى قطع اليد، وآلت عاقبة حاله إلى الفضيحة والخزي، جاز في عادة أهل
~~اللغة أن يقال: إنما سرق لتقطع يده وليفضحه الله وليخزيه.
# 9 - وقال بعضهم: فحوى هذه الآية تدل على أن تبقية المكلف قد لا تكون خيرا
~~له، إذا لم يشغلها بطاعة الله تعالى لان كون ذلك خيرا يتعلق بأمرين:
~~أحدهما، من قبله سبحانه بالتمكين والالطاف وغيرهما. والآخر، من قبل العبد
~~بالانقياد والقبول وما في معناهما، فإذا لم يحصل ذلك من العبد جاز أن يقال:
~~إن التبقية ليس بخير له.
# 10 - وقال بعضهم: هذا إخبار من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله عن
~~خاصة من الكفار كان النبي صلى الله عليه وآله يرى أن تأخير إنزال العقوبة
~~بهم، ليتوب منهم تائب ويرجع راجع، فأخبره تعالى أنهم لا يتوبون ولا يرجعون،
~~لئلا يطمع في هذه الحال منهم وينتظرها من جهتهم، وأراد ms165 تعالى بقوله:
# (ليزدادوا اثما) اي: ليزدادوا عداوة للنبي صلى الله عليه وآله واجلابا
~~عليه وارصادا له، وذلك أيضا راجع إلى معنى المصير والعاقبة.
# 11 - وقال بعضهم: معنى (ليزدادوا اثما) ههنا: فيزدادوا اثما، والزيادة في
~~الاثم من قبلهم، وليست موجبة عن الاملاء لهم. PageV00P284
# قال: وهذه اللام المكسورة قد وردت بمعنى الفاء، ووردت الفاء بمعناها في
~~مواضع كثيرة من القرآن: فمن ذلك قوله تعالى: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من
~~بعدهم لننظر كيف تعملون) NoteV00P285N01، وقال تعالى: (عسى ربكم أن يهلك
~~عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) NoteV00P285N02، فموضع اللام
~~والفاء يجريان مجرى واحد، ومن ذلك قوله تعالى: (إني أريد أن تبوء بإثمي
~~وإثمك فتكون من أصحاب النار...) NoteV00P285N03. قال:
# فتكون ههنا معناها لتكون.
# وهذا القول غير مستقيم، لأن هذه اللام المكسورة لها موضعان قد ذكرناهما
~~قبل: أحدهما، أن ترد بمعنى كي، والاخر، أن ترد بمعنى العاقبة، والفاء لا
~~تستعمل في أحد هذين الموضعين، ولا تقوم فيه مقام اللام، لأنه غير جائز أن
~~يقول القائل: أعطيتك فتشكرني، بمعنى أعطيتك لتشكرني، أي: كي تشكرني، كما لا
~~يجوز أن يقول: (وما خلقت الجن والإنس الا فيعبدون) ويريد به ليعبدون، ولا
~~يجوز أن يقيم الفاء مقام اللام إذا أردنا بها العاقبة، فبطل ما ظنه هذا
~~القائل.
# وبعد، فلو كان الامر على ما قدره كان موضع (فيزدادوا) رفعا، وكان يجب أن
~~يكون (فيزدادون اثما) لأنا إذا أقمنا اللام ههنا مقام الفاء، سقط المعنى
~~الناصب لها، وهو كونها بمعنى كي، فوجب أن
# PageV00P285
# يكون موضعها رفعا، كما يقول القائل: إنما نعطيهم فتأخذون ونطعمهم
~~فيأكلون، أي: فهم يأخذون ويأكلون، ولا يجوز أن يقول: فيأخذوا ويأكلوا، لان
~~الاعطاء والاطعام ههنا ليسا بعلة الاخذ والأكل، فافهم ذلك فإنه واضح.
# 12 - وقال بعضهم: (إنما نملي لهم ليزدادوا اثما) معنى الاستفهام الذي هو
~~من الله توبيخ أو تقرير، وكأنه سبحانه قال: (لا يحسبوا أنما نملي لهم
~~ليزدادوا اثما إنما نملي لهم لغير ذلك)، ويكون هذا الكلام منقطعا من الكلام
~~الأول مبتدأ مستأنفا ms166 بعده، وقد مضى في هذا الكتاب ذكر شاهد من الشعر على
~~جواز سقوط همزة الاستفهام وهي مرادة، إلا أنه ليس حكم القرآن حكم الشعر على
~~ما قدمنا، لان الشعر يسوغ فيه ما لا يسوغ في القرآن، فلذلك كان هذا القول
~~غير سديد، لا سيما إذا قدرنا انفصال الكلام الثاني عن الكلام الأول، فان
~~الجمع بينهما حينئذ يكون كالمتناقض، لان الكلام الأول دل على أن الاملاء
~~ليس بخير لهم، وتقدير الكلام الثاني على أن موضعه استفهام، وهو من الله
~~تعالى ههنا توبيخ لهم على ظنهم أن الاملاء لهم إنما هو ليزدادوا اثما فكأنه
~~تعالى قال: لا يحسبوا أن املاءنا خير لهم، ثم قال:
# وليس املاؤنا شرا عليهم، لأنه وبخهم على تقديرهم أن الاملاء لهم ليزدادوا
~~اثما وذلك شر لهم.
# 13 - وقال بعضهم: تقدير (إنما نملي لهم ليزدادوا اثما) أن تكون ان مفصلة
~~عن ما، ويكون المعنى النفي، فكأنه تعالى قال: PageV00P286
# ما نملي لهم ليزدادوا إثما ويكون معنى إن ههنا معنى نعم واجل كقول الشاعر
~~NoteV00P287N01:
# وتقول شيب قد علا.. ك وقد كبرت فقلت إنه وكأنه قال تعالى: أجل ما نملي
~~لهم ليزدادوا إثما. وهذا الوجه أيضا مع تعسفه يقتضي التناقض كما قلنا في
~~الوجه الأول.
# 14 - وقال بعضهم: نزلت هذه الآية في أبي سفيان وأصحابه يوم أحد حين ظهروا
~~عند أنفسهم على المؤمنين، فقال تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي
~~لهم) مع استظهارهم وقوتهم وعديدهم وعدتهم (خير لأنفسهم) إن لم يراجعوا أو
~~يتوبوا (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) ما أقاموا على كفرهم ثم تكون عليهم
~~الدائرة ولهم سوء العاقبة.
# 15 - وقال بعضهم: معناه كذلك أن حكم الله تعالى أن من تمادى في رد أمره
~~وأقام على كفره ازداد إثما، ومن تمسك بأمره وانزجر بزجره كان فائزا غانما،
~~وعلى ذلك قوله تعالى في صدر الآية، (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم
~~خير لأنفسهم) أي: إذا تمسكوا بالكفر، فان ذلك الاملاء يكون وبالا عليهم
~~وضررا لهم.
# 16 وقال بعضهم: هذا الكلام ms167 على التقديم والتأخير، والمعنى:
# ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا اثما إنما نملي لهم خير
~~لأنفسهم وذلك كقوله تعالى: (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم
# PageV00P287
# تول عنهم فانظر ماذا يرجعون) NoteV00P288N01 والمراد: فانظر ماذا يرجعون
~~ثم تول عنهم، وكقوله تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي
~~يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم
~~فتكون من الظالمين) NoteV00P288N02 والمراد: ولا تطرد الذين يدعون ربهم
~~فتكون من الظالمين ما عليك من حسابهم من شئ فتطردهم، فأخر (فتكون) وهو مقدم
~~في المعنى، وقدم (فتطرد) باللفظ وهو مؤخر في المعنى.
# وقد ذكر هذا الوجه أبو جعفر الإسكافي من المتكلمين، وأبو الحسن الأخفش من
~~النحويين. وهذا القول لا يسوغ على قراءة من قرأ:
# (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم) بفتح الهمزة، لان التقدم والتأخر
~~لا يغير الكلام عما هو عليه فيما يستحقه الاعراب والبناء، كما أنك إذا قلت:
~~ضرب زيد عمرا، وكان زيد فاعلا كان مرفوعا في التقديم والتأخير، وكان
~~المفعول منصوبا كذلك، فلم يكن للتقديم والتأخير تأثير فيما يجب من الاعراب
~~للفاعل والمفعول، فلو كان الامر ههنا على ما ذكر من التقديم والتأخير، لوجب
~~أن تكون القراءة بفتح الهمزة في إنما الثانية وكسرها في إنما الأولى، لان
~~وقوع فعل لا يحسبن على الثانية ههنا، فكأنه تعالى قال: (لا يحسبن الذين
~~كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما - بفتح الهمزة - إنما نملي لهم خير
~~لأنفسهم - بكسرها -)، وكان يجب أيضا أن يكون خير ههنا منصوبا مع كسرهم
~~إنما، فلما لم يجز
# PageV00P288
# في قراءة أحد فتح الهمزة في إنما الأخيرة، ولم يقرأها قارئ إلا بالكسر
~~علم أن فعل يحسبن لم يقع عليها وأنها مبتدأة، فلذلك لم نجز فيها غير الكسر.
# فأما إنما الأولى فقد قرئت بالفتح والكسر معا، فمن قرأ (لا تحسبن) بالتاء
~~- على اختلافهم في فتح السين والباء من تحسبن وكسرهما وليس هذا موضع
~~استقصاء ذلك - وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة من السبعة، كان ms168 قوله تعالى:
~~(الذين كفروا) على هذه القراءة في موضع نصب، فإنه المفعول الأول، والمفعول
~~الثاني في هذا الباب هو المفعول الأول في المعنى، فلا يجوز إذن فتح ان من
~~قوله (إنما نملي لهم)، لان املاءهم لا يكون إياهم. ومن قرأ (يحسبن) بالياء،
~~وهي قراءة باقي السبعة، فلا يجوز في قراءته كسر (ان) من قوله (إنما نملي
~~لهم خير لأنفسهم)، وقد جاء شاذا، وحكاه عن (أبي 1) مجاهد، ووجه ذلك أن إن
~~يتلقى بها القسم كما يتلقى بلام الابتداء، وتدخل كل واحد منهما على المبتدأ
~~والخبر، فكسرت NoteV00P289N02 إن بعد يحسبن، وعلق عنها الحسبان، كما يفعل
~~ذلك مع اللام، فقال تعالى: (لا يحسبن الذين كفروا إنما) بالكسر، كما يقال:
~~لا يحسبن الذين كفروا للآخرة خير لهم.
# وقال الزجاج: ذلك جائز على قبحه، ووجه جوازه أن الحسبان ليس بفعل حقيقي،
~~فعمله يبطل مع إن، كما يبطل مع اللام، تقول: حسبت لعبد الله منطلق، ولذلك
~~قد يجوز - على بعد - حسبت إن عبد الله منطلق.
# PageV00P289
# وقال الفراء: من قرأ (لا تحسبن) بالتاء وفتح الهمزة من (إنما نملي لهم)،
~~فإنه أراد التكرير، فكأنه قال: ولا تحسبنهم، لا تحسبن أنما نملي لهم خير
~~لأنفسهم، وذلك كقوله تعالى: (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة)
~~NoteV00P290N01، على التكرير، وكأنه تعالى قال: (فهل ينظرون (2) إلا الساعة
~~هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة).
# وفي ما ذكرناه من الكلام على هذه المسألة كفاية وبلاغ بتوفيق الله تعالى.
# PageV00P290
# السورة التي يذكر فيها النساء 1 - مسألة (فانكحوا ما طاب لكم) شبهة عدم
~~الارتباط في الآية - الجواب عن ذلك - تجنب العرب في صدر الاسلام مخالطة
~~اليتامى - تفسير (ذلك أدنى الا تعولوا) - مؤاخذات على الشافعي - دفاع البعض
~~عنه ورده - باقي الأقوال في الجواب عن شبهة الآية - الفرق بين اللائي
~~واللاتي.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما
~~طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع - 3)، فقال: ليس آخر هذا الكلام طبقا
~~لأوله، لأنه تعالى وصل خوفهم من الجور في ms169 أمر اليتامى بأمره إياهم أن
~~ينكحوا هذا العدد المخصوص من النساء، فلا يسوغ في الظاهر أن يكون الكلام
~~الآخر جوابا للكلام الأول.
# فالجواب: أن هذا الكلام بحمد الله متسق النظام، سديد الانتظام وليس على
~~ما ظنه السائل من مباينة صدره لعجزه، وانفراج ما بين أوله وآخره، وذلك أنه
~~روي عن جدنا الباقر أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام: أن العرب
~~PageV00P291
# كانوا في صدر الاسلام يتجنبون مخالطة اليتامى تحرجا فيهم وإشفاقا على
~~دينهم، فلا يأكلون لهم طعاما ولا يلبسون لهم ثوبا، حتى أن الرجل منهم كان
~~لا يستظل بجدار اليتيم احترازا لدينه واستظهارا ليقينه. وقيل: إن ذلك إنما
~~فعله المسلمون وأخذوا أنفسهم به لما أنزل سبحانه: (إن الذين يأكلون أموال
~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا 10)، فتجنبوا حينئذ
~~مخالطة اليتامى واستنكاح النساء منهم، وعزل كل من كان يربي يتيما ويكفله،
~~ذلك اليتيم في بيت أفرده به، وأخدمه خادما منقطعا إليه، فشق على المسلمين
~~عزلة اليتامى وترك مخالطتهم وتجنب مطاعمتهم ومشاربتهم، فشكوا ذلك إلى رسول
~~الله صلى الله عليه وآله، فنزلت: (وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى...
~~الآية) وقد تأول العلماء معناها بعد هذه المقدمة التي NoteV00P292N01
~~قدمناها على وجهين:
# أحدهما، أن يكون المراد بذلك فان كنتم تتحرجون من مخالطة اليتامى مخافة
~~ألا تقسطوا فيهم فتحرجوا من الجمع بين النساء من غير أن تعدلوا بينهن، لأن
~~النساء في حجور الأزواج، كما أن اليتامى في حجور الولاة، فالجامع بين
~~البابين الحجر، فقيل لهم: أقلوا من الجمع بين النساء لتتمكنوا من العدل،
~~بينهن، كما تحبون أن تعدلوا بين اليتامى، فانكحوا ما طاب لكم منهن، فوصل
~~النكاح بالخوف NoteV00P292N02 لهذه العلة، وذلك أن أحدهم كان يتزوج الجماعة
~~من النساء، ثم لا يقسم منهن إلا لبعض دون بعض،
# PageV00P292
# وربما جار عليهن وفضل بعضهن في المآكل والمشارب والملابس والمناكح
~~NoteV00P293N01 وحسن العشرة وإجمال الصحبة، فكأنه تعالى قال:
# فان تحرجتم من أمر اليتامى فتحرجوا أيضا من امر النساء، فانكحوا ما طاب
~~لكم ms170 منهن، وذكر تعالى العدد المخصوص إلى أن انتهى إلى ذكر الواحدة والى
~~الاقتصار على ملك اليمين دون الحرائر والمهاير NoteV00P293N02، إذا خاف
~~الناكح ألا يفي بما يلزمه للنساء من توفية الحقوق والتسوية بينهن في
~~الأمور، ولذلك قال تعالى: (ذلك أدنى ألا تعولوا) أي:
# أقرب ألا تميلوا إلى بعض دون بعض أو على بعض لبعض، والعول ههنا الميل
~~وعليه قول الشاعر NoteV00P293N03:
# بميزان عدل لا يخيس شعيرة * ووزان صدق وزنه غير عائل أراد: غير مائل.
# والتأويل الآخر، أنهم كانوا إذا كفل الواحد منهم جماعة من يتامى النساء
~~تزوج منهن بالعدد الكثير رغبة فيما لهن من الأموال،
# PageV00P293
# فيمنعهن حقوقهن، ويمتنعن عليه لضعفهن، فكأنه تعالى قال:
# (فانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن، وإن كن من جملة النساء)، وذلك
~~كقولك: جاءني الأحنف وبنو تميم، وجاءني المهلب والأزد، وبنو تميم والأزد
~~يشتملون على الرجلين، ولكنك لما قلت:
# الأحنف، علمنا أن قولك: وبنو تميم، لم يدخل الأحنف فيه ثانية، فهذا مثل
~~لما قلنا.
# وقيل أيضا: كان ولي اليتامى يحبسهن ويمتنع من أن يزوجهن، رغبة في إمساك
~~أموالهن ليأكل منها وينتفع بها.
# والقول الأول عن سعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك والربيع.
# والقول الثاني (وهو المتعلق بنكاح اليتامى وانكاحهن) مروي عن الحسن، وهو
~~قول أبي علي وأبي العباس المبرد.
# وعن قتادة: أنه قال: معنى ذلك انكم إن تحرجتم فتركتم ولاية اليتامى
~~استظهارا لدينكم، فكذلك فتحرجوا من الزنى وانكحوا الحلال من النساء وهو
~~معنى ما طاب لكم.
# وقد حكي عن الشافعي قول في تأويل (ذلك أدنى ألا تعولوا) وهم فيه، خالف
~~أهل اللسان في الذهاب إليه، وذلك أنه قال: (ألا تعولوا) ههنا معناه ألا
~~NoteV00P294N01 يكثر من تعولون. وهذا خطأ بين، لان الامر NoteV00P294N02 لو
~~كان على ما ظنه لكان وجه الكلام: (ألا تعيلوا) أي تكثروا عيالكم، مثل
~~قولهم: أمشى الرجل، إذا كثرت ماشيته، وأثرى،
# PageV00P294
# إذا كثر ماله فصار كالثرى كثرة، وكذلك يقال: أعال الرجل إعالة، إذا كثر
~~عياله، ويقال: علت من الفقر عيلة NoteV00P295N01. فإن ms171 كان أراد هذا الوجه
~~أيضا فهو خطأ، لأنه كان يجب أن يقول NoteV00P295N02: (ذلك أدنى ألا
~~تعيلوا)، وشاهد ذلك قول الشاعر NoteV00P295N03:
# وما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل اي: يفتقر. ويقال:
~~علت العيال عولا، إذا قمت بهم، فإن كان أراد هذا الوجه أيضا فهو فاسد، لان
~~ذلك لا دليل فيه على كثرة العيال، لأنه يقال ذلك فيمن كثر عياله أو قلوا
~~NoteV00P295N04 بعد أن يكون قائما بعدة ما منهم. وليس هذا الغرض الذي رمى
~~إليه، لأنه قد فسره بقوله:
# (إنما أريد به لئلا يكثر من تعولون)، فدل ذلك على أن المراد الذي اراده
~~هو معنى عال الرجل كما قلنا أولا، فكان يجب أن يقول:
# الا تعيلوا NoteV00P295N05.
# والشافعي وإن كان له موضع من العلم لا ينكر وحق فيه لا يدفع، فليس ينبغي
~~أن يعجب من وهمه، فيما يجري هذا المجرى من لغة العرب
# PageV00P295
# ومصارف لسانها ومواقع بيانها، فان ذلك لا يسلم منه الا من أوغل في تلك
~~المضائق وثبتت NoteV00P296N01 قدمه على تلك المزالق، ولو لم ينحله أصحابه
~~التقدم في معرفة العربية والاضطلاع بغوامضها والقيام على حقائقها، حتى أنهم
~~قالوا: إن الأصمعي قرأ عليه شعر الهذليين، إلى غير ذلك مما يستهجن ذكره
~~ويستبعد مثله - لأضربنا عما أو مأنا إليه من كشف وهمه في تأويل هذه الآية،
~~ولكن العذر ما ذكرناه.
# وقد كان أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مهدي الجرجاني الفقيه العراقي
~~المقدم في الفقه. جاراني على وجه المذاكرة في المعنى الذي أشرت إليه من امر
~~الشافعي وما يردده أصحابه من ذكر تقدمه في علم اللغة، مضافا إلى علم
~~الشريعة، بذكر مواضع اخذت على الشافعي في كتبه، ولا يقولها إلا من لاحظ له
~~في علم اللغة ولا درية NoteV00P296N02 بهذه الطريقة:
# (منها)، قوله: (إن الواو توجب الترتيب)، ولم يقل ذلك أحد من علماء
~~العربية NoteV00P296N03، بل اجمعوا (كلهم 4) على أنها توجب الاشتراك
~~والجمع. وقال في بعض كلامه: (لي ثوب يسوى كذا)، وهذا خطأ فاحش، لأنه ms172 إنما
~~يقال: ساوي كذا، ولا يقال: يسوى، وقد ذكر هذا المعنى أحمد بن يحيى في (كتاب
~~الفصيح) NoteV00P296N05 وغيره
# PageV00P296
# من علماء اللغة. وقال أيضا: (إن معنى قولهم أشليت اي أغريت)، وهذا خلاف
~~كلامهم، لان الأشلاء عندهم الدعاء، قال الشاعر NoteV00P297N01:
# أشليت عنزي ومسحت قعبي اي دعوتها لأحتلبها. قلت انا: وأغرب ما مربي في
~~هذا المعنى عن بعض علماء العربية أنه قال: (معنى أشليت الكلب اي دعوته
~~لأرسله على الصيد) فجعل الأشلاء اسما للدعاء على صفة وشريطة وهي الارسال،
~~والأعرف ما عليه الجمهور من أن المراد بذلك الدعاء، وان جاز الوجه الآخر
~~على ضعف فيه.
# قال أبو عبد الله: وفسر أيضا قول النبي صلى الله عليه وآله في الرهن: (له
~~غنمه وعليه غرمه) بأن الغرم ههنا يريد به هلاك الرهن. وخطأ هذا القول غير
~~خاف، وذلك أنه لم يقل أحد من أهل اللغة ان الغرم بمعنى الهلاك، وإنما هو
~~عندهم في الأصل بمعنى اللزوم والالظاظ NoteV00P297N02 بالشئ، ثم صار في
~~العرف عبارة عما يلزم الانسان الخروج منه من حق أو غيره، وفيه ثلم له ونقص
~~من ماله، ومن ذلك سمي الغريم غريما لملازمته من عليه الدين، وسمي الملازم
~~أيضا غريما لثباته NoteV00P297N03 مع المطالب، وحصولهما جميعا في حكم
~~الثابتين، وإن اختلفت حالا ثباتهما، فصاحب الدين مانع مطالب، والذي عليه
~~الدين ممنوع مطالب، ولذلك قيل: تلازما
# PageV00P297
# وإن كانا لم يعطيا المفاعلة حقها، فان من حقها أن يفعل كل واحد من
~~الاثنين بصاحبه مثل الذي يفعله به صاحبه، وقد علمنا أن من عليه الدين لا
~~يلازم ولا يثابت، بل مراده أن يفلت من الربقة ويخلص من الضغطة، وإنما قيل:
~~تلازما، على المعنى الذي ذكرنا، ألا ترى إلى قول العرجي وهو عبد الله بن
~~عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان:
# فتلازما عند الفراق صبابة * أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر فبين أن صاحب
~~الدين هو المانع الحابس، والمعسر هو الممنوع المحتبس.
# وقول الله تعالى: (إن عذابها كان غراما) NoteV00P298N01 معناه: دائما
~~لازما، وقد يحتج ms173 أصحاب الوعيد بذلك على خلود الفساق في النار نعوذ بالله
~~منها!
# قال أبو عبد الله: (و 2) قد ذكر أيضا فيمن قطع أنملة انسان، ثم قطع أنملة
~~ثانية من تلك الإصبع، أن عليه كذا وكذا، فسمى المفصل الثاني أنملة، وإنما
~~الأنامل أطراف الأصابع، لا مفاصلها، ورواجبها التي هي عقودها، وما حكي عن
~~أحد من أهل اللغة أنه سمى عقود الأصابع ومفاصلها أنامل، فيسلك سبيله ويتبع
~~دليله.
# قال: وقال أيضا في بعض كتبه: ماء مالح، وهذا لم يقله أحد قط، إنما هو ملح
~~وعذب، قال تعالى: (هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج...) NoteV00P298N03.
# PageV00P298
# وكفى بهذه الأقوال لقائلها بعدا عن علم اللغة وغربة عن وطن العربية. وقد
~~بعدنا عن غرضنا كثيرا ونحن نرجع إليه بتوفيق الله تعالى فنقول في تمام
~~الكلام على فساد قول من قال معنى (ألا تعولوا) ألا يكثر من تعولونه:
# إن ما قاله تعالى قبيل هذا الكلام يشهد بخلاف ما ظنه من ذهب إلى ذلك،
~~لأنه تعالى قال: (فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) فأطلق (المائنين)
~~NoteV00P299N01 من مالك اليمين من الأقل والأكثر NoteV00P299N02، وهن كلهن
~~عيال تثقل بهن المئونة وتعظم الكلفة، سواء كان كثرة العيال من الحرائر أو
~~الإماء، فبان فساد قوله.
# ودليل آخر، وهو انه تعالى قال: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) ولم يقل:
~~فان خفتم ان تفتقروا، فكان الجواب معطوفا على هذا الشرط، ولا يكون جوابه
~~إلا بضد العدل وهو الجور، فوجب أن يكون معنى (ألا تعولوا) ههنا: ألا تميلوا
~~وتجوروا.
# فأما احتجاج من احتج لنصرة مذهب الشافعي في ذلك بأن قال:
# قد سمع من بعض العرب: عال الرجل وأعال، إذا كثر عياله، وبأن العرب يقول
~~الواحد منهم: لبست قميصا فعالني، يريد كان أطول مني، وعلته، يريد كنت أطول
~~منه، وبأنهم يقولون: عال الامر
# PageV00P299
# إذا ثقل حمله وأعيا حامله - فلا حجة في جميع ذلك له: [و 1] أما قوله: قد
~~سمع العرب عال وأعال إذا كثر عياله، فهي دعوى لا شاهد عليها، وما ذكر ذلك
~~في كتاب من كتب ms174 علماء اللغة الثقاة، وكل من صنف كتابا في فعلت وأفعلت منهم
~~فإنما ذكر فيه: عال الرجل إذا افتقر وأعال إذا كثر عياله، وما قاله هذا
~~المدعي لا حجة فيه له. وقال المؤرج السدوسي: (الا تعولوا) بمعنى ألا
~~تميلوا، وهي لغة جرهم.
# وأما قوله: إنهم يقولون: عالني القميص إذا طالني، والرجل إذا كثر عياله
~~ضعف عن القيام بهم وعجز عن كفالتهم، فكأن ثقلهم بهضه وأمرهم طاله وغلبه -
~~فهو فاسد أيضا، لان الامر لو كان على ما قيل من أن عالني بمعنى طالني
~~وأعجزني لكان وجه الكلام ان يقال:
# (ذلك أدنى ألا تعالوا)، لان ذلك الامر هو الذي يعيلهم ويعجزهم ليس هم
~~الذين يفعلون ذلك بغيرهم، وإلا حصل تقدير الكلام:
# (ذلك أدنى ألا تعجزوا وتطولوا)، وهذا ضد ما أراده الخصم، لان موضوع الحال
~~أن يكون هذا الامر عائلا لهم وهم معولون، مثل راعهم الامر فهم مروعون
~~NoteV00P300N02، لا أن يكون هم العائلين (3) لغيرهم.
# وأما احتجاج الخصم بقولهم: عال الامر إذا ثقل حمله واعيا حامله، فلا حجة
~~له أيضا، لان الكلام في ذلك كالكلام في الفصل المتقدم سواء، الا ترى أنه لو
~~كان الامر على ما ذكره لكان يجب أن يكون:
# PageV00P300
# (ذلك أدنى الا تعالوا) أي: لا تثقلوا، ولم يقل: الا تعولوا، فيكون الفعل
~~في الأثقال لهم لا للامر، وذلك محال.
# وحقيقة العول واصله في اللغة: الخروج عن الحد والمجاوزة للقدر، فالعول في
~~الفريضة: خروج عن حد السهام المسماة لأهلها، والفقر أيضا كذلك: خروج عن
~~الحد في قصور الحال ودقتها، والثقل أيضا كذلك، لأنه تجاوز لمقدار احتمال
~~الناهض به حتى يستكره عليه طاقته ويستفرغ فيه قوته، وقال بعضهم: المراد
~~بقوله تعالى: (فواحدة أو ما ملكت ايمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا) اي: احذروا
~~الا يكون منكم ميل إلى واحدة دون الأخرى، لان الواحدة إذا كانت بانفرادها
~~لم تكن معها من النساء من يلزمه العدل بينهما في الأيام التي يقسمها لهما،
~~وكذلك إذا كانت واحدة وكان معها واحدة من ملك اليمين، أو كان له عدد ms175 كثير
~~من ملك اليمين، لم يلزمه أن يعدل بينهن في الأيام، ولا بينهن وبين الحرة،
~~فذلك أقرب إلى عدم الميل منه، وقد قال تعالى في هذه السورة أيضا ما يكشف عن
~~المراد بما ذكرنا، وهو قوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو
~~حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة... 129)، فذكر الميل مع العدل
~~كما ذكر في الموضع الأول العول مع العدل، وهذا كله كلام بعضه من بعض.
# وقال بعضهم: المراد بذلك: فان ختم الاثم بألا تعدلوا في اليتامى اللاتي
~~نكحتموهن لضعفهن، ولان نكاحهن أدعى لكم إلى ظلمهن. PageV00P301
# فانكحوا من غيرهن ممن تمتنع (1) عليكم بأوليائهن، وجعل تعالى غاية عدد
~~المباح من النكاح أربعا وأدناه واحدة، ونبه سبحانه بذلك على ما بين
~~العددين، فكأنه قال: (فان خفتم ألا تعدلوا في نكاح الأربع فانكحوا ثلاثا،
~~فان خفتم هذا المعنى في نكاح الثلاث فانكحوا اثنتين، فان خفتم ذلك في
~~نكاحهما فانكحوا واحدة)، فصارت غاية العدد أربعا وأدناه واحدة، لان ذكر
~~الطرفين يدل في مثل ذلك على الوسائط، وهذا كقوله تعالى: (وإن طائفتان من
~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما... إلى قوله تعالى: فقاتلوا التي تبغي...)
~~NoteV00P302N02 فنبه سبحانه بذكر الاصلاح والقتال اللذين هما أول الأمر
~~والمقصود وآخره على ما بين هذين الطرفين من الوسائط، والطرفان هما الاصلاح
~~والقتال.
# وقال بعضهم: المراد باليتامى ههنا النساء، إلا أنه تعالى ذكر المعنى في
~~الآية بلفظين مختلفين، كما قال الله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم...
~~- 5) يعني النساء والصبيان فكما وصف هذان الضربان بالسفه وصفن
~~NoteV00P302N03 باليتم، فكان تقدير الكلام: (فان خفتم ألا تقسطوا في النساء
~~فانكحوا ما طاب لكم منهن). وإنما قال تعالى: (من النساء) لفصل البيان، إذ
~~كان الاسم الأول الواقع عليهن - أعني اليتامى - ربما ألبس على السامع،
~~فكرره بما لا يلبس، وحسن ذلك لاختلاف اللفظين وإن كان المعنى واحد، ومن
~~الشاهد على أن اليتامى عبارة عن النساء ههنا قوله تعالى في هذه السورة:
# PageV00P302
# (وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب ms176 لهن
~~وترغبون أن تنكحوهن.. - 127) ثم قال تعالى من بعد، (وأن تقوموا لليتامى
~~بالقسط..)، فكأنه عائد إلى النساء أيضا، وإنما سمى النساء يتامى لضعفهن،
~~لان أصل (اليتيم الضعيف) NoteV00P303N01، قال الشاعر:
# إن القبور تنكح الأيامى * النسوة الأرامل اليتامى وروي: أن امرأة جاءت
~~إلى الشعبي فقالت: إني امرأة يتيمة، فضحك أصحابه من قولها، فقال الشعبي: مم
~~تضحكون؟ النساء كلهن يتامى. وأنشد الأصمعي لبعض العرب:
# أحب اليتامى البيض من آل سامة * وأبغض منهن اليتامى الفواركا ولا ذنب لي
~~فيما أحب وإنما * يفئ علي اللوم لو عفت ذلكا أراد: أحب النساء البيض من آل
~~سامة.
# وكان المفضل الضبي يخالف في أصل اليتيم (2) فيقول: (هو الانفراد وكل
~~منفرد يتيم). قال: (ويقال للرملة المنفردة عن الرمال: يتيمة ويقال للبيت
~~المنفرد من الشعر: يتيم، ويقال الدرة NoteV00P303N03 اليتيمة، يراد بذلك
~~المنفردة عن اشكالها ونظائرها لجلالة قدرها).
# وقال بعضهم: المراد بذلك أنكم إن خفتم إذا وليتم على اليتيم ألا تعدلوا
~~في حضانته فانكحوا النساء ليغنيكم الله سبحانه ويرزقكم من فضله
# PageV00P303
# فتستغنوا عن تطرف NoteV00P304N01 مال اليتيم أو الثلم له، كما قال تعالى:
~~(وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم
~~الله من فضله..) NoteV00P304N02، فجعل النكاح سببا من أسباب الغنى بعد
~~الفقر والسعة بعد الضيق. ومن شجون ذلك ما روي: أن رجلا من خاصة الحسن بن
~~علي (ع) قال له في كثرة نكاح النساء ثم تخلية سبيلهن، فقال (ع): (طلبت
~~الغنى المضمون بكلا الامرين، فنكحت طلبا للغنى إذ يقول سبحانه: (ان يكونوا
~~فقراء يغنهم الله من فضله)، وطلقت طلبا للغنى إذ يقول سبحانه، (وإن يتفرقا
~~يغن الله كلا من سعته..) NoteV00P304N03). وهذا حسن جدا.
# وقال بعضهم: المعنى إن كنتم تكرهون الولاية على اليتيم والنظر في ماله
~~خوفا ألا تعدلوا فأقلوا من النكاح لئلا تكثر أولادكم فيصيروا يتامى بعدكم
~~ويبتلوا بهذه الحالة من غيركم.
# * * * ومن شعب الكلام على هذه المسألة تبيين الفرق بين قولهم (اللائي)
~~بالياء و (اللاتي) بالتاء، وذلك قوله سبحانه: (وما يتلى عليكم في ms177 الكتاب في
~~يتامى النساء..) NoteV00P304N04، وكان شيخنا أبو الفتح النحوي رحمه الله
~~يقول: إن اللاتي واللائي جميعا جمعان للتي، إلا أن
# PageV00P304
# أن اللاتي بالتاء المعجمة من فوقها للجمع القليل، واللائي بالياء المعجمة
~~من تحتها للجمع الكثير. قال: ومن الدليل على ذلك أن كل جمع يضارع واحده من
~~جهة من جهات المضارعة فهو أدل على ما قرب من واحده في باب العدد، ألا ترى
~~أن جمع السلامة إنما هو موضوعه أن يقع على القليل دون الكثير بمجيئه على
~~طريقة الواحد في البناء!. ودليل آخر، وهو انك إذا قلت:
# نسوتك فعلت، كان ذلك دليلا على القلة، فان أردت الكثرة قلت:
# نسوتك فعلن، لان فعلت أصله للواحدة، فلما جئت به للجمع دللت على أن مرادك
~~أقرب من الواحد في باب العدد، فبان ما قلناه.
# فصل وجه العدول عن (من) إلى (ما) فأما قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم
~~من النساء)، ولم يقل من طاب، فالوجه فيه أنه بمعنى المصدر كأنه تعالى قال:
~~(فانكحوا من النساء الطيب) أي الحلال، أو (انكحوا خيرتكم وشهوتكم من النساء
~~أو العدد الذي يطيب لكم من النساء)، ومعنى هذا القول عن الفراء، وعن مجاهد،
~~أن معنى ذلك فانكحوا النساء نكاحا طيبا.
# وقال بعضهم: المراد بذلك فانكحوا الطيبات من النساء. وقال بعضهم: إن (ما)
~~حلت ههنا محل (من)، لان الموضع موضع إبهام، PageV00P305
# وذلك مستعمل في المبهمات، يقال للرجال: ما في الدار؟ فيقول:
# رجل، أو امرأة، أو صبي، أو شيخ، أو ما أشبه ذلك، لان السائل لا يقصد قصد
~~التفصيل والتخصيص، وإنما قصد الصفات والأجناس ويحسن في ذلك أن يقال (ما)،
~~كما يقال في الاشخاص من الآدميين (من)، وهذا كما تقول لغيرك: (ما 1) عندك؟
~~فيقول: رجل أو فرس، فهذا بين بحمد الله.
# فصل (اعراب مثنى وأخواته ومعناها) فأما قوله: (مثنى وثلاث ورباع)، فنحن
~~نتكلم على اعرابه ومعناه بتوفيق الله:
# فأما إعرابه فإنه غير منصرف NoteV00P306N02، لأنه اجتمع فيه علتان من
~~العلل المانعة للصرف: فإحدى العلتين انه معدول عن اثنين اثنين وثلاث ms178 ثلاث
~~وأربع أربع إلى مثنى وثلاث ورباع. والعلة الأخرى انه عدل عن تأنيث. وهذا
~~الوجه هو الذي اعتمد عليه الزجاج.
# وقال بعضه النحويين: علتاه أنه معدول وأنه صفة.
# وقال قوم: هو معرفة، لان الألف واللام لا يدخلانه NoteV00P306N03.
# والصحيح عند أهل التحقيق انه نكرة، لأنه قد جاء صفة للنكرة والنكرة
# PageV00P306
# لا توصف بالمعرفة، وذلك قوله تعالى: (جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى
~~وثلاث ورباع..) NoteV00P307N01، ومحال ان يريد أولى أجنحة الاثنين والثلاثة
~~والأربعة، لامتناع وصف النكرة بالمعرفة، فثبت ان المراد به أولي أجنحة
~~اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة.
# وقال أبو عبيدة العرب لا تجاوز في هذا الباب رباع إلى ما فوقه فلا
~~يقولون: خماس وما زاد عليه، إلا أن الكميت بن زيد الأسدي جاوز ذلك فقال:
# فلم يستريثوك حتى رميت * فوق الرجاء جلالا عشارا والمستقيم ما عليه
~~الجمهور.
# فأما الكلام على معنى ذلك، فان محمد بن يزيد المبرد قيل له: هل في عدل
~~ذلك عن اثنين وثلاثة وأربعة زيادة معنى لم تكن فيما عدل عنه، فأجاب بما
~~ذكرناه من أن معناه معنى التكثير، أي: اثنتين اثنتين وثلاث ثلاث وأربع
~~أربع. قال: وإنما صار معناه على ذلك، لأنه خطاب للجميع NoteV00P307N02،
~~فكأنه تعالى قال: لينكح كل واحد منكم اثنتين إن شاء أو ثلاثا ان شاء أو
~~أربعا، وهذا كقوله تعالى:
# (فاجلدوهم ثمانين جلدة..) NoteV00P307N03 اي: اجلدوا كل واحد منهم بهذه
~~العدة. وفسر المبرد قوله تعالى: (أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع) بأن قال:
~~المراد بذلك إن الاثنين يقابلان الاثنين والثلاثة تقابل الثلاثة
# PageV00P307
# والأربعة تقابل الأربعة، ومثل ذلك قول الشاعر NoteV00P308N0١:
# ألا إنما أهلي بواد أنيسه * ذئاب تبغي الناس مثنى وموحد قال: فهذا لا
~~يكون أبدا لاثنين فحسب ولا لواحد فحسب، إنما هو اثنان اثنان وواحد واحد. ثم
~~حكى المبرد ان الجاحظ سئل عن قوله تعالى:
# (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع)، فقيل له: كيف تكون الأجنحة ثلاثة، فقال:
~~واحد في الوسط، فضحك منه وعلم أنه لا علم له بهذا الجنس.
# ولعمري إن ms179 الجاحظ لا يشق غبار محمد بن يزيد في علوم القرآن والتفنن فيه
~~واستنباط غوامض معانيه! وحكى لي NoteV00P308N0٢ عن أبي بكر ابن مجاهد: أنه
~~كان يقول: ما رأيت أحسن جوابا من المبرد في معاني القرآن لا سيما فيما ليس
~~فيه قول لمتقدم. ومن غريب كلامه في تأويل القرآن تفسيره أول آية في هذه
~~السورة التي نحن في الكلام على متشابهها، وهي قوله تعالى: (يا أيها الناس
~~اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة..)، قال: معناه على هيئة واحدة. قال:
~~ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم
~~رسول من أنفسكم..﴾ (3) اي:
# مثلكم، وقوله تعالى: (فاقتلوا أنفسكم..) (4) اي، أمثالكم، كأنه تعالى
~~قال، ليقتل بعضكم بعضا. قال ومعنى (وخلق منها زوجها) اي، جعل زوجها من
~~جنسها، ليسكن إليها وتسكن
# PageV00P308
# إليه ولا يستوحش منها ولا تستوحش منه. وعامة المفسرين على خلاف قوله في
~~ذلك لأنهم يقولون: إن معنى قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة) يعني به آدم
~~عليه السلام، (وخلق منها زوجها) يريد انه سبحانه انتزع ضلعا من أضلاع آدم
~~(ع) فخلق منه حواء. وقول أبي العباس أحسن مقيسا NoteV00P309N01 وأثبت على
~~الطريقة قدما.
# فأما الاستدلال بهذه الآية على جواز نكاح التسع، فهو مذهب لبعض علماء أهل
~~البيت عليهم السلام NoteV00P309N02، إلا أنه يضعف في نفسي من وجوه:
# أحدها، أن مثنى وما بعده لا يصلح في عرف أهل اللغة إلا لاثنين اثنين
~~واثنتين اثنتين على التفريق، لا على الجمع والضم، فإذا ثبت ذلك كان تقدير
~~الكلام: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وانكحوا ثلاث في غير الحال
~~الأولى وانكحوا رباع في غير الحالين).
# ومنها، أن كلامه تعالى أفصح الكلام وأشده NoteV00P309N03 انخراطا في سلوك
# PageV00P309
# الفصاحة وإبعادا في مرامي البلاغة، وليس من البلاغة إن يقول القائل - إذا
~~أراد أن يعلمنا انه أعطى زيدا تسعة دراهم -: أعطيت زيدا درهمين وثلاثة
~~وأربعة، فيفرق العدد في مثل هذه الحال، لان قوله:
# أعطيته تسعة دراهم، أخصر وأقصر، وهو بمذاهب البلغاء أشبه وأليق، وليس ms180
~~موضع هذا القول من مواضع الاسهاب والاطناب فيكون بسط الكلام فيه أبلغ
~~وإطالته أشفى وأنقع، كما يقول في قوله تعالى في السورة التي يذكر فيها
~~الحج: (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى
~~السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ 15) والضمير في قوله تعالى:
~~(أن لن ينصره الله) للنبي صلى الله عليه وآله، ومعنى ذلك على عامة قول
~~المفسرين: أن من ظن من المشركين ان الله خاذل نبيه ومذل دينه فليقتل نفسه
~~بحسرة ذلك، فلن يتحقق ظنه ابدا، وقوله تعالى: (فليمدد بسبب إلى السماء)
~~السبب ههنا الحبل، والسماء ههنا سقف البيت الذي يحله، فكأنه تعالى قال:
~~فليربط حبلا بسقف بيته وليختنق به إلى أن ينقطع الحبل من فرط تراجعه فيه
~~وجذبه إياه، فلينظر هل يذهب ما يفعله بنفسه من ذلك ما غاظه من قوة أمر
~~الرسول، ووري زناده، وارتفاع عماده NoteV00P310N01، ألا ترى إلى هذا
~~الاسهاب في هذا المكان، كيف وقع موقعه، وأصاب غرضه! وقد كان تعالى قادرا
~~على أن يقول: من كان يظن أن لن ينصر الله رسوله فليخنق نفسه غيظا، ولكن لما
~~كان
# PageV00P310
# في بسط هذا الكلام، والاتساع في مذاهبه، من زيادة الغمة على المراد به،
~~وفرط الغيظ للمقصود باسماعه NoteV00P311N01 حسن البسط والتوسع فيه، ألا ترى
~~إلى مقدار الفرق بين قول القائل لضد ينازعه، وعدو يقارعه إن كنت مغيظا من
~~نعمة الله علي وحسن بلائه عندي فاقتل نفسك، وبين قوله له: فاجزر
~~NoteV00P311N02 انا ملك، وافقأ عينك، واجدع انفك، وأذبح نفسك، أو يزيد في
~~ذلك تفحيش صفة الذبح عليه بقوله: فخذ مدية حادة فقطع بها أوداجك، واجزر
~~NoteV00P311N02 حلقومك، وأسل دماءك، وبين الموضعين فرق واضح وتمييز ظاهر،
~~فافهم ذلك فإنه من اسرار القرآن الخفية، وبدائعه العجيبة التي تزداد على
~~النزح جماما (3)، وعلى القدح اضطراما.
# ومن غريب ذلك ما عثرت عليه عند التلاوة آنفا، وهو قوله تعالى مخاطبا
~~لموسى وهارون في الشعراء: (كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون 15) فقال
~~(اذهبا) ms181 فثنى، ثم قال تعالى (معكم) فجمع. وهذا مما يمكن أن يستشهد به من
~~يقول أن الاثنين جماعة. ثم قال تعالى في طه: (لا تخافا إنني معكما أسمع
~~وأرى 46)، فلما فخم تعالى في الموضع الأول ذكره سبحانه بقوله (انا) فخم
~~ذكرهما فقال (معكم)، ولما ترك ذلك في الموضع الآخر فقال: (انني) قال
~~(معكما) بلا تفخيم في الذكرين
# PageV00P311
# جميعا، وهذا من المقاصد الشريفة والغوامض اللطيفة فتبارك الله رب
~~العالمين!
# ونعود بتوفيق الله تعالى إلى تمام الكلام على معنى مثنى وثلاث ورباع.
~~ومما يفسد قول من قال: المراد بذلك نكاح تسع، ان الامر لو كان على ما ظنه
~~لم يجز للواحد منا أن ينكح اثنتين على الانفراد ولا ثلاثا ولا أربعا كذلك،
~~ولم يكن يجوز له إلا أن ينكح تسعا أو واحدة لان القائل إذا قال لك - وطاعته
~~واجبة عليك -: خذ عشرة، لم يكن لك ان تأخذ تسعا ولا ما هو أقل من ذلك إلا
~~عاصيا، فكان قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) لا معنى له، لان
~~ما طاب إنما هو ما بين الواحد إلى الأربع، فان طاب اثنتان للواحد نكحهما،
~~وإن طاب ثلاث أو أربع نكحهن، وإن خاف الميل الذي هو جور اقتصر على الواحدة
~~أو ملك اليمين. وهذا أوضح من أن يلتبس على ذي فهم، لان الكلام لو كان على
~~ما ظنه المخالف لكان جامعا بين عي اللفظ وفساد المعنى.
# وبيان ذلك وتلخيصه: أن المراد لو كان نكاح الاثنتين والثلاث والأربع على
~~الاجتماع لم يكن لقوله تعالى: (فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة) معنى، لأنه لا
~~يجب عند الخوف من ترك العدل في نكاح التسع ان يترك إلى واحدة الا بعد واسطة
~~في العدد، فدل ذلك على أن المراد إما مثنى وإما ثلاث واما رباع، فان خاف
~~الناكح ألا يعدل في أحد هذه الاعداد اقتصر على واحدة، أو النكاح بملك
~~اليمين. ولا يليق بالكلام ههنا إلا ما أشرنا إليه، لأنه تعالى شرط ذلك فيما
~~طاب للناكح PageV00P312
# ثم ذكر الاعداد الثلاثة ms182 فنبه بذلك على طريقة التخيير. وبعد، فان العلم
~~بأنه لا يسوغ نكاح ما فوق الأربع في حال واحدة كالضرورة من فحوى الآية ومن
~~دين الرسول صلى الله عليه وآله، فلا معنى لإطالة الكلام في ذلك. وفي ما
~~ذكرناه منه كاف بتوفيق الله تعالى.
# فصل (وآتوا النساء صدقاتهن) وربما سألوا بعد ذلك فقالوا: كيف قال الله
~~تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة)، والنحلة هبة والصداق واجب
~~NoteV00P313N01!
# فالجواب: انه سبحانه فرض الصداق للنساء، فكان هبة منه سبحانه لهن، لا هبة
~~من أزواجهن، وقد كان الآباء يأخذون ذلك لنفوسهم، ألا ترى إلى قوله تعالى في
~~قصة موسى (ع): (إني أريد أن، أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني
~~حجج) NoteV00P313N02 فاستخدمه بمهر ابنته، فجعل تعالى ذلك للنساء دون
~~آبائهن وذلك واضح بمشيئة الله.
# PageV00P313
# 2 - مسألة (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) شبهتان في الآية - الجواب عن ذلك -
~~الاستثناء في الآية منقطع - مرجع ضمير انه كان فاحشة - الا مضارعة للواو
~~ههنا - نكاح ابن أمية زوجة أبيه ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (ولا تنكحوا
~~ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف.. - 22)، فقال في ظاهر هذا القول
~~دلالة على إباحة ما قد سلف من هذا النكاح، ومع ذلك ففيه استثناء فعل ماض من
~~فعل مستقبل وذلك غير مستقيم، لان قوله: (ولا تنكحوا) يدل على الاستقبال،
~~وقوله: (إلا ما قد سلف) عبارة عن الماضي!
# فالجواب: أنا قد أوردنا في السورة التي يذكر فيها البقرة عند قوله تعالى:
~~(لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم.. - 150) ما هو الجواب
~~عما ذكره السائل ههنا، لكننا نذكر من ذلك طرفا، ليكون أكشف للغمة وأجلى
~~للشبهة بمشيئة الله، فنقول بتوفيق الله:
# 1 - إن معنى ذلك: لا تفعلوا من هذا النكاح سوى ما قد سلف أو بعد ما قد
~~سلف مما فعلتموه، وهذا كقول الرجل لوكيل PageV00P314
# وكله في بيع متاع له، ثم اعترضه رأي في ألا يبيع ما بقي من ذلك بعد أن
~~باع طرفا منه: (لا تبع ms183 من متاعي إلا ما بعت) والمراد به:
# سوى ما بعت أو بعد ما بعت، لا يجوز أن يكون غير هذا، لان النهي لا يتناول
~~المواضي من الأمور، وإنما يقع في المستقبلات منها، فبطل بذلك ما قدره
~~السائل من أن في الكلام استثناء فعل ماض من فعل مستقبل.
# 2 - وقال بعضهم: معناه NoteV00P315N01 ولا تنكحوا نكاح آبائكم، اي كنكاح
~~آبائكم، فيدخل في هذا النهي حظر نكاح حلائل الآباء، وكل نكاح كان فاسدا
~~فيما تقدم وكانت العرب تستجيزه، وقال: إن هذا التأويل هو الوجه، لأنه لو
~~كان المراد بما ههنا نكاح حلائل الآباء دون غير ذلك من الأنكحة، لكان
~~الصواب أن يقول: ولا تنكحوا من نكح آباؤكم، لان حلائل الآباء من العقلاء،
~~وإنما قال تعالى (ما)، لأنه أراد به جنس النكاح الفاسد كما يقول القائل
~~لغيره: لا تبع ما ابتاع أبوك من الإماء، وإنما أراد الجنس.
# 3 - وقال بعضهم: (إلا ما قد سلف) استثناء منقطع، وليس آخر الكلام فيه
~~مستثنى من أوله كما يكون في الاستثناء غير المنقطع، مثل قولهم: قام الناس
~~إلا زيدا، فزيد مستثنى من الناس، لأنه واحد منهم، فأما (2) قوله تعالى:
~~(ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من
# PageV00P315
# النساء الا ما قد سلف) لو كان استثناء غير منقطع، لكان آخر الكلام مستثنى
~~من أوله، وكان قد أطلق لهم ما سلف منه، لأنه تعالى إذا حظر شيئا ثم استثنى
~~منه فالمستثنى غير محظور، كما انا إذا قلنا: قام القوم إلا زيدا، كان زيد
~~غير قائم، فلما كان ما سلف من هذا النكاح غير مباح، بل كان محظورا أيضا،
~~علمنا أنه ليس باستثناء من أول الكلام، ولكنه منقطع عنه، فكأنه تعالى قال:
~~لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، ثم قال: لكن ما قد سلف وهو محظور غير
~~مباح، والمعنى:
# أنه منهي عنه كله، فما قد سلف محظور عليكم اليوم أن تقيموا عليه، ومحظور
~~عليكم ان تستأنفوا أيضا نكاح شئ منه بعد الحظر له، والنهي عنه.
# 4 - وقال بعضهم: هو استثناء منقطع، ms184 ويحتمل أن يكون معناه إلا ما قد سلف
~~فإنكم لا تؤاخذون به كما تؤاخذون في المستقبل بفعله، ويحتمل أن يكون الا ما
~~قد سلف فدعوه فهو جائز لكم 5 - وقال أبو القاسم البلخي: إنه تعالى نهاهم عن
~~أن ينكحوا نساء آبائهم مستأنفا ولم يحل لهم من ذلك ما كان سالفا، فكأنه
~~تعالى قال: الا ما قد فعلتم فيما مضى من هذا النكاح المذكور، ف (إنه كان
~~فاحشة ومقتا وساء سبيلا). قال: وذلك كقول القائل: لا تأكل من هذا الطعام
~~إلا ما أكلت.
# قال: ويجوز أيضا أن يكون المراد إلا ما سلف من ذلك في الجاهلية فليس
~~بفاحشة، فكأنه تعالى قدم وأخر، والمراد: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من
~~النساء انه كان فاحشة الا ما قد سلف، فإنه ليس PageV00P316
# بفاحشة لما لم تكن الحجة عليهم في تحريمه قائمة، لئلا يقال فيمن ولد من
~~هذا النكاح: أنه من زنية وفاحشة، لان نكاحهم في الجاهلية لا يطلق عليه اسم
~~الزناء والفاحشة، وكذلك كل نكاح كان بين رجل وامرأة على السنة التي يستن
~~بها أهل ملتهما أي ملة كانت ملل أهل الكتاب وأهل الشرك، فليس بزناء وإن كان
~~مخالفا لما حده الله وفرضه، والزناء والفاحشة هو: نكاحهما على غير سنة أهل
~~ملتهما، وذلك ما يتعاير به الناس مما ليس على سنة واضحة ولا عادة جارية،
~~فالضمير في قوله تعالى:
# (فإنه كان فاحشة) يحتمل وجهين: أحدهما، أن يعود على النكاح المستأنف بعد
~~وقوع النهي ونزول الزجر. والآخر، ان يعود على النكاح الذي كان عليه أهل
~~الجاهلية من قبل، ولا يكون ذلك الا وقد قامت عليهم الحجة بتحريمه من جهة
~~الرسل (ع)، على خلاف في ذلك.
# 6 - وقال بعض الكوفيين: إلا مضارعة للواو ههنا، والتقدير ولا ما قد سلف.
~~وكان الفراء يبطل هذه الوجه، ويقول: إلا لا تجري مجرى الواو إلا بعد تقدم
~~الاستثناء، ولم يتقدم ههنا استثناء.
# قال: ويحتمل أن يكون المعنى لكن ما قد سلف، فإنه كان فاحشة وهو غير محلل
~~لكم.
# وحكي عن ms185 بعض العرب: أنه قال: (ما نشتكي إلا خيرا). ولهذا القول تأويلان:
~~أحدهما، الاستثناء المنقطع كأنه قال: ما نشتكي شيئا لكن خيرا نجده ولا
~~نفقده. والتأويل الآخر، أن يكون معناه ما نشتكي إلا الخير ومن يشتكي الخير
~~فلا شكاية له، وهذا أيضا كما PageV00P317
# يقولون: ما لفلان عيب إلا السخاء اي من السخاء عيبه فلا عيب له.
# وقوله تعالى في هذه السورة من بعد: (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد
~~سلف) متأول على ما تؤول عليه قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من
~~النساء إلا ما قد سلف)، وأحد الموضعين يشهد للآخر.
# 7 - وقال بعضهم: الفائدة في قوله تعالى: (إلا ما قد سلف) إذا كان معناه
~~سوى ما قد سلف - على قول بعض العلماء - قطع المخاطب عن العادة التي قد
~~ألفها، فيفارق من هذا الوجه ابتداء التحريم، لان ذلك لا يتضمن قطعا من عادة
~~مألوفة وسبيل مسلوكة.
# قال: ويحتمل أن يكون الاستثناء ههنا راجعا إلى معنى النهي، لأنه
~~NoteV00P318N01 يتضمن الوعيد فقوله تعالى: (إلا ما قد سلف) استثناء للسالف
~~مما وقع التوعد عليه والنهي عنه، لان الوعيد والنهي يثبتان في المستقبلات
~~ويزولان عن الماضيات، وقوله تعالى (إنه كان فاحشة) لا يجوز ان يرجع إلا إلى
~~المحرم، والمحرم هو المستقبل، فيجب أن يكون هو المراد به الوصف. قال ويبعد
~~أن يريد بقوله سبحانه (انه كان فاحشة) ما قد سلف من هذا النكاح، والحجة لم
~~تقم عليهم بذلك، لان تحريم امرأة الابن إنما ثبت من جهة الرسول صلى الله
~~عليه وآله بهذه الآية، ولم يكن قبله رسول في العرب يحرم ويحلل، فتكون الحجة
~~في التحليل والتحريم. فالصحيح إذن في قوله تعالى. (انه كان
# PageV00P318
# فاحشة) أن يكون إشارة إلى المحرم، والفاحشة عبارة عن القبيح إذا عظم،
~~وإنما يعظم على قدر موقع النهي ومبلغ الزجر.
# وظن بعضهم ان ما قد سلف من نكاح الابن امرأة الأب مما يجوز أن يقر عليه،
~~فحمل المعنى على ذلك، وهذا بعيد، لان من أسلم على زوجة هي امرأة ms186 أبيه لم
~~يحل له أن يستمر على نكاحها كما لا يحل له الابتداء بنكاحها، وهكذا القول
~~في كل امرأة بعينها، فبطل ما تأوله من ذهب إلى ذلك.
# 8 - وقال بعضهم: المعنى إلا ما قد سلف، فان السلامة منه الاقلاع عنه
~~بالتوبة والإنابة. ومن نكاح المقت الذي كان في الجاهلية، نكاح أبى عمرو بن
~~أمية زوجة أبيه وأم اخوته: العاص، وأبي العاص، والعيص، وأبي العيص، وعدة من
~~الإناث، وهم NoteV00P319N01 بنوا أمية بن عبد شمس، فأولدها أبو عمرو أبا
~~معيط. وهي آمنة بنت أبان بن كلب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن
~~بكر بن هوازن، وإياها عنى النابعة الجعدي بقوله:
# وشاركنا قريشا في تقاها * وفي أنسابها شرك العنان NoteV00P319N02 بما
~~ولدت نساء بني هلال * وما ولدت نساء بني ابان
# PageV00P319
# فصل (انه كان فاحشة) فأما معنى قوله: (انه كان فاحشة ومقتا) فقد اختلفت
~~العلماء في موضع كان ههنا، فقال محمد بن يزيد المبرد: يجوز أن تكون زائدة،
~~ويكون المعنى انه فاحشة ومقت، وأنشد في ذلك قول الشاعر:
# فكيف إذا حللت بدار قوم * وجيران لنا كانوا كرام وخطأه الزجاج في ذلك
~~وقال: لو كانت كان زائدة في الآية لم ينصب خبرها، والدليل على ذلك هذا
~~البيت الذي انشده فان (كان) لما كانت زائدة فيه لم تعمل فقال: (وجيران لنا
~~كانوا كرام) ولم يقل كراما.
# وقال بعضهم: يجوز أن تكون كان ههنا كقوله تعالى: (وكان الله غفورا
~~رحيما)، وكان الله عليما حكيما)، وما أشبه ذلك، فدخلت كان لتدل على أن هذا
~~الامر من قبل هذه الحال كان كذا ولم يحدث الآن، فلو قال قائل: الله غفور
~~رحيم، والله عليم حكيم، لم يدل على كونه تعالى على هذه الصفة فيما مضى من
~~الزمان، فلما قال: وكان الله غفورا رحيما، وعليما حكيما، وما أشبه ذلك، دل
~~على أنه تعالى لم يزل كذلك.
# وفيه قول آخر، وهو من الغريب المستحسن، قيل: إنما يجيئ قوله تعالى: وكان
~~الله عليما حكيما وسميعا عليما وما أشبه هذه ms187 الصفات، بعد اخبار أو فرائض أو
~~ما يجري هذا المجرى، فالمعنى: وكان الله عليما حكيما PageV00P320
# فيما فرض، وغفورا رحيما فيما فعل، وعليما خبيرا فيما أخبر، وأشباه ذلك.
# وقد ذكر لنا شيخنا أبو الفتح عثمان بن جني النحوي في ذلك وجها آخر، قال:
~~إن العادة قد جرت إذا مدح الانسان أو تمدح أن يذكر أسلافه وقديمه وبينه
~~وأوليته، أو يذكر له ذلك، كما قال عدي بن زيد:
# نحن كنا قد علمتم قبلكم * عمد البيت وأوتاد الإصار NoteV00P321N01 يعني:
~~أن أحد أجداده قد ملك العرب قبل ملك النعمان بن المنذر الذي خاطبه بهذا
~~الشعر، وحديث ذلك يطول، وكما قال الفرزدق عند تعديده مفاخر آبائه ومآثر
~~أسلافه:
# أولئك آبائي فجئني بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير المجامع فلما أريد مثل
~~ذلك في الثناء على القديم تعالى ولم يكن له مثل ولا ند ولا أب ولا جد فيقال
~~سلفك كذا وأولك كذا، عدل عن ذلك إلى ذكر تقادم مجده وملكوته وسلطانه
~~وجبروته، فقال الراجز مشيرا إلى هذا الغرض:
# فكنت إذا كنت إلهي وحدكا * لم يك شئ يا إلهي قبلكا وقال سبحانه مريدا هذا
~~المعنى: وكان الله سميعا عليما وعزيزا حكيما، وغفورا رحيما، وما أشبه ذلك،
~~فجعل سبحانه تقادم العهد بوحدانيته وربوبيته مكان ذكر السلف الأول الذي
~~يتعالى عن مثله. وهذا أيضا من الأقوال الغريبة والاستنباطات اللطيفة وقد
~~مضى من الكلام في هذه المسألة ما فيه كفاية وبلاغ بحمد الله.
# PageV00P321
# فصل (فابعثوا حكما من أهله) وربما سأل سائل في هذه السورة عن قوله تعالى:
~~(فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها.. - 35) فقال: لم لم يقل:
# (حاكما) بدل قوله: (حكما)؟.
# والجواب: انه سبحانه إنما سمى المبعوثين من أهل الرجل والمرأة حكمين،
~~لنقصان تصرفهما ولو ملكا التصرف من جميع الوجوه لسماهما حاكمين، ألا ترى أن
~~من مذهب NoteV00P322N01 أهل العراق انه ليس للحكمين التفريق إلا بوكالة وهو
~~أحد قولي الشافعي. وهذا يدل على نقصان تصرفهما فلذلك سميا حكمين، والعرب
~~تسمي الرجل حكما إذا تنافر إليه الرجلان ففضل أحدهما ms188 على صاحبه، وإنما سمي
~~حكما، لأنه ليس يتجاوز أن يعلمهما أن أحدهما أفضل من الآخر، وليس هناك
~~إلزام امر ولا امضاء حكم كما يفعل الحكام، فلذلك لم يسم حاكما وهذا واضح
~~بحمد الله.
# PageV00P322
# 3 - مسألة (ولا يكتمون الله حديثا) الشبهة في الآية - الجواب عن ذلك -
~~كذب بمعنى الزم وشواهد ذلك - الوجه في ترخيم (يا مال) في احدى القراءات -
~~تأويل أبي علي للآية.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو
~~تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا 42)، فقال: كيف ذكر تعالى عنهم أنهم
~~يتمنون ألا يكتمونه حديثا، وقد أخبرنا أنهم قد يكتمون بعض الأحاديث بقولهم:
# (والله ربنا ما كنا مشركين)، حتى قال سبحانه رادا عليهم:
# (انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كنوا يفترون) NoteV00P323N01 فما
~~مجاز هذا الكلام عندكم والمخرج منه والعذر له؟!.
# فالجواب: ان في ذلك عدة وجوه:
# 1 - فمنها، أن يكون قوله تعالى: (ولا يكتمون الله حديثا) ليس المراد به
~~أنهم صرحوا NoteV00P323N02 بكوامن عقائدهم وبواطن ضمائرهم طوعا واختيارا،
~~ولكن الله سبحانه لما أظهر في ذلك اليوم سرائرهم وكشف بواطنهم،
# PageV00P323
# ظهرت خباياهم ووضحت خفاياهم، ولم يلط NoteV00P324N01 دون اسرارهم ستر ولم
~~يخف لهم سر، كانوا في حكم من باح بسرائره وخبر بدخائله، وذلك مثل قول
~~القائل لصاحبه: أخف عني ما شئت أن تخفيه فوالله ما تستطيع أن تكتمني
~~NoteV00P324N02 حديثك ولا تستر عني مكنونك، يريد لإحاطتي علما بغيبك ووقوفي
~~على جلية امرك فما يكتم عني سرك وإن كتمته ولا يخفى وإن أخفيته، وعلى هذا
~~قول الشاعر:
# تحدثني عيناك ما القلب كاتم * ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر ألا ترى كيف
~~قال: (تحدثني عيناك) ونحن نعلم أنه ما تعمد أن يدل بشواهد عينه على ما
~~أضمرته نفسه وكتمه قلبه! وكيف يكون ذلك، وقد نطق الشاعر بأن قلبه كاتم
~~ولسانه كاظم! ولكن البغضاء لما ظهرت في طرفه ونطقت عن لحظه، صار كأنه نطاق
~~بها ومحدث عنها. فلا يعتد بكتمان هؤلاء الكفار في الآخرة، إذا ms189 كان سرهم عند
~~الله تعالى ظاهرا وإضمارهم باديا.
# 2 - ووجه آخر، قيل: إن الآخرة مواطن ومقامات، كما أن العقاب والثواب
~~منازل ودرجات، واختلاف كلامهم إنما يكون لاختلاف أحوال القيامة ومواطنها:
~~فموطن لا يعلو به الجرس ولا يسمع فيه إلا الهمس وهو: الصوت الخفي ونقل حركة
~~الاقدام. وموطن يتكلمون فيه ويكذبون، وذلك قوله: (ما كنا نعمل من سوء) فقال
# PageV00P324
# تعالى رادا عليهم: (بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون) NoteV00P325N01
~~وقولهم: (والله ربنا ما كنا مشركين)، فقال تعالى مكذبا لأقوالهم:
# (انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون)، وموطن يعترفون
~~فيه بالخطايا ويسألون الرجعة إلى دار الدنيا فيقولون:
# (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) NoteV00P325N02
~~وقيل: إن آخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتشهد عليهم جلودهم
~~وأعظاؤهم. نعوذ بالله من هول ذلك المقام وخزي ذلك الكلام!
# ومعنى هذا القول مروي عن الحسن البصري.
# 3 - ووجه آخر. قيل: إن المراد بذلك انهم لا يكتمون أسرارهم في الآخرة،
~~كما كانوا يكتمونها في الدنيا، لأنهم مضطرون إلى الصدق وقول الحق.
# 4 - ووجه آخر، قيل: إن قوله: ولا يكتمون الله حديثا) داخل في باب التمني،
~~بعد ما نطقت جوارحهم بفضائحهم، وشهدت عليهم بجرائمهم. وهذا الوجه محكي عن
~~ابن عباس رحمه الله.
# وتلخيص ذلك: أنهم ودوا لو أن الأرض استوت عليهم وكانوا كما كانوا أمواتا
~~تحتها وانهم لم يكتموا الله ما كذبتهم به شهادات جوارحهم وإقرار جلودهم
~~وأعضائهم، وذلك كقول القائل: ليتني أجد أموالا أمنحها الطالبين وثيابا
~~أكسوها العارين، فيكون الثاني داخلا في معنى الأول، كما يقول الرجل لغيره:
~~وددت أنك تركتني ولم تذهب
# PageV00P325
# بي إلى حيث ذهبت بي، اي: جمعت لي بين هذين الامرين، فكذلك هؤلاء تمنوا
~~هذين الامرين جميعا، وهو ألا يكتموا الله حديثا وان تسوى بهم الأرض،
~~فالتمني في هذا الوجه منتظم للامرين كليهما، وهو في الوجه الأول متعلق
~~بتسوى الأرض بهم حسب، وهو منتهى وقوع التمني وصار ما بعد ذلك مستأنفا،
~~فكأنه تعالى قال: وهم ms190 لا يكتمون الله حديثا.
# 5 - ووجه آخر، قيل: معنى (ولا يكتمون الله حديثا) انهم لا يقصدون الكذب،
~~لان دواعي الكذب قد ارتفعت عنهم في الآخرة، فقولهم على ذلك: (والله ربنا ما
~~كنا مشركين) معناه أنهم عند أنفسهم في الدنيا لم يكونوا كذلك، لأنهم كانوا
~~يعتمدون ان عبادة الأصنام تقربهم إلى الله تعالى، وكانوا عند نفوسهم موحدين
~~مؤمنين وهم ضالون مشركون.
# 6 - ووجه آخر، قال بعضهم: معنى ذلك انهم أملوا أملا فخاب أملهم وانعكس
~~عليهم ولم يقع الامر بمحبتهم. وذلك أن من عادة الناس في الدنيا أنهم إذا
~~عوقبوا فتضوروا واستغاثوا وتألموا، فان العذاب يسهل عليهم بعض السهولة
~~بتكرر الكلام وشكوى الآلام، كتألم المضروب واسترواح المكروب، فقولهم:
~~(والله ربنا ما كنا مشركين)، وقولهم: (ربنا ظلمنا أنفسنا) NoteV00P326N01
~~وقولهم: (ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا)
~~NoteV00P326N02،
# PageV00P326
# وما شاكل ذلك، إنما هو من جنس الضجيج والاضطراب والتغوث والاسترواح وطلب
~~تخفيف العذاب، على ما اعتادوه في دار الدنيا، فلم ينفعهم ذلك بل عاد بخلاف
~~ما أملوه وضد ما حاولوه، فقال تعالى:
# (انظر كيف كذبوا على أنفسهم) يريد كذبوا فيما أملوه من سهولة العذاب
~~عليهم وتخفيفه عنهم، وهذا معروف في كلامهم أن يقولوا:
# كذب فلانا أمله NoteV00P327N01، إذا امل أمرا فلم يعط ما أمله، وعليه قول
~~الشاعر NoteV00P327N02:
# - كذبتم وبيت الله لا تأخذونها * مراغمة ما دام للسيف قائم - قال:
~~والمعنى كذبتم آمالكم NoteV00P327N03 في ذلك، ولم يرد الشاعر انهم قالوا
~~قولا فكذبوا فيه. (قلت) ولا يمتنع أن يكونوا قالوا: سنأخذها مراغمة، فرد
~~الشاعر عليهم قولهم، فقال: كذبتهم فيما قلتموه من أخذها قسرا وحيازتها
~~قهرا. وقال أبو دؤاد الأيادي في طرده عيرا لصيده ويعني فرسه والعير:
# قلت لما فصلا من قنة * كذب العير وإن كان برح NoteV00P327N04
# PageV00P327
# فأراد كذب العير أمله، لان العير لا يجوز أن ينسب إليه الكذب الحقيقي
~~الذي هو ضد الصدق، المعنى أنه آمل أن ينجو من اقتناصي، فكذبه أمله، لأنه ظن
~~أنه إذا مر بارحا NoteV00P328N01 - وهو ان ms191 يأخذ من جهة الشمال إلى جهة
~~اليمين - لم يتمكن الفارس من طعنه، فلما قلب الرمح فطعنه جاز أن يقول: كذبه
~~أمله فيما ظنه من النجاة.
# قال صاحب هذا القول: (فان قيل كيف أكذبهم NoteV00P328N02 الله في قولهم:
~~(والله ربنا ما كنا مشركين)، وقد حلفوا على حق عندهم!.
# قيل له: ليس قوله تعالى: (كذبوا) ههنا من الكذب الذي هو ضد الصدق، وإنما
~~هو من الايجاب والالزام، فكأن معناه: انظر كيف ألزموا أنفسهم الكفر وأوجبوا
~~عليها الشرك. وعلى هذا قول بعض العرب: (كذب عليك الحج) NoteV00P328N03 يريد
~~إلزم الحج. وكما شكى رجل إلى بعض الصحابة ألم رجله NoteV00P328N04 فقال:
~~(كذب عليك العسل)
# PageV00P328
# اي الزم السعي، والعسل والعسلان ضرب من المشي فيه همز NoteV00P329N01
~~ومنه قول الشاعر NoteV00P329N02:
# (.. كما عسل الطريق الثعلب) ومن الشاهد على أن قولهم: (كذب عليك كذا)،
~~بمعنى الزم كذا، قول الشاعر NoteV00P329N03:
# كذب العتيق وماء شن بارد * إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي اي: الزم العتيق
~~وماء شن بارد، ومثل قول الآخر NoteV00P329N04:
# وذبيانية وصت بنيها * بأن كذب القراطف والقروف أي عليكم بالقراطف والقروف
~~فالزموها والقراطف: القطف NoteV00P329N05.
# والقروف: جمع قرف، وهو: وعاء من أدم يكون فيه الخلع: طعام للعرب
~~NoteV00P329N06 والقرف أيضا بالتحريك: الأديم الأحمر، كأنه قرف
# PageV00P329
# فبدت حمرته).
# وفي هذا الوجه المذكور ضعف وتخليط، وغيره أقوى منه وأجدر بالاعتماد عليه،
~~وذلك أن القول الذي تقوله الكفار يوم القيامة مثل (والله ربنا ما كنا
~~مشركين) و (ربنا أرنا الذين أضلانا) وما يجري هذا المجرى، لو كانوا يقولونه
~~على سبيل التخليط والتضور وطلب التخفيف من الألم، لما كان سبحانه يحكيه
~~عنهم ويورد في عقبه أجوبة لهم، فيقول: (اخسئوا فيها ولا تكلمون)
~~NoteV00P330N01 ويقول - تعالى بعقب NoteV00P330N02 قوله: (وهم يصطرخون فيها
~~ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل) -: (أولم نعمركم ما يتذكر فيه
~~من تذكر.. الآية) (3)، وما يجري هذا المجرى. ولو كان هذا الكلام لا يخرج
~~منهم إلا على الوجه الذي حكاه صاحب هذا القول من طلبهم به تخفيف ألمهم ms192
~~وتسهيل عذابهم لما حكى عنهم ولا اعتد (به منهم) (4)، ولما كان بعده جواب
~~لهم.
# وأيضا فقول هذا القائل: إن قوله تعالى: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم) ليس
~~المراد به الكذب المعروف، وإنما معناه انهم ألزموا أنفسهم الكفر وأوجبوا
~~عليها الزجر، واستشهاده بما استشهد به من الشعر على صحة ذلك - غير سديد ولا
~~مستقيم، لأنه عدول عن الأعرف
# PageV00P330
# والأظهر إلى الأخفى والأغمض، بلا دليل هاد ولا أمر داع وفيه إلغاز وإيهام
~~يتعالى الله سبحانه عنهما ولا يحتاج إليهما.
# وعلى ذكرنا قول الله سبحانه: (وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا
~~غير الذي كنا نعمل)، فقد كان شيخنا أبو الفتح النحوي عمل في آخره عمره
~~كتابا يشتمل على الاحتجاج بقراءة الشواذ، ناحيا به نحو أبي علي الفارسي في
~~عمله كتاب الحجة، وهو الاحتجاج للقراءة السبعة، فقال فيه محتجا لقراءة من
~~قرأ في الزخرف: (ونادوا يا مال ليقض علينا ربك.. - 77) بالترخيم، بعد ذكره
~~وجوها في ذلك:
# (يجوز أن يكون إنما ذكر ذلك على وجه الحكاية لكلام الكفار وهم في أطوار
~~العذاب، لأنهم لشدة آلامهم وإطباق العذاب عليهم قد ضعفت قواهم وخفيت
~~أصواتهم وضعفوا عن تتميم اسم مالك عند ندائهم له ضعف أنفاس وخفوت أصوات،
~~فحكى سبحانه قولهم ذلك على وجهه) وكان يعلو به التغلغل في استنباط المعاني
~~والتولج إلى غامضاتها والغوص على قرارتها، إلى أن يورد مثل هذا الذي ربما
~~خدش به فضله، الذي لا مغمز فيه ولا مطعن عليه، ومع ذلك فهو في هذا العلم
~~السابق المسوم NoteV00P331N01 والأول المقدم والبحر الجموم NoteV00P331N02
~~والدليل المأموم.
# وقد كان بعض علماء الوقت خاوضني في ذلك، فقال في كلامه:
# (ترى شيخنا ابا الفتح لم يسمع قول الله سبحانه في صفة الكفار المعذبين في
~~نار جهنم نعوذ بالله منها: (وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا
# PageV00P331
# منها نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل)، والاصطراخ ضد ما توهمه من خوفت
~~أصواتهم وانقطاع أنفاسهم، ومن يمكنه رفع الصوت بالضجيج والصراخ الشديد لا
~~يمكنه (1) أن يتمم اسما في الندا، حتى ينقص ms193 منه ضعفا وقصورا وذبولا
~~وخفوتا). فحكيت هذا القول لأبي الفتح فقال: (وما ينكر من هذا؟ ألا تعلم أن
~~أهل النار ينتهي بهم العذاب إلى حد لا يبقى معه فضل في جسومهم ولا في
~~نفوسهم حتى تبدل جلودهم وتعاد قواهم، ليتكرر العذاب عليهم، كما ذكر تعالى
~~في كتابه فقال:
# (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ..) (2)، فما ينكر
~~هذا المعترض من أن يكون ضعفهم عن تتميم الكلام في حال ذهاب القوى وتلاشي
~~النفوس، واصطراخهم وضجيجهم في حال إعادة القوى وتبديل الجلود (وهدء النفوس)
~~(3). وهذا لعمري قول!
# أقول: ومن شجون هذا الكلام ما روي عن أبي عبيدة أنه سئل عن وجه هذه
~~القراءة وفي قوله تعالى: (ونادوا يا مال ليقض علينا ربك) فقال: (إن أهل
~~النار لفي شغل عن الترخيم). يؤمي بذلك إلى أن الترخيم من اتساعات الكلام
~~ومصارف اللسان، لا يكاد يستعمل إلا عند فراغ البال وطلب الانسان الأغراب في
~~الخطاب. وبعد فليس هو بأس ولا أصل (4)، وإنما هو نيف (5) وفضل، فالخطاب
~~الأعم الأكثر إنما يجب أن يكون بالأعراف الأظهر لا الأقل الأغمض.
# PageV00P332
# ٧ - واما أبو علي فإنه يؤول قوله تعالى: (ولا يكتمون الله حديثا) على
~~وجهين: أحدهما، أنهم لا يكتمون الله تعالى في الآخرة أمرهم عند ظهور
~~الشهادات والامارات ونطق الأعضاء الصامتات، فلا بد مع ذلك من وقوع الاعتراف
~~والاقرار والتسليم والاذعان. والآخر، أنهم لا يكتمون الله تعالى أحوالهم في
~~الدنيا، بمعنى ان ذلك لا يتأتى لهم، لأنه تعالى المطلع على السرائر
~~والمستبطن للضمائر، فكان في هذا القول تحذير لهم من استعمال الرياء وإضمار
~~النفاق وابطان الأمور المنكرات، فان ذلك وإن صح كتمانه عن العباد فلا يصح
~~كتمانه عن رب العباد.
# فإن كان قوله تعالى: (ولا يكتمون الله حديثا) داخلا في باب تمنيهم - على
~~قول من قال ذلك - فالمراد انهم تمنوا يوم القيامة ان يكونوا لم يكتموا الله
~~تعالى حديثا في الدنيا، لان في الآخرة لا يصح منهم كتمان حديثهم وقد أصحرت
~~السرائر وظهرت الضمائر، فلا وجه لتمني ذلك ms194 منهم.
# فان قيل: إذا لم يجز أن يفعلوا في الآخرة القبيح فكيف يجوز منهم أن
~~يتمنوا ما لا يكون!. فجوابه: أن تمنيهم لما لا يكون لا يقبح منهم فلا يجب
~~ان يمنعوا منه بالالجاء لفعل القبيح، وربما كان التمني زائدا في الحسرة
~~ومضاعفا للغصة، وهذا كقوله تعالى: ﴿يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم
~~عذاب مقيم﴾ (1) لأن هذه الإرادة لا يكاد ينفعك منها من عركه البلاء
~~وعضته الضراء، فكذلك لا يكاد ينفك من مثل التمني المقدم ذكره.
# PageV00P333
# فصل (لو تسوى بهم الأرض) يذكر فيه اختلاف العلماء في معنى قوله تعالى:
~~(لو تسوى بهم الأرض) واختلاف القراء في قراءة هذا الحرف.
# فنقول: إن العلماء مختلفون في معنى ذلك، فقال بعضهم: إنما تمنوا البقاء
~~على ما كانوا عليه في قبورهم وانهم لم يبعثوا بعد موتهم، وإذا كانوا كذلك
~~فالأرض مستوية بهم، لأنهم إذا أخرجوا منها اختلفت أوصاف الأرض، فكانت مواضع
~~القبور منبوثة NoteV00P334N01، وباقي الأرض مستو على الحال المعهودة،
~~فتمنيهم لان تسوى بهم الأرض هو التمني لبقائهم فيها على حالهم.
# وقال بعضهم: تمنوا أن يكونوا ترابا، فيختلطوا بتراب الأرض، حتى لا يفرق
~~بين الترابين، فيكونا مستويين، اي متساويين، والشاهد على ذلك قوله تعالى:
~~(ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا) (2) اي: مختلطا بأجزاء الأرض لم ابعث
~~ولم أعد. وقيل:
# إن الكفار إنما يتمنون أن يكونوا ترابا عند مشاهدتهم ما يفعله الله في
~~البهائم: من تصيرها ترابا بعد إعادتها وتوفر الأعواض عليها، فيتمنون حينئذ
~~أن يكونوا منها، ليستريحوا من العذاب ويخلصوا من العقاب.
# وقال بعضهم: إنما تمنوا ابتلاع الأرض لهم واخذها إياهم،
# PageV00P334
# لتنقطع عنهم آلام العذاب، وذلك كما يقول القائل عند خجله أو وجله:
# وددت أن الأرض ابتلعتني وأن موضعي منها ساخ بي ولم يكن ما خنته واتقيته.
# وعندي في ذلك وجه آخر لم يمض بي لمن تقدم، وهو أنه يجوز أن يكون معنى
~~قوله: (لو تسوى بهم الأرض) انهم تمنوا إعادتهم إلى دار الدنيا وردهم ms195 إلى
~~الحال الأولى، فيكون معنى تسوية الأرض بهم إعادتها إلى حالهما وهيئتها، لان
~~بنية السماوات والأرض في يوم القيامة تنتقض وأوضاعها تتغير، ألا ترى إلى
~~قوله تعالى: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات..) NoteV00P335N0١ وما
~~يقوي ذلك أيضا ما ذكره الله تعالى عن الكفار في عدة آيات من تمنيهم الرجعة
~~ومسألتهم الكرة كقوله تعالى: (فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا
~~ونكون من المؤمنين) وكقوله سبحانه: (قال رب ارجعوني لعلي أعمل صالحا فيما
~~تركت..) NoteV00P335N0٢، وكقوله تعالى: ﴿فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون﴾ (3) لي غير ذلك من
~~الآيات.
# فأما اختلاف القراء في قراءة هذه الحرف، فان ابن كثير وعاصما وأبا عمرو
~~قرأوا (تسوى) مضمومة التاء خفيفة السين، وقرأ نافع وابن عامر (تسوى) مفتوحة
~~التاء مشددة السين، وقرأ حمزة والكسائي (تسوى) مفتوحة التاء مخففة السين
~~والواو ممالة مشددة. فمن قرأ
# PageV00P335
# (تسوى) أراد تفعل من التسوية، والمعنى - كما قلنا أولا - أنهم تمنوا لو
~~يجعلون والأرض سواء، ومن هذا قوله تعالى: (بلى قادرين على أن نسوي بنانه)
~~NoteV00P336N01 على أحد التأويلين، اي (2): نجعلها صفحة واحدة لا ينفصل
~~بعضها عن بعض كخف البعير، فتعجز لذلك عما يستعان عليه بالبنان مباشرة
~~الاعمال اللطاف: كالكتابة والنساجة والبناء والصياغة ونحو ذلك، ومن أقسام
~~العرب المذكورة عنهم: (والذي شقهن خمسا من واحدة) يعنون البنان من الكف.
# ومن قرأ (لو تسوى) بتشديد السين، فإنما أراد لو تتسوى، فأدغم التاء في
~~السين لقربها منها، وذلك مطاوع لو تسوى لأنك تقول:
# سويته فتسوى. ولا ينبغي أن نكره اجتماع التشديدين ههنا لأنه قد جاء في
~~القرآن مثله، وذلك قوله تعالى: (اطيرنا بك وبمن معك..) NoteV00P336N03
~~وقوله: (لعلهم يذكرون) NoteV00P336N04 ونحو ذلك.
# وفي هذا الوجه ضرب من الأنساع، لان الفعل فيه قد أسند إلى الأرض، وليس
~~المراد انهم تمنوا لو تصير الأرض مثلهم فتسوي بهم، وإنما تمنوا أن يصيروا
~~مثلها فيستووا بها، وجاز NoteV00P336N05 ذلك، لأمان الالتباس وارتفاع
~~الايهام، كقولهم: ادخل فوه الحجر، وإنما المراد دخل الحجر فاه، ms196 ولكن قالوا
~~ذلك لزوال الالتباس.
# PageV00P336
# وأما من قرأ (لو تسوى) خفيفة السين، فان معناه معنى الأول، وإنما حذف
~~التاء التي أدغمها من قرأ تسوى بتشديد السين، لأنها لما اعتلت بالادغام سهل
~~حذفها. وفي ما ذكرناه من الكلام على هذه المسألة بلاغ وكفاية بتوفيق الله
~~تعالى.
# 4 - مسألة (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) ظاهر الآية الاقرار على السكر
~~والرضا به - الجواب عن ذلك - تسمية الشئ باسم الشئ المصاحب له وشاهده من
~~القرآن - ان هذه الآية منسوخة - المراد من السكر السكر من النوم - الصحيح
~~ان الآية منسوخة - حكم المسكر غير الخمر - رواية شرب ابن أبي ليلى النبيذ
~~عن علي (ع) وتكذيبها - قول قاضي القضاة ان السكران لا يكلف.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة
~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون.. الآية - 43) فقال: مفهوم هذا الخطاب
~~يقتضي تأخير الصلاة مع السكر، والاقرار على بلوغ حد السكر، وفي الاقرار
~~عليه دليل على الرضا، فلو لم تكن PageV00P337
# الحال كذلك لعقب سبحانه بالتعيير وأفصح بالنكير.
# فالجواب: أن في ذلك أقوالا للعلماء.
# 1 - منها، أن هذه الآية نزلت بسبب، وذلك أن جماعة من الصحابة اجتمعوا على
~~مأدبة، فأكلوا وشربوا الخمر - وهي إذ ذاك غير محرمة - وحضر وقت الصلاة،
~~فقدموا رجلا منهم ليؤم بهم، فقرأ (يا أيها الكافرون.. أعبد ما تعبدون..)
~~باسقاط أحرف الجحد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فساءه وبلغ منه،
~~ولم يبعد أن نزل الوحي بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة
~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون).
# 2 - وقال بعضهم: المراد بذلك لا تقربوا موضع الصلاة وأنتم بهذه الصفة،
~~وموضع الصلاة المسجد، فحذف الموضع وأقام الصلاة مقامه، ومثل ذلك كثير في
~~التنزيل وكلام العرب. وله أيضا وجه آخر، وهو أن الشئ قد يسمى باسم الشئ إذا
~~كثرت مصاحبته له، فيكون تسمية المسجد صلاة، على هذا المعنى، لكثرة وقوع
~~الصلاة فيه ألا ترى إلى قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض
~~لهدمت صوامع ms197 وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا..)
~~NoteV00P338N01، وعامة المفسرين ان الصلاة ههنا يعني بها مصليات اليهود،
~~وسميت بذلك لكثرة صلاتهم فيها على الوجه الذي ذكرناه.
# PageV00P338
# وإنما جعل ذلك خاصا لليهود من وجهين: أحدهما، أن ما يتفرد به المسلمون من
~~مواضع الصلاة قد ذكر وهو المساجد، وما يتفرد به النصارى قد عين أيضا وهو
~~البيع NoteV00P339N01 والصوامع، وبقي ما يخص اليهود وهم بقية أهل الكتاب،
~~فجعل ذلك خاصا لهم. والوجه الآخر، وهو أن اليهود كانوا يسمون موضع صلاتهم:
~~صلوتا NoteV00P339N02، ومرادهم به موضع الصلاة. وقد قرأ بعض القراء من
~~الشواذ ذلك على مثل لغتهم، وهو خطأ غير معتد به. فلما عرب ذلك وافتصل عن
~~أوضاع لغتهم، قيل:
# صلوات، والمراد به مواضع الصلوات. وهذا القول أيضا مبني على أن هذه الآية
~~نزلت والخمر غير محرمة ثم حرمت من بعد.
# 3 - وقال بعضهم: هذه الآية منسوخة بالآية التي في المائدة وهي قوله
~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من
~~عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون 90)، وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة.
# 4 - وقال الضحاك: المراد به السكر من النوم خاصة، لان النوم الغالب يجري
~~مجرى السكر في كثير من أحواله، لأنه يبطل أكثر عمل الجوارح فيعقل اللسان
~~الطليق ويحل العقد الوثيق، وينحل الأعضاء
# PageV00P339
# السوية ويكدر الأذهان الصافية، ألا ترى ان العرب قد أكثرت في اشعارها من
~~تشبيه النوم بالسكر لاجتماعهما في الأوصاف التي ذكرناها، حتى سموا الركب
~~المدلجين نشاوى وسكارى، ووصفوا أعناقهم بالتمايل والتولي والاضطراب
~~والتثني، حتى قال شاعرهم (في ذلك) NoteV00P340N01:
# وركب سروا حتى كأن رقابهم * من السكر في الظلماء خيطان خروع
~~NoteV00P340N02 فشبه أعناقهم لشدة تثنيها من السهر بعيدان الخروع، وهو:
~~النبت المعروف ويسمون أيضا كل نبت لين: خروعا، وإنما سمي خروعا لما فيه من
~~اللين والاسترخاء، والواو زائدة، وأصله الاسترخاء واللين، ومنه قولهم:
~~امرأة خريع، إذا كانت ناعمة الجسم، وقيل أيضا للمرأة الفاجرة
~~NoteV00P340N03: خريع، من هذا، لأنها تلين لكل جاذب وتنثني لكل قائد. ومما ms198
~~قيل أيضا من الشعر في ذلك قول بعضهم:
# كأن هامهم، والنوم واضعها * على المناكب، لم تعمد بأعناق ومنه قول ذي
~~الرمة في صفة ركب ادلجوا، فأثر فيهم السهر، وأحسن في التشبيه كل الاحسان:
# بركب سروا حتى كأن اضطرابهم * على شعب الميس اضطراب الغدائر (4)
~~والغدائر: الذوائب. فقد شبهوا القوم المتمايلين من شدة السهر - كما ترى -
~~بتحرك الذوائب مرة، وشبهوهم أيضا بنوس القرطة (5) في الآذان
# PageV00P340
# مرة، وبغير ذلك مما يطول الكلام باستقصاء ذكره. والشعر في هذا المعنى
~~أكثر من أن نحيط بأقطاره أو نجمعه من أطرافه.
# ومما يقوى به قول من قال: (إن السكر ههنا من النوم لا من الخمر) أن النوم
~~والسكر من الشراب يرجعان إلى أصل واحد، وذلك الأصل هو السهو، وإنما تتغير
~~أسماؤه لاختلاف الأحوال به، فإذا قارن السهو استرخاء واستراحة سمي نوما،
~~وإن قارنه ضعف أو علة سمي إغماء، وإذا استمر بالإنسان مع استمرار الصحة سمي
~~جنونا، وإذا قارنه فتور ونشاط سمي سكرا، ولا يمتنع في المعاني أن تختلف
~~احكامها وأسماؤها لوقوعها على وجوه مختلفة وأنحاء مفترقة.
# فان قال قائل: هلا قلتم: إن النوم هو استرخاء الجسم على وجه الاستراحة
~~إذا قارنه السهو! ولم (1) صرتم بأن تجعلوه اسما للسهو على الوجه الذي
~~قلتموه أولى (2) من أن تجعلوه اسما للاسترخاء على هذا الوجه؟. قيل له: إن
~~الحال في الاسترخاء تختلف على الجسم، ولا تختلف حاله في كونه نائما إذا حصل
~~فيه ما قلنا من السهو، ولو اختلفت حال السهو لم يوصف بذلك، فعلم أن النوم
~~هو السهو إذا كان على الصفة المذكورة، فصح أن المراد ههنا بالسكر هو غلبة
~~النوم على الانسان حتى يعقل لسانه وينقص بيانه، ولذلك قال تعالى: (حتى
~~تعلموا ما تقولون)، اي: حتى تزول عنكم أغباش (3) النعاس. وتتحققوا مخاريج
~~الكلام، إلا أن تسمية السكران من الشراب حقيقة، وتسمية
# PageV00P341
# السكران من النوم مجاز وعلى طريق التشبيه بالسكران من الشراب، وحمل
~~الكلام على حقائقه أولى من حمله على مجازاته.
# 5 - وقال بعضهم: السكران من الشراب لا تجوز صلاته، ms199 وهو الذي يزول عقله
~~حتى يصير في حد من لو كان كذلك من غير شراب لزال تكليفه. ومن علاماته أيضا
~~اختلاط كلامه حتى لا يدري ما يقول، فإن كان كلامه منتظما لا اختلاط فيه،
~~فليس بسكران، لأنه تعالى جعل أمارة زوال السكران يعلم الانسان ما يقول،
~~وإنما ذكر تعالى هذه العبارة ليعلمهم أن من صلى في مثل هذه الحال فصلاته
~~فاسدة وعليه الإعادة، وكما لا تجوز صلاته فكذلك لا تكون طاعة، إذ لو صح
~~كونها طاعة منه لصح ان يلزمه فرضها، ولا يجوز زوال تكليفه في الصلاة الا
~~وسائر التكاليف زائلة عنه. قال: وذلك يوجب ألا يجوز له طلاق ولا نكاح، وأن
~~يكون بمنزلة الصبي والمجنون، ولا يلزمه إن قذف حد، ولا يصح له شراء ولا
~~بيع، إلا أن الدية تلزمه إذا قتل كما يلزم النائم إذا انقلب على الشئ فكسره
~~أن يغرمه. وقد يجوز أن يكون هذا الخطاب غير متناول للسكران على حقيقته،
~~وإنما يتناول السكران الذي لم يبلغ إلى حد زوال التكليف عنه، بل هو في حكم
~~النشوان ومعه مسكة العقل وصحته وثميلة الرأي (1) وبقيته، وكأنه تعالى امرهم
~~ألا يقربوا الصلاة، وهم في الغاية القصوى من السكر وهي التي لا يحصل معها
~~الكلام ولا يصح الافهام، وقد يسمى الانسان سكرانا وإن لم يبلغ إلى ذلك الحد
~~مجازا وتقريبا،
# PageV00P342
# فيكون الخطاب متوجها إلى من هذه صفته دون من تلك صفته.
# 6 - وقال بعضهم: ويحتمل أن يكون المراد بذلك نهيهم عن التعرض لتناول ما
~~يسكرون منه، فيؤديهم ذلك إلى ترك الصلاة الواجبة عليهم، إذ قد جعل تعالى
~~فعلهم الصلاة مشروطا بألا يكونا سكارى غير مقيمين لكلامهم، ولا محصلين
~~لأمرهم، فكان محصول الكلام النهي عن السكر جملة، لان الصلاة إذا كانت واجبة
~~لا بد من فعلها، وكانت لا تفعل مع السكر الذي يفسدها، حصل في أيدينا من ذلك
~~النهي عن الحال التي يجوز لنا فعل الصلاة معها، لأننا متعبدون بفعل الصلاة
~~في أوقاتها، منهيون عن تركها عند وجوبها، فإذا قيل لنا: ms200 لا تقربوا الصلاة
~~وأنتم سكارى، وقد علمنا أن هذا القول غير ناسخ لغرض الصلاة، علمنا في مضمون
~~هذا اللفظ النهي عما يوجب السكر عند أوقات الصلاة.
# كما أنا لما نهينا عن فعل الصلاة مع الحدث بقوله تعالى: (إذا قمتم إلى
~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم..) NoteV00P343N01، وبقوله تعالى: (ولا جنبا إلا
~~عابري سبيل حتى تغتسلوا..)، وبقول النبي صلى الله عليه وآله:
# (لا يقبل الله صلاة من غير طهور)، كان ذلك نهيا عن ترك الطهارة، ولم يكن
~~نهيا عن فعل الصلاة، ولم يوجب كون الانسان جنبا أو محدثا سقوط فرض الصلاة
~~عنه، وإنما نهي عن فعلها على هذه الحال وهو مأمور مع ذلك بفعل الطهارة ليصح
~~له فعل الصلاة بعدها، فكذلك النهي عن
# PageV00P343
# الصلاة في حال السكر إنما دل على حظر الشرب الذي يوجب السكر قبل الصلاة.
# وليس لقائل أن يقول: (إن فحوى هذا الكلام يدل على نهيه تعالى عن السكر
~~قبل وقت الصلاة، حتى إذا حضر وقتها دخل المخاطب فيها وهو خال من السكر،
~~مباح له فيما عدا أوقات الصلاة). وذلك أن تحريم السكر عليه في كل حال مما
~~يعلم ضرورة من دين النبي صلى الله عليه وآله، وإنما أوقات الصلاة متقاربة،
~~فإذا كان منهيا عن دخوله في فعل كل صلاة وهو سكران مع تقارب أوقات الصلاة،
~~فهو منهي عن السكر جملة، لأنه إن سكر بعد صلاة الظهر لم ينتبه إلى صلاة
~~العصر في الأغلب إلا وهو سكران، لتقارب الوقتين، وكذلك حاله إن سكر بعد
~~الصلاة العصر ودخل في وقت المغرب، فعلم أن النهي عن السكر عام.
# 7 - وقال بعضهم: إنما تضمن هذا النهي الدلالة على أن الصلاة تجب إعادتها
~~في حال الصحو إذا فعلت في حال السكر. فان قال قائل:
# إذا حمل معنى هذه الآية على أن المراد السكران الذي لم يبلغ إلى حد يوجب
~~زوال التكليف عنه، فكيف يجوز أن يكون منهيا عن فعل الصلاة في هذه الحال، مع
~~اتفاق المسلمين على أنه مأمور بفعل الصلاة فيها!.
# قيل له: يجوز ms201 أن يكون هذا النهي متوجها إلى الصلاة مع الرسول صلى الله
~~عليه وآله أو في الجماعة تعظيما للنبي، وتوقيرا للجماعة وتنزيها لها عن
~~معاينة السفه والخلاعة، وهذا قبل تحريم الخمر، فكأنه تعالى إنما نهاهم عن
~~حضور الجماعة أو الصلاة مع النبي صلى الله عليه وآله، وهم على تلك الحال من
~~PageV00P344
# السكر، وإن لم يكونوا قد بلغوا إلى حد زوال العقل.
# وقال بعض العلماء: السكر سكران: أحدهما يكون مع زوال العقل.
# والآخر هو أن يستحسن الانسان ما كان يستقبحه: من تصفيق يد أو تبذل في
~~مقعد إلى ما يجري هذا المجرى، وفيه بقية من التماسك والتحصيل ونهية
~~NoteV00P345N01 من الرأي الأصيل.
# وعلى كل الأحوال، فالصحيح أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (إنما الخمر
~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)
~~وبقوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير.. الآية)
~~NoteV00P345N02 وكل كبير محرم باجماع الأمة، فقد بان تحريم الخمر قليلها
~~وكثيرها بذلك، وتحريم السكر من كل شراب بقوله صلى الله عليه وآله: (حرمت
~~الخمرة بعينها والسكر من كل شراب) NoteV00P345N03.
# ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في شرب غير الخمر من غير بلوغ حد السكر،
~~فإذا كان السكر محرما بالاجماع من الخمر وغيرها، فكل ما يسمى سكرا داخل تحت
~~ذلك، فإن كان القدر الذي ذكره صاحب هذا القول يقارنه بضع التماسك والوقار
~~من غير ذهاب العقل جملة، يسمى سكرا، فهو محرم أيضا، لان الألف واللام في
~~هذا الخبر لاستغراق الجنس،
# PageV00P345
# فكل ما يسمى سكرا يدخل تحت ذلك.
# وقد أقدم بعض الناقلين على رواية خبر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى يتعلق
~~بأمير المؤمنين علي (ع) في معنى السكر، لا يقدم على روايته غير طاعن عليه
~~ولا مشير إلى القدح فيه إلا من رق دينه وضعف يقينه، وقد ذكره أبو الحسن
~~الكرخي في كتاب الأشربة من مختصره وخرج له وجها يغطي بعض عواره (وقد قرأت
~~بعض هذا الكتاب أعني مختصر أبي الحسن علي القاضي أبي محمد عبد ms202 الله بن محمد
~~الأسدي الأكفاني، وأجاز لي رواية باقيه NoteV00P346N01، وكان سمعه من أبي
~~الحسن الكرخي، وقرأت على هذا القاضي أيضا قطعة من كتاب المزني في علم
~~الشافعي وأجاز لي رواية باقيه وطريقه في سماعه عال جدا لأنه يرويه عن أبيه
~~عن جده عن أبي إبراهيم المزني، وهو عراقي المذهب NoteV00P346N02، إلا أن
~~جده وأباه كانا على مذهب الشافعي على ما حكي لي).
# حدثني القاضي أبو محمد، قال حدثنا أبو الحسن الكرخي، قال حدثنا عبد الله
~~بن الرازي، قال حدثنا أبو عبد الرحمن (يعني ابن عمار الفقيه)، قال حدثنا
~~أبو نعيم الفضل بن دكين، عن فطر بن خليفة عن عبد الأعلى الثعلبي
~~NoteV00P346N03، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: شربت عند علي بن أبي طالب
~~(ع) نبيذا فخرجت من عنده عند المغرب فأرسل معي قنبرا مولاه يهديني إلى
~~بيتي.
# PageV00P346
# وقال أبو الحسن عقيب ذلك: فنضع الامر على أنه لم يقصد به إلى هذه الحال
~~فآلت حاله إلى هذا المعنى بشئ عرض له من هواء أو غيره.
# وأقول: إن هذا الخبر واهن القاعدة NoteV00P347N01 مضطرب الرواية، لان بعض
~~ناقليه منهم علي أمير المؤمنين (ع) NoteV00P347N02، ولان المعلوم الظاهر
# PageV00P347
# والمنقول المتداول ان أمير المؤمنين والأخيار من ولده (ع) لم يزنوا
~~NoteV00P348N01 قط بمثل هذه الفعلة ولا عرفوا بهذه الخلة. ولو حكي مثل ما
~~أفصح عنه هذا الخبر: من خروج السكارى المعلومين والذين قد غمرت عقولهم
~~وتهافتت قواهم، حتى احتاجوا إلى أن يدلوا على منازلهم ويصحبوا في مذاهبهم،
~~عن دار بعض السفهاء المعروفين بقلة التماسك وكثرة التهالك - لكان كافيا في
~~الذم ومقنعا في العار والعيب، وقد نزه الله سبحانه عن هذا المقام زاهد
~~الزهاد وبدل الابدال وتابع كل فضيلة وخالع كل رذيلة NoteV00P348N02.
# PageV00P348
# وقال قاضي القضاة أبو الحسن: ظاهر هذا الكلام نهي للسكران عن أن يقرب
~~الصلاة، ومعلوم أن السكران لا يجوز أن يؤمر وينهى، فيجب أن يكون المراد
~~خلاف الظاهر. فان قيل: ومن أين أن السكران لا يجوز أن يؤمر وينهى؟ ms203 قيل: لان
~~عقله مختل مضطرب، فكما لو حصل بهذه الصفة لا عن شرب مسكر لم يجز أن يكلف،
~~فكذلك إذا كان عن شرب المسكر، لان كل صفة تمنع من التكليف متى وجدت، قبح
~~التكليف من أي وجه وجدت تلك الصفة.
# فليس لقائل أن يقول: هو الجاني على نفسه والمزيل لعقله، فيجب أن يحسن
~~تكليفه لان ما ذكرناه مانع من ذلك، ولا فرق بين من زال عقله لا من جهته
~~وبين من زال عقله من جهته، في قبح تكليفه ومؤاخذته بذنوبه، ولأن هذه العلة
~~توجب في القاطع رجل نفسه جانيا عليها أن يحسن تكليفه القيام، وفي الفاعل
~~مثل ذلك بلسانه أن يحسن تكليفه الكلام، وإن لم يحسن ذلك فيه إذا كان بطلان
~~التي كلامه وقيامه من فعل غيره.
# ومتى قيل: فإذا لم يجز تكليف السكران فيجب ألا يؤاخذ بجناياته:
# من قتل وإتلاف ومن طلاق وظهار، ولا يجوز شراؤه وبيعه وعقده وحله. قيل: إن
~~كثيرا من العلماء يذهبون إلى ذلك فيجعلون قول السكران كقول المجنون والنائم
~~في العقود والايقاعات، ويجعلون قتله كقتل الصبي في اسقاط القود عنه. فاما
~~لزوم الغرم في المال فمما لا يتعلق PageV00P349
# بكمال العقل، وإذا كان الامر كذلك فالسكر لا يمنع منه. فان قيل:
# إذا كان نفس السكر يوجب الحد فكيف يجوز ألا يكون السكران مؤاخذا مكلفا!.
~~قيل: إن المحصل من العلماء لا يقول بذلك، بل يقول: إنما يلزمه الحد يأخذ ما
~~يسكر إذا شربه والعقل ثابت، لان ذلك من فعله (و 1) محرم عليه، فيجوز أن
~~يؤاخذ به، وليس كذلك السكر، لأنه ليس من قبله NoteV00P350N02 فلا يجوز ان
~~يحد عليه. فان قيل: فمن أين قلتم أن السكر ليس من قبله NoteV00P350N02؟
~~قيل: لأنه غير واقع بحسب دواعيه واختياره ولذلك قد يريد أن يسكر بالقليل
~~فيتعذر عليه وألا يسكر بالكثير فلا يتم ذلك له، ويجب أيضا إزالة السكر
~~ومراجعة الصحو فلا يتمكن من ذلك. وبعد فمعلوم ان من شرط التكليف كمال العقل
~~فإذا لم يحصل ذلك مع السكر فلا ms204 تكليف، كما إذا زال عقله بشرب بعض الأدوية
~~يجب الا يكون مكلفا. فان قيل: فإذا لم يصح خطاب السكران فما معنى الآية؟
~~فقيل: انه تعالى خاطب المؤمنين وهم على غير حال السكر فالمعنى: (يا أيها
~~الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة في المستقبل وأنتم سكارى) وإذا كان الامر
~~كذلك وجب إن يكون الخطاب منعا مما يؤدي إلى السكر. وفي ما ذكرناه من الكلام
~~على هذه المسألة كفاية بحمد الله.
# PageV00P350
# 5 - مسألة (من قبل أن نطمس وجوها) الشبهة في الآية - الجواب عن ذلك -
~~معنى إيتاء الكتاب من وراء الظهر وبالشمال - معنى اللعن في الشريعة - رأي
~~المؤلف في أن معنى الوجوه ههنا الأعيان والذوات - انتقال الخطاب في الآية
~~من المواجهة إلى الغيبة.
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما
~~نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم
~~كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا 47)، فقال: هذا القول وعيد لهم
~~على ترك الايمان والمقام على الضلال، وقد وجدنا أهل الكتاب مستمرين في
~~الكفر على طريقتهم ومتبعين سنن عاداتهم، ولم يكن ما توعدوا به من طمس
~~وجوههم وتغير خلقهم!
# فالجواب: ان في ذلك أقوالا للعلماء:
# 1 - منها، أن جماعة من أهل الكتاب الذين خوطبوا بهذا الخطاب آمنوا طوعا
~~ودخلوا في الاسلام اختيارا: منهم عبد الله بن سلام وثعلبة ابن سعية
~~NoteV00P351N01 وأسد بن عبيد ومخيريق NoteV00P351N02 وغيرهم، وأسلم كعب
# PageV00P351
# الأحبار في أيام عمر بن الخطاب لما قرعت هذه الآية سمعه خوفا من صحة
~~مخبرها وتحقيق أمرها NoteV00P352N01، ومثل ذلك روي عن عبد الله بن سلام أنه
~~لما قدم من الشام أتى النبي صلى الله عليه وآله فأسلم قبل أن يأتي أهله،
~~وقال:
# يا رسول الله ما كنت أرى اني أصل إليك عند سماعي هذه الآية حتى يحول
~~وجهي.
# 2 - وقول آخر، وهو المروي عن ابن عباس، قال: المراد بذلك من قبل أن نطمس
~~الوجوه عن بصائر الهدى فنردها على ادبارها، أي: في ms205 ضلالتها، ويكون ذلك
~~بالحكم والتسمية والخذلان بعد المعصية، ويجعل سبحانه هذا من قبيل العقوبة
~~لهم، كما تقدم من كلامنا في باب الضلال والاضلال.
# 3 - وقول آخر، قال بعضهم: إن الوعيد بطمس الوجوه على سبيل العقوبة ورد
~~مشروطا بإقامة جميعهم على الكفر، فلما آمن بعضهم سقط هذا الوعيد عنهم، ألا
~~ترى إلى قوله تعالى. (فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه..) NoteV00P352N02 4
~~- وقال بعضهم: ليس في الآية أنه ينزل بهم هذه العقوبة في الدنيا، وإنما
~~فيها أنه يفعل بهم هذا إن لم يؤمنوا، ويجوز أن يكون ذلك في الآخرة ويكون من
~~قبيل ما يزاد NoteV00P352N03 به الكفار في يوم القيامة خزاية ومثلة،
~~ويزدادون معه ندما وحسرة، ومما يبين ذلك NoteV00P352N04
# PageV00P352
# أنه تعالى قال: (آمنوا من قبل أن ينزل بكم هذا العقاب)، ومعلوم أن سائر
~~الأوقات التي يبقون فيها على تكليفهم داخل تحت هذه اللفظة التي هي (قبل)،
~~ومعلوم في جميع عمرهم انه وقت للايمان، فجاز من هذا الوجه أن يكون الوعيد
~~بالطمس متأخرا عن حال الدنيا.
# 5 - وقال بعضهم: معنى طمس الوجوه هو إزالة رسومها وتنكير معارفها، وهو
~~معنى قوله: (فنردها على أدبارها)، أي: نشبه الوجوه في محو الأسارير وإزالة
~~التخاطيط بأقفائها، فقوله تعالى: (فنردها على أدبارها) تفسير لطمس الوجوه.
~~وهذا المعنى - والله أعلم - هو المراد بقوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه
~~وراء ظهره) NoteV00P353N01 فان الوجوه إذا جعلت اقفاء كان إيتاء الانسان
~~كتابه من وراء ظهره، على الحقيقة، ومن حيث يكون وجهه وفيه لسانه وطرفه،
~~لأنه إنما ينظر إلى كتابه بعينه ويقرأ مضمونه بلسانه، وذلك كله في وجهه.
~~وهذا أحد العذابين اللذين أوعد بهما الله تعالى فيكون وقوع الطمس على الوجه
~~المذكور في الآخرة، ويكون المقدم في الدنيا هو اللعن لهم NoteV00P353N02
~~وإلحاق الذم بهم، كما قال تعالى: (أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت). والى
~~هذا المعنى قصد أبو مسلم بن بحر في الكلام على هذه الآية، وكنت أظن أنه من
~~اختراعاته حتى مضى بي لأبي العباس المبرد، ms206 وقد زاد فيه أن قال:
# PageV00P353
# وتغير شمائلهم فيعطون بها كتبهم، فيكون ذلك هو المراد بقوله تعالى:
# (وأما من أوتي كتابه بشماله..) NoteV00P354N01، لان الوجه إذا قلب صارت
~~الشمال مكان اليمين واليمين مكان الشمال، فسمي الشمال باسمها الذي كان لها
~~قبل قلب الوجه، وإن كانت في تلك الحال بمنزلة اليمين للمرء.
# 6 - وقال بعضهم: المعنى: نمحو آثار الوجوه ونجعل العيون في الانيئاء
~~فيمشون القهقري، فهو معنى قوله تعالى (فنردها على ادبارها).
# 7 - وقال بعضهم: معنى (أن نطمس وجوها) أي: نجعل الوجوه منابت الشعر كوجوه
~~القردة والخنازير، وبيان هذا قوله تعالى:
# (من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير..) NoteV00P354N02
~~أي: صيرهم لاشتباه وجوههم بوجوه هذين الجنسين كأنهم منهما، لا انهم صاروا
~~على الحقيقة قرودا وخنازير.
# 8 - وقال بعضهم: إنما قال سبحانه: (آمنوا من قبل أن نطمس وجوها أو
~~نلعنهم)، ومعنى ذلك افعلوا الايمان من قبل أن يكون أحد هذين الامرين وقد
~~كان أحدهما، وهو اللعن. وهذا للفظ - أعني اللعن - وإن كان أصله في اللغة
~~الطرد والابعاد، فإنها NoteV00P354N03 من الأسماء المنقولة عن أصولها في
~~الشريعة، فقد صارت الآن اسما لمجموع أشياء منها العقوبة والإهانة والخذلان
~~والبراءة، فيكون المستحق للعن مخصوصا بذلك في حياته ثم يتبعه لسان الذم بعد
~~وفاته.
# PageV00P354
# فان قال قائل: إن اللعن قد كان مخصوصا بهم قبل نزول هذه الآية والوعيد
~~على الفعل لا بد من أن يتضمن أمرا مجددا. قيل له: إن لعنة الله تعالى لهم
~~من بعد ظهور هذا الوعيد يكون أزيد تأثيرا في خزيهم وأبلغ في ألم قلوبهم،
~~فتكون الزيادة في ذلك هي المتجددة وهي الفائدة المرادة.
# 9 - وقال بعضهم: الوجوه ههنا استعارة وتمثيل، والمعنى من قبل أن نضلهم عن
~~طرق الثواب جزاء لما هم عليه من الكفر والعناد، وهذا كما يقول القائل: إن
~~فلانا رد وجهي عن حاجتي وصرف وجهي دون بغيتي، وليس هناك على الحقيقة وجه
~~يصرف ولا يد تصرف، وإنما المراد أنه رده عن طلبته وحال بينه وبين بغيته.
# 10 - ويجوز عندي ms207 في ذلك وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالوجوه ههنا غير
~~هذه الأبعاض المخصوصة، بل تكون محمولة على معنيين: أحدهما، أن يكون المراد
~~بها أماثل القوم ورؤساءهم كما يقال: هؤلاء وجوه القوم، أي: المعتمد عليهم
~~من بينهم والمنظور إليهم من جميعهم. والمعنى: من قبل أن نهلك رؤساءكم
~~ومتقدمي دينكم أو نلعنهم، وإنما جاء تعالى بلفظ الطمس كناية عن الاهلاك،
~~لأنه أشبه بذكر الوجوه من لفظ الاهلاك. وهذا من الاغراق في منازع الفصاحة،
~~والاحكام لمعاقد البلاغة. ومما يكشف عن ذلك قوله تعالى بعد ذكر الوجوه: (أو
~~نلعنهم)، ولو حمل الكلام على ظاهره لكان (أو نلعنها)، فقوي أن المراد
~~بالوجوه ما ذكرنا. وقوله تعالى: PageV00P355
# (فنردها على ادبارها) اي: نركسها ونرديها، وعلى ذلك قوله تعالى:
# ﴿أما فإن مات أو قتل انقلبتم على
~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا..﴾ (1) وقوله سبحانه:
~~(ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله..) (2)، والمراد الارتكاس في الغي
~~والرجوع عن الرشد، ولفظ الاعقاب مجاز، وليس هناك على الحقيقة أقدام ترجع
~~على أعقابها، ولا وجوه ترد على أدبارها.
# والمعنى الآخر، أن يكون المراد بالوجوه ههنا الأعيان والذوات، لا الأعضاء
~~والأبعاض، كما يقال: هذا وجه الامر وهذا وجه الرأي، والمراد به نفس الشئ
~~المؤمى إليه، فيكون المعنى أيضا قريبا مما قلناه في الوجه المتقدم، أي:
~~آمنوا من قبل أن نهلك أعيانكم وذواتكم ونركسكم على أدباركم. وإنما عبر
~~تعالى بالطمس عن الاهلاك والاركاس، لما جاء بلفظ الوجوه، إزواجا للكلام
~~وجريا على سنن عادات أهل اللسان، كما قلنا في الوجه الأول، ومما يشهد لذلك
~~تأويلنا قوله تعالى:
# (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) NoteV00P356N03 على أن المراد به
~~الجمل والذوات، لا الأبعاض المخصوصات، لأن هذه الصفة تليق بجملتهم لا
~~لأبعاضهم، لان البعض NoteV00P356N04 لا يكون ناظرا، كما لا يكون فاعلا
~~ويزيد ذلك بيانا قوله تعالى من بعد: (ووجوه يومئذ باسرة 24 تظن أن يفعل بها
~~فاقرة 25) فعلق سبحانه بها الظن الذي لا يليق إلا بالجملة ms208
# PageV00P356
# العالمة، فعلمنا أن المراد بذلك الأعيان والذوات دون غيرها، وعلى هذا
~~الوجه قال تعالى: (وجوه يومئذ ناعمة. لسعيها راضية) NoteV00P357N0١ فنبه
~~سبحانه بذكر رضا السعي على أن المراد بهذا الكلام ذوات الناس دون الأبعاض
~~التي هي الوجوه على الحقيقة، لان الامر لو لم يكن كذلك لكان إضافة السعي
~~إلى الاقدام أولى من اضافته إلى الوجوه. وهذا نبين ولله المنة!.
# فان قيل: كيف انتقل الخطاب من المواجهة إلى الغيبة، فقال سبحانه: (يا
~~أيها الذين أوتوا الكتاب)، ثم قال: (أو نلعنهم).
# قيل: في ذلك ثلاثة أجوبة:
# أحدها، أن يكون الكلام على مثال قوله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة..﴾ (2)،
~~وذلك مما يرد في كلام العرب واشعارها. فتعرف به قدرتها على التصرف في أقطار
~~الكلام، والتفسح في أعطان الخطاب، فتارة يكون مواجهة لأنه أبلغ في
~~المخاطبة، وتارة يكنى عن المخاطبين كما يكنى عن الغائبين، لان ذلك أشد
~~تصرفا وأغرب طريقة ومذهبا، وعلى ذلك قول الشاعر (3):
# يا لهف نفسي كان جدة خالد * وبياض وجهك للتراب الأعفر فانتقل من الغيبة
~~إلى المواجهة شجاعة في البلاغة وإبعادا في مسالك الفصاحة والجواب الثاني،
~~أن يكون الضمير عائدا على أصحاب الوجوه،
# PageV00P357
# فإنهم بمنزلة المذكورين وإن لم يذكروا.
# والجواب الثالث، أن يكون الضمير عائدا على الوجوه الذين هم أماثل أهل
~~الكتاب ورؤساؤهم، كما قلنا فيما تقدم، فيكون تلخيص الكلام:
# (آمنوا من قبل أن نهلك أمثالكم ورؤساءكم أو نلعنهم كما لعنا أصحاب
~~السبت). وذلك واضح بحمد الله.
# فصل (وكان امر الله مفعولا) واما قوله تعالى في آخر هذه الآية: (وكان أمر
~~الله مفعولا)، فالمراد به ما يريده تعالى من أفعال نفسه، فان ذلك واقع لا
~~محالة، لا يحجزه حاجز ولا يلفته لافت، فأما ما يريده سبحانه من أفعال خلقه،
~~فيجوز ان يقع ويجوز ألا يقع، لأنهم ممكنون من الفعل والترك لايجاب الحجة
~~وإزاحة العلة.
# ووجه آخر، وهو أن يكون المراد بذلك ما يلزمه تعالى عباده من طريق الاجبار
~~والاضطرار، لا من ms209 طريق الفسحة والاختيار، وذلك واقع بغير مانع، وكائن بغير
~~دافع: كاعلال الأجسام وقبض الأرواح وقلب الأرضين وارسال الحجارة على
~~المعاقبين ومسخ الخلق وإنزال النقم. PageV00P358
# ووجه آخر، وهو أن يكون المراد بذلك ما يرسل به تعالى الملائكة: من عقوبات
~~الأمم وتحمل الوحي إلى الرسل، إذ كانت الملائكة لا يعصون أمره، ولا يخالفون
~~حكمه مباينين بذلك سائر من خلقه، لقوله تعالى فيهم: (لا يعصون الله ما
~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) NoteV00P359N01، فأخبر تعالى عن علمه بهم وعن
~~وجوه NoteV00P359N02 كل ما يأمرهم بفعله، خلاف غيرهم.
# ووجه آخر، وهو أن يكون المراد بذلك أن كل امر من أموره تعالى: من مخبرات
~~الاخبار ووعد الأبرار ووعيد الفساق والكفار، على ما أخبر به تعالى.
# ووجه آخر، قيل: (إن معنى ذلك وكان مأمور الله مفعولا اي: الذي يأمره
~~بقوله: (كن) فيكون. ونظير كون الامر ههنا بمعنى المأمور كون العلم في موضع
~~آخر بمعنى المعلوم). وهذا الوجه ضعيف فاسد، وذلك انا لا نقول إن الله تعالى
~~يخاطب ما يريد خلقه بقوله تعالى: (كن)، لأنه في تلك الحال معدوم والمعدوم
~~لا يخاطب، وإنما قال تعالى ذلك على طريق المجاز دالا به على سرعة خلقه
~~للأشياء من غير إبطاء بخلقها ولا استعمال للروية فيها، ومذهب أهل اللسان في
~~مثل ذلك معلوم، وما قيل من الاشعار فيه معروف مشهور، وقد تقدم في كتابنا
~~هذا من ذكر ذلك ما فيه غنى ومقنع.
# ومما يبين ما ذكرنا، أن الامر غير المأمور به، (فان امر) NoteV00P359N03
# PageV00P359
# الله تعالى فعله والمأمور به فعل المأمور، لان الله سبحانه قد أمر عباده
~~بطاعته وأشفاهم NoteV00P360N01 إلى عبادته بقوله تعالى: آمنوا، واسلموا،
~~وصلوا، وصوموا، وما يجرى هذا المجرى، وهذا مما لا يجوز أن يفعله تعالى، لان
~~الطاعة فعل الطائع والخضوع فعل الخاضع والصلاة فعل المصلي والزكاة فعل
~~المزكي، ولا يجوز أن يكون الامر ههنا بمعنى المأمور، لأنه ليس كل ما امر به
~~تعالى لا على سبيل الاجبار والاضطرار، يكون واقعا لا محالة.
# فالصحيح أن المراد بأمره تعالى ms210 ههنا ما توعد به من عقوبة أهل الكتاب إن
~~لم يؤمنوا، لان ذلك ورد عقيب قوله تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب
~~آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على ادبارها
~~أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت) ثم قال تعالى: (وكان أمر الله مفعولا)،
~~أي: امره النازل بهذه العقوبة واقع لا يدفعه دافع ولا يصرفه صارف إذا شاء
~~الله تعالى ذلك. وفيما ذكرناه من الكلام على هذه المسألة كفاية وبلاغ
~~بتوفيق الله.
# PageV00P360
# 6 - مسألة (ويغفر ما دون ذلك) شبهة المرجئة في الآية - الجواب عنها -
~~مقارنة هذه الآية بالآية المبينة لها في سورة واحدة - الوجوه التي استدل
~~بها المرجئة - استقصاء الجواب عنها - كلام ابن بحر في المقام - رواية عن
~~الصادق (ع) في معنى (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون).
# ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون
~~ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما 48)، فقال: ظاهر هذه
~~الآية يدل على خلاف قولكم في وعيد الفساق ومرتكبي الكبائر مع الاصرار،
~~لأنها تدل على أنه تعالى يغفر ما دون الشرك والكبائر كلها داخلة فيما دون
~~الشرك، فما تأويلكم في ذلك؟.
# فالجواب: أن هذه الآية قد استقصى الأجوبة عنها شيوخ أهل العدل في كتبهم،
~~عند الكلام المتعلق بالوعيد، لأنها من أقوى الأطراف التي تتشبث بها
~~مخالفوهم من المرجئة، إلا أنا نذكر ههنا طرفا من الكلام عليها، يكون قليله
~~دليلا على الكثير، ووجيزه كافيا من القول PageV00P361
# المبسوط، بمشيئة الله فنقول:
# إنه لا حجة للقائلين بالارجاء في هذه الآية، لان الامر لو كان على ما
~~ظنوه من الغفران لأهل الكبائر الذين يموتون غير مقلعين، ولا نادمين بل
~~مصرين متتابعين، لكان وجه القول أن يكون. ويغفر ما دون ذلك إن شاء)، فأما
~~وهو تعالى يقول: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، فقد وجب انه تعالى يغفر
~~لبعضهم وهم الذين يشاء ان يغفر لهم، ودل ذلك على أن ممن يرتكب ما ms211 دون الشرك
~~من لا يشاء ان يغفر له، فلما دلت الآية على أنه سبحانه يغفر لبعض من يرتكب
~~ما دون الشرك ولا يغفر لبعضهم، علمنا أنه لا يجوز في حكمته وعدله أن يكون
~~البعض الذين يغفر لهم أهل الكبائر، والبعض الذين لا يغفر لهم أهل الصغائر،
~~أو أن يغفر لعبد ويعذب عبدا، والذنبان متساويان وهما في المعصية سيان، لان
~~هذا هو معنى المحاباة التي يتعالى سبحانه عن فعلها، إذ لا هوادة
~~NoteV00P362N01 بينه وبين أحد ولا علاقة قرابة ولا نسب، ولا تدركه الرقة
~~ولا تميل به الشفقة، لان جميع ذلك من صفات الأجسام المصنوعة، ودلائل
~~الأعيان المخترعة وهو تعالى خالق الخلق ومنشئ الكل.
# فإذا كان الامر على ما ذكرنا فقد صح أن البعض NoteV00P362N02 الذي لا
~~يشاء
# PageV00P362
# أن يغفر لهم ممن أتى ما دون الشرك، هم أهل الكبائر الذين ماتوا على جهة
~~الاصرار وذهبوا عن الندم والاقلاع، وأن بالعض الذي يشاء تعالى أن يغفر لهم
~~هم أهل الصغائر ومن مات تائبا من أهل الكبائر.
# وروي ان الحسن بن أبي الحسن سأله رجل فقال: ما تقول فيمن قتل مؤمنا
~~متعمدا؟. قال: أقول فيه ما قال الله ثم لا أقول بخلافه حتى ألقى الله: (من
~~قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها .. الآية) NoteV00P363N01. قال
~~السائل: فأين قوله تعالى: (ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك
~~لمن يشاء)؟ فقال الحسن: أوما بين تعالى مشيئته حيث يقول: (إن تجتنبوا كبائر
~~ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) NoteV00P363N02!
# وأقول: إنه من الحكمة العجيبة واللطائف الشريفة إجراء هذه الآية مع الآية
~~التي قبلها في مضمار واحد، وذلك أن الآيتين اللتين إحداهما مبهمة وهي
~~الأولة والأخرى مبينة وهي الثانية، جمعا في هذه السورة، وإنما فعل تعالى
~~ذلك - والله أعلم - لئلا تبعد المسافة بين القول المبهم والقول الموضح،
~~والكلام المجمل والكلام المبين، ولا يخرج التالي من هذه السورة إلا وقد
~~نقعت غلته وأزاحت علته، فكانت هي المبهمة وهي المبينة، وهي ms212 المجملة وهي
~~المفصلة، ولم يجعل تعالى هذه الآية التي هي بيان الآية الأخرى في غير هذه
~~السورة، فيتطوح NoteV00P363N03 طلب
# PageV00P363
# الطالب ويتوانى NoteV00P364N01 كدح المرتاد الباحث، إلى أن يجد ما يجلو
~~غمته ويحل شبهته، بعد امتحان الآي الطويلة، وتقري NoteV00P364N02 السور
~~الكثيرة.
# ذلك تقدير العزيز العليم!.
# ونحن نزيد الكلام على هذه الآية وضوحا بأن نذكر من كم وجه تعلق المخالفون
~~بها واعتمدوا عليها، ونفسد NoteV00P364N03 تلك الوجوه بأجمعها، ليكون
~~الكلام أجلى وجها والفائدة أكثر توجها، لان الغرض بما نذكر من ذلك أن تخرج
~~هذه الآية من أن يكون للمخالفين بها تعلق أو عليها معول، لا أن ندعي أنها
~~دلالة لنا وشاهدة بصحة قولنا، لأن هذه الآية من أقوى ما اعتمد القوم عليه
~~وتعلقوا به، فنقول:
# 1 - إنهم قالوا: قد بين تعالى أن ما دون الشرك يغفره لمن يشاء، وذلك يوجب
~~أن لا أحد منهم إلا وجائز أن يغفر سبحانه له من غير اختصاص. وكذلك نقول في
~~عصاة أهل الصلاة لأنا نرجئ أمرهم إلى الله تعالى، ونجوز ان يتفضل عليهم
~~بالعفو وان يعاقبهم بالذنب. قالوا:
# ومتى حمل ذلك على الصغائر لم يصح، لان فيه تخصيص قوله: (ما دون ذلك لمن
~~يشاء) لأنه عام في كل ما عدا الشرك، فحمله على بعضه غير مستقيم.
# 2 - وربما تعلقوا بذلك من وجه آخر، فقالوا: قد علمنا أنه سبحانه لم يرد
~~بقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) على كل حال،
# PageV00P364
# لأنهم عند استقبال التوبة ومحو الحوبة يجب ان يغفر لهم، فالمراد إذن أن
~~الله لا يغفر أن يشرك به تفضلا، فإذا كان ذلك هو المراد فيما بني عليه يجب
~~أن يكون مشروطا فيه، فكأنه تعالى قال: يغفر ما دون ذلك لمن يشاء تفضلا،
~~وذلك يوجب أن يكون المراد به الكبائر، لان الصغائر يجب أن تكون مغفورة
~~بالاستحقاق NoteV00P365N01 لا بالتفضل.
# 3 - وربما تعلقوا بذلك من وجه آخر، فقالوا: لا يحسن من الحكيم أن يتمدح
~~بأنه لا يتفضل بأمر، لكنه بفعل الواجب الذي لا ms213 بد في الحكمة أن يفعله،
~~فقوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) مقرون بأنه يغفر ذلك مع التوبة،
~~فكأنه تعالى قال: إنه لا يغفر ذلك تفضلا لعظمه وإن غفره بالتوبة، فلا يصح
~~أن يعقب ذلك بأن يقول: ويغفر الصغائر باستحقاق، مع أنه يغفر الكبائر
~~باستحقاق أيضا، فحق الكلام أن يكون المراد به: ويغفر ما دون ذلك تفضلا من
~~غير استحقاق.
# 4 - وربما تعلقوا بذلك من وجه آخر، وهو ان يقولوا:
# إنه تعالى قال: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، فأضاف الغفران إليه وأضافه
~~إلى مشيئته، والواجب المستحق لا يصح ذلك فيه، لان الصغيرة مغفورة في نفسها
~~لا تقع إضافة غفرانها إلى أحد، ولا يتعلق بمشيئة أحد.
# فهذه الوجوه من أوجه ما يمكن ان يتعلق به في ذلك، ونحن بمشيئة
# PageV00P365
# الله نورد الأجوبة عن جميع الفصول التي تعلق بها، ومن الله نستمد التوفيق
~~والتسديد بمنه ولطفه، فنقول:
# إن قوله تبارك اسمه: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن
~~يشاء) مجمل غير مبين، ومبهم غير ملخص NoteV00P366N01، لأنه تعالى علقه
~~بالمشيئة NoteV00P366N02 على وجه يقتضي ظاهره أنه لا يغفر كل ما دون ذلك،
~~وإنما يغفر بعضه دون بعض، لأن الظاهر يقتضي ما أومأنا إليه، فصار الكلام من
~~هذا الوجه في حكم المجمل، لأنه لا يدل على أمر بعينه، ولأنه لا معصية دون
~~الكفر إلا ويجوز أن تكون مما يشاء غفرانه، ويجوز أن تكون مما لا يشاء
~~غفرانه، وكما يحتمل أن يكون المراد بذلك الكبائر يحتمل ان يراد به الصغائر
~~أو بعض كل واحد منهما، وما هذه حاله يجب الا يكون دلالة على موضع يقع فيه
~~التنازع، ومنزلته في ذلك منزلة ما تقرر في العقول قبل الشرع: من أن هذه
~~المعاصي يجوز من الله تعالى غفران بعضها دون بعض، وعلى هذا الوجه أجاب
~~الحسن من سأله عن هذه الآية بما قدمنا ذكره، وفي بعض الأخبار أنه قال
~~للسائل: يا لكع! أما بين الله مشيئته بقوله:
# (إن ms214 تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)!، فبنى تلك الآية
~~لاجمالها NoteV00P366N03 على هذه الآية لبيانها، وجعل الآيتين كأن إحداهما
~~موصولة بالأخرى، فكأنه تعالى قال: ويغفر ما دون ذلك من
# PageV00P366
# السيئات لمن اجتنب الكبائر.
# فان قيل: فيجب ألا يكون في الكلام فائدة إذا كان لا يعلم به إلا ما كان
~~مقررا في العقل NoteV00P367N01 من قبله. قلنا: ليس الامر كذلك، لأنه قد كان
~~يجوز في العقل الا يكون في المعاصي ما يغفر البتة، وإنما يعلم ذلك بهذه
~~الآية، لأنها قد دلت على أن فيها ما يغفر وإن كان لا يغفر إلا بالاستحقاق.
# وبعد، فان ذلك يدل على أنه تعالى قادر على الغفران، ويصح ذلك منه، وأنه
~~يشاء غفران بعض الذنوب، وذلك بمنزلة قوله تعالى:
# (إن الله على كل شئ قدير)، في أنه لا يفعل كلما يقدر عليه مما تمنع
~~الحكمة منه. وبعد، فإذا علم تعالى أن الصلاح للمكلف ان يتوقف في هذه الآية
~~عند ورودها، ويجوز الغفران في بعض المعاصي دون بعض، لم يمتنع ان يخاطب بها
~~لهذا الغرض الراجع إلى مصلحة المكلف.
# على أنه قد ثبت أن المشيئة إذا دخلت في الكلام الذي يدل ظاهره على الامر
~~المراد، أوجبت التوقف، ولذلك أمرنا تعالى على طريق التأديب لنا فيما نخبر
~~به عن المستقبل من أفعالنا ان نقيده بمشيئة الله سبحانه; فإذا صح ذلك فيجب
~~NoteV00P367N02 أن يكون دخول مشيئته في هذا الكلام يقتضي التوقف، وفي ذلك
~~إبطال تعلقهم بظاهر الخطاب، وإنما كان يصح تعلقهم به لو قال: (ويغفر ما دون
~~ذلك)، مطلقا، فأما إذا قال: (لمن يشاء) فالتعلق به لا يصح. على أنه لو قال:
~~(ويغفر ما دون ذلك)،
# PageV00P367
# مطلقا من غير تقييد بالمشيئة، كان لا يمتنع أن يخص NoteV00P368N01 بما
~~قدمناه من الأدلة، وبقوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم
~~سيئاتكم)، لأنه أعم من حيث كان متناولا لكل ما دون الشرك، فيجب أن يبنى على
~~ما هو أخص منه مما يدل على تمييزه NoteV00P368N02 ما ms215 يغفره مما لا يغفره،
~~وهذا واجب في الكلام، فإذا كان، لو كان مطلقا لوجب ذلك فيه، فهو بأن يجب
~~إذا كان مقيدا بالمشيئة أولى.
# فأما قولهم: إن إضافة المغفرة إليه تعالى تمنع من حمل الكلام على
~~الصغائر، فبعيد، لأنه تعالى هو الغافر لها، فان كانت المغفرة مستحقة فما
~~الذي يمنع - والحال هذه - من صحة هذه الإضافة، وقد ثبت انه لا فصل بين
~~التكفير والغفران، وقد قال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر
~~عنكم) فأضاف تكفيرها إلى نفسه وهي صغائر، فما الذي يمنع من مثله في إضافة
~~الغفران إليه تعالى وإن كانت الذنوب صغائر.
# وبعد، فعلى هذا القول يجب بطلان قولهم: إنه تعالى أراد بقوله:
# (إن الله لا يغفر أن يشرك به) تفضلا، لان زيادة ذكر التفضل ههنا لا وجه
~~له ان كانت المغفرة لا تضاف إليه إلا تفضلا، وكان يجب ألا يصح أن يقول:
~~ويغفر الشرك مع التوبة، لان الغفران عندها واجب، فلا وجه للإضافة، وهذا
~~يبين سقوط ما قالوه.
# على أن المغفرة عندنا تتضمن الإثابة NoteV00P368N03 لأنه تعالى إنما يغفر
# PageV00P368
# السيئات بفعل الثواب، فيصير كالساتر للمعاصي، وهذه حقيقة الغافر في أصل
~~اللغة، وقد علمنا أن الغفران على هذا الحد لا يصح إلا للتائبين ولأصحاب
~~الصغائر، لأنه يصح في كلا الوجهين اثبات الثواب، وفي غفران الكبائر لا يصح
~~ذلك، فلو جعل هذا الوجه كالدلالة على صحة ما تأولنا الآية عليه حتى تكون
~~دالة على ما نقوله، لكان أقرب.
# فان قالوا: انه سبحانه وإن كان يغفر الذنوب ويضاف الغفران إليه، فلا وجه
~~- إذا كان واجبا - لتعليقه بالمشيئة. قيل لهم: إذا كان كل ما يفعله تعالى
~~من واجب وتفضل لا بد من أن يكون مريدا له ولا بد في الثواب أيضا من أن يكون
~~معه فاعلا له على وجه مخصوص يقتضي انه مريد له على وجوه، فما الذي يمنع من
~~إضافة ذلك إلى المشيئة؟.
# وبعد، فان المشيئة في مثل هذه الحال إنما تدخل لتمييز امر من امر ولا
~~يكون المقصد ms216 بها ظاهرها، فما الذي يمنع من ذلك أيضا؟
# فأما قولهم: إذا كان تعالى في صدر الكلام قد أراد التفضل فكذلك يجب فيما
~~بعده، فجوابه أن يقال لهم: ولماذا يجب ذلك؟.
# فان قالوا: لان الحكيم لا يجوز ان يتكلم بجملتين من الكلام فيشترط في
~~أولاهما ما لا يشترط في الثانية. قيل لهم: ولم يجب ذلك وإحدى الجملتين
~~مستقلة بنفسها مستغنية عما يبني عليها، فلها حكمها! فما الذي يمنع من كونها
~~مشروطة دون الجملة الثانية! يبين ذلك أنه لو ذكر الشرط فيها مصرحا ولم
~~يذكره في الثانية لكان ذلك غير ممتنع، فإذا صح ما قلنا كان أولى بألا يمتنع
~~فيما يثبت من الشرط بالدلالة، فما المانع من PageV00P369
# أن يكون التفضل مضمرا في قوله تعالى: (إن الله لا يغفر ان يشرك به) تفضلا
~~ولما تقع التوبة (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)! ولو أنه تعالى صرح بما
~~ذكرناه كان غير ممتنع أيضا، فنقول: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) تفضلا
~~ولما تقع التوبة (ويغفر ما دون ذلك) من الصغائر واجبا، من حيث جانب فاعلها
~~الكبائر، فإذا كان صرح تعالى بذلك كان الكلام صحيحا غير فاسد، فما الذي
~~يمنع من أن ينزل الدليل بهذه المنزلة!.
# وبعد، فلا فرق بين من قال ما ذكروه وبين من قلب الكلام عليهم فنزله على
~~ما يضاد قولهم، وهو أن يقول: قوله تعالى: (إن الله لا يفغر ان يشرك به) لا
~~بد من أن يكون مشروطا بالاستحقاق، فكأنه تعالى قال: إن الله لا يغفر الشرك
~~بمجانبة غيره استحقاقا ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء بمجانبة غيره، فيكون هذا
~~التقرير في الكلام أصح مما ذكروه.
# وبعد، فلو قيل: انه تعالى كأنه قال: إن الله لا يغفر أن يشرك به بلا توبة
~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء بلا توبة، ونزل هذا التنزيل، لكان أقرب مما قاله
~~الخصوم NoteV00P370N01.
# وأيضا فلو قيل NoteV00P370N02: إنه تعالى لما ذكر الجملة الأولى على وصف،
# PageV00P370
# أراد أن يبين مفارقة الجملة الأخرى لها من وجه، ms217 لان هذا هو الواجب في
~~موضع ما جرى هذا المجرى من الكلام، فإذا كانت الجملة الأولى مشروطة بفقد
~~NoteV00P371N01 التوبة، فيجب أن تكون الثانية غير مشروطة بذلك، فكأنه تعالى
~~بين أن ما دون الشرك قد يكون فيه ما يغفر بمجانبة الكبائر، وانه مخالف
~~للشرك في ذلك، ولم يرد تعالى أن يميز ما هذه حاله، لان ذلك لا يمكن الا
~~بتعريف الصغائر، وتعريف الصغائر NoteV00P371N02 غير جائز، لما فيه من
~~الاغراء بالمعاصي وتسهيل الطريق في التخطي من الصغائر إلى الكبائر. ولأجل
~~هذا روي (عن 3) بعض العلماء الصالحين أنه قال: (اجعل بينك وبين الحرام
~~حاجزا من الحلال، فإنك إذا استوفيت الحلال كله تاقت نفسك إلى الحرام
~~ففعلته) NoteV00P371N04.
# فاما تعلقهم بأن الحكيم لا يجوز أن يتمدح بأنه لا يغفر الشرك تفضلا [و 5]
~~بأنه يغفر ما دونه واجبا، فالجواب عنه: أن الغفران لا يتضمن الوجوب ولا
~~التفضل، وإنما يتضمن الفعل المخصوص فقط، وهو بمنزلة قول القائل: (لا أعطي
~~زيدا مالا)، في أنه لا يتضمن وجوبا ولا تفضلا، فإذا قال: وأعطي مالا من
~~أشاء من أولادي، لم يجب ان يريد بذلك التفضل دون الواجب، وذلك بين.
# وقد اتت هذه الجملة من وراء شبه المخالفين، وإنما غرضهم بهذه
# PageV00P371
# الزيادات تصحيح الاستدلال بأمور يضمونها إلى الظاهر وذلك غير موات لهم
~~ولا مجد عليهم، إذا كان اعتمادهم في هذا الكلام على التعلق بالظاهر دون ما
~~عداه.
# ومما يؤيد الكلام على هذه الآية بيانا أن يقال للخصوم فيها: قد عرفتم أن
~~الله تعالى قال في كتابه: إنه يفعل أشياء إن شاء، (ثم بين) NoteV00P372N01
~~لنا أنها مما يشاء أن يفعله، فلم يشكك في أنها يفعلها، وإن كان قد شرط فيها
~~المشيئة:
# فمن ذلك قوله تعالى: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل
~~فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء..)
~~NoteV00P372N02 ومنه قوله سبحانه: (ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب
~~عليهم..) NoteV00P372N03، فلم يجب - لمكان اشتراط المشيئة في عذاب اليهود
~~والنصارى ms218 والمنافقين - أن نشك في عذابهم، لما قال تعالى في آيات أخر: (إن
~~الله لعن الكافرين واعد لهم سعيرا) NoteV00P372N04 وقال سبحانه: (إنه من
~~يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار.. الآية) NoteV00P372N05.
~~فعلمنا بذلك أنهم لو كانوا مما يشاء ان يغفر لهم باشتراط المشيئة لما أخبر
~~تعالى بتعذيبهم في المواضع الاخر قطعا، بإلغاء ذكر المشيئة، ثم أخبر تعالى
~~انه يعذب قاتل المؤمن والزاني وآكل الربا وقاذف المحصنات وغيرهم من أهل
~~الكبائر، فعلمنا
# PageV00P372
# أن جميع هؤلاء ليس ممن يشاء ان يغفر لهم، ما NoteV00P373N01 ذكره تعالى
~~انه يعذبهم عليه من هذه الذنوب التي دون الشرك، إذ كان تعالى قد أعلمنا انه
~~يعذبهم كما أعلمنا أنه يعذب الكفار بعد قوله تعالى: (يغفر لمن يشاء ويعذب
~~من يشاء..) NoteV00P373N02، فكان من يغفر لهم ما دون ذلك هم أهل الصغائر،
~~الذين وعدهم غفرانها باجتناب الكبائر في قوله تعالى: (ان تجتنبوا كبائر ما
~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، فلم يجب - لاشتراط مشيئة الغفران لما دون
~~الشرك - أن نشك في غفران الصغائر لمجتنبي الكبائر، كما لم يجب أن نشك في
~~تعذيب أهل الكبائر التي هي دون الشرك، لاشتراط المشيئة في الغفران لهم.
# ومما يدل على ذلك أنا قد اجمعنا على أن قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن
~~يشرك به) معناه: انه يعذب على الشرك به، فوجب أن يكون اخباره بأنه يعذب
~~القاتل والزاني ومن أشبههما من أهل الكبائر هو إخبار بأنه لا يغفر لهم، إذ
~~كان (لا يغفر) معناه (يعذب)، فكذلك قوله تعالى: (يعذب) هو إخبار بأنه لا
~~يغفر، فإذا صح ذلك بأنه لا يغفر الشرك، ولا يغفر ما قال: إنه يعذب عليه مما
~~دون ذلك من الكبائر التي ليست بشرك، وإذا كان هذا هكذا، فقد وجب انه لا
~~يغفر الشرك ولا ما دونه من الكبائر التي ليست بشرك، لاستواء كل واحد من
~~الدليلين في نفي الغفران وايقاع العذاب.
# PageV00P373
# ولا تناقض بين قوله تعالى: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) NoteV00P374N01
~~كما ظنه الجهال، ms219 لان ذلك مشروط بالتوبة، وإنما قال تعالى ذلك لئلا يظن ظان
~~أن من الذنوب ما لا يغفره مع التوبة منه، وقد نبه تعالى بأول هذه الآية
~~وبما بعدها على ما ذكرنا، فقال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على
~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا..) وقال سبحانه
~~في الآية التي تليها، (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له..)، فأعلمنا أن الغفران
~~إنما يكون بالإنابة وبالاقلاع والتوبة.
# وقال أبو مسلم بن بحر: تلخيص المعنى في ذلك أنه سبحانه لا يغفر الشرك
~~للمقيم عليه ولا يغفر معه شيئا من الذنوب صغيرا ولا كبيرا:
# فالصغائر المغفورة للمؤمنين غير محطوطة عن المشركين، وذلك من أجل شركهم،
~~ومعنى (أن) في قوله تعالى: (أن يشرك به) معنى (من أجل)، أي: من أجل الشرك
~~لا يغفر لهم، فإذا فارقوه وكان منهم الذنب الذي هو دونه غفر ذلك لهم
~~بالتوبة، المعنيون بقوله تعالى: (من يشاء) التائبون، ويدل على ذلك قوله
~~تعالى (إن رحمة الله قريب من المحسنين) NoteV00P374N02. قال: ونظير هذا
~~الاختصار قوله تعالى: (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهم ثلثا ما ترك..)
~~NoteV00P374N03 والأمة مجمعة على أن للاثنين مثل ما لمن فوقهما، فدل ذلك
~~على
# PageV00P374
# أن الكلام خرج فيه على الاختصار. فان سألوا لم قيل لكل كافر مشرك؟ قلنا:
~~كما قيل لمن عاند النبي صلى الله عليه وآله كافر، وإن لم يجحد شيئا من نعم
~~الله سبحانه، إلا أنه لما استكبر على رسول الله صلى الله عليه وآله عنادا
~~ولم يخضع له انقيادا صار عظيم جرمه كعظيم جرم من جحد نعم الله سبحانه،
~~فكذلك سمي كل كافر مشركا، لأنه قد بلغ بعظم جرمه مبلغ جرم الذي أله الأصنام
~~وعبد مع الله الأوثان.
# ومن شعب هذه المسألة ما روي أن سائلا سأل جعفر بن محمد الصادق عليهما
~~السلام NoteV00P375N0١ عن قوله سبحانه: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم
~~مشركون) NoteV00P375N0٢، فقال (ع): المراد بذلك شرك طاعة لا شرك عبادة، كما
~~يقول القائل: لولا الله وفلان ms220 لفعلت كذا وأقدمت على كذا، وكطاعة الرجل فيما
~~لا يحل وتعظيمه من لا يستحق، وما سمى الله سبحانه النصارى مشركين إلا في
~~آية واحدة، وهي قوله تعالى:
# ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من
~~دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو
~~سبحانه عما يشركون﴾ (3) فأجرى سبحانه عليهم اسم الشرك كما اجرى عليهم
~~اسم الكفر. وفي ما ذكرناه من ذلك كفاية ومقنع بتوفيق الله تعالى.
# تم الجزء الخامس من كتاب حقائق التأويل في متشابه التنزيل.
# PageV00P375
# والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم،
~~ويتلوه في الجزء الذي يليه (وهو الجزء السادس من كتاب حقائق التأويل في
~~متشابه التنزيل) مسألة. ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (ان الذين كفروا
~~بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا
~~العذاب إن الله كان عزيزا حكيما).
# صورة المكتوب على آخر النسخة الرضوية:
# ووافق الفراغ من ذلك بكور الجمعة حادي عشرين رجب شهر الله الأصب سنة ثلاث
~~وثلاثين وخمسمائة نقل على نسخة قرئت على مصنفه السيد الشريف السعيد الرضي
~~أعلى الله درجته وألحقه بالأئمة المعصومين، وعليها خطه، وحكايته: (قرئ علي
~~هذا الجزء من أوله إلى آخره وصح إلا ما أغفل القارئ من تصحيحه وكتب محمد بن
~~الحسين الموسوي بخطه في شعبان من سنة اثنين وأربعمائة).
# ووجدت في الكتاب حواش بخطه فنقلتها والله المشكور.
# وتجده في راموز الصفحة الأخيرة# PageV00P376 ms221