######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002340 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشريف الرضي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 406 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: حقائق التأويل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر التفسير عند الشيعة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002340 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2340_حقائق-التأويل-الشريف-الرضي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: شرح : محمد رضا آل كاشف الغطاء #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الخامس السورة التي يذكر فيها آل عمران (*) ~~1 - مسألة وصف الآيات المحكمات بأم الكتاب الجواب عن وصف هن بأم - القياس ~~في جمع أم - الفاتحة أم الكتاب - حكاية القول - جعل ابن مريم وأمه آية. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب وأخر متشابهات... - 7) فقال: كيف جمع سبحانه بين قوله: (هن) - ~~وهو ضمير لجمع - # PageV00P001 # وبين قوله: (أم الكتاب) - وهو اسم لواحد -، فجعل الواحد صفة (1) للجمع ~~(2)؟، وهذا فت في عضد البلاغة (3) وثلم في جانب الفصاحة!. # فالجواب: أن المراد بذلك كون هذه الآيات باجتماعها، وانضمام بعضها إلى ~~بعض في إنزالها، أما للكتاب، وليست كل واحدة أما بانفرادها، فلما كان الامر ~~على ما قلنا جاز وصف الجمع بالواحد، إذ كان في تعلق بعضه (4) ببعض وأخذ ~~بعضه برقاب بعض بمنزلة الواحد، ولأنه سبحانه لو قال: هن أمهات الكتاب، لذهب ~~ظن السامع إلى أن كل واحدة من الآيات أم لجميع الكتاب، وليس المراد ذلك، بل ~~المراد ما قدمنا القول فيه من كون الآيات بأجمعها أما للكتاب دون بعضها، ~~لان المراد بكونها أما للكتاب أن بها يعلم ما هو المقصود بالكتاب من بيان ~~معالم الدين، وذلك لا يرجع إلى كل واحدة من الآيات، بل يرجع إلى جميعها، ~~فالأم ههنا بمعنى: الأصل الذي يرجع إليه ويعتمد عليه، لان المحكم أصل ~~للمتشابه يقدح به فيظهر مكنونه ويستثير دفينه، وعلى ذلك سميت والدة الانسان ~~أما، لأنها أصله الذي منه طلع وعنه تفرع، ولذلك سميت مكة أم القرى، لان # PageV00P002 # القرى مضافة إليها (1)، وهي المتقدمة عليها (2) والمذكورة قبلها (3). # وكان القياس أن يقولوا في جمع أم: أمات، ولكنهم قالوا: # أمهات، لأنه قد جاء في الشعر الفصيح أمهة. فصح الجمع على أمهات، قال قصي ~~بن كلاب: # أمهتي خندف والياس أبي (4) وقال بعضهم: يقال: أمهات في جمع ما يعقل، ~~وأمات في جمع ما لا يعقل. # واما وصفهم فاتحة الكتاب بأنها أم الكتاب، فهو راجع أيضا إلى المعنى الذي ~~ذكرناه، لأنهم إنما ms001 وصفوها بذلك من حيث كانت أصلا يبني عليها غيرها من ~~القرآن في صلاة المصلي، وعند تلاوة التالي إذا بدأ بقراءة الكتاب، فقد صارت ~~إذن متقدمة وبواقي السور لاحقة بها وموجفة (5) # PageV00P003 # خلفها، وكذلك الآيات المحكمات هن أصول للمتشابهات ترد إليها وتعطف عليها، ~~فقد بان: أن المعنى واحد والمراد متفق في وصفهم الآيات المحكمات بأنها أم، ~~وفاتحة الكتاب بأنها أم (1) وقال الأخفش (2): (إنما قال تعالى: أم الكتاب، ~~ولم يقل: # أمهات الكتاب، كما قال الرجل: مالي نصير، فيقول القوم: نحن نصيرك، و: ~~مالي أنصار، فيقول الواحد: أنا أنصارك، وهو يشبه دعني من تمرتان على ~~الحكاية، يعني: إذا قال القائل لصاحبه: ما عندي إلا تمرتان، فيجيبه الآخر ~~بحكاية قوله). وأنشد قول الشاعر (3): # تعرضت لي بمكان حل * تعرض المهرة في الطول (4) تعرضا لم تأل عن قتلا لي ~~(5) وأراد: لم تأل عن أن تقول: قتلا لي، فجعله على الحكاية، لأنه كان ~~منصوبا قبل ذلك، كما تقول: نودي بالصلاة الصلاة، حكاية # PageV00P004 # لقول القائل: الصلاة الصلاة. قال: (وقد قيل إنما هو: (تعرضا لم تأل أن ~~قتلالي)، ولكنه جعله عينا لان أن في لغة هذا الشاعر يجعل في موضعها عن (1)، ~~وقد قال الشاعر (2): # قال الوشاة لهند: عن تصارمنا * ولست أنسى هوى هند وتنساني أراد: أن ~~تصارمنا، فأبدل، وإنما قال شاعر (3) البيت الأول: (قتلالي) لأنه نصبه على ~~الامر كما تقول: ضربا لزيد). وقد اعترض على هذا القول باعتراضات تمنع طريقة ~~الاختصار من ذكرها وتمييز صحيحها من عليلها. # PageV00P005 # وقال بعض العلماء: (نظير قوله تعالى: هن أم الكتاب (على التأويل الذي ~~تقدم في توحيد الأم وهي خبر لهن) قول الله سبحانه: # ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ (1)، ~~ولم يقل: آيتين، لان معناه وجعلناهما جميعا آية، ولو أراد: أن كل واحد ~~منهما آية على انفراده، لقال تعالى: وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين، لأنه قد ~~كان في كل واحد منهما عبرة لهم، وذلك أن مريم عليها السلام ولدت من غير ~~رجل، ونطق ابنها عليه السلام في المهد، وهو صبي لا ms002 يجوز من مثله النطق). # قلت انا: وقد قال أبو العباس المبرد في هذا المعنى قولا حسنا، وكان ~~إسماعيل بن إسحاق القاضي يذكره كثيرا على وجه الاستحسان له، وهو أنه قال: ~~(إنما وحد سبحانه صفتهما فقال: جعلناهما آية - وهما اثنان -، لان المعنى ~~الذي أعجز منهما شئ واحد، وذلك أن مريم عليها السلام ولدت من غير ذكر وولد ~~عيسى عليه السلام من غير أب، فلو كان هناك زوج لكان أباه وزوجها، فلما كان ~~المعنى المعجز منهما شيئا واحدا، حسن أن يقول سبحانه: جعلناهما آية، وهما ~~اثنان). وهذا حسن جدا، وقد مضى من الكلام في هذه المسألة ما فيه مقنع ~~بتوفيق الله تعالى. # PageV00P006 # فصل (الراسخون في العلم وعلمهم بتأويل الكتاب) فأما قوله تعالى في ذيل ~~هذه الآية: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ~~كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب) فبين العلماء فيه اختلاف: # فمنهم من جعل الوقف عند اسم الله تعالى، واستأنف قوله سبحانه: # [والراسخون في العلم يقولون آمنا به]، فمن ذهب إلى هذا المذهب منهم يخرج ~~العلماء عن أن يعلموا كنه التأويل وحقيقته، ويطلعوا طلعه (1) ويستنبطوا ~~غوامضه، ويستخرجوا كوامنه، وحطهم بذلك عن رتبة قد استحقوا الايفاء عليها ~~واطلاع شرفها (2)، لان الله سبحانه قد أعطاهم من نهج السبيل وضياء الدليل ~~ما يفتتحون به المبهم ويصدعون المظلم (3)، وكل ذلك بتوفيق الله إياهم ونصب ~~منار الأدلة لهم، فعلمهم بذلك مستمد من علم الله سبحانه، فلا معنى للوقوف ~~بهم دون هذه المنزلة، والاحجام عن إيصالهم إلى أقصى هذه الرتبة. # وأما الذين يجعلون الوقف عند قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم)، فيوفون الاستثناء حقه بادخال العلماء فيه، ويجعلون ~~لهم مزية العلم بتأويل القرآن، ومعرفة مداخله ومخارجه، وسلوك # PageV00P007 # محاجه ومناهجه. وهذا القول مروي عن ابن عباس [ره] ومجاهد والربيع (١) ~~فأما المحققون (٢) من العلماء فيقفون في ذلك على منزلة وسطى وطريقة مثلي، ~~فلا يخرجون العلماء ههنا عن أن يعلموا شيئا من تأويل القرآن جملة، ولا ~~يعطونهم منزلة ms003 العلم بجميعه، والاستيلاء على قليله وكثيره. # بل يقولون: إن في التأويل ما يعلمه العلماء، وفيه ما لا يعلمه إلا الله ~~تعالى: من نحو تعيين الصغيرة (٣) ووقت الساعة وما بيننا وبينها من المدة ~~ومقادير الجزاء على الاعمال وما أشبه ذلك. # وهذا قول جماعة من متقدمي العلماء: منهم الحسن البصري وغيره واليه ذهب ~~أبو علي الجبائي (٤)، لأنه يجعل المراد بالتأويل في هذه الآية مصائر الأمور ~~وعواقبها، [كقوله] (٥) تعالى: ﴿هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله..﴾ (6)، ~~أي: مصيره وعاقبته، لان أصل التأويل من قولهم: آل يؤول، إذا رجع. # PageV00P008 # ومما يؤكد ذلك أن مجاهدا قال في قوله تعالى: (ذلك خير وأحسن تأويلا) (1): ~~(إنه سبحانه أراد بالتأويل ههنا: الجزاء على الاعمال)، فهذا المعنى يلامح ~~ما نحن في ذكره، لان الجزاء إنما هو الشئ الذي آلوا إليه وحصلوا عليه. # وقد قيل أيضا: (إن المراد وما يعلم تأويله على التفصيل إلا الله تعالى أو ~~لا يعلم تأويله بعينه إلا الله، لان كثيرا من المتشابه يحتمل الوجوه ~~الكثيرة، وكلها غير خارج عن أدلة العقول، فيذكر المتأولون جميعها، ولا ~~[يقع] (2) القطع منهم على مراد الله تعالى بعينه منها، ولا يعلم ذلك إلا ~~الله، لان الذي يلزم المكلف من ذلك أن يعلم في الجملة أنه سبحانه لم يرد ما ~~يخالف أدلة القول، ولأنه ليس من تكليفنا أن نعلم [أن] (3) المراد من ذلك ~~بعينه، وإن كان العلماء يعلمونه على الجملة وعلى الوجه الذي يمكن أن يعلم ~~عليه). # و [في] (4) قول الراسخين في العلم: (آمنا به كل من عند ربنا) دلالة على ~~استسلامهم في ما لم يعلموا من تأويل المتشابه، وما استبد الله بعلمه من ~~قبيل ما ذكرنا: كوقت القيامة وتمييز الصغائر من الكبائر، إلى ما أشبه ذلك، ~~فقد بان أن في تأويل المتشابه ما لا يعلمونه، وإن كان يعلمون كثيرا منه. # PageV00P009 # وقال قاضي القضاة أبو الحسن (1) - بعد ذكره طرفا من الخلاف في هذه الآية ~~-: [وما يقوله من حمل العطف على حقيقته وجعل للعلماء نصيبا من علم ms004 التأويل ~~على تفصيله أو جملته، إما أن يكون المراد بذلك عنده وما يعلم تأويله إلا ~~الله وإلا الراسخون في العلم ومع علمهم بتأويله (يقولون آمنا به)، أو يكون ~~المراد أنهم يعلمون تأويله في حال قولهم: (آمنا به كل من عند ربنا)، ومن ~~قال بذلك استدل بظاهر العطف، وأنه يقتضي مشاركة الثاني للأول في ما وصف به ~~الأول وأخبر به عنه]. وقال: [إذا أمكن ذلك وأمكن حمل قوله تعالى: # (يقولون آمنا به) على الحال أو على خبر ثان وجب القول بذلك، ولكلا ~~الوجهين مسرح في طريق اللغة. وإنما ينبغي أن ننظر من جهة المعنى، فان ثبت ~~بالدليل صحة أحد المعنيين قضي به، وإلا لم يمتنع أن يرادا جميعا إذا لم يقع ~~بينهما تناف]. # قلت أنا: وهذه طريقة لأبي علي (2) فيما ورد من القراءات متغايرا فإنه ~~يقول: (إذا كان يمكن حمل الكلام على القراءتين المختلفتين، فإنهما جميعا ~~مرادتان، إذا صحت القراءة بهما جميعا، نظير ذلك قوله سبحانه (وجدها تغرب في ~~عين حمئة) (3) وقد قرئ حامية). # فيقول: [إنه يجب أن تكون العين على الصفتين معا، فتكون حمئة من # PageV00P010 # الحمأة، وحامية من الحمي، فتكون هناك حرارة وحمأة، وإلا كان يجب ألا تجوز ~~إحدى القراءتين، لان من أصله أن كل كلام احتمل حقيقتين - ولم يكن هناك ~~دلالة على أن المراد به إحدى الحقيقتين دون الأخرى - فواجب حمل الكلام ~~عليهما جميعا حتى يكونا مرادين بذلك، ومتى لم يمكن حمل الكلام عليهما ~~جميعا، فلا بد من أن يبين الله تعالى مراده منهما بدلالة، وإلا خرج من أن ~~يكون فيه فائدة]. # فأما من قرأ حمئة من الحمأة، فاني قرأت بذلك على شيوخ [القراءة] (1) لابن ~~كثير ونافع وأبي عمرو وحفص، عن عاصم، وأما من قرأ حامية من الحمي، فاني ~~قرأت به لحمزة والكسائي وأبي بكر بن عياش، عن عاصم وعبد الله بن عامر. # وقد ظن بعض الناس أنه لا يجوز إلا أن يكون تمام الكلام ومقطعه عند قوله ~~تعالى: [وما يعلم تأويله إلا الله]، وأن الواو للاستقبال دون الجمع. ms005 قال: ~~(لأنها لو كانت للجمع لقال: ويقولون آمنا به فيستأنف الواو كما استأنف ~~الخبر،. واحتج على هذا [القول من قال بالقول] (2) الأول، بأن قال: (هذا ~~جائز وقد وجد مثله في القرآن: وهو قوله تعالى - في معنى قسم الفئ -: (ما ~~أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول... إلى قوله سبحانه، إن ~~الله شديد العقاب) (3) ثم أعقب ذلك بالتفصيل وتسمية من يستحق هذا الفئ، ~~فقال: (للفقراء المهاجرين الذين # PageV00P011 # أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا... # إلى قوله تعالى: والذين جاءوا من بعدهم يقولون...)، وهؤلاء لا شك داخلون ~~في مستحقي الفئ كالأولين، والواو ههنا للجمع، ثم قال سبحانه، يقولون (ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان...)، ومعناه: قائلين: ربنا اغفر ~~لنا ولإخواننا، فكذلك قوله سبحانه: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به) ~~يكون معناه: والراسخون في العلم يعلمون تأويل ما نصبت لهم عليه الدلائل، ~~ونحيت لهم إليه المذاهب من المتشابه قائلين آمنا به، ومن الشاهد على ذلك ~~قول يزيد بن مفرغ الحميري - لما سامه عباد بن زياد أن يبيع عبده بردا في ~~دين لزمه، وحديثه في هذه القصة طويل (1) وهو بعد مستفيض -: # وشريت بردا، ليتني * من بعد برد كنت هامه (2) فالريح تبكي شجوها (3) * ~~والبرق يلمع في الغمامة قوله: (وشريت) يريد: وبعت، وهو من الأضداد. # وقوله: (والبرق يلمع...) يريد: والبرق أيضا يبكي شجوه لامعا في الغمامة، ~~أي: في حال لمعانه، ولولا أن المراد هذا لما كان لقوله: # (والبرق يلمع في الغمامة) اتصال بقوله: (فالريح تبكي شجوها)، بل كان # PageV00P012 # بعيدا منه قصيا، وغريبا أجنبيا. # وإذا كان ذلك سائغا في اللغة وجب حمله على موافقة دلالة الآية، في وجوب ~~رد المتشابه إلى المحكم، فيعلم الراسخون في العلم تأويله إذا استدلوا ~~بالمحكم على معناه، ولو كان العلماء لا يعلمون شيئا من تأويل المتشابه بتة، ~~ما كان لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله علم أمير المؤمنين عليه ~~السلام التفسير، معنى، لان معنى التفسير والتأويل إنما يكون لما غمض ودق ~~ولم يعلم بظاهره. ms006 وهذه صفة المتشابه، وأما المحكم الذي يعلم بظاهره، فلا ~~حاجة بأحد إلى تعليمه، لان أهل اللسان فيه سواء، ولولا أن الامر على ذ لك ~~لما كان لدعاء النبي صلى الله عليه وآله لابن عباس (ره) بأن يعلمه الله ~~التأويل معنى، لأنا نعلم أنه لم يرد عليه السلام تعليمه الظاهر الواضح، فلم ~~يبق إلى الغامض الباطن. # ومن وجه آخر: أن حقيقة الواو الجمع، فوجب حملها على سنن حقيقتها ~~ومقتضاها، ولا يجوز حملها على الابتداء الا بدلالة، ولا دلالة ههنا توجب ~~صرفها عن الحقيقة، فوجب حملها على الجمع، حتى تقوم الدلالة. # وكان أبو حاتم السجستاني يقول: (إن الوقف على قوله تعالى: # [وما يعلم تأويله الا الله]، لأنه قد حذف من الكلام (أما)، وكأنه تعالى ~~قال: (وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به)، وزعم أنه إنما جاز حذفها ~~لأنه قد جرى ذكرها وهو قوله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه). قال: (و (أما) لا تكاد تجئ في القرآن مفردة حتى تثني أو تثلث ~~أو تزاد على ذلك كقوله PageV00P013 # سبحانه: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر وأما ~~السائل فلا تنهر﴾ (1) وكقوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين... ~~وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين... وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين... (2) ~~فلما قال سبحانه: (فالذين في قلوبهم زيغ) قدرنا ان (أما) مرادة مع ~~(الراسخين في العلم)، فكأنه تعالى قال: وأما الراسخون في العلم...) وكلام ~~أبي حاتم في ذلك غير سديد ولا مطرد، لأنه قدر في الكلام حذف (أما)، وذكر ~~أنها تقع في القرآن كثيرا مكررة. ولعمري إن الامر كما قال من وقوعها مكررة ~~في القرآن!، وما علمناها جاءت فيه مرادة محذوفة، وكان ينبغي أن يرينا من ~~القرآن موضعا هي فيه مرادة وقد حذفت ليكون شاهدا على ما ذكره، فأما أن ~~يستشهد بتكريرها على حذفها فذلك غير مستقيم، ولو كان الامر على ما قال لكان ~~وجه الكلام أن يقول تعالى: (والراسخون في العلم فيقولون آمنا به)، كما قال ~~سبحانه: # (فأما الذين في قلوبهم ms007 زيغ فيتبعون...)، فيعلم أن الموضع لاما، وألا لم ~~تكن على ذلك دلالة. # ولا يجوز الوقف على العلم في الوجهين (3) جميعا لان ما بعد العلم يكون ~~حالا في أحد الوجهين وخبرا في الآخر، و (الوقف التام) (4) على (به)، وقد ~~أوردنا في هذه المسألة ما فيه بلاغ ومقنع بتوفيق الله تعالى. # PageV00P014 # 2 - مسألة (معنى إزاغة القلوب من الله تعالى) الاعتذار عن التكرير - ~~الجواب عن الشبهة - نسبة القول لغير فاعله - تخصيص القلب بالهداية دون سائر ~~الجوارح - رد المتشابه في المقام إلى المحكم - تفسير آية (فلما زاغوا...) - ~~إضافة الفعل إلى الآمر والى السبب - العمى في الآخرة - التفضيل في أفعال ~~العيوب والألوان ومن سأل عن قوله تعالى: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ~~وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب - 8) فقال: لو لم تكن إزاغة القلوب من ~~الله سبحانه لما كان للدعاء بألا يفعلها تعالى معنى ولا فائدة، وإزاغة ~~القلوب من قبيل الاضلال والاغراء، وهذا الذي يذهب إليه خصومكم (1)! # فالجواب: أنا قد بينا في عدة مواضع من أوائل كتابنا هذا معنى الاضلال ~~والضلالة والزيغ والإزاغة، وما يجري هذا المجرى مما ورد في التنزيل، وظاهره ~~لا يجوز على الله تعالى، وكررنا القول في أقسام ذلك ووجوهه وجميع ضروبه ~~وفنونه، ونحن ذاكرون ههنا يسيرا منه، لئلا يخلى هذا الموضع من جواب يصدع ~~الشبهة ويجلي الغمة ويكشف الحيرة. # PageV00P015 # فلا ينبغي أن ينسب ذلك منا إلى تعاطي التكرير وتكلف الترديد فان العاذر ~~لنا في ذلك أن كتابنا هذا قد بعدت أوائله من أواخره، وانفرج ما بين أعناقه ~~وروادفه، ونزحت مسافات الكلام فيه نزوحا يحتمل التكرير تجديدا للفائدة، ولا ~~تستهجن معه الإعادة مبالغة في الحجة، لا سيما وقد طال بنا الزمان في تأليفه ~~بعوائق عارضتنا بحواجزها، وقواطع زاحمتنا بمناكبها: من تقلب أحوال واشتغال ~~ببواهظ أثقال، وكان انقطاعنا إليه خلسا، واهتمامنا بالزيادة فيه لمعا وفرصا ~~(1)، كنهلة المزءود (2)، أو نشطة المطرود (3) أو كقبسة المستعجل أو حبسة ~~الظاعن المتحمل (4). # إلا أن الاهتمام أجمع (5) على حالي الشغل والفراغ، والانقباض والانبساط، ~~معقود بأسبابه، ms008 والعزيمة واقفة ببابه، نعم! ولا عيب أيضا على جامع مثل هذا ~~الكتاب البعيد الأطراف، المحتاج إلى فضلات من مدد الزمان، أن تقرر فيه ~~مذاهب كانت [مترجحة] (6) وتطمئن آراء كانت قلقة، على حسب تأثير الزمان ~~الأطول في جلاء الشبه، # PageV00P016 # وحل عقود الامر المشتبه، واستدراك فوائت الأدلة، واستثارة كوامن الرأي ~~والرواية. # ومن ذلك ما يمر بقارئ صدور كتابنا هذا: من كلامنا الذي يدل على ميلنا إلى ~~القول بالارجاء، ثم ما يمضي به في أوساطه وأثباجه NoteV00P017N01 من الكلام ~~الدال على تحقيق القول بالوعيد قاطعين به وعاقدين عليه، وإنما كان السبب في ~~تباين هذين القولين سالفا وخالفا وسابقا ولاحقا (تفرع) (2) شبه وشكوك ما ~~زال الزمان بمماطلته يزجي حسيرها (3) ويسهل وعورها، حتى أسرع حابسها وانقاد ~~متقاعسها بلطف الله وتوفيقه ومعونته وتسديده. # وقد ذهبنا عن سنن الغرض كثيرا، وتياسرنا عن المحجة بعيدا، فلنعد الآن إلى ~~الغرض المقصود والمرمى المطلوب!، فنقول: إن للعلماء في ما سأل عنه السائل ~~من هذه الآية أقوالا. # 1 - فمنها أن يكون قولهم: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) معناه: ~~الدعاء بألا يعلم (4) تعالى قلوبهم زائغة بعد الهدى، أي: أدم لنا ألطافك ~~وأصحبنا هداك وعصمتك، حتى لا تزيغ قلوبنا فتعلمها زائغة، ويكون ذلك على ~~معنى المصادفة كقولهم: أضللت فلانا، إذا وجدته ضالا، و: سألته فأبخلته، إذا ~~وجدته بخيلا، و: جربته فأجبننه، # PageV00P017 # إذا وجدته جبانا، وما أشبه ذلك. # ٢ - ومنها أن يكون معنى ذلك (ربنا لا تزغ قلوبنا) أي: # لا تبتلنا بأمر صعب، يثقل علينا القيام به والخروج إليك من حقه، فتزيغ له ~~قلوبنا ونميل إلى شهواتنا، ويكون هذا من قبيل قولهم: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من ~~قبلنا..﴾ (١)، والإصر: الثقل، وهو راجع إلى هذا المعنى، وذلك كقوله ~~سبحانه: # ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ~~أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم﴾ (2)، وقوله تبارك اسمه: # (إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم) (3)، فكأنهم دعوه سبحانه: ~~بألا ms009 يبتليهم بما يكبر عليهم ويثقل على كواهلهم، وأضافوا الزيغ إليه تعالى ~~من حيث كان المتولي لفعل التكاليف التي يفتنون بها ويزيغون عندها، وليست ~~بأسباب لوقوع معاصيهم على الحقيقة، وإن كانت معاصيهم لا تقع إلا بعد ~~ابتلائهم بتلك العبادات، فكأنهم سألوه تعالى: ألا يتعبدهم بما يكون عنده ~~وقوع معصيتهم وزيغهم عن هدى طريقتهم، وألا يحملهم من المشقة، ما لا يأمنون ~~معه ذلك، وأن كانوا لا يؤتون إلا من قبل أنفسهم. # 3 - وقال بعضهم: معنى (لا تزغ قلوبنا) أي: احرسنا من وساوس الشيطان حتى ~~لا نزيغ فتزيغ أنت قلوبنا، لان الله تعالى لا يزيغ أحدا حتى يزيغ هو، كما ~~قال سبحانه: (فلما زاغوا أزاغ # PageV00P018 # الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين) (1) 4 - وقال بعضهم: معنى ~~ذلك: ثبتنا بألطافك وزدنا من عصمك (2) وتوفيقك، كي لا نزيغ بعد إذ هديتنا، ~~فنكون زائغين في حكمك، ونستحق أن تسمينا بالزيغ وتدعونا به وتنسبنا إليه، ~~لأنه يجوز أن يقال: إن الله سبحانه أزاغهم إذ سماهم بالزيغ، وإن كانوا هم ~~الفاعلين له، على مجاز اللغة، لا أنه تعالى أدخلهم في الزيغ وقادهم إلى ~~الاعوجاج والميل، ولكنهم لما زاغوا عن أوامره وعدوا ما فرض الله من فرائضه، ~~جاز أن يقال: قد أزاغهم، كما قال سبحانه في ذكر السورة: (فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم) (3)، وكقول نوح (ع) (فلم يزدهم دعائي إلا فرارا) (4). أو يكون لما ~~منعهم تعالى ألطافه وفوائده جاز أن يقال: إنه أزاغهم، مجازا، وإن كان تعالى ~~لم يرد إزاغتهم. # ونظير ذلك من الكلام قولك لمن أطال أظافيره: قد جعلت أضافيرك سلاحا [أي ~~لم تقلمها]، فصارت شكة (5) تحز وشوكة تخز، وهو لم يرد بلوغ أظافيره إلى ذلك ~~الحد، وفي التعارف: إن الرجل إذا ترك سيفه ولم يحادثه (6) بالصقال والارهاف ~~فكل حده وطبع فرنده، قيل له: إنك قد أفسدت سيفك، ولا يراد بذلك: انك قصدت ~~افساده واعتمدت اكلاله، وكيف يتهم بذلك وهو أشد الناس # PageV00P019 # كراهية لما حدث فيه من ذلك الفساد، [واعترضه من ذلك الكلال] (١)، ولكنه ~~حسن أن يقال له ذلك ms010 في مجرى العادة، لما ترك تعاهده، وأغفل صقله وإحداده. # ٥ - وقال بعضهم: إنما سألوا الله تعالى: ألا يزيغ قلوبهم عن الثواب، أو ~~عن زيادات الهدى والألطاف، والأمران معا يرجعان إلى معنى واحد، لان زيادة ~~الهدى واللطف تكون ثوابا، والشاهد على ذلك قوله تعالى: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾ (2)، ومعنى ~~ذلك أنهم سألوه تعالى: أن يلطف لهم بكثرة الخواطر، وقوة الزواجر، في فعل ~~الايمان، حتى يقيموا عليه مدة زمانهم، ولا يتركوه في مستقبل أعمارهم، ~~فيستحقوا بتركه وفعل الكفر - بدلا منه - أن يزيغ تعالى قلوبهم عن الثواب، ~~وأن يفعل بها مستحق العقاب، لأنه لا يجوز أن يسألوا الله سبحانه: ألا ~~يعاقبهم إذا كانوا مؤمنين، إلا على هذا المعنى، فاما الثواب الذي يفعله ~~الله تعالى بقلوب المؤمنين، فهو ما ذكره سبحانه من شرح الصدر وكتابة ~~الايمان في القلب، وضد ذلك هو العقاب الذي يفعله بقلوب الكفار من الضيق ~~والحرج والرين والطبع، وهذه طريقة أبي علي (3). # 6 - وقال بعضهم: إنما أمرهم سبحانه أن يقولوا: (ربنا لا تزغ قلوبنا)، ~~تعبدا، فإذا قالوا ذلك بخضوع واستكانة ويقين وإنابة، # PageV00P020 # أثابهم عليه، كما قال سبحانه لنبيه [ص]: ﴿قال رب احكم بالحق﴾ (١) والله لا يحكم إلا ~~بالحق، ونظائر ذلك كثير في القرآن. # ٧ - وقال بعضهم: إن الهدى لما كان على وجوه وكان من جملة أقسامه الثواب ~~وثبت عندنا أن الله سبحانه لا يضل عن الايمان، علمنا أن المسألة بألا يزيغ ~~الله القلوب، إنما يراد بها الإزاغة عن الثواب وأقسامه: # من شرح الصدور ومسار النفوس. # والدليل على ذلك قوله سبحانه في موضع آخر: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ (2)، فليس يخلو قوله ~~تعالى: [يهد قلبه] من أحد أمرين: إما أن يكون أراد بذلك: الهداية إلى ~~الايمان، وهذا مستحيل، لأنه لا بد من أن تنقطع أفعال المكلفين من الايمان، ~~وتكون لها غاية، كما أن للتكليف غاية، فآخر ما يقع من ايمانه، لا بد - ~~باجماع الأمة - من ms011 أن يهدي الله قلبه عند فعله، كما ضمن له سبحانه، ولا ~~يكون هذا الهدى بأن يخلق في قلبه إيمانا ثابتا، لان ذلك يتصل بما لا غاية ~~له من الايمان، والهداية إلى الايمان. # فوجب أن يكون قوله سبحان: [يهد قلبه] إنما عنى به إثابة قلبه على ايمانه، ~~وإنما خص سبحانه القلوب بهذا [الذكر] (3)، دون سائر الجوارح. لان القلب ~~شريف الأعضاء ونفيسها، ومقدمها ورئيسها، ولهذا قال تعالى (إن في ذلك لذكرى ~~لمن كان له قلب) (4)، ولم يقل سمع أو بصر أو غير ذلك: من آلات البدن # PageV00P021 # ومرافق الشخص المكون، إذ كان القلب ينفرد بخصائص أفعال الانسان: # مثل الجرأة والاقدام، والكف والاحجام، إلى غير ذلك: من الجذل والغبطة، ~~والكمد والغمة، فخصه تعالى بالذكر، لان سائر الأعضاء في حكم التابعة له ~~والمنوطة به. ومن الشاهد على ذلك أحد التأويلات التي فسر بها قوله تعالى: ~~﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه وأنه إليه تحشرون﴾ (1)، فقيل: معنى ذلك أنه يميته، ومعلوم انه ~~إذا اماته حال بين نفسه وبين سائر أعضائه، ولكنه خص القلب بالذكر لشرف ~~موقعه، وعظيم نفعه، وكون سائر الجوارح له خدما وحفدة، وعنه مصدرة وموردة، ~~فلذلك خصه ههنا بالذكر على ما بينا. # 8 - وقال بعضهم: قد يجوز أن يكون سؤالهم ألا يزيغ الله تعالى قلوبهم ~~معناه ألا يميلها بعقوبة يحلها بها كالمسخ وما يجري مجراه، لان الزيغ في ~~أصل اللغة: الميل، والمسخ: إنما هو إمالة الخلقة عن الحال التي كانت عليها ~~إلى غيرها من الهيئات والصور، ويكون المراد بهذا القول الاستعفاء من عقوبة ~~مستحقة يخافونها، بما لا يأمنونه من مواقعتهم المعاصي في المستقبل. وهذا ~~القول شديد التكلف، إلا أني أحببت ايراده لغرابة طريقته، وغيره أولى ~~بالاعتماد عليه والقول به. # 9 - وقال قاضي القضاة أبو الحسن: ليس كل من سأل ربه ألا يفعل به شيئا تدل ~~مسألته على أنه تعالى يختار ذلك الشئ ويفعله، فاذن معنى هذا الدعاء إما أن ~~يكون المراد لا تشدد علينا المحنة في التكليف، # PageV00P022 # فيؤدي ms012 ذلك إلى زيغ قلوبنا بعد الهداية كما تقدم بيانه (1) في قوله سبحانه ~~(... ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا...)، وإما أن يكون ~~المراد بذلك ألا يعدل بهم عن زيادة الهدى والألطاف في هذا الباب. # 10 - والذي أقوله في ذلك: إن من أصلنا رد المتشابه من الآي إلى المحكم ~~منها، كما بينا أولا، وقد ورد في القرآن من ذكر الإزاغة ما بعضه محكم وبعضه ~~متشابه، فيجب رد متشابهه إلى محكمه - على الأصل الذي قررناه -، فالمتشابه ~~من ذلك قوله سبحانه ههنا: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا)، وهذا لا ~~يجوز أن يكون محمولا على ظاهره، لأنه يقودنا إلى أن نقول: إن الله سبحانه ~~يضل عن الايمان، وقد قامت الدلائل على أنه سبحانه لا يفعل ذلك لأنه قبيح، ~~وهو غني عنه، وعالم باستغنائه عنه، ولأنه تعالى أمرنا بالايمان وحببنا ~~إليه، ونهانا عن الكفر وحذرنا منه، فوجب ألا يضلنا عما أمرنا به، ولا ~~يقودنا إلى ما نهانا عنه، وإذا لم يكن ذلك محمولا على ظاهره فاحتجنا إلى ~~تأويله على الوجوه التي قدمنا ذكرها، فهو متشابه، لان من صفة المتشابه ألا ~~يقتبس علمه من ظاهره وفحواه، فوجب رده إلى ما ورد من المحكم في هذا المعنى، ~~وهو قوله تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم). # فعلمنا ان الزيغ الأول كان منهم، وأن الزيغ الثاني كان من الله سبحانه ~~على سبيل العقوبة لهم، وعلمنا أيضا أن الزيغ الأول غير الزيغ الثاني، وأن ~~الأول # PageV00P023 # قبيح إذ كان معصية، والثاني حسن إذ كان جزاء وعقوبة، ولو كان الأول هو ~~الثاني لم يكن للكلام فائدة، وكان تقديره: فلما مالوا عن الهدى أملناهم عن ~~الهدى، فكان خلفا من القول يتعالى الله عنه، لان الكفر الذي حصل في الكفار ~~[الذين وصفهم سبحانه بميلهم عن الايمان] قد أغناهم عن إحداث مثله لهم، وخلق ~~ما يجري مجراه فيهم، فعلمنا أن زيغهم كان عن الايمان، وإزاغته تعالى لهم ~~إنما كانت عن طريق الجنة والثواب، وأيضا فان هذا الفعل لما كان من ms013 الله ~~سبحانه على سبيل العقوبة لهم، علمنا أنه غير الجنس الذي فعلوه، لان العقوبة ~~لا تكون من جنس المعصية، إذ كانت المعصية قبيحة والعقوبة عليها حسنة. # وليس لقائل أن يقول: إن قوله سبحانه ههنا: (أزاغ الله قلوبهم) متشابه ~~أيضا لأنه لا يفهم بظاهره وهو محتاج إلى الكشف عن باطنه. # لان قوله سبحانه: (فلما زاغوا) قد صير قوله: (أزاغ الله قلوبهم) في حكم ~~المفهوم الظاهر، إذ قد بينا أن الزيغ الثاني لا يجوز أن يكون هو الزيغ ~~الأول، ولا من جنسه، فقد علم أنه غيره، وإذا علم أنه غيره - والأول الزيغ ~~عن الايمان - وجب أن يكون الثاني غير الزيغ عن الايمان، وأن يكون معناه ما ~~ذكرنا من العقوبة على الميل عن الهدى إلى الضلال، وفي ما أوردناه من ذلك ~~كاف بتوفيق الله تعالى. # وإذ قد اعترضنا هذه الآية، أعني قوله تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم)، لايرادنا لها في موضع يحتاج إلى الاستشهاد بها فيه، PageV00P024 # وان كانت من أواخر القرآن، ونحن بعد في أوائله، [فإنه] (1) مما يجوز ~~الجمع بينه وبين الآية التي نحن في الكلام عليها، وهي قوله تعالى: [ربنا لا ~~تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا]، لان الكلام فيهما ممتزج، والاحتجاج عليهما ~~مشتبه، فلنذكر طرفا من الكلام في التأويل الذي يخصها، لترد الفائدة ~~بكمالها، وتقوم الحجة على أساسها إن شاء الله تعالى!: # قال بعضهم في تأويل هذه الآية: إن قال لنا المخالفون: إنكم تزعمون أن ~~الله لا يضل أحدا ولا يزيغه والله سبحانه يقول: [فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم]!. قلنا لهم. أما دعوا كم علينا أنا نقول: إن الله لا يضل أحدا ولا ~~يزيغه، فبهت منكم لنا، بل من ديننا أن من أنكر ذلك رافع لما جاء به القرآن، ~~ولكنا نقول إن إضلال الله سبحانه وإزاغته ليسا كاضلال إبليس وازاغته، لان ~~الله تعالى قد ذم ذلك وبرئ منه، فعلمنا أنه تعالى لا يضل - من حيث يضل - عن ~~الحق وهو يدعو إليه، ولا يمنع منه وهو يأمر به، تعالى عن ذلك علوا ms014 كبيرا. ~~وبعد فإنه سبحانه لم يذكر في هذه الآية أنه ابتدأ قوما بأن أزاغ قلوبهم، بل ~~قال: [فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم]، فأخبر تعالى: أنه إنما فعل ذلك بهم ~~عقوبة على زيغهم وجزاء على فعلهم، فمنعهم الألطاف والفوائد التي يؤتيها ~~سبحانه من آمن به، ووقف عند حده، وخلاهم واختيارهم، وأخلاهم من زيادة الهدى ~~التي ذكر سبحانه في كتابه، فقال: (والذين اهتدوا # PageV00P025 # زادهم هدى وآتاهم تقواهم) (١) فأضاف سبحانه (٢) الفعل في الإزاغة إلى ~~نفسه، على اتساع مناهج اللغة في إضافة الفعل إلى الآمر، وإن وقع مخالفا ~~لامره، لما كان وقوعه مقابلا لامره، ويكشف عن ذلك قوله تعالى: ﴿إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا ~~آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين. فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ~~ذكري وكنتم منهم تضحكون﴾ (3)، وهؤلاء الفريق من عباد الله لم ينسوا ~~الفريق الآخر ذكر الله، وكيف يكون ذلك وهم يحادثون أسماعهم وقلوبهم بذكره ~~سبحانه وعظا وتخويفا، وتنبيها وتحذيرا؟!، ولكنهم لما اتخذوهم سخريا وقاموا ~~على سئ أفعالهم وذميم اختيارهم، أنسوهم ذكر الله، فأضيف الانساء إلى ذلك ~~الفريق من عباد الله، إذ كان نسيان من نسي ذكر الله سبحانه إنما وقع في ~~مقابلة تذكيرهم به وتخويفهم منه ودعائهم إليه، فحسنت الإضافة على الأصل ~~الذي قدمناه. # وأقول: إنه قد جاء الاتساع في اللغة بالزيادة على هذه المرتبة التي ~~ذكرناها من إضافة الفعل إلى الآمر، وإن لم يأمر به، بل أمر بضده، لما وقع ~~مقابلا لامره فسمي من كان سبب الضلال مضلا، وإن لم يكن # PageV00P026 # منه دعاء إلى الضلال ولا إلى ضده فوقع (1) الضلال عند دعائه. قال سبحانه: ~~(وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام. رب ~~إنهن أضللن كثيرا من الناس... الآية) (2)، فأضاف تعالى ضلال القوم إلى ~~الأصنام، إذ جعلوها سببا لضلالتهم، وهي جماد لا يكون منها صرف عن طاعة ولا ~~دعاء إلى معصية. # ومثل هذا من كلامهم: إن الرجل يشغف بالمرأة، فإذا عظم وجده بها وقلقه من ~~أجلها، قال ms015 لها: قد أسهرت ليلي، وأمرضت قلبي، وكدرت صفاء عيشي، ولعلها لم ~~تعلم بشئ من أمره، ولم تشعر بأوقات قلقه وسهره، ولكنه لما اعتقد أنها سبب ~~لذلك - وإن لم تفعله - جاز أن ينسب إليها فعله. # وآكد من ذلك أنها لو شعرت بما يقاسيه فيها ويعانيه من حبها - وكانت ذات ~~عفة تحصنها وتحسم المطامع عنها، فزجرته عن نفسها وخوفته عواقب الاشتغال ~~بها، فكان ذلك سببا لزيادة كلفه وتضاعف شغفه، فانحلت قوى أمره واسترخى وتر ~~صبره وطال بها سهر ليله وتشاغل عن مصالح نفسه - كان جائزا أن ينسب ذلك ~~إليها، فيقول: إنها أسهرت ليلي وأطالت فكري، واقتطعتني عن مصالحي، وذهبت بي ~~عن مراشدي، وهي لم تعظه إلا ليتعظ، ولم تزجره إلا ليزدجر، وإنما # PageV00P027 # حسن منه أن ينسب جميع ما ذكرنا إليها، لما اعتقد أنها سببه ومن أجلها كان ~~همه وقلقه، وهذا بين كما ترى. # وقد قال قائل آخر في ذلك: إن أصل لفظ الزيغ في اللغة: مأخوذ من العدول عن ~~الشئ، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ (1)، إنما أراد سبحانه به: ~~أن البصر ما عدل عن رؤية جبرئيل (1) عليه السلام، بل أثبته إثباتا جليا، ~~وعرفه عرفانا حقيقيا! وقال سبحانه: # (ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير) (2) أي: من عدل عن أمرنا، ~~وقال لبيد بن ربيعة في ذلك: # وأحب المجامل بالجميل، وصرمه * باق إذا ضاقت وزاغ قوامها (3) أي: إذا ~~عدلت النفس عن سنن الاستقامة، فلما كان الزائغ هو العادل عن الشئ، وكان ~~الله سبحانه عادلا بالكفار عن روحه ورحمته وثوابه وجنته، من أجل عدولهم عن ~~طاعته واتباع ما أمر به من عبادته، كان مزيغا لقلوبهم، وحسن اختصاص القلوب ~~بذلك، لما تقدم من الكلام، ولو كان الله تعالى قال: فلما زاغوا عن الحق ~~أزغناهم عنه، أو لما شكوا في الدين زدناهم تشكيكا فيه، لكان لقائل مقال ~~ولطاعن مجال، فأما وليس في الكلام بيان الامر الذي أزاغهم عنه، فيجب رجوعنا ~~إلى الأدلة التي تدل على ms016 المعنى الذي يجوز في حكمته تعالى ان يعدل # PageV00P028 # بهم عنه ويحول بنيهم وبينه، فنظرنا فوجدنا العقول توجب لمن عدل عن طريق ~~عبادته أن يعدل به عن طريق مثوبته ألا ترى إلى قوله تعالى: (ومن كان في هذه ~~أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) (1)! وليس يعمى في الآخرة عن الايمان ~~ولا يصرف إلى الكفر والضلال، إذ لا معصية ولا طاعة في الآخرة، لان العباد ~~أجمع هناك ملجئون إلى معرفة الله سبحانه، لا خلاف في ذلك، ولكنه لما كان ~~أعمى في الدار الدنيا - بمعنى الجهل بالحق والتعاشي عن الرشد - أخبر الله ~~سبحانه أنه يعميه عن النظر إلى الجنة ومواقع نعيمها ومطالع سرورها، بمعنى ~~انه يلفته عن ذلك ويصرفه عنه فوصف تعالى الذهاب في الضلال والاقتطاع عن ~~الثواب، بأنهما عمى، [وكذلك] (2) وصف عدول الانسان عن الطاعة والعدول به عن ~~طريق الثواب والجنة بأنهما زيغ. # ومما يكشف عن ذلك أن زيغ الزائغين فعل لهم، وإزاغة الله تعالى لهم فعل ~~له، فإذا ثبت أن زيغهم عن الايمان علمنا أن إزاغتهم عن الثواب، وإلا لكان ~~الفعلان واحدا، وقد علمنا أن جهتي الفعل مختلفتان. # فأما قوله تعالى [فهو في الآخرة أعمى] فلا يجوز أن يكون أفعل من عمى ~~العين، لان هذا الجنس مما لا يقع التزايد فيه (3)، فلا يقال: # هذا أعمى من هذا، ولا هذا أعور من هذا، من أجل أن هذه العيوب والألوان ~~خلق في الجسد بمنزلة اليد والرجل وسائر الأعضاء المباينة # PageV00P029 # للاحداث والأفعال. وأيضا، فان الألوان والعيوب أفعالها في الأصل على أكثر ~~من ثلاثة أحرف، لأنك تقول في الألوان: احمر، واحمار وابيض، وابياض - وفي ~~العيوب: أعور، واعوار، بالتشديد، فتبلغ بالزيادة ستة أحرف أو خمسة. ولا ~~يجوز أن يقال: هذا أفعل من هذا، إلا في ما يجوز أن يتعجب منه فيقال: ما ~~أفعله وأفعل به، وفعل التعجب إنما يجوز في ما كان ماضيه على ثلاثة أحرف ~~كفعل، مثل علم، أو فعل، مثل قتل، أو فعل، مثل ظرف، فاذن لا يجوز هذا. # وكان شيخنا وصديقنا أبو ms017 الفتح النحوي يقول: (أما قولهم عور وحول فالأصل ~~فيه أعور واحول، لان جميع نظائره كذلك، ولان العور والحول أدخل في باب ~~الخلقة من الألوان، وليس يقال في الألوان. # حمر ولا سود، فدل ذلك على أن أصل عور وحول التشديد، والأصل أولى بهذه ~~الأشياء). فإذا لم يجز أن يكون أعمى ههنا من عمى العين على حقيقته لم يخل ~~أن يراد به: ما قلنا من الصدوف به عن رؤية الجنة وثوابها، فكأنه أعمى عنها ~~على المجاز والاتساع، أو يكون المراد به عمى القلب من طريق الجهل، فيصح فيه ~~حينئذ لفظة أفعل، كما يقال: زيد أجهل من عمرو، فأما في قراءة من قرأ: (فهو ~~في الآخرة أعمى) على أنه اسم لذي العمى، كما يقال: رجل أعور - من غير أن ~~يكون بمعنى أفعل من غيره -، فقد يصح فيه أيضا الحمل على المعنيين ~~المذكورين، كأنه تعالى قال: # ومن كان في هذه أعمى عن الثواب فهو في الآخرة أعمى عن الثواب، أو من كان ~~في هذه أعمى القلب من الجهل فهو في الآخرة أعمى كذلك أيضا. PageV00P030 # وقوله تعالى في آخر هذه الآية: (والله لا يهدي القوم الفاسقين) دليل واضح ~~على ما ذهبنا إليه، لأنهم لما فسقوا ابتداء من قبل أنفسهم، لم يهدهم الله ~~تعالى إلى طريق ثوابه، كما يهدي إلى ذلك من آمن به، فعلمنا أن الإزاغة لهم ~~بعد زيغهم إنما هي عن الثواب والجنة لا غير. ويجري مجرى قوله تعالى: ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم ~~قوم لا يفقهون﴾ (1) والكلام على هذه الآية كالكلام على تلك الآية. # وروى عن بعض الصحابة في قوله تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)، قال: ~~هم الخوارج، وإن كان ابتداء الآية في ذكر قوم موسى [ع] لان الخروج من قصة ~~إلى قصة في الآية الواحدة كثير في القرآن، والقول الأول أثبت، وفي ما ~~ذكرناه من ذلك بلاغ ومقنع بتوفيق الله تعالى. # PageV00P031 # 3 - مسألة [معنى تقليل المسلمين في أعين المشركين] وبالعكس تناقض آيتين ~~وان تقليل المسلمين ms018 خلاف المصلحة - الجواب عن الشبهة - عدد المشركين ~~والمسلمين يوم بدر - اختلاف القراءة في ترونهم - الالتفات في الكلام عند ~~العرب - معنى مثلي الشئ وكلام الفراء في ذلك - معنى رأي العين - معنى في ~~منامك: في عينك ومن سأل عن معنى قول الله سبحانه (قد كان لكم آية في فئتين ~~التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله ~~يؤيد بنصره من يشاء... الآية - 13)، فقال: # كيف ذكر سبحانه ههنا: ان المسلمين يرون المشركين مثليهم في مرآة العين، ~~وقال في السورة التي يذكر فيها الأنفال: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في ~~أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم... الآية - 44)؟، وإذا قرنت الآيتين جامعا ~~بينهما تناقض القول فيهما!. # وهب الآيتين لم يتناقضا. وكان تقليله تعالى للمشركين في أعين المسلمين في ~~الوقتين جميعا على حد سواء، وذلك معلوم الغرض، وهو أن المسلمين إذا رأوا ~~المشركين قليلا كان ذلك سببا لجرأتهم عليهم وطمعهم فيهم! فما معنى تقليل ~~المسلمين في أعين المشركين؟ فإن كان أريد PageV00P032 # بذلك ما أريد بتقليل المشركين في أعين المسلمين، فهو طريق غلبة الكفار ~~وجرأة الفجار، فما قولكم في الاحتجاج لذلك؟ # فالجواب: أن للعلماء في ذلك أقوالا: # 1 - فمنها، أن يكون سبحانه قلل المشركين في أعين المسلمين، إرادة منه ~~تهوين أمر المشركين، وتصغير شأنهم عند المؤمنين، لما أراد سبحانه من نصر ~~المؤمنين عليهم، وتمكينهم من نواصيهم، لتكون الغلبة لأوليائه، والدائرة على ~~أعدائه. ثم قلل من بعد ذلك المسلمين في أعين المشركين، لغرض آخر صحيح: وهو ~~أن [يعلم المشركين] (1) أن الغلبة والظفر لم يكونا للمسلمين - مع نقصان ~~العدد وقلة المدد - إلا بامدادهم من عون الله سبحانه ونصرته وتأييده وقوته، ~~بما يقوم مقام السيوف الماضية، والجنن الواقية، والخيول المقحمة، والكتائب ~~المقدمة، فقللهم في أعينهم ليعلموا أن الله سبحانه ناصرهم ومعينهم، وليتحقق ~~المشركون أن الله خاذلهم وموهن كيدهم، فيبعثهم بذلك على الدخول في الدين، ~~وطاعة النبيين. # وقوله سبحانه: (ليقضي الله أمرا كان مفعولا) يوضح عن ذلك، لان الامر ~~المفعول هو غلبة المؤمنين دون الكافرين، وقوله سبحانه في ms019 الآية المتقدمة: ~~(والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الابصار) دليل على ذلك ~~أيضا، لأنه سبحانه جعل تلك الحال آية ودليلا على أن نصر المؤمنين من قبل ~~الله تعالى، وجعله عبرة # PageV00P033 # للمتفكرين، من حيث كان النصر مع القلة، والخذلان مع الكثرة، وهذا موضع ~~العبرة. وقال صاحب هذا القول: (وقد يجوز أيضا أن يكون الله سبحانه قلل ~~المؤمنين في أعين المشركين، لتشديد المحنة عليهم). والقول الأول أسد وأقوم. # 2 - وقول آخر: وهو أن يكون المراد بذلك أن المسلمين يرون المشركين ~~مثليهم، وذلك أن المسلمين كانوا ببدر ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا، وكان ~~المشركون تسعمائة وخمسين رجلا، فقلل الله سبحانه المشركين في أعين ~~المسلمين، حتى رأوهم مثليهم في العدد: [ستمائة ونيفا وعشرين رجلا]، فهذا ~~موافق لقوله سبحانه: [وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في ~~أعينهم]، والغرض في تقليلهم في أعين المشركين أن يطمع المشركون فيهم، ~~فيقدموا عليهم، فإذا لابسوهم أظفرهم الله بهم، وأطال أيديهم في قتلهم، فكان ~~ذلك [أجدى] (1) عليهم من أن يهابوهم فيحجموا عنهم، فلا يصلوا إلى شفاء ~~النفوس من قتلهم، وأحراز الغنائم من أموالهم، وهذا على قول ابن مسعود ~~والحسن البصري، لان الفئة الرائية عندهما هم المسلمون، والمرئبين هم ~~الكافرون. # 3 - وقول آخر (ومثله محكي عن ابن عباس). قال: [هذه الآية خطاب ينصرف إلى ~~اليهود، والدليل على ذلك قوله تعالى في الآية التي قبلها: (قل للذين كفروا ~~ستغلبون وتحشرون إلى جهنم # PageV00P034 # وبئس المهاد ٧)، ثم قال سبحانه عقيب ذلك: [قد كان لكم آية في فئتين.. ~~الآية]، والمراد بذلك التخويف لهم من فل شوكتهم على حدتها، وتوهين عدتهم ~~على كثرتها، فضرب تعالى لهم المثل بالفئتين الملتقيتين يوم بدر، وهم يرون ~~إحداهما أضعاف الأخرى، فنصر الله القليلة المؤمنة، حتى اجتاحت الكثيرة ~~الكافرة]. # وهذا المعنى يكون على قراءة من قرأ ترونهم مثليهم بالتاء المعجمة (١) من ~~فوقها، كأنه قال: ترون أيها اليهود - الذين الخطاب معهم - إحدى الفئتين ~~[وهي المؤمنة] مثلي الفئة الأخرى (وهي الكافرة)، وقد يجوز أن يكون الخطاب ~~أيضا لليهود ms020 على قراءة من قرأ يرونهم بالياء المعجمة من تحتها، لان للعرب ~~مذهبا في خطاب الحاضر، ثم الانتقال عنه إلى خطاب الغائب، وعلى ذلك قوله ~~سبحانه: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك ~~وجرين بهم بريح طيبة...﴾ (2)، وعكس أيضا مثله وهو الابتداء بخطاب ~~الغائب، ثم الانتقال عنه إلى خطاب الحاضر، وعلى ذلك قوله تعالى: (وسقاهم ~~ربهم شرابا طهورا. إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا) (3) فأما من قرأ ~~ترونهم بالتاء المعجمة من فوقها، فهي القراءة التي # PageV00P035 # قرأنا بها لنافع بن أبي نعيم المدني، وقرأنا للباقين من السبعة يرونهم ~~بالياء معجمة من تحتها. وحكي عن أبي عبيدة: أن من قرأ يرونهم بالياء فإنما ~~أراد: أن المشركين يرون المسلمين مثليهم في رأي العين، وليس هذا بناقض ~~لقوله تعالى في السورة الأخرى: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ~~ويقللكم في أعينهم)، فان تكثير المسلمين في أعين المشركين في بعض المواطن، ~~إنما يكون لالقاء الرعب في قلوب المشركين وتخويفهم من شوكة المؤمنين، ليكون ~~ذلك سببا لوهن أيديهم، وانعكاس مراميهم، ويكون تقليل المسلمين في أعين ~~المشركين في بعض المواضع للغرض الذي قدمنا ذكره، وهو غرض صحيح، وفيه لطف ~~عجيب: # وهو أن يراد بذلك التقليل أن يطمع المشركون فيهم، فيكون ذلك سببا ~~لاقدامهم عليهم، فإذا وقع الخلاط (1) والملابسة، كان النصر للمؤمنين، ~~والدائرة على الكافرين، فيتعجلون إزهاق نفوسهم، واصطفاء أموالهم، ولم تطل ~~المحاجزة (2) بينهم، فيكون في ذلك ضرر على المسلمين، لتأخير الله سبحانه ~~إنجاز وعدهم بالنصر، وملء أيديهم من النفل والغنم (3)، وهذا غرض بين، لطف ~~نير. # 4 - وحكي عن الفراء: أنه قال: معنى ترونهم مثليهم رأي العين: # أن تروهم ثلاثة أمثالهم. قال (4) (لأنك إذا قلت: (عندي # PageV00P036 # ألف وأحتاج إلى مثليها) فأنت تحتاج إلى ثلاثة آلاف)، وقد رد هذا القول ~~عليه جماعة علماء النحو البصريين، وبعض من على مذهبه من الكوفيين فأما ~~المفضل بن سلمة الكوفي منهم، فإنه جرد الرد في كتابه الملقب ب‍ (ضياء ~~القلوب في معاني القرآن) وبينه، ولم أعرف من تعاطى ms021 نصرته في هذا القول من ~~الكوفيين، إلا أبا بكر بن الأنباري، فإنه تكفل بذلك في كتابه الذي وسمه ب‍ ~~(مشكل القرآن)، والصحيح المعمول عليه غير ما ذكره. # فمما قاله من رد على الفراء قوله المقدم ذكره: (أن الغلط في هذا الباب ~~غلط في جميع المقايس المعلومة والمعقولة والأشياء، لأنا إنما نعقل مثل الشئ ~~مساويا له، ونعقل مثليه ما يساويه مرتين، فإذا جهلنا المثل فقد بطل ~~التمييز، وإنما قال الفراء ذلك، لان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله كانوا ~~يوم بدر ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا، وكان المشركون تسعمائة وخمسين رجلا، ~~فأتي من ههنا، والذي قاله يبطل من جهة اللفظ والمعنى جميعا: # فأما من جهة اللفظ فلان من قال لغيره: مالي مثلا مالك - وكان مال الأول ~~ألفا -، فالمفهوم أن مال الآخر ألفان، لا يصح غير ذلك. # وأما من جهة المعنى فلان في هذا القول إبطال الآية المعجزة (في) (1) # PageV00P037 # هذه الحال، لان المسلمين إذا رأوا المشركين على هيئتهم وصحيح عدتهم، فليس ~~في ذلك آية تدل على الاختصاص لهم، والتمييز من غيرهم، (فمن) (1) زعم أن ~~الآية في هذا غلبة القليل الكثير، فقد أبطل أيضا، لأنه كثير ما يغلب العدد ~~القليل العدد الكثير. # وإنما الصحيح أن يكون وجه الآية من هذا ان المشركين كانوا تسعمائة وخمسين ~~رجلا، وكان المسلمون ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا، فأرى الله سبحانه المسلمين ~~أن عدة المشركين ستمائة وكسر، وأرى الله المشركين أن المسلمين أقل من ~~ثلاثمائة، والله سبحانه قد قدم إعلام المسلمين أن المائة منهم تغلب ~~المائتين، فأراهم تعالى عدة المشركين على القدر الذي أعلمهم أنهم يغلبونهم ~~- إذا كانوا عليه - لطفا لهم وتقوية لقلوبهم، وأرى الله سبحانه المشركين ~~المسلمين أقل من العدة التي كانوا عليها في الحقيقة، والقى مع ذلك الرعب في ~~قلوب المشركين، فكانوا يرون العدد قليلا ويحسون الرعب كثيرا، فكان سببا ~~لضعف (منهم) (2) وانحلال عقدهم. # والدليل على صحة هذا القول قوله سبحانه: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في ~~أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا)، فهذا موضع ms022 ~~الآية المعجزة: ان رأى كلا الفريقين كل واحد منهما على خلاف صورته، وعلى ~~نقصان من عدته، ليتم الغرض المقصود بذلك). # PageV00P038 # وهذا القول فحوى كلام أبي إسحاق الزجاج في الرد على الفراء، وقال المفضل ~~بن سلمة في ذلك: (اما قول الفراء في الاستشهاد على أن المراد بمثليكم ثلاثة ~~أمثالكم: (إن القائل يقول - وعنده عبد له -: # احتاج إلى مثلي عبدي، فهو محتاج إلى ثلاثة أمثاله)، لا يقوم في العقل، ~~وذلك أن عبده قد حصل له واستغنى عن طلبه، وإنما تقع حاجته على المثل ~~والمثلين). قال: (ولو كان الامر كذلك، كان إذا دفع الرجل إلى آخر درهما، ~~وقال: أعطني مثل درهمين طيبا، أعطاه مثليه مرتين، أو قال: أعطني مثليه، ~~أعطاه ثلاثة أمثاله، وهذا يوجب أن يكون المثل في الاعداد والأوزان غير ~~معلوم ولا مضبوط، وذلك غير صحيح). # 5 - وقد قال بعض العلماء أيضا: (إن قال قائل: كيف ذكر سبحانه ان المسلمين ~~كانوا يرون المشركين مثليهم، وكان المشركون ثلاثة أمثالهم (على ما ذكرناه ~~في ما تقدم)؟ فجوابه: أنهم وإن كانوا ثلاثة أمثال المسلمين، فلم يخرجوا من ~~أن (يكونوا) (1) مثليهم، لان فيهم هذا القدر والزيادة على ذلك من الفضل) ~~وهذا القول عندي غير سديد، وذلك أنه تعالى قال: (يرونهم)، فعم جميعهم ~~بالرؤية على تلك الصفة، ولو كان الامر على ما ذهب إليه هذا القائل، لكان ~~هذا الكلام لغوا وعيا يتعالى الله عنه، لأنه كان يقوم مقامه أن يقول: ~~يرونهم ثلاثة أمثالهم على ما هم عليه في الحقيقة، إذا كان يريد بقوله: ~~(يرونهم مثليهم): أن عدد بعضهم كذا، # PageV00P039 # وهناك زيادة أخرى على هذا القدر، فلا فائدة في ذلك ولا اعتبار بما هذى به ~~الفراء من قوله: إن المراد بمثليهم ثلاثة أمثالهم، للوجوه التي ذكرناها ~~فيما يفسد به قوله ويظهر زلله. # ٦ - وقال بعضهم: إنه لا تناقض بين قوله تعالى: (يرونهم مثليهم رأي العين) ~~- ويعني رؤية المسلمين للمشركين -، وبين قوله تعالى في السورة الأخرى: (وإذ ~~يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا)، لان التقليل كان قبل الالتقاء ليطمع ms023 ~~المسلمون في المشركين، فلما التقوا واستحرت الحرب، فظهرت أمارات النصر، ~~رأوهم مثليهم حينئذ، ليعلموا ان الله سبحانه هو الذي قواهم على دفعهم ~~وأعانهم على فلهم، مع وفور عدتهم واشتداد شوكتهم، فكان في ذلك آية لهم ~~وتصديق لقول الرسول [ص] فيهم، لأنه عليه السلام قد كان أخبرهم بأن الله ~~ناصرهم وخاذل عدوهم، ولقول الله تعالى: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم... الآية﴾ ~~(1) حتى أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول لهم قبل الحرب: هذا مصرع ~~فلان، وهذا مصرع فلان، من أعدائهم، فصرعوا في تلك المواضع بأعيانها، وفي ~~ذلك أكبر آية، وأوضح حجة. # 7 - وقال بعضهم: (و) (2) قد يجوز أن يكون معنى قوله تعالى: # (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا) هو: أنهم يرونهم على حال وهن ~~في القتال وهوان عليهم عند اللقاء، لا أن المسلمين يرون المشركين # PageV00P040 # أقل من العدد الذي كانوا عليه في الحقيقة، كما يرى الانسان الثلاثة ~~اثنين، وهذا كما يقول القائل لجماعة من أعدائه: إني لأرى كثيركم قليلا، ~~وخطبكم يسيرا، على المعنى الذي ذكرناه، ويكون تقليل المسلمين في أعين ~~المشركين الذي ذكره الله تعالى بقوله: (ويقللكم في أعينهم) على هذا الوجه ~~أيضا، كما ذكرناه أولا، ليطمع المشركون فيهم فيقدموا عليهم، ويجعل الله من ~~بعد [الدابرة] (1) على المشركين، والعاقبة للمتقين، وتفترق الرؤيتان على ~~حال القلة والهوان، فيكون ما يراه المسلمون من قلة المشركين سببا لقوة ~~قلوبهم وطريقا للطمع فيهم، ويكون ما يراه المشركون من قلة المسلمين سببا ~~لسرعة الاقدام عليهم، ولئلا يقفوا عنهم هيبة لهم، فيطول التحاجز بينهم، ~~فإذا أسرعوا إليهم منح الله المسلمين النصر والاظهار على جماعتهم، وأظفر ~~أولياءه بهم، وأنجز لهم وعده فيهم، فتكون القلة التي ترى بالمسلمين مفضية ~~إلى كثرة وعزة، والقلة التي ترى بالمشركين مفضية إلى ذلة وشقوة. # 8 - وقال قاضي القضاة أبو الحسن: (معنى قوله تعالى: (قد كان لكم آية في ~~فئتين التقتا...) يحتمل أن يراد بذلك حجة ودلالة، ويحتمل أن يراد به: أمارة ~~وعلامة (2) تقوي ظنكم ms024 فيما خبرتم به من النصر والاظهار (3)، لتأمنوا ما ~~خفتم وقوعه من غلبة الكفار، لكن # PageV00P041 # الآية إذا أضيفت إلى الأنبياء عليهم السلام، واليه تعالى فيهم، فالأقرب ~~أن يراد بها الحجة، وهذا يوجب ان في الذي جرى يوم بدر دلالة الرسالة، من ~~حيث ظهور الآية المعجزة. فان قيل: فما تلك الآية؟ قيل: قد ذكر في ذلك ~~أشياء: منها أنه تعالى قلل المشركين في أعين المسلمين، حتى ظنوا أن عددهم ~~مثلا عددهم، وقد ضمن لهم في الجهاد أن تغلب المائة منهم المائتين من غيرهم، ~~فكانوا على ثقة من حصول النصرة لهم، (إذ) (1) كانت الحال هذه. # فان قيل: فيكف يجوز أن يروهم مثليهم، وهم ثلاثة أمثالهم، ويؤكد تعالى ذلك ~~برأي العين؟ أوليس هذا يوجب أن يكونوا رأوا الشئ أقل مما هو عليه، وذلك غير ~~جائز؟! # قيل: إن العدد إذا كثر خصوصا عند القتال والمجادلة، حدث في الهواء كدر ~~وقترة، فيجوز أن يكون ذلك حائلا دون رؤية جميعهم، وممكنا من رؤية بعضهم، مع ~~سلامة البصر، لأجل ما ذكرناه من الموانع فيظن بهم القلة وان كانوا كثرة، ~~ويجوز أن يكون تعالى منع من رؤية الثلث منهم منفردا بما يحدث في الهواء من ~~الموانع، فيصح حمله في الوجه الأول على الظن، وفي الوجه الثاني على العلم. # هذا إذا حمل على أن المسلمين هم الذين رأوا المشركين مثليهم، فأما إن حمل ~~على أن المشركين هم الذين رأوا المسلمين على تلك الصفة من كثرة العدد، ~~فالوجه في ذلك أنه تعالى كثر المسلمين في أعينهم لايقاع الرعب في قلوبهم، ~~لكن ذلك لا يمكن حمله على رؤية العين على الحقيقة، لان القليل # PageV00P042 # لا يجوز أن يراه أحد كثيرا، فلا بد من حمله على طريقة الظن لبعض ~~الامارات، ويجوز أيضا أن يحمل على أنه تعالى أراهم بعض الملائكة معهم ~~فكثروا عدتهم، والأول أقرب، لان الكلام على الفئتين، ولم يجر معهما ذكر ~~للملائكة. # قال: (فان قيل فكيف يصح ما ذكرتم أولا مع قوله تعالى في السورة الأخرى: ~~(وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم ms025 قليلا ويقللكم في أعينهم... الآية)؟. ~~أوليس ذلك يوجب انه تعالى قللهم في أعين المشركين، وهذا مع ذلك يتناقض؟! ~~فالجواب: أن التقليل والتكثير يكونان بالإضافة، لا حد لهما يقفان عليه، ~~ويفارق ذلك مثلي العدد، لأنه حد يقتضي أن يكون مثل المذكور مرتين (1)، فإذا ~~صح ذلك لم يمتنع أن يري الله المشركين أن المسلمين مثلا ما هم عليه كما ~~توجبه هذه الآية، ومع ذلك يرونهم قليلا بالإضافة إلى عددهم، لأنهم مع كونهم ~~مثلي ما هم عليه أقل من عدد المشركين (2)، ويحتمل أيضا أن يريد بذلك القلة ~~بمعنى الضعف لا بمعنى العدد، وإذا حمل على هذا الوجه زال التناقض. # هذا على التأويل الذي ذكرناه، فأما إذا حمل قوله تعالى. (يرونهم مثليهم) ~~على أن الرائين هم المسلمون، والمرئيين هم المشركون، فالمسألة زائلة. # PageV00P043 # ثم قال: (قد بينا في معنى (رأى العين) ما تزول معه الشبهة، لأنه إن كان ~~هناك منع من رؤية جميعهم، فلم يروهم إلا مثليهم على التحقيق، وإن كان ~~المراد بذلك طريقة الظن، فهو محمول على الامارة، والرؤية مشتركة مستعملة في ~~الادراك، وفي العلم، وفي الظن، فإذا كان المظنون من باب ما يرى وتظهر ~~أمارته عيانا، جاز أن يوصف بذلك). # قلت أنا: إن الله سبحانه قد بين الغرض في تقليل المشركين في أعين ~~المسلمين في السورة التي يذكر فيها الأنفال قبل الآية التي ذكرناها، وهو ~~قوله تعالى: (إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ~~ولتنازعتم في الامر... الآية - 43)، ثم أعقب تعالى ذلك بأن قال: (وإذ ~~يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا... الآية) فوجب أن تكون رؤية النوم ~~ورؤية اليقظة يجري بهما إلى غرض واحد، وقد بين تعالى: أنه أرى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله في منامه جمع المشركين قليلا لئلا يفشل المسلمون ويهنوا ~~ويتواكلوا ويجبنوا، ولتقوى قلوبهم وتشتد (منهم) (1) بقلة عدد عدوهم، فيجب ~~أن يكون ما أراه الله سبحانه من قلة المشركين في اليقظة مرادا به هذا ~~المعنى، فأما تقليل المسلمين في أعين المشركين، فقد ذكرنا الغرض فيه متقدما ms026 ~~فلا معنى لإعادته، وإذا كانت رؤية المنام على الحال المؤنسة، كثيرا ما تقوى ~~بها النفوس وتطمئن إليها القلوب، حتى تزيد في انشراح الصدر وتؤثر في اشتداد ~~الأزر، # PageV00P044 # فرؤية اليقظة التي معها ثلج الصدور وبرد اليقين أولى أن تبلغ في هذا ~~الباب الغاية الكبرى، وتؤمي إلى الغرض الأقصى، فأما ما قاله بعض المفسرين: ~~من أن المراد بقوله تعالى: (في منامك) إنما هو في عينيك، وإنما عبر بالمنام ~~عن العين لان بها يكون النوم، فهو قول ظاهر التعسف شديد التكلف، لا ينبغي ~~أن يعتمد عليه ولا يلتفت إليه، لان الأثر أولا قد جاء بذكر ما أرى الله ~~تعالى رسوله صلى الله عليه وآله من تلك الحال في منامه، ولان العبارة عن ~~العين بالمنام فيها تلبس على السامع، وعدول في الفصاحة عن الطريق الواضح، ~~ولو كان الامر كذلك لكان قوله تعالى من بعد: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في ~~أعينكم قليلا) قد أغنى عن الرؤية المذكورة في الآية المتقدمة الخاصة للنبي ~~[ص]، وكان ذلك الاختصاص للنبي [ص] بالتقليل في عينيه لا فائدة فيه، لان ما ~~جاء بعده كاف منه، فإنه سبحانه إذا قال للمسلمين (والنبي صلى الله عليه ~~وآله فيهم): (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا) فقد دخل النبي في ~~جملتهم وصار رائيا لذلك معهم، فلما أفرده تعالى في الآية المتقدمة باختصاص ~~الرؤية على تلك الصفة، علمنا أن ذلك في حال المنام، وأن رؤية المسلمين - ~~وهو صلى الله عليه وآله معهم - لما رأوه من قلة المشركين، في حال ~~الاستيقاظ، واختلفت الحالات وانتظم الكلام، وإنما أراد سبحانه أن يجمع لهم ~~رؤية القلة في حال النوم واليقظة، ليكون ذلك أقوى لنفوسهم، وأنفذ لبصائرهم، ~~وأشد لمعاقد عزائمهم. PageV00P045 # فصل (معنى النصر والخذلان من الله تعالى) وأما قوله تعالى: (والله يؤيد ~~بنصره من يشاء) فربما تعلق به متعلق، فقال: إذا أضاف تعالى النصر إلى نفسه ~~فيجب أن يكون من فعله، حتى أن الغالب تكون غلبته بنصر الله، والمغلوب تكون ~~صرعته بخذلان الله، وهذا خلاف مذهبكم! # فالجواب: أنا قدمنا ms027 في صدر هذا الكتاب من الكلام في حقيقة النصر ~~والخذلان، ما يغني عن تكلف إعادة شئ منه، إلا أننا لا نخلي هذا الموضع من ~~يسير من القول في ذلك: يبلغ قدر الكفاية، ويقيم عمود الحجة بتوفيق الله، ~~فنقول: # إن النصرة قد تكون بالحجة إذا ظهرت للمؤمن على عدوه عند المنازعة، وقد ~~تكون بما يحصل له من التعظيم والكرامة، وللكافر من الإدالة (1) والإهانة، ~~وقد تكون في الحرب بالظفر والغلبة، وقد تكون بتحمل المشقة فيما يؤدي إلى ~~الاجر والمثوبة، فلذلك قلنا: إن المؤمنين إذا غلبوا في الدنيا لم يخرج ~~الكفار مع ذلك من أن يكونوا مخذولين، من حيث كان ما فعلوه مؤديا إلى عظم ~~النكال، وأليم العقاب، ولم يخرج المؤمنون من أن يكونوا منصورين، من حيث ~~كانوا يستحقون من الله تعالى # PageV00P046 # الثواب الجزيل والمقام الشريف، والله تعالى يؤيد المؤمنين في حروب ~~الأعداء، وينصرهم بضروب من الألطاف: فتارة ينصرهم بأن يمدهم بالملائكة، ~~وتارة ينصرهم بأن يخطر ببالهم ما أعد لهم من نعيم الجنة، فتقوى بذلك ~~أنفسهم، وتثبت أقدامهم، ويتضاعف إقدامهم، وقد يؤيدهم أيضا بالقاء الخوف في ~~قلوب أعدائهم، فيكون ذلك سببا لتمكين المؤمنين من نواصبهم، وإنزالهم من ~~صياصيهم (1). وربما علم تعالى في بعض المواطن أن الصلاح في ألا يؤيدهم بشئ ~~من ذلك، فيحملهم التكليف الصعب، ويلزمهم الشاق من الامر، إذا علم تعالى أن ~~فيه الصلاح لهم، فلا يكون مؤيدا لهم في باب الظفر والغلبة، وإن كان فاعلا ~~بهم الأولى في باب المصلحة، وما ذكرناه في هذه المسألة كاف بتوفيق الله ~~تعالى. # PageV00P047 # 4 - مسألة (تزيين حب الشهوات) الجواب عن الشبهة - الشيطان هو المزين لحب ~~الشهوات - ما في الدنيا من لذائذ وآلام مثال لما في الآخرة - معنى أقوى ~~وأنجد وأتهم وأمثالها في اللغة - تمييز الكلام في المسألة وتقسيمه ومن سأل ~~عن معنى قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة... # الآية - 14)، فقال: إن كان الله تعالى هو المزين للناس حب هذه الأشياء ~~المذكورة، وهي الداعية إلى كثير من المعاصي ms028 والشاغلة عن كثير من الطاعات، ~~فذلك خلاف ما تقولونه!، وإذا ثبت انه سبحانه هو المزين لها فلم زهد فيها ~~وذم طالبيها؟ وفي ذلك ضروب من المناقضة! # فالجواب: أنه قد تقدم في أوائل كتابنا هذا من الكلام على جملة هذا الباب ~~- أعني: التزيين والاغواء وما يجري مجراهما - ما فيه كفاية، إلا (اننا) (1) ~~نذكر ههنا ما يكشف عن الغرض، ويصدع سدفة (2) الريب والشك، بتوفيق الله ~~تعالى، فنقول: # قد قال العلماء في ذلك أقوالا (3) 1 - فأحدها، أن الله سبحانه خلق هذه ~~النعم التي (فصلها) (4) # PageV00P048 # وفصل جملها في الدنيا، وخلق عباده غير ممتنعين من (حب) (1) الاستكثار ~~منها والانغماس فيها والادخار لها، ثم نعبدهم تعالى في ذلك بخلاف ما في ~~طباعهم وما عليه فطرة خلقهم، فأمرهم بأن يأخذوا الأشياء من وجوهها المباحة ~~التي حللها، يعدلوا عما خطر عليهم منها، ولم يأمرهم بشئ مما يحاربون فيه ~~عواصي طباعهم، ويجاهدون نوازغ (2) نفوسهم، إلا وقد جعل فيهم من القوى ~~والقدر (3) والاعتصام والجلد شككا (4) قوية وأسلحة معنية (5): يمتنعون بها ~~في حرب الطباع، على قراع الشيطان، لأنه تعالى لم يأمرهم بشئ إلا وقد جعل ~~لهم الطريق إلى تركه. # 2 - وقول آخر. قال بعضهم: # معنى [زين للناس حب الشهوات]؟. يقول: زين لهم الشيطان حبها، لان الله ~~سبحانه قد نهى عنها وزهد فيها، وقد قال الحسن البصري: ما نعلم أحدا أشد ذما ~~لها من الذي خلقها، فكأن الشيطان دعاهم إلى موافقة طباعهم، فأتبعوا أمره، ~~وخالفوا أمر الله سبحانه، وذلك كما يقول الرجل: زينت فلانا في عين الأمير، ~~إذا اثنى عليه عنده، وقربه من قلبه، وأحسن محضره في عينه، وقد قال سبحانه: ~~[وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم] (6) فالأولى أن ينسب التزيين إلى من عادته ~~التزيين، وهو الشيطان، وينسب التزهيد # PageV00P049 # إلى من عادته التزهيد، وهو الله تعالى، وأي تزهيد أعظم من قوله سبحانه ~~عقيب هذا الكلام: (ذلك متاع الحياة الدنيا) وقوله تعالى في موضع آخر: ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع ~~الغرور﴾ (١)، فخبر سبحانه أن الحياة الدنيا ظل زائل، ms029 وسنان مائل، وخضاب ~~ناصل. # ٣ - وقول آخر. قال بعضهم: خلق الله هذه الأشياء إذ خلقها، ليدل بما فيها ~~من النعيم الفاني على ما في الآخرة من النعيم الباقي، وجعل طباع الخلق ~~منازعة إليها وراغبة فيها، فهي مزينة من هذا الوجه الذي ذكرناه، وإنما ~~تزيينها المذموم هو تحسين الاقدام عليها من الوجه المحظور، والله سبحانه قد ~~أمر عباده بالكف عنها والترك لها، لينالوا بترك الاقدام على شهواتهم ~~العاجلة ما وعدهم به من النعم الآجلة، والنعيم الدائم الذي لا شوب فيه ولا ~~انقطاع له، كما قال تعالى: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا﴾ (٢)، وهذا ناطق بالغرض الذي ذكرناه، وكذلك خلق سبحانه المصائب ~~والآلام في الدنيا، ليدل بها على ما في الآخرة من مقادير العقاب ومآلم ~~العذاب، فيكون ذلك زاجرا عن مواقعة الخطيئات وارتكاب المحظورات، وعلى هذا ~~فسر قوله سبحانه في صفة النار: ﴿نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين﴾ (3)، فكأنه ~~سبحانه قال: إنما خلقنا النار في الدنيا وعرفنا أليم وقعها، ومضض لفحها، ~~لنذكر بذلك نار الآخرة، التي أوعدنا بها الكفار والعصاة، فيكون الزجر أبلغ. ~~والانزجار # PageV00P050 # أكثر. و (المقوون): ركاب القواء. وهي: الأرض القفر. # وإنما خص سبحانه المسافرين بأن النار متاع لهم - وإن كانت أيضا متاعا ~~للمقيمين - لان الحاجة إليها في السفر أكثر، وعدمها فيه أضر. # وقد قيل أيضا: إن المقوين: النازلون بالقواء والساكنون فيه. # وكان صديقنا الشبثي رحمه الله يقول في هذا: (إن الأولى أن يكون المراد ~~بالمقوين ههنا المسافرين، وعلى هذا مذهب العرب، ألا تراهم يقولون: أتهم ~~الركب، وأنجد القوم، وأشأم الحي، إذا ساروا فبلغوا هذه المواضع!، ولا يقال ~~للنازل بتهامة: متهم، ولا للنازل بنجد منجد وإنما الأعرف أن يقال: حل نجدا، ~~وسكن تهامة، ألا ترى إلى قول الشاعر: (1) نبي يرى ما لا ترون وذكره * أغار ~~لعمري في البلاد وأنجدا أي: ذهب ذكره ههنا وههنا، وما أراد: أنه أقام ذكره ~~قاطنا بنجد والغور، لان الأول امدح وأفصح، فإذا ms030 كان الامر كذلك فقولهم: ~~أقوى الرجل، مثل قولهم: أنجد، أي: ركب القواء مسافرا). ولعمري إن هذا الذي ~~ذكره هذا الرجل قول يقال مثله ويذهب نحوه! # ومما يجري هذا المجرى ما فسره لنا شيخنا أبو الفتح عثمان بن جني عند ~~القراءة عليه - وقد مضى - قول الشاعر (وهو الأخطل) في تشبيه الناقة بالحمار ~~الوحشي: # PageV00P051 # كأنها واضح الاقراب في لقح * أسمى بهن وعزته الأناصيل (1) قال: (أراد ~~بقوله: (أسمى بهن) أي: ركب بهن السماوة، وهو يعني بهن: الحمار وأتنه، وهذا ~~مثل قولهم: أنجد وأتهم). # وقد ذهبنا عن سنن الكلام في معنى المسألة بعيدا، فلنعد الآن إليه!، ~~فنقول: # إن أبا علي محمد بن عبد الوهاب قد ميز الكلام من هذه المسألة تمييزا ~~حسنا، وقسمه تقسيما واضحا، لان من تقدم من العلماء ذهب في ذلك إلى أحد ~~مذهبين - كما ذكرنا -: فمنهم من قال: إن التزيين مضاف إلى الشيطان، لان ~~الله سبحانه قد بغض إلى الناس الدنيا وذمها وحذر من الغرور بها، فليس يجوز ~~أن يضاف إليه التزيين لها، وقد ظهر تنفيره عنها. ومنهم من قال: أن التزيين ~~مضاف إليه تعالى، لان ذلك من تمام التكليف، إذ لولا تزيينه لهذه الأمور لم ~~تشتد المحنة في باب التكليف. # فقال أبو علي: (إن المراد بالشهوات ههنا الأشياء المشتهاة، لأنه قد يقال ~~- في سعة اللغة - لما يشتهيه المرء: إنه شهوته، وإن المشتهى قد يكون (حبه) ~~(2) حسنا، وقد يكون قبيحا، لأنه يكون من وجه يحل ومن وجه يحرم، لان حب ذلك ~~هو إرادته، فقد يكون طاعته # PageV00P052 # وقد يكون معصية، فإن كان ذلك معصية فالشيطان زينه ودعا إليه، وإن كان ذلك ~~طاعة أو مباحا (1)، فالله سبحانه زينه وأمر به المؤمنين (2)) ومن الدليل ~~على ذلك أن الله سبحانه - كما قلنا في ما تقدم - قد ذم أهل الدنيا بميلهم ~~إليها، وعابهم بحبهم لها، ولم يكن سبحانه ليزين شيئا عند المكلفين ويحببه ~~إليهم، فإذا أحبوه لأمهم عليه وعيرهم به، فعلمنا بذلك أن تزيين ما ذمه ~~وعابه من فعل غيره لا من فعله، ونعني بهذا: التزيين ms031 المذموم الذي هو ركوب ~~المحارم، واحتقاب المآثم، فأما ما كان من القرب والطاعات وسائر المباحات، ~~فهو على ما قال مما يجوز أن ينسب إلى تزيين الله تعالى، بمعنى: أنه جعله ~~حسنا ولم يجعله قبيحا، ألا ترى إلى قوله تعالى من بعد هذه الآية: (قل ~~أؤنبؤكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار... # الآية - 15)!، ولا يجوز أن يبعث الله تعالى على هذا الامر الذي هو خير من ~~الأول وأفضل، وهو مع ذلك مزين للامر الأول لان تزيين الثاني يؤثر في تزيين ~~الأول # PageV00P053 # فصل (شهوة القبيح) يتضمن طرفا من الكلام في الشهوة يحتاج إليه في هذا ~~الموضع فان قال قائل: إذا كانت الشهوة على قولكم من فعل الله تعالى، فيجب ~~ألا يكون فيها شهوة القبيح، لأنه سبحانه لا يفعل القبائح عندكم، وإلا كان ~~ذلك ناقضا لقولكم! # قيل له: إنما كان يجب ما ذكرته لو ثبت أن تعلق الشهوة بالقبيح يقتضي ~~قبحها، كما نقوله في الإرادة، فلما لم يجب ذلك، كما لا يجب مثله في القدرة ~~والعلم والخبر لأنها أجمع وإن تعلقت بالقبيح، فهي حسنة فان قال: فيجب أن ~~تكون كالإرادة، لأنها تدعو إلى القبيح (1) وتخالف سائر ما ذكرتموه. قيل له: ~~إنما كان يجب ذلك لو ثبت في الإرادة أنها داعية إلى القبيح، وأنها قبحت ~~لهذه العلة، ونحن لا نسلم أنها داعية إلى ذلك، لأنها تابعة للمراد فيما ~~تدعو إليه (2) لا أنها هي الداعية إليه، # PageV00P054 # وإنما يصح قياس الفرع على الأصل، لعلة موجودة فيهما، فإذا لم توجد العلة ~~في الأصل فالقياس مطرح فان قال: إذا قبحت الإرادة مع أنها تتبع المراد في ~~الداعي، فالشهوة للقبيح - إذا كانت بنفسها داعية إليه - أولى بأن تكون ~~قبيحة. قيل: # هذه دعوى كالدعوى الأولى، لا دليل على صحتها (1)، ألا ترى أنه إذا أراد ~~القبيح من فعل الغير قبحت الإرادة، وإن لم يصح ما ذكرته فيها! # وحقيقة الشهوة: أنها كالقدرة، (2) (لان متعلقها بالقبيح، تردد الداعي بين ~~الحسن والقبيح، فيصح التكليف، كما أن تعلق القدرة ms032 بالقبيح يصح اختياره على ~~الحسن أو اختيار الحسن عليه، فيجب أن يكون # PageV00P055 # حسنة)، لا سيما وقد ثبت أنه لا نظير لها في الشاهد يعتبر حالها به في حسن ~~أو قبيح، فيجب أن يرجع في جنسها إلى أنها من فعله تعالى، وقد ثبت أنه لا ~~يفعل القبيح، وإن كان وجه حسنها يعبر بما ذكرناه في أثناء هذا الكلام، وهذا ~~كاف بحمد الله تعالى 5 - مسألة (شهادة الله لنفسه) كيف يشهد الله لنفسه؟ - ~~الجواب عن الشبهة - معنى الشهادة: القول - شهد بمعنى: قضى - تقديم وتأخير ~~في الآية - معنى الشهادة: بيان الأدلة ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم... الآية - 18)، فقال: هذه ~~شهادة منه سبحانه لنفسه، وقد استقر العرف بيننا على أن الشهادة إنما تكون ~~لمن ادعى حقا من الحقوق، أو أمرا من الأمور، بأن يشهد له غيره، لا أن تشهد ~~له نفسه، وبعد فمنزلة الشاهد فيما يتعارف أنقص من منزلة المشهود عنده! ~~PageV00P056 # فالجواب: أن في هذه المسألة أقوالا: - ١ - أحدها، أن تكون شهادته تعالى ~~بذلك، ليعلم عباده به، ويبينه لهم ويحققه عندهم، لان الشاهد إنما يعلم غيره ~~الشئ المشهود به، ويحقق عنده صحته، وكذلك البينة، إنما سميت: بينة، لأنها ~~تبين الحق، وتكشف اللبس، والشهادة في الأصل: طريق للعلم، ويوصف المؤدي بأنه ~~شاهد، إذا كان أداؤه طريقا للعلم الحاصل لغيره. وأما شهادة الملائكة وأولي ~~العلم، فهي أيضا إعلام لمن سواهم من الخلق: أن الله تعالى واحد، وأنه عادل، ~~ليقروا بذلك، ويعلموا أن الله تعالى وملائكته وأولي العلم لا يشهدون إلا ~~بالحق ولا يقولون غير الصدق، ومما يبين ما قلنا أنه خص سبحانه أولي العلم ~~بهذه الشهادة، لأنهم الذين يعلمون الله على حقيقته، فيلزمهم تبيين ما علموه ~~من ذلك لمن دونهم في طبقة العلم، لأنهم القدوة وبهم الأسوة، ألا ترى إلى ~~قوله سبحانه: # ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ ~~(1)! وإنما خص العلماء بذلك، وإن كان غيرهم يخشى الله سبحانه، لأنهم أعرف ms033 ~~به تعالى من غيرهم، فخشيتهم له على قدر معرفتهم به. # 2 - وقال بعض العلماء: شهادة الله تعالى بأنه لا إله إلا هو إنما يراد ~~بها، ما بني عليه الخلق من الحاجة إليه (والسكينة) (2) والخضوع له، وكل ~~ضعيف وقوي، وفقير وغني، يدل من الوجه الذي ذكرناه، على توحيد الله تعالى. # PageV00P057 # ٣ - وقال المؤرخ: (أراد تعالى بقوله: [شهد الله]: # قال الله - بلغة قيس عيلان -، لان الشهادة في الأصل هي: # قول مخصوص). وفي هذا القول نظر، لان في القرآن مواضع ذكرت فيها شهادة ~~الله تعالى، ولا يجوز أن تحمل على أن المراد بها القول، لان الكلام يفسد ~~على هذا التأويل، فمن ذلك قوله تعالى ﴿لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة ~~يشهدون وكفى بالله شهيدا﴾ (1)، فلا يصح أن يقال ههنا: إن المراد بذلك ~~لكن الله يقول بما أنزل، لفساد المعنى. # 4 - وقال بعضهم: معنى ذلك: شهد الله عند خلقه، بتدبيره العجيب، وصنعه ~~اللطيف، وحكمته البالغة، وقدرته الباسطة: أنه لا إله إلا هو يدبر الامر ~~ويصرف الخلق، وشهدت الملائكة، بذلك عند الرسل، بما أبانت لهم من الحجج ~~النيرة والاعلام القاهرة، وشهد أولو العلم بذلك عند (سائر) (2) الخلق، بما ~~أوضحوا لهم من البينات، وأظهروا من الدلائل والامارات. # 5 - وقال بعضهم: معنى شهد الله: قضى الله أنه لا إله إلا هو ولن يخلو أن ~~يكون قضى ههنا بمعنى: أعلم وبين، أو يكون بمعنى: حكم وألزم، فإن كان بمعنى: ~~أعلم وبين، فهو بمعنى: شهد على ما ذكرناه، وقد جاء في التنزيل قضى بمعنى ~~أعلم، في عدة مواضع: منها قوله تعالى، (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ~~لتفسدن في الأرض # PageV00P058 # مرتين.. الآية) (1)، ومنها قوله تعالى: (وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر ~~هؤلاء مقطوع مصبحين) (2)، وإن كان بمعنى: حكم وألزم، فالتقدير أن الله ~~سبحانه حكم بأن لا إله إلا هو وألزم خلقه أن يعتقدوا ذلك بالدلالات ~~القائمة، والبينات الواضحة. # وذلك كقوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) (3)، أي: ألزم ذلك ~~وحكم ms034 به. # ويكون على الوجه الأول رفع الملائكة وأولى العلم بما ارتفع به اسم الله ~~تعالى، وهو: انهم أعلموا من سواهم من الخلق من لم يعلم كعلمهم أنه لا إله ~~إلا الله، ويكون رفع الملائكة وأولى العلم على الوجه الآخر أيضا على نحو من ~~ذلك المعنى، فكأن الملائكة وأولى العلم ألزموا من دونهم من الخلق، (بما) ~~(4) أظهروه لهم: من واضح الدلائل، وعادل الشواهد، أن يعتقدوا أنه لا إله ~~إلا الله، فالمعنيان متقاربان. والذي ذهب إلى أن معنى شهد ههنا معنى قضى من ~~المتقدمين، أبو عبيدة، وهو قول فيه نظر. # 6 - وقال بعضهم: إن في ذلك تقديما وتأخيرا، فكأنه سبحانه قال: شهد الله ~~قائما بالقسط: أنه لا إله إلا هو، ومعنى ذلك: أنه أعلم الخلق - بعدله عليهم ~~واحسانه إليهم - أنه لا إله غيره يفعل ذلك بهم. # 7 - وقال قاضي القضاة أبو الحسن: (قوله سبحانه: (شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو) يجب أن يحمل على ما تعود فائدته على العباد وهو أنه تعالى أودع خلقه ~~الأدلة على أنه لا إله إلا هو، ولا تحق العبادة الا له # PageV00P059 # فمن حيث دل على ذلك، وبينه لجميع ما خلق من الخلق العجيب، باكمال العقول ~~والتكليف، صار شاهدا بأنه كذلك. فأما الملائكة فلا يجب أن تكون (شهادتها) ~~(1) على هذا الوجه، لأنها لا يصح أن تكون دالة على حد ما دل تعالى به على ~~نفسه وتوحيده، فالمراد أنها اعترفت بذلك وعلمته وبينته للأنبياء عليهم ~~السلام، بالتنبيه على الأدلة وإلقاء الحجج البينة، وشهادة أولى العلم من ~~الأنبياء والمؤمنين لغيرهم بعد البصيرة والمعرفة، كشهادة الملائكة، وإذا ~~شهد الله تعالى بأن لا إله إلا هو، خبرا، فذلك توكيد منه لما ذكرناه، لان ~~المعرفة بذلك من جهته إنما (تقع) (2) بالأدلة دون الخبر، وإن كان الخبر ~~يحقق ذلك ويوضحه وينبه عليه ويؤكده، ويدل على أن المراد ما ذكرناه، أنه ~~تعالى خص أولى العلم بالشهادة بذلك مع الملائكة، ولو كان المراد الاقرار ~~لكان غيرهم بمنزلتهم، وإنما خصهم بذلك، إذ كانوا لأجل ما أوتوا ms035 من العلم ~~يتمكنون من البيان لغيرهم، ولمن ينحط في العلم عن درجتهم). وفي هذا القول ~~أيضا تنبيه من الله تعالى للخلق، وبعث لهم على معرفة التوحيد بالعقل، لتصح ~~الشهادة بأن لا آله إلا (الله) (3)، لان الشهادة لا تحسن الا مع المعرفة ~~بما تتضمنه، والا كانت قبيحة، (إذ) (4) كان المؤدي لها لا يؤمن أن يكون ~~كاذبا فيها. وفي ما ذكرناه من ذلك كفاية بتوفيق الله سبحانه (5). # PageV00P060 # 6 - مسألة إيتاء الله الملك ونزعه ممن يشاء كيف يصح ان ينسب لله تعالى ~~إيتاء ملك الظالمين؟ - الجواب عن الشبهة - تسمية الفقر واللين ذلا مجازا - ~~الفقر من صفة الأنبياء والصالحين - قوم توقعوا النبوة قبل نبينا - الملك ~~الذي حاج إبراهيم وكيف صح ان يؤتيه الله الملك؟ - تقسيم الملك إلى ملك في ~~الدين وملك في الدنيا - الملك بمعنى: القدرة، ومعاني الملك لغة. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ~~وتنزع الملك ممن تشاء... الآية - 26)، فقال: فحوى هذا الكلام يدل على غير ~~ما تذهبون إليه: من أن الظالم المتملك بغير حق، لا يقال: إن الله سبحانه ~~آتاه الملك ولا استرعاه الخلق، بل هو المتغلب على ذلك والغاصب لما في يده، ~~فاذكروا لنا من تأويل هذا الكلام ما يكون موافقا لمذهبكم، ومستقيما على ~~طريقتكم!. # فالجواب: أن للعلماء في ذلك أقوالا، تدل على ما ذهبنا إليه في هذا الباب ~~وتصححه وتكشفه وتوضحه: # 1 - قال بعضهم: معنى (مالك الملك)، أي أنت تملك عبادك فهم وما يملكون لك، ~~و (تؤتي الملك من تشاء) منهم، باضفاء (1) # PageV00P061 # النعم عليهم، وإقرار الأموال الدثرة (1) عندهم، وبما ترفدهم به: # من الأولاد والحفدة، والعديد والعدة، وبأن تلزم غيرهم الطاعة لهم من جهة ~~الدين، متى أجابوا داعيك واتبعوا أوامرك ومتى عدلوا عن نهج طاعتك وفارقوا ~~سواء محجتك، نزعت الملك منهم: بأن تسلبهم ملابس نعمك، وتجعل أموالهم غنما ~~ونفلا لغيرهم من عبادك. # 2 - وقال بعضهم: يعني سبحانه بذلك: أنه مالك لما يؤتيه عباده ويجعلهم به ~~ملوكا، لان هذا الملك لا يكون إلا ما ms036 يخلقه تعالى، فهو مالك له، وبين أنه ~~سبحانه يؤتي الملك من يشاء من عباده، وهو ما للعباد أخذه والتمسك به ~~والإقامة عليه من الملك الحلال، دون ما يفعله الملوك من اغتصاب الأموال، ~~والتملك على الرجال، من طريق الغلبة والقدرة المستولية، لأنه سبحانه لم يؤت ~~أحدا منهم ذلك، وكيف يكون مؤتيا لهم ما هذا سبيله، وقد نهاهم عنه وخوفهم من ~~الإقامة عليه؟! # ولو كان عطية منه سبحانه لكانوا غير ملومين على التمسك به، فصح بذلك أن ~~الملوك العادلين القائمين بأمر الله في الدنيا هم الذين ملكهم الله بلاده، ~~واسترعاهم عباده، دون من استولى على ذلك متغلبا، وملكه عدوانا وغصبا. # وعنى بقوله تعالى: (وتنزع الملك ممن تشاء)، أي: ممن آتيته # PageV00P062 # الملك، فاما أن تنزعه عنه بإماتته أو بتغير نعمه، وتنزع أيضا الملك من ~~الظلمة المتغلبين: بأن تنصر عليهم أولياءك المؤمنين، وتنقل إليهم دولتهم، ~~وتزيل بهم نعمتهم، لأنه تعالى وإن لم يجز أن تؤتى الظلمة الملك، فجائز ان ~~ينزع منهم الملك. # وعنى بقوله تعالى: (وتعز من تشاء)، أي: بالمال والقوة والعديد والعدة، ~~إذا كانت على طريقة الحق، لا على وجه التغلب والغضب. وعنى بقوله تعالى: ~~(وتذل من تشاء)، أي: من أعدائك في الدنيا والآخرة، لأنه تعالى لا يذل أحدا ~~من أوليائه، وإن أفقرهم وأمرضهم، وأحوجهم إلى غيرهم، لان ذلك يفعله بهم ~~ليعزهم في الآخرة، ويسعدهم في الآجلة، فليس ذلك باذلال لهم وكيف يكون ~~إذلالا وقد أمر الله تعالى باعظامهم وإعزازهم ورفع منازلهم وأقدارهم؟!، ~~وإذا وصف الفقر بأنه ذل فعلى طريق المجاز، كما سمى سبحانه لين المؤمنين ذلا ~~بقوله: ﴿أذلة على المؤمنين﴾ ~~(1)، وهذا خارج مخرج المدح، وكيف يكون الفقر ذلا وهو من صفة الأنبياء عليهم ~~السلام والصالحين من العباد؟!، فتجد أحدهم لا يملك إلا القعب (2)، والحلس ~~(3) والحذاء والطمر (4)، وهو عند الله سبحانه في أعلى الدرجات، وفي أعين ~~الناس أهيب من مالكي الأموال وحائزي النعم العظام. # 3 - وقال بعضهم: معنى ذلك: أن النبي صلى الله عليه وآله سأل ربه # PageV00P063 # سبحانه ms037 أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ~~وروي ذلك عن الحسن وقتادة. # 4 - وقال بعضهم: أراد سبحانه بالملك هنا: ظهور الدين والغلبة، فقال: ~~(تؤتي الملك من تشاء)، أي: ترزق بسطة اليد، وظهور الامر، الذين أتبعوا دينك ~~وأطاعوا أمرك، فجعل الله ما في مملكة كل ملك من غير المسلمين ملكا ~~للمسلمين، وجعلهم أحق بذلك من كل أهل ملة غير ملة الاسلام، فكان الملك في ~~الحقيقة على هذا القول ملك المسلمين، وإن غلب الكفار على بعضه ودافعوهم عن ~~نيله، والمسلمون أحق بحيازته، ولهم أن يطلبوه أبدا، حتى يظفروا به، كما ~~يطالب المغصوب بما غصب منه، وينسب إليه ذلك الشئ وإن كان في يد غيره، ~~فيقال: هذا ثوب فلان، وهذا مال فلان، وإن كان في قبضة الظالم، وخلف رتاج ~~الغاصب. # فكأنه تعالى جعل الملك في حكمه وسنة نبيه لأهل دينه القائمين بأحكامه، ~~والمقيمين على طاعة أنبيائه، كما جعل للذكر في حكمه مثل حظ الأنثيين، وكما ~~جعل لولي المقتول في حكمه سلطانا على القاتل، وإن رد ذلك الجائرون، وأباه ~~المعتدون، فأعطوا الأنثى مثل حظ الذكر، ولم يقضوا على القاتل بقصاص ولا ~~قود، فالذين آتاهم الله الملك وأعزهم به هم المؤمنون، وإن غلبوا، والذين لم ~~يجعل لهم حظا في الملك وأذلهم بذلك هم الجائرون المعتدون، وإن غلبوا، فعز ~~الكافرين على المؤمنين ليس بعز في الدين، ولا غنم في عاقبة الأمور، لأنه ~~يعود إذلالا PageV00P064 # ويصير وبالا، وذل المؤمنين على أيدي الكافرين ليس بذل في الحقيقة، لأنه ~~يؤول إلى العز اللازم والثواب الدائم، وكيف يسمى ذلك ذلا، وقد أمر الله ~~سبحانه باعزاز أنبيائه السفرة بينه وبين عباده، وإن سطا عليهم الكفار، ونال ~~منهم الأعداء؟! # وهذا القول يؤول إلى معنى الحكم، فكأنه سبحانه يحكم لمن أطاعه بالملك ~~ويسميه به وينسبه إليه، ولا يحكم لمن عصاه بالملك ولا يسميه به ولا ينسبه ~~إليه، وإن كان الطائع مستضاما مستذلا، وكان العاصي متسلطا متعززا به، كما ~~قال سبحانه: [ومن دخله كان آمنا] (1)، فجعل ذلك حكما لا ms038 أمرا (جزما) (2)، ~~ألا ترى أن كثيرا ممن لجأ إلى المسجد الحرام قد قتلوا فيه وأخيفوا مع ~~المقام به!، ولو كان ذلك خبرا لكان يجب أن يكون مخبره على ما أخبره به، ~~فلما رأينا الامر على خلاف ذلك في بعض الأحايين علمنا ذلك إنما قيل من طريق ~~الحكم لا من طريق الخبر. # 5 - وقال بعضهم: (تؤتى الملك من تشاء)، يريد تعالى: # ملك الجنة، يقول: تدخلها من أطاعك. [وتنزع الملك ممن تشاء]، أي: تحرمه ~~دخول الجنة وتهينه بدخول النار، فلا شئ أذل منها ولا أشد هوانا من أهلها. # وهذا القول غير مرضي عندي، لان فيه استكراها وتعسفا: # PageV00P065 # وذلك أن سياق الآية والآية التي تليها تدل على أن هذا الملك الذي يؤتيه ~~الله وينزعه إنما هو في الدنيا دون الآخرة، ألا ترى إلى قوله تعالى تالي ~~ذلك: (وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير تولج الليل ~~في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من ~~الحي.. الآية)!، وهذا كله من أحوال الدنيا، لا مدخل فيه لامر الآخرة. # 6 - وقال بعضهم: (المراد بالملك ههنا النبوة، وكأنه تعالى قال: (تؤتي ~~النبوة من تشاء، وتنزعها ممن تشاء)، فهذا القول محكي عن مجاهد بن جبير، ~~ونزع النبوة يكون على وجهين: أحدهما باخترام النبي بعد تبليغه، وتحويله إلى ~~ما أعد الله له من ثوابه وجنته. # والوجه الآخر: أن يكون بمعنى صرف النبوة عمن (شاء) NoteV00P066N01 وإن ~~كان تعالى لم يلبسها من صرفها عنه، فينزعها منه، ولكنه قال ذلك مجازا، لأنه ~~قد كان قوم يتوقعون النبوة قبل إرسال النبي [ص] ويعتقدون أنهم سيكونون ~~أنبياء ورسلا: منهم ورقة بن نوفل، ومنهم أمية بن أبي الصلت الثقفي، ~~وغيرهما، فجاز في اتساع اللغة أن يصف تعالى نفسه بأنه نزع النبوة عنهم ~~وآتاهم غيرهم، لأنهم كانوا - بزعمهم - يعتقدون أنهم أهل لها، ويتوقعون ~~الاصفاء بها. # واستشهد من يقول: إن الملك ههنا النبوة، بقوله تعالى: (ألم تر إلى الذي ~~حاج إبراهيم في ربه أن آتاه ms039 الله الملك) NoteV00P066N02، # PageV00P066 # أي: آتاه النبوة، فجعل الضمير في آتاه لإبراهيم عليه السلام، والأكثر على ~~أن الضمير في آتاه للملك الذي حاج إبراهيم، والمعنى: أن ذلك الملك استطال ~~على إبراهيم في المحاجة والدعوى الباطلة، بما أوتي من الملك والقدرة. # فان سأل سائل على قول من قال: إن الضمير في آتاه الله الملك للملك دون ~~إبراهيم (ع)، فقال: كيف قال سبحانه: (آتاه الله الملك)، وهو ظالم طاغ، ~~ومتجبر باغ؟!، فقد ذهب أبو علي وأبو القاسم البلخي إلى: أن الله سبحانه لا ~~يجوز أن يعطي الفاسق حقيقة الملك، ولا ينوط به تدبير الخلق، لأنه سبحانه ~~قال: (لا ينال عهدي الظالمين) NoteV00P067N01، والملك من أعظم العهود وأجل ~~الأمور، لأنه يتضمن سياسة الأمة وحفظ الشريعة، ويتعلق بأوامر الله ونواهيه، ~~وأحكامه وقضاياه، وذلك لا يؤمن عليه الفاسق ولا الكافر، ولا يجعل سبحانه ~~الرعية مؤمنة والرعاة فسقة!. # فجوابه: أنه يجوز أن يراد بالملك ههنا إعطاء المال وتثمير الحال، وذلك ~~مما يجوز أن يعطاه الفاسقون والظالمون، ألا ترى إلى قوله تعالى: # (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ~~وجعلكم ملوكا... الآية) NoteV00P067N02!، (وقد) NoteV00P067N03 قال عامة ~~المفسرين: إنه تعالى أراد بالملك ههنا: حسن الحال والاستكثار من المال، ~~فبين: أنه سبحانه جعلهم ملوكا، وهم # PageV00P067 # حينئذ فاسقون، ألا ترى إلى قولهم لموسى (ع): ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾ (1)، وقد ~~سماهم تعالى بالفسق، وسماهم موسى (ع) بذلك أيضا، وقال سبحانه: (فلا تأس على ~~القوم الفاسقين) NoteV00P068N02، وقال موسى: (فافرق بيننا وبين القوم ~~الفاسقين) NoteV00P068N03. # 7 - وقيل أيضا: يجوز أن يقال - في من أخذ الملك من جهته التي أباحها الله ~~تعالى -: إن الله سبحانه آتاه ذلك الملك كالذي يقال في طالوت وذي القرنين: ~~إنهما كانا ملكين ولم يكونا نبيين، ويجوز أيضا أن يكون نزعه تعالى الملك ~~ممن يشاء، بأن يسلط أولياءه على أعدائه فينزعوا الملك منهم، إذا كانوا ~~مستحقين لذلك ببغيهم وكفرهم، كالذي فعل تعالى بالأكاسرة وغيرهم ms040 من ~~الجبابرة. # 8 - وقال قاضي القضاة أبو الحسن NoteV00P068N04: ما يؤتيه الله من الملك ~~ينقسم إلى ملك في الدين، كالنبوة والإمامة وما يتشعب عنهما، والى ملك في ~~الدنيا، وهو: ما يرزق تعالى من المباح، كالأموال العظيمة والنفائس الجليلة ~~والرأي والحزم والقوى والجلد، إلى سائر ما يتقدم به الملوك في الدنيا، لان ~~جميع ذلك قد يضاف إليه تعالى، لأنه من قبيل المباح. # ومتى قيل: فهل يصح وجود ملك لا يؤتيه الله تعالى صاحبه؟، # PageV00P068 # فجوابنا: أنه سبحانه إنما يخلق الأشياء لمنافع غيره، فإن كان ذلك الملك ~~بحيث إذا لم يؤته تعالى بعض العباد فقد الانتفاع به، فلا بد من ذلك ~~NoteV00P069N01، وإلا فجائز خلافه، وخلاف ذلك قد يكون على وجهين: أحدهما أن ~~يجعله سبحانه كالمباحات، والثاني أن يفرقه في العباد تفريقا لا يبلغ حد ~~الوصف بالملك، لأنه إنما يوصف بذلك عند اجتماع أمور كثيرة تشتمل عليها يد ~~انسان واحد. # 9 - وعندي في ذلك وجه آخر، وهو: أنه يجوز أن يكون معنى قوله تعالى: (قل ~~اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء)، أي: مالك ~~القدرة، تؤتي القدرة من تشاء، وتنزعها ممن تشاء. وهذا القول على أصل قول ~~أبي علي: إن معنى قوله سبحانه: (مالك يوم الدين)، أي: قادر على يوم الدين. ~~لان كل مالك لشئ على الحقيقة فهو قادر عليه، وكل قادر على شئ يمكنه فعله أو ~~تصرفه فهو مالك له. # وحجته على ذلك أن أكثر ما يستعمل الملك في الأشياء الموجودة، ويوم الدين ~~لم يوجد بعد، وقد أخبر تعالى: أنه مالك له، فليس معنى ذلك إلا أنه قادر ~~عليه، فليس بمستحيل أن (يسمي) NoteV00P069N02 القدرة ملكا لان بها يملك ~~الانسان أمره، ويحمي جانبه، ويمنع مجاذبه، ويتطرق إلى قود المستصعبات، ~~وبلوغ الغايات، وقد قيل في المثل: (العافية # PageV00P069 # ملك خفي) NoteV00P070N01، وليس العافية أكثر من سلامة الآلات، وصحة ~~الأعضاء، وقيل أيضا: (الجلد عز حاضر) NoteV00P070N02، وبالقوة يصير الذليل ~~عزيزا، كما أن بفقدها يصير العزيز ذليلا. # فبين سبحانه: أنه يؤتي هذا ms041 الملك (الذي هو القوة) NoteV00P070N03 من شاء، ~~فيكون له شكة، وعلى عدوه شوكة، وينزعه ممن يشاء فيوهن يده ويضعف عضده ~~ويجعله مأكولا بعد أن كان آكلا، وضارعا بعد أن كان صائلا NoteV00P070N04. ~~والملك في الأصل مأخوذ من الشد والربط، ألا ترى إلى قول القائل: ملك ~~العجين، إذا شدد عجنه!، ومنه اشتقاق الاملاك (5)، لأنه عقد يحكم شده، فكأنه ~~يربط المرأة بالرجل، وعلى هذا قول الشاعر (6) في صفة القوس: # الصحيح (2) الجلد: القوة والصبر، والاستشهاد بهذا القول لا يظهر وجهه، ~~ويجوز أن يكون في النسخ: سقط أو تصحيف، ويجوز أن يكون شاهدا للمثل المذكور، ~~لا لأصل الدعوى، فان القوة من العافية وهما من نوع القدرة (3) كذا في ~~النسخ، وما بعد هذه العبارة من ذكر الأضداد والمناسبات من الوهن والضعف ~~والشد والربط يؤيد ما في النسخ، ولكن الظاهر أنها مصحفة من القدرة، لان ~~الكلام في الملك بمعنى القدرة. # (4) ضرع: خضع. صال عليه: سطا عليه وقهره. # (5) التزويج (6) هو: أوس بن حجر. يصف قوسا وقواسا. انشده الفارسي، ~~والمعروف من رواية البيت: (فملك بالليط الذي...)، لا التي، والظاهر أن ~~التصحيف من النساخ. الغرقئ كزبرج: القشرة الرقيقة الملتزقة ببياض البيض، ~~والمراد انه جعل القشر كغرقئ. وكنه: ستره. # PageV00P070 # فملك بالليط التي تحت قشرها * كغرقئ بيض كنه القيض من عل وموضع التي تحت ~~قشرها: نصب، لأنه مفعول لملك، فكأنه قال: فشدد هذا الانسان بالليط - وهو: ~~القشر الذي على القوس - ما تحت قشرها، فصار له شدادا ورباطا، أي: ترك قشر ~~القوس عليها، ولم يزله عنها، ليكنها ويتمالك به قلبها، أي يتشدد عودها. ~~والقيض: # قشر البيض. وفي هذا البيت أيضا معنى آخر لطيف، وهو أن الشاعر جعل ترك قشر ~~القوس عليها فعلا لباريها، وإن لم يكن منه فعل في الحقيقة، ولكنه لما كان ~~قد يؤخذ كثيرا من القشر عند بري القياس (1) ثم لم يفعل ذلك بتلك القوس ~~المذكورة، واعتمد ترك قشرها غليها، فصار بقصده لذلك كفاعل فعل فيها، وهذا ~~من اتساع نطاق اللغة، وبعد مرامي الأغراض العربية. # فان قال قائل: إنه تعالى ms042 إذا نزع الملك ممن آتاه إياه كان في ذلك ظلم له، ~~لان أحدنا إذا وهب لغيره هبة ثم استرجعها منه كان في حكم الظالم له، ومتى ~~حسن ذلك منه تعالى دل على صحة ما يذهب إليه مخالفوكم؟!. # قيل له: إن التمليك قد يكون مطلقا دائما، وقد يكون مؤجلا موقتا، فلا يجب ~~أن يجعل الباب واحدا، فإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يكون تعالى إنما ملك إلى ~~غاية ومدة، فإذا زال التمليك ونزع الملك عند انقضاء تلك المدة، كان له ذلك، ~~كما يكون مثله للمعير والمعمر على بعض الوجوه NoteV00P071N02. # ووجه آخر، وهو: أنه سبحانه إذا حسن منه أن يبيح استرجاع الهبة # PageV00P071 # لا عواض عظيمة، لم يمتنع أن يحسن منه نزع الملك لعوض عظيم. ووجه آخر، ~~وهو: أنه قد يجوز أن يعلم تعالى أن استدامة الملك في ذلك العبد مفسدة في ~~الدين، فيجب نزعه منه لا محالة، وفي ما ذكرناه من الكلام على هذه المسألة ~~بلاغ بحمد الله. # 7 - مسألة (موالاة الكافرين عند التقية) الجواب عن شهبة إباحة موالاة ~~الكافرين تقية - نزول الآية - تارك التقية اعزازا للدين حتى يقتل أفضل من ~~فاعلها - لا ولاية للكافر على المسلم بحال - آية المسألة خبر لا نهي عن ~~موالاة الكافرين، وابطال ذلك - موالاة الكافرين محرمة مطلقا حتى مع موالاة ~~المسلمين - التقية لا تدخل الا في الظاهر. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة.. الآية ~~28)، فقال: ظاهر هذا الكلام يقتضي إباحة موالاة الكافرين عند الخوف، وليس ~~ذلك قول أحد من المسلمين! PageV00P072 # فالجواب: أن في ذلك أقوالا: # ١ - منها، أن الاتخاذ في الأصل هو: القصد إلى أخذ الشئ والعزم عليه ~~والتمسك به والملازمة له، ألا ترى إلى قوله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم ~~خليلا) NoteV00P073N0١!، أي: قصد إلى تمييزه بهذه الحال والاظهار لها ~~والمداومة عليها، وإذا تأملت كل ما نطق به القرآن من ذكر الاتخاذ، وجدته ~~يتضمن هذا ms043 المعنى: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا﴾ ~~(2)، أي: # لنجعل هناك موضعا يدوم لبثه، وتكثر الملازمة له. ومنه قوله تعالى ~~(واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) NoteV00P073N03، أي: ~~انقطعوا إليها، وأقاموا على عبادتها، فإذا كان الامر على ما قررنا، بان أن ~~نهي الله تعالى عن إظهار موالاة الكافرين إنما هو على هذا الوجه: من توطين ~~النفس بالعزم على ذلك والقصد إليه والاظهار له، فكأنه تعالى قال: # لا يظهرن أحد من المؤمنين موالاة أحد من الكفار قاصدا متعمدا، وعادلا ~~بموالاته عن المؤمنين الذين هم أحق بذلك من غيرهم!، لأن هذه الأفعال إنما ~~تكون موالاة بالمقاصد لا بصورة الفعل، ولولا ذلك لم تحسن مع التقية أيضا، ~~وقوله تعالى: (من دون المؤمنين) يدل على ما ذكرنا NoteV00P073N04 وعلى هذا ~~قول القائل: أعطيت فلانا دوني، أي: أعطيته ومنعتني، ولهذا قال سبحانه: (ومن ~~يفعل ذلك فليس من الله في شئ)، # PageV00P073 # أي: فليس من الله في ولاية ولا محبة، وقيل أيضا. إن معنى ذلك فقد برئ ~~الله منه وبرئ من دين الله. # ثم استثنى تعالى حال التقية، فقال: (إلا أن تتقوا منهم تقاة)، وقرئ: ~~(تقية)، وكلاهما يرجعان إلى معنى واحد، فكأنه سبحانه أباح في هذه الحال عند ~~الخوف منهم إظهار موالاتهم ومما يلتهم قولا باللسان، لا عقدا بالجنان. # 2 - وقال بعضهم: معنى ذلك: أن يكون المؤمن بين الكفار وحيدا، وفي حكم ~~الوحيد، إذا كان قليل الناصر، غائب المظاهر NoteV00P074N02، والكفار لهم ~~الغلبة والكثرة والدار والحوزة، فمباح له أن يخالقهم بأحسن خلقه، حتى يجعل ~~الله له منهم مخرجا، ويتيح له فرجا، ولا تكون التقية بأن يدخل معهم في ~~انتهاك محرم، واستحلال محرم، بل التقية بالقول والكلام، والقلب عاقد على ~~خلاف ما يظهره اللسان. # وروي عن أبي العالية: أنه قال: (التقية باللسان لا بالعمل). # 3 - وروي عن الحسن البصري: أنه قال: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) في أرحامكم ~~التي بينكم وبينهم، فتتقونهم بالصلة لها، والرعي ms044 لحقوقها، فاما المحبة لهم ~~في الدين وعلى الدين فلا تجوز بحال. # 4 - وروي عن ابن عباس: أن الآية نزلت في قوم من الأنصار، كان اليهود ~~يفتنونهم في دينهم، ويستميلون قلوبهم بالممازجة لهم، والاختلاط بهم. كعبد ~~الله بن أبي سلول، والجد بن قيس، وغيرهما، فنهى الله # PageV00P074 # سبحانه عن ملاطفة الكفار ومداخلهم، واتخاذهم شعارا من دون المؤمنين، ~~وبطانة دون أهل الدين، ولهذه الآية في التنزيل نظائر: # منها قوله تعالى في هذه السورة: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم.. الآية ~~117)، ومنها قوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من ~~حاد الله ورسوله.. الآية) NoteV00P075N01 ومنها قوله تعالى: (وإما ينسينك ~~الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) NoteV00P075N02 ومنها قوله ~~سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم..) NoteV00P075N03، فكل ذلك يوجب أن ~~يعاملوا بالمغالظة والمخاشنة، دون الملاطفة والملاينة، إلا ما كان شاذا، ~~وخرج نادرا، لعارض من الامر، وواضح من العذر. # 5 - وقال بعضهم: (إلا أن تتقوا منهم تقاة)، معناه: إلا أن يخاف الخائف ~~منهم تلف النفس، أو بعض أعضاء الجسم، فيتقيهم باظهار الموالاة، من غير ~~اعتقاد لها ولا صدق فيها. # * * * وقد ذهب المحققون من العلماء إلى: أن من أكره على الكفر فلم يفعل ~~حتى قتل، إنه أفضل ممن أظهر الكفر لسانه، وان أضمر الايمان بقلبه، وقالوا: ~~قد أسر المشركون بمكة خبيب بن عدي، وطالبوه # PageV00P075 # باظهار كلمة الكفر أو العرض على القتل، فلزم الحنفية، ولم يعط التقية، ~~حتى قتل على ذلك، وكان عند المسلمين أفضل من عمار بن ياسر، حين أعطى ~~التقية، وأظهر كلمة الكفر عند الالحاح عليه بالعذاب: من جره على الرمضاء ~~وتحريقه بالنار، وإن كان قلبه مطمئنا بالايمان، ويستدلون بذلك على أن اعطاء ~~التقية رخصة، وأن الأفضل ترك إظهارها، وكذلك قالوا في كل أمر كان فيه إعزاز ~~الدين، فإقامة المرء عليه حتى يقتل أفضل ms045 من الاخذ بالرخصة في العدول عنه ~~حتى يسلم. # وفي هذه الآية (وأخواتها) NoteV00P076N01 دلالة على أنه لا ولاية للكافر ~~على المسلم في شئ من الأشياء، فإنه إذا كان له ابن صغير مسلم باسلام أمه، ~~فلا ولاية له عليه في حال من الأحوال. # وقال بعضهم: (ان قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين) ليس بنهي، وإنما هو خبر، فكأنه تعالى قال: إن هذه صفة المؤمنين ~~ألا يتخذوا الكافرين أولياء). وهذا خطأ من قائله، وذلك أن الامر لو كان على ~~ما ظنه لكان يكون (لا يتخذ المؤمنون) برفع الذال، ولم يكن (يجزمها) ~~NoteV00P076N02، وكسرها لالتقاء الساكنين، فكونها مكسورة يدل على أنها نهي ~~لا خبر، على أن الامر لو كان كما قاله لكان المعنى مقاربا لمعنى النهي، ~~لأنه لا يجوز أن تكون هذه الصفة صفة المؤمن إلا وهو مأمور بموالاة ~~المؤمنين، منهي عن موالاة الكافرين. # فان قال قائل: ما أنكرتموه من أنه تعالى نهي عن اتخاذ الكافرين # PageV00P076 # أولياء، بمعنى: أن (يفردوا) NoteV00P077N01 بالموالاة دون المؤمنين، فأما ~~إذا توليناهم وتولينا المؤمنين معهم، فليس ذلك بمنهي عنه. قيل له: إن ~~المراد بالنهي المنع من اتخاذهم أولياء جملة، ونبه تعالى بقوله: (من دون ~~المؤمنين) على أن هذه الولاية يجب أن تكون مقصورة على المؤمنين، ولا تكون ~~مشتركة بينهم وبين الكافرين، فهذا يدل على أن المراد موالاة المؤمنين ~~خصوصا، وترك موالاة الكافرين على كل حال عموما، ثم بين تعالى أن إظهار ~~موالاة الكافرين محرم على المؤمنين إلا عند التقية، وهي: # أن يخافوا على نفوسهم ان تركوا إظهار موالاتهم. # وقد علمنا أن التقية لا تدخل الا في الظاهر، دون ما في الضمير الباطن، ~~لان من خوف غيره ليفعل أمرا من الأمور إذا كان من أفعال القلوب، لا يتمكن ~~من معرفة حقيقة ما في قلبه، وإنما يستدل باظهار لسانه على إبطان جنانه، ~~فالذي يحسن عند التقية إظهار موالاة الكفار قولا بالخلاط NoteV00P077N02 ~~والمقاربة، وحسن العشرة والمخالقة NoteV00P077N03، ويكون القلب على ما كان ~~من قبل في اضمار ms046 عداوتهم، واعتقاد البراءة منهم، وينوي الانسان بما يظهره ~~من ذلك معاريض NoteV00P077N04 الكلام، واحتمالات الخطاب. # PageV00P077 # فصل (هل لله نفس؟) وربما تعلقوا بقوله سبحانه في أواخر هذه الآية: ~~(ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير)، فقالوا: قد أثبت تعالى له نفسا، ~~وهذه من صفات المخلوقين، وعلامات المحدثين. # وجوابهم عن ذلك: أن المراد بقوله تعالى: (ويحذركم الله نفسه) أي: يحذركم ~~الله عقابه، ويخوفكم نقمته، وأراد تعالى بهذا الاختصاص (أعني: بذكر النفس): ~~تحذيرهم من العقاب الذي يأتي من قبله ويصدر عن أمره، لا العقاب الذي يجريه ~~تعالى على أيدي المخلوقين، ويقع من جهة المسلطين، فان العقاب إذا كان على ~~الوجه الأول كان أبلغ ألما وأشد مضضا، كعقوبات الأمم السالفة: بنحو الطوفان ~~والجراد وعقائم الرياح (1)، وما يجري هذا المجرى، فذلك أصعب من عقوبات ~~الخلائق التي ربما صبر عليها، وتموسك تحتها. # ومثل ذلك ما حكي عن بعض من كان يتعاطى الجلد والقوة: أن بعض السلاطين ~~تقدم به بأن يضرب ضربا مبرحا NoteV00P078N02 فصبر على ذلك الألم غير متألم ~~ولا مسترحم، فقامت له بذلك سوق، وطار له اسم في الجلد عظيم، ثم اتفق أن ~~لحقه بعد أيام من الحال صداع: أقامه وأقعده، وأكثر تألمه وتغوثه، فقيل له ~~من صبر على تلك الآلام العظيمة يقلق # PageV00P078 # من هذا العارض اليسير والألم القليل!. فقال: ذاك عقاب المخلوقين، وهذا ~~عقاب الخالق، فلا صبر على شئ منه قليلا كان أو كثيرا. فقد بان الفرق بين ~~عقوبة الله تعالى وعقوبة عباده، وظهرت فائدة الاختصاص بتخويف العقوبة من ~~قبله تعالى في قوله: (ويحذركم الله نفسه). # وقد قيل: إن معنى ذلك ويحذركم الله إياه، لان نفس الشئ هو الشئ، كقول ~~القائل: نزلت بنفس البلد وفي نفس الجبل، وعلى ذلك معنى قوله تعالى: (تعلم ~~ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك...) NoteV00P079N01، أي: تعلم ما أغيبه، ~~ولا أعلم ما تغيبه، وقد قيل: تعلم ما عندي، ولا أعلم ما عندك، وقال الشاعر ~~في نحو ذلك (وهو: أعشى بني قيس): # يوما بأجود نائلا منه إذا * نفس البخيل ms047 تجهمت سؤالها والمعنى: إذا البخيل ~~تجهم سؤاله، لان النفس لا تجهم، وإنما يتجهم صاحبها. وكذلك معنى قوله ~~تعالى: (ويبقى وجه ربك...) NoteV00P079N02 و (كل شئ هالك إلا وجهه..) ~~NoteV00P079N03 معناه: ويبقى هو، وكل شئ هالك إلا هو، وعلى هذا قول الرجل ~~لصاحبه: إني لأكرم وجهك عن هذا، ولم يستح فلان من وجهي، أي: لم يستح مني، ~~وعلى هذا قول الشاعر: # بوجهك عن مس التراب مضنة * فلا تبعدي، فكل حي سيعطب وإنما أراد: بك عن مس ~~التراب وبجملتك، فعبر بالوجه عن # PageV00P079 # ذلك، لأنه لا يجوز أن يضن عن البلى بوجهها، ويسمح له بجملتها، ولو أراد ~~ذلك لكان مناقضا، فليس الا ما ذكرناه. # وقال بعضهم: النفس NoteV00P080N01 على وجوه: قد يقول القائل: # أحذرك نفسي، أي: سطوتي وفعلي. ويقول: أحذرك نفسي، يريد به: التهدد لا ~~غيره، ولو قال: أحذرك، ولم يقل: نفسي، لم يعرف المخاطب من الذي يحذر من ~~جهته، فأراد أن يبين من المحذور (كذا وكذا منه) NoteV00P080N02 لكي يتقيه ~~ولا يعصيه. وقد يقال، نفس الشئ ويراد الشئ بعينه لا غيره. ويقول القائل: ~~أنا فعلته بنفسي، وليس يريد شيئا غيره. وتقول: جاءني عشرون نفسا، أي عشرون ~~شخصا. والنفس: التي يستقر فيها العلم. وقيل: هو القلب، ومنه قولهم وقع في ~~نفسي، أي: في مستقر علمي. والنفس: # الرأي، ومنه قول أحدهم: أنا في هذا الامر بين نفسين، أي: # بين رأيين في فعله وتركه ومنه قول الشاعر (2): # يؤامر نفسية كذى الهجمة الإبل أي: رأييه. والنفس: القوة، يقال: ثوب ماله ~~نفس، # PageV00P080 # أي: لا قوة له، وعلى ذلك قول امرئ القيس. # فلو أنها نفس تموت سوية NoteV00P081N01 * ولكنها نفس تساقط أنفسا أي: ~~تذهب شيئا بعد شئ. والنفس: الآنفة، ومنه قولهم: لفلان نفس، وهو عزوف النفس، ~~أي: قوي الآنفة، وعلى ذلك قول الشاعر NoteV00P081N02: # نفس عصام سودت عصاما * وعلمته الكر والاقداما أي: أنفته من الضيم ونفوره ~~عن الذل فعلا به ذلك، وهذا أحد تفسيري هذا الشعر، والآخر NoteV00P081N03: ~~انه اكتسب العلا بنفسه ولم يستعن على ذلك بسؤدد أبيه ms048 ولا أمه، فكأن العز ~~أتاه من شطر نفسه لا من شطر نسبه، ومن ذلك قولهم: دابة (لها) ~~NoteV00P081N04 نفس، أي: # أنفة من الضرب. والنفس: العين، قال الشاعر: # أصابتك نفس فاجتنبت مودتي * وكل حسود للمحب عيون NoteV00P081N05 والنفس: ~~قدر دبغة من الشئ الذي يدبغ به الجلود: كالقرظ NoteV00P081N06 والنجب ~~NoteV00P081N07 وما أشبههما، ومن ذلك قولهم: أعطني نفسا أو نفسين، أي: قدر ~~دبغة أو دبغتين. وليس يجوز على القديم تعالى من هذه الوجوه # PageV00P081 # كلها الا وجه واحد: وهو النفس بمعنى ذات الشئ حسب، فقد وضح إذن: أن معنى ~~قوله تعالى: (ويحذركم الله نفسه) أي: يحذركم إياه، لان النفس ههنا لو كانت ~~غير ذاته، كان كأنه قد حذرهم سواه أو بعضه، وهو يتعالى عن التجزئة ~~والتبعيض، إذا كل ذلك من صفات الأجسام وعلامات المحدثات. # فصل (فائدة تكرير آية (ويحذركم..)) فان قال قائل: إنه تعالى كرر قوله: ~~(ويحذركم الله نفسه) في موضعين متقاربين من هذه السورة، فما الفائدة في ~~ذلك؟ # فالجواب: أن ذلك ليس بتكرار، لان الذي عناه بالآية الأولى غير الذي عناه ~~بالآية الأخرى، لان الأولى إنما حذرهم فيها عقابه على موالاة الكفار، ~~والثانية إنما حذرهم فيها ذلك على مواقعة سائر المعاصي، فحسن إعادة التحذير ~~عند كل منهي عنه، ليكون الخوف أعم والزجر أبلغ، وليعلم أيضا أن الجرمين في ~~العقاب على حد سواء، فيكون التناهي عن أحدهما كالتناهي عن الآخر. وقد يجوز ~~أيضا أن تكون الآية الثانية نزلت PageV00P082 # بعد الأولة NoteV00P083N01 بزمان متراخ، فحسن التكرير فيها، لانفراج ما ~~بين الأولى وبينها، وهذا مقنع بحمد الله تعالى. # 8 - مسألة (وليس الذكر كالأنثى) فائدة الاخبار بان ليس الذكر كالأنثى - ~~اختلاف الفقهاء في شهادة المرأة في عقد النكاح - تسمية المرأة بالشاهد - ~~تسمية الشئ بما يخالفه ويناقضه. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى حاكيا عن امرأة عمران: (فلما وضعتها قالت رب ~~إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى... 36) فقال: ومن ~~يشك في أن الذكر ليس كالأنثى؟ فبينوا لنا فائدة هذا الكلام. ليخرج عن الحد ms049 ~~الذي لا يليق بالقرآن! # PageV00P083 # فالجواب: أن امرأة عمران قالت عند حملها بمريم عليها السلام: # (رب إني نذرت لك ما في بطني محررا... - 35)، فاشترطت ما في بطنها بالنذر، ~~فكان ذلك منها بعد القعود واليأس من الولد، فنذرت أن تجعل ولدها (الذي من ~~الله عليها بحمله) سادنا (1) يخدم بيت المقدس طلبا للقربة، وخروجا من حق ~~النعمة، وكان لا يجوز لخدمة بيت المقدس إلا الذكران، فلما وضعتها أنثى قالت ~~متعذرة إلى ربها، ومشفقة من ألا يتقبل نذرها: (رب اني وضعتها أنثى وليس ~~الذكر كالأنثى)، أي: في المعنى الذي أردته من التقريب بالذكر وتصييره خادما ~~لبيت المقدس، لان الأنثى لا تصلح من ذلك لما يصلح له الذكر، لأجل ما يلحقها ~~من الحيض والنفاس، ويلزمها من الصيانة عن التبرج للناس، ولأنها إذا خالطت ~~الرجال افتتنوا بها، واستضروا بمكانها، فتقبلها الله تعالى وأجراها مجرى ~~الذكر في التقرب به وتحريره لخدمة بيته ولم يفعل ذلك بأنثى غيرها، تمييزا ~~لها من نظائرها، ومعنى محرر أي: جعلته نذيرة NoteV00P084N02 خالصا، وكلما ~~أخلص ولم يعلق بشئ غيره فهو محرر. ومنه تحرر الكتاب، وهو: إخلاصه من سودائه ~~NoteV00P084N03. ومنه قولهم: حررت الغلام، ومعناه: جعلته خالصا لنفسه وأزلت ~~ملكي عن رقبته. ومنه رجل حر، أي: خالص من العيوب. # والطين الحر: ما خلص من الرمل والحمأة NoteV00P084N04، وكأن المحرر هو ~~المفرغ # PageV00P084 # للعبادة، فلا يستعان به ولا يشغل عن عبادة ربه، أو يكون معناه: أنه يحرر ~~نفسه فيعتقها من رق المعاصي باجتنابها وترك ولوج أبوابها، فلا يستحق العقاب ~~من أجلها. # وقال بعضهم: (إنه سبحانه أعلم بحال المنذور في المستقبل، وقيامه بحقوق ~~النذر، فأراد تعالى بقوله: (وليس الذكر كالأنثى) اختلافهما في باب الاحكام ~~الجارية عليهما، لا في الصفات التي بها (تمييز) NoteV00P085N01 أحدهما من ~~الآخر. هذا إذا جعلنا (وليس الذكر كالأنثى) كلاما له سبحانه، ولم نجعله من ~~صلة كلام أم مريم (ع)، ومعنى ذلك: أن امرأة عمران لما أيقنت بأن مولودها ~~أنثى، فزعت إلى الله تعالى في حفظها وإعاذتها وتقويتها على القيام بوظائف ~~دينها لان ms050 الإناث أوهن عقودا، وأضعف معقولا، ووساوس الشيطان فيهن أبلغ ~~تأثيرا، ألا ترى إلى قصور النساء عن منازل الرجال في كثير من الاحكام، لأجل ~~وهن العقول، وانحلال العقود!، ولأجل ذلك لم يجز بعض الفقهاء NoteV00P085N02 ~~شهادة النساء في عقود النكاح جملة، وقال: لا يصح النكاح الا بشهادة الرجال ~~دون النساء). # وهذه مسألة الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي، فان الشافعي يذهب إلى القول ~~الذي ذكرناه، وأبو حنيفة يخالفه في ذلك ويجيز انعقاد النكاح بشهادة رجل ~~وامرأتين، والظهور في هذه المسألة لأبي حنيفة، وقد كنت # PageV00P085 # علقت عن شيخنا أبي بكر محمد بن موسى الخوارزمي، عند قراءتي عليه مختصر ~~أبي جعفر الطحاوي، وبلوغي إلى هذه المسألة من كتاب النكاح - الحجاج على ~~الشافعي في جواز النكاح بشهادة رجل وامرأتين، وابطال تعلقه بقوله (ع): (لا ~~نكاح إلا بشاهدين)، وذلك أن هذا القول يتناول الرجل والمرأتين، والدليل على ~~ذلك قوله تعالى: # (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان...) ~~NoteV00P086N02، وتقدير الكلام فإن لم يكن الشاهدان رجلين فالشاهدان رجل ~~وامرأتان. قال: ومما يؤكد ذلك أن أبا الحسن الأخفش قال في كتابه المعروف ~~بالأوسط: (العرب تقول للمرأة: هذه شاهدي، وقد تقول: هذه شاهدتي)، فحكى: أن ~~لغة العرب الفصحى تجري على المرأة اسم الشاهد، كما تجريه على الرجل، وأن ~~الأفصح أن يقولوا: هذه شاهدي، دون أن يقولوا: هذه شاهدتي، لان قوله: (وقد ~~تقول هذه شاهدتي) يدل على أن القول الأول هو الأكثر والثاني هو الأقل. # قلت أنا: وفي قولهم للمرأة: شاهدي، سر لطيف من لطائف أسرار لغة العرب، ~~وهو أنهم أرادوا بذلك: تتميم نقيصة معناها باجراء صفة المذكر عليها، تشبيها ~~لها به، وذهابا بها في طريقه، وتقريبا لها من معنى الرجل الذي هذا الاسم ~~خاص له، ومقصور عليه، وكأن غرضهم في ذلك يلامح غرضهم في تسمية اللديغ ~~سليما، والمهلكة # PageV00P086 # مفازة NoteV00P087N01، وإن كان بعض أهل اللغة يدفع ذلك ويقول: إنما سموه ~~سليما لاستسلامه لما به، لا تفاؤلا بسلامته، وسموها مفازة، لان من قطعها ~~وتجاوزها قد فاز ونجا ms051 منها، لا تفاؤلا باسم الفوز لها، والقول الأول أعرف ~~في كلامهم، ونعود بتوفيق الله تعالى إلى بقية الكلام على المسألة: # فصل (قراءة (وضعت) بضم التاء وسكونها) وقرأنا لعبد الله بن عامر ولأبي ~~بكر بن عياش، عن عاصم: (والله أعلم بما وضعت) بضم التاء، ولبقية السبعة ~~بتسكينها، وقال لي شيخنا أبو الحسن علي بن عيسى النحوي صاحب أبي علي ~~الفارسي (وهذا الشيخ كنت بدأت بقراءة النحو عليه قبل شيخنا أبي الفتح عثمان ~~بن جني، فقرأت عليه مختصر الجرمي، وقطعة من كتاب الايضاح لأبي علي الفارسي ~~ومقدمة أملاها علي كالمدخل إلى النحو، وقرأت عليه أيضا العروض لأبي إسحاق ~~الزجاج، والقوافي لأبي الحسن الأخفش، وهو ممن لزم أبا علي السنين الطويلة، ~~واستكثر منه وعلت في النحو طبقته، وقال لي: بدأت بقراءة مختصر الجرمي على ~~أبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي رحمه الله # PageV00P087 # في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، ثم انتقلت إلى أبي علي). قال: # كان أبو علي يقول: قراءة من قرأ بتسكين التاء أجود، لأنها قد قالت (رب ~~اني وضعتها أنثى)، فليس يحتاج بعد هذا القول أن تقول: (والله أعلم بما ~~وضعت). ووجه قراءة من قرأ بضم التاء: أن ذلك كما يقول القائل في الشئ: رب ~~قد كان كذا وكذا - وأنت أعلم -، ليس يريد إعلام الله سبحانه ذلك، ولكنه من ~~قبيل التعظيم والخضوع والاستسلام والبخوع NoteV00P088N01، وكقول القائل: ~~اللهم إني عبدك وابن عبدك، وكقول الرجل لرب نعمته أنا غرس نعمتك ورقيق ~~نعمتك. قال: ومما يقوي قول من أسكن التاء قوله سبحانه: (والله أعلم بما ~~وضعت)، ولو كان من صلة قول أم مريم (ع) لكانت تقول: وأنت أعلم بما وضعت، ~~لأنها تخاطب الله سبحانه: # قلت أنا: وهذا القول غير سديد، لأنه لا يمتنع أن يكون ذلك من قول أم ~~مريم، وتقول مع ذلك: (والله أعلم بما وضعت) على مجرى العادة في خطاب المعظم ~~من العدول معه من كاف المواجهة إلى هاء الكناية، وفي القرآن مثل ذلك كثير ~~في خطاب الله تعالى وخطاب غيره: من ms052 خروج عن كناية إلى مواجهة ومن مواجهة ~~إلى كناية، ألا ترى إلى قوله سبحانه: (الحمد لله رب العالمين) ثم: (إياك ~~نعبد وإياك نستعين)، والى قوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ~~بريح طيبة) NoteV00P088N02 إلى غير ذلك مما في معناه، فأما من قرأ: # (2) يونس 32. # PageV00P088 # (والله أعلم بما وضعت) بضم التاء، فمعناه - والله أعلم - أنها لما قلت: ~~(رب إني وضعتها أنثى) لم تأمن أن يظن بها أنها مخبرة فبينت بقولها: (والله ~~أعلم بما وضعت) أنها إنما أرادت بقولها: # (رب إني وضعتها أنثى) إظهار ما لحقها من الخوف، إذ أدخلت في النذر من ليس ~~أهله، ولا يقوم بشرائطه، فجزعت من ألا يقبل نذرها، ولا تتم قربتها، وما ~~أوردناه في ذلك كاف بتوفيق الله. # 9 - مسألة (استبعاد زكريا أن يكون له غلام) الجواب عن الشبهة في هذا ~~الاستبعاد - منازل الأنبياء وما يجوز عليهم ومن سأل عن معنى قوله تعالى - ~~حاكيا عن زكريا -: (قال رب أني يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ~~قال كذلك الله يفعل ما يشاء - 40) فقال: كيف أقدم زكريا - وهو نبي - على ~~استبعاد أمر وعده الله به، وضمن كونه له؟! هذا بعد أن كان هو السائل فيه ~~والطالب له! فما الحجة في ذلك؟ PageV00P089 # فالجواب: أن في هذه المسألة أقوالا: - 1 - منها، أن الله سبحانه لما بشر ~~زكريا بالولد، بعد مسألة أن يهب له ذرية طيبة تكون وارثة لوفره وداعمة ~~لظهره، وأيقن أن ذلك كائن لا محالة - اعترف بالنعمة لربه سبحانه، فقال: ~~(أني يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر)، لولا أنك فضلتني على كل ~~من كانت هذه حاله في الكبر والعقم واليأس من الولد!، وذلك أن الله سبحانه ~~لم يرزق الكبير والعقيم (ولدا قبل) NoteV00P090N01 ذلك، فصارت هذه النعمة ~~خاصة لزكريا (ع) فاز بحظوتها وبان بمزيتها، فقال: أنى يكون لي ولد لو سويت ~~بيني وبين من هذه حاله! ولكنك فضلتني بمزية هذه النعمة، وبلغتني ما لم يكن ~~في الأمنية، ولم يقل ذلك على سبيل التعجب، لأنه ms053 يعلم أن الله على كل شئ ~~قدير، وكيف يجوز ان يحمل ذلك منه على الاستبعاد لما وعد به والتعجب من ~~كونه، وقد وعده الله بوقوعه، وهو من الأنبياء الذين تلقوا شرف الوحي ~~والرسالة، وسمعوا حسيس الملائكة، وعلموا أن موعود الله صادق وأمره واقع، ~~وأنه سيورق الهشيم NoteV00P090N02 ويستنتج العقيم؟!. # 2 - وقيل فيها قول آخر، وهو: أن الله تعالى لما بشره بالولد، وكان عنده ~~أن العاقر لا تلد، والعقيم لا تنسل، قال: أنى يكون لي ولد! أي: من أي امرأة ~~أرزق الولد؟: من امرأتي هذه العاقر أم من # PageV00P090 # غيرها؟، ليعلم من أي النساء يرزق الولد الذي بشر به، فرجع الله سبحانه ~~إليه القول يخبره أنه هين عليه أن يهب له ذلك من العاقر مع الكبر، فعلم أن ~~الولد يكون من امرأته، وهي على تلك الصفة من العقم، زيادة في قدر النعمة ~~التي خولها، والمنزلة التي أهل لها، لا أنه تعجب من كون ذلك، مع علمه بقدرة ~~الله سبحانه عليه، ولكنه على سبيل الاستفهام: # أيرزق الولد من العقيم العاقر أو من الولود الناتق NoteV00P091N01؟. # 3 - وقيل فيها قول آخر، وهو أن زكريا لما بشره الله بالولد، تحقق كونه لا ~~محالة، ولكنه أراد أن يعلم كيف يهبه له؟: # أيفعل سبحانه ذلك وهو وزوجته على ما هم عليه: من جلال السن وتصرم العمر، ~~أو يعيدهما إلى حال الشباب ثم يرزقهما الولد على مجرى عادات الناس؟، وذلك ~~كقول إبراهيم (ع) (رب أرني كيف تحيى الموتى) (2) ليزداد بذلك علما إلى ~~علمه، فأخبر الله زكريا بقوله: (كذلك الله يفعل ما يشاء) أنه يرزقه الولد ~~من زوجته، وهما على حالهما من الكبر والعقم، لتكون النعمة أتم والآية أعظم، ~~لأنها جاءت بعقب اليأس من الولد، وكان موقعها منهما فوق موقعها ممن يرجو ~~الولد باقتبال زمانه وعنفوان شبابه. وكان الحسن البصري يقول: عجبا لابن ~~آدم! سأل ربه ان يرزقه الولد ففعل ذلك، ثم قال: كيف ترزقنيه؟ فما جبهه عن ~~حاجته دون ان اعلمه ما سأل عنه، ولم يدر متى يكون ms054 ذلك! فأراد أن يرى علامة ~~يعرف بها # PageV00P091 # أن الولد قد أخذ مستقره من بطن أمه، فقال: (رب أجعل لي آية قال آيتك ألا ~~تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا.. 41) 4 - وقال أبو علي الجبائي: لم يقل ~~زكريا ذلك ردا على ربه وعلى ملائكته، ولكنه قال إقرارا بصحته واستعظاما ~~لقدر النعمة به، إذ جاء على اليأس من الامر المطلوب، وكان خارجا عن العادة ~~والتقدير. وهذه سبيل من كان آيسا من أمر يريده، ثم جاء من وجه كان يستبعد ~~مجيئه منه، أن يقول: كيف كان هذا؟ وكيف وقع؟ # وما أعجب ما اتفق!، فكان قول زكريا ما قاله على هذه الطريقة، لا إنكارا ~~للقدرة ولا ذهابا مع عارض الشبهة. # ونحا أبو مسلم بن بحر هذا النحو وزاد فيه أن قال: إن من شأن من بشر بما ~~كان يتمناه أن يولد له فرط السرور عند أول ما يهجم على سمعه ما يقتضيه، ~~الاستئناف في المعرفة والزيادة في الاستبانة، ثم عند إنعام الفكر ومراجعة ~~العقل يعلم أن الله على كل شئ قدير. # 5 - وذكر أبو جعفر الطبري عن عكرمة والسدي: أنهما قالا في ذلك: (إن ~~الملائكة لما نادت زكريا بالبشارة، اعترض ذلك النداء الشيطان، فوسوس إليه ~~أن ما سمعه من غير جهة الملائكة وأنه من جهة الشيطان، ولو كان من الله ~~تعالى لكان وحيا، فشك حينئذ وقال ما قاله). # وهذا القول جهل عظيم من قائله، وقلة بصيرة بمنازل الأنبياء (ع) وما يجوز ~~عليهم مما لا يجوز، لأنهم عليهم السلام تجل أقدارهم عن تلاعب PageV00P092 # الشياطين بهم، وأن يشكل نداء الشيطان من نداء الملك عليهم، وإذا كانت ~~الملائكة هي التي أتته بالبشارة، وقد جرت عادته - إذ هو نبي - باستماع ~~كلامها، وألف مهابطها، وثلج صدره بما تؤديه إليه عن ربها، فأي عذر له في أن ~~يعترضه الريب أو يختلجه الشك؟ وهل دليل أدل على أن زكريا لم يشك في أن ~~النداء الذي نودي به كان من قبل ربه، من قوله في الجواب عنه: (رب أنى يكون ~~لي غلام)؟، ms055 ولو كان شاكا كما زعموا لما جعل رجع الخطاب متوجها إلى الله ~~تعالى، بل جعله مبهما وموقوفا، كما يفعل الشاك المرتاب، والذاهل الحيران، ~~وكان أقرب أحواله أن يقول: أنى يكون لي غلام، ولا يبدأ مخاطبا لله سبحانه ~~بقوله: (رب أنى يكون لي غلام)، فلما قال ذلك (استدللنا) NoteV00P093N01 ~~بخروج الجواب على معرفة الخطاب. وهذا كاف بتوفيق الله. # PageV00P093 # 10 - مسألة (المسيح كلمة من الله) السؤال عن تسمية المسيح بالكلمة وتذكير ~~الضمير - الجواب عن تسميته بالكلمة - استعمال المصدر بمعنى اسم الفاعل واسم ~~المفعول - الحلف بصفات الله تعالى - الفرق بين تسمية عيسى بالكلمة وبالروح ~~والمسيح - أقوى الوجوه في الجواب - الكلمة بمعنى: الشريعة والأوامر ومن سأل ~~عن معنى قوله تعالى: (يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح.. الآية ~~- 45) فقال: ما معنى الكلمة ههنا؟ ولم سماه كلمة؟ ولم لم يعط التأنيث حقه، ~~فيقول: اسمها المسيح، ليكون الكلام مطردا والمعنى منتظما. # فالجواب: أن للعلماء أقوالا في ذلك: # 1 - فمنها، أن الله سبحانه قد كان كرر ذكر المسيح (ع) في منزلات الكتب ~~المتقدمة لميلاده، ووعد بمبعثه، وبشر بنبوته، فلما خلقه تعالى وبعثه قال: ~~هذا كلمتي، أي: هذا ما كنت أخبر به، وأكرر ذكر مورده، وذلك كقول القائل - ~~إذا كان قد تقدم اخباره بأمر متوقع وإنذاره بحادث منتظر، ثم وقع المتوقع ~~وورد PageV00P094 # المنتظر -: قد جاءكم قولي وقد رأيتم كلامي، ويقال له أيضا: هذا قولك، أو ~~هذا كلامك، اي: ما كنت تعد به وتخوف منه. # 2 - وقول آخر. قيل: قد يجوز أن يكون معنى ذلك أن الله سبحانه قال: نبشرك ~~بكلمة، يعني: بولد ذكر يكون نبيا يهتدى به كما يهتدى بكلمات الله سبحانه، ~~فلذلك سماه: كلمة، على التشبيه بالكلمة الموضوعة للبيان والدلالة، لان ~~الكلمة في الحقيقة (عين) NoteV00P095N01 الكلام، وعيسى (ع) ليس بكلام ولا ~~من جنس الكلام، ولمثل هذا أيضا سماه الله: روحا، لان العباد يحيون به في ~~أديانهم، كما يحيون بالأرواح في أبدانهم. # 3 - وقول آخر. قال بعضهم: الكلمة من الله سبحانه ههنا هي: الوعد، وكأنه ms056 ~~تعالى قال: يبشرك بوعد الله الذي سبق، ومثل ذلك في القرآن كثير: قال ~~سبحانه: (لا تبديل لكلمات الله) NoteV00P095N02 اي: لما وعد الله به، وقال ~~تعالى: (ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) NoteV00P095N03 وقال سبحانه: ~~(وحق عليهم القول) NoteV00P095N04، وقال: (وإذا وقع القول عليهم) ~~NoteV00P095N05، والقول والكلمة بمعنى واحد. وهذا قول أبي مسلم بن بحر، وهو ~~يلاحظ القول الذي ذكرناه أولا، وبقي عليه فيه فضل بيان كان ينبغي ان يشير ~~إليه، وهو أنه إذا قرر أن تكون الكلمة ههنا بمعنى الوعد، # PageV00P095 # فالعبارة بها عن المسيح (ع) مجاز، لأنه لا يجوز ان نقول: إن المسيح وعد ~~الله، إلا ونحن نريد أنه موعود الله، كما قال الشاعر: # وإني لأرجوكم على بطء سعيكم * كما في بطون الحاملات رجاء أي: مرجو. ولهذا ~~قال الفقهاء: إن الحالف بكل ما كان من صفات الله تعالى التي استحقها لنفسه ~~يكون حالفا بالله سبحانه، نحو قوله: وقدرة الله، وجلالة الله، وعظمة الله، ~~وكذلك سائر الصفات النفسية، لان قوله: وقدرة الله، بمنزلة قوله: والله ~~القادر، وقوله: وعظمة الله، بمنزلة: والله العظيم، إذ ليس هناك قدرة بها ~~كان قادرا ولا عظمة كان بها عظيما، فكان ذلك حلفا بالله تعالى، لأنه لا ~~معنى يقع الحلف به ههنا غير الله سبحانه. وهذا المعنى مستمر في نظائر هذه ~~الصفات إلا في شئ واحد وهو: قول القائل: وعلم الله لأفعلن كذا، فلم يجعلوا ~~ذلك يمينا، لان هذا في الاستعمال يراد به معلوم الله، كما تقول: اللهم اغفر ~~لنا علمك فينا وشهادتك علينا، ومعناه: معلومك فينا، وقد يطلق المصدر ويراد ~~به المفعول، وهو كثير في اللغة والعادة: قال الله سبحانه: (واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين) NoteV00P096N01، يريد تعالى: الموقن به، وعلى هذا أيضا تقول: # اللهم أنت أملنا ورجاؤنا، أي: مرجونا ومأمولنا. # وإذا كان قول الحالف: وعلم الله، بمعنى: ومعلوم الله، وكان اسم المعلوم ~~يدخل تحته غير الله تعالى، لم يصح الحلف به، وكان # PageV00P096 # الحالف بذلك كالحالف بغير الله سبحانه، ولا يلزم على هذا قول من ms057 يقول: # إنه يجوز أن يكون قولهم: وقدرة الله، بمعنى: ومقدور الله، فيكون كالعلم ~~والمعلوم، فلأي معنى وقع التفريق بينهما؟. لان مقدور الله سبحانه لا يكون ~~إلا معدوما، إذ كان الموجود لا يكون مقدورا، وليس في العادة الحلف ~~بالمعدوم، فأما المعلوم فهو يقع على الموجود والمعدوم، فجاز الحلف به لما ~~ذكرناه. # وبان بذلك أن قول من قال: إن الكلمة بمعنى الوعد، لا بد من أن يحملها على ~~معنى الموعود، للوجه الذي قدمناه. # 4 - ووجه آخر. قيل: إنما وصف بأنه كلمة، من حيث كانت البشارة - التي هي ~~كلمة - ابتداء معرفته، والمطرقة NoteV00P097N01 بين يدي مورده. وقد اعترض ~~ذلك بأن قيل: لو جاز هذا لجاز أن يوصف الانسان بأنه نطفة بعد تسوية خلقه ~~وتكامل أجزاء جسمه، لان ابتداء خلقه من نطفة، وهذا ممتنع! # 5 - وحكي عن أبي الهذيل العلاف: أنه قال: إن المراد بذلك قوله تعالى: ~~(كن)، فكان، وإنما خص عيسى (ع) بهذه التسمية - وإن كان كل مولود يكون عند ~~قوله سبحانه له: (كن) - لان كل مولود غيره إنما يكون على طريق العلوق من ~~الرجال، وبتوسط الحمل والولادة وليس كذلك حال عيسى (ع)، فجاز اختصاصه بهذا # PageV00P097 # الاسم لاختصاصه بهذا المعنى. # 6 - وحكي عن النظام: (أنه وصف (ع) بذلك على طريق اللقب، إذ لا معنى يشار ~~إليه يمكن أن يقال لأجله وصف بذلك، كما يمكن أن يذكر في وصفه بأنه المسيح - ~~على اختلاف الناس في معنى هذه اللفظة - وأنه روح الله وما يجري هذا المجرى، ~~فان ما تحت ذلك - أجمع - من المعاني معقول، فجرى وصفه بأنه كلمة مجرى وصف ~~أبي إبراهيم بأنه آزر). ولا أعلم لأي حال فرق النظام بين تسميته بروح الله ~~وبالمسيح، وبين تسميته بكلمة الله؟، فان ساغ أن يجعل كلمة الله لقبا ساغ أن ~~يجعل روح الله لقبا، وإن جاز أن نتأول المسيح والروح على المعاني المذكورة ~~فيهما، جاز أن نتأول الكلمة أيضا على المعاني المذكورة فيها، فلا معنى ~~للتفريق بينهما. # وأقوى هذه الوجوه التي ذكرناها أن تكون الكلمة ههنا بمعنى: ms058 # عدة الله التي تقدم وعده بها، أو يكون إنما سماه تعالى كلمة، لأنه يهدي ~~به كما يهدي بكلمته، فكان ذلك على وجه التشبيه. # ومما يقوي قول من قال: إن الكلمة بمعنى الوعد ههنا، قوله سبحانه في ~~براءة: (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا... - 40) قال ~~جماعة من المفسرين: إن كلمة الذين كفروا ههنا ما سبق من وعدهم باطفاء نور ~~رسول الله صلى الله عليه وآله، ونحت أثلته NoteV00P098N01 وتعفية شريعته، ~~وكلمة الله ههنا: ما سبق من وعده تعالى # PageV00P098 # باعلاء بنيانه، ورفع أعلامه، وإبعاد صوته (وصيته) NoteV00P099N0١، وتشريف ~~بيته، وكفايته أمر أعدائه، لقوله سبحانه: (فسيكفيكهم الله وهو السميع ~~العليم) NoteV00P099N0٢، ولقوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) ~~NoteV00P099N0٣، إلى غير ذلك مما يشبهه. # وقد تجئ الكلمة بمعنى: الشريعة والأوامر المفترضة، وذلك كقوله تعالى: ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من ~~القانتين﴾ (4) أي: بشرائعه وأوامره، ومثل ذلك قوله سبحانه في السورة ~~التي يذكر فيها الفتح: (يريدون أن يبدلوا كلام الله - 15) - و (كلم الله)، ~~على اختلاف القراءتين - أي: أوامر الله وفرائضه، والكلم: جمع كلمة، وهي ~~قراءة حمزة والكسائي، وباقي القراء السبعة يقرءون: (كلام الله)، فعلى هذا ~~المعنى أيضا يجوز أن يكون قوله تعالى: (بكلمة منه) فيه تقدير مضاف مسقط، ~~فكأنه تعالى قال: (يبشرك) NoteV00P099N05 بصاحب شريعة أو مبين فريضة، أو ما ~~يجري هذا المجرى. # PageV00P099 # فصل (تذكير ضمير كلمة في الآية) حمل الكلام على المعنى في التأنيث ~~والتذكير - عجائب القرآن في بلاغته - تفريق القرآن بين الإناث والذكور ~~بالتنكير والتعريف فأما قوله تعالى: (بكلمة منه اسمه المسيح)، ولم يقل: ~~اسمها، فإنه حمل الكلام على المعنى لا على اللفظ، فذكر، لان معنى الكلمة ~~ههنا مذكر، وهو: عيسى (ع) أو الشئ أو الولد أو الشخص، وكل ذلك مذكر: وعلى ~~هذا قوله تعالى: (أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله... بلى قد ~~جاءتك آياتي فكذبت بها... # الآية) NoteV00P100N01 على خطاب المذكر في إحدى القراءتين، لأنه تعالى ~~عنى بذلك: الانسان ms059 ذا النفس، وعلى هذا قول الشاعر (2): # من حديث نمي إلي فما ير... فأدمعي ولا ألذ شرابي مرة كالذعاف أكتمها ~~الناس * على حر ملة كالشهاب # PageV00P100 # فجعل مرة نعتا لحديث، لأنه حمل الحديث على معنى الكلمة، فأنث لهذه العلة، ~~وهذا كقول الشاعر: # إني أتتني لسان لا أسر بها * من علو لا عجب منها ولا سخر NoteV00P101N01 ~~فأنث لأنه جعل اللسان ههنا بمعنى الرسالة أو القولة أو الصحيفة المتضمنة ~~لذلك، والدليل على أن المراد باللسان ههنا ما ذكرناه قول الآخر ~~NoteV00P101N02: # ندمت على لسان كان مني * وددت بأنه في جوف عكم ولو لم يرد الكلام لم يصح ~~المعنى، لان الندم لا يكون على الأعيان والاشخاص، وإنما يكون على الأقوال ~~والأفعال. # ومن غرائب القرآن وبدائعه وعجائبه وغوامضه، قوله سبحانه في هذه السورة: ~~(بكلمة منه اسمه المسيح)، فذكر على المعنى الذي # PageV00P101 # ذكرناه، لأنه سبحانه لو قال: اسمها المسيح، لألبس اللفظ، إذ لم يتقدم من ~~ذكر المسيح (ع) ما يؤمن معه الالباس، فلما جاء في السورة التي يذكر فيها ~~النساء ما أمن معه الالباس، أعطى سبحانه الكلمة حقها ووفاها قسطها، فأنث ~~ضميرها، لان ذكر المسيح (ع) قد تقدم، فأمن اللبس وارتفع الشك قال سبحانه: ~~(إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه...) ~~NoteV00P102N01 فقال: ألقاها، ولم يقل: ألقاه، لما تقدمت أسماء المسيح ~~وتعريفاته التي تؤمن من الالباس: وهي المسيح، وعيسى بن مريم، وإذا نظرت ~~بعين عقلك بان لك ما بين الموضعين من التمييز البين والفرق النير، وعجبت من ~~عمائق قعر هذا الكتاب الشريف الذي لا يدرك غورها، ولا ينضب بحرها، فإنه كما ~~وصفه سبحانه (بقوله) NoteV00P102N02: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه...) NoteV00P102N03، ومن أحسن ما قيل في تفسير ذلك (انه لا يشبه كلاما ~~تقدمه ولا يشبهه كلام تأخر عنه، ولا يتصل بما قبله ولا يتصل به ما بعده، ~~فهو الكلام القائم بنفسه البائن من جنسه، العالي على كل كلام قرن إليه وقيس ~~به)، وإنه (ليرى فيه) (4) عند ms060 الانفراد بتلاوته: من غرائب الفصاحة وثواقب ~~البلاغة ونوادر الكلم وينابيع الحكم، ما يعجز الخواطر عن الكلام عليه # PageV00P102 # و (الانصياح) (1) عن عجائب ما فيه، فمن ذلك ما تنبه عليه خاطري منذ ليال، ~~وقد بلغت من وظيفة التلاوة إلى السورة التي يذكر فيها الشورى، وهي (حم ~~عسق)، وذلك قوله تعالى في آخر هذه السورة: # (لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ~~الذكور - 49)، فانظر إلى لطيف فرقه تعالى بين الإناث والذكور، بأن جعل ~~الإناث نكرة والذكور معرفة، فقال: # (إناثا) ثم قال: (الذكور)!، لأنهم أعرف سمات وأعلى طبقات، وهذا من لطائف ~~الحكمة وشرائف البلاغة. وفيه من أمثال ما ذكرناه ما لا تحصى أعداده ولا ~~تبلغ آماده، ولعلي أن أورد في أثناء هذا الكتاب بتوفيق الله من هذا المعنى ~~ما يكون غررا شارخة (2) ولمعا ثاقبة، منبها على غوامضه ومشيرا إلى مواضعه، ~~مما لا أعلم سابقا سبقني إلى استنباطه، ولا راميا رمى قبلي في أغراضه، إن ~~شاء الله تعالى. وفي ما ذكرناه من هذه المسألة كاف بعون الله وتوفيقه. # PageV00P103 # 11 - مسألة (نسبة الامتراء إلى النبي!) الجواب عن الشبهة - معنى سؤال ~~النبي من تقدمه من الرسل - حديث (ليس منا من غشنا) - معاني (من) الجارة. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (الحق من ربك فلا تكن من الممترين - 60)، ~~فقال: ظاهر هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله، فكيف يجوز عليه الامتراء ~~والشك، وقد باشر برد اليقين، وتلقى عن الروح الأمين؟، والشاك لا يكون نبيا، ~~ولا عن الله مؤديا!. # فالجواب: أن في ذلك أقوالا: # 1 - أحدها، أن الله تعالى خاطب النبي بمثل هذا الخطاب ونظائره، والمراد ~~به أمته، وذلك في القرآن كثير: كقوله تعالى: # (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك..) ~~NoteV00P104N01، والمراد بذلك من يشك من أمة النبي صلى الله عليه وآله، ~~وأوضح ما ورد في القرآن من هذا الضرب: مما يدل # PageV00P104 # على أن المخاطب به الأمة دون النبي صلى الله عليه وآله، قوله تعالى: ms061 (يا ~~أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن... الآية) NoteV00P105N02، ~~فوحد ثم جمع، ليعلم أن الخطاب للأمة، وإنما يبتدئ تعالى بخطاب النبي قبلها، ~~إذ كان المؤدي عنه إليها، والسفير بينه وبينها، والشهيد له عليها، واللسان ~~الناطق عنها، ولان مثل هذا القول لا يلتبس على العقلاء، لأنهم إذا رجعوا ~~إلى أدلة العقول علموا أن الأنبياء لا يجوز عليهم الامتراء في الدين، والشك ~~بعد اليقين، فيصرفون الخطاب إلى منصرفه، ويحملونه على الوجه الأليق به، ~~وهو: أن يكون خطابا للأمة التي يجوز عليها المرية، ويدخل عليها الوهن ~~والنقيصة، ألا ترى أنهم لما سمعوا قوله في السورة التي يذكر فيها الزخرف ~~مخاطبا للنبي صلى الله عليه وآله: # (وأسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدن - ~~45)، وعلموا أن النبي صلى الله عليه وآله لا يمكنه مسألة من تقدم من الرسل، ~~وقد عمهم الله برضوانه ونقلهم إلى جنانه - (2) تأولوا ذلك على ما يسوغ أن ~~يكون مرادا، فقالوا: معنى ذلك: فاستعلم ما في كتب الأنبياء قبلك، وتعرف ما ~~خلد في أساطيرهم وحفظ من أحكامهم وشرائعهم، فإنك تجد فيها ما يدلك على أنه ~~لا إله مع الله تعالى!، فجعلوا استقراء ما في كتب الأنبياء كمسألة ~~الأنبياء، لأنه عليه السلام لو أمكن أن يسألهم عن ذلك لما أجابوا إلا بما ~~بقوا في كتبهم، وخلدوا في قصصهم وأساطيرهم التي حفظها ثقات أممهم، ونقلها ~~ديانو قومهم. # PageV00P105 # وقد قيل: إن معنى ذلك واسأل تباع من أرسلنا، فحذف التباع وأقام المرسلين ~~مقامهم، وهذا أيضا مطابق للغرض الذي أردناه. وقد قال بعضهم في ذلك: إن ~~المراد به واسأل الأنبياء الذين في السماء، ويحتمل أن يكون ذلك قبل اجتماعه ~~(ع) معهم في ليلة المعراج، على ما جاءت به الاخبار، قال: والسؤال واقع ~~بالأرواح، وكأنه تعالى قال: واسأل أرواحهم، وقال غيره: السؤال واقع ~~بالاشخاص. وفي هذا الوجه نظر، والصحيح في ذلك الوجهان الأولان. # 2 - وقد قيل في المسألة وجه آخر، وهو: (أن يكون تعالى أمر نبيه (ع) ~~بالثبات على ما هو ms062 عليه وترك الشك فيه، (ليألوا) NoteV00P106N01 عليه لزوم ~~طريقته، كما يقول الرجل لابنه: إن كنت ابني فتعمد بري، ولعبده: أن كنت عبدي ~~فاسمع لي وأطع أمري، وإنما يريد القائل بذلك تقرير الولد والعبد بوجوب حقه ~~واستدامتهما على بره وطاعته). # وهذا القول غير سديد، والتمثيل بما يقوله الرجل لابنه وعبده غير مستقيم، ~~لان الرجل إنما يقول لابنه وعبده هذا، استزادة لهما، وعند ظهور أمر يكرهه ~~منهما، ونحن لا نطلق على النبي صلى الله عليه وآله مقاربة فعل يكرهه الله ~~سبحانه منه، فيقول تعالى له ما قال تثبيتا على أمره، وردا له عن مواقعة فعل ~~لا يليق بمثله!. # PageV00P106 # 3 - وقال بعضهم: ليس المراد بقوله تعالى: (فلا تكن من الممترين) للنبي ~~صلى الله عليه وآله، ولكنه خاطب السامع للبرهان: من المكلفين كائنا من كان، ~~فكل من سمعه منهم كان خطابا له ومصروفا إليه. # 4 - وفي ذلك وجه آخر، وهو: أنه يجوز أن يكون تعالى أمر النبي صلى الله ~~عليه وآله بألا يكون من الممترين، ليس بأنه داخل معهم في المرية والشك، ~~ولكنه سبحانه أمره بألا يكون منهم بالمقاربة لهم والصبر عليهم والمقارة على ~~قبيح فعلهم، كما قلنا في ما تقدم من كتابنا هذا. # وقد اعترض تأويل قوله تعالى - حاكيا عن يونس (ع) -: # (سبحانك إني كنت من الظالمين) NoteV00P107N01 أي: كنت منهم بالمساكنة ~~والمقاربة والممازجة والمناسبة، لا بالدخول معهم في ظلمهم، والرضا بذميم ~~طريقهم (1)، وذلك كقول النبي صلى الله عليه وآله: (ليس منا من غشنا) ~~NoteV00P107N02، قال بعض العلماء في ذلك: (أرأيت لو كان معه مائة كر برا ~~(ثم) NoteV00P107N03 خلط بها مكوكا من شعير أكان يبرأ من الاسلام؟!، ولكن ~~معناه ليس من أخلاقنا أوليس من أفعالنا أوليس ممن نتولاه ونحبه ونحمد ~~طريقته ومذهبه، أي: هو مناف لخلائقنا وسائر طرائقنا)، وروي عن أمير ~~المؤمنين علي (ع): أنه قال: (ليس منا ههنا معناه: ليس # PageV00P107 # مثلنا)، وهذا أحسن ما قيل في هذا المعنى، ومثل ذلك قوله تعالى لنوح (ع) ~~في ابنه: (ليس من أهلك) NoteV00P108N01، أي: ms063 ليس من أهلك المقتدين بك ~~والسالكين لمذاهبك، ثم قال تعالى - حاكيا عن إبراهيم (ع) -: (فمن تبعني ~~فإنه مني) NoteV00P108N02، وأكثر من اتبعه من لم يكن من أهله، وإنما أراد ~~أنهم منه بلزوم طرائقه والتخلق بخلائقه، فإذا كانت (من) تتصرف على وجوه ~~كثيرة قد أشرنا إلى بعضها، جاز أن نتأول قوله تعالى: (فلا تكن من الممترين) ~~على الوجه الذي ذكرناه آنفا. على أن أصح الأقاويل في ذلك، القول الذي ~~أوردناه أولا: من أن لفظ الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله ومعناه لامته، ~~لان نظائر ذلك كثيرة، وهذا مقنع بتوفيق الله تعالى. # PageV00P108 # 12 - مسألة (دعاء الأنفس في آية المباهلة) دعاء الأنفس مصروف إلى علي (ع) ~~- الآمر لا يجوز دخوله تحت امره - سؤال المأمون عن دعاء الأنفس واحتجاجه ~~وجواب الرضا (ع) - اطلاق النفس على ابن العم والقريب والأخ في الدين - ~~تسمية ابن البنت ابنا - صحة دخول الصبي في المباهلة. # ومن سأل عن قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم... الآية - ~~61)، فقال: # أما دعاء الأبناء والنساء فالمعنى فيه ظاهر، فما دعاء الأنفس؟ والانسان ~~لا يصح أن يدعو نفسه كما لا يصح أن يأمر وينهى نفسه! # فالجواب عن ذلك: أن العلماء أجمعوا والرواة أطبقوا على أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله لما قدم عليه وفد نصارى نجران، وفيهم الأسقف (وهو أبو حارثة ~~بن علقمة) والسيد والعاقب NoteV00P109N01 وغيرهم من رؤسائهم، فدار # PageV00P109 # بينهم وبين رسول الله في معنى المسيح (ع) ما هو مشروح في كتب التفاسير ~~(ولا حاجة بنا إلى استقصاء شرحه لأنه خارج عن غرضنا في هذا الكتاب)، فلما ~~دعاهم صلى الله عليه وآله إلى الملاعنة، أقعد بين يديه أمير المؤمنين عليا، ~~ومن ورائه فاطمة، وعن يمينه الحسن، وعن يساره الحسين، عليهم السلام أجمعين، ~~ودعاهم (هو) NoteV00P110N01 صلى الله عليه وآله إلى أن يلاعنوه، فامتنعوا ~~من ذلك خوفا على أنفسهم، وإشفاقا من عواقب صدقه وكذبهم، وكان دعاء الأبناء ~~مصروفا إلى الحسن ms064 والحسين عليهما السلام، ودعاء النساء مصروفا إلى فاطمة ~~عليها السلام، ودعاء الأنفس مصروفا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، إذ لا ~~أحد في الجماعة يجوز أن يكون ذلك متوجها إليه غيره لان دعاء الانسان نفسه ~~لا يصح، كما لا يصح أن يأمر نفسه NoteV00P110N02. # PageV00P110 # ولأجل ذلك قال الفقهاء: إن الآمر لا يجوز أن يدخل تحت الامر، لان من حقه ~~أن يكون فوق المأمور في الرتبة، ويستحيل أن يكون فوق نفسه، ومما يوضح ذلك ~~ما رواه الواقدي في كتاب (المغازي): (من أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~لما أقبل من بدر ومعه أسارى المشركين، كان سهيل بن عمرو مقرونا إلى ناقة ~~النبي فلما صار من المدينة على أميال (انتشط) NoteV00P111N01 نفسه من القرن ~~وهرب، فقال النبي صلى الله عليه وآله: # من وجد سهيل بن عمرو فليقتله!، وافترق القوم في طلبه، فوجده النبي صلى ~~الله عليه وآله من بينهم، منقبعا إلى جذم شجرة (2)، فلم يقتله وأعاده إلى ~~الوثاق)، لأنه لم يصح دخوله تحت أمر نفسه، ولو وجده غيره من أصحابه لوجب ~~عليه أن يقتله، لما صح ان يدخل تحت امر النبي صلى الله عليه وآله. # ويفرق الفقهاء بين ذلك وبين الخبر العام، لأنهم يجوزون دخول المخبر تحته، ~~وعلى هذا قالوا: إن الامام إذا قال: من قتل قتيلا فله سلبه، فإنه يدخل تحت ~~ذلك، إلا أن يخرج نفسه منه بقوله: من قتل منكم قتيلا فله سلبه، فيخرج نفسه ~~حينئذ من ذلك. # PageV00P111 # ومن شجون (1) هذه المسألة ما حكي عن القاسم بن سهل النوشجاني و قال: كنت ~~بين يدي المأمون في إيوان أبي مسلم بمرو، وعلي بن موسى الرضا (ع) قاعد عن ~~يمينه، فقال لي المأمون: يا قاسم! أي فضائل صاحبك أفضل؟ فقلت: ليس شئ منها ~~أفضل من آية المباهلة، فان الله سبحانه جعل نفس رسوله صلى الله عليه وآله ~~ونفس علي واحدة، فقال لي: إن قال لك خصمك: إن الناس قد عرفوا الأبناء في ~~هذه الآية والنساء، وهم: الحسن والحسين وفاطمة، وأما الأنفس فهي ms065 نفس رسول ~~الله وحده، بأي شئ تجيبه!، قال النوشجاني: فأظلم علي ما بينه وبيني وأمسكت ~~لا اهتدي بحجة، فقال المأمون للرضا عليه السلام: ما تقول فيها يا أبا ~~الحسن؟، فقال له: في هذا شئ لا مذهب عنه، قال: # وما هو؟، قال: هو انه رسول الله صلى الله عليه وآله داع ولذلك قال الله ~~سبحانه: # (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم.. إلى آخر الآية) والداعي لا يدعو نفسه ~~إنما يدعو غيره، فلما دعا الأبناء والنساء ولم يصح ان يدعو نفسه لم يصح ان ~~يتوجه دعاء الأنفس إلا إلى علي بن أبي طالب (ع)، إذ لم يكن بحضرته - بعد من ~~ذكرناه - غيره ممن يجوز توجه دعاء الأنفس إليه، ولو لم يكن ذلك كذلك لبطل ~~معنى الآية. قال النوشجاني: # فانجلى عن بصري، وامسك المأمون قليلا، ثم قال له: يا أبا الحسن إذا أصيب ~~الصواب انقطع الجواب!. # PageV00P112 # وقال بعض العلماء: إن للعرب في لسانها أن تخبر عن ابن العم اللاصق ~~والقريب المقارب: بأنه نفس ابن عمه، وأن الحميم نفس حميمه، ومن الشاهد على ~~ذلك قول الله تعالى: (ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب..) ~~NoteV00P113N01، أراد تعالى: ولا تعيبوا إخوانكم المؤمنين، فأجرى الاخوة ~~بالديانة مجرى الاخوة في القرابة، وإذا وقعت النفس عندهم على البعيد النسب ~~كانت أخلق ان تقع على القريب السبب، وقال الشاعر NoteV00P113N02: # كأنا يوم قرى * إنما نقتل إيانا أراد: كأنما نقتل أنفسنا بقتلنا إخواننا، ~~فأجرى نفوس أقاربه مجرى نفسه، لشوابك العصم NoteV00P113N03 ونوائط اللحم ~~(4) وأطيط (5) # PageV00P113 # الرحم، ولما يخلج من القربى القريبة، ويتحرك من الأعراق الوشيجة ~~NoteV00P114N01. فأما قول الله تعالى في النور NoteV00P114N02: (فإذا دخلتم ~~بيوتا فسلموا على أنفسكم... الآية - 61)، فيمكن أن يجري هذا المجرى، لأنه ~~جاء في التفسير: أن معنى ذلك فليسلم بعضكم على بعض لاستحالة أن يسلم ~~الانسان على نفسه، وإنما ساغ هذا القول، لان نفوس المؤمنين تجري مجرى النفس ~~الواحدة، للاجتماع في عقد الديانة، والخطاب بلسان الشريعة، فإذا سلم الواحد ~~منهم على أخيه كان كالمسلم على نفسه، لارتفاع الفروق واختلاط ms066 النفوس. # وفي هذه الآية أيضا دليل على أن ابن البنت يسوغ تسميته ابنا في لسان ~~العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى: (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم...)، وقد ~~أجمع العلماء على أن المراد بذلك الحسن والحسين عليهما السلام، وقد روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال للحسن: إن # PageV00P114 # ابني هذا سيد. وقد قال بعضهم: أن هذا مخصوص في الحسن والحسين أن يسميا ~~ابني رسول الله دون غيرهما، قال: ومن الدليل على خصوص ذلك فيهما قول النبي ~~صلى الله عليه وآله: (كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي)، وليس ~~يتوجه قوله: (ونسبي)، إلا إلى من ولدته فاطمة ابنته (ع)، إذ ليس هناك ولد ~~ذكر من صلبه اتصل نسبه وضرب عرقه، فالنسب إليه من ولد ابنته. # وروى الحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب أبي حنيفة، عنه: (إن من أوصى لولد فلان، ~~وله ولد ابن وولد بنت، دخل ولد البنت في الوصية)، فعلى هذا القول يسوغ أن ~~يسمى ابن البنت ولدا NoteV00P115N01. # وقال لي شيخنا أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي: رواية الحسن بن زياد في ~~ذلك تخالف قول محمد بن الحسن، فان محمدا يقول في هذه المسألة: (إن الوصية ~~لولد الابن دون ولد البنت). # فان قال قائل: كيف صح دخول الحسن والحسين في المباهلة (وهي: # الملاعنة)، وهما صغيران، والأطفال لا يستحقون اللعن، ولو كانوا أطفال ~~المشركين، لأنهم لا ذنوب لهم استحقوا بها ذلك NoteV00P115N02؟ فالذي # PageV00P115 # أجاب به قاضي القضاة أبو الحسن في هذا: أن العقوبات النازلة في تكذيب ~~الأنبياء (ع) على وجه الاستئصال تكون عامة تدخل فيها الصغار، وإن كان ما ~~ينالهم على وجه المحنة لا على وجه العقوبة، ويجري ذلك مجرى ما ينزل بهم من ~~الأمراض والأسقام والجرائح العظام وطوارق الحمام، وقد أومأ أبو علي إلى هذا ~~الجواب في تفسيره. # وقال أيضا: (مما يدل على أنه تعالى لم يعن الصغار باللعن قوله: # (فنجعل لعنة الله على الكاذبين)، والأطفال لا يدخلون تحت هذا الاسم، لان ~~الكاذبين هم الذين كذبوا ms067 على الله ورسوله، والأطفال ليسوا بهذه الصفة، فقد ~~خرجوا من استحقاق اللعنة). # ومعنى قوله تعالى: (فنجعل لعنة الله على الكاذبين)، أي: نسأل وتسألون ~~الله سبحانه في دعائنا ودعائكم أن يلزم اللعنة الكاذب منا ومنكم، ~~PageV00P116 # لان لعنة الله سبحانه لا يقدر أحد أن يحلها بأحد، ولا يجعلها على أحد، ~~حتى يكون - تعالى جده - هو الذي يحلها بمستحقها ويلحقها بمستوجبها. وقد ~~يجوز أن يكون المراد فنجعل اسم الله على الكاذبين، وإن كان الله سبحانه هو ~~الذي يفعل معناها بهم، وهو: النقمة والعذاب والابعاد والاطراد، وما ذكرناه ~~في هذه المسألة كاف بحمد الله ومنه وفضله. # 13 - مسألة (شرك أهل الكتاب في العبادة) الجواب عن الشبهة - اعتقاد ~~النصارى بالمسيح انه آله مع الله - اختصاصه الآية بالنصارى وامكان تعميمها ~~لليهود - وقوع كلمة (بعض) على المؤنث - اكتساب المضاف من المضاف إليه ~~تأنيثا وتذكيرا - استعمال الرب بمعنى السيد والمالك - نصرة صفوان وهو مشرك ~~للنبي يوم حنين. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم... إلى قوله تعالى ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله... - ~~64)، فقال: إن أهل الكتاب PageV00P117 # ما كانت عبادتهم لغير الله سبحانه، ولا جاء عنهم ولا عرف منهم أنهم عبدوا ~~غيره، بل كانوا يطعنون في رأي من عبد غير الله تعالى. # من مشركة الأمم ومؤلهي الصنم!. # فالجواب عن ذلك: 1 - أن أهل الكتاب عظموا رؤساءهم ورجبوا NoteV00P118N01 ~~علماءهم، وقلدوهم في التحليل والتحريم والتأخير والتقديم، وتقحموا ما ~~قحموهم من الاعتقادات الفاسدة والمذاهب الرديئة، فكأنهم جعلوهم - لما ذكرنا ~~- بمنزلة الرب المعبود الذي يعظم قدره ويطاع أمره فأمر تعالى نبيه صلى الله ~~عليه وآله أن يدعوهم إلى ألا يعظموا غير الله ولا يعبدوا سواه، ولا يستحلوا ~~غير ما أحل، ولا يحرموا غير ما حرم. فهذا وجه. # 2 - وقال بعضهم: معنى ذلك: أن النصارى كانوا يعتقدون ان رهبانهم وديانيهم ~~وصلحاءهم ومتبتليهم يقدرون على إحياء الموتى وإبراء المرضى فكأنهم بهذا ~~الاعتقاد فيهم جعلوهم بمنزلة الأرباب الخالقين، وهم المربوبون المخلوقون، ~~وليس حال هؤلاء ms068 فيما وصفنا كحال عيسى (ع)، لان عيسى كان نبيا مرسلا أعطاه ~~سبحانه علم التصديق NoteV00P118N02، وهو المعجز الذي بان به ممن ليس بنبي، ~~وكان إحياؤه الموتى وإبراؤه المرضى تصديقا لنبوته، وليس هذه صفة الأحبار ~~والرهبان من بعده. # وكيف ينكر السائل أن يكون من أهل الكتاب من عبد غير الله، وقد علم وعلمنا ~~ان النصارى اعتقدوا أن المسيح (ع) إله مع الله، حتى # PageV00P118 # قال سبحانه: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله... الآية) ~~NoteV00P119N01، ومن اعتقدت إلهيته استحسنت عبادته ومن الدليل على أن ~~المراد بأهل الكتاب ههنا النصارى قوله تعالى في السورة التي يذكر فيها ~~براءة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم... ~~الآية - 31)، وقد يمكن أن يكون المراد بأهل الكتاب في الآية المتقدمة ~~اليهود والنصارى معا، لان المعنى الذي ذكرناه في النصارى: من تعظيم الرؤساء ~~وتقليد العلماء، موجود فيهم، وإن لم ينتهوا بهم إلى الغاية التي ينتهى ~~النصارى بعلمائهم إليها: من اعتقادهم فيهم أن لهم الحرائج NoteV00P119N02 ~~الباهرة، والآيات الظاهرة. # ومما يدل على تعظيم اليهود كبراءهم وتقليدهم علماءهم قول تعالى في السورة ~~التي يذكر فيها المائدة: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ~~من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون ~~للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن ~~أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا... - 41) وقوله تعالى: # (سماعون لقوم آخرين لم يأتوك)، قال المفسرون: يريد بذلك تعالى: # أحبارهم وعلماءهم. و (لم يأتوك): من صفة (قوم آخرين)، وعليه الوقف ~~الصحيح، ألا ترى إلى قوله تعالى: (يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه # PageV00P119 # وإن لم تؤتوه فاحذروا)، فأخبر أن علماءهم يأمرونهم بما شاءوا من الاخذ ~~والترك والاعطاء والمنع، وقوله تعالى: (سماعون لقوم آخرين) يدل على كثرة ~~سماعهم منهم وقولهم عنهم، لان فعالون يدل على كثرة الفعل منهم، ولم يقل: ~~سامعون، فينبئ عن القلة، وإذا كانوا من تعظيم رؤسائهم والسماع لأقوالهم، ~~إلى الحد الذي أو مأنا إليه، جاز ms069 أن يلحقوا بالنصارى في النهي بألا يتخذوا ~~بعضهم أربابا، على الوجه الذي ذكرناه. # وقال قاضي القضاة أبو الحسن NoteV00P120N01: قد يجوز أن يكون إنما خوطب ~~اليهود بذلك لان فيهم مشبهة والمشبه في حكم المشرك. # قلت أنا: وهذا يستقيم في قوله تعالى: (ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به ~~شيئا) NoteV00P120N02، فيكون خطابا لليهود مع النصارى، على ما ذهب إليه ~~قاضي القضاة في جواز إطلاق اسم المشرك على المشبهة من اليهود. فاما قوله ~~تعالى: (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)، فليس يدخل اليهود تحت ~~الخطاب به، إلا على المعنى المتقدم الذي ذكرناه: من جريهم مجرى النصارى في ~~تعظيم الرؤساء وترجيب العلماء، لان معنى ذلك الانقياد لغير الله على وجه ~~التزام الطاعة له، حتى تحل ما أحل وتحرم ما حرم، وتقلده في الاقدام والكف ~~والاعطاء والمنع # PageV00P120 # 3 - ووجه آخر. روي عن عكرمة صاحب ابن عباس (رضي الله عنه) في قوله تعالى: ~~(ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)، قال: نهاهم عن سجود بعضهم لبعض، ~~والنصارى يستعملون هذا المعنى من السجود والتكفير والتضاؤل والخضوع ~~لكبرائهم وديانيهم وأولي التقدم في دينهم. # 4 - ووجه آخر. قال بعضهم: إنما نهاهم بذلك عن عبادة المسيح (ع) خصوصا، ~~وجاز أن يطلق عليه اسم البعض، لأنه بعض الأمة وواحد من الخليقة، والبعض يقع ~~على الواحد، كما يقع على الجماعة إذا كانوا بعضا لغيرهم، وقد يقع أيضا على ~~المؤنث كما يقع على المذكر، وقد استشهد على ذلك بقول لبيد: # أو يعتلق بعض النفوس حمامها NoteV00P121N01 وأراد: نفسه، وهي مؤنثة. وليس ~~الامر عندي على ما قيل. # من ذلك، لأنه لما أضاف البعض إلى النفوس، وهي مؤنثة، جعل الراجع إليها ~~ضمير المؤنث، ومثل ذلك قول الآخر: # مر الليالي أسرعت في نقضي NoteV00P121N02 # PageV00P121 # وقول الآخر NoteV00P122N0١: # كما شرقت صدر القناة من الدم وهو كثير في كلامهم. # ٥ - ووجه آخر. قال بعضهم: الأرباب هنا: ملاك الامر، وأصحاب الحل والعقد، ~~وسادة القوم، أي: لا تجعلوا قوما يملكون أمورنا في ديننا، ويلزموننا قبول ms070 ~~قولهم واتباع امرهم فيما يضرنا، إذ لا تجب علينا طاعة لاحد سوى الله وحده، ~~أو أمرنا الله سبحانه بطاعته، فتلك أيضا طاعة الله جل اسمه، ومن الدليل على ~~ذلك قوله تعالى: (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا...) ~~NoteV00P122N0٢، وإنما أراد: سيده ومالك امره الذي يربه، ومن الدليل على ~~ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿يا صاحبي السجن ~~أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ (3)، فدل على أنه ههنا من ~~يقع عليه هذا الاسم أريد به معنى السيادة وملك الامر، إلا أنه لا يجوز أن ~~يطلق هذا الاسم لغير الله إطلاقا مجردا، إلا مع القرائن التي يؤمن معها # PageV00P122 # اللبس، فإذا عدمت تلك القرائن فلا يجوز الاطلاق، لأجل الابهام. # ومما جاء من الاخبار شاهدا على ذلك قول صفوان بن أمية الجمحي في يوم ~~حنين، وهو مع النبي صلى الله عليه وآله، وحضر ذلك اليوم ولم يسلم بعد، ~~وإنما حضر محاميا عن الأصل لا منافحا عن الدين، في جماعة كانت هذه صفتهم من ~~بطون قريش، فقال له بعض من يسر عداوة النبي صلى الله عليه وآله - لما رأى ~~كثرة جموع العدو من هوازن كالشامت بتلك الحال -: (اليوم لا تبقى لفلان ~~باقية)، يعني النبي صلى الله عليه وآله، فقال له صفوان: (اسكت لا أم لك! ~~فلئن ير بني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن)، يعني: مالك بن ~~عوف النصري، لأنه كان يومئذ جار القوم وقائدهم ومالك تدبيرهم، وإنما أراد: ~~لئن يملك أمري ويلي علي رجل من قريش أحب إلي من أن يملك أمري رجل من غيرهم. ~~وقال الشاعر في ذلك (وهو: الحارث بن حلزة): # وهو الرب والشهيد على يو... م (الحيارين) NoteV00P123N01 والبلاء بلاء ~~وما ذكرناه من ذلك كاف بتوفيق الله. # PageV00P123 # 14 - مسألة (أمانة أهل الكتاب وخيانتهم) الجواب عن الشبهة - معنى الأمي - ~~اليهود يستحلون أموال غيرهم - الفرق بين (ليس علي فيه سبيل) وبين (ليس علي ~~له سبيل) - التفريق بين النصارى واليهود بالأمانة والخيانة ms071 - يدخل في الآية ~~العين والدين - دلالة الآية على قبول شهادة أهل الكتاب. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده ~~إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك ~~بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ~~- 75)، فقال: كيف خص تعالى أهل الكتاب بهذه الصفة وقد علمنا أن في غيرهم ~~أيضا الخائن والأمين والثقة والظنين NoteV00P124N01؟! # فالجواب: 1 - أنه سبحانه إنما أخبرنا عن أهل الكتاب بما أخبرنا به، ~~لنحذرهم على أموالنا ولا نغتر بظاهر (إحسانهم) NoteV00P124N02 لنا وتقربهم ~~الينا، ثم أعلمنا مع ذلك أن فيهم من يؤدي الأمانة ولو في الشئ # PageV00P124 # الكثير كما أن منهم من يخونها ولو في الشئ القليل، لئلا يبخسهم تعالى حقا ~~يجب لهم، على كفرهم به وإلحادهم في دينه، وهو الشهادة بما يعلمه الله من ~~بعضهم: من أداء الأمانة والبعد عن الخيانة، ولنعتقد ذلك فيهم أيضا، فلا ~~تمنعنا المشاقة لهم NoteV00P125N01، والانحراف عنهم من أن نشهد أن فيهم ~~الثقة وإن كانت الظنة أغلب عليهم، وأن فيهم الأمين وإن كانت الخيانة أشبه ~~بطرائقهم، وبين تعالى تأويلهم في خيانة أماناتهم، فقال: (ذلك بأنهم قالوا ~~ليس علينا في الأمين سبيل) يعنون: العرب الذين أسلموا، اي: لا حرج علينا في ~~الذهاب بأموالهم وانتهاك حرماتهم لخلافهم علينا ومباينة دينهم لديننا، ~~وإنما سموهم أميين، لاعتقادهم أن لا كتاب لهم كما يسمون من لا يحسن الكتابة ~~(أميا)، وعلى هذا جاء في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يكره ~~ان يظهر الأميون على أهل الكتاب، يريد: # فارس على الروم، لان الروم لهم كتاب وفارس لا كتاب لهم، وقد ذكرنا معنى ~~قولهم: (أمي) في ما تقدم من هذا الكتاب، فلا معنى لإعادته. # 2 - وقال بعضهم: كان بين اليهود وبين أقوام من العرب بيوع وقروض، فلما ~~أسلموا قالوا: ليس علينا ان نقضيكم أموالكم، لأنكم قد انتقلتم عن دينكم ~~واستبدلتم بمعتقدكم، وإنما قالوا هذا القول على سبيل ms072 الحيلة لدفع الحقوق ~~ومطال الديون، (لا أن) NoteV00P125N02 ذلك شئ يرونه في دينهم أو يجدونه في ~~كتبهم. # PageV00P125 # 3 - وقال بعضهم: إنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، فالخلائق غيرنا ~~عبيد لنا ومنخفضون عن علونا، فليس علينا جناح في اكل أموال عبيدنا ومن هم ~~في الرتبة دوننا. قال صاحب هذا القول: واليهود يتدينون باستحلال أموال كل ~~من خالفهم، باستعمال الغش في معاملاتهم، ويدعون أن ذلك فرض عليهم في دينهم، ~~وليس تأولهم لذلك على حد ما يتأوله المسلمون في أهل الحرب. # 4 - وذهب أبو علي إلى: (ان قولهم: (ليس علينا في الأميين سبيل)، إنما ~~يعنون به ليس علينا لهم سلطان ولا قدرة، فلا يجب علينا اتباعهم، ولا النزول ~~تحت حكمهم، يريدون بذلك النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه، فلذلك استحلوا ~~أموالهم). وهذا اختيار أبي علي مما فسرت به هذه الآية. # قلت انا: أما قوله: (إنهم قالوا لا سلطان للأميين علينا فلا يلزمنا أن ~~نتبعهم) وقوله: (فلذلك استحلوا أموالهم) (كلام) NoteV00P126N01 غير سديد، ~~لأنه لا تعلق لعدم سلطان الأميين عليهم باستحلال أموالهم، ولكن الأصوب (في) ~~NoteV00P126N02 ذلك أن يكون إنما قالوا: ليس علينا سلطان للأميين، فلا نخاف ~~من الذهاب بأموالهم والمدافعة لهم عن حقوقهم، لان أيديهم تقصر عنا وسلطانهم ~~لا يجري علينا، فقد أمنا تبعات لي حقهم وأخذ مالهم. # على أن قول أبي علي: إن معنى (ليس علينا في الأميين سبيل)، معناه: ليس ~~علينا لهم سلطان، غير مستقيم أيضا، لان الامر لو كان # PageV00P126 # كما قال لكان وجه الكلام أن يقولوا: (ليس علينا للأميين سبيل)، ونظير ذلك ~~قول القائل: ليس علي سبيل لفلان، إذا نفى أن يكون له حجة أو قدرة، وأما ~~قولهم: في الأميين سبيل، فهو يعرب عن معنى غير المعنى الأول، لان هذا القول ~~في لسان أهل العربية يدل على نفي الاثم والتبعة عن الانسان في الفعل الذي ~~يقدم عليه، ونظيره قول القائل: # ليس علي في هذا المال سبيل إن أنفقته، ولا في هذا الطعام سبيل إن اكلته، ~~اي: لا إثم علي في ms073 ذلك ولا تبعة، الا ترى إلى قوله تعالى: # (ليس على الذين آمنوا وعلموا الصالحات جناح فيما طعموا..) NoteV00P127N01 ~~والى قوله سبحانه: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به...) NoteV00P127N02!، ~~فقد بان أن مراد أهل الكتاب أنه ليس عليهم في اكل أموال الأميين والذهاب ~~بحقوقهم تبعة ولا إثم، وهذا خلاف ما ذهب إليه أبو علي، فوجب ان يحمل الكلام ~~عليه دون غيره. # 5 - وقال بعضهم: قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده ~~إليك)، يعني به: النصارى، وقوله تعالى: # (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما)، يعني: # اليهود، لأنهما جميعا يقع عليهما اسم أهل الكتاب، فيجوز ان يعود بعض ~~الذكر على هؤلاء وبعضه على هؤلاء، فعاد على النصارى من هذا القول أليقه بهم ~~وأشبهه بمذهبهم: (من) NoteV00P127N03 التسليم والتلمس NoteV00P127N04، وإن # PageV00P127 # كان كفارا ضلالا، وعاد على اليهود منه ما هو أشبه بطرائقهم وألصق ~~بخلائقهم، في اعتقاد الغش والخيانة وإضمار الحيلة والغيلة، وأيضا فان ~~النصارى ليس من مذهبهم ان يعتقدوا أن لا حرج عليهم في أخذ أموال غيرهم ~~والذهاب بحقوق مخالطيهم ومعامليهم، فعلمنا أن هذا القول راجع على اليهود، ~~لأنه من اعتقادهم ومن قواعد دينهم. # * * * ويدخل تحت قوله تعالى: (من إن تأمنه بقنطار) و (من إن تأمنه ~~بدينار) العين والدين، لان الانسان قد يأتمن غيره على مبايعة ومقارضة وغير ~~ذلك، كما يأتمنه على وديعة وعارية وغير ذلك، وليس في الآية بيان أحد ~~الامرين من الآخر، وإن كان المروي عن ابن عباس أنه تأول ذلك على المعاوضة ~~بالأثمان التي يلزمهم دفعها إلى أربابها، والكلام يحتمل الامرين معا. # ومن الناس من يحتج بهذه الآية في قبول شهادة بعض أهل الكتاب على بعض، لان ~~بعضهم قد وصف بالأمانة، والشهادة ضرب من الأمانة، بل الأمانة أصل في ~~الشهادة وشرط فيها، كما أن بعض المسلمين لما كان مأمونا جازت شهادته، فكذلك ~~الكتابي إذا كان موصوفا بالأمانة دل ذلك على جواز قبول شهادته على الكفار. ~~فان قال قائل: # فهذا أيضا يوجب ms074 جواز قبول شهادتهم على المسلمين، لان بعضهم قد وصف بأداء ~~الأمانة إلى المسلم إذا ائتمنه عليها. قيل له: كذلك يقتضي الظاهر، إلا أنه ~~مخصوص بالاتفاق، وقد اتفقوا على أنه لا يجوز قبول شهادة PageV00P128 # الكافر على المسلم، وأيضا، فان الآية إنما دلت على قبول شهادة أهل الكتاب ~~للمسلمين، لان أداء أمانتهم حق لهم، لا حق عليهم، فليس في الآية إذن دليل ~~على قبول شهادتهم على المسلمين. # فصل (ما دمت عليه قائما) فأما قوله تعالى: (إلا ما دمت عليه قائما) ~~فمعناه: إلا ما دمت له متقاضيا، في قول بعضهم. وقال بعضهم: أي: ما دمت ~~مستوثقا من حقك، حتى لا يجد من هو في ضمنه NoteV00P129N01 طريقا إلى منعك ~~منه وغضبك عليه. وقال بعضهم - وهو السدي -: الا ما دمت قائما على رأسه ~~بالملازمة له. # وفحوى الكلام يحتمل التقاضي والملازمة، على أن أحدهما داخل في الآخر، لان ~~الملازمة في الأكثر لا تكون الا مع تقاض، وقد يكون تقاض بغير ملازمة، فحمل ~~الكلام على الملازمة أولى لانتظامها الامرين جميعا، وفي هذه الآية دليل على ~~جواز ملازمة الطالب للمطلوب بالدين، فأما قول السدي ان معنى ذلك إلا ما دمت ~~قائما على رأسه بالملازمة، فهو قول مفلس من بضاعة العربية، قليل البصر ~~بتصاريف لسان أهل اللغة، لان # PageV00P129 # قائما ههنا ليس يراد به القيام الذي هو ضد القعود، لان الملازم في الحقوق ~~قد يسمى (قائما) NoteV00P130N01، كان قاعدا أو قائما، ولو قلت إن القاعد ~~أبلغ في باب الملازمة، لكان قولا سائغا، لان قعوده أدل على المطاولة ~~والمداومة NoteV00P130N02، ومكانه أغلظ على من الدين عليه من مكان القائم ~~المستوفز والمعذر غير المصمم. ولا معول على هذا القول أيضا، وإنما أوردناه ~~مقابلة لقول السدي. # والصحيح: أن معنى القيام المراد في هذه الآية الدوام على اقتضاء الدين. ~~واصله من السكون، ومنه الحديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) أي: ~~الساكن، فأما قوله تعالى: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت...) ~~NoteV00P130N03 فمعناه: مطالب لكل نفس بما جنته ولا يعجز أخذه ms075 ولا يفوت ~~طلبه (4). وللقيام أيضا في لغة العرب معنى آخر، وهو أن يريدوا به تحقق الشئ ~~وصحته، وبلوغ # PageV00P130 # غايته فمن ذلك قولهم: قد قامت السوق، أي: استحر بيعها وبلغت غايتها، وكذا ~~قولهم: قد قامت القيامة، أي: قد تبين أمرها وصح وظهر ووضح، فأما قولهم: قد ~~قامت الحرب، فمعناه: أشتد بأسها وعظم مراسها، وهذا أراد الشاعر بقوله: # وقامت الحرب بنا على ساق وقد يمكن أن يرد هذا أيضا إلى الأصل المتقدم ~~فيقال: معناه: أن الحرب قد بلغت الغاية في الشدة، وكذلك قولهم: قام فلان ~~وقعد، عند الامر المهم ينزل به، كناية عن شدة ارتماضه NoteV00P131N01 ~~وقلقه، وقولهم: # أقمت فلانا على رجل، أي: أقلقته وأزعجته، ولا قيام هناك أكثر من بلوغ ~~الغاية في الانزعاج والقلق، وإنما قالوا ذلك لان أكثر أحوال القلق المنزعج ~~والخائف الوجل أن يكون مستوفزا غير مطمئن ومتقلقلا غير مستتر فيكون إلى حال ~~القيام أقرب منه إلى حال القعود، فلما كان ذلك هو الأصل أجروا هذا الوصف ~~على كل من كان شديد القلق والاضطراب والجزع والارتماض، وإن كان قاعدا غير ~~قائم، بل مضطجعا غير قاعد، وكذلك قيام الحرب عندي، إنما أصله قيام أهلها ~~فيها، لان المحارب لا يكون قط إلا قائما، فقالوا: قامت الحرب، كما قالوا: ~~ليل نائم، أي ينام فيه، وكذلك نهار ساكن، أي: يسكن الناس فيه، وأمثال ذلك ~~كثيرة NoteV00P131N02. وفي ما ذكرناه منه كفاية بحمد الله. # PageV00P131 # 15 - مسألة (أخذ ميثاق النبيين للأنبياء بعدهم!) الجواب عن الشبهة - ~~دلالة الاخبار على اخذ ميثاق النبيين لنبينا - تقدير الآية: جاءكم ذكر رسول ~~- معنى نصرة النبيين لنبينا - الميثاق اخذه الأنبياء على أممهم - إضافة ~~المصدر إلى فاعله ومفعوله - المأخوذ ميثاق أمم الأنبياء - التغليب في ~~التثنية والجمع - تسمية القبيلة باسم رجل واحد - آية (على خوف من فرعون..) ~~- معنى تصديق نبينا للشرايع السابقة مع مخالفتها لشريعته. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه... الآية - ~~81)، فقال: فحوى ms076 هذا الكلام يدل على أنه سبحانه أخذ ميثاق الأنبياء ~~السالفين أن يؤمنوا بالأنبياء الخالفين، فكيف، يجوز أن يكون الكلام على ~~ظاهره!. NoteV00P132N02 مع قوله تعالى: (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم)، ~~والرسل لا يبعث إليهم رسول إلا من الملائكة! فما مجاز هذا القول عندكم؟ # PageV00P132 # فالجواب: أن في ذلك اختلافا بين أهل التفسير: # فمنهم من يقول. إن الخطاب في قوله تعالى: (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم) ~~للأنبياء، دون أممهم - على ما ذكره السائل -. ومنهم من يقول: إن الخطاب ~~بذلك متوجه إلى أمم الأنبياء دونهم. فإن كان ذلك على الوجه الأخير فالمعنى ~~مكشوف القناع غير محتاج إلى زيادة كشف وإظهار خب ء، وإن كان في اللفظ عدول ~~عن الظاهر وتنكب للطريق الواضح. وإن كان على الوجه الأول احتيج فيه إلى ~~إيضاح الغرض المقصود وإظهار ما فيه من الغموض، وإن كان اللفظ على ظاهره، ~~وغير محوج إلى تأوله. # وتلخيص ذلك: ان الوجه الأول ملبس اللفظ مفهوم المعنى، والوجه الآخر ملبس ~~المعنى مفهوم اللفظ، فأما من قال: إن الخطاب بذلك متوجه إلى الأنبياء دون ~~أممهم، فإنه روى في ذلك روايات واعتمد على آثار وأخبار NoteV00P133N01: فمن ~~ذلك ما روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام NoteV00P133N02 أنه قال: (لم ~~يبعث الله سبحانه نبيا من لدن آدم (ع) إلى محمد صلى الله عليه وآله إلا اخذ ~~عليه العهد في محمد: لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وكذا روي عن الحسن ~~البصري وعن السدي في معنى هذه الآية. وروي عن ابن عباس وعن طاوس ~~NoteV00P133N03: أن الذين اخذ ميثاقهم هم الأنبياء دون # PageV00P133 # أممهم، ليصدق بعضهم بعضا، ويشهد بعضهم لبعض. # وفائدة ذلك أن يعلمنا سبحانه أن الأنبياء وإن جلت اقدارهم وفانت غاياتهم، ~~خصوا بمزايا شرف الرسالة ومعالي كرم النبوة، فإنهم بشر وعبيد يجب عليهم ما ~~يجب على سائر العباد: من طاعة من يأمرهم الله بطاعته، وشقاق من يؤمهم ~~بمشاقته، وليدل تعالى بذلك على خطأ ما ذهبت النصارى إليه في المسيح (ع): من ~~الذهاب في تعظيمه ms077 إلى الحد الذي يكفر قائله ويضل معتقده. # ويجري هذا الكلام مجرى قول الرجل لصاحبه - وقد أراد سفرا -: # أتضمن لي إني ان زودتك وحملتك وأنهضتك وأعنتك، حتى تصل إلى مقصدك، ثم تتم ~~غرضك، ثم جاءك كتابي في كيت وكيت - أن تعمل به وتنفذ الامر الذي حددته ~~فيه؟. ليس يريد الاخبار بأنه لا محالة كاتب إليه، ولكن ليختبر طاعته ويتحقق ~~مسارعته. # وقال بعضهم: على هذا يكون قوله تعالى: (ثم جاءكم رسول) ثم إن جاءكم رسول، ~~وفي هذا دليل على أن قوله سبحانه: (لما آتيتكم) لئن آتيتكم، لان قوله: (ثم ~~جاءكم) منسوق عليه NoteV00P134N01 (فتأويلهما جميعا واحد، وهذا قول فيه ~~نظر. # وقال بعضهم: إنما أخذ الله ميثاق النبيين بأن يؤمنوا برسل الله بعدهم، ~~لأنهم إذا آمنوا بهم لزم أممهم الاقتداء بهم في ذلك فسلكوا سبيلهم واتبعوا ~~دليلهم. # PageV00P134 # وقال بعضهم: إنما أراد تعالى بذلك: أن يعلم أهل الكتاب أنه وإن ميز الرسل ~~بعظم الاخطار وعلو الاقدار وإيتاء الكتب والاصفاء بالحكم، فقد أمرهم أن ~~ينقادوا ويخضعوا ويطيعوا ويسمعوا إن أرسل لهم رسولا يأمرهم وينهاهم، واخذ ~~ميثاقهم بنصره وتصديقه وتعظيمه وترجيبه، فأهل الكتاب اذن أولى بالطاعة ~~والانقياد لأنبيائهم، وبألا يأنفوا من اتباع من يجب عليهم اتباعه ويلزمهم ~~الخضوع له. # وقال أبو علي: (عنى تعالى بذلك الميثاق الذي اخذه على النبيين وهو ~~الايمان بالله سبحانه، وكأنه قال: لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة، ~~وحذف لتبلغن لدلالة الكلام عليه، لان لام القسم إنما يقع على الفعل، فلما ~~كان هناك دلالة على الفعل حذفه اختصارا وايجازا، وقال تعالى بعد ذلك: (ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه)، وعنى به نبينا محمد صلى ~~الله عليه وآله، وأراد سبحانه بقوله (مصدق لما معكم) أي: بكتبكم المنزلة ~~عليكم). وقد أغفل أبو علي أن يورد فقه المسألة ويكشف عن حقيقة تقدير الكلام ~~في هذه الآية، لأنه إذا ذهب إلى أن الكلام على ظاهره، وأن الأنبياء هم ~~المأخوذ عليهم الميثاق لان يؤمنوا بالرسول المصدق لما معهم، إذا جاءهم دون ~~أممهم، فالمسألة ms078 قائمة بحالها، وما انكشف موضوع السؤال فيها، لان السائل ~~قال: كيف يصح ايمان النبيين الماضين بالنبي الآتي؟ وكيف يجوز أن يكون ~~الكلام على ظاهره في قوله تعالى: (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم)؟ والرسل لا ~~تبعث إليهم الرسل!. PageV00P135 # وحقيقة الكلام عندنا، أن فيه تقدير مضاف محذوف، فكأنه سبحانه قال: ثم ~~جاءكم ذكر رسول أو علم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، ومعنى جاءكم ذلك اي: ~~وجدتموه في كتبكم وعرفتموه من الوحي النازل عليكم، كما قال تعالى: (يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل...) NoteV00P136N01، ولذلك في القرآن ~~نظائر كثيرة: منها قوله سبحانه: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة...) ~~NoteV00P136N02 أي: كخلق نفس واحدة وبعثها، وقوله سبحانه: (واسأل من أرسلنا ~~من قبلك من رسلنا...) (3) أي: اسأل أمم من أرسلنا أو أتباع من أرسلنا، هذا ~~على أحد التأويلين، وقد ذكرنا ذلك متقدما في شجون الكلام. والتأويل الآخر ~~ما قاله بعضهم وهو: أن معنى ذلك واستنبط ما في كتب من أرسلنا قبلك من رسلنا ~~فكأنك إذا عرفت ذلك قد لقيتهم وسألتهم. # فان قال قائل: فهذا التأويل يتم لكم في قوله تعالى: (لتؤمنن به) لان ~~الايمان بالرسول قد يصح وإن لم يحن بعد حينه، ولم يأت زمانه، إذا علم أن ~~الله سيبعثه، لان الايمان يراد به ههنا التصديق، وهذا كما جاءت الاخبار بأن ~~جماعة من العرب آمنوا بنبينا صلى الله عليه وآله قبل مبعثه، لما كانوا ~~يجدون ذكره في الكتب القديمة، ويتلقونه من القرون السالفة، كزيد بن عمرو ~~(بن نفيل) وورقة بن نوفل وغيرهما، فكيف # PageV00P136 # يتم لكم مثل ذلك في قوله تعالى: (ولتنصرنه)؟، وهل يصح نصرهم من لم يروا ~~له شخصا ولم يشهدوا معه حربا؟!. # فجوابنا: أن النصر في اللغة على ضروب قد ذكرنا جملا منها في ما تقدم، ~~فالمراد منها ههنا النصر بمعنى: التصديق والايمان والاقرار والاعتراف، ~~وتقوية الحجة، والتبيين للأمة، وهذه الأمور من أبلغ أسباب النصر، وقد يسمى ~~الانسان مجاهدا، إذا كان ذابا عن دين الله بلسانه، كما يذب المحارب بسنانه، ~~وعلى ms079 ذلك قوله تعالى: ﴿فلا تطع ~~الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا﴾ (1)، قال كثير من المفسرين: إن ~~المراد بهذا الجهاد إقامة الحجة بالقرآن عليهم، حتى يقروا بصحته، ويعترفوا ~~بمعجزه، فكذلك يسمى القائم بحجة غيره، والدال على صدق قوله، والداعي إلى ~~الايمان به: ناصرا، كما سمي فاعل الأمور المقدم ذكرها: مجاهدا، لتفاوت ~~المعنيين. # وقد قال بعض العلماء: قوله تعالى: (ولتنصرنه) يريد به: # بقايا كل أمة وأعقابها، كأنه قيل لموسى (ع) ومن معه من بني إسرائيل: # سيجيئكم رسول مصدق لما معكم من كتابكم، فآمنوا به وانصروه، وإنما المراد ~~بذلك من يكون في زمان محمد صلى الله عليه وآله من اليهود الذين هم أعقاب ~~قوم موسى، ولم يرد به من كان منهم في زمان موسى (ع). # وقال أبو مسلم بن بحر: (معنى قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين) ~~أراد به: الميثاق الذي اخذه الأنبياء على أممهم عند # PageV00P137 # إيمانهم بهم، على أن يؤمنوا بكل ما في الكتب المنزلة عليهم، وفيها ذكر ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله، وأن الله سبحانه سيبعثه على أعقاب الرسل، ~~مصدقا لما معهم من التوحيد والخلاص والنور والبرهان). قال: (ومثل قوله ~~تعالى: (ميثاق النبيين) - يريد: الذي اخذه النبيون على قومهم - قوله ~~سبحانه: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق...) ~~NoteV00P138N01 اي: الميثاق المأخوذ عليهم بالكتاب). قال: (والمخاطبة بقوله ~~تعالى: (لما آتيتكم من كتاب وحكمة)، وبقوله سبحانه: (أأقررتم وأخذتم على ~~ذلكم إصري ...) NoteV00P138N02 راجعة إلى أهل الكتاب الذين خوطبوا بقوله ~~سبحانه: (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل) NoteV00P138N03 وغير ذلك ~~مما في معناه، فهذه المخاطبة آخرا لاحقة بما سبق من نظائرها أولا، وقوله ~~تعالى: # (فاشهدوا) راجعة إلى النبيين، لأنه لائق بهم، وهم الذين يشهدون على الأمم ~~بحقائق أفعالهم). قال: (وغير جائز بالعقل ولا في اللغة أن يكون المخاطبون ~~بقوله تعالى: (لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه) الأنبياء، وقد قبضهم الله تعالى إلى كرامته، ms080 ونقلهم ~~إلى جنته قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وآله لان من تقدم موته لا يؤمر بنصر ~~من يتأخر مولده). # فأما ما ذهب إليه أبو مسلم من حمل هذا الخطاب على أنه لأمم الأنبياء ~~دونهم، فقد سبق إليه جماعة من أهل التأويل. وأما قوله: (إن المراد # PageV00P138 # بقوله تعالى: (ميثاق النبيين) الميثاق الذي اخذوه على أممهم) فبإضافة ~~الميثاق إليهم يحتمل أن يكون مأخوذا منهم، ويحتمل أن يكون مأخوذا لهم من ~~غيرهم، فلذلك اختلفوا فيه على ما تقدم ذكره: # فقال بعضهم: هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على النبيين، أن يصدقوا ~~بالرسول المبعوث بعدهم، يعني بذلك: نبينا صلى الله عليه وآله، ويصدق بعضهم ~~ببعض. وقال الفريق الآخر: بل المراد بذلك ما أخذه الأنبياء على أممهم الذين ~~عرفوا الكتاب والحكمة، بأن يصدقوا بالرسول الذي يجئ بعدهم آخرا، ويوصوا ~~بنصره من يبقى من أعقابهم متأخرا. # ويجري كون الميثاق مضافا إلى النبيين في أنه يصلح أن يكون مأخوذا منهم ~~وأن يكون مأخوذا لهم من غيرهم، مجرى إضافة المصدر إلى الفاعل والمفعول على ~~حد سواء، لأنه يجوز أن يضاف إلى كل واحد منهما، فتقول: أعجبني ضرب عمرو ~~خالدا، إذا كان عمرو فاعلا، و: أعجبني ضرب عمرو خالد، إذا كان عمرو مفعولا، ~~فمن اضافته إلى الفاعل قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض...) ~~NoteV00P139N0١، ومن إضافته إلى المفعول من غير أن يذكر معه الفاعل قوله ~~تعالى: (لا يسأم الانسان من دعاء الخير...) (٢) وقوله عز اسمه: ﴿لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه...﴾ ~~(3)، ومما جاء من اضافته إلى المفعول ومعه الفاعل في الشعر قول الشاعر ~~NoteV00P139N04: # PageV00P139 # أمن رسم دار مربع ومصيف * لعينيك من ماء الشؤون وكيف؟ # وقال لي شيخنا أبو الفتح عثمان بن جني، عند بلوغي عليه في القراءة من ~~كتاب الايضاح لأبي علي الفارسي، إلى باب المصادر، وقد مضى في أثنائه ذكر ~~هذا البيت - فقال: كأن الشاعر قال: أمن أن رسم دارا مربع ومصيف بكيت لها؟، ~~فالمربع والمصيف فاعلان في المعنى. # وقال ms081 بعضهم NoteV00P140N01: قد يجوز أن يكون في قوله تعالى: (ميثاق ~~النبيين) مضاف محذوف، كأنه تعالى قال: ميثاق اتباع النبيين أو أمم النبيين ~~فحذف اتباع وأقام النبيين مقامهم، كما قال تعالى: (وأشربوا في قلوبهم ~~العجل) NoteV00P140N02، أي: حب العجل. قال: ومما يشهد بذلك أنها في قراءة ~~ابن مسعود: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب)، ومما يقوي أن قوله ~~سبحانه: (ميثاق النبيين) يريد به: ميثاق أمم النبيين من أهل الكتاب في ~~المعنى - كما ذكر من ذهب إلى هذا الوجه دون الوجه الأول - أن الميثاق إذا ~~أخذ على النبيين فقد أخذ على قومهم، وعامة ما يشرع للأنبياء فقد شرع لأممهم ~~وأتباعهم، لأنهم كالأزمة التي يقاد بها والرؤوس التي يتبعها ما وراءها، ~~فإذا خوطبوا بأمر سرى الخطاب إلى من دونهم من اتباعهم، وتعداهم إلى ~~المنجذبين بقيادهم، وكانوا كالرعاة التي إذا أمرت بمراشدها NoteV00P140N03 ~~في اعتماد ماء أو ارتياد # PageV00P140 # كلا، فان ذلك الامر من حيث عاد على ما يرعاه من إبل أو شاء بالمصلحة في ~~الأبدان والريف في الأعطان، كأنه امر لكافة ذلك الجنس، إذا كان متبعا عقب ~~راعيه، وموجفا خلفه، إلى طرق مصالحه ومناجيه NoteV00P141N01، وكذلك الولاة ~~ورعاياها يجري امرها على هذا السبيل، وتدخل من وراها من الرعية معها في مثل ~~هذه الأمور. # ولان الأنبياء (ع) من حيث كانوا أسبابا لايمان أممهم الذين استحقوا معه ~~أن يخاطبوا بالشرائع، ويدلوا على المصالح، كان الأمم كالمضافين إليهم ~~والملصقين بهم، فكان خطاب الأنبياء بما يجوز دخول أممهم معهم فيه خطابا ~~للأمم معهم، ألا ترى أن الفروض التي تلزم نبينا صلى الله عليه وآله تلزمنا، ~~والواجبات التي تجب عليه في الأكثر تجب علينا!. ومن هناك جاء قوله تعالى: # (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء...) NoteV00P141N02، فجمع سبحانه النبي ~~صلى الله عليه وآله ومن تبعه في الخطاب الواحد، وقد ذكرنا جملة من هذا ~~المعنى في ما تقدم عند حال اقتضته، فكفانا ذلك أن نتكلف اعادته. # ووجه آ خر ذكره الكسائي، قال: (معنى قوله: (وإذ اخذ الله ميثاق النبيين ms082 ~~يريد: ميثاق القوم الذين منهم النبيون، يعني: بني إسرائيل، لان الأنبياء ~~كثروا فيهم، فسمي اتباع النبيين بأسمائهم لكثرتهم فيهم). وفي هذا القول ضعف ~~واضطراب للالباس الذي فيه، وكأن قائله ذهب في ذلك إلى أحد الوجهين اللذين ~~ينشد عليهما قول الشاعر NoteV00P141N03: # PageV00P141 # (قدني من نصر الخبيبين قدي) فان العلماء ينشدون ذلك على وجهين، ولهما ~~معنيان، فمن أنشد الخبيبين بالتثنية فإنما يعني به: عبد الله بن الزبير ~~واخاه مصعبا. إذ كانت احدى كنيتي عبد الله أبا خبيب، باسم ابن له سمي ~~خبيبا، وأخرج الشاعر ذلك مخرج قولهم: العمران والزهدمان (1) والقمران، وما ~~في معنى ذلك، لتغليب الأشهر منهما، ولم يقل الشاعر أبوي خبيب، تخفيفا ~~واكتفى بالاسم من الكنية، ومماثلة لما ورد من نظائر ذلك مما ذكرناه من ~~قولهم: القمران والعمران، ولم يرد في هذا الباب إلا تثنية الاسم دون ~~الكنية، فمضى الشاعر على هذه الطريقة وثنى الاسم مكتفيا به من الكنية. فأما ~~من انشد: الخبيبين، على الجمع، فقالوا في ذلك: إنما أراد عبد الله بن ~~الزبير وأهل بيته والمنسوبين إلى (حرمه) (2)، فقال: الخبيبين، لان الأشهر ~~منهم يعرف بهذا الاسم فغلبه على الباقين، وسماهم به دون أسمائهم التي هي في ~~الشهرة دونه، فإلى هذا ذهب الكسائي في تأويله على بعد مأخذه. # PageV00P142 # وقد قال غير الكسائي في ذلك قولا هو أقرب من قوله، وإن كان بعيدا أيضا، ~~قال: (معنى النبيين ههنا معنى أممهم، فصار ذكر النبيين كالقبيلة لهم، كما ~~يقال: قيس، وتميم، وعقيل ونمير، وهي أسماء رجال بأعيانهم نسب إليهم ~~أولادهم، فصاروا قبائل، ومنه قوله تعالى: # (على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم..) NoteV00P143N01، وإنما قال: ~~وملئهم، بالجمع، لأنه جعل فرعون كالقبيلة لأصحابه وأهل دينه، ومنه قول ~~الشاعر NoteV00P143N02: # أتسألني السوية وسط زيد * ألا إن السوية أن تضاموا! # فزيد هنا اسم قبيلة، فلذلك قال: وسط زيد). # وهذا الوجه أيضا غير مستقيم لما ذكرته أولا. فاما قول هذا القائل: # انه تعالى جعل فرعون كالقبيلة لأصحابه ولذلك قال: وملئهم، فذلك خطأ لأنه ~~لو كان الامر ما قاله ms083 لكان وجه الكلام أن يقول: (على خوف من فرعون وملئهم ~~أن يفتنوهم) إذا كان فرعون عنده في تأويل الجمع بمنزلة اسم أبي القبيلة، ~~كما يقول القائل: جاورت تميما فاستاقت سرحي وسلبت مالي، فيؤنث، لأنه يريد ~~القبيلة، أو يقول: استاقوا سرحي وسلبوا مالي، إذا أراد أعداد القبيلة ~~ورجالها، فأما أن يقول: # PageV00P143 # جاورت تميما فاستاق سرحي وأخذ مالي، وهو يريد جماع القبيلة، فذلك خطأ ~~فاحش ليس من كلام أهل اللسان الفصيح والنهج المستقيم. # فاما قوله تعالى: (على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم) ففيه قولان: ~~أضعفهما NoteV00P144N01 انه نسب الملا إلى فرعون إلا أنه قال: وملئهم، لأنه ~~كان ملكا عظيم البسطة نافذ القدرة، فكنى عنه كما يكنى عن الملوك في ذكرها ~~أو الخطاب عنها بالجمع. # وذلك فاسد من وجهين: (أحدهما) ان قول الله سبحانه ذلك ليس بحكاية لقول ~~أحد فيجوز أن يتأول على تفخيم الخطاب، وإنما هو كلام له تعالى انفرد به، ~~ولا يجوز أن ينسب إليه سبحانه ذكر فرعون - وهو مقيم على كفره وضلاله - بما ~~فيه تعظيم لامره أو تفخيم لقدره، بل لا يجوز أن نجيز عليه تعالى ذكر أحد من ~~خلقه على هذه السبيل من المؤمنين ولا غيرهم، لان هذا القول - إذا صح انه ~~يذكر على وجه التفخيم للملوك - فليس يستعمله معم إلا من ينخفض من طبقاتهم، ~~ويكون كالتابع لهم، لا العالي عليهم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (الوجه ~~الآخر) ان هذا النحو من القول إنما يستعمله الملوك في خطابهم أو يستعمل في ~~الكتاب عنهم، بأن يقول الواحد منهم: فعلنا وصنعنا، وأمرنا ونهينا، وأما أن ~~يقول غيرهم عند ذكر الواحد منهم: إن فلانا الملك فعلوا وصنعوا، # PageV00P144 # فهو محال من قائله وسفاه من مستعمله. # فان قال قائل: كيف يصح قوله تعالى: (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم) وهو ~~يريد به نبينا صلى الله عليه وآله، وقد خالف شرعه شرع من تقدمه أشد مخالفة، ~~وباينه أعظم مباينة؟! # قيل له: إن اختلاف الشرائع في الحقيقة لا يكون اختلافا في متفردات ~~العقول، لأنه ms084 وارد بحسب المصالح، وكما أنا لا نسمي الناسخ والمنسوخ اختلافا ~~(بل نعد ذلك مطابقة ووفاقا، ونقول: إن بعضه يصدق بعضا) فكذلك نقول في سائر ~~الشرائع، فالمراد بقوله تعالى: (مصدق لما معكم) أي: من جمل التوحيد ~~والنبوات والشرائع الواردة بحسب مصالح العباد، وهذه حال نبينا (ع)، فهو اذن ~~مصدق لمن تقدمه من الأنبياء، غير مناقض لهم في جملة، ولا مخالف في عقيدة. # فصل قراءة (لما آتيتكم) وقد اختلف القراء في قراءة: (لما آتيتكم من كتاب ~~وحكمة)، فقرأنا لحمزة بن حبيب (لما) مكسورة، لأنها لام الإضافة، وقرأنا ~~لباقي القراء السبعة (لما) مفتوحة، لأنها لام الابتداء، وروى هبيرة عن حفص ~~عن عاصم (لما) مكسورة مثل حمزة، وقال (ابن 1) مجاهد في # PageV00P145 # كتاب (القراءات 1) السبعة: (وذلك غير محفوظ عن حفص) NoteV00P146N02. # فأما قوله تعالى: (آتيتكم من كتاب وحكمة)، فقرأ نافع وحده (آتيناكم) على ~~خطاب التعظيم، وقرأ باقي السبعة (لما آتيتكم) على التوحيد ووجه قراءة حمزة ~~(لما) بالكسر: أنه يتعلق بالأخذ، وكأن المعنى أخذ ميثاقهم لهذا الامر، لان ~~الذين يؤتون الكتاب والحكمة يؤخذ عليهم الميثاق لما أوتوه من ذلك، لأنهم ~~الأماثل والاعلام، والقادة والحكام. # وقال سيبويه (3): سألته (يعني: الخليل) عن قوله تعالى: (وإذ اخذ الله ~~ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه)، فقال: ما ههنا بمنزلة (إن 4)، ودخلتها اللام كما دخلت ~~على إن حين قلت: لئن فعلت لأفعلن، فاللام التي في (ما) تمثل اللام التي في ~~(إن)، واللام التي في الفعل هناك كهذه التي في الفعل ههنا، واللام الداخلة ~~على (ما) لا تكون المتلقية للقسم ولكن تكون بمنزلة اللام في قوله تعالى: ~~(لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض...) NoteV00P146N05، واللام ~~المتلقية للقسم قوله تعالى: (لتؤمنن به) كما انها في (لئن لم ينته ~~المنافقون) قوله سبحانه: (لنغرينك بهم). وهذه اللام الداخلة على إن في ~~(لئن) لا يعتمد القسم عليها NoteV00P146N06، فلذلك جاز حذفها تارة # PageV00P146 # وإثباتها تارة، كقوله تعالى: (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين ~~كفروا... ms085 الآية) NoteV00P147N01 وقال بعضهم: معنى اللام - في قراءة من قرأ ~~بكسرها - معنى بعد، وجواب الشرط في معنى التقديم، والشرط في معنى التأخير، ~~فكأنه تعالى قال: (وإذ اخذ الله ميثاق النبيين قال لهم لتؤمنن بالرسول ~~ولتنصرنه لما آتيتكم من كتاب وحكمة)، أي: بعد ما آتيتكم ذلك، فتأويل اللام ~~ههنا تأويل بعد، كما قال النابغة NoteV00P147N02: # تبينت آيات لها فعرفتها * لستة أعوام وذا العام سابع أي: بعد ستة أعوام. ~~وفي هذا القول نظر NoteV00P147N03. وما ذكرناه في هذه المسألة مجزئ بتوفيق ~~الله تعالى. # PageV00P147 # 16 - مسألة (الاسلام لله تعالى كرها) الجواب عن الشبهة - معاني الاسلام ~~وأقسامه - اطلاق الجمع والعام على الواحد - اسلام الكافر عند الموت - سجود ~~ظلال الكافرين - الاسلام كرها يختص باهل الأرض ومنهم البهائم - اطلاق (من) ~~الموصولة على ما لا يعقل بالتغليب - معنى اسلام ما لا يعقل - جواز أن يكون ~~أسلم بمعنى: سلم. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وإليه ترجعون - 83) فقال: معنى الاسلام طوعا معروف، فما معناه كرها؟ وهل ~~يصح ذلك مع قوله تعا 0 ى: PageV00P148 # (لا إكراه في الدين) NoteV00P149N01؟ # فالجواب: ان في ذلك وجوها: # 1 - (أحدها) NoteV00P149N02، أن يقال: معنى (وله أسلم من في السماوات ~~والأرض) أي: ألقوا إليه السلم بما يظهر من حاجتهم إلى ارفاقه وفقرهم إلى ~~أرزاقه، ونقائصهم التي لا تتم إلا بحسن تدبيره لهم، ونعمه السابغة عليهم، ~~فقد دانوا له طوعا وكرها، وولهوا إليه NoteV00P149N03 فقرا وضعفا، فالذين ~~أسلموا له طوعا الملائكة والنبيون، وبعدهم المؤمنون والصديقون، والذين ~~أسلموا كرها إبليس وأشياعه من الجن والإنس، ويصدق ذلك قول إبليس: (رب ~~فأنظرني إلى يوم يبعثون) NoteV00P149N04 فدل استنظاره له تعالى على اقراره ~~بأنه مملوك مدبر، ومصرف مسخر، وأنه لا يعتصم من الله بمذهب، ولا ينجو ~~بمهرب، ولا يبقى إلا أن يبقيه، ولا يأمن إلا أن يؤمنه، فبهذا الوجه عد من ~~المستسلمين له تعالى، وإن كان شاذا عن طاعته شاردا، وصادا عن أمره صادفا. # وقد جاء الاسلام بمعنى الاستسلام والخضوع في ms086 كلامهم كثيرا، فمن ذلك في ~~التنزيل قوله تعالى: (قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا...) NoteV00P149N05، أي: استسلمنا، وقوله تعالى: (فأخرجنا من كان ~~فيها من المؤمنين. فما وجدنا # PageV00P149 # فيها غير بيت من المسلمين) NoteV00P150N01 قال بعض المفسرين: المراد بذلك ~~غير بيت من المستسلمين خوف الهلاك، وذهب جماعة من أهل التأويل في معنى هذه ~~الآية إلى غير ما ذكره هذا الانسان، وليس هذا موضع إيراد ما قيل في ذلك إذ ~~الغرض غيره. # ويقولون: أسلم فلان نفسه إلى العدو اسلاما سريعا، وقد كان يمكنه أن يدافع ~~ويمانع، أو ينحاز ويبعد ولا يسلم نفسه، وإنما يراد بذلك أنه ذل لهم وخضع ~~وانقاد ولم يمتنع، وقد كان يمكنه الامتناع عليهم والحياص (2) عنهم، ولكنه ~~جبن فأوبقه (3) جبنه وأسلمه حينه، فهذا في مذهب اللغة اسلام باكتساب ~~واختيار، لا بإلجاء واضطرار، إلا أن سببه كان الخوف والفرق. ويقولون أيضا: ~~إن فلانا (جار 4) العسكر، لما أطمع في الرغائب ومني بالفوائد، أسلم العسكر ~~بأسره، وهذا أيضا اسلام باختيار ولكن سببه الرجاء والطمع، فخالف الاسلام ~~الأول في السبب. ويقال (5) أيضا: فلان أسلم نفسه للموت، وأسلمه أهله للحين، ~~إذا ألقى بيده ولم يمكنه المدافعة عن نفسه، ولم يمكن أهله المنافحة عنه ولا ~~المحاجزة دونه، فهذا اسلام بكره واضطرار، لا بمشيئة واختيار ~~NoteV00P150N06. # PageV00P150 # فقوله سبحانه: (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها) يكون المراد ~~به في الجملة الاستسلام الذي هو الانقياد والخضوع والذل والخشوع، إذ هم ~~منقادون لامره، غير ممتنعين من تدبيره، وما يحدثه تعالى فيهم من القبح ~~والدمامة (1) والجمال والوسامة، والمصاح والأسقام واللذات والآلام، ثم ~~ينقسم هذا الاستسلام منهم: فمنه ما يكون طوعا، ومنه ما يكون كرها، فالطوع ~~مثل خلقه سبحانه الانسان وسيما جميلا ومكثرا غنيا، فهو محب لتلك الحال غير ~~كاره لها، والكره مثل خلقه تعالى الانسان قبيحا دميما NoteV00P151N02 ومقلا ~~معدما، فهو يكره ما هو عليه ويحب الانتقال عنه، وكلا الفريقين قد أسلم لله ~~خاضعا، وذل لتدبيره ضارعا، وذلك اسلام اضطرار لا اختيار، وإن كان هذا ms087 ~~الاسلام يختلف مواقعه منهم على ما ذكرناه: فبعضه يصدر عن رضا ومحبة، وبعضه ~~يصدر عن إباء وكراهة. # 2 - وقال بعضهم NoteV00P151N03: (وله أسلم من في السماوات والأرض) جائز ~~أن يوقع الخبر على الكل والمعنى واقع على البعض كقوله تعالى: # (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم...) (4) وإنما يريد ~~تعالى: بعض الناس، على قول من قال: إن المراد بذلك نعيم بن مسعود الأشجعي، ~~لأنه كان المخبر لرسول الله صلى الله عليه وآله بتألب # PageV00P151 # قريش عليه وإجماعهم على الرجوع بعد وقعة بدر، وكان المعني بهذا القول ~~واحدا من الناس، ومثل ذلك قوله تعالى: (إذ قالت الملائكة يا مريم...) ~~NoteV00P152N0١، والمراد: بعض الملائكة، لان بعضهم كلمها لا جميعهم. # ٣ - وقال الشعبي (٢): معنى ﴿وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها): هو قوله ~~تعالى: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله...﴾ (٣) أي: لا يقدرون على ~~جحد خلقه لهم وملكه إياهم، وإن ذهبوا عن أوامره، وأقدموا على زواجره، ~~فكأنهم يقرون بأنه تعالى خالقهم كرها، من غير خضوع لطاعته ولا تقرب إليه ~~بعبادته، بل بمنازعة عقولهم إلى الاقرار بربوبيته. # ٤ - وقال بعضهم (٤): المراد بذلك إسلام المؤمن طوعا، واسلام الكافر عند ~~موته كرها، كما قال تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا...) (٥)، ~~وكقوله سبحانه في قصة فرعون: ﴿حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت ~~به بنو إسرائيل.. إلى قوله تعالى: ألآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾ ~~(6)، فأعلم الله تعالى أن إيمانه في تلك الحال لا يغني عنه، لأنه أسلم كرها ~~وقال ما قال مضطرا. # PageV00P152 # 5 - وقال بعضهم: معنى ذلك أن المسلم كرها أسلم بحاله الناطقة عنه، ~~والشاهدة عليه من آثار الصنعة وأعلام الصبغة والدلائل التي جعلت في عقله ~~على ذلك تقوده إلى الاقرار به طوعا أو كرها، والتسليم له ضميرا أو قولا. # 6 - وقال بعضهم: معنى ذلك سجود المؤمنين طائعين، وسجود ظلال الكفار ~~كارهين، على ما جاء في ms088 التنزيل من قوله تعالى: (ولله يسجد من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال) NoteV00P153N01، وهذه الآية يدل ~~فحوى الكلام فيها على أن ظلال المؤمنين والكافرين جميعا يسجد، لأنه قال ~~تعالى: (وظلالهم) فجاء به عموما، فكأن ظلال المؤمنين يسجد بسجودهم، وظلال ~~الكافر NoteV00P153N02 يسجد على الاباء منهم، والخلاف لهم، وهذا معنى قوله ~~سبحانه: (وكرها) NoteV00P153N03. # 7 - وقال بعضهم: المراد بذلك: من دخل في الاسلام كرها مخافة السيف، وهم ~~مسلمة العرب والمؤلفة قلوبهم من سائر الأمم الذين كان اسلامهم تعوذا، ~~وطاعتهم تحرزا NoteV00P153N04 ومهما كان من هذه الوجوه، فليس يرجع قوله ~~تعالى: (وكرها) إلا إلى أهل الأرض دون أهل السماء، لان أهل السماء هم ~~الملائكة، # PageV00P153 # والملائكة لا يجوز عليهم الاسلام كرها بوجه، فقد خلص لهم صفة الاسلام ~~طوعا، وكان أهل الأرض يشتركون في استحقاق الصفتين جميعا: # فمنهم من أسلم طوعا ومنهم من أسلم كرها. وقد يجوز ان يراد باسلام من في ~~الأرض - إذا كان بمعنى الاستسلام ههنا - غير العقلاء: من الأطفال والبهائم، ~~على ما سنبينه من بعد، وعبر عن هذين الجنسين ب‍ (من)، لاختلاط العقلاء بهما ~~في استيطان الأرض، لان العقلاء إذا اختلط بهم من ليس بصفتهم، جاز أن يغلب ~~صفة العقلاء على غيرهم، فيعبر عنهم ب‍ (من) دون (ما) (ثم (1) (من) لفظها ~~واحد مذكر، إلا أنها إذا وقعت تقع على الواحد والاثنين والجماعة من المؤنث ~~والمذكر، فإذا NoteV00P154N02 وقعت على شئ من ذلك كنت فيه بالخيار: إن شئت ~~أجريت اللفظ عليها في نفسها، وإن شئت أجريته على معناها في التثنية والجمع ~~والتأنيث، ألا ترى إلى قول الله تعالى: # (ومنهم من يستمع إليك) (3) وقوله سبحانه: (ومنهم من يستمعون إليك) ~~NoteV00P154N04، وقال الفرزدق: # تعش (5) فان عاهدتني لا تخونني * نكن مثل من - يا ذئب - يصطحبان # PageV00P154 # فثنى اسم (من) على المعنى). # وعلى هذا قوله تعالى: ﴿والله خلق كل ~~دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي ~~على أربع...﴾ (1) والذي ms089 يمشي على بطنه وعلى أربع ليس ممن يعقل، فغلب ما ~~يعقل لاختلاطه بما لا يعقل، وعلى هذا النحو قول لبيد: # فعلا فروع الأيهقان فأطفلت * بالجلهتين ظباؤها ونعامها (2) والنعام لا ~~تطفل، ولكنها تبيض، إلا أنه لما خلط ما يلد بما لا يلد أجراه مجراه في ~~الصفة، لان ما يلد أعلى طبقة مما لا يلد. وقد قيل في قوله تعالى: (فمنهم من ~~يمشي على بطنه...) قول آخر وهو: أنه لما قال: (فمنهم) وإن كان فيهم ما لا ~~يعقل صاروا كلهم كأنهم يعقلون، فأجرى على كل صنف منهم (من) عند التفصيل. # فأما المعنى في استسلام ما لا يعقل فهو تعذر امتناع من هذه صفته مما ~~ينزله تعالى به: من الآلام والشدائد والمخامص والمجاهد NoteV00P155N03، مع ~~كراهته لذلك، فإذا تعذر على من هذه حاله الامتناع من هذه الأمور، صار ~~مستسلما كرها، فالمراد إذن بقوله تعالى: (وله أسلم) الاستسلام الذي # PageV00P155 # لا يراد به المدح، لأنه لو كان من أسماء المدح لما وصف بعض فاعليه ~~بالكره، فهو على الوجه الذي بيناه، ولهذا صلح أن يدخل تحته من يعقل ومن لا ~~يعقل. ولا يدخل تحت ذلك الجمادات على ما يزعمه من لا علم له من الحشوية، ~~لان الاستسلام على الوجه الذي ذكرناه لا يصح منها على الحقيقة. # وقد يجوز عندي أن يكون قوله تعالى: (وله أسلم) ههنا بمعنى: # سلم، كما يقال: أعلم وعلم بمعنى واحد، فيكون المعنى: وله سلم من في ~~السماوات والأرض، أي، اعترف بعجزه عن مثل قدرته أو انتحال شئ من صنعته، ~~وضعف عن مقاومته ومقاهرته، كما يقول القائل: # قد سلمت لأمرك، أي: عجزت عن مغالبتك، وأقررت بالضعف عن مساواتك ومطاولتك، ~~وهو أيضا راجع إلى معنى القول الأول، إلا أن الفرق بينهما أن أسلم ههنا ~~بمعنى التسليم وهو هناك بمعنى الاستسلام. # وقال قاضي القضاة أبو الحسن (أما قول من حمل (وله أسلم من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها) على أن جميعهم يعترف بأنه الرب المعبود، وإن كان فيهم ~~من يصدق هذا الاعتراف بالعمل الموافق له ms090 ومنهم من لا يصدقه، فبعيد، لان في ~~المكلفين من لا يؤمن بالله تعالى أصلا، إذ المعرفة به تعالى مكتسبة غير ~~ضرورية. وأما قول من حمله على وقوع الاعتراف بذلك من الكفار عند الموت وحال ~~الالجاء، فقريب (1) لان حال المعاينة (2) وزوال التكليف والعبادة يعلم الله ~~تعالى العبد نفسه باضطرار، # PageV00P156 # فيحصل مستسلما كرها على هذا الوجه. وأما من حمله على من أسلم كرها حذر ~~السيف، فالصحيح انه لا إكراه هناك في الحقيقة NoteV00P157N01). وفي ما ~~ذكرناه من ذلك مقنع بتوفيق الله تعالى. # 17 - مسألة (عدم قبول توبة المرتد) كيف لا تقبل توبة المرتد! - الجواب عن ~~الشبهة - الحجة صحيحة وداحضة كالتوبة - التوبة النصوح - من شروط قبول ~~التوبة العزم على ترك المعاودة - نزول الآية - رأي المؤلف في الآية - دخول ~~شبهة على بعض العلماء ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (إن الذين كفروا بعد ~~إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون - 90) فقال: ~~فحوى هذه الآية مخالفة لقولكم في وجوب التوبة، لان من مذهبكم أنه سبحانه ~~لابد أن يقبل توبة التائب مع بقاء التكليف، وقد # PageV00P157 # قال سبحانه: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده...) NoteV00P158N01، وظاهر ~~هذا الكلام يدل على أن قبول التوبة غير واجب، وأنه سبحانه متفضل بذلك وله ~~ألا يفعله كسائر ما يتفضل به! # فالجواب: أن اطلاق اسم التوبة ههنا من غير صفة تدل على صحتها أو بطلانها ~~لا تعلق فيه لخصومنا، لان التوبة عندنا لها شرائط، متى لم تكن مطابقة لها ~~وواقعة عليها كانت غير مقبولة، ويجري ذلك مجرى قولهم: (حجة)، في أنها قد ~~تكون صحيحة لازمة، وقد تكون باطلة داحضة، فإذا كانت على الوجوه التي يجب أن ~~تكون عليها، وصفت بالصحة والثبات، وإن كانت على ضد ذلك وصفت بالبطلان ~~والاندحاض، ألا ترى إلى قوله تعالى: (حجتهم داحضة عند ربهم...) ~~NoteV00P158N02 فسماها: حجة، ووصفها مع ذلك بأنها داحضة لا تنصر قائلها ولا ~~تنفع المدلي بها. # فلهذا قد تسمى التوبة: توبة، مع ذلك غير مقبولة، لأنها لم تقع مطابقة ~~لشرائطها، وعلى ذلك ms091 قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا...) NoteV00P158N03، وقرأ أبو بكر بن عياش منفردا عن سائر القراء ~~(عن) NoteV00P158N04 عاصم نصوحا بضم النون، ومعناه، توبة تنصحون فيها ~~نصوحا، وهو مصدر نصح، ومن قرأ نصوحا بفتح النون، فإنما أراد به صفة التوبة: ~~ومعناه: توبة مبالغة في النصح # PageV00P158 # لأنفسكم، وفعول: من أسماء الفاعلين يستعمل للمبالغة في الوصف، يقال: رجل ~~شكور وصبور، وسيف قطوع، وجمل حمول، فإذا كان نصوحا صفة للتوبة - والمراد به ~~المبالغة على ما قلنا - علمنا أن هناك توبة قد تقع على غير هذه الصفة، ~~ويشملهما جميعا اسم التوبة، حتى يصح أن يوصف إحداهما بالمبالغة، وإلا لم ~~يكن لزيادة هذه الصفة معنى، فبان أن التوبة قد تقع على وجوه فتكون مقبولة، ~~وقد تقع على خلاف تلك الوجوه فتكون غير مقبولة، وهذا يوضح الغرض الذي رمينا ~~إليه. # وبعد، فإنه سبحانه أخبر في هذه الآية التي كلامنا فيها: انه لا يقبل توبة ~~القوم الذي وصفهم بما وصفهم به، ولم يخبر سبحانه على أي وجه وقعت توبتهم، ~~وقد ثبت أنه لا يجب قبول كل ما يقع عليه اسم التوبة، ألا ترى أن التائب لو ~~تاب من القبيح لا لقبحه بل لامر آخر لم تكن تلك التوبة مقبولة!، وكذلك ~~المعاين عند حضور أجله، وانقطاع أمله NoteV00P159N01 وزوال لوازم التكليف ~~عنه، وحصوله مضطرا إلى المعرفة ملجأ إلى التحرز من ضرر العقوبة، لا تقبل ~~توبته، ويصحح ذلك قوله سبحانه: # (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن...) NoteV00P159N02، وكذلك توبة أهل النار، لأنهم ملجئون إلى ألا ~~يفعلوا القبيح، ولذلك لا يلزم من أساء إليه غيره أن يقبل اعتذاره، وهو عاجز ~~عن الإساءة في المستقبل. # فإذا صح ذلك فمن أين للخصوم أنه سبحانه لا يقبل توبة هؤلاء الذين # PageV00P159 # تابوا وقد وقعت توبتهم على الوجه الذي يوجب قبولها منهم! فظاهر هذا ~~الكلام على ما قدمناه لا يدل على ذلك، لأنه تعالى أضاف التوبة إليهم وهي لا ~~تقع منهم على ms092 كل وجه يصحح وقوعها، فادعاء العموم في جهاتها لا يصح. # وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك أن التوبة المتقدمة التي كانت قبل ~~الكفر وقبل الازدياد منه لا تقبل منهم، وقد ازدادوا الآن كفرا، لأنه تعالى ~~قد أخبر أنهم كانوا قبل ذلك مؤمنين بقوله: (كفروا بعد أيمانهم) فبين سبحانه ~~بهذا أن توبتهم وقعت محبطة بالكفر الذي ردفها ووقع في عقبها، وإنما تكون ~~التوبة نافعة إذا استمر التائب على طريقة الصلاح، وبعد من قبائح الأفعال، ~~وخرج عن الأصباب (1) والاصرار، إلى الاشفاق والحذار، ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: (فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك) NoteV00P160N01 فلم يجتز بقوله: ~~(تابوا) حتى قال: (واتبعوا سبيلك)، أي: لازموا الطريقة الصالحة، وفارقوا ~~الاعمال الموبقة. # ويحتمل ذلك أيضا أن يكون هؤلاء القوم أظهروا التوبة ولم يعتقدوها بل ~~عزموا في المستقبل على اثبات أمثال ما تابوا منه، ولم يندموا على ما فعلوه ~~لقبحه، وهذان الأمران - أعني: الندم على فعل القبيح لأنه قبيح، والعزم على ~~ترك معاودة مثله في المستقبل - طنبا التوبة # PageV00P160 # وعموداها اللذان بهما تقوم وعليهما تستقيم، فإذا أخل بهما أو بواحد منهما ~~كانت التوبة معتلة غير سليمة، ومعوجة غير قويمة. # وقد روي: أن هذه الآية نزلت في قوم ارتدوا مع الحارث بن سويد ابن الصامت ~~الأنصاري ولحقوا بمكة، ثم راجع الحارث الاسلام ووفد إلى المدينة، فتقبل ~~النبي صلى الله عليه وآله توبته، فقال من بقي من أصحابه على الردة: (نقيم ~~بمكة ما أردنا، فإذا صرنا NoteV00P161N01 إلى أهلنا رجعنا إلى المدينة ~~وأظهرنا التوبة، فقبلت منا كما قبلت من الحارث قبلنا)، فهذا الخبر يدل على ~~أنهم عزموا على إظهار التوبة بألسنتهم عياذا NoteV00P161N02، وليسوا ~~بعاقدين عليها اخلاصا فلذلك قال سبحانه: (وأولئك هم الضالون)، لأنهم لو ~~حققوا التوبة وأخلصوا فيها، لكانت مقبولة منهم ومحسوبة لهم. # يبين ذلك قوله تعالى أمام هذه الآية: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم - 89) ومعنى الاصلاح ههنا: الاخلاص في التوبة، ~~حتى يكون الباطن كالظاهر والخافي كالعالن، فأخبر سبحانه أنه لا يقبل ms093 من ~~التوبة إلا ما عقدت عليه القلوب والضمائر، وصدقته الأفعال والظواهر. # وقال بعضهم: إنما قال سبحانه: (لن تقبل توبتهم)، لأنهم تابوا من الكفر ~~الزائد، وثبتوا على الأصل الثابت، فلذلك كانت توبتهم غير مقبولة. وقيل: بل ~~تابوا من الكفر الأول ولم يتوبوا من الكفر # PageV00P161 # الثاني، فكان كفرهم واقعا بعد التوبة، فلذلك لم يقبل منهم. # وقد يجوز عندي - والله أعلم - أن يكون المراد بذلك (لن تقبل توبتهم ~~وأولئك هم الضالون) أي: لا تقبل توبتهم وهم على هذه الصفة من كونهم ضالين، ~~فيكون قوله تعالى: (وأولئك هم الضالون) حالا، ولا يكون ابتداء وخبرا، فنفى ~~تعالى قبول التوبة منهم وهم في حال الضلال، لان التوبة - كما بينا أولا - ~~لا يجب قبولها إلا مع الاخلاص والتحقيق، وبقاء العقد والضمير، ألا ترى إلى ~~قوله تعالى في الآية التي فيها يذكر النساء: (إلا الذين تابوا وأصلحوا ~~واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين... الآية - 145)، ~~فذكر تعالى بعد ذكر التوبة، الاصلاح والاخلاص، لان التوبة إن لم يتبعها ذلك ~~لم تسم توبة ولم تسقط عقوبة. # وقد دخلت على بعض العلماء NoteV00P162N01 شبهة، فزعم أنه لا يجوز أن يكون ~~أراد بقوله تعالى: (لن تقبل توبتهم) عند حضور الموت، وجعل علته في ذلك أن ~~الكافر إذا أسلم قبل موته ولو بطرفة عين، فحكمه حكم من أسلم قبل ذلك ~~بالأيام الكثيرة والمدة الطويلة: في الصلاة عليه والدفن له، وفي الموارثة، ~~وسائر الأحكام الجارية في الشريعة، وذهب عليه انه قد يجوز تعبدنا بذلك كله ~~فيه مع كونه ملجأ إلى إظهار الايمان، كما تعبدنا في المنافقين باجراء احكام ~~المسلمين عليهم، وإن كانوا كفارا بنفاقهم، فكان العمل على صلاح الظواهر مع ~~العلم بفساد البواطن. # PageV00P162 # فصل (ثم ازدادوا كفرا) فأما معنى قوله تعالى: (ثم ازدادوا كفرا) فقد ذكرت ~~فيه وجوه: # 1 - أحدها: أن هذه الآية نزلت في اليهود NoteV00P163N01، لأنهم كانوا ~~يبشرون بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله بالحلي والأوصاف، والسمات ~~والاخلاق، والورود بعد الفترة، والجهاد والهجرة، فلما ظهر صلى الله عليه ~~وآله مصدقا ms094 لتلك البشائر، ومحققا لتلك الشواهد، كذبه أعداء الله حسدا له ~~ونفاسة على العرب بمثله، فأنزل الله تعالى فيهم: (إن الذين كفروا بعد ~~إيمانهم) أي: بمحمد صلى الله عليه وآله (ثم ازدادوا كفرا) أي: بما أنزل ~~عليه من القرآن فكفروا كفرا مجددا (لن تقبل توبتهم) أي: عند موتهم. # وأراد سبحانه ههنا بذكر إيمانهم: تصديقهم بالنبي صلى الله عليه وآله، لان ~~أصل الايمان في اللغة هو: التصديق، إلا أنه من الأسماء المنقولة عن الأصل، ~~لأنه في الشرع اسم من أسماء المدح، وهذا يفيد استحقاق الثواب مع ضرب من ~~التعظيم، ومما يكشف ما ذكرنا من كونه في الأصل اسما للتصديق قوله سبحانه - ~~حاكيا عن بني يعقوب (ع) -: (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) ~~NoteV00P163N02 أي: بمصدق لنا ولو صدقنا، لشدة تهمتك لنا. # PageV00P163 # 2 - وقيل في ذلك: إنهم اليهود كفروا بعيسى (ع) وما أنزل عليه ثم ازدادوا ~~كفرا بمحمد صلى الله عليه وآله، فلن تقبل توبتهم عند موتهم، وذلك مروي عن ~~قتادة. وقيل: لن تقبل توبة هؤلاء من كفرهم بالمسيح (ع) مع إقامتهم على ~~الكفر بمحمد صلى الله عليه وآله. # 3 - وقيل أيضا: إنهم اليهود والنصارى من أهل الكتاب كفروا بعد إيمانهم ~~بالنبي صلى الله عليه وآله عند إعطاء صفاته وذكر علاماته، ثم ازدادوا كفرا ~~بذنوب واقعوها، فلا تنفع توبتهم منها، وهم مقيمون على كفرهم الأصلي الذي ~~كان قبلها. # 4 - وقيل أيضا: (ثم ازدادوا كفرا) أي: أقاموا على كفرهم إلى وقت حضور ~~آجالهم، ثم تابوا حين لا تنفع التوبة، ولا تماط الحوبة. وفي ما ذكرناه من ~~ذلك كاف بحمد الله تعالى. PageV00P164 # 18 - مسألة (زيادة الواو في (ولو افتدى به)) الجواب عن شبهة زيادة الواو ~~- مذهب المبرد في الحروف المزيدة في القرآن - الشعر يدخله النقص والزيادة ~~دون النثر - بلاغة أمير المؤمنين (ع) ونهج البلاغة - القرآن لا يقاس به ~~كلام - جواب المبرد عن سؤال زيادة واو (ولينذروا به) - الجواب عن الاحتجاج ~~بزيادة (ما) في (فبما رحمة) والواو في (وفتحت أبوابها) - موضعان آخران جاءت ~~فيهما هذه ms095 الواو - الجواب عن الاحتجاج ببيت للهذلي - فائدة هذه الواو في ~~الآية ومعناها. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به... - 91) فقال: وجه الكلام أن يقول: ~~(لو افتدى به)، بغير واو، فما معنى دخول الواو ههنا، والكلام غير مضطر ~~إليها! # فالجواب: أن في ذلك أقوالا للعلماء: فمنها - هو أضعفها - أن تكون الواو ~~ههنا مقحمة كاقحامها في قوله تعالى: (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها) ~~NoteV00P165N01، والمراد به فتحت أبوابها. # وأقول: إن لأبي العباس المبرد مذهبا في جملة الحروف المزيدة في # PageV00P165 # القرآن، أنا اذهب إليه وأتبع نهجه فيه، وهو: اعتقاد أنه ليس شئ من الحروف ~~جاء في القرآن إلا لمعنى مفيد، ولا يجوز أن يكون لقى مطرحا، ولا خاليا من ~~الفائدة صفرا، وذلك أن الزيادات والنقائص في الكلام إنما يضطر إليها ويحمل ~~عليها الشعر الذي هو مقيد بالأوزان والقوافي، وينتهي إلى غايات ومرام، فإذا ~~نقصت أجزاء كلامه قبل لحاق القافية التي هي الغاية المطلوبة، اضطر الانسان ~~إلى أن يزيد في الحروف، فيمد المقصور ويقطع الموصول NoteV00P166N01 وما ~~أشبه ذلك، وإذا زاد كلامه - وقد هجم على القافية فاستوقفته عن أن يتقدمها ~~وأخذت بمخنقه دون تجاوزها - اضطر صاحبه إلى النقصان من الحروف، فقصر ~~الممدود، ووصل المقطوع، وما أشبه ذلك، حتى يعتدل الميزان وتصح الأوزان. # فأما إذا كان الكلام محلول العقال مخلوع العذار، ممكنا من الجري في ~~مضماره، غير محجور بينه وبين غاياته، فإن شاء صاحبه أرسل عنانه، فخرج ~~جامحا، وأن شاء قدع NoteV00P166N02 لجامه، فوقف جانحا، لا يحصره امد دون ~~امد، ولا يقف به حد دون حد - فلا تكون الزيادات الواقعة فيه إلا عيا ~~واستراحة، ولغوبا وإلاحة NoteV00P166N03، وهذه منزلة ترفع عنها كلام الله ~~سبحانه الذي هو المتعذر المعوز، والممتنع المعجز، وكل كلام إنما هو مصل خلف ~~سبقه، وقاصر عن بلوغ أدنى غاياته، بل قد يرتفع عن هذه المنزلة كلام ~~الفصحاء، # PageV00P166 # المتقدمين، والبلغاء المحذقين، فضلا عما هو أعلى طبقات الكلام وابعد ms096 ~~مقدورات الأنام. # وإني لأقول أبدا: إنه لو كان كلام يلحق بغباره، أو يجري في مضماره - بعد ~~كلام الرسول صلى الله عليه وآله - لكان ذلك كلام أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب عليه السلام، إذ كان منفردا بطريق NoteV00P167N01 الفصاحة، لا تزاحمه ~~عليها المناكب، ولا يلحق بعقوه NoteV00P167N02 فيها الكادح الجاهد، ومن ~~أراد أن يعلم برهان ما أشرنا إليه من ذلك، فلينعم النظر في كتابنا الذي ~~ألفناه ووسمناه ب‍ (نهج البلاغة)، وجعلناه يشتمل على مختار جميع الواقع ~~الينا، من كلام أمير المؤمنين (ع) في جميع الأنحاء والأغراض، والأجناس ~~والأنواع: من خطب وكتب ومواعظ وحكم، وبوبناه أبوابا ثلاثة، لتشتمل على هذه ~~الأقسام مميزة مفصلة، وقد عظم الانتفاع به، وكثر الطالبون له، لعظيم قدر ما ~~ضمنه: من عجائب الفصاحة وبدائعها، وشرائف الكلم ونفائسها، وجواهر الفقر ~~NoteV00P167N03 وفرائدها. # وكلامه (ع) مع ما ذكرناه من علو طبقته وحلو طريفته NoteV00P167N04، ~~وانفراد طريقته، فإنه إذا حول ليلحق غاية من أداني غايات القرآن، وجدناه ~~ناكصا متقاعسا، ومقهقرا راجعا، وواقفا بليدا NoteV00P167N05، # PageV00P167 # وواقعا بعيدا، على أنه الكلام الذي وصفناه بسبق المجارين والعلو على ~~المسامين، فما ظنك بما دون ذلك من كلام الفصحاء وبلاغات البلغاء، الذي يكون ~~بالقياس إليه هباء منثورا، وسرابا غرورا!. وهذا الذي ذكرناه أيضا من معجزات ~~القرآن إذا تأمله المتأمل وفكر فيه المفكر، إذ كان الكلام المتناهي الفصاحة ~~العالي الذروة البعيد المرمى والغاية، إذا قيس إليه وقرن به، شال في ميزانه ~~وقصر عن رهانه، وصار بالإضافة إليه قالصا بعد السبوغ NoteV00P168N01، ~~وقاصرا بعد البلوغ، ليصدق فيه قول أصدق القائلين سبحانه إذ يقول: (... وإنه ~~لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) ~~NoteV00P168N02. # وقد ذهبنا عن غرض المسألة بعيدا للداعي الذي دعانا، والمعنى الذي حدانا، ~~ونحن نعود إلى عمود القول فيها بإذن الله فنقول: # وقد كان بعض من رام كسر المذهب الذي تقدم ذكرنا له عن المبرد واختيارنا ~~طريقته فيه، سأله عن قول الله سبحانه: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به) ms097 ~~NoteV00P168N03، فقال: قد علمنا أن هذه اللام لام كي، فما معنى إدخال الواو ~~عليها إن لم نقدرها مزيدة؟. فقال أبو العباس لسائله: # ألست تعلم أن قوله تعالى: (هذا بلاغ) مصدر وقوله: (ولينذروا به) فعل ~~موضوع في موضع المصدر، لان الأفعال تدل على مصادرها؟! # PageV00P168 # فالتقدير أن يكون هذا بلاغ للناس وإنذار، فبطل أن تكون الواو جاءت لغير ~~معنى. وقد أحسن أبو العباس في هذا الجواب غاية الاحسان. # فأما احتجاج من احتج في تجويز ورود الحروف لغير معنى في القرآن بل على ~~طريق الزيادة والاقحام، بقوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم...) ~~NoteV00P169N01، وقوله: إن (ما) ههنا زائدة، والمراد: فبرحمة من الله لنت ~~لهم - فليس الامر على ما ظنه، لان (ما) ههنا لها فائدة معلومة، وذلك أن ~~معناها تفخيم قدر الرحمة التي لان بها لهم، فكأنه قال تعالى فبرحمة عظيمة ~~من الله لنت لهم، وموقع (ما) ههنا كموقعها في قوله تعالى: (فغشيهم من اليم ~~ما غشيهم) NoteV00P169N02 فمن قولنا انه تعالى أراد: تعظيم ما غشيهم من موج ~~البحر، ولو لم تكن فيه هذه الفائدة لكان عيا لا يجوز على الحكيم تعالى أن ~~يأتي بمثله، وكان يجري مجري قول القائل: أعطيت فلانا ما أعطيته، إذا لم يرد ~~تفخيم العطية. # وأما استشهاد من استشهد على أن الواو زائدة في قوله تعالى: (ولو افتدى ~~به) بقوله سبحانه: (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها)، ولم يرد بعد ذلك خبر ~~NoteV00P169N03 (إذا) - فليس الامر على ما ظنه لان تقدير ذلك عند المحققين ~~من العلماء: (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها) دخلوها (وقال لهم خزنتها سلام ~~عليكم)، لان في تفتيح الأبواب # PageV00P169 # لهم دليلا على دخولهم، فترك ذكر الدخول لما في الكلام من الدلالة عليه. ~~وقد يسقط من القرآن كلم وحروف، ويدل فحوى الخطاب عليها اختصارا وحذفا، ~~وإبعادا في مذاهب البلاغة، وإغراقا في منازع الفصاحة، ولان فيما يبقى أدلة ~~على ما يلقى، إذ كانت البلاغة عند أهل اللسان لمحة دالة، وإشارة مقنعة، ولا ~~يجوز أن تزاد فيه الكلم والحروف التي ms098 ليس فيها زيادة معان أو أدلة على ~~معان، على ما قدمناه من كلامنا في هذا المعنى، لان ذلك من قبيل العي ~~والفهاهة، كما أن الأول من دلائل الاقتدار والفصاحة. # وفي القرآن موضعان آخران جاءت فيهما هذه الواو التي قدر أنها مزيدة، ما ~~رأيت أحدا ينبه عليهما، وإنما عثرت انا بهما عند الدرس، لان العادة جرت بي ~~في التلاوة أن أتدبر غرائب القرآن وعجائبه وخفاياه وغوامضه، فلا أزال أعثر ~~فيه بغريبه، وأطلع على عجيبه، وأثير منه سرا لطيفا، واطلع خبيا طريفا وأحد ~~الموضعين المذكورين، في السورة التي يذكر فيها يوسف (ع)، وذلك قوله تعالى: ~~(فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم ~~بأمرهم هذا وهم لا يشعرون 15) فلم يرد بعد (فلما) خبر لها، وهذا مثل الآية ~~التي في الزمر سواء، إلا أن تلك تداول الناس الاستشهاد في هذا الموضع بها، ~~وهذه خفيت عنهم فترك ذكرها، وتأويل هذه كتأويل تلك لا خلاف بينهما، لان في ~~قوله تعالى: (وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب) دليلا على جعله فيه، بقوة ~~العزم PageV00P170 # منهم والاجماع المنعقد بينهم، وكأنه تعالى قال: (حتى إذا ذهبوا به ~~واجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب) جعلوه هناك (وأوحيناه إليه)، فالموضعان ~~متفقان في المعنى. # والموضع الآخر قوله تعالى في الصافات: (فلما أسلما وتله للجبين 103 ~~وناديناه أن يا إبراهيم 104 قد صدقت الرؤيا... - 105)، فلم يكن بعد قوله ~~تعالى: (فلما) ما يجوز أن يكون خبرا لها، فالمواضع الثلاثة إذن متساوية. # فأما استشهادهم NoteV00P171N01 ببيت الهذلي NoteV00P171N02، وهو آخر ~~القصيدة ولم يرد بعده ما يجوز أن يكون خبرا له وذلك قوله: # حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلا كما تطرد الجمالة الشردا (وقتائدة: اسم ~~موضع NoteV00P171N03. والجمالة: أصحاب الجمال كما يقال: الحمارة والبغالة ~~لأصحاب الحمير والبغال. والشل: الطرد. # والشرد: الإبل الشاردة)، فليس الامر أيضا على ما قدروه في هذا البيت، ~~وذلك أن معناه عند المحققين كمعنى الآيتين المذكورتين سواء، لان الشاعر لما ~~جاء بالمصدر الذي هو قوله: (شلا) كان فيه دلالة ms099 على الفعل، وكأنه قال: حتى ~~إذا أسلكوهم في هذا الموضع شلوهم شلا، فاكتفى بذكر المصدر عن ذكر الفعل، ~~لان فيه دلالة عليه. # PageV00P171 # فإذا ثبت ما قلنا رجعنا إلى ذكر قول العلماء المحققين في معنى هذه الواو، ~~إذ كانت عندهم واردة لفائدة لو لاها لم تعلم، فنقول: # إن معنى ذلك عندهم (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ~~ملء الأرض ذهبا) على وجه الصدقة والقربة ما كانوا مقيمين على كفرهم، ثم قال ~~تعالى: (ولو افتدى بهذا المقدار أيضا - على عظم قدره - من العذاب المعد له ~~ما قبل منه)، فكأنه تعالى لما قال: (فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا) عم ~~وجوه القبول بالنفي ثم فصل سبحانه لزيادة البيان NoteV00P172N01، ولو لم ~~ترد هذه الواو لم يكن النفي عاما لوجوه القبول، وكان القبول كأنه مخصوص ~~بوجه الفدية، دون غيرها من وجوه القربة، فدخلت هذه الواو للفائدة التي ~~ذكرناها من التفصيل NoteV00P172N02 بعد الجملة. # فأما من استشهد على زيادة الواو ههنا بقوله تعالى في الانعام: # (وليكون من الموقنين 75)، وقدر ان الواو هناك زائدة، فليس الامر على ما ~~قدره، لان الواو هناك عاطفة على محذوف في التقدير، فكأنه تعالى قال: (وكذلك ~~نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض) لضروب من العبر (وليكون من الموقنين). # فان قال قائل: قد وردت في القرآن آيات تدل على أن نفي القبول منهم لما لو ~~قدروا عليه لبذلوه إنما هو في الافتداء من العذاب لا غير، # PageV00P172 # فوجب أن يكون ذلك أيضا في هذه الآية التي نحن في تأويلها مختصا بهذا ~~الوجه، دون وجه الصدقة والقربة، فيصح أن الواو ههنا زائدة. فمن الآيات ~~المشار إليها قوله تعالى في المائدة: (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في ~~الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم ~~عذاب أليم 36) ومنها أيضا قوله سبحانه في الرعد: (للذين استجابوا لربهم ~~الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~لافتدوا به... الآية ms100 18). # قيل له: قد ورد في القرآن أيضا ما يدل على نفي القبول منهم لما يبذلونه ~~في وجوه القرب والصدقات: فمن ذلك قوله تعالى في براءة: (قل أنفقوا طوعا أو ~~كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين 53 وما منعهم أن تقبل منهم ~~نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ~~ينفقون إلا وهم كارهون 54)، فإذا وجدنا القرآن قد دل في مواضع على نفي ~~القبول منهم لما يبذلونه على وجه القربة، وما يبذلونه على وجه الفدية ~~والقربة، لم يكن مخالفنا أولى بحمل ذلك على وجه القربة منا بحمله على وجه ~~الفدية والقربة جميعا، إذ كان فيهما زيادة معنى، وكنا مع هذه الحال نافين ~~عن كلام الله تعالى ما لا يليق به من ايراد الزوائد المستغنى عنها، والتي ~~لا يستعين بمثلها إلا من يضطره ضيق العبارة إليها أو يحمله فضل العي عليها، ~~وذلك مزاح عن كلام الله سبحانه، فكلما حملت حروفه على زيادات PageV00P173 # المعاني والأغراض كان ذلك أليق به من حمله على نقصان المعاني، مع زيادات ~~الألفاظ، وفي ما ذكرناه من ذلك مقنع بحمد الله تعالى. # 19 - مسألة (أول بيت وضع للناس) الجواب عن الشبهة في تقدم وضع البيت - ~~البيت الحرام اقدم من بيت المقدس - جواب للمؤلف مبتكر - اعراب (مباركا) في ~~الآية ومعناه - جواب قاضي القضاة. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين - 96)، فقال: كيف جاز هذا القول، وقد جاء في الاخبار أن آدم ~~عليه السلام وبعض أولاده ابتنوا بيوتا ومساكن، واتخذوا دورا ومدائن، والبيت ~~الحرام إنما بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام؟! # فالجواب: أن للعلماء في هذه المسألة أقوالا: # 1 - منها، أن يكون المراد بذلك أن أول بيت وضع لعبادة المكلفين - قبلة ~~لصلاتهم وغاية لحجهم ومؤدى لمناسكهم - هذا البيت ببكة، PageV00P174 # وإن كان من قبله بيوت ليست هذه صفتها. وهذا القول مروي عن أمير المؤمنين ~~علي عليه السلام. # 2 - وقال بعضهم: إن أول بيت وضع للناس مباركا هذا ms101 البيت، فكأن قوله ~~تعالى: (مباركا) حال للوضع، فانفرد بالحال المميزة من سائر البيوت المتقدمة ~~وأسباب بركته كثيرة: منها أنه متعبد من متعبدات الله العظام التي إذا اخرج ~~المؤمن من الحق الواجب عليه فيها صلاة وحجا، استحق الثواب وأمن العقاب. ~~ومنها أن جعل حكم من دخله أن يأمن مما يخافه حتى يخرج منه، على اختلاف ~~العلماء في (معنى 1) ذلك. # ومنها أمان الوحش والطير فيه، فلا يختلها خاتل، ولا يقتنصها حابل، وما ~~يجري مجرى ذلك. # 3 - وقيل: إن هذه الآية نزلت على سبب، وذلك أن اليهود قالوا: (بيت المقدس ~~أعظم قدرا من الكعبة، لأنه مهاجر النبيين وقرارة الصديقين)، فنزلت: (إن أول ~~بيت وضع للناس... الآية). # وبعد، فالبيت الحرام من بناء إبراهيم (ع)، وأول من اختط بيت المقدس ~~واتخذه مسجدا داود (ع)، وبناه سليمان من بعده فشاد بنيانه وفسح أعطانه ~~NoteV00P175N02، وجاء في الخبر: (انه أصاب بني إسرائيل على عهد داود طاعون ~~أسرع فيهم وذهب بعامتهم، فخرج داود بالناس إلى موضع بيت المقدس، فدعا الله ~~سبحانه ان يرفع عنهم ذلك الموتان، # PageV00P175 # فاستجيب له، فاتخذ ذلك الموضع مسجدا تبركا به وتعظيما له، وبدأ ببنائه ~~فنودي قبل أن يستتمه، فأوصى إلى سليمان (ع) باستتمامه، فعامته من بناء ~~سليمان)، فثبت ان البيت الحرام اقدم وضعا من بيت المقدس، إذ كان باني ذلك ~~إبراهيم وإسماعيل، وباني هذا داود وسليمان، وبين داود وسليمان، وبين جدهما ~~إبراهيم قرون خالية وأمم متناسخة. # 4 - وقال بعضهم: معنى (إن أول بيت وضع للناس): أن الله سبحانه تولى وضع ~~أساسه بالملائكة، وسائر البيوت تولى بناءها الناس، واستدل صاحب هذا القول ~~بقوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل...) ~~NoteV00P176N01، فجعل هناك قواعد كانت مقررة قبل بناء إبراهيم فرفعها ~~إبراهيم عليه السلام. # 5 - وقد يجوز عندي أيضا - والله أعلم - أن يكون المراد بذلك أن أول بيت ~~امر الله تعالى ببنائه البيت الحرام، لما أراد الله سبحانه من تعظيم قدره ~~وإسناء ذكره ونفع الناس به، ومما يقوي ذلك قول إبراهيم وإسماعيل: (ربنا ~~تقبل منا) ms102 فدل ذلك على أنهما جعلا بناء البيت جهة من جهات القربة إلى الله ~~سبحانه في اتباع امره والعمل لوجهه، فكان فحوى هذا الكلام يحتمل أن يكونا ~~أمرا بأمر فاتبعاه ونصا NoteV00P176N02 إلى مدى فبلغاه، وهذا القول مما خطر ~~لي ولم أجده لمن تقدمني. # وقوله تعالى: (مباركا) ينتصب من وجهين (أحدهما) ب‍ (وضع # PageV00P176 # للناس)، على الحال من الضمير الذي فيه، وفي هذا الوجه يجوز أن يكون قد ~~تقدمه بيوت غيره، فاختص به هو وتميز، بأنه وضع مباركا. (والوجه الآخر) ~~ينتصب بالظرف من (بكة)، على معنى الذي استقر ببكة مباركا، وفي هذا الوجه لا ~~يجوز أن يكون قد وضع قبله بيت غيره، كما جاز في الوجه الأول لان الوضع ههنا ~~لا تعلق له بالحال التي هي قوله: (مباركا)، فكأنه أول بيت وضع للناس على ~~الاطلاق، فلا حال تميزه من غيره. # ومعنى قوله تعالى: (مباركا) أي: ثابت النفع للناس، لان أصل البركة مأخوذ ~~من الاستقرار والثبوت، وهو قولهم: برك بركا وبروكا، إذا ثبت على حاله، ~~والبركة: ثبوت الخير واستقراره وزيادته ونماؤه، ومنه قولهم: (تبارك الله) ~~أي: ثبت ولم يزل ولا يزال، ومنه قيل للصدر: البرك، لثبوت المحفوظات فيه، ~~ومنه (بركاء الحرب) NoteV00P177N01 اي: الثبوت فيها أو ثبوتها واستقرار ~~شدتها. # وقد يمكن - على ما قدمناه - أن يكون معنى كونه مباركا ثبوت العبادة فيه ~~ولزومها واستمرارها واتصالها، على ما يحكى من أن الطواف به لا يكاد ينقطع ~~ليلا ولا نهارا، أو التوجه إليه في الصلاة متصل على وجه الدهر لا انقطاع له ~~ولا زوال. # 6 - وقال قاضي القضاة أبو الحسن: اختلف الناس في المراد # PageV00P177 # بقوله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا): فمنهم من يقول ~~إنه أول بيت بني. ومنهم من يقول: أول بيت بني للعبادة كالصلاة والحج ~~والمناسك، ثم اختلفوا في أول من تولى بناءه، فقال بعضهم: إبراهيم وإسماعيل ~~(ع)، وقال آخرون: بل كان مبنيا من قبل، ثم زال البناء بالغرق أيام الطوفان، ~~وإنما أعاد بناءه إبراهيم وإسماعيل، حتى أن فيهم من ms103 يقول: إنه كان موضعا ~~لتعبد الملائكة قبل خلق آدم عليه السلام، ويذكر في ذلك اخبارا كثيرة. # والذي ثبت بالقرآن أن إبراهيم وإسماعيل بنياه، فذلك يقين، وما تقدم موقوف ~~على الخبر الصحيح، والصحيح: أنه أول بيت وضع للعبادة لا للسكنى، ودليل ذلك ~~أنه تعالى اضافه إلى الناس إضافة مطلقة، والاطلاق يقتضي أن تكون الإضافة ~~إلى الناس في حكم يشتركون فيه، وليس يصح ذلك إلا بأن يكون قبلة لهم، وموضعا ~~لقضاء حجهم ومناسكهم، لأنا نعلم أن الأبنية قد كانت من قبل إبراهيم ~~وإسماعيل بالزمان الطويل والمدى البعيد. PageV00P178 # فصل (آيات بينات مقام إبراهيم) الجواب عن شبهة ابدال المفرد (مقام) من ~~الجمع (آيات) - معاني المقام - آيات الحرم - تألف الوحوش والسباع - اثر قدم ~~إبراهيم بالصخرة - ذهاب حصى الجمار - امتناع الطير من العلو فوق البيت - ~~اختلاط الطير والوحش بالناس - تعجيل عقوبة منتهك الحرم سابقا - اختصاص ~~المعجز بزمان النبي - مرجع ضمير (فيه آيات) - استمرار المعجز بعد النبي فان ~~قال قائل: كيف قال سبحانه: (فيه آيات بينات)، ثم قال: (مقام إبراهيم)، ~~ومقام إبراهيم بدل من آيات بينات، وهذا واحد وتلك جمع، وينبغي أن يكون ~~البدل على حد المبدل منه!. # قيل له: إن في ذلك أقوالا: # 1 - أحدها، ما روي عن ابن عباس: أنه قرأ (فيه آية بينة مقام إبراهيم) ~~فجعل البدل على حد المبدل، فسقط سؤال السائل على قراءة من قرأ ذلك. - 2 - ~~وإما رفع مقام إبراهيم بأن يكون على اضمار: # هي مقام إبراهيم. # 3 - وقال قائلون: المعنى منها مقام إبراهيم NoteV00P179N01 # PageV00P179 # 4 - وقال بعض العلماء (وهو من الأقوال الغريبة): إن قوله تعالى: (مقام ~~إبراهيم) جمع مقامة، كما جمعوا معونة على معون NoteV00P180N01 ومنه قوله ~~الشاعر (2): # بثين الزمي (لا) إن (لا) إن لزمته * على كثرة الواشين أي معون اي: الزمي ~~قول: (لا) إظهارا لجحد ما بيننا وغطاء على مكنون ودنا، فان ذلك أعظم معونة ~~على الواشين بنا والماشين علينا، وإذا كان مقام إبراهيم في معنى الجمع على ~~هذا القول سقط سؤال السائل. # 5 - وقال بعضهم: معنى (فيه آيات ms104 بينات) اي: علامات ظاهرات، وهي المناسك ~~والشعائر التي بين الله للناس مواضعها، ليقضوا متعبداتهم عندها، ولم يرد ~~تعالى بذلك: الآيات التي هي الاعلام الخارقة للعادات كما يقوله عامة ~~المفسرين، وقال صاحب هذا القول NoteV00P180N03: (إن المراد بمقام إبراهيم ~~الحرم كله، لا الموضع المخصوص من الصخرة التي أثر فيها قدمه) إذ كان مقام ~~إبراهيم عنده في تأويل الجمع، وتقديره: مقامات إبراهيم، إلا أنه قال: ~~(مقام)، لان المصدر بمعنى الجمع، كما # PageV00P180 # قال تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم...) NoteV00P181N01 أي: ~~أسماعهم، وكذلك قوله سبحانه: (لا يرتد إليهم طرفهم...) NoteV00P181N02 لأنه ~~على معنى: طروفهم NoteV00P181N03، وعلى ذلك قول الشاعر NoteV00P181N04: # - إن العيون التي في طرفها مرض * قتلننا ثم لم يحيين قتلانا فكأنه جعل ~~الآيات البينات ما بينه إبراهيم (ع) للناس بأمر الله تعالى في تلك المواضع: ~~من مناسكهم ومواضع متعبداتهم، فكانت المناسك كلها داخلة في مقام إبراهيم. # والمقام أيضا: المجلس (وهو من غرائب التفسير) وذلك قوله تعالى في قصة ~~سليمان: (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك...) ~~NoteV00P181N05 اي: من مجلسك، وقوله: # (قبل أن تقوم) يدل على أنه كان قاعدا، وإنما سمي المجلس: مقاما، لان فيه ~~يكون قيام الجالس بعد قعوده، وهذا من عجائب كلامهم، وغوامض مصارف لسانهم. ~~والمقامة أيضا: الجماعة من الناس، ومنه قول لبيد: # ومقامة غلب الرقاب كأنهم * جن البدي رواسيا أقدامها NoteV00P181N06 # PageV00P181 # أي: جماعة هذه صفتهم. # * * * قال بعضهم: ومن آيات الحرم التي لا توجد في غيره أن الوحش والسباع ~~إذا دخلته وصارت في حدوده لا يقتل بعضها بعضا، ولا يؤذي بعضها بعضا، ولا ~~تصطاد فيه الكلاب والسباع سوانح الوحش التي جرت عادتها بالاصطياد لها، ولا ~~تعدو عليها في ارض الحرم، كما تعدو عليها إذا صادفتها خارج الحرم، فهذه ~~دلالة عظيمة وحجة بينة على أن الله تعالى هو الذي أبان هذا البيت وما حوله، ~~بهذه الآية، من سائر بقاع الأرض، لأنه لا يقدر أن يجعل هذه البقعة التي ~~ذكرناها، على ما وصفناه منها، وأن يحول ms105 بين السباع فيها وبين مجاري ~~عاداتها، وحوافز NoteV00P182N01 طبائعها وعمل النفوس السليطة ~~NoteV00P182N02 التي ركبت فيها، حتى تمتنع من مواقعة الفرائس، وقد أكثبت ~~لها NoteV00P182N03 وصارت أخذ أيديها، بل تأنس بأضدادها، وتأنس الأضداد بها ~~- إلا الله سبحانه، لان هذا خارج عن مقدار قوى المخلوقين وتدابير ~~المربوبين. # ومن الآيات التي خص الله تعالى هذا الموضع بها مقام إبراهيم (ع) في ~~الصخرة، من حيث ألان الله سبحانه له أصلادها NoteV00P182N04 بعد الصلابة، ~~وخلخل اجزاءها بعد الكثافة، حتى أثرت قدمه فيها راسخة، وتغلغلت سائخة، كما ~~يتغلغل في الأشياء الرخوة والأرض الخوارة NoteV00P182N05 # PageV00P182 # ومنها ذهاب حصى الجمار وعدمه وخلو مواضعه منه، على كثرة الرامين به ~~واجتماعه في مواضعه، ولولا أنه سبحانه جعل تقليل كثيره وإعدام موجوده من ~~بعض آيات تلك البقعة، لساوى الجبال أظلالا، وجعل (البطحاء) جبالا، لا سيما ~~وليس موضع الجمرتين الأولتين خاصة موضع مسيل ماء ولا طريق سيل، فيظن الظان ~~أن السيول تذهب بحصاهما NoteV00P183N01، وتفرق ما يجتمع فيهما. # ومنها امتناع الطير من العلو على البيت الحرام، حتى لا يطير طائر إلا ~~حوله من غير أن يعلو فوقه. ثم استشفاء المريض من الطيب NoteV00P183N02 به ~~على ما تناصر الخبر بذكره NoteV00P183N03 فأما الذي شاهدته أنا عند مقامي ~~بمكة في السنة التي حججت فيها، فامتناع الطير من التحليق فوق البيت، حتى ~~لقد كنت أرى الطائر يدنو من المطرح السحيق والمنزع البعيد، في أحد طيرانه ~~وأسرع خفقان جناحه، حتى أقول: قد قطع البيت عاليا عليه وجائزا به، فما هو ~~إلا أن يقرب منه حتى ينكسر NoteV00P183N04 منحرفا ويرجع متيامنا أو ~~متياسرا، فيمر عن شمال البيت أو يمينه، كأن لافتا يلفته أو عاكسا يعكسه، ~~وهذا من اطرف ما شاهدته وجربته. # فأما اختلاط الطير بالناس هناك، حتى لا تنفر من ظلالهم، ولا تتباعد عن ~~همس أقدامهم، فهو شئ بين واضح، ولعهدي بجماعات من # PageV00P183 # المصلين في المسجد الحرام، وهم يكفكفون الطير بأيديهم عن مواضع سجودهم، ~~لشدة قربها منهم واختلاطها بهم، ولقد رأيت ظبيا وحشيا يتخرق الأسواق، ويقف ms106 ~~على جماعة من بائعي الأقوات، فربما انتشط NoteV00P184N01 نشطة، أو اجتذب ~~الشئ بعد الشئ خلسة، وعليه سيماء الساكن ودعة المطمئن الآمن، حتى ربما طرد ~~فلم يرعه الطرد ولم يفزعه الايماء باليد. وقيل لي - ولم أره -: إنه إذا ~~جاوز أنصاب الحرم NoteV00P184N02 خرج كالسهم المارق، أو البرق الخاطف، كأن ~~الروعة إنما أدركته بعد خروجه من حدود الحرم ودخوله في أراضي الحل، فتبارك ~~الله رب العالمين! # ومنها تعجيل العقوبة لمن انتهك حرمته، على عادة كانت جارية بذلك فيما ~~تقدم، قبل استقرار الشرع ووروده بالأمر والنهي - فأما الآن فلا يجب على ~~القديم تعالى عندنا المنع من الظلم في دار التكليف، وفي ذلك كلام طويل ليس ~~هذا موضع ذكره - ومثل ذلك ما فعله الله تعالى في الجاهلية بمن قصد البيت ~~الحرام لاحرابه، والحرم لانتهاكه، عام الفيل، من تعجيل النقمات وإنزال ~~المثلات NoteV00P184N03، وبروك الفيل بالمغمس NoteV00P184N04، حتى لم يقدم ~~به الزجر الشديد والسوق العنيف. وحديث ذلك يطول. # قال قاضي القضاة أبو الحسن: (ومثل ذلك لا يكون إلا معجزا في زمن نبي، ~~فأما تمكن من تمكن من تخريبه ورميه بالأحجار وإحراقه بالنار، في أيام بني ~~مروان، فلان النبوة قد ارتفعت، فلا يصح ظهور المعجز حينئذ، وإنما يصح ذلك ~~في أزمان الأنبياء. واختلف العلماء في أن الهاء # PageV00P184 # من قوله تعالى: (فيه آيات بينات) على ماذا ترجع؟، فقال بعضهم: # ترجع إلى البيت إلا أن يكون هناك دليل يدل على رجوعها إلى غيره. # ومنهم من يقول: ترجع إلى بكة، وهي موضع البيت (1). وقيل: هي الحرم كله. ~~وكلا المذكورين مظهران (2)، فلا يمتنع رجوع الكناية (3) إليهما). قال: ~~(ظاهر قوله تعالى: (ومن دخله) يقتضي أن يكون المراد البيت، لان إطلاق ~~الدخول يصح فيه دون البقعة). # قلت أنا: وهذا القول غير سديد، لأنه قد يصح أن يقال: # دخلت المدينة، كما يقال: دخلت البيت، وذلك أظهر في كلامهم من أن يشار ~~إليه، ألا ترى إلى قوله تعالى: (ولو دخلت عليهم من أقطارها) ~~NoteV00P185N04، وأطبق العلماء - لا يتعاجمون (5) - على أن المعني بذلك ~~مدينة الرسول ms107 صلى الله عليه وآله، وعدوا ذلك من أبواب الفصاحة العجيبة، ~~لأنه أراد سبحانه المدينة، ولم يجر لها في السورة التي هي الأحزاب ذكرا قبل ~~الآية المذكورة ومثل ذلك قوله سبحانه في ص: # (حتى توارت بالحجاب 32)، وإنما أراد به NoteV00P185N06: الشمس، ولم يجر ~~لها في جميع السورة ذكر. # وقد قال تعالى أيضا ما هو أوضح مما ذكرناه في ذلك، وهو قوله سبحانه: # PageV00P185 # ﴿ودخل المدينة على حين غفلة من ~~أهلها...﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله ~~لكم...﴾ (2)، فسمى دخول الأرض دخولا، كما يسمى دخول الأبنية دخولا، ~~ومثل ذلك في كلامهم كثير، فعلى ما بينا يصح قولهم: دخلت البيت والدار، كما ~~يقولون: دخلت المدينة والسوق. # فان قال قائل: فكيف يكون ما ذكرتموه من آيات البيت مستمرا إلى الآن، على ~~قول من يقول: إن ذلك لا يكون إلا في أزمان الأنبياء، ولا نبي في هذا ~~الزمان؟! # قيل له: إن بقاء المعجز قد يصح في غير زمن الأنبياء عليهم السلام، فلا ~~يمتنع كون ذلك معجزا لبعض الأنبياء ثم دام واتصل، كما نقوله في الطلسمات ~~وحجر المغناطيس (3) وغير ذلك، ويفارق اتصال المعجز وبقاؤه استينافه ~~وابتداءه، لان الابتداء لا يصح إلا في زمان الأنبياء، والبقاء يصح (4) في ~~غير أزمان الأنبياء، وهذا واضح بحمد الله. # PageV00P186 # فصل (ومن دخله كان آمنا) واختلف الناس في قوله تعالى: (ومن دخله كان ~~آمنا)، فبعض العلماء ذهب إلى أنه أمان كان وانقطع، وبعضهم ذهب إلى أنه أمان ~~مستمر غير منقطع، ثم اختلفوا: فمنهم من يقول: إنه أمان على الخصوص، ومنهم ~~من يقول: أمان على العموم ومنهم من جعله من جملة الآيات وتفسيرا لما أجمله ~~تعالى من قوله: (فيه آيات بينات)، ومنهم من جعله ابتداء حكم. # واختلفوا بعد ذلك: فمنهم من جعله خبرا، ومنهم من جعله تعبدا وأمرا. # فمن قال: إن هذا الأمان إنما كان في الجاهلية دون الاسلام، فإنما عنى به ~~دفع الله سبحانه عن ساكنه وداخله ظلم ms108 الظالمين واعتداء الجبارين، وما وقص ~~NoteV00P187N01 تعالى من رقاب البغاة دونه، وجذ NoteV00P187N02 من أيدي ~~الظلمة عنه، حتى أن ذلك كالعادة المستمرة: تجري على اتساق وتسري بلا انقطاع ~~وتستبطأ إذا تأخرت بعض التأخر، ثقة بأنها جارية على أذلالها NoteV00P187N03 ~~وواقعة على عاداتها، لا شك في ذلك وإن أبطأت يسيرا وجنحت قليلا. وقال أيضا ~~صاحب هذا القول: (إن الله سبحانه جعل أمن من دخله - على ذلك العهد - من ~~الانس والوحش، آية # PageV00P187 # لإبراهيم (ع) عند قومه، ليزدادوا إيمانا به وتعظيما للبيت الحرام من ~~اجله، وإنه في ذلك مباين لبيت المقدس وغيره، لان هذا المعنى من الامن لا ~~يحصل فيه). وقد ذكرنا في ما تقدم: أن هذا النظام اختل في الاسلام للعلل ~~التي أومأنا إليها وهتفنا ببعضها، فصار هذا الأمان - على قول صاحب هذا ~~القول - مما كان فانقطع، لا مما دام واستمر ومن قال منهم: (إنه أمان مستمر ~~غير منقطع في الجاهلية والإسلام) فإنما عنى به أن من دخله - وهو خائف على ~~نفسه من ظلم ظالم أو غشم غاشم - امن على نفسه لما يجب من تعظيم الحرم ~~وإيجاب حرمته وتكريم بقعته وترك ترويع من لجأ إلى ظله واعتصم بحبله، وهذا ~~من طريق الحكم والامر والتمييز لبقعته من بقاع الأرض، وأما من جنى الجنايات ~~واستوجب البوار والقصاص (1)، فان أمانه فيه غير مطلق، بل هو بشروط وقيود، ~~وعلى أوصاف وحدود، نحن بمشيئة الله نشير إليها ونذكر طرفا منها. # ومن قال: (إنه أمان على الخصوص). فإنه يذهب إلى أن ظاهر قوله تعالى: (ومن ~~دخله كان آمنا) الخبر، لأنه كالوصف، وهو الغرض المقصود، دون تعريف الاحكام ~~والشروط، وإذا كان كذلك - ولم يمكن أن يكون قوله تعالى: (كان آمنا) محمولا ~~على كل آمن، لان المتعالم (2) فيمن دخله أنه لا يأمن من الظلم ولا يأمن من # PageV00P188 # قبل الله تعالى البلوى بالشدائد والفقر وإنزال الأمراض والموت إلى غير ~~ذلك - فالمراد به اذن أمن مخصوص، وهو: دفاع الله عنه من يريد انتهاك حرمته ~~وإخفار ذمته وإبطال ما خصه الله تعالى به ms109 من التعظيم لقدره و (الإشادة 1) ~~بذكره (2)، إذ يقول عز من قائل: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم) (3) ومن قال: (إنه أمان عام للناس وغيرهم) فإنما جوز أن يدخل في صفة ~~الامن به الوحش والطير أيضا، لان لفظة (من) إذا أريد بها ما يعقل وما لا ~~يعقل صح أن يعبر بها عن الجنسين جميعا، إذا جاز دخولهما تحتها، كما ذكرنا ~~في ما مضى من كلامنا (4)، وذلك قوله تعالى: # (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع) NoteV00P189N05، فقال: (منهم) وهي عبارة عما ~~يعقل، ثم قال: (يمشي على بطنه) و (على أربع)، وهما صفتان لما لا يعقل وقد ~~أتى فيهما بمن، وإنما جاز ذلك لتغليب ما يعقل على ما لا يعقل عند الاشتراك ~~في الصفات، فإنه سبحانه لما قال: (فمنهم) وهي كناية عما يعقل، جاز أن يعبر ~~بمن عما لا يعقل، لوقوع الاشتراك. # وهذا يدلك أيضا على قوة غلبة صفات ما يعقل لصفات مالا يعقل في # PageV00P189 # كلامهم، وإن كان جنس ما يعقل في اللفظ المذكور أقل من جنس مالا يعقل، ألا ~~ترى أنه تعالى في هذه الآية جاء بثلاث صفات: واحدة منها يختص بها ما يعقل، ~~واثنتان يختص بهما ما لا يعقل. # وفي الناس أيضا من ذهب في هذه الامن إلى العموم من وجه آخر وهو: أنه حمل ~~قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) على البيت خصوصا، لا على المسجد والحرم، ~~وحرم أن يقام الحد عليه في نفس البيت، فحمل الكلام على عمومه في كل جان إذا ~~اعتصم به ولجأ إليه. # وقال قاضي القضاة أبو الحسن: قد ظن بعضهم أن قوله تعالى: # (ومن دخله كان آمنا) لا يجوز أن يكون خبرا لأنه لو كان كذلك لوجب ألا ~~يوجد مخبره على خلافه، فأوجب من هذا الوجه أن يكون تعبدا وأمرا. # وهذا بعيد، لان الخبر قد يجوز ان يختص NoteV00P190N01 - كما يجوز ذلك في ~~الامر - وقد يدخله الشرط، ms110 فما الذي يمنع أن يجعل ذلك خبرا! إلا أن يثبت ~~بالدليل خلافه، ومما يبين NoteV00P190N02 أنه لا ظاهر لذلك أن العبد لا ~~يخلو من خوف، فلا يصح أن يوصف بأنه آمن على الاطلاق، وما هذه حاله من ~~الأوصاف لابد أن يكون في حكم المجمل المحتاج إلى البيان. # وقال بعض العلماء: لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله تعالى: # (ان أول بيت وضع للناس) موجودة في جميع الحرم، ثم قال سبحانه: # (ومن دخله كان آمنا)، وجب أن يكون مراده بذلك جميع الحرم، واستدل على ذلك ~~بقوله تعالى: (أولم نمكن لهم حرما آمنا # PageV00P190 # يجبى إليه ثمرات كل شئ...) NoteV00P191N01، وبقوله سبحانه: (أولم يروا ~~أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم..) NoteV00P191N02، وهذا نص على ~~أمان الحرم كله. # ومعنى قوله تعالى: (آمنا)، أي: يؤمن فيه، لان الحرم نفسه يستحيل أن يوصف ~~بالخوف أو الامن، وإنما يأمن أهله ويخافون، وهذا كثير في كلامهم: كما ~~قالوا: ليل نائم، أي: ينام فيه، ويوم NoteV00P191N03 ساكن، أي: يسكن فيه، ~~وعيش غافل، أي: يغفل فيه، وشباب إبله، أي: يتبله صاحبه فيه ذهولا في سكرته ~~ورسوبا في غمرته، قال الراجز NoteV00P191N04: # لما رأتني خلق المموه * براق أصلاد الجبين الأجله بعد غداني الشباب ~~الأبله والى قريب من هذا المعنى ذهب بعض المفسرين في قوله تعالى: # (والشجرة الملعونة في القرآن...) NoteV00P191N05، فقال: المراد بذلك ~~الملعون آكلها، لان الشجرة نفسها يستحيل أن تلعن وتذم. وهذا من غرائب ~~التفسير، وإن كان كثير من العلماء على خلافه، إذ حملوا # PageV00P191 # اللفظ على غير ظاهره، فيتأولون الشجرة ههنا على أنها كناية عن بني أمية ~~بأخبار كثيرة ينصونها إلى الرسول صلى الله عليه وآله، وقد يعبر بالشجرة عن ~~جماع القوم ومجتمع أصلهم وجمهور نسبهم وقبيلتهم، كما يقال: # شجرة بني فلان، إذا أرادوا بها ذلك، فكأنه تعالى قال: والقبيلة الملعونة، ~~فيكون اللعن حينئذ متوجها إلى من يجوز أن يستحقه. # وقال صاحب القول الذي ذكرناه: إن قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) يقتضي ~~أمنه على نفسه، سواء كان جانيا ms111 قبل دخوله، أو جنى بعد دخوله، إلا أن ~~الفقهاء متفقون على أنه مأخوذ بجنايته في الحرم في النفس وما دونها، ومعلوم ~~أن قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) هو أمر، وإن كان في صورة الخبر، كأنه ~~قال سبحانه: هو آمن في حكم الله وفيما امر به، فكان في ذلك أمر لنا بايمانه ~~NoteV00P192N01 وحظر دمه في مكانه، ألا ترى إلى قوله تعالى: (ولا تقاتلوهم ~~عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ...) ~~NoteV00P192N02، فأخبر بجواز وقوع القتل فيه، وأمرنا بقتل المشركين إذا ~~قاتلونا عنده. قال: ولو كان قوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) خبرا، لما جاز ~~ألا يوجد مخبره على ما أخبر به، فثبت بذلك أن قوله سبحانه: (ومن دخله كان ~~آمنا) هو أمر لنا بحقن دمه ونهي لنا عن قتله، ولا يخلو ذلك من أن يكون أمرا ~~لنا: بأن نؤمنه من الظلم والقتل اللذين لا يستحقهما، أو أن نؤمنه من قتل ~~يستحقه بجناية # PageV00P192 # جناها، فلما كان حمله على الايمان من قتل غير مستحق بل بفعل على وجه ~~العدوان والظلم يسقط فائدة تخصيص الحرم - لان الحرم وغيره في ذلك سواء، إذ ~~كانت الأماكن والبقاع كلها لا تختلف في ذلك احكامها ونحن متعبدون بالمنع من ~~إيقاع الظلم في جميعها، من قبلنا وقبل غيرنا، إذا كان ذلك ممكنا لنا - ~~علمنا أن المراد بذلك الامر بايمانه من قتل مستحق والظاهر يقتضي أن نؤمنه ~~من القتل المستحق بجنايته في الحرم وفي غيره، إلا أن الدلالة قد قامت ~~باتفاق العلماء على أنه إذا قتل في الحرم قتل، وقال تعالى: (ولا تقاتلوهم ~~عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فان قاتلوكم فاقتلوهم)، ففرق تعالى بين ~~الجاني في الحرم، وبين الجاني في غيره إذا لجأ إليه واعتصم به. # فصل (حكم الجاني خارج الحرم) وقد اختلف الفقهاء فيمن جنى في غير الحرم ثم ~~لجأ إليه، فقال أهل العراق - أبو حنيفة وأصحابه أبو يوسف ومحمد بن الحسن ~~وزفر والحسن ابن زياد اللؤلؤي -: إذا قتل في غير الحرم ثم دخل الحرم ms112 لم ~~يقتص منه ما دام فيه، ولكنه لا يبايع ولا يشارى ولا يطعم ولا يسقى، إلى أن ~~يخرج من هناك فيقتص منه، وإن قتل في الحرم قتل فيه، وإن جنى فيما دون ~~PageV00P193 # النفس في الحرم أو في غيره ثم دخله، اقتص منه فيه NoteV00P194N01. # وقال أهل المدينة - مالك والشافعي -: يقتص منه في الحرم في ذلك كله. # وأهل العراق يعتمدون - فيما يذهبون إليه: من ترك قتل من جنى في غير الحرم ~~ثم لجأ إليه - على ما روي عن ابن عباس، وابن عمر، وعبيد بن عمير، وسعيد بن ~~جبير، وعطاء، وطاوس، والشعبي، فيمن قتل ثم لجأ إلى الحرم: انه لا يقتل. # قال ابن عباس: (ولكنه لا يجالس ولا يؤوى، ولا يبايع ولا يشارى، حتى يخرج ~~من الحرم، فيقتل، فان فعل ذلك في الحرم أقيم عليه الحد فيه)، ولم يختلف ~~السلف ومن بعدهم من الفقهاء، في أنه إذا جنى في الحرم كان مأخوذا بجنايته، ~~ويقام عليه الحد فيما يستحقه من قتل أو غيره. # واما الجناية فيما دون النفس واخذ الجاني بها - وإن لجأ إلى الحرم -، ~~فإنهم يقيسونها على الدين يكون عليه، فيقولون: ألا ترى أنه لو كان عليه دين ~~فلجأ إلى الحرم حبس به والحبس في الدين عقوبة، لقوله عليه السلام: (لي ~~الواجد يحل عرضه وعقوبته)، وفسر إحلال العرض ههنا: باستحلال دمه، والعقوبة: ~~بالحبس له، فجعل عليه السلام # PageV00P194 # الحبس عقوبة، وهو فيما دون النفس، فكل حق وجب عليه فيما دون النفس أخذ ~~به، وإن لجأ إلى الحرم، قياسا على الحبس في الدين، وفي ما ذكرناه من ذلك ~~كاف بحمد الله تعالى. # 20 - مسألة (تارك الحج كافر!) الجواب عن الشبهة في كفر تارك الحج - الكفر ~~معناه التغطية - الصحيح في الجواب - تارك الحج يموت يهوديا أو نصرانيا! - ~~الوعيد في الحج مع القول بجواز تأخيره - ان الله غني عن العالمين. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (.. ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين - 97)، فقال: قد أقام سبحانه ms113 قوله: ~~(ومن كفر) ههنا مقام قوله: (فمن لم يفعل الحج) ومعلوم أن تارك الحج مع ~~اعتقاد الاسلام لا يسمى: كافرا، فما معنى ذلك عندكم؟ # فالجواب: أن في ذلك أقوالا: # 1 - منها، ما روي NoteV00P195N01: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله # PageV00P195 # عن معنى هذه الآية: فقال: (هو أن يكون المأمور بفعل الحج إن حج لا يرجو ~~ثوابه وإن جلس لا يخاف عقابه)، فكان معنى هذا أن من لم يعتقد أن الحج مفترض ~~عليه ولازم له فقد كفر، وذلك صحيح. # 2 - وقال بعضهم: إنما قيل هذا في اليهود، لأنهم جحدوا كون البيت قبلة ~~ومنسكا، وادعوا ذلك لبيت المقدس، فكأنه سبحانه قال: ((ومن كفر) بما أمر ~~الله به من حج الكعبة واتخاذها قبلة (فان الله غني عن العالمين)). # والصحيح: أن العلماء لم يختلفوا في أن المراد بهذا الكفر ما يكون متعلقا ~~بالحج، فهو كفر مخصوص، واختلفوا من بعد: فمنهم من قال: # المراد فمن كفر بوجوب الحج عليه، ولم يلتزم ما ألزمه الله سبحانه من ~~فرضه، لان قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) إلزام لهم أن يحجوه، وفرض ~~عليهم أن يقصدوه، وهذه اللفظة يعبر بها عن وجوب الواجبات وفرض المفترضات، ~~أعني: (ولله على الناس)، ونظائرها في القرآن كثيرة تدل على ما قلناه: مثل ~~قوله تعالى: (كتب عليكم) في مواضع عدة NoteV00P196N01، ومعنى ذلك: فرض ~~عليكم، وهو نظير قوله سبحانه: (ولله على الناس)، في أن معناه ~~NoteV00P196N02 ايجاب الامر وإلزام الفعل. # ومنهم من قال: المراد: ومن كفر فلم يطع الله في الحج وقضاء # PageV00P196 # النسك، والعلل منزاحة، والشرائط متكاملة، ولا عذر يقطع، ولا حاجز يمنع. # 3 - وقال بعضهم: معنى ذلك من كفر بالآيات التي تقدم ذكرها من قوله تعالى: ~~(فيه آيات بينات). # 4 - وقال بعضهم: ومن كفر ههنا محمول على أصله في اللغة، لان الكفر في ~~الأصل هو: التغطية، ومنه سمي الدارع كافرا، لتكفره بالدرع أي: تغطيه، فكأنه ~~تعالى قال: ومن غطى كونه مستطيعا لحجه وكتم هذه الحالة من نفسه، ليجعلها ~~سببا للقعود ms114 عن الحج وأداء الفرض، (فان الله غني عن العالمين). # وفي هذا الوجه بعد وتعسف، فالصحيح من الوجوه ما ذكرناه أولا، وقد ثبت أن ~~المصدق بوجوب الحج وبسائر العبادات وصحة النبوة والشريعة لا يجعل ~~NoteV00P197N01 كافرا بألا يحج، كما (لا 2) يكفر بألا يفعل سائر العبادات ~~الواجبة عليه، فيجب حمل الكفر ههنا على الجاحد بوجوب الحج، أو بايجاب ~~الرسول صلى الله عليه وآله له، لان ذلك معلوم من دينه اضطرارا، فمن جحده ~~NoteV00P197N03 صار مكذبا له، فيكفر من هذا الوجه. # * * * فان قال قائل: فما المعنى فيما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من ~~قوله: (من # PageV00P197 # مات ولم يحج غير عذر فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا)؟. # قيل له: إن الاكفار لا يصح الحكم به والقطع عليه بأخبار الآحاد، إذ كانت ~~ضعيفة السند واهية العمد، لان الكافر إنما يوصف بذلك لاستحقاقه قدرا من ~~العقاب عظيما، ومقادير العقاب لا تثبت إلا بأدلة قاطعة وحجج ظاهرة. ومع ~~ذلك، فلهذا الحديث - إن صح - تأويل يمكن اجراؤه عليه وحمله على معناه، ~~فنقول: إن الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله في ذلك لابد أن يريد ~~به تشبيه من مات ولم يحج، باليهودي والنصراني، لان بترك الحج لا يصير ~~يهوديا ولا نصرانيا على الحقيقة، وهذا معلوم باضطرار، فإذا صح فالمراد به ~~تغليظ العقوبة لتارك الحج. ويحتمل أن يريد به من مات ولم يحج وهو منكر ~~لوجوب الحج، لأنه في استحقاق العقوبة يقارب حاله حال اليهود والنصارى. # فان قال: كيف يصح الوعيد في الحج مع القول بجواز تأخيره NoteV00P198N01؟. ~~قيل له: إنما يصح ذلك إذا كان المرء لا يحج ولا يأتي بالعزم على الحج بدلا ~~منه، فأما إذا فعل العزم بدلا من الحج فلا حرج عليه، ما لم ينته إلى حد ~~تظهر فيه عنده أمارات الضعف ودلائل العجز، ويعلم أنه متى أخر الحج فاته، ~~فان عند ذلك يلزمه التقديم ولا يسوغ له التأخير. # PageV00P198 # فأما قوله تعالى: (فان الله غني عن العالمين) فإنما يريد به تعالى: # إعلام ms115 عباده أن تكليفهم العبادات وأمرهم بالطاعات، لامر يعود عليهم نفعه ~~وتعمهم فائدته: من التعريض لمنازل الثواب، والعصمة من من نوازل العقاب، لا ~~لامر له تعالى فيه منفعة، لان الحاجة تستحيل عليه، والمنافع والمضار لا تصل ~~إليه، وعلى ذلك قوله تعالى: (إن الذين اشتروا الكفر بالايمان لن يضروا الله ~~شيئا.. الآية) NoteV00P199N01، والله تعالى غني لنفسه لا يلحقه نفع بطاعة ~~ولا ضرر بمعصية، وإنما أراد سبحانه أن يبين للعبد أنه إنما كلفه لمنافعه، ~~وأجراه في مضمار تعبده لمصالحه، فان أحسن القيام بما كلف كان محسنا إلى ~~نفسه، وإن أخل بالواجب عليه من ذلك لم يضر إلا نفسه، من حيث حرمها الثواب ~~وجر عليها العقاب، وهذا واضح في المعنى الذي ذكرناه بحمد الله تعالى. # PageV00P199 # 21 - مسألة (اتقوا الله حق تقاته) الجواب عن شبهة التكليف بما لا يطاق - ~~القول بنسخ الآية بآية أخرى - ابطال القول بالنسخ ومن سأل عن معنى قوله ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون - 102)، فقال: # كيف امرهم تعالى بأن يتقوه حق تقاته، وذلك داخل فيما لا يستطاع، وأنتم ~~تقولون: إنه تعالى لا يكلف عباده ما يخرج عن الوسع ويفصل عن الطوق؟، فما ~~مخرج الكلام عندكم؟ # فالجواب: أن في ذلك أقوالا كلها تخرجه NoteV00P200N01 تعالى عن أن يكون ~~مكلفا فوق الطاقة، وآمرا بغير الاستطاعة: # 1 - فمنها، قول بعضهم: إن معنى ذلك اتقوا الله في القيام بأداء ما فرض ~~عليكم، واستعملت به أبدانكم وجوارحكم. # 2 - وقال بعضهم: (اتقوا الله حق تقاته) على مقدار طاقتكم وغاية ما تصلون ~~إليه باجتهادكم. # PageV00P200 # 3 - وقال بعضهم: (معنى ذلك: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى) ~~NoteV00P201N01، ومعنى ذلك أن يذكر عند أوامره فتفعل، وعند نواهيه فتترك، ~~(لا أن) NoteV00P201N02 العبد مأخوذ بذكره تعالى ابدا، فان ذلك غير مستطاع، ~~لان الغفلات تخلله، والشهوات تتوسطه، والنوم والاغماء وما في معنى ذلك من ~~الأمراض تحول دونه. # 4 - وقال بعضهم: المراد بذلك: التوكيد، كقوله تعالى: # (وإنه لحق اليقين) NoteV00P201N03، وكقول القائل: (هو ms116 الرجل حقا)، إلى ~~غير ذلك 5 - وقال بعضهم: هذا القول على سبيل التغليظ وطريق التشديد، ~~ليهابوا بلوغ أدنى حدود المعصية، ويقفوا عند أول مراتب السيئة، كما روي عن ~~بعض الصالحين. أنه قال: (اجعل بينك وبين الحرام حاجزا من الحلال، فإنك متى ~~استوفيت جميع الحلال تاقت نفسك إلى فعل الحرام، وإذا كثرت الزواجر كانت على ~~المعاصي أردع، والى فعل الطاعات أحوش NoteV00P201N04 وأجذب). # 6 - وقال بعضهم: لما قال تعالى: (اتقوا الله حق تقاته) كان في الآية دليل ~~على أنه لم يأمرهم إلا بما لهم السبيل إليه، وفيهم القوة # PageV00P201 # عليه، غير ممنوعين من فعله، ولا محمولين على خلافه، وأنه لو أمرهم بما لا ~~سبيل لهم إلى فعله، لجاز أن يأمرهم بنزح مياه البحار، ونقل صخور الجبال، ~~والعروج إلى السماء والطيران في الهواء، ويكلف الأعمى الابصار، والأصم ~~الاستماع، والمقعد القيام، والمنقوص التمام، وهذه صفة لا تليق بالله ~~سبحانه، لأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها وإلا دون الطاقة منها NoteV00P202N01. # 7 - وقال بعضهم: (إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # (فتقوا الله ما استطعتم...) NoteV00P202N02، وبقوله تعالى: (لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها..) NoteV00P202N03 و (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها...) ~~NoteV00P202N04). وأنكر أبو علي الجبائي وأبو القاسم البلخي ذلك، وعظما خطأ ~~قائله، وقال أبو علي خاصة: (لا يجوز أن يكون ذلك منسوخا، لان نسخ مثل هذا ~~لا يكون إلا بأن يبيح تعالى للناس NoteV00P202N05 أن يفعلوا بعض المعاصي، ~~وهذا مما لا يجوز عليه تعالى، والذي حمل القائل بهذا على قوله، ظنه أن ~~الناس غير قادرين على أن يتقوا الله حق تقاته، وهذا جهل عظيم ممن ظنه، لان ~~من جانب جميع NoteV00P202N06 ما نهاه الله عنه فقد اتقى الله حق تقاته، ولا ~~يجوز أن يكون أحد لا يقدر # PageV00P202 # على أن يتقي NoteV00P203N01 جميع ما نهي عنه عنه من المعاصي، ومعنى ~~الآيتين معنى واحد، لان من اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته، لأنه ~~تعالى لا ينهى أحدا عما لا يقدر على فعله وعلى ms117 تركه، ومتى لم يشترط ~~الاستطاعة نطقا فهي مشروطة عقلا). # وأما أبو القاسم فإنه أنكر أن يكون في السلف من قال بذلك، واحتج بما روي ~~عن معاذ بن جبل: (أن النبي صلى الله عليه وآله قال له: هل تدري ما حق الله ~~على العباد؟ هو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا) قال: # وليس ذلك مما يجوز أن ينسخ، فكذلك الآية. # وقال بعضهم: جائز أن يكون ذلك منسوخا، بأن يكون المراد بقوله تعالى: (حق ~~تقاته) القيام بحقوق الله تعالى في حال الخوف والأمن، وترك التقية فيهما ~~على كل وجه، ثم نسخ ذلك في حال التقية والاكراه، وبقي في حال الامن ~~والاختيار، ويكون معنى قوله تعالى في الآية الأخرى: (ما استطعتم)، أي: ~~اتقوه فيما لا تخافون فيه على أنفسكم: من المشاق العظيمة والآلام المتلفة، ~~لأنه قد يطلق نفي الاستطاعة فيما يشق على الانسان فعله، كقوله تعالى: ~~(وكانوا لا يستطيعون سمعا) NoteV00P203N02، وإنما المراد بذلك المبالغة في ~~ذكر المشقة، كما يقول القائل: (ما أستطيع أن أرى فلانا)، عبارة عن بلوغ ~~الغاية في البغضاء له والازورار عنه). وقد كررنا هذا المعنى في عدة مواضع. # من كتابنا هذا. # PageV00P203 # وقال قاضي القضاة أبو الحسن - حرسه الله -: قد جوز بعضهم دخول النسخ في ~~ذلك، بأن يكون الاتقاء اللازم مغلظا، فيخفف عنهم، ويكون المراد بحق تقاته ~~التشديد والتغليظ عليهم، والمراد بقوله تعالى: # (فاتقوا الله ما استطعتم)، أي: بقدر ما تطيقونه ولا يجحف بكم، ويكون ذلك ~~مطابقا لقوله تعالى: (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم...) ~~NoteV00P204N01، كناية عن تسهيل التكليف وتحميل العبء الخفيف، وعلى ذلك ~~قوله عليه السلام: (بعثت بالحنيفية السمحة). # قال: وهذا القول بعيد، لان الذي يجب أن يتقي NoteV00P204N02 - إذا كانت ~~حاله ثابتة كحاله أولا - لم يجز أن يختلف التكليف فيه بالتثقيل مرة ~~وبالتخفيف تارة، وليس ذلك كالنسخ، لان النسخ يسقط وجوب أشياء كانت واجبة من ~~قبل، فالنسخ إذن يكون داخلا في هذه الواجبات، لا في الاتقاء، كما لو نقص من ~~الصلاة والواجبة بعضها، (و 3) لم يكن ms118 النسخ داخلا في الايمان ~~NoteV00P204N04، وإنما يدخل في هذا الفرض خاصة. وبعد، فان الذي قاله زيادة ~~على الظاهر، لان قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) و (حق تقاته) لا ~~يفهم منها بحكم العقل إلا مراد واحد، فلا يجوز اذن دخول النسخ فيما هذه ~~حاله، ولا وجه لحمل ذلك على التوكيد، وله مساغ في زيادة فائدة # PageV00P204 # فان قيل: فما تلك الزيادة التي وقع الايماء إليها، قيل: إن الاتقاء في ~~التحقيق هو اتقاء العقاب بفعل الطاعات واجتناب الموبقات وقد علم أن الزيادة ~~والنقصان في ذلك ممكنان، لان المتقي قد يتقي الأقل، وقد يتقي الأكثر وقد ~~يتقي الكل من غير استظهار NoteV00P205N01، وقد يتقي الكل على طريق ~~الاستظهار، فإذا صح ذلك صح التزايد فيه، وما يصح فيه التزايد يجب أن يحمل ~~على أن المراد به بلوغ النهاية، فيما يمكن من الاتقاء والاخذ فيه بوثيقة ~~الاستظهار. # فصل (ولا تموتن الا وأنتم مسلمون) فأما قوله تعالى - في عجز هذه الآية -: ~~(ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) فقد استوفينا الكلام في معناه عند ذكرنا قوله ~~تعالى: (إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون - 132) في ~~البقرة، إلا أنا نذكر منه ههنا لمعة ساطعة، ونطفة ناقعة NoteV00P205N02، ~~لئلا يخلو هذا الموضع من إزاحة العلة وكشف قناع الشبهة، فنقول: # PageV00P205 # إن لفظ النهي في الظاهر واقع على الموت، والمعنى واقع على الامر بالإقامة ~~على الاسلام، أي: دوموا على الاسلام، فإذا ورد عليكم الموت صادفكم على هذه ~~الحالة، وإنما جاز هذا لأنه لا لبس في الكلام، إذ كان معلوما أنهم لا ينهون ~~عما ليس من فعلهم، وإنما يتوجه النهي إلى المعنى الذي هو في مقدورهم. # وتلخيص ذلك: أن المرء قد كتم عنه اجله، لما في كتمانه من المصلحة له، فهو ~~لا يعرف متى تكون منيته؟، وعلى أي جنب صرعته؟، فإذا ثبت ذلك صار تعالى كأنه ~~ألزمه في كل حال أن يكون مسلما، من حيث لا يأمن في كل حال أن يموت عبطة ~~NoteV00P206N01 أو هرما. وأيضا، فان من جملة ms119 كمال إسلام المرء التوبة، ~~واستدراك الذنوب الفارطة فكأنه سبحانه ألزمه - مع التمسك بفرائض الوقت ~~وطاعاته، واجتناب محارمه (2) ومقبحاته - استدراك الماضي بالتوبة، لكي لا ~~يموت إلا وهو مقطوع باسلامه، غير مشكوك في إخلاصه، وما ذكرناه من ذلك كاف ~~بحمد الله. # PageV00P206 # 22 - مسألة (والى الله ترجع الأمور) كيف ترجع الأمور إلى الله تعالى ~~ولازم ذلك خروجها أولا! - الجواب عن الشبهة - معنى آية (وجعلكم ملوكا) - ~~الاعتقاد الذي سبب الغلو بالبشر والأصنام - أصل الرجوع لغة - وجهان في ~~الجواب للمؤلف ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض وإلى الله ترجع الأمور 109) فقال: ما معنى رجوع الأمور إليه، وهي غير ~~خارجة عن سلطانه وقدرته، وتقلب العباد جميعا في قبضته وملكته (1)!، وهذا ~~يدل على أن الأمور تخرج عن تدبيره، حتى يصح أن توصف بالرجوع إليه بعد ~~الخروج عنه. # فالجواب: أنا قد ذكرنا في ما تقدم من كلامنا في السورة المتقدمة ما يكشف ~~عن المراد بهذا القول عند اعتراض ما يقتضيه، إلا أننا نورد منه ههنا ما ~~يكون أنقع للغلة وأكشف للشبهة بمشيئة الله، فنقول: قد قال العلماء في ذلك ~~أقوالا: # 1 - منها، أن الله تعالى ملك الناس في دار التكليف أمورا # PageV00P207 # تملكوها ووصفوا بالملك لها، وسمى تعالى بعضهم: ملوكا على هذا المعنى، ~~فقال تعالى: (اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا...) ~~NoteV00P208N01، قال بعض المفسرين: # (معنى ذلك: انه جعلكم تملكون أمركم، لا يغلبكم عليه غالب، ولا يحول بينكم ~~وبينه حائل)، وقال بعضهم: (معنى ذلك: أنه جعل لكم من الأحوال والأموال ما ~~لا تحتاجون معه إلى سؤال الناس)، وقال بعضهم: (جعلكم ذوي منازل لا يدخل ~~عليكم فيها إلا باذن، والمعنى راجع إلى ملك الامر). # فإذا ثبت ما قلنا: من صفة كثير من المخلوقين بتملك الأمور في دار ~~التكليف، جاز أن يقال - عند تقوض هذه الدار وانتقال هذه الأحوال -: إن ~~الأمور كلها رجعت إلى الله تعالى في الآخرة، بمعنى: # أنها صارت إلى حيث لا يملكها مالك غيره، ولا يحكم فيها ms120 حاكم سواه، كما ~~كان تعالى قبل أن يخلق خليقته، ويبرئ بريئته، ولا مالك للأمور غيره، فرجعت ~~الحال بعد انقضاء التكليف إلى حيث كانت قبل ابتداء التكليف، وصار الامر في ~~الانتهاء مثله في الابتداء. # 2 - وقال بعضهم: لما كانت الأمور بعد انقضاء الدنيا متقضية ذاهبة ~~ببطلانها وتلاشيها وتقوض مبانيها، وكان الله تعالى يعيدها للجزاء على ~~الاعمال، والأعواض على الآلام، جاز أن توصف بأنها ترجع إليه تعالى، لما ~~أعادها بعد التقضي، واستأنفها بعد التولي # PageV00P208 # 3 - وقال بعضهم: (معنى (والى الله ترجع الأمور): # تؤول إلى علم الله تعالى، إذ كان قد علم مصائرها ومصادرها، وإلام ترجع ~~رواجعها وأواخرها، فكأنها رجعت إلى ما كان علم تعالى أنها ترجع إلى عاقبته، ~~وتجري إلى غايته) وفي هذا القول وعيد للمكلفين، معناه: # أنكم إذا علمتم أنه تعالى يعلم عواقب الأمور، وإلام تصير وتؤول، فاتقوا ~~أن توافوه بمعاصيكم، وتلقوه وقد أقدمتم على ما حظره عليكم. # 4 - وقال بعضهم: معنى ذلك: أن إليه مصير الأمور، يريد تعالى أنه يجازي ~~عليها بالخير ثوابا وبالشر عقابا، لان ذلك مما لا يملكه إلا هو سبحانه. # 5 - وقال بعضهم: معنى ذلك: أن الناس في دار التكليف ربما اعتقد بعضهم في ~~بعض - على سبيل الاغترار - أنه يملك الضر والنفع والاعطاء والمنع، ~~بانفراده، من غير أن يكون الله تعالى وهو الذي أقدره وملكه وخوله وموله، ~~حتى أن هذا الاعتقاد غلا ببعضهم (إلى أن) NoteV00P209N01 عبد البشر ضلالا ~~وغيا وعمى وعمها، وربما تجاوز بعضهم تعظيم من يعتقد فيه مثل ذلك من الناس ~~إلى اعتقاد مثله في الأصنام والأوثان والصخور والجماد، فاعتقد - لعدوله عن ~~طريق المعقول ومخالفته نهج الدليل - أنها تملك النفع والضر، وتقسم الرزق ~~والأجل، وعلى ذلك مخرج قول إبراهيم (ع) لأبيه - لما ذهب فيها إلى هذا ~~الاعتقاد -: (يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا) ~~NoteV00P209N02، # PageV00P209 # وقوله في موضع آخر: (أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم) ~~NoteV00P210N01، فلدخول الشبهة على الطوائف التي ذكرناها (كانوا) ~~NoteV00P210N02 يضيفون ms121 أفعال الله تعالى إلى غيره، ويخلعون صفاته على خلقه، ~~فإذا انحسر قناع الشك، وانكشف غطاء الرأس، واضطر الناس إلى المعارف، وارتفع ~~تكليف المكلف، وتقوض بناء الدنيا، وانقطعت أعمال الورى - علم الجميع أن لا ~~خالق إلا الله تعالى: # يضر وينفع ويعطي ويمنع، فانتهت إليه الرغبات، وانقطعت من غيره الآمال ~~والأطماع، وعلم أن رجاء غيره غرور، والمشير إلى سواه مغرور، فجاز أن يقول ~~تعالى على هذا المعنى: (والى الله ترجع الأمور). # 6 - وقال بعضهم: معنى ذلك: أن الأمور كلها في ملكه، وتصريفها على مشيئته، ~~ومن غير أن يكون هناك على الحقيقة خروج عنه، فيكون رجوع إليه، وعلى هذا ~~قولهم: (قد رجعت في فلان أشباه أبيه)، أي: خرج إليه في محاسن خلقه، أو في ~~كرائم خلقه، وليس يريد القائل لذلك أن أمرا كان هناك فانتقل ثم رجع، وفقد ~~ثم وجد، وإنما مراده ما ذكرناه، ومثل ذلك قول القائل: (قد رجع على فلان عتب ~~من فلان، وعاد عليه من جهته لوم) يريد: اصابه منه عتب ولوم لا غير، إذ كان ~~ذلك واقعا على سبيل الابتداء، ومثله قول الشاعر NoteV00P210N03: # PageV00P210 # فان تكن الأيام أحسن مرة * إلي فقد عادت لهن ذنوب ومعنى ذلك: أن الأيام ~~أساءت إلى بعد احسان، ونقصتني بعد تمام، لا أنه أراد أن الأيام كن أذنبن ~~إلي ونزعن ثم عاودن ورجعن، فكيف يظن به ذلك، وقد ذكر أن إحسانها كان ~~متقدما، وإنما جاء ذمها متأخرا. # والصحيح في ذلك: أن أصل الرجع والرجوع - في اللغة -: إنما هو انعطاف الشئ ~~إليك، وانقلابه نحوك، لا أنه كان عندك ففارقك، ثم رجع إليك، وإنما استعمل ~~في المعنى الأخير مجازا، وحقيقته ما ذكرناه، وفي كلامهم الرجعة: المرة ~~الواحدة، ومن ذلك قولهم: رجعت إليه القول، أي: خاطبته وصرفت قولي إليه; ~~ويقولون: هل جاءتك رجعة كتابك ورجعانه اي جوابه، وقال الشاعر ~~NoteV00P211N01: # كأن من عسل رجعان منطقها * إن كان رجع كلام يشبه العسلا قال تعالى: (أفلا ~~يرون أن لا يرجع إليهم قولا...) NoteV00P211N02 وكل ذلك يدل على المعنى ~~الذي قلناه. ms122 # PageV00P211 # 7 - وقال بعضهم: يجوز أن يكون المراد بذلك أن المقدورات تعود إلى قدرته، ~~لان ما أفناه من مقدوراته الباقية NoteV00P212N01: كالجواهر والاعراض ~~الباقية، يصح منه تعالى إعادته بعد توليه، وإيجاده بعد تقضيه، لأنه يرجع ~~إلى قدرته NoteV00P212N02، وإن كان ذلك يمتنع في مقدورات البشر، وإن كانت ~~باقية، لما دل عليه الدليل من اختصاص مقدور القدر NoteV00P212N03 باستحالة ~~العود إليها، من حيث لم يجز فيها التقديم والتأخير (4)، وهذا الحكم أيضا ~~ينفرد به تعالى من سائر القادرين (5). # 8 - وعندي في ذلك وجه آخر، وهو: أنه يجوز أن يكون المراد بقوله تعالى: ~~(والى الله ترجع الأمور) ما تعبد العباد به من الاستثناء بمشيئة الله ~~تعالى، في كل امر عزموا على فعله في المستقبل، وعلى هذا # PageV00P212 # قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشئ إني فاعل ~~ذلك غدا. إلا أن يشاء الله..﴾ (1)، ومعنى الاستثناء بالمشيئة: رد ~~الأمور إلى الله تعالى تطامنا لعظمته، واحتياجا إلى معونته، والتجاء إلى ~~حوله وقوته. # 9 - وقد يجوز أيضا أن يكون معنى ذلك الاتكال على الله سبحانه في الأمور، ~~والتفويض إليه في الخطوب، كما يقول القائل: قد رددت أمري إلى الله توكلا ~~عليه، وانقطاعا إليه، فقوله رددت أمري إلى الله، كقوله: رجعت أمري إلى ~~الله، ومعنى (والى الله ترجع الأمور) كمعنى والى الله ترد الأمور. فهذان ~~الوجهان لم أعثر بهما لاحد ممن تقدم. # فصل (إقامة الظاهر مقام المضمر في الآية) قال قائل: ما معنى تكرير اسم ~~الله تعالى في هذه الآية، وكان ذكره في الموضع الأول يغني عن إعادته فيما ~~بعد، وكان وجه الكلام إن يقول تعالى: (ولله ما في السماوات وما في الأرض ~~واليه ترجع الأمور)؟! # قيل له. إنما أعيد اسم الله تعالى ههنا للتفخيم والتأكيد، ومن عادة العرب ~~إذ أجروا ذكر الآمر، يعتمدون تفخيمه ويقصدون # PageV00P213 # تعظيمه، بأن يعيدوا لفظه مظهرا غير مضمر، إذا كان الاضمار يطأطئ من الاسم ~~ويضائله، بقدر ما يرفع منه الاظهار ويفخمه، وعلى ذلك قول الشاعر ~~NoteV00P214N01: # لا أرى الموت يسبق الموت شئ ms123 * نغص الموت ذا الغنى والفقيرا فلو قال: ~~يسبقه شئ، لكان مستقيما NoteV00P214N02 ولكنه أعاد الاسم تفخيما، ولم يرض ~~أن ثنى ذكره حتى ثلثه، مبالغة في الغرض الذي رماه، والمعنى الذي نحاه، ومثل ~~ذلك قول أبي النشناش النهشلي NoteV00P214N03 فعش معدما أو مت كريما فإنني * ~~أرى الموت لا ينجو من الموت هاربه وقال أبو الحسن الأخفش: (وهذا كقولهم: ~~أما زيد فقد ذهب زيد)، وقد تقدم ما حكيناه عن شيخنا أبي الفتح النحوي من ~~كلامه في قوله تعالى: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على ~~الذين ظلموا رجزا من السماء.. الآية) NoteV00P214N04، وهو قوله: (إنما كرر ~~تعالى ذكر الذين ظلموا، ولم يقل: وأنزلنا عليهم لان ذلك أشد مبالغة في ~~ذمهم، وأدخل في باب التفحيش لذكرهم، ولان إظهار اسم المستحق للعقاب مع ~~الاخبار بوقوعه به، أبلغ من إضماره، وأجدر بخوف الخائف من مشاركته في وجه ~~استحقاقه). # وفي الجملة فالمظهر أفخم من المضمر، وينبغي ألا يوضع اسم الله إلا مواضع # PageV00P214 # التفخيم، ومظان التعظيم، فلذلك حسن تكريره في هذه الآية، لان قوله تعالى: ~~(والى الله ترجع الأمور) دال على عظم ملكه وقوة سلطانه، وذلك موضع تفخيم، ~~فحسن فيه التكرير، وليس ذلك نظير قول الشاعر في البيت الذي تقدم ذكره، وهو ~~قوله: (لا أرى الموت يسبق الموت شئ)، لان هذا الشعر مفتقر إلى الضمير، ~~والآية مستغنية عنه، وإنما احتاج إليه البيت، لان الخبر الذي هو جملة لا ~~يتصل بالمخبر عنه إلا بضمير يعود إليه، فقد فارق الآية من هذا الوجه. # وقال بعضهم إنما حسن التكرير في ذلك لان قوله تعالى: (ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض) خبر مكتف بنفسه، وقوله: (والى الله ترجع الأمور) ~~خبر آخر مفارق للأول، فلذلك حسن التكرير في الخبرين، لان كل واحد منها ~~مستقل بنفسه، وغير محتاج إلى غيره، وفي ما ذكرناه من ذلك كاف بتوفيق الله. ~~PageV00P215 # 23 - مسألة (كنتم خير أمة) وجه الكلام أن يقول: (أنتم خير أمة)! - الجواب ~~عن ذلك - معنى الكنتي - زيادة كان - لكان أربعة ms124 مواضع. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر.. الآية - 110)، فقال: فحوى هذا الكلام يدل على فعل ماض، ~~ووصف متقض، أفتقولون: إن هذا الثناء الجميل والمدح الجليل من الله سبحانه ~~لهذه الأمة منقطع بانقطاع سببه، أم مستمر باستمرار موجبه؟ فإن كان مستمرا ~~فما معنى قوله تعالى (كنتم)، وهو يدل على حال تغيرت وصفة انتقلت! # وإنما كان وجه الكلام أن يقول: (أنتم خير أمة أخرجت للناس) ليدل تعالى ~~بذلك على أن سبب المدح باق لم يزل، ولازم لم ينتقل. # فالجواب: أن في ذلك أقوالا NoteV00P216N01: # PageV00P216 # 1 - أحدها، أن يكون معنى (كنتم) ههنا معنى الحدوث والوجود فكأنه تعالى ~~قال: خلقتم أو وجدتم خير أمة NoteV00P217N01، وذلك كقوله تعالى: # (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة...) NoteV00P217N02 أي: فان وجد أو وقع ~~أو حدث ذو عسرة، ويسمي النحويون هذه: كان التامة، لأنها لا تحتاج إلى خبر، ~~وعلى ذلك قول الشاعر في بعض الروايات NoteV00P217N03: # إذا كان الشتاء فأدفئوني * فان الشيخ يهدمه الشتاء أي: إذا حدث ووقع، ~~ومثل ذلك قول الرجل: قد كان ما خفت أن يكون، بمعنى قد حدث ووقع، وليس يريد ~~أنه قد مضى وانقطع، وهذا أكشف عن هذا المعنى 2 - وقال بعضهم ~~NoteV00P217N04: معنى (كنتم خير أمة)، أي: # كنتم عند الله في اللوح المحفوظ على هذه الصفة، لتقدم علم الله فيكم ~~بذلك. # 3 - وقال بعضهم: أراد تعالى: كنتم على هذه الصفة في الكتب المتقدمة، فلا ~~تخالفوا ذلك وحققوه بأفعالكم، ليكون أوكد لحجتكم على أعدائكم من أهل الكتاب ~~الذين وجدوا في كتبهم صفاتكم فان خالفتم تلك الصفات وأخلفتم العدات، وجد ~~الطاعن مطعنا والغامز مغمزا. # PageV00P217 # 4 - وقال أبو مسلم بن بحر: (قوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) يحتمل ~~وجهين: أحدهما، أن يكون معناه صرتم خير أمة بأمركم بالمعروف، ونهيكم عن ~~المنكر. والوجه الآخر أن يقدر هذا القول تابعا لقوله تعالى: (وأما الذين ~~ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون 107)، فكأنه تعالى قال: ويقال ~~لهم ms125 - عند مصيرهم إلى الرحمة والخلود في الجنة -: كنتم في دنياكم خير أمة ~~أخرجت للناس، فاستحققتم الآن ما أنتم فيه من عظيم الرحمة ودوام النعمة، ~~ويكون ما عرض بين أول القصة وتمامها، كما لا يزال يعرض في القرآن من نظائر ~~ذلك وأمثاله). # فأقول: إن قوله في الوجه الأول: (معنى (كنتم خير أمة) اي صرتم خير أمة) ~~ففيه بعد شديد عن سنن فصاحة اللسان العربي، وذلك أن (كان) بمعنى صار وإن ~~استعملت NoteV00P218N01 على بعض الوجوه، فليس بالفصيح الجيد ولا يحمل ~~القرآن إلا على اللغة الفصحى والطريقة المثلى. # فأما الوجه الآخر الذي ذكره، ففيه فضل تعسف واستكراه وإن كان اصلح من ~~الوجه الأول على كال حال. # 5 - وقال بعضهم: إنما قال تعالى: (كنتم خير أمة) لما كان يسمع به من ~~الخبر الكائن في هذه الأمة على سبيل البشارة بذلك قبل كون الأمة. وهذا ~~المعنى يشبه قول من قال: إن معنى ذلك أنكم كنتم عند الله بهذه الصفة، أو في ~~اللوح المحفوظ، أو في كتب الأنبياء # PageV00P218 # المتقدمة، لأن هذه المعاني كلها ترمي إلى غرض، وتجري إلى أمد، ويروى هذا ~~القول عن الحسن البصري، وكان يقول: # (نحن آخرها وأكرمها على الله)، ومثل ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وآله أنه قال: (أنكم تتممون NoteV00P219N01 سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها ~~على الله عز وجل، فهو موافق لمعنى (أنتم خير أمة)، إلا أنه تعالى قال: ~~(كنتم) لتقدم البشارة بهذا الحال. # 6 - وقد روي عن الحسن أيضا: أنه كان يقول: (هكذا والله كانوا مرة)، وبعض ~~المسلمين كان يقول: (أعوذ بالله أن أكون كنتيا)، أي: ممن يقال له: كنت تفعل ~~الخير فيما مضى NoteV00P219N02، لان ذلك دليل على ترك فعله في المستقبل، ~~فهدا القول الأخير المروي عن الحسن يدل على أنه ذهب إلى أن حال القوم تغيرت ~~في المستقبل، وكانت في الماضي على السنة NoteV00P219N03 المحمودة، والطريقة ~~السديدة، وهذا معنى قوله: # (هكذا والله كانوا مرة). # إلا أن الامر إذا بين حق التبيين، وجد غير مطابق لما ms126 ذهب إليه الحسن، لان ~~هذا الخطاب إنما خوطب به المؤمنون في زمن النبي صلى الله عليه وآله # PageV00P219 # المتمسكون بأديانهم، وهو دال مع هذه الحال على صفة حال متقدمة، والسؤال ~~مبني على ذلك، واختلاف العلماء إنما هو في التأول لهذا الخطاب، وكيف يصح ~~فيه لفظ (كنتم)، والمراد به المؤمنون الحاضرون، وهم مقيمون على ايمانهم، ~~متمسكون بأديانهم!، وقول الحسن: (هكذا كانوا مرة) يشير إلى أن الحال تغيرت ~~في زمانه، وأنها كانت على المحمود منها قبل ذلك، ومفهوم الخطاب يخالف هذا ~~القول، لأنه كما ذكرنا يدل بظاهره على مثل ما ذهب إليه الحسن في أيام ~~الرسول صلى الله عليه وآله، وليس هذه الآية نازلة على عهد الحسن فيصح ما ~~قاله من أن القوم كانوا أولا على صفة تغيرت وانتقلت على عهده، فاذن التخليط ~~ناطق من أثناء هذا القول المروي عنه. وعندي أن الصحيح عنه ما ذكرناه امام ~~هذا القول، وإلا فلم يكن يذهب عليه مثله، مع نفاذ بصيرته، وثقوب معرفته، ~~والأولى أن تنسب مثل هذه التخاليط إلى الرواة والناقلين، لا إلى العلماء ~~المحققين. # 7 - وقال بعضهم: NoteV00P220N01: (معنى ذلك: أنتم خير أمة أخرجت للناس)، ~~وذلك كقوله تعالى: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض...) ~~NoteV00P220N02، وقال سبحانه في موضع آخر: # (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم...) NoteV00P220N03 فالمعنيان # PageV00P220 # واحد، إلا أن دخول (كان) في بعض المواضع يفيد الاستمرار على الحال ~~المذكرة، وذلك كقوله تعالى: (وكان الله غفورا رحيما)، فأفاد هذا القول من ~~استمراره تعالى على الغفران والرحمة ما لا يفيده لو كان بدلا منه (والله ~~غفور رحيم). ومما استشهدوا به على وقوع (كان) ملغاة في الكلام لا حكم لها ~~قول الشاعر NoteV00P221N01: # فكيف إذا رأيت ديار قوم NoteV00P221N02 * وجيران لنا - كانوا - كرام ~~وقالوا: المراد بذلك: وجيران لنا كرام، لا غير، وأنشدنا شيخنا أبو الفتح ~~النحوي في مثل ذلك NoteV00P221N03: # سراة بني أبي بكر تسامى * على - كان - المسومة العراب وأنشدنيه الشيخ أبو ~~الحسن علي بن عيسى النحوي: (على كان المسومة الجياد)، وقال لي في القراءة ms127 ~~عليه: إن لكان أربعة مواضع: أحدها أن تكون مستقلة بالفاعل غير مفتقرة إلى ~~الخبر، نحو: كان الامر، أي حدث ووقع. والثاني، أن تكون ممنوعة من الحديث ~~مفتقرة إلى الخبر، نحو: كان زيد منطلقا، ويكون عمرو شاخصا. # والثالث، أن تكون زائدة، مثل قولهم: زيد - كان منطلق، وما - كان - أحسن ~~زيدا، أي ما أحسن زيدا، كقول الشاعر: (وجيران لنا كانوا كرام) إذا لم تجعل ~~(لنا) الخبر، وجعلته صفة (جيران)، كأنك # PageV00P221 # قلت: (وجيران لنا كرام كانوا). والرابع، أن تكون كصار، تقول: كان زيد ~~منطلقا، أي صارت حاله هذه، تريد: هو الآن كذا، لا فيما مضى، وأنشد قول ~~الشاعر NoteV00P222N01: # بفيفاء قفر والمطي كأنها * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها يريد: صارت ~~فراخا. # قلت أنا: والصحيح في رواية هذا البيت (قد صارت فراخا بيوضها)، وإنما غير ~~ليوافق الاستشهاد، فلأجل ذلك ضعف هذا القسم من بين أقسام (كان). # 8 - وقال بعضهم: معنى ذلك: كنتم مذ كنتم خير أمة (خير أمة) ~~NoteV00P222N02 أخرجت للناس، فيجري ذلك مجرى قول الرجل للرجل - وقد نازعه ~~في تقدم نباهته وأشار إلى قرب العهد برئاسته -: (ما كنت مذ كنت إلا نبيها ~~ورئيسا)، فكذلك معنى الآية: (لم تزالوا خير أمة وكنتم مذ كنتم خير أمة)، ~~فكان المعنى أنكم معروفون بهذا الوصف الجميل، والمدح الشريف، مذ كنتم لا أن ~~هناك حالا انتقلت، ولا صفة تغيرت. # PageV00P222 # فصل (من هو المراد بخطاب كنتم؟) وقد اختلف العلماء فيمن أريد بهذه الآية، ~~فروي عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه قال: قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس... # الآية) نزلت فيمن خرج مع النبي صلى الله عليه وآله من مكة، وهاجر بعد ~~هجرته إلى المدينة. وحكى: أن بعض الصحابة كان يقول: لو شاء الله لقال: ~~أنتم، فكنا كلنا كذلك، ولكن خرج ذلك في خاصته من أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وآله وروي عن مجاهد: أنه قال: المعنى أنكم كنتم خير أمة، على شريطة أن ~~تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله، فأنتم كذلك ما التزمتم ~~هذه الشرائط. ms128 # وروي عن الحسن: (أن ذلك إشارة إلى الصحابة، دون من بعدهم: ممن تغيرت ~~أحواله، واختلفت أوصافه). وفي الناس من حمل ذلك على أمة محمد صلى الله عليه ~~وآله عامة، ولم يخص كونهم على هذه الصفة في حال دون حال، وقدر قوله تعالى: ~~(كنتم) تقدير قوله: # (أنتم)، كما ذكرنا فيما مضى. # ثم اختلفوا، فمنهم من قال: (كنتم خير أمة، أي: بالإضافة إلى سائر الأمم، ~~لان جماعة هذه الأمة خير من جماعة كل أمة). ومنهم من قال: (المراد بذلك ~~أنهم أكثر الأمم خيارا، وأقومها بالعدل، PageV00P223 # وأعملها بالحق): ومنهم من قال: (لم يدخل تحت ذلك إلا الخيار منهم دون ~~غيرهم: ممن ليس على صفتهم، فالمراد به الحقيقة، وإن كان ذكر الأمة ههنا على ~~سبيل الاتساع والمجاز). # وقال قاضي القضاة أبو الحسن: الذي يدل الظاهر عليه أن الأمة هي الجماعة، ~~وإن كان الأغلب أن المراد بذلك أمة محمد صلى الله عليه وآله، بمعنى ~~المصدقين به، فإذا حمل الكلام على هذا الوجه فالضرورة تقود إلى قولنا: # إن المراد بذلك أكثرهم خيارا، وإن الخير فيهم أظهر منه في غيرهم، ومتى ~~حمل على جماعة مطلقة لم يمتنع أيضا ألا يدخل فيهم إلا الخيار والبررة، ~~الذين يستحقون الثناء والمدح الجميل من الوصف. # قلت أنا: وليس يمتنع أن يحمل الامر في ذلك على الأغلب، كما يستعمل هذا ~~الحكم في كثير من الأشياء في الشريعة يطول تعدادها، فقال تعالى: (كنتم خير ~~أمة) وفيهم من ليس بخير، إلا أنه الأقل، والصالحون الأخيار فيهم الأكثر ~~الأعم، فلذلك حسن أن يسموا بالأغلب عليهم، ويوصفوا بالأظهر عنهم. وفي ما ~~ذكرناه من ذلك كاف بتوفيق الله تعالى (1). PageV00P224 # 24 - مسألة (لن يضروكم الا اذى) كيف يستقيم استثناء الشئ من نفسه! - ~~الجواب عن ذلك - معنى ابطال الصدقات بالمن والأذى ومعنى اجر غير ممنون - ~~الاستثناء في الآية منقطع والجواب عن ذلك. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (لن يضروكم إلا أذى... # الآية 111)، فقال: قد علمنا أن كل اذى ضرر، فكان تقدير الكلام لن يضروكم ~~إلا ضررا، وهذا غير ms129 مستقيم ولا منتظم، بل هو متناقض متغاير! # فالجواب: أن في ذلك أقوالا للعلماء: # 1 - أحدها، ان الأذى المستثنى وإن كان من قبيل الضرر، فإنه أخف من الضرر ~~ههنا، والمراد به ما يقولونه بألسنتهم من التعريض بكم، والتغيير لكم، دون ~~ما يفعلونه بأيديهم من الايقاع الغليظ، والمكروه الشديد، فحسن استثناء ~~الضرر الأخف من الضرر الأثقل، لما كان بالإضافة إليه غير مؤثر ولا مجحف، ~~ومن الدليل على أن الأذى ههنا يراد به من جنس الأقوال دون الأفعال قوله ~~تعالى: PageV00P225 # (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما ~~قالوا...) NoteV00P226N01، ففسر تعالى الأذى بأنه قول ههنا، فدلنا على أن ~~ما آذوه به كان قولا، ولم يكن فعلا، لقوله تعالى: (فبرأه الله مما قالوا)، ~~وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى...) ~~NoteV00P226N02، فالمراد بذلك - والله أعلم - لا تتبعوا صدقاتكم بما يبطلها ~~من الأقوال التي تتضمن التبجح بها، والامتنان بفعلها، لان في ذلك أذى لمن ~~تقصدونه بالعطاء، يغض من الصنيعة وينقصها، ويكسف ضياءها وينغصها ~~NoteV00P226N03 ألا تسمعه سبحانه يقول: (لهم أجر غير ممنون) NoteV00P226N04 ~~اي: لا يكدر عندهم بمنة عليهم، وهذا أحد تأويلي هذه الآية (وقد قيل: إن ~~المراد أجر غير مقطوع، من قولهم: حبل منين وممنون، إذا كان منقطعا) وعلى ~~هذا قول العرب في مدح الرجل منهم: (زاد فلان غير ممنون) إذا كان ممن لا ~~يتبع طعامه منا، ولا يتبجح به لؤما وضنا. # 2 - وقال بعضهم: معنى (إلا اذى) أي: إلا ضررا يسيرا، وهو ما يلحقكم إذا ~~سمعتم شركهم وكفرهم، وبين هذا بقوله تعالى: (وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار ~~ثم لا ينصرون) NoteV00P226N05، فأعلم تعالى: أن ذلك الأذى شئ دون القتال، ~~ودون المضار # PageV00P226 # العظام. وهذا القول قريب المعنى من القول المذكور أمامه، 3 - وقال بعضهم: ~~معنى ذلك: أنهم يؤذونكم بالكذب والتحريف والبهتان والجحود، مثل قولهم: عزير ~~ابن الله، والمسيح ابن الله، وما يجري مجرى ذلك، وأما العاقبة فتكون ~~للمتقين، وذلك اذى قليل عند سلامة العواقب، وحميد الخواتم ms130 والمصائر. # 4 - وقال بعضهم: أخبر الله تعالى بهذا القول: أن المؤمنين لا يستضرون من ~~جهة الكفار، بغلبة لهم ولا قوة عليهم في حرب وقتال وكيد ومحال ~~NoteV00P227N01، إلا أذى، وهو ما تجري به ألسنتهم من سب وتنديد، أو تخويف ~~ووعيد، لا غير ذلك، ومتى بلغ الامر إلى المدافعة، وانتهى الوعيد إلى ~~المواقعة، كان المؤمنون أقوى ظهورا وأشد استظهارا، والكفار أوهن أعضادا، ~~وأضعف عمادا. وذلك من من دلائل صحة النبوة، لان هذا القول مما وجد مخبره ~~على ما أخبره به لان الآية واردة في اليهود، ولم يوافقوا المسلمين قط في ~~حرب إلا منحوهم أكتافهم، وأجزروهم لحومهم، كبني قريظة، والنضير، وبني ~~قينقاع، ويهود خيبر. # 5 - وقال بعضهم: (قوله تعالى: (إلا أذى) استثناء منقطع عن أول الكلام، ~~كقولهم: ما اشتكى شيئا إلا خيرا). والى هذا ذهب أبو القاسم البلخي وبعض ~~المفسرين. وقد دفع هذا القول المحققون من العلماء، وقالوا: ليس ذلك ~~باستثناء منقطع، لان حمله # PageV00P227 # على الاستثناء الصحيح ممكن، فلا يجوز حمله على الاستثناء المنقطع، ~~والمعنى: # لن يضروكم إلا ضررا يسيرا، فالأذى وقع موقع المصدر الأول، الذي تقديره: ~~أن يكون ضررا دون صفة الضرر الذي هو يسير، واما الاستثناء المنقطع فلا يكون ~~فيه الثاني مخصصا للأول، نحو ما بالدار أحد إلا حمارا، وكذلك ما زاد إلا ما ~~نقص، وما نفع إلا ما ضر، وكيف يجوز أن يجعل هذا بمنزلة الاستثناء المنقطع، ~~والأذى على كل حال من قبيل الضرر، وإن قلنا إنه ضرر يسير، وليس كذلك حكم ما ~~جعلوه شاهدا عليه من قولهم ما اشتكى شيئا إلا خيرا، لان الخير لا يجوز أن ~~يكون من قبيل ما يشتكي منه فيكون الاستثناء صحيحا، وإنما أحوج ~~NoteV00P228N01 الكلام إلى حمله على الاستثناء المنقطع لما لم يسغ فيه ما ~~ذكرنا، وقد بينا أن المراد بهذا الأذى هو: الضرر الذي يلحق قلوب المؤمنين ~~باظهار الكفار كلمة الكفر، ومجاهرتهم بالدعاء إلى الضلال عن الدين، ~~وافسادهم قلوب الضعفة من المسلمين، إلى غير ذلك مما في معناه، وذلك اجمع من ~~باب ms131 الضرر الذي إذا لحق قلوب المؤمنين غمهم وأكثر همهم، فقد صح إذن كون ذلك ~~ضررا، ووضح كون الاستثناء صحيحا لا منقطعا، وفي ما ذكرناه من ذلك كاف بحمد ~~الله. # PageV00P228 # 25 - مسألة (ليس لك من الامر شئ) شبهة الجبر في الآية - الجواب عن ذلك - ~~نزول الآية - في الآية - تقديم وتأخير - نزول الآية أيضا - الوجه الصحيح - ~~كلام قاضي القضاة ومن سأل من المجبرة عن معنى قوله تعالى: (ليس لك من الامر ~~شئ... الآية - 128)، فقال: هذا نص في موضع الخلاف من مذهبنا، وهو دليل على ~~أن جميع تصرف العبد من فعل الله تعالى، كما نقول، والخطاب متوجه إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله، وإذا كانت تلك حاله فهي إذن حال غيره! # فالجواب - 1 - أن المتعلق بهذه الآية في تصحيح قوله الفاسد، وإقامة مذهبه ~~الواهي المتهافت، واقع بعيدا من بغيته، ومحجوز بينه وبين إرادته، أولا يرى ~~هذا السائل أن الله سبحانه أمر نبيه أن يدعو الكفار إلى الله تعالى، مكررا ~~على أسماعهم دعاءه، وناهجا لهم طريق الايمان ومناره، ومنذرا لهم ومحذرا ~~وموقظا ومنبها، وآخذا بحجزهم NoteV00P229N01 من التهافت في النار، ومنهنها ~~NoteV00P229N02 لهم عن حلول دار البوار! # PageV00P229 # وذلك من أجل الأمور المجعولة له والمنوطة به، فكيف يمكن السائل حمل القول ~~في الآية على ما ظنه مع ما ذكرناه! # فالمراد إذن بقوله تعالى: (ليس لك من الامر شئ)، أي: لست بمالك شيئا من ~~عقابهم، أو ثوابهم، أو استئصالهم، أو استصلاحهم، أو تدبير مصالحهم في ~~أوقاتها، أو تقديم آجالهم أو تأخيرها، أو المعرفة بما تصلح عليه أحوالهم في ~~الدين، أو تفسد من تبقية مع كفر، لانتظار إيمان، أو اخترام مع ايمان لعاقبة ~~ضلال، وما يجري مجرى ذلك، وكان صلى الله عليه وآله إذا رأى من الكفار ~~التشدد في تكذيبه، والمبالغة في إطفاء نوره، سأل الله تعالى أن يأذن له في ~~الدعاء عليهم بالاستئصال وتعجيل العذاب، على عادة الأنبياء قبله، فقال الله ~~تعالى ذلك، تسكينا له، وتثبيتا لقلبه، وبين له: # أنه سبحانه العالم بمصائر الأمور، وعواقب التدبير، ms132 وأنه إنما لم يأذن له ~~في الدعاء عليهم، لعلمه أن من يؤمن منهم ويتوب، ويراجع ويثوب، يكون ~~NoteV00P230N01 زائدا في عداده، وعضدا من أعضاده، أو يكون من ظهره من يقوى ~~به الدين، ويزيد في المسلمين، لأنه سبحانه يعلم من مغارس الأشجار مطلع ~~الثمار، ومن أوائل التلاقح والتزاوج عواقب التولد والنتائج، فيجري سبحانه ~~التدبير على أوضاع المصالح وقواعدها، ودلائل العواقب وشواهدها، وعلى ذلك ~~قرر سبحانه موارد الرسل، ومعاقد الدول، وجعل سراء قوم مقفوة بضراء، وضراء ~~قوم مكشوفة بسراء، على # PageV00P230 # حسب المصالح والمفاسد، وعلم العواقب والمصائر. # ويكشف عما قلناه قوله تعالى - عقيب هذا الكلام -: (أو يتوب عليهم أو ~~يعذبهم) فبين أن من كفر به يصير في العاقبة إلى أحد أمرين: إما أن يتوب، ~~فيقبل الله توبته ويغفر خطيئته، وإما أن يموت مصرا، فيكون ما يفعله الله به ~~من عذاب الآخرة أعظم مما صرفه عنه من عذاب الدنيا، فلم يجز الاذن له صلى ~~الله عليه وآله في الدعاء عليهم، لما في ذلك من الاقتطاع عن التوبة بعذاب ~~الاستئصال، وقطع الآجال. # وقيل: إن هذه الآية نزلت يوم أحد عندما أقدم عليه المشركون، من ارتكاب ~~العظيمة من رسول الله صلى الله عليه وآله: كشج جبهته، وكسر رباعيته، ~~واستقطار دمه على صفحته، وهو مع ذلك حريص على دعائهم، ومجتهد في إنقاذهم من ~~ضلالهم، فقال صلى الله عليه وآله: (كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم، وهو ~~يدعوهم إلى عبادة ربهم)، فنزلت هذه الآية للغرض الذي قدمنا القول فيه، وروي ~~ذلك عن أنس بن مالك، وابن عباس، والحسن وقتادة، والربيع. # وقيل: إنما نزلت الآية لما استأذن صلى الله عليه وآله في الدعاء عليهم ~~بعذاب الاستئصال بعد يوم أحد، لما ركبوا منه العظائم، وبلغوا منه المبالغ. # 2 - وقال بعضهم: معنى (ليس لك من الامر شئ) أن ما يكون في الحرب بالقوة ~~والجلد أو الضعف والفشل، إليه سبحانه وليس إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~ولا إلى غيره شئ منه. # 3 - وقال أبو مسلم بن بحر: قوله تعالى: (ليس لك ms133 من الامر PageV00P231 # شئ) معطوف على قوله سبحانه: (وما النصر إلا من عند الله) أي: # ليس لك ولا لغيرك من هذا النصر شئ، وإنما هو من عند الله تعالى، وذلك ~~شبيه بقوله تعالى: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى...) NoteV00P232N01. # 4 - وقال الزجاج: هذه الآية نزلت يوم أحد بعد مصاب النبي صلى الله عليه ~~وآله بما أصيب به، وقوله - وهو يمسح الدم عن وجهه -: # (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم)، فكأن الله سبحانه ~~أعلمه أن فلاحهم ليس إليه، وإنما عليه أن يبلغ الرسالة، ويجاهد حتى يقرر ~~الشريعة، ليس له ولا عليه غير ذلك. وهذا القول قريب من بعض الأقوال التي ~~ذكرناها في هذا المعنى. # 5 - وقال بعضهم: هذا على التقديم والتأخير، فكأنه تعالى قال: ليقطع طرفا ~~من الذين كفروا أو يكبتهم، فينقلبوا خائبين، أو يتوب عليهم أو يعذبهم ليس ~~لك من الامر شئ، أي: ليس لك من عقوبتهم شئ إلا أن يجعله الله إليك، فان ~~جعله إليك فأنت مخير بين العقوبة لهم أو العفو عنهم. # 6 - وقيل أيضا: إن سبب نزول هذه الآية NoteV00P232N02 من قتله عامر ابن ~~الطفيل ولفيفه ببئر معونة من الأنصار الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وآله # PageV00P232 # ليعلموا الناس القرآن ويعرفوهم الاسلام، وحديث قتلهم على شرح مذكور (في ~~كتاب المغازي) NoteV00P233N01، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله على ~~قاتليهم أربعين صباحا، يقنت عليهم في صلاته، فنزلت: (ليس لك من الامر شئ)، ~~أي: ليس لك تعجيل الانتقام منهم، لكن الله يفعل ما هو الأصلح لخلقه، من ~~تبقية لهم، ليفيئوا أو يراجعوا، أو اخترام لهم أن أصروا أو تتابعوا، وقد ~~نبه الله تعالى على علة تبقيتهم إن بقاهم بقوله: (أو يتوب عليهم) فدل بذلك ~~على وجه الصلاح في تبقيتهم لما يعلمه من توبة بعضهم. # 7 - وقال بعضهم: إن النبي صلى الله عليه وآله وإن كان إليه شئ من أمر ~~العباد على بعض الوجوه، فذلك قدر يسير لا يعتد ms134 به في تدبيرهم بالإضافة إلى ~~تدبير الله تعالى لهم وما يملكه منهم، فلذلك جاز أن يقال: # (ليس لك من الامر شئ)، وإن كان له منه شئ على بعض الوجوه، لان الحكم ~~للأغلب والقول على الأعم الأكثر. # والأصح من هذه الوجوه في نفسي أن يكون الامر ههنا بمعنى السلطان والقدرة، ~~وعلى هذا قول أصحاب بلقيس ملكة سبأ في جوابها NoteV00P233N02: (والامر إليك ~~فانظري ماذا تأمرين) NoteV00P233N03، أي: السلطان لك فأمري بما شئت يطع ~~NoteV00P233N02 أمرك، ومثله قولهم: # كان ذلك بعد أن تقلد الامر فلان الخليفة أو فلان الأمير، أي: بعد # PageV00P233 # (أن 1) ملك السلطان ودبر الزمان، وكذلك قولهم: انتقل الامر عن فلان إلى ~~فلان، أي: السلطان والتدبير، فيكون معنى قوله تعالى: (ليس لك من الامر شئ) ~~أي: ليس لك من السلطان والقدرة شئ، وإنما ذلك لله تعالى دون أحد من خلقه، ~~وإن كان له صلى الله عليه وآله أمر في تدبير الأمة من غير جنس السلطان ~~والقدرة الحقيقيين اللذين لا يوصف بحقيقتهما إلا الله تعالى، ومن وصف بذلك ~~من العباد وصف مجازا واتساعا. # وقال قاضي القضاة أبو الحسن - حرسه الله -: ظاهر قوله تعالى: # (ليس لك من الامر شئ) يقتضي أن يكون واردا في أمر كان صلى الله عليه وآله ~~يفعل فيه ما يكون هذا القول كالمنع منه، فلذلك وقع الاختلاف في سبب نزوله، ~~وما كان يفعله صلى الله عليه وآله في ذلك لا بد من أن يكون حسنا: من دعاء ~~على قوم مخصوصين مستحقين للعقاب، لكن أدعية الأنبياء بالهلاك المعجل ~~والعذاب المرسل يقتضي الإجابة، وإلا أدت الحال إلى التنفير عنهم، فلا يمتنع ~~أن يكون عليه السلام هم بذلك وعزم عليه واستأذن فيه، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية مبينا له أن الصواب عدوله عن هذا الدعاء، لما في عاقبة الامر من ~~المصلحة، وهو ما يعلمه تعالى من توبة بعضهم، فيكون ذلك سببا لنجاته، ويكون ~~التبقية وجه الصلاح في حياته. # فأما قول من قال: إن ذلك نزل في لعنه صلى الله عليه وآله الكفار ms135 ~~والمشركين # PageV00P234 # ودعائه عليهم، فقد أخطأ الصواب، وذلك أنه عليه السلام مأمور بأن يلعن ~~الكفار معلنا، ويدعو عليهم مجتهدا، فلا يجوز أن يقال - والحال هذه -: (ليس ~~لك من الامر شئ)، والمراد يتعلق بما ذكرنا، وإنما كان (ع) يدعو عليهم بعقاب ~~الآخرة مشروطا، والشرط: إن لم يتوبوا، فلا يوجب ذلك ألا تقع منهم إنابة ولا ~~توبة إذا كان دعاؤه يقتضي طلب العقوبة لهم في الآخرة، بشرط الموافاة وهم ~~مصرون على المعاصي، وإن دعا عليهم بايقاع المستحق من العقاب في الحال، ~~فتوبتهم أيضا إن وقعت من بعد ذلك كانت غير مؤثرة في حسن الدعاء. # ثم يقال للسائل: إذا لم يكن للنبي (ع) من الامر شئ على زعمك، فلماذا ~~استحق المدح والسمعة، والاجلال والرفعة! ولماذا خص بما ليس لغيره في باب ~~لزوم الطاعة! ولماذا يلزم اتباعه واقتفاؤه، ويجري على العباد أحكامه، ويكون ~~قوله مسموعا وإيماؤه متبوعا!. وإن كان جميع ما يفعله بمنزلة لونه وهيئته ~~وأعضائه وصورته ليس له فيه شئ ولا إليه منه شئ، فكيف يستحق المدح بأفعاله، ~~والحمد على صالح أعماله!. # على أن الامر في الحقيقة هو قول القائل لمن دونه في الرتبة: (افعل)، فيجب ~~أن يقتضي ظاهر ذلك أنه صلى الله عليه وآله ليس له أن يأمر وينهى في حال من ~~الأحوال، وذلك ما لا يجوز أن يقوله من فيه مسكة، أو عنده للدين عقيدة. # ومما يكشف عما ذكرنا أن الله قد أمر النبي بطاعته ونهاه عن PageV00P235 # معصيته، ولولا أنه كان قادرا على الطاعة والمعصية بما جعل فيه من ~~الاستطاعة للامرين جميعا، لما كان لهذا الأمر والنهي معنى، ألا ترى إلى ~~قوله تعالى - والمراد بذلك NoteV00P236N01 الرسول -: (ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل. لاخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين) NoteV00P236N02، فليس ~~معنى قوله تعالى: (ليس لك من الامر شئ)، أي: أنك لا تستطيع أن تعمل خيرا ~~ولا شرا، وكيف يظن ذلك وقد أمره تعالى بأن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة ~~والموعظة الحسنة، ويجاهد الكفار حتى ينقادوا للشريعة، وكل ذلك من الأمور ~~العظيمة، ms136 وإنما أراد تعالى بذلك: # أنه ليس لك من الحكم في قومك، ولا في غيرهم شئ، وإنما عليك أن تمضي لامر ~~الله تعالى فيهم وتنفذ NoteV00P236N03 احكامه عليهم، وأن تنذر وتبصر وتصدع ~~بما تؤمر. # فصل الوجه في نصب (أو يتوب عليهم) فأما ما انتصب عليه قوله تعالى: (أو ~~يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون)، فهو على ضربين: أحدهما، أن يكون عطفا ~~على قوله تعالى: # (ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم...) ثم قال: # (أو يتوب عليهم أو يعذبهم)، فيكون قوله تعالى: (ليس لك من # PageV00P236 # الامر شئ) اعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه، كما يقول القائل: # ضربت زيدا - فافهم - وعمرا. # والوجه الثاني، أن تكون (أو) هي التي بمعنى: (إلا أن)، فكأنه قيل له: ليس ~~لك من الامر شئ إلا أن يتوب الله عليهم أو يعذبهم، فيكون أمرك تابعا لامر ~~الله تعالى في ذلك، لرضاك بمصارف أقداره ومواقع تدابيره أو تكون بمعنى ~~(حتى)، كأنه قال: حتى يتوب عليهم أو يعذبهم، كما يقول القائل: لا أزال ~~ملازمك أو تعطيني ديني، أي: # حتى تعطيني ديني. # وقد قيل في ذلك وجه آخر، وهو أن يكون تقدير الكلام: # ليس لك من الامر شئ أو من أن يتوب عليهم، فأضمر (من) ههنا اكتفاء بمن ~~الأولى، وأضمر (أن) لبيان معناها، وهي مع الفعل الذي بعدها بمنزلة المصدر. ~~وهذا مذهب غير سديد، وقول غير مستقيم، لأنه ليس من كلام العرب قولك: عجبت ~~من أخيك وتقوم، على معنى من أخيك ومن أن تقوم، والدلائل على فساد ذلك كثيرة ~~لا يحتمل الموضع شرحها. وفي ما ذكرناه من ذلك كاف بحمد الله. PageV00P237 # 26 - مسألة (جنة عرضها السماوات والأرض) ما معنى العرض وما الفائدة في ~~ذكره بدون الطول؟ - الجواب عن ذلك - معاني العرض - آية (فذو دعاء عريض) - ~~جواب النبي صلى الله عليه وآله عمن سأله عن مكان الجنة - آية (ومن الانعام ~~حمولة وفرشا) والرد على ابن بحر. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين - 133)، فقال: ms137 ما معنى (عرضها السماوات)؟ وأي ~~فائدة في ذكر العرض ههنا بدلا من الطول؟ # فالجواب: أن في ذلك وجوها: # 1 - منها، ما روي عن ابن عباس والحسن البصري: أن المراد عرضها كعرض ~~السماوات والسبع والأرضين السبع، إذا ضم بعضهن إلى بعض مبسوطات، وقد بين ~~تعالى ذلك في الآية التي في الحديد، وهي قوله تعالى: (... وجنة عرضها كعرض ~~السماء والأرض ... - 21)، فصارت هذه الآية أصلا لتلك، تحمل عليه وترد إليه، ~~والشواهد على جواز حذف ما هذه سبيله كثيرة، وقد ذكرنا PageV00P238 # كثيرا من ذلك في عدة مواضع من هذا الكتاب، ومن أوضح ما ذكرناه قوله ~~تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة...) NoteV00P239N01، والمراد: ~~إلا كبعث نفس واحدة وخلقها. # 2 - وقال بعضهم: العرض في كلام العرب على وجوه: فمن ذلك، العرض: الجبل. ~~والعرض الحشيش. والعرض الجيش. # والعرض خلاف الطول. والعرض السعة، ومن ذلك قوله تعالى: (وجنة عرضها ~~السماوات والأرض)، أي سعتها، ولذلك يقولون: (وفي الأرض العريضة مذهب)، لا ~~يريدون العرض الذي هو خلاف الطول، وإنما يريدون السعة، وعلى ذلك قول النبي ~~صلى الله عليه وآله - للذين هربوا يوم أحد فرارا من الزحف عند رجوعهم إلى ~~المدينة -: (لقد ذهبتم فيها عريضة) اي واسعة، ويعني (ع) الأرض، وعلى ذلك ~~قول الشاعر NoteV00P239N02: # ودون يد الحجاج من أن تنالني * بساط لأيدي الناعجات عريض وقال الآخر ~~NoteV00P239N03: # بلاد عريضة وأرض أريضة * مدافع غيث في فضاء عريض أراد: واسعا، والشواهد ~~على ذلك كثيرة جدا. # PageV00P239 # 3 - وحكى بعض أصحاب محمد بن يزيد المبرد عنه: أنه سئل عن ذلك فقال: يحتمل ~~أن يكون المراد عرضها كطول السماوات والأرض، لأنك إذا قلت لغيرك: عرض ثوبي ~~ثوبك، جاز أن يكون عرض هذا كطول الآخر. فقيل له: فما قولك في قوله تعالى في ~~الموضع الآخر: (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض)؟، فقال: هذا عرض كعرض، ~~ويحتمل أن يكون المراد بالعرض ههنا السعة - على ما تقدم -، والناس يقولون: ~~فلان عريض الجاه والقدر، ولا يستعملون فيهما الطول، إذا أرادوا السعة، إذ ~~العريض يدل على السعة، فيجمع ms138 ماله عرض الطول والعرض، وليس لكل طويل عرض ~~يذكر. # 4 - ووجه آخر. قال بعضهم: إنما ذكر تعالى عرض الجنة ولم يذكر طولها، ~~لينبهنا سبحانه على أن طولها أعظم من عرضها، فكأنه تعالى قال: إذا كان هذا ~~عرضها فما ظنكم بطولها، ومثل ذلك قوله تعالى: (متكئين على فرش بطائنها من ~~إستبرق...) NoteV00P240N01، فدلنا سبحانه على جلالة الظهائر NoteV00P240N02 ~~بتعظيم قدر البطائن، فكأنه سبحانه قال: إذا كانت هذه صفة بطائنها فما ظنكم ~~بجلالة ظهائرها. # وقد تعلق بعضهم أيضا بقوله تعالى: (وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونأى ~~بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض) NoteV00P240N03، فقال: (لو قال: فذو ~~دعاء طويل، لكان أوجه وأبلغ، لان المعروف # PageV00P240 # في كلامهم أن يصفوا ما لا طول له ولا عرض في الحقيقة بالطول دون العرض ~~فيقولون: حديث طويل، وكلام طويل، وأمر طويل، ولا يستعملون عريضا إلا فيما ~~يجمع الطول والعرض). # وليس الامر على ما ظنه هذا القائل، وذلك أن المراد بعريض ههنا ما تقدم ~~ذكره من المبالغة في الوصف بالسعة والكثرة، وقولنا: # (عريض) أدل على هذا المعنى من قولنا: (طويل)، لان الطويل لا يدل إلا على ~~طول: إما مجرد من عرض، على مذهب القائلين بالخط المجرد من عرض ~~NoteV00P241N01، أو على عرض ما غير معين، في مذهب من يمنع من حدوث طول بلا ~~عرض وإن قل، والعرض لا يكون إلا بطول أكثر منه، وإلا كان الطول هو العرض، ~~وإنما خص العرض بالذكر، لدلالته على أن الطول أزيد منه، ولو ذكر الطول لم ~~يدل على هذا المعنى، وقد روي: أن رسولا لهرقل عظيم الروم سأل النبي صلى ~~الله عليه وآله، فقال: سمعناك تدعو إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فأين ~~النار إذن!، فقال [ص]: سبحان الله! إذا جاء النهار فأين الليل!. وهذه ~~المعارضة تسقط المسألة، لان القادر على أن يذهب بالليل حيث شاء قادر على أن ~~يجعل النار حيث شاء. # وروي في حديث آخر: أن المشركين سألوه صلى الله عليه وآله عن مكان # PageV00P241 # هذه الجنة إذا كانت عرضها كعرض ms139 السماوات والأرض، فأنزل الله تعالى: ~~(أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق ~~العليم) NoteV00P242N01، فكان هذا الجواب ناقعا للغليل، وقاطعا للخصوم، كما ~~تقدمه في NoteV00P242N02 جواب من ضرب مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم، قال سبحانه: (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم. ~~الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون... # إلى آخر السورة)، فبين تعالى أن احياء الأموات وإعادة الرفات ليس بأعجب ~~من اخراج النار من العود الأخضر، والجمع بين المحرق والمورق، فتبارك الله ~~رب العالمين! # وكان ما ذكره تعالى من هذه الأمثال جوابا عن قول من قال من المشركين: ~~(إذا كانت الجنة كالسماوات والأرض فأين النار)، لأنه تعالى قادر على أن ~~يخلق الجنة فوق السماء، ويخلق النار تحت الأرض، وهما على ما هما على، أو ~~يزيد تعالى في سعة السماوات والأرض، فيخلق فيها الجنة والنار، وتكون سعة ~~الجنة خصوصا على مقدار سعة السماوات والأرض، قبل أن يزيد فيها، فلا يمنع ~~كون الجنة بهذه الصفة من صحة وجود النار على تلك الصفة، وهذا معنى ما روي ~~من تشبيهه (ع) الجنة والنار بالليل والنهار، وذلك لان النهار عبارة عن ~~الأوقات التي تظهر الشمس فيها، مع السلامة من حائل، والتخلص من عائق، # PageV00P242 # فينحسر قناعها ويبدو شعاعها، والليل عبارة عن الأوقات التي تغيب الشمس ~~فيها، فتخبو أنوارها، وينضم انتشارها، ومعلوم ان الشمس إذا دارت حصل النهار ~~وصار الليل في آخر، فلا يتمانعان في قدرة الله، فكذلك الجنة والنار. # 5 - وقال أبو مسلم بن بحر في ذلك: (وللعرض وجه آخر من التأويل، وهو: أن ~~يكون معنى ذلك أن الجنة لو عرضت بالسموات والأرض، وجاز أن يكون لها مالك ~~غير الله تعالى، لكانتا ثمنا لها، وهذا من عرضك الشئ للبيع والمقابضة، وإذا ~~أقمت الشئ بإزاء الشئ لتعرف موافقته له، قلت: عرضته NoteV00P243N01 عليه ~~وعارضته به، فصار العرض كما ترى يوضع موضع المساواة بين الشيئين والتوفيق ~~بينهما، لاعتبار حالتيهما، وكذلك ms140 معنى القيمة التي توقع على الشئ وهي تقدير ~~الثمن، وإنما هي لفظة مشتقة من مقاومة الشئ للشئ، حتى يكون كل واحد منهما ~~مثل الآخر وقائما مقامه). # فأقول: إن هذا التأويل من اعتساف أبي مسلم وخبطه واستكراهه وتعمقه، وقد ~~قال الشاعر: (وعند التعمق الزلل) NoteV00P243N02، ويكفي (في 3) فساد قوله ~~هذا، إجماع الأمة على خلافه، مع ما فيه من شواهد التعسف ودلائل التكلف. # وليس ذلك أعجب NoteV00P243N04 من ذهابه إلى أن معنى قوله تعالى في ~~الانعام: # PageV00P243 # (ومن الانعام حمولة وفرشا... - 142) هو ما يفترش للذبح. # فهل رأيت قولا أعدل عن الجادة، وأشد انحرافا عن المحجة، وأدل على خبط ~~قائله، وتخليط متأوله، من هذا؟! وهل يجوز أن يذهب فكر سليم ويرمي رأي ~~مستقيم إلى مثل هذا القول؟! وأي شئ في قوله تعالى ههنا: (حمولة وفرشا) مما ~~يجوز أن يستدل به على ما يذبح؟! وهل سمع في لسانهم فرش بمعنى ذبح، فيقول: ~~إن الفرش مما NoteV00P244N01 يذبح؟!. # ولو كان الامر على ما ظنه - على بعده وبرده - لكان، على قوله، يجب أن ~~يكون حمولة وافتراشا، لأنه قال: المراد بذلك ما يفترشونه للذبح، وفسر ~~الافتراش بأنه الاضجاع للنحر، ونظر ذلك بقوله تعالى: # (فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها..) NoteV00P244N02، أي: سقطت على جنوبها. ~~وخطؤه في هذا التمثيل أعظم من خطئه في ذلك التأويل، فإنه سبحانه دل بقوله: ~~(فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها)، على أن نحر ~~الإبل يكون وهي قائمة، ثم تسقط بعد نحرها وهو معنى قوله: (صواف)، وأبو مسلم ~~قال: معنى ذلك ما يفترش للذبح أي يضجع، فجعل نحرها بعد اضجاعها، ولم يرض ~~بذلك حتى جعل الشاهد على قوله ما هو ضد قوله وإن أراد أن في الانعام ما ~~ينحر مضجعا، فما كان ينبغي أن يجعل النظير له ما ينحر منتصبا. # هذا، على أن جميع العلماء في الفرش على قولين لا ثالث لهما: أحدهما، # PageV00P244 # أن يكون المراد به صغار الإبل، لأنهم يسمون صغارها: فرشا. # والاخر، أن يكون اسم الفرش على ظاهره، فيكون المراد ms141 ما ينسج من أصوافها ~~وأوبارها، ويفترش ويمتهد، والدليل على ذلك قوله تعالى: (ومن أصوافها ~~وأوبارها أثاثا ومتاعا إلى حين) NoteV00P245N01، وروي أن أمير المؤمنين ~~عليا عليه السلام سئل عن الحين المراد ههنا، فقال: (إلى حين بلائها ~~وتهافتها). وهذا من حسن القول. ولو ذهبنا إلى ذكر نظائر ما أوردناه عن أبي ~~مسلم لا تسع نطاق القول، ولعلنا نشير إلى ذلك إذا جاء في مواضعه مستأنفا ~~بتوفيق الله تعالى. # فصل الجنة والنار مخلوقتان أم تخلقان؟ # في ذكر الجنة والنار، هل هما مخلوقتان الآن أم تخلقان بعد فناء العباد. # وقد اختلف العلماء في ذلك NoteV00P245N02: فمنهم من قال: هما الآن ~~مخلوقتان وقال بعضهم: إن الجنة خاصة مخلوقة، والصحيح انهما تخلقان بعد. # PageV00P245 # ومما NoteV00P246N01 يستدل به على ذلك قوله تعالى في وصف الجنة: (أكلها ~~دائم وظلها...) NoteV00P246N02، وقد دل الدليل على أن كل مخلوق الآن لابد ~~أن يفنى، وإذا لاقحنا بين هذين الدليلين، كان نتاجهما أن الجنة والنار غير ~~مخلوقتين، ألا ترى إلى قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما ~~بدأنا أول خلق نعيده وعدا... الآية)! NoteV00P246N03 فإذا انقضت بنية ~~السماء وطويت كطي الكتاب، وجب أن ينتقض أيضا بنية ما يتصل بها، ويكون ~~مستقرا عليها، وقد ثبت أن الجنة تخلق (في 4) السماء أو عليها، وتكون السماء ~~مكانا لها أو عمادا تحتها، وقد وصفها الله تعالى كما ذكرنا بدوام الأكل ~~وبقاء الظل، فلو كانت الآن مخلوقة في السماء لا نطوت لانطوائها وانتقض ~~بناؤها بانتقاض بنائها. # فأما ما ذكره الله تعالى من أن آدم (ع) كان في الجنة، فاهبط منها إلى ~~الأرض، وما جاءت به الاخبار من أن الأنبياء ينقلون إلى الجنان وينعمون إلى ~~حين فناء العباد، فهو غير قادح فيما ذكرناه، لان المراد بهذه الجنان غير ~~جنة الخلد التي هي قرار المآب وجنة الثواب، والجنة في أصل اللغة يعبر بها ~~عن الرياض والمنابت والأشجار والحدائق والكروم المعروشة والنخيل المتهدلة، ~~وعلى هذا قوله تعالى: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله...) ~~NoteV00P246N05، أراد ms142 تعالى الحديقة # PageV00P246 # وما في معناها، ولا يمتنع كون مثل هذه الأماكن في السماء وتكون موضعا ~~للملائكة ولكثير من الأنبياء عليهم السلام، ويكون خلق جنة الخلد والنار بعد ~~انقضاء التكليف واستحقاق الثواب والعقاب، فيكون النعيم دائما غير منقطع، ~~والعذاب متصلا غير منفصل، من غير أن يتوسط خلقهما وبقاءهما نقض داريهما، ثم ~~اعادتهما، وإبطال محليهما، ثم استئنافهما. # فاما الاخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وآله في صعوده إلى السماء، ~~ودخوله الجنة وما شاهد فيها من الأشجار والثمار، حتى وصف نبقها بأنه ~~كالقلال وقول (ع): (دخلت الجنة فرأيت أكثر أهلها البله)، وما حكي عنه (ع) ~~من اجتماعه مع بعض الأنبياء فيها، إلى غير ذلك مما يطول ذكره - فهي أخبار ~~آحاد ولا يعتمد عليها في هذا الباب، وليس طريقها العلم، وإنما يجب أن يعمل ~~في ذلك على القطع والتحقق، كالدلالة التي ذكرناها، ولو ثبت ذلك وصح نقله، ~~لم يمتنع أن يكون المراد به بعض الجنان التي ذكرنا أنها من مواضع الملائكة ~~والأنبياء، لا جنة الخلد والثواب. # فأما قوله صلى الله عليه وآله: (دخلت الجنة فرأيت أكثر أهلها البله)، ~~فيحتمل وجهين من التأويل: أحدهما، أن يكون (ع) قال ذلك وأراد به الدخول في ~~المستقبل، وإنما عبر عنه بعبارة الكائن الواقع لقوة علمه بأن ذلك سيكون في ~~المستأنف، كما قيل - في قوله تعالى: ﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة...﴾ (1) -: إن ذلك ~~لصحته وتحقق # PageV00P247 # وقوعه كأنه قد كان، فعبر عنه بعبارة الكائن الواقع. والوجه الآخر، أن ~~يكون أراد (ع) بذلك أنني تصورت بعلمي ورأيت بعين قلبي الجنة، فرأيت أكثر من ~~فيها تلك صفتهم، فجعل يقينه لما يحدث عنه لتحققه له كالشئ الذي شاهده ~~وباشره، لما قوي في علمه أن الامر يكون كذلك لا محالة. # ومعنى البله ههنا الغافلون عن أذى الناس والاضرار بهم، لا الناقصو ~~العقول، كما يظن بعض الناس، وليس ذلك من صفات الذم، ولكنه من صفات المدح، ~~وعلى ذلك قول الشاعر: # بعد غداني الشباب الأبله NoteV00P248N01 اي: الغافل صاحبه عن ms143 مواقع ~~الهموم، وطوارق الخطوب، فقد وضع البله ههنا موضع الثناء والمدح، لا موضع ~~العيب والذم. # فان قال قائل: كيف رغب تعالى المكلفين في ذكر جنة ما خلقها، ولا أوجد ~~جملتها. قيل: إن ذلك جائز سائغ لان خلق الجنة مقدور له تعالى، وهو متمكن ~~منه، وقادر عليه، فمتى شاء أو جدها غير متعذر عليه إيجادها، ولا صعب ~~قيادها، كما رغبهم تعالى في ثواب لم يوجده بعد، وحسن ذلك، لان وعده صادق ~~وأمره واقع، وعلى أنه لولا السمع الوارد والدليل الواضح اللذين أشرنا ~~إليهما، لكان يصح خلقه تعالى جنة الخلد قبل انقطاع التكليف، ولكن السمع منع ~~من ذلك، وفي ما ذكرناه من الكلام على هذه المسألة كاف بتوفيق الله تعالى. # PageV00P248 # 27 - مسألة (معنى رؤية الموت) في الآية ثلاث مسائل الأولى في رؤية الموت ~~- نسبة الرؤية إلى أسباب الموت - كيف صدق إبراهيم الرؤيا وهو لم يذبح ولده! ~~- آية (إذا حضر أحدكم الموت...) تفسير الرؤية بالعلم. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد ~~رأيتموه وأنتم تنظرون - 143)، فقال: ما معنى رؤية الموت ههنا وليس الموت ~~مما يرى بالأعين، ويثبت بالتأمل والتبيين. # فالجواب: أن هذه الآية تشتمل على ثلاث مسائل: إحداها، التي ذكرها السائل. ~~والثانية، أن يقال: كيف قال تعالى: (فقد رأيتموه وأنتم تنظرون)! والرؤية ~~تكفي من النظر، فاذن لا فائدة في ذكر النظر بعد ذكر الرؤية. الثالثة، أن ~~يقال: إن تمني المسلمين الموت ههنا معناه القتل في الجهاد، فكان تمنيهم ~~لذلك هو تمن لان يقتلهم المشركون، ويتمكن منهم الكافرون، وقتلهم لهم كفر، ~~فكيف جاز للمؤمنين أن يتمنوا الكفر!. # والجواب عن المسألة الأولى: أن يقال: رؤية الموت ههنا PageV00P249 # يراد بها رؤية أسباب الموت، لا الموت نفسه، وأسباب الموت يصح عليها ~~الرؤية: مثل الطعن بالرماح، والضرب بالصفاح، والرشق بالسهام، والقذف ~~بالسلام NoteV00P250N01، وكل ذلك يصح أن يرى ويشاهد، ألا ترى إلى قول ~~القائل - إذا لقي أمرا صعبا تعظم مشقته وتصعب خطته -: (قد رأيت الموت ~~عيانا)! يريد أنه باشر أسباب ms144 الموت هولا وشدة وكربا وضغطة، وهذا معروف في ~~كلامهم، وعلى ذلك قول الشاعر: # ومحلما يمشون تحت لوائهم * والموت تحت لواء آل محلم يريد أسبابا الموت ~~وعلاماته، وعلى ذلك قول كثير: # إذا أخذوا أدراعهم وتسربلوا * مقلص مسروداتها ومذالها NoteV00P250N02 ~~رأيت المنايا شارعات فلا تكن * لها سننا قصدا وخل مجالها أراد: رأيت أسباب ~~المنايا: من بطل دارع، وسيف قاطع، وفرس مسوم NoteV00P250N03، وذابل مقوم. # ومثل ذلك جوابنا عن قصة إبراهيم في ذبح ولده إسماعيل عليهما السلام، إذا ~~قال القائل: كيف قال إبراهيم لابنه: (إني أرى في المنام أني أذبحك... إلى ~~قوله تعالى: فلما أسلما وتله للجبين ونادينا أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) ~~NoteV00P250N04؟ فهل يكون مصدقا للرؤيا ولم يذبحه!. فنقول: # PageV00P250 # إن المراد بذلك أن يفعل أسباب الذبح لا الذبح نفسه، كالاضجاع على الأرض، ~~وأخذ المدية، والربط، وما في معنى ذلك، فيكون بسبيل الذابح، لان من عادتهم ~~أن يسموا سبب الشئ باسمه، على الوجه الذي قدمنا ذكره. # ومما يقوي ذلك: (أن المراد بالذبح ههنا ما ذكرناه) قوله: # (اني أذبحك)، ولم يقل: اني ذبحتك، لان قوله: (اني أذبحك) يصلح للحال ~~والاستقبال، حتى تدخل السين أو سوف عليه، فتخصصه للاستقبال، فيكون المعنى ~~أني عازم على ذبحك وآخذ فيه ومريد له، بتعاطي الأسباب التي ذكرناها، فصح ~~حينئذ أن يقول سبحانه - وإن لم يحقق إبراهيم الذبح -: (قد صدقت الرؤيا)، ~~ولو قال: إني أرى أني ذبحتك، لم يكن مصدقا لذلك، حتى يوقع الذبح نفسه، ~~فافهم الفصل بين الامرين فإنه واضح بين وجلي نير!. # ومثل ذلك قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والأقربين...) NoteV00P251N01، وإنما أراد به تعالى: إذا حضرتكم ~~أسباب الموت، ورأيتم أماراته، وأحسستم بمقدماته، لان المراد لو كان الموت ~~نفسه لاستحال ان يقدر الانسان على الوصية، كما يستحيل من الميت الأمر ~~والنهي والقول والفعل. # وقال بعضهم: يجوز أن يكون المراد بقوله: (فقد رأيتموه) أي: # علمتموه، كقول القائل: رأيت فلانا عاقلا، ورأيت فلانا جاهلا، أي: علمته ~~على هذه الصفة، وقد ms145 يقول الأعمى: رأيت زيدا قويا # PageV00P251 # جليدا، وعمرا واهنا ضعيفا، أي: علمتهما كذلك، فكأنه تعالى أراد: انكم ~~علمتم الموت بالمواجهة والعيان، لا بالخير والسماع. # وقال بعضهم: معنى ذلك: أنكم كنتم تمنون القتال ولقاء العدو، وذلك سبب ~~الموت، فقد رأيتموه بأعينكم (وأنتم تنظرون) أي: تنتظرون ذلك، ومما يقوي أن ~~قوله تعالى: (تنظرون) ههنا بمعنى تنتظرون، ذكره التمني في أول الكلام، ~~والتمني هو الترجي للشئ، ومع الترجي يكون الانتظار في الأكثر. # فصل (الفرق بين النظر والرؤية) والجواب عن المسألة الثانية (وهي قول ~~السائل. إذا كان النظر بمعنى الرؤية، فما معنى تكرير اللفظ!): أن يقال: ~~لسنا نسلم أن النظر معناه معنى الرؤية، فيكون اللفظ مكررا، بل النظر عندنا ~~غير الرؤية وهو يقع على وجوه: # أحدها، ما قدمنا ذكره من كونه بمعنى الانتظار: و (النظر): # التفكر في الأدلة، ومنه قولهم: فلان من أهل النظر. و (النظر): # التدبر والتأمل، ومنه قوله تعالى (انظر كيف ضربوا لك الأمثال..) ~~NoteV00P252N01 أي تأمل ذلك، وقد يتعدى هذا بالجار وهو # PageV00P252 # قوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) NoteV00P253N01، والمراد ~~به الحض على التأمل والتدبر. و (النظر): تقليب الحدقة الصحيحة في جهة ~~المرئي التماسا لرؤيته، وهو المراد في هذا الموضع، وكل راء ناظر، وليس كل ~~ناظر رائيا، فكان حقيقته الطلب، لان الناظر يطلب الرؤية، والمفكر يطلب ~~المعرفة، والناظر - بمعنى المنتظر - يطلب الشئ الذي ينتظره، ويعلق خوفه أو ~~رجاه به. وأنشدنا شيخنا أبو الفتح عثمان بن جني عن أبي علي الفارسي قول ذي ~~الرمة: # فيامي هل يجزي بكائي بمثله * مرارا وأنفاسي إليك الزوافر واني متى أشرف ~~من الجانب الذي * به أنت من بين الجوانب ناظر قال: وكان يستشهد بهذا الشعر ~~على أن الرؤية غير النظر، ويقول: لو كان النظر بمعنى الرؤية لم يطلب الشاعر ~~عليه الجزاء، لان المحب لا يستثيب NoteV00P253N02 على النظر إلى محبوبه ~~ثوابا، ولا يستجزي عليه جزاء، إذا كان ذلك مراده ومناه وقصده ومغزاه، ألا ~~ترى أنهم يتمنون رؤية أحبابهم ومسارقة النظر إلى أشجانهم NoteV00P253N03، ~~ويشتاقون ذلك في ms146 أسجاعهم واشعارهم، لان فيه قضاء إربهم وبلال غللهم، وإنما ~~يعبرون في اشعارهم بالنظر عن الرؤية، لأنه سببها ومقدمتها والرائد المطرق ~~لها NoteV00P253N04، الا فالرؤية مقصدهم، واليها مرمى غرضهم، # PageV00P253 # وذلك ألذ شئ عندهم، وأجل موقعا من قلوبهم، ومثل ذلك لا يطلب المحب ثوابا ~~عليه وجزاء به، وإنما يطلب ذلك على ما عليه فيه مشقة وكلفة، كالتلفت إلى ~~الأظعان، وتكرير النظر إلى الديار، واستقطار الدمع في الرسوم والآثار، ألا ~~ترى إلى قول الشاعر: # ما سرت ميلا ولا جاوزت مرحلة * إلا وذكرك يثني دائبا عنقي وقول الآخر: ~~NoteV00P254N01 تلفت نحو الحي حتى وجدتني * وجعت من الاعياء ليتا وأخدعا ~~والاشعار في ذلك أكثر من أن تستوعب وتستوفي، فإذا وضح ما ذكرناه كان قول ذي ~~الرمة مشيرا إلى هذا المعنى، فيكون طلبه الجزاء والثواب من محبوبه إنما هو ~~على المشقة التي عليه في بكائه، وتصاعد أنفاسه، ومتابعة النظرات إلى الجانب ~~الذي به أحبابه وفيه أشجانه، من غير أن يكون هناك رؤية يلتذ بها، أو لقية ~~يستروح إليها. # وفي هذا الشعر أيضا دليل على بعد دار من يهواه من داره، لقوله: # (واني متى أشرف من الجانب الذي * به أنت...)، ولا يكون اشراف البقاع في ~~الأكثر إلا لتطلب رؤية مرمى سحيق، ومسقط حي بعيد، وذلك أيضا أعظم مشقة على ~~الناظر، وأصعب كلفة على الطالب، وهو أجدر لمشقته بأن يطلب عليه الثواب ~~ويلتمس به الجزاء. فأما قول الشاعر NoteV00P254N02: # فلما بدا حوران والآل دونه * نظرت فلم تنظر بعينيك منظرا # PageV00P254 # فليس بدليل لهم على أن الرؤية هي النظر لان النظر لو كان بمعنى الرؤية ~~لكان في قوله: (نظرت) دليل على أنه قد رأى، وكان قوله بعد ذلك: (فلم تنظر ~~بعينيك منظرا) مناقضه، ولكن قوله: # (نظرت) الأول خارج على حقيقته، وهو تقليب الحدقة في جهة المرئي طلبا ~~لرؤيته، وقوله: (فلم تنظر بعينيك منظرا) يحتمل وجهين: # أحدهما، أن يكون سمى الرؤية نظرا على طريق المجاز والاتساع، ولان النظر ~~سببها وطريقها، فجاز أن تسمى باسمه، ولذلك نظائر كثيرة قد أشرنا إليها في ms147 ~~عدة مواضع من هذا الكتاب. والوجه الآخر، أن يكون مخرج النظر على حقيقته ~~أيضا، وأراد أنك قلبت طرفك فتعذر عليك تقليبه في جهة NoteV00P255N01 ~~المرئي، لغلبة الدمع على عينيك، فلم يصح لك النظر المفضي إلى الرؤية، وهذا ~~على مثل قول الآخر NoteV00P255N02: # نظرت كأني من وراء زجاجة * إلى الدار من أعلام مية ناظر وقال بعضهم: معنى ~~(فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) أن ذلك كان قريبا منكم وبمرئى من عيونكم، لان ~~النظر فيه معنى المقاربة، وكأنه تعالى قال: (فقد رأيتموه وأنتم تقربون ~~منه)، ومثل ذلك قولهم: # دور بني فلان تتناظر، أي تتقابل وتتقارب، وهذا مذهب المبرد في هذه الآية. # وقال الأخفش: النظر ههنا بمعنى الرؤية، وأنما كرره تعالى توكيدا وتشديدا. ~~قال: وذلك كقوله تعالى: (فإنها لا تعمى # PageV00P255 # الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) NoteV00P256N01، وقد علم أن ~~القلب لا يكون إلا في الصدر، وإنما بين تعالى هذا البيان على طريق التوكيد، ~~وذلك كما يقول القائل: رأيته بعيني، وسمعته بأذني، لئلا يتوهم ذلك رؤية ~~القلب وسمع العلم. # وقال بعضهم: معنى ذلك فقد رأيتموه وأنتم بصراء، لان الضرير قد يقول رأيت ~~الشئ بمعنى علمته، فلما كانت الرؤية بمعنى العلم وبمعنى العيان ثم قال ~~تعالى: (فقد رأيتموه وأنتم تنظرون)، على أنها رؤية العيان. # وقال بعضهم: معنى (وأنتم تنظرون) أي: تتأملون الحال في ذلك الامر على ~~حقيقتها، أي هي رؤية تثبت وتأمل، لا رؤية شك وتخييل. # فصل (تمني الموت بالقتل في الجهاد تمن للكفر) فأما الجواب عن السؤال ~~الثالث في هذه المسألة (وهو قول القائل: # كيف تمنى المؤمنون الموت، ومعناه ههنا القتل في الجهاد، وقتل الكفار لهم ~~كفر، فكأنهم تمنوا الكفر)، فهو أن يقال: إن المؤمنين لم يتمنوا ان يقتلهم ~~الكفار، وإنما تمنوا الموت، والموت غير القتل، لان الموت فعل الله تعالى لا ~~يقدر عليه غيره، والقتل فعل القاتل، وهو نقض البنية NoteV00P256N02 التي ~~تحتاج الحياة إليها، وقد اجرى الله تعالى # PageV00P256 # العادة بأنه يفعل الموت عند فقدها ونقضها، ولذلك جاز تمنيهم أن يميتهم ~~الله تعالى ms148 في الجهاد، وذلك حسن، وإنما كان قبيحا لو تمنوا أن يقتلهم ~~الكفار، لان ذلك في حكم تمني الكفر، فقبح من هذا الوجه، ولا يجوز للمؤمن أن ~~يتمنى الكفر أو يريده أو يرضى به، كما أن رجلا لو تمنى ما فعله المشركون ~~بالنبي صلى الله عليه وآله: من إدماء صفحته وكسر رباعيته، لكان مقدما على ~~عظيم. # وإنما تمنوا الموت الذي هو من فعل الله تعالى، لكي يموتوا في الجهاد، ~~فيكونوا إلى رضوان الله أقرب وبثوابه أسعد، وهذا تحريض للمؤمنين على ~~الجهاد، وايسار لهم على الأعادي. # وكان سبب نزول هذه الآية أن قوما من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله - ~~ممن لم يشهد بدرا - كانوا يتمنون يوما مثل يوم بدر يستدركون فيه ما فاتهم، ~~من شرف المسعاة، وفضل الشهادة المبتغاة، فلما استنهضوا للجهاد في يوم أحد ~~نكص بعضهم وفر بعضهم، فعاتبهم الله سبحانه على ذلك، وأثنى على الصابرين ~~منهم والقائمين بجهاد عدوهم. # وقال بعضهم: إنما تمنى القوم مقدمات القتل، لا نفس القتل، لان القتل لا ~~يجوز تمنيهم له على ما تقدم القول فيه، وكأنهم أنما تمنوا الأحوال التي ~~تبلغ في عظم المشقة والخطر وشدة الخوف والوجل، إلى حال القتل ومعاينته، دون ~~وقوع كنهه وحقيقته. وفي ما ذكرناه من الكلام على السؤالات الثلاثة مقنع ~~بتوفيق الله تعالى. PageV00P257 # 28 - مسألة (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها) الجواب عن الشبهة في الآية - ~~الآية مخصوصة ومعناها التبعيض - رجوع هاء التأنيث إلى الثواب - لا تنافي ~~بين ثوابي الدنيا والآخرة - نكتة قرآنية - تعلق بعضهم بآية (كلوا واشربوا) ~~ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب ~~الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين - 145)، فقال: كيف أطلق تعالى هذا القول ~~على العموم، ونحن نرى كثيرا ممن يريد ثواب الدنيا ويتمناه ويقرع الأبواب ~~توصلا إليه وحرصا عليه، فلا ينال منه نصيبا ولا يبلغ منه مأمولا! # فالجواب: أن في ذلك أقوالا: # 1 - أحدها، أن يكون المعنى أن من أراد ثواب الدنيا منفردا عن ثواب الآخرة ~~آتيناه ما ms149 اراده أو بعضه، وحرمناه ثواب الآخرة الذي هو الدائم الباقي، ~~والخالص الصافي، والمراد بثواب الدنيا ههنا منافع الدنيا ولذاتها، وإنما ~~سميت ثوابا على طريق المجاز وتشبيها بالثواب، لما كانت في حكم المستحق عند ~~أمور جعلت أسبابا لذلك. PageV00P258 # وتلخيص ما ذكرناه: أن من أقبل على الدنيا بوجهه ونأى عن الآخرة بعطفه ~~وكدح للدنيا جاهدا ولم يعمل للآخرة صالحا، جاز أن تقول فيه: إنه يريد عاجل ~~الدنيا ومنافعها دون نعيم الآخرة ومنازلها، لا أنه أراد الدنيا على قصد، ~~ولم يرد ثواب الآخرة على عمد، بل لو جمع له الأمران لكان أحب إليه وأجل ~~موقعا عنده، ولكنه لما تشاغل بعمل الدنيا دون عمل الآخرة ساغ أن نصفه - على ~~طريق الاتساع - بأنه يريد عاجل الدنيا دون آجل الآخرة، وهذا كقوله تعالى: ~~(من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصلاها مذموما مدحورا. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان ~~سعيهم مشكورا) NoteV00P259N01، وكقوله تعالى: (من كان يريد ثواب الدنيا ~~فعند الله ثواب الدنيا والآخرة...) NoteV00P259N02، فظاهر ذلك يدل على أن ~~من أراد ثواب الدنيا أي منافعها فقط، بعمل يعمله وجهاد يمارسه، لا نصيب له ~~في الآخرة، وإنما يفوز بثواب الآخرة من جعل عمله خالصا طلبا للزلفة لديه ~~والقربة إليه. # 2 - وقال أبو علي: معنى ذلك: من أراد بجهاده الغنيمة نؤته منها، ومن أراد ~~ثواب الآخرة وهو النعيم الدائم نؤته منه، وجعل سبحانه ذلك ترغيبا في طلب ~~ثواب الآخرة وتزهيدا في طلب نعيم الدنيا. قال: وذلك لطف في المحافظة على ~~الجهاد، لان من قصد # PageV00P259 # بجهاده طلب نعيم الآخرة لم يزل مقدما على الأعداء، صابرا على اللاواء، ~~ومن كان مراده الغنيمة العاجلة ضعف صبره، ولم يؤمن فشله، وكان ثباته قليلا، ~~فشله مدخولا. # 3 - وقال أبو القاسم البلخي: يجوز أن يكون ذلك خالصا في المنافقين يوم ~~أحد، فخبر سبحانه أنه ينيلهم بعض ما يريدونه من عرض الدنيا، امتحانا لهم لا ~~رضا عنهم، ومما يقوي أن ذلك مخصوص ms150 أنا نرى كثيرا من الكفار يريدون عرض ~~الدنيا، ولا ينالونه، ويريدون منها الكثير فينالون القليل، فدل ذلك على ~~كونه مخصوصا. ويحتمل أيضا - لما قال سبحانه: (نؤته منها)، ولم يقل نؤته ~~إياها - أن يكون المراد بذلك إيتاء القليل والبعض، لا إيتاء الكثير والكل، ~~لان (من) للتبعيض ههنا، وقل أحد إلا وقد أوتي من منافع الدنيا شيئا: كثر أو ~~قل، ودق أو جل. # وليس لقائل أن يقول: (فقد قال سبحانه: (ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها)، ~~وهذا أيضا يلزمكم أن يكون المؤتى قليلا)، لان (من) إذا كانت ههنا للتبعيض، ~~فهي دالة على الاعطاء من الجنس المذكور، ويحتمل ذلك الكثرة والقلة، فيتميز ~~ذلك باستحقاق المعطى، فإن كان عمله جزيلا كان ثوابه جزيلا، وإن كان قليلا ~~كان قليلا، وعلى أنه لا بد من ذكر (من) ههنا للدلالة على التبعيض، لأنه ~~سبحانه على الحقيقة يعطي كل عامل على قدر عمله من ثواب الآخرة، ولو لم يقل ~~(نؤته منها) وقال: نؤته إياها، لا وهم أنه يؤتي من يريد PageV00P260 # ثواب الآخرة (جميع ثوابها) NoteV00P261N01، وهذا غير صحيح. # والهاء في قوله تعالى: (نؤته منها) في الموضعين راجعة إلى الدنيا ~~والآخرة، وهي في المعنى راجعة إلى الثواب، لأنه معروف في كلام العرب أن ~~يقول القائل: اللهم ارزقني الآخرة، وهو يريد ثواب الآخرة، فلما كان ذلك ~~كذلك كان رجوع الهاء على الآخرة كرجوعها على ثواب الآخرة، ألا ترى أنهم قد ~~يؤنثون فعل الاسم المذكر متقدما عليه لأنه مضاف إلى المؤنث، وقد جاء ذلك في ~~اشعارهم كثيرا، فلئن يؤنثوا الضمير الراجع إلى المؤنث الذي أضيف إليه ~~المذكر متأخرا عنه، أحرى، فمما أنثوا فيه فعل المذكر المضاف إلى المؤنث ~~متأخرا عنه قول الشاعر: # مر الليالي أسرعت في نقضي NoteV00P261N02 وإنما ساغ له ذلك لان مر ~~الليالي في الحقيقة من جملة الليالي، وهي مؤنثة، فأنث الفعل حملا على ~~المعنى، ومما أنثوا فيه فعل المذكر المضاف إلى المؤنث متأخرا عنه (وهو أكثر ~~من الباب الأول) قول ذي الرمة NoteV00P261N03: # وتشرق بالقول الذي قد أذعته ms151 * كما شرقت صدر القناة من الدم وقول جرير: # لما أتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع # PageV00P261 # 4 - وقال بعضهم: معنى ذلك أن من طلب بعمله الدنيا أعطي منها، وكل نعمة ~~على العبد فهي تفضل من الله سبحانه، وعطاء منه، ومن كان قصده بعمله الآخر ~~آتاه الله منها مستحقه، وليس في هذا دليل على أنه يحرمه خير الدنيا مع ~~إعطائه من نعيم الآخرة، لأنه سبحانه لم يقل: ومن يرد ثواب الآخرة لم نؤته ~~إلا منها. # 5 - وقال بعضهم: معنى ذلك ومن يرد ثواب الدنيا متعرضا له بعمل النوافل مع ~~مواقعة الكبائر يجز بها في الدنيا من غير حظ في الآخرة، لاحباط عمله بفسقه. # 6 - وقال بعضهم: معنى ذلك أن من كان يقصد طلب الدنيا فقد أعطاه الله من ~~الدنيا ما إن طلب به ثواب الآخرة آتاه ذلك، وإن لم يطلب ثواب الآخرة فقد ~~أعطاه تعالى من الدنيا ما امتحنه به وابتلاه فيه، وكل مكلف فقد أعطي من ~~الدنيا حظا، إن صرفه إلى معاده نال ما عند الله به، وإن لم يفعل ذلك فقد ~~نال ما طلب من الدنيا، وكان وبالا عليه. # وقال قاضي القضاة أبو الحسن: الأقرب في ذلك أن يكون معناه: أن من أراد ~~بجهاده طريقة الدنيا نؤته من الدنيا ما هو صلاح له، لا أن المراد بذلك أن ~~نفس ما يطلبه المرء بعينه يفعله الله تعالى به، لان ذلك لا يكاد يتم: لا في ~~الجهاد ولا في غيره، إذ كان قدر ما يطلبه العبد من غنيمة أو غيرها لا يكاد ~~يجده، حتى يصير مطلوبه وفقا لمراده غير فاضل عنه ولا قاصر دونه، وهذه طريقة ~~أبناء الدنيا فيما PageV00P262 # يريدونه منها. # وقوله تعالى: (ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) أي: من نعيم الآخرة ~~والثواب المعد لأهلها، وهذا أيضا لا يدل على أن كل مطلوبه يناله لأنه لو ~~طلب أزيد من مستحقه لم يكن لينال ذلك إلا قدرا ما من التفضل. # فان قال قائل: فهل يتنافى حصول ثواب الدنيا مع ثواب ms152 الآخرة؟ # قيل له: إن ذلك لا يتنافى، لان من يريد الآخرة بجهاده قد تحصل له الغنيمة ~~في الدنيا، فيكون الله سبحانه جامعا له بين الامرين، ويدل على ذلك قوله ~~تعالى من بعد: (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب ~~المحسنين)، فأما قوله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) NoteV00P263N01، ~~فلا يعترض به على صحة اجتماع ثواب الآخرة ومنافع الدنيا لبعض العباد، لان ~~معنى هذه الآية أن من كان يريد حرث الدنيا غير عامل للآخرة نؤته من الدنيا ~~شيئا ونحرمه ثواب الآخرة، وما ذكرناه في ذلك أولا يدل على أن من أراد ~~الآخرة بجهاده يؤتيه الله سبحانه ثواب منها، ويرزقه أيضا من فوائد الدنيا ~~ومنافعها ما يكون فضلا على مراده ونيفا على استحقاقه. # وقوله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه) # PageV00P263 # نظير قوله سبحانه: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له...) ~~NoteV00P264N01 وقوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها...) ~~NoteV00P264N02، وإنما قال سبحانه ذلك، ترغيبا في العمل للآخرة، إذا كان ~~يضاعف الاستحقاق عليه ويتكفل في الزيادة فيه، تعظيما لقدر ثواب الآخرة، ألا ~~تراه تعالى كيف وصفه بالحسن ولم يصف ثواب الدنيا بذلك! لان حاليهما ~~مختلفان، فقال سبحانه: # (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة)، وهذا من غوامض القرآن ~~فاستيقظ له!. # ومما ينظر إلى هذا المعنى ويرمي إلى هذا المغزى قوله تعالى لأهل الجنة: # (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) NoteV00P264N03، ~~فأمرهم بالأكل والشرب مطلقا، من غير استثناء للاسراف فيه أو الوقوف على حد ~~لا يجوز التجاوز له، وقال لأهل الدنيا: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا... الآية) NoteV00P264N04، فاستثنى سبحانه ~~عليهم الاسراف في الأكل والشرب، علما منه تعالى بأن ذلك مفسدة لهم ومقطعة ~~عن عبادة ربهم، إلى كثير من مضار الاسراف العائدة عليهم، ولما كانت هذه ~~الأمور منتفية ms153 عن أهل الجنة أطلقهم سبحانه في الأكل والشرب إطلاقا غير ~~مقيد، وأمرهم به أمرا غير متعقب، وهذا # PageV00P264 # أيضا من خبايا القرآن وخفايا هذا الكلام. # وقد تعلق قوم بقوله تعالى لأهل الجنة: (كلوا واشربوا)، وقالوا: هذا امر ~~يدل على إرادة المباح، وليس ذلك من قولكم، لأنكم تقولون: إنه سبحانه لا ~~يريد من عباده إلا ما يستحقون به الثواب، وإلا كانت الإرادة عبثا. # والجواب عما تعلقوا به من ذلك: أن وجه الفائدة في هذه الإرادة المخرج لها ~~عن أن تكون عبثا، أنه سبحانه إذا أراد من أهل الجنة أن يأكلوا ويشربوا - ~~وليست الحال حال تكليف - كسبهم ذلك سرورا إذا علموه سبحانه مريدا لأكلهم ~~وشربهم، فيكون مراده تعالى حصول تلك المسرة لهم، فتخرج الإرادة حينئذ من ~~كونها عبثا، وذلك لا يتأتى في المباح. وفي ما ذكرناه من ذلك كاف بتوفيق ~~الله. PageV00P265 # 29 - مسألة (الانسان مختار في فعل ما كتب عليه؟) الجواب عن شبهة الجبر في ~~الآية - معنى كتب: علم - معنى كتب: فرض، وإضافة المصدر إلى مفعوله - تسمية ~~المنكح بالمضجع ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز ~~الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم.. الآية - 154)، فقال: فحوى هذا الكلام ~~يدل على ضد ما تدعونه من أن الانسان قد يمتنع من فعل ما كتب عليه وعلم منه، ~~وهو قادر على ذلك غير عاجز عنه!. # فالجواب: أن الذي ادعاه الخصم على مخالفيه غير صحيح عنهم، ولا هو قول ~~لأحدهم، وذلك أن أهل الحق لا يقولون: إن أحدا من العباد يجوز أن يقع منه ~~خلاف لما علم الله سبحانه أنه يفعله، ومع ذلك فمن قولهم أن العباد وإن ~~كانوا سيفعلون ما علم الله أنهم يفعلونه لا محالة، فإنهم غير مضطرين ولا ~~مقهورين، بل قادرون مختارون NoteV00P266N01، وبعد، فليس في وقوع المعلوم من ~~فعل الفاعل دليل على اضطراره # PageV00P266 # وعدم اختياره، لان المسلمين مجمعون على أن ما علم الله سبحانه أنه يفعله ~~فهو فاعل له لا محالة، وليس يوجب ذلك أن يكون مضطرا ولا مضطهدا، ms154 وإن كان ~~تعالى على ضد ما يعلم أنه يفعله قادرا، فقد بطل إذن ما ظنه السائل من القدح ~~في قوله سبحانه: (لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم)، ولم يمتنع أن ~~يكون الذين برزوا إلى مضاجعهم مختارين غير مضطرين، كما أن الله سبحانه ~~مختار لإماتة عباده وبعثهم إلى معاده، وقادر على ضد ذلك فيهم، وإن كان ~~سبحانه لابد أن يفعل الفناء والإماتة والبعث والإعادة، دون أضداد ذلك، وهذا ~~مما لا يدفعه دافع ولا يجحده جاحد. # وقال بعضهم: الخطاب في ذلك للمنافقين، فكأنه سبحانه قال: # لو أخلدتم إلى لزوم بيوتكم فلم تخرجوا إلى عدوكم ونصر نبيكم، لبرز ~~المؤمنون إلى نصره وترافدوا على منعه، ومعنى (برزوا) أي: خرجوا إلى البراز، ~~وهو: الضاحي NoteV00P267N01 من الأرض، اي: لأوصلتهم NoteV00P267N02 الأسباب ~~التي عنها يكون القتل إلى مضاجعهم. # فكان تلخيص الكلام أنه لو قعد عن القتال المنافقون، لخرج إليه وقام به ~~المؤمنون، ولم يرد تعالى بقوله: (كتب عليهم القتل) - على هذا التأويل - ~~معنى: فرض، وإنما أراد معنى: علم ذلك منهم، أو سبق اثباته في اللوح المحفوظ ~~قبل وقوع القتل بهم، كما قال تعالى: # (ستكتب شهادتهم ويسألون) NoteV00P267N03، وكما قال تعالى: # PageV00P267 # (سنكتب ما قالوا..) NoteV00P268N01 ومعنى هذا: سنثبت ما قالوا لنجازيهم ~~عليه، ولا وجه لتأول (كتب) على (فرض) ههنا إلا على وجه سنذكره فيما بعد ~~بمشيئة الله تعالى، ولم يرد تعالى بذلك أن القتل الواقع بهم من قبله، لأنه ~~لو كان من قبله لما جاز أن ينهى فاعليه من الكفار عنه ويذمهم عليه ويرصد ~~لهم العقاب على فعله. # وقد قيل في ذلك وجه آخر، وهو: أن يكون معنى (كتب عليهم القتل) أي: فرض ~~عليهم قتل الكافرين، فيكون القتل واقعا منهم لا بهم، والمصادر - على ما ~~ذكرناه في عدة مواضع من كتابنا هذا - يجوز اضافتها NoteV00P268N02 إلى ~~الفاعلين دفعة، والى المفعولين مرة، وإنما يتخصص بإحدى الجهتين عندما ينضاف ~~إليها من القرائن، ويتصل بها من الدلائل، وقد يجوز أن يكون القتل ههنا ~~بمعنى القتال NoteV00P268N03، فكأنه تعالى قال: ms155 (لبرز الذين كتب عليهم ~~القتال)، وعلى ذلك قراءة من قرأ: (فان قتلوكم فاقتلوهم) NoteV00P268N04، ~~المراد: فان قاتلوكم فاقتلوهم، على بعض التأويلات. # فان قال قائل: إذا كان الامر على ما ذكرتموه، فما معنى قوله تعالى: (إلى ~~مضاجعهم) فأضاف المضاجع إليهم! والمضاجع على # PageV00P268 # قولكم هذا إنما تكون لأعدائهم، لا لهم. # قيل له: في ذلك جوابان: (أحدهما)، أن الخبر جاء أن المنافقين كانوا ~~يثبطون المؤمنين عن الخروج يوم أحد، ويقولون: إنما تخرجون إلى مضاجعكم ~~ومساقط رءوسكم، تهييبا لهم وتجبينا لقلوبهم، فخاطبهم الله تعالى على حد ما ~~قالوا، فكأنه سبحانه قال: (لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ~~إلى المواضع التي ذكرتم انها مضاجعهم وظننتم أنها مصارع جنوبهم)، وهذا ~~كقوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) NoteV00P269N01 أي: إنك كنت في ~~ظنك أوفي اعتقاد اتباعك بمنزلة العزيز الكريم. # و (الوجه الآخر)، أن تكون المضاجع عائدة إلى الذين قتلوا، لا إلى الذين ~~قتلوا، ويكون في ذكره تعالى القتل الذي هو مصدر - وقد قدرنا أنه واقع على ~~المفعولين ههنا دون الفاعلين - دلالة على أن هناك مقتولين، فحسن لذلك أن ~~يقول: (إلى مضاجعهم) ويرد الضمير فيها إليهم. وهذا قول لي، ولم يمض (بي 2) ~~لاحد من العلماء. # والعرب تسمي المناكح: المضاجع، لان المضاجع من أسبابها، كما يسمون ~~النكاح: فراشا، والمرأة: فراشا على مثل ذلك، وقال الشاعر NoteV00P269N03: # PageV00P269 # ولما بلغنا الأمهات وجدتم * بني عمكم كانوا كرام المضاجع أراد: كرام ~~المناكح. # ومن شجون هذه المسألة ما ذكر عن أبي الأسود الدؤلي أنه قال لامرأته: ~~(الحمد لله الذي جعلك لي فراشا وكفى بالفراش ذلا)، فقالت له: (الحمد لله ~~الذي جعلك لي غطاء وكفى NoteV00P270N01 بالوقاية مهانة). # وفي ما ذكرناه من الجواب عن هذه المسألة مقنع بتوفيق الله. # 30 - مسألة (الشيطان يخوف أولياءه) الجواب عن شبهة تخويف الشيطان أولياءه ~~- جواز أن يكون المراد بالشيطان بعض الانس - المخوفون هم أولياء الشيطان ~~على الحقيقة - يراد بالشيطان الجنس ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (إنما ذلكم ~~الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن ms156 كنتم مؤمنين - 175)، فقال: ~~المعلوم أن الشيطان يخوف أعداءه لا أولياءه، فما معنى هذا الكلام؟. # PageV00P270 # فالجواب: أن هذه الآية نزلت على سبب، كما جاءت به الرواية، وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وآله ندب الناس ثاني يوم أحد إلى اتباع المشركين، تقوية ~~لقلوب أصحابه، وتجلدا على أعدائه، وكان بالمسلمين من جوائح NoteV00P271N01 ~~الجراح ومواقع السلاح ما انتزع قواهم NoteV00P271N02 وأثر في تماسكهم، حتى ~~كان بعضهم يحمل بعضا عند خروجهم في هذا الوجه، ضعفا عن الاستمرار على ~~المشي، والدوام على السعي، فلما ندب صلى الله عليه وآله الناس إلى الخروج ~~قال المنافقون للمؤمنين - على طريق التهييب لهم والمكر بهم -: قد رأيتم ما ~~لقيتم بالأمس من أعدائكم، وأنتم في باحات دياركم ومدارج أقدامكم، حتى لم ~~يفلت منكم إلا الشريد ولم ينج منكم إلا القليل، أفتصحرون لهم اليوم وقد قل ~~عددكم وضعف جلدكم وأسرع القتل في رجالكم!، فأوقع الشيطان قول المنافقين في ~~قلوب بعض المؤمنين، فأنزل الله سبحانه (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه) ~~والمراد يخوفكم من أوليائه الذين هم المشركون، أو يخوفكم بكثرة عدتهم، وحدة ~~شوكتهم. # وقد يجوز أن يكون المراد ههنا بالشيطان بعض الانس، لان هذا الاسم يقع على ~~الجني والانسي جميعا، قال سبحانه: (شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى ~~بعض... الآية) NoteV00P271N03. # ثم قال سبحانه: (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) أراد تعالى: # PageV00P271 # لا تستكينوا لقولهم ولا تقعدوا عن القتال لتخويفهم، أي لا تكن منكم ~~الامارات التي تدل على الخوف: من ظهور الفشل والاخلاد إلى العلل، إذ كان ~~سبحانه قد وعدكم النصر عليهم والظفر بهم، ولم يرد تعالى نهيهم، عن الخوف ~~الذي يرد على قلوبهم من قول المنافقين، لان ذلك مما لا يمكنهم الامتناع منه ~~في أول وهلة إلا بعد زوال الشبه ومراجعة القوى والمنن، وإنما نهاهم تعالى ~~عن إظهار شواهد الخوف ودلائل الروع وذلك في طاقتهم، كما نقوله في النهي عن ~~البكاء على الميت أنه متوجه إلى النحيب والنشيج، لان الانسان متمكن من ~~الامتناع من ذلك، فأما إرسال الدموع فلن يستطيع ms157 الامتناع منه، لأنه فعل ~~الله تعالى فيه. # فعلم ما ذكرنا من نزول هذه الآية على سبب، يكون (عليه 1) تقدير الكلام: ~~أن الشيطان يخوف المؤمنين بأوليائه الذين هم المشركون فلما أسقط الباء وصل ~~الفعل إلى الأولياء فنصبهم، وعلى ذلك قول الشاعر: # وأيقنت التفرق يوم قالوا * تقسم مال أربد بالسهام أراد: وأيقنت بالتفرق. ~~أو يكون تقدير الكلام: إنما ذلكم الشيطان يخوفكم أولياءه، فحذف المفعول ~~الأول واكتفى بالثاني، كما يقول القائل: فلان يعطي الأموال ويكسو الثياب، ~~والمعنى يعطي الناس الأموال ويكسوهم الثياب، فحذف ذلك لشهادة الحال به ~~ودلالتها عليه، وعلى ذلك قوله تعالى: (لينذر بأسا شديدا من لدنه...) ~~NoteV00P272N02، # PageV00P272 # أي: لينذركم بأسا شديدا، فاقتصر على المفعول الثاني من المفعول الأول، ~~ومثله قوله تعالى: (لينذر يوم التلاق) NoteV00P273N01 أي: # لينذركم ذلك اليوم. # والى هذا التأويل المذكور ذهب ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. # وذهب كثير من العلماء المتقدمين، منهم الحسن، والسدي، وجماعة من ~~المتأخرين، منهم أبو مسلم بن بحر، وقاضي القضاة أبو الحسن، إلى: # ان قوله تعالى: (يخوف أولياءه) على ظاهره، وأن المخوفين هم أولياء ~~الشيطان على الحقيقة، ومعنى ذلك: أن الذين يكون خوفهم على ختل الشيطان ~~ووسوسته ومكره وخديعته، إنما هم المنافقون ومن لا حقيقة لايمانه ولا عقدة ~~ليقينه. واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى في سورة النحل: (إنه ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون 99 إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون 100). # وإنما جعلهم أولياءه من حيث ركنوا إلى وسوسته وانقادوا لغوايته، ومن كان ~~بهذه الصفة فهو ولي الشيطان، بمعنى تولي القبول والركون، لا تولي العبادة ~~والدين، والمؤمن مخالف لهذه الطريقة، لأنه عند الخواطر السيئة من الشيطان ~~ومن غيره يرجع إلى يقينه ويتوكل على ربه. وفي ذلك دليل على أن وسوسة ~~الشيطان لا تؤثر إلا فيمن يقبل منه وينقاد له، ولو كان تأثيرها عاما لم يخص ~~الله تعالى أولياءه # PageV00P273 # بالذكر، لان المعلوم من حاله أنه يخوف سائر من يتمكن من تخويفه، ولكن ~~أولياءه لما اختصوا بالقبول منه صار ذلك خاصا ms158 لهم، لان من لا يتولاه إذا لم ~~يقبل خديعته لم يسم خائفا منه. # فان قيل: فإذا كان المعنى على هذا التأويل المذكور خيرا، فما معنى قوله ~~تعالى: (فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين)؟، وإنما كان ذلك خطابا مستقيما ~~على التأويل الأول الذي معناه تخويف المؤمنين من المشركين! # ففي ذلك جوابان: أحدهما، أن يكون قوله تعالى (فلا تخافوهم) عائدا على ~~القوم الذين بهم خوف الشيطان أولياءه وهم المشركون، لان الشيطان إنما يخوف ~~المنافقين والضعفة من المسلمين بشدة شوكة المشركين وكثرة عددهم ووفور ~~مددهم، ولا يكون مع هؤلاء القوم من قوة الدين واشتداد معاقد اليقين ما ~~يعتصمون به من كيده، وينفون به خواطر وسوسته، بل يصغون إلى قوله ويضعفون في ~~يده، ويكونون في ذلك بخلاف الصفة التي يكون المؤمنون عليها، كما ذكرنا أمام ~~كلامنا هذا، فيصح حينئذ معنى قوله تعالى للمؤمنين: (فلا تخافوهم) إذا كان ~~عائدا على المشركين. # والجواب: الآخر: أن يكون الشيطان ههنا بمعنى الجنس، أي: # لا تخافوا هذا القبيل من الجن، وهذا كقوله تعالى: (والعصر إن الانسان لفي ~~خسر)، ثم استثنى سبحانه الذين آمنوا من الجملة، فقال: (إلا الذين آمنوا)، ~~فدل على أن الانسان ههنا بمعنى الجمع. # فان قيل: فكان يجب أن يكون وجه الكلام على قولكم إنما PageV00P274 # ذلكم NoteV00P275N01 الشيطان يخوفون... أولياءه) على اللفظ ~~NoteV00P275N02، ويقول: # (فلا تخافوهم) على المعنى، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وإنا إذا أذقنا ~~الانسان منا رحمة فرح بها) NoteV00P275N03 ثم قال سبحانه: # (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم)، فجاء بقوله (فرح بها) على اللفظ، ~~وبقوله (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم) على المعنى، ثم رد تعالى آخر ~~الآية على أولها، ليكون الطرفان شاهدين على حقيقة المراد بالوسط، فقال ~~سبحانه: (فإن الانسان كفور) إعلاما لنا أن المراد بالإنسان ههنا الجمع. ~~وهذا أيضا من المواضع العجيبة الفصاحة، التي لا تبلغها البشر ولا تقوم بها ~~القوى والقدر. # فأما قوله تعالى في عجز هذه الآية: (ان كنتم مؤمنين)، فيحتمل معنيين: ~~أحدهما، أن يكون المراد بذلك إن كنتم متمسكين ms159 بجملة الايمان، آخذين به في ~~السر والاعلان. والآخر، أن يكون المعنى أن كنتم موقنين بنصرتي، مصدقين ~~بألطافي ومعونتي. وفي ما ذكرناه من هذه المسألة كاف بتوفيق الله تعالى. # PageV00P275 # 31 - مسألة (إنما نملي لهم ليزدادوا اثما) ظاهر الآية ان الله يريد ~~المعصية من الكفار - الجواب عن ذلك - قاعدة رد المتشابه على المحكم - ورود ~~اللام بمعنى العاقبة - ورود الآية في الجهاد - خير معناها التفضيل - إضافة ~~المنهي عنه إلى الناهي - اللام والفاء يجريان مجرى واحد والرد على هذا ~~القول - قراءات الآية وما يترتب عليها. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين - 178)، فقال: فحوى ~~هذا الكلام يدل على أنه تعالى يريد الكفر من الكفار، لأنه سبحانه قد ذكر أن ~~إن إملاءه لهم إنما هو ليزدادوا إثما ويحتقبوا وزرا، وهذه اللام كاللام في ~~قوله تعالى: # (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) NoteV00P276N01، فكما دل بتلك على ~~أنه تعالى يريد من الخلق طاعته، فكذلك يجب أن يدل بهذه على أنه يريد من ~~الكفار معصيته. وبين أيضا أن هذا الاملاء ليس بخير لهم، وهو مقو لما ~~ذكرناه، ونهاهم سبحانه أن يحسبوا ذلك # PageV00P276 # الاملاء خيرا لهم وسببا لمنفعتهم. # فالجواب: أن ما تقدم في كتابنا هذا مكررا ومرددا من الأدلة على حكمة الله ~~سبحانه وصفة عدله ونفي القبائح عن فعله، يغني عن الجواب فيما تعلق به هذا ~~السائل، إلا أننا نذكر بتوفيق الله تعالى جملة من أقوال العلماء في تأويل ~~هذه الآية ليكون ذلك أقطع للعلل وأنقع للغلل بمشيئة الله، فنقول: # 1 - إنا قد قدمنا في صدر هذا الكتاب - عند الكلام في أصول المحكم ~~والمتشابه - قاعدة يجب أن يقع البناء عليها، والرجوع إليها، وهي: # أن الآيات المتشابهات إذا وردت وجب ردها إلى الآيات المحكمات، والآية ~~التي نحن في الكلام عليها من المتشابه، وأصلها الذي يجب حملها عليه هو ~~الآية المحكمة التي عارضنا بها السائل، وهي قوله تعالى: (وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون). ms160 وإنما NoteV00P277N01 صارت هذه الآية من المحكم ~~الموافق لدلالة العقل، من أجل أن اللام في قوله تعالى: (ليعبدون) دخلت على ~~ما يصح أن يكون مرادا، وهو عبادة الجن والإنس، وصارت الآية الأولة ~~NoteV00P277N02 من المتشابه المخالف لدلالة العقل لدخول اللام في قوله ~~تعالى (ليزدادوا إثما) على ما لا يصح أن يكون مرادا، وهو زيادة الاثم، ~~فاحتجنا حينئذ إلى حملها على الوجوه التي (تظاهر) NoteV00P277N03 # PageV00P277 # أدلة العقل وقواعد العد ل. وهذا أصل من أصول الدين يجب العمل عليه والوقف ~~عنده. # وكيف يجوز أن يتوهم العاقل انه سبحانه أعطى الكفار الصحة والسلامة ~~والاملاء والإقامة، ليفتروا عليه ويكفروا به! وكيف يجوز أن يسخط عليهم بفعل ~~ما خلقهم من أجله وحاشهم NoteV00P278N01 إلى فعله، على قول الخصوم! أولا ~~يستمعون إلى قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي...) NoteV00P278N02! والحكيم لا يأمر إلا ~~بما يريده ولا ينهى إلا عما يكرهه، لان أمره بالشئ يدل على حسنه، ونهيه عن ~~الشئ يكشف عن قبحه. # وبعد، فان ظاهر هذه الآية لا يدل على أنه تعالى أراد الكفر منهم، وإنما ~~يدل على أنه أراد العقوبة لهم، لان ظاهر الخطاب ينبئ عن الجزاء لا عن نفس ~~الفعل في العرف، ويؤيد ذلك ما يتصل به من قوله تعالى: (ولهم عذاب مهين)، ~~ونحن لا نمنع من أن يريد تعالى عقوبتهم، وإنما نمنع من إرادته الكفر ~~والمعاصي منهم، وهذه اللام وإن كانت ترد في كلامهم بمعنى كي، فإنها ترد ~~أيضا بمعنى المصير والعاقبة، وليس حملها على الوجه الأول بأولى من حملها ~~على الوجه الثاني، لا سيما إذا انضمت إليها القرائن التي تخصصها به وتحيزها # PageV00P278 # إليه، وقد قدمنا طرفا من الكلام على هذا المعنى في أول كتابنا هذا. # فما ورد في التنزيل مما يدل على دخول هذه اللام للعاقبة قوله تعالى: # (وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله...) NoteV00P279N01، والقوم على ~~الحقيقة إنما اتخذوا الآلهة ليقربوهم إلى الله سبحانه على زعمهم، وليعتمدوا ~~بذلك إصابة الحق في دينهم، ms161 فلما كان ذلك صائرا إلى الضلالة ومؤديا إلى ~~الخسار، جاز وصفهم بأنهم فعلوا ذلك للضلال، وقد تكرر ذكرنا لما قيل في ذلك ~~من الاشعار التي منها قول الشاعر: # أموالنا لذوي الميراث نجمعها * ودورنا لخراب الدهر نبنيها وقول الآخر: # وللمنايا تربي كل مرضعة * وللخراب تجد الناس عمرانا والناس يربون أولادهم ~~لان يحيوا لا لان يموتوا، ولان ينجو الا لان يعطبوا، ويبنون دورهم لان تعمر ~~لا لان تخرب، ولان تبقى لا لان نذهب، ويجمعون أموالهم لينتفعوا بها هم لا ~~لينتفع بها غيرهم، وليبلغوا بها آرابهم NoteV00P279N02 لا ليحظى بها ~~وراثهم، ولكن العواقب والمصائر لما كانت تؤول إلى خراب الديار وتوريث ~~الأموال وفقدان الأولاد، حسن أن يقول الشاعر ما قال. # 2 - وقيل: إن المراد بقوله تعالى: (إنما نملي لهم ليزدادوا اثما) اخبار ~~عن عاقبة امرهم ومصيره ومرجعه ومآله، وأنهم غير منتفعين بما أعطوه من ~~الاملاء والانظار لتمام الابتلاء والاختبار. # PageV00P279 # 3 - وقال بعضهم: إن المراد بذلك: (ولا يحسبن الذين كفروا أن تبقيتهم إذا ~~ضامها NoteV00P280N01 الاصرار على الكفر تكون خيرا لهم)، فكأنه تعالى نفى ~~أن تكون التبقية مع شغلهم لها بالكفر خيرا لهم، وإن كانت خيرا في نفسها، ~~ولكنهم بما اختاروه من الارتكاس في الغواية والاصرار على الضلالة أثروا ~~بالتبقية، فأخرجوها عن صفتها وعكسوها عن طريقتها NoteV00P280N02، فجعلوها ~~شرا عليهم، وإن كان سبحانه إنما أراد بها الخير لهم ليتوبوا ويقلعوا ~~ويثيبوا ويرجعوا، فكانوا كما قال تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ~~كفرا...) NoteV00P280N03، وذلك كقول القائل لغيره - وقد منحه الأموال ~~العظيمة والرغائب الجسيمة، فصرف ذلك في المحارم والمعاصي -: (إن الذي منحتك ~~شر لك ووبال عليك)، لما صرفه في الوجوه العائدة عليه بذلك، وإن كان المعطي ~~منعما والمانح محسنا مجملا، فبين تعالى أن حال الكافرين بما اختاروه في مدد ~~أعمارهم، من التقاعد عن الجهاد والنكوص عن الأعادي، ليست بخير لهم من حال ~~المؤمنين الذين ثبتوا على الدفاع عن دينهم وأصيبوا في سبيل ربهم، لان حال ~~من أقعد عن الجهاد وثبط عنه خلاف من ms162 ثبت عليه ورغب فيه. وما سبق من الآيات ~~التي وردت أمام هذه الآية تدل على أنها واردة في معنى الجهاد، فأراد سبحانه ~~أن يبين لنا أن بقاء الكافرين في الدنيا، وهو إملاء الله تعالى لهم ليس # PageV00P280 # بخير لهم من أن يموتوا كما مات المؤمنون في القتال مع الرسول صلى الله ~~عليه وآله شهداء في يوم أحد، بل كان الموت خيرا لهم من الطاعة من البقاء ~~والاملاء مع المعصية. # 4 - وقال بعضهم: معنى ذلك: ولا يحسبن الذين كفروا أن املاءنا لهم رضا ~~بأفعالهم، بل هو شر لهم، لأنا نملي لهم ويزدادون إثما، فيستحقون به طويل ~~العقاب وأليم العذاب، وكيف يجوز أن يكون إملاء الله لهم ليزدادوا إثما، لا ~~ليؤمنوا أو يهتدوا، على القول الذي ذهب إليه من عشا عن نور الحق، وخبط في ~~طريق الجهل، والرسول صلى الله عليه وآله دائب يدعوهم إلى الايمان، وينهاهم ~~عن العدوان، ويحوشهم إلى المصالح، ويصدهم عن المفاسد، ويحاربهم على الزيغ ~~عن الدين، ويدلهم على الحق المبين، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا! # 5 - وقال بعضهم: معنى ذلك: لا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم بخير كان ~~من أنفسهم استحقوه بفعلهم، أي: فلا يغتروا بذلك فيظنوا انه لمنزلة لهم، ~~لأنهم كانوا يقولون: لو لم يرد الله ما نحن عليه لم يمهلنا، فإنه تعالى قال ~~بل املاؤنا لهم بخير من قبلنا ونعمة من عندنا، فازدادوا بالاملاء إثما ~~وبالانظار كفرا. وفي هذا القول اختلاف واضطراب. # 6 - وقال أبو علي: ويدل على أن الله تعالى أراد بقوله: # (ولا يحسبن الذين كفروا أنا نملي لهم خير لأنفسهم) أي: لا يحسبوا أن ~~إملاءنا لهم خير من أن يموتوا كما مات المؤمنون في الحرب PageV00P281 # والجهاد، ولم يرد تعالى بذلك أن هذا الاملاء ليس بخير جملة، وأنه ضرر ولا ~~نفع فيه بتة، لان معنى خير في قول القائل: هذا خير لزيد، لا بد من أن يكون ~~معناه في اللغة أنه خير لزيد من كذا، لان معناه في العربية هو أفعل، وكذلك ~~لو ms163 قيل: هذا شر لزيد، كان يجب أن يكون شرا له من كذا، لان المراد به ~~كالمراد بالأول، وإنما حذفت همزة افعل منه على سبيل الاستخفاف اصطلاحا على ~~غير قياس، ومعناهما على الحقيقة إنما هو أنفع وأضر، فكما لا يجوز أن يقول ~~القائل: # هذا أنفع لزيد، إلا والمراد به أنفع له من كذا، ولا هذا أضر لزيد إلا ~~والمراد به أضر له من كذا، فكذلك أراد تعالى أن الاملاء ليس بخير لهم من أن ~~يموتوا في الحرب شهداء، أي ليس بأنفع لهم من ذلك، فكما لو قال تعالى: (ليس ~~بأنفع لهم من أن يموتوا في الحرب) لم يدل ذلك على أن الاملاء ليس بنفع، ~~فكذلك لا يوجب ألا يكون هذا الاملاء خيرا، كما لا يوجب ألا يكون نفعا، وإن ~~كان ليس بخير مما ذكرنا ولا أنفع، فإنه أيضا خير ونفع، لأنه من نعم الله ~~عليهم وإحسانه إليهم، وقد يجب عليهم أن يشكروا الله سبحانه عليه، والشكر لا ~~يجب إلا على نعمة، والنعمة لا بد من أن تكون خيرا ونفعا. # قال وإنما بين الله سبحانه بقوله: (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) المعنى ~~الذي من أجله لم يكن الاملاء خيرا لهم من أن يموتوا، كما مات المؤمنون في ~~الحرب، وهوانهم يزدادون عند إملاء الله سبحانه لهم إثما، فلذلك لم يكن ~~الاملاء خيرا لهم من أن يموتوا في سبيل الله كما مات المؤمنون PageV00P282 # واستشهد الصالحون، ولو كانوا عند الاملاء يؤمنون لكان الاملاء خيرا لهم ~~من أن يموتوا كما مات المؤمنون في الجهاد، لأنهم كانوا يزدادون عند ذلك ~~إيمانا، فيزدادون ثوابا. # 7 - وقال بعضهم: إنما حسن إضافة الفعل في قوله تعالى: # (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) إلى الله سبحانه، لما كان كفرهم وإثمهم ~~واقعين بعد تأخير الله لهم وتبقيته إياهم، وهو تعالى لم يبقهم ليأثموا ~~ويكفروا وإنما بقاهم ليؤمنوا وليتذكروا، كما قال سبحانه: (أو لم نعمركم ما ~~يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير..) NoteV00P283N01، إلا أن الكلام خرج على ~~عادة العرب في لسانها، ومن عادتها ms164 أن تضيف الفعل المنهي عنه إلى الناهي إذا ~~كان إبلاغه في النهي لا يزيل المنهي عما كان عليه، فيقول القائل: ما زادتك ~~موعظتي إلا شرا، وما ازددت بتبصيري لك إلا غيا. # 8 - وقال بعضهم: إنه سبحانه لما أنعم عليهم ليشكروه وأحسن إليهم ليطيعوه، ~~فتمادوا وتتابعوا في ضلالهم فتركهم وما فعلوا، وخلى بينهم وبين ما اختاروا، ~~فلم يمنعهم من ذلك اجبارا، ولم يحل بينهم وبينه اقتسارا - كان جائزا في ~~اللغة أن يسمى ذلك الترك إملاء، ويقول: ليس هذا الاملاء بخير لهم، وإنما هو ~~ليزدادوا اثما، ويريد بذلك تعالى أنه كلما أجراهم في المضمار، وأجرهم طول ~~الانظار، ولم يعاجلهم بمستحق العقاب، تمادوا غيا وازدادوا إثما. وهذا إخبار ~~منه تعالى عن عواقب الحال ومراجع الامر. # PageV00P283 # ومثل ذلك في عرف كلام العرب أن رجلا لو قطعت يده في سرقة، فقال قائل: ما ~~دعا فلانا إلى هذا الفعل القبيح والامر الفظيع، لجاز لقائل أن يقول: فعل ~~ذلك لتقطع يده وليخزيه الله ويفضحه، وقد علمنا أنه لم يسرق لتقطع يده في ~~الحقيقة، وإنما سرق لينتفع لا ليستضر، وليزداد لا لينتقص، فلما صار آخر ~~أمره إلى قطع اليد، وآلت عاقبة حاله إلى الفضيحة والخزي، جاز في عادة أهل ~~اللغة أن يقال: إنما سرق لتقطع يده وليفضحه الله وليخزيه. # 9 - وقال بعضهم: فحوى هذه الآية تدل على أن تبقية المكلف قد لا تكون خيرا ~~له، إذا لم يشغلها بطاعة الله تعالى لان كون ذلك خيرا يتعلق بأمرين: ~~أحدهما، من قبله سبحانه بالتمكين والالطاف وغيرهما. والآخر، من قبل العبد ~~بالانقياد والقبول وما في معناهما، فإذا لم يحصل ذلك من العبد جاز أن يقال: ~~إن التبقية ليس بخير له. # 10 - وقال بعضهم: هذا إخبار من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله عن ~~خاصة من الكفار كان النبي صلى الله عليه وآله يرى أن تأخير إنزال العقوبة ~~بهم، ليتوب منهم تائب ويرجع راجع، فأخبره تعالى أنهم لا يتوبون ولا يرجعون، ~~لئلا يطمع في هذه الحال منهم وينتظرها من جهتهم، وأراد ms165 تعالى بقوله: # (ليزدادوا اثما) اي: ليزدادوا عداوة للنبي صلى الله عليه وآله واجلابا ~~عليه وارصادا له، وذلك أيضا راجع إلى معنى المصير والعاقبة. # 11 - وقال بعضهم: معنى (ليزدادوا اثما) ههنا: فيزدادوا اثما، والزيادة في ~~الاثم من قبلهم، وليست موجبة عن الاملاء لهم. PageV00P284 # قال: وهذه اللام المكسورة قد وردت بمعنى الفاء، ووردت الفاء بمعناها في ~~مواضع كثيرة من القرآن: فمن ذلك قوله تعالى: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من ~~بعدهم لننظر كيف تعملون) NoteV00P285N01، وقال تعالى: (عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) NoteV00P285N02، فموضع اللام ~~والفاء يجريان مجرى واحد، ومن ذلك قوله تعالى: (إني أريد أن تبوء بإثمي ~~وإثمك فتكون من أصحاب النار...) NoteV00P285N03. قال: # فتكون ههنا معناها لتكون. # وهذا القول غير مستقيم، لأن هذه اللام المكسورة لها موضعان قد ذكرناهما ~~قبل: أحدهما، أن ترد بمعنى كي، والاخر، أن ترد بمعنى العاقبة، والفاء لا ~~تستعمل في أحد هذين الموضعين، ولا تقوم فيه مقام اللام، لأنه غير جائز أن ~~يقول القائل: أعطيتك فتشكرني، بمعنى أعطيتك لتشكرني، أي: كي تشكرني، كما لا ~~يجوز أن يقول: (وما خلقت الجن والإنس الا فيعبدون) ويريد به ليعبدون، ولا ~~يجوز أن يقيم الفاء مقام اللام إذا أردنا بها العاقبة، فبطل ما ظنه هذا ~~القائل. # وبعد، فلو كان الامر على ما قدره كان موضع (فيزدادوا) رفعا، وكان يجب أن ~~يكون (فيزدادون اثما) لأنا إذا أقمنا اللام ههنا مقام الفاء، سقط المعنى ~~الناصب لها، وهو كونها بمعنى كي، فوجب أن # PageV00P285 # يكون موضعها رفعا، كما يقول القائل: إنما نعطيهم فتأخذون ونطعمهم ~~فيأكلون، أي: فهم يأخذون ويأكلون، ولا يجوز أن يقول: فيأخذوا ويأكلوا، لان ~~الاعطاء والاطعام ههنا ليسا بعلة الاخذ والأكل، فافهم ذلك فإنه واضح. # 12 - وقال بعضهم: (إنما نملي لهم ليزدادوا اثما) معنى الاستفهام الذي هو ~~من الله توبيخ أو تقرير، وكأنه سبحانه قال: (لا يحسبوا أنما نملي لهم ~~ليزدادوا اثما إنما نملي لهم لغير ذلك)، ويكون هذا الكلام منقطعا من الكلام ~~الأول مبتدأ مستأنفا ms166 بعده، وقد مضى في هذا الكتاب ذكر شاهد من الشعر على ~~جواز سقوط همزة الاستفهام وهي مرادة، إلا أنه ليس حكم القرآن حكم الشعر على ~~ما قدمنا، لان الشعر يسوغ فيه ما لا يسوغ في القرآن، فلذلك كان هذا القول ~~غير سديد، لا سيما إذا قدرنا انفصال الكلام الثاني عن الكلام الأول، فان ~~الجمع بينهما حينئذ يكون كالمتناقض، لان الكلام الأول دل على أن الاملاء ~~ليس بخير لهم، وتقدير الكلام الثاني على أن موضعه استفهام، وهو من الله ~~تعالى ههنا توبيخ لهم على ظنهم أن الاملاء لهم إنما هو ليزدادوا اثما فكأنه ~~تعالى قال: لا يحسبوا أن املاءنا خير لهم، ثم قال: # وليس املاؤنا شرا عليهم، لأنه وبخهم على تقديرهم أن الاملاء لهم ليزدادوا ~~اثما وذلك شر لهم. # 13 - وقال بعضهم: تقدير (إنما نملي لهم ليزدادوا اثما) أن تكون ان مفصلة ~~عن ما، ويكون المعنى النفي، فكأنه تعالى قال: PageV00P286 # ما نملي لهم ليزدادوا إثما ويكون معنى إن ههنا معنى نعم واجل كقول الشاعر ~~NoteV00P287N01: # وتقول شيب قد علا.. ك وقد كبرت فقلت إنه وكأنه قال تعالى: أجل ما نملي ~~لهم ليزدادوا إثما. وهذا الوجه أيضا مع تعسفه يقتضي التناقض كما قلنا في ~~الوجه الأول. # 14 - وقال بعضهم: نزلت هذه الآية في أبي سفيان وأصحابه يوم أحد حين ظهروا ~~عند أنفسهم على المؤمنين، فقال تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي ~~لهم) مع استظهارهم وقوتهم وعديدهم وعدتهم (خير لأنفسهم) إن لم يراجعوا أو ~~يتوبوا (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) ما أقاموا على كفرهم ثم تكون عليهم ~~الدائرة ولهم سوء العاقبة. # 15 - وقال بعضهم: معناه كذلك أن حكم الله تعالى أن من تمادى في رد أمره ~~وأقام على كفره ازداد إثما، ومن تمسك بأمره وانزجر بزجره كان فائزا غانما، ~~وعلى ذلك قوله تعالى في صدر الآية، (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ~~خير لأنفسهم) أي: إذا تمسكوا بالكفر، فان ذلك الاملاء يكون وبالا عليهم ~~وضررا لهم. # 16 وقال بعضهم: هذا الكلام ms167 على التقديم والتأخير، والمعنى: # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا اثما إنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم وذلك كقوله تعالى: (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم # PageV00P287 # تول عنهم فانظر ماذا يرجعون) NoteV00P288N01 والمراد: فانظر ماذا يرجعون ~~ثم تول عنهم، وكقوله تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم ~~فتكون من الظالمين) NoteV00P288N02 والمراد: ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~فتكون من الظالمين ما عليك من حسابهم من شئ فتطردهم، فأخر (فتكون) وهو مقدم ~~في المعنى، وقدم (فتطرد) باللفظ وهو مؤخر في المعنى. # وقد ذكر هذا الوجه أبو جعفر الإسكافي من المتكلمين، وأبو الحسن الأخفش من ~~النحويين. وهذا القول لا يسوغ على قراءة من قرأ: # (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم) بفتح الهمزة، لان التقدم والتأخر ~~لا يغير الكلام عما هو عليه فيما يستحقه الاعراب والبناء، كما أنك إذا قلت: ~~ضرب زيد عمرا، وكان زيد فاعلا كان مرفوعا في التقديم والتأخير، وكان ~~المفعول منصوبا كذلك، فلم يكن للتقديم والتأخير تأثير فيما يجب من الاعراب ~~للفاعل والمفعول، فلو كان الامر ههنا على ما ذكر من التقديم والتأخير، لوجب ~~أن تكون القراءة بفتح الهمزة في إنما الثانية وكسرها في إنما الأولى، لان ~~وقوع فعل لا يحسبن على الثانية ههنا، فكأنه تعالى قال: (لا يحسبن الذين ~~كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما - بفتح الهمزة - إنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم - بكسرها -)، وكان يجب أيضا أن يكون خير ههنا منصوبا مع كسرهم ~~إنما، فلما لم يجز # PageV00P288 # في قراءة أحد فتح الهمزة في إنما الأخيرة، ولم يقرأها قارئ إلا بالكسر ~~علم أن فعل يحسبن لم يقع عليها وأنها مبتدأة، فلذلك لم نجز فيها غير الكسر. # فأما إنما الأولى فقد قرئت بالفتح والكسر معا، فمن قرأ (لا تحسبن) بالتاء ~~- على اختلافهم في فتح السين والباء من تحسبن وكسرهما وليس هذا موضع ~~استقصاء ذلك - وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة من السبعة، كان ms168 قوله تعالى: ~~(الذين كفروا) على هذه القراءة في موضع نصب، فإنه المفعول الأول، والمفعول ~~الثاني في هذا الباب هو المفعول الأول في المعنى، فلا يجوز إذن فتح ان من ~~قوله (إنما نملي لهم)، لان املاءهم لا يكون إياهم. ومن قرأ (يحسبن) بالياء، ~~وهي قراءة باقي السبعة، فلا يجوز في قراءته كسر (ان) من قوله (إنما نملي ~~لهم خير لأنفسهم)، وقد جاء شاذا، وحكاه عن (أبي 1) مجاهد، ووجه ذلك أن إن ~~يتلقى بها القسم كما يتلقى بلام الابتداء، وتدخل كل واحد منهما على المبتدأ ~~والخبر، فكسرت NoteV00P289N02 إن بعد يحسبن، وعلق عنها الحسبان، كما يفعل ~~ذلك مع اللام، فقال تعالى: (لا يحسبن الذين كفروا إنما) بالكسر، كما يقال: ~~لا يحسبن الذين كفروا للآخرة خير لهم. # وقال الزجاج: ذلك جائز على قبحه، ووجه جوازه أن الحسبان ليس بفعل حقيقي، ~~فعمله يبطل مع إن، كما يبطل مع اللام، تقول: حسبت لعبد الله منطلق، ولذلك ~~قد يجوز - على بعد - حسبت إن عبد الله منطلق. # PageV00P289 # وقال الفراء: من قرأ (لا تحسبن) بالتاء وفتح الهمزة من (إنما نملي لهم)، ~~فإنه أراد التكرير، فكأنه قال: ولا تحسبنهم، لا تحسبن أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم، وذلك كقوله تعالى: (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة) ~~NoteV00P290N01، على التكرير، وكأنه تعالى قال: (فهل ينظرون (2) إلا الساعة ~~هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة). # وفي ما ذكرناه من الكلام على هذه المسألة كفاية وبلاغ بتوفيق الله تعالى. # PageV00P290 # السورة التي يذكر فيها النساء 1 - مسألة (فانكحوا ما طاب لكم) شبهة عدم ~~الارتباط في الآية - الجواب عن ذلك - تجنب العرب في صدر الاسلام مخالطة ~~اليتامى - تفسير (ذلك أدنى الا تعولوا) - مؤاخذات على الشافعي - دفاع البعض ~~عنه ورده - باقي الأقوال في الجواب عن شبهة الآية - الفرق بين اللائي ~~واللاتي. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع - 3)، فقال: ليس آخر هذا الكلام طبقا ~~لأوله، لأنه تعالى وصل خوفهم من الجور في ms169 أمر اليتامى بأمره إياهم أن ~~ينكحوا هذا العدد المخصوص من النساء، فلا يسوغ في الظاهر أن يكون الكلام ~~الآخر جوابا للكلام الأول. # فالجواب: أن هذا الكلام بحمد الله متسق النظام، سديد الانتظام وليس على ~~ما ظنه السائل من مباينة صدره لعجزه، وانفراج ما بين أوله وآخره، وذلك أنه ~~روي عن جدنا الباقر أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام: أن العرب ~~PageV00P291 # كانوا في صدر الاسلام يتجنبون مخالطة اليتامى تحرجا فيهم وإشفاقا على ~~دينهم، فلا يأكلون لهم طعاما ولا يلبسون لهم ثوبا، حتى أن الرجل منهم كان ~~لا يستظل بجدار اليتيم احترازا لدينه واستظهارا ليقينه. وقيل: إن ذلك إنما ~~فعله المسلمون وأخذوا أنفسهم به لما أنزل سبحانه: (إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا 10)، فتجنبوا حينئذ ~~مخالطة اليتامى واستنكاح النساء منهم، وعزل كل من كان يربي يتيما ويكفله، ~~ذلك اليتيم في بيت أفرده به، وأخدمه خادما منقطعا إليه، فشق على المسلمين ~~عزلة اليتامى وترك مخالطتهم وتجنب مطاعمتهم ومشاربتهم، فشكوا ذلك إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله، فنزلت: (وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى... ~~الآية) وقد تأول العلماء معناها بعد هذه المقدمة التي NoteV00P292N01 ~~قدمناها على وجهين: # أحدهما، أن يكون المراد بذلك فان كنتم تتحرجون من مخالطة اليتامى مخافة ~~ألا تقسطوا فيهم فتحرجوا من الجمع بين النساء من غير أن تعدلوا بينهن، لأن ~~النساء في حجور الأزواج، كما أن اليتامى في حجور الولاة، فالجامع بين ~~البابين الحجر، فقيل لهم: أقلوا من الجمع بين النساء لتتمكنوا من العدل، ~~بينهن، كما تحبون أن تعدلوا بين اليتامى، فانكحوا ما طاب لكم منهن، فوصل ~~النكاح بالخوف NoteV00P292N02 لهذه العلة، وذلك أن أحدهم كان يتزوج الجماعة ~~من النساء، ثم لا يقسم منهن إلا لبعض دون بعض، # PageV00P292 # وربما جار عليهن وفضل بعضهن في المآكل والمشارب والملابس والمناكح ~~NoteV00P293N01 وحسن العشرة وإجمال الصحبة، فكأنه تعالى قال: # فان تحرجتم من أمر اليتامى فتحرجوا أيضا من امر النساء، فانكحوا ما طاب ~~لكم ms170 منهن، وذكر تعالى العدد المخصوص إلى أن انتهى إلى ذكر الواحدة والى ~~الاقتصار على ملك اليمين دون الحرائر والمهاير NoteV00P293N02، إذا خاف ~~الناكح ألا يفي بما يلزمه للنساء من توفية الحقوق والتسوية بينهن في ~~الأمور، ولذلك قال تعالى: (ذلك أدنى ألا تعولوا) أي: # أقرب ألا تميلوا إلى بعض دون بعض أو على بعض لبعض، والعول ههنا الميل ~~وعليه قول الشاعر NoteV00P293N03: # بميزان عدل لا يخيس شعيرة * ووزان صدق وزنه غير عائل أراد: غير مائل. # والتأويل الآخر، أنهم كانوا إذا كفل الواحد منهم جماعة من يتامى النساء ~~تزوج منهن بالعدد الكثير رغبة فيما لهن من الأموال، # PageV00P293 # فيمنعهن حقوقهن، ويمتنعن عليه لضعفهن، فكأنه تعالى قال: # (فانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن، وإن كن من جملة النساء)، وذلك ~~كقولك: جاءني الأحنف وبنو تميم، وجاءني المهلب والأزد، وبنو تميم والأزد ~~يشتملون على الرجلين، ولكنك لما قلت: # الأحنف، علمنا أن قولك: وبنو تميم، لم يدخل الأحنف فيه ثانية، فهذا مثل ~~لما قلنا. # وقيل أيضا: كان ولي اليتامى يحبسهن ويمتنع من أن يزوجهن، رغبة في إمساك ~~أموالهن ليأكل منها وينتفع بها. # والقول الأول عن سعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك والربيع. # والقول الثاني (وهو المتعلق بنكاح اليتامى وانكاحهن) مروي عن الحسن، وهو ~~قول أبي علي وأبي العباس المبرد. # وعن قتادة: أنه قال: معنى ذلك انكم إن تحرجتم فتركتم ولاية اليتامى ~~استظهارا لدينكم، فكذلك فتحرجوا من الزنى وانكحوا الحلال من النساء وهو ~~معنى ما طاب لكم. # وقد حكي عن الشافعي قول في تأويل (ذلك أدنى ألا تعولوا) وهم فيه، خالف ~~أهل اللسان في الذهاب إليه، وذلك أنه قال: (ألا تعولوا) ههنا معناه ألا ~~NoteV00P294N01 يكثر من تعولون. وهذا خطأ بين، لان الامر NoteV00P294N02 لو ~~كان على ما ظنه لكان وجه الكلام: (ألا تعيلوا) أي تكثروا عيالكم، مثل ~~قولهم: أمشى الرجل، إذا كثرت ماشيته، وأثرى، # PageV00P294 # إذا كثر ماله فصار كالثرى كثرة، وكذلك يقال: أعال الرجل إعالة، إذا كثر ~~عياله، ويقال: علت من الفقر عيلة NoteV00P295N01. فإن ms171 كان أراد هذا الوجه ~~أيضا فهو خطأ، لأنه كان يجب أن يقول NoteV00P295N02: (ذلك أدنى ألا ~~تعيلوا)، وشاهد ذلك قول الشاعر NoteV00P295N03: # وما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل اي: يفتقر. ويقال: ~~علت العيال عولا، إذا قمت بهم، فإن كان أراد هذا الوجه أيضا فهو فاسد، لان ~~ذلك لا دليل فيه على كثرة العيال، لأنه يقال ذلك فيمن كثر عياله أو قلوا ~~NoteV00P295N04 بعد أن يكون قائما بعدة ما منهم. وليس هذا الغرض الذي رمى ~~إليه، لأنه قد فسره بقوله: # (إنما أريد به لئلا يكثر من تعولون)، فدل ذلك على أن المراد الذي اراده ~~هو معنى عال الرجل كما قلنا أولا، فكان يجب أن يقول: # الا تعيلوا NoteV00P295N05. # والشافعي وإن كان له موضع من العلم لا ينكر وحق فيه لا يدفع، فليس ينبغي ~~أن يعجب من وهمه، فيما يجري هذا المجرى من لغة العرب # PageV00P295 # ومصارف لسانها ومواقع بيانها، فان ذلك لا يسلم منه الا من أوغل في تلك ~~المضائق وثبتت NoteV00P296N01 قدمه على تلك المزالق، ولو لم ينحله أصحابه ~~التقدم في معرفة العربية والاضطلاع بغوامضها والقيام على حقائقها، حتى أنهم ~~قالوا: إن الأصمعي قرأ عليه شعر الهذليين، إلى غير ذلك مما يستهجن ذكره ~~ويستبعد مثله - لأضربنا عما أو مأنا إليه من كشف وهمه في تأويل هذه الآية، ~~ولكن العذر ما ذكرناه. # وقد كان أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مهدي الجرجاني الفقيه العراقي ~~المقدم في الفقه. جاراني على وجه المذاكرة في المعنى الذي أشرت إليه من امر ~~الشافعي وما يردده أصحابه من ذكر تقدمه في علم اللغة، مضافا إلى علم ~~الشريعة، بذكر مواضع اخذت على الشافعي في كتبه، ولا يقولها إلا من لاحظ له ~~في علم اللغة ولا درية NoteV00P296N02 بهذه الطريقة: # (منها)، قوله: (إن الواو توجب الترتيب)، ولم يقل ذلك أحد من علماء ~~العربية NoteV00P296N03، بل اجمعوا (كلهم 4) على أنها توجب الاشتراك ~~والجمع. وقال في بعض كلامه: (لي ثوب يسوى كذا)، وهذا خطأ فاحش، لأنه ms172 إنما ~~يقال: ساوي كذا، ولا يقال: يسوى، وقد ذكر هذا المعنى أحمد بن يحيى في (كتاب ~~الفصيح) NoteV00P296N05 وغيره # PageV00P296 # من علماء اللغة. وقال أيضا: (إن معنى قولهم أشليت اي أغريت)، وهذا خلاف ~~كلامهم، لان الأشلاء عندهم الدعاء، قال الشاعر NoteV00P297N01: # أشليت عنزي ومسحت قعبي اي دعوتها لأحتلبها. قلت انا: وأغرب ما مربي في ~~هذا المعنى عن بعض علماء العربية أنه قال: (معنى أشليت الكلب اي دعوته ~~لأرسله على الصيد) فجعل الأشلاء اسما للدعاء على صفة وشريطة وهي الارسال، ~~والأعرف ما عليه الجمهور من أن المراد بذلك الدعاء، وان جاز الوجه الآخر ~~على ضعف فيه. # قال أبو عبد الله: وفسر أيضا قول النبي صلى الله عليه وآله في الرهن: (له ~~غنمه وعليه غرمه) بأن الغرم ههنا يريد به هلاك الرهن. وخطأ هذا القول غير ~~خاف، وذلك أنه لم يقل أحد من أهل اللغة ان الغرم بمعنى الهلاك، وإنما هو ~~عندهم في الأصل بمعنى اللزوم والالظاظ NoteV00P297N02 بالشئ، ثم صار في ~~العرف عبارة عما يلزم الانسان الخروج منه من حق أو غيره، وفيه ثلم له ونقص ~~من ماله، ومن ذلك سمي الغريم غريما لملازمته من عليه الدين، وسمي الملازم ~~أيضا غريما لثباته NoteV00P297N03 مع المطالب، وحصولهما جميعا في حكم ~~الثابتين، وإن اختلفت حالا ثباتهما، فصاحب الدين مانع مطالب، والذي عليه ~~الدين ممنوع مطالب، ولذلك قيل: تلازما # PageV00P297 # وإن كانا لم يعطيا المفاعلة حقها، فان من حقها أن يفعل كل واحد من ~~الاثنين بصاحبه مثل الذي يفعله به صاحبه، وقد علمنا أن من عليه الدين لا ~~يلازم ولا يثابت، بل مراده أن يفلت من الربقة ويخلص من الضغطة، وإنما قيل: ~~تلازما، على المعنى الذي ذكرنا، ألا ترى إلى قول العرجي وهو عبد الله بن ~~عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان: # فتلازما عند الفراق صبابة * أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر فبين أن صاحب ~~الدين هو المانع الحابس، والمعسر هو الممنوع المحتبس. # وقول الله تعالى: (إن عذابها كان غراما) NoteV00P298N01 معناه: دائما ~~لازما، وقد يحتج ms173 أصحاب الوعيد بذلك على خلود الفساق في النار نعوذ بالله ~~منها! # قال أبو عبد الله: (و 2) قد ذكر أيضا فيمن قطع أنملة انسان، ثم قطع أنملة ~~ثانية من تلك الإصبع، أن عليه كذا وكذا، فسمى المفصل الثاني أنملة، وإنما ~~الأنامل أطراف الأصابع، لا مفاصلها، ورواجبها التي هي عقودها، وما حكي عن ~~أحد من أهل اللغة أنه سمى عقود الأصابع ومفاصلها أنامل، فيسلك سبيله ويتبع ~~دليله. # قال: وقال أيضا في بعض كتبه: ماء مالح، وهذا لم يقله أحد قط، إنما هو ملح ~~وعذب، قال تعالى: (هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج...) NoteV00P298N03. # PageV00P298 # وكفى بهذه الأقوال لقائلها بعدا عن علم اللغة وغربة عن وطن العربية. وقد ~~بعدنا عن غرضنا كثيرا ونحن نرجع إليه بتوفيق الله تعالى فنقول في تمام ~~الكلام على فساد قول من قال معنى (ألا تعولوا) ألا يكثر من تعولونه: # إن ما قاله تعالى قبيل هذا الكلام يشهد بخلاف ما ظنه من ذهب إلى ذلك، ~~لأنه تعالى قال: (فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) فأطلق (المائنين) ~~NoteV00P299N01 من مالك اليمين من الأقل والأكثر NoteV00P299N02، وهن كلهن ~~عيال تثقل بهن المئونة وتعظم الكلفة، سواء كان كثرة العيال من الحرائر أو ~~الإماء، فبان فساد قوله. # ودليل آخر، وهو انه تعالى قال: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) ولم يقل: ~~فان خفتم ان تفتقروا، فكان الجواب معطوفا على هذا الشرط، ولا يكون جوابه ~~إلا بضد العدل وهو الجور، فوجب أن يكون معنى (ألا تعولوا) ههنا: ألا تميلوا ~~وتجوروا. # فأما احتجاج من احتج لنصرة مذهب الشافعي في ذلك بأن قال: # قد سمع من بعض العرب: عال الرجل وأعال، إذا كثر عياله، وبأن العرب يقول ~~الواحد منهم: لبست قميصا فعالني، يريد كان أطول مني، وعلته، يريد كنت أطول ~~منه، وبأنهم يقولون: عال الامر # PageV00P299 # إذا ثقل حمله وأعيا حامله - فلا حجة في جميع ذلك له: [و 1] أما قوله: قد ~~سمع العرب عال وأعال إذا كثر عياله، فهي دعوى لا شاهد عليها، وما ذكر ذلك ~~في كتاب من كتب ms174 علماء اللغة الثقاة، وكل من صنف كتابا في فعلت وأفعلت منهم ~~فإنما ذكر فيه: عال الرجل إذا افتقر وأعال إذا كثر عياله، وما قاله هذا ~~المدعي لا حجة فيه له. وقال المؤرج السدوسي: (الا تعولوا) بمعنى ألا ~~تميلوا، وهي لغة جرهم. # وأما قوله: إنهم يقولون: عالني القميص إذا طالني، والرجل إذا كثر عياله ~~ضعف عن القيام بهم وعجز عن كفالتهم، فكأن ثقلهم بهضه وأمرهم طاله وغلبه - ~~فهو فاسد أيضا، لان الامر لو كان على ما قيل من أن عالني بمعنى طالني ~~وأعجزني لكان وجه الكلام ان يقال: # (ذلك أدنى ألا تعالوا)، لان ذلك الامر هو الذي يعيلهم ويعجزهم ليس هم ~~الذين يفعلون ذلك بغيرهم، وإلا حصل تقدير الكلام: # (ذلك أدنى ألا تعجزوا وتطولوا)، وهذا ضد ما أراده الخصم، لان موضوع الحال ~~أن يكون هذا الامر عائلا لهم وهم معولون، مثل راعهم الامر فهم مروعون ~~NoteV00P300N02، لا أن يكون هم العائلين (3) لغيرهم. # وأما احتجاج الخصم بقولهم: عال الامر إذا ثقل حمله واعيا حامله، فلا حجة ~~له أيضا، لان الكلام في ذلك كالكلام في الفصل المتقدم سواء، الا ترى أنه لو ~~كان الامر على ما ذكره لكان يجب أن يكون: # PageV00P300 # (ذلك أدنى الا تعالوا) أي: لا تثقلوا، ولم يقل: الا تعولوا، فيكون الفعل ~~في الأثقال لهم لا للامر، وذلك محال. # وحقيقة العول واصله في اللغة: الخروج عن الحد والمجاوزة للقدر، فالعول في ~~الفريضة: خروج عن حد السهام المسماة لأهلها، والفقر أيضا كذلك: خروج عن ~~الحد في قصور الحال ودقتها، والثقل أيضا كذلك، لأنه تجاوز لمقدار احتمال ~~الناهض به حتى يستكره عليه طاقته ويستفرغ فيه قوته، وقال بعضهم: المراد ~~بقوله تعالى: (فواحدة أو ما ملكت ايمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا) اي: احذروا ~~الا يكون منكم ميل إلى واحدة دون الأخرى، لان الواحدة إذا كانت بانفرادها ~~لم تكن معها من النساء من يلزمه العدل بينهما في الأيام التي يقسمها لهما، ~~وكذلك إذا كانت واحدة وكان معها واحدة من ملك اليمين، أو كان له عدد ms175 كثير ~~من ملك اليمين، لم يلزمه أن يعدل بينهن في الأيام، ولا بينهن وبين الحرة، ~~فذلك أقرب إلى عدم الميل منه، وقد قال تعالى في هذه السورة أيضا ما يكشف عن ~~المراد بما ذكرنا، وهو قوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو ~~حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة... 129)، فذكر الميل مع العدل ~~كما ذكر في الموضع الأول العول مع العدل، وهذا كله كلام بعضه من بعض. # وقال بعضهم: المراد بذلك: فان ختم الاثم بألا تعدلوا في اليتامى اللاتي ~~نكحتموهن لضعفهن، ولان نكاحهن أدعى لكم إلى ظلمهن. PageV00P301 # فانكحوا من غيرهن ممن تمتنع (1) عليكم بأوليائهن، وجعل تعالى غاية عدد ~~المباح من النكاح أربعا وأدناه واحدة، ونبه سبحانه بذلك على ما بين ~~العددين، فكأنه قال: (فان خفتم ألا تعدلوا في نكاح الأربع فانكحوا ثلاثا، ~~فان خفتم هذا المعنى في نكاح الثلاث فانكحوا اثنتين، فان خفتم ذلك في ~~نكاحهما فانكحوا واحدة)، فصارت غاية العدد أربعا وأدناه واحدة، لان ذكر ~~الطرفين يدل في مثل ذلك على الوسائط، وهذا كقوله تعالى: (وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما... إلى قوله تعالى: فقاتلوا التي تبغي...) ~~NoteV00P302N02 فنبه سبحانه بذكر الاصلاح والقتال اللذين هما أول الأمر ~~والمقصود وآخره على ما بين هذين الطرفين من الوسائط، والطرفان هما الاصلاح ~~والقتال. # وقال بعضهم: المراد باليتامى ههنا النساء، إلا أنه تعالى ذكر المعنى في ~~الآية بلفظين مختلفين، كما قال الله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم... ~~- 5) يعني النساء والصبيان فكما وصف هذان الضربان بالسفه وصفن ~~NoteV00P302N03 باليتم، فكان تقدير الكلام: (فان خفتم ألا تقسطوا في النساء ~~فانكحوا ما طاب لكم منهن). وإنما قال تعالى: (من النساء) لفصل البيان، إذ ~~كان الاسم الأول الواقع عليهن - أعني اليتامى - ربما ألبس على السامع، ~~فكرره بما لا يلبس، وحسن ذلك لاختلاف اللفظين وإن كان المعنى واحد، ومن ~~الشاهد على أن اليتامى عبارة عن النساء ههنا قوله تعالى في هذه السورة: # PageV00P302 # (وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب ms176 لهن ~~وترغبون أن تنكحوهن.. - 127) ثم قال تعالى من بعد، (وأن تقوموا لليتامى ~~بالقسط..)، فكأنه عائد إلى النساء أيضا، وإنما سمى النساء يتامى لضعفهن، ~~لان أصل (اليتيم الضعيف) NoteV00P303N01، قال الشاعر: # إن القبور تنكح الأيامى * النسوة الأرامل اليتامى وروي: أن امرأة جاءت ~~إلى الشعبي فقالت: إني امرأة يتيمة، فضحك أصحابه من قولها، فقال الشعبي: مم ~~تضحكون؟ النساء كلهن يتامى. وأنشد الأصمعي لبعض العرب: # أحب اليتامى البيض من آل سامة * وأبغض منهن اليتامى الفواركا ولا ذنب لي ~~فيما أحب وإنما * يفئ علي اللوم لو عفت ذلكا أراد: أحب النساء البيض من آل ~~سامة. # وكان المفضل الضبي يخالف في أصل اليتيم (2) فيقول: (هو الانفراد وكل ~~منفرد يتيم). قال: (ويقال للرملة المنفردة عن الرمال: يتيمة ويقال للبيت ~~المنفرد من الشعر: يتيم، ويقال الدرة NoteV00P303N03 اليتيمة، يراد بذلك ~~المنفردة عن اشكالها ونظائرها لجلالة قدرها). # وقال بعضهم: المراد بذلك أنكم إن خفتم إذا وليتم على اليتيم ألا تعدلوا ~~في حضانته فانكحوا النساء ليغنيكم الله سبحانه ويرزقكم من فضله # PageV00P303 # فتستغنوا عن تطرف NoteV00P304N01 مال اليتيم أو الثلم له، كما قال تعالى: ~~(وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم ~~الله من فضله..) NoteV00P304N02، فجعل النكاح سببا من أسباب الغنى بعد ~~الفقر والسعة بعد الضيق. ومن شجون ذلك ما روي: أن رجلا من خاصة الحسن بن ~~علي (ع) قال له في كثرة نكاح النساء ثم تخلية سبيلهن، فقال (ع): (طلبت ~~الغنى المضمون بكلا الامرين، فنكحت طلبا للغنى إذ يقول سبحانه: (ان يكونوا ~~فقراء يغنهم الله من فضله)، وطلقت طلبا للغنى إذ يقول سبحانه، (وإن يتفرقا ~~يغن الله كلا من سعته..) NoteV00P304N03). وهذا حسن جدا. # وقال بعضهم: المعنى إن كنتم تكرهون الولاية على اليتيم والنظر في ماله ~~خوفا ألا تعدلوا فأقلوا من النكاح لئلا تكثر أولادكم فيصيروا يتامى بعدكم ~~ويبتلوا بهذه الحالة من غيركم. # * * * ومن شعب الكلام على هذه المسألة تبيين الفرق بين قولهم (اللائي) ~~بالياء و (اللاتي) بالتاء، وذلك قوله سبحانه: (وما يتلى عليكم في ms177 الكتاب في ~~يتامى النساء..) NoteV00P304N04، وكان شيخنا أبو الفتح النحوي رحمه الله ~~يقول: إن اللاتي واللائي جميعا جمعان للتي، إلا أن # PageV00P304 # أن اللاتي بالتاء المعجمة من فوقها للجمع القليل، واللائي بالياء المعجمة ~~من تحتها للجمع الكثير. قال: ومن الدليل على ذلك أن كل جمع يضارع واحده من ~~جهة من جهات المضارعة فهو أدل على ما قرب من واحده في باب العدد، ألا ترى ~~أن جمع السلامة إنما هو موضوعه أن يقع على القليل دون الكثير بمجيئه على ~~طريقة الواحد في البناء!. ودليل آخر، وهو انك إذا قلت: # نسوتك فعلت، كان ذلك دليلا على القلة، فان أردت الكثرة قلت: # نسوتك فعلن، لان فعلت أصله للواحدة، فلما جئت به للجمع دللت على أن مرادك ~~أقرب من الواحد في باب العدد، فبان ما قلناه. # فصل وجه العدول عن (من) إلى (ما) فأما قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء)، ولم يقل من طاب، فالوجه فيه أنه بمعنى المصدر كأنه تعالى قال: ~~(فانكحوا من النساء الطيب) أي الحلال، أو (انكحوا خيرتكم وشهوتكم من النساء ~~أو العدد الذي يطيب لكم من النساء)، ومعنى هذا القول عن الفراء، وعن مجاهد، ~~أن معنى ذلك فانكحوا النساء نكاحا طيبا. # وقال بعضهم: المراد بذلك فانكحوا الطيبات من النساء. وقال بعضهم: إن (ما) ~~حلت ههنا محل (من)، لان الموضع موضع إبهام، PageV00P305 # وذلك مستعمل في المبهمات، يقال للرجال: ما في الدار؟ فيقول: # رجل، أو امرأة، أو صبي، أو شيخ، أو ما أشبه ذلك، لان السائل لا يقصد قصد ~~التفصيل والتخصيص، وإنما قصد الصفات والأجناس ويحسن في ذلك أن يقال (ما)، ~~كما يقال في الاشخاص من الآدميين (من)، وهذا كما تقول لغيرك: (ما 1) عندك؟ ~~فيقول: رجل أو فرس، فهذا بين بحمد الله. # فصل (اعراب مثنى وأخواته ومعناها) فأما قوله: (مثنى وثلاث ورباع)، فنحن ~~نتكلم على اعرابه ومعناه بتوفيق الله: # فأما إعرابه فإنه غير منصرف NoteV00P306N02، لأنه اجتمع فيه علتان من ~~العلل المانعة للصرف: فإحدى العلتين انه معدول عن اثنين اثنين وثلاث ms178 ثلاث ~~وأربع أربع إلى مثنى وثلاث ورباع. والعلة الأخرى انه عدل عن تأنيث. وهذا ~~الوجه هو الذي اعتمد عليه الزجاج. # وقال بعضه النحويين: علتاه أنه معدول وأنه صفة. # وقال قوم: هو معرفة، لان الألف واللام لا يدخلانه NoteV00P306N03. # والصحيح عند أهل التحقيق انه نكرة، لأنه قد جاء صفة للنكرة والنكرة # PageV00P306 # لا توصف بالمعرفة، وذلك قوله تعالى: (جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى ~~وثلاث ورباع..) NoteV00P307N01، ومحال ان يريد أولى أجنحة الاثنين والثلاثة ~~والأربعة، لامتناع وصف النكرة بالمعرفة، فثبت ان المراد به أولي أجنحة ~~اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. # وقال أبو عبيدة العرب لا تجاوز في هذا الباب رباع إلى ما فوقه فلا ~~يقولون: خماس وما زاد عليه، إلا أن الكميت بن زيد الأسدي جاوز ذلك فقال: # فلم يستريثوك حتى رميت * فوق الرجاء جلالا عشارا والمستقيم ما عليه ~~الجمهور. # فأما الكلام على معنى ذلك، فان محمد بن يزيد المبرد قيل له: هل في عدل ~~ذلك عن اثنين وثلاثة وأربعة زيادة معنى لم تكن فيما عدل عنه، فأجاب بما ~~ذكرناه من أن معناه معنى التكثير، أي: اثنتين اثنتين وثلاث ثلاث وأربع ~~أربع. قال: وإنما صار معناه على ذلك، لأنه خطاب للجميع NoteV00P307N02، ~~فكأنه تعالى قال: لينكح كل واحد منكم اثنتين إن شاء أو ثلاثا ان شاء أو ~~أربعا، وهذا كقوله تعالى: # (فاجلدوهم ثمانين جلدة..) NoteV00P307N03 اي: اجلدوا كل واحد منهم بهذه ~~العدة. وفسر المبرد قوله تعالى: (أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع) بأن قال: ~~المراد بذلك إن الاثنين يقابلان الاثنين والثلاثة تقابل الثلاثة # PageV00P307 # والأربعة تقابل الأربعة، ومثل ذلك قول الشاعر NoteV00P308N0١: # ألا إنما أهلي بواد أنيسه * ذئاب تبغي الناس مثنى وموحد قال: فهذا لا ~~يكون أبدا لاثنين فحسب ولا لواحد فحسب، إنما هو اثنان اثنان وواحد واحد. ثم ~~حكى المبرد ان الجاحظ سئل عن قوله تعالى: # (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع)، فقيل له: كيف تكون الأجنحة ثلاثة، فقال: ~~واحد في الوسط، فضحك منه وعلم أنه لا علم له بهذا الجنس. # ولعمري إن ms179 الجاحظ لا يشق غبار محمد بن يزيد في علوم القرآن والتفنن فيه ~~واستنباط غوامض معانيه! وحكى لي NoteV00P308N0٢ عن أبي بكر ابن مجاهد: أنه ~~كان يقول: ما رأيت أحسن جوابا من المبرد في معاني القرآن لا سيما فيما ليس ~~فيه قول لمتقدم. ومن غريب كلامه في تأويل القرآن تفسيره أول آية في هذه ~~السورة التي نحن في الكلام على متشابهها، وهي قوله تعالى: (يا أيها الناس ~~اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة..)، قال: معناه على هيئة واحدة. قال: ~~ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم..﴾ (3) اي: # مثلكم، وقوله تعالى: (فاقتلوا أنفسكم..) (4) اي، أمثالكم، كأنه تعالى ~~قال، ليقتل بعضكم بعضا. قال ومعنى (وخلق منها زوجها) اي، جعل زوجها من ~~جنسها، ليسكن إليها وتسكن # PageV00P308 # إليه ولا يستوحش منها ولا تستوحش منه. وعامة المفسرين على خلاف قوله في ~~ذلك لأنهم يقولون: إن معنى قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة) يعني به آدم ~~عليه السلام، (وخلق منها زوجها) يريد انه سبحانه انتزع ضلعا من أضلاع آدم ~~(ع) فخلق منه حواء. وقول أبي العباس أحسن مقيسا NoteV00P309N01 وأثبت على ~~الطريقة قدما. # فأما الاستدلال بهذه الآية على جواز نكاح التسع، فهو مذهب لبعض علماء أهل ~~البيت عليهم السلام NoteV00P309N02، إلا أنه يضعف في نفسي من وجوه: # أحدها، أن مثنى وما بعده لا يصلح في عرف أهل اللغة إلا لاثنين اثنين ~~واثنتين اثنتين على التفريق، لا على الجمع والضم، فإذا ثبت ذلك كان تقدير ~~الكلام: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وانكحوا ثلاث في غير الحال ~~الأولى وانكحوا رباع في غير الحالين). # ومنها، أن كلامه تعالى أفصح الكلام وأشده NoteV00P309N03 انخراطا في سلوك # PageV00P309 # الفصاحة وإبعادا في مرامي البلاغة، وليس من البلاغة إن يقول القائل - إذا ~~أراد أن يعلمنا انه أعطى زيدا تسعة دراهم -: أعطيت زيدا درهمين وثلاثة ~~وأربعة، فيفرق العدد في مثل هذه الحال، لان قوله: # أعطيته تسعة دراهم، أخصر وأقصر، وهو بمذاهب البلغاء أشبه وأليق، وليس ms180 ~~موضع هذا القول من مواضع الاسهاب والاطناب فيكون بسط الكلام فيه أبلغ ~~وإطالته أشفى وأنقع، كما يقول في قوله تعالى في السورة التي يذكر فيها ~~الحج: (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى ~~السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ 15) والضمير في قوله تعالى: ~~(أن لن ينصره الله) للنبي صلى الله عليه وآله، ومعنى ذلك على عامة قول ~~المفسرين: أن من ظن من المشركين ان الله خاذل نبيه ومذل دينه فليقتل نفسه ~~بحسرة ذلك، فلن يتحقق ظنه ابدا، وقوله تعالى: (فليمدد بسبب إلى السماء) ~~السبب ههنا الحبل، والسماء ههنا سقف البيت الذي يحله، فكأنه تعالى قال: ~~فليربط حبلا بسقف بيته وليختنق به إلى أن ينقطع الحبل من فرط تراجعه فيه ~~وجذبه إياه، فلينظر هل يذهب ما يفعله بنفسه من ذلك ما غاظه من قوة أمر ~~الرسول، ووري زناده، وارتفاع عماده NoteV00P310N01، ألا ترى إلى هذا ~~الاسهاب في هذا المكان، كيف وقع موقعه، وأصاب غرضه! وقد كان تعالى قادرا ~~على أن يقول: من كان يظن أن لن ينصر الله رسوله فليخنق نفسه غيظا، ولكن لما ~~كان # PageV00P310 # في بسط هذا الكلام، والاتساع في مذاهبه، من زيادة الغمة على المراد به، ~~وفرط الغيظ للمقصود باسماعه NoteV00P311N01 حسن البسط والتوسع فيه، ألا ترى ~~إلى مقدار الفرق بين قول القائل لضد ينازعه، وعدو يقارعه إن كنت مغيظا من ~~نعمة الله علي وحسن بلائه عندي فاقتل نفسك، وبين قوله له: فاجزر ~~NoteV00P311N02 انا ملك، وافقأ عينك، واجدع انفك، وأذبح نفسك، أو يزيد في ~~ذلك تفحيش صفة الذبح عليه بقوله: فخذ مدية حادة فقطع بها أوداجك، واجزر ~~NoteV00P311N02 حلقومك، وأسل دماءك، وبين الموضعين فرق واضح وتمييز ظاهر، ~~فافهم ذلك فإنه من اسرار القرآن الخفية، وبدائعه العجيبة التي تزداد على ~~النزح جماما (3)، وعلى القدح اضطراما. # ومن غريب ذلك ما عثرت عليه عند التلاوة آنفا، وهو قوله تعالى مخاطبا ~~لموسى وهارون في الشعراء: (كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون 15) فقال ~~(اذهبا) ms181 فثنى، ثم قال تعالى (معكم) فجمع. وهذا مما يمكن أن يستشهد به من ~~يقول أن الاثنين جماعة. ثم قال تعالى في طه: (لا تخافا إنني معكما أسمع ~~وأرى 46)، فلما فخم تعالى في الموضع الأول ذكره سبحانه بقوله (انا) فخم ~~ذكرهما فقال (معكم)، ولما ترك ذلك في الموضع الآخر فقال: (انني) قال ~~(معكما) بلا تفخيم في الذكرين # PageV00P311 # جميعا، وهذا من المقاصد الشريفة والغوامض اللطيفة فتبارك الله رب ~~العالمين! # ونعود بتوفيق الله تعالى إلى تمام الكلام على معنى مثنى وثلاث ورباع. ~~ومما يفسد قول من قال: المراد بذلك نكاح تسع، ان الامر لو كان على ما ظنه ~~لم يجز للواحد منا أن ينكح اثنتين على الانفراد ولا ثلاثا ولا أربعا كذلك، ~~ولم يكن يجوز له إلا أن ينكح تسعا أو واحدة لان القائل إذا قال لك - وطاعته ~~واجبة عليك -: خذ عشرة، لم يكن لك ان تأخذ تسعا ولا ما هو أقل من ذلك إلا ~~عاصيا، فكان قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) لا معنى له، لان ~~ما طاب إنما هو ما بين الواحد إلى الأربع، فان طاب اثنتان للواحد نكحهما، ~~وإن طاب ثلاث أو أربع نكحهن، وإن خاف الميل الذي هو جور اقتصر على الواحدة ~~أو ملك اليمين. وهذا أوضح من أن يلتبس على ذي فهم، لان الكلام لو كان على ~~ما ظنه المخالف لكان جامعا بين عي اللفظ وفساد المعنى. # وبيان ذلك وتلخيصه: أن المراد لو كان نكاح الاثنتين والثلاث والأربع على ~~الاجتماع لم يكن لقوله تعالى: (فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة) معنى، لأنه لا ~~يجب عند الخوف من ترك العدل في نكاح التسع ان يترك إلى واحدة الا بعد واسطة ~~في العدد، فدل ذلك على أن المراد إما مثنى وإما ثلاث واما رباع، فان خاف ~~الناكح ألا يعدل في أحد هذه الاعداد اقتصر على واحدة، أو النكاح بملك ~~اليمين. ولا يليق بالكلام ههنا إلا ما أشرنا إليه، لأنه تعالى شرط ذلك فيما ~~طاب للناكح PageV00P312 # ثم ذكر الاعداد الثلاثة ms182 فنبه بذلك على طريقة التخيير. وبعد، فان العلم ~~بأنه لا يسوغ نكاح ما فوق الأربع في حال واحدة كالضرورة من فحوى الآية ومن ~~دين الرسول صلى الله عليه وآله، فلا معنى لإطالة الكلام في ذلك. وفي ما ~~ذكرناه منه كاف بتوفيق الله تعالى. # فصل (وآتوا النساء صدقاتهن) وربما سألوا بعد ذلك فقالوا: كيف قال الله ~~تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة)، والنحلة هبة والصداق واجب ~~NoteV00P313N01! # فالجواب: انه سبحانه فرض الصداق للنساء، فكان هبة منه سبحانه لهن، لا هبة ~~من أزواجهن، وقد كان الآباء يأخذون ذلك لنفوسهم، ألا ترى إلى قوله تعالى في ~~قصة موسى (ع): (إني أريد أن، أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني ~~حجج) NoteV00P313N02 فاستخدمه بمهر ابنته، فجعل تعالى ذلك للنساء دون ~~آبائهن وذلك واضح بمشيئة الله. # PageV00P313 # 2 - مسألة (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) شبهتان في الآية - الجواب عن ذلك - ~~الاستثناء في الآية منقطع - مرجع ضمير انه كان فاحشة - الا مضارعة للواو ~~ههنا - نكاح ابن أمية زوجة أبيه ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (ولا تنكحوا ~~ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف.. - 22)، فقال في ظاهر هذا القول ~~دلالة على إباحة ما قد سلف من هذا النكاح، ومع ذلك ففيه استثناء فعل ماض من ~~فعل مستقبل وذلك غير مستقيم، لان قوله: (ولا تنكحوا) يدل على الاستقبال، ~~وقوله: (إلا ما قد سلف) عبارة عن الماضي! # فالجواب: أنا قد أوردنا في السورة التي يذكر فيها البقرة عند قوله تعالى: ~~(لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم.. - 150) ما هو الجواب ~~عما ذكره السائل ههنا، لكننا نذكر من ذلك طرفا، ليكون أكشف للغمة وأجلى ~~للشبهة بمشيئة الله، فنقول بتوفيق الله: # 1 - إن معنى ذلك: لا تفعلوا من هذا النكاح سوى ما قد سلف أو بعد ما قد ~~سلف مما فعلتموه، وهذا كقول الرجل لوكيل PageV00P314 # وكله في بيع متاع له، ثم اعترضه رأي في ألا يبيع ما بقي من ذلك بعد أن ~~باع طرفا منه: (لا تبع ms183 من متاعي إلا ما بعت) والمراد به: # سوى ما بعت أو بعد ما بعت، لا يجوز أن يكون غير هذا، لان النهي لا يتناول ~~المواضي من الأمور، وإنما يقع في المستقبلات منها، فبطل بذلك ما قدره ~~السائل من أن في الكلام استثناء فعل ماض من فعل مستقبل. # 2 - وقال بعضهم: معناه NoteV00P315N01 ولا تنكحوا نكاح آبائكم، اي كنكاح ~~آبائكم، فيدخل في هذا النهي حظر نكاح حلائل الآباء، وكل نكاح كان فاسدا ~~فيما تقدم وكانت العرب تستجيزه، وقال: إن هذا التأويل هو الوجه، لأنه لو ~~كان المراد بما ههنا نكاح حلائل الآباء دون غير ذلك من الأنكحة، لكان ~~الصواب أن يقول: ولا تنكحوا من نكح آباؤكم، لان حلائل الآباء من العقلاء، ~~وإنما قال تعالى (ما)، لأنه أراد به جنس النكاح الفاسد كما يقول القائل ~~لغيره: لا تبع ما ابتاع أبوك من الإماء، وإنما أراد الجنس. # 3 - وقال بعضهم: (إلا ما قد سلف) استثناء منقطع، وليس آخر الكلام فيه ~~مستثنى من أوله كما يكون في الاستثناء غير المنقطع، مثل قولهم: قام الناس ~~إلا زيدا، فزيد مستثنى من الناس، لأنه واحد منهم، فأما (2) قوله تعالى: ~~(ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من # PageV00P315 # النساء الا ما قد سلف) لو كان استثناء غير منقطع، لكان آخر الكلام مستثنى ~~من أوله، وكان قد أطلق لهم ما سلف منه، لأنه تعالى إذا حظر شيئا ثم استثنى ~~منه فالمستثنى غير محظور، كما انا إذا قلنا: قام القوم إلا زيدا، كان زيد ~~غير قائم، فلما كان ما سلف من هذا النكاح غير مباح، بل كان محظورا أيضا، ~~علمنا أنه ليس باستثناء من أول الكلام، ولكنه منقطع عنه، فكأنه تعالى قال: ~~لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، ثم قال: لكن ما قد سلف وهو محظور غير ~~مباح، والمعنى: # أنه منهي عنه كله، فما قد سلف محظور عليكم اليوم أن تقيموا عليه، ومحظور ~~عليكم ان تستأنفوا أيضا نكاح شئ منه بعد الحظر له، والنهي عنه. # 4 - وقال بعضهم: هو استثناء منقطع، ms184 ويحتمل أن يكون معناه إلا ما قد سلف ~~فإنكم لا تؤاخذون به كما تؤاخذون في المستقبل بفعله، ويحتمل أن يكون الا ما ~~قد سلف فدعوه فهو جائز لكم 5 - وقال أبو القاسم البلخي: إنه تعالى نهاهم عن ~~أن ينكحوا نساء آبائهم مستأنفا ولم يحل لهم من ذلك ما كان سالفا، فكأنه ~~تعالى قال: الا ما قد فعلتم فيما مضى من هذا النكاح المذكور، ف‍ (إنه كان ~~فاحشة ومقتا وساء سبيلا). قال: وذلك كقول القائل: لا تأكل من هذا الطعام ~~إلا ما أكلت. # قال: ويجوز أيضا أن يكون المراد إلا ما سلف من ذلك في الجاهلية فليس ~~بفاحشة، فكأنه تعالى قدم وأخر، والمراد: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء انه كان فاحشة الا ما قد سلف، فإنه ليس PageV00P316 # بفاحشة لما لم تكن الحجة عليهم في تحريمه قائمة، لئلا يقال فيمن ولد من ~~هذا النكاح: أنه من زنية وفاحشة، لان نكاحهم في الجاهلية لا يطلق عليه اسم ~~الزناء والفاحشة، وكذلك كل نكاح كان بين رجل وامرأة على السنة التي يستن ~~بها أهل ملتهما أي ملة كانت ملل أهل الكتاب وأهل الشرك، فليس بزناء وإن كان ~~مخالفا لما حده الله وفرضه، والزناء والفاحشة هو: نكاحهما على غير سنة أهل ~~ملتهما، وذلك ما يتعاير به الناس مما ليس على سنة واضحة ولا عادة جارية، ~~فالضمير في قوله تعالى: # (فإنه كان فاحشة) يحتمل وجهين: أحدهما، أن يعود على النكاح المستأنف بعد ~~وقوع النهي ونزول الزجر. والآخر، ان يعود على النكاح الذي كان عليه أهل ~~الجاهلية من قبل، ولا يكون ذلك الا وقد قامت عليهم الحجة بتحريمه من جهة ~~الرسل (ع)، على خلاف في ذلك. # 6 - وقال بعض الكوفيين: إلا مضارعة للواو ههنا، والتقدير ولا ما قد سلف. ~~وكان الفراء يبطل هذه الوجه، ويقول: إلا لا تجري مجرى الواو إلا بعد تقدم ~~الاستثناء، ولم يتقدم ههنا استثناء. # قال: ويحتمل أن يكون المعنى لكن ما قد سلف، فإنه كان فاحشة وهو غير محلل ~~لكم. # وحكي عن ms185 بعض العرب: أنه قال: (ما نشتكي إلا خيرا). ولهذا القول تأويلان: ~~أحدهما، الاستثناء المنقطع كأنه قال: ما نشتكي شيئا لكن خيرا نجده ولا ~~نفقده. والتأويل الآخر، أن يكون معناه ما نشتكي إلا الخير ومن يشتكي الخير ~~فلا شكاية له، وهذا أيضا كما PageV00P317 # يقولون: ما لفلان عيب إلا السخاء اي من السخاء عيبه فلا عيب له. # وقوله تعالى في هذه السورة من بعد: (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد ~~سلف) متأول على ما تؤول عليه قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء إلا ما قد سلف)، وأحد الموضعين يشهد للآخر. # 7 - وقال بعضهم: الفائدة في قوله تعالى: (إلا ما قد سلف) إذا كان معناه ~~سوى ما قد سلف - على قول بعض العلماء - قطع المخاطب عن العادة التي قد ~~ألفها، فيفارق من هذا الوجه ابتداء التحريم، لان ذلك لا يتضمن قطعا من عادة ~~مألوفة وسبيل مسلوكة. # قال: ويحتمل أن يكون الاستثناء ههنا راجعا إلى معنى النهي، لأنه ~~NoteV00P318N01 يتضمن الوعيد فقوله تعالى: (إلا ما قد سلف) استثناء للسالف ~~مما وقع التوعد عليه والنهي عنه، لان الوعيد والنهي يثبتان في المستقبلات ~~ويزولان عن الماضيات، وقوله تعالى (إنه كان فاحشة) لا يجوز ان يرجع إلا إلى ~~المحرم، والمحرم هو المستقبل، فيجب أن يكون هو المراد به الوصف. قال ويبعد ~~أن يريد بقوله سبحانه (انه كان فاحشة) ما قد سلف من هذا النكاح، والحجة لم ~~تقم عليهم بذلك، لان تحريم امرأة الابن إنما ثبت من جهة الرسول صلى الله ~~عليه وآله بهذه الآية، ولم يكن قبله رسول في العرب يحرم ويحلل، فتكون الحجة ~~في التحليل والتحريم. فالصحيح إذن في قوله تعالى. (انه كان # PageV00P318 # فاحشة) أن يكون إشارة إلى المحرم، والفاحشة عبارة عن القبيح إذا عظم، ~~وإنما يعظم على قدر موقع النهي ومبلغ الزجر. # وظن بعضهم ان ما قد سلف من نكاح الابن امرأة الأب مما يجوز أن يقر عليه، ~~فحمل المعنى على ذلك، وهذا بعيد، لان من أسلم على زوجة هي امرأة ms186 أبيه لم ~~يحل له أن يستمر على نكاحها كما لا يحل له الابتداء بنكاحها، وهكذا القول ~~في كل امرأة بعينها، فبطل ما تأوله من ذهب إلى ذلك. # 8 - وقال بعضهم: المعنى إلا ما قد سلف، فان السلامة منه الاقلاع عنه ~~بالتوبة والإنابة. ومن نكاح المقت الذي كان في الجاهلية، نكاح أبى عمرو بن ~~أمية زوجة أبيه وأم اخوته: العاص، وأبي العاص، والعيص، وأبي العيص، وعدة من ~~الإناث، وهم NoteV00P319N01 بنوا أمية بن عبد شمس، فأولدها أبو عمرو أبا ~~معيط. وهي آمنة بنت أبان بن كلب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن ~~بكر بن هوازن، وإياها عنى النابعة الجعدي بقوله: # وشاركنا قريشا في تقاها * وفي أنسابها شرك العنان NoteV00P319N02 بما ~~ولدت نساء بني هلال * وما ولدت نساء بني ابان # PageV00P319 # فصل (انه كان فاحشة) فأما معنى قوله: (انه كان فاحشة ومقتا) فقد اختلفت ~~العلماء في موضع كان ههنا، فقال محمد بن يزيد المبرد: يجوز أن تكون زائدة، ~~ويكون المعنى انه فاحشة ومقت، وأنشد في ذلك قول الشاعر: # فكيف إذا حللت بدار قوم * وجيران لنا كانوا كرام وخطأه الزجاج في ذلك ~~وقال: لو كانت كان زائدة في الآية لم ينصب خبرها، والدليل على ذلك هذا ~~البيت الذي انشده فان (كان) لما كانت زائدة فيه لم تعمل فقال: (وجيران لنا ~~كانوا كرام) ولم يقل كراما. # وقال بعضهم: يجوز أن تكون كان ههنا كقوله تعالى: (وكان الله غفورا ~~رحيما)، وكان الله عليما حكيما)، وما أشبه ذلك، فدخلت كان لتدل على أن هذا ~~الامر من قبل هذه الحال كان كذا ولم يحدث الآن، فلو قال قائل: الله غفور ~~رحيم، والله عليم حكيم، لم يدل على كونه تعالى على هذه الصفة فيما مضى من ~~الزمان، فلما قال: وكان الله غفورا رحيما، وعليما حكيما، وما أشبه ذلك، دل ~~على أنه تعالى لم يزل كذلك. # وفيه قول آخر، وهو من الغريب المستحسن، قيل: إنما يجيئ قوله تعالى: وكان ~~الله عليما حكيما وسميعا عليما وما أشبه هذه ms187 الصفات، بعد اخبار أو فرائض أو ~~ما يجري هذا المجرى، فالمعنى: وكان الله عليما حكيما PageV00P320 # فيما فرض، وغفورا رحيما فيما فعل، وعليما خبيرا فيما أخبر، وأشباه ذلك. # وقد ذكر لنا شيخنا أبو الفتح عثمان بن جني النحوي في ذلك وجها آخر، قال: ~~إن العادة قد جرت إذا مدح الانسان أو تمدح أن يذكر أسلافه وقديمه وبينه ~~وأوليته، أو يذكر له ذلك، كما قال عدي بن زيد: # نحن كنا قد علمتم قبلكم * عمد البيت وأوتاد الإصار NoteV00P321N01 يعني: ~~أن أحد أجداده قد ملك العرب قبل ملك النعمان بن المنذر الذي خاطبه بهذا ~~الشعر، وحديث ذلك يطول، وكما قال الفرزدق عند تعديده مفاخر آبائه ومآثر ~~أسلافه: # أولئك آبائي فجئني بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير المجامع فلما أريد مثل ~~ذلك في الثناء على القديم تعالى ولم يكن له مثل ولا ند ولا أب ولا جد فيقال ~~سلفك كذا وأولك كذا، عدل عن ذلك إلى ذكر تقادم مجده وملكوته وسلطانه ~~وجبروته، فقال الراجز مشيرا إلى هذا الغرض: # فكنت إذا كنت إلهي وحدكا * لم يك شئ يا إلهي قبلكا وقال سبحانه مريدا هذا ~~المعنى: وكان الله سميعا عليما وعزيزا حكيما، وغفورا رحيما، وما أشبه ذلك، ~~فجعل سبحانه تقادم العهد بوحدانيته وربوبيته مكان ذكر السلف الأول الذي ~~يتعالى عن مثله. وهذا أيضا من الأقوال الغريبة والاستنباطات اللطيفة وقد ~~مضى من الكلام في هذه المسألة ما فيه كفاية وبلاغ بحمد الله. # PageV00P321 # فصل (فابعثوا حكما من أهله) وربما سأل سائل في هذه السورة عن قوله تعالى: ~~(فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها.. - 35) فقال: لم لم يقل: # (حاكما) بدل قوله: (حكما)؟. # والجواب: انه سبحانه إنما سمى المبعوثين من أهل الرجل والمرأة حكمين، ~~لنقصان تصرفهما ولو ملكا التصرف من جميع الوجوه لسماهما حاكمين، ألا ترى أن ~~من مذهب NoteV00P322N01 أهل العراق انه ليس للحكمين التفريق إلا بوكالة وهو ~~أحد قولي الشافعي. وهذا يدل على نقصان تصرفهما فلذلك سميا حكمين، والعرب ~~تسمي الرجل حكما إذا تنافر إليه الرجلان ففضل أحدهما ms188 على صاحبه، وإنما سمي ~~حكما، لأنه ليس يتجاوز أن يعلمهما أن أحدهما أفضل من الآخر، وليس هناك ~~إلزام امر ولا امضاء حكم كما يفعل الحكام، فلذلك لم يسم حاكما وهذا واضح ~~بحمد الله. # PageV00P322 # 3 - مسألة (ولا يكتمون الله حديثا) الشبهة في الآية - الجواب عن ذلك - ~~كذب بمعنى الزم وشواهد ذلك - الوجه في ترخيم (يا مال) في احدى القراءات - ~~تأويل أبي علي للآية. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو ~~تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا 42)، فقال: كيف ذكر تعالى عنهم أنهم ~~يتمنون ألا يكتمونه حديثا، وقد أخبرنا أنهم قد يكتمون بعض الأحاديث بقولهم: # (والله ربنا ما كنا مشركين)، حتى قال سبحانه رادا عليهم: # (انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كنوا يفترون) NoteV00P323N01 فما ~~مجاز هذا الكلام عندكم والمخرج منه والعذر له؟!. # فالجواب: ان في ذلك عدة وجوه: # 1 - فمنها، أن يكون قوله تعالى: (ولا يكتمون الله حديثا) ليس المراد به ~~أنهم صرحوا NoteV00P323N02 بكوامن عقائدهم وبواطن ضمائرهم طوعا واختيارا، ~~ولكن الله سبحانه لما أظهر في ذلك اليوم سرائرهم وكشف بواطنهم، # PageV00P323 # ظهرت خباياهم ووضحت خفاياهم، ولم يلط NoteV00P324N01 دون اسرارهم ستر ولم ~~يخف لهم سر، كانوا في حكم من باح بسرائره وخبر بدخائله، وذلك مثل قول ~~القائل لصاحبه: أخف عني ما شئت أن تخفيه فوالله ما تستطيع أن تكتمني ~~NoteV00P324N02 حديثك ولا تستر عني مكنونك، يريد لإحاطتي علما بغيبك ووقوفي ~~على جلية امرك فما يكتم عني سرك وإن كتمته ولا يخفى وإن أخفيته، وعلى هذا ~~قول الشاعر: # تحدثني عيناك ما القلب كاتم * ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر ألا ترى كيف ~~قال: (تحدثني عيناك) ونحن نعلم أنه ما تعمد أن يدل بشواهد عينه على ما ~~أضمرته نفسه وكتمه قلبه! وكيف يكون ذلك، وقد نطق الشاعر بأن قلبه كاتم ~~ولسانه كاظم! ولكن البغضاء لما ظهرت في طرفه ونطقت عن لحظه، صار كأنه نطاق ~~بها ومحدث عنها. فلا يعتد بكتمان هؤلاء الكفار في الآخرة، إذا ms189 كان سرهم عند ~~الله تعالى ظاهرا وإضمارهم باديا. # 2 - ووجه آخر، قيل: إن الآخرة مواطن ومقامات، كما أن العقاب والثواب ~~منازل ودرجات، واختلاف كلامهم إنما يكون لاختلاف أحوال القيامة ومواطنها: ~~فموطن لا يعلو به الجرس ولا يسمع فيه إلا الهمس وهو: الصوت الخفي ونقل حركة ~~الاقدام. وموطن يتكلمون فيه ويكذبون، وذلك قوله: (ما كنا نعمل من سوء) فقال # PageV00P324 # تعالى رادا عليهم: (بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون) NoteV00P325N01 ~~وقولهم: (والله ربنا ما كنا مشركين)، فقال تعالى مكذبا لأقوالهم: # (انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون)، وموطن يعترفون ~~فيه بالخطايا ويسألون الرجعة إلى دار الدنيا فيقولون: # (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) NoteV00P325N02 ~~وقيل: إن آخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتشهد عليهم جلودهم ~~وأعظاؤهم. نعوذ بالله من هول ذلك المقام وخزي ذلك الكلام! # ومعنى هذا القول مروي عن الحسن البصري. # 3 - ووجه آخر. قيل: إن المراد بذلك انهم لا يكتمون أسرارهم في الآخرة، ~~كما كانوا يكتمونها في الدنيا، لأنهم مضطرون إلى الصدق وقول الحق. # 4 - ووجه آخر، قيل: إن قوله: ولا يكتمون الله حديثا) داخل في باب التمني، ~~بعد ما نطقت جوارحهم بفضائحهم، وشهدت عليهم بجرائمهم. وهذا الوجه محكي عن ~~ابن عباس رحمه الله. # وتلخيص ذلك: أنهم ودوا لو أن الأرض استوت عليهم وكانوا كما كانوا أمواتا ~~تحتها وانهم لم يكتموا الله ما كذبتهم به شهادات جوارحهم وإقرار جلودهم ~~وأعضائهم، وذلك كقول القائل: ليتني أجد أموالا أمنحها الطالبين وثيابا ~~أكسوها العارين، فيكون الثاني داخلا في معنى الأول، كما يقول الرجل لغيره: ~~وددت أنك تركتني ولم تذهب # PageV00P325 # بي إلى حيث ذهبت بي، اي: جمعت لي بين هذين الامرين، فكذلك هؤلاء تمنوا ~~هذين الامرين جميعا، وهو ألا يكتموا الله حديثا وان تسوى بهم الأرض، ~~فالتمني في هذا الوجه منتظم للامرين كليهما، وهو في الوجه الأول متعلق ~~بتسوى الأرض بهم حسب، وهو منتهى وقوع التمني وصار ما بعد ذلك مستأنفا، ~~فكأنه تعالى قال: وهم ms190 لا يكتمون الله حديثا. # 5 - ووجه آخر، قيل: معنى (ولا يكتمون الله حديثا) انهم لا يقصدون الكذب، ~~لان دواعي الكذب قد ارتفعت عنهم في الآخرة، فقولهم على ذلك: (والله ربنا ما ~~كنا مشركين) معناه أنهم عند أنفسهم في الدنيا لم يكونوا كذلك، لأنهم كانوا ~~يعتمدون ان عبادة الأصنام تقربهم إلى الله تعالى، وكانوا عند نفوسهم موحدين ~~مؤمنين وهم ضالون مشركون. # 6 - ووجه آخر، قال بعضهم: معنى ذلك انهم أملوا أملا فخاب أملهم وانعكس ~~عليهم ولم يقع الامر بمحبتهم. وذلك أن من عادة الناس في الدنيا أنهم إذا ~~عوقبوا فتضوروا واستغاثوا وتألموا، فان العذاب يسهل عليهم بعض السهولة ~~بتكرر الكلام وشكوى الآلام، كتألم المضروب واسترواح المكروب، فقولهم: ~~(والله ربنا ما كنا مشركين)، وقولهم: (ربنا ظلمنا أنفسنا) NoteV00P326N01 ~~وقولهم: (ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا) ~~NoteV00P326N02، # PageV00P326 # وما شاكل ذلك، إنما هو من جنس الضجيج والاضطراب والتغوث والاسترواح وطلب ~~تخفيف العذاب، على ما اعتادوه في دار الدنيا، فلم ينفعهم ذلك بل عاد بخلاف ~~ما أملوه وضد ما حاولوه، فقال تعالى: # (انظر كيف كذبوا على أنفسهم) يريد كذبوا فيما أملوه من سهولة العذاب ~~عليهم وتخفيفه عنهم، وهذا معروف في كلامهم أن يقولوا: # كذب فلانا أمله NoteV00P327N01، إذا امل أمرا فلم يعط ما أمله، وعليه قول ~~الشاعر NoteV00P327N02: # - كذبتم وبيت الله لا تأخذونها * مراغمة ما دام للسيف قائم - قال: ~~والمعنى كذبتم آمالكم NoteV00P327N03 في ذلك، ولم يرد الشاعر انهم قالوا ~~قولا فكذبوا فيه. (قلت) ولا يمتنع أن يكونوا قالوا: سنأخذها مراغمة، فرد ~~الشاعر عليهم قولهم، فقال: كذبتهم فيما قلتموه من أخذها قسرا وحيازتها ~~قهرا. وقال أبو دؤاد الأيادي في طرده عيرا لصيده ويعني فرسه والعير: # قلت لما فصلا من قنة * كذب العير وإن كان برح NoteV00P327N04 # PageV00P327 # فأراد كذب العير أمله، لان العير لا يجوز أن ينسب إليه الكذب الحقيقي ~~الذي هو ضد الصدق، المعنى أنه آمل أن ينجو من اقتناصي، فكذبه أمله، لأنه ظن ~~أنه إذا مر بارحا NoteV00P328N01 - وهو ان ms191 يأخذ من جهة الشمال إلى جهة ~~اليمين - لم يتمكن الفارس من طعنه، فلما قلب الرمح فطعنه جاز أن يقول: كذبه ~~أمله فيما ظنه من النجاة. # قال صاحب هذا القول: (فان قيل كيف أكذبهم NoteV00P328N02 الله في قولهم: ~~(والله ربنا ما كنا مشركين)، وقد حلفوا على حق عندهم!. # قيل له: ليس قوله تعالى: (كذبوا) ههنا من الكذب الذي هو ضد الصدق، وإنما ~~هو من الايجاب والالزام، فكأن معناه: انظر كيف ألزموا أنفسهم الكفر وأوجبوا ~~عليها الشرك. وعلى هذا قول بعض العرب: (كذب عليك الحج) NoteV00P328N03 يريد ~~إلزم الحج. وكما شكى رجل إلى بعض الصحابة ألم رجله NoteV00P328N04 فقال: ~~(كذب عليك العسل) # PageV00P328 # اي الزم السعي، والعسل والعسلان ضرب من المشي فيه همز NoteV00P329N01 ~~ومنه قول الشاعر NoteV00P329N02: # (.. كما عسل الطريق الثعلب) ومن الشاهد على أن قولهم: (كذب عليك كذا)، ~~بمعنى الزم كذا، قول الشاعر NoteV00P329N03: # كذب العتيق وماء شن بارد * إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي اي: الزم العتيق ~~وماء شن بارد، ومثل قول الآخر NoteV00P329N04: # وذبيانية وصت بنيها * بأن كذب القراطف والقروف أي عليكم بالقراطف والقروف ~~فالزموها والقراطف: القطف NoteV00P329N05. # والقروف: جمع قرف، وهو: وعاء من أدم يكون فيه الخلع: طعام للعرب ~~NoteV00P329N06 والقرف أيضا بالتحريك: الأديم الأحمر، كأنه قرف # PageV00P329 # فبدت حمرته). # وفي هذا الوجه المذكور ضعف وتخليط، وغيره أقوى منه وأجدر بالاعتماد عليه، ~~وذلك أن القول الذي تقوله الكفار يوم القيامة مثل (والله ربنا ما كنا ~~مشركين) و (ربنا أرنا الذين أضلانا) وما يجري هذا المجرى، لو كانوا يقولونه ~~على سبيل التخليط والتضور وطلب التخفيف من الألم، لما كان سبحانه يحكيه ~~عنهم ويورد في عقبه أجوبة لهم، فيقول: (اخسئوا فيها ولا تكلمون) ~~NoteV00P330N01 ويقول - تعالى بعقب NoteV00P330N02 قوله: (وهم يصطرخون فيها ~~ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل) -: (أولم نعمركم ما يتذكر فيه ~~من تذكر.. الآية) (3)، وما يجري هذا المجرى. ولو كان هذا الكلام لا يخرج ~~منهم إلا على الوجه الذي حكاه صاحب هذا القول من طلبهم به تخفيف ألمهم ms192 ~~وتسهيل عذابهم لما حكى عنهم ولا اعتد (به منهم) (4)، ولما كان بعده جواب ~~لهم. # وأيضا فقول هذا القائل: إن قوله تعالى: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم) ليس ~~المراد به الكذب المعروف، وإنما معناه انهم ألزموا أنفسهم الكفر وأوجبوا ~~عليها الزجر، واستشهاده بما استشهد به من الشعر على صحة ذلك - غير سديد ولا ~~مستقيم، لأنه عدول عن الأعرف # PageV00P330 # والأظهر إلى الأخفى والأغمض، بلا دليل هاد ولا أمر داع وفيه إلغاز وإيهام ~~يتعالى الله سبحانه عنهما ولا يحتاج إليهما. # وعلى ذكرنا قول الله سبحانه: (وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا ~~غير الذي كنا نعمل)، فقد كان شيخنا أبو الفتح النحوي عمل في آخره عمره ~~كتابا يشتمل على الاحتجاج بقراءة الشواذ، ناحيا به نحو أبي علي الفارسي في ~~عمله كتاب الحجة، وهو الاحتجاج للقراءة السبعة، فقال فيه محتجا لقراءة من ~~قرأ في الزخرف: (ونادوا يا مال ليقض علينا ربك.. - 77) بالترخيم، بعد ذكره ~~وجوها في ذلك: # (يجوز أن يكون إنما ذكر ذلك على وجه الحكاية لكلام الكفار وهم في أطوار ~~العذاب، لأنهم لشدة آلامهم وإطباق العذاب عليهم قد ضعفت قواهم وخفيت ~~أصواتهم وضعفوا عن تتميم اسم مالك عند ندائهم له ضعف أنفاس وخفوت أصوات، ~~فحكى سبحانه قولهم ذلك على وجهه) وكان يعلو به التغلغل في استنباط المعاني ~~والتولج إلى غامضاتها والغوص على قرارتها، إلى أن يورد مثل هذا الذي ربما ~~خدش به فضله، الذي لا مغمز فيه ولا مطعن عليه، ومع ذلك فهو في هذا العلم ~~السابق المسوم NoteV00P331N01 والأول المقدم والبحر الجموم NoteV00P331N02 ~~والدليل المأموم. # وقد كان بعض علماء الوقت خاوضني في ذلك، فقال في كلامه: # (ترى شيخنا ابا الفتح لم يسمع قول الله سبحانه في صفة الكفار المعذبين في ~~نار جهنم نعوذ بالله منها: (وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا # PageV00P331 # منها نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل)، والاصطراخ ضد ما توهمه من خوفت ~~أصواتهم وانقطاع أنفاسهم، ومن يمكنه رفع الصوت بالضجيج والصراخ الشديد لا ~~يمكنه (1) أن يتمم اسما في الندا، حتى ينقص ms193 منه ضعفا وقصورا وذبولا ~~وخفوتا). فحكيت هذا القول لأبي الفتح فقال: (وما ينكر من هذا؟ ألا تعلم أن ~~أهل النار ينتهي بهم العذاب إلى حد لا يبقى معه فضل في جسومهم ولا في ~~نفوسهم حتى تبدل جلودهم وتعاد قواهم، ليتكرر العذاب عليهم، كما ذكر تعالى ~~في كتابه فقال: # (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ..) (2)، فما ينكر ~~هذا المعترض من أن يكون ضعفهم عن تتميم الكلام في حال ذهاب القوى وتلاشي ~~النفوس، واصطراخهم وضجيجهم في حال إعادة القوى وتبديل الجلود (وهدء النفوس) ~~(3). وهذا لعمري قول! # أقول: ومن شجون هذا الكلام ما روي عن أبي عبيدة أنه سئل عن وجه هذه ~~القراءة وفي قوله تعالى: (ونادوا يا مال ليقض علينا ربك) فقال: (إن أهل ~~النار لفي شغل عن الترخيم). يؤمي بذلك إلى أن الترخيم من اتساعات الكلام ~~ومصارف اللسان، لا يكاد يستعمل إلا عند فراغ البال وطلب الانسان الأغراب في ~~الخطاب. وبعد فليس هو بأس ولا أصل (4)، وإنما هو نيف (5) وفضل، فالخطاب ~~الأعم الأكثر إنما يجب أن يكون بالأعراف الأظهر لا الأقل الأغمض. # PageV00P332 # ٧ - واما أبو علي فإنه يؤول قوله تعالى: (ولا يكتمون الله حديثا) على ~~وجهين: أحدهما، أنهم لا يكتمون الله تعالى في الآخرة أمرهم عند ظهور ~~الشهادات والامارات ونطق الأعضاء الصامتات، فلا بد مع ذلك من وقوع الاعتراف ~~والاقرار والتسليم والاذعان. والآخر، أنهم لا يكتمون الله تعالى أحوالهم في ~~الدنيا، بمعنى ان ذلك لا يتأتى لهم، لأنه تعالى المطلع على السرائر ~~والمستبطن للضمائر، فكان في هذا القول تحذير لهم من استعمال الرياء وإضمار ~~النفاق وابطان الأمور المنكرات، فان ذلك وإن صح كتمانه عن العباد فلا يصح ~~كتمانه عن رب العباد. # فإن كان قوله تعالى: (ولا يكتمون الله حديثا) داخلا في باب تمنيهم - على ~~قول من قال ذلك - فالمراد انهم تمنوا يوم القيامة ان يكونوا لم يكتموا الله ~~تعالى حديثا في الدنيا، لان في الآخرة لا يصح منهم كتمان حديثهم وقد أصحرت ~~السرائر وظهرت الضمائر، فلا وجه لتمني ذلك ms194 منهم. # فان قيل: إذا لم يجز أن يفعلوا في الآخرة القبيح فكيف يجوز منهم أن ~~يتمنوا ما لا يكون!. فجوابه: أن تمنيهم لما لا يكون لا يقبح منهم فلا يجب ~~ان يمنعوا منه بالالجاء لفعل القبيح، وربما كان التمني زائدا في الحسرة ~~ومضاعفا للغصة، وهذا كقوله تعالى: ﴿يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم ~~عذاب مقيم﴾ (1) لأن هذه الإرادة لا يكاد ينفعك منها من عركه البلاء ~~وعضته الضراء، فكذلك لا يكاد ينفك من مثل التمني المقدم ذكره. # PageV00P333 # فصل (لو تسوى بهم الأرض) يذكر فيه اختلاف العلماء في معنى قوله تعالى: ~~(لو تسوى بهم الأرض) واختلاف القراء في قراءة هذا الحرف. # فنقول: إن العلماء مختلفون في معنى ذلك، فقال بعضهم: إنما تمنوا البقاء ~~على ما كانوا عليه في قبورهم وانهم لم يبعثوا بعد موتهم، وإذا كانوا كذلك ~~فالأرض مستوية بهم، لأنهم إذا أخرجوا منها اختلفت أوصاف الأرض، فكانت مواضع ~~القبور منبوثة NoteV00P334N01، وباقي الأرض مستو على الحال المعهودة، ~~فتمنيهم لان تسوى بهم الأرض هو التمني لبقائهم فيها على حالهم. # وقال بعضهم: تمنوا أن يكونوا ترابا، فيختلطوا بتراب الأرض، حتى لا يفرق ~~بين الترابين، فيكونا مستويين، اي متساويين، والشاهد على ذلك قوله تعالى: ~~(ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا) (2) اي: مختلطا بأجزاء الأرض لم ابعث ~~ولم أعد. وقيل: # إن الكفار إنما يتمنون أن يكونوا ترابا عند مشاهدتهم ما يفعله الله في ~~البهائم: من تصيرها ترابا بعد إعادتها وتوفر الأعواض عليها، فيتمنون حينئذ ~~أن يكونوا منها، ليستريحوا من العذاب ويخلصوا من العقاب. # وقال بعضهم: إنما تمنوا ابتلاع الأرض لهم واخذها إياهم، # PageV00P334 # لتنقطع عنهم آلام العذاب، وذلك كما يقول القائل عند خجله أو وجله: # وددت أن الأرض ابتلعتني وأن موضعي منها ساخ بي ولم يكن ما خنته واتقيته. # وعندي في ذلك وجه آخر لم يمض بي لمن تقدم، وهو أنه يجوز أن يكون معنى ~~قوله: (لو تسوى بهم الأرض) انهم تمنوا إعادتهم إلى دار الدنيا وردهم ms195 إلى ~~الحال الأولى، فيكون معنى تسوية الأرض بهم إعادتها إلى حالهما وهيئتها، لان ~~بنية السماوات والأرض في يوم القيامة تنتقض وأوضاعها تتغير، ألا ترى إلى ~~قوله تعالى: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات..) NoteV00P335N0١ وما ~~يقوي ذلك أيضا ما ذكره الله تعالى عن الكفار في عدة آيات من تمنيهم الرجعة ~~ومسألتهم الكرة كقوله تعالى: (فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ~~ونكون من المؤمنين) وكقوله سبحانه: (قال رب ارجعوني لعلي أعمل صالحا فيما ~~تركت..) NoteV00P335N0٢، وكقوله تعالى: ﴿فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون﴾ (3) لي غير ذلك من ~~الآيات. # فأما اختلاف القراء في قراءة هذه الحرف، فان ابن كثير وعاصما وأبا عمرو ~~قرأوا (تسوى) مضمومة التاء خفيفة السين، وقرأ نافع وابن عامر (تسوى) مفتوحة ~~التاء مشددة السين، وقرأ حمزة والكسائي (تسوى) مفتوحة التاء مخففة السين ~~والواو ممالة مشددة. فمن قرأ # PageV00P335 # (تسوى) أراد تفعل من التسوية، والمعنى - كما قلنا أولا - أنهم تمنوا لو ~~يجعلون والأرض سواء، ومن هذا قوله تعالى: (بلى قادرين على أن نسوي بنانه) ~~NoteV00P336N01 على أحد التأويلين، اي (2): نجعلها صفحة واحدة لا ينفصل ~~بعضها عن بعض كخف البعير، فتعجز لذلك عما يستعان عليه بالبنان مباشرة ~~الاعمال اللطاف: كالكتابة والنساجة والبناء والصياغة ونحو ذلك، ومن أقسام ~~العرب المذكورة عنهم: (والذي شقهن خمسا من واحدة) يعنون البنان من الكف. # ومن قرأ (لو تسوى) بتشديد السين، فإنما أراد لو تتسوى، فأدغم التاء في ~~السين لقربها منها، وذلك مطاوع لو تسوى لأنك تقول: # سويته فتسوى. ولا ينبغي أن نكره اجتماع التشديدين ههنا لأنه قد جاء في ~~القرآن مثله، وذلك قوله تعالى: (اطيرنا بك وبمن معك..) NoteV00P336N03 ~~وقوله: (لعلهم يذكرون) NoteV00P336N04 ونحو ذلك. # وفي هذا الوجه ضرب من الأنساع، لان الفعل فيه قد أسند إلى الأرض، وليس ~~المراد انهم تمنوا لو تصير الأرض مثلهم فتسوي بهم، وإنما تمنوا أن يصيروا ~~مثلها فيستووا بها، وجاز NoteV00P336N05 ذلك، لأمان الالتباس وارتفاع ~~الايهام، كقولهم: ادخل فوه الحجر، وإنما المراد دخل الحجر فاه، ms196 ولكن قالوا ~~ذلك لزوال الالتباس. # PageV00P336 # وأما من قرأ (لو تسوى) خفيفة السين، فان معناه معنى الأول، وإنما حذف ~~التاء التي أدغمها من قرأ تسوى بتشديد السين، لأنها لما اعتلت بالادغام سهل ~~حذفها. وفي ما ذكرناه من الكلام على هذه المسألة بلاغ وكفاية بتوفيق الله ~~تعالى. # 4 - مسألة (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) ظاهر الآية الاقرار على السكر ~~والرضا به - الجواب عن ذلك - تسمية الشئ باسم الشئ المصاحب له وشاهده من ~~القرآن - ان هذه الآية منسوخة - المراد من السكر السكر من النوم - الصحيح ~~ان الآية منسوخة - حكم المسكر غير الخمر - رواية شرب ابن أبي ليلى النبيذ ~~عن علي (ع) وتكذيبها - قول قاضي القضاة ان السكران لا يكلف. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون.. الآية - 43) فقال: مفهوم هذا الخطاب ~~يقتضي تأخير الصلاة مع السكر، والاقرار على بلوغ حد السكر، وفي الاقرار ~~عليه دليل على الرضا، فلو لم تكن PageV00P337 # الحال كذلك لعقب سبحانه بالتعيير وأفصح بالنكير. # فالجواب: أن في ذلك أقوالا للعلماء. # 1 - منها، أن هذه الآية نزلت بسبب، وذلك أن جماعة من الصحابة اجتمعوا على ~~مأدبة، فأكلوا وشربوا الخمر - وهي إذ ذاك غير محرمة - وحضر وقت الصلاة، ~~فقدموا رجلا منهم ليؤم بهم، فقرأ (يا أيها الكافرون.. أعبد ما تعبدون..) ~~باسقاط أحرف الجحد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فساءه وبلغ منه، ~~ولم يبعد أن نزل الوحي بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون). # 2 - وقال بعضهم: المراد بذلك لا تقربوا موضع الصلاة وأنتم بهذه الصفة، ~~وموضع الصلاة المسجد، فحذف الموضع وأقام الصلاة مقامه، ومثل ذلك كثير في ~~التنزيل وكلام العرب. وله أيضا وجه آخر، وهو أن الشئ قد يسمى باسم الشئ إذا ~~كثرت مصاحبته له، فيكون تسمية المسجد صلاة، على هذا المعنى، لكثرة وقوع ~~الصلاة فيه ألا ترى إلى قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لهدمت صوامع ms197 وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا..) ~~NoteV00P338N01، وعامة المفسرين ان الصلاة ههنا يعني بها مصليات اليهود، ~~وسميت بذلك لكثرة صلاتهم فيها على الوجه الذي ذكرناه. # PageV00P338 # وإنما جعل ذلك خاصا لليهود من وجهين: أحدهما، أن ما يتفرد به المسلمون من ~~مواضع الصلاة قد ذكر وهو المساجد، وما يتفرد به النصارى قد عين أيضا وهو ~~البيع NoteV00P339N01 والصوامع، وبقي ما يخص اليهود وهم بقية أهل الكتاب، ~~فجعل ذلك خاصا لهم. والوجه الآخر، وهو أن اليهود كانوا يسمون موضع صلاتهم: ~~صلوتا NoteV00P339N02، ومرادهم به موضع الصلاة. وقد قرأ بعض القراء من ~~الشواذ ذلك على مثل لغتهم، وهو خطأ غير معتد به. فلما عرب ذلك وافتصل عن ~~أوضاع لغتهم، قيل: # صلوات، والمراد به مواضع الصلوات. وهذا القول أيضا مبني على أن هذه الآية ~~نزلت والخمر غير محرمة ثم حرمت من بعد. # 3 - وقال بعضهم: هذه الآية منسوخة بالآية التي في المائدة وهي قوله ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من ~~عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون 90)، وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة. # 4 - وقال الضحاك: المراد به السكر من النوم خاصة، لان النوم الغالب يجري ~~مجرى السكر في كثير من أحواله، لأنه يبطل أكثر عمل الجوارح فيعقل اللسان ~~الطليق ويحل العقد الوثيق، وينحل الأعضاء # PageV00P339 # السوية ويكدر الأذهان الصافية، ألا ترى ان العرب قد أكثرت في اشعارها من ~~تشبيه النوم بالسكر لاجتماعهما في الأوصاف التي ذكرناها، حتى سموا الركب ~~المدلجين نشاوى وسكارى، ووصفوا أعناقهم بالتمايل والتولي والاضطراب ~~والتثني، حتى قال شاعرهم (في ذلك) NoteV00P340N01: # وركب سروا حتى كأن رقابهم * من السكر في الظلماء خيطان خروع ~~NoteV00P340N02 فشبه أعناقهم لشدة تثنيها من السهر بعيدان الخروع، وهو: ~~النبت المعروف ويسمون أيضا كل نبت لين: خروعا، وإنما سمي خروعا لما فيه من ~~اللين والاسترخاء، والواو زائدة، وأصله الاسترخاء واللين، ومنه قولهم: ~~امرأة خريع، إذا كانت ناعمة الجسم، وقيل أيضا للمرأة الفاجرة ~~NoteV00P340N03: خريع، من هذا، لأنها تلين لكل جاذب وتنثني لكل قائد. ومما ms198 ~~قيل أيضا من الشعر في ذلك قول بعضهم: # كأن هامهم، والنوم واضعها * على المناكب، لم تعمد بأعناق ومنه قول ذي ~~الرمة في صفة ركب ادلجوا، فأثر فيهم السهر، وأحسن في التشبيه كل الاحسان: # بركب سروا حتى كأن اضطرابهم * على شعب الميس اضطراب الغدائر (4) ~~والغدائر: الذوائب. فقد شبهوا القوم المتمايلين من شدة السهر - كما ترى - ~~بتحرك الذوائب مرة، وشبهوهم أيضا بنوس القرطة (5) في الآذان # PageV00P340 # مرة، وبغير ذلك مما يطول الكلام باستقصاء ذكره. والشعر في هذا المعنى ~~أكثر من أن نحيط بأقطاره أو نجمعه من أطرافه. # ومما يقوى به قول من قال: (إن السكر ههنا من النوم لا من الخمر) أن النوم ~~والسكر من الشراب يرجعان إلى أصل واحد، وذلك الأصل هو السهو، وإنما تتغير ~~أسماؤه لاختلاف الأحوال به، فإذا قارن السهو استرخاء واستراحة سمي نوما، ~~وإن قارنه ضعف أو علة سمي إغماء، وإذا استمر بالإنسان مع استمرار الصحة سمي ~~جنونا، وإذا قارنه فتور ونشاط سمي سكرا، ولا يمتنع في المعاني أن تختلف ~~احكامها وأسماؤها لوقوعها على وجوه مختلفة وأنحاء مفترقة. # فان قال قائل: هلا قلتم: إن النوم هو استرخاء الجسم على وجه الاستراحة ~~إذا قارنه السهو! ولم (1) صرتم بأن تجعلوه اسما للسهو على الوجه الذي ~~قلتموه أولى (2) من أن تجعلوه اسما للاسترخاء على هذا الوجه؟. قيل له: إن ~~الحال في الاسترخاء تختلف على الجسم، ولا تختلف حاله في كونه نائما إذا حصل ~~فيه ما قلنا من السهو، ولو اختلفت حال السهو لم يوصف بذلك، فعلم أن النوم ~~هو السهو إذا كان على الصفة المذكورة، فصح أن المراد ههنا بالسكر هو غلبة ~~النوم على الانسان حتى يعقل لسانه وينقص بيانه، ولذلك قال تعالى: (حتى ~~تعلموا ما تقولون)، اي: حتى تزول عنكم أغباش (3) النعاس. وتتحققوا مخاريج ~~الكلام، إلا أن تسمية السكران من الشراب حقيقة، وتسمية # PageV00P341 # السكران من النوم مجاز وعلى طريق التشبيه بالسكران من الشراب، وحمل ~~الكلام على حقائقه أولى من حمله على مجازاته. # 5 - وقال بعضهم: السكران من الشراب لا تجوز صلاته، ms199 وهو الذي يزول عقله ~~حتى يصير في حد من لو كان كذلك من غير شراب لزال تكليفه. ومن علاماته أيضا ~~اختلاط كلامه حتى لا يدري ما يقول، فإن كان كلامه منتظما لا اختلاط فيه، ~~فليس بسكران، لأنه تعالى جعل أمارة زوال السكران يعلم الانسان ما يقول، ~~وإنما ذكر تعالى هذه العبارة ليعلمهم أن من صلى في مثل هذه الحال فصلاته ~~فاسدة وعليه الإعادة، وكما لا تجوز صلاته فكذلك لا تكون طاعة، إذ لو صح ~~كونها طاعة منه لصح ان يلزمه فرضها، ولا يجوز زوال تكليفه في الصلاة الا ~~وسائر التكاليف زائلة عنه. قال: وذلك يوجب ألا يجوز له طلاق ولا نكاح، وأن ~~يكون بمنزلة الصبي والمجنون، ولا يلزمه إن قذف حد، ولا يصح له شراء ولا ~~بيع، إلا أن الدية تلزمه إذا قتل كما يلزم النائم إذا انقلب على الشئ فكسره ~~أن يغرمه. وقد يجوز أن يكون هذا الخطاب غير متناول للسكران على حقيقته، ~~وإنما يتناول السكران الذي لم يبلغ إلى حد زوال التكليف عنه، بل هو في حكم ~~النشوان ومعه مسكة العقل وصحته وثميلة الرأي (1) وبقيته، وكأنه تعالى امرهم ~~ألا يقربوا الصلاة، وهم في الغاية القصوى من السكر وهي التي لا يحصل معها ~~الكلام ولا يصح الافهام، وقد يسمى الانسان سكرانا وإن لم يبلغ إلى ذلك الحد ~~مجازا وتقريبا، # PageV00P342 # فيكون الخطاب متوجها إلى من هذه صفته دون من تلك صفته. # 6 - وقال بعضهم: ويحتمل أن يكون المراد بذلك نهيهم عن التعرض لتناول ما ~~يسكرون منه، فيؤديهم ذلك إلى ترك الصلاة الواجبة عليهم، إذ قد جعل تعالى ~~فعلهم الصلاة مشروطا بألا يكونا سكارى غير مقيمين لكلامهم، ولا محصلين ~~لأمرهم، فكان محصول الكلام النهي عن السكر جملة، لان الصلاة إذا كانت واجبة ~~لا بد من فعلها، وكانت لا تفعل مع السكر الذي يفسدها، حصل في أيدينا من ذلك ~~النهي عن الحال التي يجوز لنا فعل الصلاة معها، لأننا متعبدون بفعل الصلاة ~~في أوقاتها، منهيون عن تركها عند وجوبها، فإذا قيل لنا: ms200 لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى، وقد علمنا أن هذا القول غير ناسخ لغرض الصلاة، علمنا في مضمون ~~هذا اللفظ النهي عما يوجب السكر عند أوقات الصلاة. # كما أنا لما نهينا عن فعل الصلاة مع الحدث بقوله تعالى: (إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم..) NoteV00P343N01، وبقوله تعالى: (ولا جنبا إلا ~~عابري سبيل حتى تغتسلوا..)، وبقول النبي صلى الله عليه وآله: # (لا يقبل الله صلاة من غير طهور)، كان ذلك نهيا عن ترك الطهارة، ولم يكن ~~نهيا عن فعل الصلاة، ولم يوجب كون الانسان جنبا أو محدثا سقوط فرض الصلاة ~~عنه، وإنما نهي عن فعلها على هذه الحال وهو مأمور مع ذلك بفعل الطهارة ليصح ~~له فعل الصلاة بعدها، فكذلك النهي عن # PageV00P343 # الصلاة في حال السكر إنما دل على حظر الشرب الذي يوجب السكر قبل الصلاة. # وليس لقائل أن يقول: (إن فحوى هذا الكلام يدل على نهيه تعالى عن السكر ~~قبل وقت الصلاة، حتى إذا حضر وقتها دخل المخاطب فيها وهو خال من السكر، ~~مباح له فيما عدا أوقات الصلاة). وذلك أن تحريم السكر عليه في كل حال مما ~~يعلم ضرورة من دين النبي صلى الله عليه وآله، وإنما أوقات الصلاة متقاربة، ~~فإذا كان منهيا عن دخوله في فعل كل صلاة وهو سكران مع تقارب أوقات الصلاة، ~~فهو منهي عن السكر جملة، لأنه إن سكر بعد صلاة الظهر لم ينتبه إلى صلاة ~~العصر في الأغلب إلا وهو سكران، لتقارب الوقتين، وكذلك حاله إن سكر بعد ~~الصلاة العصر ودخل في وقت المغرب، فعلم أن النهي عن السكر عام. # 7 - وقال بعضهم: إنما تضمن هذا النهي الدلالة على أن الصلاة تجب إعادتها ~~في حال الصحو إذا فعلت في حال السكر. فان قال قائل: # إذا حمل معنى هذه الآية على أن المراد السكران الذي لم يبلغ إلى حد يوجب ~~زوال التكليف عنه، فكيف يجوز أن يكون منهيا عن فعل الصلاة في هذه الحال، مع ~~اتفاق المسلمين على أنه مأمور بفعل الصلاة فيها!. # قيل له: يجوز ms201 أن يكون هذا النهي متوجها إلى الصلاة مع الرسول صلى الله ~~عليه وآله أو في الجماعة تعظيما للنبي، وتوقيرا للجماعة وتنزيها لها عن ~~معاينة السفه والخلاعة، وهذا قبل تحريم الخمر، فكأنه تعالى إنما نهاهم عن ~~حضور الجماعة أو الصلاة مع النبي صلى الله عليه وآله، وهم على تلك الحال من ~~PageV00P344 # السكر، وإن لم يكونوا قد بلغوا إلى حد زوال العقل. # وقال بعض العلماء: السكر سكران: أحدهما يكون مع زوال العقل. # والآخر هو أن يستحسن الانسان ما كان يستقبحه: من تصفيق يد أو تبذل في ~~مقعد إلى ما يجري هذا المجرى، وفيه بقية من التماسك والتحصيل ونهية ~~NoteV00P345N01 من الرأي الأصيل. # وعلى كل الأحوال، فالصحيح أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) ~~وبقوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير.. الآية) ~~NoteV00P345N02 وكل كبير محرم باجماع الأمة، فقد بان تحريم الخمر قليلها ~~وكثيرها بذلك، وتحريم السكر من كل شراب بقوله صلى الله عليه وآله: (حرمت ~~الخمرة بعينها والسكر من كل شراب) NoteV00P345N03. # ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في شرب غير الخمر من غير بلوغ حد السكر، ~~فإذا كان السكر محرما بالاجماع من الخمر وغيرها، فكل ما يسمى سكرا داخل تحت ~~ذلك، فإن كان القدر الذي ذكره صاحب هذا القول يقارنه بضع التماسك والوقار ~~من غير ذهاب العقل جملة، يسمى سكرا، فهو محرم أيضا، لان الألف واللام في ~~هذا الخبر لاستغراق الجنس، # PageV00P345 # فكل ما يسمى سكرا يدخل تحت ذلك. # وقد أقدم بعض الناقلين على رواية خبر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى يتعلق ~~بأمير المؤمنين علي (ع) في معنى السكر، لا يقدم على روايته غير طاعن عليه ~~ولا مشير إلى القدح فيه إلا من رق دينه وضعف يقينه، وقد ذكره أبو الحسن ~~الكرخي في كتاب الأشربة من مختصره وخرج له وجها يغطي بعض عواره (وقد قرأت ~~بعض هذا الكتاب أعني مختصر أبي الحسن علي القاضي أبي محمد عبد ms202 الله بن محمد ~~الأسدي الأكفاني، وأجاز لي رواية باقيه NoteV00P346N01، وكان سمعه من أبي ~~الحسن الكرخي، وقرأت على هذا القاضي أيضا قطعة من كتاب المزني في علم ~~الشافعي وأجاز لي رواية باقيه وطريقه في سماعه عال جدا لأنه يرويه عن أبيه ~~عن جده عن أبي إبراهيم المزني، وهو عراقي المذهب NoteV00P346N02، إلا أن ~~جده وأباه كانا على مذهب الشافعي على ما حكي لي). # حدثني القاضي أبو محمد، قال حدثنا أبو الحسن الكرخي، قال حدثنا عبد الله ~~بن الرازي، قال حدثنا أبو عبد الرحمن (يعني ابن عمار الفقيه)، قال حدثنا ~~أبو نعيم الفضل بن دكين، عن فطر بن خليفة عن عبد الأعلى الثعلبي ~~NoteV00P346N03، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: شربت عند علي بن أبي طالب ~~(ع) نبيذا فخرجت من عنده عند المغرب فأرسل معي قنبرا مولاه يهديني إلى ~~بيتي. # PageV00P346 # وقال أبو الحسن عقيب ذلك: فنضع الامر على أنه لم يقصد به إلى هذه الحال ~~فآلت حاله إلى هذا المعنى بشئ عرض له من هواء أو غيره. # وأقول: إن هذا الخبر واهن القاعدة NoteV00P347N01 مضطرب الرواية، لان بعض ~~ناقليه منهم علي أمير المؤمنين (ع) NoteV00P347N02، ولان المعلوم الظاهر # PageV00P347 # والمنقول المتداول ان أمير المؤمنين والأخيار من ولده (ع) لم يزنوا ~~NoteV00P348N01 قط بمثل هذه الفعلة ولا عرفوا بهذه الخلة. ولو حكي مثل ما ~~أفصح عنه هذا الخبر: من خروج السكارى المعلومين والذين قد غمرت عقولهم ~~وتهافتت قواهم، حتى احتاجوا إلى أن يدلوا على منازلهم ويصحبوا في مذاهبهم، ~~عن دار بعض السفهاء المعروفين بقلة التماسك وكثرة التهالك - لكان كافيا في ~~الذم ومقنعا في العار والعيب، وقد نزه الله سبحانه عن هذا المقام زاهد ~~الزهاد وبدل الابدال وتابع كل فضيلة وخالع كل رذيلة NoteV00P348N02. # PageV00P348 # وقال قاضي القضاة أبو الحسن: ظاهر هذا الكلام نهي للسكران عن أن يقرب ~~الصلاة، ومعلوم أن السكران لا يجوز أن يؤمر وينهى، فيجب أن يكون المراد ~~خلاف الظاهر. فان قيل: ومن أين أن السكران لا يجوز أن يؤمر وينهى؟ ms203 قيل: لان ~~عقله مختل مضطرب، فكما لو حصل بهذه الصفة لا عن شرب مسكر لم يجز أن يكلف، ~~فكذلك إذا كان عن شرب المسكر، لان كل صفة تمنع من التكليف متى وجدت، قبح ~~التكليف من أي وجه وجدت تلك الصفة. # فليس لقائل أن يقول: هو الجاني على نفسه والمزيل لعقله، فيجب أن يحسن ~~تكليفه لان ما ذكرناه مانع من ذلك، ولا فرق بين من زال عقله لا من جهته ~~وبين من زال عقله من جهته، في قبح تكليفه ومؤاخذته بذنوبه، ولأن هذه العلة ~~توجب في القاطع رجل نفسه جانيا عليها أن يحسن تكليفه القيام، وفي الفاعل ~~مثل ذلك بلسانه أن يحسن تكليفه الكلام، وإن لم يحسن ذلك فيه إذا كان بطلان ~~التي كلامه وقيامه من فعل غيره. # ومتى قيل: فإذا لم يجز تكليف السكران فيجب ألا يؤاخذ بجناياته: # من قتل وإتلاف ومن طلاق وظهار، ولا يجوز شراؤه وبيعه وعقده وحله. قيل: إن ~~كثيرا من العلماء يذهبون إلى ذلك فيجعلون قول السكران كقول المجنون والنائم ~~في العقود والايقاعات، ويجعلون قتله كقتل الصبي في اسقاط القود عنه. فاما ~~لزوم الغرم في المال فمما لا يتعلق PageV00P349 # بكمال العقل، وإذا كان الامر كذلك فالسكر لا يمنع منه. فان قيل: # إذا كان نفس السكر يوجب الحد فكيف يجوز ألا يكون السكران مؤاخذا مكلفا!. ~~قيل: إن المحصل من العلماء لا يقول بذلك، بل يقول: إنما يلزمه الحد يأخذ ما ~~يسكر إذا شربه والعقل ثابت، لان ذلك من فعله (و 1) محرم عليه، فيجوز أن ~~يؤاخذ به، وليس كذلك السكر، لأنه ليس من قبله NoteV00P350N02 فلا يجوز ان ~~يحد عليه. فان قيل: فمن أين قلتم أن السكر ليس من قبله NoteV00P350N02؟ ~~قيل: لأنه غير واقع بحسب دواعيه واختياره ولذلك قد يريد أن يسكر بالقليل ~~فيتعذر عليه وألا يسكر بالكثير فلا يتم ذلك له، ويجب أيضا إزالة السكر ~~ومراجعة الصحو فلا يتمكن من ذلك. وبعد فمعلوم ان من شرط التكليف كمال العقل ~~فإذا لم يحصل ذلك مع السكر فلا ms204 تكليف، كما إذا زال عقله بشرب بعض الأدوية ~~يجب الا يكون مكلفا. فان قيل: فإذا لم يصح خطاب السكران فما معنى الآية؟ ~~فقيل: انه تعالى خاطب المؤمنين وهم على غير حال السكر فالمعنى: (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة في المستقبل وأنتم سكارى) وإذا كان الامر ~~كذلك وجب إن يكون الخطاب منعا مما يؤدي إلى السكر. وفي ما ذكرناه من الكلام ~~على هذه المسألة كفاية بحمد الله. # PageV00P350 # 5 - مسألة (من قبل أن نطمس وجوها) الشبهة في الآية - الجواب عن ذلك - ~~معنى إيتاء الكتاب من وراء الظهر وبالشمال - معنى اللعن في الشريعة - رأي ~~المؤلف في أن معنى الوجوه ههنا الأعيان والذوات - انتقال الخطاب في الآية ~~من المواجهة إلى الغيبة. # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما ~~نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم ~~كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا 47)، فقال: هذا القول وعيد لهم ~~على ترك الايمان والمقام على الضلال، وقد وجدنا أهل الكتاب مستمرين في ~~الكفر على طريقتهم ومتبعين سنن عاداتهم، ولم يكن ما توعدوا به من طمس ~~وجوههم وتغير خلقهم! # فالجواب: ان في ذلك أقوالا للعلماء: # 1 - منها، أن جماعة من أهل الكتاب الذين خوطبوا بهذا الخطاب آمنوا طوعا ~~ودخلوا في الاسلام اختيارا: منهم عبد الله بن سلام وثعلبة ابن سعية ~~NoteV00P351N01 وأسد بن عبيد ومخيريق NoteV00P351N02 وغيرهم، وأسلم كعب # PageV00P351 # الأحبار في أيام عمر بن الخطاب لما قرعت هذه الآية سمعه خوفا من صحة ~~مخبرها وتحقيق أمرها NoteV00P352N01، ومثل ذلك روي عن عبد الله بن سلام أنه ~~لما قدم من الشام أتى النبي صلى الله عليه وآله فأسلم قبل أن يأتي أهله، ~~وقال: # يا رسول الله ما كنت أرى اني أصل إليك عند سماعي هذه الآية حتى يحول ~~وجهي. # 2 - وقول آخر، وهو المروي عن ابن عباس، قال: المراد بذلك من قبل أن نطمس ~~الوجوه عن بصائر الهدى فنردها على ادبارها، أي: في ms205 ضلالتها، ويكون ذلك ~~بالحكم والتسمية والخذلان بعد المعصية، ويجعل سبحانه هذا من قبيل العقوبة ~~لهم، كما تقدم من كلامنا في باب الضلال والاضلال. # 3 - وقول آخر، قال بعضهم: إن الوعيد بطمس الوجوه على سبيل العقوبة ورد ~~مشروطا بإقامة جميعهم على الكفر، فلما آمن بعضهم سقط هذا الوعيد عنهم، ألا ~~ترى إلى قوله تعالى. (فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه..) NoteV00P352N02 4 ~~- وقال بعضهم: ليس في الآية أنه ينزل بهم هذه العقوبة في الدنيا، وإنما ~~فيها أنه يفعل بهم هذا إن لم يؤمنوا، ويجوز أن يكون ذلك في الآخرة ويكون من ~~قبيل ما يزاد NoteV00P352N03 به الكفار في يوم القيامة خزاية ومثلة، ~~ويزدادون معه ندما وحسرة، ومما يبين ذلك NoteV00P352N04 # PageV00P352 # أنه تعالى قال: (آمنوا من قبل أن ينزل بكم هذا العقاب)، ومعلوم أن سائر ~~الأوقات التي يبقون فيها على تكليفهم داخل تحت هذه اللفظة التي هي (قبل)، ~~ومعلوم في جميع عمرهم انه وقت للايمان، فجاز من هذا الوجه أن يكون الوعيد ~~بالطمس متأخرا عن حال الدنيا. # 5 - وقال بعضهم: معنى طمس الوجوه هو إزالة رسومها وتنكير معارفها، وهو ~~معنى قوله: (فنردها على أدبارها)، أي: نشبه الوجوه في محو الأسارير وإزالة ~~التخاطيط بأقفائها، فقوله تعالى: (فنردها على أدبارها) تفسير لطمس الوجوه. ~~وهذا المعنى - والله أعلم - هو المراد بقوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه ~~وراء ظهره) NoteV00P353N01 فان الوجوه إذا جعلت اقفاء كان إيتاء الانسان ~~كتابه من وراء ظهره، على الحقيقة، ومن حيث يكون وجهه وفيه لسانه وطرفه، ~~لأنه إنما ينظر إلى كتابه بعينه ويقرأ مضمونه بلسانه، وذلك كله في وجهه. ~~وهذا أحد العذابين اللذين أوعد بهما الله تعالى فيكون وقوع الطمس على الوجه ~~المذكور في الآخرة، ويكون المقدم في الدنيا هو اللعن لهم NoteV00P353N02 ~~وإلحاق الذم بهم، كما قال تعالى: (أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت). والى ~~هذا المعنى قصد أبو مسلم بن بحر في الكلام على هذه الآية، وكنت أظن أنه من ~~اختراعاته حتى مضى بي لأبي العباس المبرد، ms206 وقد زاد فيه أن قال: # PageV00P353 # وتغير شمائلهم فيعطون بها كتبهم، فيكون ذلك هو المراد بقوله تعالى: # (وأما من أوتي كتابه بشماله..) NoteV00P354N01، لان الوجه إذا قلب صارت ~~الشمال مكان اليمين واليمين مكان الشمال، فسمي الشمال باسمها الذي كان لها ~~قبل قلب الوجه، وإن كانت في تلك الحال بمنزلة اليمين للمرء. # 6 - وقال بعضهم: المعنى: نمحو آثار الوجوه ونجعل العيون في الانيئاء ~~فيمشون القهقري، فهو معنى قوله تعالى (فنردها على ادبارها). # 7 - وقال بعضهم: معنى (أن نطمس وجوها) أي: نجعل الوجوه منابت الشعر كوجوه ~~القردة والخنازير، وبيان هذا قوله تعالى: # (من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير..) NoteV00P354N02 ~~أي: صيرهم لاشتباه وجوههم بوجوه هذين الجنسين كأنهم منهما، لا انهم صاروا ~~على الحقيقة قرودا وخنازير. # 8 - وقال بعضهم: إنما قال سبحانه: (آمنوا من قبل أن نطمس وجوها أو ~~نلعنهم)، ومعنى ذلك افعلوا الايمان من قبل أن يكون أحد هذين الامرين وقد ~~كان أحدهما، وهو اللعن. وهذا للفظ - أعني اللعن - وإن كان أصله في اللغة ~~الطرد والابعاد، فإنها NoteV00P354N03 من الأسماء المنقولة عن أصولها في ~~الشريعة، فقد صارت الآن اسما لمجموع أشياء منها العقوبة والإهانة والخذلان ~~والبراءة، فيكون المستحق للعن مخصوصا بذلك في حياته ثم يتبعه لسان الذم بعد ~~وفاته. # PageV00P354 # فان قال قائل: إن اللعن قد كان مخصوصا بهم قبل نزول هذه الآية والوعيد ~~على الفعل لا بد من أن يتضمن أمرا مجددا. قيل له: إن لعنة الله تعالى لهم ~~من بعد ظهور هذا الوعيد يكون أزيد تأثيرا في خزيهم وأبلغ في ألم قلوبهم، ~~فتكون الزيادة في ذلك هي المتجددة وهي الفائدة المرادة. # 9 - وقال بعضهم: الوجوه ههنا استعارة وتمثيل، والمعنى من قبل أن نضلهم عن ~~طرق الثواب جزاء لما هم عليه من الكفر والعناد، وهذا كما يقول القائل: إن ~~فلانا رد وجهي عن حاجتي وصرف وجهي دون بغيتي، وليس هناك على الحقيقة وجه ~~يصرف ولا يد تصرف، وإنما المراد أنه رده عن طلبته وحال بينه وبين بغيته. # 10 - ويجوز عندي ms207 في ذلك وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالوجوه ههنا غير ~~هذه الأبعاض المخصوصة، بل تكون محمولة على معنيين: أحدهما، أن يكون المراد ~~بها أماثل القوم ورؤساءهم كما يقال: هؤلاء وجوه القوم، أي: المعتمد عليهم ~~من بينهم والمنظور إليهم من جميعهم. والمعنى: من قبل أن نهلك رؤساءكم ~~ومتقدمي دينكم أو نلعنهم، وإنما جاء تعالى بلفظ الطمس كناية عن الاهلاك، ~~لأنه أشبه بذكر الوجوه من لفظ الاهلاك. وهذا من الاغراق في منازع الفصاحة، ~~والاحكام لمعاقد البلاغة. ومما يكشف عن ذلك قوله تعالى بعد ذكر الوجوه: (أو ~~نلعنهم)، ولو حمل الكلام على ظاهره لكان (أو نلعنها)، فقوي أن المراد ~~بالوجوه ما ذكرنا. وقوله تعالى: PageV00P355 # (فنردها على ادبارها) اي: نركسها ونرديها، وعلى ذلك قوله تعالى: # ﴿أما فإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا..﴾ (1) وقوله سبحانه: ~~(ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله..) (2)، والمراد الارتكاس في الغي ~~والرجوع عن الرشد، ولفظ الاعقاب مجاز، وليس هناك على الحقيقة أقدام ترجع ~~على أعقابها، ولا وجوه ترد على أدبارها. # والمعنى الآخر، أن يكون المراد بالوجوه ههنا الأعيان والذوات، لا الأعضاء ~~والأبعاض، كما يقال: هذا وجه الامر وهذا وجه الرأي، والمراد به نفس الشئ ~~المؤمى إليه، فيكون المعنى أيضا قريبا مما قلناه في الوجه المتقدم، أي: ~~آمنوا من قبل أن نهلك أعيانكم وذواتكم ونركسكم على أدباركم. وإنما عبر ~~تعالى بالطمس عن الاهلاك والاركاس، لما جاء بلفظ الوجوه، إزواجا للكلام ~~وجريا على سنن عادات أهل اللسان، كما قلنا في الوجه الأول، ومما يشهد لذلك ~~تأويلنا قوله تعالى: # (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) NoteV00P356N03 على أن المراد به ~~الجمل والذوات، لا الأبعاض المخصوصات، لأن هذه الصفة تليق بجملتهم لا ~~لأبعاضهم، لان البعض NoteV00P356N04 لا يكون ناظرا، كما لا يكون فاعلا ~~ويزيد ذلك بيانا قوله تعالى من بعد: (ووجوه يومئذ باسرة 24 تظن أن يفعل بها ~~فاقرة 25) فعلق سبحانه بها الظن الذي لا يليق إلا بالجملة ms208 # PageV00P356 # العالمة، فعلمنا أن المراد بذلك الأعيان والذوات دون غيرها، وعلى هذا ~~الوجه قال تعالى: (وجوه يومئذ ناعمة. لسعيها راضية) NoteV00P357N0١ فنبه ~~سبحانه بذكر رضا السعي على أن المراد بهذا الكلام ذوات الناس دون الأبعاض ~~التي هي الوجوه على الحقيقة، لان الامر لو لم يكن كذلك لكان إضافة السعي ~~إلى الاقدام أولى من اضافته إلى الوجوه. وهذا نبين ولله المنة!. # فان قيل: كيف انتقل الخطاب من المواجهة إلى الغيبة، فقال سبحانه: (يا ~~أيها الذين أوتوا الكتاب)، ثم قال: (أو نلعنهم). # قيل: في ذلك ثلاثة أجوبة: # أحدها، أن يكون الكلام على مثال قوله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة..﴾ (2)، ~~وذلك مما يرد في كلام العرب واشعارها. فتعرف به قدرتها على التصرف في أقطار ~~الكلام، والتفسح في أعطان الخطاب، فتارة يكون مواجهة لأنه أبلغ في ~~المخاطبة، وتارة يكنى عن المخاطبين كما يكنى عن الغائبين، لان ذلك أشد ~~تصرفا وأغرب طريقة ومذهبا، وعلى ذلك قول الشاعر (3): # يا لهف نفسي كان جدة خالد * وبياض وجهك للتراب الأعفر فانتقل من الغيبة ~~إلى المواجهة شجاعة في البلاغة وإبعادا في مسالك الفصاحة والجواب الثاني، ~~أن يكون الضمير عائدا على أصحاب الوجوه، # PageV00P357 # فإنهم بمنزلة المذكورين وإن لم يذكروا. # والجواب الثالث، أن يكون الضمير عائدا على الوجوه الذين هم أماثل أهل ~~الكتاب ورؤساؤهم، كما قلنا فيما تقدم، فيكون تلخيص الكلام: # (آمنوا من قبل أن نهلك أمثالكم ورؤساءكم أو نلعنهم كما لعنا أصحاب ~~السبت). وذلك واضح بحمد الله. # فصل (وكان امر الله مفعولا) واما قوله تعالى في آخر هذه الآية: (وكان أمر ~~الله مفعولا)، فالمراد به ما يريده تعالى من أفعال نفسه، فان ذلك واقع لا ~~محالة، لا يحجزه حاجز ولا يلفته لافت، فأما ما يريده سبحانه من أفعال خلقه، ~~فيجوز ان يقع ويجوز ألا يقع، لأنهم ممكنون من الفعل والترك لايجاب الحجة ~~وإزاحة العلة. # ووجه آخر، وهو أن يكون المراد بذلك ما يلزمه تعالى عباده من طريق الاجبار ~~والاضطرار، لا من ms209 طريق الفسحة والاختيار، وذلك واقع بغير مانع، وكائن بغير ~~دافع: كاعلال الأجسام وقبض الأرواح وقلب الأرضين وارسال الحجارة على ~~المعاقبين ومسخ الخلق وإنزال النقم. PageV00P358 # ووجه آخر، وهو أن يكون المراد بذلك ما يرسل به تعالى الملائكة: من عقوبات ~~الأمم وتحمل الوحي إلى الرسل، إذ كانت الملائكة لا يعصون أمره، ولا يخالفون ~~حكمه مباينين بذلك سائر من خلقه، لقوله تعالى فيهم: (لا يعصون الله ما ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) NoteV00P359N01، فأخبر تعالى عن علمه بهم وعن ~~وجوه NoteV00P359N02 كل ما يأمرهم بفعله، خلاف غيرهم. # ووجه آخر، وهو أن يكون المراد بذلك أن كل امر من أموره تعالى: من مخبرات ~~الاخبار ووعد الأبرار ووعيد الفساق والكفار، على ما أخبر به تعالى. # ووجه آخر، قيل: (إن معنى ذلك وكان مأمور الله مفعولا اي: الذي يأمره ~~بقوله: (كن) فيكون. ونظير كون الامر ههنا بمعنى المأمور كون العلم في موضع ~~آخر بمعنى المعلوم). وهذا الوجه ضعيف فاسد، وذلك انا لا نقول إن الله تعالى ~~يخاطب ما يريد خلقه بقوله تعالى: (كن)، لأنه في تلك الحال معدوم والمعدوم ~~لا يخاطب، وإنما قال تعالى ذلك على طريق المجاز دالا به على سرعة خلقه ~~للأشياء من غير إبطاء بخلقها ولا استعمال للروية فيها، ومذهب أهل اللسان في ~~مثل ذلك معلوم، وما قيل من الاشعار فيه معروف مشهور، وقد تقدم في كتابنا ~~هذا من ذكر ذلك ما فيه غنى ومقنع. # ومما يبين ما ذكرنا، أن الامر غير المأمور به، (فان امر) NoteV00P359N03 # PageV00P359 # الله تعالى فعله والمأمور به فعل المأمور، لان الله سبحانه قد أمر عباده ~~بطاعته وأشفاهم NoteV00P360N01 إلى عبادته بقوله تعالى: آمنوا، واسلموا، ~~وصلوا، وصوموا، وما يجرى هذا المجرى، وهذا مما لا يجوز أن يفعله تعالى، لان ~~الطاعة فعل الطائع والخضوع فعل الخاضع والصلاة فعل المصلي والزكاة فعل ~~المزكي، ولا يجوز أن يكون الامر ههنا بمعنى المأمور، لأنه ليس كل ما امر به ~~تعالى لا على سبيل الاجبار والاضطرار، يكون واقعا لا محالة. # فالصحيح أن المراد بأمره تعالى ms210 ههنا ما توعد به من عقوبة أهل الكتاب إن ~~لم يؤمنوا، لان ذلك ورد عقيب قوله تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب ~~آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على ادبارها ~~أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت) ثم قال تعالى: (وكان أمر الله مفعولا)، ~~أي: امره النازل بهذه العقوبة واقع لا يدفعه دافع ولا يصرفه صارف إذا شاء ~~الله تعالى ذلك. وفيما ذكرناه من الكلام على هذه المسألة كفاية وبلاغ ~~بتوفيق الله. # PageV00P360 # 6 - مسألة (ويغفر ما دون ذلك) شبهة المرجئة في الآية - الجواب عنها - ~~مقارنة هذه الآية بالآية المبينة لها في سورة واحدة - الوجوه التي استدل ~~بها المرجئة - استقصاء الجواب عنها - كلام ابن بحر في المقام - رواية عن ~~الصادق (ع) في معنى (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون). # ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما 48)، فقال: ظاهر هذه ~~الآية يدل على خلاف قولكم في وعيد الفساق ومرتكبي الكبائر مع الاصرار، ~~لأنها تدل على أنه تعالى يغفر ما دون الشرك والكبائر كلها داخلة فيما دون ~~الشرك، فما تأويلكم في ذلك؟. # فالجواب: أن هذه الآية قد استقصى الأجوبة عنها شيوخ أهل العدل في كتبهم، ~~عند الكلام المتعلق بالوعيد، لأنها من أقوى الأطراف التي تتشبث بها ~~مخالفوهم من المرجئة، إلا أنا نذكر ههنا طرفا من الكلام عليها، يكون قليله ~~دليلا على الكثير، ووجيزه كافيا من القول PageV00P361 # المبسوط، بمشيئة الله فنقول: # إنه لا حجة للقائلين بالارجاء في هذه الآية، لان الامر لو كان على ما ~~ظنوه من الغفران لأهل الكبائر الذين يموتون غير مقلعين، ولا نادمين بل ~~مصرين متتابعين، لكان وجه القول أن يكون. ويغفر ما دون ذلك إن شاء)، فأما ~~وهو تعالى يقول: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، فقد وجب انه تعالى يغفر ~~لبعضهم وهم الذين يشاء ان يغفر لهم، ودل ذلك على أن ممن يرتكب ما ms211 دون الشرك ~~من لا يشاء ان يغفر له، فلما دلت الآية على أنه سبحانه يغفر لبعض من يرتكب ~~ما دون الشرك ولا يغفر لبعضهم، علمنا أنه لا يجوز في حكمته وعدله أن يكون ~~البعض الذين يغفر لهم أهل الكبائر، والبعض الذين لا يغفر لهم أهل الصغائر، ~~أو أن يغفر لعبد ويعذب عبدا، والذنبان متساويان وهما في المعصية سيان، لان ~~هذا هو معنى المحاباة التي يتعالى سبحانه عن فعلها، إذ لا هوادة ~~NoteV00P362N01 بينه وبين أحد ولا علاقة قرابة ولا نسب، ولا تدركه الرقة ~~ولا تميل به الشفقة، لان جميع ذلك من صفات الأجسام المصنوعة، ودلائل ~~الأعيان المخترعة وهو تعالى خالق الخلق ومنشئ الكل. # فإذا كان الامر على ما ذكرنا فقد صح أن البعض NoteV00P362N02 الذي لا ~~يشاء # PageV00P362 # أن يغفر لهم ممن أتى ما دون الشرك، هم أهل الكبائر الذين ماتوا على جهة ~~الاصرار وذهبوا عن الندم والاقلاع، وأن بالعض الذي يشاء تعالى أن يغفر لهم ~~هم أهل الصغائر ومن مات تائبا من أهل الكبائر. # وروي ان الحسن بن أبي الحسن سأله رجل فقال: ما تقول فيمن قتل مؤمنا ~~متعمدا؟. قال: أقول فيه ما قال الله ثم لا أقول بخلافه حتى ألقى الله: (من ~~قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها .. الآية) NoteV00P363N01. قال ~~السائل: فأين قوله تعالى: (ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء)؟ فقال الحسن: أوما بين تعالى مشيئته حيث يقول: (إن تجتنبوا كبائر ~~ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) NoteV00P363N02! # وأقول: إنه من الحكمة العجيبة واللطائف الشريفة إجراء هذه الآية مع الآية ~~التي قبلها في مضمار واحد، وذلك أن الآيتين اللتين إحداهما مبهمة وهي ~~الأولة والأخرى مبينة وهي الثانية، جمعا في هذه السورة، وإنما فعل تعالى ~~ذلك - والله أعلم - لئلا تبعد المسافة بين القول المبهم والقول الموضح، ~~والكلام المجمل والكلام المبين، ولا يخرج التالي من هذه السورة إلا وقد ~~نقعت غلته وأزاحت علته، فكانت هي المبهمة وهي المبينة، وهي ms212 المجملة وهي ~~المفصلة، ولم يجعل تعالى هذه الآية التي هي بيان الآية الأخرى في غير هذه ~~السورة، فيتطوح NoteV00P363N03 طلب # PageV00P363 # الطالب ويتوانى NoteV00P364N01 كدح المرتاد الباحث، إلى أن يجد ما يجلو ~~غمته ويحل شبهته، بعد امتحان الآي الطويلة، وتقري NoteV00P364N02 السور ~~الكثيرة. # ذلك تقدير العزيز العليم!. # ونحن نزيد الكلام على هذه الآية وضوحا بأن نذكر من كم وجه تعلق المخالفون ~~بها واعتمدوا عليها، ونفسد NoteV00P364N03 تلك الوجوه بأجمعها، ليكون ~~الكلام أجلى وجها والفائدة أكثر توجها، لان الغرض بما نذكر من ذلك أن تخرج ~~هذه الآية من أن يكون للمخالفين بها تعلق أو عليها معول، لا أن ندعي أنها ~~دلالة لنا وشاهدة بصحة قولنا، لأن هذه الآية من أقوى ما اعتمد القوم عليه ~~وتعلقوا به، فنقول: # 1 - إنهم قالوا: قد بين تعالى أن ما دون الشرك يغفره لمن يشاء، وذلك يوجب ~~أن لا أحد منهم إلا وجائز أن يغفر سبحانه له من غير اختصاص. وكذلك نقول في ~~عصاة أهل الصلاة لأنا نرجئ أمرهم إلى الله تعالى، ونجوز ان يتفضل عليهم ~~بالعفو وان يعاقبهم بالذنب. قالوا: # ومتى حمل ذلك على الصغائر لم يصح، لان فيه تخصيص قوله: (ما دون ذلك لمن ~~يشاء) لأنه عام في كل ما عدا الشرك، فحمله على بعضه غير مستقيم. # 2 - وربما تعلقوا بذلك من وجه آخر، فقالوا: قد علمنا أنه سبحانه لم يرد ~~بقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) على كل حال، # PageV00P364 # لأنهم عند استقبال التوبة ومحو الحوبة يجب ان يغفر لهم، فالمراد إذن أن ~~الله لا يغفر أن يشرك به تفضلا، فإذا كان ذلك هو المراد فيما بني عليه يجب ~~أن يكون مشروطا فيه، فكأنه تعالى قال: يغفر ما دون ذلك لمن يشاء تفضلا، ~~وذلك يوجب أن يكون المراد به الكبائر، لان الصغائر يجب أن تكون مغفورة ~~بالاستحقاق NoteV00P365N01 لا بالتفضل. # 3 - وربما تعلقوا بذلك من وجه آخر، فقالوا: لا يحسن من الحكيم أن يتمدح ~~بأنه لا يتفضل بأمر، لكنه بفعل الواجب الذي لا ms213 بد في الحكمة أن يفعله، ~~فقوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) مقرون بأنه يغفر ذلك مع التوبة، ~~فكأنه تعالى قال: إنه لا يغفر ذلك تفضلا لعظمه وإن غفره بالتوبة، فلا يصح ~~أن يعقب ذلك بأن يقول: ويغفر الصغائر باستحقاق، مع أنه يغفر الكبائر ~~باستحقاق أيضا، فحق الكلام أن يكون المراد به: ويغفر ما دون ذلك تفضلا من ~~غير استحقاق. # 4 - وربما تعلقوا بذلك من وجه آخر، وهو ان يقولوا: # إنه تعالى قال: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، فأضاف الغفران إليه وأضافه ~~إلى مشيئته، والواجب المستحق لا يصح ذلك فيه، لان الصغيرة مغفورة في نفسها ~~لا تقع إضافة غفرانها إلى أحد، ولا يتعلق بمشيئة أحد. # فهذه الوجوه من أوجه ما يمكن ان يتعلق به في ذلك، ونحن بمشيئة # PageV00P365 # الله نورد الأجوبة عن جميع الفصول التي تعلق بها، ومن الله نستمد التوفيق ~~والتسديد بمنه ولطفه، فنقول: # إن قوله تبارك اسمه: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء) مجمل غير مبين، ومبهم غير ملخص NoteV00P366N01، لأنه تعالى علقه ~~بالمشيئة NoteV00P366N02 على وجه يقتضي ظاهره أنه لا يغفر كل ما دون ذلك، ~~وإنما يغفر بعضه دون بعض، لأن الظاهر يقتضي ما أومأنا إليه، فصار الكلام من ~~هذا الوجه في حكم المجمل، لأنه لا يدل على أمر بعينه، ولأنه لا معصية دون ~~الكفر إلا ويجوز أن تكون مما يشاء غفرانه، ويجوز أن تكون مما لا يشاء ~~غفرانه، وكما يحتمل أن يكون المراد بذلك الكبائر يحتمل ان يراد به الصغائر ~~أو بعض كل واحد منهما، وما هذه حاله يجب الا يكون دلالة على موضع يقع فيه ~~التنازع، ومنزلته في ذلك منزلة ما تقرر في العقول قبل الشرع: من أن هذه ~~المعاصي يجوز من الله تعالى غفران بعضها دون بعض، وعلى هذا الوجه أجاب ~~الحسن من سأله عن هذه الآية بما قدمنا ذكره، وفي بعض الأخبار أنه قال ~~للسائل: يا لكع! أما بين الله مشيئته بقوله: # (إن ms214 تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)!، فبنى تلك الآية ~~لاجمالها NoteV00P366N03 على هذه الآية لبيانها، وجعل الآيتين كأن إحداهما ~~موصولة بالأخرى، فكأنه تعالى قال: ويغفر ما دون ذلك من # PageV00P366 # السيئات لمن اجتنب الكبائر. # فان قيل: فيجب ألا يكون في الكلام فائدة إذا كان لا يعلم به إلا ما كان ~~مقررا في العقل NoteV00P367N01 من قبله. قلنا: ليس الامر كذلك، لأنه قد كان ~~يجوز في العقل الا يكون في المعاصي ما يغفر البتة، وإنما يعلم ذلك بهذه ~~الآية، لأنها قد دلت على أن فيها ما يغفر وإن كان لا يغفر إلا بالاستحقاق. # وبعد، فان ذلك يدل على أنه تعالى قادر على الغفران، ويصح ذلك منه، وأنه ~~يشاء غفران بعض الذنوب، وذلك بمنزلة قوله تعالى: # (إن الله على كل شئ قدير)، في أنه لا يفعل كلما يقدر عليه مما تمنع ~~الحكمة منه. وبعد، فإذا علم تعالى أن الصلاح للمكلف ان يتوقف في هذه الآية ~~عند ورودها، ويجوز الغفران في بعض المعاصي دون بعض، لم يمتنع ان يخاطب بها ~~لهذا الغرض الراجع إلى مصلحة المكلف. # على أنه قد ثبت أن المشيئة إذا دخلت في الكلام الذي يدل ظاهره على الامر ~~المراد، أوجبت التوقف، ولذلك أمرنا تعالى على طريق التأديب لنا فيما نخبر ~~به عن المستقبل من أفعالنا ان نقيده بمشيئة الله سبحانه; فإذا صح ذلك فيجب ~~NoteV00P367N02 أن يكون دخول مشيئته في هذا الكلام يقتضي التوقف، وفي ذلك ~~إبطال تعلقهم بظاهر الخطاب، وإنما كان يصح تعلقهم به لو قال: (ويغفر ما دون ~~ذلك)، مطلقا، فأما إذا قال: (لمن يشاء) فالتعلق به لا يصح. على أنه لو قال: ~~(ويغفر ما دون ذلك)، # PageV00P367 # مطلقا من غير تقييد بالمشيئة، كان لا يمتنع أن يخص NoteV00P368N01 بما ~~قدمناه من الأدلة، وبقوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم)، لأنه أعم من حيث كان متناولا لكل ما دون الشرك، فيجب أن يبنى على ~~ما هو أخص منه مما يدل على تمييزه NoteV00P368N02 ما ms215 يغفره مما لا يغفره، ~~وهذا واجب في الكلام، فإذا كان، لو كان مطلقا لوجب ذلك فيه، فهو بأن يجب ~~إذا كان مقيدا بالمشيئة أولى. # فأما قولهم: إن إضافة المغفرة إليه تعالى تمنع من حمل الكلام على ~~الصغائر، فبعيد، لأنه تعالى هو الغافر لها، فان كانت المغفرة مستحقة فما ~~الذي يمنع - والحال هذه - من صحة هذه الإضافة، وقد ثبت انه لا فصل بين ~~التكفير والغفران، وقد قال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم) فأضاف تكفيرها إلى نفسه وهي صغائر، فما الذي يمنع من مثله في إضافة ~~الغفران إليه تعالى وإن كانت الذنوب صغائر. # وبعد، فعلى هذا القول يجب بطلان قولهم: إنه تعالى أراد بقوله: # (إن الله لا يغفر أن يشرك به) تفضلا، لان زيادة ذكر التفضل ههنا لا وجه ~~له ان كانت المغفرة لا تضاف إليه إلا تفضلا، وكان يجب ألا يصح أن يقول: ~~ويغفر الشرك مع التوبة، لان الغفران عندها واجب، فلا وجه للإضافة، وهذا ~~يبين سقوط ما قالوه. # على أن المغفرة عندنا تتضمن الإثابة NoteV00P368N03 لأنه تعالى إنما يغفر # PageV00P368 # السيئات بفعل الثواب، فيصير كالساتر للمعاصي، وهذه حقيقة الغافر في أصل ~~اللغة، وقد علمنا أن الغفران على هذا الحد لا يصح إلا للتائبين ولأصحاب ~~الصغائر، لأنه يصح في كلا الوجهين اثبات الثواب، وفي غفران الكبائر لا يصح ~~ذلك، فلو جعل هذا الوجه كالدلالة على صحة ما تأولنا الآية عليه حتى تكون ~~دالة على ما نقوله، لكان أقرب. # فان قالوا: انه سبحانه وإن كان يغفر الذنوب ويضاف الغفران إليه، فلا وجه ~~- إذا كان واجبا - لتعليقه بالمشيئة. قيل لهم: إذا كان كل ما يفعله تعالى ~~من واجب وتفضل لا بد من أن يكون مريدا له ولا بد في الثواب أيضا من أن يكون ~~معه فاعلا له على وجه مخصوص يقتضي انه مريد له على وجوه، فما الذي يمنع من ~~إضافة ذلك إلى المشيئة؟. # وبعد، فان المشيئة في مثل هذه الحال إنما تدخل لتمييز امر من امر ولا ~~يكون المقصد ms216 بها ظاهرها، فما الذي يمنع من ذلك أيضا؟ # فأما قولهم: إذا كان تعالى في صدر الكلام قد أراد التفضل فكذلك يجب فيما ~~بعده، فجوابه أن يقال لهم: ولماذا يجب ذلك؟. # فان قالوا: لان الحكيم لا يجوز ان يتكلم بجملتين من الكلام فيشترط في ~~أولاهما ما لا يشترط في الثانية. قيل لهم: ولم يجب ذلك وإحدى الجملتين ~~مستقلة بنفسها مستغنية عما يبني عليها، فلها حكمها! فما الذي يمنع من كونها ~~مشروطة دون الجملة الثانية! يبين ذلك أنه لو ذكر الشرط فيها مصرحا ولم ~~يذكره في الثانية لكان ذلك غير ممتنع، فإذا صح ما قلنا كان أولى بألا يمتنع ~~فيما يثبت من الشرط بالدلالة، فما المانع من PageV00P369 # أن يكون التفضل مضمرا في قوله تعالى: (إن الله لا يغفر ان يشرك به) تفضلا ~~ولما تقع التوبة (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)! ولو أنه تعالى صرح بما ~~ذكرناه كان غير ممتنع أيضا، فنقول: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) تفضلا ~~ولما تقع التوبة (ويغفر ما دون ذلك) من الصغائر واجبا، من حيث جانب فاعلها ~~الكبائر، فإذا كان صرح تعالى بذلك كان الكلام صحيحا غير فاسد، فما الذي ~~يمنع من أن ينزل الدليل بهذه المنزلة!. # وبعد، فلا فرق بين من قال ما ذكروه وبين من قلب الكلام عليهم فنزله على ~~ما يضاد قولهم، وهو أن يقول: قوله تعالى: (إن الله لا يفغر ان يشرك به) لا ~~بد من أن يكون مشروطا بالاستحقاق، فكأنه تعالى قال: إن الله لا يغفر الشرك ~~بمجانبة غيره استحقاقا ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء بمجانبة غيره، فيكون هذا ~~التقرير في الكلام أصح مما ذكروه. # وبعد، فلو قيل: انه تعالى كأنه قال: إن الله لا يغفر أن يشرك به بلا توبة ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء بلا توبة، ونزل هذا التنزيل، لكان أقرب مما قاله ~~الخصوم NoteV00P370N01. # وأيضا فلو قيل NoteV00P370N02: إنه تعالى لما ذكر الجملة الأولى على وصف، # PageV00P370 # أراد أن يبين مفارقة الجملة الأخرى لها من وجه، ms217 لان هذا هو الواجب في ~~موضع ما جرى هذا المجرى من الكلام، فإذا كانت الجملة الأولى مشروطة بفقد ~~NoteV00P371N01 التوبة، فيجب أن تكون الثانية غير مشروطة بذلك، فكأنه تعالى ~~بين أن ما دون الشرك قد يكون فيه ما يغفر بمجانبة الكبائر، وانه مخالف ~~للشرك في ذلك، ولم يرد تعالى أن يميز ما هذه حاله، لان ذلك لا يمكن الا ~~بتعريف الصغائر، وتعريف الصغائر NoteV00P371N02 غير جائز، لما فيه من ~~الاغراء بالمعاصي وتسهيل الطريق في التخطي من الصغائر إلى الكبائر. ولأجل ~~هذا روي (عن 3) بعض العلماء الصالحين أنه قال: (اجعل بينك وبين الحرام ~~حاجزا من الحلال، فإنك إذا استوفيت الحلال كله تاقت نفسك إلى الحرام ~~ففعلته) NoteV00P371N04. # فاما تعلقهم بأن الحكيم لا يجوز أن يتمدح بأنه لا يغفر الشرك تفضلا [و 5] ~~بأنه يغفر ما دونه واجبا، فالجواب عنه: أن الغفران لا يتضمن الوجوب ولا ~~التفضل، وإنما يتضمن الفعل المخصوص فقط، وهو بمنزلة قول القائل: (لا أعطي ~~زيدا مالا)، في أنه لا يتضمن وجوبا ولا تفضلا، فإذا قال: وأعطي مالا من ~~أشاء من أولادي، لم يجب ان يريد بذلك التفضل دون الواجب، وذلك بين. # وقد اتت هذه الجملة من وراء شبه المخالفين، وإنما غرضهم بهذه # PageV00P371 # الزيادات تصحيح الاستدلال بأمور يضمونها إلى الظاهر وذلك غير موات لهم ~~ولا مجد عليهم، إذا كان اعتمادهم في هذا الكلام على التعلق بالظاهر دون ما ~~عداه. # ومما يؤيد الكلام على هذه الآية بيانا أن يقال للخصوم فيها: قد عرفتم أن ~~الله تعالى قال في كتابه: إنه يفعل أشياء إن شاء، (ثم بين) NoteV00P372N01 ~~لنا أنها مما يشاء أن يفعله، فلم يشكك في أنها يفعلها، وإن كان قد شرط فيها ~~المشيئة: # فمن ذلك قوله تعالى: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل ~~فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء..) ~~NoteV00P372N02 ومنه قوله سبحانه: (ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب ~~عليهم..) NoteV00P372N03، فلم يجب - لمكان اشتراط المشيئة في عذاب اليهود ~~والنصارى ms218 والمنافقين - أن نشك في عذابهم، لما قال تعالى في آيات أخر: (إن ~~الله لعن الكافرين واعد لهم سعيرا) NoteV00P372N04 وقال سبحانه: (إنه من ~~يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار.. الآية) NoteV00P372N05. ~~فعلمنا بذلك أنهم لو كانوا مما يشاء ان يغفر لهم باشتراط المشيئة لما أخبر ~~تعالى بتعذيبهم في المواضع الاخر قطعا، بإلغاء ذكر المشيئة، ثم أخبر تعالى ~~انه يعذب قاتل المؤمن والزاني وآكل الربا وقاذف المحصنات وغيرهم من أهل ~~الكبائر، فعلمنا # PageV00P372 # أن جميع هؤلاء ليس ممن يشاء ان يغفر لهم، ما NoteV00P373N01 ذكره تعالى ~~انه يعذبهم عليه من هذه الذنوب التي دون الشرك، إذ كان تعالى قد أعلمنا انه ~~يعذبهم كما أعلمنا أنه يعذب الكفار بعد قوله تعالى: (يغفر لمن يشاء ويعذب ~~من يشاء..) NoteV00P373N02، فكان من يغفر لهم ما دون ذلك هم أهل الصغائر، ~~الذين وعدهم غفرانها باجتناب الكبائر في قوله تعالى: (ان تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، فلم يجب - لاشتراط مشيئة الغفران لما دون ~~الشرك - أن نشك في غفران الصغائر لمجتنبي الكبائر، كما لم يجب أن نشك في ~~تعذيب أهل الكبائر التي هي دون الشرك، لاشتراط المشيئة في الغفران لهم. # ومما يدل على ذلك أنا قد اجمعنا على أن قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به) معناه: انه يعذب على الشرك به، فوجب أن يكون اخباره بأنه يعذب ~~القاتل والزاني ومن أشبههما من أهل الكبائر هو إخبار بأنه لا يغفر لهم، إذ ~~كان (لا يغفر) معناه (يعذب)، فكذلك قوله تعالى: (يعذب) هو إخبار بأنه لا ~~يغفر، فإذا صح ذلك بأنه لا يغفر الشرك، ولا يغفر ما قال: إنه يعذب عليه مما ~~دون ذلك من الكبائر التي ليست بشرك، وإذا كان هذا هكذا، فقد وجب انه لا ~~يغفر الشرك ولا ما دونه من الكبائر التي ليست بشرك، لاستواء كل واحد من ~~الدليلين في نفي الغفران وايقاع العذاب. # PageV00P373 # ولا تناقض بين قوله تعالى: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) NoteV00P374N01 ~~كما ظنه الجهال، ms219 لان ذلك مشروط بالتوبة، وإنما قال تعالى ذلك لئلا يظن ظان ~~أن من الذنوب ما لا يغفره مع التوبة منه، وقد نبه تعالى بأول هذه الآية ~~وبما بعدها على ما ذكرنا، فقال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا..) وقال سبحانه ~~في الآية التي تليها، (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له..)، فأعلمنا أن الغفران ~~إنما يكون بالإنابة وبالاقلاع والتوبة. # وقال أبو مسلم بن بحر: تلخيص المعنى في ذلك أنه سبحانه لا يغفر الشرك ~~للمقيم عليه ولا يغفر معه شيئا من الذنوب صغيرا ولا كبيرا: # فالصغائر المغفورة للمؤمنين غير محطوطة عن المشركين، وذلك من أجل شركهم، ~~ومعنى (أن) في قوله تعالى: (أن يشرك به) معنى (من أجل)، أي: من أجل الشرك ~~لا يغفر لهم، فإذا فارقوه وكان منهم الذنب الذي هو دونه غفر ذلك لهم ~~بالتوبة، المعنيون بقوله تعالى: (من يشاء) التائبون، ويدل على ذلك قوله ~~تعالى (إن رحمة الله قريب من المحسنين) NoteV00P374N02. قال: ونظير هذا ~~الاختصار قوله تعالى: (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهم ثلثا ما ترك..) ~~NoteV00P374N03 والأمة مجمعة على أن للاثنين مثل ما لمن فوقهما، فدل ذلك ~~على # PageV00P374 # أن الكلام خرج فيه على الاختصار. فان سألوا لم قيل لكل كافر مشرك؟ قلنا: ~~كما قيل لمن عاند النبي صلى الله عليه وآله كافر، وإن لم يجحد شيئا من نعم ~~الله سبحانه، إلا أنه لما استكبر على رسول الله صلى الله عليه وآله عنادا ~~ولم يخضع له انقيادا صار عظيم جرمه كعظيم جرم من جحد نعم الله سبحانه، ~~فكذلك سمي كل كافر مشركا، لأنه قد بلغ بعظم جرمه مبلغ جرم الذي أله الأصنام ~~وعبد مع الله الأوثان. # ومن شعب هذه المسألة ما روي أن سائلا سأل جعفر بن محمد الصادق عليهما ~~السلام NoteV00P375N0١ عن قوله سبحانه: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون) NoteV00P375N0٢، فقال (ع): المراد بذلك شرك طاعة لا شرك عبادة، كما ~~يقول القائل: لولا الله وفلان ms220 لفعلت كذا وأقدمت على كذا، وكطاعة الرجل فيما ~~لا يحل وتعظيمه من لا يستحق، وما سمى الله سبحانه النصارى مشركين إلا في ~~آية واحدة، وهي قوله تعالى: # ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون﴾ (3) فأجرى سبحانه عليهم اسم الشرك كما اجرى عليهم ~~اسم الكفر. وفي ما ذكرناه من ذلك كفاية ومقنع بتوفيق الله تعالى. # تم الجزء الخامس من كتاب حقائق التأويل في متشابه التنزيل. # PageV00P375 # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم، ~~ويتلوه في الجزء الذي يليه (وهو الجزء السادس من كتاب حقائق التأويل في ~~متشابه التنزيل) مسألة. ومن سأل عن معنى قوله تعالى: (ان الذين كفروا ~~بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا ~~العذاب إن الله كان عزيزا حكيما). # صورة المكتوب على آخر النسخة الرضوية: # ووافق الفراغ من ذلك بكور الجمعة حادي عشرين رجب شهر الله الأصب سنة ثلاث ~~وثلاثين وخمسمائة نقل على نسخة قرئت على مصنفه السيد الشريف السعيد الرضي ~~أعلى الله درجته وألحقه بالأئمة المعصومين، وعليها خطه، وحكايته: (قرئ علي ~~هذا الجزء من أوله إلى آخره وصح إلا ما أغفل القارئ من تصحيحه وكتب محمد بن ~~الحسين الموسوي بخطه في شعبان من سنة اثنين وأربعمائة). # ووجدت في الكتاب حواش بخطه فنقلتها والله المشكور. # وتجده في راموز الصفحة الأخيرة# PageV00P376 ms221