######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_001155 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشريف الرضي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 406 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المجازات النبوية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر الحديث الشيعية ـ قسم الفقه #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_001155 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1155_المجازات-النبوية-الشريف-الرضي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: تحقيق وشرح : طه محمد الزيتي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد الله سبحانه بمحامده ~~التي يستحقها، واختصاص نبيه محمد وآله الطاهرين بالصلوات التي هم أهلها، ~~فإني عرفت ما شافهتني به من استحسانك الخبيئة (1) التي أطلعتها، والدفينة ~~(2) التي أثرتها من كتابي الموسوم (3) ب‍ (تلخيص البيان عن مجازات القرآن)، ~~وأنى سلكت من ذلك محجة (4) لم تسلك، وطرقت بابا لم يطرق، وما رغبت إلى فيه ~~من سلوك مثل تلك الطريقة في عمل كتاب يشتمل على مجازات الآثار الواردة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ كان فيها كثير من الاستعارات البديعة، ~~ولمع (5) البيان الغريبة، وأسرار اللغة اللطيفة، يعظم النفع باستنباط ~~معادنها، واستخراج # PageV00P009 # كوامنها، واطلاعها من أكمتها (1) وأكنانها، وتجريدها من خللها (2) ~~وأجفانها، فيكون هذان الكتابان بإذن الله لمعتين (3) يستضاء بهما وعرنينين ~~(4) لم أسبق إلى قرع بابهما، فأجبتك إلى ذلك مستخيرا الله سبحانه فيه على ~~كثرة الاشغال القاطعة، والعوائق المانعة، والأوقات الضيقة، والهموم ~~المخنقة، وعملت بتوفيق الله على تتبع ما في كلامه صلى الله عليه وعلى آله ~~من ذلك، والإشارة منه إلى مواضع النكت ومواقع الغرض بالاعتبارات الوجيزة ~~والايماءات الخفيفة على طريقتي في كتاب " مجازات القرآن " لئلا يطول ~~الكتاب، فيجفو (5) على الناظر، ويشق على الناقل، فإن القلوب في هذا الزمان ~~ضعيفة عن تحمل أعباء العلوم الثقيلة، والاجراء في مسافات الفضائل الطويلة، # PageV00P010 # لأنه لم يبق من الفضل إلا الذماء (1)، ومن الفضلاء إلا الأسماء. # ولله الحمد على السراء والضراء، والبؤس والنعماء. ولست شاكا في أن ما ~~يفوتني من الجنس الذي أقصده أكثر من الحاصل لي والواقع إلى، ولكنني اقتصر؟؟ ~~على ما تناله في هذا الوقت يدي، ويقرب من تصفحي وتأملي، وإذا ورد بمشيئة ~~الله من هذه الآثار ما فيه موضع مجاز قد تقدم الكلام على نظير له أو ما ~~يقوم مقامه، اقتصرت على القول الأول، طلبا للاقتصاد، ووقوفا دون الابعاد، ~~على مثل الأصل المقرر في كتاب " مجازات القرآن ". ولولا أن أبا على محمد بن ~~عبد الوهاب قد سبق إلى تفسير متشابه الاخبار التي ظاهرها التشبيه والتجسيم ~~(2)، وصريحها التجويز ms001 والتظليم (3)، واستقصى هذا المعنى في كتابه الموسوم ~~بشرح الحديث. وتعاطى ذلك جماعة غيره من علماء أهل العدل (4) في مواضع من ~~كتبهم، لتتبعت هذا الفن جميعا تتبعا يكشف الشبه، ويوضح المشتبه، على طريقتي ~~في # PageV00P011 # كتابي الكبير الموسوم (بحقائق التأويل في متشابه التنزيل) إلا أنني بعون ~~الله أورد من ذلك من ما كان داخلا في باب الاستعارات اللغوية بكلية، أو ~~بسعة كثيرة من سعته (1)، والذي أعتمد عليه في استخراج ما يتضمن الغرض الذي ~~أنحو نحوه، وأقصد قصده، كتب غريب الحديث المعروفة، وأخبار المغازي ~~المشهورة، ومسانيد (2) المحدثين الصحيحة، مضيفا إلى ذلك ما يليق بهذا ~~المعنى من جملة كلامه عليه الصلاة والسلام، الموجز الذي لم يسبق إلى لفظه، ~~ولم يفترع من قبله، وجميع ذلك مما أتقنا بعضه رواية، وحصلنا بعضه إجازة ~~(3)، وخرجنا بعضه تصفحا وقراءة، مستمدين في ذلك، وفي سائر الأنحاء والمرامي ~~والمطالب والمغازي، توفيق الله سبحانه، الذي يهون الشديد ويقرب البعيد، ~~ويذلل الصعب إذا أبى، ويقوم المعوج إذا التوى. # وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلنا وإليه ننيب. # PageV00P012 # 1 - فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " هذه مكة قد رمتكم بأفلاذ كبدها ~~"، وفي رواية أخرى: " قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها "، وهذه من أنصع العبارات ~~وأوقع الاستعارات. # وقال ذلك عليه الصلاة والسلام عند خروجه إلى بدر للقتال، وقد خرج قريش ~~(2) من مكة مجلبة (34) عليه ومحلبة إليه (4)، وكان المسلمون قد ظفروا ببعض ~~فراطهم (5)، فأتوا به النبي عليه الصلاة والسلام، فسأله عمن خرج في ذلك ~~الجمع من علية (6) قريش، فقال فلان وفلان، وعدد قادتهم وذادتهم (7)، ~~والوجوه والسادات منهم، فقال عليه # PageV00P013 # الصلاة والسلام: هذه مكة قد رمتكم بأفلاذ كبدها. # ولهذا الكلام معنيان: # (أحدهما) أن يكون المراد به أن هؤلاء المعدودين صميم قريش ومحضها ولبابها ~~وسرها، كما يقول القائل منهم: فلان قلب في بنى فلان إذا كان من صرحائهم، ~~وفي النضار من أحسابهم، فيجوز أن يكون المراد بالكبد ها هنا كالمراد بالقلب ~~هناك لتقارب الشيئين (1) وشرف العضوين، فيكنى باسم كل واحد منهما عن العلق ~~(2) الكريم واللباب الصميم. والأفلاذ: القطع المتفرقة ms002 عن الشئ، وقل ما ~~يستعمل ذلك إلا في الكبد خاصة. قال الشاعر: # تكفيه فلذة كبدان ألم بها * من الشواء ويروي شربه الغمر (3) (والمعنى ~~الآخر) أن يكون المراد بذلك أعيان القوم ورؤساؤهم والعرانين (4) المتقدمة ~~منهم، فكأنه عليه الصلاة والسلام أقام مكة # PageV00P014 # مقام الحشا التي تجمع هذه الأعضاء الشريفة كالقلب والنياط (1)، والكبد ~~والفؤاد (2)، وجعل رجال قريش كشعب الكبد التي تحنو عليها الأضالع، وتشتمل ~~عليها الجوانح، وقاية لها، ورفرفة عليها. # 2 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وقد نظر إلى أحد منصرفه (3) من ~~غزاة خيبر: " هذا جبل يحبنا ونحبه "، وهذا القول محمول على المجاز، لان ~~الجبل على الحقيقة لا يصح أن يحب ولا يحب، إذ محبة الانسان لغيره إنما هي ~~كناية عن إرادة النفع له، أو التعظيم المختص به على ما بيناه في عدة مواضع ~~من كتابينا المشهورين في علوم القرآن (4)، وكلا الامرين لا يصح على الجماد: ~~لا التعظيم المختص به، ولا النفع العائد عليه، فمستحيل أن يعظم، أو يعظم، ~~أو ينفع، # PageV00P015 # أو ينتفع به، فالمراد إذا أن أحدا جبل يحبنا أهله، ونحب أهله، وأهله هم ~~أهل المدينة من الأنصار، أو سهم وخزرجهم، وغير خاف جهم النبي عليه الصلاة ~~والسلام وحبه لهم، وتعظيمهم له وإعظامه لقدرهم. ألا ترى إلى قوله عليه ~~الصلاة والسلام في كلام طويل: # ولو سلك الأنصار شعبا، وسلك الناس شعبا، لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة ~~لكنت امرأ من الأنصار، إلى غير ذلك من الكلام الذي يطول بذكره الكتاب، ~~وينقض قاعدتنا في الاختصار. # ومثل هذا الحديث ما روى عنه عليه الصلاة والسلام في حديث آخر قال: " ~~نهران مؤمنان، ونهران كافران. أما المؤمنان: فالنيل والفرات. وأما ~~الكافران: فدجلة، ونهر بلخ ". والأولى أن يكون تأويل هذا الخبر إن كان ~~صحيحا كتأويل الخبر المتقدم، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: أهل هذين ~~النهرين مؤمنون، وأهل هذين النهرين كافرون، وتكون هاتان الصفتان جاريتين ~~على هذه الأنهار في وقت مخصوص، أو على الأغلب من الأحوال في زمان معلوم، ~~لان من أهل هذين النهرين المؤمن والكافر، كما أن ms003 من أهل ذينك النهرين البر ~~والفاجر. وقد قيل في ذلك قول آخر لست أرتضيه، وهو أن يكون إنما جعل النيل ~~والفرات مؤمنين على التشبيه والتمثيل لكثرة انتفاع الناس بسقياهما ~~كالانتفاع بالمؤمنين، وجعل دجلة ونهر بلخ كافرين، لقلة الانتفاع بهما كقلة ~~الانتفاع بالكافرين. PageV00P016 # والقول الأول أخلق بالصواب، وأشبه بالمراد. # 3 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى ~~بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم " (1)، فقوله عليه ~~الصلاة والسلام: وهم يد على من سواهم استعارة ومجاز. ولذلك وجهان: # (أحدهما) أن يكون شبه المسلمين في التضافر، والتوازر (2)، والاجتماع، ~~والترافد (3) باليد الواحدة التي لا يخالف بعضها بعضا في البسط، والقبض، ~~والرفع، والخفض، والابرام، والنقض. وقد يسمى أنصار الرجل وأعوانه يدا على ~~طريق الاتساع، تشبيها لهم باليد التي ينتصر بها ويدافع بقوتها. قال الراجز: # أعطى فأعطاني يدا ودارا * وباحة خولها عقارا (4) # PageV00P017 # يقول: بوأني دارا، وأحف بي أعوانا، وأنصارا. # (والوجه الآخر) أن يكون اليد هاهنا بمعنى القوة فكأنه عليه الصلاة ~~والسلام قال: وهم قوة على من سواهم، والقوة أحد المعاني التي يعبر عنها ~~باسم اليد، وقد استقصيت ذلك في كتابي الكبير الموسوم " بحقائق التأويل "، ~~وذكرت أن قول القائل: لا أفعل ذلك يد الدهر، معناه عندي لا أفعل ذلك قوة ~~الدهر، أي ما دام الدهر قوى الأركان قائم البنيان. فأما الحديث الآخر عنه ~~عليه الصلاة والسلام، وهو قوله: " عليكم بالجماعة فإن يد الله على الفسطاط ~~". فليس المراد باليد فيه كالمراد باليد في الحديث الأول، بل المراد باليد ~~ها هنا حفظ الله ورعايته كما يقول القائل: مالي في يد فلان. إذا أراد أنه ~~حافظ له وأمينه عليه. والفسطاط هاهنا البلد، ومنه سمى فسطاط مصر، فكأنه ~~عليه الصلاة والسلام، أمرهم بلزوم الجماعة في الأمصار ونهاهم عن الانشعاب ~~والافتراق. ولم يرد أن الخارج من المصر خارج عن قبضة الله ومملكته، لكنه ~~خارج عن حفظه ورعايته. وإنما أمرهم بلزوم الأمصار لأنها في الأكثر مواضع ~~الجماعة، وإلا فالامر على الحقيقة إنما هو بلزوم الجماعة ولو كان ms004 أهلها في ~~أكناف الفيافي ومطارح البوادي (1). # PageV00P018 # 4 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الخيل: " ظهورها حرز وبطونها ~~كنز " وهذا القول خارج على طريق المجاز لان بطون الخيل على الحقيقة ليست ~~بكنز. وإنما أراد عليه الصلاة والسلام أن أصحابها ينتجونها من الأفلاء (1) ~~ما تنمى به أموالهم، وتحسن معه أحوالهم، فهم باستيداع بطونها نطف الفحولة ~~(2) كمن كنز كنزا إذا أراده وجده، وإذا لجأ إليه دعم (3) ظهره كما يكون ~~الكانز عند الرجوع إلى كنزه، والتعويل على ما تحت يده. وقوله عليه الصلاة ~~والسلام، وظهورها حرز أوضح من أن نوضحه. والمراد أنها منجاة من المعاطب، ~~وملجأة عند المهارب (4). # PageV00P019 # 5 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " في الجنين غرة: # عبد أو أمة " (1) وفي هذا الكلام مجاز، لأنه عليه الصلاة والسلام إنما ~~جعل العبد، أو الأمة غرة (2) لأنهما أفضل ما يملكه المالك، وأفخره، وأطهره. ~~وأشهره. ولذلك سمى أيضا في لسانهم الفرس غرة لأنه من أنفس ما يملك. ولمثل ~~هذا المعنى أيضا ما سموا الخيل جبهة. وفي الحديث المشهور: ليس في الجبهة، ~~ولا في النخة، ولا في الكسعة صدقة. والنخة الرقيق، ومن قال النخة بالضم قال ~~هي البقر العوامل، والكسعة الحمير. وهذا أشهر الأقوال في معنى هذا الحديث ~~قال ابن أحمر: # إن نحن إلا أناس أهل سائمة * وما لهم دونها حرث ولا غرر أي ليس لهم زرع ~~يعتمد، ولا خيل تقتعد. وقال الآخر: # كل قتيل في كليب غرة * حتى ينال القتل آل مره يقول: كل قتيل نقتله بكليب ~~من غير آل مرة عبد لا نقتله بواء (3)، ولا نرضى به كفاء، وكأن فحوى الكلام، ~~أن العبد والأمة والفرس من أظهر الأسماء المملوكة وأدلها على وفارة الثروة، # PageV00P020 # وفخامة النعمة. لان غيرها من الاعراض (1) في الأكثر لا يشتهر اشتهارها، ~~ولا ينتشر انتشارها. # 6 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إذا أراد الله بعبد خيرا عسله. ~~قيل له يا رسول الله: وما عسله؟ قال: يفتح له بين يدي موته عملا صالحا يرضى ~~حتى يرضى عنه من حوله " (2). وفي هذا الكلام ms005 مجازان: # (أحدهما) قوله عليه الصلاة والسلام عسله، وهو مأخوذ من العسل كما يقول ~~القائل: عسلت الطعام إذا جعل فيه عسلا، وسمنته إذا جعل فيه سمنا، وزيته إذا ~~جعل فيه زيتا. ومعنى عسله: أي جعل عمله حلوا يحمده الصالحون ويرضاه ~~المتقون، فيكون كالشئ المعسول الذي يسوغ في اللهوات (3)، ويلذ على ~~المذاقات. # PageV00P021 # (والمجاز الآخر) قوله عليه الصلاة والسلام: بين يدي موته. # ولا يد للموت على الحقيقة. ولكنها كناية عن الشئ الواقع أمام الشئ ~~المتوقع. وقد تكلمنا على هذا المعنى في كتاب مجازات القرآن عند قوله سبحانه ~~في البقرة: " فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها ". وعند قوله تعالى ~~في سبأ: " إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ". وذلك كما تقول: لمن ~~يسأل عن أحد بالعشيرة وهو سالك طريق، وسائل عن رفيق: ها هوذا بين يديك، أي ~~قد تقدمك، ولا يقال ذلك إلا فيما إذا كنت وراءه، وهو أمامك، لا فيما كنت ~~أمامه وهو وراءك. وكل ذلك إنما يراد به في الأكثر تقريب الشئ من الانسان ~~حتى كأنه لفاف يده (1) وقراب (2) تناوله: كما تقول: هذا الشئ أخذ يدي، أي ~~ممكن لها، وقريب من تناولها. # PageV00P022 # 7 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " ويل لاقماع القول ويل للمصرين " ~~(1). وفي هذا الكلام مجاز واستعارة، لأنه عليه الصلاة والسلام، عنى به ~~الذين يكثرون استماع الأقوال واختلاف الكلام. فيكون ذلك ثالما (2) في ~~دينهم، وقادحا في يقينهم، فشبه عليه الصلاة والسلام آذانهم بالأقماع التي ~~يفرغ فيها ضروب القول إفراغ المائعات. وهذه من أحسن العبارات عن هذا ~~المعنى، لان الآذان هي الطرق التي يوصل منها إلى الصدور، والأنقاب (3) التي ~~يدخل منها على القلوب، فهي أبواب موصلة، وطرق مبلغة. وقد حمل بعض العلماء ~~هذا الحديث على تأويل غير مشبه لفحوى اللفظ، لأنه قال المراد بذلك الذين ~~تتكرر المواعظ على أسماعهم، وهم مع ذلك مصرون على المعاصي، وموضعون (4) في ~~طرق المغاوى. وهذا القول، وإن كان سائغا، فإن الأشبه بظاهرها الكلام أن ~~يكون على ما قدمت القول فيه من ذم من ms006 يجعل سمعه # PageV00P023 # مساغا للأقوال المختلفة، والانباء المتضادة (1) ويكون قوله عليه الصلاة ~~والسلام: المصرين، تماما لهذا المعنى المراد، ومبالغة في وصف هؤلاء ~~بالمذمومين بكثرة استماع الأقوال، فيكون ذلك من قولهم: # أصر الفرس أذنيه إذا نصبهما للتوجس، لأنه يقال: أصر أذنيه، وصر بأذنيه ~~(2). وهذا التأويل لم أعلم أحدا سبقني إليه. # 8 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام حين أتاه الفضل # PageV00P024 # ابن العباس وابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب يسألانه عن أبويهما ~~السقاية (1) فتواكلا الكلام (2)، فقال عليه الصلاة والسلام: # " أخرجا ما تصران " (3). وفي هذا القول استعارة لأنه عليه السلام أراد ~~أظهرا ما تكتمان في قلوبكما وصرحا بما تلجلج به ألسنتكما، فجعل القلب ~~بمنزلة الوعاء والكتمان بمنزلة الوكاء (4)، والامر المكتوم بمنزلة الشئ ~~الموعى (5). وكل شئ جمعته فقد صررته، ومنه قيل للأسير مصرور إذا جمعت يداه ~~بالغل (6) وقدماه بالحجل. # PageV00P025 # 9 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في عمرة الحديبية عند كلام جرى في ~~شأن قريش: " فإن اتبعونا اتبعنا منهم عنق يقطعها الله "، وفي هذا القول ~~استعارة، لأنه عليه الصلاة والسلام شبه من تبعه منهم في المتلاحق والامتداد ~~والجد والاجتهاد بالعنق الواحدة التي لا تختلف أجزاؤها، ولا تتباين ~~أعضاؤها، فهو أشد لقوتها، وأوهن لصدمتها. وعلى هذا المعنى قول الشاعر، ~~وأنشدناه شيخنا أبو الفتح عثمان بن جنى النحوي رحمه الله في حال القراءة ~~عليه: # أبلغ أمير المؤمنين * أخا العراق إذا أتيتا أن العراق وأهله * عنق إليك ~~فهيت هيتا (1) ولقول الشاعر: عنق إليك معنيان: # (أحدهما) أن يكون على الوجه الذي ذكرناه أولا من تشبيه الطالبين له، ~~والقاصدين إليه، بالعنق في التلاحق إلى فنائه، والتسرع إلى لقائه. # (والمعنى الآخر) أن يكون أراد: أهل العراق على توقع لوروده وتشوق إلى ~~طلوعه، فهم كالعنق الممتدة نحوه، وذلك على المتعارف # PageV00P026 # بيننا من قول القائل منا إذا أراد أن يعبر عن انتظاره لوارد أو توقعه ~~لطالع أن يقول: عنقي ممتدة إلى ورود فلان. كما يقول: عيني ممدودة إلى طلوع ~~فلان. وقول الشاعر في البيت الثاني " فهيت هيتا " يشهد بأن مراده الوجه ~~الأخير ms007 من الوجهين لان في هذا القول حثالة على التعجل، وإزعاجا إلى التسرع. ~~فأما قول الله سبحانه وتعالى: " فظلت أعناقهم لها خاضعين ". فقد فسر أيضا ~~على وجهين أوردناهما في مواضع من كلامنا في تأويل القرآن. # (فأحد الوجهين) أن يكون سبحانه ذكر الأعناق، ثم رد الذكر على أصحاب ~~الأعناق لان خضوع الأعناق هو خضوع أصحابها لما لم يكن خضوعهم إلا بها. # (والوجه الآخر) أن يكون أراد الجماعات، لأنه قد تسمى الجماعة عنقا على ~~الوجه الذي قدمنا ذكره. يقول القائل: جاءني عنق من الناس، أي جماعة فيكون ~~خاضعين صفة للجماعات، والمعنى في ذلك ظاهر غير محتاج إلى التأويل. وقد يجوز ~~أن يكون الأعناق هاهنا كناية عن السادات والمتقدمين من القوم. يقال هؤلاء ~~أعناق القوم: أي ساداتهم. كما يقال هؤلاء رؤوسهم وعرانينهم. # ذكر ذلك صاحب العين (1) في كتابه. وقال لي أبو حفص # PageV00P027 # عمر بن إبراهيم الكناني صاحب ابن مجاهد، وقد قرأت عليه القرآن بروايات ~~كثيرة: سمعت أبا بكر بن سفيان النحوي صاحب المبرد يقول: أولى الوجوه بتأويل ~~هذه الآية أن يكون خاضعين مردودا على الضمير في أعناقهم فكأنه تعالى قال: ~~فظلوا هم لها خاضعين. ويبعد أن يحمل قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر: ~~عنق يقطعها الله، على أنه أراد به الجماعة لان قوله يقطعها الله بالعنق ~~المعروفة التي هي العضو المخصوص أشبه، وفي موضع الكلام أحسن، وإنما جاء ~~بالعنق هاهنا على طريق الاستعارة تشبيها للقوم الذين ذكر اتباعهم له بالعنق ~~في الاحتشاد لطلبه والامتداد للحاق به (1). # 10 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كتاب من كتبه (2): " هذا كتاب ~~من محمد رسول الله لعمائر كلب وأحلافها ومن ظأره (3) الاسلام من غيرها ". ~~وفي هذا الكلام استعارة، # PageV00P028 # لان الظأر في الحقيقة العطف، ومنه ظأر الناقة (1)، وهو أن يموت ولدها ~~فتعطف على البو (2) الذي يجعل لها لتدر عليه لبنها، وأصله العطف على الشئ ~~بالأخذ والحمل، لا بالاختيار والطوع. ويبين هذا المعنى الكميت الأسدي: # وهم رأموها غير ظأر وأشبلوا * عليها بأطراف القنا وتحدبوا أي عطفوا عليها ms008 ~~طائعين مختارين لا مجبرين محمولين، ثم استعمل بعد ذلك فيمن عطف طائعا كما ~~استعمل فيمن عطف كارها، فكأنه عليه الصلاة والسلام جعل الاسلام يعطف على ~~الدخول فيه: إما طوعا ومشيئة، أو عنادا وخيفة. ومن أمثال العرب: الطعن يظأر ~~(3)، أي يعطف على السلم والتواهب، ويحمل على البقيا والتقارب. # PageV00P029 # 11 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لحادي مطيه: # " يا أنجشة؟؟ (1) رفقا بالقوارير " وهذه استعارة عجيبة، لأنه عليه الصلاة ~~والسلام شبه النساء في ضعف النحائز (2) ووهن الغرائز (3) بالقوارير (4) ~~الرقيقة التي يوهنها الخفيف، ويصدعها اللطيف، فنهى عن أن يسمعهن ذلك الحادي ~~ما يحرك مواضع الصبوة، وينقض معاقد العفة. وقد حمل بعض العلماء قوله تعالى: ~~" قوارير من فضة قدروها تقديرا " على أن المراد به غير الزجاج ها هنا. ~~والقارور: فاعول من استقرار الشئ فيه، فكأنه قرار للشراب وغيره من ~~المائعات، فيصلح أن يكون للزجاج ويكون لغير الزجاج. وأما عامة المفسرين ~~فيذهبون إلى أن تلك الآنية الموصوفة من فضة ولكنها تشف شفيف القوارير من ~~الزجاج (5)، فهو أعجز لتصويرها وأعجب لتقديرها، إذ كانت جامعة للرقة ~~اللطيفة، والقوة الحصيفة. # PageV00P030 # 12 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وقد تذاكر الناس عنده أمر الطاعون ~~وانتشاره في الأمصار والأرياف، فقال صلى الله عليه وآله: " فإني أرجو ألا ~~يطلع إلينا نقابها " يعنى نقاب المدينة. # والنقاب: جمع نقب، وهو الطريق في الجبل. وفي هذا الكلام استعارة حسنة، ~~لأنه عليه الصلاة والسلام أقام هذا الداء المسمى بالطاعون في تغلغله إلى ~~البلاد المنيعة، وذهابه بالأعلاق (1) الكريمة مقام الجيش المغير الذي يوفى ~~على الأنشاز (2)، ويهجم على الحصون والديار. يقال: طلع فلان الثنية (3) إذا ~~أوفى عليها وقرع ذروتها (4). # ومن أحسن التمثيل وأوقع التشبيه أن تشبه أسباب الموت وطوارق الدهر بالجيش ~~الهاجم، والمقنب (5) الصمم الذي تخاف سطوته وتنكأ (6) # PageV00P031 # شوكته، ولا يسد طريقه ولا يؤمن طروقه. وقوله عليه السلام: # ألا يطلع إلينا نقابها (وهو يريد نقاب المدينة ولم يجر لها ذكر) من ~~الفصاحة العجيبة، لأنه أقام علم المخاطبين بها مقام تصريحه بذكرها. # ومثل ذلك قوله سبحانه وتعالى: " ولو دخلت ms009 عليهم من أقطارها " والمراد ~~المدينة، ولم يجر لها ذكر. ولذلك في القرآن نظائر. وكان شيخنا أبو الفتح ~~النحوي - رحمه الله - يسمى هذا الجنس شجاعة الفصاحة، لان الفصيح لا يكاد ~~يستعمله إلا وفصاحته جرية الجنان، غزيرة المواد. # 13 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود ~~غريبا " (1)، وهذا الكلام من محاسن الاستعارات وبدائع المجازات، لأنه عليه ~~السلام جعل الاسلام غريبا في أول أمره تشبيها بالرجل الغريب الذي قل أنصاره ~~وبعدت دياره، لان الاسلام كان عليه هذه الصفة في أول ظهوره، ثم استقرت ~~قواعده، واشتدت معاقده، وكثر أعوانه، وضرب جرانه. وقوله عليه الصلاة ~~والسلام: " وسيعود غريبا " أي يعود إلى مثل الحالة الأولى في قلة # PageV00P032 # العاملين بشرائعه والقائمين بوظائفه، لا أنه والعياذ بالله تمحى سماته، ~~وتدرس آياته (1). # 14 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في ذكر الخوارج: # " يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.. " (2) الحديث بطوله إلى ~~قوله: قد سبق الفرث والدم. وفي هذا القول مجاز، لأنه عليه السلام شبه ~~دخولهم في الدين وخروجهم منه بسرعة من غير أن يتعلقوا بعقدته، أو يعيقوا ~~(3) بطينته، بالسهم الذي أصاب الرمية، وهي الطريدة المرمية، ثم خرج مسرعا ~~من جسمها، ولم يعلق بشئ من فرثها ودمها، وذلك من صفات السهم الصائب، لأنه ~~لا يكون شديد السرعة إلا بعد أن يكون قوى النزعة (4). # PageV00P033 # 15 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " مضر صخرة الله التي لا تنكل " ~~(1). وهذا القول مجاز، لأنه عليه السلام جعل مضر، وهي القبيلة المعروفة ~~بمنزلة الصخرة الراسية، والهضبة الثابتة التي لا تزحزح عن مقرها، ولا تؤخر ~~عن مجثمها وهذا معنى قوله عليه السلام: " لا تنكل ". وذلك مأخوذ من قولهم: ~~نكلت عن الامر أنكل نكولا إذا تأخرت عنه. ومنه قيل للجام نكل لأنه يؤخر به ~~المركوب إذا جمح، ويحبس به إذا انطلق. ولهذا المعنى أيضا قيل للقيد نكل ~~لأنه يقصر الخطو ويمنع العدو، وإنما أضاف عليه السلام اسم الصخرة إلى الله ~~تعالى، ليكون أفخم لها في القلوب، وأجدر لها بالرسوخ (2). # 16 - ومن ms010 ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " بعثت في نسم - الساعة إن كادت ~~لتسبقني ". وفي هذا القول استعارة (3)، لأنه عليه السلام كنى عن ابتداء ~~الساعة بالنسم، والنسم والنسيم جميعا # PageV00P034 # اسم لابتداء الريح، وهي ضعيفة قبل شدتها، ومريضة قبل استكمال قوتها. ~~والنسم أيضا: النفوس، جمع واحده نسمة، وإنما سميت بذلك لأنها في الأصل ~~ضعيفة، وإنما يشتد من جسمها بروافد ترفدها ودعائم تسندها. وقد روى هذا ~~الخبر على وجه آخر وهو قوله عليه الصلاة والسلام: " بعثت في نفس الساعة " ~~وله معنيان: # (أحدهما) أن يكون: بعثت في تنفيس الساعة، أي في إمهالها وتأخرها، من ~~قولهم: نفس فلان عن غريمه إذا أنظره، وأخر الدين بعد أن حان قضاؤه ووجب ~~اقتضاؤه، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: بعثت وقد حان قيام الساعة إلا أن ~~الله تعالى نفسها، أي أخرها قليلا، فبعثني في ذلك النفس. # (والوجه الآخر) أن يكون جعل للساعة نفسا كنفس الانسان. # وقال: بعثت في وقت أحس فيه بنفسها وقربها كما يحس الانسان بنفس الانسان ~~إذا قرب من شخصه وسمع مجرى نفسه (1). # 17 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " اليد العليا خير من اليد ~~السفلى " وهذا القول مجاز، لأنه عليه الصلاة والسلام أراد باليد العالية يد ~~المعطي، وباليد السافلة يد المستعطى، ولم يرد على # PageV00P035 # الحقيقة أن هناك عاليا وسافلا، وصاعدا ونازلا، وإنما أراد أن المعطى في ~~الرتبة فوق الآخذ، لأنه المنيل المفضل والمحسن المجمل. وليس هذا في معطى ~~الحق، وإنما هو في معطى الرفد (1) ومسترفده، وليس المراد أنه خير في الدين، ~~بل المراد أنه خير في النفع للسائلين، وإنما كنى عليه الصلاة والسلام عن ~~هاتين الحالتين باليدين، لان الأغلب أن يكون بهما الاعطاء والبذل، وبهما ~~القبض والاخذ (2). # 18 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن هذه الأخلاق بيد الله، فمن ~~شاء أن يمنحه منها خلقا حسنا فعل "، وذكر اليد هاهنا مجاز، والمراد أن ~~الأخلاق في قبضة الله وتحت ملكة الله تعالى، فلما كان في الأكثر ما يقبضه ~~الانسان ويملكه إنما يقبضه بيده وينقله إلى يده، خاطب عليه ms011 الصلاة والسلام ~~بلسان العرف المتقرر عند المخاطبين وفي لغة السامعين. وقد مضى الكلام على ~~هذا المعنى في عدة مواضع من كتبنا الموضوعة في علوم القرآن، ولا يحتمل # PageV00P036 # كتابنا هذا أكثر من هذا المقدار (1). # 19 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لأبي بن كعب وقد أعطاه الطفيل بن ~~عمرو الدوسي قوسا له جزاء على إقرائه القرآن فقال عليه الصلاة والسلام ~~لأبي: " تقلدها شلوة من جهنم " وفي هذا القول مجاز، لأنه عليه الصلاة ~~والسلام جعل القوس إذ كانت تكسب آخذها على الوجه المكروه عذاب جهنم كأنها ~~شلوة من نار جهنم، وإنما قال: شلوة، ولم يقل شلوا، لأنه حمل على معنى القوس ~~وهي مؤنثة. والشلو: العضو (2). ومنه حديث أمير المؤمنين عليه السلام في ~~الأضحية: ائتني بشلوها الأيمن، وأصله في لغتهم: البقية القليلة من الشئ. ~~ومن ذلك يقال لبقية الأكيلة إذا فرسها السبع: # شلو. ويقال لبدن القتيل: شلو، على أحد ثلاثة وجوه: # إما أن يكون مفردا من رأسه فيكون كالبقية القليلة، لان الرأس هو العضو ~~الا رأس (3)، والعلق الأنفس، ألا ترى إلى قول الشاعر: # PageV00P037 # إذا قطعوا رأسي وفي الرأس أكثري * وغودر عند الملتقى ثم سائري (1) ~~(والوجه الثاني): أن يكون إنما سمى بذلك لخروج نفسه وكون الجسم بعدها، وإن ~~كان بتمامه بمنزلة البقية التي قد ذهب أكثرها، وفقد جوهرها. # (والوجه الثالث): أن يكون إنما سمى بذلك لأنه بقية أبقتها مضارب السيوف ~~تشبيها بالبقية التي أبقتها مخالب الأسود. وإنما عظم عليه الصلاة والسلام ~~الوعيد في هذا الخبر زجرا لهم عن أن يأخذوا على تعليم القرآن أجرا، أو ~~يتخذوه مكسبا ومطعما. # 20 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " أغبط الناس عندي مؤمن خفيف ~~الحاذ ذو حظ (2) من صلاة ". وفي هذا القول استعارة، لان الحاذ على الحقيقة: ~~اسم لما وقع عليه الذنب من # PageV00P038 # مؤخر الفخذين هذا قول الأصمعي. وقال غيره: بل هو لحم باطن الفخذ، وهما ~~حاذا الفخذين. وقد جاء في كلامهم خفيف الحاذين، وقد استعملوا ذلك في ~~الانسان أيضا قال الشاعر: # سيكفيك الحمالة (1) مستميت * خفيف الحاذ من ms012 أبناء جرم وقال بعضهم: بل هو ~~طريقة المتن (2) من الانسان، والموضوع الذي يسمى الحال من الفرس. وهو ما ~~وقع عليه اللبد من ظهره. # والقولان الأولان أعجب إلى، لأنه عليه الصلاة والسلام، كنى بخفة الحاذ ~~هاهنا عن قلة المال، أو قلة العيال. ومنه الحديث الآخر عن ابن مسعود: " ~~ليأتين على الناس زمان يغبطون الرجل بخفة الحاذ كما يغبطونه بكثرة المال ". ~~لان الخفيف الحاذ إذا كان على ما ذكر أولا في الوجهين الأولين من قلة لحم ~~باطني أو ظاهري الفخذين كان ذلك أسرع لخطوه وأخف لعدوه، لان الدنيا بمنزلة ~~المضمار، والناس فيها بمنزلة الخيل المجراة، والغاية هي الآخرة. # فكلما كان الواحد منهم أخف نهضا وامتراقا، كان أسرع بلوغا ولحاقا. ويبين ~~ذلك قول أمير المؤمنين علي عليه السلام، في كلام له: تخففوا تلحقوا. وقد ~~ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم (بنهج # PageV00P039 # البلاغة) الذي أوردنا فيه مختار جميع كلامه صلى الله عليه وسلم وعلى ~~الطاهرين من أولاده. # (وأما القول الثالث) الذي ذكرناه عن بعضهم من قوله: # إن الحاذ هو المتن، فقد يجوز أن يعبر به أيضا عن قلة العيال ونزارة (1) ~~المال كما يقولون: فلان خفيف الظهر إذا أرادوا هذا المعنى، ولان قلة اللحم ~~على الجملة في أي عضو كان من أعضاء الحيوان أعون على خفة نهوضه وسرعة تصرفه ~~في أموره (2). # 21 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر عنده شريح الحضري: " ذاك ~~رجل لا يتوسد القرآن ". وهذه من الاستعارات العجيبة، والكنايات الغريبة، ~~وهي تحتمل معنيين: # أحدهما مدح، والآخر ذم. فأما المدح فهو أن يكون المراد به أنه لا ينام عن ~~قراءة القرآن، بل يقطع ليله بالتهجد به والتصرف مع تلاوته، فيكون القائم ~~بدرسه كالمشتمل به، والنائم كالمتوسد له # PageV00P040 # كأنه جعله وسدا لخده وفراشا لجنبه. ومما يقوى هذا الوجه ما روى من قوله ~~عليه الصلاة والسلام، في حديث آخر: " يأهل القرآن لا توسدوا القرآن واتلوه ~~حق تلاوته ". # وأما المعنى الآخر الذي يحتمل الذم: فهو أن يكون المراد أنه غير حافظ ~~للقرآن فليس بخازن من خزنته، ms013 ولا وعاء من أوعيته، فإذا نام لم يكن متوسدا ~~له كما يتوسده من هو ظرف من ظروفه الحاوية له والمشتملة عليه. ومثل ذلك ما ~~روى عن أبي الدرداء أنه قال لرجل سأله عن طلب العلم: " لان تتوسد العلم خير ~~من أن تتوسد الجهل ". أراد لان تنام ومعك العلم خير من أن تنام ومعك الجهل، ~~فجعل العلم كالفراش الممتهد (1)، والوساد المتوسد (2). # 22 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، في كلام للأنصار: " أنتم الشعار، ~~والناس الدثار (3) ". وهذا مجاز، لأنه عليه الصلاة والسلام أراد أنكم أقرب ~~الناس منى، وأشدهم اشتمالا علي، فأنتم لي كالشعار، وهو الثوب الذي يلي بدن ~~الانسان، # PageV00P041 # والناس الدثار، لأنهم أبعد منى وأنتم بينهم وبيني، ومثل ذلك قولهم: فلان ~~من بطانة فلان، كناية عن القرب منه، والاختصاص به تشبيها ببطانة الثوب التي ~~تلى الجسد، وتكون أقرب إلى البدن (1). # 23 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " يكون قبل الدجال (2) سنون ~~خداعة "، وهذه استعارة لأنه جاء في التفسير أن المراد بذلك اتصال المحول ~~(3) وقلة الأمطار في تلك السنين. يقال: # خدع المطر إذا قل، والأصل فيه قولهم: خدع الريق إذا جف. # قال سويد بن أبي كاهل: # أبيض اللون لذيذ طعمه * طيب الريق إذ الريق خدع وجفوف الريق وقلته من ~~أسباب تغيره وفساده لأنه كلما كثر ماع، وكلما ماع طاب. وقيل السنون الخداعة ~~هي التي تخدع زكاء الزرع: أي تنقصه من قولهم: دينار خادع، وهو الذي ينقص من ~~وزنه أو من ذهبه. وقال عليه الصلاة والسلام: " سنون خداعة ". # والمطر هو الخادع إلا أن خدع المطر لما كان فيها حسن إجراء الاسم # PageV00P042 # عليها، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن قد استقصينا ذكرها في كتاب المجازات، ~~وقال بعضهم: بل السنون الخداعة التي يكثر فيها المطر ويقل العشب. وذلك ~~مأخوذ من الخديعة، فكأن هذه السنين يطمع أهلها في الخصب والامراغ بكثرة ~~أمطارها، ثم تخلف المخايل (1) باتصال جدبها وإمحالها. والقول الأول أقرب ~~إلى الصواب وأشبه بالمراد (2). # 24 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " تحابوا بذكر الله وروحه (3) "، ~~وهذا القول ms014 مجاز، لأنه صلى الله عليه وآله أراد # PageV00P043 # بالروح هاهنا القرآن تشبيها له بالروح القائمة بالحيوان المصححة لانتفاع ~~الأبدان، وهذا من التشبيه الواقع والتمثيل النافع، لان انتفاع الناس ~~بالقرآن في رشاد السبيل ومصالح الدنيا والدين كانتفاع الأبدان بالأرواح في ~~تصريف حركاتها وترتيب إرادتها، وتصحيح لذاتها وشهواتها. # وقد ذكرنا ذلك مشروحا في مواضع من كتابنا في علوم القرآن. # 25 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " قد أناخت بكم الشرف الجون ". ~~يعنى الفتن المتوقعة. وهذا القول مجاز لأنه عليه الصلاة والسلام شبه الفتن ~~بالنوق المسنات، لجلالة خطبها واستفحال أمرها و جعلها جونا، وهي السود ها ~~هنا (1)، لظلام منهجها والتباس مخرجها. والشرف جمع شارف: وهي الناقة ~~المسنة، وهم يشبهون الحرب بها، قال الكميت الأسدي يصف حربا: # مبسورة شارفا مصرمة (2) * محلوبها الصاب (3) حين تحتلبه يقال بسرت الناقة ~~وابتسرت إذا حمل عليها الفحل. ولم تضبع (4) # PageV00P044 # وقد يجوز أن يكون الفائدة في تشبيه الفتن بالمسنات من الإبل لأنها أكره ~~مناظر، وأقل منافع، كما شبهوا الحرب بالمرأة العجوز. فقال بعضهم في أبيات: # شمطاء عابسة عقيما بطنها * مكروهة للشم والتقبيل وقال بعض العلماء: الشرف ~~هاهنا الفتن التي يستشرفها الناس لعظمها. والصحيح التأويل الأول، وقد روى ~~هذا الحديث بلفظ آخر. رواه بعضهم: الشرق: الجون بالقاف، أي أمور عظام تأتى ~~من قبل المشرق، وكل ما أنى من ناحية المشرق فهو شارق، فشارق وشرق كشارف ~~وشرف، والقول الأول أصح في النقل وأشبه بطريقة القوم (1). # 26 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، في يوم حنين لما رأى مجتلد (2) ~~القوم: " الآن حمى الوطيس "، وهذه اللفظة # PageV00P045 # الأغلب عليها أنها من جملة الأمثال من كلامه عليه الصلاة والسلام، وقد ~~شرطنا ألا نذكر هاهنا ما تلك حاله إلا ن لها بعض الدخول في باب الاستعارة، ~~فلذلك رأينا الايماء إليها والتنبيه عليها، فقوله عليه الصلاة والسلام: " ~~الآن حمى الوطيس "، وهو يعنى حمس (1) الحرب وعظم الخطب، مجاز، لان الوطيس ~~في كلامهم حفيرة تحتفر فيوقد فيها النار للاشتواء، وتجمع على وطس، فإن ~~احتفرت للاحتياز (2)، فهي إرة وتجمع على إرين (3)، ولا ms015 وطيس هناك على ~~الحقيقة، وإنما المراد ما ذكرنا من حر القراع وشدة المصاغ (4)، والتفاف ~~الابطال، واختلاط الرجال، ومن هناك قالت العرب: # أو قدت نار الحرب بين آل فلان وآل فلان، وقال الله سبحانه مخرجا للكلام ~~على مطارح لسانهم ومعارف أوضاعهم: " كلما أو قدوا نارا للحرب أطفأها الله " ~~وتشبيه الحرب بالنار يكون من وجهين: # (أحدهما) لحر مواقع السيوف، وكرب (5) ملابس الدروع، # PageV00P046 # وحمى المعترك لشدة العراك وكثرة الحركات. # (والوجه الآخر) أن يكون إنما شبهت بالنار لأنها تأكل رجالها، وتفنى ~~أبطالها كما تأكل النار شعلها وتحرق حطبها (1). # 27 - ومن ذلك ما روى عنه عليه الصلاة والسلام، أنه قال - والخبر مطعون في ~~سنده -: " ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في ~~رؤيته "، وفي رواية أخرى: " لا تضارون في رؤيته " بالتشديد فيهما وفتح ~~التاء، وعامه المحدثين يقولون: تضارون وتضامون بالتخفيف وضم التاء، كأنه من ~~الضير والضيم: أي لا تختلفون في مطلعه، ولا تتمارون في رؤيته، فيضير بعضكم ~~بعضا، أو يضيم بعضكم بعضا في دفعه عن ذلك، أو الاستئثار به عليه والادراك ~~له دونه، فأما من روى: # تضارون وتضامون بفتح التاء والتشديد، فالضرار هاهنا راجع إلى معنى الضير ~~هناك لأنه من المضارة، وهي المفاعلة بين الاثنين، فكأن الضرار وقع بينهما ~~لأجل اختلافهما وتنازعهما، ومن قال لا تضامون بالتشديد، فمعناه: إنكم ترون ~~القمر رؤية جلية لا تحتاجون معها # PageV00P047 # إلى أن ينضم بعضكم إلى بعض طلبا لرؤيته واستعانة على مشاهدته، فهو مأخوذ ~~من الانضمام، وهو الاجتماع للتقوى على نظر الشئ البعيد أو الخفي الضئيل. # وهذا الخبر كما قلنا مطعون في سنده، ولو صح نقله وسلم أصله لكان مجازا ~~كغيره من المجازات التي تحتاج إلى أن تحمل على التأويلات الموافقة للعقل. ~~وبعد هذا فهذا الخبر من أخبار الآحاد فيما من شأنه أن يكون معلوما، فغير ~~جائز قبوله، لان كل واحد من المخبرين يجوز عليه الغلط فيما يخبر به، ويصح ~~كونه كاذبا في نقله، ولا يجوز أن يقطع في ديننا على الشئ من وجه يجوز الغلط ms016 ~~فيه، لأنا لا نأمن بالاقدام على اعتقاده من أن يكون جهلا، ولا نأمن من أن ~~يكون إخبارنا عنه كذبا، وإنما نعمل بأخبار الآحاد في فروع الدين وما يصح أن ~~يتبع العمل به غالب الظن. # ومما علقته عن قاضى القضاة أبى الحسن عبد الجبار بن أحمد عند بلوغي في ~~القراءة عليه إلى الكلام في الرؤية إلى من شرط في قبول خبر الواحد أن يكون ~~راويه عدلا، وراوي هذا الخبر قيس به أبى حازم عن جرير بن عبد الله البجلي، ~~وكان منحرفا عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، ويقال: إنه كان من الخوارج، ~~وذلك يقدح في عدالته ويوجب تهمته في روايته. وأيضا فقد كان رمى في عقله قبل ~~موته، وكان مع ذلك يكثر الرواية فلا يعلم هل روى هذا الخبر PageV00P048 # في الحال التي كان فيها سالم التمييز أو في الحال التي كان فيها فاسد ~~المعقول، وكل ذلك يمنع من قبول خبره، ويوجب اطراح روايته. # وأقول أنا: ومن شرط قبول خبر الواحد أيضا مع ما ذكره قاضى القضاة من ~~اعتبار كون راويه عدلا، أن يعرى الخبر المروى من نكير السلف، وقد نقل نكير ~~جماعة من السلف على راوي هذا الخبر منهم العرباض بن سارية السلمى، وهو من ~~مختصي الصحابة. وروى عنه أنه قال: من قال إن محمدا رأى ربه فقد كذب. وروى ~~أيضا عن بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام: # أنها قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله. # وقالت ذلك عند ذهاب بعض الناس إلى أن قوله تعالى: " ولقد رآه نزلة أخرى ~~". إنما أريد بها رؤية الله سبحانه، لا رؤية جبرائيل عليه الصلاة والسلام، ~~كما يقوله أهل العدل (1)، وأيضا ففي هذا الخبر كاف التشبيه لأنه قال: ترونه ~~كما ترون القمر الذي هو في جهة مخصوصة وعلى صفة معلومة، وإذا كان الامر كما ~~قلنا لم يكن للخبر ظاهر (2)، واحتجنا إلى تأوله كما احتجنا إلى ذلك في ~~غبره. وقد يجوز أن نحمله على ما حملنا عليه الآية، وهي قوله تعالى: ms017 # " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ". لأنا نقول إن في # PageV00P049 # الكلام إسقاط مضاف كأنه تعالى قال: إلى ثواب ربها ناظرة، فكذلك هذا الخبر ~~قد يجوز أن يكون المراد به إنكم ترون أشراط يوم المعاد وما وعد الله به ~~وأوعد من الثواب والعقاب كما ترون القمر ليلة البدر، يريد في البيان ~~والظهور والاصحار (1) للعيون. ولو كان هذا الخبر صحيح الأصل واضح النقل ~~لكان عندنا محمولا على العلم، لان إطلاق لفظ الرؤية بمعنى العلم في الكلام ~~مشهور، والاستشهاد على ذلك كثير. وهذا موضع المجاز الذي يختص ذكره بكتابنا ~~هذا. # وأما اعتراض المخالفين على هذا التأويل بأن النبي عليه الصلاة والسلام، ~~أخرج هذا الكلام مخرج البشارة لأصحابه، ولا يجوز أن يبشرهم بمعنى كان حاصلا ~~لهم في الدنيا، وهو العلم بالله سبحانه، فهو اعتراض عليل واحتجاج مدخول، ~~وذلك لان العلم بالله سبحانه علم استدلال تعترضه الشكوك وتعتوره الشبه ~~والظنون، ويحتاج العالم في حل عقود تلك الشبه إلى كلف ومشاق تتعب الخواطر ~~وتعنى الناظر، فبشرهم عليه الصلاة والسلام بأن ذلك يزول في الآخرة، فيكون ~~علمهم بالله سبحانه اضطرارا غير مشوب بكلفة ولا معقود بمشقة. وهذا كقول ~~القائل منا إذا أراد أن يخبر عن شدة تحققه للشئ: أنا أعلم هذا الامر كما ~~أرى هذه الشمس، وقوله من بعد # PageV00P050 # لا يضامون في رؤيته أو لا يضارون بالتخفيف، والتشديد على الخلاف الذي ~~قدمنا ذكره مقو للتأويل الذي تأولناه من معنى العلم الذي لا شبهة فيه ولا ~~شك يعتريه، والصحيح أن يكون الضمير في قوله: # لا تضامون في رؤيته راجعا إلى القمر، لا إلى الله سبحانه كأنه قال: # تعلمون ربكم كما ترون القمر، لا تضامون في رؤيته: أي في رؤية القمر. وقد ~~يجوز أيضا أن يكون الضمير راجعا إلى الله سبحانه، ويكون بمعنى العلم كأنه ~~قال: تعلمون ربكم كما ترون القمر، لا تضامون في علمه: أي في علم ربكم (1). # 28 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل ~~آية ظهر وبطن "، وهذا القول مجاز، لأنه ms018 لا ظهر للآية ولا بطن على الحقيقة، ~~وإنما المراد أن لها فحوى وظاهرا وسرا وباطنا، فالظهر ها هنا بمعنى الظاهر، ~~والبطن بمعنى الباطن، وهذا القول ينصرف إلى الآي المتشابهة دون الآيات ~~المحكمة، لان المتشابهة هي التي لا ظهر لها، والمحكمة هي التي لا بطن لها. # PageV00P051 # والمتشابهة هي التي يستعمل فيها الفكر، ويتفاضل العلماء في استفتاح ~~مبهمها واستنطاق معجمها (1). # 29 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " والخيل معقود بنواصيها الخير ~~"، وهذا القول مجاز لان الخير في الحقيقة ليس يصح أن تعقد به نواصي الخيل، ~~وإنما المراد أن الخير كثيرا ما يدرك بها ويوصل إليه عليها، فهي كالوسائل ~~إلى بلوغه، والأرشية إلى قليبه (2) فكأنه معقود بنواصيها لشدة ملازمته لها، ~~وكثرة انتهاز فرصه بها لأنهم عليها يدركون الطوائل (3)، ويحبون المغانم، ~~ويفوقون الأعداء، ويبلغون العلياء. ومما يقوى ذلك ما روى من تمام هذا ~~الخبر، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: " الخيل معقود بنواصيها الخير: الاجر ~~والغنيمة إلى يوم القيامة "، وفي هذا الكلام حث على ارتباط الخيل لما في ~~ذلك من الغنم العاجل والاجر الآجل، فأما # PageV00P052 # الغنم فما يدرك بها من الأسلاب والأنفال (1)، وأما الاجر فعلى ما يدفع ~~بها من أعداء الاسلام وأشياع الضلال، وكلا الامرين خير تنحوه الطلبات (2)، ~~وتتعلق به الرغبات (3). # 30 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تسأل المرأة طلاق أختها ~~لتكتفئ ما في إنائها "، وفي هذا الكلام استعارة، لأنه عليه الصلاة والسلام ~~أراد أن المرأة لا ينبغي لها أن تطلب طلاق أختها لتتصل بالزوج الذي كان لها ~~طلبا لان تجر حظها إليها، وتستبد بالنفع عليها، فتكون كأنها اكتفأت ما في ~~إنائها: # أي أمالت الاناء إلى نفسها فقلبته لتستفرغ ما فيه وتستأثر عليها به. # يقال: كفأت الاناء إذا كببته، واكتفأته إذا شربت ما فيه أجمع أو أكلت ما ~~فيه أجمع (4). # PageV00P053 # 31 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " تنكح المرأة لميسمها (1) "، ~~وهذا القول مجاز لأنه لا ميسم هناك. ولا يبعد أن يكون هذا الكلام داخلا في ~~حيز الحقيقة، ويكون الميسم مفعلا من الوسامة. يقال: ms019 وسمت المرأة وسامة، ~~وإنها ذات ميسم وجمال وهذا القول مجاز، لأنه لا ميسم هناك على الحقيقة، ~~وإنما أراد عليه الصلاة والسلام أنها تنكح لاثر الجمال الظاهر عليها، وجعل ~~الجمال ميسما لها مبالغة في وصفه بالعلوق بها والظهور على وجهها كما يشهر ~~أثر الميسم الذي تكوى به الإبل فلا يذهب إلا بذهاب الجلد الذي أثر فيه وعلق ~~به. ويقولون في أمثالهم، يبقى بقاء الوسم: إذا وصفوا الامر بالخلود والدوام ~~والبقاء على الأيام. # 32 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الاسلام يجب ما قبله "، وهذا ~~القول مجاز، لان أصل الجب هو اختزال السنام من أصله، فكأنه عليه الصلاة ~~والسلام جعل الاسلام مستأصلا # PageV00P054 # لكل ذنب تقدم للانسان قبله حتى لا يدع له جناية يحذر عاقبتها ولا معرة ~~يسوء الحديث عنها بل يعفى على ما تقدم من السوءات، ويحثو على ما ظهر (1) من ~~العورات. # 33 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في وصيته لأمراء الجيش الذي بعثه ~~إلى مؤتة (2): " وستجدون آخرين للشيطان في رؤوسهم مفاحص فاقلعوها بالسيوف ~~"، وهذه من الاستعارات العجيبة، والمجازات اللطيفة. وذلك أن من كلام العرب ~~أن يقول القائل منهم إذا أراد أن يصف إنسانا بشدة الارتكاس في غيه ~~والارتكاض في عنان بغيه قد فرخ الشيطان في رأسه أو قد عشش الشيطان في قلبه، ~~فذهب عليه الصلاة والسلام إلى ذلك الوضع وبنى على ذلك الأصل، فقال للشيطان ~~في رؤوسهم مفاحص والمفحص في الأصل الموضع الذي تبحثه القطاة لتجثم عليه أو ~~لتبيض فيه (3). وإنما قيل له مفحص لأنها لا تجثم فيه إلا بعد أن تفحص ~~التراب عنه توطئة لمجثمها وتمهيدا لجسمها. ويقال ما بقي لفلان مفحص قطاة ~~إذا # PageV00P055 # لم يبق له ربع يؤويه ولا جرئ (1) يكون فيه. فيحتمل قوله عليه الصلاة ~~والسلام: للشيطان في رؤوسهم مفاحص أحد معنيين. # (أحدهما) أن يكون أراد أن الشيطان قد بدأ يختدعهم، ويغرهم، ويستهويهم ~~ويضلهم، ولم يبلغ بعد من ذلك غايته، ولا استوعب خديعته كالقطاة التي بدأت ~~باتخاذ المفحص لتبيض به وترتب فراخها فيه. # (والمعنى الآخر) أن يكون ms020 أراد أن الشيطان قد استوطن رؤوسهم. فجعلها له ~~مقيلا، ومبركا، وملعبا، ومتمعكا (2). كما تتخذ القطاة مفحصا لتأوى إليه ~~وتستجن فيه (3). # 34 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " أجد نفس بكم من قبل اليمن "، ~~وهذا القول مجاز، لأنه عليه الصلاة والسلام أراد أن غوث الله ونصره يأتيان ~~من قبل اليمن يعنى القبيلة لا البلدة، والقبيلة هم الأنصار الذين نفس الله ~~بهم خناق الدين، # PageV00P056 # وكشف بأيديهم كرب المؤمنين. ومن كلامهم: أنت في نفس من أمرك: أي في متسع ~~طويل ومضطرب عريض. ويقول القائل: # اللهم، نفس عنى، أي فرج كربى، واكشف همى. ومما يقوى هذا التأويل الحديثان ~~المرويان عنه عليه الصلاة والسلام في مثل هذا المعنى وأحدهما قوله عليه ~~الصلاة والسلام: " لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن ". يريد أنه تعالى ~~يفرج بها الكروب ويطرد بها الجدوب (1). والحديث الآخر قوله عليه الصلاة ~~والسلام: " الريح من روح الله ". فقوله عليه الصلاة والسلام من روح الله ~~كقوله: # من نفس الرحمن، والمعنيان متقاربان (2). # 35 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الحمى رائد الموت، وهي سجن ~~الله في الأرض يحبس بها عبده إذا شاء ويرسله إذا شاء "، وفي هذا الكلام ~~استعارتان عجيبتان: # (إحداهما) قوله عليه الصلاة والسلام: الحمى رائد الموت. # تشبيها لها برائد الحي الذي يتقدمهم فيرتاد لهم مساقط السحاب # PageV00P057 # ومنابت الأعشاب، فيكون ارتحالهم على خبره، واستنامتهم إلى نظره. ومنه ~~الحديث: الرائد لا يكذب أهله " فكأنه عليه الصلاة والسلام جعل الحمى مقدمة ~~للموت وطليعة للحتف. # (والاستعارة الأخرى) قوله عليه الصلاة والسلام: وهي سجن الله في الأرض ~~يحبس بها عبده إذا شاء ويرسله إذا شاء. فكأنه عليه الصلاة والسلام شبهها ~~بالسجن من حيث منعت صاحبها من التصرف والاضطراب وغفلته عن قضاء الآراب (1)، ~~فكان أسيرها حتى تطلقه ورقيقها حيت تعتقه، ومثل ذلك الحديث الآخر وهو قوله ~~عليه الصلاة والسلام: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " لأنه عليه الصلاة ~~والسلام شبه الدنيا بالسجن للمؤمن من حيث قصر فيها خطوه عن اللذات، وكبح ~~لجامه عن الشهوات، وحصر نفسه عن التسرع إلى ما ms021 تدعو إليه الدواعي المخزية، ~~والأهواء المردية. # وكان زمام نفسه وخطامها، وهاديها وإمامها، خائفا خوف الجاني المرعوب، ~~والطريد المطلوب، في عصبة عملوا للمعاد، وفطنوا للزاد، تحسبهم من طول ~~سجودهم أمواتا، ومن طول قيامهم نباتا. # ومن أحسن ما سمعته في هذا المعنى أن بعض الزهاد المنقطعين طلب القوت من ~~بعض الراغبين المفتونين، فقيل له في ذلك. فقال: # PageV00P058 # أنا مسجون وهو مطلق وهل يأكل المسجون إلا من يد المطلق. # وشبهها عليه الصلاة والسلام بالجنة للكافر من حيث استوعب فيها شهواته، ~~واستفرغ لذاته، وقضى فيها الأوطار، وتعجل المسار، واستهواه عاجل حطامها. ~~وريق جمامها (1). فنسى العاقبة واستهان بالمغبة فكان ميت الاحياء كما كان ~~المؤمن حي الأموات. ولى في بعض كتبي فصل هو لائق بهذا الموضع. وذلك قولي: ~~فالحمد لله الذي جعل أهل طاعته أحياء في مماتهم، كما جعل أهل معصيته أمواتا ~~في حياتهم (2). # 36 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " كيف أنتم إذا مرج الدين " في ~~حديث طويل. وفي هذا القول مجاز لان أصل # PageV00P059 # قولهم مرج الشئ (1) مأخوذ من القلق والاضطراب، والمجئ والذهاب. يقال: مرج ~~الخاتم في الإصبع إذا قلق وتحرك، فكأنه عليه الصلاة والسلام وصف دين الناس ~~على ذلك العهد بالتكفي (2) والمرجان (3)، واضطراب الأركان. والمراد بذلك ~~اضطراب أهل الدين فيه، وقلة ثباتهم عليه. قال الشاعر: # مرج الدين فأعددت له * مشرف الحارك (4) محبوك الكبد (5) # PageV00P060 # ومثل هذا الحديث الحديث الآخر وهو قوله عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن ~~عمرو: " كيف أنت إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم ": ~~أي لا يستقرون على عهد، ولا يقيمون على عقد، يصفهم عليه الصلاة والسلام ~~بقلة الثبات، وكثرة الانتقالات. والمراد أصحاب الأمانات والعهود، وإن كان ~~ظاهر اللفظ يتناولها وصريح الكلام يتعلق بها. وذلك أيضا من جملة المجازات ~~المقصود بيانها في هذا الكتاب. والحثالة: الردئ من كل شئ. وأصله ما يتهافت ~~من قشارة التمر والشعير. يقال: # حثالة وجفالة وحفالة وجثالة (1). فشبه عليه الصلاة والسلام بذلك الرذال ~~(2) الباقين من الخيار الذاهبين. وهذا أيضا داخل في باب المجاز (3). # 37 - ومن ms022 ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وقد خرج ذات # PageV00P061 # يوم محتضنا أحد ابنيه الحسن أو الحسين عليهما السلام: " لتجبنون وتبخلون ~~وتجهلون وإنكم لمن ريحان الله، وإن آخر وطأة وطئها الله بوج ". في كلام ~~طويل، وفي هذا الكلام مجازان: # (أحدهما) قوله عليه الصلاة والسلام " وإنكم لمن ريحان الله ". وللريحان ~~ها هنا وجهان: أحدهما يكون الكلام به استعارة، والآخر يكون به حقيقة. فأما ~~الوجه الذي يكون به حقيقة، فهو أن يكون الريحان بمعنى الرزق. وقد قيل إنه ~~الرزق الذي يؤكل خصوصا. ومن كلامهم: خرجنا نطلب ريحان الله: أي رزق الله، ~~والولد من رزق الله سبحانه، فصار الكلام حقيقة. وأما الوجه الذي يكون به ~~استعارة، فهو أن يكون الريحان هاهنا يريد به النبت المخصوص الذي يستطاب ~~للشميم، فجعل الولد بمنزلته لأنه يستلذ شم ريحه ويستروح إلى استنشاق عرفه. ~~وعادة الناس معروفة في شم الولد وضمه. وأصل الريحان مأخوذ من الشئ الذي ~~يستروح إليه ويتنفس من الكرب به. وعلى ذلك قول الشاعر: # سلام الاله وريحانه * ورحمته وسماء درر (1) وأصله من الواو كأنه مأخوذ من ~~الروح. # (والمجاز الآخر) قوله عليه الصلاة والسلام: " وإن آخر # PageV00P062 # وطأة وطئها الله بوج "، وأصح ما قاله العلماء في تأويل هذا الخبر أن فيه ~~مضافا محذوفا تقديره أن يكون، وإن آخر وطأة وطئها جند الله أو رسول الله ~~بوج، ووج جبل بالطائف. وهذا كما تقوله في قوله تعالى: " والذين يؤذون الله ~~ورسوله ". أي يؤذون أولياء الله وأصفياء الله، لان حقيقة الأذى لا يصح على ~~الله سبحانه، والمراد بذكر الوطأة بوج أن آخر إيقاع الله سبحانه بالمشركين ~~على أيدي المؤمنين بوج، ولذلك قال سفيان بن عيينة: آخر غزاة غزاها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله، الطائف. # يريد أنه لم يغز بعدها غزاة فيها قتال، لان مخرجه عليه الصلاة والسلام ~~إلى تبوك من بعد لم يلق فيه كيدا ولم يقابل أحدا. والعرب تكنى عن الوقيعة ~~أو الحال الشديدة بالوطأة يقولون: وطئ آل فلان آل فلان في يوم كذا وفي مكان ~~كذا وطئا شديدا. ومنه ms023 ما حكى عن أبي سفيان بن حرب أنه خرج يوما بعد وفاة ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى ظاهر المدينة، فلما نظر إلى أحد قال: لقد ~~وطئنا محمدا وأصحابه ها هنا وطئا شديدا. ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة ~~والسلام: " اللهم اشدد وطأتك على مضر ". أي أصبهم بالشدائد وأقرعهم ~~بالقوارع، ومنه قول الشاعر. PageV00P063 # ووطئتنا وطئا على حنق (1) * وطأ المقيد نابت الهرم (2) وإنما قال المقيد ~~لان وطأه أشد واعتماده أثقل. وقال الآخر: # * وطئنا تميما وطأة المتشاغل * وقوله عليه الصلاة والسلام في أول الحديث: ~~" إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون "، يريد به أنكم لتجبن الناس آباءكم ~~وتبخلهم وتجهلهم (3). فأضاف هذه الأحوال إلى الأبناء إذ كانوا شبها للآباء ~~وهذا أيضا مجاز ثالث في الخبر الذي كلامنا عليه (4). # 38 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لو يعلمون ما يكون في هذه ~~الأمة من الجوع الأغبر، ومن الموت الأحمر ". # PageV00P064 # وهاتان الاستعارتان من أحسن الاستعارات، لان الجوع أبدا إنما كان يلحق ~~العرب في اللاواء (1) والأزمات والسنين المجدبات، وتلك السنون تسمى غبرا ~~لاغبرار آفاقها من قلة الأمطار، وأراضيها من عدم النبات والأعشاب، ويقولون: ~~هذه حجج (2) غبر إذا كانت كذلك، ألا ترى إلى قول الشاعر: # أغر يباري الريح في كل شتوة * إذا اغبر أقدام الرجال من المحل وقيل عام ~~الرمادة (3) لهذا المعنى على أحد القولين، والقول الآخر: # أنه إنما سمى بذلك لهلاك الناس فيه مأخوذ من الرمد وهو الهلاك، قال ~~الشاعر: # صببت عليهم حاصبي فتركتهم * كأضرام (4) عاد حين جللها الرمد أي الهلاك. # والاستعارة الأخرى قوله عليه الصلاة والسلام: والموت الأحمر، وهذه طريقة ~~للعرب في وصف اليوم العماس (5)، واشتداد البأس # PageV00P065 # بالحمرة. فكما يقولون: يوم أحمر، كذلك يقولون: موت أحمر. # قال الشاعر في صفة الأسد: # إذا علقت أظفاره في فريسة * رأى الموت في عينيه أحمر أسودا وقد يجوز أن ~~يكونوا إنما وصفوا يوم الحرب بالحمرة لاحمرار أرضه وسلاحه بأسابي النجيع ~~(1)، والعلق (2) الصبيب لكثرة الجراح التي يحمر من نضحها معارف (3) ~~الأبدان، وسرابيل الاقران، وإذا ساغ هذا في صفة اليوم ساغ مثله في صفة ms024 ~~الموت. # 39 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لأزواجه: # " أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا (4) "، والحديث أنهن لما سمعن منه صلى الله ~~عليه وعلى آله هذا القول جعلن يتذارعن (5) ينظرن أيهن أطول يدا إلى أن ~~توفيت زينب بنت جحش بن رباب # PageV00P066 # الأسدي أول من توفى منهن، وكانت كثيرة المعروف، فعلمن حينئذ أنه عليه ~~الصلاة والسلام إنما أراد بطول اليد كثرة البر وبذل الوفر، وكنايته عليه ~~الصلاة والسلام عن هذا المعنى بطول اليد مجاز وأتساع، لان الأغلب أن يكون ~~ما يعطيه الانسان غيره من الرفد والبر أن يعطيه ذلك بيده فسمى النيل (1) ~~باسم اليد، إذ كان في الأكثر إنما يكون مدفوعا بها ومجتازا عليها. وقد ~~أشرنا إلى هذا المعنى فيما تقدم. # ومثل ذلك قول أمير المؤمنين علي عليه السلام: من يعط باليد القصيرة يعط ~~باليد الطويلة، ومعنى هذا القول أن من يبذل خير الدنيا يجزه الله خير ~~الآخرة، وكنى عليه السلام عما يبذل من نفع الدنيا باليد القصيرة لقلته في ~~جنب نفع الآخرة، لان ذلك زائل ماض وهذا مقيم باق. وقد ذكرنا ذلك في كتابنا ~~الموسوم بنهج البلاغة، وقد جمعوا اليد التي هي الجارحة على أيد وأياد، وهو ~~شاذ فيها كما جمعوا اليد التي هي العطية على أياد وأيد وهو شاذ فيها (2)، ~~وقد جاء أيضا في جمعها يدي (3). أنشدنا شيخنا أبو الفتح عثمان بن جنى، # PageV00P067 # وأبو الحسن علي بن عيسى الربعي، وأظنه من أبيات الكتاب (1): # ولن أذكر النعمان إلا بصالح * فإن له عندي يديا وأنعما (2) 40 - ومن ذلك ~~قوله عليه الصلاة والسلام " مات حتف أنفه ". وذلك مجاز لأنه جعل الحتف ~~لانفه خاصا وهو في الحقيقة له عاما. لان الميت على فراشه من غير أن يعجله ~~القتل إنما يتنفس شيئا فشيئا حتى ينقضى ذماؤه (3) وتفنى حوباؤه (4)، فخص ~~عليه الصلاة والسلام الانف بذلك لأنه جهة لخروج النفس وحلول الموت. ولا ~~يكاد يقال ذلك في سائر الميتات حتى تكون الميتة ذات مهلة. وتكون النفس غير ~~معجلة، فلا يستعمل ذلك في الميتة بالغرق والهدم وجميع فجأة ms025 الموت، وإنما ~~يستعمل في العلة المطاولة، والميتة المماطلة. وروى عن أمير المؤمنين علي ~~عليه السلام أنه قال: ما سمعت كلمة عربية من العرب إلا وقد سمعتها من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله، وسمعته # PageV00P068 # يقول: مات حتف أنفه. وما سمعتها من عربي قبله (1). # 41 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إياكم وخضراء الدمن "، ولهذا ~~القول تملق بباب المجاز. وللعلماء في تأويله قولان: أحدهما أنه عليه الصلاة ~~والسلام نهى عن نكاح المرأة على ظاهر الحسن، وهي في المنبت السوء أو في ~~البيت السوء. # فوجه المجاز من هذا القول أنه عليه الصلاة والسلام شبه المرأة الحسناء ~~بالروضة الخضرة لجمال ظاهرها، وشبه منبتها السوء بالدمنة لقباحة باطنها، ~~والدمنة: هي الأبعار المجتمعة تركبها السوافي ويعلوها الهابي (2). فإذا ~~أصابها المطر أنبتت نباتا خضرا يروق منظره ويسوء مخبره، فنهى عليه الصلاة ~~والسلام عن نكاح المرأة إذا كانت مغموضة (3) في نفسها، أو مطعونا عليها في ~~نسبها، لان أعراق السوء تنزع إلى ولدها وتضرب في نسلها. قال الشاعر: # PageV00P069 # وأدركنه خالاته فخذلنه * ألا إن عرق السوء لابد مدرك والقول الآخر أن ~~يكون عليه الصلاة والسلام، إنما نهى في الحقيقة عن تعارض النفاق وتغاير ~~الأخلاق، وأن يتلقى الرجل أخاه بالظاهر الجميل، وينطوى على الباطن الذميم، ~~وأن يخدعه بحلاوة اللسان، ومن خلفها مرارة الجنان. وإلى هذا المعنى ذهب ~~الشاعر في قوله: # وقد ينبت المرعى على دمن (1) الثرى * وتبقى حزازات النفوس كما هيا كأنه ~~أراد إنا وإن لقيناكم بظاهر الطلاقة والبشر، فإنا نضمر لكم على باطن الغش ~~والغمر (2)، ومثل هذا قول الآخر: # وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغن * كما طر (3) أوبار الجراب (4) على النشر ~~وقال أهل العربية: النشر أن ينبت وبر البعير وتحته داء العر # PageV00P070 # وهو الجرب، فيرى كأن ظاهره سليم وباطنه سقيم (1). # 42 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الأنصار كرشي وعيبتي "، وفي ~~هذا القول مجازان: # (أحدهما) قوله عليه الصلاة والسلام: كرشي. ويحتمل ذلك معنيين: (أحدهما) ~~أن يكون أراد عليه الصلاة والسلام أنهم مادتي التي أقوى بها، وأفزع إليها ~~كما تفزع ذوات ms026 الاجترار إلى أكراشها في انتزاع لجرة منها، والاعتماد عند ~~فقد المرعى عليها. فأراد عليه الصلاة والسلام أن الأنصار رحمة الله عليهم ~~يمدونه بأنفسهم، ويكون معوله في السراء والضراء عليهم. # و (المعنى الآخر) أن يكون المراد أن الأنصار أهلي وعيالي وحامتي (2) ~~وجماعتي، والكرش اسم للجماعة. قال الشاعر: # وسبينا بنات قيصر قسرا * واستبحنا كركرا (3) وكروشا أي جماعات. وقال أبو ~~زيد: الكرش اسم من أسماء الأصل كالسنخ والجذم، وما في معناهما، ويقول ~~القائل لفلان: كرش # PageV00P071 # منثورة إذا أراد أنه ذو كثرة من العيال وعدد من الأولاد، ومعنى منثورة ~~أنهم متفرقون متشعبون لان الكرش مجتمعة، وهؤلاء مع شبههم بها كالشعب ~~المتفرقة. وإنما شبه العيال والأولاد بالكرش لأنها في الانعام مستقر ~~لأعلافها، ومغيض لما يصل إلى أجوافها، وكذلك عيال الرجل وولده إليهم تنصرف ~~مكاسبه، وعليهم تنفق خزائنه. # (والمجاز الآخر) قوله عليه الصلاة والسلام: وعيبتي (1)، وأراد أنهم موضع ~~ثقتي ومستودع نفثتي، ومكان سرى ولجأ (2) ظهري، كالعيبة التي يودعها الانسان ~~نفائس ذخره (3)، وكرائم وفره، ويكون ما استودعها قوة لظهره، وعدة لدهره. ~~وقد ذكر الواقدي في كتاب المغازي هذا الكلام في جملة خطبة النبي التي خطب ~~بها قبل وفاته بزيادة في ألفاظه. فقال: قال صلى الله عليه وآله: " ألا إن ~~الأنصار عيبتي التي آوى إليها ونعلي التي أطأ بها وكرشي التي آكل فيها ". ~~وهاهنا زيادة مجاز لم تكن هناك، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ونعلي التي ~~أطأ بها. ولهذا القول وجهان: # PageV00P072 # (أحدهما) أن يكون شبههم بالنعل؟؟ التي تقى القدم نكت الظراب (1)، ووخز ~~الشباك (2)، وما في معنى ذلك. فأراد أنهم تقوية ضد الأعداء واشتداد ~~اللاواء. # (والوجه الآخر) أن يكون أراد أنهم جنوده التي يطأ بها البلاد، ويغلب ~~الأضداد. وتقول العرب: داس آل فلان آل فلان، ووطئ بنو فلان بنى فلان إذا ~~كانوا الغالبين لهم والعالين عليهم. ومن ذلك ما حكى عن أبي سفيان بن حرب ~~أنه قال وقد مر بأحد: لقد دسنا هاهنا محمدا وأصحابه دوسة منكرة، ويروى ~~وطئنا (3). # 43 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام " لحكيم بن حزام ms027 بن خويلد بعد ~~إسلامه وقد ألحف في سؤاله صلى الله عليه وآله # PageV00P073 # لما قسم غنائم هوازن: يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة ~~(1) نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف (2) نفس لم يبارك له فيه ". في كلام ~~أكثر من هذا، فقوله عليه الصلاة والسلام: " إن هذا المال خضرة حلوة " مجاز ~~لأنه شبه حلاوة المال في القلوب بحلاوة الثمرة الطيبة في الأفواه، فكما أن ~~هذه الثمرة الحلوة تشرف النفس إليها ويكثر التتبع لها، فكذلك الأموال ~~الدثرة (3) تلهج النفس لها ويكثر النزوع إليها. وفي قوله عليه الصلاة ~~والسلام: " خضرة حلوة " سر لطيف. وهو أنه شبه المال بالثمرة التي حسن ~~منظرها وطاب مخبرها، وليس كل ثمرة مأكولة كذلك صفتها لان في النابتات ~~والثمرات ما يحسن ظاهره ويقبح باطنه، ومنها ما تقبح ظواهره وتحسن مخابره. ~~فجعل عليه الصلاة والسلام المال من قسم النابتات التي تروق في العيون وتحلو ~~في الأفواه والقلوب، والمال على الحقيقة بهذه الصفة لان العيون تعلقه (4)، ~~والقلوب تمقه (5). ومما يشبه ذلك قوله عليه الصلاة والسلام " من خضر له في ~~شئ لزمه (6) " والمراد من اعتاد الانتفاع بشئ علق به وتوكل # PageV00P074 # عليه. فكأنه شبه تلويح الامر بنفعه، وإبدائه بالخير المرجو من جهته ~~بالخضرة الطالعة إذا أذنت بالثمرة اليانعة (1). # 44 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الصدقة (2) عن ظهر غنى (3) "، ~~وهذا القول مجاز. لان المراد بذلك أن المتصدق إنما يجب عليه الصدقة إذا ~~كانت له قوة من غنى والظهر هاهنا عبارة عن القوة، فكأن المال للغنى بمنزلة ~~الظهر الذي عليه اعتماده، وإليه سناده. ومن ذلك قولهم: فلان ظهر لفلان إذا ~~كان يتقوى به ويلجأ في الحوادث إليه، وقد جاء في السير: أن المسلمين كانوا ~~عند حفر الخندق بالمدينة يرتجزون بجعيل بن سراقة الضمري (4) ويقولون: # سماه من بعد جعيل عمرا * وكان للبائس يوما ظهرا وكان النبي عليه الصلاة ~~والسلام يقول معهم: عمرا وظهرا ولا يقول باقي الشعر. وكان جعيل بن سراقة ~~يعمل معهم ويقول # PageV00P075 # مثل قولهم ويضحك إليهم، فعلموا أنه لا يسوؤه ms028 ارتجازهم به. وكان النبي ~~عليه الصلاة والسلام قد سماه عمرا، واسمه الأظهر جعيل. # ويقال جعال. وكان رجلا صالحا من قدماء المهاجرين ومن البدريين والذين ~~شهدوا المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وآله. وكان له مع ذلك اختصاص ~~بخدمته وملازمة لمعزله (1). وكان من فقراء الصحابة لما قسم النبي صلى الله ~~عليه وآله، غنائم حنين، لم يعط الأنصار منها شيئا ولا كثيرا من المهاجرين ~~وفرقها في قريش والمؤلفة قلوبهم ليثبتوا على الاسلام ويؤمن منهم الفساد، ~~وكان جعيل بن سراقة ممن حرم العطية فكلم سعد بن أبي وقاص النبي عليه الصلاة ~~والسلام في شأنه وقال: يا رسول الله تحرم جعيلا مع ما تعلمه من خلته (2)، ~~ومع ما له من حرمته، وتعطى عيينة بن حصن والأقرع ابن حابس (3) وفلانا ~~وفلانا. فقال عليه الصلاة والسلام: " أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة ~~خير من طلاع (4) الأرض مثل عيينة والأقرع، ولكني تألفتهما ليسلما ووكلت ~~جعيل بن سراقة إلى إسلامه ". # PageV00P076 # ومما في هذا المعنى أيضا قول القائل: أعطيت فلانا كذا عن ظهر يد أي عن ~~امتناع وقوة ولم أعطه عن خيفة وذلة. هذا المعنى ضد قوله سبحانه حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون. فكأن خلع لفظ الظهر من الكلام غير المعنى. ~~والمراد بذلك هاهنا على الأظهر من التأويلات التي ذكرناها في كتاب مجازات ~~القرآن أن يكون حتى يعطوا الجزية عن قهر وذلة وخيفة ورقبة. فهو نقيض قول ~~القائل: أعطيته عن ظهر يد أي عن اختيار ومشيئة واستظهار قوة (1). 45 - ومن ~~ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " اللهم إني أحمدك على العرق الساكن (2) ~~والليل النائم (3) "، ووصف الليل # PageV00P077 # بالنوم مجاز، لان النوم إنما يكون فيه لا منه، ولكنه لما كان مطية للنوم ~~وظرفا له حسن أن يوصف به ويضاف إليه، وعلى هذا قول جرير: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطي بنائم (1) 46 - ومن ~~ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من أكل من هاتين البقلتين (2) فلا يقربن ~~مسجدنا فمن كان آكلهما لابد فليمتهما (3) طبخا " وهذا ms029 القول مجاز لان ~~الإماتة على الحقيقة لا تلحق إلا ذا حياة، وإنما المراد فليستخرج ما فيهما ~~من القوة التي عنها # PageV00P078 # تكون شدة الرائحة المكروهة، بالطبخ تشبيها بالميت الذي لا يبلغ إلى ~~مفارقة الحياة إلا بعد بلوغ قوته منقطعها وتفريق الموت مجتمعها. # وفي رواية أخرى فليمثهما (1) طبخا بالثاء، أي فليطبخهما حتى تتفتتا ~~فتتماثا (2). # 47 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " المؤمن مرآة أخيه "، وفي رواية ~~أخرى: " مرآة أخيه المؤمن يرى فيه حسنه وقبحه " وهذا القول مجاز واستعارة. ~~والمراد أن المؤمن الناصح لأخيه المؤمن يبصره مواقع رشده، ويطلعه على خفايا ~~عيبه. # فيكون كالمرآة له ينظر فيها محاسنه: فيستحسنها ويزداد منها، ويرى مساويه ~~فيستقبحها وينصرف عنها (3). # PageV00P079 # 48 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " اليمين الفاجرة تدع الديار ~~بلاقع "، وهذا القول مجاز لان اليمين الفاجرة على الحقيقة لا تخرب الديار ~~ولا تعفى الآثار، وإنما المراد أن الله سبحانه إذا أقدم الحالف على اليمين ~~الفاجرة استهانة بها واستغرارا بالعقوبة، المرصدة عليها قطع تعالى دابره ~~وأخرب منازله ورداه رداء خزيه وقنعه قناع بغيه (1). # 49 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث يختص بصلاة الجمعة: " ~~تصلى في حلاقيم البلاد "، وهذا الكلام مجاز، وحلاقيم البلاد عبارة عن ~~نواحيها وأطرافها والمداخل إليها فكأنه عليه الصلاة والسلام شبه تلك ~~الأطراف المفضية إلى الأوساط بالحلاقيم التي هي الطرق إلى الأحشاء والأجواف ~~(2). # بسم الله الرحمن الرحيم 50 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إني ~~ممسك # PageV00P080 # بحجزكم (1) هلموا (2) عن النار وتغلبونني تقاحمون (3) فيها تقاحم الفراش ~~(4) والجنادب وأوشك أن أرسل حجزكم (5) "، وفي هذا الكلام مجاز وتوسع. ذلك ~~أن المراد به أنه عليه الصلاة والسلام يبالغ في زجر أمته عن التقحم في ~~المعاصي والارتكاس في المضال والمغاوي بشكائم (6) المنع وخزائم (7) الردع. ~~فشبه ذلك عليه الصلاة والسلام بإمساك الرجل بحجزة صاحبه إذا كاد أن يسقط في ~~مهواة، أو يرتكس في مغواة: ليتماسك بإمساكه، وينجو بعد إشفاقه. فلما شبه ~~إحدى الحالتين بالأخرى أجرى عليها الاسم على سبيل المجاز # PageV00P081 # وطريق الأنساع. وحسن أن يقول عليه الصلاة والسلام: ms030 إنني آخذ بحجزكم عن ~~النار، ومراده عن الأعمال المؤدية إلى دخول النار، لان السبب للشئ جار مجرى ~~نفس الشئ. ومما يبين أن المراد ذلك إنهم لم يكونوا في حال سماعهم لهذا ~~الخطاب متهافتين في النار وإنما كانوا في الأعمال التي يستحقون بها عذاب ~~النار. ومما يشبه هذا الخبر ما روى من قوله عليه الصلاة والسلام: " يخرج من ~~النار قوم بعد ما امتحشوا (1) وصاروا حمما (2) وفحما "، فمعنى هذا الكلام ~~عندنا أنه يخرج من استحقاق النار بالتوبة قوم هذه صفتهم، وهذا على طريق ~~المجاز، أي أنهم بأعمالهم المؤدية إلى دخول النار كمن أحرق بضرمها وصار من ~~حممها، ومعنى امتحشوا: أحرقوا، المرجئة (3) يحملون هذا الخبر على ظاهره ولا ~~يفزعون إلى تأويله. # ومعنى هلموا عن النار: أي ارجعوا إلى طاعة الله سبحانه التي هي الأمان من ~~العذاب، وجانبوا معاصيه التي هي الطريق إلى العقاب ومعنى تغلبونني تقاحمون ~~فيها أي أنني مع كثرة الزجر لكم والاعذار إليكم تنفلتون وتنازعون إلى ~~المقبحات كما يتهافت الفراش في الشهاب، # PageV00P082 # والذباب في الشراب. ومعنى وأوشك أن أرسل حجزكم: أي أوشك أن يطرقني طارق ~~الموت فتفقدون نهيي لكم عن المعاصي، وأخذي بكم عن طرق المغاوى، فجعل ذلك ~~عليه الصلاة والسلام بمنزلة إرسال حجزهم، وإلقاء أزمتهم. وهذا مجاز ثان ~~(1). # 51 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لمحلم بن جثامة الليثي في قتله ~~عامر بن الأضبط الأشجعي وهو مسلم: " أقتلته في غرة الاسلام ". وهذه ~~استعارة. وأراد عليه الصلاة والسلام بغرة الاسلام أوله، تشبيها بغرة الفرس ~~التي هي أول ما يستقبلها منه المستقبل ويراها المتأمل. ولها أيضا يشتهر (2) ~~شينه وتيمن (3) صورته، ويقولون هذا غرة الشهر: أي أوله لأنه أول عده ومبدأ ~~مدخله. ويقولون: فلان غرة قومه إذا كان المنظور إليه منهم، # PageV00P083 # والمعول عليه من بينهم (1). # 52 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في مثل ضربه لقريش يطول الكتاب ~~بذكره: " ويقطع الناس في آثارهم حتى بقيت عجز من الناس عظيمة "، وهذه ~~استعارة لان المراد بالعجز ها هنا: مآخير الناس وعقابيلهم (2) تشبيها بعجز ~~الناقة أو ms031 غيرها من الدواب، لان أول ما يتحرك للسير هاديها وعنقها ثم يتبعه ~~ردفها وعجزها. فسمى القوم الذين يتأخرون في السير أعجازا كما سمى المتقدمون ~~أعناقا، يقال قد طلعت أعناق القوم: أي أوائلهم ومتقدموهم، وجاءت أعجازهم: ~~أي أواخرهم ومتثبطوهم. وعلى هذا سموا مقدمي القوم في الوجاهة والمنزلة ~~أعناقا ورؤوسا. وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم وقد يجوز أن يكون الحديث ~~المروى: " يجئ المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة ". من هذا أيضا. # يريد أنهم يوافون يوم القيامة أوجه الناس وجوها، ورؤوسا. # فيكون قولنا أطول هاهنا من الطول (3) لا الطول، ولابد أن يكون # PageV00P084 # المراد بالناس هاهنا الخصوص دون العموم كأنهم يكونون في القيامة أوجه من ~~الناس الذين هم كالنظراء لهم في الطبقة معهم لأنهم لا يجوز أن يكونوا يومئذ ~~أعظم وجاهة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين (1). # 53 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لعثمان بن مظعون رحمه الله لما ~~أراد الاختصاء والسياحة: " خصاء أمتي الصيام "، وهذا القول مجاز لأنه عليه ~~الصلاة والسلام أراد أن الصيام يميت الشهوات ويشغل عن اللذات، كما أن ~~الخصاء في الأكثر يكسر النزوة (2) ويقطع الشهوة. ومما يؤكد ذلك، الخبر ~~الآخر المروى عنه عليه الصلاة والسلام قال: " من استطاع منكم الباه (3) ~~فليتزوج ومن لم يستطعه فليصم فإن الصوم وجاء (4) " والوجاء: الخصاء. # وسمعت شيخنا أبا بكر محمد بن موسى الخوارزمي عفا الله عنه يقول في أثناء ~~قراءتي عليه وقد اعترض ذكر الخلاف في وجوب النكاح: # PageV00P085 # يمكن الاستدلال بهذا الخبر على أن النكاح غير واجب خلافا لداود فإنه يقول ~~إنه واجب على الرجل مرة في عمره، قال: وموضع الاستدلال منه أنه عليه الصلاة ~~والسلام نقل النكاح إلى الصوم وجعل الصوم بدلا منه والابدال حكمها حكم ~~المبدلات، فلو كان الأصل واجبا كان بدله كذلك كالتيمم والماء، وأبدال ~~الكفارات مثلها، فلما كان الصوم الذي هو بدل من النكاح غير واجب دل على أن ~~المبدل أيضا وهو النكاح غير واجب (1). # 54 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ~~عليه السلام: ms032 " إن لك بيتا وإنك لذو قرنيها (2) ". # وهذه استعارة لان المراد إنك ذو قرني الأمة، فكأنه عليه السلام قال وإنك ~~رأس هذه الأمة، لان الرأس هو ذو القرنين، لان القرنين إنما يكونان فيه ~~ويظهران عليه، وهذا الخبر على هذا التأويل من الأخبار الدالة على أن أمير ~~المؤمنين عليه السلام أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ كان ~~رأس أمته ورئيس # PageV00P086 # أسرته. ومثل قوله عليه الصلاة والسلام: لذو قرنيها في أن المراد به ~~الأمة، وإن لم يجر لها ذكر قوله تعالى " حتى توارت بالحجاب "، وقوله ~~سبحانه: " ولو دخلت عليهم من أقطارها " في أن المراد الشمس والمدينة وإن لم ~~يجر لهما ذكر وقد قال بعضهم المراد بهذا الخبر أنك في هذه الأمة كذي ~~القرنين في أمته، وعلى هذا التأويل أيضا لابد من تسليم الرياسة له على ~~كافتهم، لان ذا القرنين كان مستتبعا ذمة الملوك كلهم، والعالي بالقدرة ~~والبسط على جماعتهم. # هذا إن كان ذو القرنين هو الإسكندر الرومي على ما يقوله بعضهم وإن كان ~~اسم نبي من الأنبياء على ما يقوله الآخرون فموضع الاحتجاج بالفضل أيضا ~~موجود لان ذلك النبي في دهره كان أفضل أمته وخيار أهل دعوته. وقد روى عن ~~أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال وقد ذكر ذو القرنين فقال: دعا قومه إلى ~~عبادة الله فضربوه على قرنيه ضربتين وإن فيكم لمثله. فترى أنه عليه السلام ~~أراد بهذا القول نفسه أي أنا أدعو إلى اتباع الحق وسأضرب على رأسي ضربتين ~~تكون فيهما منيتي فأكون كذي القرنين. وقد يجوز أن يكون النبي عليه الصلاة ~~والسلام أراد يقوله: وإنك لذو قرنيها هذا المعنى والله أعلم. # وقال بعضهم: إنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر في أول الكلام الجنة قال: ~~وإنك لذو قرنيها، يريد قرني الجنة: أي طرفيها، فكأنه وصفه ببلوغ غايات ~~المثابين فيها، وفي هذا القول بعد. PageV00P087 # وحكى عن ثعلب أنه سئل عن هذا الحديث، فقال: أراد عليه الصلاة والسلام إنك ~~لذو جبليها، يعنى الحسن والحسين عليهما السلام. قال: ويجوز أن ms033 يكون قوله ذو ~~قرنيها يريد به طرفي الأمة: # أي أنت في أولها، والمهدى من ولدك في آخرها. قال ويجوز أن يكون ذلك من ~~قوله: عصرت الفرس قرنا أو قرنين: أي استخرجت عرقه بالجري مرة أو مرتين، ~~فكأنه عليه الصلاة والسلام ذو اقتباس العلم الظاهر واستخراج العلم الباطن. ~~والاعتماد على ما قدمنا ذكره من التأويل الأول وهو من استنباطي (1). # 55 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " أخاف عليكم إذا صبت الدنيا ~~عليكم صبا "، وهذه استعارة، لأنه عليه الصلاة والسلام أراد إذا غمرتكم ~~الدنيا بمنافعها وعمتكم بفوائدها وعوائدها، فشبه كثرة ذلك بالوبل الغزير ~~المنصب على الانسان في أنه يبله بدفعاته، ويغمره من جميع جهاته. ومثل ذلك ~~قولهم: انغمس # PageV00P088 # فلان في الدنيا انغماسا: إذا كثر التباسه لها وعظم أخذه منها تشبيها لها ~~بغمرة الماء إذا خاضها الخائض أو غمس فيها الغامس (1). # 56 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " كل عين زانية "، وهذه استعارة، ~~لأنه عليه الصلاة والسلام لم يرد حقيقة الزناء المذموم، وإنما أراد أن كل ~~عين لابد أن تكون لها طمحة إلى حسن أو طرحة إلى أرب. وإن كان ذو التقوى ~~يكبح نفسه بالشكيم، ويعرك (2) شهوته عرك الأديم (3)، ولا يكون نظره إلا ~~فلتة، ولا تتبع النظرة النظرة كما قال عليه الصلاة والسلام، وقد قال ~~الشاعر: # نظرت إليها بالمحصب من منى * ولى نظر لولا التحرج عارم (4) فوصف النظر ~~بالعرام (5) في هذا الشعر كوصف العين بالزنا في هذا # PageV00P089 # الخبر. فأما الحديث الآخر، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: # " القسطنطينية الزانية "، فالمراد به الزاني أهلها، وذلك كما جاء في ~~التنزيل من ذكر القرى مثل قوله تعالى: " وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة "،.. ~~و " قرية كانت آمنة مطمئنة "، أي أهلها ظالمون وأهلها آمنون. وذلك في ~~القرآن كثير (1). # 57 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام " لا يلقى الله عبد لم يشرك بالله ~~شيئا ولم يتند بدم حرام إلا دخل من أي أبواب الجنة شاء " فقوله عليه الصلاة ~~والسلام: " ولم يتند بدم حرام " مجاز، لأنه أراد لم يصب دما ms034 حراما، ومن ~~قوله: ما نديت من فلان بشئ: أي لم أصب منه شيئا، فجعل عليه الصلاة والسلام ~~الذي يسفك الدم متنديا به، وإن كان لم يباشر سفكه بنفسه، لان الأغلب فيمن ~~بتولى سفك الدم مباشرة أن يصيبه منه بلل، ويشهد عليه أثر. وعلى هذا قول ~~الشاعر: # تبرأ من دم القتيل وبزه (2) * وقد علقت دما القتيل إزارها (3) # PageV00P090 # ولم يكن هناك على الحقيقة أثر دم علقت (1) الإزار، وإنما أخرجه الشاعر ~~على الوجه الذي ذكرناه. فكأنه جعل القاتل، وإن لم يظهر عليه شاهد الدم، كمن ~~ظهرت عليه شواهده الناطقة ودلائله القاطعة لقوة الامارات التي تشهد بفعله ~~وتعصب الامر به، وهذا المعنى (2) أيضا أراد جرير بقوله: # وقلت نصاحة (3) لبنى عدى * ئيابكم ونضح (4) دم القتيل فكأنه خاطب قوما ~~ونهاهم عن أن يقفوا موقف الظنة وينزلوا منزل التهمة (5) ليتبرءوا من دم ~~قتيل اتهموا بنفسه وقرفوا بقتله (6). # 58 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من فعل كذا وكذا فقد احتظر من ~~النار بحظار ". وهذا القول مجاز، والمراد أن من فعل ذلك فقد احتجز من النار ~~بحاجز، والحظار: الحائط المستدير على الشئ، فجعل عليه الصلاة والسلام ~~المتباعد عن الفعلة التي توجب دخول النار، كمن ضرب بينه وبينها سياج، وأغلق ~~عليه رتاج (7)، # PageV00P091 # والحظار والحظيرة بمعنى واحد (1). وهو حظار بفتح الحاء (2) والجمع أحظرة، ~~كما يقال دوار والجمع أدورة (3). # 59 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " اغتربوا لا تضووا "، وهذه ~~استعارة، والمراد انكحوا في الغرائب، ولا تنكحوا في القرائب، لأنهم يقولون ~~الغرائب أنجب (4)، والضوى: # ضؤولة الجسم ودقته، ويقال: أضوت المرأة إذا أتت بولد ضاو، كما يقال ~~أذكرت: إذا أتت بولد ذكر، وكانوا يعتقدون أن القريبة تضوى كما أن الغريبة ~~تدهى: أي تأتى بالولد داهية (5)، وقال الشاعر: # فتى لم تلده بنت عم قريبة * فتضوى وقد بضوى رديد القرائب (6) # PageV00P092 # وقال الآخر: # وأترك بنت العم وهي قريبة * مخافة أن تضوى على سليلي (1) وقوله عليه ~~الصلاة والسلام: اغتربوا، عبارة عن هذا المعنى من أحسن العبارات لأنه جعل ~~التباعد عن المنكح (2) في العشيرة والبيت والذهاب به ms035 إلى غير السنخ (3) ~~والأصل بمنزلة الرجل المغترب الذي يوطن (4) غير وطنه، ويسكن غير سكنه (5). # 60 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " خير المال عين ساهرة لعين ~~نائمة "، وهذه استعارة لان المراد بذلك عين الماء الجارية التي لا ينقطع ~~جريها ليلا كما لا ينقطع نهارا، فسماها ساهرة لهذا المعنى لأنها في ليلها ~~دائبة، وعين صاحبها نائمة، ولفظ السهر في هذا الكلام أحسن ما جعل بهذا ~~المعنى متلبسا (6)، وصب # PageV00P093 # عليها ملبسا (1). # 61 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " كل هوى شاطن في النار " وهذا ~~مجاز، لأنه وصف الهوى بالشطون وهو العبد، وأراد به تباعد صاحبه عن الرشد، ~~وتراميه إلى الغي. وقال أبو عبيدة: # الشاطن هاهنا المعوج عن الحق، والهوى على الحقيقة ليس بجسم فيوصف بالقرب ~~والبعد والزوال واللبث. وسمى الشيطان شيطانا لأنه شطن عن أمر ربه أو أبعد ~~في مذاهب غيه، ومنه قيل نوى شطون ومن ذلك سمى الحبل شطنا لأنه يبلغ القعر ~~العميق، والماء البعيد. # وفي هذا الخبر أيضا مجاز آخر، وهو أنه عليه الصلاة والسلام جعل الهوى ~~الشاطن في النار، ومراده صاحب الهوى الشاطن، وهو الذي يمتد به هواه فيقذفه ~~في المضال ويحمله على المزال. ونظير هذا: الخبر الآخر، وهو قوله عليه ~~الصلاة والسلام: " عليكم بالصدق فإنه مع البر، وهما في الجنة، وإياكم ~~والكذب فإنه مع الفجور، # PageV00P094 # وهما في النار ". وأراد عليه الصلاة والسلام صاحب الصدق والبر، وصاحب ~~الكذب والفجور (1). # 62 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " كيف بكم وبزمان يغربل الناس ~~فيه ويبقى حثالة من الناس قد مرجت (2) عهودهم وأماناتهم "، وهذه استعارة ~~والمراد أنهم يتنقى خيارهم فيهلكون بالقتل السريع، والموت الذريع كما يغر ~~بل الحب بالغربال فيسقط قشبه (3) وصغاره ويبقى جلاله (4) وخياره. وقد قيل: ~~إن الغربلة اسم للقتل خصوصا، ومنه قول الشاعر: # ترى الملوك حوله مغربله * يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له أي مقتلة، والقول ~~الأول أشبه بالمراد وأليق بالصواب، وقد تكلمنا فيما تقدم على قوله عليه ~~الصلاة والسلام: ويبقى حثالة من # PageV00P095 # الناس قد مرجت عهودهم (1). # 63 - ومن ms036 ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وقد سئل " أي الأعمال أفضل؟ فقال: ~~الحال المرتحل، قيل: وما الحال المرتحل؟ # قال: الخاتم المفتتح). وفي هذا الكلام مجاز لأنه عليه الصلاة والسلام ~~إنما أراد المداوم لتلاوة القرآن، فهو يختم ويفتتح، ويتم ويستأنف، فشبهه ~~عليه الصلاة والسلام بالمسافر المجد بينا ينزل حتى يرتحل، وبينا يسير حتى ~~ينزل، فشبه عليه الصلاة والسلام ختم التلاوة بنزول المنزل، وشبه استئنافها ~~بسير المرتحل، وجعله مستمرا على هذه الطريقة أبدا لا يرمى إلى غاية، ولا ~~يقف عند نهاية. وقد قيل إن المراد بذلك المجاهد في سبيل الله الذي يغزو ~~ويعقب ويقفل (2) ويعاود والقول الأول أظهر عند العلماء. وأوغل في مذاهب ~~الفصحاء (3). # PageV00P096 # 64 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن قوما يضفرون (1) الاسلام، ~~ثم يلفظونه (2) "، وهذا القول مجاز، لان المراد أنهم يلقنون الاسلام ~~ويعلمونه، فيتناسونه ويفارقونه كالذي يلقم الشئ، فيدسع (3) به، ولا يسيغه ~~إلى جوفه. وذلك مأخوذ من قولهم: ضفرت البعير أضفره ضفرا: إذا لقمته لقما ~~عظاما. # وقد يجور أن يكون مأخوذا من قولهم: ضفر الرجل الدابة يضفرها ضفرا: إذا ~~ألقى اللجام في فيها، والمعنيان متقاربان (4). # 65 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " يمين الله # PageV00P097 # ملأى سحاء، لا يغيضها الليل والنهار " وهذه استعارة، لان المراد باليمين ~~هاهنا نعمة الله، ووصفها بالامتلاء لكثرة منافعها وعموم مراقدها، فجعلها ~~كالعين الثرة (1) التي لا يغيضها (2) الموائح، ولا تنقصها النوازح (3). ~~والسح: شدة المطر، يقال: سحت السماء سحا إذا جادت جودا، وخص اليمين لأنها ~~في الأكثر مظنة العطاء ومواصلة الحباء (4)، على طريق المجاز والاتساع. وقد ~~شرحنا هذا المعنى في عدة مواضع من كتبنا المشتملة على علوم القرآن (5). # 66 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " ابنوا المساجد واتخذوها جما "، ~~وهذه استعارة لان المراد ابنوها ولا تتخذوا لها شرفا فشبهها عليه الصلاة ~~والسلام بالكباش الجم، وهي التي قرونها # PageV00P098 # صغار خافية، ومنه الخبر المشهور في ذكر القيامة " إنه يؤخذ للجماء من ~~القرناء " وذلك من أحسن التشبيه وأوقع التمثيل. وقال ابن الاعرابي: الام أ ~~الذي لا رمح معه، ومن ذلك قول ms037 الشاعر: # ويل أمهم معشرا جما بيوتهم * من الرماح وفي المعروف تنكير أراد أن بيوتهم ~~خالية من الرماح المركوزة بأبوابها، فهي كالكباش الجم التي لا قرون تظهر ~~لها، وقال الأعشى: # متى تدعهم للقاء الحروب * أتتك خيول لهم غير جم أي قد أشرع فوارسها ~~الرماح، فهي كالكباش إذا نهدت للكفاح، وسددت قرونها للنطاح. وقد جاء في ~~كلامهم: الرماح قرون الخيل. ومثل ذلك الحديث المروى: " ستكون فتنة كأنها ~~صياصي بقر " والصياصي هاهنا: القرون. قيل إنما شبهها عليه الصلاة والسلام ~~بقرون البقر لكثرة ما يشرع فيها من الرماح (1). # 67 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا يزال العبد خفيفا معنقا ~~بذنبه ما لم يصب دما (2)، فإذا أصاب دما بلح "، # PageV00P099 # وهذا مجاز لأنه عليه الصلاة والسلام شبه المذنب غير القاتل بحامل الحمل ~~إلا أن فيه بعض الخفة فهو يعنق به، أي يسرع من تحته، فإذا أصاب دما ثقل ذلك ~~العبء حتى يبلح منه، والتبليح: الاعياء، مأخوذ من بلوح الشئ، وهو انقطاعه ~~فكأن منته (1) قد نفدت، وقوته قد انقطعت. وإنما قال عليه الصلاة والسلام ~~ذلك تغليظا لأمر الدم ليقل الاقدام على سفكه، ويكثر التزاجر عن التعرض له، ~~ومع ذلك فالتوبة تسقط العقاب المستحق عليه كما تسقط العقاب المستحق على ~~غيره من المعاصي، خلافا لما ظنه بعض الناس من أن القاتل لا توبة له، لان ~~الامر لو كان على ما قاله لم يكن للقاتل سبيل إلى الانتفاع بطاعته في ~~المستقبل لأنها تقع محبطة، ولا يجوز ألا يكون للعاصي طريق إلى الانفكاك من ~~عقاب المعاصي لان في ذلك إغراء بها، وحملا له عليها. # وفي بعض الأحاديث: أن أعرابيا قتل تسعة وتسعين إنسانا، ثم أتى راهبا ~~بالشام يستفتيه في توبته، فقال له: ما أرى لك توبة، فقال لا جرم والله ~~لأكملنهم بك مائة، فقتل الراهب: وما حكوه عن عبد الله بن عباس رحمه الله من ~~اختلاف فتواه في هذا المعنى لأنه أفتى مستفتيا سأله عن توبة القاتل يأنه لا ~~توبة له، وأفتى آخر: بأن له توبة، فله عندنا وجه ms038 صحيح قد نقل عن ثقات ~~الناقلين، وذلك أنه # PageV00P100 # سئل عن اختلاف قوليه في هذا الباب، فقال: أتاني مستفت فأفتيته بأن للقاتل ~~توبة، لأني رأيت عليه أمارات من قتل وهو نادم على قتله، خائف من جرائر ~~فعله، واستفتاني آخر: فأفتيته بأنه لا توبة للقاتل لأني رأيت عليه أمارات ~~من قد عزم على القتل في المستقبل، وأراد أن يلجأ إلى التوبة بعد الاقدام ~~على سفك الدم المحرم، فأفتيته بذلك ليقف عن عزمه، ويخاف عواقب إثمه (1). # 68 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " بلوا أرحامكم ولو بالسلام "، ~~وفي رواية أخرى: " انضحوا أرحامكم "، والمعنى واحد، وهذه استعارة لان ~~المراد: صلوا أرحامكم ولو بالسلام، أي جددوا المودة بينكم وبين أقربائكم ~~ولو بالتسليم عليهم تشبيها ببل السقاء اليابس لأنه لا يتبال إلا بملء ~~الماء، فينتدى قاحله (1)، ويتمدد قالصه (2)، فشبهوا بل الأرحام # PageV00P101 # بذلك، لان في حسن المخالقة (1) تجديدا لمخلقها (2)، وإحكاما لما وهي من ~~علائقها، ومثل ذلك قول الكميت الأسدي: # نضحت أديم الود بيني وبينهم * بآصرة (3) الأرحام لو يتبلل 69 - ومن ذلك ~~قوله عليه الصلاة والسلام لرجل قيل له: إنه نام عن الصلاة حتى أصبح: " ذاك ~~رجل بال في أذنه الشيطان "، وهذا مجاز لأنه عليه الصلاة والسلام أراد أن ~~الشيطان تهكم به وسخر منه، لأنهم يقولون ذلك فيمن ظهر اختلاله، وبان ~~انحلاله، وأصله مأخوذ من الافساد، فكأنه عليه الصلاة والسلام أراد أن ~~الشيطان قد أفسده وفسخ عقده (4)، وعلى ذلك قول الشاعر: # إذا رأيت أنجما من الأسد * جبهته أو الخرات والكتد (5) بال سهيل في ~~الفضيخ ففسد * وطاب ألبان اللقاح وبرد (6) # PageV00P102 # أي أفسد سهيل اللبن ففسد، فعبر عن إفساده له ببوله فيه، تشبيها بالبائل ~~في الماء، لأنه يفسد عذبه، ويمنع شربه (1). # 70 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " تعرض للناس جهنم كأنها سراب ~~(2) يحطم بعضها بعضا "، وهذا مجاز لأنه عليه الصلاة والسلام أراد شدة ~~احتدامها والتفاف ضرامها، فكأن بعضها يحطم بعضا: أي يهده ويهيضه، والحطم: ~~الكسر. # وقد يجوز أن يكون المراد أنها تحطم أبدان المعاقبين بها، وجعلهم بعضها ~~لأنهم خالدون ms039 فيها غير خارجين منها (3). # 71 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لرجل من وفد # PageV00P103 # تجيب (2): " إني لأرجو أن تموت جميعا، فقال: أوليس الرجل يموت جميعا يا ~~رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام تتشعب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا ~~فلعل أجله يدركه في بعض ذلك فلا يبالي الله في أيها هلك "، وفي هذا الكلام ~~مجازان أحدهما قوله عليه الصلاة والسلام: # إني لأرجو أن تموت جميعا لان الانسان لا يموت إلا جميعا، وإنما أراد إني ~~لأرجو ألا يدركك الموت، وهمومك متقسمة، وأهواؤك متشعبة، فكان يكون متفرقا ~~بتفرق أهوائه، ومتشعبا بتشعب آرائه. والمجاز الآخر: قوله عليه الصلاة ~~والسلام في أودية الدنيا، وهذه استعارة عجيبة، لأنه شبه اختلاف طرائق ~~الدنيا ومذاهبها، وتباين أحوالها ونوائبها بالأودية المختلفة. فمنها البعيد ~~والقريب، والمخصب والجديب، والواسع والضيق، والمنجى والمعطب (2). # 72 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وهو يعنى المدينة: # " أسكنت بأقل الأرض مطرا، وهي بين عيني السماء: عين # PageV00P104 # بالشام وعين باليمن "، وهذه استعارة لأنه عليه الصلاة والسلام أراد كثرة ~~انهلال السماء بالمطر في هذين الموضعين: الشام، واليمن، يكنى عن ذلك بعيني ~~السماء كأنه عليه الصلاة والسلام شبه أفقي السماء المطلين على هذين البلدين ~~بالعينين الدامعتين، فأراد أن العينين لا تنقطع مياههما عن هذين الموضعين ~~كما لا ترقأ (1) دموع هاتين العينين. وقد يجوز أن يكون إنما أراد عليه ~~الصلاة والسلام أن يشبههما بالعينين من العيون التي تنبع (2) الماء في ~~الأرض. فكما أن ماء العين موصول لا ينقطع، فكذلك قطر السماء في هذين ~~البلدين متصل غير منقطع، وكلا القولين مجاز وتوسع. وقد سموا السحاب الناشئ ~~من جهة القبلة عينا على أحد المعنيين اللذين ذكرناهما، فقد يجوز أيضا أن ~~يكون قوله عليه الصلاة والسلام: بين عيني السماء، يريد بين السحابين ~~الناشئين بهذين البلدين (3). # 73 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الحياء نظام الايمان "، وهذه ~~استعارة، والمراد أن الحياء يجمع خلال الايمان، كما # PageV00P105 # يجمع السلك فرائد النظام (1)، لان الانسان الكثير الحياء يحجم عن مواقعة ~~المعاصي، ومطاوعة المغاوى، فإذا قل حياؤه تفرق جماع ms040 (2) إيمانه، فأشبه ~~السلك في أنه إذا انقطع تهافتت خرز نظامه، وهذا المعنى أراده الشاعر بقوله: # يعيش المرء ما استحيا بخير * ويبقى العود ما بقي اللحاء (3) وليس ينافي ~~هذا الحديث الحديث الآخر، وهو قوله عليه الصلاة والسلام " الحياء شعبة من ~~الايمان " فإنه لا يمتنع أن يكون شعبة منه ويكون مع ذلك نظاما له (4). # 74 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " منبرى هذا على ترعة من ترع ~~الجنة "، وقد قيل في تفسير الترع ثلاثة أقوال: # أحدها: أي يكون اسما للدرجة. والثاني: أن يكون اسما للروضة على المكان ~~العالي خاصة. والثالث: أن يكون اسما للباب، وفي # PageV00P106 # هذا الكلام مجاز على الأقوال الثلاثة، وجميعها يؤول إلى معنى واحد. فإن ~~كانت الترعة بمعنى الدرجة، فالمراد أن منبره عليه الصلاة والسلام على طريق ~~الوصول إلى درج الجنة، لأنه عليه الصلاة والسلام يدعو عليه إلى الايمان، ~~ويتلو قوارع القرآن، ويخوف ويزجر ويعد ويبشر. وإن كانت بمعنى الباب، فالقول ~~فيهما واحد. وإن كانت بمعنى الروضة على المكان العالي، فالمراد بذلك أيضا ~~كالمراد بالقولين الأولين، لان منبره عليه الصلاة والسلام على الطريق إلى ~~رياض الجنة لمن طلبها وسلك السبيل إليها، وفيه زيادة معنى، وهو أن يكون ~~إنما شبهه بالروضة لما يمر عليه من محاسن الكلم وبدائع الحكم التي تشبه ~~أزاهير الرياض وديابيج (1) النبات، وهم يقولون في الكلام الحسن: كأنه قطع ~~الروض، وكأنه ديباج الرقيم (2). وأضاف عليه الصلاة والسلام الروضة إلى ~~الجنة، لان الكلام المونق الذي يتكلم به عليه الصلاة والسلام يهدى إلى ~~الجنة، ويكون دالا عليها وقائدا إليها، وعندهم أن الروضة إذا كانت على ~~الايفاع (3) # PageV00P107 # والأنشاز (1) كانت أحسن منظرا، وآنق زهرا. وعلى ذلك قول الأعشى: # ما روضة من رياض الحزن معشبة * خضراء جاد عليها واكف خضل (2) وقد قال ~~بعضهم: التزعة: الكوة (3) وهو غريب، فإن كان المراد ذلك، فكأنه عليه الصلاة ~~والسلام قال: " منبرى على مطلع من مطالع الجنة "، والمعنى قريب من معنى ~~الباب، لان السامع لما يتلى عليه كأنه يطلع إلى الجنة، فينظر إلى بهجتها ~~وإلى ما أعد الله ms041 للمؤمنين فيها (4). # 75 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن الاسلام ليأرز إلى المدينة ~~كما تأرز الحية إلى جحرها "، وهذه استعارة، والمراد أن الاسلام ليأوى إلى ~~المدينة كما تأوى الحية إلى جحرها، # PageV00P108 # وأصل ذلك مأخوذ من التقبض والاجتماع، يقال: أرز أروزا: إذا كان منه ذلك، ~~فجعل عليه الصلاة والسلام المدينة كالوجار (1) للاسلام يتقلص إليها وينضم ~~إلى حماها، لأنها قطب مداره ونقطة ارتكازه (2). # 76 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت ~~"، وهذا القول مجاز، لأنه عليه الصلاة والسلام شبه نماء أعضاء البدن بنبات ~~أغصان الشجر لما بينهما من المشاكلة، لان العروق كالعروق، والألحية (3) ~~كالجلود، والايراق كالحياة، والايباس كالوفاة (4). # 77 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو ابن العاص وذكر ~~قيام الليل وصيام النهار، فقال: " إنك إذا فعلت # PageV00P109 # ذلك هجمت (1) عيناك وتهمت نفسك "، فقوله عليه الصلاة والسلام: " هجمت ~~عيناك " استعارة، لان المراد به غور العينين لطول القيام، ولبعد العهد ~~بالطعام. وذلك مأخوذ من قولهم: هجم فلان على فلان إذا دخل عليه دخولا فيه ~~سرعة وله روعة. ويقال: # هجم عليهم البيت إذا سقط عليهم (2)، فشبه عليه الصلاة والسلام إفراط دخول ~~العينين في حجاج (3) الرأس بهجوم الرجل الهاجم، أو وجوب (4) البيت الواقع، ~~فالتشبيه بالأول لإيغاله في مدخله، والتشبيه بالثاني لزواله عن موضعه. ~~ومعنى تهمت (5) نفسك: أي أصابها الملال، وجدها (6) الاعياء والكلال (7). # PageV00P110 # 78 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى ~~يريه، خير له من أن يمتلئ شعرا "، وفي هذا القول مجاز، لان المراد به النهى ~~عن أن يكون حفظ الشعر أغلب على قلب الانسان، فيشغله عن حفظ القرآن وعلوم ~~الدين حتى يكون (1) أحضر حواضره، وأكثر خواطره. فشبهه عليه الصلاة والسلام ~~بالاناء الذي يمتلئ بنوع من أنواع المائعات، فلا يكون لغيره فيه مسرب (2)، ~~ولا معه مذهب. # وقال بعضهم: إنما هذا في الشعر الذي هجى به النبي عليه الصلاة والسلام ~~خصوصا، والصحيح أنه في كل شعر استولى على القلب كل استيلاء عموما، لان ms042 ~~النهى يتعلق بحفظ القليل مما هجى به النبي عليه الصلاة والسلام، وكثيره ~~يراعى فيه أن يكون غالبا على القلب وطافحا على اللب. وقوله عليه الصلاة ~~والسلام حتى يريه معناه حتى يفسده (3) ويهيضه (4)، ويقولون: وراه الداء إذا ~~فعل ذلك، قال الشاعر: # وراهن ربى مثل ما قد ورينني * وأحمى على أكبادهن المكاويا 79 - ومن ذلك ~~قوله عليه الصلاة والسلام: " كل صلاة # PageV00P111 # لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج "، وهذه استعارة عجيبة، لأنه عليه ~~الصلاة والسلام جعل الصلاة التي لا يقرأ فيها ناقصة بمنزلة الناقة إذا ولدت ~~ولدا ناقص الخلقة أو ناقص المدة. ويقال: أخدج الرجل صلاته: إذا لم يقرأ ~~فيها فهو مخدج وهي مخدجة. وقال بعض أهل اللغة: يقال خدجت الناقة إذا ألقت ~~ولدها قبل أو ان النتاج، وإن كان تام الخلقة، وأخدجت إذا ألقته ناقص الخلق، ~~وإن كان تام الحمل، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: كل صلاة لا يقرأ فيها ~~فهي نقصان (1) إلا أنها مع نقصانها مجزئة، وذلك كما تقول في قوله عليه ~~الصلاة والسلام: " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " إنما أراد به نفى ~~الفضل لا نفى الأصل، فكأنه قال: لا صلاة كاملة أو فاضلة إلا في المسجد، وإن ~~كانت مجزئة في غير المجسد. فنفى عليه الصلاة والسلام كمالها ولم ينف أصلها. ~~ومما يؤكد ذلك الخبر الخبر الآخر، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: " لا غرار ~~في صلاة ولا تسليم " أي لا نقصان فيهما (2) من قولهم: ناقة مغار إذا نقص ~~لبنها، ومنه الحديث الآخر: لا تغاروا التحية، أي لا تنقصوا السلام وردوا # PageV00P112 # على البادئ به مثل ما قال (1). # 80 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " عائد المريض على مخارف الجنة ~~"، وفي هذا الكلام مجاز على التأويلين جميعا، فإن كان المراد المخارف، جمع ~~مخرف، وهو جنى النخل، فكأنه عليه الصلاة والسلام شهد لعائد المريض بدخول ~~الجنة وحقق له ذلك حتى عبر عنه، وهو بعد في دار التكليف، بعبارة من صار إلى ~~دار الخلود ثقة له بالوصول إلى الجنة، والنزول في دار ms043 الامنة (2). وهذا ~~موضع المجاز، وإن كان المراد بالمخارف، جمع مخرفة، وهي الطريق. # كما روى عن بعض الصحابة أنه قال في كلام له: وتركتكم على مثل مخرفة ~~النعم: أي طريق النعم الواضح الذي أعلمته بأخفافها وأعتدته (3) بكثرة غدوها ~~ورواحها، فموضع المجاز أنه عليه الصلاة والسلام جعل عائد المريض كالماشي في ~~طريق يفضى به إلى الجنة # PageV00P113 # ويوصله إلى دار المقامة (1). # 81 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام للمغيرة بن شعبة وقد خطب امرأة ~~ليتزوجها: " لو نظرت إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما "، وفي هذا اللفظ مجاز ~~على التأويلين جميعا، فأحدهما أن يكون قوله عليه الصلاة والسلام: أحرى أن ~~يؤدم بينكما مأخوذ من الطعام المأدوم، لان طيبه وصلاحه إنما يكون بالإدام ~~كالزيت والإهالة (2) وما يكون في معناهما، فكأنه عليه الصلاة والسلام أراد ~~أن ذلك أحرى أن يتوافقا كما يوافق الطعام أدمه، أو كما يوافق الادام (3) ~~خبزه. قال الكسائي: أدم الله بينهما على مثال فعل: إذا ألقى بينهما المحبة ~~والاتفاق. وأقول: إن هذا يشبه دعاءه عليه الصلاة والسلام للباني على أهله، ~~وهو قوله: بالرفاء والبنين، كأنه عليه الصلاة والسلام دعا بأن يلائم الله ~~بينهما كما يلائم الرافي بين شقق الثوب المرفوء. وأما التأويل الآخر في أصل ~~الخبر، فهو أن يكون بمعنى: # PageV00P114 # ذلك أحرى أن يصلح الله بينكما، من قولهم: عنان مؤدم، إذا كان مصلحا ~~محكما. قال الراجز: # * في صلب مثل العنان المؤدم (1) * ويقال أديم مؤدم إذا ظهرت أدمته، وهو ~~مأوى اللحم منه. # وأديم مبشر إذا ظهرت بشرته، وهو مأوى الشعر منه. ويقال: # رجل مؤدم إذا كان محبوبا. قال الراجز: # * والبيض لا يؤد من إلا مؤدما * (2) أي لا يحببن إلا محبوبا (3). # 82 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن من البيان لسحرا "، وهذا ~~القول مجاز، والمراد به إن البيان قد يخدع بتزويقه وزخارفه وحسن معارضه ~~ومطالعه، حتى يستنزل الانسان من حال الغضب، والمخاشنة إلى حال الرضا ~~والملاينة، وينزع # PageV00P115 # حمات (1) السخائم، ويفسخ عقود العزائم، ويكبح الجامح حتى يرجع، ويسف (2) ~~بالمحلق حيت يقع، ويعود بالخصم الضالع (3) موافقا، ms044 وبالضد الابعد مقاربا. ~~والسحر في الأصل هو التمويه والخديعة والتلبيس والتغطية. وقال بعضهم: السحر ~~ما نقلك من حال إلى حال. # وكانت العرب تعتقد أن السحر يصرف الوجوه، ويقلب القلوب، ويمرض الأجسام، ~~ويسفه الأحلام، ويفرق بين المتحابين، ويجمع بين المتباغضين. وهذا في ~~الحقيقة نقل من حال إلى حال، وهو عندنا باطل إلا أن يراد به ما قدمنا القول ~~فيه من خديعة الانسان بلين القول وحسن اللفظ، حتى يرضى بعد اشتطاطه (4)، ~~وينثني بعد جماحه. # وهذا الوجه هو الذي ذهب إليه النبي عليه الصلاة والسلام دون ما يقوله أهل ~~الجهالة وطغام الجاهلية (5). # PageV00P116 # 83 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إلا أن يتغمدني منه برحمة "، ~~وأصل هذا الكلام مستعار، لان المراد به: إلا يغطيني الله أو يجللني (1) منه ~~برحمة، مأخوذ من غمد السيف الذي يكون كنانا (2) وسباغا (3) عليه، وقال ~~الشاعر: # نصبنا رماحا فوقها جد عامر (4) * كطل السماء كل أرض تغمدا أي امتد جدهم ~~على أقطار الأرض، فغطاها كامتداد السماء عليها من جميع جهاتها، يصفهم ~~باستطالة الجد، وانبساط اليد، وثراء المال والعدد (5). # 84 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " اللهم إني أسألك رحمة تلم بها ~~شعثي " (6)، وهذه استعارة، والمراد تجمع بها # PageV00P117 # أمرى، فكنى عليه الصلاة والسلام عن ذلك بالشعث تشبيها بالعود الذي تشعث ~~رأسه وتشظت (1) أطرافه، فهو محتاج إلى جامع يجمعه وشاعث يشعثه. ومن ذلك قول ~~الشاعر يصف النار: # وغبراء شعثاء الفروع منيفة (2) * بها توصف الحسناء وهي جميل أراد تفرق ~~أطرافها وتشعث شواظها (3). # 85 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " أعوذ بالله من شر عرق نعار "، ~~وهذه استعارة، والأصل في ذلك رفع الصوت يقال: فلان نعار في الفتن، أي صياح ~~فيها ودعاء إليها. وقال بعض التابعين وقد صلى خلف مصعب بن الزبير وهو رافع ~~صوته بالتكبير والتهليل: قاتله الله نعارا بالبدع، أي صياحا بها، فشبه # PageV00P118 # عليه الصلاة والسلام شغور (1) دم العرق وتواتره بصوت الصائح المنوه من ~~وجهين، لارتفاع ندائه، ولتكرير دعائه، فجعل العرق نعارا للعلة المذكورة على ~~طريق المجاز والاتساع. وقال بعض أهل اللغة: يقال ms045 نعر العرق نعرا ونعرانا ~~إذا اهتز بالدم ولم يرقأ، فإن كان الامر على ما قال، فقد خرج الكلام عن باب ~~المجاز إلى حيز الحقيقة (2). # 86 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من كانت الدنيا همه وسدمه (3) ~~جعل الله فقرا بين عينيه "، وهذا الكلام مجاز، والمراد به أن من جعل الدنيا ~~همه، وقر عليها باله، وأعرض عن الآخرة بوجهه، وأخرج ذكرها من قلبه، وأقبل ~~على تثمير الأموال (4)، واستضخام الأحوال، عاقبه الله على ذلك بأن يزيده # PageV00P119 # فقر نفس وضرع (1) خد، فلا تسد مفاقره (2) كثرة ما جمع وعدد، وعظيم ما أثل ~~وثمر، فكأنه يرى الفقر بين عينيه، فهو أبدا خائف من الوقوع فيه، والانتهاء ~~إليه، فلا يزال آكلا لا يشبع، وشاربا لا ينقع (3)، فمعه حرص الفقراء، وله ~~مال الأغنياء. وقال عليه الصلاة والسلام: جعل فقرا بين عينيه مبالغة في ~~وصفه بتصور الفقر، فكأنه قريب منه، وغيره غائب عنه، كما يقول القائل لغيره ~~إذا أراد هذا المعنى: حاجتك بين عيني، أي هي متصورة لي وغير غائبة عن قلبي ~~(4). # 87 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في صفة شاء (5) ذكرها: " فجاءت به ~~كله قالب لون غير واحد أو اثنين "، وهذه # PageV00P120 # استعارة، وأن ألوانها جاءت متساوية (1)، فكأنما أفرغت في قالب واحد. وهذه ~~من أحسن العبارات عن هذا المعنى، وذلك كما يقول القائل منا إذا أراد أن يصف ~~قوما متشابهين في الخلق والمناظر أو في الطبائع والغرائز: كأنما طبعوا على ~~سكة (2) واحدة، أو خلقوا من طينة واحدة (3). # 88 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " خير الخيل الأدهم (4) الأقرح ~~(5) المحجل (6) ثلاثا، طلق اليد اليمنى "، وهذه # PageV00P121 # من محاسن الاستعارات، لأنه عليه الصلاة والسلام شبه الثلاث من قوائمه ~~لالتفاف التحجيل عليها بالثلاث المعقولة من قوائم البعير، والمشكولة من ~~قوائم الفرس، وشبه اليمنى منها لخلوها من التحجيل بالمطلقة من العقال (1)، ~~أو العاطلة من الشكال (2). ويقال: ناقة علط إذا لم تكن موسومة (3)، ويقال: ~~طلق إذا لم تكن معقولة، وناقة علط إذا لم تكن مزمومة (4). # 89 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لسراقة ms046 بن مالك المدلجي لما خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة مهاجرا إلى المدينة وقد لحق به وهو ~~بعد على شركه: " قف هاهنا فعم علينا بتهور النجوم "، وهذه استعارة، فكأنه ~~عليه الصلاة والسلام شبه السماء وما فيها من مواقع الكواكب ومراقب الثواقب ~~بالأبنية # PageV00P122 # الموطودة (1) والدعائم المرفوعة، وجعل تزحزحها عن مطالعها وانصبابها بعد ~~ترفعها، كالبناء المتهور (2) والسقف المتقوض (3). # 90 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث طويل وقد خط في الأرض ~~خطوطا يمثل بها أحوال ابن آدم، فقال صلى الله عليه وآله: " وهذه الخطوط إلى ~~جنبه الاعراض تنهشه من كل مكان فإن أخطأه هذا أصابه هذا "، وفي هذا الكلام ~~مجاز. وقوله عليه الصلاة والسلام: وهذه الخطوط إلى جنبه الاعراض تنهشه، ~~ويروى تنغشه بالغين (4)، والمراد بذلك أعراض الدنيا، وهي ما تعرض فيها من ~~المصائب، وتطرق من النوائب. وشبهها عليه الصلاة والسلام بالحيات الناهشة، ~~والذؤبان الناهسة (5) لاخذها من لحم الانسان ودمه، وتأثيرها في نفسه وجسمه. # PageV00P123 # 91 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا يصل الرجل وهو زناء " (1)، ~~وهذا القول مجاز، لان أصل الزناء الضيق والاجتماع. وقال الأخطل يذكر حفرة ~~القبر: # وإذا قذفت إلى الزناء (2) تعرها * غبراء مظلمة من الأحفار ويقال: قد زنأ ~~بوله يزنأ زنوءا إذا احتقن، وأزنأ الرجل بوله إزناء إذا حقنه، فسمى الحاقن ~~زناء لاجتماع البول فيه وضيق وعائه عليه، وموضع المجاز من هذا الكلام أنه ~~عليه الصلاة والسلام وصف الرجل بالضيق، وإنما الضيق وعاء البول، إلا أن ذلك ~~الموضع لما كان شيئا من جملته نوطا معلقا به، جاز أن يجرى اسمه عليه. وقوله ~~عليه الصلاة والسلام: لا يصل الرجل وهو زناء، وفيه من الفائدة ما ليس في ~~قوله: وهو حاقن، لان الحاقن قد يحقن القليل كما يحقن الكثير، والزناء هو ~~الضيق، ولا يكاد يضيق وعاء البول إلا من الكثير دون القليل (3). # PageV00P124 # 92 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الحجاز قطيفة الايمان "، وهذه ~~استعارة، والمراد بها أنه يحيط بالايمان ويجمع شمله ويضم أهله كما تضم ~~القطيفة، وهي الكساء ms047 الغليظ، جملة بدن الانسان إذا اشتمل بها ودخل فيها، ~~وإنما قال عليه الصلاة والسلام ذلك لثبات عرب الحجاز من قريش وغيرها على ~~الاسلام بعد دخولهم فيه، فلم يرتد منهم أحد كغيرهم ممن خلى حبل الدين عن ~~بدنه، ورجع على عقبه. وقال أصحاب الآثار: ما من قبيلة من قبائل العرب بعد ~~وفاة النبي عليه الصلاة والسلام إلا وقد فشا فيها الارتداد عامة أو خاصة ~~إلا قريشا وثقيفا، فإنه لم يرتد منهم أحد. هذا على أن هاتين القبيلتين ~~كانتا في أول الاسلام أشد نكاية، ولرسول الله صلى الله عليه وآله أحضر (1) ~~عداوة. (2). # 92 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن هذه المسائل (3) كد يكد بها ~~الرجل وجهه "، وفي هذا الكلام استعارة على تأويل الكد في العربية. وأحد ~~التأويلين: أن يكون الكد بمعنى الأتعاب والأنصاب، كما يقول القائل: كددت ~~فرسى إذا أراد # PageV00P125 # أنه أتعبه واستنفد طاقته، فعلى هذا التأويل يكون معنى كد الرجل وجهه ~~بالمسائل أنه لكثرة بذله في السؤال وطلب ما في أيدي الرجال قد أجراه مجرى ~~المطية التي يحضرها بكثرة الحل والترحال وقطع المسافات الطوال. والتأويل ~~الآخر: أن يكون الكد مأخوذا من استقصاء النزح ماء الركية (1) حتى يبلغ ~~حمأتها (2) ويستنفد غمرتها (3) يقال: كد الركية واكتدها إذا فعل ذلك بها ~~قال الشاعر: # أمص ثمادى والمياه كثيرة * أعالج منها حقرها واكتدادها (4) ويكون قول ~~القائل على هذا التأويل: كددت فرسى، أي اعتصرت مادته واستقصيت ما عنده، ~~فيكون كد الوجه على هذا القول يراد به اعتصار مائه واستقطار حياته. ومن ~~المتعارف بيننا أن يقول القائل إذا أراد هذا المعنى: قد هرقت (5) ماء وجهي ~~بكثرة الطلب إلى فلان، والرغبة فيما عند فلان (6). # PageV00P126 # 94 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام للرجل الذي قال لبعض الصحابة: إن ~~فتح الله عليكم الطائف فسل النبي عليه الصلاة والسلام أن يهب لك نادية بنت ~~غيلان بن سلمة، فإنها إذا قامت تثنت، وإذا تكلمت تغنت، في كلام طويل بلغه ~~عليه الصلاة والسلام عنه، وكان هذا الرجل من مخنثي المدينة، فقال عليه ~~الصلاة ms048 والسلام: " لقد غلغلت النظر يا عدو الله "، وفي هذا الكلام استعارة، ~~لان غلغلة الشئ هو إدخاله في شئ حتى يلتبس به ويصير من جملته، وذلك لا يصح ~~في نظر الانسان إلا عن طريق الاتساع والمجاز، فكأنه عليه الصلاة والسلام ~~أراد أن هذا الانسان بلغ بنظره من محاسن هذه المرأة إلى حيث لا يبلغ ناظر ~~ولا يصل واصل، فكان كالشئ المتغلغل الذي يدق مدخله ويلطف مسلكه ويبعد ~~متولجه (1). وروى لنا أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار النحوي الفارسي ~~في كتابه الموسوم بالايضاح إجازة، وأنشدناه الشيخان أبو الفتح وأبو الحسن ~~النحويان ملافظه قول الشاعر: # طلين بكديون وأشعرن كرة * فهن إضاء صافيات الغلائل (2) # PageV00P127 # والكديون: عكر الزيت تطلى به الدروع وتحمى به في النار لتذهب أصداؤها ~~وتصفو ألوانها وقيل أيضا: إن الكديون اسم من أسماء التراب. والكرة: البعر ~~الذي يوقد به النار عليها. وقيل في الغلائل التي ذكرها الشاعر في هذا البيت ~~قولان: # فأحدهما: إنها اسم لبطائن وشعارات تلبس تحت الدروع والواحدة غلالة، وإنما ~~سميت غلائل لانغلالها بين الدروع والأجساد. # والثاني: أنها المسامير التي تجمع بين رؤوس الحلق والواحدة غليلة وإنما ~~سميت بذلك لأنها تغل في الدروع، أي يستقصى إدخالها فيها فتصير كالاجزاء ~~منها (1). # 95 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلام طويل: # " وليس من ملك إلا وله حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، فمن أرتع حول الحمى ~~كان قمنا أن يرتع فيه "، وهذا الكلام مجاز، لأنه عليه الصلاة والسلام شبه ~~ما حظره الله سبحانه من محارمه بالحمى الذي يحميه ذو السلطان والملكة من ~~مواقع السحاب ومنابت الأعشاب، فلا ترعى فيه إلا إبله، ولا ينزل به إلا حيه، ~~وما كان # PageV00P128 # يفعل ذلك من العرب إلا الأعز فالأعز، والابر فالأبر (1)، حتى ضربت العرب ~~المثل بحمى كليب بن ربيعة، وهو كليب وائل في أنه رجل حرام وممنوع (2) لا ~~يرام، فقالوا: أعز من حمى كليب، فجعل عليه الصلاة والسلام ما حظره الله ~~سبحانه على العباد كالحمى الذي يجب عليهم ألا يطوفوا به ولا يمروا ms049 بجوانبه، ~~ومن خالف الله منهم أرصد له العقاب وانتظر له النكال (3)، فما حرم من ~~الأشياء حمى لا يرعى، وما أحل منها مرعى لا يحمى. وقوله عليه الصلاة ~~والسلام: فمن أرتع حول الحمى كان قمنا أن يرتع فيه، يريد به التحذير من ~~الالمام بشئ من صغائر الذنوب لئلا يكون ذلك مجرئا على الوقوع في كبائرها ~~والتهوك (4) في معاظمها. وهذه من أحسن العبارات عن هذا المعنى. # وهذا الغرض نحاه (5) عمر بن عبد العزيز بقوله: دع بينك وبين الحرام جزءا ~~من الحلال، فإنك إن استوفيت الحلال كله تاقت نفسك إلى الحرام (6). # PageV00P129 # 96 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لزيد بن أرقم وقد كان رقى (1) ~~إليه صلى الله عليه وآله في غزوة المريسيع (2) كلاما سمعه من عبد الله بن ~~أبي بن سلول، فيه طعن على المهاجرين، وغمض (3) لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله، وهو مشهور في كتب المغازي (4)، فاتهمت الأنصار زيدا في حكايته، وكان ~~إذ ذاك صغير السن، حتى نزل القرآن بتصديقه في السورة التي يذكر فيها ~~المنافقون، وذلك قوله سبحانه: " يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون "، ~~فدعا النبي عليه الصلاة والسلام زيد بن أرقم، وهو متأثر على ما هو فيه، ~~فأخذ بأذنه فرفعه، ثم قال له: " وفت أذنك يا غلام وصدق الله حديثك "، فقوله ~~عليه الصلاة والسلام: وفت أذنك مجاز، كأنه جعل أذنه في سماعها ما سمعت ~~كالضامنة لتصديق ما حكت، لأنه صدق في نفسه، فلما نزل ما نزل في القرآن في ~~تحقيق # PageV00P130 # ذلك الخبر صارت الاذن كأنها وافية بضمانها، وخارجة من الظنة فيما أدته ~~إلى لسانها، وهذا من غريب المجازات (1). # 97 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " حسان حجاز بين المؤمنين ~~والمنافقين، لا يحبه منافق، ولا يبغضه مؤمن "، وفي هذا الكلام مجاز، لأنه ~~عليه الصلاة والسلام جعل حسان كالسياج المضروب بين حيزي الايمان والنفاق، ~~فمن كان في حيز الايمان أحبه، ومن كان في حيز النفاق أبغضه. وذلك لما كان ~~يظهر منه ms050 من المنافحة عن رسول الله صلى الله عليه وآله والاسلام بسيف ~~لسانه، ونوافذ أقواله، فكان قوله يسر المؤمنين ويغبطهم، ويسوء المنافقين ~~ويزعجهم. وهذا الكلام عندنا في حسان متعلق بوقت مخصوص، وهو زمن النبي صلى ~~الله عليه وآله فأما حين ظاهر أمير المؤمنين (2) عليه السلام بعداوته، ~~ورماه بمعاريض (3) القول في أشعاره فقد خرج من أن يكون حجازا بين الايمان ~~والنفاق، وتحيز إلى # PageV00P131 # جانب النقمة والضلال (1). # 98 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلام تكلم به عند منصرفه من ~~تبوك: فلم يبق منهم تحت أديم السماء إلا رجل في الحرم منعه الحرم من عذاب ~~الله " وفي هذا الكلام مجازان: # (أحدهما) قوله عليه الصلاة والسلام: تحت أديم السماء، فجعل للسماء أديما، ~~يريد ما ظهر منها للابصار، تشبيها بأديم الحيوان، وهي الجلود التي تلبس ~~الأجساد، وتغطى اللحوم والعظام، ويقال أيضا: أديم الأرض، ويراد به ما ظهر ~~من صفحاتها التي تباشرها النواظر، وتطؤها الاقدام والحوافر. # (والمجاز الآخر) قوله عليه الصلاة والسلام: فمنعه الحرم من عذاب الله، ~~والحرم على الحقيقة غير مانع من العذاب الذي يريد الله سبحانه أن ينزله ~~بالمستحقين، وإنما المراد أن الله تعالى جعل الحرم معاذة لعباده تعظيما ~~لقدره، وتفخيما لامره، فمن استجار به من عذابه عند مواقعة معصيته جاز أن ~~يؤخر عنه العذاب ما كان متعلقا به. # PageV00P132 # وفي إقامة الحدود على اللاجئ إلى الحرم خلاف بين العلماء، ليس هذا موضع ~~ذكره، ولابد أن يوفيه تعالى ما يستحقه من العقاب في دار الجزاء، إلا أن ~~يكون منه توبة يسقط بها عقابه أو طاعة عظيمة تصغر معها معصيته، فالحرم لا ~~يمنع من العذاب وإنما يمتنع الله سبحانه من فعله باللاجئ إليه والعائذ به ~~للعلة التي ذكرناها، فلما كان الله تعالى إنما يفعل ذلك لأجل الحرم جاز أن ~~ينسبه إليه على طريق المجاز وعادة الاتساع (1). # 99 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " أوثق العرى كلمة التقوى " وهذه ~~استعارة لأنه عليه الصلاة والسلام جعل التقوى كالعروة التي يتعلق بها فتنهض ~~من المعاثر وتنجى من المزال ms051 والمزالق، لان المتقى لله سبحانه يأمن من ~~نقماته وينجو من سطواته فيكون كالممسك بعروة الحبل المتين، والمستند إلى ~~النضد (2) # PageV00P133 # الأمين (1). # 100 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: وهو يتجهز لغزوة تبوك: " إني ~~على جناح سفر " وهذه استعارة واقعة موقعها ومقرطسة (2) غرضها لأنه عليه ~~الصلاة والسلام شبه السفر بالطائر الذي قد هم بالمطار (3) وجعل الآخذ أهبة ~~المسافر كالكائن على جناح ذلك الطائر ينتظر نهوضه (4) ويرقب تحليقه. ومما ~~يؤكد ذلك قولهم للانسان الذي تكثر أسفاره ويطول حله وترحاله: ما هو إلا ~~طائر طيار عبارة عن التردد في السفر وكثرة الانزعاج عن الوطن (5). # 101 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الناس # PageV00P134 # معادن " وهذه استعارة لأنه عليه الصلاة والسلام شبه الناس بالمعادن التي ~~تكون في قرارات الأرض فلا يحكم على ظواهرها حتى يستخرج دفائنها ويستنبط ~~كوامنها فيكون منها اللجين والنضار (1)، ويكون منها النفط والقار فكذلك ~~الناس لا يجب (2) أن يحكم على مجاليهم ولا يقطع على بواديهم حتى يخبروا ~~ويعرفوا ويثاروا ويبحثوا فيخرج البحث جواهرهم، ويمحص الامتحان مخابرهم. ~~فيتبين حينئذ كرم النحائز (3) وطيب الغرائز وتكشف منهم الطرائق ولتيم ~~الخلائق (4). # 102 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في آخر خطبة خطبها ببطن عرفة ~~وذلك في حجة الوداع: " ألا إن كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع "، ~~وهذا القول مجاز والمراد به إذلال أمر الجاهلية وحط أعلامها ونقض أحكامها، ~~كما يستذل الشئ الموطوء الذي تدوسه الأخامص (5) الساعية والاقدام # PageV00P135 # الواطئة فلا يبقى منه مرفوع إلا وضع ولا قائم إلا صرع (1). # 103 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في وصية وصى بها أسامة بن زيد ~~لما أراد بعثه إلى مؤتة (2) ليثأر بأبيه زيد في كلام طويل: " واعلموا أن ~~الجنة تحت البارقة " وهذا القول مجاز، والبارقة هاهنا السيوف، وليس الجنة ~~تحتها على الحقيقة وإنما المراد أن الصبر تحتها لجهاد الكافرين، ودفاع ~~أعداء الدين، يفضى بالصابر إلى دخول الجنة ونزول دار الامنة، فلما كان ذلك ~~سبب دخولها والوصول إلى نعيمها جاز أن يسميه باسمها. ونظائر ذلك كثيرة وقد ~~أشرنا في ms052 كتابنا هذا إلى بعضها (3). # 104 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الكتاب المكتوب بينه وبين ~~قريش في صلح الحديبية (4): " لا إسلال ولا إغلال وإن بيننا عيبة مكفوفة "، ~~وهذه استعارة. والمراد بالعيبة # PageV00P136 # المكفوفة السلم الذي يضم النشر ويجمع الامر، كأنه عليه الصلاة والسلام ~~شبه حال السلم من أنها تحجز بين الفريقين عن شن الغارات وتكف أيديهم عن ~~المجاذبات، بالعيبة المشرجة (1) التي تنشر مطاويها (2) ولا يتناهب ما فيها. ~~وقد يجوز أن يكون معنى ذلك على قول من قال إن الاسلال السرقة، والاغلال، ~~الخيانة. أنه عليه الصلاة والسلام شبه الصلح الواقع بينهم في أن أموالهم ~~تكون به محروسة وخزائنهم محفوظة بالعيبة التي قد استوثق من إشراجها، فلا ~~يصل إليها خائن ولا يقدر عليها سارق، والمعنيان متقاربان، ويقال رجل مسل ~~مغل: أي صاحب مسلة وهي السرقة ومغلة وهي الخيانة وقوله تعالى: " وما كان ~~لنبي أن يغل " قرأنا على شيوخنا القراء لأبي عمر وابن كثير وعاصم يغل بفتح ~~الياء وضم الغين: أي ما كان له أن يخون، وقرأ بقية القراء السبعة يغل بضم ~~الياء وفتح الغين: أي ما كان له أن يخان، ويجوز أن يراد بذلك أيضا ما كان ~~له أن يخون أي ينسب إلى الخيانة، وقد قال بعضهم: المراد بالاسلال ها هنا سل ~~السيوف، وبالاغلال لبس الدروع، وهذا القول غير # PageV00P137 # معروف، والقول الأول هو القول السدد والصحيح المعتمد (1). # 105 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الرحم: # " هي شجنة من الله " وفيها لغتان (2) شجنة وشجنة، وهذا القول مجاز، لان ~~أصل الشجنة اسم لشعبة من شعب الغصن المتصل بالشجرة (3) ويقال شجر متشجن إذا ~~التف بعضه ببعض. ومنه قولهم الحديث شجون وذو شجون: أي ذو شعب تتشعب فيذكر ~~بعضها بعضا ويجر أول آخرا، وقيل أيضا إن الشجون هي الشعاب المتصلة ~~بالأودية، فيجوز أن يكون الحديث شبه بها لكثرة طرقه ومداخله، وتعلق أواخره ~~بأوائله. والمراد بالشجنة ها هنا تشبيه الرحم بالشعبة المتصلة بالشجرة، فهي ~~بعض منها ومنتسبة إليها. فكذلك الرحم يجب صلتها على من وجب عليه ms053 حقها وضرب ~~إليه عرقها، ويجوز أيضا أن يكون إنما شبهت بشجون الوادي لتعلقها به ~~وإضافتها # PageV00P138 # إليه كما قلنا في شجون الحديث. وقوله من الله المراد أن الله سبحانه جعل ~~حقها واجبا، وذمامها لازما. وقد يجوز أن يكون المراد بذلك أن الله سبحانه ~~يثبت واصلها ويرعى راعيها، فكأنها متعلقة به تعالى على طريق التمثيل لا على ~~طريق التحقيق ليعظم تعالى حقها بترهيب قاطعها وترغيب واصلها (1). # 106 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الولد للفراش وللعاهر الحجر ~~". وهذا مجاز على أحد التأويلين. وهو أن يكون المراد أن العاهر لا شئ له في ~~الولد فعبر عن ذلك بالحجر: # أي له من ذلك مالا حظ فيه ولا انتفاع به، كما لا ينتفع بالحجر في أكثر ~~الأحوال كأنه يريد أن له من دعواه الخيبة والحرمان، كما يقول القائل لغيره ~~إذا أراد هذا المعنى: ليس لك من هذا الامر إلا الحجر والجلمد (2) والتراب ~~والكثكث (3)، أي ليس لك منه إلا مالا محصول له ولا منفعة فيه. ومما يؤكد ~~هذا التأويل ما رواه # PageV00P139 # عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: " الولد ~~للفراش وللعاهر الأثلب " والأثلب (1): التراب المختلط بالحجارة. وهذا الخبر ~~يحقق أن المراد بالحجر هاهنا ما لا ينتفع به كما قلنا أولا، ومما يصدق ذلك ~~قول الشاعر: # كلانا يا معاذ يحب ليلى * بفى وفيك من ليلى التراب شركتك (2) في هوى من ~~كان حظى * وحظك من تذكرها العذاب أراد ليس لنا منها إلا ما لا نفع به ولاحظ ~~فيه كالتراب الذي هذه صفته. وأما التأويل الآخر الذي يخرج الكلام عن حيز ~~المجاز إلى حيز الحقيقة فهو أن يكون المراد أنه ليس للعاهر (3) إلا إقامة ~~الحد عليه وهو الرجم بالأحجار، فيكون الحجر هاهنا اسما للجنس لا للمعهود، ~~وهذا إذا كان العاهر محصنا، فإن كان غير محصن فالمراد بالحجر هاهنا على قول ~~بعضهم الاعناف به والغلظة عليه بتوفية الحد الذي يستحقه من الجلد له. وفي ~~هذا القول تعسف واستكراه وإن كان داخلا في باب المجاز ms054 لان الغلظة على من ~~يقام الحد عليه إذا كان الحد جلدا لا رجما لا يعبر عنها بالحجر، لان ذلك ~~بعد عن سنن # PageV00P140 # الفصاحة ودخول في باب الفهاهة (1)، فالأولى إذا الاعتماد على التأويل ~~الأول لأنه الأشبه بطريقهم، والأليق بمقاصدهم (2). # 107 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء ~~السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكور وسوء المنظر في الأهل والمال "، وفي ~~هذا الكلام مجازان: # أحدهما قوله عليه الصلاة والسلام: " من وعثاء السفر "، وهي فعلاء من ~~الوعث وهو ضد الجدد (3)، والسير فيه يشق على القدم والمنسم (4). فجعل عليه ~~الصلاة والسلام طول السفر وشقته وتكاليفه ومشقته بمنزلة الوعثاء التي ~~قاطعها تعب، والساري فيها نصب. # PageV00P141 # والمجاز الآخر قوله عليه الصلاة والسلام: " والحور بعد الكور (1) "، أي ~~انتشار الأمور بعد انضمامها (2)، وانفراجها بعد التئامها، وذلك مأخوذ من ~~حور العمامة بعد كورها، وهو نقضها بعد ليها، ونشرها بعد طيها. وقد قيل: إن ~~معناه القلة بعد الكثرة والنقصان بعد الزيادة، فكأنه تعوذ من الانتقال عن ~~حال حسنة إلى حال سيئة، وعلى ذلك قول الشاعر: # واستعجلوا عن شديد المضغ فابتلعوا * والذم يبقى وزاد القوم في حور (3) أي ~~في نقصان، والمعنيان متقاربان، وقد روى هذا الكلام على وجه آخر، فقيل من ~~الحور بعد الكون بالنون، من قولهم: # حار إذا رجع، يقولون كان على حال جميلة، فحار عنها: أي رجع عما كان عليه ~~منها. والرواية الأولى أعرف عند أهل اللسان، وأشبه # PageV00P142 # بمزاوجة الكلام (1). # 108 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام للشارب في آنية الذهب والفضة: " ~~إنما يجرجر في بطنه نار جنهم "، برفع النار، والأكثر من الروايات على ~~نصبها، وهذا القول مجاز، لان نار جنهم على الحقيقة لا تجرجر في جوفه، ~~والجرجرة صوت البعير عند الضجر أو الدأب (2)، قال امرؤ القيس يصف طريقا: # PageV00P143 # على لا حب لا يهتدى بمناره * إذا سافه العوذ الذفافي جرجرا (1) ولكنه ~~عليه الصلاة والسلام جعل صوت جرع الانسان للماء في هذه الأواني المخصوصة ~~لوقوع النهى عن الشرب فيها، واستحقاق العقاب على استعمالها، كجرجرة نار ~~جنهم ms055 في بطنه على طريق المجاز، إذ كان ذلك مفضيا به إلى حلول دارها، ~~واصطلاء نارها، نعوذ بالله. ولفظ الخبر يجرجر بالياء، والوجه أن يكون تجرجر ~~بالتاء على قول من رواه برفع النار، ولكنه لما دخل بين فعل المؤنث وفاعله ~~الذي هو النار لفظ آخر حسن تذكير الفعل للبعد بينهما (2) كما قال الشاعر: # * لقد ولد الأخيطل أم سوء * وقد روى في خبر آخر: كأنما يجرجر في بطنه ~~نارا. فالانسان هاهنا فاعل والنار مفعوله. وعلى هذه الرواية فالمراد كأنما ~~يجر في بطنه نارا، فقال يجرجر طلبا لتضعيف اللفظ الدال على تكثير الفعل # PageV00P144 # كما جاء في التنزيل " فكبكبوا فيها هم والغاوون (1) "، والمراد فكبوا، ~~فيجوز على هذا أن يقال: جر وجرجر، كما يقال كب وكبكب. وإن كان الوجه أن ~~يقال: وقد جاء في كلام العرب: جرجر فلان الماء إذا جرعه متواترا (2)، له ~~صوت كصوت جرجرة البعير. فيكون المراد على هذا القول كأنما يتجرع نار جنهم، ~~وهذا أصح التأويلين. فأما آنية الذهب والفضة فلا يحل عندنا الاكل فيها ولا ~~الشرب منها، ولا يجوز أيضا استعمالها في شئ مما يؤدى إلى مصالح البدن نحو ~~الادهان واتخاذ الميل (3) للاكتحال والمجمر للبخور (4). # وكنت سألت شيخنا أبا بكر محمد بن موسى الخوارزمي رحمه الله عند انتهائي ~~في القراءة عليه إلى هذه المسألة من كتاب الطهارة، عن المدخنة، إذ لا خلاف ~~في المجمرة، فقال: القياس أنها غير مكروهة، لأنها تستعمل على وجه التبع ~~للمجمرة، فهي غير مقصودة بالاستعمال، لان المجمرة لو جردت من غيرها في ~~البخور لقامت بنفسها، ولم تحتج إلى المدخنة مضافة إليها، فأشبهت الشرب في ~~الاناء المفضض إذا لم يضع فاه على موضع الفضة. # PageV00P145 # وفي هذه المسألة خلاف للشافعي، لأنه يكره الشرب في الاناء المفضض، وذهب ~~داود الأصفهاني إلى كراهة الشرب في أواني الذهب والفضة، دون غيره من الاكل ~~والاستعمال في مصالح الجسم مضيا على نهجه في التعلق بظاهر الخبر الوارد في ~~كراهة الشرب خاصة. # وليس هذا موضع استقصاء الكلام في هذه المسألة إلا أن المعتمد عليه في ms056 ~~كراهة استعمال هذه الأواني الخبر الذي قدمنا ذكره لما فيه من تغليط الوعيد. ~~وقد روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: # " من يشرب بها في الدنيا لم يشرب بها في الآخرة "، فتثبت بهذين الخبرين ~~وما يجرى مجراهما كراهة الشرب فيها، ثم صار الاكل والادهان والاكتحال مقيسا ~~على الشرب بعلة أن الجميع يؤدى إلى منافع الجسم (1). # 109 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وقد سئل عن ليلة القدر: " هي ~~ليلة إضحيانة (2) كأن قمرا يفضحها "، وهذه استعارة لان حقيقة الفضح كشف ~~القبيح، وهو أن يكشف # PageV00P146 # على الانسان ريبة أو تثنى (1) عليه سوءة، ولكن القمر لما كان كاشفا ~~للسدفة (2) وصادعا للظلمة أجراه عليه الصلاة والسلام مجرى الثاني للسوءة ~~المخفاة، والكاشف للريبة المغطاة، وهذه من محاسن الاستعارات، وقال الشاعر ~~في فضح الصبح للظلام: # يا رب كل غابق ومصطبح * ورب كل شيطني منسرح (3) أرسل على حوفاء في الصبح ~~الفضح * حويرنا مثل قضيب المجتدح * متى نضت من كعبها عرقا يرح قوله " ~~حويرنا " تصغير حار، يريد حية طال بقاؤه (4) حتى حار أي رجع من غلظ وعظم ~~إلى دقة خلق وجسم، فصار كضيب المجتدح، وهو المجدح الذي يحرك به الشراب ~~والسويق وما يجرى مجراهما. ومن كلامهم رماه الله بأفعى حارية يريدون هذا ~~المعنى (5)، # PageV00P147 # وقوله " يرح " أي يميت، ومثل ذلك قول العجاج: " أراح بعد الغم والتغمغم " ~~أي أمات الله بعد الكرب والخناق، وقيل يجوز أن يكون قوله يرح عائدا على ~~العرق لا على الحية كأنه قال: متى نضت منها عرقا يحدث فيه جرحا (1) إذا قيح ~~كانت عنه رائحة خبيثة. والقول الأول أسد، وعليه المعتمد (2). # 110 ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام للضحاك ابن سفيان الكلابي وقد بعثه ~~مصدقا (3): " خذ من حواشي أموالهم "، وهذه استعارة على أصل وضعها في كلام ~~العرب، لأنهم يسمون صغار الإبل حشوا وحاشية، كأنهم يشبهونها بحشو الشئ الذي ~~يتأتى ذلك فيه كالمرفقة (4) والحشية لأنها غير معتد بها، كما أن الحشو (5) ~~غير معتد به، وإنما الاعتداد بما هو في ضمنه. ومن هذا # PageV00P148 # الموضع سموا الرذال والطغام (1) من ms057 الناس حشوا، وقد يجوز أن يكونوا إنما ~~سموها بذلك تشبيها بحشوة الانسان التي هي حوايا جوفه وأمعاء بطنه. يقولون: ~~طعنه فانتثرت حشوته، وضربه فخرجت حشوته. وإنما قيل لها حشوة حطأ لها عن ما ~~هو أعلى قدرا منها من كرائم أعضاء الانسان التي يشتمل عليها جوفه، كالقلب ~~والنياط (2) والكبد والفؤاد. وقد يجوز أن يكون إنما سموها بذلك تشبيها لها ~~بحواشي الثوب (3) في أنها كالتبع له وغير قائمة بذاتها دونه، وكذلك صغار ~~الإبل تابعة لكبارها وغير قائمة بأنفسها، وعلى مثل هذا المعنى تسميتهم ردئ ~~المال ورذاله من الإبل وما في معناها شوى تشبيها له بشوى الانسان (4) ~~والفرس وغيره من الحيوان ذي الأربع، وهو الأطراف دون كرام الأعضاء، وشرائف ~~الاحناء (5). قال الشاعر: # أكلنا الشوى حتى إذا لم نجد شوى * أشرنا إلى خيراتها بالأصابع # PageV00P149 # أي أكلنا رذال إبلنا، فلما أنفذناها عطفنا على خيارها، وأشرنا إلى ~~خيارها، فكأنه عليه الصلاة والسلام: نهى أن يأخذ المصدق من كرائم الإبل ~~وعقائلها (1)، وأمره بالعدول إلى حشوها وأراذلها رفقا بأصحابها، وحنوا على ~~أربابها (2). # 111 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " بين يدي الساعة ينطق الرويبضة ~~"، وهذه استعارة لأنه عليه الصلاة والسلام أراد أمام الساعة، فقال: بين ~~يديها تقريبا لهذه الحال من قيام الساعة لأنه لو قال قبل الساعة لما أفاد ~~ذلك من القرب منها ما أفاد قوله بين يديها، لأنك إذا أردت التقريب على من ~~استرشدك مكانا تطلبه، أو إنسانا تتبعه قلت له: هو بين يديك أي قريب منك، ~~ولو قلت هو أمامك لا حتمل البعد والقرب، كما أن قبل يحتمل البعد والقرب، ~~هذا على الأغلب والأكثر: وقد يجوز أن يكون قولك أمامك وبين يديك عبارة عن ~~مراد واحد: وقالوا في الرويبضة: هو امرؤ # PageV00P150 # (1) السوء التافه (1)، وقالوا هو الفويسق الخامل (2). # 112 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: في كلام وصف به عدة من قبائل ~~العرب " وغطفان أكمة (3) خشناء تنفى الناس عنها ". وهذا القول مجاز، وذلك ~~أنه عليه الصلاة والسلام شبه غطفان لاشتداد شوكتها، واتقاد جمرتها، بالأكمة ~~الشاقة التي تزل ms058 الاقدام عنها، وتنقطع أطماع الراقين دونها، فجعل امتناع ~~الناس من التعرض لها بمنزلة منعها لهم من التطرق إليها (4). # 113 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلام ذكر فيه امرأ القيس بن ~~حجر " يجئ يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار "، وهذا القول مجاز، ~~وذلك أنه عليه الصلاة والسلام لم يرد أن امرأ القيس يحمل لواء الشعراء على ~~الحقيقة، وإنما أراد أنه يجئ # PageV00P151 # يوم القيامة على مقدمتهم ويدخل النار قبلهم، كما كان في الدنيا متقدما ~~لهم ومتقدما عليهم، وإنما عبر عليه الصلاة السلام عن هذا المعنى بحمل ~~اللواء لان حامل اللواء في الجحافل المجرورة (1) يكون متقدما متبوعا ونابها ~~مشهورا، يطأ الناس على قومه (2)، ويتلاحقون على آثار تقدمه (3). # 114 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " ما من جرعة يتجرعها الانسان ~~أعظم أجرا عند الله من جرعة غيظ في الله "، وهذا القول مجاز، والمراد بجرعة ~~الغيظ ها هنا الصبر عند الاهتياج، والكظم عند الانزعاج، وترك اتباع نوازع ~~النفس، إلى ما تدعو إليه في تلك الحال من شفاء غيظ، أو تنفيس كرب، أو إطلاق ~~عقال، أو فعل، مراقبة الله سبحانه، وتنجزا لثوابه، واحتجازا عن عقابه. وشبه ~~عليه الصلاة والسلام تلك الحال بالجرعة، لان الانسان كأنه بالكظم لها ~~والصبر عليها قد ضاق بها مرارة، وأساغ منها حرارة، وعلى ذلك قول الشاعر: # PageV00P152 # شربنا الغيظ حتى لو سقينا * دماء بنى أمية ما روينا وقد روى هذا الخبر ~~على خلاف هذا اللفظ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: " ما تجرع عبد جرعة أحب ~~إلى الله من جرعة مصيبة يردها بحسن عزاء، أو جرعة غيظ يردها بحلم " (1). # 115 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في خبر طويل روى عن أنس بن مالك ~~سمعه منه صلى الله عليه وآله في ذكر منافع كثير من يقول الأرض ومضارها، ~~فقال عليه الصلاة والسلام عند ذكر الجرجير: " فوالذي نفس محمد بيده ما من ~~عبد بات في جوفه شئ من هذه البقلة إلا بات الجذام يرفرف على رأسه حتى يصبح ~~إما أن يسلم وإما ms059 أن يعطب "، وهذا القول مجاز، لان الداء المخصوص الذي هو ~~الجذام لا يصح أن يوصف بالرفرفة على الحقيقة لأنه عرض من الاعراض، وإنما ~~أراد عليه الصلاة والسلام أن البائت على أكل هذه البقلة يكون على شرف من ~~الوقوع من الجذام لشدة اختصاصها بتوليد هذه العلة، فإما أن يدفعها الله ~~تعالى عنه فتدفع، أو يوقعه فيها فيقع، وإنما قال عليه الصلاة والسلام # PageV00P153 # " يرفرف على رأسه " عبارة عن دنو هذه العلة منه فيكون بمنزلة الطائر الذي ~~يرفرف على الشئ إذا هم بالنزول إليه والوقوع عليه (1). # بسم الله الرحمن الرحيم 116 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " وهل ~~يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ". وفي رواية أخرى: " على مناخرهم ~~في النار... "، وهذه من الاستعارات العجيبة، والمراد بها أن أكثر معاثر ~~الاقدام ومصارع الأنام إنما تكون بجرائر ألسنتهم عليهم، وعواقب الأقوال ~~السيئة التي تؤثر عنهم، هذا في الدار الدنيا وعلى المتعارف بين أهلها، ~~والمتعالم من مجارى عاداتها. فأما في الدار الآخرة فيأخذون فيها بآثام ~~الأقوال، كما يؤخذون بآثام الافعال، فيكبون على مناخرهم في أطوار العذاب ~~وبين أطباق النيران، نعوذ بالله منها. والعبارة عن هذه الحال بحصائد ~~الألسنة من أحسن العبارات لأنه عليه الصلاة والسلام شبه # PageV00P154 # ما تحذف (1) به ألسنتهم من الأقوال المذمومة التي تسوء عواقبها ويعود ~~عليهم وبالها بالزراع الذي يستوبئ (2) عاقبة زرعه، والغارس الذي يستمر (3) ~~ثمرة غرسه، وهذا كقول القائل لمن أخذ بجريرة، وعوقب على جريمة: احصد ما ~~زرعت واستوف أجر ما غرست (4). # 117 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " تدور رحا الاسلام لسنة كذا " ~~(5) وهذا مجاز، والمراد أن الاسلام على هذا العهد يضطرب في قراره، ويقلق في ~~نصابه بالولاة الذين يتنكبون واضح السبيل وتنتقض على أيديهم مرر (6) الدين، ~~فشبه عليه # PageV00P155 # الصلاة والسلام الاسلام بالرحا الساكنة في مستقرها، القائمة على قطبها، ~~فإذا كان الوقت الذي وقع الايماء إليه دارت دور هرج واضطراب، لا دور قوة ~~واستتباب، ودور الرحا يكون عبارة عن حالين مختلفين: إحداهما مذمومة، ~~والأخرى محمودة: المذمومة هي الحال التي بنى ms060 الخبر عليها، وعلى ذلك كان قول ~~عثمان بن حنيف (1) الأنصاري رحمه الله يوم الجمل، وكان في حيز أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام، وقد رأى استحرار القتل واستلحام الامر: دارت رحا ~~الاسلام ورب الكعبة، أراد أن الناكثين بيعة أمير المؤمنين عليه السلام وهم ~~أصحاب الجمل قد أزعجوا الاسلام عن مناطه، وأزحفوه عن قراره. وأما الحال ~~المحمودة، فهي أن يكون دور الرحا عبارة عن تحرك جد القوم، وقوة أمرهم، وعلو ~~نجمهم، يقال: دارت رحا بنى فلان، إذا اتفقت لهم هذه الأحوال المحمودة. ومن ~~هذا القبيل أيضا العبارة بدوران الرحا عن هزم عسكر لعسكر، وكسر فيلق لفيلق. ~~قال الشاعر: # طحنت رحا بدر لهلك فتية * ولمثل بدر تستهل (2) الأدمع فهذه حال كان دور ~~الرحا فيها محمودا لمن دارت له، ومذموما # PageV00P156 # لمن دارت عليه. وإنما قالوا: دارت رحا الحرب لجولان الابطال فيها، وحركات ~~الخيل تحتها. وقد روى هذا الخبر على وجه آخر، وهو قوله: " تزول رحا الاسلام ~~"، والمراد بذلك أنها تزول عن ثباتها، وتميل عن موضع استقرارها (1). # 118 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من بايع إماما فأعطاه صفقة ~~يده، وثمرة قبله، ونخيلة صدره، فليطعه ما استطاع "، فقوله عليه الصلاة ~~والسلام: " وثمرة قلبه " استعارة لان المراد بها خالصة صدره. أي بايعه ~~بطاعة صحيحة، وبنية غير مدخولة، فشبه عليه الصلاة والسلام ذلك بالثمرة ~~لأنها لباب كل شئ، وخالصته، وصفوته، وخلاصته. ومثل ذلك الحديث الآخر عنه ~~عليه الصلاة والسلام: " الولد مبخلة مجبنة مجهلة، ثمرات القلوب، وقرات ~~العين "، أراد عليه الصلاة والسلام أن الأولاد خالصة القلوب والأكباد، كما ~~أن الثمر خالصة النبات والأشجار. # وعندي في ذلك وجه آخر، وهو أن الولد من أبيه بمنزلة الثمرة من الشجرة ~~لأنه منه تفرع، وبواسطته ظهر وطلع، فلو قال: الأولاد # PageV00P157 # ثمرات الرجال لكان الغرض صحيحا، والمعنى مستقيما، إلا أنه عليه الصلاة ~~والسلام أضافهم إلى القلوب، فجعلهم ثمارا لها دون سائر الأعضاء غيرها، لان ~~القلب سيد الأعضاء الرئيسة والأحناء الشريفة فحسنت حينئذ إضافة الولد إلى ~~القلب خصوصا، وإن حسنت إضافته إلى سائر أعضاء ms061 الأب عموما لأنه عصارة مائه، ~~وخلاصة أعضائه (1). # 119 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، وقد سأله رجل عما شيبه؟ فقال: " ~~هود وأخواتها قصفن على الأمم "، # PageV00P158 # وهذا القول مجاز، لان أهل القصف: كسر الشئ وحطمه. ومن ذلك ما حكى عن بعض ~~اليهود لما قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة أن قال: تركت بنى قيلة ~~(1) يتقاصفون بقباء (2) على رجل يزعم أنه نبي، يقول من شدة ازدحامهم عليه ~~كان بعضهم يكسر بعضا، ومنه: سميت الريح الشديدة قاصفا، لأنها تحطم الأشجار ~~وتهدم الجدران. فالمراد بقوله عليه الصلاة والسلام: قصفن على الأمم أن هودا ~~وما يجرى مجراها من السور أفيض فيها ذكر مهالك الأمم الخالية، ومصارع ~~القرون الماضية، فنسب عليه الصلاة والسلام إهلاكهم إلى هذه السورة لما كانت ~~المترجمة عن ذكر هلاكهم، والهاتفة ثانيا ببورهم على طريق المجاز والاتساع. ~~وقوله عليه الصلاة والسلام: " قصفن على " أي تلون على أخبار تلك المهالك ~~وأنباء تلك المعاطب، وهذا مجاز آخر، لان السور متلوة وليست بتالية، ولكنه ~~لما نسب فعل الهلاك إليها وأقامها مقام المهلك المعطب حسن أن يقيمها مقام ~~المتكلم المخبر (3). # PageV00P159 # 120 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الرحم تتكلم بلسان طلق ذلق ~~تقول: صل من وصلني " وقد روى أيضا بلسان طلق ذلق بالضم (1) في الحرفين ~~جميعا، وهذا الكلام مجاز، والمراد أن الله سبحانه قد أوجب على خلقه صلة ~~الرحم، وأمرهم بالعطافة عليها، والقيام بالحقوق الواجبة لها. فصارت بظاهر ~~هذه الحال كأنها ناطقة بالحض على صلتها، والدعاء لمن وصلها (2). ومن كلامهم ~~أطت بفلان الرحم (3)، والأطيط ها هنا: الصوت فيه بعض الحنين، كأنها دعته إل ~~أن يرعى ذمتها وذكرته بما يجب عليه لها. # ويقولون أرزمت (4) إليه الرحم، وناشدته الرحم، وذلك في لسانهم # PageV00P160 # أشهر من أن يحتاج إلى إقامة الشواهد، وإيضاح الدلائل (1). # 121 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تمشوا على أعقابكم القهقرى ~~" وهذه استعارة، والمراد لا ترجعوا عن دينكم ولا تكفروا بعد إيمانكم ~~فتكونوا كالراجع على عقبه عاكسا لقدمه وناكصا بعد تقدمه. فهذا وجه. وقد ~~يجوز أن ms062 يكون المراد لا تولوا عن الدين راجعين وتلتووا عنه منصرفين. فعبر ~~عن الرجوع بد الذهاب بالرجوع على الأعقاب، لان من دعاتهم أن يقولوا رجع ~~فلان على عقبه إذا أدبر عن وجهته أو خالف قصد جهته، والمعنيان متقاربان ~~(2). # 122 - ومن ذلك عليه الصلاة والسلام: " من أتاكم وأمركم جمع يريد أن يشق ~~عصاكم، ويفرق جماعتكم فاقتلوه " # PageV00P161 # فقوله عليه الصلاة والسلام " يريد أن يشق عصاكم " استعارة، والمراد به ~~تفريق أمرهم، وتشتيت جمعهم. فشبه ذلك بشق العصا، لان عن شقها يكون تشظيها ~~(1)، وتطاير الصدوع (2) فيها، قال الراعي: # فتشققت من بعد ذاك عصاهم * شققا وغودر جمعهم مفلولا أي انتشرت أمورهم ~~وتفرقت جموعهم. ومثل ذلك من كلامهم قولهم: فض الله مروتهم، وهي الصخرة، وفض ~~الله خدمتهم، وهي الحلقة. فكأنهم شبهوا التئام جموعهم بالصخرة الملمومة، ~~وشبهوا التحام شؤونهم بالحلقة المأطورة (3). ويجوز أن يكون لشق العصا وجه ~~آخر، وهو أن يراد به فل شوكتهم وإيهان (4) قوتهم، لان العصا لصاحبها قوة ~~يدفع بها، وبسطة يعول عليها. ألا ترى إلى قوله تعالى حاكيا عن موسى عليه ~~السلام " هي عصاي، أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولى فيها مآرب أخرى ". ~~فيجعل من مرافقها الاعتماد عليها والهش على الغنم بها، ومن المآرب الأخرى ~~التي فيها أن تكون آلة لدفاعه وعدة لقراعه، وهي بعد عون للماشي وهداية # PageV00P162 # للعاشي (1) وسلاطة (2) للراعي. # 123 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من لبس في الدنيا ثوب شهرة ~~ألبسه الله مذلة " وهذه استعارة. # والمراد أن الله سبحانه يشمله بالمذلة حتى تضفو عليه من جهاته، وتلتقي ~~عليه من جنباته، كما يشمل الثوب بدن لابسه، فيكون سادا لخلله ومغطيا لفرجه. ~~ومعنى هذه المذلة أن يحقره سبحانه في القلوب ويصغره في العيون، وربما زيد ~~في هذا الخبر: ألبسه الله ثوب مذلة في الآخرة، والمذلة في الآخرة هي حرمان ~~الثواب وإنزال العقاب (3). # 124 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: وقد جاء رجل # PageV00P163 # بامرأته يشكو خلقها فأخذ عليه الصلاة والسلام برأسيهما وقال: # " اللهم أر بينهما " وهذه استعارة، والمراد اللهم قرب بينهما ولائم بين ms063 ~~خلقيهما. وذلك مأخوذ من الآري وهي الآخية التي تربط الدابة إليها، فكأنه ~~عليه الصلاة والسلام دعا لهما أن يكونا كالدابتين على الآري، في المقاربة ~~والملازمة وعدم النفار والمباعدة. وقد يجوز أن يكون ذلك مأخوذا من قولهم: ~~أربت العقدة إذا شددتها وأحكمت عقدها، فكأنه عليه الصلاة والسلام دعا لهما ~~بأن يكون عقد الود بينهما فتكون أخلاقهما متوافقة وأحوالهما متلافقة. وقد ~~يجوز أيضا أن يكون ذلك مأخوذا من قولهم: أرى فلان بالمكان إذا قام به، ~~فكأنه عليه الصلاة والسلام دعا لهما بأن يثبتا على الألفة، ويدوما على ~~المودة (1)، والتأري أيضا: التوقع للشئ والانتظار له. # قال الشاعر: # لا يتأرى لما في القدر يرقبه * ولا يعض على شرسوفه الصفر (2) # PageV00P164 # 125 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في هجاء شعراء الاسلام لمشركي ~~قريش: " فوالذي نفسي بيده لكأنما ينضحونهم بالنبل "، وقد يجوز أن يكون ذلك ~~مأخوذا من قولهم: نضح الشجر ينضح نضحا إذا تفطر (1) للتوريق، فكأنه عليه ~~الصلاة والسلام قال: شققوا جلودهم بنبلكم تتشقق ألحية (2) الشجر عن طوالع ~~أوراقه ونواجم أفنانه (3). # 126 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وقد كسا أسامة ابن زيد قبطية (4) ~~فكساها امرأته، فقال له عليه الصلاة والسلام: # PageV00P165 # (1) " أخاف أن تصف حجم عظامها "، وهذه استعارة. والمراد أن القبطية ~~برقتها تلصق بالجسم، فتبين حجم الثديين والرادفتين وما يشذ من لحم العضدين ~~والفخذين، فيعرف الناظر إليها مقادير هذه الأعضاء حتى تكون كالظاهرة للحظه ~~(1)، والممكنة للمسه، فجعلها عليه الصلاة والسلام لهذه الحال كالواصفة لما ~~خلفها والمخبرة عما استتر بها. وهذه من أحسن العبارات عن هذا المعنى. وهذا ~~الغرض رمى عمر بن الخطاب في قوله: إياكم ولبس القباطي (2)، فإنها إلا تشف ~~(3) تصف، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله أبا عذر (4) هذا المعنى، ومن ~~تبعه فإنما سلك نهجه، وطلع فجه (5). # PageV00P166 # 127 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تعضية في ميراث إلا فيما ~~حمل القسم "، وهذه استعارة والمراد بالتعضية التفريق من قولهم: عضي الجزور ~~إذا نحرها، وقسم أعضاءها وفرق أشلاءها، فشبه عليه الصلاة والسلام الميراث ~~المقتسم بالأعضاء ms064 المتفرقة والاشلاء المورعة، ومعنى إلا ما حمل القسم: أي ~~ما احتمل إذا قسم أعضاء، وفرق أجزاء ألا يكون ذلك مضرا به ومفسدا له. ومالا ~~يحتمل القسم كالحمام (1) من العقار والدرة (2) من العروض، وما في معنى هذين ~~الجنسين من المال الموروث، وعلى ذلك قول الشاعر: # * وليس دين الله بالمعضى * أي ليس الدين بالمفرق والموزع، ولكنه المضموم ~~المجتمع (3). # 128 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلام: # PageV00P167 # " ولا تسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم " (1) وهذه استعارة، ~~والمراد بالبيضة هاهنا مجتمع أمته عليه الصلاة والسلام وموضع سلطانهم، ~~ومستقر دعوتهم (2). وشبه ذلك بالبيضة لاجتماعها، وتلاحق أجزائها، واستناد ~~ظاهرها إلى باطنها، وامتناع باطنها بظاهرها. وقد يجوز أن يكون المراد ~~بالبيضة هاهنا المغفر الذي هو من لامة الحرب، فكأنه عليه الصلاة والسلام ~~شبه مكان اجتماعهم، ومظنة اتفاقهم والتئامهم ببيضة الحديد التي تحصن الدارع ~~(3) وترد القوارع (4). وكان شيخنا أبو الفتح (5) النحوي رحمه الله يقول: ~~قولهم فيها الجماء الغفير (6)، يريدون به البيضة التي هي المغفر وسموها ~~جماء لملاستها (7) وغفيرا لتغطيتها (8) كأنهم بهذا الكلام # PageV00P168 # يصفون قوما بالقوة والاجتماع، والكثرة والاحتشاد، فشبهوا قوتهم بالحديد ~~الذي هو النهاية في الشدة، وشبهوا كثرته (1) في أن بعضهم ليستر بالمغفر ~~الذي هو غطاء لما تحته من شعر الهامة (2). # وفي هذا الكلام مسألة من الاعراب، وهي من مسائل الكتاب (3)، وليس كتابنا ~~هذا مقتضيا لذكرها فنتعاطاه، لا سيما وغرضنا فيه اتباع نهج الاختصار، ~~والانحراف عن طريق الاكثار والاطناب (4). # 129 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من كسب مالا من نهاوش (5) ~~أنفقة في نهابر " (6)، وفي هذا الكلام # PageV00P169 # مجاز والمراد بالنهاوش على ما قاله أهل العربية: اكتساب أموال من النواحي ~~المكروهة، والوجوه المذمومة، ومن غير حلها، ولا حميد سبلها. وذلك مأخوذ من ~~نهش الحية كأنها تنهش من هنا ومن هنا لا تتقى منهشا ولا تجتنب ملبسا، وذلك ~~ضد قوله عليه الصلاة والسلام على أحد التأويلين: " اطلبوا المال من حسان ~~الوجوه ". أي من وجوه المكاسب الطيبة التي يحسن الطلب منها، ولا يذم التعرض ~~لها. وقال أبو عبيدة: ms065 هو مهاوش بالميم، يريد أخذ المال من التلصص نحو لصوص ~~بنى سعد. وقال غيره: ذلك مأخوذ من الهوش. # يقال: تهاوش القوم إذا اختلطوا: ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: # " إياكم وهوشات الأسواق "، أي اختلاطها وفسادها. والميم زائدة في بناء ~~الكلمة، والمعنى راجع إلى ما قاله أبو عبيدة، لان الأموال المأخوذة من ~~التلصص موصوفة بالاختلاط في أنفسها، والآخذ لها موصوف بالتخليط فيها، وقوله ~~عليه الصلاة والسلام: # أنفقه في نهابر: أي في الوجوه المحرمة التي يضيع الانفاق فيها، ولا يعود ~~إليه نفع منها. وذلك مأخوذ من نهابر الرمل، واحدتها نهبورة، وهي وهدات تكون ~~بين الرمال المستعظمة إذا وقع البعير فيها استرخت قوائمه، ولم يكد يتخلص ~~منها. ويقال: حفر بين الآكام يصعب السلوك بها وتكثر المعاثر فيها، فكأنه ~~عليه الصلاة والسلام شبه ما يكسب من الحرام وينفق في الحرام بالشئ الواقع ~~PageV00P170 # في عجمة (1) الرمل لا يرجى وجوده، ولا ينشد مفقوده، ومع ذلك فقد أرصد ~~لمنفقه أليم العذاب، وعقيم العقاب (2). # 130 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كتاب كتبه لبعض الوفود: " لا ~~يباح ماؤه ولا يعقر أرعاؤه " (3)، وهذه استعارة، والمراد به لا يقطع ما فيه ~~من شجر أو كلا إلا بإذن صاحبه، فشبه عليه الصلاة والسلام ما يقطع من الشجر ~~بما يعقر (4) من الإبل. وذلك من التشبيهات الواقعة والتمثيلات النافعة، لان ~~سقوط الشجر عن قطعها، كسقوط البدنة عن عقرها (5). # PageV00P171 # 131 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الولاء (1) لحمة كلحمة النسب ~~لا يباع ولا يوهب "، وهذه استعارة. لأنه عليه الصلاة والسلام جعل التحام ~~الولي بوليه كالتحام النسيب بنسيبه في استحقاق الميراث، وفي كثير من ~~الأحكام. وذلك مأخوذ من لحمة الثوب وسداه (2) لأنهما يصيران كالشئ الواحد ~~بما بينهما من المداخلة الشديدة، والمشابكة الوكيدة، ويقال لحمة البازي ~~(3)، ولحمة النسب، ولحمة الثوب واحد، وهي المشابكة والمخالطة إلا أنهم ~~فرقوا بين اللفظين ليكون ذلك تمييزا للمسميين (4). # 132 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " المؤمن موه (5) راقع "، وهذه ~~استعارة والمراد أن المؤمن إذا أساء أحسن # PageV00P172 # وإذا أخطأ ندم. فكأنه يوهي ms066 دينه بمعصيته، ويرقعه بتوبته. # فشبهه عليه الصلاة والسلام بمن يخرق ثوبا، ثم يبادر رقع ما حرق، ورتق ما ~~فتق. # 133 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من خلع يدا من طاعة لقى الله ~~ولا حجة له " وهذه استعارة. والمراد بخلع اليد هاهنا الخروج عن طاعة الإمام ~~العادل، فشبه عليه الصلاة والسلام من يخرج عن طاعة سلطانه بالأسير الذي نزع ~~يده من ربقته (2)، وأخرج عنقه عن جامعته (3)، فكأنه عليه الصلاة والسلام ~~أقام لوازم الطاعة في الأعناق مقام الجوامع في الأيدي والرقاب، وجعل الخارج ~~منها كالمارق من ربقة الأسر، والناصل (4) من مثناة الحبل (5). # PageV00P173 # 134 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من كانت نيته الآخرة جعل الله ~~سبحانه غناه في قلبه (1) وأتته الدنيا وهي راغمة "، وهذه استعارة، والمراد ~~أتته الدنيا من حيث لا يطلبها ودرت عليه منافعها من حيث لا يحتسبها، فأقام ~~عليه الصلاة والسلام مواتاة الدنيا من غير طلب مقام إتيانها راغمة وإقبالها ~~عليه ضارعة. # وأصل الرغم أن يلصق الانف بالرغام، وهو التراب، وقيل الرمل وليس يكاد ~~يكون ذلك إلا عن غاية الخشوع، ونهاية الخضوع (2). # 135 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " عليكم بسنتي وسنة المهديين من ~~بعدى عضوا عليها بالنواجذ " وهذا مجاز. والمراد أن اقطعوا عليها وقفوا ~~عندها، ولا تتجاوزوها إلى غيرها. كما أن من شدد العض بنواجذه على الشئ الذي ~~يتأتى فيه القطع قطعه. والنواجذ أقصى الأضراس، وهي أقواها وأمضاها. # وقد يجوز أن يكون المراد الامر بلزوم سنته عليه الصلاة والسلام # PageV00P174 # كما أن العاض بنواجذه على الشئ الذي يتأتى فيه القطع يلزمه أشد اللزوم ~~لقوة العوازم، واستحصاف اللوازم (1). # 136 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " حبك الشئ يعمى ويصم "، وهذا ~~مجاز. لان الحب للشئ على الحقيقة لا يعمى ولا يصم، وإنما المراد أن الانسان ~~إذا أحب الشئ أغضى عن مواضع عيوبه كأنه لا ينظرها، وأعرض عن الملاوم ~~والمعاتب من أجله كأنه لا يسمعها. فصار من هذا الوجه كالأعمى لتغاضيه، ~~والأصم لتغابيه (2). # 137 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " تنام عيناي ms067 ولا ينام قلبي ". ~~وهذا القول عند المحققين من العلماء مجاز. لأنه عليه الصلاة والسلام لو كان ~~قلبه لا ينام على الحقيقة كقلوب الناس لكان ذلك من أكبر معجزاته، وأبهر ~~آياته، ولوجب أن تتظاهر الاخبار بنقله، كما تظاهرت بنقل غيره من أعلامه ~~ودلالته. ومما يحقق # PageV00P175 # قولنا ما رواه عبد الله بن عباس رحمهما الله من أنه صلى الله عليه وآله، ~~نام ونفخ فصلى ولم يتوض، فقيل له عليه الصلاة والسلام في ذلك، فقال: ليس ~~الوضوء على من نام قاعدا إنما الوضوء على من نام مضطجعا. وفي بعض الروايات ~~أو متوركا فإنه إذا نام كذلك استرخت مفاصله. فبين عليه الصلاة والسلام أنه ~~لو نام مضطجعا للزمه الوضوء لاسترخاء مفاصله، فلو كان قلبه لا ينام لما وجب ~~عليه الوضوء إذا نام مضطجعا، كما لا يجب عليه إذا نام قاعدا. وقد يجوز أن ~~يكون المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: " تنام عيناي ولا ينام قلبي " أنه ~~لا يعتقد في حال نومه من الرؤيا الفاسدة والمنامات المتضادة ما يعتقده غيره ~~من سائر البشر، فيكون في حكم المستيقظ، وبمنزلة المتحفظ (1). # 138 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إياكم والمشارة (2) فإنها ~~تحيى العرة (3) وتميت الغرة (4) " وهذه استعارة # PageV00P176 # عجيبة، والمراد بها أن مشارة الناس تظهر المعايب وتخفى المناقب لان ~~المهاتر المشاغب لا يقدر لمخاصمة على مثلبة (1) إلا بحثها، ولا يجد له ~~منقبة (2) إلا دفنها، فكأنه يميت محاسنه ويحيى مساويه، وجعل عليه الصلاة ~~والسلام الغرة في مكان المنقبة لتجمل الانسان بنشرها، وجعل العرة في مكان ~~المثلبة لتهجن الانسان بكشفها، وقد قيل إن المراد بالغرة هاهنا النفيسة من ~~المال، ومنه قول الشاعر: # * غرير التلاد منيل الطعام * أراد بغرير التلاد كرائم المال، والمراد ~~بالعرة: البلاء والملاك مأخوذ من العرة، وهي قروح تصيب الإبل، وهذا القول ~~ذكره أبو عبيدة، والقول الأول أشبه بظاهر الكلام وأبعد من الاعتساف ~~والاستكراه، ومما يؤكد ذلك ما روى عن جدنا الصادق جعفر بن محمد عليه وعلى ~~آبائه السلام أنه قال: إياكم وتعداد العرة (3) فإنها تكشف العورة وتورث ~~المعرة ms068 (4). فهذا كالبيان لذلك الاجمال، والاخراج من ذاك الاحتمال (5). # PageV00P177 # 139 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " دب إليكم داء الأمم من قبلكم ~~الحسد والبغضاء، وهي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر " وهذه استعارة. ~~والمراد بالحالقة هاهنا المبيرة المهلكة: أي هذه الخلة المذمومة تهلك ~~الدين، وتستأصله كما تستأصل الموسى الشعر، والمقراض الوبر، وعلى هذا قول ~~الشاعر: # أرسل عليهم سنة قاشوره * تحتلق الناس احتلاق النورة (1) أي تبير (2) ~~الناس، فتأتي على نفوسهم، أو تأتى على أموالهم من الإبل والشياه، فتكون ~~كأنما قد أتت على نفوسهم بإتيانها على ما هو قوام نفوسهم، وإنما جعل عليه ~~الصلاة والسلام البغضاء حالقة # PageV00P178 # للدين لأنها سبب التفاني والتهالك، والايقاع في المعاطب والمهالك، ~~والداعي إلى سفك الدم الحرام، واحتمال أعباء الآثام (1). # 140 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " قيدوا العلم بالكتاب " وهذه ~~استعارة، لأنه عليه الصلاة والسلام جعل ضروب العلم بمنزلة الإبل الصعاب ~~التي تشرد إن لم تعقل، وتند إن لم تقيد، وجعل الكتاب لها بمنزلة الاقياد ~~(2) المانعة والعقل اللازمة. # ومن هناك أيضا سموا مثل شكل الخط تقييدا، فقالوا: خط مقيد بالشكل، كأنه ~~حفظ عليه إيضاحه في إفهامه، ولولا الشكل لضل بيانه وأنكر عرفانه، ومما يشبه ~~ذلك الحال التي من أجلها سمى العقل عقلا، وهو عندنا اسم لعلوم مخصوصة يطول ~~بتعدادها الكتاب. # منها العلم بمجاري العادات، ومنها العلم بالمشاهدات، وهو أقوى هذه العلوم ~~وأولاها بالتقديم، لان الانسان إذا لم يعلم المشاهدات لم يصح أن يعلم شيئا ~~غيرها من المعلومات. ومنها العلم بأن الشئ لا يخلو من وجود أو عدم، ~~والموجود لا يخلو من حدوث أو قدم، # PageV00P179 # وأن الجسم لا يجوز أن يكون في مكانين في وقت واحد، والجسمين لا يصح ~~كونهما في مكان واحد في حال واحدة. ومنها العلم بقبح كثير من المقبحات (1): ~~كنحو الظلم والكذب الذي ليس فيه جر منفعة، ولا دفع مضرة، والامر بالقبيح، ~~وكفران النعمة. ومنها العلم بحسن كثير من المحسنات (2): كنحو إرشاد الضال، ~~وبذل الافضال. ومنها العلم بوجوب كثر من الواجبات: كنحو الانصاف والعدل، ~~وشكر المنعم، ms069 وترك الظلم. ومنها العلم بتعلق الفعل بالفاعلين، والاضطرار ~~عند أحوال مخصوصة إلى كثير من قصود المخاطبين. # ومنها معرفة ما يمارسه الانسان من الصنائع المتعاطاة، والحرف المعاناة. # ومنها معرفة ما يسمعه من مخبري الاخبار إذا كان المخبرون عددا مخصوصا، ~~وكانوا عالمين بما أخبروا به اضطرارا، وقد تركنا ذكر كثير من هذه الأقسام ~~عدولا إلى جانب الاختصار. وذكر لي قاضى القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن ~~أحمد عند قراءتي عليه ما قرأته من كتابه الموسوم بالعمد في أصول الفقد (3) ~~أن هذه العلوم المخصوصة إنما سميت عقلا لأنها تعقل من فعل المقبحات، وذاك ~~لان العالم بها # PageV00P180 # إذا دعته نفسه إلى ارتكاب شئ من المقبحات منعه عليه بقبحه من ارتكابه، ~~والاقدام على طرق بابه، تشبيها بعقال الناقة المانع لها من الشرود والحائل ~~بينها وبين النهوض، ولهذا المعنى لم يوصف القديم تعالى بأنه عاقل لأن هذه ~~العلوم غير حاصلة له إذا هو عالم بالمعلومات كلها لذاته. قال: وقيل أيضا ~~إنما سميت هذه العلوم المخصوصة عقلا لان ما سواها من العلوم يثبت بثباتها ~~ويستقر باستقرارها؟؟ تشبيها بعقال الناقة الذي به تثبت في مكانها، ولمثل ~~ذلك قيل معقل الجبل للمكان الذي يلجأ إليه ويعتصم به وله سميت المرأة ~~عقيلة، وهي التي يمنعها شرف بيتها، وكرم أصلها، وقوة حزمها، من الاقدام على ~~ما يشينها، والتعرض لما يعيبها، والكلام في تفصيل هذه العلوم، وبيان مالا ~~جله؟؟ احتيج إلى كل واحد منها يطول، وليس هذا الكتاب من مظان ذكره، ومواضع ~~شرحه (1). # 141 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " سيحرصون بعدى على الامارة، ~~فنعمت المرضع وبئست الفاطم "، وهذه استعارة كأنه عليه الصلاة والسلام أقام ~~الامارة في حلاوة أوائلها، # PageV00P181 # ومرارة أواخرها، مقام المرضع التي تحسن الرضاع، وتسئ الفطام، وهذا من ~~أوقع تشبيه وأحسن تمثيل، لان مداخل الامارة محبوبة، ومخارجها مكروهة، لما ~~في المداخل إليها من قضاء الإرب، وعلو الرتب، ولما في المخارج عنها من طرق ~~السوء، وشمات (1) العدو (2). # 142 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تغالوا بمهور النساء، ~~فإنما هي سقيا ms070 الله سبحانه " وهذه استعارة، والمراد إعلامهم أن وفاق النساء ~~المنكوحات، وكونهن على إرادات الأزواج ليس هو بأن يزاد في مهورتهن (3)، ~~ويغالى بصدقاتهن (4)، وإنما ذلك إلى الله سبحانه، فهي كالأحاظي (5) ~~والأقسام والجدود # PageV00P182 # والأرزاق، فقد تكون المرأة منزورة (1) الصداق، واقعة بالوفاق، وقد تكون ~~ناقصة المقة (2)، وإن كانت زائدة الصدقة. فشبه ذلك عليه الصلاة والسلام ~~بسقيا الله يرزقها واحد ويحرمها آخر، ويصاب بها بلد، ويمنعها بلد. وهذه من ~~أحسن العبارات عن المعنى الذي أشرنا إليه، ودللنا عليه (3). # 143 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في جملة كلام ضربه مثلا: " إن ~~الله سبحانه جعل الاسلام دارا، والجنة مأدبة والداعي إليها محمدا صلى الله ~~عليه وآله "، وهذا الكلام مجاز، لأنه عليه الصلاة والسلام أقام الاسلام ~~مقام الدار المنتجعة (4)، والجنة مقام المأدبة المصطنعة (5)، والنبي عليه ~~الصلاة والسلام مقام الدال عليها، والداعي إليها. وإنما شبه عليه الصلاة ~~والسلام الاسلام بالدار # PageV00P183 # من حيث كان (1) جامعا لأهليه، حاميا لمن فيه، وشبه الجنة بالمأدبة من حيث ~~كان مجتمع الشهوات، ومنتجع اللذات، وشبه نفسه عليه الصلاة والسلام بالداعي ~~إليها من حيث كان المرشد إلى الاسلام والهادي للأنام، صلى الله عليه وآله ~~الطيبين الأخيار (2). # 144 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " أنا النذير والموت المغير "، ~~وهذه من الاستعارات الناصعة، والمجازات الواضحة لان الاستعارة على ضربين: ~~ظاهرة تعرف بجليتها (3)، وغامضة يضطر إلى استنباط خبيتها (4). فكأنه عليه ~~الصلاة والسلام شبه الموت الذي يطلع الثنايا، ويطلب البرايا بالجيش المغير ~~الذي يهجم هجوم السيل، ويطرق طروق الليل، وشبه نفسه عليه الصلاة والسلام ~~بالنذير المتقدم أمامه، يحذر الناس من فجئه ليعدوا العتاد، # PageV00P184 # ويتزود الأزواد. وهذا القول منه عليه الصلاة والسلام تصديق لقول الله ~~سبحانه فيه: " إن أنا إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ". وقد تكلمنا على ~~هذه الآية في كتابنا الموسوم بمجازات القرآن. ويقال إنه عليه الصلاة ~~والسلام لما نزلت هذه الآية أتى على أبى قبيس (1) ونادى: يا صباحاه، فلما ~~اجتمع الناس إليه قال لهم يا معشر قريش: لو كنت مخبركم بأن جيشا يطلع عليكم ~~من ms071 هذه الثنية أكنتم مصدقي؟ قالوا أجل والله ما علمناك إلا صادقا مصدقا. # قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فلما سمعوا ذلك انفضوا عنه ~~ارتكاسا في الغواية، واتباعا للضلالة. ولقد أحسن صلى الله عليه وآله ضرب ~~المثل لهم، وسلك الطريق الأخصر في حياشتهم (2) وتقريب الامر عليهم، ولكن ~~عشوا عن النور الأبلج، وأبوا غير الطريق الأعوج (3). # PageV00P185 # 145 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في وصف الفرس الذي جاء سابقا: " ~~إنه لبحر "، وهذا مجاز، وربما طعن بعض الجهال بمناديح كلام العرب في هذا ~~القول بأن يقول: كيف شبه عليه الصلاة والسلام سرعة جرى الفرس بالبحر والبحر ~~راكد لا يجرى، وقائم لا يسرى؟ فجوابه أن يقال: إنما شبه عليه الصلاة ~~والسلام اتساعه في الجرى باتساع ماء البحر، ألا تراهم يقولون إنه لواسع ~~الحضر (1) ووساع الخطو (2) يريدون هذا المعنى. والبحر في كلام العرب الشئ ~~الواسع، ومن هناك سموا البلدة المتسعة الأقطار بحرا، وقد يجوز أن يكون ~~المراد بتشبيهه بالبحر أن جريه غزير لا ينفد، كما أن ماء البحر كثير لا ~~ينضب. ويقال للفرس الكثير الجرى: بحر وفيض وسكب. وعلى هذا قول الشاعر: # * وفى البحور تغرق البحور * قيل أراد الخيل السابقة التي تسبقها خيل أسبق ~~منها، فقد بان أن التشبيه واقع موقعه، وأن الطاعن فيه لم يفهم غرضه (3). # PageV00P186 # 146 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " ألا أخبركم بأحبكم إلى ~~وأقربكم منى مجالس يوم القيامة؟ أحاسنكم (1) أخلاقا الموطئون أكنافا (2) ~~الذين يألفون ويؤلفون. ألا أخبركم بأبغضكم إلى وأبعدكم منى مجالس يوم ~~القيامة؟ الثرثارون المتفيهقون "، فقوله عليه الصلاة والسلام " الثرثارون ~~المتفيهقون " استعارة، والمراد به الذين يكثرون الكلام، ويتعمقون فيه طلبا ~~للتكلف، وخروجا عن القصد، وتباعدا عن أحق، وأصل الثرثار مأخوذ من العين ~~الثرثارة، وهي الواسعة الارجاء، الغزيرة الماء. # يقال: عين ثرة وثرثارة، وبذلك سمى الثرثار، وهو النهر المعروف بالشام، ~~وقال الأخطل: # لعمري لقد لا قت سليم وعامر * على جانب الثرثار راغية البكر (3) قال ~~المبرد: وليست الثرة عند النحويين البصريين من لفظ الثرثارة، ولكنها في ~~معناها. وقوله عليه ms072 الصلاة والسلام: # " المتفيهقون " يريد به ما يريد بقوله: " الثرثارون "، ومتفيهق # PageV00P187 # متفيعل من قولهم: فهق الغدير يفهق: إذا كثر ماؤه، وطمت (1) جماته (2). # 147 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في وصية لمعاذ ابن جبل: " وأمت ~~أمر الجاهلية إلا ما حسن "، وهذه استعارة والمراد توصيته بأن يحيل أمر ~~الجاهلية، بنقض أحكامها وخفض أعلامها، حتى ينسى ذكرها، ويعفو أثرها، فتكون ~~كالميت الذي # PageV00P188 # نسي ذكره، وانقطع خبره (1). # 148 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الصوم جنة والصدقة تطفئ ~~الخطيئة "، وهاتان استعارتان إحداهما: # قوله عليه الصلاة والسلام: " الصوم جنة ". والمراد أن الصائم الذي يخلص ~~في صومه، ويستكمل آخر يومه يكون بالاخلاص في ذلك الصوم كأنه قد لبس جنة من ~~العقاب، وأخذا أمانا من النار. وللصوم مزية على سائر العبادات في هذا ~~المعنى، وإن كانت إذا أديت على شروطها بهذه الصفة. وذلك أن الصيام لا يظهر ~~أثره بقول اللسان ولا فعل الأركان، وإنما هو نية في القلوب وإمساك عن حركات ~~المطعم والمشرب. فهو يقع بين الانسان، وبين الله خالصا من غير رياء ولا ~~نفاق، وسائر العبادات وضروب القرب والطاعات قد يجوز أن يفل على وجه الرياء ~~والسمعة دون حقائق الاخلاص والطاعة، وقال لي أبو عبد الله محمد بن يحيى ~~الجرجاني الفقيه: عند أصحابنا أن الصلاة أفضل من الصيام لأنها تتضمن ما في ~~الصيام من الامساك، وفيها مع ذلك الخشوع وتلاوة القرآن، وقال النبي عليه ~~الصلاة والسلام: " لا يزال البدن في جهاد الشيطان ما دام في صلاته "، # PageV00P189 # فجعل الصلاة أيضا تتضمن معنى الجهاد. فأما ما روى في الخبر من أنه عليه ~~الصلاة والسلام قال حاكيا عن الله تعالى: " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم ~~فإنه لي وأنا أجزى به ". فليس ما فيه من تفضيل الصوم بدال على أن غيره من ~~العبادات ليس بأفضل منه، وإنما وجه اختصاصه بالذكر من بين العبادات على ~~التعظيم له لأجل ما قدمنا ذكره من أنه يفعل إلا على محض الاخلاص، ولا يتأتى ~~في حقيقته شئ من الرياء والنفاق، وقد جاء عنه ms073 عليه الصلاة والسلام أنه قال: # " ليس في الصوم رياء "، وهذا بيان للمعنى الذي تكلمنا عليه. # وحكى عن سفيان بن عيينة في تفسير هذا الخبر أنه قال: الصوم هو الصبر، لان ~~الانسان يصبر عن المطعم والمشرب والمنكح، وقد قال تعالى: " إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب ". يقول: # فثواب الصوم ليس له حساب يعلم من كثرته على قدر كلفته ومشقته. # والاستعارة الأخرى قوله عليه الصلاة والسلام: " والصدقة تطفئ الخطيئة "، ~~وذلك أنه عليه الصلاة والسلام جعل الخطيئة بمنزله النار من حيث كانت مفضية ~~إلى عذاب النار، وجعل الصدقة مطفئة لها، إذا كثرت فأثرت في سقوط عقابها. ~~وهذا القول يصح على طريقة من يقول بالموازنة (1)، فإذا كان عقاب الخطيئة ~~مائة # PageV00P190 # جزء، وكان ثواب الصدقة خمسين جزءا سقط من أجزاء العقاب، بقدر أجزاء ~~الثواب. فكأن الصدقة بنقصانها من قدر العقاب، قد أطفأت وقدته، وكسرت سورته، ~~وكان أبو هاشم يختار في الاحباط والتفكير الموازنة، وكان أبو علي يقول: إن ~~الزائد يسقط الناقص من الثواب والعقاب، لا على طريق الموازنة، ولا يجوز أن ~~يتساوى ما يستحق على الطاعة، وما يستحق على المعصية. لأنهما لو تساويا ~~لسقطا، فلم يكن المكلف مستحقا لحمد ولا ذم، ولا مستوجبا لثواب ولا عقاب، ~~وقد امنا الاجماع على ذلك، فالأمة مجمعة على أن كل من كلفه الله سبحانه في ~~الدار الدنيا، فهو فس يوم المعاد في إحدى الدارين مثابا أو معاقبا، ويبين ~~ذلك قوله سبحانه: " فريق في الجنة وفريق في السعير "، والكلام على تفصيل ~~هذه الجملة يخرجنا عن غرض الكتاب، ويدخلنا في باب الاطناب (1). # 149 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: لكعب بن # PageV00P191 # عجرة " يا كعب بن عجرة: الناس غاديان، فغاد مبتاع (1) نفسه فمعتقها، وغاد ~~(2) بائع نفسه فموبقها " (3) وهذه استعارة، والمراد أن أحدهما عصم نفسه من ~~اتباع الشهوات، وركوب الموبقات، وقام بوظائف الواجبات فأمن ضرر العقاب ~~ونقاش الحساب. فكأنه ابتاع نفسه بذلك فأعتقها واستشلاها (4) واستنقذها، ~~والآخر أتبع نفسه هواها (5)، وأوردها رداها بالتهوك (6) في المغاوى ~~والارتكاس (7) في المهاوي، والتقاعس (8) عن الواجبات، والاسراع إلى ~~المقبحات، ms074 فكأنه باع نفسه بذلك فأوبقها، وعرضها للهلكة فأوردها. وهذه من ~~أحسن العبارات عن المطيع الناجي. بطاعته، والعاصي الهالك # PageV00P192 # بمعصيته (1). # 150 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن من أشراط الساعة سوء ~~الجوار، وقطيعة الأرحام، وأن يعطل السيف من الجهاد،، وأن تختل الدنيا ~~بالدين "، والكلمة الأخيرة داخلة في باب المجاز، والمراد بها النهى عن طلب ~~منافع الدنيا وحطامها، واستدرار أحلابها موادها، بإظهار الورع، وإبطان ~~الطمع، فكأن الانسان بذلك يختل الدنيا ليرمى ثغرتها (2)، ويصيب غرتها (3)، ~~كالصائد الذي يختل (4) الوحش بضروب الحيل حتى يعلق في حباله، وينشب في ~~أشراكه، وعلى ذلك قول الكميت بن زيد: # PageV00P193 # وإني على حبيهمو وتطلعي إلى نصرهم أمشى الضراء (1) وأختل (2) وقد يجوز أن ~~يكون المراد، وأن يختل أهل الدنيا بالدين، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه ~~مقامه على مثال قوله سبحانه: # " واسئل القرية " وهذا النوع في الكلام لا يحصى كثرة (2). # 151 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلام طويل " ولا تكلم اليوم ~~بكلام تعتذر منه غدا واخزن لسانك " وهذه استعارة، والمراد بخزن اللسان حفظ ~~فلتأته، وكف جمحاته حتى لا يسرع إلى ما تسوء مغبته، ولا تؤمن عاقبته، فأقام ~~عليه الصلاة والسلام ضبط اللسان عن ذلك مقام الخزن له، فأجراه مجرى المال ~~الذي يحفظ فلا ينفق في الوجوه المفسدة، والمخارج المضرة ولا يكون إنفاقه ~~إلا فيما جر منفعة، أو دفع مضرة (4). # PageV00P194 # 152 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام من جملة كلام: # " العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قيمه، واللين ~~أخوه، والرفق والده، والصبر أمير جنوده "، وهذه الألفاظ كلها مستعارة، ونحن ~~بتوفيق الله نتكلم عليها، ونبين مواضع الاستعارة منها، فالمراد بقوله عليه ~~الصلاة والسلام: " العلم خيل المؤمن " أنه يأنس به من الوحشة: ويسكن إليه ~~في الوحدة كما يأنس الخليل بخليله ويسكن الحميم إلى حميمه. والمراد بقوله ~~عليه الصلاة والسلام: " والحلم وزيره " أنه يقوى به على الأمور، ويوازره ~~على كظم المكروه، والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام: # " والعقل دليله " أنه بالعقل يهتدى في ظلم المشكلات، وينجو من مضايق ~~العمرات، فهو كالدليل ms075 الذي يرشد في المضال، ويجنب عن المزال. والمراد بقوله ~~عليه الصلاة والسلام: " والعمل قيمه " أن العمل يثقف ميله، ويقوم زلله ويسد ~~خلله، فهو كالقيم الذي يأتي لمصالح ما يقوم عليه، ومراشد ما يوكل إليه، ~~والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام: " واللين أخوه " أن اللين يفيده مؤاخاة ~~الاخوان ومخالصتهم، ويحفظ عليه صفاءهم ومودتهم، فجعله عليه الصلاة والسلام ~~أخاه من حيث كان سبب لاجتلاب الاخوان إليه، وحفظ المودات عليه، والمراد ~~بقوله عليه الصلاة والسلام: " والرفق والده " PageV00P195 # كالمراد بقوله: واللين أخوه، لان الرفق يقبل إليه بالقلوب، ويظأر (1) ~~عليه كوامن الصدور، فيصير كل واحد في الحنو عليه، والميل إليه كالوالد ~~الرؤوف، والجد العطوف، والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام: " والصبر أمير ~~جنوده " أن الصبر ملاك أمره، وشداد أزره، وبه تبلغ الآراب، وتدرك المحاب، ~~فهو كأمير جنده الذي يقوى به على أعدائه، ويصل به إلى أغراضه وطلباته. وقد ~~يجوز أن يكون المراد أن الصبر رأس خلاله، ورئيس خصاله، فهو متقدم عليها، ~~وكالأمير لسائرها، كما أن الأمير متقدم على رعيته، وله شأن على من في طبقته ~~(1). # 153 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في جملة كلام: # " والمهلكات شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه "، فقوله عليه ~~الصلاة والسلام: " شح مطاع " استعارة كأنه أقام الشح مقام الآمر بالامساك، ~~والمخوف من عواقب الانفاق، وأقام البخيل # PageV00P196 # مقام المطيع لامره، والمتصرف على حكمه. وقد بين عليه الصلاة والسلام ذلك ~~في خطبة له، فقال: " وإياكم والبخل فإنه أهلك من كان قبلكم. أمرهم بالقطيعة ~~فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا " فبين عليه الصلاة والسلام كيف يكون البخل ~~آمرا مطاعا وقائدا متبوعا. وهذه أيضا استعارة أخرى لان البخل على الحقيقة ~~لا يكون آمرا ناهيا، ولا قائدا مخاطبا. والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام: ~~" أمرهم بالقطيعة فقطعوا " أن البخلاء يضنون بمالهم على أهل الحاجة من ~~أقربائهم، وأولى الخلة (1) من ذوي أرحامهم، فيكونون بذلك قاطعين للرحم: ~~القريبة، وعاقين لأعراق الوشيجة (2) والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام: ~~وأمرهم بالفجور ففجروا " أن البخل حسن لهم منع الأموال من الانفاق في ~~الحقوق، وإسلاكها (3) سبل ms076 المعروف، فأجرى عليهم لهذه الحال اسم الفجور (4). # PageV00P197 # 154 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الكلمة الحكيمة ضالة الحكيم ~~حيثما وجدها فهو أحق بها "، وهذه استعارة. وذلك أنه عليه الصلاة والسلام ~~جعل الكلمة الحكيمة للحكيم بمنزلة الضالة التي هو ناشد لها، وساع في طلبها، ~~لأنها أشبه بحكمته، وأولى بالانضمام إلى أخواتها في قلبه، فحيثما سمعها من ~~قائل حكيم أو مرشد غير رشيد، فهو أحق بالحيازة لها والغلبة عليها. # ويشهد بذلك ما روى في الحديث الآخر: " إن الكلمة الحكيمة تكون في قلب ~~المنافق، فلا تزال تنزع حتى تلحق بصواحباتها في قلب المؤمن "، فكأنها جعلت ~~في قلب المنافق بمنزلة الغريبة التي هي في غير وطنها، ومع غير أهلها، وجعلت ~~في قلب المؤمن بمنزلة المستقرة في الوطن، والساكنة إلى السكن. وهذه أيضا ~~استعارة أخرى (1). # 155 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في خطبة له: # " إلا وإن الدنيا قد ارتحلت (2) مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت # PageV00P198 # مقبلة " وهذه استعارة لأنه عليه الصلاة والسلام جعل الدنيا بمنزلة الهارب ~~المولى، والآخرة بمنزلة الطالب المجلى (1). وذلك من أحسن التمثيلات، وأوقع ~~التشبيهات، لان أبناء الدنيا بمثابة الهاربين من علائق الحمام، وبوائق ~~الأيام، والموت الذي هو من أسباب الآخرة بمنزلة المغير على الأرواح، ~~والهاجم على الآجال، وهذه الصفة مستمرة للدنيا في شبابها قبل أن تهرم، وفى ~~ابتداء مدتها قبل أن تتصرم، لان كون الموت طالبا لأهلها، ومبددا لشملها، ~~معلوم من أول انشائها، وتصوير أبنائها، وقد يجوز أن يكون المراد بارتحال ~~الدنيا مدبرة معنى آخر يختص بحال الدنيا في أواخر مدتها، وعند تناهى ~~غايتها. وهو أن توصف بتصرم الأمد، ونقصان العدد، كما يقول القائل: قد ارتحل ~~عمر فلان. وقد أدبرت مدة فلان إذا مضى عنفوان أيامه، وقربت أوقات حمامه. ~~ويروى هذا الكلام على تغيير في ألفاظه لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه ~~الصلاة والسلام، وقد أوردناه في كتابنا الموسوم " بنهج البلاغة "، وهو ~~المشتمل على مختار كلامه عليه السلام في جميع المعاني والاغراض والأجناس ~~والاعراض (2). # PageV00P199 # 156 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ms077 " الاحتباء حيطان العرب، ~~والعمائم تيجان العرب "، وهاتان استعارتان عجيبتان، فأما قوله عليه الصلاة ~~والسلام " الاحتباء حيطان العرب " فإنما أراد به أنها إذا استعملت الحبوة ~~في قعودها، قامت لها مقام الحيطان في الاستناد إليها، والاعتماد عليها، كما ~~تتساند الظهور إلى الجدران، أو كما يستروح الجراب إلى الأجذال (1)، وأما ~~قوله عليه الصلاة والسلام: " والعمائم تيجان العرب " فإنما أراد أن بهاء ~~العرب يكون بعمائمها، كما يكون بهاء ملوك العجم بتيجانها، فإن العمائم تخص ~~الهامة، وتتمم القامة، وتفخم الجلسة، وتوقر الجلمة، حتى إن العرب لتقول على ~~المتعارف بينها: ما سفه معتم قط. ولهذا المعنى فسر قول الفرزدق: # إذا مالك ألقى العمامة فاحذروا * بوادر كفى مالك حين تعصب (2) أراد أنه ~~إذا ألقى العمامة طاش حمله، وخيف سطوه، وما دام معتما، فهو مأمون الهفوة، ~~ومغمود السطوة، على مجرى عادتهم، # PageV00P200 # وعرف طريقتهم، وقد فسر أيضا قول الآخر: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني (1) على مثل هذا ~~المعنى، فكأنه توعدهم عند إلقاء العمامة ببادرته، وأن يفيض عليهم ما يستجمه ~~(2) من مثابة سطوته. وقوله: تعرفوني ليس يريد العرفان الذي هو ضد الانكار، ~~وإنما أخرجه مخرج الوعيد، وأطلعه مطلع التهديد، كما يقول القائل لغيره إذا ~~أراد هذا المعنى: ستعرفني أو أما تعرفني، والمراد ستعرف عقوبتي، أو أما ~~تعرف غضبى وسطوتي (3). # 157 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " المجاهد من جاهد نفسه " وهذا ~~مجاز، والمراد من امتنع من مواقعة المعاصي # PageV00P201 # الموبقة، واستعصم من الخطايا المردية، فجعله عليه الصلاة والسلام بمنزلة ~~من برز له قرن ينازله، وعدو يقابله، لما يعاينه من المشقة في مغالبة نوازع ~~قبله ودواعي نفسه، وما يعركه من أديمها (1)، ويعلكه من شكيمها (2). # 158 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في خطبة طويلة " والنساء حبائل ~~الشيطان "، وهذه من أحاسن الاستعارات، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام جعل ~~النساء من أقوى ما يصيد به الشيطان الرجال، فهن كالحبائل المبثوثة، ~~والأشراك المنصوبة، لأنهن مظان الشهوات، ومقاود الخطيات، وبهن يستخف الركين ~~(3)، ويستخون الأمين (4). # PageV00P202 # 159 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في ms078 كلام: # " والشباب شعبة من الجنون " وهذا القول مجاز، والمراد أن الشباب يحسن ~~القبيح ويسفه الحليم، ويحل مسكة المتماسك، ويكون عذرا للمتهالك (1)، فمن ~~هذه الوجوه يشبه صاحبه بالسكران من الخمر، والمغلوب على العقل، ومن هناك ~~قيل: الشباب كسكر (2) الشراب، وعلى ذلك قول الشاعر: # إن شرخ الشباب والشعر الأسود ما لم يعاض كان جنونا (3) 160 - ومن ذلك ~~قوله عليه الصلاة والسلام: " ألا إن الغضب جمرة توقد في جنب ابن آدم، ألم ~~تروا إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه. في حديث طويل "، وهذه استعارة، كأنه ~~عليه # PageV00P203 # الصلاة والسلام جعل اهتياج الطبع، واحتدام الغيظ، بمنزلة الجمرة التي ~~تتوقد في جوف الانسان، فيظهر أثر اتقادها في احمرار عينيه، واختناق وريديه، ~~فلا تزال كذلك حتى يطفئها برد الرضا، أو عواطف الحلم والبقيا (1). # 161 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " العلم رائد، والعدل سائق، ~~والنفس حرون " وهذا الكلام مجاز، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام شبه علم ~~الانسان بالرائد الذي يتقدم أمام الحي فيدلهم على المنزل الوسيع، والمرعى ~~المريع، لان العلم يأخذ بصاحبه إلى المناجى (2)، ويعدل به عن المغاوى (3)، ~~وشبه العقل بالسائق يحث الانسان على سلوك النهج الأسلم، وبحمله على الذهاب ~~في الطريق الأقوم، وشبه النفس بالدابة الحرون (4)، لأنها تتقاعس (5) عن # PageV00P204 # مراشدها (1)، وتلذع (2) بسوط الأدب، حتى تسلك طرق مصالحها (3). # 162 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " كل واعظ قبلة " وهذا القول ~~مجاز، والمراد أمر الناس بالاقبال على الواعظ لهم، والمتكلم بما يأخذ إلى ~~الرشاد يأزمتهم، إصغاء إلى كلامه، وتفهما لمقاصد خطابه، كإقبالهم على ~~القبلة التي يصلون إليها ويتوجهون نحوها، ولا يجوز لهم الانحراف عنها (4). # 163 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " نعم وزير الايمان، العلم، ~~ونعم وزير العلم الحلم، ونعم وزير الحلم الرفق، ونعم وزير الرفق اللين " ~~وهذا الكلام مجاز، والمراد كل # PageV00P205 # خلة من هذه الخلال المذكورة توازر صاحبتها، وتعاهد قرينتها، وتقوى كل ~~واحدة منها بأختها، كما يوازر الرجل صاحبه على الامر يطلبه، والعدو يحاربه، ~~فيشتد متناهما (1)، وتستحصف (2) قواهما (3). # 164 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " زاد المسافر الحداء ms079 (4) ~~والشعر ما لم يكن فيه إخناء " (5)، وهذا القول مجاز، والمراد أن التعلل ~~بأغاريد الحداء، وأنا شيد القريض، يقوم للمسافرين مقام الزاد المبلغ في ~~إمساك الارماق (6)، والاستعانة على قطع المسافات، وإلى هذا المعنى ذهب ~~الشاعر بقوله: # PageV00P206 # * إن الحديث طرف من القرى * (1) 156 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ~~" من عد غدا من أجله فقد أساء صحبة الموت " وهذا القول مجاز، لأنه عليه ~~السلام أقام الموت للانسان مقام العشير المحالم (2)، والرفيق الملازم، وجعل ~~من اغتر بطول أجله واتساع مهله، بمنزلة من أساء صحبة ذلك الرفيق المصاحب، ~~والخليط المقارب، إذ كان الأولى أن يعتقد أنه غير مفارق له، وأن المدى غير ~~منفرج بينه وبينه، وعلى ذلك قول الشاعر: # * والمنايا قلائد الأعناق (3) * 166 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ~~" أنا مدينة # PageV00P207 # العلم، وعلى بابها، ولن تدخل المدينة إلا من بابها " وهذا القول مجاز ~~لأنه عليه الصلاة والسلام شبه علمه بالمدينة المحصنة التي لا يطمع طامع في ~~دخولها: ولا الوصول إليها إلا من بابها، وأقام عليا أمير المؤمنين عليه ~~السلام لتلك المدينة، مقام الباب الذي يفتتح من جهته، ويوصل إليها من ~~ناحيته (1). # 167 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لكل شئ وجه، ووجه دينكم ~~الصلاة فلا يشينن أحدكم وجه دينه، ولكل شئ أنف، وأنف الصلاة التكبير "، ~~وهذا القول مجاز، والمراد أن الصلاة يعرف بها جملة الدين، كما أن الوجه ~~يعرف به جملة الانسان، لأنها أظهر العبادات، وأشهر المفروضات، وجعل أنفها ~~التكبير، لأنه أول ما يبدو من أشراطها، ويسمع من أذكارها وأركانها (2). # PageV00P208 # 168 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " أطعموا الله يطعمكم " وهذا ~~القول مجاز لأنه سبحانه قال: " وهو يطعم ولا يطعم "، والمراد أطعموا فقراء ~~الله الذين أمركم بإطعامهم، وجعلكم سببا لأرزاقهم، يجازكم على ذلك بجزيل ~~الثواب، ويكثر لكم من الاخلاف (1) والاعواض (2). # 169 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " العلم خزائن ومفتاحها السؤال، ~~فاسئلوا رحمكم الله فإنه يؤجر أربعة: # السائل، والمجيب، والمستمع، والمحب لهم " وهذا القول مجاز، والمراد تشبيه ~~العلم في قلوب العلماء بالخزائن المستبهمة، والأبواب ms080 المستغلقة، وإنما ~~تستفتح بسؤال السائلين، ويستخرج ما فيها ببحث الباحثين (3). # PageV00P209 # 170 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الموت ريحانة (1) المؤمن " ~~وهذا القول مجاز، والمراد أن المؤمن يستروح إلى الموت تغوثا (2) من كروب ~~الدنيا وهمومها وروعاتها وخطوبها، كما يستروح (3) الانسان إلى طيب ~~المشمومات، ونظر المستحسنات (4). # 171 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الدعاء سلاح المؤمن وعمود ~~الدين " وهذا القول مجاز، والمراد أن المؤمن يستدفع بالدعاء كيد الكائدين، ~~وظلم الظالمين: فيقوم له مقام السلاح الذي يريق الدماء، ويغل الأعداء، وجعل ~~عليه الصلاة والسلام الدعاء عمود الدين، لأنه لا يصدر إلا عن قلب المخلص ~~الأواب، لا الشاك المرتاب، والاخلاص قطب الدين الذي عليه المدار، وإليه ~~المحار (5). # PageV00P210 # 172 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام من كلام في وصف النساء: " ومنهن ~~ربيع مربع (1)، وغل قمل " وهذا القول مجاز، والمراد تشبيه المرأة الحسناء ~~المستوفقة (2) بالربيع المزهر، والروض المنور، وتشبيه المرأة الشوهاء ~~المستثقلة بالغل (3) الذي يثقل الرقاب، ويطول العذاب، وجعله عليه السلام ~~قملا (4) ليكون أعظم لعذابه، وأبلغ في مكروه المبتلى به (5). # 173 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن المسجد # PageV00P211 # لينزوي من النخامة (1) كما تنزوي الجلدة في النار "، يقال انزوت الجلدة ~~إذا انقبضت واجتمعت. وهذا الكلام مجاز، وفيه قولان: * (أحدهما) * أن المسجد ~~يتنزه عن النخامة، وهي البصقة، بمعنى أنه يجب أن يكرم عنها، وألا يبتذل ~~بها. فإذا رؤيت عليه كانت شائنة له، وزارية (2) عليه، فكان معها بمنزلة ~~الرجل ذي الهيئة يشمئز مما يهجنه (3)، وينقبض عما يدنسه، وأصل الانزواء: # الانحراف مع تقبض وتجمع. * (والقول الآخر) *: أن يكون المراد أهل المسجد، ~~فأقيم المسجد في الذكر مقامهم لما كان يشتمل عليهم، وعلى ذلك قول الشاعر: # * واستب بعدك يا كليب المجلس (4) * والمراد أهل المجلس، لان الاستباب لا ~~يكون بين القاعات والجدران، وإنما يكون بين الانسان والانسان. فالمعنى أن ~~أهل المسجد ينقبضون من النخامة إذا رأوها فيه ذهابا به عن الأدناس، # PageV00P212 # وصيانة له عن الأدران (1). # 174 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من القتلى رجل قرف (2) على ~~نفسه من الذنوب والخطايا حتى ms081 إذا لقى العدو قاتل حتى قتل، فتلك مضمضة (3) ~~محت ذنوبه وخطاياه، إن السيف محاء للخطأ ". وهذا الكلام مجاز، لان السيف ~~على الحقيقة لا يمحو شيئا من الذنوب، ولكن القتل بالسيف لما كان سببا ~~للشهادة التي يستحق بها دخول الجنة، وحقيقتها شهادة الملائكة للقتيل بأنه ~~من أهل الجنة إذا بذل مهجته في طاعة الله مجتهدا، ووطن نفسه على ألم الجراح ~~والثبات للقاء صابرا محتسبا، كان السيف كأنه قد محا ما سلف من ذنوبه، وليس ~~يبلغ الانسان إلى هذه المنزلة في طاعة الله تعالى، من بذل النفس للقتل، ~~وتوطينها على الهلك في الأغلب الأكثر، إلا وهو تائب من جميع الذنوب التي ~~توجب العقاب، وتحبط الثواب، فتكون الشهادة حينئذ دالة على أنه من أهل ~~الجنة، وسببها السيف، فكأنه قد محا ذنوبه، أي أزالها وأبطلها، وعلى ذلك قول ~~الشاعر: # PageV00P213 # فلا تكثروا فيها الضجاج (1) فإنه * محا السيف ما قال ابن دارة (2) أجمعا ~~أي أزاله وأبطله. وقوله عليه الصلاة والسلام: " فتلك مضمضة محت ذنوبه " ~~مجاز آخر، كأن القتل غسله من درن الذنوب. قال ابن السكيت: يقال: مصمصت ~~الاناء ومضمضته بالصاد والضاد إذا غسلته. ويقال أيضا: ماص (3) الثوب بالصاد ~~غير معجمة إذا غسله (4). # 175 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه: # " اتبعوني تكونوا بيوتا " وهذا القول مجاز، لأنه عليه الصلاة والسلام لم ~~يرد بيوت الشعر وبيوت المدر (5) على الحقيقة. وإنما أراد أنكم تكونون لعلو ~~أقداركم، واشتهار أخباركم بيوتا، أي شعوبا تقف نسبة أولادكم عندكم، ولا ~~تتجاوزكم إلى من فوقكم، وهذا لا يكون إلا لنباهة الأب الأدنى، واستغنائه ~~بالنباهة عن الأب الاعلى، كما يقال لمن ينسب إلى أمير المؤمنين علي عليه ~~السلام: " علوي، # PageV00P214 # ويستغنى أن يقال: هاشمي أو منافى، وكما يقال لمن كان من ولد عمر: # عمرى، ولا يقال: عدوى (1). ونظائر تلك كثيرة. وإنما سميت المناسب (2) ~~المخصوصة بيوتا، لاشتمالها على ضروب الرجال المتصلين بها والمضافين إليها، ~~تشبيها بالبيت المبنى في اشتماله على الدعائم والعماد، والأوتاد والاطناب ~~(3) لشهرته ونجابته. ونظير الخبر المذكور من الشعر قول الطائي الأكبر (4) ~~في صفة ms082 الفرس: # هذب في جنسه ونال المدى * بنفسه فهو وحده جنس أراد أن نسله ينسب إليه، ~~ولا يتجاوز به إلى من وراءه من آبائه وأماته (5)، كما يقال: هذا الفرس من ~~نسل ذي العقال (6)، ومن نتاج ذي الجمازة (7)، وما أشبههما. (8). # PageV00P215 # 176 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الكلام الذي تكلم به يوم ~~الغدير (1): " وأسألكم عن ثقلي (2) كيف خلفتموني فيهما، فقيل له: وما ~~الثقلان يا رسول الله فقال: الأكبر منهما كتاب الله سبب (3)، طرف منه بيد ~~الله، وطرف بأيديكم ". هذه رواية زيد بن أرقم. وفى رواية أبي سعيد الخدري: ~~" حبل ممدود من السماء إلى الأرض، والأصغر منهما عترتي أهل بيتي، إنهما لن ~~يفترقا حتى يردا على الحوض ". وفى رواية أخرى: " حبلان ممدودان من السماء ~~إلى الأرض "، فإن الكلام يعود على الثقلين. # وهذه استعارة، لأنه عليه الصلاة والسلام شبه كتاب الله بالحبل الممدود ~~بين الله وبين خلقه، يعصم منهم من اعتصم به، ويستنقذ من المهاوي والمعاطب ~~من اعتلق بطرفه، وليس هناك يد على الحقيقة تعصم المتعلق بها، وتستشيل (4) ~~المتورط، وإنما ذلك على التمثيل # PageV00P216 # والتشبيه، لان المستنقذ من الورطة، والمنهض من السقطة في الأكثر إنما ~~يجتذب بيده، ويستعين بسببه، فأخرج عليه الصلاة والسلام كلامه على العرف ~~المعروف والامر المعهود. ومن روى حبلان ممدودان وأراد بأحد الحبلين العترة، ~~فالمعنى أنه عليه الصلاة والسلام أقام عترته مقام الحبل الممدود الذي يكون ~~عصمة المستعصم، ونجاة المستسلم، كما قلنا في القرآن. # وهذا الخبر بتمامه هو خبر يوم الغدير الذي يقول فيه صلى الله عليه وآله: ~~من كنت مولاه فعلى مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، واخذل من ~~خذله، وانصر من نصره. وقد رواه من مشهوري الصحابة عشرة، أولهم أمير ~~المؤمنين عليه السلام وهو الصادق المصدق، وزيد بن أرقم، وحذيفة بن أسيد، ~~والبراء بن عازب، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبو ~~أيوب خالد بن زيد، وأنس بن مالك، وبريدة بن الحصيب الأسلمي. فأما زيد بن ~~أرقم، وبريدة بن الحصيب، فقد روى عنهما ms083 في هذا الخبر: " من كنت وليه فعلى ~~وليه "، ووافقهما ابن عباس على ذلك. وأخبرنا بهذه الرواية خاصة - وهي أشهر ~~الروايات - أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني، قال: أخبرنا إبراهيم بن ~~محمد ابن عرفة الواسطي، قال: حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة، قال: # حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا نوح بن قيس، قال: حدثنا الوليد ~~PageV00P217 # ابن صبيح عن ابن امرأة زيد بن أرقم عن زيد بن أرقم، أخبرنا بذلك أبو عبيد ~~الله المرزباني في جملة ما أخبرنا به من رواياته ومصنفاته. # وعلى هذه الرواية تخرج اللفظة من الاحتمال، وتكون أقرب إلى المعنى ~~المراد، لان ولى النبي صلى الله عليه وسلم أولى به من غيره، وأحق ~~بالاستيلاء عليه من كل من لم يضرب فيه بمثل حقه. # وقد روى عمران بن حصين عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: " على ولى ~~كل مؤمن بعدى ". وفى هذا الخبر تصريح بأنه من بعده ولى الامر وواليه، ~~والقائم مقامه فيه، كما قال الكميت ابن زيد في ذلك: # ونعم ولى الامر بعد وليه * ومنتجع التقوى ونعم المؤدب والكلام في هذا ~~المعنى يطول. وليس كتابنا هذا من مظان استقصائه، ومواضع استيفائه. # وفى هذا الخبر أيضا مجاز، وذلك تسميته عليه الصلاة والسلام الكتاب ~~والعترة بالثقلين، وواحدهما ثقل، وهو متاع المسافر الذي يصحبه إذا رحل، ~~ويسترفق به إذا نزل، فأقام عليه الصلاة والسلام الكتاب والعترة مقام رفيقه ~~في السفر، ورفاقه في الحضر، وجعلهما بمنزلة المتاع الذي يخلفه بعد وفاته، ~~فلذلك احتاج إلى أن يوصى بحفظه ومراعاته. وقال بعض العلماء: إنما سميا ~~ثقلين لان الاخذ بهما PageV00P218 # ثقيل. وقال بعضهم: إنما سميا بذلك لأنهما العدتان اللتان يعول في الدين ~~عليها، ويقوم أمر العالم بهما، ومنه قيل للانس والجن ثقلان لأنهما اللذان ~~يعمران الأرض ويثقلانها. ومن ذلك قول الشاعر: # تقوم الأرض ما عمرت فيها * وتبقى ما بقيت بها ثقيلا لأنك موضع القسطاس ~~(1) منها * فتمنع جابيها أن يزولا (2) 177 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة ~~والسلام لبعض أزواجه: # " أحسني جوار نعم الله، فإنها ms084 قلما نفرت عن قوم فكادت ترجع إليهم ". وهذه ~~استعارة، لأنه عليه الصلاة والسلام جعل النعم المتفاضلة على الانسان بمنزلة ~~الضيف النازل، والجار والمجاور، الذي يجب أن يعد قراه، ويكرم مثواه، وتصفى ~~مشاربه، # PageV00P219 # وتؤمن مساربه (1)، فإن أخيف سربه، ورنق (2) شربه، وضيعت قواصيه (3)، ~~واعتميت (4) مقاربه، كان خليقا بأن ينتقل، وجديرا بأن يستبدل، فكذلك النعم ~~إذا لم يجعل الشكر قرى نازلها، والحمد مهاد منزلها، كانت وشيكة بالانتقال، ~~وخليقة بالزيال (5). # وفى رواية أخرى: أحسنوا جوار نعم الله فإنها وحشية. وباقي الخبر على ~~لفظه. فعلى هذه الرواية كأنه عليه الصلاة والسلام شبه النعم بأوابد الوحش ~~(6) التي تقيم مع الايناس، وتنفر مع الايحاش، ويصعب رجوع شاردها إذا شرد، ~~ودنو نافرها إذا بعد (7). # PageV00P220 # 178 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وقد سمع مؤذنا يقول: " أشهد أن ~~لا إله إلا الله فقال: صدقك كل رطب ويابس "، وهذا الكلام مجاز، لان الرطب ~~واليابس من الشجر والأعشاب والماء والتراب لا كلام لهما، ولا روح فيهما، ~~وإنما أراد عليه الصلاة والسلام أن تصديقهما بلسان الخلق لا بلسان النطق ~~فجميع المخلوقات شاهدة بأن لا إله إلا الله سبحانه بما فيها من تأثير ~~الصبغة (1) وإتقان الصنعة، وشواهد الصانع الحكيم، والمقدر العليم، فهي من ~~هذه الوجوه متكلمة، وإن كانت خرساء ومفصحة وإن كانت عجماء. وعلى هذا المعنى ~~خرج قول الشاعر: # وفى كل شئ له آية * تدل على أنه واحد (2) 179 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة ~~والسلام: " الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب "، وهذه استعارة، ~~والمراد أن الحسد يخرج بصاحبه إلى الاقدام على المعاصي، والارتكاس # PageV00P221 # في المهاوي، فيلغ في الدماء الحرام، ويحتطب في حبائل الآثام، ويشرع في ~~نقل النعم من أماكنها، وإزعاجها عن مواطنها. فيكون عقاب هذه المحظورات ~~محبطا لحسناته، ومسقطا لثواب طاعاته، على المذهب الذي أشرنا إليه فيما ~~تقدم. فيصير الحسد الذي هو السبب في استحقاق العقاب، وإحباط الثواب كأنه ~~يأكل تلك الحسنات، لأنه يذهبها ويفنيها، ويسقط أعيانها ويعفيها. وإنما شبهه ~~عليه الصلاة والسلام في أكله الحسنات بالنار التي تأكل الحطب، لان الحسد ms085 ~~يجرى في قلب الانسان مجرى النار لاهتياجه، واتقاده وإرماضه (1) وإحراقه. ~~ومن هناك قال بعضهم: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد، نفس يتصعد، ~~وزفير يتردد، وحزن يتجدد (2). # 180 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في عهد كتبه لعماله على اليمن: " ~~فإن هذا القرآن حبل الله المتين، فيه إقامة # PageV00P222 # العدل، وينابيع العلم، وربيع القلوب "، وفى هذا الكلام ثلاث استعارات: ~~(أولاهن) قوله عليه السلام: " فإن هذا القرآن حبل الله المتين "، وقد تقدم ~~كلامنا على نظيرها (1) وبينا لأي معنى شبه القرآن بالحبل الممدود بين الله ~~سبحانه وبين خلقه في أنه عصمة لمستعصمهم ومسكة لمستمسكهم (والاستعارة ~~الثانية): # قوله عليه الصلاة والسلام في صفة القرآن " ينابيع العلم " وذلك أنه صلى ~~الله عليه وآله شبه ما يفتحه القرآن لمتفهميه، ويبينه للناظرين فيه، من ~~أبواب العلم وطرقه، ويفتقه من أكمته (2) وغلفه، بينابيع الماء المتفجرة، ~~وعيونه المستنبطة، ولان العلم أيضا ينقع الغليل بعد الشك المحير، كما يبرد ~~الماء الغلة بعد العطش المبرح. فلذلك شبهه عليه الصلاة والسلام بعيون الماء ~~وينابيع الرواء (3). (والاستعارة الثالثة): قوله عليه الصلاة والسلام: " ~~وربيع القلوب "، وذلك أنه جعل القرآن للقلوب الواعية، بمنزلة الربيع للإبل ~~الراعية، لان القلوب تنتفع بتدبر القرآن وتأمله، كما تنتفع الإبل بتحمض (4) ~~الربيع # PageV00P223 # وتنقله (1)، فهذا غذاء للأرواح، كما أن ذلك غذاء للأجسام. وقد يجوز أن ~~يكون المراد أن القلوب تنفرج بحكم القرآن وآدابه، كما تنفرج العيون بأنوار ~~الربيع وأعشابه. والربيع: اسم للغيث في الأصل، ثم صار اسما عندهم لما ينبت ~~عن الغيث من أفانين (2) النور والعشب، ألا ترى إلى قول الشاعر، وهو يريد ~~الغيث: # أنت ربيعي والربيع ينتظر * وخير أنواء الربيع ما بكر (3) وهذا كما سموا ~~الغيث سماء، لان نزوله يكون من جهة السماء. # قال الشاعر: # إذا سقط السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا أراد إذا سقط الغيث، ~~ثم قال: رعيناه، فرد الكلام على ما ينبت عن الغيث من الرعى الجميم (4)، ~~والكلأ العميم، ومثل هذا في كلامهم كثير مستفيض، والربيع أيضا: النهر ~~الصغير، وفى الحديث: وما سقى الربيع، وجمعه أربعاء ms086 (5) على وزن أنصباء. # PageV00P224 # 181 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في هذا العهد وهو يذكر أوقات ~~الصلاة: " والعصر إذا كان ظل كل شئ مثله، وكذلك ما دامت الشمس حية، والعشاء ~~إذا غاب الشفق إلى أن تمضى كواهل الليل " وهاتان استعارتان: أولاهما قوله ~~عليه الصلاة والسلام: " ما دامت الشمس حية، والمراد بحياة الشمس هاهنا ~~كونها في بقية من الاحمرار، من قبل أن يفضى إلى الحؤول (1) والاصفرار، ومن ~~هناك قالوا: شمس مريضة إذا ولى احمرارها، وأقبل اصفرارها، وعلى هذا قول ~~الشاعر: # لدن غدوة حتى نزعن عشية * وقد مات شطر الشمس والشطر مدنف (2) فجعل نصفها ~~ميتا لما تصرم (3) أكثر ضيائها، وجعل نصفها مدنفا، لما كان من التصرم على ~~شفا (4)، ومثل ذلك قوله الراجز: # * والشمس قد كادت تكون دنفا * # PageV00P225 # أي قد قاربت أن تشفى على الغروب، كما يشفى الدنف المريض على الخفوت، ~~فجعلها دنفا مبالغة في وصفها بنقصان اللون وحؤول (1) الضوء على أصل وصفهم ~~لها بالمرض، ولوصفهم الشمس بالموت في أشعارهم وجه آخر، وهو أنهم إذا أرادوا ~~أن يصفوا يوم الحرب باشتداد الحر، واسوداد الأفق للقتام (2) المتراكب ~~والنقع المتعاظل (3) يقيمون تغيب الشمس، واحتجابها، مقام انقراضها وذهابها، ~~و (الاستعارة الأخرى) قوله عليه الصلاة والسلام " إلى أن تمضى كواهل الليل ~~" (4)، والمراد إلى أن تمضى أوائله، فسماها كواهل تشبيها لليل بالمطايا ~~السائرة التي تتقدم أعناقها وهواديها، ويتبعها أعجازها وتواليها، ومن هناك ~~قالوا في الساري ليلا: اتخذ الليل جملا، ويقولون ركب الليل، وامتطى الليل ~~لما جعلوه بمنزلة الظهر المركوب والبعير المرحول (5). # PageV00P226 # 182 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " مفاتيح الجنة لا إله إلا الله ~~" وهذه استعارة، والمراد أن هذا القول به يوصل إلى دخول الجنة، فجعله عليه ~~الصلاة والسلام بمنزلة المفاتيح التي يستفتح بها الاغلاق ويستفرج (1) ~~الأبواب، وأراد عليه الصلاة والسلام هذه الكلمة وما يتبعها من شعائر ~~الاسلام، وقوانين الايمان إلا أنه صلى الله عليه وآله عبر عن جميع ذلك بهذه ~~الكلمة، لأنها أول لتلك الشعائر، وسائرها تابع لها ومتعلق بها، فهي لها ~~كالزمام القائد، والمتقدم الرائد، وذلك ms087 كما يعبر عن حروف المعجم ببعضها ~~فيقال ألف باتائا والمراد جميعها، وكذلك يقولون: هو في أبجد ويريدون سائر ~~هذه الحروف، إلا أن هذه الحروف لما كانت أولة لباقيها، ومتقدمة لما يليها، ~~حسن أن يعبر بها عن جميعها (2). # 183 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في وصية لمعاذ ابن جبل لما بعثه ~~إلى اليمن: " وصل الظهر بعد ما يتنفس الظل وتبرد الرياح ". وهذه استعارة، ~~والمراد بعد ما يزيد امتداد الظل # PageV00P227 # من قولهم: تنفس النهار، إذا أخذ بالطول، ومنه قوله تعالى: # " والصبح إذا تنفس "، أي إذا زاد ضياؤه، وانتشرت أنواره. # وقد استقصينا الكلام على ذلك في كتاب تلخيص البيان عن مجازات القرآن. ~~وأصل هذه مأخوذ من تنفس الحيوانات، وهو امتداد الريح الحارة من تجاويف ~~صدورها، عند ترويح رئاتها عن قلوبها، بانقباضها وانبساطها، وانضمامها ~~وانفراجها (1). # 184 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، ~~فإن أحدهم ليعثر وإن يده بيد الله يرفعها " وهذا القول مجاز، والمراد بذكر ~~يد الله هاهنا معونة الله تعالى وتقدس ونصرته، فكأنه عليه الصلاة والسلام ~~أراد أن أحدهم ليعثر، وأن معونة الله من ورائه، تنهضه من سقطته، وتقيله من ~~عثرته، إلا أنه عليه الصلاة والسلام لما جاء بلفظ العثار أخرج الكلام بعده ~~على عرف العادات، لان العادة جارية أن يكون المنهض للعاثر، والمقيم للواقع، ~~إنما يستنهضه بيده، ويستعين عليه بجلده. والمراد بذوي الهيئات هاهنا ذوو ~~الأديان، لا ذوو الملابس الحسان، كما يظن من # PageV00P228 # لا علم له، لان هيئة الدين وظاهره أحسن الهيئات والمظاهر، وأفخم المعارض ~~والملابس (1). # 185 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " جبرائيل ناموس الله ". وهذا ~~القول مجاز وأصل الناموس المكان الذي يستجن فيه الصائد عن الوحش لئلا تراه ~~فتنفر منه، ومن ذلك سمى من يجعله الانسان موضع سره، ومستودع نفثه ناموسا، ~~يقال منه: # نمس ينمس نمسا ونامسه منامسة (2)، فكأنه عليه السلام إنما شبهه بذلك، ~~لأنه يستخفى بما يؤديه عن الله سبحانه إلى الأنبياء عليهم السلام من أوامر ~~الله، التي تقيد القلوب بحبائل الخوف والرجاء، وتجتذبها ms088 بعلائق الوعد ~~والابعاد، تشبيها بالصائد الذي يختل صيده حتى يصيب غرته، ويقتحم غفلته. # وقد قال بعضهم: إن الناموس في كلام بعض العرب اسم للنمام، فكأن جبرائيل ~~عليه السلام هو الذي يظهر أمر الله لأنبيائه لا على الوجه المذموم الذي ~~يقصده لسان النمام، ويعتمده ناقل الكلام. # PageV00P229 # وقال بعضهم: الناموس من أسماء العلم (1)، فيكون في الخبر إذا حملناه على ~~هذا الوجه تقدير مضاف لدلالة الكلام عليه، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: ~~جبرائيل حامل علم الله، أو صاحب علم الله، والحذف إنما يحسن في الكلام إذا ~~كان فيما يبقى دليل على ما يلقى، كقوله تعالى: " واسئل القرية التي كنا ~~فيها والعير التي أقبلنا فيها "، فلما كانت القرية، والعير: لا تسئلان، ولا ~~تجيبان علم أن المطلوب غيرهما، وأنه المضاف إليهما، ولا يجوز على هذا: # جاء زيد وأنت تريد غلام زيد، لان المجئ قد يكون من الغلام، كما يكون من ~~صاحب الغلام، فلا دليل في مثل هذا على المحذوف كما كان في الوجه الأول (2). # 186 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " بلغني عن فلان كلام تشذر لي ~~(3) عن إيعاد "، فوصف الكلام بالتشذر # PageV00P230 # مجاز، وأصل التشذر: أن الناقة إذا ألقحت عقدت ذنبها، ونصبته على عجزها، ~~قال الشاعر: # لها ذنب كالقنو قد مذلت به * وأسمح للتخطار بعد التشذر (1) فكأنه عليه ~~الصلاة والسلام أراد أن الكلام الذي سمعه أعرب له عما في ضمنه من الوعيد، ~~كما أن تشذر الناقة بذنبها دليل على لقاح بطنها، ويجوز أن يكون المراد صفة ~~ذلك الكلام، بالارتفاع والعلو، والاشتطاط والغلو، تشبيها بذنب الناقة إذا ~~عقدته لا قحة، ورفعته شامذة (2). # 187 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الايمان هيوب (3) " وفى هذا ~~الكلام مجاز، لان فيه تقدير كلام محذوف، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: " ~~صاحب الايمان هيوب "، # PageV00P231 # والعرب تقول: الباب لئيم، أي مغلق الباب دون الأضياف، والمراد أن صاحب ~~الايمان بما معه من حواجز إيمانه، وبصائر إيقانه يهاب تطرق الحوب (1)، ~~ومواقعة الذنوب، فلا يقدم عليها إقدام المرتكس الهاوي، والضال الغاوي (2). # 188 - ومن ذلك قوله عليه ms089 الصلاة والسلام: " الاستغفار مهدمة (3) للذنوب ~~"، فوصف الاستغفار بأنه يهدم الذنوب مجاز، لان المعاصي الكثيرة لما كانت ~~كالبناء في تراكب أجزائها، واستغلاظ جرابها، كان استغفار النادم، وإقلاع ~~التائب، كأنهما هدم لذاك البناء من أساسه، وكب له على أم رأسه (4). # PageV00P232 # بسم الله الرحمن الرحيم 189 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " ما ~~أذن (1) الله لشئ كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن " وهذا القول مجاز، والمراد ما ~~استمع الله لشئ كاستماعه لنبي يداوم تلاوة القرآن، فيجعله دأبه وديدنه، ~~وهجيراه (2) وشغله، كما يجعل غيره الغناء مستروح (3) حزنه، ومستفسح قلبه، ~~ليس أن هناك غناء به على الحقيقة. وهذا كما يقول القائل: قد جعل فلان الصوم ~~لذته: والصلاة طربته، إذا أقامهما مقام شغل غيره باللذات، وطربه إلى ~~المستحسنات. وقد قيل إن المراد بذلك تحزين القراءة ليكون أشجى للسامع، وآخذ ~~بقلب العارف، فسمى هذه الطريقة غناء على الاتساع لأنها تقود أزمة القلوب، ~~وتستميل نوازع النفوس. وإلى ذلك ذهب عليه الصلاة والسلام بقوله: " زينوا ~~أصواتكم بالقرآن " في الحديث آخر. # وليس المراد بذلك تلحين القراءة وتطريبها، فإن الاخبار قد وردت بذم هذه ~~الطريقة، حتى ذكر عليه الصلاة والسلام في أشراط الساعة أمورا عددها، ثم ~~قال: وأن يتخذ القرآن مزامير. وقال بعضهم: # PageV00P233 # معنى يتغنى بالقرآن: أي يذكر القرآن، من قولهم: تغنى فلان فلان إذا ذكره ~~في شعره، إما هجاء وإما مدحا. فأما الحديث الآخر وهو قوله عليه الصلاة ~~والسلام: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن ". # فليس المراد به هذا المعنى، وإنما أراد عليه الصلاة والسلام ليس منا من ~~لم يستغن بالقرآن عما سواه، وتغنى هاهنا بمعنى استغنى، وهو تفعل من ~~الاستغناء لا من الغناء. قال العجاج: # أرى الغواني قد غنين عنى * وقلن لي عليك بالتغني أي استغنين عنى وقلن لي: ~~استغن عنا كما استغنينا عنك. وهذا عند موت الشباب، وانقضاء الآراب (1). ~~ويؤكد ذلك الحديث الآخر وهو قوله عليه الصلاة والسلام: " من قرأ القرآن ~~فرأى أن أحدا أعطى أفضل مما أعطى فقد عظم صغيرا وصغر عظيما ". ولو كان ~~المراد بالتغني في هذا الخبر ms090 ترجيع الصوت بالقرآن لكان من لم يقصد هذه ~~الطريقة في تلاوته، ويعتمدها في صلاته، داخلا تحت الذم، ومقارفا للذنب، ~~لأنه عليه الصلاة والسلام قال: ليس منا من لم يتغن بالقرآن. فبان أن المراد ~~به الاستغناء لا الغناء (2). # PageV00P234 # 190 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تسبوا الدهر فإن الله هو ~~الدهر ": وهو مجاز. وذلك أن العرب كانت إذا قرعتها القوارع ونزلت بها ~~النوازل، وحطمتها السنون الحواطم، وسلبت كرائم أعلاقها من مال مثمر، أو ولد ~~مؤمل، أو حميم (1) مرجب. ألقت الملاوم على الدهر، فقالت في كلامها ~~وأسجاعها، وأرجازها وأشعارها، استقاد (2) منا الدهر:، وجار علينا الدهر، ~~ورمانا بسهامه الدهر، كقول القائل منهم وهو عدى بن زيد. # ثم أمسوا لعب الدهر بهم * وكذاك الدهر يودى (3) بالرجال وكقول الآخر: # * أكل الدهر عليهم وشرب * وكقول الآخر: # * والدهر غيرنا وما يتغير * والاشعار في ذلك أكثر من أن نحيط بها، أو ~~نأتى على جميعها. # PageV00P235 # فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: لا تذموا الذي يفعل بكم هذه الأفعال، فإن ~~الله سبحانه وهو المعطى والمنتزع، والمغير والمرتجع والرائش (1) والهائض ~~(2)، والباسط والقابض، وقد جاء في التنزيل ما هو كشف عن هذا المعنى وهو ~~قوله تعالى: " وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون "، فصرح تعالى بذمهم على ~~اعتقادهم أن الدهر يملكهم، ويعطيهم ويسلبهم، ودل بمفهوم الكلام على أنه ~~سبحانه هو المالك للأمور، والمصرف للدهور (3). # 191 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الصوم في الشتاء الغنيمة ~~الباردة ". وهذه استعارة. وذلك أنهم يقولون هذه غنيمة باردة إذا حازوها، من ~~غير أن يلقوا دونها حر السلاح وألم الجراح، لأنه ليس كل الغنائم كذلك، بل ~~في الأكثر لا تكاد تنال إلا باصطلاء نار الحرب ومألم (4) الطعن والضرب، ~~فكأنه # PageV00P236 # عليه الصلاة والسلام جعل صوم الشتاء غنيمة باردة، لان الصائم يحوز فيه ~~الثواب الجزيل والخير الكثير، بلا معاناة مشقة ولا ملاقاة كلفة، لقصر ~~نهاره، وعدم أواره (1). وقد قيل أيضا: إنما وصف الصوم في الشتاء ms091 بأنه غنيمة ~~باردة لبرد النهار الذي يقع الصيام فيه، وأنه بخلاف نهار الصيف الذي يشتد ~~فيه العطش وتطول المخامص (2) ويقصر ليله عن القيام بوظائف العبادة التي ~~تحمد عقبى، وتقرب إلى الله زلفى. والشتاء على خلاف هذه الصفة، لقصر نهار ~~الصائم، وطول ليل القائم (3). # 192 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " اتقوا الله في النساء فإنهن ~~في أيديكم عوان ". وهذا مجاز لأنه عليه الصلاة والسلام جعل النساء عند ~~أزواجهن بمنزلة الاسراء، وذلك لأن المرأة تجرى على أحكام الرجل في الصدور ~~والورود والوقوف والخفوف، فهي راسفة (4) في أقياد حصره، وناشبة (5) في ~~حبائل نهيه وأمره. # PageV00P237 # ومن ههنا قيل: فلانة في حبال فلان، إذا كان بعلها، للعلة المقدم ذكرها. ~~والعاني الأسير والجمع عناة، الأسيرة عانية والجمع عوان. # وقد يقال للأسير أيضا الهدى. وقال المتلمس في قتل عمرو بن هند طرفة بن ~~العبد بعد أن سجنه زمانا: # كطريفة بن العبد كان هديهم * ضربوا صميم قذاله بمهند (1) قيل إنما سميت ~~المرأة المنقولة إلى زوجها هديا، لأنها بمنزلة الأسيرة عنده، وقيل: بل سميت ~~بذلك لأنها تهدى إلى زوجها، فهي فعيل في موضع مفعول، فهدى في مكان مهدى. ~~يقال: # هديت المرأة إلى زوجها أهديها هداء، وهو من الهداة وليس من الهدية، لأنه ~~لا يقال من الهدية إلا أهديت (2). # وقد قيل: إن في بعض اللغات أهدبت المرأة، واللغة الأولى هي المعتد بها، ~~والمعول عليها (3). # 193 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " استعيذوا بالله من طمع يهدى ~~إلى طبع (4) "، وهذا مجاز، والمراد أن الطمع # PageV00P238 # يصير بصاحبه إلى معايب الافعال ومدانسها، ويوقعه في مذامها ومناقصها. ~~والطبع: الدنس والعيب. يقال: فلان طبع كدنس وجشع، فلما كانت عواقب الطمع ~~صائرة إلى مدارن (1) الطبع جعل عليه الصلاة والسلام الطبع كأنه هاديا ~~إليها، ودليلا عليها، على المجاز والاتساع. والطبع على ما سمعته من شيخنا ~~أبى الفتح النحوي رحمه الله مأخوذ من الطابع، وهو الخاتم، كأنه يسم صاحبه ~~بالمعايب، ويشهره بالمثالب، فيكون كالخاتم الذي يظهر رسمه، ويؤثر وسمه (2). # 194 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في ms092 حديث مشهور للرجل الذي تفوت ~~(3) ابنه عليه في ماله ففرقه وبذره: # " أردد (4) على ابنك ماله، فإنما هو سهم من كنانتك ". وهذه استعارة، لأنه ~~عليه الصلاة والسلام جعل ابن الرجل بمنزلة السهم الذي في كنانته. ولذلك ~~وجهان: # PageV00P239 # (أحدهما): أن يكون إنما شبهه بالسهم من سهامه، لان الأب سبب نشئة ~~وتربيته، وولى تثقيفه وتأويله، كما أن النابل (1) بارى السهم ورائشه (2)، ~~ومثقفه ومقومه. # (والوجه الآخر): أن يكون المراد أنه بمنزلة السهم في كنانته من حيث كان ~~في حصنه، وحاصلا تحت ضبنه (3)، وأنه متى شاء صرفه في آرائه، كما أن صاحب ~~السهم متى شاء رمى به في أغراضه (4). # ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: " أردد على ابنك " أي استرجع ما فرقه من ~~ماله في وجوه التبذير ومظان التبديد، فرده إلى ملكه استظهارا له، وإشبالا ~~(5) له، إذ ليس له أن يفتات عليك بمال، ولا يعصيك في حال (6). # PageV00P240 # 195 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الخلق عيال الله عز وجل ~~فأحبهم إليه أنفعهم لعياله " أخبرنا بهذا الحديث أبو القاسم عيسى بن علي بن ~~عيسى بن داود بن الجراح في جملة ما أخبرنا به من الأحاديث. قال: حدثنا أبو ~~القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي (1) في سنة سبع وثلاثمائة ~~قال: # حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي قال: سمعت المأمون في الشماسية (2)، وقد ~~أجرى الحلبة (3)، فجعل ينظر إلى كثرة الناس، فقال ليحيى ابن أكثم: أما ترى ~~إلى هذه الأمم، ثم قال: حدثنا يوسف ابن عطية عن ثابت عن أنس أن النبي صلى ~~الله عليه وآله قال: # " الخلق عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله ". وقد حدثنا بهذا الحديث ~~أيضا سهل بن أحمد بن عبد الله بن سهل الديباجي عن محمد ابن يحيى الصولي ~~فيما صنفه مما رضيه خلفاء بني العباس من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ~~على خلاف هذه الحكاية. # PageV00P241 # وهذا القول مجاز، لان عيال الانسان من يعوله (1) ثقلهم، ويهمه أمرهم، ~~والله سبحانه وتعالى لا تئوده (2) الأثقال، ولا تهمه الأحوال، ولكنه سبحانه ~~وتعالى لما كان متكفلا بمصالح عباده، ms093 يدر عليهم حلب الأرزاق، ويلم لهم شعث ~~الأحوال، ويعود عليهم بمرافق الأبدان، ومراشد الأديان، شبهوا من هذه الوجوه ~~بالعيال الذين في ضمان العائل، وكفاية الكافل، على طريق الاتساع، وعلى ~~معارف العادات (3). # 196 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الخمر أم الخبائث، ومن شربها ~~لم يقبل الله منه صلاة أربعين يوما، فإن مات وهي في بطنه مات ميتة جاهلية ~~"، سمعنا هذا الحديث من عمر ابن إبراهيم بن أحمد المقرى (4) ابن حفص ~~الكناني في جملة ما رواه لنا من الأحاديث، قال: حدثنا أبو بكر النيسابوري، ~~قال: حدثنا علي بن إشكاب (5)، قال: حدثنا محمد بن ربيعة، قال: حدثنا # PageV00P242 # الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، عن الوليد بن عبادة، قال: # سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ~~" الخمر أم الخبائث، وذكر ما في الحديث "، وهذه استعارة، وإنما سماها عليه ~~الصلاة والسلام أم الخبائث على تغليظ النهى عن شربها، وتعظيم قدر العقاب ~~عليها، فكأنها جماع الخبائث المردية، ومعظم الذنوب الموبقة، كما أن الام ~~جامعة لأولادها، ومتقدمة عليهم بميلادها، والفائدة في تقديمها على غيرها من ~~المعاصي، أن الأغلب في شربها أن يكون طريقا إلى ارتكاب الكبائر، وجر ~~الجرائر، فإن السكران قد يحمله سكره على القذف والافتراء، وإراقة الدماء، ~~واستحلال الفروج والأموال، وغير ذلك من مقاحم (1) الذنوب، ومعاظم العيوب، ~~وكل هذا فالسكر من أقوى أسبابه، وأقرب أبوابه (2) 197 - ومن ذلك قوله عليه ~~الصلاة والسلام: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله أقطع "، وحدثنا ~~بهذا الحديث عمر بن إبراهيم أبو حفص المقرى قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله ~~بن محمد # PageV00P243 # البغوي (1) ابن بنت منيع قال: حدثنا داود بن رشيد (2) قال: حدثنا الوليد ~~بن مسلم عن الأوزاعي عن قرة عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال ~~النبي صلى الله عليه وآله: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله أقطع ". ~~وهذا القول مجاز، وإنما شبه عليه الصلاة والسلام الامر الذي تهم الإفاضة ~~فيه، ms094 وتمس الحاجة إلى الكلام عليه، إذا لم ينظر فيه حمد الله سبحانه ~~وتعالى، بالأقطع اليد من حيث كان قالصا (3) عن السبوغ، وناقصا عن البلوغ. ~~ومما يقوى ذلك ما رواه أبو هريرة أيضا قال: قال عليه الصلاة والسلام: # " الخطبة التي (4) ليس فيها شهادة كاليد الجذماء " (5) فأقام عليه الصلاة ~~والسلام نقصان الخطبة، مقام نقصان الخلقة. ومما يشبه هذا الخبر الحديث ~~الآخر الذي ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه: " غريب الحديث "، وهو ~~قوله عليه الصلاة والسلام: # " من تعلم القرآن ثم نسيه لقى الله سبحانه وهو أجذم " قال: والأجذم # PageV00P244 # المقطوع اليد (1)، واستشهد على ذلك بقول الشاعر: # وما كنت إلا مثل قاطع كفه * بكف له أخرى فأصبح أجذما واعترض هذا القول ~~عبد الله بن مسلم بن قتيبة قادحا فيه وطاعنا عليه، فقال: إنما أتى أبو عبيد ~~في فساد هذا التفسير من قبل البيت الذي استشهده، وليس كل أجذم أقطع اليد، ~~وإذا نحن حملنا الحديث على ما ذهب إليه أبو عبيد رأينا عقوبة الذنب لا نشأ ~~كل الذنب، لان اليد لا سبب لها في نسيان القرآن، والعقوبات من الله سبحانه ~~وتعالى تكون بحسب الذنوب، كقوله تعالى وتقدس: " الذين يأكلون الربا لا ~~يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس "، يريد أن الربا الذي ~~أكلوه أثقل بطونهم، فهم يقومون ويسقطون كما يصيب من يتخبطه الشيطان، ويقول ~~رسول الله صلى الله عليه وآله: " رأيت ليلة أسرى بي قوما تقرض شفاههم ~~بالمقاريض كلما قرضت وفت (2)، فقال جبرائيل: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ~~مالا يفعلون. لأنهم قالوا بأفواههم فعوقبوا فيها ": ومثل هذا كثير قال: ~~والأجذم ههنا المجذوم (3)، يقال: # PageV00P245 # رجل أجذم وقوم جذماء مثل: أحمق وحمقاء، وأنوك () ونوكاء، إلا أن يكون روى ~~في حديث آخر: " إنه يحشر أقطع اليد "، أو ما يدل على ذلك فيقع التسليم منا. ~~وإنما سمى من به هذا الداء أجذم لأنه يقطع أصابع يديه وينقص خلقه، والجذم: ~~القطع، وكل شئ قطعته فقد جذمته وجذوته، ولهذا قيل للمقطوع اليد أجذم، كما ~~قيل له أقطع، أشبه ms095 بالعقوبة، لان القرآن كان يدفع عن جسمه كلمة العاهة ~~ويحفظ عليه الصحة، ولما نسيه فارقه ذلك، فنالته الآفة في جميعه، ولا داء ~~أشمل لليد من الجذام ولا أفسد للخلقة. انقضى كلام ابن قتيبة: # قلت أنا: وقد خلط هذا الرجل في اعتراضه هذا تخليطا كثيرا لأنه أنكر غير ~~منكر وطعن في غير مطعن. وذلك أن أبا عبيد إنما فسر الأجذم في الحديث بأنه ~~المقطوع اليد على أصل صحيح، وهو ما ذكرناه في الخبر الأول من أن الأقطع ~~هناك كالأجذم هاهنا والمراد به أنه يلقى الله تعالى بعد نسيان القرآن ناقصا ~~بعد تمامه، كالذي قطعت يده فظهرت نقيصة أعضائه، وإن كان أبو عبيد لم يبين ~~هذا البيان، فإنه لم يرد غير هذا المراد. فأما قول ابن قتيبة: إن عقوبة ~~الذنب يجب أن تكون مشاكلة للذنب وتعلقه بالمثلين اللذين أوردهما فقد غلط ~~فيما ظنه، ووهم فيما توهمه، لان العقوبات لا يجب # PageV00P246 # أن تكون مقصورة على الأعضاء المباشرة للذنوب، وإنما المعاقب بها جملة ~~الانسان، ولو كان الامر على ما ظنه لكان الزاني إذا زنى غير محصن يضرب ~~ذكره، والقاذف إذا قذف يجلد لسانه، لأنهما واقعا المعصية وباشرا الخطيئة. ~~فلما رأينا هذين المذنبين يعاقب منهما غير المواضع التي باشرت الذنب وواقعت ~~الجرم، علمنا أن المقصود بالعقوبة جملة الانسان دون أعضاء الجسم، فأما يد ~~السارق فلم تكن علة قطعها أنه باشر بها السرقة، ألا ترى أنه لو دخل حرزا ~~فأخرج منه بفمه دون يده ما يجب في مثله القطع قطعت يده، ولم يعتبر أخذه ~~الشئ المسروق بفمه. وأيضا فلو أخذ في أول مرة بيده اليسرى قطعت يده اليمنى، ~~وإذا سرق ثانية بعد قطع يده اليمنى قطعت رجله اليسرى ولم تقطع يده اليسرى ~~وإن باشر السرقة بها. وذلك على مذهب من يرى استيفاء الأعضاء الأربعة في ~~تكرير السرقة وهو مذهب الشافعي، فبان أنه لا يعتبر بقطع ما باشر أخذ السرقة ~~من أعضاء الانسان، وسقط ما اعتمد عليه ابن قتيبة من تشقيق (1) الكلام (2). # PageV00P247 # 198 - ومن ذلك قوله عليه ms096 الصلاة والسلام حين قال له حذيفة بن اليمان، وقد ~~ذكر الفتن: " أفبعد هذا الشر خير يا رسول الله؟ قال: هدنة على دخن (1) ~~وجماعة على أقذاء (2) " وفي هذا الكلام استعارتان: # (إحداهما) قوله عليه الصلاة والسلام: " هدنة على دخن " وقيل: إن الدخن في ~~الأصل اسم للون الذي فيه كدروة، والصحيح أنه مأخوذ من الدخان لكدر أجزائه ~~وارتداد ألوانه، فكأنه عليه الصلاة والسلام شبه الهدنة التي تؤذن بالفتنة ~~والسلم (3) الذي ينكشف عن المحاربة بالدخان الذي تؤذن سواطعه (4) بالنار ~~الموقدة، وتجلى عن الجواحم (5) المتضرمة. ويقال: دخان ودواخن، وعثان (6) # PageV00P248 # وعواثن، وهما جمعان على غير القياس (1). ويجوز أن يكون المراد بالدخن ~~هاهنا قسطل (2) الحرب، لأنه يشبه بالدخان في الحقيقة، فكأنه عليه الصلاة ~~والسلام قال: هدنة تنكشف عن رهج القراع (3)، وغبار المصاع. وإنما قال: على ~~دخن، أي أن تلك الهدنة كأنها عطاء تحته هيعة (4) الحرب، وزلزال الخطب، وليس ~~باطنها كظاهرها، وشاهدها كغائبها. # (والاستعارة الأخرى) قوله عليه الصلاة والسلام: " وجماعة على الأقذاء "، ~~فكأنه صلى الله عليه وآله شبه الاجتماع على فساد الغيوب (5) وتغلل (6) ~~القلوب، بالعين المغضية على الداء، المغمضة على الأقذاء. فالظاهر سليم، ~~والباطن سقيم. وفي رواية أخرى زيادة في هذا الحديث فيها مجاز آخر، وهي قوله ~~عليه الصلاة والسلام: # " وفتنة عمياء صماء، ودعاة ضلالة على أبواب جهنم من أجابهم # PageV00P249 # قذفوه فيها ". فوصف الفتنة بالعماء والصمم مجاز، والمراد أن أهلها عمى عن ~~المراشد، صم عن المواعظ، فلما كانت الفتنة سببا لعماهم وصممهم جاز أن ينسب ~~العمى والصمم إليها دونهم. وقد يجوز أيضا أن يكون المراد أنها تعمى الابصار ~~برهج غبارها، وتصم الاسماع بزجل (1) أصواتها، والقول الأول أقرب إلى ~~الصواب، وأشبه بمقاصد الكلام (2). # 199 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لرجل حلب ناقة: " دع داعى اللبن ~~" وهذه استعارة، والمراد أمره أن يبقى في خلف (3) الناقة شيئا من لبنها من ~~غير أن يستفرغ جميعه، لان ما يبقى منه يستنزل عفافتها (4)، ويستجم (5) ~~درتها، فكأنه يدعو # PageV00P250 # بقية اللبن إليه ويكون كالمثابة له، وإذا استنفد الحالب ما في الخلف أبطأ ~~غزره (1)، وقلص دره ms097 (2). # 200 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " ما نزل من القرآن آية إلا ~~ولها ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مقطع " وفي هذا الكلام استعارتان: # (إحداهما) قوله عليه الصلاة والسلام: " ما نزل من القرآن آية إلا ولها ~~ظهر وبطن ". وقد قيل في ذلك أقوال: منها أن يكون المراد أن القرآن يتقلب ~~وجوها، ويحتمل من التأويلات ضروبا كما وصفه أمير المؤمنين علي عليه السلام ~~في كلام له، فقال: القرآن حمال ذو وجوه، أي يحتمل التصريف على التأويلات، ~~والحمل على الوجوه المختلفات. وقد ذكرنا هذا الكلام في كتابنا الموسوم بنهج ~~البلاغة. ومن ذلك قول القائل: قلبت أمرى ظهرا لبطن، أي صرفته وأدرته، ليبين ~~لي منه وجه الرأي فأتبعه، وطريق الرشد فأقصده وأنشدنا أبو الفتح (3) النحوي ~~رحمه الله قول الشاعر: # PageV00P251 # أما تراني قالبا مجنى (1) * أقلب أمرى ظهره للبطن * قد قبل الله زيادا ~~عنى * وكان رحمه الله يقول في قوله: " قد قبل الله زيادا عنى " سر لطيف، ~~وهو أنه أقام قبله مقام عزله، فكأنه قال: قد عزل الله زيادا عنى، لأنه إذا ~~قبل فقد زال سلطانه، وأمنت سطواته. # وقال آخرون: الظهر تنزيل القرآن وكلامه، والبطن تأويله وإحكامه. وقال ~~بعضهم: معنى الظهر هاهنا ما قصه الله سبحانه علينا في القرآن من أنباء ~~القرون وأخبار الملوك، وما أوقعه بهم من سطواته وأنزله بهم من نقماته، لما ~~جمحوا في أعنة الطغيان، وأبعدوا في مذاهب البغى والعدوان. # وجميع ذلك أحاديث قصها سبحانه علينا، فهي في الظاهر إخبار منه لنا، وأما ~~المراد بالباطن فإنه سبحانه جعل تلك الانباء المقصوصة، والأمثال المضروبة، ~~عظة ينبه بها على طريق الرشد، ويحذر معها مصارع البغى فيتناهى عما كان ~~السبب في إهلاك القرون الماضية، والأمم الخالية. وذلك مثل مخبر أخبرنا عن ~~إيقاع السلطان بجماعة من الجناة، فقوم قتلهم لما قتلوا، وقوم قطعهم لما ~~سرقوا، وقوم # PageV00P252 # جلدهم لما سكروا، فظاهر ذلك أنه أنقال (1) لنا عن هذه الأفعال الواقعة ~~بمستحقيها من الحياة، والباطن أنه وعظ وتنبيه لعقولنا. # على أن من أقدم منا على مثل تلك ms098 المحظورات، أنزل به مثل تلك العقوبات. ~~وقد مضى فيما تقدم من كتابنا هذا كلام مختصر على نظير لهذا الخبر (2)، إلا ~~أننا في هذا الموضع شرحنا ذلك فضل شرح، وبسطناه فضل بسط. # (والاستعارة الأخرى) قوله عليه الصلاة والسلام: " ولكل حرف حد ولكل حد ~~مطلع (3) ". قال بعضهم: معنى المطلع هاهنا يطلع قوم يعملون به. وروى عن عبد ~~الله بن مسعود أنه قال: # ما من حرف - أو قال آية - إلا وقد عمل بها قوم، أو لها قوم سيعملون بها. ~~وقال بعضهم: المراد بالمطلع هاهنا المأتى الذي يؤتى منه حتى يعلم تأويل ~~القرآن من جهته. وقال بعضهم: المطلع هو المنحدر من المكان المشرف إلى ~~المكان المنخفض، وقد يكون أيضا المصعد من المكان المنخفض إلى المكان ~~المشرف، فهو من الأضداد على هذا التقدير، فكأن الانسان يكون في التوصل إلى ~~علم تأويل القرآن بمنزلة الراقي إلى الذروة، والصاعد إلى النجوة (4)، أو ~~يكون في # PageV00P253 # التولج (1) على غوامضه بمنزلة الهابط من المكان المشتط (2)، إلى المكان ~~المنحط (3). وقال بعضهم: الحد هاهنا الفرائض والأحكام، والمطلع الثواب ~~والعقاب، فكأنه تعالى جعل لكل حد من حدوده التي حدها من الحرام والحلال ~~مقدارا من الثواب والعقاب، يلاقيه الانسان في العاقبة، ويطلع عليه في ~~الآخرة. ومن ذلك ما يكثر على الألسنة من ذكر هول المطلع وإنما يراد به ما ~~يشرف الانسان عليه بعد الموت من أعلام الساعة، وأشراط القيامة. # وعندي في ذلك وجه آخر: وهو أن يكون المراد أن لكل حرف حد يجب على التالي ~~أن يقف عنده، ويتعرف مغزاه ومغيبه (4) فإنه إذا فعل ذلك أفضى به ذلك الحد ~~إلى مطلع يشرف منه على حقيقة المعنى وجلية المغزى. فكأن الوقوف عند تلك ~~الحدود والتمهل عليها والتثبت فيها، يفضى بالانسان إلى مطالع معرفتها، ~~ومفاتق أكمتها (5)، فيكون كطالع الثنية (6) في الاشراف على ما تحتها، ~~والادراك لما استجن عن الناظر قبل الايفاء (7) عليها. وهذا القول # PageV00P254 # من استنباطي وما أظن أحدا قرع (1) بابه وطلع نقابه (2) قبلي (3). # 201 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من أحيا أرضا ميتة (4) فهي ms099 له ~~وليس لعرق (5) ظالم حق "، وهذا مجاز، والمراد به أن يجئ الرجل إلى أرض قد ~~أحياها محى قبله فيغرس فيها غرسا، أو يحدث فيها حدثا (6)، فيكون ظالما بما ~~أحدثه، وغاصبا لحق لا يملكه، إنما أضاف عليه الصلاة والسلام الظلم إلى ~~العرق، لأنه إنما ظلم بغرس عرقه، فنسب الظلم إلى العرق دون صاحبه. # ذلك كما قال: ليل نائم، ونهار صائم، أي ينام في هذا، ويصام في هذا. وروى ~~سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن # PageV00P255 # الزبير قال: العروق أربعة، عرقان ظاهران، وعرقان باطنان. # أما الظاهران: فالغرس والبناء. وأما الباطنان: فالتبر والمعدن. # وربما روى هذا الخبر على الإضافة، فيكون ليس لعرق ظالم حق، فإن كانت هذه ~~الرواية صحيحة فقد خرج الكلام من حيز الاستعارة ودخل في باب الحقيقة (1). # 202 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " اللهم المم شعثنا "، وهذه ~~استعارة، والمراد: اللهم أجمع كلمتنا، وانظم ما تشتت من أمرنا، وتبدد من ~~شملنا، فأقام عليه الصلاة والسلام تفرق الكلمة، وانصداع الأمور الملتئمة، ~~مقام العود (2) المتشعث الذي # PageV00P256 # كثر تشظيه، واستطارت الصدوع فيه. وقد مضى الكلام على نظير هذه الكلمة ~~(1). # 203 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " قلدوا (2) الخيل ولا تقلدوها ~~الأوتار (3) "، وهذه استعارة على أحد التأويلين وهو أن يكون المراد النهى ~~عن طلب أوتار الجاهلية على الخيل بشن الغارات، وشب النائرات. ومعنى لا ~~تقلدوها: أي لا تجعلوها كأنها قد قلدت درك الوتر فتقلدته، وضمنت أخذ النار ~~فتضمنته. وذلك عبارة عن فرط جدهم في الطلب، وحرصهم على الدرك، فكأنه عليه ~~الصلاة والسلام قال: قلدوا الخيل طلب أعداء الدين، والدفاع عن المسلمين، ~~ولا تقلدوها طلب أوتار الجاهلية، ودخول مصارع الحمية ". وإذا حمل الخبر على ~~التأويل الآخر خرج عن أن يكون مجازا، وهو أن يكون المراد النهى عن تقليد ~~الخيل أوتار القسي. وقيل في وجه النهى عن ذلك قولان: # PageV00P257 # (أحدهما) أن يكون عليه الصلاة والسلام إنما نهى عنه، لان الخيل ربما رعت ~~الأكلاء (1) والأشجار، فنشبت (2) الأوتار التي في أعناقها ببعض شعب ما ~~ترعاه ms100 من ذلك، فخنقتها أو حبستها على عدم المأكل والمشرب حتى تقضى نحبها. # (والوجه الآخر) أنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار ~~يدفع عنها حمة عين العائن (3) وشرارة نظر المستحسن، فيكون كالعوذ (4) لها، ~~والاحراز عليها، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يعلمهم أن تلك الأوتار لا ~~تدفع ضررا، ولا تصرف حذرا، وإنما الله سبحانه وتعالى الدافع الكافي، ~~والمعيذ الواقي. ومما يقوى هذا التأويل ما روى من أمره عليه الصلاة والسلام ~~بقطع الأوتار من أعناق الخيل. ولتقليد الخيل وجه آخر، وهو أن العرب كانت ~~إذا قدرت وظفرت قلدت الخيل العمائم. وذكر أن معاوية بن أبي سفيان لما تغلب ~~على الامر ودخل الكوفة بعد صلح الحسن بن علي عليهما السلام فعل ذلك بخيله، ~~فقالت أم الهيثم بنت الأسود: # PageV00P258 # أقر عيني أن جاءت مقلدة * خيل الشامين في أعناقها الخرق (1) 204 - ومن ~~ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " ضالة المؤمن حرق النار "، وهذا مجاز، لان ~~الضالة على الحقيقة ليست بحرق النار، وإنما المراد أخذ ضالة المؤمن، ~~والاشتمال عليها، والحول بينه وبينها، يستحق به العقاب بالنار، فلما كانت ~~الضالة سبب ذلك حسن أن تسمى باسمه، لان عاقبة أخذها يؤول إلى حريق النار، ~~ويفضى إلى أليم العقاب. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن أخذ ضوال ~~الإبل وهواميها، والهوامي: الضائعة. قال الشاعر: # همت بغلها بالسبلجين وأوفضت * بوادي ثميل عن جبين مشيد (2) # PageV00P259 # أي ضاعت بغل هذه الناقة بهذا الموضع المذكور، وذلك لا يكون إلا عند تقطع ~~هلبها (1) وإجحاف السير بها (2). # 205 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن هذا الدين متين فأوغل فيه ~~برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ~~"، ووصف الدين بالمتانة هاهنا مجاز، والمراد أنه صعب الظهر، شديد الأسر، ~~مأخوذ من متن الانسان، وهو ما اشتد من لحم منكبيه، وإنما وصفه عليه الصلاة ~~والسلام بذلك لمشقة القيام بشرائطه، والأداء لوظائفه، فأمر عليه الصلاة ~~والسلام أن يدخل الانسان أبوابه مترفقا، ويرقى هضابه متدرجا، ليستمر على ~~تجشم متاعبه، ms101 ويمرن على امتطاء مصاعبه. # وشبه عليه الصلاة والسلام العابد الذي يحسر (3) منته، ويستنفد طاقته، ~~بالمنبت، وهو الذي يغذ (4) السير، ويكد الظهر (5)، # PageV00P260 # منقطعا من رفقته (1)، ومنفردا عن صحابته، فتحسر (2) مطيته، ولا يقطع شقته ~~(3). وهذا من أحسن التمثيلات، وأوقع التشبيهات. # ومما يقوى المراد بهذا الخبر ما كشفناه من حقيقة الخبر الآخر عنه عليه ~~الصلاة والسلام، وهو فيما رواه بريدة بن الحطيب الأسلمي قال: قال عليه ~~الصلاة والسلام: " عليكم هديا قاصدا (4) فإنه من يشاد (5) هذا الدين يغلبه ~~(6) ". # 206 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إذا سافرتم # PageV00P261 # في الخصب فأعطوا الركب (1) أسنتها "، وفي رواية أخرى: # " فأعطوا الركاب أسنانها "، وهذه استعارة، والمراد بالأسنة هاهنا على ما ~~قاله جماعة من علماء اللغة: الأسنان، وهو جمع الجمع، لان الأسنان جمع سن، ~~والأسنة جمع الأسنان، والركب جمع الركاب، فكأنه عليه الصلاة والسلام أمرهم ~~بأن يمكنوا ركابهم زمان الخصب من الرعى في طرق أسفارهم، وعند نزولهم ~~وارتحالهم، فكنى عن ذلك بإعطائها أسنانها، والمراد تمكينها من استعمال ~~أسنانها في اجتذاب الأكلاء، وامتشاط (2) الأعشاب، فكأنهم بتمكينها من ذلك ~~قد أعطوها أسنانها. وهذا كما يقول القائل لغيره: # أعط الفرس عنانها، وأعط الراحلة زمانها، أي مكنها من التوسع في الجرى، ~~ومد العنق في الخطو. وعندي في ذلك وجه آخر، وهو أن يكون المراد: مكنوا ~~الركاب في الخصب من أن تسمن بكثرة الرعى، لأنهم قد عبروا في أشعارهم عن سمن ~~الإبل وبدنها (3) بالسلاح تارة، وبالأسنة تارة. قال الشاعر: # PageV00P262 # ولا تأخذ الكوم الجلاد سلاحها * له عند صرات الشتاء الصنابر (1) أي لم ~~يمنعه سمن إبله وشارتها (2) في عينه من أن ينحرها لأضيافه ويبذلها لطراقه، ~~فجعل السمن لها كالسلاح الذي تدافع به عن نحرها وتماطل به عن عقرها. وقد ~~قال الآخر في مثل ذلك، ويعنى الإبل: # * خابلت فيها ولم تأخذ أسنتها * (3) ومن أبيات لإياس بن سلم الأسلمي يمدح ~~بها النبي عليه الصلاة والسلام: # وأبيك حقا إن إبل محمد * عزل تناوح أن تهب شمال وإذا رأين لدى الفناء ~~قريبة * فاضت لهن على الخدود سجال يقول: إن إبله مبذولة ms102 عند نزول النازل، ~~وطروق الطارق، فلا يمنعه من عقرها رواؤها (4) وشارتها، فكأنها عزل لا سلاح ~~معها، # PageV00P263 # كما جعل الشاعر الأول هذه الحال بمنزلة بمنزلة السلاح لها وأراد بقوله: # إذا رأين لدى الفناء قريبة، أي رأين رفقة قريبة بفناء النبي عليه الصلاة ~~والسلام بكين وتناوحن، علما بأنهن ينحرن لها، ويعقرن لأجلها. وكذلك إذا هبت ~~الشمال في صميم الشتاء، حاذرن العقر، وانتظرن النحر. # ومما يقوى ذلك ما جاء في الحديث المشهور عنه عليه الصلاة والسلام، وهو ~~قوله عليه الصلاة والسلام: " إن الجفاء والقسوة في الفداذين إلا من أعطى في ~~نجدتها ورسلها ". والفدادون هاهنا على أصح الأقوال هم أصحاب الإبل الكثيرة، ~~فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: إلا من أعطى من إبله في حال كثرة شحومها ~~وشارة جسومها، وسمى ذلك نجدة لها على ما قدمنا القول فيه، لأنها إذا كانت ~~في تلك الحال كانت كالمانعة لصاحبها من نحرها، نفاسة بها، وشحا عليها، ~~فكانت شارتها كالمنجدة لها، والسلاح الذي تدفع به عن أنفسها. وقد قيل في ~~رسلها هاهنا قولان: # (أحدهما) في حال كثرة ألبانها، موافقة لقوله عليه الصلاة والسلام: في ~~نجدتها، إذا كان ذلك بمعنى حسن شارتها. # (والقول الآخر) أن يعطيها في حال يهون عليه إعطاؤها فيها، وهي حال نقصان ~~شحومها، وخفة جسومها، من قولهم: تكلم فلان PageV00P264 # بكذا على رسله، أي والكلام هين عليه، فهو متمهل فيه غير عجل وساكن غير ~~غلق (1)، فكأن المعنى: إلا من أعطاها في حالتي كرامتها وهوانها، واستقباحها ~~واستحسانها، كقولك في حال العسر واليسر، وعند الطوع والكره. والقول الأول ~~هو المعتمد (2). # 207 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " أنا برئ من كل مسلم مع مشرك، ~~قيل: ولم يا رسول الله؟ قال: لا تراءى ناراهما "، وهذه استعارة، وقد قيل في ~~ترائى النارين قولان: # (أحدهما) أن يكون المراد أن المسلم لا ينبغي له أن يساكن المشرك في بلاد ~~فيكون منه بحيث إذا أوقد كل واحد نارا رآه الآخر، فجعل الترائي للنارين وهو ~~في الحقيقة للموقدين. والأصل في ذلك المداناة والمقابلة يقول القائل: دور ms103 ~~بنى فلان تتناظر، أي تتدانى وتتقابل، ويقولون للمسترشد: إذا أخذت في طريق ~~كذا فنظر إليك الجبل فخذ عن يمينه أو عن يساره، والمراد إذا قابلك الجبل ~~فنظرت إليه، فجعلوا النظر له، لأنهم أقاموا الجبل مقام # PageV00P265 # الرئية (1) الناظر، والرفيق المساير. وقال الشاعر: # سل الدار من جنبي حبر فواهب * إلى ما رأى هضب القليب المضيح (2) وهضب ~~القليب والمضيح: موضعان متقاربان، فجعلهما لتجاذبهما كأنهما يتراءيان. ~~ومثله قول الآخر: حيث يرى الدير المنار. # (والوجه الآخر) أن يكون المراد بالنار هاهنا نار الحرب، لأنهم يكنون عن ~~الحرب بالنار، لما فيها من رهج المصاع، ووهج القراع (3). ومن ذلك قول ~~الشاعر: # هما حيان يصطليان حربا * رداء الموت بينهما جديدا وعلى هذا المعنى جاء ~~التنزيل بقوله تعالى: " كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله "، فكأنه عليه ~~الصلاة والسلام قال: " وناراهما مختلفان " أي حرباهما متباينان. هذه تدعو ~~إلى الهدى والرشاد، وهذه تدعو إلى العمى والضلال. # وقد يجوز في ذلك عندي وجه آخر، وهو أن يكون المراد: # PageV00P266 # لا يجتمع سرباهما (1)، ولا يختلط سرحاهما (2)، والنار عندهم اسم لسمات ~~الإبل، يقولون على هذه الإبل: نار بنى فلان، أي وسمهم. وعلى هذا قول بعض ~~خراب (3) الإبل في ذكر أذواد (4) استلبها، وأراد عرضها ليبيعها: # يسألني الباعة ما نجارها * إذ زعزعوها فسمت أبصارها (5) فكل دار لا ناس ~~دارها * وكل نار العالمين نارها أي هي مأخوذة من قبائل شتى، فوسمها غير ~~متسق، ونجارها غير متفق. وهذا الوجه يعود إلى معنى الوجه الأول، لان المراد ~~أن المسلم والمشرك لا يجوز اجتماعهما في دار حتى تجتمع أذوادهما في الرعى ~~وأورادهما (6) في الورد (7)، فقوله عليه الصلاة والسلام على هذا # PageV00P267 # الوجه: لا يتراءى ناراهما، أي لا يختلط وسماهما (1). وأما الحديث الآخر، ~~وهو قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تستضيئوا بنار أهل الشرك " فقيل إن ~~المراد لا تستشير وهم في أموركم، فتعملوا بآرائهم، فترجعوا إلى أقوالهم. ~~وهذا أيضا مجاز آخر، لأنه عليه الصلاة والسلام شبه الاسترشاد بالرأي ~~بالاستضواء بالنار إذ كان فعله كفعلها في تبيين المبهم، وتنوير المظلم (2). # 208 - ومن ذلك قوله عليه ms104 الصلاة والسلام: " إن عم الرجل صنو أبيه "، وهذه ~~استعارة، والمراد أن أصلهما من منبت واحد، فهما كالنخلتين من الصنوان، ~~يجتمع أصلهما ويفترق رأساهما، فيكونان اثنين في الرؤية، والأصل واحد في ~~الحقيقة. يقال: صنو، والجمع صنوان، مثل قنو، والجمع قنوان، قال سبحانه: " ~~صنوان وغير صنوان "، وقيل أيضا: الصنوان المجتمع، وغير الصنوان غير المجتمع ~~(3). # PageV00P268 # 209 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة ~~"، وهذه استعارة، والمراد بقوله: " فإنها بكم برة " يرجع إلى أنها كالأم ~~للبرية لان خلقهم ومعاشهم عليها، ورجوعهم إليها، فلما كانت الأرض تسمى أما ~~لنا من الوجوه التي ذكرناها كان قوله عليه الصلاة والسلام: " فإنها بكم برة ~~" يرجع إلى وصفها بالأمومة، لأنهم يقولون: الأرض ولود، يريدون كثرة إنشاء ~~الخلق واستيلادهم عليها. وقال ذو الرمة في وصف الام بالبر، وهو يذكر فراخ ~~النعام: # جاءت من البيض زعرا لا لباس لها * إلا الدهاس وأم برة وأب (1) والدهاس: ~~الرمل. ولقوله عليه الصلاة والسلام: " تمسحوا بالأرض " وجهان: # (أحدهما) أن يكون المراد التيمم منها في حال الطهارة وحال الجنابة. # (والوجه الآخر) أن يكون المراد مباشرة ترابها بالجباه في حال # PageV00P269 # السجود عليها، وتعفر الوجوه فيها، ويكون هذا القول أمر تأديب لا أمر ~~وجوب، لان من سجد على جلدة الأرض ومن سجد على حائل بينها وبين الوجه واحد ~~في إجزاء الصلاة، إلا أن مباشرتها بالسجود أفضل. وقد روى أن النبي عليه ~~الصلاة والسلام كان يسجد على الحمرة، وهي الحصير الصغير يعمل من سعف النخل، ~~فبان أن المراد بذلك فعل الأفضل لا فعل الأوجب. # ومما يقرب شبها من هذا الخبر ما روى من قوله عليه الصلاة والسلام: " نعمت ~~العمة لكم النخلة "، فكأنها لانتفاعهم بها، وتعويلهم على ثمرتها، قد قامت ~~مقام القريبة الحانية، وذات الرحم المتحفية، ولم يجعلها عليه الصلاة ~~والسلام بمنزلة الام للناس كما جعل الأرض في الخبر الأول، لأنهم في الحقيقة ~~لم يخلقوا منها، ولم ينسبوا إليها، فجعلها من حيث الانتفاع بها بمنزلة أقرب ~~الإناث القرائب من الانسان بعد اللاتي ولدنه واللاتي ولدهن هو، ms105 وتلك عمة ~~الانسان وخالته، إلا أن أخت الأب أرفع منزلة من أخت الام، ولذلك جعلها عمة، ~~ولم يجعلها خالة (1). # PageV00P270 # 210 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في دعاء كان يدعو به: " رب تقبل ~~توبتي واغسل عنى حوبتي " وهذه استعارة، والحوبة والحوب (1): المأثم، ~~والمراد أحط عنى وزرى، وتغمد ذنبي وخطيئتي، ولكن المعصية لما كانت كالدرن ~~(2) الذي يصيب الانسان، فيفحش أثره، ويقبح منظره، أقام عليه الصلاة والسلام ~~إماطة وزرها، وإسقاط إثمها مقام غسل الأدران، وإماطة الأدناس لان الانسان ~~بعدها يعود نقى الأثواب، طاهرا من العاب (3). وهذا الدعاء من النبي عليه ~~الصلاة والسلام على وجه التعبد والخضوع، والتطامن والخشوع، لا أن له عليه ~~الصلاة والسلام حوبة يستحط وزرها، ويستغسل درنها، أو يكون قوله عليه الصلاة ~~والسلام ذلك على طريق التعليم لامته كيف يتوب العاصي، وينيب الغاوي، ~~ويستأمن الخائف، ويستقيم الجانف (4). والسبب الذي لأجله قلنا إن الأنبياء ~~عليهم السلام لا يجوز أن يواقعوا المعاصي، ويقدموا على المغاوى، أن الحكيم ~~تعالى إذا أرسل رسولا جنبه كل ما ينفر عنه، # PageV00P271 # ويصرف عن القبول منه، ومعرفة ما يقطع على أنه منفر مأخوذ من عادات الناس، ~~وكبائر المعاصي منفرة لأنها تخرج من ولاية الله تعالى إلى عداوته، وتوجب ~~عاجل مقته وعقوبته. وفي الصغائر خلاف ليس كتابنا هذا موضع بيانه، واستقصاء ~~حجابه، وقد بسطنا الكلام على ذلك في باب مفرد من جملة كتابنا الكبير في ~~متشابه القرآن، فمن أراد استيعاب معانيه، ومعرفة الخلاف فيه. # فليقصد مطالعته من هناك بتوفيق الله (1). # 211 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من سره أن يذهب كثير من وحر ~~صدره فليصم شهر (2) الصبر وثلاثة أيام من كل شهر "، فقوله عليه الصلاة ~~والسلام: " وحر صدره " استعارة، والمراد غشه ودغله، وفساده ونغله (3)، وذلك # PageV00P272 # مأخوذ من اسم دويبة يقال لها الوحرة وجمعها وحر (1)، وهي شبيهة بالحرباء. ~~وقال بعضهم: هي تشبه العظاء (2)، إذا دبت (3) على اللحم فأكل منه إنسان وحر ~~صدره، أي اشتكى داء فيه (4)، ويقال: إنها شبيهة باليعسوب (5) الأحمر تسكن ~~القليب والآبار. # قال الراجز: # في كل يوم ms106 قربة موكره * يشربها مرية كالوحره (6) فشبه عليه الصلاة ~~والسلام ما يسكن في صدر الانسان من الغش والبلابل، ويجول في قلبه من ~~مذمومات الخواطر، بهذه الدويبة المنعوتة، فكأنه عليه الصلاة والسلام شبه ~~القلب بالقليب، وشبه ما يستجن فيه من نغله، بما يستجن في القليب من وحره ~~(7). # PageV00P273 # 212 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ~~من همزه ونفثه ونفخه. فقيل يا رسول الله: # ما همزه ونفثه ونفخه؟ فقال: أما همزه فالموتة (1)، وأما نفثه فالشعر، ~~وأما نفخه فالكبر "، وفي هذا الكلام استعارات ثلاث: # الأولى منها الاستعارة من همز الشياطين، وأصل الهمز الغمز والدفع وكل شئ ~~دفعته فقد همزته، ويروى بيت القطامي: # تراهم يهمزون من اشتركوا * ويجتنبون من صدق المصاعا (2) ويروى يغمرون، ~~فالهمز على ما فسره النبي عليه الصلاة والسلام هاهنا الموتة وهي الجنون على ~~الحقيقة، فإن الشيطان لا سلطان له على الانسان ولا يصرعه ويوسوس له ويفزعه، ~~وقد صرح التنزيل بذلك، فقال تعالى: " وقال الشيطان لما قضى الامر إن الله ~~وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي " الآية، فعلمنا أنه لا سلطان له على الانسان إلا بالوساوس ~~والتخابيل، وضروب # PageV00P274 # التهاويل، فلما كان ما يلحق المجنون من الافزاع، ويأخذه من العرواء (1) ~~والانزعاج، عن وساوس الشيطان جاز أن ينسب ذلك إلى همزه وغمزه على طريق ~~المجاز والاتساع في نظائره. " والاستعارة الثانية " الاستعارة من نفث ~~الشيطان، وهي الشعر على ما فسره النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك مخصوص في ~~شعر المشركين الذي كانوا يهجون به رسول الله صلى الله عليه وآله وخيار ~~المسلمين، أو ما يجرى مجراه من أشعار المسلمين الاسلاميين، لأنه عليه ~~الصلاة والسلام قد قال: " إن من الشعر حكما "، فلا يجوز أن يكون هذا القول ~~متناولا لجميع الشعر عموما، وموضع الاستعارة أن الشيطان لما كان يزين ~~للمشركين الطعن في أعراض المسلمين، وكان الشعر مما تلفظ به ألسنتهم، شبهه ~~عليه الصلاة والسلام بالشئ الذي تنفث (2) به أفواههم، ونسبه إلى الشيطان ~~لان تزيينه ما ms107 زين لهم كان سببا لما نفثت به ألسنتهم، وقد يجوز أن يكون ~~إنما نسبه إلى نفثه لان الشيطان كان نفثه في أفواههم، وتكلم به على ~~ألسنتهم، كما يقولون للمتكلم بالكلمة الغاوية: ما نطق على لسانك إلا شيطان. ~~قال الفرزدق في قصيدته التي يهجو فيها إبليس، وهي مشهورة: # PageV00P275 # وإن ابن إبليس وإبليس ألبنا * لهم بعذاب الناس كل غلام (1) هما نفثا في ~~في من فمويهما (2) * على النابح العاوي أشد رجام (3) ويروى لجام، يريد ~~بقوله: ألبنا كل غلام، أي سقياه اللبن، فكأنهما غذياه بذلك فدرب به ونشأ ~~عليه وتعوده، " والاستعارة الثالثة ": الاستعارة من نفخ الشيطان، وهو على ~~ما فسره عليه الصلاة والسلام الكبر والعجب ولا نفخ هناك على الحقيقة، وأنما ~~المراد به ما يسوله الشيطان للانسان من تعظيم نفسه واستحقار غيره، وتصغير ~~الناس في عينه، فكأنه بهذا الفعل ينفخ في روعه ما يستشعر به أنه أحق من ~~غيره بالتعظيم، وأولى بالتفخيم، تشبيها بالشئ الأجوف كالزق (4) وما في ~~معناه، لأنه إذا نفخ فيه انتفخ بعد ضمره (5)، وعظم بعد صغره، ومن قولهم ~~للمتكبر إذا أسرف في الكبر، واستطار من العجب: قد نفخ الشيطان في مناخره، # PageV00P276 # يريدون به المعنى الذي قدمنا ذكره (1). # 213 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " العين وكاء السه (2)، فإذا ~~نامت العين استطلق الوكاء (3) "، وهذه من أحسن الاستعارات. والسه: اسم ~~للستة. قال الشاعر: # شأتك قعين غثها وسمينها * وأنت السه السفلى إذا دعيت نصر (4) فكأنه عليه ~~الصلاة والسلام شبه الستة بالوعاء، وشبه العين بالوكاء، فإذا نامت العين ~~انحل صرار (5) الستة، كما أنه إذا زال الوكاء دسع (6) بما فيه الوعاء، إلا ~~أن حفظ العين للستة على خلاف # PageV00P277 # حفظ الوكاء للوعاء (1)، فإن العين إذا أشرجت (2) لم تحفظ ستهها، والأوكية ~~إذا حلت لم تضبط أوعيتها. # ومن الناس من ينسب هذا الكلام إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام، وقد ~~ذكر محمد بن يزيد المبرد في الكتاب المقتضب في باب اللفظ بالحروف، وفي ~~الأظهر الأشهر أنه للنبي عليه الصلاة والسلام (3). # 214 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وهو يسأل ms108 عن سحابة عرضت (4): " ~~كيف ترون قواعدها وبواسقها، وكيف ترون رحاها؟ " في حديث طويل. # وفي هذا الكلام استعارات ثلاث: # فإنه عليه الصلاة والسلام شبه أصولها ومناشئها، وطوالعها # PageV00P278 # ومبادئها، بقواعد البيت التي هي أصل بنائه وأول إنشائه. # وشبه فروعها المستطيلة إلى أوساط السماء، وأعاليها البعيدة عن الآفاق، ~~بفروع الشجرة الباسقة التي هي ملتف أوراقها، ومزدحم أفنانها. يقال: بسقت ~~الشجرة والنخلة تبسقان بسوقا إذا طالتا، وكل باسق طويل. وفي التنزيل: " ~~والنخل باسقات لها طلع نضيد ". # وشبه مستدارها في السماء عند استوائها، بالرحا المستديرة على قطبها. ومن ~~ذلك قيل: رحا الحرب، وهو الموضع الذي يستدار فيه للمعاركة والجلاد، والتفاف ~~الرجال بالرجال. # ومنه قول سليمان بن صرد الخزاعي في حديث له: أتيت عليا عليه السلام حين ~~رفع يده عن مرحى (1) الجمل، يريد عن مجثم (2) تلك الحرب بالمكان المخصوص ~~الذي دارت به رحاها، وبلغت فيه منتهاها. وعلى ذلك قول الكميت بن زيد يصف ~~السحاب: # كأنما الزجر والصهيل به مر * حي مراس الحروب ذو اللجب (3) # PageV00P279 # يريد بالزجر والصهيل حفيف ودقه، وأزيز رعده. ويحتمل قولهم: رحا الحرب، ~~وجهين: # (أحدهما): أن يريدوا به اللبث والاستقرار. # (والآخر): أن يريدوا به الجولان والمدار، وقد يجوز أن يكون قوله عليه ~~الصلاة والسلام في السحابة: " كيف ترون رحاها ". # يريد به صوت رعدها، كما سألهم عن لمع برقها، وكثيرا ما تشبه أصوات الرعد ~~القاصفة بقعقعة أصوات الأرحاء (1) الدائرة، ولا يمتنع أن يعبر عما تسمعه ~~الاذن بعبارة ما تشاهده العين كما يقول القائل لغيره إذا سأله عن سماع ~~الغناء المطرب، والحداء المعجب: كيف ترى هذا الغناء، وكيف ترى هذا الحداء؟، ~~وذلك شائع عند أهل اللسان (2). # PageV00P280 # 215 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " كلكم بنو آدم طف (1) الصاع لم ~~تملؤوه، وليس لاحد على أحد فضل إلا بالتقوى " في حديث طويل، فقوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " طف الصاع " ها هنا استعارة. والمراد أن كل من كان من ولد آدم عليه ~~الصلاة والسلام، فهو ناقص لا يوصف بالتمام، ولا يعطى مزيد الكمال، وإنما ~~يتفاضل الناس بأعمالهم، ويفضلون بكثرة فضائلهم. ms109 # وإنما يوصف الانسان بأنه فاضل إذا أضيف إلى الناقص، وإلا فلا بد من نقائص ~~تتخلل فضائله، ومساو (2) تتوسط محاسنه. إما بأن يكون فاضلا في حال، وناقصا ~~في حال، وإما بأن يكون قاصرا عما فوقه، وزائدا على من دونه. وقوله عليه ~~الصلاة والسلام: " طف الصاع لم تملؤوه " من العبارات العجيبة عن هذا ~~المعنى، يريد أن كلكم قاصر عن غاية الكمال، تشبيها بطف المكيال، وهو أن ~~يقارب الامتلاء من غير أن يمتلئ. يقال: طف المكيال وطفافه إذا أريد به هذا ~~المعنى، وهو ضد الطلاع (3) والطفاح، لان هاتين اللفظتين # PageV00P281 # يعبر بهما عن بلوغ غاية الامتلاء، واللفظة الأولى يعبر بها عن الوقوف دون ~~حد الامتلاء. ويقال: إناء طفان إذا بلغ الماء أكثره ولم يبلغ غايته، ولو ~~قال عليه الصلاة والسلام: أنتم بنو آدم كطف الصاع خرج الكلام عن أن يكون ~~مستعارا، لان دخول كاف التشبيه في الكلام يخرجه عن باب المجاز، مثل قوله ~~عليه الصلاة والسلام في حديث: " خرجت حين بزغ القمر كأنه فلق (1) جفنة ". # ومثل قوله عليه الصلاة والسلام في حديث: " فإن الساعة كالحامل المتم (2) ~~التي لا يدرى أهلها متى تفجؤهم بولادها ليلا أو نهارا "، ولو قال: والقمر ~~فلق جفنة، والساعة حامل متم، كان الكلام من حيز الاستعارة. # ومن هذا القبيل قوله عليه الصلاة والسلام: " المؤمنون كالبنيان يشد بعضه ~~بعضا "، ولو قال: بنيان، لكان من قبيل المجاز. # ومثله أيضا قوله عليه الصلاة والسلام لقوم كانوا يرفعون أيديهم في ~~الصلاة: " مالي أراهم يرفعون أيديهم كأنها أذناب خيل شمس (3) ". # PageV00P282 # ولو قال: أيديهم أذناب خيل شمس، لكان الكلام مستعارا. # ولذلك نظائر كثيرة يطول بذكرها الكتاب (1)، ولم يرض عليه الصلاة والسلام ~~بقوله: " طف الصاع " في إرادة الغرض الذي تكلمنا عليه في الخبر، حتى قال: " ~~لم تملؤوه " فزاد المعنى إيضاحا، والكلام إفصاحا. # وفي ضمن هذا القول نهى عن الافتخار على الناس إلا بالفضائل الدينية، دون ~~الفضائل الدنياوية (2)، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: " ليس لأحد على ~~أحد فضل إلا بالتقوى " لان فضائل الدين وصل (3) يتوصل بها إلى النعيم ms110 ~~الباقي، والدرج العوالي، وفضائل الدنيا لا نعدو غايتها، ولا توصل إلى ما ~~بعدها، فهي كالغرس الذي لا يثمر، والزاد الذي لا يبلغ (4). # PageV00P283 # 216 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " اللهم إنا نعوذ بك من ~~الأبهمين "، قيل: إنهما السيل والحريق، وقيل: # بل هما السيل والجمل الصئول (1). وتسمية كل واحد من هذه الثلاثة (2) ~~بالأبهم مجاز، وذلك أن الأبهم هاهنا اسم للشئ لا يملك دفعه، ولا يستطاع ~~رده، ولاله نطق فيكلم، ولا سمع فيهجهج (3)، ولا معقول (4) فيستعتب. ومن ذلك ~~قيل للفلاة: بهماء، إذا كانت عمياء المسالك، لا يتهدى بآياتها (5)، ولا ~~يستدل بأعلامها (6). # وقال الأعشى: # وبهماء بالليل غطشى الفلا * ة يؤنسني صوت فيادها (7) # PageV00P284 # والفياد: اسم طائر، وقيل إنه ذكر البوم. ومثل تسميتهم الشئ أبهم إذا كان ~~على الصفة التي ذكرناها ما أنشدنا شيخنا أبو الفتح عثمان بن جنى النحوي ~~رحمه الله، وأظنه من أبيات الكتاب (1): # وداهية يتقيها الرجال * مرهوبة الحد لا فالها (2) قال: والمراد بقوله: لا ~~فالها، أي ليس لها جهة واحدة تتقى منها كما يتقى الحيوان العادي من جهة ~~أنيابه، أو ناحية أظفاره، بل كل جهاتها محذور، وكل نواحيها مخوف. # وقد روى في هذا الخبر مكان التعوذ من الأبهمين التعوذ من الأعميين، ~~والمعنى فيهما متقارب، لان الأبهم هو الذي لا يعلم كيف يدفع، ومن أي وجه ~~يضبط، والأعمى هو الذي لا يعلم علام يرد، ولا لأي وجه يفصد (3). # PageV00P285 # 217 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تقوم الساعة حتى يظهر ~~الفحش (1) والبخل، ويخون الأمين، ويؤتمن الخائن، وتهلك الوعول، وتظهر ~~التحوت "، قال: الوعول: # وجوه الناس وأشرافهم (2)، والتحوت: الذين كانوا تحت أقدام الناس (3) لا ~~يؤبه لهم. فقوله عليه الصلاة والسلام: لو عول والتحوت، مجازان على التفسير ~~الذي ذكره صلى الله عليه وآله، لأنه شبه عليه الصلاة والسلام الناس وجلتهم ~~بالوعول، لأنها تعلو قلل الجبال، وتكون في شعف (4) الهضاب، فهي أبدا عالية ~~المنازل، بعيدة عن المتناول. وقوله: النحوت، وهو جمع تحت، يريد به الخاملين ~~المغمورين، والقليلين الذليلين، لأنهم الطبقة السفلى من الناس، وهم الذين ~~نزلوا عن ms111 غايات العلية، وقعدوا بمهابط الذلة، فكأنهم تحت أجلة الناس ~~وأشرافهم، والاشراف والوجوه فوق لهم. # وتفسيره عليه الصلاة والسلام التحوت بأنهم الذين كانوا تحت أقدام الناس ~~لا يعلم بهم مجاز آخر، وليس المراد أنهم كانوا تحت مواطئ # PageV00P286 # الاقدام على الحقيقة، وإنما المراد أنهم كانوا من خمول الذكر، وغموض ~~القدر، بحيث يشبهون بالشئ الموطوء لذلته، والمنبوذ لبذلته (1). # 218 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الكتاب الذي كتبه لصاحب دومة ~~(2)، وهو المعروف بأكيدر منصرفه (3) صلى الله عليه وآله من غزوة تبوك: " إن ~~لنا الضاحية من البعل، ولكم الضامنة من النخل "، وفي رواية أخرى: " إن لنا ~~الضاحية من الضحل، ولكم الضامنة من النخل ". والضحل: الماء القليل، ~~والرواية الأولى أصح: والضاحية من البعل: هي النخيل التي في ضواحي البلدة ~~وصحاريها، والبعل: اسم لما شرب الماء بعروقه من الأرض ولم يتعهد كغيره ~~بالسقي. قال عبد الله بن رواحة: # هنا لك لا أبالي طلع بعل * ولا سقى وإن عظم الاناء ويروى: نخل بعل، وقوله ~~عليه الصلاة والسلام: " ولكم # PageV00P287 # الضامنة من النخل " مجاز. والمراد بالضامنة هاهنا ما تضمنه القرى ~~والأمصار من النخل، فسماها عليه الصلاة والسلام ضامنة، وهي في الحقيقة ~~مضمونة، وهذا موضع المجاز، ومثل ذلك قول الشاعر: # ومحترش ضب العداوة منهم * بحلو الخلا حرش الضباب الخوادع (1) فجعل الضباب ~~خوادع، وهي في الحقيقة مخدوعة، لأنها تخدع بضروب من الحيلة حيت تخرج من ~~مجاحرها، وتستذلق (2) من مكامنها. والخلا مقصورا: اسم من أسماء الحشيش، وهو ~~أيضا اسم لحسن الكلام، وهو المراد في هذا المكان، يقال إنه يحسن الخلا: إذا ~~كان حسن الكلام (3). # 219 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث: # " واستذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من # PageV00P288 # النعم من عقلها " كذا رواه أبو عبيد، ورواه أبو عبيدة " حادثوا القرآن ~~بالدرس، فهو أشد تفصيا من صدر الرجال من الإبل المعقلة تنزع إلى أوطانها ". ~~فقوله عليه الصلاة والسلام: " فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال ". مجاز، ~~والمراد بالتفصي هاهنا الذهاب والتفلت. # قال الشاعر: # يا حفص ما ليلك ذا التفصي ms112 * والأثر البين للمفص (1) فكأنه عليه الصلاة ~~والسلام شبه تفلت القرآن وذهابه من الصدر ما لم يحادث بالتلاوة ويتعهد ~~بالقراءة، بتفلت النعم المعقلة (2) من عقلها، إذا لم يستظهر بإحكام عقلها، ~~فأقام عليه الصلاة والسلام الاستكثار من درس القرآن في أنه يجمع مشتته ~~ويضبط متفلته مقام الاستظهار بعقل النعم في أنه يقصر (3) متسرعها، ويحبس ~~نوازعها (4)، والكلام هاهنا يدل بمفهومه على أن القرآن هو المتفصي عن ~~الصدور، والحقيقة أن القلوب هي المتخلية منه والتاركة له، فلما كان الامر ~~كذلك جاز على طريق المجاز أن يقال: إن # PageV00P289 # القرآن هو التارك لها، والمتفصي منها (1). # 220 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: وقد سئل عن الإبل فقال: " أعنان ~~(2) الشياطين لا تقبل إلا مولية ولا تدبر إلا مولية (3) ولا يأتي نفعها إلا ~~من جانبها الأشأم " (4)، فقوله عليه الصلاة السلام: " أعنان الشياطين " ~~مجاز، والأعنان: # النواحي (5). ومنه قولهم: أعنان السماء. أي نواحيها. وقال بعضهم الصحيح ~~أن عنان الشئ نواحيه، فالأول قول البصريين، والثاني قول الكوفيين. والمراد ~~بقوله عليه الصلاة والسلام: " نواحي الشياطين " على القولين جميعا المبالغة ~~في وصف الإبل بالأخلاق السيئة، والطباع المستعصية، فكأن الشياطين تختلها ~~وتنفرها، وتنهاها وتأمرها. ومما يقوى ذلك الحديثان الآخران في نعت الإبل، ~~فأحدهما قوله عليه الصلاة والسلام: " إن الإبل خلقت من الشياطين ". والحديث ~~الآخر قوله صلى الله عليه وآله: " إن # PageV00P290 # على ذروة (1) كل بعير شيطانا "، وهذا أيضا مجاز، لأنه عليه الصلاة ~~والسلام بالغ بذلك في وصف الإبل بالحران (2) والنفار والاستصعاب واللجاج، ~~فكأنه لافراط نفارها وشماسها (3)، قد امتطت الشياطين ذراها، فهي تؤزها (4) ~~وتجوسها (5). وقيل إن المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: لا تقبل إلا مولية ~~المثل الذي يقال فيها: إنها إذا أقبلت أدبرت، وإذا أدبرت أدبرت: أي أن ~~إقبالها إذا كان بمنزلة الادبار، فإدبارها إذا غاية الادبار. وقوله عليه ~~الصلاة والسلام: " ولا يأتي نفعها إلا من جانبها الأشأم ". يريد أنها لا ~~تحلب ولا تركب إلا من جهات شمائلها، ويقال لليد الشمال: # الشؤمي. ومنه قوله تعالى: " وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة " يريد ~~أصحاب الشمال. والدليل على ذلك ms113 قوله تعالى في الآية الأخرى: # " وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ". فلما قال سبحانه في الآية الأولى: " ~~فأصحاب الميمنة ". قال: " وأصحاب المشئمة ". # ولما قال سبحانه في الآية الأخرى " وأصحاب اليمين " قال: # " وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال "، والمراد في الآيتين واحد # PageV00P291 # لا أنه سبحانه طلب المقابلة في الكلام تأليفا لاجزائه، وملاحمة بين ~~أعضائه (1)، ويقال للجانب الأيمن الانسي، وللجانب الأيسر الوحشي هذا على ~~قول البصريين، وقال بعض الكوفيين الانسي: هو الأيسر. وهو الذي تأتيه الناس ~~عند الاحتلاب والركوب، والوحشي هو الأيمن، وإنما سمى وحشيا لان الراكب ~~والحالب لا يأتيان منه وإنما يأتيان من الأيسر دونه، ومنه قول زهير: # فجالت على وحشيها وكأنها * مسربلة من رازقي معضد (2) أراد جانبها الأيمن، ~~لأنها إذا فزعت حاصت (3) من جانبها الانسي الذي تخاف أن تؤتى منه، وهو ~~الشمال إلى جانبها الوحشي الذي تأمل الاتيان من ناحيته وهو اليمين. والخائف ~~إنما يفر من موضع الذعر والمخافة إلى موضع الامن والسلامة (4). # 221 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من شر # PageV00P292 # ما أعطى العبد شح هالع أو جبن خالع "، والهالع: المخيف المفزع والاسم منه ~~الهلع، وهو أشد الجزع (1). وقوله عليه الصلاة والسلام: " أو جبن خالع " ~~مجاز: أي يخلع قلب الجبان، وهذا على المبالغة في وصفه بوهل (2) الروع (3)، ~~ونخب الروع، وليس يبلغ الجبن على الحقيقة إلى أن يخلع قلب الجبان من مناطه، ~~ويزعجه عن قراره، وإنما المراد بذلك ما يعرض في القلب عند الخوف من نوازغ ~~الأفكار (4)، ونوازغ الحذار (5). وعلى ذلك (6) قوله تعالى: # " وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر ". وقد أوضحنا الكلام على ذلك ~~في كتاب (مجازات القرآن) (7). # PageV00P293 # 222 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " ما من أمير عشرة إلا وهو يجئ ~~يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه حتى يكون عمله الذي يطلقه أو يوتغه "، ~~وهذه استعارة، لان العمل على الحقيقة لا يطلق المرء من وثاق، ولا يوثقه بعد ~~إطلاق، وإنما المراد أنه يجئ مغلولة يده إلى عنقه، فإن كان عمله صالحا أطلق ~~الله عنه ربقة وثاقه، وإن كان عملا طالحا زاده ms114 الله خناقا إلى خناقه، وإنما ~~أضاف عليه الصلاة والسلام الاطلاق والايثاق للعمل، لأنه سببهما، وصلاحه ~~وفساده مؤثر فيهما. وقوله: " يوتغه " المراد به يسلمه ويهلكه، يقال: وتغ ~~الرجل يوتغ وتغا إذا هلك، وقد أوتغه غيره إذا أهلكه. ومنه قولهم: أوتغ فلان ~~دينه إذا ثلمه وأفسده، ويروى: أو يوبقه (1)، والمعنيان متقاربان (2). # 223 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كتاب كتبه لثقيف: " وإن ما ~~كان لهم من دين إلى أجل فبلغ أجله فإنه لياط مبرأ من الله "، وهذه استعارة، ~~والمراد باللياط هاهنا: الربا المضاف إلى رؤس الأموال، كأنه عليه الصلاة ~~والسلام شبهه بالشئ الملصق بالشئ والمضاف إليه، وكل شئ ألصق بشئ فقد ليط ~~به، ومنه لياط # PageV00P294 # الحوض وهو ما يلصق به بعض أحجاره إلى بعض عند بنائه أو إصلاحه من طين، أو ~~ما يقوم مقامه، يقال: قد لاط فلان حوضه: إذا رمه وأصلحه، وفي حديث لأمير ~~المؤمنين عليه السلام مع الفرزدق: إن أباه غالبا جاء به إليه صلى الله عليه ~~وآله، وهو يلوط حوضا له (1)، وفي قوله عليه الصلاة والسلام: " مبرأ من الله ~~" سر لطيف، وهو أنه لما جعل الربا ملصقا إلى أموالهم على الوجه المذموم ~~جعله مبرأ من الله سبحانه، فكان ذلك الالصاق بالأموال سببا للتبرئة من الله ~~تعالى. والمراد مبرأ من رضاء أو من دين الله أو من ثواب الله، لابد من ~~تقدير واحد من هذه المضافات، لان الله سبحانه لا يجوز أن يتصل به شئ على ~~الحقيقة، لان ذلك من صفات الأجسام المكيفة، والابعاض المؤلفة التي يجوز ~~عليها أن تتدانى فتلتصق، وأن تتناءى فتفترق، تعالى الله على ذلك علوا ~~كبيرا. وليس هذا من مواضع استقصاء الكلام عن هذا المعنى، وقد يجوز أن يكون ~~المراد باللياط هاهنا القشر، يقال: ليط (2) ولياط. قال الشاعر يصف قوسا ~~عربية: # PageV00P295 # فملك بالليط الذي تحت قشرها * كغرقئ بيض كنه القيض من عل (1) فقوله ملك: ~~أي شدد بترك قشر النبعة عليها ما تحته من عودها، فقويت بانضمام القشر ~~إليها. وذلك مأخوذ من قول القائل: ملكت العجين، ms115 أي أحكمت عجنه، وموضع الذي ~~هاهنا نصب بملك كأنه قال: فقوى بالليط عود القوس، والغرقئ: القشر الرقيق ~~الذي بين جسم البيضة وبين قشرها الاعلى، والقشر الاعلى هو القيض، والليط ~~أيضا الجلد، والجمع ألياط، والليط أيضا كون الشئ (2)، ذكر ذلك أبو عبيد في ~~الغريب المصنف، فيكون الربا المضاف إلى رؤس الأموال على هذا القول مشبها ~~بالقشر المضاف إلى العود في أن العود هو القائم بنفسه، والقشر كالتبع له ~~والمنوط به (3). # 224 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن للشيطان نشوقا ولعوقا ~~ودساما "، وهذه الكلمات الثلاث محمولة على المجاز، # PageV00P296 # لان النشوق ما استنشقه الانسان بأنفه، واللعوق ما لعقه بلسانه، والدسام ~~هاهنا الشئ الذي يجعله سدادا لاذنه، يقال منه: دسمت الشئ أدسمه دسما: إذا ~~سددته. والمراد بهذه الكلمات قريب من المراد بالحديث الذي تقدم كلامنا عليه ~~في هذا الكتاب، وهو استعاذته عليه الصلاة والسلام من همزات الشيطان ونفثه ~~ونفخه. فكأنه عليه الصلاة والسلام شبه ما يسوله الشيطان للانسان من العجب ~~بنفسه، والازراء على غيره حتى يشمخ بأنفه، وينأى بعطفه، بالنشوق الذي ينشقه ~~إياه، فيحدث له هذا الخلق الذميم، والطبع اللئيم، وقوى ذلك بذكر اللعوق، ~~فكأن الشيطان يلعقه بهذا التسويل لعوقا إذا وصل إلى جوفه أحدث له خيلاء ~~الكبر، ومدله في غلواء العجب. وشبه عليه الصلاة والسلام صرف الشيطان ~~للانسان عن مراشده، وإصمامه عن سماع قول مرشده بالدسام، وهو الصمام الذي ~~تسد به الاذن، فتحجب عن سماع الأصوات، وزواجر العظات (1)، # PageV00P297 # 225 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلم في مرضه الذي مات فيه: " أغبطت ~~على الحمى " (1) وهذه استعارة، ربما قيل: # أغمطت (2) بالميم. قال الواقدي في هذا الحديث: أصابته حمى مغمطة بالميم، ~~وقال الأصمعي: أغبطت علينا السماء إذا دام مطرها، وقال أبو عبيد: # هما لغتان بالميم والباء قد سمعناهما. وهذا كقولهم: سبد الرجل رأسه وسمده ~~إذا استأصل حلقه (3)، وأشباه ذلك كثيرة. وأغبطت الحمى بالباء أكثر في ~~كلامهم، والأصل في ذلك إلزام الرحل ظهر البعير، يقال: أغبط فلان رحله على ~~مطيته: أي أطال مكثه عليها ولزامه لها. ms116 ومن ذلك قول الراجز: (إغباطنا الميس ~~(4) على أصلابه). # وقول الآخر: # وألزمته قتبا توسطه * فقربت فهي علينا تغبطه (5) # PageV00P298 # ومنه سمى الغبيط، وهو مركب من مراكب النساء، فكأنه عليه الصلاة والسلام ~~شبه لزوم الحمى له بلزوم القتب ظهر الراحلة، لأنه إذا ألزم ظهرها عقره، ~~وأكثر دبره (1)، ويقال: قتب معقر (2): إذا عض الغارب، وأدمى المناكب (3)، ~~فكذلك الحمى إذا دام لبثها على الانسان هاضت (4) متنه، وحسرت قوته (5). # 226 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " خير الناس في آخر الزمان ~~النومة " (6) وهذا مجاز، والمراد بالنومة هاهنا: # الرجل الخامل الشأن الخفي المكان، لا الكثير النوم على الحقيقة. # ومثله الحديث الآخر: " رب ذي طمرين لا نومة له لو أقسم على الله لابر ~~قسمه " (7). لان الخاشع العابد، والمنقطع الزاهد، كثيرا # PageV00P299 # ما يكون خامل الشخص ميت الذكر لخفائه على النواظر، وانقطاعه عن المجامع، ~~ومن ذلك قولهم: نام جد (1) آل فلان، أي خمل بعد اشتهاره، وسقط بعد ارتفاعه. ~~قال الشاعر: # نامت جدودهم وأسقط نجمهم * والنجم يسقط والجدود تنام (2) 227 - ومن ذلك ~~قوله عليه الصلاة والسلام: " من خالف الجماعة فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه ~~" وهذه استعارة، والربقة: حبل يربط بين عودين، ثم تجعل فيه عرى فتربق فيه ~~السخال (3)، أي تربط فيه، ويقال في إبل الصدقة: عقال عام واحد لان الإبل ~~تعقل، وفي الغنم رباق عام واحد، لان الغنم تربق، والمراد بذلك صدقة عام من ~~الإبل أو الغنم، فشبه عليه الصلاة والسلام # PageV00P300 # ما في عنق الانسان، من لوازم الاسلام ومعاقد الايمان، بالربقة التي في ~~عنق السخل (1)، لأنها تصده إذا هم بالشرود، وتمسكه إذا جاذب إلى النزوع، ~~وكذلك الاسلام يمنع صاحبه من الارتكاس في المحظورات، والتهوك (2) في ~~الضلالات (3). # 228 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث طويل: " تؤخرون الصلاة ~~إلى شرق الموتى "، وقد قيل في ذلك أقوال كلها بعيدة عن المحجة (4)، ومع ذلك ~~فيخرج الكلام من حيز الاستعارة، غير قول واحد (5)، وهو أن يكون المراد أنهم ~~يؤخرون الصلاة إلى ألا يبقى من النهار إلا بقدر ما بقي من نفس الميت الذي ms117 ~~قد شرق (6) بريقه، وغرغر (7) ببقية نفسه، فشبه عليه الصلاة والسلام # PageV00P301 # تلك البقية بشفافة (1) الذماء التي قد قرب انقضاؤها، وحان فناؤها (2). # 229 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا ترفع عصاك عن أهلك "، وهذا ~~القول مجاز على أكثر الأقوال، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام لم يرد الضرب ~~بالعصا على الحقيقة، لان ذلك مكروه عنده، ومذموم فاعله. ألا تراه عليه ~~الصلاة والسلام يوصى أمته بأن يرفقوا بمن ملكت أيمانهم، حنوا عليهم، ورأفة ~~بهم، ونظرا إليهم، فكيف بالاحرار من الأهل والولد الذين حقهم أوجب، والحنو ~~عليهم أولى؟. وإنما المراد لا ترفع التأديب عنهم، ولا تغب التقويم لهم، ~~فكنى عن ذلك بالعصا، حملا للكلام على عرف العرب، لان المتعارف بينها أن ~~التأديب في الأكثر لا يكون إلا بقرع العصا، وقد يجوز أن يكون المراد بذلك ~~الاجتماع والائتلاف من قولهم: فلان قد شق عصا المسلمين إذا فرق جماعتهم ~~وبدد ألفتهم، ومنه قول صلة بن أشيم (3) لأبي السليل (4): إياك # PageV00P302 # وقتل العصا، يقول: إياك أن تكون قاتلا أو مقتولا في شق عصا المسلمين. # ومنه قول جرير: # فلما التقى الحيان ألقيت العصا * ومات الهوى لما أصيبت مقاتله يقول: لما ~~التقى الحيان وقع الائتلاف والدنو، وزال التمنع والنبو (1)، فكأنه عليه ~~الصلاة والسلام أراد بقوله: " لا ترفع عصاك عن أهلك "، أي احملهم أبدا على ~~الصلاح والائتلاف، وامنعهم من الفساد والخلاف. ويقال للرجل، إذا كان رقيق ~~السيرة جميل الإيالة (2): إنه للين العصا، قال معن بن أوس المزني: # عليه شريب وادع لين العصا * يساجلها جماته وتساجله (3) وقد تكلمنا على ~~نظير هذا الحديث فيما تقدم (4). # PageV00P303 # 230 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه: # " كيف تصنع في فتن تنجم من أطراف الأرض كأنها صياصي بقر " وفي هذا الكلام ~~مجاز على بعض الأقوال، وهو أن يكون المراد تشبيه الفتن الناجمة من أطراف ~~الأرض بنجوم (1) صياصي البقر وهي قرونها، وإنما سميت صياصي تشبيها لها ~~بالصياصي التي هي الحصون، فكأنها تحتمي بقرونها، كما تحتمي الرجال بحصونها، ~~فأراد عليه الصلاة والسلام أن الفتن تنجم صغارا ثم تعظم ms118 وتبدو سحيلا (2) ثم ~~تبرم كنجوم قرون البقر لأنها تبدو هنات ضئيلات، ثم تكون شككا ناكيات (3). ~~وقد يجوز أن يكون المراد بتشبيه الفتن هاهنا بقرون البقر، المبالغة في ~~وصفها بالحدة والشدة، وكثرة العديد والعدة. وقد يجوز أيضا أن يكون تشبيها ~~بقرون البقر لكثرة ما يشرع فيها من الأسنة، ألا ترى إلى قول بعض العرب: ~~الأسنة قرون الخيل، لأنها توضع منها مكان القرون من ذوات القرون، وصدم ~~الخيل (4) بعواليها، كنطح البقر بصياصيها، وليس موضع # PageV00P304 # المجاز من هذا الكلام قوله عليه الصلاة كأنها صياصي، لأنا قد ذكرنا فيما ~~تقدم أن دخول كاف التشبيه في الكلام يخرجه من باب المجاز (1)، ولكن الموضع ~~الذي يكون فيه هذا القول من حيز المجازات قوله عليه الصلاة والسلام في فتن ~~تنجم من أطراف الأرض، فجعلها بمنزلة النبات الذي يكون خافيا فيظهر، والقرون ~~الناشئة التي تكون صغارا فتكبر (2). # 231 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث يذكر فيه أشراط الساعة: ~~" فعند ذلك تقئ الأرض أفلاذ كبدها "، وهذه من الاستعارات العجيبة، لأنه ~~عليه الصلاة والسلام شبه الكنوز التي استودعتها بطون الأرض بأفلاذ الكبد، ~~وهي شعبها وقطعها، لان شعب الكبد من شرائف (3) الأعضاء الرئيسة # PageV00P305 # فكذلك الكنوز من جواهر الأرض النفيسة، ولما شبهها عليه الصلاة والسلام ~~بأفلاذ الكبد من الوجه الذي ذكرناه جعل الأرض عند إخراجها كأنها تقيأت ~~ودسعت (1) بما استودعته منها. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: " تقئ الأرض ~~أفلاذ كبدها " زيادة فائدة في المعنى المراد، وهو وصف الأرض بالمبالغة في ~~إخراج كنوزها حتى لا يخفى منها خافية، ولا يبقى باقية، وذلك كما يقول ~~القائل: قد تقيأ فلان كبده إذا أراد المبالغة في وصفه باستيعاب جميع ما في ~~جوفه (2) وذلك معروف في كلامهم، وموضوع على قاعدة العرف بينهم (3). # 232 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث: # " من قال كذا وكذا (4) غفر له ولو كان عليه طفاح (5) الأرض ذنوبا " وهذه ~~استعارة، والمراد: ولو كان عليه ملء الأرض ذنوبا، # PageV00P306 # فجعل الأرض كالإناء الذي طفح ماؤه، وبلغ الغاية امتلاؤه، وفي قوله عليه ~~الصلاة ms119 والسلام: " طفاح الأرض " زيادة معنى على قوله: ملء الأرض أو طلاع ~~الأرض لان الطلاع والملء: يفيدان بلوغ الحد في الامتلاء، والطفاح: يفيد ~~مجاوزة الحد في الامتلاء (1). وقد مضى الكلام على هذا المعنى فيما تقدم من ~~هذا الكتاب (2). # 233 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن القرآن شافع مشفع، وماحل ~~مصدق " وهذا القول المجاز، والمراد أن القرآن سبب لثواب العامل به، وعقاب ~~العادل عنه، فكأنه يشفع للأول فيشفع، ويشكو من الآخر فيصدق، والماحل هاهنا: # الشاكي (3)، ويكون أيضا بمعنى الماكر، يقال: محل فلان بفلان: # إذا مكر به: قال الشاعر: # PageV00P307 # ألا ترى أن هذا الناس قد نصحوا * لنا على طول ما غشوا وما محلوا (1) 234 ~~- ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا يكونوا مغويات لمال الله " (2) ~~وهذه استعارة، والمغواة في الأصل: زبية تحفر للسباع والذئاب، ويموه (3) ~~رأسها ليخفى قعرها، ويجعل فيها سخل (4) يستدعى به السباع والذئاب إليها، ~~فتكون مهلكة له إذا وقع فيها، فأراد عليه الصلاة والسلام بهذا القول: لا ~~يكونوا كالمهالك لمال الله بأن يأخذوها بالمكر والمخداع، وينفقوها في ~~الفسوق والضلال، فيكونوا لها كالمغويات التي تخدع ظواهرها، وتهلك بواطنها، ~~وقال رؤبة بن العجاج، يعنى الدهر: إلى مغواة الفتى بالمرصاد (5). كأنه # PageV00P308 # قال: يسوق الفتى إلى مهلكته، تشبيها بالزبية التي ذكرنا حالها، ووصفنا ~~الحيلة فيها (1). # 235 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إياكم والمغمضات من الذنوب " ~~وهذه استعارة، والمراد بالغمضات هاهنا على ما فسره الثقات من العلماء ~~الذنوب العظام يركبها الرجل وهو يعرفها، فكأنه يغمض عينيه تعاشيا عنها وهو ~~يبصرها، ويتناكرها اعتمادا وهو يعرفها، ومثل ذلك قول أبى النجم يصف ناقة: # * يرسلها التغميض إن لم ترسل * وذلك أن الناقة إذا غشيت الحوض الذي تذاد ~~عنه حملتها شدة العطش على الاقتحام عليه، فغمضت عينها، وحملت على عصى ~~الذادة (2) حتى ترده، وربما روى هذا الخبر بفتح الميم من المغمضات (3)، ~~فيكون المراد به على هذا الوجه ضد المراد به على الوجه الأول، لان المغمضات ~~بالكسر كما قلنا: الذنوب العظام، والمغمضات بالفتح: # الذنوب الصغار، وإنما سميت مغمضات لأنها ms120 تدق وتخفى، # PageV00P309 # فيركبها الانسان بضرب من الشبهة، ولا يعلم أنه عاص بفعلها، ولا معاقب من ~~أجلها (1). # 236 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وقد أتاه رجل فقال: " السلام ~~عليك يا نبي الله، فقال: وعليك ورحمة الله، ثم أتاه رجل آخر، فقال السلام ~~عليك يا نبي الله ورحمة وبركاته، فقال: # وعليك، فقيل له: يا رسول الله لم لم تقل لهذا كما قلت للذي قبل؟ # فقال: إنه تشافها " فقوله عليه الصلاة والسلام: " إنه تشافها " استعارة، ~~والمراد استفرغ جميع التحية، فلم يدع منها شيئا يزاد به على لفظه، ويرد ~~عليه جوابا عن قوله. والاولان أبقيا من تحيتهما بقية ردت عليهما، وأعيدت ~~إليها، وأصل ذلك مأخوذ من التشاف، وهو تتبع بقية الاناء والحوض حتى يستنفد ~~جميع ما فيه، وتلك البقية تسمى الشفافة. # PageV00P310 # قال الشاعر: # أخو فقرات دببت في عظامه * شفافات أعجاز الكرى فهو أخضع (1) يريد بقايا ~~الكرى وصباباته، ودليل ذلك قوله: أعجاز الكرى، أي أواخره وعقابيله (2)، ومن ~~أمثال العرب: ليس الري عن التشاف. # يقولون: ليس يروى العطشان تتبع بقية الماء حتى يستفرغ جميع ما في الاناء ~~(3). # 237 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " سيد الأيام يوم الجمعة " وهذا ~~القول مجاز، والمراد أن ليوم الجمعة شرفا ونباهة يبين بهما من سائر الأيام، ~~فيكون مقدما لها، وعاليا عليها لما يختص به من صلاة الجماعة التي ينشر ~~ذكرها، ويعظم أجرها كما يتقدم السيد على من دونه بعلو القدر، ونباهة الذكر ~~(4). # PageV00P311 # 238 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " تزوجوا الشواب فإنهن أغر (1) ~~أخلاقا " وفي هذا الكلام مجاز لان وصف الخلق بأنه أغر إنما يراد بياضه، ~~والبياض هاهنا عبارة عن الحسن، كما أن السواد في قولهم: فلان أسود الخلق ~~عبارة عن القبح، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: " فإنهن أحسن خلقا كما أن ~~الغر من الخيل أحسن خلقا (2) ". # 239 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: وقد سمع ناسا من أصحابه ~~يتذاكرون القضاء والقدر: " إنكم قد أخذتم في شعبين (3) بعيدي الغور (4) " ~~وهذا القول مجاز، لأنه عليه الصلاة والسلام شبه القضاء والقدر، ms121 وحقيقة ~~علمهما، ومعرفة كنههما، بالشعبين اللذين غورهما بعيد، واقتحامهما شديد، ~~وطالب غايتهما مجهود (5) يقول عليه الصلاة والسلام: " إن علمهما لا يدرك ~~كالماء # PageV00P312 # الغائر الذي لا يقدر عليه، ولا يهتدى إليه (1) ". # 240 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث طويل: " ثم يكون ملك عض ~~يستحل الفرج والحرير " وفي هذا الكلام مجازان: أحدهما قوله عليه الصلاة ~~والسلام: " ملك عض " والعض في الأصل هو الرجل الداهية المنكر. وربما سمى ~~أيضا بذلك الرجل السئ الخلق المتكبر؟ (2). قال حسان بن ثابت: # وصلت به ركني وخالط شيمتي * ولم أك عضا في الندامى ملوما (3) فكأنه عليه ~~الصلاة والسلام شبه الملك الذي أومأ إليه في السطوة والقسوة والطماح ~~والنزوة بذى الدهاء والنكر. أو بذى الشموخ والكبر. والمجاز الآخر قوله عليه ~~الصلاة والسلام: " يستحل الفرج والحرير "، وإنما أراد أن أهله يستحلون ذلك، ~~فحسنت إضافته إلى الملك لما كان الاستحلال واقعا في الملك، ونظائر ذلك ~~كثيرة، وقد جاء في رواية أخرى لهذا الخبر: ثم يكون: " ملك عاض "، # PageV00P313 # وهذه أيضا استعارة، وذلك كقول القائل: قد عضني الدهر: إذا أثرت فيه ~~نوائبه، واشتدت عليه مصائبه، فوصف هذا الملك بالعضاض، لتأثيره في الناس ~~بوقائع الغشم (1)، وقوارع الظلم. وقد جاء في أشعارهم من ذكر عض الزمان وعض ~~الأيام، ما هو أشهر من أن يتكلف التنبيه عليه، والايماء إليه (2). # 241 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الصوم جنة (3) ما لم يخرقها " ~~(4) وهذه استعارة وذلك أنه عليه الصلاة والسلام شبه الصوم الذي يجن صاحبه ~~من لواذع العذاب، وقوارع العقاب، إذا أخلص له النية أصلح فيه السريرة، فجعل ~~عليه الصلاة والسلام من اعتصم في صومه من الزلل، وتوقى جرائر القول والعمل، ~~كمن صان تلك الجنة وحفظها، وجعل من أتبع نفسه هواها، وأوردها رداها، كمن ~~خرق تلك الجنة وهتكها، فصارت بحيث لا تجن من جارحة، ولا تعصم من جانحة (5)، ~~وذلك من أحسن التمثيلات، # PageV00P314 # وأوقع التشبيهات (1). # 242 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن المسلم إذا توضأ ثم صلى ~~الخمس تحاتت خطاياه كما يتحات الورق " وهذه استعارة، والمراد ms122 أن الله تعالى ~~يكفر عنه خطاياه بسرعة، فتسقط عنه آصارها (2)، وتنحط أوزارها، كما تتساقط ~~الأوراق عن أغصانها إذا هزهزتها الراح (3)، أو زعزعتها الرياح (4)، ولابد ~~أن يكون في الكلام مضمر مراد جعلت الصلاة مخبرا عنه وعلما عليه، وهو اجتناب ~~الكبائر، والقيام بسائر الفرائض، فاكتفى عليه الصلاة والسلام بذكر الصلاة ~~عن ذكر جميع ذلك، لان الصلاة أفضل شعائر الاسلام، وأظهر معالم الايمان، ~~وليس لسائر الأوامر والعبادات، والفرائض الواجبات من التأكيد مالها. وذلك ~~لان من الفرائض ما أوجبه تعالى على الأغنياء دون الفقراء، ومنها ما ينوب # PageV00P315 # عنه غيره (1)، ومنها ما ينوب عن كله بعضه (2)، وجميع العبادات تختص إما ~~بالفعل، أو بالذكر. والصلاة قد جمعت أفعالا وأذكارا، من القيام والقعود ~~والركوع والسجود والقراءة والتسبيح، والثناء على الله سبحانه والصلاة على ~~الرسول وعلى آله، والاستغفار للمؤمنين، ولأنها واجبة في اليوم والليلة خمس ~~مرات على كل عاقل بالغ قادر عليها، لا يؤديها عنه غيره، ولا يسقطها عنه ~~فقره، ولا يتولاها وليه، وباقي العبادات يتعلق بزمان مخصوص، ووقت معلوم، ~~كالصوم الذي يفعل في السنة دفعة، والزكاة التي تجب في الحول مرة، والحج ~~الذي في العمر دفعة واحدة. ولهذا كانت عامة وصية النبي عليه الصلاة والسلام ~~لما حضره الموت بالصلاة. وفي حديث أنس: أنه عليه الصلاة والسلام ما زال ~~يكرر قوله: " الصلاة وما ملكت أيمانكم، حتى جعل يغرغر بها صدره وما يكاد ~~يغيض " (3) أي يبين. # وفي الأكثر أن الانسان إذا أدى الصلاة على شرائطها، وفعلها في أوقاتها، ~~وقام بجميع واجباتها، وهي التي تكرر في الليل والنهار، وتفعل على الدوام ~~والاستمرار، كان أجدر بتأدية الفروض في سائر # PageV00P316 # العبادات، والقيام ببواقي الطاعات التي هي أخف محملا، وأسهل متحملا، ~~فأراد عليه الصلاة والسلام أن من قام بهذه الواجبات التي عددناها، واجتنب ~~الكبائر التي توعد بالعقاب عليها، سقط عنه عقاب معاصيه الصغائر، كما ~~يتساقط؟؟ الورق المتناثر، ويقال: أنحت الورق وتحات: إذا انسلت من أغصانه، ~~وانحسر عن أفنانه (1). # 243 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لرجل أقبل إليه ممن يتهم في ~~دينه: " أرى ms123 عليه سفعة من الشيطان " وهذا القول مجاز، والسفعة: السواد، ~~وقيل هو السواد المشرب حمرة، فكأنه عليه الصلاة والسلام رأى بوجهه أثرا يدل ~~على نغل (2) الضمير وفساد اليقين، فنسب ذلك إلى الشيطان، لأنه مسول (3) ~~المعاصي، ومطرق (4) المغاوى، وفي الأكثر أن يقال لمن خبثت عقيدته وساءت ~~سريرته: وجه فلان مسود، يراد لعظيم كفره، وفساد سره. # PageV00P317 # وقد يجوز أن تكون السفعة هاهنا بفتح السين مأخوذة من قول القائل: سفعت ~~رأس فلان: إذا ضربه بالعصا فأثرت فيه، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: " ~~أرى عليه أثرا من الشيطان "، وقد يكون السفع أيضا بمعنى الاخذ والقبض، ومنه ~~قوله تعالى: " لنسفعا بالناصية " أي لنأخذن بها ولنقبضن عليها. فإن حمل على ~~ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " أرى عليه سفعة من الشيطان " جاز، وجميع ~~الوجوه المذكورة في هذا الكلام قريب بعضها من بعض (1). # 244 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " خير الناس منزلة رجل أخذ ~~بعنان فرسه يطلب الموت مظانه " وهذا القول مجاز، وذلك أنه عليه الصلاة ~~والسلام جعل الرجل المجاهد في سبيل الله الذي يتتبع قراع الأعداء ومواطن ~~اللقاء، كطالب الموت في معادنه، والمنقب عنه في مكامنه، وإن كان غير طالب ~~له على الحقيقة وإنما يطلب نصرة الدين، ووقم (2) المحادين، ولكن ذلك لما ~~كان في الأكثر مفضيا إلى الموت القاصي (3) والأجل الداني، كان كأنه # PageV00P318 # انتجع مظنة حتفه، ونقب عن هلاك نفسه، والمظان: الأماكن التي إذا طلب ~~الرجل وجد فيها، يقال: موضع كذا مظنة من فلان: # أي معلم منه ومكان يوجد فيه. قال الشاعر: # وإن يك عامر قد قال جهلا * فإن مظنة الجهل الشباب كأنه قال: إن الشباب ~~موضع للجهل، فيه تسرح سارحته، وفيه تنشد ضالته. وأراد عليه الصلاة والسلام: ~~يطلب الموت في مظانه. # فلما خلع الجار وصل الفعل إلى المظان فنصبها (1)، وذلك أقرب في الفصاحة، ~~وأضرب في مذاهب البلاغة (2). # 245 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " أعوذ بك من شر الجوع فإنه بئس ~~الضجيع ". وهذا القول مجاز، وإنما جعل عليه الصلاة والسلام الجوع بمنزلة ~~الضجيع، لان الانسان إذا ms124 بات طاويا كان كأنه مضاجع للجوع في مهاد، ومبايته ~~على فراش، لأنه يخلو في الليل به، وينفرد بمعاناته ومكابدته (3). # PageV00P319 # 246 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " تعس عبد الدينار والدرهم، تعس ~~عبد الحلة والخميصة (1)، إن أعطى رضى وإن منع سخط. تعس فلا انتعش (2)، وإذا ~~شيك فلا انتقش " (5)، وفي هذا الكلام مجاز. وذلك أنه عليه الصلاة والسلام ~~جعل الرجل القوى الطمع الشديد الجشع، الذي يرضى بإعطاء ما سأل، ويسخط بمنع ~~ما طلب بمنزلة العبد للدينار والدرهم، والثوب والعرض، لأنه بإعطاء هذه ~~الأشياء يسترق ويملك، ويمتهن ويستبذل. فجعله عليه الصلاة والسلام عبدا لها ~~على المجاز، وهو في الحقيقة عبد لباذلها. ومن معروف كلامهم: فلان عبد ~~الطمع، وخادم الامل، إذا كان ذليلا لمن وجه أمله إليه، وضارعا لمن علق طمعه ~~به، وقوله عليه الصلاة والسلام: " وإذا شيك فلا انتقش " من صلة الدعاء ~~عليه. يقول: وإذا دخلت في قدمه شوكة، فلا قدر على منقاش ينتقشها حتى يدوم ~~مكثها في أخمصه، فيكون ذلك أطول لألمه (4). # PageV00P320 # 247 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا حرج إلا على رجل اقترض عرض ~~أخيه بظلم " وهذه استعارة، والمراد بالاقتراض هاهنا: القدح في العرض، والحز ~~فيه والنيل منه، فهو افتعال من القرض الذي هو القطع، ومنه قول ذي الرمة: # إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف * شمالا وعن أيمانهن الفوارس (1) يقول: يقطعن ~~أوساط هذا الموضع المذكور بطي شقته؟، وتجاوز مسافته، وقولهم: أقرض فلان ~~فلانا مالا راجع إلى هذا المعنى. # والمراد أنه اقتطع له من ماله قطعة فسلمها إليه، وقوله عليه الصلاة ~~والسلام في أول الخبر: " لا حرج إلا على رجل اقترض عرض أخيه بظلم " لا يدل ~~على أن من فعل غير ذلك من الافعال التي يستحق عليها الذم، ويعظم بها الاثم. ~~لا حرج عليه في الحقيقة، ولكنه عليه الصلاة والسلام كأنه قال: " لا حرج في ~~فعل مالا إثم فيه إلا على رجل اقترض عرض أخيه " (2)، وهذا التقدير في ~~الكلام كأنه # PageV00P321 # معلوم بفحواه، ومفهوم بمعناه. وإن كان ظاهر اللفظ غير دال عليه (1). # 248 ms125 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن السقط ليجر أمه إلى الجنة ~~بسرره " وهذا القول مجاز، والمراد أن المرأة إذا أسقطت الولد عن حادث ~~أصابها، واتفق أن يكون ذلك الاسقاط سبب منيتها، كان لها بذلك أجر تستحق به ~~دخول الجنة إذا كانت سليمة من الكبائر الموبقة، والمعاصي المرهقة، فلما كان ~~ذلك السقط سببا لوصول أمه إلى دار النعيم، والبقاء المقيم، حسن أن يقول ~~عليه الصلاة والسلام: " إنه يجرها إلى الجنة بسرره " وهو الجلد الرقيق ~~المتصل منها به (2). يقال: قطع سره وسرره، والسرة: اسم لما يبقى بعد القطع ~~منه (3). # PageV00P322 # 249 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا يمنعنكم من سحوركم الفجر ~~حتى يستطير ". وفي هذا القول استعارة، والمراد حتى ينتشر ضوء الفجر، فيكون ~~كتحليق الطائر، وكالشرر المتطاير، والفجر عندهم فجران: مستطيل، ومستطير، ~~فأما المستطيل فهو الأول، ولا يحرم على الصائم الطعام والشراب. وأما ~~المستطير فهو الثاني، ويحرم الشراب والطعام، ويسمى الأول ذنب السرحان لدقة ~~خيطه وغموض سمته (1). قال الكميت بن زيد: # ولما علا شمطه (2) المضبأين * من ليلة الذنب الأشعل (3) وأطلع منه اللياح ~~(4) الشميط * خدودا كما سلت الأنصل (5) فجعله أشعل لكثرة البياض فيه. ~~والمضبأين: تثنية مضبأ، وهو المكان الذي يضبأ الانسان به: أي يلزمه ويلطأ ~~فيه. واللياح: # الأبيض، ويقال: بكسر اللام وفتحها. والشميط: الكثير البياض، # PageV00P323 # يقال: ذنب شميط إذا كان كذلك، وهو بمعنى الأشعل، والمراد هاهنا الصبح، ~~وجعل له خدودا بارزة على طريق الاستعارة كما يقال: # طرة الصبح. وحاجب الشمس، ويسمى الفجر الثاني المستطير لانتشاره ووضوحه. ~~قال الشاعر: # لهان على سراة بنى لؤي * حريق بالنويرة مستطير أراد حريقا قد انتشر ~~شراره، وعظم أواره. وفي حديث آخر: # أنه عليه الصلاة والسلام قال: " ليس الفجر المستطيل الأبيض ولكنه المعترض ~~الأحمر " (1). # 250 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في صفة أهل الموقف يوم القيامة: ~~" يبلغ العرق هناك ما يلجمهم "، وفي هذا القول مجاز، وله وجهان. # (أحدهما) أن يكون المراد أن العرق يزيد بهم يومئذ حتى يضعفوا عن الكلام ~~فلا يحيروا جوابا، ولا يبتدئوا مقالا كما ms126 يقول القائل: حاججت فلانا فألجمته ~~بالحجة: إذا أسكته بها عن مراجعته، وقطع لسانه عن مناقلته. فشبه عليه ~~الصلاة والسلام إضعاف العرق # PageV00P324 # لهم، وبلوغه إلى أن يملك عليهم نطقهم باللجم التي تملأ أفواه الخيل ~~فتمنعها من تحريك ألسنتها تمطقا (1) بالمشرب، أو تلمظا (2) بالمطعم. # (والوجه الآخر) أن يكون المراد أن العرق يكثر منهم حتى يخوضوا فيه فيبلغ ~~إلى أن يدخل أفواههم. فيكون بمكان اللجم لهم. ومن روى هذه الكلمة بالتشديد ~~فقال: ما يلجمهم، فالمراد بذلك أن العرق يبلغ الملجم من كل واحد منهم، وهو ~~ما يلي الرأس من الرقبة، وقيل له: الملجم لأنه مكان اللجام من رأس الفرس ~~كما قيل: المقلد والمسور والمخلخل والمؤزر، لموضع القلادة والسوار والمئزر ~~والخلخال (3). # 251 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لما قسم غنائم حنين فأعطى ~~المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار في كلام طويل: # " يا معشر الأنصار أوجدتم (4) في قلوبكم من لعاعة (5) من الدنيا # PageV00P325 # تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إيمانكم "، وهذه استعارة. # واللعاعة: البقل أول ما يبدو وهو ناعم رقيق، وقيل: هي بقلة ناعمة تعرف ~~بعينها (1) ذكر ذلك أبو عبيد في الغريب المصنف. ومن قول الغريب، خرجنا ~~نتلعع: أي نتتبع هذه البقلة في منابتها، ونجتنيها من مقاطعها. قال الشاعر: # رعى غير مذعور بهن وراقه * لعاع تهاداه الدعادع (2) واعد يريد بواعد ~~هاهنا: أن هذا النبات كثير يعد راعيه الشبع منه والاكتفاء به. فشيه عليه ~~الصلاة والسلام حلاوة المال المبذول، وتعلق القلوب به، وتتبع النفوس له ~~بهذه البقلة الناعمة التي تستطاب مجانيها،، ويتتبعها جانيها، ويجرى ذلك ~~مجرى قوله عليه الصلاة والسلام في الخبر الآخر لحكيم بن حزام: إن هذا المال ~~حلوة خضرة (3)، # PageV00P326 # وقد ذكرناه فيما تقدم من كتابنا هذا (1). # 252 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: تحفة المؤمن الموت "، وهذه ~~استعارة، وأصل التحف: طرف الفواكه التي يتهاداها الناس بينهم، فكأنه عليه ~~الصلاة والسلام جعل الموت الوارد على المؤمن كالتحفة المهداة إليه، لأنه ~~يسر بتعجيل مماته، كما يسر الكافر بتنفيس حياته، لان المؤمن يخرج من عقال ~~إلى مجال (2) والكافر ms127 يخرج من مجال إلى عقال (3). # 253 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن الله يغفر لعبده ما لم يقع ~~الحجاب "، وهذا القول مجاز. والمراد أن الله سبحانه يقبل توبة العبد من ~~جميع المعاصي ما دام في نفس الرجاء، وفسحة البقاء، فإذا بلغ حال انقطاع ~~التكليف، ووقوع الامر المخوف، لم تنفعه التوبة، ولم تنقذه الإنابة. فكأنه ~~قد حجب # PageV00P327 # عن طريق الاستغفار، وأخذ على حال الاصرار. وقد يجوز أن يكون المراد ~~بالحجاب هاهنا ضد المراد بالوجه الأول، وهو أن يكون وقوعه بمعنى (1) ~~انكشافه وسقوطه كما يقول القائل: وقع الستر المضروب، وسقط الفدام الممدود: ~~أي زال، وانتهك وانكشف وانفرج، والمراد بانكشاف الحجاب: أن تظهر للمرء ~~أشراط الآخرة التي لا نضام (2) التكليف، فيراها بادية بعد أن كانت خافية، ~~وظاهرة بعد أن كانت باطنة، فيكون الحجاب هناك على ضربين: حجاب مهتوك عما ~~كان خافيا من أعلام الآخرة، وحجاب مضروب دون ما كان ممكنا من أحوال التوبة ~~(3). # 254 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " المعروف والمنكر خليفتان ~~ينصبان للناس، فيقول المنكر لأهله: # PageV00P328 # إليكم إليكم (1) وما يستطيعون له إلا لزوما ". وهذا القول مجاز، والمراد ~~أن الله تعالى جعل للفعل المعروف علامات، وعلى فعل المنكر أمارات، ووعد على ~~فعل المعروف حلول دار النعيم، وأوعد على فعل المنكر خلود دار الجحيم، فكان ~~بين الامرين الحجاز البين والفرقان النير، فكأن المعروف يدعو إلى فعله لما ~~وعد عليه من الثواب، وكأن المنكر ينهى عن فعله لما وعد عليه من العقاب ~~فلذلك قال عليه الصلاة والسلام " فيقول المنكر لأهله إليكم إليكم " على ~~طريق الأنساع والمجاز، وقوله عليه الصلاة والسلام من بعد: وما يستطيعون له ~~إلا لزوما، المراد به أنهم مع قوارع النذر، وصوادع الغير، وزواجر التحذير، ~~وبوالغ الوعيد، يتنازعون إلى فعله، ويتسارعون إلى ورده، وليس المراد أنهم ~~لا يستطيعون له إلا لزوما على الحقيقة، وإنما قيل ذلك على طريق المبالغة في ~~صفتهم بالنزوع إليه والاصرار عليه كما يقول القائل: ما أستطيع النظر إلى ~~فلان أو لا أستطيع الاجتماع مع فلان: إذا أراد ms128 المبالغة في نفسه بشدة ~~الابغاض لذلك الانسان، والاستثقال لرؤيته، والنفور من مقاعدته، وإن كان على ~~الحقيقة مستطيعا لذلك بصحة أدواته (2)، والتمكن # PageV00P329 # من تصريف إرادته (1)، ولو لم يكن هؤلاء المذكورون في الخبر قادرين على ~~الانفصال من فعل المنكر لما كانوا على مواقعته مذمومين، وبجريرته مطالبين ~~(2)، وذلك أوضح من أن نستقصي الكلام فيه، ونستكثر من الحجاج عليه (3). # 255 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " أمرت (4) بقرية تأكل القرى ~~تنفى الخبث (5) كما ينفى الكير خبث الحديد " يريد عليه الصلاة والسلام ~~الهجرة إلى المدينة، فقوله: # " أمرت بقرية تأكل القرى " مجاز، والمراد أن أهلها يقهرون أهل # PageV00P330 # القرى فيملكون بلادهم، ويغتنمون أموالهم، فكأنهم لهذه الأحوال يأكلونهم، ~~وخرج هذا القول على طريقة للعرب معروفة، لأنهم يقولون: أكل فلان جاره إذا ~~عدا عليه، فانتهك حرمته، واصطفى حريته، وعلى ذلك قول علقمة بن عقيل بن علفة ~~لأبيه في أبيات: # أكلت بنيك أكل الضب حتى * وجدت مرارة الكلأ الوبيل ومن ذلك قوله عليه ~~الصلاة والسلام في غزوة الحديبية: # " ويح قريش لقد أكلتهم الحرب " يريد أنها قد أفنت رجالهم، وانتهبت ~~أموالهم، فكانت من هذا الوجه كأنها آكلة لهم. قال ذلك عليه الصلاة والسلام ~~في حديث طويل، والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام: " تنفى الخبث كما ينفى ~~الكير خبث الحديد " أن أهلها يتمحصون فينتفى عنها الأشرار، ويبقى فيها ~~الأخيار، ويقارقها الاخلاط والأوشاب (1)، ولا يصبر عليها إلا الصميم ~~واللباب، فتكون بمنزلة الكير الذي ينفى الأخباث والأدران، ويخلص المصاص (2) ~~والنضار. وهذا أيضا مجاز ثان. وقد ورد هذا الخبر بلفظ آخر ذكره عمر بن عبد ~~العزيز، قال: سمعنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " المدينة ~~تنفى خبث الرجال كما ينفى # PageV00P331 # الكير خبث الحديد " والمعنى في اللفظين واحد (1). # 256 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الرحم لها حجنة كحجنة المغزل ~~" وهذه استعارة، والحجنة: هي الحديدة المعقفة (2) في رأس المغزل، ومنه ~~المحجن وهي العصا المعوجة الرأس. # فأراد عليه الصلاة والسلام أن الرحم لها علائق يعتلق بها، وشوابك تجتذب ~~بوصلها، فكأنها تستعطف المعرض عنها وترد الشارد ms129 إليها كما يجتذب الانسان ~~الشئ بالمحجن إلى جهته، أو يستثنى (3) به الذاهب عن وجهته (4). # PageV00P332 # 257 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من قتل تحت راية عمية (1) ~~تغضب لغضبه وتقاتل لعصبته (2) فقتلته جاهلية (3) ". وفي رواية أخرى: " يغضب ~~غضبته ويقاتل عصبته ". فقوله عليه الصلاة والسلام " تحت راية عمية "، مجاز ~~لأنه جعل الراية عمية، والمراد الحرب التي رفعت تلك الراية فيها، وإنما حسن ~~وصفها بالعمى وهو في الحقيقة للحرب، لان الراية علم لها، ودليل عليها، ~~والحرب العمية هي المشتبهة التي لا يهتدى فيها إلى القصد، ولا يتبين فيها ~~وجه الرشد، فهي كالعمياء التائهة، والعشواء الخابطة، ومن ذلك قولهم: نحن في ~~عمياء، إذا كانوا في أمر مختلط، أو على رأى مشتبه، وربما روى لفظ الخبر على ~~الإضافة، وذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " تحت راية عمية " كأنه قال: # تحت راية حرب عمية، والمعنيان متقاربان (4). # PageV00P333 # 258 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من أراد أهل المدينة يكيدهم ~~اماع (1) كما يماع الملح في الماء ". وهذه استعارة، والمراد أنه يمحق كيده ~~ويضمحل أمره، فيكون كالهباء المتلاشي والبناء المتداعي، فلا يثبت له عماد، ~~ولا يد عمه سناد. فعبر عليه الصلاة والسلام عن هذه الحال بالأمياع، لأنه لا ~~يماع إلا الجسم المتخلخل الذي لم تستحصف جبلته (2)، ولا استحجرت طينته (3)، ~~وتوصف أيضا الأجسام الرقيقة بمثل ذلك، فيقال ماع الماء إذا جرى على وجه ~~الأرض، وكذلك الدم، وأماع السمن: إذا ذاب، وكذلك الرب (4) ويفرق بينهما بأن ~~يقال للجسم الذي لا يتماسك إذا خلى عنه ماع كالماء والدم. ويقال للجسم الذي ~~إذا أطلق عنه تماسك بعض التماسك أماع كالسمن والرب قال الشاعر: # كأنه ذو لبد دلهمس * بساعديه جسد مورس (5) * من الدماء مائع وملبس * # PageV00P334 # والجسد هاهنا اسم من أسماء الدم (1). # 259 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لسلمان الفارسي رحمة الله ~~عليه: سلمان ابن الاسلام، سلمان جلدة بين عيني ". وفي هذا الكلام مجازان: ~~أحدهما قوله عليه الصلاة والسلام " سلمان ابن الاسلام " ولهذا القول وجهان: # (أحدهما) أن يكون المراد به أن سلمان يتعرف بالاسلام كما ms130 يتعرف الناس ~~بآبائهم، وينتمون إلى أجدادهم، لأنه كان عبدا غير معروف الأب ولا مشهور ~~النسب، وإنما بالاسلام سمى وإليه انتمى. # (والوجه الآخر) أن يكون المراد أن الاسلام دعم ظهره وشد أزره، فقام له ~~مقام الحاضن الكافل، والأب العائل، والمجاز الآخر قوله عليه الصلاة ~~والسلام: " سلمان جلدة بين عيني " وجلدة بين العينين هاهنا كناية عن الانف، ~~فكأنه عليه الصلاة السلام جعله في العزة والقرب منه كالأنف الكريم على ~~صاحبه والعزيز على مفارقه، وهذا القول أصح معنى من قول الشاعر: # PageV00P335 # * وجلدة بين العين والأنف سالم * لأنه لا جلدة بين العين والأنف مذكورة ~~يقصد قصدها، ويشار نحوها، كما قلنا في جلدة بين العينين إنها الانف الكريم ~~موقعه، والمشهور موضعه (1). # 260 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " معترك المنايا بين الستين ~~والسبعين " وهذا القول مجاز، والمعترك موضع الحرب وسمى معتركا كالالتفاف ~~الرجال، واعتراك الابطال. وقد قال عليه الصلاة والسلام في خبر آخر: أعمار ~~أمتي بين الستين والسبعين، وقال صلى الله عليه وآله: لا خير لمؤمن في عمر ~~يتجاوز عمرى، فكأنه عليه الصلاة والسلام شبه هذا العمر لكثرة الذاهبين فيه، ~~وقلة المجاوزين له بمعترك المنايا تكافح فيه الأرواح، وتصطلم (2) الآجال ~~فلا يفلت من ذلك المقام إلا من أشذه حائلها (3)، وتخطاه نائلها (4). # PageV00P336 # 261 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تسبوا الإبل فإنها رقوء ~~(1) الدم ". وهذا القول مجاز، لان الإبل على الحقيقة ليست برقوء الدم، ~~وإنما المراد أنها إذا أعطيت في الديات كانت سببا لانقطاع الدماء المطلولة ~~(2) والثارات المطلوبة. فشبه عليه الصلاة والسلام تلك الحال بالعرق (3) ~~العاند، والدم السائل الذي إذا ترك لج واستشرى، وإذا عولج انقطع ورقأ، وعلى ~~هذا المعنى قول الكميت بن زيد. # ولكني رقوء دم وراق * لادوء الضغائن والذخول (4) ويروى هذا الخبر على لفظ ~~آخر، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: # فإن فيها رقوء الدم (5). # PageV00P337 # 262 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: إن ذا الوجهين (1) لخليق ألا ~~يكون عند الله وجيها (2) "، وهذا القول مجاز لأنه عليه الصلاة والسلام لم ~~يرد تثنية الوجه الذي هو ms131 العضو المخصوص على الحقيقة، لان استحالة ذلك في ~~الانسان معلوم ضرورة، وإنما أراد ذم المنافق الذي ظاهره يخالف باطنه، ~~وحاضره يضاد غائبه، فكأنه يلقى أخاه في مشهده بصفحة المودة، ويتناوله في ~~مغيبه بلسان الذم والعصبية، فشبه عليه الصلاة والسلام هاتين الحالتين ~~لاختلافهما بالوجهين المختلفين لتباين ما بينهما (3). # 263 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الايمان يمان (4) والحكمة ~~يمانية " وهذا قدر ما أورده أبو عبيد في كتابه # PageV00P338 # من هذا الخبر، وقد ذكر غيره زيادة كثيرة، وهي قوله عليه الصلاة والسلام ~~بعد الكلام المتقدم " رحا الاسلام دائرة في قحطان، حمير رؤوس العرب ~~وبهاؤها، والأسد (1) كاهلها وجمجمتها (2)، ومذحج هامتها (3) وغلصمتها (4) ~~". في حديث طويل، وفي هذا الحديث عدة مجازات: أحدها قوله عليه الصلاة ~~والسلام: الايمان يمان والحكمة يمانية، والمراد أهل الايمان وأهل الحكمة ~~يمانون، وأمثال ذلك في الكلام معروف كثير. ويدخل في هذا الوصف أهل مكة وأهل ~~المدينة. فأما مكة فهي جهة من جهات اليمن ومفضى (5) إلى ذلك الشق والسمت. ~~وأما المدينة فمعظم أهلها الأنصار وهم من أهل اليمن بالأصل وإن كانوا من ~~أهل الحجاز بالدار، وقد قيل إنه عليه الصلاة والسلام قال هذا الكلام بتبوك ~~وهي من أرض الشأم، وكانت مكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ~~جهة اليمن، وهو يريد مكة والمدينة. والمجاز الآخر: قوله عليه الصلاة ~~والسلام: رحا الاسلام دائرة في قحطان. والمراد أن أمر الاسلام يدور عليها ~~كما تدور الرحا على قطبها، وقد مضى في صدر # PageV00P339 # هذا الكتاب من الكلام على رحا الاسلام ما فيه كفاية، والمجاز الآخر: قوله ~~عليه الصلاة والسلام: حمير رؤوس العرب وبهاؤها، والأسد كاهلها وجمجمتها، ~~ومذحج هامتها وغلصمتها. والمراد أن حمير في التقدم كالرؤوس الأعاظم، والأسد ~~في الاشتداد والاجتماع كالكواهل والجماجم، ومذحج في السمو والدنو كالهامات. ~~والغلاصم (1). # PageV00P340 # بسم الله الرحمن الرحيم 264 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " ينادى ~~مناد يوم القيامة لتلحقن كل أمة بما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد صنما ~~إلا ذهب حتى يقع في النار ويبقى غبرات (1) أهل النار " فقوله ms132 عليه الصلاة ~~والسلام: غبرات أهل النار استعارة، والمراد عقابيلهم وبقاياهم، وذلك مأخوذ ~~من غبر اللبن وغبره بالتشديد والتخفيف، وهو بقيته في الخلف والضرع، وغبر ~~الليل: آخره، مأخوذ من ذلك. قال الطرماح بن حكيم في الغبر مثقلا. # فيا صبح كمش (2) غبر الليل مصعدا * بتم؟ (3) ونبه ذا العفاء (4) الموشح ~~يريد الديك. وقال آخر في الغبر مخففا. # متفلق أنساؤها عن قانئ * كالقرظ صاف غبره لا يرضع (5) # PageV00P341 # قال الأخفش: هو بالتخفيف لا غير، وأنشد هذا البيت شاهدا على قوله (1). # 265 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الرؤيا على الرجل طائر ما لم ~~تعبر، فإذا عبرت وقعت فلا تحدثن بها إلا حبيبا أو لبيبا " روى هذا الخبر عن ~~النبي صلى الله عليه وآله أبو رزين العقيلي، وهو لقيط بن عامر بن المنتفق، ~~وفي هذا الكلام مجاز. والمراد بالطائر هاهنا الامر الذي يتطير به، ومنه ~~قوله تعالى: " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " يريد ما يتطير منه، ويخاف ~~وقوعه به من جزاء أعماله السيئة وأوزاره المئقلة، وذلك مأخوذ من زجر الطير ~~على مذاهب العرب، وكانوا يتيمنون بأيامنها (2) ويتشاءمون بأشائمها (3)، ~~وعلى ذلك قول الشاعر: # ولقد غدوت وكنت لا * أغدو على واق وحاتم فإذا الأشائم كالأيامن * ~~والأيامن كالأشائم والواق: بكسر القاف الصرد، كأنهم سموه بحكاية صوته. # PageV00P342 # قال الشاعر: # ولست بهياب إذا شد رحله * يقول عداني اليوم واق وحاتم والحاتم: الغراب، ~~فكأنه عليه الصلاة والسلام جعل رؤيا الانسان التي يتروع لها ويخاف ضررها، ~~بمنزلة الشئ الذي يتطير به وقد يجوز أن يكون ويجوز ألا يكون، فإذا عبرها ~~فعبرت له على ما يكره وقع متوقعها، وخلص للشر مجوزها (1). ويشبه ذلك ما حكى ~~عن بعض المتقدمين أنه قال: علم النجوم فأل فلكى، كأنه يشير إلى أن يتفاءل ~~بالسعود (2) تعرضا لها، ويتطير بالنحوس تباعدا منها. وجميع ذلك ما يجوز أن ~~يقع، ويجوز ألا يقع، ولما جعل عليه الصلاة والسلام الرؤيا بمنزلة الطائر ~~المتطير به جعل تعبيرها على الامر المكروه بمنزلة وقوع الطائر موافقة بين ~~أنحاء الكلام حتى تقع مواقعها، وتطبق مفاصلها، وقوله ms133 عليه الصلاة والسلام ~~من بعد: فلا تحدثن بها إلا حبيبا أو لبيبا، يريد به النهى عن قصتها إلا على ~~محب ناصح، أو لبيب راجح، لان المحب للانسان يتعمد حمل أموره على أجملها، ~~ويتوخى مسرته بتحسين ما يحسن منها. وبخلاف ذلك يكون المبغض المباعد، ~~والكاشح الموارب (3). وأما اللبيب وهو # PageV00P343 # العاقل فهو يعبرها على الوجه الصحيح الذي لا يوطئ فيه عشوة (1)، ولا يطلب ~~مضرة. وبخلاف ذلك يكون الاخرق الجاهل، والغبي الغافل (2). # 266 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام. " إن الشيطان ذئب الانسان كذئب ~~الغنم يأخذ القاصية والشاذة ". # وفي رواية أخرى، " فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعمامة " (3). وهذه ~~من أحسن الاستعارات. وذلك أنه جعل الشيطان للانسان بمنزلة الذئب للشاة يأخذ ~~البعيدة المتفردة، ويختلس الشاذة الشاردة، ويكون لجماعتها أهيب ولفرادها ~~(4) أقرب. وكذلك الشيطان يقوى طمعه في الفذ الفريد، والشارد الوحيد، ~~فيستهويه بهواجسه، ويجعله غرضا رجيما (5) لوساوسه، ويكونه في جماعة الناس ~~أضعف طمعا، وبهم أقل تولعا. وفي هذا الكلام حث للناس # PageV00P344 # على لزوم؟ الجماعة في طاعة السلطان العادل والإمام الفاضل، ويجوز أيضا أن ~~يكون فيه حث لهم على لزوم الدين القويم والصراط المستقيم وترك الانفراد ~~بالمذاهب، وسلوك الولائج (1) والعوادل (2). # 267 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لينقضن الاسلام عروة عروة كما ~~ينقض الحبل قوة قوة " (3) هذه رواية فيروز الديلمي (4). وفي رواية أبى ~~أمامة الباهلي: عرى الاسلام عروة عروة (5)، فكلما انتقضت عروة كان تشبث ~~الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم (6)، وآخرهن لتنقضن الصلاة، وهذه ~~استعارة. # PageV00P345 # والمراد لتتركن العمل بشرائع الاسلام التي أحكم عقدها، ووكد العمل بها ~~حتى تكاد تنمحي مراسمها، وتعفو معالمها، فيكون الاسلام كالحبل المنتقض من ~~أطرافه، والمنتكث بعد استحصافه. والقوى: # الطاقات التي يفتل منها الخيط! والواحدة قوة، وجعل عليه الصلاة والسلام ~~شرائع الاسلام كالعرى له من حيث كانت ربقا (1) للرقاب، وكان التعلق بها ~~أمانا من العذاب، ونظير هذا الخبر الخبر الآخر الذي رواه البراء بن عازب ~~عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: أي عرى الاسلام أوثق؟ فعدد الحاضرون شيئا ~~شيئا من شرائع الدين، فقال عليه ms134 الصلاة والسلام. أوثق عرى الاسلام أن يحب ~~في الله ويبغض في الله (2). # 268 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " ما من آدمي إلا وقلبه بين ~~إصبعين من أصابع الله ". وهذا النوع من جملة الاخبار التي توهم التجسيم ~~وتقتضي التشبيه، قد ذكرناها في # PageV00P346 # أول كتابنا هذا أنا نغفل الكلام عليها لان جماعة من علماء الشريعة واللغة ~~قد سبقونا إلى استقصاء القول فيها، وإنما نذكر منها ماله دخول في باب ~~الاستعارة بجهة من الجهات، إلا أنا نتكلم على هذا الخبر هاهنا لضرب من ~~الاستظهار، فنقول: إن كان نقله صحيحا فله وجه في كلام العرب يسوغ حمله عليه ~~ورده إليه مما يوافق صفات الله سبحانه الذي لا يشبه الخلق التي خلقها، ~~والبرايا التي براها، وصورها وهو: أن الإصبع في كلام العرب اسم للأثر الحسن ~~التي تظهر سمته وتشهر علامته، يقال لفلان في ماله إصبع حسنة أي قيام محمود ~~وأثر جميل. وعلى ذلك قوله الراعي (1) يصف راعيا لابله. # ضعيف العصا بادي العروق ترى له * عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا أي ترى ~~له عليها أثرا حسنا، وقد قيل أيضا: إن المراد بذلك إشارة الناس إليها ~~بالأصابع لحسنها وشارتها. وقوله: ضعيف العصا، يريد أنه لا يكثر ضربها، ولا ~~يعتنف بها، وذلك أجدر بأن تشحم أبدانها، وتغزر ألبانها، ومثل هذا قول ~~الشاعر الآخر، وقد تقدم ذكره: # عليها شريب وادع لين العصا * يساجلها جماته وتساجله وأنشد الخليل بن أحمد ~~في كتاب العين لبعض العرب: # أغر كضوء البدر في كل منكب * من الناس نعمى يحتذيها وإصبع # PageV00P347 # يحتذيها هاهنا: يعطيها، كأنه يفتعلها من الحذى (1)، كما تقول يصطنعها، ~~والمنكب عندهم: اسم لكل اثنتي عشرة عرافة (2)، ويسمى الرجل الذي يلي ذلك ~~منكبا (3)، وهو من يدبر هذه العدة من العرفاء، وقال شاعر آخر في معنى ~~الإصبع أيضا: # من يجعل الله عليه إصبعا * للخير والشر يصادفه معا أي من يجعل الله عليه ~~أثرا يستدل به على أنه من أهل الخير: # أو من أهل الشر يصادف الجزاء على كلا الفعلين من ثواب أو عقاب ms135 ونعيم أو ~~عذاب، وذلك الأثر الذي يجعله الله عليه هو استحقاق الحمد من الناس إن كان ~~محسنا، أو استحقاق الذم منهم إن كان مسيئا. # فإذا تمهدت (4) الذي قررناه كان معنى لفظ الخبر: مامن آدمي إلا وقلبه من ~~الله سبحانه بين نعمتين حسنتين: إحداهما مامن به عليه من معرفة خالقه ~~ورازقه، والأخرى الغبطة بما أنعم به عليه من # PageV00P348 # تحسين خلقه وتوسيع رزقه، وذلك يوجب عليه الخروج إليه تعالى من حق الشكر ~~على مننه، وإحسان الجوار لنعمه، وقد عبر بعضهم عن هذا المعنى بعبارة أخرى ~~قال: للمراد بذلك تقلب القلوب بين حسن آثار الله عليها، وهذا القول مجمل، ~~والقول الذي ذكرناه من قبل مفصل. # فأما ما تذهب إليه المشبهة من أن الإصبع هاهنا على حقيقتها، وأن لله ~~سبحانه أصابع ويدا وساقا وقدما إلى غير ذلك، فهو من الجهالات التي تدفعها ~~العقول بأوائلها، وتقضى بفسادها قبل إعمال النظر فيها، وكيف يصح هذا القول ~~لهم، ويقوم في عقولهم مع اعتقادهم أن الله سبحانه مستو على العرش كاستواء ~~القاعد في مقعده، والمتمهد على مهاده، وأن بينه وبين المخلوقين من بني آدم ~~سبع سماوات، وما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وسمك (1) كل سماء ~~مثل ذلك، فيكف يسوغ أن تكون أصابعه (تعالى عن ذلك علوا كبيرا) واصلة إلى ~~قلوب خلقه مع هذا البعد العظيم، والمدى الطويل؟ ولو كان ذلك على حقيقته ~~لوجب أن يكون له من الأصابع مالا نهاية له حتى يختص قلب كل عبد من عبيده ~~بإصبعين من أصابع يده. هذا لعمر الله القول المتفاسد، والظن المتكاذب، ~~وبمثل هذا الجواب نجيب من سأل عن قوله تعالى: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا ~~هو # PageV00P349 # رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم " الآية. فنقول: أراد سبحانه أنه معهم ~~بالعلم والإحاطة لا بالدنو والمقاربة، لان الامر لو كان على ذلك لكان ~~المعنى مستحيلا، وذلك أنه تعالى لا يجوز أن يكون مع كل ثلاثة، ولا مع كل ~~خمسة في حال واحدة على الحقيقة، لان الجسم لا يصح أن يكون ms136 في مكانين في حال ~~واحدة، تعالى الله عن تنقل الأمكنة وتقلب الأزمنة علوا كبيرا. # ومما يبين كذب قولهم، وفساد تأويلهم، ما رواه أبو معاوية الضرير وغيره عن ~~الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: " أتى النبي عليه ~~الصلاة والسلام رجل من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم أبلغك أن الله يحمل ~~السماوات على إصبع، والأرض على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع، ~~والخلائق على إصبع؟ فضحك صلى الله عليه وآله من قوله، وأنزل الله سبحانه ~~عقيب ذلك - وما قدروا الله حق قدره " - الآية. # وقد روى أيضا في حديث عبد الله بن عباس: أن من زعم أن الله خنصرا وبنصرا ~~فقد أشرك بالله سبحانه، ومجال كتابنا هذا أضيق من أن نسير في أقطار الكلام ~~على هذا الخبر أكثر من هذا المسير، وقد استقصينا ذلك في كتاب حقائق التأويل ~~(1). # PageV00P350 # 269 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " يهرم ابن آدم ويشب منه ~~اثنتان. الحرص على الحياة، والحرص على المال " وفي رواية أخرى: " الحرص ~~والأمل ". وهذه استعارة، كأنه عليه الصلاة والسلام جعل زيادة هاتين الخلتين ~~(1) في الانسان مع نقصان عمره، وتدانى أجله، بمنزلة الشباب المقبل، والعمر ~~المستقبل، فكلما ازدادت حوامل جسمه ضعفا وانتقاضا، زادت جواذب أمله قوة ~~واستحصافا، فيكون أضعف ما كان بدنا وشخصا، أقوى ما يكون أملا وحرصا. وروى ~~هذا الخبر أبو هريرة على خلاف هذه الرواية قال: قال عليه الصلاة والسلام: # " قلب الكبير شاب على حب اثنتين: حب الحياة وحب المال (2) ". # PageV00P351 # 270 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من سره أن يقرأ القرآن غضا ~~كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد " وهذه استعارة، والغض في كلامهم ~~صفة للثمر، أو النبت الذي لم يطل مكثه؟؟ بعد مجتناه، فيؤثر فيه الزمان، ~~ويدخله التغيير والفساد. # ويقولون: غض وغضيض بمعنى واحد، والغضيض أيضا عندهم اسم من أسماء الطلع، ~~فأراد عليه الصلاة والسلام أن من يأخذ القرآن عن ابن أم عبد، وهو عبد الله ~~بن مسعود رحمة الله عليه، أو يسلك ms137 في القراءة نهجه، ويطلع فجه (1) فقد أخذه ~~سليما من الفساد والتغيير، وبريئا من التحريف والتبديل، فهو كالنبات الغض ~~لم يطل عهد جانيه، ولا دب الفساد فيه (2). وقد روى هذا الخبر على وجه آخر، ~~وهو قوله عليه الصلاة والسلام: من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل. ~~والمعنى في الروايتين واحد، وروى أبو هريرة: من أحب أن يقرأ القرآن غريضا ~~كما أنزل، والغريض: الطري، وهو أيضا في معنى الروايتين الأوليين (3). # PageV00P352 # 271 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه: # " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليلحينكم الله كما لحيت عصاي هذه ~~" لعود في يده. وفي هذا الكلام موضع استعارة، وهو قوله عليه الصلاة ~~والسلام: ليلحينكم الله، والمراد ليتنقصنكم الله في النفوس والأموال، ~~وليصيبنكم بالمصائب العظام فتكونون كالأغصان التي جردت من أوراقها، وعريت ~~من ألحيتها (1) وألياطها فصارت قضبانا مجردة وعيدانا مفردة، وهم يقولون لمن ~~جلف (2) الزمان ماله، أو سلبه أولاده وأعضاده (3)، قد لحاه الدهر لحى ~~العصا، لان ما كان ينضم إليه من ولدته (4) وحفدته، ويسبغ عليه من جلابيب ~~نعمته، بمنزلة اللحاء للقضيب، والورق للغصن الرطيب، فإذا أخرج عن ذلك أجمع، ~~كان كالعود العاري، # PageV00P353 # والقضيب الذاوي (1). # 272 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن من أربى الربا استطالة ~~المرء في عرض أخيه المسلم " وهذه استعارة، لأنه عليه الصلاة والسلام شبه ~~تناول الانسان من عرض غيره بالذم والوقيعة، والطعن والعضيهة (2) أكثر مما ~~تناوله منه ذلك الذي قدح في عرضه وأغرق في ذمه، بالربا في الأموال، وهو أن ~~يعطى الانسان القليل ليجر الكثير، فإنه يستربي المال بذلك الفعل: أي يطلب ~~نماءه وزيادته، وأصل الربا عندهم مأخوذ من الزيادة، يقولون ربا الشئ في ~~الماء إذا زاد وانتفخ، ومنه الرباوة والربوة، وهي ما علا من الأرض وارتفع، ~~ومن ذلك قوله تعالى: " وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ~~وربت " أي رطب ثراها وبل، وكثر نبتها واتصل (3). # PageV00P354 # 273 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " في صفة الخوارج والخبر طويل: ~~يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا يجاوز ms138 حناجرهم "، وهذا القول ~~مجاز. والمراد أنهم لا يعملون بأحكام القرآن وفرائضه، ولا يأتمرون بأوامره ~~ولا ينزجرون بزواجره وكأنهم ليس لهم منه إلا الصوت الخارج من حناجرهم. يقول ~~عليه الصلاة والسلام لا يعرف القرآن عندهم إلا بهذه (1) وتلاوته، دون العمل ~~بأحكامه وواجباته. وقد روى أيضا لا يجاوز تراقيهم (2)، والمعنى واحد (3). # 274 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لمخاطبين من أهله سألاه في ~~حديث طويل: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تنطوى بطونهم لا أجد ما أنفق ~~عليهم ". وفي هذا القول مجاز، وأهل الصفة هم فقراء المهاجرين، فكأنه عليه ~~الصلاة والسلام # PageV00P355 # شبه بطونهم من الخمص (1) والهضم (2)، لقلة الزاد والمطعم، بالأوعية ~~الفارغة التي تنطوى لفراغها، وتنضم لخلو أجوافها. وقد يجوز أيضا أن يكون ~~إنما شبهها بالبرود المثنية (3)، والخماص (4) المطوية، لانضمام بعضها على ~~بعض من خلو الأحشاء، وبعد العهد بالغذاء. وقد يجوز أيضا أن يكون تنطوى ~~بطونهم هاهنا تنفعل من الطوى وهو الجوع، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: ~~تتجوع بطونهم. وهذا القول يخرج الكلام من حيز الاستعارة ويدخله في باب ~~الحقيقة (5). # 275 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الايمان قيد الفتك (6) " وهذه ~~استعارة. والمراد بذلك أن الانسان المؤمن يمتنع لأجل إيمانه أن يسفك الدم ~~الحرام طاعة لأمر الحمية، وركوبا # PageV00P356 # لسنن الجاهلية، فكأن إيمانه قد فتكه فتماسكه، وضبط تهالكه (1). # ومثل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لخوات بن جبير الأنصاري وكان خليعا ~~(2) قبل إسلامه: " ما فعل شراد (3) بعيرك يا خوات؟ " فقال: قيده الاسلام يا ~~رسول الله. إلا ترى كيف شبهه عليه الصلاة والسلام في ريعان خلاعته، وعنفوان ~~نزاقته، بالبعير الشارد الذي قد فارق مراحه (4)، أو تبع ارتياحه. وكيف أجاب ~~هذا الانسان عن كلام النبي عليه الصلاة والسلام بما هو من جنسه، وماض على ~~نهجه فقال: # قيده الاسلام، لأنه عليه الصلاة والسلام لما جعله بمنزلة البعير الشارد، ~~جعل هو مارده (5) عن ذلك الشراد، وعكسه عن تلك الحال بمنزلة القيد والعقال. ~~وهذا القول من النبي صلى الله عليه وآله أيضا داخل في باب المجاز (6). # PageV00P357 # ومن ذلك قوله عليه ms139 الصلاة والسلام: " الصبر عند الصدمة الأولى ". وفي ~~رواية أخرى: " الاجر عند الصدمة الأولى ". # وهذا القول مجاز، المراد بالصدمة أول ما يطرق الانسان من النوائب، ويبدهه ~~(1) من المصائب، فشبه ذلك عليه الصلاة والسلام في شدة وقعته وعظيم روعته، ~~بصدمة الجسم الشديد، أو صكة الحجر الثقيل في أنه يوهن ويحطم ويرمض (2) ~~ويؤلم. فإذا صبر الانسان لتلك الوقعة، وتماسك تحت تلك الروعة، وسلم للأقضية ~~النازلة والاقدار الغالبة، ولم ينفذ في جواذب الجزع ويركض في مضمار القلق ~~أعطى الاجر برمته (3)، وقيد إليه بأزمته، لان ما يطرق الانسان وهو ذاهل، ~~ويفجؤه وهو غافل، أعظم نكاية لقلبه وإيجاعا لنفسه مما يطرق وقد أخذ له ~~أهبته، وأعد له عدته (4). # 277 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " والذي نفسي بيده لا يسلم عبد ~~حتى يسلم قلبه ولسانه ". في حديث # PageV00P358 # طويل، وهذه استعارة، والمراد بإسلام قلبه سلامته من الاخبات (4)، وبإسلام ~~لسانه تسلمه من الأرفاث (3)، فلا يعتقد قلبه شرا ولا يقول لسانه هجرا، ~~والدليل على إرادته عليه الصلاة والسلام هذا المعنى قوله في تمام الكلام: ~~ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه، وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: " ~~المسلم من سلم الناس من لسانه ويده "، وكأنه عليه الصلاة والسلام جعل تمام ~~إسلام العبد: أن يكف قلبه عن اعتقاد المقبحات، ويده عن فعل المحظورات، ~~ولسانه عن قول المقذعات (2). # 278 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن الله # PageV00P359 # سبحانه لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع " (1) وهذا القول ~~مجاز، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام شبه ما حرمه الله تعالى من محارمه، ~~ونهى عباده عن تقحمه (2) بالحمى الذي يحمى رعيه (3) ويمنع رعيه، وشبه عليه ~~الصلاة والسلام المتعرض لحرمة من تلك الحرمات بمن هجم في الحمى مقدما، ~~واطلع فجأة متقحما. وقد مضى الكلام على نظير هذا الخبر فيما تقدم من كتابنا ~~هذا (4). # 279 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلام طويل ذكر فيه بني ~~إسرائيل: " نهاهم علماؤهم عن المعاصي فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم، ~~وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ms140 ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ~~بن مريم " فقوله عليه الصلاة والسلام: فضرب الله قلوب بعضهم ببعض كأنه ~~تعالى خلطها بأن شهد على جميعها بالضلال، ولم يميز بين قلوب العلماء ~~والجهال إذ كان الضلال شاملا لهم والغواية ضاربة بسياجها عليهم، # PageV00P360 # ومن ذلك قوله: القائل ضربت بعض بنى فلان ببعض إذا ألقى بينهم حربا ~~يختلطون فيها، أو عداوة يتناوشون عليها، ونظير ذلك الخبر مروى عنه عليه ~~الصلاة والسلام وهو قوله: أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض: أي ~~أن تجعلوا حرامه حلالا، وحلاله حراما، فكأنكم قد خلطتموه، فجعلتم أعلاه ~~أسفله، ومفهومه مبهومه (1). # 280 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الأيدي ثلاث: فيد الله ~~العليا، ويد المعطى بلغ قبالا (2) الوسطى، ويد السائل السفلى ". وقد مضى ~~هذا الخبر فيما تقدم إلا أن فيه هاهنا زيادة لأجلها أعدنا الكلام عليه، وهي ~~قوله عليه الصلاة والسلام فيد الله العليا. وهذا القول مجاز، ويد الله ~~سبحانه هاهنا نعمته، وهي أعلى النعم لأنها أصل لها وأم لجميعها، لان كل من ~~أعطى عطاء # PageV00P361 # أو حبى حباء، فإنما أعطى مما خوله الله سبحانه وتعالى، ولولا ذلك لكانت ~~كفه جامدة، وريح أريحيته راكدة، ولأجل ذلك يقول في الحياة إنها أول النعم، ~~ويريد بذلك أنها أول في الرتبة، لافتقار كل نعمة إليها، وصحة وجودها متفردة ~~بنفسها، غير مفتقرة إلى غيرها، فصارت أولى في الرتب وإن جاز أن يوجد معها ~~غيرها من النعم، وفيما علقته عن قاضى القضاة أبى الحسن عبد الجبار بن أحمد ~~فيما قرأته عليه من أوائل كتابه المعروف بشرح الأصول الخمسة: أن النعمة هي ~~المنفعة إذا قصد بها فاعلها وجه الاحسان، فإن قيل: فما المنفعة؟ قيل اللذات ~~والمسار وما أدى إليها، إذا لم يعقب ضررا أعظم منها، فإن قيل: فما اللذات؟ ~~قيل: ما يعلمه كل أحد من نفسه في إدراك ما يشتهيه من مآكله ومشاربه ومناظره ~~وملابسه، إلى غير ذلك من الأمور التي يدعو العلم بها إلى التوصل إليها. ~~فأما السرور فهو اعتقاد ذلك، أو الظن له، وليس ms141 بمعنى سوى ما ذكرناه، وما ~~يؤدى إلى اللذات في كونه نعمة كاللذات. ولذلك نعد من مكن غيره من الوصول ~~إلى الملاذ بالدنانير والدراهم منعما، وإن كانت أعيان الدراهم والدنانير لا ~~لذة فيها، ولهذا الوجه نعد التمكين من هذه الأمور نعمة حتى نقول: إن الله ~~سبحانه منعم بالتكليف الذي هو وصلة إلى النعيم المقيم والثواب العظيم، ~~ولاجله أيضا قلنا في المصحح للنعم إنه نعمة، كما PageV00P362 # نقول في الحياة والشهوة، وإن كانا يترتبان (1)، وقد عد في ذلك أيضا دفع ~~المضار والغموم، وما يؤدى إليهما. ولذلك نقول: إن الله سبحانه لو عفا عن ~~العصاة كان منعما عليهم، ولو سهل لهم السبيل إلى الفرار من النار كان محسنا ~~إليهم، وليس يحتمل كتابنا هذا أكثر من القدر المذكور في هذا المعنى، وكأنه ~~عليه الصلاة والسلام جعل يد الله العليا للعلة التي ذكرناها، وجعل يد ~~المعطى الوسطى لأنها تليها، وجعل يد السائل السفلى، لأنها مصب فضلها، ~~وقرارة سيلها، وقد تقدمت الإشارة إلى جملة هذا المعنى فيما تقدم من الكلام ~~(2). # 281 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " ليلة الجمعة غراء ويومها أزهر ~~". وهاتان استعارتان. والمراد أن ليلة الجمعة متميزة من سائر الليالي ~~بتعظيم قدرها وتشريف العمل فيها، فقد صارت لأجل ذلك كالفرس الغراء التي ~~تبين من البهم (3) # PageV00P363 # والشهباء التي تتميز عن الدهم (1). وكذلك المراد يكون يومها أزهر، ~~والأزهر: الشديد البياض، كأنه لتميزه من الأيام يعظم القدر وشرف الذكر، قد ~~زاد عليها إيضاحا، وكثرها (2) غررا (3) وأوضاحا (4). # 282 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلام طويل: # " ألا إن عمل الجنة حزن (5) بربوة، ألا إن عمل النار سهل بسهوة (6) وما ~~من جرعة أحب إلى الله سبحانه من جرعة # PageV00P364 # غيظ يكظمها (1) عبد ". وفي هذا الكلام مجازان. # (أحدهما) قوله عليه الصلاة والسلام: ألا إن عمل الجنة حزن بربوة. ألا إن ~~عمل النار سهل بسهوة، فجعل عليه الصلاة والسلام عمل الجنة كالحزن من الأرض، ~~وهو ما غلظ منها، لأنه يصعب تجشمه، فكذلك عمل الجنة يشق تكلفه، وزاد عليه ~~الصلاة والسلام الكلام إيضاحا ms142 بقوله: حزن بربوة، فلم يرض بأن جعله حزنا حتى ~~جعله بربوة، وهي الأكمة العالية ليكون تجشمه أشق وتكلفه أصعب، ولم يرض عليه ~~الصلاة والسلام بأن جعل عمل النار سهلا وهو ضد الحزن حتى جعله بسهوة ليكون ~~أخف على فاعله وأهون على عامله. # (والمجاز الآخر) قوله عليه الصلاة والسلام: وما من جرعة أحب إلى الله ~~سبحانه من جرعة غيظ يكظمها عبد. فكأنه عليه الصلاة والسلام جعل كظم الغيظ ~~بمنزلة الجرعة المؤثرة التي يجرعها الانسان، فيجد مذاقها مرا ويجد غبها (2) ~~حلوا. ولهذا المعنى شبهوا ما يجده الانسان من حرارة حزن وحرارة هم، بالشجا ~~(3) المعترض في الحلق، وشبهوا ما يلحقه من منظر يأباه، وملحظ لا يهواه، ~~بالقذى # PageV00P365 # العارض في الطرف (1)، لان الأول يحبس مجارى أنفاسه، والثاني يمنع مجال ~~ألحاظه (2). # 283 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " شفاء العي (3) السؤال "، وهذا ~~القول مجاز. والمراد أن الشئ إذا عى الانسان به، ولم يثلج صدره بمعرفته، ~~كان في السؤال عنه بيان التباسه وسراح احتباسه، فأقام عليه الصلاة والسلام ~~العمى بمعرفة الامر مقام الداء المطاول والكرب المماطل وأقام السؤال عنه ~~إذا أدى إلى العلم مقام الشفاء المزيح (4)، والفرح المريح (5). # PageV00P366 # 284 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلمات قالهن لعبد الله بن ~~عباس: " احفظ الله يحفظك، احفظه تجده تجاهك " وفي رواية أخرى " تجده أمامك ~~". وهذا مجاز، لان الله سبحانه أمامنا وخلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا من ~~طريق الحفظ لنا والإحاطة بنا، فليس يختص ذلك منا بجهة دون جهة وبحالة دون ~~حالة إلا أن المراد بتجاهك وأمامك هاهنا أنك تجد حفظه ومعونته حيث توجهت ~~وأي طريق سلكت. وذلك كقول الشاعر في التخويف بالله تعالى وهو نظير للحال ~~التي كلامنا عليها: # * والله يصبح من أمام المدلج * (1) أي لا يفوته هارب، ولا يضل عنه شارد ~~(2). # 285 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " العين حق تستنزل الحالق ". ~~وهذا مجاز، والمراد أن الإصابة بالعين من قوة تأثيرها وتحقق أفاعيلها، ~~كأنها تستهبط العالي من ارتفاعه، وتستقلق (3) # PageV00P367 # الثابت بعد استقراره، والحالق: المكان المرتفع من ms143 الجبل وغيره، فجعل عليه ~~الصلاة السلام العين كأنها تحط ذروة الجبل من شدة بطشها وحدة أخذها، وقد ~~تناصرت (1) الاخبار بأن الإصابة بالعين حق، والذي يقوله أصحابنا (2) أن ~~الله سبحانه يفعل المصالح بعباده على حسب ما يعلمه من الصلاح لهم في تلك ~~الأفعال التي يفعلها، والاقدار التي يقدرها، وإذا تقررت هذه القاعدة فغير ~~ممتنع أن يكون تغييره تعالى نعمة زيد مصلحة لعمرو (3)، وإذا كان تعالى يعلم ~~من حال عمرو أنه لو لم يسلب زيدا نعمته، ويخفض منزلته، أقبل على الدنيا ~~بوجهه، ونأى عن الآخرة بعطفه، وأقدم على المغاوى، وارتكس في المهاوي، وإذا ~~سلب سبحانه نعمة زيد للعلة التي ذكرناها عوضه عنها وأعطاه بدلا منها عاجلا ~~أو آجلا. وإذا كان ذلك كما قلنا، وقد روى عنه صلى الله عليه وآله ما يدل ~~على أن الشئ إذا عظم في صدور العباد وضع الله قدره، وصغره أمره لم ينكر ~~تغيير حال بعض الأشياء عند نظر بعض الناظرين إليه، واستحسانه له وعظمه في ~~صدره، وفخامته في عينه. كما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال: لما # PageV00P368 # سبقت ناقته العضباء (1)، وكانت إذا سوبق بها لم تسبق: ما رفع العباد من ~~شئ إلا وضع الله منه، فيمكن أن يتأول قوله عليه الصلاة والسلام: العين حق ~~على هذا الوجه، ويجوز أن يكون ما أمر به المستحسن للشئ عند رؤيته له من ~~إعاذته بالله والصلاة على رسول الله قائما في المصلحة مقام تغيير حالة الشئ ~~المستحسن، فلا تغير عند ذلك لان الرائي قد أظهر الرجوع إلى الله سبحانه ~~والاخبات له، وأعاذ ذلك المرئي به، فكأنه غير راكن إلى الدنيا، ولا مغتر ~~بها، ولا واثق بما يرى عليه أحوال أهلها. ولعمرو بن بحر الجاحظ في الإصابة ~~بالعين مذهب انفرد به، وذلك أنه يقول: إنه لا ينكر أن ينفصل من العين ~~الصائبة إلى الشئ المستحسن أجزاء لطيفة فتؤثر فيه وتجنى عليه، ويكون هذا ~~المعنى خاصا ببعض الأعين كالخواص في الأشياء، وعلى هذا القول اعتراضات ~~طويلة، وفيه مطاعن كثيرة لا يقتضى هذا الكتاب ms144 استيفاء ذكرها، واستقصاء ~~شرحها (2). # 286 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الاسلام # PageV00P369 # ذلول (1) لا يركب إلا ذلولا ". وهذه استعارة، والمراد أن الاسلام سهل ~~القياد لمن اقتاده وطئ الظهر لمن اقتعده، لا بتوقص (2) براكبه، ولا يتقاعس ~~(3) على جاذبه، فهو كالبعير الذلول الذي يسهل مرامه (4) ويطوع (5) زمامه، ~~وقوله عليه الصلاة والسلام: لا يركب إلا ذلولا: أي لا يستجيب له من الناس ~~إلا من لانت للدين عرائكه، وقربت عليه مآخذه، وطاعت نفسه باحتمال أعبائه، ~~والصبر على لأوائه (6). فأشبه المسلم من هذا الوجه أيضا الفرس الذلول الذي ~~يمكن راكبه، ويطاوع فارسه، وإنما جعل عليه الصلاة والسلام الاسلام في ~~الثاني بمنزلة الراكب بعد أن وصفه في الأول بصفة المركوب، لان الاسلام ~~كالمالك على الانسان أمره، والمبتاع منه نفسه، فهو يقوده بزمامه ويصرفه على ~~أحكامه، وكان من هذا # PageV00P370 # الوجه كأنه راكب لظهره لما كان مالكا لامره (1). # 287 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من تقرب إلى الله شبرا تقرب ~~إليه ذراعا، ومن تقرب إلى الله ذراعا تقرب إليه باعا (2)، ومن أقبل إلى ~~الله ماشيا أقبل الله إليه مهرولا " (3). وهذا القول مجاز، والمراد أن من ~~فعل الشئ القليل من البر عوضه الله الشئ الكثير من الاجر. فجعل عليه الصلاة ~~والسلام التقرب من استحقاق الثواب، كأنه تقرب من فاعل الثواب، على طريق ~~المجاز والاتساع، وعلى هذا المعنى يحمل كل ما جاء في القرآن والكلام من ذكر ~~التقرب إلى الله سبحانه، لأنه تعالى جده # PageV00P371 # لا يوصف بالقرب من طريق الدنو بالمسافة، ولكن من حيث كان قريب الثواب من ~~مستحقه، وداني الاحسان من راجيه ومؤمله، فكانت صفة القرب متعلقة بإحسانه ~~وثوابه لا بنفسه وذاته. فأما قوله عليه الصلاة والسلام: ومن أقبل إلى الله ~~ماشيا أقبل الله إليه مهرولا، فالمراد به أن من تقرب إليه سبحانه بطاعة، ~~وإن فعلها بطيئا متضرعا، فإنه تعالى يجعل جزاءه عليها معدا مسرعا. فالمشي ~~ها هنا كناية عن الطاعة المبطئة، والهرولة كناية عن المثوبة المسرعة. # فذكره عليه الصلاة والسلام على طريق ضرب المثل لفضل ما يفعله ms145 الرب تعالى ~~على ما يفعله العبد، وإن كان لا يجب في كل طاعة أن يكون جزاؤها عاجلا، ~~وثوابها مبادرا (1). # 288 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " ما للشيطان من سلاح أبلغ في ~~الصالحين من النساء " وهذا القول مجاز، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام أقام ~~النساء لحكمهن على النفوس وتأثير هن في القلوب مقام السلاح للشيطان الذي ~~يقارع به قلوب # PageV00P372 # الصالحين ويقرع بحده ضمائر المتماسكين، فيملك به أزمة رقابهم، وينقلهم به ~~إلى طاعته عن طاعة ربهم. ونظير ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: النساء حبائل ~~الشيطان. وقد مضى كلامنا عليه فيما تقدم من هذا الكتاب (1). # 289 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، وقد سئل عن ضالة الإبل، فقال ~~للسائل: " مالك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وترعى الماء وترعى ~~الشجر، حتى يجئ ربها (2) فيأخذها ". وهاتان استعارتان، كأنه عليه الصلاة ~~والسلام جعل خف الضالة بمنزلة الحذاء، ومستجرها (3) بمنزلة السقاء، فليس ~~يضر بها التردد في الفيافي، والتنقل في المصايف والمشاتي، لأنها صابرة على ~~قطع الشقة (4)، وتكلف المشقة، لاستحصاف (5) مناسمها، واستغلاظ قوائمها، ~~ولأنها بطول عنقها تتمكن من ورود المياه # PageV00P373 # القالصة (1)، والتناول من أوراق الشجر الشاخصة (2)، فهي لهذه الأحوال ~~بخلاف الضالة من الشاة، لان تلك تضعف عن إدمان (3) السير، والضرب في أقطار ~~الأرض لضعف قوائمها، وقلة تمكنها من أكثر المياه والمراعى بنفسها، ومع ذلك ~~فهي فريسة للذئب إن أحس حسها (4)، واستروح ريحها (5)، ولأجل ذلك قال عليه ~~الصلاة والسلام للسائل عنها: خذها، فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب (6). # 290 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: في كلام طويل: " فإذا طلع حاجب ~~الشمس فلا تصلوا حتى تبرز، # PageV00P374 # وإذا غاب حاجب الشمس فلا تصلوا حتى تغيب " وهذه استعارة، والمراد بحاجب ~~الشمس أول ما يبدو من قرصها، فكأنه عليه الصلاة والسلام شبه الشمس عند ~~صعودها من حدبة (1) الأرض بالطالع من وراء ستر يستره، أو غيب يطمره (2)، ~~فأول ما يبدو منه وجهه، وأول ما يبدو من مخاطيط وجهه حاجبه، ثم بقية وجهه، ~~ثم سائر جسده شيئا شيئا، وجزءا جزءا، فكأنه ms146 عليه الصلاة والسلام نهى عن ~~الصلاة عند ظهور بعض الشمس للعيون حتى يظهر جميعها، وعند مغيب بعضها حتى ~~تغيب جميعها، وقال القطامي في حاجب الشمس، ومراده جانبها: # تراءت لنا كالشمس تحت غمامة * بدا حاجب منها وضنت بحاجب أي ظهر منها ~~جانب، وغاب منها جانب. وقد يجوز أن يكون لحاجب الشمس هاهنا معنى آخر، وهو ~~أن يراد به ما يبدو من شعاعها قبل أن يظهر جرمها، وكذلك ما يغيب من شعاعها ~~قبل أن يغيب قرصها، فأقام ذلك عليه الصلاة والسلام لها مقام الحاجب لأنه ~~يدل عليها، ويظهر بين يديها، فكأنه؟؟ عليه الصلاة والسلام نهى عن الصلاة ~~قبل أن يظهر قرص الشمس، وبعد الشعاع الغائب أمامه، # PageV00P375 # والصلاة المرادة هاهنا صلاة التطوع دون صلاة المفروضات، وفي أول هذا ~~الخبر ما يحقق القول الذي قلناه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: # لا تتحروا (1) بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني ~~شيطان. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يتطوع بعد ~~صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس. وقال ~~الشافعي: يجوز أن يصلى في هذين الوقتين النفل الذي له سبب مثل تحية المسجد، ~~ولا يصلى النفل المبتدأ الذي لا سبب له (2). # 291 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " المؤمن يأكل في معاء (3) ~~واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء "، وهذا القول مجاز، والمراد أن المؤمن ~~يقنع من مطعمه بالبلغ (4) التي # PageV00P376 # تمسك الرمق، وتقيم الأود (1)، دون المآكل التي يقصد بها وجه اللذة، ويقضى ~~بها حق الشهوة، فكأنه يأكل في معاء واحد لفرط الاقتصار، وكراهة الاستكثار. ~~و أما الكافر: فإنه لتبحبحه في المآكل، وتنقله في المطاعم، وتوخيه ضد ما ~~يتوخاه المؤمن من إحراز حطام الدنيا التي يطلب عاجلها ولا يأمل آجلها، فهو ~~عبد فيها للذته، وكادح في طاعة شهوته، كأنه يأكل في سبعة أمعاء، لان أكله ~~للذة لا للبلغة، وللنهمة لا للمسكة (2). # 292 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " جيئوا بكبش أقرن يطأ في سواد ~~وينظر في سواد ms147 " في حديث طويل، " فأتى به فضحى به وذبحه بيده ". وهذه ~~استعارة. والمراد بقوله عليه الصلاة و السلام: يطأ في سواد أن أظلافه سود، ~~فكأنه يطأ منها في سواد: أي ليس بينه وبين الأرض منها إلا ما هو أسود، # PageV00P377 # وهذه من محاسن الاستعارات. والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام: # وينظر في سواد أن حدقته سوداء أو مطارح نظره منها فكأنما وينظر في سواد، ~~وهذا المعنى أراد كثير بقوله: # ومن نجلاء (1) تدمع في بياض * إذا دمعت وتنظر في سواد فالمراد بقوله تدمع ~~في بياض أن دمعها يقطر على خدها وهو أبيض، فيصير الدمع واقعا في بياض، ~~والمراد بقوله وتنظر في سواد المعنى الذي قدمنا ذكره من وصف الحدقة بشدة ~~الاسوداد، وإذا كان النظر منها فكأن النظر في سواد (2). # 293 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر له امرأة استحيضت (3): ~~" ليست هذه بالحيضة ولكنها ركضة # PageV00P378 # من الرحم "، وهذه استعارة، والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام: # ركضة من الرحمن أن الرحم نفحت (1) بهذا الدم من غير حيضة، ولكن من حادث ~~علة فأشبهت رامحة الفرس إذا رمح (2) بحافره، أو ركضة (3) البعير إذا ركض ~~بمنسمه، وهم يسمون الطعنة إذا عند عرقها (4) وفار دمها رماحة (5) ورموحا، ~~ويقولون: رمحت بالدم إذا كان فرغها (6) رغيبا، وجرحها رحيبا، وذلك موجود في ~~أشعارهم، ومتعارف في لسانهم (7). # PageV00P379 # 294 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن الله ليربي لاحدكم التمرة ~~واللقمة، كما يربى أحدكم فلوه وفصيله حتى يكون مثل أحد "، وهذه استعارة. ~~والمراد أن الله سبحانه يجمع القليل إلى القليل من صدقاتكم والنزر من قربكم ~~وطاعاتكم حتى يعظم يسيرها، ويكبر صغيرها، فيكون عظيم الجزاء بحسبه وجزيل ~~الثواب على قدره، فجعل عليه الصلاة والسلام ذلك كتربية الفلو (1) والفصيل، ~~وتربية الطفل الصغير، لأنه تنقيل من حال الضعف والصغر إلى حال الاشتداد ~~والكبر (2). # 295 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من عاد مريضا لم يزل يخوض ~~الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس اغتمس فيها "، وهذه استعارة. والمراد العبارة عن ~~كثرة ما يختص به عائد المريض من الاجر الوافر، ms148 والثواب الغامر، فشبهه عليه ~~الصلاة # PageV00P380 # والسلام لهذه الحال بخائض الغمر (1) في مشيته، والمغتمس (2) فيه عند جلته ~~(3). # 296 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة و السلام في كلام طويل " لا ترسلوا ~~فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس، حتى تذهب فحمة العشاء "، فقوله عليه ~~الصلاة والسلام: فحمة العشاء، المراد ظلمة العشاء، إلا أنه عليه الصلاة ~~والسلام شبه الظلمة في هذا الوقت بالفحمة، وهي الهنة السوداء التي أحرقت ~~النار أجزاءها، وإحالتها عن هيئتها (4) والجمع فحم كسعفة وسعف (5)، فكأنه ~~عليه الصلاة والسلام أقام شمس النهار مقام النار المتوقدة، فإذا انطفأ ~~جاحمها (6) وخمد متضرمها (7) أعقب منها الحمم (8) وخلفها الفحم، # PageV00P381 # والفواشي في هذا الخبر: اسم لما ينتشر من الحيوانات في الحي: # كالإبل، والغنم والحمير، والبقر، وما يجرى هذا المجرى، وسميت فاشية ~~لانتشارها وظهورها، ومنه قولهم فشا الحديث إذا ظهر وانتشر ومن كلام العرب: ~~ضموا فواشيهم، وردوا مواشيهم (1). # 297 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " أعطوا الطرق حقها. قيل: وما ~~حقها يا رسول الله؟ قال: غض البصر وكف الأذى، والامر بالمعروف، والنهى عن ~~المنكر ". في حديث آخر: " لا تقعدوا على الصعدات إلا من أعطاها حقها "، ~~والصعدات (2): الطرق. وهذه استعارة، كأنه عليه الصلاة والسلام جعل للطرق ~~على القاعدين عليها حقا يجب عليهم الخروج إليها منه، والاعفاء (3) لها به، ~~وهو مجموع الخلال المذكورة في أول الحديث، فمن خرج من ذلك الحق الواجب، ~~وقام بذلك الفرض اللازم، جاز له القعود على الطرق، ومن لم يقم بذلك الحق، ~~ويؤد ذلك الفرض، كان جلوسه عليها محظورا، وكان بمخالفة الامر مذموما (4). # PageV00P382 # 298 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " المجالس ثلاثة سالم وغانم ~~وشاجب ". وهذا القول مجاز، والمراد أن أهل هذه المجالس الثلاثة سالمون، ~~وغانمون، وشاجبون، والشاجب الهالك، والشجب الهلاك، فجعل عليه الصلاة ~~والسلام هذه الصفات للمجالس وهي على التحقيق لأصحاب المجالس، ولكنها لما ~~كانت مشتملة على أهلها حسن إجراء صفاتهم عليها، ومعنى هذا الخبر: المجلس ~~الذي لا يذكر فيه الجميل، ولا القبيح، ولا المنكر، ولا المعروف، فأهله ~~سالمون، والمجلس الذي يذكر فيه الحسن من الأقوال ms149 ويتحاض من فيه على جميل ~~الافعال فأهله غانمون، والمجلس الذي لا يسمع فيه إلا القبيح، ولا يفعل فيه ~~إلا المحظور فأهله هالكون (1). # 299 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن إبراهيم ابني مات في ~~الثدي، وإن له لظئرين (2) يكملان رضاعه في # PageV00P383 # الجنة ". فقوله عليه الصلاة والسلام: مات في الثدي مجاز، والمراد أن ~~الموت أصابه وهو يرضع، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: # مات وهو في الرضاع، وذلك كقول القائل: ابن فلان في الصياغة، أو ولد فلان ~~في التجارة إذا أراد أنه قد دفع إلى من يعلمه هذه الصناعة فهو مقصور على ~~ذلك، ومأخوذ به، ولم يفرغ بعد من تعلمه، ومثل ذلك أيضا قولهم: ابن فلان بعد ~~في أبجد أو في ألف با تا ثا: أي هو بعد في تعلمه هذه الحروف المخصوصة، ولم ~~يستكمل علمها، فينتقل عنها إلى غيرها، ولابد من حمل الكلام على تقدير مضاف ~~محذوف وهو رضاع الثدي، فيكون المعنى صحيحا، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: ~~مات وهو في رضاع الثدي، ولذلك نظائر كثيرة، وأمثال مشهورة، وبابه ما جاء في ~~التنزيل من قوله تعالى - واسئل القرية - والمراد أهل القرية، وما في معنى ~~ذلك (1). # 300 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إذا وقعت (2) الحدود وصرفت ~~الطرق فلا شفعة "، وهذا القول مجاز، والمراد وحيزت الطرق فخرجت عن حال ~~الاشتراك، وطريقة # PageV00P384 # الاختلاط، فشبه عليه الصلاة والسلام ذلك بصرف الانسان عن وجهته، وهذا ~~الخبر مما يستشهد به من قال: إن الشفعة إنما تجب للشريك المخالط دون الجار ~~المجاور، وقال أهل العراق: إنما تجب للشريك المخالط، ثم للجار المجاور (1). # 301 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " وسيأتي على الناس زمان يثقفون ~~القرآن، كما يثقف القدح " (2) في حديث طويل أخرجه مخرج الذم لأهل ذلك ~~الزمان، وهذه استعارة، والمراد أنهم يعنون بإصلاح ألفاظ القرآن حتى تقوم ~~على المنهاج، وتقوم بعد الاعوجاج، فتكون كالسهم المثقف الذي يسرع في ~~الانباض (3) # PageV00P385 # ويقرطس في الأغراض (1)، ولا يتدبرون ما وراء تلك الألفاظ من حكم واجب، ~~وأمر لازم، وفرض متعين، وحق مبين ms150 (2). # 302 ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلام أطلق فيه الشرب في الأوعية ~~بعد أن كان حظره (3): " ونهيتكم عن الشرب في الأوعية فاشربوا ما شئتم ألا ~~من أوكى (4) سقاءه؟ # على إثم ". وهذا القول مجاز، والمراد إطلاق الشرب في الأوعية التي وقع ~~النهى عنها كالدباء (5) والحنتم والنقير والمزفت إذا كان # PageV00P386 # ما فيها من الأشربة (1) المطلقة غير الممنوعة، والمباحة غير المحظورة، ~~وموضع المجاز قوله عليه الصلاة والسلام: إلا من أوكى سقاءه على إثم. يقول: ~~إلا من ربط سقاءه على مشروب محرم فإن ذلك خارج من باب الاطلاق والإباحة، ~~وداخل في باب الحظر والكراهة، وأراد عليه الصلاة والسلام إلا من أوكى سقاءه ~~على مشروب يؤدى إلى الاثم، فأقام الاثم مقامه لأنه عاقبة أمره، ووبال فعله ~~(2). # 303 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " حفت الجنة بالمكاره وحفت ~~النار بالشهوات ". وهذا القول مجاز، والمراد أن جميع الأفعال التي توصل إلى ~~الجنة يتجشم فعلها على الكره والمشقة، لان طريقها وعر، ومذاقها مر. فلما ~~كانت الطرق المفضية إلى الجنة كلها كما ذكرنا شاقة المسالك، صعبة على ~~السالك، حسن أن يقال: الجنة حفت بالمكاره على طريق المجاز، وسعة الكلام، ~~ولما كانت الافعال المفضية إلى دخول النار في الأغلب الأكثر كثيرة الملاذ ~~ملائمة للطباع، لا تؤتى من طريق مشقة ولا يقرع لها باب كلفه، حسن أن يقال ~~إن النار حفت بالشهوات # PageV00P387 # على طريق الاتساع والمجاز (1). # 304 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام " وقد سئل عن رجل كانت تحته ~~امرأة فطلقها ثلاثا، فتزوجت بعده رجلا فطلقها قبل أن يدخل بها هل تحل ~~لزوجها الأول؟ فقال عليه الصلاة والسلام: " لا، حتى يكون الآخر قد ذاق من ~~عسيلتها (2)، وذاقت من عسيلته ". وهذه استعارة كأنه عليه الصلاة والسلام ~~كنى عن حلاوة الجماع بحلاوة العسل، وكأن (3) مخبر المرأة ومخبر الرجل ~~كالعسلة المستودعة في ظرفها، فلا يصح الحكم عليها إلا بعد الذوق منها. وجاء ~~عليه الصلاة والسلام باسم العسلة مصغرا لسر لطيف في هذا المعنى، وهو أنه ~~أراد فعل الجماع دفعة واحدة، وهو ما ms151 تحل المرأة به للزوج الأول، فجعل ذلك ~~بمنزلة الذوق القابل من العسلة من غير استكثار منها ولا معاودة لاكلها، ~~فأوقع التصغير على الاسم، وهو في الحقيقة للفعل وذلك بالعكس من التصغير في # PageV00P388 # البيت المشهور وهو من أبيات الكتاب وأنشدناه الشيخان أبو الفتح عثمان بن ~~جنى وأبو الحسن علي بن عيسى الربعي، وذلك قول الشاعر: # يا ما أمليح غزلانا شدن (1) لنا * من هاؤليائكن الضال (2) والسمر (3) ~~فأوقع الشاعر التصغير على الفعل في الظاهر وذلك غير جائز وإنما أراد به على ~~الحقيقة تصغيرا لاسم المصدر الذي هو الملاحة، فهذا الشاعر كما ترى صغر ~~الفعل وأراد الاسم، وهو عليه الصلاة والسلام في الخبر صغر الاسم وأراد ~~الفعل (4). # 305 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره ~~(5)، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضى الامام صلاته إلا كان ذلك كفارة له ما ~~بينه وبين الجمعة المقبلة، ما اجتنب المقتلة "، فقوله عليه الصلاة والسلام ~~ما اجتنب المقتلة مجاز، والمراد ما لم يواقع الخطيئة الكبيرة التي تكون # PageV00P389 # سببا لهلاكه، وطريقا إلى بواره، فشبهها عليه الصلاة والسلام بالمقتل من ~~مقاتل الانسان الذي إذا أتى منه فقد أتى عليه، وإنما أنث عليه الصلاة ~~والسلام المقتل لأنه جعله في هذا الموضع عبارة عن الخطيئة، وهي مؤنثة، ~~فأنثه حملا على المعنى، ولذلك في كلامهم نظائر كثيرة (1). # 306 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إنه ليغان على قلبي حتى ~~أستغفر الله مائة مرة ". وهذا القول مجاز، والمراد أن الغم يتغشى قلبه عليه ~~الصلاة والسلام حتى يستكشف غمته. # ويستفرج كربته بالاستغفار، فشبه ما تغشى قلبه من ذلك بغواشي الغيم التي ~~تستر الشمس، وتجلل الأفق، والغيم والغين اسمان للسحاب وسواء قال: يغان على ~~قلبي أو قال يغام على قلبي (2). # 307 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " القلوب أوعية بعضها أوعى من ~~بعض "، وهذه استعارة. والمراد تشبيه # PageV00P390 # القلوب بالأوعية، وهي الظروف والعياب (1) التي تحرز فيها الأمتعة وغيرها ~~من الأشياء المحفوظة، وهي كالآنية لايداع الأشياء المائعة، إلا أن الأوعية ~~تختص بالجامدات، كما أن الآنية ms152 تختص بالمائعات. فالقلب من حيث حفظ ووعى، ~~كالوعاء من حيث جمع وأوعى، وربما نسب هذا الكلام إلى أمير المؤمنين عليه ~~السلام على خلاف في لفظه، وقد ذكرناه في جملة كلامه، لكميل بن زياد النخعي ~~في كتاب نهج البلاغة (2). # 308 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " ما يخرج رجل شيئا من الصدقة ~~حتى يفل (3) عنه لحى (4) سبعين شيطانا "، وهذا القول مجاز، والمراد تعظيم ~~الامر في مجاهدة الانسان نفسه عند إخراج الصدقة لشدة تتبع النفس لها، وكثرة ~~الصوارف عنها، ووساوس الشيطان بما يقتضى الامتناع منها، فإذا غلب الانسان ~~باخراجها نوازع جنانه (5)، ونوازغ شيطانه، كان كأنه قد افتلها (6) من أيدي ~~الجاذبين، وفل عنها لحى الشياطين، وإنما ذكر عليه الصلاة # PageV00P391 # والسلام هذا العدد المخصوص من الشياطين وهو السبعون على طريقة للعرب ~~مشهورة في ذكر ذلك إذا أرادت التكثير، وقد ورد التنزيل بسلوك هذا النهج، ~~والوقوف عند هذا القدر. قال سبحانه: # " استغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ~~"، وقال تعالى: " ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (1) ". # 309 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " يد الله مع القاضي حين يقضى، ~~ويد الله مع القاسم حين يقسم "، وهذا القول مجاز. والمراد أن علم الله ~~سبحانه ومعرفته لا يغيبان عن الحاكم إذا حكم، وعن القاسم إذا قسم، فيعلم ~~سبحانه عدل القاضي إذا تحرى العدل، وظلمه إذا اعتمد الظلم، ولا يخفى عليه ~~حيف القاسم وميله أو إنصافه وعدله، وذلك كما يقول القائل: يد فلان مع فلان ~~إذا كان # PageV00P392 # مشاركا له في ولاية يليها أو مشارفا له (1) في أمور يمضيها. وفي هذا ~~القول تخويف شديد للحاكم والقاسم من مفارقتهما مقام الحق، ومقال الصدق، وحث ~~لهما على سلوك النهج الأبلج، وتجنب الطريق الأعوج. ونظير هذا الخبر قوله ~~عليه الصلاة والسلام: " أن الله عند لسان كل قائل "، والمراد أنه تعالى ~~يحيط علما بمقاصد كلامه، ومصارف لسانه، كما يعلم ذلك منه من سمع حواره، ~~وشهد خطابه. # ومثل ذلك أيضا قوله عليه الصلاة والسلام وأراد الله ms153 سبحانه: # " إنه أقرب إليكم من رؤوس ركابكم (2) ". # 310 - ومن ذلك عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن زيد ابن عبد ربه ~~الأنصاري وقد رأى الاذان في نومه: " ألقه (3) على بلال فإنه أندى (4) منك ~~صوتا "، وهذا القول مجاز، والمراد أنه أمد صوتا منك، تشبيها بالشئ الندى ~~(5) الذي يمتد وينبسط، وهو # PageV00P393 # بالضد من اليابس الذي يجتمع وينقبض (1) وعلى ذلك قول الشاعر: # فقلت ادعى وأدعو إن أندى (2) * لصوت أن ينادى داعيان (3). # 311 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من قال حين يصبح: لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شئ قدير ~~عشر مرات كتب الله له بكل واحدة قالها عشر حسنات، وحط عنه بها عشر سيئات، ~~ورفعه بها عشر درجات، وكن له مسلحة من أول نهاره إلى آخره ما لم يعمل يومئذ ~~عملا يقهرهن ". # وفي هذا الكلام استعارتان (إحداهما) قوله عليه الصلاة والسلام: # وكن له مسلحة من أول نهاره إلى آخره. والمراد بالمسلحة هاهنا مجتمع ~~السلاح الكثير، يقال: هاهنا مسلحة للسلطان، ويراد به الموضع الذي فيه جماعة ~~من أعوانه قد كثرت أسلحتهم، واشتدت شوكتهم، كما يقال: مأسدة للأرض الكثيرة ~~الأسد، ومكمأة للأرض الكثيرة # PageV00P394 # الكمأة، ومفعاة، ومحواة للأرض الكثيرة الأفاعي والحيات، ونظائر ذلك ~~كثيرة، فجعل عليه الصلاة والسلام هذه الكلمات لقائلهن بمنزلة السلاح الكثير ~~الذي يدفع عنه المخاوف، ويرد الأيدي البواطش. # (والاستعارة الأخرى) قوله عليه الصلاة والسلام: ما لم يعمل يومئذ عملا ~~يقهرهن، والمراد ما لم يعمل من الأعمال السيئة في يومه ما يغلب إثمه أجر ~~هذه الكلمات إذا قالها على الوجه المحدود فيها. وينبغي أن يكون المراد بذلك ~~الذنوب الصغائر دون الذنوب الكبائر، لان عقاب الكبيرة يعظم فيكون كالقاهر ~~لتلك الحسنات التي ذكرها، والدرجات التي أشار إليها، ولما أقام عليه الصلاة ~~والسلام تلك الكلمات مقام السلاح لقائلها، جعل ما في مقابلتها من إثم مولغ ~~(1)، وذنب موبق، بمنزلة القاهر لها والثالم (2) فيها، ملامحة (3) بين صفات ~~الألفاظ ومزاوجة بين فرائد الكلام، وهذا موضع المجاز الثاني الذي ms154 أفضنا في ~~ذكره، وكشفنا عن سره (4). # PageV00P395 # 312 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لما أمر برجم اليهودي الذي زنا ~~بعد أن وافق اليهود على أن حد الزاني المحصن عندهم الرجم دون الجلد، وكانوا ~~أنكروا ذلك ثم أقروا به، فقال عليه الصلاة والسلام: " اللهم إني أول من ~~أحيا أمرك إذا أماتوه " وهذه استعارة، والمراد أنى أول من أظهر أمرك، إذ ~~ستروه، وأذاعه إذ كتموه. فأقام عليه الصلاة والسلام الاظهار مقام الاحياء، ~~والاخفاء مقام الإماتة، لان الحي ظاهر منتشر، والميت خاف مستتر، وقد مضى ~~الكلام على نظير هذا الخبر فيما تقدم من هذا الكلام (1). # PageV00P396 # 313 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، فيما رواه شداد بن الهاد قال: " ~~سجد رسول الله صلى الله عليه وآله سجدة أطال فيها، فقال الناس عند انقضاء ~~الصلاة: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه ~~قد حدث أمر، أو أنه أتاك وحى، فقال عليه الصلاة والسلام: كل ذلك لم يكن، ~~ولكن ابني هذا ارتحلني (1) فكرهت أن أعجله حتى يقضى حاجته "، وكان الحسن أو ~~الحسين عليهما السلام قد جاء النبي عليه الصلاة والسلام في سجدته فامتطي ~~ظهره: وهذا الحديث مشهور، وهو حجة لمن يجوز انتظار الامام بركوعه إذا سمع ~~خفق النعال حتى يدخل الواردون معه في الصلاة وهو قول الشافعي، وقد كرهه أهل ~~العراق. ولا خلاف في أن الامام يجوز له أن ينتظر حضور الجماعة إذا لم يخش ~~فوت الوقت قبل أن يدخل في الصلاة، فانتظاره عليه الصلاة والسلام ابنه حتى ~~يقضى منه حاجته يدل على أن من فعل هذا الفعل وأشباهه لا يخرج به من الصلاة، ~~وقوله عليه الصلاة والسلام: # " ولكن ابني هذا ارتحلني " استعارة، والمراد أنه جعل ظهره كالراحلة له ~~والمطية التي تحمله، ويقال من ذلك: رحلت الناقة وارتحلتها: إذا امتطيتها ~~لتسيرها، وعلى ذلك قال الشاعر: # ولكن رحلناها نفوسا كريمة * تحمل مالا يستطاع فتحمل # PageV00P397 # ألا ترى أن الشاعر لما جعل هذه النفوس بمنزلة المطايا المذللة، والظهور ~~المحملة، استحسن أن يقول: رحلناها ms155 مقابلة بين أجزاء اللفظ، وملاحمة (1) بين ~~العجز والصدر. وليس هناك على الحقيقة ظهور تحمل الرجال، وتحمل الأنفال، ~~وإنما أراد صفة تلك النفوس بالصبر على عض البلاء، وعرك الادواء (2)، ونوازل ~~القدر، وجواذب الغير (3). # 314 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلام كلم به بعض أصحابه: " لن ~~تبرحوا مبتلين (4) ما كنت بين أظهركم، فإذا أنا هلكت أقبلت إليكم الدنيا ~~وأقبلتم إليها، واضطمتكم (5) الدنيا اضطمام الوالدة ولدها " وهذه استعارة. # PageV00P398 # والمراد أن الدنيا بعده عليه الصلاة والسلام تكثر فوائدها، وتتصل ~~مراغدها، فشبه نفعها لأهلها بحفاوة الوالدة بولدها، إذا كانت ترضعه درها، ~~وتمهده حجرها (1)، وتشبل (2) عليه جهدها، وذلك كقولهم: قد ضم فلان فلانا ~~إلى كنفه، يريدون أنه قد قام بأمره، وأغناه من غيره (3). # 315 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تعادوا الأيام فتعاديكم " ~~(4). وهذا القول مجاز، لان الأيام على الحقيقة لا يصح أن تعادى ولا تعادى، ~~وإنما المراد لا تخصوا بعض الأيام بالكراهية له والتطير به، فربما اتفق ~~عليكم فيه من طوارق القدر، وبوائق الغير، ما يقوى في ظنونكم أنه يختص ذلك ~~اليوم دون غيره # PageV00P399 # من الأيام، وليس كما ظننتم، لان الأيام تمضى في ذلك على عاداتها، وتجرى ~~إلى غاياتها، فتكونون كأنكم قد عاديتم ذلك اليوم باستشعاركم وصول الضرر ~~إليكم منه، ويكون ذلك اليوم كأنه قد عاداكم باتفاق المضرة عليكم فيه، وخرج ~~القول مخرج المجاز والاتساع، ومناديح (1) الكلام (2). # بسم الله الرحمن الرحيم 316 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وقد سمع ~~أعرابيا يقول في مسجده صلى الله وآله بعقب صلاة صلاها: اللهم ارحمني ~~ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا، فقال عليه الصلاة والسلام: " لقد تحجرت واسعا ~~"، وهذه استعارة. وأصل التحجر أن يختط الانسان خطة، ويضرب عليها سياجا ~~ليحوزها به، ويعلم أنها في قبضته. ومنه الحجرة، وهو البيت المضروب، وجعلت ~~بعد ذلك اسما لبناء مخصوص وجمعها حجر. ومن ذلك قولهم: حجر الحاكم على فلان ~~إذا منعه من التصرف في ماله، فكأنه ضرب عليه # PageV00P400 # حظارا (1) يحبسه فيه، ويقصر خطوه دونه، فأراد عليه الصلاة والسلام بقوله ~~للاعرابي: ms156 " لقد تحجرت واسعا " تشبيهه بمن ضرب سياجه على قاعة واسعة ~~فحازها، ومنع غيره من المشاركة فيها، لأنه دعا ربه أن يرحم النبي عليه ~~الصلاة والسلام ويرحمه معه خصوصا، وحظر رحمته سبحانه على الناس عموما، وكان ~~ذلك تحجرا على الرحمة، وسيطرة على النعمة، وخلافا لقوله تعالى: " ورحمتي ~~وسعت كل شئ "، وفي رواية أخرى: أنه عليه الصلاة والسلام قال لما سمع قول ~~الأعرابي: " من هذا لقد احتظر واسعا ". والمعنى في اللفظين واحد: لان الأول ~~مأخوذ من الحجرة، والثاني مأخوذ من الحظيرة، وقد يجوز أن يكون المراد لقد ~~ضيق أمرا واسعا في الجملة، وقد يجوز أن يكون لقد وسع على نفسه فضيق على ~~غيره (2). # 317 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من أبطأ به # PageV00P401 # عمله لم يسرع به نسبه " وهذه استعارة. والمراد أن من تأخر بسوء عمله عن ~~غايات الفضل ومواقف الفخر، لم يتقدم إليها بشرف نسبه وكريم حسبه، فجعل عليه ~~الصلاة والسلام الابطاء والاسراع مكان التأخر والتقدم، لان المبطئ متأخرو ~~المسرع متقدم، وأضافهما إلى العمل والنسب وهما في الحقيقة لصاحبهما لا ~~لهما، ولكن العمل والنسب لما كانا سبب الابطاء والاسراع، حسن أن يضاف ذلك ~~إليهما على طريق المجاز والاتساع (1). # 318 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " رحم الله حميرا أفواههم (2) ~~سلام، وأيديهم طعام، أهل أمن وإيمان "، وهذا القول مجاز. والمراد المبالغة ~~في صفتهم بإفشاء السلام، وإطعام # PageV00P402 # الطعام، فلما كثر لفظ السلام من أفواههم، وبذل الطعام من أيديهم، جاز على ~~طريق المبالغة أن يقول: أفواههم، سلام، وأيديهم طعام، كما يقول القائل: ما ~~فلان إلا أكل ونوم، وما فلان إلا صلاة وصوم، إذا كثر الاكل والنوم من ~~الأول، والصلاة والصوم من الآخر، وعلى هذا قول الخنساء في صفة الظبية ~~الفاقدة ولدها: # ترتاع ما نسيت حتى إذا ذكرت * فإنما هي إقبال وإدبار تريد صفتها بكثرة ~~الاقبال والادبار والتململ والاضطراب. ومن هذا الباب أيضا قولهم: فلان عدل، ~~فوصفوه بالمصدر الذي فعله عدل يعدل عدلا لكثرة وقوعه منه، وتظاهره به، ~~ونظائر ذلك كثيرة. # 319 - ومن ذلك قوله ms157 عليه الصلاة والسلام، ويعنى الموت: # " أكثروا ذكر هادم اللذات "، وهذه استعارة، والمراد أن اللذات بالموت ~~تتلاشى وتبطل وتمحق، وتضمحل كما يضمحل البناء بهدمه، ويبطل بتعفية رسمه، ~~والهدم في الأصل هو الابطال للشئ، فإذا قالوا: هدم فلان البناء، فإنما ~~يريدون إنه أزاله وأبطله. # ومن ذلك الحديث المروى عنه عليه الصلاة والسلام للأنصار ليلة العقبة بعد ~~مراجعة كلام طويل: الدم الدم والهدم الهدم ". # وأصح ما قيل في تفسير ذلك أنه عليه الصلاة والسلام أراد إنكم PageV00P403 # إن طلبتم بدم طلبته، وإن هدمتموه هدمته، وأقام الهدم هاهنا مقام الطل، ~~يقول: إن طللتموه طللته، بمعنى إن أبطلتموه أبطلته، وقال يعقوب بن السكيت ~~في كتاب الألفاظ: يقال دماؤهم هدم بينهم: أي هدر. ويقال هدم بتحريك الدال ~~أيضا (1). # 320 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في ذم أقوام من المنافقين: " خشب ~~بالليل جدر بالنهار "، في كلام طويل، وهذه استعارة. والمراد أنهم ينامون ~~الليل كله من غير قيام لصلاة، ولا استيقاظ لمناجاة، فهم كالخشب الواهية ~~التي تدعم لئلا تتهافت، وتمسك لئلا تتساقط (2). # 321 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن المؤمن إذا أذنب كان الذنب ~~نكتة (6) سوداء في قلبه، فإن # PageV00P404 # تاب ونزع واستغفر صقل قلبه؟، فإن زاد زادت حتى تغمر قلبه " فقوله عليه ~~الصلاة والسلام: " صقل قلبه " استعارة، والمراد إزالة تلك النكتة السوداء ~~عن قلبه، ولكنها لما كانت بمنزلة الدرن في الثوب (1)، أو الطبع على السيف، ~~حسن أن يقال: صقل قلبه منها كما يصقل السيف من طبعه، أو يغسل الثوب من درنه ~~(2). # 322 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلام طويل " ولا يشرب أحدكم ~~الحدود، وهو حين يشربها مؤمن "، وهذا القول مجاز، والمراد بالحدود هاهنا ~~الخمر، وإنما عبر عليه الصلاة والسلام بهذا الاسم عنها، لان إقامة الحدود ~~تستحق بشربها، وليس هاهنا معصية ربما اجتمعت في الاقدام عليها حدود كثيرة ~~غيرها، لان السكران في الأكثر يقدم على استحلال الفروج، واستهلاك النفوس، ~~وسب الاعراض، وقذف المحصنات، فيجتمع عليه حد السكر، وحد القتل، وحد الزنا، ~~وحد القذف، ولذلك قال أمير ms158 المؤمنين عليه السلام، وقد سأله عمر بن الخطاب ~~عن حد # PageV00P405 # السكران، فقال: أقم عليه حد المفترى، لان الشارب إذا سكر لغا (1). وإذا ~~لغا افترى (2). # 323 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في أطفال المسلمين: " هم دعاميص ~~الجنة " وهذه استعارة، والدعموص: # دويبة صغيرة تكون في مياه العيون. يقال: إنها ضفدع، فكأنه عليه الصلاة ~~والسلام شبههم للعبهم في أنهار الجنة ومياهها بالدعاميص التي تعوم في ~~قرارات الغدران وجمامها (3). # 324 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة: " إذا أضيعت الأمانة فانتظروا الساعة. ~~قيل: وما إضاعتها يا رسول الله؟ قال: # إذا توسد الامر إلى غير أهله "، وفي رواية أخرى: " إذا وسد الامر إلى غير ~~أهله "، وهذه استعارة، والمراد إذا استند الامر إلى غير أهله، فأقام الوساد ~~هاهنا مقام السناد، لان المتوسد للشئ # PageV00P406 # مستند إليه ومعتمد، وإنما جعل عليه الصلاة والسلام الامر مستندا لهم، ~~لأنهم القائمون بأحكامه، والمقيمون لاعلامه، فهم له كالمساك والسناد، ~~والدعائم والعماد، ويكون المراد بقوله عليه الصلاة والسلام على الرواية ~~الأخرى: " إذا وسد (1) الامر إلى غير أهله " على فعل ما لم يسم فاعله (2). # 325 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " خمس ليس لهن كفارة: الشرك ~~بالله سبحانه، وقتل نفس بغير حق، أو بهت (3) مؤمن، أو الفرار يوم الزحف، أو ~~يمين صابرة (4) يقتطع بها مال بغير حق " وهذا مجاز، والمراد أو يمين ~~مصبورة: أي مكرهة على الكذب من قولهم: فلان مصبور على # PageV00P407 # السيف: أي محبوس على القتل مع إكراه عليه واضطرار إليه. ومن ذلك الخبر ~~المروى أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن صبر البهائم، وصبرها حبسها، وترك ~~تغذيتها إلى أن تموت مكرهة على تلك الحال المكروهة، ومن ذلك قولهم: قتل ~~فلان صبرا، فكأنه عليه الصلاة والسلام جعل تلك اليمين الكاذبة لبعدها عن ~~الصدق ومخالفتها جهة الحق بمنزلة المكرهة على ركوب تلك المحجة الضلعاء (1)، ~~والوقوف عند تلك السوءة السوءاء (2)، فهي كالمصبورة على السيف، والمحمولة ~~على الخسف، ومما يقوى ما قلنا رواية عمران بن حصين الخزاعي لهذا الخبر قال: ~~قال صلى الله عليه وآله: " من حلف بيمين ms159 كاذبة مصبورة فليتبوأ مقعده من ~~النار "، فقد صرح عليه الصلاة والسلام في هذه الرواية بأن اليمين الصابرة ~~في الرواية الأولى بمعنى المصبورة (3). # PageV00P408 # 326 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إذا دخل البصر فلا إذن ". ~~وهذه استعارة، والمراد أن من استأذن على بيت فولج (1) فيه بصره قبل أن يلج ~~فيه بدنه، فقد بطل إذنه، لان الاذن إنما يكون من قبل أن يقع البصر على ما ~~يشتمل عليه البيت، فأما إذا كان ذلك فكأن المستأذن قد وصل قبل أن يؤذن له ~~في الوصول، ودخل قبل أن يؤمر بالدخول، ويقوى ما قلناه من ذلك الخبر الآخر، ~~وهو قوله عليه الصلاة والسلام: " من اطلع من صير باب فقد دمر "، ومعنى دمر: ~~دخل، والدامر: الداخل، والصير هاهنا: الشق أو الفرجة تكون بين البابين. ذكر ~~ذلك أبو عبيد في غريب الحديث. وموضع المجاز من هذا الكلام تصييره عليه ~~الصلاة والسلام البصر بمنزلة الداخل على القوم، وإنما أراد عليه الصلاة ~~والسلام رؤيته لهم، ونفوذه إلى ما رواء بابهم (2). # 327 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الجرس مزمار الشيطان " وهذه ~~استعارة، وذلك أنه لما كان كل صوت مكروه ينسب إلى الشيطان، كضروب الغناء، ~~وعويل النساء، # PageV00P409 # وكان صوت الجرس من الأصوات المكروهة بدليل قوله عليه الصلاة والسلام في ~~الخبر الآخر: " لا تصحب الملائكة رففة فيها جرس " حسن أن يضاف صوته إلى ~~الشيطان على طريق المجاز والاتساع (1). # 328 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن المؤمن لينضى (2) شيطانه ~~كما ينضى أحدكم بعيره في السفر " وهذه استعارة، والمراد أن المؤمن يصعب ~~قياده على الشيطان فلا يصغى إلى وساوسه، ولا يجعل لهواجسه سبيلا إليه، ~~اعتصاما منه بدينه، واستلآما (3) عليه في جنة (4) يقينه، فشيطانه أبدا ~~مكدود (5) معه لطول منازعته القياد ومفالتته (6) الزمام، فشبهه عليه الصلاة ~~والسلام لاتعابه الشيطان في الاحتجاز عن إضلاله، والامتناع من اتباعه # PageV00P410 # بالمنضى بعيره في السفر، إذا أطال شقته (1) واستفرغ قوته وحش عريكته (2). # 329 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلام طويل: # " لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض ms160 إلى أن يخرج الرجل بزكاة ماله فلا ~~يجد أحدا يقبلها منه "، فقوله عليه الصلاة والسلام: " حتى يكثر المال ويفيض ~~" استعارة، كأنه شبهه بالماء الطامي (3) الذي يفيض من قرارته (4)، ويسيح من ~~كثرته. ونظير هذا الخبر ما روى من قوله عليه الصلاة والسلام في خبر آخر: " ~~ورب متخوض في مال الله ورسوله فيما اشتهت نفسه، له النار يوم القيامة " ~~كأنه عليه الصلاة والسلام جعل كثرة المال عند هذا # PageV00P411 # الانسان بمنزلة الغمرة (1) الطامية، والجمة (2) الطافحة، وجعل إنفاقه منه ~~وتقلبه فيه، بمنزلة الخوض في الجمام الغزار، واللجج (3) الغمار. # 330 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن للمساجد أوتادا، الملائكة ~~جلساؤهم، إذا غابوا افتقدوهم (4)، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة ~~أعانوهم " وهذه استعارة، كأنه عليه الصلاة والسلام شبه المقيمين في ~~المساجد، والملازمين لها، والمنقطعين إليها بالأوتاد المضروبة فيها، وذلك ~~من التمثيلات العجيبة الواقعة موقعها، والمقرطسة غرضها (5)، ويقال: فلان ~~وتد المسجد، وحمامة (6) المسجد: إذا طالت ملازمته له، وانقطاعه إليه، ~~وتشبيهه # PageV00P412 # بالوتد في الملازمة أبلغ من تشبيهه بالحمامة، لان الحمامة تنتقل وتزول، ~~والوتد مقيم لا يريم (1). # 331 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث طويل: " ورجل تصدق بصدقة ~~أخفاها لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " وهذا مجاز، والمراد المبالغة في صفته ~~بكتمان نفقته، وإخفاء صدقته، فإذا كانت شماله لا تعلم بما تنفقه يمينه، وهي ~~سريحتها (2) وقسيمتها، وجارتها ولصيقتها، فأجدر ألا يعلم بذلك غيرها ممن شط ~~(3) دارا، وبعد جوارا (4). # 332 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر لوطا عليه الصلاة ~~والسلام، وقوله لقومه: " لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد ". قال عليه ~~الصلاة والسلام: " فما بعث الله بعده نبيا إلا في ذروة قومه " وهذه ~~استعارة، والمراد فما بعث الله بعده نبيا إلا في أعلى شرف قومه، لئلا يغمض ~~حسبه، # PageV00P413 # ويزدرى منصبه، فيكون ذلك منفرا عنه، وموحشا منه. فشبه عليه الصلاة ~~والسلام ذلك بذروة البعير وهي سنامه، أو ذروة الجبل وهي رأسه، ويقولون: ~~فلان في الغوارب (1) من قومه، كما يقولون في الذرى من ms161 قومه. فالغارب هاهنا ~~كالذروة هناك. ويقولون أيضا: هو في عليا قصر قومه (2)، وفي رواية: عليا ~~قومه إذا أرادوا هذا المعنى، وذلك في أشعارهم وكلامهم أكثر من أن يستقصى، ~~وفي شعر يروى لأمير المؤمنين علي عليه السلام: # كانوا الذؤابة (3) من فهر وأكرمها * حيث الألوف الفرع والعدد (4) 333 - ~~ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لكل شئ سنام وسنام القرآن سورة ~~البقرة، ومنها آية هي سيدة آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه الشيطان إلا خرج ~~منه، وهي آية الكرسي "، وفي رواية أخرى: " البقرة سنام القرآن وذروته، ~~وياسين قلب القرآن "، وفي هذا الكلام استعارات ثلاث: # PageV00P414 # أولاهن قوله عليه الصلاة والسلام: " وسنام القرآن سورة البقرة " والمراد ~~أنها أعلى القرآن، وأشرفه كما أن أعلى ما في البعير سنامه وذروته، والكلام ~~في هذا المعنى كالكلام على الخبر المذكور أمام هذا الخبر (1)، لان المراد ~~بهما واحد. والاستعارة الثانية قوله عليه الصلاة والسلام: # " ومنها آية هي سيدة آي القرآن ". والمراد أنها تتقدم القرآن وتفضله، كما ~~أن السيد يتقدم على عشيرته، ويفضل أهل طبقته، والاستعارة الثالثة قوله عليه ~~الصلاة والسلام: " ياسين قلب القرآن ". والمراد أنها خالصته ولبابه، كما أن ~~قلب الشئ صميمه ومصاصه، ويقولون: فلان قلب بنى فلان، إذا كان في مقر ~~صميمهم، وفي مصح (2) أديمهم. # 334 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في كلام طويل: # " أيها الناس: ما يحملكم على أن تتايعوا في الكذب، كما # PageV00P415 # يتتايع الفراش في النار " وهذا القول مجاز، والمراد يتسارعون إلى قول ~~الكذب تهافتا فيه، ومنازعة إليه، فيكونون كالفراش المتساقط في النار، لأنه ~~يلوذ بها وينازع إليها، والتتايع: التواقع في الشئ المكروه (1)، فلما كان ~~الكذب كالمهواة (2) والمزلة، من حيث أدى إلى المخزاة والمذلة، حسن لذلك أن ~~يجعل المتسرع إليه كالواقع فيهما، والمرتكس في قعرهما. وقد يجوز أيضا أن ~~يكون المراد أن الكذب لما كان مفضيا إلى دخول النار جعل المتسرع إليه ~~كالمتهافت في النار، ويؤكد هذا الوجه تشبيه المتتايع في الكذب بالفراش ~~المتساقط في النار، ولذلك نظائر قد تقدم الكلام عليها في هذا الكتاب ms162 (3). # PageV00P416 # 335 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر عنده رجال من أصحابه ~~يجتهدون في العبادة اجتهادا شديدا، فقال عليه الصلاة والسلام: " تلك ضراوة ~~الاسلام وشرته، ولكل شئ ضراوة (1) وشرة، ولكل شرة قترة (2)، فمن كانت قترته ~~إلى الكتاب والسنة فسالم ما هو، ومن كانت قترته إلى معاصي الله فذلك الهالك ~~"، فقوله عليه الصلاة والسلام: " تلك ضراوة الاسلام وشرته " استعارة، ~~والمراد بذلك شدة الورع وإفراطه وغلوه واشتطاطه (3)، تشبيها له بالضراوة ~~على الشئ المأكول أو المشروب، وهي شدة الاعتياد له، وفرط المنازعة إليه. ~~وذلك مأخوذ من قولهم: سبع ضار، إذا درب بأكل اللحم فكثر طلبه له ولوبته (4) ~~عليه، ويقولون: عرق ضار إذا فار دمه فلم يقف، وتواتر فلم ينقطع. وقال ~~الأخطل يصف دن الخمر عند بزله (5). # PageV00P417 # لما أتوها بمصباح (1) ومبزلهم * سارت إليهم سؤور (2) الأبجل الضار ~~والأبجل: واحد الأباجل، وهي العروق، ومعنى سارت: أي فارت ونضحت (3) مأخوذ ~~من سورة الشئ وهي حركته وطموحه، ومما في هذا المعنى الخبر المروى عن بعض ~~الصحابة: " اتقوا هذه المجازر (4) فإن لها ضراوة كضراوة (5) الخمر "، فأراد ~~أن ضرر الادمان على أكل اللحم، كضرر الادمان على شرب الخمر، إلا أن ~~المستكثر من اللحم يؤثر ضرره في بدنه، والشارب للخمر يؤثر ضررها في دينه ~~(6). # 336 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لعن الله # PageV00P418 # الذين يشققون (1) الكلام تشقيق الشعر "، وهذا القول مجاز، والمراد الذين ~~يتصرفون في الكلام فيدققون فيه، ويتعمقون في معانيه. وشبه عليه الصلاة ~~والسلام فعلهم ذلك بتشقيق الشعر، لان طاقات الشعر مستدقه في نفوسها، وإذا ~~تعاطى الانسان تشقيقها انتهت من الدقة إلى غاية لا زيادة وراءها، وهذا ~~اللعن في الخبر إنما يتناول من بلغ في تدقيق الكلام إلى ذلك الحد ليشتبه ~~الباطل بالحق، ويجوز الغى بالرشد، كما قلنا في تأويل قوله عليه الصلاة ~~والسلام: " ألا أخبركم بأبغضكم إلى وأبعدكم منى مجلسا يوم القيامة؟ ~~الثرثارون المتفيقهون (2) ". # 337 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ليدخلن هذا الدين على ما دخل ~~عليه الليل "، وهذا القول مجاز. والمراد انتشار الاسلام في الشرق والغرب، ms163 ~~واشتماله على البر والبحر، فجعله عليه # PageV00P419 # الصلاة والسلام من هذا الوجه بمنزلة الداخل دخول الليل في الاطلال (1) ~~والاطباق، وتجليل (2) البلاد والآفاق. ومن ذلك ما روى في حديث عن بعض ~~الصحابة، وهو قوله: " وكان ذلك حين دجا (3) الاسلام " أي ألبس كل شئ، ودخل ~~على كل حي تشبيها بالليل في تغطية البلاد، وشموله النجاد (4) والوهاد. ومما ~~يقوى هذا المعنى ما روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لفاطمة عليها ~~السلام وقد رأت قميصه مخروقا، وبطنه خميصا، فبكت عند ذلك، فقال صلى الله ~~عليه وآله: أما يرضيك يا فاطمة ألا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر (5) ولا وبر ~~إلا دخله عز أو ذل (6) بأبيك ". # PageV00P420 # 338 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل: # " ألا أخبرك برأس الامر وعموده وذروة (1) سنامه؟ قال: بلى يا رسول الله، ~~قال: رأس الامر الاسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد " وهذه الألفاظ ~~كلها مستعارة، كأنه عليه الصلاة والسلام جعل الاسلام رأس دين الله المتقدم، ~~ورئيسه المعظم، وجعل الصلاة عموده الذي به قوامه (2)، وعليه قيامه، وجعل ~~الجهاد ذروة سنامه، لأنه يعد الرأس أعلى مشارفه (3)، وأرفع مراتبه، وبه ~~يشاد بناؤه، ويقام لواؤه، ويقمع أعداؤه (4). # PageV00P421 # 339 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " حجوا قبل ألا تحجوا قبل أن ~~يمنع البر جانبه ". وفي هذا القول مجاز. # والمراد حجوا قبل أن يمنع سلوك البر القاطعون لسبيله، والعائثون في ~~طريقه، والحائلون بين الناس وبين دخوله. فلما جعل عليه الصلاة والسلام البر ~~ممنوعا بمن أشرنا إلى ذكره، حسن على طريق المجاز أن يجعله كالمانع لجانبه ~~(1)، والمخوف لسالكه، لان المحجوب كرها كالمحتجب، والممنوع قسرا كالممتنع ~~(2). # 340 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الحمى كير (3) جهنم " وهذا ~~القول مجاز. والمراد المبالغة في وصف حرارة الحمى واتقادها، وشدة أوارها، ~~فشبهها عليه الصلاة والسلام: بكير يستمد من نار جهنم، وهي أعظم النيران ~~وقودا، وأبعدها خمودا. # PageV00P422 # وقال المفسرون في قوله تعالى وهو يريد نار الدنيا: " نحن جعلناها تذكرة ~~ومتاعا للمقوين " قالوا تذكرة يستذكر بها الناس نار الآخرة، فيكون ذلك أزجر ms164 ~~لهم عن المعاصي، وأصرف عن المضال والمغاوي، لان نار الدنيا إذا كانت على ما ~~هي عليه من قوة الاحراق وشدة الارماض (1) والاقلاق (2)، وهي مع ذلك دون نار ~~الآخرة في الطبقة، وجزء من أجزائها في الايلام والنكاية، فما ظننا بتلك ~~النار إذا باشرت الأجسام، وخالطت اللحوم والعظام، نعوذ بالله منها، ونسأله ~~التوفيق لما باعد عنها. وقيل في المقوين قولان. # أحدهما: أن يكونوا المرملين من الزاد، والفاقدين للطعام، يقال: # أقوى فلان من زاده إذا لم يبق عنده شئ منه، وذلك مأخوذ من الأرض القواء ~~التي لا شئ فيها، فكأنه صار كهذه الأرض في الخلو من البلغ التي يتبلغ بها، ~~والمسك التي يترمقها (3)، والقول الآخر أن يكون المقوون هاهنا السائرين في ~~القوى، وهي الأرض التي قدمنا ذكرها، والنار للمسافر أرفق (4) منها للحاضر. # PageV00P423 # 341 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: في دعاء دعا به لميت: " اللهم ~~إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقه فتنة القبر وعذاب النار ". فقوله ~~عليه الصلاة والسلام " وحبل جوارك " استعارة. والمراد أنه لجئ (1) إلى ظلك، ~~ومضطر إلى فضلك. فأخرج قوله " في ذمتك، وحبل جوارك " على عادة كلام العرب، ~~لأنهم يقولون: قد عقد فلان لفلان حبلا، وأخذ فلان من فلان حبلا: إذا أعطاه ~~ذماما، أو عقد له جوارا، وقد سموا العهود: حبالا على هذا المعنى، وفي ~~التنزيل: " إلا بحبل من الله وحبل من الناس ": أي بعهد من الله وعهد من ~~الناس، والأصل في ذلك أن يشبهوا ما يعقد من الذمام (2) بما يعقد من الحبال، ~~لأنها تقرب بين البعيدين، وتجمع بين القريبين، وتصل الأبيات بالابيات، ~~وتربط الاطناب (3) بالاطناب (4). # PageV00P424 # 342 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه وقد ذكر وقوع الفتن: " ~~ثم تعودون فيها أساود (1) صبا يضرب بعضكم رقاب بعض "، وهذا القول مجاز. ~~وأراد عليه الصلاة والسلام أنكم تكونون في هذه الفتنة كالحيات التي تنصب ~~على مناهشها، وتسرع إلى ملابسها، غير متذممة (2) من محرم، ولا متورعة عن ~~معظم (3). # 343 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " كلكم يدخل الجنة إلا من شرد ms165 ~~(4) على الله شراد البعير ". فقوله عليه الصلاة والسلام " إلا من شرد على ~~الله " مجاز، والمراد إلا من عند (5) عن أمر الله سبحانه وتعالى، وبعد عن ~~رضاه وطاعته، وذهب في غير جهة مشيئته وإرادته، فكان كالبعير الشارد الذي ند ~~عن # PageV00P425 # صاحبه، وبعد عن معاطنه (1). # 344 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لاسماء بنت أبي بكر: " انفحي (2) ~~وانضحي (3)، ولا توعي فيوعي الله عليك " وقوله عليه الصلاة والسلام " انفحي ~~وانضحي " استعارة. # والمراد أنفقي مالك في سبيل الله، وابذليه في طاعة الله، وأصيبي به ~~مواضعه بإسراع وبدار (4) كما تنفح الريح هبوبها (5)، وتنضح السحابة شؤبوبها ~~(6). والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام هاهنا " ولا توعي (7) فيوعي الله ~~عليك "، أي لا تمسكي فيمسك الله # PageV00P426 # عليك، لان من أوعى شيئا وحفظه، فقد أمسكه ومنعه (1) 345 - ومن ذلك قوله ~~عليه الصلاة والسلام: " إن قريشا أهل صدق وأمانة، فمن بغاهم (2) العواثر ~~كبه (3) الله لوجهه " وهذا القول مجاز، والمراد فمن بغاهم المعثرات، وهي ~~الأمور التي تعثرهم، وتضع (4) شرفهم. فقال عليه الصلاة والسلام " العواثر " ~~لأنها وإن أعثرتهم فكأنها عاثرة بهم، أو واقعة عليهم، ومنه قولهم: عثر ~~الدهر بآل فلان: إذا نقص أعدادهم، وغير أحوالهم، # PageV00P427 # وبلغ المبالغ منهم، وساءت آثاره فيهم (1). # 346 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " المسلمان إذا حمل كل واحد ~~منهما على صاحبه السلاح فهما على جرف (2) جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه ~~دخلاها جميعا "، وهذا القول مجاز. والمراد بذلك المسلمان اللذان يتقاتلان ~~في غير طاعة الله سبحانه، فهما بنفس القتال وتظاهرهما بحمل السلاح عاصيان ~~الله سبحانه مستحقان لعقابه مقدمان على شقاقه. فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلا ~~جميعا النار إلا أن المقتول يستحقها بتعرضه للقتال المحظور عليه، والقاتل ~~يستحقها بمثل ذلك، ويتفرد بعقاب القتل الذي وقع منه، فيكون أشدهما نكالا، ~~وأعظمهما وبالا. وموضع المجاز، قوله عليه الصلاة والسلام " فهما على جرف ~~جهنم " والمراد أنهما على طريق استحقاق نار جهنم، بإقدامهما على الفعل ~~المحظور، والامر المكروه، فشبه عليه الصلاة والسلام كونهما قريبين من ~~استحقاق # PageV00P428 # دخول النار بمن أشرف على جرفها (1)، وقام على حرفها، ms166 في شدة القرب منها، ~~والاشفاء (2) على الوقوع فيها. ومثل ذلك قوله تعالى: # " وكنتم على شفا (3) حفرة من النار فأنقذكم منها ". وقد لخصنا الكلام على ~~ذلك في كتاب مجازات القرآن (4). # 347 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، وقد رأى بعيرا في بعض حيطان (5) ~~المدينة فحن إليه كالشاكي، فقال عليه الصلاة والسلام لصاحبه: " إن بعيرك ~~يشكوك ويزعم أنك أكلت شبابه حتى إذا كبر تريد أن تنحره "، وهذا القول مجاز، ~~والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام " أكلت شبابه " استعملته في حال شبابه ~~وقوته، وأجمعت نحره في حال ضعفه وكبره، فجعل استعماله طول أيام شبابه ~~كالأكل شبابه، لأنه استنفاد له وذهاب به (6) # PageV00P429 # 348 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: في حديث طويل نهى فيه عن الذبح ~~بالسن والظفر: " أما السن فعظم (1)، وأما الظفر فمدى الحبشة " (2)، وهذه ~~استعارة، والمدى السكاكين، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: والأظفار سكاكين ~~الحبشة لأنهم يذبحون بحدها ويقيمونها مقام المدى في التذكية بها، والظفر ~~هاهنا اسم للجنس كالدينار والدرهم في قولهم: أهلك الناس الدينار والدرهم: ~~أي الدنانير والدراهم. ولذلك صح أن يقول: مدى الحبشة، والمدى جمع لان ~~الواحدة مدية (3). # 349 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " كفى بالسلامة داء ". وهذا ~~القول مجاز، لان السلامة على الحقيقة ليست بداء في نفسها، وإنما المراد ~~أنها تفضى إلى الادواء القاتلة، والاعراض المهلكة، لان طولها يؤدى إلى موت ~~الشهوات وانقطاع اللذات، وحواني (4) الهرم، وعوادي السقم. فحسن من هذا ~~الوجه أن # PageV00P430 # تسمى داء، إذ كانت موقعة فيه، ومؤدية إليه. وقد أكثرت الشعراء نظم هذا ~~المعنى في أشعارهم، إلا أن كلمة النبي عليه الصلاة والسلام أبهى من جميع ما ~~قالوه مطلقا، وأبعد منزعا، وأوجز في تمام، وأكثر مع قلة كلام. فمما جاء في ~~هذا المعنى قول حميد بن ثور: # أرى بصرى قدرا بنى (1) بعد صحة * وحسبك داء أن تصح وتسلما وقول لبيد بن ~~ربيعة: # ودعوت ربى بالسلامة جاهدا * ليصحني فإذا السلامة داء وقول النمر بن تولب: # يود الفتى طول السلامة والغنى * فكيف يرى طول السلامة يفعل وإني لأستحسن ms167 ~~كثيرا الأبيات التي من جملتها هذا البيت، وهي قوله: تغير منى كل شئ ورابني ~~* مع الدهر أبدالي التي أتبدل (2) # PageV00P431 # فضول أراها في أديمي بعدما * يكون كفاف الجسم أو هو؟ أجمل (1) كأن محطا ~~في يدي حارثية * صناع علت منى به الجلد من عل (2) يرد الفتى بعد اعتدال ~~وصحة * ينوء (3) إذا رام القيام ويحمل تدارك ما قبل الشباب وبعده * حوادث ~~أيام تمر وأغفل يود الفتى طول السلامة والغنى * فكيف يرى طول السلامة يفعل ~~(4) 350 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر صلاة العصر: " ولا ~~صلاة بعدها حتى يرى الشاهد "، وهذه # PageV00P432 # استعارة والمراد، بالشاهد هاهنا النجم، والعرب يسمون الكوكب شاهد الليل، ~~كأنه يشهد بإدبار النهار وإقبال الظلام. وكل شئ يدل على شئ فهو يجرى مجرى ~~الشاهد به والمخبر عنه، إذ ليس كل دال بإنسان، ولا كل دليل من جهة اللسان ~~(1). # 351 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " وأي داء أدوى (2) من البخل "، ~~وهذا القول مجاز، لان البخل على الحقيقة ليس بداء، ولكنه لما كان عادة ~~مكروهة، وخليقة مذمومة، أجرى مجرى الداء الذي يغير الصحة، ويفسد الجبلة، ~~إلا أنه داء يمكن الانتقال عن صحبته، وحمل النفس على مفارقته، لأنه لو لم ~~يكن كذلك لما حسن الذم عليه والتعيير به، كما لا يحسن الذم على سائر ~~الأمراض التي تغير الأحوال وتفسد الأجسام، والبخل على الحقيقة هو منع ~~الواجب، وكل من منع الواجب يوصف بالخبل، ومن منع التفضل لا يوصف بذلك إلا ~~على سبيل المجاز، وكل ما في القرآن من ذكر البخل، فإنما يراد به منع ~~الواجب، كما أن كل ما فيه من # PageV00P433 # الامر بالانفاق، إنما يراد به إخراج المال في الواجب. فأما تسمية العرب ~~من لا يقرى النازل ولا يعطى السائل بالبخيل، فلأنهم اعتقدوا وجوب ذلك عليه، ~~فوصفوه بالبخل لامتناعه منه وأساميهم تتبع اعتقاداتهم (1). # 352 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: وقد سأله رجل من جهينة متى يصلى ~~العشاء الآخرة (2) فقال: " إذا ملا الليل بطن كل واد "، وهذا مجاز، لان ~~الليل على الحقيقة لا ms168 تملأ به بطون الأودية، كما تمتلئ بطون الأوعية، وإنما ~~المراد إذا شمل ظل الليل البلاد، وطبق النجاد والوهاد، فصار كأنه سداد لكل ~~شعب وصمام لكل نقب (4). # PageV00P434 # 353 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، وقد طلعت بين أصابعه حرة (1) ~~فوضع يده عليها وقال: " اللهم مطفئ الكبير ومكبر الصغير أطفئها عنى برحمتك ~~"، وهذه استعارة: كأنه عليه الصلاة والسلام أقام الشفاء المطلوب من الله ~~سبحانه مقام الاطفاء لها ونضح الماء عليها. في أن ذلك يفنى وقودها، ويسرع ~~خمودها. # وهذا من التشبيهات الصادقة، والتمثيلات الواقعة. وروى أنه عليه الصلاة ~~والسلام كان يقلق القلق الشديد لما يظهر في جسمه من الداء اليسير، فقيل له: ~~في ذلك، فقال: إن الله إذا أراد أن يعظم صغيرا عظمه (2). # 354 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من قعد في مصلاه حين يصلى ~~الصبح حتى يسيح (3) الضحا. في حديث طويل "، وهذه استعارة كأنه عليه الصلاة ~~والسلام جعل الضحا، وهو شباب النهار وزيادته، بمنزلة الماء السائح من ~~الغدير: وفي السائح # PageV00P435 # تمثيل من وجهين: أحدهما أن بياض الضحى كبياض الماء، والآخر أن انتشار ~~النهار بضيائه كانسياح الغدير بمائه، ومثل تسميتهم الشمس عند أول طلوعها ~~بالغزالة، وليس ذلك باسم لها في جميع الأحوال، كما يظنه بعض الجهال، وإنما ~~هو اسم لها في هذا الوقت المخصوص، ومن الشاهد على ذلك قول ذي الرمة: # وأشرفت الغزالة رأس حزوى * لأنظرهم وما أغنى قبالا (1) كأنه قال: وأشرفت ~~ذلك الموضع أول طلوع الشمس، وأبين من هذا قول الآخر، وأنشدناه شيخنا أبو ~~الفتح النحوي رحمه الله: # قالت له وارتفعت ألا فتى * يسوق بالقوم غزالات الضحى كأنها قالت يسوق بهم ~~أوائل النهار، وعند ابتداء الشمس في الانتشار، وغزالات الضحى أول شروقها ~~وإنضاضها (1)، والضحى وقت إشراقها وارتفاعها (3). # PageV00P436 # 355 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، وقد مر على قوم وقوف على ظهور ~~دوابهم ورواحلهم، يتنازعون الأحاديث، فقال عليه الصلاة والسلام: " لا ~~تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوب خير من راكبه "، ~~وهذه استعارة كأنه عليه الصلاة والسلام شبه الدواب والرواحل في ms169 حالة إطالة ~~الوقوف على ظهورها، بالكراسي التي يجلس عليها، لأنها تثبت في مواضعها ولا ~~تزول إلا بمزيل لها، فنهى عليه الصلاة والسلام أن يجعل الحيوان المتصرف ~~بمنزلة الجماد الثابت، والشئ النابت (1). # 356 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إن الاسلام بدأ جذعا، ثم ~~ثنيا، ثم رباعيا، ثم سديسا، ثم بازلا (2)، وما بعد البزول إلا النقصان ". ~~وهذا الكلام كله مستعار، والمراد # PageV00P437 # تمثيل الاسلام في تنقل أحواله، وتغاير أوصافه، بولد الناقة ينتقل في ~~أسنانه، فيكون أول أمره جذعا، ثم ثنيا، ثم رباعيا، ثم سديسا ثم بازلا، وهي ~~سن التمام، وما بعدها إلى النقصان. ومدار المعنى على أن الاسلام بدا في ~~غاية الصغر، ثم انتهى إلى غاية الكبر، على تدريج ما بين البازل والجذع، ~~وأنه عليه الصلاة والسلام يخشى عليه نقيصة التمام، وعكيسة الكمال، كما يخشى ~~على اليفن (1) بعد انحنائه، والبازل (2) بعد انتهائه. # 357 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إنما هذا المال من الصدقة ~~أوساخ أيدي الناس "، وفي رواية أخرى: # " غسالات أيدي الناس "، وذكر ابن سعد في كتاب الطبقات أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال للعباس بن عبد المطلب رحمه الله، وقد سأله أن يستعمله على ~~الصدقة: " ما كنت لاستعملك على غسالة ذنوب الناس "، وهذا القول مجاز، ~~والمراد تشبيه ما يخرجه الناس من صدقاتهم بالأوساخ التي يميطونها عن ~~أيديهم. # والتشبيه بذلك من وجهين: # PageV00P438 # (أحدهما) أن تكون أموال الصدقات لما كان إخراجها مطهرا لما وراءها من ~~سائر الأموال، جرت مجرى المياه التي تغسل بها الأدران، وتزال بها الأنجاس ~~في انتقال تلك الأدران إليها، وحصول تلك الأدناس والأنجاس فيها. # (والوجه الآخر) أن يكون المراد أن أموال الصدقات في الأكثر لا تكون إلا ~~أسافل الأموال دون أخايرها، ومفارقاتها (1) دون كرامها. وذلك أمر عليه ~~الصلاة والسلام في الصدقة بالأخذ من حواشي (2) الأموال دون حرزاتها، وهي ~~خيارها، وإنما نسب عليه الصلاة والسلام تلك الأوساخ إلى الأيدي، لان ~~الأموال المعطاة في الأكثر إنما تكون بها وتمر عليها، وقد مضى الكلام على ~~مثل هذا المعنى فيما تقدم (3). # PageV00P439 # 358 - ومن ذلك ms170 قوله عليه الصلاة والسلام في تعديد أقوام ذمهم: " ورجل ~~ينازع الله رداءه، فإن رداءه الكبرياء، وإزاره العظمة (1) "، وهذا القول ~~مجاز، والمراد بذلك أن الكبرياء والعظمة رداؤه تعالى وإزاره اللذان يكسوهما ~~خليقته، ويلبسهما بريته، ولا يقدر غيره على أن ينزع منهما ما ألبسه، أو ~~يلبس منهما ما نزعه. والمراد بذلك العظمة والكبرياء على حقيقتهما، دون ما ~~يعتقده الجهال أنه عظمة وكبرياء وليس بهما، وذلك مثل ما نشأ من تعظم ~~الجبارين، وتكبر المتملكين، فإن ذلك ليس بتعظيم من الله سبحانه لهم، ولا ~~بإفاضة من ملابس كبريائه عليهم، وإنما العظمة والكبرياء في الحقيقة هما ~~الكرامة التي يلقيها الله سبحانه على رسله وأنبيائه، والقائمين بالقسط من ~~عباده، فيعظمون بها في العيون، ويجلون في الصدور والقلوب، وإن كانت هيئاتهم ~~ذميمة، وظواهرهم ورقابهم خاضعة، وبطونهم جائعة، فإذا ثبت ما قلنا بأن تسمية ~~الكبرياء والعظمة رداء الله وإزاره ليس لأنه يكتسيهما، ولكن لأنه يكسوهما ~~(2)، وذلك كما يقول القائل، وقد رأى على بعض الناس # PageV00P440 # ثوبا أفاضه عليه عظيم من العظماء، أو كريم من الكرماء: هذا ثوب فلان، ولم ~~يرد أنه ملبسه، فأضافه إليه من حيث كساه، لا من حيث اكتساه. ويجرى هذا مجرى ~~قولنا: بيت الله، وليس بساكنه وعرش الله، وليس براكبه. ونظير ذلك قولهم: ~~لعمر الله ما فعلت كذا، ولعمر الله لقد فعلت كذا، والعمر هو العمر، يقال: ~~عمر وعمر بمعنى واحد، قال الشاعر: # بان الشباب وأخلق العمر * الاخواو تغيرن والدهر (1) أراد العمر على أحد ~~التفسيرين، والتفسير الآخر أن يريد به واحد عمور (2) الأسنان، وإخلاقه ~~تغيره من الكبر، إلا أن العمر في قولهم: لعمر الله، يراد به الحياة. وهذا ~~المراد بقول القائل: # PageV00P441 # لعمري، ولعمر أبى، ولعمر فلان، كأنه قال: وحياتي، وحياة أبى، وحياة فلان. # وجاء عن ابن عباس رحمة الله عليه أنه قال: من كرامات الله سبحانه لنبينا ~~عليه الصلاة والسلام أنه أقسم في القرآن بحياته ولم يفعل ذلك بنبي غيره، ~~قال تعالى: " لعمرك أنهم لفى سكرتهم يعمهون "، وكأنه سبحانه قال: وحياتك ~~إنهم كذلك. وإذا صح ما ms171 قلناه صار القائل لعمر الله، كأنما حلف بحياة يحيى ~~الله بها، لا حياة يحياها (1)، لأنه سبحانه يتعالى عن أن يحيا بحياة، أو ~~يتكلم بأداة، أو يفعل بآلات (2). # 359 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " قد تركتكم على البيضاء، ليلها ~~كنهارها، لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك "، وهذا القول مجاز، والمراد بالبيضاء ~~هاهنا محجة الدين # PageV00P442 # ومدرجة الطريق المستقيم، وصفتها بالبياض: عبارة عن وضوح نهجها وبيان ~~سننها، وكل أبيض في كلامهم واضح، يقولون: وجه واضح إذا كان أبيض المحيا، ~~وجبين واضح، وجيد واضح على هذا المعنى. وقوله عليه الصلاة والسلام: " ليلها ~~كنهارها " مقول ما فسرناه من المراد بالبياض، كأنه عليه الصلاة والسلام ~~أشار إلى أن الليل لا يغطى وضوح هذه المحجة بسواده، ولا يستر أعلامها ~~بظلامه، ولا محجة هناك على الحقيقة، وإنما المراد صفة الدين، بوضوح ~~المعالم، وبيان المراسم (1)، وإنارة المداخل، وظهور الحجج والدلائل (2). # 360 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " ما ملا آدمي وعاء شرا من ~~بطنه. في حديث طويل "، وهذا القول مجاز إنما جعل عليه الصلاة والسلام البطن ~~بمنزلة الوعاء، لأنه قرار للطعام والشراب، وما يستحيلان إليه من الفروث (1) ~~والأخباث، وكأن # PageV00P443 # المأكل والمشرب إيعاء (1) فيه، وكأن إفراز الغدد (2) والتبرز تفريغ له. # ونظير هذا الخبر الخبر المروى عنه عليه الصلاة والسلام، وهو قوله: " ~~القلوب أوعية بعضها أوعى من بعض "، وقد تقدم الكلام عليه، لأنه عليه الصلاة ~~والسلام إنما جعل القلوب كالأوعية، لأنها موضع إيداع السرائر والضمائر، ~~وحفظ الأدلة والعلوم، ومستقر الآراء والعزوم (3)، إلا أن القلوب: أوعية ~~للاعراض من الإرادات والاعتقادات، والبطون: أوعية للأجسام من المأكولات ~~والمشروبات (4). # 361 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " الحجر يمين الله، فمن شاء ~~صافحه بها "، وهذا القول مجاز، والمراد أن الحجر جهة من جهات القرب إلى ~~الله، فمن استلمه وباشره قرب من طاعته تعالى، فكان كاللاصق بها، والمباشر ~~لها، فأقام عليه الصلاة # PageV00P444 # والسلام اليمين هاهنا مقام الطاعة التي يتقرب بها إلى الله سبحانه على ~~طريق المجاز والاتساع، لان من عادة العرب إذا أراد أحدهم التقرب من ms172 صاحبه، ~~وفضل الأنسة بمخالطته، أن يصافحه بكفه، ويعلق يده بيده. وقد علمنا في ~~القديم تعالى أن الدنو يستحيل على ذاته، فيجب أن يكون ذلك دنوا من طاعته ~~ومرضاته. ولما جاء عليه الصلاة والسلام بذكر اليمين أتبعه بذكر الصفاح، ~~ليوفى الفصاحة حقها، ويبلغ بالبلاغة غايتها. # ونظير هذا الخبر الحديث الآخر: " إن الصدقة تقع في يد الله سبحانه وتعالى ~~قبل يد السائل "، أي يتعجل بها منه سبحانه مثوبته ومواقعته، وموافقة طاعته، ~~وأنها لا تهلك ضلالا، ولا تذهب ضياعا، بل تكون كالشئ المحفوظ باليد، ~~والمذخور للغد (1). # * * * وهذا أخير انتهائنا إلى الفراغ من كتاب " مجازات الآثار النبوية " ~~على ما تخلل عملنا له من قواطع الاشغال، وبواهظ الأثقال، وعوادي الأيام ~~والليال. وقد خرجنا في صدر هذا الكتاب من # PageV00P445 # عهدة التكفل باستيعاب جميع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله من آثاره ~~الملفوظة، والاخبار المنقولة، بما شرطناه من كلامنا الذي وقع إلينا، وقرب ~~من متناولنا، دون ما بعد عنا، وشذ عن أيدينا. # ولا يبعد أن يكون القدر الذي تكلمنا عليه قليلا من كثير، وقصيرا من طويل، ~~إلا أن عذرنا في الاقتصار عليه واضح، وجيبنا فيما أديناه ناصح (1). # ونحن نحمد الله سبحانه على ما من به من التوفيق لاقتناص شوارده، وتسهيل ~~موارده، وإثارة (2) فوائده وعوائده (3)، حمدا يكون للنعمة قواما، ولنتاجها ~~تماما، ولصعبها عقالا (4) وزماما، فإن النعمة تثنى (5) على قواعد الشكر ~~لها، وترفع على دعائم المعرفة بقدرها. وما توفيقنا إلا بالله، عليه توكلت ~~وإليه أنيب. # تمت # PageV00P446 ms173