######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : إثبات نبوة النبي ¶ المؤلف : الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين بن هارون الحسني. ¶ المحقق : عبدالكريم جدبان . ¶ www.al-majalis.com ¶ ترقيم الصفحات موافقة للكتاب المطبوع . #META# auth: الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين بن هارون الحسني #META# cat: الجوامع والمجلات ونحوها #META# bkid: 473 #META# الكتاب: إثبات نبوة النبي #META# bkord: 418 #META# المحقق: عبدالكريم جدبان . #META# iso: اثبات نبوه النبي #META# comp: 1 #META# bk: إثبات نبوة النبي #META# max: 319 #META# المؤلف: الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين بن هارون الحسني. #META# digitization_comments: ترقيم الصفحات موافقة للكتاب المطبوع . #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# # الحمد لله ذي الفضل والإحسان ، المخول من شاء من عباده سوابغ الأنعام ، ~~الذي هدانا لدينه ، وأوضح سواء السبيل ، بما نصب من أدلته الباهرة ، وحجته ~~القاهرة ، { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم ~~(42) } [الأنفال] . # ثم أرسل إلينا خير مولود ، وأكرم مبعوث ، رحمة للعالمين ، [وهدى] للمتقين ~~، { لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) } [يس] ، فصلى الله ~~عليه وعلى آله الطاهرين . # وإني لما رأيت غثاء الملحدة ورعاعها ، مجتهدة لإدخال الشبه في معجزات ~~نبينا صلى الله عليه وآله وسلم على أنفسنا ، وعلى من قادته يد الشقاء ، ~~وسلكت به خبط العشواء ، من جهال العوام وأوباشها ، فهم عن الحق اليقين ~~معرضون ، وعن الصراط السوي ناكبون . قد استهواهم الشيطان ، واستزلهم ~~الطغيان { نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19) } [الحشر] . ~~يظنون بجهلهم وعماهم أنهم قد فطنوا لما جهله العلماء ، واستدركوا ما فات ~~أهل الدين ، وتنبهوا عما غبي عنه فضلاء المسلمين . PageV01P051 # كلا ، بل هم صم عن الحق لا يسمعون ، وبكم عند المحاج لا ينطقون ، وعمي عن ~~الرشاد لا يبصرون ، { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) } ~~[المطففين] . ### | AUTO [الباطنية] # فإن أرذلهم طبقة ، وأخسهم (¬1) طريقة ، وأقلهم شبهة ، وأعتاهم على الله ~~عز وجل وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأعداهم للمسلمين ، وأحرصهم ~~على التحيل لإطفاء نور الله المبين ، { ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون (32) } [التوبة] ، من ينتسب منهم إلى الباطن ، ويوهم أن وراء ما ~~في أيدي المسلمين من حجج العقول والكتاب والسنة حقيقة عرفوها وحصلوها ، ~~وأنها ممنوعة أو مستورة إلا عمن بذل لهم العهود والمواثيق ، فإذا كشفتها ~~وجدت مخازي ، تلوح عن صفحاتها أثر الاستهزاء بمن يأخذ عنهم ويلوذ بهم ، ~~يعدونهم حمرا مستنفرة . قد زينوا عندهم ارتكاب الفواحش ، وأباحوا لهم قطوف ~~المظالم ، وأحلوا لهم شرب الخمور ، وترك الصلوات ، ومنع الزكوات ، { قد ~~ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77) } [المائدة] . # ينفون الصانع ، وينكرون النبوات أجمع ، ويجحدون الشرائع . فيقولون: ~~لايقال في الله تعالى: موجود ، ولا لا موجود . PageV01P052 # لايعلمون لجهلهم ms001 ، وفرط غباوتهم ، أن نفي النفي يقتضي الإثبات عند أهل ~~اللسان . # ألا ترى أنهم إن أرادوا أن يحققوا الإثبات قالوا: (( لا غير )) ، ~~فيقولون: (( هو الرأي لا غير ، وهو زيد لاغير )) . فيجمعون بين النفيين ~~لتحقيق الإثبات . # فإذا قالوا: موجود . فقد حققوا أنه موجود . # وإذا قالوا: لا موجود . فقد نفوا ما أثبتوا ، ونقضوا ما قالوا ، وليس ذلك ~~مما يخفى . # لكن غرضهم في ذلك: هو التوصل الى التعطيل ، ونفي الصانع . # ويقولون: (( إن النبي محمدا صلى الله عليه إنما كان له التأييد ، دون ما ~~سواه من الوحي والإرسال ، ونزول جبريل عليه السلام )) ، ويشيرون بالتأييد ~~الى المزية التي تحصل لكل من تقدم في صناعة وبرع فيها ، من شاعر ، أو طبيب ~~، أو فقيه ، أومتكلم ، أومنجم . # ويسمون الشرائع: نواميس . ويتوصلون إلى جحدها وإبطالها ، بإدعاء: أن لكل ~~شيء منها باطنا ، إذا عرف سقط وجوب العمل به . # وينكرون البعث والنشور ، ويقولون: معنى القيامة ، هو قيام محمد (¬1) بن ~~إسماعيل بن جعفر وخروجه . PageV01P053 # ولولا أنه ليس غرضنا في كتابنا هذا وصف أقوالهم ، ونشر فضائحهم ، وبسط ~~مقابحهم ، من فساد عقائدهم ، ومساوئ دفائنهم ، مما بينه شيوخنا - رحمهم ~~الله - من الأشراف والعلماء في كتبهم المصنفة . في هتك أستارهم ، وإذاعة ~~أسرارهم ، نحو أبي زيد عيسى بن محمد العلوي الحسيني ، وأبي جعفر بن قنة ~~الرازي ، وأبي عبد الله بن درام الكوفي ، وأبي أحمد بن عبدك الجرجاني ، ~~وغيرهم - رحمة الله عليهم - . # ثم ذكرت ما في رسالتهم الموسومة ب (( البلاغ السابع )) وربما سموها: (( ~~البلاغ الأكبر ، والناموس الأعظم )) ، لكني أحيل من أراد الوقوف على باطنهم ~~وسرائرهم على هذه الكتب ، فإنها مشهورة معروفة ، معروضة لمن أرادها . # وأرجع إلى الغرض الذي قصدته: وهو أني رأيت أن أضع كتابا في الإبانة عن ~~معجزات نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، وما أيده الله تعالى به من الآيات ~~البينات ، والدلائل الواضحات ، التي لا يذهب عنها من نصح نفسه ، ولم يتلعب ~~بدينه ، مستعينا بالله تعالى ، ومستهديا له ، وراغبا إليه تبارك وتعالى ، ~~أن يعظم النفع لنا به ، والمثوبة عليه ، وأن يجعل سعيي فيه ، وكدحي له ، ~~خالصا لوجهه ms002 . # هذا ، ولست أطمع أن أزيد على ما قاله السلف - رحمهم الله - في هذا الباب ~~. وإنما أوجز من كلامهم - رحمة الله عليهم - ما جعله البسط متباعد الأطراف ~~، وأبسط ما جعله الإيجاز خفي الأغراض . PageV01P054 # وأنتم - رحمكم الله - إذا تأملتم أحوال الفترات التي كانت بين آدم ونوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم ، ازددتم معرفة بحسن تدبير ~~الله تعالى لخلقه في ابتعاث الرسل ، وتجديد ما درس أو كاد يدرس من الشرائع ~~والملل ، وأنه جل وعز ابتعث حين علم الصلاح في الابتعاث ، ومد الفترة حين ~~علم اقتران المصلحة بها ، لأن الفترة - على ما يقوله بعض أهل التواريخ ، ~~على اختلاف بينهم فيه ، والله أعلم بتحقيق ذلك - كانت بين آدم ونوح صلى ~~الله عليهما سبع مائة عام (¬1) . # وإنما كان كذلك - والله أعلم - وإنما نقول على مقدار ما يلوح لنا ، ~~ويبلغه مقدار أفهامنا: إن آدم عليه السلام أهبط إلى الأرض - وهو أبو البشر ~~وأول الإنس - ولم يكن في زمانه شيء من الكفر ، ولا عبادة الأصنام ، ولم يكن ~~غيره وغير زوجته حواء وأولادهما عليهم السلام ، وكانوا يعرفون حاله ، فلم ~~يكن في أمره شك عندهم ، بوضوح أمره ، وظهور ديانته ، وقلة من بعث إليهم ، ~~فامتد زمان الفترة . وكان بينهما صلى الله عليهما مع ذلك: شيث وإدريس ~~عليهما السلام ، فاستحدث PageV01P055 الناس الكفر ، وعبادة الأصنام ، واتخذوا ودا ، وسواعا ، ويغوث ، ويعوق ، ~~ونسرا (¬1) . # فابتعث الله سبحانه نوحا صلى الله عليه يدعوهم إلى التوحيد ، وخلع ~~الأصنام والأنداد ، ولبث فيهم كما قال تعالى: { ألف سنة إلا خمسين عاما } ~~[العنكبوت: 14] . فغرقهم الله تعالى بالطوفان حين علم أنهم لا يصلحون . ~~ونجا نوحا صلى الله عليه ومن معه . # ثم كانت الفترة بين نوح وإبراهيم صلى الله عليهما على ما يقوله المؤرخون ~~نحو سبعمائة عام (¬2) . وإنما كانت هذه المدة نحو تلك ، لأن الغرق أعاد حال ~~نوح إلى نحو حال آدم صلى الله عليهما وظهور أمره ، وابتداء البشر منهم . مع ~~أنه لم يكن بقي من الكفار أحد ، إلا أن الناس كانوا قد عرفوا عبادة الأصنام ~~، واتخاذ الأنداد من دون الله ms003 عز وجل ، فأسرعوا بعده في الكفر ، وعبادة ~~الأصنام . # وكان الله تعالى قد بعث هودا إلى عاد لما ازداد تمردهم ، وصالحا صلى الله ~~عليهما بعثه إلى ثمود . # ثم لما ازداد الكفر ظهورا وانتشارا ، ابتعث الله عز وجل إبراهيم صلى الله ~~عليه فدعاهم إلى الله تعالى ، وكسر أصنامهم ، ونبههم على خطأ أفعالهم ، ~~وجدد لهم الذكرى ، وأنزل الله عز وجل عليه الصحف . PageV01P056 # وبعث لوطا صلى الله عليه إلى قوم مخصوصين ، حين ازداد عتوهم، واستحدثوا من ~~الفاحشة ما لم يكن قبلهم . # ثم كانت الفترة بينه وبين موسى صلى الله عليهما نحو أربعمائة سنة (¬1) ، ~~وإنما كانت كذلك - والله أعلم - لأن إبراهيم صلى الله عليه مضى والكفر باق ~~بينهم وظاهر ، ولم يكثر أتباعه الكثرة الظاهرة على ما بلغنا . # وبعث الله تعالى بعده: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وشعيبا صلوات الله ~~عليهم قبل مبعث موسى صلى لله عليه . # وقيل: إن أيوب صلى الله عليه كان قد بعث قبل موسى . # فتغيرت أحوال بني إسرائيل ، وقل قبول الناس للحق وظهر الكفر ، وبلغ مبلغا ~~لم يكن بلغ من قبل ، لأن فرعون اللعين ادعا الربوبية ، { فقال أنا ربكم ~~الأعلى (24) } [النازعات] . واستعبد بني إسرائيل ، فعظم الأمر وازداد الكفر ~~، واتسع الخرق ، ونسي الحق . فلذلك قصرت مدة هذه الفترة ، حتى بعث موسى صلى ~~الله عليه مع تلك الآيات العظام ، كالعصا ، واليد البيضاء ، ومجاوزة بني ~~إسرائيل البحر بعد أن انفلق البحر ، { فكان كل فرق كالطود العظيم (63) } ~~[الشعراء] . وتغريق فرعون اللعين ومن تبعه ، إلى غير ذلك من الحجر الذي ~~انفجرت منه PageV01P057 العيون ، وما كان ظهر قبل ذلك من الجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، ~~وغير ذلك مما يطول ذكره . # وأنزل عليه التوراة ، وببن فيها أحكام الحلال والحرام ، وظهر أمره صلى ~~الله عليه أتم الظهور . وإنما كانت أعلام موسى صلى الله عليه أكثر ، وآياته ~~أظهر ، لأن بني إسرائيل كانوا - والله أعلم - أجهل الأمم ، وأغلظهم وأبعدهم ~~عن الصواب ، وأبلدهم عن استدراك الحق . ألا ترى أنهم بعدما جاوز الله تعالى ~~بهم البحر ، وغرق آل فرعون وهم ينظرون ، قالوا لموسى - حين مروا على ms004 قوم ~~عاكفين على أصنام لهم -: { يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } [الأعراف: ~~138] . واتخذوا العجل وعبدوه ، وظنوا أنه إلههم وإله موسى ، وأنه نسي . # فبحسب هذه الأحوال اقتضت الحكمة إيضاح الآيات والأعلام ، وتكثيرها لهم . # ثم بعث يشوع ويونس . # ثم بعث داود صلوات الله عليهم ، وأنزل عليه الزبور . # وبعث سليمان صلى الله عليه وآتاه الملك ، مع تلك الآيات العظيمة . # ثم بعث بعدهم زكريا ويحيى صلى الله عليهما . PageV01P058 # فكانت الفترة بين موسى وعيسى صلى الله عليهما نحو ألفي سنة (¬1) ، لعظم ~~آيات موسى ، وعظم الكتاب الذي أنزل معه ، ولما بعث بينهما من الأنبياء ، ~~صلوات الله عليهم ، وهذه المدة أطول المدد التي كانت بين من ذكرنا عليهم ~~السلام . # ثم لما تزايد الكفر ، وتغيرت أحوال بني إسرائيل ، وشاع الإلحاد بالفلاسفة ~~، بعث الله تعالى عيسى صلى الله عليه وبقي فيهم ما بقي . وقد أكرمه الله ~~تعالى ورفعه إليه ، ثم كانت الفترة بينه وبين نبينا محمد صلى الله عليه ~~وعلى آله نحو ستمائة عام (¬2) . # فكانت هذه المدة أوسط المدد . وذلك - والله أعلم - لأن حجج الله تعالى ~~كثرت فيها ، لبقاء التوراة والزبور ، ونزول الانجيل . ومع ذلك كثر الضلال ، ~~وقيل في المسيح صلى الله عليه قولان عظيمان: # أحدهما: ما قالت اليهود (¬3) . # والثاني: ما قالته النصارى (¬4) . PageV01P059 # ثم ابتعث الله عز وجل النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وختم به الرسالة ~~، ونحن من مبعثه على نحو من أربع مائة عام (¬1) ، فدل ذلك على قرب الساعة ، ~~وأزف القيامة ، وتحقيق ذلك قول الله تعالى: { اقترب للناس حسابهم وهم في ~~غفلة معرضون (1) } [الأنبياء] . وقوله: { اقتربت الساعة وانشق القمر (1) } ~~[القمر] . وقول النبي صلى الله عليه: (( بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار ~~بإصبعيه )) (¬2) . # فانظروا - رحمكم الله - في حسن نظر الله عز وجل لعباده ، بما ذكرناه ، ~~واعتبروا به ، واستعدوا للدوام والبقاء . فلها خلقتم ، فكأن الواقعة قد ~~وقعت ، والحآقة قد حقت ، { فريق في الجنة وفريق في السعير (7) } [الشورى] . ~~ولا يصدنكم عنها الشيطان ، وأتباع الشيطان ، كما قال تعالى: { إن الساعة ~~ءاتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (15) فلا ms005 يصدنك عنها من لا يؤمن ~~بها واتبع هواه فتردى (16) } [طه] . وفقنا الله وإياكم لطاعته ، واتباع ~~مرضاته . # وأقدم أمام الغرض فصلا أذكره من قبل علماء أهل البيت عليهم السلام ، وهو ~~أن الله تعالى لما بعث موسى صلى الله عليه بعثه بالآيات PageV01P060 التي بهرت ، ما كان هي ولوع الناس به في ذلك الزمان من السحر والتمويهات ، ~~وأتاهم من العصا واليد البيضاء ، وفلق البحر ، ونحو ذلك ، مما لا تبقى معه ~~شبهة في أن ذلك ليس من السحر في شيء ، إذ كان أولئك به أعرف ، وبالفصل بين ~~السحر وبين ما ليس بسحر أعلم. لعلمهم بمبلغ قوة السحر ، وغاية أمره . # ولما بعث الله سبحانه المسيح صلى الله عليه ، آتاه من الآيات التي بهرت ~~ما كان ولوع الناس به في ذلك الزمان من الطب ، فأيده سبحانه بإحياء الموتى ~~، وإبراء الأكمه والأبرص ، لئلا تبقى شبهة لأحد منهم ، لأنهم كانوا أعرف ~~الناس بمبلغ قوة صناعة الطب ، ومنتهى غايته . وما يكشف لهم من الأمر ما ~~عساه كان لا ينكشف لغيرهم في تلك المدة اليسيرة (¬1) . # ولما بعث الله تعالى نبينا محمدا صلى الله عليه في قوم هم الغاية في ~~الفصاحة والبلاغة ، والنهاية في البيان والسلاقة . إذ حظ العرب من ذلك أوفر ~~الحظوظ ، ولهم منه ما ليس لغيرهم من الأمم ، فأيده سبحانه بالقرءان ، وجعله ~~معجزا له ، لأنهم يعرفون من حاله ، ما لا يعرف غيرهم ، ولأنهم إذا عجزوا عن ~~معارضته ، لم تبق شبهة في أن غيرهم أعجز وأعجز . ومع ذلك لم يخله عز وجل من ~~سائر المعجزات على ما نبينه من بعد . بل كثر ذلك ، وتواتر ، حتى لم يبق في ~~أمره شبهة لمنصف . والحمد لله على نعمه السابغة ، ومنحه البالغة . PageV01P061 # - - - ### | AUTO الباب الأول ### || AUTO البيان عن إعجاز القرآن # إن سأل سائل فقال: ما الدليل على أن القرءان معجز؟ # قيل له: الدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه ادعا النبوة ، وأتى ~~بالقرءان ، وادعا أنه معجز قد أنبأه عز وجل به ، وجعله دلالة على صحة دعواه ~~، وبرهانا على صدقه ، وتحدى به العرب قاطبة ms006 ، وقرعهم بالمعجز عن الاتيان ~~بمثله ، بل بسورة مثله . وفيهم الخطباء ، والشعراء ، والبلغاء ، وهم الغاية ~~في البيان ، وأولو المعرفة بمواقع الكلام ، وأجناسه وأساليبه من المنثور ~~والمنظوم ، ولهم العادة المشهورة في التفاخر بالبلاغة والفصاحة . والمعرفة ~~بطرق المعارضات ، ومزايا المخاطبات ، مع ما كانوا عليه من الحمية والأنفة ~~والعصبية ، ومع شدة حرصهم على تكذيبه ، وتوهين أمره ، وإبطال دعواه ، حتى ~~بذلوا لذلك ما عز وهان من النفس فما دونها . وهو صلى الله عليه يتحداهم ، ~~ويقرعهم بالعجز ، ويدعي أنه حجته وبينته ، ويذم مع ذلك أديانهم ، ويسب ~~آلهتهم التي اتخذوها من دون الله عز وجل ، ويدعوهم إلى طاعته PageV01P062 ، والتصرف على أمره ونهيه ، واستمر على ذلك زمانا (¬1) بعد زمان فلم ~~يعارضوه ، وعدلوا إلى الحرب التي هي أشق ، فقاتلوا حتى قتلوا وقتلوا. # فدل ذلك على أن عدولهم عن معارضة القرءان لم يكن إلا لتعذره عليهم ، إذ ~~لا يجوز على العقلاء إذا حاولوا أمرا أن يعدلوا لمحاولته من الأسهل إلى ~~الأعضل ، ومن الأيسر إلى الأعسر ، إذا كانوا متمكنين منهما ، وإذا ثبت ~~تعذرها عليهم ثبت أنها على غيرهم أشد تعذرا . # والمعجز هو الأمر الذي يتعذر مثله على جميع البشر ، فثبت أنه معجز على ما ~~قلناه ، وهذه الدلالة مبنية على أن التحدي بالقرءان قد وقع ، وأن المعارضة ~~لم تقع ، وأن السبب الذي من أجله لم تقع هو التعذر ، وأن التعذر متى صح ، ~~صح كونه معجزا . # ونحن نبين ذلك فصلا فصلا ، إن شاء الله سبحانه . # - - - PageV01P063 ### || AUTO الكلام في أن التحدي قد وقع # إن قيل: إنكم بنيتم دلالتكم هذه على أن النبي صلى الله عليه [وآله وسلم] ~~تحدى العرب بالقرءان ، فدلوا عليه وبينوه ، ليستتب غرضكم ، ويتم ما ذكرتموه . # قيل له: قد ذهب كثير من العلماء ، ومجيدو العلم ، بأنه صلى الله عليه ~~[وآله وسلم] تحدى به ضرورة ، كالعلم بأنه ادعا النبوة ، وأتى بالقرءان ، ~~وإن كان العلم بهذين أجل من العلم بالتحدي . # قالوا: ولا يمتنع في العلمين وإن كانا ضروريين أن يكون أحدهما أجلى ، ~~والآخر دونه في الجلاء . ونحن لا نذكر هذه الطريقة ، إلا أنا لا ms007 نقتصر ~~عليها ، ونوضح الأمر فيه إيضاحا نرجو أن تزول معه الشبهة . # وإن الخبر إذا كان في الأصل قويا ، وموجبا للعلم لا يمتنع مع تطاول المدة ~~، وتراخي الزمان أن يعرض فيه بعض الضعف ، سيما عند من يقل نظره في الأخبار ~~، وسماعه لها . وقد كان الأمر في التحدي ظاهرا في الأعصار السالفة ، حتى لم ~~يبلغنا عن مخالف الاسلام من ملحد أو متهود أو متنصر إنكاره ، حتى حدث ~~بالآخرة قول بلغنا عن بعض الملحدة والمتهودة . وهو أنهم قالوا: لم يحصل لنا ~~العلم بأن النبي صلى الله عليه [وآله وسلم] تحدى به . ولظهور الأمر فيه حقق ~~العلماء القول فيه. PageV01P064 # فهذا الجاحظ مع بسطه الكلام في كتاب (( الفرق بين النبي والمتنبىء)) حقق ~~القول في التحدي ، لأنه رأى أنه (¬1) يتعذر أن ينكره منكر . وهذا ابن ~~الراوندي (¬2) لما صنف كتابه الموسوم ب (( العزيز )) ، واجتهد فيه وقعد ، ~~وأورد الغث والسمين في الطعن على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه [وآله ~~وسلم] ، وأنكر كثيرا من روايات المسلمين ، لم ينكر التحدي ، وإنما تكلم ~~فيما تكلم مع تسليمه ، ولم ينكر ذلك إلا لوضوح الأمر فيه، وأنه استحيا ~~لنفسه أن تبلغ صفاقة وجهه إلى إنكاره . ولهذا قال في الكتاب المسمى ب (( ~~الزمرد )): (( وقد أطنب محمد - يعنى النبي صلى الله عليه وعلى آله - في ~~الاحتجاج لنفسه بالقرءان، وبعجز الخلق عنه )) . ولم يقل ذلك إلا لشهرة ~~الأمر فيه وبلوغه في الطعن . # ونعود إلى ما وعدنا به من الزيادة وإيضاح ذلك ، فنقول: قد ثبت أن النبي ~~صلى الله عليه [وآله وسلم] لما أتى بالقرءان كان يقرأ على PageV01P065 المسلم والكافر ، ولا يكتم أحدا ممن قرب منه ، أو بعد عنه . وفي القرءان ~~تحد كثير ظاهر ، ففي ستة مواضع منه قد تحدى حتى لم يبق للشبهة فيه موضع ، ~~وفي مواضع أخر نبه على أنه يتحداهم ودل عليه ، وإن لم يكن لفظ التحدي ظاهرا ~~في تلك الآيات ، وهذا كثير يطول ذكره وإحصاؤه . # فأما المواضع الستة: # فأحدها: في السورة التي يذكر فيها البقرة ، وهو قوله: { وإن كنتم في ريب ~~مما ms008 نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن ~~كنتم صادقين (23) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة أعدت للكافرين (24) } [البقرة] . # فانظروا - رحمكم الله - هل يجوز أن يكون في التحدي والتقريع قول أشفى من ~~هذا ، وأوضح منه ، وأدعا لأعدائه إلى الاهتزاز للإتيان بمثله ؟! لولا تعذره ~~بها ، لأنه تعالى قال: قل { فأتوا بسورة من مثله } ، وهذا كاف في التحدي . ~~ثم قال: { وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23) } في إنكاركم ~~أنه من عند الله ، وهذا أيضا تحد ثان . ثم قال: { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ~~} تحد ثالث (¬1) ، مع أنه خبر عن المستقبل . ومثله لا يجوز أن يقع من ~~العاقل إذ لا يأمن أن PageV01P066 يفعلوا ذلك فيظهر كذبه ، فدل ذلك على أنه كان من عند علام الغيوب . # والموضع الثاني: في السورة التي يذكر فيها يونس صلى الله عليه ، وهو قوله ~~عز وجل: { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) أم يقولون افتراه قل ~~فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (38) } ~~[يونس] . فإن قوله: { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله } ، تحد ~~بهذا وأنه لا يأتي به أحد إلا من عند الله ، وفيه أيضا مع أنه تحد خبر لا ~~يقع مثله إلا من عند علام الغيوب . # وقوله: قل { فأتوا بسورة من مثله } تحد ثان ظاهر ، لا مرية فيه ، وكذلك ~~قوله : { وادعوا شهداءكم من دون الله } تحد ثالث . # والثالث: في السورة التي يذكر فيها هودا صلى الله عليه ، وهو قوله عزوجل: ~~{ أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين (13) فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم ~~الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (14) } [هود] ، فكان قوله عزوجل: { ~~قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } تحديا ظاهرا ، وتقريعا بالغا ، أنه عزوجل ~~فسح ms009 لهم في المعارضة ، وإن كانت الأقاصيص التي يوردونها قد اقتربت (¬1) ، لأنهم PageV01P067 كانوا يحتجون عليه صلى الله عليه [وآله وسلم] بأنه كان يعرف من أخبار الأمم ~~وأيامها وأقاصيصها ما لا يعرفون ، فأدحض الله تعالى حجتهم ، وكذب قولهم . ~~وفضحهم بقوله: { فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } ، ودل ذلك على أن الاعجاز ~~تعلق بنظمه . وإن كان أيضا متعلقا بمعانيه . # وقوله: { وادعوا من استطعتم من دون الله } تحد ثان . لأنه إخبار عن أن ~~أحدا من دون الله لايأتي بمثله . # قال: { فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله } ، وكان هذا ~~تحديا ثالثا ، لأن جعل حجته في أنه أنزل بعلم الله: تركهم الإستجابة إلى ~~الاتيان بعشر (¬1) سور مثله . فهل يكون في التحدي أبلغ من هذا ؟! # وقوله عز وجل: { فهل أنتم مسلمون (14) } ، أيضا يتضمن معنى التحدي ، لأنه ~~دعاهم إلى الاسلام لظهور عجزهم . # والموضع الرابع: في السورة التي يذكر فيها بني إسرائيل ، وهو قوله: { قل ~~لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو ~~كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) } [الإسراء] . فانظروا - رحمكم الله - فهل يكون ~~في التحدي شيء أبلغ منه ؟! وإخباره عز وجل: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن } ، دليل على أنه خبر من عند علام الغيوب ، لأن PageV01P068 الانسان لا يعلم ما يكون بعده ، والعاقل لا يرضى لنفسه أن يخبر خبرا ، لا ~~يأمن أن يقع غيره على خلاف ما أخبر ، فيظهر كذبه عند أوليائه وأعدائه ، ~~سيما إذا كان أمره مبنيا على الصدق ، وبأن أعظم ما يرميه به أعداؤه أنه ~~كاذب في دعواه . فوضح لما بيناه أنه صدر عن العالم بما كان وبما يكون ، وهو ~~الله رب العالمين . وهذا مما يمكن أن يعد دلالة برأسها ، وسنذكرها وما ~~يوضحها من بعد ، بعون الله تعالى . # والموضع الخامس: في السورة التي يذكر فيها القصص ، وهو قوله تعالى: { قل ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع ms010 هواه بغير هدى من ~~الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) } [القصص] . # كان قوله عز وجل: { قل فأتوا بكتاب من عند الله } تحديا ظاهرا . وقوله: { ~~فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم } تحد ثان ، لأنه قرعهم بترك ~~الاستجابة إلى ذلك ، ودل بذلك على أنهم يتبعون أهواءهم . وقوله: { ومن أضل ~~ممن اتبع هواه } تحديا ثالثا ، لأنه ذمهم ونسبهم إلى الضلال ، لاتباعهم ~~الهوى الذي جعل تركهم الاستجابة إلى الاتيان به علما عليه . # وقوله: { إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) } ، في هذا الموضع أيضا ~~فيه معنى التحدي ، لأنه أخبر أن الله لا يهديهم . PageV01P069 # والموضع السادس: في الطور حيث يقول: { أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) ~~فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (34) } [الطور] ، وكان هذا تحديا ظاهرا . # فأما المواضع التي تتضمن معنى التحدي ولو لم يكن اللفظ لفظ التحدي فكثير ~~، كقوله تعالى: { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } ~~[العنكبوت: 51] . # وقوله: { الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) } [هود] . # وقوله: { الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ~~[إبراهيم: 1] . # وقوله: { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ~~} [الرعد: 31] . # وقوله: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ~~} [الحشر: 21] . # وقوله بعد آية التحدي: { أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) } ~~[يونس] . # وقوله: { أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43) } [يونس] ، لأن ذلك ~~يحرك الطبع ، ويقوى الداعي إلى التحكك والمعارضة ، ونظائرها كثير . PageV01P070 # فإن قيل: دلوا على أن هذه الآيات هي من القرءان الذي تلاه النبي صلى الله ~~عليه [وآله وسلم] على الناس ، وأنها ليست زيادة فيه . # قيل له: من العلماء من رأى أن العلم بكل آية من القرءان ، مما أتى به ~~النبي صلى الله عليه [وآله وسلم] علم ضروري ، كما أن العلم بجملته ضروري . # قال: لأن القرءان كله آية آية ، فلو لم يكن العلم بكل آية علما ضروريا ، ~~لم يكن العلم بجميع القرءان ضروريا . لكنا لا نقتصر على ms011 هذا القدر ، ونوضح ~~الكلام فيه فنقول: لا إشكال أن هذه الآيات كانت كلها في المصاحف التي كتبت ~~أيام عثمان ، وتلك المصاحف كتبت بمشهد أقوام لا يجوز التواطؤ عليهم لكثرتهم ~~، وفيهم الحفاظ ، منهم من كان يعرف الفرق بين ما هو من القرءان ، وما ليس ~~من القرءان ، بل كان أكثرهم - والله أعلم - بهذه الصفة . كما أن عامة ~~المسلمين اليوم - وإن لم يكونوا حفاظا - يفصلون بين ما هو من القرءان وما ~~ليس من القرآن . فلم ينقل عن أحد أنه تكلم في ذلك ، وأنكر معرفتهم ، كما ~~نقل ما كان من ابن مسعود في المعوذتين (¬1) ، وفي آي سورة القنوت ، ومن عمر ~~فيما ذكره من الرحمن ، ومن عائشة PageV01P071 فيما ذكر من الرضاع (¬1) ، وغير ذلك مما جرى مجراه ، فلولا أن هذه الآيات ~~بان كونها من جملة القرءان ظاهرا مكشوفا لجرى فيها التضاد ، وعرض فيها ~~النزاع . # فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إنهم جميعا سكتوا عنها ، لأنها كانت ~~مقوية لأمرهم ، معلية لكلمتهم ، مصححة لنحلتهم . # قيل له: الاتفاق على مثل ذلك لا يصح من العدد الكثير ، ولولا ذلك لم يصح ~~أن يقع العلم بشيء من الأخبار التي تعلق بها الأغراض . # وذلك أن الطبائع مبنية على نشر الأخبار إذا عرفتها الجماعة الكثيرة ، ~~ضرتهم أو نفعتهم ، لأن الدواعي إلى النشر كثيرة مختلفة ، فيخرج المكتوم ~~لأغراض مختلفة ، فلو كان الأمر على ما ذكرتم ، والحال على ما توهمتم ، ~~لظهرذلك ، ونقل ولم ينكتم . لأن واحدا كان لديانته ، وسداد طريقته ، يذكره ~~إنكارا وتوجعا . # وآخر كان لسخافة دينه ، وضعف عقيدته ، يذكره لبعض أعداء الدين تقربا ~~وتوددا . # وآخر كان يورده ويحكيه لأهله ولولده تحيرا وتعجبا . PageV01P072 # وآخر كان يرى أن فيه ضربا من الجلادة (¬1) والشهامة فيحكيه افتخارا وتبجحا (¬2) . # وآخر يذكره لضيق عطنه (¬3) عن حفظ الأسرار . # والأغراض في هذا الباب أكثر من أن تعد وتحصى . # ثم كان من يسمع منهم ، أو من واحد منهم ينشره بغير حساب ، فلا تلبث ~~الأيام والليالي حتى ينتشر ويذيع . وبهذا تجد أسرار الملوك مع ما يتعلق بهم ~~من عظيم الرهبة والرغبة ، متى ms012 جرت بين عشرين أو خمسة أو عشرة أو دون ذلك لم ~~تنكتم ، وظهرت في أقرب زمان ، وأرخى مدة . # لهذا قيل: # إذا جاوز الاثنين سر فإنه ... ببث وإفشاء الوشاة قمين (¬4) # على أن مثل ذلك لو كان جائزا أن يكون الفرزدق (¬5) ملجما لا يقول الشعر ، ~~وإنما اجتمع عدة من الشعراء لأغراض كانت لهم على أن يعملوا قصائد ، ~~وينسبوها (¬6) إليه ، وكان مثله على كل مصنف في أي جنس من أجناس العلوم ، ~~كان مثل ما كان من ذلك ، مما لا يستجيزه PageV01P073 عاقل ، ولا يرتاب فيه ، لأنه كان أظهر ، كان ما سألوا فيه كذلك . وهذا ~~الباب قد استقصاه أبو عثمان الجاحظ في (( الفرق بين النبي والمتنبئ )) ~~استقصاء شافيا . وفيما أوردناه كفاية وبلاغ . # فإن قيل: ما أنكرتم أن هذا الاتفاق جرى من عدد يسير نحو ثلاثة أو أربعة ~~أو خمسة ، ومثلهم يجوز أن يقع منهم التواطئ على الكذب وحفظ السر ؟! # قيل له: هذا سؤال من يغش نفسه عن علم منه بأحوال الصحابة أيام عثمان ، أو ~~يقول غير مراقب عن جهل منه بها ، وذلك أن الحفاظ في ذلك الوقت كان فيهم ~~كثرة ، نحو أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وعثمان بن عفان ، وعبد الله بن ~~مسعود ، وعبد الله بن العباس ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وأبي بن كعب ، ~~وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وغيرهم . وكثير من هؤلاء كانت ~~بينهم منافرات ، بحيث لو عثر بعضهم على خيانة بعض في مثل هذا الأمر العظيم ~~، كان يسرع إلى التنديد به . # فأما من كان منهم يعرف القرءان ، أو كان يحفظ السور منه فكثير لا يحصون . ~~وكيف يصح اجتماع ما ذكرتم ؟! أم ما الذي يغني لو اجتمعوا ؟! # فإن قيل: ما أنكرتم على من قال: إني أسلم أن هذه الآيات كانت في جملة ~~القرءان ، لكن ما تنكرون أن تكون هذه الآيات لم تكن تلفت مشركي العرب ، ولم ~~تكن قرعت أسماعهم ، ولا علقت بأفهامهم ، PageV01P074 لأنها أو عامتها في السور الطوال . وكان الذي تعلق لحفظ مشركي العرب ، إنما ~~هو الآية بعد ms013 الآية ، والكلمة بعد الكلمة ، أو السورة بعد السورة من السور ~~القصار ، وكانت هذه الآيات مغمورة في جملة القرءان ، وفي السور الطوال ، ~~فبهذا لم يهتموا بمعارضته ؟! # قيل لهم: قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وآله كان يتلو القرءان على ~~أصحابه ، وعلى من كان يفد عليه من المشركين من أحياء العرب ومدنها ، ثلاثا ~~وعشرين سنة حتى تحققه الخلق من الصحابة ، وكانوا يتلونه في المحافل ~~والمجامع ، وبين أهليهم في صلواتهم ومدارسهم ومجالسهم ، وكان المشركون ~~يسمعون ذلك ، ويقرع (¬1) أسماعهم ، وإن لم يكونوا يحفظونه . # وانتهى الاسلام في هذه المدة إلى اليمن ، وسائر نواحي العرب ، ويكفي في ~~آية واحدة من آيات التحدي أن تقرع أسماعهم . فكيف يصح أن يقال: إنهالم ~~تبلغهم ؟! إلا أن يكون الله تعالى قد صرفهم عن سماعها ، ولئن جاز ذلك ، ~~فالصرف من عظيم المعجزات . # على أن عامة آيات التحدي إنما هي في السور المكية ، ولم يكن لرسول الله ~~صلى الله عليه وعلى أهله وهو بمكة شغل بالجهاد ، وبيان الاحكام . وإنما كان ~~أكثر شغله صلى الله عليه [وآله وسلم] الدعاء الى الله تعالى ، وقراءة ~~القرءان ، على ما كان يستدعيه . PageV01P075 # يؤكد ما ذكرناه ويوضحه: الآثار الواردة في اجتماع مشركي العرب على التشاور ~~والنظر في حال القرءان ، وتدبر أمره ، حتى قال الوليد بن المغيرة لعنه ~~الله: (( قد سمعت الأشعار والخطب ، وكلام الكهنة ، وليس القرءان شيئا من ~~ذلك )) (¬1) ، ثم قال ما حكى الله تعالى عنه في قوله: { ثم نظر (21) ثم عبس ~~وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) إن هذا إلا ~~قول البشر (25) } [المدثر] . # فالتجأ إلى أن قال: إنه سحر ، لما بهره أمره . # وروي (( أنهم اجتمعوا وتشاوروا حوله في أمره,أبو جهل لعنه الله والملأ من ~~قريش ، قد التبس أمره (¬2) ، فقالوا: فعليكم برجل يعرف السحر والكهانة ~~والشعر . فقال عتبة بن ربيعة: أنا لذلك . فأتى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فخاطبه (¬3) إلى أن تلا عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: { ~~بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتاب فصلت آياته ms014 ~~} [فصلت] حتى انتهى إلى قوله: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة ~~عاد وثمود (13) } [فصلت] . فقال عتبة: ناشدتك الله والرحم ، إلا كففت . ~~وقام جزعا PageV01P076 دهشا مرعوبا . ورجع إلى أصحابه ، وذكر لهم الحال ، وعرفهم أنه تحير فيه ، ~~وأنه ليس من الشعر ، وكلام الكهنة في شيء )) (¬1) . # وقد حكى الله تعالى عن بعضهم أنه قال: { سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا } ~~[الأنفال: 31] ، ويقال: إنه أمية بن خلف لعنه الله (¬2) . # وهذا دليل على أنه عرف التحدي والتقريع فدفع عن نفسه بما قال في نفس ~~الوقت والحال . # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما هاجر إلى المدينة ، كثر ~~المنافقون واختلطوا بالمسلمين ، وحضروا الجماعات ومواضع الصلوات . وكذلك ~~أهل الكتاب اختلطوا بالمسلمين حتى لم يخف عليهم عامة أحوالهم . فكيف يظن ~~بأنه خفي عنهم آيات التحدي بواحدة . # وفي وقوف بعضهم عليها وقوف عامة المشركين , لأنهم كانوا يهدونها إليهم ~~ولو على أجنحة الطير ، لأغراض مختلفة على ما بيناه ، فيسقط بما قلنا ما ~~سألوه . # فإن قيل: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم استكتمهم هذه ~~الآيات فكتموها ، وأذاعوا سائر القرآن . # قيل له: هذا لا يصح ، ولا يظنه عاقل لوجهين: PageV01P077 # أحدهما: ما بيناه أن كتمان مثل هذا لا يصح ولا يتأتى ، ولا يجد المحاول ~~إليه سبيلا . # والثاني: أنه كيف يستكتمهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه يتلو ~~عليهم: { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه ~~للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) } [البقرة] ، ~~وقوله تعالى: { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا ~~قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } [البقرة: 174] ، وقوله تعالى: ~~{ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون (44) } ~~[النحل] . # وكيف يظن بالعاقل أنه يأمر أصحابه بكتمانه بعد ما يدعيه وحيا نازلا من ~~عند الله عز وجل ، ثم يتلو عليهم في الكتمان ما ذكرناه ؟! # على أنه كيف كان يأمن أن يكون فيمن يستكتم من يرتد وينافق ويذيع ما ~~استكتم ؟كما حكي ms015 من ارتداد عبد الله بن سرح (¬1) بعد ما PageV01P078 كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استكتمه كثيرا من الوحي معه ، ~~وأملاه عليه ، على أن المسلمين كانوا لا يقرون يسيرا لشبهة حتى تنحل عنهم ، ~~والمنافقون يتعلقون بيسير ما يظنونه شبهة ، كما روي عن عمر وغيره يوم ~~الحديبية ، حين أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإنصراف عنها ، أنهم ~~قالوا: (( ألسنا وعدنا دخول مكة آمنين ؟ فقيل: هل عينت لكم هذه السنة ~~بعينها ؟! قالوا: اللهم لا ، فسكتوا واستقامت بصائرهم )) (¬1) . # ولما روي أن ناقة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله ضلت . فتكلم ~~المنافقون في ذلك ، حتى قال صلى الله عليه وعلى آله: (( إني لا أعلم إلا ما ~~علمنيه الله تعالى )) (¬2) ، وذكر لهم موضع الناقة وحالها حتى وجدوها على ~~ما وصف لهم . PageV01P079 # والقوم الذين يراجعون هذه المراجعة ، من مستبصر يطلب بها مزيد الاستبصار ، ~~ومنافق يحاول بها ما يجري مجرى الطعن ، كيف يظن بهم اتفاقهم على الكتمان ، ~~لمثل هذا الأمر العظيم ؟! # ثم يقال لهم: هبكم شككتم في وقوع التحدي بمكة والمدينة أيام رسول الله ~~صلى الله عليه وعلى آله ، على أنا قد بينا ما يزيل الشك فيه ، ألستم ~~تتيقنون وقوعه من أيام عمر وعثمان إلى يومنا هذا ؟! يكرر على أسماع كل ~~مخالف لدين الاسلام ، منحرف عن تصديق الرسول صلى الله عليه وعلى آله ، ~~ينقلونه بالتقريع ، والعيب الوجيع ، للعجز الظاهرعن الاتيان بمثله . وهذا ~~كاف في التحدي ووقوعه !! # فإن قيل: فالمروي عن الأكثر: أنهم أسلموا لغير سماع القرءان ، كما روي (( ~~أن العباس أسلم حين أخبره رسول الله صلى الله عليه وعلى آله بما كان من ~~إيداعه المال زوجته أم الفضل لما أراد الخروج إلى بدر )) (¬1) . # وما روي عن (( عمير بن وهب أنه أسلم حين عرفه صلى الله عليه وعلى آله ما ~~جرى بينه وبين صفوان بن أمية بمكة )) (¬2) . PageV01P080 # إلى غير ذلك مما روي من إسلام خلق كثير ، لأسباب مختلفة غير سماع القرءان ، ~~وهذا يضعف تعلقكم بالقرءان ، وبأن التحدي به كان قد وقع . # قيل: هذا يلزم من ms016 قال: إنه لا معجز له صلى الله عليه وعلى آله سوى ~~القرءان ، ولا أعرف مسلما يقول ذلك ، أو يعتقده . وإذا كان هذا هكذا فليس ~~ذلك طعنا فيما نذهب (¬1) إليه ، وسنفرد إن يسر الله PageV01P082 سبحانه وتعالى بابا من هذا الكتاب ، نذكر فيه المشاهير من معجزاته صلى الله ~~عليه وعلى آله التي هي سوى القرآن . # على أنه قد روي عن جماعة أنهم أسلموا حين سمعوا القرآن . ولو ثبت أن أحدا ~~لم يسلم عنده ، كان ذلك مما يقدح في صحة كونه معجزا ، دالا على صدق رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله ، والدليل لا يقدح فيه الاستدلال به ، أو أن ~~المستدل به لا يعرف صحته (¬1) . # وإنما يجب علينا أن ننظر في حال الدليل ، هل هو دليل صحيح أم لا ؟ # وأما ما عدا ذلك فما (¬2) لا فكر فيه . # فممن (¬3) روي أنه أسلم حين سمع القرآن: عمر بن الخطاب . وروي أنه أسلم ~~حين سمع { طه (1) } [طه] (¬4) . # وروي أن جبير بن مطعم أسلم حين سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله يقرأ: { ~~والطور (1) } [الطور] (¬5) ، وفيه آية التحدي الظاهر PageV01P083 ، حيث يقول: { أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) فليأتوا بحديث مثله إن ~~كانوا صادقين (34) } [الطور] . # وروي أن سعد بن معاذ قرئ عليه القرءان ، وأسلم . # وكذلك: أسيد بن حضير . # فإن قيل: تلاوة آية التحدي لا تكون تحديا ، وإنما التحدي أن يبتدئ ~~مخاطبتهم بالتحدي ؟! # قيل له: لا فرق بين الأمرين في حصول التحدي ، بل إذا قرأ عليهم آية ~~التحدي ، وعرفهم أنها من عند الله تعالى ، ربما كان أبلغ في التحدي ، على ~~أن آية التحدي في أوائلها الأمر بالتحدي ، لأنه تعالى يقول: { فليأتوا ~~بحديث } ، ولا يجوز أن يظهر صلى الله عليه وعلى آله أن الله تعالى أمره أن ~~يقول قولا ، إلا ويعرف منه أنه قال ذلك ، أو ما ينوب منابه . يدل ذلك على ~~أنه لا بد من أن يكون تحديا ابتداء في المخاطبة ، أو تلاوة تنوب مناب ~~ابتداء المخاطبة . # - - - PageV01P084 ### || AUTO الكلام في أن معارضة القرءان لم تقع # فإن قيل: فما الدليل ms017 على أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله لما تحداهم ~~بالقرءان لم يعارضه أقوام ولم يأتوا بمثله ؟! # قيل له: الدليل على ذلك أنه لو كان لنقل ، ولو نقل لوقع العلم . # فلما لم يقع العلم به ، علمنا أنه لم ينقل . وإذا ثبت أنه لم ينقل ، ثبت ~~أنه لم يكن . # فإن قيل: فلم ادعيتم أنه إذا لم ينقل لم يجب القطع على أنه لم يكن؟ # قيل له: لأنا بمثل هذه الطريقة نعلم أنه لم تجر بين رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وبين قريش من مبعثه صلى الله عليه وعلى آله إلى يوم بدر وقعة ~~مثل وقعة بدر ، وأنه لم يكن بين وقعة بدر ووقعة أحد مثل وقعة أحد . وأن ~~الأحزاب لم يجتمعوا على باب المدينة إلا مرة واحدة ، وأنه لم تجر بين أبي ~~حنيفة وابن أبي ليلى ومالك نقائض في الشعر ، مثل ما جرى بين الفرزدق وجرير ~~، والأخطل والبعيث . وأن جعفر بن محمد عليه السلام لم يقع منه خروج مثل ~~خروج زيد بن علي عليهما السلام ، وأن زيدا بن علي لم يكن له خروج بخراسان ، ~~وأن أبا يوسف ومحمدا لم يصنفا في النحو مثل كتاب سيبويه . وأنه لم يظهر ~~عنهما من الطب مثلما ظهر عن جالينوس ، إلى نظائر ما ذكرنا ، أكثر من أن تعد ~~وتحصى . PageV01P085 # ولم يتحصل لنا العلم بكل ما ذكرنا ، إلا من حيث علمنا أن شيئا من ذلك لو ~~كان لنقل ، ولو نقل علم . فبان بما ذكرنا أن القرءان لم يعارض ، لأنه لو ~~كان عورض لنقل ، ولو نقل لحصل لنا العلم . # فإن قيل: إن جميع ما استشهدتم به قد وقع العلم لنا بصحته ولا ننكره . ~~ولكن من أين وجب أن يكون حكم معارضة القرءان حكم ما استشهدتم به ؟! # قيل له: لأن ما ذكرنا من الطريقة أمر عام ليس يختص شيئا دون شيء ، فيجب ~~أن تكون جميع الطرق التي تتعلق بها الدواعي إلى نشرها وذكرها ، وتقوى ~~البواعث عليها ، جارية في هذا الباب مجرى واحدا . # فإن قيل: فكأنكم تقولون: ms018 إن كل ما لم ينقل من الأحوال الماضية نقلا ~~متواترا يجب القطع على أنه لم يكن . ولئن قلتم ذلك لزمكم أن تقطعوا على أنه ~~لا معجز للنبي صلى الله عليه وعلى آله إلا ما يكون الخبر به متواترا . ~~ويلزمكم القطع على أن كل خبر يروى عنه صلى الله عليه وعلى آله من طريق ~~الآحاد كذب لا أصل له . وهذا خلاف ما بين المسلمين . ويلزمكم في أحوال ~~الدنيا والمعاملات أن كل ما لا يتواتر الخبر به من المجوزات ، فهو مقطوع ~~على أنه لم يكن ، وفي هذا من الفساد ما لا يخفى ؟! # قيل له: نحن لا نقول إن كل ما لا يتواتر الخبر به يجب القطع على أنه لم ~~يكن على الإطلاق ، وهذا لا يقوله محصل . وإنما نقول: إن الأمر إذا كان مما ~~يكون وقوعه لو وقع ظاهرا لا خفاء به ، ثم كانت PageV01P086 الدواعي إلى نشره قوية ، والبواعث على ذكره شديدة ، ما لم يعرض ما يوجب ~~تغير حال الدواعي والبواعث ، ومتى لم يكن له نقل يوجب العلم فيجب القطع على ~~أنه لم يكن . # وشيء مما ذكرتم لا يلزم على هذا - على ما نبينه - بأن كثيرا من معجزات ~~رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يجوز أن يكون ظهر للواحد ، أو الاثنين ، ~~أو الثلاثة ، دون العدد الكثير . ومثل هذا مما لا يصح أن يتواتر به الخبر . # وكثير من معجزاته صلى الله عليه وعلى آله وإن كانت ظهرت ، بشهادة العدد ~~الكثير . يجوز أن تقوى الدواعي إلى نشرها والبواعث عليها ، تعويلا على ~~غيرها , ويجوز أن تضعف الدواعي على نقلها على مر الأيام ، لقيام غيرها ~~مقامها (¬1) ، وإن كانت الدواعي والبواعث في أول الأمر قوية . # وكل هذا يجوز أن يكون الأصل صحيحا ، وإن لم يتواتر النقل به ، وعلى هذه ~~الطريقة يجري الكلام في أحوال الدنيا والمعاملات ، لأنا نجوز في السلطان أن ~~يفعل أفعالا كثيرة مما تخصه فلا تنقل نقلا متواترا . ولا يجوز أن يفعل فعلا ~~يعم نفعه أو ضرره ظاهرا ذائعا ، فلا يتواتر في المدة بعد المدة ms019 إلى أن يعرض ~~ما يوجب ضعف الدواعي والبواعث إلى نقله ، ولهذا جاز أن تخفى كثير (¬2) من ~~معجزات الأنبياء المتقدمين PageV01P087 صلوات الله عليهم ، لأن التكليف بمعرفتها زال ، أو عرف حالهم من جهة نبي ~~بعدهم ، فضعفت الدواعي إلى نقله . # وإذا ثبتت هذه الجملة ، فإن معارضة القرءان لو كانت ووقعت ، كان وقوعها ~~على وجه يظهر للولي المصدق برسول الله صلى الله عليه وعلى آله ، والعدو ~~المكذب له ، وكانت الدواعي إلى نقلها والبواعث على نشرها قوية مستمرة إلى ~~يومنا هذا ، بل إلى آخر الدهر ، لأن الاسلام ما بقي (¬1) ، والاحتجاج ~~بالقرءان ما استمر ، فيجب أن تكون الدواعي ثابتة حاصلة إلى نقل المعارضة ، ~~لأن المكذب به صلى الله عليه وعلى آله كان يذكرها احتجاجا ، والمصدق به ~~طالبا للكلام عليها ، كما يذكر الخصم حجة خصمه أو شبهته للكلام عليها . ~~وآخر كان يذكرها لفصاحتها ومزيتها كما يؤثر ويحفظ كلام الفصحاء ، وكانت ~~الملحدة والباطنية من بينهم خصوصا ، يهتفون بها لما في أنفسهم على رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله . # فكل ما ذكرناه يوضح أنها لو كانت وقعت كان وقوعها معروفا ، والدعاوي إلى ~~نقلها تكون مستمرة . # ومتى كان الأمر على ما وصفنا ، ولم نجد النقل الذي ذكرنا ، فيجب القطع ~~على أنها لم تكن ، كما نقول في سائر ما جرى مجراه في PageV01P088 الظهور ، وقلة الدواعي إلى نقله من أمور الدنيا والدين ، وأحوال الملوك ~~وسياساتهم . # ولمثل هذا نقول: إن ما تدعيه الإمامية من النصوص لا أصل لها ، لأنها لو ~~كانت لوجب أن يتواتر بها النقل ، ويظهر . # ولخص بعض العلماء القول في ذلك فقال: (( كل أمرين كانا في زمان واحد ، أو ~~زمانين متقدمين , وكانت الدواعي إلى نقلهما (¬1) متساوية أو متقاربة ، فلا ~~يجوز أن يظهر أحدهما ويظهر نقله ، ويخفى الآخر ويخفى نقله , لأنهما إذا ~~اجتمعا في السبب الموجب الظهور ، فيجب اجتماعهما في الظهور )) . # قال: (( وقد علمنا أن القرءان لو كانت له معارضة من مشركي العرب كانت ~~تكون في الزمان المتقارب ، وكانت الدواعي إلى نقلها كالدواعي إلى نقل ~~القرءان وأقوى منه ، على ما أوضحناه ms020 ، ولأن المعارضة لو كانت ، لكانت هي ~~الحجة دون القرءان ، وكان القرءان هو الشبهة ، وكان ذلك مما يزيد في قوة ~~الدواعي إلى نقلها ، وهذا بين واضح لمن تأمله بعين النصفة )) . # على أن أحد لا يدعي: أن أحدا من العرب انتدب لمعارضة القرءان ، فعارضه أو ~~عارض بعضه ، فلا وجه لتطويل الكلام في هذا الباب . # فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون خوف السيف ، وعلو كلمة الاسلام ، أوجب خفاء ~~نقل المعارضة ، أو منع ابتداءها ؟! PageV01P089 # قيل له: أما ابتداؤها والاتيان بها لو لم يتعذر عليهم ، كان لا يجوز أن ~~يكون ما ذكرتم مانعا لهم منها ، لأن الأحوال كانت على خلاف ذلك,وسنشبع ~~القول فيه ، ونوضحه في الفصل الذي نذكر فيه أن كفهم عن المعارضة لم يكن إلا ~~للتعذر . وأما النقل فلا يجوز أن يخفى لما ذكرتم . # ألا ترى أن عامة الأحوال مع قوة جملة الاسلام ، وظهور أمره ، لم يسلم من ~~أن يكون فيها من كان يطعن على النبي صلى الله عليه وعلى آله ، ويروم القدح ~~في الاسلام . # فهذا يزيد بن معاوية لعنه الله لما حمل إليه رأس الحسين بن علي صلوات ~~الله عليه جعل يقول: # ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل # لأهلوا واستهللوا فرحا ... ولقالوا يا يزيد لا شلل # لست من عتبة إن لم أنتقم ... من بني (¬1) أحمد ما كان فعل (¬2) PageV01P090 فمن لا يتحاشى أن يقول ذلك ، أي مانع يكون في زمانه من نقل معارضته القرءان ~~، وهو السلطان المنتصب للخلافة ؟!! # ثم الوليد بن عبد الملك بن مروان على ما روي - يظن في أيام خلافته - مزق ~~(¬1) المصحف ، وقيل: حرقه . ثم أنشأ يقول: # أتوعد كل جبار عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد # إذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل يا رب حرقني الوليد (¬2) # وهو القائل: # تلعب بالبرية هاشمي ... بلا وحي أتاه ولا كتاب (¬3) # فكيف يظن بأن نقل المعارضة للقرآن يخفى في زمانه ؟! أو كان يقع الكف عنها ~~لولا التعذر !! ثم كان في آخر أيام بني أمية وأول أيام PageV01P091 بني العباس مثل ابن المقفع (¬1) الذي تهوس ms021 (¬2) ، وأوهم الأغمار (¬3) أنه ~~ممن يعارض القرءان ، ولم يتحاش ذلك . PageV01P092 # وفي أيام المأمون ظهر الإلحاد وظهر الكلام في نصرة (( المانوية )) (¬1) و(( ~~الديصانية )) وبالأخيرة صنف (( الدامغ في مطاعن القرءان )) واختلف في مصنفه . PageV01P094 # وصنف ابن الروندي (( الفريد )) في الطعن على نبوة نبينا صلى الله عليه وعلى ~~آله ، والقدح في معجزاته , غير خائف ولا متحاش . # وصنف (( التاج )) في قدم العالم . # و(( الزمرد )) في إبطال النبوات ، وإذا كانت الأحوال على ما وصفنا ، فكيف ~~يظن: أن معارضة القرءان لو كانت ، يخفى نقلها ، سيما في زماننا هذا . # والباطنية قد اتسعت أحوالهم ، وكثر بذلهم الأموال على الاستدعاء إلى ما ~~هم عليه ، من الجحد للتوحيد والنبوءات ، فلو وجدوا سبيلا إلى ذلك لحصلوه ~~بما لهم من طارف أو تليد (¬1) . PageV01P095 # وبمثل هذه الطريقة يتبين أن معارضة القرءان لو كانت ممكنة في شيء من ~~الأعصار التي هي بيننا وبين النبي صلى الله عليه وعلى آله لأتي بها ، ولم ~~يكن دونها مانع ولا حاجز . # فإن قيل: فقد حكي عن مسيلمة (¬1) ، وطليحة الأسدي (¬2) ، وبالأخير عن ابن ~~المقفع ، فصول عدة ادعي أنها معارضة للقرآن ، فما قولكم فيه ؟! # قيل له: أول ما في هذا أنه مما يدل على أن المعارضة للقرآن لم تقع ، ~~لأنها لو وقعت لنقلت ، كما نقلت هذه الفصول التي ذكرتها ، ولم يمنع منها ~~مانع ، كما لم يمنع من نقل هذه الفصول مع ما فيها من الركاكة والسخافة في ~~النظم والوضع . PageV01P096 # وجملة الكلام في هذا أنها تنقسم قسمين: # إما أن تكون كلاما مسترذلا لا ينحط عن كلام المتوسطين في العربية ، من ~~أهل هذا العصر والأعصار التي كانت قبله . فكيف أن تبلغ مرتبة كلام فصحائهم ~~، [و] ما جرى هذا المجرى . لا يخيل (¬1) على أحد أنه ليس يجوز أن يظن به ~~أنه معارض للقرءان , كما لا يجوز أن يظن أن أشعار الحبر الوردي تصلح أن ~~تكون معارضة لأشعار امرئ القيس ، والنابغة ، أو الأعشى ، أو يكون المورد له ~~أخذ ألفاظ القرءان فقدم منها البعض ، وأخر البعض ، وزاد فيها ونقص منها . ~~ومثل هذا لا يعد معارضة ، لأنه لو ms022 عد معارضة لكان لا يتعذر على المفحم (¬2) ~~إذا عرف وزن الشعر أن يعارض ديوان امرئ القيس ، وسائر الشعراء الفحول من ~~القدماء والمحدثين - على ما نبينه من بعد - ونحن نذكر تلك الفصول ونبين صحة ~~ما قلناه . # - - - PageV01P097 ### || AUTO [ قرآن مسيلمة الكذاب ] # فمن ذلك ما حكى عن مسيلمة الكذاب أنه قال: (( والليل الأطخم ، والديب ~~الأدلم ، والجزع الأزلم ، ماهتكت أسيد من محرم )) . # وقال: (( والليل الدامس ، والذئب الهامس ، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس )) . # وكان يقول: (( والشاء وألوانها ، وأعجبها السود وألبانها ، والشاة ~~السوداء ، واللبن الأبيض ، إنه لعجب محض ، وقد حرم المذق ، فما لكم لا ~~تجمعون )) . # وقال: (( ضفدع بنت ضفدعين ، نقي ما تنقين ، أعلاك في الماء وأسفلك في ~~الطين . لا الشارب تمنعين ، ولا الماء تكدرين . لنا نصف الأرض ، ولقريش ~~نصفها . ولكن قريشا قوم يعتدون )) . # وقال: (( والمدريات (¬1) زرعا ، والحاصدات حصدا ، والذاريات قمحا ، ~~والطاحنات طحنا ، والخابزات خبزا ، والثاردات ثردا ، واللاقمات لقما ، ~~إهالة وسمنا ، لقد فضلتم على الوبر ، وما سبقكم أهل المدر . ربعكم فامنعوه ~~، والمعتر فآووه ، والباغي فناوءوه )) (¬2) . PageV01P098 # وهذه الفصول أبين سخافة ، وأظهر ركاكة ، من أن يحتاج إلى ذكرها في كتابنا ~~هذا ، على أنها ليست مما فيه شبهة على أحد سمعها ، لكنا ذكرناها ليتعجب ~~منها المتعجب !! وليعلم أنه لو كانت للقرآن معارضة في الحقيقة لنقلت ، كما ~~نقل هذا الكلام السخيف الذي لو أراد بعض المتعلمين - الذين تكون بضاعتهم في ~~اللغة مزجاة (¬1) - إيراد أسجاع في هذا المعنى لم يرض لنفسه بمثل هذا . # والرجل - أعني مسيلمة - وإن كان كاذبا وقحا ، فإنه كان رجلا من العرب ، ~~ولم يبلغ به جهله إلى أن يدعي أنه يعارض بمثل هذا الكلام القرءان ، لأنه لو ~~فعل ذلك كان يفتضح بين قومه ، وهو لم يوردها على أنها معارضة ، وإنما كان ~~يوردها على أنها منزلة عليه ، وليس كل ما يقصد أن يدعا فيه أنه منزل من عند ~~الله يمكن أن يقال فيه: إنه معارضة للقرآن ، لأنا لا ندعي إعجاز القرءان من ~~حيث أنه منزل من عند الله تعالى فقط ، بل لأوصاف أخر تخصه . PageV01P099 # ألا ترى أنه لا ms023 شك أن التوراة والانجيل والزبور كانت منزلة من عند الله ، ~~وإن لم يثبت فيها الاعجاز . # ومن كلام هذا المهرص (¬1) الكذاب: (( ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى )) . # وحكى: (( لقد من الله على الحبلى ، أخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق ~~وحشا ، وأحل لها الزنا )) . وهذا الكلام وإن كان سخيفا ، فإنه أسف[ه] مما ~~تقدم من كلامه . والعلة فيه: أنه أدخل فيه شيئا من ألفاظ القرءان ، لأنه ~~أخذ الابتداء من قوله: { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) } [الفيل] ، ~~فجعل (( الحبلى )) مكان { أصحاب الفيل (1) } . # وكذلك فيما حكى من قوله: (( لقد من الله على الحبلى )) ، أخذه من قول ~~الله عز وجل: { لقد من الله على المؤمنين } [البقرة: 164] . فجعل (( الحبلى ~~)) مكان { المؤمنين } . # وقوله: (( أخرج منها نسمة تسعى )) من ألفاظ القرءان إلا قوله: (( نسمة )) ~~، فاكتسى هذا الفصل ضربا من الزبرج (¬2) ، لما فيه من ألفاظ القرآن . # واعلم أن الشاعر يدخل لفظة من القرءان في بيت من الشعر ، أو يدخلها ~~الكاتب في فصل من كتابه ، والمحاور في فصل من محاورته ، PageV01P100 فيكتسب ذلك البيت وذلك الفصل من العذوبة والرونق ما يصيره غرة (¬1) في ~~سائره ، وهذا من عجيب ما اختص به القرءان ، وفيه دلالة واضحة أنه مباين ~~لكلام البشر والحمد لله . # وقد رأيت بعض من كان يتعاطى الفصاحة ، ويدعي البلاغة من أهل عصرنا هذا ، ~~يعجب بفصل يحكيه عن طليحة الأسدي ، وهو (( ما يفعل الله بتعفير خدودكم ، ~~وفتح أدباركم ، اذكروا الله أعفة قياما )) . # وكان يقول: (( ما هذا بكلام رذل )) . وكان يوشح به ما كتب ، أقدره أنه ~~منطوي عليه (¬2) . # وهذا الفصل إنما صار له يسير من الرونق ، لأنه أدخل فيه شيئا من ألفاظ ~~القرءان ، لأن الله تعالى يقول: { ما يفعل الله بعذابكم } [البقرة: 147] ، ~~فأخذه ، وأخذ (¬3) (( اذكروا الله أعفة )) من قوله تعالى: { يذكرون الله ~~قياما وقعودا } [آل عمران: 191] ، ومن قوله تعالى: { اذكروا الله ذكرا ~~كثيرا (41) } [الأحزاب] . # على أن هذا القدر وبأضعافه لا يمكن أن يعرف حال الكلام ، وحال المتكلم ، ~~كما أن بالبيت الواحد وبالبيتين لا يمكن أن يعرف حال الشاعر ، وبالفصل ~~الواحد وبالفصلين ms024 وبالثلاثة لا يمكن أن يعرف حال الكاتب والكتابة . وإنما ~~يمكن أن يعرف ذلك إذا امتد نفس الكلام PageV01P101 ، وظهر التصرف فيه ، ولهذا نقول: إن بهذا القدر من القرءان لا يمكن أن يعرف ~~إعجازه ، لأن هذا القدر من القرءان لا يمكن أن يعرف إعجازه , لأن هذا القدر ~~وأضعافه قد يتفق فيه ما لا يمكن لصاحبه الاستمرار عليه . # فأما ما ذكر عن ابن المقفع في هذا الباب فهو أكثر ، ونحن نذكر طرفا منه ~~وننبه به على نمطه ، فإني رأيت كثيرا من الجهال يدخلون به الشبه على أنفسهم ~~. فمن ذلك: (( وأما الذين يزعمون أن الشك في غير ما يفعلون ، وتنتهي الثقة ~~إلى ما يقولون ، أولئك ممن غضب عليهم ربهم ، إنه خبير بما يعملون ، الذين ~~اتخذوا من دوني نصيرا ، أولئك لا يجدون وليا ولا هم ينصرون ، ومنهم من يتخذ ~~أندادا من دون الله رجما بالغيب ، أولئك وراءهم شر ما يظنون )) . # فانظروا - رحمكم الله - إلى صفاقة هذا الانسان ، كيف جاء إلى ألفاظ ~~القرءان فحرفها عن مواضعها ، وأوهم أنها من كلامه ، فأفسد وضعه ونضمه ، وما ~~أشبهه ، إلا ما حكى لي بعض أهل الأدب أنه أنشد قول المتنبئ: # بقائي شاء ليس هم ارتحالا ... وحسن الصبر زموا لا الجمالا (¬1) # ... # فقال: أخذ قول أبي تمام فنسخه وفسخه ومسخه ، يعني قوله: # قالوا الرحيل فما شككت بأنها ... نفسي عن الدنيا تريد رحيلا (¬2) PageV01P102 فأبلغت الحكاية المتنبئ , فقال: هلا وهبه لقولي: # وحسن الصبر زموا والجمالا # وابن المقفع أسوأ حالا من المتنبئ ، لأنه ليس لكلامه من الحسنات ما يوهب ~~له السيئات . فتأملوا - رحمكم الله - كيف جاء إلى ألفاظ القرءان ، لأن { ~~غضب الله عليهم } [المجادلة: 14] (¬1) من ألفاظ القرءان ، وأنه { خبير بما ~~تعملون (13) } [المجادلة] من ألفاظ القرءان ، وكذلك قوله: (( أولئك لا ~~يجدون وليا ولا هم ينصرون )) كله من ألفاظ القرءان ، إلا أنه حرف وغير ~~وأفسد اللفظ ، وسلبه حسنه بتغيير النظم . # وكذلك قوله: (( ومنهم من يتخذ من دون الله أندادا رجما بالغيب أولئك ~~وراءهم )) كل ذلك من ألفاظ القرآن . وليس له من الزيادة في هذا إلا قوله في ms025 ~~أوله: (( يزعمون أن الشك في غير ما يفعلون )) ، وهذا كلام مبتذل (¬2) من ~~ألفاظ العامة والسوقة ، لأن إرادتهم نفي (¬3) الشك عما كانوا يفعلون ، فلم ~~يصرح به ، وإنما أثبته في غير ما يفعلون . # ولعمري إن الفصيح قد يعدل عن التصريح إلى التلويح ، لكن على وجه يكون ~~أبلغ من التصريح ، وبألفاظ تكون أجزل من ألفاظ التصريح ، ويكون ذلك لغرض ~~صحيح . وذلك مثل قول الله تعالى: { PageV01P103 وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (24) } [سبأ] ، أراد: إني على ~~الهدى وأنتم في ضلال مبين ، فعدل عن ذلك إلى الإيجاز والتلويح بلفظ هو أشرف ~~وأجزل ، وكان الفرض في هذا بيان ذلك بما يكون أجمل ، والتنبيه عليه بما ~~يكون ألطف ، وكلام هذا المختلق (¬1) لا يحتمل ذلك ، لأنه أردفه بقوله: (( ~~عليهم غضب من ربهم )) ، وهذا نبو في المعنى الذي له يعدل عن التصريح إلى ~~التلويح . # ومن ذلك قوله تعالى: { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة } [آل ~~عمران: 152] ، فعاتبهم بألطف عتاب ، وجعل خطابهم أجمل خطاب . ثم عقبه ~~بقوله: { ولقد عفا عنكم } [آل عمران: 152] ، فكان عجز الكلام مطابقا لصدره ~~، واستمر الغرض فيهما على منهاج واحد . # ومن زيادته أيضا قوله: (( أولئك وراءهم شر ما يظنون )) ، وهذا وإن كان ~~اللفظ لغوا (¬2) ، فإنه أخذه من معنى قول الله تعالى: { وبدا لهم من الله ~~ما لم يكونوا يحتسبون (47) } [الزمر] ، وكساه من لفظه الخسيس ما أزال رونقه ~~وبهجته . # ومن كلام هذا الجاهل وأوهم أنه عارض: (( قل أعوذ برب الناس ، المعاذ ~~بصاحب البلد ، مالك البلد ، وباني البلد ، وساكن البلد ، من PageV01P104 شر العاربة ، وأهل الطاغية ، الذي أضل صاحبه ، ومنع جانبه ، وحمى جاره من ~~سكان المدر ، وخلاف العذر والعرر )) . # تأملوا - رحمكم الله - حال هذا الجاهل في ادعائه أنه أورد معارضة ، ومن ~~جاء إلى كلام فصيح شريف الوضع أو كلام متوسط أو مسترذل . فأبدل (¬1) كل ~~كلمة منه بكلمة نافرة أو غير نافرة ، هل يكون معارضا ؟ وهل يستحق ذلك أن ~~يسمى: معارضة ؟! # فأما قوله: (( أضل صاحبه ، ومنع جانبه )) . . . إلى آخر الفصل ، فكلام لا ~~يلاحن بعضه بعضا ، لأن ms026 قوله: (( أضل صاحبه )) ذم ، وقوله: (( حمى جاره )) ~~مدح . وقوله: (( سكان المدر ، وخلاف العذر والعرر )) لا ملاءمة بين بعضه ~~والبعض ، وإنما طلب به السجع من أقبح الوجوه . على أن سكان المدر لا مزية ~~لهم في الشر على غيرهم ، فلا وجه لتخصيص الاستعاذة من شرهم لولا عمى قلبه . # وقلنا: إن هذا الفصل لا يصح بتة على وجه من الوجوه أن يسمى: معارضة ، ~~لأنه جار مجرى أن يقول الانسان: ونظنهم منتبهين وهم نيام . # ويدعي أنه عارض قوله: { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود } [الكهف: 18] ، فلا ~~يستحق أن يسمى: معارضة بتة ، لأنه أبدل كل لفظة منه بلفظة ، وأتى بألفاظ ~~وضيعة بدل ألفاظ شريفة . PageV01P105 # ولئن جاز أن ذلك معارضة ، فلم لا يكون معارضا لقول امرئ القيس: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي (¬1) # بأن يقول: # تخال الوحش في طل أرضنا ... وفي بيتنا التفاح والعنب البالي # ولم لا يكون معارضا لقوله: # خليلي مرا بي على أم جندب ... لنقضي حاجات الفؤاد المعذب (¬2) # بأن يقول: # حبيبيا سيرا بي على أخت زينب ... لنقضي أوتار الفؤاد المعذب # ولم لا يكون معارضا لقول الكميت: # طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا منى وذو الشيب يلعب (¬3) # بأن يقول: # لعبت وما ميلا إلى السمر ألعب ... وما لهوى مني وذو السن يطرب # أترى هذا الجاهل لم يعرف شيئا من نقائض جرير والفرزدق ، وما معارضات أمرئ ~~القيس وعلقمة ؟ ولم يتصور كيف كانت تجري المعارضات بين العرب . # وما عندي أنه خفي عنه ذلك ، لكنه أراد أن يسخر بما أتاه من بعض الجهال أو ~~الأغمار . PageV01P106 # على أن كلام ابن المقفع إذا لم يدع أنه يعارض القرءان ليس من هذا الجنس ، ~~بل هو من كلام الفصحاء . # فإن قيل: فكيف يجوز أن يجود كلامه إذا قصد غير معارضة القرءان ، ويسقط ~~إذا أرادها ، إلا أن يقولوا بالصرف ؟! # قيل له: هذا مما نبينه ونوضحه في الفصل الذي نبين أن الاعجاز تعلق بالنظم ~~والفصاحة جميعا ، وستجده إن شاء الله هناك شافيا كافيا . # ومن كلام هذا الجاهل - أعني ابن المقفع -: (( ألا ms027 إن الذين اتخذوا إلها ~~من دون الواحد القهار ، لبئس ما يصنعون ، ولا تكونوا كا لذين آمنوا ، ولم ~~يثمر إيمانهم لظلمهم ، أولئك عليهم غضب من ربهم وهم لا يهتدون )) ، والكلام ~~في هذا كالكلام فيما تقدم ، الألفاظ كلها ألفاظ القرءان ، حرفها وأفسدها ~~بالتقديم والتأخير ، والتبديل والتغيير ، ثم جاء إلى قوله تعالى: { الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } [الأنعام: 82] ، فغيره بأن قال: (( الذين ~~آمنوا ولم يثمر إيمانهم لظلمهم )) ، فجاء إلى ذلك النظم الشريف الرائع ~~فنقله إلى النظم العامي . # ألا ترى أن قوله تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } ، جرى ~~على منهاج وطريقة واحدة . فإنه جعل الفعل في الأول والآخر للذين آمنوا ، ~~فاتسق الكلام أحسن الاتساق ، وانتظم أحسن الانتظام . # وهذا الغبي جعل الفعل الأول للذين آمنوا ، والفعل الثاني لإيمانهم ، لأنه ~~قال: (( لم يثمر إيمانهم )) ، فحصل في الكلام بعض الاضطراب . PageV01P107 # ولست أقول: إن هذا القدر لا يحتمل أن يقع في كلام الفصحاء ، ولكن إذا أتى ~~كلاما فصيحا فرام أخذ معناه بلفظ من عنده يكسوه ، فأقل ما في بابه أن ~~يساويه ، إن لم يجاوزه (¬1) . # فأما أن يسقط دونه فهو من أمارات الخذلان . على أنا قد بينا أن هذا الجنس ~~من الكلام لا يستحق اسم المعارضة ، ومن أتى به لا يصح أن يسمى: معارضا على ~~مذهب العرب والعجم . فإن للعجم أيضا معارضات على مقادير لغاتهم ، وضربنا ~~لصحة ما قلناه الأمثال بالأبيات التي أبدلنا كل لفظة منها بلفظة ، فاتضح ~~الكلام فيه بحمد الله ومنه . # ومن كلام هذا الجاهل - وقيل: إنه أوهم به معارضة قول الله تعالى: { ألم ~~تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد (7) } [الفجر] -: (( تأمل صنيع ~~الله بأهل الشام ، وقد شملتها الآثام ، وكثر فيها الإجرام ، فيومئذ حين ~~أظلتهم الآكام ، والقادمين من السوق بالخيام ، إن ربك صب عليهم سوء العذاب ~~، إنه لا يعجل العقاب ، ولهم الجزاء الأوفى يوم الثواب )) . # تأملو - رحمكم الله - هذا الفصل وما فيه من الخلل ، لتعلموا بعد هذا ~~الانسان عما تحراه ، وسقوط كلامه دون الغرض الذي رماه . # فإن أول الكلام من كلام الكتاب ms028 المقلين في البضاعة ، المتكلفين للصناعة ، ~~وفي كتاب عصرنا من لا يلحق هذا الكلام شيئا من كلامه (¬2) . PageV01P108 # فقوله: (( شملتها الآثام ، وكثر فيها الإجرام )) ، تطويل لا يفيد آخره إلا ~~ما أفاد أوله . # ولعل ظانا يظن أنه مثل قول الله عزوجل: { الذين طغوا في البلاد (11) ~~فأكثروا فيها الفساد (12) } [الفجر] ، وليس ذلك كذلك ، لأن الطغيان هو ~~مجاوزة الحد في الترفع والتكبر ، ومنه قوله تعالى: { إنا لما طغى الماء ~~حملناكم في الجارية (11)} [الحاقة] ، والخنا والفساد ليسا من ذلك في شيء . # وهذا الجاهل أخذ هذا من قول الله تعالى: { وأحاطت به خطيئته } [البقرة: ~~81] ، فانظروا في حال الكلامين في جزالة اللفظ واختصاره ، مع أن فيها ~~المعاني ، ليعلم أن ما بين الكلامين ما بين الثرى والثريا . # وقوله: (( إن ربك صب عليهم سوء العذاب )) . وقوله: (( الجزاء الأوفى )) ، ~~كله من ألفاظ القرءان ، لأنه أفسد الوضع حين عقب (( صب عليهم سوء العذاب )) ~~بقوله: (( إنه لا يعجل العقاب )) ، لأنه لا يحسن أن يقال: (( عذبهم )) . # ثم يقال: (( لا يعجل العقاب )) ، لأن الإخبار بأنه لا يعجل العقاب إنما ~~يحسن أن يكون توعدا مع المهل ، أو توعدا قبله ، أو بعد ذكر العفو . فأما مع ~~الإخبار بنزول العذاب فإنه لا يحسن . لكن يد الخذلان تصرفه كيف شاءت ، ~~ولهذا لم يذكر الله عزوجل ترك تعجيل PageV01P109 العقاب إلا مع ذكر المهل أو العفو ، وهما كقوله تعالى: { وربك الغفور ذو ~~الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه ~~موئلا (58) } [البقرة] ، وكقوله: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك ~~عليها من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } [النحل: 61] ، وكقوله: { ولو ~~يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى } [فاطر: 45] ، وكقوله تعالى: { وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ~~ويستخلف من بعدكم ما يشاء . . . إلى قوله: إن ما توعدون لآت } [الأنعام: ~~133 - 134] . # وقول هذا الجاهل: (( ولهم الجزاء الأوفى يوم الثواب )) ، كلام مختل لأن ~~جزاء المخرج (¬1) لا تعلق له الثواب . # ومن كلام هذا الجاهل بعد هذا الفصل: ms029 (( يا أيها الناس قد نسب أهل العراق ~~إلى الشقاق والنفاق ، وفي الزعاق ، ويظهرون طاعتهم للخلاف ، وإن ربك هو ~~أعلم بمن حاد عن طريقهم ، وهو أعلم بالمعتدين ، وأوفى للمهتدين )) . # أما ابتداء هذا الكلام فهو أسجاع باردة لا فائدة فيها ، وهو من جنس كلام ~~مسيلمة ، ولهذا قال أبو بكر لما بلغه شيء من كلام مسيلمة: (( إنه كلام لم ~~يخرج من إله )) ، يعني: من عند الله تعالى ، { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) } PageV01P110 [النحل] ، فأفسد النظم لأن قول الله تعالى اشتمل على قسمة حسنة ، لأنه بين ~~أنه أعلم بمن ضل عن سبيله ، وبمن اهتدى ، وهذا الجاهل غير ذلك ، وأزال حسنه ~~، وجعله تطويلا غير مفيد ، لأن الحائد عن الطريق والمعتدي واحد ، مع أن فيه ~~إبدال لفظة بلفظة . وقد بينا أن ذلك لا يصح أن يسمى: معارضة . # ثم قال هذا الجاهل: (( ولئن أكرمه ، وأفاء من النعمة عليه ليتم لها شكره ~~، ثم يعرف بذلك ربه ، إنه رب عليم ، ورءوف حليم )) ، وهذا كلام كما ترى ~~ركيك من كلام الكتاب الذين لم يتقدموا في الصناعة ، ولم يؤتوا حظا من ~~البراعة . # ولهذا الجاهل كلام كثير يجري هذا المجرى ، ولا فائدة في إطالة الكتاب ~~بذكر جميعه ، بعد أن نبهنا على نمطه وطريقه ، لئلا يغتر به مغتر . # ثم قال بعد فصول من كلامه: (( وبقي أن تستوي حالة الكلامين بأن لا يتفاضل ~~الإعتقاد فيهما , فيعظم أحدهما ، ويصغر الآخر ، ثم تكثر تلاوة أحدهما كما ~~كثرت تلاوة الآخر ، فيستعذب ألفاظ أحدهما كما يستعذب ألفاظ الآخر ، ~~ويستفصحه كما استفصح الأول ، فبالإلف يعذب المتلو ، ويستلذ المأكول ~~والمشروب والمنكوح ، وبالتنكر والاستغراب ينفر عنه ، ويبعد عن الصواب ، ~~ولتمد به الحنجرة ، كما تمد بغيره )) . PageV01P111 # فيقال لهذا الجاهل السخيف: أرأيت لو أن بعض سخفاء الكتاب المتأخرين في ~~البلاغة كتب كتابا يظن (¬1) اللفظ ساقط المعنى ، ثم يذكر أنه عارض به رسائل ~~المتقدمين في صناعة الكتابة ، ثم اعتذر بما اعتذرت به ، فقال: يجب أن لا ~~يتفاضل الاعتقاد فيهما فيعظم كلامه ، ويصغركلامي ، هل يكون جوابه عند أهل ~~المعرفة ms030 بهذا الشأن إلا التبسم والاستسخاف لعقله ومعرفته ؟! # وأما قوله: (( وليكثر من تلاوته كما أكثر من تلاوة الآخر . . . )) إلى ~~آخر الفصل ، إلى ذكره المأكول والمشروب والمنكوح ، كلام جاهل بالعبارات ، ~~أو متجاهل . # لأن المعلوم من أحوال الناس وعاداتهم التي لا تكاد تخفى على المراهقين ~~فضلا على البالغين المحصلين: أن الاكثارمن الشيء تلاوة كانت فيما يتلى ، أو ~~شربا فيما يشرب ، أو غير ذلك يوجب الملال ، ويسبب السآمة ، ويصور المتلو ~~والمشروب والمأكول والمنكوح يصوره بما يستقل ، لهذا يعدل الانسان في هذه ~~الأمور من شيء إلى شيء ، مستريحا إلى الثاني عند الملال من الأول ، ولهذا ~~يستكثر من ألوان الطبيخ . # ولهذا يعدل في النكاح عن الحلال الحاصل إلى الحرام المستحدث ، وربما كان ~~من يتمكن الانسان منها أصبح (¬2) وجها ممن لا يتمكن ، PageV01P112 وليس الغرض فيه إلا الاستلذاذ للجديد ، فالأمر فيما ذكره إذن على العكس مما قاله . # فإن قيل: فنحن نعلم أن بعض أهل البلدان يستلذون من الأطعمة والملابس ما ~~لا يستلذه أهل بلد آخر ، وليس ذلك إلا للإلف . # قيل له: ذلك يكون إذا اختلفت الأجناس ، كما أن أهل طبرستان يستلذون خبز ~~الأرز فوق ما يستلذون خبز البر . # فأما إذا كان الجنس واحدا ، فلا شك في مزية المستحدث الجديد . ولهذا قيل ~~في المثل: (( لكل جديد لذة )) . # ولهذا قالوا في القرآن: (( إنه لا يخلق ولا يمل على كثرة الرد )) . # فجعلوا ذلك من آياته . # ولا يكسب الملال إذا كثر ترديده ، ودامت تلاوته . # يجري الأمر فيه على خلاف المعتاد ، على أن ما ذكره لو كان صحيحا لبطل ~~التفاضل بين الأشياء في ذواتها ، وكان الفضل يرجع إلى المعتاد المتقادم ، ~~وكان المكثر لإنشاد (¬1) شعر الحبرزي إذا أنشد في النادر شعر امرئ القيس ، ~~وكان عارفا بالشعر ومحاسنه ومساوئه ، وبالفرق بين الكلام الفصيح وغير ~~الفصيح ، يجب أن يرى شعر الحبرزي على طبقة من شعر امرئ القيس ، وهذا لا ~~يرتكبه إلا جاهل ، فكان يجب على هذا أن يكون الذي يكثر عنده الجواري ~~الزنجيات القبائح ، إذا PageV01P113 وجد رومية حسناء أن يكون استلذاذه للزنجيات القباح أشد ، وهذا هوس ms031 لا يظنه ~~عاقل !! # فأما مد الحنجرة به ، فأي تأثير له في مواقع الكلام ؟! أما يعلم هذا ~~الجاهل: أن الانسان قد يسمع كثيرا من الأبيات الملحنة من المغنين والقوالين ~~، ثم لا يخفى عليه إذا كان من أهل الصناعة الفرق بين جيدها ورديئها ، ~~وفصيحها ومسترذلها ، ثم لا يخفى عليه الفرق بين الرديء الذي سمعه ملحنا ، ~~وبين الذي لم يسمعه قط ملحنا ؟ فأي تأثير في هذا الباب لمد الحنجرة ؟لولا ~~أنه كما قال عزوجل: { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور (46) } [الحج] . # فإن قيل: فهبكم قد عرفتم التفاوت الذي بين القرءان ، وبين كلام هذا ~~الانسان ، وعلمتم أنه لا يصح أن تكون معارضة للقرآن للوجوه التي ذكرتموها ، ~~والأمثال التي ضربتموها ، فكيف تعرفه العامة والذين لا يعرفون ما ذكرتم ~~وبينتم ؟! # قيل لهم: طريق معرفتهم هو أنهم يعرفون الأخبار التي تتوافر عليهم . إن ~~مثل (¬1) أهل العراق ومن نحا نحوهم ، وكذلك الفرس وأشباهم ، تقصر فصاحاتهم ~~وبلاغاتهم في منثور الكلام ومنظومه عن فصاحة العرب من أهل البادية ~~وبلاغاتهم . إذا عرفوا ذلك وعرفوا عجز العرب عن الاتيان بمثل القرءان بما ~~نبينه عرفوا عجز من دونهم ، لأنه لا يجوز أن يعجز عن الشيء من يكون في ~~الطبقة العليا من التمكن ، ولا يعجز عنه PageV01P114 من يكون في الطبقة الدنيا ، فيحصل لهم العلم بهذا الاعتبار أن ما أتى به ~~هذا الجاهل لا يصح أن يكون معارضا للقرآن ، وأن القرءان معجز . والحمد لله ~~رب العالمين على ذلك . # - - - PageV01P115 ### || AUTO الكلام في بيان أن الإعراض عن المعارضة إنما كان للتعذر # فإن قيل: ولم ادعيتم أن العرب كفت عن معارضة القرءان لتعذرها عليهم ، وما ~~أنكرتم أن يكونوا كفوا عنها وتركوها لبعض أغراض كانت لهم ، فإن الناس قد ~~تصرفهم الصوارف عن كثير مما يتمكنون من فعله ؟ # قيل له: قلنا ذلك لأنهم كفوا عن المعارضة وتركوها وعدلوا عن الاشتغال بها ~~، مع ما كان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التحدي لهم على ما بيناه ~~، مع توفر دواعيهم لتوهين أمره ، وإظهار ما كانوا يدعون ms032 من افترائه (¬1) ~~صلى الله عليه وآله وسلم وحاشاه من ذلك . # وقد علمنا: أن العقلاء إذا دعوا إلى أمر يكرهونه ، يهون عليهم لدفعه ~~وإبطاله بذل أموالهم وأنفسهم ، وكان من يدعوهم إلى ذلك يدعوهم لحجة يبرزها ~~ويدعيها ، وكانوا متمكنين من إيراد ما يدحضها ويبطلها ، ويكشف عن ضعفها ~~ووهنها ، من غير ضرر يمسهم ، أو مشقة عظيمة تلحقهم ، فلا بد من أن يأتوا به ~~، ومتى لم يأتوا به ، دل على أنهم غير متمكنين من الاتيان به . PageV01P116 # ألا ترى أن واحدا لو جاء وادعا النبوة في قوم ، وهم له كارهون ، ولتكذيبه ~~مجتهدون ، فقال لهم: معجزي أن من كلمته منكم في هذا اليوم لا يمكنه أن ~~يجيبني ، ثم أخذ يكلمهم طوال النهار من غير أن يجيبه أحد منهم ، مع وفور ~~بواعثهم على توهين أمره ، وتنفير أصحابه عنه بإظهار كذبه ، دلنا ذلك على أن ~~جوابه قد تعذر عليهم ، وأن ذلك معجز له ، وهذا مما لا يخيل على أحد أنصف ~~نفسه أنه على ما قلنا . # وجملة هذا الباب: أن كل من علمنا من حاله أنه لا يفعل فعلا ما ، مع توفر ~~الدواعي إليه ، وقوة البواعث عليه ، ومع ارتفاع الموانع عنه ، وفقد الحواجز ~~دونه ، نعلم أنه (¬1) لم يفعله إلا لتعذره عليه . ولولا ذلك ، لم يكن لنا ~~طريق من جهة الاكتساب يتوصل به إلى العلم بتعذر شيء على أحد . وفيما ذكرناه ~~وأوضحناه دليل على أن معارضة القرءان كانت متعذرة على العرب . # فإن قيل: فأنتم بنيتم كلامكم هذا على أن دواعيهم كانت متوفرة إلى ما ~~ذكرتموه . فدلوا عليه . # قيل له: من أوضح ما يدل على قوة دواعي المرء إلى أمر من الأمور ، يعرف من ~~حاله أنه قد بذل لطلبه ونيله والتوصل إليه ، أعز الأشياء عليه . وقد علمنا ~~أن أعز الأشياء على الانسان: النفس ، والمال ، والأرحام . PageV01P117 # ووجدنا مشركي العرب من قريش وغيرهم قد بذلوا الأنفس والأموال ، وقطعوا ~~الأرحام ، لمعاداة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولإدخال الوهن عليه ~~، وإبطال ما كان يدعيه من النبوة ، وبذل هذه الأمور لا تصح من العاقل ms033 ~~لإبتغاء أمر وطلب حال ، إلا إذا كانت دواعيه إليه ، وبواعثه عليه ، تكون قد ~~بلغت في القوة مبلغا عظيما ، حتى قاربت حد الإلجاء وإن لم تكن (¬1) بلغته . # على أن الأسباب المقوية للدواعي والبواعث كانت حاصلة ، فلا بد من حصول ~~قوتها ، لأن أقوى الدواعي أن ينظر الانسان إلى نظرائه في النسب ، ويدعي ~~عليهم الرئاسة ، وأنه يجب عليهم (¬2) الإنقياد له ، والخضوع لأوامره ~~ونواهيه فيما يحكم عليهم ولهم ، في أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذراريهم ، مع ~~ذمه من خالفه منهم فلم يتبعه ، ولم ينقد له ، وتكفيره إياهم ، وذم أديانهم ~~، وما كان عليه آباؤهم وأسلافهم ، من غير رئاسة كانت له عليهم ، ولا زيادة ~~في مال أو جاه أو ملك يتميز به منهم ، بل يكون في القوم من يزيد عليه في ~~كثير من الأحوال ، ثم تكون أحواله مع ذلك في ضمان (¬3) القوة ، وآخذة في ~~المزيد ، وأحوال القوم آخذة في جانب التراجع ، ماضية في حيز التهافت ، مع ~~حصول تلقيهم بالامكان لجميع ما ادعاه ودعاهم إليه وشدة امتعاضهم لذلك ، PageV01P118 مع أن القوم يعرفون بالعصبية ، وشدة الحمية . والقرءان مما كانوا يعتقدون ~~أن عليهم فيه سبة وعارا ، وكل ما ذكرناه كانت أحوال القوم مع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ، فدل ذلك على قوة دواعيهم إلى ما ذكرنا ، ولم يجز مع ~~ذلك أن لا يقع منهم (¬1) معارضة القرءان لولا تعذرها عليهم . # فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون القوم خفي عليهم أن معارضة القرءان أبلغ ~~الأشياء في إبطال دعواه ، وإزالته عما كان يتوخاه ، فأعرضوا عنها إلى ما ~~سواها ، واشتغلوا بما عداها ؟! # قيل له: هذا لا يجوزه من عرف أحوالهم ، لأنهم كانوا أعرف الأمم بمواقع ~~المخاطبات , ومذاهب المعارضات ، إذ تلك من عاداتهم السالفة ، وسجاياهم ~~الخالفة (¬2) . # ولا يجوز أن يكون خفي عليهم أن معارضته لو تمكنوا منها تكون أبلغ الأشياء ~~في توصلهم إلى مرادهم فيه , لأنه صلى الله عليه وآله لم يكن يدعي ما كان ~~يدعيه لتمكنه من مال أو سلطان أو اقتدار ، أو تعزز بشريعة يصدرون عن أمره ~~فيما يمثله لهم من محاربة ms034 عدو ، أومعاونة ولي ، وإنما كان يدعي أنه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله ، وأن شعاره ودثاره الصدق ومجانبة الكذب ، ومن ~~يكون كذلك لا PageV01P119 يخفى على العقلاء أن أبلغ الأشياء في تبديل حاله ، وتفريق أصحابه ورجاله ~~عنه ، إظهار كذبه فيما يدعيه ويقوله . # وهب أن ذلك يخفى على الواحد والاثنين لغفلة تعرض - مع تعذر ذلك - كيف ~~يجوز أن يخفى ذلك على العدد الكثير ، والجم الغفير ؟!! # وهب أن ذلك يخفى مدة من الزمان يسيرة ، كيف يجوز أن يخفى ذلك ثلاثا ~~وعشرين سنة ؟! # وهب أنهم ظنوا في أول الأمر أنهم يقمعونه بالحرب والقتال . كيف يظنون ذلك ~~بعد ما كشفت لهم تلك الحروب عن قوة أمره ، وضعف أمرهم ، بل قتل كثير من ~~صناديدهم وساداتهم حربا وصبرا ، وسبي كثير من ذراريهم ، ونفي كثير منهم عن ~~أوطانهم ؟ وهذا أوضح من أن يحتاج له إلى تطويل الكلام !! # فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون ذلك خفي عليهم ، لأنهم كانوا إخوان الحروب ، ~~وأصحاب الغارات ، ولم يتواتر أن ضربوا في الجدل وطرائقه بسهم ، ولا ثبت لهم ~~في ذلك قدم ، ولم يكن النظر في الديانات ، والبحث عن صحيحها وسقيمها ، ~~والتنقير عن الطرق المؤدية إلى الفصل بين الحجج والشبه من عاداتهم ؟! # قيل له: هذا ما لا يجوز أن يخفى عليهم,لأن علمهم بالمعارضات وطرقها كان ~~أقوى علومهم ، ومعرفتهم بها أكثر معارفهم ، وما يجري هذا المجرى يكون العلم ~~به ضروريا ، ثم العلم بأن من ادعا حالا من الأحوال ، واعتصم لصحته بأمر من ~~الأمور ، فأقوى الأشياء في إيضاح PageV01P120 كذبه ، والإبانة عن إفترائه وتقوله ، هو تبيين فساد ما اعتصم به ، وسقوط ما ~~التجأ لتصحيح دعواه إليه ، من العلوم الضرورية التي يشترك فيها العقلاء , ~~والمراهقون الذين قاربوا كمال العقل ، وإن لم يكونوا بلغوه . # ولهذا ترى المختلفين في قيمة سلعة إذا ذكر المغالي بها سلعة على صفة ، ~~يجب أن يغالي بقيمتها من أجل تلك الصفة التي يجد (¬1) المخالف له في ذلك أن ~~يطعن في تلك الصفة وينازع فيها ، ولا يشتغل بغير ذلك . وتجد الصبيين إذا ~~ادعا أحدهما أنه أحسن ms035 (¬2) صراعا من الآخر لوجه يورده ، ترى المباري له ~~ينازعه في تلك الصفة يحاول إيراد ما يمنعه من الاحتجاج بها ، ثم تجد أحوال ~~أصحاب المهن من الصناعات ، والمشتغلين بالزراعات ، يستوون فيما ذكرناه ، ~~ويتبارون فيما حكيناه ، فإذا ثبت ذلك بان أن ما ادعوا (¬3) خفاءه على العرب ~~من أحوال المعارضات ، باطل لا يدعيه عاقل . # على أنهم بعد مهاجرة النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة قد خالطوا أهل ~~الكتاب ، واستعانوا بهم ، ولهذا انضم قريش وغطفان بعضها إلى بعض ، وانضم ~~اليهم اليهود الذين كانوا حول المدينة ، يوم الأحزاب ، واجتمعوا وتناصروا ، ~~وكان الساعي في ذلك والجامع PageV01P121 لشملهم ، والمؤلف بينهم حيي بن أخطب ، وهو القائل لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله يوم قريظة حين قدم لضرب عنقه: (( يا محمد ما لمت نفسي في عداوتك )) (¬1) . # واليهود كانوا يتعاطون النظر في الديانات ، وكذلك النصارى ، فهلا تهيأ ~~لهم من ذلك ما خفي على مشركي العرب ؟ وهلا اهتموا (¬2) بها - أعني اليهود ~~والنصارى - إذ كان فيهم الفصحاء والبلغاء وأرباب الألسن ، لولا علمهم ~~بتعذرها عليهم . # على أن ما روي عن الوليد بن المغيرة ، وعتبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف ~~فيما تقدم ذكره ، يدل على أن القوم كانوا فطنوا لذلك ، ولم يكن خفي عليهم ، ~~وكانوا قد صرفوا همهم إلى الاشتغال به ، فبان أن الذي أوجب كفهم هو التعذر . # وإنما كان لسهو عرض لهم ، وخطأ في التدبير اتفق عليهم ، فقد يعرض السهو ~~فيما يكون العلم به ضرورة ، ويتفق الخطأ والذهاب عن الرأي في كثير من ~~التدبير . # ولهذا تجد الخطأ يكثر في تدبير العقلاء في الحروب والسياسات ، والأمور ~~العامة والخاصة . # قيل له: إن الذي يجري هذا المجرى من الخطأ والانحراف عن الصواب ، إن اتفق ~~يتفق للواحد والاثنين ، والمرة بعد المرة . PageV01P122 # فأما أن يكون العدد الكثير من العقلاء ، تمر عليهم السنون ، وتكر عليهم ~~الأعوام ، وهم على ضرب من السهو فيما يكون العلم به ضرورة . ولا يتنبهون ~~عليه ، ولا يتنبه عليه واحد منهم ، على مر الزمان ، وتطاول الأعوام ، فذلك ~~مما يستحيل ، ولا يجوز توهمه . # فإن قيل: إن ms036 القوم كانت لهم صوارف صرفتهم عن الاشتغال بالمعارضة . فقابلت ~~تلك الصوارف تلك الدواعي التي دعتهم ، ولا يمتنع في الدواعي والبواعث أن ~~تقابلها (¬1) الصوارف ، فلا يحصل الفعل الذي دعت الدواعي إليه ، وإن كان ~~ممكنا غير متعذر (¬2) ؟! # قيل له: لا سبب إلى ادعاء صوارف مجهولة ، ولا صوارف غير معلومة . لأن ذلك ~~يؤدي إلى أن لا يمكن الفصل بين ما يتعذر فعله علينا ، وما لا يتعذر . # فإذا ثبت ذلك ، فالصوارف المعلومة لا تخلو من وجوه نذكرها: # إما أن تكون طلبتهم الراحة ، وفرارهم من التعب الذي يلحقهم بالاتيان ~~بالمعارضة ، أو إيثارهم الابقاء عليه صلى الله عليه وآله حشمة له ، وكراهة ~~لمكاشفته ، واستشعارهم خوفه وخشيته ، واستهانتهم به ، واشتغالهم بالحروب ، ~~أو ظنهم أن غير المعارضة أجدى عليهم ، وأدنى إلى مرادهم . PageV01P123 # ولا يصح أن يقال: إن القوم مالوا إلى طلب الراحة ، من الاشتغال بالمعارضة ، ~~لأنهم قد باشروا بمعاداته صلى الله عليه وآله أمورا هي أكثر تعبا ، وأشد ~~نصبا ، وأعظم خطرا من المعارضة . # فإنهم بذلوا الأموال والمهج ، وحاربوا حتى قتلوا وقتلوا ، وفرقوا كلمة ~~العشيرة ، وقطعوا الأرحام القريبة ، وواصلوا أولي الأسباب البعيدة ، ولا ~~يخفى على أحد من العقلاء أن المعارضة لو أمكنتهم كانت (¬1) تكون أقوى مشقة ~~، وأقرب متناولا ، وأيسر مطلبا ، وأذهب مع الراحة ، وأدنى إلى السلامة . # ولا يصح أن يقال: إنهم آثروا الابقاء على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~واحتشموه وكرهوا مكاشفته ، لأن القوم لم يدعوا من قبح معاملته عليه السلام ~~بابا إلا قرعوه ، بل ولجوه . حتى حملوا أختانه على طلاق بناته صلى الله ~~عليه وآله ، فقالوا: نشغله بهن حتى لا يتفرغ إلى ما هو فيه ، فأجابهم إلى ~~ذلك عتبة وعتيبة ابنا أبي لهب ، وردهم أبو العاص بن الربيع (¬2) . # وقالوا لأبي طالب: ندفع إليك فتى قريش وأصبحهم وأفصحهم عمارة بن الوليد ~~بن المغيرة لتتبناه ، وتدفع إلينا محمدا فنقتله . فقال أبو طالب: بئس الرأي ~~رأيتم لي ، آخذ ولدكم للتربية ، وأسلم ولدي للقتل PageV01P124 (¬1) !! وكتبوا الصحيفة على بني هاشم وبني المطلب على ألا يؤووهم ، ولا ~~ينكحوهم ، ولا ينكحوا إليهم ، وأجلوا كثيرا ms037 من أصحابه صلى الله عليه وآله ~~إلى المهاجرة إلى الحبشة وإلى المدينة ، واجتمعوا في دار الندوة يدبرون ~~عليه ، كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله تعالى: { وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ~~(30) } [الأنفال] . # وهذا يسير من كثير مما عاملوه به صلى الله عليه وآله ، بل طل من وابل ، ~~بل وشل من بحر . فكيف يظن بهم أنهم آثروا الابقاء عليه ؟! # ولا يصح أن يقال: إن القوم تركوا المعارضة خوفا له (¬2) ولأصحابه ، وخشية ~~لهم ، لأن جميع ما قدمنا يدل على أن القوم لم يخافوه ، ولم يحذروا جانبه . # ولا يصح أن يقال: إنهم أعرضوا عن حديث المعارضة استهانة به صلى الله عليه ~~وآله ، وقلة اكتراث بأحواله ، لأن جميع ما قدمناه يبين أن القوم كانوا ~~مهتمين بأمره ، بل كانوا قد جعلوا الاشتغال [به] أوكد مهماتهم ، ثم الحروب ~~التي جرت بينهم وبينه صلى الله عليه وآله بعد مهاجرته إلى المدينة ، توضح ~~جميع ما قلناه من أنهم لم يحتشموه ، ولم يخافوه خوفا يصرفهم عن إيحاشه ، ~~ولم يستهينوا به استهانة دعتهم إلى ترك الفكر فيه ، والانشغال بأحواله . PageV01P125 # ولا يصح أن يقال: إن اشتغالهم بالحروب صرفهم عن المعارضة ، وأقطعهم دونها ، ~~وصدهم عنها ، لأنه كان بين مبعثه صلى الله عليه وآله وأول وقعة عظيمة وقعت ~~بينه وبينهم وهي وقعة بدر نحو (¬1) من خمسة عشر سنة . فأين كانوا طول هذه ~~المدة ؟! # ثم كان بين وقعة بدر ووقعة أحد نحو سنة ، ثم من بعد ذلك أيضا لم تكن ~~الوقائع بحيث لا تنفس ، ولا ترجيىء (¬2) من الأعنة ، وكثير من تلك الوقائع ~~هم الذين كانوا يبتدأونها . # فهل عدلوا عنها إلى المعارضة لوكانت ممكنة لهم ؟! على أن الحروب لا تمنع ~~من المعارضات ، وهذا واضح . # ولا يصح أن يقال: إنه خفي عليهم أن المعارضة أجدى عليهم ، وأدنى إلى ما ~~طلبوه من توهين أمره ، لما بيناه من قبل أن ذلك مما لا يجوز أن يخفى على ~~المراهقين ، فضلا عن العقلاء ، وأن العلم بذلك من علوم الضرورة ms038 . # فإن قيل: ما أنكرتم أن تكون الدواعي دعتهم إلى تكذيبه وإبطال دعواه ، ~~وتوهين أمره دون معارضة إذ كان ذلك غرضهم ومرادهم ؟ فمن أين لكم أن الدواعي ~~دعتهم إلى المعارضة ؟! # قيل: قد علمنا أن الداعي إلى الشرع داع إلى أبلغ ما به يتوصل إليه سبحانه ~~، إذ (¬3) كان ذلك من أيسر الأمور وأسهلها في التوصل إليه PageV01P126 . ألا ترى أن من دعاه عطشه إلى شرب الماء فإنه يدعوه إلى استدعائه إن كان ~~ذلك أخف وأيسر ، أو استعبابه إن كان ذلك أدنى وأسهل ، أو اشترائه إن كان ~~ذلك أهون وأقرب . # فإذا ثبت ذلك ، ثبت أن الداعي لهم إلى إبطال أمره وتكذيب دعواه ، وإفساد ~~حاله صلى الله عليه وآله ، كان داعيا لهم إلى المعارضة ، لعلمهم بأنهم لو ~~أتوا بها كانت أبلغ الأشياء في التوصل إلى مرادهم ، مع أنها أسهل الأمور في ~~ذلك وأيسرها . # ويمكن أن يورد هاهنا أسئلة ضعيفة تركنا ذكرها ، لوجهين: # أحدهما: ما كان من كراهتنا لتطويل الكتاب . # والثاني: أن ما قدمناه من الابتداءات والأجوبة يأتي عليها ، إذا تأملها ~~المتأمل ، ونظر فيها الناظر . # على أن القرءان لا بد من أن يكون قد وقع على وجه يكون بوقوعه عليه ناقضا ~~للعادة ، أو يكون وقع خلاف ذلك الوجه ، بأن يكون وقع كما يقع سائر الكلام ~~المعتاد ، فلا بد من أن تكون العرب عارفة بذلك ، لأن أحوال الكلام لم تكن ~~تخفى عليهم ، فإن كانوا عرفوه ناقضا للعادة ، فقد بان أنهم تركوا معارضته ~~لتعذرها عليهم ، وإن عرفوه جاريا مجرى الكلام المعتاد ، فلا وجه من أجله ~~يكونون تاركين لمعارضته ، وإذا لم يعارضوه فقد صح أنهم تركوها للتعذر ، ~~لوقوع القرءان على وجه يكون ناقضا للعادة . PageV01P127 # ولا يصح أن يقال: إنهم شكوا في حاله (¬1) ، لأن علمهم بمثل هذا علم ضرورة ، ~~على أنهم لو شكوا كان أقل ما يكون منهم أن يجربوا أنفسهم ، ليحصل لهم العلم ~~به بذلك ، فيعود الأمر إلى ما قلناه ، من أنه لا بد من أن يكونوا عرفوا ذلك ~~وتحققوه . # ولا يصح أن يقال: [إنهم] تركوا معارضته لأنهم وجدوه ms039 كسائر الكلام المعتاد ~~الذي كان يجري بينهم دائما في محاوراتهم ومخاطباتهم ، لأن العلم بأنه بخلاف ~~ذلك علم ضروري . ولأن ذلك لو كان كذلك لجرى مجرى أن يدعي النبوة ، ويتحداهم ~~بأنه يأكل ويشرب ويقوم ويقعد ، ويتصرف كما يتصرف غيره ، ويجعل ذلك معجزته ~~صلى الله عليه وآله ، وهذا لا يجوز أن يقع من العاقل الذي يكون غرضه أن ~~يعظم في الصدق ، ويعتقد فيه أنه ممن يجب أن يطاع ، وأن يأتمر الخلق لأوامره ~~، وينزجروا عند زواجره ، لأن ذلك مما يجري مجرى التسوية بالنفس إليه (¬2) ، ~~[وهذا] يؤدي إلى أن يسخر منه ويستهزأ به ، ويسقط بإيراده من العيون ، وتنحط ~~منزلته ، لأن ذلك مما ينفر عنه أصحابه ، ويمكن أعداءه من التسلق (¬3) عليه ~~، ولأن ذلك لو كان كذلك لاحتج به الأعداء ، وقرعوه وقرعوا أصحابه . وهذا ~~يوضح بطلان قول من يتعلق بذلك . PageV01P128 ### || AUTO الكلام في بيان أن القرءان يجب أن يكون معجزا إذا تعذرت ~~معارضته # فإن قيل: فلم قلتم: إن تعذر المعارضة إذا ثبت يكون القرءان معجزا ؟! # قيل له: لأنه قد ثبت أن المعجز هو ما يظهر على بعض الناس ، مما يتعذر ~~الاتيان بمثله على جميع البشر,لحسنه أو لصفة تخصه ، فإذا ثبت ذلك ، ثبت أن ~~الاتيان بمثل القرءان قد تعذر على جميع البشر ، وثبت أنه معجز ، وأنه جار ~~مجرى إحياء الموتى ، وفلق البحر ، وقلب العصا حية ، والمشي على الماء . # فإن قيل: ولم ادعيتم تعذره على جميع البشر ، وإنما بينتم حال العرب ، ~~وتعذره عليهم ؟! # قيل له: قد علمنا أن البشر أجمع ثلاث طبقات: # أحدها: عوام الفرس والهند والروم والزنج ، ومن جرى مجراهم من سائر الأمم ~~، الذين لا علم لهم بشيء من لغات العرب بتة ، ولا سبيل لهم إلى نظم سطر ~~واحد منها على وجه من الوجوه . # والثانية: هم الذين تعلموا اللغة وتكلفوا معرفتها ، وهم طبقات: # فمنهم: من لم يتعلق منها إلا باليسير الذي لا تأثير له . PageV01P129 # ومنهم: من تجاوز ذلك إلا أنه لم يبلغ مبلغا يعد به في الفصحاء ، ولا يتأتى ~~له التصرف في شيء من أقسام الكلام ، على ms040 وجه يعد فصاحة وبلاغة . # ومنهم: من تجاوز ذلك إلى أن كاد يناطح فصحاء العرب ، ويباريهم في أقسام ~~المنظوم ، وأصناف المنثور . # والثالثة: هم فصحاء العرب الذين حصلت لهم مزايا الفصاحة طبعا لا تكلفا ، ~~وسجية لا تعملا ، ولا إشكال على أحد في أن الاتيان بمثل القرءان متعذر على ~~الطبقة الأولى ، الذين لا معرفة لهم بشيء من لغات العرب ، والطبقة الذين ~~يلونهم ، وهم الذين أخذوا منها يسيرا لا يؤبه لمثله . والطبقة الذين ~~يجاوزونهم ، إلا أنهم لم يلحقوا بشأو الفصحاء ، ولم يحلوا بواديهم ، وهؤلاء ~~لا يتعذر عليهم صياغة بيت من الشعر ، لكن لا يعد في الفصاحة ، وإنشاء رسالة ~~أو خطبة ، لكن لا يحكم لهم بالبلاغة . # وإنما يقع الاشتباه في حالة الطبقتين الأخريين ، وهم الذين بلغوا من ~~هؤلاء مرتبة الفصحاء ، ولحقوا بدرجة البلغاء ، وتصرفوا في أقسام الكلام ، ~~ثم فصحاء العرب الذين جاوزوا الفصاحة والبلاغة طبيعة وجبلة . # وقد بينا تعذر الاتيان به على هاتين الطبقتين بما تقدم ، بما لا فائدة في ~~إعادته ، فإذا ثبت ذلك وثبت أن جميع البشر لا يعدون الأقسام التي PageV01P130 ذكرناها ، ثبت تعذره على جميع البشر ، وإذا ثبت تعذره على جميع البشر ثبت ~~أنه معجز على ما بيناه . # على أنه إذا ثبت أنه قد تعذر على فصحاء العرب ، وهم الطبقة العالية في ~~هذا الباب ، فتعذره على الطبقة التي هي دونهم ، وهم سائر الفصحاء مما لا ~~شبهة فيه . # على أنه يمكننا أن نعرف تعذره على هؤلاء بمثل ما أمكن تعذره على العرب ، ~~لأن الأزمنة كلها لم تخل ممن كان يعادي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ويناوئ الاسلام ، إما إعتقادا ، أو تقربا إلى من كان يعتقد ذلك ، أو تكسبا ~~به ، حتى استفرغوا في ذلك جهدهم ، واستنفدوا (¬1) وسعهم على ما تقدم طرف من ~~ذكرهم . # فإذا لم يأتوا به ، صح تعذره عليهم ، ولا يجب أن يظن ظان أن المتأخرين ~~أشد تمكنا في هذا الباب من المتقدمين ، من حيث فرعوا التحسين والتطبيق ، ~~وعطف إعجاز الكلام على صدره ، والاستطراد ، والتشبيه ، والاستعارة ، وما ~~جرى مجرى هذا مما يعد فصاحة ms041 . وذلك أن المتقدمين كانوا أعرف بجمع هذه ~~المحاسن من المتأخرين ، وكانوا أشد تمكنا من إيرادها مواردها ، ووضعها في ~~مواضعها ، وإن لم يكونوا وضعوا هذه الأسماء ، وكانوا يجرون فيها على ~~طبائعهم من غير تكلف لها ولا تعمل ، وذلك مما يزيد الكلام حسنا ويكسبه ~~رونقا ، والمعرفة بهذه الأمور على حدها يعرفه المتأخرون ، ووضع الأسماء لها ~~مما لا يصير PageV01P131 الانسان به أفصح ولا أشعر ولا أخطب . وإنما يصلح به الانسان الفاسد ، ويضم ~~المتشعب ، ويسدد المختل . # لهذا تجد من يعرف كل ما ذكرنا ونعتنا ، ويتصوره ويتحققه , ويفصل بين غثه ~~وسمينه ، ومستحسنه ومسترذله . # ثم إذا أراد أن يعمل قصيدة ، أو يبتدئ خطبة ، أو ينشئ رسالة ، عجز عن ~~إنشائها . # والمتقدم الذي لم يحصل له العلم بهذه الأسماء والأوصاف . # وهذا يجري مجرى العلم بالعروض وألقابه . # ألا ترى أن المتقدم في ذلك لا يوجبه التقدم في الشعر . # ألا ترى أن الشعراء المتقدمين من جاهلي أو مخضرمي أو إسلامي ، كان قبل ~~الخليل لم يعرف شيئا من ذلك ، ثم من جاء بعدهم لم يلحق شأوهم من حيث عرف ~~ذلك ، بل أن ينشأ بعدهم من ضرب في جنس الشعر بسهم ، فلطبع أوتي ، لا لمعرفة ~~بهذه الأمور ، فبان بجميع ما بينا أن المتأخر الذي تكلف العلم باللغة ، ~~وتعلم المحاسن والمساوئ بالتعمل ، لا يجب أن يوفى في هذا الباب المقصود على ~~المتقدمين من فصحاء العرب ، الذين جروا على طريقة الفصاحة في منظوم كلامهم ~~ومنثوره طبعا وسجية ، ولهذا تجد فيمن يعد في الشعر مفلقا من إذا ترسل اختل ~~اختلالا ظاهرا ، وفي المتقدم في الرسائل من إذا حاول النظم بعد بعدا ~~متفاوتا ، وهذا يكشف أن التكلف والتعمل لا يبلغان المرء طبقة الفصحاء ، ولا ~~يلحقانه شأو البلغاء ، ولهذا تجد المكثر في اللغة ، والعلم PageV01P132 بأقسام الفصاحة ، والمعرفة بمحاسن النظم والنثر ومساوئهما ، إذا لم يكن له ~~طبع في الشعر والترسل ، يسقط إذا حاول الشعر أو الترسل - عن درجة المطبوع ~~فيهما ، وإن كان مقلا في جميع ذلك ، وبضاعته منها مزجاة - سقوطا ظاهرا ، أو ~~يهبط عن رتبته هبوطا بينا ، كالخليل ms042 بن أحمد,ومن نحا نحوه من العلماء ، ~~الذين لم يكونوا أولي طبع . # فإن قيل: لوكان القرءان معجزا لأنه لم يعارض ولم يؤت بمثله ، لوجب أن ~~يكون المجسطي وأقليدس والعروض (¬1) كل واحد منه معجزا يدل على نبوة من أتى ~~به . وإذ قد ثبت بطلان كون هذه الكتب معجزا ، فيجب أن يبطل كون القرءان ~~معجزا على ما ادعيتموه !!! # قيل له: هذا كلام من لم يعرف وجه استدلالنا فحرفه (¬2) ، ولم يذكره على ~~جهته ، وألزم عليه ما لا يلزم ، ونحن نبين ذلك بعون الله عز وجل وجل ، ~~ونكشف عن سقوط هذا السؤال . # اعلم أنا لم نقل: إن القرءان معجز لأنه لم يؤت بمثله قط ، بل لأنه تحدى ~~به ، ولم يؤت بمثله ، مع سائر الشروط التي ذكرناها ، وكتاب المجسطي وأقليدس ~~، وما جرى مجراهما من الكتب ، لا يصح أن يقع التحدي به ، لأنه إن تعذر على ~~غير من أتى به يكون تعذره لأحد وجهين: PageV01P133 # إما أن يكون قد استنفذ الطرق ، فلم يبق هناك طريق آخر لذلك الشيء ، وما جرى ~~هذا المجرى فالإتيان (¬1) به مستحيل ،لا تصح القدرة عليه ، وما لا تصح ~~القدرة عليه لا يصح التحدي به . ألا ترى أن إنسانا لو أتى بشعر مركب من هذه ~~الحروف التي هي ثمان وعشرون ، ثم تحدى به ، فقال: ائتوا بمثله من غير هذه ~~الحروف ، لم يصح التحدي به ، لأنه ليس في المقدور . وكذلك لو قال: إني أضرب ~~واحدا في واحد فيكون واحدا ، أو اثنين في واحد فيكون اثنين ، واثنين في ~~اثنين فيكون أربعة ، واثنين في ثلاثة فيكون ستة ، واثنين في أربعة فيكون ~~ثمانية ، واثنين في خمسة فيكون عشرة ، وثلاثة في ثلاثة فيكون تسعة ، وثلاثة ~~في أربعة فيكون اثني (¬2) عشر ، وثلاثة في خمسة فيكون خمسة عشر ، وأربعة في ~~أربعة فيكون ستة عشر ، وأربعة في خمسة فيكون عشرين ، وخمسة في خمسة فيكون ~~خمسة وعشرين ، ثم تحدى ، وقال: اضربوا بعض هذا العدد ببعض ، وأتوا بكامل ~~(¬3) غير ما أتيت به ، كان ذلك لا يصح ، لأن ما تحدى به يكون مستحيلا ، أو ~~جرى مجرى ms043 أن يفعل حركة في جسم فيقول: افعلوا في غير جسم أو جوهر . PageV01P134 # أو يكون التعذر الآن غيره ، لم نعمل فيه العكس ، ولم نمتحن ولم نتعلم ، ~~وهذا أيضا لا يصح التحدي به ، لأن ذلك يجري مجرى تعذر الصياغة على النجار ، ~~والنجارة على الخياط . # ألا ترى أن كل من أفكر (¬1) فيه فكره ، وتعمل له تعمله ، يأتي منه مثل ما ~~يأتي به المتحدي ، حتى لا يكون بينهما من التفاوت إلا مقدار ما يكون بين ~~الصانعين من الذكاء والبلادة . # فإذا ثبت ما بيناه ، وثبت أن المجسطي وأقليدس والعروض ، وما أشبههما من ~~الكتب ، يمكن التوصل إليه بالفكر والتعمل والتعلم والامتحان ، ثبت أنه مما ~~لا يصح التحدي به ، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه لا يصح أن يلزم كونه معجزا ، على ~~قولنا إن القرءان معجز . لأن الاتيان بأسلوب من الكلام في أعلى طبقات ~~الفصاحة ، أو في الطبقة العالية بالفكر والتعمل ، مما لا يصح على وجه من ~~الوجوه . بل لا بد فيه من طبع لا طريق إليه للتكلف والتعمل . # ألا ترى - ولا نشك - أن الخليل بن أحمد كان أكثر في اللغة والعلم بأوزان ~~الشعر وعيوبه ومحاسنه من امرئ القيس ، لأن امرئ القيس كان الظاهر من أمره ~~أنه كان يعرف لغة قومه ، والقوم الذين قاربوهم ، والخليل تعلم اللغة حتى ~~أحاط بها ، ومع ذلك فلا يشك أن الخليل كان لا يمكنه أن يقول من الشعر ما ~~يماثل شعر امرئ القيس أو يقاربه . PageV01P135 # ولهذا نرى ما بيننا المكثر من علم اللغة ومحاسن الشعر ومساوئه ، إذا لم يكن ~~مطبوعا في الشعر لا يمكنه أن يأتي من الشعر مثلما يأتي به المطبوع ، الذي ~~لا يبلغ علمه باللغة ومحاسن الشعر ومساوئه معشاره ، بل ربما لم يمكنه أن ~~ينظم بيتا واحدا إلا بجهد عظيم ، وتعب شديد . ثم إذا أتى به ، أتى به في ~~غاية الوحشة ونهاية السقوط . وهكذا حال إنشاء الرسائل والخطب والتوسع في ~~المحاورات . # فإن قيل: إن المجسطي وإن كان يمكن أن يتوصل إليه بالامتحان والفكر ~~والتعلم ، فقد كان في مبادئه ما لا يمكن ms044 ذلك فيه ، ولا طريق للتوصل إليه ~~بالامتحان والتعمل . # قيل له: هذا إن صح ، فقد قالوا هم: إن ابتداءه كان من هرمس ، وإن هرمس هو ~~إدريس النبي صلى الله عليه (¬1) ، وإن كان فيه ما سبيله هذا السبيل ، فيجب ~~أن يكون معجزا يدل على نبوة من أتى به . # ولهذا قال كثير من العلماء في علم النجوم وعلم الطب: إنهما كانا في الأصل ~~مما أتت به الأنبياء صلوات الله عليهم ، وأنه لا سبيل للخلق إلى الاتيان ~~بمثله . فهذا مما يجب أن ينظر فيه . إلا أن سؤال القوم قد سقط ، لأنه إذا ~~صح وثبت ما ادعوه ، وجب أن يكون ذلك القدر منه معجزا . PageV01P136 # على أن المجسطي وأقليدس وما أشبههما من الكتب لو صح التحدي به ، لم يلزمنا ~~أن نقول: إنه معجز . على قولنا: إن القرءان معجز . # لأنا لم نعلم أن القرءان معجز بأن صح التحدي به ، وإنما عملنا ذلك لأن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى به قوما هم في الفصاحة والمعرفة بأساليب ~~الكلام مثله أو دونه بيسير ، فتحداهم به وقرعهم بالمعجز عن الاتيان بمثله ، ~~وادعا عليهم أنهم له في حكم العبيد في نفوذ أحكامه فيهم ، وأنهم يلزمهم ~~مفارقة ما كانوا عليه من الدين ، وتكفيرهم لم يفارقه (¬1) ، والإنقياد له ~~ولأوامره ، والقوم له كارهون ، وفي تكذيبه جاهدون ، وظهرت قوة دواعيهم إلى ~~كل ما دعا إلى إفساد أمره ، وتوهين حاله ، وإظهار كذبه ، ولم يأتوا بمثله . # فدلنا ذلك على أنه كان متعذرا عليهم ، ولم يثبت في المجسطي وما جرى مجراه ~~شيء من ذلك ، لأنه لم يثبت أنه أتى قوما مثله في تلك الصناعة وتحداهم ~~بالعجز عن الاتيان بمثله ، وجعله لنفسه حجة عليهم ، في أنهم يلزمهم الجري ~~على أحكامه ، والتصرف تحت أوامره ونواهيه ، مع كراهة القوم له ولأحواله ، ~~ووفور بواعثهم إلى إفساد أمره ، والإبانة عن كذبه ، وأنهم لم يأتوا بمثله ، ~~مع تطاول الزمان على تلك الأحوال . PageV01P137 # فإذا لم يثبت شيء من ذلك ، فكيف يلزمنا أن نقول: إنه كان معجزا ؟ وما له ~~(¬1) قلنا: إن القرءان معجز لم يحصل ms045 له ؟! # فإن قيل: قد علمنا أن تفرد الواحد بضرب من الفضل حتى يذكر به ، ويرؤس ~~بتحصيله ، مما يحرك طبع غيره على الاتيان بمثله ، فيجري ذلك مجرى التحدي . # قيل له: هذا لا يقوله من عرف أحوال الناس وعاداتهم ، لأنا نعلم من أحوال ~~كثير من العلماء الذين يتقدمون في كثير من العلم ، أنهم لم يكن لهم دواعي ~~إلى تصنيف الكتب في العلوم التي برعوا فيها ، بل ربما لم يجد الواحد منهم ، ~~إذا علم أن غيره قد كفاه المؤنة في ذلك ، وأتى بما كان مراده ، كان ذلك ~~صارفا له عن الاشتغال به ، وإن جاز أيضا أن يتفق ذلك ما سأل عنه السائل ، ~~لكن ذلك لا يمكن الإبانة بعلم أن للقوم أحوالا كأحوال من عادى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، من كفار قريش وسائر العرب ، على ما بيناه . ومتى ~~ما مرت الأحوال على ذلك ، فلا بد من الاتيان بمثل ما أتى به من كان معهم في ~~مثل حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إلا أن يتعذر ذلك عليهم . # فأما مقدار ما سأل عنه السائل ، فلا يجب من سائرهم أن يقع الاتيان بمثل ~~ما أتى به بعضهم ، وإن كان ممكنا لهم . # فإن قيل: فإذا لم يعلموا تلك الأحوال فشكوا في كونه معجزا ؟! PageV01P138 # قيل له: الوجه الأول يمنعنا من الشك ، ويوجب القطع على أنه ليس بمعجز ، ~~وأنه يجري مجرى سائر الصناعات والمهن ، لأنا قد بينا أن التحدي مما لا يصح ~~، كما لا يصح ذلك في الصناعات والمهن . # فإن قيل: فما تنكرون على من قال: إن القرءان هو من هذه الحروف وجنسها ~~مقدور للبشر ، ولا يصح أن يكون المعجز جنسه في مقدور العباد ، لأنه يؤدي ~~إلى التناقض ، لأن من شأن المعجزات أن يتعذر على العباد ، وما كان جنسه ~~مقدورا لهم ، فهو متأتي منهم ، والتأتي ينافي التعذر ، وإذا كان ذلك كذلك ، ~~لم يصح أن يكون القرءان معجزا ؟! # قيل له: هذا الذي ادعيت من التناقض على الوجه الذي ظننت ظاهر السقوط ، ~~لأن جنس الشيء وإن كان ms046 مقدورا للعباد ، فإنه لا يجب أن يصح فعل ذلك الشيء ~~منهم على كل وجه ، بل لا يمتنع أن يتعذر فعله على بعض الوجوه ، وإن صح فعله ~~على وجه آخر ، وهذا لا يؤدي إلى التناقض ، لأنه من الوجه الذي يتأتى لا ~~يتعذر ، ومن الوجه الذي يتعذر لا يتأتى ، وإنما يتعذر ما يتعذر بما يكون ~~جنسه مقدورا للعباد ، لأن القادر ربما احتاج لإيقاعه على وجه مخصوص إلى ~~كونه عالما ، أو في حكم العالم ، أو يحتاج إلى الآلة ، وما يجري مجرى الآلة ~~، فإذا قصد الآلة فيما يحتاج لفعله على وجه مخصوص إلى الآلة ، أو القلم ~~فيما يحتاج لفعله على وجه مخصوص إلى كونه عالما ، تعذر فعله على ذلك الوجه ~~، وإن كان جنسه مقدورا . PageV01P139 # ألا ترى أن الفعل المحكم ، وإن كان جنسه مقدورا لمن ليس بعالم ، فإنه يتعذر ~~عليه ولا يتأتى مثله . # ألا ترى أن هذه الحروف أجمع مقدورة للناس أجمع ، ومع هذا فلا يصح من أحد ~~إيقاعها على وجه يكون متكلما بلغة العرب إذا لم يكن عالما بلغتهم ، وكذلك ~~لا يصح إيقاعها من الأعرابي على وجه يكون متكلما بلغة الفرس ، إذا لم يكن ~~عالما بلغتهم ، وكذلك حكم الصناعات أجمع كالكتابة والصناعة وغيرهما ، لأن ~~جنس ذلك أجمع مقدور للجميع ، ثم إيقاعها على وجه الاتقان والاحكام يتعذر ~~على من لم يكن عالما بتلك الصناعة ، وكذلك الآلة أيضا . # ألا ترى أن الخياط يتعذر عليه الخياطة ، مع كونه قادرا عليها وعالما بها ~~، إذا فقد الإبرة ، وكذلك الصانع إذا فقد المطرقة ، وسائر الآلات التي ~~يحتاج إليها ، ولهذا يتعذر علينا الطيران ، وإن كنا نقدر على جنسه ، لأن ~~جنسه إنما هو الأكوان ، وإنما يصح منا لفقدنا الآلة التي هي الريش والجناح ~~، ونظائره أكثر من أن تعد وتحصى . # فإذا صح ذلك وثبت ، وصح سقوط قول من قال: إنه يتناقض كون الشيء مقدورا ~~لنا ، متعذرا فعله علينا ، على وجه مخصوص ، فإذا ثبت ذلك جاز أن يكون ~~القرءان معجزا يتعذر فعل مثله على جميع البشر ، وإن كان جنسه مقدورا لنا . # يكشف ذلك أن ms047 فلق البحر جنسه مقدور لنا ، وإن كان يتعذر فعله على ذلك ~~الوجه المخصوص على جميع البشر . PageV01P140 # ألا ترى أنه تفريق أجزاء الماء على وجه مخصوص ، وإحداث أكوان مخصوصة ، وذلك ~~جنسه مقدور للبشر . # ألا ترى الله عز وجل لو بعث نبيا وجعل معجزته أنه ينقل بعض الجبال ~~الراسيات عن موضعه لصح ذلك ، وإن كان جنس نقله مقدورا لنا ، لأن نقله إنما ~~هو أكوان تحدث على وجوه مخصوصة ، وإنما المراعى في هذا الباب أنه يحصل أمر ~~نعلم أنه يتعذر فعل مثله على جميع البشر ، سواء كان التعذر للجنس أو للصفة . # ألا ترى أنه لا فرق بين فلق البحر ، وبين قلب العصا حية في هذا الباب ، ~~وإن كان تعذر فلق البحر للصفة ، وتعذر قلب العصا حية للجنس . # فإن قيل: فلم لا يجوز أن يكون ما يدخل تحت مقدور العباد معجزا ، لأن ~~المشاهد له يجوز أن يكون ذلك من فعل بعض مردة الشياطين ، أو من فعل بعض من ~~يعصي من الملائكة ، لأن العلم بأن الملائكة لا تعصي إنما هو بطريق السمع ، ~~ونحن بعد في إثبات السمع ؟ # قيل له: لا يجب للناظر أن يشك فيه ، بل يجب القطع على أن الله عز وجل ~~يمنع منه . وذلك أنه لو حصل لكان شبهة لا يمكن حلها . وما جرى من الشبه هذا ~~المجرى يجب على الله عز وجل المنع منها . # فإن قيل: ولم قلتم: إن ذلك يكون شبهة لا يمكن حلها ، بل ما أنكرتم أن ~~يكون ذلك حجة لمن قال: إنه لا يجوز أن يكون المعجز مما يكون جنسه في مقدور ~~العباد ؟! PageV01P141 # قيل له: لأن هذا الجنس من الشبهة يصح إيراده فيما ليس يكون جنسه في مقدور ~~العباد ، بأن يقال: يجوز أن يكون بعض الناس ظفر بشجرة إذا قطع غصنها ، ~~وألقى على وجه مخصوص يصير حية ، ويكون ذلك عادة ، ويكون ظفر بشيء إذا مسح ~~به الميت صار حيا من طريق العادة ، ويجري ذلك مجرى الخواص التي تحكى في ~~أشياء . # ألا ترى أن من لم يشاهد حجر المغناطيس ولم ms048 يسمع به ، إذا شاهده يحرك ~~الحديد بغير مماسته يجوز كون ذلك معجزا ، وكذلك ما يحكى من الحجر المسمى: ~~باغض الخل ، فقد حكي أنه إذا أرسل على إناء فيه خل انحرف ، وسقط خارج ~~الإناء ، ولم يسقط في الخل ، وكذلك نظائر كثيرة تحكى وتذكر في الخواص ، وكل ~~ذلك جائز من طريق العقل ، ولا جواب عن ذلك ، إن تعلق به البرهمي (¬1) ، ~~وحاول التوصل به إلى إبطال النبوات رأسا ، إلا ما ذكرناه من أن ذلك لو كان ~~لكان شبهة لا مخلص منها ، فيجب على الله عز وجل المنع منها . PageV01P142 # فإن قيل: ما تنكرون على البرهمي إن ادعا أن ذلك ليس بشبهة ، بل هو حجة ، ~~ويوجب إبطال النبوات؟ # قيل له: جوابه أنا نبين أن البعثة يجوز أن تصير واجبة ، بأن يعلم الله عز ~~وجل أنها لطف للمكلفين ، فإذا ثبت ذلك فلو كانت واجبة لم يكن لها طريق إلا ~~المعجز ، فكل ما أدى إلى إبطال المعجزات أجمع ، فيجب على الله المنع منه . # فإن قيل: بين هذه الأشياء التي ذكرتم ، وبين ما يكون جنسه مقدورا للعباد ~~، أن هذه الأشياء لو وقعت عند ادعاء الكاذب النبوة ، لكان الله هو الفاعل ~~لها على وجه يقبح ، والله عز وجل لا يفعل القبيح ، وما يكون جنسه تحت مقدور ~~العباد لو وقع لوقع من مردة الشياطين ، ولا يمتنع وقوع القبائح منهم . # قيل له: لا فرق في هذا الباب بين فعل القبيح والانصراف عن الفعل الواجب ، ~~لأن الله تعالى كما لا يجوز أن يفعل القبيح ، لا يجوز أن يدع فعل الواجب ، ~~لأن كل واحد منهما لا يكون إلا من محتاج أو جاهل ، أو من يكون بالصفتين ~~جميعا ، ويتعالى الله عن ذلك !! وإذا كان هذا هكذا ، فلا فضل في أن يفعل ~~تلك الأشياء عند دعوى الكاذب مع قبحها ، وأن (¬1) هذا انصراف عن فعل الواجب ~~، وذلك فعل القبيح ، ولا فضل بينهما ، وأن كل واحد منهما لا يجوز على الله ~~عز وجل . PageV01P143 # على أن هذا أيضا يرجع إلى أنه عز وجل لو أجرى الأمر على ذلك ms049 ، يكون قد ~~انصرف عن الفعل الواجب ، لأنه عز وجل إن كان أجرى العادة بتلك الأمور أن ~~يفعلها ، فإنه لا يجوز أن يفعلها عند دعوى الكاذب ، وذلك يجري مجرى القبيح ~~، وإنما كان يجب على القديم عز وجل ، لو كان الأمر على ما ذكرتم أحد أمرين: # إما أن يمنعه التمكن منه . # أو يدفع ذلك ويظهره بلطائفه ، لئلا يصير شبهة لا يمكن حلها ، فلو لم يفعل ~~ذلك ، لكان قد عاد الأمر إلى أنه لم يفعل ما وجب عليه تعالى الله عن ذلك !! # فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أخذ هذا القول من نبي كان أتى به قبل (¬1) ذلك النبي ، وأخفى ~~حاله ، وادعا النبوة به من غير أن يكون (¬2) صادقا فيما ادعا فيه ؟! # قيل له: هذا سؤال قد أجاب بعض العلماء المتقدمين عنه بجوابين: # أحدهما: أنه قال: (( لقد علمنا ضرورة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~هو الذي أتى به دون من سواه ، كما علمنا في شعر كثير من الشعراء ، وكتب ~~كثير من المصنفين . وفي هذا سقوط هذا السؤال . PageV01P144 # والجواب الثاني: أن ذلك لو كان ، لكان شبهة لا يمكن حلها ، وما جرى هذا ~~المجرى فيجب على الله عز وجل المنع منه ، فيعلم أنه لم يكن . # ويمكن أن يجاب عنه بأن يقال له: إن ذلك لو كان كذلك ، لكان ذلك النبي ممن ~~قد بعثه الله ، وكلفه أداء الرسالة . ولو كان ذلك كذلك ، لوجب على الله عز ~~وجل أن يحفظه إلى أن يبلغ ويؤدي الرسالة ، ولو كان بلغ وأدى ، لكان ذلك لا يخفى . # والجواب المعتمد عندي غير هذه الأجوبة ، وهو أن يقال لمن قال ذلك: في ~~القرءان كثير من أقاصيص أحوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأحوال ~~الصحابة رحمهم الله ، وأحوال أعدائه ، مثل ما ذكر سبحانه في السورة التي ~~يذكر فيها الأحزاب من قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ جاءتكم جنود } [الأحزاب: 9] . . . إلى آخر القصص ، وفي هذه ms050 السورة ~~ذكر زيد بن حارثة ، وما قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأن ~~زوجته ، وما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من التزويج ، حيث ~~يقول: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه } [الأحزاب: 37] . . . ~~إلى آخر القصة . PageV01P145 # وفي السورة التي يذكر فيها الأنفال قصة بدر من قوله: { وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين أنها لكم } [الأنفال: 7] . . . إلى آخر القصة . وفي هذه السورة ~~قصة الأسارى ، والمفارقات (¬1) التي جرت . # وفي السورة التي يذكر فيها آل عمران قصة بدر ، وقصة أحد . # وفي السورة التي يذكر فيها التوبة وقصة حنين ، وقصة الغار ، ولو تتبعنا ~~هذا في جميع القرءان لطال الكتاب به . # ومن المحال أن تكون هذه الأقاصيص بعينها كانت اتفقت لبعض الأنبياء غير ~~نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بمكة والمدينة . ولئن جاز أن يتفق ذلك ، ~~لوجب أن يكون نقله ظاهرا ، وهذا من أوضح ما يقال في إسقاط هذا السؤال . # فإن قيل: فهل يجوز أن يكون مثل القرءان مقدورا للجن أو للملائكة ؟! # قيل له: لا سبيل لنا من طريق النظر إلى المنع من ذلك ، لأنا لا نعرف ~~أحوال الملائكة عليهم السلام والجن . إلا أنا من طريق السمع علمنا أنه ليس ~~في مقدور الجن . # فأما الملائكة عليهم السلام فلا يعرف ذلك من حالهم ، ولو لم نعرف أحوالهم ~~نحن أيضا لم يقدح ذلك في كونه معجزا ، لأنا إذا عرفنا تعذره على أمر يخفى ، ~~كفى في كونه معجزا . على ما مضى القول فيه. PageV01P146 # فأما ما ذهب إليه قوم من أنا قد سمعنا من أحوال الجن وأشعارهم ، ما يمكننا ~~الاستدلال به على أنهم على الاتيان بمثله عاجزون . # كنحو ما يحكى عن عمرو الجني من قوله: # أشجاك تشتت شعب الجن ... فأنت له أرق وصب (¬1) # . . . إلى آخر القصيدة . # وما يحكى من قوله: # من معذب جذل جاد القريض له ... حبر يجير لنا بيتا على دار (¬2) # وما يحكى عن بعضهم: # وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر (¬3) # وما روي عن سواد بن قارب من ms051 الأبيات التي يحكيها عن بعض الجن وهي: # عجبت للجن وألعابها ... وركبها العيس بأقتابها (¬4) # . . . إلى آخر الأبيات . # حكايات لم تعرف صحتها ، بل ليس لشيء منها سند ، لا ضعيف ولا قوي ، إلا ما ~~يحكى عن سواد بن قارب ، وبمثل هذا لا يقع العلم . PageV01P147 # والثاني: أن هذه الأبيات ، وما جرى مجراها ، لو علمنا على التحقيق أنها من ~~قول الجن ، لم يمكنا أن نعلم بهذا القدر من أحوال جميعهم ، فصار الاشتغال ~~به مما لا يجدي ، والاعتماد على قول الله عز وجل: { قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا (88) } [الإسراء] ، وعلى إجماع الأمة على ذلك . # دليل آخر على أن القرءان معجز: ومن الدليل على ذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم مهما شك في شيء من أحواله ، فلا شك في صحة عقله ، وأصالة ~~ذاته ، وشدة حصافته ، ووفور ذاتيته (¬1) . قد علم ذلك المصدق به ، والمكذب ~~له ، لأن الحال في ذلك أظهر من أن يجوز أن يرتاب فيه عاقل . # على أن المصدق به يعلم ذلك ، من حيث يعلم أن الله عز وجل لا يجوز أن يبعث ~~إلى خلقه من لم يكن على تلك الصفة ، والمكذب له يعلم ذلك ، من حيث يظن أنه ~~دبر أحوال نفسه وأحوال أصحابه ، حتى تم له ما تم ، وقد تلا هو صلى الله ~~عليه وآله وسلم على أعدائه وأوليائه ، على ما تقدم بيانه ، { وإن كنتم في ~~ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ~~إن كنتم صادقين (23) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها ~~الناس والحجارة } [البقرة] ، وتلا عليهم: { وما كان هذا القرآن أن PageV01P148 يفترى من دون الله } [يونس: 37] ، وقوله: { أم يقولون افتراه قل فأتوا ~~بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (38) } [يونس] ، ~~وتلا عليهم: { { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ~~لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) } [الإسراء] . # وقد علمنا أن ms052 العاقل إذا ادعا أمرا لا يكون مبناه إلا على الصدق ومجانبة ~~الكذب ، ويشتد حرصه على تصحيحه ، حتى يتحمل له المشاق ، ويركب له الأخطار ، ~~ويعاديه على ذلك قوم ألباء عقلاء ، يرجعون إلى الحصافة التامة ، والتمييز ~~الشديد ، سيما إذا كان ما يدعيه لا يتم إلا بما يحصل في النفوس من تعظيمه ~~وحشمته ، لصدق لهجته ، ووفور وقاره وهيبته ، فلا يجوز مع سلامة الأحوال أن ~~يورد على العدو الكاشح ، والولي المناصح ، ما لا يأمن أن يظهر فيه كذبه في ~~يومه أو غده ، أو بعد مدة قصيرة أو طويلة ، حتى يفتضح بذلك عند الجميع ، ~~ويحتج به عليه أعداؤه ، وينفر عنه أصحابه ، لأن ذلك يجري مجرى التعرض ~~بتشويه الانسان لنفسه بين أعدائه وأوليائه ، مع التماسه منهم تعظيمه ~~وتوقيره وإكباره وإجلاله ، مع سلامة الأحوال . وما جرى هذا المجرى ، نعلم ~~قطعا أنه لا يقع على وجه من الوجوه . # فإذا ثبتت هذه الجملة فتلاوته صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآيات عليهم ~~لا تخلو: # من أن تكون من تلقاء نفسه . PageV01P149 # أو بأمر علام الغيوب . # ولا يجوز أن يظن عاقل أنه كان يتلوها عليهم من تلقاء نفسه ، لأنه تلاها ~~على قوم هم مثله,أو مقاربون له في المعرفة بأحوال الكلام وأساليبه ، ~~وبأحوال الفصاحة ، ولم يكن يجوز أن يأمن أن يأتي عدة منهم كل واحد منهم ~~بمثله ، إما في الوقت ، وإما في مدة قصيرة أو طويلة ، فيظهر كذبه ويبين ~~تقوله ، ويتسلق (¬1) به أعداؤه ، ويخذله أوليائه . # فإذا فسد ذلك ، صح أنه وارد من عند علام الغيوب تبارك وتعالى ، وإذا صح ~~أنه من عنده عز وجل ، صح أنه معجز . # فإن قيل: أكثر ما ذكرتموه يكون تغريرا بالجاه ، ومن طلب مثل الأمر الذي ~~طلبه فغير ممتنع أن يغرر بنفسه ، فضلا عن جاهه ، لأن التغرير بالنفس أعظم ~~من التغرير بالجاه . # قيل له: التغرير بالنفس أيسر عند من طلب معالي الأمور ، من التغرير ~~بالجاه ، لهذا تجد كثيرا من الناس يغرر بنفسه في الحروب للأنفة ، وكذلك تجد ~~كثيرا ممن له علو الهمة ، يؤثر إعانة (¬2) النفس على التشويه بها ms053 . # على أن التغرير بالنفس أو بالجاه إن اختاره العاقل ، فليس يختاره إلا إذا ~~لم يكن منه بد في الأمر الذي يطلبه . PageV01P150 # فأما إذا كان يعلم أنه يجد منه بدا ، أو يغلب في ظنه ، وكان الذي يغلب في ~~الظن أن المحذور واقع ، فإنه لا يجوز أن يختاره بتة . # ومن المعلوم أن هذا القرءان لو لم يكن من عند الله عز وجل كان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم مستغنيا عن هذه الآيات المخصوصة ، وأنه لم يكن يتلوها ~~عليهم ، لأن كثيرا منهم كان قد أسلم وآمن بسائر ما ظهر عليه من الآيات - ~~على ما نبينه بعد هذا إن يسر الله سبحانه وأعان عليه - وكان في حكم المعلوم ~~أنه لو لم يكن معجزا ، ولم يكن من عند الله ، أنه كان يحصل منهم الاتيان ~~بمثله لا محالة . # ولو وقع لعاد الأمر إلى ما كان يكره ، ولم يكن له في ظاهر الحال فيها ~~فائدة كثيرة ، لأن العرب كانت عارفة بحال القرءان ، وفائدة التحدي ، وكانت ~~تحمله بعده صلى الله عليه وآله وسلم لسائر الناس ، وما يجري هذا المجرى لا ~~يجوز أن يختاره العاقل مع سلامة الأحوال ، فثبت أنها كانت من عند الله عز وجل . # على أن ما نعرفه من حكم التحدي ، وأنه كان لا بد من حصول المعارضة من ~~القوم ، ولم يتعذر عليهم ، معلوم لكل عاقل ، ومعلوم أيضا أحوال القوم ~~وأحواله صلى الله عليه وآله وسلم بكمال عقله ، فلولا أن القرءان من عند ~~الله عز وجل ، كان لا يجوز أن يتحدى ذلك التحدي ، لعلمه بأنه يؤتى بمثله في ~~أقرب مدة ، كما أن إنسانا لو جاء إلى أعدائه ، وطلب الترؤس عليهم ، والتحكم ~~بما شاء فيهم ، وأن يكون أولى بأنفسهم منهم ، وقال: دلالتي على ما أدعي أني أكلمكم PageV01P151 اليوم طول نهاري ، فلا يمكن لأحد منكم أن يجيبني . فمن المعلوم إذا كانت ~~الأحوال سليمة ، أن لا يدع أحدا منهم أن يجيبه ، وأن يكون هو لا يفعل إذا ~~كان عاقلا سليما ، سيما إذا كان مبنى أمره على الصدق ، ومجانبة الكذب ms054 . # وهذه كانت حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع العرب فيما تحداهم به ، ~~لولا أنه من عند الله عز وجل . # فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إن ذلك كان خطأ من جهة الرأي على ما ~~قلتم ، وأن الأولى كان لا يأتي به ، إلا أن الحازم قد يزل ، والمصيب قد ~~يخطئ ، والمحق (¬1) قد يسف ، وإذا كان ذلك كذلك ، لم يجب أن يكون ذلك من ~~عند الله عز وجل ، وجاز أن يكون من عنده ، اتفق على سبيل الخطأ كما يتفق من ~~الناس ، ثم اتسق الأمر على مراده ، فلم يعارض الاتفاق ، كما يتفق في كثير ~~من الأمور أن يخطئ فيه الانسان ، فيجري الأمر مع خطئه على مراده على سبيل ~~الاتفاق . # قيل له: إن الخطأ إذا عظم وفحش حتى يشترك في العلم به المميز المحصل ، ~~والغمر الذي لم يحكم التجارب ، بل المراهق الذي لم يبلغ بعد الحلم ، لم يجز ~~أن يقع من العاقل المميز الذي له في التحصيل والتنقير عن الأمور أوفى ~~الحظوظ . # ألا ترى أن من يريد تأديب ولده وتهذيبه ويردعه عما لا يحسن ، وحمله على ~~طريق الصلاح يجوز أن يمسه بمقارع ، فيقع الخطأ فيه ، PageV01P152 ويتجاوز الغرض المطلوب حتى يوهن بعض أعضائه ، ولكن لا يجوز أن يبلغ به ~~الخطأ مع كمال عقله ، وسلامة أحواله ، حتى يضربه بالسيف ضربة يعلم أو يغلب ~~على الظن أنها تأتي عليه ، وكذلك من يداوي نفسه يجوز أن يخطئ فيرسل على بعض ~~أعضائه العلق (¬1) ، فيزيد ذلك في مرضه وألمه . ولكن لا يجوز مع كمال العقل ~~أن يخطئ فيرسل الأفعى على بعض أعضائه على سبيل التداوي . # وكذلك يجوز أن يجني على نفسه ، بتناول ما يضره من الأدوية على سبيل الخطأ ~~, ولكن لا يجوز أن يخطئ فيتناول الببش (¬2) ، مع علمه به وبصفته وفعله . ~~ونظائر هذا أكثر من أن تعد وتحصى . # فإذا صح ذلك وثبت ، فقد علمنا أن إيراد هذه الآيات لو لم تكن من عند الله ~~عز وجل ، لكان من الخطأ العظيم الفاحش الذي لا يجوز وقوع مثله ms055 من كامل ~~العقل ، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم أتى قوما هم نظراؤه في النسب ، ~~وأشكاله في اللسان ، وأمثاله في المعرفة بمجاري الأمور ، فدعاهم إلى دين ~~كرهوه ، وعادوه عليه وناصبوه ، ولم يدعوا ممكنا في مناوأته إلا أتوه ، وهو ~~يعلم أن أمره مبني على صدق اللهجة ، ومجانبة الكذب والتنزه عنه ، وأن يسير ~~الكذب لو ظهر منه لأدى إلى إفساد حاله ، وتوهين أمره ، ومكن منه أعداءه ، ~~ونفر عنه أولياءه ، وهدم ما أسسه ، ونشر ما ضمه ، ونقض ما شاده . PageV01P153 # وهو مع ذلك قد ابتدأ أمره يستتب ، وحاله ينتظم ، وقد آمن به قوم بما ظهر من ~~سائر آياته ، وصار أصحابه في الزيادة . # فإذا كانت أحواله جارية على ما مثلنا ، ماضية على ما وصفنا ، فمن الخطأ ~~العظيم الفاحش ، الذي لا يقع (¬1) مثله من العقلاء ، أن يأتي بأمر أقل ما ~~فيه أن يغلب على الظن إن لم يكن معلوما مقطوعا به أن يفضحه في أقرب مدة ، ~~وأرخى (¬2) زمان ، ويفسد حاله ، وتبطل دعوته ، ويظهر كذبه . # فإذا ثبت ما ذكرناه ، صح وبان أن هذا القرءان لم يكن من عنده صلى الله ~~عليه وآله وسلم ، وإنما كان من عند علام الغيوب جل وتعالى ، وعلى أن هذا ~~التحدي لم يقع منه مرة واحدة ، أو في سورة واحدة ، فينسب إلى الاتفاق ~~والغفلة . بل كرره صلى الله عليه وآله وسلم حالا بعد حال ، وأورده في سور ~~كثيرة ، وأمر أصحابه بتلاوته في جميع القرءان ، إلى أن اختار الله عز وجل ~~له دار كرامته ، لم يتلوم فيه ، ولم تضعف نفسه صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~وما جرى هذا المجرى لا يجوز أن ينسب إلى أنه اتفق على سبيل الغلط والخطأ . ~~وإذا لم يجز ذلك وبان فساده ، صح ما قلناه من أنه من عند الله عز وجل . # فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إن عدد من كان يكمل لمعارضة القرءان ~~من العرب كان محصورا ، لأن من المعلوم أن كل واحد PageV01P154 منهم لم يكن يكمل للاتيان بالكلام الفصيح ، منظوما كان أو منثورا ، ومتى ~~كان ms056 ذلك كذلك ، فيجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان واطأهم ~~على أن يكفوا عن معارضته ، وأن يكون القوم جعلوه على ثقة من ذلك ، حتى وثق ~~بما عاهدوه عليه واعتمدوه ، لما كان من تمكينه إياهم من أغراض كانت لهم ، ~~وإطماعه لهم في رياسات تحصل لهم ، فتحداهم لذلك بانشراح صدر ، وقوة نفس . # قيل له: هذا كلام من لا يعرف أحوال العرب ، وأحوال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ، لأن العرب كانوا في ديار متباعدة الأطراف كتهامة ، وسائر أرض ~~الحجاز إلى اليمن وشجر (¬1) وعمان ونجد والشام ، وكان الفصحاء منهم متفرقين ~~بحسب بلدانهم ، وتنائي أوطانهم . # والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ كان في حكم المنفرد الوحيد ، إذ لم ~~يكن يساعده على أمره إلا من كان يؤمن به ويصدقه ، ولم يكن صلى الله عليه ~~وآله وسلم واجدا سعة من المال ، ولا متمكنا من الرجال ، بل كان شريدا طريدا ~~، قد جفاه أهله ، فكيف كان يظن مع هذه الأحوال من تجميع الرجال ، وجمع ~~كلمتهم ، مع تراخي الديار ، وتباعد مزارهم ، وعدمه صلى الله عليه وآله وسلم ~~الرسل الذين يوجههم إليهم ، بل أي رغبة كانت فيه لطلاب الدنيا وأحوالها ؟! # على أنه لو كان مثل كسرى في كثرة أمواله ، وانبساط ملكه ، ووفور حاله ، ~~وعظم هيبته ، مع ما كان يتعلق به من الرغبة والرهبة ، PageV01P155 كان لا يتم له ذلك ، بل كان يتعذر عليه جمعهم على ذلك ، وتقريرهم عليه ، ~~فكيف يظن العاقل أنه تم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ؟!! # على أن مثل هذا التواطئ مما لا يصح وقوعه في العرف ، ومجرى العادة ، وبه ~~يستدل على صحة الأخبار المتواترة ، ولولا تعذر ذلك واستحالته من طريق ~~العادة ، لكان يجوز أن يشك في كثير من (¬1) مخبر الأخبار المتواترة ، وهذا ~~أظهر من أن يحتاج إلى إطالة الكلام فيه . # على أن ذلك لو كان ، لكان لا يجوز أن ينكتم ، بل كان يظهر ظهورا تاما ، ~~على ما تقدم بيانه في باب التحدي . لأن الدواعي تدعو إلى نشر مثله ، ~~والبواعث تبعث على ms057 إذاعته ، والأغراض تتوفر في ذلك وتختلف . # على أنه من أين كان يثق بأن من واطأه - لو أمكن ذلك وكان الطريق إليه ~~مستجيبا (¬2) - يفي له بذلك ؟ وكيف كان يأمن أن يتغير رأيه ، فينقض ما بذله ~~حتى يفتضح بذلك ، ويفسد عليه أموره ، ويظهر كذبه ، وهذا ظاهر الفساد . # فبان بهذه الوجوه التي بيناها سقوط ما سألوا عنه في هذا الباب . # فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يجوز أن يكون ظن أن الاتيان بمثل هذا القرءان يتعذر على PageV01P156 قومه ، من حيث علم أحوالهم ، ومجاري أمورهم ، فأقدم على التحدي ، لما غلب ~~من ذلك في ظنه,لأن العاقل الحصيف قد يقدم على الأمر المظنون بما يقدم (¬1) ~~على الأمر المعلوم ، وفي كون ما ذكرناه جائزا خارجا من حيز (¬2) الامتناع ~~ما يبطل دعواهم أنه يجب أن يكون من عند الله عز وجل . # قيل له: هذا الظن ظن لا أمارة عليه ، بل لا يجوز حصوله للعاقل المميز ~~(¬3) ، لأن خلافه هو المعلوم . # فالمتعلم (¬4) إن ما يأتي به الانسان من أي جنس كان ، وأي باب كان ، فإنه ~~من المعلوم أنه لا يتعذر الاتيان بمثله على من كان على مثل صفته في ذلك ~~الشيء . # ونحن نعلم أن أولئك العرب كانوا مثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~المعرفة بأحوال الكلام وطرقه ، وجيده ورديئه ، وفصيحه ومتوسطه ، أو مقاربين ~~له في ذلك . # ومن كان كذلك ، فمن المعلوم أنه لا يتعذر عليه الاتيان بمثل ما أتى به ، ~~والعلم بهذا طريقه الضرورة ، فلا يصح أن يقال: إنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~يجوز أن يكون عدمه (¬5) ، وإذا كان ذلك معلوما ، فلا PageV01P157 يجوز أن يظن العاقل خلافه ، لأن ذلك يصير من ظنون السودوس (¬1) ، الزائلين ~~عن كمال العقل ، ونحن بنينا (¬2) دليلنا هذا على أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان كامل العقل ، وافر التحصيل ، صحيح التمييز ، على أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يتحد به قومه الذين هم قرابته فقط ، بل عم ~~التحدي جميع العرب ، بل ms058 جميع البشر ، فلو جاز أن يظن الانسان أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم ظن ذلك بقومه لمعرفته بكثير من أحوالهم ، وبواطن أمرهم - ~~على بعد ذلك - فكيف يظن أنه ظن ذلك بسائر العرب ، مع كونه متباعدا عن ~~ديارهم ، متنائيا عن ضبط أحوالهم ، وفيهم مثل: لبيد بن ربيعة ، وكعب بن ~~زهير ، الذي جاءه صلى الله عليه وآله وسلم ، والأعشى ، وحسان ، وغيرهم من ~~الفصحاء المشهورين ؟! # وإذا ثبت أن الأحوال كانت على ما ذكرناه ، صح ووضح أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم لم يكن يجوز أن يظن ذلك ، لوكان القول من عنده ، إذ كان يجب أن ~~يكون المعلوم بخلاف ذلك . وفي بطلان ذلك دليل على أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان عالما بتعذر ذلك عليهم ، لكونه من عند الله عز وجل . PageV01P158 # فإن قيل: يجوز أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم ظن أن القوم يكفون عن ~~الاشتغال بالاتيان بمثله ، وإن لم يكن متعذرا عليهم ، فبنى أمر التحدي عليه . # قيل له: هذا الظن حصوله للعاقل أبعد وأشد استحالة من الظن الذي بعد ~~التحدي عنه . # أولا: لأنا قد بينا فيما تقدم أنه معلوم بكمال العقل أن من أتى قوما هم ~~أمثاله ونظراؤه في النسب والمحل ، وادعا رئاسته عليهم ، وأنهم يلزمهم ~~الانقياد له ، وقبول طاعته ، وهم له كارهون ، قد أظهروا له البغضاء ~~والعداوة ، واحتج عليهم بأمر يمكنهم مقابلته بمثله من غير ضرر يلحقهم ، ~~فإنه لا يجوز منهم الكف عن ذلك على وجه من الوجوه . # يكشف ما قلنا في جواب السؤال وما قبله: أنا نعلم أن واحدا من علماء عصرنا ~~هذا ، من فقيه أو متكلم ، أو أديب أو متطبب ، إذا كان في بلد فيه وفيما ~~حوله عدة من نظرائه فيما يتعاطاه ، أو مقاربين له مع ظهور بغضهم (¬1) له ، ~~وكراهتم رياسته عليهم ، وانتصابهم لعداوته ، وركوبهم الصعب والذلول في ذلك . # فإنه لا يجوز متى كان عاقلا لا آفة به أن يظن أنه يطلب الرئاسة عليهم ، ~~وتصريفهم على أوامره ونواهيه ، بأن يحتج به عليهم ويتحداهم به ، وهم ~~متمكنون من ms059 مقابلته بمثل ما احتج وأورد بأهون سعي ، فلا يقع منهم ، ولا ~~يختارون فعله ، بل يكفون عنه . PageV01P159 # وإذا ثبت ذلك ، صح أن ما ذكروه من جواز حصول مثل ذلك الظن باطل ، وأنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم إنما تحداهم بما أورده عليهم بأمر علام الغيوب ، ومع ~~العلم أنه متعذر عليهم . # فإن قيل: فجوزوا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم عرف ذلك من جهة ~~بعض الأنبياء ، وأن يكون وقع إليه أنه أخبر عن حاله وحال القوم معه بأن ~~يكفوا (¬1) عن معارضته ، فاعتمد ذلك ، وبنى أمر التحدي عليه ، لعلمه بصحته ~~، وأن أصل ذلك الخبر من عند الله عز وجل . # قيل له: هذا الذي ذكرت لوكان ، يزيد أمره صلى الله عليه وآله وسلم قوة ~~رغبة وتأكيدا ، وكان ذلك ضربا من التبشير به ، وذلك أن ذلك النبي لو أخبر ~~أن القوم يكفون عن معارضته ، وأحوالهم على ما وصفنا ، لكان لا يخلو ذلك ~~الكف من أن يكون منهم على سبيل الاختيار ، أو لأن (¬2) الاتيان بها كان ~~متعذرا عليهم ، أو لأن (¬3) الله عز وجل صرفهم عنها ببعض لطائفه . # وقد ثبت أن الكف على سبيل الاختيار منهم مما يستحيل ، ولا يصح كونه ، فلم ~~يبق إلا أنه كان للتعذر أو للصرف ، وأيهما كان وجب كونه معجزا ، دالا على ~~نبوته . فتقدم خبر نبي - إن تقدم - PageV01P160 يكون بشارة له بأن الله عز وجل بعثه نبيا ، ويظهر عليه العلم الذي يدل على ~~نبوته . # فإن قيل: فإذا ثبت أنه من عند الله عز وجل ، فما الذي يدل على أنه معجز ؟ ~~لأن التوراة والانجيل ، وإن كانا منزلين من عند الله ، فلا يجب كونهما ~~معجزا ؟ # قيل له: إذا ثبت بما بيناه تعذر مثله على الناس ، ثبت كونه معجزا كما ~~بيناه في الدليل الأول . # فإن قيل: إذا كان هذا الدليل لا يتم إلا بذكر التحدي ، وبيان تعذر مثله ، ~~وعليه بنى الدليل الأول ، فلم جعلتم هذا دليلا ثانيا ؟! # قيل له: هذان الشرطان وإن جمعا الدليلين ، فلكل واحد منهما شرط يخصه ، ~~لأن الدليل الأول لا يتم ms060 إلا بأن يعلم أن المعارضة لم تقع ، وهذا لا يجب أن ~~يشترط في الدليل الثاني ، لأن الدليل الثاني يصح أن يستدل به . # وقيل: النظر في أن المعارضة وقعت أو لم تقع ، حين يكون حصول العلم بأن ~~المعارضة لم تقع بعد استكمال النظر في الدليل ، ووقوع العلم به . # والدليل الأول ليس من شروطه أن نبين أن كامل العقل (¬1) لا يجوز أن يقع ~~منه من تلقاء نفسه مثل هذا التحدي ، ولا يجب اشتراطه في الدليل الأول . PageV01P161 # والدليل الثاني لا يتم إلا باشتراطه ، لأنه مبني عليه . # وإذا كان لكل واحد من الدليلين شرط يخصه - ولا يتم الدليل إلا بشرطه - ~~لما صح كونهما دليلين ، وإن جمعتهما شروط أخر . # دليل آخر على أن القرءان معجز: ومن الدليل على ذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ابتدأ الاتيان بهذا القرءان على غاية الاحكام والاتقان ، ~~وقد ثبت جريان العادة أن كل أمر يقع على وجه لا يصح وقوعه عليه إلا بعلوم ~~تحصل للفاعل له ، لا يصح وقوعه ابتداء على غاية الاحكام والاتقان ، وأن ~~بلوغه الغاية يتعذر على (¬1) مر الدهور والأعصار ، وتعاطي جماعة فجماعة له ~~. وأنه لا فرق في ذلك بين (¬2) شيء من الأمور التي هي منظوم الكلام ومنثوره ~~، أو ما يتعلق بالتنجيم أوالطب أو الفقه أو النحو ، أو الصناعات التي هي ~~النساخة أو الصياغة أو البناء أو ما أشبه ذلك . # فإذا ثبت ذلك وثبت وقوع القرءان على الوجه الذي بيناه ، ثبت أنه وقع على ~~وجه انتقضت به العادة ، وما وقع على وجه تنتقض به العادة ، وجب كونه معجزا ~~، وجرى مجرى قلب العصا حية ، وإحياء الموتى ، والمشي على الماء والهواء . # فإن قيل: ولم ادعيتم أن القرءان وقع على غاية الاحكام والاتقان ؟! PageV01P162 # قيل له: قد علمنا ذلك كما علمنا في غيره مما بلغ الغاية في بابه ، وذلك كما ~~علمنا أن التنجيم بلغ الغاية في أيام بطليموس ، وأن الهندسة قد بلغت الغاية ~~في أيام أقليدس ، وأن الطب بلغ الغاية في أيام جالينوس ، وأن الشعر بلغ ~~الغاية في أيام امرئ ms061 القيس ، والنابغة ، وزهير ، والأعشى ، وأن النحو بلغ ~~الغاية في أيام سيبويه والخليل ، وأن الخط بلغ الغاية في أيام ابن مقلة ، ~~وكذلك سائر الصناعات والمهن ، وكان الطريق إلى الجميع أنا قد علمنا من حال ~~كل واحد ممن تعاطاه ، بأن كل من حاوله وتعاطى مثله ، إما أن يكون قصر عنه ~~قصورا بينا ، وبعد بعدا متفاوتا ، أو قاربه ، أو زاد عليه شيئا ، زيادة ~~كانت يسيرة لا يؤبه لمثلها . # فدلنا ذلك على أن جميع ما ذكرناه وقع على غاية الاحكام والاتقان في بابه ~~، في الأوقات التي ذكرناها . # فإذا ثبت ذلك وثبت أن القرءان لما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~حاول كثير من الناس الاتيان بمثله ، فقصروا عنه قصورا ظاهرا ، وسقطوا دونه ~~سقوطا فاحشا ، عرفه من نصح (¬1) نفسه ، ولم يجحد ما تصوره . # فأما من عاند وتواقح (¬2) ، فإنه ادعا المقاربة ، وأوهم الأغمار المماثلة ~~، ولم يدع أحد أنه يبرز عليه ، ويطلب وراءه أمرا للمزيد ، PageV01P163 لوضوح الأمر في بلوغه الغاية ، ولحوقه درجة النهاية . فكان وقوعه على غاية ~~الاحكام والاتقان ، أوضح من سائر ما ذكرناه ، لأن عامة ذلك قد زيدت عليه ~~زيادات على مقدار احتمال الصنعة ، والقرءان ارتفع عن ذلك ارتفاعا حسم ~~المطامع عن ابتغاء المماثلة ، فكيف ابتغاء الزيادة ؟! فصح بذلك ما ادعيناه ~~، ووضح ما ذكرناه . # على أنه لو ثبت أن وراء غاية القرءان غاية يترتب وقوعها مزيدا يطلب ، لم ~~يقدح ذلك في استدلالنا هذا ، لأنا قد علمنا أنه لما حصل ووقع ، لم يكن ~~وقوعه على أدنى مراتب الكلام وأضعف وجوهه ، بل كان متجاوزا لذلك شأوا بعيدا ~~، وأمدا مديدا . # وهذا القدر كاف في وقوعه على وجه انتقضت به العادة . # على أنا نقول لهذا السائل: إن كنت تعرف شيئا من الأشياء بلغ الغاية في ~~مجرى العادة ، فأبن عنه لنوضح بمثله أن ما ادعيناه في حال القرءان أوضح من ~~ذلك ، ولسنا نريد بالغايات التي ذكرناها في هذه المواضع أجمع الغاية التي ~~لا تكون في المقدور أو المعلوم ما يزيد عليها . وإنما نريد ما يسمى غاية ، ~~ويعد نهاية في ms062 مثله من طريق العادة ، فليكن ذلك مقصورا عند الناظر في ~~كلامنا هذا . فإن المدار عليه ، والغرض ينتهي إليه . # فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إن ما ادعيتموه من النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ابتداء الاتيان به لا يصح ، لأن الفصاحة لم يكن هو صلى الله ~~عليه وآله وسلم ابتدأها ، بل كانت متقادمة العهد ، PageV01P164 متداولة [بين] العرب ، قد استمرت عليها الأعصار ، وتصرفت فيها الأفكار ؟ # قيل له: لسنا نزعم أن الذي اختص به القرءان هو الفصاحة فقط ، حتى يلزمنا ~~ما ذكرتموه ، وإنما نقول: إن الذي اختص به هو هذا النظم المخصوص ، والأسلوب ~~المتميز ، واقعا في أعلى طبقات الفصاحة . وإذا كان هذا هكذا ، ولم يعرف ~~للعرب قبله صلى الله عليه وآله وسلم هذا النظم المتميز عن غيره ، صح ما ~~قلناه من أنه ابتدأ به على الغاية في معناه . # فإن قيل: إلى ماذا تشيرون بقولكم: هذا النظم المخصوص ، والأسلوب المتميز ~~، فإنا لا نعقل فيه أمرا زائدا على الكلام المعتاد ، ولم نعرف تميزا إلا ~~بالفصاحة ؟ # قيل له: نريد بذلك ما نعرفه ، ويعرفه كل متأمل كلام العرب ، لأن كلامهم ~~أجمع لا يخلو: # من أن يكون موزونا . # أو غير موزون . # فالموزون تختلف أجناسه ، ويتميز قصيره عن رجزه ، وكل ذلك مما يعرفه أهله . # وما ليس بموزون منه ينقسم أربعة أقسام: # منها نظم الخطب وطريقتها . # ومنها نظم الترسل ومنهاجه . PageV01P165 # ومنها أسجاع الكهنة . # ومنها المحاورات التي تجري بين الناس ، ملفوظا بها ومكتوبا في منافع ~~الدين والدنيا ومضارهما ، وما ينطوي على الجد والهزل . ووجدنا أسلوب ~~القرءان ونظمه مفارقا لهذه الأساليب أجمع ، لأنه ليس من نظم الخطب ، ولا ~~الرسائل ، ولا أسجاع الكهان ، ولا المحاورات ، يعرفه كل من تأمله ، ممن ليس ~~له أيسر حظ من المعرفة لكلام العرب . # فأما بيان أن الاعجاز تعلق بهذا الأسلوب المخصوص ، واقعا في أعلى طبقات ~~الفصاحة , فسيجيء بعد الفراغ من إيضاح هذا الدليل ، إن يسر الله عز وجل ، ~~وسنفرد له فصلا ، فإنه باب عظيم لا يستغنى عنه . # فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: ms063 يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أدار القرءان في نفسه نحوا من خمسة وعشرين سنة ، من حين بلغ إلى ~~أن بعث ، حتى رتبه ونقحه وهذبه ، ثم أظهره على ما هو عليه من الغاية؟ # قيل له: ذلك مما لا يصح ، لأن القرءان ليس دون الأشعار والرسائل . # وقد علمنا: أن الشعر لم يبلغ الغاية في هذا القدر من الزمان . ولا برجل ~~واحد ، وكذلك الرسائل ، وكذلك سائر الصناعات ، وأن العادة جارية بأن كل من ~~ابتدأ صناعة وابتكرها ، لا يتسع لبلوغ آخرها في مقدار عمره ، وأنها لا تبلغ ~~الغاية إلا بأزمنة تتصل ، وبجماعات PageV01P166 يقتدي بعضهم ببعض ، ويستعين بعضهم بخواطر بعض ، ويبني الخالف على ما أسسه ~~السالف . فوضح بذلك سقوط هذا السؤال . # فإن قيل: إن الخليل بن أحمد ابتدأ العروض فأورده على غايته ، ولم يدل ذلك ~~عندهم على انتقاض العادة ، فما أنكرتم أن يكون القرءان مثل ذلك ؟! # قيل له: إن العروض هو ضرب من تقطيع الأصوات وترتيبه ، وقد سبقه بذلك صاحب ~~المسيقى (¬1) ، وبلغ الغاية فيه . # وقد سمعنا من كان يعرف اللغة السريانية يذكر أن للأشعار المعمولة على ذلك ~~اللسان عروضا قد عملت (¬2) ، ويجوز أن يكون الخليل بنى على تلك الطريقة ، ~~ولا يكون له إلا بتتبع أشعار العرب ، وعد أجناسها ، وردها إلى الوزن ، ~~مقتفيا به ما ذكرناه . # ثم قد سقط عنه أوزان وأضرب ، منها الوزن المسمى: ركض الخيل (¬3) ، وقد ~~جاء عليه الشعر المنسوب إلى عمر الجني ، وهو: # أشجاك تشتيت شعب الجن ... فأنت له أرق وصب (¬4) # وهي قصيدة طويلة . # وفي المحدثين من عمل على ذلك ، فقال قصيدة طويلة أولها: PageV01P167 # أنسيت أفعالهم السمحا ... فأراك تذكرهم لهجا (¬1) # وسقط عنه أيضا ضرب من الوزن المسمى بالمنشرح (¬2) ، وهو أن يقع في ~~القافية (( مفعولات )) بدل (( مفتعلن )) ، وقد جاء على ذلك أشعار كثيرة ، ~~وتتبع هذا مما يخرجنا عن غرض كتابنا هذا ، وفيما أشرنا إليه كفاية . # فبان بما ذكرناه أنه لا يصح أن يقال: إن الخليل أورد ذلك ابتداء على ~~الغاية ، كما أورد النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرءان مبتدئا ms064 به ، ~~ومبتكرا له على الغاية في معناه ، فسقطت المعارضة . # فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: يجوز أن تكون أكثر هذه الصناعات لم ~~تبلغ الغاية برجل واحد ، لأن العناية بها لم تتم ، والدواعي PageV01P168 إليها لم تقو ، والبواعث عليها لم تتوفر . وإذا كان كذلك ، جاز أن تكون ~~دواعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى إيراد القرءان على هذه الصفة ~~توفرت ، وبواعثه عليه قويت ، فأتى به ، وإن لم يتفق لأحد قبله ما جرى هذا ~~المجرى ، ومتى جوزتم ذلك بطل ما اعتمدتموه من أنه وقع على وجه انتقضت به ~~العادة ؟ # قيل له: هذا الذي ذكرتموه مما لا نجيزه ، لأن تجويز مثله يؤدي إلى أن ~~يلتبس ما هو متعذر ، بما لا يتعذر ، وإلى أن لا يكون بينهما فرق ، وقد ثبت ~~الفرق بينهما . فوجب بطلان هذا السؤال . # ألا ترى أن ذلك لو جاز لجاز لقائل أن يقول: جوزوا أن يكون واحد من ~~الأطباء لم تقو عنايته ، ولم تتوفر بواعثه ، حتى يبلغ إلى حيث يحيي الموتى ~~، ويبرئ الأكمه والأبرص ، وأنه لا يستحيل أن يبلغ بعض الأطباء بعنايته ، ~~ووفور دواعيه ، وقوة بواعثه . # ولجاز للآخر أن يقول: جوزوا أن يكون واحد (¬1) من السحرة المشعبذين لم ~~تبلغ به قوة دواعيه وبواعثه إلى أن يبلغ مبلغا ، ثم إن قلب العصا حية ضرب ~~من الحيل ، وأنه من الجائز المتوهم أن يبلغه بعض السحرة والمشعبذين ، وكذلك ~~يجوز ذلك في سائر الصناعات ، فلما علمنا بطلان قول من يجيز ذلك ويشك فيه ، ~~وجب بطلان ما سأل عنه السائل في هذا الباب . PageV01P169 # فإن قيل: الفرق بين ما ذكرتم وبين ما سألنا عنه ظاهر ، لأن الذي ذكرتموه ~~ليس جنسه في مقدور العباد ، وما سألنا عنه جنسه في مقدور العباد . # قيل له: عن هذا جوابان: # أحدهما: أنا عرفنا الفرق بين ما يكون جنسه في مقدور العباد ، وبين ما لا ~~يكون جنسه في مقدورهم . بأن عرفنا ما قلناه: أن جنسه ليس في مقدور العباد ~~على (¬1) كل وجه ، وسؤالكم هذا يؤدي إلى أن لا يصح لنا العلم ms065 بالفرق بين ما ~~يتعذر علينا وبين ما لا يتعذر . وذلك يؤدي إلى أن يفسد علينا الطريق الذي ~~به نعرف الفرق بين ما يكون جنسه في مقدور العباد وما لا يكون . وكل سؤال ~~يؤدي إلى إفساد ما لا يتم ذلك السؤال إلا به ، يجب أن يكون فاسدا . # والجواب الثاني: أنه لا فرق في هذا الباب بين ما يكون جنسه في مقدور ~~العباد ، وبين ما لا يكون جنسه في مقدورهم . # ألا ترى أنا كما لا نجوز (¬2) أن يبلغ الانسان بقوة دواعيه ، ووفور ~~بواعثه ، وشدة عنايته ، إلى أن يحتال حتى يطير كالنسر أو العقاب ، وإن كان ~~الطيران جنسه في مقدورنا ، لأن ذلك ليس أكثر من أكوان واقعة على وجوه ~~مخصوصة ، وكذلك لا يجوز أن يحصل الانسان بشيء PageV01P170 من ذلك إلى أن ينقل بعض الجبال الراسيات عن مواضعها ، وإن كان جنسه في ~~مقدونا ، ونظائره أكثر من أن تحصى . # فبان أن القول بما يؤدي إلى أن يلتبس ما يتعذر بما لا يتعذر ، مما لا يصح ~~ويجب بطلانه . وسواء قيل ذلك فيما يكون جنسه تحت مقدورنا أو لم يكن . # على أن الذي قالوه لو كان صحيحا ، لأدى إلى أن لا تقع الثقة بشيء من ~~المعجزات ، وما جرى هذا المجرى من الشبه التي لا يمكن حلها ، يجب على ~~القديم عز وجل المنع منه ، على ما سلف القول فيه . فكان يجب عليه عز وجل أن ~~لا يقع إيراد مثله ابتداء الغاية,أو يمنع أن يأتي به المتخرص على وجه ينقض ~~العادة . # فإن قيل: هذا الذي بنيتم استدلالكم عليه فاسد ، لأنه يؤدي إلى أن السبق ~~إلى الشيء يوجب كونه معجزا ، وقد علمنا فساده ، لأن أمورا كثيرة تتجاوز ~~الاحصاء والعد ، قد وقع إليها السبق ، كالصناعات والمهن وما جرى مجراها ، ~~وكثير من العلوم ، وليس يكون شيء من ذلك معجزا . # قيل له: من تأمل كلامنا لم يسأل هذا السؤال ، لأنا لم نقل: إن الابتداء ~~بالقرءان فقط يدل على أنه معجز ، وإنما قلنا: إنه وقع على وجه انتقضت به ~~العادة ، لأن العادة جارية بأن ms066 الأمر المبتدأ به لا يجوز وقوعه على الغاية ~~في الباب المقصود إليه ، وأوضحنا ذلك وكشفنا عن صحة ما قلناه . PageV01P171 # ثم قلنا: وقد وقع القرءان ابتداء على الغاية في المعنى المقصود إليه ، فوجب ~~أن يكون وقوعه على وجه يوجب نقض العادة ، وذلك يوجب كونه معجزا . وليس هذا ~~من السبق المجرد إلى الأمر في شيء ، بل هو جار مجرى من لا يحفظ اليوم شيئا ~~من القرءان ، ثم يجده في اليوم الثاني حافظا له وللقراءات ولوجوه القراءات ~~، في أنه يجب أن يكون معجزا ، لأن حفظه وقع على وجه انتقضت به العادة . # ولا يلزم على ذلك القول بأن مجرد الحفظ للقرآن وللقراءات ووجوهها معجز ، ~~وكذلك القول في سائر الحروف والصناعات وأصناف العلوم . فوضح سقوط هذا ~~السؤال عما اعتمدناه في هذا الباب . # فإن قيل: دليلكم هذا يقضي جواز وقوع الاتيان بمثل القرءان على مر الأعصار ~~، وامتداد الأزمان ، لأنكم إنما قلتم: إن مثله لا يجوز الابتداء به . ~~والدليلان المتقدمان يقضي كل واحد منهما أن الاتيان بمثله لا يصح ، وعلى ~~هذا إن صح واحد من الدليلين المتقدمين ، فيجب فساد هذا الدليل ، وإن صح هذا ~~الدليل ، وجب فساد الدليلين المتقدمين ، فيجب فساد هذا . وأنتم قد اعتمدتم ~~الأدلة الثلاثة وصححتموها ، وذلك متعذر . # قيل له: هذا غلظ ظاهر ، وقلة تأمل لتراتيب أدلتنا ، لأن الدليلين يوجبان ~~أن الاتيان بمثل القرءان لا يصح ولا يجوز ، وإن كان قد حكي PageV01P172 عن قوم أنهم ذهبوا إلى أن التحدي وقع خاصا في ذلك العصر ، وأنه إن أتي بمثل ~~القرءان بعد ذلك ، لم يقدح في كونه معجزا . # والدليل الثالث: لم يتضمن جواز الاتيان بمثله بعد ذلك ، وإن كان لم يتضمن ~~وجوب تعذر الاتيان بمثله كما تضمنه الدليلان (¬1) ، فلا تناقض بينه وبين ~~الدليلين المتقدمين ، فلم يمتنع (¬2) أن يشتمل جميعها على صحته كما ظنه ~~السائل ؟! # ومثال ذلك: أن المستدل على حدوث الأجسام بأنها لم تسبق الأعراض الحادثة ، ~~يصح له مع ذلك أن يستدل على حدوثها بأنها لم تسبق الأحوال المتجددة . # ويصح الاعتماد على الدليلين . وإن كان الدليل الأول ms067 يتضمن إثبات أعيان ~~حادثة ، والدليل الثاني لا يتضمنه ، لأن الدليل الثاني وإن لم يتضمن إثبات ~~أعراض حادثة ، فلم يتضمن أيضا نفيها ، ولم يمتنع أن يكون كل واحد منهما ~~دليلا صحيحا مستقلا بنفسه . # فكذلك أدلتنا في إعجاز القرءان ، وإن كان بعضها يتضمن وجوب ما لا يتضمن ~~وجوبه بعضها ، إذ لا يتضمن نفيه . # يوضح ذلك: أن القرءان لا يمتنع أن يكون معجزا لوجهين . # أحدهما: لا يتم إلا بأن يتعذر الاتيان بمثله على جميع البشر إلى آخر ~~الدهر . # والوجه الثاني: يتم تعذر ذلك مع تراخي الزمان أو لم يتعذر . # - - - PageV01P173 ### || AUTO الكلام في بيان ماله كان معجزا # اعلم أن ما فيه من الإخبار عن الغيوب لا إشكال في كونه معجزا ، لأن مثله ~~لا يجوز أن يصدر إلا عن علام الغيوب ، وسنفرد لذلك كلاما بعون الله . # وأما ماله كان معجزا من غير هذا الوجه ، فقد اختلف فيه على ما نبينه . # وهذا الاختلاف لا يقدح في الدليلين اللذين قدمنا ذكرهما ، لأن واحدا ~~منهما لم يبن على وجه مخصوص مما اختلف فيه . # وإنما بنينا الدليل الثالث فقط على وجه مخصوص مما اختلف فيه ، لأنه مبني ~~على أنه صار معجزا للنظم المخصوص ، واقعا في أعلى طبقات الفصاحة ، على ما ~~مضى القول فيه ، فأي وجه من الوجوه التي اختلف فيها صح ، لم يقدح فيما ~~قدمناه من الدليلين . # وذلك أنهما مبنيان على أنه قد تعذر على العرب الاتيان بمثله ، على وجه ~~انتقضت به العادة ، فلأي وجه كان التعذر لم يؤثر ذلك في كونه معجزا . # ألا ترى أن نبيا من الأنبياء لو أتى بما يتعذر الاتيان بمثله على جميع ~~البشر علمنا أنه معجز ، وإن شككنا أنه تعذر لجنسه أو صفته ، أو لأية صفة ~~كانت من صفاته ، أو لأن الخلق أجمع صرفوا عنه ، على أي وجه حصل الصرف ، لأن ~~الذي يتم به كونه معجزا ، هو حصول التعذر على وجه تنتقض به العادة ، فكذلك ~~ما قلناه في وجوه إعجاز القرءان . PageV01P174 # فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إذا كان كل واحد منكم ms068 يطعن في الوجه ~~الذي يعتمده صاحبه في بيان الوجه الذي كان له القرءان معجزا ، ويبين فساده ~~، فليس يثبت شيء من تلك الوجوه ، وإذا بطلت تلك الوجوه أجمع لم يصح كونه ~~معجزا ، لأنه لا يكون معجزا إلا لوجه يخصه . # قيل له: الصحيح لا يفسد لطعن من يطعن فيه ، أو يحاول إفساده ، فإذا ثبت ~~ذلك ، لم يجب فساد تلك الوجوه أجمع ، ولم يمنع أن يكون في جملتها وجه صحيح ~~لا يؤثر فيه طعن من يطعن . # وإذا ثبت ذلك صح ما ادعيناه ، من كونه معجزا على ما بيناه . وإن اختلف في ~~الوجه الذي له كان معجزا . # ونعود إلى ذكر الوجوه التي ادعا أن إعجاز القرءان يتعلق بها ، ونبين ما ~~نعتمده منها . # اعلم أن من الناس من ذهب إلى أن القرءان لم يتعذر الاتيان بمثله ، لشيء ~~من أوصافه . وإنما الاعجاز هوالصرف . # ومنهم من قال: إن الاعجاز هو الفصاحة المجردة ، وإنها قد بلغت الحد الذي ~~يتعذر الاتيان بمثلها على جميع البشر ، وهذا قول الأكثرين من المتكلمين . # ومنهم من ذهب إلى أن الاعجاز: إنما هو في النظم المخصوص الذي تميز (¬1) ~~به القرءان عما سواه . PageV01P175 # ومنهم من ذهب إلى أن الاعجاز فيهما جميعا - أعني النظم مع الفصاحة البالغة ~~أعلى طبقات الفصاحة - وهذا هو الذي يصح عندي ، ويتضح لدي . # على أن من قال بالصرف لابد له من الرجوع إلى بعض هذه الوجوه ، لأن الصرف ~~عنده لم يقع عن جميع الكلام ، وإنما وقع عن كلام له صفة مخصوصة ، وتلك ~~الصفة لا بد من أن تكون هي الأسلوب ، أو الفصاحة ، أو هما جميعا . والكلام ~~في الصرف يأتي بعد هذا الموضع . # والذي يبين صحة ما اخترناه وادعينا صحته ، أنه لا يخلو: # من أن يكون الاعجاز فيه تعلق بالأسلوب المجرد . # أو الفصاحة المجردة . # أو بهما جميعا ، ولا يصح ادعاء من يدعي تعلقه بالنظم ، أي الأسلوب فقط ، ~~لأنا نعلم ضرورة أن تميز نظم القرءان عن سائر أساليب الكلام المنثور كأسلوب ~~الخطب ، وأسلوب الرسائل ، وأسلوب كلام الكهنة وأسجاعهم ، وأسلوب المحاورات ~~، ليس أكثر من تميز ms069 بعض الأساليب عن بعض . # وقد علمنا أن من تقدم (¬1) في بعض هذه الأساليب حتى بلغ فيها الغاية ، لا ~~يجوز أن يتعذر عليه الأسلوب الآخر ، حتى لا يمكنه أن يأتي PageV01P176 بشيء منه ، وإن لم يمكنه التصرف فيه وبلوغ الغاية ، كما أمكنه في النظم ~~الآخر . # يبين ذلك أن الخطيب المصقع ، وإن تعذر عليه إنشاء الرسائل على الغاية ~~التي يطلب لها ، فليس يتعذر عليه جملة ، بل لا بد من أن يتمكن من إنشائها ~~في الطبقة الدنيا أو الوسطى ، وكذلك من تقدم في صناعة الرسائل ، هذا حكمه ~~(¬1) في الخطب ، وكذلك المقدم في المحاورات ، المتناهي فيها . # فإذا ثبت ما بيناه ، ووضح أن من تقدم وبرع في بعض هذه الأساليب حتى فاق ~~نظراءه ، وقرع أكفاءه ، لا يتعذر عليه الاتيان بأسلوب القرءان في الطبقة ~~الدنيا ، فصح بما بيناه أنه لا يمكن أن يقال: إن الاعجاز تعلق بمجرد النظم . # ولا يمكن أن يقال: تعلق بمجرد الفصاحة ، لأن ذلك لا يتم إلا بأن تعلم أن ~~القرءان قد بلغ في الفصاحة مبلغا ، تجاوزت (¬2) الحد الذي يتمكن منها البشر ~~تجاوزا انتقضت به العادة ، ولا يمكن ادعاء هذا العلم ، لأنه لا يخلو من أن ~~يكون ضرورة أو مكتسبا ، ولا يجوز أن يكون ضروريا ، لأن ذلك لو كان كذلك ~~لاشترك فيه جميع من له قدم في اللغة ، وحظ من العلم بمواقع كلام العرب ، ~~والأمر بخلاف ذلك ، لأن PageV01P177 مثل ذلك في التمييز فيه ، وفي غيره من الكلام ، وفي سائر الصناعات ، يجب أن ~~يكون طريقه الضرورة . # فإذا ثبت بما بيناه أن ادعاء التعذر في كل واحد من الأمرين لا يمكن ولا ~~يصح ، ثبت أن الاعجاز تعلق بمجموعها ، لأنا قد علمنا تعذر الاتيان بمثله ~~على العرب ، بما أثبتناه وأوضحناه في كتابنا هذا ، والصفتان جرتا مجرى ~~واحدا - أعني النظم والفصاحة - في الميل إلى التعذر ، فوجب القول: بأنه ~~تعذر الاتيان بمثل القرءان في الصفتين جميعا ، فصح ما ذهبنا إليه . # فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إنا وإن لم نعلم الآن ضرورة أن ~~القرءان قد باين سائر ms070 كلام العرب في الفصاحة مباينة انتقضت بها العادة ، ~~فإنا نجوز أن يكون العرب الذين كانت المعرفة لهم بذلك جبلة وطبيعة ، عرفوا ~~ذلك ضرورة . # قيل له: تجويز ذلك لا يؤيد صحة ما ادعيتموه ، لأن الذي بني عليه الدليل ، ~~لا يغني فيه التجويز ، وإنما يجب أن تثبت فيه الصحة على القطع ، حتى يصح ~~الدليل الذي بني عليه ، وأنتم لم تثبتوا صحته ، ولا يستقيم سؤالكم . # فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون من تأمل قول الله عز وجل: { وقيل يا أرض ~~ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل ~~بعدا للقوم الظالمين (44) } [هود] ، وقوله سبحانه: { والنجم إذا هوى (1) ما ~~ضل صاحبكم وما غوى (2) PageV01P178 وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) } [النجم] ، وقوله عز وجل: { ~~في سدر مخضود (28) وطلح منضود (29) وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) } ~~[الواقعة] . عرف ما ادعيناه ، من أن فصاحة القرءان وقعت على وجه انتقضت به ~~العادة ؟! # قيل له: نحن لا ننكر أن ألفاظ هذه الآيات جزلة واقعة في أعلى طبقات ~~الفصاحة من جهة الجزالة ، إلا أن بين أن يكون الكلام كذلك ، وبين أن تنتهي ~~فصاحته إلى حيث تنتقض العادة بون (¬1) ، وهذه الآيات لا يكاد يذكرها إلا ~~المتكلم الذي لا يتصور من أقسام الفصاحة إلا جزالة اللفظ . # وذلك لعمري قسم منها عظيم الموقع ، وإن كانت أقسام الفصاحة كثيرة متنوعة ~~، على ما نذكرها ونبينها بعد الفراغ من هذا الفصل ، وإنما صار هذا القسم ~~يشترك في العلم به من خفت بضاعته في معرفة كلام العرب أو توفرت ، لأن لها ~~حلاوة تدرك من جهة السمع ، كما أن للألوان المخصوصة كالصفرة والخضرة ~~ونحوهما حلاوة تدرك من جهة البصر ، وكذلك ما يختص سائر الحواس ، وليس كذلك ~~سائر أقسام الصناعات ، لأن العلم بها مفتقر إلى العلم بطرائق العرب في ~~منظوم كلامهم ومنثوره ، وجهات تصرفهم فيها ، وكثير من أحوال لغاتهم ~~وعاداتهم في إيرادها . PageV01P179 # وهذه أبواب لا يستقل بمعرفتها من لم يكن مطبوعا عليها ، إلا أن ينال منها ~~حظا جزيلا ، وقسما وافرا . # فإن قيل: ما ms071 تنكرون على من قال لكم: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ~~تحدى بالقرءان ، وعلمنا ذلك من حاله ، ولم يثبت أن النظم كان مقصودا ~~بالتحدي ، وإذا لم يثبت ذلك ، ثبت أنه لا بد من وجه يكون هو المقصود ~~بالتحدي ، ثبت أن ذلك الوجه هو الفصاحة فقط ، فبطل قول من يقول: إن النظم ~~مقصود بالتحدي ؟! # قيل له: لا فصل بينكم وبين من قال: لم يثبت أن الفصاحة مقصودة بالتحدي ، ~~وإذا لم يثبت ذلك ، فكان لا بد من وجه يكون هو المقصود بالتحدي ، وعليه ثبت ~~أن ذلك الوجه هو النظم فقط ، وذلك أن القرءان له هذا النظم المخصوص ~~والفصاحة المخصوصة ، وقد وقع التحدي به ، وثبت عجز البشر عن الاتيان بمثله ~~، فلم يكن ادعاء تعلق العجز بأحد الأمرين أولى من ادعاء تعلقه بالآخر ، ~~فيجب أن يقال: إنه متعلق بهما ، أو يقال: إنه لا يتعلق بواحد منهما ، ولا ~~يصح القول بأنه لا يتعلق بواحد منهما ، لأنه لا بد من وجه به يتعلق الاعجاز ~~، ويكون هو المقصود بالتحدي ، فإذا ثبت ذلك ، فيجب تعلق الاعجاز بالأمرين ، ~~وأن يكونا جميعا مقصودين بالتحدي على ما ذهبنا إليه . # على أنا قد عرفنا من حال كل من ادعا أنه يعارض القرءان ، أو يأتي بما ~~يقاربه ، نحو مسيلمة ، وطليحة ، وابن المقفع ، على اختلاف PageV01P180 أحوالهم ، طلب الأسلوب والفصاحة معا ، ولم يكن فيهم من كان يأتي بشعر أو ~~خطبة فيدعي أنه قد أتى بما يقاربه ، فدل ذلك على أنهم أجمعون عرفوا أن ~~المقصود بالتحدي هو النظم والفصاحة معا . فدل ذلك على صحة ما قلناه . # على أن قوله عز وجل: { فأتوا بسورة من مثله } [البقرة: 23] ، وقوله عز ~~وجل: { فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } [هود: 13] ، يدل على أن النظم مقصود ~~بالتحدي ، لأن اسم السورة لا ينطلق على الشعر ، ولا الخطبة ، ولا الرسالة ، ~~ولا أسجاع الكهنة ، ولا المحاضرة ، وإنما ينطلق على ما له هذا النظم ~~المخصوص . # فإذا كان كذلك ، كان قوله: { قل فأتوا بسورة } [يونس: 38] جاريا مجرى أن ~~يقول: فأتوا بجملة لها هذا النظم المخصوص ms072 ، فبان صحة ما ادعيناه من تعلق ~~الاعجاز بالنطم مع الفصاحة . # فإن قيل: إذا ثبت أن هذا النظم المخصوص لم تكن العرب تعرفه ، ولا جرت ~~عادتها باستعماله ، فمن أين ادعيتم أن اسم السورة يتناوله دون سائر أجناس ~~الكلام ؟! # قيل له: هذا الاسم جاري مجرى الأسماء الشرعية ، لأنه لم تكن العرب ~~تستعمله في جمل شتى من أجناس الكلام ، وإنما استعمل ذلك بعد نزول القرءان ، ~~إلا أنه لما قال عز وجل: { بسورة من مثله } [البقرة: 23] ، وقال: { عشر سور ~~مثله مفتريات } [هود: 13] ، صح أنه يجوز استعماله فيما يجانس نظمه من ~~الكلام . PageV01P181 # وهذه دلالة قوية يجوز أن تعتمد ابتداء ، في بيان أن النظم مقصود بالتحدي ، ~~وإذا ثبت ذلك ، ثبت تعلق الاعجاز بالنظم على ما قلناه . # فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إن الاعجاز تعلق بالنظم فقط ؟ # قيل: قد تقدم بيان فساد قول من يقول ذلك . لأنا بينا أن مثل هذا النظم لا ~~يجوز أن يتعذر على من لا يتعذر عليه سائر أجناس النظم ، وذلك يسقط هذا ~~السؤال . # ولا يصح أيضا سؤال من يسأل فيقول: إذا لم يكن النظم معجزا ، فيجب أن تكون ~~الفصاحة هي المعجزة . # ولا سؤال من يسأل فيقول: إن الفصاحة قد انتقضت بها العادة ، فلا وجه لضم ~~الأسلوب إليها ، لأنا قد بينا أن الاعجاز بهما تعلق ، وأنه لا سبيل لنا إلى ~~العلم بأن فصاحة القرءان قد بلغت إلى حد انتقضت به العادة ، وبينا أن ~~الاعجاز بهما تعلق - أعني النظم والفصاحة - وأن ذلك جاري مجرى العلة ذات ~~وصفين ، في أن كل واحد من الوصفين لا يتعلق الحكم به على الانفراد . # فإن قيل: فإذا قلتم: إن النظم على الانفراد غير متعذر على البشر ، وكذلك ~~الفصاحة على الانفراد غير متعذرة على البشر ، فكيف يصح أن تقولوا: يتعذر ~~عليهم الجمع بينهما ؟! وهذا يؤدي إلى القول بأن الاتيان بمثل القرءان لا ~~يتعذر على البشر !! PageV01P182 # قيل له: معاذ الله من ذلك !! فإن القول الذي قلناه ، لا يؤدي إلى ما ذكرتم ~~، على ما نبينه ونوضحه . # وذلك أن الذي ms073 من أجله أن لا يتعذر النظم هو العلم الذي يحصل به ، وهو ~~العلم بأن كل كلمة إذا وقعت عقيب أي كلمة أعقب هذا النظم ، أو غيره من نظم ~~أجناس الكلام ، موزونه أو منثوره ، ويتعذر ما يتعذر من ذلك ، لفقد هذا ~~العلم ، وكذلك الذي من أجله أن لا تتعذر الفصاحة هو أن يعلم أن كل كلمة إذا ~~وقعت عقيب أي كلمة وما جرى مجراها من تبديل حرف عن حرف ، أو كلمة عن كلمة ، ~~خرج الكلام فصيحا . # وجملة هذا العلم هي علوم ضرورية ، وإن كانت لا تحصل إلا بالممارسة ، ~~كالعلم بالمهن والصناعات . # ثم العلم بما إذا أتى به كان فصاحة ، في الطبقة الدنيا ، أو الوسطى ، أو ~~العليا ، في نظم مخصوص ، علم ثالث . وهو أيضا إذا حصل حصل ضرورة . # وإذا كان هذا هكذا ، لم يمتنع أن يكون الله عز وجل لم يجمع لأحد من البشر ~~بين هذه العلوم الثلاثة . # أحدها: هو العلم بما به يكون هذا النظم واقعا في أعلى طبقات الفصاحة . ~~وإذا لم يمتنع ذلك ، لم يمتنع أن يتعذر على جميع البشر الاتيان بمثل ~~القرءان ، لفقد أحد العلوم الثلاثة ، وإن حصل العلمان . PageV01P183 # يكشف هذه الجملة أنا نعلم أن الكاتب الذي يكتب الرسائل في أعلى طبقات ~~الفصاحة إذا عدل عنها إلى الشعر ، ربما لم يمكنه أن يأتي به في أعلى طبقات ~~الفصاحة ، وكذلك الشاعر المفلق ربما أمكنه في الشعر أن يرتقي إلى طبقات ~~الفصاحة ، فإذا أخذ يكتب الرسائل هبط عن مرتقاه . # وعلم أن هذا الخطيب المصقع ، أو المحاور الفصيح ، قد يعدل الواحد منهما ~~عما هو نهاية فيه إلى غيره ، فلا يمكنه بلوغ النهاية فيه . # فوضح بما ذكرنا أن العلم بإيقاع الفصاحة في نظم مخصوص ، علم ثالث غير ~~العلم بالنظم ، والعلم بالفصاحة . # فلم يمتنع أن يتعذر ما ذكرنا ، لفقد ذلك العلم . وهذه العلوم هي التي ~~يعبر عنها بالطبع ، فيقال: فلان مطبوع في كذا ، غير مطبوع في كذا . والمرجع ~~به إلى العلوم التي ذكرناها . # يكشف ذلك أنا نعرف من حال الخليل والأصمعي ، ومن جرى مجراهما ms074 ، أنهم ~~كانوا يعرفون الفصاحة ولم تتعذر عليهم . وكانوا يعرفون وزن الشعر ولم يكن ~~يتعذر . ومع هذا نعلم أن واحدا منهم لم يكن يمكنه أن يأتي بمثل أشعار امرئ ~~القيس ، والنابغة ، والأعشى ، ومن دونهم من فحول الشعراء ، وليس السبب فيه ~~إلا ما ذكرناه ، ولهذا تجد من يتفاصح (¬1) في كثير من أجناس النظم إذا طلب ~~نظم القرءان ، سقط PageV01P184 دون غرضه ، وهبط دون مرتقاه ، وليس ذلك إلا أنه يفقد العلم الذي معه يصح ~~إيقاع الفصاحة في هذا النظم المخصوص . # فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إذا كان هذا النظم لم يكن عرف قبل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فما أنكرتم أن يكون معجزا على الانفراد ، ~~لأنه بالاتيان به يكون ناقضا للعادة ؟ # قيل له: ليس معنى قولنا في المعجز: إنه ناقض للعادة ، أنه أتى به من غير ~~أن كان مثله قبل ذلك الوقت ، لأن السبق إلى الشيء لا يوجب كونه معجزا . ألا ~~ترى أن كثيرا من الصناعات قد ابتدئت ، ووقع السبق إليها من أقوام ، ولا يصح ~~ادعاء المعجز في شيء [منها] . # وإنما نريد بقولنا: إنه ناقض للعادة ، أن مثله يتعذر على جميع البشر . ~~والعادة المنقوضة استمرار الحال في تعذره على ما قلنا . # فأما قول من يقول: إن الاعجاز في الصرف في جملة القرءان ، فهو عندي بعيد ~~جدا ، لأن الصرف عن الشيء يمكن أن يدعا ، إذا علم أنه مقدور عليه ، غير ~~متعذر وجود مثله ، ممن ادعا أنه مصروف عنه . # وليس هاهنا ما يبين أن الاتيان بمثل القرءان كان ممكنا للعرب غير متعذر ~~عليهم ، بل قد ذهبنا على خلاف ذلك ، فبان سقوط من ادعاه . # وأيضا القول بذلك يؤدي إلى أن يعرف الفرق بين ما يتعذر على الناس ، وبين ~~ما لا يتعذر ، لأنه لو جاز لهم أن يقولوا: إن العرب صرفوا عن الاتيان بمثل ~~القرءان ، وإن لم يثبت تأتيه منهم ، لجاز أن PageV01P185 يقال: إن الناس صرفوا عن فعل الأجسام والألوان والحياة والقدرة ، وإن لم ~~يثبت أن شيئا منه متأت منهم ، وهذا واضح السقوط . وكذلك ms075 القول في الصرف عن ~~القرآن . # وأما سؤال من يسأل من أهل هذه المقالة ، فيقول: إذا كان الانسان قادرا ~~على أن يقول: { الحمد لله } [الفاتحة: 2] ويتأتى منه أن يقول: { رب ~~العالمين (2) } [الفاتحة] ، وغير متعذر عليه أن يأتي على جميع القرءان ، ~~فما الذي يمنعه عن الاتيان بمثله ؟! ومتى يحصل التعذر ، أعند أول كلمة ، أو ~~عند الثانية ، أو الثالثة ، أو ما بعدها ؟! وذلك مما لا يصح ، فثبت أن ~~الاعجاز هو الصرف . فإنه من ركيك السؤال ، لأنا قد بينا فيما تقدم أن إنشاء ~~الخطبة ، أو الشعر ، أو الرسالة ، أو نظم القرءان ، في أعلى طبقات الفصاحة ~~، يحتاج إلى علم زائد على العلم بالنظم والفصاحة ، وذلك العلم الزائد هو ~~الذي يعبر عنه بالطبع ، فلا وجه لهذا السؤال . # على أنا نوضح سقوطه ، بأن نقول لهذا السائل: أليس قد علمت أن كل أحد ممن ~~يعرف لغة العرب يمكنه أن يقول: (( فإنك )) ، ويمكنه أن يقول: (( كالليل )) ~~، ويمكنه أن يقول: (( الذي )) ، ولا يتعذر عليه أن يقول: (( هو مدركي )) ، ~~ويتأتى منه أن يقول: (( وإن خلت )) ، ويتأتى منه أن يقول: (( أن المنتأى )) ~~، ولا يتعذر عليه أن يقول: (( عنك واسع )) . PageV01P186 # أفترى أن كل من يعرف لغة العرب ، يمكنه أن يأتي بمثل قول النابغة: # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك أوسع (¬1) # فيقال له: متى يحصل المتعذر عليه عند أول لفظة ، أو عند الثانية ، أو عند ~~الثالثة ، أو بعدها ؟! ثم يلزم ذلك في جميع أشعار العرب وخطبهم ، وهذا فساد ~~أظهر من أن يحتاج إلى الاطناب ، ولا بد لهذا السائل من الرجوع إلى ما تقدم ~~من جوابنا . # ولهذا قالوا: إن الشاعر المفلق: هو الذي ترمي (¬2) قريحته بالبيت بعد ~~البيت . # والمتوسط: من يأتي بالمصراع بعد المصراع . # والمتكلف: من يأتي بالكلمة بعد الكلمة ، حتى يؤلفها شعرا . # وليس الفاصل بين الشاعر الأول والثاني أو الثالث إلا العلوم التي أشرنا ~~إليها ، المعبر عنها بالطبع ، وهكذا أحوال الخطباء والمترسلين ، منهم (¬3) ~~من يستجيب طبعه إلى أن يأتي بالفصول بعد الفصول ، والأسجاع بعد الأسجاع ، ~~يكاد يتسلسل عليه ماء العذوبة ms076 ، ويبعد عن التكلف والتعسف ، ومنهم من يؤلف ~~الكلمة إلى الكلمة ، والسجع إلى PageV01P187 السجع ، متعمدا أن تنادي على نفسها بأنها متكلفة متعسفة ، وليس الفاصل ~~بينهم إلا الطبع . # وعلى أن الاعجاز لو كان من جهة الصرف ، لكان الصرف هو المعجز ، ولم يكن ~~القرءان معجزا . وهذا خلاف ما يعلم من دين المسلمين ، لأن المسلمين مجمعون ~~على أن الله عز وجل جعل القرءان معجزا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم . # ويدل على ما قلناه أيضا ، من كون القرءان معجزا في نفسه ، ما حكى الله عز ~~وجل حيث يقول: { ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) فقال ~~إن هذا إلا سحر يؤثر (24) } [المدثر] . # وما ذكر من اجتماع أبي جهل ، وعتبة بن ربيعة ، في ملأ من قريش يتعجبون من ~~القرءان حين قالوا: نحتاج إلى رجل يعرف الشعر ، ويعرف كلام الكهنة . # فقال عتبة: أنا لذلك ، ومضى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتلا ~~عليه قول الله عز وجل: { حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) } [فصلت] ، حتى ~~مر في السورة وانتهى إلى قوله: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة ~~عاد وثمود (13) } [فصلت] ، فقام مرعوبا مدهوشا . # وقال: سمعت الشعر ، وسمعت كلام الكهنة ، وما هذا شيئا من ذلك )) (¬1) ، ~~وإلى سائر ما ذكر من غيرهم في أمر القرءان ، فلو كان PageV01P188 القرءان أمرا لا يتعذر مثله على العرب وإنما صرفوا ، كان لا يتعجب منه ~~المتعجب ، ولا يحار فيه الحائر ، وإنما كان يكون التعجب والحيرة في صرفهم . # ألا ترى أن نبيا لو قال: معجزتي أن أكلمكم اليوم إلى المساء بما تكرهون ، ~~فلا يمكن أحد (¬1) منكم أن يجيبني ، لأنكم تصرفون عنه ، كان الاعجاز في ~~صرفهم هو الذي يكون أعجوبة . # وقد يحار من يحار دون مخاطبته المعهودة لهم ، كذلك يجب أن يكون حال ~~القرءان والصرف على أوضاعهم لو كانت صحيحة ، وفي جري الأحوال على خلاف ذلك ~~دلالة على فساد قولهم . # فأما السور القصار ، فليس يبعد عندي أن يقال: إنهم صرفوا عن الاتيان ~~بمثلها ، إذ ليس يظهر لنا في نظمها وفصاحتها ما يمكن ms077 أن نقول: إن الاعجاز ~~تعلق (¬2) فيه ، وهذا فيه نظر . والله أسأل حسن التوفيق . # ونحن نبين الآن فصاحة القرءان وشرف موقعه ، ومصادفة نظمه أعلى (¬3) طبقات ~~الفصاحة ، إذ به يتم ما اعتمدناه وبنينا كلامنا عليه . والله الموفق ~~والمعين . # هذا ولست أطمع في أن أذكر جميع مزاياه وعجائبه ، وما اختص به من دقائق ~~المعاني ، وعلو رتبته في الفصاحة ، ومباينته عامة كلام PageV01P189 العرب ، مما يوجب شرفه ، ويدل على بلوغه ذروة البلاغة ، وغارب (¬1) الفصاحة ~~، التي أذكر [منها] يسيرا من كثير ، وغيضا من فيض ، على ما يحضرني في الحال ~~، منبها به على ما سواه ، مستعينا بالله عز وجل ، ومستمدا من فضله ، وراغبا ~~إليه عز وجل أن يكتبه في صحفنا ، إذا الصحف نشرت ، وإذا السماء كشطت ، ~~ويبيض وجوهنا يوم تبيض وجوه ، وتسود وجوه . حسبي الله وكفى . # - - - PageV01P190 ### || AUTO الكلام في بيان أن القرءان في أعلى طبقات الفصاحة # اعلم أن هذا لا يتم إلا بأن نبين جملا من أقسام الفصاحة ، ثم نبين أن نظم ~~القرءان مشتمل عليها ، ونبين مزايا القرءان فيها ، ونلحق بذلك ما يكشف عن ~~غرضنا في هذا الباب كشفا يوضحه ، ولا يبقى معه لمرتاد الحق شبهة ، بعون ~~الله عز وجل ، وحسن توفيقه . # اعلم أن أصل الفصاحة هو الإبانة عن المعنى المقصود بحسن البيان . وهذا ~~معنى ما حكى الله عز وجل عن موسى صلى الله عليه: { وأخي هارون هو أفصح مني ~~لسانا } [القصص: 34] ، أي: أحسن بيانا . # فمن أقسام الفصاحة أن يكون الكلام مركبا من اللغات الفاشية في العرب ، ~~التي لم يسترذلها أحد منهم ، نحو (( عنعنة تميم )) ، و(( كشكشة ربيعة )) ، ~~وذلك أن قوما من تميم تجعل الهمزة المفتوحة عينا ، وأنشد الخليل فيه: # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وجيها موشك عن يصدع ~~الكبدا (¬1) # أراد: أن يصدع . # وقوم من ربيعة يقولون للمرأة: عليش ، وإليش ، وبش . يريدون: عليك ، وإليك ~~، وبك . فيجعلون الكاف شينا ، وينشدون: # فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... سوى أن عظم الساق منش دقيق (¬2) PageV01P191 قال الخليل: من ترك عنعنة تميم ، وكشكشة ربيعة ، فهو من الفصحاء (¬1) . # ومن ذلك ما حكي عن قوم من العرب أنهم يكسرون النون ، التي ms078 تدخل على الفعل ~~المستقبل فيقول: نذهب (¬2) ، ونخرج . # ومن ذلك جر الاسم لمجاورة المجرور ، وإن لم يكن ذلك حقه ، كقولهم: جحر ضب ~~خرب ولذلك ذهب نحاة البصرة إلى أنه لا يجوز أن يتأول قول الله عز وجل: { ~~وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم } [المائدة: 6] ، إذا قرئ بجر اللام ، فيقال: إن ~~ذلك لمجاورة المجرور . # فأصل الفصاحة أن يسلم الكلام من ذلك وأشباهه ، وقد سلم كل القرءان من ~~أوله إلى آخره . فهذا باب من الفصاحة . # ولهذا قرأ أبو عمر: { إن هذان لساحران } [مريم: 63] (¬3) ، ولم يتأوله ~~على لغة من يجعل المنصوب للألف ، فيقول: (( خذ رجلاها (¬4) واخلع نعلاها )) . # ومثل ذلك: # إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها (¬5) PageV01P192 وممن (¬1) قرأ بالألف من حمله على أن (( أن )) بمعنى (( نعم )) ، وكره ~~تأويله على الوجه الأول لما قلناه . # ومن أقسام الفصاحة: أن يكون الكلام مؤلفا من لغات ترتفع عن المبتذل ~~السوقي ، وتنحط عن المستفل الحوشي (¬2) . ولهذا نجد أشعار الفصحاء المجيدين ~~، نحو امرئ القيس ، والنابغة ، وزهير ، والأعشى ، جارية على هذه الطريقة ، ~~لا يكاد يوجد فيها الحوشي المستفل ، إلا أن تتفق ندرا ، وإنما يكثر ذلك في ~~كلام الأجلاف من العرب والمتكلفين ، نحو الشماخ ، ورؤبة ، ومن نحا نحوهما . # فأما السوقي (¬3) المبتذل ، فقل ما يتفق في كلام أهل البادية ، وإنما ~~يكثر ذلك في كلام المولدين (¬4) وأشعارهم ، والقرءان من أوله إلى آخره مؤلف ~~من النمط المختار في هذا الباب . # فهذان القسمان من الفصاحة قد استمرا في جميع القرءان بحمد الله ومنه . PageV01P193 # ومن أقسام الفصاحة: جزالة اللفظ ، وهي موجودة في جل القرءان وجمهوره ، وإن ~~لم يوجد في جميعه - كما قلناه - في القسمين الأولين ، لأنه في قوة الطويل ~~الذي يصرف على معاني مختلفة ، ومقاصد متباينة ، وأغراض متمايزة ، كالأوامر ~~والنواهي ، والزواجر والمواعظ ، والوعد والوعيد ، والقصص والمثل ، أن يكون ~~جميعه مؤلفا من ألفاظ جزلة ، لأن جزالته تكون لتأليفه من حروف مخصوصة ، ~~والكلام مبني من الأسماء والأفعال والحروف ، وفي الكثير من الأسماء ~~والأفعال والحروف ما لم يؤلف من الحروف التي تقتضي الجزالة ، والفصيح إذا ~~صار إلى تلك الأسماء والأفعال والحروف ms079 ، فلا بد من إيرادها على ما هي عليه ~~، إذا كان متكلما بكلام العرب . # ولهذا لا يمكن في شيء من أشعار فحول الشعراء ، وكلام البلغاء ، أن يكون ~~من أوله إلى آخره مؤلفا من ألفاظ جزلة . # فأما العذوبة فهي أمكن ، لأنها تكون بالتلاؤم ، وأن لا تكون الكلمة مؤلفة ~~من حروف متنافرة ، وذلك أمكن من الجزالة ، وقد يكون ذلك بتلاؤم الحركات ~~والسكنات ، كما يكون بتلاؤم الحروف ، وأما مواضعها من القرءان فأكثر من أن ~~يأتي عليها الاحصاء والعد ، ونحن نذكر منها مواضع ننبه بها على ما سواها . # من ذلك قوله عز وجل: { كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب ~~الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17) } [البقرة] . PageV01P194 # وقوله: { يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم ~~قاموا } [البقرة: 20] ، وفي هذه الآية من وجوه الفصاحة سوى الجزالة ما ~~نبينه في موضعه . # وكقوله: { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج } [البقرة: 197] . # وكقوله عز وجل: { ولكم في القصاص حياة } [البقرة: 179] ، وقوله: { ~~والحرمات قصاص } [البقرة: 194] . # وقوله عز وجل: { فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (193) } [البقرة] ~~، وقول عز وجل: { ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (137) } ~~[الأعراف] ، وقوله: { وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على ~~أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ~~(138) } [الأعراف] . # وكقوله: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199) } [الأعراف] . # وقوله عز وجل: { فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) } ~~[الأعراف] . # وكقوله عز وجل: { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) } [هود] ~~، وهذه السورة أكثر ألفاظها من ألفاظ الجزالة مع العذوبة . وفيها: { وقيل ~~يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء PageV01P195 أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر } [هود: 44] ، وفيها: { ذلك من أنباء القرى ~~نقصه عليك منها قآئم وحصيد (100) وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم } [هود] . # ومن ذلك عامة سورة القصص وهو من الفصاحة العجيبة ، لأن أول هذه السورة في ~~اقتصاص أحوال موسى ms080 صلى الله عليه من مولده إلى مبعثه إلى قصده فرعون ، ~~مبلغا ما أرسل به إليه ، وذلك مما يصعب جدا في اقتصاص أحوال بعينها ، لأنه ~~لا بد من ضعف يعرض فيما جرى مجراه ، فإذا أردت أن تتحقق ذلك ، فتأمل كلام ~~الفصحاء إذا قصدوا هذا القصد . # ومن ذلك عامة { حم } السجدة . تأملها تجدها على ما قلناه . # ومن ذلك: { والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) } [النجم] ، وما ~~بعدها من الآيات . # ومن ذلك قوله عز وجل: { أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها ~~رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) } ~~[النمل] . # ومن ذلك في السور القصار قوله: { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) ~~ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من ~~سجيل (4) فجعلهم كعصف مأكول (5) } [الفيل] . PageV01P196 # وقوله عز وجل: { والعاديات ضبحا (1) فالموريات قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) ~~فأثرن به نقعا (4) فوسطن به جمعا (5) } [العاديات] . # وتتبع هذا مما يتعذر ، فإن أكثر القرءان على هذا ، ونحن إذا بينا سائر ~~أقسام الفصاحة ننبه (¬1) في أثنائها أيضا على ما فيها من الجزالة ، وإن هذا ~~باب عام فيه . وإن كان بعض الألفاظ يزيد على بعض في (¬2) هذا المعنى ، ~~أعني: في الجزالة والعذوبة . # ومن أقسام الفصاحة: الاستعارات والتشبيهات ، وإحداهما قريبة من الأخرى ، ~~وإن كان بينهما فصل ، وذلك أن التشبيه هو أن يذكر الشيء باسمه ، ويشبهه ~~بغيره ، كقولك: زيد مثل الأسد شجاعة ، وكالريح جودا ، وكالبدر حسنا . # والاستعارة أن تنقل إليه اسم الشيء المشبه به ، وذلك كقولك: حمار ، إذا ~~وصفته بالبلادة ، أو كلب ، إذا وصفته بالخساسة . والاستعارات والتشبيهات في ~~القرءان كثيرة حسنة ، واقعة موقعها لحسنها ، وشرف موضعها . # ونحن نذكر منها جملا ننبه بها على ما سواها ، لأن استيفاءها مما يطول ~~ويتعذر . PageV01P197 # فمن ذلك قوله عز وجل: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ~~ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17) } [البقرة] ، فشبه ~~المنافقين الذين (¬1) أظهروا الإيمان ، وانتفعوا به بين المسلمين ، بمن ~~استوقد نارا ، حتى أضاءت ما حوله ms081 ، وشبه أحوالهم عند الموت وبعد الموت ، في ~~أنهم لا ينتفعون بما أظهروه من الإيمان ، ثم { ذهب الله بنورهم } حتى بقوا ~~في { ظلمات لا يبصرون (17) } ، ثم استعار لهم عز وجل اسم الأصم والأبكم ، ~~وضم الأعمى فقال: { صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) } [البقرة] ، فهم في ~~إعراضهم عن استماع الحق بمنزلة الصم الذين لا يسمعون ، وفي تركهم النطق ~~بالحق - على ما أمرهم الله عز وجل ودعاهم إليه - بمنزلة الخرس الذين لا ~~ينطقون . # ثم قال عز وجل: { أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق . . . } ~~[البقرة: 19] إلى آخر الآية ، فشبههم في حيرتهم وتبلدهم ، واضطراب أمورهم ، ~~وحرج صدورهم ، بمن يكون في ظلمات ورعد وبرق ، ثم ذكر هذا المعنى بقوله عز ~~وجل: { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء } ~~[الأنعام: 125] ، ثم زاد في وصف أحوالهم ، فقال: { يكاد البرق يخطف أبصارهم ~~كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب } ~~[البقرة: 20] ، ثم رد عز وجل هذا المعنى - أعني تأثير البرق في الأبصار - ~~في غير هذه الألفاظ ، فقال: { يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) } [النور] ~~، وهذا من الفصاحة العجيبة والبلاغة التامة ، أن يرد معنى واحد (¬2) بألفاظ ~~مختلفة تجمعها الفصاحة . # ثم عاد عز وجل إلى ذكر من بدأ بذكرهم ، فقال: { والله محيط بالكافرين ~~(19) } [البقرة] ، وهذا قسم من الفصاحة ، وهو أن يجري ذكر شيء ثم يتجاوز ~~إلى ذكر غيره ، ثم يعطفه عليه ويعاد ذكره - أعني المذكور أولا - مثل قول جرير: # متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام (¬3) # فجمعت هذه الآية أنواع الفصاحة ، منها الجزالة في اللفظ ، مع التشبيهات ~~والاستعارة الواقعة ، والعطف آخر الكلام على أوله . # ومن الأمثال الحسنة والتشبيهات الواقعة ، ما ذكره عز وجل من قوله عز وجل: ~~{ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مئة حبة . . . إلى قوله: يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) } ~~[البقرة] (¬4) ، فشبه عز وجل من PageV01P198 أنفقوا ابتغاء لوجه الله ، وطلبا لثوابه الرادع (¬1) ، بما يحصل لهم من ms082 ~~الربح بحبة ، وبمن له جنة بربوة ، آتت أكلها ضعفين . # وشبه من أحبط ثواب انفاقه بطلب الرياء والسمعة ، بصفوان عليه تراب إذا ~~أصابه الوابل ، وبمن له جنة وله ذرية ضعفاء ، فأصابها إعصار فيه نار ~~فاحترقت . وكلها تشبيهات وأمثال ، واقعة بألفاظ جزلة . # ومن الاستعارة الحسنة قوله عز وجل: { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } ~~[الإسراء: 24] ، وقوله: { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) } ~~[الشعراء] ، فجمعت الآية بين الاستعارة (¬2) الحسنة ، والجزالة البالغة ، ~~والعذوبة اللطيفة . وأخذ هذا المعنى الكميت فقال: # خفضت لهم مني جناحي مودة ... إلى كنف عطفاه أهل ومرحب (¬3) # فأخذ اللفظ والمعنى ، ولكن لم يرزق تلك العذوبة الصافية ، وذلك الماء ~~المتسلسل ، على أن هذه اللفظة في غرة هذا البيت مع ما بها ، والباقي كما ~~ترى (¬4) . PageV01P199 # ومن الاستعارة الحسنة العذبة مع الجزالة قوله عز وجل: { واشتعل الرأس شيبا ~~} [مريم: 4] ، فاستعار للبياض اسم الاشتعال ، مصبوبا في قالبه ، مقصورا ~~عليه ، وهذا من الفصاحة البالغة . # ومن ذلك قوله عز وجل: { الله نور السماوات والأرض . . . } [النور: 35] ~~إلى آخر الآية ، فسمى نفسه باسم: النور ، لما كان عز وجل هو خالق النور ~~ومنشؤه ، مع ما فيه من النفع العظيم لأهل السماوات والأرض ، وهذا من ~~الاستعارة الحسنة ، ومن تسمية الفاعل بفعله . ومنه قول الشاعر: # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار (¬1) # وعلى هذا تأول من قرأ: إنه عمل غير صالح - برفع اللام وفتح الميم - ثم ~~شبه نوره بالمصباح ، فقال: { مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~} [النور: 35] ، ثم شبه الزجاجة بالكوكب ، فقال: { الزجاجة كأنها كوكب دري ~~} ، وهو أضوأ الكواكب ، ثم عاد إلى ذكر المصباح ، وهذا يسمى الالتفات ، ~~فقال: { يوقد من شجرة مباركة زيتونة . . . إلى قوله: يهدي الله لنوره من ~~يشاء } ، فعاد إلى ذكر النور ، وهذا أيضا مما يسمى: الالتفات ، وهو PageV01P201 أن يجري ذكر شيء ثم يتجاوزه إلى غيره ، ثم يذكر ثانيا ، كما قال جرير: # متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام (¬1) # فجمعت هذه الآيات وجوها من الفصاحة ، منها جزالة اللفظ ، ومنها الاستعارة ~~، ومنها تشبيه بعد تشبيه ms083 ، ومنها الالتفات بعد الالتفات . # ومن التشبيه الواقع قوله عز وجل بعد هذه الآية: { والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ~~فوفاه حسابه } [النور: 39] . لما كانت أعمالهم محبطة لا نفع فيها في الآخرة ~~، شبهها بالسراب الذي لا نفع فيه ، ولأنه مما يظن الناظر أنه ماء ، وكذلك ~~الكافر لما يظن أن له نفعا في عمله ، شبهه أيضا به ، فهذان وجهان من ~~التشبيه . وفيه تشبيه ثالث وهو انكشاف حال كل واحد منهما عن أنه لا نفع فيه ~~لراجيه . وفيه تشبيه آخر وهو تشبيه الكافر بالظمآن ، وتشبيه ظنه بظنه ، ~~وتشبيه خيبته بخيبته عند شدة حاجته إليه ، وقوة تعويله عليه ، فقد جمعت ~~الآية هذه الوجوه من التشبيهات مع جزالة اللفظ ، وحسن المعنى ، وقد عد من ~~محاسن امرئ القيس أنه جمع بين تشبيهين في بيت واحد ، حيث يقول: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي PageV01P202 ومن التشبيه الحسن في هذا المعنى قوله: { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم ~~كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف } [إبراهيم: 18] . # ومن الاستعارة في هذا المعنى: { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا (23) } [الفرقان] ، فعبر عن فعله عز وجل بالقدوم ، وعن أعمالهم ~~بالهباء المنثور . # ومن التشبيه الحسن قوله عز وجل: { ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم ~~حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) } [الانسان] . # ومن التشبيه قوله تعالى: { كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما } ~~[يونس: 27] . # ومن ذلك قوله عز وجل: { كأنهم بنيان مرصوص (4) } [الصف] . # ومنه قوله عز وجل: { فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح ~~في مكان سحيق (31) } [الحج] . # ومن الاستعارة قوله عز وجل: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } ~~[البقرة: 223] ، فسماهن: حرثا ، لأن النسل يخرج منهن ، كما يخرج الزرع من ~~الأرض . # ومن ذلك قوله عز وجل: { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } [البقرة: 267] ~~أي تترخصوا ، فسمى الترخص: إغماضا ، لأن الانسان يصرف بصره عما لا يحب أن ~~يراه ، ويقف على حقيقته . PageV01P203 # ومن ذلك قوله عز وجل: ms084 { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } [المائدة: ~~64] ، أراد: كلما أهاجوا شرا . # وأمثال هذا في القرءان أكثر من أن يعد ويحصى (¬1) ، وهي عادة العرب في ~~مخاطباتها ومحاوراتها ، وأشعارها وخطبها ، ولم نطول الكتاب بذكر ما ورد ~~عنهم في هذا الباب ، لشهرته واستفاضته . # ومن أقسام الفصاحة: الإيجاز . # وذلك ينقسم إلى قسمين ، قد يكون بتقليل الحروف مع استيفاء المعنى ، وقد ~~يكون بالحذف ، والحذف على أنحاء شتى ، ونحن نبينه على جميع ذلك بذكر بعضه ، ~~إذ استيفاء جميعه مما يطول . # فمن الإيجاز بتقليل الحروف ، قوله عز وجل: { وله كل شيء } [النمل: 91] ، ~~ومن ذلك قوله عز وجل: { أخرج منها ماءها ومرعاها (31) والجبال أرساها (32) ~~} [النازعات] ، قلل الحروف في هذا الموضع ، لما أراد الإيجاز ، وبسط حيث ~~أراد البسط في هذا المعنى ، فقال: { أنا صببنا الماء صبا (25) ثم شققنا ~~الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) ~~وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31) } [عبس] ، وقال أيضا: { خلق الانسان من ~~نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) } [النحل] . # فانظر - رحمك الله - إلى شرف هذا الكلام ، فإنه أوجز هذا الإيجاز ، وذكر ~~للإنسان حالتين: PageV01P204 # إحداهما: أضعف الحالات . # والأخرى: أقواها . # ثم نبه على ما بينهما . فجمع في الآية وجهين من الإيجاز: # أحدهما: تقليل الحروف . # والثاني: حذف الوسائط بين الحالتين ، مع جزالة اللفظ ، وحسن المعنى ، ثم ~~[لما] أراد عز وجل بسط هذا المعنى قال: { ولقد خلقنا الانسان من سلالة من ~~طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا ~~العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر ~~فتبارك الله أحسن الخالقين (14) } [المؤمنون] . # وهذا باب كبير من الفصاحة ، لأن البليغ هو الذي يبسط الكلام إذا شاء بسطه ~~من غير خطل ، ويرخي عنان الخطاب ، ويتمطى ظهر الاطناب ، ويوجز إذا شاء ~~الإيجاز من غير تحيف للمعنى . # وحكي عن بعض الفصحاء أنه وصف كاتبا بالبلاغة ، فقال: (( إن أخذ طوبارا ~~ملاه (¬1) ، وإن أخذ شبرا كفاه )) ، يريد: أنه كان يبسط إذا شاء ، ويوجز ~~إذا شاء . # ومن هذا الباب قوله عز وجل: { إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) ما ms085 تذر ~~من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم (42) } [الذاريات] ، PageV01P205 فأراد عز وجل هذا الإيجاز ، ثم لما أراد أن يزيد هذه الصفة يسيرا مع البسط ~~، قال: { كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا ~~في يوم نحس مستمر (19) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) } [القمر] . # ثم لما أراد أن يزيد على ذلك في البسط ، قال عز من قائل: { فأهلكوا بريح ~~صرصر عاتية (6) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها ~~صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من باقية (8) } [الحاقة] . # ثم لما أراد عز وجل البسط التام ، بسط في السورة التي يذكر فيها هودا صلى ~~الله عليه ، والسورة التي يذكر فيها الأعراف ، والسورة التي يذكر فيها ~~الشعراء ، وعلى هذا أوجز ذكر ثمود ، فقال عز وجل: { فأما ثمود فأهلكوا ~~بالطاغية (5) } [الحاقة] ، ثم بسط ذلك في سائر المواضع ، ومن ذلك قوله عز ~~وجل: { وما بكم من نعمة فمن الله } [النحل: 53] . فانظر - رحمك الله - إلى ~~هذا الإيجاز مع استيفاء المعنى ، تعلم أنه أبلغ ما يمكن في بابه . # ثم زاد عز وجل بسطه يسيرا ، فقال: { وسخر لكم ما في السماوات وما في ~~الأرض جميعا منه } [الجاثية: 13] . # وقال أيضا: { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } [لقمان: 20] ، ثم بسط عز ~~وجل ذكر الآية ونعمه في السورة التي يذكر فيها النحل من قوله: { والأنعام ~~خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) . . . PageV01P206 # إلى قوله: وبالنجم هم يهتدون (16) } [النحل] (¬1) ، ثم من قوله: { والله ~~أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها . . . إلى قوله: أفبالباطل ~~يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) } [النحل] (¬2) ، ومن قوله عز وجل: { ~~والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا PageV01P207 ... إلى قوله: كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) } [البقرة] (¬1) ، ~~وعامة هذه السورة في ذكر نعم الله عز وجل . # ومن ذلك قوله عز وجل: { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة ~~كأنه ولي حميم (34) } [فصلت] ، وقوله (¬2): { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض ~~عن الجاهلين (199) } [الأعراف] ، فدل عز وجل بهاتين الآيتين على حسن ms086 العشرة ~~بأوجز اللفظ ، ثم ضبط ذلك في السورة التي يذكر فيها الحجرات أتم بسط . # ومن الاختصار الحسن قوله عز وجل: { يحسبون كل صيحة عليهم } [المنافقون: ~~4] ، وقد طلب هذا المعنى بعض الشعراء فقال: # ولو أنها عصفورة لحسبتها مسومة ... تدعو عبيدا وأرنما (¬3) # وقال آخر: ... ... ... ... ... # ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليكم ورجالا (¬4) # وقال آخر: ... ... PageV01P208 # أراني الخوف عدتهم ألوفا ... وكان القوم خمسا في ثلاث (¬1) # فلم يتفق لهم هذا الاختصار ولا هذه العذوبة . # وسمعت بعض أهل الأدب يحكي أن شاعرين كانا يتهاجيان فقال أحدهما في صاحبه: ... # يحسب كل صيحة عليه # فكاع (¬2) الآخر عنه ، وضعفت نفسه إعجابا بهذا البيت ، إحساسا من نفسه ~~بالعجز عن مثله ، إلى أن عرف أنه أخذه من القرءان ، فتجرأ عليه ، وعادت له ~~قوته ، وأخذ في مهاجاته . # ومن ذلك قوله عز وجل: { ولكم في القصاص حياة } [البقرة: 179] ، وقد أخذ ~~هذا بعضهم فقال: (( وبعض القتل أحيا للجميع )) . # وقال غيره: (( القتل أفل للقتل )) . فلم يقع من ذلك موقع قوله: { ولكم في ~~القصاص حياة } ، وتتبع هذا مما يطول . # وأما القسم الثاني من الاختصار فهو الذي يكون بالحذف ، وذلك يتنوع أنواعا ~~كثيرة . # فمن ذلك أن يحذف (¬3) المضاف ويقام المضاف إليه مقامه ، كقوله عز وجل: { ~~واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (82) } ~~[يوسف] ، أراد: أصحاب العير ، وأهل القرية . PageV01P209 # وكقوله: { إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } [الإسراء: 75] ، أي: ضعف ~~عذاب الحياة ، وضعف عذاب الممات . # وكقوله عز وجل: { وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) } [القيامة] ~~، ذكر عن أكثر المفسرين أن المراد: إلى ثواب ربها ناظرة ، فحذف الثواب . # وهذا مذهب للعرب مشهور ، وهو في القرءان كثير . # وقد يكون بحذف اسم أو فعل أو جواب ، كقوله عز وجل: { ولو أن قرآنا سيرت ~~به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى } [الرعد: 31] ، وتقديره: ~~لكان هذا القرءان ، فحذفه . # وكقوله: { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله } [التوبة] ، تقديره: لكان ذلك خيرا لهم ، فحذفه . # ومثله قوله عز وجل: ms087 { ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم ~~(10) } [النور] ، ومثل ذلك: { أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر ~~الآخرة ويرجو رحمة ربه } [الزمر: 9] ، وتقديره: أيساويه من لا يكون كذلك ؟! ~~فحذفه . # ومثله في الشعر كثير ، فمن ذلك قول الشاعر: # فأقسم لو شي أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا (¬1) PageV01P210 معناه: أردناه ولم نقبل منه . # ومثله قول الشاعر: # عصاني إليها القلب إني لأمره ... سميع فما أدري أرشد طلابها (¬1) # معناه # عصيت إليها القلب إني لأمرها # معناه: فما أدري أرشد هو أم غي ؟ فحذف . # ومثله قول النابغة: # أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما يزل برحالنا وكأن قد (¬2) # يريد: كأن قد زالت ، فحذف . # ومن ذلك أن يضمر أحد المذكورين ويظهر فعل الآخر لهما ، وذلك كقوله عز ~~وجل: { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم } [البقرة: 6] - إذا قرئ بكسر اللام - ~~المراد: وألحقوا الغسل بأرجلكم . # وكقوله عز وجل: { يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) بأكواب وأباريق وكأس من ~~معين (18) } [الواقعة] ، ثم قال: { وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما ~~يشتهون (21) } [الواقعة] ، والمراد: ويؤتون بفاكهة ولحم طير ، لأن الفاكهة ~~واللحم لا يطاف بهما . # وكذلك تأويل من قرأ: { وحور عين (22) } [الواقعة] - بالجر - تقديره: ~~ويتزوجون بحور عين ، فحذف ذلك أجمع . PageV01P211 # ومنه قوله عز وجل: { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } [يونس: 71] ، تقديره: وادعوا ~~شركاءكم . # وورد مثله في الشعر: # ما حططت الرحل عنها واردا ... حتى بدت همالة عيناها (¬1) # علفتها تبنا وماء باردا # أراد: سقيتها ماء باردا ، فحذفه . # وقال الآخر: # إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا (¬2) # أراد: وكحلن العيونا ، لأن العيون لا تزجج . # وقال آخر: # يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا (¬3) # ورأيت بعلك في الوغى # والمراد: حاملا رمحا ، لأن الرمح لا يتقلد ، لكنه حذف المراد . # ومنه قوله تعالى: { وقال إني ذاهب إلى ربي } [الصافات] ، والمراد: إلى ~~حيث أمر ربي . PageV01P212 # ومنه قوله: { بل مكر الليل والنهار } [سبأ: 33] والمراد: مكركم بالليل ~~والنهار . # ومنه قوله: { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم } [آل عمران] ، فحذف . # ومن الحذف: إقامة الضمير مقام الذكر ، نحو قوله: { حتى توارت بالحجاب ~~(32) } [ص] ، يعني: ms088 الشمس ، ولم يجر لها ذكر . وهذا رأي عامة المفسرين ، ~~وإن كان بعضهم قال: إن المعنى: هو الصافنات الجياد (¬1) . # ومن ذلك قوله عز وجل: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من ~~دآبة } [النحل: 61] يعني: على الأرض ، ولم يجر لها قبل ذلك ذكر . # وكذلك قوله عز وجل: { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها } ~~[فاطر: 45] ، يعني: على ظهر الأرض . # ومنه قوله عز وجل: { إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) } [القدر] ، أراد به: ~~القرءان ، من غير أن يكون جرى له ذكر . # ومثله قول الشاعر: # لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر (¬2) # يعني: النفس . PageV01P213 # وكذلك قول لبيد: # حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها (¬1) # يعني: الشمس ، لقوله: ألقت يدا في كافر . # ومن الحذف قوله عز وجل: { وتركنا عليه في الآخرين (78) } [الصافات] ، ~~يعني: ذكرا حسنا ، وثناء جميلا . # ومن أقسام الفصاحة: التجنيس ، وهو أن يجمع بين كلمتين التقتا من حروف ~~متجانسة ، وذلك مثل قوله عز وجل ، حاكيا عن صاحبة سليمان صلى الله عليه: { ~~وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (44) } [النمل] . # ومن ذلك قوله عز وجل:{ للذين أحسنوا الحسنى }[ يونس:26] . # وكذلك قوله:{ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى}[الروم: 1] . # وقوله عز وجل حاكيا عن يعقوب صلى الله عليه: { يا أسفى على يوسف } [يوسف: 84] . # وكذلك قوله عز وجل: { يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) } ~~[النور] . # وكذلك قوله عز وجل: { فسنيسره لليسرى (7) } [الليل] . # وقوله: { اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم } [التوبة: 38] ، ولم يكثر هذا الباب ~~في القرءان لما نذكره ، وكذلك في أشعار المتقدمين ، ولا PageV01P214 المطبوعين من المتأخرين ، وإنما استكثر ذلك من المتأخرين من كان يتكلف ~~الصنعة . # سمعت بعض أهل الأدب يقول: إن القليل من التجنيس يحسن الكلام ، والاكثار ~~يسلب الكلام بهجته . قال: ومثله مثل الخال في الحسناء في أنه يزيدها حسنا ، ~~وإن كثرت الخيلان حتى تستوفي (¬1) على عامة جسدها أكسبتها الوحشة ، وسلبتها ~~البهجة . وصدق فيما قال ، لأن الاستكثار والجمع بين الحروف المتجانسة يوجب ~~للكلام ضربا من التنافر . ألا ترى إلى قول ms089 الأعشى: # وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلول شلشل شول (¬2) # كيف يظهر عليه التنافر ؟ # وكذلك قول الشاعر: # وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر # فأما إذا وقع ذلك في الكلام لمعا ، فإنه يزيده حسنا وبهجة ، فلذلك - ~~والله أعلم - وجد في القرءان قليلا ولم يكثر . # ومن أقسام الفصاحة ما يسميه أكثر أهل الصنعة: المطابق ، وهو إيراد لفظتين ~~يفيد كل واحدة منهما ضد ما تفيده الأخرى ، نحو قوله عز وجل: { إن الحسنات ~~يذهبن السيئات } [هود: 114] ونحو قوله: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } [آل ~~عمران: 106] ، وقوله PageV01P215 عز وجل: { يضل من يشاء ويهدي من يشاء } [النحل: 93] ، وقوله: { إن الأبرار ~~لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) } [الإنفطار] ، وقوله: { وما يستوي ~~الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ولا الحرور (21) ~~وما يستوي الأحياء ولا الأموات } [فاطر] ، وقوله: { هذا عذب فرات وهذا ملح ~~أجاج } [الفرقان: 53] ، وقوله: { فأما من أوتي كتابه بيمينه } [الحاقة: 19] ~~، وقوله: { وأما من أوتي كتابه بشماله } [الحاقة: 25] ، وهذا النوع في ~~القرءان كثير ، بحيث يكاد يتعذر إحصاؤه . # ولكنا قد نبهنا على الجميع بالجملة التي أوردناها ، وإنما كثر هذا في ~~القرءان لأن كثرته لا توجب للكلام نبوا عن السمع ولا تنافرا ، كما يوجبه ~~التجنيس . # ومن أقسام الفصاحة: الفواصل ، وهي الأسجاع . ومن الناس من كره تسميتها ~~بالأسجاع إذا كانت في القرءان ، والكلام فيه خارج عن غرضنا ، لأن بيان ~~المراد يغني عن الاشتغال بالتسمية ، وهذه العوامل تكثر في القرءان ، ~~وتتجاوز حد الاحصاء والعد . # وأول ذلك في فاتحة الكلام ، كقوله: { ملك يوم الدين (4) إياك نعبد وإياك ~~نستعين (5) } [الفاتحة] ، ثم في سائر السور إلى آخر القرآن . # وهذه الفواصل تكون بحروف متفقة تسمى: أسجاعا ، وتكون بحروف مختلفة وتسمى: ~~موازنة ، فما يسمى من ذلك موازنة ، نحو PageV01P216 قوله: { الحمد لله رب العالمين (2) الرحمن الرحيم (3) } [الفاتحة] ، لأن ~~آخر الآية الأولى هو النون ، وآخر الآية الثانية هو الميم . # ومثل قوله: { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ~~(7) وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8) أم حسبت أن أصحاب الكهف ms090 والرقيم ~~كانوا من آياتنا عجبا (9) إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من ~~لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا (10) } [الكهف] ، ألا ترى أن آخر الآية ~~الأولى هو اللام ، وآخر الثانية هي الزاي ، وآخر الثالثة هو الباء ، وآخر ~~الرابعة هو الدال ، ومثله: { حمالة الحطب (4) في جيدها حبل من مسد (5) } ~~[المسد] ، ونظائرها كثيرة . # وما يسمى من هذه الفواصل: أسجاعا (¬1) . فمثل قوله عز وجل: { ذلك الكتاب ~~لا ريب فيه هدى للمتقين (2) } [البقرة] ، إلى تمام أربع آيات وآخرها كلها نون . # ومثله: { قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) } [الإخلاص] ، وقوله: { قل ~~أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) } [الفلق] ، ولا وجه لتعداد أمثاله في ~~القرءان لكثرته ، وتجاوز حد الاحصاء ، ولأن شيئا من السور لا يخلو من ذلك . # وهذا باب كبير من أبواب الفصاحة ، إذ ورد مع الحلاوة ، ورونق الطلاوة ، ~~وجاء به متسمحا ، ولم يقهر عليه تكلفا وتعسفا ، PageV01P217 ولم يكن مما تنبو عنه الأسماع ، وتمجه الأفهام ، وهو مشهور عند العرب لا ~~يخلو منه كلام فصيح ، في أحوال الاسترسال والاحتفال . # وللفصاحة أقسام كثيرة سوى ما بيناه ، وليس منها قسم إلا وهو موجود في ~~القرءان ، وقد نبهنا بما ذكرناه منها على ما لم نذكره . # ومن أقسام الفصاحة: التلاؤم ، وهو نقيض التنافر ، وهذا الباب هو من أكثر ~~أبواب الفصاحة ، وكنا نبهنا عليه في أول هذا الباب عند ذكرنا جزالة الألفاظ ~~، لكن أعدنا ذكره في آخر الباب لنوضحه فضل إيضاح ، لأنه هو العمدة . وذلك ~~أن عامة ما ذكرنا من أقسام الفصاحة بل كلها غير هذا القسم ، للتكلف والتعمل ~~فيها مجال ومسرح . ويمكن التوصل إليها باحتذاء آثار من تقدم فيها ، بأن ~~يتعلم طرائقها ، ويستفاد مناهجها ، وهذا القسم الذي هو التلاؤم يتعذر ، إلا ~~أن يسمح به طبع مخصوص ، يعرف ذلك كل من له أدنى حظ من الأدب والمعرفة بنقد ~~الكلام . # وذلك أن التلاؤم به تكون العذوبة والحلاوة ، وعنه تكون حسن ديباجة الكلام ~~، ولهذا تجد الكلام المنظوم المنثور جيد السبك ، رصين النظم ، صحيح الوضع ، ~~متسق المعنى . ومع ذلك تجده نابيا عن ms091 السمع ، نافرا عن الطبع ، إذا لم تحصل ~~له العذوبة التي يكون سببها التلاؤم . # واعلم أن التلاؤم يكون بتلاؤم الحروف ، وتلاؤم الحركات والسكنات ، وتلاؤم ~~المعنى ، فإذا اجتمعت هذه الوجوه ، خرج الكلام غاية في العذوبة ، وفي حصول ~~بعضها انحطاط درجة العذوبة عن الغاية PageV01P218 ، وسائر أقسام الفصاحة مع عدم التلاؤم يعد تكلفا ، وكلما ظهرت الصنعة أكثر ~~، كان الكلام أقرب إلى أن يكون تعسفا ، وإذا حسن التلاؤم ، وحسن معه يسير ~~الصنعة أشرق تأليف الكلام ووضعه . # ألا ترى إلى قول الشاعر: # تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار # ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضه بعد القطار # شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار (¬1) # لما حصل التلاؤم حصل في النفس القبول التام مع قلة الصنعة فيه . # ومن ذلك قول القائل: # ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح ركن البيت من هو ماسح # نزعنا بأطراف الأحاديث بيننا ... ومالت بأعناق المطي الأباطح (¬2) # ألا ترى إلى ديباجته كيف حسنت ؟ وإلى عذوبته كيف ظهرت ؟ وإلى سلامته كيف ~~استمرت ؟ مع خلوه من الصنعة ، ووقوعه بالبعد عن التعمل . # وهذا باب تأملته في الأشعار والخطب ، والرسائل والمحاورات ، في الجد ~~والهزل . وصح لك بيانه ، وقام عندك برهانه . وهذا القسم من PageV01P219 الفصاحة موجود في القرءان من أوله إلى آخره ، وأهل هذا الشأن يختلفون في ~~أجناس ذلك والتبين له . # ومن كان منهم أعرف بنقد الكلام ، كان إلى تبيين ما ذكرناه أقرب ، فإن ~~ساعده على ذلك الطبع الجيد ، كان في طريق تصوره أذهب ، وقد يكون في أهل كل ~~صناعة من الشعر والخطب والرسائل من إذا سمع كلام غيره عرف صاحبه ، وميز بين ~~طبعه وطبع غيره ، كما حكي أن جريرا رأى ذا الرمة ، وهو ينشد قصيدة أولها: # نبت عيناك عن طلل بحدوى ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (¬1) # فقال له: ألا آمرك بأبيات تلحقها بشعرك ؟ فقال: بلى . # فقال: # يعد الناسبون إلى تميم ... بيوت المجد أربعة كبارا # يعدون الرباب لهم وعمرا ... وسعدا ثم حنظلة الخيارا # يعد الناسبون بني تميم ... كما ألغيت في الدية الحوارا (¬2) # ويهلك بيتها المرئي لغوا PageV01P220 ثم أنشد ms092 ذو الرمة هذه القصيدة الفرزدق مع هذه الأبيات ، فلما انتهى إليها ~~قال له: مه ، فإن هذه الأبيات لأكلها أشد لحيين منك . # فميز بطبعه بين شعره وشعر جرير ، وهذا ظاهر بين أهله ، وإنما أردت أن ~~أبين بهذا أن غباوة من يغضي عن هذه الحالة [التي] وصفناها في القرءان لا ~~يؤثر فيها ، لشهرتها وظهورها عند أهله . # والذي أحوجنا إلى هذا التنبيه على هذا القسم ، أنه لا يظهر لكل من يفهم ~~العربية ، ولا يمكن كما أمكن سائر أقسام الفصاحة ، لأن استدراكه يفتقر إلى ~~العلوم الضرورية المعبر عنها بالطبع ، كما أن الاتيان به مفتقر إليه ، ولأن ~~القرءان كله من هذا النمط . # والأوجه ذكر آيات منه ، لأنا نريد تنبيه المبتدئ والشادي (¬1) عليه . # فمن ذلك قول الله عز وجل: { والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) ~~وما ينطق عن الهوى (3) } [النجم] وما بعدها . # وقوله عز وجل: { فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين ~~(21) ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل (22) ولما ~~ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان ~~قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى PageV01P221 يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) } [القصص] . . . إلى آخر القصة . # فتأمل هذه الألفاظ ووقوعها مواقعها ، لتعلم شرف هذا الكلام ، وهل تجد ~~لفظة لسوء أبدل مكانها غيرها ، فنابت منابها حسنا وعذوبة ورونقا ؟! ألا ترى ~~أنه عز وجل لو قال: (( والكوكب إذا سقط )) ، أو (( إذا غرب )) ، أو قال: (( ~~إذا أفل )) ، لم ينب في الحسن مناب قوله تعالى: { والنجم إذا هوى (1) } . # ورأيت في كلام الجهال أنه لو قال: (( والنجم إذا علا )) ، كان أولى . ولن ~~يكون ذلك ، فمن له حاسة في هذا الباب . فبين اللفظتين في هذا الموضوع في ~~باب الحلاوة والعذوبة ما لا يخفى على بصير . # ولو قال: (( ما زاغ نبيكم عن الهدى )) ، أو (( ما أخطأ رسولكم )) ، أو ~~قال: (( ما حاد عن الرشد والهدى )) ، وما أشبه ذلك ، لم يغن غناء قوله عز ~~وجل: { ما ضل صاحبكم وما غوى (2) } . # ولو قال: ms093 (( فهرب منها مذعورا )) ، أو قال: (( مرعوبا )) ، أو غير ذلك من ~~الألفاظ التي تؤدي معناها ، لم يسد مسد قوله عز وجل: { فخرج منها خائفا ~~يترقب } [القصص: 21] ، حلاوة وعذوبة . # ولو قيل: (( ولما أخذ على سمت مدين )) ، أو (( مضى حذاء مدين )) ، أو (( ~~جهة مدين )) ، لم يقع موقع قوله عز وجل: { ولما توجه تلقاء مدين } [القصص: ~~22] . وكذلك عامة ألفاظ هذه الآيات ، فتأملها تجدها على ما أقول . PageV01P222 # واعلم أن كثيرا من الألفاظ تكون له حلاوة وعذوبة ، إذا وقع في بعض المواقع ~~دون بعض ، وإنما حصلت لهذه الآيات العذوبة التامة ، لما حصل لحروفها من ~~التلاؤم ، ولحركاتها وسكناتها من الاعتدال ، ولمعانيها من حسن الاطراد ~~والمقاصد ، لأن الحروف لو لم تتلاءم لكان يحصل للكلام بعض التنافر . # والحركات والسكنات لو لم تعتدل لم يتم حسن النظم ، لأن كثرة الحركات توجب ~~للكلام بعض الثقل . # ألا ترى إلى ما روى أهل العروض في جنس البسيط ، وزعموا: أنهم لقيهم رجل ~~فأخذوا ماله وضربوا عنقه ، كيف حصل الثقل لما كثرت حركاته ؟! # وكثرة السكنات توجب لنسج الكلام بعض الضعف والسخافة . ولهذا صار الكلام ~~موزونا باعتدال الحركات والسكنات ، ويتكسر البيت بخروج الحركات أو السكنات ~~عن الاعتدال . # وأما حسن أطوار المعاني والمقاصد فلا بد منه ، لأن موضوع العبارة إنما هو ~~للمعنى ، فإذا لم يحسن المعنى ، كان بمنزلة تعليق الحلي على المرأة الشوهاء . # ومن ذلك قوله عز وجل: { أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها ~~رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) } ~~[النمل] ، وقوله عز وجل في أول السورة: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا ~~لهم أعمالهم فهم يعمهون PageV01P223 (4) أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) وإنك لتلقى ~~القرآن من لدن حكيم عليم (6) إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها ~~بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) } [النمل] . . . إلى آخر القصة . # وعلى نحو من هذا عامة هذه السورة ، وكذلك عامة السورة التي يذكر فيها ~~القصص بعد هذا . # ومن ذلك قوله عز وجل: { حم (1) تنزيل الكتاب ms094 من الله العزيز العليم (2) ~~غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ~~(3) . . . إلى قوله: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون ~~به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا ~~واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) . . . إلى قوله: إن الذين كفروا ينادون ~~لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون (10) } ~~[غافر] (¬1) . # وقوله عز وجل بعد هذه الآيات: { وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل ~~الرشاد (38) يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن PageV01P224 الآخرة هي دار القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا ~~من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب (40) } ~~[غافر] . . . إلى آخر القصة . # ولو تتبعنا الآيات الجارية هذا المجرى في العذوبة ، وحسن الديباجة ، ~~لاحتجنا أن نذكر عامة آيات القرءان ، ولكن نبهنا بما ذكرنا على ما سواه ، ~~فتأمل - رحمك الله - مواقع هذه الألفاظ ، وحسن نظامها ، وخفتها على السمع ، ~~وقبول النفس لها ، واهتزازك لسماعها ، لتعلم حقيقة ما ذكرناه . وأنت إذا ~~راعيت هذا الباب في عامة القرءان إذا تلوته ، تبينت صحة ما قلناه ، وظهر لك ~~شواهده ، ووضحت دلائله . # ومن كبير أقسام الفصاحة: حسن التصرف . وهذا الباب أيضا لا يمكن بالتعمل ، ~~ولا يستجيب للمتكلف ، بل لا بد له من العلوم الضرورية المعبر عنها بالطبع . ~~وبهذا (¬1) تفاضل الخطباء والشعراء وأصحاب الرسائل . # وإذا تأملت تصرف القرءان في المعاني المقصودة ، عرفت أنه زائد في الحسن ~~على تصرف جميع أقسام الكلام وأنواعه ، وشهد لك قلبك أنه ليس من كلام البشر ~~، لمجاوزته في الحسن جميع كلامهم ، لأنك تجد عامة كلام الناس إذا أخذوا في ~~الاقتصاص والتصرف في المعاني المختلفة PageV01P225 ، والأغراض المتباينة ، والمقاصد المتغايرة ، يضعف بناؤه ، ويهي (¬1) نسجه ~~، ويظهر عليه الاختلال ، وحال القرءان بخلاف ذلك . # ألا ترى إلى قوله عز وجل: { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ~~ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ms095 ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون (4) } [الرعد] . # تأمل - رحمك الله - حسن هذا التصرف ، فإنه ذكر الدليل على فساد قول من ~~يضعف (¬2) هذه الحوادث إلى الطبع ، وحرره على وجه أسقط عنه كثيرا من ~~الأسئلة ، بأن بين أن في الأرض قطعا متجاورة ، يقرب بعضها من بعض ، ليسقط ~~سؤال من يقول: إن الأرضين إذا تباعدت أطرافها ، اختلفت التربة ، فكان منها ~~الطيب والخبيث ، لأن ذلك يبعد في المتقارب منها . # وكذلك الهواء لا يمكن أن ندعي أن تغيره هو المؤثر ، لأن الأرضين ما لم ~~تتباعد بعضها من بعض ، لا يظهر في أهويتها التغير ، وكذلك الماء إذا كان ~~واحدا لا يمكن أن يدعا أن اختلاف الأكل راجع إلى اختلاف الماء ، فدل بذلك ~~على أنه من فعل القادر الحكيم ، تبارك وتعالى . PageV01P226 # ومعنى هذه الآية: معنى كلمي (¬1) ، فإذا أردت أن تعرف حال هذا التصرف ، ~~وشريف موقعه ، فتأمل كلام المتكلمين . هل تجد لشيء منها هذا الجنس الرابع ~~؟لأنه جمع فيها بين حسن المعنى وشرف الوضوح ، وجزالة اللفظ وعذوبته ، مع ~~جمع المقاصد الكثيرة في ألفاظ يسيرة ، بحيث ربط بعضها ببعض ، وحسم عنها ~~مطاعن المعترضين . من ذلك قوله عز وجل بعد هذه الآية: { ويستعجلونك بالسيئة ~~قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ~~وإن ربك لشديد العقاب (6) } [الرعد] ، فتأمل ما جمعت هذه الآية من المعاني ~~، بأن ذكر جهل القوم باستعجالهم السيئة قبل الحسنة ، ثم بين عز وجل أنه ~~أنزل العذاب بمن كان قبلهم من المنحرفين عن طاعته ، المسرعين إلى معصيته ، ~~زاجرا لهم عما هم فيه ، ومحذرا لهم عواقب من قبلهم . # ثم بين لهم أنه عز وجل يغفر لعباده وإن كانوا ظالمين ، إذا تابوا وأنابوا ~~، وأنه عز وجل شديد العقاب ، لمن أصر وأقام على ما نهي عنه . فجمع هذه ~~المعاني وكساها حسن اللفظ ، إذ فيه ما يسميه أهل الصنعة: المطابق . لأنه ~~ذكر الحسنة والسيئة ، والمغفرة والعقاب ، مع الجزالة والعذوبة . فهل يكون ~~في التصرف أحسن من هذا ؟!! # ثم تأمل من هذه السورة قوله عز وجل: { الله يعلم ما تحمل ms096 كل أنثى وما ~~تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار (8) . . . PageV01P227 # إلى قوله: وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14) } [الرعد] (¬1) ، وتأمل عامة ~~هذه السورة وما في آياتها من حسن التصرف ، وضرب الأمثال . # وتأمل قول الله عز وجل: { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس ~~واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } [النساء: 1] ، ثم ~~تأمل آية المواريث ، فإن معناها معنى فقهي (¬2) . # فانظر هل تجد ما يقارب ذلك في شيء من ألفاظ الفقهاء ؟ وإذا أردت ذلك ~~فتأمل أقاصيص القرءان وأحكامه ، لترى من ذلك ما يبهر عقلك ، ويكشف لك أنه ~~كلام مرتفع عن كلام البشر أجمع ، وعلى هذا تجد ما يتضمن الوعد والوعيد ، ~~وأدلة العدل والتوحيد . # وإذا تأملت ذلك ، فتأمل أشعار العرب من جاهلي ، أو مخضرمي ، أو إسلامي ، ~~وتأمل أشعار المحدثين ، وتأمل الخطب المحفوظة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ، وعن أمير المؤمنين عليه السلام ، وسائر الصحابة ، ومن بعدهم أو ~~قبلهم من الفصحاء ، تجد القرءان مباينا لها ، PageV01P228 مميزا (¬1) بمزايا أقسام الفصاحة عليها ، فيتضح عندك أنه على ما ادعيناه في ~~أعلى طبقات الفصاحة ، وأن من ذهب من العلماء إلى أن الاعجاز راجع إلى مجرد ~~الفصاحة لم يبعد عن الصواب كل البعد ، وإن كان الأصح عندي على ما قدمت أنه ~~راجع إلى النظم والفصاحة معا . # ومما يبين بلوغ القرءان غاية الفصاحة ، أن الشاعر ربما ضمن لفظة من ~~القرءان بيتا من الشعر ، أو حشا الخطيب بها فصلا من الخطب ، أو وشح الكاتب ~~بها موضعا من الرسالة ، فيتميز بحسنها عن غيرها ، ويتبين ببهجتها على ما ~~سواها ، ويصير الموضع الذي تضمنها (¬2) غرة من سائره ، وبحسنه الذي اكتسبه ~~من تلك اللفظة ، وزبرجه الذي استعاره منها . # ومما يبين ذلك: أن كثيرا من الفصحاء ، وجد في كلامهم كلمات فصيحة رائعة ، ~~صارت لبلاغتها أمثالا سائرة ، ووجد معناها في القرءان ، إلا أنك إذا ~~تأملتها وجدت التفاهم (¬3) بينها كثيرا ، وظهر لك فضل ألفاظ القرءان على ~~تلك الألفاظ ظهورا تاما . فمنها ثلاث كلمات تذكر عن أمير المؤمنين عليه ~~السلام: PageV01P229 # إحداها ms097 (¬1): (( من جهل شيئا عاداه )) (¬2) ، ومثله قول الله عز وجل: { وإذ ~~لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (11) } [الأحقاف] ، وقوله: { بل كذبوا ~~بما لم يحيطوا بعلمه } [يونس: 39] . # والثانية: (( أبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما )) (¬3) ، ~~وفي قريب من معناه قوله عز وجل: { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين ~~عاديتم منهم مودة } [الممتحنة] . # والثالثة: (( المرء مخبوء تحت لسانه )) (¬4) ، وفي قريب من معناه قوله عز ~~وجل: { ولتعرفنهم في لحن القول } [محمد: 30] . فتأمل التفاوت الذي بين تلك ~~الكلمات الثلاث ، وبين ألفاظ الآيات التي ذكرناها ، يبن (¬5) لك صحة ما ~~ادعيناه . # ومن ذلك قول الله عز وجل: { وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ~~} [النمل: 88] ، فانظر كم بينه وبين قول الشاعر: # بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج (¬6) PageV01P230 ومن ذلك قوله عز وجل: { ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب } [البقرة: ~~179] ، وفي معناه قيل ما قدمنا ذكره: (( بعض القتل أحيا للجميع )) ، وقيل: ~~(( القتل أفل للقتل )) ، فلم تلحق واحدة من الكلمتين بشأو قوله عز وجل: { ~~ولكم في القصاص حياة } . # ومما افتخر به النابغة قوله (¬1): # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع (¬2) # فانظر أين يقع ذلك من قوله عز وجل: { والله محيط بالكافرين (19) } ~~[البقرة] ، ومن قوله: { وله ما سكن في الليل والنهار } [الأنعام: 13] . # وقد ذكرنا فيما مضى ما قيل في معنى قول الله تعالى: { يحسبون كل صيحة ~~عليهم } [المنافقون: 4] . # وقد عد من فصيح الكلام ما حكي عن بعض المتقدمين من قوله: (( سل الأرض من ~~شق أنهارك ، وغرس أشجارك ، فأخرج ثمارك ، فإن لم تجبك حوارا ، أجابتك (¬3) ~~اعتبارا )) . فانظر أين يقع ذلك من قول الله عز وجل: { أمن خلق السماوات ~~والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن ~~تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) } [النمل] ؟! بل أين يقع ~~ذلك من قوله: { PageV01P231 والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7) تبصرة ~~وذكرى لكل عبد منيب (8) ونزلنا من ms098 السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد (9) والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد } [ق] ؟! # ومن الكلام الفصيح قول الشاعر: # بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل (¬1) # لكن أين يقع ذلك من قول الله عز وجل ، حاكيا عن أهل النار: { سواء علينآ ~~أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) } [إبراهيم] ؟!! وتتبع هذا مما يطول ~~لكثرته . وفيما ذكرناه كفاية ، وفيه تنبيه على ما لم نذكره . # - - - PageV01P232 ### || AUTO الكلام في ذكر ما في القرءان من الإخبار عن الغيوب # من ذلك قول الله عز وجل: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا ~~بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23) فإن لم ~~تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة } [البقرة] ، ~~وقوله: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) } [الإسراء] ، وهذا من الغيب لا يعلمه ~~إلا الله عز وجل ، لأن البشر لا سبيل لهم أن يعلموا كلاما يوجد مشتملا على ~~التحدي والتقريع على العجز عن الاتيان بمثله ، فلا تقع له معارضة أبدا ، ~~سيما والقوم الذين تحدوا به غاية في العداوة للمتحدي ، مع أنهم أهل البلاغة ~~والمعرفة بذلك الشأن ، بل المعلوم أن المعارضة تقع لا محالة منهم إذا ~~تمكنوا منها . # فإن قيل: فما يؤمنكم أن تقع المعارضة بعد هذا الوقت ، وإن لم تكن وقعت ~~إلى هذه الغاية ؟! # قيل له: يؤمننا ذلك أن الخبر صدق ، ويعلم أنه صدق أنه لو لم يكن صدقا ، ~~لكان لا يجوز أن يجري الأمر في مخبره على ما أخبر نحوا من أربعمائة سنة ، ~~مع الأحوال التي ذكرناها . لأن ما يقال على سبيل التخمين والرجم ، لا يجوز ~~أن يستمر الأمر في مخبره على هذا الحد ، فعلم أنه خبر صدر عن علام الغيوب . PageV01P233 # وأيضا قد علمنا أن الدواعي إلى إيراد المعارضة لم تكن حبست عن المطامع ، ~~وكانت الصنعة أيضا في نفسها أقوالا في أمثلة العرب ، ولم يكن يكمن فيها من ~~الفساد ms099 ما يكمن الآن . وعلى استمرار الأزمان ، ومضي الأعصار ، تزداد الصنعة ~~ضعفا ، والدواعي قلة - لما تعذر وقوعه - فلما تعذر وقوعها (¬1) فيما سلف من ~~الزمان ، كان وقوعها فيما بعد أيسر تعذرا . # وأيضا ظاهر الخطاب هو لأهل ذلك العصر ، وإن كنا قد عرفنا بدليل سوى ~~الظاهر أن المراد به إلى آخر الدهر ، وإذا لم تقع المعارضة من أهل ذلك ~~العصر ، وجب كون الخبر صدقا . # ومن ذلك قوله عز وجل: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من ~~دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت ~~أيديهم } [البقرة] ، وقال أيضا في السورة التي يذكر فيها الجمعة: { قل يا ~~أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن ~~كنتم صادقين (6) ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } [الجمعة] ، فأخبر أنهم ~~لا يتمنون الموت أبدا . # فوجد مخبر الخبر على ما أخبر به ، ولم يقل أحد منهم: إني أتمنى الموت . ~~هذا مع ما كان عليه اليهود من شدة الحرص على تكذيبه ، وإبطال دعواه ، ~~وتوهين أمره ، حتى أنهم استهانوا بالموت ، وما يجري من القتل الذريع عليهم ~~، في جنب استمرارهم على معاداته ، وتحققهم PageV01P234 بمناوأته ، فلو لا أن الخبر صدر من عند علام الغيوب ، لم يكن يجوز أن يورده ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، خشية أن يظهر منهم ما يوجب تكذيبه . # ومن ذلك قوله عز وجل: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم ~~تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } [المائدة] ، يعصمه الله عز ~~وجل من الناس كما وعده ، وجرى الأمر فيه إلى قبضه صلى الله عليه وآله وسلم ~~، على ما دل عليه الخبر . # وهذا أمر الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه ، لأن الانسان لا يدري ما ~~يجري عليه إلى أن يموت ، سيما من كان على مثل حاله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في كثرة الأعداء . # ومن ذلك قوله عز وجل: { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون ~~أن غير ذات الشوكة ms100 تكون لكم } [الأنفال: 7] ، وهذه الآية قد تضمنت خبرين من ~~أخبار الغيوب . # أحدهما: ما وعدهم الله عز وجل به من كون إحدى الطائفتين لهم ، وأنه يظفر ~~بها ، والطائفتان: # أحدهما: العير التي كانت مع أبي سفيان . # والثانية: الذين خرجوا للمحاماة عنهم من أحزاب قريش ، فأظفرهم الله تعالى ~~بأحزاب قريش يوم بدر ، وأنجز لهم الموعود . # فإن قيل: الآية نزلت بعد الكائنة ، وإذا كان هذا هكذا ، فليس فيه خبر عن ~~الغيب ، لأنه خبر عن الواقع المعلوم ؟! PageV01P235 # قيل له: الآية تضمنت تقدم الوعد على الكائنة ، لأن الوعد لا بد من أن يتقدم ~~الموعود ، ولولا أنه كان معلوما عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن ذلك الوعد كان قد حصل لهم ، لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ليتلو عليهم ما تلاه ، لأنه جرى (¬1) مجرى أن يقول لهم: قلت لكم أمس شيئا ، ~~وهم يعلمون أنه لم يقله لهم ، وأنه يفضح القائل ، ويظهر كذبه ، وتقوله (¬2) ~~بين أصحابه . فبان أن الوعد في الأمل (¬3) والوعيد كان قد تقدم . وأن ~~الموعود جرى على ما وعدوا به . ومثل هذا لا يجوز أن يصدر إلا عن علام ~~الغيوب سبحانه وتعالى . # ويبين ما قلناه من أن الوعد كان قد تقدم ، قوله عز وجل بعد هذه الآيات: { ~~وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم } [الأنفال: 10] ، والبشرى لا ~~تكون إلا قبل حصول الشيء . فدل ذلك أيضا على أنهم كانوا مبشرين قبل وقوعه . # الوجه الثاني الذي تضمنته الآية من الإخبار عن الغيوب ، قوله عز وجل: { ~~وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم } [الأنفال: 7] ، وهي العير التي كانت ~~مع أبي سفيان ، فأخبر عما في نفوسهم ، ولم يقل أحد منهم: إن الذي كان في ~~نفسي خلاف ذلك . PageV01P236 # على أن ذلك لو لم يكن معلوما أنه صدق ، وأنه من عند علام الغيوب ، كان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يتلوه عليهم ، خشية أن يكون المخبر ~~بخلافه فيظهر كذبه . # فإن قيل: هذا معلوم لكل عاقل أنكر فيه ، فإن المعلوم من أحوال الناس أن ~~الظفر ms101 بالأموال التي لا مدافع عنها ، أحب إليه من الظفر بالمقاتلة للذين ~~(¬1) لا يظفر بهم إلا بعد شدة ، وبعد أن يقتل منهم من يقتل ، ويجرح من يجرح . # قيل له: هذا الذي ادعيتم غير مستمر ، وإن كان الأكثر ما ذكرتم . وذلك أن ~~من الناس من يكون قتل الأعداء وأسرهم وجرحهم والظفر بهم ، أحب إليه من كثير ~~من الأموال التي تأتيه عفوا ، ولهذا ترى الرجل ينفق ماله من طارف وتليد ~~ليتوصل به إلى النكاية في العدو . # وإذا ثبت ذلك ، ثبت أن إخباره عن جميعهم - مع كونهم معروفين بشدة الحمية ~~والعصبية - أنهم يودون أن غير ذات الشوكة تكون لهم ، خبر عن الغيب . # ومن ذلك قوله عز وجل: { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس ~~المهاد (12) } [آل عمران] ، والخبر عن أن الكفار الذين كانوا يعادون رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يغلبون ، خبر عن الغيب الذي لا يعلمه إلا ~~الله تعالى ، ولأنه لا سبيل لأحد إلى أن يعلم أن أولئك الكفار ، مع كثرة ~~عددهم ، ووفور عددهم ، هم PageV01P237 يغلبون لا محالة . وقد جرى الأمر على ما ورد الخبر به ، فإن جميعهم غلبوا ~~وقهروا واستذلوا . # ومن ذلك قوله عز وجل: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله ولو كره المشركون (33) } [التوبة] ، ذكره عز وجل في السورة التي ~~يذكر فيها التوبة ، والسورة التي يذكر فيها الصف ، والسورة التي يذكر فيها ~~الفتح ، وفي هذه السورة آخر الآية: { وكفى بالله شهيدا (79) } [النساء: 79 ~~، 166 ، الفتح 28] ، فأكد الخبر هذا التأكيد ، وكرر ذكره في هذه السورة ، ~~ثم أنجز الله عز وجل وعده لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بإظهار دين ~~الاسلام ، ونشر دعوته في الآفاق ، فطبقت الشرق والغرب ، وعمت العرب والعجم ~~، وخلصت إلى الروم والهند والترك ، وصار كثير من البلدان المنسوبة إلى ~~هؤلاء - أعني الروم والهند والترك - من بلاد الاسلام ، والفتوح إلى الآن ~~متصلة ترد بها الأخبار ، من النواحي والأقطار . # فأما بلاد العرب والعجم - بحمد الله ومنه - فقد صارت كلها بلاد الاسلام ، ~~ولم يبق أهل ملة ms102 من الملل ، ولا أمة من الأمم ، إلا نفذ فيهم الاسلام ، حتى ~~صار هذا الدين أعلى الأديان كلمة ، وأرفعها حكمة ، ولو كره المشركون ، كما ~~قال الله عز وجل . # وليس يخفى على عاقل أنصف نفسه أن الخبر بهذا ، خبر عن الغيب الذي لا يطلع ~~عليه أحد إلا الله عز وجل ، الذي يعلم ما كان PageV01P238 وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون ، فسبحانه لا نشرك به شيئا ، ~~ولا نتخذ من دونه إلها ولا وليا !! # وفي هذا المعنى قال صلى الله عليه وآله وسلم وصدق ، ونحن على ذلك من ~~الشاهدين: (( زويت لي الأرض ، فأريت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما ~~زوي لي منها )) (¬1) . # ومن ذلك قوله عز وجل: { الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح ~~المؤمنون (4) بنصر الله } [الروم] ، وهذه الآية قد تضمنت ثلاثة من الأخبار ~~عن الغيوب . # أحدها: قوله عز وجل: { وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) } ، هذا من الغيب ~~الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل . # والثاني: قوله: { في بضع سنين } ، والبضع: فوق الثلاثة ودون العشرة ، ~~وهذا التحديد أيضا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله . # والثالث: قوله عز وجل: { ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ينصر من ~~يشاء } ، فأخبر أنهم يفرحون في ذلك الوقت بنصر الله . # وهذا أيضا من الغيب ، لأنه خبر عن بقاء المؤمنين إلى ذلك الوقت مع قلتهم ~~، وطمع الأعداء في ابتسافهم (¬2) . وعن أنهم يفرحون ، ولا تعرض هناك أحوال ~~تمنعهم الفرح ، لأن هذه الآية نزلت بمكة قبل PageV01P239 الهجرة ، في حال ضعف المسلمين وقلتهم ، واستيلاء المشركين عليهم ، والقصة ~~في ذلك مشهورة ، وهي (( أن الفرس كانوا غلبوا الروم ، ففرح لذلك المشركون ~~واغتم المسلمون ، لأن الروم كانوا أهل الكتاب ، فكان المسلمون بهم آنس ، ~~والفرس كانوا مجوسا ، وكان المشركون بهم أشبه . فأنزل الله عز وجل: { وهم ~~من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين } ، ففرح المسلمون ، وأنكره المشركون ~~واستبعدوه ، فخاطر (¬1) أبو بكر أمية بن خلف الجمحي ، على ms103 أن تعود الغلبة ~~للروم على الفرس إلى ثلاث سنين ، وظن أن بضع معناه: ثلاث ، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( زد في الأجل وفي الخطر )) ، وكان ذلك قبل ~~نزول التحليل والتحريم ، وحين كانت المخاطرة مباحة ، ففعل أبو بكر ذلك ، ~~وظهرت الروم على فارس لتمام سبع سنين ، ففرح المسلمون يومئذ )) (¬2) . # والنصر الذي ذكر الله عز وجل أن المؤمنين به يفرحون . # فقد قيل: إنه نصر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، بما أظهر ~~له من الاعجاز الظاهر ، بإطلاعه على هذا الغيب الذي لا يعلمه إلا الله عز ~~وجل ، لأن فيه آية بينة ، ودلالة واضحة على نبوته . PageV01P240 # ويحتمل أيضا أن يكون المراد به (¬1) أن ذل الفرس كان فيه قوة للمسلمين ، ~~ونصرة لهم على المشركين ، لما كان من ميل المشركين إليهم ، وطمعهم في ~~الإعتضاد بهم ، لأن الله عز وجل لا يجوز أن ينصر الكفار بعضهم على بعض ، ~~وإن كان جائزا أن يزيد في خذلان بعضهم ، إذا كان في ذلك ضرب من المصلحة . # ومن ذلك قوله عز وجل: { يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله ~~إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (32) } [التوبة] ، وقال في السورة التي ~~يذكر فيها الصف: { يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو ~~كره الكافرون (8) } [الصف] ، فوعد عز وجل أن يتم أمر الدين الذي ابتعث به ~~نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على كره من أعدائه الكفرة ، ومع كونهم مريدين ~~اطفاء نور الحق وطمسه ، فجرى الأمر فيه على ما وعد . وهذا من الغيب الذي لا ~~يطلع عليه إلا الله عز وجل . # ومن ذلك قوله عز وجل: { وينصرك الله نصرا عزيزا (3) } [الفتح] بعد قوله: ~~{ إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) . . . } [الفتح] . . . إلى آخر الآية . # ومن المعلوم أن نصر الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن ~~اختار الله له دار كرامته ، كان نصرا عزيزا ، وهذا مما لا يجوز أن يكون ~~اطلع عليه إلا الله عز وجل . PageV01P241 # ومن ذلك قوله عز وجل: ms104 { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا ~~الله ورسوله إلا غرورا (12) } [الأحزاب] ، يعني: يوم الأحزاب ، ثم يقول بعد ~~ذلك: { ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق ~~الله ورسوله } [الأحزاب: 22] ، فدل بهاتين الآيتين (¬1) على أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان وعد أصحابه وعدا ظاهرا ، أن الأحزاب يأتون ، وأن ~~الله ينصرهم عليهم ، حتى عرفه المؤمنون والمنافقون وانتشر فيهم ، حتى قال ~~المنافقون: { ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (12) } ، وقال المؤمنون حين ~~رأوا الأحزاب: { هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله } ، وهذا مما ~~لا يعلمه ولا يطلع عليه إلا الله عز وجل ، لأنه لا سبيل إلى العلم بأن ~~الأحزاب يأتونه ، وأنهم مع قوتهم وكثرتهم ينهزمون لا محالة . # فإن قيل: هذه الآية نزلت بعد يوم الأحزاب . # قيل له: هذا وإن كان كذلك ، ففيها دلالة على أن الوعد به كان قد تقدم . # ألا ترى إلى ما حكى الله تعالى عن المؤمنين والمنافقين في ذلك . والنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم تلا ذلك عليهم ، ولو لم يكن الأمر كذلك ، لم يكن ~~ليتلو صلى الله عليه وآله ذلك عليهم ويدعيه ، لئلا PageV01P242 يكون منبها لهم على كذبه ، حاشاه صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك !! # ومن ذلك قوله عز وجل: { ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة ~~وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) } [الأحزاب] ، فأخبر عما في ضمائرهم ~~من إرادة الفرار ، تعللا بأن بيوتهم عورة ، وهذا لو لم يكن كذلك ، لظهر ~~منهم إنكاره . # ومن ذلك قوله في السورة التي يذكر فيها { ص والقرآن ذي الذكر (1) } [ص] ، ~~{ جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) } [ص] ، وهي سورة مكية . أولها: ذكر ~~قريش ، وما كان من قولهم: { هذا ساحر كذاب (4) } [ص] ، فأخبر عز وجل في حال ~~ضعف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقلة أنصاره ، وقوة مشركي قريش ، أنهم ~~جند مهزوم . فكان الأمر على ما أخبر به - عز وجل - هزموا يوم بدر . # وكذلك قوله في السورة التي يذكر فيها القمر ، وهي أيضا ms105 سورة مكية ، ~~مخاطبا لقريش: { أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (43) أم ~~يقولون نحن جميع منتصر (44) سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) } [القمر] ، ~~فأخبر أنهم يهزمون ويولون الدبر ، وهذا أمر الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ~~عز وجل . # ومن ذلك قول الله عز وجل: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن ~~سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون } PageV01P243 [الأنفال: 36] ، فكان الأمر على ما أخبر به عز وجل ، لأن الكفار أنفقوا ما ~~أنفقوا من الأموال للخروج إلى أحد ، وصار في آخر الأمر عليهم حسرة . # وكذلك ما أنفقوا لجمع الأحزاب ، وما أنفقه مالك بن عوف حين جمع هوازن يوم ~~حنين ، صار جميع ذلك حسرة عليهم ، وغلبوا ، على ما أخبر الله عز وجل ، وهذا ~~أيضا من الغيب الذي لا يطلع عليه أحد إلا الله عز وجل ، وليس لأحد أن يدعي ~~أن هذه الآية نزلت بعد الانفاق ، لقوله عز وجل: { فسينفقونها } ، والسين ~~إذا دخلت على الفعل المضارع حققت أنه للاستقبال . فدل ذلك على أن الآية ~~نزلت قبل الإنفاق . # ومن ذلك قول الله عز وجل: { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم ~~عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم } [التوبة] ، فجرى الأمر ~~على ما أخبر الله عز وجل به ، فإنه تبارك وتعالى عذب الكفار بأيدي المؤمنين ~~، إذ أمكنهم من قتلهم وأسرهم وسبي ذراريهم ، وأورثهم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم وأخزاهم ، كما وعد سبحانه . ونصر المؤمنين عليهم وشفى صدورهم ، ~~وأذهب غيظ قلوبهم كما أخبر . وهذا مما لا يجوز أن يعلمه قبل كونه إلا الله ~~عز وجل . # ومن ذلك قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين ~~كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم PageV01P244 ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون (11) ~~لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم } [الحشر] ، وهذه قصة ~~مشهورة ، وهي قصة بني النضير ، وذلك أنهم كانوا في عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فغدروا ونقضوا العهد ، وهموا باغتيال رسول الله صلى ms106 الله ~~عليه وآله وسلم ، فأوحى الله بذلك إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وبما ~~تآمروا بينهم . وهذا إحدى المعجزات . # ثم تقدم إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمفارقة موضعهم ، ~~والجلاء عنه ، وأعلمهم أنهم نقضوا العهد وبما تآمروه بينهم . # فأذعنوا وعزموا على الجلاء ، فراسلهم عبد الله بن أبي بن سلول ، وكان من ~~كبار المنافقين ، ووعدهم بالنصرة . وأنه مع أصحابه معهم ، وأنهم إن خرجوا ~~إلى الجلاء أجلوا معهم ، وإن قاتلوا نصروهم ، وأنهم لا يطيعون فيهم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فشهد الله عز وجل أنهم لكاذبون ، وأنهم لا ~~يفون لليهود بما وعدوهم ، فجرى الأمر في ذلك على ما أخبر الله به عز وجل ~~وشهد به عليهم ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخرج بني نضير عن ~~حصونهم ، فلم يخرج المنافقون معهم ، ولا نصروهم في قتل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بني قريظة صبرا ، وسبي ذراريهم ونسائهم بعد ما حاصرهم ، ~~وحارب أهل PageV01P245 خيبر حتى ظفر بهم وبديارهم وأموالهم ، فلم ينصروهم ، كما أخبر الله عز وجل ~~في ذلك عنهم ، فكان في القصة ثلاث من المعجزات: # إحداها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مضى إلى بني النضير ، ومعه ~~أمير المؤمنين عليه السلام وأبو بكر وعمر وغيرهم ، في أمر كان عرض ، وجلس ~~مستندا (¬1) إلى جدار حصنهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتآمروا فيما ~~بينهم ، واتفقوا على أن يرسلوا عليه من فوقه صخرة تقتله ، فأتاه الوحي في ~~الحال ، وعرف ما كانوا تآمروا ، فقام في الوقت من موضعه ذلك وعاد إلى ~~المدينة ، ولم يعرف أحد من أصحابه السبب في ذلك ، إلى أن عرفهم صلى الله ~~عليه وآله وسلم ذلك . # فكان ذلك أمرا واضحا في وقوفه على سرهم ، من غير خبر أتاه من جهة أحد من ~~الناس ، ولا يجوز أن يكون إلا من جهة الوحي . # والثانية: ما أخبر من سر المنافقين ومراسلتهم ، فإنهم كانوا مجتهدين في ~~إخفاء ذلك . # والثالثة: خبره عز وجل عنهم أنهم كاذبون ، وأنهم لا يفون ms107 لهم بما وعدوهم ~~، فجرى الأمر على ذلك . # ومن ذلك قوله عز وجل بعد هذه القصة: { لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى ~~محصنة أو من وراء جدر } [الحشر: 14] ، فجرى الأمر على ما أخبر عز وجل . فإن ~~من قاتل منهم لم يقاتل إلا من { وراء PageV01P246 جدر } ، ولم يبرزوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما برز المشركون يوم ~~بدر ، ويوم أحد وحنين . وهذا مما لا يجوز أن يطلع على حقيقته إلا الله عز ~~وجل ، العالم بالمغيبات . # ومن ذلك قوله عز وجل في اليهود: { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم ~~القيامة من يسومهم سوء العذاب } [الأعراف:167] ، وقد علمنا [ذلك] من ~~أحوالهم ، لأنهم في جميع المواضع مقهورون مستذلون ، لا يمكنهم الثبات إلا ~~مع الجزية والصغار ، وأحوالهم خلاف أحوال النصارى . فإن للنصارى دارا (¬1) ~~ومملكة مثل الروم وما حوله ، على ما أخبر الله تعالى في القلة والذلة . # ومن ذلك قوله عز وجل: { تبت يدا أبي لهب وتب (1) . . . } [المسد] إلى آخر ~~السورة . وذلك إخبار عن موته على الكفر ، وجرى مخبره على ما أخبر به عز وجل ~~، وهو مما لا يعلمه إلا علام الغيوب . # ولهذه الآيات في القرءان نظائر ، وفيما ذكرنا كفاية وبلاغ لمن نصح نفسه ، ~~وأنصف عقله ، واتبع رشده . # فإن قيل: ولم ادعيتم أن الإخبار عن الغيوب يتضمن الاعجاز الذي إذا أتى به ~~إنسان وادعا النبوة ثبتت نبوته ؟ وما أنكرتم أن يصح ذلك من المنجم الذي ~~يخبر عن الشيء ، فيتفق أن يكون مخبره على ما أخبر به ؟! PageV01P247 # قيل له: لأن الخبر عن الغيب على وجه يكون صدقا على جهة الاستمرار ، لا يصح ~~إلا من العالم به ، لأن ذلك لو صح من غير العالم ، لم يمكن (¬1) الاستدلال ~~بالفعل المحكم المتقن ، على أن فاعله عالم ، لأن من جوز ذلك ، يلزمه أن ~~تكون الأفعال الكثيرة المنتظمة المتسقة تقع من المبخت الذي ليس بعالم به ، ~~لأن الخبر الصدق في حكم الفعل المتقن ، في احتياجه إلى أن يكون الفاعل له ~~عالما ، وهذه الجمل هي من علوم البدايه (¬2) التي لا تعزب عن ms108 كامل العقل ، ~~بل عن المراهق ، وإن لم يبلغ كمال العقل . # فإن قيل: كيف ادعيتم أن ذلك من البدايه ، وأنتم تجدون كثيرا من العقلاء ، ~~يعتقدون في الكهان والمنجمين ، أنهم يجوز أن يخبروا عن الغيوب ؟ # قيل لهم: إنهم لا يجوزون ذلك ، إلا إذا اعتقدوا أنهم عالمون بذلك ، وليس ~~ذلك خلاف ما ادعيناه ، من أن العلم بأن الاخبار عن الغيب لا يصح إلا من ~~العالم . # ومن جملة البدايه أن أولئك أخطأوا ، حين اعتقدوا أن هؤلاء يعلمون الغيب ، ~~ولم يعتقدوا أنهم أخبروا من غير أن يعلموا (¬3) . PageV01P248 # فإن قيل: فإنا نجد من يعتقد في كثير من المجانين أنهم يخبرون عن الغيب . # قيل له: هؤلاء يعتقدون أن الجن هم الذين ينطقون على ألسنتهم ، وأن الجن ~~يعلمون ذلك ، فليس في العقلاء من يضيف الإخبار عن الغيب إلا إلى العالم به ~~، على بعض الوجوه . # وقد رأيت من سخفاء الفلاسفة من يذهب إلى أن الانسان إذا احتمل ربما أخبر ~~عن الغيب . ومن يقول ذلك ، يذهب إلى أن النفس عالمة ، فإذا احتمل خلصت ~~النفس ، وجرى مجرى النائم الذي يرى ما يكون مما لم يكن بعد في نومه . وهذا ~~وإن كان هذيانا لا يؤبه له ، وكان ما يراه النائم على خلاف ما ذهبوا إليه ، ~~فإنا ذكرناه لنبين أنه لا أحد من العقلاء يعتقد أن المخبر عن الغيب إذا ~~كثر[ت] أخباره ، واستمرت على وجه يكون صدقا ، يجوز أن يكون غير عالم ، فإذا ~~ثبتت هذه الجملة ، نقول: إن الانسان قد ثبت أنه عالم بعلم يتجدد له ، ~~والعلم لا يخلو من أن يكون ضروريا أو مكتسبا . # وقد علمنا أنه لا طريق يمكن للإنسان أن يكتسب به العلم بالغيوب ، لأن ~~العلوم تكتسب بالنظر في الأدلة ، ولا أدلة على الغيوب ، فلم يبق إلا أن من ~~علم الغيوب يعلمه بعلم يضطره الله إليه ، أو بخبر يأتيه من قبله عز وجل ، ~~وأيهما كان معجزا . لأنه متعذر على جميع الخلق الاتيان به ، إلا من خصه ~~الله عز وجل به ، كفلق البحر ، وقلب العصا حية ، وإحياء الموتى ، وإبراء ~~الأكمه والأبرص ms109 . PageV01P249 # فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم ~~تلك الغيوب من طريق التنجيم ، كما يعرفها حذاق المنجمين ، وإذا صار ذلك لم ~~يجب كونه معجزا على ما ادعيتموه ؟! # قيل له: هذا يسقط من وجهين: # أحدهما: أن المنجم لا يمكنه أن يخبر عن تفاصيل الأمور ، ولا يحصل له ~~العلم بذلك ، وإنما يحصل له غالب الظن . لذلك يصيب في شيء ، ويخطيء في غيره ~~. وذلك من أحوال المنجمين معلوم . # يبين ذلك أنهم يدعون أن في جملة الكوكب الثابتة وهي التي تسمى: بيابيات ~~كواكب كثيرة ، لا يعرفها أحد من الناس ، وفيها السعود والنحوس ، وإن حصول ~~ما يحصل منها في الطالع ، يغير الاحكام من غير أن يشعر بها المنجم ، ~~فيعتذرون للخطأ الذي يتفق لهم بذلك ، وربما نسبوه إلى خطأ أصحاب الرصد ، ~~وربما ينسبون بعض الزيجات إلى أن فيها خطأ كثيرا ، وكل ذلك لأن الصواب لا ~~يستمر لهم ، لأنهم لا يمكنهم أن يحكموا تفاصيل الأمور ، وليس كذلك إخبار ~~الله عز وجل في القرءان عن الغيوب . فوجب أن يكون صدر عن علام الغيوب ، ~~الذي لا تخفى عليه خافية تبارك وتعالى . # والوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو كان بلغ في علوم ~~النجوم المبلغ الذي كانت له هذه الأمارات من أجلها - مع استحالة ذلك - لوجب ~~أن يظهر اشتغاله بها ، وصرف العناية إليها ، PageV01P250 وأخذها عن أهلها . ولم يكن للعرب اختصاص بهذا الجنس من العلم ، ولم يعرف ~~أحد منهم به ، ولم يكن يجوز أن يخفى عليهم . # ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مولده ومنشؤه في أقوام ~~لم يتعاطوا هذا العلم ، ومسافرته إلى الشام قبل البعثة كانت مع قومه ، ~~وكانت أياما قليلة . فبان بما بيناه أنه لم يكن من أهل هذه الصنعة . # على [أن] المتعاطي لهذه الصنعة إذا بلغ مبلغ المتوسطين منها ، فلا بد له ~~من مدارسة أهله ، والنظر في كتبهم ، بل لا بد له من آلات يعرف بها الطوالع ~~التي يبني عليها الاحكام . فكيف من بلغ ms110 الغاية ؟! وإذ قد علمنا أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم لم يتعاط شيئا من ذلك ، ولم يشتغل به ، ولم يعرف شيئا ~~منه ، فقد بطل قول من قال: إن ما أتاه عليه السلام أتاه من طريق النجوم . # وأيضا بمثل ما عرفنا أن الفرزدق وجريرا لم يكونا فقيهين ولا متكلمين ، ~~وأن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا لم يكونوا شعراء ، وأن سيبويه لم يكن ~~متكلما ، وأن أبا الهذيل لم يكن متطببا ، وأن الشافعي لم يكن متفلسفا . ~~نعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن منجما . # فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرى ذلك ~~في المنام ، وكان قد عرف من نفسه أنه صحيح الرؤيا ، فكان يخبر بما يرى ، ~~تعويلا على ما عرف من نفسه ؟! PageV01P251 # قيل له: إن المعتاد من أمر الرؤيا وصحتها ، معلوم أنه إلى أي حد يكون ، وإن ~~كان صحيح الرؤيا قد تعرض له أضغاث الأحلام . والتعبير أيضا قد يقع فيه ~~الخطأ كما يقع الصواب ، ولا يستمر الأمر فيه هذا الاستمرار ، وهو يوجب غالب ~~الظن دون العلم المقطوع به ، فإذا كان الله عز وجل خص نبينا صلى الله عليه ~~وآله وسلم من الرؤيا بما أبانه من سائر الخلق ، وبما هو ناقض للعادة ، فهو ~~أيضا معجز دال على صحة نبوته . # فإن سألوا عن الفرق بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبين الكاهن ، والذي ~~ينظر في الكف ؟! # فالجواب عنه: أن الكهان لا يمكنهم الخبر عن تفاصيل الأمور على الاستمرار ~~على وجه يكون صدقا ، وهذا معروف من أحوالهم ، لأنهم يقولون بأمور تعرض لهم ~~، وبأمارات تظهر لهم ، وإن أصاب الواحد منهم ، ففي شيء على سبيل الاتفاق ، ~~ويخطئون في أشياء يظهر فيها كذبهم . # وكذلك من ينظر في الكف . إنما يخبر عن جمل الأحوال ، ولهم كلام في ذكر ~~الأمارات الدالة على الأمور ، والأوراق المصنفة لهم في ذلك ، يذكرون حال ~~العظم ، وما يظهر فيه من النقط والتخطيط ، ومواضع ذلك من العظم الذي هو ~~الكف ، وليس يمكنهم الخبر عن تفاصيل الأمور ، وأكثر ms111 ما يحكى من ذلك حكايات ~~يغلب على الظن أنها كذب ، وإن صح شيء من ذلك فعلى سبيل الاتفاق ، على أنه PageV01P252 يجوز أن تكون الأمارات مما يظهرها الله عز وجل على مجرى العادة لكل ناظر . ~~هذا إن صح ما يدعا من ذلك . وليس الاخبار عن الغيوب التي يتضمنها القرءان ~~مشابها لشيء من ذلك ، فبان وصح أنه وارد من عند علام الغيوب . # فإن قيل: ما أنكرتم على من قال لكم: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ظفر ببعض أحوال الأنبياء المتقدمين صلى الله عليهم عن تلك الغيوب ~~، فادعاه لنفسه ؟! # قيل له: لا يخلو وقوع ما سألتم عنه إليه صلى الله عليه [وآله وسلم] إن ~~كان على ما ذكرتم - ومعاذ الله من ذلك - أن يكون على طريق التواتر أو على ~~طريق الآحاد ، ولا يجوز أن يكون على سبيل التواتر ، لأن ذلك يوجب كون تلك ~~الأخبار ظاهرة في زمانين بين أهل الكتاب . والمعلوم خلاف ذلك . # ولا يجوز أن يكون وقوعه على طريق الآحاد ، لأن ذلك مما لا تسكن النفس ~~إليه ، ولا يجوز أن يعتمده العاقل في بناء الأمر عليه ، على ما بيناه في ~~نظائره فيما تقدم من كلامنا في هذا الكتاب . # فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع تلك ~~الأخبار ممن شاهده ورءآه ، واتفق صدقه بما شاهده من معجزاته فأظهرها ، ~~وادعا أنه عرفها بالوحي ؟ # قيل له: لو كان ذلك كذلك ، لوجب على الله عز وجل المنع منه ، بأن يحول ~~بينه وبين سماعها ، وبينه وبين إظهارها ، أو بأن يظهر تلك PageV01P253 الأخبار لغيره ، على وجه لا يمكن التمويه ، لأن ذلك لو كان على ما قلتم ، ~~لكان شبهة لا يمكن حلها ، وكل شبهة لا يمكن حلها يجب على الله عز وجل المنع منها . # على أن هذا السؤال لا بد من أن يتضمن الاقرار بالنبوات والمعجزات . # ويمكن أن يسأل في كل معجز وما (¬1) يجري هذا المجرى ، بأن يقال: يجوز أن ~~يكون عيسى صلى الله عليه ظفر ببعض الخواص التي ms112 يحيي بها الموتى ، ويبرئ ~~الأكمه والأبرص ، وأن يكون موسى صلى الله عليه ظفر ببعض منها ، يقلب بها ~~العصا حية ، ويفلق البحر ، وليس الجواب عن ذلك إلا ما قلناه ، من أن ذلك - ~~لو كان - شبهة لا يمكن حلها ، ويجب على القديم تعالى المنع منها . فكذلك ~~جواب هذا السؤال ، إذا سألنا عنه . وهذا الكلام أيضا مما تقدم بيانه في ~~كتابنا هذا . # - - - PageV01P254 ### || AUTO ذكر جملة من المعجزات التي وردت بها الأحاديث # من المشهور الظاهر ما روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال ~~لعمار: (( تقتلك الفئة الباغية )) (¬1) ، وهذا جرى مخبره بعد نحو من ثلاثين ~~سنة على ما أخبر به صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا الحديث معلوم صحته ، لا ~~إشكال فيه ولا لبس عند أهل النقل . # وذلك لما اشتهر من تفاوض أصحاب معاوية لعنه الله فيه ، واضطراب معاوية في ~~تأويله ، فمرة يقول: أنحن قتلناه ؟! إنما قتله من جاء به - يعني عليا عليه ~~السلام - حتى قال علي عليه السلام حين بلغه ذلك: (( فعلى هذا يجب بأن يكون ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتل حمزة بن عبد المطلب حين حمله إلى أحد )) (¬2) . # ومرة يقول: نحن البغاة ، لأنا نبغي دم عثمان . # فلولا أن الحديث كان مشهورا فيما بينهم ، قد عرفوه ضرورة بالشهرة ~~والاستفاضة ، وبكثرة من سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنكره ~~معاوية ، ولم يشتغل بتلك التأويلات البعيدة . # وقد روى أهل النقل أن ذا الكلاع كان يفاوض معاوية لعنه الله في هذا ~~الحديث ويضطرب في قتل عمار ، فكان معاوية يلبس عليه ، PageV01P255 ويقول له: ما يقتل عمارا غير أهل العراق ، فإنا نقتله عن رأيه ونستدعيه ~~إلينا ، وسيقتل في جملة عسكرنا ، إلى أن قتل ذو الكلاع في جملة أصحاب ~~معاوية ، وعمار رضي الله عنه في جملة أصحاب علي صلوات الله عليه في يوم ~~واحد ، فكان معاوية لعنه الله يقول: (( أنا بقتل ذي الكلاع أسر مني بقتل ~~عمار ، فإنه لو بقي بعد عمار أفسد علي عسكري )) (¬1) ، فكل ذلك يدل على أن ~~الحديث كان ms113 معلوما عندهم . # وأيضا (( إن الزبير اضطرب يوم الجمل حين بلغه أن عمارا رضي الله عنه في ~~عسكر علي عليه السلام ، وجعل يروح عن نفسه بمنعه ما بلغه التصديق ، إلى أن ~~أخرج عينا (¬2) له ، فرجع وعرفه أنه في جملتهم ، فقال الزبير: واقطع ظهراه ~~، واجدع أنفاه . ووقع عليه الأفكل ، حتى قعقع ما عليه من السلاح )) (¬3) ، ~~وذلك لما عرف من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( تقتله الفئة ~~الباغية )) . # ومن الخبر المشهور الذي لا يرتاب فيه أهل النقل ، وهو معلوم بينهم ، ما ~~كان من (( النبي صلى الله عليه وآله وسلم من إنذار عائشة ، وتعريفه إياها: ~~أن كلاب الحوأب تنبحها في مسراها ، وأنها لما بلغت الحوأب ونبحتها كلابها ، ~~سألت الجمال عن ذلك الموضع ؟ فعرفها أنه الحوأب ، فأمرت أن يناخ بعيرها ، ~~وفزعت واضطربت ، حتى جاء بها PageV01P256 أصحابها ، وحلف - على ما في الخبر - نحو (¬1) من ثلاثين رجلا أن ذلك الموضع ~~ليس بحوأب )) (¬2) ، واشتهرت القصة فيه ، حتى ذكر كلاب الحوأب أهل اللغة في ~~كتبهم . # وقال الخليل في كتاب (( العين )): (( الحوأب موضع حيث نبحت الكلاب عائشة ~~)) ، وقال ثعلب في كتاب (( الفصيح )): (( وهي كلاب الحوأب مهموز - يعني ~~الحوأب )) ، وقد ذكر[ه] أيضا القتيبي في (( أدب الكتاب )) ، ولشهرة هذه ~~القصة لا يكاد يذكر الحوأب إلا ويذكر الكلاب التي نبحت عائشة . # ومن الخبر المشهور قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: (( إنك تقاتل بعدي ~~الناكثين والقاسطين والمارقين )) (¬3) ، يعني بالناكثين: أصحاب الجمل ، ~~والقاسطين: أهل الشام ، والمارقين: أهل النهروان ، فكان كل ذلك على ما أخبر ~~صلى الله عليه وآله وسلم . PageV01P257 # ومن المشهور قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: (( أشقى الأولين عاقر ~~الناقة ، وأشقى الآخرين قاتلك ، يخضب هذه من هذه وأشار صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلى لحيته ورأسه )) (¬1) . فكان ذلك على ما أخبر به صلى الله عليه ~~وآله وسلم . # ومن المشهور المستفيض حديث ذى الثدية ، وهو (( أن عليا عليه السلام لما ~~قتل أهل النهروان قال: اطلبوا ذا الثدية ، فطلب ، فلم يوجد ، فقال علي عليه ~~السلام: والله ما كذبت ولا كذبت ، فاطلبوا . وما ms114 زالوا يطلبونه حتى وجدوه ، ~~فإذا هو رجل مخدج اليد ، إذا مددتها امتدت ، وإذا أرسلتها انقبضت ، في ~~رأسها حلمة كحلمة ثدي المرأة . فسر أمير المؤمنين عليه السلام وسر الناس )) ~~(¬2) ، ولا يجوز أن يكون علي عليه السلام عرفه إلا بخبر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم . # على أن في أكثر الأخبار أن عليا عليه السلام قال: (( إن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أخبرني أن فيهم رجلا يده كهيئة الثدي )) (¬3) . # ومن المشهور المستفيض الذي لا يرتاب فيه أهل النقل ، وأصحاب السير ~~والتواريخ ، ولاشتهارها يعرفها كثير من العامة قصة كسرى ، PageV01P258 وهو (( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتب إليه كتابا يدعوه إلى ~~شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فلما ورد عليه الكتاب ~~مزقه ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخبر ، قال: مزق ملكه ~~، فكان كما قال صلى الله عليه وآله وسلم . # ثم غضب كسرى ، وكتب إلى صاحبه باذان ، وكان على اليمن ، يأمره بإشخاص ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فبعث باذان رسولين إليه صلى الله عليه ~~وآله وسلم يعرفانه بالصورة ، ويقولان له: أجب شاهنشاه الملوك: كسرى . فإنك ~~إن فعلت ذلك كتب لك الملك باذان إليه ، ليحسن إليك ، وإن أبيت فهو من تعلم ~~- يعنيان كسرى - يهلكك ويهلك قومك ، ويخرب ديارك . # فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: انصرفا وعودا إلي غدا . ~~فأتاه صلى الله عليه وآله وسلم الوحي بأن كسرى وثب عليه ابنه شيرويه وقتله ~~، في ساعة كذا ، من ليلة كذا ، من شهر كذا ، فلما دخلا عليه صلى الله عليه ~~وآله وسلم عرفهما ما نزل الوحي به من وثوب شيرويه على أبيه كسرى وقتله له ، ~~فاستعظما ذلك وعادا إلى باذان ، فقصا عليه القصص ، فقال باذان: ما هذا كلام ~~ملك ، بل هو كلام نبي مرسل ، لكنا ننتظر ، فإن ورد الخبر بما قال ، فهو نبي ~~مرسل لا شك فيه ، وإن يكن غير ذلك ، نرى فيه رأينا . فورد عليه كتاب شيرويه ~~بذلك ، فأسلم ms115 باذان ومن معه من الفرس )) (¬1) . PageV01P259 # ولست أقول: إن هذا التفصيل مشهور عند كثير من العامة والخاصة ، وإنما أقول: ~~إن قدر المعجز منه مشهور ، وهو ورود الرسل على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالتهديد ، وتعريفه صلى الله عليه وآله وسلم إياهم أن كسرى قد قتل . # فأما أهل النقل فهم يعرفون القصة بشرحها وطولها . وقد حذفنا ما لم نحتج ~~إليه منها . # ومن ذلك قصة العباس بن عبد المطلب (( حين أسر يوم بدر ، فلما جاء إلى ~~المدينة قال له صلى الله عليه وآله وسلم: افد نفسك وابني أخويك ، عقيل بن ~~أبي طالب ، ونوفل بن الحارث . # قال: ليس لي مال . # قال: فأين المال الذي وضعته بمكة ، حين خرجت عند أم الفضل ليس معكما أحد ~~؟! ثم قلت لها: إن أصبت في سفري هذا ، فللفضل كذا ، ولعبد الله كذا ، ولقثم ~~كذا ، ولعبيد الله كذا . # فقال العباس: والذي بعثك بالحق ما علم هذا غيري وغيرها ، وإني لأعلم أنك ~~رسول الله صلى الله عليك ، ففدى العباس نفسه وابني أخويه )) (¬1) . وهذه ~~قصة مشهورة ظاهرة عند أهل النقل . # ومن ذلك قصة عمير بن وهب الجمحي في سبب إسلامه ، وهي (( أنه وصفوان بن ~~أمية الجمحي قعدا في الحجر يتذاكران قتلى بدر ، ويتوجعان لهم ، ويقول ~~صفوان: لا خير في العيش بعدهم . فقال عمير: PageV01P260 # لولا دين علي ، وما أخشى من ضيعة عيالي بعدي . ركبت إلى محمد بعلة أسير لي ~~في أيديهم ، وقتلته . # فقال له صفوان: فعلي دينك . وعيالك أسوة بعيالي ، فتكاتما ذلك ، وخرج ~~عمير حتى قدم المدينة ، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوشحا ~~بسيفه ، فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه ، فلما رءاه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أرسله يا عمر ، ادن يا عمير . ما حاجتك ؟ # قال: جئت للأسير الذي في أيديكم . # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أصدقني ما الذي جئت له ؟ # قال: ما جئت إلا لذلك . # فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: بل قعدت أنت وصفوان في الحجر ، وقص ms116 ~~عليه ما كان جرى منهما . وقال له: جئت لتقتلني والله حائل بيني وبينك . # فقال عمير: أشهد أنك رسول الله . هذا أمر ما حضره غيري وغير صفوان ، وما ~~أخبرك به إلا الله عز وجل ، فأسلم وشهد شهادة الحق ، وحسن إسلامه )) (¬1) . # ومن المشهور (( أن ناقة ضلت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض ~~غزواته ، فطلبوها ، فلم يجدوها ، فتكلم أهل النفاق وقالوا: إنه يخبرنا ~~أخبار السماء ، ولا يدري أين ناقته ؟ فأتاه صلى الله PageV01P261 عليه وآله وسلم الوحي بموضعها وحالها ، فقال للناس: إني لا أعلم إلا ما ~~علمني الله ، وإن الناقة في موضع بعينه - ذكره - قد تعلق زمامها بشجرة ~~بعينها ، فمضوا وطلبوا فوجدوها كما أخبر به صلى الله عليه وآله وسلم )) (¬1) . # ومنها (( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ حفنة من الحصى ، ~~فاستقبل بها قريشا ، ثم قال: شاهت الوجوه ، ثم نفحهم بها ، فكانت الهزيمة ، ~~فأنزل الله عز وجل في ذلك: { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } [الأنفال: ~~17] )) (¬2) . # ولا يجوز أن يخاطب الله عز وجل في كتابه [رسوله] صلى الله عليه [وآله ~~وسلم] إلا وذلك الرمي مشهور حاله عندهم ، لأن أحواله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في تلك الجملة (¬3) كانت معلومة لأصحابه ، ظاهرة فيهم لا خفاء بها ~~(¬4) عندهم . # ومن ذلك (( نعيه النجاشي وهو صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة ، وصلاته ~~عليه ، ثم ورد الخبر بموته في اليوم الذي كان نعاه )) (¬5) . PageV01P262 # ولشهرته جعل كثير من الفقهاء تكبيره صلى الله عليه وآله وسلم أصلا في ~~الصلاة على الجنائز . # ومن ذلك حديث المسرى فإن (( رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أسري ~~به إلى بيت المقدس ، وعاد إلى مكة في ليلة واحدة ، حدث أصحابه بما شاهد في ~~طريقه ، فسئل عن عير كانت لقريش في الطريق ، فقال: لقيتها بمكان كذا ، ~~ومررت عليها ، ففزع فلان . فقيل له: يا فلان ما رأيت ؟ # فقال: ما رأيت شيئا ، إلا أن الإبل نفرت . # وقالوا له: أخبرنا متى تأتينا ؟ # قال: تأتيكم يوم كذا وكذا ، يقدمهم جمل أورق ، عليه غرارتان ms117 ، أحدهما: ~~سوداء . والأخرى: بيضاء . # قالوا: أي ساعة ؟ # قال: ما أدري أطلوع الشمس من هاهنا أسرع ، أو طلوع العير من هاهنا ؟! # قال: فلما كان ذلك اليوم بعثوا رجلا من هاهنا ، ورجلا من هاهنا . فقال ~~رجل: هذه الشمس قد طلعت ، وقال الآخر: هذه عيركم قد طلعت )) (¬1) . PageV01P263 # وقال أيضا صلى الله عليه وآله وسلم: (( مررت بالعير فوجدت أربابها نياما ، ~~ولهم إناء فيه ماء ، وقد غطوا عليه ، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه ، ثم رددت ~~الغطاء كما كان . وإن القوم لما وردوا سئلوا عن الإناء وحاله ، فكان الأمر ~~على ما قال صلى الله عليه وآله وسلم )) (¬1) . # وفي الحديث: (( أن المشركين لما سمعوا ذلك أنكروه ، وحكوا ذلك لأبي بكر ~~فقال: إن كان قال ذلك ، فقد صدق ، فسمي: صديقا (¬2) . # وقال له المشركون: صف لنا بيت المقدس . فوصفه صلى الله عليه وآله وسلم ~~لهم ، وقال: جعل المسجد بحذائي ، حتى وصفته )) (¬3) ، وهذه قصة مشهورة ، ~~ولشهرتها ذكرها الله عز وجل في كتابه . # ومن ذلك حديث (( الشاة المسمومة ، التي قدمتها امرأة يهودية إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بخيبر ، فلما أكل منها لقمة أو لقمتين ، ~~وأكل منها من هناك من أصحابه ، قال: إنها تخبرني أنها مسمومة ، وقال لها: ~~لم فعلت ذلك ؟ قالت: أردت إن كنت كاذبا أن يستريح الناس منك ، وإن كنت نبيا ~~لم يضرك )) (¬4) . وهذه قصة PageV01P264 مشهورة حتى تكلم المتكلمون في كيفية خبر الشاة ، وأن ذلك يكون كلامها ، أو ~~كلاما يخلقه الله تعالى فيها ، ومن يكون متكلما به . # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال عند وفاته: (( ما زالت ~~أكلة خيبر تعاودني ، فالآن قطع أبهري )) (¬1) ، وكل ذلك يبين اشتهارته ~~واستفاضته . # ومن ذلك حديث الاستسقاء ، وهو (( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~شكي إليه الجدب وهلاك المواشي ، لانقطاع الأمطار ، فرفع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يده إلى السماء ، وجعل يدعو الله عز وجل وما في السماء ~~سحابة ، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده إلى نحره وصدره ، ~~حتى ms118 ابتدأت السحائب ترتفع وتجتمع وأرخت عزاليها ، ثم جاءوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقولون: الغرق . الغرق . تهدمت البيوت . # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: حوالينا ، ولا علينا . اللهم على الظهران ~~والجبال ، وبطون الأودية . فانجاب السحاب عن المدينة ، وصار حولها كالإكليل ~~، ومطروا بعد ذلك مدة طويلة ، وقد اختلفوا في مقدار تلك المدة . PageV01P265 # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لله در أبي طالب ، لو كان حيا لقرت عيناه . ~~من ينشدنا قوله . فقام علي عليه السلام فقال: يا رسول الله . كأنك أردت: # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل # . . . إلى آخر الأبيات (¬1) . # وهذه قصة مشهورة ، حتى صار قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( حوالينا ولا ~~علينا )) (¬2) . مثلا يضرب لاشتهاره . # ومن المشهور (( أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما احتاج أصحابه إلى الماء ~~، وضع يده في الإناء فانفجر الماء من بين أصابعه ، حتى توضأوا وشربوا )) (¬3) . # وقد ذكر في مواضع عدة ، وفي أوقات مختلفة . # ومن المشهور حنين الجذع وذلك (( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان إذا خطب في المسجد خطب إلى جذع فيه ، فلما عمل PageV01P266 له المنبر ، وقام عليه حن الجذع حنين الناقة ، فأتاه رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فاحتضنه ومسحه بيده ، حتى سكن )) (¬1) . # ومن ذلك ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين نزل بالحديبية ~~، فقيل له: (( ليس بالوادي ماء ينزل عليه الناس . فأخرج سهما من كنانته ، ~~فأعطاه رجلا من أصحابه ، فنزل في قليب هناك ، فغرزه فيه ، فجاش الماء حتى ~~أخذ الناس حاجتهم ، وصدروا عنه )) (¬2) . # وروي (( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصق فيها )) ، ولشهرة ذلك ~~بصق مسيلمة الكذاب في بئر فيه وشل . فغار ماؤها ، وجفت قرارها (¬3) . # ومن المشهور (( تعريفه صلى الله عليه وآله وسلم أويس القرني ، وأنه به ~~برص ، دعا له الله فبرىء منه ، إلا قدر الدرهم )) (¬4) ، إلى غير ذلك من ~~أحواله ، حتى ذكره عمر ، وسأل عنه وطلبه حتى ظفر به . PageV01P267 # ومن ذلك (( أن الطعام أعوز أصحابه صلى الله ms119 عليه وآله وسلم في غزوة تبوك ، ~~وضاق عليهم فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من كان ~~عنده فضل طعام فليأتنا به . فأتي بنيف PageV01P268 وعشرين صاعا ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودعا بالبركة ، ثم ~~دعا الناس . فقال: خذوا فأخذوا حتى اكتفوا وصدروا ، وفضلت فضلة )) (¬1) . # وهذه الآية - أعني تكثير القليل من الطعام ، وإشباع الكثير منه - قد ~~تكررت في مواضع واشتهر منها (( بمكة في أول البعثة ، لما نزل قوله عز وجل: ~~{ وأنذر عشيرتك الأقربين (214) } [الشعراء] ، دعا صلى الله عليه وآله وسلم ~~رهطا من عشيرته ، فقدم إليهم يسيرا من الطعام ، فأكلوا منه وشبعوا )) (¬2) . # ومنها خبر (( دعائه صلى الله عليه وآله وسلم جابرا إلى الطعام - وكان أعد ~~له يسيرا - فدعا صلى الله عليه وآله وسلم عددا كثيرا من أصحابه ، حتى أكلوا ~~وشبعوا )) (¬3) . # ومنها حديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال: (( كنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ثلاثين ومائة ، فقال صلى الله عليه وعلى أهله: هل مع أحد ~~منكم طعام ؟ فإذا مع رجل صاع واحد ، فأطعم الجميع منه إلى أن شبعوا وفضل )) (¬4) . PageV01P269 # ومن ذلك حديث جابر (( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطى رجلا وسق ~~شعير ، فما زال الرجل يأكل منه وامرأته ، حتى كالوه ، فقال لهم صلى الله ~~عليه وآله وسلم: لو لم تكيلوه لأكلتم منه ، وأقام لكم )) (¬1) . # وغير ذلك فيما يكثر عدده . # ومن المستفيض (( أن جابر بن عبد الله الأنصاري أتى محمدا بن علي بن ~~الحسين عليهم السلام ، وهو في الكتاب فقبله ، وقال له: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أمرني أن أقرأك السلام )) (¬2) . # ومن ذلك (( أنه صلى الله عليه وآله وسلم نعى جعفر بن أبي طالب وهو على ~~بعد منه )) (¬3) . # ومن ذلك (( مجيء الشجرة فإنه تكرر في مواضع منها: مكة والمدينة ، حتى ~~أقبلت إليه تشق الأرض شقا )) . PageV01P270 # و(( مرتين في الصحراء ، حين أراد قضاء الحاجة اجتمعت له صلى الله عليه وآله ~~وسلم شجرتان فاستتر بهما ، وقضى الحاجة ، ثم افترقا ms120 وعادا إلى مكانهما )) (¬1) . # و(( دعا صلى الله عليه وآله وسلم غصنا من شجر فأتاه ، حتى رأى ذلك من كان ~~طلب الآية ، ثم عاد إلى مكانه )) (¬2) . # ومن ذلك (( انشقاق القمر )) ، وقد رواه عدة من أصحابه . وإن كان الأشهر ~~رواية عبد الله بن مسعود ,فقد قال: (( إني رأيته فلقتين )) (¬3) . # وروى أنس: (( أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آية ؟ ~~فأراهم انشقاق القمر )) (¬4) ، وكان يحدث به في تفسير قوله عز وجل: { وانشق ~~القمر (1) } [القمر] . # وعن عبد الله بن مسعود ، قال: (( انشق القمر بمكة . # فقالت قريش: هذا سحر سحركم به . PageV01P271 # فقال بعضهم: انظروا إلى السفار ، فسألوهم ؟ فقالوا: قد رأينا القمر انشق )) (¬1) . # وروى ذلك عن حذيفة ، وابن عباس ، وجبير بن مطعم ، ويدل على صحته: (( أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلا عليهم قوله عز وجل: { اقتربت الساعة ~~وانشق القمر (1) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) } [القمر] )) (¬2) . # ولو لم يكن ذلك ظاهرا بينهم لأنكروا ذلك ، وكذبوا قوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ، ولقالوا: لم ينشق القمر ، ولم يحوجوا إلى أن يقولوا: إنه سحر ~~مستمر ، فوضح بذلك أنهم كانوا شاهدوا ذلك وعرفوه ، ولا وجه لتأويل من ~~يتأوله على أنه بمعنى: ينشق يوم القيامة ، لوجوه: # منها: أنهم لا يقولون في الآيات يوم القيامة: إنها سحر ، لأنهم يعرفون ~~تلك الأحوال ضرورة . # فإن قيل: لا نسلم لكم يوم القيامة ولا كون الآيات فيها ، فكيف نسلم أنها ~~تعلم ضرورة ؟! PageV01P272 # قيل له: لسنا نحتاج إلى تسليمكم صحة ذلك ، لأن ذلك معلوم من دين النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ، وأديان سائر الأنبياء صلوات الله عليهم ، ولا يجوز ~~أن يخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخبر يعلم خلافه من دينه ضرورة . # ومنها: أنه ليس في القرآن ولا في شيء من الأخبار الصحيحة ، أن القمر ينشق ~~يوم القيامة ، وإنما في القرآن: { وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) } ~~[القيامة] . # ومنها: أن ظاهر الآية خبر عن الماضي ، فلو لم يكن ذلك معلوما عند الكفار ~~لراجعوه فيه ، حتى يعرفهم صلى الله ms121 عليه وآله وسلم مراده ، ولما لم يجز ذلك ~~، ثبت صحة ما قلناه . # ولا وجه أيضا لتأويل من يتأول فيه فيقول: إن المراد به ضرب المثل لوضوح ~~الأمر . كما يقال: هذا أمر قد طلع فجره ، وأشرقت شمسه ، لأن ضرب المثل ~~بطلوع الفجر وإشراق الشمس يصح ، لأن طلوع الفجر وإشراق الشمس يزيدان في ~~الضوء ، ولو انشق القمر لم يجب أن يتزايد الضوء ، بل يكون ذلك إلى تناقصه ~~أقرب . فكيف يصح ضرب المثل به لوضوح الأمر ؟! # ولا معنى لقول من يقول: إن ذلك لو كان لم يخف على أهل الشرق والغرب ، ~~لأنه لا يمتنع أن يعلم ثقة أن الأصلح إظهاره لقوم بعينهم دون سائر الخلق ، ~~فيخفيه على سائر الخلق بالغمام ، في بعض المواضع ، وبالشغل أو النوم لآخرين . PageV01P273 # ومن المشهور قوله صلى الله عليه وآله وسلم لسراقة بن جعشم ، وقد نظر إلى ~~ذراعيه: (( كأني بك وقد لبست سواري كسرى . وكان سراقة أشعر الذراعين ~~دقيقهما ، ولما كان ما كان في زمان عمر بن الخطاب ، وفتحت خزائن كسرى ، حمل ~~المال فوضع في المسجد ، فرأى عمر منظرا لم ير مثله ، والذهب والياقوت ~~والزبرجد واللؤلؤ يتلألأ . # فقال: أين سراقة بن جعشم ؟ فأتي به . # فقال: البسهما . # ففعل . # فقال: الله أكبر ، الحمد الله الذي سلبهما كسرى ، وألبسهما سراقة بن جعشم ~~)) (¬1) . فكان ذلك آية ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . # ومن المشهور ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (( لما غسلت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أردت عضوا أغسله إلا قلب لي حتى ~~أغسله . ولقد أردت يد غيري عليه ، وسمعت مناديا ينادي في جانب البيت: لا ~~تخلعوا القميص . ولقد رأيت أن أكبه فنوديت: ألا تكبه )) (¬2) . PageV01P274 # وروي (( أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءهم آت ، يسمعون ~~حسه ، ولا يرون شخصه ، فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ، ~~{ كل نفس ذآئقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة } [آل عمران: 185] ، ~~إن في الله عزاء من كل مصيبة ، وخلفا من كل هالك )) (¬1) . # فهذه ms122 أخبار مشهورة ظاهرة ، ولم نتتبع من معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم ~~التي رواها الواحد والاثنان . فإن ذلك يكثر ويبلغ نحو ألف معجز . # فإن قيل: فما تقولون في هذه الأخبار التي رويتموها ، هل تقولون: إنها ~~توجب العلم على التفاصيل ؟ # قيل له: في جملة هذه الأخبار أخبار توجب العلم لمن عني بسماعها والبحث ~~عنها ، وفيها ما يوجب اجتماعها العلم على الجملة بأنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يظهر عليه آيات ناقضة للعادة ، ولا يمتنع أن تكون أخبار الآحاد ~~إذا وردت تتضمن أمرا من الأمور ، أن يقع العلم بذلك الأمر على الجملة . # ألا ترى أن عامة ما يروى عن علي عليه السلام من مسائل الفقه طريقها ~~الآحاد ، ثم يحصل العلم الضروري بأنه كان فقيها . PageV01P275 # وكذلك حال عبد الله بن مسعود ، وابن عباس ، وغيرهما من فقهاء الصحابة ، ~~وكذلك كل موقف لعلي عليه السلام في الحروب ، لا يكاد يثبت إلا من طريق ~~الآحاد ، ثم يجعل الضروري أنه كان شجاعا . # وكذلك حال الزبير ، وأبي دجانة ، وغيرهما من الشجعان من الصحابة ، وغيرهم . # وهذه الطريقة هي التي اعتمدها أصحابنا ، في إثبات إجماع الصحابة على ~~القول بالقياس وخبر الواحد . # وبمثل هذه الطريقة يعلم جود الأجواد ، وبخل البخلاء ، وسير الملوك في ~~العدل والظلم ، فيجب على ما بيناه أن تكون هذه الأخبار الواردة في معجزات ~~نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، وإن لم يكن كل واحد منها واردا موردا يوجب ~~العلم بجملتها ، موجبة للعلم بأنه صلى الله عليه وآله وسلم كانت تظهر عليه ~~آيات ناقضة للعادة . # فإن قيل: إن هذه الأخبار لم ينقلها إلا من كان مصدقا به صلى الله عليه ~~وآله وسلم ، وهذا يمنع الاعتماد عليها !! # قيل له: الإعتبار في إيجاب الأخبار للعلم لا يرجع إلى أحوالهم في باب ~~الديانات ، وإنما يرجع إلى أحوالهم في الكثرة ، وكونهم عالمين صرفة بما ~~يخبروا به ، أو استحالة التواطؤ منهم على وضع ما يخبرون به ، فوجب بذلك ~~سقوط هذا السؤال . # على أن هذا السائل لا يخلو: PageV01P276 # من أن يكون من غثاء الملحدة ms123 . # أو من أهل الكتاب . # فإن كان من أهل الكتاب ، فقد علم الكل منهم أنه لم ينقل معجزات أحد من ~~الأنبياء صلوات الله عليهم إلا من كان مصدقا بهم ، ولم يوجب ذلك طعنا في ~~معجزاتهم ، أو في نقلهم ، فوجب أن يكون ذلك حال نقل معجزات نبينا صلى الله ~~عليه وآله وسلم . # وليس يؤثر فيه قول اليهود إن معجزات موسى صلى الله عليه قد نقلها النصارى ~~والمسلمون . # وقول النصارى: إن معجزات عيسى صلى الله عليه قد نقلها المسلمون ، لأن ذلك ~~لا يخرجها من أن يكون نقلها من جهة المصدقين بهما (¬1) صلى الله عليهما . # ألا ترى أن ملحدة الفلاسفة والمجوس لا ينقلون شيئا من ذلك ولا يصدقون به . # فإن قيل: فإن المخالفين لليهود في التهود ، قد نقلوا معجزات موسى صلى ~~الله عليه ، وكذلك المخالفون للنصارى في التنصر ، قد نقلوا معجزات المسيح ، ~~وليس للمسلمين من يخالفهم في الاسلام ، وينقل مع ذلك معجزات محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم ؟! # قيل له: فليخبرنا اليهود ، هل نقل معجزات موسى عليه السلام قبل مبعث ~~المسيح عليه السلام غير اليهود ؟! PageV01P277 # ولتخبرنا النصارى هل نقل معجزات المسيح قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم غير النصارى ؟! # فلا بد لهم من أن يقولوا: لم ينقل ذلك غير من ذكرتم !! # قيل له: فهل قدح ذلك في نقل معجزات موسى صلى الله عليه ، أو معجزات ~~المسيح عليه السلام في تلك الأزمنة ؟! # فلا بد لهم من أن يقولوا: لم يقدح ذلك في نقل تلك المعجزات !! # قيل لهم: فكذلك حال نقل المسلمين معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في أنه لا يقدح فيها أن غيرهم لا ينقلها . # على أنا نقول لليهود والنصارى: نحن لا ننقل شيئا من معجزات موسى وعيسى ~~عليهما السلام إلا من جهة القرءان ، وإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بها . فلو لم تثبت نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لم يثبت عندنا شيء ~~من معجزات موسى وعيسى عليهما السلام ، يكشف ذلك أن علمنا بنار إبراهيم صلى ~~الله عليه ms124 كعلمنا بفلق البحر ، وإن كان اليهود والنصارى ينكرون نار إبراهيم !! # وعلمنا بكلام المسيح في المهد ، كعلمنا بإبرائه الأكمه والأبرص ، وإحيائه ~~الموتى ، وإن كان النصارى ينكرون كلامه في المهد !! # وإنما أردنا بذلك أنا لم نعلم شيئا من ذلك إلا من جهة القرءان ، وخبر ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . # وإن كان السائل من ملحدة الفلاسفة والمجوس ، قيل لهم: فأنتم أيضا قد ~~علمتم كثيرا من أحوال أرسطا طاليس وأفلاطون ومن جرى PageV01P278 مجراهما ، وأخبارهم بنقل أصحابهم لها ، ولم يكن ذلك عندكم موجبا للقدح في ~~ذلك النقل . # وكذلك يقال للمجوس: وأنتم أيضا قد عرفتم كثيرا من أخبار زرادشت ، وأخبار ~~ملوكهم بنقل أصحابهم لها ، ولم يقدح ذلك عندكم (¬1) في نقلهم ، فكذلك حال ~~نقل المسلمين لمعجزات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يوجب فيه قدحا !! # والأصل في هذا الباب: أن الأحوال التي يكون العهد بها متقادما ، لا ~~ينقلها ولا يهتم بحفظ أخبارها إلا من كانت له دواع قوية إلى ذلك ، فليراع ~~ما ذكرناه في أخبار الأمم كلها ، ونقلها . وليس يجب أن يكون ذلك قادحا في ~~شيء من النقل ، فكذلك حال المسلمين . # فإن قيل: ما تنكرون على من قال لكم: إن هذه الأخبار كانت في الأصل ضعافا ~~، وإنما قويت فروعها بالديانات والعصبيات ، وتلقي الأتباع لها بالتصديق ، ~~وإلا فأصولها انتشرت بنفسين أو ثلاثة من أصحاب المغازي كابن إسحاق ونحوه . # قيل له: أما من ذهب من العلماء إلى أن الاعتبار في باب الأخبار الموجبة ~~للعلم ، هو تحصيل العلم الضروري دون أوصاف الأخبار والمخبرين . فإن هذا ~~السؤال ساقط عنهم . PageV01P279 # فأما من راعى صفات المخبرين . فجوابه أن نقول (¬1): من أين لهذا السائل أن ~~هذه الأخبار في الأصل كانت ضعيفة ؟! بل المعلوم من حالها أنها كانت في ~~الأصل أقوى وأظهر . # ولئن جاز لقائل أن يقول في الأخبار هذا القول ، ويدعي هذه الدعوى ، من ~~غير أن يقيم عليها برهانا ويكون لها أدلة ، لجاز أن يقال مثله في أخبار ~~البلدان أجمع ، وسير الملوك وأحوالهم كلها . # وهذا يؤدي إلى أن لا يثبت شيء من ms125 الأخبار ، ولا يصح أن يعلم بها شيء من ~~الأمور المتباعدة . وهذا واضح السقوط ، لأنه من المعلوم من أحوال الأمم ~~أجمع ، أنهم قد علموا من أحوال سلفهم من الملوك وغيرهم ، أمورا كثيرة من ~~جهة الأخبار . # وهذا السؤال إن صح ، أدى إلى أن لا يصح العلم بشيء من ذلك ، وفي علمنا أن ~~الأمر بخلاف ذلك ، مما يكشف فساده . # ثم يقال له: مما يفسد دعواك هذه ، ويوضح سقوط سؤالك هذا ، أنا قد علمنا ~~أن هذه المعجزات لم تزل تنقل من أيام الصحابة إلى يومنا هذا ، عصرا بعد عصر ~~، وزمانا بعد زمان . ومن المعلوم أن هذا النقل كان ظاهرا مستفيضا قبل مولد ~~أصحاب المغازي ، نحو ابن إسحاق وغيره . فكيف يصح أن ينسب ذلك إليهم ؟! # فإن قيل: عامة هذه الأخبار ينقلها الواحد والاثنان والثلاثة ، وما يزيد ~~على ذلك ، ولا يمكن أن يذكر من نقلها إلا نحو هذا العدد . PageV01P280 # قيل له: لا يمتنع أن يكون الخبر مستفيضا شائعا يجب العلم به ، وإن كان ما ~~نذكر من أسماء الناقلين هذا القدر . # ألا ترى أنا نعلم ضرورة أنه كان يوم بدر ، وجرى فيه ما جرى ، وظفر ~~المسلمون على المشركين . ونعلم أيضا يوم أحد وما جرى فيه ، وكذلك سائر ~~المغازي ، ونعلم ضرورة من دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الظهر أربع ~~، والمغرب ثلاث . ولو تتبعنا أسماء من ينقل ذلك ممن لهم ذكر في الكتب ، لم ~~يزد على ما ذكرتم ، وهذا لا يوجب الشك في هذه الأخبار ، فكذلك حال المعجزات . # فإن قيل: ما الفرق بين هذا النقل ، وبين نقل الإمامية نصوص أئمتهم ~~ومعجزاتهم ؟ # قيل له: الفرق بينهما ظاهر ، لا يخفى على من تأمل حال النقلين ، وذلك أن ~~ما نقلته الإمامية من ذلك ، لم يثبت أن أئمتهم ادعوا شيئا من ذلك ، بل ~~الثابت عنهم أنهم كانوا ينكرون ذلك ويستبرأون منه ، ولظهور إنكارهم ذلك ~~قالت (¬1) الإمامية: إن ذلك الانكار منهم كان على سبيل التقية ، ولم ~~يقولوا: إنه لا أصل له ، إلا أن يتواقح (¬2) اليوم بعض من يدعي الكلام منهم ~~فيجحده ms126 ، ثم هم لم يدعوا أن شيئا من ذلك كان ظاهرا على الولي والعدو . PageV01P281 # وإنما يدعون أمورا يلبسونها إلى أنها كانت في السر ، وبحيث لم تظهر إلا ~~للواحد والاثنين ، وأحوال معجزات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بخلاف ذلك ~~، لأنه لا يرتاب في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعي ذلك . وأن ~~ما نقل منها وادعي ، كان على رؤوس الأشهاد ، وحضور الملأ من المسلمين ~~والمشركين ، كما نقل ذلك في حديث الاستسقاء ، وتكثير الطعام ، وخبر الميضأة ~~، وما كان منه صلى الله عليه وآله وسلم من غرز السهم في بئر بالحديبية ، ~~ونحو ذلك . فأي فرق بين النقلين أوضح وأبين مما ذكرناه ؟!! # فإن قيل: فما الفرق بين نقلكم هذا ونقل اليهود والنصارى أنهم قتلوا ~~المسيح وصلبوه ؟! # قيل لهم: إننا لا ننكر أنهم رأوا شخصا مقتولا مصلوبا ، وأنهم في هذا ~~القدر صادقون . وإنما شبه لهم ، فظنوا أن المقتول هو المسيح . # واختلف أهل العلم في كيفية التشبيه ؟ فذهب الأكثر إلى أنه تعالى ألقى شبه ~~عيسى صلى الله عليه على رجل من أصحابه ، فظنوا أنه عيسى (¬1) . وهذا ~~التأويل عندي سائغ . PageV01P282 # وذهب بعض العلماء إلى أن اليهود لما لم يجدوا عيسى ، لأن الله عز وجل قد ~~رفعه إليه ، أخذوا رجلا من أصحابه فألبسوه مثل ثيابه ، وستروا وجهه ، ثم ~~قتلوه وصلبوه ، وأوهموا الباقين أنهم قد قتلوا المسيح صلى الله عليه ، ~~والذين فعلوا ذلك من اليهود ، كانوا عددا يسيرا من رؤسائهم . وهذا أيضا ~~محتمل جائز . فأي الأمرين كان ، فالأمر فيه مخالف لنقل المسلمين معجزات ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لما بينا من كون عمومها لم يخف على ~~المسلمين والمشركين وأهل الكتاب ، لظهورها ووقوعها على وجه من شاهدوها ~~وعاينوها على ما ذكرناه . # فإن قيل: فما الفرق بين نقلكم هذا ونقل الصوفية معجزات بشار الراعي ، ~~وبشر الحافي ، وإبراهيم بن أدهم ، ومن نحا نحوهم ؟! # قيل له: الفرق بينهما هو بعينه ما ذكرناه في الفرق بين نقلنا ونقل ~~الإمامية ، لأنه لم يثبت أن هؤلاء الصالحين ادعوا شيئا من ذلك ، بل PageV01P283 الأظهر ms127 أنهم كانوا ينكرون ذلك خشية الفتنة ، وما جرى مجراه ، ولم يمكنهم ~~رحمهم الله أن ينكروا (¬1) ذلك ، ثم من ينقله لا ينقل أن شيئا من ذلك كان ~~بين الجمع العظيم ، وإنما يدعي أنه ظهر على سبيل الاخفاء ، أو لآخر معه . ~~فأي اشتباه يقع بين نقل المسلمين معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~وبين نقل الصوفية الذي سألتم عنه ؟!! # وقد أشار إلى هذا صاحب (¬2) الكتاب الملقب ب (( الزمرد )) ، بأن قال: (( ~~القوم الذين شاهدوا هذه الآيات ، لم يخلوا من أن يكونوا وقفوا حوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم على مقدار دائرة ضيقة تسع لنحو من خمسين رجلا ، أو على ~~مقدار دائرة عظيمة تسع الخلق العظيم . فإن كانوا في مقدار دائرة واسعة ، ~~اقتضى ذلك بعدهم عما يشاهدونه ، وذلك يجوز التلبيس ، وأن يكون للشك فيه ~~مسوغ )) . # وعن هذا بحمد الله أجوبة: # أحدها: أن يقال لهذا الجاهل المزري بعقله: أما علمت أن هذا السؤال يؤدي ~~إلى أن لا يصح أن يعلم شيء من الأحداث والكوائن التي جرت في الدنيا من طريق ~~الأخبار والنقل ؟!! # لأنه يصح أن يقال في كل حادثة أو كائنة: إن المحدقين بها لمشاهدتها إما ~~إن كانوا في مقدار دائرة ضيقة أو واسعة ، فإن كانوا في مقدار دائرة ضيقة صح ~~عليهم التواطؤ ، وإن كانوا في مقدار دائرة PageV01P284 واسعة ، لم يمتنع أن يحل (¬1) إليهم الحادث على قدر ما هو عليه ، فيلزمنا ~~جميع ما ذكرنا ، أو يشك حتى لا يصح أن أحدا أقيل ، ولا أن أحدا ولي ، ولا ~~أن أحدا استخلف على أمر ، ولا أن أحدا تكلم في مسألة ، ولا أن أحدا ناظر ~~أحدا في شيء من أمور الدين والدنيا . فإن التزم ذلك ، وضح خزيه ، وبان ~~ظلاله ، وإن أجاب عنه بشيء ، فهو جوابنا فيما سأل عنه . # ومنها أن يقال له: إن المحدقين لا يجرون مجرى السور المبني ، أو الحائط ~~المشيد ، بل لا يمتنع أن يكون من خلفهم يطلع ، فيرى ما يراه الأولون ، ~~ويعاين ما يعاينونه . # ومنها أن يقال: لا يمتنع في كثير من هذه الآيات ms128 أن يشاهده قوم ثم يتأخرون ~~، ويتقدم آخرون فيشاهدوا ما شاهده الأولون . # ومنها أن يقال له: لا يمتنع أن يقع العلم بخبر الخمسين ، أو دون الخمسين ~~، إذا أخبروا على وجه يعلم أنهم لم يتواطؤا . وكل ذلك يوضح سقوط ما ذكره ~~هذا الجاهل . # - - - PageV01P285 ### || AUTO ذكر ما وجد في الكتب المتقدمة من البشارات بالنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم # هذه فصول يعرفها أهل الكتاب في كتبهم وليسوا ينكرونها ، وقد جاريت فيها ~~منهم من كان يرجع إلى حفظ كثير وضبطها ، غير أنهم يتأولونها تأويلات فاسدة . # فمن ذلك ما وجد في التوراة ، وقيل هو في السفر الأخير (¬1) في الفصل ~~الثالث والثلاثين: (( جاء الله من سيناء ، وأشرق من ساعير ، واستعلن من جبل ~~فاران )) (¬2) . # فقوله: (( جاء الله من سيناء )) ، أراد: ابتعاثه موسى صلى الله عليه من ~~قبل طور سيناء . # وقوله: (( وأشرق من ساعير )) ، أراد: ابتعاثه المسيح صلى الله عليه ، و(( ~~ساعير )) الناحية التي كان فيها عيسى صلى الله عليه . PageV01P286 # وقوله: (( واستعلن من جبل فاران )) ، أراد به: ابتعاثه محمدا صلى الله عليه ~~وآله وسلم من جبال مكة . لأن جبال مكة تسمى في التوراة: (( جبل فاران )) ، ~~لا ينكر ذلك أحد ممن عرف التوراة . # وفي التوراة: (( أن إبراهيم صلى الله عليه أسكن هاجر وإسماعيل صلى الله ~~عليه فاران ، يعني: مكة )) (¬1) . # ولم يبعث أحد من الأنبياء ابتعاثا ظاهرا ، فشا أمره في مشارق الأرض ~~ومغاربها ، كما اقتضى قوله: (( استعلن )) ، لأن (( استعلن )) هو بمعنى: علن ~~، إذا ظهر وانكشف ، (( ولم يستعلن )) غير محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~فلم يبق ريب في أنه هو المراد بهذه اللفظة (¬2) . # وفي التوراة: (( أن هاجر ترآءى لها ملاك ، وقال: يا هاجر إني سأكثر ذريتك ~~وزرعك ، حتى لا يحصوا كثرة ، وهاأنت تحبلين وتلدين PageV01P287 أبنا ، وتسمينه إسماعيل ، لأن الله عز وجل قد سمع خشوعك ، وتكون يده فوق يد ~~الجميع ، ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع )) (¬1) . # وقد علمنا أن المراد بهذا (¬2) ولد إسماعيل ، وهو رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ، لأن إسماعيل نفسه لم تكن يده فوق يد إسحاق ، ولا يد ms129 ولديه ~~يعقوب صلى الله عليه وعيسى ، (( مبسوطة إليه بالخضوع )) ، ولم يكن في ولد ~~إسماعيل من كانت أيدي أولاد إسرائيل وعيسى وسائر الناس مبسوطة إليه ، غير ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . # إنه هو الذي دانت له الملوك من آل إبراهيم صلى الله عليه وغيرهم ، وخشعت ~~له رقابهم ، وخضعت له الأمم ، وصارت الإمامة والملك في أهله ، وصارت أيديهم ~~فوق أيدي الجميع . وأيدي الجميع مبسوطة إليهم ، كما وعدت هاجر . فوضح أنه ~~بشارة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . PageV01P288 # وفي فصل من كتاب أشعياء النبي صلى الله عليه: (( لتفرح أرض البادية العطشى ~~، ولتبتهج البراري والفلوات ، ولتزه ، لأنها ستعطى بأحمد محاسن لبنان ، ~~وكمال حسن الدساكر والرياض )) (¬1) . # ومن المعلوم أن البادية لم يحصل لها ولفلواتها المحاسن إلا بالاسلام ~~والمسلمين ، فبان أنه بشارة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإن كان في ~~أهل الكتاب من ينكر الاسم على عادتهم في التحريف . # وعن حبقوق النبي صلى الله عليه: (( جاء الله من التيمن ، والقدوس من جبال ~~فاران ، وامتلأت الأرض من تمجيد أحمد وتقديسه ، وملك الأرض ورقاب الأمم )) ~~(¬2) . وقد بينا أن جبال مكة تسمى في التوراة: جبال فاران . # وقال داوو صلى الله عليه في مزموره ، في صفة النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: (( إنه يجوز من البحر إلى البحر ، ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأنهار ~~، وأنه تجثو أهل الجزائر بين يديه على ركبهم ، ويلحس أعداؤه التراب . تأتيه ~~الملوك بالقرابين ، تسجد له وتدين له الأمم PageV01P289 بالطاعة والانقياد ، لأنه يخلص المضطهد البائس ممن هو أقوى منه ، وينقذ ~~الضعيف الذي لا ناصر له ، ويرؤف بالضعفاء والمساكين ، وأنه يعطى من ذهب ~~بلاد سبأ ، ويصلى عليه في كل وقت ، ويبارك عليه في كل يوم ، ويدوم ذكره إلى ~~الأبد ، وإن اسمه لموجود قبل الشمس ، والأمم كلها يتبركون به ، وكلهم ~~يحمدونه )) (¬1) . # وقد قيل: معناه يسمونه: محمدا . # ومن مزمور آخر لداوود صلى الله عليه: (( تقلد السيف ، فإن ناموسك وشريعتك ~~مقرونة بهيبة ، وسهامك مسنونة ، والأمم يخرون تحتك )) (¬2) . PageV01P290 # وليس في الأنبياء بعد داوود صلى الله عليه من ms130 تقلد السيف ، وحارب الأمم ~~تحته ، ومن قرنت شريعته بالهيبة ، غير نبينا صلى الله عليه وآله وسلم . # وأيضا في الزبور: (( إن الله اصطفى أمته ، وأعطاه النصر ، وسدد الصالحين ~~منهم بالكرامة ، ويسبحونه على مضاجعهم ، ويكبرون الله بأصوات مرتفعة ، ~~بأيديهم سيوف ذوات شفرتين ، لينتقم الله عز وجل من الأمم الذين لا يعبدونه ~~، يوثقون ملوكهم بالقيود ، وأشرافهم بالأغلال )) (¬1) . PageV01P291 # ومن الظاهر أن هذه صفة أمة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنه ليس في ~~غيرهم من الأمم من يكبر الله بأصوات مرتفعة ، ومعهم سيوف ذوات شفرتين ، ~~يقاتلون بها من لا يعبد الله . # وعن أشعياء النبي صلى الله عليه [وآله وسلم] وقيل: إنه في الفصل التاسع: ~~(( لنا ابن سلطانه كتفه ، وسلطانه هو حجته )) ، وقيل: إن هذا في النقل ~~السرياني . # وأما النقل العبراني فقيل: إن فيه: (( على كتفه علامة النبوة )) (¬1) . ~~وهذان التفسيران متقاربان . # ومن المعلوم المستفيض أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم كان على كتفه ~~خاتم النبوة ، ولم ينقل أن ذلك كان لأحد من الأنبياء صلوات الله عليهم سواه . # وفي التوارة وقيل: إنه في السفر الخامس: قال الله عز وجل: (( إني أقيم ~~لبني اسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك ، أجعل كلامي على فمه )) (¬2) . PageV01P292 # وهذا يجب أن يكون المراد به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن إخوة بني ~~إسرائيل يجب أن تكون غيرهم ، ويجب أن يكونوا أولاد إسماعيل صلى الله عليه ، ~~وأولاد عيسى ، أو أولاد إسحاق ، ولم يكن في أولاد عيسى بن إسحاق نبي غير ~~أيوب صلى الله عليه ، وكان هو قبل موسى صلى الله عليه ، فلا يصح أن يكون هو ~~المراد (¬1) ، فيجب أن يكون المراد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من ولد ~~إسماعيل . PageV01P293 # يبين ذلك أن بني إسرائيل لم يبعث فيهم نبي مثل موسى ، له شريعة ظاهرة قبل ~~المسيح ، ولا يصح أن يقال: إن المراد به هو المسيح صلى الله عليه ، لأن ~~القائل به إما أن يكون يهوديا منكرا لنبوته ، أو نصرانيا لا يقول: إنه كان ~~مثل موسى صلى الله عليه ، لأن النصارى يقولون: إن ms131 المسيح ابن الله ، فلا ~~يصح أن يكون مثل موسى صلى الله عليه ، فلم يبق إلا أن يكون المراد به نبينا ~~صلى الله عليه وآله وسلم . على أن عيسى صلى الله عليه ، لم يكن مثل موسى ~~صلى الله عليه ، لأن شريعته مبنية على شريعة موسى ، وشريعة نبينا مثل شريعة ~~موسى صلى الله عليه ، فإنها لم تبن على شريعة غيره . # وعن أشعياء صلى الله عليه: (( قيل لي قم نظارا . فانظر ما ترى تخبر به . ~~قلت: أرى راكبين مقبلين ، أحدهما على حمار ، والآخر على جمل ، يقول أحدهما: ~~هوت آلهة بابل ، وتكسرت عليه أصنامها المنجورة )) (¬1) ، فكان راكب الحمار: ~~عيسى (¬2) صلى الله عليه ، وراكب الجمل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~وآلهة بابل لم تزل تعبد PageV01P294 من لدن إبراهيم صلى الله عليه ، إلى أن بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم ، فعندها هوت وتكسرت ، واشتهار ركوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~الجمل ، كاشتهار ركوب عيسى صلى الله عليه الحمار . # وفي التوارة: (( إذا جاءت الأمة الآخرة ، أتباع راكب البعير ، يسبحون ~~الله تسبيحا جديدا في الكنائس الجدد ، فليفرح بنو إسرائيل ، ويسيرون إلى ~~صهيون ، ولتطمئن قلوبهم ، لأنه اصطفى منهم في الأيام الآخرة أمة جديدة ، ~~يسبحون الله بأصوات عالية ، بأيديهم سيوف ذات شفرتين ، فينتقمون له من ~~الأمم الكافرة في جميع الأقطار )) (¬1) . # وعن أشعياء النبي صلى الله عليه: (( هكذا يقول الرب إنك ستأتي من جهة ~~التيمن ، من بلد بعيد ، ومن أرض البادية مسرعا ، قدامك الروائع والرعارع ~~والرياح )) (¬2) ، والتيمن: هو ناحية الجنوب . # وعنه من فصل ذكر هاجر ، وقال مخاطبا لها ولبلادها وولدها: (( مكة قومي ، ~~وأنيري مصباحك ، فقد دنا وقتك ، وكرامة الله طالعة PageV01P295 عليك ، فقد تخلل الأرض الظلام ، وغطى على الأمم الضباب ، فالرب يشرق عليك ~~إشراقا ، ويظهر كرامته عليك ، وتسير الأمم إلى نورك ، والملوك إلى ضوء ~~طلوعك ، ارفعي بصرك إلى ما حولك وتأملي . فإنهم سيجتمعون كلهم إليك ويحجونك ~~، ويأتيك ولدك من بلد بعيد ، وسترين ذلك فتبتهجين ، وتفرحين ، ويستروح قلبك ~~، من أجل أنه يميل إليك ذخائر البحر ، وتحج إليك عساكر الإبل ms132 ، حتى تعمرك ~~الإبل المأبلة ، وتضيق أرضك عن القطرات التي تجتمع إليك ، ويساق إليك كباش ~~مدين ، وتسير إليك أغنام قيدار ، وتخدمك رجال نبايوت )) (¬1) ، PageV01P296 وقيدار هو: ابن إسماعيل صلى الله عليه ، وهو جد النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ، ونبايوت: هو أخو قيدار ، وأولاده شديدو القلب . # ومن كتاب أشعياء: (( سكان البادية والمدن وقصور آل قيدار يسبحون ، ومن ~~رؤوس الجبال ينادون ، هم الذين يجعلون لله الكرامة ، وينهون تسبيحه في البر ~~والبحر ، يرفع علما لجميع الأمم ، فيصفر لهم من أقاصي الأرض ، فإذا هم سراع ~~يأتون )) (¬1) . وقيدار بن إسماعيل هو جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~ونداؤهم بالتلبية من رؤوس الجبال ، وتسبيحهم لله عز وجل هو الذي ظهر من ~~المسلمين ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو صفر لمواسم - أي: نادى - ~~فأتوه مسرعين . # وفي الانجيل: قال المسيح صلى الله عليه للحواريين: (( أنا ذاهب وسيأتيكم ~~الفيرقليط (¬2) . روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه ، إنما هو كما يقال ~~له ، وهو يشهد علي به )) (¬3) . PageV01P297 # وفي حكاية يوحنا عن المسيح صلى الله عليه: (( الفيرقليط لا يجيئكم ما لم ~~أذهب ، فإذا جاء وبخ العالم على الخطية ، ولا يقول من تلقاء نفسه شيئا ، ~~ولكن مما يسمع به يكلمكم ، ويسوسكم بالحق ، ويخبركم بالحوادث والغيوب )) (¬1) . # وفصول كثيرة في التوراة والزبور والانجيل . # وعن أشعياء وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين غير ما ذكرنا . ~~لكنا اقتصرنا على هذا القدر ، لأن فيه كفاية . وهذه الفصول PageV01P298 يقر بها حفاظ أهل الكتاب ، وليسوا ينكرون منها إلا اسم نبينا صلوات الله ~~عليه ، ويتأولون النبوءات تأويلات ظاهرة الفساد . # ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلا عليهم: { الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل } ~~[الأعراف: 157] ، وتلا حكاية عن المسيح صلى الله عليه: { إني رسول الله ~~إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } ~~[الصف: 6] ، وتلا: { يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) ~~} [آل عمران] ، وتلا: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ms133 } ~~[الأنعام: 20] . # فلو لم تكن هذه الآيات من عند الله عز وجل ، ولم يكن اسمه مكتوبا في ~~كتبهم ، ولم يكن أحبارهم عالمين بذلك ، لم يكن صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~يورد عليهم ذلك ، لأنه لا يزيدهم إلا نفارا عنه ، وتحققا بتقوله ، حاشاه من ذلك . # فإن قيل: هذا الذي حكيتم من كتب الأنبياء صلوات الله عليهم صحيح ، وهذه ~~الصفات موجودة في تلك الكتب ، إلا أن الموصوف بها لم يجئ بعد بتة (¬1) . PageV01P299 # قيل له: أرأيتم إن جاء من تدعونه ، ثم أنكره منكر . ما يكون برهانكم عليه ؟ # فإن قيل: إذا جاء أتى بالمعجزات . فمهما قالوا في ذلك فهو جوابنا . # ثم يقال لهم: إذا أتى من توجد فيه الأوصاف المذكورة ، فيجب أن نعلم أنه ~~هو الذي بشرت به الأنبياء صلوات الله عليهم ، لأنه لا يجوز أن يعرفنا نبي ~~من الأنبياء أنه يأتيكم رجل حاله كذا وصفته كذا . فإذا أتاكم فافعلوا به ~~كذا ، من تصديق أو تكذيب ، ثم يأتينا رجل بتلك الصفة ، ولا يكون هو مرادا ~~بذلك الخبر ، بل يكون المراد غيره ، والمقصود سواه . لأنه لو كان ذلك كذلك ~~، كان ضربا من التلبيس ، ويجب أن يمنع الله عز وجل منه . وفي هذا إبطال هذا ~~السؤال . # فإن قيل: بينوا أن تلك الأوصاف حاصلة لنبيكم صلى الله عليه وآله وسلم ؟ # قيل له: ما جاء في التوراة: (( جاء الله من سيناء ، وأشرق من ساعير ، ~~واستعلن من جبل فاران )) ، لا التباس في أن المراد بقوله: (( واستعلن من ~~جبل فاران )) هو ابتعاثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن جبال ~~فاران لا إشكال في أنها جبال مكة ، ولم تظهر عبادة الله عز وجل وتسبيحه ~~وتهليله ، وخلع الأصنام والأنداد بمكة ظهورا انتشر في الآفاق ، وتحمله ~~الركبان ، إلا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما أن ظهور ذلك بظهور ~~سيناء ، لم يكن إلا بموسى صلى PageV01P300 الله عليه ، وظهوره بساعير لم يكن إلا بعيسى صلى الله عليه ، وفي ذلك ثبوت ~~أن هذه البشارة كانت بشارة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ms134 ، لأنه لو جاز ~~أن يقال ذلك في موسى وعيسى صلى الله عليهما ، لجاز في محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم . # وأنت إذا تأملت الأوصاف التي ذكرناها وبيناها ، وجدت جميعها في رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وصفا وصفا . فيتبين لك أنه الموصوف بها . فإذا ثبت ~~ذلك ، ثبت أنه المشير بها ، لأن خلاف ذلك مما لا يجوز في حكمة الله الحكيم ~~عز وجل . # - - - PageV01P301 ### || AUTO ذكر ما قيل في أمره صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل التأكيد # اعلم أن الفصول التي ذكرناها في هذا الباب ، من العلماء من ذكر كثيرا ~~منها على سبيل الاستدلال على صحة نبوته صلى الله عليه وآله وسلم ، وإن كان ~~الأوضح أن ذكرها على سبيل التأكيد والإيضاح ، لما تقدم من الأدلة والبراهين أولا . # وإن كان ما ذهب إليه أولئك العلماء - رحمهم الله - ليس ببعيد . # فمن ذلك: ما اختص به صلى الله عليه وآله وسلم من الأحوال التي اجتمعت فيه ~~على وجه لم يصح أنه اجتمع في أحد ، على ما نقل وذكر ، كالحكم الذي رسخ فيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنه من مولده إلى مبعثه ، وإلى أن اختار الله ~~عز وجل له دار كرامته ، مع اختلاف الأحوال عليه ، وتقلب الأمور لديه ، ~~ومباشرته ما باشره ، من دعاء أعدائه إلى الدين مع غلظتهم عليه ، وإظهارهم ~~الجفاء له من كل وجه أمكنهم ، ووجدوا السبيل إليه ، لم يقع منه ما ينسب إلى ~~الحدة ، أو يعد من الخفة ، أو يجري مجرى النزق والطيش . # ومن تتبع أخباره صلى الله عليه وعلى وآله وأحواله ، عرف ذلك وتحققه . # هذا مع أن أحدا ممن ادعا الحلم ، وانتسب إليه ، لم يخل في كثير من ~~الأوقات مما يجري مجرى الحدة والنزق . كأحنف بن قيس ، ومعاوية PageV01P302 لعنه الله ، وغيرهما . فقد حكي على كل ، ولكل منهم أمور منكرة من ذلك . # ثم اختص صلى الله عليه وآله وسلم مع ذلك بالصبر في مواطن الجزع ، على وجه ~~لم يسمع بمثله لغيره ، فقد جرى عليه في أول مبعثه صلى الله عليه وآله ms135 وسلم ~~ما لا يخفى على حامل أثر ، ولا ناقد خبر ، من الأذى ما يطول ذكره . # ثم جرى على عمه حمزة بن عبد المطلب رحمة الله عليه بمرأى منه ومسمع . ~~وجرى عليه صلى الله عليه وآله وسلم في نفسه يوم أحد من الكفار ما جرى . ~~وجرى عليه من المنافقين قبل ذلك وبعده ، ما هو مشهور عند أهل الآثار . ومع ~~ما كان يقاسيه من الضر والجوع ، ويقاسي معه أهل عنايته وهو في أثناء نكد ~~الأحوال ، لم ينفد صبره ساعة من حياة ، ولم يظهر لأحد ضيق صدره ، ولا جزع ~~لشيء من ذلك . # ثم كان صلى الله عليه وآله وسلم من الوفاء ، بحيث لم يدع عليه عدو مكاشح ~~، ولا منابذ مكافح ، خلاف ذلك ، لظهور الأمر فيه ، ثم انضم إلى ذلك الزهد ~~الخشن ، الذي لم يرتب فيه ، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم ملك العرب ، ~~وأقصى اليمن إلى أقصى الحجاز ، وإلى عمان ، ثم توفي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ، ولم ينقل أنه ترك عينا ولا ورقا . # ولا كان بنى دارا ، ولا شق نهرا ، ولا استبقى عينا . PageV01P303 # واستأثر الله به ، وعليه دين ، وكفن صلى الله عليه وآله وسلم في ثيابه التي ~~كان يعبد الله فيها . # وحاله في ذلك أجمع ، كانت مشهورة عند أوليائه وأعدائه ، لم يختلف فيه ~~اثنان ، ثم كان مع ذلك أشد الناس تواضعا . كان يأكل على الأرض ، ويجلس ~~عليها ، ويلبس الخلق ، ويمشي في الأسواق ، كواحد من العامة ، ويجالس ~~المساكين . وروي أنه كان يقول: (( إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبيد ، ~~وأشرب كما يشرب العبيد )) (¬1) . # ثم كان مع ذلك أشجع الناس ، وأقواهم قلبا ، وأثبتهم وأشدهم جماحا ، ما فر ~~قط ، ولا خاف ، ولا كان منه ما اتفق للشجعان من حوله (¬2) ، أو قوته . # ويوم حنين لما ولى أصحابه مدبرين ، ثبت هو الثبات الحسن في نفر من عترته ~~، حتى رجع إليه أصحابه ، وأظفره الله على أعدائه . ويوم أحد لما شاع في ~~أصحابه القتل الذريع ، وجرى على حمزة صلى الله عليه ما جرى ، ثبت أحسن ~~الثبات ، ولم يول القوم ms136 دبره ، ولم يقف موقفا - مع قلة تجلد أصحابه وكثرة ~~أعدائه - إلا ثبت ، ولم يعرض له فيه اضطراب ولا عجز ، ثم انضاف إلى ذلك كرم ~~عفوه ، وعظيم صفحه ، مع كثرة الأعداء عليه . PageV01P304 # فإنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقف من أحد ، ولا وقف مع أحد موقف المغتاظ ~~الحنق ، بل كان يعفو ويصفح ، ثم لا يتبع ذلك منا ولا أذى ، ولا يفسده ~~بتنغيص أو تكدير ، وأظهره الله بأبي سفيان بعد تمثيله بعمه حمزة عليه ~~السلام ، وبذله الوسع في معاداته ، فلم يلقه إلا بأحسن صفح ، وأكرم عفو ، ~~وتجاوز عنه أحسن التجاوز ، ولما أظهر الاسلام أكرمه بقوله: (( من دخل دار ~~أبي سفيان فهو آمن )) (¬1) . # ولم يشف غيظه من أحد من أهل مكة ، مع ما كان منهم صلى الله عليه وعلى آله ~~، وإلى أصحابه من الأسباب القبيحة ، وطلبهم دمه ودماء أصحابه ، وتسفههم ~~عليه وعليهم ، ولم يكافئ أحدا منهم على سوء صنيعه ، وقبيح فعاله . ولم ~~يعاتب أحدا منهم على ما كان منه ، ولم يواقفه (¬2) عليه ، وقال لما قام ~~فيهم خطيبا: (( أقول كما قال أخي يوسف صلى الله عليه: لا تثريب عليكم اليوم ~~، يغفر الله لكم )) (¬3) . # ثم انضاف إلى ذلك حسن العشرة ، مع القريب والبعيد ، والولي والعدو . وخفض ~~الجناح ، ولين الجانب ، وبعده عن الغلظة والفظاظة ، كما قال الله عز وجل: { ~~ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } [آل عمران: 159] . PageV01P305 # فتأمل - رحمك الله - هذه الخلال التي خصه الله بها ، وأبانه بفضائلها دون ~~الناس كافة ، فنبه (¬1) ذلك على أنه صلى الله عليه وعلى آله مراد لأمر جسيم ~~، وخطر (¬2) عظيم ، كما قال الله عز وجل: { وإنك لعلى خلق عظيم (4) } ~~[القلم] ، وقال: { الله أعلم حيث يجعل رسالته } [الأنعام: 124] . # ومن ذلك ما اشتهر وعرف من أحواله صلى الله عليه وعلى آله ، أنه لم يكن في ~~مولده ومنشأه وخروجه إلى ناحية الشام - حين خرج - يخالط أهل الكتاب ، ولا ~~يشتغل بمدارستهم ومجالستهم ومجاراتهم . # وأن قومه الذين كان نشوؤه معهم ، وبين أظهرهم ، لم يكونوا يتعاطون شيئا ~~من علوم أهل الكتاب ، بل لم يكونوا ms137 يعرفون شيئا منه ، فهو صلى الله عليه ~~وعلى آله لم يفارق قومه في مقامه ولا ظعنه ، ولا شيء من أحواله . # ثم إنه صلى الله عليه وآله أتى بالأقاصيص التي كانت في كتبهم ، من قصة ~~إبليس مع آدم صلى الله عليه ، وسائر أقاصيص آدم ومن بعده إلى قصة المسيح ~~صلى الله عليه ، وسردها وتلاها على ما في كتبهم ، ولم ينكر أهل الكتاب إلا ~~يسيرا . # فكيف يجوز أن يكون عرف تلك إلا من جهة علام الغيوب ؟ PageV01P306 # وكيف يرتاب في ذلك من علم من حاله أنه لم يكن يشتغل بعلوم أهل الكتاب ؟كما ~~يعلم أنه لم يكن يشتغل بعلوم التنجيم والهندسة والفلسفة ، وهذا مما ذكره ~~بعض العلماء على سبيل الاستدلال به . # فأما ما ذكره على سبيل التأكيد فمما لا مرية فيه ولا شبهة ، والحمد لله . ~~وقد نبه الله عز وجل على ذلك ، بقوله تعالى: { وما كنت تتلو من قبله من ~~كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) } [العنكبوت] . # ومن ذلك سلامة القرءان وما (¬1) أتى به صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الشرائع ، عن التناقض والتدافع ، واستمرارها على طريقة واحدة ، وأنها لا ~~تزداد إلا تأكدا وبيانا ، مع الفحص والبحث وشدة التنقيب على أحواله ، وكثرة ~~إيراد أجناس الكفار للشبه . سيما الملحدة ، فإنهم لم يدعوا شيئا يجوز أن ~~يخرج في تعريف شبهة أو تخييل ، إلا قاموا به وقعدوا ، وأوردوا وذكروا ، ~~طمعا في إطفاء نور الحق ، { ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ~~(32) } [التوبة] . # وقد نبه الله جل ذكره على هذه الحملة (¬2) بقوله: { ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82) } [النساء] . # ومن ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان من أول مبعثه إلى أن اختار الله ~~له دار كرامته ، كان على غاية قوة اليقين ، وانشراح الصدر PageV01P307 ، والتشدد في الأمر الذي كان يدعو إليه ، والاستهانة بجميع أعدائه ~~والمخالفين ، لا يني ، ولا يضعف متنه (¬1) ، ولا تهن قوته ، ويخاطب قومه من ~~السماء . # كما روي أن ذويه من قريش لما شكوه إلى عمه أبي طالب ms138 ، يلتمسون منه النزول ~~عما هو فيه من الدعاء إلى الله ، وسب آلهتهم ، وتسفيه أحلامهم ، وبذلوا له ~~الرغائب على ذلك . قال صلى الله عليه وعلى آله: (( لو جعلت الشمس في يميني ~~، والقمر في يساري ، ما تهاونت فيما أدعو إليه )) (¬2) . # ثم استمر على ذلك مع كثرة ما لقي من الأذى والتكذيب ، وفي أحوال الخوف ~~والرهبة من الأعداء . هذا مع حصافته (¬3) وثبات لبه ، وإصابة رأيه . # ومن المعلوم أن العاقل الحازم إذا عرف من نفسه أنه محترص في أمر يدعيه ، ~~ومتحيل فيه ، علم أنه لا حقيقة لما يذكره ، ودفع مع ذلك إلى موافقة أعدائه ~~له ، وامتحانهم إياه ، وبحثهم عن أحواله ، وتنقيرهم عن أسراره ، يلين بعض ~~اللين ، ويستعمل بعض التملق في كثير من أوقاته ، بل عامة أحواله ، وإن خشن ~~جانبه في وقت تجلد ألانه في آخر ، وإن أبدى الثبات وقوة النفس في حالة ، ~~راوغ وداهن في أخرى . PageV01P308 # وأحواله صلى الله عليه وعلى آله جرت على خلافه . فدل ذلك على أنه كان صادقا ~~في قوله ، واثقا بربه ، نافذا في بصيرته ، ماضيا على المنهاج الواضح صلى ~~الله عليه وعلى آله . # ومن ذلك أن العرب لم تزل معروفة بالأنفة ، وشدة الحمية ، مشهورة بالتكبر ~~والتعاظم ، ولذلك قط لم يجمعهم على الطاعة ملك منهم ، ولم يخضعوا لعظيم من ~~عظمائهم ، ولم يدينوا لأحد منهم . # خلاف سائر الأمم ، فإن أمة من الأمم لم تخل من ملك منهم يصرفها ، وعظيم ~~يدبر أمورها منها ، ولم يكن ذلك إلا لأن الجل من العرب كانوا يعتقدون من ~~أنفسهم أحوالا من الكبرياء ، تمنعهم عن أن ينقاد بعضهم لبعض ، لعزة نفوسهم ~~، وقوة قلوبهم ، وظهور فضائلهم النفسية . # ثم دانوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالطاعة ، وخفضوا له جناح ~~الذلة ، وخضعوا تحت أحكامه ، وتصرفوا على قضايا أوامره ونواهيه ، جارفين ~~عاداتهم العادية ، ومخالفين سجاياهم القديمة ، ويجلون أن يكونوا فعلوا ذلك ~~إلا لأنه صلى الله عليه وآله وسلم بهرهم وقهرهم بحجته ، وقطع معاذيرهم ~~بآياته المعجزة ، ودلالاته الواضحة . # وهل يكون لنقض العادة إلا مثل ما اتفق في أحوالهم ، والخضوع بعد ~~الاستكبار ms139 ، والانقياد بعد الإباء ؟! ولهم الإصابة والفهم البين ، والرأي ~~الثاقب ، والبصيرة الثابتة ؟! PageV01P309 # ثم رزق صلى الله عليه وعلى آله ما لم ينقل أن أحدا من الأنبياء صلوات الله ~~عليهم رزق من الأصحاب الذين كانوا أعلاما مثله ، نحو أمير المؤمنين عليه ~~السلام ، الذي بهر بفضائله الكافة ، واجتمع فيه ما تفرق في غيره من المناقب ~~والمحاسن . # فإن عد الفقهاء كان عليه السلام فقيها منعما ، وعالما مقدما . # وإن ذكر الزهاد كان زاهدا خشنا ، قد طوى دون الدنية كشحا ، وأعرض عنها صفحا . # وإن ذكر القرءان (¬1) كان حافظا غير مدافع ، قارئا بل مقرئا غير ممانع . # وإن ذكر الشجعان كان شجاعا بطلا ، يكر ولا يفر ، ويقبل ولا يدبر . # ثم من دونه من العلماء وكبار الفقهاء ، مثل عبد الله بن عباس في فقهه ، ~~المتقدم في علمه . وكان يقال فيه: (( إنه رباني هذه الأمة )) (¬2) . # وعبد الله بن مسعود ، الفقيه الزاهد ، الذي قيل فيه: (( كتف ملئ علما )) ~~(¬3) ، وروي عنه أنه قال: (( [ما كنت أحسب ] أن في أصحاب PageV01P310 محمد صلى الله عليه وعلى آله من يريد الدنيا ، حتى أنزل الله عز وجل: { ~~منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة } [آل عمران: 152] )) (¬1) . # ثم زيد بن ثابت ، ثم معاذ بن جبل ، ثم عمر بن الخطاب الذي لم يشك في فقهه ~~، وعثمان بن عفان الذي لم يرتب في حفظه للقرآن ، ثم عبد الله بن عمر ، ثم ~~حذيفة بن اليمان ، ثم الزهاد مثل سلمان الفارسي ، فإنه مع زهده كان معدودا ~~من الحكماء والعلماء . وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( سلمان منا ~~أهل البيت )) (¬2) . # ثم أبو ذر الغفاري ، الذي صعب على الزهاد اقتفاء أثره في الزهد ، وعثمان ~~بن مظعون ، وعمار بن ياسر ، إلى سائر أصحاب الصفة . # ولو ذكرنا فضلاءهم وعلماءهم وزهادهم حتى نستوفي ذكرهم ، وشرعنا في وصف ~~تدقيقهم النظر في الفرائض ، لطال الكتاب ، ولأدى ذلك إلى الخروج عن الغرض ~~الذي قصدناه . # ثم إنهم حازوا هذه الفضائل ، بل وحصلوا هذه المآثر في مدة يسيرة ، لأنه ~~لم يكن بين مبعثه صلى الله عليه وعلى آله ، إلى ms140 أن اختار الله له دار ~~كرامته ، غير ثلاثة وعشرين سنة . # فتأمل - رحمك الله - ما ذكرت من أحوالهم ، وكيف بلغوا ما بلغوه في هذا ~~الأمد القصير ، لتعلم أن ذلك كان بتوفيق من الله . نبه به PageV01P311 على نبيه المختار في صدق ما ادعاه ، بل لا يبعد أن يقال: إن ذلك آية بينة ، ~~ودلالة محققة . # ومن ذلك تخصيص الله عز وجل إياه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالذرية ~~الزاكية ، والسلالة الطاهرة . فإنه منذ مضى الحسنان صلوات الله عليهما وإلى ~~يومنا هذا ، لم تطلع الشمس إلا على عدة من فضلاء نجباء من أولاهما عليهم ~~السلام ، يرشحون للإمامة ، ويؤهلون للزعامة ، فيدعي أولياؤهم وأصحابهم أنهم ~~أفضل أهل الزمان ، ويسلم لهم أعداؤهم ومخالفوهم المنحرفون عنهم أنهم من ~~جملة الفضلاء . لأن الحسن صلوات الله عليه مضى عن الحسن بن الحسن ، وزيد بن ~~الحسن ، وهما لم يشك في فضلهما . # ومضى الحسين صلوات الله عليه عن علي بن الحسين ، وهو الأوحد في علمه ~~وزهده وعبادته ، وزين العابدين وحالته مشهورة . ثم مضى هو عن نجباء مثل ~~محمد بن علي الباقر العالم ، وزيد بن علي الشهيد ، وقد ورد في ذكرهما ~~وفضلهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما ورد . # وعبد الله بن الحسن ، المشهور بالعقل والعلم ، وأخوه (¬1) إبراهيم بن ~~الحسن وغيره . ثم كان بعدهم أولاد عبد الله بن الحسن ، وهم نجوم يهتدى بهم ~~، مثل محمد بن عبد الله النفس الزكية ، وإبراهيم بن عبد الله PageV01P312 ، وإدريس بن عبد الله ، وموسى بن عبد الله . كل منهم مشار إليه بأنواع من ~~الفضل . # ومثل جعفر بن محمد الصادق ، وموسى بن جعفر ، ومحمد بن جعفر ، ويحيى بن ~~زيد (¬1) ، والحسين بن علي بن الحسين صاحب الفخ . # وليس في هؤلاء صلوات الله عليهم إلا من ثبتت إمامته ، أو صلح للإمامة . # ثم بعد هؤلاء القاسم بن إبراهيم ، وأخوه محمد بن إبراهيم ، وعلي بن موسى ~~بن جعفر ، وأحمد بن عيسى بن زيد ، وعبد الله بن موسى بن عبد الله ، والحسن ~~بن يحيى بن الحسين بن زيد . وهؤلاء أيضا ليس ms141 فيهم إلا من كان إماما ، أو ~~صلح للإمامة صلوات الله عليهم ، وعلى هذا جرت أحوال هذه العترة الزكية قرنا ~~بعد قرن إلى يومنا هذا . # فتأمل - رحمك الله - عجيب صنع الله في هذا الباب ، وتنبيهه على عظيم محل ~~رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ، فإنك إن قسمت بني هاشم أجمع - وأولاد ~~الحسن والحسين بطن منهم ، وهم آل عباس ، وآل أبي طالب ، من ولد عقيل وجعفر ~~- وضممت إليهم أولاد علي عليه السلام ، من غير الحسن والحسين ، وهم أولاد ~~محمد - يعني ابن الحنفية - وعمر والعباس . فهذه العترة الذين هم ذرية النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، لم تجد في الجميع من الفضلاء والنجباء ، ما تجد ~~في هؤلاء عليهم السلام ، وإذا قارنتهم ببني أمية بأسرها ، بل جميع آل عبد PageV01P313 مناف ، وهم قبيلة مثل بني هاشم في الكثرة ، أو يكونون أكثر منهم ، ثم قايست ~~بين جميعهم وبين ذرية الرسول صلى الله عليه وعلى آله ، فإنك لا تجد في ~~جميعهم من الفضل ما تجد في هؤلاء . # ثم أزيدك بيانا ، قس جميع قريش - وهم قبائل عدة ، وبنو هاشم قبيلة من تلك ~~القبائل ، وأولاد الحسن والحسين بطن من بني هاشم - بهم ، فإنك لا تجد في ~~جميع قريش ما تجد في هؤلاء صلوات الله عليهم ، فليشرح صدرك أن الله جل وعز ~~أكرم نبيه صلى الله عليه [وآله وسلم] بأن جعل في ذريته من الفضل ما لم ~~يجعله في سائر القبائل ، مع كثرة عددها ، وقلة عدد هؤلاء ، ثم مع ذلك قد ~~خصوا بحشمة في النفوس واثقة (¬1) ، وهيبة في الصدور راسخة ، يشترك فيها ~~أعداؤهم وأولياؤهم ، لا يمكن لهم دفعها عن أنفسهم ، وذلك مما لا يجوز أن ~~يكون اتفق إلا بلطف من الله ، يلطفه لهم ، تعظيما لأمر نبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم ، وتنبيها على عظيم محله صلى الله عليه وآله وسلم . # ومن ذلك ما اختصت به هذه الأمة من العلوم الجمة ، التي لم تختص بها أمة ~~من الأمم ، فإن المتكلمين منهم ، عبروا في وجوه جميع المخالفين كالفلاسفة ، ~~وفرق الثنوية ، من ms142 الدياصنية ، والمانوية ، وكاليهود والنصارى . وأبروا ~~(¬2) عليهم ، ونصروا الحق ، حتى لا تجد أحدا من هؤلاء إذا ناظر متكلما من ~~المسلمين إلا مجندلا مشهودا . ولا PageV01P314 يكاد يجري معه شوطا (¬1) أو شوطين ، إلا أن يكون استعان على علمه بشيء من ~~كلام متكلمي الاسلام . # ثم الفقهاء الذين أصلوا أصول الفقه وفروعه ، دققوا وأتقنوا ، وبلغوا من ~~ذلك المبلغ الذي لا تخفى مرتبته على أحد من العلماء ، وليس لغير أهل الكتاب ~~شيء منها . فإنهم صنفان: يهود ، ونصارى . # أما النصارى فليس لهم من الحلال والحرام ، إلا اليسير الذي لا يؤبه له . ~~فإنهم يعولون في حوادثهم على أحكام التوراة . # وأما اليهود مع كثرة التوراة ، فليس لهم من الفقه إلا ما يكاد يبلغ عشر ~~عشر ما للمسلمين . # ثم القراء من المسلمين ضبطوا أصول القراءات ووجوهها ، ضبطا لا يحكى أقله ~~عن أحد من أهل الكتاب ، ثم النحاة منهم ضبطوا الإعراب ، وفرعوا وأصلوا ، ~~كما ترى . وليس ذلك إلى هذا الحين لشيء من الأمم . # ثم تأمل نقل أصحاب الحديث وضبطهم له ، واختصاصهم منه بما لم يختص به أحد ~~من الأمم . # ومن ذلك استمرار دعواه ، وظهور شريعته صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~وتطبيقهم شرق الأرض وغربها ، لا تزيدهم الأيام إلا قوة وبقاء ، ولا تكسبهم ~~مر الأعوام إلا هدوءا وثباتا ، بل لا يحاول تضعيف شيء منها محاول إلا عاد ~~مغلولا ، ولا غالبها مغالب إلا عاد مغلوبا ، ولا PageV01P315 يعاديها معاد إلا قصمه الله وأهلكه ، حتى يجعل كلمة الذين كفروا السفلى ، ~~وكلمة الله هي العلياء . # فتأمل - رحمك الله - بعد النطق (¬1) في الأدلة التي ذكرناها ، والآيات ~~التي بيناها ، هذه المحاسن التي اختص بها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في نفسه أولا . ثم ما اختصت بها ذريته عليهم السلام ثانيا ، ثم ما ~~اختص بها أصحابه ، ثم ما اختصت بها دعوته ثالثا . لتعلم أنه رسول مرسل ، ~~ونبي مبتعث صلى الله عليه وآله وسلم ، وأي عاقل يتأمل هذه المحاسن التي ~~ذكرنا اليسير منها من جملة الكثير ، فيخيل إليه الشيطان أنها أجمع حصلت على ~~سبيل الاتفاق ، مع أن مثلها ms143 لم يحصل لبشر إلا خذله الله وأضله ، لعدوله عن ~~طلب الرشد والهدى ، واتباعه الغي والهوى . # وهل يكون في نقض العادة ، أبلغ من أن يختص بشر بما لم يختص به أحد قبله ~~ولا بعده ؟!! # تم الكتاب والحمد لله رب الأرباب ، العزيز الغلاب ، { ربنا لا تزغ قلوبنا ~~بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (8) } [آل عمران] . # - - - ms144