######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000621 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: إبراهيم بن علي بن تميم الأنصاري، أبو إسحاق الحصري (المتوفى: 453هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 453 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: جمع الجواهر في الملح والنوادر #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000621 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-621 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/621 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المقدمة ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أضحك وأبكى، وأمات وأحيا، فعرفنا بلذة الفرح شدة الترح، ~~وبحلاوة الحياة مرارة الوفاة. قال الطائي: # أوما رأيت منازل ابنة مالك ... رسمت له كيف الزفير رسومها # والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أدراك كيف نعيمها # وقال: # إساءة دهر أذكرت حسن فعله ... ولولا الشري لم يعرف الشهد ذائقه # وصلى الله على خير مبعوث، وأكرم وارث وموروث، محمد الذي أخرجنا من الضيق ~~إلى الفسحة، وبعث إلينا بالحنيفية السمحة، ليضع عن ولد إسماعيل أغلال بني ~~إسرائيل، بل ليرفع عن كل من دخل في السلم، من جملة العرب والعجم، ما أضلع ~~حمله وأظلع ثقله، صلى الله عليه صلاة تزلف لديه، وتصعد في الكلم الطيب ~~إليه، وعلى آله وصحبه وسلم. ### | سبب وضع الكتاب # سألت أطال الله بقاءك، وحرس إخاءك، من زكا بسقي مودتك زرعه ونما، وعلا ~~برعي محبتك فرعه وسما، فانقاد إليك قلبه بغير زمام، وصح فيك حبه بغير سقام ~~أن يجمع لك كتابا في جواهر النوادر ولمح الملح، وفواكه الفكاهات، ومنازه ~~المضحكات، ترتاح إليه الأرواح، وتطيب له القلوب، وتفتق فيه الآذان، وتشحذ ~~به الأذهان، ويطلق النفس من رباطها، ويعيد إليها عادة نشاطه إذا انقبضت بعد ~~انبساطها، فقد قيل: القلب إذا أكره عمي. # وقال بكر بن عبد الله المزني: لا تكدوا هذه القلوب ولا تهملوها. وخير ~~الكلام ما كان عقيب جمام، ومن أكره بصره عشي، وعاودوا الفكرة عند نبوات ~~القلوب، وأشحذوها بالمذاكرة، ولا تيأسوا من إصابة الحكمة إذا امتحنتم ببعض ~~الاستغلاق؛ فإن من أدمن قرع الباب ولج. # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: إني لأستجم نفسي ببعض الباطل ليكون أقوى ~~لها على الحق. # وقال الحسن البصري رحمه الله: حادثوا هذه القلوب بذكر الله؛ فإنها سريعة ~~الدثور، واقدعوا هذه الأنفس فإنها طلعة؛ وإنكم إن لم تقدعوها تنزع بكم إلى ~~شر غاية. # وقال أردشير بن بابك: إن للقلوب محبة، وللنفوس مللا؛ ففرقوا بين الحكمين ~~يكون ذلك استجماما. # وقال في حكة آل داود: لا ينبغي للعاقل أن يخلي نفسه من أربع؛ ms001 من عدة ~~لمعاد، وإصلاح لمعاش، وفكر يقف به على ما يصلحه لما يفسده، ولذة في غير ~~محرم يستعين بها على الحالات الثلاث. # وقال أبو الفتح كشاجم: # عجبي للمرء تعالت حاله ... وكفاه الله ذلات الطلب # كيف لا يقسم شطري عمره ... بين حالين نعيم وأدب # ساعة يمتع فيها نفسه ... من غذاء وشراب منتخب # ودنو من دمى هن له ... حين يشتاق إلى اللعب لعب # فإذا ما زال من ذا حظه ... فنشيد وحديث وكتب # ساعة جدا وأخرى لعبا ... فإذا ما غسق الليل انتصب # فقضى الدنيا نهارا حقها ... وقضى لله ليلا ما يجب # تلك أعمال متى يعمل بها ... عامل يسعد ويرشد ويصب ### | منهج الكتاب # فأجبتك إلى ملتمسك بكتاب كللت نظامه، وثقلت أعلامه، بذهب يروق سبك ~~إبريزه، ويرق حوك تطريزه، من نوادر المتقدمين والمتأخرين، وجواهر العقلاء ~~والمجانين، وغرائب السقاط والفضلاء، وعجائب الأجواد والبخلاء، وطرف الجهال ~~والعلماء، وتحف المغفلين والفهماء، ونتف الفلاسفة والحكماء، وبدائع السؤال ~~والقصاص، وروائع العوام والخواص، وفواكه الأشراف والسفلة، ومنازه الطفيليين ~~والأكلة، وأخبار المخانيث والخصيان، وآثار النساء والصبيان. # وأتيت به على سبيل الاختصار، وطريق الاختيار؛ وجعلته بتنويع الكلام، ~~كالمائدة الجامعة لفنون الطعام؛ إذ همم الناس مفترقة، وأغراضهم غير متفقة، ~~ولا أعلم حقيقة ما تستندره، ولا محض ما تؤثره؛ إذ لا يحيط بذلك إلا علام ~~الغيوب، المطلع على ما في القلوب. # وقد تجنبت أن أهدي إليك، وأورد عليك، ما يخرج به قائله في الدين عن اتباع ~~سبيل المؤمنين، فمن أهل الإلحاد والأهواء، من يسر حسوا في ارتغاء، ويطلب ما ~~يشفى به من دائه، ويضحك خاصة أودائه، ويغر به من ضعفت نحيزته، وهفت غريزته، ~~بألطف ما يمكنه، كمون الأفعوان، في أصول الريحان، إذا قابله بشمه، قتله ~~بسمه. # PageV01P001 # كما حكى الجاحظ عن الشرقي بن القطامي أن ابن أبي عتيق لقي عائشة رضي الله ~~عنها على بغلة. فقال: إلى أين يا أماه؟ فقالت له: أصلح بين حيين تقاتلا، ~~فقال: عزمت عليك إلا ما رجعت، فما غسلنا أيدينا من يوم الجمل حتى نرجع إلى ~~يوم البغلة. # وهذه حكاية أوردها ms002 الشرقي لغله ودغله على وجه النادرة؛ لتحفظ ويضحك منها، ~~ويتعلق بها من ضعف عمله، وقل عزمه؛ فيكون ذلك أنجع وأنفع لما أراد من ~~التعرض لعرض أم المؤمنين رضي الله عنها. # ومثل هذا كثير مما لو ذكرته لدخلت فيما أنكرته. فقد قيل: الراوية أحد ~~الشاتمين، كما قيل: السامع أحد القائلين. # وقد قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وقد مر به عمر بن عبد ~~العزيز والقاسم بن محمد بن أبي بكر فلم يسلما عليه: # مساء تراب الأرض منها خلقتما ... فيها المعاد والرجوع إلى الحشر # ولا تعجبا أن ترجعا فتسلما ... فما حشي الإنسان شرا من الكبر # وقال آخر: # إن كنت لا ترهب ذمي لما ... تعرف من صفحي عن الجاهل # فاخش سكوتي إذ أنا منصت ... فيك لمسموع خنا القائل # فسامع السوء شريك له ... ومطعم المأكول كالآكل # ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل # مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل # وقد رام ابن قتيبة تسهيل السبيل في مثل هذا، فقال: مهما مر بك من كلام ~~تنفر عنه نفسك، فلا تعرض عنه بوجهك، فالقول منسوب إلى قائله، والفعل عائد ~~إلى فاعله. # قلت: وليت شعري ما اللذة فيما يضحك منه من هو معرض عنه، إلا أن يدخل في ~~حد المستهزئين، وحيز المتلاعبين. نعوذ بالله من الحور بعد الكور. # وأنشد أبو نواس الجماز شعرا من أعابيثه ومجونه كفر فيه، وقال للجماز: أين ~~أنت من أهل الطراز؟ قال: أنا لا أتعرض لمن أعضائي جنده يحرك علي منها ساكنا ~~أو يسكن متحركا فأهلك. # وقد طرد الجماز أصله في التحرز مما تعلق عليه من شناعة، أو تلزمه فيه ~~بباعة، فقال يمدح: # أقول بيتا واحدا أكتفي ... بذكره من دون أبيات # إن علي بن أبي جعفر ... أكرم أهل الأرض من آت # فقد سلم مما كاد يقع فيه أبو الخطاب عمرو بن عامر السعدي، وقد أنشد موسى ~~الهادي: # يا خير من عقدت كفاه حجزته ... وخير من قلدته أمرها مضر # فانقلبت عيناه في رأسه، واحمر وجهه، وقال: إلا ms003 من؟ ويحك! ولم يكن أبو ~~الخطاب استثنى أحدا، وإنما جرى على مذهب الشعراء في تفضيل الممدوح على أهل ~~العصر؛ فلما رأى ما بوجه الهادي من إرادة الإيقاع به قال ارتجالا: # إلا النبي رسول الله إن له ... فخرا وأنت بذاك الفخر تفتخر # فسري عنه ووصله. ### | تدرج الكتاب ولذة الانتقال من حال إلى حال # وقد جعلت ما عملت مدبجا مدرجا، لتلذ النفس بالانتقال من حال إلى حال، فقد ~~جبلت على محبة التحول، وطبعت على اختيار التنقل. # وقد قيل: إن عبد الله بن طاهر لما أسر نصر بن شبث بكيسوم، وأنفذه إلى ~~المأمون، جلس مجلسا أنصف فيه من وجوه القواد، ومن أمراء الأجناد، وضرب ~~الأعناق، وقطع الأيدي، ورد كبار المظالم، ثم قام وقد دلكت الشمس؛ فتلقاه ~~الخدم، فأخذ هذا سيفه، وهذا قباءه، هذا إزاره. فلما دخل دعا بنعل رقيقة ~~فلبسها، ثم رفع ثوبه على عاتقه وتوجه نحو البستان وهو يتغنى: # النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم # قال عيسى بن يزيد: وكنت جريا عليه، فجذبت ثوبه من عاتقه وقلت له: أتقعد ~~بالغداة قعود كسرى أو قيصر أو ذي القرنين، ثم تعمل الساعة عمل علويه ~~ومخارق؟ فرد ثوبه على عاتقه وهو يقول: # لا بد للنفس إن كانت مصرفة ... من أن تنقل من حال إلى حال # قال أبو القاسم بن جدار: كأنه ذهب إلى ما فعله أمير المؤمنين عمر ابن ~~الخطاب رضي الله عنه حين قام من بعض مجالسه الجليلة التي كان يدون فيها ~~الدواوين ويمصر الأمصار، ويقمع الأعداء، ويؤيد الإسلام، فدخل منزله ثم رفع ~~صوته وهو يقول: # وكيف ثوائي بالمدينة بعدما ... قضى وطرا منها جميل بن معمر # PageV01P002 # فلحقه عبد الرحمن بن عوف فاستأذن عليه، فقيل: عبد الرحمن يا أمير ~~المؤمنين بالباب. فلما دخل عليه، قال: ما صوت سمعته منك آنفا يا أمير ~~المؤمنين؟ فقال: يا أبا محمد، إيها عنك! فإن الناس إن أخلوا قالوا. # وقد قلت: # فرقت في التأليف معتمدا ... ما كان لو قد شئت يأتلف # والعقد ما اختلفت جواهره ... إلا ليشرق حين ms004 يختلف # إن كان الشيء مع نظيره يذهب بنوره، ويغض من بهائه؛ ويخلق من روائه؛ فقد ~~زعموا أن المجرة كواكب مضيئة مجتمعة؛ فكسف بعضها نور بعض؛ فصارت طريقا في ~~السماء بيضاء. وقال ابن الرومي: # وبيضاء يخبو درها من بياضها ... ويذكو بها ياقوتها والزبرجد # إلا أن تندرج الحكاية في الحكايات، ويتسلسل البيت مع الأبيات، فيكون ~~الجمع أزين من القطع، والتوصيل أحسن من التفصيل، فأقرنها بأشكالها، وأجملها ~~مع أمثالها. ### | لاختيار المطايبات والمداعبات أصول # ولاختيار المطايبات والمداعبات وما انخرط في سلكها من الملح والمزح أصول ~~لا يخرج فيها عنها، وفصول لا يخرج بها منها، وقد يستندر الحار المنضج، ~~والبارد المثلج؛ لأن إفراط البرد، يعود به إلى الضد. ولذلك قول أبو نواس: # قل للزهيري إن حدا وشدا ... أقلل وأكثر فأنت مهذار # سخنت من شدة البرودة ح ... تى صرت عندي كأنك النار # لا يعجب السامعون من صفتي ... كذلك الثلج بارد حار # وفي كليلة ودمنة: لا ينبغي اللجاج في إسقاط ذي الهمة والرأي وإزالته؛ ~~فإنه إما شرس الطبيعة كالحية إن وطئت فلم تلسع لم يغتر بها فيعاد لوطئها، ~~وإما سبح الطبع كالصندل البارد، إن أفرط في حكه عاد حارا مؤذيا. # وقالوا: إنما ملح القرد عند الناس لإفراط قبحه. وقد قال ابن الرومي في ~~الخصيان: # معشرا أشبهوا القرود ولكن ... خالفوها في خفة الأرواح # لأن العبد إذا خصي استرخت معاقد عصبه، وحدث في طبعه نشاط في الخدمة؛ ~~فيحصل بين حالين لا يطيق المبالغة فيهما فيضيق صدره، وتثقل روحه. وقد قال ~~أبو تمام: # أمن عمى نزل الناس الربى فنجوا ... وأنتم نصب سيل القنة العرم # أم ذاك من همم جاشت وكم صفة ... حدا إليها غلو القوم في الهمم # وكان يقال: من التوقي ترك الإفراط في التوقي، وإنما الموت المحبب والسقم ~~المغيب، أن تقع النادرة فاترة فتخرج عن رتبة الهزل والجد، ودرجة الحر ~~والبرد، فيكون بها جهد الكرب على القلب؛ كما قال أبو بكر الخوارزمي: أثقل ~~من عذاب الفراق، وكتاب الطلاق، وموت الحبيب، وطلعة الرقيب، وقدح اللبلاب في ~~كف المريض، ونظرة الذل ms005 إلى البغيض، وأشد من خراج بلا غلة، ودواء بلا علة، ~~وطلعة الموت في عين الكافر، وقد ختم عمره في الكبائر، وأعظم من ليلة ~~المسافر، في عين كانون الآخر، على إكاف يابس، تحت مطر وبرد قارس. # ومن أمثال البغداديين: هو أثقل من مغن وسط، ومن مضحك وسط. وقال ابن ~~الرومي يهجو أحمد بن طيفور: # فقدتك يا بن أبي طافر ... وأطعمت فقدك من شاعر # فلت بسخن ولا بارد ... وما بين ذين سوى الفاتر # وأنت كذاك تغثي النفو ... س بغثية الفاتر الخاثر ### | شرط المسامر والمنادر # ومن شرط المسامر والمنادر أن يكون خفيف الإشارة، لطيف العبارة، ظريفا ~~رشيقا، لبقا رفيقا، غير فدم ولا ثقيل، ولا عنيف ولا جهول؛ قد لبس لكل حالة ~~لباسها، وركب لكل آلة أفراسها، فطبق المفاصل، وأصاب الشواكل، وكان برائق ~~حلاوته، وفائق طلاوته، يضع الهناء مواضع النقب، ويعرف كيف يخرج مما يدخل ~~فيه، إذا خاف ألا يتسحسن ما يأتيه. # كما ذكر عن الفتح بن خاقان أنه كان مع المتوكل فرمى المتوكل عصفورا ~~فأخطأه. فقال: أحسنت يا أمير المؤمنين! فنظر إليه نظرة منكرة. فقال: إلى ~~الطائر حتى سلم؛ فضحك المتوكل. # وذكر لبعض ولاة البصرة لما وليها حلاوة الجماز، وأن أكثر نوادره على ~~الطعام، فأحضره، وقدمت المائدة، فأتى بنادرة فاخرة وأتبعها بأخرى فلم ~~تستملح. فقال: لعل الأمير أنكر برد ما أتيت به؟ وإنما احتذيت حذوه في تقديم ~~البوارد قبل الحوار. ### | كلما طال كلامه انحل نظامه # PageV01P003 # ولا يحب أن يكون كلما طال كلامه انحل نظامه؛ بل يأتي في آخر ما أحكمه بما ~~ينسي ما تقدمه، وإلا كان كما ذكر الجاحظ: أن الرشيد أحب أن ينظر إلى شعيب ~~القلال كيف يعمل؟ فأدخل القصر، وأتي بكل ما يحتاج إليه من آلة العمل؛ ~~فبينما هو يعمل إذ بصر بالرشيد فنهض قائما. فقال له: دونك وما دعيت له؛ ~~فإني لم آتك لتقوم إلي؛ بل لتعمل بين يدي. فقال: وأنا أصلحك الله لم آتك ~~ليسوء أدبي؛ وإنما أتيتك لأزداد أدبا؛ فأعجب الرشيد به، وقال له: بلغني أنك ~~إنما تعرضت ms006 لي حين كسدت صناعتك؟ فقال: يا سيدي، وما كساد عملي في خلال ~~وجهك! فضحك الرشيد حتى غطى وجهه. وقال: ما رأيت أنطق منه ولا أعيا منه! ~~ينبغي أن يكون أعقل الناس وأجهل الناس. وكذلك كان. ### | سر النادرة دون مطمطة ومجمجة # ويجب إذا حكى النادرة الظريفة، والحكمة اللطيفة، ألا يعربها فتثقل، ولا ~~يمجمجها فتجهل، ولا يمطمطها فتبرد، ولا يقطعها فتجمد. ولو أن قائلا حكى قول ~~مزيد المدني، وقد أكل طعاما فأثقله. فقيل له: تقيأه يذهب ما بك. فقال: خبز ~~نقي، ولحم جدي، والله لو وجدته قيا لأكلته. فلو أعطاه حقه من الإعراب فقال: ~~خبز نقي، ولحم جدي، والله لو وجدته قيئا لأكلته، لخرج عن حده، وأفلج من ~~برده. # وكذلك لو ذهب بما يحتاج إلى الإعراب من كلام الفصحاء والأعراب إلى اللحن ~~لاستغث واسترث. كما ذكروا أن الحجاج بعث إلى ولي البصرة أن اختر لي من عندك ~~عشر فصحاء، فاختار رجالا فيهم كثير بن أبي كثير وكان عربيا فصيحا قال كثير: ~~فقلت: بم أفلت من الحجاج؟ ثم قلت في نفسي: باللحن؛ فلما دخلت عليه دعاني ~~فقال: ما اسمك؟ قلت: كثير. قال: ابن من؟ فقلت: إن قلت: ابن أبو كثير خفت أن ~~يتجاوزها. فقلت: ابن أبا كثير. فقال: اذهب فعليك لعنة الله وعلى من بعث بك، ~~جروا في عنقه! فأخرجت. # وقال رجل للحسن البصري رحمه الله: ما تقول في رجل مات وترك أبيه وأخيه؟ ~~فقال: أغيلمة إن فهمناهم لم يفهموا، وإن علمناهم لم يعلموا، قل: ترك أباه ~~وأخاه، فقال له: فما لأباه وأخاه؟ فقال الحسن: قل لأبيه ولأخيه، قال: أرى ~~كلما تابعتك خالفتني. # ولكل صناعة آلة، ولكل بضاعة حالة. وذم رجل رجلا فقال: أقداحه محاجم ~~ودعواته ملاوم، وكئوسه محابر، ونوادره بوارد. # وقال الزبير: رؤي الغاضري ينازع أشعب الطمع عند بعض الولاة فقال: أيها ~~الأمير، إنه يريد أن يدخل علي في صناعتي، ويشاركني في بضاعتي، وهيئته هيأة ~~قاض، والأمير يضحك. # وقال عمرو بن عثمان: # واشتياقي إلى أبي الخطاب ... وأحاديثه الرقاق العذاب # وإشارته التي استعارت ms007 ... حركات المهجور عند العتاب # ويجب على اللبيب المطرب ألا يطيل فيمل، ولا يقصر فيخل، فللكلام غاية، ~~ولنشاط السامعين نهاية، قال أحمد بن الطيب السرخسي تلميذ أحمد بن إسحاق ~~الكندي: كنت يوما عند العباس بن خالد، وكان ممن حبب إليه أن يتحدث، فأقبل ~~يحدثني، وينتقل من حديث إلى حديث، وكان في صحن منزله، فلما بلغتنا الشمس ~~انتقلنا من موضع إلى موضع آخر حتى صار الظل فيئا. فلما أكثر وأضجر، ومللت ~~حسن الأدب في حسن الاستماع، وذكرت قول الأوزاعي: إن حسن الاستماع قوة ~~للمحدث، فقلت له: إذا كنت وأنا أسمع قد عييت مما لا كلفة علي فيه؛ فكيف بك ~~وأنت المتكلم؟ فقال: إن الكلام يحلل الفضول الغليظة التي تعرض في اللهوات ~~وأصل اللسان، ومنابت الأسنان؛ فوثبت وقلت: ما أراني معك في إلا أيارج ~~الفيقرا إذ أنت تتغرغر بي منذ اليوم، والله لا أجلس، واجتهد بي فلم أفعل. # وقال أحمد بن الطيب: كنا مرة عند بعض إخواننا، فتكلم فأعجبه من نفسه ~~الكلام، ومنا حسن الاستماع، حتى أفرط؛ فعرض لبعض من حضر ملل؛ فقال: إذا ~~بارك الله في شيء لم يفن، وقد جعل الله في حديث أخينا هذه البركة. # وقال عبد الله بن سالم في رجل كثير الكلام: # لي صاحب في حديثه بركه ... يزيد هذا السكون والحركه # لو قال لا في قليل أحرفها ... لردها بالحروف مشتبكه # والتحفظ في هذا الباب من أكبر الأسباب؛ لأن المنادر والمهاتر والمسامر قد ~~تمر له النادرة المضحكة، والطيبة المحركة؛ فيستغرب المجلس، وتطرب الأنفس؛ ~~فيدعوه ما استحسن منه، واستندر عنه، أن يعود إلى مثلها فينقص من حيث ظن أنه ~~زاد، ويفسد عليه ما أراد. # PageV01P004 # وقد كتب أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميد إلى أبي عبد الله الطبري لما ~~استحضره عضد الدولة للمنادمة: وقفت على ما وصفته من بر الأمير بك، وتوفره ~~عليك، وليس العجب أن يتناهى مثله في الكرم إلى أبعد غاياته؛ وإنما العجب أن ~~يقصر في مساعيه عن نيل المجد كله، وحيازة الفضل بأجمعه؛ وقد رجوت أن يكون ms008 ~~ما يغرسه أجدر غرس بالزكاء، وأضمنه للريع والنماء؛ فأرع ذلك، واركب في ~~الخدمة طريقة تبعدك من الملال، وتوسطك في الحضور بين الإكثار والإقلال، ولا ~~تسترسل كل الاسترسال، فلأن تدعى من بعيد مرات، خير من أن تقصى من قريب مرة. ~~وليكن كلامك جوابا تتحرز فيه من الخطل والإسهاب، ولا تعجبن بتأتي كلمة ~~محمودة، فيلح بك الإطناب توقعا لمثلها، فربما هدمت ما بنته الأولى. # وبضاعتك في الشرب مزجاة، وبالعقل يزم اللسان، ويلزم السداد؛ فلا تستفزنك ~~طربة الكرم على ما يفسد تمييزك. والشفاعة لا تعرض لها فإنها مخلقة للجاه، ~~فإن اضطررت إليها فلا تهجم عليها حتى تعرف موقعها، وتطالع موضعها، فإن وجدت ~~النفس بالإجابة سمحة، وإلى الإسعاف هشة، فأظهر ما في نفسك غير مخفف؛ ولا ~~توهم أن في الرد عليك ما يوحشك، ولا في المنع ما يغيظك. وليكن انطلاق وجهك ~~إذا دفعت عن حاجتك، أكثر منه عند نجاحها على يدك؛ ليخف كلامك ولا يثقل على ~~مستمعيه منك، أقول ما أقوله غير واعظ ولا مرشد، فقد كمل الله خصالك، وفضلك ~~على كل حالك، لكن أنبه تنبيه المشارك، وأعلم للذكرى موقعا لطيفا. # وذكر لعبد الله بن طاهر رجل يصلح للمنادمة، فأحضره فأقبل يأتي بالأشياء ~~في غير مواضعها. فقال: يا هذا، إما أقللت فضولك أو دخولك. ### | الحاجة إلى الهزل # وهذه النوادر أكرمك الله وإن وقع عليها اسم الهزل، وأسقطت من عين العقل، ~~عند من لا يعلم مواقع الكلم، ولا يفهم مواضع الحكم، فليس ذلك بمروجها، ولا ~~بمبهرجها عند أهل العقول وأولي التحصيل العارفين بمعاقد المعاني، وقواعد ~~المباني، وهل يستندر من المغمورين والمشهورين، ويستظرف من المغفلين ~~والمعقلين، إلا ما خرج عن قدر أشكالهم، وبعد من فكر أمثالهم، وإنما يذكر ما ~~يستظرف، لخروجه عما يعرف. # ومنها ما يدخل في باب الطيب والاستندار، وقد قال الجاحظ: ليس شيء من ~~الكلام يسقط البتة، فسخيف الألفاظ يحتاج إلى سخيف المعاني. وقد قيل: لكل ~~مقام مقال، وقيل لبشار بن برد، كم بين قولك: # أمن طلل بالجزع لن يتكلما ... وأقفر إلا أن ترى ms009 مذمما # في نظائر هذه القصيدة من شعرك، ومن قولك: # لبابة ربة البيت ... تبيع الخل بالزيت # لها سبع دجاجات ... وديك حسن الصوت # فقال: إنما القدرة على الشعر أن يوضع الجد والهزل في موضعه، ولبابة هذه ~~جارة لي تنفعني بما تبعث لي من بيض دجاجها، وهذا الشعر أحسن موضعا عندها ~~من: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # ولما استقرت الخلافة للمعتز بالله شخص إليه أبو العبر من ولد عبد الصمد ~~بن علي فهنأه بالخلافة وتعرض لصلته بالجد، وهجا المستعين كما فعل البحتري ~~في قصيدته التي أولها: # يجانبنا في الحب من لا نجانبه ... ويبعد منا في الهوى من نقاربه # فلم يقبل عليها، فعمل أبو العبر قصيدة مزدوجة كلها هزل من غير تقويم ولا ~~إعراب منها قوله: أيا أحمد الرقيع، ومن أكلك الرجيع، أتنسى من كان، نصيرك ~~قهرمان، فيأتيك بالسويق، من السوق والدقيق، فصرت الآن في الدار، على رتبة ~~البزار، أما تعلم يا فار، بأن الله يختار، ويعطي غيرك الملك، عزيزا يركب ~~الفلك. # وفيها ما لا يذكر من حماقات واختلال، وبرد وانحلال، وكلام مرذول، غث ~~مهزول؛ فضحك المعتز منها، وأمر له بألف دينار، فألح على جعفر بن محمود ~~الإسكافي في الاقتضاء، وهو حينئذ وزير المعتز، فألط عليه. فقال له جعفر: ~~عهدي ببني هاشم يأخذون الصلات بشرفهم وعلومهم وجدهم، وأنت تأخذ بالمحال ~~والهزل؛ فأنت عجيب من بينهم!! فقال أبو العبر: صدقت أنا عجيب من بينهم، كما ~~أنت عجيب في أهل إسكاف، كلهم نواصب وأنت من بينهم رافضي، وكان جعفر ينسب ~~إلى ذلك. ثم أنشد أبو العبر قول جميل: # بثينة قالت يا جميل أربتنا ... فقلت كلانا يا بثين مريب # وأريبنا من لا يؤدي أمانة ... ومن لا يفي بالعهد حين يغيب # PageV01P005 # فدفع إليه الألف دينار، واستعفاه أن يعاود مثل هذا. # وكانت لأبي العبر مع موسى بن عبد الملك قصة مثل هذه في أيام المتوكل: رفع ~~إليه كتابا بأرزاقه وأرزاق جماعة من أهله ليوقع فيه ويختمه؛ فدافعه به موسى ~~مدة، فوقف له يوما فلما ركب أنشده: # موسى إلى ms010 كم تتبرد ... وكم وكم تتردد # موسى أجزني كتابي ... بحق ربك الأسود # يريد محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي رضي ~~الله عنهم، والإمامية تزعم أنه إمام وقته، فجزع موسى وسأله كتم ما كان عليه ~~ومعاودة مثله: وأنشد أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري المتوكل قصيدته: # من أي ثغر تبتسم ... وبأي طرف تحتكم # حسن يضن بحسنه ... والحسن أشبه بالكرم # أفديه من ظلكم الوشا ... ة وإن أساء وإن ظلم # وهي حلوة الروي، مليحة العروض، حسنة الطبع، فكان البحتري فيه كبر وإعجاب. ~~فإذا أنشد، قال: ما لكم لا تعجبون، أما حسن ما تسمعون؟! فقام إليه أبو ~~العنبس الصيمري وقد قال ذلك فقال: # عن أي سلح تلتقم ... وبأي كف تلتطم # ذقن الوليد البحتري ... أبي عبادة في الرحم # أدخلت رأسك في الرحم # فولى البحتري مغضبا، فقال أبو العنبس: وعلمت أنك تنهزم. # فضحك المتوكل حتى فحص برجليه وأمر بالجائزة لأبي العنبس. # وقد يحتاج العاقل المميز، والفاضل المبرز، إلى الهزل كاحتياجه إلى الجد، ~~ويفتقر إلى الجور كافتقاره إلى القصد؛ وعلم الفتى في غير موضعه جهل. # وصحب الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه قوما في سفره فكان ~~يجاريهم على أخلاقهم، ويخالطهم في أحوالهم، وهم لا يعرفونه، فلما دخل مصر ~~حضروا الجامع، فوجدوه يفتي في حلال الله وحرامه، ويقضي في شرائعه وأحكامه، ~~والناس مطرقون لإجلاله، فرآهم فاستدعاهم، فلما انصرفوا سئل عنهم فأنشد: # وأنزلني طول النوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت امرأ لا أشاكله # أحامقه حتى يقال سجية ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله # وقد يخرج الفطن اللبيب، وينتج الطبن الأديب، من الهزل السخيف، غرائب الجد ~~الشريف، فالنار قد تلتظى من ناضر السلم. # ولما قال بشار بن برد: # كأن فؤاده كرة تنزى ... حذار البين لو نفع الحذار # جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار # يروعه السرار بكل شيء ... مخافة أن يكون به السرار # قيل له: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول أشعب الطماع: ما رأيت اثنين ~~يتساران ms011 إلا ظننتهم يأمران لي بشيء. # ومر مزيد المديني مزبد المدني بجرة مغطاة، فقال له بعض جيرانه: ما هذا؟ ~~فقال له: يا أحمق، فلم سترناه!! أخذه ابن الرومي، فقال لمن سأله: لم تلزم ~~العمة؟ # يأيها السائلي لأخبره ... عني لم لا أزال معتجرا # أستر شيئا لو كان يمكنني ... تعريفه السائلين ما سترا # وكان ابن الرومي أقرع الرأس، وقد أخبر بعلة ذلك في قوله: # تعممت إحصانا لرأسي برهة ... من القر يوما والحرور إذا سفع # فلما دهى طول التعمم لمتي ... فأزرى بها بعد الأصالة والفرع # عزمت على لبس العمامة حيلة ... لتستر ما جرت علي من الصلع # فيا لك من جان علي جناية ... جعلت إليه من جنايته الفزع # وأعجب شيء كان دائي جعلته ... دوائي على عمد وأعجب بأن نفع ### | الهزل من الجد # وقد يستجلب من الجديات الصريحة، ظرائف الهزليات المليحة، فقد قيل على وجه ~~الذم: من حفر لأخيه حفرة وقع فيها، وقيل: من سل سيف البغي قتل به، وقال ابن ~~المعتز في الفصول القصار: لم يقع سيف حيلته إلا على مقاتله. وأنشدوا لبعض ~~الأعراب: # رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريا ومن جال الطوي رماني # PageV01P006 # والذي أنشده سيبويه: ومن أجل، والجال والجول: الناحية. والطوي: البئر. ~~يريد رماني بما عاد عليه ضره وشره، كمن يرمي من بئر فيعود رميه عليه. فانظر ~~إلى هذا المعنى كيف أخذه عبادة المخنث لما نكب المتوكل محمد بن عبد الملك ~~الزيات ورماه في تنور كان ابن الزيات اتخذه لابن أسباط المصري، وجعله كله ~~مسامير، فإذا وقف الواقف لم يقدر يتحرك إلى ناحية إلا ضربته المسامير، فلا ~~يزال قائما حتى يموت. فاطلع عليه عبادة المخنث فقال له: أردت أن تخبز في ~~هذا التنور، فخبزت فيه، فضحك المتوكل. فقال عبادة: هذا يا أمير المؤمنين ~~مثل رجل كان حفارا للقبور مات، فمرت به واحدة من أصحابنا فقالت: أما علمت ~~أنه من حفر لأخيه حفرة يسقط فيها. ### | الظريف من الخطاب يخلص من الهلاك # وكم ظريفة من الخطاب، ومليحة من الجواب، خلصت من الهلاك، من نصبت له ms012 ~~الأشراك، وسلمت من الحتوف، من أصلتت له السيوف. # قال الأصمعي: خرج الحجاج متصيدا، فوقف على أعرابي يرعى إبلا وقد انقطع عن ~~أصحابه، فقال: يا أعرابي، كيف سيرة أميركم الحجاج؟ فقال الأعرابي: غشوم ~~ظلوم لا حياه الله ولا بياه. قال الحجاج: فلو شكوتموه إلى أمير المؤمنين؟ ~~فقال الأعرابي: هو أظلم منه وأغشم، عليه لعنة الله! قال: فبينا هو كذلك إذ ~~أحاطت به جنوده، فأومأ إلى الأعرابي فأخذ وحمل، فلما صار معهم قال: من هذا؟ ~~قالوا: الأمير الحجاج، فعلم أنه قد أحيط به، فحرك دابته حتى صار بالقرب ~~منه، فناداه: أيها الأمير: قال: ما تشاء يا أعرابي؟ قال: أحب أن يكون السر ~~الذي بيني وبينك مكتوما؛ فضحك الحجاج وخلى سبيله. # وخرج مرة أخرى فلقي رجلا. فقال: كيف سيرة الحجاج فيكم؟ فشتمه أقبح من شتم ~~الأول حتى أغضبه، فقال: أتدري من أنا؟ قال: ومن عسيت أن تكون؟ قال: أنا ~~الحجاج، قال: أوتدري من أنا؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا مولى بني عامر، أجن في ~~الشهر مرتين هذه إحداهما. فضحك وتركه. ### | المهدي وأحد المصلين # وقدم المهدي المدينة، فخرج ليلة إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مستخفيا ليصلي، فبينما هو كذلك إذ جاء مدني فقام إلى جانبه يصلي، فلما قضى ~~صلاته قال للمدني: أقدم خليفتكم؟ قال: نعم! فعل الله به وفعل وأراحنا منه، ~~وجعل يدعو على المهدي وانصرف؛ فدخل عليه الربيع؛ فقال: يا ربيع؛ جلس إلى ~~جانبي البارحة مدني فما ترك دعاء إلا ودعا به علي. فقال: أتعرفه؟ قال: نعم، ~~إذا رأيته! ثم ركب المهدي واجتمع أهل المدينة ينظرون، فوقعت عينه على ~~الرجل؛ فقال: يا ربيع؛ ألا ترى الرجل الذي صفته كذا وكذا! هو ذاك صاحبي، ~~فأمر به الربيع فأخذ، فلما رجع المهدي دعا به. فقال: يا هذا، هل أسأت إليك ~~قط؟ قال: لا؛ قال: فهل لك مظلمة تطالبني بها؟ قال: لا، قال: فما دعاؤك علي ~~حين صليت إلى جانبي؟ فقال المدني: فديتك والله! وعتق ما أملك؛ وامرأتي طالق ~~إن لم أكن أغير ms013 كنيتي في اليوم مرتين وثلاثا للملال. فضحك المهدي وأحسن ~~صلته. ### | حسن التخلص # وخرج ابن أحمد المدني أيام العصبية إلى أذربيجان، فلقيه فرسان، فسقط في ~~يده، فقال: الساعة يسألونني من أنا؟ وأخاف أن أقول مضري وهم يمانية، أو ~~يماني وهم مضرية، فيقتلونني؛ فقربوا منه، وقالوا: يا فتى، ممن أنت؟ قال: ~~ولد زنا، عافاكم الله! فضحكوا منه، وأعطوه الأمان، فأخبرهم بنفسه، فأرسلوا ~~معه من يوصله إلى مقصده. # PageV01P007 # وخرج الربيع من عند أبي جعفر عبد الله المنصور فقال: أمير المؤمنين يسأل ~~من يعرف من يشبهه من خلفاء بني أمية أن يذكر ما عنده، فقال أبو بكر بن عياش ~~المنتوف: أنا أعرف ذلك، ولكن لا أقول إلا مشافهة، فدخل ثم خرج فقال: أمير ~~المؤمنين يقول لك: قد علمت أنك إنما تطلب الدخول لتتوسل إلى أموالنا، ~~فأدخل. فدخل فقال له: من أشبه من خلفاء بني أمية؟ فقال: عبد الملك بن ~~مروان. قال: كيف قلت ذلك؟ قال: لأن أول اسمك عين وهو أول اسمه عين، وأول ~~اسم أبيه ميم، وأول اسم أبيك ميم، وقتل ثلاثة أول أسمائهم عين وكذلك أنت، ~~قال: ومن قتل؟ قال: عبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، ~~وعمرو بن سعيد بن العاص، وقتلت يا أمير المؤمنين عبد الرحمن بن مسلم يريد ~~أبا مسلم الخراساني وعبد الجبار بن عبد الرحمن الخارجي، قال: وأردت أن ~~أقول، وقتلت عبد الله بن علي عمك، فعرفت أنه يكره ذلك؛ لأنه أسقط عليه ~~البيت الذي كان فيه، وادعى أن البيت سقط، وقد كان عيسى بن موسى يسام في نزع ~~البيعة، وهو مضيق عليه، فقلت: وسقط الحائط على عبد الله بن علي. قال: ~~فالحائط سقط عليه فما علينا؟ فقلت: لا شيء يا أمير المؤمنين. وها هنا حائط ~~آخر مائل على عين أخرى وهو عيسى بن موسى إن لم تدعموه بفضلكم خفت أن يسقط. ~~فضحك ثم قال: أولى لك. # وخرج المأمون منفردا فإذا بأعرابي فسلم عليه. فقال: ما أقدمك يا أعرابي؟ ~~قال: الرجاء لهذا الخليفة، وقد قلت ms014 أبياتا أستمطر بها فضله، قال: أنشدنيها، ~~قال: يا ركيك، أويحسن أن أنشدك ما أنشد الملوك؟ فقال: يا أعرابي، إنك لن ~~تصل إليه ولن تقدر مع امتناع أبوابه وشدة حجابه، ولكن هل لك أن تنحلنيها، ~~وهذه ألف دينار فخذها وانصرف ودعني أتوسل، لعلي أتوصل؟ قال: لقد رضيت، ~~فبينما هما في المراجعة إذ أحدقت الخيل به وسلم عليه بالخلافة، فعلم ~~الأعرابي أنه قد وقع، فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين؛ أتحفظ من لغات ~~اليمن شيئا؟ قال: نعم! قال: فمن يبدل القاف كافا؟ قال: بنو الحارث بن كعب، ~~قال: لعنها الله من لغة لا أعود إليها بعد اليوم. فضحك المأمون وأمر له ~~بألف دينار. ### | المأمون ومخارق # وغنى مخارق بحضرة المأمون أبيات مسكين الدارمي وذهب عنه معناها وفيمن ~~قيلت، وهي: # على الطائر الميمون والسعد إنه ... لكلك أناس أنجم وسعود # ألا ليت شعري ما يقول ابن عامر ... ومروان أم ماذا يقول سعيد # إذا المنبر الغربي خلى مكانه ... فإن أمير المؤمنين يزيد # وابن عامر هو عبد الله بن عامر بن كريز، ومروان بن الحكم بن أبي العاص، ~~وسعيد بن العاص، وهؤلاء شيوخ بني أمية والمترشحون للخلافة بعد معاوية، ~~وعمرو بن سعيد بن العاص هو الأشدق، وطلب الخروج على عبد الملك بن مروان ~~فقتله. فلما بلغ مخارق إلى آخر البيت الأخير وهم أن يقول يزيد استيقظ، ~~فقال: مخارق، فضحك المأمون وقال: لو قلت يزيد ما عشت. ### | الملح تصرف المخاوف وتنقذ الملهوف # وكم صرفت الملح من مخوف، وأنقذت من ملهوف. قال عيسى بن يزيد بن دأب: أرسل ~~يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن جعفر في جارية له مغنية يسأله إياها؛ فقال ~~له الرسول: أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك: فلانة أعجبتني، ويجب أن ~~تؤثرني بها. فقال عبد الله لمولاه بديح المليح: أي شيء يقول؟ قال بديح: ~~فقلت له: يقرئك السلام، ويقول: كيف بت في ليلتك هذه؟ قال: يقول عبد الله: ~~أقرئ أمير المؤمنين السلام. فقال الرسول: ليس كذا قلت ولا له جئت. فقال: ما ~~يقول؟ فأعاد بديح القول، ms015 فخرج الرسول مغضبا ومضى إلى يزيد فقال: يا أمير ~~المؤمنين، بلغت ابن جعفر رسالتك وإلى جنبه رجل مجنون ما أدري كيف هو يحكي ~~خلاف ما أقول! فقال: علي به، قال بديح: فذهب بي إليه، فلما دخلت شتمني ~~وقال: تصنع هذا؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، متى عهدك بابن جعفر لا يسمع؟ ~~إقباله علي يسألني منع لجاريته وبخل بها؛ كره أن يعطيكها لمحبته لها فما ~~ذنبي أنا؟! فضحك يزيد وقال: لعل الشيخ ضنين بجاريته. ### | المأمون يشدد في الغناء # PageV01P008 # وكان المأمون قد حرم الغناء وشدد فيه فلقي علي بن هشام إسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي على الجسر، فقال إسحاق لعلي بكلام يخفيه: قد زارتني اليوم فلانة، ~~وهي أطيب الناس غناء، فبحياتي إلا كنت اليوم عندي. فوعده بالحضور وتفرقا، ~~وإذا بطفيلي يسمع كلامهما فمضى من وقته، فلبس ثيابا حسنة؛ واستعار من بعض ~~إخوانه بغلة فارهة بسرجها ولجامها، فركبها وأتى باب علي بن هشام بعد أن نزل ~~من الركوب بساعة، فقال للحاجب: عرف الأمير أن رسول صاحبه إسحاق بن إبراهيم ~~بالباب؛ فدخل الحاجب وخرج مسرعا وقال: ادخل جعلت فداك، فدخل على علي فرحب ~~به، فقال له: يا سيدي يقول لك أخوك: تعلم ما اتفقنا عليه فلم تأخرت عني؟ ~~فقال له: الساعة وحياتك نزلت من الركوب، والساعة أغير ثيابي وأوافيه، ~~فاستوى على دابته ووافى منزل إسحاق؛ فقال للحاجب: عرف الأمير أني رسول علي ~~بن هشام؛ فدخل الحاجب وخرج فقال: ادخل! جعلني الله فداك؛ فدخل فسلم وقال: ~~أخوك يقرئك السلام ويقول لك: الساعة نزلت من الركوب، وقد غيرت ثيابي وتأهبت ~~للمسير فما ترى؟ فقال: قل له يا سيدي قتلتنا جوعا، فبحياتي إلا ما حضرت. ~~فرجع إلى باب علي وقال للحاجب: تعرفه أن الأمير أمرني ألا أبرح أو يجيء ~~معي. # فغير علي بن هشام ثيابه، وركب دابته، وتبعه الطفيلي حتى نزل بباب إسحاق ~~بن إبراهيم، ونزل الطفيلي معه، ودخلا جميعا فسلما وجلسا، وجيء بالطعام ~~فأكلوا، وإسحاق لا يشك أنه أخص الناس بعلي، وعلي لا يشك أنه أخص الناس ~~بإسحاق، ms016 ثم غسلوا أيديهم وقدموا الشراب، وخرجت جارية من أحسن الناس وجها ~~وزيا، فجلست وأتيت بعود، فغنت أحسن غناء، ودارت الأقداح فلم يزالوا على ذلك ~~إلى بعد العصر، وأخذ الطفيلي البول حتى كاد يأتي على ثيابه فصبر جهده؛ فلما ~~عيل صبره قام فدخل الخلاء، فقال علي لإسحاق: يا سيدي، ما أخف روح هذا الفتى ~~وأحل نوادره! فمن أي وقع لك؟ قال أوليس هو صاحبك؟! قال: لا وحياتك ولا ~~رأيته قبل يومي هذا، قال: فإنه جاءني برسالتك وقص قصته؛ وقص إسحاق مثلها، ~~وداخله من الغيظ ما لم يملك معه نفسه؛ وقال: طفيلي يستجرىء علي وعلى النظر ~~إلى حرمي والدخول إلى داري! يا غلمان: السياط والعقابين، المقارع ~~والجلادين. فقامت في الدار جلبة، وأحضروا جميع ذلك، والطفيلي يسمع وهو في ~~الخلاء، ثم إنه خرج رافعا ثيابه غير مكترث بما فعلوه، وهو مقبل على تكة ~~لباسه يشدها، ويتمشى في صحن الدار وهو يقول: جعلت فداك! إيش بي من جهدك! ~~فهل عرفتني مع هذا كله؟ فقال إسحاق: ومن أنت؟ فقال: أنا صاحب خبر أمير ~~المؤمنين، وعينه على سره، والله لولا تحرمي بطعامك وممالحتي لتركتكما في ~~عمى من أمري، حتى كنت تعرف عاقبة حالك وإقدامك على ما فيه هلاكك وفساد ~~أمرك! فقام إليه إسحاق وعلي يسكتانه وقالا له: يا هذا، إننا لم نعرفك ولم ~~نعلم حالك، ولك الفضل علينا، وأنت المحسن المجمل إلينا؛ ولكن تمم إحسانك ~~بسترك ما نحن عليه. # ثم قال إسحاق: يا غلام، الخلع! فأتي بثياب فاخرة فصبت عليه، وتقدم بإسراج ~~دابة هملاج بسرج مخفف ولجام حسن؛ ولم يزالا به حتى طابت نفسه، ووعدهما ~~كتمان أمرهما، وحضر وقت الانصراف فودعهما وانصرف، فأتبعه إسحاق بخادمه معه ~~صرة فيها ثلاثمائة دينار، فأخذها وركب الدابة ومضى. # فلما كان من الغد دخل علي بن هشام على المأمون. فقال: يا علي؛ كيف كان ~~خبرك أمس؟ على حسب ما يجري السؤال عنه فتغير لونه، ولم يشك في أن الحديث ~~رفع إليه؛ فأكب على البساط يقبله وقال: يا أمير المؤمنين، العفو، يا ms017 أمير ~~المؤمنين، الأمان. قال: لك الأمان. فأخبره بالقصة من أولها إلى آخرها. فضحك ~~المأمون حتى كاد يغشى عليه، وقال: ما في الدنيا أملح من هذا. ووجه خلف ~~إسحاق، فلما حضر قال: هيه يا إسحاق؟ كيف كان خبرك أمس؟ فأخبره كخبر علي بن ~~هشام والمأمون يضحك. ثم قال: يا إسحاق؛ بحياتي أطلب الرجل وجئني به، فلم ~~يزل يطلبه حتى وجده، فكان أحد ندماء المأمون. ### | الجنابي وصاحب الأحمال # PageV01P009 # ولما ظفر سليمان بن حسن الجنابي يوم الهبير بالحجاج وقتلهم فأخذ أموالهم، ~~كان في جملة ما أخذ أحمال فيها من رفيع البز والثقل وظريف الوشي والمصمت ما ~~أعجبه وأبهته. فقال: علي بصاحب هذه الأحمال. قال صاحبها: فأتيته فقال: ما ~~منعك أن يكون ما جئت به أكثر من هذا؟ فقلت: لو علمت أن السوق بهذا النفاق ~~لفعلت، فاستظرفني ودفع إلي مالا وجميع ما أخذ لي، وأرسل معي من يحفظني حتى ~~وصلت. # وكان أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات الوزير المعروف بابن حنزابة ~~وحنزابة: أمه رومية، ولها من العقل والحزم ما نوه باسمها قد اقتطع في أيام ~~الإخشيد قيمة مائة دينار في أمور تولاها له، فحاسب أبا زكريا النصراني، ~~المعروف بحبوسة، وكان على الخراج، فألزمه عشرة آلاف دينار وطالبه بها، ~~فقال: أعز الله الأمير! وهل قامت علي حجة يلزمني بها الأداء؟ قال: هو ما ~~أقول لك يا لص! فقال: إنما هو لصيص، فضحك وتركه. ### | الملح تبلغ المطالب وترفع من لا قدم لقومه # وكم أفادت من الرغائب، وبلغت من المطالب، ورفعت من لا قدم لقومه، ولا أمس ~~ليومه. # كما حكى أبو الحسن المدائني قال: كان بالبصرة ثلاثة إخوان يتعاشرون ولا ~~يفترقون؛ اثنان شاعران والآخر منجم لا يحسن شيئا، ففني ما بأيديهم، فخرج ~~الشاعران إلى بغداد، فمدحا من بها من الأشراف؛ فرجعا وقد اعتقدا أموالا ~~نفيسة، وبقي صاحبهما في فقره؛ فقالا له: لو ذهبت فتسببت؟ فقال: ما لي صناعة ~~ولا عندي بضاعة. فقالا: على كل حال معك ظرف ولك لطف. # فخرج إلى بغداد واتصل بيقطين بن موسى ms018 وقال: ما أتيت إليك بشيء، غير أني ~~أكذب الناس، فضحك وخف على قلبه؛ فكان في جملة حاشيته. # فغضب المهدي على عبد الله بن مالك الخزاعي؛ فأتاه الرجل وهو من المهدي في ~~أشد السخط، وقد ألزمه داره؛ فقال للحاجب: استأذن على الأمير، وقل له: رسول ~~الأمير يقطين بالباب، فدخل وخرج له بالإذن فدخل. وقال: الأمير يقول لك: ~~اليوم كنت عند أمير المؤمنين فدكرته سالف حقوقك وقديم خدمتك؛ فعفا عنك، ~~وأمرك بالركوب غدا ليخلع عليك ويجدد الرضا عنك بمحضر الناس. # فسر عبد الله بذلك، ودفع إلى الرجل مالا، وبكر إلى دار المهدي، فاستأذن ~~عليه. فلما دخل قال: ما جاء بك؟ قبحك الله! وقد أمرناك بلزوم دارك؟ قال: ~~أوما رضيت عني يا أمير المؤمنين، وأمرت يقطينا بإحضاري؟ فقال: إذا لا رضي ~~الله عني، ولا خطر هذا بقلبي. قال: فرسوله أتاني بذلك. قال: علي بيقطين: ~~فأتي به فقال: أتكذب علي وتحكي علي ما لم أقله؟ قال: وما ذاك يا أمير ~~المؤمنين؟ قال: زعمت أني رضيت عن هذا. فقال يقطين: وأيمان البيعة يا أمير ~~المؤمنين إن كنت سمعت بشيء من هذا أو قلته. قال عبد الله: بل أتاني رسولك ~~فلان. فبعث خلف الرجل بحضرة المهدي، فلما حضر قال: ما هذا الذي فعلت؟ قال: ~~يا سيدي، هذا بعض ذلك المتاع، بدأت في نشره خوفا عليه من السوس. فقال ~~المهدي: ما يقول؟ فأخبره يقطين بأول أمره معه، فضحك المهدي وجدد الرضا عن ~~عبد الله بن مالك، ووصل الرجل بصلة جزيلة، ووصله عبد الله بأوفر صلة؛ ~~فانصرف إلى صاحبيه واسع النعمة عظيم المال. ### | حاجة أهل الأدب إلى ظريف المضحكات # وهل يستغني أهل الأدب وأولو الأرب عن معرفة ظريف المضحكات، وشريف ~~المفاكهات، إذا لاطفوا ظريفا، أو مازحوا شريفا؟ فقد قال الأصمعي: بالعلم ~~وصلنا وبالملح نلنا. # وروى أبو هفان قال: دخل أبو نواس على يحيى بن خالد فقال له: يا أبا علي؛ ~~أنشدني بعض ما قلت؛ فأنشده: # كم من حديث معجب لي عندكا ... لو قد نبذت به إليك لسركا # إني ms019 أنا الرجل الحكيم بطبعه ... ويزيد في علمي حكاية من حكى # أتتبع الظرفاء أكتب عنهم ... كيما أحدث من أحب فيضحكا # فقال له يحيى: يا أبا علي؛ إن زندك ليوري بأول قدحة. فقال ارتجالا في ~~معنى قول يحيى: # أما زند أبي علي إنه ... زند إذا استوريت سهل قد حكى # إن الإله لعلمه بعباده ... قد صاغ جدك للسماح ومزحكا # تأبى الصنائع همتي وقريحتي ... من أهلها وتعاف إلا منحكا # وحضر الجماز مع أبي نواس مجلس قينة، فأقبل الجماز يمالحها ويمازحها وأبو ~~نواس ساكت؛ فمالت إليه، فقال الجماز: # PageV01P010 # أبو نواس جذره شعره ... وجذرنا حسن الحكايات # فجذرنا أكثر من جذره ... مدا على أهل المروءات # فقال أبو نواس: # صدقت لا ننكر هذا كما ... أمك رأس في المناحات # فأقبلت القينة على أبي نواس وغنت، فقال لها الجماز: ما سمعت والله أحسن ~~من هذا، فقال أبو نواس: ولا نواح أمك إلا أن يكون عليك فإنه والله أحسن. ~~وكان يصطحبان وهما حدثان، وأمه أذين النائحة وله يقول أبو نواس: # اسقني يابن أذين ... من سلاف الزرجون # وقال أبو ذؤيب في الملح: # وسرب يطلى بالعبير كأنه ... دماء ظباء بالنحور ذبيح # بذلت لهن القول إنك واجد ... لما شئته حلو الكلام مليح # فأمكنه مما يقول وبعضهم ... شقي لدى خيراتهن نطيح # يريد أن الملاحة نفعته عندهن حتى أمكنه مما يريد: وقال أعرابي: # ألا زعمت عفراء بالشام أنني ... غلام جوار لا غلام حروب # وإني لأهدى بالأوانس كالدمى ... وإني بأطراف القنا للعوب # وإني على ما كان من عنجهيتي ... ولوثة أعرابيتي لأديب # كأن الأدب غريبة عند العرب؛ فافتخر بما عنده منه، وأنه يرجو به القربى ~~ويأمل به الزلفى. ### | من فقدت مؤانسته ثقل ظلمه # ورب مجلس فض فيه ختام النشاط، ونشر بساط الانبساط، وفيه بغيض لا يفيض، ~~بقدح في مزح، قد ثقل ظله، وركد نسيمه، وجمد هواه، وغارت نجومه؛ فاستثقله من ~~حضر، وعاد صفوهم إلى كدر، وأنكرت مجالسته؛ إذ فقدت مؤانسته، ولو كانت له ~~دراية، أو معه رواية، أو عنده حكاية، ما كان كما قال الشاعر: # مشتمل بالبغض لا ms020 تنثني ... إليه بغضا لحظة الرامق # يظل في مجلسنا جالسا ... أثقل من واش على عاشق # ولا كما قال الحمدوني لبعض الثقلاء: # سألتك بالله إلا صدقت ... وعلمي بأنك لا تصدق # أتبغض نفسك من بغضها ... وإلا فأنت إذا أحمق # وقال أبو علي العتابي: حدثني الحمدوني قال: بعث إلي أحمد بن حرب المهلبي ~~في غداة السماء فيها مغيمة، فأتيته والمائدة مغطاة موضوعة، وقد وافت عجاب ~~المغنية قبلي، فأكلنا جميعا وجلسنا على شرابنا، فما راعنا إلا داق يقرع ~~الباب. فأتاه الغلام فقال: بالباب فلان. فقال لي: إنه فتى ظريف من آل ~~المهلب؛ فقلت: ما نريد غير ما نحن فيه، فأذن له، فجاء يخطر وقدامي قدح فيه ~~شراب فكسره، وإذا رجل آدم أدلم ضخم، فتكلم فإذا به أعيا الناس، وتخطى وجلس ~~بيني وبين عجاب، فدعوت بدواة وقرطاس وكتبت: # كدر الله عيش من كدر العي ... ش وقد كان سائغا مستطابا # جاءنا والسماء تؤذن بالغي ... ث وقد طابق السماع الشرابا # كسر الكأس وهي كالكوكب الدر ... ي ضمت من المدام لعابا # قلت لما رميت منه بما أك ... ره والدهر ما أفاد أصابا # عجل الله غارة لابن حرب ... تدع الدار بعد شهر خرابا # ودفعت لرقعة إلى أحمد، فقرأها وقال: ويحك! هلا نفست؟ فقلت: بعد حول؟ قال: ~~قلت: إنما أردت أن أقول بعد يوم، ولكن خلفت أن تلحقني مضرته. وفطن الثقيل ~~فنهض. فقال لي: آذيته، فقلت: بل هو آذاني. # وهذا لعمري وإن أساء في قدومه وإقدامه، فقد أحسن في نهوضه وقيامه، وقد ~~قال الشاعر: # ولما تخوفت ولا لوم أن ... تدبر من ودك بالمقبل # أقللت من إتيانكم إنه ... من خاف أن يثقل لم يثقل # وكان يجالس أبا عبيدة معمر بن المثنى رجل ثقيل اسمه زنباع، فكان كالشجا ~~المعترض في حلقه يتناكده ويسيء خلقه؛ فلا يتكلم أبو عبيدة بكلمة إلا عارضه ~~بكثرة جهله، وقلة عقله. فقال رجل لأبي عبيدة: مم اشتقت الزنبعة في كلام ~~العرب؟ فقال: من التثاقل والتباغض، ومنه سمي جليسنا هذا زنباعا. # وامتحن أبو عبد الرحمن العتبي بمثل ذلك من رجل، ms021 فلما طال عليه أنشده: # أما والذي نادى من الطور عبده ... وأنزل فرقانا وأوحى إلى النحل # لقد ولدت حواء منك بلية ... علي أقاسيها وثقلا من الثقل # PageV01P011 # وانحدر خالد بن صفوان مع بلال بن أبي بردة إلى البصرة، فلما اقتربا من ~~البطيحة قال بلال لخالد: أتستثقل عكابة النميري؟ قال: كدت والله أيها ~~الأمير تصدع قلبي؛ حين دنونا من آجام البطيحة، وعكر البصرة، وغثاء البحر، ~~ذكرت لي رجلا هو أثقل على قلبي من شارب الأيارج بماء البحر بعقب التخمة، ~~وساعة الحجامة. # وكان عكابة بن غيلة هذا أهوج جاهلا، ودخل على بلال فرأى ثورا مجللا ناحية ~~الدار فقال: ما أفره هذا البغل إلا أن حوافره مشققة. # وترك بعض الظرفاء النبيذ، فتحاماه معاشروه خوفا أن يكون ما أحدث من الترك ~~دعاه إلى زيادة النسك، وأوجب له الانقباض والإعراض عما كانوا معه فيه ~~يفيضون ويخوضون فقال: # تحاموني لتركي شرب راح ... وقالوا يشرب الماء القراحا # وما انفردوا بها دوني لفضل ... إذا ما كنت أكثرهم مزاحا # وأرقصهم على وتر وصنج ... وأظرفهم وألطفهم مراحا # إذا شقوا الجيوب شققت جيبي ... وإن صاحوا علوتهم صياحا ### | الفكاهة من أسباب الاقتراب # وقال الفتح بن خاقان: ما رأيت أحلى من ابن أبي دواد، كنت يوما ألاعب ~~المتوكل الشطرنج فاستؤذن له، وهو يومئذ قاضي القضاة، لم يتغير عما كان عليه ~~أيام الواثق بعد، وله جلالة الشرف والعلم؛ فأمرنا بعض الغلمان برفعها ~~استحياء منه، فقال له المتوكل: والله ما ترفع، وما كنت لأستتر من ابن أبي ~~دواد بشيء لا أستتر به من الله عز وجل؛ فدخل وهي بين أيدينا، فقال له ~~المتوكل: أيها القاضي؛ إن الفتح استحيا منك، فأراد رفع الشطرنج، فقال: ما ~~استحيا مني؛ إنما كره أن أعلم عليه، فاستحلاه المتوكل، وخف على قلبه. # ورب مستثقل ازور له الجناب، وطال به الاجتناب، كانت له الفكاهة من أسباب ~~الاقتراب. وذكر أن روح بن زنباع بعد ما بينه وبين عبد الملك بن مروان حتى ~~استثقل جانبه؛ وأحس روح منه التغير؛ فقال لبعض جلساء عبد الملك: إذا حضرنا ms022 ~~مجلس الأنس عند أمير المؤمنين فسلني: هل كان ابن عمر يسمع المزاح؟ فلما ~~اجتمعوا سأل الرجل روحا فقال: نعم! وإن أذن أمير المؤمنين تحدثت. فقال عبد ~~الملك: قل، فقال: إن ابن أبي عتيق كان صاحب لهو وغزل وعلى عفافه وشرفه؛ ~~وكانت له امرأة من أشراف قريش، فغاضبته في بعض الأمر، فقالت: # ذهب الإله بما تعيش به ... وقمرت مالك أيما قمر # أنفقت مالك غير متئد ... في كل زانية وفي الخمر # فكتب ابن أبي عتيق الشعر وخرج به في يده، فلقي ابن عمر فقال: ما ترى فيمن ~~هجاني في هذا الشعر؟ فقال: أرى أن تعفو وتصفح، قال: والله لئن لقيت قائلهما ~~لأ ... فأخذ ابن عمر الأفكل، ولبط به الأرض، وقال: لا أكلمك أبدا، ثم لقيه ~~بد ذلك؛ فلما أبصره ابن عمر أعرض عنه، فقال له: بالقبر ومن فيه إلا سمعت ~~مني حرفين، فولاه قفاه، وأنصت له، فقال: علمت يا أبا عبيد الرحمن أني لقيت ~~قائل ذلك الشعر و ... ؟ فصعق عبد الله وسقط على الأرض، فلما رأى ابن أبي ~~عتيق ما حل به دنا من أذنه، فقال: إنها امرأتي أعزك الله. فقام ابن عمر ~~فقبله بين عينيه. فقال عبد الملك: ما أملحك يا روح! إنك كل يوم لتأتينا ~~بطريفة. ### | جبن روح # وكان روح مفرطا في الجبن، فلما ولى عبد الملك أخاه بشرا على الكوفة أصحبه ~~روحا، وقال له: يا بني، روح مثل عمك فلا تقطع أمرا دونه لصدقه وعفافه ~~وصحبته لنا أهل البيت. وقال لروح: اخرج مع ابن أخيك. فخرج معه وكان بشر ~~ظريفا أديبا، يحب الشعر والسمر والسماع والشرب؛ فراقب روحا، وقال لأصحابه: ~~أخاف أن يكتب بأخبارنا إلى أمير المؤمنين، فضمن له بعض ندمائه أن يكفيه ~~أمره من غير سخط ولا لائمة، وكان روح غيورا إذا خرج من منزله أغلقه ثم ختمه ~~بخاتمه حتى يعود فيفضه بيده، فأخذ الفتى دواة وقلما، وأتى ممسيا فقعد ~~بالقرب من دار روح مستخفيا، وخرج روح إلى الصلاة، فتوصل الفتى حتى دخل ~~الدهليز وكمن تحت درجة فيه ms023 وكتب في الحائط: # يا روح من لبنيات وأرملة ... إذا نعاك لأهل المشرق الناعي # إن ابن مروان قد حانت منيته ... فاحتل لنفسك يا روح بن زنباع # فلا تغرنك أبكار منعمة ... فاسمع هديت مقال الناصح الداعي # PageV01P012 # ثم رجع إلى مكانه من الدهليز، فلما خرج روح من الغلس، وتبعه غلمانه خرج ~~الفتى في جملتهم متنكرا وخلص. # فلما أسفر الصبح دخل روح فتأمل الكتابة فراعه وقال: ما كتب هذا إنسي، وما ~~يدخل هذه الدار سواي، ولا حظ في المقام بالعراق؛ ثم نهض من ساعته ودخل على ~~بشر وقال: يابن أخي، أوصني بما أحببت من حاجة أو سبب عند أمير المؤمنين. ~~فقال له: هل رأيت منا ما تكره؛ أو أنكرت شيئا من سيرتنا فلم يسعك المقام؟ ~~فقال: لا والله، جزاك الله عن نفسك وعن سلطانك خيرا، ولكن حدث أمر لا بد لي ~~من الشخوص فيه. فأقسم عليه ليخبرنه بالخبر. فقال: إن أمير المؤمنين قد مات ~~أو هو ميت. فقال بشر: ومن أين علمت ذلك؟ فأخبره بخبر الكتابة، وقال: ليس ~~يدخل داري أحد غيري، وما كتبه إلا الملائكة أو الجن. فقال بشر: أقم فإني ~~لأرجو ألا يكون لهذا حقيقة. فأبى. # وقدم على عبد الملك فقال له: ما أقدمك؟ أنكرت شيئا من حال بشر؟ قال: لا ~~والله، وذكر حسن سيرته، وقال: إنما جئت في أمر لا يمكنني ذكره إلا خاليا. ~~فقال عبد الملك: إن شئتم، وخلا بروح فأخبره القصة، وأنشد الأبيات؛ فضحك عبد ~~الملك حتى فحص برجليه، وقال: ثقلت والله على بشر؛ فاحتال عليك ليخلوا له ~~أمره. ### | من مزح الجادين # قال إسحاق: حدثني رجل من قريش قال: قال لي محمد بن خالد القرشي: ذكرت لي ~~جارية عند أبي فلان القاضي، فامض بنا إليه. قال: فصرنا إليه واستأذنا فإذا ~~هو يصلي؛ فلما فرغ من صلاته قال: لأمر ما جئتم؟ قلت: فلانة. قال لغلامه: يا ~~غلام، علي بفلانة لتخرج، فخرجت علينا جارية كأنها مها تتثنى في مشيتها؛ ~~فلما قعدت وضع عود في حجرها، فجسته واندفعت تغني: # عوجي علي وسلمي ms024 جبر ... كيف الوقوف وأنتم سفر # ما نلتقي إلا ثلاث منى ... حتى يفرق بيننا النفر # فقام القاضي على أربعة، قال: انحروني فإني بدنة، أهدوني فإني بدنة، والله ~~لا أبيعها بمال يكال، ولا بمال يوزن، ولا بالخلافة، ولا بالدنيا، انصرفوا. # وأتى إسحاق بن إبراهيم الموصلي باب الفضل بن يحيى فحجبه خادم اسمه نافذ ~~مرات؛ فلقيه الفضل فقال: ما لك لا تأتينا يا إسحاق؟ فقال: أتيت أعز الله ~~الأمير فحجبني نافذ. قال: ف ... ، قال: لا يمكنني، فأتى بعد ذلك فحجبه فكتب ~~إلى الفضل: # جعلت فداءك من كل سوء ... إلى حسن رأيك أشكو أناسا # يحولون بيني وبين السلام ... فلست أسلم إلا اختلاسا # وأنفذت أمرك في نافذ ... فما زاده ذاك إلا شماسا # فلقيه بعد ذلك فقال: يا إسحاق، أكان ما ذكرت؟ فقال: بعض ذلك أصلح الله ~~الأمير، فضحك وتقدم ألا يحجبه أحد إن أراد الدخول، وإنما كان الفضل استثقل ~~إسحاق لبأو كان فيه، وكان الفضل أكبر الناس كبرا، وأعظمهم تعاظما. وقال بعض ~~الشعراء: # وما على المرء ما لم يأت فاحشة ... في لذة العيش لا عار ولا حرج # يأيها اللائمي فيما لهوت به ... عرج بلومك إني عنه منعرج ### | بعض من كرهوا المزاح # فإن كره قوم المزاح فلقول أكثم بن صيفي: المزاح يزيح بهجة الأشراف. # وقال أبو سليمان الداراني: أنا أكره المزاح لأنه مزاح عن الحق. # وقال الحسن البصري: المزاح اختراع من الهواء. # وقال زياد: من كثر مزاحه قل إلى النباهة ارتياحه. # وقال عمر بن عبد العزيز: إياك والمزاح فإنه يجر القبيحة، ويورث الضغينة. # وقال الأحنف: لن يسود مزاح، ولن يعظم مفاكه. # وقال سعيد بن العاص لابنه: لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا الدنيء ~~فيجترىء عليك. # وقال أبو نواس: # صار جدا ما مزحت به ... رب جد ساقه اللعب ### | متى يكون المزاح مكروها # وقال ابن المعتز: من كثر مزاحه لم يخل من استخفاف به، أو حقد عليه. فإنما ~~ذلك إذا كان المزاح غالبا على المرء، وكان المرء فيه غالبا يجريه في كل ~~مكان ومع كل إنسان. وقد قال ms025 عمر رضي الله عنه للأحنف: من كثر ضحكه قلت ~~هيبته، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر مزاحه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل ~~ورعه، وذهب حياؤه، ومن ذهب حياؤه مات قلبه. # أو ينزله الممازح تعريضا بالمعايب، وتنبيها على المثالب؛ فذلك المكروه ~~الذميم وصاحبه الملوم. # PageV01P013 # وقد قال خالد بن صفوان: يسعط أحدكم أخاه بمثل الخردل، ويقرعه بمثل ~~الجندل، ويفرغ عليه بمثل المرجل، ويقول: إنما كنت أمزح. # وقال محمود الوراق: # تلقى الفتى يلقى أخاه وخدنه ... في لحن منطقه بما لا يذكر # ويقول كنت ممازحا ومداعبا ... هيهات نارك في الحشا تتسعر # أوما علمت وكان جهلك غالبا ... أن المزاح هو السباب الأصغر # وقال ابن الرومي: # حبذا حشمة الصديق إذا ما ... حجزت بينه وبين العقوق # حين لا حبا انبساط يؤدي ... ه إلى ترك واجبات الحقوق # أين منجاتنا إذا ما لقينا ... من مسيغ الشجا شجى في الحلوق ### | من حسنوا المزاح # وإلا فقد قالوا: لا بأس في المزاح بغير ريبة. # وكان يقال: المزاح من أخلاق ذوي الدماثة. # روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: من كانت فيه دعاة فقد برىء من ~~الكبر. وقد قيل: الممازح يقرب من ذي الحاجة إليه، ويمكن من الدالة عليه. ~~وما زال الأشراف يمزحون ويسمحون بما لم يغض من دياناتهم، ولا يقدح من ~~مروءاتهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: بعثت بالحنيفية السمحة. وقال ~~عليه الصلاة والسلام: إني لأمزح ولا أقول إلا حقا. ### | من مزاح النبي صلى الله عليه وسلم # فمن مزاحه صلى الله عليه وسلم ما روى أنس بن مالك قال: كان لنا أخ يكنى ~~أبا عمير. وكان له نغر يلعب به. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه ~~حزينا فقال: مال له؟ قالوا: مات نغره، فكان إذا رآه بعد ذلك قال: يا أبا ~~عمير ما فعل النغير؟ وكان رجل من أشجع يقال له زاهر بن حرام لا يزال يأتي ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالهدية من البادية والطرفة، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه ms026 وسلم يقول: إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه. فبينما هو في بعض ~~أسواق المدينة إذ أتاه النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه فاحتضنه وقال: من ~~يشتري مني هذا العبد؟ فالتفت الرجل فإذا هو برسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فقبل يده وقال: تجدني كاسدا يا رسول الله. فقال: لا، لكنك عند الله ربيح. # وأتت إليه صلى الله عليه وسلم امرأة فذكرت زوجها بشيء. فقال: زوجك الذي ~~في عينه بياض. قال: فمضت فجعلت تتأمل زوجها فقال: ما لك؟ قالت: قال لي ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إن في عينك بياضا. فقال: بياض عيني أكثر من ~~سوادها. ### | سماع النبي صلى الله عليه وسلم للمزاح # وأما سماعه صلى الله عليه وسلم لذلك فقد روي: أن صهيبا دخل عليه وعينه ~~وجعة وبين يديه تمر، فأقبل صهيب يأكل؛ فقال: أتأكل التمر وعينك وجعة؟ فقال: ~~إنما آكل بحذاء العين الصحيحة، فتبسم صلى الله عليه وسلم. # وذكروا أن أعرابيا أتاه فألفاه مغموما ممتقع اللون؛ فقيل له: لا تكلمه ~~وهو على هذه الحالة، فقال: لا أدعه أو يضحك. ثم جثا بين يديه فقال: يا رسول ~~الله؛ بأبي أنت وأمي! إن الدجال يخرج وقد هلك الناس جوعا فيأتيهم بالثريد، ~~فترى أن آكل من ثريده حتى إذا تضلعت كذبته؟ فضحك صلى الله عليه وسلم وقال: ~~يغنيك الله بما يغني به المؤمنين حينئذ. # وقالت أم سلمة: خرج أبو بكر رضي الله عنه في تجارة إلى البصرة، قبل وفاة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه سويبط بن حرملة وكان قد شهد بدرا ونعيمان، ~~وكان سويبط على الزاد، وكان نعيمان مزاحا، فقال له نعيمان: أطعمني، فقال: ~~حتى يجيء أبو بكر، فقال: أما لأغيظنك، فمروا بقوم فقال نعيمان: أتشترون مني ~~عبدا؟ فقالوا: نعم! فقال: إنه عبد له كلام وهو قائل لكم: إنه حر، فإذا قال ~~هذه المقالة تركتموه فلا تفسدوا علي عبدي. فقالوا: بل نشتريه. قال: فاشتروه ~~مني بعشر قلائص، ثم أخذوه فوضعوا في عنقه حبلا، فقال سويبط: إني حر ولست ~~بعبد وهذا يستهزىء ms027 بكم. فقالوا له: قد خبرنا خبرك، فانطلقوا به، فجاء أبو ~~بكر فأخبروه الخبر، فاتبع القوم فرد عليهم القلائص وأخذ منهم سويبطا. ولما ~~قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه الخبر، ضحك صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه حوله. # PageV01P014 # وكان سويبط قد كف بصره بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيه نعيمان ~~في المسجد وهو يقول: من يخرجني حتى أبول؟ قال: أنا، وأخذ بيده فمضى به إلى ~~زاوية في المسجد عامرة بالناس، فقال له: بل ههنا، فلما كشف ثوبه صاح الناس ~~عليه من كل ناحية. فقال: من غرني؟ قالوا: نعيمان، فقال: لله علي لئن لقيته ~~لأضربنه بعصاي؛ فلقيه بعد أيام فقال: أتحب أن أدلك على نعيمان لتوفي نذرك؟ ~~قال: نعم، لله أبوك! فأخذ بيده حتى أتى عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو ~~يصلي فقال: هذا هو. فرفع عصاه وضربه؛ فصاح به الناس وقالوا: أوجعت أمير ~~المؤمنين، فقال: من قادني؟ قالوا: نعيمان، قال: لا يغرني بعدها. # وابتاع عبد الله بن رواحة جارية وكتم ذلك امرأته؛ فبلغا ذلك فالتمست كونه ~~عندها فأخبرت بذلك؛ فلما جاءها قالت له: بلغني أنك ابتعت جارية وأنك الساعة ~~خرجت من عندها، وما أحسبك إلا جنبا؟ قال: ما فعلت، قالت: فاقرأ آيات من ~~القرآن فقال: # شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا # وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا # وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مقربينا # فقالت: أما إذ قد قرأت القرآن فقد علمت أنك مكذوب عليك. # وافتقدته ليلة أخرى فلم تجده على فراشها، فلم تزل تطلبه حتى قدرت عليه في ~~ناحية الدار، فقالت: الآن صدقت ما بلغني فجحدها. فقالت: اقرأ آيات من ~~القرآن، فقال: # وفينا رسول الله يتلو كتابه ... كما انشق معروف من الفجر ساطع # أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع # يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا أثقلت بالمشركين المضاجع # وأعلم علما ليس بالظن أنني ... إلى الله محشور هناك فراجع # فقالت: آمنت بالله وكذبت ظني. فأخبر بذلك النبي ms028 صلى الله عليه وسلم؛ فضحك ~~وقال: هذا لعمري من معاريض الكلام، يغفر الله يابن رواحة خياركم خيركم ~~لنسائكم. # وقال العجاج: أنشدت أبا هريرة: # طاف الخيالان فهاجا سقما ... خيال سلمى وخيال تكتما # قامت تريك رهبة أن تصرما ... ساقا بخنداة وكعبا أدرما # فقال أبو هريرة: قد كان يحدي بها ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلا ينكر. ### | زعم قوم أن إنشاد الشعر ينقض الوضوء # وقيل لابن سيرين: إن قوما يرون أن إنشاد الشعر ينقض الوضوء؛ فقال: # نبثت أن فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول # ثم قال: الله أكبر ودخل في الصلاة. # وسئل عن ذلك مرة أخرى وقد استفتح الصلاة فأنشد للأعشى: # وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحا بها الكلب إلا هريرا # وتبرد برد رداء العرو ... س بالصيف رقرقت فيه العبيرا # ثم كبر وصلى. # وقال جرير بن حازم: كنت في مسجد الجهاضم فقرضت بيت شعر، فقالوا: ما نراك ~~إلا قد أحدثت فتوضأ، فذعرني قولهم؛ فأتيت ابن سيرين وقد قام إلى الصلاة ~~فقلت: رويدك يا أبا بكر! فقال: مهيم؟ فعرفته، فقال: هلا رددت عليهم: # ديار لرملة إذ عيشنا ... بها عيشة الأنعم الأفضل # وإذ ودها فارغ للصدي ... ق لم تتغير ولم تتبدل # كأن الثلوج وماء السحا ... ب والقرقفية بالفلفل # وماء القرنفل والزنجبي ... ل شيب به ثمر السنبل # يصب على برد أنيابها ... قبيل الصباح ولم ينجل # ثم قال: الله أكبر. # وقيل لابن سيرين: أنشد القذع من الشعر وأصلي؟ فقال: # وأنت لو باكرت مشمولة ... صفراء مثل الفرس الأشقر # رحت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بدا هنك من المئزر ### | مساجلة بين ابن الأنباري وابن المعتز # وها هنا مساجلة جرت بين أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري وأبي العباس عبد ~~الله بن المعتز، لها في هذا الموضع موقع وهي طويلة اختصرت منها موضع ~~الحاجة: # PageV01P015 # كتب ابن الأنباري إليه: جرى في مجلس الأمير ذكر الحسن بن هانىء والشعر ~~الذي قاله في المجون وأنشده وهو يؤم قوما في صلاة؛ وهو إن لكل ساقطة لاقطة، ~~وإن لكلام القوم ms029 رواة، وكل مقول محمول. فكان حق شعر هذا الخليع ألا يتلقاه ~~الناس بألسنتهم؛ ولا يدونونه في كتبهم، ولا يحمله متقدمهم إلى متأخرهم؛ لأن ~~ذوي الأقدار والأسنان يجلون عن روايته، والأحداث يغشون بحفظه، ولا ينشد في ~~المساجد، ولا يتحمل بذكره في المشاهد؛ فإن صنع فيه غناء كان أعظم لبليته؛ ~~لأنه إنما يظهر في غلبة سلطان الهوى، فيهيج الدواعي الدنيئة، ويقوي الخواطر ~~الرديئة؛ والإنسان ضعيف يتنازعه على ضعفه سلطان القوى؛ ونفسه الأمارة ~~بالسوء، والنفس في انصبابها إلى لذاتها بمنزلة كوة منحدرة من رأس رابية إلى ~~قرار فيه نار، إن لم تحبس بزواجر الدين والحياء أداها انحدارها إلى ما فيه ~~هلكتها. # والحسن بن هانىء ومن سلك سبيله من الشعر الذي ذكرناه شطار كشفوا للناس ~~عوارهم، وهتكوا عندهم أسرارهم، وأبدوا لهم مساويهم ومخازيهم، وحسنوا ركوب ~~القبائح. # فعلى كل متدين أن يذم أخبارهم وأفعالهم، وعلى كل متصور أن يستقبح ما ~~استحسنوه، ويتنزه من فعله وحكايته. وقول هذا الخليع: ترك ركوب المعاصي ~~إزراء بعفو الله تعالى حض على المعاصي أن يتقرب إلى الله عز وجل بها تعظيما ~~للعفو، وكفى بهذا مجونا وخلعا داعيا إلى التهمة لقائله في عظم الدين، وأحسن ~~من هذا وأوضح قول أبي العتاهية: # يخاف معاصيه من يتوب ... فكيف ترى حال من لا يتوب ### | ### | جواب ابن المعتز # # فأجابه ابن المعتز: لم يقل أبو نواس ترك المعاصي إزراء بعفو الله تعالى، ~~وإنما حكى ذلك عن متكلم غيره، والبيت الذي أنشد له بحضرتنا: # لا تحظر العفو إن كنت امرأ حرجا ... فإن حظركه بالدين إزراء # وهذا بيت يجوز للناس جميعا استحسانه والتمثل به، ولم يؤسس الشعر بانيه ~~على أن يكون المبرز في ميدانه من اقتصر على الصدق ولم يغو بصبوة، ولم يرخص ~~في هفوة، ولم ينطق بكذبة، ولم يغرق في ذم، ولم يتجاوز في مدح، ولم يزور ~~الباطل ويكسبه معارض الحق؛ ولو سلك بالشعر هذا المسلك لكان صاحب لوائه من ~~المتقدمين أمية ابن أبي الصلت الثقفي، وعدي بن زيد العبادي؛ إذ كانا أكثر ~~تذكيرا وتحذيرا ومواعظ ms030 في أشعارهما من امرىء القيس والنابغة. فقد قال امرؤ ~~القيس: # سموت إليها بعدما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال # فأصبحت معشوقا وأصبح بعلها ... عليه القتام سيىء الظن والبال # يغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتال # وقال النابغة: # وإذا لمست لمست أخثم رابيا ... متحيزا بمكانه ملء اليد # وإذا طعنت طعنت في مستهدف ... وابي المجسة بالعبير مقرمد # وهل يتناشد الناس أشعار امرىء القيس والأعشى والفرزدق وعمر بن أبي ربيعة ~~وبشار وأبي نواس على تعيهرهم، ومهاجاة جرير والفرزدق إلا على ملأ الناس وفي ~~حلق المساجد؟ وهل يروي ذلك إلا العلماء الموثوق بصدقهم. وقد نفى حسان بن ~~ثابت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فما بلغنا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنكر ذلك عليه في هجائه حيث يقول: # وأنت ربيط نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد # وقد زعم بعض الرواة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحارث: أنت من خير ~~أهلي. وما نهى النبي صلى الله عليه وسلم ولا السلف الصالح من الخلفاء ~~المهديين بعده عن إنشاد شعر عاهر ولا فاجر. # ولقد أنشد سعيد بن المسيب وغيره من نظرائه تهاجي جرير وعمر بن لجأ فجعل ~~يقول: أكله أكله. يعني أكله جرير ولم ينكر شيئا مما سمعه. ### | رد ابن الأنباري # PageV01P016 # فأجابه ابن الأنباري: قد صدق سيدنا أيده الله في كل ما قاله من الأشعار ~~التي عدل قائلوها عن سنن المؤمنين المتقين، ولم أكن أجهل أكثر ذلك، إلا أنه ~~لم يخطر ببالي ذكر ما كنت أعرف منه في وقت كتابتي ما كتبت به، وما كل ما ~~يعرف الإنسان يحضره، ولا تتواتى كل وقت خواطره؛ على أن الذي جرى في هذا ~~الأمر إنما هو على سبيل التعلم والتفهم. يذكر الذاكر شيئا قد تقدم صوابه. ~~فيحتج له، وعليه فيه حجة قد تركها، فيكشف السامع لها غطاءه مستبصرا أو ~~مذكرا، فإن كان الحق ضالته وجد ما ابتغى، وغنم ما وجد، وإن أنف من الرجوع، ~~واشتد عليه النزوع، جحد ms031 ما علم، واحتج لما جهل؛ لأن كل مطالب بباطل لا يخلو ~~من جهل بما يدعي، أو جهل بما يعرف، ولم يعقد أعز الله الأمير مجلس لمناظرة ~~في علم يعطى النظر فيه حقه إلا فاز المرء فيه باستفادة صواب كان يجهله، ~~ورجوع عن خطأ كان يعتقده. # ولست أعز الله الأمير بمعصوم، ومن لم يكن معصوما لم يكن صوابه بمضمون، ~~ولا زلله بمأمون، وعلى حسب ما جرى تعلق قلبي بمعرف ما تضمنته رقعتي هذه من ~~الأمير، فإن كان لامتنانه بتعريفي ذلك في جواب عنها وجيه جرى فيه على عادة ~~طوله وفضله إن شاء الله. ### | جواب ابن المعتز # فأجابه ابن المعتز: إنما أحببت أعزك الله أن تكون من الإخوان الذين ~~يتجانون ثمر التناصح فيتذاكرون فيتذكرون، ويتدارسون فيفيدون ويستفيدون، ~~ففتحت بيني وبينك هذا الباب آذنا بالولوج علي منه، واثقا بكمال عقلك في ~~المسارعة إليه، وصنت مودتنا على استحسان مزور، وتعمد الجحد في إقراره، وملق ~~مكاشر يظهر التصديق بلا إنكار. ولا يزال الإخوان يسافرون في المودة حتى ~~يلقوا الثقة فتلقى عصا التسيار، وتطمئن بهم الدار، وتقبل وفود النصائح، ~~وتؤمن خبايا الضمائر، وتلقى ملابس التخلق، وتحل عقد التحفظ، وقد أبعدك الله ~~تعالى من الخطأ لما أشرق نور الصواب، ولم لا وبلى يصطرعان على الحق، ~~وبالتعب وطىء فراش الراحة، وبالبحث تستخرج دفائن العلوم، ولا فرق بين إنسان ~~يقاد وبهيمة تنقاد. # ولولا أن الناس اختلفوا متفرقين لاختلفوا متشاحين، ولما قصدوا بالسكنى ~~إلا بقعة من الدنيا يتنافسون فيها، ويتفانون عليها؛ وخير الاختلاف ما اجتنب ~~معنى التمادي على الباطل فاهتدي فيه بالتبصير. كما روي أن عليا رضي الله ~~عنه حاج عمر رضي الله عنه في المرأة التي وضعت لستة أشهر، فأراد عمر رجمها ~~فقال له: قد قال الله تعالى: " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ". فرجع عن ذلك ~~عمر وأمضاه. # وبالتقليد هلك مترفو الكفار القائلون: " إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا ~~على آثارهم مقتدون ". وقال بعضهم: إذا سرك أن تعرف خطأ مؤدبك فجالس غيره. ~~وقال عمر رضي الله عنه: ليس شيء أضر ms032 بالمرء من لجاجة في جهل. وإنما كان ~~يكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل والبحث لشفقته على أمته من نزول ~~معترض يثقل عليهم فيما يسألون عنه، ثم كره عمر وعلي رضوان الله عليهما ما ~~كان يجري على سبيل التعنت، ويفارق سبيل التفقه. ولذلك قال علي رضي الله عنه ~~لابن الكوا: سل تفقها ولا تسل تعنتا. ### | ظرف أهل المدينة # وقال مالك: ما رأيت أشبه بأهل المدينة من ابن سيرين، وأهل المدينة أرق ~~الناس أدبا، وأحلاهم طربا، وأبرعهم شيما، وأطبعهم كرما، ويقال: دل حجازي، ~~وعشق يماني. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: # إن قلبي بالتل تل عزاز ... مع ظبي من الظباء الجوازي # شادن لم ير العراق وفيه ... مع ظرف العراق دل الحجا # وقال أبو تمام: # من شاعر وقف الكلام ببابه ... واكتن في كنفي ذراه المنطق # قد ثقفت منه الشآم وسهلت ... منه الحجاز ورققته المشرق # وكان عبد الملك بن الماجشون يقول: لقد كنا بالمدينة وإن الرجل يحدثني ~~بالحديث من الفقه فيمله علي، ويذكر الخبر من الملح فأستعيده فلا يفعل. ~~ويقول: لا أعطيك ملحي، وأهبك ظرفي وأدبي. # وقال ابن الماجشون: إني لأسمع الكلمة المليحة وما لي إلا قميص واحد ~~فأدفعه إلى صاحبها وأستكسي الله عز وجل. وقيل لأبي السائب المخزومي: أترى ~~أحدا لا يتمنى النسيب؟ قال: أما من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا. ### | أبو السائب وفكاهاته # PageV01P017 # وكان أبو السائب كثير الطرب، غزير الأدب، وله فكاهات مذكورة، وأخبار ~~مشهورة. وكان جده يكنى أبا السائب أيضا، وكان خليطا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل الإسلام؛ وأقبل الإسلام فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكره ~~يقول: نعم الخليط كان أبو السائب لا يداري ولا يماري. واسم أبي السائب عبد ~~الله، وكان أشراف المدينة يقدمونه ويعظمونه لشرف منصبه، وحلاوة طربه. قال ~~الزبير بن بكار: كانت سليمة المشاوبية عاشقة لأفلح مولى الزهريين، فأتاها ~~يوما أبو السائب المخزومي فقال: حدثيني، هل أتاك من حبيبك رسول؟ قالت: لا. ~~قال: فهل قلت في ذلك شعرا؟ قالت: نعم، ثم أنشدته: # ألا ليت ms033 لي نحو الحبيب مبلغا ... يبلغه التسليم ثم يقول # سليمة نضو ما ترجى حياتها ... من الشوق والشوق الشديد قتول # تعالج أحزانا وتبكي صبابة ... وأنت لما تلقاه فيك جهول # فقال أبو السائب: أنا والله رسولك؛ فحفظ الشعر وتوجه نحو أفلح في يوم ~~صائف شديد حره، فلقيه رجل من الأنصار فقال: يا أبا السائب؛ من أين أقبلت؟ ~~قال: من عند سليمة المشاوبية. قال: وإلى أين تريد؟ قال: أريد أفلح مولى ~~الزهريين أبلغه رسالتها. قال: أفي مثل هذا الوقت؟ قال: إليك يابن أخي؟ فإن ~~الجنة حفت بالمكاره؛ وما عبد الله إلا بالصبر على ما ترى. # وقال الزبير: حدثني جدي قال: أتاني أبو السائب المخزومي في ليلة بعدما ~~رقد الناس، فأشرفت عليه وقلت: هل من حاجة؟ فقال: سهرت فذكرت أخا لي أستمتع ~~به فلم أجد أحدا سواك، فلو مضيت بنا إلى العقيق فتناشدنا وتحدثنا؟ قلت: ~~نعم! فنزلت فما زال في حديث إلى أن أنشدته في بعض ذلك بيتي العرجي: # باتا بأنعم ليلة حتى بدا ... صبح تلوح كالأغر الأشقر # فتلازما عند الفراق صبابة ... أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر # فقال: أعده، فأعدته فقال: أحسنت والله! وامرأتي طالق إن نطقت بحرف حتى ~~أرجع إلى بيتي غيره، فمضينا فتلقانا عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ~~وهو منصرف من ماله يريد المدينة. فقال: كيف أنت يا أبا السائب؟ فقال: # فتلازما عند الفراق صبابة ... أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر # فالتفت إلي، وقال: متى أنكرت عقل صاحبك؟ قلت: منذ الليلة، قال: لله أي ~~كهل أصيبت به قريش. ثم مضينا فلقينا محمد بن عمران التيمي قاضي المدينة ~~يريد مالا له على بغلة، وكان أثقل الناس جسما، ومعه غلام له على عنقه مخلاة ~~فيها قيد البغلة، فسلم عليه ثم قال: كيف أنت يا أبا السائب؟ فقال: # فتلازما عند الفراق صبابة ... أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر # فالتفت إلي وقال: متى أنكرت عقل صابحك؟ قلت: آنفا؛ فتركني وانصرف، فقلت: ~~أفتدعه هكذا؟ ما آمن أن يتهور في بعض آبار العقيق، قال: صدقت، يا غلام، ms034 هات ~~قيد البغلة، فوضعه في رجله وهو ينشد البيت ويدافع بيده؛ فلما أطال نزل ~~الشيخ عن البغلة وقال: يا غلام، احمله على بغلتي وألحقه بأهله؛ فلما كان ~~بحيث علمت أنه قد فاته أخبرته الخبر فضحك. وقال: قبحك الله ماجنا فضحت شيخا ~~من قريش وعذبتني وأنا لا أقدر أن أتحرك. # وروى مصعب بن الزبير عن عبد الله، قال: كان عروة بن أذينة نازلا في دارى ~~بالعقيق فسمعته ينشد لنفسه: # إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها # فيك الذي زعمت بها فكلاكما ... أبدى لصاحبه الصبابة كلها # ولعمرها إن كان حبك فوقها ... يوما وقد ضحيت إذا لأظلها # فإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها # بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها وأجلها # لما عرضت مسلما لي حاجة ... أخشى صعوبتها وأرجو ذلها # منعت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها # فدنا وقال لعلها معذورة ... في بعض رقبتها فقلت لعلها # PageV01P018 # فأتاني أبو السائب المخزومي فقلت له بعد الترحيب والبشر: ألك حاجة؟ قال: ~~نعم! أبيات لعروة بلغني أنك سمعته ينشدها؟ فلما بلغت إلى قوله: فدنا وقال ~~لعلها معذورة، طرب وصاح، وقال: هذا والله الصادق العهد، الدائم الود، لا ~~الذي يقول: # إن كان أهلك يمنعونك رغبة ... عني فأهلي بي أضن وأرغب # أوليس لي قربى إذا أقصيتني ... حدبوا علي وعندي المستعتب # فلئن دنوت لأدنون بعفة ... ولئن نأيت لما ورائي أرحب # يأبى وعيشك أن أكون مقصرا ... رأي أعيش به وقلب قلب # لقد عدا هذا الأعرابي طوره، وتجاوز قدره، وإني لأرجو أن يغفر الله لصاحب ~~الأبيات الأولى لحسن الظن بها، وطلب العذر لها. فعرضت عليه الطعام فقال: ~~سبحان الله! أويحسن الظن بمثلي أن يأكل طعاما بعد سماع هذه الأبيات؟ والله ~~ما كنت لأخلط بها طعاما حتى الليل، وانصرف. # والأبيات التي أنشدها أبو السائب لبعض الهذليين هي من مليح الشعر أولها: # طرقتك زينب والركاب مناخة ... بحطيم مكة والندى يتصبب # بثنية العلمين وهنا بعدما ... خفق السماك وعارضته العقرب # وتحية وكرامة لخيالها ... ومع التحية والكرامة مرحب ms035 # أنى اهتديت ومن هداك ودوننا ... حمل فقلة عاذب فالمرقب ### | ارتياح أهل المدينة إلى المزاح وانقطاعهم إلى السماع # ولأهل المدينة من الارتياح إلى المزاح، والانقطاع للسماع ما هو مشهور ~~عندهم، مأثور منهم. قال عبد الله بن جعفر: أنا لي عند السماع هزة لو سئلت ~~عندها لأعطيت، ولو قاتلت معها لأبليت. # وقال أبو العيناء: قال الأصمعي: مررت بدار الزبير بالبصرة، فإذا بشيخ من ~~أهل المدينة من ولد الزبير يكنى أبا ريحانة جالس بالباب وعليه شملة تستره؛ ~~فسلمت عليه وجلست إليه؛ فبينا أنا كذلك إذ طلعت علينا سوداء تحمل قربة، ~~فلما نظر إليها لم يتمالك أن قام إليها وقال لها: غنني صوتا، فقالت: إن ~~موالي أعجلوني، قال: لا بد من ذلك، قالت: أما والقربة على كتفي فلا، قال: ~~فأنا أحملها: فأخذ القربة منها فحملها واندفعت تغني: # فؤادي أسير لا يفك ومهجتي ... تقضى وأحزاني عليك تطول # ولي مقلة قرحى لطول اشتياقها ... إليك وأجفاني عليك همول # فديتك، أعدائي كثير وشقتي ... بعيد وأشياعي لديك قليل # وكنت إذا ما جئت جئت بعلة ... فأفنيت علاتي فكيف أقول! # فطرب وصرخ، وضرب بالقربة فشقها؛ وقامت الجارية تبكي، وقالت: ما هذا ~~بجزائي منك، شفعتك في حاجتك، فعرضتني لما أكره من موالي! فقال: لا تغتمي ~~فالمصيبة علي حصلت، ونزع الشملة، ووضع يدا من قدام ويدا من خلف، وباعها ~~وابتاع لها قربة وقعد بتلك الحال؛ فاجتاز به رجل من ولد علي رضي الله عنه، ~~فعرف حاله فقال: يا أبا ريحانة؛ أحسبك من الذين قال الله عز وجل فيهم: " ~~فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ". قال: لا، يابن رسول الله، ولكني من ~~الذين يقول الله لهم: " فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ~~أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب ". فضحك وأمر له بألف درهم. # وقال رجل لابن جعدبة: يا أبا الحكم؛ الرجل الذي يشدو بالأصوات ما ترى ~~فيه؟ قال: سبحان الله! كنا إذا أتت على الرجل أربعون سنة لا يحسن عشرة ~~أصوات عددناه من أهل بقيع الغرقد يعني الموتى. # ومر بالأوقص المخزومي ms036 وهو قاضي المدينة يتغنى بليل فأشرف عليه، وقال: يا ~~هذا؛ شربت حراما، وأيقظت نياما، وغنيت خطأ، خذ عني وأصلح له الغناء. ### | غناء في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم # PageV01P019 # وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: حدثت أن مدنيا كان يصلي مذ طلعت ~~الشمس إلى أن قارب النهار أن ينتصف، ومن ورائه رجل يتغنى، وهما في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا برجل من الشرط قد قبض على الرجل فقال: ~~أترفع عقيرتك بالغناء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأخذه؛ فانفتل ~~المدني من صلاته، فلم يزل يطلب إليه فيه حتى استنقذه، ثم أقبل عليه فقال: ~~أتدري لم شفعت فيك؟ قال: لا، ولكني إخالك رحمتني، قال: إذا فلا رحمني الله. ~~قال: فأحسبك عرفت قرابة بيننا. قال: إذا قطعها الله، قال: فليد تقدمت مني ~~إليك، قال: والله ولا عرفتك قبلها. قال: فأخبرني. قال: سمعتك تغنيت آنفا ~~فأقمت واوات معبد، أما والله لو أسأت التأدية لكنت أحد الأعوان عليك. # قال: والصوت الذي ينسب إلى واوات معبد شعر الأعشى الذي يعاتب فيه يزيد بن ~~مسهر الشيباني وهو: # هريرة ودعها وإن لام لائم ... غداة غد أم أنت للبين واجم # لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضى لبانات ويسأم سائم # ويروى أن معبدا بلغه أن قتيبة بن مسلم فتح خمس مدائن؛ فقال: لقد غنيت ~~بخمسة أصوات هن أشد من فتح المدائن التي فتحها قتيبة. والأصوات قال المبرد: ~~أحدها، للأعشى يعاتب يزيد بن مسهر الشيباني: هريرة ودعها وإن لام لائم. ~~فأنشد البيتين. والثاني: قوله يعاتبه: # ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل # غيداء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل # والثالث، للشماخ بن ضرار بن مرة بن غطفان يقوله لعرابة بن أوس: # رأيت عرابة الأوسي ينمى ... إلى الخيرات منقطع القرين # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين # والرابع، لعمر بن أبي ربيعة: # ودع أمامة قبل أن تترحلا ... واسأل فإن ms037 قليله أن تسألا # أمكث لعمرك ساعة فتأنها ... فعسى الذي بخلت به أن يبذلا # لسنا نبالي حين ندرك حاجة ... إن بات أو ظل المطي معقلا # قال أبو العباس: والشعر الخامس لا أعرف قائله. قلت: وهو لعروة بن أذينة ~~الليثي: # غراب وظبي أعصب القرن نادبا ... ببين وصردان العشي تصيح # لعمري لئن شطت بعثمة دارها ... لقد كنت من خوف الفراق أليح # وكتب سليمان بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان المرى: أحص المخنثين، فوقعت ~~فوق الحاء نقطة فأخذهم وخصاهم وفيهم الدلال؛ فبلغ ذلك ابن أبي عتيق وقد قام ~~إلى الصلاة فقال: أوقد خصي الدلال؟ إنا لله! لقد كان يحسن أن يغني: # لمن طلل بذات الجي ... ش أمسى دارسا خلقا # ثم دخل في الصلاة؛ فلما فرغ من قراءة أم الكتاب قال: السلام عليكم، وكان ~~يحسن خفيف هذا الشعر ولا يحسن ثقيله. ### | من طرف ابن أبي عتيق # ولابن أبي عتيق عجائب ظريفة، أذكر لك منها ما يصلح ويملح؛ منها أنه سمع ~~وهو بالمدينة قول ابن أبي ربيعة: # فما نلت منها محرما غير أننا ... كلانا من الثوب المطارف لابس # فقال: أبنا يلعب ابن أبي ربيعة؟ فأي محرم بقي؟ فركب بغلته متوجها إلى ~~مكة، ودخل أنصاب الحرم، وقيل له: أحرم! قال: إن ذا الحاجة لا يحرم. فلقي ~~ابن أبي ربيعة؛ فقال: أما زعمت أنك لم تركب محرما قط؟ قال: بلى! قال: فما ~~قولك: كلانا من الثوب ... البيت؟ فقال له: إني أخبرك؛ خرجت بعلة المسجد، ~~وخرجت زينب تريده، فالتقينا فاتعدنا، فصرنا إلى بعض الشعاب، فأخذتنا ~~السماء، فأمرت بمطرفي فسترنا الغلمان لئلا يروا بها بلة فيقولوا لها: هلا ~~استترت بسقائف المسجد؟ فقال له ابن أبي عتيق: يا عاهر! هذا البيت يحتاج إلى ~~حاضنة؟ وابن أبي عتيق الذي سمع قول ابن أبي ربيعة: # قال لي صاحبي ليعلم ما بي ... أتحب القتول أخت الرباب # قلت وجدي بها كوجدك بالما ... ء إذا ما فقدت برد الشراب # أزهقت أم نوفل إذ دعتها ... مهجتي، ما لقاتلي من متاب # أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس ms038 كواعب أتراب # PageV01P020 # وهي مكنونة تحير منها ... في أديم الخدين ماء الشباب # ثم قالوا تحبها قلت بهرا ... عدد الرمل والحصى والتراب # من رسولي إلى الثريا بأني ... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب # فلما سمع هذا البيت قال: إياي أراد وبي هتف ونوه؛ والله لا ذقت طعاما أو ~~أشخص إليها وأصلح بينهما. # قال مولى لبني تميم: فنهض ونهضت معه حتى خرج إلى سوق الضمرتين، فأتى قوما ~~من بني الديل من حنيفة يكرون النجائب، فقال: بكم تكرونني راحلتين إلى مكة؟ ~~قالوا: بكذا وكذا، فقلت لبعض التجار: استوضعوا شيئا؛ فقال ابن أبي عتيق: ~~ويحك! إن المكاس ليس من أخلاق الناس، ثم ركب واحدة وركبت الأخرى وأجد ~~السير، فقلت: ارفق بنفسك. فقال: ويحك: أبادر حبل الوصل أن يقتضبا وما أملح ~~الدنيا إذا تم الوصل بين عمر والثريا. فقدمنا مكة، وأتى باب الثريا، فقالت: ~~والله ما كنت لنا زوارا. قال: أجل! ولكني جئت برسالة؛ يقول لك ابن عمك عمر: ~~ضقت ذرعا بهجرك والكتاب. فلامه عمر. فقال ابن أبي عتيق: إنما رأيتك مبادرا ~~تلتمس رسولا فخففت في حاجتك، فإنما كان ثوابي أن أشكر. # وسمع ابن أبي عتيق قول العرجي: # وما ليلة عندي وإن قيل ليلة ... ولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفطر # معادلة الإثنين عندي وبالحري ... يكون سواء مثلها ليلة القدر # وما أنس م الأشياء لا أنس قولها ... لخادمها قومي سلي لي عن الوتر # فجاءت تقول الناس في تسع عشرة ... ولا تعجلي عنه فإنك في أجر # فقال: هذه أفقه من ابن شهاب، وهي حرة لله عز وجل من مالي إن أجاز أهلها ~~ذلك. ### | مع الحسن بن علي # وقال له مروان بن الحكم يوما: إني مشغوف ببغلة للحسن بن علي، قال له: فإن ~~دفعتها إليك أتقضي لي ثلاثين حاجة؟ ومروان يومئذ أمير المدينة، قال: فإذا ~~اجتمع الناس عندك في العشية فإني آخذ في مآثر قريش، فأمسك عن الحسن فلمني ~~على ذلك. فلما أخذوا في مجالسهم أفاض في أولية قريش؛ فقال له مروان: أما ~~تذكر أولية أبي محمد، وله في هذا ما ms039 ليس لأحد؟ فقال: إنما كنا في ذكر ~~الأشراف ولو كنا في ذكر الأنبياء لقدمنا لأبي محمد. فلما خرج الحسن ليركب ~~البغلة تبعه ابن أبي عتيق: فقال له الحسن وتبسم: ألك حاجة؟ قال: نعم! ذكرت ~~البغلة؟ فنزل الحسن ودفعها إليه. # ومن ظريف أخباره أن عثمان بن حيان المري لما دخل المدينة واليا عليها ~~اجتمع إليه الأشراف من قريش والأنصار. فقالوا: إنك لا تعمل عملا أجدى ولا ~~أولى من تحريم الغناء والرثاء. ففعل وأجلهم ثلاثا، فقدم ابن أبي عتيق في ~~الليلة الثالثة فحط رحله بباب سلامة الزرقاء، فقال لها: بدأت بك قبل أن ~~أصير إلى منزلي. فقالت: أو ما تدري ما حدث؟ وأخبرته الخبر. فقال: أقيمي إلى ~~السحر حتى ألقاه، ولا بأس عليك. ثم مضى إلى عثمان بن حيان فاستأذن عليه، ~~وأخبره أن أجل ما أقدمه حب التسليم عليه، وقال له: من أفضل ما عملت به ~~تحريم الغناء والرثاء. فقال: إن أهلك أشاروا علي بذلك. قال: فإنك قد وفقت، ~~ولكني رسول امرأة إليك تقول: كانت هذه صناعتي فبنت منها، وأنا أسألك أيها ~~الأمير ألا تحول بيني وبين مجاورة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ~~عثمان: إذا أدعها لك. قال: إذا لا تدعك الناس. ولكن تدعوها فتنظر إليها فإن ~~كانت ممن يترك تركتها. قال: فادع بها. فأمرها ابن أبي عتيق فتقشفت وأخذت ~~سبحة في يديها، وصارت إليه، فحدثته عن مآثر آبائه، ففكه لها. فقال ابن أبي ~~عتيق: اقرئي للأمير، ففعلت فأعجب بذلك. فقال لها: فاحدي للأمير ففعلت، ~~فأعجب بحدائها. ثم قال لها: غبري للأمير، فجعل يعجب بذلك، فقال له ابن أبي ~~عتيق: فكيف لو سمعتها في صناعاتها؛ فقال: قل لها فلتقل! فأمرها فغنت: # سددن خصاص الخيم لما دخلنه ... بكل بنان واضح وجبين # فنزل عثمان عن سريره حتى جلس بين يديها، ثم قال: والله ما مثلك يخرج عن ~~المدينة. فقال له ابن أبي عتيق: يقول الناس أذن لسلامة في المقام ومنع ~~غيرها! فقال عثمان: قد أذنت لهم جميعا. # PageV01P021 # وابن أبي عتيق: هو ms040 عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنهم، وكان أجل أهل زمانه، وذكر أنه دخل على عائشة وهي لم بها، فقال: ~~كيف أنت يا أماه؟ جعلت فداك! قالت: في الموت، قال: فلا إذا، إنما ظننت أن ~~في الأمر فسحة، فضحكت وقالت: ما تدع مزحك بحال! ### | معاوية يداوي أذنه بالغناء # وقال ابن جريج: كان عبد الله بن جعفر إذا قدم على معاوية أنزله داره ~~وأظهر له من إكرامه وبره ما يستحقه؛ فكان ذلك يغيظ فاختة بنت قرظة بن عبد ~~بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف زوج معاوية، فسمعت ذات ليلة عند عبد الله ~~غناء، فجاءت إلى معاوية فقالت: هلم فاسمع ما في منزل هذا الذي جعلته بين ~~لحمك ودمك، وأنزلته مع حرمك! قال: فجاء معاوية سمع وانصرف، فلما كان آخر ~~الليل سمع معاوية قراءة عبد الله، فجاء فأيقظ فاختة وقال: اسمعي مكان ما ~~أسمعتني!! ثم إنه أرق ذات ليلة فقال لجريج خادمه: اذهب فانظر من عند عبد ~~الله وأخبره أني في أثرك، فأتاه فأعلمه ذلك، فأقام عبد الله من عنده، ثم ~~دخل معاوية فلم ير في المجلس أحدا، فقال لعبد الله: مجلس من هذا؟ قال: مجلس ~~فلان، قال: فمره أن يرجع إليه، ثم قال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس فلان، قال: ~~فمره أن يرجع إليه؛ فرجعوا حتى لم يبق إلا مجلس واحد، قال: مجلس من هذا؟ ~~قال: مجلس واحد يداوي الآذان. قال: مره فليرجع فإن بأذني علة، فأمر عبد ~~الله بديحا المليح فخرج؛ فأدناه معاوية منه وأراه أذنه. وقال: أنظر ما ترى ~~فيها؟ قال: هي مسدودة وتحتاج إلى فتح وتنقية، قال: شأنك أمكنتك منها، ولا ~~تضع يدك عليها إن كنت غير حاذق بعلاجها. قال عبد الله: يا أمير المؤمنين؛ ~~هو حاذق، ما يعالج في دارنا غيره. فقال معاوية: وشهد شاهد من أهلها، فاندفع ~~يغني من شعر زهير بن أبي سلمى: # أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم # فجعل عبد الله بن جعفر ms041 يلحظ معاوية وهو يحرك يديه ورجليه، فقال: يعيرك ~~الجهل يا أمير المؤمنين، فقال: إن الجهل مني لعلى بعد يابن جعفر، قبح الله ~~ضيافة يكون الضيف فيها بحيث لا يساعد المضيف على أخلاقه، ثم قال لبديح: لقد ~~فتحت جارحة لا تألم أبدا؛ ثم نهض وخرج. ### | من طرف بديح # وكان بديح أحلى الناس وأذكاهم، وهو الذي قال له الوليد بن يزيد: يا بديح؛ ~~خذ بنا في الأماني، فإني أغلبك فيها، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أغلبك ~~لأني فقير وأنت خليفة، وإنما يتمنى المرء ما عسى أن يبلغ إليه وأنت قد بلغت ~~الآمال. قال: لا تتمنى شيئا إلا تمنيت ما هو أكثر منه. قال: فإني أتمنى ~~كفلين من العذاب وأن يلعنني الله لعنا وبيلا، فقال: اعزب لعنك الله دون ~~خلقه. # ودخل عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان وقد اشتى عرق النسا، فقال: ~~يا أمير المؤمنين، إن مولاي بديحا أحذق الناس برقيته، قال: أتجيئني به؟ ~~فجاءه به فرقا؛ فبات تلك الليلة هادئا، فلما أصح سأله عبد الله بن جعفر عن ~~حاله، فأخبره بما وجد من العافية؛ ثم قال لبديح: اكتب لنا هذه الرقية لتكون ~~عندنا، قال: لا أفعل، قال: أقسمت عليك لتفعلن، قال اكتب: # ألا إن أيامي وأيامك التي ... مضين لنا لم أدر ما ألم الهجر # مضين وما شيء مضى لك عائد ... فهل لك فيها إن تولين من عذر # دعي ما مضى واستقبلي العيش إنني ... رأيت لذيذ العيش مستقبل العمر # فما نازع الدهر امرأ في انقلابه ... فأعتبه إلا بقاصمة الظهر # فقال عبد الملك: فأي شيء هذا؟ قال: امرأتي طالق إن كنت رقيتك إلا بهذه! ~~قال: ويحك! استر علينا، قال: كيف أستر ما سارت به الركبان! ### | يتغنى في مسجد الأحزاب # قال أبو مسلم الهلالي المكي: حدثني أبي عن أبيه قال: أتيت عبد العزيز بن ~~المطلب أسأله عن بيعة الجن للنبي صلى الله عليه وسلم بمسجد الأحزاب وما كان ~~بدؤها؟ فوجدته مستلقيا يتغنى: # فما روضة بالحزن معشبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها # بأطيب ms042 من أردان عزة موهنا ... إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها # من الخفرات البيض لم تلق شقوة ... وفي الحسب المكنون صاف نجارها # PageV01P022 # إذا خفيت كانت لعينك قرة ... وإن تبد يوما لم يعمك عارها # فقلت له: مثلك أصلحك الله يتغنى؟ أما والله لأحدون بها ركبان نجد، فعاود ~~يتغنى: # فما ظبية أدماء خفاقة الحشا ... تجوب بطفليها متون الخمائل # بأحسن منها إذ تقول تدللا ... وأدمعها يجرين حشو المكاحل # تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيام الشهور الأطاول # فندمت على قولي وقلت: أتحدثني في هذا بشيء؟ قال: نعم! حدثني أبي أنه دخل ~~على سالم بن عبد الله وأشعب الطماع يغنيه: # مغيرية كالبدر سنة وجهها ... مطهرة الأثواب والدين وافر # من الخفرات البيض لم تلق ريبة ... ولم يستزلها عن تقى الله شاعر # لها حسب زاك وعرض مهذب ... وعن كل مكروه من الأمر زاجر # فقال سالم: زدني، فغنى: # ألمت به والليل داج كأنه ... جناح غراب عندما نفض القطرا # فقلت أعطار ثوى في رحالنا ... وما حملت ليلى نشرها عطرا # فقال له سالم: أما والله لولا أن تداوله الرواة لأحسنت جائزتك؛ لأنك من ~~هذا الأمر بمكان. ### | غناء ومزاح في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقال إبراهيم الحراني: حججت مع أمير المؤمنين الرشيد فدخلت مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؛ فبينا أنا بين القبر والمنبر إذ أنا برجل حسن ~~الهيئة خاضب، ومعه رجل في مثل حاله؛ فحانت مني التفاتة فإذا هو يقوس حاجبه ~~ويفتح فاه، ويلوي عنقه ويشير بعينه، فتجوزت في صلاتي ثم سلمت فقلت: أفي ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تتغنى؟! فقال: قنعك الله خزية، ما ~~أجهلك! أما في الجنة غناء؟ قلت: بلى لعمري فيها ما تشتهي النفس وتلذ ~~الأعين، قال: أما نحن في روضة من رياض الجنة؟ قلت: لا! قال: واحرباه! أترد ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: بين قبري ومنبري روضة من رياض ~~الجنة! فنحن في تلك الروضة. قلت: قبح الله شيخا ما أسفهه! قال: بالقبر ~~والمنبر لما أنصت إلي؟ فتخوفت ألا ms043 أنصت؛ فاندفع يغني بصوت يخفيه: # فليست عشيات الحمى برواجع ... إليك، ولكن خل عينيك تدمعا # بكت عيني اليسرى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا # الشعر للصمة بن عبد الله القشيري. # فوالله إن قمت إلى الصلاة لما دخل قلبي؛ فلما رأى ما نزل بي قال: يا بن ~~أم، أرى نفسك قد استجابت وطابت، فهل لك في زيادة؟ قلت: ويحك! في مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم!! قال: أنا والله أعرف بالله ورسوله منك، فدعنا من ~~جهلك؛ ثم تغنى: # فلو كان واش بالمدينة داره ... وداري بأقصى حضرموت اهتدى ليا # وماذا لهم لا أحسن الله حفظهم ... من الشأن في تصريم ليلى حباليا # الشعر لمجنون بني عامر الملوح. # فقال له صاحبه: يا بن أم؛ أحسنت والله، وعتق أهلك، لو كان أمير المؤمنين ~~الرشيد في هذا الموضع لخلع عليك ثيابه طربا. قال: فقمت وهما لا يعلمان من ~~أنا، فدخلت على أمير المؤمنين فأعلمته الخبر؛ فقال: أدركهما لا يفوتانك. # فوجهت من جاء بهما، فلما دخلا عليه دخلا بوجوه قد ذهب ماؤها، وأنا قائم ~~على رأسه، فقال: يا إبراهيم؛ هذان هما؟ قلت: نعم. فنظر إلي المغني منهما ~~وقال: سعاية في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فسري عن أمير المؤمنين ~~بعض غضبه، وتبسم فقال: ما كنتما فيه؟ قالا: في خير. قال: فماذا الخير؟ ~~فسكتا. فقال للمغني منهما: من أنت؟ فابتدره جماعة فقالوا: يا أمير ~~المؤمنين، هذا ابن جريج فقيه مكة، فقال: فقيه مكة يتغنى في مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم!! قال: يا أمير المؤمنين؛ لم يكن ذلك مني بالقصد للغناء ~~ولكني كنت أسمعت هذا المخزومي يعني صاحبه صوتين، فلم يزالا في قلبي حتى ~~التقينا، فأحببت أن يأخذهما عني، فأخذهما، وحلف أني قد أحسنت، وأنه لو كان ~~في الموضع أمير المؤمنين لخلع علي وسكت. # فقال الرشيد: تركت من الحديث شيئا؟ قال: ما تركت شيئا يا أمير المؤمنين. ~~قال: والله لتقولن. قال: يا أمير المؤمنين، زعم أنك لو كنت في موضعه لخلعت ~~علي ثيابا ms044 مشقوقة طربا. # PageV01P023 # فتبسم وقال: أما هذا فلا، ولكن نخلعها عليك صحيحة فهي خير لك. ثم دعا ~~بثياب فلبسها ونبذ ثيابه، وأمر له بعشرين ألف درهم ولصاحبه بعشرة آلاف ~~درهم. وقال: لا تعودن لهذا. فقال صاحبه: إلا أن يحج أمير المؤمنين ثانية. ~~فضحك وقال: ألحقوه بصاحبه في الجائزة. ### | في سوق القسي # قال إبراهيم الحراني: ثم قدمنا مكة فإني لفي سوق القسي أساوم بقوس عربية ~~بكنانتها، إذ بإنسان عن يميني يقول: نعم القوس في يدك. قلت: أريد أبسط منها ~~قليلا؟ قال: فعندي بغيتك إئت المنزل، فصرت إليه، فأخرج إلي قوسا جيدة لينة ~~حسنة الصنعة، قلت: نعم! هذه أريد، فكم ثمنها؟ قال: عشرة دنانير، قلت: يا ~~هذا، أغرقت في النزع، قال: هذا سومي، فهات سومك أنت. قلت بدينارين. فأحد ~~النظر، وقال: وآتيك؛ فالذي كان يجب للطبيعة أن تأتي به تحول فصار ضحكا. ~~فقلت: غضب الله عليك، تطلق لسانك في حرم الله وأمنه في أيام عظيمة؛ فأنت ~~بمثل هذه السن تتكلم بهذا الكلام!! فقال: هو ما قلت لك، إنما هو بيع وشراء، ~~فلا تغضب؛ فإني لم أغضب من عطيتك. # قال: ففارقته، ودخلت على أمير المؤمنين، فقلت: يا سيدي؛ ههنا خبر أعجب من ~~خبر ابن جريج! وحدثته الحديث، فقال: ارجع وجئني به، فوجهت غلاما كان معي ~~وأنا أساومه ومعه أعوان؛ فجاءوا به، فلما دخل عليه قال: هذا صاحبك يا ~~إبراهيم؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين! فقال الرشيد: ماذا قلت لهذا حين ساومك ~~بالقوس؟ قال: قد دار بيني وبينه كلام. قال: أخبرني به. قال: لست مني على ~~سوم فأخبرك. قال: فماذا قال لك؟ قال: هو أعلم بما قال. فقال إبراهيم: يا ~~أمير المؤمنين؛ أخرج إلي قوسا عربية بكنانتها، فقلت: بكم هذه؟ قال: بعشرة ~~دنانير. قلت: أسرفت فخذ مني دينارين. قال: وآتيك. قال الرشيد: كذا كان؟ ~~قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ إنما هذا شراء وبيع ولم يتم لي بيعها بما ~~أعطاني، وظننت أن بضاعته قليلة فقلت: آخذ دينارين وعروضا بالباقي. # فضحك الرشيد حتى تبسط. ثم قال: قاتلك ms045 الله! فما أقبح مجونك! ووصله. # قال إبراهيم: فلما انصرفنا خارجين عن مكة مررت به، فوقفت عليه وسلمت ~~عليه. فقال: ما ترى في تيك القوس؟ ألك فيها رأي؟ قلت: أما على شريطتك ~~الأولى فلا. قال: فلا بأس فخذها مني بدينارين وغن لي ثلاثة أصوات، أو خذها ~~بخمسة وأغنيك أربعة أصوات، ثلاثة لمعبد، وواحد لابن عائشة كان يفعل فيه ما ~~أحل الله وحرم، قلت: هذا وحده. فاندفع يغني: # وخطا بأطراف الأسنة مضجعي ... وردا على عيني فضل ردائيا # الشعر لمالك بن الريب المازني فأجاده ما شاء وحسنه. فقلت: لولا أن أمير ~~المؤمنين قد قدمت له دابته لوقفت عليك. فقال: امض عليك السلام وإن كان في ~~القلب ما فيه؛ إذ بخلت على أخيك بضمة أو ضمتين. قلت: ما لك لعنك الله! ~~وفارقته، وحدثت أمير المؤمنين بما قال فقال: يا إبراهيم، تجد بالعراق طولا ~~وعرضا واحدا له ما لأهل الحرمين من الذكاء والظرف؟ قلت: لا أعرف موضعه. ### | الأشراف تعجبهم الملح # وقال الأصمعي: أنشدت محمد بن عمران قاضي المدينة وكان أعقل من رأيته: # يأيها السائل عن منزلي ... نزلت بالخان على نفسي # يغدو علي الخبز من خابز ... لا يقبل الرهن ولا ينسي # آكل من كيسي ومن كسوتي ... حتى لقد أوجعني ضرسي # فقال: اكتب لي الأبيات. فقلت: أصلحك الله؛ هذا لا يشبه مثلك، إنما يروي ~~مثل هذا الأحداث، قال: اكتبها لي، فالأشراف تعجبهم الملح. # وقد قال الطائي في عمرو بن طوق التغلبي: # الجد شيمته وفيه فكاهة ... سمح ولا جد لمن لم يلعب # شرس ويتبع ذاك لين خليقة ... لا خير في الصهباء ما لم تقطب # وقال في الحسن بن وهب: # لله أيام خطبنا لينها ... في ظله بالخندريس السلسل # بمدامة نغم السماع خفيرها ... لا خير في المعلول غير معلل # يعشو عليها وهو يجلو مقلتي ... باز ويغفل وهو غير مغفل # لا طائش تهفو خلائقه ولا ... خشن الوقار كأنه في محفل # فكه يجم الجد أحيانا وقد ... ينضى ويهزل عيش من لم يهزل # وقال أبو الفتح علي بن محمد البستي: # PageV01P024 # أفد طبعك المكدود ms046 بالهم راحة ... براح وعلله بشيء من المزح # ولكن إذا أعطيته ذاك فليكن ... بمقدار ما تعطي الطعام من الملح ### | بدء الكتاب # وهذا حين أبتدىء متصرفا بك من بلاغة خطاب، إلى براعة جواب، وصريح منادرة، ~~إلى مليح مهاترة، وغريب مراجعة، إلى عجيب منازعة، وتشبيه واقع، إلى مثل ~~صادع، وغير ذلك مما يحي موات القلوب، ويشفي نجي الكروب، مما تجذل له ~~الخواطر، وترتاح إليه السرائر، وتنفتح به الأسماع، وتنشرح له الطباع. # فما مر به من هذه النوادر فلا تنظر إليها نظر المنكر فتعرض عنها صفحا، ~~وتطوي دونها كشحا، إذا وقعت فيها كلمة قذف، أو لفظة سخف. وتقول: قد قال عمر ~~بن عبد العزيز رحمه الله لغلامه ورأى روث دابة: نح ذلك النقيل تصونا عن اسم ~~الروث. وقال: عرضت لي دمل تحت يدي فآلمتني، ولم يقل تحت إبطي. # وكان الحجاج على قبح أفعاله، وسوء أحواله، يتنزه عن أن ينطق بلفظة سخيفة. ~~وقد قال لمن اتهمه بمال ابن الأشعث: لو خبأته تحت، حتى قال: تحت ذيلك، لم ~~يكن بد من إخراجه. وإنما أراد أن يقول تحت استك. # وأكثر القاذورات وردت بالكنايات؛ كالغائط وهو المطمئن من الأرض. وكانا ~~إذا أرادوا قضاء الحاجة ذهبوا إلى ذلك الموضع؛ فسمي ما يخرج من الإنسان ~~باسم موضعه. وكذلك الاستنجاء أيضا مأخوذ من النجو، وهو المكان المرتفع؛ ~~لاستتارهم وراءه. والحش: البستان. والعذرة: فناء الدار. وكذلك وصفهم لطيب ~~الأردان، وهي الأكمام، وإنما يراد ما تحتها، وإنما ذلك كله للفرار من النطق ~~بأسماء الأقذار. # وليس في كل موضع أعزك الله تحسن الكنايات عن لفظ فحش، ولا بكل مكان يجمل ~~الإعراض عن معنى وحش. فيكون كما حكى الجاحظ: أن رجلا بعث غلامه إلى غريم ~~له، فأساء الغلام خطابه، فخرق الغريم ثيابه؛ فرجع إلى مولاه، فقال: ما لك؟ ~~قال: شتمك يا مولاي، فلم أحتمل الصبر، فرددت عله، فحل بي ما ترى، قال؛ وما ~~كان شتمه؟ قال: قال لي: أدخل هن الحمار في حر أم من أرسلك. فقال له مولاه: ~~دعني عنك مما جرى، ولكن لم ms047 لم تجعل لي من الوقار ما جعلته لأير الحمار حين ~~كنيت عن ذا ولم تكن عن ذا! فلو صرح بالجميع لكان أسلم له من الذنب، وآمن من ~~العتب. # وقد قال أبو فراس الحمداني لرسول أرسله إلى من يهواه، فجفا في جوابه، ~~فلطف الرسول رسالته فتبين أبو فراس ذلك فأنشده: # وكنى الرسول عن الجواب تظرفا ... ولئن كنى فلقد علمنا ما عنى # قل يا رسول ولا تحاش، فإنه ... لا بد منه أساء بي أم أحسنا # الذنب لي فيما جناه لأنني ... مكنته من مهجتي فتمكنا # أخذه بعض المتأخرين فقال: # يا رسولي خل عنك الظ ... رف إن كنت رسولا # لا تقل ما لم يقله ... واشف بالصدق الغليلا # وهذا وإن لم يكن من محض هذا الباب، إذ كان إنما يستطاب، لأنه من الأحباب، ~~كقول الآخر: # أتاني عنك شتمك لي وسبي ... أليس جرى بفيك اسمي فحسبي # وكما قال منصور النمري: # لا يطيب الهوى ولا يحسن الح ... ب لخلق إلا بخمس خصال # بسماع الهوى وعذل نصيح ... وعتاب وهجرة وتقال # وكقول الآخر: # دع الحب يصلى بالأذى من حبيبه ... فإن الأذى ممن يحب سرور # غبار قطيع الشاء في عين ربها ... إذا ما تلا آثارهن ذرور # وقول الآخر: # لولا طراد الخيل لم تك لذة ... فتطاردي لي بالوصال قليلا # هذا الشراب أخو الحياة وما له ... من لذة حتى يصيب غليلا # فهو يلم ببعض جهاته، ويتطرف بإحدى جنباته. # وفي مثل التهاتر يمكن قول العتبي فيما سهل سبيله من ترك الإعراض عما كان ~~مثله بالقول لقائله كالولد لناجله: ما على مبصره أن يراه شريرا فاتكا، دون ~~أن يراه وقورا ناسكا. وإنما تلزم عمدته، وتعود عهدته، في سخفه وجهله، على ~~نفسه وأهله. وقد قال بعض الظرفاء: # إنما للناس منا ... حسن خلق ومزاح # ولنا ما كان فيا ... من فساد أو صلاح # PageV01P025 # ولو كنت هنا إنما آتي بما فيه ركانة وأصالة، دون ما فيه سخافة ورذالة، ~~لزال عن الملح اسمها، وارتفع عنها وسمها، وخرجت عن حدودها، وأفلتت من ~~قيودها. ولا بد من توشيحه بلطئاف من الجد، ms048 وظرائف من القصد، تتعلق بأغصانه، ~~وتتشبث بأفنانه؛ ليكون استراحة للناظر، وإجماما للخاطر؛ وكما يمل الجد، ~~فيدخل فيه الهزل؛ كذلك يمل الرقيق فيحتاج إلى الجزل. والله أستغفر مما شغل ~~به الخاطر، وأتعب له الناظر، وصرف إليه الفكر، واستخدم فيه السر، مما غيره ~~أعم فائدة، وأتم عائدة؛ فهو الرؤوف الرحيم، والجواد الكريم. ### | من ملح أشعب # قيل لأشعب الطماع: لقد لقيت التابعين وكثيرا من الصحابة، فهل رويت مع علو ~~سنك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم، حدثني عكرمة عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خلتان لا تجتمعان في مؤمن. قيل: وما ~~هما؟ قال: نسيت واحدة، ونسي عكرمة الأخرى. # وقيل له: كم كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر؟ قال: ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر رطلا. # وهذا كما قيل لطفيلي: كم اثنين في اثنين؟ قال: أربعة أرغفة. # وسألته صديقة له خاتما وقالت له: أذكرك به. قال: اذكري أنك سألتني ~~فمنعتك. # وساوم بقوس بندق، فقال صاحبها: بدينار، فقال: والله لو كنت إذا رميت بها ~~طائرا وقع مشويا بين رغيفين ما اشتريتها بدينار. # وأهدى رجل من ولد عامر بن لؤي إلى إسماعيل الأعرج فالوذجة وأشعب حاضر ~~فقال: كل يا أشعب، فأكل منها، فقال له: كيف تراها؟ قال: الطلاق يلزمه إن لم ~~تكن عملت قبل أن يوحي ربك إلى النحل، أي ليس فيها حلاوة. # وبأشعب هذا يضرب المثل في الطمع. قال الشاعر: # إني لأعجب من مطالك أعجب ... من طول تردادي إليك وتكذب # وتقول لي تأتي وتحلف كاذبا ... فأجيء من طمع إليك وأذهب # فإذا اجتمعت أنا وأنت بمجلس ... قالوا مسيلمة وهذا أشعب # وقيل له: أرأيت أطمع منك؟ قال: نعم كلبة آل أبي فلان، رأت شخصا يمضغ ~~علكا، فتبعته فرسخا تظن أنه يرمي لها بشيء من الخبز. # ومر أشعب برجل يعمل طبقا من الخيزران؛ فقال له: أريد أن تزيد فيه طوقا أو ~~طوقين. قال: فما فائدتك؟ قال: لعل أحدا من أشراف المدينة يهدي لنا فيه ~~شيئا. # وكان أشعب يعشق امرأة بالمدينة ويتحدث ms049 فيها حتى عرف بها، فقال لها ~~جاراتها: لو سألته شيئا؟ فأتاها يوما فقالت: إن جاراتي يقلن ما يصلك بشيء. ~~فخرج عنها ولم يقربها شهرين. ثم أتاها فأخرجت له قدحا فيه ماء، فقالت له: ~~اشرب هذا للفزع! فقال: بل أنت اشربيه للطمع، ومضى فلم يعد إليها. # وأشعب هذا: هو أشعب بن جبير مولى عبد الله بن الزبير، وكان أحلى الناس ~~مفاكهة. # قال الزبير بن بكار: أهل المدينة يقولون: تغير كل شيء من الدنيا إلا ملح ~~أشعب، وخبز أبي الغيث، ومشية برة. وكان أبو الغيث يعالج الخبز بالمدينة؛ ~~وبرة بنت سعد بن الأسود؛ وكانت من أجمل النساء وأحسنهن مشية. # وكان أشعب قد نشأ في حجر عائشة بنت عثمان بن عفان رضي الله عنه مع أبي ~~الزناد. قال أشعب: فلم يزل يعلو وأسفل حتى بلغنا الغاية. # قال: وأسلمته عائشة إلى من يعلمه البز؛ فسألته بعد سنة أين بلغت؟ قال: ~~نصف العمل وبقي نصفه، قالت له: كيف؟ قال: تعلمت النشر وبقي الطي. # وكان أشعب أطيب الناس غناء، وأكثرهم ملحا، ونسك في آخر عمره ومات على ذلك ~~رحمه الله تعالى. وكان يوم قتل عثمان غلاما يسقي الماء وبقي إلى خلافة ~~المهدي. # وخرج سالم بن عبد الله متنزها إلى ناحية من نواحي المدينة ومعه أهله ~~وحرمه، فبلغ أشعب الخبر، فوافاهم يريد التطفيل؛ فصادف الباب مغلقا، فتسور ~~الحائط عليهم. فقال له سالم: ويلك يا أشعب! معي بناتي وحرمي! فقال له أشعب: ~~لقد علمت ما لنا في بناتك من حق، وإنك لتعلم ما نريد. فضحك منه وأمر له ~~بطعام أكله وحمل منه إلى منزله. # وكان يقول: ما أحسست قط بجار لي يطبخ قدرا إلا غسلت الغضار، وكسرت الخبز، ~~وانتظرته يحمل إلي قدره. # PageV01P026 # وقال له بعض أصحابه: لو صرت إلي العشية نتحدث؟ فقال: أخاف أن يجيء ثقيل، ~~قال: ليس معنا ثالث فمضى معه. قال: فلما صلينا الظهر ودعونا بالطعام إذا ~~بشخص يدق الباب، فقال أشعب: ترى أنا قد صرنا إلى ما نكره؟ قال فقلت له: إنه ~~صديق وفيه عشر ms050 خصال إن كرهت واحدة منهن لم آذن له. قال: هات. قلت: الأولى ~~أنه لا يأكل ولا يشرب، قال: التسع لك، إئذن له. # وهذا نظير حديث الغاضري وقد أتى الحسن بن زيد وهو أمير المدينة. فقال: ~~جعلت فداك! إني عصيت الله ورسوله، قال: بئس ما صنعت! وكيف ذاك؟ قال: لأن ~~الله عز وجل يقول " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. وأنا أطعت ~~امرأتي فاشتريت غلاما فأبق، فقال الحسن: اختر واحدة من ثلاث؛ إن شئت ثمن ~~الغلام، فقال: بأبي أنت! قف عند هذه فلا تجاوزها. قال: أعرض عليك الخصلتين؟ ~~قال: لا، حسبي هذه. # وغاضبت مصعب بن الزبير زوجه عائشة بنت طلحة، فاشتد ذلك عليه وشكا أمره ~~إلى خاصته. فقال له أشعب: فما لي إذا هي كلمتك؟ قال: عشرة آلاف درهم؛ فأتى ~~إليها فقال: يابنة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، تفضلي بكلام الأمير؛ ~~فقد استشفع بي عندك، وأجزل لي العطية إن أنت كلمته. قالت: لا سبيل إلى ذلك ~~يا أشعب؛ وانتهرته. فقال: جعلت فداك! كلميه حتى أقبض عشرة آلاف درهم، ثم ~~ارجعي إلى ما عودك الله من سوء الخلق، فضحكت فقامت فصالحته. ### | عبد الملك بن مروان وعمر بن بلال # والشيء يذكر بالشيء، أي بما قاربه. كان عبد الملك بن مروان محبا لعاتكة ~~بنت يزيد بن معاوية؛ فغاضبته يوما، وسدت الباب الذي بينها وبينه؛ فساءه ذلك ~~وتعاضله، وشكا إلى من يأنس به من خاصته، فقال له عمر بن بلال الأسدي: إن ~~أنا أرضيتها لك حتى ترى فما الثواب؟ قال: حكمك. فأتى إلى بابها، وقد مزق ~~ثوبه وسوده؛ فاستأذن عليها وقال: أعلموها أن الأمر الذي جئت فيه عظيم. ~~فأذنت له؛ فلما دخل رمى بنفسه وبكى. فقالت: ما لك يا عم؟ قال: لي ولدان هما ~~من الإحسان إلي في الغاية، وقد عدا أحدهما على أخيه فقتله، وفجعني به؛ ~~فاحتسبته وقلت: يبقى لي ولد أتسلى به؛ فأخذه أمير المؤمنين وقال: ms051 لا بد من ~~القود، وإلا فالناس يجترئون على القتل، وهو قاتله إلا أن يغيثني الله بك! ~~ففتحت الباب ودخلت على عبد الملك وأكبت على البساط تقبله وتقول: يا أمير ~~المؤمنين؛ قد تعلم فضل عمر بن بلال، وقد عزمت على قتل ابنه؛ فشفعني فيه؟ ~~فقال عبد الملك: ما كنت بالذي أفعل؛ فأخذت في التضرع والخضوع حتى وعدها ~~العفو عنه وصلح ما بينهما؛ فوفى لعمر بما وعده به. ### | إفهام من الفتى وفهم من المنصور # وعلى ذكر عاتكة بنت يزيد، قال المدائني: لما حج أبو جعفر المنصور قال ~~للربيع: ابغني فتى من أهل المدينة أديبا ظريفا عالما بقديم ديارها، ورسوم ~~آثارها فقد بعد عهدي بديار قومي، وأريد الوقوف عليها؛ فالتمس له الربيع فتى ~~من أعلم الناس بالمدينة، وأعرفهم بظريف الأخبار، وشريف الأشعار؛ فعجب ~~المنصور منه؛ وكان يسايره أحسن مسايرة، ويحاضره أزين محاضرة، ولا يبتدئه ~~بخطاب إلا على وجه الجواب؛ فإذا سأله أتى بأوضح دلالة، وأفصح مقالة؛ فأعجب ~~به المنصور غاية الإعجاب، وقال للربيع: ادفع إليه عشرة آلاف درهم؛ وكان ~~الفتى مملقا مضطرا؛ فتشاغل الربيع عنه واضطرته الحاجة إلى الاقتضاء، فاجتاز ~~مع المنصور بدار عاتكة؛ فقال: يا أمير المؤمنين؛ هذا بيت عاتكة بنت يزيد بن ~~معاوية الذي يقول فيه الأحوص بن محمد: # يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل # فقال المنصور: ما هاج منه ما ليس هو طبعه: من أن يخبر بما لم يستخبر عنه، ~~ويجيب بما لم يسأل عنه؟ ثم أقبل يردد أبيات القصيدة في نفسه إلى أن بلغ إلى ~~آخرها وهو: # وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل # فدعا بالربيع وقال له: هل دفعت للمدني ما أمرنا له به؟ فقال: أخرته علة ~~كذا يا أمير المؤمنين، قال: أضعفها له وعجلها. # وهذا أحسن إفهام من الفتى، وأدق فهم من المنصور، ولم أسمع في التعريض ~~بألطف منه. # PageV01P027 # ولقول الأحوص هذا سبب ذكره عبد الله بن عبيدة بن عمار بن ياسر. قال: خرجت ~~أنا والأحوص بن محمد مع ms052 عبد الله بن الحسن إلى الحج، فلما كنا بقديد قلنا ~~لعبد الله بن الحسن: لو أرسلت إلى سليمان بن أبي دباكل الخزاعي، فأنشدنا من ~~رقيق شعره؟ فأرسل إليه، فأنشدنا قصيدة له يقول فيها: # يا بيت خنساء الذي أتجنب ... ذهب الزمان وحبها لا يذهب # أصبحت أمنحت الصدود وإنما ... قسما إليك مع الصدود لأجنب # ما لي أحن إذا جمالك قربت ... وأصد عنك وأنت مني أقرب # لله درك هل إليك معول ... لمتيم أم هل لودك مطلب؟ # فلقد رأيتك قبل ذاك وإنني ... لموكل بهواك لو يتجنب # إذ نحن في الزمن الرجي وأنتم ... متجاورون، كلاكما لا يرقب # تبكي الحمامة شجوها فتهيجني ... ويروح عازب همي وتخصب # وأرى السمية باسمكم فيزيدني ... شوقا إليك سميك المتقرب # وأرى العدو يودكم فأوده ... إن كان ينبىء عنك أو يتنسب # وأحالف الواشين فيك تجملا ... وهم علي ذوو ضغائن دوب # ثم اتخذتهم علي وليجة ... حتى غضبت ومثل ذلك يغضب # فلما كان من قابل حج أبو بكر بن عبد العزيز، فلما مر بالمدينة دخل عليه ~~الأحوص بن محمد فاستصحبه ففعل. فلما خرج الأحوص قال له بعض من عنده: ما ~~تريد بنفسك؟ تقدم الشام بالأحوص وفيها من تبعك من بني أبيك وهو من السفه ~~على ما علمت! فلما رجع أبو بكر من الحج دخل عليه الأحوص منتجزا ما وعده من ~~الصحابة، فدعا له بمائة دينار وأثواب وقال: يا خال؛ إني نظرت فيما ضمنت لك ~~من الصحابة، فكرهت أن أهجم بك على أمير المؤمنين. فقال الأحوص: لا حاجة لي ~~بعطيتك، ولكني سعيت عندك، ثم خرج، فأرسل عمر بن عبد العزيز إلى الأحوص وهو ~~أمير المدينة فلما دخل عليه أعطاه مائة دينار وكساه ثيابا، ثم قال له: يا ~~خال؛ هب لي عرض أخي، قال: هو لك، ثم خرج الأحوص وهو يقول في عروض قصيدة ~~سليمان بن أبي دباكل يمدح عمر: # يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل # هل عيشنا بك في زمانك راجع ... فلقد تفاحش بعدك المتعلل # أصبحت أمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع ms053 الصدود لأميل # فصددت عنك وما صددت لبغضة ... أخشى مقالة كاشح لا يغفل # وتجنبي بيت الحبيب أزوره ... أرضي البغيض به حديث معضل # إن الزمان وعيشنا ذاك الذي ... كنا بلذته نسر ونجذل # ذهبت بشاشته وأصبح ذكره ... أسفا يعل به الفؤاد وينهل # حتى انتهى إلى قوله: # فسموت عن أخلاقهم وتركتهم ... لنداك، إن الحازم المتوكل # ووعدتني في حاجتي فصدقتني ... ووفيت إذ كذبوا الحديث وبدلوا # ولقد بدأت أريد ود معاشر ... وعدوا مواعد أخلفت إذ حصلوا # حتى إذا رجع اليقين مطامعي ... يأسا وأخلفني الذين أؤمل # زايلت ما صنعوا إليك برحلة ... عجلى وعندك عنهم المتحول # وأراك تفعل ما تقول، وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل # فقال عمر بن عبد العزيز: ما أراك أعفيتني مما استعفيك. # والأحوص وإن كان ممن أغار على قصيدة سليمان، فقد أربى عليه في الإحسان، ~~وكان كما قال ابن المرزبان؛ وقد أنشد لابن المعتز قصيدته في مناقضة ابن ~~طباطبا العلوي التي أولها: # دعوا الأسد تكنس في غابها ... ولا تدخلوا بين أنيابها # قال: قد أخذه من قول بعض العباسيين: # دعوا الأسد تسكن أغيالها ... ولا تقربوها وأشبالها # أخذ ساجا ورده عاجا، وغل قطيفة، ورد ديباجا. ### | طرف مستملحة # قال سذابة المغني لأبي العباس المبرد: صر إلي اليوم لنأنس بك. قال: أي ~~شيء عندك آكل؟ قال: أنت وأنا عليك. يريد لحما مبردا وعليه سذاب. # PageV01P028 # ولقي برد الخيار الكاتب أبا العباس المبرد على الجسر في يوم بارد. فقال: ~~أنت المبرد، وأنا برد الخيار، واليوم بارد؛ اعبر بنا لئلا يصيب الناس ~~الفالج. # وقال عون بن محمد: لقيت باذروجة المغني وسكباج الراقص بسر من رأى، فصحت: ~~يا غلام، المائدة؛ فقد وافت الألوان، فضحكوا؛ وأقسم علينا باذروجة؛ فكنا ~~يومنا عنده في أطيب عيش. ### | من طرف ابن جدار وشعره # وكان ابن جدار كاتب العباس بن أحمد بن طولون بارد المشاهدة، فعاد أبا حفص ~~بن أبي أيوب ابن أخت الوزير، فوافاه وقد أصابته قشعريرة. فقال: ما تجد؟ ~~جعلت فداك! قال: أجدك. # وكان أبو حفص أديبا شاعرا بليغا ولها، وقد رأى وردا قريبا من ms054 أقحوان ~~فقال: # أرى أقحوانات يطفن بناصع ... من الورد مخضر النبات نضيد # يميله ريح الصبا فكأنه ... ثغور دنت شوقا للثم خدود # وكان ابن جدار ينقل أخبار أبي حفص إلى العباس بن أحمد بن طولون، فصار ~~إليه يوما فقال: أعزك الله؛ إنما مجلس المدام حرمة أنس، ومسرح لبانة، ومذاد ~~هم، ومرتع لهو، ومهد سرور؛ وإنما توسطته عند من لا يتهم غيبه، وقد بلغني ما ~~تنهيه إلى أميرنا أبي الفضل من أخبار مجالسي. وأنشد: # ولقد قلت للأخلاء يوما ... قول ساع بالنصح لو سمعوه # إنما مجلس المدام بساط ... للمودات بينهم وضعوه # فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا ... من نعيم ولذة رفعوه # فاعتذر إليه وحلف أنه ما فعل، وقام عن مجلسه. وأنشد: # كم من أخ أوجست منه خيفة ... فأنست بعد وداده بفراقه # لم أحمد الأيام منه خليقة ... فتركته مستمتعا بخلاقه # وكان ابن جدار قبل تعلقه بالعباس يتكسب بالشعر ويقنع باليسير، فصار إلى ~~دار إسحاق بن دينار بن عبد الله وامتدحه، فلم يهب له شيئا؛ فقال فيه: # عجب الناس أن مدحت ابن دينا ... ر فلم يجزني على مدحيه # قلت لا تعجبوا فما قدم اللؤ ... م عجيبا منه ولا منه أخيه # إن ديناره أبوه، ومن جا ... د من الناس لامرىء بأبيه؟ # وهو القائل في القلم: # وعاشق تحت رواق الدجى ... أغرى به الحيرة فقدان # أهيف ممشوق بتحريكه ... يحل عقد السر إعلان # يحوك وشيا لم يحك مثله ... بلاغة تحكى وبرهان # وربما أحيا وأهدى الردى ... ففيه ماذي وخطبان # وفيه للناظر أعجوبة ... يكسو عراة وهو عريان # تجري به خمس مطايا له ... مختلفات القد أقران # له لسان مرهف حده ... من ريقة الكرسف ريان # في دقة المعنى إذا أغرقت ... للقول في التدقيق أذهان # إذا احتسى كأسا كلون الدجا ... حرك منه الرأس نشوان # كأنما ينثر من لفظه ... در وياقوت ومرجان # ترى بسيط الفكر في نظمه ... شخصا له حد وجثمان # كأنما يسحب في إثره ... ذيلا من الحكمة سحبان # لولا ما قام منار الهدى ... ولا سما بالملك ديوان ### | بين ابن مكرم وأبي العيناء # قدم محمد بن ms055 مكرم من الجبل؛ فقال له أبو العيناء: ما لك لم تهد إلينا ~~شيئا؟ فقال: والله ما قدمت إلا في خف، قال: كذبت، ولو قدمت في خف خفت روحك. ~~وأكثر عليه أبو العيناء من المهاترة، فقال: إن زدت علي قمت، قال: أراك ~~تتهددنا بالعافية. # وكانا يشربان يوما عند صديق لهما، فقال ابن مكرم لصاحب الدار: أقوم إلى ~~الخلاء؛ فقال أبو العيناء: إذا لا يعود إلينا منك شيء. # وولد لأبي العيناء مولود فأتاه ابن مكرم مهنئا، فوضع بين يدي أبي العيناء ~~حجرا وانصرف. فجسه أبو العيناء فوجده حجرا. فقال: من وضع هذا؟ فقالوا: تركه ~~ابن مكرم لما قدم، قال: لعنه الله؛ إنما عرض بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر. # PageV01P029 # وأتى محمد بن مكرم شاعر فقال: إني قد هجوتك بشعر؟ فقال: قل، فوالله لئن ~~أحسنت لأخلعن عليك خلعة، فأنشده: # يا فتى مكرم تنح عن الفخ ... ر فما مكرم وما دينار # لا تفاخر إذا فخرت بهذي ... ن فذا كودن وذاك حمار # فقال: أحسنت، ولكني أكسوك من ثيابنا، يا غلام، ارم عليه جلا وبرذعة. ### | عود إلى الطرف المتفرقة # دخل بعض أبناء الملوك على المبرد وعنده سلة حلوى قد أعدها لبعض إخوانه، ~~فوجد ابنه الفرصة في اشتغال أبيه فأقبل يأكل منها. فنظر إليه المبرد ~~فأنشده: # الناس في غفلاتهم ... ورحى المنية تطحن # ودخل أبو الحارث حمير على بعض الملوك فرأى بين يديه سلة حلوى. فقال: ما ~~في هذا أيها الأمير؟ قال: باذنجان. وكان أبو الحارث يكره الباذنجان كراهية ~~شديدة. # وأصلح محمد بن يحيى بن خالد دعوة، وأمر الطباخ أن يجعل الباذنجان في جميع ~~الطعام، وحضر أبو الحارث فكلما قدم لون وهم بالأكل منعه ما يراه إلى أن ضاق ~~فأقبل يأكل بدقة المائدة فعطش فقال: اسقوني ماء لا باذنجان فيه. # ودخل على محمد بن يحيى وبين يديه مزورات وكان محميا، فأكل معه وخرج من ~~عنده، فلقيه بعض إخوانه، فغطى رأسه منهم واستخفى فقالوا: ما لك يا أبا ~~الحارث؟ قال: أكلت عند محمد بن يحيى ms056 بقولا كثيرة. قالوا: فما تخاف؟ قال: ~~أخاف أن يمر المساح فيمسحني خضراء فلا يقبلوا مني مظلمة. # وهذا كما حكي عن الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجمل: أنه مر ~~ببعض إخوانه بعقبة النجارين، وهو يعدو بأكثر مما يقدر عليه، فقال له: قف ~~علي، فخاف أن تكون نزلت به نزلة، فأتاه إلى الدار فخرج مستخفيا. فقال: ما ~~لك يا أبا عبد الله؟ قال: أما علمت أن السخرة وقعت في الجمال؟ فما يؤمنني ~~أن يقال هذا الجمل، فأؤخذ فلا أتخلص إلا بشفاعة. وكان الجمل حلوا ظريفا. ### | ابن المدبر يجيز بالصلاة # وكان أبو الحسن أحمد بن المدبر إذا مدحه شاعر فلم يحسن وكل به من يمضي ~~معه إلى الجامع فلا يفارقه حتى يصلي مائة ركعة؛ فتحاماه الشعراء، فأتاه ~~الجمل فأنشده: # أردنا في أبي حسن مديحا ... كما بالمدح تنتجع الولاة # فقلنا أكرم الثفلين طرا ... ومن كفاه دجلة والفرات # فقالوا يقبل المدحات لكن ... جوائزه إلى الناس الصلاة # فقلت لهم: وما تغني صلاتي ... عيالي! إنما الشأن الزكاة # فأما إذ أبى إلا صلاتي ... وعاقتني الهموم الشاغلات # فيأمر لي بكسر الصاد منها ... لعلي أن تنشطني الصلات # فيصلح لي على هذي حياتي ... ويصلح لي على هذي الممات # فأمر له بمائة دينار. # وقيل له: من أين اهتديت إلى هذا؟ قال: من قول أبي تمام: # هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام ### | برمكي بخيل # وكان محمد بن يحيى البرمكي يبخل، ولم يكن بخيلا إلا بالإضافة إلى أخويه ~~الفضل وجعفر؛ وكان أبو الحارث حمير يكثر وصفه بذلك، فقيل له يوما: كيف ~~مائدة محمد؟ فقال: أما خوانه فعدسة، وأما صحافه فمنقورة من خشب الخشخاش، ~~وبين الرغيف والرغيف فترة. قيل: فمن يحضرها؟ قال: أكرم الخلق وألأمهم يريد ~~الملائكة عليهم السلام والذباب. وقد ذكر غير هذا والحكايات تختلف. # وقيل له: كيف كنت عنده؟ قال: عليه الطلاق إن لم يكن أقام ثلاثة أيام ~~وبطنه يظن أن رأسه قطع؛ لأنه لم يدخل إليه آثار طعام ولا شراب. ### | من مستجاد ما قيل في البخل # ومن مستجاد ms057 ما قيل في البخل مما جمع إلى الخلاعة براعة قول أبي نواس في ~~إسماعيل بن نيبخت: # على خبز إسماعيل واقية البخل ... فقد حل في دار الأمان من الأكل # وما خبزه إلا كآوى يرى ابنها ... ولسنا نراها في الحزون ولا السهل # وما خبزه إلا كالعنقاء مغرب ... تصور في بسط الملوك وفي المثل # يحدث عنها الناس من غير رؤية ... سوى صورة ما إن تمر ولا تجلي # وما خبزه إلا كليب بن وائل ... لبالي يحمي عزه منبت البقل # وإذ هو لا يستب خصمان عنده ... ولا الصوت مرفوع بجد ولا هزل # PageV01P030 # فإن خبز إسماعيل حل به الذي ... أصاب كليبا لم يكن ذاك عن ذل # ولكن قضاء ليس يسطاع رده ... بحيلة ذي دهي ولا مكر ذي عقل # قال الجاحظ: وأبيات أبي نواس على أنه مولد شاطر أشعر من شعر المهلهل في ~~إطراق المجلس بكليب أخيه إذ يقول: # نبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس # وتحدثوا في أمر كل عظيمة ... لو كنت حاضر أمرهم لم ينبسوا # وكان كليب إذا جلس في ناديه لم يرفع أحد طرفه، ولا ينطق بكلمة إجلالا له. # وقال أبو نواس: # رأيت قدور الناس سودا من الصلى ... وقدر الرقاشيين زهراء كالبدر # يضيق بحيزوم البعوضة صدرها ... ويخرج ما فيها على طرف الظفر # يبينها للمعتفي بفنائهم ... ثلاث كخط الثاء من نقط الحبر # إذا ما تنادوا للرحيل سعى بها ... أمامهم الحولي من ولد الذر # وهذا القدر ضد قدر القائل: # وبوأت قدري موضعا فوضعتها ... برابية ما بين ميث وأجرع # جعلت لها هضب الرجام وطخفة ... وغولا أثافي دونها لم تنزع # بقدر كأن الليل شحنة قعرها ... ترى الفيل فيها طافيا لم يقطع # ويجب أن يأكل ما في هذا القدر من ذكر الفرزدق في قوله: # لعمرك ما الأرزاق حين اكتيالها ... بأكثر خيرا من خوان العذافر # ولو ضافه الدجال يلتمس القرى ... وحل على خبازه بالعساكر # بعدة يأجوج ومأجوج كلهم ... لأشبعهم يوما غداء عذافر ### | طرف مليحة # ودخل رجل على المتوكل فقال له: ما اسمك؟ قال: قطان. قال: وما صناعتك؟ ms058 ~~قال: حمدان. قال: لعل اسمك حمدان وصناعتك قطان؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ~~ولكني دهشت لهيبتك. # وقال رجل لآخر معه كلب: ما اسمك؟ قال: وثاب. قال: وما اسم كلبك؟ قال: ~~عروة، قال: واخلافاه! وقال ابن قادم: كنا نماشي ابن المغتاب القاضي، فمررنا ~~بمقبرة، فإذا عليها مكتوب: بركة من الله صاحبها. وكنا في إملاك فإذا على ~~منارة مكتوب: كل نفس ذائقة الموت. فقلت: هذه بتلك. # وممن وقع له هذا على الغلط فأحسن الاستدراك مطيع بن إياس الحارثي، فإنه ~~دخل على الهادي في حياة المهدي وهو ولي عهد، فقال: السلام عليك يا أمير ~~المؤمنين، فقيل له: مه! فقال: بعد أمير المؤمنين. ### | يتعمدان المقلوب # وأما أبو العبر ومحمد بن حكيم الكنتجي فقد كانا يتعمدان المقلوب رقاعة ~~ومجانة، وأبو العبر هو الذي كتب لبعض أصحابه: أما قبل فأحكم بنيانك على ~~الرمل، واحبس الماء في الهواء، حتى يغرق الناس من العطش؛ فإنك إذا فعلت ذلك ~~أمرت لك كل يوم بسبعة آلاف درهم ينقص كل درهم سبعة دوانيق. # وكتب يوم إلا تسعا لخمس وأربعين ليلة خلت من شهر ربيع الأوسط سنة عشرين ~~إلا مائتين. وله مثل هذا كثير من منظوم ومنثور. وهو القائل: # الخوخ يعشق وكنة الرمان ... والطيلسان قرابة الخفان # يا من رمى قلبي فعرقب أذنه ... فشممت منه حموضة الكتان # وقال أبو العبر: كنا نختلف ونحن أحداث إلى رجل يعلمنا الهزل، فكان يقول: ~~أول ما تريدون قلب الأشياء، فكنا نقول إذا أصبح: كيف أمسيت؟ وإذا أمسى: كيف ~~أصبحت؟ وإذا قال: تعال نتأخر إلى خلف؛ وكانت له أرزاق تعمل كتابتها في كل ~~سنة، فعمل مرة وأن معه الكتاب، فلما فرغ من التوقيع وبقي الختم. قال: أتربه ~~وجئني به، فمضيت فصببت عليه الماء فبطل، فقال: ويحك! ما صنعت؟ قلت: ما نحن ~~فيه طول النهار من قلب الأشياء! قال: والله لا تصحبني بعد اليوم فأنت أستاذ ~~الأستاذين. # وكان نقش خاتم أبي العبر توفي جحا يوم الأربعاء. # وتعرض للمتوكل والمتوكل مشرف على مظهر في قصره الجعفري وقد جعل في رجليه ms059 ~~قلنسوتين وعلى رأسه خفان وقد جعل سراويله قميصا، وقميصه سراويل، فقال: علي ~~بهذا المثلة؛ فدخل عليه فقال: أنت شارب؟ قال: ما أنا إلا عنفقة. قال: إني ~~أضع الأدهم في رجليك وأنفيك في فارس، قال: ضع في رجلي الأشهب وانفني إلى ~~راجل! قال: أتراني في قتلك مأثوم؟ قال: بل ماء بصل يا أمير المؤمنين، فضحك ~~ووصله. # PageV01P031 # وأبو العبر القائل في الجد: # ليس لي مال ولي كرم ... فبه أقوى على عدمي # لا أقول الله يظلمني ... كيف أشكو غير متهم # قنعت نفسي بما رزقت ... وتمشت في العلا هممي # ولبست الصبر سابغة ... فهي من فرقي إلى قدمي # فإذا ما الدهر عاتبني ... لم تجدني كافر النعم # وله في الرقيق: # رق حتى يكاد خدك يجري ... رقة والجفون ترنو بسحر # يا قليل الشبه مستظرف الشك ... ل بديع الجمال مغرى بهجر # كف عني الصدود يا واحد الحس ... ن فقد عيل من صدودك صبري # وله أيضا: # أبكي إذا غضبت حتى إذا رضيت ... بكيت عند الرضا خوفا من الغضب # فالموت إن رضيت والموت إن غضبت ... أنى يرجى سلو، عشت في تعب # وهذا قريب من قول فضل الشاعرة، وقيل سعيد بن حميد: # ما كنت أيام كنت راضية ... عني بذاك الرضا بمغتبط # علما بأن الرضا سيتبعه ... منك التجني وكثرة السخط # فكل ما ساءني فعن خلق ... منك وما سرني فعن غلط # هذا البيت الأخير كقول أبي العيناء، وقد سأله المتوكل عن ميمون بن ~~إبراهيم صاحب ديوان البريد وكان يبغضه فقال: يد تسرق، مثله مثل يهودي سرق ~~نصف جزيته، فله إقدام بما أدى، وإحجام بما بقي، إساءته طبيعة، وإحسانه ~~تكلف. ### | أبو محجن الثقفي وطرف من أدبه # ولما مات أبو محجن الثقفي وقف رجل على قبره، فقال: رحمك الله أبا محجن! ~~فوالله لقد كنت قليل المراء، جيد الغناء، غير نعاس، ولا عباس، ولا حابس ~~للكاس. # واسم أبي محجن عروة بن حبيب، وكان فارسا شاعرا، وكان مشتهرا بالشراب ~~كثيرا يقول فيه؛ فحده عمر رضي الله عنه مرات، ثم أخرجه إلى العراق، فشرب، ~~فحده سعد بن أبي ms060 وقاص وسجنه في قصر العذيب، وكان سعد مريضا في القصر، وأقام ~~المسلمون في حرب القادسية أياما، فوجهت الأعاجم قوما إلى القصر ليأخذوا من ~~فيه، فاحتال أبو محجن حتى ركب فرس سعد من غير علمه فخر فأوقع بهم؛ فرآه ~~سعد، فلما انصرف بالظفر خلى سبيله. وقال: لا أضربك بعدها في الشرب، قال: ~~فإني لا أذوقها أبدا. # ودخل ابن أبي محجن على معاوية فقال له: أبوك الذي يقول؟ # إذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها # ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت ألا أذوقها # فقال: يا أمير المؤمنين؛ لو شئت لذكرت من شعره ما هو أحسن من هذا وأنشد: # لا تسألي القوم عن مالي وكثرته ... وسائلي القوم عن بأسي وعن خلقي # القوم أعلم أني من سراتهم ... إذا تطيش يد الرعديدة الفرق # أعطى السنان غداة الروع حصته ... وعامل الرمح أرويه من العلق # وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض ... وأكتم السر فيه ضربة العنق # فقال: لئن كنا أسأنا المقال، لا نسيء الفعال؛ وأمر له بصلة. ### | الحجاج يضحك في جنازة رجل من ### | أهل الشام # # وقال ابن عائشة: مات رجل من أهل الشام، فحضر الحجاج جنازته، وكان عظيم ~~القدر، وله عز وجاه؛ فصلى عليه وجلس على شفير قبره، وقال: لينزل قبره بعض ~~إخوانه، فنزل نفر منهم، فقال أحدهم وهو يسوي التراب عليه: رحمك الله يا أبا ~~فلان؛ فإن كنت ما علمت لتجيد الغناء، وتسرع رد الكأس، ولقد وقعت بموضع سوء ~~لا تخرج منه إلا يوم الدكة. # قال: فما تمالك الحجاج أن ضحك، وكان لا يضحك في جد ولا في هزل، ثم قال ~~للرجل: هذا موضع هذا الأمر. ويلك؟ قال: أصلح الله الأمير، فرسي حبيس في ~~سبيل الله لو سمعه الأمير يتغنى: # يا لبينى أوقدي النارا ... إن من تهوين قد جارا # رب نار بت أرمقها ... تقضم الهندي والغارا # عندها ظبي يؤججها ... عاقد في الخصر زنارا # وكان الميت يسمى سعنة. فقال: أخرجوه من القبر يا أهل الشام، ما أبين حجة ~~أهل العراق ms061 في جهلكم! وكان الميت أقبح خلق الله وجها، فلم يبق أحد ممن حضر ~~إلا استغرق ضحكا. # أهل الشام # PageV01P032 # وأهل الشام غاية في الجهل والغباوة. ودخل رجل من أهل العراق الشام في ~~أيام عبد الملك في حوائج له، فحجب عنه، فدخل في غمار الناس، فقال عبد الملك ~~لجلسائه: ما معنى قول الشاعر: # إذا ما المواشط باكرنها ... وأتبعن بالظفر وحفا طويلا # تخذن القرون فعقلنها ... كعقل العسيف غرابيب ميلا # يصف شعر امرأة، والوحف: البشام، والعسيف: الأجير، والغرابيب الشديدة ~~السواد؛ يريد عناقيد الكرم. وروي عراجين ميلا فسكتوا عن آخرهم. # فقال العراقي لرجل من أهل الشام له بزة وهيئة: أرأيتك إن أخبرتك بمعناه ~~وحصل لك الحظ عند أمير المؤمنين أتقربني منه حتى أسأله حاجتي؟ قال: لك ذلك. ~~قال: إنما يصف البطيخ، فوثب الشامي، وقال ذلك، فافتضح وانقلب المجلس ضحكا. ~~فقال له عبد الملك: من أين لك هذا العلم؟ قال: هذا العراقي ابن اللخناء قال ~~لي ذلك. فقال عبد الملك: ما أدخلك؟ أذكر حاجتك؟ فذكرها فقضاها له وقال: ~~أخرج من الشام لا تفسدها علي بمجاورتك. ### | مما جمع التصرف في الإحسان # ومما جمع التصرف في الإحسان وبديع الافتنان، قول مسلم بن الوليد ~~الأنصاري: # أجدك ما تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر # نصبت لها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعفر # يريد يحيى بن خالد بن برمك وجعفرا ابنه. وقال ابن المعتز: # سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب # فأمسيت في ليلين بالشعر والدجى ... وشمسين من خمر وخد حبيب # وقال أبو الطيب: # نشرت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعا # واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا ### | من أعجب ما قيل في وصف الشعر # ومن أعجب ما قيل في وصف الشعر ما جمع فيه وصف سواده وتمامه، وأتى ~~بالتشبيه الواقع، والوصف الرائع؛ قول أبي الحسن علي بن العباس الرومي: # وفاحم وارد يقبل مم ... شاه إذا اختال مسبلا غدره # أقبل كالليل من مفارقه ... منحدرا لا يذم منحدره # حتى تناهى ms062 إلى مواطئه ... يلثم من كل موطىء عفره # كأنه عاشق دنا شغفا ... حتى قضى من حبيبه وطره # يغشى غواشي قرونه قدما ... بيضاء للناظرين مقتدره # مثل الثريا إذا بدت سحرا ... بعد غمام وحاسر حسره # وقد أخذه منه بعض أهل العصر وهو محمد بن مطران فقاربه في الإحسان: # ظباء أعارتها المها حسن مشيها ... كما قد أعارتها العيون الجآذر # فمن حسن ذاك المشي جاءت فقبلت ... مواطىء من أقدامهن الضفائر ### | بنو أمية وأهل العراق # وكان بنو أمية يكرهون أهل العراق لفطنتهم ورقتهم؛ إذ سياسة الأغبياء أسهل ~~عليهم؛ فقد قال الإسكندر لأرسطا طاليس: قد أعياني أهل العراق، ما أجري ~~عليهم حيلة إلا وجدتهم قد سبقوني إلى الخلاص، فتخلصوا قبل إيقاعها بهم؛ وقد ~~عزمت على قتلهم عن آخرهم. فقال: إذا قتلتهم فهل تقدر على قتل الهواء الذي ~~غذى طباعهم وخصهم بهذا الذكاء؟ فإن ماتوا ظهر في موضعهم من يشاكلهم. فقال: ~~ما الرأي؟ قال: من كان فيه هذا العقل كانت فيه أنفة وحمية وشراسة خلق، وقلة ~~رضا بالضيم؛ فاقسمها طوائف، وول على كل طائفة أميرا، فإنهم يختلفون، فإذا ~~اختلفوا فلت شوكتهم فغفلوا. فأقاموا مختلفين أربعمائة عام حتى جمعهم أردشير ~~بن بابك وقال: إن كلمة فرقت بيننا أربعمائة سنة لمشؤومة. ### | إياس بن معاوية أمام القاضي # ودخل إياس بن معاوية بن قرة الشام وهو صغير؛ فخاصم شيخا إلى القاضي وأقبل ~~يصول عليه، فقال القاضي: اسكت يا صبي. فقال: فمن ينطق بحجتي؟ قال: إنه شيخ ~~كبير، قال: إن الحق أكبر منه. قال القاضي: ما أراك تقول حقا؛ فقال: لا إله ~~إلا الله. فركب القاضي من وقته إلى عبد الملك فأخبره فقال: عجل بقضاء حاجته ~~وأخرجه من الشام لئلا يفسدها. # وبإياس يضرب المثل في الذكاء قال الطائي: # إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنفي في ذكاء إياس ### | أحزم الملوك # PageV01P033 # خرج بعض ملوك الفرس متنزها، فلقيه بعض الحكماء فسأله عن أحزم الملوك؟ ~~فقال: من ملك جده وهزله، وقهر لبه هواه، وأعرب لسانه عن ضميره، ولم يختدعه ~~رضاه عن سخطه، ولا غضبه عن ms063 صدقه. فقال الملك: لا، بل أحزم الملوك من إذا ~~جاع أكل، وإذا عطش شرب، وإذا تعب استراح. فقال له: أيها الملك؛ قد أجدت ~~الفطنة، أهذا لك علم مستفاد أم غريزي؟ قال: كان لي معلم من حكماء الهند، ~~وكان هذا نقش خاتمه. قال: فهل علمك غير هذا؟ قال: ومن أين يوجد هذا عند رجل ~~واحد. ثم قال الملك: علمني من حكمتك أيها الحكيم. قال: نعم! احفظ عني ثلاث ~~كلمات؛ قال: صدقت، فهات، قال: صقلك لسيف ليس له جوهر من طبعه خطأ، وبذرك ~~الحب في الأرض السبخة ترجو نباته جهل، وحملك الصعب السير على الرياضة عناء. ~~ومن هنا أخذ أبو تمام قوله: # في دولة غراء معتصمية ... ميمونة الإدبار والإقبال # فتعمق الوزراء يطفو فوقها ... طفو القذى وتعقب العذال # والسيف ما لم يلف فيه صقل ... من طبعه لم ينتفع بصقال ### | من نوادر الملوك والعمال والقضاة # وكان القلهمان أحد حكماء الهند وفيلسوف أطبائهم وترجمان علومهم، وكان ~~ترجمان ملك من ملوكهم يقال له ياكهثر بن شبرام، وكان ركيكا إلا أنه من أهل ~~بيت المملكة، فقال يوما للقلهمان: ما العلم الأكبر؟ قال: معرفة الطب. قال: ~~فإني أعلم من الطب أكثره. قال: فما دواء المبرسم أيها الملك؟ قال: الموت ~~حتى تقل حرارة صدره ثم يعالج بعد بالأدوية الباردة. قال القلهمان: أيها ~~الملك، من يحييه بعد الموت؟ قال: ليس هذا من الطب. هذا علم آخر يوجد في ~~كتاب النجوم. ولم أنظر في شيء منه إلا في باب الحياة، فإني وجدتها خيرا ~~للإنسان من الموت. قال القلهمان: أيها الملك، على كل حال خير للجاهل. قال: ~~لو نظر الجاهل في باب الموت لعلم أني قلت الحق. # وسألت أبو عون رجلا عن مسألة فقال: على الخبير سقطت، سألت عنها أبي فقال: ~~سألت أبي فقال: لا أدري. # قال أزهر: استعدت امرأة على زوجها عند ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك ~~وهو قاض فادعت مهرها ألف درهم، فقال: ألك بينة؟ قالت: لا، قال: أفأحلفه لك؟ ~~قالت: إنه فاجر يحلف؛ ولكن ابعث إلى ms064 إسحاق بن سويد الفقيه فسله أن يحلف لي ~~عنه. قال فأرسل إلى إسحاق بن سويد فلما حضر. قال له: احلف لهذه المرأة ما ~~لها على زوجها ألف درهم؟ قال إسحاق: ما أنا وهذا! قال: فيبطل حق هذه ~~المرأة؟ لتحلفن لها أو لأحبسنك، فلم يحلف فحبسه. فأتاه ابن سيرين فقال: لا ~~ألومك على حبسك إسحاق، ولكن لم وليت القضاء؟ قال: أكرهني عليه السلطان. ~~قال: كنت تعلمه أنك لا تحسنه. قال: كنت أنا أكذب؟ وكان نصر بن مقبل بن ~~الوزير على الرقة عاملا لهارون الرشيد، فأخذ بعض أصحابه رجلا ينكح شاة، ~~وأجمعوا الذهاب به إلى نصر، وكان الرجل ظريفا فقال: يا قوم؛ إنها والله ملك ~~يميني. فضحوا منه وخلوا سبيله، وذهبوا بالشاة إلى نصر؛ فأمر أن تضرب الحد، ~~فإن ماتت تصلب، قالوا: إنها بهيمة؟ قال: وإن كانت بهيمة؛ فإن الحدود لا ~~تعطل، وإن عطلتها فبئس الوالي أنا. # فانتهى حديثه إلى الرشيد ولم يكن رآه، وكان نبيل القد، حسن المنظر، جليل ~~القدر؛ فدعا به فوقف بين يديه، فقال: من أنت؟ قال: مولى لبني الكلب يا أمير ~~المؤمنين، فضحك. ثم قال: كيف بصرك في الحكم؟ قال: البهائم يا أمير المؤمنين ~~والناس عندي سواء، ولو وجب الحكم على بهيمة وكانت أمي أم أختي لحددتها، ولم ~~تأخذني في الله لومة لائم. فأمر هارون ألا يستعمل، فلم يزل معطلا حتى ولي ~~المأمون، فرفع يسأله الاستعانة به، فولاه طبرناباذ، وأمره أن يكون على ~~العصير بها، فلم يزل على ذلك حتى مات. # وكان مقاتل بن حسان على قضاء البصرة، فسأله رجل عن مسألة. فقال: لا أعرف ~~الجواب، فقال: أنت قاض ولا تحسن المسألة؟ قال: نعم! لأن الثور أعظم من ~~الحمار ولا يحسن أن يركض ركض الحمار. قال: أيها القاضي؛ فهذا مثلك؟ قال: بل ~~هذا مثلي ومثلك. قال: فأيهما أنت؟ قال: أنبلهما وأعظمهما يعني الثور. ### | حسن مظهر وسوء مخبر # PageV01P034 # قال أبو الهذيل العلاف: كان يختلف إلي فتى من أهل الموصل حسن السمت، نير ~~الوجه، تقي الثياب؛ فكان يصمت في المجلس، ms065 وإذا أتاه النهوض قال: أستغفر ~~الله لي وللمتكلم، ثم يمضي. قال: فنبل في عيني، ولاط بقلبي، وحلا في صدري؛ ~~فذكرت قول الحكيم في كتاب جاودان خرد: يحرم على السامع تكذيب القائل إلا في ~~ثلاث هن غير الحق؛ صبر الجاهل على مضض المصيبة، وعاقل أبغض من أحسن إليه، ~~وحماة أحبت كنة. # فقال الفتى: لولا حفظي لنظير هذه الكلمات وسماعهن من ثقة! فاشرأببنا إليه ~~وقلنا: ماذا ذاك؟ يرحمك الله! وظننا أنه سيأتي بأحسن منهن. فقال: حدثني أبي ~~عن جدي أنه قرأ في بعض كتب الحكماء: ليس الجائع كالشبعان، ولا المكسي ~~كالعريان، ولا النائم كاليقظان. # فطأطأت رأسي، وجعل أصحابي ينظرون إلي وإليه، وكرهت أن أسأله عن شيء بعد ~~هذا. فقال له بعضهم: من أنت يا فتى؟ قال: من فوق الأرض ومن تحت السماء. ~~قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: من أوسطهما، قال: فما الاسم؟ قال: ~~لجام، قال: فما الكنية؟ قال أبو السراج، قال: فما بالك لا تنهض؟ فوالله ما ~~أنت إلا حمار، فوثب قائما. وقال: ليس البحث منكم، ولكن مني حيث أجلس إلى ~~أمثالكم ولا تعرفون ما طحاها. ### | من كتب الفرس # وكتاب جاودان خرد من أجل كتب الفرس، وكان سببه على ما ذكر الجاحظ أن بعض ~~الأكاسرة كان زاهدا في كتب الأدب، راغبا في التكبر عن النظر فيهما، والتعظم ~~عن الاشتغال بشيء منها، وكان له وزير يقال له كنجور بن أسفنديار، فصنع ~~ترجمة لكتاب لم يعلمها أحد، وجعلها في ورقة، وألقاها إلى الملك وكانت ~~الترجمة: هذا كتاب تصفية الأذهان، ونقاء الفكر، وسراج القلوب، من كتاب واضح ~~عمود الحكمة. # فلما نظر الملك إلى هذه الترجمة شغفه حسنها، فقال لكنجور: لقد غلبت هذه ~~الترجمة على هواي، وقادت عزمي، وبعثت رأيي على هذا الكتاب؛ فسل عنه سؤالا ~~حفيا يرجع بجلية الخبر، وابعث الحكماء الأدلاء، على تفتيش منازل الحكماء، ~~فإن وجدته في شيء من مملكتي، كنت أولى الناس باصطناع صاحبه، وإن وصف أنه في ~~شيء من أقاليم الهند، كتبت إلى ملك ذلك الإقليم، وسألته المن علي ms066 بدفع نسخة ~~منه، وكافأته بهدية مكافأة مثلي على وجود طلبته. # فقال كنجور: أيها الملك، لست أفزع باستفراغ مجهودي والله المعين. وصار ~~إلى منزله ولم يخرج منه حتى صنع كتابه المعروف بجاودان خرد. # قال الجاحظ: حدثني الواقدي قال: قال الفضل بن سهل: لما دعي للمأمون بكور ~~خراسان بالخلافة جاءتنا هدايا الملوك سرورا بمكانه من الخلافة، ووجه ملك ~~كابلستان شيخا يقال له ذوبان، وكتب يذكر أنه وجه بهدية ليس في الأرض أسنى ~~ولا أرفع ولا أنبل ولا أفخر منها. فعجب المأمون وقال: سل الشيخ ما معه من ~~الهدية؟ فقال: ما معي شيء أكثر من علمي، فقلت: وأي شيء علمك؟ قال: رأي ~~ينفع، وتدبير يقطع، وجلالة تجمع. فسر المأمون به وأمر بإنزاله وإكرامه ~~وكتمان أمره؛ فلما أجمع على التوجه إلى العراق لقتال محمد الأمين أخيه دعا ~~بذوبان، فقال: ما ترى في التوجه إلى العراق؟ قال: رأي دقيق، وحزم مصيب، ~~وملك حريب، والسبب ماض، فاقض ما أنت قاض. قال: فمن نوجه؟ قال: الفتى ~~الأعور، الطاهر الأطهر، الظاهر الأظهر، يستر ولا يفتر؛ قوي مرهوب، مقاتل ~~غير مغلوب. # قال: فمن نوجه معه من الجند؟ قال: أربعة آلاف، صوارم الأسياف، لا ينقصن ~~في العدد، ولا يحتجن إلى مدد. قال: فما رأيت المأمون سر كسروره ذلك اليوم. # فوجه بطاهر؛ فلما تهيأ له الخروج سأل ذوبان: في أي وقت يخرج من النهار؟ ~~قال: مع طلوع الفجر يجمع لك الأمر، وتصير إلى النصر. # فخرج في ذلك الوقت، فلما كتب بذكر مقدمه الري دعا المأمون بذوبان فقال: ~~قد قرب صاحبنا من العدو وقربوا منه، فما عندك دلالة أبو بينة تكون لنا أو ~~علينا؟ قال: قد تعرفت شانه، إذ أتى فسطاطه، كان نصر سريع، وقتل ذريع، ~~وتفرقت تلك الجموع، والنصر له لا عليه، ثم يرجع الأمر إليك وإليه. # PageV01P035 # فكتب المأمون بذلك إلى طاهر ليقوي عزمه، فلما كتب بقتله علي بن عيسى ابن ~~ماهان واستيلائه على عسكره وأمواله، وخبر ما أولى الله المأمون في أوليائه؛ ~~من النصر والظفر بأعدائه، دعا ذوبان وأمر له ms067 بمائة ألف درهم فلم يقبلها. ~~وقال: أيها الملك؛ إن ملكي لم يوجهني إليك هدية لينقصك مالك؛ فلا تجعل ردي ~~نعمتك سخطا؛ فليس عن استخفاف بقدرها؛ وسوف أقبل ما يفي بهذا المال ويزيد، ~~وهو كتاب يوجد في العراق فيه مكارم الأخلاق، وعلوم الآفاق، وهو كتاب عظيم ~~للفرس، فيه شفاء النفس، به من صنوف الآداب، ما لا يوجد في كتاب، عند عاقل ~~لبيب، ولا فطن أريب، يوجد في خزائن، عند الإيوان بالمدائن. # فلما قدم المأمون بغداد، واستقر بها ملكه اقتضاه ذوبان حاجته، وأمر أن ~~تكتب القصة والموضع الذي يشير إليه، فكتب: سر إلى وسط الإيوان، من غير ~~زيادة ولا نقصان، واجعل القسمة بالذرعان، ثم احفر المدر، فاقلع الحجر؛ فإذا ~~وصلت إلى الساجة، فاقتلعها تجد الحاجة، فخذها ولا تعرض لغيرها، فيلزمك غب ~~ضيرها. # فوجه المأمون في ذلك رسولا حصيفا، فسار إلى الموضع، ففعل ما قيل له؛ فوجد ~~صندوقا صغيرا من زجاج أسود عليه قفل منه، فحمله ورد الحفرة إلى حالها ~~الأول. # قال عمرو بن بحر: فحدثني الحسن بن سهل قال: إني لعند المأمون إذ وصل ذلك ~~الصندوق، فجعل يتعجب منه، ثم دعا بذوبان فقال له: هذه بغيتك؟ قال: نعم! ~~أيها الملك، لست ممن تنقض رغبته ذمام عهده، ولا يحل طمعه عقدة وفائه، ثم ~~تكلم بلسانه، ونفخ في القفل فانفتح، فأدخل يده وأخرج منه خرقة ديباج فنشرها ~~فسقط منها أوراق، فرد الأوراق في الخرقة ونهض. ثم قال: أيها الملك، هذا ~~الصندوق يصلح لرفيع خبيات خزائنك، فأمر به فرفع. # قال الحسن بن سهيل: فقلت: ترى يا أمير المؤمنين أن أسأله ما في هذا ~~الكتاب؟ قال: يا حسن، أفر من اللؤم ثم أرجع إليه؟ أمرته ألا يفتحه بين يدي ~~قطعا للطمع فيه، وصمتة بالمسألة عنه، وتحريا للرغبة فيه، والله لا كان هذا ~~أبدا. # فلما خرج صرت إلى منزله فسألته عنه مسألة راغب فيه، فقال: هذا كتاب ~~جاودان خرد تأليف كنجور ملك سبراشهرا، فقلت: أعطني ورقة منه أنظر فيها. ~~فأعطاني فوقعت عليها عيني. وأسرجت لها ذهني، وأجلت ms068 فيها فكري؛ فلم أزدد منه ~~إلا بعدا؛ فدعوت بالخضر بن علي، وذلك في صدر النهار، فلم ينتصف حتى فرغ من ~~قراءتها بينه وبين نفسه؛ ثم جعل يفسرها وأنا أكتب، ثم رددت الورقة وأخذت ~~منه نحو ثلاثين ورقة، فدخلت عليه يوما فقلت: يا ذوبان؛ يكون في الدنيا من ~~يحسن مثل هذا الكتاب؟ قال: يجوز أن يكون فيها من يحسن ترجمة هذا الكتاب، ~~ولا يجوز أن يكون فيها من يحسن مثل هذا الكتاب. قلت: فهل تعرف من يترجمه؟ ~~قال: نعم، وأصفه لك، هو طوال أنزع، إن تكلم تتعتع، يفوق أهل زمانه، بما ~~يكون من شأنه، اسمه خضير، يقوم بأمر خطر، لو كان له عمر، ولولا أن العلم ~~سبيل الدنيا والآخرة، وهو الكرامة الفاخرة، ومن معرفة قدره الضن به، لرأيت ~~أن أدفعه إليك بتمامه، ولكن لا سبيل إلى أكثر مما أخذت. # ولم تكن الأوراق التي أخذتها على التأليف؛ لأنا أصبنا ورقة فيها علامات ~~فيها الكنوز، وآخر الورقة مكتوب: دليل هذا الباب في الورقة التي تليها؛ ولم ~~نجد غير هذا بتا؛ غير أنا وجدنا أبوابا من الحكمة تشهد لها القلوب بحقيقة ~~الصحة، وتحلف طيها الألسن بغاية النهاية. # هذا من كلام الحسن بن سهل كقول أبي تمام يصف شعره: # ومحلفة لما ترد أذن سامع ... فتصدر إلا عن يمين وشاهد # PageV01P036 # قال الجاحظ: وحدثني الحسن بن سهل قال: قال لي المأمون: أي كتب العرب ~~أنبل؟ قال قلت المبتدأ؟ قال: لا. قلت: فالتاريخ؟ قال: لا، فسكت، فقال: ~~تفسير القرآن، لأنه لا شبه له، وتفسيره لا شبه له. ثم قال: أي كتب العجم ~~أنبل؟ فاستعرضتها فقلت: هذا كتاب ذوبان، وقد كتبت بعضه، فقال: إيتني به ~~معجلا. فوجهت في حمله، فوافاني الرسول وقد نهض يريد الصلاة. فقال: فلما ~~رآني مقبلا والكتاب معي انحرف عن القبلة، وأخذ الكتاب وجعل ينظر فيه، فإذا ~~فرغ من باب قال: لا إله إلا الله، فلما طال ذلك عليه قعد وجعل يقرأ؛ فقلت: ~~الصلاة تفوت وهذا لا يفوت. قال: صدقت غير أني أخاف السهو في الصلاة ms069 لاشتغال ~~قلبي بلذيذ ما في هذا الكتاب، وما أجد للسهو حائلا غير ذكر الموت فجعل ~~يقرأ: " إنك ميت وإنهم ميتون ". ثم وضع الكتاب. وقام فكبر؛ فلما فرغ من ~~صلاته نظر فيه حتى أتى على آخره. ثم قال: أين تمامه؟ قلت: عند ذوبان لم ~~يدفعه إلي. فقال: لولا أن العهد حبل أحد طرفيه بيد الله والآخر بأيدينا ~~لأخذته منه، فهذا والله الكلام، لا ما نحن فيه من لي ألسنتنا في فجوات ~~أشداقنا. ### | من الحكم # قال الحسن بن سهل: قرأت في هذا الكتاب: ثلاث لا يصلح فسادهن بشيء من ~~الحيل: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في العقول. وثلاث لا ~~يستفسد صلاحهن بنوع من المكر: العبادة في العلماء، والقنوع في المستبصرين، ~~والسخاء في ذوي الأخطار. وثلاث لا يشبع منهن: الحياة، والعافية، والمال. ~~وثلاث تبطل مع ثلاث: الشدة مع الحيلة، والعجلة مع التأني، والإسراف مع ~~القصد. # وهذا كما قال الخضر بن علي: رأيت بعدن حجرا مكتوبا عليه بالحميرية: يأيها ~~الشديد؛ احذر الحيلة، ويأيها العجول؛ احذر التأني، ويأيها المحارب؛ لا تأمن ~~من التفكر في العاقبة، ويأيها الرائد موجودا لا تقطع أملك عن بلوغ مثله. # أما قوله للمحارب، فقد قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: من فكر في ~~العواقب لم يشجع. ### | شجاعة وحسن بلاء # وقال سعد بن ناشب الغنوي: # عليكم بداري فاهدموها فإنها ... تراث كريم لا يخاف العواقبا # إذا هم ألقى بين عينيه همه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا # ولم يستشر في رأيه غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا # وقد قال معاوية رضي الله عنه: هممت مرات كثيرة بصفين أن أخيس فلم يردني ~~إلا أبيات ابن الإطنابة: # أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذي المجد بالثمن الربيح # وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي # وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح # لأدفع من مآثر صالحات ... وأمنع بعد عن نسب صريح # وابن الإطنابة هو عمرو بن عامر بن زيد مناة بن مالك بن الأغر الخزرجي، ~~وهو فارس مشهور معروف، والإطنابة أمه. ms070 # وقد أحسن قطري بن الفجاءة في هذا المعنى حيث قال: # وقولي كلما جاشت لنفسي ... من الأعداء ويحك لا تراعي # فإنك لو سألت مزيد يوم ... أبى الأجل المقدر أن تطاعي # وقال بعض الغزاة: فتحنا حصنا من بلاد الروم، فرأينا فيه صورة أسد من حجر ~~عليه مكتوب: الحيلة خير من الشدة، والتأني أفضل من العجلة، والجهل في الحرب ~~أحزم من العقل، والتفكر في العاقبة من أمارة الجزع. # ووجه ملك الروم إلى الرشيد بثلاثة أسياف مع هدايا كثيرة، على سيف منها ~~مكتوب: أيها المقاتل؛ احمل تغنم، ولا تفكر في العاقبة تهزم. وعلى الثاني: ~~التأني فيما لا تخاف عليه الفوت، أفضل من العجلة إلى إدراك الأمل. وعلى ~~الآخر: إن لم تصل ضربة سيفك، فصلها بإلقاء خوفك. # وهذا كقول كعب بن مالك الأنصاري: # نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما ونحلقها إذا لم تلحق # وكقول نهشل بن حري: # إذا الكماة تأبوا أن ينالهم ... حد السيوف وصلناها بأيدينا # وأعطى بعض الأمراء سيفا لرجل فقال له: صله بخطواتك. فقال له: الصبر أقرب ~~من تلك الخطوة. # وأعطى آخر لرجل سيفا فسأله بدله، وقال: هو غير ماض. قال: خذه، فالسيوف ~~مأمورة، قال: فهذا أمر ألا يقطع. # PageV01P037 # وانهزم رجل، فدخل على أميره فشتمه وقال: أعطيت بيدك وهربت، ولم توغل ولا ~~صبرت! فقال: لئن تشتمني أصلحك الله وأنا حي خير من أن تترحم علي وأنا ميت. # وقيل لأعرابي: اخرج إلى الغزو! فقال: أنا والله أكره الموت على فراشي، ~~فكيف أمشي إليه ركضا؟!. # أخذ هذا المعنى أحمد بن أبي فنن فقال مستطردا يمدح أبا دلف القاسم بن ~~عيسى العجلي والاستطراد أن يريك الفارس أنه ولى، وإنما ولى لتتبعه فيكر ~~عليك كذلك الشاعر يريك أنه يصف شيئا، ثم يعن له معنى فيأتي به، وكأنه ليس ~~من قصده ولم يقصد غيره: # ما لي وما لك قد كلفتني شططا ... حمل السلاح وقول الدارعين قف # أمن رجال المنايا خلتني رجلا ... أمسي وأصبح مشتاقا إلى التلف # أرى المنايا على غيري فأكرهها ... فكيف أمشي إليها بارز الكتف؟ # أخلت أن ms071 سواد الليل غيرني ... أو أن قلبي في جنبي أبي دلف؟ # لأنه كان شديد السواد. # ولما دخل على المعتز قال: هذا الشاعر الأسود؟ قال: لا يضره سواده، أعزكم ~~الله تعالى؛ فإن بيض أباديكم عنده. # وقال المنصور لبعض الخوارج وقد أتي به أسيرا: أخبرني أي أصحابي كان أشد ~~إقداما في مبارزتكم؟ فقال: ما أعرف وجوههم مقبلين، وإنما أعرف أقفاءهم؛ ~~فمرهم أن يدبروا لأعرفك أشدهم إدبارا. # أخذه ابن الرومي فقال في سليمان بن عبد الله بن طاهر وكان قد خرج في بعض ~~الوجوه فهزم: # قرن سليمان قد أضر به ... شوق إلى وجهه سيدنفه # أعرض عن قرنه وفر فما ... أصبح شيء عليه يعطفه # كم يعد القرن باللقاء وكم ... يكذب في وعده ويخلفه # لا يعرف القرن وجهه ويرى ... قفاه من فرسخ فيعرفه # وله في هذا المعنى أهاج كثيرة فمن ظريفها: # سليمان ميمون النقيبة حازم ... ولكنه حتم عليه الهزائم # ألا عوذوه من توالي فتوحه ... عسى أن ترد العين عنه التمائم # وقال: # جاء سليمان بني طاهر ... فاجتاح معتز بني المعتصم # كأن بغداد لدن أبصرت ... طلعته نائحة تلتدم # مستقبل منه ومستدبر ... وجه بخيل وقفا منهزم ### | من ملح أبي دلامة # وقال روح بن حاتم لأبي دلامة: اخرج معي وهذه عشرة آلاف درهم. فقال: # إني أعوذ بروح أن يقربني ... إلى الحمام فتشقى بي بنو أسد # إن المهلب حب الموت أورثكم ... وما ورثت اختيار الموت من أحد # وكان أبو دلامة شاعرا فصيحا، وماجنا مليحا، واسمه زند بن الجون الأزدي. # ودخل على أبي جعفر المنصور فأنشده وذكر زوجته: # فاخرنطمت ثم قالت وهي مغضبة ... أأنت تتلو كتاب الله يالكع؟! # قم كي تبيع لنا نخلا ومزدرعا ... كما لجارتنا نخل ومزدرع # خادع خليفتنا عنها بمسألة ... إن الخليفة للسؤال ينخدع # قال: قد أمرنا لك بمائة جريب عامر، ومائة جريب غامر. فقال: وما الغامر يا ~~أمير المؤمنين؟ قال: الذي لا ينبت، قال: فإني أقطعك عشرة آلاف جريب من ~~فيافي بني أسد. فضحك وأمر له بالجميع عامرا، فقال: إئذن لي في تقبيل يدك يا ~~أمير المؤمنين؟ فقال: أما ms072 هذه فدعها، فقال: ما منعت عيالي شيئا أسهل عليهم ~~من هذه. # ودخل أبو دلامة يوما على أبي جعفر المنصور فأنشده: # إني رأيتك في المنا ... م وأنت تعطيني خياره # مملوءة بدراهم ... وعليك تأويل العباره # فقال له المنصور: امض فأتني بخيارة أملؤها لك دراهم. فمضى فأتى بأعظم ~~دباءة توجد. ما هذا؟ قال: يلزمني الطلاق إن كنت رأيت إلا دباءة، ولكني ~~نسيت، فلما رأيت الدباءة في السوق ذكرتها. # وهذا إنما أخذه من ابن عبدل الأسدي، وقد دخل على بعض بني مروان، فقال: ~~تأذن لي أصلحك الله أن أقص عليك رؤيا رأيتها؟ فقال: هات؛ فأنشد: # أغفيت قبل الصبح نوم مسهد ... في ليلة ما كنت قبل أنامها # فرأيت أنك رعتني بوليدة ... فتذانة حسن علي قيامها # PageV01P038 # وببدرة حملت إلي وبغلة ... دهماء ناجية يصل لجامها # فدعوت ربي أن يثيبك جنة ... عوضا يصيبك بردها وسلامها # فقال: عندي كل شيء إلا البغلة فإنها عندنا شهباء. فقال: امرأتي طالق إن ~~كنت رأيتها إلا شهباء، ولكني غلطت. # ولابن عدل ظريفة مع بشر بن مروان: وذلك أنه كان متصلا به، منقطعا إليه، ~~فأغفله، فغاب عنه أياما ثم أتاه فقال: أين غبت، فقد طلبتك فلم أقدر عليك؟ ~~قال: خرجت أيها الأمير إلى البادية أطلب التزوج بابنة عم لي أيم فقالت: لي ~~أموال متفرقة على الناس، وأنا امرأة لا قيم لي، فاقتضها لي وأنا أتزوجك؛ ~~فاقتضيت لها جميع أموالها، فلما فرغت كتبت إلي: # سيخطئك الذي أملت مني ... بقطع حبال وصلك من حبالي # كما أخطاك معروف ابن بشر ... وكنت تعد ذلك رأس مال # فضحك وقال: ما أحسن ما تلطفت. # ودخل أبو دلامة يوما على المنصور وبين أصبعيه خرقة، فقال له: ما هذا يا ~~أبا دلامة؟ فقال: ولدت لي الباحة صبية وقد قلت فيها: # فما ولدتك مريم أم عسى ... ولم يكفلك لقمان الحكيم # ولكن قد ولدت لأم سوء ... يقوم بأمرها بعل لئيم # فضحك المنصور وقال: ما تريد؟ قال: ملء هذه الخرقة أستعين بها على ~~تربيتها. فقال المنصور: أملأوها دراهم، ففتحوها فإذا هي رداء رقيق كبير، ~~فملأوه؛ ms073 فأخذ عشرة آلاف درهم. # وكان المنصور بخيلا، وإنما كان أبو دلامة يستنزله بالملح لشدة بخله، فقد ~~كان يتجاوز الغاية في ذلك. ### | بخل المنصور # وكان المنصور قبل أن يلي الخلافة ينزل على أزهر السمان، فلما استخلف صار ~~إليه أزهر. فقال: ما أقدمك؟ قال: حاجة أمير المؤمنين؛ علي أربعة آلاف درهم، ~~ولي دار متهدمة، وأريد البناء لابني محمد. فأمر له باثني عشر ألف درهم. ~~وقال: يا أزهر؛ لا تأتنا طالب حاجة. قال: أفعل. # فلما كان بعد قليل عاد فقال: يا أزهر؛ ما جاء بك؟ قال: جئت مسلما على ~~أمير المؤمنين، قال: إنه ليقع في نفسي أن ما أتيت إلا لما أتيت له في المرة ~~الأولى، وأمر له باثني عشر ألف درهم. وقال: لا تأتنا طالب حاجة ولا مسلما. ~~قال: نعم! ثم ما لبث أن عاد فقال: يا أزهر؛ ما جاء بك؟ قال: دعاء كنت سمعت ~~أمير المؤمنين يدعو به فجئت مستمليا لآخذه عن أمير المؤمنين. فقال: لا ~~تكتبه فإن غير مستجاب، لأني دعوت الله به أن يرحني منك فلم يستجب لي. ثم ~~صرفه ولم يعطه شيئا. ### | ابن هرمة يمدح المنصور فيجيزه # ولما دخل عليه إبراهيم بن علي بن هرمة أنشده قصيدته التي يقول فيها: # له لحظات في حفافي سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل # فأم الذي أمنت آمنة الردى ... وأم الذي حاولت بالثكل ثاكل # فرفع الحجاب له، وأقبل عليه وأمر له بعشرة آلاف درهم. ثم قال: يا ~~إبراهيم: لا تتلفا طمعا في مثلها، فما كل وقت تصل إلينا، ولا يصلك منا ~~مثلها. فقال: ألقاك بها يا أمير المؤمنين يوم العرض بختم الجهبذ. فضحك. ~~وقال: اذكر حوائجك؟ فقال: تكتب لي إلى عامل المدينة ألا يحدني إذا أتي بي ~~إليه وأنا سكران، فقال: هذا حد من حدود الله لا يمكن تعطيله. فقال: تحتال ~~لي يا أمير المؤمنين، فكتب إلى عامر المدينة؛ من أتاك بابن هرمة وهو سكران ~~فاضربه الحد، واضرب الذي يأتيك به مائة. فتحاماه الشرط. فكانوا يمرون به ~~مطروحا في سكك المدينة فيقولون: ms074 من يشتري ثمانين بمائة؟! ### | مدحة وعطاء # وقال المؤمل بن أميل: قدمت على المهدي وهو إذ ذاك ولي عهد أبيه، فامتدحته ~~فأمر لي بعشرين ألف درهم، فكتب ذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو بمدينة ~~السلام يخبره أن الأمير أمر لشاعر بعشرين ألف درهم، فكتب إليه يعذله ~~ويلومه، ويقول: إنما كان ينبغي لك أن تعطي الشاعر إذا أقام ببابك سنة أربعة ~~آلاف درهم، وكتب إلى كاتبه أن يوجه إليه بالشاعر، فطلب فلم يقدر عليه، فكتب ~~إليه أن قد توجه إلى مدينة السلام. # PageV01P039 # فأجلس قائدا من قواده على جسر النهروان، وأمره أن يتصفح الناس رجلا رجلا، ~~فجعل لا يمر به قافلة إلا تصفحهم، فمرت القافلة التي فيها المؤمل، فقال له: ~~من أنت؟ قال: المؤمل بن أميل من زوار المهدي، قال: إياك أردت، قال المؤمل: ~~فكاد والله قلبي ينصدع خوفا من أبي جعفر، فقبض علي، وقال: سر، فسرت معه ~~فسلمني إلى الربيع، فدخل الربيع على المنصور فقال له: هذا الشاعر قد ظفرنا ~~به. قال: أدخلوه. قال: فدخلت عليه فسلمت فرد السلام. فقلت: ليس ههنا إلا ~~الخير، فقال: أنت المؤمل بن أميل؟ قلت: نعم أصلح الله أمير المؤمنين، أنا ~~المؤمل، فقال: أتيت غلاما غرا فجدعته فانخدع!! فقلت: بل أتيت كريما فخدعته ~~فانخدع، والكريم يخدع، قال: فكأن ذلك أعجبه، فقال: أنشدني ما قلت فيه، ~~فأنشدته: # هو المهدي إلا أن فيه ... مشابه صورة القمر المنير # تشابه ذا وذا فهما إذا ما ... أنارا يشكلان على البصير # فهذا في الضياء سراج عدل ... وهذا في الظلام سراج نور # ولكن فضل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر والسرير # وبالملك العزيز فذا أمير ... وماذا بالأمير ولا الوزير # ونقص الشهر يخمد ذا، وهذا ... منير عند نقصان الشهور # فيابن خليفة الله المصفى ... به تعلو مفاخرة الفخور # لئن فت الملوك وقد توافوا ... إليك من السهولة والوعور # لقد سبق الملوك أبوك حتى ... أتوا ما بين كاب أو حسير # وجئت وراءه تجري حثيثا ... وما بك حين تجري من فتور # فقال الناس ما هذان إلا ... كما بين الخليق من ms075 الجدير # لئن فات الكبير مدى الصغير ... فذا فضل الكبير على الصغير # وإن بلغ الصغير مدى الكبير ... فقد خلق الصغير من الكبير # فقال: والله لقد أحسنت، ولكن لا تساوي عشرين ألف درهم، فأين المال؟ قلت: ~~هوذا، قال: يا ربيع، انزل معه فأعطه عشرة آلاف درهم وخذ الباقي. # فلما صارت الخلافة إلى المهدي وولي ابن ثوبان المظالم، وكان يجلس للناس ~~بالرصافة، فإذا ملأ ثوبه رقاعا دفعها إلى المهدي؛ فدفعت إليه رقعة، فلما ~~دخل بها ابن ثوبان وجعل المهدي ينظر في الرقاع حتى نظر في رقعتي ضحك، فقال ~~له ابن ثوبان: أصلح الله أمير المؤمنين، ما رأيتك ضحكت من شيء إلا من هذه ~~الرقعة؟ فقال: هذه رقعة أعرف سببها، ردوا عليه العشرة آلاف، فردت. # أخذ قوله في القمر علي بن الجهم فقال: # رأيت الهلال على وجهه ... فلم أدر أيهما أنور # سوى أن ذاك بعيد المحل ... وهذا قريب لمن ينظر # وذاك يغيب وذا حاضر ... وما من يغيب كمن يحضر # وقال إبراهيم بن العباس: # وعابك أقوام فقالوا شبيهة ... لبدر الدجى حاشاك أن تشبهي البدرا # لئن شبهوك البدر ليلة تمه ... لقد قارفوا الشنعاء واقترفوا الوزرا # أيشبه بدر آفل نصف شهره ... ضياء منيرا يطلع الشهر والدهرا؟ # وإنما نقل المؤمل في موازنة المهدي بالمنصور قول زهير بن أبي سلمى: قال ~~الربيع بن يونس الحاجب: كنا وقوفا على رأس المنصور في يوم عيد وقد طرحت ~~وسادة بين يديه؛ فجلس المهدي عليها، والناس سماطان على مراتبهم، إذ أقبل ~~صالح بن المنصور الملقب بالمسكين وهو حدث فوقف بين السماطين فسلم وأحسن ثم ~~استأذن في الكلام فأذن له فتكلم. قال الربيع: فلم يبلغه ذلك اليوم خطيب؛ ~~فمد المنصور يده فقال: إلي يا بني، فلما دنا منه اعتنقه وأقعده قدامه، ثم ~~نظر في وجوه القوم هل منهم أحد يصف كلامه وما كان منه! فكلهم هاب المهدي، ~~فقال عقال بن شبة فقال: لله در خطيب قام عندك يا أمير المؤمنين، ما أفصح ~~لسانه، وأبين بيانه، وأمضى جنانه، وأبل ريقه، وأغمض عروقه، وأسهل طريقه! ~~وحق ms076 لمن كان أمير المؤمنين أباه، والمهدي أخاه، أن يكون كما قال زهير: # هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا # أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فبالذي قدما من صالح سبقا # PageV01P040 # قال الربيع: فقال لي أبو عبد الله وكان إلى جانبي ما رأيت مثل عقال بن ~~شبة قط؛ أرضى أمير المؤمنين، ومدح الغلام، وسلم من مذمة المهدي. # فقال المنصور للربيع: لا ينصرف التميمي إلا بثلاثين ألف درهم. # قال أبو بكر الصولي: وأبيات المؤمل حسان لا أعرف له خيرا منها، ولو قلت: ~~إنه لا يعد شاعرا إلا بها ما أبعدت، وما كان يعرفها الناس، وإنما شهر ~~بقصيدته التي أولها: # شف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر # ويقال: إنه لما قال هذا عمي، فرأى في منامه إنسانا يقول له: هذا ما تمنيت ~~في شعرك. ومن أحسن ما قاله المؤمل قوله: # أبهار قد هيجت لي أوجاعا ... وتركتني صبا بكم مطواعا # بحديثك الحسن الذي لو حدثت ... وحش الفلاة به لجئن سراعا # والله لو علم البهار بأنها ... أضحت سميته لطال ذراعا ### | أبو دلامة والمنصور # وكان المنصور قد أخذ الناس بلباس قلانس طوال، وأن يكتبوا في ظهور ثيابهم: ~~" فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم "، وأن يطيلوا حمائل سيوفهم. فدخل أبو ~~دلامة عليه في ذلك الزي، فقال: كيف حالك يا أبا دلامة؟ فقال: ما حال من صار ~~وجهه في وسطه، وسيفه في استه، وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره!! فأمر المنصور ~~بتغيير ذلك الزي. # ودخل أبو دلامة على أم سلمة بنت يعقوب بن مسلمة المخزومية زوجة أبي ~~العباس السفاح يعزيها عنه فبكى وأنشد قصيدة منها: # أمسيت بالأنبار يابن محمد ... لا تستطيع من البلاد حويلا # ويلي عليك وويل أهلي كلهم ... ويلا وهولا في الحياة طويلا # فلتبكين لك النساء بعبرة ... وليبكين لك الرجال عويلا # مات الندى إذ مت يابن محمد ... فجعلته لك في التراب عديلا # إن أجملوا في الصبر عنك فلم يكن ... صبري ولا جلدي عليك جميلا # يجدون منك خلائفا وأنا امرؤ ... لو عشت ms077 دهري ما وجدت بديلا # إني سألت الناس بعدك كلهم ... فوجدت أسمح من وجدت بخيلا # ألشقوتي أخرت بعدك للذي ... يدع العزيز من الرجال ذليلا # ألشقوتي أخرت بعدك للذي ... يدع السمين من العيال هزيلا # فقالت له أم سلمة: يا زند، ما أصيب أحد بأمير المؤمنين غيري وغيرك؟ قال: ~~ولا سواي، أنت لك ولد منه تتسلين به، وأنا لا ولد لي مه. فضحكت أم سلمة ولم ~~تكن ضحكت منذ مات أبو العباس، وقالت: يا زند، ما تدع أحدا إلا أضحكته!. # وأنشد أبو دلامة المنصور هذه القصيدة فأبكى الناس جميعا، وغضب المنصور ~~غضبا شديدا. وقال: لئن سمعتك بعد اليوم تنشدها لأقطعن لسانك، فقال: يا أمير ~~المؤمنين؛ إن أبا العباس كان لي مكرما وهو الذي جاء بي من البدو كما جاء ~~يوسف عليه السلام بإخوته، فقل كما قال الله عز وجل " لا تثريب عليكم اليوم ~~يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ". # فسري عن المنصور وضحك، وقال: قد أقلناك فسل حاجتك؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين، إن أبا العباس قد كان أمر لي بعشرة آلاف درهم وهو مريض ولم ~~أقبضها. فقال المنصور: ومن يعلم ذلك؟ قال: هؤلاء كلهم، وأشار إلى جماعة ممن ~~حضر. فوثب سليمان بن مجاهد وأبو الجهم، فقالا: نحن نعلم ذلك. فقال المنصور ~~لأبي أيوب المورياني: ادفعها إليه وسيره إلى هذا الطاغية يعني عبد الله بن ~~علي، وكان قد خرج وأظهر الخلاف عليه بناحية الشام، وجمع جمعا كثيرا من ~~بقايا بني أمية وقوادهم، وأهل البأس والنجدة. # فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين؛ إني أعيذك بالله أن أخرج معهم، فإني ~~والله مشؤوم. فقال المنصور: إن يمني يغلب شؤمك، فاخرج مع الجيش. فقال: ~~والله ما أحب يا أمير المؤمنين، ولا أرى أن تجرب؛ فإني لا أدري على أي ~~المنزلتين تكون. فقال: دعني فلا بد من مسيرك. فقال: يا أمير المؤمنين؛ ~~والله لأصدقنك، إني حضرت تسعة عساكر هزمتها كلها، وإن شئت بينتها لك؛ ~~فاستفرغ المنصور ضحكا، وأمره بالتخلف مع عيسى بن موسى بالكوفة. # PageV01P041 # وأراد موسى بن داود الخروج ms078 إلى الحج، فقال لأبي دلامة: تأهب حتى تخرج معي ~~في هذا الوجه، وأعطاه عشرة آلاف درهم، وقال له: خلف لعيالك ما يكفيهم ~~واخرج؛ وإنما أراد أن يأنس به في طريقه بحديثه وأشعاره ونوادره. # فلما حضر خروج موسى هرب أبو دلامة إلى سواد الكوفة، فجعل يشرب من خمرها ~~ويتمتع في نزهها، فسأل عنه فأخبروها باستتاره، فطلبه فلم يقدر عليه، وخاف ~~أن يفوته الحج؛ فلما يئس منه قال: دعوه إلى النار وحر سقر وأليم عذابه. ~~فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة قد خرج من قرية يريد أخرى، فبصر به. ~~فقال: ائتوني بعدو الله الكذاب، فر من الحق إلى الباطل، ومن الحج إلى حانات ~~الخمارين، قيدوه وألقوه في بعض المحامل. ففعل ذلك به، فلما ولت الإبل، صاح ~~أبو دلامة بأعلى صوته: # يأيها الناس قولوا أجمعين معي ... صلى الإله على موسى بن داود # كأن ديباجتي خديه من ذهب ... إذا تشرف في أثوابه السود # أما أبوك فعين الجود نعرفه ... وأنت أشبه خلق الله بالجود # نبئت أن طريق الحج معطشة ... من الطلاء وما شربي بتصريد # والله ما في من خير فتطلبه ... في المسلمين وما ديني بمحمود # إني أعوذ بداود وتربته ... من أن أحج بكره يابن داود # فقال موسى: ألقوه عن المحمل، فعليه لعنة الله، ودعوه يذهب إلى سقر وحر ~~نارها، فألقوه. # ومضى موسى لوجهه، فما زال أبو دلامة يتمتع بالنزه، ويشرب الخمر حتى أتلف ~~العشرة آلاف رهم، وانصرف موسى من حجه، فدخل أبو دلامة يهنئه، فلما رآه قال: ~~أتدري ما فاتك من الخير؟ فقال: والله ما فاتني خير ليلا ولا نهارا يريد ~~الشرب والقصف فضحك ووصله. # ودخل أبو دلامة على المهدي وعنده عيسى بن موسى، والعباس بن محمد، وناس من ~~بني هاشم، فقال المهدي: يا أبا دلامة. قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: ~~اهج من شئت ممن ضمه هذا المجلس ولك الجائزة؛ فنظر في القوم فلم ير إلا ~~شريفا قريبا من المهدي، فقال: أنا أحد من في المجلس ثم أنشده: # ألا أبلغ إليك أبا دلامه ms079 ... فليس من الكرام ولا كرامه # إذا لبس العمامة قلت قرد ... وخنزير إذا نزع العمامه # فإن تك قد أصبت نعيم دنيا ... فلا تفرح فقد دنت القيامه # قال: فضحك المهدي، وسر القوم، إذ لم يسود بأحد منهم، فقال له المهدي: ~~تمن. فقال: يا أمير المؤمنين؛ تأمر لي بكلب صيد، فقال: يابن الفاعلة؛ وما ~~تصنع به؟ فقال: إن كانت الحاجة لي فليس لك أن تعرض فيها. فقال: صدقت أعطوه ~~كلبا، فأعطي. فقال: يا أمير المؤمنين: لا بد لهذا الكلب من كلاب. فأمر له ~~بغلام مملوك، فقال: يا أمير المؤمنين، أو يتهيأ لي أن أصيد راجلا؟ فقال: ~~أعطوه دابة، فقال: ومن يسوس الدابة؟ فقال: أعطوه غلاما سائسا. فقال: ومن ~~ينحر الصيد ويصلحه؟ فقال: أعطوه طباخا. فقال: ومن يأويهم؟ فقال: أعطوه ~~دارا، فبكى أبو دلامة وقال: ومن يمون هؤلاء كلهم؟ فقال: يكتب له إلى البصرة ~~بمائة جريب عامرة، ومائتي جريب غامرة. فقال: وما الغامرة؟ قال: التي لا ~~نبات فيها. قال: فأنا أعطيك مائتي ألف جريب من فيافي بني أسد، فضحك وقال: ~~ما تريد؟ قال: بيت المال. قال: على أن أخرج المال منه. قال: فإذا يصير ~~غامرا، فاستفرغ ضاحكا وقال: اذهب فقد جعلناها لك كلها عامرة. فقال: يا أمير ~~المؤمنين؛ ائذن لي أن أقبل يدك، قال: أما هذه فدعا. فقال: والله ما تمنع ~~عيالي شيئا أهون عليهم من هذا، فناوله يده فقبلها. وقد تقدم له بعض هذا ~~حكاية مع المنصور، والرواة يختلفون، وهو أدب لا يخطب أبكاره بالنسب. # وخرج أبو دلامة مع المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد، فعن لهم ظبي؛ فرماه ~~المهدي فأصابه، ورمى علي بن سليمان فأصاب كلب الصيد، فضحك المهدي وقال لأبي ~~دلامة: قل في هذا شيئا فأنشد: # قد رمى المهدي ظبيا ... شك بالسهم فؤاده # وعلي بن سليما ... ن رمى كلبا فصاده # فهنيئا لهما ك ... ل امرىء يأكل زاده # فاستفرغ المهدي ضحكا وأمر له بجائزة. # PageV01P042 # وكان أبو العباس السفاح مولعا بأبي دلامة، لا يفارقه ليلا ولا نهارا ~~لكثرة نوادره وجودة شعره، ومعرفته بأيام ms080 الناس وأخبارهم؛ وكان أبو دلامة ~~يهرب منه جهده، ويأتي حانات الخمارين فيشرب مع إخوانه من الشعراء، وكان يحب ~~مجالستهم وتهرب من مؤانستنا؟ فقال: والله يا أمر المؤمنين؛ إن الفضل والشرف ~~والعز والخير كله في الوقوف ببابك ولزوم خدمتك، ولكن نكره كما ذكرت، ولا ~~مللتك قط، وإنك لتعلم ذلك، ولكنك قد اعتدت حانات الخمارين، ومجالسة أهل ~~المجون. ثم أمره بلزوم قصره، ووكل به من يمنعه الخروج، وأمره بملازمة ~~المسجد الذي يصلي فيه السفاح، حتى أضر به فقال: # ألم تعلموا أن الخليفة لزني ... بمسجده والقصر، ما لي وللقصر! # أصلي به الأولى مع العصر آيسا ... فويلي من الأولى وويلي من العصر # ويحبسني عن مجلس أستلذه ... أعلل فيه بالسماع وبالخمر # ووالله ما لي نية في صلاته ... ولا البر والإحسان والخير من أمري # وما ضره، والله يصلح أمره ... لو أن ذنوب العالمين على ظهري # فلما بلغت الأبيات السفاح قال: دعوه وشأنه، فوالله ما أفلح قط. # وشرب أبو دلامة مع حماد عجرد، فأتى المهدي بأبي دلامة فقال: استنكهوه؛ ~~ففعلوا فوجدوا رائحة الخمر، فأحب أن يعبث به؛ فأمر الربيع أن يحبسه في بيت ~~الدجاج ويطين عليه الباب، ففعل؛ ثم أمر بعد يومين فأخرج ملببا بطيلسانه، ~~فأقيم بين يديه، فقال: يا عدو الله؛ أتشرب الخمر؟ أما إني لأقيمن عليك ~~الحد، ولا تأخذني فيك لومة لائم، فأنشأ أبو دلامة: # أمير المؤمنين، فدتك نفسي ... علام حبستني وخرقت ساجي # أقاد إلى السجون بغير جرم ... كأني بعض عمال الخراج # ولو معهم حبست لكان خيرا ... ولكني حبست مع الدجاج # أمن صهباء! ريح المسك فيها ... ترقرق في الإناء لدى المزاج # عقار مثل عين الديك صرف ... كأن شعاعها لهب السراج # وقد طبخت بنار الله حتى ... لقد صارت من النطف النضاج # وقد كانت تحدثني ذنوبي ... بأني من عقابك غير ناجي # على أني وإن لاقيت شرا ... لخيرك، بعد ذاك الشر، راجي # فأمر به فأقيم عليه الحد، ثم أمر له بأربعة آلاف درهم، فلما ولى قال ~~الربيع: يا أمير المؤمنين، أما سمعت قوله: # وقد طبخت بنار الله حتى ms081 ... لقد صارت من النطف النضاج # قال: بلى، فما يعني بذلك؟ قال: يعني به الشمس. قال: ردوه نسأله عن ذلك. ~~فلما حضر قال له المهدي: ما تعني بنار الله؟ أتعني بها الشمس؟ قال: لا يا ~~أمير المؤمنين، ولكن: نار الله الموقدة، التي تطلع على فؤاد الربيع مؤصدة، ~~وعلى من أخبرك أني عنيت بها الشمس مطبقة؛ فضح المهدي وجلساؤه وعفا عنه، ~~فذهب. # وخرج الربيع إلى أصحاب المنصور وهم بالباب، وقد هرب منه سلم غلامه، فقال ~~لهم: أمير المؤمنين يقرئكم السلام، ويقول لكم: إن غلامي سلما قد هرب، ومحال ~~أن يهرب أحد من غلماني إلا وقد أسند أمره إلى واحد منكم. # فقام أبو دلامة فقال: بلغ عنا أمير المؤمنين كما بلغتنا عنه. قال: نعم! ~~قال: أما سلم فلا نعرف خبره ولا قصته، ولكن هذا بديع يريد الهروب، فرأي ~~أمير المؤمنين في أخذه، وكان بينه وبين بديع تباعد، فبلغ ذاك المنصور فهرب. # وماتت حمادة بنت علي بن عبد الله بن عباس، فصار المنصور إلى شفير قبرها ~~ينتظر الجنازة، وكان أبو دلامة حاضرا فقال: ما أعددت لهذه الحفرة يا أبا ~~دلامة؟ فقال: عمة أمير المؤمنين يؤتى بها الساعة. # أخذت امرأة في زنا وطيف بها على جمل، فمرت ببعض المجان فقال لها: كيف ~~خلفت الحاج؟ قالت: بخير، وقد كانت أمك معنا، فخرجت في النفر الأول. ### | من ملح الجماز # وقال رجل للجماز: أشتهي أن أرى الشيطان. فقال له: انظر في المرآة فإنك ~~تراه. # وقال له رجل: أنا وجع من دمل في. قال له: وأين هي؟ قال: في أخس موضع مني. ~~قال: كذبت؛ لأني لا أرى في وجهك شيئا. # PageV01P043 # وقال له رجل: يا أبا عبد الله؛ أنا رجل جامد العين، لو مات أبي ما بكيت، ~~ولكن إذا سمعت الصوت الفريح من الوجه المليح، بكيت حتى أغمي علي. فعلام يدل ~~هذا؟ قال: على أنك لا تلفح أبدا. # وقال له رجل: أردت أن أحمل أمي إلى بغداد، فخفت إن حملتها في البحر أن ~~تعطب، وإن حملتها في البر أن تتعب. ms082 قال: فخذها في سفتجة. # قال بعض جلساء المتوكل: كنا نكثر عنده ذكر الجماز حتى اشتاقه، فكتب في ~~حمله من البصرة. فلما دخل عليه أفحم. فقال له المتوكل: تكلم فإني أحب أن ~~أستبرئك. فقال: بحيضة أم بحيضتين يا أمير المؤمنين؟ فضحك المتوكل. ثم قال ~~له الفتح: قد ولاك أمير المؤمنين على الكلاب والقردة. قال: فاسمع لي وأطع، ~~فأنت من رعيتي. فقال له: إذا وهب لك أمير المؤمنين جارية، فما تصنع بها؟ ~~فقال: أنا أعرف من نفسي ما تحتاج والله جارية إلا أن أقود عليها. فضحك ~~المتوكل، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فمات فرحا ولم يصل إلى البصرة. # وكان الجماز لا يدخل بيته أكثر من ثلاثة لضيقه، فدعا ثلاثة من إخوانه ~~فأتاه ستة، ووقف كل واحد على رجل وقرعوا الباب، فنظر من كوة أسفل الباب ~~وكذلك كان يعمل فعد ستة أرجل، فلما فتح الباب دخلوا؛ فقال: اخرجوا عني فإني ~~دعوت أناسا ولم أدع كراكي. # والجماز هو أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر، وكانوا ~~يزعمون أنهم من حمير صليبة نالهم سباء في خلافة أبي بكر وهم مواليه، وسلم ~~الخاسر عمه. وكان الجماز صاحبا لأبي نواس حتى ماتا. ووصف أبا نواس، فقال: ~~كان أظرف الناس منطقا، وأغزرهم أدبا، وأقدرهم على الكلام، وأسرعهم جوابا، ~~وأكثرهم حياء؛ وكان أبيض اللون، جميل الوجه، مليح النغمة والشارة، ملتف ~~الأعضاء، بين الطويل والقصير، مسنون الوجه، قائم الأنف، حسن العينين ~~والمضحك حلو الصورة، لطيف الكف والأطراف، وكان فصيح اللسان، جيد البيان، ~~كثير النوادر؛ وكان راوية للأشعار، وعلامة بالأخبار، وكان كلامه شعرا غير ~~موزون. # وأقبل أبو شراعة والجماز في حديثه وكانت يد أبي شراعة كأنها كربة نخل ~~وكان أقبح الناس وجها، فقال الجماز: فلو كانت أطرافه على أبي شراعة لتم ~~حسنه. # فغضب أبو شراعة، فبصق الناس في وجهه. ### | من أدب أبي شراعة # وأبو شراعة شاعر مجيد وهو القائل: # بني رياح أعاد الله نعمتكم ... خير المعاد وأسقى ربعكم ديما # فكم به من فتى حلو شمائله ... يكاد ms083 ينهل من أعطافه كرما # لم يلبسوا نعمة لله مذ خلقوا ... إلا تلبسها إخوانهم نعما # قال أبو العباس المبرد: وكان أبو شراعة حليما مألوفا، جميل الخلق، كريم ~~العشرة، وكان يقول من الشعر ما يجانب به مذاهب المحدثين، ويقترف طريق ~~الماضين وأهل البادية؛ فشعره عربي محض، واسمه أحمد بن محمد بن شراعة القيسي ~~ومن شعره: # تقول ابنة البكري حين أؤوبها ... هزيلا وبعض الآيبين سمين # لك الخير لا يدخل لأهلك رحله ... فإنك في القوم الكرام مكين # ذريني أمت من قبل حلي محلة ... لها في وجوه السائلين غضون # وأفدي بمالي ماء وجهي فإنني ... بما فيه من ماء الحياة ضنين # فقالت: لحاك الله لا تنأ جانبا ... فقلت: لإخواني الكرام عيون # وله يهجو أحمد بن المدبر وأخاه إبراهيم: # حجاب ابن المدبر كسروي ... كذاك حجاب كسرى أردشير # شهدت بأنه من آل كسرى ... سلوه هل شهدت له بزور # كفاك شهادتي بالحق لولا ... تضاحك من أرى حول السرير # فإن يكن المدبر جرمقيا ... فلست بذاكر أهل القبور # وكتب إلى سعيد بن موسى بن سيد بن سلم الباهلي، يستهديه نبيذا، ووجه إليه ~~بقرابة في غلاف: # إليك ابن موسى الخير أعملت ناقتي ... مجللة يضفو عليها جلالها # كتوم الوجى لا تشتكي ألم السرى ... سواء عليها موتها واعتلالها # إذا سقيت أبصرت ما جوف بطنها ... وإن ظمئت لم يبد منها هزالها # وإن حملت حملا تكلفت حملها ... وإن حط عنها لم أبل كيف حالها # PageV01P044 # بعثنا بها تسمو العيون وراءها ... إليك وما يخشى عليها كلالها # وغنى مغنينا بصوت فشاقني ... متى راجع من أم عمرو خيالها # أحب لكم قيس بن عيلان كلها ... ويعجبني فرسانها ورجالها # وما لي لا أهوى بقاء قبيلة ... أبوك لها بدر وأنت هلالها ### | من مليح شعر الجماز # وللجماز مقطعات ملاح، في ضروب الهجاء والامتداح، منها قوله في خصي كان ~~يكايده على قينة؛ يسمى رباح: # ما للخصي رباح ... وللغواني الملاح # أليس زان خصي ... غاز بغير سلاح # وفي مثله يقول ابن الرومي: # معشر أشبهوا القرود ولكن ... خالفوها في خفة الأرواح # نمشة فوق صفرة فتراه ... كونيم الذباب في ms084 اللفاح # قال الجاحظ: في الخصي عشرة أحوال متضادة: لم يخرج من ظهره مؤمن، ولا خرج ~~من ظهر مؤمن، وهو أكثر الناس غيرة، وأشدهم قيادة، وهو أضعف الناس معدة، ~~وأشرههم على طعام، وهو أسوأ الناس أدبا، وهو يعلم الأدب، وهو أغزر الناس ~~دمعة، وأقساهم قلبا، وما خلا قط مع امرأة إلا حدثته نفسه أنه رجل، ولا خلا ~~مع رجل إلا حدثته نفسه أنه امرأة. # وقال الجماز لبعض المسجديين: # تركت المسجد الجامع ... والترك له ريبه # فلا نافلة تأتي ... ولا تشهد مكتوبه # وأخبارك تأتينا ... على الأعلام منصوبه # فإن زدت من الغيب ... زدناك من الغيبه # ومثله قول أبي القاسم إسماعيل بن عباد، في مغن يعرف بابن عذاب: # أقول قولا بلا احتشام ... يقبله كل من يعيه # ابن عذاب إذا تغنى ... فإنني منه في أبيه # وقال الجماز في المتوكل: # قالوا امتدحت الإمام قلت لهم ... أخاف ألا أحده بصفه # وكيف يعطي على المدائح من ... كان أبو السمط عنده طرفه # كأن إنشادنا مدائحه ... أنصاف كتب ليست بمؤتلفه # أخذه من قول أبي تمام: # أذكت عليك شهاب نار في الحشا ... بالعذل وهنا أخت آل شهاب # عذلا شبيها بالجنون كأنما ... قرأت به الورهاء نصف كتاب ### | بين علي بن الجهم وأبي السمط # وكان أبو السمط بن أبي حفصة أثيرا عند المتوكل؛ وكان علي بن الجهم يقع ~~فيه لمنزلته عند المتوكل وحسده له؛ فأغرى بينهما يوما فقال لحمدون النديم: ~~أيهما أشعر؟ فقال: يا أمير المؤمنين؛ طرحتني بين لحيي أسدين. قال: لتقولن. ~~قال: أعرقهما بالشعر أشعرهما. فقال المتوكل: يا علي، قد حكم حمدون عليك. ~~قال: علم رأيك فيه فساعدك. فقال المتوكل: تهاجيا. فقال علي: قد كظني ~~الشراب، فإذا أفقت قلت؛ فقال أبو السمط بديها: # إن ابن جهم في المغيب يسبني ... ويقول لي حسنا إذا لاقاني # إن ابن جهم ليس يرحم أمه ... لو كان يرحمها لما عاداني # فضحك المتوكل، وانخذل ابن الجهم؛ فقال أبو السمط: # لعمرك ما جهم بن بدر بشاعر ... وهذا علي بعده يصنع الشعرا # ولكن أبي قد كان جرا لإمه ... فلما تعاطى الشعر ms085 أمرا # ولما أفاق علي بن الجهم من سكره قال: # بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين # يبيحك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون ### | العجم والشعر # ودخل الضبي على عبد الله بن طاهر، فأنشد شعرا حسنا وبحضرته أعرابي؛ فقال ~~الأعرابي: ممن تكون؟ قال: من العجم. قال: وما للعجم والشعر وإنما الشعر ~~للعرب، وكل من قاله من العجم فإنما نزا على أمه أعرابي. فقال: وكذلك من لا ~~يقول الشعر منكم، فإنما نزا على أمه أعجمي إذا؟ فأفحمه. ### | من شعر الجماز # ودخل الجماز على بعض ولاة البصرة فأنشده: # أثكلتني البر وعنيتني ... ما كان هذا أملي فيكا # لا تتفني بعد ما رشتني ... فإنني بعض أياديكا # فضحك، ثم قال: ثم ماذا؟ فقال: ثوب سمرقندي هو، أنشدك إياه مزارعة. # PageV01P045 # وقيل لعقيل بن علفة: لم تقصر شعرك؟ فقال: يكفي من القلادة ما أحاط ~~بالعنق. وقيل لآخر مثل ذلك. فقال: لم أر المثل السائر إلا بيتا واحدا. # ولم يكن للجماز حظ في التطويل، وإنما كان يقول البيتين والثلاثة، وإنما ~~قال بيتا واحدا: # وقعنا من أبي خزي ... على خزي من الخزي # لم يقل غير هذا، وكذلك ابن بسام، ومنصور بن إسماعيل الفقيه. والمصريون ~~يقولون: احذر منصورا إذا رمح بالروح. وهو القائل لما ذهب بصره وجفاه ~~الإخوان والرفقاء: # من قال مات ولم يستوف مدته ... بعظم نازلة نالته مضرور # وليس في الحق أن يحيا فتى بلغت ... به نهاية ما يخشى المقادير # فقل له غير مرتاب بفعلته ... أو سوء مذهبه قد عاش منصور # ومن ظريف شعره: # تكاد تضيق الأرض عنه برحبها ... إذا نحن قلنا خيرنا الباذل السمح # فإن قيل من هذا البغيض أقل لكم ... على شرط كتمان الحديث هو الفتح # وقال منصور: # يا من يرى المتعة في دينه ... جلا وإن كانت بلا مهر # ولا يرى تسعين تطليقة ... تبين منها ربة الخدر # من ههنا طابت مواليكم ... فاجتهدوا في الحمد والشكر # وقال: # أبى الناس أن يدعوا موسرا ... سليم الأديم سليم النسب # وقد خبروك فإن لم تطب ... بعرضك نفسا فطب ms086 بالذهب # وقال: # يا من تولى فأبدى ... لنا الجفا وتبدل # أليس منك سمعنا ... من لم يمت فسيعزل # وأتى باب بعض الأشراف الرئيسيين، فحجبه خادم اسمه شقيف فقال: # إذا وقع الضرير على خصي ... فقد وقع المصاب على مصاب # وكانت أم هذا الشريف أمة ثمنها ثمانية عشر دينارا؛ فعتب على منصور فقال: # من فاتني بأبيه ... ولم يفتني بأمه # ورام شتمي ظلما ... سكت عن نصف شتمه # فدفع إليه مائة دينار. وقال: اسكت عن الجميع. # فانظر أعزك الله البليغ إذا شاء كيف يجعل الجد هزلا، والمعرى محلى. # هذا المعنى إنما اهتدى إليه من قول عنترة بن شداد العبسي وأمه أمة سوداء ~~اسمها زبيبة: # إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل # وسأستقل إن شاء الله، ذكر ابن بسام، ونقل ظريف ما له في غير هذا الموضع. ### | طرف وأخبار متفرقة # وكتب ابن الكلبي صاح الخبر إلى المتوكل أن المعروف بابن المغربي القائد ~~اجتاز البارحة بالجسر سكران، فشخر ونخر، وبربر وزمجر وجرجر، وبأبأ بفيه، ~~وخرق الشريحة، ومر منصلتا، وقال: أنا الكركدن فاعرفوني. # فضحك المتوكل حتى استلقى، وقال: قد عرفنا ما كتب به البغيض إلا حرفا ~~واحدا فعلي به. # فلما جاء قال: ما معنى قولك: بأبأ بفيه؟ قال: يا مولاي؛ لما توسط الجسر ~~قال بفيه: بب بب. فقال له المتوكل: انصرف في غير حفظ الله. # وركب المأمون ليلا فإذا بثمامة بن أشرس سكران، فلما علم بالمأمون توارى ~~عنه، فقصده المأمون حتى وقف عليه. فقال: ثمامة؟ قال: إي والله. قال: ~~أسكران؟ قال: لا والله. قال: فمن أنا؟ فال: لا أدري والله. قال: عليك لعنة ~~الله. قال: تترى إن شاء الله. فضحك وتركه. ### | فراسة المهدي # ولما فرغ المهدي من قصره بعيساباذ ركب في جماعة للنظر إليه، فدخله ~~مفاجأة، وأخرج كل من هناك من الناس، وبقي رجلان خفيا عن أبصار الأعوان؛ ~~فرأى المهدي أحدهما وهو دهش لا يعقل. فقال: من أنت؟ قال: أنا أنا أنا أنا. ~~فقال: من أنت؟ ويلك! قال: لا أدري لا أدري لا أدري لا أدري. ms087 قال: ألك حاجة؟ ~~قال: لا لا لا لا. قال: أخرجوه، أخرج الله روحه. فلما خرج قال المهدي ~~لغلامه: اتبعه إلى منزله، وسل عنه، فإني أراه حائكا، فخرج الغلام يقفوه. # PageV01P046 # ثم رأى الآخر فاستنطقه فأجابه بقلب جريء، ولسان طلق؛ وقال: رجل من أبناء ~~دعوتك. قال: فما جاء بك إلى هنا؟ قال: جئت لأنظر إلى هذا البناء، وأتمتع ~~بالنظر إليه، وأكثر الدعاء لأمير المؤمنين بطول البقاء، وتمام النعمة، ~~ونماء العز، والسلامة. قال: أفلك حاجة؟ قال: نعم! خطبت ابنة عمي فردني ~~أبوها وقال لي: لا مال لك، والناس إنما يرغبون في الأموال، وأنا لها وامق، ~~وإليها تائق. قال: قد أمرت لك بخمسين ألفا. قال: يا أمير المؤمنين؛ قد وصلت ~~فأجزلت الصلة، وأعظمت المنة؛ فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه، وآخر ~~أيامك خيرا من أولها، وأمتعك بما أنعم به عليك، وأمتع رعيتك بك. # فأمر بتعجيل صلته، ووجه بعض خدمه فقال: سل عن مهنته، فإني أراه كاتبا، ~~فرجع الرسولان بحصة ما تفرسه المهدي. ### | بدن بلا رأس # وأخذ رجل من لحية مديني شيئا، فانتظر أن يقول له: قطع الله عنك القذى، ~~فقال له: لم لم تقل لي قلع الله عنك الأسواء؟ قال المديني: بأبي أنت وأمي! ~~إني نظرت فلم أر شيئا أقبح من وجهك، فكرهت أن أقول: قلع الله عنك الأسواء؛ ~~فأكون قد دعوت عليك فيتركك الله بدنا بلا رأس. # قال أبو العيناء: استودع رجل عند إمام حلته قارورة زنبق فجحده إياها، ~~وقام يصلي بهم شهر رمضان وقرأ: " قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون " ~~وكررها. فقال الرجل: قارورة زنبق. ### | المهدي ينفرد من عسكره # انفرد المهدي من عسكره فاجتاز برجل على ماء، فقال: ألك طعام؟ قال: نعم! ~~وقدم إليه سفرة كانت معه، فأكل المهدي ثم غسل يده. فقال له الرجل: أصلحك ~~الله! معي شراب فهل لك فيه؟ قال: نعم! فشرب، فلما انتشى قال للرجل: ~~أتعرفني؟ قال: لا. قال: أنا صديق لوزير أمير المؤمنين، وسأسأله في أن يسبب ~~لك أسبابا تنتفع بها؛ ثم شرب قدحا ثانيا، وقال: أتعرفني ms088 من أنا؟ فقال: لقد ~~قلت إنك صديق لوزير أمير المؤمنين. فقال: أنا وزير أمير المؤمنين. ثم شرب ~~ثالثا. وقال: أتدري من أنا؟ فقال: قل لكي أرى. قال: أنا أمير المؤمنين. فسد ~~الرجل ركوته ونحاها ناحية، فقال له المهدي: ما لك عجلت برفعها؟ قال: شربت ~~ثلاثة أقداح فادعيت الخلافة؛ فإن شربت الرابعة ادعيت النبوة، فليس بيني ~~وبينك عمل. فضحك المهدي وأدركته الخيل فجعلوا يترجلون ويسلمون عليه ~~بالخلافة، ثم ركب المهدي وأمرهم بالتحفظ على الرجل؛ فلما تيقن الرجل الأمر ~~سألهم أن يقربوه من أمير المؤمنين، فقربوه منه. فقال: يا أمير المؤمنين، ~~نصيحة، فأدناه، فقال: ما رأيت أصدق منك في دعواك، وغن ادعيت الرابعة، فأنا ~~أول مؤمن بك. فضحك المهدي منه وأمر له بصلة وضمه إلى ندمائه. ### | من شعر إسماعيل بن جامع # قال سفيان بن عيينة وقد رأى إسماعيل بن جامع السهمي وعليه بزة وأثواب ~~حسان؛ فقال: لقد أثرى هذا الفتى، فعلام يحيا ويعطى؟ قالوا: إنه يغني هؤلاء ~~الملوك، قال: بماذا يغنيهم؟ أتحفظون شيئا مما يقول؟ فأنشده بعضهم: # أطوف نهاري مع الطائفين ... وأرفع من مئزري المسبل # قال: أحسن، ثم ماذا؟ فأنشدوه: # وأسجد بالليل حتى الصباح ... وأتلو من المحكم المنزل # قال: أجاد والله. ثم ماذا؟ فأنشدوه: # عسى فارج الكرب عن يوسف ... يسخر لي ربة المحمل # فقال: آه آه آه! أمسك عليك، اللهم لا تسخرها له. ### | ابن جامع أطيب الناس غناء # وكان ابن جامع أطيب الناس غناء، فاعتقد بغنائه عقدا نفيسة، وأموالا ~~جزيلة. حكى عن نفسه قال: ضمني الدهر ضما شديدا وأنا بمكة، فانتقلت بعيالي ~~إلى المدينة، فأصبحت يوما وما أملك إلا ثلاثة دراهم، فهي في كمي، وأنا جالس ~~مع بعض أهل المدينة على مناقشة ومذاكرة إذ قال بعضنا: إنه ليبلغنا أن ~~الرشيد يتشوق إليك وأنت ضائع في بلدنا. قال: فما لي من نهوض. قالوا: نحن ~~ننهضك. فقمت موليا فإذا بجارية حميراء على رأسها جرة تريد الركي، وهي تسعى ~~بين يدي وتترنم بصوت شج في غنائها وتقول: # شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا ... فقال لنا ما ms089 أقصر الليل عندنا # إذا أقبل الليل المضر بذي الهوى ... جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا # وذاك لأن النوم يغشى عيونهم ... سريعا ولا يغشى لنا النوم أعينا # PageV01P047 # فلو أنهم كانوا يلاقون مثلما ... نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا # فأخذ غناؤها بمجامع قلبي، ولم أدرك منه حرفا. فقلت: يا جارية؛ ما أدري ~~أوجهك أحسن أم صوتك؟ فلو شئت أعدت علي الوصف. قالت: حبا وكرامة. ثم أسندت ~~ظهرها إلى الحائط ثم غنته، فوالله ما دار لي منه حرف. فقلت: يا جارية؛ فلو ~~شئت أعدت علي الصوت مرة أخرى. قالت: حبا وكرامة، ثم أسندت ظهرها إلى الجدار ~~ووضعت الجرة ثم غنته؛ فوالله ما دار لي منه حرف. فقلت: يا جارية؛ لقد أحسنت ~~وتفضلت، فلو شئت أعدت الصوت مرة أخرى؛ فغضبت وكلحت وقالت: ما أعجب أحدكم ~~يأتي إلى الجارية عليها غلة فيقول: أعيدي علي، فضربت بيدي إلى الثلاثة ~~دراهم فدفعتها إليها فأخذتها شبيهة المتكرهة؛ وقالت: أنت تريد أن تأخذ مني ~~صوتا أحسبك تأخذ عليه ألف دينار وألف دينار وألف دينار. فقلت: أرجو أن يؤول ~~الأمر إلى ما تحسبين، فانبعثت تغني، وأعملت فكري في غنائها حتى داري لي ~~الصوت وفهمته، فانصرفت مسرورا إلى منزلي أردده حتى خلف على لساني، ثم أقبلت ~~أريد بغداد، فنزل بي المكاري على باب المحول أولا ولا أدري أين أتوجه، ولا ~~من أقصد؟ حتى انتهى بي السير إلى الجسر، فرأيت الناس يعبرون؛ فعبرت معهم، ~~حتى انتهيت إلى شارع الميدان، إلى باب الفضل بن الربيع. فرأيت هناك مسجدا ~~مرتفعا. فقلت: هذا مسجد قوم سراة، وحضر المغرب فلم ألبث أن جاء المؤذن، ~~فأذن وأقام الصلاة فصليت، ثم أقمت مكاني حتى عاد المؤذن للعشاء، فأقام ~~الصلاة فصليت على تعب وجوع، ثم انصرف الناس وبقي في المسجد رجل، فصلى خلفه ~~جماعة، وجماعة من الخدم جلوس، وقوم ينتظرون فراغه، فصلى مليا ثم انصرف إلي ~~بجمع جسده، وقال لي: أحسبك غريبا. قلت: أجل، وليس لي بهذا البلد معرفة، ~~وليست صناعتي من الصنائع التي يتيمم بها إلى أهل الخير. قال: وما ms090 صناعتك؟ ~~قلت: الغناء. فوثب مبادرا ووكل بي بعض من معه، فقلت للموكل بي: من هذا؟ ~~قال: سلام الأبرش. ثم انتهى إلى دار من دور الخلافة؛ فمشى بي في دهليزها ~~ساعة، حتى انتهى إلى مقصورة من مقاصيرها، فأدخلني فيها، ودعا لي بطعام؛ ~~فأتينا بمائدة عليها من كل طعام، فأقبلت على الأكل حتى ترادت نفسي إلي؛ ثم ~~سمعت ركضا في الدهليز، وإذا إنسان يقول: أين الرجل؟ فقيل: هوذا. فقال: ~~ادعوا له بغسول وطيب وخلعة حسنة، ففعل ذلك بي وخلقت. وأخذ بيدي الرجل ~~وحملني على دابته، وأتى بي إلى دار الخلافة، فلم يزل يجاور بي دارا بعد ~~دار، حتى انتهى إلى دار قوراء، فيها أسرة منصوبة بعضها إلى بعض، فلما انتهى ~~بي إلى تلك الأسرة، أمرني بالصعود فصعدت، وإذا رجل جالس وعن يمينه ثلاث ~~جوار في حجورهن العيدان، وفي حجر الرجل عود، فرحب بي ذلك الرجل، وإذا مجالس ~~قد كان فيها قوم فقاموا عنها، ثم لم ألبث أن أخرج خادم من وراء الستر؛ فقال ~~للرجل: تغن؛ فغنى الصوت فوالله ما أحسن الغناء ولا أحسن الصوت، وهو هذا: # لم تمش ميلا ولم تركب على جمل ... ولم تر الشمس إلا دونها الكلل # فقام الخادم إلى الجارية التي تلي الرجل، فقال: تغني؛ فغنت بصوت لين كانت ~~فيه أحسن من الرجل حالا، ثم قال للثانية فغنت، وللثالثة فغنت بصوت لحنين؛ ~~ثم عاد الخادم فقال لي: تغن رحمك الله! فغنيت بصوت الرجل على غير ما غناه، ~~فإذا نحو من خمسين خادما يحضرون إلى الأسرة، فقال لي: ويحك! لمن هذا ~~الغناء؟ قلت: لي، فانصرفوا وخرج الخادم فقال: كذبت، هذا الغناء لإسماعيل بن ~~جامع. قال: فسكت، ثم دار الدور، فلما انتهى إلي خرج الخادم فقال: تغن رحمك ~~الله! فقلت في نفسي: أي شيء أنتظر، فاندفعت أغني بصوت لا يعرف إلا لي: # عوجي علي فسلمي جبر ... كيف الوقوف وأنتم سفر # ما نلتقي إلا ثلاث منى ... حتى يفرق بيننا الدهر # PageV01P048 # قال: فزلزلت عليهم الدار، وخرج الخادم فقال: لمن هذا الغناء؟ فقلت: لي. ms091 ~~فقال: كذبت، هذا غناء إسماعيل بن جامع، فما شعرت إلا وأمير المؤمنين وجعفر ~~بن يحيى قد أقبلا من وراء الستر الذي كان يخرج منه الخادم. فقال لي الربيع: ~~هذا أمير المؤمنين قد أقبل عليك. فلما صعد السرير وثبت على قدم أمير ~~المؤمنين أقبلها، فقال: ابن جامع؟ قلت: ابن جامع، جعلني الله فداك. قال: ~~اجلس يابن جامع، وجلس أمير المؤمنين وجعفر في المواضع الخالية. فقال لي: ~~يابن جامع؛ أبشر وابسط أملك؛ فدعوت له. ثم قال لي: غن يابن جامع، فخطر ~~ببالي صوت الجارية المدنية فغنيته، فنظر أمير المؤمنين إلى جعفر، وقال: ~~أسمعت كذا قط؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما خرق سمعي مثل هذا. فرفع ~~الرشيد رأسه إلى خادم وقال له: كيس فيه ألف دينار، فمضى الخادم فلم يلبث أن ~~جاء بكيس فيه ألف دينار، فصيرته تحت فخذي. ثم قال: يا إسماعيل؛ غن ما حضرك؛ ~~فأقبلت أقصد إلى الصوت بعد الصوت، فلم أزل كذلك إلى أن عسعس الليل. فقال: ~~يا إسماعيل، قد أتعبناك هذه الليلة للسرور بغنائك؛ فأعد على أمير المؤمنين ~~الصوت الذي تغنيت أولا، فغنيته؛ فرفع رأسه إلى الخادم، فقال له: كيس فيه ~~ألف دينار، فذكرت قول الجارية لي: إني أحسبك تأخذ فيه ألف دينار وألف دينار ~~وألف دينار. ثم قال: انصرف، فبقيت لا أدري أين أقصد في ذلك الوقت؛ فما هو ~~إلا أن نزلت عن الأسرة حتى وثب إلي فراشان فأخذ أحدهما بيدي، فمضيا بي ولا ~~أدري إلى أين يتوجهان، حتى وقفا على باب داري هذه، فإذا أمير المؤمنين قد ~~أمر سلاما الأبرش فابتاع دارا، وحشاها بالجواري والخدم والوصفاء والفرش ~~والطعام والشراب. ورفع إلي أحدهما إضبارة مفاتيح. فقال: ادخل، بارك الله ~~لك. هذا مفتاح بيت مالك، وهذا مفتاح حجر جواريك، وهذا مفتاح بيت فرشك ~~وآنيتك؛ فدخلت الدار وأنا أيسر أهل بغداد وأحسنهم حالا، والحمد لرب ~~العالمين. ### | من مليح ما جاء في المغنيات والغناء # ومن مليح ما جاء في المغنيات والغناء قول بشار بن برد: # وصفراء مثل الزعفران شربتها ms092 ... على وجه صفراء الترائب رود # حسدت عليها كل شيء يمسها ... وما كنت لولا حسنها بحسود # كأن مليكا جالسا في ثيابها ... تؤمل رؤياه عيون وفود # من البيض لم تسرح على أهل ثلة ... سواما ولم ترتفع حداج قعود # إذا نطقت صحنا وصاح لها الصدى ... صياح جنود وجهت لجنود # تميت به ألبابنا وقلوبنا ... مرارا وتحييهن بعد همود # ظللنا بذاك الديدن اليوم كله ... كأنا من الفردوس تحت خلود # ولا بأس إلا أننا عند أهلها ... شهود وما ألبابنا بشهود # وقال: # لعمر أبي زوارها الصيد إننا ... لفي منظر منها وحسن سماع # تصلي لها آذاننا وعيوننا ... إذا ما التقينا والقلوب دواعي # وقال: # وصفراء مثل الخيزرانة لم تعش ... ببؤس ولم تركب مطية راعي # جرى اللؤلؤ المكنون فوق لسانها ... لزوارها من مزهر ويراع # إذا قلدت أطرافها العود زلزلت ... قلوبا دعاها للوساوس داع # كأنهم في جنة قد تلاحقت ... محاسنها من روضة ويفاع # يروحون من تغريدها وحديثها ... نشاوى وما تسقيهم بصواع # لعوب بألباب الرجال إذا رنت ... أضيع التقى والغي غير مضاع # والشعر في هذا المعنى واسع الذرع، سابغ الدرع؛ ولأبي الفتح كشاجم فيه كل ~~شيء مليح، فمن ذلك قوله: # جاءت بعود كأن الحب أنحله ... فما يرى فيه إلا الوهم والشبح # فحركته وغنت في الثقيل لنا ... صوتا به النار في الأحشاء تنقدح # بيضاء يحضر طيب العيش إن حضرت ... وإن نأت عنك غاب اللهو والفرح # كل اللباس عليها معرض حسن ... وكل ما تتغنى فيه مقترح # وهذا مقول عبد الله بن المعتز: # وغنت فأغنت عن المسمعي ... ن وارتج بالطرب المجلس # PageV01P049 # محاسنها نزهة للعيون ... ومعرضها كل ما تلبس # ولأبي الفتح: # جاءت بعود كأن نغمته ... صوت فتاة تشكو فراق فتى # محفف حفت النفوس به ... كأنما الزهر حوله نبتا # دارت ملاويه فيه واختلفت ... مثل اختلاف اليدين شبكتا # لو حركته وراء منهزم ... على بريد لعاج والتفتا # يا حسن صوتيهما كأنهما ... أختان في صنعة تراسلتا # تراه عنها ينوب إن سكتت ... طورا وعنه تنوب إن سكتا # وله: # آه من بحة بغير انقطاع ... لفتاة موصولة الإيقاع # أتعبت صوتها وقد يجتنى من ms093 ... تعب الصوت راحة الأسماع # فغدت تكثر الشحاج وحطت ... طبقات الأوتار بعد ارتفاع # كأنين المحب ضعف منه ... صوت شكواه شدة الأوجاع # وله: # أشتهي في الغناء بحة حلق ... ناعم الصوت متعب مكدود # لا أحب الأوتار تعلو كما لا ... أشتهي الضرب لازما للعمود # وأحب المجنبات كحبي ... للمبادي موصولة بالنشيد # كهبوب الصبا توسط حالا ... بين حالين شدة وركود # وله أيضا: # غنت فخلت أظنني طربا ... أسمو إلى الأفلاك أو أرقى # لو لم تحركه أناملها ... كان الهواء يعيده نطقا # جسته عالمة بجستها ... جس الطبيب لمدنف عرقا # فحسبت يمناها، وقد ضربت ... رعدا وخلت يسارها برقا # وأبو الفتح كشاجم هذا اسمه محمود بن الحسن بن السندي، من أهل هذه ~~الصناعة، وله في الغناء كتاب مليح. وقد دل على فعاله بمقاله: # أفدي التي كلف الفؤاد من أجلها ... بالعود حتى شفني إطرابا # باهت بجمع صناعتين فأظهرت ... كبرا لذاك وأعجبت إعجابا # قالت فضلتك بالغناء وأنت لا ... تشدو، وكنا مثلكم كتابا # فعبثت بالأوتار حتى لم أدع ... نغما ولم أعقل لهن حسابا # وألفتها فأغار ذاك على يدي ... قلمي وعاتبها عليه عتابا # فجعلت للقرطاس جانب صدره ... وجعلت جانب عجزه مضرابا # وكان كامل آلات الظرف، جامعا لخلال الأدب واللطف، وله تآليف ملاح، تدل ~~على معرفته وتوسعه، وقد ذكروا أنه سمى نفسه كشاجم لما يعلمه؛ فالكاف من ~~كاتب، والشين من شاعر، والألف من أديب، والجيم من منجم، والميم من مغن. # وقال أبو عثمان سعيد بن الحسن الناجم: # لقد جاد من عابث ضربها ... وزاد كما زاد تغريدها # إذا نوت الصوت قبل الغنا ... ء أنشدنا شعرها عودها # وقد قال أستاذه ابن الرومي في نحوه: # ضربك في عودك لم يخرجا ... عن حاله، والعود في الضرب # كأنما وقعهما في الحشا ... وقع الحيا في زمن الجدب # أخذ هذا أبو الحسن المنجم بن يونس المصري فقال: # غنت فأخفت صوتها في عودها ... فكأنما الصوتان صوت العود # غيداء تأمر عودها فيطيعها ... أبدا ويتبعها اتباع ودود # أندى من النوار صبحا صوتها ... وأرق من نشر الثنا المعهود # فكأنما الصوتان حين تمازجا ... ماء الغمامة وابنة العنقود # ومثل ms094 هذا: # سلامة بن سعيد ... يجيد حث الراح # إذا تغنى زمرنا ... عليه بالأقداح # وقال الناجم: # تأتي أغاني عابث ... أبدا بأفراح النفوس # تشدو فترقص الرؤو ... س لها وتزمر الكؤوس # وقال: # وما صدحت عابث ومزهرها ... إلا وثقنا باللهو والفرح # لها غناء كالبرء في جسد ... أضناه طول السقام والترح # تعبدها الراح فهي ما صدحت ... إبريقنا ساجدا إلى القدح # وقال: # إذا أنت ميزت بين الغنا ... ء ميزتها الأحذق الأطيبا # تهز القريض بألحانها ... كما هزت الغصن ريح الصبا # وقال: # PageV01P050 # ما تغنت إلا تكشف هم ... عن فؤاد وأقلعت أحزان # تفضل المسمعين حسنا وطيبا ... مثل ما يفضل السماع العيان # وقال: # ما نطقت عابث ومزهرها ... إلا ظللنا للراح نعملها # تطلب أوتارها الهموم بأو ... تارها فما تستفيق تقتلها # وقال: # لها غناء مطرب معجب ... يفعل ما تفعله الخمره # تشوق الأذن إلى شدوها ... تشوق العين إلى الخضره # كأنما فرحة من زارها ... فرحة من طارت له القمره # لو أن إسحاق شدا شدوها ... لخلت من يسمع في سحره # مندرة في كل ألحانها ... لا كالتي تحسن في الندره # وقال: # لقد برعت عابث في الغنا ... وزادت فأربت على البارع # يسبح سامعها معجبا ... وأصواتها سبحة السامع # وقال: # شدو ألذ من ابتدا ... ء العين في إغفائها # أحلى وأشهى من منى ... نفس وصدق رجائها # وقال ابن الرومي في بستان جارية أم علي بنت الراسبي: # واها لذاك الغناء من طبق ... على جميع الأنام مقتدر # أضحت من الساكني حفائرهم ... سكنى الغوالي مداهن السرر # يا مشربا كان لي بلا كدر ... يا سمرا كان لي بلا سهر # أصبحت بالترب غير راجحة ... عنه وقد ترجحين بالبدر # وتبعه الناجم، فقال في عجاب جارية أبي مروان: # أضحى الثرى بجوارها ... عطر المسالك والمسارب # حلت حفيرتها حلو ... ل المسك في سرر الكواعب # يا درة كانت تضي ... ء لناظري من كل جانب # وهذا من قول بشار: # درة حيثما أديرت أضاءت ... ومشم من حيث ما شم فاحا # وجنان قال الإله لها كو ... ني فكانت روحا وروحا وراحا # وله: # تلقى بتسبيحة من حسن ما خلقت ... وتستفز حشا الرائي بإرعاد # كأنما صورت ms095 من ماء لؤلؤة ... فكل جارحة وجه بمرصاد # والبيت الأول من هذين قد تقدم نظيره من قول الناجم. ### | من ظن به خير فانكشف عن شر # رجع ما انقطع: ممن ظن به خير فانكشف عن شر، قال يزيد بن هارون: كنت ~~بالحيرة فرأيت شيخا عليه طيلسان، وعلى رأسه طويلة، وله سمت حسن، فرجوت أن ~~يكون عنده حديث فقلت: يا شيخ؛ عندك حديث؟ فقال: أما حديث فلا، ولكن عندي ~~قديم طيب؛ فإذا هو خمار. # وسال العقيق في بعض السنين، فخرج الناس إلى الصحراء وفيهم سفيان الثوري؛ ~~فلما كثر الناس انكفأ يريد منزله، فبصر بشيخ ضرير قد أهدف على المائة وبيده ~~عصا يخترق صفوف النساء، وهو يبكي بكاء شديدا؛ فظن سفيان أن بكاءه لما فرط ~~له معهن، فنظر إليه حتى إذا صار في آخر الصفوف جنح على محجته واستقبلهن ~~بوجهه، وكفكف عن عبرته وأنشأ: # عليكن السلام فليس مني ... لكن فدعنني غير السلام # تحالفت العصا لتشد ظهري ... وتجبر عثري عند القيام # فقال له سفيان: أما كان لك فيما مضى من عمرك عظة عن معاصي الله عز وجل؟ ~~فقال: بأبي أنت! تمنعني من تلك الحوراء الطرف، الوافية الردف، الحسنة ~~التبختر، الوانية التكسر، كالظبي الغرير، والمهاة عند الغدير، التي يقول في ~~صويحباتها الشاعر: # يأخذن زينتهن أحسن ما يرى ... فإذا عطلن فهن خير عواطل # يرمينني لا يستترن بجنة ... إلا الصبا أين مقاتلي # يلبسن أردية الشباب لأهلها ... ويجر باطلهن حبل الباطل # فمضى سفيان يستعيذ بالله منه. # ومثل قوله قول كشاجم: # يقولون تب والكاس في يد أغيد ... وصوت المثاني والمثالث عالي # فقلت لهم لو كنت عاينت توبة ... وعاينت هذا في المنام بدا لي ### | من ظريف الصفات # وما جرى ههنا شوطا في ظريف الصفات، يطيب مغناه ويحسن معناه. قال أشجع بن ~~عمرو: # وماجت كموج البحر بين ثيابها ... يميل بها شطر ويعدلها شطر # إذا وصفت ما فوق مجرى وشاحها ... غلائلها ردت شهادتها الأزر # PageV01P051 # البحتري: # رددن ما خفقت منها الخصور إلى ... ما في المآزر فاستثقلن أردافا # إذا نضون شغوف الريط آونة ... قشرن عن ms096 لؤلؤ البحرين أصدافا # ابن الرومي: # النار في خديه تتقد ... والماء من برديه يطرد # ضدان قد جمعا كأنهما ... دمعي يسح ولوعتي تقد # وقال: # صدور فوقهن حقاق عاج ... ودر زانه حسن اتساق # يقول القائلون إذا رأوه ... أهذا الدر من تلك الحقاق؟ # أخذه من قوله عبد الله بن السمط: # كأن الثدي إذا ما بدت ... وزان العقزد بهن النحورا # حقاق من العاج مكنونة ... حملن في الدر شيئا يسيرا # أبو النجم الكاتب: # فيا عجبي من صورة آدمية ... علاها بياض الشمس في صفرة القمر # فجاءت كمثل الدر يشرق لونها ... وريحانة البستان للشم والنظر # يذكرني رؤياك ريحا مريضة ... جرت بنسيم الروض في غلس السحر # ابن الرومي: # فالعين لا تنفك من نظر ... والقلب لا ينفك من فكر # ومحاسن الأشياء فيك معا ... فملالتيك ملالتي بصري # وقال: # لا شيء إلا وفيه أحسنه ... فالعين منه إليه تنتقل # فوائد العين فيه طارفة ... كأنما أخرياتها الأول # وقال عبد القادر بن شعيب السلمي: # يا حصن مسلمة الذي أهدى لنا ... حور الظباء سقيت صوب الماطر # قد كان يبلغني فكنت مكذبا ... عن حسن أهلك في الزمان الغابر # حتى رأيت الشمس أشرق نورها ... في الحي بين خلاخل وأساور # ورأيت غزلان الخدور سوافرا ... يبسمن عن كالأقحوان الزاهر # فجنيت من ثمر الصبابة والهوى ... وشممت من ورق السرور الناضر # فرمين مني مقتلا فقتلنني ... يا من رأى ليثا قتيل جآذر # ومر أعرابي بأبي نواس وهو ينشد بعض الأمراء: # ويلي على نجل العيو ... ن النهد والقب البطون # الكاتبات عن الضمي ... ر لنا بألسنة الجفون # فقال الأعرابي: ويلك أنت وحدك من هذا؟ بل ويلي أنا وويلي أبي وأمي وبني ~~عمي، وهذا الفاعل القائم بين يديك. ### | التقعر في الكلام # كان رجل من التجار له ولد يتقعر في كلامه، ويستعمل الغريب؛ فجفاه أبوه ~~استثقالا له وتبرما به، ومما كان يأتي به، فاعتل أبوه علة شديدة أشرف منها ~~على الموت. فقال: أشتهي أن أرى ولدي، فأحضروهم بين يديه وأخر هذا ثم أخر ~~حتى لم يبق سواه، فقالوا له: ندعو لك بأخينا فلان؟ فقال: هو والله يقتلني ms097 ~~بكلامه، فقالوا: قد ضمن ألا يتكلم بشيء تكرهه؛ فأذن لهم. فلما دخل قال: ~~السلام عليك يا أبت، قل أشهد أن لا إله إلا الله، وإن شئت قل أشهد أن لا ~~إله إلا الله؛ فقد قال الفراء: كلاهما جائز، والأولى أحب إلى سيبويه. والله ~~يا أبتي ما شغلني غير أبي علي، فإنه دعاني بالأمس، فأهرس وأعدس، وأرزز ~~وأوزز، وسكبج وسبج، وزربج وطبهج، وأبصل وأمصل، ودجدج وافلوذج ولوزج. # فصاح أبوه العليل: السلاح السلاح، صيحوا لي بجارنا الشماس لأوصيه أن ~~يدفنني مع النصارى وأستريح من كلام هذا البندق. # وهاج بأبي علقمة النحوي دم فأتوه بحجام؛ فقال له: اشدد قصب المحاجم، ~~وأرهف ظبات المشارط، وأسرع الوضع، وعجل النزع، وليكن شرطك وخزا، ومصك نهزا، ~~ولا تكرهن أبيا، ولا تردن أتيا. # فقال الحجام: ابعث خلفي عمرو بن معديكرب، وأما أنا فلا طاقة لي بالحرب. # وهاج به مرار فسقط فأقبل قوم يعضون إبهامه، ويؤذنون في أذنه؛ فقام من ~~غمرات غشيته، فقال: ما لكم تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنة؛ افرنقعوا عني. ~~فقال بعضهم: اتركوه فإن جنيته تتكلم بالهندية. # PageV01P052 # وقال أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن اليتيم: كنت أماشي أبا جعفر بن ~~النحاس حتى وقفنا على بائع تمر، فقال له أبو جعفر: كيف تبيعني؟ قال: ثلاثة ~~ونص بدرهم. قال له: قل ثلاثة ونصف بدرهم. قال: ثلاثة ونصف بدرهم. فقال له: ~~قل ثلاثة ونصف بالكسر، فضجر وقال: ونصف، أفرغ لسانك فنحن في بيع وشراء لسنا ~~في نحو. قال: فاجعله أربعة؟ قال: أفعل يا بغيض، فوزن له بدرهم؛ فقال له أبو ~~جعفر: أدر الصنجة من الكفة إلى الكفة، فقال: أنا أعرف ابن النحاس فإنه ~~أحمقكم، قال ابن اليتيم فقلت له: أبيت أن تنصرف إلا مصفوعا. # وكان أبو العباس مليح الشعر وهو القائل: # لا لأني أنساك أكثر ذكرا ... ك ولكن بذاك يجري لساني # أنت في القلب والجوانح والرو ... ح وأنت المنى وأنت الأماني # كل عضو مني يراك من الشو ... ق بعين غنية عن عياني # ودخل بستان حسين بن الماذرائي فعلق ms098 بثوبه غصن ورد فقال: # علق الورد بي وقال إلى أي ... ن وعندي روائح الأحباب # قلت آليت لا أشمك حتى ... أتروى من الثنايا العذاب # وقال: # يا زائري في ظلمة ال ... ليل البهيم على وجل # حاف وقد جعل القنا ... ع على النهار من الخجل # هلا انتعلت بوجنت ... ي فكان يضرب بي المثل # سبحان من جعل الخدو ... د عذاب قلبي والمقل ### | الفرزدق وخالد بن صفوان # قال خالد بن صفوان للفرزدق: يا أبا فراس، لو رأتك صويحبات يوسف لما ~~أكبرنك ولا قطعن أيديهن؟ فقال: وأنت يا خالد، لو رأتك صاحبة موسى لما قالت: ~~يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين. # ووهب رجل لابن سيابة دينارا، ثم بعث إليه ليأنس به، فكتب إليه: شغلتنا ~~أموالنا وأهلونا. # وجاور ابن سيابة قوما فأزعجوه. فقال: ولم تخرجوني من جواركم؟ قالوا: أنت ~~مريب، قال: فمن أذل من مريب وأحسن جوارا. # وفيه يقول عتبة الأعور: # يابن الذي عاش غير مهتضم ... يرحمه الله أيما رجل # له رقاب الملوك خاضعة ... ما بين حاف منهم ومنتعل # أبوك أوهى النجاد عاتقه ... كم من كمي أردى ومن بطل # يأخذ من ماله ومن دمه ... لم يمس من دائر على وجل # في كفه صارم يقلبه ... يقد أعناق سادة نبل # وهذا بديع في وصف حجام. # وقال آخر يصف حجاما: # له جونة فيها ثلاثون مخلبا ... مناقيرها بيض وأجوافها حمر # إذا عوج الكتاب يوما سطورهم ... فليس بمعوج له أبدا سطر ### | وصف بعض المزينين # وقد قال بعض المزينين: # قصصت بموسى الغدر ناصية العهد ... وأجريت شرط البين في جبهة الود # قططت بمقراض الجفا طرة الوفا ... فجبهة وجه الود مكشوفة الجلد # وما زلت مصاصا بجمجمة القلى ... أخا النأي في العتبى على القرب والبعد ### | كلام مستطرف لأهل الصناعات من طريق صناعاتهم # ولأهل الصناعات من طريق صناعاتهم كلام مستظرف؛ وربما اتفقت الاستعارة ~~مطردة للشاعر على معنى في صناعة، حتى كأنه عانى تلك الصناعة بما جرى على ~~لسانه من البراعة، في وصف حقائقها، ونعت طرائقها؛ كقول عبد الله بن العباس ~~بن الفضل بن الربيع. ms099 # غرست الهوى حتى إذا أورق الهوى ... فأينع في أغصانه ثمر الوصل # وحفت به أنهاره في غياضه ... فأصبح ملتف الحدائق بالحمل # ولم يبق إلا المجتنى من ثماره ... سرور التصافي والمودة والبذل # أطاف بنا ريح الوشاة فهيجت ... سحابة هجران تكف على رسل # فمالت عزاليها عليه فأحرقت ... غصون الهوى والود منا بلا دخل # ودبت سيول الهجر حول أصوله ... فأغصانه فاستقلعته من الأصل # وقال علي بن هشام: # حصد الحبيب وصالنا بمناجل ... طبع المناجل من حديد البين # والشوق يطحنه بأرحية الهوى ... والعين تعجنه بماء العين # والقلب يخبزه بنيران الأسى ... والنفس تأكله بلون لون # PageV01P053 # قال الجاحظ: سألت وراقا عن حاله؟ فقال: عيشي أضيق من محبرة، وجسمي أدق من ~~مسطرة، وجاهي أرق من الزجاج، ووجهي عند الناس أشد سوادا من الحبر بالزاج، ~~وحظي أخفى من شق القلم، وجسمي أضعف من قصبة، وطعامي أمض من الحبر، وشرابي ~~أمر من العفص؛ وسوء الحال ألزم بي من الصمغ. فقلت: لقد عبرت ببلاء عن بلاء. # وللجاحظ في هذا النوع رسالة كتب بها إلى المعتصم، وقيل إلى المتوكل في ~~الحض على تعليم أولاده ضروب العلوم وأنواع الأدب وهي: يا أمير المؤمنين: ~~علم بنيك من أنواع الأدب ما أمكن؛ فإنك إن أفردتهم بشيء واحد ثم سئلوا عن ~~غيره لم يعرفوه؛ وذلك أن حزاما صاحب خيلك حين سألته عن الوقعة ببلاد الروم، ~~قال: لقيناهم في مقدار الإصطبل، فما كان إلا بمقدار ما يحس الرجل دابته حتى ~~قتلناهم؛ فتركناهم في مثل نثير السرجين، فلو طرحت روثة لما سقطت إلا على ~~ذنب برذون. # وكان قد أنشد في الغزل: # غن يهدم الصد عن قلبي مذاوده ... فإن قلبي بقت الصبر معمور # ويح امرىء في وثاق الحب يكبحه ... لجام هجر على الأسقام مقرور # أنل خليلك نيلا من وصالك أو ... حسن الرقاد فإن النوم مأسور # أمنت فتل شكالي حين ودعني ... ومبضع الحب في كفيه مطرور # لبست برقع هجر بعد ذلك في ... إصطبل ود فروث الحب منثور # وسألت بختيشوع الطبيب عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مقدار ساحة ~~البيمارستان؛ فما كان ms100 إلا بمقدار ما يختلف الرجل مقعدين حتى تركناهم في ~~محقنة ثم قتلناهم، فلو طرحت مبضعا لما وقع إلا على أكحل رجل. # وكان قد قال في الغزل: # شرب الوصل بجنح الهجر فاستط ... لق بطن الوصال بالإسهال # ففؤاد المحب ينحله السه ... د وقلبي معلق بالمطال # وفؤادي مبرسم ذو زحير ... يابن ماسويه ضاق احتيالي # لو ببقراط بعض ما بي وجالي ... نوس ماتا منه بأسوأ حال # وسألت جعفر الخياط عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مثل سوق الخلقان؛ فما كان ~~إلا بقدر ما يخيط الرجل درزا، حتى تركناهم في أضيق من جربان، فلو طرحت إبرة ~~لما وقعت إلا على درز رجل. # وكان قد قال في الغزل: # فتقت بالهجران درز الهوى ... بإبرة من إبر الصد # فالقلب من ضيق سراويله ... يعثر بي في تكة الجهد # حسدتني يا طيلسان الهوى ... منه على سوء شقا جدي # أزرار عيني فيك موصولة ... بعروة الدمع على خدي # يادستبان القلب يا زيقه ... عذبني الدركنز بالوعد # قد قص ما أعرف من وصله ... مقراض بين مرهف الحد # يا حجزة النفس ويا ذيلها ... ما لي من وصلك من بد # ويا جربان سروري ويا ... جيب غرامي حلت عن عهدي # وسألت إسحاق بن إبراهيم عن ذلك وكان زارعا فقال: لقيناهم في مثل جريب من ~~الأرض؛ فما كان إلا بقدر ما يسقي الرجل مشارة حتى قتلناهم عن آخرهم، فلو ~~طرحت منجلا لما سقط إلا على رأس رجل؛ فصاروا مثل أكوام التبن إذا خرج عن ~~الحب. # وكان قد قال في الغزل: # زرعت هواه في جريب مثلث ... وأسقيته ماء الدوام على العهد # فلما تعالى النبت واخضر يانعا ... وأفرك حب الحب في سنبل الود # أتته أكف الهجر فيها مناجل ... فأسرعن فيه حين أدرك بالحصد # فيا شؤم مالي إذ يعطل للشقا ... ويا ويح ثوري صار معلفه كبدي # وسألت فرجا الرخجي عن مثل ذلك وكان خبازا فقال: لقيناهم في مثل مقدار ~~جفنة، فما كان إلا بقدر ما يعجن الرجل قفيزا أو يخبز أرغفة، حتى صيرناهم في ~~أضيق من جحر التنور، فلو طرحت جردقا ms101 لما وقع إلا في خوان الخبز على كثرة ~~القتلى. # وقد كان أنشد في الغزل: # قد عجن الهجر دقيق الهوى ... في جفنة من خشب الصد # فاختمر البين فنار الهوى ... تزجي بشوك الهجر من بعدي # وأقبل الصد بهجرانه ... يفحص عن أرغفة الوجد # جرادقا للوعد مسمومة ... مثرودة في قصعة الجهد # PageV01P054 # وسألت عبد الله بن عبد الصمد عن مثل ذلك وكان مؤدبا فقال: لقيناهم في ~~مقدار كنف، فما كان إلا بمقدار ما يقرأ الصبي إمامة، حتى تركناهم في أضيق ~~من فم الرقم، فلو طرحت دواة لما سقطت إلا على حجر قتيل. # وقد كان قال في الغزل: # قد أمات الهجران صبيان قلبي ... ففؤادي موله ذو خبال # كسر البين لوح وصلي فما أط ... مع ممن هويته في وصال # وقع الرقم عن دواتي فمذ أطل ... ق مولاي حبله من حبالي # مشق الحب من فؤادي لوحي ... ن فأغرى جوانحي بالسلال # لاق كبدي دواته فمداد ال ... عين مذ صد مالكي ذو انهمال # وسألت الجهم بن بدر عن مثل ذلك وكان صاحب حمام ت فقال: لقيناهم في مثل ~~بيت الابتذال، فقاتلناهم بقدر ما تخلف النورة، ثم ألجأناهم إلى أضيق من ~~الأبزن، فهزمناهم بقدر ما يغسل الرجل وجهه؛ فلو طرحت ليفة لما وقعت إلا على ~~ظهر رجل. # وقد كان قال في الغزل: # يا نورة الهجر غلفت الصفا ... بما بدا من ليفة الصد # يا مبذر الأسقام حتى متى ... تنقع في حوض من الجهد # انقل ذيول الوصل لي مرة ... منك بزنبيل من الود # فالبين مذ أوقد حمامه ... هيج قلبي مشلح الوجد # أفسد خطمي الهوى والصفا ... بحاله الناقض للعهد # وسألت الحسن بن أبي قماش وكان أبوه كناسا فقال: لقيناهم بقدر ما يكنس ~~الرجل زنبيلا، حتى تركناهم في أضيق من جحر المخرج، فلو رميت بنت وردان لما ~~وقعت إلا على ظهر قتيل. # وكان قد قال في الغزل: # أصبح قلبي للهوى مخرجا ... تسلح فيه فقحة الهجر # خنافس الهجران أثكلنني ... نومي فولى معرضا صبري # وبنت وردان الهوى تيمت ... عقلي فما أعقل ما أمري # وسألت أحمد الشرابي، فقال: ms102 لقيناهم في مقدار بيت شراب، فلم يكن إلا ~~بمقدار ما يبزل الرجل دنا، حتى تركناهم في أضيق من رطلية، ثم سالت دماؤهم ~~كالدردي، فلو طرحت كأسا لما وقع إلا في كف رجل. # وكان قد قال في الغزل: # شربت بكأس اللهو من راحة الهوى ... ورقرقت خمر الوصل في قدح البين # فسالت دنان الحب يدفقها الصبا ... وكرت قرابات دمعي على عيني # وسألت عبد الله الطاهري وكان طباخا فقال: لقيناهم في مقدار مطبخ أمير ~~المؤمنين، فما كان إلا بمقدار ما يشوي الرجل حملا أو جدبا، أو يفرغ من طبخ ~~ثلاثة ألوان، أو يعقد فالوذجة، حتى تركناهم في أضيق من أثافي القدر، فلو ~~طرحت ملعقة لما وقعت إلا على بطن قتيل. # وكان قد قال في الغزل: # شبه الفالوذج في حمرة الخ ... د ولوزينج النفوس الظماء # أنت جوزينج الفؤاد وفي اللي ... ن كلين الخبيصة الصفراء # أنت مستهتر بسكباج ود ... بعد جوزابة بجنب شواء # يا قتار القدور في يوم عرس ... وشبيها بشهدة بيضاء # أنت أشهى إلى الفؤاد من الزب ... د مع البرسيان وقت الغداء # أطعم الحاسدين ألوان غم ... في قصاع الأحزان والضراء # قد غلا القلب مذ خلت منك داري ... غليان القدور بعد الصلاء # هام لما كسرت فيك غضارا ... ت سروري مفارق الشحناء # إن إسفيداج وجهك يشفي ... من رقيق الأحزان أي شفاء # فتفضل على العميد بماء ... ورد يكبت قلوب العداء # وسألت داود الفراش عن مثل ذلك قال: لقيناهم في مثل تربيع الفسطاط، فما ~~كان إلا بقدر ما يفرش الرجل بيتا أو بيتين، حتى تركناهم في أضيق من صاريات ~~ثم قتلناهم، فلو رأيت نجار التراب عليهم وقد سالت دماؤهم في حمرة الأرمني. # وكان قد أنشدني في الغزل: # كنس الهجر ساحة الوصل لما ... عثر البين في وجوه صفائي # فلقد بث في فراش همومي ... تحت خدي وسائدا لضنائي # حين هيأت بيت حسن من الوص ... ل لأثوابه ستور إخاء # PageV01P055 # فرش الهجر لي بيوت مسوح ... متكاها مطارح الحصباء # رق للصب من بواعث وجد ... قد تخالسنه صباح مساء # يا أمير المؤمنين: إنما ينطق ms103 اللسان بما يتصور الجنان، ويظهر في الكلام ~~ما يخطر على الأوهام، فمن لم يعرف إلا شيئا واحدا لم يتكلم إلا عليه، ومن ~~كثر علمه كثرت خواطره، واتسعت مذاهبه، ورب هزل أنفع من جد؛ إذا أصيب به ~~موضع الحاجة إليه، ووضع بحيث تقع همم النفوس عليه، والسلام. # والجاحظ صنع هذه الأشعار لما وضع هذه الأخبار، وكان قديرا على الشعر ~~سراقا له. روى أبو مسلم الكشي قال: حدثني إبراهيم بن رباح قال: مدحني حماد ~~بن أبان اللاحقي بشعر فيه هذان البيتان: # بدا حين أثرى بإخوانه ... ففلل فيهم شباة العدم # وذكره الحزم غب الأمور ... فبادر قبل انتقال النعم # فروي هذا الشعر وعرف بالبصرة، ثم جاءني الجاحظ فمدحني بشعر أدخل فيه هذين ~~البيتين، فاحتملت ذلك وأثبته؛ فبينما أنا جالس يوما في مجلس أحمد بن أبي ~~دواد والجاحظ في مجلسه، إذ قال لي أحمد ما وصفت بشيء أحسن مما مدحني به أبو ~~عثمان، وأنشدني البيتين. فقلت: إن مادحك أعزك الله يجد فيك مقالا والجاحظ ~~ملأ عينيه مني ولا يستحي مني. # وله في رسالة إلى أبي الفرج محمد بن نجاح قصيدة مستحسنة أولها: # أقام يدا والخفض راض بحظه ... وذو الحظ يسري حيث لا أحد يسري # يظن الرضا بالقوت شيئا مهونا ... ودون الرضا كأس أمر من الصبر # وقد طعن أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني بديع الزمان على بلاغة الجاحظ ~~فقال: هو في أحد شقي البلاغة يقف، وفي الآخر يقتطف، والبليغ من لم يقصر ~~نظمه عن نثره ولم يزر كلامه بشعره، أفترون للجاحظ شعرا رائقا؟ قالوا: لا. ~~قال: فهلموا إلى نثره تجدوه قريب العبارات، بعيد الإشارات، قليل ~~الاستعارات، منقاد لعريان الكلام يستعمله، نفور من بديعه يهمله. # وليس هذا موضع الكلام على بلاغته، وإلا فكنت أنبه على معايب كلامه ~~ومقابحه، ومحاسن خطابه وممادحه. ### | وهذه أوصاف بليغة في البلاغات، على ألسنة قوم من أهل الصناعات # اجتمع قوم من أهل البلاغات، فوصفوا بلاغاتهم من طريق صناعاتهم: فقال ~~الجوهري: أحسن الكلام نظاما ما ثقبته يد الفكرة، ونظمته الفطنة، ونضد جوهر ~~معانيه ms104 في سموط ألفاظه، فاحتملته نحور الرواة. # وقال العطار: أطيب الكلام ما عجن عنبر ألفاظه بمسك معانيه؛ ففاح نسيم ~~نشقه، وسطت رائحة عبقه؛ فتعلقت به الرواة، وتعطرت به السراة. # وقال الصائغ: خير الكلام ما أحميته بكور الفكرة، وسبكته بمشاعل النظر، ~~وخلصته من خبث الإطناب، فبرز بروز الإبريز في معنى وجيز. # وقال الصيرفي: خير الكلام ما نفدته يد البصيرة، واجتلته عين الروية، ~~ووزنته بمعيار الفصاحة، فلا نظر يزيفه، ولا سماع يبهرجه. # وقال الحداد: خير الكلام ما نصبت عليه منفخة الروية، وأشعلت فيه نار ~~البصيرة، ثم أخرجته من فحم الإفحام، ورققته بفطيس الإفهام. # وقال النجار: خير الكلام ما أحكمت نجر معناه بقدوم التقدير، ونشرته ~~بمنشار التدبير، فصار بابا لبيت البيان، وعارضة لسقف اللسان. # وقال النجاد: أحسن الكلام ما لطفت رفارف ألفاظه، وحسنت مطارح معانيه؛ ~~فتنزهت في زرابي محاسنه عيون الناظرين، وأصاخت لنمارق بهجته آذان السامعين. # وقال الماتح: أبين الكلام ما علقت وذم ألفاظه بكرب معانيه، ثم أرسلته ~~بقليب الفطن، فمنحت به سقاء يكشف الشبهات، واستنبطت به معنى يروي من ظمأ ~~المشكلات. # وقال الخياط: البلاغة قميص فجربانه البيان، وجيبه المعرفة، وكماه ~~الوجازة، ودخاريصه الإفهام، ودروزه الحلاوة، ولابسه جسد اللفظ، وروحه ~~المعنى. # وقال الصباغ: أحسن الكلام ما لم تنصل بهجة إيجازه، ولم تكشف صبغة إعجازه، ~~وقد صقلته يد الروية من كمود الإشكال، فراع كواعب الآداب، وألف عذارى ~~الألباب. # وقال البزاز: أحسن الكلام ما صدق رقم ألفاظه، وحسن نشر معانيه، فلم ~~يستعجم عنك نشر، ولم يستبهم عليك طي. # وقال الحائك: أحسن الكلام ما اتصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه، فخرج مفوفا ~~منيرا، وموشى محبرا. # PageV01P056 # وقال الرائض: خير الكلام ما لم يخرج عن حد التخليع إلى منزلة التقريب إلا ~~بعد الرياضة؛ وكان كالمهر الذي أطمع أول رياضته، في تمام ثقافته. # وقال الجمال: البليغ من أخذ بخطام كلامه فأناخه في مبرك المعنى، ثم جعل ~~الاختصار له عقالا، والإيجاز له مجالا، لم يند عن الأذهان، ولم يشذ عن ~~الآذان. # وقال المخنث: خير الكلام ما تكسرت أطرافه، وتثنت أعطافه، وكان لفظه ms105 حلة، ~~ومعناه حلية. # وقال الخمار: أبلغ الكلام ما طبخته مراجل العلم، وصفاه راووق الفهم، ~~وضمته دنان الحكمة، فتمشت في المفاصل عذوبته، وفي الأفكار رقته، وفي العقول ~~حدته. # وقال الفقاعي: خير الكلام ما روحت ألفاظه غباوة الشك، ورفعت رقته فظاظة ~~الجهل، فطاب حساء فطنته، وعذب مص جرعته. # وقال الطبيب: خير الكلام ما إذا باشر بيانه سقم الشبهة، استطلقت طبيعة ~~الغباوة؛ فشفي من سوء التفهم، وأورث صحة التوهم. # وقال الكحال: كما أن الرمد قذى الأبصار، فالشبهة قذى الأبصار، فاكحل عين ~~اللكنة بميل البلاغة، واجل رمص الغفلة بمرود اليقظة. # ثم قال: أجمعوا كلهم على أن أبلغ الكلام، ما إذا أشرقت شمسه، انكشف لبسه، ~~وإذا صدقت أنواؤه، اخضرت أحماؤه. # وهذا المعنى كثير، وإنما آخذ من كل فن اليسير. ### | من مستطرف الأخبار # وقال رجل لغلامه: التمس لي دارا لا تكون بجوار مسجد فإني أحب الأفراح، ~~فاكترى له دارا بين مسجدين. فقال له: ما هذا؟! قال: يا مولاي، لا تدري ~~المعنى؛ أهل هذا المسجد يظنونك في هذا، وأهل ذا يظنونك في ذا، وأنت قد ظفرت ~~بما تحب. # وقال أبو الجهم أحمد بن بدر للمتوكل وذكر نجاح بن سلمة أو غيره: # إمام الهدى وابن الدعاة إلى الهدى ... ومنهج خير العالمين محمد # أعني على وال يجوز تعبدا ... علي عسوف الظلم غير مؤيد # وما لي ذنب عنده غير أنني ... عليم بما يختار لليوم والغد # ولا خير للطرار في قرب نائب ... ولا للمريب الفعل في قرب مسجد # صحب الغاضري رجلا من قريش من مكة إلى المدينة فقال القرشي: يا غلام؛ ~~أطعمنا دجاجة، فأتى بها باردة، فقال: ويحك أسخنها. ورفع غداؤهم ولم يؤت ~~بالدجاجة، فلما كان العشاء قال: يا غلام، عشاءنا. فلما أتاهم العشاء قال: ~~هات تلك الدجاجة، فأتى بها باردة، فقال: أسخنها. فقال الغاضري: أخبروني عن ~~دجاجتكم هذه أمن آل فرعون هي؟ فإني أراها تعرض على النار غدوة وعشيا. # فقال: ويحك يا غاضري اكتمها علي، ولك مني مائة دينار. فقال: والله مما ~~كنت لأبيعها بشيء. ### | طيلسان ابن حرب # أخذه الحمدوني ms106 فقال في طيلسان ابن حرب: # يابن حرب أطلت ظلمي برفوي ... طيلسانا قد كنت عنه غنيا # هو في الرفو آل فرعون في العر ... ض على النار بكرة وعشيا # زرت فيه معاشرا فازدروني ... فتغنيت إذ رأوني زريا # جئت في زي سائل كي أراكم ... وعلى الباب قد وقفت مليا # وكان أحمد بن حرب المهلبي من المحسنين إليه، المنعمين عليه، وله فيه ~~مدائح كثيرة، فوهبه طيلسانا أخضر، فوجد فيه فزرا ولم يرضه. قال أبو العباس ~~المبرد: فأنشدنا فيه عشر مقطعات ضمن أواخرها أبيات أغان ملاحا، فاستحلينا ~~مذهبه فيها فجعلها خمسين شعرا فطارت كل مطير، وسارت كل مسير، حتى قال: # طيلسان لابن حرب ... ذو أياد ليس تحصى # أنا فيه أشعر النا ... س إذا ما الشعر نصا # وأراني صرت أدنى ... بعد ما قد كنت أقصى # واتقاني الناس وازدا ... دوا على شعري حرصا # ولكم قد حاز لي ... أردية تترى وقمصا # كان دهرا طيلسانا ... ثم قد أصبح شصا # وقال ابن الرومي في هجائه عمرا الكاتب الملقب بخرطوم، وكان من خاصة ~~القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير: # أغلقت حانوتي لطو ... ل كساده وفتحت عمرا # يا طيلسان الحمدن ... ي شفعت في وكنت وترا # عمرا أخوك جعلته ... لي مكسبا فأفدت وفرا # لا تبعدا من صاحبي ... ن لقيتما ضعة وفقرا # PageV01P057 # قال ابن أبي عون: مر الحمدوني بابن حرب وهو جالس على باب داره وعلى كتفه ~~وسادة. قال: لأي شيء هذه يا حمدوني؟ قال: أرقع بها طيلسانك. قال: ما تزال ~~تهجونا منثورا وموزونا!!. # ومن طريف شعره فيه: # يا طيلسان ابن حرب قد هممت بأن ... تودي بجسمي كما أودي بك الزمن # ما فيك من حيلة تغني ولا ثمن ... قد أوهنت حيلتي أركانك الوهن # فلو تراني لدى الرفاء مرتبطا ... كأنني في يديه الدهر مرتهن # أقول حين رآني الناس ألزمه ... كأنما لي في حانوته وطن # من كان يسأل عنا أين منزلنا؟ ... فالأقحوانة منا منزل قمن # البيت للحارث بن خالد المخزومي. # وقال: # قل لابن حرب طيلسا ... نك قوم نوح منه أحدث # أفنى القرون ولم ms107 يزل ... عمن مضى من قبل يورث # فإذا العيون لحظنه ... فكأنه باللحظ يحرث # يودي إذا لم أرفه ... وإذا رفوت فليس يلبث # كالكلب إن تحمل علي ... ه الدهر أو تتركه يلهث # وقال: # وهبت لنا ابن حرب طيلسانا ... يزيد المرء في الضعة اتضاعا # يسلم صاحبي فيقد شبرا ... له وأقد في ردي ذراعا # أجيل الطرف في طرفيه طولا ... وعرضا ما أرى إلا رقاعا # فلست أشك أن قد كان قدما ... لنوح في سفينته شراعا # فقد غنيت إذ أبصرت منه ... جوانبه على بدني تداعى # قفي قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا # البيت للقطامي عمير بن شييم التغلبي: وقال فيه: # قل لابن حرب طيلسانك قد ... أوهى قواي بكثرة القدم # متبين فيه لمبصره ... آثار رفو أوائل الأمم # فكأنه الخمر التي وصفت ... في يا شقيق النفس من حكم # فإذا رممناه فقيل لنا ... قد صح قال له البلى: انهدم # مثل السقيم برا فعاوده ... نكس فأسلمه إلى سقم # أنشدت حين طغى فأعجزني ... ومن العناء رياضة الهرم # والخمرة التي وصفت فيما ذكر لأبي نواس: # يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلي ولم أنم # فاسقني الخمر التي اعتجرت ... بخمار الشيب في الرحم # ثمت انصات الشباب لها ... بعد أن جازت مدى الهرم # فهي لليوم الذي بزلت ... وهي تلو الدهر في القدم # عتقت حتى لو اتصلت ... بلسان ناطق وفم # لاحتبت في القوم مائلة ... ثم قصت قصة الأمم # فرعتها بالمزاج يد ... خلقت للكأس والقلم # في ندامى سادة نجب ... أخذوا اللذات من أمم # فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم # صنعت في البيت إذ مزجت ... كصنيع الصبح في الظلم # فاهتدى ساري الظلام بها ... كاهتداء السفر بالعلم # وزعم ابن قتيبة أن هذا الشعر لوالبة بن الحباب، وإنما يخاطب به أبا نواس ~~الحكمي. وقال غيره: بل الشعر لأبي نواس وإنما أغار على والبة في قوله: # يا شقيق النفس من أسد ... لم تنم عيني ولم تكد # وقال الحمدوني: # طيلسان لابن حرب جاءني ... قد قضى التمزيق منه وطره # أنا من خوفي عليه أبدا ... سامري ليس يألو حذره ms108 # يابن حرب خذه أو فابعث بما ... يشتري عجلا بصفر عشره # فلعل الله يحييه لنا ... إن ضربناه ببعض البقره # فهو قد أدرك نوحا، فعسى ... عنده من علم نوح خبره # أبدا يقرأ من أبصره ... أئذا كنا عظاما نخره # وكان يقول: أنا ابن قولي، يريد أنتسب إليه كما أنتسب إلى أبي. وقال: # يابن حرب كسوتني طيلسانا ... مل من صحبة الزمان وصدا # فحسبنا نسج العناكب إذ قي ... س إلى ضعف طيلسانك سدا # PageV01P058 # إن تنسمت فيه ينجر جرا ... أو تبسمت منه ينقد قدا # طال ترداده إلى الرفو حتى ... لو بعثناه وحده لتهدى # وكان أبو تمام يقول: أنا ابن قولي: # نقل فؤادك أين شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل # وقال الحمدوني في الطيلسان: # ولي طيلسان إن تأملت شخصه ... تيقنت أن الدهر يفنى وينقرض # تصدع حتى قد أمنت انصداعه ... وأظهرت الأيام من عمره الغرض # فلو أن أصحاب الكلام يرونه ... لماروك فيه وادعوا أنه العرض # وقال: # يابن حرب كسوتني طيلسانا ... أمرضته الأوجاع فهو سقيم # فإذا ما لبست قلت سبحا ... نك تحيي العظام وهي رميم # طيلسان له إذا هبت الري ... ح عليه بمنكبي هميم # لو يدب الحولي من ولد الذ ... ر عليه لأندبته الكلوم # وقال: # إن ابن حرب كساني ... ثوبا يطيل انحرافه # أظل أدفع عنه ... وأتقي كل آفه # فقد تعلمت من خش ... يتي عليه الشقافه ### | من الملح # وقف أبو العيناء على باب صاعد بن مخلد فقيل له: إنه يصلي فانصرف، ثم ~~عاوده، فقيل له: إنه يصلي. فقال: لكل جديد لذة. وكان صاعد نصرانيا ثم ارتقت ~~به الحال أن توزر للموفق بن أحمد بن المتوكل، وكان أخوه المعتمد الخليفة ~~ولم يكن له مع الموفق أمر ولا نهي، وقد قال المعتمد لما ملك عليه أخوه ~~الأمر، أو قيل على لسانه: # أليس من العجائب أن مثلي ... يرى ما قل ممتنعا عليه # وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شيء في يديه # ولما أجاب الصولي أبا القاسم بن عبد الله ملك ms109 المغرب اقتضى ذكر ولد ~~العباس والخلفاء خليفة خليفة حتى انتهى إلى المعتمد فقال: # ومعتمد من بعدهم وموفق ... يردد من إرث الخلافة ما ذهب # مواز لهم في كل فضل وسؤدد ... وإن لم يكن في العد منهم لمن حسب # ولما احتاج الصولي إلى ذكر الموفق لشهامته وحزامته، وكأن القصيدة إنما ~~أجاب بها على المقتدر بن جعفر بن المعتضد بن الموفق، فلو لم يذكره لانقطع ~~عليه ما أراد. # وكان المعتمد مضعوفا، وكان أمره قبل تمكن الموفق في يد وصيف حتى قال ~~باذنجانة الكاتب: # يا دولة بائرة ... كاسفة ما تبتغى # خليفة مستضعف ... بين وصيف وبغا # يقول ما قالا له ... كما تقول الببغا # ودخل أبو خالد يزيد المهلبي على المعتمد مرات، فأنشده قصائد على الدال؛ ~~فقال: يا يزيد؛ ما أراك تعدو الدال؟ فقال: وكيف أعزك الله يا أمير المؤمنين ~~واسمي يزيد، وأبي محمد وأكنى بأبي خالد، وأنت المعتمد، وتسمى بأحمد، ومن ~~صفاتك السيد والماجد والجواد، فأين أدع الدال؟ وهذا كقول أبي صدقة المدني ~~وقد قيل له: ما أشد إلحافك؟ فقال: تلومونني على ذلك وأنا اسمي مسكين، ~~وكنيتي أبو صدقة، واسم أبي صدقة، واسم امرأتي فاقة. ### | من طرف أبي العيناء # ووقف أبو العيناء على باب إبراهيم بن رباح فقيل: هو مشغول. فقال: إذا شغل ~~بكأس يمناه، وبحر يسراه، وانتسب إلى أب لا يعرف أباه، لم يحفل بحجاب من ~~أتاه. # PageV01P059 # ودخل أبو العيناء على المتوكل؛ فقال: أي شيء تحسن؟ قال: أفهم وأفهم، وآخذ ~~من المجلس ما حوى، مرة أغلب ومرة أغلب. قال: كيف شربك للنبيذ؟ قال: أعجز عن ~~قليله وافتضح عند كثيره. قال: فما تقول في بلدك البصرة؟ قال: ماؤها أجاج، ~~وحرها عذاب، وتطيب في الوقت الذي تطيب فيه جهنم. قال: ارفع حوائجك إلينا. ~~قال: قد رفعتها إلى الله، فما أحب نجاحه فليس ينفعني شرحه. قال: نحب أن ~~تلزم مجلسنا. قال: يا أمير المؤمنين، إن أجهل الناس من يجهل نفسه؛ أنا امرؤ ~~محجوب والمحجوب تختلف إشارته، وقد يجوز قصده، فيصغي إلى غير من يحدثه، ~~ويقبل بحديثه على ms110 غير من يسمع منه، وجائز أن يتكلم بكلام غير راض، ومتى لم ~~أفرق بين هذين هلكت. وأخرى: كل من في مجلسك يخدمك، وأنا أحتاج أن أخدم، ولم ~~أقل هذا جهلا مني بما في هذا المجلس من الفائدة، ولكني اخترت العافية على ~~التعرض للبلاء. قال الفتح بن خاقان: يا أمير المؤمنين، هذا رجل عاقل عارف ~~بنفسه وبحق الملوك. قال: فيلزمنا في كل الأوقات لزوم الفرض الواجب. # وبلغ أبا العيناء أن المتوكل قال: لولا أن أبا العيناء ضرير لنادمناه. ~~فقال: إن أعفاني أمير المؤمنين من رؤية الأهلة وقراءة نقش الفصوص فأنا أصلح ~~للمنادمة. وإنما هذا تولع منه بلسانه؛ واقتدار على الكلام، وإلا فقد تعافى ~~من ذلك المقام. # ودخل على إبراهيم بن المدبر وعنده الفضل اليزيدي معلم ولده وإبراهيم ~~جالس. فقال للمعلم: في باب هذا؟ قال في باب الفاعل والمفعول به. فقال: هذا ~~بابي وباب الوالدة أعزها الله. فغضب اليزيدي ونهض. # أخذه البحتري فقال لإبراهيم بن المدبر: # أي شيء ألهاك عن سر من را ... ء وظل للعيش فيها ظليل # إقتصار على أحاديث فضل ... وهو مستكره كثير الفضول # لم تكن نهزة الوضيع ولا رو ... حك كانت لفقا لروح الثقيل # فعلام اصطنعت منكسف البا ... ل معار الحذاق نزر القبول # إن ترده تجده أخلق من شي ... ب الغواني ومن تعفي الطلول # مسرجا ملجما وما متع الصب ... ح إدلاجا للجس والتطفيل # غير أن المعلمين على حال م ... قليلي التمييز ضعفي العقول # فإذا ما تذكر الناس معنى ... من مبين الأشعار أو مجهول # قال هذا لنا ونحن كشفنا ... غيبه للسؤال والمسؤول # ضرب الأصمعي فيهم أم الأح ... مر أم لحقوا ... الخليل # أبدا شأنه التردد في الفا ... عل من والديه والمفعول ### | ظريف مملق # قال الصولي: كان بالبصرة رجل مهلبي ظريف مملق، وكان له إخوان فقالوا له: ~~ألا تدعوننا؟ فقال لهم: ألا تدعونني؟ فألحوا عليه فارتهن قطيفة له على ~~دراهم، فاشترى لهم ما يصلحهم، ودعا مغنية فكان اقتراحهم عليها: # ليت الذين تحملوا أحنوا ... أما أنا فأضر بي الحزن # فقال المهلبي: أما هذا ms111 الذي تقولونه فما أدري ما هو؟ أما أنا فقطيفتي ~~رهن؛ فضحكوا وغرموا له ما أنفق. # ودعا رجل قوما، فما كان مع المغرب أراد انصرافهم، وأرادوا المقام عده، ~~فاقتضوه في السراج. فقال لهم: أما سمعتم قول الله تعالى: " وإذا أظلم عليهم ~~قاموا ". ### | من نوادر المتنبئين # وادعى رجل النبوة في أيام المأمون، فأحضره المأمون وقال له: ما دليل ~~نبوتك؟ قال: أن أعلم ما انعقد عليه ضميرك. فقال: ما هو؟ قال: في نفسك أصلحك ~~الله أني كاذب؛ فضحك منه وتركه. # وأتي المعتصم برجل ادعى النبوة. فقال: ما آيتك؟ قال: آية موسى. قال: فألق ~~عصاك تكن ثعبانا مبينا؟ قال: حتى تقول: أنا ربكم الأعلى. # وادعى آخر النبوة بالكوفة، فأدخل على واليها. فقال: ما صناعتك؟ قال: ~~حائك، قال: نبي حائك؟! قال: فأردت نبيا صيرفيا؟ الله يعلم حيث يجعل رسالته. ### | ومن نوادر الفقهاء والمغفلين والمرائين وغيرهم # وسأل رجل بعض الفقهاء عن القبلة للصائم في رمضان؟ فقال: تكره للشاب ويرخص ~~فيها للشيخ. قال: إنها في معشوقة؟ قال: يابن أخي، هذا يكره في شوال. # قيل لمغفل: قد غلا الدقيق. فقال: وما أبالي؛ إني أشتري الخبز من السوق. # PageV01P060 # قال حيان بن غضبان العجلي وقد ورث نصف دار أبيه: أريد أن أبيع نصف حصتي ~~من الدار وأشتري الباقي، فتصير الدار كلها لي. # وشكا أهل بدلة إلى المأمون واليا عليهم؛ فقال: كذبتم عليه، قد صح عندي ~~عدله فيكم وإحسانه إليكم. فقال شيخ منهم: يا أمير المؤمنين؛ فما هذه المحبة ~~لنا دون سائر رعيتك، قد عدل فينا خمس سنين فانقله إلى غيرنا حتى يشمل عدله ~~الجميع، وتريح معنا الكل؛ فضحك منهم وصرفه عنهم. # قال دعبل: ما غلبني إلا مخنث؛ قلت له: والله لأهجونك. قال: والله لئن ~~هجوتني لأخرجن أمك في الخيال. # ورئي بعض المرائين على باب بعض الملوك، وبين عينيه سجادة عظيمة، فقيل له: ~~مثل هذا الدرهم بين عينيك، وأنت محتاج إلى أبواب الملوك! فقال: إنه ضرب على ~~غير السكة. # وعمل بعض المرائين بين عينيه سجادة دلكها بنواة وثوم، وعصب الثوم بين ms112 ~~عينيه ونام؛ فتحركت العصابة؛ فصارت في ناحية صدغه سجادة كبيرة. فقال له ~~ابنه: ما هذا يا أبت؟ فقال: أصبح أبوك ممن يعبد الله على حرف. # ومن أملح ما في هذا قول أبي نواس وقد نهاه الأمين عن الخمر: # عين الخليفة بي موكلة ... عقد الحذار بطرفها طرفي # صحت علانيتي له وأرى ... دين الضمير له على حرف # ولئن وعدتك تركها عدة ... إني عليك لخائف خلفي # وقال ابن المعتز: # يأيها الجاني ويستخفي ... ليس تجنيك من الظرف # إنك والشوق إلينا كمن ... يؤمن بالله على حرف # محوت آثارك عن ودنا ... غير آثارك في الصحف # فإن تحاملت لنا زورة ... يوما تحاملت على ضعف # وأتى ابن عائشة إلى بعض الملوك فأنشده: # اعطف علي فالكريم يعطف ... قد غلق الرهن ومل المسلف # وارتهني الدف وبيع المصحف # فقال: يا فاسق، أترهن دفا وتبيع مصحفا! قال: اتكلت في المصحف أعزك الله ~~تعالى وأجلك. ### | من نوادر بهلول # قال رجل لبهلول المجنون: قد أمر أمير المؤمنين لكل مجنون بدرهمين. فقال ~~له بهلول: فهل أخذت نصيبك. # وأودع بهلول بعض الأفنية بالكوفة عشرين درهما ورجل خياط ينظر إليه من حيث ~~لا يعلم به بهلول؛ فلما انصرف أخذ الخياط الدراهم، فعاد بهلول يطلبها فلم ~~يجدها، فعلم أنه لم يؤت إلا من الخياط. فمر به فقال: يا فلان؛ خذ بيدك عشرة ~~دراهم وخذ ثلاثين وخذ كذا ... حتى بلغ المائة. قال: وزدها عشرين كم يكون ~~المال؟ قال: مائة وعشرين. قال: أصبت ومضى. فقال الخياط في نفسه: ما أظنه ~~إلا يمضي بهذه الدراهم التي حسبها ليزيدها على العشرين فلأردنها إلى ~~موضعها، فإذا زاد عليها أخذت الجميع ففعل؛ فكر بهلول إلى الموضع، فأخذ ~~الدراهم وأحدث في موضعها ثم مضى؛ فقام الرجل مسرعا، فلما أدخل يده امتلأت ~~حدثا، ولم يجد شيئا؛ فعارضه بهلول، وقال: خذ في يدك كذا وكذا. كم في يدك؟ ~~قال: مائة وعشرون. قال: ما في يدك إلا حدث، فانتشر خبر الخياط، وولع ~~الصبيان فيه حتى هرب من الكوفة. # ولبهلول هذا حكم؛ وكان يتشيع فقيل له يوما: أيما أفضل ms113 أبو بكر أم علي رضي ~~الله عنهما؟ فقال له: أما وأنا في كندة فعلي، وأما وأنا في ضبة فأبو بكر. ~~وكندة بالكوفة من غلاة الرافضة، وبنو ضبة أهل سنة. # ولما دخل الرشيد الكوفة خرج الناس للنظر إليه، فناداه بهلول ثلاثا. فقال: ~~من المجترىء علي في هذا الموضع؟ قيل: بهلول المجنون. فرفع السجافة وقال: ~~بهلول؟ قال: لبيك يا أمير المؤمنين، روينا عن أيمن بن نائل قال: حدثنا ~~قدامة عن ابن عبد الله العامري قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يرمي جمرة العقبة لا ضرب ولا طرد ولا قيل بين يديه إليك إليك؛ وتواضعك في ~~سفرك هذا خير لك من تجبرك وتكبرك. قال: فبكى الرشيد حتى جرت دموعه على ~~الأرض، وقال: أحسنت يا بهلول، زدنا يرحمك الله. # PageV01P061 # قال: وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيما رجل آتاه الله مالا ~~وجمالا وسلطانا فأنفق في ماله وعف في جماله وعدل في سلطانه كتب في خالص ~~ديوان الله من الأبرار. قال: أحسنت يا بهلول، وأمر له بجائزة سنية، فقال: ~~يا أمير المؤمنين؛ ردها على من أخذتها منه؛ فلا حاجة لي بها. فقال: يا ~~بهلول؛ إن كان عليك دين قضيناه. قال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء أهل الرأي ~~بالكوفة أجمعوا على أن قضاء الدين بالدين لا يجوز. قال: فنجري عليك ما ~~يكفيك؛ فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا أمير المؤمنين؛ أنا وأنت في عيال ~~الله، ومحال أن يذكرك وينساني؛ فأرسل الرشيد السجف وسار. # وقيل: إن بهلولا كان يستعمل الجنون سترا على نفسه. ### | من نوادر المجانين # وقال هارون المخزومي: رأيت مجنونين يتنازعان رغيفا يقول أحدهما: هذا أنت ~~تأكله، ويقول الآخر: بل أنت تأكله. قال: فقلت لهما وأنا أظن أن أربح ~~عليهما: أنا آكله. فقالا: يا أحمق، إنه مع أدم. فقلت: وما أدمه؟ قالا: وجء ~~الحلق وصفع العنق. فوليت عنهما، فقالا: يا مجنون؛ لولا بشاعة الأدم لكنا ~~أكلناه منذ حين. # وقيل لسعيد العامري وكان من أصحاب النوبهاري: لقد حظيت بكثرة المال. قال: ~~فإني بعتك مالي ms114 كله بحبة من عقل غفار الموسوس. قلت: وأي شيء رأيت من عقله؟ ~~قال: رأيته يوما وقد وقف عليه رجلان أحدهما سكران، فجعل السكران يفتري عليه ~~وهو يفتري على الصاحي؛ فقلت له: لم لا تشتم الذي يشتمك؟ قال: لأن معه ~~شيطانا لا أقوى عليه، فالتفت إلي السكران وقال: يابن الفاعلة؛ أتحرضه علي؟ ~~ورفع رجله من الأرض فشيعني بها موضحة ومر يعدو. فقال غفار: من هذا فررت. ### | من نوادر أبي نواس # ومر عثمان بن حفص الثقفي بأبي نواس وقد خرج من علة وهو مصفر الوجه، وكان ~~عثمان أقبح الناس وجها. فقال له عثمان: ما لي أراك مصفرا؟ فقال أبو نواس: ~~رأيتك فذكرت ذنوبي. قال: وما ذكر ذنوبك عند رؤيتي؟ فقال: خفت أن يعقابني ~~الله فيمسخني قردا مثلك. # ولما حبس الأمين أبا نواس دخل عليه خال الفضل بن الربيع، وكان يتعهد ~~المحبوسين، ويسأل عنهم وكانت فيه غفلة، فأتى أبا نواس وقال: ما جرمك حتى ~~حبست في حبس الزنادقة؟ أزنديق أنت؟ قال: معاذ الله. قال: أتعبد الكبش؟ قال: ~~ولكني آكله بصوفه. قال: أتعبد الشمس؟ قال: والله ما أجلس فيها من بغضها، ~~فكيف أعبدها! قال: أفتعبد الديك؟ قال: لا والله، بل آكله، ولقد ذبحت ألف ~~ديك، لأن ديكا نفرني مرة، فحلفت ألا أجد ديكا إلا ذبحته. قال: فلأي شيء ~~حبست؟ قال: لأني أشرب شراب أهل الجنة، وأنام خلف الناس. قال: وأنا أيضا ~~أفعل ذلك، ثم خرج إلى الفضل فقال: ما تحسون جوار الله تحبسون من لا ذنب له، ~~سألت رجلا في الحبس عن خبره، فقال كذا وكذا، وعرفه بكل ما جرى بينه وبين ~~أبي نواس، فضحك ودخل على الأمين فأخبره الخبر، فأمر بتخليته للحال. ### | الأمين يحبس أبا نواس # وكان أبو نواس حبس في أيام الأمين مرتين؛ إحداهما أنه بلغ الأمين قوله: # ومستعبد إخوانه بثرائه ... لبست له كبرا أبر على الكبر # إذا ضمني يوما وإياه مجلس ... رأى جانبي وعرا يزيد على الوعر # أخالفه في شكله وأجره ... على المنطق المنزور والنظر الشزر # فوالله لا ألوي لساني بحاجة ms115 ... إلى أحد حتى أوسد في قبري # وقد زادني تيها على الناس أنني ... أراني أغناهم وإن كنت ذا فقر # فلو لم أنل فخرا لكانت صيانتي ... فمي عن جميع الناس حسبي من فخر # فلا يطمعن في ذاك مني طامع ... ولا صاحب التاج المحجب في القصر # فقال: وبلغ بك الأمر إلى أن تعرض بي في شعرك يابن اللخناء! فقال سليمان ~~بن أبي جعفر: هو والله يا أمير المؤمنين زنديق، وقد شهد عندي جماعة أنه شرب ~~ماء مطر مع خمر، فقيل له: لم فعلت ذلك؟ قال: لأشرب الملائكة فإنه كان مع كل ~~قطرة ملك، فأمر بحبسه فقال: # يا رب إن القوم قد ظلموني ... وبلا اقتراف خطيئة حبسوني # وإلى الجحود بما عليه طويتي ... بالزور والبهتان قد نسبوني # أما الأمين فلست أرجو دفعه ... عني فمن لي اليوم بالمأمون # PageV01P062 # فقال المأمون لما بلغه ذلك: والله لئن أدركته لأحسنن إليه، فمات قبل دخول ~~المأمون بغداد. # ولما دخل بها سنة أربع ومائتين وأتاه الشعراء يمدحونه قال: ما فعل أبو ~~علي الحسن بن هانىء؟ قالوا: توفي، فلم يسمع منهم شعرا وتوجع وقال: لقد ذهب ~~ظرف الزمان بموته، وانحطت رتبة الشعر بذهابه. # وكان أبو نواس في آخر أيام الأمين مستخفيا فلم يظهر حتى قتل؛ لأنه كان ~~أملح الناس وجها، وكان أبو نواس إذا نظر إليه بقي باهتا فقال فيه: # عذب قلبي ولا أقول بمن ... أخاف من لا يخاف من أحد # إذا تفكرت في هواي له ... مسست رأسي هل طار عن جسدي # إني على ما ذكرت من فرقي ... لآمل أن أناله بيدي # وقال: # يا قاتل الرجل البري ... وسالبا عز المليك # كيف السبيل للثم سا ... لفتيك أو تقبيل فيك # الله يعلم أنني ... أهوى هواك وأشتهيك # وأصد عنك حذار أن ... تقع الظنون علي فيك # فظهر الشعر، فلم يزل أبو نواس مستخفيا. # وحبسه الأمين قبل ذلك: وذلك لأن المأمون لما خلعه بخراسان ووجه طاهر بن ~~الحسين إليه ليحاربه، كان يعمل بعيوب الأمين كتبا لتقرأ على المنابر ~~بخراسان، وكان مما عابه به أنه قال: احتبس شاعرا ms116 ماجنا كافرا يقال له الحسن ~~بن هانىء، واستخلصه معه لشرب الخمر وارتكاب المآثم وانتهاك المحارم، وهو ~~القائل: # ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر # وبح باسم من أهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر # قال أبو علي محمد بن المظفر الحاتمي: هذا معنى ظريف، يقول: إن الملاذ ~~بالحواس الخمس وهي: النظر والسماع والشم والذوق واللمس؛ فقد استمتعت حاسة ~~البصر بالنظر إليها، وحاسة الشم بتضوعها وطيب نكهتها، وحاسة الذوق بطعمها، ~~وحاسة اللمس بلين اللمس، وبقي حاسة السمع معطلة. فقال: وقل لي هي الخمر؛ ~~لتلتذ حاسة السماع فيكمل الاستمتاع. # ثم يذكر الأمين في خطبة العراق، فيقول: أهل فسق وخمور وفجور وماخور، ~~ويقوم رجل بين يديه فينشد أعابيس أبي نواس كقوله: # يا أحمد المرتجى في كل نائبة ... قم سيدي نعص جبار السموات # فقام والليل يجلوه النهار كما ... يجلي التبسم عن غر الثنيات # ومن هنا أخذ ابن الرومي، فجاء بأبدع عبارة، وأنصع استعارة، وأصح تشبيه، ~~وأملح تنبيه. فقال يصف سوداء: # يفتر ذاك السواد عن يقق ... من ثغرها كاللآلىء اليقق # كأنها والمزاح يضحكها ... ليل تعرى دجاه عن فلق # فاتصل بالأمين خبر المأمون، فأغراه الفضل بن الربيع بأبي نواس فحبسه، ~~فكتب أبو نواس إلى الفضل من الحبس: # أنت يابن الربيع علمتني الخي ... ر وعودتنيه والخير عاده # فارعوى باطلي وعاودني حل ... مي وأحدثت رغبة وزهاده # لو تراني شبهتني الحسن البص ... ري في حال نسكه أو قتاده # المسابيح في ذراعي والمص ... حف في لبي مكان القلاده # فإذا شئت أن ترى طرفة تع ... جب منها مليحة مستفاده # فادع بي لا عدمت تقويم مثلي ... فتأمل بعينك السجاده # ترى أثرا من الصلاة بوجهي ... توقن النفس أنها من عباده # لو رآها بعض الرائين يوما ... لاشتراها يعدها للشهاده # ولقد طالما شقيت ولكن ... أدركتني على يديك السعاده # فلما بلغ الشعر الفضل ضحك، وقال: من علم أن السجادة تصلح للشهادة بعد؛ ~~وكلم فيه الأمين فتركه بعد أن أخذ عليه ألا يشرب الخمر فقال: # ما من ms117 يد في الناس واجدة ... كيدي أبي العباس مولاها # نام الثقات على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسي فأحياها # قد كنت خفتك ثم أمنني ... من أن أخافك خوفك الله # فعفوت عني عفو مقتدر ... وجبت له نقم فألفاها # ومن قوله في ترك الشرب: # أيها الرائحان باللوم لوما ... لا أذوق المدام إلا شميما # PageV01P063 # نالني بالملام فيها إمام ... ما أرى لي خلافه مستقيما # فاصرفاها إلى سواي فإني ... لست إلا على الحديث نديما # فكأني وما أزين منها ... قعدي يزين التحكيما # كل عن حمله السلاح إلى الحر ... ب فأوصى المطيق ألا يقيما # والقعد: فرقة من الخوارج يأمرون الناس بالخروج وهم لا يخرجون. وزعم ~~المبرد أنه لم يسبق إلى هذا المعنى. وقال في ذلك أيضا: # غننا بالطلول كيف بلينا ... واسقنا نعطك الثناء الثمينا # من سلاف كأنها كل شيء ... يتمنى مخير أن تكونا # أكل الدهر ما تجسم منها ... وتبقى لبابها المكنونا # فإذا ما اجتليتها فهباء ... يمنع الكف ما تبيح العيونا # ثم شجت فاستضحكت عن لآل ... لو تجمعن في يد لاقتنينا # في كئوس كأنهن نجوم ... دائرات بروجها أيدينا # طالعات مع السقاة علينا ... فإذا ما غربن يغربن فينا # لو ترى الشرب حولها من بعيد ... قلت قوم من قرة يصطلونا # وغزال يديرها ببنان ... ناعمات يزيدها المزج لينا # كلما شئت علني برضاب ... يترك القلب للسرور قرينا # ذاك عيش لو دام لي غير أني ... عفته مكرها وخفت الأمينا # وقال أيضا: # أعاذل أعتبت الإمام وأعتبا ... وأعربت عما في الضمير وأعربا # وقلت لساقيها أجزها فلم يكن ... ليأبى أمير المؤمنين وأشربا # فجوزها عني سلافا ترى لها ... إلى الأفق الأعلى شعاعا مطنبا # إذا عب منها شارب القوم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا # ترى حيثما كانت من البيت مشرقا ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا # يدور بها رطب البنان ترى له ... على مستدار الخد صدغا معقربا # سقاهم ومناني بعينيه منية ... فكانت إلى قلبي ألذ وأطيبا ### | بين أبي نواس والحسين بن الضحاك # قال الحسين بن الضحاك: أنشدت أبا نواس قولي: # وشاطري اللسان مختلف الس ... سكرة شاب المجون بالنسك ms118 # فلما بلغت فيه: # كأنما نصب كأسه قمر ... يكرع في بعض أنجم الفلك # نعر نعرة منكرة. فقلت: ما لك فقد رعتني! فقال: هذا المعنى أنا أحق به، ~~ولكن سترى لمن يروى ثم أنشدني بعد أيام: # إذا عب منها شارب القوم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا # فقلت: هذه مطالبة يا أبا علي. فقال: أتظن أنه يروى لك معنى مليح وأنا في ~~الحياة! وقال فيه ابن الرومي فجاء بأحسن منهما: # ومهفهف كملت ملاحته ... حتى تجاوز منية النفس # تصبو الكئوس إلى مراشفه ... وتضج في يده من الحبس # أبصرته والكأس بين فم ... منه وبين أنامل خمس # وكأنها وكأن شاربها ... قمر يقبل عارض الشمس ### | من غزل بشار # وإنما اتبع أبو نواس في هذه الأشعار التي وصف فيها ترك الشرب وطاعته لأمر ~~الأمين مذهب أبي معاذ بشار بن برد وذلك أنه لما قال: # لا يؤيسنك من مخبأة ... قول تغلظه وإن جرحا # عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يركب بعدما جمحا # فبلغ ذلك المهدي فغاظه، وقال: يحرض الناس على الفجور، ويسهل لهم السبيل ~~إليه. فقال له خالد بن يزيد بن منصور الحميري: يا أمير المؤمنين، ق افتتن ~~النساء بشعره، وأي امرأة لا تصبو إلى مثل قوله: # عجبت فطمة من نعتي لها ... هل يجيد النعت مكفوف البصر # بنت عشر وثلاث قسمت ... بين غصن وكثيب وقمر # درة بحرية مكنونة ... مازها التاجر من بين الدرر # أذرت الدمع وقالت ويلتي ... من ولوع الكف ركاب الخطر # PageV01P064 # أمتي بدد هذا لعبي ... ووشاحي حله حتى انتثر # فدعيني معه يا أمتي ... علنا في خلوة نقضي الوطر # أقبلت في خلوة تضربها ... واعتراها كجنون مستعر # بأبي والله ما أحسنه ... دمع عيني غسل الكحل قطر # أيها النوام هبوا ويحكم ... وسلوني اليوم ما طعم السهر # فأمره المهدي ألا يتغزل؛ فقال أشعارا في ذلك منها: # يا منظرا حسنا رأيته ... من وجه جارية فديته # والله رب محمد ... ما أن غدرت ولا نويته # أعرضت عنك وربما ... عرض البلاء وما اتقيته # إن الخليفة قد أبى ... وإذا أبى شيئا أبيته # ويشوقني بيت الحبي ... ب ms119 إذا غدوت وأين بيته # ومخضب رخص البنا ... ن بكى علي وما بكيته # قام الخليفة دونه ... فصبرت عنه وما قليته # ونهاني الملك الهما ... م عن النساء فما عصيته # بل وقد وفيت فلم أضع ... عهدا ولا وأيا وأيته # وأنا المطل على العدا ... وإذا غلا الحمد اشتريته # وقال: # والله لولا رضا الخليفة ما ... أعطيت ضيما علي في شجني # قد عشت بين الندمان والرا ... ح والمزهر في ظل مجلس حسن # ثم نهاني المهدي فانصرفت ... نفسي صنيع الموفق اللقن # وقال: # أفنيت عمري وتقضى الشباب ... بين الحميا والجواري الأواب # فالآن شفعت إمام الهدى ... وربما طبت لحب وطاب # لهوتن حتى راعني داعيا ... صوت أمير المؤمنين المجاب # لبيك لبيك! هجرت الصبا ... ونام عذالي ومات العتاب # أبصرت رشدي وتركت المنى ... وربما ذلت لهن الرقاب # وفي هذه الكلمة يقول: # يا حامد الفعل ولم يبله ... سبقت بالسيل سيل السحاب # الفعل أولى بثناء الفتى ... ما جاءه من خطأ أو صواب # دع قول واء وانتظر فعله ... ينبي عن اللقحة ما في الحلاب # إذا غدا المهدي في جنده ... وراح في آل الرسول الغضاب # بدا لك المعروف في وجهه ... كالظلم يجري في الثنايا العذاب # ومن شعره المطرب في الغزل قوله: # أيها الساقيان صبا شرابي ... واسقياني من ريق بيضاء رود # إن دائي الصدى وإن شفائي ... شربة من رضاب ثغر برود # عندها الصبر عن لقائي وعندي ... زفرات يأكلن قلب الجليد # ولها مبسم كثغر الأقاحي ... وحديث كالوشي وشي البرود # نزلت في السواد من حبة القل ... ب ونالت زيادة المستزيد # ثم قالت: نلقاك بعد ليال ... والليالي يبلين كل جديد # لا أبالي من ضن عني بوصل ... إن قضى الله منك لي يوم جود # وقوله: # لو عاينوها لم يلوموا على البكا ... كريما سقاه الخمر بدر محلق # فكيف تناسى من يكون حديثه ... بأذني وإني غيبت قرط معلق # وقوله: # كأنها حين لاحت في مجاسدها ... فارتج أسفلها واهتز أعلاها # حوراء جاءت من الفردوس تفتنه ... كالشمس طلعتها والمسك رياها # من اللواتي غدت فردا وشق لها ... من ثوبه الحسن سربالا فرداها # راحت ولم تعطه برءا لقرحته ms120 ... منها ولو سألته النفس أعطاها # تغمه نفسه من طول صبوتها ... حتى لو اجتمعت في الكف ألقاها # ما شاهد القوم إلا ظل يذكرها ... ولا خلا ساعة إلا تمناها # وقول بشار: عجبت فطمة من نعتي لها قد احتذاه محمد بن مناذر: # قد جد بي في اللعب ... ذو راحة من تعب # جسم من الفضة قد ... أشرب ماء الذهب # PageV01P065 # جارية صغيرة ... مشغولة باللعب # صاحت وقد روعتها ... بقبلة واحربي # أنت وربي يا فتى ... تريد أن تصنع بي # إياك أن يدعو علي ... ك اليوم أمي وأبي # فلم أزل أختلها ... حتى علوت مركبي # وهي كغصن مالت الر ... يح به مضطرب # تجود عيناها بجا ... ري دمعها المنسكب ### | من مليح ما قيل في الصغار # ومن مليح ما قيل في الصغار قول أبي نواس الحسن بن هانىء: # حين أوفى على ثلاث وعشر ... لم يطل عهد أذنه بالشنوف # وبه غنة الصبا تعتليها ... بحة الاحتلام للتشريف # حين رام أنسنا منه بعين ... وثنى أختها من التخويف # وقال عبد الله بن الحسين الكاتب: # جارية أذهلها اللعب ... عما يقول الهائم الصب # شكوت ما ألقاه من حبها ... فأقلت تسأل ما الحب # وقال ابن المعتز: # الآن زاد على عشر بواحدة ... وزاد أخرى وشاب الحب بالخدع # وجاوب اللحظ منه لحظ عاشقه ... وجرر الوعد بين اليأس والطمع # وكان غرا بقتلي ليس يحسنه ... والآن بدع في قتلي على البدع # وقال غيره: # إني بليت بطفلة ... هيفاء جائلة الوشاح # ومليحة يا ويلتي ... ماذا لقيت من الملاح # ما جاز عشرا سنها ... بيضاء كالقمر اللياح # وقال أعرابي في جارية صغيرة وعده أبوها أن يزوجها منه: # أعلقني بعشقها أبوها ... مليحة العينين عذب فوها # قليلة الأيام إن عدوها ... لا تحسن السب إذا سبوها # وقال قيس بن الملوح: # وعلقت ليلى وهي غر صغيرة ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم # صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا ... إلى الآن لم نكبر ولم تكبر البهم ### | من نوادر مزيد المديني # مزيد المديني، قالت له امرأته يوما ليس شيء أربح من عمل النبيذ، فعملته، ~~فأتاها برجل معه درهم واحد. فقالت له: لا ms121 أبيعه إلا جملة، فأتى صاحب الشرطة ~~فقال له: إن امرأتي عندها نبيذ؛ فوجه الحرس، وقال: كونوا معه، فإن كان في ~~بيته نبيذ فاطرحوه وامرأته في الحبس، وإن لم يكن فيه شيء فردوه إلي. # فجاءوا فدخلوا منزله فوجدوا النبيذ. فقال لامرأته: قد جئتك بمن يأخذه ~~جملة، فكسروا جرار النبيذ وجلدوهما جميعا، ومضوا بهما إلى الحبس، فلما حصلا ~~فيه قال لامرأته: وأزيدك فائدة نحن فيه لم تخطر ببالك. قالت: وما هي يا ~~مشؤوم؟ قال: استرحنا من كرى البيت. # وزفت إليه امرأة فأتته الماشطة وهي تجلي، فقالت: انحلها شيئا. قال: قد ~~نحلتها تطليقة. # ودفع قميصه إلى الغسال، فرده إليه وقد نقص شبرا. فقال: ليس هذا قميصي؛ ~~قميصي أتم من هذا شبرا. قال: جعلت فداك! إنما تقلص في الغلس لأنه قطن. فقال ~~له مزيد: اقعد حاسبني، في كم غسلة يرجع جرمازا. # ودخل على بعض الموالي وكان المولى ذا مال كثير وهو على سرير ممتد، وبين ~~يديه ولد من ولد أبي بكر الصدق وآخر من ولد عمر بن الخطاب وهما على الأرض. ~~فتجهمه وقال: قبحك الله يا مزيد، فما أكثر إلحافك، وأشد إجحافك! كل يوم ~~تأتيني سائلا! قال: لم آتك في مسألة، وإنما أتيتك أسألك عن معنى قول الحارث ~~بن خالد المخزومي: # إني وما نحروا غداة منى ... عند الجمار تؤودها العقل # لو بدلت أعلى منازلها ... سفلا وأصبح سفلها يعلو # فلما رأيتك فوق ورأيت هذين تحتك عرفت معنى البيتين. # فقال: اعزب عليك لعنة الله، وارتج المجلس ضحكا. ### | شعر ابن أبي ربيعة والحارث المخزومي # PageV01P066 # وذكر بحضرة ابن أبي عتيق شعر عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد المخزومي؛ ~~فقال رجل من ولد خالد بن العاص: صاحبنا أشعر يعني الحارث فقال ابن أبي ~~عتيق: بعض قولك يابن أخي! فلشعر ابن أبي ربيعة لوطة بالقلب، وعلق بالنفس، ~~ودرك للحاجة، ليس لشعر الحارث، وما عصير الله قط بشعر أكثر مما عصي بشعر ~~ابن أبي ربيعة، فخذ عني ما أصف لك: أشعر قريش من رق معناه، ولطف مدخله، ~~وسهل مخرجه، وتعطفت ms122 حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب عن صاحبه. فقال الذي من ~~ولد خالد بن العاص: صاحبنا يقول: # إني وما نحروا غداة منى ... عند الجمار تؤودها العقل # لو بدلت أعلى منازلها ... سفلا وأصبح سفلها يعلو # فيكاد يعرفها الخبير بها ... فيرده الإقواء والمحل # لعرفت مغناها بما احتملت ... مني الضلوع لأهلها قبل # فقال ابن أبي عتيق: يابن أخي، استر على صاحبك، ولا تشاهد المحاضر بمثل ~~هذا؛ أما تطير عليها الحارث، حين قلب ربعها، فجعل عاليه سافله؛ ما بقي عليه ~~إلا أن يسأل الله حجارة من سجيل وعذابا أليما. ابن أبي ربيعة كان أحسن ~~للربع مخاطبة وأجمل مصاحبة حيث يقول: # سائلا الربع بالبلي وقولا ... هجت شوقا لنا الغداة طويلا # أين أهل حلوك إذ أنت مسرو ... ر بهم آهل أراك جميلا # قال ساروا وأمعنوا واستقلوا ... وبكرهي لو استطعت سبيلا # سئمونا وما سئمت مقاما ... واستحبوا دماثة وسهولا # وإنما أخذ الحارث قوله: لعرفت مغناها بما احتملت ... البيت من قول امرىء ~~القيس. # قال علي بن الصباح وراق أبي محلم: قال لي أبو محلم: أتعرف لامرىء القيس ~~أبياتا سينية قالها عند موته في قروحه والحلة المسمومة، غير القصيدة التي ~~أولها: # ألما على الربع القديم بعسعسا ... كأني أنادي أو أكلم أخرسا # فقلت: لا أعرف غيرها. فقال: أنشدني جماعة من الرواة، وأنشد أبياتا أولها: # لمن طلل درست آيه ... وغيره سالف الأحرس # تنكره العين من حادث ... ويعرفه شغف الأنفس ### | حديث الأطلال والدمن # وأخذه طريح بن إسماعيل الثقفي فقال وأحسن: # تستخبر الدمن القفار ولم تكن ... لترد أخبارا على مستخبر # فأخذه أبو نواس، إلا أنه قلبه فجعل الإنكار للقلب فقال: # ألا لا أرى مثلي امترى اليوم في رسم ... تعرفه عيني ويلفظه وهمي # أتت صور الأشياء بيني وبينه ... فظني كلا ظن وعلمي كلا علم # قال ولو قال: تنكره عينين ويعرفه وهمي، لكان كالأول وكان أجود فلعل أبا ~~نواس قصد الخلاف وأعجبه قوله: ويلفظه وهمي؛ لأنها لفظة جرت ملحية. # وقد ملح الحسن بن وهب في هذا المعنى إلا أنه ألم به وأجمله ولم يذكر ~~القلب فقال: # أبليت جسمي ms123 من بعد جدته ... فما تكاد العيون تبصره # كأنه رسم منزل خلق ... تعرفه العين ثم تنكره # وزعم يحيى بن منصور الذهلي أنه يعرف معهد أحبابه بقلبه ويكتمه عينه فقال: # أما يستفيق القلب إلا انبرى له ... تذكر طيف من سعاد ومربع # أخادع عن عرفانه العين إنه ... متى تعرف الأطلال عيني تدمع # وقال غيره: # هي الدار التي تعر ... ف أم لا تعرف الدارا # ترى منها لأحباب ... ك أعلاما وآثارا # فيبدي القلب عرفانا ... وتبدي العين إنكارا ### | من التقعير # وحصلت لأبي علقمة النحوي علة، فدخل عليه أعين الطبيب يعوده. فقال: ما ~~تجد؟ قال: أكلت من لحوم هذه الجوازل، فطسئت طسأة، فأصابني وجع ما بين ~~الوابلة إلى دأية العنق، فما زال يزيد وينمى حتى خالط الخلب والشراسف، فما ~~ترى؟ قال: خذ خربقا وسلفقا وشبرقا فزهزقه وزقزقه واغسله بماء روث واشربه. # فقال: ما تقول؟ فقال: وصفت لي من الداء ما لا أعرف، فوصلت لك من الدواء ~~ما لا تعرف. قال: ويحك فما أفهمتني. قال: لعن الله اقلنا إفهاما لصاحبه. ### | من نوادر النحويين # PageV01P067 # وقال رجل اسمه عمر لعلي بن سليمان الأخفش: علمني مسألة من النحو؟ قال: ~~تعلم أن اسمك لا ينصرف. فأتاه يوما وهو على شغل. فقال: من بالباب. قال: ~~عمر. قال: عمر اليوم ينصرف. قال: أوليس قد زعمت أنه لا ينصرف؟ قال: ذاك إذا ~~كان معرفة وهو الآن نكرة! وقال الصولي: سكر هارون النديم عند المعتضد سكرا ~~شديدا، ونهض الجلساء كلهم سواه فقال له الخادم الموكل بالندماء: انصرف. ~~فقال: أمير المؤمنين أمرني بالمبيت هاهنا. فقال: يا أمير المؤمنين؛ هارون ~~ينصرف. قال: لا ينصرف. # فلما أصبح رآه المعتضد، فقال: من هذا؟ قيل: هارون بن علي. فقال للخادم ~~الموكل بالندماء: متى تقدم للجلساء المبيت هنا؟ فقال: أنت أعزك الله قلت: ~~هارون لا ينصرف، قال: إنا لله! إنما أردت النحو. # قال أبو العبر: قال لي أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: الظبي معرفة أو ~~نكرة؟ فقلت: إن كان مشويا على المائدة فمعرفة، وإن كان في الصحراء فهو ~~نكرة. فقال: ما ms124 في الدنيا أعرف منك بالنحو. # أبو الحسن علي بن سليمان كتب إلى بعض إخوانه يستعير دابة ودابة لا تجيء ~~بوزن الشعر؛ لأنه جمع بين ساكنين: # أردت الركوب إلى حاجة ... فجد لي بفاعلة من دببت # فأجابه الفتى وكان ظريفا: # زيد بها وجع غامز ... فكن أنت لي فاعلا من عذرت # ومن ملح النحويين: # أفي الحق أن يعطى ثلاثون شاعرا ... ويحرم ما دون الرضا شاعر مثلي!! # كما سامحوا عمرا بواو مزيدة ... وضويق باسم الله في ألف الوصل # وقال أبو الفتح البستي: # حذفت وغيري مثبت في مكانه ... كأني نون الجمع حين تضاف ### | المتوكل وعبادة المخنث # وكن المتوكل قد بسط من عبادة المخنث للدخول معه على كل حال، فدخل عليه ~~وهو نائم مع سواد كان يحبها؛ فلما رآه أمرها أن تغطي وجهها. فقال: يا أمير ~~المؤمنين؛ ومن معك؟ قال: ويلك! وبلغ فضولك إلى هذا الموضع!، ومدت الجارية ~~رجلها فبانت سوداء. فقال: يا أمير المؤمنين؛ تنام ورجلك في الخف. فقال ~~المتوكل: قم عليك لعنة الله! وضحك وأمر له بصلة فأخذها وانصرف. # وكان عبادة يشرب بين يديه ويترك في القدح فضلة. فقال: يا عبادة؛ ما تدري ~~ما يقول الناس؟ قال: وما هو؟ قال: يقولنه إن شارب النبيذ إذا شرب وعبس وجهه ~~وفضلت في القدح فضلة فإن إبليس يضرب قفاه ويقول: اشرب فضلة ما استطبت. # فمضت الأيام واصطبح المتوكل وعبادة حاضر، وشرب قدحا كان في يديه وفضلت ~~فضلة. فقال: يا أمير المؤمنين، جاءك الرجل. # وتجارى الجواري بحضرة المتوكل فسبقتهن جارية ممشوقة. فقال المتوكل ~~لعبادة: اجر معها حتى ننظر من يسبق صاحبه. فقال عبادة: إن سبقتها فما لي؟ ~~قال: هي لك، وإن سبقتك صفعتك. فجرت معه الجارية فسبقته مرة بعد أخرى، فقال: ~~يا أمير المؤمنين؛ كيف لا تسبقني وهي تجري بمدادين وأنا أركض بخرجين؛ فضحك ~~المتوكل ووهبها له. # وغفل عنه المتوكل مرة فكتب له رقعة يسأذنه في الحج فضحك. وقال: عبادة ~~يحج؟ علي به، فلما دخل عليه قال له: ما خبرك؟ فقال: يا أمير المؤمنين؛ لقد ~~تواضعت حتى ما ms125 آكل إلا الخشكار، ولا أشرب إلا نبيذ الدردي، ولا أسمع إلا ~~غناء حواء، فأمر له بصلة. ### | جحظة يصف ضيق العيش # ألم جحظة البرمكي بهذا المعنى فقال: # إني رضيت من الرحيق ... بشراب تمر كالعقيق # ورضيت من أكل السمي ... ذ بأكل مسود الدقيق # ورضيت من سعة الصحو ... ن بمنزل ضنك وضيق # وجعلت تغريد الحما ... مة منزلي عند الشروق # فغدوت كسرى صاحب ال ... إيوان والعيش الأنيق # وحجبت نفسي عن حجا ... ب الباخلين ذوي الطريق # القاطعين مخافة ال ... إنفاق أسباب الصديق ### | جيران يتشممون الأماني # قال ابن أبي عتيق لامرأته: تمنيت أن يهدى إلينا مسلوخ، فنتخذ من الطعام ~~لون كذا ولون كذا، فسمعته جارة له، فظنت أنه أمر بعمل ما سمعته، فانتظرت ~~إلى وقت الطعام، ثم جاءت فقرعت الباب، وقالت: شممت رائحة قدوركم فجئت ~~لتطعموني منها. فقال ابن أبي عتيق لامرأته: أنت طالق إن أقمنا في هذه الدار ~~التي جيرانها يتشممون الأماني. ### | التمني والحلم أخوان # PageV01P068 # ولبس مزيد جبة فقيل له: أتتمنى أن تكون لك؟ قال: نعم! وأضرب عشرين سوطا. ~~قيل: ولم؟ ويحك؟ قال: لا يكون شيء إلا بشيء. # قال الأصمعي: طلب الحجاج رجلا فهرب منه، فمر بساباط فيه كلب نائم في ظله. ~~فقال: يا ليتني مثل هذا الكلب، فما أتت ساعة حتى مر به الكلب وفي عنقه حبل، ~~فسأل عنه فقالوا: جاء كتاب الحجاج وبه يأمر بقتل الكلاب. # وفي كتاب للهند أن ناسكا كان له سمن وعسل في جرة؛ ففكر يوما فقال: أبيع ~~هذه الجرة بعشرة دارهم فأشتري خمس أعنز، فأولدهن في كل سنة مرتين، فيبلغ ~~النتاج في سنتين مائتين، وأبتاع بكل أربع بقرة، وأزرع وينمى المال في يدي، ~~فأتخذ المساكن والعبيد، ويولد لي ولد، فأسميه كذا وآخذه بالأدب، فإن هو ~~عصاني ضربت بعصاي رأسه، وكانت في يده عصا فرفعها كالضارب، فأصابت الجرة، ~~فانكسرت وتبدد السمن والعسل. # قال يزيد بن معاوية: ثلاث يخلقن العقل، وفيهن دليل على الضعف: سرعة ~~الجواب، وطول التمني، والاستغراب في الضحك. وكان يقال: التمني والحلم ~~أخوان. وقالوا في نقيض ذلك: الأمل ms126 رفيق مؤنس، إن لم يبلغك فقد ألهاك. ~~وأنشدوا: # أتاني من ليلى جواب كأنما ... سقتني به ليلى على ظمأ بردا # منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # وقال أعرابي: # رفعت عن الدنيا المنى غير حبها ... فما أسأل الدنيا ولا أستزيدها # وتحت مجاري الصدر منا مودة ... تطلع سرا لا ينادى وليدها # وقيل لأعرابي: ما أمتع لذات الدنيا؟ فقال: ممازحة الحبيب، ومغالطة ~~الرقيب، وأمان تقطع بها أيامك، وأنشد: # علليني بموعد ... وامطلي ما حييت به # ودعيني أفوز من ... ك بنجوى تطلبه # فعسى يعثر الزما ... ن بحظي فينتبه ### | عزة توازن بين شعر الأحوص وكثير # ودخل كثير بن عبد الرحمن على عزة؛ فقالت: ما ينبغي أن نأذن لك في الجلوس. ~~قال ولم ذلك؟ قالت: لأني رأيت الأحوص ألين جانبا عند القوافي منك في شعره، ~~وأضرع خدا للنساء وأنه الذي يقول: # يأيها اللائمي فيها لأصرمها ... أكثرت لو كان يغني عنك إكثار # أقصر فلست مطاعا إذ وشيت بها ... لا القلب سال ولا في حبها عار # ويعجبني قوله: # أدور ولولا أن أرى أم جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور # وما كنت زوارا ولكن ذا الهوى ... إذا لم يزر لا بد أن سيزور # لقد منعت معروفا أم جعفر ... وإني إلى معروفها لفقير # ويعجبني قوله: # كم من دني لها قد صرت أتبعه ... ولو صحا القلب عنها كان لي تبعا # لا أستطيع نزوعا عن محبتها ... أويصنع الحب بي فوق الذي صنعا # أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني ... حتى إذا قلت هذا صادق نزعا # وزادني رغبة في الحب أن منعت ... أشهى إلى المرء من دنياه ما منعا # وقوله: # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا # وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان وفندا # وإني لأهواها وأهوى لقاءها ... كما يشتهي الصادي الشراب المبردا # علاقة حب لج في سنن الصبا ... فأبلى وما يزداد إلا تجددا # هذان البيتان ألحقهما الضبي وغيره بهذا الموضع من شعر الأحوص، وأنشدهما ~~أبو بكر بن ms127 دريد لأعرابي. # فقال لها كثير: والله لقد أجاد فما استجفيت من قولي؟ قالت: فذلك قولك: # وكنت إذا ما جئت أجللن مجلسي ... وأظهرن مني هيبة لا تجهما # يحاذرن مني غيرة قد عرفنها ... قديما فما يضحكن إلا تبسما # تراهن إلا أن يؤدين نظرة ... بمؤخر عين أو يقلبن معصما # كواظم ما ينطقن إلا محورة ... رجيعة قول بعد أن تتفهما # وكن إذا ما قلن شيئا يسره ... أسر الرضا في نفسه وتجرما # وقولك: # وددت وبيت الله أنك بكرة ... هجان وأني مصعب ثم نهرب # PageV01P069 # كلانا به عر فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدي وأجرب # نكون لذي مال كثير مغفل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب # إذا ما وردا منهلا صاحب أهله ... علينا فما ننفك نجفى ونضرب # ويحك؟! لقد أردت بي الشنعاء، ما وجدت أمنية أوطأ من هذه؟ فخرج من عندها ~~خجلا. # وكثير إن قبح في هذا فقد ملح في قوله: # فليت قلوصي عند عزة قيدت ... بقيد ضعيف غر منها فضلت # وغودر في الحي المقيمين رحلها ... وكان لها باغ سواي وندت # وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... وأخرى رمى فيها الزمان فشلت # وكنت كذات الظلع لما تحاملت ... على ظلعها بعد العثار استقلت # أريد ثواء عندها وأظنها ... إذا ما أطلنا عنده المكث ملت # وكان كثير على حدة خارطه وجودة شعره أحمق الناس. ودخل عليه نفر من قريش ~~يعودونه وهو عليل ويهزأون به؛ قال بعضهم فقلت له: كيف نجدك؟ قال: بخير. ثم ~~قال: هل سمعتم الناس يقولون شيئا؟ قلت: نعم سمعتهم يقولون: إنك الدجال. ~~قال: أما لئن قالوا ذلك إني لأجد في عيني اليمنى ضعفا مذ أيام. ### | من نوادر الحمقى والممرورين # قال الجاحظ: حدثني ثمامة بن أشرس قال: كان ممرور يأتي ساقية لنا سحرا فلا ~~يزال يمشي مع دابتها ذاهبا وراجعا في شدة الحر والبرد، فإذا أمسى توضأ وصلى ~~وقال: اللهم اجعل لنا من هذا الهم فرجا ومخرجا، ثم انصرف إلى بيته؛ فكان ~~كذلك إلى أن مات. # قال وحدثني ثمامة قال: مررت في غب مطر، والأرض ندية، والسماء مغيمة، ms128 ~~والريح شمالية، وإذا شيخ أصفر كأنه جرادة، وقد جلس على قارعة الطريق وحجام ~~زنجي يحجمه، وقد وضع على كاهله وأخدعيه محجمة كأنها قعب وقد مص دمه حتى كاد ~~يستفرغه. قال: فوقفت عليه وقلت: يا شيخ، لم تحتجم في مثل هذا اليوم؟ فقال: ~~لمكان الصفار الذي في. ### | من علامات الحمق # قال الجاحظ: ما رأيت رجلا عظيم اللحية إلا وجدته كوسج العقل. # وقالت أعرابية لقاض قضى عليها: عظم رأسك، فبعد فهمك؛ وانسدلت لحيتك، ~~فانشمر عقلك، وما رأيت ميتا يقضي بين حيين قبلك. # وعاب كوسج ألحى، فقرأ: " البلد الطيب بخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا ~~يخرج إلا نكدا " فقرأ الكوسج: " قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة ~~الخبيث ". # قال هشام بن عبد الملك يوما في مجلسه: يعرف حمق الرجل بخصال أربع: بطول ~~لحيته وشناعة كنيته، ونقش خاتمه، وإفراط شهوته. ثم رمى بصره إلى رجل طويل ~~اللحية في أقصى المجلس فدعا به. فقال: هذه واحدة، ثم سأله عن كنيته فقال: ~~كنيتي أبو الياقوت الأحمر. فقال: وما نقش خاتمك؟ قال: " وتفقد الطير "، ~~فقال: " مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ". # وخرج مهزم بن الفرج القبعسي فقال: أيها الأمير، إني قد قلت بيتا، وأنشد: # كفى حزنا أن الفراء كثيرة ... وأني بمرو الشاهجان بلا فرو # فقال طاهر: هذه والله قافية شرود، أجيزوا؛ فأرتج عليهم. فقال مهزم: أنا ~~أولى بإجابة نفسي. وقال: # صدقت لعمري إنها لكثيرة ... ولكنها عند الكرام أولي الثرو # فضحك طاهر، وقال: أما لئن أغفلناك حتى حملناك على سوء القول لنفسك ~~سنستدرك، وأمر له بعشر أثواب من وبر الخز والوشي؛ فباع منها تسعا بتسعين ~~ألف درهم وأمسك واحدة. ### | من الأجوبة المضحكة # قال الجاحظ: كان جعيفران الموسوس يماشي رجلا من إخوانه على قارعة الطريق، ~~فدفع الرجل جعيفران على كلب فقال: ما هذا؟ قال: أردت أن أقرنك به. قال: فمع ~~من أنا منذ الغداة؟ شرب طوقان المغني عند الشريف الرضي فسرق رداؤه، فلما ~~أصبح افتقده؛ فقال: قد سرق ردائي. فقال له الشريف: سبحان الله! من ms129 تتهم ~~منا؟ أما علمت أن النبيذ بساط يطوى عليه. فقال: انشروا بساطكم حتى آخذ ~~ردائي واطووه إلى يوم القيامة. # ودخل رجل أكول على قوم، فأكل أكلا ذريعا. فقال أحدهم: عجبت من أكله ~~وسرطه. وقال الآخر: وشقه دجاجة ببطة، وقال آخر: وأكله دجاجة وبطة. وقال ~~آخر: كأن جالينوس تحت إبطه. # فقالوا له: أما الذي قلناه فمفهوم، فما معنى قولك: كأن جالينوس تحت إبطه؟ ~~قال: لكي يناوله الجوارشن لئلا يتخم. # PageV01P070 # قيل لمخنث: كم ورثت أختك من زوجها؟ قال: أربعة أشهر وعشرا يريد العدة. # قال بعض العلويين لأبي العيناء: يقتضي وقد أمرت بالصلاة علي أن تقول: ~~اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. قال: نعم! فإذا قلت: الطيبين الأخيار خرجت ~~أنت منهم. # أخذه يزيد بن محمد المهلبي فقال في ### | صاحب الزنج # بالبصرة: # أيها الخائن الذي دمر البص ... رة أبشر من بعدها بدمار # إن تقل جدي النبي فما أن ... ت من الطيبين والأخيار # قد نفى الله في الكتاب ابن نوح ... حين كان ابنه من الكفار # وإنما قال المهلبي هذا له قبل أن ينكشف أمره أن دعي. # صاحب الزنج # قال أبو بكر الصولي: وحدثني محمد بن أبي الأزهر وقد أذكرته خبر علي ابن ~~محمد صاحب الزنج، فقال: ادعى أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن ~~علي بن الحسين بن علي رضوان الله عليهم، فنظرت مولده ومولد محمد بن أحمد ~~الذي ادعاه فكان بينهما ثلاث سنين، وكان لمحمد بن أحمد ولد اسمه علي مات ~~بعد هذا المدعي اسمه ونسبه بزمان، ثم رجع عن هذا النسب فادعى أنه علي بن ~~محمد بن عبد الرحمن بن رحيب بن يحيى المقتول بخراسان من زيد بن علي. قال ~~أبو عبد الله محمد بن علي بن حمزة: لم يكن ليحيى ولد يقال له رحيب ولا غيره ~~لأنه قتل ابن ثماني عشرة سنة ولا ولد له. وقال بشر بن محمد بن السري بن عبد ~~الرحمن بن رحيب: هو ابن عم أبي لحا وهو علي بن محمد بن عبد ms130 الرحمن بن رحيب، ~~ورحيب رجل من العجم من ضياع الري. وكانت مدته من حين نجم إلى أن قتل أربع ~~عشرة سنة، وجملة من قتل ألف ألف وخمسمائة ألف، وله شعر حسن مطبوع، وزعم أبو ~~بكر بن دريد أنه عمل له أكثره وما أرى هذا يصح؛ لأنه لا يشاكل طريق ابن ~~دريد: فمنه: # ما تغطي عساكر الليل مني ... ما تجلي مضاحك الصبح عني # جسم سيف في جوف غمد ثياب ... صدر إنس من تحته قلب جني # ميت حس وحي نفس كما الشم ... س يرى مشيها بعين التظني # شمري إذا استقل بعزم ... لم يعرج بليتني ولو أني # ما ينال الكرى سويداه إلا ... حسوة الطائر الذي لا يثني # إن رماه خطب قرى الخطب رأي ... فيه روع النجا وحكم التأني # كم ظلام جعلته طيلساني ... صاحبي همتي وقلبي مجني # كم حبال قطعت في وصل أخرى ... تاركا ما أخاف من سوء ظني # مستخف بذا وذاك وهذا ... لم أسمع ندامتي قرع سني # أنا روض الربيع في كل زهر ... فيلسوف الزمان في كل فن # وقال: # لقد علمت هاشم أننا ... صباح الوجوه غداة الصياح # وأنا إذا زعزعت في الوغى ... ذيول الرياح ذبول الرماح # نسوق السيوف بدفع الحتوف ... وننكي الجراح بكف الجراح # ونسمو سماحا أكف السماح ... بقسم رماح وبيض صفاح # وقرم صبحناه في داره ... بكل أقب ونهد وقاح # فغودر بعد عناق الملاح ... ضجيع النجيع مرح الجراح # كليل الأنين مذال الجبين ... مهين السلاح مهيض الجناح # صلى نور عيني بنور الأقاح ... وراح الأكف بماء وراح # فما طول عشقي مزاح الملاح ... بمشتغل عن صياح الصباح # وقال: # أسمعاني الصياح بالإمليس ... وصياح العيرانة العيطموس # واتركاني من قرع مزهر ريا ... واختلاف الكئوس بالخندريس # ليس تبنى العلا بذاك وهذا ... لكن الضرب عند أزم الضروس # عيفت عن كل اللبانات نفسي ... وسمت نحو غير ذلك حدوسي # وخلا من هواجس النأي قلبي ... كخلو الطلول بعد الأنيس # واسبطرت حمالق القوم للمو ... ت وصارت نفوسهم في الرؤوس # رب سيد يحمي الخميس بعضب ... ويجلي ظلام ليل الخميس # عممته يمنى يدي بعضب ... تركت جنبه كجنب ms131 العروس # PageV01P071 # تخبرنك الكماة عن غدواتي ... في غداة الوغى أبا قابوس # فسلوا عامرا وعارض لما ... أن لقوا بالفجور والتدليس # أتروني أقر بالنوم غمضا ... يا عبيد الصليب والناقوس # وقال: # وإنا لتصبح أسيافنا ... إذا ما اصطبحنا بيوم سفوك # منا برهن بطون الأكف ... وأغمادهن رؤوس الملوك # وما لي في الخلق من مشبه ... ولا في اكتساب العلا من شريك # وقال يخاطب بني العباس: # بني عمنا لا توقدوا نار فتنة ... بطيء على مر الليالي خمودها # بني عمنا إنا وأنتم أنامل ... تضمنها من راحتيها عقودها # بني عمنا وليتم الترك أمرنا ... بديئا وأعقابا ونحن شهودها # فأقسم لا ذقت القراح وإن أذق ... فبلغه عيش أو يبار عميدها # وقال: # لهف نفسي على قصور ببغدا ... د وما قد حوته من كل عاص # وخمور هناك تشرب جهرا ... ورجال على المعاصي حراص # لست بابن الفواطم الزهر إن لم ... أقحم الخيل بين تلك العراص # وقتله الموفق بعد أن جرت له معه مواقعة عظيمة، وجرح الموفق جرحا في صدره ~~أشرف منه على الموت، ولذلك قال ابن المعتز: # شق الصفوف بسيفه ... وشفى حزازات الإحن # دامي الجراح كأنها ... ورد تفتح في غصن ### | ومن ملح النوادر # قال الجاحظ: سمعت رجلا يقول لآخر: ضربنا الساعة زنديقا. قال: وأي شيء ~~الزنديق؟ قال: الذي يقطع المزيقة. قلت: وكيف علمت أنه يقطع المزيقة؟ قال: ~~رأيته يأكل التين بالخل. # وهذا كما قال النظام لرجل: أتعرف فلانا المجوسي؟ قال: أعرفه، ذاك الذي ~~يحلق وسط رأسه مثل اليهود. قال: لا مجوسيا عرفت ولا يهوديا وصفت. # باع مزيد المديني دابة، فلما كان من الغد أتاه النخاسون طمعا، فلما نظر ~~إليهم قد أقبلوا نحوه قام يصلي فأطال الصلاة، فقالوا له وهم لا يعفرونه: يا ~~عبد الله؛ قد ذهب يومنا، فأطمعهم طول قيامه، وكان أحسن الناس سمتا وأظهرهم ~~هديا، فانفتل من صلاته فقال: ما بالكم؟ فقد قطعتم علي صلاتي. فقالوا له: قد ~~ظهر بالدابة عيب. قال: وما عيبه قالوا: يخلع الرسن. قال: لا أعرفه بهذه ~~الصفة؛ فماذا تريدون؟ قالوا: خصلة من ثلاث؛ إما الحطيطة، وإما رد الثمن ~~وأخذ ms132 الدابة، وإما اليمين بالله أنك ما تعرف هذا فيه. # فقال: أما الثمن فقد فرقناه، وأما الحطيطة فما تمكننا، وأما اليمين فإني ~~ما حلفت قط على حق ولا على باطل، فاعفوني منها؛ فإنها أصعب الخطط عندي. ~~قالوا: ما من ذلك بد؛ فانطلق بنا إلى الوالي. فقام معهم، فلما بصر به ~~الوالي ضحك، وقال: ما جاء بك أبا إسحاق؟ فقص عليه القصة. فقال: قد أنصفك ~~القوم. فقال: أعز الله الأمير، أحلف وأنا في هذه السن، وضرب يده على لحيته ~~وبكى. وقال: ما حلفت على حق ولا على باطل والتوى. قال: لا بد، فالتوى ساعة؛ ~~ثم قال: أصلح الله الأمير فإن حملت نفسي على اليمين وحلفت وأعنتوني بعد؟ ~~قال: أوجعهم ضربا، وأحبسهم. فلما سمع ذلك استقبل القبلة وقال: بلغت السماء، ~~وكورت الشمس، ونثرت الكواكب، وشربت البحر، ولطعت ما في المصحف من الذكر ~~الحكيم، وتوليت عاقر الناقة، وسرقت عصا موسى عليه السلام، ولقيت الله بذنب ~~فرعون يوم قال: أنا ربكم الأعلى؛ وغير ذلك من محرج الأيمان، لقد كان عندي ~~دواب كلها تخلع أرسانها، فكان هذا الحمار يقوم فيعديها عليها ويصلحها بفمه ~~قليلا قليلا. فضحك الوالي حتى فحص برجليه، وبهت النخاسون، وعجبوا منه ~~وانصرفوا عنه. # وقال بعض الشعراء: # سألوني اليمين فارتعت منها ... كي يغروا بذلك الارتياع # ثم أرسلتها كمنحدر السي ... ل تهادى من المحل اليفاع ### | قاض دفع مالا لمن توجه إليه باليمين # PageV01P072 # ومن ظريف ما في هذا الباب ما حكاه الصولي قال: كنت يوما بين يدي أمير ~~المؤمنين الراضي بالله إذ دخل عليه بعض الخدم برقعة دفعها صاحب الخبر ~~الملازم لمجلس أبي عمر القاضي، يذكر أن رجلا أحضر خصما للقاضي، وادعى عليه ~~مائة دينار؛ فألزم القاضي الغريم اليمين؛ إذ لم يجد الخصم بينة؛ فأخذ ~~الدواة وكتب بيتين فدفعهما إلى القاضي، فأمر القاضي غلامه فأحضر مائة دينار ~~ودفعها إلى الرجل، والبيتان هما: # وإني لذو حلف كاذب ... إذا ما اضطررت وفي الأمر ضيق # وهل من جناح على مسلم ... يدافع بالله ما لا يطيق # فعجب الراضي من الرجل ms133 وديانته، لخلاصه من الحكم؛ وعجب من كرم القاضي وحسن ~~ما فعله، ثم أمرني بالركوب إلى القاضي ومسألته في البحث عن صاحب البيتين ~~وإحضاره إليه. فلم نزل أياما حتى حصل لنا، فجئنا به إلى دار السلطان، فمر ~~له بألف دينار وخمس خلع ومركوب حسن، وأمره بملازمة الدار؛ ثم قلده الأهواز ~~وأعمالها. ### | من نوادر اللصوص # وخرج أبو سعيد الحربي مرة وهو شارب، فجلس يبول وعليه طيلسان خلق إبريسمي، ~~فمر به بعض المكارين في الليل، وتناول طيلسانه، فصاح به أبو سعيد: فقال له ~~الفتى: ما تريد؟ قال: أصرف الله عنك الأذى. # ودخل على أبي سعيد اللصوص فأخذوا كل ما في داره، فلما مضوا حمل أبو سعيد ~~البارية ومضى في أثرهم فنظر إليه أحدهم فقال: أي شيء تصنع معنا؟ قال: نطلب ~~بيتا نتحول فيه بمرة، فضحك اللصوص وردوا عليه ما أخذوه منه. ### | من نوادر الأطباء # وكان ببغداد طبيب اسمه نعمان لا ينجح مريض على يديه، فقال فيه بعض ~~الشعراء: # أقول لنعمان وقد ساق طبه ... نفوسا نفيسات إلى داخل الأرض # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض # وقال كشاجم لعيسى بن نوح النصراني: # عيسى الطبيب ترفق ... فأنت طوفان نوح # يأبى علاجك إلا ... فراق جسم لروح # شتان ما بين عيسى ... وبين عيسى المسيح # هذاك محي لميت ... وذا مميت صحيح # هذا منقول من قول رجل من بني تميم، لما دخل هلال بن أحوز البصرة بعد ~~إيقاعه بني المهلب، وقد أطافت به بنو تميم، فقال شيخ من الأزد: رجالهم ~~يطيفون به كما يطيفون بعيسى ابن مريم. فقال التميمي: هذا ضد عيسى ابن مريم؛ ~~فإن ذاك يحيي الموتى وهذا يميت الأحياء. ### | من نوادر الفقهاء # قال رجل للشعبي: ما تقول في رجل أدخل أصبعه في أنفه فخرج عليه دم، أترى ~~له أن يحجم؟ فقال: الحمد لله الذي نقلنا من الفقه إلى الحجامة. # وقال له رجل: ما تقول في رجل شتمني في أول يوم من شهر رمضان، أتراه يؤجر؟ ~~قال: إن قال لك يا أحمق رجوت له ms134 ذلك. # دخل زاهر بن العلاء على الحجاج فنسي التسليم، فقال: التحيات لله الطيبات ~~الصلوات لله. ثم ذكر التسليم فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله ~~وبركاته. ### | من طرف المعزين # ودخل بعض الهاشميين على الرشيد معزيا. فقال: يا أمير المؤمنين، أحسن الله ~~عزاك، وربك عزاك، وأحاله علينا وعليك بخير، ورحم فلانا ولا عرفه قليلا ولا ~~كثيرا، تأمر بشيء يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم! آمر أهلك أن يدفنوك؛ فإن ~~موتك حياة وحياتك موت. # مات أخ لأبي علقمة النحوي، فأتى ابنه يعلم أبا علقمة بموت أخيه. فقال: ما ~~كانت علته؟ فقال الغلام: تورمت رجلاه فانتهى الورم إلى ركبتاه. فقال أبو ~~علقمة: لحنت؛ فقل: إلى ركبتيه. فقال الغلام: لقد شق عليك موت أبي حيث لم ~~تدع بغضك ساعة! ### | من نوادر المحبين # ومرت بداود بن المعتمر امرأة جميلة، فقام يتبعها حتى أدركها. فقال: لولا ~~ما رأيت عليك من سيماء الخير لم أتبعك، فضحكت حتى استندت إلى الحائط. ~~فقالت: إنما يمنع مثلك من الطمع في مثلي ما يرى من سيماء الخير، فإذا كان ~~هذا هو الذي يطمع في النساء فإنا لله وإنا إليه راجعون. # PageV01P073 # وتعشق أبو القماقم السقا قينة فبعث إليها: حضر عندي إخوان فابعثي إلي ~~بجام لوزينج آكله على ذكرك. فبعثت إليه به. فلما كان من الغد بعث إليها: ~~أرسل لي بطبق مازاورد آكله على ذكرك. فقالت: جعلت فداك، ذكروا أن منبع الحب ~~من القلب، فإذا تناهى بلغ إلى الكبد، وأنا أرى حبك لا يتجاوز معدتك. فقال: ~~إنما فعلت هذا لأقوى على محبتك، ألم تسمعي قول الشاعر: # إذا كان في قلبي طعام ذكرتها ... وإن جعت لم تخطر ببالي ولا فكري # وإن كان هذا العام قد قل بقله ... فقبح من يهواك يا ربة الخدر # ويزداد حبي إن شبعت تجددا ... وإن جعت يوما لم تكوني على ذكري # ومن مليح ما في هذا الباب أن أبا مسعود الأعمى كان جالسا في صحن داره، ~~فأشرفت عليه جارية ظريفة، فعضت تفاحة ورمت بها في حجره. فتناولها وقال: # أيا تفاحة رمت ms135 ... فؤادي للهوى رما # لقد أهداك إنسان ... وأهداك لأمر ما # ليهدي لاعج الشوق ... إلى من عض أو شما # فلم تكن إلا ساعة حتى وافت جارية لها، معها جام لوزينج وهي تقول: مولاتي ~~تقرئك السلام وتقول لك: قد سمعت شعرك، ورأيتك بدأت بالعض قبل الشم، فعلمت ~~أنك جائع؛ فتبلغ بهذا الجام حتى يدرك طعامنا. قال: وكيف كنت أقول؟ قالت: ~~كنت تقول: # أيا تفاحة رضت ... فؤادي للهوى رضا # لقد أهداك إنسان ... وأهداك لما يرضى # ليهدي لاعج الشوق ... إلى من شم أو عضا # وكان أحمد بن أبي طاهر قبيح الوجه، وكان له جارية من أحسن النساء، فضحك ~~إليها يوما فعبست في وجهه، فقال لها: أضحك في وجهك فتعبسين في وجهي؟ فقالت: ~~نظرت أنت إلى ما سرك فضحكت ونظرت إلى ما ساءني فعبست. # وليس هذا كقول حمرة امرأة عمران بن حطان وكان قبيحا وكانت جميلة: إني ~~لأرجو أن نكون جميعا في الجنة. فقال: ولم؟ قالت: لأنك أعطيت مثلي فشكرت، ~~وأعطيت أنا مثلك فصبرت؛ فالصابر والشاكر في الجنة. # وخطبت بعده فلبس بعض ثيابه وخرجت تتمثل بقوله: # تلبس يوما عرسه من ثيابه ... إذا قيل هذا يا حميرة خاطب # فانصرفوا عنها. # وكان أبو الحسن جحظة البرمكي أطيب الناس غناء، وأحسنهم مجالسة، وأمتهم ~~مؤانسة، وكان قبيح المنظر جدا جاحظ العينين وفيه يقول ابن الرومي: # نبئت جحظ يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان # يا رحمتي لمنادميه تحملوا ... ألم العيون للذة الآذان ### | وعد بكفن بعد أيام! # قال المدائني: جاء رجل إلى جار له من الأشراف فقال له: جارك فلان توفي ~~ولا كفن له فتأمر له بكفن، فقال: والله الآن ما عندي شيء، ولكن تعاودنا بعد ~~أيام. قال: فنملحه أصلحك الله إلى أن يتيسر الكفن! ### | دينار يلد # وجدت امرأة أشعب دينارا فأتته به، فقال: ادفعيه إلي حتى يلد لك في كل ~~أسبوع درهمين، فدفعته إليه، فصار يدفع إليها في كل أسبوع درهمين؛ فلما كان ~~في الأسبوع الرابع طلبته منه، فقال لها: مات في النفاس، فقالت: ويلي عليك! ~~كيف يموت الدينار؟ فقال ms136 لها: الويل لك على أهلك! كيف تصدقين بولادته ~~وتنكرين موته في نفاسه. # سقط أحدب في بئر، فذهبت حدبته وصار آدر، فدخل إليه جيرانه يهنئونه، فقال: ~~لا تفعلوا فالذي جاء شر من الأول. # قال ابن خالويه: استعرضت جارية فقلت لها: أبكر أنت أم أيش؟ قالت: أيش، ~~فاشتريتها. ### | من نوادر المعزين أيضا # قال أبو العالية: لما مات سعيد بن مسلم الباهلي قال لي الرشيد: علم فلانا ~~تعزية يعزي بها ولد سعيد لفتى من بني هاشم. فقلت للفتى: إذا صرت للقوم فقل: ~~عظم الله أجركم، وأحسن عزاءكم، ورحم سعيدا. قال: هذا طويل. فقلت فقل: أعظم ~~الله أجركم، وختم بالصبر على قلوبكم. قال: هذا أطول من ذاك. قال فقلت: أعظم ~~الله أجركم وكررته عليه يومين، فلما كان اليوم الثالث ركب وركبنا معه، فلما ~~قرب من باب القوم خرجوا إليه حفاة إعظاما له، فلما رآهم قال: ما فعل سعيد؟ ~~قالوا: مات، قال: جيد وما أظن ذلك، فإيش عملتم به؟ قالوا: دفناه. قال: ~~أحسنتم. ثم انصرف. # PageV01P074 # لما مات سليمان بن وهب لقي الناس عبيد الله بن سليمان يعزونه، فأتاه بعض ~~أولاد الأشراف؛ فقال: مات سليمان؟ قال: نعم! وقال: ومات أبو علي قبله؟ قال: ~~نعم! قال: ومات أبوهما؟ قال: نعم! قال: هذا كما قال الله تعالى: " وإن منكم ~~إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا "؛ " فأوردهم النار "، " وبئس القرار ". ### | بنو وهب من الظرفاء والكتاب # وبنو وهب من ظرفاء الكتاب وأدبائهم، ولهم الرسائل الحسان، والشعر الجيد، ~~وفيهم يقول أبو تمام: # كل شعب كنتم به آل وهب ... فهو شعبي وشعب كل أديب # إن قلبي لكم كالكبد الحر ... رى وقلبي لغيركم كالقلوب # وكان الحسن بن وهب يهوى بنان جارية ابن حماد، وكان من ظريف أخباره معها: ~~أن الواثق تقدم إلى إيتاخ باتخاذ حلتين من رفيع الوشي على صفة دفعها إليه ~~وأمره بتعجيلهما؛ فتقدم إيتاخ في ذلك إلى سليمان بن وبه كاتبه، فجد في ~~الحلتين حتى فرغ منهما الصانع وأحضرتا، فعرضتا على الواثق فاستحسنهما وأمر ~~بقطعهما، فتشاغل عن قطعهما، وسأل أخاه ms137 الحسن بالنيابة عنه في ذلك، فقطع ~~الحسن منهما قميصا لبنان وانصرف إلى منزله فأحضرها وخلعه عليها وجلس يشرب ~~معها. واتصل الخبر بسليمان، فقامت عليه القيامة وأمر بإحضار الوشائين وطلب ~~شكلا لهما فتعذر عليه، فابتاع حلة تقاربهما بخمسة آلاف درهم وصدق إيتاخ عن ~~خبره، فطلبهما الواثق فدافعه إيتاخ بهما، وتعلل عليه إلى أن فرغ الخياطون ~~من الحلة التي ابتاعها سليمان بن وهب، وأحضرت للواثق، فلما لبسها أنكرها، ~~ودعا إيتاخ فسأله عن السبب فصدقه، فضحك ضحكا كثيرا، ودعا خادما فأمره ~~بإحضار الحس وبنان على الصورة التي يجدهما عليها، فأحضرهما في قبة، فلما ~~رآهما الواثق قال للحسن: ويلك تأخذ ثوبي تقطعه لهذي بغير أمري؛ قال: أنت يا ~~أمير المؤمنين تقدر على مثله، وأنا لا أقدر عليه، وأنا والله أحبها وأعجبني ~~الثوب فتقربت منها به. فضحك ووصله وصرفهما. # وفيها يقول الحسن: # أقول وقد حاولت تقبيل كفها ... وبي رعدة أهتز منها وأسكن # ليهنئك أني أشجع الناس كلهم ... لدى الحرب إلا أنني عنك أجبن # وحضرت عنده يوما وقرب منها نارا فتأذت منها؛ فقال الحسن: # بأبي كرهت النار حتى أبعدت ... فعلمت ما معناك في إبعادها # هي ضرة لك في التماع بهائها ... وهبوب نفحتها لدى إيقادها # وأرى صنيعك في القلوب صنيعها ... بسيالها وأراكها وعرادها # شركتك في كل الأمور بفعلها ... وضيائها وصلاحها وفسادها # قال أبو فراس: قال لي عبيد الله بن سليمان بن وهب وهو وزير: أنشدني مما ~~تحفظه من شعر عمي أبي علي فأنشدته: # بنفسي وأهلي ساحر الطرف فاتره ... محكمة أجفانه ومحاجره # فقال عبيد الله: لقد كان رحمه الله كثيرا ما يضع خده على خدي وأنا غلام ~~وينشد هذا الشعر ويبكي. فقلت: يا سيدي، كان يتعشقها ليقول شعرا. ومن طبع ~~كلامه قوله: شربت البارحة على وجه الجوزاء، فلما انتبه الفجر نمت، فما أفقت ~~حتى لفحني قميص الشمس. ### | تضمين أبيات مالك بن الريب # وأنشدونا في تضمين أبيات مالك بن الريب المازني في قصيدته: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بذات الغضا أزجي القلاص النواجيا # وسمعت من ينشدها لابن الرومي ms138 وأخلق بها أن تكون له: # تعرض لي بعد القطيعة مالكي ... وأظهر فضلا بعد ما كان جافيا # وقد كدر الإنبات ماء شبابه ... فأصبح رنقا بعد ما كان صافيا # فقلت له جرعت بالشعر نسوة ... فقال أجل كل العيال رثى ليا # فمنهن أختي وابنتاها وخالتي ... وباكية أخرى تهيج البواكيا # فبينا يعاطيني الكلام بدا له ... حريفان عن بعد فصاح مناديا # خذاني فجراني بدمعي إليكما ... فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا ### | معاوية بن مروان وحمار الرحى # PageV01P075 # كان معاوية بن مروان أخو عبد الملك بن مروان مغفلا؛ فبينا هو واقف بباب ~~دمشق ينتظر عبد الملك على باب طحان إذ نظر إلى حمار يدور بالرحى، وفي عنقه ~~جلجل. فقال للطحان: لم جعلت في عنق الحمار جلجلا. قال: لربما أدركتني سآمة ~~أو نعسة، فإذا لم أسمع صوت الجلجل علمت بأنه قد قام فصحت به. فقال له ~~معاوية: أرأيت إن قام ومال برأسه هكذا وهكذا وحرك رأسه ما علمك أنه قائم؟ ~~فقال الطحان: ومن لحماري بمثل عقل الأمير أعزه الله تعالى! ### | في مرض الجاحظ # قال بعض البرامكة: كنت بالسند، فاتصل بي أني صرفت عنها، وكنت كسبت ثلاثين ~~ألف دينار؛ فخفت أن يجفوني الصارف ويسعى إليه بالمال، فصغته عشرة آلاف ~~إهليلجة، كل إهليلجة ثلاثة مثاقيل، وجعلتها في حمل إهليلج، ولم أبعد أن جاء ~~الصارف، فركبت البحر وانحدرت إلى البصرة؛ فأخبرت أن بها الجاحظ وأنه عليل؛ ~~فأحببت أن أراه قبل وفاته؛ فصرت إليه، فأفضيت إلى باب دار لطيف؛ فقرعته، ~~فخرجت إلي جارية صفراء، فقالت: من أنت؟ قلت: شيخ غريب؛ أحب أن أدخل إلى ~~الشيخ فأسر بالنظر إليه؛ فأدت الجارية ما قلت، وكانت المسافة قريبة لقصر ~~الدهليز والحجرة؛ فسمعته يقول: ما يصنع بشق مائل ولعاب سائل ولون حائل؟ ~~فأخبرتني، فقلت: لا بد من الوصول إليه. فقال: هذا رجل اجتاز بالبصرة، فسمع ~~بي وبعلتي، فقال: أراه قبل موته لأقول قد رأيت الجاحظ. # فدخلت فسلمت، فرد ردا جميلا، واستدناني وقال: من تكون أعزك الله؟ فانتسبت ~~إليه، فقال: رحم الله آباءك وقومك السمحاء الأجواد، الفصحاء ms139 الأمجاد، فلقد ~~كانت أيامهم روض الأزمنة، ولقد انجبر بهم قوم كثير، فسقيا لهم ورعيا. فدعوت ~~له وقلت: أنا أسأل الشيخ أن ينشدني شيئا من ألذ الشعر أذكره به، فأنشدني: # لئن قدمت قبلي رجال لطالما ... مشيت على رسلي فكنت المقدما # ولكن رأيت الدهر تأتي صروفه ... فتبرم منقوضا وتنفض مبرما # ثم نهضت، فلما قاربت الدهليز صاح بي: يا فتى، أرأيت مفلوجا ينفعه ~~الإهليلج؟ قلت: لا! قال: أنا ينفعني الإهليلج الذي معك فأهد لنا منه. فقلت: ~~السمع والطاعة. وخرجت مفرط التعجب من وقوفه على خبري حتى كأن بعض أحبابي ~~كاتبه بحالي وقت أن صغته، فأنفذت إليه مائة إهليلجة. # وهذا يدل على كثرة بحثه وتنقيره؛ إذ كان وهو في هذه السن العالية والفالج ~~الشديد تنشر عنده الأخبار، ولا تطوى عنه الأسرار، فكيف كان قبل هذا؟ ومن ~~إحدى عجائبه أنه ألف كتاب الحيوان وهو على تلك الحال. # وقيل لأبي العيناء: ليت شعري؛ أي شيء كان الجاحظ يحسن؟ فقال: ليت شعري أي ~~شيء كان الجاحظ لا يحسن؟ وفيه يقول الشاعر: # ولقد رأيت العلم يو ... ما ما حواه اللافظ # حتى أقام طريقه ... عمرو بن بحر الجاحظ # وأتى أبو العيناء الجاحظ يسأله في رجل أن يكتب له كتاب عناية إلى صاحب ~~البصرة. فقال: نعم! لا تنصرف إلا به، وكتب له الجاحظ الكتاب وختمه ودفعه ~~إليه، فأتى إلى أبي العيناء بالكتاب؛ فقال: افضضه واقرأه علي؛ لأرى ما كتب ~~وأعيده إليه ليختمه، ففتحه فإذا فيه: كتابي إليك سألني فيه من أخافه لمن لا ~~أعرفهن فافعل في أمره ما تراه، والسلام. فغضب ونهض إلى الجاحظ، فقال: أعرفك ~~باعتنائي بهذا الرجل فكتبت له مثل هذا! فقال: لا تنكر ذلك فإنها أمارة بيني ~~وبينه إذا عنيت برجل. فقال: بل أنت ولد زنا لم تك قط لرشدة. قال: أتشتمني؟ ~~قال: لا، إنها أمارة لي عند الثناء على إنسان. ### | ومن نوادر المتنبئين # ادعى رجل النبوة في زمن المهدي وأدخل عليه. فقال: أنت نبي؟ قال: نعم! ~~قال: إلى من بعثت. قال: أوتركتموني أن أبعث إلى أحد؟ ms140 بعثت بالغداة وحبست ~~بالعشي. فقال: صدقت، أعجلناك! وضحك منه ووصله وأطلقه. ### | طمع أشعب # قيل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما رأيت عروسا تزف إلا وظننتها لي، ولا ~~رأيت جنازة إلا وظننت أن صاحبها أوصى لي بشيء. ولقد أطاف بي مرة صبيان ~~فنادوا: يا أشعب! يا أشعب! فأضجروني، فدفعتهم عني بأن قلت لهم: دار فلان ~~تهب، فبادروا. فلما ولوا ظننت أني صادق، فتبعتهم. ### | من نوادر الولاة # PageV01P076 # قال الشافعي: رأيت بالعراق أربعة أشياء لم أر مثلها؛ رأيت جدة بنت إحدى ~~وعشرين سنة، ورأيت قلنسوة قاض وسعت ثمانية نوى، ورأيت شيخا ابن نيف وتسعين ~~سنة يمشي على القيان يعلمهن الغناء وضرب العود، وإذا صلى صلى قاعدا، ورأيت ~~واليا سأل بعض من يلم به: لم لا يجتمع الناس على بابي؟ فقال: لأنك عدل لا ~~تضرب أحدا؛ فوجه إلى إمام مسجد الجامع، فأمر بضربه بالسياط؛ فاجتمع الناس ~~على بابه وأقبلوا يتزاحمون، والرجل يقول: ما ذنبي، أيها الأمير؟ والأمير ~~يقول له: جملني بنفسك قليلا يا شيخ. # وولى الحجاج أعرابيا على تبالة فجمع أهلها وقال: إن الأمير أوصاني عليكم؛ ~~ووالله لا أحسن أن أقضي بين خصمين مرتين، وواله لا أوتى بظالم ولا مظلوم ~~إلا وضربته حتى أقتله، فتناصف الناس بينهم. ### | من ملح أبي الأسود # قال المدائني: كان لأبي الأسود الدؤلي دكان إلى صدر الرجل يجلس فيه وحده، ~~ويضع بين يديه مائدة ويدعو إليها كل من يمر به، وليس لأحد أن يجلس؛ ~~فينصرفون عنه. # وكان أبخل الناس، فمر به صبي من الأنصار؛ فقال له أبو الأسود: هلم إلى ~~الغداء يا فتى؛ فأتى إليه، فلم ير موضعا يجلس فيه، فتناول المائدة فوضعها ~~في الأرض ثم قال: يا أبا الأسود، إن كان لك في الغداء حاجة فانزل؛ وأقبل ~~الفتى يأكل حتى أتى على جميع ما في المائدة، وسقطت آخر الطعام من يده لقمة ~~على الأرض فأخذها وقال: لا أدعها للشيطان. فقال أبو الأسود: والله ما تدعها ~~للملائكة المقربين، فكيف تدعها للشياطين! ثم قال له: ما اسمك؟ قال: لقمان. ~~فقال ms141 أبو الأسود: أهلك كانوا أعلم زمانهم إذ سموك بهذا الاسم، ولم يعد بعد ~~إلى ما كان يصنع. # واسم أبي الأسود ظالم بن عمرو من بني الدئل من كنانة، وكان قد أدرك حياة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وسافر إلى البصرة على عهد عمر رضي الله عنه، ~~واستعمله علي بن أبي طالب رضي الله عنه على البصرة وكان شيعيا، وهو أول من ~~وضع العربية وهو القائل: # أمنت على السر امرءا غير حازم ... ولكنه في الود غير مريب # أذاع به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نار آذنت بثقوب # وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤت نصحه بلبيب # ولكن متى ما جمعا عند واحد ... فحق له من طاعة بنصيب # وكان مجاورا لبني قشير وهم عثمانية وكانوا يرجمونه، فإذا أصبح شكاهم؛ ~~فيقولون: ما نحن رجمناك، الله تعالى رجمك. فيقول: كذبتم يا فعلاء، أنتم ~~ترمون فتخطئون ولو كان الله رماني ما أخطأني؛ ثم باع داره وانتقل عنهم. ~~فقيل له: أبعت دارك؟ فقال: بل بعت جاري، وفيهم يقول: # يقول الأرذلون بنو قشير ... طوال الدهر ما تنسى عليا # أحب محمدا حبا شديدا ... وعباسا وحمزة والوصيا # فإن يك حبهم رشدا أصبه ... ولست بمخطىء إن كان غيا # فقالوا له: أشككت؟ فقال: مما شك الله تعالى إذ يقول: " وإنا أو إياكم ~~لعلى هدى أو في ضلال مبين ". # وقال عمر بن شبة: لما وقعت الفتنة أيام ابن الزبير بالبصرة مر أبو الأسود ~~على مجلس ابن قشير، فقال: على ماذا أجمع أمركم في هذه الفتنة؟ قالوا: لم ~~تسألنا يا أبا الأسود؟ قال: لأخالفكم، فإن الله لم يجمعكم على حق. # وأنشد ابن شبة في هذا المعنى لبعض المحدثين: # إذا أشبه الأمران يوما وأشكلا ... علي فلم أعرف صوابا ولم أدر # سألت أبا بكر خليل محمد ... فقلت له ما تستحب من الأمر؟ # فإن قال قولا قلت شيئا خلافه ... لأن خلاف الحق قول أبي بكر ### | رسالة أبي العيناء في أحمد بن الخصيب # ومن هنا أخذ أبو العيناء قوله في أحمد بن الخصيب: لو تأمل ms142 أحد أخلاقه ~~فاجتنبها لاستغنى عن الآداب يطلبها. # PageV01P077 # وهذا مما يقرأه أبو العيناء في كلام طويل عمله على ألسنة القواد والكتاب ~~والرؤساء وغيرهم لما نكب أحمد. فقال: قال محمد بن عبد الله بن طاهر: غدر ~~بمن آثرهن وتخطى ما لا يقدره، فحل به ما يحذره. وقال ابن طالون: تكبر وتجبر ~~ودبر فدمر. وقال موسى بن بغا الكبير: لولا أن القدر يغشى البصر لما نهى ابن ~~الخصيب فينا ولا أمر. وقال فارس بن بغا: لم تتم له نعمة، لأنه لم تكن له في ~~الخير همة. وقال سليمان بن يحيى بن معاذ: كان يأمر ولا يأتمر، وينهى ولا ~~يزدجر، ويعبر ولا يعتبر. وقال جعفر أبو عبد الواحد: أحسن حسناته سيئة وأصغر ~~سيئاته كبيرة. # PageV01P078 # وقال مروان بن عيسى بن جعفر الهاشمي: كانت دولته دولة المجانين، خرجت من ~~الدنيا والدين. وقال أبو عبد الله محمد بن زبيدة: بعد من الشرف؛ فتحامل ~~عليه؛ وقرب من ضده فمال إليه. وقال إسحاق بن إبراهيم الطاهري: كان إذا دنوت ~~منه غرك، وإذا بعدت عنه ضرك. وقال داود بن إسحاق بن محمد بن العباس: ما ~~أحسن قط إلا أخطأ، ولا أصاب إلا تعدى. وقال ابن أيوب: نعمته أعجب من نكبته. ~~وقال ميمون بن إبراهيم: لو تأمل أحد أخلاقه فاجتنبها لاستغنى عن الآداب أن ~~يطلبها. وقال الحسن بن محمد بن أبي الشوارب القاضي: كان يحسد المحسنين ~~ويجتنب أفعالهم، ويذم المسيئين ويعمل أعمالهم. وقال عيسى بن فرخان شاه: ~~أعقل منه مجنون، وأجن منه لا يكون. وقال برد الخيار: ما كان أقرب وليه مما ~~يكره وعدوه مما يحب! وقال ابن حمدون: لئن منحته القدرة لقد حملته النكبة. ~~وقال أحمد بن أبي الأصبغ: ما علمت أن خدمة الشياطين أيسر من خدمة المجانين؛ ~~كان غضبه إذا أطعناه أكثر من غضبه إذا عصيناه. وقال إبراهيم بن رباح: كان ~~لا يفهم ولا يفهم، وينقض ما يبرم. وقال سعيد بن حميد: كان يخافه الناصح ~~ويأمنه الغاش، ولا يبالي أن يراه الله مسيئا. وقال جعفر بن الفضل ~~الجرجرائي: ما ms143 زال يستوحش من النعمة حتى أنس بالنقمة. وقال إبراهيم بن ~~الجراح: كان إذا أحسن اعتذر، وإذا أساء امتن. وقال محمد بن مجمع: مجامعه ~~ردية وأوانيه دنية، ضاعت بينهما الرعية. وقال عبد الله بن منصور: كنت أرثي ~~للسلطان في قربه، كما أرثي للأمة من ظلمه. وقال إبراهيم بن المدبر: لئن كان ~~حكمه بالخطإ نافذا، لقد اصبح الحكم فيه بالصواب ماضيا. وقال عطية الكاتب: ~~قد عرف غب ما صنع وما حصد إلا ما زرع. وقال سلمة بن سعيد: عرف نصيحتي ~~فعاداني واجتهادي فنافاني. وقال ابن فراشة: كنت إذا نصحته زناني، وإذا ~~أخشنته مناني. وقال محمد بن داود التستري: كان لا يرى درهما في يد سواه إلا ~~حسبه حقا له تخطاه. وقال أيوب بن سليمان: كان لا يعلم ولا يتعلم ويستصغر من ~~يتعلم. وقال يعقوب بن أحمد: كان وليه على وجل وعدوه على أمل. وقال ابن ~~ثوابة الكاتب: أساء عشرة الأحرار فأصبح مقفر الديار. وقال عريب: لم يجاور ~~النعمة بالشكر فحل به ما استحقه بالكفر. وقال شاربه: ما أنور بفقده الأيام ~~وأسر بهلاكه الإسلام! وقال محمد بن الزيات: قال المعتصم: لسان بذيء وخلق ~~رديء وطبع مسيء. وقال سعيد بن هارون: لقد رحم الله عباده إذ طهر منه بلاده. ~~وقال سليمان بن بشار: اشتد طغيانه فبعدت أوطانه. وقال ميمون بن هارون: كتب ~~الله له البلاء صراحا فأنبت له كالنملة جناحا. وقال سليمان بن وهب: كان ~~سفلة المحضر، سيىء المنظر، رديء المخبر. وقال حجاج بن هارون: والله ما كان ~~له في الشرف أسباب متان، ولا في الخير عادات حسان. وقال بعض الندماء: ما ~~رأيته سمى على طعام قط، ولا استثنى في يمين، ولا حمد الله على نعمة. وقال ~~تمام بن كثير الهاشمي نديم المتوكل من ولد الحارث بن العباس: كان البذاء ~~عنده عادة، والسخف مروءة، وقذف المحصنات فرض. وقال سعيد الصغير: حمل حتفه ~~بكفه ورمى نفسه بسهمه. وقال صالح الحريري: لا يسعى إليه حر وإن مسه الضر. ~~وقال إسحاق بن صالح بن مرشد: تعرض لسخط ms144 الله فأصبح في لعنة الله. وقال أبو ~~الفرج بن نجاح: ما سمعته قط إلا زاريا على الزمان، عاتبا على الإخوان، آمنا ~~من الحدثان. وقال محمد بن نصر بن منصور بن بسام: صار سلطان البغي إليه فحلت ~~دائرة السوء عليه. وقال أحمد بن عبد الرحمن الكلبي: جهله عامر الغفلة، ~~وسفهه قاهر الحملة. وقال إبراهيم بن سعيد: إن من عجائب الدهر أن يكون له في ~~الأمة نهي أو أمر. وقال نمرة الرائض: لو كان ابن الخصيب دابة لكدح بلجامه، ~~وتقاعس في عنانه، وحرن في ميدانه. وقال ابن مزينة: كنت إذا وقع شعره على ~~صدري أحسست النقصان في عقلي. وقال أبو عبد الله الصفار: ما أكثر خطإ ابن ~~الخصيب، وأحوجه إلى ما نحن فيه حتى يصيب. وقال بعض كتابه: كنت أرى قلم ابن ~~الخصيب يكتب بما لا يصيب وهو أطول من هذا. ### | الكلمات التي قيلت بعد وفاة الإسكندر # وهذا ضد هذه الكلمات التي قيلت بعد وفاة الإسكندر نبه بها حكماء زمانه، ~~اخترت منها هنا قطعة: # PageV01P079 # لما جعل في تابوت ذهب تقدم إليه أحدهم فقال: كان الإسكندر يخبأ الذهب فقد ~~صار الذهب الآن يخبؤه. وقال الآخر: انظر إلى حلم النائم كيف انقضى وإلى ظل ~~الغمام كيف انجلى. ودخل عليه آخر فقال: قد أمات هذا الميت كثيرا من الناس ~~لئلا يموت، وقد مات الآن. وتقدم آخر فقال: ما لك لا تقل عضوا من أعضائك، ~~وقد كنت تستقل بملك العباد. ودخل آخر فقال: ما لك لا ترغب بنفسك عن الجحر ~~الضيق، وقد كنت ترغب بها عن رحب البلاد! ودخل آخر فقال: كان لا يقدر عنده ~~على الكلام، فالآن لا يقدر عنده على السكوت. وقال آخر: كان غالبا فصار ~~مغلوبا، وآكلا فصار مأكولا. وقال آخر: ما كان أقبح إفراطك في التجبر أمس مع ~~شدة خضوعك اليوم. وقالت بنت دارا بن دارا: ما ظننت غالب أبي يغلب. وقال ~~رئيس الطباخين: نضدت النضائد، وألقيت الوسائد، ونصبت الموائد، ولست أرى ~~عميد القوم. وقال آخر: حركنا الملك يسكونه. وقال آخر: كان ms145 الملك أمس أنطق ~~منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس. # أخذ قوله: حركنا بسكونه أبو إسحاق بن القاسم أبو العتاهية، فقال: # يا علي بن ثابت بان مني ... صاحب جل قدره يوم بنتا # قد لعمري حكيت لي غصص المو ... ت وحركتني لها وسكنتا # وأخذ قوله الآخر فقال: # كفى حزنا بموتك ثم إني ... نفضت تراب قبرك عن يديا # وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا ### | أحمد بن الخصيب وبعض أخباره # وكان أحمد بن الخصيب القائم بأمر المنتصر بعد قتله أباه المتوكل ~~واستيلائه على الخلافة، فلما مات المنتصر أقره المستعين أحمد بن المعتصم ~~على ما كان، ولم يطل عمر المنتصر بعد أبيه. # ومن عجائب الاتفاقات ما حكاه بعض أصحاب التواريخ: أن المنتصر لما أصبح في ~~الخلافة وجلس للبيعة، فرش في الدار بساط جليل كسروي، فوقف أحد رجال المنتصر ~~على بعض صنائعه، وقد نظر إلى دارة فيها صورة رجل ميت مسجى على سريره، ~~وقدامه ملك منتصب على سرير الملك، على رأسه التاج، والمرازبة قيام بين ~~يديه، وعلى رأسه سطور بالفارسية؛ فلما نظر الرجل إلى الصورة وقرأ ما عليها ~~دمعت عيناه، فدعا به وقال له: ما هذا الذي تنظر إليه؟ قال: لا شيء يا أمير ~~المؤمنين. قال: فلم بكيت؟ قال: طرفت عيني بثوبي. قال: لا بد من الصدق عما ~~رأيت. قال: وقعت عيني يا أمير المؤمنين على هذه الصورة، فبقيت أعجب من حسن ~~تصويرها، ثم قرأت ما عليها مكتوب فإذا هو: هذه صورة شيرويه بن كسرى قتل ~~أباه فلم يعش بعده إلا تسعة شهور. # فانخذل المنتصر ووجم، ولم يعش إلا هذا القدر، فأقام أحمد بن الخصيب مع ~~المستعين على ما كان عليه. وكانت حال أوتامش التركي قد توافت في أيام ~~المستعين فاستخف به ابن الخصيب، وجاءه بعض كتابه فأسمعه ما كره فجاء إلى ~~صاحبه فعرفه ما جرى، فكرب إلى المستعين، فحمله إلى مكروهه، فأمر بهدم داره ~~واستصفاء أمواله وبعثه إلى أقريطش. # وكان ابن الخصيب غبيا جاهلا. قال إبراهيم بن المدبر: كنت يوما ms146 عنده فقدم ~~الطعام وفيه هليون فأكب عليه، فقلت: أراك راغبا في الهليون، فقال: بلغني ~~أنه يزيد في السهاد، ويؤيد في الباه، ثم جلسنا للشرب فغنت بعض القيان: # إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا # يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا # فقال: هذا الشعر لأبي. فقلت: قاتل الله جريرا ما كان أسرقه لشعر أبيك! ~~وماتت له بنية، فخرج إلى جلسائه يعصر عينيه، وقال: قد قلت في هذه الصبية: # غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا # فقال له بعض جلسائه: أعز الله الوزير هذا مشهور في شعر جرير. فقال: لعله ~~وافقه. # PageV01P080 # وكان كاتب أوتامش شجاع بن القاسم، وابن الخصيب عنده سحبان وائل، وكان ~~شجاع أميا لا يقرأ ولا يكتب ولا يفهم، وإنما علم علامات يكتبها في ~~التواقيع. قال الحسن بن مخلد: وصفني محمد بن عبد الله بن طاهر للمستعين ~~وسأله أن يدخلني في جملة من ينادمه؛ فدعاني لمنادمته يوما، فإنا لقعود بين ~~يديه ومعنا أوتامش إذ دخل شجاع بن القاسم ومعه شيء يريد عرضهن فنظرت إليه، ~~وقد أخرج سراويله من خفه، ووقع على قدميه، ودخل تحت عقبه من إحدى رجليه وهو ~~يسحبه ويدوسه، فغمزت محمد بن عبد الله فضحك، ورأى المستعين ذلك؛ فسأله عن ~~سبب ضحكه فدافعه. فقال له: بحياتي. فقال له: سل الحسن يا سيدي، فنظر إلي ~~وقال: هيه يا حسن!! فأومأت إلى سراويل شجاع؛ فضحك حتى استلقى، وقال: ويلك ~~يا شجاع!! ما هذا؟ قال: الساعة يا سيدي داسني كلب فخزقت سراويله وثيابه، ~~فازداد ضحك المستعين وأهل المجلس، وضجر أوتامش من ضحكهم بكاتبه. # وسأل شجاعا بعض الهاشميين حاجة؛ فقال لهم: ليس الأمر فيها إلي وهو للأمير ~~يعني أوتامش وهو يجلس أول من أمس يعني بعد غد. # وكانت جميع أتباع شجاع تخاليط، وجملة كلامه أغاليط. # قال ابن عمار: عملت شعرا رائجيا لا معنى له، وواقفت سعيد بن عبيد على أن ~~يروي الشعر رجلا من الهاشميين، وكان لنا صديقا، وكان ms147 جلدا شهما، على أن ~~ينشده شجاع بن القاسم ويعرفه أنه مدح له، وضمنا له على ذلك ألف درهم. ~~والشعر: # شجاع لجاع كاتب لاتب معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل # خبيص لبيص مستمر مقوم ... كثير أثير ذو شمال مهذب # بليغ لبيغ كلما شئت قلته ... فإن كنت مسكاتا عن القول فاسكت # فطين لطين آمر لك زاجر ... حصيف لصيف كل ذلك يعلم # أريب لبيب فيه فهم وعفة ... عليم بشعر حين أنشد يشهد # كريم حليم قابض متباسط ... إذا جئته يوما إلى البذل يسمح # فوقف إليه. وقال: أيها الوزير؛ ليس العشر من صناعتي، ولكنك أحسنت إلي ~~وإلى أهلي بما أوجب شكرك، فتكلفت أبياتا مدحتك فيها، فتفضل بسماعها. فقال: ~~قد أغناك شرفك وحالك عن الشعر. فقال: لا بد أن يتفضل الأمير بسماعها، فأنشد ~~الأبيات فشكره عليها وسر بها سرورا زائدا؛ ودخل إلى المستعين فأخرج له صلة ~~عشرة آلاف درهم، وأجرى له ألف درهم في كل شهر. فقال لهما الطالبي: أنتما ~~أوصلتما ذلك إلي، والله لا أخذت منكما شيئا، ولولا اتساعكما لوصلتكما بما ~~وصلت به. # وقدم إليه شاعر محسن فقال له: قد سبق إلي من الوزير وعد وتلاه شكر، ~~والوزير حقيق بإنجاز وعده وقبول شكري وأنشده: # أبو حسن يزيد الملك حسنا ... ويصدق في المواعد والمقال # جبان عن مذمة آمليه ... جريء في العطية والنوال # أجل الله في سر وجهر ... فأعطاه المهابة بالجلال # فقال له: وما يدريك أني جبان! ولم يفهم معناه. فقال. أعزك الله، إنما قلت ~~إنك تجبن عن البخل ولا تبخل بشيء، وإلا فأنت شجاع كاسمك. فقال: ما أعطيك ~~على هذا الشعر شيئا، ولكن على ميلك وشكرك، ووقع له بألف دينار، ولو فهم ما ~~قال لجعل مكان الألف ألوفا. # وفي المستعين يقول البحتري من قصيدة طويلة: # وما لحية القصار حين تنفشت ... بجالبة خيرا على من يناسبه # يجوز ابن جلاد على الشعر عنده ... ويغدو شجاع وهو للجهل كاتبه ### | الحسين بن مخلد لم يكن كاتبا ولا منادما # وكان الحسن بن مخلد مضطلعا بأمر الدواوين عالما بالدخل والخرج، ولم ms148 تكن ~~له صناعة في الكتابة ولا استحقاق للمنادمة. # قال أبو الفضل أحمد بن سليمان: جمعني والحسن بن مخلد مجلس فيه أبي، ~~فسألني عن سني فأخبرته وأخبرني عن سنه، فرأيته أكبر مني بعشر سنين. فقلت ~~له: قال لي الزبير بن بكار: كانت العرب تقول العشرة بين المشايخ لدة. فغضب ~~وظن أني قد شتمته، والتفت إلى أبي فقال: يا أبا أيوب، ليس كل من علم شيئا ~~من العربية يطلق لسانه في الناس بالشتم. فقال له أبي: إنه لم يرد مكروها، ~~وإنما أراد التقرب منك، ومعنى لدة ترب؛ فلم يسكن إلى أن افترقنا. ### | من نوادر أبي الحارث # PageV01P081 # سقط أبو الحارث حمير من سطح؛ فقيل له: أكان السطح مرتفعا؟ قال: لا تسأل ~~عن شيء؟ استطبت برد الهواء قبل الوصول إلى الأرض. # وقال رجل: أشتهي أن أرى خلفي. فجاءه أبو الحارث بمرآة فجعلها تلقاء وجهه. # وتشهى قوم ضروبا من الطعام. فقالوا: ما تشتهي يا أبا الحارث؟ فقال: ~~الوفاء بهذا. # وأكل يوما مع قوم رؤوسا، فتبادروا إلى الأعين ليقتلعوها فتنحى ناحية. ~~فقالوا: مالك؟ قال: ظننتكم ناسا فإذا أنتم نسور. # وجلس يتغدى مع الرشيد وعيسى بن جعفر فأتي بخوان عليه ثلاثة أرغفة، فأكل ~~أبو الحارث رغيفه قبلهما. وقال: يا غلام، فرسي! ففزع الرشيد وقال: ويلك! ~~مالك؟ قال: أريد أن أركب إلى ذلك الرغيف الذي بين يديك، فضحك الرشيد وأمر ~~له بجائزة. # ومال أبو الحارث على زفر بن الحارث وعنده جوار يغنين وأبو الحارث جائع. ~~فقال: اسقوا أبا الحارث وغنينه ما يقترح. فقال: بحياتي غنين: # خليلي داويتما ظاهرا ... فمن ذا يداوي باطنا # فقال زفر: غنين: # من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب # ونظر أبو الحارث إلى برذون يستسقى عليه الماء فقال: # وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل # لو أن هذا البرذون هملج لما فعل به هذا. # ونصب مع رفقاء له قدرا وجعل فيها لحما. فلما تلهوجت نشل بعضهم قطعة وقال: ~~تحتاج إلى ملح، ونشل آخر قطعة وقال: تحتاج إلى أبزار، ونشل آخر ms149 قطعة وقال: ~~تحتاج إلى بصل، فرفع أبو الحارث القدر وقال: والله تحتاج هذه القدر إلى ~~لحم. ### | طرف متفرقة # وسرق مدني قميصا فبعثه مع ابنه يبيعه، فسرق منه في الطريق، فلما رجع قال ~~أبوه: بعت القميص. قال: نعم! قال: بكم؟ قال: برأس المال. # دعا بعض الملوك بأبي علقمة الممرور وآخر مجنون ليضحك منهما، فشتماه فغضب. ~~وقال: السياط يا جلادين. فقالا: كنا مجنونين فصرنا ثلاثة، فضحك وأجزل ~~صلتهما. # وطبخ بعض البخلاء قدرا فقعد هو وامرأته يأكلان. فقال: ما أطيب هذا القدر ~~لولا الزحام! قالت: أي زحام ها هنا إنما أنا وأنت! قال: كنت أحب أن أكون ~~أنا والقدر. ### | أبو الأغر يظن الكلب لصا # نزل شيخ أعرابي من بني نهشل يكنى أبا الأغر على بنت أخت له من قريش ~~بالبصرة، وذلك في شهر رمضان؛ فخرج الناس إلى ضياعهم؛ وخرج النساء يصلين في ~~المسجد، ولم يبق في الدار إلا الإماء؛ فدخل كلب فرأى بيتا فدخله وانصفق ~~الباب، فسمع الإماء الحركة فظنن لصا دخل الدار؛ فذهبت إحداهن إلى أبي الأغر ~~فأخبرته، فأخذ عصا ووقف على باب البيت. فقال: إيها والله! إني بك لعارف، ~~فهل أنت من لصوص بني مازن، وشربت نبيذا حامضا خبيثا حتى إذا دارت الأقداح ~~في رأسك منتك نفسك الأماني، فقلت: أطرق دور بني عمرو، والرجال خلوف، ~~والنساء يصلين في مسجدهن فأسرقهن، سوءة لك! والله ما يفعل هذا حر، بئسما ~~منتك نفسك! فاخرج بالعفو عنك، وإلا دخلت بالعقوبة عليك، وأيم الله لتخرجن ~~أو لأهتفن هتفة يلتقي فيها الحيان عمرو وحنظلة، ويصير زيد زيدا، وتجيء سعد ~~بعدد الحصى وتسيل عليك الرجال من هاهنا وهناها؛ ولئن فعلت لتكونن أشأم ~~مولود في بني تميم. # فلما رأى أنه لا يجيبه أخذه باللين، فقال: اخرج بأبي أنت منصورا مستورا، ~~إني والله ما أراك تعرفني، ولئن عرفتني لوثقت بقولي، واطمأننت إلي، أنا أبو ~~الأغر النهشلي، وأنا خال القوم وجلدة ما بين أعينهم، لا يعصون لي رأيا، ~~وأنا خفير كفيل أجعلك شحمة بين أذني وعاتقي، فاخرج أنت في ذمتي، وإلا ms150 فعندي ~~قوصرتان أهداهما إلي ابن أختي البار الوصول، فخذ إحداهما فانتبذها حلالا من ~~الله ورسوله. وكان الكلب إذا سمع هذا الكلام أطرق، وإذا سكت وثب يريد ~~الخروج، فتهافت أبو الأغر ثم قال: يا ألأم الناس، أراني بك الليلة في واد ~~وأنت في آخر، وأنت في داري أقلب البيضاء والصفراء، فتصيح وتطرق، وإذا سكت ~~عنك وثبت تريد الخروج، والله لتخرجن أو لألجن عليك. # فلما طال وقوفه جاءت جارية وقالت: أعرابي مجنون! والله ما أرى في البيت ~~أحدا، ودفعت الباب، فخرج الكلب مبادرا، ووقع أبو الأغر مستلقيان فقلن له: ~~قم ويحك! فإنه كلب. فقال: الحمد لله الذي مسخه كلبا وكفى العرب حربا. ### | أبو حية النميري يتوهم البرذون لصا # PageV01P082 # وقد روى ابن قتيبة وغيره هذا المقام لأبي حية النميري، واسمه الهيثم بن ~~الربيع، وعليه عول أبو علي محمد بن الحسن المظفر الحاتمي في الحكاية التي ~~وضعها على أستاذه علي بن هارون وأتى فيها بكل مليحة نادرة. وزعم أنه أحس حس ~~برذون في إصطبله فراعه وتوهمه لصا وهي طويلة في نحو أربعة أجلاد وقال في ~~أولها: هذه حكاية أبي الحسن علي بن هارون مع اللص الذي تخيل أنه دخل داره، ~~أخبرني بها أبو القاسم القنطري وغيره من حاشية أبي الحسن، ولفظ بعضهم يزيد ~~على بعض؛ فجمعت الروايات على اختلافها، ونظمت شتيتها، وهذبت العبارة عنها، ~~وأوردت المعاني مكسوة من النثر الرائع، والتشبيه الواقع، مما يطرب سامعه، ~~ويروق متصفحه؛ ليكون وروده أغرب وحفظه أقرب. ونحلت أبا الحسن وجماعة ولده ~~قطعا من بارع الشعر، تناسب قطع الرياض بنت القطر، صنعتها على ألسنتهم، ~~ونسبتها إلى ارتجازاتهم، وتمثلت عنهم بفقر من أشعار العرب أسميت قائلها؛ ~~لئلا تلتبس بما اختصصت في نظمه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه ~~أنيب. # وقال في آخرها: لقد كان في نبأ هذه الكريمة تبصرة لمستبصر، وتذكرة ~~لمتذكر. هذا ولم تقترح فيها الأقران، ولا تنازلت فيها الفرسان، ولا استبهمت ~~فيها البهم، ولا أريق فيها ملء محجم دم؛ وإنما هو تخييل جبان، وتسويل جنان. ~~ولقد عزونا ms151 إلى هذه الطائفة من التشبيهات الباهرة والأمثال النادرة ما يبعد ~~جدا عن مثلها؛ وإنما بعثنا على ذلك أشر الشبيبة، ومرح الصبا، ولين الغصن، ~~وفضل القدرة، واستجابة لما تدعيه من أفانين الكلام؛ ونستغفر الله من فضول ~~العمل. ### | من شعر أبي حية النميري # وأبو حية النميري من أحسن الناس شعرا وأرقهم فيه طبعا، على لوثة كانت به؛ ~~وهو القائل: # ألا أيها الربع القواء ألا انطق ... سقتك الغوادي من أهاضيب فوق # مرابيع وسمي تسوق نشاطه ... جرار الصبا في العارض المتألق # وما أنت إلا ما أرى بعد ما أرى ... يد الحي في زي بعيني مونق # غراب ينادي يوم لا القلب عقله ... صحيح ولا الشعب الذي انصاع ملتقي # جزيت غراب البين شرا لطالما ... شقيت بتحجال الغراب المنعق # ورقراقة تفتر عن متبسم ... كنور الأقاحي طيب المتذوق # إذا امتضغت بعد امتناع من الضحى ... أنابيب من عود الأراك المخلق # سقت شعث المسواك ماء غمامة ... فضيضا بخرطوم العراق المصفق # فإن ذقت فاها بعدما سقط الندى ... بعطفي بخنداة رداح المنطق # شممت العرار الغض غب هميمة ... ونور الأقاحي في الندى المترقرق # شرقت بريا عارضيها كأنما ... شرقت بدار ... العراق المعتق # هذا شعر ظريف الصنعة حسن الوشي والسبك؛ وقد ملح ما شاء في وصف الثغر وطيب ~~النكهة، وهو معنى حسن جميل. ### | أحسن ما قيل في وصف الثغر # قال أبو العباس بن الفرج الرياشي سمعت الأصمعي يقول: أحسن ما قيل في وصف ~~الثغر قول ذي الرمة: # وتجلو بفرع من أراك كأنه ... من العنبر الهندي والمسك يصبح # ذرى أقحوان واجه الليل وارتقى ... إليه الندى من راحة المتروح # هجان الثنايا مغرب لو تبسمت ... لأخرس عنه كاد بالقول يفصح # وكتب كشاجم إلى بعض القينات وأهدى إليها سواكا: # قد بعثناه لكي تجلي به ... واضحا كاللؤلؤ الرطب الأغر # طاب منه العرف حتى خلته ... كان من ريقك يسقى في الشجر # ليتني المهدى فيروي عطشي ... برد أنيابك في كل سحر # وأما والله لو يعلم ما ... حظه منك لأثنى وشكر # وقد أحسن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر إذ يقول: # وإذا ms152 سألتك رشف ريقك قلت لي ... أخشى عقوبة مالك الأملاك # ماذا عليك دفعت قبلك للثرى ... من أن أكون خليفة المسواك # أيجوز عندك أن يكون متيم ... صب بحبك دون عود أراك # وقال ابن الرومي: # ألا طالما سؤت الغيور ساءني ... وبات كلانا من أخيه على وحر # PageV01P083 # وقبلت أفواها عذابا كأنها ... ينابيع خمر حصبت لؤلؤ البحر # وقال: # تعلك ريقا يطرد النوم برده ... ويشفي القلوب الحائمات الصواديا # وهل ثغب حصباؤه مثل ثغرها ... يصادف إلا طيب الطعم صافيا # وقال: # وما تعتريها علة بشرية ... من النوم إلا أنها تتخثر # كذلك أنفاس الرياض بسحرة ... تطيب وأنفاس الورى تتغير # وقال ابن المعتز: # بأبي حبيب كنت أعهده ... لي واصلا فازور جانبه # عبق الكلام كمسكة نفحت ... من فيه ترضي من يعاتبه # وقال العطري: # ذات خدين ناعمين ضني ... نين بما فيهما من التفاح # وثنايا وريقة كغدير ... من عقار وروضة من أقاح ### | طرف وملح متفرقة # أكل الحجاج مع رجل بيضا، فأقبل يأكل المح ويرمي إليه بالبياض؛ فقال ~~الرجل: أيها الأمير؛ عدل العجة. # وكان بعض الأكاسرة يتطير، فلقيه رجل أعور، فأمر بحبسه، فأقام مدة ثم ~~أطلقه فتعرض له فقال: لم حبستني؟ قال: تشاءمت بك. قال: فأنت أشأم مني؛ خرجت ~~من قصرك فلقيتني فلم تر إلا خيرا؛ وخرجت أنا فلقيتك فحبستني. فقال الملك: ~~صدق وأمر له بصلة. # قال رجل لأحدب: لئن رفستك لأقيمن حدبتك! قال: إنك إذا لعظيم البركة علي. # قال الفضل اليزيدي: كان محمد بن نصر بن منصور بن بسام أشد الناس همة وآلة ~~وغناء، وكان ناقص الأدب، وكنت أختلف إلى ولده علي يقرأ علي الشعر؛ فدخلت ~~يوما وهو يشرب وعنده عبد الله بن محمد بن إسحاق، وكان مثله في الجهل، وقد ~~مدت الستارة فغنت القينة: # ألا حي الديار بسعد إني ... أحب لحب من سكن الديارا # أراد الظاعنون ليحزنوني ... فهاجوا صدع قلبي فاستطارا # فقال عبد الله بن محمد بن إسحاق لمحمد: لولا جهل الأعراب ما جرى ذكر ~~السعد هاهنا. فقال له محمد: لا تفعل، فإنه يقوي معدهم ويصلح أسنانهم. # وكان علي بن محمد مليح ms153 المقطعات، حلو الشعر، خبيث الهجاء، وليس له حظ في ~~التطويل، إنما يسنح له المعنى، فإذا أراد أن يركب عليه معنى آخر استهدم ~~بناؤه، وهو القائل في أبي يحيى المنجم يرثيه: # قد زرت قبرك يا علي مسلما ... ولك الزيارة من أقل الواجب # ولو استطعت حملت عنك ترابه ... فلطالما عني حملت نوائبي # ودمي فلو أني علمت بأنه ... يسقي ثراك سقاه صوب الصائب # لسكبته أسفا عليك وحسرة ... وجعلت ذاك مكان دمع ساكب # ولئن ذهبت بملء قبرك سؤددا ... لجميل ما أبقيت ليس بذاهب # وقد أنشد هذه الأبيات أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري لغيره. وقال: # كم قد قطعت إليك من ديمومة ... نطف المياه بها سواد الناظر # في ليلة فيها السماء مرذة ... سوداء مظلمة كقلب الكافر # وقال في جحظة البرمكي: # يا من هجوناه فغنانا ... أنت، وبيت الله، أهجانا # سيان إن غنى لنا جحظة ... أو مر مجنون بنا فزنانا # وقال في المعتضد وقد ختن ولده: # انصرف الناس من ختان ... يرعون من جوعهم خزامى # فقلت لا تعجبوا لهذا ... فهكذا تختن اليتامى # وقال يستطرد بالمعتضد: # وعدت بوعد فأخلفته ... وما كان ضرك ألا تعد # تحب الثناء وتأبى العطاء ... وما تم ذلك للمعتضد # وقال في العباس بن الحسن لما ولي الوزارة: # وزارة العباس من نحسها ... تستقلع الدولة من أسها # شبهته حين بدا مقبلا ... في خلع يخجل من لبسها # خازنة الكسوة قد قدرت ... ثياب مولاها على نفسها # وقال ابن بسام في أبيه، وكان مولعا بهجائه: # خبيصة تعقد من سكره ... وبرمة تطبخ من قنبره # عند فتى أسمح من حاتم ... يطبخ قدرين على مجمره # وليس ذا في كل أوقاته ... لكنه في الدعوة المنكره ### | مهاجاة بين ابن المعتز وابن بسام # وكان ابن المعتز يهاجيه، فمن ذلك قوله فيه: # PageV01P084 # يا ثقيلا على القلوب إذا ع ... ن لها أيقنت بطول الجهاد # يا قذى في العيون يا حرقة بي ... ن التراقي حزازة في الفؤاد # يا طلوع العذول ما بين إلف ... يا غريما وافى على ميعاد # يا ركودا في يوم غيم وصيف ... يا وجوه التجار يوم الكساد # خل ms154 عنا فإنما أنت فينا ... واو عمرو أو كالحديث المعاد # فأجابه ابن بسام بقوله: # فقدتك يا قذاة في شراب ... دخلت من الدناءة كل باب # لئيم الفعل أشأم من غراب ... وضيع القدر أطفل من ذباب # وأثقل حين تبدو من رقيب ... وأكذب حين تنطق من سراب # وأغدر للصديق من الليالي ... وأنكى للقلوب من العتاب ### | من ملح المهاجاة # ومن ملح هذا الباب قول جحظة: # يا لفظة النعي بموت الخليل ... يا وقفة التوديع بين الحمول # يا شربة اليارج يا أجرة ال ... منزل يا وجه العذول الثقيل # يا طلعة النعش ويا منزلا ... أقفر من بعد الأنيس الحلول # يا نهضة المحبوب عن غضبة ... يا نعمة قد آذنت بالرحيل # ويا كتابا جاء من مخلف ... للوعد مملوءا بعذر طويل # يا بكرة الثكلى إلى حفرة ... مستودع فيها عزيز الثكول # يا وثبة الحافظ مستعجلا ... لصرفه القينات عند الأصيل # ويا طبيبا قد أتى باكرا ... على أخي سقم بماء البقول # يا شوكة في قدم رخصة ... ليس إلى إخراجها من سبيل # يا عثرة المجذوم في رجله ... ويا صعود السعر عند المعيل # يا ردة الحاجب عن قسوة ... ونكسة من بعد برء العليل # وجحظة هذا أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك. # قال أبو الحسن محمد بن محمد بن مقلة الوزير: سألت جحظة من لقبك بهذا ~~اللقب؟ فقال: أبو العبر لقيني فقال: ما هو حيوان إن نكسوه أتانا آلة ~~للمراكب البحرية. فقلت: علق إذا نكسوه صار قلعا. فقال: أحسنت يا جحظة؛ ~~فلزمني هذا اللقب. وكان طيب الغناء حسن المسموع؛ إلا أنه ثقيل اليد في ~~الضرب. وكان حلو النادرة كثير الحكاية صالح الشعر، ولا تزال تندر له ~~الأبيات الجيدة. # أنشدت سكينة بنت الحسين رضي الله عنها قول الشاعر: # فما للنوى لا بارك الله في النوى ... وعهد النوى يوم الفراق ذميم ### | من ملح النحويين المتقعرين # قال أبو علقمة النحوي لجارية كان يهواها: يا خريدة؛ أخالك عروبا، فما ~~بالنا نمقك وتشنئينا؟ فقال: ما رأيت أحدا يحب أحدا ويشتمه سواك. # الخريدة: الناعمة اللينة، والعروبة: ms155 المتحببة إلى زوجها. # وقال بلال بن أبي بردة لجلسائه: ما العروب من النساء؟ فماجوا، وأقبل ~~إسحاق بن عبد الله بن الحارث فقالوا: قد جاءكم فسلوه. فقال: هي الخفرة ~~المتبذلة لزوجها، وأنشد: # يعربن عند بعولهن إذا خلوا ... فإذا خرجن فإنهن خفار # والمقة: المحبة. # وقد حكى قول أبي علقمة عبد الرحمن الطلحي. # وأتي الهيثم بن العريان بغريم قد مطلب غريمه دينارا؛ فقال: ما تقول؟ قال: ~~إنه ابتاعني عنجرا واستنسأته حولا فصار لا يلقاني في لقم إلا اقتضاني. فقال ~~الهيثم: أمن بني أمية أنت؟ قال: لا. قال: فمن أكفائهم من بني هاشم؟ قال: ~~لا. قال: ويلي على ابن الفاعلة، فعلى من تتكلم بهذا الكلام؟ السياط! فلما ~~جرد قال: أصلحك الله؛ إن إزاري مرعبلة. فقال: دعوه، فلو ترك التثاقل ~~بالغريب في وقت لتركه الآن. # العنجر: عجم الزبيب. واللقم: الطريق، والمرعبلة: الخلقة. ### | ابن منارة وأبو العيناء # دخل أبو العيناء على ابن منارة الكاتب وعنده أبو عبد الله بن المرزبان. ~~فقال لابن منارة: أحب أن أعبث بأبي العيناء. فقال له: لا تقوم به. فأبى إلا ~~العبث به، فلما جلس أبو العيناء قال له: يا أبا عبد الله؛ لم لبست جباعة؟ ~~قال: وما الجباعة؟ قال: التي ما بين جبة ودراعة. قال أبو العيناء: لأنك ~~صفديم. قال: وما صفديم؟ قال: الذي هو ما بين صفعان ونديم. ### | سيبويه المصري وبعض ندماء كافور # PageV01P085 # ودخل أبو بكر سيبويه المصري نافلة البصرة على كافور الإخشيدي وعنده بعض ~~ندمائه. فقال: أيها الاستاذ، دعني أهاتره. فقال: إنك لا تطيقه. قال: لا بد ~~من ذلك. قال: شأنك. قال: يا أبا بكر، ما حد الرأس؟ قال: ما أحاط به جربانك، ~~وأدبك عليه سلطانك، ولاعبك فيه إخوانك. فخجل الرجل، وضحك كل من حضر. # وكان سيبويه هذا يشبه بأبي العيناء في سرعة جوابه، وجودة بديهته، وكثرة ~~روايته. وكان الناس يتبعونه ويكتبون ما يقول، وكان قد شرب البلاذر فعرضت له ~~حدة مفرطة. # وأحضره أبو بكر محمد بن الخازن، فقال: بلغي بلاء لسانك، وكثرة أذاك ~~للناس، وقبيح معاملتك للأشراف؛ فاحذر ms156 أن تعود؛ فينالك مني أشد العقوبة، ~~وصال عليه بالكلام. # وكان الصبيان يتولعون به إذا مر ويصيحون: يا خازن! يا خازن! اخرج عليه ~~فيغضب؛ فقال له ذلك يوما صبي وأبو بكر المعيطي حاضر فضحك المعيطي؛ فقال ~~للصبي: ضرب الله عنق الخازن كما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنق عقبة ~~بن أبي معيط يوم يدر على الكفر، وضرب ظهر أبيك بالسوط كما ضرب علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه ظهر الوليد بن عقبة على شرب الخمر، وألحقك يا صبي ~~بالصبية. فقام المعيطي كأنما نشر من قبر. # يريد بقوله للصبي: وألحقك بالصبية قول النبي صلى الله عليه وسلم لعقبة بن ~~أبي معيط وقد قال له: فمن للصبية يا محمد؟ قال: النار والعياذ بالله منها. ### | سيبويه يريد دخول الحمام # دخل مفلح الحسني الحمام وكان من جملة أصحاب الحسن بن عبد الله بن طغج بن ~~جف الفرغاني، وإليه ينسب، فأتى سيبويه ليدخل فقيل له: الأمير مفلح أخلاه ~~فاصبر ساعة. فقال: أومثلي يمنع الدخول؟ لا أنقى الله مغسوله، ولا بلغه ~~سوله، ولا وقاه من العذاب مهوله. وجلس حتى خرج. فقال له: إن الحمام لا يخلى ~~إلا لأحد ثلاثة: مبتلى في قله، أو مبتلى في دبره، أو سلطان يخاف من شره، ~~فأي الثلاثة أنت؟ قال: أنا المغروم أعزك الله. ### | مجاورة # وهذا كجواب أشمول الإخشيدي، وكانت له دار مشرفة على النيل يتنزه إليها في ~~زمان المد وطيب الهواء، وكان يجاوره العباس بن البصري في راقوبة له، ~~فاحتسبت في تلك الدور، وقيل لكافور: إنها مبنية في فناء النيل فأمر بهدمها، ~~فدخل ابن البصري على كافور فأنشده: # يأيها الأستاذ يا ذا الذي ... همته أعلى من الكوكب # انظر إلي وإلى فاقتي ... وارث لضعفي ولما حل بي # فإن لي بالشط راقوبة ... أضيق من قارورة المحلب # صغيرة ضيقة عرضها ... عرض سرير جاء في مركب # كأنها رجل سمارية ... أخرجها ... أو زيزب # لو رأيت الزنج في شطنا ... وقد أحاطوا بأبي تغلب # عمة ذا حمراء مصقولة ... وفاس ذا معتدل المحرب # في يد ذا ms157 حلب هائل ... يا رب سلمني من المحلب # إن أخذتني ضربة منهم ... رأيتني أرقص كالأحدب # قد أحدق الصفع بجيراننا ... بالشط بالأقرب فالأقرب # وإن تماديت وخليتني ... خشيت أن أدخل في اللولب # فضحك كافور، والتفت إلى أشمول: وقال: أنت بجواره؟ قال: أنا ما لي دار أعز ~~الله الأستاذ قد سلمت. ### | تيه وكبر # وكان أبو الفضل بن حنزابة ربما رفع أنفه تيها؛ فقال له وقد رآه فعل ذلك: ~~أشم الوزير أيده الله رائحة كريهة فشمر أنفه؟ فخجل فأطرق. # واستعمل أبو بكر النهوض فلقيه رجل فقال: من أين يا أبا بكر؟ فقال: من عند ~~الزاهي بنفسه المدل بعرسه، التائه على أبناء جنسه. وكانت بنت الإخشيد تحته، ~~فلذلك قال: المدل بعرسه. # وأتى مسلم بن عبد الله الحسيني وهو من أهل الحجاز وأوطن مصر فحجب عنه. ~~فقال: قولوا له يرجع إلى لبس العبا، ومص النوى، وسكنى الفلا، فهو أشبه به ~~من نعيم الدنيا. ### | دار شؤم # وكانت دار أبي جعفر أحمد بن نصر التاجر المغربي بمصر معروفة بالشؤم من ~~قبل أبي جعفر، فكان أبو بكر يمر بها فيقول: يا سيدتي تعودين إلى عادتك ~~الجميلة. وأخباره كثيرة. ### | من نوادر المخنثين # PageV01P086 # لما جعل عيسى بن موسى ولي العهد بعد المهدي وكان ولي عهد المنصور، قال ~~لمخنث قدم إليه وقد جنى جناية: ما أراك تعرفني فكنت تفعل هذا الفعل؟ قال: ~~بلى والله أيها الأمير، إني بك لعارف؛ فأنت الذي كنت غدا فصرت بعد غد. # خرج مخنث في شدة الهاجرة ببغداد وهو وقت لا يتصرف فيه أحد، فلقيه رجل ~~فقال: لكم الليل ولنا النهار. فقال: صدقت، ولكن رأيت وجهك فظننته قطعة من ~~الليل. ### | أبو العبر وامرأته # مرض رجل فجاء أبو العبر يعوده وقد ثقل، فصاحت امرأته؛ من لي بعدك يا ~~سيدي؟ قال: فغمزها أبو العبر وأومأ إليها أنا لك بعده، فلما مات الرجل ~~وانقضت عدتها تزوجها أبو العبر، فأقامت عنده حينا؛ ثم حضرت أبا العبر ~~الوفاة، فجاء عواده؛ فصاحت من لي بعدك يا سيدي؟ ففتح عينيه وقال: لا يغمزها ~~إلا من تكون ms158 أمه زانية. ### | عجوز وشابة # وبينا ابن أبي ليلى في مجلس القضاء إذ تقدم إليه امرأتان عجوز وشابة. ~~فقالت الشابة: أنا أصلح الله القاضي امرأة مبدنة، وقد بهرني النفس؛ فإن رأى ~~القاضي أن يأذن لي فأحسر عن وجهي فليفعل. فقالت العجوز: أصلح الله القاضي، ~~إنها من أحسن الناس وجها، وإنما تريد أن تخدع القاضي، لا أمتعها الله بما ~~وهبها من الجمال. فقال لها ابن أبي ليلى: إذا أنت شددت قناعك فشأنك ووجهك. # فحسرت الفتاة عن وجه جميل. ثم قالت: أصلح الله القاضي، إن هذه عمتي وأنا ~~أسميها أمي لكبر سنها، وإن أبي مات وخلف مالا، وخلفني في حجرها؛ فجعلت ~~تمونني وتحسن التدبير في المال وتوفيره علي، إلى أن بلغت مبلغ النساء ~~فخطبني ابن عم لي فزوجتني منه، فكان بي وبه من الحب ما لا يوقف على صفته، ~~ثم إن ابنة لعمتي أدركت، فجعلت هذه ترغب زوجي فيها؛ فتاقت نفسه إليها ~~فخطبها. فقالت: لست أزوجكها حتى تجعل أمر بنت أخي في يدي. فقال لها: قد ~~فعلت! فلم أشعر حتى أتاني رسولها فقال: عمتك تقرئك السلام وتقول لك: إن ~~زوجك خطب ابنتي، وإني أبيت أن أزوجها منه حتى يجعل أمرك في يدي ففعل ذلك ~~فأنت طالق، فحمد الله تعالى على ما بليت به. # وإن زوج عمتي هذه قدم من سفر، فسألني عن قصتي فأخبرته فقال: تزوجيني ~~نفسك؟ فقلت: نعم! على أن تجعل أمر عمتي في يدي. قال لي: فما تصنعين إذا؟ ~~قلت: ذلك إلي؛ إما أن أعفو وإما أن أقتص. قال: قد فعلت، فأرسلت إلى عمتي أن ~~زوجك خطبني وأني أبيت عليه حتى يجعل أمرك في يدي، ففعل؛ فأنت طالق! فضحك ~~ابن أبي ليلى! فقالت العجوز: لا تضحك أيها القاضي، فالذي بقي أكثر وأعظم. ~~فقالت الشابة: ثم إن زوج عمتي مات فجعلت تخاصمني في ميراثه، فقلت لها: هو ~~زوجي وأنا أحق بميراثه، فأغرت ابن عمي ووكلته بخصومتي ففعل. # فقلت: يابن العم؛ إن الحق لا يستحى منه وقد صلحت لك إذ نكحت زوجا غيرك، ms159 ~~فهل لك في مراجعتي؟ فقال: كان ما كان ولا ذنب لي فيه، بل كنا على أشد رغبة ~~وأعظم محبة. ثم قال: أوتفعلين؟ قلت: على أن تجعل أمر بنت عمتي بيدي. قال: ~~قد فعلت. فأرست إلى بنت عمتي أن زوجك خطبني وأني أبيت عليه حتى يجعل أمرك ~~في يدي ففعل، فأنت طالق. # فقالت العجوز: أصلح الله القاضي؛ أيحل هذا، أطلق أنا وابنتي؟ فقال ابن ~~أبي ليلى: نعم، التعس والنكس لك. # ثم ركب إلى المنصور فأخبره حتى ضحك وفحص برجليه، وقال: أبعد الله العجوز ~~ولا فرج عنها. ### | حمار عاقل # أتى رجل نخاسا فقال: اشتر لي حمارا ليس بالصغير المحتقر، ولا الكبير ~~المشتهر، إن أشبعته شكر، وإن أجعته صبر، وإن خلا الطريق تدفق، وإن كثر ~~الزحام ترفق، لا يصدم بي السواري، ولا يدخل بي تحت البواري، إن ركبته هام، ~~وإن ركبه غيري نام. فقال له النخاس: أنظرني قليلا، فإن مسخ الله ابن أبي ~~ليلى القاضي حمارا اشتريته لك. ### | جارية # PageV01P087 # وكتب بعض الكتاب إلى محمد بن منصور: وإن بين كل أمر يطالبه الرجاء وبين ~~المطلوب إليه ذريعة يتوصل بها إلى معروفه، ولي بارتجائك لمعرفتي بفضلك، ~~وكذا الوسيلة، وما كنت متوسلا إليك بشيء هو أرجى في حاجتي، ولا أصلح لطلبتي ~~من التوسل إليك بحسن الظن فيك، وحاجتي أكرمك الله ظريفة من الجواري لم ~~تتداولها أيدي التجار، ولا تبذلها معاودة العرض، ولي فيها شريطة أعرضها ~~عليك لترى رأيك فيها، أحبرها فرعاء فإنه يقال: إذا اتخذت الجارية فاستجد ~~شعرها؛ فإن الشعر أحد الوجهين؛ وتكون رائقة البياض، تامة القوام؛ فإن ~~البياض والطول نصف الحسن؛ وتكون مليحة المضحك، فإنه أول ما يجلب المحبة، ~~ويكسب الحظوة، ولست أكره الانكسار في الثدي، لأنه ليس للناهد عندي سوى لذة ~~النظر. ولست من قول الشاعر: # جال الوشاح عن قضيب زانه ... رمان ثدي ليس يقطف ناهد # في شيء. وأكره العجيزة العظيمة وأريدها وسطا؛ لأن خير الأمور أوسطها، لها ~~طرف أدعج، وحاجب أزج، وكفل مرتج، وما وافقت هذه الصفة، وكانت رخيمة الكلام، ~~شهية النغمة، فهي ms160 حرة قبل أن ترسلها، وحاجتي أبقاك الله يحملها قدرك ~~ويستحقها شكرك. وأنا بالإضعاف حري، وأنت بالإسعاف قمين. # فأنفذ إليه محمد بن منصور خمسمائة دينار، وكتب إليه: قد سألت أكرمك الله ~~عن هذه الصفة فلم أجدها، فالتمسها أنت؛ فإن وجدتها فهذه خمسمائة دينار ~~تدفعها عربونا حتى أبعث إليك بالثمن، والسلام. ### | خطبة النكاح # قال أبو سودة لابنه: يا بني، تعلم خطبة النكاح، فإني أريد أن أنكح أخاك، ~~قال: نعم! فلما كان من الليل قال: أتعلمت شيئا؟ قال: نعم! قال: هات. قال: ~~الحمد لله أحمده وأستعينه، وأؤمن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. حي على الصلاة حي على ~~الفلاح. فقال أبوه: يا بني، لا تقم الصلاة حتى أذهب وأجيء، فإني على غير ~~وضوء. # وهذا كقول ابن أبي حفصة لما قال علي بن الجهم قصيدته التي أولها: # الله أكبر والخليفة جعفر # أراد علي أن يقول قصيدة ... بمدح أمير المؤمنين فأذنا # فقلت له لا تعجلن إقامة ... فلست على طهر فقال: ولا أنا # قال يزيد بن أبي حبيب لرجل: من أين أقبلت؟ قال: من أسفل الأرض. فقال له: ~~كيف خلفت قارون؟ وقال عبد الله بن خزيمة لصاحب شرطته: أين تذهب يا هامان؟ ~~قال: أبني لك صرحا. ### | صبي يتعلم الهجاء # أسلم رجل ابنه إلى المعلم وقال له: علمه الهجاء، ولا تشغله بغيره، فطال ~~ترداده إلى المكتب؛ فقال أبوه: تعلمت الهجاء؟ قال: نعم! قال: ما هجاء طير؟ ~~قال: ط أس ر أأ ح ألا ي أ، قال: ما هجاء سمكة؟ فقال: س م ك أه أخ ح د د، ~~فأرسل إلى المعلم فحضر. فقال له: ويحك! تقدمت إليك أن تعلم هذا الصبي ~~الهجاء، وقد سألته عن هجاء طير، فقال كذا وكذا، وسألته عن هجاء سمكة، فقال: ~~كذا وكذا. فقال المعلم: تجيء إلى صبي صغير تهجيه شيئا يطير في الهواء وشيئا ~~يغوص في قعر البحر كيف يتهجاه! فقال: هجه أنت. فقال المعلم: أهجي لك حماد؟ ~~قال: هج. فقال: ms161 ح م د ك س، فانتهره أبو الولد وانصرف. # أبو محمد النوبهاري أتاه رجل فقال: وضعت رأسي في حجر امرأتي فقالت: ما ~~أثقل رأسك! فقلت: أنت طالق إن كان رأسي أثقل من رأسك. فقال: تطلق عليك، ~~فقيل له: ولم؟ فقال: لأن القصابين أجمعوا على أن رأس الكبش أثقل من رأس ~~النعجة. # وكان المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أصيبت عينه عام غزوة مسلمة ~~القسطنطينية، وكان يطعم الطعام حيث نزل. فجاء أعرابي فجعل يديم النظر إلى ~~المغيرة ولا يأكل. فقال له: ما لك يا أعرابي؟ فقال: إنه ليعجبني كثرة ~~طعامك، وتريبني عينك. قال: وما يريبك منها؟ فقال: أراك أعور تطعم الطعام، ~~وهذه صفة الدجال. فضحك المغيرة وقال: كل يا أعرابي فإن الدجال لا تصاب عينه ~~في سبيل الله. ### | من شعر أبي العتاهية # حضر يعقوب بن إسحاق الكندي مجلسا فيه قينة، فقالت له: اقترح. فقال لها ~~غني: # لو تجسين يا عتيبة عرقي ... لوجدت الفؤاد قرحا تفقا # فقالت: إن أردت جس العروق والنظر إلى الأبوال فعليك بالبيمارستان. # هذا البيت في أبيات لأبي العتاهية إسماعيل بن القاسم ويكنى بأبي إسحاق ~~وأبو العتاهية لقب وفيها: # PageV01P088 # قال لي أحمد ليعلم ما بي ... أتحب الغداة عتبة حقا # فتألمت ثم قلت نعم ... ها جرى في العروق عرقا فعرقا # قد لعمري مل الطبيب ومل ال ... عواد مني مما أعنى وأشقى # ليتني مت فاسترحت فإني ... أبدا ما حييت منها ملقى # وكان أبو العتاهية سهل الشعر لينه، وتندر له الأبيات على صحة شعره فتحسن، ~~وكان يقال: شعر أبي العتاهية سباطة الملوك تجد فيها الدرة والخرفة، وأنشد ~~الجاحظ شعره فمجه فقال: ألفيته أملس المتون ليس له عيون. # وقد قال ابن الرومي لرجل أنشده شعرا سليما من العيوب مطبوعا عاريا من ~~تدقيق المعاني: نحن أعزك الله نحب مع السلامة الغنيمة. # وكان الرشيد مغرما بشعره مستظرفا له. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: ذكرت ~~عند الرشيد بذم، وكان فيه أن قيل: هو يا أمير المؤمنين على حداثة سنه وقصر ~~معرفته يخالفك؛ فيقدم العباس ms162 بن الأحنف على أبي العتاهية، فاستحضرني وقال: ~~من أشعر عندك أبو العتاهية أم العباس؟ فعرفت ما أراد فقلت: أبو العتاهية: ~~فقال: أنشدني للعباس فأنشدته أحسن ما أعرف له: # أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا # صرت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق # فقال: فأنشدني لأبي العتاهية فأنشدته أحسن ما أعرف له: # كأن عتابة من حسنها ... دمية قس فتنت قسها # يا رب لو أنسيتنيها بما ... في جنة الفردوس لم أنسها # إني إذا مثل التي لم تزل ... دائرة في طحنها كدسها # حتى إذا لم يبق منه سوى ... حفنة بر خنقت نفسها # فقال: هذا الذي أنشدت لأبي العتاهية من أعابيثه التي لا يلقى بها بالا، ~~ولكن هلا أنشدتني قوله: # قال لي أحمد ولم يدر ما بي ... أتحب الغداة عتبة حقا # وأشد الأبيات، ثم قال: أيحسن أحد أن يقول: فتنفست ثم قلت: نعم. قلت: لا ~~يا أمير المؤمنين وما أحفظ الشعر. قال: احفظه! وكنت أعرف به منه. ### | من جيد شعره # ومن جيد شعر أبي العتاهية قوله لأحمد بن يوسف، وكان له صديقا قبل ~~الوزارة، فلما وزر للمأمون جفاه: # أبا جعفر إن الشريف يهينه ... تناهيه من دون الأخلاء بالوفر # فإن تهت يوما بالذي نلت من غنى ... فإن عزائي بالتجمل والصبر # ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى ... وأن الغنى يخشى عليه من الفقر # وقوله له وقد أتاه فقيل له إنه نائم: # لئن عدت بعد اليوم إني لظالم ... سأصرف وجهي حين تبغى المكارم # متى يظفر الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم # وقوله: # ميت مات وهو في وارف العي ... ش مقيم في ظل عيش ظليل # في عداد الموتى وفي ساكني الدن ... يا أبو جعفر أخي وخليلي # لم يمت ميتة الوفاء ولكن ... مات عن كل صالح وجميل # وهذا القول لعمرو بن مسعدة: # عييت عن العهد القديم عييتا ... وضيعت عهدا كان لي ونسيتا # وقد كنت في أيام ضعف من القوى ... أبر وأوفى منك حين قويتا # تجاهلت عما كنت تحسن وصفه ... ومت عن الإحسان حين ms163 حييتا # وكان عمرو بن مسعدة صديقا له قبل ارتقاء حاله، فلما بلغ في أيام المأمون ~~إلى رتبة الوزارة ساله حاجة فلم يقضها، فتأخر عنه فغضب عمرو وحجبه فكتب ~~إليه: # بلوت إخاء الناس يا عمرو كلهم ... وجربت حتى أحكمتني تجاربي # فلم أر ود الناس إلا رضاهم ... فمن يزر أو يغضب فليس بصاحب # وانحدر إلى واسط فلم يعد حتى تغيرت حال عمرو. # فأما شعره في الزهد فقد فاق فيه الشعراء وبز النظراء؛ وغزله يلين كثيرا ~~ويشاكل كلام النساء، كقوله: # لجت عتيبة في هجري فقلت لها ... تبارك الله ما أجفاك يا ملكه # إن كنت أزمعت يا سؤلي ويا أملي ... حقا على عبدك المسكين بالهلكه # فقد رضيت بما أصبحت راضية ... ها قد هلكت على اسم الله والبركه # PageV01P089 # وربما بلغ بلينه إلى الإضحاك كقوله: # عتابة النفس كاعب شكله ... كحلاء بالحسن غير مكتحله # بالله هل تذكرين يا سكني ... وأنت لا تقصرين في الحجله # أيام كنا ونحن في صغر ... نلعب هالا مهلهلا هلله # وهذا وإن قصد به الهزل فليس في حلاوة قول العباس: # لست أنسى مقالها لرسولي ... أبدا أو تضمني أرماسي # هات قل لي كتاب من ذا فإني ... من في خيفة وفي إيجاس # فنبذت الكتاب سرا إليها ... فتبدى العنوان من عباس # فرمت بالكتاب زهوا وقالت ... ما بقى للقرود إلا الكراسي # ولا كملاحة قوله: # جارية أعجبها حسنها ... ومثلها في الخلق لم يخلق # عرفتها أني محب لها ... فأقبلت تضحك من منطقي # وانصرفت نحو فتاة لها ... كالرشأ الأغيد في قرطق # قالت لها قولي لهذا الفتى ... انظر إلى وجهك ثم اعشق ### | من نوادر الجهلاء واللكن # وكان بالرملة شيخ نظير لأبي بكر النابلسي في طريق الزهد، وكان ألكن ~~اللسان؛ فنزل بعض الجند دار صديق له، فخاف طول مكثه، وأن تصير الدار نزلا ~~للجند، وسار بذلك إلى الشيخ، وسأله أن يبعث إليه من يعرفه بالرجل أنه من ~~خاصته لينتقل عنها؛ فأنفذ معه رسولا، ثم رأى الشيخ أن قيامه آكد فنهض ~~فلحقه. فقام الجندي إليه؛ فقال: أيها الشيخ الجليل سيدي؛ أتاني رسولك، ولا ~~والله ms164 أقيم أكثر من يومين ألتمس منزلا وأنتقل. فقال الشيخ: نعم! يا سيدي ~~وشهرين إذا شئت، وما هذا التضييق على نفسك؟ فقال صاحب الدار: والله أعزك ~~الله لئن أقام بها عشرة أيام لتصيرن داري نزلا. فقال: يا هذا، إنك إن تقول، ~~إن هؤلاء، إنما أحب إليك أن يأتوا إلى دارك، لسبب ما، فليس الأمر كما زعمت. ~~فقال: فسر لي أكرمك الله هذا الكلام، وأنا أهب له الدار. # وكان بالرملة أيضا كاتب جاهل ألكن، فأرسل غلامه إلى الصوارف يبتاع له ~~شرابا، فاشترى له ركوة شراب، وحملها على حمار وأتى الرملة. فقبض عليه أصحاب ~~المصالح، فقالوا: زن درهما، فامتنع، فأرجلوه عن الحمار فضربوه خمسين مقرعة، ~~وأخذوا الشراب والحمار؛ فأتى مولاه فأخبره. فكتب إلى متولي النظر في أمرهم: ~~أما بعد، فإن غلاما، وإن حمارا، ألبسبله، فضرباه خمسين رطلا في ركوة، فرأيك ~~في إطلاق الحمار، وأبقاك. # وقال بعض إخوانه: كنت عند فاحتجم، فقال: ما عندي اليوم شراب نبيذ، فاجلس ~~حتى أكتب إلى صديقي فلان يبعث لي بقنينة أشربها معك. فقلت له: أنت مطول في ~~كتبك فاعمل على الاختصار. فكتب: أما بعد احتجمت قنينة والسلام، فقلت له: ~~ولا هذا كله! ومثل هذا في الاختصار، قيل إن شاعرا مدح نصر بن سيار بقصيدة ~~فيها مائة بيت كلها نسيب، وإنما المدح منها في بيتين. فقال له نصر: ما تركت ~~معنى ظريفا ولا نسيبا مليحا إلا أوردته في نسيبك دون مدحك. فقال: غدا أغدو ~~عليك بغير هذا؛ فغدا عليه بقصيدة أولها: # هل تعرف الدار لأم الغمر ... دع ذا وحبر مدحة في نصر # وكتب هذا الكاتب كتابا إلى بعض إخوانه: اشتهيت وليس عندي إلا، وليس يحلو ~~إلا من عندك، وهو الدمكسك أصلحك الله، يطرح الحشمة، فأرسل إلى ممسا منفصلا ~~والسلام. # أراد النمكسود وهو لحم يقطع طوابيق ويشد بالملح في ألواح وينشر حتى يذهب ~~ماؤه وينشف؛ فإذا احتيج إلى شيء منه بل بالماء وأصلح؛ وإنما يستعمل كذا ~~ليسافر به ولا يفسد. ولذا قال أبو العيناء: الزينبي نمكسود الخمر. # وكتب رجل إلى ms165 قاض في أمر قوم من جيرانه اختصموا: إن الذي لم يجر بينهما ~~غير مفهوم، وقد أردت الاستصلاح فعاد استفسادا؛ فإن رأى القاضي أدام الله ~~عزله أن يصفح عن كتابي فإن فيه نقصا. فقال القاضي. لا، بل فيه زيادة لام، ~~كفانا الله شرها. ### | من معاريض الكلام # ورثي قبران مكتوب على أحدهما: من رآني فلا يغتر بالدنيا، فإني كنت من ~~ملوكها، أصرف الريح كيف شئت. وعلى الآخر مكتوب: كذب، إنما كان حدادا ينفخ ~~بالزق. # وكان بالكوفة رجل باقلاني، فخرج الطائف ليلا فأخذه سكران؛ فقال: من أنت؟ ~~فقال: # أنا ابن الذي لا تنزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود # PageV01P090 # ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود # فقال الطائف: قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تجاوزوا عن ~~ذوي الهيئات؛ خلوا سبيله. فلما أصبح سأل عنه فإذا هو ابن باقلاني. فقال: إن ~~لم يترك لنسبه فقد ترك لأدبه. # ومثله من المعاريض قول ابن شبرمة؛ وقد سئل عن رجل، فقال: إن له شرفا ~~وقدما وبيتا، فنظر فإذا هو ساقط. فقيل له في ذلك. فقال: ما كذبت: شرفه: ~~أذناه وقدمه التي يمشي عليها، ولا بد أن يكون له بيت يأوي إليه. # وسئل آخر عن رجل؛ فقال: رزين المجلس، نافذ الطعنة؛ فحسبوه سيدا، فإذا هو ~~خياط طويل الجلوس نافذ الإبرة. ### | من طرف النوادر # طلب العتبي بعد ثمانين سنة أن يتزوج، فقيل له في ذلك. فقال: أولاد الزمان ~~فسدوا فأردت أن أذلهم باليتم، قبل أن يذلوني بالعقوق. # بعث بعض ولد عيسى بن جعفر إلى جماعة من المخنثين فأتوه، فجعلوا يلعبون ~~ويرقصون وبقي مخنث منهم لا يتحرك. فقال: ما لك؟ قال: لا أحسن شيئا. قال: ~~فلم دخلت يابن الفاعلة؟ يا غلام ائتني بسكرجة مملوءة روثا وأخرى مملوءة ~~جمرا، فأتاه بهما. فقال: والله لتأكلن من أحدهما أو لأضربنك حتى تموت. قال: ~~يا مولاي؛ دعني أصلي ركعتين. قال: قم فصل؛ فقام يصلي فأطال. فقال له: يابن ~~الفاعلة، إلى كم تصلي؟ قد صليت أكثر من ms166 عشرين ركعة! فقال: يا سيدي؛ أنا ~~دائب أدعو الله أن يمسخني نعامة فأقوى على أكل الجمر، أو خنزيرا فأقوى على ~~أكل الخرا، فلم يستجب لي بعد؛ فدعني أصلي وأدعو، فلعله يستجاب لي؛ فضحك منه ~~ووصله. # هبت ريح شديدة، فقال الناس: قامت القيامة. فقال ربدة المخنث: يا حمقاء؛ ~~القيامة هكذا على البارد بلا دابة ولا دجال ولا دخان ولا يأجوج ولا مأجوج. # ورأى مخنث شيخا هرما، فقال: عدمته، كأنه قصر ابن هبيرة ذهب رسمه وبقي ~~اسمه. ### | من نوادر الأعراب # قدم قوم لأعرابي قريسا فأمعن في أكله. فقيل له: يا أعرابي؟ ما هذا؟ قال: ~~فالوذج؛ إلا أنكم أحمضتموه. # وابتاع أعرابي غلاما؛ فقالوا له: إنا نبرأ إليك من عيب فيه. قال: ما هو؟ ~~قالوا: يبول في الفراش: قال: إن وجد فراشا فليفعل. # وقيل لأعرابي: لم إذا غضبنا على غلام لنا قلنا له: أباعك الله في الأعراب ~~قال: لأنا نطيل كده، ونعري جلده، ونجيع كبده. # وقال أبو تمام لرجل سرق شعره: # إنما الضيغم الهصور أبو الأش ... بال رئبال كل خيس وغاب # من عدت خيله على سرح شعري ... وهو للحين راتع في كتابي # غارة أسخنت عيون القوافي ... فاستحلت محارم الآداب # يا عذارى الكلام صرتن من بع ... دي سبايا تبعن في الأعراب # ورأى أعرابي سراويل في فلاة، فأخذه يظنه قميصا لم يعرف كيف يلبسه!! فمر ~~يعدو ورماه؛ فلقيه رجل فقال: ما لك يا أعرابي؟ قال: أصبت قميصا للشيطان، ~~وأخاف أن يلحقني فيقول: لم أخذت قميصي؟ ### | أعرابي في عرس # PageV01P091 # وقال الهيثم بن عدي: سمعت أعرابيا يقول: دخلت حضرتكم بعد عيد الأضحى، ~~فإذا أنا بجمع عظيم عليهم أنواع الثياب من بيض وحمر وصفر، فكأنها زهر ~~البستان. فقلت في نفسي: هذا العيد الذي يذكر أصحابنا الحضر يتزينون فيه، ثم ~~رجعت إلى عقلي فقلت: وأي عيد هو؟ وقد خرجت بعد الأضحى، فبينا أنا باهت أفكر ~~في أمري إذ أخذ بيدي رجل منهم. فقال: ادخل يا أعرابي. فدخلت فإذا بمجلس ~~منضد بالنضائد، موسد بالوسائد، وفي صدره سرير، وعليه رجل جالس، والناس ms167 صموت ~~عن يمينه وشماله. فقلت في نفسي: هذا الخليفة الذي يذكرون، فقبل الأرض وقلت: ~~السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقيل: اسكت يا أعرابي، ~~هذا عروس ونحن في عرسه؛ فهيىء لي موضع في المجلس، فجلست فيه. فقدمت هنات ~~مدورات من خشب عليها ثياب متلاحمة النسج، فهممت أن أسند في ثوب منها أرقع ~~به إزاري. فقيل لي: مد يدك يا أعرابي وكل، فإذا هو ضرب من الخبز لا أعرفه، ~~ثم قدمت أنواع من الطعام حلوة وحامضة وحارة وباردة، فأكلت؛ ثم أتي بأوان ~~فيها ماء أحمر فجعلوا يصبون في أقداح ويشربون، فناولني منه قدحا؛ فقلت: ~~أخاف أن يقتلني. فقالوا: يا أعرابي؛ إنه يهضم ما في بطنك، فشربته فحدث في ~~قلبي طرب لا أعرفه، وهممت أن أهشم الذي بجانبي، وأن أقول للآخر: يابن ~~الزانية! فأقبلوا يسألون رجلا، ويقولون: أمتعنا بنفسك، فأتى بهنات لها ~~رأسان مشدودان بالخيوط المحصدة؛ فأقبل يضرب رأسه، فيخرج منها رعد كهزيم ~~الرعد وزئير الأسد. وأخرج رجل من كمه شيئا كفيشلة الحمار، فأقبل يردد عليه ~~به. وأقبل آخر ينتخ حتى كبح به الأرض. فقلت: مجنون ورب الكعبة!! ثم أقبلوا ~~يضرعون إلى آخر ويرغبون إليه؛ فأتاهم بدابة من خشب عينها ف صدرها إذا فتلت ~~أذنها تكلم فوها؛ فطرب كل من حضر وطربت حتى تقدمت إليه، وقلت: يا سيدي؛ ما ~~هذه الدابة؟ فقال: يا أعرابي؛ هذه يقال لها البربط. فقلت: آمنت بالله ~~وبالبربط، ثم سقوني قدحا آخر، فأخذتني نومة لم يوقظني منها إلا حر الشمس من ~~الغد. ### | البحتري يهجو علي بن يحيى # وفي علي بن يحيى يقول البحتري يهجوه: # وأكثرت غشيان المقابر زائرا ... علي بن يحيى جار أهل المقابر # فإلا يكن ميت الحياة فإنه ... من اللؤم ميت الجود ميت المآثر # قال أبو العيناء: محمد بن مكرم والعباس بن رستم تعجلا الجنة في الدنيا، ~~يشربان الخمر ولا يصليان. ### | من مكارم أبي الصقر # ومما يعد من مكارم أبي الصقر أنه لما ولي الوزارة بعد صاعد دخل عليه ابن ~~ثوابة فقال: تالله لقد آثرك ms168 الله علينا وإن كنا لخاطئين. قال: لا تثريب ~~عليك يا أبا العباس يغفر الله لك وهو أرحم الراحمين. # ولما ولي أبو الصقر الوزارة خير أبا العيناء فيما يحب حتى يفعله به. ~~فقال: أريد أن يكتب لي الوزير إلى أحمد بن محمد الطائي يعرفه مكاني، ويلزمه ~~قضاء حق مثلي من خدمه. فكتب إليه كتابا بخطه فأوصله إلى الطائي، فسبب له في ~~مدة شهر مقدار ألف دينار، وعاشره أجمل عشرة؛ فانصرف بأجمل ما يحب. ### | كتاب أبي العيناء إلى أبي الصقر # وكتب إلى أبي الصقر كتابا متضمنه: أنا أعز الله الوزير طليقك من الفقر، ~~ونقيذك من البؤس، أخذت بيدي من عثرة الدهر، وكبوة الفقر؛ وعلى أية حال حين ~~نفدت الأولياء والأشكال، والإخوان والأمثال الذي يفهمون في غير تعب؛ وهم ~~الناس كانوا غياثا للناس، فحللت عقدة الخلة، ورددت إلي بعد النفور النعمة، ~~وكتبت إلى الطائي كتابا، فكأنما كان منه إليك، أتيته وقد استصعبت علي ~~الأمور، وأحاطت بي النوائب، فكثر من بشره، وأعطى من ماله أكرمه، ومن بر ~~أحكمه، ولم يزل مكرما لي مدة ما أقمت، ومثقلا لي من فوائده لما ودعت؛ حكمني ~~في ماله فتحكمت، وأنت تعرف جوري إذا تمكنت، وزادني من طوله فشكرت؛ فأحسن ~~الله جزاءك، وأعظم حباءك، وقدمني أمامك، وأعاذني من فقدك وحمامك، وقد أنفقت ~~علي ما ملكك الله، وأنفقت من الشكر ما يسر الله لي. والله عز وجل يقول: " ~~لينفق ذو سعة من سعته "؛ فالحمد لله الذي جعلك اليد العليا، والرتبة ~~السامية؛ لا أزال الله عن هذه الأمة ما بسط لها من عدلك، وبث فيها من رفدك. ### | أبو العيناء أول من أظهر العقوق لوالديه # PageV01P092 # قال أبو العيناء: أنا أول من أظهر العقوق بالبصرة لوالديه. قال أبي: إن ~~الله قد قرن طاعته بطاعتي؛ فقال: " اشكر لي ولوالديك ". فقلت: يا أبت؛ إن ~~الله أمنني عليك ولم يأمنك علي. فقال: " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقكم وإياهم ". # وقال أعرابي لأبيه: يا أبت، إن كبير حقك علي لا يبطل صغير حقي عليك، ~~والذي تمت ms169 به إلي أمت بمثله، ولست أزعم أنا سواء ولكن لا يحل الاعتداء. ### | ابناك كعينيك # وحكى أبو الحسن محمد بن جعفر بن لنكك البصري عن أبيه أنه جاور ببغداد في ~~أيام المقتدر رجلا من جلة الكتاب، ونشأ له ولدان فتنا بغداد بحسنهما، فبلغ ~~الأكبر منهما، فنقله من المكتب إلى الديوان، وأراد أن يحصنه بجارية ~~فابتاعها له بألف دينار، وقال: لا تعلم أخاك فإنه يصغر عن ذلك، فنمت داية ~~الأصغر الأمر إليه، وقالت: إن أباك خص أخاك بشيء دونك. فقال لها: بم خصه؟ ~~قالت: بجارية. قال: هو إليها أحوج وأنا عنها أغنى، غير أني أشفق أن يتسع ~~الخرق، وما علمت أنه فضل مذ نشأ علي بشيء، وأنا أجله عن المشافهة، ولكن ~~هاتي دواة، فكتب إليه: # ليس لي بعد إلهي ... مشتكى إلا إليكا # وأخي في الفضل مثلي ... وكلانا في يديكا # لا تفضله علي ... بالحبا من ناظريكا # إنما ابناك كعيني ... ك فداوي مقلتيكا # إن أذقت العين كحلا ... هاجت الأخرى عليكا # فابتاع له جارية بثمن جارية أخيه وأنفذها إليه. ### | بخور غير طائل # وحضر أبو الحسن بن لنكك عند أبي الفتح نصر بن أحمد الخبزأرزي فبرخه ببخور ~~غير طائل فقال: # تبصر في فؤادي فضل حب ... يفوق به على كل الصحاب # أتيناه فبخرنا بشيء ... من السقف المدخن بالتهاب # فقمت مبادرا وحسبت نصرا ... يريد بذاك طردي أو غيابي # فقال متى أراك أبا حسين؟ ... فقلت له إذا اتسخت ثيابي ### | بين أبي علي البصير وأبي العيناء # قال أبو علي البصير لأبي العيناء: في أي وقت ولدت من النهار؟ قال: طلوع ~~الشمس. قال: فلذلك خرجت مكديا؛ لأنه وقت انتشار المساكين. فقال له أبو ~~العيناء: بيني وبينك مناسبة العمى، قال: كلا! إني من عميان الدواب، وأنت من ~~عميان العصا. # بلغت أبا علي البصير عن أبي العيناء قوارص بظهر الغيب؛ فكتب إليه: أستزيد ~~الله في بقائك؛ وأستمتعه بإخائك، وأستحفظه النعمى عندك. رب مزح أعزك الله ~~قد بعث جدا، وجور قد أحدث قصدا، ورب أمر صغير خطره، قد أعقب أمرا كبيرا ~~آخرهن ونحن باستزادتنا ms170 بعهدك، ومحاماتنا على ودك، وتمسكنا بعرى الأسباب ~~التي بيننا وبينك، واحتراسنا من جناية الدهر علينا فيك، لا نقتصر على ~~الاستظهار بالحجة، والإبلاغ في المعذرة، دون استفراغ المجهود، وبلوغ الغاية ~~في التأني، والحيلة في استرجاع ما شذ عنا منك، وإبطال ما نمت به الأخبار ~~إلينا عنك، من تحليك بنا في العيب، وتناولت إيانا في الغيب، فلا يزال أخ لك ~~مد الله في عمرك تعد له، على نفسك، وثوقه لك وعليك، قد ساقط إلي أحاديث عنك ~~بطبائعها صلاح القلوب قليلا بها بقاء المودة، سريعة في حل عقدتها وقطع ~~مودتها، أحاديث، أكره لنفسي بدأها ولك عاقبتها، وكنت لا أزال أرد ما يرد ~~علي منها بتأول لفظك وحسن الظن بمعناك، والتماس العذر لك على ضيق مخرجه، ~~وصعوبة مطلبه؛ وأغلب رأيي لهواك، وأقف غضبي على عتباك، وأحفظ قصدك إلي ~~متنصلا بما بلغني عنك؛ إلى حرم بيني وبينك، لا يجب حفظها علي دونك، حتى عاد ~~تعريضك تصريحا، وتمريضك تصحيحا، وفي نسبته في صحتي إلى العمى، وفي حلمي إلى ~~الضعف، إلى أن يئس الصديق من نصري، لما رأى من إغضائي في أمر نفسي، وقد بقي ~~مع فضلة من أداتي أنت تملكها دوني، فإن صنتها لي ووفرتها على من أساء ~~الاختيار؛ ولا أعدم أنصارا من الأحرار، أسعد بمؤازرتهم ومكاشفتهم، وأستغني ~~بنفسي عنهم. # وقد كتبت في هذا المعنى بأبيات هي لما قبلها ولما يكون بعدها، فرأيك في ~~تفهمها نفعك الله بها: # أبلغ أبا العيناء إن لاقيته ... قولا يكون لدائه حسما # نبئت أنك في المغيب تسبني ... وإذا التقينا كنت لي سلما # PageV01P093 # فتروم هجوي جاهدا ونقيصتي ... سفها أراه باديا حلما # لا تغتنم لحمي فليس بأكلة ... واعلم بأنك واجد لحما # إني أعيذك أن تكون رمية ... لسهام رام إن رمى أصمى ### | شتم ورد # وشتم أبا علي البصير بعض الطالبيين، فقال: إنا والله ما نعيا من جوابك، ~~ولا نعجز عن مساءتك، ولكنا نكون خيرا لنسبك منك، ونحفظ ما أضعفت، فاشكر ~~توفير ما وفرنا منك، ولا يغرنك بالجهل علينا حلمنا عنك. ### | من شعر أبي علي ms171 البصير # وأبو علي هو القائل: # ألمت بنا يوم الرحيل اختلاسة ... فأضرم نيران الجوى النظر الخلس # تأبت قليلا وهي ترعد خيفة ... كما تتأبى حين ترتعد الشمس # فخاطبها صمتي بما أنا مضمر ... وأبلست حتى لست يسمع لي حس # وولت كما ولى الشباب لطية ... طوت دونها كشحا على يأسها النفس # وقال يمدح الفتح بن خاقان: # سمعنا بأشعار الملوك فكلها ... إذا عض متنيه الثقاف تأودا # سوى ما سمعنا لامرىء القيس إنه ... يكون إذا لم يشعر الفتح أوحدا # أقام زمانا يسمع القول صامتا ... ونحسبه إن رام أكدى وأصلدا # فلما امتطاه راكبا ذل صعبه ... وسار فأضحى قد أغار وأنجدا # وقال يصف ليلة مطر: # وليلة عارض لا نوم فيها ... أرقت لها إلى الصبح الفتيق # حمى فيها الكرى عيني ببيت ... كأن سماءها عين المشوق # تواصلت السحائب وهو بيت ... وصدت وهو قارعة الطريق # وهذا كقول ابن المعتز: # روينا فما نزداد يا رب من حيا ... وأنت على ما في الضمير شهيد # سقوف بيوتي صرن أرضا أدوسها ... وحيطان داري ركع وسجود ### | من نوادر اللصوص # ذهبت ثياب رجل في الحمام، فجعل يقول: أنا أعلم، أنا أعلم، واللص يسمعه؛ ~~ففزع وظن أنه قد فطن به؛ فردها. وقال له: إني سمعتك تقول: أنا أعلم، فما ~~الذي تعلم؟ قال: أعلم أنه إن عدمت ثيابي مت من البرد. ### | مستميح ولص # زار رجل الخصيب بن عبد الحميد وهو أمير على مصر مستميحا فلم يعطه شيئا ~~فانصرف. فأخذه أبو الندى اللص وكان يقطع الطريق فقال: هات ما أعطاك الخصيب. ~~قال: لم يعطني شيئا، فضربه مائتي مقرعة يقرره على ما ظن أنه ستره عنه. ثم ~~قدم على الخصيب بعد ذلك زائرا فلم يعطه شيئا: فقال: جعلت فداك! تكتب إلى ~~أبي الندى أنك لم تعطني شيئا لئلا يضربني، فضحك ووصله. ### | من طرائف الأجوبة # ومر سالم بن أبي العقار بمحمد بن عمران الطلحي وكان سالم أحد المجان فقال ~~له سالم: هذه الشيبة والهيئة الحسنة والخضاب، ولا تنزع عما أنت فيه!! فقال: ~~يا أبا سليمان؛ إني لأهم بذلك، فإذا مررت بمنزل ابن ms172 عمك طلحة بن بلال فرأيت ~~على حاله لم يخسف به علمت أن في الأمر فسحة بعد. # ولما مرض أبو نواس دخل عليه الجماز يعوده. فقال: اتق الله، فكم من محصنة ~~قد قذفت، ومن سيئة قد اقترفت، وأنت على هذه الحال؛ فتب قبل الموت. فقال: ~~صدقت. ولكن لا أفعل! قال: ولم؟ قال: مخافة أن تكون توبتي على يد واحد مثلك. # وقال الجماز: أراد أن يكتب أبو نواس إلى إخوان له دعاهم، فلم يجد قرطاسا ~~يكتب فيه! فكتب في رأس غلام له أصلع ما أراد، ثم قال فيه: فإذا قرأت كتابي، ~~فأحرقوا القرطاس. فضحكوا منه وتركوا للغلام جلدة رأسه. ### | نوادر لابن الجصاص # تقدم الوزير علي بن عيسى إلى ابن أبي عبد الله بن الجصاص في البكور، ~~فأتاه نصف النهار. فقال: ما أخرك يا أبا عبد الله؟ قال بمحلتي أعز الله ~~الأمير كلاب تنبح الليل أجمع، فأسهرتني البارحة، فلما كان مع وجه السحر سكن ~~نباحها، فنمت فغلبتني عيني إلى الآن، فقال له: وما لك يا أبا عبد الله لا ~~تتقدم في قتلها؟ قال: ومن يستطيعها أيها الوزير؟ وكل واحد منها مثلي ومثل ~~أبيك رحمه الله. # PageV01P094 # وخرجت يده من الفراش في ليلة باردة، فأعادها إلى جسده بثقل النوم ~~فأيقظته، فقبض عليها بيده الأخرى، وصاح: اللصوص اللصوص! هذا اللص جاء ~~ينازعني وقد قبضت عليه، أدركوني لئلا يكون في يده حديدة يضربني بها، فجاءوا ~~بالسراج فوجدوه قد قبض بيده على يده. # ودخل على ابن له وقد احتضر، فبكى عند رأسه، وقال: كفاك الله يا بني ~~الليلة مؤنة هاروت وماروت. قالوا: وما هاروت وماروت؟ قال: لعن الله ~~النسيان، إنما أردت يأجوج ومأجوج. قالوا: وما يأجوج ومأجوج؟ قال: فطالوت ~~وجالوت. قالوا: فلعلك أردت منكرا ونكيرا. قال: والله ما أردت إلا غيرهما!! ~~يريد ما أردت غيرهما. # وغفل عنه أهله يوما فسمعوا صياحه؛ فأتوه فوجدوه في بيت كالميت. فقالوا: ~~ما لك؟ قال؛ فكرت في كثرة مالي وشدة مصادرة السلطان للتجار في هذا الوقت ~~وتعذيبه لهم بالتعليق، فعلقت نفسي ونظرت كيف ms173 صبري، فزحلت فلم أتخلص حتى كدت ~~أموت. # وهذه الحكايات عن ابن الجصاص تنسب إلى غيره، والمحدثون مختلفون في ~~حكاياتهم ومضطربون في رواياتهم. # وكان المعتضد إذا رأى ابن الجصاص يقول: هذا الأحمق المرزوق! وكان أوسع ~~الناس دنيا، له من المال ما لا ينتهى إلى عده، ولا يوقف على حده. وبلغ من ~~جده أنه قال: تمنيت أن أخسر، فقيل لي: اشتر التمر من الكوفة وبعه بالبصرة، ~~ففعلت ذلك؛ فاتفق أن نخل البصرة لم يحمل في ذلك العام؛ فربحت ربحا واسعا. # وكان المعتضد لما زفت إليه قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون بعث ~~أبوها إلى ابن الجصاص مائتي ألف دينار، وكتب إليه قد جهزناها بما قدرنا ~~عليه، وبالعراق طرائف لم تصل إلى أيدينا، فاشتر ما تراه؛ فاحتجز المال ولم ~~يسأل عنه. # وكان ابن المعتز لما خلع المقتدر لم يقم في الخلافة إلا يومين غير تامين، ~~ثم اضطرب حبله، فهرب إلى دار بن الجصاص فأخرج منها، أخرجه المقتدر بعد أيام ~~إلى القضاة والعدول ميتا. ### | سبب طلب ابن المعتز للخلافة # وكان سبب طلب ابن المعتز للخلافة: أن المقتدر وهو جعفر بن المعتضد وأمه ~~أمة سوداء واسمها شعب لما استخلف أرجف الناس فيه وتكلموا في أمره. وقالوا: ~~كيف يلي الخلافة من لم يبلغ الحلم؟ وكانت سنه يومئذ ثلاث عشرة سنة وشهرا ~~وعشرين يوما، وقالوا: لا بد من خلعه لأنه سادس. # قال الصولي: وقد جرى في السادس أمر طريف من الاتفاق؛ وذلك أن الله تبارك ~~وتعالى أورث الأرض سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، والخلفاء ~~الراشدين بعه أربعة. واستخلف بعد علي رضي الله عنه الحسن ابنه وهو السادس ~~فخلع. وسلم الأمر إلى معاوية ثم إلى يزيد بن معاوية ثم إلى معاوية بن يزيد ~~ثم مروان بن عبد الحكم ثم عبد الملك بن مروان ثم بويع ابن الزبير في أيامه ~~أو بعدها وهو السادس فخلع، ثم انقضت دولة بني أمية ولم يكمل بعد الوليد ~~ستة، وإنما ولي يزيد بن الوليد الناقص وإبراهيم بن الوليد بن ms174 مروان ومروان ~~بن محمد وهو آخر ملوك بني أمية. ثم استفتح ملك بني العباس بأبي العباس ~~السفاح وأبي جعفر المنصور ومحمد بن المنصور المهدي وموسى الهادي بن المهدي ~~وهارون الرشيد بن المهدي والأمين بن الرشيد بن المهدي وهو السادس فخلع، ثم ~~ولي المأمون بن الرشيد والمعتصم أخوه والواثق بن المعتصم والمتوكل بن ~~المعتصم والمنتصر بن المتوكل والمستعين أحمد بن المعتصم فخلع وهو السادس. # PageV01P095 # قلت أنا: وولي القاهر محمد بن المعتضد والراضي أبو العباس بن المقتدر ~~والمتقي أبو إسحاق بن المقتدر والمستكفي والمطيع الفضل بن جعفر المقتدر ~~والطائع أبو بكر عبد الكريم بن المطيع وهو السادس فخلع. وولي بعده أبو ~~العباس القادر وهو الخليفة في هذا الزمان، وكان الإرجاف في أول ولاية ~~المقتدر شديدا من الخاصة والعامة، فلما قتل العباس وزيره أخذ محمد بن داود ~~بن الجراح البيعة على الناس لعبد الله بن المعتز، ووجه إلى القضاة والعدول، ~~فاجتمع من القواد وغيره زهاء خمسة آلاف سوى الأتباع، فأظهر لهم محمد بن ~~داود عبد الله بن المعتز، وكتب كتابا خلع فيه المقتدر، واحتج بأن إمامته لا ~~تجوز لقصوره من بلوغ الحلم وصغره عن الخلافة، واستحقاق عبد الله إياها ~~لكماله وحنكته ومعرفته في أمور المسلمين وعلمه بشرائع الدين، فشهد العدول ~~على ما في الكتاب ومن حضر من أشراف بغداد، وبايعوا ابن المعتز ولقبوه ~~المنتصف، ويقال الراضي، ويقال القائم بالحق، وتقلد ابن الجراح الوزارة، ~~وتكلم عبد الله بن المعتز وذكر المقتدر وأنه لا صلاة للناس معه ولا حج ولا ~~غزو. وقال: قد آن للحق أن يتضح، وللباطل أن يفتضح، وقام وكيع فقرظه وذكر ~~محاسنه وذكر شعر أبي العتاهية في هارون الرشيد وهو: # أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها # فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها # ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها # ولم يبق في دار المقتدر حينئذ إلا نفر يسير، وهر بعضهم إلى ابن المعتز، ~~فسعى مؤنس الخازن وسوسن في نقض هذا العقد في اليوم الثاني، وجددا للناس ~~بيعة المقتدر، ms175 وأخرجا الأموال فزادا في الأعطية، فانجفل الناس إليهما، ولم ~~يبق مع ابن المعتز أحد؛ فهرب إلى دار ابن الجصاص، وهذا خبر طويل ليس هذا ~~موضع استقصائه. ثم خلع المقتدر بعد ذلك وقتل في الحرب، ولم يقتل في الإسلام ~~خليفة بين الصفين غيره. # ولما ظهر ابن المعتز ميتا رثاه الناس؛ فقال ابن بسام: # لله درك من ميت بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب # ما فيه لو ولا ليت فتنقصه ... وإنما أدركته جرفة الأدب # وطولب ابن الجصاص بالتجائه إليه، وأراد المقتدر قتله. فقال: يا أمير ~~المؤمنين؛ إنه ابن عمك، وقد لجأ إلى داري، وأنا غائب عنها، فكتمت أمره لعل ~~رأيك يحسن فيه، ولست بمضاد في خلافة ولا قادح في مملكة، وقتلي لا ينفعك؛ ~~وفي حياتي لك فائدة. قال: وما فائدة حياتك؟ قال: أدفع إليك كل يوم ألف ~~دينار؛ فترك ووفى في ذلك مدة. ### | رثاء ابن بسام لابن المعتز # وقد استحسن لابن بسام رثاؤه لابن المعتز على سوء رأيه فيه ومهاجاته له. ### | كتاب للبديع في مرض الخوارزمي # وقد أحسن بديع الزمان في هذا المعنى كل الإحسان، وقد كتب إليه إبراهيم بن ~~أحمد بن حمزة يهنئه بمرض أبي بكر الخوارزمي وكان بينهما من المهاجاة ~~والمهاترة والمنازعة والمنافرة ما يطول به الشرح: الحر أطال الله بقاءك لا ~~سيما إذا عرف الدهر معرفتي، ووصف أحواله صفتي، إذا نظر علم أن نعم الدهر ما ~~دامت معدومة فهي أماني، فإذا وجدت فهي عواري، وأن محن الأيام وإن مطلت ~~فتستنفد، وإن لم تصب فكأن قد؛ فكيف يشمت بالمحنة من لا يأمنها في نفسه، ولا ~~يعدمها في جنسه. والشامت إن أفلت فليس يفوت. وإن لم يمت فسوف يموت، وما ~~أقبح الشماتة بمن أمن الإماتة، فكيف بمن يتوقعها بعد كل لحظة، وعقيب كل ~~لفظة، والدهر غرثان طعمه الخيار، وظمآن شربه الأحرار. فهل يشمت المرء ~~بأنياب آكله، أو يسر العاقل بسلاح قاتله؟ وهو الفاضل شفاه الله، وإن ظاهرنا ~~بالعداوة قليلا، فقد باطناه ودا جميلا، والحر عند الحمية لا يصطاد، ولكنه ~~عند الكرم ms176 ينقاد، وعند الشدائد تذهب الأحقاد؛ فلا تتصور حالي إلا بصورتها ~~من التوجع لعلته، والتحزن لمرضته، وقاه الله المكروه، ووقاني الله سماع ~~المكروه فيه. ### | الخوارزمي رافضي # PageV01P096 # وكان الخوارزمي رافضيا غاليا؛ أخبرني من رآه بنيسابور وقد خرج سكران وقد ~~كظه الشراب فطلب فقاعا فلم يجده، فقال: أيعوزني الفقاع لما طلبته. فإذا كان ~~يهتف بهذه الجملة لغير علة، فكيف به مع تفزيع العلل، وتوسيع الأمل، ممن ~~يطابقه على كفره، ويوافقه في سره. وكان فاحشا بذيئا، مستخفا جريئا على ذوي ~~الإنعام عليه، والإحسان إليه، قال إسماعيل بن عباد لما بلغه موته: # سألت بريدا من خراسان مقبلا ... أمات خوارزميكم؟ قال لي: نعم! # فقلت اكتبوا بالجص من فوق قبره ... ألا لعن الرحمن من يكفر النعم ### | وسع قبيح في جبهة الخوارزمي # وكان هجا بعض الملوك فظفر به فوسمه في جبهته سطرين فيهما شطران بأقبح ~~هجاء، فكان يشد العمامة على حاجبيه سترا عليهما. ولذلك قال البديع في ~~مناظرته إياه وقد ذكر مجلسا طويلا غنى المغني بحضرتنا: # وشبهنا بنفسج عارضيه ... بقايا اللطم في الخد الرقيق # فقال للحاضرين: أنا أروي الشعر الذي منه هذا البيت وهذا لا يرويه. فقلت: ~~روايتي تخالف روايتك، وإذا أنشدتكها على روايتي ساءتك في استماعها، ولم ~~يسرك مصنوعها. قال: وكيف روايتك؟ قال قلت: # وشبهنا بنفسج عارضيه ... بقايا الوسم في الوجه الصفيق # فلما أضجرته النكتة، أخذته السكتة، فخمدت ناره، ووقف حماره. ### | بين البديع والخوارزمي # وكان البديع رحمه الله، وهو أبو الفضل أحمد بن الحسين: قد أشرقه بريقه، ~~ووعر عليه ما سهل من طريقه. وكان الخوارزمي يرميه ببغض علي رضوان الله ~~عليه، ويشنع علي بذلك ويغري به الطالبيين: # يقولون لي لا تحب الوصي؟ ... فقلت الثرى بفم الكاذب # أحب النبي وآل النبي ... وأختص آل أبي طالب # وأعطي الصحابة حق الولاء ... وأجري على سنن الواجب # فإن كان نصبا ولاء الجميع ... فإني كما زعموا ناصبي # وإن كان رفضا ولاء الوصي ... فلا برح الرفض من جانبي # فلله أنتم وبهتانكم ... ولله من عجب عاجب # وإن كنتم من ولاء الوصي ... على العجب كنت على ms177 الغارب # يرى الله سري إذا لم تروه ... فلم تحكمون على الغائب # ألا تبصرون لرشد معي ... ولا تهتدون إلى الله بي # أعز النبي وأصحابه ... فما المرء إلا مع الصاحب # أيرجو الشفاعة من سبهم؟ ... بل المثل السوء للضارب # حنانيك من طمع بارد ... ولبيك من أمل كاذب # له في المكاره قلب الجبان ... وفي الشبهات يد الحاطب ### | كتاب البديع إلى بعض الرؤساء # وكتب البديع إلى بعض الرؤساء وذكر الخوارزمي: ما ألوم هذا الفاضل على نشر ~~شر طواه، وموقد حرب اجتواه، ولكني ألومه على ما نواه، ولم يتبع فيه هواه، ~~ورامه، ولم يبلغ تمامه. وأقول: قد ضرب فأين الإيجاع؟ وأنذر فأين الإيقاع؟ ~~وهذه بوارقه، فأين صواعقه؟ وذاك وعيده، فأين عديده؟ وتلك بنوده، فأين ~~جنوده؟ وأنشد: # هذي معاهده فأين عهود # ما أهول رعده، لو أمطر بعده! اللهم لا كفران، أراه أشفق لغريب أن يظهر ~~عواره، وإن طار طواره، فإن كان قصد هذا القصد فقد أساء إلى نفسه من حيث ~~أحسن إلي، وأجحف بفضله من حيث أبقى علي، وأوهم الناس أنه هاب البحر أن ~~يخوضه، والأسد أن يروضه، وشجعني عن لقائه، بعد أن فزعن بإيمائه، فبينا كنت ~~أنشد: إن جنبي عن الفراش لنابي إذ أنشدت: طاب ليلي وطاب فيه شرابي، وبينا ~~كنت أقول: ما لقلبي كأنه ليس مني إذ قلت: أين من كان موعدا لي بأني. ### | من مساجلات البديع والخوارزمي # وبين البديع والخوارزمي مراسلات ومساجلات، ومجالس ظريفة ومقامات، في ~~ابتداء وجواب، أخذت بوصل الحكمة وفصل الخطاب، ومن الهزل والجد. # PageV01P097 # فمن ظريف ما لأبي بكر من رسالة طويلة يهزأ بها بالبديع: تواضع لنا رحمك ~~الله، فإن التواضع خلق من أخلاق السلف، وشبكة من شباك الشرف، وتصدق علينا ~~ببشرك، فإن الله يجزي المتصدقين، وأحسن فإن الله يحب المحسنين، ولاين ~~إخوانك في قولك وفعلك، ولو كنت فظا غليط القلب لانفضوا من حولك. ولولا أني ~~رحمك الله لا أقول بالرجعة، ولا أذهب مذهب التناسخية، لظننت أنك يونس بن ~~فروة إذ قيل فيه: # أما ابن فروة يونس فكأنه ... من كبره ذاك الحمار ms178 القائم # ما الناس عندك غير نفسك وحدها ... والناس عندك ما عداك بهائم # فلقد أعجبت بنفسك الخسيسة التي لا تستحق العجب، وأحببت ما لا يساوي الحب، ~~حتى كأن كسرى أنو شروان حامل غاشيتك، وكأن قارون وكيل نفقتك، وحتى كأنك ~~بنيت منارة الإسكندرية من آجر دارك، وشدت ملعب سليمان من بقايا رخام صحنك؛ ~~وكأن خاتم الدنيا في خصرك، وحساب خرجها ودخلها في بنصرك، وحتى كأن الشمس ~~تطلع من جبينك، والغمام يندى من يمينك، وكأن كسرى أنو شروان صاحب نفقة ~~إصطبل دوابك، ونمرود بن كنعان قهرمانك على ولدك وأهلك، وحتى كأن الكبريت ~~الأحمر خزف دارك، والدرة اليتيمة في أخس سوارك. # رحمك الله! دع لليونانية من الحكمة ما ينفق به سوقهم، واترك لبني العباس ~~من التملك ما تمشي به أمورهم، وأبق للشمس والقمر من الحسن بمقدار ما يلوحان ~~به، ويطلعان فيه؛ وانظر إلى النساء من وراء حجاب، ومن خلف برقع، وإلا خرجن ~~في عشقك من ستر الله، وقطعن أيديهن وقلن حاشا لله، ولا تحمل الحرائر على ~~خشونة الطلاق، ولا تذق المماليك مرارة العناق. # رحمك الله! لي حوائج إن قضيتها فقد تسلفت شكري وثنائي، وإن رددتني عنها ~~فقد رأيت أنموذج سخطي وشكواي، قد اتفق الناس على ضياع النسخة الأولى من ~~كتاب العين فأملها علينا رحمك الله! والكيمياء فقد أنفقت فيها الأموال، ~~وتعب فيها الرجال، ثم لم يحصوا منها إلا على مواعيد مزخرفة، وأماني مسوفة، ~~فما عليك لو علمتناها، وأغنيت الفقراء، وزدت الأغنياء، وأرحت الناس من ~~الضرب في البلاد، ومن الكد والاجتهاد، ومن أن يخدم فقير غنيا، ويتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا. # والزيج الأكبر فقد انقطع أصله، ومات أهله، وهو من مفاخر الروم علينا، ومن ~~محاسنهم دوننا. فاعمل على إصلاحه، ولا تدع النصارى يفضلون المسلمين في ~~إبداعه. ومسجد دمشق فهو حسنة يباهي أهل المغرب أهل المشرق، فابن لنا مثله، ~~ولا تثبت علينا فضله؛ فإنما هي ساعة من هندستك، وجزء نستعمله من أجزاء ~~حكمتك. # أنا لو سلمت أنك إنسان لنفيت عن نفسي الإنسانية، وقضيت عليها بالبهيمية، ~~وصرت أعلى ms179 منك في النقص حكمة، وفي الجهل طبقة. وإذا أردت أن تعلم أني في ~~ذمك جاد، وفي مدحك لاعب، وفي الشهادة عليك صادق، وفي الشهادة لك كاذب، ~~فانظر إلى تهافت كلامي إذا لاينتك وجاملتك، وإصابتي الغرض وحزي المفصل إذا ~~كاشفتك وباينتك، وذلك أن الصادق معان مأخوذ بيديه، والكاذب مخذول مغضوب ~~عليه، وما كان الله ليوفقني وأنا أجامل من لا يعرف قط إجمالا ولا تجميلا، ~~وأفضل من لم يناسب مذ كان إفضالا ولا تفضيلا. # وليس يخفى عليك أكرمك الله تطاول أهل العراق بعبد الله بن هلال الهجري ~~صديق إبليس؛ فأرنا رحمك الله من عجائب صنعتك، ولطائف شعبذتك، وأظهر من كتبك ~~ما تحاكي به كتب اليونانية، وتكسد شعرهم وتهدم فخرهم؛ فإن إبليس تلميذ لك، ~~تعلم منك وأخذ عنك؛ وشتان بين من يدعي أن إبليس من أعوانه، وبين من يدعي ~~أنه من غلمانه. وهل استنظر إبليس إلى يوم الوقت المعلوم إلا ليدرك زمانك، ~~ويرى برهانك، أي وفقدك فلا شيء أعز علي منه! ولا أحسن في عني، أما سمعت قول ~~علي بن جبلة في أبي دلف: # إنما الدنيا أبو دلف ... بين بادية ومحتضره # فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره # إلا غضبت عليه، واعتقدت أنه أخذ صفتك، وأعار أبا دلف مدحتك، ولا سمعت ~~قوله: # إما الدنيا حميد ... وعطاياه الجسام # فإذا ولى حميد ... فعلى الدنيا السلام # إلا تمنيت لو عرفت قبره فرجمته، أو عرفت بيته فهدمته، ولا سمعت قول ليلى ~~الأخيلية: # فتى كان أحيى من فتاة حيية ... وأشجع من ليث بخفان خادر # PageV01P098 # إلا قلت: كيف لو رأت ليلى أخانا، فتعلم أين دعواها من دعوانا. ولا أنشدت ~~قول أبي السعلاء في الرشيد: # أغيثا تحمل الناق ... ة أم تحمل هارونا # أم الشمس أم البدر ... أم الدنيا أم الدينا # فإني والله أتعجب حين قاله في غيرك، كيف لم ترم جهنم بشرارها، والشياطين ~~بأحجارها، وأعجب من قول من قال في معن بن زائدة: # مسحت معد وجه معن سابقا ... لما جرى وجرى ذوو الأحساب # كيف يسبق غيرك في حلبة وأنت ms180 في عدادها، أم كيف يكون غيرك سابق جيادها؟ ~~أنت أيدك الله بين هؤلاء الشعراء مرحوم مظلوم، سلبوك علاك وهي حلاك، ~~ونحلوها قوما سواك، والمدح الكاذب ذم، والبناء على غير أساس هدم. # وهي طويلة جدا، مر له فيها إحسان كثير. وإنما احتذى في أثرها مثال رسالة ~~أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ لأحمد بن عبد الوهاب المعروفة برسالة الطول ~~والعرض وتعرف برسالة التوسع والتدوير ورسالة المفاكهات، واتبع أيضا طريق ~~أبي الفضل بن العميد في رسالته لابن سمكة النحوي. ### | بين الخوارزمي والبديع # وقد جمع بديع الزمان جوامع ما جرى بينه وبينه في كتاب أنفذه إلى بعض ~~الأشراف، أنا أكتب منه ها هنا قطعة على اختصار، وهو وإن كان طويلا فليس ~~مملولا، لما ألبسه من حلل البلاغة، وحلل البراعة، وجدته في الآذان، وحلاوته ~~في الأذهان؛ وفيه أنواع تنفتح لها الأسماع، وتنشرح لها الطباع، مما ألف هذا ~~الكتاب له من الملح الظريفة، والفكاهات الشريفة. # وأولها: سأل السيد أمتع الله ببقائه إخوانه أن أملي جوامع ما جرى بيننا ~~وبين أبي بكر الخوارزمي أعزه الله من مناظرة مرة، ومنافرة أخرى، وموادعة ~~أولا، ومنازعة ثانيا، إملاء يجعل الأسماع له عيانا؛ فتلقيته بالطاعة، على ~~حسب الاستطاعة، ولكن للقضية سبب لا تطيب إلا به، ومقدمات لا تحسن إلا معها، ~~وسأسوق بعون الله صدر حديثنا إلى النجز، كما يساق الماء إلى الأرض الجرز: ~~وأولها: إنا وطئنا خراسان، فما اخترنا إلا نيسابور دارا، وإلا جوار السادة ~~جوارا، لا جرم إنا حططنا بها الرحل، ومددنا عليها الطنب، وقديما كنا نسمع ~~بحديث هذا الفاضل فنتشوقه، ونخبر به ونخبره على الغيب فنتعشقه، ونقدر أنا ~~إذا وطئنا أرضه، ووردنا بلده، يخرج لنا في العشرة على القشرة، وفي المودة ~~عن الجلدة، فقد كانت كلمة الغربة جمعتنا، ولحمة الأدب نظمتنا، وقد قال شاعر ~~القوم غير مدافع. # أجارتنا إنا غريبان ها هنا ... وكل غريب للغريب نسيب # فأخلف ذلك الظن كل الإخلاف، واختلف ذلك التقدير كل الاختلاف، وقد كان ~~اتفق علينا في ذلك الطريق من العرب اتفاق، لم يوجبه ms181 استحقاق، من بزة بزوها، ~~وفضة فضوها، وذهب ذهبوا به. ووردنا نيسابور براحة أنقى من الراحة، وكيس ~~أخلى من جوف حمار، وزي أوحش من طلعة المعلم، بل اطلاعة الرقيب، فما حللنا ~~إلا قصبة جواره، ولا وطئنا إلا عتبة داره، هذا بعد رقعة قدمناها، وأحوال ~~أنس نظمناها؛ فلما أخذتنا عينه، سقانا الدردي من أول دنه، وأجنانا سوء ~~العشرة من باكورة فنه، من طرف نظر بشطره، وقيام دفع في صدره، وصديق استهان ~~بقدره، وضيف استخف بأمره؛ لكنا أقطعناه جانب أخلاقه، ووليناه خطة رأيه، ~~وقاربناه إذ جاذب؛ وواصلناه إذ جانب، ولبسناه على خشونته، وشربناه على ~~كدورته، ورددنا الأمر في ذلك إلى زي استغثه، ولباس استرثه، وكاتبناه نستلين ~~قياده، ونستميل فؤاده، ونقيم مناده، بما هذه نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم ~~الأستاذ أبو بكر والله يطيل بقاءه، أزرى بضيفه إذ وجده يضرب إليه آباط ~~القلة، في أطمار الغربة؛ فأعمل في ترتيبه أنواع المصارفة، وفي الاهتزاز له ~~أصناف المضايقة، من إيماء بنصف الطرف، وإشارة بشطر الكف، ودفع في صدر ~~القيام، ومضغ للكلام، وتكلف لرد السلام. # وقد قبلت ترتيبه صعرا، واحتملته وزرا، واحتضنته نكرا، وتأبطته شرا، ولم ~~آله عذرا، فإنما المرء بالمال، وثياب الجمال، ولست مع هذه الحال، وفي هذه ~~الأسمال، أتقذر صف النعال. فلو أني صدقته العتاب، وناقشته الحساب، لقلت: إن ~~بوادينا ثاغية صباح، وراغية رواح، وناسا يجرون المطارف، ولا يمنعون ~~المعارف: # وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل # PageV01P099 # فلو طرحت بأبي بكر إليهم طوائح الغربة لوجد منال البشر قريبا، ومحط الرحل ~~رحيبا، ووجه المضيف خصيبا. # ورأي الأستاذ أبي بكر أيده الله في الوقوف على هذا العتاب الذي معناه ود، ~~والمر الذي يتلوه موفق إن شاء الله تعالى. # فأجاب بما في نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم: وصلت رقعة سيدي ورئيسي، ~~أطال الله بقاءه، إلى آخر السكباج، وعرفت ما تضمنه من خشن خطابه، ومؤلم ~~عتبه وعتابه، وصرفت ذلك منه إلى الضجرة التي لا يخلو منها من مسه عسر، ونبا ~~به دهر، والحمد لله الذي جعلني موضع أنسه، ms182 ومظنة مشتكى ما في نفسه. # أما شكاة سيدي ورئيسي من مضايقتي إياه كما زعم في القيام، فقد وفيته حقه ~~أيده الله سلاما وقياما على قدر ما قدرت عليه، ووصلت إليه، ولم أرفع عليه ~~إلا السيد أبا البركات العلوي، وما كنت لأوثر أحدا على من أبوه الرسول وأمه ~~البتول، وشاهده التوراة والإنجيل، وناصره التأويل والتنزيل، والبشير به ~~جبريل وميكائيل. فأما القوم الذين صدر عنهم سيدي فكما وصف: حسن عشرة، وسداد ~~طريقة، وكمال تفصيل وجملة، ولقد جاورتهم فأحمدت المراد، ونلت المراد: # فإن أك قد فارقت نجدا وأهله ... فما عهد نجد عندنا بذميم # والله يعلم نيتي للأحرار كافة، ولسيدي من بينهم خاصة؛ فإن أعانني على بعض ~~ما في نفسي بلغت له بعض ما فيه النية، وجاوزت به مسافة القدرة، وإن قطع علي ~~طريق عزمي بالمعارضة، وسوء المؤاخذة، صرفت عناني عن طريق الاختيار، بيد ~~الاضطرار: # وما النفس إلا نطفة بقرارة ... إذا لم تكدر كان صفوا غديرها # وبعد: فحبذا عتاب سيدي إذا استوجبنا عتبا، واقترفنا ذنبا؛ فأما أن يسلفنا ~~العربدة، فنحن نصونه عن ذلك، ونصون أنفسنا عن احتماله؛ ولست أسومه أن يقول: ~~استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين. ولكني أسأله أن يقول: لا تثريب عليكم ~~اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. # فحين ورد الجواب، وعين العذر رائدة تركناه بعره، وطويناه على غره وعمدنا ~~لذكره فسحوناه، ومن صحيفتنا محوناه؛ وصرنا إلى اسمه فأخذناه ونبذناه، ~~وربكنا خطته، وتجنبنا خطته، فلا طرنا إليه ولا طرنا به. ومضى على ذلك ~~الأسبوع ودبت الأيام، ودرجت الليالي، وتطاولت المدة، وتصرم الشهر، وصرنا لا ~~نعير الأيام ذكره، ولا نودع الصدور حديثه، وجعل هذا الفاضل يستزيد ويستعيد، ~~بألفاظ تقطفها الأسماع من لسانه، وتوردها إلي، وكلمات تحفظها الألسنة من ~~فمه وتعيدها علي، فكاتبناه بما هذه نسخته: أنا أرد من سيدي الأستاذ أطال ~~الله بقاءه شرعة وده وإن لم تصف، وألبس حلة بره وإن لم تضف، وقصاراي أن ~~أكيله صاعا عن مد؛ فإني وإن كنت في الأدب دعي النسب، ضعيف السبب، سيىء ~~المنقلب: ضيق ms183 المضطرب، أمت إلى عشرة أهله بنيقة، وأنزع إلى خدمة أصحابه ~~بطريقة، ولكن بقي أن يكون الخليط منصفا في الوداد، إن زرت زار، وإن عدت ~~عاد. وسيدي أيده الله ناقشني في القبول أولا، وصارفني في الإقبال ثانيا. ~~فأما حديث الإقبال، وأمر الإنزال، فنطاق الطمع ضيق عنه، غير متسع لتوقعه ~~منه، وبعد، فكلفة الفضل هينة، وفروض الود متعينة، وأرض العشرة لينة، وطرقها ~~بينة، فلم أختار قعود التغالي مركبا، وصعود التعالي مذهبا، وهلا ذاد الطير ~~عن شجر العشرة، وذاق الحلو من ثمرها؛ فقد علم الله تعالى أن شوقي إليه قد ~~كد الفؤاد برحا إلى برح، ونكأه قرحا على قرح، ولكنها مرة مرة ونفس حرة، لم ~~تقد إلا بالإعظام، ولم تلق إلا بالإجلال والإكرام، وإذا استعفاني من ~~معاتبته، وأعفى نفسه من كلف الفضل يتجشمها، فليس إلا غصص الشوق أتجرعها، ~~وحلل الصبر أتدرعها، ولم أعره من نفسي، وأنا أعلم لو أني أعرت جناحي طائر ~~لما طرت إلا إليه، ولا وقعت إلا عليه: # أحبك يا شمس المعالي وبدرها ... وإن لامني فيك السها والفراقد # وذاك لأن الفضل عندك باهر ... وليس لأن العيش عندك بارد # PageV01P100 # فلما وردت عليه الرقعة؛ حشد تلاميذه وخدمه، وزم عن الجواب قلمه، وحبس ~~للإيجاب قدمه، وطلع مع الفجر علينا. ونظمت حاشيتنا دار الإمام أبي الطيب. ~~فقلت: الآن تشرق الحشمة وتنور، وتنجد في العشرة وتغور، وقصدناه شاكرين ~~لمأتاه؛ وانتظرنا عادة بره، وتوقعنا مادة فضله، فكان خلبا شمناه، وآلا ~~وردناه، وصرفنا الأمر في تأخره، وتأخرنا عنه إلى ما قال عبد الله بن ~~المعتز: # إنا على البعاد والتفرق ... لنلتقي بالذكر إن لم نلتق # وقول آخر وقد أحسن وزاد: # أحبك في البتول وفي أبيها ... ولكني أحبك من بعيد # وبقينا نلتقي خيالا، ونقنع بالذكر وصالا، حتى جعلت عواصفه تهب، وعقاربه ~~تدب، وهو لا يرضى بالتعريض حتى يصرح، ولا يقنع بالنفاق حتى يعلن، وأفضت ~~الحال به وبنا معه إلى أن قال: لو أن بهذا البلد رجلا تأخذه هزة الهمم، ~~وتملكه أريحية الكرم، لجمع بيني وبين فلان يعنيني: # ثم أرى إذا ms184 انجلى الغبار ... أفرس تحتي أم حمار # وود فلان بوسطاه، بل بيمناه، لو رحلنا وقلنا في المناخ له، وأتى بكلمات ~~تحذو هذا الحذو، وتنحو هذا النحو، وألفاظ أتتنا من علو، فكان من جوابنا: ~~بعض الوعيد يذهب في البيد. وقلنا: الصدق ينبىء عنك لا الوعيد. وقلنا: إن ~~أجرأ الناس على الأسد أكثرهم له رؤية. # وقد قال بعض أصحابنا: قلت لفلان: لا تناظر فلانا فإنه يغلبك. قال: أمثلي ~~يغب وعندي دفتر مجلد، ووجدنا عندنا دفاتر مجلدة، وأجزاء مجودة، وأنشدناه ~~قول حجل بن نضلة: # جاء شقيق عارضناه رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح # هل أحدث الدهر لنا توبة ... أم هل رفت أم شقيق سلاح # وقلنا: إنا نقتحم الخطب، ونوسط الحرب، فنردها مفحمين ونصدر بلغاء: # وألسننا قبل النزيل قصيرة ... ولكنها بعد النزال تطول # فمن ظن أن قد يلاقي الحرو ... ب وألا يصاب فقد ظن عجزا # فإنك متى شئت لقيت منا خصما ضخما، ينهشك قضما، ويأكلك خضما، وحملناه على ~~قول القائل: # السلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب تأخذ من أنفاسها جزع # وقلنا له: # نصحتك فالتمس يأويك غيري ... طعاما إن لحمي كان مرا # ألم يبلغك ما فعلت ظباه ... بكاظمة غداة لقيت عمرا # وجعل الشيطان يثقل بذلك أجفان طرفه، ويقيم به شعرات أنفه: # وحتى ظن أن الغش نصحي ... وخالفني كأني قلت هجرا # واتفق أن السيد أبا علي أدام الله عزه نشط للجمع بيننا؛ فدعاني فأجبت، ~~وعرض علي حضور أبي بكر فطلبت ذلك، وقلت: هذه عدة لم أزل أتنجزها، وفرصة لا ~~أزال أنتهزها. # فتجشم السيد أبو الحسن أعزه الله مكاتبته يستدعيه، فاعتذر أبو بكر بعذر ~~في التأخر. فقلت: لا ولا كرامة للدهر أن نقعد تحت ضيمه، أو نقبل خسف ظلمه. ~~وكتبت أنا له أشحذ عزمته على البدار، وألوي رأيه عن الاعتذار، وأعرفه ما في ~~ذلك من ظنون تشتبه، وتهم تتجه، وتناذير تختلف، واعتقادات تخلف، وقدنا إليه ~~مركوبا لنكون قد ألزمناه الحج، وأعطيناه الراحلة؛ فجاءنا بطبقة أف، وعدد ~~تف: # كل بغيض طوله أصبع ... وأنفه خمس أشبار # مع أصحاب عانات، ms185 وأرباب جربانات، وسرحنا الطرف منه ومنهم في أحمى من است ~~النمر، وأعطس من أنف النغر، فرأينا رجالا جوفا، قد حلقوا صوفا، فأمنا ~~المعرة، ولم نخش المضرة. # والمناظرة بينهما يطول ذكرها، ويعظم قدرها، ويخرج بها الكتاب عن حده؛ ~~ولكني ألمع منها باليسير، إذ لو ذكرت جميع المعارضات والمناقضات، والمبادهة ~~والمواجهة، لأضعفت على ما كتبت. # فمن ذلك أن البديع قال قلت له: اقترح علي غاية ما في طوقك، ونهاية ما في ~~وسعك، حتى أقترح عليك أربعمائة صنف من الترسل؛ فإن سرت فيها برجلين، ولم ~~أطر بجناحين، فلك فيها السبق. # مثال ذلك، أن أقول لك: اكتب كتابا يقرأ جوابه منه؛ هل يمكنك أن تكتب؟ أو ~~أقول لك: اكتب كتابا على المعنى الذي أقترح، وانظم شعرا وافرغ منهما فراغا ~~واحدا؛ هل كنت تمد لهذا ساعدا؟ # PageV01P101 # أو أقول لك: اكتب كتابا في المعنى الذي أقول وأنص عليه، وأنشد من القصائد ~~ما أريده من غير تثاقل ولا تغافل، حتى إذا كتبت ذلك قرىء من آخره إلى أوله، ~~وانتظمت معانيه إذا قرىء من أسفله؛ هل كنت تفوق لهذا الغرض سهما، أو تجيل ~~قدحا، أو تصيب نجحا؟ أو قلت لك: اكتب كتابا إذا قرىء من أوله إلى آخره كان ~~كاتبا، وإذا عكست سطوره مخالفة كان جوابا؛ هل كنت في هذا العمل واري الزند، ~~قاصد القصد؟ أو قلت لك: اكتب كتابا على المعنى الذي أقترح، لا يكون فيه ~~معنى متصل من واو تتقدم الكلمة، أو منفصل عنها بديهة، هل كنت تفعل؟ أو قلت ~~لك: اكتب كتابا خاليا من الألف واللام، لا تصب معانيه إلا على قالب ألفاظه، ~~ولا تخرجه من جهة أغراضه، هل كنت تقف من ذلك موقفا مشهورا؟ أو يبعك ربك ~~مقاما محمودا؟ أو قلت لك: اكتب كتابا أوائل سطوره كلها ميم، وآخرها جيم، ~~على المعنى الذي أريد، هل كنت تغلو في قوسه غلوة، أو تخطو في أرضه خطوة؟ أو ~~أقول لك: اكتب كتابا يخلو من الحروف العواطل، هل كنت تحظى منها بطائل؟ أو ~~تبل لهاتك بناطل؟ أو ms186 أقول لك: اكتب كتابا إذا قرىء معوجا، أو سرد معرجا، ~~كان شعرا، هل كنت تقطع في ذلك شعرا؟ بلى، والله تصيب ولكن من بدنك، وتقطع ~~ولكن من ذقنك. # أو أقول لك: اكتب كتابا إذا فسر من وجه كان مدحا، وإذا فسر من وجه آخر ~~كان قدحا، هل كنت تقدر على هذه العمدة؟ أو تخرج من هذه العهدة؟ أو أقول لك: ~~اكتب كتابا كنت قد حفظته من دون أن لحظته، هل كنت تثق من نفسك به؟ بل است ~~البائن أعلم. # فقال أبو بكر: هذه الأبواب شعبذة فقلت: وهذا القول طرمذة، فما الذي تحسن ~~أنت من الكتابة وفنونها، حتى أباحثك عن مكنونها، وأكاثرك بمخزونها، وأثير ~~فيها قلمك، وأسبر لسانك وفمك. فقال: الكتابة التي يتعاطاها أهل الزمان، ~~المتعارفة بين الناس. # فقلت: أليس لا تحسن من الكتابة إلا هذه الطريقة الساذجة، وهذا النوع ~~الواحد المتداول بكل قلم، المتناول بكل يد وفم، ولا تحسن هذه الشعبذة. # فقال: نعم! فقلت: هات الآن حتى أطاولك بهذا الحبل، وأنابلك بهذا النبل، ~~ثم تقاس ألفاظي بألفظاك، ويعارض إنشائي بإنشائك؛ فأقترح كتابا يكتب في ~~النقود وفسادها، وفي التجارات وكسادها ووقوفها، والبضاعات وانقطاعها، ~~والأسعار وغلائها. # فكتب أبو بكر بما نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، الدرهم والدينار ثمن ~~الدنيا والآخرة؛ بهما يتوصل إلى جنات النعيم، ويخلد في نار الجحيم، قال ~~الله تعالى: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك ~~سكن لهم والله سميع عليم ". وقد بلغنا من فساد النقود ما أكبرناه أشد ~~الإكبار؛ وأنكرناه أعظم الإنكار، لما نراه من الصلاح للعباد، وننويه من ~~الخير للبلاد، وتعرفنا في ذلك بما يربح الناس في الزرع والضرع إلى كلمات لم ~~تعلق بحفظنا. # فقلت: إن الإنكار والإكبار، والبلاد والعباد، وجنات النعيم ونار الجحيم، ~~والزرع والضرع، قد نبت عن العد، وزلت عن اليد، وقد كتبت كما ترى بما ساوق ~~فيه اللسان القلم، وسابقت اليد الفم، ولا أطالبك بمثل ما أنشأت. فاقرأه ولك ~~اليد، وناولته الرقعة فبقي وبقيت الجماعة، وبهت وبهتت الكافة. # وهذا ما ms187 كتب البديع ارتجالا: بسم الله الرحمن الرحيم: الله شاء أن ~~المحاضر صدور بها وتملأ المنابر، ظهور لها وتفرع الدفاتر، وجوه بها وتمشق ~~المحابر، بطون لها ترشق آثارا، كانت فيه، آمالنا مقتضى على أياديه، في ~~تأييده الله أدام الأمير جرى، وإذا المسلمين ظهور عن الثقل هذا ويرفع ~~الدين، أهل عن الكل هذا يحط أن في إليه نتضرع، ونحن واقفة، والتجارات ~~زائفة، والنقود صيارفة، أجمع الناس صار فقد كريما نظرا إلينا لينظر شيمه، ~~مصاب وانتجعنا كرمه، بارقة وشمنا هممه، على آمالنا رقاب وعلقنا أحوالنا، ~~وجوه له وكشفنا آمالنا، وفود إليه بعثنا فقد نظره بجميل يتداركنا أن ~~ونعماءه تأييده وأدام بقاءه الله أدام الحال الجليل الأمير رأى أن وصلى ~~الله على النبي محمد وآله وصحبه وسلم. # PageV01P102 # فجعلت أقرؤه منكوسا، وأسرده معكوسا، والعيون تبرق وتحار. فلما فرغت من ~~قراءتها انقطع ظهر أحد الخصمين. وقال الناس: قد عرفنا الفاضل من المفضول، ~~ثم ملنا إلى اللغة والعروض والنحو والشعر والحفظ، فلما برد ضجر الناس ~~وقاموا يفدونني بالأمهات، ويشتمون الفرس المنبت؛ وقام أبو بكر فغشي عليه، ~~وقمت إليه فقلت: # يعز علي في الميدان أني ... قتلت مناسبي جلدا وقهرا # ولكن رمت شيئا لم يرمه ... سواك فلم أطق يا ليث صبرا # وخرجت وقد اجتمع الناس؛ فتلقوني بالشفاه تقبيلا، وبالأفواه تبجيلا، ~~وانتظروا خروجه إلى أن غابت الشمس فلم يظهر أبو بكر، حتى خفره الليل ~~بجنوده، وخلع عليه الظلام خلع بروده. ### | عود إلى النوادر مع الشق # كان بمصر شريف من ولد أبي العباس يعرف بأبي جعفر الشق، شبيه بابن الجصاص ~~في الغفلة والجد والنعمة. قال أبو القاسم بن محمد التنوخي: بعثني أبي إليه ~~من قرية تعرف بتلا يستقرضه عشرة أرداب قمحا وثلاثين زوج بقر، وكتب معي بذلك ~~رقعة؛ فأتيت إليه وسلمت عليه ودفعت إليه الرقعة. فقال: ذكرت أباك بخير وحرس ~~وأسعده، فهو صاحبي وصديقي وخليطي، وأين هو الآن؟ قلت: بقرية تلا أعز الله ~~سيدي الشريف. قال: نعم! حفظه الله ه بالفسطاط معنا؛ وقد انقطع عنا كذا، ما ~~كنت أظنه إلا غائبا. ms188 قلت: لا يا سيدي هو بتلا. قال: فما لك ما قلت لي؟ فما ~~كان سبيله أن يؤنسني برقعة من قبله. قلت: يا سيدي، قد دفعت إليك رقعته. ~~قال: وأين هي؟ قلت: تحت البساط، فأخذها وقرأها وقال: قل لي الآن؛ كان لك أخ ~~أعرفه حار الرأس حاد الذهن، يحسن النحو والعروض والشعر، فما فعل الله به؟ ~~قلت: أنا هو أعزك الله. قال: كبرت كذا، وعهدي بك تأتيني معه وأنت بزقة مخطة ~~لعقة قردلاش. قلت: نعم! أيد الله الشريف. قال: وما الذي جئت به؟ قلت له: ~~والدي بعثني إليك برقعة يسألك فيها قرض عشرة أرادب قمحا وثلاثين زوج بقر. ~~قال: وهو الآن بالفسطاط؟ قلت: لا يا سيدي هو بتلا. قال: نعم! وإنما ذاك ~~الفتى أخوك؟ قلت: لا، أنا هو، فهو يراجعني الكلام، وقد ضجرت من شدة غفلته ~~وكثرة نسيانه لما أقول له، حتى أقبل كاتبه أبو الحسين، فقال: سل هذا الفت ~~ما أراد. فسألني فعرفته فأخبره فقال له: نفذ له حاجته، فوقع لي الكتاب بما ~~أراد. وقال: تلقاني للقبض بالديوان، فشكرت الشريف ونهضت. # فقال: اصبر يا بني فقد حضر طعامنا. وقدم الطعام وفيه حصرمية غير محكمة، ~~فرفع يده وقال: مثل مطبخي يكون فيه مثل هذه! علي بالطباخ، فأتى، فقال له: ~~ما هذا العمل؟ فقال: يا سيدي؛ إنما أنا صانع وعلى قدر ما أعطى أعمل، وقد ~~سألت المنفق يشتري لي ما أحتاج إليه فتأخر عني فعملت على غير تمكن؛ فجاء ~~التقصير كما ترى. # فقال: علي بالمنفق فأحضر. فقال: مالي قليل؟ قال: لا يا سيدي، بل عندك نعم ~~واسعة. قال: فما لك تضايقنا في النفقة ولا توسع كما وسع الله علينا؟ قال: ~~يا سيدي، إنما أنفق ما أعطى، وقد سألت الجهبذ أن يدفع لي فتأخر عني. فقال: ~~علي بالجهبذ فأتي به. فقال: ما لك لم تدفع للمنفق شيئا؟ قال: لم يوقع لي ~~الكاتب. فقال للكاتب: لم لم تدفع إليه شيئا؟ فتلعثم في الكلام ولم يكن عنده ~~جواب. فقال للكاتب: قف ها هنا فوقف، ووقف ms189 خلفه الجهبذ، ووقف خلف الجهبذ ~~المنفق، وخلف المنفق الطباخ. وقال: نفيت من العباس إن لم يصفع كل واحد منكم ~~من يليه بأكثر ما يقدر عليه، فتصافعوا. # قال: فخرجت وأنا متعجب من غباوته ودقته في هذا الحكم. ### | إذا ذهب الحمار بأم عمرو # ودخل عليه كاتبه أبو الحسين فوجده يبكي بكاء شديدا، ويقول: واإنقصام ~~ظهراه، واهلاكاه! فقلت: ما للشريف لا أبكى الله عينه؟ فقال: ماتت الكبيرة ~~يريد أمه وكان بارا بها. فقلت: ماتت؟ قال: نعم! فشققت جيبي وأظهرت من الجزع ~~ما يجب لمثلي. ثم إني أنكرت الحال إذ لم أجد لذلك دليلا، لا أحد يعزيه، ولا ~~في الدار حركة؛ فبقيت حائرا حتى أتت الخادمة. فقالت: الكبيرة تقرئك السلام، ~~وتقول لك: إيش تأكل اليوم؟ قال: قولي لها، ومتى أكلت قط بغير شهوتك؟ فقلت: ~~يا سيدي، والكبيرة في الحياة؟ فقال: وإيش تظن أنها ماتت من حق؟ إنما رأيت ~~البارحة في المنام كأنها راكبة على حمار مصري تسقيه من النيل، فذكرت قول ~~الشاعر: إذا ذهب الحمار بأم عمرو ### | ..... # البيت المشهور. # PageV01P103 ### | لقد أنسيت أن أمك امرأة! # وقال أبو الحسين كاتبه: وأتيت إليه يوما وقد مات والدتي فعرفته فبكى، ~~وقال: ماتت كبيرتي ومربيتي، وهو كان أكبر منها بأربعين سنة. ثم قال لغلامه: ~~يا بشرى، قم فجئني بعشرين دينارا فأتاه بها. فقال: خذها فاشتر بعشرة دنانير ~~كفنا وتصدق بخمسة دنانير على القبر، وأقبل يصرف الخمسة الباقية فيما يحتاج ~~إليه من تجيزها. ثم قال لغلام آخر: امض أنت يا لؤلؤ إلى فلان صاحبنا لا ~~يفوتك يغسلها، فاستحييت منه. وقلت: يا سيدي، ابعث خلفك فلانة جارة لنا ~~تغسلها. قال: يا أبا الحسين، ما تدع عقلك في فرح ولا حزن، كأن حرمك ما هي ~~حرمي! كيف يدخل عليها من لا نعرفه. قلت: نعم! تأذن لي بذلك. قال: لا والله ~~ما يغسلها إلا فلان! فقلت: وكيف يغسل رجل امرأة؟ قال: وإنما أمك امرأة، ~~والله لقد أنسيت! ### | خدعنا عابر الرؤيا! # وكان يوما عند أبي بكر المادراني ثم خرج وهو طيب الخلق، فاجتاز بابن ms190 ~~زنبور فسمع خفق أوتار وغناء في داخل الدار، فوقف يسمع؛ فرآه غلام لابن ~~زنبور فدخل فأعلم مولاه فخرج حافيا. وقال: يا مولاي الشريف، تشرفني ~~بالدخول! قال: نعم، فدخل فقدم له طعاما فأكل وشرب ثلاثة أقداح وغنى ثلاثة ~~أصوات وانصرف، فنام ليلته فلما أصبح قال: يا بشرى؛ جئني الساعة بأبي شامة ~~العابر، فأتاه به فقال: رأيت البارحة كأني خرجت من دار إخواني فاجتزت بدار ~~حسنة، فسمعت خفق العيدان، وغناء القيان، فخرج إلي صاحب الدار، فأدخلني ~~فأفضيت إلى بستان في الساحة، أمامه نهر جليل، في صدره شاذروان، وقد فرش ~~المجلس بأنواع الديباج المثقل، وضربت ستارة فيها غرائب الصور وعجائب ~~الصنائع، وفيها قيان بأيديهن العيدان وهن يغنين أحسن الأغاني؛ فقدم لي خوان ~~عليه من كل الألوان فأكلت وشرب وغنيت وانصرفت. # ففسر له الرؤيا على ما يسره؛ فأمر له بخمسة دنانير، ثم مر بعد أيام بابن ~~زنبور وهو جالس على باب داره. فقال له: يا سيدي الشريف، ما تشرفني بعودة. ~~قال: إذا ماذا؟ قال: تثني إلى عادة حضورك. قال: ومتى تقدم إلى ذلك؟ قال: ~~ليلة كذا. قال: وإنما خدعنا العابر وأخذ متاعنا بالباطل! امضوا إليه وردوا ~~الخمسة دنانير منه؛ ثم فكر ساعة، وقال: دعوه لعله أنفقها وهو فقير! ### | تشتمني غائبا وحاضرا # وشرب مرة أخرى عند ابن زنبور الكاتب ومعه ابن المادراني، وحضر القيان ~~فغنين أطيب غناء؛ فقام الشريف إلى قضاء الحاجة، فأتت دابة ابن المادراني ~~فانصرف، والشريف في الخلاء، فقضى حاجته وعاد إلى موضعه، وكان ابن زنبور لما ~~انصرف أبو بكر رجع في دسته، فالتفت إليه الشريف، وقال: يا أبا بكر؛ هذا ~~الكلب ابن زنبور عنده مثل هذا السماع الطيب، ولا يمتعنا به كل وقت إنما ~~يدعونا من مدة إلى مدة. فقال له ابن زنبور: هو على قدر ما يتفق له من ~~الفراغ وهو مشتغل مع سلطانه في أكثر أيامه. قال: لا والله! ما هو إلا كلب ~~تجلب فاعل صانع. فقال له: أعز الله الشريف؛ أبو بكر انصرف وأنا ابن زنبور! ~~فقال له: اعذرني ms191 والله ما ظننتك إلا ابن المادراني؟ فقال: أراك تشتمني ~~غائبا وحاضرا! ### | أنا أبكر إليك # وقال له بعض أصحاب الإخشيد: أحب أن تبكر إلي بالغداة في حاجة للأمير، ~~أيده الله، وذكر الحاجة. فقال: أنا آتيك أول الناس كلهم، فمضى وأكل وشرب ~~أقداحا، ونام القائلة فاستيقظ بالعشي، فقام مذعورا؛ فلبس ثيابه، وركب إلى ~~الرئيس؛ فاستأذن عليه فدخل، وقال: اعذرني أعزك الله فقد ضربني النوم، والله ~~ما صليت الصبح من السرعة، ولقد آثرت المجيء إليك عليها، وأنا أستغفر الله ~~عليها؛ فضحك حتى استلقى. وقال له: قد احتجنا إلى تأخير الأمر إلى الغد إن ~~شاء الله. قال: فأنا أبكر إليك على كل حال، وانصرف. ### | من ملح الأعراب # قال بعض الرواة: خرجنا نريد البصرة فنزلنا على ماء لبني سعد، فإذا ~~أعرابية نائمة فأنبهناها للصلاة؛ فأتت الماء فوجدته باردا فتوجهت إلى ~~القبلة قاعدة ولم تمس الماء، فكبرت ثم قالت: اللهم قمت وأنا عجلى، وصليت ~~وأنا كلى؛ فاغفر لي عدد الثرى. قال: فعجبنا وقلنا: ما تجوز لك الصلاة وما ~~هذه بقراءة! قالت: والله إن هذه لصلاتي منذ أربعين سنة. # PageV01P104 # وقام أعرابي وقد حضرت الصلاة فقال: حي على العمل الصالح، قد قامت ~~بالفلاح. ثم تقدم فكبر. وقال: اللهم احفظ لي حسبي ونسبي، واردد علي ضالتي، ~~واحفظ هملي، والسلام عليكم. # وصلت أعرابية في شهر رمضان فقرأ الإمام السجدة فسجد وسجدت الناس؛ فخرجت ~~تحضر وتنادي، صعق الناس ورب الكعبة، وقامت القيامة! وقام أعرابي يصلي وحلفه ~~قوم جلوس، فقال: الله أكبر! أفلح من هب إلى صلاته، وأخرج الواجب من زكاته، ~~وأطعم المسكين من نخلاته، وحافظ على بعيره وشاته؛ فضحك القوم. فقال: أمن ~~هينمتي ضحكتم؟ أشهد عند الله على عمتي أنها سمعت ذلك من في مسيلمة. # وقف أعرابي يسأل فقال له رجل: يا أعرابي؛ هل لك في خير مما تطلب؟ قال: ما ~~هو؟ قال: أعلمك سورة من القرآن. فقال: لا والله؛ إني لأحسن ما إن عملت به ~~لكفاني!؟ أحسن منه خمس سور، فاستقرأته فقرأ: الحمد، والنصر، والكوثر وسكت. ~~فقلت: هذه ثلاث، فأين ms192 الاثنتان؟ قال: إني وهبتهما لابن عمي وعلمته إياهما، ~~ولا والله لا أرجع في شيء أبدا. # دخل أعرابي الحمام فلما أحس بوهجه أنشأ يقول: # أدخلت في بيت لهم مهندس ... قد ضربوه بالرخام الأملس # فسك سمعي واستطار نفسي ... وقلت في نفسي بالتوسوس # أدخلت في النار ولما أرمس ### | لأعرابي في الطلاء بالنورة # وقال أعرابي في الطلاء بالنورة: # أناس عليهم كسوة لا تجنهم ... سرابيل خضر ليس فيها بنائق # يبيعهموها تاجر لا يقيلهم ... ببيعهم تلك السرابيل حاذق ### | ولكشاجم في ذلك # وقال أبو الفتح كشاجم: # ومجرد كالسيف أسلم نفسه ... بمجرد يكسوه ما لا ينسج # ثوبا تمزقه الأنامل رقة ... ويذوب من نظر العيون وينهج # فكأنه لما استقل بجسمه ... نصفان ذا عاج وذا فيروزج ### | ومن نوادر الأعراب # وهب سليمان بن أبي جعفر لأعرابي كساء شامية؛ فلما أتى أهله وأبصره صبيانه ~~تطايروا فزعا من بين يديه، وقالوا: لقد أصابت أبانا داهية، فأنشد: # طرحت عمامتي ولبست تاجا ... على عنقي له ذنب طويل # تصايح صبيتي لما رأوه ... وقالوا جاء سعلاة وغول # قيل لأعرابي: أتعرف أبا عمرة يريد الجوع؟ قال: وكيف لا أعرفه وهو متربع ~~على كبدي؟ وقيل لآخر: أتتخمون؟ قال: وما التخمة؟ إن كانت التي يدور منها ~~الرأس فما تفارقنا يريد الجوع. # ومر أعرابي بمرآة ملقاة في مزبلة، فنظر وجهه فيها، فإذا هو سمج بغيض، ~~فرمى بها وقال: ما طرحك أهلك من خير. # ونظر مزيد وجهه في المرآة فرآه قبيحا. فقال: الحمد لله الذي لم يحمد على ~~المكروه سواه. # والشيء يذكر بما قاربه. ### | من هجاء الحطيئة # رأى الحطيئة وجهه في بئر فقال: # أرى لي وجها قبح الله خلقه ... فقبح من وجه وقبح حامله # ولهذا خبر؛ ذكرت الرواة: أن الزبرقان بن بدر استعدى على الحطيئة عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه وقال: هجاني بقوله: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # فقال عمر: ما أرى هذا هجاء؛ وكان أعلم بذلك من كل أحد، ولكنه أراد درء ~~الحدود بالشبهات. فقال الزبرقان: هذا حسان بن ثابت. فقال: علي بحسان، ~~فأنشده الشعر. ms193 فقال: ما هجاه يا أمير المؤمنين ولكن سلح عليه! فأحضر ~~الحطيئة، وقال: هات الشفرة أقطع لسانه؟ فاستشفع فيه فحبسه، فكتب إليه من ~~الحبس: # ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر # غادرت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر هداك مليك الناس يا عمر # أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقت إليك مقاليد النهى البشر # لم يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت لها الأثر # فبكى عمر وأحضره. فقال: قد والله يا أمير المؤمنين هجوت أبي وامرأتي ~~وأمي. قال: وكيف ذلك؟ قال قلت لأبي: # ولقد رأيتك في المنام فسؤتني ... وأبا بنيك فساءني في المجلس # وقلت لأمي: # تنحي فاجلسي مني بعيدا ... أراح الله منك العالمينا # أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا # PageV01P105 # وقلت لامرأتي: # أطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع # واطلعت في بئر فرأيت وجهي قبيحا فقلت: # أبت شفتاي اليوم إلا تكلما ... بسوء فلا أدري لمن أنا قائله # أرى لي وجها قبح الله خلقه ... فقبح من وجه وقبح حامله # فتبسم عمر، وقال: فإن عفونا عنك، أتهجو بعدها أحدا؟ قال: لا يا أمير ~~المؤمنين، وعلي بذلك عهد الله! فقال: لكأني بفتى من قريش قد نصب لك نمرقة، ~~فاتكأت عليها، وأقبلت تنشده في أعراض المسلمين. قال: أعوذ بالله يا أمير ~~المؤمنين. # قال بعض الرواة: فوالله لقد رأيته عند عبيد الله بن زياد على الحال التي ~~ذكر عمر، فقلت له: لكأن أمير المؤمنين عمر كان حاضرا لك اليوم، فتأوه. ~~وقال: رحم الله ذلك المرء، فما أصدق فراسته! ### | من مليح ما قيل في المرآة # ومن مليح ما قيل في مرآة، قول كشاجم يصف مرآة أهداها: # أخت شمس الضحى في الشكل والإش ... راق غير الإعشاء للأجفان # ذات طوق مشرف من لجين ... أجريت فيه صفرة العقيان # فهو كالهالة المحيطة بالبد ... ر لست مضين بعد ثمان # وعلى ظهرها فوارس تلهو ... ببزاة تعدو على غزلان # لك فيها إذا تأملت فأل ... حسن مخبر بنيل الأماني # لم يكن قبلها في الماء جرم ... حاصر نفسة بغير أوان ms194 # هي شمس فإن مثالك يوما ... لاح فيها فأنتما شمسان # فالقها منك بالذي ما رآه ... خائف فانثنى بغير أمان # وقال ابن المعتز: # مبينتي لي كلما رمت نظرة ... وناصحتي مع فقد كل صديق # يقابلني منها الذي لا عدمته ... بلجة ماء وهو غير غريق # أشار في البيت الأول إلى قول ذي الرمة وذكر ناقته: # لها أذن حشر وذفرى أسيلة ... وخد كمرآة الغريبة أسجح # يريد أن الغريبة لا ناصح لها، فهي تجلو مرآتها وتحافظ عليها. ### | ابن يونس يصف غلاما # وقال أبو الحسن بن يونس المصري يصف غلاما: # يجري النسيم على غلالة خده ... وأرق منه ما يمر عليه # ناولته المرآة ينظر وجهه ... فعكست فتنة ناظريه إليه # وأهدى بعض الكتاب إلى رئيسه مرآة؛ فقال: من أين وقع اختيارك عليها؟ قال: ~~لتذكرني بها كلما نظرت إلى وجهك الحسن. ### | بين سقراط وامرأته # وقالت امرأة سقراط له: ما أقبح وجهك! قال: لولا أنك من المرايا الصدئة ~~لتبين لك حسن وجهي. # وكانت امرأته كثيرة الأذى له؛ أقبلت يوما تشتمه وهو ملح ينظر في كتاب ولا ~~يلتفت إليها، وهي تغسل ثوبا، فأخذت الغسالة وأراقتها عليه. فقال: ما زلت ~~تبرقين وترعدين حتى أمطرت. # ولما مضي به ليقتل أقبلت تبكي وتصيح: وامظلوماه. فقال: أكان يسرك أن أقتل ~~ظالما؟ ومر هو وغيره من الحكماء بامرأة مصلوبة، فقال: ليت يثمر لنا مثل هذا ~~الثمر. ### | من ملح أبي العيناء # سرق حمر أبي العيناء فتخلف عن أبي الصقر. فقال له: ما خلفك عنا يا أبا ~~عبد الله؟ قال: سرق حماري. قال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع اللص فأخبرك! ~~قال: ما منعك أن تأتينا على غيره. قال: أقعدني عن الشراء قلة ذات يساري، ~~وعن الكراء دالة المكاري، وعن الإعارة منة العواري. # وقيل له: ما بقي أحد يحب أن يلقى، قال: إلا في بئر! ### | الأنوف الكبيرة # وذكر له ولد عيسى بن موسى، وكانت أنوفهم كبارا معوجة فقال: كأن أنوفهم ~~قبور نصبت على غير القبلة. # ونظر مخنث رجلا كبير الأنف فيه شعر. فقال: كأن أنفه كنيف مملوء شسوعا. # قال ms195 أبو حاتم السجستاني: قدم علينا أعرابي كأن أنفه كوز في عظمه، فضحكنا ~~منه. فقال: أتضحكون من أنفي؟ وأنا ولله ما اسمي في قومي إلا الأفطس. # وقال محمد بن عبد الملك الزيات في عيسى بن زينب: # إن عيسى أنف أنفه ... أنفه ضعف لضعفه # لو تراه وهو في السر ... ج وقد مال بعطفه # لحسبت الأنف في السر ... ج وعيسى مثل ردفه ### | رجع إلى ملح أبي العيناء # قال أبو العيناء لابنه وهو مريض: أي شيء تشتهي؟ قال: اليتم. # PageV01P106 # وكان في مجلس إسماعيل بن إسحاق القاضي، فدخل رجل ومشى على رجله فصاح؛ ~~فقال: بسم الله! قال: القصاب يذبح ويقول: بسم الله. # وكان يوما على بابه فمر به رجل فسلم عليه وقام يمشي معه. فقال: لا تعن يا ~~أبا عبد الله. فقال: ما عنى من أبعدك عن داره! وقال له المتوكل: لا تكثر ~~الوقيعة في الناس. قال: إن لي في بصري لشغلا. قال: ذاك أشد لحنقك على أهل ~~العافية. # وقال له المتوكل يوما: هل رأيت طالبيا قط حسن الوجه؟ قال: يا أمير ~~المؤمنين، ما رأيت أحدا يسأل أعمى عن هذا! قال: لم تكن ضريرا فيما سلف، ~~وإنما سألتك عما تقدم. قال: نعم! رأيت ببغداد منذ ثلاثين سنة فتى ما رأيت ~~أجمل منه، ولا ألطف شمائل. فقال المتوكل: نجده كان مؤاجرا وكنت تقود عليه. ~~فقال أبو العيناء: معاذ الله يا أمير المؤمنين أتراني أترك موالي، وأقود ~~على الغرباء! فقال له المتوكل: اسكت يا مأبون. فقال له: مولى القوم منهم. # وكان ولاء أبي العيناء لأبي العباس، فقال المتوكل: قاتله الله! أردت أن ~~أشتفي منه فاشتفى مني. # وقال له مرة: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: في داء يتمناه الناس. # قيل له: وكم سنك؟ قال: قبضة. يريد ثلاثا وتسعين سنة. # ويقال: إن جده الأكبر لقي علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأساء مخاطبته، ~~فدعا عليه وعلى ولده بالعمى، فكل من عمي منهم فهو صحيح النسب. وكان قبل ~~العمى أحول. # قال: ذكرت لبعض القينات فاستظرفتني واستحسنتني على ms196 السماع؛ فلما رأتني ~~استقبحتني فقلت لها: # وشاطرة لما رأتني تنكرت ... وقالت قبيح أحول ما له جسم # فإن تنكري مني احولالا فإنني ... أريب أديب لا غبي ولا فدم # فقالت: أنا لم أردك لأوليك ديوان الزمام. ### | أبو العيناء مع المتوكل # وهذا مجلس له مع المتوكل من طريق الصولي، وله مجالس يدخل الرواة بعضها في ~~بعض. قال الصولي: حدثني أبو العيناء قال: أدخلت على المتوكل، فدعوت له ~~وكلمته فاستحسن كلامي، وقال: بلغني أن فيك بذاء. قلت: يا أمير المؤمنين؛ إن ~~يكن الشر الذي بلغك عني ذكر المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فقد زكى الله ~~تعالى وذم؛ فقال: نعم العبد إنه أواب. وقال: هماز مشاء بنميم، مناع للخير ~~معتد أثيم. وقال الشاعر: # إذا أنا لم أمدح على الخير أهله ... ولم أذمم الجبس اللئيم المذمما # ففيم عرفت الخير والشر باسمه ... وشق لي الله المسامع والفما # وإن كان الشر الذي بلغك عني كفعل العقرب الذي تلدغ النبي والذمي بطبع لا ~~بتمييز؛ فقد صان الله عبدك عن ذلك. قال: بلغني أنك رافضي. قال: وكيف أكون ~~رافضيا وبلدي البصرة، ومنشئي في مسجد جامعها، وأستاذي الأصمعي. وليس يخلو ~~القوم إن كانوا أرادوا دينا أو دنيا، فإن كانوا أرادوا الدين فقد أجمع ~~المسلمون على تقديم من أخروا وإيمان من كفروا؛ وإن كانوا أرادوا الدنيا ~~فأنت وآباؤك أمراء لا دين إلا بكم، ولا دنيا إلا معكم. قال: فكيف ترى داري ~~هذه؟ قال: رأيت الناس بنوا دارهم في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك. ~~قال: فما تقول في عبيد الله بن يحيى؟ قال: نعم العبد لله ولك، مقسم بين ~~طاعته وخدمتك، يؤثر رضاك على كل فائدة، وما عاد بصلاح ملكك على كل لذة. ~~قال: قد أردتك لمجالستي. قال: أنا رجل محجوب وقد تقدم هذا قال: فوصلني ~~بعشرة آلاف درهم. # وكان نجاح بن سلمة قد ضمن الحسن بن مخلد وموسى بن عبد الملك بمال عظيم ~~للمتوكل؛ فاحتال عبيد الله بن يحيى حتى يضمناه بذلك وعاد عليه الأمر، ثم ~~اغتال موسى بن عبد الملك فقتله، ms197 فبلغ الأمر المتوكل، فأكبره وهم بالإيقاع ~~بموسى، فتلطف عبيد الله بن يحيى وعمه الفتح بن خاقان حتى سكن غضبه، واتفق ~~ذلك في ولادة المعتز فاشتغل باللهو والسرور بذلك، فدخل أبو العيناء بعد ذلك ~~على المتوكل، وكان واجدا على موسى بن عبد الملك؟ فقال: ما تقول في نجاح بن ~~سلمة؟ قال: ما قاله الله عز وجل: فوكزه موسى فقضى عليه. واتصل بذلك بموسى ~~فلقيه عبيد الله بن يحيى. فقال: أيها الوزير، أردت قتلي فلم تجد حيلة إلا ~~إدخال أبي العيناء على أمير المؤمنين مع عداوته لي؛ فعاتب عبيد الله أبا ~~العيناء على ذلك فقال: ما استعذبت الوقيعة فيه حتى ذممت سريرته فيك، فأمسك ~~عنه. # PageV01P107 # ثم دخل بعد ذلك على المتوكل. فقال له: كيف كنت بعدي؟ فقال: في أحوال ~~مختلفة خيرها رؤيتك، وشرها غيبتك. فقال: قد والله اشتقتك. قال: إنما يشتاق ~~العبد ربه؛ لأنه يعتذر عليه لقاء مولاه، وأما السيد فمتى أراد عبده دعاه. ~~فقال له: من أسخى من رأيت؟ قال ابن أبي دواد. فقال له المتوكل: تأتي إلى ~~رجل قد رفضته فتنسبه إلى السخاء. قال: إن الصدق يا أمير المؤمنين ليس في ~~موضع أنفق منه في مجلسك، وإن الناس يغلطون فيمن ينسبونه إلى الجود؛ لأن ~~البرامكة منسوب إلى الرشيد، وجود الحسن والفضل ابني سهل منسوب إلى المأمون، ~~وجود ابن أبي دواد منسوب إلى المعتصم، وإذا نسبت الناس الفتح بن خاقان ~~وعبيد الله بن يحيى إلى السخاء فذاك سخاؤك يا أمير المؤمنين. قال: صدقت! ~~فمن أبخل من رأيت؟ قال: موسى بن عبد الملك. قال: وما رأيت من بخله؟ قال: ~~رأيته يحرم القريب كما يحرم البعيد، ويعتذر من الإحسان كما يعتذر من ~~الإساءة. قال: قد وقعت فيه عندي مرتين، وما أحب ذلك لك؛ فالقه واعتذر إليه، ~~ولا يعلم أني وجهت بك. قال: يا أمير المؤمنين؛ تستكتمني بحضرة ألف. قال: لن ~~تخاف. قال: علي الاحتراس من الخوف. وسار إلى موسى، فاعتذر كل واحد منهما ~~إلى صاحبه وافترقا عن صلح، فلقيه بعد أيام بالجعفري فقال ms198 له: يا أبا عبد ~~الله؛ قد اصطلحنا، فما لك لا تأتينا؟ قال: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس. قال موسى: ما أرانا إلا كما كنا. # وقال له المتوكل: إبراهيم بن نوح النصراني واجد عليك. فقال: ولن ترضى عنك ~~اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، وقال له: إن جماعة الكتاب يلومونك. ~~فقال: # إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضبانا علي لئامها ### | ومن نوادره # ووقف به رجل من العامة فأحس به. فقال: من هذا؟ قال: رجل من بني آدم، قال: ~~مرحبا بك، أطال الله بقاءك، وبقيت في الدنيا، ما أظن هذا النسل إلا قد ~~انقطع. # وزحمه رجل على حمار بالجسر، فضرب بيده على أذن الحمار. وقال: يا إنسان، ~~قل للحمار الذي فوقك يقول: الطريق! وسئل أبو العيناء عن مالك بن طوق فقال: ~~لو كان في بني إسرائيل ونزل ذبح البقرة ما ذبح غيره. قيل: فأخوه عمر؟ قال: ~~كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. قيل: فما تقول ~~في محمد بن مكرم والعباس بن رستم؟ قال: هما الخمر والميسر إثمهما أكبر من ~~نفعهما. # وقال له ابن مكرم: إن ابن الكلبي تعجبه الرائحة الخبيثة، قال: يا سيدي؛ ~~لو وجدك لترشفك. # ودعا ضريرا يعشيه فلم يدع شيئا إلا أكله. فقال له: يا هذا؛ دعوتك رحمة، ~~فصيرتني رحمة. # وقدم إليه أبو عيسى بن المتوكل سكباجة، فجعل لا تقع يده إلا على عظم. ~~فقال: جعلت فداك، هذه قدر أو قبر؟ ### | قصيدة لابن طباطبا في دعوة # وهذا كلما ذكر ابن طباطبا العلوي وقد دعاه بعض إخوانه فتأخر عنه الطعام ~~إلى أن اشتد به الجوع، ثم قدم إليه جديا هزيلا فقال: # يا دعوة مغبرة قاتمة ... كأنها من سفرة قادمه # قد قدموا فيها مسيحية ... أضحت على إسلامها نادمه # وبعد شطرنجية لم تزل ... أيد وأيد حولها حائمه # فلم نزل في لعبها ساعة ... ثم رفعناها على قائمه # وكرر الأرز، فقال: # أرز جاء يتبعه أرز ... هو ### | الإيطاء # يتخذ اتخاذا # فإيطاء القريض كما علمنا ... وإيطاء الطعام يكون هذا ms199 # فدعا الرجل جماعة من الشطرنجيين، وقال: تعالوا حتى تروا الشطرنجية، فكتب ~~إليه: # ورقعة كنا رفعناها ... نشرتها لما طويناها # أعددت للعاب شطرنجها ... لو أمكن القمر قمرناها # والله لو أحضرتها زيريا ... ما ميز الفرزان والشاها # الإيطاء # والإيطاء تكرار القوافي بتكرار معانيها، كقول امرىء القيس: # عظيم طويل مطمئن كأنه ... بأسفل ذي ماوان سرحة مرقب # وليس بإيطاء قول الأمير أبي الفضل عبيد الله الميكالي: # وكل غنى يتيه به غني ... فمرتجع بموت أو زوال # وهب جدي طوى لي الأرض طرا ... أليس الموت يزوي ما زوى لي # وقوله: # أخوك من إن كنت في ... بؤسى ونعمى عادلك # PageV01P108 # وإن بداك منعما ... بالبر منه عادلك # وقوله: # جامل الناس في المزا ... ح وخل المزاحمه # وتفاصح وقل لمن ... يتعاطى المزاح مه؟ ### | الطعام والموائد # وعلى ذكر الطعام. قال الجماز: جاءنا فلان بمائدة كأنها زمن البرامكة على ~~العفاة؛ ثم جاءنا بشراب كأنه دمعة اليتيم على باب القاضي: # قد جن أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائده # وقال ابن الرومي يصف طعاما أكله عند أبي بكر الباقطاني: # وسميطة صفراء دينارية ... ثمنا ولونا زفها لك حزور # عظمت فكادت أن تكون أوزة ... وهوت فكاد إهابها يتفطر # ظلنا نقشر جلدها عن لحمها ... وكأن تبرا عن لجين يقشر # وتقدمتها قبل ذاك ثرائد ... مثل الرياض بمثلهن يصدر # ومرققات كلهن مزخرف ... بالبيض منها ملبس ومدثر # وأتت قطائف بعد ذاك لطائف ... ترضى اللهاة بها ويرضى الحنجر # ضحك الوجوه من الطبرزد فوقها ... دمع العيون من الدهان يعصر # ومن ملح ما قيل في القطائف، قول علي بن يحيى بن منصور بن المنجم: # قطائف قد حشيت باللوز ... والسكر الماذي حشو الموز # تسبح في آذي دهن الجوز ... سررت لما وقعت في حوزي # سرور عباس بقرب فوز # ولم يقل أحد في اللوزينج أحسن من قول ابن الرومي: # لا يخطئني منك لوزينج ... إذا بدا أعجب أو عجبا # لم تغلق الشهوة أبوابها ... إلا أبت زلفاه أن يحجبا # لو شاء أن يذهب في صخرة ... لسهل الطيب له مذهبا # يدور بالنفخة في جامه ... دورا ترى الدهن له لولبا # عاون فيه ms200 منظر مخبرا ... مستحسن ساعد مستعذبا # مستكثف الحشو ولكنه ... أرق قشرا من نسيم الصبا # كأنما قدت جلابيبه ... من أعين القطر إذا قببا # يخال من رقة خرشائه ... شارك في الأجنحة الجندبا # لو أنه صور من خبزه ... ثغر لكان الواضح الأشنبا # من كل بيضاء يود الفتى ... أن يجعل الكف لها مركبا # مدهونة زرقاء مدفونة ... شهباء تحكي الأزرق الأشهبا # ملذ عين وفم حسنت ... وطيبت حتى صبا من صبا # ذيق له اللوز فما مرة ... مرت على الذائق إلا أبى # وانتقد السكر نقاده ... وشاوروا في نقده المذهبا # فلا إذا العين رأته نبت ... ولا إذا الضرس علاه نبا # لا تنكروا الإدلال من وامق ... وجه تلقاءكم المطلبا # هذه الأبيات يقولها في قصيدة طويلة يمدح بها أبا العباس أحمد بن محمد بن ~~عبيد الله بن بشر المرثدي ويهنيه بابن له ولد، أولها: # بدر وشمس ولدا كوكبا ... أقسمت بالله لقد أنجبا # وقال أبو عثمان الناجم: دخلت على أبي الحسن وهو يعمل هذه القصيدة؛ فقلت ~~له: لو تفاءلت لأبي العباس بسبعة من الولد؛ لأن عباس يجيء منكوسا سابع، فلو ~~تصور ذلك لجاء المعنى ظريفا؛ فقال بديها: # وقد تفاءلت له زاجرا ... كنيته لا زاجرا ثعلبا # إني تأملت له كنية ... إذا بدا مقلوبها أعجبا # يصوغها العكس أبا سابع ... وذاك فأل لم يعد معطبا # وقد أتاه منهم واحد ... فلننتظرهم ستة غيبا # في مدة تغمرها نعمة ... يجعلها الله له ترتبا # حتى تراه جالسا بينهم ... أجل من رضوى ومن كبكبا # كالبدر وافى الأرض من نوره ... بين نجوم سبعة فاختبا # وليشكر الناجم عن هذه ... فإنها من بعض ما بوبا # أسدى وألحمت فتى لم أزل ... أشكر ما أسدى وما سببا # وقال يصف الرؤوس والرغفان: # ما إن رأينا من طعام حاضر ... نعتده لفجاءة الزوار # PageV01P109 # كمهيئين من الطعام أصبحا ... شبها من الأبرار والفجار # روس وأرغفة ضخام فخمة ... قد أخرجت من جاحم فوار # كوجوه أهل الجنة ابتسمت لنا ... مقرونة بوجوه أهل النار # ومن تشابيهه العقم: # ما أنس لا أنس خبازا مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللمع بالبصر # ما بين رؤيتها في ms201 كفه كرة ... وبين رؤيته قوراء كالقمر # إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صحفة الماء يرمى فيه بالحجر # وكان ابن الرومي منهوما في المآكل وهي التي قتلته، وكان معجبا بالسمك، ~~فوعده أبو العباس المرثدي أن يبعث إليه كل يوم بوظيفة لا يقطعها، فبعث إليه ~~منه يوم سبت ثم قطعه، فكتب إليه: # ما لحيتاننا جفتنا وأنى ... أخلف الزائرون منتظريهم # جاء في السبت زورهم فأتينا ... من حفاظ عليه ما يكفيهم # وجعلناه يوم عيد عظيم ... فكأنا اليهود أو نحكيهم # وأرهم مصممين على الهج ... ر فلم يسخطون من يرضيهم # قد سبتنا فما أتتنا وكانوا ... يوم لا يسبتون لا تأتيهم # فاتصل ذلك بالناجم فكتب إليه: # أبا حسن أنت من لا تزا ... ل يحمد في الفضل رجحانه # فكم تحسن الظن بالمرثدي ... وقد قلل الله إحسانه # ألم تدر أن الفتى كالسراب م ... إذا وعد الخير إخوانه # وبحر السراب يفوت الطلوب م ... فقل في طلابك حيتانه # وخرج ابن الرومي مع بعض إخوانه في حداثته إلى بعض المتنزهات، وقصدوا كرما ~~رازقيا، فشربوا هناك عامة يومهم، وكانوا يتهمونه في الشعر. فقالوا: إن كان ~~ما تنشدنا لك فقل في هذا شيئا. فقال: لا تريموا حتى أقول، ثم أنشد بديها: # ورازقي مخطف الخصور ... كأنه مخازن البلور # قد ضمنت مسكا إلى الشطور ... وفي الأعالي ماء ورد جوري # لم يبق من وهج الحرور ... إلا ضياء في ظروف نور # لو أنه يبقى على الدهور ... قرط آذان الحسان الحور # بلا مزيد وبلا شذور ... له مذاق العسل المشور # وبرد مس الخصر المقرور ... ونكهة المسك مع الكافور # ورقة الماء على الصدور ... باكرته والطير في الوكور # بفتية من ولد المنصور ... أملأ للعين من البدور # حتى أتينا خيمة الناطور ... قبل ارتفاع الشمس للذرور # فانحط كالطاوي من الصقور ... بطاعة الراغب لا المقهور # والحر عبد الحلب المشطور ... حتى أتانا بضروع حور # مملوءة من عسل محصور ... والطل مثل اللؤلؤ المنثور # ينساب مثل الحية المذعور ... بين سماطي شجر مسطور # ناهيك للعنقود من ظهور ... فنيلت الأوطار في سرور # وكل ما يقضى من الأمور ... تعلة من يومنا ms202 المنظور # ومتعة من متع الغرور ### | استوت بديهته وفكرته # قال الناجم: جلست معه على باب داره وقد أبل من علة، فمر بنا الحاجب، ~~فقال: قوما عندي نتحدث اليوم، وعندي مصوص وأشياء لطيفة لا تضرك؛ وأشرب مع ~~أبي عثمان بحضرتك ونتآنس يومنا. # فقال: إنا نأتيك الساعة وأبو عثمان فامض ونحن في أثرك؛ فمضى ولحقناه فحجب ~~عنا، فانصرفنا وأبو الحسن مغضب، فدخلت على أبي الحسن في ذلك اليوم، فوجدت ~~بين يديه قصيدة طويلة جدا أولها: # نجذاك يابن الحاجب الحاجب ... وأين ينجو مني الهارب # فعجبت من سرعة عمله. وقلت: أعزك الله؛ متى عملتها؟ قال: الساعة. قلت: ~~وأين مسودتها؟ قال: هي هذه. قلت: وما فيها حرف مصلح. قال: قد استوت بديهتي ~~وفكرتي، فما أعمل شيئا فأكاد أصلحه. ### | سبب موته # PageV01P110 # وكان سبب موته أنه كان منقطعا إلى القاسم بن عبيد الله بن وهب؛ وكان ~~القاسم مغرما بشعرهن مستظرفا له، محسنا إليه. فقال له أبوه: قد أردت أن أرى ~~من روميك هذا؟ فأحضره وحضر أبوه، فلما انفض المجلس قال له: كيف رأيته؟ قال: ~~أرى ما يسوءني ولا يسرني، أرى رجلا صحيح الشعر، سقيم العقل، ومثل هذا لا ~~تؤمن بوادره؛ وأقل غضبة يغضبها تبقي في أعراضنا ما لا يغسله الدهر، والرأي ~~إبعاده، قال: وكيف ذلك بعد اتصاله؟ أخاف أن يظهر ما أضمره، قال: يا بني؛ ~~اتبع فيه قول أبي حية: # يقلن لها في السر هديك لا يرح ... صحيحا وإلا تقتليه فألمم # فأخبر القاسم بقول أبيه ابن فراس، وكان أشد الناس عداوة لابن الرومي. ~~فقال: إنما أشار عليك باغتياله، وأنا أكفيك أمره، فسم له لوزينجة وقدم له ~~الجام وهي في أعلاه، فلما تناولها أحس بالموت ونهض قائما. فقال له: إلى أين ~~يا أبا الحسن؟ قال: إلى حيث أرسلتني. قال: اصرفوه، فقد غلب عليه السكر؛ ~~فخرج وهو لما به؛ فلقي الناجم فقال: # أبا عثمان أنت عميد قومك ... وجودك للعشيرة دون لؤمك # تمتع من أخيك فما أراه ... يراك ولا تراه بعد يومك # وكان شديد التغير، سريع الانقلاب، ضيق الصدر، قليل الصبر، ms203 مفرط الطيرة ~~غاليا فيها، وكان عظيم التخوف، كثير التجسس؛ يراه من يلقاه كالمتوجس ~~المذعور. ### | شدة خوفه # ذكر بعض أصحابه قال: كنت أسايره ونحن سائرون، فلم أنشب أن تراءيته قد ~~ترجل عن دابته بسرعة، ولجأ إلى بعض الدكاكين وأسلم الدابة؛ فأمرت من أمسكها ~~وأتيت إليه فقلت: ما بالك يا أبا الحسن؟ وإذا هو يضطرب اضطرابا شديدا؛ ~~فأمسكت عنه حتى سكن وقام فركب الدابة. فقلت له: ما الذي هاجك؟ قال: أما ترى ~~ذاك؟ وإذا برجل من العامة يحمل ذوبينا وهي عصا في طرفها حديد بشعبتين. ~~فقلت: أراه. فقال: أوما ترى البركار الذي بيده، ما يؤمنني أن يلويه على ~~عنقي فيفتله. # وحكي عنه: أنه سأل الموفق أو غيره في قدح محكم رآه فأعجبه فوهبه إياه. ~~قال بعض إخوانه: وكنت معه، وقد خرج من دار السلطان، فوضعه على رأسه ثم ~~أزاله بسرعة ثم وضعه على ركبته، ثم رمى به فكسره. فقلت له: ما هذا الخاطر ~~الفاسد؟ قال: وصل إلي هذا القدح وما على وجه الأرض أحب إلي منه، فوضعته على ~~أشرف أعضائي! ثم ذكرت قول بعض الحكماء: إن الصاعقة إذا قابلت الشيء الشفاف ~~انحدرت إليه، فخفت أن تقع علي صاعقة فتهلكني، ثم وضعته على ركبتي، فخفت أن ~~تصدمني دابة فينكسر فيدخل في جسمي فيكون سبب علة مزمنة، وخفت أن يكون الذي ~~دعاني إلى طلبه ما أراده الله بي، فرأيت الراحة في كسره. ### | حكايات عن تطيره # وكان أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش غلام أبي العباس المبرد في أيام ابن ~~أبي أوفى شابا مترفا، وأديبا مستظرفا، وكان يعبث به فيقرع عليه الباب. ~~فيقال له: من بالباب؟ فيقول: قولوا لأبي الحسن: مرة بن حنظلة؛ فيتطير لقوله ~~ويقيم أياما لا يخرج من داره، وكان ذلك سبب هجائه إياه. # وقرع عليه الباب يوما وقيل: إن البحتري وجه إليه من قرع عليه بابه فقال: ~~من هذا؟ فقال: سخطة الحي القيوم، والمهل والغسلين والزقوم، والشيطان ~~الرجيم، وكل بلاء كان أو يكون، إلى يوم الدين؛ فأقام مدة لم يخرج، فسأل عنه ms204 ~~الموفق، فقيل: هو في حبس البحتري! # PageV01P111 # وتخلف أياما عن بعض الأشراف بسبب طيرة عرضت له، فبعث إليه غلاما جميلا ~~فقرع الباب. فقيل: من؟ قال: إقبال؛ فخرج فرأى وجها مستحسن الصورة حسن ~~الهيئة. فقال له: مولاي يرغب في حضورك، فمشى معه ثم توجس وبقي باهتا مطرقا ~~لا ينصرف، ثم مشى قليلا؛ فلما قارب الجسر انفتل بسرعة شديدة، ثم مضى على ~~وجهه إلى داره، فأغلق الباب على نفسه، وكتب إلى الرجل: تخلفت أطال الله ~~بقاءك عن حظي من لقائك، لاعدمته لي أياما، وأنا أتقلى على جماجم الضجر، بما ~~جرى به القدر، من كلام سمعته وأمر توقعته؛ فأتاني غلام جميل اسمه إقبال؛ ~~فقلت: هذا حسن، فخرجت معه، ثم فكرت أن إقبالا إذا نكس كان لا بقاء! فقلت: ~~هذا حسن، فخرجت معه، ثم فكرت أن إقبالا إذا نكس كان لا بقاء! فقلت: هذا من ~~ذاك؛ فمشيت معه مقدما رجلا ومؤخرا أخرى حتى صرت بالجسر، فرأيت حبالا مفتولة ~~قد التوت، فصار كل واحد منها في صورة لام ألف، فقلت: هذه تحقق ما ظننت من ~~لا بقاء بقولها: لا لا، فما حصلت في الدار، إلا بعد خوف مضي المقدار، فابسط ~~العذر في التأخر، والسلام. # وقال علي بن إبراهيم كاتب مسرور البلخي: كنت بداري جالسا بباب الشعير على ~~أسرة نصبت لي في صحن الدار؛ فإذا حجارة قد سقطت علي، فبادرت هاربا، وأمرت ~~الغلام بالصعود إلى السطح والنظر إلى كل ناحية من أين تأتينا؟ فقال لي: ~~امرأة من دار ابن الرومي الشاعر قد أشرفت وقالت: اتقوا الله فينا، واسقونا ~~جرة من الماء وإلا هلكنا؛ فقد مات من عندنا عطشا؛ فتقدمت إلى امرأة عندنا ~~ذات عقل ومعرفة بأن تصعد إليها وتخاطبها ففعلت. وبادرت بالجرة وأتبعتها ~~بشيء من المأكول. ثم عادت وقالت: ذكرت المرأة أن الباب مقفل عليها منذ ثلاث ~~بسبب طيرة ابن الرومي، وأنه يلبس ثيابه كل يوم ويتعوذ، ثم يصير إلى الباب ~~والمفتاح بيده، ثم يضع عينه على ثقب في خشب الباب، فتقع على جار له كان ~~نازلا ms205 بإزائه، وكان أعور يقعد كل غداة على بابه؛ فإذا رآه رجع وخلع ثيابه. ~~وقال: لا يفتح أحد الباب. فعجبت من حديثها؛ وبعثت بخادم لي كان يعرفه ~~فأمرته بأن يجلس بإزاء بابه، وكانت العين تميل إليه. وتقدمت إلى بعض غلماني ~~أن يدعو الجار الأعور؛ فلما حضر عندي أدى الغلام إلى ابن الرومي رسالتي ~~يستدعيه الحضور، فإني لجالس وعندي الأعور إذ وافى أبو حذيفة الطرسوسي ومعه ~~برذعة المسوس صاحب المعتضد؛ ودخل ابن الرومي فلما تخطى عتبة باب الصحن عثر ~~فانقطع شسع نعله فدخل مذعورا، وكان إذا فاجأه الناظر رأى منه منظرا يدل على ~~تغير حاله، فدخل وهو لا يرى جاره المتطير منه. فقلت له: يا أبا الحسن، ما ~~لك؟ أيكون شيء في خروجك أحسن من مخاطبتك للخادم ونظرك إلى وجهه الجميل؟ ~~فقال: قد لحقني ما رأيت من العثرة؛ لأني فكرت أن به عاهة وهي قطع أنثييه. ~~فقال برذعة: وشيخنا يتطير؟ قلت: نعم! ويفرط. قال: ومن هو؟ قلت: أبو الحسن ~~بن الرومي. قال: الشاعر؟ قلت: نعم! فأقبل عليه وأنشده: # ولما رأيت الدهر يؤذن صرفه ... بتفريق ما بيني وبين الحبائب # رجعت على نفسي فوطنتها على ... ركوب جميل الصبر عند النوائب # ومن صحب الدنيا على جور حكمها ... فأيامه محفوفة بالمصائب # فخذ خلسة من كل يوم تعيشه ... وكن حذرا من كامنات العواقب # ودع عنك ذكر الفأل والزجر واطرح ... تطير دار أو تفاؤل صاحب # فبقي ابن الرومي باهتا؛ ولم أدر أنه شغل قلبه بحفظ ما أنشده، ثم قام أبو ~~حذيفة وبرذعة معه، فحلف ابن الرومي ألا يتطير أبدا من هذا ولا من غيره، ~~وأومأ إلى جاره. فقلت: وهذا الفكر أيضا من التطير، فأمسك. وعجب من جودة ~~الشعر ومعناه في حسن مأتاه. فقلت له: ليتنا كتبناه. فقال: اكتبه فقد حفظته، ~~وأملاه علي. ### | ومن الدليل على شدة حذره وعظم تطيره # ومن الدليل على شدة حذره، وعظم تطير، قوله لأبي العباس أحمد بن محمد بن ~~ثوابة، وقد ندبه إلى الخروج وركوب دجلة: # حضضت على حطبي لناري فلا تدع، ... لك الخير، ms206 تحذيري شرار المحاطب # ومن يلق ما لاقيت من كل مجتنى ... من الشوك يزهد في الثمار الأطايب # أذاقتني الأسفار ما كره الغنى ... إلي وأغراني برفض المطالب # PageV01P112 # ومن نكبة لاقيتها بعد نكبة ... رهبت اعتساف الأرض ذات المناكب # وصبري على الإقتار أيسر محملا ... علي من التغرير بعد التجارب # لقيت من البر التباريح بعدما ... لقيت من البحر ابيضاض الذوائب # سقيت على ري به ألف مطرة ... شغفت لبغضيها بحب المجادب # ولم أسقها بل ساقها لمكيدتي ... تحامق دهر جد بي كالملاعب # أبي أن يغيث الأرض حتى إذا ارتمت ... برحلي أتاها بالغيوث السواكب # سقى الأرض من أجلي فأضحت مزلة ... تمايل صاحبها تمايل شارب # فملت إلى خان مرث بناؤه ... مميل غريق الثوب لهفان لاغب # فما زلت في خوف وجوع ووحشة ... وفي سهر يستغرق الليل واصب # يؤرقني سقف كأني تحته ... من الوكف تحت المدجنات الهواضب # تراه إذا ما الطين أثقل متنه ... تصر نواحيه صرير الجنادب # وكم خان سفر خان فانقض فوقهم ... كما انقض صقر الدجن فوق الأرانب # وما زال ضاحي البر يضرب أهله ... بسوطي عذاب جامد بعد ذائب # ألا رب نار بالفضاء اصطليتها ... من الضح يودي لفحها بالحواجب # فدع عنك ذكر البر، إني رأيته ... لمن خاف هول البحر شر المهاوب # وما زال يبغيني الحتوف مواربا ... يحوم على قتلي وغير موارب # فطورا يغاديني بلص مصلت ... وطورا يمسيني بورد المشارب # وأما بلاء البحر عندي فإنه ... طواني على روع مع الروح واقب # ولو ثاب عقلي لم أدع ذكر بعضه ... ولكنه من هوله غير ثائب # ولم لا ولو ألقيت فيه وصخرة ... لوافيت منه القعر أول راسب # ولم أتعلم قط من ذي سباحة ... سوى الغوص، والمضعوف غير مغالب # فأيسر إشفاقي من الماء أنني ... أمر به في الكوز مر المجانب # وأخشى الردى منه على نفس شارب ... فكيف بأمنيه على نفس راكب # أظل إذا هزته ريح ولألأت ... له الشمس أمواجا طوال الغوارب # كأني أرى فيهن فرسان بهمة ... يليحون نحوي بالسيوف القواضب # فإن قلت لي قد يركب اليم طاميا ... ودجلة عند اليم بعض المذانب # لدجلة خب ليس ms207 لليم، إنها ... ترائي بحلم تحته جهل واثب # وللبحر إنذار بعرض متونه ... وما فيه من آذيه المتراكب ### | من الطرائف # قيل لقينة: صوم يوم عرفة كفارة ذنوب سنة؛ فصامت إلى الظهر وأفطرت. فقيل ~~لها: ما هذا؟ قالت: يكفيني ستة أشهر. # قعد رجل على باب داره، فأتاه سائل يسأله. فقال له: اجلس، ثم صاح بجارية ~~عند فقال: ادفعي إلى هذا مكوكا من حنطة. قالت: ما بقي عندنا حنطة. قال: ~~فأعطيه درهما. قالت: ما بقي عندنا دراهم. قال: فأطعميه رغيفا. قالت: وما ~~عندنا رغيف، فالتفت إليه وقال: انصرف يابن الفاعلة. فقال السائل: سبحان ~~الله تحرمني وتشتمني! قال: أحببت أن تنصرف وأنت مأجور. # ورأى أعرابي الناس بمكة وكل واحد يتصدق ويعتق ما أمكنه. فقال: يا رب، أنت ~~تعلم أنه لا مال لي، وأشهدك أن امرأتي طالق لوجهك يا أرحم الراحمين! وكان ~~في زمن المهدي رجل ادعى النبوة فأحضروه إلى المهدي. فقال له: ما أنت؟ قال: ~~نبي. قال: إلى من بعثت؟ فقال له: ما أكثر فضولك! إيش عليك؟ قال: قل، وإلا ~~أمرت بقتلك. قال: بعثت إلى أهل خراسان. قال: ولم لم تسافر إليهم؟ قال: ما ~~معي نفقة، فضحك منه وأمر له بنفقة، وقال: هذا قد غلبت عليه المرة. # وجاء رجل إلى أبي ضمضم يستعدي على رجل في دابة اشتراها منه، وظهر بها ~~عيب. فقال له أبو ضمضم: وما عيبها؟ قال: في أصل ذنبها مثل الرمانة، وفي ~~ظهرها مثل التفاحة، وفي عجيزتها مثل الجوزة، وفي بطنها مثل الموزة، وفي ~~حلقها مثل الأترنجة. فقال له أبو ضمضم: مر عنا يا بارد، هذه صفة بستان ليست ~~بصفة دابة. # PageV01P113 # شرب ابن حمدون النديم مع المتوكل وبحضرته غلام مليح الوجه؛ فتأمله ابن ~~حمدون تأملا شديدا، وقد حمل الشراب إليه. فقال المتوكل: يابن حمدون، ما ~~الحكم في الرجل إذا نظر إلى غلام فتى؟ قال: أن تقطع أذنه. قال: ليحكم عليك ~~بحكمك، فأمر أن تعرك أذنه حتى تخضر ثم تقطع، وأمر بنفيه إلى بغداد. فلقيه ~~إسحاق بن إبراهيم الموصلي بها فسأله عن حاله، ms208 وعمن ينادم المتوكل معه. ~~فقال: أحد ندمائه ابن عمرو البازيار؛ فسأله إسحاق عن محله من العلم والفهم. ~~فقال له: أكثر ما يقول للخليفة؛ أبقاك الله يا أمير المؤمنين إلى يوم ~~القيامة وبعد القيامة بشيء كثير. فقال له إسحاق: اعمل على أنه كان لك كر ~~آذان فقطعت؛ أليس ذلك أسهل من حضور مجلس تقاسي فيه ابن عمرو البازيار. # وكان ابن حمدون أخف الناس روحا وأحلاهم دعابة، وكان المتوكل يستملحه. ~~فقال يوما: الزئبق من أين يجاء به؟ فقال ابن حمدون: من الشيز، وأنا أعرف ~~الناس بها. قال: قد وليتك إياها فاخرج إليها، فضاقت به الدنيا، وأنشده: # ولاية الشيز عزل ... والعزل عنها ولايه # فولني العزل عنها ... إن كنت بي ذا عنايه # فضحك المتوكل وأعفاه. وذكر الصولي أن أخاه أحمد عمل له البيتين. ### | بين أبي العيناء وابن الزيات # دخل أبو العيناء على محمد بن عبد الملك الزيات الوزير، فجعل لا يكلمه إلا ~~بأطرافه. فقال: إن من حق نعمة الله عليك، لما قد أهلك له في هذه الحال التي ~~أنت عليها، أن تجعل البسطة لأهل الحاجة إليك؛ فبقضاء الحاجات تدوم النعم. # فقال محمد: أما إني أعرفك فضوليا كثير الكلام، أوترى أن طول لسانك يمنع ~~مع أن أؤدبك إذا زللت؛ وأمر به إلى الحبس. # فكتب إليه من الحبس: قد علمت أن الحبس لم يكن تقدم إليك، ولكنك أحببت أن ~~تريني مقدار قدرتك علي؛ لأن كل جديد يستلذ؛ ولا بأس أن تريني من عفوك مثلما ~~أريتنا من قدرتك، فأمر بإطلاقه. # وانقطع عنه مدة فلقيه، فحبس محمد بن عبد الملك دابته عليه. فقال: ما لي ~~لا أراك يا أبا عبد الله تواصلنا حسب إيجابنا لك؟ فقال له أبو العيناء: أما ~~المعرفة بعنايتك فمناكرة، ولكنني أحسب الذي جدد استبطاءك فراغ حبسك ممن كان ~~فيه، فأحببت أن تغمرني فيه. ### | لؤم ابن الزيات # وكان محمد بن عبد الملك على علمه وأدبه ألأم الناس، فمن عجيب لؤمه أنه ~~كان له جار في انخفاض حاله، وكان بينهما ما يكون بين الجيران من التباعد؛ ms209 ~~فلما بلغ محمد ما بلغ شخص الرجل إلى سر من رأى، فورد بابه وهو يتغدى، فوصل ~~إليه وهو على طعامه، فتركه قائما لا يرفع طرفه إليه، فلما فرغ من أكله قال: ~~ما خبرك؟ قال: قد أصارك الله أيها الوزير إلى أجل الآمال فيك، وصرف أعناق ~~الناس إليك، وقد علمت ما كنت تنقمه علي، وقد غير الدهر حالي؛ فوردت إليك ~~مستقيلا عثراتي، مستعطفا على خلاتي. # فقال له: قد علمت هذا، فانصرف وعد إلي في غد. فولى الرجل؛ فلما صار في ~~صحن الدار دعا به، فلما صار بين قال له: والله ما لك عندي شيء، ثم أقبل على ~~بعض من كان بين يديه، فقال: إنما رددته وآيسته بخلا عليه بفسحة الأمل بقية ~~يومه. # وهذا كقول بعضهم: # إن قلت إنك كالسحاب لكان ذا ... وصفا لمثلك زائدا في الحال # إن السحاب لذو مواعد جمة ... وبخلت بالموعود والأفعال # وكان محمد بن عبد الملك واحدا في صناعته، مفردا في براعته. ### | بين أبي السمراء وعبد الله بن طاهر # وكان أبو السمراء العلاء بن عاصم بن عصمة العسكري نديم عبد الله بن طاهر ~~يأنس به، ويجاريه الشعر، فكتب إليه: # تقول لما جعلت أبكي ... سلوه بالله مم يبكي؟ # فقلت أبكي لما أراه ... عما قليل يكون منك # قالت فلا تخش قلت ما لي ... قلب على الدهر يأتمنك # لا غرني الدهر منك ود ... قالت ولا غرني التبكي # فوقع ابن طاهر في ظاهرها بديها: # لا أشتكي من هواك إلا ... إليك لو ينفع التشكي # حلفت جهد اليمين أن لا ... أزول إلا إليك عنك # كلفتني السعي في طريق ... وعر قليل الأنيس ضنك # فرحت بي في إسار قلبي ... ثم تشاغلت عند فكي # ومن جيد شعره في جارية له توفيت: # PageV01P114 # يقول لي الخلان لو زرت قبرها ... فقلت: وهل غير الفؤاد له قبر # على حين لم أحدث فأجهل فقدها ... ولم أبلغ السن التي معها صبر # وهذا مأخوذ من قول أبي مسلم عبد الرحمن بن سلم، في فصل من كتاب كتبه إلى ~~عبد الله بن علي عند محاربته ms210 إياه، لما خلع أبا جعفر المنصور: لأنزلنك ~~موارد ضيقة، حتى أبدلك بالحلاوة علقما، تمج من تمطقها دما؛ أمنت صولتي، وقد ~~كبرت عن صغر، وصغرت عن كبر، فأنا كما قال الأول: # وهل يخشى وعيد الناس إلا ... كبير السن والضرع الصغير ### | شراب عتيق من محمد بن عبد الملك # قال ابن حمدون النديم: أهدى إلينا محمد بن عبد الملك ونحن بالبدندون ~~شرابا عتيقا وكتب رقعة فيها: # ما إن ترى مثلي أخا ... أندى يدا وأدر جودا # أسقي الصديق ببلدة ... لم يسق فيها الماء عودا # صفراء صافية كأ ... ن على جوانبها العقودا # فإن استقل بشكرها ... أوجبت بالشكر المزيدا # فإذا خشيت على الصني ... عة بالتقادم أن تبيدا # أنشأت أخرى غيرها ... فتركتها غضا جديدا # خذها إليك كأنما ... كسيت زجاجتها فريدا # واجعل عليك بأن تقي ... م بشكرها أبدا عهودا ### | الملك مضطر إلى كفاية منه # وكان المعتصم أمر بأن يعطى الواثق عشرة آلاف درهم، يستعين بها على أمره ~~ويصلح بها ما يحتاج إلى إصلاحه، فدافعه بذلك مدافعة متصلة أحوجته إلى ~~شكايته إلى المعتصم؛ فأنكر عليه تأخر المال. فقال: يا أمير المؤمنين، العدل ~~أولى بك وأشبه بقولك وفعلك، ولك عدة أولاد أنت في أمرهم بين خلتين؛ إما أن ~~تسوي بينهم في العطية فتجحف ببيت المال، وإما أن تخص بعضهم فتحيف على ~~الباقين. فقال: قد رهنت لساني فما تصنع؟ قال: تأمر لباقي ولدك بإقطاعات ~~وصلات، وتطلق لهارون صدرا من المال، فأدافعه بباقيه ويتسع الأمير قليلا، ~~وتدبر الأمر بعد ذلك بما تراه. # فقال له: وفقك الله فما زلت أعرف الصواب في مشورتك؛ وتأدى الخبر إلى ~~هارون، فحلف بعتق عبيده ومماليكه، وبحبس عدة خيل ووقف عدة ضياع، وصدقة مال ~~جليل، لئن ظفر بمحمد ليقتلنه؛ وكتب اليمين بخطه وجعلها في درج وأودعها ~~دابته. # ومرت مدة وأفضى الأمر إلى هارون، وكان ذا أنات وعقل. وكره أن يعاجله ~~فيقول الناس بادر بشفاء غيظه؛ ثم عزم على الإيقاع به، فتقدم بأن يجمع له من ~~وجوه الكتاب من يصلح لولاية الدواوين والوزارة فجمعوا، ودعا بواحد منهم؛ ~~وقال له: ms211 اكتب كذا في أمر رسمه له. فاعتزل وكتب وعرض الكتاب عليه فلم يرضه ~~حتى امتحن الجميع، فأمر حاجبه فقال: أدخل من الملك مضطر إليه: محمد ابن عبد ~~الملك، فجيء به وهو واجم مضطرب؛ فلما وقف قال له: اكتب إلى صاحب خراسان في ~~كذا وكذا. فأخرج من كمه نصفا ومن خفه دواة، وابتدأ يكتب بين يديه حتى فرغ ~~من الكتاب، ثم أخرج خريطة فيها حصى فأترب الكتاب وأصلحه وتقدم فناوله إياه، ~~فوجده قد أتى على جميع ما في نفسه؛ فأعجب به جدا. وقال: اختمه فأخرج من ~~الخريطة طينا فوضعه عليه وتناوله فختمه وأنفذه من ساعته. # فقال هارون لخادم له: امض إلى دابتي وقل لها: توجه إلي بالدرج الفلاني؛ ~~فمضى الخادم فجاء به، فأخرج الرقعة فدفعها إليه. فقال: يا أمير المؤمنين؛ ~~أنا عبد من عبيدك، إن وفيت بيمينك فأنت محكم، وإن كفرت وصفحت كان أشبه بك. ~~قال: لا والله! ما يمنعني من الوفاء بيميني إلا النفاسة على أن يخلو الملك ~~من مثلك، وأمر بعتق من حلف بعتقه، ووقف الضياع، وحبس الخيل، وأنفذ صدقة ~~المال. # PageV01P115 # وقد فعل أبو شجاع فناخسرو قريبا من هذا بأبي إسحاق إبراهيم بن هلال ~~الصابي، وذلك أنه كان كاتب بختيار بن معز الدولة أحمد بن بويه الديلمي، ~~وبين أبي شجاع وبين بختيار منافسة بالرياسة، فلما خلع الفضل بن جعفر وهو ~~المطيع لله، وأقيم ابنه أبو بكر عبد الكريم الطائع لله سنة أربع وستين ~~وثلاثمائة استولى على جميع أموره فناخسرو، وصار إليه تدبير المملكة، وليس ~~للخليفة سوى الاسم، وقتل بختيار ومحي أمره، فأحضر أبو شجاع عضد الدولة أبا ~~إسحاق. وقال: قد علمت ما كنت تعاملني به من قبيح المكاتبة، وقد أحفظني ذلك ~~ودعاني إلى قتلك، فرأيت قتلك من الفساد في الأرض إذ كنت مقدما في صناعتك، ~~ولكن لا تعمل لي عملا، واستصفى أمواله وحبسه، وولى ديوان الإنشاء مكانه أبا ~~منصور بن المرزبان الشيرازي، وكان غاية في البلاغة والفصاحة وحسن آلات ~~الكتابة. ### | الصابي في حبسه # وكتب أبو إسحاق من الحبس إلى ms212 بعض إخوانه: نحن في الصحبة كالنسرين لكني ~~واقع، وأنت طائر، وعلى الطائر أن يغشى ويراجع. # وزاره أبو الفرج الببغاء الشاعر زورة ثم قطعه، فكتب إليه: # أبا الفرج اسلم وابق وانعم ولا تزل ... يزيدك صرف الدهر حظا إذا نقص # مضت مدة أستام ودك غاليا ... فأرخصته والبيع غال ومرتخص # وآنستني في محبسي بزيارة ... شفت قرما من صاحب لك قد خلص # ولكنها كانت كحسوة طائر ... فواقا كما يستفرض السادة الفرص # وأحسبك استوحشت من ضيق محبسي ... وعادك عيد من تذكرك القفص # من المنسر الأشفى ومن حزة المدى ... ومن بندق الرامي ومن قصة المقص # ومن صعدة فيها من الدبق لهذم ... لفرسانكم عند الطعان بها قعص # فهذي دواهي الطير، وقيت شرها ... إذا الدهر من أحداثه جرع الغصص # فأجابه أبو الفرج: # أيا ماجدا قد يمم المجد ما نكص ... وبدر تمام مذ تكامل ما نقص # ستخلص من هذا السرار وأيما ... هلال توارى في السرار فما خلص # بدولة تاج الملة الملك الذي ... له في أعالي قبة المشتري خصص # تقنصت أنصافي وما كنت قبل ذا ... أظن بأن المرء بالبر يقتنص # وبعد فلا أخشى تقنص جارح ... وقلبك لي وكر ورأيك لي قفص ### | من شعر الصابئ # وقال أبو إسحاق الصابىء: # جملة الإنسان جيفه ... وهيولاه سخيفه # فلماذا ليت شعري ... قيل للنفس الشريفه # إنما ذلك فيه ... قدرة الله اللطيفه # وقال: # وأحق من نكسته ... بالصفع من درجاته # من مجده من غيره ... وسفاله من ذاته ### | من النقد # أخذه من سقراط، وقد مر به بعض الملوك فركله برجله. وقال: قم! فقام غير ~~مرتاع منه ولا ملتفت إليه. فقال الملك: أما عرفتني؟ قال: لا! ولكن أرى فيك ~~طبع الكلاب فهي تركل بأرجلها، فغضب، وقال: أتقول لي هذا وأنت عبدي. فقال: ~~لا! بل أنت عبدي. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن شهواتك ملكتك وأنا ملكتها. قال: ~~فإني الملك ابن الأملاق السادة، ولنا كذا وكذا ألف فيل، وكذا وكذا ألف ~~مركوب، وأقبل يعدد عليه ما يملكه من العروض والجواهر والعقار. فقال: أراك ~~تفخر علي بما ليس من جنسك، وإنما سبيلك أن ms213 تفخر علي بنفسك، ولكن تعالى نخلع ~~ثيابنا ونلبس جميعا ثوبا من ماء في هذا اليم ونتكلم، فحينئذ يتبين الفاضل ~~من المفضول؛ فانصرف خجلا. ### | الصابي وعضد الدولة # وأهدى الصابىء إلى عضد الدولة في يوم مهرجان اصطرلابا بقدر الدرهم، وكتب ~~معه، وكان حينئذ معتقلا: # أهدى إليك بنو الحاجات واحتشدوا ... في مهرجان جديد أنت تبليه # لكن عبدك إبراهيم حين رأى ... سمو قدرك عن شيء يساميه # لم يرض بالأرض يهديها إليك فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه # فرضي عنه وأخرجه من السجن. # وقال الصابىء لأبي القاسم إسماعيل بن عباد الصاحب: # الله حسبي فيك من كل ما ... يعوذ العبد به المولى # PageV01P116 # واسلم وعش لا زلت في نعمة ... أنت بها من غيرك الأولى ### | من ملح مزيد # قال مزيد لامرأته: أنت غير شفيقة علي، ولا راعية لي. فقالت: والله لأنا ~~أرعى بك من التي كانت قبلي وأشفق. قال: أنت طالق ثلاثا، لقد كنت آتيها ~~بالجرادة فتطبخ لي منها أربعة ألوان وتشوي جنينها. فدعته إلى القاضي، فجعل ~~القاضي يطلب له المخرج فقال: أصلحك الله! لا عليك إن أشكلت المسألة فهي ~~طالق ثلاثين. # قال محمد بن حرب: أتيت بمزيد وامرأة ورجل أصيبا في بيته وأنا على شرطة ~~المدينة، فحبسته وخليت سبيلهما، ثم دعوت به وقلت: ما خبرك؟ قال: أطلقتم ~~الزوج حمام وحبستم الزاجل. # وكان أبو حبيب مضحك المهدي يحفظ نوادر مزيد ويحكيها له فيصله. فقال له ~~مزيد: بأبي أنت! أنا أزرع وأنت تحصد. # ولقي مزيد رجلا كان صديقا لأبيه. فقال: يا بني، كان أبوك عظيم اللحية، ~~فما بالك أجرودي؟ فقال مزيد: أنا خرجت لأمي. # وكسا امرأته قميصا فشكت إليه غلظه وخشونته، فقال: أترينه أخشن من الطلاق؟ ### | من الأجوبة الطريفة # ناظر سعيد بن حميد الدهقان بعض آل أبي لهب؛ فقال: من فضلنا نحن الفرس أن ~~لنا بيوت النيران. فقال اللهبي: وجهنم قطيعة لجدي. # رمي فضولي في النار؛ فقال: الحطب رطب! ### | من ملح البخلاء # وقال بعض البخلاء لغلامه: هات الطعام وأغلق الباب. فقال: يا مولاي؛ هذا ~~خطأ، إنما يقال: أغلق ms214 الباب وهات الطعام. فقال له: أنت حر لوجه الله ~~لمعرفتك بالحزم. # قال جهم بن خلف: أتينا اليمامة فنزلنا على مروان بن أبي حفصة فأطعمنا ~~تمرا. ثم قال لغلامه: خذ هذا الفلس فاشتر به زيتا، فأتى الغلام به. فقال ~~له: خنتني. فقال: وكيف أخونك في فلس؟ قال: أخذته لنفسك واستوهبت الزيت. # وقال الأحنف بن قيس: يا بني تميم، أتبخلونني وربما أشرت عليكم برأي خير ~~من مائة ألف درهم؟ فقال بعض من سمعه: تقويمك الرأي عليه غاية البخل. ### | من أظرف ما قيل في بخيل # ومن أظرف ما قيل في بخيل: # وأخ مسه نزولي بقرح ... مثلما مسني من الجوع قرح # قال إذ زرت وهو في شدة السك ... رة بالهم طافح ليس يصحو # لم تغربت قلت قال رسول الل ... ه والقول منه نصح ونجح # سافروا تغنموا فقال وقد قا ... ل تمام الحديث جوعوا تصحوا ### | غفلة # مر رجل بإنسان وعلى عاتقه عصا في طرفيها زنبيلان قد كادا يحطمانه، في ~~أحدهما بر وفي الآخر تراب. فقال: لم فعلت هذا؟ قال: عدلت البر بالتراب، ~~لأنه كان قد أمالني إلى أحد جنبي؛ فأخذ الرجل زنبيل التراب وقلبه وقسم البر ~~نصفا في الزنبيلين. وقال: الآن فاحمل، فحمله فخف عليه؛ فقال: ما أعقلك من ~~شيخ!. ### | يتماوت ليسأل الكفن # وشرب أحمد بن أبي طاهر مع أبي هفان حتى فني ما معهما، وكانا بجوار المعلى ~~ابن أيوب؛ فقال ابن أبي طاهر لأبي هفان: تماوت حتى اسأل المعلى في كفنك. ~~فسجاه ومضى إلى المعلى فقال: أصلحك الله، نزلنا في جوارك فوجب عليك حقنا، ~~وقد مات أبو هفان وليس له كفن. فقال لوكيله: أمض إليه لتشاهده وادفع له ~~كفنا. فأتى فوجده مسجى فنقر أنفه فضرط، فقال له: ما هذا؟ قال ابن أبي طاهر: ~~أصلحك الله بقية روحه كرهت نكهته فخرجت من دبره، فأخبر المعلى فضحك وأمر ~~لهما بدنانير كثيرة. ### | متجسس متماوت # وكان أحمد بن طولون قد نابذ الموفق وباينه بالعداوة وخلعه، وكان قد ضبط ~~مصر من الجواسيس وكان متيقظا فهما، فأشرف من قصره يوما، ms215 فإذا بجنازة قد مرت ~~عليه. فقال: علي بالنعش ومن فيه. فأحضروه، فقال: قم يا متماوت، ثم دعا ~~بالسياف وقال: اضربه، فقام الميت من نعشه، فقال له: أنت متجسس من ناحية ~~أحمد؟ قال نعم! قال: لو لم أتقدم إليك لقتلتك وقتلت من معك، وأمر من أخرجهم ~~عن عمل مصر. فقيل له: من أين علمت ذلك؟ فقال: رأيت القوم ليس عليهم كآبة من ~~مات له ميت، ورأيتهم يطوفون بالقصر، ونظرت إليه في النعش فرأيت رجليه ~~قائمتين ورجل الميت تسترخي؛ فحكمت أنه حي، فلما حضر رأيته يسارق النفس فصحت ~~القضية. ### | من الطرف # وحضر علي بن بسام مع جحظة البرمكي دعوة، فتفرق الجماعة المخاد، وبقي ~~جحظة. فقال: ما لكم لم تدفعوا إلي مخدة؟ فقال له ابن بسام: عن قليل تصير ~~إليك كلها. # PageV01P117 # واشتد البرد سنة؛ فقال أبو العيناء: إن دام هذا كانت بيوتنا التنانير. # وقال رجل لامرأته: الحمد لله الذي رزقنا ولدا طيبا. قالت: ما رزق أحد ~~مثلما رزقنا، فدعياه فجاء، فقال له الأبك يا بني، من حفر البحر؟ قال: موسى ~~بن عمران. قال: من بلطه؟ قال: محمد بن الحجاج. فشقت المرأة جيبها ونشرت ~~شعرها وأقبلت تبكي. فقال أبوه: ما لك؟ فقالت: ما يعيش ابني مع هذا الذكاء. ### | ابن المعذل والمخنث # رأى عبد الصمد بن المعذل مخنثا ليلة أربعة عشر من شهر رمضان، وهو مضطجع ~~على ظهره يخاطب القمر ويقول: لا أماتني الله منك بحسرة، أو تقع في المحاق، ~~فما كانت ليلة سبعة وعشرين رأى عبد الصمد الهلال، فقال: # يا قمرا قد صار مثل الهلال ... من بعد ما صيرني كالخلال # الحمد لله الذي لم أمت ... حتى أرانيك بهذا السلال ### | الصوم في الربيع # وقال أبو عون الكاتب: # جاءنا الصوم في الربيع فهلا ... اختار ربعا من سائر الأرباع # وتولى شعبان إلا بقايا ... كالعقابيل من دم المرتاع # فكأن الربيع في الصوم عقد ... فوق نحر غطاه فضل قناع ### | شعبان ورمضان # وقال البحتري: # لاحت تباشير الخريف وأعرضت ... قطع الغمام وشارفت أن تهطلا # فترو من شعبان إن وراءه ... شهرا يمانعنا ms216 الرحيق السلسلا # وقال: # ومما دهى الفتيان أنهم أتوا ... بآخر شعبان على أول الورد ### | يوم الشك # وكتب كشاجم إلى بعض إخوانه في يوم شك: # هو يوم شك يا عل ... ي وأمره مذ كان يحذر # والجو حلته ممس ... كة ومطرفه معنبر # والماء فضي القمي ... ص وطيلسان الأرض أخضر # نبت يصعد نوره ... في الأرض قطر ندى تحدر # ولنا فضيلات تكو ... ن ليومنا قوتا مقدر # ومدامة صفراء أد ... رك عمرها كسرى وقيصر # فانهض بنا لنحت من ... كاساتنا ما كان أكبر # أو لا فإنك جاهل ... إن قلت إنك سوف تعذر ### | تشبيب بامرأة رعناء # كانت لرجل من العرب امرأة رعناء؛ فدخل عليها يوما وهي مغضبة، فقالت: ما ~~لك لا تشبب بي كما يشبب الرجال بنسائهن؟ فقال: إني أفعل! وأنشدها: # تمت عبيدة إلا في ملاحتها ... والحسن منها بحيث الشمس والقمر # ما خالف الظبي منها حين تبصرها ... إلا سوالفها والجيد والنظر # قل للذي عابها من حاسد حنق ... أقصر فرأس الذي قد عيب والحجر # فضحكت ورضيت عنه. ### | مما يشك هل هو مدح أو هجاء # ومما يشكل هل هو مدح أو هجاء، أن أبا الينبغي دفع إلى خياط أعور اسمه زيد ~~طيلسانا يقوره له، فلما جاءه ليأخذه دفعه إليه، وقال له: قد خطت لك شيئا لا ~~تدري أهو طيلسان أو هو دواج. فقال: وأنا أقول فيك بيتا لا تدري أو هو مدح ~~أو هجاء. وأنشده: # خاط لي زيد قباء ... ليت عينيه سواء # يريد بسواء: يكونان صحيحتين أو ذاهبتين. # ومن هنا اهتدى أبو الطيب المتنبي إلى قوله: # فيابن كروس يا نصف أعمى ... وإن تفخر فيا نصف البصير # تعادينا لأنا غير لكن ... وتبغضنا لأنا غير عور # وكان أبو الينبغي ضعيف الشعر، قلما يصح له الوزن، إلا أنه كان ظريفا ~~طيبا. ودخل عليه وقد حبس، فقيل له: ما كان خبرك؟ قال أبو الينبغي: قلت ما ~~لا ينبغي ففعل بي ما ينبغي. # ومما يسأل عنه أصحاب المعاني هل هو مدح أو هجاء: # تكامل فيه البخل والجود فاعتلى ... بفضلهما، والبخل بالمرء يزري # وهذا يمدحه؛ يريد ms217 أن يجود بماله ويبخل بعرضه. # وقد قال حماد عجرد يمدح محمد بن أبي العباس: # حليم جهول فأما التي ... يقال له عندها يجهل # فعند الوغى واشتجار القنا ... إذا الحرب أشعلها مشعل # جواد بخيل فأما الذي ... على كل حال به يبخل # فدين وعرض، ودين الكر ... يم ذي الرأي والعرض لا يبذل # PageV01P118 # وليس بما ملكت كفه ... من البحر في وجوده يعدل # يداه الحيا في حفوف الثرى ... وطعنته في الوغى الفيصل # إذا ذكر الناس أهل الندى ... بأسمائهم فاسمه الأول # محمد أنت الذي إن سمو ... ت ذي المعم لك المخول # يذمك كبش الوغى في الوغى ... ويحمدك الرمح والمنصل ### | أعجزتك القافية! # وذكر أن هاشميا قال لعمر بن أبي ربيعة: لولا بغضكم لنا يا بني مخزوم ما ~~قلت: # بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم # فقدمت علينا بني نوفل وبني أمية؛ فتوهمه ابن أبي ربيعة عاقلا، فقال: لا ~~بأس بتقديم المفضول على الفاضل في اللفظ، قال حسان بن ثابت: # وما زال في السادات من آل هاشم ... مكارم صدق لا تعد ومفخر # بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير # وأيضا فالشعر على الميم، فلم يمكن في القافية، إلا ما قلت لك. قال: ~~فأعجزتك الحيلة؟ قال: وكيف أحتال؟ قال تقول: # بعيدة مهوى القرط إما لهاشم ... أبوها وإما عبد شمس ونوفل ميم # فضحك وقال: وهنا لقد عجزت عن هذا. ### | نقد لشعر امرىء القيس # ومن عجيب ما يتعلق بهذا الباب إنه وصل إلى حضرة سيف الدولة رجل من أهل ~~بغداد يعرف بالمبحث، وكان ينقر على العلماء والشعراء بما لم يدفعه الخصم ~~ولا ينكره الوهم، فتلقاه سيف الدولة باليمين؛ وأعجب به إعجابا شديدا؛ فقال ~~يوما: أخطأ امرؤ القيس في قوله: # كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال # وهذا معدول عن وجهه لا شك فيه. فقيل: وكيف ذلك؟ قال: إنما سبيله أن يقول: # كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال ms218 # ولم أسبأ الزق الروي للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # فيقترن ذكر الخيل بما يشاكلها في البيت كله، ويقترن ذكر الشرب واللهو ~~بالنساء. ويكون قوله: للذة في الشرب أطبع منه في الركوب. # فبهت الحاضرون، واهتز سيف الدولة، وقال؛ هذا التهدي وحق أبي! فقال بعض ~~الحاضرين من العلماء للمبحث: أنت أخطأت وطعنت على القرآن إن كنت تعمدت؟ ~~فقال سيف الدولة: وكيف ذلك؟ فقال: قال الله تبارك وتعالى: إن لك ألا تجوع ~~فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى. وعلى قياسه يجب أن يكون: إن لك ~~أن لا تجوع فيها ولا تظمأ، ولا تعرى فيها ولا تضحى. وإنما عطفه امرؤ القيس ~~بالواو التي لا توجب تعقيبا، ولا ترتب ترتيبا؛ فخجل وانقطع. ### | في مجلس الوليد # وقال خالد: قدمت على الولد بن يزيد في مجلس ناهيك من مجلس، فألفيته على ~~سريره وبين يديه معبد. ومالك بن أبي السمح، وابن عائشة، وأبو كامل عذيل ~~الدمشقي؛ ومالك بن أبي السمح، وابن عائشة، وأبو كامل عذيل الدمشقي؛ فجعلوا ~~يغنون حتى بلغت النوبة إلي فغنيت: # سرى همي وهم المرء يسري ... وغاب النجم إلا قيد فتر # أراقب في المجرة كل نجم ... تعرض أو على البحرات يجري # بهم ما أزال به قرينا ... كأن القلب أبطن حر جمر # على بكر أخي فارقت بكرا ... وأي العيش يحسن بعد بكر # فقال: أعد يا صاح، فأعدت. فقال: من يقوله؟ قلت: عروة بن أذينة الليثي. ~~فقال: وأي العيش يصلح بعد بكر؟ هذا الذي نحن فيه، والله لقد تحجر واسعا على ~~رغم أنفه. # وأنشدت سكينة بنت الحسين رضوان الله عنهما هذا الشعر؛ فقالت: ومن بكر؟ ~~فوصف لها. فقالت: ذاك الأسود الذي كان يمر بنا، والله لقد طاب كل شيء بعده ~~حتى الخبر والزيت! ### | السماع وما ينبغي له من الشعر # PageV01P119 # قلت أنا: وليت شعري إذا كان السماع داعية الأنس، وعشيق النفس، الذي ~~ينهكها إذا أسرها الهم، ويبسطها إذا قبضها الغم، وهو المستأذن على القلب، ~~المنقذ له من الكرب، الداخل عليه من غير تعب، والوارد إليه ms219 بغير نصب، وقد ~~قال أرسطا طاليس: لما حددنا المنطق وجدنا فيه ما لا يبلغه اللسان إلا آلة، ~~فركبنا العود على الطبائع، لاستخراج تلك الودائع، فلما قابلت النفس استماع ~~ما ظهر منه عشقته بالعنصر. # وقالوا: كل شراب بلا سماع الدن أولى به؛ فما باله لا تستخرج له الأشعار ~~الرقيقة، ذات المعاني الدقيقة الأنيقة، والألفاظ الناعمة الشكلة، في ~~الأبيات الغزلة، التي تطرب بالتكلم قبل الترنم، ويتجنب ما كان من صفات ~~الجيوش والمقانب، والغارات والكتائب، والأحزان والمصائب؛ فلأن يسمع من كان ~~ثملا جذلا: # ظفرت بقبلة منه اختلاسا ... وكنت من الرقيب على حذار # ألذ من الصبوح على غمام ... ومن برد النسيم على خمار # أحب إليه من أن يسمع: # إن السنان وحد السيف لو نطقا ... لحدثا عنك يوم الروع بالعجب # أنفقت مالك تعطيه وتبذله ... يا متلف الفضة البيضاء والذهب # إلا أن يكون سامعه كمهلهل، وربيعة بن مكدم، وعتيبة بن الحارث بن شهاب؛ ~~هذا على أن هذا الشعر ليس بتحسين الحظ في فصاحة اللفظ، ولا قاصر المرمى عن ~~إدراك المعنى، كقول مروان بن صرد أخي أبي بكر بن صرد في يزيد بن يزيد فيه ~~يقول: # أما أبوك فأندى العالمين يدا ... وكان عمك معن سيد العرب # عيدانكم خير عيدان وأطيبها ... عيدان نبع وليس النبع كالغرب # وإنكم سادة أوليتم حسبا ... وأنتم قالة للشعر والخطب # ولكن لكل مكان ما يليق بموضعه، ويحسن بموقعه؛ فأشبه أوقات اللهو والشراب، ~~ذكر التغزل بالأحباب. # وقد قال بعض البلغاء: لولا العشق والهوى، لم توجد لذة الصبا، ولم يكن ~~الطرب والغناء، ولنقص نعيم أهل الدنيا. # وكان ابن الرومي يقول: لو ملكت الأمر وأدركت ملحن هذا الشعر لقتلته: # كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرج بالدم # رمى ضرع ناب فاستمرت بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهم # وقال ثمامة بن أشرس: كنت عند المأمون يوما إذ جاءه الحاجب يستأذن لعمير ~~المأموني، فكرهت ذلك، ورأى الكراهة في وجهي. فقال: يا ثمامة، ما لك؟ قلت: ~~يا أمير المؤمنين إنا إذا غنانا عمير ذكر مواطن الإبل، وكثبان الرمل، وإذا ms220 ~~غنتنا فلانة انبسط أملي، وقوي جذلي، وانشرح صدري، وذكرت الجنان. كم يا أمير ~~المؤمنين بين أن تغنيك جارية غادة، كأنها غصن بان، بمقلة وسنان، كأنما خلقت ~~من ياقوتة، أو خرطت من درة، بشعر عكاشة العمي: # من كف جارية كأن بنانها ... من فضة قد طرزت عنابا # وكأن يمناها إذا ضربت بها ... تلقي على يدها الشمال حسابا # وبين أن يغنيك رجل ملتف اللحية، غليظ الأصابع، خشن الكف، بشعر ورقاء بن ~~زهير: # رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر # وكم بين من يحضرك من تشتهي النظر إليه، وبين من لا يقف طرفك عليه؟ فتبسم ~~المأمون. وقال: إن الفرق لواضح، وإن المنهج لفسيح، يا غلام؛ لا تأذن له! ~~وأحضر قينة. قال: فظللنا في أمتع يوم. ### | من طيبات الأغاني ومطربات القيان # وقد كتبت جرءا مما قيل في طيبات الأغاني ومطربات القيان، وأنا أعيد منها ~~هنا قطعة ترتاح إليها الأرواح: أنشد أبو العباس أحمد بن محمد الأنباري ~~الناشىء في مثل قول عكاشة: # وإذا بصرت بكفها اليسرى حكت ... يد كاتب يلقي عليك صنوفا # وكأنما المضراب في أوتاره ... قلم يمجمج في الكتاب حروفا # ويجسه إبهامها فكأنه ... في النقر ينفي بهرجا وزيوفا # أخذ هذا البيت من قول أبي شجرة السلمي وذكر ناقته: # يطير عنها حصا الظران من بلد ... كما تنوقد عند الجهبذ الورق # وأصله من قول امرىء القيس: # كأن صليل المرو حين تطيره ... صليل زيوف ينتقدن بعبقرا # وقال ابن العجاج: # PageV01P120 # كأن أيديهن بالقاع القرق ... أيدي نساء يتعاطين الورق # وقال أبو نواس: # وأهيف مثل طاقة ياسمين ... له حظان من دنيا ودين # يحرك حين يشدو ساكنات ... وتنبعث الطبائع للسكون # وهذا مليح، يريد حركة الجوانح للغناء، وسكون الجوارح للاستماع. ### | صفة القيان والعيدان # ومن عجيب ما قيل في صفات القيان والعيدان قول ابن الرومي. # وقيان كأنها أمهات ... عاطفات على بنيها حواني # مطفلات وما حملن جنينا ... مرضعات ولسن ذات لبان # ملقمات أطفالهن ثديا ... ناهدات كأحسن الرمان # مفعمات كأنها حافلات ... وهي صفر من درة الألبان # كل طفل يدعى بأسماء شتى ... بين عود ومزهر ms221 وكران # أمه دهرها تترجم عنه ... وهو بادي الغنى عن الترجمان # وأنشد أبو علي الحاتمي لأبي بكر الصولي: # وغناء أرق من دمعة الص ... ب وشكوى المتيم المهجور # يشغل الفهم عن تظن وفهم ... فهو يصغي بظاهر وضمير # صافح السمع بالذي يشتهيه ... فأذاق النفوس طعم السرور # ليس بالقائل الضعيف إذا ما ... راض نغما ولا الشنيع الجهير # يجتني السمع منه أحسن مما ... تجتني العين من وجوه البدور ### | إبليس ينادم إبراهيم الموصلي # قال إبراهيم الموصلي: استأذنت الرشيد في أن يهب لي في كل أسبوع يوما، ~~أخلو فيه مع جواري، فأذن لي في يوم الأحد وقال: هو يوم أستثقله؛ فلما كان ~~في بعض الآحاد أتيت الدار، فدخلت الحجاب ألا يأذنوا لأحد علي وأغلقت ~~الأبواب. # فما هو إلا أن جلست حتى دخل علي شيخ حسن السمت والهيئة، على رأسه قلنسوة ~~لاطئة، وفي رجله خفان أحمران، وفي يده عكازة مقمعة بفضة، وعليه غلالة سكب. # فلما رأيته امتلأت غيظا، وقلت: ألم آمر الحجاب ألا يأذنوا لأحد، فسلم. ~~فأفكرت وقلت: لعلهم علموا من الشيخ ظرفا وهيئة، فأحبوا أن يؤنسوني به في ~~هذا اليوم؛ فلما أمرته بالجلوس جلس، وقال: يا إبراهيم ألا تغنيني صوتا؟ ~~فامتلأت عليه غيظا ولم أجد إلى ردة سبيلا؛ لأنه في منزلي، وحملته منه على ~~سوء أدب العامة؛ فأخذت العود وضربت وغنيت ووضعت العود. فقال لي: لم قطعت ~~هزارك؟ فزادني غيظا، وقلت لا يسيدني ولا يكنيني ولا يقول: أحسنت! فأخذت ~~العود فغنيت الثانية، فقال لي: أحسنت، فكدت والله أشق ثيابي، فغنيت تمام ~~الهزار. فقال: أحسنت يا سيدي! ثم قال: ناولني العود، فوالله لقد استجابه، ~~فوضعه في حجره، ثم جسه من غير أن يكون ضرب بأنملة، فوالله لقد خلت زوال ~~نعمتي في حبسه، ثم ضرب وغنى: # ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... لقد زادني مسراك وجدا على وجد # أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فنن غض النبات من الرند # بكيت كما يبكي الوليد ولم أكن ... جليدا وأبديت الذي لم أكن أبدي # وقد زعموا أن المحب إذا ms222 دنا ... يمل وأن النأي يسلي من الوجد # بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد # فوالله لقد خلت كل شيء في الحضرة يتغنى معه حتى الأبواب والستور، ثم ضرب ~~وغنى: # ألا يا حمامات اللوى عدن عودة ... فإني إلى أصواتكن حزين # فعدن فلما عدن كدن يمتنني ... وكدت بأسراري لهن أبين # دعون بترداد الهدير كأنما ... شربن حميا أو بهن جنون # فلم تر عيني مثلهن حمائما ... بكين ولم تدمع لهن عيون # ثم ضرب وغنى: # قفا ودعا نجدا ومن حل بالحمى ... وقل لنجد عندنا أن يودعا # وأذكر أيام لحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا # فليست عشيات الحمى برواجع ... إليك ولكن خل عينيك تدمعا # وأعذر فيها النفس إن حيل دونها ... وتأبى إليها النفس إلا تطلعا # PageV01P121 # فوالله لقد تغنى كل شيء معه بالحضرة، حتى النمارق والوسائد وقميصي الذي ~~على بدني؛ فقال: يا أبا إسحاق! هذا الغناء الماخوري، تعلمه وعلمه جواريك، ~~ثم وضع العود من حجره وقام إلى الدار فلم أره، فدفعت أبواب الحرم فإذا هي ~~مغلقة؛ فقلت: ويحكن هل سمعتن ما سمعت، أو رأيتن ما رأيت؟ قلن: نعم! سمعنا ~~وأعدن الأصوات علي وقد لقنها؛ فسألت الحجاب عن الرجل؛ فقالوا لي: لم يدخل ~~عليك أحد حتى يخرج، فأمرت بدابتي فأسرجت، فركبت من فوري إلى دار الخليفة ~~واستأذنت؛ فلما رآني قال: ألم تنصرف آنفا على نية المقام في منزلك والخلوة ~~بأهلك؛ قلت: يا سيدي؛ جئت بغريبة؛ وقصصت عليه القصة من أولها إلى آخرها، ~~فضحك حتى رفع الوسائد برجليه، وقال لي: كان نديمك اليوم أبو مرة، وددت أنه ~~لوم متعنا بنفسه كما متعك. # واشتهر إبراهيم بهذا الطريق، واشتهته الناس فلم تبق جارية لقنته من ~~إبراهيم إلا زيد في ثمنها؛ قال اللاحقي: # لا جزى الله الموصلي أبا إس ... حاق عنا خيرا ولا إحسانا # جاءنا مرسلا بوحي من الشي ... طان أغلى به علينا القيانا # من غناء كأنه سكرات ال ... حب يصغي القلوب والآذانا ### | أبو فراس يستميل سيف الدولة إلى الغناء # ومن مليح هذا ms223 المعنى قول أبي فراس: كان سيف الدولة لا يشرب النبيذ ولا ~~يسمع القيان ويحظرهما، فوافت ظلوم الشهرامية، وكانت إحدى المحسنات، وكان ~~بحضرته ابن المنجم أحد المحسنين، فتاقت نفسي إلى سماع ظلوم؛ فسألت الأمير ~~أن يحضرهما لأسمعهما مجتمعين؛ فوعدني بإحضارهما مجلسه من يومه، فانصرفت ~~وأنا غير واثق بذلك لعلمي بضعف نيته في مثله، ووجهت إلى ظلوم أتقدم إليها ~~بالاستعداد، وحصلت عندي ابن المنجم، وأقمت أنتظر رسوله إلى أن غربت الشمس، ~~فكتبت إليه: # محلك الجوزاء بل أرفع ... وصدرك الدهناء بل أوسع # وقلبك الرحب الذي لم يزل ... للجد والهزل به موضع # رفه بقرع العود سمعا غدا ... قرع العوالي جل ما يسمع # فبلغت هذه الأبيات أبا محمد الحسن بن محمد بن هارون المهلبي؛ فأمر بها ~~فلحنت وغني بها، فلم يشرب بقية يومه ذلك إلا عليها. ### | من شعر أبي فراس # وأبو فراس هو الحارث بن سعيد بن حمدان؛ وفي أبي فراس يقول القاضي ابن ~~الهيثم: # أيقنت أني ما بقي ... ت رهين شكر الحارث # فإذا المنية أشرفت ... ورثت ذاك لوارثي # رقي له من بعد سي ... يدنا وليس لثالث # قال أبو فراس: فحاولت جوابه على هذه القافية فما أمكنني شيء أرتضيه، ~~فكتبت إليه: # لئن جمعتنا غدوة أرض يابس ... فإن لها عندي يدا لا أضيعها # أحب بلاد الله أرض تحلها ... إلي، ودار تحتويك ربوعها # أفي كل يوم رحلة بعد رحلة ... تجرع نفسي حسرة وتروعها # فلي أبدا قلب كثير نزاعه ... ولي أبدا نفس قليل نزوعها # لحى الله قلبا لا يهيم صبابة ... إليك وعينا لا تفيض دموعها # وكان أبو فراس حسن الشعر، جيد النمط، ولقوته من الطلاوة والحلاوة ما يشهد ~~به ما أنشد له. # وكان أبو القاسم الصاحب يقول: بدىء الشعر بملك، وختم بملك؛ بدىء بامرىء ~~القيس، وختم بأبي فراس. ### | بين أبي فراس وسيف الدولة # وكتب أبو فراس إلى سيف الدولة وقد سار إلى منزله: كتابي أطال الله بقاء ~~الأمير من منزلي، وقد وردته ورود السالم الغانم موقر الظهر وفرا وشكرا؛ ~~فاستحسن سيف الدولة بلاغته فقال: # هل للفصاحة والسما ... حة ms224 والعلا عني محيد # في كل يوم استقي ... د من العلاء وأستفيد # ويزيد في إذا رأي ... تك في الندى خلق جدي # وأهدى الناس إلى سيف الدولة في بعض الأعياد فأكثروا؛ فاستشارهم أبو فراس ~~فيما يهديه إليه، فكل أشار بشيء، فخالهم وكتب إليه: # نفسي فداؤك قد بعث ... ت بمهجتي بيد الرسول # أهديت نفسي، إنما ... يهدى الجليل إلى الجليل # وجعلت ما ملكت يدي ... بشرى المبشر بالقبول # ووقع بين أبي فراس وبين بني عمه عداء وهو صغير؛ فمزح سيف الدولة معه ~~بالتعصب عليه فقال: # PageV01P122 # قد كنت عدتي التي أسطو بها ... ويدي إذا خان الزمان وساعدي # فرميت منك بضد ما أملته ... والمرء يشرق بالزلال البارد # فصبرت كالولد التقي لبره ... أغضى على مضض لضرب الوالد # وقال يفخر: # لنا بيت على طنب الثريا ... بعيد مذاهب الأكناف سامي # تظلله الفوارس بالعوالي ... وتفرشه الولائد بالطعام # وقال يصف السبي. # وخريدة كرمت على آبائها ... وعلى بوادر خيلنا لم تكرم # خطبت بحد السيف حتى زوجت ... كرها وكان صداقها للمقسم # راحت وصاحبها بعرس حاضر ... يرضي الإله وأهلها في مأتم # وقال: # ما كنت مذ كنت إلا طوع خلاني ... ليست مؤاخذة الخلان من شاني # يجني الصديق فأستحلي جنايته ... حتى أدل على عفوي وإحساني # ويتبع الذنب ذنبا حين يعرفني ... عمدا فأتبع غفرانا بغفران # يجني علي فأحنو صافحا كرما ... لا شيء أحسن من حان على جان # وقال: # فوالله ما أضمرت في الحب سلوة ... ووالله ما حدثت نفسي بالصبر # وإنك في عيني لأبهى من الغنى ... وإنك في قلبي لأحلى من النصر # فيا حكمي المأمول جرت مع الهوى ... ويا ثقتي المأمون جرت مع الدهر # وقال: # سكرت من لحظه لا من مدامته ... وما بالنوم عن عيني تمايله # وما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول ازدهتني بل شمائله # ألوى بصبري أصداغ لوين له ... وغل صدري ما تحوي غلائله # وقال: # وظبي غرير في فؤادي كناسه ... إذا كنست عين الفلاة وحورها # فمن خلقه لباتها ونحورها ... ومن خلقه عصيانها ونفورها # وقال: # ألزمني ذنبا ولا ذنب لي ... ولج في الهجران والعتب # أحاول الصبر على هجره ms225 ... والصبر محظور على الصب # من لي بكتمان هوى شادن ... عيني له عين على قلبي # عرضت صبري وعلوي له ... فاستشهدا في طاعة الحب # وقال: # لبسنا رداء الليل، والليل راضع ... إلى أن تردى رأسه بمشيب # وبتنا كغصني بانة عطفتهما ... مع الصبح ريحا شمأل وجنوب # إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... مبادي نصول في عذار خضيب # فيا ليل قد فارقت غير مذمم ... ويا صبح قد أقبلت غير حبيب # وقال: # قل لأحبابنا الجفاة رويدا ... درجونا على احتمال الملال # إن ذاك الصدود من غير جرم ... لم يدع في موضعا للوصال # أحسنوا في هواكم أو أسيئوا ... لا عدمناكم على كل حال # وقال: # ومغض للمهابة عن جوابي ... وإن لسانه العضب الصقيل # أطلت عتابته عنتا وظلما ... فدمع ثم قال: كما تقول # وقال: # بتنا نعلل من ساق أغن لنا ... بخمرتين من الصهباء والخد # كأنه حين أزكى نار وجنته ... سكرا وأسبل فضل الفاحم الجعد # يعد ماء عناقيد بطرته ... بماء ما حملت خداه من ورد # وقال: # أيا سافرا ورداء الخجل ... مقيم بوجنته لم يزل # بعيشك رد عليك اللثام ... أخاف عليك جراح المقل # فما حق حسنك أن يجتلى ... ولا حق وجهك أن يبتذل # أمنت عليك صروف الزمان ... كما قد أمنت علي الملل # وقال: # لا غرو إن فتنتك بال ... ألحاظ فاترة الجفون # فمصارع العشاق ما ... بين الفتور إلى الفتون # اصبر فمن سنن الهوى ... صبر الضنين على الضنين # وقال: # سقى ثرى حلب، ما دمت سانها ... يا بدر، غيثان منهل ومنبجس # كأنما البدر والولدان موحشة ... وربعها دونهن العامر الأنس # أسير عنها لأمر ما فيزعجني ... حتى يعود إليها الخدر الكبس # PageV01P123 # مثل الحصاة التي يرمى بها أبدا ... إلى السماء فترقى ثم تنعكس # وقال أبو فراس في رسول ملك الروم إذ جاء يطلب الهدنة، فأمر سيف الدولة ~~بالركوب بالسلاح، فركب من داره ألف غلام مملوك بألف جوشن مذهب على ألف فرس ~~عتيق بألف تجفاف، وركب الناس والقواد على تبعيتهم وسلاحهم وراياتهم، حتى ~~طبق الجيش جبل جوشن وما حوله. فقلت: # علونا جوشنا بأشد منه ... وأثبت عند مشتجر الرماح # بجيش ms226 جاش بالفرسان حتى ... ظننت البر بحرا من سلاح # فألسنة من العذبات حمر ... تخاطبنا بأفواه الرياح # وأروع جسمه ليل بهيم ... وغرته عمود من صباح # صفوح عند قدرته كريم ... قليل الصفح ما بين الصفاح # كأن ثباته للقلب قلب ... وهيبته جناح للجناح ### | طرف من أخبار المهلبي # وعلى ذكر المهلبي أذكر طرفا من ظريف أخباره، وشريف آثاره، وإنما أسلسل ~~أخبار أمثاله من أشراف العصر، وأفراد الدهر، تعمدا للذة الجدة، ورونق ~~الحداثة؛ إذا كان ما لم يقرع الآذان، أدعى إلى الاستحسان، مما تكرر حتى ~~تكدر. # والمهلبي هو أبو محمد الحسن بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن يزيد بن ~~حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، وكان المطيع لله الفضل بن جعفر ~~المقتدر، لما ولي الخلافة بعد المستكفي، قام بجميع أموره معز الدولة أحمد ~~بن بويه الديلمي، وصحبه أجمل صحبة من أول ولايته إلى سنة موته وهي سنة ست ~~وخمسين وثلاثمائة، وعقد الديلمي أمر وزارته للمهلبي سنة تسع وثلاثين ~~وثلاثمائة. وكان المهلبي من سروات الناس وأدبائهم وأجوادهم وأعزائهم، وفيه ~~يقول أبو إسحاق الصابىء: # نعم الله كالوحوش وما تأ ... لف إلا أخايرا نساكا # نفرتها أيام قوم وصي ... رت لها البر والتقى أشراكا # وفيه يقول: # قل للوزير أبي محمد الذي ... قد أعجزت كل الورى أوصافه # لك في المجالس منطق يشفي الجوى ... ويسوغ في أذن الأديب سلافه # وكأن لفظك لؤلؤ متنخل ... وكأنما آذاننا أصدافه # وفيه يقول أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن نباتة السعدي: # أنا عبد من لو قال للشمس اغربي ... غربت وقد طلعت على الأشهاد # المستقل من الوزارة رتبة ... إشراقها فوق الخلافة بادي # عق الكماة لخوفه هيجاءهم ... وهم لطاعته من الأولاد # وتقنعوا بالنزر من أيامهم ... حتى ظنناهم من الزهاد # ومن التراب عجاجهم وعجاجه ... مما يحطم من قنا وجياد # القائد الخيل العتاق كأنها ... أسد مخالبها صدور صعاد # كذب المحدث بالشجاعة والندى ... عن خندف وربيعة وإياد # لو أبصرت عيناه آل مهلب ... والخيل راوية النحور صوادي # يخرجن من رهج العجاج كأنما ... أسيافهم خرجت من الأغماد # أوما رأيت ms227 جنابهم متدفقا ... متوسعا لتضايق الرواد # ووجوههم للبذل من إشراقها ... قد قنعت شمس الضحى بسواد # لرأيت أو كادت جفونك أن ترى ... لجج البحار وآنف الأطواد # وعلمت أنهم على رغم العدى ... ذهبوا بكل ندى وكل جلاد # يا من نصغره إذا قلنا له ... ملك الملوك وماجد الأمجاد # وذباب سيفك إنه قسم الوغى ... والموت في ثوب من الفرصاد # لأطرزن بك الزمان مدائحا ... تختال بين الشدو والإنشاد # تدع المسامع والقلوب لحسنها ... عند الرواة تشد بالأصفاد # وقال فيه: # ألكني إلى آل المهلب إنهم ... لأرفع من زهر النجوم وأثقب # إذا سلبوا الأموال من شن غارة ... أغار عليها المجتدون ليسلبوا # فلا زالت الأملاك تطلب رفدهم ... فتدنى وتعطى فوق ما تتطلب # PageV01P124 # ولا برحت حمر المنايا وسودها ... إلى بأسهم يوم الوغى تتحزب # فما استمطروا للجود إلا تدفقوا ... ولا استصرخوا للطعن إلا تلببوا # إليك أمين الله في الأرض شمرت ... عزيمة صبح بالدجى تتجلبب # يرى حظه مستأخرا وهو أول ... وآماله مغلوبة وهو أغلب # وأنت شباب للذي شاب مقبل ... إليه ووجه للذي خاب ملحب # تقود أبيات الأمور كأنها ... إليك أسارى في الأزمة تجنب # وتطعن في صدر الكتائب معلما ... كأنك في صدر الدواوين تكتب # نداؤك أملى والجياد منابر ... وأبطالها بالمشرفية تخطب # أذم زيادا في ركاكة رأيه ... وفي قوله: أي الرجال المهذب # وهل يحسن التهذيب منك خلائقا ... أرق من الماء الزلال وأعذب # تكلم والنعمان بدر سمائه ... وكل مليك عند نعمان كوكب # ولو أبصرت عيناه شخصك مرة ... لأبصر منه شمسه وهي غيهب # إذا ذكرت أيامك الغر أظلمت ... تميم وقيس والرباب وتغلب # لقد صرحوا بالمال لي وهو مبهم ... وقد عرضوا بالقول لي وهو موجب # ولي همة لا تطلب المال للغنى ... ولكنها منك المودة تطلب # فإن كان قولي دون قدرك قدره ... فما أنا فيه في امتداحك مذنب # إذا كانت الأشياء دونك قدرها ... فغير ملوم أن يقصر مسهب # زياد: هو النابغة الذبياني؛ وإنما عنى قوله في اعتذاره للنعمان بن ~~المنذر: # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك ms228 دونها يتذبذب # بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # وإنما أخذ النابغة هذا من قول شاعر من كندة قديم: # تكاد تميد الأرض بالناس إن رأوا ... لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب # هو الشمس وافت يوم دجن فأفضلت ... على كل نورس والملوك كواكب ### | من حياة المهلبي # والمدح في أبي محمد المهلبي كثير، وإنما يؤخذ من كل شيء ما اختير. وكان ~~قبل تعلقه بحبل السلطان سائحا في الأرض على طريق الفقر والتصوف. قال أبو ~~علي الصوفي: كنت معه في بعض أوقاته، أماشيه في بعض طرقاته؛ فضجر لضيق ~~الحال، فقال: # ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه # ألا رحم المهيمن روح حر ... تصدق بالوفاة على أخيه # قال: فاشتريت له رطل لحم وطبخته له. ثم تصرف بنا الدهر وبلغ المهلبي ~~مبلغه؛ قال أبو علي: فاجتزت البصرة واجتزت بأسلمان، فإذا أنا بناشطيات ~~وحراقات وزيارب وطيارات في عدة وعدة. فقلت: لمن هذا؟ فقيل: للوزير أبي محمد ~~المهلبي، فنعتوا لي صاحبي، فتوصلت إليه حتى رأيته، فكتبت رقعة واحتلت حتى ~~دخلت، فسلمت وجلست، حتى إذا خلا المجلس رفعت إليه الرقعة، وفيها: # ألا قل للوزير بلا احتشام ... مقال مذكر ما قد نسيه # أتذكر أن تقول لضيق عيش ... ألا موت يباع فأشتريه # فنظر إلي، وقال: نعم! ونهض وأنهضني معه في مجلس أنسه، وجعل يذكر لي كيف ~~توافت حاله؛ وقدم الطعام فأطعمنا، وأقبل ثلاثة من الغلمان على رأس أحدهم ~~ثلاث بدر، ومع آخر تخوت وثياب رفيعة، ومع آخر طيب وبخور؛ وأقبلت بغلة رائعة ~~بسرج ثقيل؛ فقال لي: يا أبا علي؛ تفضل بقبول هذه، ولا تتأخر عن حاجة تعرض ~~لك، فشكرته وانصرفت؛ فلما هممت بالخروج من الباب استردني وأنشدني بديها: # رق الزمان لفاقتي ... ورثى لطول تحرقي # فأنالني ما أرتجي ... وأجار مما أتقي # فلأغفرن له القدي ... م من الذنوب السبق # إلا جنايته لما ... فعل المشيب بمفرقي ### | العباس بن الحسين وآثاره # PageV01P125 # ولما مات المهلبي وجد عليه أحمد بن بويه وجدا شديدا ولم يستوزر أحدا ~~بعده، وبلغ منه أبو ms229 الفضل العباس بن الحسين بن عبد بن فاخر بعد المهلبي ~~مبلغا عاليا؛ للمصاهرة التي كانت بينه وبين المهلبي؛ ولأنه كان يخلفه في ~~الدواوين؛ فكان يخطب درجة المهلبي في الوزارة فلم يبلغها. # وكان العباس ممن تعظمه الملوك وتعرف قدره في الفرس وسبقه، وكان بنو بويه ~~يخاطبونه بالشيخ؛ ولما حصلوا بأرض العراق استدعوه من فارس اشتياقا إليه، ~~وحاجة إلى رأيه؛ لما كانوا يعرفون من ثقته، وكان يتخذ من الزي وتفخيم شأن ~~الملك ما كان يحسن به في عين أحمد بن بويه؛ إذ كان يحب من أصحابه ذلك. # وكان مما عمله العباس المغيض الذي بظاهر السندية، الذي ينزع من نهر عيسى ~~بن موسى الهاشمي النازع من الزاب الأعظم بناحية البثق المعروف ببثق ~~الروبانية وهو الذي تعمره ملوك العراق، وتحوط به الأعمال التي ترد إلى كل ~~ناحية حظها من الشرب الذي تكون به عماراتها واستقامة ربوعها ووفور أموالها ~~وتمام خراجها. # وهذا المغيض عملته الأكاسرة لينتفع به عند زيادة المياه وكثرتها؛ فإنها ~~حين تخشى البثق المقدم ذكره وغيره من البثوق أن تزيد المياه عليها فتخرقها ~~فينصرف الماء عن سائر الضياع، فإذا خشي ذلك فتح هذا المغيض فانصرف ما يزيد ~~من الماء عن قدر ما ينتفع به إليه، حتى يصب في نهر يعرف بصرصر حتى يفرغ في ~~دجلة، فعمل هذا المغيض من ماله بعد فساد ما كان قبله. وسائر هذه البثوق ~~تسترم بعد خمسين عاما من بعد عمارتها إلى السبعين، أكثره على ما يذكرون. # ثم عمر الدار المعروفة بخاقان، وهي في ملك ولده وما يليها من الدور التي ~~كانت تجاورها بشاطىء دجلة، وهذه الدار معروفة عند الملوك معظمة في نفوسهم، ~~وهي دار لها حدان، فالجبلي منها ينتهي إلى دجلة، والشرقي منها ينتهي إلى ~~نهر الصراة النازع من نهر عيسى النازع من الفرات الأعظم، حتى يلتقي هذان ~~النهران. # وقد كان في قديم الزمان بلغ أمرها بعض ملوك الروم؛ وصف له أن بالعراق ~~دارا يجتمع فيها دجلة والفرات، فأعظم ذلك وأكبره، وأكذب من أخبره به. ثم ~~كشف عن ms230 ذلك لعظمه عنده فوجده حقا، فعمر العباس هذه الدار على أحسن مما كانت ~~عليه، بل أزيد من ذلك، وانتهى خبرها إلى أحمد بن بويه فأحب النظر إليها؛ ~~فاصطنع له طعاما ورتب الناس على أحسن ما يكون من ترتيب مثله، وفرش مجالسها ~~وقبابها ومحالها وخباءها ورحابها وخورنقاتها وجيرياتها، بألوان المثقل ~~بالمذهب، والأرمني الرفيع على أصنافه، والخزو المقطوع المرقوم المثقل ~~بالذهب على أجناسه وألوانه، والمحفور الدجلي القديم والمحفور الأرمني، وغير ~~ذلك من أصناف الفرش مما أحدثه العراقيون. # وكان ذلك على حين طيب الزمان، واجتماع خيرات كل أوان، في زمن الورد ووقت ~~النيروز الفارسي، وهو حين تكامل النبت وزيادة المياه، وطلوع الثمار، وزهر ~~الأشجار. # واصطنع في البستان الأعظم على البركة التي يجتمع بفنائها الجبلي والشرقي ~~دجلة والفرات قصرا مبنيا من السكر على أربع طبقات، بأبواب تدور به، وأبواب ~~تغلق عليها من فوقها طبقة فطبقة، تطلع من تلك الأبواب صور من السكر على ~~هيئة الجواري الغلمان بصنوف الملاهي في أحسن الملابس والحلل، وجعل على ~~شرفاتها وطبقاتها وحناياها صور أنواع الطير والحيوان والوحش، وجعل من ~~ورائها رجالا تنفخ بالبوقات والمزامير، كل صنف يخرج منه صوت يليق بصورته ~~صوت مثله؛ وكل ذلك من السكر المموه بصنوف الأصباغ والنقوش والذهب. ثم نصب ~~القيان وأصحاب الملاهي على طبقاتهم مفترقين في تلك المجالس. # وحضر أحمد بن بويه وولده بختيار وإبراهيم ومحمد: كل منهم في قواده وجنده ~~وكتابه ووجوه رجاله وحاشيته. وأمر بعرض دجلة. فمد من جانبها الغربي الذي هو ~~الركن المجتمع فيه دجلة والفرات إلى الجانب الشرقي الذي بإزائه حبل مفتول، ~~ونثر على الماء من الورد ما غطى دجلة من الجانب إلى الجانب الآخر، إلا ما ~~خرقته أنواع المراكب من الطيارات والزلالات والحديديات والزبازب والسماريات ~~التي ركبها أحمد وأصحابه إلى من سواهم من العامة، وانتظمت هذه المراكب ~~جانبي دجلة من حد هذه الدار وما بإزائه من الجسر الذي بباب الطاق، وصار ~~المسلوك من دجلة في وسطها، وصار ذلك الورد يستقبل المنحدر إلى الدار يمنعه ~~الحبل المعترض من الجري مع ms231 الماء من تحته. # PageV01P126 # ثم تلقى أحمد وبنيه بما أعد لهم من الكرامة والحباء؛ فكان من صنوف ذلك ~~دنانير ودراهم ضربها في كل دينار منهما ودرهم خمسة دنانير وخمسة دراهم ~~عليها صنوف الصور في أواني الذهب والفضة، الفضة في الذهب، والذهب في الفضة، ~~وأنواع البز من صنوف الحرير والنسيج والخز والشرب وأصناف المتاع، وأعد من ~~الخيل والمراكب والغلمان بصنوف الملابس بقدر ما يقتضيه ما قدمنا ذكره. # ثم اخذ في إطعام الجميع؛ حتى عم سائرهم صغيرهم وكبيرهم. إلى أن وصل ذلك ~~بأصحاب السفن، فأتى على سائرهم طعاما وشرابا. # ولما حضر الانصراف قدم بين يدي أحمد من تلك الصواني الذهب والفضة من كل ~~صنف صينيتين، في كل واحدة ألف دينار وألف درهم، ومن الخلع والدواب والمراكب ~~ما يشاكل ذلك، وجعل لبختيار بن أحمد ما يشاكل ذلك، ولكل واحد من إخوته نصف ~~ذلك؛ وعم سائر القواد والرؤساء على أقدارهم من كسوة وغيرها، كل إنسان ~~بقدره؛ ثم أمر بنهب القصر السكر، فنهبه الحشم والغلمان والعامة حتى أتوا ~~على آخره. # وقد حكى منصور بن عيسى بن سوادة الكاتب، وكان يلي دواة العباس وكان خصيصى ~~به قديم الصحبة له خبيرا بأمره؛ قال: قدم سيدنا أبو الفضل مقدار ما لزمه ~~على إصلاح المغيض، وبناء الدار، وما أنفقه في الدعوة من ماله سوى ما عضده ~~به الكتاب والعمال والصناع، فكان مبلغه ستمائة ألف دينار، فسئل عن مقدار ما ~~كان أعانه من قدمنا ذكره؛ فقال: هو والله أكثر من أن أحصيه! ولم يكن للعباس ~~علم ولا ضرب في الكتابة بسهم، ولكن كانت له دراية بالأعمال، وتصرف في أمور ~~السلطان؛ وكانت له همة عالية. ويقال: إن جده فاخرا كان إسكافا. ### | زوج العباس بنت المهلبي # وكان العباس تزوج زينة بنت المهلبي، وكانت قد بلغت بها الحال إلى أن ~~اتخذت الجواري الأتراك حجابا في زي الرجال على ما جرى به رسم السلطان، وكان ~~لها كتاب من النساء؛ مثل سلمى النوبختية، وعائشة بنت نصر القسوري حاجب ~~المقتدر، وغيرهما من القهارمة؛ ومن يتصرف في الأعمال ms232 تصرف الرجال، وكان لها ~~كرم وجود في الأموال. # فلما قبض على زوجها أبي الفضل بعد وزارته الثانية لبختيار بن أحمد، وقد ~~صارت الوزارة لمحمد بن بقية اختفت زينة بنت الحسن وسائر أسبابها؛ فجعلت ~~عليها العيون في كل مكان، واستقصى على أبي الفضل زوجها؛ وسلم إلى محمد بن ~~عمر بن يحيى بعد طاهر العلوي، فخرج به من بغداد إلى الكوفة؛ فأقام عنده مدة ~~يسيرة ثم مات، ودفن هناك في النجف بجوار قبر علي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه. # ولم يزل بختيار يطلب زينة وأسبابها، فعثر على أكثر أسبابها فلم يجد لها ~~موضعا؛ وكان سبب اختفائها منه أنه راسلها في حين القبض على أبي الفضل، ~~وأعلمها أنه يسومه الترك ليتزوج بها؛ فردت أقبح رد، وأنكرت ذلك؛ فكان ذلك ~~سبب اختفائها، وكان لها من الذخائر والودائع في أيدي جماعة مما كان يغني ~~كثيرا من الناس، فلما بلغ بها الأمر طمع كل واحد فيما في يده والغدر به. # ولما كان بعد اليأس من وجودها، ظهر بظاهر الخلد بقرب محلة تعرف ~~بالدسترقين فرد محمل مغطى، فيه امرأة في أخلاق وعند رأسها رقعة مكتوب فيها ~~زينة بنت الحسن بن محمد المهلبي الوزير؛ فاشتهر ذلك عند الخاصة والعامة، ~~ووافى القاضي أبو تمام الحسن بن محمد الهاشمي المعروف بالزينبي، فاحتملها ~~لداره وتولى من أمرها ما يجب لمثلها، ودفنها في مقابر قريش؛ وقد كانت ~~أختاها تحت ولديه أبي الحسن وأبي القاسم. ### | الحب والطعام # وكان أبو الحارث حسين يظهر لجارية من المحبة أمرا عظيما فدعته وأخرت ~~الطعام إلى أن ضاق. فقال: يا سيدتي؛ ما لي لا أسمع للغداء ذكرا. فقالت: يا ~~سبحان الله! أما يكفيك النظر إلي وما ترغبه في من أن تقول هذا؟ فقال: يا ~~سيدتي؛ لو جلس جميل وبثينة من بكرة إلى هذا الوقت لا يأكلان طعاما لبصق كل ~~واحد منهما في وجه صاحبه. ### | شركة # أراد قوم من البصرة الجمع؛ فقال أحدهم: علي الطعام. وقال أحدهم: علي ~~الشراب. وقالوا: ما عليك أنت يا أبا إسحاق؟ فقال: لعنة ms233 الله علي إذا لم آكل ~~وأشرب معكم؛ فضحكوا منه ومضوا به. ### | ولكن اللجام لي # قال أبو عبيدة: أجريت الخيل في الحلبة؛ فجاء فرس من الخيل سابقا، فجعل ~~رجل من النظارة يكثر الفرح ويكبر ويصفق. فقال له رجل إلى جانبه: يا فتى؛ ~~الفرس لك؟ قال: لا! ولكن اللجام لي!. ### | طفيلي في عرس # PageV01P127 # دخل طفيلي عرسا فلم يقدر على الدخول، فأخذ قرطاسا وأدرجه ولم يكتب فيه ~~شيئا، وسأل عن العروس، هل له قرابة غائب؟ فقيل: أخوه. فكتب عنوان الكتاب من ~~فلان بن فلان إلى أخيه، وجاء فدق الباب. وقال: معي كتاب من أخي العروس، ~~فخرج العروس مبادرا فأدخله وأحضر له الطعام؛ فلما قرأ العنوان قال: سبحان ~~الله! تراه نسي اسمي إذ لم يكتبه على الكتاب؟ فقال الطفيلي: وأعجب من هذا ~~أنه لم يكتب داخله شيئا من العجلة، فعلم مراده وأدخله. # وأنشد بعضهم لأبي محمد بن وكيع: # بينا أنزل أمري أن يجي فرج ... مقدما فيه بين السوق والليت # إذا بصرت بباب الدار مستلما ... فملت مستمعا أصغي إلى الصوت # فقلت من جا بباب الدار يقرعه ... نادى أنا فرج زن لي كرى بيتي ### | عتاب طفيلي على التطفيل ورده # عوتب طفيلي على التطفيل؛ فقال: والله ما بنيت المنازل إلا لتدخل، ولا ~~نصبت الموائد إلا لتوكل، وإني لأجمع في التطفيل خلالا، أدخل مجالسا، وأقعد ~~مستأنسا، وأنبسط وإن كان رب الدار عابسا، ولا أتكلف مغرما، ولا أنفق درهما، ~~ولا أتعب خادما. ### | وصية طفيلي لأصحابه # قال ابن دراج الطفيلي لأصحابه: لا يهولنكم غلق الأبواب، ولا شدة الحجاب، ~~ولا عنف البواب، وتحذير العقاب، ومبارزة الألقاب؛ فإن ذلك صائر بكم إلى ~~محمود النوال، ومغن لكم عن ذل السؤال، واحتملوا الوكزة الموهنة، واللطمة ~~المزمنة، في جنب الظفر بالبغية، والدرك للأمنية، والزموا الطوزجة ~~للمعاشرين، والخفة بالواردين والصادرين. والتملق للملهين والمطربين، ~~والبشاشة بالخدم والموكلين؛ فإذا وصلتم إلى مرادكم فكلوا محتكرين؛ وادخروا ~~لغدكم مجتهدين؛ فإنك أحق بالطعام ممن دعي إليه، وأولى ممن صنع له؛ فكونوا ~~لوقته حافظين، وفي طلبه متمسكين، واذكروا قول أبي نواس: # ليخمس ms234 مال الله من كل فاجر ... وذي بطنة للطيبات أكول ### | تقاصر لينالك الضرب # جلد بعض الشرط رجلا وكان الجلاد قصيرا دميما والمجلود طويلا؛ فقال له ~~الجلاد: تقاصر لينالك الضرب. فقال: ويلك! إلى أكل الفالوذج تدعوني؟ والله ~~لوددت أن تكون أنت أقصر من يأجوج ومأجوج، وأنا أطول من عوج. ### | أمنية المبغض # دخل أعرابي من ثقيف على خالد بن عبد الله القسري، فشكا إليه قلة المطر، ~~وجفوف الشجر، وكثرة العيال، وعدم المال. وكان خالد مبغضا لثقيف، فقال: أما ~~ما ذكرته من قلة المطر فوددت أن الله جل اسمه ضرب بينكم وبين السماء صفائح ~~من حديد؛ وجعل مسيلها مما يلي البحر، فلا تصل إليكم قطرة من مائها. وأما ما ~~ذكرت من يبس الشجر فوددت أن الله أحرق ما لديكم من ذلك. وأما ما ذكرت من ~~قلة المال وكثرة العيال فوددت أن الله قطع يديك ورجليك ولم يجعل لأهلك ~~كاسبا غيرك. # فقال: أيها الأمير؛ أصلحك الله، وطئت أرضك، وأملت رفدك، فلا تصرفني بحسرة ~~الحرمان، واجعل قراي منك بقدر أملي فيك، لا بقدر نسبي عندك. قال: يا غلام، ~~أعطه بدرة، ثم زاده أخرى. ### | النكث في البيع خير من خيانة الشريك # وجلس مالك بن طوق في قصره في شباك مطل على رحبته، ومعه جلساؤه، إذ أقبل ~~أعرابي تخب به ناقته؛ فقال: إياي أراد، ونحو قصد. ولعل معه أدبا ينتفع به، ~~ثم أمر بإدخاله؛ فلما مثل بين يديه قال: ما أقدمك يا أعرابي؟ قال: سيب ~~الأمير ورجاء نائله. قال: هل قدمت أمام رغبتك وسيلة؟ قال: نعم؟ أربعة أبيات ~~قلتها بظهر البرية، فلما رأيت ما بباب الأمير من الهيبة والجلال استحقرتها ~~واستصغرتها. قال: فهل لك أن تنشدنا أبياتك على أن نجيزك عليها ألف درهم، ~~فإن كنت ممن أحسن ربحنا عليك، وإلا فقد نلت مرادك، وربحت علينا. قال: رضيت، ~~وأنشده: # وما زلت أخشى الدهر حتى تعلقت ... يداي بمن لا يتقي الدهر صاحبه # فلما رآني الدهر تحت جناحه ... رأى مرتقى صعبا منيعا مطالبه # رآني بحيث النجم في رأس باذخ ... تظل الورى ms235 أكنافه وجوانبه # فتى كسماء الغيث والناس حوله ... إذا قحطوا جادت عليهم سحائبه # PageV01P128 # فقال: قد والله ظفرنا يا أعرابي، ورزقنا الفلج عليك، والله ما قيمتها إلا ~~عشرة آلاف درهم. قال: فإن لي صاحبا شاركته فيها، وما أراه يرضي ببيعي. قال: ~~أتراك حدثتك نفسك بالنكث؟ قال: نعم؟ وجدت النكث في البيع خيرا من خيانة ~~الشريك. فأمر له بعشرة آلاف دينار. ### | المتوكل وقطاطة # وركب المتوكل زلالا ومعه قطاطة وعبادة المخنثان، وكان قطاطة طويلا جدا؛ ~~فجعل يغني إلى أن هبت ريح شديدة وثارت دجلة، فأمسك عن الغناء. فقال له ~~المتوكل: ما لك؟ قال: يا سيدي؛ أفزعني ما أرى؛ فرفع عبادة يده وصفعه، وقال: ~~يابن الفاعلة! تتوهم أن في دجلة ماء يطولك. ### | لبيد بن ربيعة في مجلس النعمان # لما أراد لبيد بن ربيعة أهله على إحضاره مجلس النعمان، ومقاولة ابن زياد ~~العبسي على ما خاطب به أهله بحضرة النعمان، أراد أهله أن يختبروه لأنهم ~~استصغروه؛ فنظر عمه إلى بقلة لاصقة بالأرض وهي جدير الأرض فقال: صف لنا هذه ~~البقلة حتى أسمع. فقال لبيد: إن هذه البقلة رذلة دقيقة الخيطان، ذليلة ~~الأغصان، لا تذكي نارا، ولا تستر جارا، ولا تؤهل دارا، عودها ضئيل، وخيرها ~~قليل، وبلده شاسع، ونبتها خاضع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع، أقصر ~~البقول فرعا، وأخبثها مرعى، وأصعبها قلعا، فحربا لجارها وجدعا، فالقوا إلي ~~أخا عبس، أرجعه عنكم بتعس، وأتركه من أمره بلبس. فقال له: سر! فلما قدم على ~~النعمان وعنده الربيع أنشده: # نحن بنو أم البنين الأربعه ... الضاربون الهام تحت الخيضعه # والمطعمون الجفنة المدعدعه ### | من طرف بشار # وكان بشار جالسا على باب داره، فمر به ابن أخيه مع أصحاب له. فقال: أصحاب ~~ابن أخي هؤلاء أتراك. قيل: من أين علمت؟ قال: لأني لا أسمع لهم حس نعال. # وقيل لبشار: إن فلانا يزعم أنه لا يبالي بلقاء واحد أو ألف. فقال: صدق؛ ~~لأنه يفر من الواحد كما يفر من الألف. ### | يطحن مكان الحمار # حكى المدائني، قال: كان في المدينة امرأة جميلة عفيفة ذات زوج، ms236 وكان فتى ~~من أهل المدينة يتبعها كلما خرجت ويعرض لها؛ فلما أذاها شكته إلى زوجها. ~~فقال لها: فما عندك في أمره حيلة! قالت: قد فكرت في شيء إن ساعدتني عليه. ~~قال: فأنا أساعدك. فبعثت جاريتها إليه تقول: إن الذي بقلبي منك أكثر مما ~~بقلبك مني، ولكني امرأة مستورة ولا أعرف الفساد؛ فكنت أمتنع عليك وفي قلبي ~~النار. فلما بلغته الرسالة استطار فرحا، وقال للجارية: ما أدري كيف أؤدي ~~شكرك إذ جرى هذا الأمر على يدك، فبلغيها السلام وقولي لها: إني صائر إليك ~~غدا، ووهب للجارية دينارا. وطالت ليلته حتى أصبح فوجه إليها بجدي وفاكهة. ~~فقالت الجارية: قد وجب علي شكرك لإجابتك إياي في حاجة مولاتي، وأنال أشير ~~عليك بحيلة بها يتم أمرك. قال: وما هي؟ قالت: سيدتي فيها حشمة وخجل وانقباض ~~عن الرجال، فإذا جلست معك فلا تتعرض لها بكلام ولا بغيره، حتى تشرب معك ~~أقداحا. قال: نعم! وصعدت الجارية فعاونت سيدتها على إصلاح الجدي والطعام؛ ~~فلما أحكمتاه نزلت الجارية وبسطت لسيدتها مصلى وجاءت فسلمت وقعدت، وجاءت ~~الجارية بالطشت والماء فغسلت أيديهما، ووضعت المائدة بينهما، وجاءت بالجدي ~~والطعام. # فحين أخذ المخذول اللقمة فوضعها في فمه جاء الزوج فقرع الباب؛ فوضعت ~~المرأة يدها على رأسها وقالت: افتضحت وهلكت. فقال: دعي الجزع واحتالي في ~~موضع أكمن فيه إلى خروجه. قالت: ما أعرف موضعا يخفى عليه إلا أن تحل الحمار ~~الذي في الدهليز وتقوم في مكانه. فقال: افعلي! فجاءت الجارية إلى حمار يطحن ~~في الدهليز مشدود العينين فنحته وربطت المغرور مكانه. وقالت: اطحن مكان ~~الحمار ولا تمسك فيفطن بك؛ فإني أرجو أن يخرج سريعا وترجع إلى سرورك، ثم ~~فتحت الباب ودخل الزوج، فقالت له: خرجت على أن تقيم أياما! فما الذي جاء بك ~~الساعة؟ قالت: كنت عزمت على ذلك فمر بي إخوان فعرضت عليهم المقام في ~~الضيعة. فقالوا: لا يمكننا اليوم، ولكننا إن شاء الله تعالى نصير إليك غدا؛ ~~فأردت أن يكون مجيئهم إلى البيت أسهل علي؛ فبادرت إليك لتصلحي ما يحتاجون ~~إليه ms237 وخاصة الدقيق، فينبغي ألا يفتر الحمار في الدقيق. # PageV01P129 # فجلسا يأكلان والمخذول يطحن، ثم وضعا نبيذا وجعلا يشربان، والزوج يقول ~~ساعة بعد ساعة: هاتي العصا لكي أقوم لهذا الحمار الملعون، فإني أراه كسلان؛ ~~ونحن نحتاج إلى الدقيق كثيرا، فتقوم الجارية فتقول له: الله الله في نفسك! ~~لا تفتر؛ فإني أخاف أن يقوم فيراك. # فلم يزل يطحن دائبا والرجل يشرب مع امرأته إلى أن طلع الفجر، فقام الرجل ~~فتهيأ للصلاة وخرج إلى المسجد، فحلت المغرور وقالت: طر إلى بيتك لئلا يراك ~~إنسان فتفتضح. # فخرج يعدو على وجهه عريان ويده على سوءته، فدخل إلى منزله وبقي مسبوتا ~~مطروحا على وجهه لا يحرك عضوا. # فلما كان بعد مدة قالت المرأة لزوجها: قد بقي علينا شيء من الولع ~~بالمخذول. قال: شأنك. فبعثت إليه وقال: مولاتي تقرئك السلام وتقول لك: الله ~~يعلم ما تداخل قلبي مما نزل بك؛ ولوددت أن أقيك بنفسي، ولكن المقادير تنزل ~~من السماء، وإني إليك لمشتاقة، فأحب أن تصير إلينا، فإن زوجي قد خرج إلى ~~موضع له فيه مقام شهر، فنستأنس جميعا ونسترجع ما فاتنا؛ فالتفت إليها ~~سريعا، وقال: عسى قد فرغ دقيقكم؟. ### | بشار وخال المهدي # ودخل بشار على المهدي ينشد شعرا وعنده خاله يزيد بن منصور الحميري وكان ~~مغفلا؛ فقال: ما صناعتك أيها الشيخ؟ قال: أنظم اللؤلؤ. فقال المهدي: أتهزأ ~~بخالي؟ وما أقول لمن يرى شيخا أعمى ينشد شعرا فيسأله عن صناعته! ### | بشار وجواري المهدي # وقالت جواري المهدي له: إن بشارا لأطيب الناس مفاكهة، وهو ضرير البصر، ~~ولا غيرة بك علينا معه إذ لا يرانا، فلو أدخلته إلينا؟ ففعل. فبادرنه ~~وطايبنه وقلن: إنك أبونا. فقال: ونحن على دين كسرى؛ فبلغ ذلك المهدي فمنعه ~~فيما بعد من الدخول عليهن. # أخذه المتنبي فقال: # يا أخت معتنق الفوارس في الوغى ... لأخوك ثم أرق منك وأرحم # يرنو إليك مع العفاف وعنده ... إن المجوس تصيب فيما تحكم ### | بشار أحد الأعاجيب # وبشار بن برد، أحد الأعاجيب، خلق أكمه، وهو يشبه التشابيه التي لم يسبق ~~إليها، مما لا ms238 يدركه البصير، وهو أول من فتق البديع للمحدثين. وقتله المهدي ~~سنة سبع وستين ومائة. ### | سبب قتله # وكان سبب قتله أن المهدي قدم البصرة، فأعطى الشعراء ولم يعط بشارا شيئا، ~~فأتى بشار إلى مجلس يونس النحوي، فقال: أههنا أحد يحتشم منه؟ قالوا: لا! ~~فأنشده: # فليت ما أنفقت في مصرنا ... كان جميعا في حر الخيزران # فبلغ ذلك يعقوب بن داود مع ما بلغه من هجائه إياه؛ فدخل على المهدي، فقال ~~له: يا أمير المؤمنين، قد بلغ من هذا الأعمى المشرك أن يهجو أمير المؤمنين؟ ~~قال: ويحك! وما قال؟ قال: تعفيني يا أمير المؤمنين من إنشاد ذلك. فأبى عليه ~~فأنشده ما قال؛ فوجه في حمله؛ فخاف يعقوب أن يقدم على المهدي فيمدحه فيعفو ~~عنه، فوجه إليه من لقيه في البطيحة فضربه بالسياط حتى مات، وجعل يقول: ~~ويلك! أزعجتني؛ أما علت أني شاعر وليي العهد موسى وهارون. فقال له: يا ~~زنديق، تضرب ولا تقول بسم الله! قال: ويلك، أثريد هو فأسمي الله عليه. # قال: فأرسل المهدي إلى منزل بشار من يفتشه وهو يقول: لعلنا نجد شيئا تقام ~~به الحجة. قال: فوجد صندوقا مقفلا بقفل وثيق؛ فظنوا أن فيه بعض ما اتهم به، ~~فإذا فيه طومار مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. أردت هجاء آل سليمان بن ~~علي لإساءتهم إلي، وطلبهم لي، ثم ذكرت قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ فتركتهم لله ولرسوله؛ ولكني قد قلت وأنا أستغفر الله تعالى: # دينار آل سليمان ودرهمهم ... كالبابليين حفا بالعفاريت # لا يبصران ولا يرجى لقاؤهما ... كما سمعت بهاروت وماروت ### | من جيد شعر بشار # ومن جيد شعره قوله: # أمن تجني حبيب بات غضبانا ... أصبحت من سكرات الموت نشوانا # يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا # قالوا بمن لا ترى تهوى فقلت لهم ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا # يا ليتني كنت تفاحا براحتها ... أو كنت من قضب الريحان ريحانا # حتى إذا استنشقت ريحي وأعجبها ... ونحن في خلوة حولت إنسانا # PageV01P130 # لا تعذلوني فإني من ms239 تذكرها ... نشوان هل يعذل الصاحون سكرانا # لم أدر ما وصفها يقظان قد علمت ... وقد لهوت بها في النوم أزمانا # باتت تناولني فاها فألثمه ... جنية زوجت في النوم إنسانا # وقال: # يا قرة العين إني لا أسميك ... أكني بأخرى أسميها وأعنيك # أخشى عليك من الجيران واحدة ... أو سهم غيران يرميني ويرميك # يا أطيب الناس ريقا غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك # قد زرتنا مرة في الدهر واحدة ... عودي ولا تجعليها بيضة الديك # يا رحمة الله حلي في منازلنا ... حسبي برائحة الفردوس من فيك # إن الذي بات مغبوطا بنعمته ... كف تمسك أو كف تعاطيك # يسرني وجهك المعشوق مقبلة ... وإن توليت راعتني تواليك # كأن مسكا وريحانا وغالية ... ما بين حجلك أو أعلى ذفاريك # وقال: # لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيف ألم # رفهي يا عبد عني واعلمي ... أنني يا عبد من لحم ودم # إن لي جسما ضعيفا ناحلا ... لو توكأت عليه لانهدم # ختم الحب لها في عنقي ... موضع الخاتم من أهل الذمم # وإذا قلت لها جودي لنا ... خرجت بالصمت من لا ونعم # قال مروان بن أبي حفصة: أنشدني بشار هذه القصيدة فلما بلغ هذا البيت قلت ~~له: جعلني الله فداك أبا معاذ! هلا قلت: خرست، قال لي: فض الله فاك؛ إني ~~إذا لفي عقلك! أتطنز علي من أن أجيب بالخرس! ### | نسب بشار # وبشار مولى لعقيل بن كعب، وهو يفتخر في شعره بالمضرية. # ولما دخل على المهدي في أول دخلاته قال: فيمن تعتد؟ قال: أما اللسان ~~فعربي، وأما الأصل فكما قلت: # ونبئت قوما لهم إحنة ... يقولون ماذا وأنت العلم # ألا أيها السائلي جاهلا ... ليعرفني أنا أنف الكرم # نمت في الكرام بني عامر ... فروعي وأصلي قريش العجم # وإني لأغني مقام الفتى ... وأصبي الفتاة ولا تعتصم # البيت الأول يشبه قول جميل: # فليت رجالا فيك قد نذروا دمي ... وهموا بقتلي يا بثين لقوني # يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا ... ولو ظفروا بي ساعة قتلوني # إذا ما رأوني مقبلا من ثنية ... يقولون: من هذا؟ وقد عرفوني # وفي ms240 هذه القصيدة يقول بشار # أصفراء ليس الفتى صخرة ... ولكنه نصب هم وغم # صببت هواك على قلبه ... فباح وأعلن ما قد كتم # وبيضاء يضحك ماء الشبا ... ب في وجهها لك إذ تبتسم # دوار العذارى إذا زرنها ... أطفن بحوراء مثل الصنم # وفيها يقول يمدح عمر بن العلاء: # إذا أيقظتك حروب العدى ... فنبه لها عمرا ثم نم # فتى لا ينام على دمنة ... ولا يشرب الماء إلا بسم # دعاني إلى عمر جوده ... وقول العشيرة بحر خضم # ولولا الذي ذكروا لمن أكن ... لمدح ريحانة قبل شم # يلذ العطاء وسفك الدماء ... ويغدو على نقم أو نعم # تطوف العفاة بأبوابه ... طواف الحجيج ببيت الحرم # إذا عرض اللهو في صدره ... بدا بالعطايا وضرب البهم # وجال اللواء على رأسه ... يدوم كالمضرحي القرم # وقال بشار: # حييا صاحبي أم العلاء ... واحذرا طرف عينها الحوراء # عذبتني بالحب عذبها الل ... ه لما تشتهي من الأهواء # إن في عينها دواء وداء ... لمحب، والداء قبل الدواء # يقول فيها يمدح عقبة بن سلم الهنائي: # مالكي ينشق عن كفه الجو ... د كما انشقت الدجا عن ضياء # إنما لذة الجواد ابن سلم ... في عطاء لراغب أو لقاء # PageV01P131 # ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف ولكن يلذ طعم العطاء # يسقط الطير حيث يلتقط الح ... ب وتغشى منازل الكرماء # وكان بشار سجاعا خطيبا صاحب منثور ومزدوج ورجز ورسائل مختارة على كثير من ~~الكلام. # ودخل على عقبة بن سلم وعنده عقبة بن رؤبة بن العجاج فأنشده أرجوزة، ثم ~~أقبل على بشار، فقال: هذا طراز لا تحسنه يا أبا معاذ. فقال: والله لأنا ~~أرجز منك ومن أبيك ومن جدك. ثم غدا على عقبة من الغد فأنشده أرجوزة أولها: # يا طلل الحي بذات الصمد ... بالله خبر كيف كنت بعدي # بدت بخد وجلت عن خد ... ثم انثنت كالنفس المرتد # وصاحب كالدمل الممد ... حملته في رقعة من جلدي # حتى اغتدى غير فقيد الفقد ... وما درى ما رغبتي وزهدي # الحر يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الرد # يقول فيها: # اسلم وحييت أبا الملد ... والبس طرازا غير مسترد ms241 # لله أيامك في معد # وهي طويلة. فأجزل صلته؛ فلما سمع ابن رؤبة ما فيها من الغريب قال: أنا ~~وأبي وجدي فتحنا الغريب، وإني لخيلق أن أسده عليهم! فقال بشار: ارحمهم رحمك ~~الله! قال: أتستخف بي وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟ قال: فإذا أنت من أهل ~~البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ### | من نوادر جامع بن وهب # كان جامع بن وهب الصيدلاني من أكبر الناس دنيا، وأعظمهم غفلة، اشترى مرة ~~ثلجا كثيرا، فقيل له: إنه كثر. فقال: أريد أن أمصه وأرمي بثفله. # وأعطي ببغل له ثمنا خسيسا، فقال: ما للعقار ببغداد قيمة! ودخل بستانا له؛ ~~فقال لوكيله: اغرس لي بصلا بخل؛ فإنه نافع للصفراء. # وكتب إليه بعض الكتاب كتابا، فأجابه عنه، وعنوانه: من ذاك الذي كتب إلي. # وعثرت به البغلة؛ فقال لغلامه: انظر هل سال من أصبعها دم؟ وكتب إلى ابنه ~~وقد خرج من مكة: يا ولدي، إن قدرت أن تضحي عندنا فافعل، لنفرح بك في العيد! ~~وسقطت ابنته في البئر، فقال: يا بنية، لا تبرحي من مكانك حتى أجيء بمن ~~يخرجك منها! ### | من نوادر المغفلين # وتبخر مغفل في ثياب نفيسة فاحترقت، فحلف بالطلاق لا يتبخر بعدها إلا ~~عريان. # وأتى آخر ليكسر لوزة؛ فزلقت عن الحجر. فقال: كل شيء يفر من الموت حتى ~~البهائم أيضا. ### | واعظ فيه غفلة # وكان بمصر واعظ يقال له أبو عبد الله الخواص، من أشد الناس غفلة؛ وقف به ~~رجل من العامة يقال له محمد القمقاني الخباز، فقال له: أصلحك الله، لي نفس ~~معلولة لا تجيب إلى شيء من الخير؛ فما يصلحها لي؟ قال: اقرأ القرآن وأكثر ~~منه. قال: ما أحفظ غير الحمد، وقل هو الله أحد، وقد قرأتهما مرات كثيرة، ~~ونفسي بحالها. قال: فاذكر الموت. قال: لك الله! قد فعلت فما خشعت، ولا جاء ~~منها شيء. قال: فأكثر حضور مجالس الذكر. قال: من أين أجد؟ وقد تركت شغلي ~~ولزمت المجالس، ونفسي كما هي. قال: لعن الله نفسك فإنها مشؤومة ملعونة كما ~~قلت؛ والرأي ms242 أن تمضي بها إلى جرمان بن مطهر صاحب الشرطة يؤدبها لعله يجيء ~~منها بشيء. ### | خليفة بيطار # كان هشام بن عبد الملك أحول قبيح المنظر، فعرضت عليه خيل الجند، فعرض رجل ~~من أهل حمص فرسا نفورا. فقال له هشام: ما هذا؟ قال: أصلحك الله هو فاره، ~~ولكنه ظن أنك حيزون البيطار. فقال: اعزب في لعنة الله. ### | تغفل أهل حمص # أصاب حمصي جملا؛ فقيل له: عرفه! قال: أبيعه وأعرف ثمنه. # قل علي بن عيسى الوزير: كان يبلغني عن أهل حمص تغفل فأظن أكثره تشنيعا، ~~حتى دخلتها؛ فإذا برجل بين يدي حجام وقد مص عنقه بمحجمتين لم أر أكبر ~~منهما، وهو يشرط في وسط عنقه؛ فلما رآني أقبلت في موكب قال: من هذا؟ فقال ~~الحجام: هذا الوزير علي بن عيسى؛ فقام، والمحجمة في عنقه والدم يسيل على ~~كتفيه وظهره، وقال: السلام عليك؛ إيش كان خبرك أيها الوزير؟ قلت: خيرا، ~~وانصرف؛ فحلفت ألا أدخل حمص ونزلت بظاهرها حتى أنجزت ما أتيت فيه. ### | بيع قرد # PageV01P132 # وأتى رجل بقرد يبيعه؛ فجاء عبادي فنظر إليه، فقال صاحبه له وقد دنا من ~~رجله: احذر لئلا يرمحك، فدنا من يده؛ فقال: احذر لئلا يخبطك، فدنا من فمه؛ ~~فقال: احذر لئلا يعضك؛ فتباعد العبدي ناحية فقيل له: لم تباعدت؟ فقال: أحذر ~~لئلا يرميني بحجر. ### | يشغله عن الأكل # قعد عبادي وأعرابي يأكلان فقال العبادي للأعرابي: كيف مات أبوك ليشغله ~~بالكلام عن الأكل؟ فقال: أصابه كذا وكذا، فأخذ في حديث طويل والعبادي يأكل، ~~ثم قال الأعرابي: وأنت كيف مات أبوك ليشغله بالكلام عن الأكل؟ فقال: اتخم، ~~فمات. # ودخل عبادي الماء إلى الكعب فصاح: الغريق! الغريق! قيل له: ما دعاك إلى ~~هذا؟ فقال: أردت أن آخذ بالحزم. ### | يبيع رمحا برغيف # ومر عبادي برجل ومع الرجل رمح. فقال أتبيعه؟ قال: نعم! قال: فبكم تريده؟ ~~قال: برغيف. قال: سبحان الله تطلب هذا برغيف! قال: أخزى الله شرهما في ~~الجوف. ### | دابة أبي العيناء # حمل عبيد الله بن يحيى بن خاقان أبا العيناء على دابة، فأخذها منه ms243 ابنه، ~~وقال: أبعث إليك بخير منها، فتأخر عنه ذلك، فلقيه. فقال: ما خبرك؟ فقال؛ ~~بخير، يا من أبوه يحمل وهو يرجل. فقال: أنا أنفذ إليك بغلا فارها بغير ~~تأخر؛ فتأخر عنه ثم لقيه. فقال: كيف حالك يا أبا عبد الله؟ قال: راجل أصلحك ~~الله! فضحك وأنفذ إليه بغلا زعم أبو العيناء أنه غير فاره، فكتب إلى أبيه: ~~أعلم الوزير أعزه الله! أن أبا علي محمدا أراد أن يبرني فعقني، وأن يركبني ~~فأرجلني، أمر لي بدابة تقف للنثرة، وتعثر بالبعرة، كالقضيب اليابس عجفا، ~~والعاشق المجهود دنفا؛ قد أذكرت الرواة عروة العذري، والمجنون العامري، ~~مساعد أعلاه لأسفله، حباقه مقرون بسعاله؛ فلو أمسك لترجيت، ولو أفرد ~~لتعزيت، ولكنه يجمعهما علي في الطريق المعمور، والمجلس المشهور، كأنه خطيب ~~مرشد، أو شاعر منشد، تضحك من فعله النسوان، ويتناغى من أجله الصبيان، فمن ~~صائح يصيح داوه بالطباشير، وقائل يقول نقوا له الشعير، قد حفظ الأشعار، ~~وروى الأخبار، ولحق العلماء بالأمصار؛ فلو أعين بنطق، لروى بحق وصدق، عن ~~جابر الجعفي، وعامر الشعبي؛ وإنما أتيت من كاتبه الأعور، الذي إن اختار ~~لنفسه أطاب وأكثر، وإن اختار لغيره أخبث وأنزر، فإن رأى الوزير أن يبدلني ~~عنه، ويريحني منه، بمركوب يضحكني كما ضحك مني، يمحو بحسنه وفراهته، ما سطره ~~العيب بقبحه ودمامته؛ ولست أذكر أمر سرجه ولجامه؛ لأن الوزير أكرم من أن ~~يسلب ما يهديه، أو ينقض ما يمضيه. # فوجه إليه عبيد الله ببرذون من براذينه بسرجه ولجامه؛ ثم اجتمع مع عبيد ~~الله عند ابنه. فقال عبيد الله: شكوت دابة محمد وقد أخبرني أنه يشتريه الآن ~~منك بمائة دينار، وما كان هذا ثمنه لا يشتكى! فقال: أعز الله الوزير لو لم ~~أكذب مستزيدا، لم أنصرف مستفيدا، وإني وإياه لكما قالت امرأة العزيز: الآن ~~حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين. فضحك عبيد الله؛ وقال: يا ~~أبا عبد الله؛ حجتك الداحضة بملاحتك وظرفك أبلغ من حجة غيرك البالغة. ### | وصف حمل مهدى # ويشبه هذا رسالة لأبي الخطاب الصابىء، أجاب بها ms244 عن أبي العباس بن سابور ~~إلى الحسين بن صبرة، عن رقعة وصلت منه في صفة حمل أهداه، كتبتها على ~~اختصار: وأبو الخطاب هذا هو عم أبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصابىء: # PageV01P133 # وصلت رسالتك ففضضها عن خط مشرق، ولفظ مونق، وعبارة مصيبة، ومعان غريبة، ~~واتساع في البلاغة يعجز عنها عبد الحمد في كتابته، وسحبان في خطابته، وتصرف ~~بين جد أمضى من القضاء والقدر، وهزل أرق من نسيم السحر، وتقلب في وجوه ~~الخطاب، الجامع لفنون الصواب، إلا أن الفعل قصر عن القول؛ لأنك ذكرت حملا ~~جعلته بصفتك جملا، وكان كالمعيدي تسمع به لا أن تراه، وحضر فرأيت كبشا ~~متقادم الميلاد، من نتاج قوم عاد، قد أفنته الدهور، وتعاقبت عليه العصور، ~~فظننته أحد الزوجين اللذين حملها نوح في سفينته، وحفظ بهما جنس الغنم ~~لذريته، صغر عن الكبر، ولطف عن القدم، فبانت دمامته، وتقاصرت قامته، وعاد ~~ناحلا ضئيلا، باليا هزيلا، بادي السقام، عاري العظام، جامعا للمعايب، ~~مشتملا على المثالب، يعجب العاقل من حلول. الحياة به، وتأتي الحركة له؛ ~~لأنه عظم مجلد، وصوف ملبد، لا تجد فوق عظامه سلبا، ولا تلقى يدك منه إلا ~~خشبا، لو ألقي للسبع لأباه، ولو طرح للذئب لعافه وقلاه، وقد طال للكلأ ~~فقده، وبعد بالمرعى عهده، لم ير القت إلا نائما، ولا عرف الشعير إلا حالما. # وقد خيرتني بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى الدهر، أو أذبحه فيكون فيه صب ~~الرحل؛ فملت إلى استبقائه لما تعرفه من محبتي للتوفير، ورغبتي في التثمير ~~وجمعي للولد، وادخاري للغد؛ فلم أجد فيه مستمتع لبقاء، ولا مدفعا لفناء؛ ~~لأنه ليس بأنثى تحمل، ولا بفتى ينسل، ولا بصحيح يرعى، ولا بسليم يبقى؛ فملت ~~إلى الثاني من رأييك، وعملت على الأخير من قوليك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفة ~~للعيال، وأقيمه رطبا مقام قديد الغزال؛ فأنشدني وقد أضرمت النار، وحدت ~~الشفار، وشمر الجزار: # أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم # وما الفائدة لك في ذبحي، وأنا لم يبق في إلا نفس خافت، ومقل إنسانها ~~باهت؛ ms245 ولست بذي لحم فأصلح للأكل، لأن الدهر قد أكل لحمي، ولا جلدي للدباغ ~~يصلح؛ لأن الأيام قد مزقت أديمي؛ ولا صوفي يصلح للغزل؛ لأن الحوادث قد حصت ~~وبري، فإن أردتني للوقود فكف حطب أبقى من ناري، ولا تفي حرارة جمري بريح ~~قتاري، فلم يبق إلا أن تطالبني بذحل، أو بيني وبينك دم. # فوجدته صادقا في مقالته، ناصحا في مشورته؛ فلم أعلم من أي أمريه أعجب؛ من ~~مماطلته الدهر بالبقاء، أم صبره على الضير والبلاء، أم قدرتك عليه مع إعواز ~~مثله، أم تأهيلك الصديق به مع خساسة قدره؟ ويا ليت شعري إذ كنت والي الغنم، ~~وأمرك ينفذ في الضأن والمعز، وكل كبش سمين، وحمل بطين، مجلوب إليك، مقصور ~~عليك، تقول فلا ترد، وتريد فلا تصد، وكانت هديتك هذا الذي كأنه ناشر من ~~القبور، وقائم عند النفخ في الصور؛ فما كنت مهديا لو كنت رجلا من عرض ~~الكتاب، كأبي علي وأبي الخطاب، ما كنت تهدي إلا كلبا أجرب، أو قردا أحدب. ### | الحمدوني يصف أضحية # وقال الحمدوني في أضحية أهداها إليه سعيد بن أحمد جوسبنداد: # أسعيد قد أهديتني أضحية ... مكثت زمانا عندكم ما تطعم # نضوا تغامزت الكلاب بها وقد ... شدوا عليها كي تموت فيولموا # فإذا الملاح ضحكوا بها قالت لهم ... لا تهزؤوا بي وارحموني ترحموا # مرت على علف فقامت لم ترم ... عنه وغنت والمدامع سجم # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم # وقال: # أبا سعيد لنا في شاتك العبر ... جاءت وليس لها بول ولا بعر # وكيف تبعر شاة عندكم مكثت ... طعامها الأبيضان الشمس والقمر # لو أنها أبصرت في نومها علفا ... غنت له ودموع العين تنحدر # يا مانعي لذة الدنيا بما رحبت ... إني ليمتعني من وجهك النظر # وقال: # شاة سعيد في أمرها عبر ... لما أتتنا قد مسها الضرر # وهي تغني لسوء حالتها ... حسبي بما قد لقيت يا عمر # مرت بقطف خضر ينشرها ... قوم فظنت بأنها خضر # فأقبلت نحوها لتأكلها ... حتى إذا ما تبين الخبر # وأبدلتها الظنون من طمع ... يأسا تغنت ms246 والدمع ينحدر # PageV01P134 # كانوا بعيدا وكنت آملهم ... حتى إذا ما تقربوا هجروا # وقال: # لسعيد شويهة ... سلها الضر والعجف # قد تغنت وأبصرت ... رجلا حاملا علف # بأبي من بكفه ... برء ما بي من الدنف # فأتاها مطمعا ... فأتته لتعتلف # فتولى فأقبلت ... تتغنى من الأسف # ليته لم يكن وقف ... عذب القلب وانصرف ### | الحاتمي واللص # ومن الظريف في هذا الباب ما أنشده أبو علي الحاتمي في حكاية اللص: # يعجبني أنك لا تربط من ... خيل ولا تركب إلا النجبا # لما رأيت الشقر خيلا سبقا ... ملكت منها أشقرا محنبا # به سمات من قرون سلفت ... يعرف من أقربها المهلبا # فللكلاب حوله تهاوش ... لما دعاهم أجل قد قربا # لا تيأسن ما عشت في تشييعه ... مستعملا فيه العزا والعقبا # خلناه تحت الجل إذ جللته ... قرون ضأن جعلت ملء العبا # في كل رجل ويد زائدة ... وهو على جردانه قد شطبا # كم مرة رأيته في جرمه ... فخلته بالحائط منه القبقبا # تحير البيطار لما أن أرى ... في رأسه مرقعا معتصبا # مقيرا موصلا كأنما ... قد رم منه زورقا أو زبزبا # فهو لنار شعلة لو لصقت ... طاقة كبريت به لالتهبا # كم فيه من فائدة قد صححت ... كتب التباريح لمن تطيبا # قد خلق الله لنا من بره ... ومن نبات البحر خلقا عجبا # يمشي إلى الإسراج مشي القهقرى ... لكن إلى المعلف ينزو خببا # من كثرة القردان في صهوته ... تحسبه مجدرا محصبا # لو أن سلطانا رأى راكبه ... لم يأل أن عذره وأدبا # أقام طول الصيف في الماء إلى ... أن أنبت الماء عليه الطحلبا # ظننته والشمس لم تبيض من ... شمس الضحى ولم تحل الغيهبا # من بعض أكواخ النواطير سرى ... بالريح إذ هبت له ريح الصبا # بالغ فيه الجوع حتى إنه ... إذا رأى القت بكى وانتحبا # وجاذب المقود مجهودا وما ... كاد له المقود أن ينجذبا # حمحم للقت وقد مر به ... ثم تغنى طربا وأطربا # يأيها الباخل بالوصل أما ... ترحم صبا كلفا معذبا ### | أمان العيناء من الغداء # دخل أبو العيناء على بعض الرؤساء بكرة، فاستسقى ماء؛ فقال له الرجل: أفي ~~هذا الوقت ms247 تعطش؟ قال: أصلحك الله، هذا أمان لك من الغداء. ### | أبو عباد وزير المأمون وضيق صدره # وكان أبو عباد وزير المأمون ضيقا جدا، قيل له: إن لقمان قال: ما شيء أشد ~~من حمل الغضب. فقال: ولكنه عندي أخف من الريشة. قيل له: إنما عنى لقمان أن ~~احتمال الغضب ثقيل. فقال: والله ما يقوى على الغضب أحد من الناس إلا الجمل. # وغضب يوما على بعض أصحابه، فشجه بدواة كانت بين يديه. فقال: صدق الله حيث ~~يقول: والذين إذا ما غضبوا هم يغفرون، فبلغ ذلك المأمون فضحك. فقال: ويلك! ~~لا تحسن تقرأ آية من كتاب الله تعالى. قال: يا أمير المؤمنين؛ والله إني ~~لأحسن أقرأ من سورة واحدة ألف آية. فضحك المأمون وأمر بإخراجه. ولم يكن ~~جاهلا. وإنما كان يجري عليه الغلط لفرط غيظه. # وقال المأمون لأحمد بن أبي خالد: صف لي ثابت بن يحيى يريد أبا عباد. ~~فقال: هو والله أحد من سيف سعيد بن العاص. فقال: والله ما أتبين من هذا ~~شيئا؟ فقال: إن حركته تبين لك الأمر. # PageV01P135 # فعرض أبو عباد يوما عليه كتابا وخرج، فلما قرب من الباب أمر المأمون ~~برده؛ فرجع وقد تغير، فخاطبه وتركه ينصرف. فلما كاد يركب أمر برده. فلما ~~عرف الرسول تناول الدواة من غلامه، وقال: الساعة والله أضرب بها وجهك يابن ~~الخبيثة، كان ينبغي لك أن تقول قد ذهب إلى النار. ورجع، فقال له المأمون: ~~اعرض فيما تعرض علي حوائج الهاشميين. قال: نعم! وقل كل ما تريد فلست أرجع ~~إليك اليوم بعد هذا، ولو قمت أنت بنفسك! فضحك المأمون، وقال: قاتل الله ~~دعبلا يريد قوله: # أولى الأمور بضيعة وفساد ... أمر يدبره أبو عباد # وكأنه من دير هرقل خارج ... حرجا يجر سلاسل الأقياد # وقيل للمأمون: إن دعبلا هجاك فقال: # أيسومني المأمون خطة ظالم ... أوما رأى بالأمس رأس محمد # يربى على رأس الخلائق مثلما ... تربى الجبال على رؤوس القردد # إني من القوم الذين هم هم ... قتلوا أخاك وشرفوك بمقعد # شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض ms248 الأوهد # فقال: هو يهجو أبا عباد ولا يهجوني يريد أبا عباد حرج حديد، والمأمون ~~حليم متساهل. # وقال المأمون لما سمع هذا الشعر: ما في الدنيا أصفق وجها من دعبل ولا ~~أبهت، كيف يستنقذني هو وقومه من الحضيض الأوهد، وأنا في حجر الخلافة ربيت، ~~وبدرها غذيت، وإنما قال هذا دعبل: لأن طاهر بن الحسين قتل أخاه، وطاهر مولى ~~خزاعة قوم دعبل. # أنشد شاعر أبا عباد قصيدة طويلة، فضاق ضيقا عظيما، ثم تجمل معه في ~~استماعها حتى أتمها؛ فقام رجل من أصحابه يعرف بالغالبي؛ فأنشد قصيدة أخرى ~~فسمعها، وقد بلغ الضيق به منتهاه؛ فقال فيها: # ثبتت رحى ملك الإمام بثابت ... وأفاض فيها العدل والإحسانا # يقري الوفود طلاقة وبشاشة ... والناكثين مهندا وسنانا # فقال أبو عباد: مهلا مهلا، إنما أنا كاتب ليست هذه صفتي، هذه صفة حميد ~~الطوسي. فضحك الحاضرون، وزاد ضيق أبي عباد لضحكهم وخجل الرجل. فقال: ما زلت ~~للعافين غيثا ممرعا متخرقا في جوده ### | .... # وأنسي من الدهش من غيظه أبي عباد باقي البيت، فأقبل يردد متخرقا في جوده. ~~فقل: قل قرنانا صفعانا، ودعنا نستريح. فقال: يا سيدي معوانا، وخرج موليا، ~~فأمر له بعشرة آلاف درهم. # قال إبراهيم بن العباس الصولي: لو وزنت كلمات النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم بكلام أهل الأرض لرجحت، هذا ~~أبو عباد لم يكن في زمانه أكرم منه، وما يكاد يرى له شاكرا لسوء خلقه. # كان أبو عباد يقول: ما جلس أحد بين يدي، إلا ظننت أني سأجلس بين يديه. ### | ضجر سليمان الأعمش # وكان سليمان الأعمش من الضجر بحيث اشتهر وانتشر؛ قال له الإمام أبو حنيفة ~~النعمان: لولا أني أخاف أن أشق عليك لأكثرت زيارتك. فقال: لا تفعل! فأنت ~~تشق علي والله وأنت في دارك. # وقيل له: عمن أخذت الحدة؟ قال: عن يحيى بن وثاب. # وسأله رجل عن إسناد حديث، فقام وأخذ بحلقه وأسنده إلى الحائط يخنقه، ~~وقال: هذا سنده. # وأتى الأعمش رجل من أصحابه يدعوه إلى طعام صنعه له، فأدخله الحمام ms249 قبل ~~ذلك، وأتاه بماء حار فسكبه عليه. فقال: أحرقتني أحرقك الله! والله لا أدخل ~~إليك، ولا آكل طعامك اليوم. ثم صنع له طعاما بعد ذلك ومضى يقوده، فوقعت ~~إبهام رجله في مسداة في الدار يلعب فيها الصبيان بالبندق. فقال: أردت أن ~~تقلبني في بئر، لله علي إن أقمت عندك أو أكلت طعامك. # وسلم عليه رجل من أصحابه وقد وجد علة؛ فقال: كيف بت يا أبا محمد؟ فرد ~~عليه؛ ثم قال له آخر: كيف بت؟ فأخرج مضربته ومخدته فوضع رأسه عليها؛ وقال: ~~كذا بت! ### | شهادة طريفة # نازع بعض التميميين رجلا من بني عمه في حائط بينه وبينه، فبعث إلى قوم ~~ليشهدهم، فأتاه جماعة من القبائل، فوقف بهم عليه، وقال: أشهدكم جميعا أن ~~نصف هذا الحائط لي!. ### | اكتب الإنكار # وقدم رجل آخر إلى القاضي في شيء يدعيه عليه فأنكر. فقال للقاضي: اكتب لي ~~أصلحك الله إنكاره. قال: ذلك في يدك متى شئت. ### | من طرائف المحاورة # قال عبد الله بن المبارك: كان عندنا رجل يكنى أبا خارجة، فقلت له: لم ~~كنوك أبا خارجة؟ قال: لأني ولدت يوم دخل سليمان بن علي البصرة. # PageV01P136 # قال الأصمعي: حدثني إبراهيم بن القعقاع قال: رأيت أشعب بسوق المدينة ومعه ~~قطيفة يبيعها، وهو يقول: من يشتري مني الوصيدة؟ فأتاه رجل يساومه. فقال: ~~أبرأ إليك من عيب فيها. قال: وما هو؟ قال: أخاف أن تخرق إن لبستها. فضحك، ~~واشتريت بثمن جديدة. ### | من طرف الأكلة # دعا رجل ابن أحمد، فلما صار إلى منزله قال الرجل لغلامه: امض فاشتر لي ~~لحما بدانقين، وبدانقين خبزا؛ فإنه ليس من صديقنا ابن أحمد حشمة. فقال ابن ~~أحمد: يابن أم ولا كل هذا الاستئناس بمرة. # وقال رجل لصديق له: صر إلي نأكل خبزا وملحا؛ فقام معه وهو يظن هذا الكلام ~~على مجاز ما يقول الناس، فقدم إليه خبزا وملحا. ووقف سائل بالباب، فقال له: ~~بورك فيك، فألح السائل بالمسألة. فقال له: والله لئن قمت إليك لأوجعنك ~~ضربا. فقال له الضيف: اذهب فوالله لو علمت من صدق ms250 إيعاده ما علمت أنا من ~~صدق وعده لم تقف ساعة. # اشترى مزيد رأسين فوضعهما بين يدي امرأته. وقال: اقعدي نأكل، فأخذت رأسها ~~فوضعته خلفها. وقال: هذا لأمي، فأخذ مزيد الرأس الآخر ووضعه خلفه، وقال: ~~هذا لأبي. قالت: فماذا نأكل؟ قال: ضعي رأس أمك وأضع رأس أبي. # دخل أشعب على بعض الولاة وكان بخيلا، وذلك في أول ليلة من شهر رمضان ~~فأفطر عنده، فقدم جدي، فأمعن فيه أشعب وضاق الوالي. فقال: يا أشعب، إن أهل ~~السجن سألوني أن أوجه إليهم من يصلي بهم في هذا الشهر؛ فامض وصل بهم واغنم ~~ثوابهم. فقال: أيها الأمير؛ أوخلة أخرى؟ قال: وما هي؟ قال: أحلف بالطلاق ~~والعتاق ألا آكل جديا ما عشت أبدا. فضحك منه وأعفاه. # وهذا كما ذكروا أن بعض الملوك أتته سلل خبيص فظنها فاكهة، فبعث إلى ~~مساكين المسجد فحضروا، ثم فتح السلل فوجد فيها خبيصا، فندم وبقي متحيرا، ثم ~~أمر بهم إلى السجن. فقالوا: ما ذنبنا؟ فقال: بلغني أنكم تنامون في المسجد ~~ثم تقام الصلاة فتصلون على غير وضوء. فقالوا: خل سبيلنا، فوالله لا أكلنا ~~خبيصا أبدا، فضحك وعلم أنهم علموا بأمره، فأمر لهم بدراهم وخلى سبيلهم. ### | قرشي والحمد لله # قال رجل لآخر: ممن تكون؟ قال: قرشي والحمد لله! قال: بأبي أنت! التحميد ~~ها هنا ريبة. ### | من ظريف ما قيل في الأدعياء # ومن ظريف ما قيل في الأدعياء قول مخلد بن بكار الموصلي في أهل بلده: # هم قعدوا فابتغوا لهم نسبا ... يجوز بعد العشاء في العرب # حتى إذا ما الصباح لاح لهم ... ميز ستوقهم من الذهب # والناس قد أصبحوا صيارفة ... أعرف شيء ببهرج النسب # وقال في أبي تمام الطائي: # أنت عندي عربي ال ... أصل ما فيك كلام # شعر ساقيك وفخذي ... ك خزامى وثمام # وضلوع السلو من صد ... رك نبع وبشام # وقذى عينيك صمغ ... ونواصيك ثغام # وظباء خاضبات ... ويرابيع عظام # أنا ما ذنبي إذا ك ... ذبني فيك الأنام # وبدت منك سجايا ... نبطيات لئام # وقفا يخلف ما إن ... عرفت فيه الكرام # كذبوا ما أنت ms251 إلا ... عربي ما ترام # بيته في وسط سلمى ... وحواليه سلام # عربي عربي ... عربي والسلام # وقال في محمد بن البعيث: # لمحمد بيت بناه بسيفه ... أطناب حجرته النجوم الكنس # جعل السبيل إلى العلاء محمد ... بيضا تسيل على ظباها الأنفس # إيماضها هندية ونجومها ... خزرية منها المنية تفرس # تلقى الأمان على حياض محمد ... ثولاء مخرفة وذئب أطلس # لا ذي تخاف ولا لذلك جرأة ... تهدى الرعية ما استقام الريس # قد شذب الأعداء عن عرصاته ... سيف يمج دما وعز أقعس # وإذا تناضلت الملوك بخرها ... فسهام فخرك كلهن مقرطس # وإذا صرفت الطرف عن ذي نخوة ... فالموت في قسماته يتفرس # متملق القيباح يمنع هاربا ... في البعد منك ولا الثناء الأشرس # PageV01P137 # طهرت أشعاري بعرضك بعدما ... كانت بأشعار اللئام تدنس ### | ومن شعر مخلد بن بكار # وهو القائل: # يطلع النجم على صعدته ... فإذا واجه بدرا أفلا # معشر إن ظمئت أرماحهم ... أوردوهن مجاجات الطلى # تحسن الألوان منهم في الوغى ... حين يستنكر للرعب الحلى # سخط عبد الله يدني الأجلا ... ورضاه يتعدى الأملا # يعشب الصلد إذا سالمه ... وإذا حارب روضا أمحلا # حط رحلي في ذراه جوده ... وتمشى في نداه الخيزلى # وقال في الرقيق: # أقول لنضو أنفد السير نيها ... فلم يبق منها غير عظم مجلد # خدي لي ابتلاك الله بالشوق والهوى ... وشاقك تحنان الحمام المغرد # فمرت سريعا خوف دعوة عاشق ... تشق بها الموماة في كل فدفد # فلما ونت باليسير ثنيت دعوتي ... فكانت لها سوطا إلى ضحوة الغد ### | تعست العجلة # وبعت عائشة بنت سعد بن أبي وقاص مولاها فندأ يأتيها بنار وهي بالمدينة؛ ~~فمضى إلى مصر فأقام بها سنة، ثم جاء بنار وهو يعدو مسرعا، فعثر فبدد الجمر ~~فقال: تعست العجلة! # ما رأينا لغراب مثلا ... إذ بعثناه يجي بالمشعله # غير فند أرسلوه قابسا ... فثوى حولا وسب العجله ### | الذنب للجبل والقمر # صعد ابن زهير الخزاعي جبلا، فأعيا وسقط كالمغشي عليه. فقال: يا جبل؛ ما ~~أصنع بك؟ أأضربك؟ لا يوجعك، أأشتمك؟ لا تبالي، يكفيك يوم تكون الجبال ~~كالعهن المنفوش. # وهذا ضد قول أعرابي آخر سرى في قمر، فلما ms252 غاب ضل الطريق. فقال يخاطب ~~بعيره: # اسق ما أسأرته الأكما ... أن عسينا أن نرى علما # كيف لا تغوى هداية من ... عاد طفلا بعدما هرما # يقول له: أسرع بي حتى تعرق فتسقي الأكم بسؤر عرقك، وهو بقيته لعلنا نرى ~~علما نهتدي به. ويريد بقوله: عاد طفلا بعدما هرما يريد القمر: لأنه في أول ~~الشهر يكون كالطفل ينشأ حتى يتكامل، ثم يدخله النقص حتى يمحق، ثم يعود كأول ~~نشأته؛ يذمه بذلك. ### | وصف الشمس # ومن عجيب ما في هذا المعنى قول رجل من بني الحارث بن كعب يصف الشمس: # مخبأة أما إذا الليل جنها ... فتخفى وأما بالنهار فتظهر # إذا انشق عنها ساطع الفجر وانجلى ... دجا الليل وانجاب الحجاب المستر # وألبس عرض الأرض لونا كأنه ... على الأفق الغربي ثوب معصفر # تجلت وفيها حين يبدو شعاعها ... ولم يعل للعين البصيرة منظر # عليها كردع الزعفران يشبه ... شعاع تلالا فهو أبيض أصفر # فلما علت وابيض منها اصفرارها ... وجالت كما جال المنيح المشهر # وجللت الآفاق ضوءا وأسعرت ... بحر لها منه الضحى يتسعر # ترى الظل يطوى حين تبدو، وتارة ... تراه إذا زالت عن الأرض ينشر # كما بدأت إذ أشرقت في مغيبها ... تعود كما عاد الكبير المعمر # وتدنف حتى ما يكاد شعاعها ... يبين إذا ولت لمن يتبصر # وأفنت قرونا وهي في ذاك لم تزل ... تميت وتحيي كل يوم وتنشر ### | بلادة كيسان # وكانت كيسان مستملي أبي عبيدة، موصوفا بالبلادة. قال الجاحظ: كان يكتب ~~غير ما يسمع، ويقول غير ما يكتب، ويستملي غير ما يقرأ، ويملي غير ما ~~يستملي، أميت عليه يوما. # قلت لمعشر عدلوا ... بمعتمر أبا عمرو # فكتب أبا بشر، وقرأ أبا حفص، واستملى أبا زيد، وأملى أبا نصر. # وذكر أبو عبيدة كيسان في شيء، فقال: والله ما فهم، ولو فهم لوهم. ### | نوادر تحكى عن غير الناس # نوادر تحكى عن غير الناس: قيل لإبليس لعنه الله: ماذا لقيت من المتعلمين؟ ~~قال: التعلم ينسيهم وهم يلعنوني. # قيل للعقرب: لم لا تشمسين في الشتاء مع الناس؟ قالت: من كثرة إحساني ~~إليهم في الصيف. ms253 # PageV01P138 # كانت أفعى نائمة على حزمة شوك فحملها السيل، والأفعى عليها، إذ نظر إليها ~~ثعلب، فقال: مثل هذا الملاح يصلح لهذه السفينة. # أراد ثعلب أن يصعد حائطا، فتعلق بعوسجة فعقرت يده. فقال: أنا أخطأت، لأني ~~تعلقت بما يتعلق بكل شيء. # وقف جدي على مكان فمر به ذئب فشتمه. فقال له: لم تشتمني؛ إنما شتمني ~~المكان الذي أنت فيه. # قالت الخنفساء لأمها: ما مررت بأحد إلا بصق علي. قالت: يا بنية، لحسنك ~~تعوذين. # نظر كلب إلى رغيف، فقال له: إلى أين؟ قال: إلى النهروان. قال: فإن تركتك ~~فابلغ إلى مرو. # وقف كلب على قصاب فآذاه، فقال له القصاب: والله لئن قمت إليك لأرمينك ~~بهذا الكرش، فلم يبرح؛ فتغافل عنه القصاب، فلما طال وقوف الكلب قال للقصاب: ~~ترمينا بالكرش أو ننصرف. # قيل للبغل: من أبوك؟ قال: خالي الفرس. وهذا كقول القائل: # سألته من أبوه؟ ... فقال خالي شعيب # وما كنى عن أبيه ... إلا وثم سبيب # قال مؤلفه: هذا آخر الكتاب والله أعلم بالصواب وبالله المستعان ونعود ~~بالله من الزيادة والنقصان. # قد أتممت أكرمك الله لهذا الكتاب جميع شروطه، ولم أخل بتحريره وضبطه، ~~وجعلته كالمسامر الذكي، والمنادر اللوذعي، الذي إذا هزل عزف، وإذا جد رمز، ~~فأمضى بك في العجائب المضحكة، والغرائب المونقة، ثم أصلها ولا أفصلها، من ~~تعلق بأخبار ظريفة، وأشعار شريفة، وقد خفت أن أكلفك نصبا، وأحملك تعبا، ~~فقطعت إذ الزيادة في الحدود نقصان في المحدودة، ورب ربح أدى إلى خسران، ~~وزيادة أفضت إلى نقصان؛ فنعوذ بالله ونستغفره مما جرى به اللسان، ونصلي على ~~سيدنا محمد سيد ولد عدنان، وعلى آله وأصحابه السادة الأخيار والأعيان، صلاة ~~دائمة بدوام الأزمان، آمين. PageV01P139 ms254