######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010768 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: إبراهيم بن علي بن تميم الأنصاري، أبو إسحاق الحصري القيرواني (المتوفى: 453هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 453 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: زهر الآداب وثمر الألباب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010768 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10768 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10768 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الجيل، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | الجزء الأول ### | مقدمة الناشر # احياء التراث العربي، بتحقيقه تحقيقا علميا دقيقا وضبطه وشرح ما غمض من ~~معانيه ومراجعة نصوصه الأصلية؛ مهمة جليلة ومسؤولية بالغة تصدى لها العديد ~~من أكفأ وأخلص رجالات الأدب في عصرنا الحاضر، وفي طليعتهم الدكتور زكي ~~مبارك. # .. إن تحقيق هذه الروائع الأدبية وشرحها رسالة سامية ... وكذلك نشرها ~~وتقديمها إلى القارىء العربي بالصورة اللائقة؛ رسالة يتصدى لحملها الناشر ~~الواعي لأهمية تراثنا العربي المقدر لقيمته، الحريص على إغناء الثقافة ~~العربية، والباذل لكل جهد مهما عظم في سبيل تقديم روائع القديم في أبهى ~~وأحدث حلة تبويبا وإخراجا وطباعة. # بين روائع التراث العربي يتألق كتاب «زهر الآداب، وثمر الألباب» كالدرة ~~النادرة، وقد زاد من قيمته جهد لا يقارن به جهد بذله الأديب العملاق، ~~الدكتور زكي مبارك في تحقيقه وضبطه وشرح نصوصه. # كتاب «جمع كل غريبة» . بل خزانة من خزائن الأدب العربي عامرة بأخبار ~~الأدب والأدباء، حافلة بألوان البلاغة والشعر والانشاء وبكل ما يصور بصدق ~~العصر الذي عاش فيه مؤلفه أبو اسحاق ابراهيم بن علي الحصري القيرواني في ~~القرن الخامس الهجري، ويبين بوضوح العادات الاجتماعية التي كانت محمودة في ~~عصره؛ حتى أن دارس الآداب المهتم بذلك العصر ليكتفي بدراسة هذا الكتاب ~~كمرجع رئيسي شامل. # PageV01P005 # لذلك العصر من حياة الأدب طابع خاص، أظهر سماته إجادة الوصف؛ وصف ما تقع ~~عليه العين من مرئيات أو ما يجري في الخاطر من أفكار، بل ووصف أهواء النفس ~~ونزعاتها الوجدانية، وصفا مفصلا مقصودا، حتى أصبح العصر غنيا إلى درجة ~~مميزة بالتعابير الرائعة الناضجة في معظم أبواب الوصف.. يرافقها تنظيم كامل ~~للأفكار، مما يعود القارىء تذوق الاسلوب البديع ويحبب اليه النثر الجيد ~~وأصوله الفنية. # اننا إذا قسنا أعمال أدباء ذلك العصر بالمقاييس العصرية لانطبق عليها ~~مفهوم النظرية الحديثة «الفن للفن» .. فقد عرفوا اللغة معرفة جيدة حتى ~~وقفوا على أسرارها وطرائق تعبيرها، فجمعوا شتاتها لتصبح طوع أفكارهم ~~وأقلامهم في نتاج منسق متكامل. # وان دار الجيل التي تعتز بما قدمت من كتب التراث.. كتاب «العمدة» لابن ~~رشيق تحقيق الاستاذ محيي ms001 الدين عبد الحميد، ليزيدها اعتزازا أن تقدم تباعا ~~مجموعة أعمال الدكتور زكي مبارك: النثر الفني، الموازنة بين الشعراء، ~~التصوف الاسلامي، المدائح النبوية، الاخلاق عند الغزالي.. # ودرة هذه الأعمال هذا الكتاب الذي تقدمه الدار اليوم: زهر الآداب.. # إنه دائرة معارف أدبية، لا غنى للقارىء الأديب الباحث عن المعرفة ~~والمتطلع الى التزيد من بحور الفنون الأدبية، عن اقتنائه. # والله الموفق دار الجيل # PageV01P006 ### | مقدمة الطبعة الأولى # الحصرى القيروانى، ### | أبو الحسن الحصرى ### | طرف من أخباره # ، حياته الأدبية، داليته ودالية شوقى، أبو إسحاق الحصرى: شعره ونثره، ~~طريقته في التأليف، التعريف بزهر الآداب، إغفال المجون، تهذيب كتب ~~المتقدمين، رأى الدكتور طه حسين، تهذيب زهر الآداب، تفصيله وضبطه وشرحه، ~~قيمته الأدبية. ### | الحصرى، القيراونى # الحصرى- بضم الحاء المهملة، وسكون الصاد المهملة وبعدها راء مهملة- نسبة ~~إلى الحصر أو بيعها، كما ذكر ابن خلكان- والقيروانى: نسبة إلى مدينة ~~القيروان. # ويعرف تاريخ الآداب رجلين بهذا الاسم، أولهما: # أبو الحسن الحصرى # وأبو الحسن هذا هو: على بن عبد الغنى، الفهرى، المقرىء، الضرير، ~~القيروانى، وقد كان- كما ذكر ابن بسام في الذخيرة- بحر براعة، ورأس صناعة، ~~وزعيم جماعة. # طرأ على الأندلس- كما قال ابن بسام أيضا- في منتصف المائة الخامسة من ~~الهجرة، بعد خراب وطنه من القيروان، والأدب بأفق الأندلس يومئذ نافق السوق، ~~معمور الطريق، فتهاداه ملوك الطوائف تهادى الرياض بالنسيم، وتنافسوا فيه ~~تنافس الديار بالأنس المقيم. # ولكنه، فيما نقل، لم يطمئن هناك، فاحتمل على مضض بين زمانه، # PageV01P007 # وبعد قطره، ثم اشتملت عليه مدينة طنجة بعد خلع ملوك الطوائف، وتوفى بها ~~سنة 488 هجرية. ### | طرف من أخباره # ذكر أنه لما كان مقيما بمدينة طنجة أرسل غلامه إلى المعتمد بن عباد صاحب ~~إشبيلية، واسمها في بلادهم حمص، فأبطأ عنه، وبلغه أن المعتمد لم يحفل به، ~~فقال: # نبه الركب الهجوعا ... ولم الدهر الفجوعا «1» # حمص الجنة قالت ... لغلامى: لا رجوعا # رحم الله غلامى ... مات في الجنة جوعا # وهذه الأبيات غاية في خفة الروح. # وحكى أن المعتمد بن عباد بعث إلى أبى العرب الزبيدى خمسمائة دينار، وأمره ~~أن يتجهز بها ويتوجه إليه. وكان ms002 بجزيزة صقلية وهو من أهلها، وبعث مثلها إلى ~~أبى الحسن الحصرى، وهو بالقيروان، فكتب أبو العرب: # لا تعجبن لرأسى كيف شاب أسى ... واعجب لأسود عينى كيف لم يشب # البحر للروم لا يجرى السفين به ... إلا على غرر والبر للعرب # وكتب له الحصرى: # أمرتنى بركوب البحر أقطعه ... غيرى، لك الخير، فاخصصه بذا الداء # ما أنت نوح فتنجينى سفينته ... ولا المسيح أنا أمشى على الماء ### | حياته الأدبية # ذكروا أنه كان عالما بالقراءات وطرقها، وأنه أقرأ الناس القرآن الكريم # PageV01P008 # بسبتة وغيرها، وأن له قصيدة نظمها في قراءات نافع، عدد أبياتها 209، وأن ~~له ديوان شعر، وهو القائل: # أقول له وقد حيا بكأس ... لها من مسك رقته ختام: # أمن خديك يعصر؟ قال: كلا ... متى عصرت من الورد المدام؟ # وأشهر قصائده تلك الدالية التي افتن في معارضتها الشعراء «1» ولنذكرها ~~هنا لقيمتها وأثرها في تاريخ الآداب العربية، قال: # يا ليل الصب متى غده ... أقيام الساعة موعده # رقد السمار وأرقه ... أسف للبين يردده # فبكاه النجم ورق له ... مما يرعاه ويرصده # كلف بغزال ذى هيف ... خوف الواشين يشرده # نصبت عيناي له شركا ... فى النوم فعز تصيده # وكفى عجبا أنى قنص ... للسرب سبانى أغيده # صنم للفتنة منتصب ... أهواه ولا أتعبده # صاح والخمر جنى فمه ... سكران اللحظ معر بده # ينضو من مقلته سيفا ... وكأن نعاسا يغمده # فيريق دم العشاق به ... والويل لمن يتقلده # كلا لا ذنب لمن قتلت ... عيناه ولم تقتل يده # يا من جحدت عيناه دمى ... وعلى خديه تورده # خداك قد اعترفا بدمى ... فعلام جفونك تجحده # إنى لأعيذك من قتلى ... وأظنك لا تتعمده # PageV01P009 # بالله هب المشتاق كرى ... فلعل خيالك يسعده # ما ضرك لو دوايت ضنى ... صب يدنيك وتبده # لم يبق هواك له رمقا ... فليبك؟؟؟ عليه عوده # وغدا يقضى أو بعد غد ... هل من نظر يتزوده؟ # يا أهل الشوق لنا شرق ... بالدمع يفيض مورده # يهوى المشتاق لقاءكم ... وصروف الدهر تبعده # ما أحلى الوصل وأعذبه ... لولا الأيام تنكده # بالبين وبالهجران فيا ... لفؤادى كيف تجلده # وممن عارض هذه القصيدة من المتقدمين نجم الدين ms003 القمراوى إذ يقول: # قد مل مريضك عوده ... ورثى لأسيرك حسده # لم يبق جفاك سوى نفس ... زفرات الشوق تصعده # هاروت بعنعن فن السحر ... إلى عينيك ويسنده # وإذا أغمدت اللحظ فتكت فكيف وأنت تجرده ... كم سهل خدك وجه رضا # والحاجب منك يعقده ... ما أشرك فيك القلب فلم # فى نار الهجر نحلده؟ # وناصح الدين الأرجانى إذ يقول: # هل أنت بطولك مسعده ... يا ليل فصبحك موعده # لا كان قصير الليل فتى ... ميعاد منيته غده # فى صدرى من كلف بكم ... جند للشوق يجنده # أعليل اللحظ وعلته ... منها المتألم عوده # عيناك لسفك دمى جنتا ... فالصدغ علام تجعده # ودمى لا يحسن محمله ... فى الناس فلم تتقلده # لم أنس برامة موقفنا ... والشمل أظل تبدده # PageV01P010 # رشأ قد أفلت من شركى ... والبين غدا يتصيده # سرب قد عن بذى سلم ... وغدا بفؤادى أغيده # وتطاول يتبعهم نظرا ... صب قد طال تبلده # حران القلب متيمه ... حيران الطرف مسهده # وأبرع من عارضها من المعاصرين فخر مصر والشرق أمير الشعراء أحمد شوقى ~~(بك) إذ يقول: # مضناك جفاه مرقده ... وبكاه ورحم عوده # حيران القلب معذبه ... مقروح الجفن مسهده # أودى حرقا إلا رمقا ... يبقيه عليك وتنفده # يستهوى الورق تأوهه ... ويذيب الصخر تنهده «1» # ويناجى النجم ويتبعه ... ويقيم الليل ويقعده # ويعلم كل مطوقة ... شجنا في الدوج تردده # كم مد لطيفك من شرك ... وتأدب لا يتصيده # فعساك بغمض مسعفه ... ولعل خيالك مسعده # الحسن حلفت «بيوسفه» ... و «السورة» أنك مفرده # قد ود جمالك أو قبسا ... حوراء الخلد وأمرده # وتمنت كل مقطعة ... يدها لو تبعث تشهده # جحدت عيناك زكى دمى ... أكذلك خدك يجحده # قد عز شهودى إذ رمتا ... فأشرت لخدك أشهده # وهممت بجيدك أشركه ... فأبى واستكبر أصيده # وهززت قوامك أعطفه ... فنبا وتمنع أملده «2» # PageV01P011 # سبب لرضاك أمهده ... ما بال الخصر يعقده # بينى في الحب وبينك ما ... لا يقدر واش يفسده # ما بال العاذل يفتح لى ... باب السلوان وأوصده # ويقول: تكاد تجن به ... فأقول: وأو شك أعبده # مولاى وروحى في يده ... قد ضيعها، سلمت يده! # ناقوس القلب يدق له ... وحنايا الأضلع معبده # حسادى فيه ms004 أعذرهم ... وأحق بعذرى حسده # قسما بثنايا لؤلؤها ... قسم الياقوت منضده # ورضاب يوعد كوثره ... مقتول العشق ومشهده # وبخال كاد يحج له ... لو كان يقبل أسوده # وقوام يروى الغصن له ... نسبا والرمح يفنده # وبخصر أو هن من جلدى ... وعوادى الهجر تبدده # ما خنت هواك ولا خطرت ... سلوى بالقلب تبرده # وإنما ذكرت حياة أبى الحسن الحصرى، وشيئا من أخباره، لأنى رأيت أكثر ~~الناس يحسبونه صاحب زهر الآداب، ولأنى أحب دائما أن أقدم للقارىء ما يمتع ~~عقله ووجدانه من المعارف الأدبية، لأية مناسبة؛ ولأن أبا الحسن الحصرى ابن ~~خالة أبى إسحاق الحصرى صاحب زهر الآداب، وفي هذه القرابة ما يدعو للتنويه ~~به في هذا المقام، والظفر للقارىء على أى حال «1» . # PageV01P012 ### | أبو إسحاق الحصرى # أما أبو إسحاق الحصرى فهو إبراهيم بن على بن تميم، المتوفى سنة 453 هجرية ~~وقد عنى به كثير من كتاب التراجم: فتكلم عنه ابن رشيق في الأنموذج، وابن ~~بسام في الذخيرة، والرشيد بن الزبير في الجنان، وابن خلكان في وفيات ~~الأعيان. # وقد كان شباب القيروان- فيما قالوا- يجتمعون عنده، ويأخذون عنه، وكان ~~لديهم من المكرمين. ### | شعره ونثره # أورد ابن رشيق من شعره هذين البيتين: # إنى أحبك حبا ليس يبلغه ... فهم، ولا ينتهى وصف إلى صفته # أقصى نهاية علمى فيه معرفتى ... بالعجز منى عن إدراك معرفته # وأورد له ابن بسام هذين البيتين: # أورد قلبى الردى ... لام عذار بدا # أسود كالكفر فى ... أبيض مثل الهدى # واختار له ياقوت هذه المقطوعة: # يا هل بكيت كما بكت ... ورق الحمائم في الغصون # هتفت سحيرا، والربى ... للقطر رافعة الجفون # فكانها صاغت على ... شجوى شجى تلك اللحون # دكرتنى عهدا مضى ... للأنس منقطع القرين # فتصرمت أيامها ... وكأنها رجع الجفون # PageV01P013 # واختار له أيضا: # كتمت هواك حتى عيل صبرى ... وأدنتنى مكاتمتى لرمسى # ولم أقدر على إخفاء حال ... يحول بها الأسى دون التأسى # وحبك مالك لحظى ولفظى ... وإظهارى وإضمارى وحسى # فإن أنطق ففيك جميع نطقى ... وان أسكت ففيك حديث نفسى # ولو نقلت إلينا من شعره طائفة صالحة لاستطعنا أن نعين منزلته بين ~~الشعراء. # أما ms005 نثره فمستملح، ويغلب فيه السجع المقبول، الخالص من شوائب الصنعة ~~والتكلف، والسجع في الأصل حلية وزينة، وإنما يعاب عند الغلو والإغراق. # وإليكم أنموذجا مما جاء من نثره في مقدمة كتابه، قال: # «ولم أذهب في هذا الاختيار، إلى مطولات الأخبار، كأحاديث صعصعة ابن ~~صوحان، وخالد بن صفوان، ونظائرهما؛ إذ كانت هذه (يريد الفقر الصغيرة) أجمل ~~لفظا، وأسهل حفظا، وهو كتاب يتصرف فيه الناظر من نثره، إلى شعره، ومطبوعه، ~~إلى مصنوعه، ومحاورته، إلى مفاخرته، ومناقلته، إلى مساجلته، وخطابه المبهت، ~~إلى جوابه المسكت، وتشبيهاته المصيبة، إلى اختراعاته العريبة، وأوصافه ~~الباهرة، إلى أمثاله السائرة، وجده المعجب، إلى هزله المطرب، وجزله الرائع، ~~إلى رقيقه البارع» . # وهذا كما ترى سجع يجمع بين دقة الصنع، ورقة الطبع، فهو في دقته مطبوع، لا ~~مصنوع. ### | طريقته في التأليف # الأدب لا موضوع له، كما يقول أستاذنا الجليل الشيخ سيد المرصفى، وكذلك ~~كان يفهمه أبو إسحاق الحصرى، فهو لا يحفل بترتيب المسائل، ولا بتبويب ~~الموضوعات. وإنما يتصرف من الجد إلى الهزل، ومن الأوصاف # PageV01P014 # إلى التشبيهات، ومن الشعر إلى النثر، ومن المطبوع إلى المصنوع، وهذه ~~الطريقة من أهم الطرق في التأليف، وإن عابها من لا يفرق بين الموضوعات ~~العلمية، والموضوعات الأدبية. # ذكروا أنه ترك كتابا اسمه «المصون في سر الهوى المكنون» فى مجلد واحد، ~~فيه ملح وآداب، أما كتابه الخالد فهو «زهر الآداب، وثمر الألباب» وإنه ~~ليسجع حتى في تسمية كتبه، وكذلك كان يفعل في عهده المؤلفون. ### | التعريف بزهر الآداب # كان المتقدمون لا يصفون زهر الآداب إلا بأنه «جمع كل غريبة» وهو وصف ~~صادق، وإنى ذاكز هنا بعض صفات هذا الكتاب، وعلى الأخص الصفات التى تعين ~~منهج مؤلفه، وتميز اتجاه بعض الأفكار في العصر الذى عاش فيه. # وإنا لنجده: # أولا: يهتم ببراعة المطلع، وحسن الختام، فيبدأ كتابه بهذه الجملة: # «الحمد لله الذى اختص الإنسان بفضيلة البيان، وصلى الله على محمد خاتم ~~النبيين، المرسل بالنور المبين، والكتاب المستبين، الذى تحدى الخلق أن ~~يأتوا بمثله، فعجزوا عنه، وأقروا بفضله، وعلى آله وسلم تسليما كثيرا» ms006 ~~ويختمه بهذه العبارة: # «وقال ابن الأعرابى: أمدح بيت قاله المحدثون قول أبى نواس: # أخذت بحبل من حبال محمد ... أمنت به من طارق الحدثان «1» » . # ثانيا: يعنى عناية خاصة بالكلام عن الصحابة والتابعين، فينقل أخبارهم، ~~ويدون آثارهم، وكانت هذه فيما يظهر عادة إسلامية، فى ذلك الحين. # PageV01P015 # ثالثا: يجعل الكلام في المصيبة بأبناء النبوة بابا من أبواب الأدب؛ فينقل ~~هذه التعابير: # قد نعي سليل من سلالة النبوة، وفرع من شجرة الرسالة، وعضو من أعضاء ~~الرسول، وجزء من أجزاء الوصى والبتول. # تجدد في بيت الرسالة رزء جدد المصائب، واستعاد النوائب. # إنها لمصيبة تحيفت جانب الوحى المنزل، وذكرت بموت النبى المرسل. # إلخ إلخ: # ويتصل بهذا عنايته بأوصاف الأشراف، كنقله هذه العبارات: # «استقى عرقه من منبع النبوة، ورضعت شجرته من ثدى الرسالة، وتهدلت أغصانه ~~عن نبعة الإمامة، وتبحبحت أطرافه في عرصة الشرف والسيادة، وتفقأت بيضته من ~~سلالة الطهارة، قد جذب القرآن بضبعه، وشق الوحى عن بصره وسمعه» إلخ. # وهذا الاتجاه يدل على وجهة سياسية خاصة، فصلتها بعض التفصيل في كتاب ~~«الأخلاق عند الغزالى» وإلا فإن النبى يقول: «من أبطأ به عمله لم يسرع به ~~نسبه» بل الله يقول: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم. # رابعا: يبدىء الحصرى ويعيد في الكلام عن البلاغة والبلغاء، والشعر ~~والشعراء، والإنشاء والمنشئين، وكذلك كان أهل عصره يهتمون بدر النثر ~~والشعر، ونحن مدينون لهم بما يتصل بهذا الباب من المعارف الأدبية. # خامسا: يذكر كثيرا من الآداب الاجتماعية التي كان يحمدها الناس لعهده، ~~فيذكر ما يجمل في معاملة الملوك، ويتحدث عن فضل الليل، والحرص على الأدب، ~~وواجب النساخ، وما إلى ذلك مما يتصل بما على المرء من الواجبات، وما له من ~~الحقوق. # PageV01P016 ### | إغفال المجون # وقد جرى أبو إسحاق الخصرى في زهر الآداب على إغفال المجون، فنحده يقول عن ~~راشد بن أرشد: # «وله مذهب استفرغ فيه أكثر شعره، وصنت الكتاب عن ذكره» . # وقد صرحت بإنكار هذا المهج فى «مدامع العشاق» وبينت هناك أن حرص الحصرى ~~على الأخلاق ضيع علينا ما أعرض عنه من ms007 الآثار الأدبية، وكنا في حاجة إلى أن ~~نعرف كل ما ترك الأولون! وأحب أن يعلم القارىء أن المجون لون من ألوان ~~الغذاء التي تحيا بها العقول، فكما أن الأجسام تحتاج في تغذيتها إلى المواد ~~المختلفة، والعناصر المتنوعة: من الملح، والحلو، والمر، كذلك العقول تحتاج ~~في تغذيتها إلى المعارف المتباينة: # من جد القول وهزله، وحلوه ومره، ولكن أكثر الناس لا يفقهون! على أن ~~الحصرى لم يخل كتابه من المجون، بل ومن فاحش المجون، وللقارىء أن يتتبع ما ~~وقع من ذلك في ألفاف الكتاب ليرى كيف غلب لمؤلف على أمره، فأباح ما لا ~~يباح! # PageV01P017 ### | تهذيب كتب المتقدمين # يهتم كثير من علماء العصر بتهذيب كتب المتقدمين، وهذا التهذيب ينحصر في ~~حذف المجون وضم بعض الموضوعات إلى بعض، وأنا أنكر هذا الأسلوب، والعهد قريب ~~بما كتبه أستاذنا الدكتور طه حسين في نقد مهذب الأغانى الذى أظهره الأستاذ ~~الكبير محمد بك الخضرى منذ أسابيع، ويرجح أن يترك المعاصرون هذه الطريقة ~~المنكرة، بعد تلك الحملة التي أصماهم بها صاحب حديث الأربعاء. # PageV01P018 ### | تهذيب زهر الآداب # ولقد رأيت أن أترك تلك الطريقة في تهذيب زهر الآداب؛ لأن المؤلف لم يرد ~~أن يكون كتابه ذا فصول وأبواب، وإنما أراد أن يتصرف القارىء فيه من الشعر ~~إلى النثر، ومن الجد إلى الهزل، إلى آخر ما قال. # وقد ظل بين يدى نحو تسعة أشهر، وأنا معتقل في سنة 1920، فقرأته، ثم ~~قرأته، وعنيت بضبطه، وتصحيح ما وقع فيه من الأغلاط؛ ثم رأيت أن أفصله، ~~والتفصيل فيما أريد سو أن أضع عنوانا لكل موضوع، وما أكثر ما في الكتاب من ~~الموضوعات؛ لأن المؤلف وضع قليلا من العناوين، ثم أخذ يستطرد من معنى إلى ~~معنى، ومن غرض إلى غرض، من غير أن يهتم بالترتيب والتبويب. # وأرجو أن لا يجد القارىء في هذا الصنع تشويها لعمل المؤلف فقد أبقيت ~~الكتاب كما هو، وأبقيت على عناوينه وأبوابه، وفقره وفصوله، ووضعت ما أبدعت ~~من العناوين في بنط خاص، فإذا شاء القارىء أن يعرف كيف وضع الكتاب مؤلفه ms008 ~~فليرفع فقط ما جد من العناوين. # PageV01P019 ### | أهمية هذا التفصيل # على أننى مطمئن إلى ما صنعت؛ فقد كان الكتاب متقاذف الأرجاء، بسبب ما كثر ~~فيه من الاستطراد، فأصبح بفضل هذا التفصيل، محدود الموضوعات، بحيث يهتدى ~~فيه القارىء إلى مئات المسائل الآدبية، من غير أن يكلف نفسه عناء البحث ~~والتنقبب. # ولم أحجم عن تكرار العنوان الواحد حين يقتضى المقام ذلك، وربما أضفت كلمة ~~يتميز بها العنوان الجديد «1» . ### | الضبط والشرح # كان زهر الآداب مطبوعا على هامش العقد الفريد «2» ، من غير ضبط ولا شرح، ~~وكان يكفى أن يطبع الكتاب طبعة أزهرية ليصبح مثالا في المسخ والتشويه، ~~ولتقذى في قراءته العيون، وتضل في فهمه العقول؛ فأنفقت من جهدى ومن وقتى، ~~فى تحقيق ما جناه مر السنين وعبث الجاهلين، ما لا أمن به على القارىء إلا ~~وأنا آسف محزون؛ لأنى مدين لمن طبعوه أول مرة على أى حال، أحسن الله ~~جزاءهم، وتجاوز عما رماهم به الزمن من ألوان الضعف والقصور. # فى الطبعة القديمة كثير من الأغلاط، ولا غرابة في ذلك، فقد كان الأدب يوم ~~ظهرت قليل الأنصار، وقد اعتمدت في ضبط هذه الطبعة على مراجعة الأصول التي ~~أخذ منها زهر الأداب، وعلى ما أثق به من مختلف المعاجم والقواميس، فإن ~~استطاع القارىء أن يلفتنى إلى خطإ فاتنى إصلاحه، فإنى بشكره خليق. # PageV01P020 # أما الشرح فقد اجتهدت في أن يكون غاية في الإيجاز؛ لأن الإطناب في شرح ~~الكتب الأدبية من جملة العيوب، وقد تمر الصفحة بلا شرح، حين تستغنى عن ذلك؛ ~~لأنى أمقت التكلف، وأبغض المتكلفين. # وقد قسمت الكتاب إلى أربعة أجزاء، وكان المؤلف قسمه إلى ثلاثة، وهي مسألة ~~اعتبارية؛ لأن الكتاب في الأصل مبنى على التنقل والاستطراد. # PageV01P021 ### | قيمة زهر الآداب # كان المتقدمون يعنون بدراسة الكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ، ~~وأدب الكاتب لابن قتيبة، والنوادر لأبى على القالى، وكانت هذه الكتب أصول ~~الأدب عندهم كما ذكر ابن خلدون، وعندى أن زهر الآداب أغزر مادة، وأكبر قيمة ~~من جميع تلك المصنفات؛ لأن ذوق الحصرى ذوق أدبى صرف، أما أولئك ms009 فقد كانت ~~أهواؤهم موزعة بين اللغة، والرواية، والنحو، والتصريف. # إن زهر الآداب دائرة معارف أدبية، شاء الله أن تسلم من جناية الليالى، ~~والحمد لله على أن كنت الموفق إلى إحياء هذا الأثر النفيس. # محمد زكى عبد السلام مبارك 22 فبراير سنة 1925 # PageV01P022 ### | مقدمة الطبعة الثانية # موضع زهر الآداب، الوصف عند كتاب القرمه الرابع، نماذج من التعابير ~~الوصفية، نظرية الفن للفن وقيمة الزخرف والصنعة، الخصوصات الأدبية في ~~القرمه الرابع رأى القارىء في مقدمة الطبعة الأولى إشارات إلى الخصائص التي ~~امتاز بها زهر الآداب، ونريد في هذه الكلمة أن ننص على أن هذا الكتاب أريد ~~به أن يكون صورة للعصر الذى عاش فيه مؤلفه رحمه الله، وإنه ليذكر أن أبا ~~الفضل العباس بن سليمان رحل إلى المشرق في طلب الكتب «باذلا في ذلك ماله، ~~مستعذبا فيه تعبه، إلى أن أورد من كلام بلغاء عصره، وفصحاء دهره، طرائف ~~طريفة، وغرائب غريبة» ثم سأله أن يجمع له من مختارها كتابا يكتفى به عن ~~جملتها، وأن يضيف إلى ذلك من كلام المتقدمين ما قار به وقارنه وشابهه ~~وماثله إلخ فغاية الكتاب إذا تخير ما طاب من ثمرات العقول في أواخر القرن ~~الرابع وأوائل القرن الخامس. # ولنذكر أولا أن الحصرى توفى سنة 453، ولكننا نرجح أنه وضع زهر الآداب قبل ~~وفاته بأكثر من عشرين عاما، فقد حدثنا في أثناء كتابه أنه يعاصر الثعالبى؛ ~~إذ قال «وأبو منصور يعيش إلى وقتنا هذا» حين أشار إلى مختار ما كتبه ~~الميكالى إليه. والثعالبى توفى سنة 429؛ وإنما عينا أواخر القرن الرابع ~~وأوائل القرن الخامس لأن الحصرى أشار إلى أن فيمن نقل عنهم من أدركه بعمره، ~~أو لحقه أهل دهره. ولذلك العهد من حياة الأدب طابع خاص، فصلت خصائصه ~~ومميزاته في كتابى الذى وضعته بالفرنسية عن النثر في القرن الرابع، وإنى ~~لمشير هنا إلى بعض الجوانب البارزة في أدب ذلك العصر؛ ليكون القارىء # PageV01P023 # على بينة من الروح الذى استوحاه مؤلف زهر الآداب. # أظهر ميزة في ذلك العصر هي إجادة الوصف، فقد اهتم ms010 كتابه اهتماما عظيما ~~بوصف ما وقعت عليه أعينهم أو جرى في خواطرهم، ولم يكن الوصف عندهم مما يأتى ~~عفوا عند المناسبات الطارئة، كما كان الحال في أوائل العصر الإسلامى، لا، ~~بل تعمدوا استقصاء الموضوعات الوصفية: فأطالوا الحديث عن الأزهار، والرياض، ~~والنبات، والنسيم، والرياح، والليل، والنجوم، والجداول، والغدران، ~~والأنهار، والبحار، والأحواض، والقصور، ومنازل اللهو، ومجالس الشراب، ~~والنساء، والغلمان، والجوارى السود، والقيان، وآلات الطرب، ومحاسن الشباب، ~~وأهوال المشيب، والرعد والبرق، والمطر والثلج، والصحو، والبلاغة والشعر ~~والنثر، والخيل، والسيوف، والنار، والأفاعى، والثعابين، والطيور، والأطعمة، ~~والفواكه، والسكاكين، والكؤوس، والخواتم، والحلى، والقلائد، والمحابر، ~~والأقلام، والسفن، والذواب، والجيوش، والأساطيل، وأيام الصيف والشتاء ~~والربيع. # وأطنبوا في وصف المعانى الوجدانية، كما أطنبوا في وصف المرئيات، فتكلموا ~~عن أهواء النفوس ونزعلتها، فوصفوا الحقد، والبغض، والكرم، والنبل، وعرضوا ~~لما يقع لأهل المهن وللرؤساء من الهنات والعورات. كل ذلك بطريقة مقصودة تدل ~~على أنه كان لهم برنامج خاص لم يعرفه أسلافهم. وهذا المذهب له عيوبه ~~ومزاياه: فعيبه أنه حملهم على التكلف والإسراف، وحسنه أنه حملهم على تنظيم ~~أفكارهم، وترتيب أغراضهم، فإن القارىء يرى لهم قوة في تصوير المرئيات ~~والمعنويات لا يراها لمن سبقوهم، وذلك بفضل هذا الاتجاه الذى جعل في عصرهم ~~مدرسة وصفية لا نراها في عصر الخلفاء ولا عهد بنى أمية ولا أوائل أيام بنى ~~العباس. # ولا ننكر أن الكتاب السابقين أجادوا الوصف في كثير من الموضوعات # PageV01P024 # ولكننا نقرر أن كتاب القرن الرابع عمدوا إلى كل ما يقع عليه الحس، أو ~~يجرى في الخاطر، أو ينقده العقل، فوصفوه وصفا مفصلا مقصودا بطريقة لم يفكر ~~في مثلها المتقدمون. # وقد قدم لنا صاحب زهر الآداب شواهد كثيرة في مواطن متفرقة من كتابه عن ~~الأوصاف التي عنى بها كتاب ذلك العصر. فلنثبت منها شيئا ليرى القارىء صدق ~~ما نراه من قصد رجال ذلك العهد إلى إجادة الوصف. # من ذلك قولهم في وصف الماء: # ماء كالزجاج الأزرق. # غدير كعين الشمس. # ماء كلسان الشمعة، فى صفاء الدمعة، يسبح في الرضراض، سبح النضناض. # ماء أزرق كعين ms011 السنور، صاف كقضيب البلور. # غدير ترقرقت فيه دموع السحائب، وتواترت عليه أنفاس الرياح الغرائب. # وقولهم في وصف سكين: # «سكين كأن القدر سائقها، أو الأجل سابقها، مرهفة الصدر، ممنطقة الخضر، ~~يجول عليها فرند العتق، ويموج فيها ماء الجوهر، كأن المنية تبرق من حدها، ~~والأجل يلمع من متنها، ركبت في نصاب آبنوس، كأن الحدق نفضت عليه صبغها، وحب ~~القلوب كسته لباسها، أخذ لها حديدها الناصع بحظ من الروم، وضرب لها نصابها ~~الحالك بسهم من الزنج، فكانها ليل من تحت نهار، أو مجمر أبدى سنا نار، ذات ~~غرار ماض، وذباب قاض. # سكين أحسن من التلاق، وأقطع من الفراق، تفعل فعل الأعداء، وتنفع نفع ~~الأصدقاء» . # PageV01P025 # وقولهم في وصف متكبر: # «قد أسكرته خمرة الكبر، واستغرقته لذة التيه، كأن كسرى حامل غاشيته، ~~وقارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته، وكان يوسف لم ينظر إلا بطلعته، ~~وداود لم ينطق إلا بنغمته، ولقمان لم يتكلم إلا بحكمته، والشمس لم تطلع إلا ~~من جبينه، والغمام لم يبد إلا من يمينه» . # وكان من أثر ذلك أن أصبح هذا العصر غنيا جدا بالتعابير الوصفية الرائعة ~~فى أكثر أبواب الوصف. ومن ذا الذى يرتاب في جمال قولهم في وصف النثر والنظم ~~مما اختاره صاحب زهر الآداب: # نثر كنثر الورد، ونظم كنظم العقد. # نثر كالسحر أو أدق، ونظم كالماء أو أرق. # رسالة كالروضة الأنيقة، وقصيدة كالمخدرة الرشيقة. # نثر كما تفتح الزهر، ونظم كما تنفس السحر. # وقولهم في أوصاف النساء: # هى روضة الحسن، وضرة الشمس، وبدر الأرض. # هى من وجهها في صباح شامس، ومن شعرها في ليل دامس، كأنها فلقة قمر على ~~برج فضة. # بدر التم يضىء تحت نقابها، وغصن البان يهتز تحت ثيابها. # لها عنق كإبريق اللجين، وسرة كمدهن العاج. # مطلع الشمس من وجهها، ونبت الدر من فمها، وملقط الورد من خدها، ومنبع ~~السحر من طرفها، ومبادى الليل من شعرها، ومغرس الغصن من قدها، ومهيل الرمل ~~من ردفها ... إلخ. # PageV01P026 # وقولهم في صفات الغلمان: # جاءنا في غلالة تنم على ما يستره، وتحنو مع رقتها على ms012 ما يظهره. # الجنة مجتناة من قربه، وماء الجمال يترقرق في خده، ومحاسن الربيع بين ~~سحره ونحره، والقمر فضلة من حسنه. # له طرة كالغسق، على غرة كالفلق. # الحسن ما فوق أزراره، والطيب ما تحت إزاره. # هو قمر في التصوير، وشمس في التأثير. # وجه بماء الحسن مغسول، وطرف عرود السحر مكحول شادن فاتر طرفه، ساحر لفظه، ~~تكاد القلوب تأكله، والعيون تشربه. # السحر في ألحاظه، والشهد في ألفاظه.. إلخ. # ولقد ظلت هذه التعابير الوصفية منبعا يستقى منه الكتاب إلى العصر الحديث، ~~والنقاد في مصر أعجبوا بقول حافظ إبراهيم في وصف الصهباء: # خمرة قيل إنهم عصروها ... من خدود الملاح في يوم عرس # وهو خيال سبق إليه كتاب القرن الرابع، وردده ابن خفاجة إذ قال: # وشربتها عذراء تحسب أنها ... معصورة من وجنتى عذراء # وقد ظن أستاذنا الدكتور طه حسين أن حافظ إبراهيم أول من ألم بهذا «1» ~~الخيال فنقده وسفهه حين عرض لنقد ترجمة البؤساء. فلينقل المعركة إذن إلى ~~ميدان القرن الرابع، وإن كنت لا أدرى كيف يعاف الشراب المعصور من خدود ~~الملاح. # وكذلك أعجب النقاد بقول السيد توفيق البكرى في وصف النساء «صدور ~~كالإغريض، أو صدور البزاة البيض» # PageV01P027 # وهي عبارة مأخوذة من قول الثعالبى في وصف آثار السرى الرفاء: # «كأنها أطواق الحمام، وصدور البزاة البيض، وأجنحة الطواويس، وسوالف ~~الغزلان، ونهود العذارى الحسان، وغمزات الحدق الملاح» وكذلك يمكن رد أكثر ~~التعابير الوصفية التي يغرم بها كتاب الصنعة في العصر الحاضر من امثال ~~الأساتذة: صادق عنبر، ومحمد السباعى، ومحمد هلال وكان القرن الرابع يؤدى ~~للقرون التي تلته ما أخذه عن القرون التى سبقته، فقد كان كتابه مولعين بحل ~~الشعر لا يرون معنى بديعا، ولا حيالا طريفا إلا اقتبسوه، وأضافوه إلى ~~ثروتهم النثرية وقد أشاع كتاب القرن الرابع نظرية (الفن للفن) وإن لم ~~يدركوا ما لهذه النظرية من الأوضاع والتقاليد؛ فقد عودوا القراء تذوق ~~الكتابة البديعة، وحببو إليهم النثر المصنوع، فأصبح المتأدبون يتأملون ~~مواقع الألفاظ وقرار التراكيب، وصارت فنون البديع من تورية وجناس وطباق ~~أصولا فنية يجد القارىء ms013 لذة ومتعة حين يراها وقعت موقعا حسنا وأصابت الغرض ~~الذى وضعت له، ولو كان غرضا لفظيا لا يتوقف عليه تمام المعنى المقصود ولكن ~~أليس لهذا الزخرف قيمة في فهم ذلك العصر؟ بلى، إنه يدلنا على أن أولئك ~~الناس عرفوا لغتهم معرفة جيدة، ووقفوا على أسرارها وطرائق تعبيرها، وكان ~~همهم أن يرتبوا الألفاظ والمعانى والتعابير والأخيلة، حتى استطاع كاتبهم أن ~~يحشر أرباب الصناعات في صعيد واحد ثم ينطقهم بأسرار البلاغة، كل على طريقته ~~وبأسلوبه الذى يختاره في مقر مهنته ومهد عمله. وما نحسب كتاب القرون الأولى ~~مثلا كانوا يفكرون في جمع شتات اللغة لتصبح طوع أفكارهم وأقلامهم، وإنما ~~كانوا قوما يكتفون في سبيل الوصول إلى أغراضهم بالعبارة # PageV01P028 # الواضحة الموجزة التي يفهمها عامة الناس وخاصتهم. أما كتاب هذا القرن فقد ~~أصبحوا في حاجة إلى صفوة تقرأ لهم وتفهم عنهم؛ إذ أصبح خيالهم قويا، ولغتهم ~~غنية، لا يدرك أسرارها الجمهور؛ فليس كل قارىء ولا كل سامع بمستطيع أن ~~يتذوق تشبيه الخط الجميل بأزهار الربيع، والألفاظ بقلائد النحر، والمعانى ~~بلآلىء، ولا أن يدرك كيف تتمنى كل جارحة أن تكون أذنا تلتقط درر الكلام ~~وجواهره، أو عينا تجتلى مطالعه ومناظره، أو لسانا يدرس محاسنه ومفاخره إذن ~~فالصنعة التي عرف بها كتاب القرن الرابع لها وجهان: وجه جميل يدل على حذقهم ~~وبراعتهم، ووجه آخر يدل على بعدهم من غاية البيان وهي الوضوح، إذ كان ~~الإغراق في الصنعة بابا من الغموض ومن أهم الجوانب التي تمثل الحياة ~~العقلية في ذلك العصر الخصومات العنيفة التى قامت بين الكتاب؛ فقد كانت ~~بينهم مناوشات ومجادلات نشأت عن أطماعهم فى الحياة المادية، وكانوا يمثلون ~~غالبا طوائف من الأفكار الدينية والسياسية يقومون في الدفاع عنها بما تقوم ~~به الجرائد المغرضة في العصر الحاضر، وكان لهم من القوة ما كان للشعراء؛ ~~فلم يكن بد من أن يتنافس أصحاب الملك في تقريبهم، ولم يكن بد كذلك من أن ~~يتنافس هؤلاء في الاستئثار بالحظوة عند الوزراء والرؤساء والملوك وفي ~~الرسالة التي كتبها بديع الزمان إلى ms014 أبى نصر بن المرزبان فقرات مرة تمثل ما ~~كان عليه كتاب ذلك العصر من الطمع في المناصب الرسمية ومن ضعف الخلق عند ~~الغنى، ومن النبل عند الفقر: إذ «تنسيهم أيام اللدونة، أوقات الخشونة، ~~وأزمان العذوبة، ساعات الصعوبة» وقد كانوا كما قال: «ما اتسعت دورهم، إلا ~~ضاقت صدورهم، ولا أوقدت نارهم إلا انطفأ نورهم، ولا زاد مالهم إلا # PageV01P029 # معروفهم، ولا ورمت أكياسهم إلا ورمت أنوفهم، ولا صلحت أحوالهم، إلا فسدت ~~أعمالهم، ولا فاض جاههم، إلا غاضت مياههم، ولا لانت برودهم، إلا صلبت ~~خدودهم» «1» وفي تلك المنافسات الشديدة، وتلك الدسائس الملعونة، التى كانت ~~تقع بين الكتاب، دليل على جشعهم في حب الحياة، وفهمهم لها فهما ماديا ~~يتناسب مع تلك العبقريات الغنية التي ظهرت في فقرهم ورسائلهم وأبحاثهم؛ ~~فإنه من المؤلم أن تظل قوة الحقد ويقظة الأثرة، وشدة العداوة، فى كل عصر من ~~السمات الغالبة على كبار الكتاب، ومن النادر أن تجد كاتبا كريما يعطف على ~~زملائه، ويحب لهم الخير، ويتمنى لهم السداد. وقديما أفزعت هذه الظاهرة عبد ~~الحميد بن يحيى- وكان رجلا نبيلا- فكتب وصيته المعروفة يدعو بها الكتاب إلى ~~التعاون ونبذ الأحقاد، وفى أيامنا تبعث تلك الشمائل من جديد؛ فلا نجد كاتبا ~~في العالم العربى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بحيث نظن أن شبوب العبقرية يوحى ~~بالطمع، والاستبداد بالفضل، والاستئثار بالجاه وأهم الخصومات التي وقعت بين ~~كتاب ذلك العصر خصومة الهمذانى والخوارزمى، وخصومة التوحيدى والصاحب بن ~~عباد أما خصومة الهمذانى والخوارزمى فترجع إلى رغبة الهمذانى في الظهور، ~~وطمعه في الانفراد بالشهرة، وأهم مصدر لهذه الخصومة الرسالة المطولة التي ~~كتبها الهمذانى في وصف المناظرة التي قامت بينه وبين الخوارزمى، وهي رسالة ~~مغرضة مملوءة بالتحامل والصغرنة، وليس فيها أفكار حدية تجعل خصومة بين ~~عقلين، إنما هي محاورات لفظية تدل على غلبة الزخرف وتمكنه في السيطرة على ~~عقول أهل # PageV01P030 # ذلك الجيل. ولو أن الخوارزمى دون بدوره تلك المناظرة لرأينا وجهين في بسط ~~ذلك الحادث الأدبى، واستطعنا أن نستخلص من مقابلة النصين نفس الرجلين، ولكن ~~الهمذانى تكلم ms015 وحده؛ فعرفنا فقط مبلغ زهوه وكبريائه وطمعه في كبت كاتب كان ~~يومئذ على رأس الكاتبين. # أما خصومة التوحيدى لابن عباد فترجع فيما ذكر كتاب التراجم إلى سبب مادى، ~~وذلك أن التوحيدى رغب في مال ابن عباد وجاهه، فضاق عنه صدر هذا، فكتب ~~التوحيدى كتابه «أخلاق الوزيرين» وهو كتاب جارح كشف به عورات ابن العميد ~~وابن عباد. ثم عاد إليهما بالتجريح أيضا في كتابه «الإمتاع والمؤانسة» ~~وأسلوبه في الهجاء أسلوب خطر فظيع؛ إذ يختلق الحوادث والإشارات وينطفهما ~~برسائل ومقطوعات تهوى بهما إلى الحضيض. ويعتبر التوحيدى من الوجهة الفنية ~~رجلا خصب الذهن، غنى اللغة، وافر المحصول، قوى الخيال. # وقد تنبه المتأدبون إلى تحامل التوحيدى وإسرافه في التعصب والتحامل وشاع ~~الاعتقاد بأن كتابه «أخلاق الوزيرين» كتاب مشئوم، لا يملكه أحد إلا انعكست ~~أحواله، ويذكر ابن خلكان أنه جرب هذا وجر به من يثق به «1» فإذا صح هذا ~~الوهم كان التوحيدى قد عوقب على بغيه وظلمه وبهتانه؛ فقد أنظر الصاحب بن ~~عباد بعبارات مخجلة يندى لها وجه القارى، وينفر منها الطبع والذوق، وإن ~~كانت وضعت بأسلوب شائق خلاب. # PageV01P031 # تلك، أيها القارىء، كلمة وحيزة أقدم بها الطبعة الثانية، راجيا أن تكون ~~كافية في وصف الاتجاهات الفنية والعقلية التي عمل في ظلالها مؤلف زهر ~~الآداب، وإنى لآمل أن يكون في هذه الطبعة من آثار الجهد والحرص على الصواب ~~بعض ما يجب في خدمة الأدب العربى الذى أصبح إحياؤه ونشره من أظهر محامد مصر ~~فى العصر الحديث؟ # زكى مبارك مصر الجديدة في 15 نوفمبر سنة 1929 # PageV01P032 ### | مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم* # الحمد لله الذى اختص الإنسان بفضيلة البيان، وصلى الله على محمد خاتم ~~النبيين، المرسل بالنور المبين، والكتاب المستبين، الذى يحدى الخلق أن ~~يأتوا بمثله فعجزوا عنه، وأقروا بفضله، وعلى آله وسلم تسليما كثيرا. # وبعد؛ فهذا كتاب اخترت فيه قطعة كاملة من البلاغات؛ فى الشعر والخبر، ~~والفصول والفقر «1» ، مما حسن لفظه ومعناه، واستدل بفحواه على مغزاه «2» ، ~~ولم يكن شاردا حوشيا «3» ، ولا ساقطا سوقيا «4» ، بل كان جميع ms016 ما فيه، من ~~ألفاظه ومعانيه، كما قال البحترى «5» : # فى نظام من البلاغة ما ش ... ك امرؤ أنه نظام فريد «6» # حزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجنبن ظلمة التعقيد # وركبن اللفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المراد البعيد # ولم أذهب في هذا الاختيار، إلى مطولات الأخبار، كأحاديث صعصعة # PageV01P033 # ابن صوحان «1» ، وخالد بن صفوان «2» ، ونظائرهما؛ إذ كانت هذه أجمل لفظا، ~~وأسهل حفظا. # وهو كتاب يتصرف الناظر فيه من نثره إلى شعره، ومطبوعه إلى مصنوعه، ~~ومحاورته إلى مفاخرته، ومناقلته «3» إلى مساجلته «4» ، وخطابه المبهت «5» ~~إلى جوابه المسكت، وتشبيهاته المصيبة إلى اختراعاته الغريبة، وأوصافه ~~الباهرة إلى أمثاله السائرة، وجده المعجب «6» إلى هزله المطرب، وجز له ~~الرائع إلى رقيقه البارع. # وقد نزعت فيما جمعت عن ترتيب البيوت «7» ، وعن إبعاد الشكل عن شكله، ~~وإفراد الشىء من مثله؛ فجعلت بعضه مسلسلا «8» ، وتركت بعضه مرسلا «9» ؛ ~~ليحصل محرر النقد «10» ، مقدر السرد «11» ؛ وقد أخذ بطر في التأليف، واشتمل ~~على حاشيتى التصنيف؛ وقد بعز المعنى، فألحق الشكل بنظائره، وأعلق الأول ~~بآخره، وتبقى منه بقية أفرقها فى سائره «12» ليسلم من التطويل الممل، ~~والتقصير المخل، وتظهر في التجميع إفادة الاجتماع؛ وفى التفريق لذاذة # PageV01P034 # الإمتاع، فيكمل منه ما يونق القلوب والأسماع «1» ؛ إذ كان الخروج من جد ~~إلى هزل، ومن حزن إلى سهل «2» أنفى للكلل «3» ، وأبعد من الملل؛ وقد قال ~~إسماعيل بن القاسم [هو أبو العتاهية] «4» : # لا يصلح النفس إذ كانت مدابرة ... إلا التنقل من حال إلى حال «5» # وكان السبب الذى دعانى إلى تأليفه، وندبنى إلى تصنيفه، ما رأيته من رغبة ~~أبى الفضل العباس بن سليمان- أطال الله مدته، وأدام نعمته! - فى الأدب «6» ~~، وإنفاق عمره في الطلب وماله في الكتب؛ وأن اجتهاده في ذلك حمله على أن ~~ارتحل إلى المشرق بسببها، وأغمض في طلبها «7» ، باذلا في ذلك ماله، مستعذبا ~~فيه تعبه، إلى أن أورد من كلام بلغاء عصره، وفصحاء دهره، طرائف طريفة، ~~وغرائب غريبة، وسألنى أن أجمع له من مختارها كتابا يكتفى به عن جملتها، ~~وأضيف إلى ذلك من كلام المتقدمين ما قار به وقارنه، وشابهه وماثله؛ فسارعت ~~إلى ms017 مراده، وأعنته على اجتهاده، وألفت له هذا الكتاب، ليستغنى به عن جميع ~~كتب الآداب؛ إذ كان موشحا من بدائع البديع «8» ، ولآلىء الميكالى، وشهى ~~الخوارزمى، وغرائب الصاحب، ونفيس قابوس، وشذور أبى منصور «9» بكلام يمتزج ~~بأجزاء النفس لطافة، وبالهواء رقة، وبالماء عذوبة. # PageV01P035 # وليس لى في تأليفه من الافتخار، أكثر من حسن الاختيار؛ واختيار المرء ~~قطعة من عقله، تدل على تخلفه أو فضله؛ ولا شك- إن شاء الله- فى استجادة ما ~~استجدت، واستحسان ما أوردت؛ إذ كان معلوما أنه ما انجذبت نفس، ولا اجتمع ~~حس، ولا مال سر، ولا جال فكر، فى أفضل من معنى لطيف، ظهر فى لفظ شريف؛ ~~فكساه من حسن الموقع، قبولا لا يدفع، وأبرزه يختال من صفاء السبك [ونقاء ~~السلك] وصحة الديباجة، وكثرة المائية، فى أجمل حلة، وأجلى حلية: # يستنبط الروح اللطيف نسيمه ... أرجا، ويؤكل بالضمير ويشرب «1» # وقد رغبت في التجافى عن المشهور، فى جميع المذكور، من الأسلوب الذى ذهبت ~~إليه، والنحو الذى عولت عليه؛ لأن أول ما يقرع الآذان، أدعى إلى الاستحسان، ~~مما مجته «2» النفوس لطول تكراره، ولفظته «3» العقول لكثرة استمراره؛ فوجدت ~~ذلك يتعذر ولا يتيسر، ويمتنع ولا يتسع «4» ؛ ويوجب ترك ما ندر إذا اشتهر؛ ~~وهذا يوجب في التصنيف دخلا «5» ، ويكسب التأليف خللا؛ فلم أعرض إلا عما ~~أهانه الاستعمال، وأذاله الابتذال «6» ؛ والمعنى إذا استدعى القلوب إلى ~~حفظه، ما ظهر من مستحسن لفظه؛ من بارع عبارة «7» ، وناصع استعارة، وعذوبة ~~مورد، وسهوله مقصد، وحسن تفصيل، وإصابة تمثيل؛ وتطابق أنحاء، وتجانس أجزاء، ~~وتمكن ترتيب، ولطافة تهذيب، مع صحة طبع وجودة إيضاح، يثقفه تثقيف القداح، ~~ويصوره أفضل تصوير، ويقدره أكمل تقدير؛ فهو مشرق # PageV01P036 # فى جوانب السمع، لا يخلقه عوده على المستعيد «1» : # وهو المشيع بالمسامع إن مضى ... وهو المضاعف حسنه إن كررا # وإن كنت قد استدركت على كثير ممن سبقنى إلى مثل ما جريت إليه، واقتصرت في ~~هذا الكتاب عليه، لملح أوردتها كنوافث السحر «2» ؛ وفقر نظمتها كالغنى بعد ~~الفقر، من ألفاظ أهل العصر، فى محلول النثر، ومعقود الشعر؛ وفيهم من أدركته ~~بعمرى، أو لحقه أهل ms018 دهرى؛ ولهم من لطائف الابتداع، وتوليدات الاختراع، ~~أبكار لم تفترعها الأسماع «3» ، يصبو إليها القلب والطرف، ويقطر منها ماء ~~الملاحة والظرف، وتمتزج بأجزاء النفس، وتسترجع نافر الأنس، تخللت تضاعيفه، ~~ووشحت تأليفه، وطرزت ديباجه، ورصعت تاجه، ونظمت عقوده، ورقمت بروده؛ فنورها ~~يرف، ونورها يشف، فى روض من الكلم مونق، ورونق من الحكم مشرق: # صفا ونفى عنه القذى فكانه ... إذا ما استشفته العيون مصعد «4» # فهو كما قلت: # بديع نثر رق حتى غدا ... يجرى مع الروح كما تجرى # من مذهب الوشى على وجهه ... ديباجة ليست من الشعر «5» # كزهرة الدنيا وقد أقبلت ... ترود في رونقها النضر «6» # أو كالنسيم الغض غب الحيا ... يختال في أردية الفجر «7» # ولعل في كثير مما تركت، ما هو أجود من قليل مما أدركت؛ إذ كان اقتصارا من ~~كل على بعض، ومن فيض على برض «8» ؛ ولكنى اجتهدت في اختيار # PageV01P037 # ما وجدت؛ وقد تدخل اللفظة في شفاعة اللفظات، ويمر البيت في خلال الأبيات، ~~وتعرض الحكاية في عرض الحكايات، يتم بها المعنى المراد، وليست مما يستجاد، ~~ويبعث عليها فرط الضرورة إليها [فى إصلاح خلل] ؛ فمهما تره من ذلك في هذا ~~الاختيار، فلا تعرض عنه بطرف الإنكار؛ وما أقل ذلك في جميع المسالك الجارية ~~فى هذا الكتاب، الموسوم ب «زهر الآداب، وثمر الألباب» لكنى أردت أن أشارك ~~من يخرج من ضيق الاغترار، إلى فسحة الاعتذار: # ويسىء بالإحسان ظنا، لا كمن ... يأتيك وهو بشعره مفتون «1» # والله المؤيد والمسدد، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ### | [إن من البيان لسحرا] ### | [الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم بين يدي رسول الله] # روى عن عبد الله بن عباس- رضوان الله عليهما! - قال: # وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبر قان بن بدر وعمرو بن الأهتم؛ ~~فقال الزبرقان: يا رسول الله! أنا سيد تميم، والمطاع فيهم، والمجاب منهم، ~~آخذ لهم بحقهم، وأمنعهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك- يعنى عمرا. # فقال عمرو: أجل يا رسول الله؛ إنه مانع لحوزته «2» ، مطاع في عشيرته، ~~شديد العارضة فيهم «3» . # فقال الزبرقان: أما إنه والله قد علم أكثر مما ms019 قال، ولكنه حسدنى شرفى! ~~فقال عمرو: أما لئن قال ما قال؛ فو الله ما علمته إلا ضيق العطن «4» ، زمر ~~المروءة «5» ، أحمق الأب، لئيم الخال، حديث الغنى. # PageV01P038 # فرأى الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اختلف قوله؛ فقال: ~~يا رسول الله؛ رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت ~~في الأولى، ولقد صدقت في الثانية! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة. ويروى لحكما، والأول أصح. # والذى روى أهل الثبت، من هذا الحديث أنه قدم رجلان من أهل المشرق فخطبا؛ ~~فعجب الناس لبيانهما؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان ~~لسحرا، أو إن من بعض البيان لسحرا «1» . ### | ترجمة عمرو بن الأهتم # وعمرو بن الأهتم هو: عمرو بن سنان بن سمى [بن سنان بن خالد] ابن منقر ابن ~~عبيد بن الحارث، والحارث هو: مقاعس بن عمرو بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن ~~تميم. وسمى سنان الأهتم لأن قيس بن عاصم المنقرى سيد أهل الوبر ضربه بقوسه ~~فهتم فاه. هذا قول أبى محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة. وقال غيره: بل هتم ~~فوه يوم الكلاب الثانى، وهو يوم كان لبنى تميم على أهل اليمن. وكان عمرو ~~يلقب المكحل لجماله، وبنو الأهتم أهل بيت بلاغة في الجاهلية والإسلام. وعبد ~~الله بن عمرو بن الأهتم هو جد خالد ابن صفوان وشبيب بن شيبة. وكان يقال: ~~الخطابة في آل عمرو، وكان شعره حللا منشرة عند الملوك تأخذ منه ما شاءت. ~~وهو القائل: # ذرينى فإن البخل يا أم مالك ... لصالح أخلاق الرجال سروق # لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق «2» ### | ترجمة الزبرقان ابن بدر # والزبرقان: اسمه حصين بن بدر بن امرئ القيس [بن الحارث] بن # PageV01P039 # بهدلة بن عوف بن كعب بن سعيد. وسمى الزبرقان لجماله؛ والزبرقان: # القمر [قبل تمامه] وقيل: لأنه كان يزبرق عمامته، أى يصفرها في الحرب. # وكانوا يسمون الكلام الغريب «السحر الحلال» ms020 ، ويقولون: اللفظ الجميل من ~~إحدى النفثات في العقد «1» . ### | عمر بن عبد العزيز وغلام يتقدم وفد قومه # وذكر بعض الرواة أنه لما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قدم عليه ~~وفود أهل كل بلد؛ فتقدم إليه وفد أهل الحجاز، فاشرأب، منهم غلام للكلام «2» ~~، فقال عمر: يا غلام؛ ليتكلم من هو أسن منك! فقال الغلام: # يا أمير المؤمنين! إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبده ~~لسانا لافظا، وقلبا حافظا، فقد أجاد له الاختيار؛ ولو أن الأمور بالسن لكان ~~هاهنا. # من هو أحق بمجلسك منك. # فقال عمر: صدقت، تكلم؛ فهذا السحر الحلال! فقال: يا أمير المؤمنين، نحن ~~وفد التهنئة لا وفد المرزئة «3» ، ولم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة؛ لأنا قد ~~أمنا في أيامك ما خفنا، وأدركنا ما طلبنا! فسأل عمر عن سن الغلام، فقيل: ~~عشر سنين. # وقد روى أن محمد بن كعب القرظى كان حاضرا، فنظر وجه عمر قد تهلل عند ثناء ~~الغلام عليه؛ فقال: يا أمير المؤمنين؛ لا يغلبن جهل القوم بك معرفتك بنفسك؛ ~~فإن قوما خدعهم الثناء، وغرهم الشكر، فزلت أقدامهم، فهووا في النار «4» . ~~أعاذك الله أن تكون منهم، وألحقك بسالف هذه الأمة؛ فبكى عمر حتى خيف عليه، ~~وقال: اللهم لا تخلنا من واعظ! # PageV01P040 # وقد روى أن عمر قال للغلام: عظنى، فقال هذا الكلام، وفيه زيادة يسيرة ~~ونقص وأخذ قول عمر: «هذا السحر الحلال» أبو تمام فقال يعاتب أبا سعيد محمد ~~بن يوسف الطائى: # إذا ما الحاجة انبعثت يداها ... جعلت المنع منك لها عقالا # فأين قصائد لى فيك تأبى ... وتأنف أن أهان وأن أذالا # هى السحر الحلال لمجتليه ... ولم أر قبلها سحرا حلالا ### | من ابن العميد إلى بعض إخوانه # وكتب أبو الفضل بن العميد «1» إلى بعض إخوانه جوابا عن كتاب ورد إليه ~~[فأحمده] : # وصل ما وصلتنى به، جعلنى الله فداك، من كتابك، بل نعمتك التامة، ومنتك ~~العامة؛ فقرت عينى بوروده، وشفيت نفسى بوفوده، ونشرته فحكى نسيم الرياض غب ~~المطر، وتنفس الأنوار «2» فى السحر، وتأملت مفتتحه، وما اشتمل ms021 عليه من ~~لطائف كلمك، وبدائع حكمك؛ فوجدته قد تحمل من فنون البر عنك، وضروب الفضل ~~منك، جدا وهزلا، ملأ عينى، وعمر قلبى، وغلب فكرى، وبهر لبى؛ فبقيت لا أدرى: ~~أسموط ذر خصصتنى بها، أم عقود جوهر منحتنيها؟ كما لا أدرى أبكرا زففتها ~~فيه، أم روضة جهزتها منه؛ ولا أدرى أخدودا ضرجت حياء ضمنته؛ أم نجوما طلعت ~~عشاء أودعته؛ ولا أدرى أجدك أبلغ وألطف، أم هزلك أرفع وأظرف؛ وأنا أوكل ~~بتتبع ما انطوى عليه نفسا لا ترى الحظ إلا ما اقتنته منه، ولا تعد الفضل ~~إلا فيما أخذته عنه، وأمتع بتأمله عينا لا تقر إلا بمثله، مما يصدر عن يدك، ~~ويرد من عندك، وأعطيه نظرا لا يمله، وطرفا لا يطرف دونه، وأجعله مثالا ~~أرتسمه وأحتذيه، # PageV01P041 # وأمتع خلقى برونقه، وأغذى نفسى ببهجته، وأمزج قريحتى برقته، وأشرح صدرى ~~بقراءته، ولئن كنت عن تحصيل ما قلته عاجزا، وفي تعديد ما ذكرته متخلفا؛ لقد ~~عرفت أنه ما سمعت به من السحر الحلال. ### | من وصف الكلام بالسحر # وقال بعض المحدثين يمدح كاتبا: # وإذا جرى قلم له في مهرق ... عجلان في رفلانه ووجيفه «1» # نظمت مراشفه قلائد نظمت ... بنفيس جوهر لفظه وشريفه # بدعا من السحر الحلال تولدت ... عن ذهن مصقول الذكاء مشوفه «2» # مثلا لضاربه وزاد مسافر ... جعلت وتحفة قادم لأليفه ### | وصف رجل محبوبه # وعلى ذكر قوله «وتحفة قادم» قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: وصف رجل رجلا ~~فقال: كان والله سمحا سهلا، كأنما بينه وبين القلوب نسب، أو بينه وبين ~~الحياة سبب، إنما هو عيادة مريض، وتحفة قادم، وواسطة عقد. ### | عود إلى وصف الكلام بالسحر # وأخذ بعض بنى العباس رجلا طالبيا، فهم بعقوبته، فقال الطالبى: والله لولا ~~أن أفسد دينى بفساد دنياك لملكت من لسانى أكثر مما ملكت من سوطك، والله إن ~~كلامى لفوق الشعر، ودون السحر، وإن أيسره ليثقب الخردل، ويحط الجندل. # وقال على بن العباس «3» يصف حديث امرأة: # وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز «4» # إن طال لم يملل، وإن هي أو جزت ... ود ms022 المحدث أنها لم توجز # شرك العقول، ونزهة ما مثلها ... للمطمئن، وعقلة المستوفز «5» # PageV01P042 # ألم في بيته الآخر بقول الطائى: # كواعب أتراب لغيداء أصبحت ... وليس لها في الحسن شكل ولا ترب «1» # لها منظر قيد النواظر لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب «2» # وأول من استثار هذا المعنى امرؤ القيس بن حجر الكندى في قوله: # وقد أغتدى والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل «3» # وقالت علية بنت المهدى: # اشرب على ذكر الغزال ... الأغيد الحلو الدلال # اشرب عليه وقل له: ... يا غل ألباب الرجال «4» ### | علية بنت المهدي أخت الرشيد # وكانت علية لطيفة المعنى، رقيقة الشعر، حسنة مجارى الكلام، ولها ألحان ~~حسان، وعلقت بغلام اسمه «رشأ» وفيه تقول: # أضحى الفؤاد بزينبا ... صبا كئيبا متعبا # فجعلت زينب سترة ... وكتمت أمرا معجبا # [قولها: بزينب تريد برشأ] . # فنمى الأمر إلى أخيها الرشيد، فأبعده، وقيل: قتله، وغلقت بعده بغلام اسمه ~~«طل» ، فقال لها الرشيد: والله لئن ذكرته لأقتلنك! فدخل عليها يوما # PageV01P043 # على حين غفلة وهي تقرأ: فإن لم يصبها وابل فما نهى عنه أمير المؤمنين، ~~فضحك، وقال: ولا كل هذا، وهى القائلة: # يا عاذلى قد كنت قبلك عاذلا ... حتى ابتليت فصرت صبا ذاهلا # الحب أول ما يكون مجانة ... فإذا تحكم صار شغلا شاغلا «1» # [أرضى فيغضب قاتلى فتعجبوا ... يرضي القتيل ولا يرضى القاتلا] # وهي القائلة: # وضع الحب على الجور، فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج «2» # [وقليل الحب صرفا خالصا ... لك خير من كثير قد مزج] # ليس يستحسن في نعت الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج ### | أشباه لشعر علية بنت المهدي # وكأنها ذهبت في الأول إلى قول العباس بن الأحنف: # وأحسن أيام الهوى يومك الذى ... تروع بالهجران فيه وبالعتب # إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا ... فأين حلاوات الرسائل والكتب # وقد زاد النميرى في هذا فقال: # راحتى في مقالة العذال ... وشفائى في قيلهم بعد قال # لا يطيب الهوى ولا يحسن الحب ... لصب إلا بخمس خصال # بسماع الأذى، وعذل نصيح، ... وعتاب، وهجرة، وتقال «3» # وقال بعض المحدثين: # لولا اطراد الصيد لم تك لذة ... فتطاردى ms023 لى في الوصال قليلا «4» # هذا الشراب أخو الحياة وماله ... من لذة حتى يصيب غليلا «5» # PageV01P044 # وقال آخر: # دع الصب يصلى بالأذى من حبيبه ... فإن الأذى ممن تحب سرور «1» # غبار قطيع الشاء في عين ذئبها ... إذا ما تلا آثارهن ذرور «2» # وأنشد الأصمعى [لجميل بن معمر العذرى] «3» : # لا خير في الحب وقفا لا تحركه ... عواض اليأس أو يرتاحه الطمع # لو كان لى صبرها أو عندها جزعى ... لكنت أملك ما آتى وما أدع # إذا دعا باسمها داع ليحزننى ... كادت له شعبة من مهجتى تقع «4» # وهذا البيت كقول على بن العباس الرومى: # لا تكثرن ملامة العشاق ... فكفاهم بالوجد والأشواق # إن البلاء يطاق غير مضاعف ... فإذا تضاعف كان غير مطاق # لا تطفئن جوى بلوم؛ إنه ... كالريح تغرى النار بالإحراق # ويشبه بيت علية الآخر بيت أنشد في شعر روى لأبى نواس، ورواه قوم لعنان ~~جارية الناطفى «5» وهو: # حلو العتاب يهيجه الإدلال ... لم يحل إلا بالعتاب وصال # لم يهو قط ولم يسم بعاشق ... من كان يصرف وجهه التعذال «6» # PageV01P045 # وجميع أسباب الغرام يسيرة ... ما لم يكن غدر ولا استبدال # تصف القضيب على الكثيب قناتها ... ولها من البدر المنير مثال # ولرب لابسة قناع ملاحة ... حسناء سار بحسنها الأمثال # كست الحداثة ظرفها وجمالها ... نورا فماء شبابها يختال «1» # وكأنها والكأس فوق بنانها ... شمس يمد بها إليك هلال # حتى إذا ما استأنست بحديثها ... وتكلمت بلسانها الجريال «2» # قلنا لها: إن صدقت أقوالها ... أفعالها وجرى بهن الفال # قولى فليس تراك عين نميمة ... حضر النصيح وغابت العذال # وضمير ما اشتملت عليه ضلوعنا ... سر لدى أبوابه أقفال ### | ما قيل في معنى قيد الأوابد # وقد أخذ أبو الطيب المتنبى معنى «قيد الأوابد» ، فقال يصف كلبا: # نيل المنى وحكم نفس المرسل ... وعقلة الظبى وحتف التتفل «3» # كأنه من علمه بالمقتل ... علم بقراط فصاد الأكحل «4» # وقال في بنى حمدان: # متصعلكين على كثافة ملكهم ... متواضعين على عظيم الشان «5» # يتقبلون ظلال كل مطهم ... أجل الظليم وربقة السرحان «6» # وقال أعرابى يصف فرسا: إنه لدرك الطالب، ومنجى الهارب، وقيد الرهان، وزين ~~الفناء. # PageV01P046 # وقال بعض أهل ms024 العصر في وصف غلام: وجهه قيد الأبصار، وأمد الأفكار، ونهاية ~~الاعتبار. # وقال أبو القاسم إسماعيل بن عباد «1» : # وقد أغتدى للصيد غدوة أصيد ... أعاجل فيها الوحش والوحش هجد «2» # فعنت ظباء خفن تحتى مطلق اليدين ... به أيدى الوحوش تقيد «3» # فأدركتها والسيف لمعة بارق ... ولم يغنها إحضارها حين تجهد «4» # وقد رعتها إذ كان شعرى رائعا ... وطرف مشيبى عن عذارى أرمد «5» # وما بلغت حد الثلاثين مدتى ... وهذا طراز الشيب فيه يمدد «6» # وأبيات ابن الرومى من أجود ما قيل في حسن الحديث، وقد توسع الشعراء فى ~~هذا الباب، وكثر إحسانهم، كما كثر افتنانهم، وسأجرى شأوا في محتار ما قيل ~~في ذلك، وأعود إلى ما بدأت به. ### | ما يستملح مما قيل في حسن الحديث # قال القطامى- واسمه عمير بن شييم التغلبى «7» ، وسمى القطامى لقوله: # يحطهن جانبا فجانبا ... حط القطامى القطا القواربا «8» # وقال أبو عبيدة: ويقال للصقر قطامى وقطامى: # وفي الخدور غمامات برقن لنا ... حتى تصيدننا من كل مصطاد # يقتلننا بحديث ليس يعلمه ... من يتقين ولا مكنونه بادى «9» # PageV01P047 # فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذى الغلة الصادى «1» # وقال أبو حية النميرى، واسمه الهيثم بن الربيع: # وخبرك الواشون أن لن أحبكم ... بلى وستور الله ذات المحارم # وإن دما، لو تعلمين، جنيته ... على الحى جانى مثله غير سالم «2» # أصد وما الصد الذى تعلمينه ... عزاء بكم إلا ابتلاع العلاقم «3» # حياء وتقيا أن تشيع نميمة ... بنا وبكم، أف لأهل النمائم «4» # أما إنه لو كان غيرك أرقلت ... إليه القنا بالراعفات اللهاذم «5» # ولكنه والله ما طل مسلما ... كغر الثنايا واضحات الملاغم «6» # إذا هن ساقطن الأحاديث للفتى ... سقوط حصى المرجان من كف ناظم «7» # PageV01P048 # رمين فأنفذن القلوب، ولا ترى ... دما مائرا إلا جوى في الحيازم «1» # وقال أيضا: # حديث- إذا لم تخش عينا- كأنه ... إذا ساقطته الشهد أو هو أطيب # لو انك تستشفى به بعد سكرة ... من الموت كادت سكرة الموت تذهب # إلى هذا ينظر قول الآخر وإن لم يكن منه: # أقول لأصحابى وهم يعذلوننى ... ودمع جفونى دائم العبرات # بذكر منى نفسى فبلوا، إذا دنا ... خروجى ms025 من الدنيا، جفوف لهاتى «2» # وقال سديف مولى بنى هاشم يصف نساء: # وإذا نطقن تخالهن نواظما ... درا يفصل لؤلؤا مكنونا # وإذا ابتسمن فإنهن غمامة ... أو أقحوان الرمل بات معينا «3» # وإذا طرفن طرفن عن حدق المها ... وفضلنهن محاجرا وجفونا «4» # وكأن أجياد الظباء تمدها ... وخصورهن لطافة ولدونا «5» # وأصح ما رأت العيون محاجرا ... ولهن أمرض ما رأيت عيونا «6» # PageV01P049 # وكأنهن إذا نهضن لحاجة ... ينهضن بالعقدات من يبرينا «1» # وقال الطائى «2» : # تعطيك منطقها فتعلم أنه ... لجنى عذوبته يمر بثغرها # وأظن حبل وصالها لمحبها ... أوهى وأضعف قوة من خصرها # أخذه أبو القاسم بن هانئ «3» ، فقال يمدح جعفر بن على، إلا أنه قلبه ~~فقال: # قد طيب الأفواه طيب ثنائه ... من أجل ذا نجد الثغور عذابا # وكأنما ضرب السماء سرادقا ... بالزاب، أو رفع النجوم قبابا «4» # أرضا وطئت الدر رضراضا بها ... والمسك تربا والرياض جنابا «5» # PageV01P050 # وقال الطائى: # بسطت إليك بنانة أسروعا ... تصف الفراق ومقلة ينبوعا «1» # كادت لعرفان النوى ألفاظها ... من رقة الشكوى تكون دموعا # ومن جيد هذا المعنى وقديمه قول النابغة الذبيانى «2» : # لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد «3» # لرنا للهجتها وطيب حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد # نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السليم إلى وجوه العود «4» # ومن مشهور الكلام قول الآخر: # وكنت إذا ما زرت سعدى بأرضها ... أرى الأرض تطوى لى ويدنو بعيدها # من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها «5» # تحلل أحقادى إذا ما لقيتها ... وترمى بلا جرم على حقودها «6» # وقال بشار: # وكأن رجع حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا # حوراء إن نظرت إلي ... ك سقتك بالعينين خمرا «7» # تنسى الغوى معاده ... وتكون للحكماء ذكرا # وكأنها برد الشراب ... صفا ووافق منك فطرا «8» # PageV01P051 # وكأن تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا # وتخال ما جمعت عليه ... ثيابها ذهبا وعطرا «1» # وسمع بشار قول كثير بن عبد الرحمن «2» : # ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكف تلين # فقال: قاتل الله أبا صخر! يزعم أنها عصا ويعتذر بأنها خيزرانة، ولو قال: # عصا مخ، أو عصا زبد؛ لكان قد هجنها مع ذكر ms026 العصا، هلا قال كما قلت: # ودعجاء المحاجر من معد ... كأن حديثها ثمر الجنان «3» # إذا قامت لحاجتها تثنت ... كأن عظامها من خيزران # وبعد قول كثير: «ألا إنما ليلى عصا خيزرانة» : # تمتع بها ما ساعفتك، ولا يكن ... عليك شجى في الصدر حين تبين # وإن هي أعطتك الليان فإنها ... لآخر من خلانها ستلين # وإن حلفت لا ينقض النأى عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين # وقال البحترى: # ولما التقينا واللوى موعد لنا ... تعجب رائى الدر حسنا ولا قطه # فمن لؤلؤ تجنيه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه # وقال المتنبى: # أمنعمة بالعودة الظبية التى ... بغير ولى كان نائلها الوسمى «4» # ترشفت فاها سحرة فكأننى ... ترشفت حر الوجد من بارد الظلم «5» # PageV01P052 # فتاة تساوى عقدها وكلامها ... ومبسمها الدرى في النثر والنظم # عاد الحديث الأول- قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجى: # حدثنا يوسف بن يعقوب قال: أخبرنى جدى قراءة عليه، عن أبى داود، عن محمد ~~بن عبيد الله، عن أبى إسحاق، عن البراء يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن من الشعر لحكما، وإن من البيان لسحرا» قال أبو القاسم: # هكذا روينا الخبر، وراجعت فيه الشيخ، فقال: نعم، هو: «إن من الشعر لحكما» ~~بضم الحاء وتسكين الكاف، قال: ووجهه عندى إذا روى هكذا: إن من الشعر ما ~~يلزم المقول فيه كلزوم الحكم للمحكوم عليه؛ إصابة للمعنى، وقصدا للصواب وفي ~~هذا يقول أبو تمام: # ولولا سبيل سنها الشعر مادرى ... بغاة العلى من أين تؤتى المكارم «1» # يرى حكمة ما فيه وهو فكاهة ... ويرضى بما يقضى به وهو ظالم # انتهى كلام أبى القاسم. # وقد وجدنا في الشعر أبياتا يجرى على رسمها، ويمضى على حكمها؛ فقد كان بنو ~~أنف الناقة إذا ذكر أحد عند أحد منهم أنف الناقة- فضلا عن أن ينسبهم إليه- ~~اشتد غضبهم عليه؛ فما هو إلا أن قال الحطيئة «2» يمدحهم: # سيرى أمام فإن الأكثرين حصى ... والأطيبين إذا ما ينسبون أبا «3» # PageV01P053 # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا «1» # قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوى بأنف ms027 الناقة الذنبا # فصار أحدهم إذا سئل عن انتسابه لم يبدأ إلا به وأنف الناقة: هو جعفر بن ~~قريع بن عوف بن كعب بن زيد مناة بن تميم. ### | بنو العجلان والنجاشي الحارثي # وكان بنو العجلان يفخرون بهذا الاسم، ويتشرفون بهذا الوسم؛ إذ كان عبد ~~الله بن كعب جدهم إنما سمى العجلان لتعجيله القرى للضيفان؛ وذلك أن حيا من ~~طيىء نزلوا به، فبعث إليهم بقراهم عبدا له، وقال له: اعجل عليهم، ففعل ~~العبد، فأعتقه لعجلته، فقال القوم: ما ينبغى أن يسمى إلا العجلان؛ فسمى ~~بذلك؛ فكان شرفا لهم، حتى قال النجاشى، واسمه قيس بن عمرو بن حرن ابن ~~الحارث بن كعب يهجوهم: # أولئك أخوال اللعين وأسرة الهجين ... ورهط الواهن المتذلل «2» # وما سمى العجلان إلا لقوله ... خذ القعب واحلب أيها العبدوا عجل # فصار الرجل منهم إذا سئل عن نسبه قال: كعبى، ويكنى عن العجلان وزعمت ~~الرواة أن بنى العجلان استعدوا «3» على النجاشى- لما قال هذا الشعر- عمر ~~ابن الخطاب رضي الله عنه، وقالوا: هجانا، قال: وما قال فيكم؟ فأنشدوه قوله: # إذا الله عادى أهل لؤم ورقة ... فعادى بنى العجلان رهط ابن مقبل # فقال: إن الله لا يعادى مسلما، قالوا: فقد قال: # قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل «4» # PageV01P054 # فقال: وددت أن آل الخطاب كانوا كذلك! قالوا: فقد قال: # تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ... وتأكل من عوف بن كعب بن نهشل # فقال: كفى ضياعا من تأكل الكلاب لحمه! قالوا: فقد قال: # ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوراد عن كل منهل «1» # فقال: ذلك أصفى للماء، وأقل للزحام! قالوا: فقد قال: # وما سمى العجلان إلا لقوله ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل # فقال: سيد القوم خادمهم!. # وكان عمر رضي الله عنه أعلم بما في هذا الشعر، ولكنه درأ الحدود بالشبهات ~~«2» وهؤلاء بنو نمير بن عامر بن صعصعة من القوم أحد جمرات العرب وأشرف بيوت ~~قيس بن عيلان بن مضر. وجمرات العرب ثلاثة؛ وإنما سموا بذلك لأنهم متوافرون ~~في أنفسهم، لم يدخلوا معهم غيرهم؛ والتجمير في ms028 كلام العرب: # التجميع، وهم: بنو نمير بن عامر، وبنو الحارث بن كعب، وبنو ضبة بن أد. ~~فطفئت جمرتان، وهما بنوضبة لأنها حالفت الرباب، وبنو الحارث لأنها حالفت ~~مذحج، وبقيت نمير لم تحالف؛ فهى على كثرتها ومنعتها. وكان الرجل منهم إذا ~~قيل له: # ممن أنت؟ قال: نميرى كما ترى! إدلالا بنسبه، وافتخارا بمنصبه، حتى قال ~~جرير ابن [عطية بن] الخطفى لعبيد بن حصين الراعى أحد بنى نمير بن عامر: # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا # كعب وكلاب: ابنا ربيعة بن عامر بن صعصعة؛ فصار الرجل منهم إذا قيل له: # ممن أنت؟ يقول: عامرى، ويكنى عن نمير. # ومرت امرأة بقوم من بنى نمير، فأحدوا النظر إليها، فقال منهم قائل: والله # PageV01P055 # إنها لرشحاء «1» ، فقالت: يا بنى نمير، والله ما امتثلتم فى واحدة من ~~اثنتين، لاقول الله عز وجل: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) # ولا قول الشاعر: # فغض الطرف إنك من نمير ### | شريك بن عبد الله النميرى وابن هبيرة الفزارى # وساير شريك بن عبد الله النميرى يزيد بن عمر بن هبيرة الفزارى، فبرزت ~~بغلة شريك «2» ، فقال له يزيد: غض من لجامها، فقال: إنها مكتوبة أصلح الله ~~الأمير! فضحك، وقال: ما ذهبت حيث أردت وإنما عرض بقوله: «غض من لجامها» ~~بقول جرير: # فغض الطرف إنك من نمير # فعرض له شريك بقول ابن دارة: # لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار «3» ### | الفرزدق يهجوا ابن هبيرة # وبنو فزارة يرمون بإتيان الإبل، ولذلك قال الفرزدق ليزيد بن عبد الملك ~~لما ولى عمر بن هبيرة «4» العراق: # أمير المؤمنين لأنت مرء ... أمين لست بالطبع الحريص # أوليت العراق ورافديه ... فزاريا أحذ يد القميص «5» # ولم يك قبلها راعى مخاض ... ليأمنه على وركى قلوص «6» # PageV01P056 # تفيهق بالعراق أبو المثنى ... وعلم قومه أكل الخبيص «1» # الرافدان: دجلة والفرات. ### | بعض النميريين يجيب جريرا عن شعره # وقال بعض النميريين يجيب جريرا عن شعره: # نمير جمرة العرب التي لم ... تزل في الحرب تلتهب التهابا # وإنى إذ أسب بها كليبا ... فتحت عليهم للخسف بابا ms029 # ولولا أن يقال هجا نميرا ... ولم يسمع لشاعرهم جوابا # رغبنا عن هجاء بنى كليب ... وكيف يشاتم الناس الكلابا # فما نفع نميرا، ولا ضر جريرا، بل كان كما قال الفرزدق: # ما ضر تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران # وقال أبو جعفر محمد بن منذر مولى بنى صبير بن يربوع في هجائه لثقيف: # وسوف يزيدكم ضعة هجائى ... كما وضع الهجاء بنى نمير # وسمع الراعى «2» منشدا ينشد: # وعاو عوى من غير شىء رميته ... بقافية أنفاذها تقطر الدما «3» # خروج بأفواه الرواة كأنها ... قرى هندوانى إذا هز صمما «4» # فارتاع له، وقال: لمن هذا؟ قيل: لجرير، قال: لعن الله من يلومنى أن ~~يغلبنى مثل هذا! ### | فضل الشعر # وقد بنى الشعر لقوم بيوتا شريفة، وهدم لآخرين أبنية منيفة: # وما هو إلا القول يسرى فتغتدى ... له غرر في أوجه ومواسم «5» # قال أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمى «6» : سمعت أبا عمرو بن العلاء ~~ورجل يقول: # PageV01P057 # إنما الشعر كالميسم «1» . فقال: وكيف يكون ذلك كذلك؟ والميسم يذهب بذهاب ~~الجلد ويدرس مع طول العهد، والشعر يبقى على الأبناء بعد الآباء، ما بقيت ~~الأرض والسماء! وإلى هذا نحا الطائى في قوله: # وأنى رأيت الوسم في خلق الفتى ... هو الوسم لا ما كان في الشعر والجلد # وقال عمر رحمة الله عليه: تعلموا الشعر؛ فإن فيه محاسن تبتغى، ومساوىء ~~تتقى. # وقال أبو تمام: # إن القوافى والمساعى لم تزل ... مثل النظام إذا أصاب فريدا # هى جوهر نثر فإن ألفته ... فى الشعر كان قلائدا وعقودا # من أجل ذلك كانت العرب الألى ... يدعون هذا سؤددا مجدودا # وتند عندهم العلا إلا إذا ... جعلت لها مرر القصيد قيودا # «2» وقال على بن الرومى: # PageV01P058 # أرى الشعر يحيى الناس والمجد بالذى ... تبقيه أرواح له عطرات # وما المجد لولا الشعر إلا معاهد ... وما الناس إلا أعظم نخرات «1» ### | [شذور من كلام الرسول] # رجعت إلى ما قطعت، مما هو أحق وأولى، وأجل وأعلى، وهو كلام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الكريم النجر «2» ، العظيم القدر، الذى هو النهاية في ~~البيان، والغاية في البرهان، المشتمل ms030 على جوامع الكلم، وبدائع الحكم، وقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أفصح العرب بيد أنى من قريش، ~~واسترضعت في سعد ابن بكر! وليس بعض كلامه بأولى من بعض بالاختيار، ولا أحق ~~بالتقديم والإيثار؛ ولكنى أورد ما تيسر منه في أول هذا الكتاب استفتاحا، ~~وتيمنا بذلك واستنجاحا. # PageV01P059 # وهذه شذور من قوله صلى الله عليه وسلم الصريح الفصيح، العزيز الوجيز، ~~المتضمن بقليل من المبانى كثير المعانى: # قوله للأنصار: إنكم لتقلون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع. # وقوله عليه الصلاة والسلام: المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم ~~أدناهم، وهم يد على من سواهم. الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة. إياكم ~~وخضراء الدمن» # . كل الصيد في جوف الفرا «2» - قاله لأبى سفيان صخر بن حرب-. # الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. المؤمن ~~للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. ~~المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبى زور. المرأة كالضلع إن رمت قوامها كسرتها ~~«3» ، وإن داريتها استمتعت بها. اليد العليا خير من اليد السفلى. مطل الغنى ~~ظلم. # يد الله مع الجماعة. الحياء شعبة من الإيمان. مثل أبى بكر كالقطر، أينما ~~وقع نفع. لا تجعلونى في أعجاز كتبكم كقدح الراكب «4» . أربعة من كنوز ~~الجنة: # كتمان الصدقة والمرض والمصيبة والفاقة. جنة الرجل داره. الناس نيام فإذا ~~ماتوا انتبهوا. كفى بالسلامة داء. إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم ~~بأخلاقكم. ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. كل ميسر لما خلق له. # اليمين حنث أو مندمة «5» . دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. انصر أخاك ظالما ~~كان # PageV01P060 # أو مظلوما. احترسوا من الناس بسوء الظن. الندم توبة. انتظار الفرج عبادة. ~~نعم صومعة الرجل بيته. المستشير معان والمستشار مؤتمن. المرء كثير بأخيه. ~~إن للقلوب صدأ كصدإ الحديد وجلاؤها الاستغفار. اليوم الرهان وغدا السباق، ~~والجنة الغاية. كل من في الدنيا ضيف، وما في يديه عارية، والضيف مرتحل، ~~والعارية مؤداة. # ومن جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام ما رواه أهل الصحيح عن علقمة بن وقاص ~~الليثى عن ms031 عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته ~~إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، ~~أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» . # قال أبو القاسم حمزة بن محمد الكنانى: سمعت أهل العلم يقولون: هذا الحديث ~~ثلث الإسلام، والثلث الثانى ما رواه النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن تركها ~~كان أوفى لدينه وعرضه، ومن واقعها كان كالراتع حول الحمى؛ ألا وإن لكل ملك ~~حمى، ألا وإن حمى الله محارمه» «1» . # قال: و [الثلث] الثالث ما رواه مالك [عن] ابن شهاب عن على ابن حسين أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ~~. # PageV01P061 # وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر وأثاب عليه، وندب حسان بن ~~ثابت إليه «1» ، وقال: إن الله ليؤيده بروح القدس ما نافح عن نبيه «2» . # ولما انتهى شعر أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب إلى النبى صلى الله ~~عليه وسلم شق عليه «3» فدعا عبد الله بن رواحة «4» فاستنشده فأنشده فقال: ~~أنت شاعر كريم، ثم دعا كعب بن مالك فاستنشده فأنشده، فقال: أنت تحسن صفة ~~الحرب، ثم دعا بحسان بن ثابت فقال: أجب عنى، فأخرج لسانه فضرب به أرنبته ~~«5» ؛ ثم قال: والذى بعثك بالحق ما أحب أن لى به مقولا في معد؛ ولو أن ~~لسانا فرى الشعر لفراه «6» . ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمس ~~من أبى سفيان، فقال: وكيف، وبينى وبينه الرحم التي قد علمت؟ فقال: # أسلك منه كما تسل الشعرة من العجين! فقال: اذهب إلى أبى بكر، وكان أعلم ~~الناس بأنساب قريش، وسائر العرب، وعنه أخذ جبير بن مطعم علم النسب، فمضى ~~حسان إليه فذكر له معايبه، فقال حسان بن ثابت: # PageV01P062 # وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو ms032 بنت مخزوم ووالدك العبد # ومن ولدت أبناء زهرة منهم ... كرام، ولم يقرب عجائزك المجد «1» # ولست كعباس ولا كابن أمه ... ولكن لئيم لا يقوم له زند «2» # وإن امرأ كانت سمية أمه ... وسمراء مغموز إذا بلغ الجهد «3» # وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد «4» # PageV01P063 # فلما بلغ هذا الشعر أبا سفيان قال: هذا كلام لم يغب عنه ابن أبى قحافة ~~«1» يعنى ببنى بنت مخزوم عبد الله وأبا طالب والزبير بنى عبد المطلب بن ~~هاشم [بن عبد مناف] ، أمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، ~~وأخواتهم برة وأميمة والبيضاء، وهي أم حكيم، والبيضاء جدة عثمان بن عفان أم ~~أمه. # وقوله: «ومن ولدت أبناء زهرة منهم كرام» يعنى أميمة وصفية أم الزبير بن ~~العوام أمها هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة وقوله: «ولست كعباس ولا ~~كابن أمه» أم العباس: نتيلة امرأة من النمر ابن قاسط، وأخوه لأمه ضرار بن ~~عبد المطلب وقوله: «وإن امرأ كانت سمية أمه» سمية أم أبى سفيان، وسمراء: أم ~~أبيه، وليس هذا موضع إطناب في رفع الأنساب. # وكان عبد الأعلى بن عبد الرحمن الأموى عتب على بعض ولد الحارث، فقال له ~~معرضا بما قال حسان: # إخال بالعم وبالجد ... مفتخرا بالقدح الفرد «2» # الهج بحسان وأشعاره ... فإنها أدعى إلى المجد # لولا سيوف الأزد لم تؤمنوا ... ولم تقيموا سورة الحمد # فتوعدوه، فخافهم، فقال: # بنى هاشم عفوا عفا الله عنكم ... وإن كان ثوبى حشو ثنييه مجرم «3» # لكم حرم الرحمن والبيت والصفا ... وجمع وما ضم الحطيم وزمزم # فإن قلتم بادهتنا بعظيمة ... فأحلامكم منها أجل وأعظم # PageV01P064 # وأسلم أبو سفيان- رحمه الله! - وشهد مع النبى صلى الله عليه وسلم يوم ~~حنين، وكان ممسكا بغلته حين فر الناس، وهو أحد الذين ثبتوا، وهم- على ما ~~ذكره أبو محمد عبد الملك بن هشام- أبو بكر، وعمر، وعلى، والعباس، وأبو ~~سفيان ابن الحارث، وابنه الفضل، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن ~~ابن أم أيمن بن عبيد قتل يومئذ، وبعض الناس يعد فيهم قثم ms033 بن العباس، ولا ~~يعد. # أبا سفيان، وكان أبو سفيان من أشعر قريش، وهو القائل: # لقد علمت قريش غير فخر ... بأنا نحن أجودهم حصانا # وأكثرهم ذروعا سابغات ... وأمضاهم إذا طعنوا سنانا «1» # وأدفعهم عن الضراء عنهم ... وأبينهم إذا نطقوا لسانا # ويروى أن ابن سيرين قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره قد ~~شنق ناقته بزمامها حتى وضعت رأسها عند مفدمة الرحل إذ قال: يا كعب ابن ~~مالك: احد بنا! فقال كعب: # قضينا من تهامة كل حق ... وخيبر ثم أجممنا السيوفا «2» # نخيرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهن: دوسا أو ثقيفا # فقال عليه السلام: والذى نفسى بيده لهى أشد عليهم من رشق النبل! ويقال: ~~إن دوسا أسلمت فرقا «3» من كلمة كعب هذه «4» ، وقالوا: اذهبوا فخذوا ~~لأنفسكم الأمان من قبل أن ينزل بكم ما نزل بغيركم! ### | النضر بن الحارث # وقتل النبى صلى الله عليه وسلم النضر بن الحارث، وكان ممن أسر يوم بدر، # PageV01P065 # وكان شديد العداوة لله ولرسوله، وقتله على بن أبى طالب رضي الله عنه صبرا ~~«1» فعرضت النبى صلى الله عليه وسلم أخته قتيلة بنت الحارث- وفى بعض ~~الروايات أن قتيلة أتته فأنشدته: # يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح غادية وأنت موفق «2» # أبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما إن تزال بها النجائب تعنق «3» # منى إليه وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق «4» # هل يسمعنى النضر إن ناديته ... إن كان يسمع ميت لا ينطق # ظلت سيوف بنى أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق «5» # قسرا يقاد إلى المنية متعبا ... رسف المقيد وهو عان موثق «6» # أمحمد ها أنت صنو كريمة ... فى قومها والفحل فحل معرق «7» # ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق «8» # فالنضر أقرب من قتلت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق # أو كنت قابل فدية فليفدين ... بأعز ما يغلى به من ينفق # فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها ودمعت عيناه، وقال لأبى ~~بكر: لو كنت سمعت شعرها ما قتلته. # والنضر هذا هو النضر بن الحارث بن علقمة ms034 بن كلدة بن عبد مناف بن عبد ~~الدار «9» . قال الزبير بن بكار «10» : وسمعت بعض أهل العلم يغمز في أبيات ~~قتيلة بنت الحارث ويقول: إنها مصنوعة. # PageV01P066 ### | [من كلام أبى بكر رضي الله تعالى عنه] # ودخل أبو بكر الصديق رضوان الله عليه، على النبى عليه الصلاة والسلام وهو ~~مسجى بثوب «1» ، فكشف عنه الثوب وقال: بأبى أنت وأمى! طبت حيا وميتا، ~~وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة، فعظمت عن الصفة، ~~وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سواء. ولولا أن ~~موتك كان اختيارا منك لجدنا لموتك بالنفوس ولولا أنك نهيت عن البكاء ~~لأنفدنا عليك ماء الشؤون «2» . فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وإدناف «3» ~~يتحالفان ولا يبرحان. اللهم فأبلغه عنا السلام، اذكرنا يا محمد عند ربك، ~~ولنكن من بالك؛ فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة؛ اللهم ~~أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا، ثم خرج. # قوله رضي الله عنه: «لولا أن موتك كان اختيارا منك» إنما يريد قول النبى ~~صلى الله عليه وسلم: لم يقبض نبى حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير. # قالت عائشة رضي الله عنها: فسمعته وقد شخص بصره وهو يقول: فى الرفيق ~~الأعلى! فعلمت أنه خير، فقلت: لا يختارنا إذن، وقلت: هو الذى كان يحدثنا. ~~وهو صحيح. # وكان أبو بكر لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرضه بالسنح «4» ~~فتواترت إليه الرسل، فأتى وقد ذهل الناس، فكانوا كالخرس، وتفرقت أحوالهم، ~~واضطربت أمورهم، فكذب بعضهم بموته، وصمت آخرون فما تكلموا إلا بعد [التغير] ~~، وخلط آخرون فلاثوا «5» الكلام بغير بيان، وحق لهم ذلك للرزية # PageV01P067 # العظمى، والمصيبة الكبرى، التى هي بيضة العقر «1» ، ويتيمة الدهر، ومدى ~~المصائب، ومنتهى النوائب، فكل مصيبة بعدها جلل عندها «2» ، ولذلك قال صلى ~~الله عليه وسلم: لتعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بى. ### | حال الصحابة عند ما بلغهم موت الرسول # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ممن كذب بموته، وقال: ما مات، وليرجعنه ~~الله، فليقطعن ms035 أيدى المنافقين وأرجلهم، يتمنون لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الموت؛ وإنما واعده ربه كما واعد موسى، وهو يأتيكم. # وأما عثمان رضي الله عنه فكان ممن أخرس؛ فجعل لا يكلم أحدا، فيؤخذ بيده ~~ويجاء به فينقاد. # وأما على رضي الله عنه فلبط بالأرض «3» فقعد ولم يبرح البيت حتى دخل أبو ~~بكر، وهو في ذلك جلد العقل والمقالة «4» ، فأكب عليه، وكشف عن وجهه ومسخه، ~~وقبل جبينه، وبكى بكاء شديدا، وقال الكلام الذى قدمته. ### | خطبة أبي بكر يوم موت الرسول # ولما خرج إلى الناس وهم في شديد غمراتهم، وعظيم سكراتهم، قام فخطب خطبة ~~جلها الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم، قال فيها: أشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وأشهد أن الكتاب ~~كما نزل وأن الدين كما شرع، وأن الحديث كما حدث، وأن القول كما قال، وأن ~~الله هو # PageV01P068 # الحق المبين. فى كلام طويل، ثم قال: أيها الناس؛ من كان يعبد محمدا فإن ~~محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، وإن الله قد تقدم ~~إليكم في أمره، فلا تدعوه جزعا، وإن الله قد اختار لنبيه ما عنده على ما ~~عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلف فيكم كتابه، وسنة نبيه، فمن أخذ بهما عرف، ~~ومن فرق بينهما أنكر؛ يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط، ولا يشغلنكم ~~الشيطان بموت نبيكم، ويفتننكم عن دينكم؛ فعاجلوه بالذى تعجزونه، ولا ~~تستنظروه فيلحق بكم. # فلما فرغ من خطبته قال: يا عمر! بلغنى أنك تقول مامات نبى الله، أما علمت ~~أنه قال في يوم كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا: قال الله تبارك وتعالى: (إنك ~~ميت وإنهم ميتون) # ؟ فقال عمر: والله لكأنى لم أسمع بها في كتاب الله قبل؛ لما نزل بنا، ~~أشهد أن الكتاب كما نزل، وأن الحديث كما حدث، وأن الله حى لا يموت، وإنا ~~لله وإنا إليه راجعون! ثم جلس إلى جنب أبى بكر رحمه الله. # قالت عائشة رضوان الله عليها: لما ms036 قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نجم ~~النفاق «1» ، وارتدت العرب، وكان المسلمون كالغنم الشاردة، فى الليلة ~~الماطرة، فحمل أبى مالو حملته الجبال لهاضها «2» فو الله إن اختلفوا في ~~معظم إلا ذهب بحظه ورشده، وغنائه، وكنت إذا نظرت إلى عمر علمت أنه إنما خلق ~~للاسلام، فكان والله أحوذيا نسيج وحده «3» ، قد أعد للأمور أقرانها. ### | رثاء فاطمة الزهراء ع لأبيها رسول الله ص # وحدث أبو بكر بن دريد عن عبد الأول بن يزيد قال: حدثنى رجل في مجلس يزيد ~~بن هارون «4» بالبصرة قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P069 # دفن ورجع المهاجرون والأنصار إلى رحالهم، ورجعت فاطمة إلى بيتها؛ فاجتمع ~~إليها نساؤها، فقالت: # اغبر آفاق السماء، وكورت ... شمس النهار، وأظلم العصران «1» # فالأرض من بعد النبى كئيبة ... أسفا عليه كثيرة الرجفان «2» # فليبكه شرق البلاد وغربها ... وليبكه مضر وكل يمان # وليبكه الطور المعظم جوه ... والبيت ذو الأستار والأركان # يا خاتم الرسل المبارك ضوءه ... صلى عليك منزل الفرقان «3» ### | عود إلى المختار من كلام أبي بكر # وكان أبو بكر- رضي الله عنه! - إذا أثنى عليه يقول: اللهم أنت أعلم بى من ~~نفسى، وأنا أعلم بنفسى منهم، فاجعلنى خيرا مما يحسبون، واغفر لى برحمتك ~~مالا يعلمون، ولا تؤاخذنى بما يقولون. # وقال رحمه الله في بعض خطبه: إنكم في مهل، من ورائه أجل، فبادروا في مهل ~~آجالكم، قبل أن تنقطع آمالكم، فتردكم إلى سوء أعمالكم. # وذكر أبو بكر الملوك فقال: إن الملك إذا ملك زهده الله في ماله، ورغبه في ~~مال غيره، وأشرب قلبه الإشفاق؛ فهو يسخط على الكثير، ويحسد على القليل، جذل ~~الظاهر، حزين الباطن، حتى إذا وجبت نفسه، ونضب عمره، وضحا ظله «4» حاسبه ~~فأشد حسابه وأقل عفوه. # وذكر أنه وصل إلى أبى بكر مال من البحرين، فساوى فيه بين الناس، فغضبت ~~الأنصار، وقالوا له: فضلنا! فقال أبو بكر: صدقتم، إن أردتم أن أفضلكم صار ~~ما عملتموه للدنيا، وإن صبرتم كان ذلك لله عز وجل! فقالوا: # والله ما عملنا إلا لله تعالى، وانصرفوا؛ فرقى أبو ms037 بكر المنبر، فحمد ~~الله، وأثنى # PageV01P070 # عليه، وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم؛ ثم قال: يا معشر الأنصار؛ إن ~~شئتم أن تقولوا: إنا آويناكم في ظلالنا، وشاطرناكم في أموالنا «1» ، ~~ونصرناكم بأنفسنا لقلتم، وإن لكم من الفضل مالا يحصيه العدد، وإن طال به ~~الأمد، فنحن وأنتم كما قال طفيل الغنوى «2» : # جزى الله عنا جعفرا حين أزلفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت «3» # أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقى الذى يلقون منا لملت «4» # هم أسكنونا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأظلت # فقر من كلامه رضي الله عنه: صنائع المعروف تقى مصارع السوء. الموت أهون ~~مما بعده، وأشد مما قبله. ليست مع العزاء مصيبة، ولا مع الجزع فائدة. ثلاث ~~من كن فيه كن عليه: البغى، والنكث، والمكر. إن الله قرن وعده بوعيده؛ ليكون ~~العبد راغبا وراهبا. ### | رثاء عائشة لأبيها # ولما توفى رضي الله عنه وقفت عائشة على قبره؛ فقالت: نضر الله وجهك يا ~~أبت، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلا بإدبارك عنها، وللآخرة معزا ~~بإقبالك عليها، ولئن كان أجل الحوادث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رزؤك، وأعظم المصائب بعده فقدك، إن كتاب الله ليعد بحسن الصبر عنك حسن ~~العوض منك، وأنا أستنجز موعود الله تعالى بالصبر فيك، وأستقضيه بالاستغفار ~~لك، أما لئن كانوا قاموا بأمر الدنيا فلقد قمت بأمر الدين لما وهي شعبه «5» ~~وتفاقم صدعه «6» ، ورجفت جوانبه «7» ؛ فعليك # PageV01P071 # سلام الله توديع غير قالية لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك «1» وقال ~~أبو بكر لبلال لما قتل أمية بن خلف وقد كان يسومه سوء العذاب بمكة فيخرجه ~~إلى الرمضاء «2» ، فيلقى عليه الصخرة العظيمة ليفارق دين الإسلام فيعصمه ~~الله من ذلك: # هنيئا زادك الرحمن خيرا ... فقد أدركت ثأرك يا بلال # فلا نكسا وجدت ولا جبانا ... غداة تنوشك الأسل الطوال «3» # إذا هاب الرجال ثبت حتى ... تخلط أنت ما هاب الرجال # على مضض الكلوم بمشرفى ... جلا أطراف متنيه الصقال «4» ### | [من كلام عمر] # وكتب عمر بن الخطاب- رضي الله عنه! - إلى ابنه عبد الله: # أما ms038 بعد؛ فإنه من اتقي الله وقاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن شكر له زاده، ~~ومن أقرضه جزاه؛ فاجعل التقوى عماد قلبك، وجلاء بصرك، فإنه لا عمل لمن لا ~~نية له، ولا أجر لمن لا خشية له، ولا جديد لمن لا خلق له. # ودخل عدى بن حاتم على عمر، فسلم وعمر مشغول، فقال: يا أمير المؤمنين! أنا ~~عدى بن حاتم؛ فقال: ما أعرفنى بك! آمنت إذ كفروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ ~~أنكروا، وأقبلت إذ أدبروا! وقال رجل لعمر: من السيد؟ قال: الجواد حين يسأل، ~~الحليم حين يستجهل، الكريم المجالسة لمن جالسه الحسن الخلق لمن جاوره. # وقال رضي الله عنه: ما كانت الدنيا هم رجل قط إلا لزم قلبه أربع خصال: # PageV01P072 # فقر لا يدرك غناه، وهم لا ينقضى مداه، وشغل لا ينفد أولاه، وأمل لا يبلغ ~~منتهاه. ### | فصول قصار من كلامه رضي الله عنه # من كتم سره كان الخيار في يده. أشقى الولاة من شقيت به رعيته. # أعقل الناس أعذرهم للناس. ما الخمر صرفا «1» بأذهب لعقول الرجال من ~~الطمع. # لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا. مرذوى القرابات أن يتزاوروا، ولا ~~يتجاوروا. قلما أدبر شىء فأقبل. أشكو إلى الله ضعف الأمين، وخيانة القوى ~~تكثروا من العيال فإنكم لا تدرون بمن ترزقون. لو أن الشكر والصبر بعيران ما ~~باليت أيهما أركب. من لا يعرف الشر كان أجدر أن يقع فيه. ### | وصف صعصعة بن صوحان لعمر بن الخطاب # وقال معاوية بن أبى سفيان لصعصعة بن صوحان: صف لى عمر بن الخطاب؛ فقال: ~~كان عالما برعيته، عادلا في قضيته، عاريا من الكبر، قبولا للعذر، سهل ~~الحجاب، مصون الباب، متحريا للصواب، رفيقا بالضعيف، غير محاب للقريب، ولا ~~جاف للغريب. ### | عمر يذكر ماضيه وحاضره # وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حج فلما كان بضجنان «2» قال: # لا إله إلا الله العلى العظيم، المعطى من شاء ما شاء، كنت في هذا الوادى ~~في مدرعة صوف أرعى إبل الخطاب، وكان فظا يتعبنى إذا عملت، ويضربنى إذا ~~قصرت، ms039 وقد أمسيت الليلة ليس بينى وبين الله أحد، ثم تمثل: # لا شىء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودى المال والولد» # لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا # ولا سليمان إذ تجرى الرياح له ... والجن والإنس فيما بينها ترد # PageV01P073 # أين الملوك التي كانت نوافلها ... من كل صوب إليها وافد يفد «1» # حوض هنالك مورود بلا كدر ... لا بد من ورده يوما كما وردوا ### | من شعر عمر يوم فتح مكة # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم فتح مكة: # ألم تر أن الله أظهر دينه ... على كل دين قبل ذلك حائد «2» # وأمكنه من أهل مكة بعدما ... تداعوا إلى أمر من الغي فاسد # غداة أجال الخيل في عرصاتها ... مسومة بين الزبير وخالد «3» # فأمسى رسول الله قد عز نصره ... وأمسى عداه من قتيل وشارد # يريد الزبير بن العوام «4» حوارى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالد ~~ابن الوليد سيف الله تعالى في الأرض «5» . ### | زوجة عمر ترثيه # ولما قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، قالت عاتكة بنت زيد بن عمرو ~~ابن نفيل زوجته ترثيه: # عين جودى بعبرة ونحيب ... لا تملى على الأمين النجيب # فجعتنى المنون بالفارس المعلم يوم الهياج والتثويب «6» عصمة الناس ~~والمعين على الدهر وغيث المحروم والمحروب «7» # قل لأهل الضراء والبؤس موتوا ... قد سقته المنون كأس شعوب «8» # وقالت أيضا ثرثيه: # وفجعنى فيروز لا در دره ... بأبيض تال للكتاب منيب # PageV01P074 # رءوف على الأدنى غليظ على العدا ... أخى ثقة في النائبات نجيب # متى ما يقل لا يكذب القول فعله ... سريع إلى الخيرات غير قطوب ### | ترجمة عاتكة بنت زيد بن عمرو زوجة عمر # وعاتكة هذه: هى أخت سعيد بن زيد أحد العشرة الذين شهد لهم النبى صلى الله ~~عليه وسلم بالجنة، وكانت تحت عبد الله بن أبى بكر، فأصابه سهم في غزوة ~~الطائف فمات منه، فتزوجها عمر رضي الله عنه فقتل عنها، فتزوجها الزبير ابن ~~العوام فقتل عنها؛ فكان على رضي الله عنه يقول: من أحب الشهادة الحاضرة ~~فليتزوج بعاتكة! ms040 ### | ومن كلام عثمان بن عفان رضي الله عنه: # ما يزع الله بالسلطان، أكثر مما يزع بالقرآن «1» . سيجعل الله بعد عسر ~~يسرا، وبعد عى بيانا؛ وأنتم إلى إمام فعال، أحوج منكم إلى إمام قوال، قاله ~~في أول خلافته وقد صعد المنبر وأرتج عليه «2» . # وكتب إلى على رضي الله عنه وهو محصور: أما بعد، فقد بلغ السيل الزبى، ~~وجاوز الحزام الطبيين «3» ، وطمع فى من كان لا يدفع عنه نفسه، ولم يعجزك ~~كلئيم، ولم يغلبك كمغلب «4» ؛ فأقبل إلى، معى كنت أو على، على أى أمريك ~~أحببت. # فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلى ... وإلا فأدركنى ولما أمزق # وهذا البيت للممزق العبدى، وبه سمى الممزق، واسمه شأس، وإنما تمثل به ~~عثمان رضي الله عنه؛ وخذاق أهل النظر يدفعون هذا، ويستشهدون على فساده ~~بأحاديث تناقضه ليس هذا موضعها. # PageV01P075 # قالوا: وكان عثمان رضي الله عنه أتقى لله أن يسعى في أمره على، وعلى أتقى ~~لله أن يسعى في أمر عثمان، وهذا من قوله عليه السلام: أشقى الناس من قتله ~~نبى أو قتل نبيا. # ومن كلام عثمان رضي الله عنه وأكرم نزله، وقد تنكر له الناس: أمر هؤلاء ~~القوم رعاع عير، تطأطأت لهم تطأطأ الدلاء وتلددت لهم تلدد المضطر، رأيتهم ~~ألحف إخوانا، وأوهمنى الباطل لهم شيطانا. أجررت المرسون رسنه، وأبلغت ~~الراتع مسعاته، فتفرقوا على فرقا ثلاثا، فصامت صمته أنفذ من صول غيره، ~~وشاهد أعطانى شاهده ومنعنى غائبه، ومتهافت في فتنة زينت في قلبه، فأنا منهم ~~بين ألسن لداد، وقلوب شداد، عذيرى الله منهم، ألا ينهى عالم جاهلا، ولا ~~ينذر حليم سفيها؟ والله حسبى وحسبهم يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون. # سئل الحكم بن هشام فقال: كان والله خيار الخيرة. أمير البررة، قتيل ~~الفحرة، منصور النصرة، مخذول الخذلة، مقتول القتلة. # ونظير البيت الذى أنشده قول صخر الجعد: # فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلى ... فإن منايا القوم أكرم من بعض # قال المتوكل: أتيت بأسارى، فسمعت امرأة منهم تقول: # أمير المؤمنين سما إلينا ... سمو الليث أخرجه العريف # فإن نسلم فعون ms041 الله نرجو ... وإن نقتل فقاتلنا شريف # وقد ذكر بعض أهل العلم أنه لا يعرف لعثمان شعر، وأنشد له بعضهم: # غنى النفس يغنى النفس حتى يكفها ... وإن عضها حتى يضر بها الفقر # وما عسرة- فاصبر لها إن تتابعت- ... بباقية إلا سيتبعها يسر # وقول عثمان رضي الله عنه فيما روى: «ولم يغلبك كمغلب» من قول امرىء ~~القيس: # PageV01P076 # فإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب # وقال أبو تمام وذكر الخمر: # وضعيفة فإذا أصابت فرصة ... قتلت، كذلك قدرة الضعفاء ### | ومن كلام على بن أبى طالب رضي الله عنه # لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الأمل. ويقول فى ~~الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين، إن أعطى منها لم يشبع، ~~وإن منح لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتى.، ويبتغى الزيادة فيما بقى، ينهى ولا ~~ينتهى، ويأمر بما لا يأتى، يحب الصالحين ولا يعمل أعمالهم، ويبغض المسيئين ~~وهو منهم؛ يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على ما يكره الموت له، إن سقم ظل ~~نادما، وإن صح أمن لاهيا، يعجب بنفسه إذا عوفى، ويقنط إذا ابتلى، تغلبه ~~نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن، ولا يثق من الرزق بما ضمن له، ~~ولا يعمل من العمل بما فرض عليه، إن استغنى بطروفتن، وإن افتقر قنط وحزن، ~~فهو من الذنب والنعمة موقر «1» ، يبتغى الزيادة ولا يشكر، ويتكلف من الناس ~~ما لم يؤمر، ويضيع من نفسه ما هو أكثر، ويبالغ إذا سأل، ويقصر إذا عمل، ~~يخشى الموت، ولا يبادر الفوت، يستكثر من معصية غيره ما يستقل أكثره من ~~نفسه؛ ويستكثر من طاعته ما يستقله من غيره، فهو على الناس طاعن، ولنفسه ~~مداهن، اللغو مع الأغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء، يحكم على غيره ~~لنفسه، ولا يحكم عليها لغيره، وهو يطاع ويعصى، ويستوفى ولا يوفى. # وسئل رضي الله عنه عن مسألة فدخل مبادرا، ثم خرج في حذاء ورداء، وهو ~~يتبسم، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنك كنت إذا سئلت عن مسألة كنت فيها ms042 ~~كالسكة المحماة «2» ! فقال: إنى كنت حاقنا ولا رأى لحاقن «3» ، ثم أنشأ ~~يقول: # PageV01P077 # إذا المشكلات تصدين لى ... كشفت حقائقها بالنظر # وإن برقت فى مخيل الصوا ... ب عمياء لا تجتليها الذكر «1» # مقنعة بأمور الغيوب ... وضعت عليها صحيح الفكر # لسانا كشقشقة الأرحبى ... أو كالحسام اليمانى الذكر «2» # وقلبا إذا استنطقته العيون ... أمر عليها بواهى الدرر «3» # ولست بإمعة في الرجال ... أسائل عن ذا وذا ما الخبر «4» # ولكننى ذرب الأصغرين ... أبين مع ما مضى ما غبر «5» ### | وصف ضرار الصدائي لمعاوية عليا # وقال معاوية رضي الله عنه لضرار الصدائى: يا ضرار، صف لى عليا، فقال: # أعفنى يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه، فقال: أما إذ أذنت فلا بد من صفته: # كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا «6» ، ويحكم عدلا، يتفجر ~~العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ~~ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ~~ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان فينا ~~كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن- مع تقريبه إيانا، ~~وقربه منا- لا نكاد نكلمه لهيبته، ولا نبتدئه لعظمته، يعظم أهل الدين، ويحب ~~المساكين، لا يطمع القوى في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد ~~رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في ~~محرابه، قابضا على لحيته يتململ تململ السليم «7» ، ويبكى بكاء الحزين، ~~ويقول: يا دنيا إليك # PageV01P078 # عنى! غرى غيرى، ألى نعرضت، أم إلى تشوفت؟ هيهات! قد باينتك ثلاثا، لا ~~رجعة لى عليك؛ فعمرك قصير، وخطرك حقير، وخطبك يسير؛ آه من قله الزاد، وبعد ~~السفر، ووحشة الطريق! فبكى معاوية حتى أخضلت دموعه لحيته؛ وقال: رحم الله ~~أبا الحسن! فلقد كان كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح واحدها ~~في حجرها! وقال على رضوان الله عليه: رحم الله عبدا سمع فوعى، ودعى إلى ~~الرشاد فدنا، وأخذ بحجزة هاد فنجا «1» ، وراقب ربه، وخاف ذنبه، وقدم خالصا، ~~وعمل صالحا، واكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، ورمى غرضا، وكابر هواه، ms043 وكذب ~~مناه، وحذر أجلا، ودأب عملا، وجعل الصبر رغبة حياته، والتقى عدة وفاته، ~~يظهر دون ما يكتم، ويكتفى بأقل مما يعلم، لزم الطريقة الغراء، والمحجة ~~البيضاء، واغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزود من العمل. ### | علي ع يرثي خباب ابن الأرت # ولما رجع رضي الله عنه من صفين، فدخل أوائل الكوفة إذا قبر، فقال: قبر من ~~هذا؟ فقيل: خباب بن الأرت «2» ، فوقف عليه، وقال: # رحم الله خبابا! أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلى في جسمه ~~أحوالا، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا. ### | علي ع أمام القبور # ومضى فإذا هو بقبور، فوقف عليها، وقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة، ~~والمحال المقفرة، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وبكم- عما قليل- لاحقون؛ ~~اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنا وعنهم بعفوك! طوبى # PageV01P079 # لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف. ثم التفت رضي الله عنه إلى ~~أصحابه، فقال: أما إنهم لو تكلموا لقالوا: وجدنا خير الزاد التقوى. ### | علي ع يصف الدنيا # وذم رجل الدنيا بحضرة على رضي الله عنه، فقال: دار صدق لمن صدقها، ودار ~~نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، مهبط وحى الله، ومصلى ملائكته، ~~ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، ~~فمن ذا يذمها، وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، وذكرت بسرورها السرور، ~~وببلائها البلاء، ترغيبا وترهيبا، فيأيها الذام لها، المعلل نفسه بغرورها، ~~متى خدعتك الدنيا؟ أم بماذا استذمت إليك «1» ، أبمصرع آبائك في البلى؟ أم ~~بمضجع أمهاتك في الثرى، كم مرضت بكفيك، وكم عللت بيديك، تطلب له الشفاء، ~~وتستوصف الأطباء، غداة لا ينفعه بكاؤك، ولا يغنى دواؤك. ### | من قصار كلام علي ع # فقر من كلامه رضي الله عنه: [البشاشة فخ المودة. والصبر قبر المغبون. # والغالب بالظلم مغلوب. والحجر المغصوب بالدار رهن بخرابها. وما ظفر من ~~ظفرت به الأيام. فسالم تسلم] . رأى الشيخ خير من مشهد الغلام «2» . الناس ~~أعداء ما جهلوا. بقية عمر المؤمن لا ثمن لها، يدرك بها ما أفات [ويحيى ما ~~أمات] . # نقل هذا الكلام بعض أهل العصر، ms044 وهو أبو الفتح على بن محمد البستى «3» . # PageV01P080 # بقية العمر عندى ما لها ثمن ... وإن غدا وهو محبوب من الثمن # يستدرك المرء فيها ما أفات ويحيى ما أمات ويمحو السوء بالحسن الدنيا ~~بالأموال، والآخرة بالأعمال. لا تخافن إلا ذنبك، ولا ترجون إلا ربك. وجهوا ~~آمالكم إلى من تحبه قلوبكم. الناس من خوف الذل في الذل. # من أيقن بالخلف جاد بالعطية. بقية السيف أنمى عددا، وأنجب ولدا- وقد ~~تبينت صحة ما قال في بنيه وبنى المهلب- إن من السكوت ما هو أبلغ من الجواب. ~~الصبر مطية لا تكبو، وسيف لا ينبو «1» . خير المال ما أغناك، وخير منه ما ~~كفاك، وخير إخوانك من واساك، وخير منه من كفاك شره. # وقال بعض أهل العصر ما يشاكل هذا وهو أبو الحسن محمد بن لنكك البصرى: # عديا في زماننا ... عن حديث المكارم # من كفى الناس شره ... فهو في جود حاتم # أبو الطيب: # إنا لفى زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال # إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه. قيمة كل امرىء ما ~~يحسن. # ذكر أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ هذه الكلمة في كتاب البيان فقال: # فلو لم نقف من هذا الكتاب إلا على هذه الكلمة لوجدناها شافية، كافية، ~~ومجزية مغنية؛ بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، غير مقصرة عن الغاية؛ وأفضل ~~الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه ظاهرا في لفظه، وكأن الله قد ~~ألبسه من ثياب الجلالة، وغشاه من نور الحكمة، على حسب نية صاحبه، وتقوى ~~قائله، فإذا كان المعنى شريفا، واللفظ بليغا، وكان صحيح الطبع، # PageV01P081 # بعيدا من الاستكراه، منزها عن الاختلال، مصونا عن التكلف؛ صنع في القلوب ~~صنيع الغيث في التربة الكريمة، ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة، ونفذت من ~~قائلها على هذه الصفة، أصحبها الله عز وجل من التوفيق، ومنحها من التأييد، ~~ما لا يمتنع من تعظيمها به صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمها معه عقول ~~الجهلة «1» . ### | دعاء علي ع في الحروب # ومن دعائه رضي الله عنه في حروبه: ms045 اللهم أنت أرضى للرضا، وأسخط للسخط، ~~وأقدر على أن تغير ما كرهت، وأعلم بما تقدر، لا تغلب على باطل، ولا تعجز عن ~~حق، وما أنت بغافل عما يعمل الظالمون. ### | من شعر علي ع # وقال على رضي الله عنه: # لمن راية سوداء يخفق ظلها ... إذا قيل قدمها حضين تقدما # فيموردها في الصف حتى تردها ... حياض المنايا تقطر الموت والدما # جزى الله قوما قاتلوا في لقائهم ... لدى الروع قوما ما أعزوأ كرما # وأطيب أخبارا وأفضل شيمة ... إذا كان أصوات الرجال تغمغما «2» # حضين الذى ذكره هو: أبو ساسان الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة ~~الرقاشى وكان صاحب رايته يوم صفين. # ويروى عنه أنه قال بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها: # أرى علل الدنيا على كثيرة ... وصاحبها حتى الممات عليل # لكل اجتماع من خليلين فرقة ... وإن الذى دون الممات قليل # وإن افتقادى فاطما بعد أحمد ... دليل على ألا يدوم خليل # PageV01P082 # ولما قتل عمرو بن عبد ود سقط فانكشفت عورته «1» ، فتنحى عنه وقال: # آلى ابن عبد- حين شد- ألية ... وحلفت فاستمعوا من الكذاب «2» # ألا بفر ولا يملل فالتقى ... أسدان يضطربان كل ضراب «3» # اليوم يمنعنى الفرار حفيظتى ... ومصمم في الرأس ليس بناب «4» # أعرضت حين رأيته متقطرا ... كالجذع بين دكادك وروابى «5» # وعففت عن أثوابه ولو اننى ... كنت المقطر بزنى أثوابى «6» # نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت دين محمد بصواب «7» # لا تحسبن الله خاذل دينه ... ونبيه يا معشر الأحزاب # فى أبيات غير هذه، وبعض الرواة ينفيها عن على رضي الله عنه. # وعمرو هذا هو: ابن عبدود بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، وكان قد ~~جزع المذاد، وهو موضع حفر فيه الخندق يوم الأحزاب، وفي ذلك يقول الشاعر: # عمرو بن ود كان أول فارس ... جزع المذاد وكان فارس يليل «8» # ولما صار مع المسلمين في الخندق دعا [إلى] البراز، وقال: # ولقد بجحت من الندا ... ء بجمعهم هل من مبارز «9» # ووقفت إذ نكل الشجا ... ع بموقف البطل المناجز «10» # PageV01P083 # إنى كذلك لم أزل ... متسرعا نحو الهزاهز «1» # إن السماحة والشجا ms046 ... عة في الفتى خير الغرائز «2» # فبرز على بن أبى طالب رضي الله عنه، فقال: يا عمرو! إنك عاهدت الله لقريش ~~ألا يدعوك أحد إلى خلتين إلا أخذت إحداهما، فقال: أجل! قال: # فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لى بذلك، ~~قال: # فإنى أدعوك إلى المبارزة، فقال: يا ابن أخى ما أحب أن أقتلك! قال على: # لكنى والله أحب أن أقتلك، فحمى عمرو، فاقتحم عن فرسه وعرقبه «3» ثم أقبل ~~إلى على: # فتجاولا كغمامتين تكنفت ... متنيهما ريحا صبا وشمال «4» # فى موقف كادت نفوس كماته ... تبتز قبل تورد الآجال «5» # وعلت بينهما غبرة سترتهما فلم يرع المسلمين إلا التكبير؛ فعلموا أن عليا ~~قتله. # ولما قتل عمرو جاءت أخته فقالت: من قتله؟ فقيل: على بن أبى طالب، فقالت: ~~كفء كريم! ثم انصرفت وهي تقول: # لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... لكنت أبكى عليه آخر الأبد # لكن قاتله من لا يعاب به ... وكان يدعى قديما بيضة البلد # من هاشم في ذراها وهي صاعدة ... إلى السماء تميت الناس بالحسد # قوم أبى الله إلا أن يكون لهم ... مكارم الدين والدنيا بلا أمد # يا أم كلثوم بكيه ولا تدعى ... بكاء معولة حرى على ولد # أم كلثوم: بنت عمرو بن عبدود. و «بيضة البلد» تمدح به العرب # PageV01P084 # وتذم؛ فمن مدح به جعله أصلا، كما أن البيضة أصل الطائر. ومن ذم به أراد ~~أن لا أصل له. قال الراعى يهجو عدى بن الرقاع العاملى «1» : # يا من توعدنى جهلا بكثرته ... متى تهددنى بالعز والعدد # أنت امرؤ نال من عرضى وعزته ... كعزة العير يرعى تلعة الأسد «2» # لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يابن الرفاع ولكن لست من أحد # تأبى قضاعة أن ترضى لكم نسبا ... وابنا نزار؛ فأنتم بيضة البلد # وقال أبو عبيدة: عاملة بن عدى بن الحارث بن مرة بن أد [بن زياد] ابن ~~يشجب، يطعن في نسبه من قحطان، ويقال: هو عاملة بن معاوية بن قاسط ابن أهيب؛ ~~فلذلك قال الراعى هذا. ويقال: إن جندل بن الراعى قالها ms047 وقد قال يحيى بن أبى ~~حفصة الأموى في عاملة: # ولسنا نبالى نأى عاملة التى ... أجدبها من نحو بصرى انحدارها # تدافعها الأحياء حتى كأنها ... ثياب بدا للمشترين عوارها # قذفنا بها لما نأت قذف حاذف ... بسود حصى خفت عليه صغارها # ويشبه قول على رضي الله عنه «وعففت عن أثوابه» قول عنترة بن شداد العبسى: # هلا سألت الخيل يابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمى # يخبرك من شهد الوقيعة أننى ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم # وقال حبيب بن أوس الطائى: # إن الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب «3» # PageV01P085 # والمجد يندب بهجته، ومهابط الوحى والرسالة تحنى ظهورها أسفا، ومآقى ~~الإمامة والوصية والرسالة تذرى دموعها لهفا؛ وذلك أن حادث قضاء الله استأثر ~~بفرع النبوة، وعنصر الدين والمروءة. ### | [رجع إلى كلام أهل البيت] # ووقع بين الحسن ومحمد بن الحنفية «1» لحاء، ومشى الناس بينهما بالنمائم، ~~فكتب إليه محمد بن الحنفية: أما بعد فإن أبى وأباك على بن أبى طالب؛ لا ~~تفضلنى فيه ولا أفضلك، وأمى امرأة من بنى حنيفة، وأمك فاطمة الزهراء بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو ملئت الأرض بمثل أمى لكانت أمك خيرا ~~منها؛ فإذا قرأت كتابى هذا فأقدم حتى تترضانى، فإنك أحق بالفضل منى. # وخطب الحسين بن على رضوان الله عليهما غداة اليوم الذى استشهد فيه، فحمد ~~الله تعالى وأثنى عليه؛ ثم قال: يا عباد الله، اتقوا الله، وكونوا من ~~الدنيا على حذر؛ فإن الدنيا لو بقيت على أحد [أو بقى عليها أحد] لكانت ~~الأنبياء أحق بالبقاء، وأولى بالرضاء، [وأرضى] بالقضاء؛ غير أن الله تعالى ~~خلق الدنيا للفناء، فجديدها بال، ونعيمها مضمحل، وسرورها مكفهر «2» ، منزل ~~تلعة، ودار قلعة «3» ؛ فتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون. # PageV01P100 # وكان لمعاوية بن أبى سفيان عين بالمدينة يكتب إليه بما يكون من أمور ~~الناس وقريش، فكتب إليه: إن الحسين بن على أعتق جارية له وتزوجها؛ فكتب ~~معاوية إلى الحسين: من أمير المؤمنين معاوية إلى الحسين بن على. # أما بعد، فإنه بلغنى ms048 أنك تزوجت جاريتك، وتركت أكفاءك من قريش، ممن ~~تستنجبه للولد، وتمجد به في الصهر، فلا لنفسك نظرت، ولا لولدك انتقيت. # فكتب إليه الحسين بن على: أما بعد، فقد بلغنى كتابك، وتعييرك إياى بأنى ~~تزوجت مولاتى، وتركت أكفائى من قريش، فليس فوق رسول الله منتهى في شرف، ولا ~~غاية في نسب؛ وإنما كانت ملك يمينى، خرجت عن يدى بأمر التمست فيه ثواب الله ~~تعالى؛ ثم ارتجعتها على سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد رفع الله ~~بالإسلام الخسيسة، ووضع عنا به النقيصة؛ فلا لوم على امرىء مسلم إلا في أمر ~~مأثم، وإنما اللوم لوم الجاهلية. # فلما قرأ معاوية كتابه نبذه إلى يزيد فقرأه، وقال: لشد ما فخر عليك ~~الحسين! قال: لا، ولكنها ألسنة بنى هاشم الحداد التي تفلق الصخر، وتغرف من ~~البحر! والحسين- رضي الله عنه! - هو القائل: # لعمرك إننى لأحب دارا ... تحل بها سكينة والرباب # أحبهما وأبذل كل مالى ... وليس للائم عندى عتاب # سكينة: ابنته، والرباب: أمها، وهي بنت امرىء القيس [بن الجرول] الكلبية. # وفي سكينة يقول عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى كذبا عليها «1» : # PageV01P101 # قالت سكينة والدموع ذوارف ... تجرى على الخدين والجلباب # ليت المغيرى الذى لم أجزه ... فيما أطال تصيدى وطلابى # كانت ترد لنا المنى أيامنا ... إذ لا نلام على هوى وتصاب # خبرت ما قالت فبت كأنما ... يرمى الحشى بنوافذ النشاب # أسكين ما ماء الفرات وطيبه ... منى على ظمأ وفقد شراب # بألذ منك، وإن نأيت، وقلما ... ترعى النساء أمانة الغياب # إن تبذلى لى نائلا أشفى به ... داء الفؤاد فقد أطلت عذابى # وعصيت فيك أقاربى وتقطعت ... بينى وبينهم عرى الأسباب # فتركتنى لا بالوصال ممتعا ... منهم، ولا أسعفتنى بثواب # فقعدت كالمهريق فضلة مائه ... فى حر هاجرة للمع سراب # وكانت سكينة من أجمل نساء زمانها وأعقلهن، وكان مصعب بن الزبير قد جمع ~~بينها وبين عائشة بنت طلحة بن عبيد الله؛ فلما قتل مصعب قالت سكينة: # فإن تقتلوه تقتلوا الماجد الذى ... يرى الموت إلا بالسيوف حراما # وقبلك ما خاض الحسين منية ... إلى ms049 القوم حتى أو ردوه حماما # وقال على بن الحسين «1» رحمه الله: لو كان الناس يعرفون جملة الحال فى ~~فضل الاستبانة، وجملة الحال في فضل التبيين، لأعربوا عن كل ما بتلجلج فى ~~صدورهم، ولوجدوا من برد اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كل حال سوى # PageV01P102 # حالهم، على أن إدراك ذلك كان لا يعدمهم في الأيام القليلة العدة، والفكرة ~~القصيرة المدة، ولكنهم من بين مغمور بالجهل، ومفتون بالعجب، ومعدول بالهوى ~~عن باب التثبت، ومصروف بسوء العادة عن فضل التعلم. # وقال رضي الله عنه: المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحل العقدة الوثيقة، ~~وأقل ما فيه أن تكون به المغالبة، والمغالبة من أمتن أسباب القطيعة. # ومن دعائه: اللهم ارزقنى خوف الوعيد، وسرور رجاء الموعود، حتى لا أرجو ~~إلا ما رجيت، ولا أخاف [إلا] ما خوفت. # وحج هشام بن عبد الملك، أو الوليد أخوه، فطاف بالبيت وأراد استلام الحجر ~~فلم يقدر، فنصب له منبر فجلس عليه؛ فبينا هو كذلك إذ أقبل على بن الحسين بن ~~على بن أبى طالب رضي الله عنه في إزار ورداء، وكان أحسن الناس وجها، ~~وأعطرهم رائحة، وأكثرهم خشوعا، وبين عينيه سجادة «1» ، كأنها ركبة عنز، ~~وطاف بالبيت، وأتى ليستلم الحجر، فتنحى له الناس هيبة وإجلالا، فغاظ ذلك ~~هشاما؛ فقال رجل من أهل الشام: من الذى أكرمه الناس هذا الإكرام، وأعظموه ~~هذا الإعظام؟ فقال هشام: لا أعرفه، لئلا يعظم في صدور أهل الشام؛ فقال ~~الفرزدق وكان حاضرا: # هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا النقي التقى الطاهر العلم # هذا الذى تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم # إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهى الكرم # يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم «2» # PageV01P103 # فى كفه خيزران ريحه عبق ... فى كف أروع في عرنينه شمم «1» # يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم # مشتقة من رسول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشيم «2» # ينمى إلى ذروة العز التي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم «3» # ينجاب نور الهدى عن نور ms050 غرته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم «4» # حمال أثقال أقوام إذا اقترحوا ... حلو الشمائل تحلو عنده نعم # هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا # الله فضله قدما وشرفه ... جرى بذاك له في لوحه القلم # من جده دان فضل الأنبياء له ... وفضل أمته دانت له الأمم # عم البرية بالإحسان فانقشعت ... عنها الغيابة والإملاق والظلم «5» # كلتا يديه غياث عم نفعهما ... تستوكفان ولا يعروهما العدم «6» # سهل الخليقة لا تخشى بوارده ... تزينه الاثنتان الحلم والكرم # لا يخلف الوعد ميمون بغرته ... رحب الفناء أريب حين يعتزم «7» # ما قال «لا» قط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاءه نعم # من معشر حبهم دين، وبغضهم ... كفر، وقربهم منجى ومعتصم # يستدفع السوء والبلوى بحبهم ... ويسترب به الإحسان والنعم «8» # مقدم بعد ذكر الله ذكرهم ... فى كل بدء ومختوم به الكلم # إن عد أهل التقي كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم # لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا # PageV01P104 # هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... الأسد أسد الشرى والبأس محتدم «1» # يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم ... خيم كريم وأيد بالندى هضم «2» # لا ينقص العسر بسطا من أكفهم ... سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا # أى الخلائق ليست في رقابهم ... لأولية هذا أو له نعم «3» # من يعرف الله يعرف أوليته ... فالدين من بيت هذا ناله الأمم # وليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم # وقد روى أن الحزين الكنانى وفد على عبد الله بن عبد الملك بن مروان وهو ~~أمير على مصر فأنشده قصيدة منها: # لما وقفت عليه في الجموع ضحى ... وقد تعرضت الحجاب والخدم # حيبته بسلام وهو مرتفق ... وضجة القوم عند الباب تزدحم «4» # فى كفه خيرزان ### | .... # - والبيت الذى يليه. # ويقال: إنها لداود بن سلم في قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن ~~عبد المطلب، وهو الذى يقول فيه الأخطل: # ولقد غدوت على التجار بمسمح ... هرت عواذله هرير الأكلب «5» # لذ يقبله النعيم، كأنما ... مسحت ترائبه بماء مذهب «6» # لباس أردية ms051 الملوك تروقه ... من كل مرتقب عيون الربرب «7» # ينظرن من خلل الستور إذا بدا ... نظر الهجان إلى الفنيق المصعب «8» # PageV01P105 # ويقال: بل قالها في على بن الحسين اللعين المنقرى، وسمى اللعين لأن عمر ~~سمعه ينشد شعرا والناس يصلون، فقال: من هذا اللعين؟ فعلق به هذا الاسم «1» ~~وليقله من شاء، فقد أحسن ما شاد وأجاد وزاد «2» . # وقال ذو الرمة في بلال بن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى: # من آل أبى موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكروان عاين بازيا «3» # فما يعرفون الضحك إلا تبسما ... ولا ينبسون القول إلا تناجيا «4» # وما الفحش منه يرهبون، ولا الخنا ... عليه، ولكن هيبة هي ماهيا # فتى السن، كهل الحلم، يسمع قوله ... يوازن أدناه الجبال الرواسيا # ومن أجود ما للمحدثين في ذلك قول أبى عبادة البحترى في الفتح ابن خاقان: # ولما حضرنا سدة الإذن أخرت ... رجال عن الباب الذى أنا داخله # فأفضيت من قرب إلى ذى مهابة ... أقابل بدر التم حين أقابله # بدا لى محمود السجية شمرت ... سرابيله عنه وطالت حمائله «5» # كما انتصب الرمح الردينى ثقفت ... أنابيبه واهتز للطعن عامله «6» # وكالبدر وافته لتم سعوده ... وتم سناه واستهلت منازله # فسلمت فاعتاقت جنانى هيبة ... تنازعنى القول الذى أنا قائله «7» # PageV01P106 # إلى مسرف في الجود لو أن حاتما ... لديه لأضحى حاتم وهو عاذله # فلما تأملت الطلاقة وانثنى ... إلى ببشر آنستنى مخايله «1» # دنوت فقبلت الندى من يد امرىء ... جميل محياه سباط أنامله «2» # صفت مثل ما تصفو المدام خلاله ... ورقت كما رق النسيم شمائله # ووقعت حرب بالجزيرة بين بنى تغلب، فتولى الإصلاح بينهم الفتح بن خاقان ~~فقال البحترى فيما تعلق بعضه بذكر الهيبة: # بنى تغلب أعزز على بأن أرى ... دياركم أمست وليس لها أهل «3» # خلت دمنة من ساكنيها وأوحشت ... مرابع من سنجار يهمى بها الوبل «4» # إذا ما التقوا يوم الهياج تحاجزوا ... وللموت فيما بينهم قسمة عدل # كفى من الأحياء لاقى كفيه ... ومثل من الأقوام زاحفه مثل «5» # إذا ما أخ جر الرماح انتهى له ... أخ لا بليد في الطعان ولا وغل «6» # تخوطهم البيض الرقاق، وضمر ... عتاق، ms052 وأنساب بها يدرك التبل «7» # بطعن يكب الدارعين دراكه ... وضرب كما ترغو المخزمة البزل «8» # تجافى أمير المؤمنين عن التى ... علمتم، وللجانين في مثلها الثكل «9» # PageV01P107 # وكانت يد الفتح بن خاقان عندكم ... يد الغيث عند الأرض أجدبها المحل «1» # ولولاه طلت بالعقوق دماؤكم ... فلا قود يعطى الأذل ولا عقل «2» # تلافيت يا فتح الأراقم بعد ما ... سقاهم بأوحى سمه الأرقم الصل «3» # وهبت لهم بالسلم باقى نفوسهم ... وقد أشرفوا أن يستتمهم القتل «4» # أتاك وفود الشكر يثنون بالذى ... تقدم من نعماك عندهم قبل # فلم أر يوما كان أكثر سوددا ... من اليوم ضمتهم إلى بابك السبل «5» # تراءوك من أقصى السماط فقصروا ... خطاهم، وقد جازوا الستور وهم عجل «6» # ولما قضوا صدر السلام تهافتوا ... على يد بسام سجيته البذل # إذا شرعوا في خطبة قطعتهم ... جلالة طلق الوجه جانبه سهل» # إذا نكسوا أبصارهم من مهابة ... ومالوا بلحظ خلت أنهم قبل «8» # نصبت لهم طرفا حديدا، ومنطقا ... سديدا، ورأيا مثل ما انتضى النصل «9» # وسلت سخيمات الصدور فعالك ... الكريم، وأبرا غلها قولك الفصل «10» # بك التأم الشعب الذى كان بينهم ... على حين بعد منه، واجتمع الشمل «11» # فما برحوا حتى تعاطت أكفهم ... قراك، فلا ضغن لديهم ولا ذحل «12» # وجروا ذيول العصب تضفو ذيولها ... عطاء كريم ما تكاءده بخل «13» # PageV01P108 # وما عمهم عمرو بن غنم بنسبة ... كما عمهم بالأمس نائلك الجزل # فمهما رأوا من غبطة في اصطلاحهم ... فمنك بها النعمى جرت ولك الفضل # عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط. # وللطائيين [أبى تمام والبحترى] فى ذلك أشعار كثيرة مختارة، منها قول ~~البحترى يحذر عاقبة الحرب «1» : # أما لربيعة الفرس انتهاء ... عن الزلزال فيها والحروب «2» # وكانوا رقعوا أيام سلم ... على تلك الضغائن والندوب «3» # إذا ما الجرح رم على فساد ... تبين فيه تفريط الطبيب # رزية هالك جلبت رزايا ... وخطب بات يكشف عن خطوب # يشق الجيب ثم يجىء أمر ... يصغر فيه تشقيق الجيوب # وقبر عن أيامن برقعيد ... إذا هي ناحرت أفق الجنوب «4» # يسح ترابه أبدا عليها ... عهادا من مراق دم صبيب «5» # فهل لابنى عدى من رشيد ... يرد شريد حلمهما العزيب ms053 «6» # أخاف عليهما إمرار مرعى ... من الكلإ الذى عقباه توبى «7» # وأعلم أن حربهما خبال ... على الداعى إليها والمجيب # لعل أبا المعمر يتليها ... ببعد الهم والصدر الرحيب «8» # PageV01P109 # فكم من سؤدد قد بات يعطى ... عطية مكثر فيها مطيب # أهيثم يابن عبد الله، دعوى ... مشير بالنصيحة أو مهيب «1» # تناس ذنوب قومك إن حفظ الذنوب ... إذا قد من من الذنوب «2» # فللسهم السديد أحب غبا ... إلى الرامى من السهم المصيب «3» # متى أحرزت نصر بنى عبيد ... إلى إخلاص ود بنى حبيب # فقد أصبحت أغلب تغلبى ... على أيدى العشيرة والقلوب # يناسب قوله: # إذا ما الجرح رم على فساد # قول أبى الطيب المتنبى لعلى بن إبراهيم التنوخى أحد بنى القصيص: # فلا تغررك ألسنة موال ... تقلبهن أفئدة أعادى «4» # وكن كالموت لا يرثى لباك ... بكى منه، ويروى وهو صاد # فإن الجرح ينغر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد «5» # وفي هذه القصيدة: # كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد # وقد صغت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد # كأن البيت الأول من هذين ينظر إلى قول مسلم بن الوليد من طرف خفى # ولو أن قوما يخلقون منية ... من بأسهم كانوا بنى جبريلا # قوم إذا احمر الهجير من الوغى ... جعلوا الجماجم للسيوف مقيلا «6» # PageV01P110 # وإنما أخذه [أبو الطيب] من قول منصور النميرى، وذكر سيفا: # ذكر، برونقه الدماء، كأنما ... يعلو الرجال بأرجوان ناقع «1» # وترى مساقط شفرتيه كأنها ... ملح تبدد من وراء الدراع # وتراه معتما إذا جردته ... بدم الرجال على الأديم الناقع «2» # وكأن وقعته بجمجمة الفتى ... خدر المدامة أو نعاس الهاجع «3» # أردت هذا البيت، وقول النميرى: # وتراه معتما إذا جردته # يشير إليه قول أبى الطيب، وذكر سيفا: # يبس النجيع عليه فهو مجرد ... من غمده وكأنما هو مغمد «4» # ريان لو قذف الذى أسقيته ... لجرى من المهجات بحر مزبد «5» # وبنو عبيد، وبنو حبيب- اللذان ذكرهما البحترى- هم: بنو عبيد ابن الحارث ~~بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وحبيب بن الهجرس ابن تيم بن سعد بن ~~جشم بن بكر بن حبيب بن ms054 عمرو بن غنم بن تغلب، وفيهم حبيب بن حرقة بن تغلب بن ~~بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، فلا أدرى أيهما أراد! # PageV01P111 # وقال البحترى: # أسيت لاخوالى ربيعة أن عفت ... مصايفها منها، وأقوت ربوعها «1» # بكرهى أن باتت خلاء ديارها ... ووحشا مغانيها، وشتى جميعها «2» # إذا افترقوا من وقعة جمعتهم ... دماء لأخرى ما يطل نجيعها «3» # تذم الفتاة الرود شيمة بعلها ... إذا بات دون الثأر وهو ضجيعها «4» # حمية شعب جاهلى وعزة ... كلابية أعيا الرجال خضوعها # وفرسان هيجاء تجيش صدورهم ... بأحقادها حتى تضيق دروغها # تقتل من وتر أعز نفوسها ... عليها بأيد ما تكاد تطيعها «5» # إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها # شواجر أرماح تقطع بينها ... شواجر أرحام ملوم قطوعها «6» # فكنت أمين الله مولى حياتها ... ومولاك فتح يوم ذاك شفيعها # وقال أبو تمام الطائى: # مهلا بنى مالك لا تجلبن إلى ... حى الأراقم ذؤلول ابنة الرقم «7» # لم يألكم مالك صفحا ومغفرة ... لو كان ينفخ قين الحي في فحم «8» # أخرجتموه بكره من سجيته ... والنار قد تنتضى من ناضر السلم «9» # أو طأتموه على جمر العقوق، ولو ... لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم «10» # PageV01P112 # لولا مناشدة القربى لغادركم ... حصائد المرهفين السيف والقلم # لا تجعلوا البغى ظهرا إنه جمل ... من القطيعة يرعى وادى النقم # وقال أيضا: # مهلا بنى عمرو بن غنم؛ إنكم ... هدف الأسنة والقنا تتحطم «1» # ما منكم إلا مردى بالحجى ... أو مبشر بالأحوذية مؤدم «2» # عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن ... سعد سهمكم لا يمهم «3» # خلقت ربيعة من لدن خلقت يدا ... جشم بن بكر كفها والمعصم «4» # تغزو فتغلب تغلب مثل اسمها ... وتسيح غنم في البلاد فتغنم # وستذكرون غدا صنائع مالك ... إن جل خطب أو تدوفع مغرم «5» # مالى رأيت ثراكم ببسالة ... مالى أرى أطوادكم تتهدم؟ «6» # ما هذه القربى التي لا تصطفى ... ما هذه الرحم التي لا ترحم؟ # حسد القرابة للقرابة قرحة ... أعيت عوائدها وجرح أقدم «7» # تلكم قريش لم تكن آباؤها ... تهفو ولا أجلامها تتقسم «8» # حتى إذا بعث النبى محمد ... فيهم غدت شحناؤهم تتضرم «9» # عزبت عقولهم، ms055 وما من معشر ... إلا وهم منه ألب وأحزم «10» # لما أقام الوحى بين ظهورهم ... ورأوا رسول الله أحمد منهم # PageV01P113 # ومن الحزامة لو تكون حزامة ... ألا تؤخر من به تتقدم «1» # ومالك هو: ابن طوق «2» بن مالك بن عتاب بن زفر بن مرة بن شريح ابن عبد ~~الله بن عمرو بن كلثوم بن مالك [بن عتاب] بن سعد بن [زهير ابن] جشم بن بكر ~~[بن وائل] بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وفيه يقول دعبل «3» يهجوه: # الناس كلهم يغدو لحاجته ... من بين ذى فرح منها ومهموم # ومالك ظل مشغولا بنسبته ... يرم منها بناء غير مرموم «4» # يبنى بيوتا خرابا لا أنيس بها ... ما بين طوق إلى عمرو ابن كلثوم # والتكثير من المعنى المعترض، يزيح عن ثغرة الغرض «5» ، لكنى أجرى منه إلى ~~حلبة الإجادة، وأقصد قصد الإفادة، ثم أعود حيث أريد. # وقال ابن الخياط المكى- واسمه عبد الله بن سالم- فى باب الهيبة، فى مالك ~~ابن أنس «6» الفقيه، رحمة الله عليه؛ وقيل: إن هذا من قول ابن المبارك: # PageV01P114 # يابى الجواب فما يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان «1» # أدب الوقار، وعز سلطان التقى، ... فهو المهيب وليس ذا سلطان # وقول الفرزدق: # يكاد يمسكه عرفان راحته # قد تجاذبه جماعة من الشعراء؛ قال أشجع بن عمرو السلمى «2» لجعفر البرمكى: ~~لأشجع السلمى # حبذا أنت قادما ترد الشام ... فتختال بين أرحل عيرك # إن أرضا تسرى إليها لو اسطاعت ... لسارت إليك من قبل سيرك # وإليه أشار أبو تمام الطائى في قوله: # ديمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثرى المكروب # لو سعت بقعة لإعظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب # وفى هذه القصيدة في وصف الديمة، ومدح محمد بن عبد الملك الزيات «3» : # PageV01P115 # لذ شؤيوبها وطاب فلو تس ... طيع قامت فعانقتها القلوب «1» # فهو ماء يجرى وماء يليه ... وعزال تنشا وأخرى تصوب «2» # أيها الغيث حى أهلا بمغدا ... ك وعند السرى وحين تؤوب «3» # لأبى جعفر خلائق تحكيهن قد يشبه النجيب النجيب وأنشدها أبا جعفر بن ~~الزيات، فقال: يا أبا تمام؛ والله إنك لتحلى شعرك من جواهر لفظك وبدائع ms056 ~~معانيك، ما يزيد حسنا على بهى الجواهر فى أجياد الكواعب؛ وما يدخر لك شىء ~~من جزيل المكافأة إلا يقصر عن شعرك في الموازنة. وكان بحضرته رجل من ~~الفلاسفة، فقال: هذا الفتى يموت شابا! فقيل له: من أين حكمت عليه بهذا؟ ~~فقال: رأيت فيه من الحدة والذكاء والفطنة مع لطافة الحس ما علمت به أن ~~النفس الروحانية تأكل عمره كما يأكل السيف المهند غمده! قال الصولى: مات ~~وقد نيف على الثلاثين. # وقال في أبى دلف العجلى القاسم بن محمد بن عيسى «4» : # تكاد عطاياه يجن جنونها ... إذا لم يعوذها بنغمة طالب # تكاد مغانيه تهش عراصها ... فتركب من شوق إلى كل راكب «5» # PageV01P116 # وقال البحترى: # لو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... فى وسعه لمشى إليك المنبر # وقال أبو الطيب المتنبى لبدر بن عمار: # طربت مراكبنا فخلنا أنها ... لولا حياء عاقها رقصت بنا # لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيية إليك الأغصنا ### | رجع ما انقطع # قال أعرابى لأبى جعفر محمد بن على بن الحسين «1» رضي الله عنه: هل رأيت ~~الله حين عبدته؟ فقال: لم أكن لأعبد من لم أره، قال: فكيف رأيته؟ # قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، ورأته القلوب بحقائق الإيمان، لا ~~يدرك بالحواس، ولا يشبه بالناس، معروف بالآيات، منعوت بالعلامات، لا يجوز ~~فى القضيات، ذلك الله الذى لا إله إلا هو. فقال الأعرابى: الله أعلم حيث ~~يجعل رسالته. # قال الجاحظ: قال محمد بن على: صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين؛ لأن ~~صلاح شأن جميع الناس [فى التعايش و] التعاشر وهو ملء مكيال: ثلثاه فطنة، ~~وثلثه تغافل. # قال الجاحظ: لم يجعل لغير الفطنة نصيبا من الخير، ولا حظا من الصلاح؛ لأن ~~الإنسان لا يتغافل عن شىء إلا وقد عرفه وفطن له، قال الطائى: # ليس الغبى بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابى # وقال ابن الرومى لأبى محمد بن وهب بن عبيد الله بن سليمان: # تظل إذا نامت عيون ذوى العمى ... وإن حددوا زرقا إليك جواحظا «2» # PageV01P117 # تغاضى لهم وسنان، بل متواسنا، ... وتوقظهم يقظان بل متياقظا ms057 «1» # [وأبو جعفر هذا هو الباقر] ، وكان أخوه زيد بن على رضي الله عنه دينا، ~~شجاعا، ناسكا، من أحسن بنى هاشم عبارة، وأجملهم شارة. # وكانت ملوك بنى أمية تكتب إلى صاحب العراق أن امنع أهل الكوفة من حضور ~~زيد بن على؛ فإن له لسانا أقطع من ظبة السيف وأحد من شبا الأسنة «2» ، ~~وأبلغ من السحر والكهانة «3» ، ومن كل نفث في عقدة. # وقيل لزيد بن على: الصمت خير أم الكلام؟ فقال: قبح الله المساكتة، ما ~~أفسدها للبيان، وأجلبها للعى والحصر «4» ! والله للمماراة أسرع في هدم العى ~~«5» من النار في يبس العرفج، ومن السيل إلى الحدور «6» . # وقال له هشام بن عبد الملك: بلغنى أنك تروم الخلافة وأنت لا تصلح لها ~~لأنك ابن أمة؟ قال زيد: فقد كان إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ابن أمة، ~~وإسحاق ابن حرة؛ فأخرج الله من صلب إسماعيل خير ولد آدم! فقال له: قم! ~~فقال: إذا والله لا ترانى إلا حيث تكره! فلما خرج من الدار قال: ما أحب أحد ~~الحياة قط إلا ذل، فقال له سالم مولى هشام: لا يسمعن هذا الكلام منك أحد، ~~وكان زيد كثيرا ما ينشد: # شرده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد «7» # منخرق الخفين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد «8» # PageV01P118 # قد كان فى الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد # وقد رويت هذه الأبيات لمحمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين، وقد رويت ~~لأخيه موسى. # قال عبد الرحمن بن يحيى بن سعيد: حدثنى رجل من بنى هاشم قال: كنا عند ~~محمد بن على بن الحسين، وأخوه زيد جالس، فدخل رجل من أهل الكوفة فقال له ~~محمد بن على: إنك لتروى طرائف من نوادر الشعر، فكيف قال الأنصارى لأخيه؟ ~~فأنشده: # لعمرك ما إن أبو مالك ... بوان ولا بضعيف قواه # ولا بألد له نازع ... يعادى أخاه إذا ما نهاه # ولكنه غير مخلافة ... كريم الطبائع حلو نثاه «1» # وإن سدته سدت مطواعة ... ومهما وكلت إليه كفاه # فوضع محمد يده على كتف زيد، فقال: هذه ms058 صفتك يا أخى؛ وأعيذك بالله أن تكون ~~قتيل أهل العراق! وكانت بين جعفر بن الحسن بن الحسين بن على وبين زيد رضوان ~~الله عليهم منازعة في وصية، فكانا إذا تنازعا انثال الناس عليهما ليسمعوا ~~محاورتهما؛ فكان الرجل يحفظ على صاحبه اللفظة من كلام جعفر، ويحفظ الآخر ~~اللفظة من كلام زيد. فإذا انفصلا وتفرق الناس عنهما قال هذا لصاحبه: قال في ~~موضع كذا وكذا، وقال الآخر: قال في موضع كذا وكذا؛ فيكتبون ما قالا، ثم ~~يتعلمونه كما يتعلم الواجب من الفرض، والنادر من الشعر، والسائر من المثل! ~~وكانا أعجوبة دهرهما وأحدوثة عصرهما. # ولما قتل زيدا يوسف بن عمر «2» وصلب جثته بالكناسة «3» وبعث برأسه # PageV01P119 # مع شبة بن عقال، وكلف آل أبى طالب البراءة من زيد، وقام خطباؤهم بذلك؛ ~~فكان أول من قام عبد الله بن الحسن بن الحسين بن على رحمة الله عليه فأوجز ~~فى كلامه ثم جلس، وقام عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ~~فأطنب- وكان شاعرا خطيبا لسنا ناسبا- فانصرف الناس وهم يقولون: ابن الطيار ~~من أخطب الناس، فقيل لعبد الله بن الحسن في ذلك؛ فقال: لو شئت أن أقول ~~لقلت، ولكن لم يكن مقام سرور، وإنما كان مقام مصيبة! وعبد الله هذا هو: أبو ~~محمد وإبراهيم الخارجين على أبى جعفر المنصور، وهو القائل لابنه محمد أو ~~إبراهيم: أى بنى! إنى مؤد حق الله في تأديبك، فأد إلى حق الله في الاستماع ~~منى؛ أى بنى! كف الأذى، وارفض البذى «1» واستعن على الكلام بطول الفكر في ~~المواطن التي تدعوك فيها نفسك إلى الكلام، فإن للقول ساعات يضر فيها الخطأ، ~~ولا ينفع فيها الصواب، واحذر شورة الجاهل. وإن كان ناصحا، كما تحذر مشورة ~~العاقل إذا كان غاشا؛ لأنه يرديك بمشورته؛ واعلم يا بنى أن رأيك إذا احتجت ~~إليه وجدته نائما، ووجدت هواك يقظان، فإياك أن تستبد برأيك، فإنه حينئذ ~~هواك؛ ولا تفعل فعلا إلا وأنت على يقين أن عاقبته لا ترديك، وأن نتيجته لا ~~تجنى عليك. # وهو القائل: ms059 إياك ومعاداة الرجال فإنك لن تعدم مكر حليم، أو معاداة لئيم. # وكتب إلى صديق له: أوصيك بتقوى الله تعالى، فإن الله تعالى جعل لمن اتقاه ~~المخرج من حيث يكره، والرزق من حيث لا يحتسب وعبد الله هو القائل: # PageV01P120 # أنس حرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام «1» # يحسبن من لين الحديث دوانيا ... ويصدهن عن الخنا الإسلام «2» # قال: وهذا كما روى أن عبد الملك بن مروان استقبل عمر بن عبد الله بن أبى ~~ربيعة المخزومى، فقال له: قد علمت قريش أنك أطولها صبوة، وأبعدها توبة، ~~ويحك! أمالك في نساء قريش ما يكفيك من نساء بنى عبد مناف «3» ؟ # ألست القائل: # نظرت إليها بالمحصب من منى ... ولى نظر لولا التحرح عارم «4» # فقلت: أصبح أم مصابيح راهب ... بدت لك خلف السجف أم أنت حالم «5» # بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم «6» # فقال: يا أمير المؤمنين، فإن بعد هذا: # طلبن الهوى حتى إذا ما وجدنه ... صدرن وهن المسلمات الكرائم «7» # فاستحيا منه عبد الملك، وقضى حوائجه ووصله. # وقال آخر في هذا المعنى: # تعطلن إلا من محاسن أوجه ... فهن حوال في الصفات عواطل «8» # كواس عوار صامتات نواطق ... بعف الكلام باخلات بواذل «9» # برزن عفافا واحتجبن تسترا ... وشيب بحق القول منهن باطل «10» # PageV01P121 # فذو الحلم مرتاد وذو الجهل طامع ... وهن عن الفحشاء حيد نواكل «1» # وقال العديل بن الفرخ فيما يتطرف طرفا من هذا المعنى: # لعب النعيم بهن في أطلاله ... حتى لبسن زمان عيش غافل «2» # يأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... فإذا عطلن فهن غير عواطل # وإذا خبأن خدودهن أريننى ... حدق المها وأخذن نبل القاتل «3» # يرميننا لا يستترن بجنة ... إلا الصبا وعلمن أين مقاتلى «4» # يلبسن أردية الشباب لأهلها ... ويجر باطلهن ذيل الباطل # وتعرض لعبد الله بن الحسن رجل بما يكره، فقال فيما أنشده ثعلب: # أظنت سفاها من سفاهة رأيها ... أن اهجوها لما هجتنى محارب «5» # فلا وأبيها إننى بعشيرتى ... ونفسى عن ذاك المقام لراغب «6» # وأنشد هذين البيتين أبو العباس المبرد لرجل لم يسمه في رجل يعرف بابن ~~البعير، وقبلهما: # يقولون ms060 أبناء البعير وما لهم ... سنام ولا في ذروة المجد غارب «7» # وساير عبد الله بن الحسن أبا العباس السفاح بظهر مدينة الأنبار وهو ينظر ~~إلى بناء قد بناه أبو العباس ويدور به، فأنشد عبد الله: # ألم تر جوشنا لما تبنى ... بناء نفعه لبنى بقيله # يؤمل أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كل ليله # وكان أبو العباس له مكرما، ولحقه معظما؛ فتبسم مغضبا، وقال: لو علمنا # PageV01P122 # لاشترطنا حق المسايرة! فقال عبد الله: بوادر الخواطر، وأغفال المسانح؛ ~~والله ما قلتها عن روية، ولا عارضنى فيها فكر؛ وأنت أجل من أقال، وأولى من ~~صفح، قال: صدقت؛ خذ في غير هذا. # ولما قتل المنصور ابنه محمدا- وكان عبد الله في السجن- بعث برأسه إليه مع ~~الربيع حاجبه؛ فوضع بين يديه، فقال: رحمك الله أبا القاسم فقد كنت من ~~«الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به ~~أن يوصل، ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب» ! ثم تمثل: # فتى كان يحميه من الذل سيفه ... ويكفيه سوءات الأمور اجتنابها # ثم التفت إلى الربيع فقال له: قل لصاحبك قد مضى من بؤسنا مدة، ومن نعيمك ~~مثلها؛ والموعد الله تعالى! قال الربيع: فما رأيت المنصور قط أكثر انكسارا ~~منه حين أبلغته الرسالة «1» . # أخذ العباس بن الأحنف «2» هذا المعنى، وقيل: عمارة بن عقيل بن بلال ابن ~~جرير» # فقال: # فإن تلحظى حالى وحالك مرة ... بنظرة عين عن هوى النفس تحجب # تجد كل يوم مر من بؤس عيشتى ... يمر بيوم من نعيمك يحسب # ولما قتل المنصور محمد بن عبد الله اعترضته امرأة معها صبيان، فقالت: # يا أمير المؤمنين، أنا امرأة محمد بن عبد الله، وهذان ابناه، أيتمهما ~~سيفك، وأضرعهما خوفك «4» . فناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تصعر لهما ~~خدك، # PageV01P123 # أو ينأى عنهما رفدك «1» ؛ ولتعطفك عليهما شوابك النسب، وأواصر الرحم «2» ~~فالتفت إلى الربيع، فقال: اردد عليهما ضياع أبيهما، ثم قال: كذا والله أحب ~~أن تكون نساء بنى هاشم. # وكان أهل المدينة لما ظهر محمد أجمعوا على حرب المنصور، ونصر محمد؛ فلما ms061 ~~ظفر المنصور أحضر جعفر بن محمد بن على بن الحسين الصادق، فقال له: # قد رأيت إطباق أهل المدينة على حربى، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يغور ~~عيونهم «3» ، ويجمر نخلهم «4» . فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين؛ إن سليمان ~~أعطى فشكر، وإن أيوب ابتلى فصبر، وإن يوسف قدر فغفر؛ فاقتد بأيهم شئت، وقد ~~جعلك الله من نسل الذين يعفون ويصفحون، فقال أبو جعفر: # إن أحدا لا يعلمنا الحلم، ولا يعرفنا العلم، وإنما قلت هممت، ولم ترنى ~~فعلت؛ وإنك لتعلم أن قدرتى عليهم تمنعنى من الإساءة إليهم. # وعزى جعفر بن محمد رجلا، فقال: أعظم بنعمة في مصيبة جلبت أجرا وأفظع ~~بمصيبة في نعمة أكسبت كفرا هذا كقول الطائى: # قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنعم # وكان جعفر بن محمد يقول: إنى لأملق أحيانا فأتاجر الله بالصدقة فيربحنى. # وقال جعفر رضي الله عنه: من تخلق بالخلق الجميل وله خلق سوء أصيل فتخلقه ~~لا محالة زائل، وهو إلى خلقه الأول آيل، كطلى الذهب على النحاس ينسحق وتظهر ~~صفرته للناس. # وهذا كقول العرجى: # يأيها المتحلى غير شيمته ... ومن خلائقه الإقصار والملق «5» # PageV01P124 # ارجع إلى خلقك المعروف وارض به ... إن التخلق يأتى دونه الخلق «1» # وكان يقول: ما توسل إلى أحد بوسيلة هي أقرب إلى من يد سبقت منى إليه ~~أتبعها أختها لتحسن ربها وحفظها «2» ؛ لأن منع الأواخر يقطع لسان الأوائل. # وقيل لجعفر رحمه الله: إن أبا جعفر المنصور لا يلبس مذ صارت إليه الخلافة ~~إلا الخشن، ولا يأكل إلا الجشب «3» . فقال: يا ويحه! مع ما مكن له من ~~السلطان، وجبى إليه من الخراج! قالوا: إنما يفعل ذلك بخلا وجمعا للمال. # فقال: الحمد لله الذى حرمه من دنياه ما ترك له من دينه. انتهى. # قال: ومن دعاء جعفر رضي الله عنه: اللهم إنك بما أنت أهل له من العفو ~~أولى بما أنا أهل له من العقوبة. # وكان عبد الله [بن معاوية بن عبد الله] بن جعفر عالما، ناسبا، وكان خطيبا ~~مفوها، وشاعرا مجيدا، وكتب ms062 إلى بعض إخوانه: # أما بعد، فقد عاقنى الشك في أمرك عن عزيمة الرأى فيك، وذلك أنك ابتدأتنى ~~بلطف عن غير خبرة؛ ثم أعقبتنى جفاء عن غير جريرة؛ فأطمعنى أولك فى إخائك، ~~وأيأسنى آخرك عن وفائك؛ فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك اطراحا، ولا أنا في ~~غد وانتظاره منك على ثقة؛ فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الشك في أمرك عن ~~عزيمة الرأى فيك؛ فاجتمعنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف، والسلام. # وهو القائل: # رأيت فضيلا كان شيئا ملفعا ... فكشفه التمحيص حتى بدا ليا «4» # PageV01P125 # فأنت أخى ما لم تكن لى حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا # كلانا غنى عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا # فلا زاد ما بينى وبينك بعد ما ... بلوتك في الحاجات إلا تماديا # فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدى المساويا # والقائل أيضا: # لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتكل # نبنى كما كانت أوائلنا ... تبنى ونفعل مثل ما فعلوا # وهذا كقول عامر بن الطفيل، قال أبو الحسن على بن سليمان الأخفش: # أنشدنى محمد الحسن بن الحرون لعامر بن الطفيل «1» : # تقول ابنة العمرى: مالك بعد ما ... أراك صحيحا كالسليم المعذب «2» # فقلت لها: همى الذى تعرفينه ... من الثأر في حيى زبيد وأرحب # إن اغز زبيدا أغز قوما أعزة ... مركبهم في الحى خير مركب # وإن أغز حيى خثعم فدماؤهم ... شفاء وخير الثأر للمتأوب «3» # فما أدرك الأوتار مثل محقق ... بأجرد طاو كالعسيب المشذب «4» # PageV01P126 # وأسمر خطى وأبيض باتر ... وزغف دلاص كالغدير المثوب «1» # وإنى وإن كنت ابن سيد عامر ... وفي السر منها والصريح المهذب # فما سودتنى عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # ولكننى أحمى حماها، وأتقى ... أذاها، وأرمى من رماها بمنكب # وقال أيضا يهنىء بعض الهاشميين بإملاك «2» : زاد الله في نعمته، وبارك فى ~~فواضله، وجميل نوافله؛ ونسأل الله- الذى قسم لكم ما تحبون من السرور- أن ~~يجنبكم ما تكرهون من المحذور، ويجعل ما أحدثه لكم زينا، ومتاعا حسنا، ورشدا ~~ثابتا، ويجعل سبيل ما ms063 أصبحت عليه، تماما لصالح ما سموت إليه؛ من اجتماع ~~الشمل، وحسن موافقة الأهل؛ ألف الله ذلك بالصلاح، وتممه بالنجاح، ومد لك في ~~ثروة العدد، وطيب الولد، مع الزيادة في المال، وحسن السلامة في الحال، وقرة ~~العين، وصلاح ذات البين. # وهجا أبو عاصم محمد بن حمزة الأسلمى المدنى الحسن بن زيد بن الحسين «3» ~~بن على ابن أبى طالب رحمة الله عليه، فقال: # له حق وليس عليه حق ... ومهما قال فالحسن الجميل # وقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لغيره وهو الرسول # فلما ولى الحسن المدينة أتاه متنكرا في زى الأعراب، فقال: # ستأتى مدحتى الحسن بن زيد ... وتشهد لى بصفين القبور «4» # قبور لم تزل مذ غاب عنها ... أبو حسن تعاديها الدهور # قبور لو بأحمد أو على ... يلوذ مجيرها حمى المجير # هما أبواك من وضعا فضعه ... وأنت برفع من رفعا جدير # PageV01P127 # فقال: من أنت؟ قال: أنا الأسلمى. قال: ادن حياك الله! وبسط له رداءه، ~~وأجلسه عليه، وأمر له بعشرة آلاف درهم. # وكان الحسن بن زيد قد عود داود بن سلم مولى بنى تيم أن يصله، فلما مدح ~~داود جعفر بن سليمان بن على- وكان بينه وبين الحسن بن زيد تباعد- أغضبه ذلك ~~«1» ، وقدم الحسن من حج أو عمرة، فدخل عليه داود بن سلم مهنئا، فقال: # أنت القائل في جعفر بن سليمان بن على: # وكنا حديثا قبل تأمير جعفر ... وكان المنى في جعفر أن يؤمرا «2» # حوى المنبرين الطاهرين كليهما ... إذا ما خطا عن منبر أم منبرا «3» # كأن بنى حواء صفوا أمامه ... فخير في أنسابهم فتخيرا # فقال داود: نعم، جعلنى الله فداك، فكنتم خيرة اختياره! وأنا القائل: # لعمرى لئن عاقبت أو جدت منعما ... بعفو عن الجانى وإن كان معذرا «4» # لأنت بما قدمت أولى بمدحة ... وأكرم فخرا إن فخرت وعنصرا # هو الغرة الزهراء من فرع هاشم ... ويدعو عليا ذا المعالى وجعفرا «5» # وزيد الندى والسبط سبط محمد ... وعمك بالطف الزكى المطهرا # وما نال منها جعفر غير مجلس ... إذا ما نفاه العزل عنه تأخرا «6» # بحقكم نالوا ذراها وأصبحوا ... يرون به عزا ms064 عليكم ومظهرا # فعادله الحسن بن زيد إلى ما كان عليه، ولم يزل يصله ويحسن إليه إلى أن ~~مات. # PageV01P128 # وقوله: «وإن كان معذرا» ، لأن جعفرا أعطاه على أبياته الثلاثة ألف دينار. # ولما ولى الحسن بن زيد المدينة دخل عليه إبراهيم بن على بن هرمة، فقال له ~~الحسن: يا إبراهيم؛ لست كمن باع لك دينه رجاء مدحك، أو خوف ذمك، فقد رزقنى ~~الله تعالى بولادة نبيه صلى الله عليه وسلم الممادح، وجنبنى المقابح، وإن ~~من حقه على ألا أغضى على تقصير في حق وجب؛ وأنا أقسم لئن أتيت بك سكران ~~لأضربنك حدا للخمر، وحدا للسكر؛ ولأزيدن لموضع حرمتك بى، فليكن تركك لها ~~لله عز وجل تعن عليه، ولا تدعها للناس فتوكل إليهم. # فنهض ابن هرمة، وهو يقول: # نهانى ابن الرسول عن المدام ... وأدبنى بآداب الكرام # وقال لى أصطبر عنها ودعها ... لخوف الله لا خوف الأنام # وكيف تصبرى عنها وحبى ... لها حب تمكن في عظامى # أرى طيف الخيال على خبثا ... وطيب العيش في خبث الحرام # وكان إبراهيم منهوما في الخمر، وجلده خيثم بن عراك «1» صاحب شرطة المدينة ~~لرباح بن عبد الله الحارثى في ولاية أبى العباس. # ولما وفد على أبى جعفر المنصور ومدحه استحسن شعره ووصله، وقال له: # سل حاجتك، قال: تكتب لى إلى عامل المدينة ألا يحدنى إذا أتى بى سكران ~~فقال أبو جعفر: هذا حد من حدود الله تعالى لا يجوز أن أعطله، قال: فاحتل لى ~~يا أمير المؤمنين! فكتب إلى عامل المدينة: «من أتاك بابن هرمة سكران فاجلده ~~مائة، واجلد ابن هرمة ثمانين» . # فكان الشرط يمرون به مطروحا في سكك المدينة، فيقولون: من يشترى مائة ~~بثمانين؟! وقال موسى بن عبد الله «2» بن على بن أبي طالب: # PageV01P129 # إذا أنا لم أقبل من الدهر كل ما ... تكرهت منه طال عتبى على الدهر # إلى الله كل الأمر في الخلق كلهم ... وليس إلى المخلوق شىء من الأمر # تعودت مس الضر حتى ألفته ... وأسلمنى طول البلاء إلى الصبر # ووسع صدرى للأذى الأنس بالأذى ... وإن كنت ms065 أحيانا يضيق به صدرى # وصيرنى يأسى من الناس راجيا ... لسرعة لطف الله من حيث لا أدرى # وموسى بن عبد الله هو القائل: # تولت بهجة الدنيا ... فكل جديدها خلق «1» # وخان الناس كلهم ... فما أدرى بمن أثق # رأيت معالم الخيرا ... ت سدت دونها الطرق # فلا حسب ولا نسب ... ولا دين ولا خلق # فلست مصدق الأقوا ... م في شىء وإن صدقوا # وكان المنصور حبسه لخروجه عليه مع أخويه، ثم ضربه ألف سوط، فما نطق بحرف ~~واحد؛ فقال الربيع: عذرت هؤلاء الفساق في صبرهم؛ فما بال هذا الفتى الذى ~~نشأ في النعمة والدعة؟ فقال: # إنى من القوم الذين يزيدهم ... جلدا وصبرا قسوة السلطان # وولدت هند بنت أبى عبيدة بن عبد الله بن زمعة موسى، ولها ستون سنة، ولا ~~يعلم امرأة ولدت بنت ستين سنة إلا قرشية. # اجتاز على بن محمد العلوى بالجسر بحدثان «2» قتل عمر بن يحيى بن عبد الله ~~ابن الحسين، وقاتله الحسين بن إسماعيل هناك قد جرد رجلا للقتل، فلما رأت أم ~~الرجل عليا سألته أن يشفع فيه، فمال على إلى الحسين فأنشده: # PageV01P130 # قتلت أبر من ركب المطايا ... وجئتك أستلينك بالكلام # وعز على أن ألقاك إلا ... وفيما بيننا حد الحسام # ولكن الجناح إذا أصيبت ... قوادمه يرف على الإكام «1» # فقال له: وما حاجتك؟ قال: العفو عن ابن هذه المرأة! فتركه. # وسئل العباس بن الحسين عن رجل، فقال لجليسه: أطرب من الإبل على الحداء، ~~ومن الثمل على الغناء. # وذكر العباس رجلا فقال: ما الحمام على الأحرار، وطول السقم في الأسفار، ~~وعظم الدين على الإقتار، بأشد من لقائه. # وقال العباس بن الحسين للمأمون: يا أمير المؤمنين؛ إن لسانى ينطلق بمدحك ~~غائبا، وقد أحببت أن يتزيد عندك حاضرا، أفتأذن لى يا أمير المؤمنين في ~~الكلام؟ فقال له: قل؛ فو الله إنك لتقول فتحسن، وتحضر فتزبن، وتغيب فتؤتمن، ~~فقال: ما بعد هذا كلام يا أمير المؤمنين! أفتأذن بالسكوت؟ قال: إذا شئت. # وذكر رجلا بليغا فقال: ما شبهت كلامه إلا بثعبان ينهال بين رمال، وماء ~~يتغلغل بين جبال. ms066 # وسمع المنتجع بن نبهان كلام العباس بن الحسين، فقال: هذا كلام يدل سائره ~~على غابره «2» وأوله على آخره. # وسأل المأمون العباس بن الحسين عن رجل؟ فقال: رأيت له حلما وأناة، ولم ~~أسمع لحنا ولا إحالة «3» ؛ يحدثك الحديث على مطاويه «4» ، وينشدك الشعر على ~~مدارجه. # PageV01P131 # وكان المأمون يقول: من أراد أن يسمع لهوا بلا حرج فليسمع كلام العباس ~~والعباس بن الحسين بن أشعر الهاشميين؛ وهو يعد في طبقة إبراهيم ابن المهدى، ~~وهو القائل: # أتاح لك الهوى بيض حسان ... سبينك بالعيون وبالشعور «1» # نظرت إلى النحور فكدت تقضى ... وأولى لو نظرت إلى الخصور «2» # وهو القائل أيضا: # صادتك من بعض القصور ... بيض نواعم في الخدور # حور تحور إلى صبا ... ك بأعين منهن حور «3» # وكأنما بثغورهن ... جنى الرضاب من الخمور «4» # يصبغن تفاح الخدو ... د بماء رمان الصدور # وهو: العباس بن الحسين بن عبيد الله بن العباس بن على بن أبى طالب رضي ~~الله عنه، وأم عبيد الله جدة بنت عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب عم ~~محمد بن على أبى الخلفاء. # وكان الرشيد والمأمون يقربان العباس غاية التقريب؛ لنسبه وأدبه؛ قال أبو ~~دلف: دخلت على الرشيد وهو في طارمة على طنفسة «5» ومعه عليها شيخ جميل ~~المنظر؛ فقال لى الرشيد: يا قاسم؛ ما خبر أرضك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ~~خراب يباب، أخربها الأكراد والأعراب. فقال قائل: هذا آفة الجبل، وهو أفسده، ~~فقلت: أنا أصلحه، قال الرشيد: وكيف ذلك؟ قلت: أفسدته وأنت على وأصلحه وأنت ~~معى! قال الشيخ: إن همته لترمى به من وراء سنه # PageV01P132 # مرمى بعيدا؛ فسألت عن الشيخ فقيل: العباس بن الحسين، وكان أبو دلف ذلك ~~الوقت صغير السن. # ولقى موسى بن جعفر «1» رضي الله عنه محمد بن الرشيد الأمين بالمدينة ~~وموسى على بغلة، فقال للفضل بن الربيع: عاتب هذا، فقال له الفضل: كيف لقيت ~~أمير المؤمنين على هذه الدابة التي إن طلبت عليها لم تسبق، وإن طلبت عليها ~~تلحق، فقال: لست أحتاج أن أطلب، ولا إلى أن أطلب؛ ولكنها دابة تنحط عن ~~خيلاء الخيل، ms067 وترتفع عن ذلة العير «2» ، وخير الأمور أوسطها. # أصيب على بن موسى بمصيبة، فصار إليه الحسن بن سهل، فقال: إنا لم نأتك ~~معزين؛ بل جئناك مقتدين؛ فالحمد لله الذى جعل حياتكم للناس رحمة، ومصائبكم ~~لهم قدوة. # وكان على بن موسى الرضا رحمه الله قد ولاه المأمون عهده، وعقد له الخلافة ~~بعده، ونزع السواد عن بنى العباس، وأمرهم بلباس الخضرة «3» ، ومات على بن ~~موسى فى حياة المأمون بطوس، فشق [المأمون] قبر الرشيد ودفن فيه تبركا به، ~~وكان الرشيد قد مات بطوس فدفن هناك «4» ؛ ولذلك قال دعبل بن على الخزاعى: # اربع بطوس على قبر الزكى بها ... إن كنت تربع من دين على وطر «5» # ما ينفع الرجس من قرب الزكى، ولا ... على الزكى بقرب الرجس من ضرر # هيهات كل امرىء رهن بما كسبت ... له يداه فخذ من ذاك أو فذر # PageV01P133 # قبران في طوس: خير الناس كلهم ... وقبر شرهم، هذا من العبر # وكان دعبل مداحا لأهل البيت، كثير التعصب لهم، والغلو فيهم. وله المرثية ~~المشهورة، وهي من جيد شعره، وأولها: # مدارس آيات عفت من تلاوة ... ومنزل وحى مقفر العرصات «1» # لآل رسول الله بالخيف من منى ... وبالبيت والتعريف والجمرات # ديار على والحسين وجعفر ... وحمزة والسجاد ذى الثفنات # قفا نسأل الدار التي خف أهلها ... متى عهدها بالصوم والصلوات # وأين الأولى شطت بهم غربة النوى ... أفانين في الآفاق مفترقات «2» # أحب قصى الدار من أجل حبهم ... وأهجر فيهم أسرتى وثقاتى # وهي طويلة. # ولما دخل المأمون بغداد أحضر دعبلا بعد أن أعطاه الأمان، وكان قد هجاه ~~وهجا أباه، فقال: يا دعبل، من الحضيض الأوهد! فقال: يا أمير المؤمنين، قد ~~عفوت عمن هو أشد جرما منى! أراد المأمون قول دعبل يهجوه: # إنى من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرفتك بمقعد # شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد # يفتخر عليه بقتل طاهر بن الحسين بن مصعب ذى اليمينين أخاه محمدا، وطاهر ~~مولى لخزاعة، فاستنشده هذه القصيدة التائية «3» ، فاستعفاه، فقال: لا بأس ~~عليك، وقد رويتها، وإنما أحببت أن أسمعها منك، فأنشدها ms068 دعبل؛ فلما انتهى ~~إلى قوله: # ألم تر أنى مذ ثلاثين حجة ... أروح وأغدو دائم الحسرات # PageV01P134 # أرى فيئهم في غيرهم متقسما ... وأيديهم من فيئهم صفرات «1» # إذا وتروا مدوا إلى أهل وترهم ... أكفا عن الأوتار منقبضات # وآل رسول الله نحف جسومهم ... وآل زياد غلظ القصرات «2» # بنات زياد في القصور مصونة ... وبنت رسول الله في الفلوات # بكى المأمون، وجدد له الأمان، وأحسن له الصلة. # والشىء يستدعى ما قرع بابه، وجذب أهدابه «3» ، قال سليمان بن قتيبة: # مررت على أبيات آل محمد ... فلم أر ما عهدى بها يوم حلت «4» # فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت من أهلها قد تخلت «5» # وكانوا رجاء ثم عادوا رزية ... ألا عظمت تلك الرزايا وجلت «6» # وإن قتيل الطف من آل هاشم ... أذل رقاب المسلمين فذلت «7» # ويشبه قوله: «وكانوا رجاء ثم عادوا رزية» قول امرأة من العرب مرت بالجسر ~~بجثة جعفر بن يحيى البرمكى مصلوبا «8» ؛ فقالت: لئن أصبحت نهاية في البلاء، ~~لقد كنت غاية في الرجاء. ### | ألفاظ لأهل العصر في أوصاف الأشراف لها في هذا الموضع موقع # فلان من شرف العنصر الكريم، ومعدن الشرف الصميم. أصل راسخ، # PageV01P135 # وفرع شامخ، ومجد باذخ «1» ، وحسب شادخ. # فلان كريم الطرفين، شريف الجانبين، قد ركب الله دوحته في قرارة المجد، ~~وغرس نبعته في محل الفضل. أصل شريف، وعرق كريم، ومغرس عظيم، ومغرز صميم. ~~المجد لسان أوصافه، والشرف نسب أسلافه. نسب فخم، وشرف ضخم. يستوفى شرف ~~الأرومة «2» بكرم الأبوة والأمومة، وشرف الخؤولة والعمومة. ما أتته المحاسن ~~عن كلالة «3» ولا ظفر بالهدى عن ضلالة، بل تناول المجد كابرا عن كابر، وأخذ ~~الفخر عن أسرة ومنابر: # شرف تنقل كابرا عن كابر ... كالرمح أنبوبا على أنوب «4» # استقى عرقه من منبع النبوة، ورضعت شجرته من ثدى الرسالة، وتهدلت أغصانه ~~عن نبعه الإمامة، وتبحبحت أطرافه في عرصة الشرف والسيادة «5» ، وتفقأت ~~بيضته عن سلالة الطهارة «6» ، قد جذب القرآن بضبعه «7» وشق الوحى عن بصره ~~وسمعه، مختار من أكرم المناسب، منتخب من أشرف العناصر، مرتضى من أعلى ~~المحاتد «8» ، مؤثر من أعظم العشائر، قد ورث الشرف ms069 جامعا عن جامع، وشهد له ~~نداء الصوامع، هو من مضر في سويداء قلبها، ومن هاشم في سواد طرفها، ومن ~~الرسالة في مهبط وحيها، ومن الإمامة في موقف عزها، ينزع إلى المحامد بنفس ~~وعرق، ويحن إلى المكارم بوراثة وخلق؛ يتناسب أصله وفرعه، ويتناصف نجره ~~وطبعه، وهو الطيب أصله وفرعه، الزاكى بذره وزرعه، يجمع # PageV01P136 # إلى عز النصاب، مزية الآداب، لا غرو أن يجرى الجواد على عرقه، وتلوح ~~مخايل الليث في شبله، ويكون النجيب فرعا مشيدا لأصله. له مع نباهة شرفه، ~~نزاهة سلفه، ومع كرم أرومته وحزمه، مزية أدبه وعلمه، لن تخلف ثمرة غرس ~~ارتيد لها من المنابت أزكاها، ومن المغارس أطيبها وأغذاها وأنماها؛ قد جمع ~~شرف الأخلاق، إلى [شرف الأعراق، وكرم الآداب، إلى] كرم الأنساب؛ له في ~~المجد أول وآخر، وفي الكرم تليد وطارف، وفي الفضل حديث وقديم؛ لا غرو أن ~~يغمر فضله، وهو نجل الصيد الأكارم، أو يغزر علمه وهو فيض البحور الخضارم ~~«1» دوحة رسب عرقها، وسمق فرعها «2» ، وطاب عودها، واعتدل عمودها، وتفيأت ~~ظلالها، وتهدلت ثمارها، وتفرعت أغصانها، وبرد مقيلها. مجد يلحظ الجوزاء من ~~عال، ويطول النجم كل مطال. شرف تضع له الأفلاك خدودها وجباهها، وتلثم ~~النجوم أرضه بأفواهها وشفاهها. نسب المجد به عريق، وروض الشرف به أنيق. ~~ولسان الثناء بفضله نطوق. فلك المجد عليه يدور، ويد العلا إليه تشير. محله ~~شاهق، ومجده باسق. # PageV01P137 ### | بدء الكتاب # قد تم ما استفتحت به التأليف، وجعلته مقدمة التصنيف، مع ما اقترن به، ~~وانضاف إليه، والتف به، وانعطف عليه، ورأيت أن أبتدىء مقدمات البلاغات بغرر ~~التحاميد وأوصافها «1» ، وما يتعلق بأثنائها وأطرافها. # وقد قال سهل بن هارون في أول كتاب عمله: يجب على كل مبتدىء مقالة أن ~~يبتدىء بحمد الله قبل استفتاحها، كما بدىء بالنعمة قبل استحقاقها. # ولأهل العصر: أولى ما فغر به الناطق فمه «2» وافتتح به كلمه، حمد الله جل ~~ثناؤه، وتقدست أسماؤه. حمد الله خير ما ابتدىء به القول وختم، وافتتح به ~~الخطاب وتمم. # وقال أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله: إن الله ms070 جل ثناؤه لا يمثل ~~بنظير، ولا يغلب بظهير «3» ، جل عن موقع تحصيل أدوات البشر، ولطف عن ألحاظ ~~خطرات الفكر، لا يحمد إلا بتوفيق منه يقتضى حمدا، فمتى تحصى نعماؤه، وتكافأ ~~آلاؤه؟ عجز أقصى الشكر عن أداء نعمته، وتضاءل ما خلق في سعة قدرته؛ قدر ~~فقدر، وحكم فأحكم؛ وجعل الدين جامعا لشمل عباده، والشرائع منارا على سبيل ~~طاعته؛ يتبعها أهل اليقين به، ويحيد عنها أهل الشك فيه. # أخذ أبو العباس قوله: «ولا يحمد إلا بتوفيق منه يقتضى حمدا» من قول محمود ~~بن الحسن الوراق: # إذا كان شكرى نعمة الله نعمة ... على له في مثلها يجب الشكر # فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر # PageV01P138 # إذا عم بالسراء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر # فما منهما إلا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والبر والبحر # وإنما أخذه محمود من قول أبى العتاهية: # أحمد الله فهو ألهمنى الحمد ... على الحمد والمزيد لديه # كم زمان بكيت فيه فلما ... صرت في غيره بكيت عليه # وقد اضطربت الرواية في هذين البيتين وقائلهما، وهذا البيت الثانى كثير ~~«1» ، قال إبراهيم بن العباس: # كذاك أيامنا لا شك نندبها ... إذا تقضت ونحن اليوم نشكوها # آخر: # وما مر يوم أرتجى فيه راحة ... فأفقده إلا بكيت على أمس # ومحمود هو القائل أيضا: # تعصى الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن أحب مطيع # وكان كثيرا ما ينقل أخبار الماضين، وحكم المتقدمين، فيحلى بها نظامه، ~~ويزين بها كلامه، وهو القائل: # إنى وهبت لظالمى ظلمى ... وشكرت ذاك له على علمى # ورأيته أسدى إلى يدا ... لما أبان بجهله حلمى # رجعت إساءته عليه، ولى ... فضل فعاد مضاعف الجرم # فكانما الإحسان كان له ... وأنا المسىء إليه في الزعم # ما زال يظلمنى وأرحمه ... حتى رثيت له من الظلم # PageV01P139 # وهو القائل: # أرانى إذا ما ازددت مالا وثروة ... وخيرا إلى خير تزيدت في الشر # فكيف بشكر الله إن كنت إنما ... أقوم مقام الشكر لله بالكفر # بأى اعتذار أو ms071 بأية حجة ... يقول الذى يدرى من الأمر ما أدرى # إذا كان وجه العذر ليس ببين ... فإن اطراح العذر خير من العذر ### | [البيان والبلاغة] # ولابن المعتز: البيان ترجمان القلوب، وصيقل العقول، ومجلى الشبهة، وموجب ~~الحجة، والحاكم عند اختصام الظنون، والمفرق بين الشك واليقين، وهو من سلطان ~~الرسل الذى انقاد به المصعب «1» ، واستقام الأصيد «2» ، وبهت الكافر، وسلم ~~الممتنع، حتى أشب الحق بأنصاره «3» ، وخلا ربع الباطل من عمارة؛ وخير ~~البيان ما كان مصرحا عن المعنى؛ ليسرع إلى الفهم تلقيه، وموجزا ليخف على ~~اللفظ تعاطيه. ### | وفضل القرآن على سائر الكلام # معروف غير مجهول، وظاهر غير خفى؛ يشهد بذلك عجز المتعاطين، ووهن ~~المتكلفين «4» ، وتحير الكذابين، وهو المبلغ الذى لا يمل، والجديد الذى لا ~~يخلق «5» ، والحق الصادع، والنور الساطع، والماحى لظلم الضلال، ولسان الصدق ~~النافى للكذب، ونذير قدمته الرحمة قبل الهلاك، وناعى الدنيا المنقولة، ~~وبشير الآخرة المخلدة، ومفتاح الخير، ودليل الجنة. إن أوجز كان كافيا، وإن ~~أكثر كان مذكرا، وإن أومأ «6» كان مقنعا، وإن أطال كان مفهما، وإن أمر ~~فناصحا، وإن حكم فعادلا، وإن أخبر فصادقا، وإن بين فشافيا، سهل على الفهم، ~~صعب على المتعاطى «7» ، قريب المأخذ، # PageV01P140 # بعيد المرام، سراج تستضىء به القلوب، حلو إذا تذوقته العقول، بحر العلوم، ~~وديوان الحكم، وجوهر الكلم، ونزهة المتوسمين، وروح قلوب المؤمنين، نزل به ~~الروح الأمين على محمد خاتم النبيين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، فخصم ~~الباطل، وصدع بالحق، وتألف من النفرة، وأنقذ من الهلكة، فوصل الله له ~~النصر، وأضرع به خد الكفر «1» . ### | تفسير الرماني للبلاغة # قال على بن عيسى الرمانى «2» : البلاغة ما حط التكلف عنه «3» ، وبنى على ~~التبيين، وكانت الفائدة أغلب عليه من القافية، بأن جمع مع ذلك سهولة ~~المخرج، مع قرب المتناول؛ وعذوبة اللفظ، مع رشاقة المعنى؛ وأن يكون حسن ~~الابتداء كحسن الانتهاء، وحسن الوصل، كحسن القطع، فى المعنى والسمع، وكانت ~~كل كلمة قد وقعت في حقها، وإلى جنب أختها، حتى لا يقال: لو كان كذا في موضع ~~كذا لكان أولى! وحتى لا يكون فيه لفظ مختلف، ms072 ولا معنى مستكره؛ ثم ألبس بهاء ~~الحكمة، ونور المعرفة، وشرف المعنى، وجزالة اللفظ، وكانت حلاوته في الصدر ~~وجلالته في النفس تفتق الفهم، وتنثر دقائق الحكم، وكان ظاهر النفع، شريف ~~القصد، معتدل الوزن، جميل المذهب، كريم المطلب، فصيحا في معناه، بينا في ~~فحواه؛ وكل هذه الشروط قد حواها القرآن، ولذلك عجز عن معارضته جميع الأنام. # PageV01P141 ### | ألفاظ لأهل العصر في ذكر القرآن # القرآن حبل الله الممدود، وعهده المعهود، وظله العميم، وصراطه المستقيم، ~~وحجته الكبرى، ومحجته الوسطى، وهو الواضح سبيله، الراشد دليله، الذى من ~~استضاء بمصابيحه أبصر ونجا، ومن أعرض عنه ضل وهوى؛ فضائل القرآن لا تستقصى ~~في ألف قرن، حجة الله وعهده، ووعيده ووعده، به يعلم الجاهل، ويعمل العامل، ~~ويتنبه الساهى، ويتذكر اللاهى، بشير الثواب، ونذير العقاب، وشفاء الصدور، ~~وجلاء الأمور؛ من فضائله أنه يقرأ دائما، ويكتب، ويملى، ولا يمل. ما أهون ~~الدنيا على من جعل القرآن [إمامه، وتصور الموت أمامه، طوبى لمن جعل القرآن] ~~مصباح قلبه، ومفتاح لبه. # من حق القرآن حفظ ترتيبه، وحسن ترتيله. # قال بعض الحكماء: الحكمة موقظة للقلوب من سنة «1» الغفلة، ومنقذة للبصائر ~~من سكرة الحيرة، ومحيية لها من موت الجهالة، ومستخرجة لها من ضيق الضلالة؛ ~~والعلم دواء للقلوب العليلة، ومشحذ للأذهان الكليلة «2» ، ونور في الظلمة، ~~وأنس في الوحشة، وصاحب في الوحدة، وسمير في الخلوة، ووصلة في المجلس، ومادة ~~للعقل، وتلقيح للفهم، وناف للعى المزرى بأهل الأحساب، المقصر بذوى الألباب؛ ~~أنطق الله سبحانه أهله بالبيان الذى جعله صفة لكلامه في تنزيله، وأيد به ~~رسله إيضاحا للمشكلات، وفصلا بين الشبهات؛ شرف به الوضيع، وأعز به الذليل، ~~وسود به المسود، من تحلى بغيره فهو معطل، ومن تعطل منه فهو مغفل، لا تبليه ~~الأيام، ولا تخترمه الدهور، يتجدد على الابتذال، ويزكو على الإنفاق؛ لله ~~على ما من به على عباده الحمد والشكر. # PageV01P142 ### | [أقوال في البلاغة] ### | رأي عمرو بن عبيد في البلاغة # قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلغك الجنة، وعدل بك عن النار، ~~وبصرك مواقع رشدك، وعواقب غيك. قال ms073 السائل: ليس هذا أريد، قال: من لم يحسن ~~أن يسكت لم يحسن أن يستمع، ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول، قال: ليس ~~هذا أريد، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # «إنا معشر الأنبياء فينا بكء» أى قلة كلام «1» ؛ وكانوا يكرهون أن يزيد ~~منطق الرجل على عقله، قال السائل: ليس هذا أريد، قال: كانوا يخافون من فتنة ~~القول ومن سقطات الكلام ما لا يخافون من فتنة السكوت، وسقطات الصمت، قال: ~~ليس هذا أريد، قال عمرو: يا هذا؛ فكأنت تريد تحبير اللفظ «2» فى حسن ~~الإفهام، قال: نعم، قال: إنك إن أردت تقرير حجة الله عز وجل في عقول ~~المكلفين، وتخفيف المؤونة عن المستمعين، وتزيين تلك المعانى في قلوب ~~المريدين، بالألفاظ المستحسنة في الآذان، المقبولة في الأذهان، رغبة في ~~سرعة إجابتهم، ونفى الشواغل عن قلوبهم، بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة- ~~كنت قد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب، واستوجبت من الله جزيل الثواب، فقيل لعبد ~~الكريم بن روح الغفارى: من هذا الذى صبر له عمرو هذا الصبر؟ # قال: سألت عن ذلك أبا حفص الشمرى، فقال: ومن يجترىء عليه هذه الجرأة إلا ~~حفص بن سالم؟ # وعمرو بن عبيد بن باب هو رئيس المعتزلة في وقته، وهو أول من تكلم على ~~المخلوق، واعتزل مجلس الحسن البصرى، وهو أول المعتزلة. # PageV01P143 # ودخل عمرو بن عبيد على أبى جعفر المنصور، فقال: عظنى، فقال: يا أمير ~~المؤمنين؛ إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها؛ يا أمير ~~المؤمنين؛ إن هذا الأمر لو كان باقيا لأحد قبلك ما وصل إليك، ألم تر كيف ~~فعل ربك بعاد إرم ذات العماد! قال: فبكى المنصور حتى بل ثوبه. # ثم قال: حاجتك يا أبا عثمان! وكان المنصور لما دخل عليه طرح عليه ~~طيلسانا، فقال: يرفع هذا الطيلسان عنى! فرفع، فقال أبو جعفر: لا تدع ~~إتياننا! قال: نعم، لا يضمنى وإياك بلد إلا دخلت إليك، ولا بدت لى حاجة إلا ~~سألتك، ولكن لا تعطنى حتى أسألك، ولا تدعنى حتى آتيك، قال: إذا لا تأتينا ~~أبدا! ms074 وقد روى مثل هذا لابن السماك مع الرشيد وقوله «لو كان هذا الأمر ~~باقيا لأحد قبلك ما وصل إليك» كقول ابن الرومى: # لعمرك ما الدنيا بدار إقامة ... إذا زال عن عين البصير غطاؤها # وكيف بقاء الناس فيها وإنما ... ينال بأسباب الفناء بقاؤها؟ # ووعظ شبيب بن شبة المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن الله لم يجعل فوقك ~~أحدا، فلا تجعل فوق شكره شكرا. # ودخل عمرو بن عبيد على المنصور وعنده المهدى فقال له: هذا ابن أخيك ~~المهدى، ولى عهد المسلمين، فقال: سميته اسما لم يستحق حمله، ويفضى إليك ~~الأمر وأنت عنه مشغول «1» وكان عمرو بن عبيد يقول: اللهم أغنى بالافتقار ~~إليك، ولا تفقرنى بالاستغناء عنك. # وقال له المنصور: يا أبا عثمان؛ أعنى بأصحابك: قال: يا أمير المؤمنين؛ ~~أظهر الحق يتبعك أهله. # وقال عمر الشمرى: كان عمرو بن عبيد لا يكاد يتكلم، وإن تكلم لم يكد # PageV01P144 # يطيل؛ وكان يقول: لا خير في المتكلم إذا كان كلامه لمن يشهده دون قائله، ~~وإذا طال الكلام عرضت للمتكلم أسباب التكلف، ولا خير في شىء يأتيك به ~~التكلف «1» . ### | البلاغة عند أهل الهند # قال معمر بن الأشعث: قلت لبهلة الهندى أيام اجتلب يحيى بن خالد أطباء ~~الهند: ما البلاغة عند أهل الهند؟ قال بهلة: عندنا في ذلك صحيفة مكتوبة، ~~ولكننى لا أحسن ترجمتها، ولم أعالج هذه الصناعة، فأثق من نفسى بالقيام ~~بخصائصها، ولطيف معانيها. قال ابن الأشعث: فلقيت بتلك الصحيفة التراجمة ~~فإذا فيها: أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة، وذلك أن يكون الخطيب رابط ~~الجأش «2» ، ساكن الجوارح، قليل اللحظ، متخير اللفظ، لا يكلم سيد الأمة ~~بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السوقة، ويكون في قواه فضل التصرف في كل ~~طبقة، ولا يدقق المعانى كل التدقيق، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح، ولا ~~يصفيها كل التصفية، ولا يهذبها غاية التهذيب، ولا يفعل ذلك حتى يصادف ~~حكيما، أو فيلسوفا عليما، ومن قد تعود حذف فضول الكلام، وإسقاط مشتركات ~~الألفاظ؛ وقد نظر في صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة، لا على جهة ~~التصفح ms075 والاعتراض «3» ، ووجه التظرف والاستظراف. ### | البلاغة عند ابن المقفع # قال إسحاق بن حسان بن قوهى: لم يفسر أحد البلاغة تفسير عبد الله ابن ~~المقفع إذ قال: البلاغة اسم لمعان تجرى في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون فى ~~الاستماع، ومنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما ~~يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون شعرا، # PageV01P145 # ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون سجعا، ومنها ~~ما يكون خطبا، ومنها ما يكون رسائل؛ فغاية هذه الأبواب الوحى فيها والإشارة ~~إلى المعنى؛ والإيجاز هو البلاغة، فأما الخطب فيما بين السماطين «1» وفي ~~إصلاح ذات البين، فالإكثار في غير خطل «2» ، والإطالة في غير إملال، ولكن ~~ليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذى إذا ~~سمعت صدره عرفت قافيته (كأنه يقول فرق بين صدر خطبة النكاح وخطبة العيد ~~وخطبة الصلح وخطبة التواهب، حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه «3» ) ~~فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك، ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود ~~الذى إليه قصدت، والغرض الذى إليه نزعت. # فقيل له: فإن مل المستمع الإطالة التي ذكرت أنها أحق بذلك الموضع؟ # قال: إذا أعطيت كل مقام حقه، وقمت بالذى يجب من سياسة الكلام، وأرضيت من ~~يعرف حقوق ذلك، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو؛ فإنهما لا يرضيان ~~بشىء؛ فأما الجاهل فلست منه وليس منك، ورضا جميع الناس شىء لا ينال. ### | [الإطالة والإيجاز] # وقد مدحوا الإطالة في مكانها، كما مدحوا الإيجاز في مكانه. قال أبو داود ~~[ابن جرير] فى خطباء إياد: # يرمون بالخطب الطوال، وتارة ... وحى الملاحظ خيفة الرقباء «4» # قال أبو وجزة السعدى يصف كلام رجل: # PageV01P146 # يكفى قليل كلامه، وكثيره ... ثبت، إذا طال النضال، مصيب «1» # وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد المبرد «2» ولم يسم قائله، وهو مولد ولم ~~ينقصه توليده من حظ القديم شيئا: # طبيب بداء فنون الكلام ... لم يعى يوما ولم يهذر # فإن ms076 هو أطنب في خطبة ... قضى للمطيل على المنزر «3» # وإن هو أوجز في خطبة ... قضى للمقل على المكثر # وقال آخر يصف خطيبا: # فإذا تكلم خلته متكلما ... بجميع عدة ألسن الخطباء # فكأن آدم كان علمه الذى ... قد كان علمه من الأسماء # وكان أبو داود يقول: تلخيص المعانى رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشدق ~~في الإعراب نقص، والنظر في عيون الناس عي، ومس اللحية هلك، والخروج عما بنى ~~عليه الكلام إسهاب. # وقال بعضهم يهجو رجلا بالعى: # ملىء ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع «4» # ووصف العتابى «5» رجلا بليغا فقال: كان يظهر ما غمض من الحجة، # PageV01P147 # ويصور الباطل في صورة الحق، ويفهمك الحاجة من غير إعادة ولا استعانة. # قيل له: وما الاستعانة؟ قال: يقول عند مقاطع كلامه يا هناة، واسمع، ~~وفهمت! وما أشبه ذلك. وهذا من أمارات العجز، ودلائل الحصر! وإنما ينقطع ~~عليه كلامه فيحاول وصله بهذا، فيكون أشد لانقطاعه. # وكان أبو داود يقول: رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية ~~الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخير اللفظ؛ والمحبة مقرونة بقلة ~~الاستكراه. # وقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: قال بعض جهابذة الألفاظ، ونقاد ~~المعانى: المعانى القائمة في صدور الناس، المختلجة في نفوسهم، والمتصورة في ~~أذهانهم المتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ~~ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا ~~حاجة أخيه وخليطه، ولا معنى شريكه والمعاون له على أمره، وعلى ما لا يبلغه ~~من حاجات نفسه إلا بغيره، وإنما يحيى تلك المعانى ذكرهم لها، وإخبارهم ~~عنها، واستعمالهم إياها. # وهذه الخصال هي التي تقربها من الفهم، وتجليها للعقل، وتجعل الخفى منها ~~ظاهرا، والغائب شاهدا، والبعيد قريبا. وهي التي تلخص الملتبس، وتحل ~~المنعقد، وتجعل المهمل مقيدا، والمقيد مطلقا، والمجهول معروفا، والوحشى ~~مألوفا، [والغفل موسوما «1» ، والموسوم معلوما] ؛ وعلى قدر وضوح الدلالة، ~~وصواب # PageV01P148 # الإشارة، وحسن الاختصار، ودقة المدخل، يكون ظهور المعنى. وكلما كانت ~~الدلالة أوضح وأفصح، وكانت الإشارة أبين وأنور، كانت أنفع وأنجع في البيان. # والدلالة الظاهرة على المعنى الخفى هو البيان ms077 الذى سمعت الله يمدحه، ~~ويدعو إليه، ويحث عليه؛ بذلك نطق القرآن، وبذلك تفاخرت العرب، وتفاضلت ~~أصناف العجم. # والبيان: اسم لكل شىء كشف لك عن قناع المعنى، وهتك لك الحجب دون الضمير، ~~حتى يفضى السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله، كائنا ما كان ذلك البيان، ~~ومن أى جنس كان ذلك الدليل؛ لأن مدار الأمر والغاية التى إليها يجرى القائل ~~والسامع إنما هو الفهم والإفهام؛ فبأى شىء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى ~~فذلك هو البيان في ذلك الموضع. # ثم اعلم- حفظك الله! - أن حكم المعانى خلاف حكم الألفاظ؛ لأن المعانى ~~مبسوطة إلى غير غاية، وأسماء المعانى محصورة معدودة، ومحصلة محدودة. # وجميع أصناف الدلالات على المعانى من لفظ أو غيره خمسة أشياء لا تنقص ولا ~~تزيد: أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى ~~نصبة. والنصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا تقصر عن ~~تلك الدلالات. # ولكل واحدة من هذه الدلائل الخمسة صورة بائنة «1» من صورة صاحبتها، وحلية ~~مخالفة لحلية أختها؛ وهي التي تكشف لك عن أعيان المعانى في الجملة، وعن ~~حقائقها في التفسير، وعن أجناسها وأقدارها، وعن خاصها وعامها، وعن طبقاتها ~~في السار والضار، وعما يكون منها لغوا بهرجا «2» ، وساقطا مطرحا. # PageV01P149 # وفي نحو قول أبى عثمان «إن المعانى غير مقصورة ولا محصورة» يقول أبو تمام ~~الطائى لأبى دلف القاسم بن عيسى العجلى: # ولو كان يفنى الشعر أفنته ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب «1» # ولكنه فيض العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب # كما أشار إلى قول أوس بن حجر الاسدى: # أقول بما صبت على غمامتى ... وجهدى في حبل العشيرة أحطب «2» # وقال بعض البلغاء: فى اللسان عشر خصال «3» محمودة، أداة يظهر بها البيان، ~~وشاهد يخبر عن الضمير، وحاكم يفصل الخطاب، وواعظ ينهى عن القبيح، وناطق يرد ~~الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، ومعرب يشكر به ~~الإحسان، ومعز تذهب به الأحزان، وحامد يذهب الضغينة ومونق يلهى الأسماع. # وقال أبو العباس بن المعتز: لحظة القلب ms078 أسرع خطرة من لحظة العين، وأبعد ~~مجالا، وهي الغائصة في أعماق أودية الفكر، والمتأملة لوجوه العواقب، ~~والجامعة بين ما غاب وحضر، والميزان الشاهد على ما نفع وضر، والقلب كالمملى ~~للكلام على اللسان إذا نطق، واليد إذا كتبت، والعاقل يكسو المعانى وشى ~~الكلام في قلبه، ثم يبديها بألفاظ كواس في أحسن زينة، والجاهل يستعجل ~~بإظهار المعانى قبل العناية بتزيين معارضها، واستكمال محاسنها. # وقيل لجعفر بن يحيى البرمكى: ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ~~ويكشف عن مغزاك، ويخرجه من الشركة، ولا يستعان عليه # PageV01P150 # بالفكر، ويكون سليما من التكلف، بعيدا من الصنعة، بريئا من التعقيد، غنيا ~~عن التأويل. # وذكر سهل بن هارون «1» - وقيل ثمامة بن أشرس- جعفر بن يحيى فقال: قد جمع ~~في كلامه وبلاغته الهذ والتمهل «2» والجزالة والحلاوة، وكان يفهم إفهاما ~~يغنيه عن الإعادة للكلام. ولو كان يستغنى مستغن عن الإشارة بمنطقة لاستغنى ~~عنها جعفر. كما استغنى عن الإعادة فإنه لا يتحبس «3» ولا يتوقف في منطقه ~~ولا يتلجلج، ولا يتسعل، ولا يترقب لفظا قد استدعاه من بعد، ولا يتلمس معنى ~~قد عصاه بعد طلبه له. # وقيل لبشار بن برد: بم فقت أهل عمرك، وسبقت أهل عصرك، فى حسن معانى ~~الشعر، وتهذيب ألفاظه؟ فقال: لأنى لم أقبل كل ما تورده على قريحتى، ~~ويناجينى به طبعى، ويبعثه فكرى، ونظرت إلى مغارس الفطن، ومعادن الحقائق، ~~ولطائف التشبيهات، فسرت إليها بفهم جيد، وغريزة قوية، فأحكمت سبرها، ~~وانتقيت حرها، وكشفت عن حقائقها، واحترزت من متكلفها ولا والله ما ملك ~~قيادى قط الإعجاب بشىء مما آتى به. # وكان بشار بن برد خطيبا، شاعرا، راجزا، سجاعا، صاحب منثور ومزدوج، ويلقب ~~بالمرعث لقوله: # PageV01P151 # من لظبى مرعث ... ساحر الطرف والنظر «1» # قال لى لن تنالنى ... قلت أو يغلب القدر # وليس هذا موضع استقصاء ذكره، واختيار شعره، وسأستقبل ذلك إن شاء الله. ### | [وصية أبى تمام للبحترى] # وقال الوليد بن عبيد البحترى: كنت في حداثتى أروم الشعر، وكنت أرجع فيه ~~إلى طبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه، ووجوه اقتضابه، حتى قصدت أبا ms079 تمام، ~~وانقطعت فيه إليه، واتكلت في تعريفه عليه؛ فكان أول ما قال لى: يا أبا ~~عبادة؛ تخير الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة جرت ~~في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شىء أو حفظه في وقت السحر؛ وذلك أن ~~النفس قد أخذت حظها من الراحة، وقسطها من النوم، وإن أردت التشبيب فاجعل ~~اللفظ رشيقا، والمعنى رقيقا، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكابة، ~~وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، فإذا أخذت في مديح سيد ذى أياد فأشهر مناقبه، ~~وأظهر مناسبه، وأبن معالمه، وشرف مقامه، ونضد المعانى «2» ، واحذر المجهول ~~منها، وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الرديئة، ولتكن كأنك خياط يقطع الثياب ~~على مقادير الأجساد. وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل شعرك إلا وأنت ~~فارغ القلب، واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة «3» إلى حسن نظمه؛ فإن الشهوة # PageV01P152 # نعم المعين. وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين، فما ~~استحسن العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه، ترشد إن شاء الله. # قال: فأعلمت نفسى فيما قال فوقفت على السياسة «1» . # وقالوا: البليغ من يحوك الكلام على حسب الأمانى، ويخيط الألفاظ على قدود ~~المعانى. # ولذكر الطائى الليل ذكر بعض أهل العصر- وهو أبو على محمد بن الحسن ابن ~~المظفر الحاتمى «2» - الليل فقال: فيه تجم الأذهان «3» ، وتنقطع الأشغال، ~~ويصح النظر، وتؤلف الحكمة، وتدر الخواطر، ويتسع مجال القلب، والليل أضوأ فى ~~مذاهب الفكر، وأخفى لعمل البر، وأعون على صدقة السر، وأصح لتلاوة الذكر، ~~ومدبر والأمور يختارون الليل على النهار، فيما لم تصف فيه الأناة لرياضة ~~التدبير وسياسة التقدير، فى دفع الملم، وإمضاء المهم، وإنشاء الكتب، وتصحيح ~~المعانى، وتقويم المبانى، وإظهار الحجج، وإيضاح المنهج، وإصابة نظم الكلام، ~~وتقريبه من الأفهام. # وقال بعض رؤساء الكتاب: ليس الكتاب في كل وقت على غير # PageV01P153 # نسخة لم تحرر بصواب؛ لأنه ليس أحد أولى بالأناة وبالروية من كاتب يعرض ~~عقله، وينشر بلاغته؛ فينبغى له أن يعمل النسخ ويرويها، ويقبل عفو القريحة ~~ولا يستكرهها، ويعمل على أن جميع الناس أعداء له، عارفون بكتابه، منتقدون ms080 ~~عليه، متفرغون إليه. # وقال آخر: إن لابتداء الكلام فتنة تروق، وجدة تعجب، فإذا سكنت القريحة، ~~وعدل التأمل، وصفت النفس، فليعد النظر، وليكن فرحه بإحسانه، مساويا لغمه ~~بإساءته؛ فقد قالت الخوارج لعبد الله بن وهب الراسبى: نبايعك الساعة فقد ~~رأينا ذلك، فقال: دعوا الرأى حتى يبلغ أناته، فإنه لا خير في الرأى الفطير، ~~والكلام القضيب «1» . # وقال معاوية بن أبى سفيان رحمه الله لعبد الله بن جعفر: ما عندك في كذا ~~وكذا؟ فقال: أريد أن أصقل عقلى بنومة القائلة «2» ، ثم أروح فأقول بعد ما ~~عندى قال الشاعر: # إن الحديث تغر القوم جلوته ... حتى يغيره بالوزن مضمار «3» # فعند ذلك تستكفى بلاغته ... أو يستمر به عى وإكثار # وقالوا: كل مجر بالخلاء يسر «4» ، وقال أبو الطيب المتنبى: # وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا # وكان قلم بن المقفع يقف كثيرا، فقيل له في ذلك، فقال: إن الكلام يزدحم فى ~~صدرى، فيقف قلمى ليتخير. # PageV01P154 # وقالوا: الكتاب يتصفح أكثر مما يتصفح الخطاب؛ لأن الكاتب متخير، والمخاطب ~~مضطر، ومن يرد عليه كتابك فليس يعلم أأسرعت فيه أم أبطأت؛ وإنما ينظر ~~أأخطأت أم أصبت؛ فإبطاؤك غير قادح في إصابتك، كما إن إسراعك غير مغط على ~~غلطك. # ووصف بعض الكتاب النسخ فقال: ينبغى أن يصحبها الفكر إلى استقرارها، ثم ~~تستبرأ بإعادة النظر فيها بعد اختيارها «1» ، ويوسع بين سطورها، ثم تحرر ~~على ثقة بصحتها، وتتأمل بعد التحرير حرفا حرفا إلى آخرها. # فقد كتب المأمون مصحفا اجتمع عليه؛ فكان أوله: بسم الله الرحيم، فأغفلوا ~~الرحمن؛ لأن العين لا تعتبر ذلك؛ ثقة أنه لا يغلط فيه، حتى فطن المأمون له. # وقال محمد بن عبد الملك الزيات للحسن بن وهب: حرر هذه النسخة وبكر بها، ~~فتصبح الحسن «2» فقال له: لم تصبحت؟ قال: حتى تصفحت! وقال أحمد بن إسماعيل ~~بطاحة: كان بعض العلماء الأغبياء ينظر في نسخه بعد نفوذ كتبه، فقال بعض ~~الكتاب: # مستلب اللب غوى الشباب ... عذبه الهجر أشد العذاب # يؤمل الصبر وأنى له ... به وقد مكن منه التصاب # كناظر في نسخة ms081 يبتغى ... إصلاحها بعد نفوذ الكتاب ### | أوصاف بليغة في البلاغات على ألسنة أقوام من أهل الصناعات # قال بعض من ولد عقائل هذا المنثور، وألف فواصل هذه الشذور: تجمع # PageV01P155 # قوم من أهل الصناعات، فوصفوا بلاغاتهم، من طريق صناعاتهم «1» : # فقال الجوهرى: أحسن الكلام نظاما ما ثقبته يد الفكرة، ونظمته الفطنة، ~~ووصل جوهر معانيه في سموط «2» ألفاظه، فاحتملته نحور الرواة. # وقال العطار: أطيب الكلام ما عجن عنبر ألفاظه بمسك معانيه، ففاح نسيم ~~نشقه، وسطعت رائحة عبقه، فتعلقت به الرواة، وتعطرت به السراة. # وقال الصائغ: خير الكلام ما أحميته بكير الفكر «3» ، وسبكته بمشاعل ~~النظر، وخلصته من خبث الإطناب، فبرز بروز الإبريز «4» ، فى معنى وجيز. # وقال الصيرفى «5» : خير الكلام ما نقدته يد البصيرة، وجلته عين الروية، ~~ووزنته بمعيار الفصاحة، فلا نظر يزيفه «6» ، ولا سماع يبهرجه «7» وقال ~~الحداد: أحسن الكلام ما نصبت عليه منفخة القريحة، وأشعلت عليه نار البصيرة، ~~ثم أخرجته من فحم «8» الإفحام، ورققته بفطيس الإفهام «9» . # وقال النجار: خير الكلام ما أحكمت نجر معناه بقدوم التقدير، ونشرته ~~بمنشار التدبير، فصار بابا لبيت البيان، وعارضة لسقف اللسان. # وقال النجاد: أحسن الكلام ما لطفت رفارف ألفاظه «10» ، وحسنت مطارح # PageV01P156 # معانيه، فتنزهت في زرابى محاسنه عيون الناظرين» # ، وأصاخت لنمارق «2» بهجته آذان السامعين. # وقال الماتح: أبين الكلام ما علقت وذم ألفاظه ببكرة معانيه «3» ، ثم ~~أرسلته في قليب الفطن «4» فمتحت به سقاء يكشف الشهات، واستنبطت به معنى ~~يروى من ظمأ المشكلات. # وقال الخياط: البلاغة قميص؛ فجربانه البيان «5» ، وجيبه المعرفة، وكماه ~~الوجازة، ودخاريصه الإفهام «6» ، ودروزه الحلاوة «7» ، ولابس جسده اللفظ، ~~وروحه المعنى. # وقال الصباغ: أحسن الكلام ما لم تنض بهجة إيجازه «8» ، ولم تكشف صبغة ~~إعجازه، قد صقلته يد الروية من كمود الإشكال، فراع كواعب الآداب، وألف ~~عذارى الألباب. # وقال الحانك: أحسن الكلام ما اتصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه «9» فخرج ~~مفوفا منيرا، وموشى محبرا. # وقال البزاز «10» : أحسن الكلام ما صدق رقم ألفاظه، وحسن نشر معانيه فلم ~~يستعجم عنك نشر، ولم يستبهم عليك طى. # وقال الرائض: خير الكلام ما لم يخرج عن حد التخليع «11» ، إلى منزلة ms082 # PageV01P157 # التقريب «1» إلا بعد الرياضة، وكان كالمهر الذى أطمع أول رياضته في تمام ~~ثقافته. # وقال الجمال: البليغ من أخذ بخطام كلامه، فأناخه في مبرك المعنى، ثم جعل ~~الاختصار له عقالا، والإيجاز له مجالا، فلم يند عن الآذان، ولم يشذ عن ~~الأذهان. # وقال المخنث: خير الكلام ما تكسرت أطرافه، وتثنت أعطافه، وكان لفظه حلة، ~~ومعناه حلية. # وقال الخمار: أبلغ الكلام ما طبخته مراجل العلم، وصفاه راووق الفهم، ~~وضمته دنان الحكمة، فتمشت في المفاصل عذوبته، وفي الأفكار رقته، وفي العقول ~~حدته. # وقال الفقاعى: خير الكلام ما روحت ألفاظه غباوة الشك، ورفعت رقته فظاظة ~~الجهل، فطاب حساء فطنته، وعذب مص جرعه. # وقال الطبيب: خير الكلام ما إذا باشر [دواء] بيانه سقم الشبهة استطلقت ~~طبيعة الغباوة؛ فشفى من سوء التفهم، وأورث صحة التوهم. # وقال الكحال: كما أن الرمد قذى الأبصار، فكذا الشبهة قذى البصائر، فاكحل ~~عين اللكنة بميل البلاغة، واجل رمص الغفلة «2» بمرود اليقظة. # ثم قال: أجمعوا كلهم على أن أبلغ الكلام ما إذا أشرقت شمسه، انكشف لبسه، ~~وإذا صدقت أنواؤه «3» اخضرت أحماؤه «4» . ### | فقر في وصف البلاغة لغير واحد # قال أعرابى: البلاغة التقرب من البعيد، والتباعد من الكلفة، والدلالة ~~بقليل على كثير. # PageV01P158 # قال عبد الحميد بن يحيى: البلاغة تقرير المعنى في الأفهام، من أقرب وجوه ~~الكلام. # ابن المعتز: البلاغة البلوغ إلى المعنى ولم يطل سفر الكلام. # سهل بن هارون: البيان ترجمان العقول، وروض القلوب، وقال: العقل رائد ~~الروح، والعلم رائد العقل، والبيان ترجمان العلم. # إبراهيم بن الإمام: يكفى من البلاغة ألا يؤتى السامع من سوء إفهام ~~الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع. # العتابى: البلاغة مد الكلام بمعانيه إذا قصر، وحسن التأليف إذا طال. # أعرابى: البلاغة إيجاز في غير عجز، وإطناب في غير خطل. # [وكتب إبراهيم بن المهدى إلى كاتب له ورآه يتبع وحشى الكلام: إياك وتتبع ~~الوحشى طمعا في نيل البلاغة؛ فإن ذلك العى الأكبر، وعليك بما سهل مع تجنبك ~~ألفاظ السفل. # وقال الصولى: وصف يحيى بن خالد رجلا فقال: أخذ بزمام الكلام، ms083 فقاده أسهل ~~مقاد، وساقه أجمل مساق؛ فاسترجع به القلوب النافرة، واستصرف به الأبصار ~~الطامحة. # وسمع أعرابى كلام الحسن البصرى رحمه الله، فقال: والله إنه لفصيح إذا ~~نطق، نصيح إذا وعظ. # قال الجاحظ: ينبغى للكاتب أن يكون رقيق حواشى الكلام، عذب ينابيع اللسان؛ ~~إذا حاور سدد سهم الصواب إلى غرض المعنى، لا يكلم الخاصة بكلام العامة، ولا ~~العامة بكلام الخاصة. # وقال أبو العباس المبرد: قال الحسن بن سهل لسالم الحرارى: ما المنزلة ~~التي إذا نزل بها الكاتب كان كاتبا في قوله وفعله واستحقاقه؟ قال: أن يكون ~~مطبوعا على المعرفة، محتنكا بالتجربة، عارفا بحلال الكتاب وحرامه، وبالدهور ~~في تصرفها # PageV01P159 # وأحكامها، وبالملوك في سيرها وأيامها، وأجاس الخط، وبادية الأقلام، مع ~~تشاكل اللفظ وقرب المأخذ. قال الحسن: فليس في الدنيا إذا كاتب] . # وقيل لليونانى: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام. # وقيل للرومى: ما البلاغة؟ قال: حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم ~~الإطالة. # وقيل للهندى: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن ~~الإشارة. # وقيل للفارسى: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل. # وقال على بن عيسى الرمانى: البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة ~~من اللفظ. ### | ومن كلام أهل العصر، في صفة البلاغة والبلغاء # [قال على بن عيسى الرمانى] : أبلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقل مجازه، وكثر ~~إعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه. # أبلغ الكلام ما يؤنس مسمعه، ويوئس مضيعه. # البليغ من يجتنى من الألفاظ أنوارها «1» ، ومن المعانى ثمارها. # ليست البلاغة أن يطال عنان القلم أو سنانه، أو يبسط رهان القول وميدانه، ~~بل هي أن يبلغ أمد المراد بألفاظ أعيان، ومعان أفراد، من حيث لا تزيد على ~~الحاجة، ولا إخلال يفضى إلى الفاقة. # البلاغة ميدان لا يقطع إلا بسوابق الأذهان، ولا يسلك إلا ببصائر البيان. # فلان يعبث بالكلام، ويقوده بألين زمام، حتى كأن الألفاظ تتحاسد فى ~~التسابق إلى خواطره، والمعانى تتغاير في الانثيال على أنامله. # هذا كقول أبى تمام الطائى: # تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل # PageV01P160 # فلان مشرفى المشرق، وصيرفى ms084 المنطق. البيان أصغر صفاته، والبلاغة عفو ~~خطراته. كأنما أوحى بالتوفيق إلى صدره، وحسن الصواب بين طبعه وفكره. # فلان يحز مفاصل الكلام، ويسبق فيها إلى درك المرام، كأنما جمع الكلام ~~حوله حتى انتقى منه وانتخب، وتناول منه ما طلب، وترك بعد ذلك أذنابا لا ~~رءوسا، وأجسادا لا نفوسا. # فلان يرضى بعفو الطبع، ويقنع بما خف على السمع، ويوجز فلا يخل، ويطنب فلا ~~يمل، لله فلان أخذ بأزمة القول يقودها كيف أراد، ويجذبها أنى شاء، فلا ~~تعصيه بين الصعب والذلول، ولا تسلمه عند الحزونة والسهول، كلامه يشتد مرة ~~حتى تقول الصخر الأملس، ويلين تارة حتى تقول الماء أو أسلس، يقول فيصول، ~~ويجيب فيصيب، ويكتب فيطبق المفصل، أو ينسق الدر المفصل، ويرد مشارع الكلام ~~وهي صافية لم تطرق، وجامة لم ترنق «1» ، خاطره البرق أو أسرع لمعا، والسيف ~~أو أحد قطعا، والماء أو أسلس جريا، والفلك أو أقوم هديا؛ هو ممن يسهل ~~الكلام على لفظه، وتتزاحم المعانى على طبعه، فيتناول المرمى البعيد بقريب ~~سعيه، ويستنبط المشرع العميق بيسير جريه، لسانه يفلق الصخور، ويغيض البحور، ~~ويسمع الصم، ويستنزل العصم «2» ، خطيب لا تناله حبسة، ولا ترتهنه لكنة، ولا ~~تتمشى في خطابه رنة، ولا تتحيف بيانه عجمة، ولا تعترض لسانه عقدة. # فلان رقيق الأسلة، عذب العذبة «3» لو وضع لسانه على الشعر حلقه، أو # PageV01P161 # على الصخر فلقه، أو على [الجمر أحرقه، أو على] الصفا خرقه «1» ؛ قد أحسن ~~السفارة، واستوفى العبارة، وأدى الألفاظ، واستغرق الأغراض، وأصاب شواكل ~~المراد «2» ، وطبق مفاصل السداد، وبسط لسان الخطاب، ومد أطناب الإطناب «3» ~~، وطلب الأمد في الإسهاب، قال حتى قال الكلام: لو أعفيت! وكتب حتى قالت ~~الأقلام: قد أحفيت، قد اتسع له مشرع الإطناب، وانفرج له مسلك الإسهاب، أرسل ~~لسانه في ميدانه، وأرخى له من عنانه، قال وأطال، وجال في بسط الكلام كل ~~مجال، إذا اسحنفر فى الكلام طفح آذيه، وسال أتيه «4» ، وانثال عليه الكلام ~~كانثيال الغمام، واستجاب له الخطاب كصوب الرباب «5» . ألفاظ كغمزات ~~الألحاظ، ومعان كأنها فك عان «6» ! ألفاظ كما نورت الأشجار، ومعان كما ms085 ~~تنفست الأسحار، ألفاظ قد استعارت حلاوة العتاب بين الاحباب، واستلانت كتشكى ~~العشاق يوم الفراق. كلام قريب شاسع «7» ومطمع مانع، كالشمس تقرب ضياء، ~~وتبعد علاء؛ أو كالماء يرخص موجودا، ويغلو مفقودا. كلام لا تمجه الآذان، ~~ولا تبليه الأزمان، كالبشرى مسموعة، أو أزاهير الرياض مجموعة، ومعان كأنفاس ~~الرياح، تعبق بالريحان والراح. # كلام سهل متسلسل، كالمدام بماء الغمام، يقرب إذنه على الأفهام. # كلام كبرد الشراب على الأكباد الحرار، وبرد الشباب في خلع العذار. # كلام كثير العيون، سلس المتون، رقيق الحواشى، سهل النواحى. # PageV01P162 # كلام هو السحر الحلال، والماء الزلال، والبرود والحبر، والأمثال والعبر، ~~والنعيم الحاضر، والشباب الناضر. # نظرت منه إلى صورة الظرف بحتا، وصورة البلاغة سبكا ونحتا، ألفاظ هى خدع ~~الدهر، وعقد السحر. # كلام يسر المحزون، ويسهل الحزون «1» ، ويعطل الدر المخزون. كلام بعيد من ~~الكلف، نقى من الكلف «2» كلام كما تنفس السحر عن نسيمه، وتبسم الدر عن ~~نظيمه. ألفاظ تأنق الخاطر في تذهيبها، ومعان عنى الفهم بتهذيبها. ألفاظ ~~حسبتها من رقتها منسوخة فى صحيفة الصبا، وظننتها من سلاستها مكتوبة في نحر ~~الهوى. # كلام كالبشرى بالولد الكريم، قرع به سمع الشيخ العقيم. # كلام قرب حتى أطمع، وبعد حتى امتنع، وقرب حتى صار قاب قوسين أو أدنى، ثم ~~[سما و] علا حتى صار بالمنزل الأعلى. رقيق المزاج، حلو السماع، نقى السبك، ~~مقبول اللفظ. قرأت لفظا جليا، حوى معنى خفيا، وكلاما قريبا، رمى غرضا ~~بعيدا. لو أن كلاما أذيب به صخر، أو أطفىء به جمر، أو عوفى به مريض، أو جبر ~~به مهيض «3» لكان كلامه الذى يقود سامعيه إلى السجود، ويجرى في القلوب كجرى ~~الماء في العود. ألفاظه أنوار، ومعانيه ثمار. كلامه أنس المقيم الحاضر، ~~وزاد الراحل المسافر. كلامه يصغى إليه المقبور، وينتفض له العصفور. كلام ~~يقضى حق البيان، ويملك رق الحسن والإحسان، كلام منه يجتنى الدر، وبه يعقد ~~السحر، وعنده يعتب الدهر «4» وله ينشرح الصدر. # PageV01P163 ### | ومن ألفاظهم في وصف النظم والنثر والشعر والشعراء # نثر كنثر الورد، نظم كنظم العقد. نثر كالسحر أو أدق، ونظم كالماء أو ms086 أرق. ~~رسالة كالروضة الأنيقة، وقصيدة كالمخدرة الرشيقة. رسالة تقطر ظرفا، وقصيدة ~~تمزج بماء الراح لطفا. نثره سحر البيان، ونظمه قطع الجمان. نثر كما تفتح ~~الزهر، ونظم كما تنفس السحر. نثر ترق نواحيه وحواشيه، ونظم تروق ألفاظه ~~ومعانيه. نثر كالحديقة تفتحت أحداق وردها، ونظم كالخريدة توردت أسرار خدها ~~«1» . رسالة تضحك عن غرر وزهر، وقصيدة تنطوى على حبر ودرر. لم ترض في برك، ~~بأخوات النثرة من نثرك، حتى وصلتها ببنات الشعرى من شعرك «2» . كلام كما هب ~~نسيم السحر، على صفحات الزهر، ولذ طعم الكرى بعد برح السهر» # . وشعر في نفسه شاعر، توسم به المواسم والمشاعر. كلام أنسى حلاوة الأولاد ~~بحلاوته، وطلاوة الربيع بطلاوته، وشعر من حلة الشباب مسروق، ومن طينة ~~الوصال مخلوق. قصيدة، فى فنها فريدة، هى عروس كسوتها القوافى، وحليتها ~~المعانى. شعر يترقرق فيه ماء الطبع، ويرتفع له حجاب القلب والسمع. شعر لا ~~مزية الإعجاز أخطأته، ولا فضيلة الإيجاز تخطته. شعر رويته لما رأيته، ~~وحفظته لما لحظته. أبيات لو جعلت خلعا على الزمان لتحلى بها مكاثرا، وتجلى ~~فيها مفاخرا. شعر راقنى، حتى شاقنى، فإنه مع قرب لفظه بعيد المرام، ممر ~~النظام «4» ، قوى الأسر «5» ، صافى البحر. # نظم قد ألبس من البداوة فصاحتها، وغشى من الحضارة سجاحتها «6» ؛ فإن # PageV01P164 # شئت قلت عبيد ولبيد، وإن شئت حبيب والوليد «1» . قصيدته روضة تجتنى ~~بالأفكار، ونقل يتناول بالأسماع والأبصار «2» ، ونقل العلم والأدب، ألذ من ~~نقل المأكل والمشرب، وفاكهة الكلام، أطيب من فاكهة الطعام. نظم كنظم ~~الجمان، وروض كالجنان، وأمن الفؤاد، وطيب الرقاد. قصيدة لم أر غيرها بكرا، ~~استوفت أقسام الحنكة، واستكملت أحكام الدربة «3» ؛ فعليها رونق الشباب، ~~ولها قوة المذكيات الصلاب «4» ، روح الشعر، وتاج الدهر، ومقدمة عساكر ~~السحر. كل بيت شعر خير من بيت تبر. شعر يحكم له بالإعجاز والتبريز، ويشبه ~~في صفاء سبكه بالذهب الإبريز. شعر تاتلف القلوب على درره ائتلافا، وتصير ~~الآذان له أصدافا. لله دره ما أحلى شعره! وأنقى دره، وأعلى قدره، وأعجب ~~أمره! قد أخذ برقاب القوافى، وملك رق المعانى، فضله برهان حق، وشعره لسان ms087 ~~صدق. فلان يغرب بما يجلب، ويبدع فيما يصنع، حسن السبك، محكم الرصف، بديع ~~الوصف، مرغوب في شعره، متنافس في سحره. هو ضارب في قداح الشعر بأعلى ~~السهام، آخذ في عيون الفضل بأوفى الأقسام، شعاره أشعاره، ودابه آدابه، هو ~~ممن يبتده فيبتدع، طبعه يملى عليه، ما لا يمل الاستماع إليه. قريحة غير ~~قريحة، وطبع غير طبع «5» ، وخيم غير وخيم، لبيد عنده بليد، وعبيد لديه من ~~العبيد، والفرزدق عنده أقل من فرزدقة خمير «6» ، وجرير يقاد إليه بجرير «7» ~~قد نسج حلالا لا يبلى جدتها الجديدان، ولا تزداد إلا حسنا على # PageV01P165 # تردد الأزمان. نظمه قد نظم حاشيتى البر والبحر، وأدرك ناحيتى الشرق ~~والغرب. أشعار قد وردت المياه، وركبت الأفواه، وسارت في البلاد، ولم تسر ~~بزاد، وطارت في الآفاق، ولم تمش على ساق. شعره أسير من الأمثال، وأسرى من ~~الخيال، سار مسير الرياح، وطار بغير جناح. أشعاره سارت مسير الشمس، وهبت ~~هبوب الريح، وطبقت تخوم الأرض، وانتظمت الشرق إلى الغرب. # قد كادت الأيام تنشدها، والليالى تحفظها، والجن تدرسها، والطير تتغنى ~~بها. # أبيات أسفر عنها طبع المجد، فعلمت كيف يتكسر الزهر على صفحات الحدائق، ~~وكيف يغرس الدر في رياض المهارق «1» . شعر قد أحسن خدمته بكمال فكره، ووقف ~~كيف شاء عند عالى أمره. شعر يعلق في كعبة المجد، ويتوج به مفرق الدهر. جاءت ~~القصيدة ومعها عزة الملك، وعليها رواء الصدق، وفيها سيماء العلم، وعندها ~~لسان المجد، ولها صيال الحق، لا غرو إذا فاض بحر العلم على لسان الشعر أن ~~ينتج ما لا عين وقعت على مثله ولا أذن سمعت بشبهه. شعر يكتب في غرة الدهر، ~~ويشرح في جبهة الشمس [والبدر] . ### | وهذه جملة من فصول أهل العصر تليق بهذا الموضع # كتب أبو الفضل بن العميد إلى أبى محمد خلاد الرامهرمزى القاضى «وصل كتابك ~~الذى وصلت جناحه بفنون صلاتك وتفقدك، وضروب برك وتعهدك؛ فارتحت لكل ما ~~أوليت، وابتهجت بجميع ما أهديت، وأضفت إحسانك في كل فصل إلى نظائره التي ~~وكلت بها ذكرى، ووقفت عليها شكرى، وتأملت النظم فملكنى العجب ms088 به، وبهرنى ~~التعجب منه، وقد رمت أن أجرى على العادة في تشبيهه بمستحسن من زهر جنى، ~~وحلل وحلى، وشذور الفرائد، فى نحور الخرائد. # PageV01P166 # والعذارى غدون في الحلل البي ... ض وقد رحن في الخطوط السود # فلم أره لشىء عدلا، ولا أرضى ما عددته له مثلا؛ والله يزيدك من فضله ولا ~~يخليك من إحسانه، ويلهمك من بر إخوانك ما تتمم به صنيعك لديهم، ويرب معه ~~إحسانك إليهم. # وكتب أبو القاسم إسماعيل بن عباد الصاحب إلى أبى سعيد الشبيبى: # «قد رأى شيخ الدولتين كيف الكلف بسادتى من أهل ميكال- أيدهم الله! - بين ~~ود أضمره على البعد، وإيثار أظهره على تراخى المزار، وتقريظ يمليه على ~~الملوان «1» ، ومدح أنطق فيه بلسان الزمان، حتى إن ذكرهم إذا جرى على لسانى ~~اهتزت له نفسى، وفضلهم إذا جرى على سمعى انفرج له صدرى، فتلك عصبة خير ~~فضلها باهر، وشرفها على شرف النماء زاهر، وشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء [ناظر] ، والله يتمم أعدادها، ولا يعدمنى ودادها، وإذا كان إكبارى ~~لهم هذا الإكبار فكل منتسب إلى جنبهم أثير لدى «2» ، كثير في يدى. وطرأ على ~~فلان منتسبا إلى جملتهم، وحبذا الجملة، ومعتزيا إلى خدمتهم، ونعمت الخدمة، ~~ففررناه عن طبع سمح «3» ، ولفظ عذب، وصلة نثر بنظم؛ فإن شاء قال: أنا ~~الوليد، وإن شاء قال: أنا عبد الحميد؛ ولم أعظم بمن خرجته تلك النعمة ~~ونتجته تلك السدة أن يأخذ من كل حسنة بعروة، ويقدح فى كل نار بجدوة؛ وآنسنا ~~بالمقام مدة، أكدتها شوافع عدة، إلى أن تذكر معاهد رأى فيها الدهر طلقا، ~~والزمان غلاما، والفضل رهنا، والإفضال لزاما؛ فحن حنين الركاب، وركب عزيم ~~الإياب «4» . # فصل [من كتاب] كتبه الأمير أبو الفضل عبيد الله بن أحد الميكالى إلى # PageV01P167 # أبى القاسم الداوودى جوابا عن كتاب له ورد عليه. وأبو الفضل رئيس نيسابور ~~وأعمالها في وقتنا هذا «1» ، وسيمر من كلامه ونثره ونظامه ما يغنى عن ~~التنويه، ويكفى عن التنبيه، ويجل عن التشبيه، ويكون كما قال أبو الحسن ~~الأخفش على بن سليمان: [استهدى إبراهيم بن المدبر] ms089 أبا العباس محمد بن يزيد ~~جليسا يجمع إلى تأديب ولده الإمتاع بإبناسه؛ فندبنى لذلك، وكتب إليه معى: # قد أنفذت إليك- أعزك الله- فلانا، وجملة أمره أنه كما قال الشاعر: # إذا زرت الملوك فإن حسبى ... شفيعا عندهم أن يخبرونى # وفصل أبى الفضل: وقفت على ما أتحفنى به الشيخ: من نظمه الرائق البديع، ~~وخطه المزرى بزهر الربيع، موشحا بغرر ألفاظه، التى لو أعيرت حليتها لعطلت ~~قلائد النحور، وأبكار معانيه التي لو قسمت حلاوتها لأعذبت موارد البحور، ~~فسرحت طرفى منها في رياض جادتها سحائب العلوم والحكم، وهب عليها نسيم الفضل ~~والكرم، وابتسمت عنها ثغور المعالى والهمم، ولم أدر- وقد حيرتنى أصنافها، ~~وبهرتنى ثغورها وأوصافها، حتى كستنى اهتزازا وإعجابا، وأنشأت بينى وبين ~~التماسك سترا وحجابا، ولم أدر «2» أدهتنى لها نشوة راح، أم ازدهتنى نغمة ~~ارتياح، وانتظم عندى منها عقد ثناء وقريض «3» ، أم قرع سمعى منها غناء معبد ~~وغريض، وكيفما كان فقد حوى رتبة الإعجاز والإبداع، وأصبح نزهة القلوب ~~والأسماع، فما من جارحة إلا وهي تود لو كانت أذنا فتلتقط درره وجواهره، أو ~~عينا تجتلى مطالعه ومناظره، أو لسانا يدرس محاسنه ومفاخره. # وله فصل من كتاب إلى أبى منصور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبى: «وصل كتاب ~~مولاى وسيدى، أبدع الكتب هوادى وأعجازا «4» ، وأبرعها بلاغة # PageV01P168 # وإعجازا، فحسبت ألفاظه در السحاب، أو أصفى قطرا وديمة، ومعانيه در السخاب ~~«1» ، بل أوفى قدرا وقيمة. وتأملت الأبيات فوجدتها فاثقة النظم والرصف، ~~عبقة النسيم والعرف، فائزة بقداح الحسن والظرف، مالكة لزمام القلب والطرف؛ ~~ولا غرو أن يصدر مثلها عن ذلك الخاطر، وهو هدف الفقر والنوادر، وصدف الدرر ~~والجواهر، والله يمتعه بما منحه من هذه الغرر والأوضاح، كما أطلق فيه ألسنة ~~الثناء والامتداح. # وأبو منصور هذا يعيش إلى وقتنا هذا [على طريق التخمين لا على حقيقة ~~اليقين] وهو فريد دهره، وقريع عصره، ونسيج وحده، وله مصنفات في العلم ~~والأدب، تشهد له بأعلى الرتب، وقد فرقت ما اخترته منها في هذا الكتاب، مع ~~ما تعلق بشاكلته من الخطاب «2» ؛ منها كتاب سماه «سحر البلاغة» قال في صدر ms090 ~~هذا الكتاب: «أخرجت بعضه من غرر نجوم الأرض، ونكت أعيان الفضل، من بلغاء ~~العصر، فى النثر، وحللت بعضه من نظم أمراء الشعر، الذين أوردت ملح أشعارهم ~~في كتابى المترجم بيتيمة الدهر، فلفقت جميع ذلك وحررته، وسقته ونسقته، ~~وأنفقت عليه ما رزقته، وعملته بكد الناظر، وجهد الخاطر، وتعب اليمين، وعرق ~~الجبين، وتعمدت فيه لذة الجدة، ورونق الحداثة، وحلاوة الطراوة، ولم أشبه ~~بشىء من كلام غير أهل العصر، إلا في قلائل وقلائد من ألفاظ الجاحظ وابن ~~المعتز، تخللت أثناءه، وتوشحت تضاعيفه، ولم أخل كلماته- التى هي وسائط ~~الآداب، وصياقل الألباب، وما تستمتعه أنفس # PageV01P169 # الأدباء، وتلذ أعين الكتاب- من لفظ صحيح، أو معنى صريح، أو تجنيس أنيس، ~~أو تشبيه بلا شبيه، أو تمثيل بلا مثيل ولا عديل، أو استعارة مختارة، أو ~~طباق، ذى رونق باق؛ فمن رافق هذا الكتاب قرب تناوله من الكتاب، إذا وشوا ~~ديباجة كلامهم بما يقتبسونه من نوره، وسماحة قياده لأفراد الشعراء إذا ~~رصعوا عقود نظامهم بما يلتقطونه من شذوره، فأما المخاطبات والمحاورات، ~~فإنها تتبرج بغرة من غرره، وتتوج بدرة من درره. # وقد ذكر جملة من أخرج معظم كتابه من نثرهم ونظمهم، وهم: الصابيان «1» ، ~~والخالديان «2» ، وبديع الزمان، وأبو نصر بن المرزبان [وعلى بن عبد العزيز ~~القاضى، وأبو محمد القاضى، وأبو القاسم الزعفرانى، وأبو فراس الحمدانى] ، ~~وابن أبى العلاء الأصبهانى، وأبو الطيب المتنبى، وأبو الفتح البستى، وأبو ~~الفضل الميكالى، وشمس المعالى، والصاحب بن عباد، وجماعة يكثر بهم التعداد، ~~قد ذكرهم في كتابه، فكل ما مر أو يمر من ذكر ألفاظ أهل العصر فمن كتابه ~~نقلت، وعليه عولت. # وفي أبى منصور يقول أبو الفتح على بن محمد البستى: # قلبى رهين بنيسابور عند أخ ... ما مثله حين تستقرى البلاد أخ # له صحائف أخلاق مهذبة ... من الحجا والعلا والظرف تنتسخ # وأما الذين ذكر أسماءهم في كتابه فسأظهر من سرائر شعرهم الرصين، وأجلو من ~~جواهر نثرهم الثمين، ما أخذ من البلاغة باليمين. # PageV01P170 # فصل لأبى الفضل: وصل كتاب الشيخ المبشر من خبر سلامته التي هي غرة الزمان ~~البهيم ms091 «1» ، وعذر الدهر المليم «2» ، بما أشرقت له آفاق الفضل والكرم، ~~وتمت به نفائس الآلاء والنعم، فسرحت طرفى من محاسن ألفاظه، فى أنوار تروق ~~أزاهرها، وقلائد تروع دررها وجواهرها، ومبار يسترق الرقاب باطنها وظاهرها ~~«3» وله إلى أبى سعيد بن خلف الهمدانى: # وصل كتابك متحملا من أخبار سلامتك، وآثار نعم الله بساحتك، ما أدى روح ~~البر ونسيمه، وجمع فنون الفضل وتقاسيمه، ومجددا عندى من عمر مواصلته، ~~ومعسول كلامه ومحاورته، ما ترك غصن المقة غضا تروق أوراقه «4» ، ووجه الثقة ~~طلقا يتهلل إشراقه، فكم جنيت عنه من ثمر مسرة كانت عوائق الأيام تحاذ بنيه، ~~وحويت به من علق مضنة قلما يجود الدهر بمثله لبنيه «5» . # وله فصل إلى بعض الحكام بجوين «6» : # وصل كتاب الحاكم وقد وشحه بمحاسن فقره، ونتائج فكره، من لفظ شهى أعطته ~~القلوب فضل المقادة، ومعنى سنى جاده صوب الإصابة والإجادة، وبر هنى اتفقت ~~على الاعتراف بفضله ألسنة الثناء والشهادة، فسرحت طرفى فيما حواه من بدائع ~~وطرف، قد جمعت في الحسن والإحسان بين واسطة وطرف، حتى لم تبق في البلاغة ~~يتيمة إلا جبرتها وتممتها. # وله إلى الأمير السيد أبيه يهنئه بالقدوم. # كتبت وأنا بمنزلة من ارتد إليه شبابه بعد المشيب، وارتدى برداء من العمر # PageV01P171 # قشيب «1» ، والحمد لله رب العالمين، وصل كتاب مولاى مبشرا من خبر عوده ~~إلى مقر عزه وشرفه، محروسا في حفظ الله وكنفه، بما لم تزل الآمال تتنسم ~~روائحه، وتترقب غادى صنع الله فيه ورائحه، واثقة بأن عادة الله الكريمة ~~عنده تسايره وترافقه، وتلزم جنابه فلا تفارقه، حتى تخرجه من غمرة الغماء ~~خروج السيف من الغمد، والبدر بعد السرار «2» إلى الانجلاء، فعددت يوم وروده ~~عيدا، أعاد عهد السرور جديدا، ورد طرف الحسود كليلا وقد كان حديدا، ولم ~~أشبهه في إهداء الروح والشفاء، وتلافى الروح بعد أن أشفى على المكروه كل ~~الإشفاء» # إلا بقميص يوسف حين تلقاه يعقوب عليه السلام من البشير، وألقاه على وجهه ~~فنظر بعين البصير، فكم أوسعته لثما واستلاما، والتقطت منه بردا وسلاما، حتى ~~لم تبق غلة في الصدر إلا ms092 بردتها، ولا غمة في النفس إلا طردتها، ولا شريعة ~~من الأنس إلا وردتها. # وله فصل من رسالة: # وكان فرط التعجب مرة وعظم الإعجاب تارة يقف بى عند أول فصل من فصوله، ~~ويثبطنى عن استيفاء غرره وحجوله، ويوهمنى أن المحاسن ما حوته قلائده، ~~ونظمته فرائده؛ فليس في قوس إحسان وراءها منزع «4» ، ولا لاقتراح جنان ~~فوقها متطلع، حتى إذا جاوزته إلى لففه وتزيينه، وأجلت فكرى فى نكته وعيونه، ~~رأيت ما يحير الطرف، ويعجز الوصف، ويعلو على الأول محلا ومكانا، ويفوقه ~~حسنا وإحسانا، فرتعت كيف شئت في رياضه وحدائقه، واقتبست نور الحكم من ~~مطالعه ومشارقه، وسلمت لمعانيه وألفاظه فضيلة السبق # PageV01P172 # والبراعة، وتلقيتها بواجبها من النشر والإذاعة؛ فإنها جمعت إلى حسن ~~الإيجاز درجة الإعجاز، وإلى فضيلة الإبداع جلالة الموقع في القلوب ~~والأسماع. # وله من فصل: # وصل كتاب الشيخ فنشر عندى من جلل إفضاله وإكرامه، ومحاسن خطابه وكلامه، ~~ما لم أشبهه إلا بأنوار النجود «1» ، وحبر البرود، وقلائد العقود. # وذكر أبو منصور الثعالبى الأمير أبا الفضل في كتاب ألفه، فقال في بعض ~~فصوله: من أراد أن يسمع سر النظم، وسحر الشعر، ورقية الدهر، ويرى صوب ~~العقل، وذوب الظرف، ونتيجة الفضل؛ فليستنشد ما أسفر عنه طبع مجده، وأثمره ~~عالى فكره، من ملح تمتزج بالنفوس لنفاستها، وتشرب بالقلوب لسلاستها: # قواف إذا ما رواها المشو ... ق هزت لها الغانيات القدودا # كسون عبيدا ثياب العبيد ... وأضحى لبيد لديها بليدا # وايم الله ما مر يوم أسعفنى فيه الزمان بمواجهة وجهه، وأسعدنى بالاقتباس ~~من نوره والاغتراف من بحره، فشاهدت ثمار المجد والسؤود تنتثر من شمائله، ~~ورأيت فضائل الدهر عيالا على فضائله، وقرأت نسخة الفضل والكرم من ألحاظه، ~~وانتهبت فضائل الفوائد من ألفاظه، إلا تذكرت ما أنشدنيه أدام الله تأييده ~~لابن الرومى: # لولا عجائب صنع الله ما ثبتت ... تلك الفضائل في لحم ولا عصب # وقول الطائى: # فلو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع # PageV01P173 # وقول كشاجم: # ما كان أحوج ذا الكمال إلى ... عيب يوقيه من العين # وربعت بقول أبى الطيب: ms093 # فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال # ثم استعرت فيه بيان أبى إسحاق الصابى حيث يقول للصاحب «ورثه الله ~~أعمارها، كما بلغه في البلاغة أنوارها» # الله حسبى فيك من كل ما ... تعود العبد على المولى # فلا تزل ترفل في نعمة ... أنت بها من غيرك الأولى # وقال في فصل منه: وما أنس لا أنس أيامى عنده بفيروزاباد إحدى قراه برستاق ~~جوين، سقاها الله ما يحكى أخلاق صاحبها من سيل القطر، فإنها كانت- بطلعته ~~البدرية، وعشرته العطرية، وآدابه العلوية، وألفاظه اللؤلؤية مع جلائل نعمه ~~المذكورة، ودقائق كرمه المشكورة، وفوائد مجالسه المعمورة، ومحاسن أقواله ~~وأفعاله التي يعيا بها الواصفون- أنموذجات من الجنة، التى وعد المتقون، ~~وإذا تذكرتها في المرابع التي هي مراتع النواظر، والمصانع التي هي مطالع ~~العيش الناضر، والبساتين التي إذا أخذت بدائع زخارفها، ونشرت طرائف ~~مطارفها، طوى لها الديباج الخسروانى، ونفى معها الوشى الصنعانى، فلم تشبه ~~إلا بشيمه، وآثار قلمه، وأزهار كلمه، تذكرت سحرا وسيما، وخيرا عميما، ~~وارتياحا مقيما، وروحا وريحانا ونعيما. # وكثيرا ما أحكى للاخوان أنى استغرقت أربعة أشهر بحضرته، وتوفرت على ~~خدمته، ولازمت في أكثر أوقاتى عالى مجلسه، وتعطرت [عند ركوبه] بغبار موكبه؛ ~~فبالله يمينا كنت غنيا عنها لو خفت حنثا فيها إنى ما أنكرت طرفا من أخلاقه؛ ~~ولم أشاهد إلا مجدا وشرفا من أحواله. وما رأيته اغتاب # PageV01P174 # غائبا، أو سب حاضرا، أو حرم سائلا، أو خيب آملا، أو أطاع سلطان الغضب في ~~الحضر، أو تسلى بنار الضجر في السفر، أو بطش بطش المتجبر؛ ولا وجدت المآثر ~~إلا ما يتعاطاه، والمآثم إلا ما يتخطاه. # وقال في فصل منه يصفه: وأما فنون الأدب فهو ابن بجدتها «1» ، وأخو ~~جملتها، وأبو عذرتها «2» ، ومالك أزمتها، وكأنما يوحى إليه في الاستئثار ~~بمحاسنها، والتفرد ببدائعها، ولله هو إذا غرس الدر فى [أرض] القراطيس، وطرز ~~بالظلام رداء النهار، وألقت بحار خواطره جواهر البلاغة على أنامله، فهناك ~~الحسن برمته، والحسن بكليته. # وذكر عمر بن على المطوعى في كتاب ألفه فى «3» شعر أبى الفضل ومنثوره ~~والشعراء، فقال: ms094 رأيت أهل هذه الصناعة قد تشعبوا على طرق، وانقسموا على ~~ثلاث فرق، فمنهم من اكتسى كلامه شرف الاكتساب دون شرف الانتساب كالمكتسبين ~~من الشعراء بالمدائح، المترشحين بها لأخذ الجوائز والمنائح، وهم الأكثرون ~~من أهل هذه الصناعة؛ ومنهم من شرفت بنات فكره عند أهل العقول، وجلبت لديهم ~~فضائل القبول، لشرف قائلها، لا لكثرة عقائلها، وكرم واشيها، لالرقة ~~حواشيها، كالعدد الكثير، والجم الغفير، من الخلفاء والأمراء والجلة ~~والوزراء؛ ومنهم من أخذ بحبل الجودة من طرفيه، وجمع رداء الحسن من حاشيتيه، ~~كامرىء القيس ابن حجر الكندى في المتقدمين، وهو أمير الشعراء غير منازع، ~~وسيدهم غير مجاذب ولا مدافع، وعبد الله بن المعتز بالله أمير المؤمنين فى ~~المولدين، وهو أشعر أبناء الخلافة الهاشمية، وأبرع أنشاء الدولة العباسية، ~~ومن # PageV01P175 # جل كلامه في التشبيه، عن أن يمثل بنظير أو شبيه، وعلت أشعاره في الأوصاف. # عن أن تتعاطاها ألسنة الوصاف؛ والأمير أبى فراس بن حمدان فارس البلاغة. # ورجل الفصاحة، ومن حكمت له شعراء العصر قاطبة بالسيادة، واعترفت لكلامه ~~بالإحسان والإجادة، حتى قال أبو القاسم إسماعيل بن عباد الصاحب: بدىء الشعر ~~بملك وختم بملك، يعنى امرأ القيس وأبا فراس؛ وهذه الطائفة أشهر الثلاثة ~~تقدما، وأثبتها في مواطن الفخر ومواطىء الشرف قدما، وأسبق الشعراء فى ميدان ~~البلاغة، وأرجحهم في ميدان البراعة؛ فإن الكلام الصادر عن الأعيان والصدور، ~~أقر للعيون وأشفى للصدور، فشرف القلائد بمن قلدها، كما أن شرف العقائل بمن ~~ولدها: # وخير الشعر أكرمه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيد # وإذا اتفق من اجتمعت فيه هذه الشرائط، وانتظمت عنده هاتيك المحاسن، كان ~~خليقا بأن تخلد في صحائف القلوب أشعاره، وتدون في ضمائر النفوس آثاره، ~~وتكتب على الأحداق والعيون أخباره، وجديرا بأن يختص بسرعة المجال في ~~المجالس، وخفة المدار في المدارس، كالأمير الجليل السيد مولانا: # أبى الفضل من نال السماء بفضله ... ومن وعدته نفسه بمزيد # تود عقود الدر لو كن لفظه ... فينظمها من توأم وفريد ### | وهذه مقطعات لأهل العصر في وصف البلاغة # قال أبو الفتح البستى: # مدحتك فالتامت قلائد لم ms095 يفز ... بأمثالها الصيد الكرام الأعاظم # لأنك بحر والمعانى لآلىء ... وفكرى غواص وشعرى ناظم # وقال أيضا: # ما إن سمعت بنوار له ثمر ... فى الوقت يمتع سمع المرء والبصرا # PageV01P176 # حتى أتانى كتاب منك مبتسم ... عن كل لفظ ومعنى يشبه الدررا # فكان لفظك في لألائه زهرا ... وكان معناه في أثنائه ثمرا # تسابقا فأصابا القصد في طلق ... لله من ثمر قد سابق الزهرا # وقال أيضا: # لما أتانى كتاب منك مبتسم ... عن كل بر ولفظ غير محدود «1» # حكت معانيه في أثناء أسطره ... آثارك البيض في أحوالى السود # كأنه ألم بقول الطائى: # يرى أقبح الأشياء أوبة آمل ... كستها يد المأمول حلة خائب # وأحسن من نور تفتحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المطالب # وقال أبو الفتح البستى في أبى نصر أحمد بن على الميكالى: # جمع الله في الأمير أبى نص ... ر خصالا تعلوبها الأقدار # راحة برة وصدرا فضاء ... وذكاء تبدو له الأسرار «2» # خطه روضة، وألفاظه الأز ... هار يضحكن، والمعانى ثمار # وقال عمر بن على المطوعى يمدح أبا الفضل الميكالى من قصيدة: # وإلى الأمير ابن الأمير المعتلى ... بكمال سؤدده على الأمراء # وطئت بى الوجناء وجنة مهمه ... متقاذف الاكناف والارجاء «3» # كيما ألاحظ منه في أفق العلا ... فلكا يدير كواكب العلياء # كالبدر غير دوامه متكاملا ... كالبحر غير عذوبة وصفاء # بالفضل يكنى وهو فيه كامن ... كالرى يكمن في زلال الماء # يا من إذا خط الكتاب يمينه ... أهدى إلينا الوشى من صنعاء # PageV01P177 # لم تجر كفك في البياض موقعا ... إلا تجلت عن يد بيضاء # قرم يداه وقلبه ما منهما ... فى النظم والإعطاء إلا الطائى «1» # وقال فيه أيضا: # كلام الأمير الندب في ثنى نظمه ... ينوب عن الماء الزلال لمن يظما «2» # فنروى متى نروى بدائع نظمه ... ونظما إذا لم نرو يوما له نظما # وكتب إليه أيضا: # أقول وقد جادت جفونى بأدمع ... كأنى قد استمليتهن من السحب # وقد علقت بى للنزاع نوازع ... كتبن معاناة العناء على قلبى # إلى سيد أوفى على الشمس قدره ... وزادت معاليه ضياء على الشهب # أبى الفضل من راحت فواضل كفه ... وراحته تربى ms096 على عدد الترب «3» # سقى الله أرضا حل فيها سحائبا ... كنائله الفياض أو لفظه العذب # سحائب يحدوها نسيم كخلقه ... ويقدمها برق كصارمه العضب «4» # ولا زال أفلاك السعود مطيفة ... بحضرته تنتابها وهو كالقطب # وقال أبو منصور الثعالبى للأمير أبى الفضل: # لك في الفضائل معجزات جمة ... أبدا لغيرك في الورى لم تجمع # بحران بحر في البلاغة شابه ... شعر الوليد وحسن لفظ الأصمعى «5» # كالنور أو كالسحر أو كالدر أو ... كالوشى في برد عليه موشع «6» # شكرا فكم من فقرة لك كالغنى ... وافى الكريم بعيد فقر مدقع «7» # PageV01P178 # وإذا تفتق نور شعرك ناضرا ... فالحسن بين مرصع ومصرع # أرجلت فرسان الكلام ورضت أف ... راس البديع وأنت أمجد مبدع # ونقشت في فص الزمان بدائعا ... تزرى بآثار الربيع الممرع «1» # [وقال في وصف فرس أهداه إليه ممدوحه] : # يا مهدى الطرف الجواد كأنما ... قد أنعلوه بالرياح الأربع «2» # لا شىء أسرع منه إلا خاطرى ... فى شكر نائلك اللطيف الموقع # ولو أننى أنصفت في إكرامه ... لجلال مهديه الكريم الأروع «3» # أنظمته حب القلوب لحبه ... وجعلت مربطه سواد المدمع # وخلعت ثم قطعت غير مضيق ... برد الشباب لجله والبرقع # وكتب إليه في جواب كتاب ورد عليه: # أنسيم الرياض حول الغدير ... مازجته ريا الحبيب الأثير «4» # أم ورود البشير بالنجح من ف ... ك أسير أو يسر أمر عسير # قى ملاء من الشباب جديد ... تحت أيك من التصابى نضير «5» # أم كتاب الأمير سيدنا الفر ... د؛ فيا حبذا كتاب الأمير # وثمار الصدور ما أجتنيه ... من سطور فيها شفاء الصدور # نمقتها أنامل تفتق الأن ... وار والزهر في رياض السطور # كالمنى قد جمعن في النعم الغ ... ر مع الأمن من صروف الدهور # يا أبا الفضل وابنه وأخاه ... جل باريك من لطيف خبير # شيم يرتضعن در المعالى ... ويعبرن عن نسيم العبير # PageV01P179 # وسجايا كأنهن لدى النش ... ر رضاب الحيا بأرى منشور «1» # ومحيا لدى الملوك محيا ... صادق البشر مخجل للبدور # فأجابه أبو الفضل بأبيات يقول فيها في صفة أبياته: # وهدى زفت إلى السمع بكر ... تتهادى في حلية وشذور «2» # عجب الناس أن بدت من سواد ... فى بياض ms097 كالمسك في الكافور # نظمت في بلاغة ومعان ... مثل نظم العقود فوق النحور # كم تذكرت عندها من عهود ... للتلاقى في ظل عيش نضير # فذممت الزمان إذ ضن عنا ... باجتماع يضم شمل السرور # ولئن راعنا الزمان ببين ... ألبس الأنس ذلة المهجور # فعسى الله أن يعيد اجتماعا ... فى أمان من حادثات الدهور # إنه قادر على رد مافا ... ت وتيسير كل أمر عسير # وقال أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابى في الوزير المهلبى: # قل للوزير أبى محمد الذى ... قد أعجزت كل الورى أوصافه # لك في المجالس منطق يشفى الجوى ... ويسوغ في أذن الأذيب سلافه «3» # وكأن لفظك جوهر متنخل ... وكأنما آذاننا أصدافه «4» # والمهلبى هذا هو أبو محمد الحسن بن هارون بن إبراهيم بن عبد الله بن يزيد ~~ابن حاتم بن قبيصة بن المهلب، وزر لأحمد بن بويه الديلمى، وكانت وزارته سنة ~~تسع وثلاثين وثلاثمائة، وكان أبو محمد من سروات الناس وأدبائهم وأجوادهم ~~وأعفائهم؛ وفيه يقول أبو إسحاق الصابى: # PageV01P180 # نعم الله كالوحوش فما تأ ... لف إلا الأخاير النساكا # نفرتها آثام قوم وصيرن ... لها البر والتقى أشراكا # وكان قبل اتصاله بالسلطان سائحا في البلاد، على طريق الفقر والتصوف، قال ~~أبو على الصوفى: كنت معه في بعض أوقاته، أماشيه في إحدى طرقاته، فضجر لضيق ~~الحال، فقال: # ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش مالا خير فيه # ألا رحم المهيمن نفس جر ... تصدق بالوفاة على أخيه # ثم تصرف بما يرضيه الدهر، وبلغ المهلى مبلغه. قال أبو على: دخلت البصرة ~~فاجتزت بسر من رأى، وإذا أنا بناشطيات وحراقات وزيارب وطيارات في عدة وعدد، ~~فسألت: لمن هذا؟ فقيل: للوزير المهلبى، ونعتوا لى صاحبى؛ فوصلت إليه حتى ~~رأيته، فكتبت إليه رقعة، وتوصلت حتى دخلت فسلمت، وجلست حتى خلا مجلسه، ~~فدفعت إليه الرقعة وفيها: # ألا قل للوزير بلا احتشام ... مقال مذكر ما قد نسيه # أتذكر إذ تقول لضيق عيش ... «ألا موت يباع فأشتريه» # فنظر إلى وقال: نعم، ثم نهض وأنهضنى معه إلى مجلس الأنس، وجعل يذاكرنى ما ~~مضى، ويذكر لى كيف ترقت حاله، وقدم ms098 الطعام فطعمنا، وأقبل ثلاثة من الغلمان ~~على رأس أحدهم ثلاث بدر «1» ، ومع الآخر تخوت وثياب، ومع الآخر طيب، وبخور، ~~وأقبلت بغلة رائعة بسرج ثقيل؛ فقال: # يا أبا على؛ تفضل بقبول هذا، ولا تتخلف عن حاجة تعرض لك، فشكرته وانصرفت، ~~فلما هممت بالخروج من الباب استردنى وأنشدنى بديها: # رق الزمان لفاقتى ... ورثى لطول تحرقى # PageV01P181 # وأنالنى ما أرتجى ... وأجار مما أتقى # فلأغفرن له الكث ... ير من الذنوب السبق # إلا جنايته التى ... فعل المشيب بمفرقى «1» # قال بعض العلماء: العقول لها صور مثل صور الأجسام، فإذا أنت لم تسلك بها ~~سبيل الأدب حارت وضلت، وإن بعثتها في أوديتها كلت وملت، فاسلك بعقلك شعاب ~~المعانى «2» والفهم، واستبقه بالجمام للعلم «3» ، وارتد لعقلك أفضل طبقات ~~الأدب، وتوق عليه آفة العطب؛ فإن العقل شاهدك على الفضل، وحارسك من الجهل. # واعلم أن مغارس العقول كمغارس الأشجار؛ فإذا طابت بقاع الأرض للشجر زكا ~~ثمرها، وإذا كرمت النفوس للعقول طاب خيرها، فاغمر نفسك بالكرم، تسلم من ~~الآفة والسقم. # واعلم أن العقل [الحسن] فى النفس اللئيمة، بمنزلة الشجرة الكريمة في ~~الأرض الذميمة، ينتفع بثمرها على خبث المغرس؛ فاجتن ثمر العقول وإن أتاك من ~~لئام الأنفس. [وقال النبى عليه السلام: «رب حامل فقه إلى من هو أوعى له» . ~~وقيل: رب حامل فقه غير فقيه، ورب رمية من غير رام] . # وقيل: الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها أخذها. وسمع الشعبى الحجاج ابن ~~يوسف وهو على المنبر يقول: أما بعد، فإن الله كتب على الدنيا الفناء، وعلى ~~الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه ~~الفناء، فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، وأقصروا من الأمل، لقصر ~~الأجل. # PageV01P182 # فقال: كلام حكمة خرج من قلب خراب! وأخرج ألواحه فكتب وقد روى ذلك عن ~~سفيان الثورى. # وقد سمع إبراهيم بن هشام وهو يخطب على المنبر ويقول: إن يوما أشاب ~~الصغير، وأسكر الكبير، ليوم شره مستطير! ### | [وصف الكتب] # قال الجاحظ: الكتاب وعاء ملىء علما، وظرف حشى ظرفا، وبستان يحمل في ردن ~~«1» ، وروضة تقلب في ms099 حجر، ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحياء. # وقال: من صنف كتابا فقد استهدف «2» ؛ فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد ~~استقذف «3» . # وقال: لا أعلم جارا أبر، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلما ~~أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية، وأقل جناية، ولا أقل إملالا وإبراما، ولا أقل ~~خلافا وإجراما، ولا أقل غيبة، ولا أبعد من عضيهة» # ولا أكثر أعجوبة وتصرفا، ولا أقل صلفا وتكلفا، ولا أبعد من مراء، ولا ~~أترك لشغب، ولا أزهد فى جدال، ولا أكف عن قتال، من كتاب. ولا أعلم قرينا ~~أحسن مواتاة، ولا أعجل مكافأة، ولا أحضر معونة، ولا أقل مئونة، ولا شجرة ~~أطول عمرا، ولا أجمع أمرا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتنى، ولا أسرع إدراكا ~~فى كل أوان، ولا أوجد في غير إبان، من كتاب. ولا أعلم نتاجا في حداثة سنه، ~~وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان وجوده، يجمع من التدابير الحسنة، والعلوم ~~الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأخبار عن القرون الماضية، ~~والبلاد المتراخية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يجمع الكتاب. # PageV01P183 # ودخل الرشيد على المأمون وهو ينظر في كتاب، فقال: ما هذا؟ فقال: # كتاب يشحذ الفكرة، ويحسن العشرة. فقال: الحمد لله الذى رزقنى من يرى بعين ~~قلبه أكثر مما يرى بعين جسمه. # وقيل لبعض العلماء: ما بلغ من سرورك بأدبك وكتبك؟ فقال: هى إن خلوت لذتى، ~~وإن اهتممت سلوتى، وإن قلت: إن زهر البستان، ونور الجنان، يجلوان الأبصار، ~~ويمتعان بحسنهما الألحاظ؛ فإن بستان الكتب يجلو العقل، ويشحذ الذهن، ويحيى ~~القلب، ويقوى القريحة، ويعين الطبيعة، ويبعث نتائج العقول، ويستثيرد فائن ~~القلوب، ويمتع في الخلوة، ويؤنس في الوحشة، ويضحك بنوادره، ويسر بغرائبه، ~~ويفيد ولا يستفيد، ويعطى ولا يأخذ، وتصل لذته إلى القلب، من غير سآمة ~~تدركك، ولا مشقة تعرض لك. # وقال أبو الطيب المتنبى: # وللسر منى موضع لا يناله ... نديم، ولا يفضى إليه شراب # وللخود منى ساعة، ثم بيننا ... فلاة إلى غير اللقاء تجاب «1» # وما العشق إلا غرة وطماعة ... يعرض قلب نفسه فيصاب # وغير فؤادى للغوانى ms100 رمية ... وغير بنانى للرخاخ ركاب «2» # تركنا لأطراف القنا كل لذة ... فليس لنا إلا بهن لعاب «3» # نصرفه للطعن فوق سوابح ... قد انقصفت فيهن منه كعاب «4» # أعز مكان في الدنا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب # PageV01P184 ### | فقر في الكتب # إنفاق الفضة على كتب الآداب، يخلفك عليه ذهب الألباب. إن هذه الآداب ~~شوارد، فاجعلوا الكتب لها أزمة. كتاب الرجل عنوان عقله، ولسان فضله. # ابن المعتز: من قرأ سطرا من كتاب قد خط عليه فقد خان كاتبه؛ لأن الخط ~~يحرز ماتحته. # بزرجمهر: الكتب أصداف الحكم، تنشق عن جواهر الكلم بعض الكتاب: إعجام الخط ~~يمنع من استعجامه، وشكله يؤمن من إشكاله. # كأن هذا الكاتب نحا إلى قول أبى تمام: # ترى الحادث المستعجم الخطب معجما ... لديه، ومشكولا إذا كان مشكلا # ما كتب قر، وما حفظ فر. الخطوط المعجمة، كالبرود المعلمة. # وقال ابن المعتز يصف كتابا: # وذى نكت موشى نمقته ... وحاكته الأنامل أى حوك # بشكل يرفع الإشكال عنه ... كأن سطوره أغصان شوك ### | جملة من ألفاظ أهل العصر فى صفة الكتب وتهاديها، وما يتعلق بأسمائها ومعانيها # حضرة مولاى تجل عن أن يهدى إليها غير الكتب، التى لا يترفع عنها كبير، ~~ولا يمتنع منها خطير، وقد فكرت فيما أنفذت به مقيما للرسم في جملة الخدم، ~~وحافظا للاسم في غمار الحشم، فلم أجد إلا الرق الذى سبق ملكه له، والمال ~~الذى منحه وخوله، فعدلت إلى الأدب الذى تنفق سوقه بباب سيدنا ولا تكسد، ~~وتهب ريحه بجانبه ولا تركد. وأنفذت كتابى هذا راجيا أن أشرف بقبوله، ويوقع ~~إلى بحصوله؛ ولما وجب على ذوى الاختصاص لسيدنا إهداء ما جرت العادة بتسابق ~~الأولياء إلى الاجتهاد في إهدائه «1» ، وجب العدول في إقامة رسم الخدمة إلى ~~اتباع # PageV01P185 # ما صدر عنه من الرخصة فيما تسهل كلفته، وتجل عند ذوى الألباب قيمته، ~~وتحلو ثمرته؛ وهو علم يقتنى، وأدب يجتنى. # قال أبو الحسن بن طباطبا العلوى: # لا تنكرن إهداءنا لك منطقا ... منك استفدنا حسنه ونظامه # فالله عز وجل يشكر فعل من ... يتلو عليه وحيه وكلامه # وأهدى أحمد ms101 بن يوسف «1» إلى المأمون في يوم مهرجان هدية قيمتها ألف ألف ~~درهم، وكتب: # على العبد حق فهو لابد فاعله ... وإن عظم المولى وجلت فضائله # ألم ترنا نهدى إلى الله ماله ... وإن كان عند ذا غنى وهو قابله # وقال أبو الفتح البستى: # لا تنكرن إذا أهديت نحوك من ... علومك الغر أو آدابك النتفا # فقيم الباغ قد يهدى لمالكه ... برسم خدمته من باغه التحفا «2» # وكتب أبو إسحاق الصابى إلى عضد الدولة في هذا المعنى: العبيد تلاطف ولا ~~تكاثر الموالى في هداياها، والموالى تقبل الميسور منها قبولا هو محسوب في ~~عطاياها. ولما كان- أدام الله تعالى عزه! - مبرزا على ملوك الأرض في الخطر ~~الذى قصروا عنه شديدا، والسعى الذى وقفوا منه بعيدا، والآداب التي عجزوا عن ~~استعلامها فضلا عن علمها، والأدوات التي نكلوا «3» عن استفهامها فضلا عن ~~فهمها، وجب أن يعدل عن اختياراتهم فيما تحظى به الجسوم البهيمية، إلى ~~اختياره # PageV01P186 # فيما تحظى به النفوس العلية، وعما ينفق في سوقهم العامية، إلى ما ينفق في ~~سوقه الخاصية، إفرادا لرتبته العليا، وغايته القصوى، وتمييزا له عمن لا ~~يجرى معه في هذا المضمار، ولا يتعلق منه بالغبار؛ وقد حملت إلى الخزانة- ~~عمرها الله! - شيئا من الدفاتر وآلة النجوم، فإن رأى مولانا أن يتطول «1» ~~على عبده بالإذن فى عرض ذلك عليه مشرفا له وزائدا في إحسانه إليه فعل إن ~~شاء الله تعالى. # وأهدى أبو الطيب المتنبى إلى أبى الفضل بن العميد في يوم نوروز قصيدة ~~مدحه فيها «2» يقول في آخرها: # كثر الفكر كيف نهدى كما ته ... دى إلى ربها الرئيس عباده # والذى عندنا من المال والخيل ... فمنه هباته وقياده # فبعثنا بأربعين مهار ... كل مهر ميدانه إنشاده # فارتبطها فإن قلبا نماها ... مربط تسبق الجياد جياده # وفي هذه الكلمة يقول وقد احتفل فيها، واجتهد في تجويد ألفاظها ومعانيها، ~~فعقب عليه أبو الفضل في مواضع وقف عليها فقال «3» : # هل لعذرى إلى الهمام أبى الفضل ... قبول سواد عينى مداده # أنا من شدة الحياء عليل ... مكرمات المعله عواده «4» # ما كفانى تقصير ما قلت فيه ms102 ... عن علاه حتى ثناه انتقاده # PageV01P187 # ما تعودت أن أرى كأبى الفض ... ل، وهذا الذى أتاه اعتياده # عمرتنى فوائد شاء منها ... أن يكون الكلام مما أفاده # ما سمعنا بمن أحب العطايا ... فاشتهى أن يكون منها فؤاده # وقد كان مدحه بقصيدته التي أولها: # باد هواك صبرت أم لم تضبرا ... وبكاك إن لم يجردمعك أو جرى # وفيها معان مخترعة، وأبيات مبتدعة، يقول فيها: # من مبلغ الأعراب أنى بعدها ... جالست رسطاليس والإسكندرا # ومللت نحر عشارها فأضافنى ... من ينحر البدر النضار لمن قرى «1» # وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملكا متبديا متحضرا «2» # ورأيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا # نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا # وفيها يقول: # فدعاك حسدك الرئيس وأمسكوا ... ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا # خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعى من أبصرا # أخذه من قول الطائى يصف قصائده: # بقرب يراها من يراها بسمعه ... ويدنو إليها ذو الحجا وهو شاسع # «3» ### | [فقر في وصف الكتب] # كتاب كتب لى أمانا من الدهر، وهنانى في أيام العمر. كتاب أوجب من ~~الاعتداد فوق الأعداد، وأودع بياض الوداد سواد الفؤاد. كتاب النظر فيه # PageV01P188 # نعيم مقيم، والظفر به فتح عظيم. كتاب ارتحت لعيانه، واهتززت لعنوانه. # كتاب هو من الكتب الميامين «1» ، التى تأتى من قبل اليمين. كتاب عددته من ~~حجول العمر وغرره «2» ، واعتددته من فرص العيش وغرره «3» . # كتاب هو أنفس طالع، وأكرم متطلع، وأحسن واقع، وأجل متوقع. كتاب لو قرىء ~~على الحجارة لانفجرت، أو على الكواكب لانتثرت. كتاب كدت أبليه طيا ونشرا، ~~وقبلته ألفا، ويد حامله عشرا. كتاب نسيت لحسنه الروض والزهر، وغفرت للزمان ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر. كتاب أملته هزة المجد على بنانك، ونطق به لسان ~~الفضل عن لسانك. أنا ألتقط من كل حرف تديره أنا ملك تحفة، وآخذ من كل سطر ~~تتجشم تخطيطه نزهة. إذا قرأت من خطك حرفا، وجدت على قلبى خفا «4» ، وإذا ~~تأملت من كلامك لفظا، ازددت من أنسى حظا. # كتاب كتب لى أمانا من الزمان، وتوقيع وقع مى موقع الماء ms103 من العطشان. كتاب ~~هو تعلة المسافر «5» ، وأنسة المستوحش، وزبدة الوصال، وعقلة المستوفز «6» . ~~كتاب هو رقية القلب السليم «7» ، وغرة العيش البهيم «8» . # كتاب هو سمر بلا سهر، وصفو بلا كدر. كتاب تمتعت منه بالنعيم الأبيض، ~~والعيش الأخضر، واستلمته استلام الحجر الأسود «9» ، ووكلت طرفى من سطوره ~~بوشى مهلل، وتاج مكلل، وأودعت سمعى من محاسنه # PageV01P189 # ما أنسانى سماع الأغانى من مطربات الغوانى «1» . نشأت سحابة من لفظك، ~~غيمها نعمة سابغة، وغيثها حكمة بالغة، سقت روضة القلب، وقد جهدتها يد الجدب ~~«2» ؛ فاهتزت وربت، واكتست ما اكتسبت. # كتاب حسبته ساقطا إلى من السماء، اهتزازا لمطلعه، وابتهاجا بحسن موقعه، ~~تناولته كما يتناول الكتاب المرقوم، وفضضته كما يفض الرحيق المختوم «3» . ~~كتاب كالمشترى شرف به المسير، وقميص يوسف جاء به البشير. كتاب هو من الحسن، ~~روضة حزن، بل جنة عدن، وفي شرح النفس وبسط الأنس برد الأكباد والقلوب، ~~وقميص يوسف في أجفان يعقوب. قد أهديت إلى محاسن الدنيا مجموعة في ورقه، ~~ومباهج الحلى والحلل محصورة في طبقه. كتاب ألصقته بالقلب والكبد، وشممته شم ~~الولد. # ورد منك المسك ذكيا، والزهر جنيا، والماء مريا «4» ، والعيش هنيا، والسحر ~~بابليا «5» كتاب مطلعه أهلة الأعياد، وموقعه موقع نيل المراد. # كتاب وجدته قصير العمر، كليالى الوصال بعد الهجر، لم أبدأ به حتى استكمل، ~~وقارب الآخر منه الأول. كتاب منتقض الأطراف، منقطع الأكتاف، أبتر الجوارح، ~~مضطرب الجوانح، كتاب كأنه توقيع متحرز، أو تعريض متبرز «6» ، كاد يلتقى ~~طرفاه، ويتقارب مفتتحه ومنتهاه. كتاب التقت طرفاه صغرا، واجتمعت حاشيتاه ~~قصرا. ما أظننى # PageV01P190 # ابتدأته حتى ختمته، ولا استفتحته حتى أتممته، ولا لمحته حتى استوفيته، ~~ولا نشرته حتى طويته، وأحسبنى لو لم أجود ضبطه، ولم ألزم يدى حفظه، لطار ~~حتى يختلط بالجو، فلا أرى منه إلا هباء منثورا، وهواء منشورا. # كتاب حسبته يطير من يدى لخفته، ويلطف عن حسى لقلته، وعجبت كيف لم تحمله ~~الرياح قبل وصوله إلى، وكيف لم يختلط بالهواء عند وصوله لدى. # كتاب قص الاقتصار أجنحته، فلم يدع له قوادم ولا خوافى، وأخذ الاختصار ~~جثته، فلم يبق ألفاظا ولا ms104 معانى. طلع كتابك كإيماء بطرف، أو وحى بكف. # وقال أبو العباس عبد الله بن المعتز: استعرت من على بن يحيى المنجم جزءا ~~فيه أخبار معبد بخط حماد بن إسحاق الموصلى، وكان وعدنى به، فبعث إلى بست ~~ورقات لطاف، فرددتها وكتبت إليه: «إن كنت أردت بقولك جزءا الجزء الذى لا ~~يتجزأ فقد أصبت، وإن كنت أردت جزءا فيه فائدة للقارىء، ومتعة للسامع، فقد ~~أحلت «1» ؛ وقد رددته عليك بعد أن طار اللحظ عليه طيرة» . # فأجابنى: إذا كان السفر عندك منجاة فما أصنع «2» ؟ ### | [المحادثة والمجالسة] # وقال أبو العباس: دخل رجل على الحسن بن سهل بعد أن تأخر عنه أياما، فقال: ~~ما ينقضى يوم من عمرى لا أراك فيه إلا علمت أنه مبتور القدر، منحوس الحظ، ~~مغبون الأيام. # فقال الحسن: هذا لأنك توصل إلى بحضورك سرورا لا أجده عند غيرك، # PageV01P191 # وأتنسم من أرواح عشرتك ما تجد الحواس به بغيتها، وتستوفى منه لذتها، ~~فنفسك تألف منى مثل ما آلفه منك. # وكان يقال: محادثة الرجال تلقيح الألباب «1» . # وقال ابن الرومى: # ولقد سئمت مآربى ... فكأن أطيبها خبيث # إلا الحديث؛ فإنه ... مثل اسمه أبدا حديث # قال مخارق: لقينى أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم قبل نسكه، فقال: أنا والله ~~صب بك، ولوع إليك، مغمور القلب «2» بشكرك، واللسان بذكرك، متشوف إلى رؤيتك ~~ومفاوضتك، وقد طالت الأيام على ما أعد به نفسى من الاجتماع معك، ومن قضاء ~~الوطر منك؛ فما عندك؟ أنا الفداء لك! وتزورنى أم أزورك؟ # قلت: جعلنى الله فداك! ما يكون عند من هو منك بهذا الموضع وفي هذا المحل ~~إلا الانقياد إلى أمرك، والسمع والطاعة لك، ولولا أن أسىء الأدب في أمر ~~بدأت فيه بالفضل لقلت: إن كثير ما ابتدأت به من القول يقل فيما عندى من ~~الشوق إليك، والشعف بك، دون ما حرك هذا القول منى، فوجبت لك به المنة على، ~~وأنا بين يديك، فاثن عنانى إلى ما أردت، وقدنى كيف شئت، تجدنى كما قال ~~القائل: # ما تشتهيه فإنى اليوم فاعله ... والقلب صب فما جشمته جشما # وذكر ms105 سهل بن هارون رجلا، فقال: لم أر أحسن منه فهما لجليل، ولا تفهما ~~لدقيق أشار إليه أبو تمام فقال: # وكنت أعز عزا من قنوع ... تعرضه صفوح من ملول # فصرت أذل من معنى دقيق ... به فقر إلى ذهن جليل «3» # PageV01P192 # وقال سعيد بن مسلم للمأمون: لو لم أشكر الله تعالى إلا على حسن ما أبلانى ~~من أمير المؤمنين من قصده إلى بحديثه، وإشارته إلى بطرفه؛ لقد كان فى ذلك ~~أعظم الرفعة، وأرفع ما توجبه الحرمة. فقال: يفعل أمير المؤمنين ذلك؛ لأن ~~أمير المؤمنين يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدثت وحسن الفهم إذا حدثت ما لا ~~يجده عند أحد ممن مضى، ولا يظن أنه يجده عند أحد ممن بقى، فإنك لتستقصى ~~حديثى، وتقف عند مقاطع كلامى، وتخبر بما كنت أغفلته منه. # وقال المتوكل لأبى العيناء: ما تحسن؟ قال: أفهم وأفهم. # وقال بعض الحكماء لتلميده، وقد ضرب الموسيقى: أفهمت؟ قال: نعم، قال: بل ~~لم تفهم؛ لأنى لا أرى عليك سرور الفهم! وقد قيل: من نظر إلى الربيع ~~وأنواره، والروض وأصباغه، ولم يبتهج كان عديم حس، أوسقيم نفس. # ومر أبو تمام بايرشهر من أرض فارس، فسمع جارية تغنى بالفارسية، فشاقه شجى ~~الصوت، فقال: # ومسمعة تروق السمع حسنا ... ولم تصممه، لا يصمم صداها! # لوت أوتارها فشجت وشاقت ... فلو يسطيع حاسدها فداها # ولم أفهم معانيها، ولكن ... ورت كبدى فلم أجهل شداها # فكنت كأننى أعمى معنى ... يحب الغانيات ولا يراها # قال أبو الفضل أحمد بن أبى طاهر: قلت لأبى تمام: أخذت هذا المعنى من أحد؟ ~~قال: نعم، أخذته من قول بشار بن برد: # يا قوم أذنى لبعض الحى عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا # قالوا: بمن لا ترى تهذى؟ فقلت لهم: ... الأذن كالعين توفى القلب ما كانا # وقال بشار أيضا في هذا المعنى: # قالت عقيل بن كعب إذ تعلقها ... قلبى فأضحى به من حبها أثر: # PageV01P193 # أنى ولم ترها تهذى! فقلت لهم: ... إن الفؤاد يرى مالا يرى البصر # وقال: # يزهدنى في حب عبدة معشر ... قلوبهم فيها مخالفة قلبى ms106 # فقلت: دعوا قلبى وما اختار وارتضى ... فبالقلب لا بالعين يبصر ذو اللب # وما تبصر العينان في موضع الهوى ... ولا تسمع الأذنان إلا من القلب # وقد قال أبو يعقوب الخريمى في هذا المعنى، وكان قد أعور ثم عمى، وقيل: # إنها للخليل بن أحمد: # قالت أتهز أبى غداة لقيتها ... يا للرجال لصبوة العميان # فأجبتها: نفسى فداؤك إنما ... أذنى وعينى في الهوى سيان # وقريب من هذا قول الحكم بن قنبر، وإن لم يكن منه: # إن كنت لست معى قالذكر منك معى ... يرعاك قلبى وإن غيبت عن بصرى # العين تبصر من تهوى وتفقده ... وناظر القلب لا يخلو من النظر # وقال آخر: # أما والذى لو شاء لم يخلق الهوى ... لئن غبت عن عينى فما غبت عن قلبى # ترينيك عين الوهم حتى كأننى ... أناجيك من قرب وإن لم تكن قربى «1» # وقال أبو عثمان سعيد بن الحسن الناجم: # لئن كان عن عينى أحمد غائبا ... فما هو عن عين الضمير بغائب # له صورة في القلب لم يقصها النوى ... ولم تتخطفها أكف النوائب # PageV01P194 # إذا ساءنى منه شحوط مزاره ... وضاقت بقلبى في نواه مذاهبى «1» # عطفت على شخص له غير نازح ... محلته بين الحشا والترائب «2» # وذكر أبو عبيدة كيسان مستمليه في بعض الأمر، فقال: ما فهم، ولو فهم لوهم ~~«3» . وكان كيسان يوصف بالبلادة والغفلة. # قال الجاحظ: كان يكتب غير ما يسمع، ويستقنى غير ما يكتب، ويقرأ غير ما ~~يستفتى «4» ، ويملى غير ما يقرأ، أمليت عليه يوما: # عجبت لمعشر عدلوا ... بمعتمر أبا عمر # فكتب أبا بشر، وقرأ أبا حفص، واستقنى أبا زيد. # قال أبو عباد: للمحدث على جليسه، السامع لحديثه، أن يجمع له باله، ويصغى ~~إلى حديثه، ويكتم عليه سره، ويبسط له عذره. # وقال: ينبغى للمحدث إذا أنكر عين السامع أن يستفهمه عن معنى حديثه، فإن ~~وجده قد أخلص له الاستماع أتم له الحديث، وإن كان لاهيا عنه حرمه حسن ~~الإقبال عليه، ونفع المؤانسة له، وعرفه بسوء الاستماع والتقصير في حق ~~المحدث. # وقال: نشاط المحدت على قدر فهم المستمع. # وكان عبد الله ms107 بن مسعود «5» - رضي الله عنه! - يقول: حدث الناس ما حدجوك ~~بأسماعهم «6» ، ولحظوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فتورا فأمسك. # وقال أبو الفتح البستى: # إذا أحسست في لفظى فتورا ... وحفظى والبلاغة والبيان # PageV01P195 # فلا ترتب بفهمى إن رقصى ... على مقدار إيقاع الزمان # وقال عامر بن عبد قيس: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا ~~خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان. # وقال الحسن- وقد سمع متكلما يعظ فلم تقع موعظته من قلبه ولم يرق لها-: يا ~~هذا؛ إن بقلبك لشرا، أو بقلبى! وقال محمد بن صبيح المعروف بابن السماك ~~لجاريته: كيف ترين ما أعظ الناس به؟ قالت: هو حسن، إلا أنك تكرره، قال: ~~إنما أكرره ليفهمه من لم يكن فهمه، قالت: إلى أن يفهمه البطىء يثقل على سمع ~~الذكى. # واستعيد ابن عباس حديثا فقال: لولا أنى أخاف أن أغض من بهائه، وأريق من ~~مائه، وأخلق من جدة روائه، لأعدته. # وقال أبو تمام الطائى يصف قصائده: # منزهة عن السرق المؤدى ... مكرمة عن المعنى المعاد # أخذه البحترى فقال: # لا يعمل اللفظ المكرر فيه واللفظ المردد والإطالة مملولة كما يمل ~~التكرير. # وقد قال الحسن بن سهل: الآداب عشرة؛ فثلاثة شهرجانية، وثلاثة أنوشروانية، ~~وثلاثة عربيه، وواحدة أربت عليهن؛ فأما الشهرجانية فضرب العود، ولعب ~~الشطرنج، ولعب الصوالج. وأما الأنوشروانية فالطب، والهندسة، والفروسية. ~~وأما العربية فالشعر، والنسب، وأيام الناس. وأما الواحدة التي أربت عليهن: ~~فمقطعات الحديث، والسمر، وما يتلقاه الناس بينهم في المجالس. # وكان يقال: خذ من العلوم نتفها، ومن الآداب طرفها. # وكان يقال: مقطعات الأدب، قراضات الذهب. # PageV01P196 # وحضر بشار بن برد مجلسا فقال: لا تجعلوا مجلسنا غناء كله، ولا شعرا كله، ~~ولا سمرا كله، ولكن انتهبوه انتهابا. # وقال الحسن رحمه الله: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور، واقدعوا ~~«1» هذه الأنفس فإنها طلعة «2» ؛ وإنكم إلا تزعوها «3» تنزع بكم إلى شر ~~غاية. # وقال أزدشير بن بابك: إن للأذهان كلالا، وللقلوب ملالا، ففرقوا بين ~~الحكمتين يكن ذلك استجماما. # ويروى في حكمة آل داود: لا ينبغى للعاقل أن يخلى نفسه من أربع: ms108 # عدة لمعاده، وصلاح لمعاشه، وفكر يقف به على ما يصلحه من فساده، ولذة في ~~غير محرم يستعين بها على الحالات الثلاث. # وما أحسن ما قال أبو الفتح بن كشاجم «4» : # عجبى ممن تناهت حاله ... وكفاه الله ذلات الطلب # كيف لا يقسم شطرى عمره ... بين حالين نعيم وأدب؟ # ساعة يمتع فيها نفسه ... من غذاء وشراب منتخب # ودنو من دمى هن له ... حين يشتاق إلى اللعب لعب «5» # فإذا ما نال من ذا حظه ... فحديث ونشيد وكتب # مرة جد، وأخرى راحة ... فإذا ما غسق الليل انتصب # فقضى الدنيا نهارا حقها ... وقضى لله ليلا ما وجب # PageV01P197 # تلك أقسام متى يعمل بها ... دهره يسعدو يرشد ويصب # وقال أبو العباس محمد بن يزيد: قسم كسرى أيامه فقال: يصلح يوم الريح ~~للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس لقضاء ~~الحوائج. # قال الحسن بن خالويه «1» : ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم، يعلمون ظاهرا من ~~الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ولكن نبينا صلى الله عليه وسلم قد ~~جزأ نهاره ثلاثة أجزاء: جزء لله، وجزء لأهله، وجزء لنفسه، ثم جزء جزأه بينه ~~وبين الناس؛ فكان يستعين بالخاصة على العامة، وكان يقول: أبلغونى حاجة من ~~لا يستطيع إبلاغى؛ فانه من أبلغ [ذا سلطان] حاجة من لا يستطيع إبلاغها آمنه ~~الله تعالى يوم الفزع الأكبر. ### | [عود إلى الإطالة والإيجاز] # وقال شبيب بن شيبة «2» : إن ابتليت بمقام لابد لك فيه من الإطالة فقدم ~~إحكام البلوغ في طلب السلامة من الخطل، قبل التقدم من إحكام البلوغ في # PageV01P198 # شرف التجويد؛ ثم إياك أن تعدل بالسلامة شيئا، فقليل كاف خير لك من كثير ~~غير شاف. # وكان جعفر بن يحيى يقول لكتابه: إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل ~~التوقيع فافعلوا. # وقال ثمامة بن أشرس: لم أرقط أنطق من جعفر بن يحيى بن خالد، وكان صاحب ~~إيجاز. # وكان أبو وائلة إياس بن معاوية- على تقدمه في البلاغة، وفضل عقله وعلمه- ~~بالإكثار معيبا، وإلى التطويل منسوبا، وقال له عبد الله بن شبرمة: أنا وأنت ~~لا نتفق، أنت ms109 لا تشتهى أن تسكت، وأنا لا أشتهى أن أسمع. وقيل له: # ما فيك عيب إلا كثرة كلامك، قال: أفتسمعون صوابا أم خطأ؟ قالوا: بل ~~صوابا، قال: فالزيادة في الخير خير. # قال الجاحظ: وليس كما قال، بل للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، وما ~~فضل عن مقدار الاحتمال، ودعا إلى الاستثقال والكلال؛ فذلك هو الفضال «1» ~~والهذر والخطل والإسهاب الذى سمعت الخطباء يعيبونه. # وذكر الأصمعى أن ابن هبيرة لما أراد إياسا على القضاء قال: إنى والله لا ~~أصلح له، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنى دميم حديد، ولأنى عيى، قال ابن هبيرة: ~~أما الحدة فإن السوط يقومك؛ وأما العى فقد عبرت عما تريد؛ وأما الدمامة ~~فإنى لا أريد أن أحاسن بك. # ولم يصفه أحد بالعى، وإنما كان يعاب بالإكثار، ولكنه أراد المدافعة عن ~~نفسه والحديث ذو شجون «2» . # PageV01P199 # قال أبو العيناء، ذكرت لبعض القيان فعشقتنى على السماع، فلما رأتنى ~~استقبحتنى، فقلت: # وشاطرة لما رأتنى تنكرت ... وقالت: قبيح أحول ما له جسم # فإن تنكرى منى أحولا لا فإننى ... أديب أريب لا عيى ولا فدم «1» # [فاتصل بها الشعر،] فكتبت إلى: إنا لم نرد أن نوليك ديوان الزمام! وكان ~~عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتب إلى عدى بن أرطاة «2» : إن قبلك ~~رجلين من مزينة- يعنى بكر بن عبد الله، وإياس بن معاوية- فول أحدهما قضاء ~~البصرة؛ فأحضرهما، فقال بكر: والله ما أحسن القضاء؛ فإن كنت صادقا فما تحل ~~توليتى، وإن كنت كاذبا فذلك أوجب لتركى، فقال إياس: # نكم وقفتموه على شفير جهنم، فافتدى منها بيمين يكفرها، ويستغفر الله ~~تعالى امنها، فقال له عدى: أما إذ اهتديت لها فأنت أحق بها، فولاه. # ودخل إياس الشام وهو غلام صغير، فقدم خصما له إلى بعض القضاة، وكان الخصم ~~شيخا، فصال عليه إياس بالكلام، فقال له القاضى: خفض عليك فإنه شيخ كبير، ~~قال: الحق أكبر منه، قال: اسكت! قال: فمن ينطق بحجتى؟ # قال: ما أراك تقول حقا، قال: لا إله إلا الله! فدخل القاضى على عبد الملك ~~فأخبره؛ فقال: اقض حاجته الساعة ms110 وأخرجه من الشام لا يفسد أهلها «3» ! وقال ~~أحمد بن الطيب السرخسى تلميذ يعقوب بن إسحاق الكندى «4» : # PageV01P200 # كنت يوما عند العباس بن خالد، وكان ممن حبب الله إليه أن يتحدث، فأخذ ~~يحدثنى، وينتقل من حديث إلى حديث، وكنا في صحن له، فلما بلغتنا الشمس ~~انتقلنا إلى موضع آخر، حتى صار الظل فيئا؛ فلما أكثر وأضجر، ومللت حسن ~~الأدب في حسن الاستماع، وذكرت قول الأوزاعى: إن حسن الاستماع قوة للمحدث، ~~قلت له: إذا كنت وأنا أسمع قد عييت مما لا كلفة على فيه، فكيف أراك وأنت ~~المتكلم؟ فقال: إن الكلام يحلل الفضول اللزجة الغليظة التي تعرض فى اللهوات ~~وأصل اللسان ومنابت الأسنان، فوثبت وقلت: لا أرانى معك اليوم إلا «إيارج ~~الفيقرا» ؛ فأنت تتغر غربى! فاجتهد في أن أجلس فلم أفعل. # قال أحمد بن الطيب: كنا مرة عند بعض إخواننا، فتكلم وأعجبه من نفسه ~~البيان، ومنا حسن الاستماع، حتى أفرط، فعرض لبعض من حضر ملل، فقال: إذا ~~بارك الله في الشىء لم يفن، وقد جعل الله تعالى في حديث أخينا البركة!. # ولعبد الله بن سالم الخياط في رجل كثير الكلام: # لى صاحب في حديثه البركه ... يزيد عند السكون والحركه # لو قال لا في قليل أحرفها ... لردها بالحروف مشتبكه # ومن طرائف التطويل ما أنشأه البديع، وسيمر من كلامه ما هو آنق من زهر ~~الربيع. ### | [الملح] # قال الأصمعى: بالعلم وصلنا، وبالملح نلنا، وقال الأصمعى أيضا: أنشدت محمد ~~بن عمران قاضى المدينة، وكان أعقل من رأيته: # يأيها السائل عن منزلى ... نزلت في الخان على نفسى # PageV01P201 # يغدو على الخبز من خابز ... لا يقبل الرهن ولا ينسى «1» # آكل من كيسى ومن كسرتى ... حتى لقد أوجعنى ضرسى # فقال: اكتب لى هذه الأبيات، فقلت: أصلحك الله! هذا لا يشبه مثلك، وإنما ~~يروى مثل هذا الأحداث، فقال: اكتبها فالأشراف تعجبهم الملح. # وقد قال أبو الدرداء رحمه الله تعالى: إنى لأستجم نفسى ببعض الباطل، ~~ليكون أقوى لها على الحق. # [وقال ابن مسعود رحمه الله: القلوب تمل كما تمل الأبدان، فاطلبوا لها ~~طرائف ms111 الحكمة] . # وقال ابن الماجشون: لقد كنا بالمدينة وإن الرجل ليحدثنى بالحديث من الفقه ~~فيمليه على، ويذكر الخبر من الملح فأستعيده فلا يفعل، ويقول: لا أعطيك ~~ملحى، وأهبك ظرفى وأدبى. # وقال ابن الماجشون: إنى لأسمع بالكلمة المليحة ومالى إلا قميص واحد؛ ~~فأدفعه إلى صاحبها، وأستكسى الله عز وجل. # وقال الزبير بن بكار «2» : رؤى الغاضرى ينازع أشعب الطمع عند بعض الولاة، ~~ويقول: أصلح الله الأمير! إن هذا يدخل على في صناعتى، ويطلب مشاركتى في ~~بضاعتى، وهيأته هيأة قاض، والأمير يضحك، وكانا جميعا فرسى رهان ورضيعي لبان ~~في بيانهما؛ إلا أن الغاضرى [كان] لا يتخلق بالطمع تخلق أشعب. # وأتى الغاضرى يوما الحسن بن زيد فقال: جعلت فداك! إنى عصيت الله ورسوله، ~~قال: بئس ما صنعت! وكيف ذلك؟ قال: لأن رسول الله صلى الله # PageV01P202 # عليه وسلم قال: لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، وأنا أطعت امرأتى، فاشتريت ~~غلاما فهرب. # قال الحسن: فاختر واحدة من ثلاث: إن شئت فثمن الغلام، قال: بأبى أنت! قف ~~عند هذه ولا تتجاوزها! قال: أعرض عليك الخصلتين، قال: لا، حسبى هذه. # وقد روى نحو هذا عن أشعب، أنه قال له بعض إخوانه: لو صرت إلى العشية ~~نتفرج؟ قال: أخاف أن يجىء ثقيل، قلت: ليس معنا ثالث، فمضى معى، فلما صلينا ~~الظهر ودعوت بالطعام، فإذا بداق يدق الباب، قال: ترى أن قد صرنا إلى ما ~~نكره، قلت له: إنه صديق، وفيه عشر خصال إن كرهت واحدة منهن لم آذن له، قال: ~~هات، قلت: أولها أنه لا يأكل ولا يشرب، فقال: التسع لك! قل له يدخل! ورأى ~~سفيان الثورى «1» الغاضرى وهو يضحك الناس؛ فقال: يا شيخ أو ما علمت أن لله ~~يوما يخسر فيه المبطلون؟ فوجم الغاضرى، وما زال ذاك يعرف فيه حتى لقى الله ~~عز وجل. # وأشعب الطمع هو أشعب بن جبير، مولى عبد الله بن الزبير، وكان أحلى الناس، ~~قال الزبير بن أبى بكر: كان أهل المدينة يقولون: تغير كل شىء إلا ملح أشعب، ~~وخبز أبى الغيث، ومشية برة «2» ؛ وكان ms112 أبو الغيث يعالج الخبز بالمدينة، ~~وبرة بنت سعيد بن الأسود كانت من أجمل النساء وأحسنهن مشية، وأشعب يضرب به ~~المثل في الطمع، وكان أشعب قد نشأ في حجر عائشة # PageV01P203 # بنت عثمان- رحمها الله! - مع أبى الزناد «1» ، قال أشعب: فلم يزل يعلو ~~وأنحط حتى بلغنا الغاية. # وقال أشعب: أسلمتنى أمى إلى بزاز، فسألتنى بعد سنة، أين بلغت؟ فقلت: # فى نصف العمل، قالت: وكيف؟ قلت: تعلمت النشر وبقى الطى، قالت: # أنت لا تفلح. # وسألته صديقة له خاتما، فقالت: أذكرك به، قال: اذكرى أنك سألتنى ومنعتك! ~~وقيل له: كم كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر؟ قال: ~~ثلاثمائة عشر درهما! ثم تنسك في آخر عمره، وغزا ومات على خير، رحمه الله ~~تعالى!. # وقيل لأشعب: أرأيت أطمع منك؟ قال: نعم، كلبة آل فلان، رأت رجلين يمضغان ~~علكا «2» ، فتبعتهما فرسخين تظن أنهما يأكلان شيئا. # وأهدى رجل من ولد عامر بن لؤى إلى إسماعيل الأعرج قالوذجة وأشعب حاضر، ~~فقال: كل يا أشعب، فأكل منها؛ فقال: كيف تراها؟ فقال: # عليه الطلاق إن لم تكن عملت قبل أن يوحى ربك إلى النحل! أى: ليس فيها ~~حلاوة «3» . # وروى أبو هفان قال: دخل أبو نواس الحسن بن هانىء على يحيى بن خالد فقال ~~له: أنشدنى بعض ما قلت، فأنشده: # إنى أنا الرجل الحكيم بطبعه ... ويزيد في علمى حكاية من حكى # أتتبع الظرفاء أكتب عنهم ... كيما أحدث من أحب فيضحكا # PageV01P204 # فقال له يحيى [بن خالد] : إن [أول] زندك ليورى بأول قدحة، فقال ارتجالا ~~في معنى قول يحيى: # أما وزند أبى على إنه ... زند إذا استوريت سهل قدحكا # إن الإله لعلمه بعباده ... قد صاغ جدك للسماح ومنحكا # تأبى الصنائع همتى وقريحتى ... من أهلها وتعاف إلا مدحكا # ووصف أبو عبد الله الجماز أبا نواس فقال: كان أظرف الناس منطقا، وأغزرهم ~~أدبا، وأقدرهم على الكلام، وأسرعهم جوابا، وأكثرهم حياء، وكان أبيض اللون، ~~جميل الوجه، مليح النغمة والإشارة، ملتف الأعضاء، بين الطويل والقصير، ~~مسنون الوجه «1» ، قائم الأنف، حسن العينين والمضحك «2» ، حلو الصورة، لطيف ms113 ~~الكف والأطراف؛ وكان فصيح اللسان، جيد البيان، عذب الألفاظ، حلو الشمائل، ~~كثير النوادر، وأعلم الناس كيف تكلمت العرب، راوية للأشعار، علامة ~~بالأخبار، كأن كلامه شعر موزون. # وأقبل أبو شراعة العبسى، والجماز في حديثه، وكان أقبح الناس وجها، وكانت ~~يد أبى شراعة كأنها كربة نخل «3» ؛ فقال الجماز: فلو كانت أطرافه على أبى ~~شراعة لتم حسنه؛ فغضب أبو شراعه وانصرف يشتمه. # والجماز هو: أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر، وكانوا ~~يزعمون أنهم من حمير، نالهم سباء في خلافة أبى بكر، رضي الله عنه، وهم ~~مواليه، وسلم الخاسر عمه «4» ، وكان الجماز من أحلى الناس حكاية، وأكثرهم ~~نادرة. # قال بعض جلساء المتوكل: كنا نكثر عند المتوكل ذكر الجماز حتى # PageV01P205 # اشتاقه، فكتب في حمله إليه، فلما دخل أفحم، فقال له المتوكل: تكلم فإنى ~~أريد أن أستبرئك، فقال: بحيضة أو بحيضتين يا أمير المؤمنين؟ فقال له الفتح ~~«1» : قد كلمت أمير المؤمنين يوليك على القرود والكلاب! قال: # أفلست سامعا مطيعا؟ فضحك المتوكل وأمر له بعشرة آلاف درهم وكان لا يدخل ~~بيته أكثر من ثلاثة لضيقه؛ فدعا ثلاثة، فجاءه ستة، وقرعوا الباب، ووقفوا ~~على رجل رجل فعد أرجلهم من خلف الباب؛ فلما حصلوا عنده، قال: اخرجوا عنى، ~~فإنما دعوت ناسا ولم أدع كراكي. # وقال الطائى في عمرو بن طوق التغلبى: # الجد شيمته، وفيه فكاهة ... سجح ولا جد لمن لم يلعب «2» # شرس، ويتبع ذاك لين خليقة ... لا خير في الصهباء ما لم تقطب «3» # وقال في الحسن بن وهب: # لله أيام خطبنا لينها ... فى ظله بالخندريس السلسل «4» # بمدامة نغم السماع خفيرها ... لا خير في المعلول غير معلل «5» # يغشى عليها وهو يجلو مقلتى ... باز، ويغفل وهو غير مغفل # لا طائش تهفو خلائقه، ولا ... خشن الوقار كأنه في محفل # فكه يجم الجد أحيانا، وقد ... ينضى ويهزل عيش من لم يهزل # وقال فيه: # ولقد رأيتك والكلام لآلىء ... توم فبكر في النظام وثيب «6» # وكأن قسا في عكاظ يخطب ... وابن المقفع في اليتيمة يسهب «7» # PageV01P206 # وكأن ليلى الأخيلية تندب ... وكثير ms114 عزة يوم بين ينسب # يكسو الوقار ويستخف موقرا ... طورا فيبكى سامعيه ويطرب # وقال أبو الفتح البستى: # أفد طبعك المكدود بالهم راحة ... براح، وعلله بشىء من المزح # ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما نعطى الطعام من الملح ### | [المزاح] # وما زال الأشراف يمزحون، ويسمحون بما لا يقدح في أديانهم، ولا يغض من ~~مروءاتهم. # وقال النبى صلى الله عليه وسلم: بعثت بالحنيفية السمحة. # وقال: إنى لأمزح ولا أقول إلا حقا. # وقيل لسعيد بن المسيب «1» : إن قوما من أهل العراق لا يرون إنشاد الشعر ~~فقال: لقد نسكوا نشكا أعجميا. # وقيل لابن سيرين: إن قوما يزعمون أن إنشاد الشعر ينقض الوضوء، فأنشد: # لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزا ... ولو رضيت رشح استه لاستقرت «2» # وقام يصلى! وقيل: بل أنشد: # أنبئت أن عجوزا جئت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول ### | [النسيب] # وقيل لأبى السائب المخزومى: أترى أحدا لا يشتهى النسيب؟ فقال: أما من ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فلا. # PageV01P207 # وروى مصعب بن عبد الله الزبيرى «1» عن عروة بن عبيد الله بن عروة الزبيرى ~~قال: كان عروة بن أذينة «2» نازلا في دار أبى بالعقيق، فسمعته ينشد لنفسه: # إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها # فيك الذى زعمت بها، وكلا كما ... أبدى لصاحبه الصبابة كلها # ولعمرها لو كان حبك فوقها ... يوما وقد ضحيت إذن لأظلها «3» # فإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها # بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها وأجلها «4» # لما عرضت مسلما، لى حاجة ... أخشى صعوبتها، وأرجو ذلها «5» # منعت تحيتها فقلت لصاحبى: ... ما كان أكثرها لنا وأقلها # فدنا وقال: لعلها معذورة ... فى بعض رقبتها، فقلت: لعلها «6» # قال: فأتانى أبو السائب المخزومى فقلت له بعد الترحيب به: ألك حاجة. # PageV01P208 # فقال: نعم أبيات لعروة بلغنى أنك سمعته ينشدها، فأنشدته الأبيات، فلما ~~بلغت قوله: # فدنا وقال لعلها معذورة # ... البيت طرب، وقال: هذا والله الدائم الصبابة، الصادق العهد، لا الذى ~~يقول: # إن كان أهلك يمنعونك رغبة ... عنى فأهلى بى أضن وأرغب # لقد عدا هذا الأعرابى طوره، ms115 وانى لأرجو أن يغفر [الله] لصاحب هذه الأبيات ~~لحسن الظن بها، وطلب العذر لها؛ قال: فعرضت عليه الطعام فقال: # لا والله ما كنت لأخلط بهذه الأبيات طعاما حتى الليل، وانصرف. # وكان أبو السائب غزير الأدب، كثير الطرب، وله فكاهات مذكورة، وأخبار ~~مشهورة، وكان جده يكنى أبا السائب أيضا، وكان خليطا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فكان النبى صلى الله عليه وسلم إذا ذكره قال: نعم الخليط كان ~~أبو السائب! لا يشارى ولا يمارى «1» واسم أبى السائب عبد الله، وكان أشراف ~~أهل المدينة يستظرفونه ويقدمونه لشرف منصبه، وحلاوة ظرفه. # وكان عروة بن أذينة- على زهده، وورعه، وكثرة علمه وفهمه- رقيق الغزل ~~كثيره، وهو القائل: # إذا وجدت أوار الحب في كبدى ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد # هبنى بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد؟ # وقد روى هذان البيتان لغيره # PageV01P209 # ومرت به سكينة بنت الحسين بن على بن أبى طالب- رضي الله عنهم! - فقالت ~~له: أنت الذى تزعم أنك غير عاشق، وأنت تقول «1» : # قالت وأبثثتها سرى فبحت به ... قد كنت عندى تحب الستر فاستتر # ألست تبصر من حولى؟ فقلت لهم ... غطى هواك وما ألقى على بصرى # والله ما خرج هذا من قلب سليم فط. # وروى الزبير عن رجل لم يسمه، قال: قال لى أبو السائب: أنشدنى للأحوص «2» ~~فأنشدته: # قالت- وقلت: تحرحى وصلى ... حبل امرىء بوصالكم صب-: # صاحب إذن بعلى؟ فقلت لها: ... الغدر شىء ليس من ضربى «3» # شيئان لا أدنو لوصلهما ... عرس الخليل وجارة الجنب # أما الخليل فلست فاجعه ... والجار أوصانى به ربى # عوجا كذا نذكر لغانية ... بعض الحديث مطيكم صحبى «4» # ونقل لها: فيم الصدود ولم ... نذنب، بل انت بدأت بالذنب؟ # إن تقبلى نقبل وننزلكم ... منا بدار السهل والرحب # أو تهجرى تكدر معيشتنا ... وتصدعى متلائم الشعب # فقال: هذا والله المحب حقا، لا الذى يقول: # وكنت إذا حبيب رام هجرى ... وجدت وراى منفسحا عريضا # PageV01P210 # ثم قال: اذهب، فلا صحبك الله، ولا وسع عليك «1» ! وخرج أبو حازم يوما ~~يرمى الجمار، فإذا هو بامرأة حاسر «2» قد فتنت الناس ms116 بحسن وجهها، وألهتهم ~~بجمالها، فقال لها: يا هذه، إنك بمشعر حرام، وقد فتنت الناس وشغلتهم عن ~~مناسكهم، فاتقى الله واستترى؛ فإن الله عز وجل يقول في كتابه العزيز: ~~(وليضربن بخمرهن على جيوبهن) ؛ فقالت: إنى من اللاتى قيل فيهن: # أماطت كساء الخزعن حروجهها ... وأرخت على المتنين بردا مهلهلا # من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البرىء المغفلا «3» # الشعر للحارث بن خالد المخزومى. فقال أبو حازم لأصحابه: تعالوا ندع الله ~~لهذه الصورة الحسنة ألا يعذبها الله تعالى بالنار! فجعل أبو حازم يدعو ~~وأصحابه يؤمنون، فبلغ ذلك الشعبى، فقال: ما أرقكم يأهل الحجاز وأظرفكم! أما ~~والله لو كان من قرى العراق لقال اعزبى عليك لعنة الله! وكان أبو حازم من ~~فضلاء التابعين، وله مقامات جميله من الملوك، وكلام محفوظ يدل على فضله ~~وعقله، وهو القائل: كل عمل تكره من أجله الموت فاتركه، ولا يضرك متى مت. ~~وكان يقول: ما أحببت أن يكون معك غدا فقدمه اليوم. وكان يقول: إنما بينى ~~وبين الملوك يوم واحد، أما أمس فلا يجدون لذته، وأنا وإياهم من غد على وجل؛ ~~وإنما هو اليوم، فما عسى أن يكون اليوم؟ # وقال أبو العتاهية: # حتى متى نحن فى الأيام نحسبها ... وإنما نحن فيها بين يومين # يوم تولى، ويوم نحن نأمله ... لعله أجلب اليومين للحين «4» # PageV01P211 # وروى الزبير بن أبى بكر قال: قدمت امرأة من هذيل المدينة، وكانت جميلة، ~~ومعها ابن لها صغير، وهي أيم «1» ، فخطبها الناس وأكثروا، فقال فيها عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: # أحبك حبا لا يحبك مثله ... قريب ولا في العالمين بعيد # أحبك حبا لو علمت ببعضه ... لجدت ولم يصعب عليك شديد # وحبك يا أم العلاء متيمى ... شهيدى أبو بكر فذاك شهيد # ويعلم وجدى القاسم بن محمد ... وعروة ما ألقى بكم وسعيد # ويعلم ما أخفى سليمان كله ... وخارجة يبدى لنا ويعيد # متى تسألى عما أقول فتخبرى ... فللحب عندى طارف وتليد # فقال له سعيد بن المسيب: قد أمنت أن تسألنا، ولو سألتنا ما شهدنا لك ~~بزور. ms117 # وكان عبيد الله أحد الفقهاء السبعة الذين انتهى إليهم علم المدينة، وقد ~~ذكرهم عبيد الله في هذه الأبيات؛ وهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن ~~هشام ابن المغيرة المخزومى. والقاسم بن [محمد بن] أبى بكر الصديق، وعروة بن ~~الزبير ابن العوام، وسعيد بن المسيب بن حزن، وسليمان بن يسار، وخارجة بن ~~زيد ابن ثابت الأنصارى. # وقيل لعبيد الله: أتقول الشعر على شرفك؟ فقال: لابد للمصدر أن ينفث «2» ؛ ~~وعبيد الله هو القائل: # شققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم والتأم الفطور «3» # تغلغل حب عثمة في فؤادى ... فباديه مع الخافى يسير # تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور # PageV01P212 # أخذه سلم بن عمرو الخاسر فقال: # سقتنى بعينيها الهوى وسقيتها ... فدب دبيب الخمر في كل مفصل # وقال أبو نواس: # أحب اللوم فيها ليس إلا ... لترداد اسمها فيها ألام # ويدخل حبها في كل قلب ... مداخل لا تغلغلها المدام» # ومنه قول المتنبى: # وللسر منى موضع لا يناله ... نديم، ولا يفضى إليه شراب # وقال بعض المحدثين: # ما زلت تغوينى وتطلب خلتى ... حتى حللت بحيث حل شرابى «2» # ثم انصرفت بغير جرم كان لى ... ما هكذا الأحباب للأحباب # أخذ أبو نواس قوله: «أحب اللوم فيها» ... البيت من قول [أبى محمد] ابن ~~أبى أمية: # وحدثنى عن مجلس كنت زينة ... رسول أمين، والنساء شهود # فقلت له رد الحديث الذى مضى ... وذكرك من بين الحديث أريد # أناشده بالله إلا أعدته ... كأنى بطىء الفهم عنه بعيد # وقول أبى نواس في البيت الأول كقوله: # إذا غاديتنى بصبوح لوم ... فممزوجا بتسمية الحبيب # فإنى لا أعد اللوم فيها ... عليك، إذا فعلت، من الذنوب # ولا أنا إن عمدت أرى جنانا ... وإن ضنت بمبخوس النصيب # مقنعة بثوب الحسن ترعى ... بغير تكلف ثمر القلوب # وفي جنان هذه يقول أبو نواس: # PageV01P213 # يا ذا الذى عن جنان ظل يخبرنا ... بالله قل وأعد يا طيب الخبر # قالوا اشتكتك وقالت ما ابتليت به ... أراه من حيث ما أقبلت في أثرى # ويرفع الطرف نحوى إن مررت به ... حتى ليخجلنى ms118 من شدة النظر # وإن وقفت له كيما يكلمنى ... فى الموضع الخلو لم ينطق من الحصر «1» # ما زال يفعل بى هذا ويدمنه ... حتى لقد صار من همى ومن وطرى «2» # وفي جنان أيضا يقول أبو نواس، وكان بها صبا، ولها محبا: # جنان تسبنى ذكرت بخير ... وتزعم أننى رجل خبيث # وأن مودتى كذب ومين ... وأنى للذى تطوى بثوث «3» # وليس كذا، ولا رد عليها، ... ولكن الملول هو النكوث # ولى قلب ينازعنى إليها ... وشوق بين أضلاعى حثيث # رأت كلفى بها وقديم وجدى ... فملتنى، كذا كان الحديث # [وكانت جنان مولاة لبعض الثقفيين] . # وفي معنى قول ابن أبى أمية يقول العباس بن الأحنف: # وحدثتنى يا سعد عنها فزدتنى ... جنونا فزدنى من حديثك يا سعد # وأهل المدينة أكثر الناس ظرفا، وأكثرهم طيبا، وأحلاهم مزاجا، وأشدهم ~~اهتزازا للسماع، وحسن أدب عند الاستماع. وقال عبد الله بن جعفر: # إن لى عند السماع هزة لو سئلت عندها لأعطيت، ولو قاتلت لأبليت. # وروى أبو العيناء قال: قال الأصمعى: مررت بدار الزبير بالبصرة، فإذا شيخ ~~قديم من أهل المدينة من ولد الزبير يكنى أبا ريحانة جالس بالباب عليه شملة ~~تستره، فسلمت عليه، وجلست إليه؛ فبينما أنا كذلك إذ طلعت علينا سويداء # PageV01P214 # تحمل قربة، فلما نظر إليها لم يتمالك أن قام إليها، فقال لها: بالله غنى ~~صوتا. # فقالت: إن موالى أعجلونى، فقال: لا بد من ذلك، قالت: أما والقربة على ~~كتفى فلا، قال: فأنا أحملها، فأخذ القربة منها، فاندفعت تغنى: # فؤادى أسير لا يفك، ومهجتى ... تفيض، وأحزانى عليك تطول # ولى مقلة قرحى لطول اشتياقها ... إليك، وأجفانى عليك همول # فديتك، أعدائى كثير، وشقتى ... بعيد، وأشياعى لديك قليل «1» # فطرب وصرخ صرخة، وضرب بالقربة إلى الأرض فشقها؛ فقامت الجارية تبكى، ~~وقالت: ما هذا بجزائى منك؛ أسعفتك بحاجتك فعرضتنى لما أكره من موالى. قال: ~~لا تغتمى فإن المصيبة على حصلت، ونزع الشملة ووضع يدا من خلف ويدا من قدام، ~~وباع الشملة وابتاع لها قربة جديدة، وقعد بتلك الحال؛ فاجتاز به رجل من ولد ~~على بن أبى طالب- رضي الله ms119 تعالى عنه! - فعرف حاله، فقال: يا أبا ريحانة! ~~أحسبك من الذين قال الله تعالى فيهم: (فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) # . قال: لا يابن رسول الله، ولكنى من الذين قال الله تعالى فيهم: (فبشر ~~عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) # فضحك، وأمر له بألف درهم. # ومر بالأوقص المخزومى، وهو قاضى المدينة، سكران [وهو] يتغنى بليل، فأشرف ~~عليه، وقال: يا هذا، شربت حراما، وأيقظت نياما، وغنيت خطأ؛ خذه عنى، وأصلح ~~له الغناء. # وسمع سعيد بن المسيب منشدا ينشد: # فلم تر عينى مثل سرب رأيته ... خرجن من التنعيم معتمرات «2» # PageV01P215 # مررن بفخ، ثم رحن عشية ... يلبين للرحمن مؤتجرات «1» # ولما رأت ركب النميرى أعرضت ... وكن من أن يلقينه حذرات # دعت نسوة شم العرانين بزلا ... نواعم، لا شعثا ولا غبرات «2» # فأبرزن لما قمن يحجبن دونها ... حجابا من القسى والحبرات «3» # تضوع طيبا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة عطرات # يخبئن أطراف البنان من التقى ... ويخرجن شطر الليل معتجرات «4» # فقال سعيد: هذا والله مما يلذ استماعه، ثم قال: # وليست كأخرى وسعت جيب درعها ... وأبدت بنان الكف للجمرات # وغالت ببان المسك وحفا مرجلا ... على مثل بدر لاح في الظلمات «5» # وقامت تراءى بين جمع فأفتنت ... برؤيتها من راح من عرفات # قال: فكانوا يرون أن الشعر الثانى له، والأول لمحمد بن عبد الله بن نمير ~~الثقفى يقوله في زينب بنت يوسف أخت الحجاج؛ [وطلبه الحجاج] حتى ظفر به ~~فقال: أنت القائل ما قلت؟ قال: وهل قلت أصلح الله الأمير إلا: # يخبئن أطراف البنان من التقى ... ويخرجن شطر الليل معتجرات # قال له: كم كنتم إذ تقول: # ولما رأت ركب النميرى أعرضت # PageV01P216 # قال: والله ما كنت إلا أنا وصاحب لى على حمار هزيل! فضحك وعفا عنه، وهو ~~القائل: # أهاجتك الظعائن يوم بانوا ... بذى الزى الجميل من الأثاث «1» # ظعائن أسلكت في بطن قو ... تحث إذا رنت أى احتثاث # كأن على الهوادج يوم بانوا ... نعاجا ترتعى بقل البراث «2» # يهيجك الحمام إذا تغنى ... كما سجع النوادب بالمراثى ### | [من أدب ابن المعتز] # وقال ابن ms120 المعتز: وعد الدنيا إلى خلف، وبقاؤها إلى تلف، وبعد عطائها ~~المنع، وبعد أمانها الفجع، طواحة طراحة، آسية جراحة، كم راقد في ظلها قد ~~أيقظته، وواثق بها قد خانته، حتى يلفظ نفسه، ويودع دنياه، ويسكن رمسه، ~~وينقطع عن أمله، ويشرف على عمله، وقد رجح الموت بحياته «3» ، ونقض قوى ~~حركاته، وطمس البلى جمال بهجته، وقطع نظام صورته، وصار كخط من رماد تحت ~~صفائح أنضاد «4» ؛ وقد أسامه الأحباب، وافترش التراب، فى بيت نجرته المعاول ~~«5» ، وفرشت فيه الجنادل، ما زال مضطربا في أمله، حتى استقر فى أجله، ومحت ~~الأيام ذكره، واعتادت الألحاظ فقده. # وكتب وهو معتقل إلى أستاذه أبى العباس أحمد بن يحيى ثعلب «6» يتشوقه: # ما وجد صاد بالحبال موثق ... بماء مزن بارد مصفق «7» . # PageV01P217 # بالريح لم يكدر ولم يرنق ... جادت به أخلاف دجن مطبق «1» # بصخرة إن تر شمسا تبرق ... ماد عليها كالزجاج الأزرق «2» # صريح غيث خالص لم يمذق ... إلا كوجدى بك، لكن أتقى «3» # يا فاتحا لكل باب مغلق ... وصيرفيا ناقدا للمنطق «4» # إن قال هذا بهرج لم ينفق ... إنا على البعاد والتفرق # لنلتقى بالذكر إن لم نلتق # فأجابه: أخذت أطال الله بقاءك أول هذه الأبيات مما أمليته عليك من قول ~~جميل «5» : # وما صاديات حمن يوما وليلة ... على الماء يخشين العصى حوانى # كواعب لم يصدرن عنه لوجهة ... ولا هن من برد الحياض دوانى # يرين حباب الماء والموت دونه ... فهن لأصوات السقاة روانى # بأكثر منى غلة وصبابة ... إليك، ولكن العدو عرانى # وأخذت آخرها من قول رؤبة بن العجاج «6» : # PageV01P218 # إنى وإن لم ترنى فإننى ... أخوك والراعى إذا استرعيتنى # أراك بالود وإن لم ترنى # قال: فاستخفنى في ذلك ونسب إلى سوء الأدب. # وكان أبو العباس عبد الله بن المعتز في المنصب العالى من الشعر والنثر، ~~وفي النهاية في إشراق ديباجة البيان، والغاية من رقة حاشية اللسان. وكان ~~كما قال ابن المرزبان: إذا انصرف من بديع الشعر إلى رقيق النثر أتى بحلال ~~السحر، وليس بعد ذى الرمة «1» أكثر افتنانا وأكبر تصرفا وإحسانا في التشبيه ~~منه. # وإنما فرقت جملة ما اخترت ms121 من شعره ونثره في جملة هذا الكتاب؛ لئلا أخرج ~~عما تقدم به الشرط في البسط، وآتى ههنا ببعض ما أختاره له، قال: # وفتيان سروا والليل داج ... وضوء الصبح متهم الطلوع # كأن بزاتهم أمراء جيش ... على أكتافهم صدأ الدروع # وقال أيضا: # فى ليلة أكل المحاق هلالها ... حتى تبدى مثل وقف العاج «2» # والصبح يتلو المشترى فكأنه ... عريان يمشى في الدجا بسراج «3» # وقال أيضا يصف فرسا: # ولقد غدوت على طمر سابح ... عقدت سنابكه عجاجة قسطل «4» # PageV01P219 # متلثم لجم الحديد يلوكها ... لوك الفتاة مساوكا من إسحل «1» # ومحجل غير اليمين كأنه ... متبختر يمشى بكم مسبل # وقال: # قد أغتدى بقارح ... مسوم يعبوب «2» # ينفى الحصى بحافر ... كالقدح المكبوب # قد ضحكت غرته ... فى موضع التقطيب «3» # وقال أيضا: # ولقد وطئت الغيث يحملنى ... طرف كلون الصبح حين وفد # حماع أطراف الصوار فما الأخ ... رى عليه إذا جرى بأشد «4» # يمشى فيعرض في العنان كما ... صدف المعشق ذو الدلال وصد # فكأنه موج يذوب إذا ... أطلقته فإذا حبست جمد # وقال أيضا يصف سيفا: # ولى صارم فيه المنايا كوامن ... فما ينتضى إلا لسفك دماء # ترى فوق متنيه الفرند كأنه ... بقية غيم رق دون سماء # وقال يصف نارا: # مشهرة لا يحجب النخل ضوءها ... كأن سيوفا بين عيدانها تجلى # يفرج أغصان الوقود اضطرامها ... كما شقت الشقراء عن متنهاجلا «5» # PageV01P220 # وقال بعض أهل العصر، وهو السرى الموصلى «1» : # يوم رذاذ ممسك الحجب ... يضحك فيه السرور من كثب «2» # ومجلس أسبلت ستائره ... على شموس البهاء والحسب # وقد جرت خيل راحنا خببا ... فى حليها أو هممن بالخبب «3» # والتهبت نارنا فمنظرها ... يغنيك عن كل منظر عجب # إذا ارتمت بالشرار فاطردت ... على ذراها مطارد اللهب # رأيت ياقوتة مشبكة ... تطير عنها قراضة الذهب # فانهض إلى المجلس الذى ابتسمت ... فيه رياض الجمال والأدب # وقال بعض أهل العصر، وهو أبو الفرج الببغا «4» : # فحما قدم الغلام فأهدى ... فى كوانينه حياة النفوس # كان كالآبنوس غير محلى ... فغدا وهو مذهب الآبنوس # لقى النار في ثياب حداد ... فكسته مصبغات عروس # وقال أبو الفضل الميكالى: # كأن الشرار على نارنا ... وقد راق منظرها كل ms122 عين سحالة تبر إذا ما علا # فإما هوى ففتات اللجين «5» # وقال ابن المعتز يصف سحابة: # PageV01P221 # وموقرة بثقل الماء جاءت ... تهادى فوق أعناق الرياح «1» # فباتت ليلها سحا ووبلا ... وهطلا مثل أفواه الجراح # كأن سماءها لما تجلت ... خلال نجومها عند الصباح # رياض بنفسج خضل ثراه ... تفتح بينه نور الأقاح «2» # وقال: # ولجة للمنايا خضت غمرتها ... بصارم ذكر صمصامة خذم «3» # وقارح صبغ الخيلان دهمته ... بشهبة كاختلاط الصبح بالظلم «4» # وقال: # وليل ككحل العين خضت ظلامه ... بأزرق لماع وأبيض صارم # ومضبورة الأعضاد حرف كأنها ... تصافح رضراض الحصى بمناسم «5» # وقال يصف حية: # نعت رقطاء لا تحيا لديغتها ... لو قدها السيف لم يعلق به بلل «6» # تلقى إذا انسلخت في الأرض جلدتها ... كأنها كم درع قده بطل # وقال أيضا: # وأسأر منى الدهر عضبا مهندا ... يفل شبا حظى، وقلبا مشيعا «7» # ورأيا كمرآة الصناع أرى به ... سرائر غيب الدهر من حيث ما سعى # PageV01P222 # أخذه من قول المنصور لابنه المهدى: لا تبرمن أمرا حتى تفكر فيه؛ فإن فكرة ~~العاقل مرآته، تريه قبحه وحسنه. # ولما دفن المنصور وقف الربيع على قبره فقال: رحمك الله يا أمير المؤمنين، ~~وغفر لك! فقد كان لك حمي من العقل لا يطير به الجهل، وكنت ترى باطن الأمر ~~بمرآة من الرأى، كما ترى ظاهره. ثم التفت إلى يحيى بن محمد أخى المنصور ~~فقال: هذا كما قال أبو دهبل الجمحى «1» : # عقم النساء فما يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقم «2» # وبعده «3» : # متهلل بنعم، بلا متباعد ... سيان منه الوفر والعدم «4» # نزر الكلام من الحياء تخاله ... ضمنا، وليس بجسمه سقم «5» # أخذ البيت الأخير من قول ليلى الأخيلية «6» : # لا تقربن الدهر آل مطرف ... إن ظالما يوما وإن مظلوما # PageV01P223 # قوم رباط الخيل حول بيوتهم ... وأسنة زرق يخلن نجوما # وممزق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما # حتى إذا رفع اللواء رأيته ... يوم الهياج على الخميس زعيما «1» # وقال: # يشبهون ملوكا في تجلتهم ... وطول أنصبة الأعناق واللمم «2» # إذا بدا المسك يجرى في مفارقهم ... راحوا كأنهم مرضى من الكرم # وقال أبو على الحاتمى: وما أحسن أبياتا ms123 أنشدها أبو عمر المطرز غلام ثعلب ~~يعترض في أثنائها هذا المعنى: # تخالهم للحلم صما عن الخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التهاتر «3» # ومرضى إذا لاقوا حياء وعفة ... وعند الحروب كالليوث الخوادر «4» # لهم عز إنصاف وذل تواضع ... بهم ولهم ذلت رقاب العشائر # كأن بهم وصما يخافون عاره ... وليس بهم إلا اتقاء المعاير «5» # وأنشد: # أحلام عاد لا يخاف جليسهم ... - وإن نطق العوراء- عيب لسان # إذا حدثوا لم يخش سوء استماعهم ... وإن حدثوا أدوا بحسن بيان # PageV01P224 # وقال ابن المعتز: # وعاقد زنار على غصن الآس ... دقيق المعانى مخطف الخصر مياس «1» # سقانى عقارا صب فيها مزاجها ... فأضحك عن ثغر الحباب فم الكاس # وقال: # يا ليلة نسى الزمان بها ... أحداثه، كونى بلا فجر # فاح المساء ببدرها، ووشت ... فيها الصبا بمواقع القطر # ثم انقضت والقلب يتبعها ... فى حيث ما سقطت من الدهر «2» # وقال: # يا رب إخوان صحبتهم ... لا يملكون لسلوة قلبا # لو تستطيع قلوبهم نفرت ... أجسامهم فتعانقت حبا «3» # هذا كقول ابن الرومى: # أعانقه والنفس بعد مشوقة ... إليه، وهل بعد العناق تدانى؟ # وألثم فاه كى تزول حرارتى ... فيشتد ما ألقى من الهيمان # ولم يك مقدار الذى بى من الهوى ... ليرويه ما ترشف الشفتان # كأن فؤادى ليس يشفى غليله ... سوى أن يرى الروحان يمتزجان # ومن منثوره: لا يزال الإخوان يسافرون في المودة، حتى يبلغوا الشقة، فإذا ~~بلغوها ألقوا عصا التسيار، واطمأنت بهم الدار، وأقبلت وفود النصائح، وأمنت ~~خبايا الضمائر، فحلوا عقد التحفظ، ونزعوا ملابس التخلق. # وله: سار فلان في جيوش عليهم أردية السيوف، وأقمصة الحديد، # PageV01P225 # وكأن رماحهم قرون الوعول «1» ، وكأن دروعهم زبد السيول، على خيل تاكل ~~الأرض بحوافرها، وتمد بالنقع سرادقها «2» ، قد نشرت في وجوهها غرر كأنها ~~صحائف الرق «3» ، وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللجين «4» ، وقرطت عذرا كأنها ~~الشنف «5» ، تتلقف الأعداء أوائله ولم تنهض أواخره، قد صب عليهم وقار ~~الصبر، وهبت معهم ريح النصر. # وله في عليل: آذن الله في شفائك، وتلقى داءك بدوائك، ومسح بيد العافية ~~عليك، ووجه وفد السلامة إليك، وجعل علتك ماجية لذنوبك، مضاعفة لثوابك. # وكتب إلى عبيد الله ms124 بن سليمان بن وهب «6» فى يوم عيد: أخرتنى العلة عن ~~الوزير أعزه الله، فحضرت بالدعاء في كتابى لينوب عنى، ويعمر ما أخلته ~~العوائق منى، وأنا أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العيد أعظم الأعياد السالفة ~~بركة على الوزير، ودون الأعياد المستقبلة فيما يحب ويحب له، ويقبل ما توسل ~~به إلى مرضاته، ويضاعف الإحسان إليه، على الإحسان منه، ويمتعه بصحبة النعمة ~~ولباس العافية، ولا يريه في مسرة نقصا، ولا يقطع عنه مزيدا، ويجعلنى من كل ~~سوء فداء، ويصرف عيون الغير عنه، وعن حظي منه. # PageV01P226 # وله إلى بعض الرؤساء: لا تشن حسن الظفر بقبح الانتقام، وتجاوز عن كل مذنب ~~لم يسلك من الإعذار طريقا «1» حتى اتخذ من رجاء عفوك رفيقا. # وله اعتذار إلى القاسم بن عبيد الله: ترفع عن ظلمى إن كنت بريئا، وتفضل ~~بالعفو إن كنت مسيئا، فو الله إنى لأطلب عفو ذنب لم أجنه، وألتمس الإقالة ~~مما لا أعرفه؛ لتزداد تطولا، وأزداد تذللا؛ وأنا أعيذ حالى عندك بكرمك من ~~واش يكيدها، وأحرسها بوفائك من باغ يحاول إفسادها، وأسأل الله تعالى أن ~~يجعل حظى منك، بقدر ودى لك؛ ومحلى من رجائك، بحيث أستحق منك. # وله إليه: لو كان في الصمت موضع يسع حالى لخففت عن سمع الوزير ونظره، ولم ~~أشغل وجها من فكره، وما زالت الشكوى، تعرب عن لسان البلوى، ومن اختلت ~~حالته، كان في الصمت هلكته، وقد كان الصبر ينصرنى على ستر أمرى حتى خذلنى. # وهذا كقول أحمد بن إسماعيل: فصاحة الشكوى، على قدر البلوى، إلا أن يكون ~~بالشاكى انقباض، وبالمشكو إليه إعراض. ### | [وصف الماء وما يتصل به] # وقد أحسن أبو العباس بن المعتز في صفة الماء في أرجوزته التي أنشدتها ~~آنفا، وقد قال في قصيدة له وذكر إبلا: # فتبدى لهن بالنجف المد ... بر ماء صافى الجمام عرى «2» # PageV01P227 # يتمشى على حصى يسلب الما ... ء قذاه فمتنه مجلى «1» # وإذا داخلته درة شمس ... خلته كسرت عليه الحلى # وقال «2» : # لا مثل منزلة الدويرة منزل ... يا دار جادك وابل وسقاك «3» # بؤسا لدهر غيرتك صروفه ms125 ... لم يمح من قلبى الهوى ومحاك # لم يحل للعينين بعدك منظر ... ذم المنازل كلهن سواك # أى المعاهد منك أندب طيبه ... ممساك بالآصال أم ممداك # أم برد ظلك ذى الغصون وذى الجنى ... أم أرضك الميثاء أم رياك «4» # وكأنما سطعت مجامر عنبر ... أو فت فأر المسك فوق ثراك «5» # وكأنما حصباء أرضك جوهر ... وكأن ماء الورد دمع نداك # [وكأنما أيدى الربيع ضحية ... نشرت ثياب الوشى فوق رباك] «6» # وكأن درعا مفرغا من فضة ... ماء الغدير جرت عليه صباك «7» # وعشقت عاتكة المرية ابن عم لها فراودها عن نفسها فقالت: # فما طعم ماء أى ماء تقوله ... تحدر عن غر طوال الذوائب # بمنعرج من بطن واد تقابلت ... عليه رياح الصيف من كل جانب # نفت جرية الماء القذى عن متونه ... فما إن به عيب تراه لشارب # بأطيب ممن يقصر الطرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب # وأنشد الأصمعى قال: أنشدنى أبو عمرو بن العلاء لجابر بن الأرق، وقال: # هو أحسن ما قيل في معناه: # PageV01P228 # أياويح نفسى كلما التحت لوحة «1» ... على شربة من ماء أحواض مارب «2» # بقايا نطاف أودع الغيم صفوها ... مصقلة الأرجاء زرق المشارب «3» # ترقرق دمع المزن فيهن والتوت ... عليهن أنفاس الرياح الغرائب # وأنشد إسحاق بن إبراهيم للأبيرد اليربوعى، ورويت لمضرس بن ربعى الأسدى: # فألقت عصا التسيار عنها، وخيمت ... بأرجاء عذب الماء زرق محافره # أزال القذى عن مائه وافد الصبا ... يروح عليه ناسما ويباكره # وأول من أتى بهذا زهير بن أبى سلمى في قوله: # فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصى الحاضر المتخيم «4» # وقال ابن الرومى: # وماء جلت عن حر صفحته القذى ... من الريح معطار الأصائل والبكر # به عبق مما تسحب فوقه ... نسيم الصبا يجرى على النور والزهر ### | [وصف الدور والقصور] # ويتعلق بهذا الباب قول البحترى يصف بركة الجعفرى «5» وهو قصر ابتناه ~~المتوكل في سر من رأى: # PageV01P229 # يا من رأى البركة الحسنا ورونقها ... والآنسات إذا لاحت مغانيها «1» # ما بال دجلة كالغيرى تنافسها ... فى الحسن طورا وأطوارا تباهيها! # إذا علتها الصبا أبدت لها حبكا ... مثل الجواشن مصقولا حواشيها «2» # فحاجب ms126 الشمس أحيانا يغازلها ... وريق الغيث أحيانا يباكيها «3» # إذا النجوم تراءت في جوانبها ... ليلا حسبت سماء زكبت فيها # كأنما الفضة البيضاء سائلة ... من السبائك تجرى في مجاريها # تنصب فيها وفود الماء معجلة ... كالخيل خارجة من حبل مجريها «4» # كأن جن سليمان الذين ولوا ... إبداعها فأدقوا في معانيها # فلو تمر بها بلقيس عن عرض ... قالت: هى الصرح تمثيلا وتشبيها «5» # [لا يبلغ السمك المقصور غايتها ... لبعد ما بين قاصيها ودانيها] # يعمن فيها بأوساط مجنحة ... كالطير تنشر في جو خوافيها # ولم ينفق أحد من خلفاء بنى العباس في البناء ما أنفقه المتوكل؛ وذلك أنه ~~أنفق في أبنيته ثلاثمائة ألف ألف، وفي أبنيته يقول على بن الجهم «6» : # PageV01P230 # وما زلت أسمع أن الملوك ... تبنى على قدر أخطارها # وأعلم أن عقول الرجا ... ل يقضى عليها بآثارها # صحون تسافر فيها العيون ... فتحسر من بعد أقطارها «1» # وقبة ملك كأن النجو ... م تفضى إليها بأسرارها # إذا أوقدت نارها بالعراق ... أضاء الحجاز سنا نارها # لها شرفات كأن الربيع ... كساها الرياض بأنوارها # فهن كمصطحبات خرجن ... لفصح النصارى وإفطارها «2» # نظمن القسى كنظم الحلى ... بعون النساء وأبكارها «3» # فمن بين عاقصة شعرها ... ومصلحة عقد زنارها «4» # وللبحترى فيها شعر كثير منه: # أرى المتوكلية قد تعالت ... مصانعها وأكملت التماما «5» # قصور كالكواكب لا معات ... يكدن يضئن للسارى الظلاما # وروض مثل برد الوشى فيه ... جنى الحوذان ينشر والخزامى «6» # غرائب من فنون النور فيها ... جنى الزهر الفرادى والتؤاما # تضاحكها الضحى طورا وطورا ... عليه الغيم ينسجم انسجاما «7» # ولو لم يستهل لها غمام ... بريقه لكنت لها غماما «8» # وقال أيضا: # قد تم حسن الجعفرى ولم يكن ... ليتم إلا للخليفة جعفر # PageV01P231 # ملك تبوأ خير دار أنشئت ... [فى خير مبدى للأنام ومحضر] # [فى رأس مشرفة حصاها لؤلؤ] ... وترابها مسك يشاب بعنبر «1» # مخضرة والغيث ليس بساكب ... ومضيئة والليل ليس بمقمر # رفعت بمنحرق الرياح، وجاورت ... ظل الغمام الصيب المستعبر «2» # وبعده: # ورفعت بنبانا كأن زهاءه ... أعلام رضوى أو شواهق ضيبر «3» # عال على لحظ العيون ن كأنما ... ينظرن منه إلى بياض المشترى «4» # ملأت جوانبه الفضاء، وعانقت ... شرفاته قطع السحاب الممطر ms127 # وتسيل دجلة تحته ففناؤه ... من لجة فرشت وروض أخضر # شجر تلاعبه الرياح فتنثنى ... أعطافه في سائح متفجر # أخذ أبو بكر الصنبورى «5» قول البحترى في صفة البركة فقال يصف موضعا: # سقى حلبا سافك دمعه ... بطىء الرقوء إذا ما سفك «6» # ميادينه بسطهن الرياض ... وساحاته بينهن البرك # ترى الريح تنسج من مائه ... دروعا مضاعفة أو شبك # كأن الزجاج عليها أذيب ... وماء اللجين بها قد سبك # هى الجو من رقة غير أن ... مكان الطيور يطير السمك # وقد نظم الزهر نظم النجوم ... فمفترق النظم أو مشتبك # PageV01P232 # كما درج الماء مر الصبا ... ودبج وجه السماء الحبك # يباهين أعلام قمص القيان ... ونقش عصائبها والتكك # وأخذ قوله: # إذا النجوم تراءت في جوانبها # فقال: # ولما تعالى البدر وامتد ضوءه ... بدجلة في تشرين في الطول والعرض # وقد قابل الماء المفضض نوره ... وبعض نجوم الليل يقفو سنا بعض «1» # توهم ذو العين البصيرة أنه ... يرى باطن الأفلاك من ظاهر الأرض # ولأهل العصر في هذا النحو كلام كثير: # قال الأمير أبو الفضل الميكالى، يصف بركة وقع عليها شعاع الشمس فألقته ~~على مهو مطل «2» عليها يقول: # أما ترى البركة الغراء قد لبست ... نورا من الشمس في حافاتها سطعا # والمهو من فوقها يلهيك منظره ... كأنه ملك في دسته ارتفعا # والماء من تحته ألقى الشعاع على ... أعلى سماواته فارتج ملتمعا # كأنه السيف مصقولا تقلبه ... كف الكمى إلى ضرب الكمي سمى «3» # وقال على بن محمد الإيادى يمدح المعز ويصف دار البحر بالمنصورية «4» : # ولما استطال المجد واستولت البنى ... على النجم واشتد الرواق المروق «5» # بنى قبة للملك في وسط جنة ... لها منظر يزهى به الطرف مونق # بمعشوقة الساحات، أما عراصها ... فخضر، وأما طيرها فهى نطق # «6» # PageV01P233 # تحف بقصر ذى قصور كأنما ... ترى البحر في أرجائه وهو متأق «1» # له بركة للماء ملء فضائه ... تخب بقصريها العيون وتعنق «2» # لها جدول ينصب فيها كأنه ... حسام جلاه القين بالأرض ملصق «3» # لها مجلس قد قام في وسط مائها ... كما قام في فيض الفرات الخورنق «4» # كأن صفاء الماء فيها وحسنه ... زجاج صفت أرجاؤه فهو أزرق # إذا ms128 بث فيها الليل أشخاص نجمه ... رأيت وجوه الزنج بالنار تحرق # وإن صافحتها الشمس لاحت كأنها ... فرند على تاج المعز ورونق # كأن شرافات المقاصر حولها ... عذارى عليهن الملاء الممنطق # يذوب الجفاء الجعد عن وجه مائها ... كما ذاب آل الصحصحان المرقرق «5» # وقال عبد الكريم بن إبراهيم: # يا رب فتيان صدق رحت بينهم ... والشمس كالدنف المعشوق في الأفق # مرضى أصائلها حسرى شمائلها ... تروح الغصن الممطور في الورق # معاطيا شمس إبريق إذا مزجت ... تقلدت عقد مرجان من النزق # عن ماحل طافح بالماء معتلج ... كأنما نفسه صيغت من الحدق # تضمه الريح أحيانا، وتفرقه ... فالماء ما بين محبوس ومنطلق # من أخضر ناضر والطل يلحقه ... وأبيض تحت قيظى الضحى يقق «6» # تهزه الريح أحيانا فيمنحها ... للزجر خفق فؤاد العاشق القلق # كأن خافاته نطقن من زبد ... مناطقا رصعت من لؤلؤ نسق # PageV01P234 # كأن قبته من سندس نمط ... حسناء مجلوة اللبات والعنق # إذا تبلج فجر فوق زرقته ... حسبته فرسا دهماء في بلق «1» # أو لازوردا جرى في متنه ذهب ... فلاح في شارق من مائه شرق # عشية كملت حسنا وساعدها ... ليل يمدد أطنابا على الأفق # تجلى بغرة وضاح الجبين له ... ما شئت من كرم واف ومن خلق ### | ألفاظ لأهل المصر في وصف الماء وما يتصل به # ماء كالزجاج الأزرق، غدير كعين الشمس، موارد كالمبارد، وماء كلسان ~~الشمعة، فى صفاء الدمعة، يسبح في الرضراض، سبح النضناض، ماء أزرق كعين ~~السنور «2» ، صاف كقضيب البلور، ماء إذا مسته يد النسيم حكى سلاسل الفضة، ~~ماء إذا صافحته راحة الريح، لبس الدرع كالمسيح، كأن الغدير بتراب الماء ~~رداء مصندل، بركة كأنها مرآة السماء، بركة مفروزة بالخضرة، كانها مرآة ~~مجلوة، على ديباجة خضراء، بركة ماء كأنها مرآة الصناع «3» ، غدير ترقرقت ~~فيه دموع السحائب، وتواترت عليه أنفاس الرياح الغرائب، ماء زرق جمامه، ~~طامية أرجاؤه، يبوح بأسراره صفاؤه، وتلوح في قراره حصباؤه، ماء كأنما يفقده ~~من يشهده، يتسلسل كالزرافين «4» ، ويرضع أولاد الرياحين، انحل عقد السماء، ~~ووهى عقد الأنواء، انحل سلك القطر عن در البحر، أسعد السحاب جفون العشاق ~~«5» ، وأكف الأجواد، وانحل ms129 خيط السماء، وانقطع # PageV01P235 # شريان الغمام، سحابة يتجلى عليها ماء البحر، وتفض علينا عقود الدر، سحاب ~~حكى المحب في انسكاب دموعه، والتهاب النار بين ضلوعه، سحابة تحدو من الغيوم ~~جمالا، وتمد من الأمطار حبالا، سحابة ترسل الأمطار أمواجا، والأمواج ~~أفواجا، تحللت عقد السماء بالديمة الهطلاء، غيث أجش «1» يروى الهصاب ~~والآكام «2» ، ويحيى النبات والسوام «3» ، غيث كغزرة فضلك، وسلاسة طبعك، ~~وسلامة عقدك، وصفاء ودك، وبل كالنبل، سحابة يضحك من بكائها الروض، وتخضر من ~~سوادها الأرض، سحابة لا تجف جفونها ولا يخف أنينها، ديمة روت أديم الثرى، ~~ونبهت عيون النور من الكرى، سحابة ركبت أعناق الرياح، وسحت كأفواه الجراح، ~~مطر كافواه القرب، ووحل إلى الركب، أندية من الله معها على البيوت بالثبوت، ~~وعلى السقوف بالوقوف، أقبل السيل ينحدر انحدارا، ويحمل أحجارا وأشجارا، كأن ~~به جنة، أو في أحشائه أجنة. # وبعض ما مر من هذه الألفاظ محلول نظام ما تقدم إنشاده. ### | ولهم في مقدمات المطر # لبست السماء جلبابها، وسحبت السحائب أذيالها، قد احتجبت الشمس في سرداق ~~الغيم، ولبس الجو مطرفه الأدكن، باحت الريح بأسرار الندى، وضربت خيمة ~~الغمام، ورش جيش النسيم، وابتل جناح الهواء، واغرورقت مقلة السماء، وبشر ~~النسيم بالندى، واستعدت الأرض للقطر، هبت شمائل الجنائب، لتأليف شمل ~~السحائب. تألفت أشتات الغيوم، وأسبلت الستور على النجوم. # PageV01P236 ### | وفي الرعد والبرق # قام خطيب الرعد، ونبض عرق البرق، سحابة ارتجزت «1» رواعدها، وأذهبت ~~ببروقها مطاردها، نطق لسان الرعد، وخفق قلب البرق، فالرعد ذو صخب، والبرق ~~ذو لهب، ابتسم البرق عن قهقهة الرعد، زأرت أسد الرعد، ولمعت سيوف البرق، ~~رعدت [سيوف] الغمائم، وبرقت، وانحلت عزالى السماء فطبقت، هدرت رواعدها، ~~وقربت أباعدها، وصدقت مواعدها. كأن البرق قلب مشوق، بين التهاب وخفوق. ### | ويتصل بهذه الأنحاء # ما حكاه عمر بن على المطوعى قال: رأى الأمير السيد أبو الفضل عبيد الله ~~ابن أحمد- أدام الله عزه! - أيام مقامه بجوين أن يطالع قرية من قرى ضياعه ~~تدعى نجاب على سبيل التنزه والتفرج، فكنت في جملة من استصحبه إليها من ~~أصحابه، واتفق أنا وصلنا والسماء مصحية، والجو ms130 صاف لم يطرز ثوبه بعلم ~~الغمام، والأفق فيروزج لم يعبق به كافور السحاب؛ فوقع الاختيار على ظل شجرة ~~باسقة الفروع «2» ، متسقة الأوراق والغصون، قد سترت ما حواليها من الأرض ~~طولا وعرضا، فنزلنا تحتها مستظلين بسماوة أفنانها «3» ، مستترين من وهج ~~الشمس بستارة أغصانها، وأخذنا نتجاذب أذيال المذاكرة، ونتسالب أهداب ~~المناشدة والمحاورة؛ فما شعرنا بالسماء إلا وقد أرعدت وأبرقت، وأظلمت بعد ~~ما أشرقت، ثم جادت بمطر كأفواه القرب فأجادت، وحكت أنامل الأجواد ومدامع ~~العشاق «4» ، بل # PageV01P237 # أوفت عليها وزادت، حتى كاد غيثها يعود عيثا «1» ، وهم وبلها أن يستحيل ~~ويلا فصبرنا على أذاها، وقلنا: سحابة صيف عما قليل تقشع، فإذا نحن بها قد ~~أمطرتنا بردا كالثغور، لكنها من ثغور العذاب، لا من الثغور العذاب، فأيقنا ~~بالبلاء، وسلمنا لأسباب القضاء؛ فما مرت إلا ساعة من النهار، حتى سمعنا ~~خرير الأنهار، ورأينا السيل قد بلغ الزبى» # ، والماء قد غمر القيعان والربى «3» ؛ فبادرنا إلى حصن القرية لائذين من ~~السيل بأفنيتها، وعائذين من القطر بأبنيتها، وأثوابنا قد صندل كافوريها ماء ~~الوبل، وغلف طرازيها طين الوحل، ونحن نحمد الله تعالى على سلامة الأبدان، ~~وإن فقدنا بياض الأكمام والأردان، ونشكره على سلامة الأنفس والأرواح، شكر ~~التاجر على بقاء رأس المال إذا فجع بالأرباح؛ فبتنا تلك الليلة في سماء تكف ~~ولا تكف «4» ، وتبكى علينا إلى الصباح بأدمع هوام «5» ، وأربعة سجام؛ فلما ~~سل سيف الصبح من غمد الظلام، وصرف بوالى الصحو عامل الغمام، رأينا صواب ~~الرأى أن نوسع الإقامة بها رفضا، ونتخذ الارتحال عنها فرضا؛ فما زلنا نطوى ~~الصحارى أرضا فأرضا، إلى أن وافينا المستقر ركضا؛ فلما نفضنا غبار ذلك ~~المسير، الذى جمعنا في ربقة الأسير، وأفضينا إلى ساحة التيسير، بعد ما ~~أصبنا بالأمر العسير، وتذاكرنا ما لقينا من التعب والمشقة، فى قطع ذلك ~~الطريق وطى تلك الشقة، أخذ الأمير السيد- أطال الله بقاءه! - القلم فعلق ~~هذه الأبيات ارتجالا: # دهتنا السماء غداة السحاب ... بغيث على أفقه مسبل # فجاء برعد له رنة ... كرنة ثكلى ولم تثكل # PageV01P238 # وثنى بوبل عدا طوره ... فعاد وبالا على الممحل ms131 «1» # وأشرف أصحابنا من أذاه ... على خطر هائل معضل # فمن لائذ بفناء الجدار ... وآو إلى نفق مهمل «2» # ومن مستجير ينادى: الغريق ... هناك، ومن صارخ معول # وجادت علينا سماء السقوف ... بدمع من الوجد لم يهمل # كأن حراما لها أن ترى ... يبيسا من الأرض لم يبلل # وأقبل سيل له روعة ... فأدبر كل عن المقبل # يقلع ما شاء من دوحة ... وما يلق من صخرة يحمل # كأن بأحشائه إذ بدا ... أجنة حبلى ولم تحبل # فمن عامر رده غامرا ... ومن معلم عاد كالمجهل «3» # كفانا بليته ربنا ... فقد وجب الشكر للمفضل # فقل للسماء ارعدى وابرقى ... فإنا رجعنا إلى المنزل «4» # أخذ المطوعى قوله: «فلما سل سيف الصبح من غمد الظلام» من قول أبى الفتح ~~البستى: # رب ليل أغمد الأنوار إلا ... نور ثغر أو مدام أو ندام # قد نعمنا بدياجيه إلى أن ... سل سيف الصبح من غمد الظلام # [وقال بعض أهل العصر، وهو أبو العباس الناشىء] : # خليلى هل للمزن مقلة عاشق ... أم النار في أحشائها وهي لا تدرى # أشارت إلى أرض العراق فأصبحت ... وكاللؤلؤ المنثور أدمعها تجرى # PageV01P239 # سحاب حكت ثكلى أصيبت بواحد ... فعاجت له نحو الرياض على قبر # تسر بل وشيا من حزون تطرزت ... مطارفها طرزا من البرق كالتبر # فوشى بلا رقم، ورقم بلا يد، ... ودمع بلا عين، وضحك بلا ثغر # وقال آخر: # أرقت لبرق شديد الوميض ... ترامى غواربه بالشهب # كأن تألقه في السماء ... سطور كتبن بماء الذهب # وقال ابن المعتز: # كأن الرباب الجون دون سحابه ... خليع من الفتيان يسحب مئزرا «1» # إذا لحقته خيفة من رعوده ... تلفت واستل الحسام المذكرا # وقد قال حسان بن ثابت: # كأن الرباب دوين السحاب ... نعام تعلق بالأرجل «2» # وقال ابن المعتز: # باكية يضحك فيها برقها ... موصلة بالأرض مرخاة الطنب # رأيت فيها برقها منذ بدا ... كمثل طرف العين أو قلب يجب «3» # جرت بها ريح الصبا حتى بدا ... منها لى البرق كأمثال الشهب «4» # تحسبه طورا إذا ما انصدعت ... أحشاؤها عنه شجاعا يضطرب «5» # وتارة تحسبه كأنه ... أبلق مال جله حين وثب «6» # PageV01P240 # وتارة تحسبه كأنه ... سلاسل مفصولة من الذهب ms132 # وقال الطائى: # ياسهم للبرق الذى استطارا ... صار على رغم الدجى نهارا # آض لنا ماء وكان نارا «1» # وينشد أصحاب المعانى: # نار تجدد للعينين نضرتها ... والنار تلفح عيدانا فتحترق # وقال ابن المعتز يمدح الشرب في الصحو، ويذمه في المطر: # أنا لا أشتهى سماء كبطن العير ... والشرب تحتها في خراب «2» # بين سقف قد صار منخل ماء ... وجدار ملقى وتل تراب # وبيوت يوقع الوكف فيهن ... وإيقاعه بغير صواب «3» # إنما أشتهى الصبوح على وجه ... سماء مصقولة الجلباب # ونسيم من الصبا يتمشى ... فوق روض ند جديد الشباب # وكأن الشمس المضيئة دينا ... ر جبته حدائد الضراب # فى غداة وكأسها مثل شمس ... طلعت في ملاءة من شراب «4» # أو عروس قد ضمخت بخلوق ... فهى صفراء في قميص حباب # وغناء لا عذر للعود فيه ... بتندى الأوتار والمضراب # ونقاء البساط من وضر الطين ... ومسح الأقدام في كل باب # ونشاط الغلمان إن عرضت حا ... جاتنا في مجيئهم والذهاب # وجفاف الريحان والنرجس الغض ... بأيدى الخلان والأصحاب # لا تندى أنوفهم كلما حيوا ... بضعث ندى أنوف الكلاب # PageV01P241 # ذاك يوم أراه غنما وحظا ... من عطاء المهيمن الوهاب # وقال الصنوبرى: # أنيس ظباء بوحش الظبا ... وصبغ حيا مثل صبغ الحيا # ويوم تكلله الشمس من ... صفاء الهوى وصفاء الهوا # بشمس الدنان وشمس الفيان ... وشمس الجنان وشمس السما # وشبيه بالأبيات التي كتبها ثعلب إلى أبى العباس بن المعتز لجميل «1» قول ~~الآخر: # وما وجد ملواح من الهيم خليت ... عن الورد حتى جوفها يتصلصل «2» # تحوم وتغشاها العصى وحولها ... أقاطيع أنعام تعل وتنهل # بأكثر منى لوعة وصبابة ... إلى الورد إلا أننى أتجمل «3» # وقال أبو حية النميرى: # كفى حزنا أنى أرى الماء معرضا ... لعينى ولكن لا سبيل إلى الورد «4» # وما كنت أخشى أن تكون منيتى ... بكف أعز الناس كلهم عندى ### | [وصف رجل حازم لابن المقفع] # قال ابن المقفع: كان لى أخ أعظم الناس في عينى «5» ، وكان رأس ما عظمه فى ~~عينى صغر الدنيا في عينه، وكان خارجا من سلطان بطنه، فلا يشتهى مالا # PageV01P242 # يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجا من سلطان فرجه، فلا ms133 تدعوه إليه مؤنة، ~~ولا يستخف له رأيا ولا بدنا. وكان لا يتأثر عند نعمة، ولا يستكين عند ~~مصيبة. # وكان خارجا من سلطان لسانه، فلا يتكلم بما لا يعلم، ولا يمارى فيما علم، ~~وكان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يتقدم «1» أبدا إلا على ثقة بمنفعة، وكان ~~أكثر دهره صامتا، فإذا قال بز القائلين «2» ، وكان ضعيفا مستضعفا، فإذا جد ~~الجد «3» فهو الليث عاديا «4» . وكان لا يدخل في دعوى، ولا يشارك في مراء ~~«5» ، ولا يدلى بحجة حتى يرى قاضيا فهما «6» وشهودا عدولا. وكان لا يلوم ~~أحدا فيما يكون العذر في مثله حتى يعلم ما عذره. # وكان لا يشكو وجعه إلا عند من يرجو عنده البرء، ولا يستشير صاحبا إلا أن ~~يرجو منه النصيحة. وكان لا يتبرم «7» ولا يتسخط، ولا يتشكى ولا يتشهى، ولا ~~ينتقم من العدو، ولا يغفل عن الولى، ولا يخص نفسه بشىء دون إخوانه من ~~اهتمامه وحيلته وقوته. فعليك بهذه الأخلاق إن أطقتها، ولن تطيق، ولكن أخذ ~~القليل خير من ترك الجميع. # وعلى ذكر قوله: «وإن قال بز القائلين» قال ابن كناسة- واسمه محمد بن عبد ~~الله، ويكنى أبا يحيى- فى إبراهيم بن أدهم «8» الزاهد: # رأيتك لا ترضى بما دونه الرضا ... وقد كان يرضى دون ذاك ابن أدهما # PageV01P243 # وكان يرى الدنيا صغيرا عظيمها ... وكان لأمر الله فيها معظما # وأكثر ما تلقاه في الناس صامتا ... وإن قال بز القائلين فأفحما # يشيع الغنى في الناس إن مسه الغنى ... وتلقى به البأساء عيسى بن مريما # أهان الهوى حتى تجنبه الهوى ... كما اجتنب الجانى الدم الطالب الدما ### | ألفاظ لأهل العصر في ذكر التقى والزهد # فلان عذب المشرب، عف المطلب، نقى الساحة من المآثم، برىء الذمة من ~~الجرائم، إذا رضى لم يقل غير الصدق، وإذا سخط لم يتجاوز جانب الحق، يرجع ~~إلى نفس أمارة بالخير، بعيدة من الشر، مدلولة على سبيل البر؛ أعرض عن زبرج ~~الدنيا وخدعها، وأقبل على اكتساب نعم الآخرة ومتعها. # كف كفه عن زخرف الدنيا ونصرتها، وغض طرفه عن متاعها وزهرتها؛ وأعرض عنها ~~وقد تعرضت ms134 له بزينتها، وصد عنها وقد تصدت له في حليتها. # فلان ليس ممن يقف في ظل الطمع، فيسف إلى حضيض الطبع «1» ، نقى الصحيفة، ~~على عن الفضيحة، عف الإزار، طاهر من الأوزار، قد عاد لإصلاح المعاد، وإعداد ~~الزاد. # وكان ابن المقفع من أشراف فارس، وهو من حكماء زمانه، وله مصنفات كثيرة، ~~ورسائل مختارة؛ وكان محجما عن قول الشعر، وقيل له: لم لا تقول الشعر؟ فقال: ~~الذى أرضاه لا يجيئنى، والذى يجىء لا أرضاه «2» . # PageV01P244 # أخذ هذا بعضهم فقال: # أبى الشعر إلا أن يفىء رديه ... إلى، ويأبى منه ما كان محكما # فيا ليتنى إذ لم أجد حوك وشيه ... ولم أك من فرسانه كنت مفحما «1» # وكان ظريفا في دينه «2» ، وذكر أنه مر ببيت النار فقال: # يا بيت عاتكة الذى أتعزل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل «3» # أصبحت أمنحك الصدود، وإننى ... قسما إليك مع الصدود لأميل «4» # البيتان للأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح الأنصارى أخى بنى ~~عمرو بن عوف. وعاصم بن ثابت حمى الدبر «5» قتله بنولحيان من هذيل يوم ~~الرجيع، فأرادوا أن يبعثوا برأسه إلى مكة، وكانت سلافة بنت سعد نذرت لتشربن ~~في رأسه الخمر، وكان قتل بعض ولدها من طلحة بن أبى طلحة أحد بنى عبد الدار ~~يوم أحد، فلما أرادوا أخذ رأسه حمته الدبر- وهي النحل- فلم يجدوا إليه ~~سبيلا، وجعلوا يقولون: إن الدبر لو قد أمسى صرنا إلى حشو استه، فلما أمسوا ~~بعث الله أتيا فواراه منهم «6» . وعاتكة التي ذكر هي عاتكة بنت يزيد بن ~~معاوية. ### | [ألطف تعريض، وأدق فهم] # ولما دخل أبو جعفر المنصور المدينة قال للربيع: أبغنى رجلا عاقلا عالما ~~بالمدينة ليقفنى على دورها؛ فقد بعد عهدى بديار قومى؛ فالتمس له الربيع فتى # PageV01P245 # من أعقل الناس وأعلمهم، فكان لا يبتدىء، بإخبار حتى يسأله المنصور فيجيبه ~~بأحسن عبارة، وأجود بيان، وأوفى معنى، فأعجب المنصور به، وأمر له بمال، ~~فتأخر عنه، ودعته الضرورة إلى استنجازه، فاجتاز ببيت عاتكة، فقال: يا أمير ~~المؤمنين؛ هذا بيت عاتكة الذى يقول فيه الأحوص: «يا بيت عاتكة ms135 الذى أتعزل» ~~... البيت، ففكر المنصور في قوله، وقال: لم يخالف عادته بابتداء الإخبار ~~دون الاستخبار إلا لأمر، وأقبل يردد القصيدة ويتصفحها بيتا بيتا حتى انتهى ~~إلى قوله فيها: # وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل «1» # فقال: يا ربيع، هل أوصلت إلى الرجل ما أمرنا له به؟ فقال: أخرته عنه- ~~لعلة ذكرها الربيع- فقال: عجله له مضاعفا، وهذا ألطف تعريض من الرجل، وحسن ~~فهم من المنصور. ### | [الحسد والحساد] # ومن كلام ابن المقفع: الحاسد لا يزال زاريا على نعمة الله ولا يجد لها ~~مزالا، ومكدرا على نفسه ما به من النعمة فلا يجد لها طعما، ولا يزال ساخطا ~~على من لا يترضاه، ومتسخطا لما [لا] ينال، فهو كظوم هلوع جزوع، ظالم أشبه ~~شىء بمظلوم، محروم الطلبة، منغص العيشة، دائم التسخط، لا بما قسم له يقنع، ~~ولا على ما لم يقسم له يغلب، والمحسود يتقلب في فضل نعم الله مباشرا ~~للسرور. # ممهلا فيه إلى مدة لا يقدر الناس لها على قطع ولا انتقاص، ولو صبر الحاسد ~~على ما به لكان خيرا له؛ لأنه كلما أراد أن يطفىء نور الله أعلاه ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. # PageV01P246 # قال الطائى: # لولا التخوف للعواقب لم تزل ... للحاسد النعمى على المحسود # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود # لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود # أخذه البحترى فقال: # ولن تستبين الدهر موضع نعمة ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد # ولقد أحسن القائل: # إن يحسدونى فإنى غير لائمهم ... قبلى من الناس أهل الفضل قد حسدوا # فدام لى ولهم ما بى وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد # أنا الذى يجدونى في صدورهم ... لا أرتقى صدرا عنها ولا أرد «1» # وقال ابن الرومى لصاعد بن مخلد: # وضد لكم لا زال يسفل جده ... ولا برحت أنفاسه تتصعد «2» # يرى زبرج الدنيا يزف إليكم ... ويغضى عن استحقاقكم فهو يفأد «3» # ولو قاس باستحقاقكم ما منحتم ... لأطفأ نارا في الحشا تتوقد # وآنق من ms136 عقد العقيلة جيدها ... وأحسن من سربالها المتجرد «4» # وقال معن بن زائدة: # إنى حسدت فزاد الله في حسدى ... لا عاش من عاش يوما غير محسود # ما يحسد المرء إلا من فضائله ... بالعلم والظرف، أو بالبأس والجود # PageV01P247 ### | ألفاظ لأهل العصر في ذكر الحسد # دبت عقارب الحسدة، وكمنت أفاعيهم بكل مرصد. فلان معجون من طينة الحسد ~~والمنافسة، مضروب في قالب الضيق والمناقشة. قد وكل بى لحظا ينتضل بأسهم ~~الحسد. فلان جسد كله حسد، وعقد كله حقد. الحاسد يعمى عن محاسن الصبح، بعين ~~تدرك حقائق القبح. ### | [التلطف في الطلب] # كتب محمد بن حماد يعرض في حاجة له ببيتى شعر إلى الواثق يقول: # جذبت دواعى النفس عن طلب المنى ... وقلت لها كفى عن الطلب المزرى # فإن أمير المؤمنين بكفه ... مدار رحى بالرزق دائبة تجرى # فوقع تحتها: جذبك نفسك عن امتحانها بالمسألة دعانى إلى صونك بسعة فضلى ~~عليك، فخذ ما طلبت هنيئا. # قال على بن عبيدة: أتيت الحسن بن سهل بفم الصلح؛ فأقمت ببابه ثلاثة أشهر ~~لا أحظى منه بطائل، فكتبت إليه: # مدحت ابن سهل ذا الأيادى وماله ... بذاك يد عندى ولا قدم بعد # وماذنبه، والناس- إلا أقلهم- ... عيال له، إن كان لم يك لى جد # سأحمده للناس حتى إذا بدا ... له فى رأى عاد لى ذلك الحمد # فكتب إلى: باب السلطان يحتاج إلى ثلاث خلال: عقل وصبر ومال، فقلت ~~للواسطة: تؤدى عنى؟ قال: نعم. قلت: تقول له: لو كان لى مال لاغنانى عن ~~الطلب إليك، أو صبر لصبرت عن الذل ببابك، أو عقل لا ستدللت به على النزاهة ~~عن رفدك! فأمر لى بثلاثين ألف درهم. # PageV01P248 # وقال على بن عبيدة الريحانى يوما، وقد رأى جارية يهواها: لولا البقيا على ~~الضمائر لبحنا بما تجنه السرائر، لكن نيران الحب تتدارك بالإخفاء، ولا ~~تعاجل بالإبداء؛ فإن دوامها مع إغلاق أبواب الكتمان، وزوالها في فتح مصارع ~~الإعلان. # وقد قال محمد بن يزيد الأموى: # لا وحبيك لا أصا ... فح بالدمع مدمعا # من بكى حبه استرا ... ح وإن كان موجعا # ومن كلام على بن ms137 عبيدة: اجعل أنسك آخر ما تبذل من ودك، وصن الاسترسال ~~منك، حتى تجد له مستحقا؛ فإن الأنس لباس العرض، وتحفة الثقة، وحباء ~~الأكفاء، وشعار الخاصة، فلا تخلق جدته إلا لمن يعرف قدر ما بذلت له منك. # وقال: لولا حركات من الابتهاج أجد حسها عند رؤيتك في نفسى لا أعرف لها ~~مثيرا من مظانها إلا مؤانستك لى، لأبقيت عليك من العناء، وخففت عنك مؤونة ~~اللقاء؛ لكنى أجد من الزيادة بك عندى أكثر من قدر راحتك في تأخرك عنى، ~~فأضيق عن احتمال الخسران بالوحدة منك. # وقال: لوجلى من طلوع الملالة بكر اللقاء أستخف التجافى مع شدة الشوق، ~~لتبقى جدة الحال عند من أحب دوامه لى؛ ورد طرف الشوق باطنا أيسر من معاناة ~~الجفاء مع الود ظاهرا. # وقال بعض المحدثين: # كم استراح إلى صبر فلم يرح ... صب إليكم من الأشواق في ترح # تركتم قلبه من حزن فرقتكم ... لو يرزق الوصل لم يقدر على الفرح # وقال أعرابى: # ألا قل لدار بين أكثبة الحمى ... وذات الغضى: جادت عليك الهواضب «1» # PageV01P249 # أجدك لا آتيك إلا تتابعت ... دموع، أضاعت ما حفظت، سواكب # ديار تنسمت المنى نحو أرصها ... وطاوعنى فيها الهوى والحبائب # ليالى لا الهجران محتكم بها ... على وصل من أهوى ولا الظن كاذب ### | [الأدب في مجلس الحكم] # تنازع إبراهيم بن المهدى وابن بختيشوع الطبيب بين يدى أحمد بن أبى داود ~~فى مجلس الحكم في عقار بناحية السواد، فأربى عليه إبراهيم وأغلظ له، فأحفظ ~~ذلك ابن أبى داود، فقال: يا إبراهيم، إذا نازعت في مجلس الحكم بحضرتنا ~~امرءا فلا أعلمن أنك رفعت عليه صوتا، ولا أشرت بيد، وليكن قصدك أمما «1» ، ~~وريحك ساكنة، وكلامك معتدلا، مع وفاء مجالس الخليفة حقوقها من التعظيم، ~~والتوقير، والاستكانة، والتوجه إلى الواجب؛ فإن ذلك أشكل بك، وأشمل لمذهبك ~~في محتدك، وعظيم خطرك، ولا تعجلن، فرب عجلة تهب ريثا، والله يعصمك من خطل ~~القول والعمل، ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبو يك من قبل، إن ربك حكيم ~~عليم. # فقال إبراهيم: أصلحك الله تعالى؛ أمرت بسداد، ms138 وحضضت على رشاد؛ ولست عائدا ~~لما يثلم مروءتى عندك، ويسقطنى من عينك، ويخرجنى من مقدار الواجب إلى ~~الاعتذار، فهأنا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقر بذنبه، معترف بجرمه، ~~ولا يزال الغضب يستفزنى بمواده، فيردنى مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندك ~~وعندنا منك؛ وقد جعلت حقى من هذا العقار لابن بختيشوع، فليت ذلك يكون وافيا ~~بأرش الجناية عليه «2» ؛ ولم يتلف مال أفاده موعظة؛ وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل «3» . # PageV01P250 ### | [حكمة أردشير وحضه على العلم] # لما استوثق أمر أردشير بن بابك وجمع ملوك الطوائف وتم له ملكه، جمع الناس ~~فخطبهم خطبة حض فيها على الألفة والطاعة، وحذرهم المعصية ومفارقة الجماعة، ~~وصف الناس أربعة صفوف؛ فخروا له سجدا، وتكلم متكلمهم فقال: # لازلت أيها الملك محبوا من الله تعالى بعز النصر، ودرك الأمل، ودوام ~~العافية، وتمام النعمة، وحسن المزيد، ولازلت تتابع لديك المكرمات، وتشفع ~~إليك الذمامات «1» حتى تبلغ الغاية التي يؤمن زوالها، وتصل إلى دار القرار ~~التي أعدها الله تعالى لنظرائك من أهل الزلفى عنده والمكانة منه، ولا زال ~~ملكك وسلطانك باقيين بقاء الشمس والقمر، زائدين زيادة النجوم والأنهار، حتى ~~تستوى أقطار الأرض كلها في علو قدرك عليها، ونفاذ أمرك فيها، فقد أشرق ~~علينا من ضياء نورك ما عمنا عموم ضياء الصبح، ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما ~~اتصل بأنفسنا اتصال النسيم؛ فأصبحت قد جمع الله بك الآيدى بعد افتراقها، ~~وألف القلوب بعد توقد نيرانها، ففضلك الذى لا يدرك بوصف، ولا يحد بنعت. # فقال أردشير: طوبى للمدوح إذا كان للمدح مستحقا، وللداعى إذا كان للاجابة ~~أهلا. # وقيل لأردشير: أيها الملك الرفيع الذى حلب العصور، وجرب الدهور، أى ~~الكنوز أعظم قدرا؟ قال: العلم الذى خف محمله، فثقلت مفارقته، وكثرت ~~مرافقته، وخفى مكانه، فأمن من السرق عليه؛ فهو في الملأ جمال، وفي الوحدة ~~أنيس، يرأس به الخسيس، ولا يمكن حاسدك عليه انتقاله عنك. # قيل له: فالمال؟ قال: ليس كذلك. محمله ثقيل، والهم به طويل؛ إن كنت فى ~~ملأ شغلك الفكر فيه، وإن كنت في خلوة أتعبتك حراسته. ms139 # PageV01P251 ### | [أخلاق الملوك] # قال الجاحظ: حدثنى الفضل بن سهل قال: كانت رسل الملوك إذا جاءت بالهدايا ~~يجعل اختلافهم إلى، فتكون المؤامرات فيما معهم من ديوانى، فكنت أسأل رجلا ~~رجلا منهم عن سير ملوكهم، وأخبار عظمائهم، فسألت رسول ملك الروم عن سيرة ~~ملكهم، فقال: بذل عرفه، وجرد سيفه، فاجتمعت عليه القلوب رغبة ورهبة، لا ~~ينظر جنده، ولا يحرج رعيته؛ سهل النوال، حزن النكال، الرجاء والخوف معقودان ~~في يده. # قلت: فكيف حكمه؟ فقال: يرد الظلم، ويردع الظالم، ويعطى كل ذى حق حقه؛ ~~فالرعية اثنان: راض، ومغتبط. # قلت: فكيف هيبتهم له؟ قال: يتصور في القلوب، فتغضى له العيون. # قال: فنظر رسول ملك الحبشة إلى إصغائى إليه، وإقبالى عليه، فسأل ~~الترجمان: ما الذى يقوله الرومى؟ قال: يذكر ملكهم، ويصف سيرته؛ فتكلم مع ~~الترجمان بشىء، فقال لى الترجمان: إنه يقول: إن ملكهم ذو أناة عند القدرة، ~~وذو حلم عند الغضب، وذو سطوة عند المغالبة، وذو عقوبة عند الاجترام، قد كسا ~~رعيته جميل نعمته، وخوفهم عسف نقمته؛ فهم يتراءونه رأى الهلال خيالا، ~~ويخافونه مخافة الموت نكالا، وسعهم عدله، وردعتهم سطوته، فلا تمتهنه مزحة، ~~ولا تؤمنه غفله؛ إذا أعطى أوسع، وإذا عاقب أوجع؛ فالناس اثنان: راج وخائف، ~~فلا الراجى خائب الأمل، ولا الخائف بعيد الأجل. قلت: فكيف هيبتهم له؟ قال: ~~لا ترفع إليه العيون أجفانها، ولا تتبعه الأبصار إنسانها، كأن رعيته قطا ~~رفرفت عليها صقور صوائد. # فحدثت المأمون بهذين الحديثين فقال: كم قيمتهما عندك؟ قلت: ألفا درهم. # قال: يا فضل؛ إن قيمتهما عندى أكثر من الخلافة، أما عرفت قول على بن # PageV01P252 # أبى طالب كرم الله وجهه: قيمة كل امرىء ما يحسن. أفتعرف أحدا من الخطباء ~~البلغاء يحسن أن يصف أحدا من خلفاء الله الراشدين المهديين بهذه الصفة؟ # قلت: لا. قال: فقد أمرت لهما بعشرين ألف دينار، واجعل العذر مادة بينى ~~وبينهما في الجائزة [على المعوز] ؛ فلولا حقوق الإسلام وأهله لرأيت ~~إعطاءهما ما في بيت مال الخاصة والعامة دون ما يستحقانه. # وقال الجاحظ: حدثنى حميد بن عطاء قال: كنت ms140 عند الفضل بن سهل، وعنده رسول ~~ملك الخزر، وهو يحدثنا عن أخت لملكهم، قال: أصابتنا سنة احتدم شواظها علينا ~~بحر المصائب، وصنوف الآفات؛ ففزع الناس إلى الملك، فلم يدر ما يجيبهم به، ~~فقالت أخته: أيها الملك؛ إن الخوف لله خلق لا يخلق جديده، وسبب لا يمتهن ~~عزيزه، وهو دال الملك على استصلاح رعيته، وزاجره عن استفسادها، وقد فزعت ~~إليك رعيتك بفضل العجز عن الالتجاء إلى من لا تزيده الإساءة إلى خلقه عزا، ~~ولا ينقصه العود بالإحسان إليهم ملكا، وما أحد أولى بحفظ الوصية من الموصى، ~~ولا بركوب الدلالة من الدال، ولا بحسن الرعاية من الراعى. ولم تزل في نعمة ~~لم تغبرها نقمة، وفي رضا لم يكدره سخط، إلى أن جرى القدر بما عمى عنه ~~البصر، وذهل عنه الحذر، فسلب الموهوب، والواهب هو السالب؛ فعد إليه بشكر ~~النعم، وعذبه من فظيع النقم، فمتى تنسه ينسك، ولا تجعلن الحياء من التذلل ~~للمعز المذل سترا بينك وعين رعيتك، فتستحق مذموم العاقبة؛ ولكن مرهم ونفسك ~~بصرف القلوب إلى الإقرار له بكنه القدرة، وبتذلل الألسن في الدعاء بمحض ~~الشكر له؛ فإن الملك ربما عاقب عبده ليرجعه عن سيئ فعل إلى صالح عمل، أو ~~ليبعثه على دائب شكر ليحرز به فضل أجر. # فأمرها الملك أن تقوم فيهم فتنذرهم بهذا الكلام، ففعلت، فرجع القوم وقد # PageV01P253 # علم الله منهم قبول الوعظ في الأمر والنهى؛ فحال عليهم الحول وما مهم ~~مفتقد نعمة كان سلبها، وتواترت عليهم الزيادات بجميل الصنع؛ فاعترف لها ~~الملك بالفضل، فقلدها الملك؛ فاجتمعت الرعية لها على الطاعة في المكروه ~~والمحبوب قال: وهذا وهم أعداء الله تعالى، وضرائر نعمته، ومستوجبو نقمته، ~~أعاد لهم بالشكر ما أرادوا، وأعطاهم بالإقرار له بكنه قدرته ما تمنوا، فكيف ~~بمن يجمعه على الشكر نوران اثنان: قرآن منزل، ونبى مرسل، لو صدقت النيات، ~~واجتمعت على الافتقار إليه الطلبات؛ لكنهم أنكروا ما عرفوا، وجهلوا ما ~~علموا، فانقلب جدهم هزلا، وسكوتهم خبلا. ### | قطعة صادرة من أقوال الملوك دالة على فضل كرمهم وبعد هممهم # غضب كسرى ms141 أنوشروان على بعض مرازبته، فقال: يحط عن مرتبته، ولا ينقص من ~~صلته؛ فإن الملوك تؤدب بالهجران، ولا تعاقب بالحرمان. # واصطنع أنو شروان رجلا فقيل له: إنه لا قديم له. قال: اصطناعنا إياه ~~شرفه. # قال معاوية رضي الله عنه: نحن الزمان، من رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتضع. ~~وكان يقول: إنى لآنف من أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي، وذنب لا يسعه ~~عفوى، وحاجة لا يسعها جودى. # عبد الملك بن مروان- أفضل الناس من تواضع عن رفعة، وعفا عن قدرة؛ وأنصف ~~عن قوة. # زياد- استشفعوا لمن وراءكم؛ فليس كل أحد يصل إلى السلطان، ولا كل من وصل ~~إليه يقدر على كلامه. # المهلب- عجبت لمن يشترى المماليك بماله، كيف لا يشترى الأحرار # PageV01P254 # بمعروفه! وقد روى هذا لابن المبارك. وقال لبنيه: يا بنى؛ أحسن تيابكم ما ~~كان على غيركم. # قال أبو تمام الطائى يستهدى فروا، وعرض بقول المهلب: # فهل أنت مهديه بمثل شكيرة ... من الشكر يعلو مصعدا ويصوب «1» # فأنت العليم الطب أى وصية ... بها كان أوصى في الثياب المهلب «2» # يزيد بن المهلب- استكثروا من الحمد؛ فإن الذم قل من ينجو منه. # السفاح- ما أقبح ينا أن تكون الدنيا لنا وأولياؤنا خالون من أثرها. # المأمون- إنما تطلب الدنيا لتملك، فإذا ملكت فلتوهب. وقال: إنما يتكثر ~~بالذهب والفضة من يقلان عنده. # الحسن بن سهل- الأطراف منازل الأشراف؛ يتناولون ما يزيدون بالقدرة، ~~وينتابهم من يريدهم بالحاجة. وتعرض له رجل فقال له: من أنت؟ قال: أنا الذى ~~أحسنت إلى يوم كذا وكذا. فقال: مرحبا بمن توسل إلينا بنا. # ولما أراد المعتصم أن يشرف أشناس التركى بعقب فتح الخزمية أمر أصحاب ~~المراتب بالترجل إليه، فترجل إليه الحسن بن سهل، فنظر إليه حاجبه يمشى ~~ويتعثر فى مشيه، فبكى، فقال: ما يبكيك؟ إن الملوك شرفتنا وشرفت بنا. ### | ومن كلام أهل العصر # للأمير شمس المعالى قابوس بن وشمكير «3» - من أقعدته نكاية الأيام أقامته ~~إغاثة الكرام؛ ومن ألبسه الليل ثوب ظلماته نزعه النهار عنه بضيائه. # PageV01P255 # وله: ابتناء المناقب باحتمال المتاعب، وإحراز الذكر الجميل بالسعى في ~~الخطب الجليل. # الصاحب ms142 بن عباد: # وقائلة: لم عزتك الهموم ... وأمرك ممتثل في الأمم؟ # فقلت: ذرينى لما أشتكى ... فإن الهموم بقدر الهمم # أبو الطيب البستى: # أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن # أبو الفتح البستى: # صاحب السلطان لا بد له ... من هموم تعتريه وغمم # والذى يركب بحرا سيرى ... قحم الأهوال من بعد قحم «1» ### | ومن كلام الملوك الجارى مجرى الأمثال # أردشير- إذا رغبت الملوك عن العدل رغبت الرعية عن الطاعة. # أفريدون- الأيام صحائف آجالكم، فخلدوها أحسن أعمالكم. # وقيل للإسكندر: ما بال تعظيمك لمؤدبك أكثر من تعظيمك لأبيك؟ # قال: لأن أبى سبب حياتى الفانية ومؤدبى سبب حياتى الباقية. # ودخل محمد بن زياد مؤدب الواثق على الواثق، فأظهر إكرامه، وأكثر إعظامه، ~~فقيل له: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال هذا أول من فتق لسانى بذكر الله، ~~وأدنانى من رحمة الله. # وأشير على الإسكندر بتبييت الفرس «2» ، فقال: لا أجعل غلبتى سرقة. وقيل ~~له: لو تزوجت بنت دارا؟ فقال: لا تغلبنى امرأة غلبت أباها. # PageV01P256 # انوشروان- الملك إذا كثر ماله مما يأخذ من رعيته كان كمن يعمر سطح بيته ~~بما يقتلعه من قواعد بنيانه. # أبرويز- أطع من [فوقك يطعك من] دونك. # السفاح- إن من أدنى الناس ووضعائهم من عد البخل حزما، والعفو ذلا. # وكان يقول: إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة، والصبر حسن إلا على ما ~~أوقع بالدين، وأوهى السلطان؛ والأماة محمودة إلا عند إمكان الفرصة. # وقد قال ابن المعتز: # كم فرصة ذهبت فعادت غصة ... تشجى بطول تلهف وتندم «1» # ولما عزم المنصور على الفتك بأبى مسلم فزع من ذلك عيسى بن موسى، فكتب ~~إليه: # إذا كنت ذا رأى فكن ذا تدبر ... فإن فساد الرأى أن تتعحلا # فأجابه المنصور: # إذا كنت ذا رأى فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأى أن تترددا # ولا تمهل الأعداء يوما بغدوة ... وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا «2» # وهذا في موضعه كقول الإمام على كرم الله وجهه: من فكر في العواقب لم يشجع ~~وقال سعد بن ناشب فأفرط «3» . # PageV01P257 # عليكم بدارى فاهدموها؛ فإنها «1» ... تراث كريم لا يخاف العواقبا «2» # إذا ms143 هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا # ولم يستشر في رأيه غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا # سأغسل عنى العار بالسيف جالبا ... على قضاء الله ما كان جالبا # ويصغرفى عينى تلادى إذا انثنت ... يمينى بإدراك الذى كنت طالبا # وكان سعد من مردة العرب وشياطين الإنس، وفيه يقول الشاعر: # وكيف يفيق الدهر سعد بن ناشب ... وشيطانه عند الأهلة يصرع # كتب مروان بن محمد الجعدى إلى عبد الله بن على يسأله حفظ حرمه، فقال له: ~~الحق لنا في دمك، وعلينا في حرمك. # وقال الرشيد لإسماعيل بن صبيح: إياك والدالة «3» فإنها تفسد الحرمة، ~~ومنها أتى البرامكة. # وقال المأمون: الملوك تحتمل كل شىء إلا ثلاثا: إفشاء السر، والقدح فى ~~الملك، والتعرض للحرم. # المعتصم إذا نصر الهوى بطل الرأى. # المنتصر- لذة العفو أطيب من لذة التشفى؛ وذلك أن لذة العفو يلحقها حمد ~~العاقبة، ولذة التشفى يلحقها ذم الندم. # PageV01P258 # والمنتصر يقول عن تجربة؛ لأنه قتل أباه المتوكل، والأمر في ذلك أشهر من ~~أن يذكر، ولكنى ألمع منه باليسير: # كان المتوكل قد عقد لولده المنتصر والمعتز والمؤيد ولاية العهد، ثم تغير ~~على المنتصر دون أخويه، وكان يسميه المنتظر، ويقول له: أنت تتمنى موتى، ~~وتنتظر وقتى! ويأمر الندماء أن يعبثوا به، إلى أن أوغر صدره، وأقل صبره؛ ~~فلما كانت ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين كان ~~المتوكل يشرب مع الفتح في قصره المعروف بالجعفرى، ومعه جماعة من الندماء ~~والمغنين، وكان المنتصر معهم، فلما انصرمت ثلاث ساعات من الليل قال لزرافة ~~التركى: ألا تسعنى ساعة حتى أشكو إليك ما يمر بى؟ قال: بلى، وجعل يماطله ~~ويطاوله، وغلق بغا الشرابى الأبواب كلها إلا باب الماء، ومنه دخل الذين ~~قتلوه، فأول من ضربه باغر التركى ضربة قطع بها حبل عاتقه، وتلقاه الفتح ~~بنفسه فأكب عليه، فقتلا جميعا، وبويع المنتصر من ساعته، وكانت مدة المنتصر ~~في الخلافة مدة شيرويه ابن كسرى- حين قتل أباه- ستة أشهر. # وقال إبراهيم بن أحمد الأسدى يرثى المتوكل: # هكذا فلتكن منايا ms144 الكرام ... بين ناى ومزهر ومدام # بين كأسين أروتاه جميعا ... كأس لذاته وكأس الحمام # يقظ في السرور حتى أتاه ... - قدر الله- حتفه في المنام # والمنايا مراتب يتفاضلن ... وبالمرهفات موت الكرام # لم يرر نفسه رسول المنايا ... بصنوف الأوجاع والأسقام # هابه معلنا فدب إليه ... فى ستور الدجى بحد الحسام # أخذ هذا المعنى عبد الكريم بن إبراهيم التيمى، فقال يرثى عيسى بن خلف ~~صاحب خراج المغرب، وكان قد تناول دواء فمات بسببه: # منايا سددت الطرق عنها ولم تدع ... لها من ثنايا شاهق متطلعا # PageV01P259 # فلما رأت سور المهابة دونها ... عليك ولما لم تجد فيك مطمعا # ترقت بأسباب لطاف ولم تكد ... تواجه موفور الجلالة أروعا # فجاءتك في سر الدواء خفية ... على حين لم تحذر لداء توقعا # فلم أر مالا يتقى مثل سهمها ... ولا مثلها لم تخش كيدا فترجعا # وقد رثاه البحترى ويزيد المهلبى بمرثيتين من أجود ما قيل في معناهما، ~~وكانا حاضرين ليلة قتله. فاختفى أحدهما في طى الباب، والآخر في قناة ~~الشاذروان؛ فمن قصيدة البحترى: # تغير حسن الجعفرى وأنسه ... وقوض بادى الجعفرى وحاضره # تحمل عنه ساكنوه فجاءة ... فآضت سواء دوره ومقابره «1» # ولم أر مثل القصر إذريع سربه ... وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره «2» # وإذ صيح فيه بالرحيل فهتكت ... على عجل أستاره وستائره # إذا نحن زرناه أجد لنا الأسى ... وقد كان قبل اليوم يبهج زائره # فأين عميد الناس في كل نوبة ... تنوب وناهى الدهر فيهم وآمره» # تخفى له مغتاله تحت غرة ... وأولى لمن يغتاله لو يجاهره # صريع تقاضاه السيوف حشاشة ... يجود بها والموت حمر أظافره # حرام على الراح بعدك أو أرى ... دما بدم يجرى على الأرض مائره # وهل يرتجى أن يطلب الدم طالب ... مدى الدهر والموتور بالدم واتره «4» # فلا ملى الباقى تراث الذى مضى ... ولا حملت ذاك الدعاء منابره # PageV01P260 # وهي طويلة «1» ، وكان أبو العباس ثعلب يقول فيها: ما قيلت هاشمية أحسن ~~منها، وقد صرح فيها تصريح من أذهلته المصائب عن تخوف العواقب. # وقد كان البحترى يرتاح في كثير من شعره إلى ذكره وذكر الفتح بن خاقان، ~~فمن ذلك قوله ms145 لبعض من يمدحه: # تداركنى الإحسان منك، ونالنى ... على فاقة ذاك الندى والتطول # ودافعت عنى حين لا الفتح يرتجى ... لدفع الأذى عنى ولا المتوكل # وقال: # مضى جعفر والفتح بين موسد ... وبين قتيل في الدماء مضرج # أأطلب أنصارا على الدهر بعد ما ... ثوى منهما في الترب أوسى وخزرجى «2» # وقال في غلام له: # عسى آيس من رجعة الوصل يوصل ... ودهر تولى بالأحبة يقبل # أيا سكنا فات الفراق بنفسه ... وحال التعادى دونه والتزيل # أتعجب لما لم يغل جسمى الضنا ... ولم يخترم نفسى الحمام المعجل # فقبلك بان الفتح منى مودعا ... وفارقنى شفعا له المتوكل # فما بلغ الدمع الذى كنت أرتجى ... ولا فعل الوجد الذى خلت يفعل # وقال أبو خالد يزيد بن محمد المهلبى في قصيدة أولها: # لا وجد إلا أراه دون ما أجد ... ولا كمن فقدت عيناى مفتقد # PageV01P261 # يقول فيها: # لا يبعدن هالك كانت منيته ... كما هوى من عضاه الزبية الأسد «1» # جاءت منيته والعين هادية ... هلا أتته المنايا والقنا قصد «2» # فخر فوق سرير الملك منجد لا ... لم يحمه ملكه لما انقضى الأمد # لا يدفع الناس ضيما بعد ليلتهم ... إذ لا يهز إلى الجانى عليك يد # علنك أسياف من لا دونه أحد ... وليس فوقك إلا الواحد الصمد # إذا بكيت فإن الدمع منهمل ... وإن رثيت فإن الشعر مطرد # إنا فقد ناك حتى لا اصطبار لنا ... ومات قبلك أقوام فما فقدوا # قد كنت أسرف في مالى فتخلفه ... فعلمتنى الليالى كيف أقتصد # وقال فيها يذكر الأتراك، ويحض على اصطناع العرب: # لما اعتقدتم أناسا لا حفاظ لهم ... ضعتم وضيعتم من كان يعتقد # ولو جعلتم على الأحرار نعمتكم ... حمتكم الذادة المنسوبة الحشد «3» # قوم هم الأصل والأسماء تجمعكم ... والدين والمجد والأرحام والبلد # إن العبيد إذا أذللتهم صلحوا ... على الهوان وإن أكرمتهم فسدوا # وقال أبو حية النميرى «4» : # رمته فتاة من ربيعة عامر ... نؤوم الصحى في مأتم أى مأتم «5» # PageV01P262 # فقلن لها في السر: نفديك لا يرح ... صحيحا وإلا تقتليه فألممى # فألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كف ومعصم # وقالت فلما أفرغت في فؤاده ms146 ... وعينيه منها السحر قالت له نم # فأصبح لا يدرى أفى طلعة الضحى ... تروح أم داج من الليل مظلم «1» # أخذ قوله: «فألقت قناعا دونه الشمس» من قول النابغة الذبيانى: # قامت تراءى بين سجفى كلة ... كالشمس يوم طلوعها بالأسعد «2» # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد # وقال أبو حية يرثى سلمة بن عياش: # كأن أبا حفص فتى البأس لم يجب ... به الليل والبيض القلاص النجائب # إلى الغاية القصوى، ولم تهد فتية ... كراما وتخطوه الخطوب النوائب # ويعمل عتاق العيس حتى كأنها ... إذا وضعت عنها العلايا المشاجب «3» # PageV01P263 # بعيد مثانى الهم يمسى وماله ... سوى الله والعضب السريجى صاحب «1» # يروم جسيمات العلا فينالها ... فتى في جسيمات المكارم راغب # فإن يمس وحشا بابه فلربما ... تواتر أفواجا إليه المواكب «2» # يحيون بساما كأن جبينه ... هلال بدا وانجاب عنه السحائب # وما غائب من غاب يرجى إيابه ... ولكنه من ضمن اللحد غائب # وزعم الصولى أن أباحية إنما قالها في محمد بن سليمان بن على بن عبيد الله ~~بن العباس. # وكان أبو حية جيد الطبع، مألوف الكلام، رقيق حواشى الشعر. ### | [مجنون بنى عامر] # وسئل الأصمعى عن قيس بن الملوح المجنون، فقال: لم يكن مجنونا، وإنما كانت ~~به لوثة كلوثة أبى حية «3» ، وهو القائل: # رمتنى وستر الله بينى وبينها ... عشية أحجار الكناس رميم # رميم التي قالت لجارات بيتها: ... ضمنت لكم ألا يزال يهيم # ألا رب يوم لو رمتنى رميتها ... ولكن عهدى بالنضال قديم # فيا عجبا من قاتل لى أوده ... أشاط دمى شخص على كريم «4» # يرى الناس أنى قد سلوت، وإننى ... لمدنف أحناء الضلوع سقيم «5» # وأنشدنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى في مثله، ولم يسم قائله: # هل الأدم كالآرام والزهر كالدمى ... معاودتى أيامهن الصوالح «6» # PageV01P264 # زمان سلاحى بينهن شبيبتى ... لها سائف من حسنهن ورامح «1» # فأقسمن لا يسقيننى قطر مزنة ... لشيبى ولو سالت بهن الأباطح # وقال هارون بن على بن يحيى المنجم: «2» الغانيات عهودهن إلى انصرام ~~وانقضاب # من شاب شبن له المودة ... بالخديعة والكذاب «3» # فانعم بهن وزند سنك ... في الشبيبة غير خابى «4» # ما دمت في روق ms147 الصبا ... وغصونه الخضر الرطاب «5» # فافخر بأيام الصبا ... واخلع عذارك في التصابى # واعط الشباب نصيبه ... ما دمت تعذر بالشباب # وقال أشجع بن عمرو السلمى: # وما لى لا أعطى الشباب نصيبه ... وغصناه يهتزان في عوده الرطب # رأيت الليالى ينتهبن شبيبتى ... فأسرعت باللذات في ذلك النهب # فإن بنات الدهر يخلسن لذتى ... فقد جزن سلمى وانتهين إلى حربى # وقد حولت حالى الليالى وأسرجت ... على الرأس أمثال الفتيل من العطب # وموت الفتى خير له من حياته ... إذا كان ذا حالين يصبو ولا يصبى # وقال آخر: # ما العيش إلا أن تحب ... وأن يحبك من تحبه ### | فقر تتصل بهذه الأبيات، فى وصف الشباب # أطاع الشباب وغرته، وأجاب الصبا وشرته. جر إزار الصبا، وأذال # PageV01P265 # ذيول الهوى «1» ، وركض «2» فى ميدان التصابى، وجنى ثمرات الملاهى. هو في ~~اقتبال شبابه، وحداثة أترابه «3» ، وريعان عمره، وعنفوان أمره، هو في إبان ~~شبابه واعتداله وريعان إقباله واقتباله. بعثه على ذلك أشر الصبا، ولين ~~الغصن، وشرخ الشبيبة وسكر الحداثة. فتى السن، رطيب الغصن، عمره في إقباله، ~~ونشاطه في استقباله، وشبابه في اقتباله، وماؤه بحاله. فلان في حكم الأطفال، ~~الذين لم يعضوا على نواجذ الرجال. هو في عنفوان شبيبة تخاف سقطاتها ~~وهفواتها، ولا يؤمن جيحاتها ونزواتها. هو في سكرى الشباب والشراب، وبين ~~نزوات الشبان، ونزغات الشيطان. شبابه أعمى عن الرشد، أصم عن العذل، قد لبى ~~داعى هواه، وانغمس في لجة صباه. قد هجم بسكر الحداثة على سكرات الحوادث، ~~يجرى إلى الصبا جرى الصبا. فلان غفل من سمة التجربة، جامح في عذار الغفلة، ~~صعب الرأس «4» على لجام العظة. هو من سلطان الصبا في النوبة الأولى، قد خلع ~~عذاره ومقوده، وألقى إلى البطالة باعه ويده. هو بين خمار الغداة وسكر العشى ~~«5» لا يعرف الصحو، ولا يفارق اللهو. فلان لا يفيق، ولا يذكر التوفيق، هو ~~بين غرر الشباب، وغرر الأحباب. ### | ويتعلق بهذه الألفاظ لهم في نجابة الشباب وترشحهم للمعالى # قد جمع نضارة الشباب إلى أبهة المشيب، وهو على حدوث ميلاده وقرب إسناده ~~شيخ قدر وهيبة، وإن لم يكن شيخ ms148 سن وشيبة. هو بين شباب مقتبل، وعقل مكتمل، ~~قد لبس برد شبابه على عقل كهل، ورأى جزل، ومنطق فصل. # للدهر فيه مقاصد، وللأيام فيه مواعد، أرى له في فصل ضمان الأيام وودائع ~~الحظوظ # PageV01P266 # والأقسام، تباشير نجح، ومخايل نصر وفتح، قد استكمل قوة الفضل، ولم يتكامل ~~له سن الكهل. ما زالت مخايله وليدا وناشئا، وشمائله صغيرا ويافعا، نواطق ~~بالحسن عنه وضوامن النجح فيه! قد سما إلى مراتب أعيان الرجال، التى لا تدرك ~~إلا مع الكمال والاكتهال. حمدت عزائمه، قبل أن حلت تمائمه، وشهدت مكرماته، ~~قبل أن تدرج لداته «1» . # وقال البحترى: # لا تنظرن إلى العباس من صغر ... فى السن وانظر إلى المجد الذى شادا # إن النجوم نجوم الأفق أصغرها ... فى العين أذهبها في الجو إصعادا # وقال آخر: # رأيت العقل لم يكن انتهابا ... ولم يقسم على قدر السنينا # فلو أن السنين تقسمته ... حوى الآباء أنصبة البنينا # وقال الفضل بن جعفر الكاتب: # فإن خلفته السن فالعقل بالغ ... به رتبة الكهل المؤهل للمجد # فقد كان يحيى أوتى الحكم قبله ... صبيا وعيسى كلم الناس في المهد ### | [مما قيل في أثر الأيام والليالى] # وكان أبو حية كثير الرواية عن الفرزدق، وعمر حتى التقى بابن مناذر ~~فاستنشده شعره، فأنشده أبو حية: # ألا حى من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا # إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شىء لا يمل التقاضيا # حنتك الليالى بعد ما كنت مرة ... سوى العصا لو كن يبقين باقيا # PageV01P267 # فقال ابن مناذر: أو شعر هذا؟ فقال أبو حية: ما في شعرى عيب، غير أنك ~~تسمعه. # وفي هذه القصيدة يقول أبو حية: # ولما أبت إلا التواء بودها ... وتكديرها الشرب الذى كان صافيا # شربت برنق من هواها مكدر ... وكيف يعاف الرنق من كان صاديا «1» # وقد قال عمرو بن قميئة «2» فى معنى قول أبى حية: # كانت قناتى لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء # ودعوت ربى في السلامة جاهدا ... ليصحنى فإذا السلامة داء # وقال النمر بن تولب «3» : # يود الفتى طول السلامة والبقا ... فكيف يرى طول السلامة ms149 يفعل # يعود الفتى من بعد حسن وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل «4» # وقد روى في الحديث الشريف: «كفى بالسلامة داء» . # وقد أحسن حميد بن ثور في قوله: # أرى بصرى قد رابنى بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما # PageV01P268 # ولمن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما # وهذان البيتان من قصيدة طويلة، وهى أجود شعر حميد «1» ، ومن أجود ما ~~فيها: # وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... دعت ساق حر ترحة وترنما # تروح عليه والها ثم تغتدى ... مولهة تبغى له الدهر مطعما # تؤمل منه مؤنسا لانفرادها ... وتبكى عليه إن زقا وترنما # كأن على إشراقه نور خمرة ... إذا هو مد الجيد منه لبطعما # فلما اكتسى الريش السحام ولم تجذ ... لها معه في ساحة الحى مجثما «2» # تنحت قريبا فوق غصن تذأبت ... به الريح صرفا أى وجه تيمما «3» # فأهوى لها صقر مسف فلم يدع ... لها ولدا إلا رماما وأعظما # فأوفت على غصن ضحيا ولم تدع ... لنائحة في نوحها متلوما # عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما «4» # فلم أر مثلى شاقه صوت مثلها ... ولا عربيا شاقه صوت أعحما # ومن حبيث الهجاء قوله في هذه القصيدة يخاطب رجلين بعثهما: # وقولا إذا جاورتما أرض عامر ... وجاوزتما الحيين نهدا وخثعما # تريعان من جرم بن زيان أنهم ... أبوا أن يريقوا في الهزاهز محجما «5» # وما هجيت جرم بأشد من هذا، يريد أنهم لذلتهم لم يتروا أحدا فيطالبهم ~~بذحل. # PageV01P269 # وقال الأصمعى: قيل لبعض الصالحين: كيف حالك؛ فال: كيف حال من يفنى ~~ببقائه، ويسقم بسلامته، ويؤتى من مأمنه وقال محمود الوراق: # يحب الفتى طول البقاء كأنه ... على ثقة أن البقاء بقاء # إذا ما طوى يوما طوى اليوم بعضه ... ويطويه- إن جن المساء- مساء # زيادته في الجسم نقص حياته ... وأنى على نقص الحياة نماء «1» # جديدان لا يبقى الجميع عليهما ... ولا لهما بعد الجميع بقاء # وقال المتنبى: # زيادة شيب وهي نقص زيادتى ... وقوة عشق وهي من قوتى ضعف # وبيت محمود الأخير كقول البحترى: # أناة أيها الفلك المدار ... أنهب ما تصرف أم ms150 جبار «2» # ستفنى مثل ما تفنى وتبلى ... كما تبلى فيدرك منك ثار # تناب النائبات إذا تناهت ... ويدمر في تصرفه الدمار # وما أهل المنازل غير ركب ... مطاياهم رواح وابتكار # ويقول فيها: # لنا في الدهر آمال طوال ... نرجيها وأعمار قصار # أما وأبى بنى حار بن كعب ... لقد طرد الزمان بهم فساروا # أصاب الدهر دولة آل وهب ... ونال الليل منهم والنهار # أعارهم رداء العز حتى ... تقاضاهم فردوا ما استعاروا # وقد كانوا وأوجههم بدور ... لمبصرها وأيديهم بحار «3» # أخذ قوله: «ستفنى مثل ما تفنى» أبو القاسم بن هانىء فقال: # تفنى النجوم الزهر طالعة ... والنيران الشمس والقمر # PageV01P270 # ولئن تبدت في مطالعها ... منظومة فلسوف تنتثر # ولئن سعى الفلك المدار بها ... فلسوف يسلمها وينفطر # وقد استقصى على بن العباس الرومى المعنى الأول فقال: # والدهر يبلى الفتى من حيث ينشئه ... حتى تكر عليه ليلة القرب «1» # يغذوه في كل آن وهو يأكله ... ويحتسى نغبا منه على نغب «2» # يودى بحال فحال من شبيبته ... تسرب الماء في مستانف الكتب «3» # حسب امرىء من خنى دهر تطاوله ... وإن أجم فلم ينكب ولم ينب # فى هدنة الدهر كاف من وقائعه ... والعمر أقدح مبراة من الوصب # وقال أيضا: # يابانى الحصن أرساه وشيده ... حرزا لشلو من الأعداء مشجون «4» # انظر إلى الدهر هل فاتته بغيته ... فى مطمح النسر أوفى مسبح النون «5» # ومن تحصن منخوبا على وجل ... فإنما حصنه سجن لمسجون # أشكو إلى الله جهلا قد أضر بنا ... بل ليس جهلا ولكن علم مفتون # وقال الطائى: # وإن تبن حيطان عليه فإنما ... أولئك عقالاته لا معاقله # ودخل يحيى بن خالد على الرشيد وقد ابتدأت حاله في التغير، فأخبر أنه ~~مشغول، فرجع، فبعث إليه الرشيد: خنتنى فاتهمتنى، فقال: إذا انقضت المدة كان ~~الحتف في الحيلة، والله ما انصرفت إلا تخفيفا. # أخذه ابن الرومى فقال وقد فصده بعض الأطباء، فزعم أن الفصد زاد في علته: # غلط الطبيب على غلطة مورد ... عجزت محالته عن الإصدار «6» # PageV01P271 # والناس يلحون الطبيب، وإنما ... غلط الطبيب إصابة المقدار ### | [وصف الثغور] # وقال أبو حية النميرى: # سقتنى بكأس الحب صرفا مروقا ms151 ... رقاق الثنايا عذبة المترنق «1» # وخمصانة تفتر عن متنشق ... كنور الأقاحى طيب المتذوق «2» # إذا امتضغت بعد امتتاع من الضحى ... أنابيب من عود الأراك المخلق «3» # سقت شعب السواك ماء غمامة ... فضيضا بخرطوم الرحيق المروق «4» # وأنشد الثورى: # ترى الدر منثورا إذا ما تكلمت ... وكالدر منظوما إذا لم تكلم # تعبد أحرار القلوب بدلها ... وتملأ عين الناظر المتوسم # والبيت الأول من هذين كقول البحترى: # فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه «5» # وقد تقدم. # قال أبو الفرج الرياشى: سمعت الأصمعى يقول: أحسن ما قيل في وصف الثغر قول ~~ذى الرمة: # وتجلو بفرع من أراك كأنه ... من العنبر الهندى والمسك يصبح «6» # PageV01P272 # ذرى أقحوان واجه الليل وارتقى ... إليه الندى من رامة المتروح # هجان الثنايا معرب لو تبسمت ... لأخرس عنه كاد بالقول يفصح «1» # ومن قديم هذا المعنى وجيده قول النابغة الذبيانى في صفة المتجردة امرأة ~~النعمان بن المنذر: # تجلو بقاد متى حمامة أيكة ... بردا أسف لثاته بالإنمد «2» # كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى # زعم الهمام بأن فاها بارد ... عذب مقبله شهى المورد # زعم الهمام ولم أذقه أنه ... يشفى برياريقها العطش الصدى # ومن قوله: «ولم أذقه» أخذ كل من أتى بهذا المعنى، ففتقه الناس بعده، قال ~~المتوكل الليثى: # كأن مدامة صهباء صرفا ... ترقرق بين راووق ودن # تعل بها الثنايا من سليمى ... فراسة مقلتى وصحيح ظنى # وقال بشار: # يا أطيب الناس ريقا غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك # قد زرتنا مرة في الدهر واحدة ... ثنى ولا تجعليها بيضة الديك # يا رحمة الله حلى في منازلنا ... حسبى برائحة الفردوس من فيك # وقيل لبشار: يا أبا معاذ، كم بين قولك، وأنشد هذه الأبيات وبين أن تقول: # إنما عظم سليمى خلتى ... قصب السكر لا عظم الجمل # وإذا قرب منها بصل ... غلب المسك على ريح البصل # PageV01P273 # فقال: إنما الشاعر المطبوع كالبحر: مرة يقذف صدفه، ومرة يقذف جيفه «1» . ### | [تفضيل السواد] # وقد تناول هذا المعنى أبو الحسن على بن العباس الرومى من أقرب متناول ~~فقال وكشفه بأوضح عبارة- فى صفته لجارية أبى الفضل ms152 عبد الملك بن صالح ~~السوداء بعد أن استوفى جميع صفاتها وكان قد اقترح عليه وصفها: # وصفت فيها الذى هويت على ال ... وهم ولم نختبر ولم نذق # إلا بأخبارك التي رفعت ... منك إلينا عن ظبية البرق «2» # حاشا لسوداء منظر سكنت ... ذراك إلا عن مخبر يقق «3» # وهذه الأبيات من قصيدة له وصف فيها السواد، واحتج بتفضيله على البياض، ~~حتى أغلق فيه الباب بعده، ومنع أن يقصد فيه أحد قصده، إلا كان مقصر السهم ~~عن غرض الإحسان. وقد نبه على بن عبد الله بن العباس [المسيب على] فضائلها، ~~وأجاد التشبيه، وكشف عن وجوه الإبداع، وضروب الاختراع وقد مدح الناس السواد ~~والسود فأكثروا؛ فمن جيذ ما قالوا فيه قول أبى حفص الشطرنجى: # أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعده # لا شك إذ لونكما واحد ... أنكما من طينة واحده # فأخذ ابن الرومى هذا المعنى، وأضاف إليه أشياء أخر توسعا واقتدارا، فقال: # يذكرك المسك والغوالى والسك ذوات النسيم والعبق «4» # PageV01P274 # وهذه الأشياء وإن كانت ناقصة عن المسك، فهى ممدوحة بالطيب، غير مستغنى عن ~~ذكرها في التشبيه؛ فأما زيادته على جميع من تعاطى مدح السواد فقوله: # سوداء لم تنتسب إلى برص الشقر ولا كلفة ولا بهق «1» والأبيض الشديد ~~البياض معيب، وقد دل عليه قوله: # وبعض ما فضل السواد به ... والحق ذو سلم وذو نفق # ألا يعيب السواد حلكته ... وقد يعاب البياض بالبهق «2» # قوله: «الحق ذو سلم وذو نفق» أراد أن الحق يتصرف في جهات، وضرب الصعود ~~والنزول لذلك مثلا؛ ثم قصد لوصف هذه السوداء بالكمال في الصفة؛ ومن عيب ~~السودان أن أكفهم عابسة «3» متشققة، وأطرافهم ليست بناعمة لينة، وكذلك لا ~~يزال الفلح في شفاههم، وهي الشقوق المذمومة الموجودة في أكثر السودان في ~~أوساط الشفاه، وأيضا فإن الأسود مهجو بخبث العرق، فنفى هذه الصفات المذمومة ~~الموجودة في أكثر السودان عنها، فقال: # ل يست من العبس الأكف ولا ال ... فلح الشفاه الخبائث العرق # ثم عاج بخاطره على وصف هذه السوداء بأضداد تلك الصفات المذمومة، فقال: # فى لين سمورة تخيرها الفراء ms153 ... أو لين جيد الدلق «4» # ومن بديع مدح السوداء قوله: # أكسبها الحب أنها صبغت ... صبغة حب القلوب والحدق # فانصرفت نحوها الضمائر وال ... أبصار يعشقن أيما عشق # فأخبر أن القلوب إنما أحبتها بالمجانسة التي بينها وبين حب القلوب من ~~السواد، وكذلك الحدق. # PageV01P275 # ومن جيد نشبيهات أبى نواس وقد نبه نديما للصبوح فأخبر عن حاله وقال: # فقام والليل يجلوه الصباح كما ... جلا التبسم عن غر التليات # ولعلى بن العباس عليه التقدم بقوله: # يفتر ذاك السواد عن يقق ... من ثغرها كاللالىء النسق «1» # كأنها والمزاح يضحكها ... ليل تعرى دجاه عن فلق «2» # وفضل هذا الكلام على ذاك أن هذا قدم لمعناه في التشبيه مقدمة أيدته، ~~ووطأت له الآذان «3» ، وأصغت الأفهام إلى الاستحسان، وهي قوله: # يفتر ذاك السواد عن يقق # وفي هذه السوداء يقول، وقد سأله أبو الفضل الهاشمى أن يستغرق صفات. # محاسنها الظاهرة والباطنة، فقال: # لها حر يستعير وقدته ... من قلب صب وصدر ذى حنق «4» # كأنما حره لخابره ... ما ألهبت في حشاه من حرق # يزداد ضيقا على المراس كما ... تزداد ضيقا أنشوطة الوهق «5» # ثم فكر فيما فكر فيه النابغة، وقد أمره النعمان بوصف المتجردة، فوصف ما ~~يجوز ذكره من ظاهر محاسنها، ثم كره أن يذكر من فضائلها مالا يسوغ بمثله أن ~~يذكر منها، فرد الإخبار عن تلك الفضائل إلى صاحبها، وهو الملك، فقال: # زعم الهمام بأن فاها بارد ... عذب إذا قبلته قلت ازدد # فاحتذى على بن العباس هذا، فقال بعد ما سأله أن يستغرق في وصف فضائلها ~~الظاهرة والباطنة: # خذها أبا الفضل كسوة لك من ... خز الأماديح لا من الخرق # PageV01P276 # وصفت فيها التي هويت على ال ... وهم ولم نختبر ولم نذق # إلا بأخبارك التي وقعت ... منك إلينا عن ظبية البرق # حاشا لسوداء منظر سكنت ... ذراك إلا عن مخبر يقق # وهذا المعنى أومأ إليه النابغة إيماء خفيا تذهب معرفته عن أكثر الناس، ~~ولو آثر النابغة ترك الاختصار، وهم بكشف المعنى وإيضاحه، ما زاد على هذا ~~الكشف الذى كشفه ابن الرومى: # وأصحاب المعانى ينشدون للفرزدق: # وجفن سلاح قد ms154 رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا # وفي بطنه من دارم ذو حفيظة ... لو ان المنايا أنسأته لياليا «1» # ومعناه عندهم أنه رثى امرأة توفيت حاملا، فقال على بن العباس وقد وصف هذه ~~المرأة السوداء: # أخلق بها أن تقوم عن ذكر ... كالسيف يفرى مضاعف الحلق # إن جفون السيوف أكثرها ... أسود والحق غير مختلق # فهذه زيادة بينة، وعبارة واضحة، لم تحتج إلى تفاسير أصحاب المعانى، وقال ~~مما لم ينشده المتنبى: # غصن من الآبنوس ركب فى ... مؤتزر معجب ومنتطق # يهتز من ناهديه فى ثمر ... ومن دواجى ذراه في ورق # وهذا معنى قد بلغ قائله من الإجادة، فوق الإرادة، وامتثل أبو الفضل ~~الهاشمى ما أشار به ابن الرومى، فأولدها، فأنجبت. # وفي معنى قول الفرزدق قال الطائى وأحسن وذكر ولدين توأمين ماتا لعبد الله ~~ابن طاهر: # PageV01P277 # إن ترز في طرفى نهار واحد ... رزأين هاجا لوعة وبلايلا # فالثقل ليس مضاعفا لمطية ... إلا إذا ما كان وهما بازلا «1» # لهفى على تلك المشاهد منهما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا # لغدا سكونهما حجى، وصباهما ... حكما، وتلك الأريحية نائلا # إن الهلال إذا رأيت نماءه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا ### | وعلى ذكر التوأمين ألفاظ لأهل العصر في التهنئة بتوأمين # تيسرت منحتان في وطن، وانتظمت موهبتان في قرن «2» ، طلع في أفق الكمال ~~نجما سعد، وشهابا عز، وكوكبا مجد، فتأهلت بهما ربوع المحاسن، ووطئت لهما ~~أكناف المكارم، واستشرفت إليهما صدور الأسرة والمنابر. بلغنى خبر الموهبة ~~المشفوعة بمثلها، والنعمة المقرونة بعد لها «3» فى الفارسين المقبلين، ~~رضيعى العز والرفعة، وقرينى المجد والمنعة، فشملنى من الاغتباط ما يوجبه ~~ازدواج البشرى، واقتران غادية «4» بأخرى. # والشىء يذكر بما قارب ناحية من أنحائه، وجاذب حاشية من ردائه «5» . ### | [شىء من الهجاء يشتمل على تضمين] # وقال بعض أهل العصر يهجو رجلا وضمن قول النابغة: # كالأقحوان غداة غب سمائه # PageV01P278 # وأزاحه عن بابه؛ فجاء مليحا في الطبع، مقبولا في السمع: # يا سائلى عن جعفر، عهدى به ... رطب العجان وكفه كالجلمد «1» # كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى «2» # ومن مستحسن ما روى ms155 في هذا التضمين قول الآخر وضمن بيتا لمهلهل ابن ربيعة: # وسائلة عن الحسن بن وهب ... وعما فيه من كرم وخير # فقلت هو المهذب، غير أنى ... أراه كثير إرخاء الستور # وأكثر ما يغنيه فتاه ... حسين حين يخلو بالسرور # فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور # وهذا البيت لمهلهل مما يعدونه من أول كذب العرب، وكانت قبل ذلك لا تكذب ~~في أشعارها «3» ، وكان بين الموضع الذى كانت فيه هذه الواقعة وهي بالجزيرة ~~وبين حجر وهي قصبة باليمامة مسافة بعيدة، فأخرجه هذا الشاعر بقوة منته، ~~ونفاذ فطنته، إلى معنى آخر مستظرف في بابه. وهذا المذهب أحسن مذاهب # PageV01P279 # التضمين. ومن مليح ما في هذا الباب تضمينات الحمدونى في طيلسان أحمد بن ~~حرب المهلبى، وسيأتى ما أختاره من ذلك في غير هذا الموضع. ### | [عود إلى وصف الثغور ونقائها] # وقد جاء في صفة الثغور والأفواه والريق شعر كثير. قال جميل: # تمنيت منها نظرة وهي واقف ... تريك نقيا واضح الثغر أشنبا «1» # كأن عريضا من فضيض غمامة ... هزيم الذرى تمرى له الريح هيدبا «2» # يصفق بالمسك الذكى رضابه ... إذا النجم من بعد الهدو تصوبا «3» # وقال: # وكأن طارقها على علل الكرى ... والنجم وهنا قد بدا لتغور # يستاف ريح مدامة معلولة ... يرضاب مسك في ذكى العنبر # وقال عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى: # يمج ذكى المسك منها مفلج ... نقى الثنايا دو غروب مؤشر «4» # يرف إذا تفتر عنه كأنه ... حصى برد أو أقحوان منور # وقال الهذلى: # وما صهباء صافية لضب ... كلون الصرف منجاب قذاها # تشج بنطفة من ماء مزن ... أحلته برضراض عراها # بأطيب مشرعا من طعم فيها ... إذا ما طار عن سنة كراها # PageV01P280 # وقال آخر: # وشق عنها قناع الخز عن برد ... كالدر لا كسس فيه ولا ثعل «1» # كأنه أقحوان بات بضربه ... طل من الدجن سقاط الندى هطل # كأن صرفا كميت اللون صافية ... شجت بماء سماء شنه جبل «2» # فوها إذا ما قضت من نومها سنة ... أو اعتراها سبات النوم والكسل # وقال الآخر: # هجان اللون واضحة المحيا ... قطيع الصوت آنسة ms156 كسول «3» # تبسم عن أغر له غروب ... فرات الريق ليس به فلول «4» # كأن صبيب غادية لصب ... تشج به شآمية شمول # على فيها إذا الجوزاء عالت ... محلقة وأردفها رعيل «5» # وقال ابن المعتز: # يا نديمى اشربا واسقيانا ... قد بدا الصبح لنا واستبانا «6» # واقتلا همى بصرف عقار ... واتركا الدهر فما شاء كانا # إن للمكروه لذعة شر ... فإذا دام على المرء هانا # وامزجا كأسى بريقة ألمى ... طاب للعطشان وردا وحانا # من فم قد غرس الدر فيه ... ناصح الريق إذا الريق خانا «7» # وقال ابن الرومى: # يا رب ريق بات بدر الدجى ... يمجه بين ثناياكا # PageV01P281 # يروى ولا ينهاك عن شربه ... والماء يرويك وينهاكا # وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: # وإذا سألتك رشف ريقك قلت لى: ... أخشى عقوبة مالك الأملاك # ماذا عليك؟ جعلت قبلك في الثرى! ... من أن أكون خليفة المسواك # أيجوز عندك أن يكون متيم ... صب بحبك دون عود أراك # وهذا المعنى يجاوز الإحصاء، ويفوت الاستقصاء؛ وكله مأخوذ من قول امرىء ~~القيس: # كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر «1» # يعل به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المستحر «2» # فجمع ما فرقوه، وأخذه الجعفرى فقصر عنه: # كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى وذوب العسل # يعل به برد أنيابها ... إذا النجم وسط السماء اعتدل # ويلحق بهذه المعانى من شعر أهل العصر قول أبى على محمد بن الحسين بن ~~المظفر الحاتمى- وذكر خمرا: # من كف ساق أهيف حركاته ... فتن تقنع بالملاحة واعتجر «3» # ناولته كأسى وكسر جفونه ... يوحى إلى أن ارتقبهم واصطبر # فثنى لها أقلام در رخصة ... تهوى إلى أفراد در ذى أشر «4» # فتحدرت من كأسه في ثغره ... كالشمس تغرب في هلال من قمر # وأهدى أبو الفتح كشاجم لبعض القيان مسواكا وكتب إليها: # قد بعثناه لكى تجلو به ... واضحا كاللؤلؤ الرطب أغر # PageV01P282 # طاب منه العرف حتى خلته ... كان من ريقك يسقى في الشجر «1» # وأما والله لو يعلم ما ... حظه منك لأثنى وشكر # ليتنى المهدى فيروى عطشى ... برد أنيابك في كل سحر «2» ### | [شعر عمر بن أبى ربيعة، وشعر الحارث بن خالد] ms157 # وكان ذكر بحضرة ابن أبى عتيق شعر عمر بن أبى ربيعة والحارث بن خالد ~~المخزوميين، فقال رجل من ولد خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة: صاحبنا ~~الحارث أشعر، فقال ابن أبى عتيق: دع قولك يابن أخى، فلشعر ابن أبى ربيعة ~~لوطة بالقلب «3» ، وعلق بالنفس، ودرك للحاجة ليس لشعر الحارث؛ وما عصى الله ~~بشعر قط أكثر مما عصى بشعر ابن أبى ربيعة، فخذ عنى ما أصف لك: أشعر قريش من ~~رق معناه، ولطف مدخله، وسهل مخرجه، وتعطفت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب عن ~~صاحبه، فقال الذى من ولد خالد بن العاص: صاحبنا الذى يقول: # إنى وما نحروا غداة منى ... عند الجمار تئودها العقل «4» # لو بدلت أعلى منازلها ... سفلا وأصبح سفلها يعلو # فيكاد يعرفها الخبير بها ... فيرده الإقواء والمحل «5» # لعرفت مغناها بما احتملت ... منى الضلوع لأهلها قبل # فقال ابن أبى عتيق: يابن أخى، استر على صاحبك، ولا تشاهد المحاضر بمثل ~~هذا، أما تطير الحارث عليها حين قلب ربعها فجعل عاليه سافله، ما بقى إلا أن ~~يسأل الله حجارة من سجيل وعذابا أليما. ابن أبى ربيعة كان أحسن الناس للربع ~~مخاطبة وأجمل مصاحبة إذ يقول: # PageV01P283 # سائلا الربع بالبلى وقولا ... هجت شوقا لى الغداة طويلا # أين أهل حلوك إذ أنت مسرو ... ربهم آهل أراك جميلا # قال: ساروا، وأمعنوا، واستقلوا ... وبكرهى لو استطعت سبيلا # سئمونا وما سئمنا مقاما ... واستحبوا دماثة وسهولا «1» # وهاهنا حكاية تأخذ بطرف الحديث، دخل مزيد المدنى على مولى لبعض أهل ~~المدينة، وهو جالس على سرير ممهد، ورجل من ولد أبى بكر الصديق وآخر من ولد ~~عمر- رضي الله عنهما! - جالسان بين يديه على الأرض؛ فلما رأى المولى مزيدا ~~تجهمه، وقال: يا مزيد ما أكثر سؤالك! وأشد إلحافك! جئت تسألنى شيئا؟ قال: ~~لا والله، ولكنى أردت أن أسألك عن معنى قول الحارث بن خالد: # إنى وما نحروا غداة منى ... عند الجمار تئودها العقل # لو بدلت أعلى منازلها ... سفلا وأصبح سفلها يعلو # فلما رأيتك ورأيت هذين بين يديك عرفت معنى الذى قال. فقال: # اعزب في ms158 غير حفظ الله! وضحك أهل المجلس. # وأخذ الحارث قوله: # لعرفت مغناها بما احتملت ... منى الضلوع لأهلها قبل # من قول امرىء القيس؛ قال على بن الصباح وراق بن أبى محلم قال لى أبو ~~محلم: أتعرف لامرىء القيس أبياتا سينية قالها عند موته في قروحه والحلة ~~المسمومة، غير قصيدته التي أولها: # PageV01P284 # ألما على الربع القديم بعسعسا # فقلت: لا أعرف غيرها، فقال: أنشدنى جماعة من الرواة: # لمن طلل درست آيه ... وغيره سالف الأحرس «1» # تنكره العين من حادث ... ويعرفه شغف الأنفس # وقد أخذه طريح بن إسماعيل الثقفى، فقال: # تستخبر الدمن القفار ولم تكن ... لترد أخبارا على مستخبر # فظللت تحكم بين قلب عارف ... مغنى أحبته وطرف منكر # وقال الحسن بن وهب، إشارة إلى هذا المعنى: # أبليت جسمى من بعد جدته ... فما تكاد العيون تبصره # كأنه رسم منزل خلق ... تعرفه العين ثم تنكره # وقال يحيى بن منصور الذهلى: # أما يستفيق القلب إلا انبرى له ... تذكر طيف من سعاد ومربع # أخادع من عرفانه العين؛ إنه ... متى تعرف الأطلال عينى تدمع # وقال آخر: # هى الدار التي تعر ... ف لم لا تعرف الدارا # ترى منها لأحبابك ... أعلاما وآثارا # فيبدى القلب عرفانا ... وتبدى العين إنكارا # وقال أبو نواس، وتعلق أول قوله بهذا المعنى، وأنا أنشد الأبيات كلها ~~لملاحتها؛ إذ كان الغرض في هذا التصرف هو إرادة الإفادة: # ألا لا أرى مثلى امترى اليوم في رسم ... تغض به عينى ويلفظه وهمى «2» # أتت صور الأشياء بينى وبينه ... فظنى كلا ظن وعلمى كلا علم # PageV01P285 # فطب بحديث من حبيب مساعد «1» ... وساقية بين المراهق والحلم «2» # ضعيفة كر الطرف تحسب أنها ... قريبة عهد بالإفاقة من سقم # يفوق مالى من طريف وتالد ... تفوقى الصهباء من حلب الكرم «3» # وإنى لآتى الوصل من حيث يبتغى ... وتعلم قوسى حين أنزع من أرمى «4» ### | [شعر أبى نواس] # وروى أبو هفان قال: كان أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابى «5» يطعن على ~~أبى نواس، ويعيب شعره، ويضعفه، ويستلينه؛ فجمعه مع بعض رواة شعر أبى نواس ~~مجلس والشيخ لا يعرفه، فقال له صاحب أبى ms159 نواس: أتعرف- أعزك الله! - أحسن من ~~هذا؟ وأنشده: «ضعيفة كر الطرف ... » الأبيات فقال: لا والله، فلمن هو؟ قال: ~~للذى يقول: # رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفى عليه بكا عليك طويل # يا ناظرا ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيل # فطرب الشيخ، وقال: ويحك! لمن هذا؟ فو الله ما سمعت أجود منه لقديم # PageV01P286 # ولا لمحدث! فقال: لا أخبرك أو تكتبه؛ وكتب الأول، فقال: للذى يقول: # ركب تساقوا على الأكوار بينهم ... كأس الكرى فانتشى المسقى والساقى # كأن أرؤسهم والنوم واضعها ... على المناكب لم تخلق بأعناق # ساروا فلم يقطعوا عقدا لراحلة ... حتى أناخوا إليكم قبل إشراقى # من كل جائلة الطرفين ناجية ... مشتاقة حملت أوصال مشتاق # فقال: لمن هذا؟ وكتبه. فقال: للذى تذمه، وتعيب شعره، أبى على الحكمى! ~~قال: اكتم على، فو الله لا أعود لذلك أبدا. # أخذ قوله: «كأن أرؤسهم والنوم واضعها» أبو العباس بن المعتز، فقال يصف ~~شربا: # كأن أباريق اللجين لديهم ... ظباء بأعلى الرقمتين قيام # وقد شربوا حتى كأن رؤوسهم ... من اللين لم يخلق لهن عظام # البيت الأول من هذين من قول علقمة بن عبدة «1» : # كأن إبريقهم ظبى على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم «2» # أراد بسبائب «3» ، فحذف. وقد أحسن مسلم بن الوليد في قوله: # إبريقنا سلب الغزالة جيدها ... وحكى المدير بمقلتيه غزالا # يسقيك بالألحاظ كأس صبابة ... ويديرها من كفه جريالا «4» # PageV01P287 # وأنشد الحارث بن خالد أبياته: # إنى وما نحروا غداة منى ### | ...... # لعبد الله بن عمر، فلما بلغ إلى قوله: # لعرفت معناها بما احتملت ... منى الضلوع لأهلها قبل # قال له ابن عمر: قل إن شاء الله، قال: إذا يفسد الشعر يا أبا عبد الرحمن، ~~فقال: لا خير في شىء يفسده إن شاء الله. ### | [تشبيب الحارث بن خالد] # وكان الحارث بن خالد أحد المجيدين في التشبيب، ولم يكن يعتقد شيئا من ~~ذلك، وإنما يقوله تظرفا وتخلعا؛ وكان أكثر شعره في عائشة بنت طلحة، فلما ~~قتل عنها مصعب بن الزبير قيل له: لو خطبتها! قال: إنى لا كره أن يتوهم ~~الناس على أنى كنت معتقدا لما ms160 أقول فيها، وهو القائل: # يا أم عمران ما زالت وما برحت ... بنا الصبابة حتى مسنا الشفق «1» # القلب تاق إليكم كى يلاقيكم ... كما يتوق إلى منجاته الغرق «2» # توفيك شيئا قليلا وهي خائفة ... كما يمس بظهر الحية الفرق «3» # أخذ هذا الطائى فحسنه فقال: # تأبى على التصريد إلا نائلا ... إلا يكن ماء قراحا يمذق «4» # نزرا كما استكرهت عابر نفجة ... من فأرة المسك التي لم تفتق # وحجت عائشة بنت طلحة، فوجه إليها يستأذنها في الزيارة، فقالت: نحن حرام، ~~فأخر ذلك حتى نحل، فلما أحلت أدلجت ولم يعلم، فكتب إليها: # ما ضركم لو قلتم سددا ... إن المنية عاجل غدها «5» # ولها علينا نعمة سلفت ... لسنا على الأيام نجحدها # PageV01P288 # لو تممت أسباب نعمتها ... تمت بذلك عندنا يدها # إنى وإياها كمفتتن ... بالنار تحرقه ويعبدها ### | [من أخبار ابن أبى عتيق وعائشة بنت طلحة] # وابن أبى عتيق هذا هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، ~~رضي الله عنه! وكان من أفاضل زمانه علما وعفافا، وكان أحلى الناس فكاهة، ~~وأظرفهم مزاحا، وله أخبار مستظرفة سيمر منها ما يستحسن إن شاء الله. # روى الزبير بن أبى بكر أنه دخل على عائشة- يعنى بنت طلحة، رضي الله ~~عنهما! - وهي لمابها؛ فقال: كيف أنت جعلت فداك؟ قالت: فى الموت، قال: # فلا إذا، إنما ظننت في الأمر فسحة، فضحكت، وقالت: ما تدع مزحك بحال. # وفيه يقول عمر بن أبى ربيعة القرشى: # ليت شعرى هل أقولن لركب ... بفلاة هم لديها خشوع # طالما عرستم فاستقلوا ... حان من نجم الثريا طلوع # إن همى قد نفى النوم عنى ... وحديث النفس منى يروع # قال لى فيها عتيق مقالا ... فجرت مما يقول الدموع # قال لى: ودع سليمى ودعها ... فأجاب القلب: لا أستطيع # لا تلمنى في اشتياقى إليها ... وابك لى مما تجن الضلوع ### | [مثل من التعريض] # قال أبو العباس محمد بن يزيد «1» قوله: «حان من نجم الثريا طلوع» كناية، ~~وإنما # PageV01P289 # يريد الثريا بنت على بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، وكانت موصوفة ~~بالجمال، وتزوجها سهيل بن ms161 عبد الرحمن بن عوف الزهرى، فنقلها إلى مصر، وفي ~~ذلك يقول عمر، وضرب لهما المثل بالنجمين: # أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان # هى شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمانى # فمات سهيل عنها، أو طلقها، فخرجت إلى الوليد بن عبد الملك وهو خليفة دمشق ~~تطلب في دين عليها، فبينا هي عند أم البنين ابنة عبد العزيز إذ دخل الوليد ~~فقال: من هذه عندك؟ قالت: الثريا، جاءتك تطلب في دين ارتكبها، فأقبل الوليد ~~عليها، فقال: أتروين من شعر عمر بن أبى ربيعة شيئا؟ قالت: # نعم، أما إنه رحمه الله كان عفيفا، عفيف الشعر، أروى له قوله: # ما على الرسم بالبليين لو ب ... ين رجع السلام أولو أجابا # فإلى قصر ذى العشيرة بالصا ... ئف أمسى من الأنيس يبابا # وبما قد أرى به حى صدق ... ظاهرى العيش نعمة وشبابا # وحسانا جواريا خفرات ... حافظات عند الهوى الأحسابا # لا يكثرن بالحديث ولا يتبعن ... ينعقن بالبهام الظرابا «1» # فلما خلا الوليد بأم البنين قال: لله در الثريا؛ أتدرين ما أرادت ~~بإنشادها ما أنشدت من شعر عمر؟ قالت: لا، قال: فإنى لما عرضت لها بعمر عرضت ~~بأن أمى أعرابية؛ وأم الوليد ولادة ابنة العباس بن جزء بن الحارث بن زهير ~~العبسى، وهي أم سليمان، ولا تعلم امرأة ولدت خليفتين في الإسلام غيرها، ~~وغير الخيزران، وهي سبية من خرشنة، ولدت موسى الهادى وهارون الرشيد ابنى ~~محمد المهدى، وشاهسفرم بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز؛ ~~فإنها # PageV01P290 # ولدت للوليد بن عبد الملك يزيد بن الوليد الناقص وإبراهيم بن الوليد ~~المخلوع؛ جلس في الخلافة بعد أخيه يزيد مدة يسيرة، ثم جاء مروان بن محمد بن ~~مروان آخر ملوك بنى أمية فخلعه وولى بعده. # وشبيه بقول الثريا في باب التعريض أنه دخلت عزة على عبد الملك بن مروان، ~~فقال لها: أنت عزة كثير؟ قالت: أنا أم بكر الضمرية، قال لها: # يا عزة؟ هل تروين من شعر كثير شيئا؟ قالت: ما أعرفه، ولكن سمعت الرواة ~~ينشدون له: # قضى ms162 كل ذى دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها # قال: فتروين قوله: # وقد زعمت أنى تغيرت بعدها ... ومن ذا الذى يا عز لا يتغير # تغير حالى والخليقة كالذى ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبر # قالت: ما سمعت هذا، ولكن سمعتهم ينشدون: # كأنى أنادى صخرة حين أعرضت ... من الصم لو تمشى بها العصم زلت «1» # غضوبا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت «2» ### | [بعض أخبار عمر بن أبى ربيعة وغزله] # قال: وكل ما ذكر ابن أبى ربيعة في شعره من عتيق، أو أبى عتيق، فإنما هو ~~ابن أبى عتيق، وكان عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة، واسم أبى ربيعة حذيفة، ~~ابن المغيرة بن عبد الله [بن عمر] بن مخزوم، ويكنى أبا الخطاب، أمه أم ولد ~~سبية من حضرموت، ويقال من حمير، ومن ثم أتاه الغزل؛ لأنه يقال: «عشق يمانى، ~~ودل حجازى» . قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: # PageV01P291 # إن قلبى بالتل تل عزاز ... مع ظبى من الظباء الجوازى «1» # شادن لم ير العراق وفيه ... مع ظرف العراق دل الحجاز # وقال الطائى وذكر نفسه: # قد ثقفت منه الحجاز، وسهلت ... منه العراق، ورققته المشرق «2» # وهجرت الثريا عمر، فقال: # قال لى صاحبى ليعلم ما بى: ... أتحب القتول أخت الرباب؟ # قلت: وجدى بها كوجدك بالما ... ء إذا ما فقدت برد الشراب # أزهقت أم نوفل إذ دعتها ... مهجتى، ما لقاتلى من متاب # أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس كواعب أتراب # وهي مكنونة تحدر منها ... فى أديم الخدين ماء الشباب # ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا ... عدد الرمل والحصى والتراب # ولما بلغ ابن أبى عتيق قوله: # من رسولى إلى الثريا؟ فإنى ... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب # قال: إياى أراد، وبى هتف ونوه، لا جرم لا ذقت طعاما أو أشخص إليها، وأصلح ~~بينهما؛ قال مولى لبنى تميم: فنهض ونهضت معه، ثم خرج إلى السوق إلى ~~الضمرتين، فأتى قوما من بنى الديل بن بكر يكرون النجائب، فقال: بكم تكروننى ~~راحلتين إلى مكة؟ قالوا: بكذا وكذا درهما، فقلت لبعض التجار: # استوضعوا شيئا، فقال ms163 ابن أبى عتيق: ويحك! إن المكاس ليس من أخلاق الناس ~~«3» . ثم ركب واحدة وركبت أخرى، وأجد السير، فقلت: ارفق بنفسك، # PageV01P292 # فقال: ويحك! أبادر حبل الوصل أن يتقضبا. وما أملح الدنيا إذا تم الوصل ~~بين عمر والثريا! فقدمنا مكة وأتى باب الثريا، فقالت: والله ما كنت لنا ~~زوارا، فقال: أجل، ولكن جئت برسالة، يقول لك ابن عمك عمر: ضقت ذرعا بهجرها ~~والكتاب. فلامه عمر، فقال ابن أبى عتيق: إنما رأيتك مبادرا تلتمس رسولا، ~~فخففت في حاجتك، فإنما كان ثوابى أن أشكر. # ووصف ابن أبى عتيق لعمر امرأة من قومه، وذكر جمالا رائعا، وعقلا فائقا، ~~فرآها عمر، فشبب بها؛ فغضب ابن أبى عتيق وقال: تشبب بامرأة من قومى؟ فقال ~~عمر: # لا تلمنى عتيق حسبى الذى بى ... إن بى يا عتيق ما قد كفانى # إن بى مضمرا من الحب قد أب ... لى عظامى مكنونه وبرانى # لا تلمنى فأنت زينتها لى # فقال ابن أبى عتيق: # أنت مثل الشيطان للانسان # فقال عمر: هكذا ورب الكعبة قلت. # فقال ابن أبى عتيق: إن شيطانك ورب القبر ربما ألم بى! وحجت رملة بنت عبد ~~الله بن خلف أخت طلحة الطلحات، فقال عمر فيها: # أصبح القلب في الحبال رهينا ... مقصدا يوم فارق الظاعينا # ولقد قلت يوم مكة سرا ... قبل وشك من بينكم نولينا # أنت أهوى العباد قربا وبعدا ... لو تواتين عاشقا محزونا # قاده الحين يوم سرنا إلى الح ... ج جهارا ولم يخف أن يحينا # فإذا نعجة تراعى نعاجا ... ومها نجل النواظر عينا # فسبتنى بمقلة وبجيد ... وبوجه يضىء للناظرينا # PageV01P293 # قلت من أنتم فصدت وقالت ... أمبد سؤالك العالمينا «1» # قلت بالله ذى الجلالة لما ... أن تبلت الفؤاد أن تصدقينا # أى من تجمع المواسم أنتم ... فأبينى لنا ولا تكذيبنا # فرأت حرصى الفتاة، فقالت ... أخبريه بعلم ما تكتمينا # نحن من ساكنى العراق، وكنا ... قبلها قاطنين مكة حينا # قد صدقناك إذ سألت فمن ... أنت عسى يجر شأن شؤونا # ونرى أننا عرفناك بالنعت ... ظنونا وما قتلنا يقينا # بسواد الثنيتين ونعت ... قد نراه لناظر مستبينا # قولها: «وكنا ms164 قبلها قاطنين مكة حينا» أرادت إذ كانت مكة لخزاعة. # وكان آخر من نبذ مفتاح الكعبة من خزاعة أبو غبشان، فباعه من قصى بزق خمر؛ ~~فقيل في المثل: «أخسر صفقة من أبى غبشان» . وكان أبو غبشان إذ باع المفتاح ~~قصيا مريضا قد يئس من نفسه، فلما أبل من مرضه لامه قومه، وسألوه استرجاعه، ~~وذلك الذى هاج الحرب بين خزاعة وقريش، فظفر قصى واستولى على مكة، وجمع ~~قريشا بها؛ ولذلك سمى مجمعا، قال مطرف الخزاعى: # أبوكم قصى كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر # وقال الطائى: # ولما نضا ثوب الحياة وأوقعت ... به نائبات الدهر ما يتوقع # غدا ليس يدرى كيف يصنع معدم ... ذرى دمعه في خده كيف يصنع # ولم أنس سعى الجود خلف سريره ... بأكسف بال يستقل ويظلع «2» # وتكبيره خمسا عليه معا لنا ... وإن كان تكبير المصلين أربع # وما كنت أدرى يعلم الله قبلها ... بأن الندى في أهله يتشيع # PageV01P294 # غدؤا في زوايا نعشه وكأنما ... قريش قريش يوم مات مجمع # وقال الشاعر في أمر قصى وأبى غبشان: # أبو غبشان أظلم من قصى ... وأظلم من بنى فهر خزاعه # فلا تلحوا قصيا في شراه ... ولوموا شيخكم إذ كان باعه # وكان عمر أسود الثنيتين. # قال مولى ابن أبى عتيق بلال: أتيت الثريا مسلما عليها، فقالت: أنشدنى ~~لعمر، فأنشدتها: # أصبح القلب في الحبال رهينا # فقالت الثريا: إى والله، لئن سلمت له لأردن من شأوه، ولأثنين من عنانه، ~~ولأعرفنه نفسه! فمررت فيها حتى انتهيت إلى قوله: # قلت من أنتم فصدت وقالت ... أمبد سؤالك العالمينا # فقالت: أو قد أجابته بهذا؟ أى وقت؟ فلما انتهيت إلى قوله: # وترى أننا عرفناك بالنعت # قالت: جاءت النوكاء بآخر ما عندها في موقف واحد «1» . # وسأله أخوه الحارث- وهو المعروف بالقباع، وكان من أفاضل أهل دهره- أن ~~يترك الشعر، ورغب إليه في ذلك، ووعظه، فقال: أما ما دمت بمكة فلا أقدر، ~~ولكنى أخرج إلى اليمن، فخرج؛ فلما سار إلى هناك لم تدعه نفسه وترك الشعر، ~~فقال: # هيهات من أمة الوهاب منزلنا ... إذا نزلنا بسيف البحر ms165 من عدن «2» # واحتل أهلك أجيادا، وليس لنا ... إلا التذكر أو حظ من الحزن # بل ما نسيت غداة الخيف موقفها ... وموقفى، وكلانا ثم ذو شجن # PageV01P295 # وقولها للثريا وهي مطرقة ... والدمع منها على الخدين ذو سنن «1» # بالله قولى له في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن # إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها ... فما أخذت بترك الحج من ثمن # فلما بلغ الشعر الحارث قال: قد علمنا أنه لا يفى «2» . # وروى سفيان بن عيينة عن ابن جريج قال: لزمنى دين مرة فضاقت ساحتى وبلادى ~~بى، فتوجهت إلى معن بن زائدة باليمن، فقال: ما أقدمك هذه البلدة؟ قلت: دين ~~طردنى عن وطنى، قال: يقضى دينك، وترد إلى وطنك محبوا محبورا، قال: فأفمت ~~عنده، ثم رأيت الناس يرحلون إلى الحج، فحننت إلى مكة، وذكرت قول ابن أبى ~~ربيعة، وذكر الأبيات ... فأتيت باب معن، فقلت للحاجب: استأذن لى على ~~الأمير، فلما دخلت عليه قال: إن لك لحادث خبر! قلت: أستودع الله الأمير ~~وأستحفظه عليه. قال: وما هاج هذا منك؟ فقلت: رأيت خروج الناس إلى الحج، ~~وذكرت قول عمر؛ فحننت إلى مكة، فقال: أنت وحنينك، وإن كنت بفراقك ضنينا، ~~وسيتبعك ما تحتاج إليه؛ فسر مصاحبا، قال: فسرت إلى رحلى، فأتبعنى بمال ~~وثياب ومطايا ودواب، وسرت إلى مكة من فورى. # وكان عمر- على غزله، وما يذكره في شعره- عفيفا. حدث المغيرة بن عبد ~~الرحمن عن أبيه قال: دخلت مع أبى مكة، فجاءه عمر، فسلم عليه، وأنا غلام شاب ~~وعلى جبة، فجعل يأخذ بخصلة من شعرى فتمتد في يده، ثم يرسلها فترجع، فيقول: ~~واشباباه! فقال لى: يا بن أخى، قد سمعت قولى: «قلت لها وقالت لى» ؛ وكل ~~مملوك لى حر إن كنت قط كشفت عن فرج حرام! قال: فقمت وفي # PageV01P296 # نفسى من يمينه شىء؛ فسألت عن رقيقه، فقيل لى: أما في هذا الحول فسبعون. # ويستحسن قول عمر في المساعدة: # وخل كنت عين النصح منه ... إذا نظرت ومستمعا مطيعا # أطاف بغية فنهيت عنها ... وقلت له: أرى أمرا شنيعا # أردت رشاده ms166 جهدى، فلما ... أبى وعصى أتيناها جميعا # وهذا مأخوذ من قول دريد بن الصمة الجشمى «1» : # أمرتهم أمرى بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحا الغد # فقلت لهم: ظنوا بألفى مدجج ... سراتهم في الفارسى المسرد «2» # فلما عصونى كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وأننى غير مهتدى # وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت، وإن ترشد غزية أرشد # ومن جيد شعره: # يقولون إنى لست أصدق في الهوى ... وإنى لا أرعاك حين أغيب # فما بال طرفى عف عما تساقطت ... له أنفس من معشر وقلوب # عشية لا يستنكر القوم أن يروا ... سفاه حجى ممن يقال لبيب # ولا فتنة من ناسك أو مضت له ... بعين الصبا كسلى القيام لعوب «3» # تروح يرجو أن تحط ذنوبه ... فآب وقد زيدت عليه ذنوب # وما النسك أسلانى، ولكن للهوى ... على العين منى والفؤاد رقيب # ونظر عمر بن أبى ربيعة إلى فتى من قريش يكلم امرأة في الطواف، فعاب ذلك ~~عليه، فذكر أنها ابنة عمه، فقال: ذلك أشنع لأمرك، قال: إنى خطبتها # PageV01P297 # إلى عمى، وإنه زعم أنه لا يزوجنى حتى أصدقها أربعمائة دينار، وأنا غير ~~قادر على ذلك، وذكر من حاله وحبه لها؛ فأتى عمر عمه، فكلمه في أمرها، فقال: ~~إنه مملق، فزوجه، وساق عمر عنه المهر. # وكان عمر حين أسن حلف ألا يقول بيتا إلا أعتق رقبة، فانصرف إلى منزله ~~يحدث نفسه، فجعلت جاريته تكلمه ولا يجيبها؛ فقالت: إن لك لشأنا، وأراك تريد ~~أن تقول شعرا، فقال: # تقول وليدتى لما رأتنى ... طربت: وكنت قد أقصرت حينا # أراك اليوم قد أحدثت أمرا ... وهاج لك الهوى داء دفينا # وكنت زعمت أنك ذو عزاء ... إذا ما شئت فارقت القرينا # لعمرك هل رأيت لها سميا ... فشاقك أم لقيت لها خدينا # فقلت: شكا إلى أخ محب ... كبعض زماننا إذ تعلمينا # فقص على ما يلقى بهند ... فذكر بعض ما كنا نسينا # وذو الشوق القديم وإن تعزى ... مشوق حين يلقى العاشقينا # فكم من خلة أعرضت عنها ... لغير قلى، وكنت بها ضنينا # أردت بعادها فصددت عنها ... وإن جن الفؤاد ms167 بها جنونا # ثم دعا تسعة من رقيقه فأعتقهم. # قال عثمان بن إبراهيم: حججت أنا وأصحاب لنا، فلما رجعنا من مكة مررنا ~~بالمدينة، فرأينا عمر بن أبى ربيعة، وقد نسك وترك قول الشعر، فقال بعضنا ~~لبعض: هل لكم فيه؟ فملنا إليه، وسلمنا عليه، وجلسنا وهو ساكت لا يكلمنا. ~~فقال له بعضنا: أيعجبك قول الفرزدق: # سرت لعينك سلمى بعد مغفاها ... فبت مستلهيا من بعد مسراها # فقلت: أهلا وسهلا! من هداك لنا؟ ... إن كنت تمثالها أو كنت إياها # تأتى الرياح التي من نحو بلدتكم ... حتى نقول: دنت منا برياها # PageV01P298 # وقد تراخت بهم عنا نوى قذف ... هيهات مصبحها من بعد ممساها «1» # من أجلها أتمنى أن يلاقينى ... من نحو بلدتها ناع فينعاها # كيما أقول: افتراق لا اجتماع له، ... وتضمر النفس يأسا ثم تسلاها # ولو تموت لراعتنى وقلت لها: ... يا بؤس للدهر ليت الدهر أبقاها # فلم يهش لذلك! فقال الآخر: أيعجبك قول العذرى: # لو حز بالسيف رأسى في مودتها ... لمر يهوى سريعا نحوها راسى # ولو بلى تحت أطباق الثرى جسدى ... لكنت أبلى وما قلبى لكم ناسى # أو يقبض الله روحى صار ذكركم ... روحا أعيش به ما عشت في الناس # لولا نسيم لذكراكم يروحنى ... لكنت محترقا من حر أنفاسى # فتحرك ثم قال: يا ويحه! أبعد ما يحز رأسه يميل إليه؟ # ثم أنشأ يحدثنا، فقال: أتانى خالد الدليل، فقال: إن هندا وأترابها بموضع ~~كذا وكذا من الصحراء أيام الربيع، فقلت: كيف الحيلة؟ فقال: تتلثم وتكتفل ~~«2» كانك طالب ضالة، ففعلت، فدفعت إليهن، فقلن: يا أعرابى، ما تطلب؟ قلت: # ضالة لى، فقلن: قد كللت يا أعرابى، فلو جلست فأصبت من حديثنا وأصبنا من ~~حديثك، ولعلك تروح إلى وجود ضالتك، فنزلت؛ فلما امتد الحديث بنا حسرت هند ~~لثامى، وقالت: أتراك خدعتنا؟ نحن والله خدعناك، وبعثنا إليك خالدا، رأينا ~~خلاء ومنظرا فأردناك، ونظرت في درعى فأعجبنى ما رأيت، فقلت: # يا أبا الخطاب! قال عمر: فقلت: لبيك، وفي ذلك أقول: # ألم تسأل الأطلال والمتربعا ... ببطن حليات دوارس بلقعا «3» # PageV01P299 # إلى السرح من وادى المغمس ms168 بدلت ... معالمه وبلا ونكباء زعزعا «1» # فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعد ما ... نكأن فؤادا كان قدما موجعا «2» # لهند وأتراب لهند إذ الهوى ... جميع وإذ لم نخش أن يتصدعا # وإذ لا نطيع العاذلين ولا نرى ... لواش لدينا يطلب الهجر مطمعا # وإذ نحن مثل الماء كان مزاجه ... كما صفق الساقى الرحيق المشعشعا # تنوعتن حتى عاود القلب خبله ... وحتى تذكرت الحبيب المودعا # فقلت لمطريهن بالحسن: إنما ... ضررت، فهل تسطيع نفعا فتنفعا؟ # وأشريت فاستشرى وقد كان قد صحا ... فؤاد بأمثال المها كان مولعا «3» # لئن كان ما حدثت حقا فما أرى ... كمثل الألى أطريت في الناس أربعا «4» # فقال: فقم فانظر، فقلت: وكيف لى ... أخاف حديثا أن يشاع فيشنعا # فقال: اكتفل ثم التثم فأت باغيا ... فسلم ولا نكثر بأن تتورعا # فأقبلت أهوى مثل ما قال صاحبى ... لموعده أبغى قلوصا موقعا «5» # فلما تواقفنا وسلمت أقبلت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا # تبالهن بالعرفان لما رأيننى ... وقلن: امرؤ باغ أكل وأوضعا «6» # وقربن أسباب الهوى لمتيم ... يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا # فلما تنازعن الأحاديث قلن لى ... أخفت علينا أن نغر ونخدعا # PageV01P300 # فبالأمس أرسلنا بذلك خالدا ... إليك، وبينا له الأمر أجمعا # فما جئتنا إلا على وفق موعد ... على ملأ منا خرجنا له معا # رأينا خلاء من عيون ومنظرا ... دميث الربى سهل المحلة ممرعا «1» # وقلن: كريم نال وصل كرائم ... فحق له في اليوم أن تمتعا # وقوله: «وجوه زهاها الحسن أن تنقنعا» يقول: هذه الوجوه مدلة بجمالها فلا ~~تختمر، فتستر شيئا عن الناظرين إليها. وقد أشار إلى هذا المعنى الشماخ بن ~~ضرار «2» يصف ناقته: # كأن ذراعيها ذراع مدلة ... بعيد الشباب حاولت أن تعذرا «3» # من البيض أعطافا إذا اتصلت دعت ... فراس بن غنم أو لقيط بن يعمرا # بها شرق من زعفران وعنبر ... أطارت من الحسن الرداء المحبرا ### | [من لا ترى ستر الوجه من النساء، واحتجاجها لذلك] # قال: وكانت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله لا تستر وجهها، فلما دخلت على ~~مصعب بن الزبير قال لها في ذلك، فقالت: إن الله تعالى وسمنى بميسم جمال، ~~فأحببت ms169 أن يراه الناس، والله مابى وصمة أستتر لها. # وقال على بن العباس الرومى يصف قينة: # لم يعتصم عودها بزامرة ... ولا انضوى وجهها إلى الستر # وقد ردد معنى قوله: «لم يعتصم عودها بزامرة» فقال: يصف برعة الكبيرة: # غنت فلم تحوج إلى زامر ... هل تحوج الشمس إلى شمعه # PageV01P301 # كأنما غنت لشمس الضحى ... فألبستها حسنها خلعه # كأنما رنة مسموعها ... رقة شكوى سبقت دمعه # تهدى إلى قلبك ما يشتهى ... كأنها قد أطلعت طلعه # يجتمع الظرف لجلاسها ... والحسن والإحسان في بقعه # طفل على من حصلت عنده ... فبعض تطفيل الفتى رفعه «1» # ربيع غيث فانتجع روضه ... فلن يعاب الحر بالنجعه «2» ### | [ستر الرأس لإخفاء الصلع] # وكان ابن الرومى لا يزال معتما، وكان يغضب إذا سئل عن ذلك، وسأله بعض ~~الرؤساء: لم تعتم؟ فقال بديها: # يأيها السائلى لأخبره ... عنى لم لا أراك معتجرا # أستر شيئا لو كان يمكننى ... تعريفه السائلين ما سترا # وقد بين العلة التي أوجبت اهتمامه في قوله: # تعممت إحصانا لرأسى برهة ... من القر يوما والحرور إذا سفع # فلما دهى طول التعمم لمتى ... وأودى بها بعد الإطالة والفرع # عزمت على لبس العمامة حيلة ... لتستر ما جرت على من الصلع # فيالك من جان على جناية ... جعلت إليه من جنايته الفزع # وأعجب شىء كان دائى جعلته ... دوائى على عمد وأعجب بأن نفع # وهذا كقوله، وإن لم يكن في معناه، وقد رأيت من ينسبه إلى كشاجم: # طربت إلى المراة فروعتنى ... طوالع ثيبتين ألمتا بى # فأما شيبة ففزعت منها ... إلى المقراض حبا للتصابى # PageV01P302 # وأما شيبة فصفحت عنها ... لتشهد بالبراءة من خضابى # فأعجب بالدليل على مشيبى ... أقمت به الدليل على شبابى # وهو القائل في صفة رجل أصلع: # يجذب من نقرته طرة ... إلى مدى يقصر عن ميله # فوجهه يأخذ من رأسه ... أخذ نهار الصيف من ليله # وقال أعرابى: # قد ترك الدهر صفاتى صفصفا ... فصار رأسى جبهة إلى القفا «1» # كأنه قد كان ربعا فعفا ### | [من كلام الأعراب] # قال أعرابى لسليمان بن عبد الملك: إنى أكلمك يا أمير المؤمنين بكلام ~~فاحتمله، فإن وراءه إن قبلته ms170 ما تحبه، قال: هاته يا أعرابى؛ فنحن نجود بسعة ~~الاحتمال على من لا نأمن غيبته، ولا نرجو نصيحته، وأنت المأمون غيبا، ~~الناصح جيبا «2» . قال: فإنى سأطلق لسانى بما خرست عنه الالسن، تأدية لحق ~~الله تعالى؛ إنه قد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك ~~بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، وخافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب ~~للآخرة، وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه؛ فإنهم لم يألوا ~~الأمانة تضييعا، والأمة كسفا وخسفا، وأنت مسئول عما اجترموا، وليسوا ~~مسئولين عما اجترمت؛ فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك؛ فإن أعظم الناس عند الله ~~غبنا من باع آخرته بدنيا غيره. # فقال سليمان: أما أنت يا أعرابى فقد سللت لسانك وهو سيفك، قال: # أجل يا أمير المؤمنين، لك لا عليك. # PageV01P303 # وروى العتبى عن أبيه عن مولى لعمرو بن حريث قال: شخصت إلى سليمان ابن عبد ~~الملك، فقيل لى: إنك ترد على أفصح العرب، وسيسألك عن المطر، فانظر ما ~~تجيبه، فقلت: ما عندى من الجواب إلا ما عند العامة، فقيل لى: ما ذلك بمقنع ~~عنده، فلقينى أعرابى فقلت: هل لك في درهمين؟ فقال: إنى والله محتاج إليهما، ~~حريص عليهما، فما شأنك؟ فقلت: لو سألك سائل عن هذا المطر بم كنت تجيبه؟ ~~قال. أو يعيا بهذا أحد؟ قلت: نعم، سائلك! قال: أتعيا أن تقول: أصابتنا ~~سماء، عمد لها الثرى، واتصل بها العرى، وقامت منها الغدر، وأتتك في مثل ~~وجار الضبع، فكتبت الكلام، وأعطيته درهمين؛ فكان هجيراى على الراحلة «1» ؛ ~~فإذا نزلت أقبلت عليه وأمثل نفسى كأنى واقف بين يديه، وقد سلمت عليه ~~بالخلافة وهو يسألنى عن المطر! فلما انتهيت إليه سألنى فاقتصصت الكلام، ~~فكسر إحدى عينيه، وقال: # إنى لأسمع كلاما ما أنت بأبى عذرته «2» . قلت: صدقت! وحياتك يا أمير ~~المؤمنين اشتريته بدرهمين! فاستغرب ضحكا، ثم أحسن صلتى. # وقال أعرابى يمدح رجلا: # حليم مع التقوى، شجاع مع الجدا ... ندحين لا يندى السحاب سكوب # ويجل أمورا لو تصيفن غيره ... لمات خفاتا أو لكاد يذوب # شديد مناط القلب ms171 في الموقف الذى ... به لقلوب العالمين وجيب # فتى هو من غير التخلق ماجد ... ومن غير تأديب الرجال أديب # وقال بعض المحدثين يمدح: # PageV01P304 # فتى يجعل المعروف قبل سؤاله ... ويجعل دون العذر فضل التكرم # أغر متى تقصد به فضل حظه ... تصب ومتى تطلب به الغنم تغنم # على رأيه ينضم منصدع الصفا ... وبنحل من عقد العرى كل مبرم # له عزمة أغنى من الجيش في الوغى ... وخطرة رام كالحسام المصمم ### | جملة من كلام أبى الفضل أحمد بن الحسين الهمذانى «1» بديع الزمان # وهذا اسم وافق مسماه، ولفظ طابق- معناه، وكلام غض المكاسر، أنيق الجواهر، ~~يكاد الهواء يسرقه لطفا، والهوى يعشقه ظرفا ولما رأى أبا بكر محمد بن ~~الحسين بن دريد الأزدى «2» أغرب بأربعين حديثا، وذكر أنه استنبطها من ~~ينابيع صدره، واستنخبها من معادن فكره، وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها ~~للافكار والضمائر، فى معارض أعجمية، وألفاظ حوشية، فجاء أكثر ما أظهر تنبو ~~عن قبوله الطباع، ولا ترفع له حجبها الأسماع، وتوسع فيها؛ إذ صرف ألفاظها ~~ومعانيها، فى وجوه مختلفة، وضروب متصرفة، عارضها بأربعمائة مقامة في ~~الكدية، تذوب ظرفا، وتقطر حسنا، لا مناسبة بين المقامتين لفظا ولا معنى، ~~وعطف مساجلتها، ووقف مناقلتها، بين رجلين سمى أحدهما عيسى بن هشام والآخر ~~أبا الفتح الإسكندرى، وجعلهما يتهاديان الدر، ويتنافثان السحر، فى معان ~~تضحك الحزين، وتحرك الرصين، يتطلع منها كل طريفة، ويوقف منها على كل لطيفة، ~~وربما أفرد أحدهما بالحكاية، # PageV01P305 # وخص أحدهما بالرواية؛ وسأذكر منها ما لا يخل طوله بالشرط المعقود، ولا ~~ينافى حصوله الغرض المقصود «1» . # كتب إلى أبى نصر أحمد بن على الميكالى: # كتابى- أعز الله الأمير! - وبودى أن أكونه، فأسعد به دونه، ولكن الحريص ~~محروم، لو بلغ الرزق فاه، لولاه قفاه. فرق الله بين الأيام، تفريقها بين ~~الكرام، وألهمها أن تورد بعقل، وتصدر بتمييز، وما ذلك على الله بعزيز، وأنا ~~فى مفاتحة الأمير، بين ثقة تعد، ويد ترتعد، ولم لا يكون ذلك؟ والبحر وإن لم ~~أره، فقد سمعت خبره، ومن رأى من السيف أثره، فقد عاين أكثره، والليث وإن لم ~~ألقه، ms172 فلم أجهل خلقه، وماوراء ذلك من تالد أصل وحسب، وطارف فضل وأدب، وبعد ~~همة وصيت، فمعلوم تشهد به الدفاتر، والخبر المتواتر، وتنطق به الأشعار، كما ~~تصدق به الآثار، والعين أقل الحواس إدراكا، والأذن أكثرها استمساكا، وإن ~~بعدت الدار فلا ضير؛ إن أيسر البعدين بعد الدارين، وخير القربين قرب ~~القلبين. # وكتب إليه في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة: # الأمير الفاضل، والشيخ الرئيس، رفيع مناط الهمة، بعيد منال الحرمة، وفسيح ~~مجال الفضل، رحيب منخرق الجود، رطيب مكسر العود # PageV01P306 # فلو نظمت الثربا ... والشعريين قريضا # وكاهل الأرض ضربا ... وشعب رضوى عروضا # وصغت للدر ضدا ... وللهواء نقيضا # بل لو جلوت عليه ... سود النوائب بيضا # أو ادعيت الثريا ... لأخمصيه حضيضا # والبحر عند لهاه ... يوم العظاء مغيضا # لما كنت إلا في ذمة القصور، وجانب التقصير، فكيف وأنا قاعد الحالة فى ~~المدح، قاصر الآلة عن الشرح؟ ولكنى أقول: الثناء منجح أنى سلك، والسخى جوده ~~بما ملك، وإن لم تكن غرة لائحة فلمحة دالة، وإن لم يكن صداء فماء «1» ، وإن ~~لم يكن خمر فخل، وإن لم يصبها وابل فطل، وبذل الموجود غاية الجود، وبعض ~~الجهد آخر المجهود، وماش خير من لاش «2» ، ووجود ما قل خير من عدم ما جل. ~~وقليل في الجيب خير من كثير في الغيب، وجهد المقل خير من عذر المخل، وحمار ~~أيس خير من فرس ليس «3» ، وكوخ في العيان خير من قصر في الوهم. وزيت «4» ~~خير من ليت، وما كان أجود من لو كان، وقد قيل: عصفور في الكف أجود من كركى ~~في الجو، ولأن «5» تقطف خير من أن تقف، ومن لم يجد الجميم رعى الهشيم «6» ، ~~ومن لم يحسن صهيلا نهق، ومن لم يجد ماء تيمم؛ والأمير الرئيس- أدام الله ~~نعماه! - لا ينظر في قوافى صنيعته إلى ركاكة ألفاظها، وبعد أغراضها، ولكن ~~إلى كثرة جذرها «7» ، وثقل مهرها، وقلة # PageV01P307 # كفئها، وإننى منذ فارقت قصبة جرجان، ووطئت عتبة خراسان، ما زففتها إلا ~~إليه، ولا وقفتها إلا عليه، هذا على تمرغى في أعطاف المحن، وضرورتى إلى ~~أبناء الزمن، وإن كان الأمير ms173 الرئيس يرفع لكل لفظ حجاب سمعه، ويفسح لكل شعر ~~فناء طبعه، فهاك من النثر ما ترى، ومن النظم ما يترى: # أدهق الكاس فعرف الفجر ... قد كاد يلوح # فهو للناس صباح ... ولذى الرأى صبوح # والذى يمرح بى في ... حلبة اللهو جموح # فاسقنيها والأمانى ... لها عرف يفوح # إن للأيام أسرارا ... بها سوف تبوح # لا يغرنك جسم ... صادق الحس وروح # إنما نحن إلى الآجال ... نغدو ونروح # ويك هذا العمر تبريح ... وهذا الروح ريح # بينما أنت صحيح الجسم ... إذ أنت طريح # فاسقنيها مثل ما يلفظه ... الديك الذبيح # قبل أن يضرب في الدهر ... بى القدح السنيح «1» # إنما الدهر غرور ... ولمن أصغى نصيح # ولسان الدهر بالوعظ ... لواعيه فصيح # نستبيح الدهر والأيام ... منا تستبيح # نحن لاهون وآجال ... المنايا لا تريح # يا غلام الكأس فاليأ ... س من الناس مريح # ضاع ما نحميه من أنفسنا ... وهو مبيح # PageV01P308 # وقنوعا فمقام الذ ... ل بالمرء قبيح # أنا يا دهر بأبنا ... ئك شق وسطيح «1» # وبأبكار القوافى ... لا على كفء شحيح # يا بنى ميكال والجو ... د لعلاتى مزيح # شرفا إن مجال الفضل ... فيكم نفسيح # وعلى قدر سنا ... الممدوح يأتيك المديح # فهناك الشرف الأر ... فع والطرف الطموح # والندى والخلق الطا ... هر والخلق الصبيح # مرتقى مجد يحار الطرف ... فيه ويطيح # أيهذا الكرم الما ... ثل والخلق السجيح «2» # كان هذا الجود ميتا ... عاده منك المسيح # هذه- أطال الله بقاء الأمير! - هدية الوقت، وعفو الساعة، وفيض البديهة، ~~ومسارقة القلم، ومسابقة اليد للفم، وجمرات الحدة، وثمرات المدة، ومجاراة ~~الخاطر للناظر، ومباراة الطبع للسمع، ومجاذبة الجنان للبيان، والشعر إذا لم ~~تقدمه روية، ولم تنضجه نية، لم يفتح له السمع بابه، ولم يرفع له القلب ~~حجابه، وإذا لبس الأمير هذه على علاتها رجوت أن يكون بعدها ما هو أفتن ~~وأحسن وأرصن، فرأيه أيده الله في الوقوف عليها موقفا إن شاء الله. # وله إليه معاتبة: # لئن ساءنى أن نلتنى بمساءة ... لقد سرنى أنى خطرت ببالك # الأمير الفاضل الشيخ الرئيس، أطال الله بقاءه إلى آخر الدعاء، فى حال بره ~~وجفائه متفضل، وفي يومى إعاده وإدنائه ms174 متطول. وهنيئاله من حمانا ما يحله، # PageV01P309 # ومن عرانا ما يحله، ومن أعراضنا ما يستحله؛ بلغنى أنه- أدام الله عزه! - ~~استزاد صنيعته، وكنت أظننى مجنيا عليه، مساء إليه، فإذا أنافى قرارة الذنب، ~~وبمثابة العتب، وليت شعرى أى محظور في العشرة حضرته، أو مفروض من الخدمة ~~رفضته، أو واجب في الزيارة أهملته؟ وهل كنت إلا ضيفا أهداه بلد شاسع، وأداه ~~أمل واسع، وحداه فضل وإن قل، وهداه رأى وإن ضل، ثم لم يلق إلا في آل ميكال ~~رحله، ولم يصل إلا بهم حبله، ولم ينظم إلا فيهم شعره، ولم يقف إلا عليهم ~~شكره؛ ثم ما بعدت صحبة إلا دنت مهانة، ولا زادت حرمة إلا نقصت صيانة، ولا ~~تضاعفت منة إلا تراجعت منزلة، ولم تزل الضعة بنا حتى صار وابل الإعظام ~~قطرة، وعاد قميص القيام صدرة، وذلك التقرب أزورارا، وطويل السلام اختصارا، ~~والاهتزاز إيماء، والعبارة إشارة؛ وحين عاتبته آمل إعتابه، وكاتبته أنتظر ~~جوابه، وسألته أرجو إيجابه، أجاب بالسكوت، وأعتب بالقنوت، فما ازددت إلا له ~~ولاء، وعليه ثناء؛ لا جرم إنى اليوم أبيض وجه العهد، واضح محجة الود، طويل ~~عنان القول، رفيع حكمة العذر؛ وقد حملت فلانا من الرسالة ما تجافى عنه ~~القلم؛ والأمير الرئيس أطال الله بقاءه ينعم بالإصغاء لما يورده موفقا إن ~~شاء الله. # وله إليه في هذا الباب: # أنا في خدمة الأمير الرئيس- أطال الله بقاءه! - مترجح بين أن أشربها رنقة ~~ولا أسيغها، وألجلج منها مضغة ولا أجيزها، وبين أن أطويها على عرها، ولا ~~أرتضع أخلاف درها. # فلا نفسى تطاوعنى لرفض ... ولا هممى توطننى لخفض # وبقى أن أقرصه بأنامل العتب، وأحشمه بألحاظ العذل، وأعرفه أنى ما أطوى ~~مسافة مزار إلا متجشما، ولا أطأ عتبة دار إلا متبرما؛ ولست كمن يبسط يده ~~مستجديا، أو ينقل قدمه مستعديا؛ فإن كان الأمير الرئيس- أيده الله! - يسرح ~~طرفه منى في طامح أو طامع، فليعد للفراسة نظرا. # PageV01P310 # فما الفقر من أرض العشيرة ساقنى ... إليك، ولكنا بقرباك ننجح # وأجدنى كلما استقزنى الشوق إلى تلك المحاسن، أطير إليها بجناحين عجلا، ~~وأرجع ms175 بعرجاوين خجلا، ولولا أن الرضا بذلك ضرب من سقوط الهمة، وأن العتاب ~~نوع من أنواع الخدمة، لصنت مجلسه عن قلمى، كما أصونه عن قدمى، ولملت إلى ~~أرض الدعاء فهو أنجع، وإلى جانب الثناء فهو أوسع، وسأفعل لتخف مؤنتى، ولا ~~تثقل وطأتى # إذا ما عتبت فلم تعتب ... وهنت عليك فلم تعن بى «1» # سلوت، ولو كان ماء الحياة ... لعفت الورود ولم أشرب ### | قطعة من مفردات الأبيات لأهل العصر في معان شتى تجرى مجرى الأمثال # أبو فراس الحمدانى: # إذا كان غير الله للمرء عدة ... أتته الرزايا من وجوه المكاسب # وله: # عفافك عى، إنما عفة الفتى ... إذا عف عن لذاته وهو قادر «2» # وقال المتنبى: # كل حلم أنى بغير اقتدار ... حجة لا جىء إليها اللئام # وله: # وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام # PageV01P311 # وله: # وإذا أتتك مذمتى من ناقص ... فهى الشهادة لى بأنى كامل # وله: # لا يعجبن مضيما حسن بزته ... وهل تروق دفينا جودة الكفن؟ # وله: # من أطاق التماس شىء غلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا # وله: # والظلم من شيم النفوس، فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم # وله: # ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه ... أنى بما أنا باك منه محسود # وله: # ذكر الفتى عمره الثانى، وحاجته ... ما قاته، وفضول العيش أشغال # والمتنبى أكثر المحدثين افتنانا وإحسانا في الإغراب بهذا الباب؛ ~~والاستقصاء يخرج عن شرط الكتاب. # وقال السرى الموصلى: # خذوا من العيش فالأعمار فائتة ... والدهر منصرم والعيش منقرض # وله: # فإنك كلما استودعت سرا ... أنم من النسيم على الرياض # وقال أبو إسحاق الصابى: # الضب والنون قد يرجى التقاؤهما ... وليس يرجى التقاء اللب والذهب «1» # وقال ابن نباتة: # مثل خلعت على الزمان زداءه ... عوز الدراهم آفة الأجواد # PageV01P312 # وله: # يهوى الثناء مبرز ومقصر ... حب الثناء طبيعة الإنسان # وقال أبو الحسن السلامى: # تبسطنا على اللذات لما ... رأينا العفو من ثمر الذنوب # وقال ابن لنكك البصرى: # وماذا أرجى من حياة تكدرت ... ولو قد صفت كانت كأحلام نائم # وقال أبو طالب المأمونى: # لى في ضمير الدهر سر كامن ... لا بد أن تستله الأقدار ms176 # وقال أبو الفضل بن العميد: # الرأى يصدأ كالحسام لعارض ... يطرا عليه وصقله التذكير # وقال أبو الفتح: # بطرتم فطرتم والعصا زجر من عصى ... وتقويم عبد الهون بالهون رادع # وله: # إذا بلغ المرء آماله ... فليس له بعدها مقترح # وقال الصاحب إسماعيل بن عباد: # إن أم الصقر في الود ... د لمقلاة نزور # وله: # من لم يعدنا إذا مرضنا ... إن مات لم نشهد الجنازه # وله: # حفظ اللسان راحة الإنسان ... فاحفظه حفظ الشكر للاحسان # وقال إسماعيل الناشى: # وكنت أرى أن التجارب عدة ... فخانت ثقات الناس حتى التجارب # PageV01P313 # وقال أبو الفتح البستى: # لا ترج شيئا خالصا نفعه ... فالغيث لا يخلو من العيث «1» # وله: # ولم أر مثل الشكر جنة غارس ... ولا مثل حسن الصبر جبة لابس # وله: # وطول مقام الماء في مستقره ... يغيره ريحا ولونا ومطعما # وله: # ما استقامت قناة رأيى إلا ... بعد ما عوج المشيب قناتى # وقال أبو الفضل الميكالى: # هو الشوك لا يعطيك وافر منة ... يد الدهر إلا حين تضربه جلدا # وله: # ذو الفضل لا يسلم من قدح ... وإن غدا أقوم من قدح # وقال شمس المعالى: # وفي السماء نجوم مالها عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر # هذا مأخوذ من قول الطائى: # إن الرياح إذا ما استعصفت قصفت ... عيدان نجد فلم يعبأن بالرتم # «2» بنات نعش ونعش لا كسوف لها ... والشمس والبدر منها الدهر في الرقم # وقال أبو الحسن على بن عبد العزيز القاضى: # الهجر أروح من وصل على حذر ... والموت أطيب من عيش على غرر # وقال أبو بكر الخوارزمى: # لا تغرنك هذه الأوجه الغر ... فيارب حية في رياض # PageV01P314 ### | [من تبطره النعمة لم يؤسف على زوالها عنه] # قال أبو العيناء: كان عيسى بن فرخان شاه يتيه على في ولايته الوزارة، ~~فلما صرف رهبنى، فلقينى فسلم على فأحفى. فقلت لغلامى: من هذا؟ قال: # أبو موسى؛ فدنوت منه وقلت: أعزك الله، والله لقد كنت أقنع بإيمائك دون ~~بيانك، وبلحظك دون لفظك، فالحمد لله على ما آلت إليه حالك، فلئن كانت أخطأت ~~فيك النعمة، فلقد أصابت فيك النقمة، ولئن كانت ms177 الدنيا أبدت مقابحها ~~بالإقبال عليك، لقد أظهرت محاسنها بالانصراف عنك، ولله المنة إذ أغنانا عن ~~الكذب عليك، ونزهنا عن قول الزور فيك، فقد والله أسأت حمل النعم، وما شكرت ~~حق المنعم، فقيل له: يا أبا عبد الله؛ لقد بالغت في السب، فما كان الذنب؟ ~~قال: سألته حاجة أقل من قيمته، فرد عنها بأقبح من خلقته. # وقال على بن العباس الرومى لأبى الصقر إسماعيل بن بلبل لما نكبه الموفق ~~ابن أحمد وألم في بعض قوله بقول أبى العيناء: # لا زال يومك عبرة لعدك ... وبكت بشجو عين ذى حسدك # فلئن نكبت لطالما نكبت ... بك همة لجأت إلى سندك # لو تسجد الأيام ما سجدت ... إلا ليوم فت في عضدك # يا نعمة ولت غضارتها ... ما كان أقبح حسنها بيدك # فلقد غدت بردا على كبدى ... لما غدت حرا على كبدك # ورأيت نعمى الله زائدة ... لما استبان النقص في عددك # ولقد تمنت كل صاعقة ... لو أنها صبت على كتدك «1» # لم يبق لى مما يرى جسدى ... إلا بقاء الروح في جسدك # PageV01P315 # وله فيه أهج كثيرة لما نكب، منها قوله: # خفض أبا الصقر فكم طائر ... خر صريعا بعد تحليق # زوجت نعمى لم تكن كفأها ... فصانها الله بتطليق # لا قدست نعمى تسربلتها ... كم حجة فيها لزنديق «1» # وكان أبو الصقر لما ولى الوزارة مدحه ابن الرومى بقصيدته النونية التي ~~أولها: # أجنينك الورد أغصان وكثبان ... فيهن نوعان تفاح ورمان # وفوق ذينك أعناب مهدلة ... سود لهن من الظلماء ألوان # وتحت هاتيك عناب تلوح به ... أطرافهن قلوب القوم قنوان # غصون بان عليها الزهر فاكهة ... وما الفواكه مما يحمل البان # ونرجس بات سارى الطل يضربه ... وأقحوان منير اللون ريان # ألفن من كل شىء طيب حسن ... فهن فاكهة شتى وريحان # ثمار صدق إذا عاينت ظاهرها ... لكنها حين تبلو الطعم خطبان «2» # ولا يدمن على عهد لمعتقد ... والغانيات كما شبهن بستان # يميل طورا بحمل ثم يعدمه ... ويكتسى ثم يلفى وهو عريان # وهي أكثر من مائتى بيت، مر له فيها إحسان كثير، فأنشدها أبا الصقز، فلما ~~سمع قوله: ms178 # قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلا لعمرى ولكن منه شيبان # قال: هجانى، قيل له: إن هذا من أحسن المدح؛ ألا تسمع ما بعده: # وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علت برسول الله عدنان # PageV01P316 # قال: أنا بشيبان لا شيبان بى. فقيل له فقد قال: # ولم أقصر بشيبان التي بلغت ... بها المبالغ أعراق وأغصان # لله شيبان قوم لا يشوبهم ... روع إذا الروع شابت منه ولدان # فقال: لا والله لا أثيبه على هذا الشعر، وقد هجانى. # قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولى: كنت يوما عند عبيد الله بن عبد الله ~~ابن طاهر، وقد ذكروا قصيدة ابن الرومى هذه النونية، فقال: هذه دار البطيخ، ~~فاقرءوا تشبيهاتها تعلموا ذلك! فضحك جميع من حضر. # وفي هذه القصيدة يقول من المختار في النسيب: # يا رب حسانة منهن قد فعلت ... سوءا، وقد يفعل الأسواء إحسان # تشكى المحب وتلفى الدهر شاكية ... كالقوس تصمى الرمايا وهي مرنان «1» # وهذا كقوله في قصيدة يصف فيها قوس البندق: # لها رنة أولى بها من تصيبه ... وأجدر بالإعوال من كان موجعا # يقول فيها: # لا تلحيانى وإياها على ضرعى ... وزهوها، لج مفتون وفتان # إنى ملكت فبى للرق مسكنة ... وملكت فلها بالملك طغيان # لى مذ نأت وجنة ريا بمشربها ... من عبرتى وفم ما عشت ظمآن # وفيها في مدح بنى شيبان: # قوم سماحتهم غيث، ونجدتهم ... غوث، وآراؤهم في الخطب شهبان # تلقاهم ورماح الخط حولهم ... كالأسد ألبسها الآجام خفان «2» # صانوا النفوس عن الفحشاء وابتذلوا ... منهن في سبيل العلياء ما صانوا # PageV01P317 # المنعمون وما منوا على أحد ... يوما بنعمى، ولو منوا لما مانوا «1» # يقول فيها في أبى الصقر: # يفديه من فيه عن مقدار فديته ... عن المفاداة. تقصير ونقصان # قوم كأنهم موتى إذا مدحوا ... ومالهم من حبير الشعر أكفان # صاحى الطباع إذا سالت هواجسه ... وإن سألت يديه فهو نشوان # يصحيه ذهن ويأبى صحوه كرم ... مستحكم فهو صاح وهو سكران # فرد جميع يراه كل ذى بصر ... كأنه الناس طرا وهو إنسان # وهذا كقول أبى الطيب: # ولقيت كل الفاضلين ms179 كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا # نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا # وقد تقدم. # وقال: # فإن يك سيار بن مكرم انقضى ... فإنك ماء الورد إن ذهب الورد # مضى وبنوه وانفردت بفضلهم ... وألف إذا ما جمعت واحد فرد # وقال البحترى: # ولم أر أمثال الرجال تفاوتا ... لدى المجد، حتى عد ألف بواحد # ومدحه وعاتبه بقصائد كثيرة فما أنجحت، فمن ذلك قوله في قصيدة طويلة ~~يمدحه: # فى وجهه روضة للحسن مونقة ... ماراد في مثلها طرف ولا سرحا «2» # طل الحياء عليها ساقط أبدا ... كاللؤلؤ الرطب لو رقرقته سفحا # PageV01P318 # أنا الزعيم لمكحول بغرته ... ألا يرى بعدها بؤسا ولا ترحا # مهما أتى الناس من طول ومن كرم ... فإنما دخلوا الباب الذى فتحا # يعطى المزاح ويعطى الجد حقهما ... فالموت إن جد، والمعروف إن مزحا # وافى عطارد والمريخ مولده ... فأعطياه من الحظين ما اقترحا # إن قال: لا، قالها للآمريه بها ... ولم يقلها لمن يستمنح المنحا # فى كفه قلم ناهيك من قلم ... نبلا، وناهيك من كف بما اتشحا # يمحو ويثبت أرزاق العباد به ... فما المقادير إلا ما محا ووحى «1» # كأنما القلم العلوى في يده ... يجريه في أى أنحاء البلاد نحا # لما تبسم عنك المجد قلت له ... قهقه فلا نغلا تبدى ولا قلحا «2» # أثنى عليك بنعماك التي عظمت ... وقد وجدت بها في القول منفسحا # أمطر بذاك جنانى تكسه زهرا ... أنت المحيا برياه إذا نفحا # أنشدتها على متوالى الاختيار، وكذلك أجرى في كثير من الأشعار. # وقال يعاتبه ويستبطئه: # عقيد الندى، أطلق مدائح جمة ... حبائس حسرى قد أبت أن تسرحا # وكنت متى تنشد مديحا ظلمته ... يرى لك أهجى ما يرى لك أمدحا # عذرتك لو كانت سماء تقشعت ... سحائبها أو كان روض تصوحا # ولكنها سقيا حرمت رويها ... وعارضها ملق كلاكل جنحا «3» # وأكلاء معروف حرمت مريعها ... وقد عادمنها السهل والحزن مسرحا # عرضت لأورادى وبحرك زاخر ... فلما أردن الورد ألفين ضحضحا # فلو لم ترد أذواد غيرى غماره ... لقلت: سراب بالمتان توضحا «4» # PageV01P319 # فيالك بحرا لم أجد فيه مشربا ... وإن كان غيرى واجدا فيه ms180 مسبحا # مديحى عصا موسى، وذلك أننى ... ضربت به بحر الندى فتضحضحا # سأمدح بعض الباخلين لعله ... إذا اطرد المقياس أن يتسمحا # فيا ليت شعرى إن ضربت به الصفا ... أيبعث لى منه جداول سيحا # كتلك التي أبدت ثرى الأرض يابسا ... وشقت عيونا في الحجارة سفحا # ملكت فأسجح يا أبا الصقر إنه ... إذا ملك الأحرار مثلك أسجحا # وما ضرع إلى أحد هذه الضراعة، ولا في طوقه هذا الاحتمال؛ وهذه الأبيات ~~الأخيرة إنما ولد أكثرها من قول أبى تمام الطائى لمحمد بن عبد الملك ~~الزيات: # فلو حاردت شول عذرت لقاحها ... ولكن حرمت الدر والضرع حافل # أكابرنا عطفا علينا؛ فإننا ... بنا ظمأ برح وأنتم مناهل # وفيه يقول: # هذا مقامى يا بنى وائل ... من مستجير بكم عائذ # أنشب فيه الدهر أظفاره ... وعضه بالناب والناجذ # فأنصفوا منه أخا حرمة ... لاذ بكم منه مع اللائذ # فما أرى الدهر على جوره ... يخرج من حكمكم النافذ # وقال أيضا: # يأيها السيد الذى وهنت ... أنصار أمواله ولم يهن # فأصبحت في يد الضعيف وذى ال ... قوة والباقلى واللسن «1» # غيرى- على أننى مؤملك ال ... أقدم- سائل بذاك وامتحن # مادح عشرين حجة كملا ... محرومها عنك غير مضطغن # فضلك أو عدلك الذى ائتمن الله ... عليه أجل مؤتمن # إن كنت في الشعر ناقدا فطنا ... فلتعطنى حق حصة الفطن # وإن أكن فيه ساقطا زمنا ... فلتعطنى حق حصة الزمن # PageV01P320 # سم بى ديوانك الذى عدلت ... جدواه بين الصحيح والضمن «1» # كثر بشخصى من استطعت من ال ... ناس فإن لم أزنك لم أشن # ما حق من لان صدره لك بال ... ود لقاء بجانب خشن # وقال أبو العباس الرومى لرجل مدحه في كلمة: # أبعد لقاى دونك كل قفر ... يدق الشخص فيه أن يلاقى # وإعمالى إليك به المطايا ... وقد ضرب الظلام له رواقا # ورفضى النوم إلا أن ترانى ... أعانق واسط الكور اعتناقا # تسوق بنا الحداة فليس تدرى ... أسوقا كان ذلك أم سياقا # أصادف درة المعروف شكرى ... لديك ولا أذوق لها ذواقا «2» # يقول فيها: # غدا يعلو الجياد وكان يعلو ... - إذا ما استقره- السبت الرقاقا «3» # أعنتها الشسوع فإن عراها ms181 ... حفاء الكد أنعلها طراقا «4» # فزوج بعد قفر منه نعمى ... أرانى الله صبحتها الطلاقا ### | [ترجمة أبى العيناء وطرف من أحياره] # قال أبو القاسم على بن حمزة بن شمردل: حدثنى أبى قال: سألت أبا العيناء ~~عن نسبه، فقال: أنا محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان، وأصل قومى ~~من بنى حنيفة من أهل اليمامة، ولحقهم سباء في أيام المنصور؛ فلما صار ياسر ~~فى قيده أعتقه، فولاؤنا لبنى هاشم؛ وكان أبو العيناء ضرير البصر؛ ويقال: # إن جده الأكبر لقى على بن أبى طالب- رضي الله عنه! - فأساء مخاطبته؛ فدعا ~~عليه وعلى ولده بالعمى، فكل من عمى مهم صحيح اللسب! # PageV01P321 # قال الصولى: حدثنى أبو العيناء، قال: لما أدخلت على المتوكل فدعوت له ~~وكلمته استحسن كلامى، وقال لى: بلغنى أن فيك شرا! فقلت: يا أمير المؤمنين؛ ~~إن يكن الشر ذكر المحسن بإحسانه والمسىء بإساءته فقد زكى الله تعالى وذم، ~~فقال في التزكية: (نعم العبد إنه أواب) ، وقال في الذم: (هماز مشاء بنميم ~~مناع للخير معتد أثيم) . وقال الشاعر: # إذا أنا لم أمدح على الخير أهله ... ولم أذمم الجبس اللئيم المذمما «1» # ففيم عرفت الخير والشر باسمه ... وشق لى الله المسامع والفما؟ # وإن كان الشر كفعل العقرب التي تلسع السنى والدنى بطبع لا بتمييز فقد صان ~~الله عبدك عن ذلك! فقال لى: بلغنى أنك رافضى، فقلت: يا أمير المؤمنين، وكيف ~~أكون رافضيا وبلدى البصرة ومنشئى في مسجد جامعها، وأستاذى الأصمعى، وليس ~~يخلو القوم أن يكونوا أرادوا الدين أو الدنيا؛ فإن كانوا أرادوا الدين فقد ~~أجمع الناس على تقديم من أخروا، وتأخير من قدموا، وإن كانوا أرادوا الدنيا ~~فأنت وآباؤك أمراء المؤمنين، لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك. # قال: كيف ترى دارى هذه؟ قال: قلت: رأيت الناس بنوا دورهم في الدنيا، وأنت ~~بنيت الدنيا في دارك. # فقال لى: ما تقول في عبيد الله بن يحيى؟ قلت: نعم العبد لله ولك؛ مقسم ~~بين طاعته وخدمتك، يؤثر رضاك على كل فائدة، وما عاد بصلاح ملكك على كل ms182 لذة ~~قال: فما تقول في صاحب البريد ميمون بن إبراهيم؟ - وكان قد علم أنى # PageV01P322 # واجد عليه بتقصير وقع منه في أمرى- فقلت: يا أمير المؤمنين، يد تسرق واست ~~تضرط! وهو مثل اليهودى سرق نصف جزيته، فله إقدام بما أدى، وإحجام بما أبقى، ~~إساءته طبيعة، وإحسانه تكلف! قال: قد أردتك لمجالستى، قلت: لا أطيق ذاك، ~~وما أقول ذلك جهلا بمالى في هذا المجلس من الشرف، ولكنى محجوب، والمحجوب ~~تختلف عليه الإشارة، ويخفى عليه الإيماء، ويجوز أن يتكلم بكلام غضبان ووجهك ~~راض أو بكلام راض ووجهك غضبان، ومتى لم أميز بين هذين هلكت، قال: صدقت، ~~ولكن تلزمنا، قلت: لزوم الفرض الواجب اللازم، فوصلنى بعشرة آلاف درهم. # ولأبى العيناء مع المتوكل مجالس أدخل الرواة بعضها في بعض، وسأورد ~~مستظرفها إن شاء الله: # قال له المتوكل يوما: يا أبا العيناء؛ لا تكثر الوقيعة في الناس، قال: # إن لى في بصرى لشغلا عن الوقيعة فيهم، قال: ذلك أشد لحيفك في أهل ~~العافية! وقال له يوما: هل رأيت طالبيا حسن الوجه قط؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين، أرأيت أحدا قط سأل ضريرا عن هذا؟ قال: لم تكن ضريرا فيما تقدم، ~~وإنما سألتك عما سلف، قال: نعم، رأيت منهم ببغداد منذ ثلاثين سنة فتى ما ~~رأيت أجمل منه، قال المتوكل: تجده كان مؤاجرا، وتجدك كنت قوادا عليه! فقال ~~أبو العيناء: وفرغت لهذا يا أمير المؤمنين، أترانى أدع موالى على كثرتهم، ~~وأقود على الغرباء؟ قال: اسكت يا مأبون؟ قال: مولى القوم منهم! قال ~~المتوكل: # أردت أن أشتفى به منهم فاشتفى لهم منى. # وكان أبو العيناء أحد الناس خاطرا، وأحضرهم نادرة، وأسرعهم جوابا، ~~وأبلغهم خطابا. # والمتوكل أول من أظهر من خلفاء بنى العباس الانهماك على شهوته، وكان ~~أصحابه يتسخفون ويستخفون بحضرته، وكان يهاتر الجلساء، ويفاخر الرؤساء، # PageV01P323 # وهو مع ذلك من قلوب الناس محبب، وإليهم مقرب؛ إذ أمات ما أحياه الوائق من ~~إظهار الاعتزال، وإقامة سوق الجدال. # قال محمد بن مكرم الكاتب: من زعم أن عبد الحميد أكتب من أبى العيناء إذا ms183 ~~أحس بكرم، أو شرع في طمع، فقد ظلم. # كتب إلى أبى عبيد الله بن سليمان وقد نكبه وأباه المعتمد، وهما يطالبان ~~بمال يبيعان له ما يمنكانه من عقار وأثاث وعبد وأمة، وقد أعطى بخادم أسود ~~لعبيد الله خمسون دينارا: # قد علمت- أصلحك الله! - أن الكريم المنكوب أجرأ على الأحرار من اللئيم ~~الموفور؛ لأن اللئيم يزيد مع النعمة لؤما، والكريم لا يزيد مع المحنة إلا ~~كرما، هذا متكل على رازقه، وهذا يسىء الظن بخالقه، وعبدك إلى ملك «كافور» ~~فقير، وثمنه على ما اتصل بى يسير؛ لأنه بخدمته السلطان يعرفنى الرؤساء ~~والإخوان؛ ولست بواجد ذلك في غيره من الغلمان؛ فإن سمحت به فتلك عادتك، وإن ~~أمرت بأخذ ثمنه فمالك مادتى، أدام الله دولتك، واستقبل بالنعمة نكبتك. فأمر ~~له به. # وسمع ابن مكرم رجلا يقول: من ذهب بصره قلت حيلته، قال: ما أغفلك عن أبى ~~العيناء! وكتب أبو العيناء إلى عبيد الله بن سليمان: أنا- أعزك الله تعالى! ~~- وولدى وعيالى زرع من زرعك، إن سقيته راع وزكا، وإن جفوته ذبل وذوى؛ وقد ~~مستنى منك جفاء بعد بر، وإغفال بعد تعاهد، حتى تكلم عدو، وشمت حاسد، ولعبت ~~بى ظنون رجال كنت بهم لاعبا، ولهم مجرسا «1» ، ولله در أبى الأسود في قوله: # لا تهنى بعد إذا أكرمتنى ... وشديد عادة منتزعه # فوقع فى رقعته: أنا- أسعدك الله! - على الحال التي عهدت، وميلى إليك كما # PageV01P324 # علمت، وليس من أنسأناه أهملناه، ولا من أخرناه تركناه، مع اقتطاع الشغل ~~لنا، واقتسام زماننا، وكان من حقك علينا أن تذكرنا بنفسك، وتعلمنا أمرك؛ ~~وقد وقعت لك برزق شهرين؛ لتريح غلتك، وتعرفنى مبلغ استحقاقك، لأطلق لك باقى ~~أرزاقك، إن شاء الله، والسلام. # وكان إذا خرج من داره يقول: اللهم إنى أعوذ بك من الركب والركب، والآجر ~~والخشب، والروايا والقرب. ### | قطعة من خطابه وجوابه: # دخل على أبى الصقر بعد ما تأخر عنه، فقال: ما أخرك عنا؟ قال: سرق حمارى، ~~قال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع اللص فأخبرك! قال: فلم لم تأتنا على غيره؟ ~~قال: قعدبى ms184 عن الشراء قلة يسارى، وكرهت ذلة المكارى، ومنة العوارى وزحمه ~~رجل بالجسر على حماره، فضرب بيديه على أذنى الحمار، وقال: يا فتى، قل ~~للحمار الذى فوقك يقول: الطريق! ودخل على ### | إبراهيم بن المدبر، # وعنده الفضل بن اليزيدى، وهو يلقى على ابنه مسائل من النحو، فقال: فى أى ~~باب هذا؟ قال: فى باب الفاعل والمفعول به، قال: هذا بابى وباب الوالدة ~~حفظها الله! فغضب الفضل وانصرف؛ وكان البحترى حاضرا فكتب بعد ذلك بقصيدته ~~إلى إبراهيم بن المدبر التي أولها: # ذكر تنيك روحة للشمول ... أوقدت لوعتى وهاجت غليلى # أى شىء ألهاك عن سر من را ... ء وظل للعيش فيها ظليل «1» # وفيها يقول: # أفتصارا على أحاديث فضل ... وهو مستكره كثير الفضول # فعلام اصطفيت منكسف البا ... ل معاد المخراق نزر القبول «2» # PageV01P325 # إن تزره تجده أخلق من شي ... ب الغوائى ومن تعفى الطلول # مسرجا ملجما وما متع الصب ... ح ادلاجا للشحذ والتطفيل «1» # غير أن المعلمين على حا ... ل قليلو التمييز ضعفى العقول # فإذا ما تذاكر الناس معنى ... من متبن الأشعار والمجهول # قال: هذا لنا ونحن كشفنا ... غيبه للسؤال والمسئول # ضرب الأصمعى فيهم أم الأحم ... ر أم ألقحوا بأير الخليل «2» # جل ما عنده التردد في الفا ... عل من والديه والمفعول # وعزى بعض الأمراء، فقال: أيها الأمير؛ كان العزاء لك لا بك، والفناء لنا ~~لا لك، وإذا كنت البقية فالرزية عطية، والتعزية تهنية. # وسئل أبو العيناء عن مالك بن طوق، فقال: لو كان في زمن بنى إسرائيل ونزل ~~ذبح البقرة ما ذبح غيره! قيل: فأخوه عمر؟ قال: كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ~~ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. # وكان موسى بن عبد الملك قد اغتال نجاح بن سلمة في شراب شربه عنده، فقال ~~المتوكل بعد ذلك لأبى العيناء: ما تقول في نجاح بن سلمة؟ قال: ما قال الله ~~تعالى: فوكزه موسى فقضى عليه! فاتصل ذلك بموسى، فلقى الوزير عبيد الله ابن ~~يحيى ابن خاقان، فقال: أيها الوزير، أردت قتلى فلم تجد إلى ذلك سبيلا إلا ~~بإدخال أبى ms185 العيناء إلى أمير المؤمنين مع عداوته لى؛ فعاتب عبيد الله أبا ~~العيناء في ذلك، فقال: والله ما استعذبت الوقيعة فيه حتى ذممت سريرته لك؛ ~~فأمسك عنه. # ثم دخل بعد ذلك أبو العيناء على المتوكل فقال: كيف كنت بعد؟ قال: # فى أحوال مختلفة، خيرها رؤيتك وشرها غيبتك، فقال: قد والله اشتقتك! # PageV01P326 # قال: إنما يشتاق العبد؛ لأنه يتعذر عليه لقاء مولاه، وأما السيد فمتى ~~أراد عبده دعاه. # وقال له المتوكل: من أسخى من رأيت؟ قال: ابن أبى داود، قال المتوكل: # تأتى إلى رجل رفضته فتنسبه إلى السخاء؟ قال: إن الصدق يا أمير المؤمنين ~~ليس فى موضع من المواضع أنفق منه في مجلسك؛ وإن الناس يغلطون فيمن ينسبونه ~~إلى الجود؛ لأن سخاء البرامكة منسوب إلى الرشيد، وسخاء الفضل والحسن ابنى ~~سهل منسوب إلى المأمون، وجود ابن أبى داود منسوب إلى المعتصم؛ فإذا نسب ~~الناس الفتح وعبيد الله ابنى يحيى إلى السخاء فذلك سخاؤك يا أمير المؤمنين، ~~قال: # صدقت؛ فمن أبخل من رأيت؟ قال: موسى بن عبد الملك، قال: وما رأيت من بخله؟ ~~قال: رأيته يخدم القريب كما يخدم البعيد، ويعتذر من الإحسان كما يعتذر من ~~الإساءة، فقال له: قد وقعت فيه عندى مرتين، وما أحب لك ذلك؛ فألقه واعتذر ~~إليه، ولا يعلم أنى وجهت بك، قال: يا أمير المؤمنين، من يستكتمنى بحضرة ~~ألف؟ قال: لن تخاف، قال: على الاحتراس من الخوف. # فصار إلى موسى فاعتذر كل واحد منهما إلى صاحبه، وافترقا عن صلح؛ فلقيه ~~بعد ذلك بالجعفرى، فقال: يا أبا عبد الله، قد اصطلحنا، فمالك لا تأتينا؟ # قال: أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالأمس؟ فقال موسى: ما أرانا إلا كما ~~كنا. # وقال له المتوكل: إبراهيم بن نوح النصرانى واجد عليك، قال: ولن ترضى عنك ~~اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم! قال: إن جماعة من الكتاب يلومونك! ~~فقال: # إذا رضيت عنى كرام عشيرتى ... فلا زال غضبانا على لئامها # قال المتوكل له: أكان أبوك في البلاغة مثلك؟ قال: لو رأى أمير المؤمنين ~~أبى لرأى ms186 عبدا له لا يرضانى عبدا له. # PageV01P327 # وقيل لأبى العيناء: إن المتوكل قال: لولا أنه ضرير البصر لنادمته، فقال: # إن أعفانى من رؤية الأهلة، وقراءة نقش الفصوص، فأنا أصلح للمنادمة. # ولقيه رجل من إخوانه في السحر، فجعل يعجب من بكوره، فقال: # أراك تشاركنى في الفعل وتفردنى بالتعجب! ووقف به رجل من العامة فأحس به، ~~فقال: من هذا؟ قال: رجل من بنى آدم! قال: مرحبا بك، أطال الله بقاك! وبقيت ~~في الدنيا، ما ظننت هذا النسل إلا قد انقطع! ودخل على عبيد الله بن سليمان ~~فقال: اقرب منى يا أبا عبد الله، فقال: # أعز الله الوزير، تقريب الأولياء، وحرمان الأعداء، قال: تقريبك غنم، ~~وحرمانك ظلم؛ وأنا ناظر في أمرك نظرا يصلح من حالك إن شاء الله. # وقال له يوما: اعدرنى فإنى مشغول، فقال له: إذا فرغت من شغلك لم نحتج ~~إليك، وأنشده: # فلا تعتذر بالشغل عنا؛ فإنما ... تناط بك الأمال ما اتصل الشغل # ثم قال: يا سيدى قد عذرتك، فإنه لا يصلح لشكرك من لا يصلح لعذرك. # وأقبل إليه يوما فقال: من أين يا أبا عبد الله؟ قال: من مطارح الجفاء! ~~وقال له مرة: نحن في العطلة مرحومون، وفي الوزارة محرومون، وفي القيامة كل ~~نفس بما كسبت رهينة. # وسار يوما إلى باب صاعد بن مخلد، فقيل: هو مشغول يصلى، قال: لكل جديد ~~لذة! وكان صاعد نصرانيا قبل الوزارة. # ودخل إلى عبيد الله بن سليمان، فشكا إليه حاله، ققال: أليس قد كتبنا لك ~~إلى إبراهيم بن المدبر؟ فقال: كتبت إلى رجل قد قصر من همته طول الفقر، وذل ~~الأسر، ومعاناة محن الدهر، فأخففته في طلبتى! قال: أنت اخترته؟ قال: وما ~~على- أعز الله الوزير! - فى ذلك؟ قد اختار موسى قومه سبعين # PageV01P328 # رجلا، فما كان منهم رشيد، واختار النبى صلى الله عليه وسلم ابن أبى سرح ~~كاتبا، فرجع إلى المشركين مرتدا، وإختار على بن أبى طالب أبا موسى حاكما له ~~فحكم عليه! ### | [إبراهيم بن المدبر] # وكان إبراهيم بن المدبر أسره صاحب الزنج بالبصرة وحبسه؛ فاحتال ms187 حتى نقب ~~السجن وهرب، فلذلك ذكر أبو العيناء ذل الأسر، وكان قد ضرب فى وجهه ضربة بقى ~~أثرها إلى أن مات؛ ولذلك قال البحترى: # ومبينة شهر المنازل وسمها ... والخيل تكبو في العجاج الكابى # كانت بوجهك دون عرضك إذ رأوا ... أن الوجوه تصان بالأحساب # ولئن أسرت فما الإسار على امرىء ... نصر الإسار على الفرار بعاب» # نام المضلل عن سراك ولم تخف ... عين الرقيب وقسوة البواب # فركبتها هولا متى تخبر بها ... يقل الجبان: أتيت غير صواب # ما راعهم إلا استراقك مصلتا ... فى مثل برد الأرقم المنساب «2» # تحمى أغيلمة وطائشة الخطى ... تصل التلفت خشية الطلاب # قد كان يوم ندى بطولك باهرا ... حتى أضفت إليه يوم ضراب «3» # ذكر من البأس استعذت إلى الذى ... أعطيت في الأخلاق والآداب # ووحيدة أنت انفردت بفضلها ... لولاك ما كتبت على الكتاب ### | [حديث صاحب الزنج، ودعواه، وبطلانها] # قال أبو بكر الصولى: حدثنى محمد بن أبى الأزهر، وقد ذاكرته خبر على صاحب ~~الزنج، قال: ادعى أنه على بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن على # PageV01P329 # ابن الحسين بن على بن أبى طالب رضي الله عنهم، فنظرت مولده ومولد محمد ~~ابن أحمد الذى ادعاه فكان بينهما ثلاث سنين، وكان لمحمد بن أحمد ولد اسمه ~~على مات بعد هذا المدعى اسمه ونسبه بزمان. ثم رجع عن هذا النسب فادعى أنه ~~على بن محمد بن عبد الرحيم بن رحيب بن يحيى المقتول بخراسان ابن زيد بن ~~على. # قال أبو عبيدة محمد بن على بن حمزة: ولم يكن ليحيى ولد يقال له رحيب ولا ~~غيره؛ لأنه قتل ابن ثمانى عشرة سنة ولا ولد له. # قال بشر بن محمد بن السرى بن عبد الرحمن بن رحيب: هو ابن عم أبى لحا على ~~بن محمد بن عبد الرحمن بن رحيب، ورحيب رجل من العجم من أهل ورتين من ضياع ~~الرى، وهو القائل لبنى العباس: # بنى عمنا إنا وأنتم أنامل ... تضمنها من راحتيها عقودها # بنى عمنا وليتم الترك أمرنا ... ونحن قديما أصلها وعمودها # فما بال عجم ms188 الترك تقسم فيئنا ... ونحن لديها في البلاد شهودها # فأقسم لاذقت القراح وإن أذق ... فبلغة عيش أو يباد عميدها «1» # وقال أيضا: # لهف نفسى على قصور ببغدا ... د وما قد حوته من كل عاص # وخمور هناك تشرب جهرا ... ورجال على المعاصى حراص # لست بابن الفواطم الزهر إن لم ... أقحم الخيل بين تلك العراص # وله في هذا المعنى شعر كثير قد ناقضه البغداديون، وكانت مدته حين نجم إلى ~~أن قتل أربع عشرة سنة، وجملة من قتل ألف ألف وخمسمائة ألف. # PageV01P330 ### | [عود إلى ملح أبى العيناء] # وذكر أبو العيناء رجلا، فقال: ضحك كالبكاء، وتودد كالعزاء، ونوادر كندب ~~الموتى! وكان يهاتر ابن مكرم كثيرا، وكتب إليه ابن مكرم يوما: قد ابتعت لك ~~غلاما من بنى ناشر، ثم من بنى ناعظ، ثم من بنى نهد. فكتب إليه: فأتنا بما ~~تعدنا إن كنت من الصادقين. # وولد لأبى العيناء ولد، فأتى ابن مكرم فسلم عليه، ووضع حجرا بين يديه ~~وانصرف، فأحس به، فقال: من وضع هذا؟ فقيل: ابن مكرم، قال: لعنه الله! إنما ~~عرض بقول النبى صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر. # وقال لابن مكرم، وقد قدم من سفر: مالك لم تهد إلينا هدية؟ قال: لم آت ~~بشىء، وإنما قدمت في خف. قال: لو قدمت في خف لخلفت روحك! وأتى إلى باب ~~إبراهيم بن رياح، فحجب، فقال: إذا شغل بكأس يمناه وبحر يسراه، وانتسب إلى ~~أب لا يعرف أباه، لا يحفل بحجاب من أتاه. # وقدم إليه أبو عيسى بن المتوكل سكباحة، فجعل لا تقع يده إلا على عظم؛ ~~فقال: جعلت فداك! هذه قدر أو قبر؟. # ودعا ضريرا ليعشيه، فلم يدع شيئا إلا أكله، فقال: يا هذا، دعوتك رحمة ~~فتركتنى رحمة. # قد تم- بحول الله وقوته، وحسن معونته- الجزء الأول من كتاب «زهر الآداب، ~~وثمر الألباب» لأبن إسحاق الحصرى، ويليه- إن شاء الله تعالى- الجزء الثانى، ~~مفتتحا بقول المصنف «ألفاظ لأهل العصر في صفات الطعام ومقدماته، وموائده ~~وآلاته» نسأل الله- جلت قدرته! - أن يعين على إكماله، إنه ولى ذلك. # PageV01P331 ### | فهرست الجزء الأول ms189 من كتاب زهر الآداب # صفحة الموضوع # مقدمة الطبعة الأولى # مقدمة الطبعة الثانية # 3 مقدمة المؤلف # 40 إن من البيان لسحرا # 40 عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر بين يدى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # 41 ترجمة عمرو بن الأهتم # - ترجمة الزبرقان بن بدر # 42 غلام يتكلم في حضرة عمر بن عبد العزيز # 43 كتاب من ابن العميد لبعض إخوانه # 44 السحر الحلال # 44 وصف رحل محبوب # 45 علية بنت المهدى # 48 قيد الأوابد # 49 عود إلى حلاوة الحديث # 55 الشعر والبيان # 55 تفسير حديث وضبطه # - الحطيئة وبنو أنف النافة # 56 بنو العجلان والنجاشى # 56 حكومة عمر في الشعر # 57 جمرات العرب # 57 انتقام امرأة # 58 تعريض قادح # صفحة الموضوع # 59 جواب على شعر جرير # 59 فضل الشعر # 60 شذور من كلام الرسول # 63 شعراء الرسول # 65 أبو سفيان بن الحارث # 65 شعر كعب بن مالك # 65 قصة النضر بن الحارث # 67 رثاء أبى بكر لرسول الله # 67 مناقب أبى بكر # 68 خطبة أبى بكر يوم مات الرسول # 69 رثاء فاطمة الزهراء لأبيها رسول الله # 70 عود إلى المختار من كلام أبى بكر # 71 رثاء عائشة أم المؤمنين لأبيها # 72 عمر بن الخطاب # 74 بكاء عمر # 75 عاتكة بنت زيد # 75 عثمان بن عفان # 78 على بن أبى طالب # 83 عمرو بن عبدود # 84 بيضة البلد # 85 هوان قبيلة عاملة # 86 كلام الصحابة والتابعين # 86 آثار معاوية # PageV01P332 # 88 الأحنف بن قيس ومعاوية # 90 شعر زهير # 91 التهنئة والتعزية # 94 أهل البيت # 95 وصف قريش وبنى هاشم # 97 الحسن بن على وحبيب بن مسلمة # 99 المصيبة بأبناء النبوة # 100 بين الحسن ومحمد بن الحنفية # 100 الدنيا في رأى الحسين # 101 معاوية والحسين # 102 ابن أبى ربيعة وسكينة بنت الحسين # 102 على بن الحسين زين العابدين # 103 قصيدة الفرزدق في على بن الحسين # 106 لذى الرمة يمدح بلال بن أبى بردة # - للبحترى يمدح الفتح بن خاقان # 109 عاقبة الحرب # 112 للبحترى في ms190 قتال الأقارب # 112 لأبى تمام في المعنى # 114 لابن الخياط يمدح مالك بن أنس # 115 لأشجع السلمى # - من شعر أبى تمام # 117 محمد بن على بن الحسين الباقر # 118 مصرع زيد بن على # 120 عبد الله بن الحسن # 121 بين عبد الملك بن مروان وعمر بن # أبى ربيعة # 122 للعديل بن الفرخ # 122 عود إلى عبد الله بن الحسن # 123 امرأة محمد بن عبد الله # 124 جعفر بن محمد # 125 عبد الله بن معاوية # 127 الحسن بن زيد # 129 إبراهيم بن هرمة # 130 موسى بن عبد الله # 130 بين على بن محمد العلوى والحسين بن إسماعيل # 131 العباس بن الحسين الهاشمى # 133 موسى بن جعفر # 133 على بن موسى # 134 دعبل بن على يرثى آل البيت # 135 أوصاف الأشراف # 138 الابتداء بحمد الله # 139 من شعر محمود الوراق # 140 البيان والبلاغة # 140 فضل القرآن على سائر الكلام # 141 ماهية البلاغة لابن الرمانى # 142 ألفاظ لأهل العصر في ذكر القرآن # 143 أقوال في البلاغة # 143 عمرو بن عبيد # 145 البلاغة عند أهل الهند # 145 البلاغة في رأى ابن المقفع # 146 الإطالة والإيجاز # 148 المعانى والألفاظ # 151 بشار بن برد # 152 وصية أبى تمام للبحترى # 153 فضل الليل للحاتمى # 154 فضل التروى والأناة # 155 واجب النساخ # 155 صور مختلفة للبلاغة # PageV01P333 # 160 صفة البلاغة والبلغاء # 164 وصف النثر والشعر # 165 كتاب لابن العميد # 167 كتاب للصاحب بن عباد # 168 أبو الفضل الميكالى # 169 أبو منصور الثعالبى # 171 رسائل الميكالى # 173 وصف أبى الفضل الميكالى # 176 وصف البلاغة # 176 لأبى الفتح البستى # 177 للمطوعى يمدح الميكالى # 178 للثعالبى يمدح الميكالى # 179 للثعالبى في وصف فرس # 179 للثعالبى يجيب الميكالى # 180 للميكالى يجيب الثعالبى # 180 الوزير المهلبى # 181 الحكمة ضالة المؤمن # 182 وصف الكتاب للجاحظ # 185 تهادى الكتب # 188 أوصاف الكتب # 193 المحادثة والمجالسة # 193 الفهم والإفهام # 195 واجب الجليس # 196 الحديث المعاد # 196 أنواع الأدب # 198 تقسيم الأيام # 199 إياس بن معاوية يحتج للاطناب ms191 # - الجاحظ يرد عليه # - ابن هبيرة يريد إياسا على القضاء # 200 أبو العيناء وقبنة # 200 فطنة إياس بن معاوية وفوة لسنه # 200 الفرار من الحديث المملول # 201 طرف أدبية # 202 ملح الغاضرى # 203 ملح أشعب # 204 أبو نواس # 205 الجماز # 206 أبو تمام يمدح عمرو بن طوق # - ويمدح الحسن بن وهب # 207 رواية الشعر والنسيب # 208 عروة بن أذينة # 177 أبو السائب المخزومى # 209 عود إلى عروة بن أذينة # 210 حب الأحوص # 211 ظرف أهل الحجاز ورقهم # 179 أبو حازم # 212 عبيد الله بن عبد الله بن عتبة # 180 فقهاء المدينة السبعة # 213 لأبى نواس # 181 لأبى محمد بن أبى أمية # 214 ظرف أهل المدينة # 216 لتشبيب بأخت الحجاج # 185 وصف الدنيا لابن المعتز # 218 بين ابن المعتز وثعلب # 219 شعر ابن المعتز # 220 وصف النار للببغاء # 221 عود إلى شعر ابن المعتر # 161 رثاء المنصور # 223 وصاف الرجال # 225 نثر ابن المعتز # PageV01P334 # 217 وصف الماء وما يتصل به # 229 كة الجعفرى للبحترى # 199 قصور المتوكل لابن الجهم # 231 وصف موضع للبحترى # 232 صنوبرى يصف موضعا في حلب # 233 الميكالى يصف بركة # - لعلى بن محمد الإيادى يصف دارا بالمنصورية # 235 المياه والغدران # 237 وصف الرعد والبرق # 241 الشرب في الصحو # 242 وصف شدة الشوق # 210 وصف رجل حازم لابن المقفع # 243 إبراهيم بن أدهم # 244 وصف التقى والزهد لابن كناسة # 212 من أخبار ابن المقفع # 245 ترجمة الأصوص # 213 فهم المنصور # 246 بلية الحسد لابن المقفع # 247 ألسنة الحساد # 216 وصف الحسد # 248 التلطف في الطلب # 249 من كلام على بن عبيدة الريحانى # 250 بين إبراهيم بن المهدى وأحمد بن أبى داود وبختيشوع الطبيب # 251 أردشير بن بابك # 252 أخلاق الملوك # 253 أخت ملك الخزر # 254 أقوال الملوك والحكماء # 257 همة سعد بن ناشب # 258 كلام الخلفاء # 256 مقتل المتوكل # 260 وفاء البحترى # 261 رثاء المتوكل للمهلبى # 262 أبو حية النميرى # 233 وصف الشباب لهارون بن يحيى # 265 فقر في وصف ms192 الشباب # 267 بين ابن مناذر وأبى حية النميرى # 236 أعباء الكهولة لعمرو بن قميئة # 268 للنمر بن تولب # 269 من شعر حميد بن ثور # 270 لمحمود الوراق # - للمتنبى # - للبحترى # - لابن هانى # 271 لابن الرومى # - لأبى تمام # 272 وصف الثغر # 274 وصف الجوارى السود # 275 لتهنئة بنوأمين # 280 وصف الأفواه # 286 شعر أبى نواس # 287 طرفة أدبية # 288 تظرف الحارث بن خالد # 257 من أخبار عائشة بنت طلحة # 289 مثل من التعريض # 290 الثريا بنت على # 291 عزة كثير # 292 ظرف ابن أبى عتيق # 293 كمثل الشيطان # PageV01P335 # 261 رملة بنت عبد الله # 294 صفقة أبى غبشان الذى باع مفتاح الكعبة بزق خمر # 295 عفة ابن أبى ربيعة # 296 بين ابن جريج ومعن بن أوس # 301 عائشة بنت طلحة # 302 امامة ابن الرومى # 303 سليمان بن عبد الملك وأعرابى # 304 وصف رجل ماجد # 305 البديع الهمذانى، وكيف استوحى صنع المقامات # 306 كتابه إلى أبى نصر الميكالى # 309 عتابه للميكالى # 311 أبيات مختارة في معان شتى # 283 أبو العيناء # 315 بين أبى الصقر وابن الرومى # 321 ترجمة أبى العيناء، وطرف من أخباره # 322 أحاديثه مع المتوكل # 323 المتوكل أول من أظهر الانكباب على الشهوات من العباسين.. # 324 منزلة أبى العيناء في الكتابة # - من أبى العيناء لعبيد الله بن سليمان # 325 نوادره، وفكاهاته، وأجوبته # 326 إبراهيم بن المدبر # 329 صاحب الزنج # 330 عود إلى ملح أبى العيناء # تمت فهرس الجزء الأول من «زهر الآداب» والحمد لله أولا وآخرا والصلاة ~~والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه # PageV01P336 # الجزء الثاني # PageV02P337 # زهر الآداب وثمر الألباب لأبى إسحاق إبراهيم بن على، الحصرى، القيروانى، ~~المتوفى في عام 453 من الهجر مفصل ومضبوط ومشروح بقلم المرحوم الدكتور زكى ~~مبارك الجزء الثانى دار الجيل بيروت # PageV02P339 ### | ألفاظ لأهل العصر في صفات الطعام # ومقدماته، وموائده، وآلاته افرش طعامك اسم الله، وألحفه حمد الله. لا ~~يطيب حضور الخوان، إلا مع الإخوان. البخل بالطعام، من أخلاق الطغام. الكريم ~~لا يحظر، تقديم ما يحضر. قد قامت خطباء ms193 القدور. قدور أبكار، بخواتم النار. ~~قدر طار عرفها، وطاب غرفها. دهماء تهدر كالفنيق «1» ، وتفوح كالمسك الفتيق. # مائدة كدارة البدر، تباعد بين أنفاس الجلاس. مائدة مثل عروس. مائدة ~~لطيفة، محفوفة بكل طريفة. مائدة تشتمل على بدائع المأكولات، وغرائب ~~الطيبات. مائدة كأنما عملها صناع صنعاء، تجمع بين أنوار «2» الربيع، وثمار ~~الخريف. # وقال الجماز: جاءنا فلان بمائدة كأنها زمن البرامكة على العفاة! وذم آخر ~~رجلا فقال: لا يحضر مائدته إلا أكرم الخلق وألأمهم- يريد الملائكة والذباب. # وقال ابن الحجاج لرجل دعاه وأخر الطعام: # قد جن أصحابك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائده # ولبعض أهل العصر يذم رجلا: # خوان لا يلم به ضيوف ... وعرض مثل منديل الخوان # رغفان كالبدور الممنطقة بالنجوم. حمل ذهبى الدثار، فضى الشعار. أطيب ما ~~يكون الحمل، إذا حلت الشمس الحمل «3» . جدى كأنما ندف على جبينه القز. # زيرباجة، هى للمائدة ديباجة، تشفى السقام، ولونها لون السقيم. سكباجة ~~تفتق # PageV02P340 # الشهوة، واسفيذباجة تغذى القرم «1» ، وطباهجة يتفكه بها، وخبيص يختم ~~بخير. طباهجة من شرط الملوك، كأعراف الديوك، وقلية كالعود المطرى. مغمومة ~~تفرج غم الجائع. هريسة نفيسة، كأنها خيوط قز مشتبكة، كأن المرى «2» عليها ~~عصارة المسك على سبيكة الفضة. أرزة ملبونة، فى السكر مدفونة. شواء رشراش ~~«3» وفالوذج رجراج «4» . طباهجة تغذى، وفالودجة تعزى، واسفيذباجة تصفع قفا ~~الجوع «5» . لا فراش للنبيذ، كالحمل الحنيذ «6» . دجاجة سميطة، لها من ~~الفضة جسم، ومن الذهب قشرة. دجاجة دينارية ثمنا ولونا. # وهذا محلول من قول على بن العباس الرومى يصف طعاما أكله عند أبى بكر ~~الباقطانى: # وسميطة صفراء دينارية ... ثمنا ولونا زفها لك حزور «7» # عظمت فكادت أن تكون أوزة ... وغلت فكاد إهابها يتفطر # طفقت تجود بذوبها جوذابة ... فأتى لباب اللوز فيها السكر # ظلنا نقشر جلدها عن لحمها ... فكان تبرا عن لجين يقشر # وتقدمتها قبل ذاك ثرائد ... مثل الرياض بمثل ذاك تصدر # ومرققات كلهن مزخرف ... بالبيض منها ملبس ومدثر # وأتت قطائف بعد ذاك لطائف ... ترضي اللهاة بها ويرضي الحنجر # ضحك الوجوه من الطبرزد فوقها ... دمع العيان من الدهان يعصر # PageV02P342 # قال البديع: حدثنى عيسى بن ms194 هشام قال: اشتهيت الأزاذ، وأنا ببغداذ «1» ، ~~وليس معى عقد، على نقد «2» ، فخرجت أنتهز محاله، حتى أحلنى الكرخ «3» ؛ ~~فإذا أنا بسوادى يحدو بالجهد حماره، ويطرف بالعقد إزاره «4» ؛ فقلت: # ظفرنا والله بصيد، وحياك الله أبا زيد! من أين أقبلت؟ وأين نزلت؟ ومتى ~~وافيت، فهلم إلى البيت. فقال السوادى: لست بأبى زيد، وإنما أبو عبيد! فقلت: ~~نعم لعن الله الشيطان، وأبعد النسيان، أنسانى طول العهد بك، كيف أبوك، أشاب ~~كعهدى، أم شاب بعدى؟ «5» قال: قد نبت المرعى على دمنته «6» ، وأرجو أن ~~يصيره الله إلى جنته، فقلت: إنا لله، ولا قوة إلا بالله، ومددت يد البدار، ~~إلى الصدار «7» أريد تمزيقه، وأحاول تخريقه «8» فقبض السوادى على خصرى ~~بجمعه «9» ؛ وقال: نشدتك بالله لا مزقته، فقلت: # فهلم إلى البيت نصب غداء، أو إلى السوق نشترى شواء؛ والسوق أقرب، وطعامه # PageV02P343 # أطيب، فاستفزته حمة القرم «1» ، وعطفته عطفة النهم، وطمع، ولم يعلم أنه ~~وقع، ثم أتيت شواء يتقاطر شواؤه عرقا، ويتسايل جوذابه مرقا «2» ، فقلت: ~~أبرز لأبى زيد من هذا الشواء، ثم زن له من تلك الحلواء، واختر من تلك ~~الأطباق، ونضد عليها أوراق الرقاق، وشيئا من ماء السماق «3» ؛ ليأكله أبو ~~زيد هنيا. # فأنحى الشواء بساطوره «4» ، على زبدة تنوره، فجعلها كالكحل سحقا، ~~وكالطحين دقا، ثم جلس وجلست، ولا نبس ولا نبست، حتى استوفيناه، وقلت لصاحب ~~الحلواء: زن لأبى زيد من اللوزينج رطلين «5» ، فإنه أجرى في الحلوق، وأسرى ~~في العروق، وليكن ليلى العمر، يومى النشر «6» ، رقيق القشر، كثيف الحشو، ~~لؤلؤى الدهن، كوكبى اللون، يذوب كالصمغ، قبل المضغ، ليأكله أبو زيد هنيا. ~~فوزنه، ثم قعد وقعدت، وجرد وجردت «7» ، واستوفيناه، ثم قلت: يا أبا زيد، ما ~~أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج، ليقمع هذه الصارة «8» ، ويفثأ هذه اللقم ~~الحارة «9» ؛ اجلس أبا زيد حتى آتيك بسقاء، يحيينا بشربة من ماء، ثم خرجت، ~~وجلست بحيث أراه ولا يرانى، أنظر ما يصنع به. فلما أبطأت عليه قام السوادى ~~إلى حماره، فاعتلق الشواء بإزاره. # PageV02P344 # وقال: أين ثمن ما أكلت؟ قال: ما أكلته إلا ضيفا! قال الشواء: هاك وآك متى ms195 ~~دعوناك؟ زن يا أخا القحبة عشرين، وإلا أكلت ثلاثا وتسعين! فجعل السوادى ~~يبكى ويمسح دموعه بأردانه، ويحل عقده بأسنانه، ويقول: كم قلت لذلك القريد، ~~أنا أبو عبيد، وهو يقول: أنت أبو زيد!؟ فأنشدت: # اعمل لرزقك كل آله ... لا تقعدن بذل حاله # وانهض بكل عزيمة ... فالمرء يعجز لا المحالة» # ومن مليح ما قيل في القطائف قول على بن يحيى بن أبى منصور المنجم: # قطائف قد حشيت باللوز ... والسكر الماذى حشو الموز «2» # يسبح في آذى «3» دهن الجوز ... سررت لما وقعت في حوزى # سرور عباس بقرب فوز «4» # ومن ألفاظ أهل العصر في الحلواء: فالوذج بلباب البر، ولعاب النحل، كأن ~~اللوز فيه كواكب در، فى سماء عقيق. # ولم يقل أحد في صفة اللوزينج أحسن من قول ابن الرومى: # لا يخطئنى منك لوزينج ... إذا بدا أعجب أو عجبا # لو شاء أن يذهب في صخرة ... لسهل الطيب له مذهبا # لم تغلق الشهوة أبوابها ... إلا أبت زلفاه أن يحجبا # يدور بالنفحة في جامه ... دورا ترى الدهن له لولبا «5» # PageV02P345 # عاون فيه منظر مخبرا ... مستحسن ساعد مستعذبا # مستكثف الحشو ولكنه ... أرق جلدا من نسيم الصبا «1» # كأنما قدت جلابيبه ... من نقطة القطر إذا حببا «2» # يخال من رقة خرشائه «3» ... شارك في الأجنحة الجندبا «4» # لو أنه صور من خبزه ... ثغر لكان الواضح الأشنبا «5» # من كل بيضاء يود الفتى ... أن يجعل الكف لها مركبا # مدهونة زرقاء مدقوقة «6» ... صهباء تحكى الأزرق الأشهبا # قرة عين «7» وفم حسنت ... وطيبت حتى صبا من صبا # ديف له اللوز؛ فما مرة ... مرت على الذائق إلا أبى «8» # وانتقد السكر نقاده ... وشاوروا في نقده المذهبا # فلا إذا العين رأته نبت ... ولا إذا الضرس علاه نبا # لا تنكروا الإدلال من وامق ... وجه تلقاءكم المطلبا # هذه الأبيات يقولها في قصيدة طويلة يمدح فيها أبا العباس أحمد بن محمد ~~ابن عبد الله بن بشر المرئدى، ويهنيه بابن ولده، وأولها: # شمس وبدر ولدا كوكبا ... أقسمت بالله لقد أنجبا # قال أبو عثمان سعيد بن محمد الناجم: دخلت على أبى الحسن وهو يعمل هذه # PageV02P346 # القصيدة، فقلت: لو ms196 تفاءلت فيها لأبى العباس بسبعة من الولد؛ لأن أبا ~~العباس منكوسا سابع، لجاء المعنى ظريفا، فقال: # وقد تفاءلت له زاجرا ... كنيته، لا زاجرا ثعلبا # إنى تأملت له كنية ... إذا بدا مقلوبها أعجبا # يضوغها العكس أبا سابع ... لا كذب الله ولا خيبا # بل ذاك فال ضامن سبعة ... مثل الصقور استشرفت مرقبا # يأتون من صلب فتى ماجد ... وذاك فأل لم يعد معطبا # وقد أتانا منهم واحد ... فلننتظرهم ستة غيبا # فى مدة تغمرها نعمة ... يجعلها الله له ترتبا «1» # حتى نراه جالسا بينهم ... أجل من رضوى ومن كبكبا «2» # كالبدر وافى الأرض من نوره ... بين نجوم سبعة فاحتبى «3» # وليشكر الناجم عن هذه ... فإنها من بعض ما بوبا # سدى وألحمت أخ لم أزل ... أشكر ما أسدى وما سببا # وكان ابن الرومى منهوما في المآكل، وهي التي قتلته، وكان معجبا بالسمك، ~~فوعده أبو العباس المرثدى أن يبعث إليه كل يوم بوظيفة لا تنقطع، فبعث إليه ~~يوم سبت، ثم قطعه، فقال: # ما لحيتاننا جفتنا وأنى ... أخلف الزائرون منتظريهم # جاء في السبت زورهم فأتينا ... من حفاظ عليه ما يكفيهم «4» # PageV02P347 # وجعلناه يوم عيد عظيم ... فكأنا اليهود أو نحكيهم # وأراهم مصممين على الهجر ... فلم يسخطون من يرضيهم # قد سبتنا وما أتتنا وكانوا ... يوم لا يسبتون لا تأتيهم # فاتصل ذلك بالناجم، فكتب إلى ابن الرومى: # أبا حسن أنت من لا تزا ... ل نحمد في الفضل رجحانه # فكم تحسن الظن بالمرثدى ... وقد قلل الله إحسانه # ألم تدر أن الفتى كالسراب ... إذا وعد الوعد إخوانه # فبحر السراب يفوت الطلوب ... فقل في طلابك حيتانه # وخرج ابن الرومى إلى بعض المتنزهات وقصدوا كرما رازقيا، فشربوا هناك عامة ~~يومهم، وكانوا يتهمونه في شعره، فقالوا: إن كان ما تنشدنا لك فقل في هذا ~~شيئا، فقال: لا تريموا حتى أقول فيه، وأنشدهم لوقته: # ورازقى مخطف الخصور ... كأنه مخازن البلور # قد ضمنت مسكا إلى الشطور ... وفي الأعالى ماء ورد جورى «1» # بلا فريد وبلا شذور ... له مذاق العسل المشور «2» # وبرد مس الخصر المقرور ... ونكهة المسك مع الكافور «3» # ورقة الماء على الصدور ms197 ... باكرته والطير في الوكور # بفتية من ولد المنصور ... أملأ للعين من البدور # حتى أتينا خيمة الناطور ... قبل ارتفاع الشمس للذرور «4» # PageV02P348 # فانحط كالطاوى من الصقور ... بطاعة الراغب لا المقهور # والحر عبد الحلب المشطور ... حتى أتانا بضروع حور «1» # مملوءة من عسل محصور ... والطل مثل اللؤلؤ المنثور # ثم جلسنا جلسة المحبور ... بين حفافى جدول مسجور «2» # أبيض مثل المهرق المنشور ... أو مثل متن المنصل المشهور «3» # ينساب مثل الحية المذعور ... بين سماطى شجر مسطور «4» # ناهيك للعقود من ظهور ... فنيلت الأوطار في سرور # وكل ما يقضى من الأمور ... تعلة من يومنا المنظور # ومتعة من متع الغرور ### | ألفاظ تناسب هذا النحو لأهل العصر في صفات الفواكه والثمار # كرم نسلفه الماء القراح، ويقضينا أمهات الراح. عنقود كالثريا، وعنب ~~كمخازن البلور، وضروب النور، وأوعية السرور. أمهات الرحيق، فى مخازن ~~العقيق. نخل نسلفه الماء، ويقضينا العسل. رطب كأنها شهدة بالعقيق مقنعة، ~~وبالعقيان مقمعة. رمان كأنه صرر الياقوت الأحمر. سفرجل يجمع طيبا، ومنظرا ~~حسنا عجيبا، كأنه زئبر «5» الخز الأغبر، على الديباح الأصفر. تفاح نفاح «6» ~~، يجمع وصف العاشق الوجل، والمعشوق الخجل، له نسيم العبير، وطعم الكر، رسول ~~المحب، وشبيه الحبيب. تين كأنه سفر مضمومة على عسل. مشمش كأنه الشهد في ~~بيادق الذهب. # PageV02P349 ### | [بعض ما جاء في وصف الليل] # قال بعض الرواة: أنشدت أعرابيا قول جرير بن عطية بن الخطفى: # أبدل الليل لا تسرى كواكبه ... أم طال حتى حسبت النجم حيرانا # فقال: هذا حسن في معناه، وأعوذ بالله من مثله؛ ولكنى أنشدك في ضده من ~~قولى، وأنشدنى: # وليل لم يقصره رقاد ... وقصر طوله وصل الحبيب # نعيم الحب أورق فيه حتى ... تناولنا جناه من قريب # بمجلس لذة لم نقو فيه ... على شكوى ولا عد الذنوب # بخلنا أن نقطعه بلفظ ... فترجمت العيون عن القلوب # فقلت له: زدنى، فما رأيت أظرف منك شعرا؛ فقال: أما هذا الباب فحسبك، ولكن ~~أنشدك من غيره: # وكنت إذا علقت حبال قوم ... صحبتهم وشيمتى الوفاء # فأحسن حين يحسن محسنوهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا # أشاء سوى مشيئتهم فآتى ... مشيئتهم وأترك ما أشاء ms198 # قال الأصمعى: قرأت على أبى محذر خلف بن حيان الأحمر شعر جرير، فلما بلغت ~~إلى قوله: # ويوم كإبهام القطاة محبب ... إلى صباه غالب لى باطله # رزقنا به الصيد العزيز ولم نكن ... كمن نبله محرومة وحبائله # فيالك يوم خيره قبل شره ... تغيب واشيه وأقصر عاذله # فقال خلف: ويحه! فما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ فقلت له: كذا قرأته على أبى ~~عمرو بن العلاء، فقال لى: وكذا قال جرير، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا ما ~~سمع، قلت: فكيف كان يجب أن يكون؟ قال: الأجود أن # PageV02P350 # يقول: خيره دون شره، فاروه كذلك، فقد كانت الرواة قديما تصلح أشعار ~~الأوائل، فقلت: والله لا أرويه بعدها إلا كذا. # ومن أجود ما قيل في قصر الليل قول إبراهيم بن العباس: # وليلة من الليالى الغر ... قابلت فيها بدرها ببدرى # لم تك غير شفق وفجر ... حتى تقضت وهي بكر الدهر # وقال محمد بن أحمد الأصبهانى فيما يتعلق بهذا المعنى وإن كان في ذكر ~~النهار: # كيف يرجى لمقلتى هدو ... ورقادى لطرف عينى عدو # بأبى من نعمت منه بيوم ... لم يزل للسرور فيه نمو # يوم لهو قد التقى طرفاه ... فكأن العشى فيه غدو # إذ لشخص الرقيب فيه ثناء ... ولبدر السماء منى دنو # وقال ابن المعتز: # يا رب ليل سحر كله ... مفتضح البدر عليل النسيم # تلتقط الأنفاس برد الندى ... فيه فنهديه لحر الهموم # لا أعرف الإصباح لما بدا ... فى ضوئه إلا بسكر النديم # لبست فيه بالتذاذ الهوى ... ولذة الراح ثياب النعيم ### | وصف منبج # «1» أخذ قوله: «سحر كله» من قول عبد الملك بن صالح بن على، وقد قال له ~~الرشيد لما دخل منبج: أهذا منزلك «2» ؟ قال: هو لك، ولى بك يا أمير ~~المؤمنين، قال: كيف بناؤه؟ قال: دون منازل أهلى، وفوق منازل الناس، قال: # PageV02P351 # وكيف ذلك وقدرك فوق أقدارهم؟ قال: ذلك خلق أمير المؤمنين أتأسى به، وأقفو ~~أثره، وأحذو وحذوه، قال: فكيف طيب منبج؟ قال: عذبة الماء، قليلة الأدواء، ~~قال: فكيف ليلها؟ قال: سحر كله «1» ؟ # وأخذ هذا الطائى فقال: # أيامنا مصقولة ms199 أطرافها ... بك، والليالى كلها أسحار # ولأهل العصر، قال أبو على محمد بن الحسين بن المظفر الحاتمى: # يا رب ليل سرور خلته قصرا ... كعارض البرق في أفق الدجابرقا # قد كاد يعثر أولاه بآخره ... وكاد يسبق منه فجره الشفقا # كأنما طرفاه طرف اتفق الج ... فنان منه على الإطباق وافترقا ### | ألفاظ في هذا المعنى لأهل العصر # ليلة من حسنات الدهر، هواؤها صحيح، ونسيمها عليل. ليلة كبرد الشباب، وبرد ~~الشراب. ليلة من ليالى الشباب، فضية الأديم، مسكية النسيم. ليلة هي لمعة ~~العمر، وغرة الدهر. ليلة مسكية الأديم، كافورية النجوم. # ليلة رقد الدهر عنها، وطلعت سعودها، وغابت عذالها. ليلة كالمسك منظرها ~~ومخبرها. ليلة هي باكورة العمر، وبكر الدهر. ليلة ظلماتها أنوار، وطوال ~~أوقاتها قصار. # PageV02P352 ### | [سعيد بن هريم، وصلته بالفضل بن سهل] # كان سبب اتصال سعيد بن هريم بذى الرياستين الفضل «1» - وسمى ذا الرياستين ~~لأنه جمع بين رياسة القلم ورياسة التدبير للمأمون- أنه دخل عليه يوما، ~~فقال: «الأجل آفة الأمل، والمعروف ذخر الأبد، والبر غنيمة الحازم، والتفريط ~~مصيبة أخى القدرة، وإنا لم نصن وجوهنا عن سؤالك، فصن وجهك عن ردنا، وضعنا ~~من إحسانك بحيث وضعنا أنفسنا من تأميلك» . # فأمر أن يكتب كلامه، وسماه سعيدا الناطق، ووصله المأمون «2» فخص به. # فلحقته في بعض الأوقات جفوة من الفضل، فكتب إليه: «يا حافظ من يضع نفسه ~~عنده، ويا ذاكر من نسى نصيبه منه، ليس كتابى إذا كتبت استبطاء، وما إمساكى ~~إذا أمسكت استغناء؛ فكتبت مذكرا لا مستقصرا فعلك» فوصله وأحسن إليه وقد روى ~~بعض هذا الكلام المنسوب إلى سعيد بن هريم لأبى حفص الكرمانى مع ذى ~~الرياستين. # ويقول أبو محمد عبد الله بن أيوب التميمى: # لعمرك ما الأشراف في كل بلدة ... وإن عظموا للفضل إلا صنائع # ترى عظماء الناس للفضل خشعا ... إذا ما بدا، والفضل لله خاشع # تواضع لما زاده الله رفعة ... وكل جليل عنده متواضع # وقال إبراهيم بن العباس: # لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل # PageV02P353 # فباطنها للندى ... وظاهرها للقبل # وبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل # أخذه ابن الرومى فقال لإبراهيم ms200 بن المدبر: # اصبحت بين ضراعة وتجمل ... والمرء بينهما يموت هزيلا # فامدد إلى يدا تعود بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا # وقال يمدح عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وزاد في هذا المعنى تشبيها ~~ظريفا: # مقبل ظهر الكف وهاب بطنها ... لها راحة فيها الحطيم وزمزم # فظاهرها للناس ركن مقبل ... وباطنها عين من العرف عيلم» # وكان ذو الرياستين يقبل صواب القائلين بما في قوته من صفاء الغريزة، ~~وجودة النحيزة «2» فهو كما قال أبو الطيب: # ملك منشد القريض نديه ... يضع الثوب في يدى بزاز # وكانت مخايل فضله، ودلائل عقله، ظهرت ليحيى بن خالد وهو على دين ~~المجوسية، فقال له: أسلم أجد السبيل إلى اصطناعك، قال: فأسلم على يد ~~المأمون، ولم يزل في جنبته «3» ، إلى أن رقى إلى رتبته. # وذكره يحيى عند الرشيد فأجمل الثناء، فأمر بإحضاره، فلما رآه أفحم؛ فنظر ~~الرشيد إلى يحيى كالمستفهم؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إن من أدل دليل على ~~فراهة المملوك أن تملك هيبة مولاه لسانه وقلبه، فقال الرشيد: لئن كنت سكت ~~لكى تقول هذا فقد أحسنت، ولئن كان هذا شيئا اعتراك عند الحصر لقد أجدت؛ ~~وزاد في إكرامه وتقريبه، وجعل لا يسأله بعد ذلك عن شىء إلا أجابه بأفصح ~~لسان، وأجود بيان. # PageV02P354 # قال سهل بن هارون: ومما حفظ من كلام ذى الرياستين مما رأينا تخليده فى ~~الكتب؛ ليؤتم به، وينتفع بمقول حكمته، قوله: من ترك حقا فقد غبن حظا: ومن ~~قضى حقا فقد أحرز غنما، ومن أتى فضلا فقد أوجب شكرا، ومن أحسن توكلا لم ~~يعدم من الله صنعا، ومن ترك لله شيئا لم يجد لما ترك فقدا، ومن التمس ~~بمعصية الله حمدا عاد ذلك على ملتمسه ذما، ومن طلب بخلاف الحق له دركا عاد ~~ما أدرك من ذلك له موبقا «1» ؛ وذلك أوجب الفلاح- للمحسنين، وجعل سوء ~~العاقبة للمسيئين المقصرين. # ووقع في رقعة ساع: نحن نرى قبول السعاية شرا منها؛ لأن السعاية دلالة، ~~والقبول إجازة، وليس من دل على شىء وأخبر به كمن قبله وأجازه؛ فاتقوا ~~الساعى؛ فإنه لو ms201 كان في سعايته صادقا لكان في صدقه آثما؛ إذ لم يحفظ ~~الحرمة، ولم يستر العورة. # والشىء يقرن مع جنسه: كتب محمد بن على إلى محمد بن يحيى بن خالد، وكان ~~واليا على أرمبنية للرشيد: إن قوما صاروا إلى سبيل النصح فذكروا ضياعا ~~بأرمينية قد عفت ودرست «2» ، يرجع منها إلى السلطان مال عظيم، وإنى وقفت عن ~~المطالبة حتى أعرف رأيك. # فكتب إليه: قرأت هذه الرقعة المذمومة، وفهمتها، وسوق السعاية بحمد الله ~~في أيامنا كاسدة، وألسنة السعاة في أيامنا كليلة خاسئة؛ فإذا قرأت كتابى ~~هذا فاحمل الناس على قانونك، وخذهم بما في ديوانك؛ فإنا لم نولك الناحية، ~~لتتبع الرسوم العافية، ولا لإحياء الأعلام الداثرة، وجنبنى وتجنب بيت جرير ~~يخاطب الفرزدق: # PageV02P355 # وكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا # وأجر أمورك على ما يكسب الدعاء لنا لا علينا، واعلم أنها مدة تنتهى، ~~وأيام تنقضى، فإما ذكر جميل، وإما خزى طويل. # وقال رجل للمهدى: عندى نصيحة يا أمير المؤمنين، فقال: لمن نصيحتك هذه؟ ~~لنا، أم لعامة المسلمين، أم لنفسك؟ قال: لك يا أمير المؤمنين «1» ، قال: # ليس الاعى بأعظم عورة ولا أقبح حالا ممن قبل سعايته، ولا تخلو من أن تكون ~~حاسد نعمة، فلا نشفى غيظك، أو عدوا فلا نعاقب لك عدوك! ثم أقبل على الناس ~~فقال: لا ينصح لنا ناصح إلا بما فيه لله رضا، وللمسلمين صلاح؛ فإنما لنا ~~الأبدان وليس لنا القلوب؛ ومن استتر عنا لم نكشفه، ومن بادانا طلبنا توبته، ~~ومن أخطأ أقلنا عثرته؛ فإنى أرى التأديب بالصفح أبلغ منه بالعقوبة، ~~والسلامة مع العفو أكثر منها مع المعاجلة، والقلوب لا تبقى لوال لا ينعطف ~~إذا استعطف، ولا يعفو إذا قدر، ولا يغفر إذا ظفر، ولا يرحم إذا استرحم. # ووقع ذو الرياستين إلى تميم بن خزيمة: الأمور بتمامها، والأعمال ~~بخواتمها، والصنائع باستدامتها، وإلى الغاية يجرى الجواد؛ فهناك كشفت ~~الخبرة قناع الشك؛ فحمد السابق، وذم الساقط وذو الرياستين هو القائل: # أنضيت أحرف «لا» مما لفظت بها ... فحولى رحلها عنا إلى نعم # أو صيريها ms202 إليها منك منعمة ... إن كنت حاولت فيها خفة الكلم «2» # PageV02P356 # قستم علينا فعارضنا قياسكم ... يا أحسن الناس من قرن إلى قدم # ولما قتل ذو الرياستين دخل المأمون على أمه فقال: لا تجزعى فإنى ابنك بعد ~~ابنك. فقالت: أفلا أبكى على ابن أكسبنى ابنا مثلك؟ ### | [بعض أوصاف الخيل] # ووصف ابن القرية «1» فرسا أهداه الحجاج إلى عبد الملك بن مروان فقال: # حسن القد، أسيل الخد، يسبق الطرف، ويستغرق الوصف. # وأهدى عبد الله بن طاهر إلى المأمون فرسا وكتب إليه: قد بعثت إلى أمير ~~المؤمنين بفرس يلحق الأرانب في الصعداء، ويجاوز الظباء في الاستواء، ويسبق ~~في الحدور جرى الماء، فهو كما قال تأبط شرا: # ويسبق وفد الريح من حيث ينتحى ... بمنخرق من شده المتدارك # وقال رجل لبعض النخاسين: اشتر لى فرسا جيد القميص، حسن الفصوص، وثيق ~~القصب، نقى العصب، يشير بأذنيه، ويندس برجليه «2» ، كأنه موج في لجة، أو ~~سيل في حدور. # جمع محمد بن الحسين «3» هذين الكلامين وزاد فقال يصف فرسا: هو حسن ~~القميص، جيد الفصوص، وثيق القصب، نقى العصب، يبصر بأذنيه، ويتبوع بيديه «4» ~~؛ ويداخل برجليه، كأنه موج في لجة، أو سيل في حدور، يناهب المشى قبل أن ~~يبعث، وبلحق الأرانب في الصعداء، ويجاوز جوارى الظباء في الاستواء، ويسبق ~~في الحدور جرى الماء، إن عطف جار، وإن أرسل طار، وإن كلف السير أمعن وسار، ~~وإن حبس صفن «5» ، وإن استوقف فطن، وإن رعى أبن «6» ؛ فهو كما قال تأبط ~~شرا، وذكر البيت. # PageV02P357 # وأول هذه الأبيات: # وإنى لمهد من ثنائى فقاصد ... به لابن عم الصدق شمس بن مالك # أهز به في ندوة الحى عطفه ... كما هز عطفى بالهجان الأوارك «1» # قليل التشكى للملم يصيبه ... كثيرا الهوى شت النوى والمسالك # يظل بموماة ويمسى بغيرها ... جحيشا ويعرورى ظهور المهالك «2» # ويسبق وفد الريح من حيث ينتحى ... بمنخرق من شده المتدارك # إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالىء من قلب شيحان فاتك «3» # إذا طلعت أولى العدو فنفره ... إلى سلة من صارم الغرب باتك # ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى ضربة من ms203 حد أخلق صائك «4» # إذا هزه في عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك # يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدى ... بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك «5» # وأهدى عمرو بن العاص إلى معاوية ثلاثين فرسا من سوابق خيل مصر، فعرضت ~~عليه، وعنده عقبة بن سنان بن يزيد الحارثى، فقال له معاوية: كيف ترى ~~هدايانا يا أبا سعيد؟ فإن أخاك عمرا قد أطنب في وصفها، فقال: أراها يا أمير ~~المؤمنين على ما وصف، وإنها لمخيلة «6» بكل خير؛ إنها لسامية العيون، لاحقة ~~البطون، مصغية الآذان، قباء الأسنان «7» ، ضخام الركبات، مشرفات # PageV02P358 # الحجبات «1» ، رحاب المناخر، صلاب الحوافر، وقعها تحليل، ورفعها تعليل ~~«2» فهذه إن طلبت سبقت، وإن طلبت لحقت. قال له معاوية: اصرفها إلى رحلك؛ ~~فإن بنا عنها غنى، وبفتيانك إليها حاجة. # وقال النابغة الجعدى: # وإنا أناس لا نعود خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا # وننكر يوم الروع ألوان خيلنا ... من الطعن حتى نحسب الجون أشقرا «3» # فليس بمعروف لنا أن نردها ... صحاحا، ولا مستنكر أن تعقرا # وقال بعض العرب: # ولقد شهدت الخيل يوم طرادها ... بسليم أوظفة القوائم هيكل «4» # فدعوا: نزال! فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل # ووصف أعرابى فرسا فقال: لما أرسلت الخيل جاءوا بشيطان في أشطان «5» ، ~~فأرسلوه، فلمع لمع البرق، واستهل استهلال الودق «6» ، فكان أقربهم إليه ~~الذى يقع عينه من بعد عليه. # وذكر أعرابى رجلا فقال: عنده فرس طويل العذار، أمين العثار؛ فكنت إذا ~~رأيته عليه ظننته بازيا على مربأ، عليه رمح طويل يقصر به الآجال. # وقال بعض المحدثين في هذا التطابق: # لقيناهم بأرماح طوال ... تبشرهم بأعمار قصار # PageV02P359 # ووصف أعرابى خيلا لبنى يربوع فقال: خرجت علينا خيل من مستطير نقع «1» ، ~~كأن هواديها أعلام، وآذانها أقلام، وفرسانها أسود آجام «2» . # ولما أنشد العمانى الرشيد يصف فرسا: # كأن أذنيه إذا تشوفا ... قادمة أو قلما محرفا # ولحن، ففهم ذلك أكثر من حضر؛ فقال الرشيد: اجعل مكان «كأن» تخال، فعجبوا ~~لسرعة تهديه. # وللطائيين في هذا النوع أشعار كثيرة منعنى من اختبارها كثرة اشتهارها؛ ~~وسأنشد بعض ذلك، قال أبو تمام: # ما ms204 مقرب «3» يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوق «4» # بحوافر حفر وصلت أصلت «5» ... وأشاعر شعر «6» وخلق أخلق # ذو أولق تحت العجاج، وإنما ... من صحة إفراط ذاك الأولق» # صافى الأديم كأنما ألبسته ... من سندس بردا ومن إستبرق # إمليسة إمليدة لو علقت ... فى صهوتيه العين لم تتعلق «8» # مسود شطر مثل ما اسود الدجى ... مبيض شطر كابيضاض المهرق «9» # PageV02P360 # وقال أبو عبادة: # وأغر في الزمن البهيم محجل ... قد رحت منه على أغر محجل «1» # وافى الضلوع يشد عقد حزامه ... يوم اللقاء على معم مخول # يهوى كما هوت العقاب إذا رأت ... صيدا وينتصب انتصاب الأجدل «2» # متوحش بدقيقتين كأنما ... تريان من ورق عليه موصل «3» # كالرائح النشوان أكثر مشيه ... عرض على السنن البعيد الأطول # ويظن ريعان الشباب يروعه ... من نشوة أو جنة أو أفكل «4» # هزج الصهيل كان في نبراته ... نغمات معبد في الثقيل الأول # تتوهم الجوزاء في أرساغه ... والبدر غرة وجهه المتهلل # صافى الأديم كأنما عنيت له ... بصفاء نقبته مداوك صيقل «5» # وكأنما كسى الخدود نواعما ... مهما تلاحظها بلحظ يخجل # وكأنما نفضت عليه صبغها ... صهباء للبردان «6» أو قطر بل «7» # PageV02P361 # ملك العيون؛ فإن بدا أعطينه ... نظر المحب إلى الحبيب المقبل # وقال إسحاق بن خلف النهروانى لأبى دلف، وكان له فرس أدهم يسميه غرابا: # كم كم تجرعه المنون ويسلم ... لو يستطيع شكا إليك له الفم # من كل منبت شعرة من جلده ... خط ينمقه الحسام المخذم «1» # ما تدرك الأرواح أدنى جريه ... حتى يفوت الريح وهو مقدم # رجعته أطراف الأسنة أشقرا ... واللون أدهم حين ضرجه الدم # وكأنما عقد النجوم بطرفه ... وكأنه بعرى المجرة ملجم # وقال أبو الطيب: # جفتنى كأنى لست أنطق قومها ... وأطعنهم والشهب في صور الدهم # وقال أبو الفتح كشاجم: # قد راح تحت الصبح ليل مظلم ... إذ لاح في السرج المحلى الأدهم # ديباج ألوان الجياد، ولم يكن ... ليخص بالديباج إلا الأكرم # ضحك اللجين على سواد أديمه ... وكذا الظلام تنير فيه الأنجم # فكأنه ببنات نعش ملبب ... وكأنما هو بالثريا ملجم # قلت: هذا من قول ابن المعتز: # ألا فاسقيانى والظلام مقوض ... ونجم الدجى تحت ms205 المغارب يركض # PageV02P362 # كأن الثريا في أواخر ليلها ... تفتح نور أو لجام مفضض # وقال أبو الفتح: # من شك في فضل الكميت فبينه ... فيه وبين يقينه المضمار # فى منظر مستحسن محمودة ... أخباره إذ تبتلى الأخبار # ماء تدفق طاعة وسلاسة ... فإذا استدر الحضر فيه فنار # وإذا عطفت به على ناورده ... لتديره فكأنه بركار # وصف الخلوق أديمه فكأنما ... أهدى الخلوق لجلده عطار «1» # قصرت قلادة نحره وعذاره ... والرسغ، وهي من العتاق قصار # وكأنما هاديه جذغ مشرف ... وكأنما للضبع فيه وجار «2» # يرد الضحاضح غير ثانى سنبك ... ويرود طرفك خلفه فتحار «3» # لو لم تكن للخيل نسبة خلقه ... حاكته من أشكالها الأطيار # وقال ابن المعتز: # وخيل طواها القود حتى كأنها ... أنابيب سمر من قنا الخط ذبل # صببنا عليها- ظالمين- سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل # قوله: «ظالمين» من أبدع حشو جرى في بيت، وكأن ابن المعتز أشار إلى قول ~~أعرابى مولد: # وعود قليل الذنب عاودت ضربه ... إذا هاج شوقى من معاهدها ذكر «4» # فقلت له: ذلفاء- ويحك! - سببت ... لك الضرب، فاصبر إن عادتك الصبر «5» # وقال ابن المعتر: # أراجعتى فداك بأعوجى ... كقدح النبع في الريش اللؤام «6» # PageV02P363 # بأدهم كالظلام أغر يجلو ... بغرته دياجير الظلام # ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في جو الغمام # وقال أيضا: # قد أغتدى والصبح كالمشيب ... فى أفق مثل مداك الطيب # بقارح مسوم يعبوب ... ذى أذن كخوصة العسيب «1» # أو آسة أوفت على قضيب ... يسبق شاو النظر الرحيب # أسرع من ماء إلى تصويب ... ومن رجوع لحظة المريب «2» # وقال: # رب ركب عرسوا ثم هبوا ... نحو إسراج وشد رحال # وعدونا بأعنة خيل ... تأكل الأرض بأيد عجال # زينتها غرر ضاحكات ... كبدور في وجوه ليال # وقال على بن محمد الإيادى: # مسح الظلام بعرفه يده ... ومشى فقبل وجهه البدر # وقال الناشىء أبو العباس عبد الله بن محمد: # أحوى عليه مسائح من ليطة ... شهب تسيل على نواشر ساقه «3» # فكأنه متلفع قبطية ... أئناؤها مشدودة بنطاقه # فسواده كالليل في إظلامه ... وبياضه كالصبح في إشراقه # صافى الأديم كريمة أنسابه ... أخلاقه عين على أعراقه # PageV02P364 # كتب أبو منصور عبد الملك بن محمد بن ms206 إسماعيل الثعالبى إلى الأمير أبى ~~الفضل عبد الله بن أحمد بن ميكال، وقد زاره الأمير في داره: # لا زال مجدك للسماك رسيلا ... وعلو جدك بالخلود كفيلا «1» # يا غرة الزمن البهيم إذا غدا ... أهل العلا لزمانهم تحجيلا # يا زائرا مدت سحائب طوله ... ظلا على من الجمال ظليلا # وأتت بصوب جواهر من لفظه ... حتى انتظمن لمفرقى إكليلا # بأبى وغير أبى هلال نوره ... يستعجل التسبيح والتهليلا # نقشت حوافر طرفه في عرصتى ... نقشا محوت رسومه تقبيلا # ولو استطعت فرشت مسقط خطوه ... بعيون عين لا ترى التكحيلا # ونثرت روحى بعد ما ملكت يدى ... وخررت بين يدى هواه قتيلا # وقال أبو القاسم بن هانىء يصف خيل المعز: # له المقربات الجرد ينعلها دما ... إذا فرعت هام الكماة السنابك # يريق عليها اللؤلؤ الرطب ماءه ... ويسبك فيها ذائب التبرسابك # صقيلات أجسام البروق كأنما ... أمرت عليها بالشموس المداوك # وقال يصف فرسا لجعفر بن على بن حمدون: # تهلل مصقول النواحى كأنه ... إذا جال ماء الحسن فيه غريق # من البهم ورد اللون شيب بكمتة ... كما شيب بالمسك الفتيق خلوق «2» # فلو ميز منه كل لون بذاته ... جرى سبج منه وذاب عقيق «3» # وقال في قصيدة يمدح بها أبا الفرج الشيبانى: # فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدكم فلق الصباح المسفر # PageV02P365 # وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر # أبنى العوالى السمهرية والسيو ... ف المشرفية والعديد الأكثر # من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبع في حمير # القائد الخيل العتاق شوازبا ... خزرا إلى لحظ السنان الأخزر «1» # شعث النواصى حسرة آذانها ... قب الأياطل داميات الأنسر «2» # تنبو سنابكهن عن عفر الثرى ... فيطأن في خد العزيز الأصعر «3» # فى فتية صدأ الحديد عبيرهم ... وخلوقهم علق النجيع الأحمر «4» # لا يأكل السرحان شلو عقيرهم ... مما عليه من القنا المتكسر «5» # وقال في قصيدة يمدح بها إبراهيم بن جعفر بن على: # فخر لطرف أعوجى أنت فى ... صهواته والحسن والتطهيم «6» # يبدى لعزك نخوة، فكأنه ... ملك تدين له الملوك عظيم # هاد على الخيل العتاق، كأنه ... بين الدجنة والصباح صريم «7» # PageV02P366 # سامى القذال بمسمعيه عيافة ... تحت الدجى ms207 ولطرفه تنجيم «1» # أذن مؤللة، وقلب أصمع ... وحشا أقب، وكلكل ماموم «2» # فالطود من صهواته متزلزل ... والجيش من أنفاسه مهزوم # خرق العيون فضل عنها لونه ... وصفا فقلنا ما عليه أديم # فكأنما جمدت عليه مزنة ... وابحاب عنه عارض مركوم «3» # وكأنما نحرت عليه بوارق ... وكأنما كسفت عليه نجوم # وكأنك ابن المنذر النعمان فو ... ق سراته، وكأنه اليحموم «4» # وقال على بن محمد الإيادى يصف فرس أبى عبد الله جعفر بن أبى القاسم ~~القائم: # وأقب من لحق الجياد، كأنه ... قصر تباعد ركنه من ركنه «5» # لبست قوائمه عصائب فضة ... وغدت بسمر صفا المسيل ودكنه # وكأنما انفجر الصباح بوجهه ... حسنا، أو احتبس الظلام بمتنه «6» # قيد العيون إذا بصرن بشخصه ... ورضا القلوب إذا اصطلين بضغنه # متسيطر بالراكبين، كأنه ... باز تروح به الجنوب لوكنه «7» # PageV02P367 # يستوقف اللحظات في خطراته ... بكمال خلقته ودقة حسنه # حلو الصهيل تخال في لهواته ... حاد يصوغ بدائعا من لحنه «1» # متجبر ينبى بعتق نجاره ... إشراف كاهله ودقة أذنه «2» # ذو نخوة شمخت به عن نده ... وشهامة طمحت به عن قرنه «3» # وكأنه فلك إذا حركته ... جار على سهل البلاد وحزنه # قد راح يحمل جعفر بن محمد ... حمل النسيم لوابل من مزنه # وما أحسن ما قال أبو الطيب المتنبى: # ويوم كلون العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب «4» # وعينى إلى أذنى أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب «5» # له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجىء على صدر رحيب وتذهب «6» # شققت به الظلماء، أدنى عنانه ... فيطغى، وأرخيه مرارا فيلعب «7» # وأصرع أى الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب «8» # وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عبن من لا يجرب # إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب «9» # PageV02P368 # وينخرط في سلك هذا المعنى مقامة «1» من مقامات الإسكندرى في الكدية «2» ~~مما أنشأه بديع الزمان وأملاه في شهور سنة خمس وثمانين وثمانين وثلاثمائة. # قال البديع: # حدثنا عيسى بن هشام قال: حضرنا مجلس سيف الدولة يوما وقد عرض عليه فرس # متى ما ترق العين فيه تسهل «3» # فلحظته الجماعة؛ فقال سيف الدولة: ms208 أيكم أحسن صفته، جعلته صلته؛ فكل جهد ~~جهده، وبذل ما عنده؛ فقال أحد خدمه: أصلح الله الأمير! رأيت بالأمس رجلا ~~يطأ الفصاحة بنعليه «4» ، وتقف الأبصار عليه، يسلى الناس، ويشفى الياس، ولو ~~أمر الأمير بإحضاره، لفضلهم بحضاره «5» . # فقال سيف الدولة: على به في هيئته، فصار الخدم في طلبه، فجاءوا للوقب به، ~~ولم يعلموه لأى حال دعي به، ثم قرب واستدنى، وهو في طمرين قد أكل الدهر ~~عليهما وشرب «6» ، وحين حضر السماط، لثم البساط، ووقف. # فقال سيف الدولة: بلغتناعنك عارضة «7» ، فاعرضها في هذا الفرس وصفه. ~~فقال: # أصلح الله الأمير! كيف به قبل ركوبه ووثوبه، وكشف عيوبه [وغيوبه] ؟ # فقال: اركبه، فركبه وأجراه، ثم قال: أصلح الله الأمير! هو طويل الأذنين، # PageV02P369 # قليل الاثنين، واسع المراث «1» ، لين الثلاث، غليظ الأكرع «2» ، غامض ~~الأربع، شديد النفس، لطيف الخمس، ضيق القلت «3» ، رقيق الست، حديد السمع، ~~غليظ السبع، رقيق اللسان «4» ، عريض الثمان، شديد الضلع «5» ، قصير التسع، ~~واسع السحر «6» ، بعيد العشر، يأخذ بالسابح، ويطلق بالرامح، ويطلع بلائح، ~~ويضحك عن قارح، يحز وجه الكديد «7» ، بمداق الحديد، يحضر كالبحر إذا ماج، ~~والسيل إذا هاج. # فقال سيف الدولة: لك الفرس مباركا فيه. فقال: لا زلت تأخذ الأنفاس، وتمنح ~~الأفراس، ثم انصرف، وتبعته، وقلت: لك على ما يليق بهذا الفرس من خلعة إن ~~فسرت ما وصفت، فقال: سل عما أحببت فقلت: ما معنى قولك: بعيد العشر؟ فقال: ~~بعيد النظر، والخطو، وأعالى الجنبين «8» ، وما بين الوقبين والجاعرتين، وما ~~بين الغرابين، والمنخرين، وما بين الرجلين، وما بين النقبة والصفاق، وبعيد ~~القامة في السباق. # فقلت: لا فض فوك! فما معنى قولك: قصير التسع؟ قال: هاك: قصير الشعرة، ~~قصير الأطرة، قصير العسيب، قصير القضيب، قصير العضدين، قصير الرسغين، قصير ~~النسا، قصير الظهر، قصير الوظيف. # فقلت: لله أنت! فمات معنى قولك: عريض الثمان؟ قال: عريض الجبهة، عريض ~~الصهوة، عريض الكتف، عريض الجنب، عريض الورك، عريض العصب، عريض البلدة، ~~عريض صفحة العنق. # فقلت: أحسنت، فما معنى قولك: غليظ السبع؟ قال: غليظ الذراع، # PageV02P370 # غليظ المحزم، غليظ العكوة، غليظ الشوى، غليظ الرسغ، ms209 غليظ الفخذين، غليظ ~~الحبال «1» . # فقلت: لله درك! فما معنى قولك: رقيق الست؟ فقال: رقيق الجفن، رقيق ~~السالفة، رقيق الجحفلة، رقيق الأديم، رقيق أعلى الأذنين، رقيق الغرضين «2» ~~. # فقلت: أجدت، فما معنى قولك: لطيف الخمس؟ قال: لطيف الزور، لطيف النسر، ~~لطيف الجبة، لطيف العجاية، لطيف الركبة. # فقلت: حياك الله! فما معنى قولك: غامض الأربع؟ قال: غامض أعالى الكتفين، ~~غامض المرفقين، غامض الحجاجين، غامض الشظى. # قلت: فما معنى قولك: لين الثلاث؟ قال: لين المردغتين، لين العرف، لين ~~العنان قلت: فما معنى قولك: قليل الاثنين؟ قال: قليل لحم الوجه، قليل لحم ~~المتنين. # قلت فمن أين نبات هذا العلم؟ قال: من الثغور الأموية، وبلاد الإسكندرية. # فقلت له: أنت مع هذا الفضل، تعرض وجهك لهذا البذل؟! فأنشأ يقول: # ساخف زمانك جدا ... فالدهر جد سخيف # دع الحمية نسيا ... وعش بخير وريف # وقل لعبدك هذا ... يجئ لنا برغيف # سقط عنا تفسيره فى «لين الثلاث» «3» ، وأكثر هذا التفسير يحتاج إلى # PageV02P371 # تفسير، ولم يرد بما أورد إفهام العوام، والبلاغة لمحة دالة، وبلاغة النتر ~~أخت بلاغة الشعر؛ وقد قال البحترى: # والشعر لمح تكفى إشارته ... وليس بالهذر طولت خطبه # وسأقول في شرحه بكلام وجيز زيادة في الإفادة: الوقبان: نقرتان فوق ~~العينين. والجاعرتان من الفرس: موضع الرقمتين من الحمار، وهما منتهى ضربه ~~بذنبه إذا حركه. والغرابان: الناتئان من أعلى الوركين، وذكر النقبة هنا، ~~وهو الذى يعرف بالمنفب، وهو من السرة حيث ينقب البيطار. والصفاق: الخاصرة، ~~وقد قيل: جلد البطن كله صفاق، والذى أراده الخاصرة. وأراد ببعد القامة في ~~السباق امتداده إذا جرى مع الأرض. والأطرة هنا: طرف الابهر، وهي طفطفة ~~غليظة. والأبهر: عرق يستبطن الظهر، فيتصل بالقلب، وقيل: هو الأكحل. # والعسيب: عظم الذنب. والرسغ من الفرس: موضع القيد. والنسا: عرق مستبطن ~~الفخذين، وقصره محمود في جرى الفرس، ولكنه لا يسمح بالمشى. والوظيف لكل ذى ~~أربع: ما فوق الرسغ إلى الساق. والصهوة: الظهر. والبلدة: ما بين عينيه. ~~والعكوة: مغرز الذنب. والشوى: الأطراف. والحبال: حبلا العاتق والظهر. ~~والجحفلة من ذوات الحافر: كالشفة من الإنسان. والغرضان ms210 من الفرس: ما انحدر ~~من قصبة الأنف من جانبيها والزور: الصدر. والنسر في الحافر: لحمة يابسة ~~أسفله يشبهها الشعراء بالنوى. والجبة: التى فيها الحوشب. # والحوشب: حشو الحافر. والعجاية: عصب في قوائم الفرس والبعبر مركب فيه ~~فصوص من عظام كأمثال الكعاب تكون عند الرسغ. والحجاجان: العظمان المطيفان ~~بالعين. والشظى: عظم لاصق بالذراع. والمتنان: جانبا الظهر؛ وسقط عنا تفسير ~~الثلاث من نفس المقامة «1» . # PageV02P372 ### | [قولهم في الوعد ومنزلة إنجازه] # قال الجاحظ: قال أبو القاسم بن معن المسعودى لعيسى بن موسى: أيها الأمير؛ ~~ما انتفعت بك منذ عرفتك، ولا إلى خير وصلت منك منذ صحبتك، فقال: ولم؟ ألم ~~أكلم لك أمير المؤمنين في كذا وكذا؟ قال: بلى! فهل استنجزت ما وعدت، وعاودت ~~ما ابتدأت؟ فقال: حالت دون ذلك أمور قاطعة، وأحوال عاذرة. قال: أيها ~~الأمير، فما زدتنى على أن نبهت الهم من رقدته، وأثرت الحزن من ربضته، إن ~~الوعد إذا لم يصحبه إنجاز يحققه كان كلفظ لا معنى له، وجسم لا روح فيه. # وكلم منصور بن زياد يحيى بن خالد في حاجة لرجل، فقال: عده قضاءها. # قال: فقلت: أصلحك الله! وما يدعوك إلى العدة مع وجود القدرة؟ فقال: هذا ~~قول من لا يعرف موضع الصنائع من القلوب، إن الحاجة إذا لم يتقدمها موعد ~~ينتظر به نجحها لم تتجاذب الأنفس سرورها؛ إن الوعد تطعم والإنجاز طعام؛ ~~وليس من فاجأه طعام كمن وجد رائحته، وتمطق به، وتطعمه ثم طعمه؛ فدع الحاجة ~~تختم بالوعد؛ ليكون بها عند المصطنع حسن موقع، ولطف محل. # ووعد المهدى عيسى بن دأب جارية، ثم وهبها له، فأنشده عبد الله بن مصعب ~~الزبيرى معرضا يقول مضرس الأسدى: # فلا تيأسن من صالح أن تناله ... وإن كان قدما بين أيد تبادره # فضحك المهدى، وقال: ادفعوا إلى عبد الله فلانة، لجارية أخرى؛ فقال عبد ~~الله بن مصعب: # أنجز خير الناس قبل وعده ... أراح من مطل وطول كده # فقال ابن دأب: ما قلت شيئا، هلا قلت: # PageV02P373 # حلاوة الفضل بوعد ينجز ... لا خير في العرف كنهب ينهز # فقال ms211 المهدى: # الوعد أحسن ما يكو ... ن إذا تقدمه ضمان # وقد قال أبو قابوس النصرانى يمدح يحيى بن خالد: # رأيت يحيى، أتم الله نعمته ... عليه، يأتى الذى لم يأته أحد # ينسى الذى كان من معروفه أبدا ... إلى الرجال، ولا ينسى الذى يعد # وقال أبو الطيب المتنبى: # قوم بلوغ الغلام عندهم ... طعن نحور الكماة لا الحلم # كأنما يولد الندى معهم ... لا صغر عاذر ولا هرم # إذا تولوا عداوة كشفوا ... وإن تولوا صنيعة كتموا # تظن من فقدك اعتدادهم ... أنهم أنعموا وما علموا «1» # ودخل أبو على البصير على الفضل بن يحيى، فأنشده: # وصف الصد لمن أهوى فصد ... وبدا يمزح بالهجر. فجد # ماله يعدل عنى وجهه ... وهو لا يعد له عندى أحد # لا تريدوا غرة الفضل، ومن ... يطلب الغرة في خيس الأسد «2» # ملك ندفع ما نخشى به ... وبه نصلح منا ما فسد # ينجز الناس إذا ما وعدوا ... وإذا ما أنجز الفضل وعد # وقال ابن الرومى في هذا المعنى: # له مواعد بالخيرات بادرة ... لكنها تسبق الميعاد بالصفد «3» # يعطيك في اليوم حق اليوم مبتدئا ... ولا يضيع بعد اليوم حق غد # PageV02P374 ### | [من عرف قدر النعمة استدامها] # خطب سليمان بن عبد الملك فقال: أيها الناس، من لم يعلم أبواب مدخله فى ~~الكرامة، وجهل طريقته التي وقعت به على النعمة كان بعرض رجوع إلى دار هوان، ~~وانقلاب بفادح خسران. # فقام إليه أبو وائلة السدوسى، وهو حاجبه، فقال: يا أمير المؤمنين كنا كما ~~قال الله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) # ، ثم صرنا كما قال زهير: # يد الملك الجليل تناولتهم ... بإحسان فليس لها مزيل # لأن الخير أجمع في يديه ... وربى بالجزاء له كفيل # فقال سليمان: هذه والله المعرفة بقدر النعمة، والعلم بما يجب للمنعم. # ورؤى يونس بن المختار في دار المأمون، ومرتبته في أعلى مراتب بنى العباس، ~~قاعدا على الأرض، فقال الحاجب: ارتفع يا أبا المعلى إلى مرتبتك، قال: قد ~~رفعنى الله إليها بأمير المؤمنين، وليس لى عمل يفى بها، فلم لا أكرمها عن ~~القعود ms212 عنها «1» إلى أن يتهيأ لى الشكر عليها؟ فبلغ الكلام المأمون؛ فقال: # هذا والله غاية الشكر، وبمثله تدر النعم. # وقال رجل للمعلى بن أيوب، وقد رفعه المعتصم إلى مرتبة أهل بيته: # ما يزيدك التقريب إلا تباعدا. فقال: يا هذا؛ إنى أصون تقريبه إياى ~~بتباعدى منه؛ لئلا تفسد حرمتى عنده بقلة الشكر على نعمته. # ولما استعان المنصور بالحارث بن حسان قال له: يا حارث؛ إنى قد مكنتك من ~~حسن رأيى فيك، فاحفظه بترك إغفال ما يجب عليك! قال: يا أمير # PageV02P375 # المؤمنين، من أغفل سبب حلول النعمة، ولها عن الحال التي أصارته إليها، ~~استصحب الياس من نيل مثلها، وانقطع رجاؤه من الزيادة فيها، فقال أبو جعفر: ~~من كانت عنده هذه المعرفة دامت النعمة له، وبقى الإحسان إليه. # ولما قال المأمون لعبد الله بن طاهر عند قدومه من مصر: ما سرنى الله مند ~~وليت الخلافة بشىء عظم موقعه عندى، بعد جميل عافية الله، هو أكثر من سرورى ~~بقدومك، فقال عبد الله: إيذن لى يا أمير المؤمنين في تفريق أموالى من طارف ~~وتالد. قال: ولم؟ قال: شكرا على هذه الكلمة؛ وإلا قصر بى الحياء عن النظر ~~إلى أمير المؤمنين، فقال المأمون لمن حضر من أهل بيته وقواده: ما شىء من ~~الخلافة يفى لعبد الله ببعض شكره. # وقال أبو نواس: # قد قلت للعباس معتذرا ... عن ضعف شكريه ومعترفا # أنت امرؤ جللتنى نعما ... أوهت قوى شكرى فقد ضعفا «1» # فإليك منى اليسوم تقدمة ... تلقاك بالتصريح منكشفا # لا تسدين إلى عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا # عارضه الناشىء واعترض معناه، فقال: # إن أنت لم تحدث إلى يدا ... حتى أقوم بشكر ما سلفا # لم أحظ منك بنائل أبدا ... ورجعت بالحرمان منصرفا # وقال ابن الرومى: # عاقنا أن نعود أنك أوليت ... أمورا يضيق عنها الجزاء # غمرتنا منك الأيادى اللواتى ... ما لمعشارها لدينا كفاء # PageV02P376 # فنهانا عنك الحياء طويلا ... ثم قد ردنا إليك الحياء # ولما حق إن قربت التنائى ... ولما حق إن برزت الجفاء # غير أنا أنضاء شكر أريحت ... وقديما أريحت الأنضاء «1» ### | ألفاظ لأهل ms213 العصر في العجز عن الشكر لتكاثر الإنعام والبر # عندى من بره ما ملك الاعتذار بأزمته، وقبض ألسنة أمراء الكلام وأئمته. ~~عندى له مبار «2» أعجزنى شكرها، كما أعوزنى حصرها. شكره شأو بعيد له تبلغه ~~أشواطى، ولا أتلافى التفريط في حقه بإفراطى. إحسانه يعيد العرب عجما، ~~والفصحاء بكما. قد زحمنى من مكارمه ما يحصر عنه المبين، ويصحبه العى وبئس ~~القرين «3» . # وقال أعرابى: # رهنت يدى بالعجز عن شكر بره ... وما فوق شكرى للشكور مزيد # ولو كان شيئا يستطاع استطعته ... ولكن ما لا يستطاع شديد # وقال يحيى بن أكثم: كنت عند المأمون، فأتى برجل ترعد فرائصه «4» ؛ فلما ~~مثل بين يديه قال المأمون: كفرت نعمتى، ولم تشكر معروفى، فقال: # يا أمير المؤمنين؛ وأين يقع شكرى في جنب ما أنعم الله بك على، فنظر إلى ~~المأمون وقال متمثلا: # ولو كان يستغنى عن الشكر ماجد ... لرفعة قدر أو علو مكان # لما أمر الله العباد بشكره ... فقال: اشكروا لى أيها الثقلان # PageV02P377 # ثم التفت إلى الرجل فقال: هلا قلت كما قال أصرم بن حميد: # ملكت حمدى حتى إننى رجل ... كلى بكل ثناء فيك مشتغل # خولت شكرى لما خولت من نعم ... فحر شكرى لما خولتنى خول «1» # وقال أبو الفتح البستى: # لئن عجزت عن شكر برك قوتى ... وأقوى الورى عن شكر برك عاجز # فإن ثنائى واعتقادى وطاقتى ... لأفلاك ما أو ليتنها مراكز # وقال أبو القاسم الزعفرانى: # لى لسان كأنه لى معادى ... ليس ينبى عن كنه ما في فؤادى # حكم الله لى عليه فلو أن ... صف قلبى عرفت قدر ودادى # وقال إسماعيل بن القاسم، أبو العتاهية، يمدح عمر بن العلاء: # إنى أمنت من الزمان وريبه ... لما علقت من الأمير حبالا # لو يستطيع الناس من إجلاله ... لحذوا له حر الوجوه نعالا # ما كان هذا الجود حتى كنت يا ... عمر، ولو يوما تزول لزالا # إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسبا ورمالا # فإذا وردن بنا وردن مخفة ... وإذا صدرن بنا صدرن ثقالا # وهي قصيدة سهلة الطبع، سلسلة النظام، قريبة المتناول. # وروى أن عمر بن ms214 العلاء وصله عليها بسبعين ألف درهم، فحسدته الشعراء، ~~وقالوا: لنا بباب الأمير أعوام نخدم الآمال، ما وصلنا إلى بعض هذا! فاتصل ~~ذلك به، فأمر بإحضارهم، فقال: بلغنى الذى قلتم؛ وإن أحدكم يأتى فيمدحنى ~~بالقصيدة يشبب فيها فلا يصل إلى المدح حتى تذهب لذة حلاوته، ورائق طلاوته؛ # PageV02P378 # وإن أبا العتاهية أتى فشبب بأبيات يسيرة، ثم قال: إن المطايا تشتكيك ~~لأنها ... # وأنشد الأبيات. وكان أبو العتاهية لما مدحه بهذا الشعر تأخر عنه بره ~~قليلا، فكتب إليه يستبطئه: # أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغى التمائم والنشر «1» # أصابتك عين في سخائك صلبة ... ويا رب عين صلبة تفلق الحجر # سنرقيك بالأشعار حتى تملها ... فإن لم تفق منها رقيناك بالسور # وقال: # يابن العلاء ويابن القرم مرداس ... إنى مدحتك في صحبى وجلاسى «2» # أثنى عليك ولى حال تكذبنى ... فيما أقول فأستحيى من الناس # حتى إذا قيل: ما أولاك من صفد ... طأطأت من سوء حالى عندها راسى «3» # فأمر حاجبه أن يدفع إليه المال، وقال: لا تدخله على، فإنى أستحيى منه. # وذكر بعض الرواة أن المهدى خرج متصيدا، فسمع رجلا يتغنى من القصيدة التى ~~مرت منها الأبيات في عمر بن العلاء آنفا: # يا من تفرد بالجمال فما ترى ... عينى على أحد سواه جمالا # أكثرت في قولى عليك من الرقى ... وضربت في شعرى لك الأمثالا # فأبيت إلا جفوة وقطيعة ... وأبيت إلا نخوة ودلالا # بالله قولى إن سألتك واصدقى ... أوجدت قتلى في الكتاب حلالا # أم لا، ففيم جفوتنى وظلمتنى ... وجعلتنى للعالمين نكالا # كم لائم لو كنت أسمع قوله ... قد لامنى ونهى وعد وقالا # PageV02P379 # فقال المهدى: على به، فجاءه، فقال: لمن هذا الشعر؟ قال: لإسماعيل ابن ~~القاسم أبى العتاهية، قال: لمن يقوله؟ قال: لعتبة جارية المهدى، قال: # كذبت، لو كانت جاريتى لوهبتها له، وكانت عتبة لريطة بنت أبى العباس ~~السفاح، وكان أبو العتاهية قد بلغ من أمرها كل مبلغ، وكل ذلك فيما زعم ~~الرواة تصنع، وتخلق؛ ليذكر بذلك. ### | [من أخبار أبى العتاهية] # قال يزيد [بن] حوراء المغنى: كلمنى أبو العتاهية ms215 أن أكلم المهدى في عتبة؛ ~~فقلت: إن الكلام لا يمكننى، ولكن قل شعرا أغنيه إياه، فقال: # نفسى بشىء من الدنيا معلقة ... الله والقائم المهدى يكفيها # إنى لأيأس منها ثم يطمعنى ... فيها احتقارك للدنيا وما فيها # فعملت فيه لحنا وغنيته المهدى؛ فقال: لمن هذا؟ فأخبرته خبر أبى العتاهية، ~~فقال: ننظر في أمره، فأخبرت بذلك أبا العتاهية؛ فمكث أشهرا، ثم أتانى فقال: # هل حدث خبر؟ فقلت: لا، فقال: غنه بهذا الشعر: # ليت شعرى ما عندكم ليت شعرى ... إنما أخر الجواب لأمر # ما جواب أولى بكل جميل ... من جواب يرد من بعد شهر # قال يزيد: فغنيت به المهدى، فقال: على بعتبة، فأحضرت، فقال: إن أبا ~~العتاهية كلمنى فيك، وعندى لك وله ما تحبان؛ فقالت له: قد علم مولاى أمير ~~المؤمنين ما أوجبه من حق مولاتى، فأريد أن أذكر لها ذلك؛ قال: # فافعلى؛ فأعلمت أبا العتاهية بما جرى، ومضت الأيام؛ فسألنى معاودة ~~المهدى، فقلت له: قد عرفت الطريق فقل ما شئت حتى أغنيه، فقال: # أشربت قلبى من رجائك ماله ... عنق إليك يخب بى ورسيم «1» # PageV02P380 # وأملت نحو سماء صوبك ناظرى ... أرعى مخايل برقها وأشيم «1» # ولقد تنسمت الرياح لحاجتى ... وإذا لها من راحتيك نسيم # ولربما استيأست ثم أقول: لا ... إن الذى ضمن النجاح كريم # فغنيته بالشعر، فقال: على بعتبة، فأتت؛ فقال: ما صنعت؟ قالت: ذكرت ذلك ~~لمولاتى فأبته وكرهته، فليفعل أمير المؤمنين ما يريد، فقال: ما كنت لأفعل ~~شيئا تكرهه، فأعلمت أبا العتاهية بذلك، فقال: # قطعت منك حبائل الآمال ... وأرحت من حل ومن ترحال # ما كان اشأم إذ رجاؤك قادنى ... وبنات وعدك يعتلجن ببالى # ولئن طمعت لرب برق خلب ... مالت بذى طمع ولمعة آل «2» # وقد نقلت هذه الحكاية على غير هذا الوجه، والله أعلم بالحق في ذلك. # وضرب المهدى أبا العتاهية مائة سوط لقوله: # ألا إن ظبيا للخليفة صادنى ... ومالى على ظبى الخليفة من عدوى # وقال: أبى يتمرس «3» ، ولحرمى يتعرض، وبنسائى يعبث؟ ونفاه إلى الكوفة. # وفي ضربه يقول أبو دهمان: # لولا الذى أحدث الخليفة ... للعشاق من ms216 ضربهم إذا عشقوا # لبحت باسم الذى أحب، ول ... كنى امرؤ قد ثنانى الفرق «4» # PageV02P381 # وكان أبو العتاهية بالكوفة لما نفى يذكر عتبة، ويكنى باسمها، فمن ذلك ~~قوله: # قل لمن لست أسمى ... بأبى أنت وأمى # بأبى أنت لقد أص ... بحت من أكبر همى # ولقد قلت لأهلى ... إذ أذاب الحب لحمى # وأرادوا لى طبيبا ... فاكتفوا منى بعلمى: # من يكن يجهل ما ألقى ... فإن الحب سقمى # إن روحى لببغدا ... د، وفي الكوفة جسمى # وقوله: # أمسى ببغداد ظبى لست أذكره ... إلا بكيت إذا ما ذكره خطرا # إن المحب إذا شطت منازله ... عن الحبيب بكى أو حن أو ذكرا # يا رب ليل طويل بت أرقبه ... حتى أضاء عمود الصبح فانفجرا # ما كنت أحسب إلا مذ عرفتكم ... أن المضاجع مما تنبت الإبرا # والليل أطول من يوم الحساب على ... عين الشجى إذا ما نومه نفرا # ولما قدمت عتبة ببغداد قدم معها أبو العتاهية، وتلطف حتى اتصل بالرشيد في ~~خلافة أبيه المهدى؛ وتمكن منه، وبلغ المهدى خبره، فأحضره؛ فقال: يا بائس؛ ~~أنت مستقتل، وسأله عن حاله؛ فأنشده قصيدته التي يقول فيها: # أنت المقابل والمدا ... بر في المناسب والعديد # بين العمومة والخئو ... لة والأبوة والجدود # فإذا انتميت إلى أبي ... ك فأنت في المجد المشيد # وإذا انتمى خال فما ... خال بأكرم من يزيد # PageV02P382 # يريد يزيد بن منصور؛ وكانت أم المهدى أم موسى بنت منصور الحميرى وأنشده: # علم العالم أن المنايا ... سامعات لك فيمن عصاكا # فإذا وجهتها نحو طاغ ... رجعت ترعف منه قناكا «1» # ولو أن الريح بارتك يوما ... فى سماح قصرت عن نداكا # وأنشده: # أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها # فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها # ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها # ولو لم تطعه بنات القلوب ... لما قبل الله أعمالها # فقال له المهدى: إن شئت أدبناك بضرب وجيع؛ لإقدامك على ما نهيت عنه، ~~وأعطيناك ثلاثين ألف درهم جائزة على مدحك لنا. وإن شئت عفونا عنك فقط. # فقال: بل يضيف أمير المؤمنين إلى كريم عفوه جميل معروفه؛ ms217 ومكرمتان أكثر ~~من واحدة، وأمير المؤمنين أولى من شفع نعمته وأتم كرمه. فأمر له بثلاثين ~~ألف درهم وعفا عنه. # ولما قدم الرشيد الرقة أظهر أبو العتاهية الزهد والتصوف وترك الغزل، ~~فأمره الرشيد أن يتغزل، فأبى، فحبسه، فغنى بقوله: # خليلى مالى لا تزال مضرتى ... تكون على الأقدار حتما من الحتم # كفاك بحق الله ما قد ظلمتنى ... فهذا مقام المستجير من الظلم # ألا في سبيل الله جسمى وقوتى ... ألا مسعد حتى أنوح على جسمى # PageV02P383 # فأمر بإحضاره وقال: بالأمس ينهاك أمير المؤمنين المهدى عن الغزل، فتأبى ~~إلا لجاجا ومحكا؛ واليوم آمرك بالقول فتأبى جرأة على وإقداما، فقال: # يا أمير المؤمنين؛ إن الحسنات يذهين السيئات، كنت أقول الغزل ولى شباب ~~وجدة، وبى حراك وقوة، وأنا اليوم شيخ ضعيف لا يحسن بمثلى تصاب؛ فرده إلى ~~حبسه؛ فكتب إليه: # أنا اليوم لى، والحمد لله، أشهر ... يروح على الغم منك ويبكر # تذكر، أمين الله، حقى وحرمتى ... وما كنت تولينى، لعلك تذكر # ليالى تدنى منك بالقرب مجلسى ... ووجهك من ماء البشاشة يقطر # فمن لى بالعين التي كنت مرة ... إلى بها من سالف الدهر تنظر # فبعث إليه: لا بأس عليك؛ فقال: # كأن الخلق ركب فيه روح ... له جسد وأنت عليه راس # أمين الله إن الحبس بأس ... وقد وقعت: ليس عليك باس # فأخرجه. # أخذ البيت الأول من هذين على بن جبلة وزاد فيه، فقال لأبى غانم الطوسى: # دجلة تسقى وأبو غانم ... يطعم من تسقى من الناس # والخلق جسم، وإمام الهدى ... رأس، وأنت العين في الراس # وكان عمر بن العلاء ممدحا، وفيه يقول بشار بن برد: # إذا أيقظتك حروب العدى ... فنبه لها عمرا ثم نم # دعانى إلى عمر جوده ... وقول العشيرة بحر خضم # PageV02P384 # ولولا الذى ذكروا لم أكن ... لأمدح ريحانة قبل شم # فتى لا يبيت على دمنة ... ولا يسرب الماء إلا بدم «1» # أخذ هذا البيت أبو سعيد المخزومى «2» ، فقال: # وما يريدون، لولا الجبن، من رجل ... بالليل مشتمل بالجمر مكتحل # لا يضرب الماء إلا من قليب دم «3» ... ولا يبيت له جار على ms218 وجل # وقال أبو الطيب: # تعود ألا تقضم الحب خيله ... إذا الهام لم ترفع جنوب العلائق «4» # ولا ترد الغدران إلا وماؤها ... من الدم كالريحان تحت الشقائق «5» # وقال أبو القاسم بن هانىء: # PageV02P385 # من لم ير الميدان لم ير معركا ... أشبا، ويوما بالأسنة أكهبا «1» # وكتائبا تردى غواربها العدى ... وفوارسا تعدو صوالجها الظبا # لا يوردون الماء سنبك سابح ... أو يكتسى بدم الفوارس طحلبا «2» ### | [رجع إلى عمر بن العلاء] # قال: وبلغ عمر بن العلاء أن أبا العتاهية عاتب عليه في هنات نالها منه فى ~~مجلس، وكان كثير الانقطاع إليه، فتخلف عنه، فساء ذلك عمر، فكتب إليه: # قد بلغنى الذى كان من تجنبك فيما استخفك به سوء الأدب عن علم حقيقة منى، ~~فصرت مترددا من العمى في يلاميع الشبهة «3» ؛ ولو كان معك من علمك داع إلى ~~لقائى لكشفت لك مورد الأمر ومصدره، لترجع إلى الصلة، فتقال أو تأبى إلا ~~الصريمة فتصرم؛ وقد قال الأول: # ومستعتب أبدى على الظن عتبه ... وأخرج منه المحفظات غليل # كشفت له عذرا فأبصر وجهه ... فعاد إلى الإنصاف وهو ذليل # فأجابه أبو العتاهية: لم أجز بعتبى الحقيقة إلى الشبهة، ولم أجد سعة مع ~~عظيم قدرتك إلى حمل اللائمة، فقصر بى الخوف من سخطك، على ترك معاتبتك؛ لأن ~~المعاتبة لا تجتنى إلا من المساوى، ولو رغبت عن الصلة إلى القطيعة لتقاضيتك ~~ذلك عن طول الصحبة، وسالف المدة، وأنا أقول: # رضيت ببعض الذل خوف جميعه ... وليس لمثلى بالملوك يدان # وكنت امرأ أخشى العقاب وأتقى ... مغبة ما تجنى يدى ولسانى # فهل من شفيع منك يضمن توبتى ... فإنى امرؤ أوفى بكل ضمان # فتراجعا إلى أحسن ما كانا عليه # PageV02P386 # وإنما ألم أبو العتاهية في قوله «إن المطايا تشتكيك ... وما يليه» بقول ~~أبى الحجناء نصيب الأكبر: # فعاجوا فأثنوا بالذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # وقال أبو الطيب في أبى العشائر الحمدانى: # تنشد أثوابنا مدائحه ... بألسن مالهن أفواه # إذا مررنا على الأصم بها ... أغنته عن مسمعيه عيناه # وهذا المعنى من النصبة «1» الدالة بذاتها التي ذكرتها عن الجاحظ في ms219 أقسام ~~البيان. # وقال بعض الخطباء: أشهد أن في السموات والأرض آيات ودلالات، وشواهد ~~قائمات؛ كل يؤدى عنك الحجة، ويشهد لك بالربوبية. # ونظير هذا قول أبى العتاهية، وروى أنه جلس في دكان وراق، وأخذ كتابا فكتب ~~على ظهره: # فواعجبا كيف يعصى الملي ... ك أم كيف يجحده الجاحد # ولله في كل تحريكة ... وتسكينة في الورى شاهد # وفي كل شىء له آية ... تدل على أنه واحد # وانصرف، فاجتاز أبو نواس بالموضع فرأى الأبيات، فقال: لمن هذا؟ # فلوددتها لى بجميع شعرى، فقيل: لإسماعيل بن القاسم، فوقع تحتها: # سبحان من خلق الخلق من ضعيف مهين # فصاغه من قرار ... إلى قرار مكين # يحول شيئا فشيئا ... فى الحجب دون العيون «2» # حتى بدت حركات ... مخلوقة من سكون # PageV02P387 # وقال الفضل بن عيسى الرقاشى: سل الأرض من غرس أشجارك، وشق أنهارك، وجنى ~~ثمارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا. # وهذا شبيه بقول عدى بن زيد، وقد نزل النعمان بن المنذر تحت سرحة «1» ؛ ~~فقال: أتدرى ما تقول هذه السرحة أيها الملك؟ قال: وما تقول؟ قال: تقول: # رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال # ثم أضحوا لعب الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال # ويروى «عكف الدهر بهم فثووا «2» » . فتكدر حال النممان وما كان فيه من ~~لذة. ### | ألفاظ لأهل العصر في الشكر بدلالة الحال # لو سكت الشاكر لنطقت المآثر. لو صمت المخاطب لأثنت الحقائب، ولشهدت شواهد ~~حاله على صدق مقاله. إن جحدت ما أولانيه، وكفرت ما أعطانيه، نطقت آثار ~~أياديه على، ولمعت أعلام عوارفه «3» لدى. # ولأبى الفضل الميكالى من رسالة: ورد فلان فتعاطى من شكره على نعمه التى ~~ألبسه جمالها، وأسحبه أذيالها، ما لو لم يتحدث به ناشرا ومثنيا، ومعيدا ~~ومبديا، لأثنت به حاله، وشهدت به رحاله، حتى لقد امتلأت بذكره المحافل، ~~وسارت بحبره الركبان والقوافل، وصارت الألسنة على الشكر والثناء لسانا، ~~والجماعة على النشر والدعاء أنصارا وأعوانا، على أنه وإن بالغ في هذا ~~الباب، وجاوز حد الإكثار والإسهاب، نهايته القصور دون واجبه، والسقوط عن ~~أدنى درجاته ومراتبه. # PageV02P388 # ومما يقترن ms220 لهم بهذا المعنى من ذكر الشكر: قال أبو الفتح البستى: الحر ~~نحل الشكر، إن أجناه المرء من خيره شكرا أجناه من بره شهدا. # غيره: الشكر ترجمان النية، ولسان الطوية، وشاهد الإخلاص، وعنوان ~~الاختصاص. الشكر نسيم النعم، وهو السبب إلى الزيادة، والطريق إلى السعادة. ~~الشكر قيد النعمة، ومفتاح المزيد، وثمن الجنة. من شكر قليلا، استحق جزيلا. ~~شكر المولى، هو الأولى. الشكر قيد النعم وشكالها، وعقالها، وهو شبيه بالوحش ~~التي لا تقيم مع الإيحاش، ولا تريم «1» مع الإيناس. # موقع الشكر من النعمة موقع القرى من الضيف، إن وجده لم يرم، وإن فقده لم ~~يقم. الشكر غرس إذا أودع سمع الكريم أثمر الزيادة، وحفظ العادة. الشكر تعرض ~~للمزيد السائغ، والنعم السوابغ. شكره شكر الأسير لمن أطلقه، والمملوك لمن ~~أعتقه. أثنى عليه ثناء الروض الممحل، على الغيث المسبل. أثنى عليه ثناء ~~لسان الزهر، على راحة المطر. أثنى عليه ثناء العطشان الوارد، على الزلال ~~البارد. شكره شكر الأرض للديم «2» ، وزهير لهرم. بسط لسان الثناء والدعاء، ~~وبلغ عنان الشكر عنان السماء. شكره شكرا ترتاح له المكارم، وتهتز له ~~المواسم. لأشكرنه شكرا تشيع أنواعه، وتنبسط أبواعه «3» ، ويلذ ذكره وسماعه. ~~شكر ملأ القلب واللسان، كشكر حسان لآل غسان. أطال عنان الشكر، وفسح مجاله، ~~ورفع أعمدته، ومد أروقته. شكر كأنفاس الأحباب، أو أنفاس الأسحار، أو أنفاس ~~الرياض غب القطار. ### | [من أخبار نصيب وشعره] # رجع ما انقطع: # كان سبب قول نصيب: # PageV02P389 # فعاجوا فأثنوا بالذى أنت أهله # أنه كان مع الفرزدق عند سليمان بن عبد الملك، فقال سليمان بن عبد الملك: ~~يا فرزدق؛ من أشعر الناس؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين، قال: لماذا؟ قال ~~بقولى: # وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لهاترة من جذبها بالعصائب # سروا وسرت نكباء وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوارذات الحقائب «1» # إذا آنسوا نارا يقولون: ليتها، ... وقد خصرت أيديهم نار غالب # يريد أباه- وهو غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان ابن ~~مجاشع- فأعرض عنه سليمان كالمغضب؛ لأنه إنما أراد أن ينشد مدحا فيه؛ ففهم ~~نصيب مراده، ms221 فقال: يا أمير المؤمنين؛ قد قلت أبياتا على هذا الروى ليست ~~بدونها، فقال: هاتها؛ فأنشأ نصيب يقول: # أقول لركب قافلين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب «2» # فقد أخبرونى عن سليمان أننى ... لمعروفه من آل ودان طالب «3» # فعاجوا فأثنوا بالذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # فقالوا: تركناه وفي كل ليلة ... يطيف به من طالبى العرف راكب # ولو كان فوق الناس حى فعاله ... كفعلك أو للفعل منك يقارب # لقلنا: له شبه، ولكن تعذرت ... سواك عن المستشفعين المطالب # هو البدرو الناس الكواكب حوله ... وهل تشبه البدر المنير الكواكب # فقال سليمان: أحسنت، والتفت إلى الفرزدق، فقال: كيف تسمع يا أبا فراس؟ # قال: هو أشعر أهل جلدته، قال: وأهل جلدتك؛ فخرج الفرزدق وهو يقول: # PageV02P390 # وخير الشعر أكرمه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيد ### | [من المديح] # قال أبو العباس محمد بن يزيد: وهذا باب في المدح حسن متجاوز مبتدع لم ~~يسبق إليه. # قول نصيب: «من أهل ودان» . قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: ذكر محمد ابن ~~كناسة والزبيدى أن نصيبا من أهل ودان، وكان عبد الرجل من بنى كنانة هو وأهل ~~بيته، وزعم أبو هفان أنه عبد لعبد العزيز بن مروان، وكان نصيب شديد السواد، ~~وهو القائل: # كسيت- ولم أملك- سوادا، وتحته ... قميص من القوهي «1» بيض بنائقه # فما ضر أثوابى سوادى، وإننى ... لكالمسك لا يسلو عن المسك ذائقه # وقال سحيم عبد بنى الحسحاس: # أشعار عبد بنى الحسحاس قمن له ... عند الفخار مقام الأصل والورق # إن كنت عبدا فنفسى حرة كرما ... أو أسود اللون إنى أبيض الخلق # وقال أبو الطيب المتنبى لكافور الإخشيدى: # إنما الجلد ملبس وابيضاض الخلق خير من ابيضاض القباء وقال نصبب لبعض ملوك ~~بنى أمية: إن لى بنات نفضت عليهن من سوادى، فقال: ما أحسن ما تلطفت لهن! ~~وأمر له بصلة. # وكان أبو تمام حبيب بن أوس لما مدح أبا جعفر محمد بن عبد الملك الزيات ~~بقصيدته التي أولها: # لهان علينا أن نقول وتفعلا ... ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا # وهي من أحسن شعره، وقع له ms222 على ظهرها: # رأيتك سمح البيع سهلا، وإنما ... يغالى إذا ما ضن بالشىء بائعه # PageV02P391 # فأما إذا هانت بضائع بيعه ... فيوشك أن تبقى عليه بضائعه # هو الماء إن أجممته طاب ورده ... ويفسد منه أن تباح مشارعه # فأجابه بقصيدة طويلة، واحتج عليه واعتذر إليه في مدحه لغيره؛ فقال في بعض ~~ذلك: # أما القوافى فقد حصنت غرتها ... فما يصاب دم منها ولا سلب # منعت إلا من الأكفاء أيمها ... وكان منك عليها العطف والحدب # ولو عضلت عن الأكفاء أيمها ... ولم يكن لك في إظهارها أرب «1» # كانت بنات نصيب حين ضن بها ... على الموالى ولم تحفل بها العرب # وقد قيل إن أبا تمام أجابه بقوله: # أبا جعفر إن كنت أصبحت شاعرا ... أسامح في بيعى له من أبايعه # فقد كنت قبلى شاعرا تاجرا به ... تساهل من عادت عليك منافعه # فصرت وزيرا والوزارة مكرع ... يغص به بعد اللذاذة كارعه «2» # كم من وزير قد رأينا مسلطا ... فعاد وقد سدت عليه مطالعه # ولله قوس لا تطيش سهامها ... ولله سيف لا تفل مقاطعه # قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولى: ويقال إن هذه الأبيات منحولة لحبيب، ~~وليس مثل أبى جعفر في جلالة قدره واصطناعه لحبيب يعامل بمثل هذا الجواب، # PageV02P392 # ولا ينتهى جهل حبيب أن يقابل مأموله ومن يرتجى جليل الفائدة منه بهذه ~~الأبياب. # وقد قيل: بل قالها، ولم ينشدها أحدا؛ وإنما ظهرت بعد موته. # وكان ابن الزيات كما قال شاعرا، ومدح الحسن بن سهل في وزارته للمأمون؛ ~~وأعطاه عشرة آلاف درهم، فقال: # لم أمتدحك رجاء المال أطلبه ... لكن لتلبسنى التحجيل والغررا # ما كان ذلك إلا أننى رجل ... لا أقرب الورد حتى أعرف الصدرا # قال الصولى: وكان السبب الذى أوجد «1» أبا جعفر على أبى تمام حتى قال ~~«لقد رأيتك سهل البيع- الأبيات» قول أبى تمام قصيدته المشهورة في ابن أبى ~~داود التي أولها: # سقى عهد الحمى سبل العهاد ... وروى حاضر منه وباد «2» # نزحت به ركى الدمع لما ... رأيت الدمع من خير العتاد «3» # يقول فيها في مدحه: # هم عظم الأثافى من نزار ... وأهل الهضب ms223 منها والنجاد «4» # معرس كل معضلة وخطب ... ومنبت كل مكرمة وآد «5» # PageV02P393 # إذا حدث القبائل ساجلوهم ... فإنهم بنو المجد التلاد «1» # تفرج عنهم الغمرات بيض ... جلاد تحت قسطلة الجلاد «2» # وحشو حوادث الأيام منهم ... معاقل مطرد وبنو طراد «3» # لهم جهل السباع إذا المنايا ... تمشت في الوغى وحلوم عاد # لقد أنست سلوى كل دهر ... محاسن أحمد بن أبى دواد # متى تحلل به تحلل جنابا ... رضيعا للسوارى والغوادى «4» # وما اشتبهت سبيل المجد إلا ... هداك لقبلة المعروف هاد # وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتى وزادى # مقيم الظن عندك والأمانى ... وإن قلقت ركابى في البلاد # وهذه النكت «5» التى أحقدت أبا جعفر، وأعتبته على أبى تمام، وفي هذه ~~القصيدة يقول معتذرا إليه في الذى قرف «6» به عنده من هجاء مضر: # أتانى عائر الأنباء تسرى ... عقاربه بداهية نآد «7» # نثا خبرا كأن القلب منه ... يجر به على شوك القتاد # بأنى نلت من مضر وخبت ... إليك شكيتى خبب الجواد # PageV02P394 # وما ربع القطيعة لى بربع ... ولا نادى الأذى منى بناد # وأين يجوز عن قصد لسانى ... وقلبى رائح برضاك غاد # ومما كانت الحكماء قالت: ... لسان المرء من خدم الفؤاد # وقد ما كنت معسول القوافى ... ومأدوم المعانى بالسداد ### | [من أخبار ابن أبى دواد] # وكان ابن أبى دواد غاليا في التعصب لإياد وإلحاقها بنزار، على مذهب نساب ~~العدنانيين. قال: وكل من بالعراق من إياد دخلوا في النخع، وإليهم ينسبون؛ ~~ومن كان بالشام فملم «1» على نسبهم في نزار، وابن أبى دواد يرمى بالدعوة؛ ~~والتكثير من أخباره يخرج إلى ما أخافه من تطويل التصرف، فى مملول التكلف. # وكان ابن أبى دواد عالما بضروب العلم والأدب، متصرفا في صناعة الجدال، ~~على مذهب أهل الاعتزال، وكانت العداوة بينه وبين ابن الزيات بينة، والنفاسة ~~فى الرياسة بينهما متمكنة، وقال له بعض الشعراء: # أكل أبى دواد من إياد ... فكل أبى ذؤيب من هذيل # قال مسلم: ما تاه إلا وضيع، ولا فاخر إلا سقيط، ولا تعصب إلا دخيل. # وقال مدنى لرجل: ممن أنت؟ فقال: من قريش، والحمد لله، قال: بأبى أنت! ms224 ~~التحميد هاهنا ريبة! واسم أبى دواد دعمى، قال أبو اليقظان: وهم من قبيلة ~~يقال لها بنو زهرة إخوة بنى جدان، وقد ذكره الطائى في قوله: # والغيث من زهر سحابة رأفة ... والركن من شيبان طود حديد # ذكر شيبان، لأن خالد بن يزيد الشيبانى شفع له عند ابن أبى دواد فيما ~~ينساق الحديث إليه من موجدته عليه. # قال محمود الوراق: كنت جالسا بطرف الجسر مع أصحاب لى، فمر بنا أبو تمام، ~~فجلس إلينا، فقال له رجل منا: يا أبا تمام، أى رجل أنت لو لم تكن من اليمن! ~~قال: ما أحب أنى بغير الموضع الذى اختاره الله لى، فممن «2» تحب أن # PageV02P395 # أكون؟ قال: من مضر، قال: إنما شرفت مضر بالنبى صلى الله عليه وسلم، ولولا ~~ذلك ما قيسوا بملوكنا وأذوائنا، وفينا كذا، ومنا كذا- يفخر؛ وذكر أشياء عاب ~~بها مضر، ونمي الخبر إلى ابن أبى دواد وزيد فيه، فقال: ما أحب أن يدخل على، ~~فقال يعتذر إليه بقصيدة أولها: # سعدت غربة النوى بسعاد ... فى طلوع الإتهام والإنجاد # يقول فيها: # بعد أن أصلت الوشاة سيوفا ... قطعت فى وهي غير حداد # فنفى عنك زخرف القول سمع ... لم يكن فرضه لغير السداد # ضرب الحلم والوقار عليه ... دون عور الكلام بالأسداد # ملأتك الأحساب أى حياة ... وحيا أزمة وحية واد # عاتق معتق من الرق إلا ... من مقاساة مغرم أو نجاد # للحمالات والحمائل فيه ... كلحوب الموارد الأعداد «1» # فما رضى عنه حتى تشفع إليه بخالد بن يزيد بن مزيد الشيبانى، فقال فى ~~قصيدة: # أسرى طريدا للحياء من التى ... زعموا، وليس لقوله بطريد «2» # كنت الربيع، أمامه ووراءه ... قمر القبائل خالد بن يزيد # وغدا تببن ما براءة ساحتى ... لو قد نفضت تهائمى ونجودى # لله درك أى باب ملمة ... لم يرم فيه إليك بالإقليد «3» # PageV02P396 # لما أظلتنى غمامك أصبحت ... تلك الشهود على وهي شهودى # من بعد ما ظنوا بأن سيكون لى ... يوم بزعمهم كيوم عبيد # يريد عبيد بن الأبرص الأسدى، وكان النعمان بن المنذر لقيه يوم بؤسه ~~فقتله. # وكان ابن أبى داود كريما فصيحا ms225 جزلا. قال أبو العيناء: كنا عند ابن أبى ~~دواد ومعنا محمود الوراق وجماعة من أهل الأدب والعلم؛ فجاءه رسول إيتاخ ~~فقال: إن الحاجب أبا منصور يقرأ على القاضى السلام، ويقول: القاضى يتعنى ~~«1» ويجىء في الأوقات؛ وقد تفاقم الأمر بينه وبين كاتب أمير المؤمنين، يريد ~~ابن الزيات، فصار يضرنا عند قصده القاضى، وما أحب أن يتعنى إلى لهذا السبب؛ ~~إذ كنت لا أصل إلى مكافأته. فقال: أجيبوه عن رسالته، فلم ندر ما نقول، ونظر ~~بعضنا إلى بعض، فقال: أما عندكم جواب! قلنا: القاضى- أعزه الله، أعلم ~~بجوابه منا، فقال للرسول: اقرأ عليه السلام، وقل له: ما أتيتك متكثرا بك من ~~قلة، ولا معتززا بك من ذلة، ولا طالبا منك رتبة، ولا شاكيا إليك كربة، ~~ولكنك رجل ساعدك زمان، وحركك سلطان، ولا علم يؤلف، ولا أصل يعرف؛ فإن جئتك ~~فبسلطانك، وإن تركتك فلنفسك! فعجبنا من جوابه. ### | [من براعة خالد بن عبد الله القسرى] # صعد خالد بن عبد الله القسرى المنبر يوم جمعة، فخطب وهو إذ ذاك أمير على ~~مكة، فذكر الحجاج فأحمد طاعته، وأثنى عليه خيرا، فلما كان في الجمعة ~~الثانية ورد عليه كتاب سليمان بن عبد الملك يأمره فيه بشتم الحجاج وذكر # PageV02P397 # عيوبه، وإظهار البراءة منه، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ~~إن إبليس كان ملكا من الملائكة، وكان يظهر من طاعة الله ما كانت الملائكة ~~ترى له بذلك فضلا، وكان الله تعالى قد علم من غشه ما خفى عن الملائكة، فلما ~~أراد الله فضيحته ابتلاه «1» بالسجود لآدم؛ فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم ~~فلعنوه؛ وإن الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له بذلك ~~فضلا، وكان الله عز وجل أطلع أمير المؤمنين من غله وخبثه على ما خفى عنا، ~~فلما أراد الله فضيحته أجرى ذلك على يدى أمير المؤمنين، فالعنوه، لعنه ~~الله. # ثم نزل. # وكان أبو تمام قد مدح الأفشين التركى، واسمه خيذر «2» بن كاوس، وكان من ~~أجل قواد المعتصم، وأبلى في أمر بابك الخرمى بلاء ms226 حمده له؛ فلما سخط ~~المعتصم عليه لما نسب إليه من سوء السيرة، وقبح السريرة، وأنه يخطب درجة ~~بابك، ويريد التحصن بموضع يخلع فيه يده عن الطاعة، وأظهر القاضى أحمد بن ~~أبى دواد عليه أنه على غير الإسلام، قال أبو تمام معتذرا للمعتصم من تقديمه ~~واجتبائه، ولنفسه من مدحه وإطرائه: # ما كان لولا فحش غدرة خيذر ... ليكون في الإسلام عام فجار # هذا الرسول وكان صفوة ربه ... من خير باد في الأنام وقار # قد خص من أهل النفاق عصابة ... وهم أشد أذى من الكفار # واختار من سعد لعين بنى أبى ... سرح لعمر الله غير خيار # حتى استضاء بشعلة السور التى ... رفعت له سترا من الأستار # ثم ذكر في هذه القصيدة أن قتل الأفشين لبابك لم يكن بصدق بصيرة، ولا لصحة ~~سريرة، فقال: # PageV02P398 # والهاشمون المستقلة ظعنهم ... عن كربلاء بأثقل الأوزار # فشفاهم المختار منه ولم يكن ... فى دينه المختار بالمختار ### | [المنافقون في عهد النبى صلى الله عليه وسلم] # أما من ذكر من أهل النفاق، فقد كانوا يظهرون غير ما يسرون، حتى أطلع الله ~~نبيه عليه السلام على أخبارهم، ونشر له مطوى أسرارهم. # وأما ابن أبى سرح فهو عبد الله بن سعد بن أبى سرح بن الحسام بن الحارث بن ~~حبيب بن خزيمة بن نصر بن مالك [بن حسل] بن عامر بن لؤى، أسلم قبل الفتح، ~~واستكتبه النبى عليه السلام؛ فكان يكتب موضع «الغفور الرحيم» العزيز ~~الحكيم، وأشباه ذلك؛ فأطلع الله عليه النبى عليه السلام، فهرب إلى مكة ~~مرتدا؛ وأنزل فيه: (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) . فأهدر النبى صلى ~~الله عليه وسلم يوم الفتح دمه، فهرب من مكة، فاستأمن له عثمان رضي الله ~~عنه؛ فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أخو عثمان من الرضاعة، وأسلم ~~فحسن إسلامه، وولى مصر سنة أربع وعشرين، فأقام عليها إلى أن حصر عثمان، ~~ومات بقيسارية الشام، ولم يدخل في شىء من الفتن الحجازية في ذلك الوقت. # وأما المختار الذى ذكره فهو المختار بن أبى عبيد بن ms227 مسعود بن عمرو بن ~~عمير ابن عوف بن عفدة بن عروة بن عوف بن قسى وهو ثقيف؛ وكانت لأبيه في ~~الإسلام آثار جميلة، وأخت المختار صفية بنت أبى عبيد زوج ابن عمر، والمختار ~~هو كذاب ثقيف الذى جاء فيه الحديث، وكان يزعم أنه يوحى إليه في قتلة ~~الحسين؛ فقتلهم بكل موضع، وقتل عبيد الله بن زياد، وله أسجاع يصنعها، ~~وألفاظ يبتدعها، ويزعم أنها تنزل عليه، وتوحى إليه. # وقيل للأحنف بن قيس: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه! فقال: صدق، وتلا: ~~(وإن الشياطين ليوحى بعضهم إلى بعض) . وأخباره كثيرة ليس هذا موضعها. # لما هزم أمية بن خالد بن أسيد لم يدر الناس كيف يقولون له، فدخل عبد الله ~~بن الأهتم عليه، فقال: الحمد لله الذى نظر لنا أيها الأمير عليك، # PageV02P399 # ولم ينظر لك علينا، فقد تعرضت للشهادة بجهدك، إلا أن الله علم حاجة أهل ~~الإسلام إليك، فأبقاك لهم بخذلان من معك. فصدر الناس عن كلامه. ### | ويتعلق بهذه المقامة فصل في غرائب التكاتب # كتب حمدون بن نهران إلى عامل عزل عن عمله: # بلغنى أعزك الله انصرافك عن عملك، ورجوعك إلى منزلك؛ فسررت بذلك، ولم ~~أستفظعه وأجزع له؛ لعلمى بأن قدرك أجل وأعلى من أن يرفعك عمل تتولاه، أو ~~يضعك عزل عنه؛ وو الله لو لم تختر الانصراف وترد الاعتزال لكان في لطف ~~تدبيرك، وثقوب رويتك، وحسن تأتيك، ما تزيل به السبب الداعى إلى عزلك، ~~والباعث على صرفك؛ ونحن إلى أن نهنئك بهذه الحال أولى بنامن أن تعزيك؛ إذ ~~أردت الانصراف فأوتيته، وأحببت الاعتزال فأعطيته، فبارك الله لك في منقلبك، ~~وهناك النعم بدوامها، ورزقك الشكر الموجب لها الزائد فيها. # وكتب ابن مكرم إلى نصرانى أسلم: # أما بعد فالحمد لله الذى وفقك لشكره، وعرفك هدايته، وطهر من الارتياب ~~قلبك، وما زالت مخايلك ممثلة لنا حقيقة ما وهب الله فيك، حتى كأنك لم تزل ~~بالإسلام موسوما، وإن كنت على غيره مقيما، وكنا مؤملين لما صرت إليه، ~~مشفقين مما كنت عليه، حتى إذا كاد إشفاقنا أن ms228 يستعلى رجاءنا أنت السعادة ~~بما لم تزل الأنفس تعد منك؛ فأسأل الله الذى أضاء لك سبيل رشدك أن يوفقك ~~لصالح العمل، وأن يؤتيك في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ويقيك عذاب النار. # قال بعض الكتاب: من الحق ما يستحسن تركه، ويستهجن عمله، وقد يقع من ذلك ~~فيما يحله الشرع، ويكرهه الأدباء؛ وكثير ممن يغلب على طبعه هذا المعنى يراه ~~سمو نفس، وعلو همة، حتى رأينا من لا يحضر تزويج # PageV02P400 # كريمته، ويولى أمرها غير نفسه، ورأينا من يجاوز ذلك إلى ألا ينكح ~~مستنكحا، وزاد به العلو إلى ترك ما ذكره أولى؛ وكنا عرفنا حال إنسان تزوجت ~~أمه؛ فعظم لذلك همه، وانفرد عن أودائه، وتوارى عن أصفيائه؛ حياء من لقائهم، ~~وكرها لتهنئتهم له أو عزائهم، واضطرته الوحشة إلى قصد من ظن به منهم المسكة ~~في تحامى خطابه فيما اجتنب لأجله خلانه، وفارق بسببه إخوانه، وتخيل ذلك ~~المقصود أنه إنما لجأ إليه ليسليه؛ فأفاض معه فيما قدر أنه قصد له من ~~المعنى الذى جعله وحيدا خوف المفاوضة. # ثم مضت الأيام واختلف الحال، ورجع إلى العشرة وأبناء المودة؛ فكان عنده ~~من لم يخاطبه أحظى، وفي نفسه أوفى، وعلى قلبه أخف، وفي نفسه أشف، ونقم على ~~ذلك الصديق وعتب؛ إذ لكل من الناس- إلا من طاب محتده وطال سؤدده- حال من ~~الإلف والرغبة تحسن المساوى، ثم حال من الملل والزهادة تقبح المحاسن؛ ~~واعتذر المتكلف من التسلية بما لم يلزمه، ولم يرده صفيه، فإنه فعل ما ~~أوجبته الأخوة، وحقوق الخلطة، وأسباب العشرة، وانبساط المفاوضة؛ ودبت عقارب ~~الظنون والوشاية، إلى أن خرجا بالملاحاة إلى المعاداة؛ فلما وقع بعض الناس ~~بينهما من معاودة الحسنى، ومراجعة الأولى؛ جاهر هذا الماقت بقرع سن الأسف ~~على تخيل النهى والوقار من الممقوت، وظاهر الممقوت بتقريع الماقت، بتزويج ~~أمه الذى تجشم من كلامه فيه فضلا، وتكلف من خطابه عليه ما من حسرة خلا؛ ~~فأفضى الأمر بينهما إلى الأوتار، وطلب الثار. # فإن اضطر إلى القول في هذا المعنى أحد بأمر قاهر من السلطان، أو حوادث ~~الأزمان، ms229 أو تطارح الإخوان، فليقل وليكتب ما مثلنا إن لم يجد منه بدا: أنت- ~~بفضل الله عليك وإحسان تبصيره إياك- من أهل الدين، وخلوص اليقين، فكما لا ~~تتبع الشهوة فى محظور تبيحه، فكذا لا تتبع الأنفة في مباح تحظره؛ وقد اتصل ~~بنا اختاره الله والقضاء لذات الحق عليك، المنسوبة- بعد نسبك إليها- إليك، # PageV02P401 # مما كرهه إباؤك الدنيوى لك ولها، [ورضيه الحلال الدينى له ولها] ، فنحن ~~نعزيك عن فائت محبوبك، ونهنئك في الخيرة في اختيار القدر لك، ونسأل الله أن ~~يجعلها أبدا معك فيما رضيت وكرهت، وأبيت وأتيت. # فهذا ونحوه أصوب وأسلم، إن اضطررت إليه، وتركه أحسن وأحزم، إن ملكت رأيك ~~فيه؛ والتلطف للكتابة عما يستهجن ولا يستحسن التواجه به من أحسن الأشياء ~~وأسدها. # وكتب أبو الفضل بن العميد في بابه: الحمد لله الذى كشف عنا ستر الحيرة. # وهدانا لستر العورة، وجدع بما شرع من الحلال أنف الغيرة، ومنع من عضل ~~الأمهات، كما منع من وأد البنات، استنزالا للنفوس الأبية، عن حمية ~~الجاهلية. # ثم عرض للجزيل من الأجر من استسلم لمواقع قضائه؛ وعوض جزيل الثواب لمن ~~صبر على نازل بلائه؛ وهناك الله، الذى شرح للتقوى صدرك، ووسع في البلوى ~~صبرك، ما ألهمك من التسليم بمشيئته، والرضا بقضيته، ووفقك له من قضاء ~~الواجب في أحد أبو يك، ومن عظم حقه عليك؛ وجعل الله تعالى حده «1» ما ~~تجرعته من أنف «2» ، وكظمته من أسف، معدودا يعظم الله عليه أجرك، ويجزل به ~~ذخرك؛ وقرن بالحاضر من امتعاضك لفعلها المنتظر من ارتماضك لدفنها «3» ، ~~وعوضك من أسرة فرشها أعواد نعشها؛ وجعل ما ينعم به عليك من بعدها من نعمة ~~معرى من نقمة، وما يوليك بعد قبضها من منحة مبرأ من محنة. # PageV02P402 ### | ألفاظ لأهل العصر في التهانى بالبنات # هنأ الله سيدى ورد الكريمة عليه، وثمر بها أعداد النسل الطيب لديه؛ ~~وجعلها مؤذنة بإخوة بررة، يعمرون أندية الفضل، ويغبرون «1» بقية الدهر. # اتصل بى خبر المولودة، كرم الله غرتها وأنبتها نباتا حسنا، وما كان من ~~تغيرك بعد اتضاح الخبر، وإنكارك ما اختاره الله لك في ms230 سابق القدر، وقد علمت ~~أنهن أقرب من القلوب، وأن الله تعالى بدأ بهن في الترتيب، فقال جل من قائل: ~~(يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور) # . وما سماه هبة فهو بالشكر أولى، وبحسن التقبل أحرى. أهلا وسهلا بعقيلة ~~النساء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار، وأولاد الأطهار، والمبشرة بإخوة ~~يتناسقون، ونجباء يتلاحقون. # فلو كان النساء كمثل هذى ... لفضلت النساء على الرجال # فما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال # والله يعرفك البركة في مطلعها، والسعادة في موقعها، فادرع اغتباطا، ~~واستأنف نشاطا. الدنيا مؤنثة، والرجال يخدمونها. والنار مؤنثة، والذكور ~~يعبدونها. والأرض مؤنثة، ومنها خلقت البرية، وفيها كثرت الذرية. والسماء ~~مؤنثة، وقد حليت بالكواكب، وزينت بالنجوم الثواقب. والنفس مؤنثة، وهي قوام ~~الأبدان، وملاك الحيوان. والحياة مؤنثة، ولولاها لم تتصرف الأجسام ولا عرف ~~الأنام. والجنة مؤنثة، وبها وعد المتقون، وفيها ينعم المرسلون؛ فهنأك الله ~~ما أوليت، وأوزعك شكر ما أعطيت، وأطال الله بفاءك ما عرف النسل والولد، وما ~~بقى العصر والأبد؛ إنه فعال لما يشاء. # PageV02P403 ### | [بعض مالا يمدح النساء به] # والتصرف في النساء ضيق النطاق، شديد الخناق، وأكثر ما يمدح به الرجال ذم ~~لهن، ووصم عليهن، قال ابن الرومى: # ما للحسان مسيئات بنا، ولنا ... إلى المسيئات طول الدهر تحنان # فإن يبحن بعهد قلن: معذرة ... إنا نسينا، وفي النسوان نسيان # لا نلزم الذكر، إنا لم نسم به ... ولا منحناه، بل للذكر ذكران # فضل الرجال علينا أن شيمتهم ... جود وبأس وأحلام وأذهان # وأن منهم وفاء لا نقوم له ... وهل يكون مع النقصان رجحان؟ # وقال أبو الطيب المتنبى: # بنفسى الخيال الزائرى بعد هجعة ... وقولته لى: بعدنا الغمض تطعم # سلام فلولا البخل والخوف عنده ... لقلنا أبو حفص علينا المسلم # ألا ترى أن الجود، والوفاء بالعهود، والشجاعة والفطن، وما جرى في هذا ~~السنن، من فضائل الرجال، لو مدح النساء به لكان نقصا عليهن، وذما لهن؟ # ولمديح النساء أبواب تفرقت في الكتاب: # أنشد رجل زبيدة بنت جعفر بن أبى جعفر المنصور: # أزبيدة بنة جعفر ... لوبى لزائرك المثاب # تعطين من ms231 رجليك ما ... تعطى الأكف من الرغاب # فوثب إليه الخدم يضربونه، فمنعتهم من ذلك، وقالت: أراد خيرا وأخطأ، وهو ~~أحب إلينا ممن أراد شرا فأصاب، سمع قولهم «شمالك أندى من يمين غيرك» فظن ~~أنه إذا قال هكذا كان أبلغ، أعطوه ما أمل، وعرفوه ما جهل. # وقال كثير: # ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ما سح # PageV02P404 # وشدت على حدب المطايا رحالنا ... ولا يعلم الغادى الذى هو رائح # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطى الأباطح # نقعنا قلوبا بالأحاديث واشتفت ... بذاك صدور منضجات قرائح «1» # ولم نخش ريب الدهر في كل حالة ... ولا راعنا منه سنيح وبارح # وقال: # تفرق ألاف الحجيج على منى ... وشتتهم شحط النوى مشى أربع # فريقان منهم سالك بطن نخلة ... وآخر منهم جازع ظهر تضرع # فلم أر دارا مثلها دار غبطة ... ولهو إذا التف الحجيج بمجمع # أقل مقيما راضيا بمكانه ... وأكثر جارا ظاعنا لم يودع # فأصبح لا تلقى خباء عهدته ... بمضربه أوتاده لم تنزع # فشاقوك لما وجهوا كل وجهة ... فبانوا وخلوا عن منازل بلقع # ودخل كثير على عزة يوما، فقالت: ما ينبغى أن نأذن لك في الجلوس، فقال: ~~ولم ذلك؟ قالت: لأنى رأيت الأحوص ألين جانبا عند الغوانى منك في شعره، ~~وأضرع خدا للنساء، وأنه الذى يقول: # يأيها اللأئمى فيها لأصرمها ... أكثرث لو كان يغنى عنك إكثار # أكثر فلست مطاعا إذ وشيت بها ... لا القلب سال ولا في حبها عار # ويعجبنى قوله: # أدور ولولا أن أرى أم جعفر ... بأبياتكم مادرت حيث أدور # وما كنت زوارا، ولكن ذا الهوى ... إذا لم لا يزر لا بد أن سيزور # لقد منعت معروفها أم جعفر ... وإنى إلى معروفها لفقير # PageV02P405 # ويعجبنى قوله: # كم من دنى لها قد كنت أتبعه ... ولو صحا القلب عنها كان لى تبعا # لا أستطيع نزوعا عن محبتها ... أو يصنع الحب بى فوق الذى صنعا # أدعو إلى هجرها قلبى فيتبعنى ... حتى إذا قلت هذا صادق نزعا # وزادنى رغبة في الحب أن منعت، ... أشهى إلى المرء من دنياه ما منعا ms232 # وقوله: # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا # وما العيش إلا ما تلذ وتشتهى ... وإن لام فيه ذو الشنان وفندا # وإنى لأهواها وأهوى لقاءها ... كما يشتهى الصادى الشراب المبردا # علاقة حب لج في سنن الصبا ... فأبلى، وما يزداد إلا تجددا # هذان البيتان ألحقهما العتبى وغيره بشعر الأحوص، وأنشدها أبو بكر بن دريد ~~لأعرابى، فقال كثير: قد والله أجاد فما استقبحت من قولى؟ قالت: # قولك: # وكنت إذا ما جئت أجللن مجلسى ... وأظهرن منى هيبة لا تجهما # يحاذرن منى غيرة قد عرفنها ... قديما، فلا يضحكن إلا تبسما # تراهن إلا أن يخالسن نظرة ... بمؤخر عين أو يقلبن معصما # كواظم لا ينطقن إلا محورة ... رجيعة قول بعد أن يتفهما # وكن إذا ما قلن شيئا يسره ... أسر الرضا في نفسه وتحرما # وقولك: # وددت وبيت الله أنك بكرة ... هجان، وأنى مصعب ثم نهرب «1» # PageV02P406 # كلانا به عر فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدى وأجرب «1» # نكون لذى مال كثير مغفل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب # إذا ما وردنا منهلا صاح أهله ... علينا فما ننفك نؤذى ونضرب «2» # ويحك! لقد أردت بى الشقاء، أفما وجدت أمنية أوطأ من هذه؟ فخرج خجلا. ### | [من الأمانى] # وقد تمنى بمثل هذه الأمنية الفرزدق. وأغرب من هذا قول أبى صخر الهذلى: # تمنيت من حبى عليه أننا ... على رمث في البحر ليس لنا وفر «3» # على دائم لا يعبر الفلك موجه ... ومن دوننا الأهوال واللجج الخضر # فنقضى هم النفس في غير رقبة ... ويغرق من نخشى نميمته البحر # وقيل: الأمل رفيق مؤنس؛ إن لم يبلغك فقد ألهاك. # وقال مسلم بن الوليد. # وأكثر أفعال الليالى إساءة ... وأكثر ما تلقى الأمانى كواذبا # وقال آخر: # منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # أمانى من ليلى حسان كأنما ... سقتنى يها ليلى على ظمإ بردا # وقال آخر # رفعت عن الدنيا المنى غير حبها ... فلا أسأل الدنيا ولا أستزيدها # وقيل لأعرابى: ما أمتع لذات الدنيا؟ فقال: ممازحة المحب، ومحادثة ms233 الصديق، # PageV02P407 # وأمانى تقطع بها أيامك، وأنشد: # عللينى بموعد ... وامطلى ما حييت به # ودعينى أفوز من ... ك بنجوى تطلبه # فعسى يعثر الزما ... ن بحظي فينتبه ### | [بعض أخبار كثير وعزة] # وكان كثير بن عبد الرحمن بن أبى جمعة الخزاعى- ويعرف بعزة، على حدة ~~خاطره، وجودة شعره- أحمق الناس. # دخل عليه نفر من قريش وهو عليل يهزءون به، قال بعضهم: فقلت له: # كيف تجدك؟ قال: بخير، هل سمعتم الناس يقولون شيئا؟ فقلت: نعم، سمعتهم ~~يقولون: إنك الدجال. فقال: والله لئن قلت ذلك إنى لأجد في عينى اليمنى ضعفا ~~منذ أيام. # وكان رافضيا يدين بالرجعة، ويقول بإمامة محمد بن الحنفية، والروافض ~~يزعمون أنه دخل في شعب باليمن في أربعين من أصحابه، ولا بد من ظهوره، وفي ~~ذلك يقول: # ألا إن الأئمة من قريش ... ولاة الحق أربعة سواء # على والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء # فسبط سبط إيمان وبر ... وسبط غيبته كربلاء # وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمها اللواء # تغيب لا يرى عنهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء # وكان خلفاء بنى أمية يعلمون ذلك منه، ويلبسونه عليه. # دخل يوما على عبد الملك بن مروان فقال: نشدتك بحق على بن أبى طالب، هل ~~رأيت أعشق منك؟ فقال: يا أمير المؤمنين؛ لو سألتنى بحقك لأخبرتك، نعم، بينا ~~أنا أسير في بعض الفلوات إذا أنا برجل قد نصب حبائله، فقلت له: # PageV02P408 # ما أجلسك هاهنا؟ قال: أهلكنى وأهلى الجوع، فنصبت حبائلى لأصيب لهم ولنفسى ~~ما يكفينا سحابة يومنا، قلت: أرأيت إن أقمت معك فأصبنا صيدا، أتجعل لى منه ~~جزءا؟ قال: نعم، فبينما نحن كذلك إذ وقعت ظبية، فخرجنا مبتدرين، فأسرع ~~إليها فحلها وأطلقها؛ فقلت: ما حملك على هذا؟ قال: # دخلتنى لها رقة لشبهها بليلى، وأنشأ يقول: # أيا شبه ليلى لا تراعى فإننى ... لك اليوم من وحشية لصديق # أقول وقد أطلقتها من وثاقها ... لأنت- لليلى- ما حييت طليق # وروى الكلبى وابن دأب أنه لما حلها قال: # اذهبى في كلاءة الرحمن ... أنت منى في ذمة وأمان # لا تخافى بأن تهاجى بسوء ms234 ... ما تغنى الحمام في الأغصان # ترهبينى والجيد منك لليلى ... والحشا والبغام والعينان؟ # وقال قيس بن الملوح: # راحوا يصيدون الظباء وإننى ... لأرى تصيدها على حراما # أشبهن منك محاجرا وسوالفا ... فأرى على لها بذاك ذماما # أعزز على بأن أروع شبيهها ... أو أن يذقن على يدى حماما # ومن جيد شعر كثير: # وكانت لقطع الحبل بينى وبينها ... كناذرة نذرا فأوفت وحلت # فقلت لها: يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوما لها النفس ذلت # ولم يلق إنسان من الحب ميعه ... تعم ولا غماء إلا تجلت # أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ... وحلت تلاعا لم تكن قبل حلت # هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت # أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت # وو الله ما قاربت إلا تباعدت ... بهجر، ولا استكثرت إلا أقلت # PageV02P409 # وما مر من يوم على كيومها ... وإن عظمت أيام أخرى وجلت # فيا عجبا للقلب كيف اعترافه ... وللنفس لما وطنت كيف ذلت # وإنى وتهيامى بعزة بعد ما ... تخليت مما بيننا وتخلت # لكالمرتجى ظل الغمامة، كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت # وكان كثير قصيرا دميما، ولذلك قال: # فإن أك معروق العظام فإننى ... إذا ما وزنت القوم وازن «1» # ودخل كثير على عبد الملك بن مروان في أول خلافته، فقال: أنت كثير؟ # فقال: نعم، فاقتحمه، وقال: تسمع بالمعيدى لا أن تراه «2» ! فقال: # يا أمير المؤمنين، كل إنسان عند محله رحب الفناء، شامخ البناء، عالى ~~السناء، وأنشد يقول: # ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد هصور # ويعجبك الطرير إذا تراه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير «3» # بغاث الطير أطولها رقابا ... ولم تطل البزاة ولا الصقور «4» # خشاش الطير أكثرها فراخا ... وأم الباز مقلاة نزور «5» # PageV02P410 # ضعاف الأسد أكثرها زئيرا ... وأصرمها اللواتى لا تزير # وقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعير # ينوخ ثم يضرب بالهراوى ... فلا عرف لديه ولا نكير # يقوده الصبى بكل أرض ... ويصرعه على الجنب الصغير «1» # فما عظم الرجال لهم بزين ... ولكن زينهم حسب وخير «2» # فقال: قاتله الله! ما أطول لسانه، وأمد عنانه، ms235 وأوسع جنانه؛ إنى لأحسبه ~~كما وصف نفسه «3» . ### | [قولهم في الطول والقصر] # وأنشد أحمد بن عبيد الله لشاعر قديم: # وعاذلة هبت بليل تلومنى ... ولم يغتمرنى قبل ذاك عذول «4» # تقول: اتئد لا يدعك الناس مملقا ... وتزرى بمن يابن الكرام تعول # فقلت: أبت نفس على كريمة ... وطارق ليل عند ذاك يقول # ألم تعلمى يا عمرك الله أننى ... كريم على حين الكرام قليل # وأنى لا أخزى إذا قيل مملق ... سخى، وأخزى أن يقال بخيل # فلا تتبعى النفس الغوية وانظرى ... إلى عنصر الأحساب كيف بئول # ولا تذهبن عيناك في كل شرمح ... له قصب جوف العظام أسيل «5» # عسى أن تمنى عرسه أننى لها ... به، حين يشتد الزمان، بديل # PageV02P411 # إذا كنت في القوم الطوال فطلتهم «1» ... بعارفة حتى يقال طويل «2» # ولا خير في حسن الجسوم وطولها ... إذا لم تزن حسن الجسوم عقول # فكائن رأينا من فروع طويلة ... تموت إذا لم تحيهن أصول # فإلا يكن جسمى طويلا فإننى ... له بالفعال الصالحات وصول # ولم أر كالمعروف: أما مذافه ... فحلو، وأما وجهه فجميل # وقال ابن الرومى: # ونصيف من الرجال نحيف ... راجح الوزن عند وزن الرجال # فى أناس أوتوا حلوم العصافير ... فلم تغنهم جسوم البغال # أخذه من قول حسان بن ثابت، وقال له بنو الديان الحارثيون: قد كنا ونحن ~~نطول بأحسامنا على العرب حتى قلت: # دعوا التخاجؤ وامشوا مشية سجحا ... إن الرجال ذوو قد وتذكير «3» # لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير # فتركتنا لا نرى أجسامنا شيئا والعرب تمدح الطول، وتثنى عليه، وقال عنترة ~~بن شداد: # بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوأم # قوله «ليس بتوأم» يريد ليس ممن زوحم في الرحم فضعف، كمال قال الشعبى، وقد ~~دخل على عبد الملك بن مروان، فجعل ينظر إليه، وكان الشعبى قد ولد توأما مع ~~أخيه، فكان نحيفا، فقال: يا أمير المؤمنين، إنى زوحمت في الرحم، وقال: # PageV02P412 # ولما التقى الصفان واختلف القنا ... نهالا، وأسباب المنايا نهالها # تبين لى أن القماءة ذلة ... وأن أعزاء الرجال طوالها # وقال أبو نواس: ms236 # وكنا إذا ما الحائن الجد غره ... سنى برق غاد أو ضجيج رعاد # تردى له الفضل بن يحيى بن خالد ... بماضى الظبى يزهاه طول نجاد # أمام خميس أرجوان كأنه ... قميص محوك من قناد وجياد «1» # ومن هذا البيت أخذ أبو الطيب المتنبى قوله: # وملمومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل ### | [عود إلى أخبار كثير عزة] # ودخل كثير على عبد العزيز بن مروان وهو عليل، وأهله يتمنون أن يتبسم، ~~فقال: لولا أن سرورك لا يتم بأن تسلم وأسقم لدعوت الله أن يصرف مابك إلى، ~~ولكنى أسأل الله أيها الأمير العافية لك ولى في كنفك؛ فضحك وأمر له بمال ~~فخرح وهو يقول: # ونعود سيدنا وسيد غيرنا ... ليت التشكى كان بالعواد # لو كان تقبل فدية لفديته ... بالمصطفى من طارفى وتلادى # قال محمد بن سلام الجمحى: قال أبى: ذاكرت مروان بن أبى حفصة شعر جرير ~~والفرزدق وكثير، فذهب إلى تقديم كثير، وجعل يطريه ويقول: هو أمدحهم ~~للخلفاء، فقلت: أمن جودة مدحه للخلفاء قوله لعبد الملك بن مروان: # ترى ابن أبى العاصى وقد صف دونه ... ثمانون ألفا قد توافت كمولها # يقلب عينى حية بمفازة ... إذا أمكنته شدة لا يقيلها # فقال هذا للخليفة ودونه ثمانون ألفا، وجعله يقلب عينى حية. # PageV02P413 # وقوله: # وإن أمير المؤمنين هو الذى ... غزا كامنات الود منى فنالها # زعم أن أمير المؤمنين استعطفه حتى غزا كامنات صدره. # وقوله لعبد العزيز بن مروان: # وما زالت رقاك تسل ضغنى ... وتخرج من مكامنها ضبابى # ويرقينى لك الحاوون حتى ... أجابك حية تحت الحجاب # زعم أن عبد العزيز ترضاه، واحتال له ورقاه، حتى أجابه؛ أكذا تمدح الملوك؟ ~~فأسكته «1» . ### | فصول قصار # من كان له من نفسه واعظ، كان من الله عليه حافظ. العبد حر إذا قنع، والحر ~~عبد إذا طمع. الأمانى تخدعك، وعند الحقائق تدعك. إذا كان الطمع هلاكا، كان ~~اليأس إدراكا. ليس يعد حكيما، من لم يكن لنفسه خصيما. تعز عن الشىء إذا ~~منعته، بقلة ما يصحبك إذا منحته. تجرع مضض الصبر تطفىء نار الضر. الحكمة ~~حفظ ما كلفت، وترك ما ms237 كفيت. الصبر عن محارم الله، أيسر من الصبر على عذاب ~~الله. ### | شذور لأهل الصر في معان شتى # قطعة من كلام الأمير قابوس بن وشمكير شمس المعالى في أثناء رسائله: # بزند الشفيع تورى نار النجاح، ومن كف المفيض ينتظر فوز القداح، # PageV02P414 # الوسائل أقدام ذوى الحاجات، والشفاعات مفاتيح الطلبات العفو عن المجرم من ~~موجبات الكرم، وقبول المعذرة من محاسن الشيم. وبالقوادم والخوافى قوة ~~النجاح، وبالأسنة والعوالى عمل الرماح. الدنيا دار تغرير وخداع، وملتقى ~~ساعة لوداع، والناس متصرفون بين كل ورد وصدر، وصائرون خبرا بعد أثر. غاية ~~كل متحرك إلى سكون، ونهاية كل متكون ألا يكون، وآخر الأحياء فناء، والجزع ~~على الأموات عناء، وإذا كان ذلك كذلك، فلم التهالك على الهالك؟. حشو الدهر ~~أحزان وهموم، وصفوه من غير كدر معدوم. إذا سمح الدهر بالحباء، فأبشر بوشك ~~الانقضاء، وإذا أعار، فأحسبه قد أغار. الدهر طعمان حلو ومر، والأيام ضربان ~~عسر ويسر. لكل شىء غاية ومنتهى، وانقطاع وإن بلغ المدى. ترك الجواب، داعية ~~الارتياب، والحاجة إلى الاقتضاء، كسوف في وجه الرجاء. هم المنتظر للجواب ~~ثقيل، والمدى فيه وإن كان قصيرا طويل. # النجيب إذا جرى لم يشق غباره، وإذا سرى لم تلحق آثاره. ومن أين للضباب ~~صوب السحاب، وللغراب هوى العقاب، وهيهات أن تكتسب الأرض لطافة الهواء، ~~ويصير البدر كالشمس في الضياء. # وقد ترجم عن شمس المعالى أبو منصور الثعالبى في كتاب ألفه له؛ قال في ~~أوله: أما على أثر حمد الله الذى هو أول كتابه، وآخر دعوى ساكنى دار ثوابه، ~~والصلاة على خيرته من بريته، وعلى الصفوة من ذريته، فإن خير الكلام ما شغل ~~بخدمة من جمع الله له عزة الملك إلى بسطة العلم، ونور الحكمة إلى نفوذ ~~الحكم، وجعله مميزا على ملوك العصر، ومدبرى الأرض وولاة الأمر، بخصائص من ~~العدل، وجلائل من الفضل، ودقائق من الكرم المحض، لا يدخل أيسرها تحت ~~العادات، ولا يدرك أقلها بالعبارات؛ ومحاسن [سير] الأنام «1» ، تحرسها أسنة ~~الأقلام، وتدرسها ألسنة الليالى والأيام، وهذه صفة تغنى # PageV02P415 # عن تشبيه الموصوف لاختصاصه بمعناها، ms238 واستحقاقه إياها، واستئثاره على جميع ~~الملوك بها، ولعلم سامعها ببديهة السماع أنها للأمير، شمس المعالى، خالصة، ~~وعليه مقصورة، وبه لائقة، وعن غيره نافرة؛ إذ هو- بمعاينة الآثار، وشهادة ~~الأخيار، وإجماع الأولياء، واتفاق الأعداء- كافل المجد، وكافى الخلق، وواحد ~~الدهر، وغرة الدنيا، ومفزع الورى، وحسنة العالم، ونكتة الفلك الدائر؛ فبلغه ~~الله أقصى نهاية العمر، كما بلغه أقصى غاية الفخر؛ وملكه أزمة الأمر، كلما ~~ملكه أعنة الفضل؛ وأدام حسن النظر للعباد والبلاد، بإدامة أيامه التي هي ~~أعياد الدهر، ومواسم اليمن والأمن، ومطالع الخير والسعد، وزاد دولته شبابا # ونموا، كما زاده في الشرف علوا ... حتى تكون السعادات وفد بابه، والبشائر # قرى سمعه، والمسار غذاء نفسه، ويترامى به الإقبال إلى حيث لا يبلغه أمل، ~~ولا يقطعه أجل. # نحافى قوله «وهذه صفة تغنى عن الموصوف» إلى قول أبى الطيب يرنى أخت سيف ~~الدولة: # يا أخت خير أخ يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أشرف النسب # أجل قدرك أن تسمى مؤثثة ... ومن دعاك فقد سماك للعرب # وفي شمس المعالى يقول الأمير أبو الفضل الميكالى: # لا تعصين شمس العلا قابوسا ... فمن عصى قابوس لاقى بوسا # وله يقول بديع الزمان في قصيدة نظمها في تضاعيف رسالة موشحة: # إن من كنت من مناه بمرأى ... وتعداك سيىء الاقتراح # بين بشر يرد غائض جاهى ... وقبول يعيد ريش جناحى # PageV02P416 # وبساط وردت مشرعة الأن ... س به وادرعت برد النجاح # فاقض أو طارا التقت والمعالى ... فى نظام من النهى وتصاح # ملك دونه تقطع أبصا ... ر الليالى يوما ندى وكفاح # ملك لو يشاء مد على النج ... م رواقا ورد وفد الرياح # تارة في خشونة الدهر تلقا ... ه وطورا في حسن ذات الوشاح # ملك كلما بدا نقف الأف ... لاك عجبا به وفرط ارتياح # هكذا هكذا تكون المعالى ... طرق الجد غير طرق المزاح # وهي طويلة، كتبتها على طريق الاختيار. ### | [من رسائل بديع الزمان] # رقعة لبديع الزمان إلى شمس المعالى، وقد ورد حضرته: # لم تزل الآمال- أطال الله بقاء الأمير السيد شمس المعالى، وأدام سلطانه- ~~تعدنى هذا اليوم، والأيام تمطلنى بألسنة ms239 صروفها، على اختلاف صنوفها، بين ~~حلو استرقنى، ومر استخفنى، وشر صار إلى، وخير صرت إليه، وأنا في خلال هذه ~~الأحوال أذرع الآفاق فأكون طورا مشرقا للمشرق الأقصى، وطورا مغربا للمغرب، ~~ولا مطمح إلا حضرته الرفيعة، وسدته المريعة، ولا وسيلة إلا المنزع الشاسع، ~~والأمل الواسع؛ وقد صرت- أطال الله بقاء الأمير مولانا- بين أنياب النوائب، ~~وتجشمت هول الموارد، وركبت أكتاف المكاره، ورضعت أخلاف العوائق، ومسحت ~~أطراف المراحل، حتى حضرت الحضرة البهية أو كدت، وبلغت الأمنية أو زدت، ~~وللأمير السيد في الإصغاء إلى المجد، والبسط من عنان الفضل، بتمكين خادمه ~~من المجلس يلقاه بقدمه، والبساط يلثمه بفمه، تفضله، فله الرأى العالى إن ~~شاء الله. # وله إلى بعض الرؤساء وقد وعد بحضور مجلسه بالغداة وأمره أن يزف إليه ما ~~أنشأه، فبعث به وكتب إليه: # مرحبا بسلام الشيخ سيدى ومولاى أطال الله بقاه، ولا كالمرحب # PageV02P417 # بطلعته؛ وقد وصلت تحيته فشكرتها، وعدته الجميلة بالحضور غدا فانتظرتها؛ ~~ودعوت الله أن يطوى ساعات النهار، ويزج الشمس في المغار، ويقرب مسافة الفلك ~~الدوار، ويرفع البركة من سيره، ويجهز الحركة إلى دوره؛ ويسرنى بوفد الظلام ~~وقد نزل، ثم لم يلبث إلا ريثما رحل؛ وقد بعثت بما طلب سمعا لأمره وطاعة، ~~والنسخة أسقم من أجفان الغضبان، والشيخ سيدى- أدام الله عزه- يركض قلمه في ~~إصلاحها، وحبذا هو في غد، وقد طلع كالصبح إذا سطع، والبرق إذا لمع: # يا مرحبا بغد ويا أهلا به ... إن كان إلمام الأحبة في غد # وله إلى أبى الطيب سهل بن محمد يسأله أن يصله بأبى إبراهيم إسماعيل بن ~~أحمد: # لو كان للكرم عن جناب الشيخ منصرف لانصرفت، أو للأمل منحرف إلى سواه لا ~~نحرفت، أو للنجح باب سواه لولجت، أو للفضل خاطب غيره لزوجت، ولكن أبى الله ~~أن يعقد إلا عليه الخنصر، أو يتحلى إلا بفواضله الدهر، ولا يزال كذا يتسم ~~المجد بسمته، ويجذب العلاء بهمته، ويسعد الدين بنظره، والدنيا بجماله، ~~وغلامه أنا لو استعار الدهر لسانا، واتخذ الريح ترجمانا، ليشيع إنعامه حق ~~الإشاعة، لقصرت به يد الاستطاعة، فليس ms240 إلا أن يلبس مكارمه صافية سابغة، ~~ويرد مشارعه صافية سائغة، ويحيل الجزاء على يد قصور، والشكر على لسان قصير؛ ~~ثم إن حاجاتى، إذا لم يعر من قلائد المجد نحرها، ولم يعطل من حلى المجد ~~صدرها، كبر مهرها، وعز كفؤها، ولم أجد لها إلا واحدا أخضر الجلدة فى بيت ~~العرب، أو ماجدا يملأ الدلو إلى عقد الكرب «1» . وهذه حاجة أنا أزفها إلى ~~الشيخ الإمام حرص الله مهجته، وأسوقها منظومة من الصدر إلى العجز، كما يساق ~~الماء إلى الأرض الجرز «2» ؛ وأنا من مفتتح اليوم إلى مختتمه، ومن # PageV02P418 # قرن النهار إلى قدمه، قاعد كالكركى «1» ، أو الديك الهندى، فى هذا الأدحى ~~«2» ، يمر بى أولو الحلى والحلل، ويجتاز ذوو الخيل والخول «3» ، وما أنا ~~والنظر إلى مالا يلينى، والسؤال عما لا يعنينى، واليوم، لما افتضضنا عذرة ~~الصباح، ملأت جفونى من منظر ما أحوجه إلى عيب يصرف عين كماله، عن جماله، ~~فقلت لمن حضر: من هذا؟ فأخذوا يحركون الرءوس استظرافا لحالى، ويتغامزون ~~تعجبا من سؤالى، وقالوا: هذا الشيخ الفاضل أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد، ~~فقلت: # حرس الله مهجته، وأدام غبطته؛ فكيف الوصول إلى خدمته، وأنى مأتى معرفته؟ ~~قالوا: إن الشيخ الإمام- أدام الله تأييده- يضرب في مودته بالقدح المعلى، ~~ويأخذ في معرفته بالحظ الاعلى، فإن رأى الشيخ- أطال الله بقاه- أن تجعل ~~عنايته حرف الصلة، وتفضله لام المعرفة، فعل، إن شاء الله. ### | [من أخبار البرامكة] # قال الرشيد ليحيى بن خالد: يا أبت، إنى أردت أن أجعل الخاتم الذى في يد ~~الفضل إلى جعفر، وقد احتشمت منه فاكفنيه. # فكتب إليه يحيى: قد أمر أمير المؤمنين- أعلى الله أمره- أن يحول الخاتم ~~من يمينك إلى شمالك. # فأجاب الفضل: قد سمعت ما قاله أمير المؤمنين في أخى، وقد اطلعت على أمره، ~~وما انقلبت عنى نعمة صارت إليه، ولا عزبت «4» عنى رتبة طلعت عليه. # فقال جعفر: لله أخى! ما أنفس نفسه، وأبين دلائل الفضل عليه، وأقوى منة ~~العقل فيه، وأوسع في البلاغة ذرعه، وأرحب بها جنابه. يوجب على نفسه ما يجب ~~له، ويحمل بكرمه فوق طاقته. # PageV02P419 # وذكر ms241 جعفر بن يحيى في مجلس ثمامة بن أشرس فقال: ما رأيت أحدا من خلق الله ~~كان أبسط لسانا، ولا ألحن بحجة، ولا أقدر على كلام، بنظم حسن، وألفاظ عذبة، ~~ومنطق فصيح، من جعفر بن يحيى، كان لا يتوقف، ولا يتحبس، ولا يصل كلامه بحشو ~~من الكلام، ولا يعبد لفظا ولا معنى، ولا يخرج من فن إلى غيره، حتى يبلغ آخر ~~ما فيه؛ وكان لا يرى شيئا إلا حكاه، ولا يحكى شيئا إلا كان أكثر منه، ولا ~~يمر بذهنه شىء إلا حفظه، وكان إذا شاء أضحك الثكلى، وأذهل الزاهد، وخشن قلب ~~العابد. # قلت: فكيف كانت معرفته؟ قال: كان من أعلم الناس بالخبر الباهر، والشعر ~~النادر، والمثل السائر، والفصاحة التامة، واللسان البسيط. # قال سهل بن هارون، وذكر يحيى بن خالد وابنه جعفرا، فقال: لو كان الكلام ~~متصورا درا، ويلقيه المنطق جوهرا، لكان كلامهما، والمنتقى من ألفاظهما. ~~ولقد غبرت معهما، وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهما، وهم يرون البلاغة لم ~~تستكمل إلا فيهما، ولم تكن مقصورة إلا عليهما، ولا انقادت إلا لهما. وإنهما ~~للباب الكرم، عتق منظر، وجودة مخبر، وسهولة لفظ، وجزالة منطق، ونزاهة نفس، ~~وكمال خصال؛ حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهما، والمأثور من خصائصها جميع ~~أيام من سواهما من لدن آدم إلى أن ينفخ في الصور، ويبعث أهل القبور- حاشا ~~أنبياء الله الكرام، وسلف عباده الصالحين- لما باهت إلا بهما، ولا عولت في ~~الفخر إلا عليهما، ولقد كانا- مع تهذيب أخلاقهما، ومعسول مذاقهما، وسنا ~~إشراقهما، وكمال الخير فيهما- فى محاسن المأمون كالنقطة في البحر، والخردل ~~في القفر ووقع جعفر بن يحيى لرجل اعتذر عنده من ذنب: قد قدمت طاعتك، وظهرت ~~نصيحتك، ولا تغلب سيئة حسنتين. # PageV02P420 # ووقع- وقد قرأ كتابا فاستحسن خطه-: الخط خيط الحكمة، ينظم فيه منثورها، ~~ويفصل فيه شذورها. # واختصم رجلان بحضرته، فقال لأحدهما: أنت خلى، وهذا شجى؛ فكلامك يجرى على ~~برد العافية، وجوابه يجرى على حر المصيبة. # ودخل مروان بن أبى حفصة على جعفر بن يحيى فأنشده: # أبر فما ترجو الجياد لحاقه ... أبو الفضل سباق ms242 الأضاميم جعفر # وزير إذا ناب الخلافة حادث ... أشار بما عنه الخلافة تصدر # فقال جعفر: أنشدنى مرثيتك في معن بن زائدة، فأنشده: # أقمنا باليمامة أو نسينا ... مقاما ما نريد به زوالا # وقلنا: أين نذهب بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوالا؟ # وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته- عيالا # حتى فرغ من القصيدة، وجعفر يرسل دموعه على خديه، فقال: هل أثابك على هذه ~~المرثية أحد من أهل بيته وولده؟ قال: لا، قال: فلو كان معن حيا، ثم سمعها ~~منك، كم كان يثيبك عليها؟ قال: أربعمائة دينار، قال: فإنا كنا نظن أنه لا ~~يرضى لك بذلك، وقد أمرنا لك عن معن- رحمه الله- بالضعف مما ظننته، وزدناك ~~مثل ذلك؛ فاقبض من الخازن ألفا وستمائة دينار قبل أن تخزح، فقال مروان- ~~يذكر جعفرا وما سمح به عن معن-: # نفحت مكافئا عن جود معن ... لنا فيما تجود به سجالا # فعجلت العطية يابن يحيى ... لناد به ولم ترد المطالا # فكافأ عن صدى معن جواد ... بأجود راحة بذلت نوالا # بنى لك خالد وأبوك يحيى ... بناء في المكارم لن ينالا # كأن البرمكى لكل مال ... تجود به يداه يفيد مالا «1» # PageV02P421 # أخذ هذا من قول زهير: # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذى أنت سائله # وهذا البيت لزهير من قصيدة يقول فيها: # وذى نعمة تممتها وشكرتها ... وخصم يكاد يغلب الحق باطله # دفعت بمعروف من الحق صائب ... إذا ما أضسل القائلين مفاصله # وذى خطل في القول يحسب أنه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله # عبأت له حلما، وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله # وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب نوافله «1» # غدوت عليه غدوة فرأيته ... قعودا لديه بالصريم عواذله # يفدينه طورا، وطورا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله # فأعرضن عنه عن كريم مرزا ... جموح على الأمر الذى هو فاعله # أخى ثقة لا يذهب الخمر ماله ... ولكنه قد يذهب المال نائه # قال أبو الفرج قدامة بن جعفر، فى معنى أبيات زهير الأولى: لما كانت فضائل ~~الناس من حيث هم ناس، لا ms243 من طريق ما هم مشتركون فيه مع سائر الحيوان، على ~~ما عليه أهل الألباب من الاتفاق في ذلك، إنما هي العقل والعفة والعدل ~~والشجاعة، كان القاصد للمدح بهذه الأربعة مصيبا، وبما سواها مخطئا؛ وقد قال ~~زهير: # أخى ثقة لا يتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله # فوصفه بالعفة لقلة إمعانه في اللذات، وأنه لا ينفد فيها ماله، وبالسخاء ~~لإهلاك ماله في النوال، وانحرافه إلى ذلك عن اللذات، وذلك هو العدل، ثم ~~قال: # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذى أنت سائله # PageV02P422 # فزاد في وصف السخاء بأنه يهش ولا يلحقه مضض ولا تكره لفعله ثم قال: # فمن مثل حصن في الحروب ومثله ... لإنكار ضيم أو لأمر يحاوله # فأتى في هذا البيت بالوصف من جهة الشجاعة والعقل؛ فاستوفى ضروب المدح ~~الأربعة، التى هي فضائل الإنسان على الحقيقة، وزاد الوفاء، وإن كان داخلا ~~في الأربعة؛ فكثير من الناس لا يعلم وجه دخوله فيها حيث قال «أخى ثقة» ~~فوصفه بالوفاء؛ والوفاء داخل في هذه الفضائل التي قد مناها. # وقد يتفنن الشعراء فيعدون أنواع الفضائل الأربع وأقسامها، وكل ذلك داخل ~~في جملتها؛ مثل أن يذكروا ثقابة المعرفة، والحياء، والبيان، والسياسة، ~~والصدع بالحجة، والعلم، والحلم عن سفاهة الجهلة؛ وغير ذلك مما يجرى هذا ~~المجرى، وهو من أقسام العقل. وكذكرهم القناعة، وقلة الشره، وطهارة الإزار؛ ~~وغير ذلك أيضا من أقسام العفة. وكذكرهم الحماية، والأخذ بالثار، والدفاع، ~~والنكاية، والمهابة، وقتل الأقران، والسير في المهامه والقفار؛ وما يشاكل ~~ذلك، وهو من أقسام الشجاعة؛ وكذكرهم السماحة، والتغابن، والانظلام، والتبرع ~~بالنائل، وإجابة السائل، وقرى الأضياف؛ وما جانس هذه الأشياء، وهو من أقسام ~~العدل. # فأما تركيب بعضها على بعض فتحدث منها ستة أقسام: يحدث من تركيب العقل مع ~~الشجاعة: الصبر على الملمات، ونوازل الخطوب، والوفاء بالوعود. وعن تركيب ~~العقل مع السخاء: إنجاز الوعد، وما أشبه ذلك. وعن تركيب العقل مع العفة: ~~التنزه والرغبة عن المسألة، والاقتصار على أدنى معيشة، وما أشبه ذلك. وعن ~~تركيب الشجاعة مع السخاء: الإخلاف، والإتلاف، وما ms244 أشبه ذلك. وعن تركيب ~~الشجاعة مع العفة: إنكار الفواحش، والغيرة على الحرم. ومن السخاء مع العفة: # PageV02P423 # الإسعاف بالقوت، والإيثار على النفس، وما شاكل ذلك. وكل واحدة من هذه ~~الفضائل الأربع وسط بين طرفين مذمومين «1» وقد قال أبو جعفر محمد بن مناذر ~~لما حج الرشيد مع البرامكة: # أتانا بنو الأملاك من آل برمك ... فيا طيب أخبار، ويا حسن منظر # لهم رحلة في كل عام إلى العدا ... وأخرى إلى البيت العتيق المشهر # فتظلم بغداد، ويجلو لنا الدجى ... بمكة ما حجوا ثلاثة أقمر # إذا نزلوا بطحاء مكة اشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر # فما خلقت إلا لجود أكفهم ... وأقدامهم إلا لأعواد منبر # إذا راض يحيى الأمر ذلت صعابه ... وحسبك من راع له ومدبر # ترى الناس إجلالا له وكأنهم ... غرانيق ماء تحت باز مصرصر «2» ### | [مثل من التجنيس] # قطعة من شعر الأمير أبى الفضل الميكالى في طرف اخذ بطرف من التجنيس ~~مستطرف في ضروب من الغزل، قال: # لقد راعنى بدر الدجى بصدوده ... ووكل أجفانى يرعى كواكبه # فيا جزعى، مهلا عساه يعود لى ... ويا كبدى، صبرا على ما كواك به # وقال: # مواعيده في الفضل أحلام نائم ... أشبهها بالقفر أو بسرابه # فمن لى بوجه لو تحير في الدجى ... أخو سفر في ليل غيم سرى به # PageV02P424 # وقال: # صل محبا أعياه وصف هواه ... فضناه ينوب عن ترجمانه # كلما راقه سواك تصدت ... مقلتاه بدمعه ترجمانه # وقال: # يا ذا الذى أرسل من طرفه ... على سيفا قدنى لو فرا # شفاء نفسى منك تخميشة ... تغرس في خدك نيلوفرا # وقال: # يا مبتلى بضناه يرجو رحمة ... من مالك يشفيه من أوصابه # [أوصاك سحر جفونه بتسهد ... وتبلد، فقبلت ما أوصى به] # اصبر على مضض الهوى فلربما ... تحلو مرارة صبره أوصابه # وقال: # كتبت إليه أستهدى وصالا ... فعللنى بوعد في الجواب # ألا ليت الجواب يكون خيرا ... فيطفىء ما أحاط من الجوى بى # وقال: # إن كنت تأنس بالحبيب وقربه ... فاصبر على حكم الرقيب وداره # إن الرقيب إذا صبرت لحكمه ... بواك في مثوى الحبيب وداره # وقال: # شكوت إليه ما الا ms245 في فقال لى: ... رويدا، ففى حكم الهوى أنت موتلى «1» # فلو كان حقا ما ادعيت من الهوى ... لقل بما تلقى إذا أن تموت لى # وقال: # نوى لى بعد إكثار السؤال ... حبيب أن يسامح بالنوال # فلما رمت إنجازا لوعدى ... عليه أبى الوفاء بما نوى لى # وكان القرب منه شفاء نفسى ... فقد قضت النوائب بالنوى لى # PageV02P425 # وقال: # سقيا لدهر مضى والوصل يجمعنا ... ونحن نحكى عناقا شكل تنوين # فصرت إذ علقت كفى خبائلكم ... فسهم هجرك ترمى ثم تنوينى # وقال: # صدف الحبيب بوصله ... فجفا رقادى إذ صدف # ونثرت لؤلؤ أدمع ... أضحى لها جفنى صدف # وقال: # يا من يقول الشعر غير مهذب ... ويسومنى التعذيب في تهديبه # لو أن كل الناس فيك مساعدى ... لعجزت عن تهذيب ما تهذى به # وقال: # أراد أن يخفى هواه وقد ... نم بما تخفى أساريره # وكيف يخفى داءه مدنف ... قد ذاب من فرط الأسى ريره «1» # وقال: # ومهفهف تهفو بل ... ب المرء منه شمائل # فالردف دعص هائل ... والقد غصن مائل # والخد نور شقائق ... تنشق عنه خمائل # والعرف نشر حدائق ... تمت بهن شمائل # والطرف سيف ماله ... إلا العذار حمائل # ولأبى الفتح البستى في هذا المذهب: # إن لى في الهوى لسانا كتوما ... وجنانا يخفى حريق جواه # غير أنى أخاف دمعى عليه ... ستراه يفشى الذى ستراه # PageV02P426 # ولأبى الفتح البستى في مذهب هذا البيت الأخير: # ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعانى أمت بما أودعانى # وله: # خذ العفو وأمر بعرف كما ... أمرت وأعرض عن الجاهلين # ولن في الكلام لكل الأنام ... فمستحسن من ذوى الجاه لين # وله: # إلى حتفى سعى قدمى ... أرى قدمى أراق دمى # فما أنفك من ندمى ... وليس بنافعى ندمى # وله: # إن هز أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كل كمى هر عامله # وإن أقر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له # وقال لمن استدعاه إلى مودته: # فديتك قل الصديق الصدوق ... وقل الخليل الحفى الوفى # ولى راغب فيك إما وفيت ... فهل راغب أنت في أن تفى # وللأمير أبى الفضل: # أهلا بظبى حواه قصر ... كجنة قد حوت نعيما # طرقته لا ms246 أهاب سوءا ... أباحنى حبه الحريما # فجاد من فيه لى براح ... تنفى حريقا به قديما # أفدى حريقا أباح ريقا ... لا بل حريما أباح ريما # وله: # من لى بشمل المنى والأنس أجمعه ... بشادن حل فيه الحسن أجمعه # PageV02P427 # مازال يعرض عن وصلى وأخدعه ... فالآن قد لان بعد الصد أخدعه «1» # وقال: # بأبى غزل نام عن وصبى به ... ومراق دمعى للنوى وصبيبه # يا ليته يرثى على ولهى به ... لغرام قلبى في الهوى ولهيبه # وله في هذا الباب من غير هذا النمط يصف غلاما مخمورا خمش وجهه: # هبه تغير حائلا عن عهده ... ورمى فؤادى بالصدود فأزعجا # ما بال نرجسه تحول وردة ... والورد في خديه عاد بنفسجا # وله في هذا المعنى: # وريم على السكر خمشته ... بقرص بعارضه أثرا # فأصح نرجسه وردة ... ووردة خديه نيلوفرا # وقال في وصف العذار: # ظبى كسا رأس الشهاب بعارض ... نم العذار بحافتيه فلاحا # فكأنما أهدى لعارض خده ... شعرى ظلاما واستعاض صباحا # وقال في غلام افتصد: # ومهفهف غرس الجما ... ل نحده روضا مريعا # فصد الطبيب ذراعه ... فجرى له دمعى ذريعا # وأمسنى وقع الحديد ... بعرقه ألما وجيعا # فأريته من عبرتى ... ما سال من دمه نجيعا ### | فقر في ذكر العلم والعلماء # العلماء ورثة الأنبياء. والعلماء أعلام الإسلام. العلماء في الأرض ~~كالنجوم فى السماء. # PageV02P428 # ابن المعتز- العلماء غرباء، لكثرة الجهل. وله: العلم جمال لا يخفى، ونسب ~~لا يجفى. وله: زلة العالم كانكسار سفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير. # غيره- إذا زل العالم، زل بزلته عالم. غيره: الملوك حكام على الناس، ~~والعلماء حكام على الملوك. من لم يحتمل ذل التعلم ساعة، بقى في ذل الجهل ~~أبدا. # ماصين العلم بمثل بذله لاهله. من كتم علما فكأنه جاهله. # العلم يمنع أهله ... أن يمنعوه أهله «1» # ابو الفتح كشاجم: # لا تمنع العلم امرأ ... والعلم يمنع جانبه # أما الغبى فليس يفهم ... لطفه وغرائبه # وتكون حاضرة الفوا ... ئد عنده كالغائبه # وأخو الحصافة مستحق ... أن ينال مطالبه # فبحقه أعطيته ... من فضل علمك واجبه # ومن رق وجهه عند السؤال، رق علمه عند الرجال. علم بلا عمل، كشجرة بلا ms247 ~~ثمر. كما لا ينبت المطر الكثير الصخر، كذلك لا ينفع البليد كثرة التعلم. # من ترفع بعلمه وضعه الله بعمله. الجاهل صغير وإن كان كبيرا، والعالم كبير ~~وإن كان صغيرا. من أكثر مذاكرة العلماء، لم ينس ما علم، واستفاد ما لم ~~يعلم. # ابن المعتز: المتواضع في طلاب العلم أكثرهم علما، كما أن المكان المنخفض ~~أكثر البقاع ماء. إذا علمت فلا تذكر من دونك من الجهال، واذكر من فوقك من ~~العلماء. النار لا ينقصها ما أخذ منها، ولكن ينقصها ألا تجد حطبا، كذلك ~~العلم لا يفنيه الاقتباس منه، وفقد الحاملين له سبب عدمه. # PageV02P429 # مات خزنة الأموال وهم أحياء، وعاش خزان العلم وهم أموات. مثل علم لا ينفع ~~ككنز لا ينفق منه. أزهد الناس في عالم جيرانه. # وقيل للصلت بن عطاء، وكان مقدما عند البرامكة: كيف غلبت عليهم وعندهم من ~~هو آدب منك؟ قال: ليس للقرباء طرافة الغرباء، وكنت امرأ بعيد الدار، نائى ~~المزار، غريب الاسم، قليل الجرم، كثير الالتواء، شحيحا بالإملاء؛ فرغبهم فى ~~رغبتى عنهم، وزهدنى فيهم رغبتهم فى. # علم لا يعبر معك الوادى، لا يعمر بك النادى. لو سكت من لا يعلم لسقط ~~الاختلاف. إذا ازدحم الجواب خفى الصواب. الغلط تحت اللغط. خرق الإجماع خرق. ~~المحجوج بكل شىء ينطق ### | استعارات فقهية تليق بهذا المكان # دخل أبو تمام الطائى على أحمد بن أبى داود في مجلس حكمه، وأنشده أبياتا ~~يستمطر نائله، وينشر فضائله، فقال: سيأتيك ثوابها يا أبا تمام، ثم اشتغل ~~بتوقيعات في يده؛ فأحفظ ذلك أبا تمام، فقال: احضر أيدك الله فإنك غائب، ~~واجتمع فإنك مفترق، ثم أنشده: # إن حراما قبول مدحتنا ... وترك ما نرتجى من الصفد # كما الدنانير والدراهم في ال ... صرف حرام إلا يدا بيد # فأمر بتوفير حبائه، وتعجيل عطائه. # ولما ولى طاهر بن عبد الله بن طاهر خراسان دخل الشعراء يهنئونه، وفيهم ~~تمام بن أبى تمام فأنشده: # هناك رب الناس هناكا ... مامن جزيل الملك اعطاكا # قرت بما أعطيت يا ذا الحجى ... والبأس والإنعام عيناكا # أشرقت الأرض بما نلته ms248 ... وأورق العود بجدواكا # فاستضعف الجماعة شعره، وقالوا: يا بعد ما بينه وبين ابيه! فقال طاهر # PageV02P430 # لبعض الشعراء: أجبه، فقال: # حياك رب الناس حياكا ... إن الذى أملت أخطاكا # فقلت قولا فيه ما زانه ... ولو رأى مدحا لآساكا # فهاك إن شئت بها مدحة ... مثل الذى أعطيت أعطاكا # فقال تمام: أعز الله الأمير، وإن الشعر بالشعر ربا، فاجعل بينهما صنجا من ~~الدراهم، حتى يحل لى ولك! فضحك وقال: إلا يكن معه شعر أبيه، فمعه ظرف أبيه؛ ~~أعطوه ثلاثة آلاف درهم! فقال عبد الله بن إسحاق: لو «1» لم يعط إلا لقول ~~أبيه في الأمير أبى العباس- رحمه الله- يريد عبد الله بن طاهر: # يقول في قومس صحبى وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القود: # أمطلع الشمس تبغى أن تؤم بنا؟ ... فقلت: كلا، ولكن مطلع الجود # فقال: ويعطى بهذا ثلاثة آلاف. ### | [ولاية طاهر بن عبد الله بن طاهر خراسان، وسببها] # وكان سبب ولاية طاهر خراسان بعد أبيه ما حدث به أبو العيناء قال: # كنا عند أحمد بن دواد، فجاء الخبر أن الكتب وردت على الواثق من خراسان ~~بوفاة عبد الله بن طاهر، وأن الواثق يعزى عنه، وأنه قد ولى مكانه خراسان ~~إسحاق ابن إبراهيم، وكان عدوا له لا نخراطه في سلك ابن الزيات؛ فلبس ثيابه ~~ومضى، وقال: لا تبرحوا حتى أعود إليكم؛ فلبث قليلا، ثم عاد إلينا فحدثنا ~~أنه دخل على الواثق فعزاه عن عبد الله وجلس، قال: فقال لى الواثق: قد ولينا ~~إسحاق خراسان، فما عندك؟ قلت: وفق الله أمير المؤمنين ولا نذمه. قال: قل ما ~~عندك فى هذا. قلت: أمر قد أمضى، فما عسيت أن أقول فيه. قال: لتفعلن. فقلت: # يا أمير المؤمنين، خراسان منذ ثلاثين سنة فى يد طاهر وابنه، وكل من بها ~~صنائعهم، وقد خلف عبد الله عشر بنين أكثرهم رجال، وجميع جيش خراسان # PageV02P431 # لهم عبيد أو موال أو صنائع، وسيقولون: أما كان فينا مصطنع؟ وكان يجب أن ~~يجربنا أمير المؤمنين، فإن وفينا بما كان يفى به أبونا وجدنا، وإلا استبدل ~~منا بعد ms249 عذر فينا؛ ويقدم خراسان إسحاق وهو رجل غريب فينافسه هؤلاء، ويتعصب ~~أهلها لهم؛ فينتقض ما أبرم، ويفسد ما أصلح قال: صدقت يا أبا عبد الله، ~~والرأى ما قلت، اكتبوا بعهد طاهر بن عبد الله على خراسان. فكتبت كتب طاهر، ~~وخرقت كتب إسحاق، فخرجت الزنج تطير بها، ثم لقينى إسحاق داخلا، فقلت: يا ~~أبا الحسن، لا عدمت عداوة رجل أزال عنك ولاية خراسان بكلمة. # ومدح ابن الرومى أبا العباس بن ثوابة، فعارضه أخوه أبو الحسن بقصيدة يمدح ~~أخاه بها، فقال ابن الرومى: # أليس القوافى بنات الفتى ... إذا صورة الحق لم تمسخ # فلا تقبلن أماديحه ... حرام نكاح بنات الأخ # ولما أنشد أبو تمام قصيدته في المعتصم: # السيف أصدق أنباء من الكتب # قال له: لقد جلوت عروسك يا أبا تمام فأحسنت جلاءها. قال: يا أمير ~~المؤمنين، والله لو كانت من الحور العين لكان حسن إصغائك إليها من أوفى ~~مهورها. # وقال الأمير أبو الفضل الميكالى: # أقول لشادن في الحسن أضحى ... يصيد بلحظه قلب الكمى # ملكت الحسن أجمع في قوام ... فأد زكاة منظرك البهى # وذلك أن تجود لمستهام ... بريق من مقبلك الشهى # فقال: أبو حنيفة لى إمام ... فعندى لا زكاة على الصبى # وربما أنشد هذه الأبيات على قافية أخرى فقال: # أقول لشادن في الحسن فرد ... يصيد بلحظه قلب الجليد # PageV02P432 # ملكت الحسن أجمع في قوام ... فلا تمنع وجوبا عن وجود # وذلك أن تجود لمستهام ... برشف رضابك العذب البرود # فقال: أبو حنيفة لى إمام ... فعندى لا زكاة على الوليد # وقال: # بنفسى غزال صار للحسن قبلة ... يحج من البيت العتيق ويقصد # دعانى الهوى فيه فلبيت طائعا ... وأحرمت بالإخلاص والسعى يشهد # فطرفى بالتسهيد والدمع قارن ... وقلبى عليه بالصبابة مفرد # وقال أبو الفتح كشاجم: # فديت زائرة في العيد واصلة ... والهجر في غفلة من ذلك الخبر # فلم يزل خدها ركنا أطوف به ... والخل في خدها يغنى عن الحجر # وينضاف إلى هذا النظم قطعة من رسالة طويلة كتبها بديع الزمان إلى أبى نصر ~~بن المرزبان: # كتابى أطال الله بقاء الشيخ وأنا سالم، ms250 والحمد لله رب العالمين، كيف تقلب ~~الشيخ في درع العافية، وأحواله بتلك الناحية؛ فإنى ببعده منغص شرعة العيش، ~~مقصوص أجنحة الأنس. ورد كتابه المشتمل من خبر سلامته، على ما أرغب إلى الله ~~في إدامته، وسكنت إليه بعد انزعاجى لتأخره؛ وقد كان رسم أن أعرفه سبب خروجى ~~من جرجان، ووقوعى بخراسان، وسبب غضب السلطان؛ وقد كانت القصة أنى لما وردت ~~من ذلك السلطان حضرته، التى هي كعبة المحتاج، لا كعبة الحجاج، ومستقر ~~الكرم، لا مشعر الحرم، وقبلة الصلات، لا قبلة الصلاة، ومنى الضيف، لا منى ~~الخيف، وجدت بها ندماء من نبات العام «1» ، اجتمعوا # PageV02P433 # قيضة كلب «1» على تلفيق خطب، أزعجنى عن ذلك الفناء، وأشرف بى على الفناء، ~~لولا ما تدارك الله بجميل صنعه، وحسن دفعه؛ ولا أعلم كيف احتالوا، ولا ما ~~الذى قالوا؛ وبالجملة غيروا رأى السلطان، وأشار على إخوانى، بمفارقه مكانى، ~~وبقيت لا أعلم أيمنة أضرب أم شآمة، ونجدا أقصد أم تهامة! # ولو كنت في سلمى أجا وشعابها ... لكان لحجاج على دليل # وقد علم الشيخ أن ذلك السلطان سماء إذا تغيم لم يرج صحوه، وماء إذا تغير ~~لم يشرب صفوه، وملك إذا سخط لم ينتظر عفوه، وليس بين رضاه والسخط عوجة، كما ~~ليس بين غضبه والسيف فرجة، وليس من وراء سخطه مجاز، كما ليس بين الحياة ~~والموت معه حجاز؛ فهو سيد يغضبه الجرم الخفى، ولا يرضيه العذر الجلى؛ ~~وتكفيه الجناية وهي إرجاف، ثم لا تشفيه العقوبة وهي إجحاف، حتى إنه ليرى ~~الذنب وهو أضيق من ظل الرمح، ويعمى عن العذر وهو أبين من عمود الصبح؛ وهو ~~ذو أذنين يسمع بهذه القول وهو بهتان، ويحجب عن هذه العذر وله برهان؛ وذو ~~يدين يبسط إحداهما إلى السفك والسفح، ويقبض الأخرى عن العفو والصفح؛ ودو ~~عينين يفتح إحداهما إلى الجرم، ويغمض الأخرى عن الحلم، فمزحه بين القد ~~والقطع، وجده بين السيف والنطع، ومراده بين الظهور والكمون، وأمره بين ~~الكاف والنون؛ ثم لا يعرف من العقاب، غير ضرب الرقاب، ولا يهتدى من التأنيب ~~إلا لإزالة ms251 النعم، ولا يعلم من التأديب غير إراقة الدم، ولا يحتمل الهنة ~~على حجم الذرة، ودقة الشعرة، ولا يحلم عن الهفوة، كوزن الهبوة، ولا يغضى عن ~~السقطة، كجرم النقطة؛ ثم إن النقم بين لفظه وقلمه، والأرض تحت يده وقدمه، ~~لا يلقاه الولى إلا بفمه، ولا العدو إلا بدمه؛ والأرواح بين حبسه وإطلاقه، ~~كما أن الأجسام بين حله ووثاقه؛ فنظرت فإذا أنا بين # PageV02P434 # جودين: إما أن أجود ببأسى، وإما أن أجود برأسى؛ وبين ركوبين: إما ~~المفازة، وإما الجنازة؛ وبين طريقين: إما الغربة، وإما التربة؛ وبين ~~فراقين: إما أن أفارق أرضى، أو أفارق عرضى؛ وبين راحلتين: إما ظهور الجمال، ~~وإما أعناق الرجال؛ فاخترت السماح بالوطن، على السماح بالبدن؛ وأنشدت: # إذا لم يكن إلا المنية مركب ... فلا رأى للمحمول إلا ركوبها # ولد ما ذكر من «كعبة [المحتاج، لا كعبة] الحجاج» ، من قول أبى تمام: # بيتان حجههما الأنام؛ فهذه ... حج الغنى، وتلكم للمعدم ### | [أبو على البصير وشىء من أدبه] # وشتم بعض الطالبيين أبا على الفضل بن جعفر البصير، فقال أبو على: والله ~~ما نعيا عن جوابك، ولا نعجز عن مسابك؛ ولكنا نكون خيرا لنسبك منك، ونحفظ ~~منه ما أضعت؛ فاشكر توفيرنا ما وفرنا منك، ولا يغرنك بالجهل علينا حلمنا ~~عنك. # وسأل أبو على البصير بعض الرؤساء حاجة ولقيه؛ فاعتذر إليه من تأخرها؛ ~~فقال أبو على: فى شكر ما تقدم من إحسانك شاغل من استبطاء ما تأخر منه. # وأبو على أحد من جمع له حظ البلاغة في الموزون والمنثور، وهو القائل: # ألمت بنا يوم الرحيل اختلاسة ... فأضرم نيران الهوى النظر الخلس # تأبت قليلا وهي ترعد خيفة ... كما تتأبى حين تعتدل الشمس # فخاطبها صمتى بما أنا مضمر ... وأنبست حتى ليس يسمع لى حس # وولت كما ولى الشباب لطية ... طوت دونها كشحا على يأسها النفس # وقال يصف بلاغة الفتح بن خاقان وشعره: # سمعنا بأشعار الملوك؛ فكلها ... إذا عض متنيه الثقاف تأودا # سوى ما رأينا لامرئ القيس؛ إننا ... نراه- متى لم يشعر الفتح- أوحدا # PageV02P435 # أقام زمانا يسمع القول صامتا ... ونحسبه إن ms252 رام أكدى وأصلدا # [فلما امتطاه راكبا ذل صعبه ... وسار فأضحى قد أغار وأنجدا] # والفتح بن خاقان يقول: # وإنى وإياها لكالخمر، والفتى ... متى يستطع منها الزيادة يزدد # إذا ازددت منها زاد وجدى بقربها ... فكيف احتراسى من هوى متجدد # وكتب إلى أبى الحسن عبيد الله بن يحيى: وإن أمير المؤمنين لما استخلصك ~~لنفسه، وائتمنك على رعيته؛ فنطق بلسانك، وأخذ وأعطى بيدك، وأورد وأصدر عن ~~رأيك، وكان تفويضه إليك بعد امتحانه إياك، وتسليطه الحق على الهوى فيك، ~~وبعد أن مثل بينك وبين الذين سموا لمرتبتك، وجروا إلى غايتك، فأسقطهم ~~مضاؤك، وخفوا في ميزانك، ولم يزدك- أكرمك الله- رفعة وتشريفا إلا ازددت له ~~هيبة وتعظيما، ولا تسليطا وتمكينا، إلا زدت نفسك عن الدنيا عزوفا وتنزيها، ~~ولا تقريبا واختصاصا، إلا ازددت بالعامة رأفة وعليها حدبا، لا يخرجك فرط ~~النصح له عن النظر لرعيته، ولا إيثار حقه عن الأخذ بحقها عنده، ولا القيام ~~بما هو له عن تضمين ما هو عليه، ولا يشغلك معاناة كبار الأمور عن تفقد ~~صغارها، ولا الجد في صلاح ما يصلح منها عن النظر في عواقبها؛ تمضى ما كان ~~الرشد في إمضائه، وترجىء ما كان الحزم في إرجائه، وتبذل ما كان الفضل في ~~بذله، وتمنع ما كانت المصلحة في منعه، وتلين في غير تكبر، وتخص في خير ميل، ~~وتعم في غير تصنع، لا يشقى بك المحق وإن كان عدوا، ولا يسعد بك المبطل وإن ~~كان وليا؛ فالسلطان يعتد لك من الغناء والكفاية، والذب والحياطة، والنصح ~~والأمانة، والعفة والنزاهة، والنصب فيما أدى إلى الراحة، بما يراك معه- حيث ~~انتهى إحسانه إليك- مستوجبا للزيادة وكافة الرعية- إلا من غمط منهم النعمة- ~~مثنون عليك بحسن السيرة، ويمن النقيبة، ويعدون من مآثرك أنك لم تدحض لأحد ~~حجة؛ ولم تدفع حقا # PageV02P436 # لشبهة؛ وهذا يسير من كثير، لو قصدنا لتفصيله، لأنفدنا الزمان قبل تحصيله، ~~ثم كان قصدنا الوقوف دون الغاية منه وله إلى عبيد الله بن يحيى: يقطعنى عن ~~الأخذ بحظى من لقائك، وتعريفك ما أنا عليه عن شكر إنعامك، وإفرادى إياك ~~بالتأميل دون ms253 غيرك، نخلفى عن منزلة الخاصة، ورغبتى عن الحلول محل العامة، ~~وأنى لست معتادا للخدمة ولا الملازمة، ولا قويا على المغاداة والمراوحة؛ ~~فلا يمنعك ارتفاع قدرك، وعلو أمرك، وما تعانيه من جلائل الأحوال الشاغلة، ~~من أن تتطول بتجديد ذكرى، والإصغاء إلى من يحضك على وصلى وبرى، ويزغبك في ~~إسداء حسن الصنيعة عندى. # وله إليه آخر فصل من كتاب: وأنا أسأل الله الذى رحم العباد بك، على حين ~~افتقار منهم إليك، أن يعيذهم من فقدك، ولا يعبدهم إلى المكاره التي ~~استنقذتهم منها بيدك. ### | [بعض ما يبعث على الرحيل] # ولقى رجل رجلا خارجا من مصر يريد المغرب، فقال: يا أخى؛ أتتبع القطر، ~~وتدع مجرى السيول؟ فقال: أخرجنى من مصر حق مضاع، وشح مطاع، وإقتار الكريم، ~~وحركة اللئيم، وتغير الصديق، بين السعة والضيق، والهرب إلى النزر بالعز، ~~خير من طلب الوفر بذل العجز. ### | [من الوصايا لمن اعتزم السفر] # وأوصى بعض الحكماء صديقا له، وقد أراد سفرا، فقال: إنك تدخل بلدا لا ~~يعرفك أهله؛ فتمسك بوصيتى تنفق بها فيه: عليك بحسن الشمائل فإنها تدل على ~~الحرية؛ ونقاء الأطراف فإنها تشهد بالملوكية؛ ونظافة البرة فإنها تنبىء عن ~~النشء في النعمة؛ وطيب الرائحة فإنها تظهر المروءة، والأدب الجميل فإنه ~~يكسب المحبة، وليكن عقلك دون دينك، وقولك دون فعلك، ولباسك دون # PageV02P437 # قدرك، والزم الحياء والأنفة؛ فإنك إن استحييت من الغضاضة اجتنبت الخساسة، ~~وإن أنفت عن الغلبة، لم يتقدمك نظير في مرتبة. # قال الأصمعى: سمعت أعرابيا يوصى آخر أراد سفرا؛ فقال: آثر بعملك معادك، ~~ولا تدع لشهوتك رشادك، وليكن عقلك وزيرك الذى يدعوك إلى الهدى، ويجنبك من ~~الردى، واحبس هواك عن الفواحش، وأطلقه في المكارم؛ فإنك تبر بذلك سلفك، ~~وتشيد به شرفك. # وأوصت أعرابية ابنها في سفر، فقالت: يا بنى؛ إنك تجاور الغرباء، وترحل عن ~~الأصدقاء، ولعلك لا تلقى غير الأعداء؛ فخالط الناس بجميل البشر، واتق الله ~~في العلانية والسر. # وقال بعض الملوك لحكيم وقد أراد سفرا: قفنى على أشياء من حكمتك أعمل بها ~~في سفرى؛ فقال: # اجعل تأنيك ms254 أمام عجلتك، وحلمك رسول شدتك، وعفوك مالك قدرتك، وأنا ضامن لك ~~قلوب رعيتك، مالم تحرجهم بالشدة عليهم، أو تبطرهم بالإحسان إليهم. # وقال أبان بن تغلب: شهدت أعرابية توصى ولدا لها أراد سفرا وهي تقول: # أبى بنى! اجلس أمنحك وصيتى، وبالله توفيقك، قال أبان: فوقفت مستمعا ~~لكلامها، مستحسنا لوصيتها، فإذا هي تقول: أى بنى! إياك والنميمة، فإنها ~~تزرع الضغينة، وتفرق بين المحبين، وإياك والتعرض للعيوب فتتخذ غرضا، وخليق ~~ألا يثبت الغرض على كثرة السهام؛ وقلما اعتورت السهام غرضا إلا كلمته، حتى ~~يهى ما اشتد من قوته؛ وإياك والجود بدينك، والبخل بمالك؛ وإذا هززت فاهزز ~~كريما يلن لمهزتك؛ ولا تهزز اللئيم فإنه صخرة لا يتفجر ماؤها، ومثل بنفسك ~~مثال ما استحسنت من غيرك فاعمل به، وما استقبحت من غيرك فاجتنبه؛ فإن المرء ~~لا يرى عيب نفسه؛ ومن كانت مودته بشره، وخالف منه ذلك فعله، كان صديقه منه ~~على مثل الريح في تصرفها. # PageV02P438 # ثم أمسكت، فدنوت منها، فقلت لها: بالله يا أعرابية، إلا ما زدته في ~~الوصية؛ قالت: أو قد أعجبك كلام العرب يا حضرى؟ قلت: نعم! قالت: # الغدر أقبح ما تعامل به الناس بينهم، ومن جمع الحلم والسخاء فقد أجاد ~~الحلة ريطتها وسربالها. ### | فقر في مدح السفر # أبو القاسم بن عباد الصاحب: الخبر المنقول أن المقبوض غريبا شهيد. # وفي الحديث: سافروا تغنموا. السفر أحد أسباب العيش التي بها قوامه، ~~وعليها نظامه. إن الله لم يجمع منافع الدنيا في الأرض؛ بل فرقها وأحوج ~~بعضها إلى بعض. المسافر يسمع العجائب، ويكسب التجارب، ويجلب المكاسب. # الأسفار مما تزيدك علما بقدرة الله وحكمته، وتدعوك إلى شكر نعمته. ليس ~~بينك وبين بلد نسب؛ فخير البلاد ما حملك. السفر يسفر عن أخلاق الرجال. # أوحش أهلك إذا كان في إيحاشهم أنسك، واهجر وطنك إذا نبت عنه نفسك. # ربما أسفر السفر عن الظفر، وتعذر في الوطن قضاء الوطر، وأنشد: # ليس ارتحالك تزتاد الغنى سفرا ... بل المقام على خسف هو السفر # وهذا كقول الطائى: # وما القفر بالبيد الفضاء، بل التى ... نبت ms255 بى وفيها ساكنوها هي القفر # أخذه المتنبى فقال: # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم ### | نقيض ذلك في ذم السفر والغربة # فى الحديث إن المسافر وماله لعلى، قلت: إلا ما وقى الله، أى على هلاك. # شيئان لا يعرفهما إلا من ابتلى بهما: السفر الشاسع، والبناء الواسع. ~~السفر والسقم والقتال ثلاث متقاربة؛ فالسفر سفينة الأذى، والسقم حريق ~~الجسد، # PageV02P439 # والقتال منبت المنايا. إذا كنت في غير بلدك فلا تنس نصيبك من الذل. ~~الغربة كربة. النقلة مثلة. الغريب كالغرس الذى زايل أرضه، وفقد شربه؛ فهو ~~ذاو لا يثمر، وذابل لا ينضر الغريب كالوحش النائى عن وطنه؛ فهو لكل سبع ~~فريسة، ولكل رام رمية؛ وأنشد: # لقرب الدار في الإقتار خير ... من العيش الموسع في اغتراب # وقال أبو الفتح البستى: # لا يعدم المرء شيئا يستعين به ... ومنعه بين أهليه وأصحابه # ومن نأى عنهم قلت مهابته ... كالليث يحقر لما غاب عن غابه ### | [العزل والإبعاد والحجب بعد التقريب والمؤانسة] # كتب أبو عبيد الله إلى المهدى بعد عزله إياه عن الدواوين: لم ينكر أمير ~~المؤمنين حالى في قرب المؤانسة وخصوص الخلطة، وحالى عنده قبل ذلك في قيامى ~~بواجب خدمته، التى أذنتنى من نعمته، فلم أبدل- أعز الله أمير المؤمنين- حال ~~التبعيد، ويقرب في محل الإقصاء، وما يعلم الله منى فيما قلت إلا ما علمه ~~أمير المؤمنين، فإن رأى أكرمه الله أن يعارض قولى بعلمه بدءا وعاقبة فعل إن ~~شاء الله. # فلما قرأ كتابه شهد بتصديقه قلبه، فقال: ظلمنا أبا عبيد الله، فيرد إلى ~~حاله، ويعلم ما تجدد له من حسن رأيى فيه. # ولما أمر المأمون أن يحجب عنه الفضل بن الربيع لسبب تألم قلبه منه كتب ~~إليه: # يا أمير المؤمنين! لم ينسنى التقريب حالى أيام التبعيد، ولا أغفلتنى ~~المؤانسة عن شكر الابتداء؛ فعلى أى الحالين أبعد من أمير المؤمنين، ويلحقنى ~~ذم التقصير في واجب خدمته؟ وأمير المؤمنين أعدل شهودى على الصدق فيما وصفت؛ ~~فإن رأى أمير المؤمنين ألا يكنم شهادتى فعل إن شاء الله. # وقال أبو جعفر ms256 المنصور لأبى مسلم حين أزمع قتله: هل كنت قبل قيامك ~~بدولتنا جائز الأمر على عبدين؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين. قال: فلم لم ~~تعرض # PageV02P440 # حالى عسرتك ومهانتك على أيامنا، وتعرف لنا ما يعرف غيرك من إجلالنا ~~وإعظامنا، حتى لا ينازعك الحين عنان الطمأنينة؟ قال: قد كان ذلك يا أمير ~~المؤمنين: ولكن الزمان وإساءته قلبا ما كان من حسن صنيعتى، قال: فلا مرغوب ~~فيك، ولا مأسوف عليك، وفي الله خلف منك! وأمر بقتله «1» ### | جملة من شعر أبى الفتح كشاجم في لأوصاف # قال يصف أجزاء من القرآن: # من يتب خشية العقاب فإنى ... تبت أنسا بهذه الأجزاء # بعثتنى على القراءة والنس ... ك وما خلتنى من القراء # حين جاءت تروقنى باعتدال ... من قدود وصيغة واستواء # سبعة أشبهت لى السبعة الأن ... جم ذات الأنوار والأضواء «2» # كسيت من أديمها الحالك اللو ... ن «3» غشاء أحبب به من غشاء # مشبها صبغة الشباب ولما ... ت العذارى ولبسة الخطباء # ورأت أنها تحسن بالضد ... فتاهت بحلية بيضاء # فهى مسودة الظهور، وفيها ... نور حق يجلود جى الظلماء # مطبقات على صحائف كالريط ... تخيرن من مسوك الظباء «4» # وكأن الخطوط فيها رياض ... شاكرات صنيعة الأنواء # وكأن البياض والنقط السو ... د عبير رششته في ملاء # وكأن العشور والذهب السا ... طع فيها كواكب في سماء # PageV02P441 # وهي مشكولة بعدة أشكا ... ل ومقروءة على أنحاء # فإذا شئت كان حمزة فيها ... وإذا شئت كان فيها الكسائى # خضرة في خلال حمر وصفر ... بين تلك الأضعاف والأثناء # مثل ما أثر الدبيب من الذر ... على جلد بضة عذراء «1» # ضمنت محكم الكتاب كتاب الله ... ذى المكرمات والآلاء # فحقيق على أن أتلو القر ... آن فيهن مصبحى ومسائى # وقال يصف التخت الذى يضرب عليه حساب الهند: # وقلم مداده تراب ... فى صحف سطورها حساب # يكثر فيها المحو والإضراب ... من غير أن يسود الكتاب # حتى يبين الحق والصواب ... وليس إعجام ولا إعراب # فيه ولا شك ولا ارتياب # وقال يصف بركارا استهداه: «2» # جدلى ببركارك الذى صنعت ... فيه يدا قينه «3» الأعاجيبا # ملتئم الشعبتين «4» معتدل ... ماشين من جانب ولا عيبا # شخصان ms257 في شكل واحد قدرا ... وركبا بالعقول تركييا # أشبه شيئين في اشتكالهما «5» ... بصاحب لا يزال مصحوبا # أوثق مسماره وغيب عن ... نواظر الناقدين تغييبا # فعين من يجتليه يحسبه ... فى قالب الإعتدال مصبوبا # قد ضم قطريه «6» محكما لهما ... ضم محب إليه محبوبا # يزداد حرصا عليه مبصره ... ما زاده بالبنان تقليبا # PageV02P442 # ذو مقلة بصرته مذهبه «1» ... لم تأله رقة وتهذيبا # ينظر فيها إلى الصواب فما ... بها يزال الصواب مطلوبا # لولاه ما صح خط دائرة «2» ... ولا وجدنا الحساب محسوبا # [الحق فيه فإن عدلت إلى ... سواه كان الحساب تقريبا] # لو عين إقليدس به بصرت ... خر له بالسجود مكبوبا # فابعثه واجنبه لى بمسطرة ... تلف الهوى بالثناء مجنوبا # وقال يصف بيكاتا «3» : # روح من الماء في جسم من الصفر ... مولد بلطيف الحس والنظر # مستعبر لم يغب عن طرفه سكن ... ولم يبت من ذوى ضغن على حذر # له على الظهر أجفان محجرة ... ومقلة دمعها جار على قدر # تنشا له حركات من أسافله ... كأنها حركات الماء في الشجر # وفي أعاليه حسبان يفصله ... للناظرين بلا ذهن ولا فكر # إذا بكى دار فى أحشائه فلك ... خافى المسير وإن لم يبك لم يدر # مثرجم عن مواقيت يخبرنا ... بها فيوجد فيها صادق الخبر # تقضى به الخمس في وقت الوجوب وإن ... غطي على الشمس ستر الغيم والمطر # وإن سهرت لأوقات تؤرقنى ... عرفت مقدار ما ألقى من السهر # محدد كل ميقات تخيره ... ذوو التخير للأسفار والحضر # ومخرج لك بالأجزاء ألطفها ... من النهار وقوس الليل والسحر # نتيجة العلم والتفكير صورته ... يا حبذا أبدع الأفكار في الصور # PageV02P443 # وقال يصف اسطرلابا: # ومستدير كجرم البدر مسطوح ... عن كل رافعة الأشكال مصفوح # صلب يدار على قطب يثبته ... تمثال طرف بشكر الحذق مكبوح # ملء البنان وقد أوفت صفائحه ... على الأقاليم من أقطارها الفيح «1» # تلفى به السبعة الأفلاك محدقة ... بالماء والنار والأرضين والريح # تنبيك عن طائح الأبراج هيئته ... بالشمس طورا، وطورا بالمصابيح # وإن مضت ساعة أو بعض ثانية ... عرفت ذاك بعلم فيه مشروح # وإن تعرض في وقت يقدره ... لك التشكك جلاه بتصحيح # مميز في قياسات ms258 الضلوع به ... بين المشائم منها والمناجيح # له على الظهر عينا حكمة بهما ... يحوى الضياء وتنجيه من اللوح # وفي الدواوين من أشكاله حكم ... تنقح العقل فيها أى تنقيح # لا يستقل لما فيه بمعرفة ... إلا الحصيف اللطيف الحس والروح # حتى ترى الغيب فيه وهو مغلق ... الأبواب عمن سواه جد مفتوح # نتيجة الذهن والتفكير صوره ... ذوو العقول الصحيحات المراجيح # وكان أبو شجاع فناخسرو عضد الدولة قد نكب أبا إسحاق الصابى، على تقدمه في ~~الكتابة، ومكانه في البلاغة، واستصفى أمواله من غير إيقاع به في نفسه، ~~فأهدى إليه في يوم مهرجان اسطرلابا في دور الدرهم، وكتب إليه: # أهدى إليك بنو الحاجات واحتشدوا ... فى مهرجان عظيم أنت تعليه # PageV02P444 # لكن عبدك إبراهيم حين رأى ... سمو قدرك عن شىء يساميه # لم يرض بالأرض يهديها إليك، فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه ### | [من أوصاف النساء] # وقول أبى الفتح: «ملء البنان ### | ...... # البيت» نظير قول على ابن العباس الرومى يصف هن امرأة «1» : # يسع السبعة الأقاليم طرا ... وهو في أصبعين من إقليم # كضمير الفؤاد يلتهم الدنيا ... وتحويه دفتا حيزوم # وإنما أخذه ابن الرومى من قول بعض الشعراء يذكر كاتبا # فى كفه أخرس ذو منطق ... بقافه واللام والميم # شبر إذا قيس، ولكنه ... فى فعله مثل الأقاليم # محذف الرأس ومسوده ... كإبرة الروق من الريم «2» # وهذا البيت الأخير مقلوب من قول عدى بن الرقاع العاملى، وقد وصف قرن ريم، ~~وشبهه بقلم عليه مداد، وذكر ظبية. # ترجى أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها # وقلب المعنى إذا تمكن الشاعر من إخفائه لا يجرى مجرى السرقة. # وقد ترى تكثير الشعراء من تشبيه أوراك النسوان بالرمل والكثبان، قال ~~الشاعر: # وبيض نضيرات الوجوه كأنما ... تازرن دون الأزر رملات عالج # خدال الشوى لا تحتشى غير خلقها ... إذا الرسح لم يصبرن دون المنافج «3» # PageV02P445 # يذرن مروط الخز ملأى كأنها ... قصار وإن طالت بأيدى النواسج # وهذا المعنى متداول متناقل في الجاهلية والإسلام، فأغرب ذو الرمة في قلبه ~~وأحسن، فقال يصف رملا: # ورمل كأوراك العذارى قطعته ... وقد جللته المظلمات الحنادس ms259 # وكذلك مدحهم ضمور الكشح، وجولان الوشح، وصموت القلب والخلخال، وامتناع ~~الخدام من المجال؛ قال خالد بن يزيد بن معاوية، وذكر رملة بنت الزبير بن ~~العوام: # تجول خلاخيل النساء، ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا «1» # أحب بنى العوام طرا لحبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا # وقال النابغة: # على أن حجليها وإن قلت أوسعا ... صموتان من ملء وقلة منطق # وقال الطائى: # مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل # من الهيف لو أن الخلاخيل صيرت ... لها وشحا جالت عليها الخلاخل «2» # وقال ابن أبى زرعة الدمشقى: # استكتمت خلخالها ومشت ... تحت الظلام به فما نطقا # حتى إذا ريح الصبا نسمت ... ملأ العبير بسيرها الطرقا # وقال المتنبى: # وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا # قلب هذا كله أبو عثمان الناجم، فقال يهجو قينة: # PageV02P446 # مسلولة الكل غير بطن ... مثقل فهى عنكبوت # حجولها الدهر في اصطخاب ... ووشحها كظم صموت # وقال أبو عثمان يمدح قينة: # محسنة في كل ألحانها ... لا كالتى تحسن في الندره # ثم قلبه في هجاء، فقال: # عجبت منها ويحها كيف لا ... تخطئ بالإحسان في الندره # وهذا مأخوذ من قول محمد بن مناذر يهجو خالد بن طليق، وكان قد تقلد قضاء ~~البصرة: # يا عجبا من خالد كيف لا ... يخطئ فينا مرة بالصواب # كان قضاة الناس فيما مضى ... من رحمة الله، وهذا عذاب # وهذا أيضا من قلب الهجاء مديحا، والمديح هجاء؛ كما قال مسلم بن الوليد ~~يهجو قوما: # قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم بقبح المخبر # قلبه أبو الطيب المتنبى فقال: # وأستكثر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر # وقال أبو تمام: # عبأ الكمين له فضل لحينه ... وكمينه المخفى عليه كمين # قلبه البحترى فقال: # لا ييأس المرء أن ينجيه ... ما يحسب الناس أنه عطبه # وقال أبو تمام: # وحشية ترمى القلوب إذا غدت ... وسنى فما تصطاد غير الصيد # قلبه البحترى فقال: # على أننى أخشى على دار أمنها ... فوارس يصطاد الفوارس صيدها # PageV02P447 # وقال أبو تمام: # يشنأ الغيث وهو جد حبيب ... رب ms260 حزم في بغضة الموموق # قلبه البحترى فقال: # يسرنى الشىء قد يسوءكم ... نوه يوما بخامل لقبه # قال أبو الفضل أحمد بن أبى طاهر: المعنى في المصراع الأول أبين منه في ~~الثانى؛ ألا ترى أنه لو قال: إنه ليسوءك الشىء قد يسر، كان مثل ذلك المعنى ~~مستويا، إلا أنه قلبه لحاجته. # قال ابن الرومى يهجو مغنية: # قينة ملعونة من أجلها ... رفض اللهو معا من رفضه # فإذا غنت ترى في حلقها ... كل عرق مثل بيت الأرضه # فقلبه ابن المعتز فقال يصف أرضة أكلت له كتابا. # تثنى أنابيب لها فيها سبل ... مثل العروق لا ترى فيها خلل # وهذا كثير يكتفى منه باليسير. ### | [من المعانى ما لا ينقلب] # ومن المعانى مالا ينقلب: ألا ترى أنك تقول: نام القوم حتى كأنهم موتى، ~~ولا يحسن أن تقول: ماتوا حتى كأنهم نيام؛ وقد أخذ على أبى نواس قوله يصف ~~دارا وقف بها: # كأنها إذ خرست جارم ... بين يدى تفنيده مطرق # قالوا: إنما يجب أن يشبه الجارم إذا عذلوه فسكت وانقطعت حجته بالدار ~~الخالية التي لا تجيب. # وأخذوا عليه قوله: # كأن نيراننا في جنب حصنهم ... معصفرات على أرسان قصار # وقد تبعه أبو تمام الطائى فقال في الأفشين لما أحرق: # ما زال سر الكفر بين ضلوعه ... حتى اصطلى سر الزناد الوارى # نار يساور جسمه من حرها ... لهب كما عصفرت شق إزاز # PageV02P448 # طارت له شعل يهدم لفحها ... أركانه هدما بغير غبار # فصلن منه كل مجمع مفصل ... وفعلن فاقرة بكل فقار # صلى لها حيا، وكان وقودها ... مبتا، ويدخلها مع الكفار # وكذاك أهل النار في الدنيا هم ... يوم القيامة جل أهل النار # أردت البيت الثانى، قالوا: وإنما تشبه الثياب المعصفرة بالنار؛ فهذا وما ~~أشبهه لا يتوازن انعكاسه، وتتضاد قضاياه؛ وإنما يصح القلب فيما يتحقق تضاده ~~أو يتقارب. ### | قطعة من شعر أهل العصر في ذكر النجوم # قال أبو الفتح البستى: # قد غض من أملى أنى أرى عملى ... أقوى من المشترى في أول الحمل # وأننى راحل عما أحاوله ... كأننى أستدر الحظ من زحل # وقال: # إذا ms261 غدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بالويل والحرب # ألم تر الشمس في الميزان هابطة ... لما غدا برج نجم اللهو والطرب # وقال: # وقد تدنى الملوك لدى رضاها ... وتبعد حين تحتقد احتقادا # كما المريخ في التثليث يعطى ... وفي التربيع يسلب ما أفادا # وقال: # ألا فثقوا بى فإنى كما ... تمدحت فليمتحن من يحب # فما كوكبى راجعا في الوفاء ... ولا برج قلبى بالمنقلب «1» # وقال: # لئن كسفونا بلا علة ... وفازت قداحهم بالظفر # فقد يكسف المرء من دونه ... كما يكسف الشمس جرم القمر # PageV02P449 # وقال: # شرف الوغد بوغد مثله ... مثل ما فيه بزيغ وخلل # ودليل الصدق فيما قلته ... شرف المريخ في بيت زحل # وقال: # قل للذى غرته عزة ملكه ... حتى أخل بطاعة النصحاء # شرف الملوك بعلمهم وبرأيهم ... وكذاك أوج الشمس في الجوزاء # وقال: # وقد يفسد المرء بعد الصلاح ... فساد الأماكن، والشر يعدى # كما السعد يقبل طبع النحوس ... إذا كان في موضع غير سعد # وقال: # ما أنس ظمآن بماء بارد ... من بعد طول العهد بالموارد # إلا كأنسى بكتاب وارد ... من سيد محض النجار ماجد # كأنما استملاه من عطارد # وقال: # يا معشر الكتاب لا تتعرضوا ... لرياسة، وتصاغروا، وتخادموا # إن الكواكب كن في أشرافها ... إلا عطارد حين صور آدم # وقال: # دعانى إلى بيته سيد ... له الخلق الأشرف الأظرف # فلازمت بيتى ولا طفته ... بعذر هو الأظرف الأطرف # عطارد نجمى، ولا شك أن ... عطارد في بيته أشرف # وقال: # لئن تنقلت من دار إلى دار ... وصرت بعد ثواء رهن أسفار # فالحر حر عزيز النفس حيث ثوى ... والشمس في كل برج ذات أنوار # PageV02P450 # وقال: # لئن صدع الدهر المشتت شملنا ... وللدهر حكم للجميع صدوع # فللنجم من بعد الرجوع استقامة ... وللشمس من بعد الغروب طلوع # وقال لمحبوس: # حبست ومن بعد الكسوف تبلج ... تضىء به الآفاق للبدر والشمس # فلا تعتقد للحبس غما ووحشة ... فأول كون المرء في أضيق الحبس # وقال أيضا: # بامن ثولى المشترى تدبيره ... حاشاك أن تنقاد للمريخ # وقال: # لا تفزعن من كل شىء مفزع ... ما كل ندبير البروج بضائر # وقال يرثى أبا القاسم الصاحب: ms262 # فقدناه لما تم واعتم بالعلا ... كذاك كسوف البدر عند تمامه # وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن درست لأبى الفضل الميكالى: # إذا ما غاب وجه البدر عنا ... فوجهك عندنا البدر المقيم # فإن رجعت نجوم السعد يوما ... فوجهك نجم سعد مستقيم # وقال مسكويه الخالدى: # لا يعجبنك حسن القصر تنزله ... فضيلة الشمس ليست في منازلها # لو زيدت الشمس في أبراجها مائة ... مازاد ذلك شيئا في فضائلها # وقال أبو بكر الخوارزمى: # رأيتك إن أيسرت خيمت عندنا ... لزاما، وإن أعسرت زرت لماما # فما أنت إلا البدر: إن قل ضوءه ... أغب، وإن زاد الضياء أقاما # وهذا كقول إبراهيم بن العباس الصولى في محمد بن عبد الملك الزيات: # أسد ضار إذا ما نعته ... وأب بر إذا ما قدرا # يعرف الأبعد إن أثرى، ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا # PageV02P451 # وقال ابن المعتز: # إذا ما أراد الحاسدون انهدامه ... بناه إله غالب العز قاهره # وماذا يريد الحاسدون من امرىء ... تزينهم أخلاقه ومآثره # إذا ما هو استغنى اهتدى لافتقارهم ... ولا تهتدى يوما إليهم مفاقره # وكانوا كرام كوكبا ببصاقه ... فرد عليهم وبله ومواطره # وهذا البيت كما قال بعض العرب في إحدى الروايات: # رمانى بأمر كنت منه ووالدى ... بريا ومن جال الطوى رمانى # الجول والجال: الناحية، والطوى: البئر؛ يريد رمانى بما عاد عليه، ~~والرواية المشهورة: ومن أجل الطوى، فعلى هذا تسقط المناسبة بينه وبين قول ~~ابن المعتز. ### | [الأصمعى وبعض الأعراب] # قال بعض الرواة: كنا مع أبى نصر راوية الأصمعى في رياض من المذاكرة نجتنى ~~ثمارها، ونجتلى أنوارها، إلى أن أفضنا في ذكر أبى سعيد عبد الملك بن قريب ~~الأصمعى؛ فقال: رحم الله الأصمعى! إنه لمعدن حكم، وبحر علم، غير أنه لم ~~نرقط مثل أعرابى وقف بنا فسلم، فقال: أيكم الأصمعى؟ فقال: # أنا ذاك، فقال: أتأذنون بالجلوس؟ فأذنا له، وعجبنا من حسن أدبه مع جفاء ~~أدب الأعراب. # قال: يا أصمعى، أنت الذى يزعم هؤلاء النفر أنك أثقبهم معرفة بالشعر ~~والعربية، وحكايات الأعراب؟ قال الأصمعى: فيهم من هو أعلم منى، ومن هو ~~دونى، ms263 قال: تنشدوننى من بعض شعر أهل الحضر حتى أقيسه على شعر أصحابنا؟ ~~فأنشده شعرا لرجل امتدح به مسلمة بن عبد الملك: # أمسلم أنت البحر إن جاء وارد ... وليث إذا ما الحرب طار عقابها # وأنت كيف الهند وانى إن غدت ... حوادث من حرب يعب عبابها # وما خلقت أكرومة في امرىء له ... ولا غاية إلا إليك مآبها # PageV02P452 # كأنك ديان عليها موكل ... بها، وعلى كفيك يجرى حسابها # إليك رحلنا العيس إذا لم نجد لها ... أخا ثقة يرجى لديه ثوابها # قال: فتبسم الأعرابى، وهز رأسه، فظننا أن ذلك لاستحسانه الشعر، ثم قال: ~~يا أصمعى؛ هذا شعر مهلهل خلق النسج، خطؤه أكثر من صوابه، يغطى عيوبه حسن ~~الروى، ورواية المنشد؛ يشبهون الملك إذا امتدح بالأسد، والأسد أبخر شتيم ~~المنظر «1» ، وربما طرده شرذمة من إمائنا، وتلاعب به صبياننا، ويشبهونه ~~بالبحر، والبحر صعب على من ركبه، مر على من شربه، وبالسيف وربما خان فى ~~الحقيقة، ونبا عند الضريبة! ألا أنشدتنى كما قال صبى من حينا! قال الأصمعى: ~~وماذا قال صاحبكم؟ فأنشده: # إذا سألت الورى عن كل مكرمة ... لم يعز إكرامها إلا إلى الهول # فتى جواد أذاب المال نائله ... فالنيل يشكر منه كثرة النيل # الموت يكره أن يلقى منيته ... فى كره عند لف الخيل بالخيل # وزاحم الشمس أبقى الشمس كاسفة ... أو زاحم الصم ألجاها إلى الميل # أمضى من النجم إن نابته نائبة ... وعند أعدائه أجرى من السيل # لا يستريح إلى الدنيا وزينتها ... ولا تراه إليها ساحب الذيل # يقصر المجد عنه في مكارمه ... كما يقصر عن أفعاله قولى! # قال أبو نصر: فأبهتنا والله ما سمعنا من قوله، قال: فتأنى الأعرابى، ثم ~~قال للأصمعى: ألا تنشدنى شعرا ترتاح إليه النفس، ويكن إليه القلب؟ # فأنشده لابن الرقاع العاملى: # وناعمة تجلو بعود أراكة ... مؤشرة يسبى المعانق طيبها # كأن بها خمرا بماء غمامة ... إذا ارتشفت بعد الرقاد غروبها # أراك إلى نجد تحن، وإنما ... منى كل نفس حيث كان حبيبها # PageV02P453 # فتبسم الأعرابى وقال: يا أصمعى، ما هذا بدون الأول، ولا فوقه، ألا ~~أنشدتنى كما ms264 قلت؟ قال الأصمعى: وما قلت؟ جعلت فداك! فأنشده: # تعلقتها بكرا، وعلقت حبها ... فقلبى عن كل الورى فارغ بكر # إذا احتجبت لم يكفك البدر ضوءها ... وتكفيك ضوء البدر إن حجب البدر # وما الصبر عنها، إن صبرت، وجدته ... جميلا، وهل في مثلها يحسن الصبر؟ # [وحسبك من خمر يفوتك ريقها ... ووالله ما من ريقها حسبك الخمر] # ولو أن جلد الذر لامس جلدها ... لكان لمس الذر في جلدها أثر # ولو لم يكن للبدر ضدا جمالها ... وتفضله في حسنها لصفا البدر # قال أبو نصر: قال لنا الأصمعى: اكتبوا ما سمعتم ولو بأطراف المدى في رقاق ~~الأكباد!. # قال: وأقام عندنا شهرا، فجمع له الأصمعى خمسمائة دينار، وكان يتعاهدنا فى ~~الحين بعد الحين، حتى مات الأصمعى وتفرق أصحابنا! ### | فقر من كلام الأعراب في ضروب مختلفة # قال الجاحظ: ليس في الأرض كلام هو أمتع، ولا أنفع، ولا آنق، ولا ألذ في ~~الأسماع، ولا أشد اتصالا بالعقول السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقويما ~~البيان، من طول استماع حديث الأعراب العقلاء الفصحاء. # قال ابن المقفع، وقد جرى ذكر الشعر وفضيلته: أى حكمة تكون أبلغ، أو أحسن، ~~أو أغرب، أو أعجب، من غلام بدوى لم ير ريفا، ولم يشبع من طعام؛ يستوحش من ~~الكلام، ويفزع من البشر، ويأوى إلى القفر واليرابيع والظباء، وقد خالط ~~الغيلان، وأنس بالجان؛ فإذا قال الشعر وصف ما لم يره، # PageV02P454 # ولم يغذ به «1» ولم يعرفه، ثم يذكر محاسن الأخلاق ومساويها، ويمدح ويهجو، ~~ويذم ويعاتب، ويشبب ويقول ما يكتب عنه، ويروى له، ويبقى عليه. # وقال بعض الأعراب: # وإنى لأهدى بالأوانس كالدمى ... وإنى بأطراف القنا للعوب «2» # وإنى على ما كان من عنجهيتى ... ولوثة أعرابيتى لأديب «3» # كأن الأدب غريب من الأعراب، فافتخر بما عنده منه. # وقال الطائى في فطنتهم، يستعطف مالك بن طوق على قومه بنى تغلب: # لارقة الحضر اللطيف غذتهم ... وتباعدوا عن فطنة الأعراب # فإذا كشفتهم وجدت لديهم ... كرم النفوس وقلة الآداب # ووصف أعرابى رجلا فقال: هو أطهر من الماء، وأرق طباعا من الهواء، وأمضى ~~من السيل، واهدى ms265 من النجم. # ووصف أعرابى رجلا فقال: ذاك والله من ينفع سلمه، ويتواصف حلمه، ولا يستمر ~~أظلمه. # وقال أعرابى: جلست إلى قوم من أهل بغداد فما رأيت أرجح من أحلامهم، ولا ~~أطيش من أقلامهم. # وذكر أعرابى من بنى كلاب رجلا فقال: كان والله الفهم منه ذا أذنين، ~~والجواب ذا لسانين؛ ولم أر أحدا أرتق لخلل رأى، ولا ابعد مسافة روبة، ومراد ~~طرف منه؛ إنما كان يرمى بهمته حيث أشار إليه الكرم، وما زال يتحسى مرارة ~~أخلاق الإخوان، ويسقيهم عذوبة أخلاقه. # وذكر أعرابى رجلا فقال: والله لكأن القلوب والألسن ريضت له، فما تعقد إلا ~~على وده، ولا تنطق إلا بحمده. # PageV02P455 # وقال أعرابى: أقبح أعمال المقتدرين الانتقام، وما استنبط الصواب بمثل ~~المشاورة، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر. # قال الأصمعى: وخطبنا أعرابى بالبادية، فقال: أيها الناس؛ إن الدنيا دار ~~مفر، والآخرة دار مقر؛ فخذوا من مفركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من ~~لا تخفى عليه أسراركم. # قال المعافر بن نعيم: وقفت أنا ومعبد بن طوق العنبرى على مجلس لبنى ~~العنبرى، وأنا على ناقة وهو على حمار، فقاموا فبدءونى فسلموا على؛ ثم ~~انكفئوا على معبد، فقبض يده عنهم؛ وقال: لا، ولا كرامة! بدأتم بالصغير قبل ~~الكبير، وبالمولى قبل العربى، وبالمفحم قبل الشاعر، فأسكت القوم، فانبرى ~~إليه غلام، فقال: بدأنا بالكاتب قبل الأمى، وبالمهاجر قبل الأعرابى، وبراكب ~~الراحلة قبل راكب الحمار. # ووصف أعرابى قومه فقال: ليوث حرب، وغيوث جدب، إن قاتلوا أبلوا، وإن بذلوا ~~أغنوا. # ووصف أعرابى قوما فقال: إذا اصطفوا سفرت ببنهم السهام، وإذا تصافحوا ~~بالسيوف فغر فمه الحمام. # وسئل أعرابى عن صديق له، فقال: صفرت عياب الود بينى وبينه بعد امتلائها ~~«1» ، واكفهرت وجوه كانت بمائها. # وقال الأصمعى: وسمعت أعرابيا يقول: إن الآمال قطعت أعناق الرجال، كالسراب ~~غر من رآه، وأخلف من رجاه، ومن كان الليل والنهار مطيته أسرعا السير ~~والبلوغ به. # والمرء يفرح بالأيام يقطعها ... وكل يوم مضى يدنى من الاجل # PageV02P456 # وذكر أعرابى مصيبة نالته، فقال: إنها والله مصيبة جعلت سود الرءوس بيضا، ~~وبيض ms266 الوجوه سودا، وهونت المصائب، وشيبت الذوائب. # وهذا كقول عبد الله بن الزبير الأسدى: # رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا «1» # فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا # وإنك لو رأيت بكاء هند ... ورملة إذ تصكان الخدودا # بكيت بكاء معولة حزين ... أصاب الدهر واحدها الفقيدا «2» # ونظير هذا التطابق بين السواد والبياض، وإن لم يكن من هذا المعنى، قول ~~ابن الرومى: # يا بياض المشيب سودت وجهى ... عند بيض الوجوه سود القرون # فلعمرى لأخفينك جهدى ... عن عيانى وعن عيان العيون # ولعمرى لأمنعنك أن تضح ... ك في رأس آسف محزون # بسواد فيه ابيضاض لوجهى ... وسواد لوجهك الملعون # سأل أعرابيان رجلا، فحرمهما، فقال أحدهما لصاحبه: نزلت والله بواد غير ~~ممطور، وأتيت رجلا بك غير مسرور، فلم تدرك ما سألت، ولا نلت ما أملت؛ ~~فارتحل بندم، أو أقم على عدم. # قال الأصمعى: وسمعت أعرابيا يقول: غفلنا ولم يغفل الدهر عنا، فلم نتعظ ~~بغيرنا حتى وعظ غيرنا بنا، فقد أدركت السعادة من تنبه، وأدركت الشقاوة من ~~غفل، وكفى بالتجربة واعظا وقال أعرابى لرجل: اشكر للمنعم عليك، وأنعم على ~~الشاكر لك، تستوجب من ربك زيادته، ومن أخيك مناصحته. # PageV02P457 # ومدح أعرابى رجلا فقال: ذلك والله فسيح الأدب، مستحكم السبب، من أى ~~أقطاره أتيته تثنى عليه بكرم فعال، وحسن مقال. # وذم أعرابى رجلا فقال: أفسد آخرته بصلاح دنياه، ففارق ما أصلح غير راجع ~~إليه، وقدم على ما أفسد غير منتقل عنه، ولو صدق رجل نفسه ما كذبته، ولو ~~ألقى زمامه أوطأه راحلته وقال أعرابى: خرجت حين انحدرت أيدى النجوم، وشالت ~~أرجلها، فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر. # وقال أعرابى: # وقد تعاللت ذميل العنس ... بالسوط في ديمومة كالترس «1» # إذ عرج الليل بروج الشمس # ومن مليح الاستعارة في نحو هذا قول الحسن بن وهب: شربت البارحة على وجه ~~الجوزاء؛ فلما انتبه الفجر نمت، فما عقلت حتى لحفنى قميص الشمس. # وقال أعرابى لصاحبه في شىء ذكره: قل إن شاء الله، فإنها ترضي الرب، وتسخط ~~الشيطان، وتذهب الحنث «2» ، وتقضى الحاجة. ms267 # وروى العتبى عن أبيه قال: سمعت أعرابيا يقول لأخيه في معاتبة جرت بينهما: # أما والله لرب يوم كتنور الطاهى، رقاص بالحمامة، قد رميت نفسى في أجيج ~~سمومه، أحتمل منه ما أكره لما أحب. # قال أبو العباس محمد بن يزيد: وأحسب العتبى صنع هذا الكلام، وأخذه من قول ~~بشار: # ويوم كتنور الإماء سجرنه ... وأوقدن فيه الجزل حتى تضرما # رميت بنفسى في أجيج سمومه ... وبالعيس حتى بض منخرها دما # PageV02P458 # أخذ هذا المعنى بعض أصحاب أبى العباس ثعلب فقال يهجو المبرد: # ويوم كتنور الطهاة سجرته ... على أنه منه أحر وأوقد # ظللت به عند المبرد جالسا ... فما زلت في ألفاظه أتبرد # قال الأصمعى: حجت أعرابية ومعها ابن لها، فأصيبت به، فلما دفن قامت على ~~قبره، وهي موجعة فقالت: والله يا بنى لقد غذوتك رضيعا، وفقدتك سريعا، وكأنه ~~لم يكن بين الحالين مدة ألتذ بعيشك فيها، فأصبحت بعد النضارة والغضارة ~~ورونق الحياة والتنسم في طيب روائحها، تحت أطباق الثرى جسدا هامدا، ورفاتا ~~سحيقا، وصعيدا جرزا؛ أى بنى! لقد سحبت الدنيا عليك أذيال الفناء، وأسكنتك ~~دار البلى، ورمتنى بعدك نكبة الردى، أى بنى! لقد أسفر لى وجه الدنيا عن ~~صباح داج ظلامه. # ثم قالت: أى رب ومنك العدل، ومن خلقك الجور، وهبته لى قرة عين، فلم ~~تمتعنى به كثيرا، بل سلبتنيه وشيكا؛ ثم أمرتنى بالصبر، ووعدتنى عليه الأجر، ~~فصدقت وعدك، ورضيت قضاءك، فرحم الله من ترحم على من استودعته الردم، ووسدته ~~الثرى؛ اللهم ارحم غربته، وآنس وحشته، واستر عورته، يوم تكشف الهنات ~~والسوءات. # فلما أرادت الرجوع إلى أهلها وقفت على قبره، فقالت! أى بنى! إنى قد تزودت ~~لسفرى، فليت شعرى ما زادك لبعد طريقك، ويوم معادك؟ اللهم إنى أسألك له ~~الرضا برضائى عنه. ثم قالت: استودعتك من استود عنيك في أحشائى جنينا؛ واثكل ~~الوالدات! ما أمض حرارة قلوبهن، وأقلق مصاجعهن، وأطول ليلهن، وأقصر نهارهن، ~~وأقل أنسهن، وأشد وحشتهن، وأبعدهن من السرور، وأقربهن من الأحزان. # لم تزل تقول هذا ونحوه حتى أبكت كل من سمعها. وحمدت الله ms268 عز وجل واسترجعت ~~وصلت ركعات عند قبره وانطلقت. # PageV02P459 # وأنشد المفضل الضبى لامرأة من العرب ترثى ابنا لها: # يا عمرو مالى عنك من صبر ... يا عمرو يا أسفى على عمرو # لله يا عمرو، وأى فتى ... كفنت يوم وضعت في القبر؟ # أحثو التراب على مفارقه ... وعلى غضارة وجهه النضر «1» # حين استوى وعلا الشباب به ... وبدا منير الوجه كالبدر # ورجا أقاربه منافعه ... ورأوا شمائل سيد غمر «2» # وأهمه همى فساوره ... وغدا مع الغادين في السفر # تغدو به شقراء سامية ... مرطى الجراء شديدة الأسر «3» # ثبت الجنان به، ويقدمها ... فلج يقلب مقلتى صقر «4» # ربيته دهرا أفتقه ... فى اليسر أغذوه وفي العسر # حتى إذا التأميل أمكننى ... فيه قبيل تلاحق الثغر # وجعلت من شغفى أنقله ... فى الأرض بين تنائف غبر «5» # أدع المزارع والحصون به ... وأحله في المهمه القفر # ما زلت أصعده وأحدره ... من قتر موماة إلى قتر «6» # هربا به والموت يطلبه ... حيث انتويت به ولا أدرى «7» # حتى دفعت به لمصرعه ... سوق المعيز تساق للعتر «8» # ما كان إلا أن هجعت له ... ورمى فأغفى مطلع الفجر # ورمى الكرى رأسى ومال به ... رمس يساور منه كالسكر # PageV02P460 # إذ راعنى صوت هببت به ... وذعرت منه أيما ذعر # وإذا منيته تساوره ... قد كدحت في الوجه والنحر # وإذا له علق وحشرجة ... مما يجيش به من الصدر # والموت يقبضه ويبسطه ... كالثوب عند الطى والنشر # فدعا لأنصره وكنت له ... من قبل ذلك حاضر النصر # فعجزت عنه وهي زاهقة ... بين الوريد ومدفع السحر # فمضى وأى فتى فجعت به ... جلت مصيبته عن القدر # لو قيل تفديه بذلت له ... مالى وما جمعت من وفر # أو كنت مقتدرا على عمرى ... آثرته بالشطر من عمرى # قد كنت ذا فقر له، فعدا ... ورمى على وقد رأى فقرى # لو شاء ربى كان متعنى ... بابنى وشد بأزره أزرى # بنيت عليك بنى، أحوج ما ... كنا إليك، صفاثح الصخر # لا يبعدنك الله يا عمرى ... إما مضيت فنحن بالإثر # هذى سبيل الناس كلهم ... لا بد سالكها على سفر # أولا تراهم في ديارهم ... يتوقعون وهم على ذعر # والموت يوردهم ms269 مواردهم ... قسرا؛ فقد ذلوا على القسر # وقال أعرابى يمدح رجلا: # يمد نجاد السيف حتى كأنه ... بأعلى سنامى فالج يتطوح # ويدلج في حاجات من هو نائم ... ويورى كريمات الندى حين يقدح # إذا اعتم بالبرد اليمانى حسبته ... هلالا بدا في جانب الأفق يلمح # يزيد على فضل الرجال فضيلة ... ويقصر عنه مدح من يتمدح # PageV02P461 # وأنشد ابن أبى طاهر لأعرابى: # وقبلى أبكى كل من كان ذاهوى ... هتوف البواكى والديار البلاقع «1» # وهن على الأطلال من كل جانب ... نوائح ما تخضل منها المدامع # مزبرجة الأعناق نمر ظهورها ... مخطمة بالدر خضر روائع # ترى طرزا بين الخوافى كأنها ... حواشى برد زينتها الوشائع # ومن قطع الياقوت صيغت عيونها ... خواضب بالحناء منها الأصابع # ومن جيد ما قيل في الحمام قول ابن الرومى: # وقفت بمطراب العشيات والضحى ... فظلت أسح الدمع منى وأسجم # حليفة شجو هاج مابى وما بها ... تباريح شوق يشتكيها المتيم # فباح به فوها وأخفته عينها ... وباحت به عينى وكتمه الفم # ودخل أعرابى على الرشيد، فأنشده أرجوزة مدحه بها، وإسماعيل بن صبيح يكتب ~~كتابا بين يديه- وكان من أحسن الناس خطا، وأسرعهم يدا- فقال الرشيد ~~للأعرابى: صف الكاتب فقال: # رقيق حواشى العلم حين تبوره ... يريك الهوينا والأمور تطير «2» # له قلما بؤسى ونعمى كلاهما ... سحابته في الحالتين درور # يناجيك عما في ضميرك خطه ... ويفتح باب النجح وهو عسير # فقال الرشيد: قد وجب لك يا أعرابى عليه حق، كما وجب لك علينا يا غلام؛ ~~ادفع له دية الحر، فقال إسماعيل: وعلى عبدك دية العبد. # وقال أعرابى من بنى عقيل: # أحن إلى أرض الحجاز، وحاجتى ... خيام بنجد دونها الطرف يقصر # وما نظرى نحو الحجاز بنافعى ... فتيلا، ولكنى على ذاك أنظر # PageV02P462 # أفى كل يوم نظرة ثم عبرة ... لعينيك يجرى ماؤها يتحدر # متى يستريح القلب إما مجاور ... حزين وإما نازح يتذكر # وقال أعرابى: # وإنى لأغضى مقلتى على القذى ... وألبس ثوب الصبر أبيض أبلجا # وإنى لأدعو الله والأمر ضيق ... على، فما ينفك أن يتفرجا # وكم من فتى ضاقت عليه وجوهه ... أصاب لها من دعوة الله مخرجا # وقال آخر: ms270 # ذكرتك ذكرى هائم بك تنتهى ... إليك أمانيه وإن لم يكن وصل # وليست بذكرى ساعة بعد ساعة ... ولكنها موصولة مالها فصل # وقال آخر: # أريتك إن شطت بك العام نية ... وعالك مضطاف الحمى ومرابعه # أترعين ما استودعت أم أنت كالذى ... إذا ما نأى هانت عليك ودائعه # ألا إن حسيا دونه قلة الحمى ... منى النفس لو كانت تنال شرائعه «1» # أخذت أزد العتيك شاعرا من قيس بن ثعلبة اسمه المعذل في دم، فأتاه البيهس ~~بن ربيعة فحمله، وأمره أن ينجو بنفسه، وأسلم نفسه مكانه، فقال له المعذل: ~~أخيرك بين أن أمدحك أو أمدح قومك؛ فاختار مدح قومه فقال: # جزى الله فتيان العتيك، وإن نأت ... بى الدار عنهم، خير ما كان جازيا # هم خلطونى بالنفوس وأحسنوا الص ... حابة لما حم ما كان آتيا # متاعهم فوضى فضا في رحالهم ... ولا يحسنون الشر إلا تباديا # كأن دنانيرا على قسماتهم ... إذا الموت في الأبطال كان تحاميا # وذكرت الرواة أن المهلب بن أبى صفرة عرض جنده بخراسان، فعرض جيش # PageV02P463 # بكر بن وائل، فمر به المعذل فقال: هذا المعذل القيسى الذى يقول، وأنشد ~~الأبيات، فقالوا: أيها الأمير؛ احسبه علينا، فانطلق مائة منهم، فجاءوا ~~بمائة وصيف ووصيفة، فقالوا: أعطه هذا وليعذرنا. # قوله «كأن دنانيرا على قسماتهم» نظير قول أبى العباس الأعمى: # ليت شعرى من أين رائحة المس ... ك وما إن إخال بالخيف إنسى؟ # حين غابت بنو أمية عنه ... والبهاليل من بنى عبد شمس # خطباء على المنابر، فرسا ... ن عليها، وقالة غير خرس # فى حلوم إذا الحلوم استفزت ... ووجوه مثل الدنانير ملس ### | [بعض أخبار أبى نواس] # ولما خلع المأمون أخاه محمد بن زبيدة ووجه بطاهر بن الحسين لمحاربته، كان ~~يعمل كتبا بعيوب أخيه تقرأ على المنابر بخراسان؛ فكان مما عابه به أن قال: ~~إنه استخلص رجلا شاعرا ماجنا كافرا، يقال له الحسن بن هانىء، واستخلصه ~~ليشرب معه الخمر، ويرتكب المآثم، ويهتك المحارم، وهو الذى يقول: # ألا فاسقنى خمرا وقل لى هي الخمر ... ولا تسقنى سرا إذا أمكن الجهر # وبح باسم من تهوى ms271 ودعنى عن الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر # ويذكر أهل العراق فيقول: أهل فسوق وخمور، وماخور وفجور؛ ويقوم رجل بين ~~يديه فينشد أشعار أبى نواس في المجون؛ فاتصل ذلك بابن زبيدة؛ فنهى الحسن عن ~~الخمر، وحبسة ابن أبى الفضل بن الربيع؛ ثم كلمه فيه الفضل، فأخرجه بعد أن ~~أخذ عليه ألا يشرب خمرا، ولا يقول فيها شعرا، فقال: # ما من يد في الناس واحدة ... كيد أبو العباس مولاها # نام الثقات على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسى فأحياها # قد كنت خفتك، ثم آمننى ... من أن أخافك، خوفك الله # فعفوت عنى عفو مقتدر ... وجبت له نقم فألغاها # PageV02P464 # ومن قوله في ترك الشراب: # أيها الرائحان باللوم لوما ... لا أذوق المدام إلا شميما # نالنى بالملام فيها إمام ... لا أرى لى خلافه مستقيما # فاصرفاها إلى سواى؛ فإنى ... لست إلا على الحديث نديما # جل حظى منها إذا هي دارت ... أن أراها وأن أشم النسيما # فكأنى وما أزين منها ... قعدى يزين التحكيما # [كل عن حمله السلاح إلى الحر ... ب فأوصى المطيق ألا يقيما] # القعدية: فرقة من الخوارج، يأمرون بالخروج ولا يخرجون؛ وزعم المبرد أنه ~~لم يسبق إلى هذا المعنى. # وقال: # عين الخليفة بى موكلة ... عقد الحذار بطرفها طرفى # صحت علانيتى له، وأرى ... دين الضمير له على حرف # ولئن وعدتك تركها عدة ... إنى عليك لخائف خلفى # سلبوا قناع الدن عن رمق ... حى الحياة مشارف الحتف # فتنفست في البيت إذ مزجت ... كتنفس الريحان في الأنف # أخذ قوله: «ولئن وعدتك تركها عدة» الحسن بن على بن وكيع فقال: # متى وعدتك في ترك الصبا عدة ... فاشهد على عدتى بالزور والكذب # أما ترى الليل قد ولت عساكره ... وأقبل الصبح في جيش له لجب # وجد في أثر الجوزاء يطلبها ... فى الجو ركضا هلال دائم الطلب # كصولجان لجين في يدى ملك ... أدناه من كرة صيغت من الذهب # فقم بنا نصطبح صفراء صافية ... كالنار لكنها نار بلا لهب # عروس كرم أتت تختال في حلل ... صفر على رأسها تاج من الحبب # PageV02P465 # وقال أبو الفضل الميكالى ms272 في اقتران الهلال بالزهرة: # أما ترى الزهرة قد لاحت لنا ... تحت هلال لونه يحكى اللهب # ككرة من فضة مجلوة ... وافى عليها صولجان من ذهب # وعلى قول أبى نواس: # صحت علانيتى له، وأرى ... دين الضمير له على حرف # كتب أبو العباس بن المعتز إلى أبى الطيب القاسم بن محمد النميرى: # يأيها الجافى ويستجفى ... ليس تجنيك من الظرف # إنك في الشوق إلينا كمن ... يؤمن بالله على حرف # محوت آثارك من ودنا ... غير أساطيرك في الصحف # فإن تحاملت لنا زورة ... يوما تحاملت على ضعف # وحدث أبو عمر الزاهد قال: ذلك بعض الزهاد المرائين جبهته بثوم وعصبها، ~~ونام ليصبح بها كأثر السجود، فانحرفت العصابة إلى صدغه، فأخذ الأثر هناك، ~~فقال له ابنه: ما هذا يا أبت؟ فقال: أصبح أبوك ممن يعبد الله على حرف! وقال ~~أبو نواس في الباب الأول: # غننا بالطلول كيف بلينا ... واسقنا نعطك الثناء الثمينا # من سلاف كأنها كل شىء ... يتمنى مخير أن يكونا # أكل الدهر ما تجسم منها ... وتبقى لبابها المكنونا # فإذا ما اجتليتها فهباء ... يمنع الكف ما يبيح العيونا # ثم شجت فاستضحكت عن لآل ... لو تجمعن في يد لاقتنينا # فى كئوس كأنهن نجوم ... دائرات بروجها أيدينا # طالعات مع السقاة علينا ... فإذا ما غربن يغربن فينا # PageV02P466 # لو ترى الشرب حولها من بعيد ... قلت قوما من قرة يصطلونا «1» # وغزال يديرها ببنان ... ناعمات يزيدها الغمز لينا # كلما شئت علنى برضاب ... يترك القلب للسرور قرينا # ذاك عيش، لو دام لى، غير أنى ... عفته مكرها وخفت الأمينا # وقال: # أعاذل أعتيت الإمام وأعتبا ... وأعربت عما في الضمير وأعربا # وقلت لساقيها: أجزها فلم أكن ... ليأبى أمير المؤمنين وأشربا # فجوزها عنى سلافا ترى لها ... لدى الشرف الأعلى شعاعا مطنبا # إذا عب فيها شارب القوم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا # ترى حيثما كانت من البيت مشرقا ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا # يدور بها رطب البنان ترى له ... على مستدار الخد صدغا معقربا # سقاهم ومنانى بعينيه منية ... فكانت إلى قلبى ألذ وأطيبا # قال الحسين بن ms273 الضحاك الخليع: أنشدت أبا نواس قولى: # وشاطرى اللسان مختلق التكريه شاب المجون بالنسك فلما بلغت فيه: # كأنما نصب كأسه قمر ... يكرع في بعض أنجم الفلك # نعر نعرة منكرة، فقلت: ما لك، فقد رعتنى؟ قال: هذا المعنى أنا أحق به ~~منك؛ ولكن سترى لمن يروى! ثم أنشد بعد أيام: # إذا عب فيها شارب القوم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا # فقلت: هذه مطالبة «2» يا أبا على! فقال: أتظن أنه يروى لك معنى مليح وأنا ~~في الحياة؟ # وقال ابن الرومى فكان أحسن منهما # ومهفهف كملت محاسنه ... حتى تجاوز منية النفس # PageV02P467 # تصبو الكؤس إلى مراشفه ... وتضج في يده من الحبس # أبصرتها والكأس بين فم ... منه وبين أنامل خمس # فكأنها وكأن شاربها ... قمر يقبل عارض الشمس # وقال أبو الفتح كشاجم: # وسحاب يجر في الأرض ذيلى ... مطرف زره على الأرض زرا «1» # برقه لمحة، ولكن له رع ... د بطىء يكسو السامع وقرا # كخلى منافق للذى يه ... واه يبكى جهرا ويضحك سرا # قد سقتنى المدام فيها فتاة ... سحرتنى وليس تحسن سحرا # فإذا ما رأيتها تشرب الرا ... ح أرتنى شمسا تقبل بدرا ### | [من أخبار بشار] # وإنما احتذى أبو نواس في هذه الأشعار التي وصف فيها ترك الشراب وطاعته ~~لأمر الأمين مثال بشار بن برد، وصب على قالبه؛ وذاك أن بشارا لما قال: # لا يؤيسنك من مخبأة ... قول تغلظه وإن جرحا # عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعد ما جمحا # بلغ ذلك المهدى فغاظه؛ وقال: يحرض النساء على الفجور، ويسهل السبيل إليه! ~~فقال له خاله يزيد بن منصور الحميرى: يا أمير المؤمنين؛ قد فتن النساء ~~بشعره، وأى امرأة لا تصبو إلى مثل قوله: # عجبت فطمة من نعتى لها ... هل يجيد النعت مكفوف النظر # بنت عشر وثلاث قسمت ... بين غصن وكثيب وقمر # درة بحرية مكنونة ... مازها التاجر من بين الدرر # أذرت الدمع وقالت: ويلتى ... من ولوع الكف ركاب الخطر # أمتى بدد هذا لعبى ... ووشاحى حله حتى انتثر # PageV02P468 # فدعينى معه يا أمتى ... علنا في خلوة نقضى الوطر # أقبلت في خلوة ms274 تضربها ... واعتراها كجنون مستعر # بأبى والله ما أحسنه ... دمع عين غسل الكحل قطر # أيها النوام هبوا ويحكم ... وسلونى اليوم ما طعم السهر # فأمره المهدى ألا يتغزل، فقال أشعارا في ذلك، منها: # يا منظرا حسنا رأيته ... من وجه جارية فديته # لمعت إلى تسومنى ... ثوب الشباب وقد طويته # والله رب محمد ... ما إن غدرت ولا نويته # أمسكت عنك، وربما ... عرض البلاء وما ابتغيته # إن الخليفة قد أبى ... وإذا أبى شيئا أبيته # ويشوقنى بيت الحبي ... ب إذا غدوت، وأين بيته # قام الخليفة دونه ... فصبرت عنه وما قليته «1» # ونهانى الملك الهما ... م عن النساء فما عصيته # بل قد وفيت ولم أضع ... عهدا، ولا رأيا رأيته # وقال أيضا: # والله لولا رضا الخليفة ما ... أعطيت ضيما على في شجن # قد عشت بين الندمان والراح وال ... مزهر في ظل مجلس حسن # ثم نهانى المهدى فانصرفت ... نفسى، صنع الوفق اللقن # وقال: # أفنيت عمرى وتقضى الشباب ... بين الحميا والجوارى العذاب # فالآن شفعت إمام الهدى ... وربما طبت لحب وطاب # لهوت حتى راعنى داعيا ... صوت أمير المؤمنين المجاب # لبيك لبيك! هجرت الصبا ... ونام عذالى ومات العتاب # PageV02P469 # أبصرت رشدى وتركت المنى ... وربما ذلت لهن الرقاب # فى كلمة طويلة يقول فيها: # يا حامد القول، ولم يبله ... سبقت بالسيل مساك السحاب «1» # الفعل أولى بثناء الفتى ... ما جاءه من خطأ أو صواب # دع قول واء وانتظر فعله ... يثنى على اللقحة ما في الحلاب «2» # إذا غدا المهدى في جنده ... وراح في آل الرسول الغضاب # بدا لك المعروف في وجهه ... كالظلم يجرى في الثنايا العذاب «3» # ومن شعر بشار في الغزل: # أيها الساقيان صبا شرابى ... واسقيانى من ريق بيضاء رود «4» # إن دائى الصدى، وإن شفائى ... شربة من رضاب ثغر برود # عندها الصبر عن لقائى، وعندى ... ز فرات يأكلن قلب الجليد # ولها مبسم كغر الأقاحى ... وحديث كالوشى وشى البرود # نزلت في السواد من حبة القل ... ب ونالت زيادة المستزيد # ثم قالت: نلقاك بعد ليال ... والليالى يبلين كل جديد # لا أبالى من ضن عنى بوصل ... إن قضى الله منك لى ms275 يوم جود # وقال: # تلقى بتسبيحة من حسن ما خلقت ... وتستفز حشا الرائى بإرعاد # كأنما صورت من ماء لؤلؤة ... فكل جارحة وجه بمرصاد # وقال: # وهبت له على المسواك ريقا ... فطاب له بطيب ثنيتيك # PageV02P470 # أقبله على الذكرى كأنى ... أقبل فيه فاك ومقلتيك «1» # وقال: # لا أستطيع الهوى وهجرتها ... قلبى ضعيف وقلبها حجر # كأن وجدى بها وقد حجبت ... فى الرأس والعين والحشا سكر # وأنشد له أبو تمام، وكان يقول: ما رأيت شعرا أغزل منه: # زودينا يا عبد قبل الفراق ... بتلاق، وكيف لى بالتلاق «2» # أنا والله أشتهى سحر عينيك ... وأخشى مصارع العشاق # أمتى من بنى عقيل بن كعب ... موضع السلك في طلا الأعناق # وقال: # لقد عشقت أذنى كلاما سمعته ... رخيما، وقلبى للمليحة أعشق # ولو عاينوها لم يلوموا على البكى ... كريما سقاه الخمر بدر محلق # وكيف تناسى من كأن حديثه ... بأذنى وإن عنيت قرط معلق # وقال: # وقد كنت في ذاك الشباب الذى مضى ... أزار ويدعونى الهوى فأزور # فإن فاتنى إلف ظللت كأنما ... يدير حياتى في يديه مدير # ومرتجة الأرداف مهضومة الحشا ... تمور بسحر عينها وتدور # إذا نظرت صبت عليك صبابة ... وكادت قلوب العالمين تطير # خلوت بها لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصبح دونى حاجب وستور # ومن هذا أخذ على بن الجهم قوله: # صلينى وحبل الوصل لم يتشعب ... ولا تهجرى أفديك بالأم والأب # رعى الله دهرا ضمنا بعد فرقة ... وأدنى فؤادا من فؤاد معذب # PageV02P471 # عناقا وضما والتزاما كأنما ... يرى جسدانا جسم روح مركب # فبتنا وإنا لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرب # وشعره في هذا المعنى كثير. # وروى أنه قال: أنا أشعر الناس؛ لأن لى اثنى عشر ألف قصيدة، فلو اختير من ~~كل قصيدة بيت لاستندر، ومن ندرت له اثنا عشر ألف بيت فهو أشعر الناس «1» ؛ ~~وقد نثرت نظمه في أضعاف الكتاب استدعاء لنشاط القارىء وكراهة في إملاله. # وكان بشار أرق المحدثين ديباجة كلام، وسمى أبا المحدثين؛ لأنه فتق لهم ~~أكمام المعانى، ونهج لهم سبيل البديع، فاتبعوه؛ وكان ابن الرومى يقدمه، ~~ويزعم أنه أشعر من ms276 تقدم وتأخر. # وهو يتعلق في شعره بولاء عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويفتخر ~~بالمضرية. قال له المهدى: فيمن تعتزى؟ قال: أما اللسان فعربى، أما الأصل ~~فكما قلت في شعرى! قال: وما قلت؟ فأنشده: # ونبئت قوما لهم إحنة ... يقولون من ذا وكنت العلم # ألا أيها السائلى جاهلا ... ليعرفنى أنا إلف الكرم «2» # نمت في المكارم بى عامر ... فروعى وأصلى قريش العجم # وإنى لأغنى مقام الفتى ... وأصبى الفتاة فلا تعتصم # البيت الأول من هذه الأبيات ينظر إلى قول جميل: # إذا ما رأونى طالعا من ثنية ... يقولون من هذا وقد عرفونى # PageV02P472 # وفي هذه القصيدة يقول بشار: # وبيضاء يضحك ماء الشبا ... ب في وجهها لك إذ تبتسم # دوار العذارى إذا زرنها ... أطفن بحوراء مثل الصنم # يرحن فيمسحن أركانها ... كما يمسح الحجر المستلم # أصفراء ليس الفتى صخرة ... ولكنه نصب هم وغم # صببت هواك على قلبه ... فضاق وأعلن ما قد كتم # ويقال: إنه مولى لأم الظباء السدوسية، ولذلك قال أبو حذيفة واصل بن عطاء ~~الغزال رئيس المعتزلة لما هجاه بشار: أما لهذا الأعمى الملحد المشنف ~~المكتنى بأبى معاذ من يقتله؟ والله لولا أن الغيلة من سجايا الغالية، لبعثت ~~إليه من ببعج بطنه في جوف منزله، ولا يكون إلا سدوسيا، أو عقيليا. # وكان واصل بن عطاء أحد أعاجيب الدنيا؛ لأنه كان ألثغ في الراء، فأسقطها ~~من جميع كلامه وخطبه؛ إذ كان إمام مذهب، وداعى نحلة، وكان محتاجا إلى جودة ~~البيان، وفصاحة اللسان. قال الجاحظ: فانظر كثرة ترداد الراء في هذا الكلام ~~وكيف أسقطها؟ قال: الأعمى، ولم يقل الضرير، وقال: الملحد، ولم يقل الكافر، ~~وقال: المشنف، ولم يقل المرعث، وقال: المكتنى: بأبي معاذ، ولم يقل بشارا ~~ولا ابن برد، وقال: الغالية، ولم يقل المغيرية، ولا المنصورية، وهم الذين ~~أراد، وقال: نبعثت، ولم يقل لأرسلت، وقال: يبعج، ولم يقل يبقر، وقال: فى ~~جوف منزله، ولم يقل في داره، وأراد بذكر عقيل وسدوس ما ذكر من اعتزائه ~~إليهم. # وزعم الجاحظ أن بشارا كان يدين بالرجعة، ويكفر جميع ms277 الأمة؛ وأنشد له ~~أشعارا صوب بها رأى إبليس في تقديم النار على الطين، منها قوله: # الأرض مظلمة، والنار مشرقة ... والنار معبودة مذ كانت النار # وقال داود بن رزين: أتينا بشارا، فأذن لنا والمائدة بين يديه، فلم يدعنا ~~إلى الطعام، ثم جلسنا فحضر الظهر والعصر والمغرب فلم يصل، ودعا بطست فبال # PageV02P473 # بحضرتنا، فقلنا له: أنت أستاذنا، وقد رأينا منك أشياء أنكرناها، قال: ~~ماهى؟ # قلنا: دخلنا والطعام بين يديك فلم تدعنا، قال: إنما أذنت لتأكلوا، ولو لم ~~نرد ذلك لم نأذن لكم، قلنا له: ودعوت بالطست ونحن حضور، قال: أنا مكفوف، ~~وأنتم مأمورون بغض الأبصار دونى، قلنا: وحضرت الصلاة فلم تصل! قال: الذى ~~يقبلها تفاريق يقبلها جملة! هذا وهو القائل: # كيف يبكى لمحبس في طلول ... من سيفضى لحبس يوم طويل # إن في البعث والحساب لشغلا ... عن وقوف برسم دار محيل # وقال: # ذكرت بها عيشا فقلت لصاحبى: ... كأن لم يكن ما كان حين يزول # وما حاجتى لو ساعد الدهر بالمنى ... كعاب عليها لؤلؤ وشكول # بدا لى أن الدهر يقدح في الصفا ... وأن بقائى إن حييت قليل # فعش خائفا للموت أو غير خائف ... على كل نفس للحمام دليل # خليلك ما قدمت من عمل التقى ... وليس لأيام المنون خليل # وكان بشار حاضر الجواب، سجاعا، خطيبا، صاحب منثور ومزدوج ورجز ورسائل ~~مختارة على كثير من الكلام، ودخل على عقبة بن مسلم بن قتيبة، فأنشده مديحا ~~وعنده عقبة بن رؤبة، فأنشده أرجوزة، ثم أقبل على بشار فقال: # هذا طراز لا تحسنه يا أبا معاذ! فقال: والله لأنا أرجز منك ومن أبيك! ثم ~~غدا على عقبة من الغد، فأنشده أرجوزته: # ياطلل الحى بذات الصمد ... بالله خبر كيف كنت بعدى # يقول فيها: # صدت بخد وجلت عن خد ... ثم انثنت كالنفس المرتد # وصاحب كالدمل الممد ... حملته في رقعة من جلدى # حتى اغتدى غير فقيد الفقد ... وما درى ما رغبتى من زهدى # PageV02P474 # وهذا كقول الآخر: # يودون لو خاطوا عليك جلودهم ... ولا يدفع الموت النفوس الشحائح # وفيها يقول: # الحر يلحى والعصا للعبد ms278 ... وليس للملحف مثل الرد # أسلم وحييت أبا الملد ... مفتاح باب الحدث المنسد # والبس طرازى غير مسترد ... لله أيامك في معد # وهي طويلة، فأجزل صلته، فلما سمع ابن رؤبة ما فيها من الغريب قال: # أنا وأبى وجدى فتحنا الغريب للناس، وإنى لخليلق أن أسده عليهم، فقال ~~بشار: ارحمهم رحمك الله! قال: تستخف بى، وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟ # قال: إذا أنت من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا! ~~فضحك كل من حضر. # ودخل على المهدى وعنده خاله يزيد بن منصور الحميرى، فأنشده قصيدة، فلما ~~أتمها قال له يزيد: ما صناعتك يا شيخ؟ قال: أثقب اللؤلؤ، فقال له المهدى: # أتهزأ بخالى؟ فقال: يا أمير المؤمنين، فما يكون جوابى لمن يرى شيخا أعمى ~~ينشد شعرا فيسأله عن صناعته؟ # وقال جوارى المهدى للمهدى: لو أذنت لبشار يدخل إلينا يؤانسنا وينشدنا فهو ~~محجوب البصر، لا غيرة عليك منه، وأمره فدخل إليهن واستظرفنه، وقلن له: ~~وددنا والله يا أبا معاذ أنك أبونا حتى لا نفارقك، قال: ونحن على دين كسرى ~~«1» ! فأمر المهدى ألا يدخل عليهن. # وكأن المتنبى نظر إلى هذا فقال: # يا أخت معتنق الفوارس في الوغى ... لأخوك ثم أرق منك وأرحم # يرنو إليك مع العفاف وعنده ... أن المجوس تصيب فيما تحكم # PageV02P475 ### | [كلمات مأثورة] # قال على بن عبيدة الريحانى: المودة تعاطف القلوب، وائتلاف الأرواح، وحنين ~~النفوس إلى مثابة السرائر، والاسترواح بالمستكنات في الغرائز، ووحشة ~~الأشخاص عند تباين اللقاء، وظاهر السرور بكثرة التزوار، وعلى حسب مشاكلة ~~الجواهر يكون اتفاق الخصال. # وقال: العتاب حدائق المتحابين، وثمار الأوداء، ودليل الظن، وحركات الشوق، ~~وراحة الواجد، ولسان المشفق. # قال بعض الكتاب: العتاب علامة الوفاء، وحاصة الجفاء، وسلاح الأكفاء. # وقال على بن عبيدة: التجنى رسول القطيعة، وداعى القلى، وسبب السلو، وأول ~~التجافى، ومنزل التهاجر. # وقال: الصدق ربيع القلب، وزكاة الخلق، وثمرة المروءة، وشعاع الضمير وعن ~~جلالة القدر عبارته، وإلى اعتدال وزن العقل ينسب صاحبه، وشهادته قاطعة في ~~الاختلاف، وإليه ترجع الحكومات. # وقال: الكذب شعار الخيانة، وتحريف العلم، وخواطر ms279 الزور، وتسويل أضغاث ~~النفس، واعوجاج التركيب، واختلاف البنية، وعن خمول الذكر ما يكون صاحبه. # وعلى بن عبيدة كثير الإغارة، على ما كان غيره قد استثاره. ### | فقر في الكذب لغير واحد # بعض الفلاسفة: الكذاب والميت سواء؛ لأن فضيلة الحى النطق، فإذا لم يوثق ~~بكلامه فقد بطلت حياته. # الحسن بن سهل: الكذاب لص؛ لأن اللص يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك، ولا ~~تأمن من كذب لك أن يكذب عليك، ومن اغتاب غيرك عندك # PageV02P476 # فلا تأمن أن يغتابك عند غيرك. # قال إبراهيم بن العباس في هذا النحو. # إنى متى أحقد بحقدك ... لا أضر به سواكا # ومتى أطعتك في أخيك ... أطعت فيك غدا أخاكا # حتى أرى متقسما ... يومى لذا، وغدا لذاكا # حسب الكاذب بعقله سقما وبقلبه خصما # ابن المعتز: علامة الكذاب جوده باليمين لغير مستحلف، وقال: # وفي اليمين على ما أنت فاعله ... ما دل أنك في الميعاد متهم # وقال: اجتنب مصاحبة الكذاب، فإن اضطررت إليه فلا تصدقه، ولا تعلمه أنك ~~تكذبه، فينتقل عن وده، ولا ينتقل عن طبعه. يعترى حديث الكذاب من الاختلاف ~~مالا يعترى الجبان من الارتعاد عند الحرب. لا تصح للكذاب رؤيا؛ لأنه يخبر ~~عن نفسه في اليقظة بما لم ير، فتريه في النوم ما لا يكون، وأنشد: # لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة السوء، أو من قلة الأدب # ولأهل العصر: فلان منغمس في عيبه، يكذب لذيله على جيبه، يقول بهتا، وزورا ~~بحتا، قد ملأ قلبه رينا، وقوله مينا؛ يدين بالكذب مذهبا، ويستثير الزور ~~مركبا، أقاويل يتمشى الزور في مناكبها، ويبرز البهتان في مذاهبها. # وقال أعرابى لابنه وسمعه يكذب: يا بنى، عجبت من الكذاب المشيد بكذبه، ~~وإنما يدل على عيبه، ويتعرض للعقاب من ربه؛ فالآثام له عادة، والأخبار عنه ~~متضادة، إن قال حقا لم يصدق، وإن أراد خيرا لم يوفق؛ فهو الجانى على نفسه ~~بفعاله، والدال على فضيحته بمقاله. فما صح من صدقه نسب إلى غيره، وما صح من ~~كذب غيره نسب إليه، فهو كما قال الشاعر: # حسب الكذوب من المها ms280 ... نة بعض ما يحكى عليه # ما إن سمعت بكذبة ... من غيره نسبت إليه # PageV02P477 ### | [جزاء الشكر] # كتب الحسن بن سهل إلى المأمون، بعد أن زفت إليه بوران وتوهم القواد أن ~~هذا التزويج قد أنسى الحسن حاله قبل ذلك: قد تولى أمير المؤمنين من تعظيم ~~عبده في قبول أمته شيئا لا يتسع له الشكر عنه إلا بمعونة أمير المؤمنين، ~~أدام الله عزه، فى إخراج توقيعه بتزيين حالى في العامة والخاصة، بما يراه ~~فيه صوابا إن شاء الله. # فخرج التوقيع: الحسن بن سهل زمام على ما جمع أمور الخاصة، وكنف أسباب ~~العامة، وأحاط بالنفقات، ونفذ بالولاة، وإليه الخراج والبريد واختيار ~~القضاة، جزاء بمعرفته بالحال التي قربته منا، وإثابة لشكره إيانا على ما ~~أولينا. ### | [من خطب النكاح] # قال يحيى بن أكثم: أراد المأمون أن يزوج ابنته من الرضا فقال: يا يحيى؛ ~~تكلم، فأجللته أن أقول: أنكحت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت الحاكم الأكبر، ~~والإمام الأعظم، وأنت أولى بالكلام، فقال: # الحمد لله الذى تصاغرت الأمور بمشيئته، ولا إله إلا هو إقرارا بربوبيته، ~~وصلى الله على محمد عند ذكره. # أما بعد، فإن الله قد جعل النكاح دينا، ورضيه حكما، وأنزله وحيا؛ ليكون ~~سبب المناسبة؛ ألا وإنى قد زوجت ابنة المأمون من على بن موسى، وأمهرتها ~~أربعمائة درهم، اقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهاء إلى ما ~~درج إليه السلف، والحمد لله رب العالمين. # قال الأصمعى: كانوا يستحبون من الخاطب إلى الرجل حرمته الإطالة؛ لتدل على ~~الرغبة، ومن المخطوب إليه الإيجاز، ليدل على الإجابة. # وخطب رجل من بنى أمية إلى عمر بن عبد العزيز أخته، فأطال؛ فقال عمر: # PageV02P478 # الحمد لله ذى الكبرياء، وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء؛ أما بعد فإن ~~الرغبة منك دعتك إلينا، والرغبة منا فيك أجابت، وقد زوجناك على كتاب الله: ~~إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. # وخطب رجل إلى فوم فأتى بمن نحطب له، فاستفتح بحمد الله وأطال، وصلى على ~~النبى عليه السلام وأطال، ثم ذكر البدء وخلق السموات والأرض، واقتص ذكر ms281 ~~القرون حتى ضجر من حضر، والتفت إلى الخاطب، فقال: ما اسمك أعزك الله؟ فقال: ~~والله قد أنسيت اسمى من طول خطبتك، وهي طالق إن تزوجتها بهذه الخطبة؛ فضحك ~~القوم، وعقدوا في مجلس آخر. ### | [الكتب والأقلام والخط] # وقال ابن المعتز: الكتاب والج الأبواب، جرىء على الحجاب، مفهم لا يفهم، ~~وناطق لا يتكلم، به يشخص المشتاق، إذا أقعده الفراق، والقلم مجهز لجيوش ~~الكلام، يخدم الإرادة، ولا يمل الاستزادة، ويسكت واقفا، وينطق سائرا، على ~~أرض بياضها مظلم، وسوادها مضىء، وكأنه يقبل بساط سلطان أو يفتح نوار بستان. # وهذا كقوله في القاسم بن عبيد الله، قال الصولى: لما عرض القاسم بن عبيد ~~الله ليخلف أباه: قال ابن المعتز: # قلم ما أراه أم فلك يج ... رى بما شاء قاسم ويسير # خاشع في يديه يلثم قرطا ... ساكما قبل البساط شكور # ولطيف المعنى جليل نحيف ... وكبير الأفعال وهو صغير # كم منايا وكم عطايا وكم ... حتف وعيش تضم تلك السطور # نقشت بالدجا نهارا فما أد ... رى أخط فيهن أم تصوير # هكذا من أبوه مثل عبيد الله ... ينمى إلى العلا ويصير # عظمت منة الإله عليه ... فهناك الوزير وهو الوزير # PageV02P479 # وقال بعض البلغاء: صورة الخط في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض. # وقال أبو الطيب المتنبى: # دعانى إليك العلم والحلم والحجى ... وهذا الكلام النظم والنائل النثر # وما قلت من شعر تكاد بيوته ... إذا كتبت يبيض من نورها الحبر # وقال ابن المعتز في عبيد الله بن سليمان بن وهب: # عليم بأعقاب الأمور، كأنه ... بمختلسات الظن يسمع أو يرى # إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... يفتح نورا أو ينظم جوهرا # فاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب القلم: أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل ~~على خطر. فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف، إن تم مراده وإلا فإلى السيف ~~معاده؛ أما سمعت قول أبى تمام: # السيف أصدق إنباء من الكتب ... فى حده الحد بين الجد واللعب # بيض الصفائح لا سود الصحائف فى ... متونهن جلاء الشك والريب # وقال أبو الطيب: # ما زلت أضحك إبلى كلما نظرت ms282 ... إلى من احتضنت أخفافها بدم # أسيرها بين أصنام أشاهدها ... ولا أشاهد فيها عفة الصنم # حتى رجعت وأقلامى قوائل لى ... المجد للسيف ليس المجد للقلم # اكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم # هذا مقلوب من قول على بن العباس النوبختى، وقد رواه أبو القاسم الزجاجى ~~لابن الرومى، وإنما وهم لاتفاق الاسمين: # إن يخدم القلم السيف الذى خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم # فالموت- والموت لا شىء يغالبه- ... ما زال يتبع ما يجرى به القلم # بذا قضى الله للأقلام مذبريت ... أن السيوف لها- مذ أرهفت- خدم # PageV02P480 # وقال ابن الرومى: # لعمرك ما السيف سيف الكمى ... بأخوف من قلم الكاتب # له شاهد إن تأملته ... ظهرت على سره الغائب # أداة المنية في جانبيه ... فمن مثله رهبة الراهب # سنان المنية في جانب ... وحد المنية في جانب # ألم تر في صدره كالسنان ... وفي الردف كالمرهف القاضب # وقال أبو الفتح البستى: # إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم ... وعدوه مما يكسب المجد والكرم # كفى قلم الكتاب مجدا ورفعة ... مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم # وقد قيل: صرير الأقلام، أشد من صليل الحسام. # قال الصولى: أنشدنى طلحة بن عبيد الله: # وإذا أمر على المهارق كفه ... بأنامل يحملن شختا مرهفا «1» # متقاصرا متطاولا ومفصلا ... وموصلا ومشتتا ومؤلفا # ترك العداة رواجفا أحشاؤها ... وقلاعها قلعا هنالك رجفا # كالحية الرقشاء إلا أنه ... يستنزل الأروى إليه تلطفا # يرمى به قلما يمج لعابه ... فيعود سيفا صارما ومثقفا # وقال محمود بن أحمد الأصبهانى: # أخرس ينبيك بإطراقه ... عن كل ما شئت من الأمر # يذرى على قرطاسه دمعة ... يبدى بها السر وما يدرى # كعاشق أخفى هواه وقد ... نمت عليه عبرة تجرى # تبصره في كل أحواله ... عريان يكسو الناس أو يعرى # يرى أسيرا في دواة وقد ... أطلق أقواما من الأسر # PageV02P481 # أخرق لو لم تبره لم يكن ... يرشق أقواما وما يبرى # كالبحر إذا يجرى، وكالليل إذ ... يغشى، وكالصارم إذ يفرى # وقال أحمد بن جرار: # أهيف ممشوق بتحريكه ... يحل عقد السر إعلان # له لسان مرهف حده ... من ريقة الكرسف ريان # ترى بسيط الفكر في نظمه ms283 ... شخصا له حد وجثمان # كأنما يسحب في إثره ... ذيلا من الحكمة سحبان # لولاه ما قام منار الهدى ... ولا سما للملك ديوان # ومن أجود ما قيل في صفة القلم قول أبى تمام لمحمد بن عبد الملك الزيات: # لك القلم الأعلى الذى بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصل # له ريقة طل ولكن وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل # لعاب الأفاعى القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل # له الخلوات اللاء لولا بحيها ... لما اختلفت للملك تلك المحافل # وقال الأمير تميم بن المعز: # وذى عجب من طول صبرى على الذى ... ألاقى من الأرزاء وهو جليل # يقولون: ما تشكو؟ فقلت: متى شكا ... شبا السيف عضب الشفرتين صقيل # وإن امرأ يشكو إلى غير نافع ... ويسخو بما في نفسه لجهول # عذابى أن أشكو إلى الناس أننى ... عليل ومن أشكو إليه عليل # ويمنعنى الشكوى إلى الله علمه ... بجملة ما ألقاه قبل أقول # سأسكت صبرا واحتسابا فإننى ... أرى الصبر سيفا ليس فيه فلول # وقال: # يا دهر ما أقساك من متلون ... فى حالتيك، وما أقلك منصفا # أتروخ للنكس الجهول ممهدا ... وعلى اللبيب الحر سيفا مرهفا؟ # PageV02P482 # وإذا صفوت كدرت، شيمة باخل، ... وإذا وفيت نقضت أسباب الوفا # لا أرتضيك، وإن كرمت؛ لأننى ... أدرى بأنك لا تدوم على الصفا # زمن إذا أعطى استرد عطاءه ... وإذا استقام بدا له فتحرفا # ما قام خيرك يا زمان بشره ... أولى بنا ما قل منك وما كفى ### | [الصدق في النصيحة] # وكان أحمد بن يوسف منصرفا عن غسان بن عباد، وجرت بينهما هنات بحضرة ~~المأمون، فقال يوما بحضرة خاصة أصحابه: أخبرونى عن غسان بن عباد؛ فإنى ~~أريده لأمر جسيم؛ وكان قد عزم على تقليده السند مكان بشر بن داود؛ فتكلم كل ~~فريق بما عنده في مدحه؛ فقال أحمد بن يوسف: هو يا أمير المؤمنين رجل محاسنه ~~أكثر من مساويه، لا يتطرف به أمر إلا تقدم فيه، ومهما تخوف عليه فإنه لن ~~يأتى أمرا يعتذر منه؛ لأنه قسم أيامه بين أفعال الفضل؛ فجعل لكل خلق نوبة، ~~إذا نظرت في ms284 أمره لم تدر أى حالاته أعجب؛ أما هداه إليه عقله أم ما اكتسبه ~~بأدبه؟ # فقال له المأمون: لقد مدحته على سوء رأيك فيه! قال: لأنى في أمير ~~المؤمنين كما قال الشاعر: # كفى ثمنا لما أسديت أنى ... نصحتك في الصديق وفي عدائى # وأنى حين تندبنى لأمر ... يكون هواك أغلب من هوائى # قال الصولى: وقد روى هذا لغير أحمد، ولعل أحمد استعاره؛ فأعجب المأمون ~~ذلك منه، وشكره غسان بن عباد له، وتأكدت الحال بينهما. # وكان أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح مولى عجل بن لجيم عالى الطبقة فى ~~البلاغة، ولم يكن في زمانه أكتب منه، وله شعر جيد مرتفع عن أشعار الكتاب، ~~ووزر للمأمون بعد أحمد بن أبى خالد، وكان أول ما ارتفع به أحمد أن # PageV02P483 # المخلوع محمد بن الرشد لما قتل أمر طاهر بن الحسين الكتاب أن يكتبوا إلى ~~المأمون؛ فأطالوا، فقال طاهر: أريد أخصر من هذا فوصف له أحمد بن يوسف ~~وموضعه من البلاغة، فأحضره لذلك، فكتب: أما بعد فان كان المخلوع قسم أمير ~~المؤمنين في النسب واللحمة، فقد فرق بينهما حكم الكتاب في الولاية والخدمة، ~~بمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين؛ لقول الله عز وجل ~~فيما اقتص [علينا] من نبأ نوح وابنه: (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) ، ~~ولا طاعة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات الله؛ ~~وكتابى إلى أمير المؤمنين وقد أنجز الله له ما كان ينتظر من سابق وعده، ~~والحمد لله الراجع إلى أمير المؤمنين معلوم حقه، الكائد له فيمن ختر عهده، ~~ونقض عقده، حتى رد به الألفة بعد فرقتها، وجمع به الأمة بعد شتاتها، وأضاء ~~به أعلام الدين بعد دروسا؛ وقد بعثت إليك بالدنيا وهي رأس المخلوع، ~~وبالآخرة وهي البردة والقضيب؛ والحمد لله الآخذ لأمير المؤمنين حقه، الراجع ~~إليه تراث آبائه الراشدين. # وكان أحمد بن أبى خالد كثيرا ما يصف أحمد للمأمون ويحثه عليه، فأمره ~~المأمون بإحضاره، فلما وقف بين يديه قال: الحمد لله يا أمير ms285 المؤمنين الذى ~~استخصك فيما استحفظك من دينه، وقلدك من خلافته، بسوابغ نعمه، وفضائل قسمه، ~~وعرفك من تيسير كل عسير حاولك عليه متمرد، حتى ذل لك ما جعله تكملة لما ~~حباك به من موارد أموره بنجح مصادرها، حمدا ناميا زائدا لا ينقطع أولاه، ~~ولا ينقضى أخراه، وأنا أسأل الله يا أمير المؤمنين من إتمام بلائه لديك، ~~ومننه عليك، وكفايته ما ولاك واسترعاك، وتحصين ما حاز لك، والتمكين من بلاد ~~عدوك، ما يمنع به بيضة الإسلام، ويعز بك أهله، ويبيح بك حمى الشرك، ويجمع ~~لك متباين الألفة، وينجز بك في أهل العناد والضلالة وعده؛ إنه سميع الدعاء، ~~فعال لما يشاء. # PageV02P484 # فقال المأمون: أحسنت، بووك عليك ناطقا وساكتا! ثم قال بعد أن بلاه ~~واختبره: يا عجبا لأحمد بن يوسف! كيف استطاع أن يكتم نفسه! وكتب إلى ~~المأمون يستجدى لزوار على بابه: إن داعى نداك، ومنادى جدواك، جمعا ببابك ~~الوفود، يرجون نائلك العتيد، فمنهم من يمت بحرمة، ومنهم من يدلى بسالف ~~خدمة، وقد أجحف بهم المقام؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعشهم بسيبه، ويحقق ~~ظنهم بطوله، فعل. # فوقع المأمون في عرض كتابه: # الخير متبع، وأموال الملوك مظان لطلاب؟؟؟؛ فاكتب أسماءهم، وبين مرتبة كل ~~واحد منهم، ليصير إليه على قدر استحقاقه؛ ولا تكدرن، معروفنا بالمطل ~~والحجاب؛ فقد قال الشاعر: # فإنك لن ترى طردا لحر ... كإلصاق به طرف الهوان # ولم تجلب مودة ذى وفاء ... بمثل الود أو بذل اللسان # قال أحمد بن يوسف: أمرنى المأمون أن أكتب في زيادة قناديل شهر رمضان؛ ~~فأعيا على، ولم أجد مثالا أحتذى عليه؛ فبت مغموما، فأتانى آت فى النوم ~~فقال: اكتب: فإن فيها إضاءة للمتهجدين، ونفيا لمكان الريب، وأنسا للسابلة، ~~وتنزيها لبيوت الله من وحشة الظلم، فأخبرت بذلك المأمون، فاستظرفه، وأمر أن ~~تمضى الكتب عليه. # وأهدى إلى المأمون في يوم نوروز طبق جزع عليه ميل من ذهب، فيه اسمه ~~منقوش، وكتب إليه: # هذا يوم جرت فيه العادة، بإلطاف العبيد السادة، وقد بعثت إلى أمير ~~المؤمنين طبق جزع فيه ميل. # فلما ms286 قرأ المأمون الرقصة قال: أجاءت هدية أحمد بن يوسف؟ قالوا: نعم. # قال: هى في دارى أم دارى فيها؟ فلما رفع المنديل استظرف الهدية واسترجح ~~مهديها. # PageV02P485 # وأهدى إلى إبراهيم بن المهدى هدية وكتب إليه: الثقة بك قد سهلت السبيل ~~إليك، فأهديت هدية من لا يحتشم إلى من لا يغتنم. # وكتب إلى بنى سعيد بن سلم: لولا أن الله عز وجل ختم نبوته بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، وكتبه بالقرآن، لنزل فيكم نبى نقمة، وأنزل فيكم قرآن غدر؛ وما ~~عسيت أن أقول في قوم محاسنهم مساوى السفل، ومساويهم فضائح الأمم، وألسنتهم ~~معقولة بالعى، وأيديهم معقودة بالبخل، وهم كما قال الشاعر: # لا يكبرون وإن طالت حياتهم ... ولا تبيد مخازيهم وإن بادوا # وغنى مغن بحضرة أحمد بن يوسف ولم يكن محسنا، فلم ينصتوا له، وتحدثوا مع ~~غنائه، فغضب المغنى؛ فقال أحمد بن يوسف: أنت عافاك الله تحمل الأسماع ثقلا، ~~والقلوب مللا، والأعين قباحة، والأنف نتانة، ثم تقول: اسمعوا منى، وأنصتوا ~~إلى! هذا إذا كانت أفهامنا مقفلة، وآذاننا صدئة، فإما رضيت بالعفو منا، ~~وإلا قمت مذموما عنا. ### | ألفاظ لأهل العصر في ذم المغنين # يترنم فيتعب ولا يطرب. إذا غنى عنى، وإذا أدى آذى. # يميت الطرب، ويحيى الكرب. ضربه يوجب ضربه: من عجائب غنائه أنه يورد ~~الشتاء في الصيف. ما رؤى قط في دار مرتين. وحضر جحظة مجلسا فيه على بن ~~بسام، فتفرق القوم المخاد، فقال جحظة: فما لى لم تعطونى مخدة؟ فقال على بن ~~بسام: غن فالمخاد كلها إليك تصير! وفيه يقول ابن بسام: # يا من هجوناه فغنانا ... أنت، وبيت الله، أهجانا # سيان إن غنى لنا جحظة ... أو مر مجنون فزنانا # PageV02P486 # وكان خالد يستبرد، فبعث بعض الظرفاء غلامه يشترى له خمسة أرطال ثلج، ~~فأتاه بخالد وقال: يا مولاى، طلبت خمسة أرطال، وهذا حمل! وتغنى بحضرة ~~محموم، فقال: ويحك! دعنا نعرق! وقال بعض المحدثين في قريس المغنى: # ألا فاسقنى قدحا وافرا ... يعين على البلغم الهائج # أكلنا قريسا وغنى قريس ... فنحن على شرف الفالج # ولقى أبو العباس ms287 المبرد برد الخيار المغنى في يوم ثلج بالجسر، فقال: أنت ~~المبرد وأنا برد الخيار، واليوم كما ترى، اعبر بنا لا يهلك الناس بالفالج ~~بسببنا وقال ابن عباد الصاحب في مغن يعرف بابن عذاب: # أقول قولا بلا احتشام ... يعقله كل من يعيه # ابن عذاب إذا تغنى ... فإننى منه في أبيه ### | [عود إلى أحمد بن يوسف] # ومن شعر أحمد بن يوسف: # ضمير وجد بقلب صب ... ترجم دمعى به فشاعا # فصار دمعى لسان وجدى ... ضيع سرى به فذاعا # لولا دموعى وفرط حبى ... ما كان سرى كذا مضاعا # وقال: # وعامل بالفجور يأمر بالبر ... كهاد يخوض في الظلم # أو كطبيب قد شفه سقم ... وهو يداوى من ذلك السقم # يا واعظ الناس غير متعظ ... ثوبك طهر أولا فلا تلم # وقال: # إذا ما التقينا والعيون نواظر ... فألسننا حرب وأبصارنا سلم. # PageV02P487 # وقال في الحزن: # كثير هموم القلب حتى كأنما ... عليه سرور العالمين حرام # إذا قيل ما أضناك! أسبل دمعه ... فأخبر ما يلقى وليس كلام # وقال: # كريم له نفس يلين بلينها ... بيردع عن سلطانه سنن الكبر # إذا ذكرته نفسه عظم قدرها ... دعاه إلى تسكينها عظم القدر # ووقع في كتاب رجل يحثه على استتمام صنائعه عنده: مستتم الصنيعة من عدل ~~زيغها، وأقام أودها، صيانة لمعروفه، ونصرة لرأيه؛ فإن أول المعروف مستخف، ~~وآخره مستثقل، يكاد أول الصنيعة يكون للهوى، وآخرها للرأى، ولذلك قيل: رب ~~الصنيعة أشد من ابتدائها «1» . # وكان أبو العتاهية له صديقا «2» قبل ارتفاع حاله، فأحس منه في حين وزارته ~~تغيرا، فكتب إليه: # أمنت إذا استغنيت من سورة الفقر ... فصرت ترى الإخوان بالنظر الشزر # أبا جعفر إن الشريف يهينه ... تتايهه دون الأخلاء بالوفر # فإن تهت يوما بالذى نلت من غنى ... فإن غنائى بالتجمل والصبر # ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى ... وأن الغنى يخشى عليه من الفقر # وروى أبو بكر يموت بن المزرع عن خاله الجاحظ قال: حجب أحمد بن يوسف أبا ~~العتاهية، ثم عاد، فقيل: هو نائم، فكتب إليه: # لئن عدت بعد اليوم إنى لظالم ... سأصرف وجهى حيث تبغى ms288 المكارم # متى يظفر الغادى إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم # PageV02P488 # وقال: # فى عداد الموتى وفي ساكنى الدنيا ... أبو جعفر أخى وخليى # ميت مات وهو في ورق العيش ... مقيما في ظل عيش ظليل # لم يمت ميتة الوفاة، ولكن ... مات عن كل صالح وجميل # وخاصم أحمد بن يوسف رجلا بين يدى المأمون، وكان صغا المأمون إليه «1» على ~~أحمد، ففطن لذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه يستملى من عينيك ما يلقانى ~~به، ويستبين بحركته ما تجنه له «2» ، وبلوغ إرادتك أحب إلى من بلوغ أملى، ~~ولذة إجابتك أمتع عندى من لذة ظفرى؛ وقد تركت له ما نازعنى فيه، وسلمت له ~~ما طالبنى به. فاستحسن ذلك المأمون. # ومن كلام أحمد بن يوسف: مجالسة البغضاء تثير الهموم، وتجلب الغموم، وتؤلم ~~القلب، وتقدح في النشاط، وتطوى الانبساط. ### | ألفاظ لأهل العصر في صفات الثقلاء # فلان ثقيل الطلعة، بغيض التفصيل والجملة، بارد السكون والحركة؛ قد خرج عن ~~حد الاعتدال، وذهب من ذات اليمين إلى ذات الشمال. يحكى ثقل الحديث المعاد، ~~ويمشى في القلوب والأكباد، ولا أدرى كيف لم تحمل الأمانة أرض حملته؟ وكيف ~~احتاجت إلى الجبال بعد ما أقلته؟ كأن وجهه أيام المصائب، وليالى النوائب، ~~وكأنما قربه فقد الحبائب، وسوء العواقب. # وكأنما وصله عدم الحياة، وموت الفجأة، وكأنما هجره قوة المنة، وريح ~~الجنة. # يا عجبى من جسم كالخيال، وروح كالجبال. كأنه ثقل الدين، على وجع العين. ~~هو ثقيل السكون، بغيض الحركة، كثير الشؤم، قليل البركة. هو بين الجفن ~~والعين قذاة، وبين الأخمص والنعل حصاة. ما هو إلا غداة الفراق، وكتاب ~~الطلاق، وموت الحبيب، وطلوع الرقيب. ما هو إلا أربعاء # PageV02P489 # لا تدور في صفر، والكابوس في وقت السحر، وأثقل من خراج بلا غلة، ودواء ~~بلا علة، وأبغض من مثل غير سائر، وأجمع للعيوب من بغلة أبى دلامة، وحمار ~~طيار، وطيلسان ابن حرب، وأير أبى حكيمة، وأنشد: # مشى فدعا من ثقله الحوت ربه ... وقال: إلهى زيدت الأرض ثانيه «1» # وأنشد: # تحمل منه الأرض أضعاف ما ... يحمله الحوت من الأرض # وأنشد: # مشتمل بالبغض ms289 لا تنثنى ... إليه لحظا مقلة الرامق # يظل في مجلسنا قاعدا ... أثقل من واش على عاشق # وقال الحمدونى: # سألتك بالله إلا صدقت ... وعلمي بأنك لا تصدق # أتبغض نفسك من ثقلها ... وإلا فأنت إذا أحمق # وكتب أبو عبد الرحمن العطوى إلى بعض إخوانه: # إذا أنت لم ترسل وجئت فلم أصل ... ملأت بعذر منك سمع لبيب # أتيتك مشتاقا فلم أرحاجبا ... ولا صاحبا إلا بوجه قطوب # كأنى غريم مقتض، أو كأننى ... طلوع رقيب أو نهوض حبيب # وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يستثقل جليسا اسمه زنباع، فقال له رجل ~~يوما: ما الزنبعة في كلام العرب؟ قال: التثاقل، ولذلك سمى جليسنا زنباعا. # وقد كثر الناس في الثقلاء، وأنا أستحسن قول جحظة، وإن كان غيره قد تقدمه ~~في مثله: # PageV02P490 # يا لفظة النعى بموت الخليل ... يا وقفة التوديع بين الحمول # يا شربة اليارج يا أجرة ال ... منزل يا وجه العذول الثفيل # يا طلعة النعش ويا منزلا ... أقفر من بعد الأنيس الحلول # يا نهضة المحبوب عن غضبة ... يا نعمة قد آذنت بالرحيل # يا كتابا جاء من مخلف ... للوعد مملوءا بعذر طويل # يا بكرة الثكلى إلى حفرة ... مستودع فيها عزيز الثكول # يا وثبة الحافظ مستعجلا ... بصرفه القينات عند الأصيل # ويا طبيبا قد أتى باكرا ... على أخى سقم بماء البقول # يا شوكة في قدم رخصة ... ليس إلى إخراجها من سبيل # يا عشرة المجذوم في رحله ... ويا صعود السعر عند المعيل # يا ردة الحاجب عن قسوة ... ونكسة من بعد برء العليل # وجحظة هذا هو أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، ~~وقال أبو الحسن على بن محمد بن مقلة الوزير: سألت جحظة من لقبه بهذا اللقب؟ ~~فقال: ابن المعتز، لقينى يوما، فقال لى: ما حيوان إن نكسوه أتانا آلة ~~للمراكب البحرية، فقلت: علق، إذا نكس صار قلعا، قال: أحسنت يا جحظة؛ فلزمنى ~~هذا اللقب، وكان ناتئ العينين جدا، قبيح الوجه، ولذلك قال ابن الرومى: # نبئت جحظة يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان # يا رحمتى ms290 لمنادميه تحملوا ... ألم العيون للذة الآذان # وكان طيب الغناء، ممتد النفس، حسن المسموع؛ إلا أنه كان ثقيل اليد فى ~~الضرب؛ وكان حلو النادرة، كثير الحكاية، صالح الشعر؛ ولا تزال تندرله ~~الأبيات الجيدة، وهو القائل: # جانبت أطيب لذتى وشرابى ... وهجرت بعدك عامدا أصحابى # PageV02P491 # فإذا كتبت لكى أنزه ناظرى ... فى حسن لفظك لم تجد بجواب # إن كنت تتكر ذلتى وتذللى ... ونحول جسمى وامتداد عذابى # فانظر إلى بدنى الذى موهته ... للناظرين بكثرة الأثواب # وقال: # وإذا جفانى صاحب ... لم أستجز ما عشت قطعه # وتركته مثل القبو ... ر أزورها في كل جمعه # وقال: # ضاقت على وجوه الرأى في نفر ... يلقون بالجحد والكفران إحسانى # أقلب الطرف تصعيدا ومنحدرا ... فما أقابل إنسانا بإنسانى # وقال: # لقد مات إخوانى الصالحون ... فمالى صديق ومالى عماد # إذا أقبل الصبح ولى السرور ... وإن أقبل الليل ولى الرقاد # وقالى يهجو رجلا: # لا تعذلونى إن هجرت طعامه ... خوفا على نفسى من المأكول # فمتى أكلت قتلته من بخله ... ومتى قتلت بالمقتول # ومن حكاياته ما حدثنى خالد الكاتب قال: جاءنى يوما رسول إبراهيم ابن ~~المهدى، فصرت إليه، فرأيت رجلا أسود على فرش قد غاص فيها، فاستجلسنى وقال: ~~أنشدنى من شعرك، فأنشدته: # رأت منه عينى منظرين كما رأت ... من الشمس والبدر المنير على الأرض # عشية حيانى بورد كأنه ... خدود أضيفت بعضهن إلى بعض # ونازعنى كأسا كأن حبابها ... دموعى لما صد عن مقلتى غمضى # وراح وفعل الراح في حركاته ... كفعل نسيم الريح بالغصن الغض # PageV02P492 # فزحف حتى صار في ثلثى الفراش، وقال: يا فتى، شبهوا الخدود بالورد، وأنت ~~شبهت الورد بالخدود، زدنى فأنشدته: # عاتبت نفسى في هوا ... ك فلم أجدها تقبل # وأطعت داعيها إلي ... ك فلم أطع من يعذل # لا والذى جعل الوجو ... ه لحسن وجهك تمثل # لا قلت إن الصبر عنك ... من التصابى أجمل # فزحف حتى انحدر عن الفرش ثم قال لى: زدنى، فأنشدته: # عش فحبيك سريعا قاتلى ... والضنى إن لم تصلنى واصلى # ظفر الحب بقلب دنف ... فيك والسقم بجسم ناحل # فهما بين اكتئاب وضنى ... تركانى كالقضيب الذابل ms291 # وبكى العاذل لى من رحمة ... فبكائى لبكاء العاذل # فنعر طربا وقال: يا يلبق؛ كم معك لنفقتنا؟ قال: ثمانمائة وخمسون دينارا. # قال: اقسمها بينى وبين خالد، فدفع إلى نصفها وأنشد جحظة أو غيره ولم يسم ~~قائله: # لا يبعد الله إخوانا لنا سلفوا ... أفناهم حدثان الدهر والأبد # نمدهم كل يوم من بقيتنا ... ولا يؤوب إلينا منهم أحد ### | [السكاكين] # وكان أحمد بن يوسف جالسا بين يدى المأمون، فسأل المأمون عن السكين فناوله ~~أحمد السكين، وقد أمسك بنصابها، وأشار إليه بالحد، فنظر إليه المأمون نظر ~~منكر؛ فقال: لعل أمير المؤمنين أنكر على أخذى النصاب؛ وإشارتى إليه بالحد؛ ~~وإنما تفاءلت بذلك أن يكون له الحد على أعدائه، فعجب المأمون من سرعة ~~فطنته، ولطيف جوابه. # PageV02P493 # وقال بعض الكتاب: السكين مس الأقلام يشحذها إذا كلت، ويصقلها إذا نبت، ~~ويطلقها إذا وقفت، ويلمها إذا شعثت، وأحسنها ما عرض صدره، وأرهف حده، ولم ~~يفصل على القبضة نصابه. # وقال أبو الفتح كشاجم يرثى سكينا سرقت له: # يا قاتل الله كتاب الدواوين ... ما يستحلون من أخذ السكاكين # لقد دهانى لطيف منهم ختل ... فى ذات حد كحد السيف مسنون # فأقفرت بعد عمران بموقعها ... منها دواة فتى بالكتب مفتون # تبكى على مدية أودى الزمان بها ... كانت على جائر الأقلام تعدينى # كانت تقدم أقلامى وتنحتها ... نحتا وتسخطها بريا فترضينى # وأضحك الطرس والقرطاس عن حلل ... ينوب للعين من نور البساتين # فإن قشرت بها سوداء من صحفى ... عادت كبعض خدود الخرد العين # جزع النصاب لطيفات شعائرها ... محسنات بأصناف التحاسين # هيفاء مرهفة بيضاء مذهبة ... قال الإله لها سبحانه: كونى # لكن مقطى أمسى شامتا جذلا ... وكان في ذلة منها وفي هون # فصين حتى يضاهى في صيانته ... جاهى لصونيه عمن لا يدانينى # ولست عنها بسال ما حييت، ولا ... بواجد عوضا منها يسلينى # ولو يرد فداء ما فجعت به ... منها فديناه بالدنيا وبالدين ### | ألفاظ لأهل العصر في صفات السكاكين # سكين كأن القدر سائقها، أو الأجل سابقها، مرهفة الصدر، مخطفه الخصر، يجول ~~عليها فرند العتق، ويموج فيها ماء الجوهر؛ كأن المنية ms292 تبرق من حدها، والأجل ~~يلمع من متنها، ركبت في نصاب آبنوس، كأن الحدق نفضت # PageV02P494 # عليه صبغها، وحب القلوب كسته لباسها. أخذ لها حديدها الناصح بحظ من ~~الروم، وضرب لها نصابها الحالك بسهم من الزنج، فكأنها ليل من تحت نهار، أو ~~مجمر أبدى سنا نار، ذات غرار ماض، وذباب قاض. سكين ذات منسر بازى، وجوهر ~~هوائى، ونصاب زنجى، إن أرضيت أولت متنا كالدهان، وإن أسخطت اتقت بناب ~~الأفعوان. سكين أحسن من التلاق، وأقطع من الفراق، تفعل فعل الأعداء، وتنفع ~~نفع الأصدقاء. هى أمضى من القضاء، وأنفذ من القدر المتاح، وأقطع من ظبة ~~السيف الحسام، وألمع من البرق في الغمام. جمعت حسن المنظر، وكرم المخبر، ~~وتملكت عنان القلب والبصر، ولم يحوجها عتق الجوهر إلى إمهاء الحجر «1» ### | [السمر والمنادمة] # قال محمد بن أنس للقاسم بن صبيح: مازلنا في سمر نصل فصوله بتشوقك، فيذهب ~~ذكرك ملل السامر، ونعسة الساهر. فقال القاسم: مثلك ذكر صديقه فأطراه، ~~واعتذر إليه فأرضاه، ولو كنتم آذنتمونى كنت أحدكم، مسرورا بما به سررتم، ~~مفيضا فيما فيه أفضتم. # قال بعض الظرفاء: شرط المنادمة قلة الخلاف، والمعاملة بالإنصاف، ~~والمسامحة في الشراب، والتغافل عن رد الجواب، وإدمان الرضا، واطراح ما مضى، ~~وإسقاط التحيات، واجتناب اقتراح الأصوات، وأكل ما حضر، وإحضار ما تيسر، ~~وستر العيب، وحفظ الغيب. # وقد أحسن أبو عبد الرحمن العطوى في قوله: # حقوق الكاس والندمان خمس ... فأولها التزين بالوقار # وثانيها مسامحة الندامى ... فكم حمت السماحة من ذمار # وثالثها، وإن كنت ابن خير ... البرية محتدا، ترك الفخار # PageV02P495 # ورابعها وللندمان حق ... سوى حق القرابة والجوار # إذا حدثته فاكس الحديث ... الذى حدثته ثوب اختصار # فما حث التبيذ بمثل حسن ال ... أغانى والأحاديث القصار # وخامسة يدل بها أخوها ... على كرم الطبيعة والنجار # حديث الأمس ننساه جميعا ... فإن الذنب فيه للعقار # ومن حكمت كاسك فيه فاحكم ... له بإقالة عند العثار # وقال حسان بن ثابت: # نوليها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء «1» # وشرب اليزيدى عند المأمون فلما أخذت منه الكأس أقبل يعتز عليه بتعليمه ms293 ~~إياه، وأساء مخاطبته؛ فلما أفاق من سكره عرف ما جرى، فلبس أكفانه، ووقف بين ~~يدى المأمون فأنشده: # أنا المذنب الخطاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو # ثملت فأبدت منى الكاس بعض ما ... كرهت وما إن يستوى السكر والصحو # ولا سيما إن كنت عند خليفة ... وفي مجلس ما إن يجوز به اللغو # فإن تعف عنى ألف خطوى واسعا ... وإلا يكن عفو فقد قصر الخطو # فقال المأمون: لا تثريب عليك، فالنبيذ بساط يطوى بما عليه. # وشرب كوران المغنى عند الشريف الرضى، فافتقد رداءه، وزعم أنه سرق. فقال ~~له الشريف: ويحك! من تتهم منا؟ أما علمت أن النبيذ بساط يطوى بما عليه؟ ~~قال: انشروا هذا البساط حتى آخذ ردائى واطووه إلى يوم القيامة! وكان أبو ~~جعفر أحمد بن جدار كاتب العباس بن أحمد بن طولون ينقل أخبار أبى حفص عمر بن ~~أيوب كاتب أحمد بن طولون على الشراب إلى العباس، فصار إليه أبو حفص فقال: ~~يا أبا جعفر؛ إنما مجلس المدام مجلس حرمة، وداعية أنس، # PageV02P496 # ومسرح لبانة، ومذاد هم، ومرتع لهو، ومعهد سرور، وإنما توسطته عند من لا ~~يتهم غيبه، ولا يخشى عتبه، وقد اتصل بى ما تنهبه إلى أميرنا أبى الفضل أعز ~~الله أمره، من أخبار مجالستى، فلا تفعل، وأنشده: # ولقد قلت للأخلاء يوما ... قول ساع بالنصح لو سمعره # إنما مجلس المدام بساط ... للمودات بينهم وضعوه # فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا ... من نعيم ولذة رفعوه # وهم أحرياء، إن كان منهم ... حافظ، ما أتوه أن يمنعوه # فاعتذر ابن جدار وحلف ما فعل، وقام من مجلسه. # وأنشد أبو حفص: # كم من أخ أو جست منه سجية ... فأنست بعد وداده بفراقه # لم أحمد الأيام منه خليقة ... فتركته مستمتعا بخلاقه # عول أبو حفص في أكثر كلامه على نقل كلام أبى العباس الناشىء في الشراب، ~~والأبيات التي أنشد أولا له. # أبو القاسم الصاحب: قدما حملت أوزار السكر، على ظهور الخمر، وطوى بساط ~~الشراب، على ما فيه من خطأ أو صواب. متابعة العقار، تعذر ms294 في خلع العذار، ~~وتغنى عن الاعتذار. متابعة الأرطال، تبطل سورة الأبطال، وتدع الشيوخ ~~كالأطفال. # كتب إسحاق بن إبراهيم الموصلى إلى بعض الجلة يستدعيه: # يومنا يوم لين الحواشى، وطىء النواحى؛ وسماؤنا قد أقبلت، ورعدت بالخير ~~وبرقت، وأنت قطب السرور، ونظام الأمور؛ فلا تفردنا فنقل، ولا تنفرد عنا ~~فنذل. # وكتب بعض أهل العصر- وهو السرى الموصلى- إلى أخ له يستدعيه إلى مؤانسته: # PageV02P497 # خلالك، ما اختل الصديق، سحائب ... وبشرك، ما هبت رياح، مواهب # وأنت شقيق الروح تؤثر وصلها ... إذا راعها بالهجر خل وصاحب # ونحن خلال القصف والعزف نجتنى ... ثما ملاه كلهن أطايب # وعندى لك الريحان زين بساطه ... بزهر كما زانت سماء كواكب # وجيش كما انجرت ذيول غلائل ... مصندلة تختال فيها الكواعب # وقد أطلقت فيه الشمائل، وانثنت ... مفندة عن جانبيها الجنائب # وحافظة ماء الحياة لفتية ... حياتهم أن تستلذ المشارب # نسربلها أخفى اللباس، وإنما ... يلف بها أفواهه والسبائب # على جسد مثل الز برجد لم تزل ... تشاكله في لونه وتناسب # إذا استودعت حر اللجين سبائكا ... تصوب في أحشائها وهو ذائب # وفوق رءوس القوم غيم معلق ... أنامل بيض للطبول تلاعب # ولا عائق يثنى عنانك عن هوى ... رغى جانب منه وأومض جانب # فبادر؛ فإن اليوم صاف من القذى، ... وبا رب يوم بادرته النوائب # وقال ابن المعتز: # لا شىء يسلى همى سوى قدح ... تدمى عليه أوداج إبريق # فى غيم ند يزجى سحائبه ... برق ابتسام ورعد نصفيق # وقال الحسن بن محمد الكاتب يصف طئلا: # يا حبذا يومنا نلهو بملهية ... تلهى بشىء له رأسان في جسد # قد شد هذا إلى هذا كأنهما ... من شدة الشد مقرونان في صفد «1» # نظل نلطم خديه إذا ضربت ... بكل طاقتها لطما بلا حرد «2» # فتسمع الصوت منه حين تضربه ... كأنه خارج من ما ضغى أسد # PageV02P498 ### | ومن ألفاظهم في الاستدعاء # نحن في مجلس قد أبت راحه أن تصفو لنا أو تتناولها يمناك، وأقسم غناؤه لا ~~طاب أو تعيه أذناك، فأما خدود نارنجه فقد احمرت خجلا لإبطائك، وعيون نرجسه ~~قد حدقت تأميلا للقائك، فبحياتى عليك إلا تعجلت، وما تمهلت. # نحن بغيبتك ms295 كعقد تغيبت واسطته، وشباب قد أخلقت جدته؛ وإذ قد غابت شمس ~~السماء عنا، فلا بد أن تدنو الأرض منا. أنت من ينتظم به شمل الطرب، وبلقائه ~~يبلغ كل أرب. طر إلينا طيران السهم، واطلع علينا طلوع النجم. ثب إلينا وثوب ~~الغزال، واطلع علينا طلوع الهلال، فى غرة شوال. كن إلينا أسرع من السهم إلى ~~ممره، والماء إلى مقره. جشم إلينا قدمك، واخلع علينا كرمك، وإن رأيت أن ~~تحضرنا لتتصل الواسطة بالعقد، ونحصل بقربك في جنة الخلد، وتسهم لنا في قربك ~~الذى هو قوت النفس، ومادة الأنس. ### | ولهم في استدعاء الشراب # قد تألف لى شمل إخوان كاد يفترق لعوز المشروب، واعتدنا فضلك المعهود، ~~ووردنا بحرك المورود، وأنا ومن سامحنى الدهر بزيارته من إخوانى وأوليائك ~~وقوف بحيث يقف بنا اختيارك من النشاط والفتور، ويرتضيه لنا إيثارك من الهم ~~والسرور، والأمر في ذلك إليك، والاعتماد في جمع شمل المسرة عليك؛ فإن رأيت ~~أن تكلنى إلى أولى الظنين بك فعلت. ألطف المنن موقعا، وأجلها في النفوس ~~موضعا، ما عمر أوطان المسرة، وطرد عوارض الهم والفكرة، وجمع شمل المودة ~~والألفة. قد انتظمت في رفقة لى في سمط الثريا، فإن لم تحفظ علينا النظام ~~بإهداء المدام عدنا كبنات نعش، والسلام. # فرأيك في إرواء غلتنا بما ينقعها، والطول على جماعتنا بما يجمعها. # PageV02P499 ### | ولهم في الكناية عن الشراب # قد نشط لتناول ما يستمد البشر، ويشرح الصدر. قد استمطر سحابة الأنس، ~~واستدر حلوبة السرور، وقدح زند اللهو، فهو يمرى دماء العناقيد، ويفصد عروق ~~الدنان، وينظم عقد الندمان. # كتب الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب وقد اصطبح في يوم دجن لم يمطر: أما ~~ترى تكافؤ هذا الطمع واليأس في يومنا هذا بقرب المطر وبعده، كأنه قول كثير: # وإنى وتهيامى بعزة بعد ما ... تخليت مما بيننا وتخلت # لكالمرتجى ظل الغمامة، كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت # وما أصبحت أمنيتى إلا في لقائك، فليت حجاب النأى هتك بينى وبينك! رقعتى ~~هذه وقد دارت زجاجات أوقعت بعقلى ولم تتحيفه، وبعثت نشاطا حركنى للكتاب؛ ms296 ~~فرأيت في إمطارى سرورا بسار خبرك؛ إذ حرمت السرور بمطر هذا اليوم، موفقا إن ~~شاء الله. # وكتب الحسن بن وهب: وصل كتاب الامير أيده الله وفمى طاعم ويدى عاملة؛ ~~ولذلك تأخر الجواب قليلا، وقد رأيت تكافؤ إحسان هذا اليوم وإساءته، وما ~~استوجب ذنبا استحق به دما؛ لأنه إذا أشمس حكى حسنك وضياءك، وإن أمطر حكى ~~جودك وسخاءك، وإن غام أشبه ظلك وفناءك، وسؤال الامير عنى نعمة من نعم الله ~~عز وجل أعفى بها آثار الزمان السيىء عندى؛ وأنا كما يحب الأمير صرف الله ~~الحوادث عنه، وعن حظى منه. # وذم رجل رجلا فقال: دعواته ولائم، وأقداحه محاجم، وكئوسه محابر، ونوادره ~~بوادر. # وقال أبو الفتح كشاجم: كان عندى بعض المجان من النبيذيين، فسعنى # PageV02P500 # وأنا أحمد الله جل ذكره في وسط الطعام لشىء خطر ببالى من نعم الله التي ~~لا تحصى، فنهض وقال: أعطى الله عهدا إن عاودت! وما معنى التحميد هنا؟ # كأنك تعلمنا أنا قد شبعنا. ثم مال إلى الدواة والقرطاس، وكتب ارتجالا: # وحمد الله يحسن كل وقت ... ولكن ليس في أولى الطعام # لأنك تحشم الأضياف فيه ... وتأمرهم بإسراع القيام # وتؤذنهم، وما شبعوا، بشبع ... وذلك ليس من خلق الكرام # وكتب المريمى إلى بعض إخوانه وقد ترك النبيذ: # إن كنت تبت عن الصهباء تشربها ... نسكا فما تبت عن بر وإحسان # تب راشدا، واسقنا منها، وإن عذلوا ... فيما فعلت فقل ما تلب إخوانى # وقال بعض النبيذيين، وقد ترك الشرب: # تحامونى لتركى شرب راح ... أقمت مكانها الماء القراحا # وما انفردوا بها دونى لفضل ... إذا ما كنت أكثرهم مراحا # وأرفعهم على وتر وصنج ... وأطرفهم وأظرفهم مزاحا # إذا شقوا الجيوب شققت جيبى ... وإن صاحوا علوتهم صياحا ### | فقر للنبيذيين # ما جمشت الدنيا بأظرف من النبيذ، ما للعقار والوقار. إنما العيش مع ~~الطيش، الراح ترياق سم الهم. النبيذ ستر فانظر مع من تهتكه. اشرب النبيذ ما ~~استبشعته، فإذا استطبته فدعه. لولا أن المخمور يعلم قصته لقدم وصيته. # الصاحى بين السكارى كالحى بين الموتى: يضحك من عقلهم، ويأكل من نقلهم. ms297 ~~أحمق ما يكون السكران إذا تعاقل. التبذل على النبيذ ظرف، والوقار عليه سخف، ~~حد السكران أن تغرب الهموم، ويظهر السر المكتوم. # PageV02P501 # وقال الحسن بن وهب لرجل رآه يعبس عند الشراب: ما أنصفتها، تضحك فى وجهك، ~~وتعبس في وجهها. # وقال الطائى: # إذا ذاقها، وهي الحياة، رأيته ... يعبس تعبيس المقدم للقتل # وقد أحسن الشيخ صدر الدين حيث قال: # وأن أقطب وجهى حين تبسم لى ... فعند بسط الموالى يحفظ الأدب # وترك رجل النبيذ، فقيل له: لم تركته، وهو رسول السرور إلى القلب؟ # قال: ولكنه رسول بأس يبعث إلى الجوف فيذهب إلى الرأس. # وقيل لبعضهم: ما أصبك بالخمر! فقال: إنها تسرج في يدى بنورها، وفي قلبى ~~بسرورها كأن الناشىء نظر إلى هذا الكلام فقال: # راح إذا علت الأكف كئوسها ... فكأنها من دونها في الراح «1» # وكأنما الكاسات مما حولها ... من نورها يسبحن في ضحضاح «2» # لو بث في غسق الظلام ضياؤها ... طلع المساء بغرة الإصباح # نفضت على الأجسام ناصع لونها ... وسرت بلذتها إلى الأرواح # البيت الأول كقول البحترى: # يخفى الزجاجة ضوءها، فكأنها ... فى الكف قائمة بغير إناء «3» # وللناشىء في هذا المعنى: # ومدامة يخفى النهار لنورها ... ونذل أكناف الدجا لضيائها # صبت فأحدق نورها بزجاجها ... فكأنها جعلت إناء إنائها # وترى إذا صبت بدت في كأسها ... متقاصر الأرجاء عن أرجائها # وتكاد إن مزجت لرقة لونها ... تمتاز عند مزاجها من مائها # صفراء تضحى الشمس، إن قيست بها ... فى ضوئها، كالليل، فى أضوائها # PageV02P502 # وإذا تصفحت الهواء رأيته ... كدر الأديمة عند حسن صفائها # تزداد من كرم الطباع بقدر ما ... نودى به الأيام من أجزائها # لا شىء أعجب من تولد برئها ... من سقمها، ودوائها من دائها # وقال: # إن رمت وصف الراح فأت بما ... فيها من الأوصاف من قرب # هى ماء ياقوت، وإن مزجت ... فى كأسها بالبارد العذب # فكأنها وحبابها ذهب ... كللته باللؤلؤ الرطب # ولأهل العصر: الدنيا معشوقة ريقها الراح. أخذ هذا المعنى من قول ابن ~~الرومى في صاعد بن مخلد: # فتى هاجر الدنيا وحرم ريقها ... وهل ريقها إلا الرحيق المورد # ولو طمعت في ms298 عطفه ووصاله ... أباحته منها مرشفا لا يصرد # الخمر أشبه شىء بالدنيا؛ لاجتماع اللذات والمرارة فيها. الخمر مصباح ~~السرور، ولكنها مفتاح الشرور. لكل شىء سر، وسر الراح السرور. لا يطيب ~~المدام الصافى، إلا مع النديم المصافى. ### | ومن ألفاظهم في صفات مجالس الأنس وآلات اللهو وذكر الخمر # مجلس راحه ياقوت، ونوره ورد، ونارنجه ذهب، ونرجسه دينار ودرهم، يحملهما ~~زبرجد. عندنا أترج كأنه من خلقك خلق، ومن شمائلك «1» سرق، ونارنج ككرات من ~~سفن ذهبت «2» ، أو ثدى أبكار خلقت. مجلس أخذت فيه الأوتار تتجاوب، والأقداح ~~تتناوب. أعلام الأنس خافقة، وألسن الملاهى # PageV02P503 # ناطقة. ونحن بين بدور، وكاسات تدور، وبروق راح، وشموس أقداح. قد نشأت ~~غمامة الند، على بساط الورد. مجلس قد تفتحت فيه عيون النرجس، وفاحت مجامير ~~الأترج، وفتقت فارات النارنج، ونطقت ألسن العيدان، وقامت خطباء الأوتار، ~~وهبت رياح الأقداح، وطلعت كواكب الندمان، وامتدت سماء الند. مجلس من رآه ~~حسب الجنان قد اصطفت عيونها، فجعلت فى قدر من الأرض، وتخيرت فصوصها، فنقلت ~~إلى مجلس الأنس واللهو. # قد فض اللهو ختامه، ونشر الأنس أعلامه. قد هبت للأنس ريح برقها الراح، ~~وسحابها الأقداح، ورعودها الأوتار، ورياضها الأقمار. قد فرغنا للهو والدهر ~~عنا فى شغل. # جل هذا من قول بعض أهل العصر: # كم جوى مثله رسم مثل ... ودم قد طل أثناء طلل # ولآل كلل الخد بها ... لعب البين بربات الكلل # حبذا عيش الليالى باللوى ... لو تجافى الدهر عنا وغفل # إذ فرغنا فيه للهو وقد ... باتت الأقدار عنا في شغل # وأدرنا ذهبا في لهب ... كلما أخمد بالماء اشتعل # قد اقتعدنا غارب الأنس، وجرينا في ميدان اللهو. عمدنا إلى أقداح اللهو ~~فأجلناها، ولمراكب السرور فامتطيناها. قد امتطينا غوارب السرور بالأقداح. ~~مدامة توردريح الورد، وتحكى نار إبراهيم في اللون والبرد، ولست أدرى أشقيق ~~أم عقيق، أم رحيق أم حريق. راح كأن الديوك صبت أحداقها فيها. راح كأنما ~~اشتقت من الروح والراحة. # قال ابن الرومى: # والله ما ندرى لأية عله ... يدعونها في الراح باسم الراح # ألريحها أم روحها تحت الحشى ... أم لارتياح ms299 نديمها المرتاح # PageV02P504 # راح كالنار والنور والنور، أصفى من البلور، ومن دمع المهجور. روح نور لها ~~من الكأس جسم، كأنها شمس في غلالة سراب. شراب أكاد أقول: # هو أصفى من مودتى لك، ومن نعم الله عندى فيك، وأطيب من إسعاف الزمان ~~بلقائك. مدامة قد سبك الدهر تبرها فصفا. كأس كأنها نور ضميره نار. راح ~~كياقوتة في درة، أصفى من ماء السماء، ودمع العاشقة المرهاء «1» ، أحسن من ~~الدنيا المقبلة، والنعم المكملة. أحسن من العافية في البدن، وأطيب من ~~الحياة في السرور. أرق من نسيم الصبا، وعهد الصبا. أرق من دمع محب، وشكوى ~~صب. أرق من دموع العشاق، مرتها لوعة الفراق. # مزج نار الراح بنور الماء. راح كأنها معصورة من وجنة الشمس، فى كأس كأنها ~~مخروطة من فلقة البدر. كأسها ملء اليد، وريحها ملء البلد، تصب على الليل ~~ثوب النهار، كأنها في الكأس معنى دقيق في ذهن لطيف. # كأن الراح من خده معصورة، وملاحة الصورة عليها مقصورة. وهذا من قول ~~الطائى # كأنها من خده تعصر # وقال عبد السلام بن رغبان الملقب بديك الجن الشاعر المشهور: # معتقة من كف ظبى كأنما ... تناولها من خده فأدارها # تمشت الصهباء في عظامهم، وترقت إلى هامهم، وماست في أعطافهم، ومالت ~~بأطرافهم. سارت فيهم الكئوس، ونالت منهم سورة الخندريس «2» . # شربت عقولهم، وملكت قلوبهم. # وقال أبو نواس، وهو أستاذ الناس في هذا الشأن: # صفة الطول بلاغة الفدم ... فاجعل صفاتك لابنة الكرم # تصف الطلول على السماع بها ... أفذو العيان كثابت العلم # PageV02P505 # وإذا وصفت الشىء متبعا ... لم تخل من غلط ومن وهم # وقال: # الكأس أهواها وإن رزأت ... بلغ المعاش وقللت فضلى «1» # صفراء مجدها مرازبها ... جلت عن النظراء والمثل # ذخرت لآدم قبل خلقته ... فتقدمته بخطوة القبل # فاعذر أخاك فإنه رجل ... مرنت مسامعه على العذل # وقال: # فتسليت بشرب عقار ... نشأت في حجر أم الزمان # فتناساها الجديدان حتى ... هى أنصاف شطور الدنان # وافترعنا مرة الطعم بها ... نزق البكر ولين العوان # واحتسينا من رحيق عتيق ... وشديد كامل في ليان # لم يجفها مبزل القوم حتى ... نجمت مثل ms300 نجوم السنان # أو كعرق السام تنشق منه ... شعب مثل انفراج البنان # وقال: # وخدين لذات معلل صاحب ... يقتات منه فكاهة ومزاحا # قال: ابغنى المصباح، قلت له: اتئد ... حسبى وحسبك ضوءها مصباحا # فسكبت منها في الزجاجة شربة ... كانت له حتى الصباح صباحا # وهذا كقوله: # وخمار أنخت عليه ليلا ... قلائص قد تعبن من السفار «2» # فترجم والكرى في مقلتيه ... كمخمور شكا ألم الخمار # أبن لى كيف صرت إلى حريمى ... وجفن الليل مكتحل بقار # PageV02P506 # فقلت له: ترفق بى؛ فإنى ... رأيت الصبح من خلل الديار # فكان جوابه أن قال: كلا ... وما صبح سوى ضوء العقار # وقام إلى الدنان فسد فاها ... فعاد الليل مسدول الإزار # وقال بعض المحدثين: # ما زال يشربها وتشرب عقله ... خبلا، وتؤذن روحه برواح # حتى انثنى متوسدا بيمينه ... سكرا، وأسلم روحه للراح # وقال الصنوبرى وذكر شربا «1» : # نازعتهم كأسا تخال نسيمها ... مسكا تضوع في الإناء عتيقا # شقت قناع الفجر لما غادرت ... كف النديم قناعها مشقوقا # صبغت سواد دجاه حمرة لونها ... فكأنه سبج أعيد عقيقا # وقال أبو الشيص: # وكأس كسا الساقى لنا بعد هجعة ... حواشيها ما مج من ريقة العنب # كأن اطراد الماء في جنباتها ... تربع ماء الدر في سبك الذهب # سقانى بها، والليل قد شاب رأسه، ... غزال بحناء الزجاجة مختضب # وقال أبو عدى الكاتب: # ليس لها حد تحيط بوصفه ... لغات، ولا جسم يباشره لمس # ولكنه كالبرق أومض ماضيا ... فلم يبق منه غير ما تذكر النفس # وقال ابن المعتز: # ألا فاسقنيها قد مشى الصبح في الدجى ... عقارا كمثل النار حمراء قرقفا # فناولنى كأسا أضاءت بنانه ... تدفق ياقوتا ودرا مجوفا # ولما أريناها المزاج تسعرت ... وخلت سناها بارقا قد تكشفا # PageV02P507 # يطوف بها ظبى من الإنس شادن ... يقلب طرفا فاسق اللحظ مدنفا # عليم بأسرار المحبين حاذق ... بتسليم عينيه إذا ما تخوفا # فظل يناجينى يقلب طرفه ... بأطيب من نجوى الأمانى وألطفا # وقال: # ألا عج على دار السرور فسلم ... وقل: أين لذاتى وأين تكلمى؟ # وقل: ما حلت بالعين بعدك لذة ... سواك، وإن لم تعلمى ذاك فاعلمى # وصفراء من صبغ المزاج برأسها، ms301 ... إذا مزجت، إكليل در منظم # قطعت بها عمر الدجى وشربتها ... ظلامية الأحشاء نورية الدم ### | [من رسائل بديع الزمان الهمذانى] # كتب أبو الفضل بديع الزمان إلى أبى عدنان بن محمد الضبى «1» يعزيه عن بعض ~~أقاربه: # إذا ما الدهر جر على أناس ... حوادثه أناخ بآخرينا # فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا # أحسن ما في الدهر عمومه بالنوائب، وخصوصه بالرغائب، فهو يدعو الجفلى «2» ~~إذا ساء، ويخص بالنعمة إذا شاء، فليفكر الشامت؛ فإن كان أفلت، فله أن يشمت، ~~ولينظر الإنسان في الدهر وصروفه، والموت وصنوفه، من فاتحة أمره، إلى خاتمة ~~عمره؛ هل يجد لنفسه، أثرا في نفسه؟ أم لتدبيره، عونا على تصويره، أم لعمله، ~~تقديما لأمله، أم لحيله، تأخيرا لأجله؛ كلا، بل هو العبد لم يكن شيئا ~~مذكورا؛ خلق مقهورا، ورزق مقدورا، فهو يحيا جبرا، ويهلك صبرا، وليتأمل ~~المرء كيف كان قبلا؛ فإن كان العدم أصلا، والوجود فضلا، فليعلم # PageV02P508 # الموت عدلا؛ فالعاقل من رقع من جوانب الدهر ما ساء بما سر، ليذهب ما نفع ~~بما ضر؛ فإن أحب ألا يحزن فلينظر يمنة، هل يرى إلا محنة، ثم ليعطف يسرة، هل ~~يرى إلا حسرة؟ ومثل الشيخ الرئيس- أطال الله بقاءه! - من فطن لهذه الأسرار، ~~وعرف هذه الديار، فأعد لنعيمها صدرا لا يملؤه فرحا، ولبؤسها قلبا لا يطيره ~~ترحا؛ وصحب البرية برأى من يعلم أن للمتعة حدا، وللعارية ردا، ولقد نعى إلى ~~أبو قبيصة قدس الله روحه، وبرد ضريحه، فعرضت على آمالى قعودا، وأمانى سودا، ~~وبكيت، والسخى جوده بما يملك، وضحكت، وشر الشدائد ما يضحك، وعضضت الأصبع ~~حتى أدميته، وذممت الموت حتى تمنيته؛ والموت أطال الله بقاء الشيخ الرئيس ~~خطب قد عظم حتى هان، وأمر قد خشن حتى لان، ونكر قد عم حتى عاد عرفا؛ ~~والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت أخف خطوبها، وقد خبثت حتى صار أقل عيوبها، ~~ولعل هذا السهم قد صاب آخر ما في كنانتها، وأنكأ ما في خزانتها، ونحن معاشر ~~التبع نتعلم الأدب من اخلاقه، والجميل من أفعاله، فلا نحثه على ms302 الجميل وهو ~~الصبر، ولا نرغبه في الجزيل وهو الأجر؛ فلير فيهما رأيه إن شاء الله. # وله إلى بعض إخوانه جوابا عن كتاب كتبه يهنيه بمرض أبى بكر الخوارزمى ~~وكانت بينهما مقارعة، ومنازعة، ومنافرة، ومهاترة؛ ولهما مجالس مستظرفة قهره ~~البديع فيها وبهره، وبكته حتى أسكته، ليس هذا موضعها، لكنى أذكر بعد هذه ~~الرسالة بعض مكاتبات جرت بينهما؛ إذ كان ما لهما من الابتداء والجواب آخذا ~~بوصل الحكمة وفصل الخطاب: # الحر أطال الله بقاءك- لا سيما إذا عرف الدهر معرفتى، ووصف أحواله صفتى- ~~إذا نظر علم أن نعم الدهر ما دامت معدومة فهى أمانى، وإن وجدت فهى عوارى، ~~وأن محن الأيام وإن طالت فستنفد، وإن لم تصب فكأن قد، فكيف يشمت بالمحنة من ~~لا يأمنها في نفسه، ولا يعدمها في جنسه، والشامت # PageV02P509 # إن أفلت فليس يفوت، وإن لم يمت فسيموت؛ وما أقبح الشماتة، بمن أمن ~~الإماتة، فكيف بمن يتوقعها بعد كل لحظة، وعقب كل لفظة، والدهر غرثان طعمه ~~الخيار «1» ، وظمآن شربه الأحرار، فهل يشمت المرء بأنياب آكله، أم يسر ~~العاقل بسلاح قاتله؟ وهذا الفاضل شفاه الله وإن ظاهرناه بالعداوة قليلا، ~~فقد باطناه ودا جميلا، والحر عند الحمية لا يصطاد، ولكنه عند الكرم ينقاد، ~~وعند الشدائد تذهب الأحقاد، فلا تتصور حالتى إلا بصورتها من التوجع لعلته، ~~والتحزن لمرضته، وقاه والله المكروه، ووقانى سماع المحذور فيه، بمنه وحوله، ~~ولطفه وطوله. # قال البديع في سياقة أخباره مع أبى بكر الخوارزمى: # أولها أنا وطئنا خراسان، فما اخترنا إلا نيسابور دارا، وإلا جوار السادة ~~جوارا، لا جرم أنا حططنا بها الرحل؛ ومددنا عليها الطنب، وقديما كنا نسمع ~~بحديث هذا الفاضل فنتشوقه، وبخبره على الغيب فنتعشقه، ونقدر أنا إذا وطئنا ~~أرضه، ووردنا بلده، يخرج لنا في العشرة عن القشرة، وفي المودة عن الجلدة، ~~فقد كانت كلمة الغربة جمعتنا، ولحمة الأدب نظمتنا، وقد قال شاعر القوم غير ~~مدافع «2» : # أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب # فأخلف ذلك الظن كل الإخلاف، واختلف ذلك التقدير كل الاختلاف، وكان قد ~~اتفق علينا في ms303 الطريق من العرب اتفاق، لم يوجبه استحقاق، من بزة بزوها، ~~وفضة فضوها، وذهب ذهبوا به، ووردنا نيسابور براحة، أنقى من # PageV02P510 # الراحة، وكيس أخلى من جوف حمار «1» ، وزى أوحش من طلعة المعلم، بل اطلاعة ~~الرقيب، فما حللنا إلا قصبة جواره، ولا وطئنا إلا عتبة داره؛ وهذا بعد رقعة ~~قدمناها، وأحوال أنس نظمناها- ونسخة الرقعة: أنا بقرب الأستاذ أطال الله ~~بقاه كما طرب النشوان مالت به الخمر، ومن الارتياح للقائه كما انتفض ~~العصفور بلله القطر، ومن الامتزاج بولائه كما التقت الصهباء والبارد العذب، ~~ومن الابتهاج لمزاره كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب، فكيف نشاط الأستاذ ~~سيدى لصديق طرأ إليه مما بين قصبتى العراق وخراسان، بل عتبتى نيسابور ~~وجرجان؟ وكيف اهتزازه لضيف: # رث الشمائل مخلق الأثواب ... بكرت عليه مغيرة الأعراب # وهو- أيده الله! - ولى إنعامه، بإنفاذ غلامه، إلى مستقرى، لأفضى إليه بما ~~عندى- إن شاء الله- فلما أخذتنا عينه سقانا الدردى من أول دنه، وأجنانا سوء ~~العشرة من باكورة فنه، من طرف نظر بشطره، وقيام دفع في صدره، وصديق استهان ~~بقدره، وضيف استخف بأمره؛ لكنا أقطعناه جانب أخلاقه، ووليناه خطة نفاقه؛ ~~فواصلناه إذ جانب، وقاربناه إذ جاذب، وشربناه على كدورته، ولبسناه على ~~خشونته، ورددنا الأمر في ذلك إلى زى استغثه، ولباس استرثه، وكاتبناه نستمد ~~وداده، ونستلين قياده، ونقيم منآده، بما هذه نسخته: # الأستاذ أبو بكر، والله يطيل بقاءه، أزرى بضيفه أن وجده يضرب إليه آباط ~~القلة، فى أطمار الغربة، فأعمل في رتبته أعمال المصارفة، وفي الاهتزاز إليه ~~أصناف المضايقة، من إيماء بنصف الطرف، وإشارة بشطر الكف، # PageV02P511 # ودفع في صدر القيام عن التمام، ومضغ للكلام، وتكلف لرد السلام؛ وقد قبلت ~~ترتيبه صعرا، واحتملته وزرا، واحتضنته نكرا، وتأبطته شرا، ولم آله عذرا؛ ~~فإن المرء بالمال وثياب الجمال، ولست مع هذه الحال وفي الاسمال، أتقزز من ~~صف النعال، فلو صدقته العتاب، وناقشته الحساب، لقلت: إن بوادينا ثاغية ~~صباح، وراغية رواح، وناسا يجرون المطارف، ولا يمنعون المعارف: # وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل # فلو طوحت بأبى بكر- أيده الله- إليهم مطارح ms304 الغربة، لوجد منزل البشر ~~رحيبا، ومحط الرحل قريبا، ووجه المضيف خصيبا؛ فرأى الأستاذ أبى بكر أيده ~~الله فى الوقوف على هذا العتاب الذى معناه ود، والمر الذى يتلوه شهد، موفق ~~إن شاء الله. # فأجاب بما نسخته: وصلت رقعة سيدى ورئيسى أطال الله بقاه إلى آخر السكباج ~~«1» ، وعرفت ما تضمنه من خشن خطابه، ومؤلم عتابه، وصرفت ذلك منه إلى الضجرة ~~التي لا يخلو منها من مسه عسر أو نبا به دهر؛ والحمد لله الذى جعلنى موضع ~~أنسه، ومظنة مشتكى ما في نفسه، أما ما شكاه سيدى ورئيسى من مضايقتى إياه في ~~القيام، فقد وفيته حقه- أيده الله- سلاما وقياما، على قدر ما قدرت عليه، ~~ووصلت إليه، ولم أرفع عليه إلا السيد أبا البركات [العلوى] أدام الله عزه، ~~وما كنت لأرفع أحدا على من أبوه الرسول، وأمه البتول، وشاهداه التوراة ~~والإنجيل، وناصراه التأويل والتنزيل، والبشير به جبريل وميكائيل؛ فأما ~~القوم الذين صدر عنهم سيدى فكما وصف: حسن عشرة، وسداد طريقة، وجمال تفصيل ~~وجملة، ولقد جاورتهم فأحمدت المراد، ونلت المراد: # PageV02P512 # فإن كنت قد فارقت نجدا وأهله ... فما عهد نجد عندنا بذميم # والله يعلم نيتى للأحرار «1» كافة، ولسيدى من بينهم خاصة؛ فإن أعاننى ~~الدهر على ما في نفسى بلغت له ما في النية، وجاوزت به مسافة القدر ~~والأمنية، وإن قطع على طريق عزمى بالمعارضة، وسوء المناقضة، صرفت عنانى عن ~~طريق الاختيار، بيد الاضطرار. # فما النفس إلا نطفة بقرارة ... إذا لم تكدر كان صفوا غديرها «2» # وبعد، فحبذا عتاب سيدى إذا استوجبنا عتبا، واقترفنا ذنبا؛ فأما أن يسلفنا ~~العربدة فنحن نصونه عن ذلك، ونصون أنفسنا عن احتماله، ولست أسومه أن يقول: ~~(استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين) # ، ولكن أسأله أن يقول: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم ~~الراحمين) . # فحين ورد الجواب وعين العذر رمدة تركناه بعره، وطويناه على غره، وعمدنا ~~إلى ذكره فسحوناه، ومن صحيفتنا محوناه، وصرنا إلى اسمه فأخذناه ونبذناه، ~~وتنكبنا خطته، وتجنبنا حطته «3» ، فلا طرنا إليه، ولا صرنا به، ومضى على ~~ذلك الأسبوع، ms305 ودبت الأيام، ودرجت الليالى، وتطاولت المدة، وتصرم الشهر، ~~وصرنا لا نعير الأسماع ذكره، ولا نودع الصدور حديثه؛ وجعل هذا الفاضل ~~يستزيد، ويستعيد، بألفاظ تقطعها الأسماع من لسانه، وتؤديها إلى، وكلمات ~~تحفظها الألسنة من فمه، وتعيدها على؛ فكاتبناه بما هذه نسخته: # أنا أرد من الأستاذ سيدى- أطال الله بقاه- شرعة وده وإن لم تصف، وألبس ~~خلعة بره وإن لم تضف، وقصاراى أن أكيله، صاعا عن مد؛ فإنى وإن كنت في الأدب ~~دعى النسب، ضيق المضطرب، سيىء المنقلب، أمت إلى عشرة أهله بنيقة، وأنزع إلى ~~خدمة أصحابه بطريقة، ولكن بقى أن يكون الخليط منصفا في الوداد، إذا زرت ~~زار، وإن عدت عاد، وسيدى- أبقاه الله- # PageV02P513 # ناقشنى في القبول أولا «1» ، وصارمنى في الإقبال آخرا؛ فأما حديث ~~الاستقبال، وأمر الإنزال والأنزال «2» ، فنطاق الطمع ضيق عنه، غير متسع ~~لتوقعه منه، وبعد فكلفة الفضل بينة، وفروض الود متعينة، وأرض العشرة لينة، ~~وطرقها هينة، فلم اختار قعود التعالى مركبا، وصعود التغالى مذهبا؛ وهلا ذاد ~~الطير عن شجر العشرة، وذاق الحلو من ثمرها؛ فقد علم الله أن شوقى إليه قد ~~قد الفؤاد برحا إلى برح، ونكأه قرحا إلى قرح، ولكنها مرة مرة، ونفس حرة، لم ~~تقد إلا بالإعظام، ولم تلق إلا بالإجلال والإكرام، وإذا استعفانى من ~~معاتبته، فأعفى نفسه من كلف الفضل يتجشمها، فليس إلا غصص الشوق أتجرعها، ~~وحلل الصبر أتدرعها، ولم أعره من نفسى، وأنا لو أعرت جناحى طائر لما طرت ~~إلا إليه، ولا وقعت إلا عليه: # أحبك يا شمس النهار وبدره ... وإن لامنى فيك السها والفراقد # وذاك لأن الفضل عندك باهر ... وليس لأن العيش عندك بارد # فلما وردت عليه الرقعة حشد تلاميذه وخدمه، وجشم للايجاب قدمه «3» : # وطلع علينا مع الفجر طلوعه، ونظمتنا حاشيتا دار الأمير أبى الطيب؛ فقلنا: # الآن تشرق الحشمة وتنور، وننجد فى العشرة ونغور، وقصدناه شاكرين لما ~~أتاه، وانتظرنا عادة بره، وتوقعنا مادة فضله؛ فكان خلبا شمناه، وآلا وردناه ~~«4» ، وصرفنا فى تأخره وتأخرنا عنه إلى ما قاله ابن المعتز: # إنا على البعاد والتفرق ... لنلتقى بالذكر إن لم نلتق ms306 # وأنشدنا قول ابن عصرنا «5» : # أحبك فى البتول وفى أبيها ... ولكنى أحبك من بعيد # PageV02P514 # وبقينا نلتقى خيالا، ونقنع بالذكر وصالا، حتى جعلت عواصفه تهب، وعقاربه ~~تدب. # والمجلس طويل جدا. # قلت: إن كنت خرجت لطول هذا الكلام عن ضبط الشرط، فلعلى أسامح فيه لفضله، ~~وعدم مثله، وهو وإن كان فى باب الاتصال، فهو بتقدير الانفصال، لقيام كل ~~رسالة بذاتها، وانفرادها بصفاتها. # وكتب إلى رئيس هراة عدنان بن محمد يصف ما جرى بينه وبين الخوارزمى: # ما ألوم هذا الفاضل على بساط شر طواه، وموقد حرب اجتواه، ولكنى ألومه على ~~ما نواه؛ ثم لم يتبع هواه، ورامه، ثم لم يبلغ آثامه، وأقول: قد ضرب فأين ~~الإيجاع؟ وأنذر فأين الإيقاع؟ وهذه بوارقه، فأين صواعقه؟ وذلك وعيده، فأين ~~عديده؟ وتلك بنوده، فأين جنوده؟ وأنشد: # هذى معاهده فأين عهوده؟ # وما أهول رعده، لو أمطر بعده! اللهم لأكفران، ولعن الله الشيطان، فإنه ~~أشفق لغريب أن يظهر عواره، وإن طار طواره «1» ، وإن كان قصد هذا القصد فقد ~~أساء إلى نفسه من حيث أحسن إلى، وأجحف بفضله من حيث أبقى على، وأوهم الناس ~~أنه هاب البحر أن يخوضه، والأسد أن يروضه، وشجعنى على لقائه، بعد ما برعنى ~~«2» بإيمائه، فبينا كنت أنشد: # إن جنبى على الفراش لناب # إذ أنشدت: # طاب ليلى وطاب فيه شرابى # PageV02P515 # وبينا أنا أقول: # ما لقلبى كأنه ليس منى # إذ قلت: # أين من كان موعدا لى بأنى # فلو أن هذا الفاضل قضى حقنا بالزيارة عند قدومنا أو الاستزارة، لكان فى ~~الضرب أحسن، وفى طريق المعاشرة أذهب. لا، ولكنه وعد بالمباراة أولا، وهددنا ~~بالمسائل ثانيا، وأخلف بالتخلف ثالثا؛ فأبلغ وجدى إليه، واعرض شوقى عليه، ~~وقل له إن كنت ندمت على النضال، فلا تندم على الإفضال، فإن طويتنا حيث ~~الجهاد، فانشرنا حيث الوداد، وإن لم تلقنا فى باب المكاشرة، فأتنا من باب ~~المعاشرة. # وله إلى الإمام أبى الطيب سهل بن محمد: قد كان الشيخ يعدنى عن هذه الحضرة ~~عدات أشم لها الأنف، لا ذهابا بتلك الفواضل عنها، لكن استحالة من ms307 هذا ~~الزمان أن يجود بها؛ فحين أسرفت على الحضرة ماجت إلى أمواج الشرف منها، ~~وخلص إلى نسيم الكرم عنها، وأتحفنى على رسم الإجلال بمركوب شامخ، ومركب ذهب ~~سابغ، وجنيب «1» شرف زائد؛ وسرت بحمد الله محفوفا بأعيان الكتاب، وعيون ~~الرجال، حتى شافهت بساط العز، مستقبلا ملك الشرق أدام الله علوه، فجذب ~~بضبعى عن أرض الخدمة إلى جوار ولى النعمة، حرس الله مكانه، فاهتز اهتزازا ~~فات سمة الإكرام، وتجاوز اسم الإعظام إلى القيام، فقبلت من يمناه مفتاح ~~الأرزاق، وفتاح الآفاق، ولحقت منه بقاب العقاب «2» ، وخاطبنى بمخاطبات نشدت ~~بها ضالة الكرام، وهلم جرا إلى ما تبعها من جميل الإنزال، وسنى الأجزال «3» ~~. # PageV02P516 # وطرأت من الشيخ العميد على شخص يسعه الخاتم، ولا يسعه العالم، ويهتز عند ~~المكارم كالغصن، ويثبت عند الشدائد كالركن، وسلطان يحلم حلم السيف مغمدا، ~~ويغضب مجردا، فهو عند الكرم لين كصفحته، وعند السياسة خشن كشفرته، وملك ~~يأتى الكرم نية، والفضل سجية، ويفعل الشر كلفة أو خطية، فهو ضرور بآلاته، ~~نفوع بذاته، عطارد قلمه ودواته، والمريخ سيفه وقناته؛ عيبه أن لا عيب فيه، ~~فيصرف عين الكمال عن معاليه. # وصادفت من الشيخ الموفق أيده الله ملكا يشاهد عيانا، وجبلا قد سمى ~~إنسانا، وحسنا قد ملىء إحسانا، وأسدا قد لقب سلطانا، وبجرا قد أمسك عنانا، ~~وحططت رحلى بفناء الأمير الفاضل أبى جعفر أدام الله عزه، فوجدت حكمى في ~~ماله أنفذ من حكمه، وقسمى من غناه أوفر من قسمه، واسمى في ذات يده مقدما ~~على اسمه، ويدى إلى خزانته أسرع من يده؛ وإن قصدت أن أفرد لكل مدحا، وأعبر ~~الجملة شرحا، أللت هلم جرا إلى ما انسخت الكتاب لأجله. # ورد للخوارزمى كتاب ينقلب فيه على جنب الحرد، ويتقل على جمر الضجر، ~~ويتأوه من خمار الخجل، ويتعثر فى أذيال الكلل، ويذكر أن الخاصة قد علمت ~~لأينا كان «1» الفلج، فقلت: است البائن أعلم، والخوارزمى أعرف، والأخبار ~~المتظاهرة [أعدل، والآثار الظاهرة] أصدق، وحلبة السباق أحكم، وما مضى بيننا ~~أشهد، والعود إن نشط أحمد، ومتى استزاد زدنا، وإن عادت العقرب ms308 عدنا، وله ~~عندى إذا ما شاء، كل ما شاء! وهى طويلة فيها هنات ضنت الكتاب عنها، وقد ~~أعاد البديع معنى قوله فى صدر حكايته مع الخوارزمى، فقال فى رقعة كتبها إلى ~~سعيد الإسماعيلى، وقد وقفت به الضرورة على تلك الصورة من سلب العرب ماله: # كتابى، بل رقعتى، أطال الله بقاء الشيخ، وقد بكرت على مغيرة # PageV02P517 # الأعراب، كمهلهل، وربيعة بن مكدم، وعتيبة بن الحارث بن هشام، وأنا أحمد ~~الله إلى الشيخ الفاضل، وأذم الدهر؛ فما ترك لى من فضه إلا فضها، ولا ذهب ~~إلا ذهب به، ولا علق إلا علقه «1» ، ولا عقار إلا عقره، ولا ضيعة إلا ~~أضاعها، ولا مال إلا مال إليه، ولا سبد إلا استبد به، ولا لبد إلا لبد فيه، ~~ولا بزة إلا بزها «2» ، ولا عارية إلا ارتجعها، ولا وديعة إلا انتزعها، ولا ~~خلعة إلا خلعها، وأنا داخل نيسابور ولا حلية إلا الجلدة، ولا برد إلا ~~القشرة، والله ولى الخلف يعجله، والفرج يسهله، وهو حسبى ونعم الوكيل. # وليس البديع بأبى عذرة هذا الخطاب، وسترى نظير هذا المعنى فى هذا الكتاب. ### | ومن إنشائه فى مقامات أبى الفتح الإسكندرى # قال: حدثنى عيسى بن هشام قال: كنت فى بعض بلاد بنى فزارة مرتحلا نجيبة، ~~وقائدا جنيبة، يسبحان سبحا، وأنا أهيم بالوطن، فلا الليل يثنينى بوعيده، ~~ولا البعد يدنينى ببيده، «3» وظللت أخبط ورق النهار، بعصا التسيار، وأخوض ~~بطن الليل، بحوافر الخيل، فبينا أنا فى ليلة يضل بها الغطاط «4» ، ولا يبصر ~~بها الوطواط، أسبح ولا سانح إلا السبع، ولا بارح إلا الضبع، إذ عن لى راكب ~~تام الآلات، يطوى منشور الفلوات، فأخذنى منه ما يأخذ الأعزل من شاكى ~~السلاح، لكنى تجلدت فقلت: أرضك لا أم لك! فدونك شرط الحداد، وخرط القتاد، ~~وخصم ضخم، وحمية أزدية، وأنا سلم إن شئت، وحرب إن أردت، من أنت؟ قال: سلما ~~أصبت، قلت: خيرا أجبت، قلت: فمن أنت؟ قال: نصيح إن شاورت، فصيح إن حاورت، ~~ودون اسمى # PageV02P518 # لثام، لا تميطه الأعلام. قلت: فما الطعمة؟ قال: أجوب جيوب البلاد، ms309 حتى ~~أقع على جفنة جواد، ولى فؤاد يخدمه لسان، وبيان يرقمه بنان، وقصاراي كريم ~~ينفض إلى حقيبته، ويخفف لى جنيبته، كابن حرة طلع إلى بالأمس، طلوع الشمس ~~«1» ، وغرب عنى بغروبها؛ لكنه غاب ولم يغب تذكاره، وودع وشيعتنى آثاره، ولا ~~ينبئك عنها أقرب منها، وأومأ إلى ما كان يلبسه، فقلت: شحاذ ورب الكعبه ~~أخاذ، له فى الصنعة نفاذ، بل هو فيها أستاذ، ولا بد أن ترشح له وتسح عليه، ~~وقلت له: يافتى، قد أجليت عبارتك، فأين شعرك من كلامك؟ فقال: وأين كلامى من ~~شعرى! ثم استمد غريزته، ورفع عقيرته، بصوت ملأ الوادى، وأنشأ يقول: # وأروع أهداه لى الليل والفلا ... وخمس تمس الأرض لكن كلا ولا «2» # عرضت على نار المكارم عوده ... فكان معما فى السوابق مخولا # وخادعته عن ماله فخدعته ... وساهلته فى بره فتسهلا # ولما تجالينا وأحمد منطقى ... بلانى فى نظم القريض بمابلا «3» # فما هز إلا صارما حين هزنى ... ولم يلقنى إلا إلى السبق أولا # فلم أره إلا أغر محجبا ... وما تحته إلا أغر محجلا # فقلت: على رسلك يا فتى، ولك مما يصحبنى حكمك. فقال: الجنيبة، قلت: إن «4» ~~وما عليها. ثم قبضت بجمعى عليه، وقلت: لا والله الذى ألهمها لمسا، وشقها من ~~واحدة خمسا، لا تزايلنا أو نعلم علمك، فحدر لثامه عن وجهه، فإذا والله ~~شيخنا أبو الفتح الإسكندرى، فما لبثت أن قلت: # توشحت أبا الفتح ... بهذا السيف مختالا # PageV02P519 # وما تصنع بالسيف ... إذا لم تك قتالا؟ # [فصغ ما أنت حليت ... به سيفك خلخالا] ### | [من طرف الأدب] # وعلى ذكر قوله: «إن وما عليها قال أبو عبيدة: وفد عبد الله بن الزبير ~~الأسدى على عبد الله بن الزبير بن العوام فقال: يا أمير المؤمنين، إن بينى ~~وبينك رحما من قبل فلانة الكاهلية؛ هى أختنا، وقد ولدتكم، وأنا ابن فلان؛ ~~فلانة عمتى. فقال ابن الزبير: هذا كما ذكرت، وإن فكرت فى هذا أصبت، الناس ~~كلهم يرجعون إلى أب واحد، وأم واحدة. # فقال: يا أمير المؤمنين، إن نفقتى قد ذهبت. قال: ما كنت ضمنت لأهلك أنها ms310 ~~تكفيك إلى أن ترجع إليهم. قال: يا أمير المؤمنين؛ إن ناقتى قد نقبت ودبرت ~~«1» . فقال له: أنجد بها يبرد خفها، وارقعها بسبت، واخصفها بهلب «2» ، وسر ~~عليها البريدين. قال: يا أمير المؤمنين، إنما جئتك مستحملا، ولم آتك ~~مستوصفا «3» لعن الله ناقة حملتنى إليك. قال ابن الزبير: إن وراكبها! فخرج ~~وهو يقول: # أرى الحاجات عند أبى خبيب ... نكدن، ولا أمية فى البلاد # من الاعياص أو من آل حرب ... أغر كغرة الفرس الجواد # ومالى حين أقطع ذات عرق ... إلى ابن الكاهلية من معاد «4» # وقلت لصحبتى أدنوا ركابى ... أفارق بطن مكة فى سواد # فبلغ شعره هذا عبد الله بن الزبير، فقال: لو علم أن لى أما أخس من «5» ~~عمته الكاهلية لنسبنى إليها، وكان ابن الزبير يكنى أبا بكر وأبا خبيب. # PageV02P520 # قال الصولى: أخذ المعتصم من محمد بن عبد الملك الزيات فرسا أشهب أحم، كان ~~عنده مكينا، وكان به ضنينا، فقال يرثيه: # قالوا: جزعت، فقلت: إن، مصيبة ... جلت رزيتها، وضاق المذهب «1» # قال أبو بكر: هكذا أنشدنيه ابن المعتز على أن (إن) بمعنى نعم، وأنشد ~~النحويون: # قالوا: كبرت، فقلت: إن، وربما ... ذكر الكبير شبابه فتطربا # كيف العزاء وقد مضى لسبيله ... عنا فودعنا الأحم الأشهب # دب الوشاة فباعدوه، وربما ... بعد الفتى وهو الحبيب الأقرب # لله يوم غدوت فيه ظاعنا ... وسلبت قربك، أى علق أسلب؟ # نفسى مقسمة أقام فريقها ... ومضى لطيته فريق يجنب # الآن إذ كملت أداتك كلها ... ودعا العيون إليك حسن معجب # وغدوت طنان اللجام كأنما ... فى كل عضو منك صنج يضرب # وكأن سرجك، إذ علاك، غمامة ... وكأنما تحت الغمامة كوكب # أنساك؟ لا زالت إذا منسية ... نفسى، ولا برحت بمثلك تنكب # أضمرت منك اليأس حين رأيتنى ... وقوى حبالى من حبالك تقضب # يا صاحبى لمثل ذا من أمره ... صحب الفتى في دهره من يصحب # إن تسعدا فصنيعة مشكورة ... أو تخذلا فصنيعة لا تذهب # عوجا فقولا: مرحبا، وتزودا ... نظرا، وقل لمن تحب المرحب # منع الرقاد جوى تضمنه الحئى ... مما أكابده وهم منصب ### | [المزاح] # قال الحجاج بن يوسف لابن القرية: ms311 ما زالت الحكماء تكره المزاح، وتنهى ~~عنه، فقال: المزاح من أدنى منزلته إلى أقصاها عشرة أبواب: المزاح أوله فرح، ~~وآخره ترح. المزاح نقائض السفهاء، كالشعر نقائض الشعراء. والمزاح # PageV02P521 # يوغر صدر الصديق، وينفر الرفيق. والمزاح يبدى السرائر؛ لأنه يظهر ~~المعاير. # والمزاح يسقط المروءة، ويبدى الخنى. لم يجر المزح خيرا، وكثيرا ما جر ~~شرا. # الغالب بالمزاح واتر، والمغلوب به ثائر. والمزاح يجلب الشتم صغيره والحرب ~~كبيره، وليس بعد الحرب إلا عفو بعد قدرة. # فقال الحجاج: حسبك، الموت خير من عفو معه قدرة. # وذكر المزاح بحضرة خالد بن صفوان فقال: ينشق أحدكم أخاه مثل الخردل، ~~ويفرغ عليه مثل المرجل، ويرميه بمثل الجندل. ثم يقول: إنما كنت أمزح! أخذ ~~هذا المعنى محمود بن الحسين الوراق فقال: # تلقى الفتى يلقى أخاه وخدنه ... فى لحن منطقه بما لا يغفر # ويقول: كنت ممازحا وملاعبا ... هيهات نارك في الحشى تتسعر! # أو ما علمت وكان جهلك غالبا ... أن المزاح هو السباب الأصغر ### | فقر في هذا النحو لأهل العصر وغيرهم # المزاحة تذهب بالمهابة، وتورث الضغينة. الإفراط فى المزاح محون، ~~والاقتصاد فيه ظرف، والتقصير عنه ندامة. أوكد أسباب القطيعة المراء ~~والمزاح. # ابن المعتز- من كثر مزاحه لم يخل من استخفاف به أو حقد عليه. # قال أيوب بن القرية: الناس ثلاثة: عاقل، وأحمق، وفاجر؛ فالعاقل الدين ~~شريعته، والحلم طبيعته، والرأى الحسن سجيته؛ إن سئل أجاب، وإن نطق أصاب، ~~وإن سمع العلم وعى، وإن حدث روى. وأما الأحمق فإن تكلم عجل، وإن حدث وهل ~~«1» ، وإن استنزل عن رأيه نزل، فإن حمل على القبيح حمل. وأما الفاجر فإن ~~ائتمنته خانك، وإن حدثته شانك، وإن وثقت به لم يرعك، وإن استكتم لم يكتم، ~~وإن علم لم يعلم، وإن حدث لم يفهم، وإن فقه لم يفقه. # PageV02P522 ### | [الطيرة والزجر] # قال أبو حية النميرى: # جرى يوم رحنا عامدين لأرضنا ... سنيح، فقال القوم: مر سنيح # فهاب رجال منهم فتعيفوا ... فقلت لهم: جارى إلى ربيح # عقاب بأعقاب من الدار بعد ما ... نأت نأية بالظاعنين طريح # وقالوا: حمامات، فحم لقاؤها ... وطلح فنيلت ms312 والمطى طليح # وقال صحابى: هدهد فوق بانة، ... هدى وبيان بالنجاح يلوح # وقالوا: دم، دامت مواثيق بيننا ... ودام لنا حلوا الصفاء صريح # لعيناك يوم البين أسرع واكفا ... من الفنن الممطور وهو مروح # ونسوة شحشاح غيور يخفنه ... أخى ثقة يلهون وهو مشيح # يقلن، وما يدرين أنى سمعته ... وهن بأبواب الخيام جنوح: # أهذا الذى غنى بسمراء موهنا ... أتاح له حسن الغناء متيح # إذا ما تغنى أن من بعد زفرة ... كما أن من حر السلاح جريح # وقائلة: يا دهم ويحك! إنه ... على ما به من عنة لمليح «1» # فلو أن قولا يجرح الجلد قد بدا ... بجلدى من قول الوشاة قروح # وهذا من غريب الزجر مليح التفاؤل. # قال أبو العباس محمد بن يزيد: أنشدنى أعرابى في قصيدة ذى الرمة التي ~~ولها: # ألا يا اسلمى يا دارمى على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر # يبتين لم يروهما الرواة في ديوانه، وهما: # رأيت غرابا ساقطا فوق قضبة ... من القضب لم ينبت لها ورق خضر # فقلت: غراب لاغتراب، وقضبة ... لقضب النوى هذى العيافة والزجر # PageV02P523 # وقال آخر: # دعا صرد يوما على غصن بانة ... وصاح بذات البين منها غرابها # فقلت: أتصريد وشحط وغربة؟ ... فهذا لعمرى نأيها واغترابها # وقد أكثرت العرب من ذكر الطيرة، والزجر، وكانت تقتدى بذلك وتجرى على ~~حكمه، حتى ورد النهى في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # لا عدوى ولا طيرة، وقد قال الأول: # لعمرك ما تدرى الضوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع # وقال ضابئ بن الحارث البرجمى: # وما عاجلات الطير، تدنى من الفتى ... نجاحا ولا عن ريثهن يخيب «1» # ولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب # ورب أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهن وجيب # وقال الكميت بن زيد الأسدى: # ولا أنا ممن يزجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب # ولا السانحات البارحات عشية ... أمر سليم القرن أم مر أعضب # وقال شاعر قديم: # لا يمنعنك من بغا ... ء الخير تعقاد التمائم # ولا التشاؤم بالعطا ... س ولا التيامن بالمقاسم # فلقد ms313 غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم «2» # فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم # وكذاك لا خير ولا ... شر على أحد بدائم # قد خط ذلك في الزبو ... ر الأوليات القدائم # PageV02P524 # ولقد أحسن ابن كناسة في رثاء ولده يحيى، أنشده أبو العباس ثعلب: # تيممت فيه الفأل حتى رزئته ... ولم أدر أن الفال فيه يفيل # فسميته يحيى ليحيا؛ فلم يكن ... إلى رد أمر الله فيه سبيل # وروى المدائنى قال: خرج كثير من الحجاز يريد مصر، فلما قرب منها نزل ~~بمنزل، فإذا هو بغراب على شجرة بان ينتف ريشه وينعب؛ فأسرع الرحيل، ومضى ~~لوجهه؛ فلقيه رجل من بنى نهد، فقال: يا أخا الحجاز؛ مالى أراك كاسف اللون؟ ~~قال: ما علمت إلا خيرا، قال: فهل رأيت في طريقك شيئا أنكرته؟ قال: لا والله ~~إلا في منزلى هذا، فإنى رأيت غرابا ينتف ريشه على بانة وينعب. قال: أما إنك ~~تطلب حاجة لا تدركها. # فقدم مصر والناس منصرفون من جنازة عزة، فقال: # رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ... ينتف أعلى ريشه ويطايره # فقلت- ولو أنى أشاء زجرته ... بنفسى- للنهدى: هل أنت زاجره؟ # فقال: غراب لاغتراب من النوى ... وفي البان بين من حبيب تجاوره # فما أعيف النهدى، لا در دره! ... وأزجره للطير، لا عز ناصره # ثم أتى قبر عزة فأناخ به ساعة ثم رحل، وهو يقول: # أقول ونضوى واقف عند رأسها ... عليك سلام الله والعين تسفح # فهذا فراق الحق لا أن تزيرنى ... بلادك فتلاء الذراعين صيدح «1» # وقد كنت أبكى من فراقك حية ... وأنت لعمرى اليوم أنأى وأنزح # وقال جرير: # بان الخليط برامتين فودعوا ... أو كلما نعبوا لبين تجزع # إن السوانح بالضحى هيجننى ... فى دار زينب والحمام الوقع # وقال عوف الراهب خلاف هذا: # غلط الذين رأيتهم بجهالة ... يلحون كلهم غرابا ينعق # PageV02P525 # ما الذنب إلا للأباعر؛ إنها ... مما يشت جميعهم ويفرق # إن الغراب بيمنه تدنو النوى ... وتشتت الشمل الجميع الأينق # وقد تبعه في هذا المذهب أبو الشيص فقال: # ما فرق الأحباب بعد ... الله إلا الإبل # والناس يلحون غرا ... ب البين لما جهلوا # وما ms314 على ظهر غرا ... ب البين تطوى الرحل # ولا إذا صاح غرا ... ب في الديار احتملوا # وما غراب البين إل ... لا ناقة أو جمل # وما أملح ما قال القائل: # زعموا بأن مطيهم عون النوى ... والمؤذنات بفرقة الأحباب # ولو أنها حتفى لما أبغضتها ... ولها بهم سبب من الأسباب # وكان على بن العباس الرومى مفرط الطيرة، شديد الغلو فيها. قال على بن عبد ~~الله بن المسيب: وكان يحتج لها، ويقول: إن النبى صلى الله عليه وسلم كان ~~يحب الفأل، ويكره الطيرة؛ أفتراه كان يتفاءل بالشىء، ولا يتطير من ضده؟ # ويقول: إن النبى صلى الله عليه وسلم مر برجل وهو يرحل ناقة ويقول: # يا ملعونة، فقال لا يصحبنا ملعون، وإن عليا رضي الله عنه كان لا يغزو ~~غزاة والقمر في العقرب، ويزعم أن الطيرة موجودة في الطباع قائمة فيها، وأن ~~بعض الناس هي في طباعهم أظهر منها في بعض، وأن الأكثر في الناس إذا لقى ما ~~يكرهه قال: على وجه من أصبحت اليوم؟. # فدخل علينا يوم مهرجان سنة ثمان وسبعين وقد أهدى إلى عدة من جوارى ~~القيان، وكانت فيهن صبية حولاء، وعجوز في إحدى عينيها نكتة، فتطير من ذلك، ~~ولم يظهر لى أمره، وأقام باقى يومه؛ فلما كان بعد مدة يسيرة سقطت ابنة لى # PageV02P526 # من بعض السطوح، وجفاه القاسم بن عبيد الله؛ فجعل سبب ذلك المعنيين ~~المغنيتين، وكتب إلى: # أيها المتحفى بحول وعور ... أين كانت عنك الوجوه الحسان # قد لعمرى ركبت أمرا مهينا ... ساءنى فيك أيها الخلصان # فتحك المهرجان بالحول والعو ... ر أرانا ما أعقب المهرجان # كان من ذاك فقدك ابنتك الحرة ... مصبوغة بها الاكفان # وتجافى مؤمل لى جليل ... لج فيه الجفاء والهجران # وعزيز على تقريع خل ... لا يدانيه عندى الخلان # غير أنى رأيت إذكاره الحز ... م وإشعاره شعارا يصان # لا تهاون بطيرة أيها ... النظار واعلم بأنها عنوان # قف إذا طيرة تلقتك وانظر ... واستمع ثم ما يقول الزمان # قلما غاب من أمورك عنوا ... ن مبين وللزمان لسان # لا تكن بالهوى تكذب بالأخبار ... حتى تهين ms315 مالا يهان # لا يقدك الهوى إلى نصرة الاخبار ... حتى يقدم البرهان # إن عقبى الهوى هوى، وعقبى ... طول تلك المهونات هوان # لا تصدق عن النبيين إلا ... بحديث يلوح فيه البيان # خبر الله أن مشأمة كا ... نت لقوم وخبر القرآن # أفزور الحديث تقبل أم ما ... قاله ذو الجلال والفرقان؟ # أترى من يرى البشير بشيرا ... يمترى في النذير يا وسنان # فدع الهزل والتضاحك بالطيرة ... والنصح مثمن مجان # وقد فرق حذاق أهل النظر في المقال، بين الطيرة والفال، فقالوا: الطيرة ~~كانت العرب ترجع إلى ما تمضيها، وتجرى على تقضيها، وكان الذى يهم بهم إذا ~~ما رأى ما يتطير منه رجع عنه؛ وفي ذلك ما يصرف عن الإحالة على المقادير # PageV02P527 # الجارية بيد ممضيها، النازلة على حكم قاضيها، والفأل لا يرد المريد عما ~~يريد إنما يقوى منته، ويسر مهجته؛ وليس هذا موضع تطويل، فى إيراد الدليل. # وفي جفاء القاسم بن عبيد الله إياه يقول معاتبا: # ألم ترنى أقرضتك الود طائعا ... ولم تر قبلى معسرا قط أقرضا # لعمرى لقد صورت أبيض مشرقا ... فلم لا ترينى وجه نعماك أبيضا # فيا ويح مولاك استغاث بمشرب ... فأشرق فاستشفى شفاء فأفرضا «1» # ولولا اعتقادى أنك الخير كله ... لأزمعت توديعا، قضى الله ما قضى # وإنى وإن دارت على دوائر ... لأعرض عمن صد عنى وأعرضا # وما زلت عرافا إذا الزاد رابنى ... بخبث وعيافا إذا الماء عرمضا «2» # وهذا البيت كقول الآخر: # وإنى للماء المخالط للقذى ... إذا كثرت وراده لعيوف # وفي ابنة المسيبى يقول ابن الزومى يعزيه: # أخا ثقتى أعزز على بنكبة ... مناك بها صرف القضاء المقدر # صبت، وما للمرء من حكم ربه ... محيد، وأمر الله أعلى وأقهر # وقد مات من لا يخلف الدهر مثله ... عليك من الأسلاف والحق يبهر # تعزيت عمن أثمرتك حياته ... ووشك التعزى عن ثمارك أجدر # لأن اختيال الدهر في ابن وفي ابنة ... يسير وكر الدهر شيخيك أعسر # تعذر أن نعتاض من أمهاتنا ... وآبائنا، والنسل لا يتعذر # PageV02P528 # فلا تهلكن حزنا على ابنة جنة ... مضت وهي عند الله تحيا وتحبر # لعل الذى أعطاك ستر ms316 حياتها ... كساها من اللحد الذى هو أستر # فكم من أخى حرية قد رأيته ... بنار ذوى الأصهار يكوى ويصهر # فلا تتهم لله فيها ولاية ... ولا نظرا فالله للعبد أنظر # وأنت وإن أبصرت رشدك مرة ... فذو النظر الأعلى برشدك أبصر # ومن مليح تعازيه عن ابنة قوله لعلى بن يحيى المنجم: # لا تبعدن كريمة أودعتها ... صهرا من الأصهار لا يخزيكا # إنى لأرجو أن يكون صداقها ... من جنة الفردوس ما يرضيكا # لا تيأسن لها فقد زوجتها ... كفؤا وضمنت الصداق مليكا ### | [الرغبة في موت البنات] # وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: # لكل أبى بنت يرجى بقاؤها ... ثلاثة أصهار إذا ذكر الصهر # فبيت يغطيها، وبعل يصونها، ... وقبر يواريها، وخيرهما القبر # وقال عقيل بن «1» علفة وكان أغير العرب. # إنى وإن سيق إلى المهر ... ألف وعبدان وذود عشر # أحب أصهارى إلى القبر # ومنه أخذ عبيد الله، قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: دخل علينا ابن ~~خلف البهرانى فأنشدنا: # لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالى حندس الظلم # وزادنى رغبة فى العيش معرفتى ... أن اليتيمة يحفوها ذوو الرحم # أحاذر الفقر يوما أن يلم بها ... فيهتك الستر عن لحم على وضم # PageV02P529 # تهوى حياتى وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزال على الحرم # وكانت أميمة بنت أخته، وكان قد تبناها، ثم غابت غيبة، فسألناه عنها، ~~فأنشد: # أمست أميمة مغمورا بها الرجم ... لدى صعيد عليه الترب مرتكم # يا شقة النفس، إن النفس والهة ... حرى عليك، ودمع العين منسجم # قد كنت أخشى عليها أن يؤخرها ... عنى الحمام فيبدى وجهها العدم # فالآن نمت فلا هم يؤرقنى ... تهدا العيون إذا ما أودت الحرم # فالآن نمت، فلا هم يؤرقنى ... بعد الهدوء؛ ولا وجد ولا حلم # للموت عندى أياد لست أنكرها ... أحيا سرورا وبى مما أتى ألم ### | [عود إلى تطير ابن الرومى] # عاد ذكر ابن الرومى- وكان أبو الحسن على بن سليمان الأخفش غلام أبى ~~العباس المبرد في عصر ابن الرومى شابا مترفا، ومليحا مستظرفا، وكان يعبث ~~به، فيأتيه بسحر؛ فيقرع الباب، فيقال ms317 له: من؟ فيقول: قولوا لأبى الحسن مرة ~~بن حنظلة، فيتطير لقوله، ويقيم الأيام لا يخرج من داره، وذلك كان سبب هجائه ~~إياه، فمن أول ما عاتبه به: # قولوا لنحوينا أبى حسن ... إن حسامى متى ضربت مضى # وإن نبلى إذا هممت بأن ... أرمى نصلتها بجمر غضا # لا تحسبن الهجاء يحفل ... بالرفع ولا خفض خافض خفضا # ولا تخل عودتى كباديتى ... سأسعط السم من أبى الحضضا # أعرف في الأشقياء بى رجلا ... لا ينتهى أو يصير لى غرضا # يليح لى صفحة السلامة ... والسلم ويخفى في قلبه مرضا # PageV02P530 # أضحى مغيظا على أن غضب ال ... له عليه، ونلت منه رضا # وليس تجدى عليه موعظتى ... إن قدر الله حينه وقضى # كأننى بالشقى معتذرا ... إن القوافى أذقنه المضضا # ينشدنى العهد يوم ذلك والع ... هد خضاب إذا له قبضا «1» # لا يأمنن السفيه بادرتى ... فإننى عارض لمن عرضا # عندى له السوط إن تلوم في الس ... ير وعندى اللجام إن ركضا «2» # أسمعت إنباضتى أبا حسن ... والصفح لا شك نصح من محضا «3» # وهو معافى من السهاد فلا ... يحمل فيمسى فراشه قضضا «4» # أقسمت بالله لا غفرت له ... إن واحد من عروقه نبضا # فاعتذر إليه، وتشفع عنده بجماعة من أهل بغداد- وكان الأخفش أكثر الناس ~~إخوانا- فقبل عذره، ومدحه بقصيدته التي يقول فيها: # ذكر الأخفش القديم فقلنا ... : إن للأخفش الحديث لفضلا # وإذا ما حكمت- والروم قومى- ... فى كلام معرب كنت عدلا # أنا بين الخصوم فيه غريب ... لا أرى الزور للمحاباة أهلا # ومتى قلت باطلا لم ألقب ... فيلسوفا ولم أسم هرقلا # الأخفش القديم هو أبو الخطاب، وكان أستاذ سيبويه، وهو من المتقدمين فى ~~النحو، ويعرف بالأخفش الكبير، وكان في عصر سيبويه [أيضا] أبو الحسن سعيد بن ~~مسعدة، وهو الأخفش الصغير، وهو الذى قال: كان سيبويه يعرض ما وضع من النحو ~~على، ويرى أنى أعلم منه، وكان في وقته ذلك أعلم منى. # PageV02P531 # ثم عاد على بن سليمان إلى أذاه، واتصل به أن رجلا عرض عليه قصيدة من شعره ~~فطعن عليها، فقال قصيدته التي يقول فيها: # أعتقت عبدى في القريض معا ms318 ... عبدة والفحل من بنى عبده # إن أنا لم أرم بالإساءة من ... زاغ عن القصد أو أبى سدده # قلت لمن قال لى عرضت على ال ... أخفش ما قلته فما حمده # قصرت بالشعر حين تعرضه ... على مبين العمى إذا انتقده # أنشدته منطقى ليشهده ... فغاب عنه عمى وما شهده # ما بلغت بى الخطوب رتبة من ... تفهم عنه الكلاب والقرده # ولا أنا المفهم البهائم ... والطير سليمان قاهر المرده # فإن يقل إننى حفظت فكالد ... فتر جهلا بكل ما اعتقده # سأسمع الناس ذمه أبدا ... ما سمع الله حمد من حمده # عبدة بن الطبيب، وعلقمة بن عبدة الفحل، وكانا شاعرين مجيدين، وقال علقمة ~~ابن عبدة لرجل ورأى آخر يعتذر إليه وهو معبس في وجهه: إذا اعتذر إليك ~~المعتذر فتلقه بوجه مشرق، وبشر مطلق؛ لينبسط المتذلل، ويؤمن المتنصل. # ولابن الرومى في الأخفش إفحاش صنت الكتاب عنه. # قال على بن إبراهيم كاتب مسروق البلخى: كنت بدارى جالسا فإذا حجارة سقطت ~~بالقرب منى، فبادرت هاربا، وأمرت الغلام بالصعود إلى السطح، والنظر إلى كل ~~ناحية؛ من أين تأتينا الحجارة، فقال: امرأة من دار ابن الرومى الشاعر! قد ~~تشوفت وقالت: اتقوا الله فينا، واسقونا جرة من ماء، وإلا هلكنا، فقد مات من ~~عندنا عطشا. # فتقدمت إلى امرأة عندنا ذات عقل ومعرفة أن تصعد إليها وتخاطبها، ففعلت ~~وبادرت بالجرة، وأتبعتها شيئا من المأكول؛ ثم عادت إلى فقالت: # PageV02P532 # ذكرت المرأة أن الباب عليها مقفل من ثلاث بسبب طيرة ابن الرومى، وذلك أنه ~~يلبس ثيابه كل يوم، ويتعوذ ثم يصير إلى الباب، والمفتاح معه، فيضع عينه على ~~ثقب في خشب الباب، فتقع عينه على جار له كان نازلا بإزائه، وكان أحدب يقعد ~~كل يوم على بابه، فإذا نظر إليه رجع وخلع ثيابه، وقال: # لا يفتح أحد الباب. # فعجبت لحديثها، وبعثت بخادم كان يعرفه، فأمرته بأن يجلس بإزائه- وكانت ~~العين تميل إليه- وتقدمت إلى بعض أعوانى أن يدعو الجار الأحدب؛ فلما حضر ~~عندى أرسلت وراء غلامى؛ لينهض إلى ابن الرومى، ويستدعيه الحضور؛ فإنى لجالس ~~ومعى الأحدب إذ وافى ms319 أبو حذيفة الطر سوسى ومعه برذعة الموسوس صاحب المعتضد، ~~ودخل ابن الرومى، فلما تخطى عتبة باب الصحن عثر فانقطع شسع نعله، فدخل ~~مذعورا؛ وكان إذا فاجأه الناظر رأى منه منظرا يدل على تغير حال؛ فدخل وهو ~~لا يرى جاره المتطير منه، فقلت له: يا أبا الحسن، أيكون شىء في خروجك أحسن ~~من مخاطبتك للخادم، ونظرك إلى وجهه الجميل؟ # فقال: وقد لحقنى ما رأيت من العثرة، لأنى فكرت أن به عاهة! وهي قطع ~~انثييه، قال برذعة: وشيخنا يتطير؟ قلت: نعم ويفرط، قال: ومن هو؟ # قلت: على بن العباس، قال: الشاعر؟ قلت: نعم، فأقبل عليه وأنشده: # ولما رأيت الدهر يؤذن صرفه ... بتفريق ما بينى وبين الحبائب # رجعت إلى نفسى فوطنتها على ... ركوب جميل الصبر عند النوائب # ومن صحب الدنيا على جور حكمها ... فأيامه محفوفة بالمصائب # فخذ خلسة من كل يوم تعيشه ... وكن حذرا من كامنات العواقب # ودع عنك ذكر الفأل والزجر واطرح ... تطير جار أو تفاؤل صاحب # فبقى ابن الرومى باهتا ينظر إليه ولم أدر أنه شغل قلبه بحفظ ما أنشده، ثم ~~قام أبو حذيفة وبرذعة معه، فحلف ابن الرومى لا يتطير أبدا من هذا ولا من # PageV02P533 # غيره، وأومأ إلى جاره، فقلت: وهذا الفكر أيضا من التطير، فأمسك، وعجب من ~~جودة الشعر ومعناه، وحسن مأتاه، فقلت له: ليتنا كتبناه؟ قال: اكتبه فقد ~~حفظته، وأملاه على. # ومن شدة حذره، وعظيم تطيره، قوله لأبى العباس بن ثوابة، وقد ندبه إلى ~~الخروج إليه وركوب دجلة: # حضضت على حطبى لنارى فلا تدع ... لك الخير، تحذيرى شرور المحاطب # ومن يلق مالا قيت في كل مجتنى ... من الشوك يزهد في الثمار الأطايب # أذا قتنى الأسفار ما كره الغنى ... إلى، وأغرانى برفض المطالب # ومن نكبة لا قيتها بعد نكبة ... رهبت اعتساف الأرض ذات المناكب # فصبرى على الإقتار أيسر مطلبا ... على من التغرير بعد التجارب # لقيت من البر التباريح بعد ما ... لقيت من البحر ابيضاض الذوائب # سقيت على رى به ألف مطرة ... شغفت لبغضيها بحب المجادب # ولم أبغها، بل ساقها ms320 لمكيدتى ... تلاعب دهر جد بى كالملاعب # أبى أن يغيث الأرض حتى إذا رمت ... برحلى أتاها بالغيوث السواكب # سقى الأرض من أجلى فأضحت مزلة ... تمايل صاحيها تمايل شارب # فملت إلى خان مرث بناؤه ... مميل غريق الثوب لهفان لاغب # فما زلت في جوع وخوف ووحشة ... وفي سهر يستغرق الليل واصب # يؤرقنى سقف كأنى تحته ... من الوكف تحت المدجنات الهواضب # يظل اذا ما الطين أثقل متنه ... تصر نواحيه صرير الجنادب # وكم خان سفر خان فانقض فوقهم ... كما انقض صقر الدجن فوق الأرانب # وما زال ضاحى البر يضرب أهله ... بسوطى عذاب جامد بعد ذائب # فإن فاته قطر وثلج فإنه ... رهين بساف تارة وبحاصب # PageV02P534 # فذاك بلاء البر عندى شاتيا ... وكم لى من صيف به ذى مثالب # ألا رب نار بالفضاء اصطليتها ... من الضح يودى لفحها بالحواجب «1» # فدع عنك ذكر البر إنى رأيته ... لمن خاف هول البحر شر المهارب # وما زال يبغينى الحتوف مواربا ... يحوم على قتلى وغير موارب # فطورا يغادينى بلص مصلت ... وطورا يمسينى بورد الشوارب # وأما بلاء البحر عندى فإنه ... طوانى على روع مع الروح واقب «2» # ولو ئاب عقلى لم أدع ذكر بعضه ... ولكنه من هوله غير ثائب # ولم لا ولو ألقيت فيه وصخرة ... لوافيت منه القعر أول راسب # ولم أتعلم قط من ذى سباحة ... سوى الغوص والمضعوف غير مغالب # وأيسر إشفاقى من الماء أننى ... أمر به في الكوز مر المجانب # وأخشى الردى منه على كل شارب ... فكيف بأمنيه على نفس راكب # أخذه من قول أبى نواس وقد رأى التمساح بمصر أخذ رجلا: # أضمرت للنيل هجرانا ومقلية ... مذ قيل لى إنما التمساح في النيل # فمن رأى النيل رأى العين عن كثب ... فما أرى النيل إلا في البراقيل «3» ### | رجع # أظل إذا هزته ريح ولألأت ... له الشمس أمواجا طوال الغوارب # كأنى أرى فيهن فرسان بهمة ... يليحون نحوى بالسيوف القواضب «4» # فإن قلت لى قد يركب اليم طاميا ... ودجلة عند اليم بعض المذانب «5» # PageV02P535 # فلا عذر فيها لامرىء هاب مثلها ... وفي اللجة الخضراء عذر لهائب # لدجلة خب ليس لليم؛ ms321 إنها ... تراءى بحلم تحته جهل واثب # تطامن حتى تطمئن قلوبنا ... وتغضب من مزح الرياح اللواعب # ولليم إنذار بغوص متونه ... وما فيه من آذيه المتراكب «1» # وهي طويلة، وفيما مر كفاية تنبئ عنه وتدل عليه، ولو مددت أطناب الاختيار ~~لتتبع هذا النحو من شعره لخرجت عن غرض الكتاب. ### | [من مليح العيافة والزجر] # ومن مليح العيافة والزجر ما رواه الصولى، قال: كان لأبى نواس إخوان لا ~~يفارقهم، فاجتمعوا يوما في موضع أخفوه عنه، ووجهوا إليه برسول معه ظهر ~~قرطاس أبيض، لم يكتبوا فيه شيئا، فخزموه بزير «2» ، وختموه بقار، وتقدموا ~~إلى رسولهم ليرمى بالكتاب من وراء الباب؛ فلما رآه استعلم خبرهم، وعلم أنه ~~من فعلهم، فتعرف موضعهم وآثارهم، فأتاهم فأنشدهم: # وجدت كتابكم لما أتانى ... يمر بسانح الطير الجوارى # نظرت إليه مخزوما بزير ... على ظهر، ومختوما بقار # فقلت: الزير ملهية ولهو ... وخلت القار من دن العقار # وخلت الظهر أهيف قرطقيا ... يحيل العقل منه باحورار «3» # فهمت إليكم طربا وشوقا ... فما أخطأت داركم بدار # فكيف تروننى وترون وجدى ... ألست من الفلاسفة الكبار؟ # وقال الطائى: # أتضعضعت عبرات عينك أن دعت ... ورقاء حين تضعضع الإظلام «4» # PageV02P536 # لا تنشجن لها؛ فإن بكاءها ... ضحك، وإن بكاءك استغرام # هن الحمام وإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام # وروى يموت ابن المزرع قال: كان أحمد بن المدبر إذا مدحه شاعر فلم يرض ~~شعره قال لغلامه: امض به إلى المسجد الجامع فلا تفارقه حتى يصلى مائة ركعة، ~~ثم خله؛ فتحاماه الشعراء، إلا الأفراد المجيدين؛ فجاءه أبو عبد الله الحسين ~~بن عبد السلام المصرى المعروف بالجمل، فاستأذنه في النشيد، فقال: قد عرفت ~~الشرط؟ قال: نعم، وأنشده: # أردنا في أبى حسن مديحا ... كما بالمدح ينتجع الولاة # فقلنا: أكرم الثقلين طرا ... ومن كفاه دجلة والفرات # فقالوا: يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهن الصلاة # فقلت لهم: وما تغنى صلاتى ... عيالى! إنما الشأن الزكاة # [فأما إذ أبى إلا صلاتى ... وعاقتنى الهموم الشاغلات] # فيأمر لى بكسر الصاد منها ... فتصبح لى الصلاة هي الصلات # فضحك واستظرفه، وقال: من أين أخذت هذا؟ قال: من ms322 قول أبى تمام الطائى: # هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام # فأحسن صلته. # وقال الأمير أبو الفضل الميكالى لقوم من أهل مرو انخلعوا عن طاعته: # يا راكبا أضحى يخب بعنسه ... ليؤم مرو على الطريق المهيع # أبلغ بها قوما أثاروا فتنة ... ظلت لها الأكباد رهن تقطع # إذ أقدموا ظلما على سلطانهم ... بالغدر والخلع الذميم المفظع # وبحل عقد لوائه وإباحة ... لجنابه وحريمه المتمنع # PageV02P537 # أبلغهم أنى اتخذت لفعلهم ... فألا، له في القوم أسوأ موقع # أما اللواء وحله فمخبر ... عن حل عقد بينهم مستجمع # والخلع يخبر أن ستخلع عنهم ال ... أرواح بالقتل الأشد الأشنع # والغدر ينبئ أن تغادر في الوغى ... أشلاؤهم لنسوره والأضبع # والفرقتان فشاهد معناهما ... بتفرق لجميعهم وتصدع # فتسمعوا لمقالتى وتأهبوا ... بذميم بغيكم لشر المصرع # فالله ليس بغافل عن أمركم ... حتى تحل بكم عقوبة موجع # قال أبو عثمان الجاحظ: سمعت النظام، وذكر عبد الوهاب الثقفى، قال: # هو أحلى من أمن بعد خوف، وبرء بعد سقم، ومن خصب بعد جدب، وغنى بعد فقر، ~~ومن طاعة المحبوب، وفرج المكروب، ومن الوصال الدائم، والشباب الناعم. ### | [ابن أبى دواد يعفو عن الجاحظ] # وكان الجاحظ مائلا عن ابن أبى دواد إلى محمد بن عبد الملك الزيات، فلما ~~نكب محمد بن عبد الملك أدخل الجاحظ على ابن أبى دواد مقيدا، فقال له أحمد: # والله ما أعلمك إلا متناسيا للنعمة، كفورا للصنيعة، معددا للمساوى، وما ~~فتنى باستصلاحى لك، ولكن الأيام لا تصلح منك؛ لفساد طويتك، ورداءة دخيلتك، ~~وسوء اختيارك، وتغالب طباعك. # فقال الجاحظ: خفض عليك، أصلحك الله، فوالله لأن يكون لك الأمر على خير من ~~أن يكون لى عليك، ولأن أسىء وتحسن أحسن في الأحدوثة من أن أحسن فتسىء، ولأن ~~تعفو عنى على حال قدرتك على أجمل بك من الانتقام منى، فعفا عنه «1» . # PageV02P538 ### | [عتبة بن أبى سفيان وأعرابى] # قال سعد مولى عتبة بن أبى سفيان: خطب عتبة الناس في الموسم سنة إحدى ~~وأربعين، والناس إذ ذاك حديثو عهد بالفتنة؛ فقال: قد ولينا هذا المقام الذى ~~يضاعف فيه للمحسن ms323 الأجر، وللمسىء الوزر؛ ونحن على سبيل قصد، فلا تمدوا ~~الأعناق إلى غيرنا؛ فإنها تقطع دوننا؛ فرب ستمن أمرا حتفه في أمنيته؛ ~~فاقبلوا منا العافية ما قبلناها منكم «1» ؛ وأنا اسأل الله أن يعين كلا على ~~كل. # فناداه أعرابى من ناحية المسجد: أيها الخليفة، فقال: لست به ولم تبعد، ~~قال: يا أخاه، قال: سمعت فقل، فقال: والله لان تحسنوا وقد أسأنا خير من أن ~~تسيئوا وقد أحسنا، فإن كان الإحسان منكم فما أولاكم بإتمامه، وإن كان منا ~~فما أولاكم بمكافأتنا عليه، وأنا رجل من بنى عامر بن صعصعة يمت بالعمومة ~~ويختص بالخؤولة، كثر عياله، ووطئه زمانه، [وبه فقر] وفيه أجر، وعنده شكر. # فقال له عتبة: أستغفر الله منك، وأستعين به عليك، وقد أمرت لك بغناك، ~~فليت إسراعى إليك يقوم بإبطائى عنك! ### | [بين الجاحظ وابن الزيات] # قال الجاحظ: تشاغلت مع الحسن بن وهب أخى سليمان بن وهب بشرب النبيذ ~~أياما، فطلبنى محمد بن عبد الملك لمؤانسته، فأخبر باتصال شغلى مع الحسن ابن ~~وهب، فتنكر لى، وتلون على؛ فكتبت إليه رقعة نسختها: أعاذك الله من سوء ~~الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوة إلى حب الإنصاف، ورجح ~~في قلبك إيثار الاناة، فقد خفت- أيدك الله! - # PageV02P539 # أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزق السفهاء، ومجانبة سبل الحكماء، وبعد، ~~فقد قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: # وإن امرأ أمسى وأصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد # وقال الآخر: # ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل # فإن كنت اجترأت عليك- أصلحك الله! - فلم اجترئ إلا لأن دوام تغافلك عنى ~~شبيه بالإهمال، الذى يورث الإغفال، والعفو المتتابع يؤمن من المكافأة، ~~ولذلك قال عيينة بن حصن بن حذيفة لعثمان رحمه الله: عمر كان خيرا لى منك، ~~أرهبنى فأتقانى، وأعطانى فأغنانى، فإن كنت لا تهب عقابى- أيدك الله! - ~~لخدمة فهبه لأياديك عندى؛ فإن النعمة تشفع في النقمة، وإلا تفعل ذلك لذلك ~~فعد إلى حسن العادة، وإلا فافعل ذلك لحسن الأحدوثة؛ وإلافات ما أنت أهله من ~~العفو دون ms324 ما أنا أهله من استحقاق العقوبة، فسبحان من جعلك تعفو عن ~~المتعمد، و؟؟؟ من؟؟؟ المصر، حتى إذا صرت إلى من هفوته ذكر، وذنبه نسيان، ~~ومن لا يعرف الشكر إلا لك، والإنعام إلا منك هجمت عليه بالعقوبة. واعلم- ~~أيدك الله! - أن شين غضبك على كزين صفحك عنى، وأن موت ذكرى مع انقطاع سببى ~~منك كحياة ذكرك مع اتصال سببى بك، واعلم أن لك فطنة عليم، وغفلة كريم، ~~والسلام. ### | [من كلام على- رضي الله عنه! - فى أعجب ما في الإنسان] # قال على بن أبى طالب رضي الله عنه: أعجب ما في الإنسان قلبه، وله مواد من ~~الحكمة، وأضداد من خلافها؛ فإن سنح له الرجاء أذله الطمع، وإن هاجه الطمع ~~أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، ~~وإن أسعد بالرضا نسى التحفظ، وإن أتاه الخوف # PageV02P540 # شغله الحذر، وإن اتسع له الأمن استلبته الغرة، وإن أصابته مصيبة فضحه ~~الجزع، وإن استفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة بلغ به البلاء، وإن جهد ~~به الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة، فكل تقصير مضر، وكل ~~إفراط له قاتل. ### | البيت الذى أنشده الجاحظ لعبد الرحمن بن حسان # في أبيات يقول فيها: # متى ما يرى الناس الغنى وجاره ... فقير يقولوا: عاجز وجليد # وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسمت وجدود # وإن امرأ يمسى ويصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد ### | والبيت الذى أنشده بعده لمحمد بن حازم الباهلى # في أبيات يقول فيها: # إن كنت لا ترهب ذمى لما ... تعلم من صفحى عن الجاهل # فاخش سكوتى آذنا منصتا ... فيك لمسموع خنى القائل «1» # فسامع الشر شريك له ... ومطعم المأكول كالآكل # مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل # ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل # فلا تهج، إن كنت ذا إربة، ... حرب أخى التجربة الغافل # فإن ذا العقل إذا هجته ... هجت به ذا خبل خابل # تبصر في عاجل شداته ... عليك غب الضرر الآجل ### | وفي ابن الزيات يقول ms325 الجاحظ: # بدا حين أثرى لإخوانه ... ففلل منهم شباة العدم # وأبصر كيف انتقال الزمان ... فبادر بالعرف قبل الندم ### | [الجاحظ ورجل من البرامكة في مرضه] # قال بعض البرامكة: كنت أتقلد السند، فاتصل بى أنى صرفت عنها، # PageV02P541 # وكنت كسبت ثلاثين ألف دينار، فخفت أن يفجأنى الصارف، ويسعى إليه بالمال، ~~فصغته عشرة آلاف إهليلجة «1» فى كل إهليلجة ثلاثة مثاقيل، وجعلتها في رحلى، ~~ولم أبعد أن جاء الصارف؛ فركبت البحر، وانحدرت إلى البصرة؛ فخبرت أن بها ~~الجاحظ، وأنه عليل؛ فأحببت أن أراه قبل وفاته، فصرت إليه، فأفضيت إلى باب ~~دار لطيف، فقرعته، فخرجت إلى خادم صفراء، فقالت: من أنت؟ فقلت: رجل غريب ~~أحب أن يدخل إلى الشيخ فيسر بالنظر إليه، فأدت ما قلت، وكانت المسافة قريبة ~~لصغر الدهليز والحجرة، فسمعته يقول: # قولى له: وما تصنع بشق مائل، ولعاب سائل، ولون حائل؟ فأخبرتنى، فقلت: # لا بد من الوصول إليه، فقال: هذا رجل قد اجتاز بالبصرة، فسمع بى وبعلتى، ~~فقال: أراه قبل موته؛ لأقول: قد رأيت الجاحظ. # فدخلت فسلمت فرد ردا جميلا واستدنانى، وقال: من تكون؟ أعزك الله! فانتسبت ~~له، فقال: رحم الله أباك وقومك الأسخياء الأجواد، الكرام الأمجاد، لقد كانت ~~أيامهم روض الأزمنة، ولقد انجبر بهم خلق، فسقيا لهم ورعيا؛ فدعوت له، وقلت: ~~أنا أسأل الشيخ أن ينشدنى شيئا من الشعر أذكره به، فأنشدنى: # لئن قدمت قبلى رجال فطالما ... مشيت على رسلى فكنت المقدما # ولكن هذا الدهر تأتى ضروفه ... فتبرم منقوضا، وتنقض مبرما # ثم نهضت، فلما قاربت الدهليز صاح بى فقال: يا فتى؛ أرأيت مفلوجا ينفعه ~~الإهليلج؟ فقلت: لا، قال: فأنا ينفعنى الإهليلج الذى معك، فأنفذ إلى منه، ~~فقلت: السمع والطاعة، وخرجت مفرط التعجب من وقوعه على خبرى، حتى كأن بعض ~~أحبابى كاتبه بخبرى حين صغته، فأنفذت إليه مائة إهليلجة. # PageV02P542 ### | المقامة الجاحظية مقامة من إنشاء البديع تتعلق بذكر الجاحظ] # قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: جمعتنى مع رفقة وليمة، وأجبت إليها للحديث ~~المأثور فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو دعيت إلى كراع لأجبت، ms326 ~~ولو أهدى الى ذراع لقبلت» ، فأفضى بنا المسير إلى دار قد فرش بساطها، وبسطت ~~أنماطها، ومد سماطها، وقوم قد أخذوا الوقت بين آس مخضود، وورد منضود، ودن ~~مفصود، وناى وعود؛ فصرنا إليهم وصاروا إلينا، ثم عكفنا على خوان قد ملئت ~~حياضه، ونورت رياضه، واصطفت جفانه، واختلفت ألوانه؛ فمن حالك بإزائه ناصع، ~~ومن قان في تلقائه فاقع، ومعنا على الطعام رجل تسافر يده على الخوان، وتسفر ~~بين الألوان، وتأخذ وجوه الرغفان، وتفقأ عيون الجفان، وترعى أرض الجيران ~~«1» ؛ يزحم اللقمة باللقمة، ويهزم المضغة بالمضغة، وهو مع ذلك ساكت لا ~~ينبس، ونحن في الحديث نجرى معه حتى وقف بنا على ذكر الجاحظ وخطابته، ووصف ~~ابن المقفع وذرابته، ووافق أول الحديث آخر الخوان، وزلنا عن ذلك المكان، ~~فقال الرجل: أين أنتم من الحديث الذى فيه كنتم، فأخذنا في وصف الجاحظ ~~ولسنه، وحسن سننه في الفصاحة وسننه فيما عرفناه؛ فقال: يا قوم؛ لكل عمل ~~رجال، ولكل مقام مقال، ولكل دار سكان، ولكل زمان جاحظ، ولو انتقدتم، لبطل ~~ما اعتقدتم، فكل كشر له عن ناب الإنكار، وشم بأنف الإكبار، وضحكت إليه، ~~لأجلب ما لديه، وقلت: أفدنا وزدنا، فقال: # إن الجاحظ في أحد شقى البلاغة يقطف؛ وفي الآخر يقف، والبليغ من لم يقصر ~~نظمه عن نثره، ولم يزر كلامه بشعره، فهل تروون # PageV02P543 # للجاحظ شعرا رائعا؟ قلنا: لا، قال: فهلموا إلى كلامه؛ فهو بعيد الإشارات، ~~قريب العبارات، قليل الاستعارات، منقاد لعريان الكلام يستعمله، نفور من ~~معتاصه يهمله، فهل سمعتم له بكلمة غير مسموعة، أو لفظة غير مصنوعة؟ # فقلت: لا، فقال: هل تحب أن تسمع من الكلام ما يخفف عن منكبيك، وينم على ~~ما في يديك؟ فقلت: إى والله، قال: فأطلق لى عن خنصرك ما يعين على شكرك، ~~فأنلته ردائى، فقال: # لعمر الذى ألقى إلى ثيابه ... لقد كسبت تلك الثياب به مجدا # وقد قمرته راحة الجود بزة ... فما ضربت قدحا ولا نصبت نردا # أعد نظرا يا من كسانى ثيابه ... ولا تدع الأيام تهدمنى هدا # وقل للألى إن أسفروا أسفروا ms327 ضحى ... وإن طلعوا في غمة طلعوا وردا # صلوا رحم العليا وبلوا لهاتها ... فخير الندى ما سح وابله نقدا # قال عيسى بن هشام: فارتاحت الجماعة إليه، وانثالت الصلات عليه، وقلت لما ~~تآانسنا: من أين مطلع هذا البدر؟ فقال: # إسكندرية دارى ... لو قر فيها قرارى # لكن ليلى بنجد ... وبالحجاز نهارى ### | [من كلام الملوك] # تظلمت رعية أردشير بن بابك إليه في سنة مجدبة لعجزهم عن الخراج، وسألته ~~أن يخففه عنهم؛ فكتب لهم ما نسخته: من أردشير المزيد بالبهاء، ابن الملوك ~~العظماء، إلى الفقهاء الذين هم حفظة البيضة، والكتاب الذين هم ساسة ~~المملكة، وذوى الحرث الذين هم عمرة البلاد، أما بعد، فإنا نحمد الله تعالى ~~حمد الصالحين، وقد وضعنا عن رعيتنا بفضل رأفتنا إتاوتنا الموظفة عليهم ~~سنتنا هذه، ونحن كاتبون مع ذلك نميلهم بوصية تنفع الكل: لا تستشعروا الحقد # PageV02P544 # لئلا يغلب عليكم العدو، ولا تحبوا الاحتكار لئلا يشملكم القحط، وكونوا ~~للغرباء مؤوين، لتؤووا غدا في المعاد، وتزوجوا في القرابة فإنه أحسن للرحم، ~~وأثبت للنسب، ولا تعدوا هذه الدنيا شيئا فإنها لا تبقى على أحد، ولا ~~ترفضوها مع ذلك؛ فإن الآخرة لا تنال إلا بها. # وقيل لبزرجمهر: أى الاكتساب أفضل؟ قال: العلم والأدب كنزان لا ينفدان، ~~وسراجان لا يطفآن، وحلتان لا تبليان؛ من نالهما نال أسباب الرشاد وعرف طريق ~~المعاد، وعاش رفيعا بين العباد. # وقال أنو شروان لبزر جمهر لما ظفر به: الحمد لله الذى أظفرنى بك، قال له: # فكافئه بما يحب كما أعطاك ما تحب. قال: وبم أكافئه يا فاسق؟ قال: # بالعفو عمن أظفرك به اليوم كما تحب أن يعفو عنك غدا. # ونظير هذا الكلام قد تقدم لعلى رضي الله عنه. # وقيل لكسرى: أى الملوك أفضل؟ قال: الذى إذا جاورته وجدته عليما، وإذا ~~خبرته وجدته حكيما، وإذا أغضب كان حليما، وإذا ظفر كان كريما، وإذا استمنح ~~منح جسيما، وإذا وعد وفى، وإن كان الوعد عظيما، وإذا شكى إليه وجد رحيما. ### | [من رسائل الميكالى] # كتب الأمير أبو الفضل الميكالى إلى أبى منصور عبد الملك بن ms328 محمد بن ~~إسماعيل الثعالبى: كتابى وأنا أشكو إليك شوقا لو عالجه الأعرابى لما صبا ~~إلى رمل عالج، أو كابده الخلى لا نثنى على كبد ذات حرق ولواعج؛ وأذم زمانا ~~يفرق فلا يحسن جمعا، ويخرق فلا ينوى رقعا، ويوجع القلب بتفريق شمل ذوى ~~الوداد، ثم يبخل عليهم بما يشفى الصدور والأكباد؛ قاسى القلب فلا # PageV02P545 # يلين لاستعطاف، جائر الحكم فلا يميل إلى إنصاف، وكم أستعدى على صرفه ~~وأستنجد، وأتلظى غيظا عليه وأنشد: # متى وعسى يثنى الزمان عنانه ... بعثرة حال والزمان عثور # فتدرك آمال وتقضى مآرب ... وتحدث من بعد الأمور أمور # وكلا، فما على الدهر عتب، ولا له على أهله ذنب؛ وإنما هي أقدار تجرى كما ~~شاء مجريها، وتنفذ كالسهام إلى مراميها؛ فهى تدور بالمكروه والمحبوب، على ~~الحكم المقدور والمكتوب، لا على شهوات النفوس وإرادات القلوب؛ وإذا أراد ~~الله تعالى أذن في تقريب البعيد النازح، وتسهيل الصعب الجامح، فيعود الأنس ~~بلقاءك الإخوان كأتم ما لم يزل معهودا، ويجدد للمذاكرة والمؤانسة رسوما ~~وعهودا؛ إنه الملبى به، والقادر عليه. # وله إلى أبيه: ولو ملكت عنان اختيارى، وأسعفنى ببعض ما أقترحه القدر ~~الجارى، لما غبت عن حضرته- آنسها الله! - ساعة من دهرى، كما لا أعد ساعات ~~بعدى عنها وإخلائى لبابها من أيام عمرى؛ ولكنت أبدا ماثلا بها فى زمرة ~~الخدم والعبيد، جامعا بها بين حاشيتى العز المديد، والشرف العتيد؛ لا سيما ~~في هذا الوقت وقد أشرقت البلاد بنور طلعته التي هي في ظلمة الدهر صباح، وعز ~~مطالعته التي فيها لصدور ذوى الشنأ شجا ولزند الآمال اقتداح، ومعاودة ظله ~~التي أضحت الشمس من حساده، والزمان من عدد ساكنيه وعتاده، إلا أن الحريص- ~~كما علمه مولانا- مخلى عن أعذب موارده، وممنوع بالعوائق عن أكرم مطالعه ~~ومقاصده. # وله يستفتح مكاتبة بعض إخوانه: # أنا وإن لم تتقدم بينى وبينه المكاتبة، وعادة المساجلة والمفاوضة، من فرط ~~حرصى على افتتاحها وتعاطيها، واعتراض العوائق دون المراد والغرض فيها، فإن # PageV02P546 # قلبى بوده مغمور، وضميرى على مصافاته مقصور، فاعتداده لفضائله التي أصبح ~~فيها أو حدى العنان، وزاحم فيها ms329 منكب العنان «1» ، واستأثر فيها بالغرر ~~والاوضاح، ما أوفى بها على غرة الصباح، حتى تشاهدت بها ضمائر القلوب، ~~وتهادت أنباءها ألسنة البعيد والقريب، اعتداد من يجمع بالاعتداد لها بين ~~شهادة قلبه ولسانه، ومن ينظم في إجلال قدرها صفقة إسراره وإعلانه، فهو ~~يتنسم الريح إذا هبت من ناحيته شوقا ونزاعا، ويستملى الوارد والصادر خبر ~~سلامته انصياعا بالود إليه وانقطاعا. # شذور من كلامه في أثناء رسائل شتى: أياديه التي غمرتنى سجالها، واتسع ~~عندى مجالها، وأعيا شكرى عفوها وانثيالها، تناولت فيها المنى دانية القطوف، ~~واجتليت أنوار العيش مأمونة الكسوف، ليس يكاد يبرد غليل شوقى وحنينى، أو ~~ترجع نافرة انسى وسكونى، أو تخلو من الاهتمام والفكرة فيه خواطرى وظنونى، ~~إلا بالتقاء يدنو أمده، ويقرب موعده، وتعلو على الفراق يده، فنعاود العيش ~~طلقا غزيرا، ونجتنى ثمر المنى غضا نضيرا، ونجتلى وجه الزمان مشرقا منيرا. ~~فوائده لها عندى أثر الغمام أو أنفع، ومحل السماك أو أرفع. حالى في مفارقة ~~حضرته حال بنات الماء قد نضب عنها الغدير، ونبات الأرض «2» أخطأها النوء ~~المطير. لهفى على دهر الحداثة إذ غصن شبابى غض وريق، ونقل شرابى عض وريق. ~~كلام أحلى من ريق النحل، وأصفى من ريق الوبل. من تسود قبل وقته وآلته، فقد ~~تعرض لمقته وإذالته. نظمه له: # إن من يلتمس الصد ... ر بلا وقت وآله # لحقيق أن يلقى ... كل مقت وإذاله # الشكل للكتاب، كالحلى للكعاب. لو كان الشباب فضة لكان الشيب له خبثا. ~~النعمة عروس مهرها الشكر، وثوب صونه النشر. الخضاب تذكرة الشباب. لا تقاس ~~المهاوى بالمراقى، ولا الأقدام بالتراقى، ولا البحور بالسواقى. # PageV02P547 # كم أبلانى من عرف جزيل لا يبلى الدهر جدة ردائه، وقضانى من دين تأميل لا ~~يقضى الشكر حق نعمائه. الشكر للنعمة نتاج، والكفران لها رتاج، وكلما زدت ~~النعمة شكرا، زادت طيبا ونشرا. ### | قطعة من شعره في تجنيس القوافى # قال في أبيه: # مبدعا في شمائل المجد خيما ... ما اهتدينا لأخذه واقتباسه «1» # فهو فظ بالمال وقت نداه ... وجواد بالعفو في وقت باسه # وقال فيه: # إذا ما جاد بالأموال ms330 ثنى ... ولم تدركه في الجود الندامه # وإن هجست خواطره بجمع ... لريب حوادث قال الندى مه «2» # وقال فيه: # ولما تنازع صرف الزمان ... فزعنا إلى سيد نابه # إذا كشر الدهر عن نابه ... كشفنا الحوادث عنابه # وقال فيه: # إن نابنا خطب فآراؤه ... تغنى عن الجيش وتسريبه # وإن دجا ليل بدا نوره ... للركب نجما فهو يسرى به # وقال يفتخر: # وكم حاسد لى انبرى فانثنى ... لعضة نفس شجاها شجاها # ومن أين يسمو لنيل العلا ... وما بث مالا ولا راش جاها # ومنها قوله: # وسائلة تسائل عن فعالى ... وعما حاز في الدنيا جمالى # PageV02P548 # فقلت: إلى المعالى حن قلبى ... وفي سبل المكارم لج مالى # وللعلياء نهج مستقيم ... فمالى تاركا ذا النهج مالى # إذا أسرجت في فخر سمابى ... فعالى والنجار فألجمالى # وقال في نوع من هذا الجنس: # ومن يسر فوق الأرض يطلب غاية ... من المجد يسرى فوق جمجمة النسر # ومن يختلف في العالمين نجاره ... فإنا من العلياء نجرى على نجر «1» # ومن يتجر في المال يكسب ربحه ... فبالمال نشرى رابح الحمد والنشر # وعلى نحو هذا الحذو يقول أبو الفتح البستى: # أبا العباس لا تحسب بأنى ... لشىء من حلى الأشعار عار # ولى طبع كسلسال المجارى ... زلال من ذرا الأحجار جارى # إذا ما أكبت الأدوار زندا ... فلى زند على الأدوار وارى # وقال أبو الفتح البستى أيضا: # بسيف الدولة اتسقت أمور ... رأيناها مبددة النظام # سما وحمى بنى سام وحام ... فليس كمثله سام وحام ### | [أدب الحاجب] # قال بعض الملوك لحاجبه: إنك عينى التي أنظر بها، وجنتى التي أستنيم ~~إليها؛ وقد وليتك بابى، فما نراك صانعا برعيتى؟ # قال: أنظر إليهم بعينك، وأحملهم على قدر منازلهم عندك، وأضعهم لك فى ~~إبطائهم عن بابك ولزومهم خدمتك مواضع استحقاقهم، وأرتبهم حيث جعلهم ترتيبك، ~~وأحسن إبلاغك عنهم، وإبلاغهم عنك. # PageV02P549 # قال: قد وفيت بما عليك قولا، إن وفيت به فعلا؛ والله ولى كفايتك ومعونتك. # قال المهدى للفضل بن الربيع: إنى قد وليتك ستر وجهى وكشفه، فلا تجعل ~~الستر بينى وبين خواصى سببا لضغنهم بقبح ردك، وعبوس وجهك؟ # وقدم أبناء الدعوة؛ ms331 فإنهم أولى بالتقديم، وثن بالاولياء، واجعل للعامة ~~وقتا إذا دخلوا أعجلهم ضيقه عن التلبث، وصرفهم عن التمكث. # وقال الحسن بن سهل: إذا كان الملك محتجبا عن الرعية، ولم ينزل الوزير ~~نفسه منزلة تكون وسائل الناس إليه أنفسهم واستحقاقهم دون الشفاعات ~~والحرمات، حتى يختص الفاضل دون المفضول، ويرتب الناس على أقدارهم وأوزانهم ~~ومعرفتهم، امتزج التدبير، واختلت الأمور، ولم يميز بين الصدور والاعجاز، ~~والنواصى والأذناب، وكان الناس فوضى، ووهت أسباب الملك، وانتقضت مرائره، ~~وشاعت سرائره، وإن أقرب ما أرجو به صلاح ما أتولاه استماعى من المتنسمين ~~بأنفسهم، المتوسلين بأفهامهم، المتوصلين بكفايتهم، وابتذال نفسى لهم، وصبرى ~~عليهم، وتصفحى ما توسلوا به وانتحلوه: من العقول والآداب، والحماية ~~والكفاية. فمن ثبتت له دعواه أنزلته تلك المنزلة، ولم أتحيفه حقه، ولا ~~نقصته حظه، ومن قصر عما ادعى كانت منزلته منزلة المقصرين، ولم أخيب أمله من ~~مقدار ما يستحقه. # وقال بعض البلغاء: إذا أسدل الوالى على نفسه ستر الحجاب، وهي عمود ~~تدبيره؛ واسترخت عليه حمائل الحزم، وازدلفت إليه وفود الذم، وتولى عنه رشد ~~الراجى، ونال أموره خلل الانتشار، وآفة الإهمال، وتسرع إليه العائبون ~~بلواذع ألسنتهم ودبيب قوارضهم. # وحجب سعيد بن عبد الملك عن عبيد الله بن سليمان فكتب إليه: سرت إلى بابك- ~~أعزك الله- عند ما حدث من أمرك، فلم يقض لقاؤك، وعلمت أن # PageV02P550 # ثقتك بما عندى، قد مثلت لك حالى من السرور بنعمة الله عندك، وأرتك موضعى ~~من الاعتداد بكل ما خصك ووصل إليك، فوكلت العذر إلى ذلك. # ثم إنا نأتيك متيمنين بطلعتك، مشتاقين إلى رؤيتك، فيحجبنا عنك ملاحظ. # وهو كما علمت زنيم الصنيعة، لئيم الطبيعة، يحجب عنك الكرام، ويأذن عليك ~~للئام، كلما نجمت له يد بيضاء، أتبعها يدا سوداء؛ فإن رأيت- أعزك الله- أن ~~تصرفه عن باب مكارمك فعلت، إن شاء الله. # وقال أبو السمط بن أبى حفصة: # فتى لا يبالى المدلجون بنوره ... إلى بابه ألا تضىء الكواكب # له حاجب في كل خير يعينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب «1» # أخذ البيت الأول من قول جده مروان بن أبى ms332 حفصة الأكبر: # إلى المصطفى المهدى خاضت ركابنا ... دجى الليل يخبطن السريح المخدما «2» # يكون لها نور الإمام محمد ... دليلا به تسرى إذا الليل أظلما # وقال إدريس بن أبى حفصة، وذكر إبلا: # لها أمامك نور تستضىء به ... ومن رجائك في أعناقها حادى # لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الرتوع وتلهيها عن الزاد # وأصله قول عمرو بن شأس الأسدى: # إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا ... كفى لمطايانا بوجهك هاديا # أليس يزيد العيس خفة أذرع، ... وإن كن حسرى، أن تكون أماميا «3» # وقال بعض أهل العصر: # وليل وصلنا بين قطريه بالسرى ... وقد جد شوق مطمع في وصالك # PageV02P551 # أربت علينا من دجاه حنادس ... أعدن الطريق النهج وعر المسالك «1» # فناديت يا أسماء، باسمك، فانجلت ... وأسفر منها كل أسود حالك # بنا أنت من هاد نجونا بذكره ... وقد نشبت فينا أكف المهالك # منحتك إخلاصى وأصفيتك الهوى ... وإن كنت لما تخطرينى ببالك # وقال القطامى: # ذكرتكم ليلا فنور ذكركم ... دجى الليل حتى انجاب عنه دياجره # فو الله ما أدرى أضوء مسجر ... لذكراكم أم يسجر الليل ساجره # وقال القينى: # وإنى من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيد قام صاحبه # نجوم سماء كلما انقض كوكب ... بدا كوكب تأوى إليه كواكبه # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه # وقال الحطيئة: # نمشى على ضوء أحساب أضأن لنا ... كما أضاءت نجوم الليل للسارى # وقد ردده في موضع آخر فقال: # هم القوم الذين إذا ألمت ... من الأيام مظلمة أضاءوا # وكلام القاسم بن حنبل المدنى من هذا، حيث يقول: # من البيض الوجوه بنى سنان ... لو انك تستضىء بهم أضاءوا # فلو أن السماء دنت لمجد ... ومكرمة دنت لهم السماء # هم حازوا من الشرف المعلى ... ومن كرم العشيرة حيث شاءوا # وقال بعض المتقدمين: # إذا أشرقت في جنح ليل وجوههم ... كفوا خابط الظلماء فقد المصابح # وإن ناب خطب أو ألمت ملمة ... فكم ثم من آسى جراح وجارح # وقال أبو بديل الوضاح بن محمد التيمى في المستعين: # PageV02P552 # وقائلة والليل قد نشر الدجى ... فغطى بها ما بين سهل وقردد ms333 «1» # أرى بارقا يبدو من الجوسق الذى ... به حل ميراث النبى محمد # أضاءت له الآفاق حتى كأنما ... رأينا بنصف الليل نور ضحى غد # فظل عذارى الحى ينظمن تحته ... سلوكا من الجزع الذى لم يسرد # فقلت: هو البدر الذى تعرفونه ... وإلا يكن فالنور من وجه أحمد ### | [حث الاشتياق] # وقال عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة في معنى قول عمرو بن شأس في حث ~~الاشتياق: # خليلى ما بال المطايا كأنما ... تراها على الأعقاب بالقوم تنكص # فقد أتعب الحادى سراهن، وانحنى ... بهن- فما بالوا-، عجول مقلص # وقد قطعت أعناقهن صبابة ... فأعينها مما تكلف تشخص # يزدن بنا قربا فيزداد شوقنا ... إذا ازداد قرب الدار والبعد ينقص # وقال بعض الرجاز، وذكر إبلا: # إن لها لسائقا خدلجا «2» ... لم يدلج الليلة فيمن أدلجا # يريد امرأة يحبها فيحثه ما يجده من الشوق على إجهاد مطاياه بالسوق. كما ~~أنشد إسحاق الموصلى: # صب يحث مطاياه بذكركم ... وليس ينساكم إن حل أو سارا # لو يستطيع طوى الأيام نحوكم ... حتى يبيع بعمر القرب أعمارا # يرجو النجاة من البلوى بقربكم ... والقرب يلهب في أحشائه نارا # هذا البيت يناسب أبيات ابن أبى ربيعة. يقول: كلما دنا ازداد حرصا على ~~اللقاء. # PageV02P553 # وشخص إسحاق الموصلى إلى الواثق بسر من رأى، وأهله ببغداد، فتصيد الواثق ~~وهو معه إلى نواحى كبراء، فلما قرب من بغداد قال: # طربت إلى الأصيبية الصغار ... وهاجك منهم قرب المزار # وكل مسافر يزداد شوقا ... إذا دنت الديار من الديار # ولحنه وغناه الواثق، فاستحسنة وأطربه، فصرفه إلى بغداد على ما أحب وكان ~~إسحاق قال أولا: # وكل مسافر يشتاق يوما ... إذا دنت الديار من الديار # فعابوا قوله «يوما» ، وقالوا: هى لفظة قلقة في هذا الموضع، لم تحل ~~بمركزها، ولا لهاهنا موقع. قال: فضعوا مكانها مثلها لا خيرا منها. فما ~~استطاعوا ذلك، فغيرها إلى ما أنشدت أولا. # وقال أبو نواس: # أما الديار فقلما لبثوا بها ... بين اشتياق العيس والركبان # وضعوا سياط الشوق فوق رقابها ... حتى طلعن بها على الأوطان # وقال مخلد بن بكار الموصلى: # أقول لنضو أنفد السير ms334 نيها «1» ... ولم يبق منها غير عظم مجلد # خدى بى ابتلاك الله بالشوق والهوى ... وشاقك تحنان الحمام المغرد «2» # فمرت سريعا خوف دعوة عاشق ... تشق بى الموماة في كل فدفد «3» # فلما ونت في السير ثنيت دعوتى ... فكانت لها سوطا إلى ضحوة الغد # وكان مخلد حلو الطبع، وهو القائل يمدح رجلا: # يطلع النجم على صعدته ... فإذا واجه نحرا أفلا # معشر إن ظمئت أرماحهم ... أوردوهن مجاجات الطلى # PageV02P554 # تحسن الألوان منهم في الوغى ... حين تستنكر للرعب الحلى # سخط عبد الله يدنى الأجلا ... ورضاه يتعدى الأملا # يعشب الصلد إذا سالمه ... وإذا حارب روضا أمحلا # [ملك لو نشرت آلاؤه ... وأياديه على الليل انجلى] # حل بالبأس ابن عمرو منزلا ... طال حتى قصرت فيه العلا # حط رحلى في ذراه جوده ... وتمشى في نداه الخيزلى «1» ### | [جودة الخط] # سئل بعض الكتاب عن الخط: متى يستحق أن يوصف بالجودة؟ فقال: # إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه، واستقامت سطوره، وضاهى صعوده ~~حدوره، وتفتحت عيونه، ولم تشتبه راؤه ونونه، وأشرق قرطاسه، وأظلمت أنقاسه، ~~ولم تختلف أجناسه، وأسرع إلى العيون تصوره، وإلى العقول تثمره، وقدرت ~~فصوله، واندمجت وصوله، وتناسب دقيقه وجليله، وخرج من نمط الوراقين، وبعد عن ~~تصنع المحررين «2» ، وقام لصاحبه مقام النسبة والحلية، كان حينئذ كما قال ~~صاحب هذا الوصف في صفة خط: # إذا ما تجلل قرطاسه ... وساوره القلم الأرقش # تضمن من خطه حلة ... كنقش الدنانير، بل أنقش # حروف تعيد لعين الكليل ... نشاطا ويقرؤها الأخفش # قال أبو هفان: سألت وراقا عن حاله فقال: عيشى أضيق من محبرة، وجسمى أدق ~~من مسطرة، وجاهى أرق من الزجاج، ووجهى عند الناس أشد سوادا من الحبر ~~بالزاج، وحظى أخفى من شق القلم، ويداى أضعف من قصبة، وطعامى أمر من العفص؛ ~~وشرابى أحر من الحبر «3» ، وسوء الحال ألزم لى من الصمغ؛ فقلت له: عبرت عن ~~بلاء ببلاء! # PageV02P555 # وقال الحمدونى: # ثنتان من أدوات العلم قد ثنتا ... عنان شأوى عما رمت من هممى # أما الدواة فأدمى جرمها جسدى ... وقلم الحظ تحريف من القلم # وحبرت لى صحف الحرف محبرة ... تذود عنى سوام ms335 المال والنعم # والعلم يعلم أنى حين آخذه ... لعصمتى نافر خلو من العصم # وللحمدونى في الحرفة أشعار مستظرفة، وكان مليح الافتنان، حلو التصرف؛ وهو ~~إسماعيل بن إبراهيم بن حمدويه، وحمدويه جده، وهو صاحب الزنادقة في أيام ~~الرشيد، والحمدونى القائل: # من كان في الدنيا له شارة ... فنحن من نظارة الدنيا # نرمقها من كثب حسرة ... كأننا لفظ بلا معنى # وقال: # قد قلت إذ خرجوا لكى يستمطروا: ... لا تقنطوا واستمطروا بثيابى # لو في حزيران هممت بغسلها ... غطى ضياء الشمس جو سحاب # فكأنها العباس يستسقى به ... عمر فيرويهم دعاء مجاب «1» ### | [حرفة الأدب] # وقال آخر في المعنى الأول: # لما أجدت حروف الخط حرفنى ... عن كل حظ وجاءت حرفة الأدب # أقوت منازل مالى حين وطنها ... مخيما سفط الأقلام والكتب # وقال يعقوب الخريمى: # ما ازددت في أدبى حرفا أسر به ... إلا تزيدت حرفا تحته شوم # كذاك من يدعى حذقا بصنعته ... أنى توجه فيها فهو محروم # PageV02P556 # ولما قتل المقتدر أبا العباس بن المعتز، وزعم أنه مات حتف أنفه، قال على ~~بن محمد بن بسام: # لله درك من ميت بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب # ما فيه لو ولا ليت فينقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب ### | [رزق الحمقى والعقلاء] # قال ابن الرومى: # يا ليت أهل البيت إذ حرموا ... عصموا من الشهوات والفتن # لكنهم حرموا وما عصموا ... فقلوبهم مرضى من الحزن # وهم أطب على بليتهم ... من غيرهم بمضاضة الشجن «1» # وقال جعفر بن محمد: إن الله وسع أرزاق الحمقى ليعتبر العقلاء، ويعلموا أن ~~الدنيا لا ينال ما فيها بعقل ولا حيلة؛ ألا إن كسب المال بالحظ، وحفظه ~~بالعقل. # قال إبراهيم بن سيار النظام: الذهب لئيم؛ لأن الشكل يصير إلى شكله، وهو ~~عند اللئام أكثر منه عند الكرام. قال المتنبى- وأخذ هذا المعنى: # وشبه الشىء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطغام # وكان النظام له نظر بوجوه التصرف، وكان السلطان يصله بالكثير، وكان ~~محظوظا؛ فإذا اجتمع له مال حبس لنفسه بلغة، وفرق الباقى في أبواب المعروف؛ ~~فقيل له في ذلك، فقال: من حق المال على أن أطلبه ms336 من معدنه، وأصيب به الفرصة ~~عند أهله؛ ومن حقى عليه أن يقينى السوء بنفسه، ويصون عرضى # PageV02P557 # بابتذاله، ولا يفعل ذلك إلا بأن أسمح به؛ ألا ترى ذا الغنى؛ ما أدوم نصبه ~~«1» ، وأقل راحته، وأخس من ماله حظه، وأشد من الأيام حذره، وأغرى الدهر ~~بثلبه ونقصه، ثم هو بين سلطان يرعاه، وذوى حقوق يسبونه، وأكفاء ينافسونه، ~~وولد يريدون فراقه، قد بعث عليه الغنى من سلطانه العناء، ومن أكفائه الحسد، ~~ومن أعدائه البغى، ومن ذوى الحقوق الذم، ومن الولد الملال، وذو البلغة قنع ~~فدام له السرور، ورفض الدنيا فسلم من المحذور، ورضى بالكفاف فتنكبته ~~الحقوق. ### | [أفكار الوراقين] # قال الصولى أنشدنى محمد بن أحمد بن إسحاق: # أدمى البكا جفنى والمآقى ... فظلت ذا هم وذا احتراق # ما إن أرى في الأرض والآفاق ... أدنى ولا أشقى من الوراق # إذا أتى فى القمص الأخلاق ... رأيته مطيرة العشاق «2» # يفرح بالأقلام والأوراق ... كفرحة الجندى بالأرزاق # وقال بعض الوراقين: # إذا كنت بالليل لا أكتب ... وطول النهار أنا ألعب # فطورا يبطلنى مأكل ... وطورا يبطلنى مشرب # فإن دام هذا على ما أرى ... فبيتى أول ما يخرب # وقيل لوراق: ما تشتهى؟ فقال: قلما مشاقا، وحبرا براقا، وجلودا رقاقا. # وكل امرىء فأمنبته على ما يطابق غريزته، ويوافق نحيزته «3» . # PageV02P558 ### | [أطيب اللذات عند الشعراء] # قال على بن جبلة العكوك: قال الأصمعى: سئل امرؤ القيس: ما أطيب لذات ~~الدنيا؟ قال: بيضاء رعبوبة «1» ، بالحسن مكبوبة، بالشحم مكروبة «2» ، ~~بالمسك مشبوبة. # وسئل الأعشى عن ذلك، فقال: صهباء صافية «3» ، تمزجها ساقية، من صوب غادية ~~«4» . # وسئل طرفة عن ذلك، فقال: مركب وطى، وثوب بهى، ومطعم شهى. # قال العكوك: فحدثت بهذا أبا دلف، فقال: # أطيب الطيبات قتل الأعادى ... واختيال على متون الجياد # ورسول يأتى بوعد حبيب ... وحبيب يأتى بلا ميعاد # وحدثت بذلك حميدا الطوسى، فقال: # فلولا ثلاث هن من لذة الفتى، ... وجدك، لم أحفل متى قام عودى # فمنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت، متى ما تعل بالماء تزبد «5» # وكرى إذا نادى المضاف محنبا ... كسيد الغضا ذى السورة المتورد «6» # وتقصير يوم الدجن، والدجن معجب ms337 ... ببهكنة تحت الخباء المعمد «7» # الشعر لطرفة بن العبد. # PageV02P559 # وحدثت بذلك يزيد بن عبد الله، فقال: ما أدرى ما قالوا، ولكنى أقول: # فاقبل من الدهر ما أتاك به ... من قر عينا بعيشه نفعه # فكان أسدهم. # والبيت للأضبط بن قريع، أنشده أبو العباس ثعلب، قال: وبلغنى أن هذه ~~الأبيات قيلت قبل الإسلام بدهر طويل: # لكل ضيق من الأمور سعه ... والصبح والمسى لا فلاح معه «1» # ما بال من سره مصابك لا ... يملك شيئا من أمره وزعه # أذود عن حوضه ويدفعنى ... يا قوم، من عاذرى من الخدعه؟ # حتى إذا ما انجلت عمايته ... أقبل يلحى وغيه فجعه «2» # قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه # ويقطع الثوب غير لابسه ... ويلبس الثوب غير من قطعه # فاقبل من الدهر ما أتاك به ... من قر عينا بعيشه نفعه # وصل حبال البعيد إن وصل الح ... بل، وأقص القريب إن قطعه # ولا تعاد الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه «3» # هذا البيت شبيه بما روى عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كثيرا ما يستنشدنى قول اليهودى: # ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوما فتدركه العواقب قد نما «4» # يجزيك، أو يثنى عليك، وإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى # فأنشده، فيقول: إنى فطن لها: # PageV02P560 # وكان الأضبط سيد بنى سعد، وكانوا يشتمونه ويؤذونه، فانتقل إلى حى من ~~العرب فوجدهم يؤذون سادتهم، فقال: حيثما أوجه ألق سعدا! فذهبت مثلا قال ~~الطائى: # فلا تحسبن هندا لها الغدر وحدها ... سجية نفس، كل غانية هند ### | [وصف المحابر والأقلام] # قال بعض الكتاب يصف محبرة: # ولقد مضيت إلى المحدث آنفا ... وإذا بحضرته ظباء رتع # وإذا ظباء الإنس تكتب كل ما ... يملى، وتحفظ ما يقول وتسمع # يتجاذبون الحبر من ملمومة ... بيضاء تحملها علائق أربع «1» # من خالص البلور غير لونها ... فكأنها سبج يلوح ويلمع «2» # إن نكسوها لم تسل، ومليكها ... فيما حوته عاجلا، لا يطمع # ومتى أمالوها لرشف رضابها ... أداه فوها وهي لا تتمنع # وكأنها قلبى يضن بسره ... أبدا، ويكتم ms338 كل ما يستودع # يمتاحها ماضى الشباة مذلق ... يحرى بميدان الطروس فيسرع «3» # رجلاه رأس عنده لكنه ... يلقاه برد حفاه ساعة يقطع # وكأنه والحبر يخضب رأسه ... شيخ لوصل خريدة يتصنع # لم لا ألاحظه بعين جلالة ... وبه إلى الله الصحائف ترفع # وقال أبو الفتح كشاجم: # محبرة جاد لى بها فمر ... مستحسن الخلق مرتضى الخلق # جوهرة خصنى بجوهرة ... ناطت له المكرمات في عنقى # بيضاء والحبر في قراراتها ... أسود كالمسك جد منفتق # مثل بياض العيون زينه ... مسود ما شابه من الحدق # PageV02P561 # كأنما حبرها إذا نثرت ... أقلامنا ظله على الورق # كحل مرته العيون من مقل ... نجل فأوفت به على يقق «1» # خرساء لكنها تكون لنا ... عونا على علم أفصح النطق # وقال عبد الله بن أحمد: القلم أمره، ما لم يكتحل بإثمد الدواة «2» . # وكتب إبراهيم بن العباس كتابا فأراد محو حرف فلم يجد منديلا، فمحاه بكمه، ~~فقيل له في ذلك، فقال: المال فرع، والعلم أصل؛ وإنما بلغنا هذه الحال، ~~واعتقدنا هذه الأموال «3» بهذا القلم والمداد، ثم قال: # إذا ما الفكر أضمر حسن لفظ ... وأداه الضمير إلى العيان # ووشاه ونمنمه مسد ... فصيح بالمقال وباللسان # رأيت حلى البيان منورات ... تضاحك بينها صور المعانى ### | ألفاظ لأهل العصر في أوصاف آلات الكتابة والدوى والأقلام # الدواة من أنفع الأدوات، وهي للكتابة عتاد، وللخاطر زناد، غدير لا يرده ~~غير الأفهام، ولا يمتح بغير أرشية الأقلام «4» ، دواة أنيقة الصنعة، رشيقة ~~الصبغة، مسكية الجلد، كافورية الحلية. غدير تفيض ينابيع الحكمة من أقطاره، ~~وتنشأ سحب البلاغة من قراره. دواة تداوى مرض عفاتك، وتدوى قلوب عداتك، على ~~مرفع يؤذن بدوام رفعتك، وارتفاع النوائب عن ساحتك، ومداد كسواد العين، ~~وسويداء القلب، وجناح الغراب، ولعاب الليل، وألوان دهم الخيل. وهذا من قول ~~ابن الرومى: # حبر أبى حفص لعاب الليل ... كأنه ألوان دهم الخيل # PageV02P562 # قال العاصر: مداد ناسب خافية الغراب، واستعار لونه من شرخ الشباب، وأقلام ~~جمة المحاسن، بعيدة من المطاعن، تعاصى الكاسى، وتمانع الغامز القاسى. ~~أنابيب ناسبت رماح الخط في أجناسها، وشاكلت الذهب في ألوانها، وضاهت الحديد ~~في لمعانها؛ كأنها ms339 الأميال استواء، والآجال مضاء، بطيئة الحفى، قوية القوى، ~~لا يشظيها «1» القط، ولا يتشعب بها الخط. أقلام بحرية موشية الليط «2» ، ~~رائقة التخطيط. قلم معتدل الكعوب، طويل الأنبوب، باسق الفروع، روى الينيوع، ~~هو أولى باليد من البنان، وأخفى للسر من اللسان. # هو للأنامل مطية، وعلى الكتابة معونة مرضية. نعم العدة القلم: يقلم أظافر ~~الدهر، ويملك الأقاليم بالنهى والأمر، إن أردت كان مسجونا لا يمل الإسار، ~~وإن شئت كان جوادا جاريا لا يعرف العثار، لا ينبو إذا نبت الصفاح «3» ، ولا ~~يحجم إذا أحجمت الرماح. # قال أبو الفتح كشاجم، يصف محبرة ومقلمة وأقلاما وسكينا: # جسمى من اللهو وآلات الطرب ... ومن عتاد وثراء ونشب # ومن مدام ومثان تصطحب ... وهمة طماحة إلى الرتب # مجالس مصونة من الريب ... معمورة من كل علم وأدب # تكاد من حر الحديث تلتهب ... شعرا وأخبارا ونحوا يقتضب # ولغة تجمع ألفاظ العرب ... وفقرا كالوعد فى قلب المحب # أو كتأتى الرزق من غير طلب ... أجل، وحسبى من دوى تنتخب # محليات بلجين وذهب ... محبرة يزهى بها الحبر الألب «4» # مثقوبة آذانها، وفي الثقب ... مثل شنوف الخرد البيض العرب «5» # PageV02P563 # تضمن قطرا فيه للكتب غشب ... أسود يجرى بمعان كالشهب # لا تنضب الحكمة إلا إن نضب ... نيطت إلى يسرى يدى بسبب # كالقرط في الجيد تدلى فاضطرب ... تصحبها، والأخوات تصطحب # كأنه يودع نبلا من قصب ... لم يعلها ريش ولم تحمل عقب «1» # لا تضحك الأوراق حتى ينتحب ... ترمى بها يمناى أعراض الكتب # رميا متى أقصد به السمت أصب ... ومدية كالعضب ما مس القصب # غصبى على الأقلام من غير سبب ... تسطو بها في كل حين وتثب # وإنما ترضيك في ذاك الغضب ... فتلك آلاتى، وآلاتى تحب # والظرف في الآلات مما يستحب ... لا سيما ما كان منها للادب ### | [عمال المأمون] # تظلم رجل إلى المأمون من عامل له، فقال: يا أمير المؤمنين، ما ترك لى فضة ~~إلا فضها، ولا ذهبا إلا ذهب به، ولا غلة إلا غلها، ولا ضيعة إلا أضاعها، ~~ولا علقا «2» إلا علقه، ولا عرضا إلا عرض له، ولا ماشية إلا امتشها «3» ، ~~ولا ms340 جليلا إلا أجلاه، ولا دقيقا إلا أدقه. فعجب من فصاحته وقضى حاجته. # قال عمرو بن سعد بن سلم: كانت على نوبة أنوبها في حرس المأمون، فكنت في ~~نوبتى ليلة فخرج متفقدا من حضر، فعرفته ولم يعرفنى، فقال: من أنت؟ قلت: ~~عمرو، عمرك الله، ابن سعيد، أسعدك الله، ابن سلم، سلمك الله. # فقال: تكلؤنا منذ الليلة. قلت: الله يكلؤك قبلى، وهو خير حافظا وهو أرحم ~~الراحمين. # فقال المأمون: # إن أخاك الحق من يسعى معك ... ومن يضر نفسه لينفعك # ومن إذا صرف زمان صدعك ... بدد شمل نفسه لنجمعك # PageV02P564 ### | [الورد والنرجس] # وقال على بن العباس الرومى: # خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلا توردها عليه شاهد # لم يخجل الورد المورد لونه ... إلا وناحله الفضيلة عاند # للنرجس الفضل المبين إذا بدا ... بين الرياض طريفه والتالد # وكان ابن الرومى متعصبا للنرجس، كثير الذم للورد، وكتب إلى أبى الحسن ابن ~~المسيب: # أدرك ثقاتك إنهم وقعوا ... فى نرجس معه ابنة العنب # فهم بحال لو بصرت بها ... سبحت من عجب ومن عجب # ريحانهم ذهب على درر ... وشرابهم در على ذهب # فى روضة شتوية رضعت ... در الحيا حلبا على حلب # واليوم مدجون فحرته ... فيه بمطلع ومحتجب «1» # ظلت تسامرنا وقد بعثت ... ضوءا يلاحظنا بلا لهب # وكان كسرى أنو شروان مستهترا بالنرجس «2» ، وكان يقول: هو ياقوت أصفر، ~~بين در أبيض، على زمرد أخضر. نقله بعض المحدثين فقال: # وياقوتة صفراء في رأس درة ... مركبة في قائم من زبرجد # كمثل بهى الدر عقد نظامها ... نثير فرند قد أطاف بعسجد # كأن بقايا الطل في جنباتها ... بقية دمع فوق خد مورد # رجع ابن الرومى: # فصل القضية أن هذا قائد ... زهر الربيع وأن هذا طارد # شتان بين اثنين: هذا موعد ... بتصرم الدنيا، وهذا واعد # PageV02P565 # فإذا احتفظت به فأمتع صاحب ... بحياته، لو أن حيا خالد # ينهى النديم عن القبيح بلحظه ... وعلى المدامة والسماع يساعد «1» # اطلب بعقلك في الملاح سميه ... أبدا؛ فإنك لا محالة واجد # والورد إن فتشت فرد في اسمه ... ما في الملاح له سمى واحد # هذى النجوم ms341 هي التي ربينها ... بحيا السحاب كما يربى الوالد «2» # فانظر إلى الولدين، من أدناهما ... شبها بوالده فذاك الماجد # أين الخدود من العيون نفاسة ... ورياسة، لولا القياس الفاسد # وقد ناقضه جماعة من البغداديين وغيرهم في هذا المذهب، وذهبوا إلى تفضيل ~~الورد؛ فما دانوه وما استطاعوه. # قال أحمد بن يونس الكاتب رادا عليه: # يا من يشبه نرجسا بنواظر ... دعج، تنبه إن فهمك راقد # إن القياس لمن يصح قياسه، ... بين العيون وبينه متباعد # والورد أصدق للخدود حكاية ... فعلام تجحد فضله يا جاحد # ملك قصير عمره مستأهل ... تخليده، لو أن حيا خالد # إن قلت إن الورد فرد في اسمه ... ما في الملاح له سمى واحد # فالشمس تفرد باسمها والمشترى ... والبدر يشرك في اسمه وعطارد # أو قلت إن كواكبا ربينها ... بحيا السحاب كما يربى الوالد # قلنا أحقهما بطبع أبيه في ... الجدوى هو الزاكى النجيب الراشد # زهر النجوم تروقنا بضيائها ... ولها منافع جمة وعوائد # وكذلك الورد الأنيق يروقنا ... وله فضائل جمة وفوائد # وخليفه إن غاب ناب بنفعه ... وبنفحه أبدا مقيم راكد # PageV02P566 # إن كنت تنكر ما ذكرنا بعد ما ... وضحت عليه دلائل وشواهد # فانظر إلى المصفر لونا منهما ... وافطن فما يصفر إلا الحاسد ### | نبذ من النظم والنثر فى صفات النور والزهر # قال على بن الجهم: # لم يضحك الورد إلا حين أعجبه ... حسن الرياض وصوت الطائر الغرد # بدا فأبدت لنا الدنيا محاسنها ... وراحت الراح في أثوابها الجدد # وقابلته يد المشتاق تسنده ... إلى الترائب والأحشاء والكبد # كأن فيه شفاء من صبابته ... أو مانعا جفن عينيه من السهد # بين النديمين والخلين مصرعه ... وسيره من يد موصولة بيد # ما قابلت طلعة الريحان طلعته ... إلا تبينت فيه ذلة الحسد # قامت بحجته ريح معطرة ... تشفى القلوب من الأوصاب والكمد # لا عذب الله إلا من يعذبه ... بمسمع بارد أو صاحب نكد «1» # وكان أردشير بن بابك يصف الورد ويقول: هو در أبيض، وياقوت أحمر، على ~~كراسى زبرجد أخضر، توسطه شذور من ذهب أصفر، له رقة الخمر، ونفحات العطر «2» ~~أخذه محمد بن عبد الله بن طاهر فقال: ms342 # كأنهن يواقيت يطيف بها ... زمرد وسطه شذر من الذهب # فاشرب على منظر مستظرف حسن ... من خمرة مزة كالجمر في اللهب # وقال يزيد المهلبى: أحب المتوكل أن ينادمه الحسين بن الضحاك، الخليع # PageV02P567 # البصرى، وأن يرى ما بقى من ظرفه وشهوته لما كان عليه؛ فأحضره وقد كبر ~~وضعف، فسقاه حتى سكر، وقال لخادمه شفيع: اسقه؛ فسقاه وحياه بوردة، وكانت ~~على شفيع أثواب، فمد الحسين يده إلى درع شفيع، فقال المتوكل: # أتخمش غلامى بحضرتى؟ كيف لو خلوت به! ما أحوجك يا حسين إلى أدب! وكان ~~المتوكل غمز شفيعا على العبث به، فقال حسين: سيدى، أريد دواة وقرطاسا؛ فأمر ~~له بهما، فكتب: # وكالوردة البيضاء حيا بأحمر ... من الورد يسعى في قراطق كالورد «1» # له عبثات عند كل تحية ... بكفيه يستدعى الخلى إلى الوجد # تمنيت أن أسقى بكفيه شربة ... تذكرنى ما قد نسيت من العهد # سقى الله عيشا لم أنم فيه ليلة ... من الدهر إلا من حبيب على وعد # ثم دفع الرقعة إلى شفيع، وقال: ادفعها إلى مولاك؛ فلما قرأها استملحها، ~~وقال: لو كان شفيع ممن تجوز هبته لو هبته لك، ولكن بحياتى يا شفيع إلا كنت ~~ساقيه بقية يومه! وأمر له بمال كثير حمل معه لما انصرف. # قال يزيد المهلبى: فصرت إلى الحسين بعد انصرافه من عند المتوكل بأيام، ~~فقلت: ويحك! أتدرى ما صنعت؟ قال: لا أدع عادتى بشىء، وقد قلت بعدك: # لا رأى عطفة الأحببة من لا يصرح ... أصغر الساقيين أشكل عندى وأملح # لو تراه كالظبى يسنح طورا ويبرح ... خلت غصنا على كثيب بنور يوشح # PageV02P568 # قال الصولى: وكأن الأول من أبيات الحسين من قول العباس بن الأحنف: # بيضاء في حمر الثياب كوردة ... بيضاء بين شقائق النعمان # تهتز في غيد الشباب إذا مشت ... مثل اهتزاز نواعم الأغصان # قال أبو بكر الصولى: كان عند الخصى الوزير ظبى داجن ربيب في داره، فعمد ~~إلى نيلوفر فأكله، فاستملح الغزال وأنسه، وقال: لو عمل في أنس هذا الغزال ~~وفعله بالنيلوفر لاشتمل العمل على معنى مليح! فبلغ الخبر أبا عبد ms343 الله ~~إبراهيم ابن محمد بن عرفة نفطويه، فبادر لئلا يسبق، وعمل أبياتا أولها: # جرت ظبية غناء ترعى بروضة ... تنوش لدى أفنانها ورقا خضرا «1» # فى أبيات غير طائلة، فاستبرد ما أتى به، قال الصولى: فقلت: # ونيلوفر يحكى لنا المسك طيبه ... تراه على اللذات أفضل مسعد # قد اجتن خوف الحادثات بجنة ... تروق كثوب الراهب المتعبد # تركب كالكاسات في ذهبية ... على قضب مخضرة كالزبرجد # وألبس ثوبا يفضل اللحظ حسنه ... كما عبثت عين بخد مورد # غذته أهاضيب السماء بدرها ... تروح عليه كل يوم وتغتدى # تلبس للانوار ثوب سمائه ... ففضل عنه الحسن في كل مشهد # وفي وسطه منه اصفرار يزينه ... كياقوتة زرقاء في رأس عسجد # أطاف به أحوى المدامع شادن ... حكى طرف من أهوى وحسن المقلد «2» # كما أخذ الظمآن بالفم كاسه ... ولم يستعن في أخذه الكاس باليد ### | [وصف أيام الربيع] # وقال أبو محمد الحسن بن على بن وكيع «3» : # يوم أتاك بوجهه المتهلل ... ناهيك من يوم أغر محجل # PageV02P569 # خلع الغمام على اخضرار سمائه ... خلعا فبين ممسك ومصندل # وكسا الربى حللا تخالف شكلها ... بمورد ومعصفر ومكحل # وتمايلت فيه قدود غصونه ... من شرب كاسات العيون الهطل # وعلا على الأشجار قطر سمائها ... فهدت لعين الناظر المتأمل # يحكى قباب زمرد قد كللت ... بمنظم من لؤلؤ ومفصل # وأتاك نور الباقلاء كأنما ... يرنو إليك بعين أكحل أقبل «1» # الورد يخجل كل نور طالع ... وتراه منتقبا بحمرة مخجل # وحكى بياض الطلع في كافوره ... وجه الخريدة في الخمار الصندلى # فكأنما الدنيا عروس أقبلت ... فى كل أنواع الملابس تجتلى # فاشرب معصفرة القميص سلافة ... من صنعة البردان أو قطربل # وقال أبو الفتح البستى: # يوم له فضل على الأيام ... مزج السحاب ضياءه بظلام # فالبرق يخفق مثل قلب هائم ... والغيم يبكى مثل طرف هام # وكأن وجه الأرض خد متيم ... وصلت سجام دموعه بسجام # فاطلب ليومك أربعا: هن المنى ... وبهن تصفو لذة الأيام # وجه الحبيب، ومنظرا مستشرقا، ... ومغنيا غردا، وكأس مدام # وقال الأمير أبو الفضل الميكالى: # سل الربيع على الشتاء صوارما ... تركته مجروحا بلا إغماد # وبكت له عين السماء بأدمع ms344 ... ضحكت لساجمها ربى الأنجاد # وبدت شقائقها خلال رياضها ... تزهى بثوبى حمرة وسواد # PageV02P570 # فكأنها بنت الشتاء توجعت ... لمصابه كشقيقة الأولاد # فقنوء حمرتها خضاب نجيعه ... وسواد كسوتها لباس حداد # وقال: # تصوغ لنا كف الربيع حدائقا ... كعقد عقيق بين سمط لآلى # وفيهن أنوار الشقائق قد حكت ... خدود عذارى نقطت بغوالى # وقال: # كأن الشقائق إذ أبرزت ... غلالة داد وثوبا أحم «1» # قطاع من الجمر مشبوبة ... فأطرافها لمع من حمم # وقال في حديقة ريحان: # أعددت محتفلا ليوم فراغى ... روضا غدا إنسان عين الباغى «2» # روض يروض هموم قلبى حسنه ... فيه لكأس الأنس أى مساغ # فإذا بدت قضبان ريحان به ... حيت بمثل سلاسل الأصداغ # وقال في النرجس: # أهلا بنرجس روض ... يزهى بحسن وطيب # يرنو بعينى غزال ... على قضيب رطيب # وفيه معنى خفى ... يزينه للقلوب # تصحيفه إن نسقت ... الحروف بر حبيب # وقال: # وما ضم شمل الأنس يوما كنرجس ... يقوم بعذر اللهو عن خالع العذر «3» # فأحداقه أحداق تبر، وساقه ... كقامة ساق في غلائله الخضر # PageV02P571 # وقال البحترى: # سقى الغيث أكناف اللوى من محلة ... إلى الحقف من رمل اللوى المتقاود # ولا زال مخضر من الروض يانع ... عليه بمحمر من النور جاسد # شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابى في خدود الخرائد # ومن لؤلؤ في الأقحوان منظم ... ومن نكت مصفرة كالفرائد # كأن جنى الحوذان فى رونق الضحى ... دنانير تبر من تؤام وفارد # إذا راوحتها مزنة بكرت لها ... شآبيب مجتاز عليها وقاصد # رباغ تردت بالرياض مجودة ... بكل جديد الماء عذب الموارد «1» # كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرواعد ### | [فى مجلس المبرد] # قال أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه: قال لى البحترى وقد اجتمعنا ~~على خلوة عند المبرد وسلكنا مسلكا من المذاكرة: أشعرت أنى سبقت الناس كلهم ~~إلى قولى: # شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابى في خدود الخرائد # كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرواعد # هكذا أنشد، فاستحسن ذلك المبرد استحسانا أسرف فيه، وقال: ما سمعت مثل هذه ~~الألفاظ الرطبة، والعبارة العذبة، لأحد تقدمك ولا تأخر عنك. فاعترته ms345 أريحية ~~جربها رداء العجب؛ فكأنه أعجبنى ما يعجب الناس من مراجعة القول؛ فقلت: يا ~~أبا عبادة، لم تسبق إلى هذا، بل سبقك سعيد بن حميد الكاتب إلى البيت الأول ~~بقوله: # عذب الفراق لنا قبيل وداعنا ... ثم اجترعناه كسم ناقع # PageV02P572 # وكأنما أثر الدموع بخدها ... طل تساقط فوق ورد يانع # وشركك فيه صديقنا أبو العباس الناشىء بما أنشدنيه آنفا: # بكت للفراق وقد راعنى ... بكاء الحبيب لبعد الديار # كأن الدموع على خدها ... بقية طل على جلنار «1» # وما أساء على بن جريج، بل أحسن في زيادته عليك بقوله: # لو كنت يوم الوداع شاهدنا ... وهن يطفين غلة الوجد # لم تر إلا دموع باكية ... تسفح من مقلة على خد # كأن تلك الدموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد # وسبقك أبو تمام إلى معنى البيتين معا بقوله: # من كل زاهرة ترقرق بالندى ... فكأنها عين إليه تحدر # تبدو ويحجبها الجميم كأنها ... عذراء تبدو تارة وتخفر «2» # خلق أطل من الربيع كأنه ... خلق الإمام وهديه المتنشر # فى الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن الربيع الغض سرح يزهر «3» # ينسى الربيع وما يروض جوده ... أبدا على مر الليالى يذكر # قال: فشق ذلك عليه، وحل حبوته ونهض، فكان آخر عهدى بمؤانسته وغلظ ذلك على ~~محمد بن يزيد، وقدح ذلك في حالى عنده. # وقال البحترى يمدح الهيثم بن عثمان الغنوى: # ألست ترى مد الفرات كأنه ... جبال شرورى جئن في البحر عوما # وما داك من عاداته غير أنه ... رأى شيمة من جاره فتعلما # PageV02P573 # وقد نبه النوروز في غبش الدجى ... أوائل ورد كن بالأمس نوما # يفتحها برد الندى فكأنه ... يبث حديثا بينهن مكتما # ومن شجر رد الربيع لباسه ... عليه كما نشرت بردا منمنما # أحل فأبدى للعيون بشاشة ... وكان قذى للعين مذ كان محرما # فما يمنع الراح التي أنت خلها ... وما يمنع الأوتار أن تترنما # وما زلت خلا للندامى إذا اغتدوا ... وراحوا بدورا يستحثون أنجما # تكرمت من قبل الكئوس عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرما # حيتك عنا شمال طاف طائفها ... بجنة فجرت راحا وريحان # هبت ms346 سحيرا فناجى الغصن صاحبه ... سرا بها وتداعى الطير إعلانا # «1» ورق تغنى على خضر مهدلة ... تسمو بها وتمس الأرض أحيانا # تخال طائرها نشوان من طرب ... والغصن من هزه عطيه نشوانا # ولابن المعتز في أرجوزته البستانية التى ذم فيها الصبوح صفة جامعة، إذ ~~قال: # أما ترى البستان كيف نورا ... ونشر المنثور بردا أصفرا # وضحك الورد إلى الشقائق ... واعتنق الورد اعتناق الوامق # فى روضة كحلية العروس ... وخدم كهامة الطاوس # وياسمين في ذرى الأغصان ... منظم كقطع العقيان # والسرو مثل قصب الزبرجد ... قد استمد الماء من ترب ند # على رياض وثرى ندى ... وجدول كالبرد الحلى # وفرج الخشخاش جيبا وفتق ... كأنه مصاحف بيض الورق # أو مثل أقداح من البلور ... تخالها تجسمت من نور # بعضه عريان من أثوابه ... قد خجل اليابس من أصحابه # PageV02P574 # تبصره عند انتشار الورد ... مثل الدبابيس بأيدى الجند # والسوسن الآزار منشور الحلل ... كقطن قد مسه بعض بلل # نور في حاشيتى بستانه ... ودخل الميدان في ضمانه # وقد بدت فيه ثمار الكنكر ... كأنها جماجم من عنبر # وحلق البهار بين الآس ... جمجمة كهامة الشماس # خلال شيح مثل شيب النصف ... وجوهر من زهر مختلف # وجلنار كاحمرار الورد ... أو مثل أعراف ديوك الهند # والأقحوان كالثنايا الغر ... قد صقلت أنواره بالفطر # وقال أبو الفتح كشاجم: # وروض عن صنيع الغيث راض ... كما رضي الصديق عن الصديق # إذا ما القطر أسعده صبوحا ... أتم له الصنيعة في الغبوق # يعير الريح بالنفحات ريحا ... كأن ثراه من مسك فتيق # كأن الطل منتشرا عليه ... بقايا الدمع في خد مشوق # كأن غصونه سقيت رحيقا ... فمالت مثل شراب الرحيق # كأن شقائق النعمان فيه ... مخصرة شقائق من عقيق # يذكرنى بنفسجه بقايا ... صنيع اللطم في الخد الرقيق # وقال: # غيث أتانا مؤذنا بالخفض ... متصل الوبل سريع الركض # دنا فخلناه دوين الأرض ... متصلا بطوله والعرض # إلفا إلى إلف بسر يفضى ... ثم سما كاللؤلؤ المرفض # فالأرض تجلى بالنبات الغض ... فى حليها المحمر والمبيض # من سوسن أحوى وورد غض ... مثل الخدود نقشت بالعض # PageV02P575 # وأقحوان كاللجين المحض ... ونرجس ذاكى النسيم بض # مثل العيون رنقت للغمض ms347 ... ترنو فيغشاها الكرى فتغضى ### | جملة من هذا النوع لأهل العصر # قال أبو فراس الحمدانى: # وجلنار مشرق ... على أعالى شجره # كأن في رءوسه ... أحمره وأصفره # قراضة من ذهب ... فى خرقة معصفره # وقال: # ويوم جلافيه الربيع رياضه ... بأنواع حلى فوق أثوابه الخضر # كأن ذيول الجلنار مطلة ... فضول ذيول الغانيات من الأزر # وقال أبو القاسم بن هانىء، يصف زهرة رمان قطفت قبل عقدها: # وبنت أيك كالشباب النضر ... كأنها بين الغصون الخضر # جنان باز أو جنان صقر ... قد خفقته لقوة بوكر «1» # كأنما سحت دما من نحر ... أو نبتت في تربة من جمر # [أو سقيت بجدول من خمر] ... لو كف عنها الدهر صرف الدهر # جاءت كمثل النهد فوق الصدر ... تفتر عن مثل اللثات الحمر # فى مثل طعم الوصل بعد الهجر ### | ولهم في هذا المعنى # روضة رقت حواشيها، وتأنق واشيها. روضة كالعقود المنظمة، على البرود ~~المنمنمة. روضة قدراضتها كف المطر، ودبجتها أيدى الندى. أخرجت الأرض # PageV02P576 # أسرارها، وأظهرت يد الغيث آثارها، وأبدت الرياض أزهارها. الرياض كالعرائس ~~في حليها وزخارفها، والقيان في وشيها ومطارفها، باسطة زرابيها وأنماطها، ~~ناشرة حبراتها ورياطها، زاهية بحمرائها وصفرائها، نائهة بعيدانها وغدرانها، ~~كأنما احتفلت لوفد، أو هي من حبيب على وعد. روضة قد تضوعت بالأرج الطيب ~~أرجاؤها، وتبرجت في ظلل الغمام صحراؤها، وتنافجت بنوافج المسك أنوارها، ~~وتعارضت بغرائب النطق أطيارها. بستان رق نوره النضيد، وراق عوده النضير. ~~بستان عوده خضر، ونوره نضر، وينعه خضل، وماؤه خصر. بستان أرضه للبقل ~~والريحان، وسماؤه للنخل والرمان. بستان أنهاره مفروزة بالأزهار، وأشجاره ~~موقرة بالثمار. أشجار كأن الحور أعارتها قدودها، وكستها برودها، وحلتها ~~عقودها. الربيع شباب الزمان، ومقدمة الورد والريحان. زمن الورد مرموق، كأنه ~~من الجنة مسروق. قد ورد كتاب الورد، بإقباله إلى أهل الود. إذا ورد الورد، ~~صدر البرد. مرحبا بإشراف الزهر، فى أطراف الدهر، وأنشد: # سقى الله وردا صار خد ربيعنا ... فقد كان قبل اليوم ليس له خد # كأن عين النرجس عين، وورقه ورق «1» النرجس نزهة الطرف، وظرف الظرف، وغذاء ~~الروح: شقائق كتيجان العقيق على رءوس الزنوج، ms348 كأنها أصداغ المسك على ~~الوجنات الموردة. شقائق كالزنوج تجارحت وسالت دماؤها، وضعفت فسال ذماؤها. ~~كأن الشقيق جام من عقيق أحمر، ملئت قرارته بمسك أذفر. الأرض زمردة، ~~والأشجار وشى، والماء سيوف، والطيور قيمان. قد غردت خطباء الأطيار، على ~~منابر الأنوار والأزهار. إذا صدح الحمام، صدع الحمام قلب المستهام انظر إلى ~~طرب الأشجار لغناء الأطيار. ليس للبلابل كغناء البلابل «2» ، وخمر بابل. # PageV02P577 ### | ولهم فيما يتعلق بهذا النحو في وصف أيام الربيع # يوم سماؤه فاختية، وأرضه طاوسية. يوم جلا بيب غيومه رواق، وأردية نسيمه ~~رقاق. يوم ممسك السماء، معصفر الهواء، معنبر الروض، مصندل الماء. يوم زر ~~عليه جيب الضباب، وانسحب فيه ذيل السحاب. يوم سماؤه كالخز الأدكن، وأرضه ~~كالديباج الأخضر # شادن يرتعى القلوب ببغدا ... د ولا يرتعى الكلا بالنباج # أقبلت والربيع يختال في الرو ... ض وفي المزن ذى الحيا الثجاج «1» # ذو سماء كأدكن الخز قد ... غيمت وأرض كأخضر الديباج # فتجلى عن كل ما يتمنى ... موعد الكدخداة والهيلاج # فظللنا في نزهتين وفي ... حسنين بين الأرمال والأهزاج # بفتاة تسرنا في المثانى ... وعجوز تسرنا في الزجاج # أخذت من رءوس قوم كرام ... ثارها عند أرجل الأعلاج # يوم حسن الشمائل، ممتع المخايل، سجسج الهواء، مؤنق الأرجاء. # يوم تبسم عنه الربيع، وتبرج عنه الروض المريع. يوم كأن سماءه مأتم ~~تتباكى، وأرضه عروس تتجلى. يوم مشهر الأوصاف، أغر الأطراف. يوم يغفى فيه ~~النور وينتبه، وتسفر فيه الشمس وتنتقب، وتعتنق الغصون وتفترق، ويوشى الغيم ~~وينسكب. يوم غاب نحسه وهوى، وطلع سعده واعتلى، والزمان ساقطة جماره، مفعمة ~~أنهاره، مونقة أشجاره، مغردة أطياره. نحن في غب سماء، قد أقلعت بعد ~~الارتواء، وأقشعت عند الاستغناء، فالنبت خضل ممطور، والنقع ساكن محصور. يوم ~~جوه طارونى، وأرضه طاوسى. يوم دجنه عاكف، وقطره واكف. يوم من أعياد العمر، ~~وأعيان الدهر. # PageV02P578 ### | [الربيع والرفاق] # ولهم في تشبيه محاسن الربيع بمحاسن الإخوان والسادة: # غيث مشبه بكفك، واعتداله مضاه لخلقك، وزهره مواز لنشرك «1» ، كأنما ~~استعار حلله من شيمتك، وحليه من سجيتك، واقتبس أنواره من محاسن أيامك، ~~وأمطاره من جودك وإنعامك. قدم الربيع ms349 منتسبا إلى خلقك، مكتسيا محاسنه من ~~طبعك، متوشحا بأنوار لفظك، متوضحا بآثار لسانك ويدك. أنا في بستان أذكرنى ~~ورده المفتح بخلقك، وجدوله السابح بطبعك، وزهره الجنى بقربك. أنا في بستان ~~كأنه من شمائلك سرق، ومن خلقك خلق، وقد قابلتنى أشجار تتمايل فتذكرنى تبريح ~~الأحباب، إذا تداولتهم أيدى الشراب، وأنهار كأنها من يدك تسيل، ومن راحتيك ~~تفيض. أنا على حافة حوض أزرق كصفاء مودتى لك، ورقة قولى في عتبك. ### | [الصوم في الربيع] # وقال ابن عون الكاتب: # جاءنا الصوم في الربيع فهلا ... اختار ربعا من سائر الأرباع «2» # وكأن الربيع في الصوم عقد ... فوق نحر غطاه فضل قناع ### | [يوم الشك] # وكتب أبو الفتح كشاجم إلى بعض إخوانه يتدعيه إلى زيارته في يوم شك: # هو يوم شك يا عل ... ى وبشره مذ كان يحذر # والجو حلته ممسكة ... ومطرفه معنبر # والماء فضى الفميص ... وطيلسان الأرض أخضر # نبت يصعد زهره ... فى الروض قطر ندى تحدر # ولنا فضيلات تكو ... ن ليومنا قوتا مقدر # PageV02P579 # ومدامة صفراء أد ... رك عمرها كسرى وقيصر فانشط لنا لنحث من # كاساتنا ما كان أكبر ... أو لا فإنك جاهل # إن قلت إنك سوف تعذر # وكتب بديع الزمان إلى بعض أهل همذان: # كتابى- أطال الله بقاك- عن شهر رمضان، عرفنا الله بركة مقدمه، ويمن ~~مختتمه، وخصك بتقصير أيامه، وإتمام صيامه وقيامه؛ فهو- وإن عظمت بركته- ~~ثقيل حركته، وإن جل قدره بعيد قعره، [وإن عمت رأفته، طويل مسافته، وإن حسنت ~~قربته، شديد صحبته، وإن كبرت حرمته كثير حشمته، وإن سرنا مبتداه فلن يسوءنا ~~منتهاه] فإن حسن وجهه فليس يقبح قفاه، وما أحسنه في القذال، وأشبه إدباره ~~بالإقبال، جعل الله قدومه سبب ترحاله، وبدره فداء هلاله، وأمد فلكه تحريكا، ~~بتقضى مدته وشيكا، وأظهر هلاله نحيفا، ليزف إلى اللذات زفيفا، وعفا الله عن ~~مزح يكرهه، ومجون يسخطه. # عول البديع في هذا الكلام على قول أبى الفضل بن العميد في رسالة له في ~~مثل ذلك: # أسأل الله أن يعرفنى بركته، ويلقينى الخير فى باقى أيامه وخاتمته؛ وأرغب ~~إليه في أن يقرب على الفلك ms350 دوره، ويقصره سيره، ويخفف حركته، ويعجل نهضته، ~~وينقص مسافة فلكه ودائرته، ويزيل بركة الطول عن ساعاته، ويرد على غرة شوال، ~~فهى أسنى الغرر عندى، وأقرها لعينى؛ ويطلع بدره، ويرينى الأيدى متطلبة ~~هلاله ببشر، ويسمعنى النعى لشهر رمضان، ويعرض على هلاله أخفى من السحر، ~~وأظلم من الكفر، وأنحف من مجنون بنى عامر، وأبلى من أسير الهجر، وأستغفر ~~الله جل وجهه مما قلت إن كرهه، وأستعفيه من توفيقى لما يذمه، وأسأله صفحا ~~يفيضه، وعفوا بوسعه، إنه يعلم خائتة الأعين وما تخفى الصدور. # PageV02P580 ### | [عواقب الطيش] # قال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لى أخلاق المخلوع. قال: كان واسع الصدر، ~~ضيق الأدب، يبيح من نفسه ما تأنفه همم الأحرار، ولا يصفى إلى نصيحة، ولا ~~يقبل مشورة، يستبد برأيه، ويبصر سوء عاقبته؛ فلا يردعه ذلك عما يهم به. ~~قال: فكيف كانت حروبه؟ قال: كان يجمع الكتائب بالتبذير، ويفرقها بسوء ~~التدبير. فقال المأمون: لذلك حل ما حل به؛ أما والله لو ذاق لذات النصائح، ~~واختار مشورات الرجال، وملك نفسه عن شهواتها، لما ظفر به. ### | [الأمين والمأمون] # ولما عقد الرشيد البيعة للأمين وهو أصغر من المأمون لأجل أمه زبيدة، ~~وكلام أخيها عيسى بن جعفر، وقدمه على المأمون، جعل يرى فضل عقله فيندم على ~~ذلك، فقال: # لقد بان وجه الرأى لى غير أننى ... غلبت على الأمر الذى كان أحزما # فكيف يرد الدر في الضرع بعدما ... توزع حتى صار نهبا مقسما # أخاف التواء الأمر بعد استوائه ... وأن ينقض الحبل الذى كان أبرما # قال أسد بن يزيد بن مزيد: بعث إلى الفضل بن الربيع بعد مقتل عبد الرحمن ~~الأنبارى، قال: فأتيته وهو في صحن داره، وفي يده رقعة قد غضب لما نظر فيها، ~~وهو يقول: ينام نوم الظربان، وينبه انتباه الذئب، همته بطنه، ولذته فرجه، ~~لا يفكر في زوال نعمة، ولا يتروى في إمضاء رأى ولا مكيدة، قد شمر له عبد ~~الله عن ساقه، وفوق له أسد سهامه، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ ~~والموت القاصد، قد عبى له المنايا على ms351 متون الخيل، وناط له البلاء في أسنة ~~الرماح وشفار السيوف، ثم تمثل بشعر البعيث: # يقارع أتراك ابن خاقان ليله ... إلى أن يرى الإصباح لا يتلعثم # فيصبح في طول الطراد وجسمه ... نحيل، وأضحى في النعيم أصمم # PageV02P581 # فشتان ما بينى وبين ابن خالد ... أمية في الرزق الذى الله يقسم # ثم قال: يا أبا الحارث، أنا وأنت نجرى إلى غاية إن قصرنا عنها ذممنا، وإن ~~اجتهدنا في بلوغها انقطعنا؛ وإنما نحن شعبة من أصل، إن قوى قوينا، وإن ضعف ~~ضعفنا؛ إن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكفاء: يشاور النساء، ~~ويعتمد على الرؤيا، وقد أمكن أهل اللهو والخسارة من سمعه؛ فهم يمنونه ~~الظفر، ويعدونه عواقب الأيام؛ والهلاك إليه أسرع من السيل إلى قيعان الرمل؛ ~~وقد خشيت أن نهلك بهلاكه، ونعطب بعطبه، وأنت فارس العرب وابن فارسها، وقد ~~فزع إليك في لقاء طاهر لأمرين: أحدهما صدق طاعتك، وفضل نصيحتك؛ والثانى يمن ~~نقيبتك، وشدة بأسك؛ وقد أمرنى أن أبسط يدك، غير أن الاقتصاد رأس النصحية، ~~ومفتاح البركة؛ فبادر ما تريد، وعجل النهضة، فإنى أرجو أن يوليك الله شرف ~~هذا الفتح، ويلم بك شعث الخلافة. # فقلت له: أنا لطاعتك وطاعة أمير المؤمنين مقدم، ولما وهن عدو كما مؤثر؛ ~~غير أن المحارب لا يفتتح أمره بتقصير؛ وإنما ملاك أمره الجنود، والجنود لا ~~تكون بلا مال، وقد رفع أمير المؤمنين الرغائب إلى قوم لم يجدوا عليه، ومتى ~~سمت من أقدر به الانتفاع له الرضا بدون ما أخذه غيره ممن لم يكن عنده غناء ~~ولا معونة، لم ينتظم بذلك التدبير، وأحتاج لأصحابى رزق سنة قبضا، وحملا إلى ~~ألف فرس لحمل من لا أرتضى فرسه، وإلى مال أستظهر به، لا ألام على وضعه حيث ~~رأيت. فقال: شاور أمير المؤمنين؛ فأدخلنى عليه، فلم تدر بينى وبينه كلمتان ~~حتى أمر بحبسى. # ويروى أن الأمين لما أعيته مكايد طاهر قال: # بليت بأشجع الثقلين نفسا ... تزول الراسيات وما يزول # له مع كل ذى بدن رقيب ... يشاهده ويعلم ما يقول # فليس بمغفل أمرا عناه ms352 ... إذا ما الأمر ضيعه الجهول # PageV02P582 # وفي الفضل بن الربيع يقول بعض الشعراء: # كم من مقيم ببغداد على طمع ... لولا رجاء أبى العباس لم يقم # البدر إن نظروا، والبحر إن رغبوا ... والحصن إن رهبوا، والسيف ذو النقم # وقال عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع: ما مدحنا شاعر بشعر أحب ~~إلينا من قول أبى نواس: # ساد الملوك ثلاثة ما منهم ... إن حصلوا إلا أعز قريع # ساد الربيع وساد فضل بعده ... وعلت بعباس الكريم فروع # عباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع # وقيل للعتابى: أمدحت أحدا؟ قال: لا، وليس لى على ذاك قدرة، فقيل له: # فقد مدحت الربيع، فقال: ذلك ليوم يستحق فيه المدح، فقلت: # ومعضلة قام الربيع إزاءها ... ليعمد ركن الدين لما تهدما # بمكة والمنصور رهن كما أتى ... أخا الوحى داعى ربه فتقدما # غداة عداة الدين شاحذة المدى ... إليه وغول الحرب فاغرة فما ### | [بيعة المهدى] # وكان المنصور قد توفى بمكة وهو حاج في ذى الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، ~~فأخذ الربيع للمهدى البيعة على الناس، وأخذ بتجديدها عن المنصور على أنه ~~حى، وأدخل إليه قوما فرأوه من بعيد وقد جلله بثوب، وأقعد إلى جنبه من يحرك ~~يده وكأنه يومئ بها إليهم، فلم يشكوا في حياته؛ فما خالف أحد؛ فشكره المهدى ~~لذلك، وفي ذلك يقول أبو نواس في مدحه الفضل بن الربيع: # أبوك جلى عن مضر ... يوم الرواق المحتضر # والحرب تفرى وتذر ... لما رأى الأمر اقمطر # قام كريما فانتصر ... كهزة العضب الذكر # PageV02P583 # ما مس من شىء هبر ... وأنت تقتاف الأثر # من ذى حجول وغرر # وقال أيضا: # آل الربيع فضلتم ... فضل الخميس على العشير «1» # من قاس غيركم بكم ... قاس الثماد إلى البحور # أين القليل بنو القليل ... من الكثير بنى الكثير # أين النجوم التاليا ... ت من الأهلة والبدور # قوم كفوا أيام مكة ... نازل الخطب الكبير # وتداركوا نصر الخلا ... فة وهي شاسعة النصير # لولا مقامهم بها ... هوت الرواسى من ثبير # ومن قول أبى نواس: «من قاس غيركم بكم ... » البيت، أخذ أبو الطيب ms353 ~~المتنبى: # قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا # فتى ما سرينا في ظهور جدودنا ... إلى عصره إلا نرجى التلاقيا ### | [وقت كلام الملوك] # وقال الفضل بن الربيع: من كلم الملوك في الحاجات في غير وقت الكلام لم ~~يظفر بحاجته، وضاع كلامه، وما أشبههم في ذلك إلا بأوقات الصلوات لا تقبل ~~الصلاة إلا فيها، ومن أراد خطاب الملوك في شىء فليرصد الوقت الذى يصلح فى ~~مثله ذكر ما أراد، ويسبب له شيئا من الأحاديث يحسن ذكره بعقبه. # وقال المأمون للفضل بن الربيع لما ظفر به: يا فضل؛ أكان في حقى عليك، وحق ~~آبائى ونعمهم عند أبيك وعندك، أن تثلبنى «2» وتسبنى، وتحرض على دمى؟ # أتحب أن أفعل بك ما فعلته بى؟ # فقال: يا أمير المؤمنين، إن عذرى يحقدك إذا كان واضحا جميلا، فكيف # PageV02P584 # إذا حفته العيوب، وقبحته الذنوب؛ فلا يضيق عنى من عفوك ما وسع غيرى منك، ~~فأنت كما قال الشاعر فيك: # صفوح عن الأجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما # وليس يبالى أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما # والشعر للحسن بن رجاء بن أبى الضحاك. ### | [بين المنصور والربيع] # وقال سعيد بن مسلم بن قتيبة: دعا المنصور بالربيع، فقال: سلنى ما تريد، ~~فقد سكت حتى نطقت، وخففت حتى ثقلت، وأقللت حتى أكثرت. # فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أرهب بخلك، ولا أستقصر عمرك، ولا أستصغر ~~فضلك، ولا أغتنم مالك؛ وإن يومى بفضلك على أحسن من أمسى، وغدك في تأميلى ~~أحسن من يومى؛ ولو جاز أن يشكرك مثلى بغير الخدمة والمناصحة لما سبقنى لذلك ~~أحد. # قال: صدقت، علمى بهذا منك أحلك هذا المحل؛ فسلنى ما شئت قال: أسألك أن ~~تقرب عبدك الفضل، وتؤثره وتحبه. # قال: يا ربيع إن الحب ليس بمال يوهب، ولا رتبة تبذل؛ وإنما تؤكده ~~الأسباب. # قال: فاجعل لى طريقا إليه، بالتفضل عليه قال: صدقت، وقد وصلته بألف ألف ~~درهم، ولم أصل بها أحدا غير عمومتى؛ لتعلم ماله عندى، فيكون منه ما ms354 يستدعى ~~به محبتى، ثم قال: # فكيف سألت له المحبة يا ربيع؟ # قال: لأنها مفتاح كل خير، ومغلاق كل شر، تستر بها عندك عيوبه، وتصير ~~حسنات ذنوبه. # قال: صدقت وأتيت بما أردت في بابه. # PageV02P585 # أخذ قوله: «خففت حتى ثقلت» أبو تمام فقال لمحمد بن عبد الملك الزيات: # على أن إفراط الحياء استمالنى ... إليك، ولم أعدل بعرضى معدلا # فثقلت بالتخفيف عنك، وبعضهم ... يخفف في الحاجات حتى يثقلا ### | [سهل بن هارون والرشيد] # ودخل سهل بن هارون على الرشيد، وهو يضاحك المأمون، فقال: اللهم زده من ~~الخيرات، وابسط له من البركات، حتى يكون فى كل يوم من أيامه مربيا «1» على ~~أمسه، مقصرا عن غده. # فقال له الرشيد: يا سهل، من روى من الشعر أحسنه وأرصنه، ومن الحديث أفصحه ~~وأوضحه، إذا رام أن يقول لم يعجزه القول. # فقال سهل بن هارون: يا أمير المؤمنين؛ ما ظننت أن أحدا تقدمنى إلى هذا ~~المعنى. # قال: بل أعشى همدان حيث يقول: # رأيتك أمس خير بنى لؤى ... وأنت اليوم خير منك أمس # وأنت غدا تزيد الخير ضعفا ... كذاك تزيد سادة عبد شمس ### | [من شعر الفضل بن الربيع] # ومن شعر الفضل بن الربيع ما أنشده الصولى: # إنى امرؤ من هاشم ... بفناء معمور النواحى # أهل الهدى وذوى التقى ... وأولى البسالة والسماح # أهل المعالم والمكا ... رم في المساء وفي الصباح # PageV02P586 # أهل النبوة والخلا ... فة والكمال برغم لاحى # يتألمون من الصدو ... د ويصبرون على الجراح ### | [بين ابن خاقان وأبى العيناء] # حمل محمد بن عبيد الله بن خافان أبا العيناء على دابة زعم أنها غير فاره ~~«1» ، فكتب إليه: أعلم الوزير، أعزه الله، أن أبا على محمدا أراد أن يبرنى ~~فعقنى، وأن يركبنى فأرجلنى، أمر لى بدابة تقف للنبرة «2» ، وتعثر بالبعرة، ~~كالقضيب اليابس عجفا «3» ؛ وكالعاشق المهجور دنفا، قد أذكرت الرواة عذرة ~~العذرى، والمجنون العامرى، مساعد أعلاه لأسفله، حباقه مقرون بسعاله، فلو ~~أمسك لترجيت، ولو أفرد لتعزيت، ولكنه يجمعهما في الطريق المعمور، والمجلس ~~المشهور، كأنه خطيب مرشد، أو شاعر منشد، تضحك من فعله النسوان، وتتناغى من ms355 ~~أجله الصبيان؛ فمن صائح يصيح: داوه بالطباشير، ومن قائل يقول: نوله الشعير، ~~قد حفظ الأشعار، وروى الأخبار، ولحق العلماء في الأمصار، فلو أعين بنطق؛ ~~لروى بحق وصدق، عن جابر الجعفى، وعامر الشعبى؛ وإنما أتيت من كاتبه الأعور، ~~الذى إذا اختار لنفسه أطاب وأكثر، وإن اختار لغيره أخبث وأنزر؛ فإن رأى ~~الوزير أن يبدلنى به، ويريحنى منه بمركوب يضحكنى كما ضحك منى، يمحو بحسنه ~~وفراهته، ما سطره العيب بقبحه ودمامته؛ ولست أذكر أمر سرجه ولجامه؛ فإن ~~الوزير أكرم من أن يسلب ما يهديه، أو ينقض ما يمضيه. # فوجه عبيد الله إليه برذونا من براذينه بسرجه ولجامه، ثم اجتمع مع محمد ~~ابن عبيد الله عند أبيه، فقال عبيد الله: شكوت دابة محمد، وقد أخبرنى الآن ~~أنه يشتريه منك بمائة دينار، وما هذا ثمنه لا يشتكى. # PageV02P587 # فقال: أعز الله الوزير، لو لم أكذب مستزيدا، لم انصرف مستفيدا، وإنى ~~وإياه لكما قالت امرأة العزيز: «الآن حصحص الحق، أنا راودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصادقين» . فضحك عبيد الله، وقال: حجتك الداحضة بملاحتك وظرفك أبلغ من ~~حجة غيرك البالغة. ### | قطعة من رسالة أجاب بها أبو الخطاب الصابى # عن أبى العباس بن سابور إلى الحسين بن صبرة عن رقعة وردت منه في صفة حمل ~~أهداه وصلت رقعتك، ففضضتها عن خط مشرق، ولفظ مونق، وعبارة مصيبة، ومعان ~~غريبة، واتساع في البلاغة يعجز عنه عبد الحميد في كتابته، وقس وسحبان فى ~~خطابته؛ وتصرف بين جد أمضى من القدر، وهزل أرق من نسيم السحر، وتقلب في ~~وجوه الخطاب، الجامع للصواب؛ إلا أن الفعل قصر عن القول، لأنك ذكرت حملا، ~~جعلته بصفتك جملا، فكان المعيدى الذى تسمع به ولا أن تراه. وحضر فرأيت كبشا ~~متقادم الميلاد، من نتاج قوم عاد، قد أفنته الدهور، وتعاقبت عليه العصور، ~~فظننته أحد الزوجين اللذين جعلهما نوح في سفينته، وحفظ بهما جنس الغنم ~~لذريته؛ صغر عن الكبر، ولطف عن القدم، فبانت دمامته، وتقاصرت قامته، وعاد ~~ناحلا ضئيلا، باليا هزيلا، بادى السقام، عارى العظام، جامعا للمعايب، ~~مشتملا ms356 على المثالب، يعجب العاقل من حلول الحياة به، وتأتى الحركة فيه، ~~لأنه عظم مجلد، وصوف ملبد، لا تجد فوق عظامه سلبا، ولا تلقى يدك منه إلا ~~خشبا، لو ألقى إلى السبع لأباه، ولو طرح للذئب لعافه وقلاه، قد طال للكلأ ~~فقده، وبعد بالمرعى عهده، لم ير القت إلا نائما، ولا عرف الشعير إلا حالما، ~~وقد خيرتنى بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى # PageV02P588 # الدهر، أو أذبحه فيكون فيه خصب الرحل؛ فملت إلى استبقائه لما تعرف من ~~محبتى في التوفير، ورغبتى للتثمير، وجمعى للولد، وادخارى لغد، فلم أجد فيه ~~مستمتعا للبقاء، ولا مدفعا للفناء؛ لأنه ليس بأنثى فتحمل، ولا بفتى فينسل، ~~ولا بصحيح فيرعى، ولا بسليم فيبقى؛ فملت إلى الثانى من رأييك، وعولت على ~~الآخر من قوليك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطبا مقام قديد ~~الغزال، فأنشدنى وقد أضرمت النار، وحدت الشفار، وشمر الجزار: # أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم # وقال: ما الفائدة لك في ذبحى؟ وأنا لم يبق منى إلا نفس خافت، ومقلة ~~إنسانها باهت: لست بذى لحم، فأصلح للأكل؛ لأن الدهر قد أكل لحمى، ولا جلدى ~~يصلح للدباغ؛ لأن الأيام قد مزفت أديمى، ولا لى صوف يصلح للغزل؛ لأن ~~الحوادث قد حصت وبرى؛ فإن أردتنى للوقود فكف بعر أبقى من نارى، ولن تفى ~~حرارة جمرى بريح قتارى، فلم يبق إلا أن تطلبنى بذحل «1» أو بينى وبينك دم. ~~فوجدته صادقا في مقالته، ناصحا في مشورته، ولم أعلم من أى أمريه أعجب؛ أمن ~~مماطلته للدهر بالبقاء، م من صبره على الضر واللأواء «2» ، أم من قدرتك ~~عليه مع إعواز مثله، أم من تأهيلك للصدبق به مع خساسة قدره؟ # ويا ليت شعرى إذ كنت- وإليك سوق الغنم، وأمرك ينفذ في الضأن والمعز، وكل ~~كبش سمين وحمل بطين مجلوب إليك، مقصور عليك- تقول فيه قولا فلا ترد، وتريده ~~فلا تصد، وكانت هديتك هذا الذى كأنه ناشر من القبور، أو قائم عند النفخ في ~~الصور، فما كنت مهديا لو أنك رجل من عرض ms357 الكتاب، كأبى على وأبى الخطاب، ما ~~كنت تهدى إلا كلبا أجرب، أو قردا أحدب. # PageV02P589 ### | [الحمدونى وشاة سعيد بن أحمد] # وقال الحمدونى في شاة سعيد بن أحمد بن خوسنداذ: # أسعيد قد أعطيتنى أضحية ... مكثت زمانا عندكم ما تطعم # نضوا تعاقرت الكلاب بها وقد ... شدوا عليها كى تموت فيولموا # فإذا الملا ضحكوا بها قالت لهم: ... لا تهزءوا بى وارحمونى ترحموا # مرت على علف فقامت لم ترم ... عنه، وغنت والمدامع تسجم # وقف الهوى بى حيث أنت فليس لى ... متأخر عنه ولا متقدم «1» # وقال أيضا: # أبا سعيد لنا في شاتك العبر ... جاءت وما إن لها بول ولا بعر # وكيف تبعر شاة عندكم مكثت ... طعامها الأبيضان الشمس والقمر # لو أنها أبصرت في نومها علفا ... غنت له ودموع العين تنحدر # يا مانعى لذة الدنيا بأجمعها ... إنى ليفتننى من وجهك النظر # وقال أيضا: # شاة سعيد في أمرها عبر ... لما أتتنا قد مسها الضرر # وهي تغنى من سوء حالتها ... حسبى بما قد لقيت يا عمر # مرت بقطف خضر ينشرها ... قوم فظنت بأنها خضر # فأقبلت نحوها لتأكلها ... حتى إذا ما تبين الخبر # وأبدلتها الظنون من طمع ... يأساتغنت والدمع منحدر # كانوا بعيدا وكنت آملهم ... حتى إذا ما تقربوا هجروا # قال: # لسعيد شويهة ... سلها الضر والعجف # قد تغنت وأبصرت ... رجلا حاملا علف # PageV02P590 # بأبى من بكفه ... برء مابى من الدنف # فأتاها مطمعا ... وأتته لتعتلف # فتولى فأقبلت ... تتغنى من الأسف # ليته لم يكن وقف ... عذب القلب وانصرف ### | [الحمدونى وطيلسان ابن حرب] # [قال] : وإذ قد جرت بعض تضمينات الحمدونى في هذا الموضع فأنا أذكر هنا ~~قطعة من شعره في الطيلسان، وأنعطف في غير هذا الموضع إيها وأكر عليها؛ وكان ~~أحمد بن حرب المهلبى من المنعمين عليه، والمحسنين إليه، وله فيه مدائح ~~كثيرة، فوهب له طيلسانا أخضر لم يرضه، قال أبو العباس المبرد: فأنشدنا فيه ~~عشر مقطعات، فاستحلينا مذهبه فيها، فجعلها فوق الخمسين؛ فطارت كل مطار، ~~وسارت كل مسار، فمنها: # يابن حرب كسوتنى طيلسانا ... مل من صحبة الزمان وصدا # فحسبنا نسج العناكب قدحا ... ل إلى ms358 ضعف طيلسانك سدا # طال ترداده إلى الرفو حتى ... لو بعثناه وحده لتهدى # وقال فيه أيضا: # يا طيلسان ابن حرب قد هممت بأن ... تودى بجسمى كما أودى بك الزمن # ما فيك من ملبس يغنى ولا ثمن ... قد أوهنت حيلتى أركانك الوهن # فلو ترانى لدى الرفاء مرتبطا ... كأننى في يديه الدهر مرتهن # أقول حين رآنى الناس ألزمه ... كأنما لى في حانوته وطن # من كان يسأل عنا أين منزلنا ... فالأقحوانة منا منزل قمن # وقال: # قل لابن حرب طيلسا ... نك قوم نوح منه أحدث # PageV02P591 # أفنى القرون ولم يزل ... عمن مضى من قبل يورث # وإذا العيون لحظنه ... فكأنه باللحظ يحرث # يودى إذا لم أرفه ... فإذا رفوت فليس يلبث # كالكلب إن تحمل عليه ... الدهر أو تتركه يلهث # وقال: # قل لابن حرب طيلسانك قد ... أوهى قواى بكثرة الغرم # متبين فيه لمبصره ... آثار رفو أوائل الأمم # وكأنه الخمر التي وصفت ... فى «يا شقيق الروح من حكم» # فإذا رممناه فقيل لنا: ... قد صح، قال له البلى: انهدم # مثل السقيم برا فراجعه ... نكس فأسلمه إلى سقم # أنشدت حين طغى فأعجزنى ... «ومن العناء رياضة الهرم» # «الخمر التي وصفت» من قول أبى نواس: # يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلى ولم أتم # فاسقنى البكر التي اعتجرت ... بخمار الشيب في الرحم # ثمت انصات الشباب لها ... بعد أن جازت مدى الهرم # فهى لليوم الذى بزلت ... وهي تلو الدهر في القدم # عتقت حتى لو اتصلت ... بلسان ناطق وفم # لاحتبت في القوم ماثلة ... ثم قصت قصة الأمم # فرعتها بالمزاج يد ... خلقت للكاس والقلم # وقال الحمدونى: # طيلسان لابن حرب جاءنى ... خلعة في يوم نحس مستمر # فإذا ما صحت فيه صيحة ... تركته كهشيم المحتظر # PageV02P592 # وإذا ما الريح هبت نحوه ... طيرته كالجراد المنتشر # مهطع الداعى إلى الرافى إذا ... ما رآه قال: ذا شىء نكر # وإذا رفاؤه حاول أن ... يتلافاه تعاطى فعقر # وقال: # أيا طيلسانى أعييت طبى ... أسل بجسمك أم داء حب # ويا ريح صيرتنى أتقيك ... وقد كنت لا أتقى أن تهبى # ومستخبر خبر الطيلسان ... فقلت له الروح من ms359 أمر ربى # وقال فيه: # طيلسان لابن حرب جاءنى ... قد قضى النمزيق منه وطره # أنا من خوف عليه أبدا ... سامرى ليس يألو حذره # يابن حرب خذه أو فابعث بما ... نشترى عجلا بصفر عشره # فلعل الله يحييه لنا ... إن ضربناه ببعض البقره # فهو قد أدرك نوحا، فعسى ... عنده من علم نوح خبره # أبدا يقرأ من أبصره ... أئذا كنا عظاما نخره # وقال فيه: # يابن حرب أطلعت فقرى برفوى ... طيلسانا قد كنت عنه غنيا # فهو في الرفو آل فرعون في العر ... ض على النار غدوة وعشيا # زرت فيه معاشرا فازدرونى ... فتغنيت إذ رأونى زريا # جئت في زى سائل كى أراكم ... وعلى الباب قد وقفت مليا # وقال فيه: # وهبت لنا ابن حرب طيلسانا ... يزيد المرء ذا الضعة اتضاعا # يسلم صاحبى فيعيد شتمى ... لأن الروح يكسبه انصداعا # أجيل الطرف في طرفيه طولا ... وعرضا ما أرى إلا رقاعا # PageV02P593 # فلست أشك أن قد كان قدما ... لنوح في سفينته شراعا # فقد غنيت إذ أبصرت منه ... جوانبه على بدنى تداعى # قفى قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا ### | [المأمون والحسن بن رجاء] # دخل المأمون بعض الدواوين، فرأى غلاما جميلا على أذنه قلم، فقال: من أنت ~~يا غلام؟ فقال: أنا يا أمير المؤمنين الناشىء في دولتك، المتقلب في نعمتك، ~~المؤمل لخدمتك، خادمك وابن خادمك الحسن بن رجاء. فقال: أحسنت يا غلام، ~~وبالإحسان في البديهة تفاضلت العقول. فأمر أن يرفع عن مرتبة الديوان. # قال أبو إسحاق إبراهيم بن السرى الزجاج: قال لى أبو العباس المبرد: # ما رأيت في أصحاب السلطان مثل إسماعيل والحسن؛ كنت إذا رأيته رأيت رجلا ~~كأنما خلق لذروة منبر، أو صدر مجلس، يتكلم وكأنه يتنفس، يسهب ويطنب، ويعرب ~~ويغرب، ولا يعجب ويعجب. # أراد القاضى إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد، والحسن ابن ~~رجاء بن أبى الضحاك. ### | [بديهة المبرد] # وكان أبو العباس يعد في البلغاء، وقال: لما دخلت على المتوكل اختار لى ~~الفتح ابن خاقان وقت شربه، وكان الشراب قد أخذ منه، فسألنى وقال: # يا ms360 بصرى، أرأيت أحسن وجها منى، فقلت: لا والله ولا أسمح راحة، ثم تجاسرت ~~فقلت: # جهرت بحلفة لا أتقيها ... بشك في اليمين ولا ارتياب # بأنك أحسن الخلفاء وجها ... وأسمح راحتين، ولا أحابى # وأن مطيعك الأعلى محلا ... ومن عاصاك يهوى في تباب «1» # PageV02P594 # فقال: أحسنت وأجملت في حسن طبعك وبديهتك، فقلت: ما ظننتنى أبلغ هذا ~~الشرف، ولا أنال هذه الرتبة؛ فلا زال أمير المؤمنين يسمو بخدمه إلى أعلى ~~المراتب، ويصرفهم في المذاهب. ### | [من أدب المبرد] # وكان ابن المعتز قد غضب على بعض وكلائه، فصار إلى أبى العباس المبرد ~~يسأله أن يكلمه له؛ فكتب إليه المبرد: أنت والله كما قال مسلم بن الوليد في ~~جدك الرشيد: # بابى وأمى أنت ما أندى يدا ... وأبر ميثاقا، وما أزكاكا # يغدو وعدوك خائفا، فإذا رأى ... أن قد قدرت على العقاب رجاكا # وهذا معنى كثير. ### | [فى المدح] # أنشد أحمد بن يحيى ثعلب الأعرابى: # كريم يغض الطرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دوانى «1» # وكالسيف إن لا ينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان # وهذا يناسب قول ابن المعتز في بعض جهاته: # ويجرح أحشائى بعين مريضة ... كمالان متن السيف والحد قاطع # وقال الأخطل في بنى مروان: # صم عن الجهل، عن قيل الخنا أنف ... إذا ألمت بهم مكروهة صبروا # شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا «2» # وقال إبراهيم بن على بن هرمة يمدح أبا جعفر المنصور: # كريم له وجهان: وجه لدى الرضا ... طليق، ووجه في الكريهة باسل # وليس بمعطى الحق من غير قدرة ... ويعفو إذا ما أمكنته المقاتل # له لحظات من حفافى سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل # PageV02P595 # فأم الذى أمنت آمنة الردى ... وأم الذى حاولت بالثكل ثاكل # وقال الطائى في أبى سعيد محمد بن يوسف: # هو السيل إن واجهته انقدت طوعه ... وتقتاده من جانبيه فيتبع # وكان عصابة الجرجانى، واسمه إسماعيل بن محمد، منقطعا إلى الحسن بن رجاء ~~متصلا به، وهو القائل فيه: # ومحجب بالنور ليس بمدرك ... إلا بما تأتى به الأنباء # ملك يحب الله فهو بحبه ... ويطيعه فتطيعه ms361 الأشياء # يمشى الهوينا للصلاة يقيمها ... وإذا مشى للحرب فالخيلاء # لله درك أيما ابن عزيمة ... يشوى الزمان وماله إشواء # ثم عتب عليه في بعض الأمر، فهجاه هجاء قبيحا؛ فهرب إلى عمان، ثم اعتذر ~~إليه بقصيدته التي أولها: # لا تخضبن عوالى المران ... إلا من العلق النجيع الآن «1» # وهي أجود شعر قيل في معناه، وهي التي يقول فيها: # اقر السلام على الأمير، وقل له: ... إن المنادمة الرضاع الثانى # ما إن أتى حشمى بأنك ساخط ... حتى استخف بموضعى غلمانى # وغدت على مطاعمى ومشاربى ... وملابسى من أعون الأعوان # فكتب إليه الحسن: # أبلغ أبا إسحاق أن محله ... منى بحيث الرأس والعينان # لا تبعدن بك الديار لنزغة ... ولتبعدن نوازغ الشيطان # فليفرخ الروع الذى روعته ... إن المحل محل كل أمان ### | [بين جميل وعمر بن أبى ربيعة] # اجتمع جميل بن معمر العذرى بعمر بن أبى ربيعة المخزومى، فأنشده جميل ~~وتصيدته التي أولها: # PageV02P596 # لقد فرح الواشون أن صرمت حبلى ... بثينة أو أبدت لنا جانب البخل # يقولون: مهلا يا جميل، وإننى ... لأقسم مالى عن بثينة من مهل # خليلى فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلى # نقله أبو العتاهية، فقال: # يا من رأى قبلى قتيلا بكى ... من شدة الوجد على القاتل # فلما أتمها قال لعمر: يا أبا الخطاب، هل قلت في هذا الروى شيئا؟ قال: # نعم، ثم أنشده: # جرى ناصح بالود بينى وبينها ... فعرضنى يوم الحصاب إلى قتلى # فما أنس م الأشياء لا أنس قولها ... وموقفها يوما بقارعة النخل # فلما تواقفتا عرفت الذى بها ... كمثل الذى بى حذوك النعل بالنعل # فسلمت واستأنست خيفة أن يرى ... عدو مكانى أو يرى حاسد فعلى # وأقبل أمثال الدمى يكتنفنها ... وكل يفدى بالمودة والأهل # فقالت وأرخت جانب الستر: إنما ... معى فتكلم غير ذى رقبة أهلى # فقلت لها: ما بى لهم من ترقب ... ولكن سرى ليس يحمله مثلى # فاستخذى جميل وصاح: هذا والله الذى طلبت الشعراء فأخطأته، فتعللوا بوصف ~~الديار، ونعت الأطلال. # ولما مات عمر بن أبى ربيعة نعى لامرأة من مولدات مكة، وكانت بالشام، ms362 فبكت ~~وقالت: من لأباطح مكة؟ ومن يمدح نساءها، ويصف محاسنهن، ويبكى طاعتهن؟! فقيل ~~لها: قد نشأ فتى من ولد عثمان بن عفان «1» على طريقته، فقالت: أنشدونى له، ~~فأنشدوها: # وقد أرسلت في السر ليلى بأن أقم ... ولا تقربنا فالتجنب أجمل # لعل العيون الرامقات لوصلنا ... تكذب عنا أو تنام فتغفل # أناس أمناهم فبثوا حديثنا ... فلما كتمنا السر عنهم تقولوا # PageV02P597 # فما حفظوا العهد الذى كان بيننا ... ولا حين هموا بالقطيعة أجملوا # فتسلت وقالت: هذا أجل عوض، وأفضل خلف، فالحمد لله الذى خلف على حرمه ~~وأمته مثل هذا. # وقال عروة بن أذينة: أنشدت ابن أبى عتيق للعرجى: # فما ليلة عندى وإن قيل ليلة ... ولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفطر # بعادلة الإثنين، عندى وبالحرى ... يكون سواء مثلها ليلة القدر # وما أنس م الأشياء لا أنس قولها ... لجارتها: قومى سلى لى عن الوتر # فجاءت تقول الناس في ست عشرة ... ولا تعجلى عنه فإنك في أجر # فقال ابن أبى عتيق: هذه أفقه من ابن أبى شهاب؛ أشهدكم أنها حرة من مالى ~~إن أجاز أهلها ذلك. # والعرجى هو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكان ينزل بعرج ~~الطائف فنسب إليه، وهو القائل: # هل في ادكارى الحبيب من حرج ... أم هل لهم الفؤاد من فرج # أم كيف أنسى مسيرنا حرما ... يوم حللنا بالنخل من أمج «1» # يوم يقول الرسول قد أذنت ... فات على غير رقبة فلج «2» # أقبلت أهوى إلى رحالهم ... أهدى إليها بريحها الأرج # وكان محمد بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم واليا على مكة- وهو ~~خال هشام بن عبد الملك- بلغه أن العرجى هجاه، فضربه ضربا مبرحا، وأقامه على ~~أعين الناس، فجعل يقول: # سيغضب لى الخليفة بعد رقى ... ويسأل أهل مكة عن مساقى # على عباءة برقاء ليست ... من البلوى تجاوز نصف ساقى # وتغضب لى بأسرتها قصى ... ولاة الشعب والطرق العماق # PageV02P598 # فخلف محمد بن هشام ألا يخرجه ما دامت له ولاية؛ فأقام في السجن سبع سنين ~~حتى مات، وهو القائل في سجنه: # أضاعونى وأى فتى ms363 أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر # وخلونى ومعترك المنايا ... وقد شرعت أسنتهم لنحرى # كأنى لم أكن فيهم وسيطا ... ولم تك نسبتى في آل عمرو # أجرر في الجوامع كل يوم ... ألا لله مظلمتى وهصرى # عسى الملك المجيب لمن دعاه ... سينجينى فيعلم كيف شكرى # فأجزى بالكرامة أهل ودى ... وأجزى بالضغائن أهل ضرى ### | جملة من الفصول القصار لابن المعتز # البشر دال على السخاء كما يدل النور على الثمر. إذا اضطررت إلى الكذاب ~~فلا تصدقه، ولا تعلمه أنك تكذبه، فينتقل عن وده، ولا ينتقل عن طبعه. # كما أن الشمس لا يخفى ضوءها وإن كانت تحت السحاب كذلك الصبى لا تخفى ~~غريزة عقله وإن كان مغمورا بأخلاق الحداثة. كرم الله عز وجل لا ينقض حكمته، ~~ولذلك لا يجعل الإجابة في كل دعوة. كما أن جلاء السيف أهون من صنعه، كذلك ~~استصلاح الصديق أهون من اكتساب غيره. إذا استرجع الله مواهب الدنيا كانت ~~مواهب الآخرة. لولا ظلمة الخطا ما أشرق نور الصواب. # الحوادث الممضة مكسبة لحظوظ جزيلة: من صواب مدخر، وتطهير من ذنب، وتنبيه ~~من غفلة، وتعريف بقدر النعمة، ومرون على مقارعة الدهر. # ومثل هذا الفصل محفوظ عن ذى الرياستين، قاله بعقب علة فأغار عليه ابن ~~المعتز. # وكتب إلى أحمد بن محمد جوابا عن كتاب استزاده فيه: قيد نعمتى عندك # PageV02P599 # بما كنت استدعيتها به، وذب عنها أسباب سوء الظن، واستدم ما تحب منى بما ~~أحب منك. # وكتب إليه: والله لا قابل إحسانك منى كفر، ولا تبع إحسانى إليك من، ولك ~~عندى يد لا أقبضها عن نفعك، وأخرى لا أبسطها إلى ظلمك، فتجنب ما يسخطنى؛ ~~فإنى أصون وجهك عن ذل الاعتذار. # وكان أحمد بن سعيد يؤدبه فتحمل البلاذرى على قبيحة أم ابن المعتز بقوم ~~سألوا أن تأذن له أن يدخل إلى ابن المعتز وقتا من النهار، فأجابت أو كادت ~~تجيب، قال ابن سعيد: فلما اتصل الخبر بى جلست في منزلى غضبان لما بلغنى ~~عنها، فكتب إلى ابن المعتز وله ثلاث عشرة سنة. # أصبحت يابن سعيد خدن مكرمة ... عنها ms364 يقصر من يحفى وينتعل # سر بلتنى حكمة قد هذبت شيمى ... وأججت نار ذهنى فهى تشتعل # أكون إن شئت قسا في خطابته ... أو حرثا وهو يوم الحفل مرتجل # وان أشأ فكر زيد في فرائضه ... أو مثل نعمان لما ضاقت الحيل # أو الخليل عروضيا أخا فطن ... أو الكسائى نحويا له علل # تعلو بداهة ذهنى في مراكبها ... كمثل ما عرفت آبائى الأول # وفي فمى صارم ماسله أحد ... من غمده فدرى ما العيش والجذل # عقباك شكر طويل لا نفاد له ... يبقى بجدته ما أطت الإبل # وقس الذى ذكر: هو قس بن ساعدة الإيادى، وقد سمع النبى صلى الله عليه وسلم ~~شعره، وعجب منه. # وحارث: هو الحارث بن حلزة اليشكرى، وصف ارتجاله يوم فخره بقصيدته التى ~~أنشدها بحضرة عمرو بن هند التي أولها: # آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء # وزيد: هو زيد بن ثابت الأنصارى، وإليه انتهى علم الفرائض. ونعمان: هو # PageV02P600 # أبو حنيفة النعمان- رضي الله عنه- بن ثابت، سبق أهل العراق في الفقه. ~~والخليل بن أحمد الفرهودى، ويقال: الفراهيدى، منسوب إلى حى من الأزد، ~~اليحمرى. # والكسائى: على بن حمزة الكوفى. ### | [من ابن العميد إلى بعض إخوانه] # وكتب أبو الفضل محمد بن العميد إلى بعض إخوانه: # أنا أشكو إليك- جعلنى الله فداك- دهرا خؤونا غدورا، وزمانا خدوعا غرورا، ~~لا يمنح ما يمنح إلا ريث ما ينتزع، ولا يبقى فيما يهب إلا ريث ما يرتجع، ~~يبدو خيره لمعا ثم ينقطع، ويحلو ماؤه جرعا ثم يمتنع. وكانت منه شيمة ~~مألوفة، وسجية معروفة، أن يشفع ما يبرمه بقرب انتقاض، ويهدى لما يبسطه وشك ~~انقباض، وكنا نلبسه على ما شرط، وإن خان وقسط؛ ونرضى على الرغم بحكمه، ~~ونستئم بقصده وظلمه، ونعتد من أسباب المسرة ألا يجىء محذوره مصمتا بلا ~~انفراج، ولا يأتى مكروهه صرفا بلا مزاج، ونتعلل بما نختلسه من غفلاته، ~~ونسترقه من ساعاته. # وقد استحدث غير ما عرفناه سنة مبتدعة، وشريعة متبعة، وأعد لكل صالحة من ~~الفساد حالا، وقرن بكل خلة من المكروه خلالا. وبيان ذلك- جعلنى الله فداك- ~~أنه كان يقنع ms365 من معارضته الإلفين، بتفريق ذات البين، فقد أنثنى ممنوا فيك ~~بجميع ما أوغره، وما أطويه من البلوى منك أكثر مما أنشره، وأحسبنى قد ظلمت ~~الدهر بسوء الثناء عليه، وألزمته جرما لم يكن قدره بما يحيط به، وقدرته ~~ترتقى إليه، ولو أنك أعنته وظاهرته، وقصدت صرفه وآزرته، وبعتنى بيع الخلق ~~وليس فيمن زاد ولكن فيمن نقص، ثم أعرضت عنى إعراض غير مراجع، واطرحتنى ~~اطراح غير مجامل؛ فهلا وجدت نفسك أهلا للجميل حين لم تجدنى هناك، وأنفذت من ~~جل ما عقدت من غير جريمة، ونكثت ما عهدت من غير جريرة، فأجبنى عن واحدة ~~منهما؛ ما هذا التغالى بنفسك، # PageV02P601 # والتعالى على صديقك؟ ولم نبذتنى نبذ النواة، وطرحتنى طرح القذاة؟ ولم ~~تلفظنى من فيك، وتمجنى من خلقك؟ وأنا الحلال الحلو، والبارد العذب، كيف لا ~~تخطرنى ببالك خطرة، وتصيرنى من أشغالك مرة؛ فترسل سلاما إن لم تتجشم ~~مكاتبة، وتذكرنى فيمن تذكر إن لم تكن مخاطبة؟ وأحسب كتابى سيرد عليك فتنكره ~~حتى تتثبت، ولا تجمع بين اسم كاتبه وتصور شخصه حتى تتذكر؛ فقد صرت عندك ممن ~~محا النسيان صورته من صدرك، واسمه من صحيفة حفظك، ولعلك أيضا تتعجب من طمعى ~~فيك وقد توليت، واستمالتى لك وقد أبيت، ولا عجب فقد يتفجر الصخر بالماء ~~الزلال، ويلين من هو أقسى منك قلبا فيعود إلى الوصال، وآخر ما أقوله أن ودى ~~وقف عليك، وحبس في سبيلك، ومتى عدت إليه وجدته غضا طريا، فجربه في المعاودة ~~فإنه في العود أحمد. # اجتليت هذا الكلام على اختيار الاختصار. # حل قوله «فقد يتفجر الصخر بالماء الزلال» من قول ابن الرومى: # يا شبيه البدر في الحسن وفي بعد المنال ... جد فقد تنفجر الصخرة بالماء ~~الزلال # وفي هذه الرسالة في ذكر فتح وإن لم يستبق منه المعنى: # وقد خصنا الله تعالى معاشر عبد الأمير عضد الدولة بنعمة يعلو مراتب النعم ~~موقعها، ويفوت مقدار المواهب موضعها، فباسمه- أبقاه الله- فتح الفتح، ~~وبشعاره استنزل النجح، وبيمن نقييته فرج الكرب، وبسعادة جده كشف الخطب، ~~وباهتزازه للدولة وحمايته عاد إليها ماؤها، ms366 وراجعها بهاؤها، فعز الملك ~~ونصر، وذل العدو وقهر، وحميت أطراف الدولة، وحفظت أكناف الملة، واستجد نظام ~~النعمة، وسدلت ستور الصيانة دون الحرمة؛ ولو جعل المولى- تقدس اسمه- لنعمته ~~إذا تناهت على عبيده جزاء غير الإخلاص في شكره، وقبل ما في مقابلة الموهبة ~~التي بستجدها عند خلقه غير # PageV02P602 # الإغراق في حمده، لرأيت ألا أقتصر في قضاء حقه على بعض الملك دون بعض، ~~ولجعلت في صدر ما أبذل عن هذه النعمة الأعزين: الأهل والولد، والأنصرين: # الساعد والعضد، بل العميدين: القلب والكبد؛ بل النفس كلها، والمهجة ~~بأسرها. ### | [من بديع ما قيل في العتاب] # وقال سعيد بن حميد يعاتب بعض إخوانه: # أفلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل تارة ويميل # لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول # ولكل نائبة ألمت مدة ... ولكل حال أقبلت تحويل # والمنتمون إلى الإخاء جماعة ... إن حصلوا أفناهم التحصيل # ولعل أحداث المنية والردى ... يوما ستصدع بيننا وتحول # فلئن سبقت لتبكين بحسرة ... وليكثرن على منك عويل # ولتفجعن بمخلص لك وامق ... حبل الوفاء بحبله موصول # ولئن سبقت- ولا سبقت- ليمضين ... من لا يشاكله لدى خليل # وليذهبن بها كل مروءة ... وليفقدن جمالها المأهول # «1» وأراك تكلف بالعتاب وودنا ... ضاف عليه من الوفاء دليل # ود بدا لذوى الإخاء جماله ... وبدت عليه بهجة وقبول # ولعل أيام الحياة قليلة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول # وقال أيضا: # لقد ساءنى أن ليس لى عنك مذهب ... ولا لك عن سوء الخليقة مرغب # أفكر في ود تقادم بيننا ... وفي دونه قربى لمن يتقرب # وأنت سقيم الود رث حباله ... وخير من الود السقيم التجنب # PageV02P603 # تسىء وتأبى أن تعقب بعده ... بحسنى، وتلقانى كأنى مذنب # وأحذر إن جازيت بالسوء والقلى ... مقالة أقوام هم منك أنجب # أساء اختيارا أو عرته ملالة ... فعاد يسىء الظن أو يتعتب # فخبت من الود الذى كان بيننا ... كما خاب راجى البرق والبرق خلب # وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: # إلى كم يكون الصد في كل ساعة ... ولم لا تملن القطيعة والهجرا؟ # رويدك! إن الدهر فيه بقية ... لتفريق ذات البين فانتظر ms367 الدهرا # آخر: # ولقد علمت فلا تكن متجنبا ... أن الصدود هو الفراق الأول # حسب الأحبة أن يفرق بينهم ... صرف الزمان، فما لنا نستعجل؟ # آخر: # ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جاران دارهما العمر # ويقرب من المعنى قول المتنبى أيضا: # زودينا من حسن وجهك مادا ... م فحسن الوجوه حال يحول # وصلينا نصلك في هذه الدنيا فإن المقام فيها قليل ### | [من كلام الأعراب] # وقف أعرابى يسأل، فعبث به فتى، فقال: ممن أنت؟ فقال: من بنى عامر ابن ~~صعصعة، فقال: من أيهم؟ فقال: إن كنت أردت عاطفة القرابة فليكفك هذا المقدار ~~من المعرفة، فليس مقامى بمقام مجادلة ولا مفاخرة، وأنا أقول: # فإن لم أكن من هاماتهم فلست من أعجازهم. فقال الفتى: ما رويت عن فضيلتك ~~إلا النقص فى حسبك فامتعض الأعرابى لذلك؛ فجعل الفتى يعتذر، ويخلط الهزل ~~والدعابة باعتذاره، # PageV02P604 # وأطال الكلام، فقال له الأعرابى: يا هذا، إنك منذ اليوم آذيتنى بمزحك، ~~وقطعتنى عن مسألتى بكلامك واعتذارك، وإنك لتكشف عن جهلك بكلامك ما كان ~~السكوت يستره من أمرك، ويحك! إن الجاهل إن مزح أسخط، وإن اعتذر أفرط، وإن ~~حدث أسقط، وإن قدر تسلط، وإن عزم على أمر تورط، وإن جلس مجلس الوقار تبسط؛ ~~أعوذ منك ومن حال اضطراتنى إلى احتمال مثلك! وقال إسحاق الموصلى: قال ~~أعرابى لرجل كان يعتمده بالعطية: أسأل الذى رحمنى بك أن يرحمك بى. # وسأل أعرابى رجلا، فأعطاه، فقال: الحمد لله الذى ساقنى إلى الرزق وساقك ~~إلى الأجر: ### | [المقامة البلخية] # ومن انشاء البديع من مقامات الإسكندرى: # قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: أفضت بى إلى بلخ تجارة البز، فوردتها وأنا ~~بفروة الشباب «1» وبال الفراغ، وحلية الثروة، لا يهمنى إلا نزهة فكر ~~أستفيدها «2» وشريدة من الكلام أصيدها؛ فما استأذن على سمعى مسافة مقامى، ~~أفصح من كلامى. ولما حنى التفرق بنا قوسه أو كاد، دخل إلى شاب في زى ملء ~~العين، ولحية تشوك الأخدعين «3» ، وطرف قد شرب بماء الرافدين «4» ، ولقينى ~~من البر في السناء، بما زدته من الشكر والثناء؛ ثم قال: أظعنا تريد؟ ms368 قلت: # PageV02P605 # إى والله، فقال: أخصب الله رائدك، ولا أضل قائدك، فمتى عزمت؟ فقلت: # غداة غد، فقال: # صباح الله لا صبح انطلاق ... وطير الوصل لا طير الفراق # قال: أين تريد؟ قلت: الوطن، قال: بلغت الوطن، وقضيت الوطر، فمتى العود؟ ~~قلت: القابل، قال: طويت الريط «1» ، وثنيت الخيط، فأبن أنت من الكرم؟ قلت: ~~بحيث أردت، قال: إذا رجعك الله من هذه الطريق، فاستصحب لى عدوا في بردة ~~صديق، من نجار الصفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظفر، كدارة العين، يحط ~~ثقل الدين، وينافق بوجهين! فعلمت أنه يلتمس دينارا، قلت: لك ذلك نقدا، ~~ومثله وعدا، فأنشأ يقول: # رأيك مما خطبت أعلى ... لا زلت للمكرمات أهلا # صلبت عودا وفقت جودا ... وطبت فرعا وطبت أصلا # لا أستطيع العطاء حملا ... ولا أطيق السؤال ثقلا # قصرت عن منتهاك ظنا ... وطلت عما ظننت فعلا # يا رحمة الله والمعالى ... لا لقى الدهر منك ثكلا «2» # قال عيسى بن هشام: فنلته الدينار، وقلت: من أين نبت هذا الفضل؟ # قال: نمتنى قريش، ومهد لى الشرف في بطحائها. فقال بعض من حضر: # ألست أبا الفتح السكندرى؟ ألم أرك بالعراق، تطوف بالأسواق، مكديا ~~بالأوراق «3» ؟ فأنشأ يقول: # PageV02P606 # إن لله عبيدا ... أخذوا العمر خليطا # فهم يمسون أعرا ... با ويضحون نبيطا «1» ### | [من البديع إلى الميكالى] # وله إلى أبى نصر الميكالى يشكو إليه خليفته بهراة: # كتابى أطال الله بقاء الشيخ الجليل، والماء إذا طال مكثه، ظهر خبثه، وإذا ~~سكن متنه، تحرك نتنه، كذلك الضيف يسمج لقاؤه، إذا طال ثواؤه، ويثقل ظله، ~~اذا انتهى محله، وقد حلبت أشطر خمسة أشهر بهراة وإن لم تكن دار مثلى لولا ~~مقامه، وما كانت تسعنى لولا ذمامه، ولى في بيتى قيس مثل صدق، وإن صدرا مصدر ~~عشق: # وأدنيتنى حتى إذا ما سبيتنى ... بقول يحل العصم سهل الأباطح # تجافيت عنى حيث لا لى حيلة ... وخلفت ما خلفت بين الجوانح # نعم. قنصتنى نعم الشيخ الجليل، فلما علق الجناح، وقلق البراح، طرت مطار ~~الريح، بل مطار الروح. وتركتنى بين قوم ينقض مسهم الطهارة، وتوهن أكفهم ~~الحجارة. وحدثت ms369 عن هذا الخليفة، بل الجيفة، أنه قال: # قضيت لفلان خمسين حاجة منذ ورد هذا البلد، وليس يقنع، فما أصنع؟ فقلت: # يا أحمق، إن استطعت أن ترانى محتاجا، فاستطع أن أراك محتاجا إليك. أف ~~لقولك ولفعلك، ولدهر أحوج إلى مثلك! وأنا أسأل الشيخ الجليل أن يبيض وجهى ~~بكتاب يسود وجهه، ويعرفه قدره، ويملأ رعبا صدره، إلى أن تبين على صفحات ~~جنبه، آثار ذنبه. # وله إليه يعاتبه: # قد عرف الشيخ الجليل اتسامى بعبوديته، ولو عرفت وراء العبودية مكانا ~~لبلغته معه، وأرانى كلما قدمت صحبة، رجعت رتبة، وكلما طالت خدمة، قصرت # PageV02P607 # حشمة، ولست ممن يذهب عليه أن للسلطان أن يرفع عبدا حبشيا، ويضع قرشيا، ~~ولكن أحب أن أقف من مكانى على رتبة كوكبها لا يغور، ومنزلة لولبها لا يدور؛ ~~فإذا عرفت قدرى وخطه، لم أتخطه، ثم إن رأيت محلى وحده، لم أتعده، إن قدمنى ~~يوما عليها علمت أن عناية قدمتنى، وإن أخرنى عنها علمت أن جناية أخرتنى. ~~رفع على اليوم فلان ولست أنكر سنه وفضله، ولا أجحد بيته وأصله، ولكن لم تجر ~~العادة بتقدمه، لا في الأيام الخالية، ولا في هذه الأيام العالية؛ وشديد ~~على الإنسان ما لم يعود؛ فإن كان حاسد قد هم، أو كاشح قد نم، أو خطب قد ~~ألم، أو أمر قد وقع وتم، فالشيخ الجليل أولى من يعرفه ويعرفنيه، وإلا فما ~~الرأى الذى أوجب اصطناعى، ثم ضياعى، والسبب الذى اقتضى بيعى بعد ابتياعى؟ ### | [بين المأمون وإبراهيم بن المهدى] # ولما رضي المأمون عن إبراهيم بن المهدى أمر به فأدخل عليه، فلما وقف بين ~~يديه قال: ولى الثأر محكم في القصاص، ومن تناوله الاغترار بما مدله من ~~أسباب الرجاء أمن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله تعالى فوق كل ذى ذنب، ~~كما جعل كل ذى ذنب دونك، فإن أخذت فبحقك، وإن عفوت فبفضلك. # ثم قال: # ذنبى إليك عظيم ... وأنت أعظم منه # فخذ بحقك، أو لا ... فاصفح بفضلك عنه # إن لم أكن في فعالى ... من الكرام فكنه # فقال لى: إنى شاورت ms370 أبا إسحاق والعباس في قتلك، فأشارا به، قال: فما قلت ~~لهما يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت لهما: بدأناه بإحسان، ونحن نستأمره فيه، ~~فإن غير فالله يغير ما به، قال: أما أن يكونا قد نصحا في عظيم ما جرت عليه ~~السياسة # PageV02P608 # فقد فعلا وبلغا ما يبلغك، وهو الرأى السديد، ولكنك أبيت ألا تستجلب النصر ~~إلا من حيث عودك الله. ثم استعبر باكيا، فقال له المأمون: ما يبكيك؟ # قال: جذلا! إذ كان ذنبى إلى من هذه صفته في الإنعام، ثم قال: إنه وإن كان ~~قد بلغ جرمى استحلال دمى، فعلم أمير المؤمنين وفضله بلغانى عفوه، ولى ~~بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب، وحق الأبوة بعد الأب. فقال: يا إبراهيم، لقد ~~حبب إلى العفو حتى خفت ألا أوجر عليه، أما لو علم الناس مالنا في العفو من ~~اللذة لتقربوا إلينا بالجنايات، لا تثريب عليك يغفر الله لك، ولو لم يكن في ~~حق نسبك ما يبلغ الصفح عن جرمك لبلغك ما أملت حسن تنصلك ولطف توصلك ثم أمر ~~برد ضياعه وأمواله، فقال: # رددت مالى ولم تبخل على به ... وقبل ردك مالى قد حقنت دمى # وقام علمك بى فاحتج عندك لى ... مقام شاهد عدل غير متهم # فلو بذلت دمى أبغى رضاك به ... والمال حتى أسل النعل من قدمى # ما كان ذاك سوى عارية سلفت ... لو لم تهبها لكنت اليوم لم تلم # أخذ معنى قول المأمون: «لقد حبب إلى العفو حتى خفت ألا أوجر عليه» أبو ~~تمام الطائى فقال: # لو يعلم العافون كم لك في الندى ... من لذة وقريحة لم تخمد # فكان أبو تمام في هذا كما قال أبو العباس المعتز في القاسم بن عبيد الله: # إذا ما مدحناه استعنا بفعله ... فنأخذ معنى قولنا من فعاله # وكان تصويب إبراهيم لرأى أبى إسحاق المعتصم والعباس بن المأمون ألطف فى ~~طلب الرضا ودفع المكروه واستمالتهما إلى العاطفة عليه من الإزراء عليهما في ~~رأيهما، وكان إبراهيم يقول: والله ما عفا عنى لرحم ولا لمحبة؛ ولكن قامت له ~~سوق في العفو كره ms371 أن يفسدها [بى] . # وكان المأمون شاور في قتل إبراهيم أحمد بن أبى خالد الأحول، فقال: # PageV02P609 # إن قتلته فلك نظير؛ وان عفوت عنه فلا نظير لك؛ فأختار لك العفو. ### | [بين المأمون وإسحاق بن العباس] # وقال المأمون لإسحاق بن العباس: لا تحسبنى أغفلت أمر ابن المهدى وتأبيدك ~~له، وإيقادك لناره. # قال: والله يا أمير المؤمنين لإجرام قريش إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أعظم من جرمى إليك؛ ولرحمى أمس بك من أرحامهم؛ وقد قال لهم كما قال ~~يوسف؛ على نبينا وعليه الصلاة والسلام لإخوته: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر ~~الله لكم وهو أرحم الراحمين» . وأنت يا أمير المؤمنين أحق وارث لهذه الأمة ~~في الطول، وممتثل لخلال العفو والفضل. # قال: هيهات! تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام، وجرمك جرم في إسلامك، ~~وفي دار خلافتك. # قال: يا أمير المؤمنين؛ فو الله للمسلم أحق بإقالة العثرة وغفران الذنب ~~من الكافر. وهذا كتاب الله بينى وبينك إذ يقول: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ~~وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضراء ~~والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين» . والناس يا أمير ~~المؤمنين نسبة دخل فيها المسلم والكافر، والشريف والمشروف. # قال: صدقت، وريت بك زنادى، ولا برحت أرى من أهلك أمثالك. ### | [رجل يستعطف بعض الملوك] # وقال رجل لبعض الملوك وقد وقف بين يديه: أسألك بالذى أنت بين يديه غدا ~~أذل منى بين يديك اليوم، وهو على عقابك أقدر منك على عقابى، إلا ما نظرت فى ~~أمرى نظر من برئى أحب إليه من سقمى، وبراءتى أحب إليه من بليتى. ### | [بين معاوية وروح بن زنباع] # وأراد معاوية عقوبة روح بن زنباع فقال: يا أمير المؤمنين: أنشدك الله ~~تعالى # PageV02P610 # ألا تضع منى خسيسة أنت رفعتها، أو تنقض منى مريرة «1» أنت أبرمتها، أو ~~تشمت بى عدوا أنت كبته، وحاسدا بك وقمته «2» ؛ وأسألك بالله إلا أربى «3» ~~حلمك على خطئى وصفحك على جهلى. # فقال معاوية رضي الله عنه: إذا الله ثنى عقد شىء تيسرا. # أشار إلى هذا أبو ms372 الطيب المتنبى إذ قال: # أزل حسد الحساد عنى بكبتهم ... فأنت الذى صيرتهم لى حسدا # إذا شد زندى حسن رأيك في يدى ... ضربت بسيف يقطع الهام مغمدا ### | [عفو الملوك] # وعتب المأمون على بعض خاصته، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قديم الحرمة ~~وحديث التوبة يمحوان ما بينهما من الإساءة. قال: صدقت، وعفا عنه. # وكان في ملوك فارس ملك عظيم المملكة، شديد النقمة، فقرب له صاحب المطبخ ~~طعامه، فنقطت نقطة من الطعام على المائدة، فزوى له الملك وجهه، وعلم صاحب ~~المطبخ أنه قاتله، فعمد إلى الصحفة فكفأها على المائدة ثم ولى، فقال له ~~الملك: ما حملك على ما فعلت، وقد علمت أن سقوط النقطة أخطأت بها يدك ولم ~~يجربها تعمدك، فما عندك في الثانية؟ قال: استحيت للملك أن يوجب قتلى، ويبيح ~~دم مثلى، فى سنى وحرمتى، وقديم اختصاصى وخدمتى، فى نقطة أخطأت بها يدى، ~~فأردت أن يعظم ذنبى ليحسن بالملك قتلى. # قال: لئن كان اعتذارك ينجيك من القتل، فليس ينجيك من التأديب؛ اجلدوه ~~مائة جلدة، واخلعوا عليه خلع الرضا. # وخرج بهرام جور متصيدا فعن له حمار وحش، فأتبعه حتى صرعه، وقد انقطع عن ~~أصحابه، فنزل عن فرسه يريد ذبحه، وبصر براع فقال: أمسك على فرسى، وتشاغل ~~بذبح الحمار، وحانت منه التفاتة، فنظر إلى الراعى يقطع جوهر عذار فرسه، ~~فحول بهرام جور وجهه وقال: تأمل العيب عيب، وعقوبة # PageV02P611 # من لا يستطيع الدفاع عن نفسه سفه، والعفو من أفعال الملوك، وسرعة العقوبة ~~من أفعال العامة. # ثم قال: يا غلام، ما بال شريانك يضطرب لعلك آذاك تكسيرنا أرضك بحوافر ~~خيلنا، فقال: نعم، وقد عزمت على أن أنقلع مائة فرسخ، فقال بهرام: # لا ترع؛ فهذا الموضع وما فيه لك، وكان الراعى خبيثا، فقال: إن الملوك إذ ~~قالت قولا تمت على قولها، فرجع بهرام إلى عسكره وقال: اتبعنى لأوثق لك من ~~هذه الأرض، فاتبعه، فلما بصر به الوزير قال: أيها الملك السعيد، إنى لأرى ~~جوهر عذار فرسك مقلعا، فتبسم وقال: أخذه من لا يرده، ورآه من لا ينم ms373 به، ~~فمن أخذه صاحبنا ولا نطالبه به. # نقل ابن الرومى قول بهرام: «تأمل العيب عيب» كما اتفق موزونا فقال: # تأمل العيب عيب ... ما في الذى قلت ريب # وكل خير وشر ... دون العواقب غيب # ورب جلباب هم ... فيه من الصنع جيب # لا تحقرن سييبا ... كم قاد خيرا سييب «1» # أخذ البيت الأخير من قول الطائى: # رب قليل غدا كثيرا ... كم مطر بدؤه مطير # وقوله: # لا تزيلن صغير همك وانظر ... كم بذى الأثل دوحة من قضيب # وقد أعاد ابن الرومى قوله: # وكل خير وشر ... دون العواقب غيب # PageV02P612 # فى قصيدته التي مدح بها أحمد بن محمد بن ثوابة حين ساوره، وقال: لو أتى ~~لبيد لتعجب منه، فاستجز له وقال: # ولما دعانى للمثوبة سيد ... يرى المدح عارا قبل بذل المثاوب # تنازعنى رغب ورهب كلاهما ... قوى، وأعيانى طلوع المعايب # فقدمت رجلا رغبة في رغيبة ... وأخرت رجلا رهبة للمعاطب # أخاف على نفسى وأرجو مفازها ... وأستار غيب الله دون العواقب # ألا من يرينى غايتى قبل مذهبى ... ومن أين والغايات بعد المذاهب ### | [من اعتذارات البديع] # نسخة رقعة كتبها بديع الزمان إلى أبى على إسماعيل يعتذر إليه: # سوء الأدب من سكر الندب، وسكر الغضب من الكبائر التي تنالها المغفرة، ~~وتسعها المعذرة، وقد جرى بحضرة الشيخ ما جرى، وقد أفنيت يدى عضا، وأسنانى ~~رضا، وإن لم أوف ما جرى فالعذر أمد خطا، فإن كان بساطا يطوى، وحديثا لا ~~يروى، فأولى من عذر اللاعب، وأحرى من غفر الصاحب؛ وإن كان ميتا ينشر، وسببا ~~يذكر، فليكن العقاب ما كان، إن لم يكن الهجران، على أنى قد أخذت قسطى من ~~العقاب، واستفدت من رد الجواب، ما كفى وأوجع القفا؛ فكان من موجب أدب ~~الخدمة، إبقاء الحشمة لولى النعمة، باحتمال الشتم، والإغضاء عن الخصم، لكنى ~~أحدقت بى ثلاثة أحوال لا يسلم صاحبها: اللعب وسكره، والخصم وهجره، والإدلال ~~والثقة، وهن اللواتى حملننى على ماء الوجه فهرقته، وحجاب الحشمة فخرقته، ~~وقد منعنى الآن فرط الحياء من وشك اللقاء، وعهدى بوجهى وهو أصفق من العدم ~~الذى حملنى على ms374 جهله، وأوقح من الدهر الذى أحوجنى إلى أهله؛ لكن النعم إذا ~~توالت على وجه رققت قشرته، وألانت بشرته؛ وأنا منتظر من الجواب ما يريش ~~جناحى إلى خدمته، فإن رأى أن يكتب فعل، إن شاء الله. # PageV02P613 # وله رقعة إلى أبى على بن مشكويه أولها: # ويا عز إن واش وشى بى عندكم ... فلا تمهليه أن تقولى له: مهلا # كما لو وشى واش بعزة عندنا ... لقلنا: تزحزح لا قريبا ولا أهلا # بلغنى أطال الله بقاء الشيخ أن قيضة كلب «1» وافته بأحاديث لم يعرها ألحق ~~نوره، ولا الصدق ظهوره، وأنه- أدام الله عزه- أذن لها على مجال أذنه، وفسح ~~لها فناء ظنه، ومعاذ الله أن أقولها، وأستجيز معقولها؛ بل قد كان بينى وبين ~~الشيخ عتاب لا ينزل كنفه ولا يجدف، وحديث لا يتعدى النفس وضميرها، ولا يعرف ~~الشفة وسميرها، وعربدة كعربدة أهل الفضل، لا تتجاوز الدلال والإدلال، ووحشة ~~لا يكشقها عتاب لحظة، كعتاب جحظة، فسبحان من ربى هذا الأمر حتى صار أمرا، ~~وتأبط شرا، وأوجب عذرا، وأوحش حرا. # وسبحان من جعلنى في حيز العدو أشيم بارقته، وأتخوف صاعقته، وأنا المساء ~~إليه، والمجنى عليه، ولكن من بلى من الأعداء بمثل ما بليت، ورمى من الحسد ~~بما رميت، ووقف من التوحد والوحدة حيث وقفت، واجتمع عليه من المكاره ما ~~وصفت، اعتذر مظلوما، وضحك مشتوما، ولو علم الشيخ عدد أولاد الجدد، وأبناء ~~العدد، بهذا البلد، ممن ليس له هم إلا في سعاية أو شكاية أو حكاية أو ~~نكاية، لضن بعشرة غريب إذا بدر، وبعيد إذا حضر، ولصان مجلسه عمن لا يصونه ~~عما رقى إليه، وهبنى قد قلت ما حكى، أليس الشاتم من أسمع، والجانى من أبلغ؟ ~~فقد بلغ من كيد هؤلاء القوم أنهم حين صادفوا من الأستاذ نفسا لا تستفز، ~~وجبلالا يهز، وشوا إلى خدمه بما أرثوا نارهم «2» ، وورد على ما قالوه فما ~~لبثت أن قلت: # فإن تك حرب بين قومى وقومها ... فإنى لها في كل نائبة سلم # PageV02P614 # وليعلم الأستاذ أن في كبد الأعداء منى جمرة، وأن في أولاد ms375 الزنا عندنا ~~كثرة، وقصاراهم نار يشبونها، وعقرب يدببونها، ومكيدة يطلبونها، ولولا أن ~~العذر إقرار بما قيل، وأكره أن أستقيل، لبسطت في الاعتذار شاذروانا، ودخلت ~~في الاستقالة ميدانا، لكنه أمر لم أضع أوله، فلم أتدارك آخره. # وقد أبى الشيخ أبو محمد- أيده الله- إلا أن يوصل هذا النثر الفاتر بنظم ~~مثله فهاكه يلعن بعضه بعضا: # مولاى إن عدت ولم ترض لى ... أن أشرب البارد لم أشرب # امتط خدى وانتعل ناظرى ... وصد بكفى حمة العقرب # تالله ما أنطق عن كاذب ... فيك، ولا أبرق عن خلب # فالصفو بعد الكذب المفترى ... كالصحو عقب المطر الصيب «1» # إن أجتن الغلظة من سيدى ... فالشوك عند الثمر الطيب # أو يفسد الزور على ناقد ... فالخمر قد يعصب بالثيب # ولعل الشيخ أبا محمد- أيده الله- يقوم من الاعتذار بما قعد عنه القلم ~~واللسان؛ فنعم رائد الفضل هو، والسلام. ### | فقر من كلام سهل بن هرون للمأمون # كان المأمون استثقل سهل بن هرون، فدخل عليه يوما، والناس على مراتبهم، ~~فتكلم المأمون بكلام ذهب فيه كل مذهب؛ فلما فرغ من كلامه أقبل سهل بن هرون ~~على الجمع فقال: مالكم تسمعون ولا تعون، وتشاهدون ولا تفقهون، وتفهمون ولا ~~تتعجبون، وتتعجبون ولا تنصفون؟ والله إنه ليقول ويفعل في اليوم القصير ما ~~فعل بنو مروان في الدهر الطويل، عربكم كعجمكم، وعجمكم كعبيدكم، ولكن كيف ~~يعرف الدواء من لا يشعر بالداء؟ فرجع المأمون فيه إلى الرأى الأول. # PageV02P615 ### | [من ترجمة سهل بن هرون، وأخباره] # وكان أبو عمرو سهل بن هرون من أهل ميسان «1» نزل البصرة فنسب إليها، وهو ~~القائل: # يأهل ميسان السلام عليكم ... الطيبون الفرع والجذم # أما الوجوه ففضة مزجت ... ذهبا وأيد سحة هضم «2» # أتريد كلب أن أناسبها ... قد قل من كلب بى العلم # أجعلت بيتا فوق رابية ... فرع النجوم كأنه نجم # كبييت شعر وسط مجهلة ... بفنائه الجعلان والبهم # وكان سهل شعوبيا، والشعوبية: فرقة تتعصب على العرب وتنتقصها، وكان أبو ~~عبيدة يرمى بذلك. # وسهل ظريف عالم حسن البيان، وله كتب ظريفة صنفها معارضا للأوائل فى كتبهم ~~بما لا يستصو به منهم، حتى ms376 قيل له «بزرجمهر الإسلام» وقال يمدح رجلا: # عدو تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما # مذلل نفس قد أبت غير أن ترى ... مكاره ما تأتى من العيش مغنما # وهذا نظير قوله في كتاب «ثعلة وعفرة» الذى عارض به كليلة ودمنة: اجعلوا ~~أداء ما يجب عليكم من الحقوق مقدما قبل الذى تجودون به من تفضلكم؛ فإن ~~تقديم النافلة مع الإبطاء عن الفريضة مظاهر على وهن العقيدة، وتقصير ~~الروية، ومضر بالتدبير، مخل بالاختيار، وليس في نفع محمدته عوض من فساد ~~المروءة ولزوم النقيصة. وكتابه هذا مملوء حكما وعلما. وسهل القائل: # تقسمنى همان قد كسفا بالى ... وقد تركا قلبى محلة بلبال # هما أذريا دمعى، ولم تذر عبرتى ... رهينة خدر ذات سمط وخلخال # ولا قهوة لم يبق منها على المدى ... سوى أن تحاكى النور في رأس ذيال # تحلل منها جرمها وتماسكت ... لها نفس معدوم على الزمن الخالى # PageV02P616 # ولكنما أبكى بعين سخينة ... على حدث تبكى له عين أمثالى # فراق خليل لا يقوم به الأسى ... وخلة حر لا يقوم لها مالى # فوا حسرتى حتى متى القلب موجع ... لفقد خليل أو تعذر إفضال # وما الفضل إلا أن تجود بنائل ... وإلا لقاء الخل ذى الخلق العالى # وهو القائل: # إذا امرؤ ضاق عنى لم يضق خلقى ... من أن يرانى غنيا عنه بالياس # لا أطلب المال كى أغنى بفضلته ... ما كان مطلبه فقرا إلى الناس # وأنشد له الجاحظ يهجو رجلا: # من كان يعمر ما شادت أوائله ... فأنت تعمر ما شادوا وما سمكوا # ما كان في الحق أن تحوى فعالهم ... وأنت تحوى من الميراث ما تركوا # وقال محمد بن زياد الزيادى: وجدت «1» على سهل بن هرون في بعض الأمر، ~~فهجوته، فكتب إلى: أما بعد فالسلام على عهدك وداع ذى ضن بك، فى غير مقلية ~~لك «2» ، ولا سلوة عنك، بل استسلام للبلوى في أمرك، وإقرار بالمعجزة فى ~~استعطافك، إلى أوان فيئتك «3» ، أو يجعل الله لنا دولة من رجعتك، والسلام. # وكتب في أسفل الكتاب: # إن تعف عن عبدك المسىء ففى ms377 ... عفوك مأوى للفضل والمنن # أتيت ما أستحق من خطإ ... فجد بما تستحق من حسن ### | [من عظات الحسن البصرى] # وقال الحسن البصرى رحمه الله في يوم [فطر] وقد رأى الناس وهيآتهم: # إن الله تبارك وتعالى جعل رمضان مضمارا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى ~~مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من الضاحك اللاعب # PageV02P617 # فى اليوم الذى يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، أما والله لو كشف ~~الغطاء لشغل محسن بإحسانه ومسىء بإساءته. # ونظر إلى قوم منصرفين من صلاة الفطر يتدافعون ويتضاحكون، فقال: # الله المستعان! إن كان هؤلاء قد تقرر عندهم أن صومهم قد تقبل فما هذا محل ~~الشاكرين، وإن علموا أنه لم يتقبل فما هذا محل الخائبين. # وكان الحسن من الخطباء النساك الفقهاء الأجواد، ويقال: إنه لم يكن تابعى ~~أفضل منه. # هذا قول أهل العراق جميعا، وأهل الحجاز يقدمون سعيد بن المسيب عليه، وكان ~~سعيد أحسن من الحسن ورعا، وأشد الناس حذرا، وأقلهم كلاما. وكان الحسن لا ~~يدع أن يتكلم بما هجس في نفسه، وجاش في صدره. # وعلى ذكر الحسن شهر رمضان نقول: ### | ألفاظ لأهل العصر، فى التهنئة بإقبال شهر رمضان مع ما يتصل بها من الأدعية # ساق الله تعالى إليك سعادة إهلاله، وعرفك بركة كماله. قسم الله لك من ~~فضله، ووفقك لفرضه ونفله. لقاك الله ما ترجوه، ورقاك إلى ما تحبه فيما ~~تتلوه. جعل الله ما أظلك من هذا الصوم مقرونا بأفضل القبول، مؤذنا بدرك ~~البغية ونجح المأمول، ولا أخلاك من بر مرفوع، ودعاء مسموع. قابل الله تعالى ~~بالقبول صيامك، وبعظيم المثوبة تهجدك وقيامك. عرفك الله من بركاته ما يربى ~~على عدد الصائمين والقائمين، ووفقك الله تعالى لتحصيل أجر المتهجدين. أسأل ~~الله تعالى أن يضاعفه بمنه لك، ويجعله وسيلة بقبوله إلى مرضاته عنك. أعاد ~~الله إلى مولاى أمثاله، وتقبل فيه أعماله، وأصلح في الدين والدنيا أحواله، ~~وبلغه منها آماله. أسعده الله بهذا الشهر، ووفاه فيه أجزل المثوبة والأجر، ~~ووفر حظه من كل ما يرتفع من دعاء الداعين، وينزل من ms378 ثواب العاملين، # PageV02P618 # وقبل مساعيه وزكاها، ورفع درجاته وأعلاها، وبلغه من الآمال منتهاها، وظفر ~~بأبعدها وأقصاها. # وقال الحسن: من أخلاق المؤمن قوة في دين، وحزم في لين، وحرص على العلم، ~~وقناعة في فقر، ورحمة للمجهود، وإعطاء في حق، وبر في استقامة، وفقه في ~~يقين، وكسب في حلال. # وقال محمد بن سليمان لأبى السماك: بلغنى عنك شىء، قال: لا أباليه، قال: # ولم؟ قال: لأنه إن كان حقا غفرته، وإن كان باطلا كذبته. # وقال محمد بن صبيح المعروف بابن السماك: خير الإخوان أفلهم مصانعة في ~~النصيحة، وخير الأعمال أحلاها عاقبة، وخير الثناء ما كان على أفواه ~~الأخيار، وأشرف السلطان ما لم يخالطه البطر، وأغنى الأغنياء من لم يكن ~~للحرص أسيرا، وخير الإخوان من لم يخاصم، وخير الأخلاق أعونها على الورع، ~~وإنما يختبرود الرجال عند الفاقة والحاجة. # ووصف بعض البلغاء رجلا فقال: إنه بسيط الكف، رحب الصدر، موطأ الأكناف، ~~سهل الخلق، كريم الطباع، غيث مغيث، وبحر زخور، ضحوك السن، بشير الوجه، بادى ~~القبول، غير عبوس، يستقبلك بطلاقة، ويحييك ببشر، ويستدبرك بكرم غيب، وجميل ~~سر، تبهجك طلاقته، ويرضيك بشره، ضحاك على مائدته، عبد لضيفانه، غير ملاحظ ~~لأكيله، بطين من العقل، خميص من الجهل، راجح الحلم، ثاقب الرأى، طيب الخلق، ~~محصن الضريبة، معطاء غير سائل، كاس من كل مكرمة، عار من كل ملامة، إن سئل ~~بذل، وإن قال فعل. # قال أبو الفتح كشاجم: # مزاجك للمثنى من العود والصبا ... من الريح والصافى الرقيق من الخمر # فلو كنت وردا كنت وردا مضاعفا ... ولو كنت طيبا كنت من عنبر الشحر # PageV02P619 # ولو كنت لحنا كنت تأليف معبد ... ولو كنت عودا ما افتقرت إلى زمر # وقال أعرابى: # ألا حبذا البرد الذى تلبسينه ... ويا حبذا من باعك البرد من تجر «1» # فلو كنت ماء كنت ماء غمامة ... ولو كنت درا كنت من درة بكر # ولو كنت لهوا كنت تعليل ساعة ... ولو كنت نوما كنت إغفاءة الفجر # ولو كنت ليلا كنت قمراء جنبت ... نحوس ليالى الشهر أو ليلة القدر # تم- بحمد الله تعالى ومعونته- تحقيق الجزء ms379 الثانى من «زهر الآداب: # وثمر الألباب» لأبى إسحاق الحصرى. ويليه- إن شاء واهب التوفيق والسداد، ~~ورازق القدرة والعون- الجزء الثالث مفتتحا ب «نبذ من ألفاظ بلغاء العصر ~~تجرى في المدح مجرى الأمثال؛ لحسن استعاراتها، وبراعة تشبيهاتها» . # نسأله- سبحانه- أن يعين على إكماله بمنه وفضله، آمين. # PageV02P620 ### | فهرس الجزء الثانى من كتاب «زهر الآداب، وثمر الألباب» لأبى إسحاق الحصرى # ص الموضوع # 341 ألفاظ لأهل العصر في وصف الطعام، ومقدماته، وموائده، وآلاته # 342 من شعر ابن الرومى في وصف طعام # 343 مقامة لبديع الزمان في وصف الطعام # 345 لعلى ابن يحيى المنجم # - لابن الرومى يصف اللوزينج # 347 نهم ابن الرومى وحبه للسمك # 348 من الناجم إلى ابن الرومى # - لابن الرومى يصف العنب الرازقى # 349 ألفاظ لأهل العصر في وصف الفواكه والثمار # 350 بعض ما جاء في وصف الليل # - لأعرابى يصف ليل لقاء # - لأعرابى يصف وفاء الصحبة # - لجرير يصف يوم صيد # 351 لإبراهيم بن العباس يصف قصر الليل # - للأصبهانى يصف يوم لهو # - لابن المعتز يصف ليل سرور # - بين الرشيد وعبد الملك بن صالح # 352 لأبى تمام # - للخاتمى # - لأهل العصر # 353 سعيد بن هريم وصلته بالفضل بن سهل # للتميمى يمدح الفضل بن سهل # - لإبراهيم بن العباس فيه # 354 لابن الرومى يمدح إبراهيم بن المدبر # - لابن الرومى يمدح ابن طاهر # من ترجمة الفضل بن سهل # 355 مختارات من كلام الفضل بن سهل # - من محمد بن على إلى محمد بن يحيى # - جواب محمد يحيى بن خالد # 356 رجل يريد أن ينصح المهدى # - توقيعات للفضل بن سهل # 357 بعض أوصاف الخيل # - ابن القرية يصف فرسا # - لعبد الله بن طاهر # - رجل يريد شراء فرس # - لمحمد بن الحسن بن الحرون # 358 أبيات لتأبط شرا # - لعقبة بن سنان يصف خيلا أهداها # عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبى سفيان # 359 للنابعة الجعدى # - لبعض العرب # - لأعرابى # - لأعرابى آخر # 360 أعرابى يصف خيل بنى يربوع # PageV02P621 # لأبى تمام يصف فرسا # 361 للبحترى يصف فرسا # 362 لإسحاق بن خلف يصف فرس أبى دلف # - لأبى الفتح كشاجم # - لابن المعتز # 363 ms380 لأبى الفتح # - لابن المعتز # - لأعرابى مولد # - لابن المعتز أيضا # 364 لعلى بن محمد الإيادى # - لأبى العباس الناشىء # 365 لأبى منصور الثعالبى # - لابن هانى يصف خيل المعز # - وله يصف فرسا لجعفر بن على بن حمدون # 366 وله يصف فرس إبراهيم بن جعفر ابن على # 367 لعلى بن محمد الإيادى يصف فرس جعفر بن القاثم # 368 لأبى الطيب المتنبى # 369 مقامة لبديع الزمان فيها وصف فرس # 373 قولهم في الوعد ومنزلة إنجازه # - بين أبى القاسم المسعودى وعيسى ابن موسى # - بين منصور بن زياد ويحيى بن خالد # - بين المهدى وابن دأب # 374 لابى قابوس يمدح يحيى بن خالد # - لأبى الطيب المتنبى # - لأبى على البصير في الفضل بن يحيى # - لابن الرومى # 375 من عرف قدر النعمة استدامها # - بين سليمان بن عبد الملك وحاجبه # - بين يونس بن المختار وحاجب المامون # - بين رجل والمعلى بن أيوب # - بين المنصور والحارث بن حسان # 376 بين المأمون وعبد الله بن طاهر # - لأبى نواس في هذا المعنى # - للناشىء يعارض أبا نواس # - لابن الرومى # 377 ألفاظ لأهل العصر في العجز عن الشكر # 378 لأبى الفتح البستى # - بين أبى العتاهية وعمر بن العلاء # 380 من أخبار أبى العتاهية # - ولوعه بعتبة # 381 المهدى يضرب أبا العتاهية مائة سوط # 382 من شعر أبى العتاهية في عتبة # بين المهدى وأبى العتاهية # 383 الرشيد يحبس أبا العتاهية لترك الشعر # 384 بشار يمدح عمر بن العلاء # 385 لأبى سعيد المخزومى في معنى بشار # - لأبى الطيب المتنبى # 386 لابن هانى # 387 رجع إلى عمر بن العلاء # - بينه وبين أبى العتاهية # 389 للمتنبى في أبى العشائر الحمدانى # - لأبى العتاهية في الزهد # - لأبى نواس # 388 ألفاظ لأهل العصر في الشكر بدلالة # الحال # PageV02P622 # 389 لأبى الفضل الميكالى # 389 لأبى الفتح البستى # 390 بين نصيب والفرزدق # 391 لسحيم عبد بنى الحساس # - للمتنبى # - بين أبى تمام وابن الزيات # 393 لابن الزيات يمدح الحسن بن سهل # - لأبى تمام يمدح ابن أبى دواد # 395 من أخبار ابن أبى دواد # - غلوه في التعصب لإياد # - علمه، وعداوته ms381 لابن الزيات # - أصله # 396 غضبه على أبى تمام، ثم رضاه عنه # 397 بين ابن أبى دواد والحاجب أبى منصور # - من براعة خالد بن عبد الله القسرى # 398 اعتذار أبى تمام للمعتصم عن سابق مدحه للأفشين # 399 المنافقون في عهد النبى صلى الله عليه وسلم # - عبد الله بن أبى سرح # - المختار بن أبى عبيد الخارجى # - بين أمية بن خالد بن أسيد وعبد الله بن الأهتم # 400 فصل في غرائب التكاتب # - من حمدون ابن نهران لعامل عزل عن عمله # - من ابن مكرم لنصرانى أسلم # - بعض ما يحسن تركه وإن كان حلالا # 401 ما يقال لمن تزوجت أمه # 402 من ابن العميد لمن تزوجت أمه # 403 ألفاظ لأهل العصر في التهانى بالبنات # 404 بعض ما لا يمدح به النساء # - لابن الرومى # - للمتنبى # - رجل يمدح زبيدة أم الأمين # - لكثير عرة # 405 عزة تفضل الأحوص على كثير # 407 من الأمانى # - لأبى صخر الهذلى # - لمسلم بن الوليد # - لآخر # 408 بعض أخبار كثير عرة # - حمقه # - كان رافضيا # - بين كثير وعبد الملك بن مروان # 409 لقيس بن الملوح # - من جيد شعر كثير # 411 قول العرب في الطول أو القصر # - لشاعر قديم، وأنشده أحمد بن عبيد الله # 412 لابن الرومى # - لعنترة العيسى # 413 لأبى نواس # - عود إلى أخبار كثيرة عزة # - كثير عند عبد العزيز بن مروان وهو مريض # - نقد سلام الجمحى لشعر كثير # PageV02P623 # 414 فصول قصار # - من كلام قابوس بن وشمكير # 415 للثعالبى يصف شمس المعالى قابوسا # 416 للميكالى يمدح قابوسا # 417 من رسائل بديع الزمان إلى قابوس # 419 من أخبار البرامكة # 420 ثمامة بن أشرس يصف جعفر بن يحيى # - سهل بن هرون يصف يحيى وابنه جعفرا # - توقيع لجعفر بن يحيى # 421 بين جعفر بن يحيى ومروان بن أبى حفصة # 422 من قصيدة لزهير بن أبى سلمى # - تعليق على هذه القصيدة لقدامة بن جعفر # 423 لمحمد بن مناذر في البرامكة # - مثل من التجنيس لأبى الفضل الميكالى # 426 لأبى الفتح البستى في هذا المذهب # 428 فقر في ذكر العلم والعلماء ms382 # 430 استعارات فقهية تليق بهذا المكان # - بين أبى تمام وابن أبى دواد # - بين طاهر بن عبد الله وابن أبى تمام # 431 ولاية طاهر بن عبد الله بن طاهر خراسان وسببها # 432 بين ابن ثوابة وابن الرومى # - بين المعتصم وأبى تمام # - لأبى الفضل الميكالى # 433 لأبى الفتح كشاجم # - لبديع الزمان الهمذانى # 435 أبو على البصير، وشىء من أذبه # - بينه وبين بعض الطالبيين # - بينه وبين بعض الرؤساء # 425 من شعره # 436 من شعر الفتح بن خاقان # - كتاب منه إلى عبيد الله بن يحيى # 437 مما يبعث على الرحيل # - من الوصايا لمن اعتزم السفر # 437 فقر في مدح السفر # - فى ذم السفر والغربة # 438 بين المهدى وأبى عبيد الله # - بين المأمون والفضل بن الربيع # - بين المنصور وأبى مسلم الخراسانى # 441 جملة في الأوصاف من شعر كشاجم # 444 الصابى يهدى اسطرلابا لعضد الدولة ويبعث معه بشعر # 445 من أوصاف النساء # - لابن الرومى # - لبعض الشعراء يصف العلم # - قلب المعنى ليس بسرقة # - لشاعر يصف نساء بالعبالة # 448 من المعانى ما لا ينقلب # - بعض ما أخذ على أبى نواس # 449 قطعة من شعر أهل العصر في ذكر النجوم # - لأبى الفتح البستى # 451 لابن درست # - لمسكويه # - للخوارزمى # - للصولى # 452 لابن المعتز # 418 الأصمعى وبعض الأعراب # PageV02P624 # 454 فقر من كلام الأعراب في ضروب مختلفة # 460 لامرأة من العرب ترثى ابنها # 461 لأعرابى يمدح رجلا # 464 بعض أخبار أبى نواس # 465 للحسن بن وكيع، وقد أخذه من أبى نواس # 466 ضرب من الرياء # 468 من خمريات أبى نواس # 469 من أخبار بشار بن برد # - احتذاء أبى نواس على مثال بشار # 425 المهدى يأمر بشارا بترك الغزل # 470 من شعر بشار في الغزل # 471 لعلى بن الجهم، وأخذه من بشار # 472 منزلة شعر بشار ومقداره # - ولاء بشار # 473 من أخبار أبى حذيفة واصل بن عطاء # - عود إلى أخبار بشار # 476 كلمات مأثورة # - فقر في مساوئ الكذب لغير واحد # 478 جزاء الشكر # - بين الحسن بن سهل والمأمون # - من خطب النكاح: # - خطبة للمأمون ms383 # - ما يستحب من الخاطب والمخطوب إليه # 479 الكتب والأقلام والخط # 445 لابن المعتز # - وله في القاسم بن عبيد الله # 480 لبعض البلغاء # - للمتنبى # - لابن المعتز # - مفاخرة بين صاحب سيف وصاحب قلم # - للمتنبى # - للنوبختى # 481 لابن الرومى # - للبستى # - لطلحة بن عبيد الله # - لمحمود الأصبهانى # 482 لأحمد بن جدار # - لأبى تمام # - لتميم بن المعز الفاطمى # 483 الصدق في النصيحة. # - بين أحمد بن يوسف وغسان بن عباد # - من ترجمة أحمد بن يوسف العجلى # 486 ألفاظ لأهل العصر في ذم المغنين # 452 عود إلى أحمد بن يوسف العجلى # 486 ألفاظ لأهل العصر، فى صفات الثقلاء # 491 من ترجمة جحظة البرمكى ومن شعره # 492 السكاكين # - بين أحمد بن يوسف والمأمون # 494 لأبى الفتح كشاجم يصف سكينا سرقت منه # PageV02P625 # 494 ألفاظ لأهل العصر في صفات السكاكين # 495 السمر والمنادمة # - بين محمد بن أنس والقاسم بن صبيح # - شرط المنادمة # 496 بين اليزيدى والمأمون # - بين كوران المغنى والشريف الرضى # - بين أحمد بن جدار وعمر بن أيوب # 497 من إسحاق الموصلى إلى بعض الجلة # - من السرى الموصلى إلى أخ له يستدعيه # 498 لابن المعتز # - للحسن بن محمد الكاتب # 499 من ألفاظ أهل العصر، فى الاستدعاء # - ولهم في استدعاء الشراب # 500 ولهم في الكناية عن الشراب # - من الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب # - من الحسن بن وهب إلى الحسن بن سهل # - لكشاجم # 501 فقر للنبيذيين # 503 من ألفاظ أهل العصر في صفات مجالس الأنس # 505 من شعر أبى نواس، وهو أستاذ هذا الشأن # 508 من رسائل بديع الزمان الهمذانى # - تعزية منه إلى أبى عامر عدنان بن عامر الضبى. # 509 منه لبعض إخوانه جوابا عن كتاب # 510 مما كتبه في سياقة أخباره مع أبى بكر الخوارزمى # 515 كتاب منه لرئيس هراة # 516 كتاب منه للامام سهل بن محمد # 517 كتاب منه للاسماعيلى # 518 المقامة الفزارية للبديع # 520 بين شاعر وعبد الله بن الزبير # 521 فرس ابن الزيات # - المزاح # - بين الحجاج وابن القرية # 522 خالد بن صفوان يذكر مساوى المزاح # - للوراق ms384 في مساوى المزاح # - فقر في هذا النحو لأهل العصر # 523 الطيرة والزجر # - لأبى حية النميرى في التفاؤل # - مما ينسب لذى الرمة # 524 عادة الجاهلية والنهى عنها # - للكميت بن زيد الأسدى # - لشاعر قديم # 525 لابن كناسة # - بين كثير عزة ورجل نهدى # - لجرير # - لعوف الراهب # 526 لأبى الشيص # - ابن الرومى كان شديد الطيرة، وبعض أخباره في ذلك # 527 الفرق بين الطيرة والفأل # 528 من ابن الرومى للقاسم بن عبيد الله # - ابن الرومى يرثى ابنة المسيبى # 529 وله يعزى على بن يحيى في ابنته # PageV02P626 # 539 الرغبة في موت البنات # - لعبد الله بن عبد الله بن طاهر # - لعقيل بن علفة # - لابن خلف البهرانى # 530 عود إلى تطير ابن الرومى # - بينه وبين أبى الحسن الأخفش # 532 من آثار تطير ابن الرومى # 534 من ابن الرومى إلى ابن ثوابة في التطير # 536 من مليح العيافة والزجر # - أبو نواس وبعض أصحابه # - لأبى تمام # 537 أحمد بن المدبر والجمل الشاعر المصرى # - لأبى الفضل الميكالى في أهل مرو # 538 عبد الوهاب الثقفى يصف رجلا يرتاح إليه # - ابن أبى داود والجاحظ # 539 بين الجاحظ وابن الزيات # 540 من كلام على رضي الله عنه في أعجب ما في الإنسان # 541 لعبد الرحمن بن حسان # - لمحمد بن حازم الباهلى # - للجاحظ في ابن الزيات # - الجاحظ ورجل من البرامكة # 543 المقامة الجاحظية للبديع # 544 من كلام الملوك: # - من كلام أردشير بن بابك # 545 من كلام بزرجمهر # - من كلام أنو شروان # - من رسائل الميكالى: # - كتاب منه للثعالبى # 511 كتاب منه للثعالبى # 546 كتاب منه إلى أبيه # - كتاب منه يستفتح به مكاتبة أخ # 547 فقر من كلامه في أثناء رسائل شتى # 549 قطعة من شعره في تجنيس القوافى # 515 لأبى الفتح البستى # - أدب الحاجب # - بين مالك وحاجبه # 550 وصية المهدى للفضل بن الربيع # - للحسن بن سهل # - لبعض البلغاء # - بين سعيد بن عبد الملك وعبيد الله بن سليمان # 551 لأبى السمط بن أبى حفصة # - لمروان بن أبى حفصة # - لإدريس بن أبى حفصة # - لعمرو بن شاس الأسدى # 552 ms385 للقطامى في ضياء الوجوه والأحساب # - للقينى # - للحطيئة # - للقاسم بن حنبل المدنى # 553 للوضاح التيمى # - حث الاشتياق # - لعمر بن أبى ربيعة # - مما أنشده إسحاق الموصلى # 554 لإسحاق الموصلى # - لأبى نواس # - لمخلد بن بكار الموصلى # 555 جودة الخط # - صفة الخط الجيد لبعض الكتاب # PageV02P627 # 521 وراق يصف عيشه # 556 لإسماعيل الحمدونى # - حرفة الأدب # - لبعض الشعراء # - للخريمى # 557 لعلى بن محمد بن بسام # - رزق الحمقى والعقلاء # - لابن الرومى # - لجعفر بن محمد # - للنظام # - بعض أخبار النظام وكلامه # 558 أفكار الوراقين # 559 أطيب اللذات عند الشعراء # - امرىء القيس # - الأعشى # - طرفة # - أبى دلف # - حميد الطوسى والشعر لطرفة # 560 يزيد بن عبيد الله # - من شعر الأضبط بن قريع # 561 من أخبار الأضبط بن قريع # - وصف المحابر والأقلام: # - لبعض الكتاب يصف محبرة # - لأبى الفتح كشاجم # 562 ألفاظ لأهل العصر، فى أوصاف آلات الكتابة والدوى # 563 أبو الفتح كشاجم يصف آلات الكتابة # 564 عمال المأمون # 565 وصف الورد والنرجس: # 568 لابن الرومى # - لبعض المحدثين # - عود لابن الرومى # 566 أحمد بن يونس الكاتب يرد على ابن الرومى # 567 نبذ من النظم والنثر في صفات النور والزهر # - لعلى بن الجهم # - لمحمد بن عبد الله بن طاهر # - المتوكل وابن الضحاك # 569 ظبى يأكل نيلوفرا # - وصف أيام الربيع: # - لابن وكيع # 570 لأبى الفتح البستى # - لأبى الفضل الميكالى # 572 للبحترى # - فى مجلس المبرد # 573 للبحترى في المدح # 574 لابن المعتز يذم الصبوح # 575 لأبى الفتح كشاجم # 576 جملة من هذا النوع لأهل العصر # - لأبى فراس الحمدانى # - لابن هانىء يصف زهرة رمان # 577 قطع نثرية لهم في هذا المعنى # 578 ولهم أيضا في وصف الربيع # 579 الربيع والرفاق # - الصوم في الربيع # - يوم الشك # 580 من بديع الزمان الهمذانى لبعض أهل همذان # PageV02P628 # 546 لابن العميد # 581 عواقب الطيش # - طاهر بن الحسين يصف الأمين # - الأمين والمأمون # 582 الأمين يصف طاهر بن الحسين # 583 الفضل بن الربيع وابنه وأبوه # - بيعة المهدى # 584 وقت كلام الملوك # - من كلام الفضل بن الربيع # - بين المأمون والفضل بن الربيع # 585 بين المنصور والربيع ms386 # 586 لأبى تمام يمدح ابن الزيات # - سهل بن هارون والرشيد # - من شعر الفضل بن الربيع # 587 بين ابن خاقان وأبى العيناء وصف دابة # 588 قطعة من رسالة من إنشاء أبى الخطاب الصابى # 590 الحمدونى وشاة سعيد بن أحمد # 591 الحمدونى وطيلسان ابن حرب # 594 المأمون والحسن بن رجاء # - بديهة المبرد # - المبرد عند المتوكل # 595 أدب أبى العباس المبرد # - بين المبرد وابن المعتز # - فى المدح: # - لأعرابى # - لابن المعتز # - للأخطل # - لابن هرمة # 596 لأبى تمام # - لعصابة الجرجانى في الحسن بن رجاء # - بين جميل بن معمر وعمر بن أبى ربيعة # 598 من شعر العرجى # - نسب العرجى، وبعض أخباره # 599 جمله من الفصول القصار لابن المعتز # 601 من ابن العميد إلى بعض إخوانه # 603 من بديع ما قيل في العتاب: # - لسعيد بن حميد # 604 لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر # - من كلام الأعراب # 605 المقامة البلخية لبديع الزمان # 606 كتاب من بديع الزمان لأبى نصر الميكالى يشكو إليه خليفته بهراة # 607 من البديع للميكالى يعاتبه # 608 بين المأمون وإبراهيم بن المهدى # 610 بين المأمون وإسحاق بن العباس # - رجل يستعطف بعض الملوك # - بين معاوية وروح بن زنباع # 611 عفو الملوك: # - المأمون وبعض خاصته # - بعض ملوك فارس وطباخه # - بهرام جور وراع # 612 من شعر ابن الرومى # 613 من اعتذارات بديع الزمان # 615 فقر من كلام سهل بن هارون للمامون # PageV02P629 # 616 من ترجمة سهل بن هارون وأخباره # 617 من عظات الحسن البصرى # 618 ألفاظ لأهل العصر في التهنئة بإقبال شهر رمضان. # 619 أخلاق المؤمن # - خير الإخوان # - وصف رجل # - لأبى الفتح كشاجم # 620 لأعرابى # تمت فهرس الجزء الثانى من زهر الآداب للحصرى، والحمد لله أولا وآخرا ~~وصلاته وسلامه على سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه # PageV02P630 ### | الجزء الثالث ### | نبذ من ألفاظ بلغاء أهل العصر # تجرى فى المدح مجرى الأمثال؛ لحسن استعارتها، وبراعة تشبيهاتها فلان ~~مسترضع ثدى المجد، مفترش حجر الفضل، له صدر تضيق به الدهناء، وتفزع إليه ~~الدهماء، له فى كل مكرمة غرة الإصباح «1» ، وفى كل ms387 فضيلة قادمة الجناح «2» ~~، له صورة تستنطق الأفواه بالتسبيح، ويترقرق فيها ماء الكرم، وتقرأ فيها ~~صحيفة حسن البشر، تحيا القلوب بلقائه، قبل أن يميت الفقر بعطائه، له خلق لو ~~مزج به البحر لنفى ملوحته، وكفى كدورته. هو غذاء الحياة، ونسيم العشق، ~~ومادة الفضل، آراؤه سكا كين فى مفاصل الخطوب، له همة تعزل السماك الأعزل، ~~وتجر ذيلها على المجرة، هو راجح فى موازين العقل، سابق فى ميادين الفضل، ~~يفترع أبكار المكارم، ويرفع منار المحاسن. ينابيع الجود تتفجر من أنامله، ~~وربيع السماء يضحك من فواضله. هو بيت القصيدة، وأول الجريدة، وعين الكتيبة، ~~وواسطة القلادة، وإنسان الحدقة، ودرة التاج، ونقش الفص! وهو ملح الأرض، ~~ودرع الملة، ولسان الشريعة، وحصن الأمة. # هو غرة الدهر والزمان، وناظر الإيمان. له أخلاق خلقن من الفضل، وشيم تشام ~~منها بوارق المجد «3» ، أرج الزمان بفضله، وعقم النساء عن الإتيان بمثله. # الجميل لديه معتاد، والفضل منه مبدوء ومعاد، ماله للعفاة «4» مباح، ~~وفعاله فى ظلمة الدهر مصباح، كأن قلبه عين، وكأن جسمه سمع، يرى بأول رأيه ~~آخر الأمر، جوهر من جواهر الشرف لا من جواهر الصدف، وياقوتة من يواقيت ~~الأحرار # PageV03P635 # لا يواقيت الأحجار، طلعته للبشاشة عليها ديباجة خسروانية، وفيها للطلاقة ~~روضة ربيعية. وجه كأن بشرته نشر البشر، ومواجهته أمان من الدهر. # يصل ببشره، قبل أن يصل ببره، قد لحظت من وجهه الأنوار، ومن بنانه النوار. # أنا من كرم عشرته، وطلاقة أسرته، فى روضة وغدير، وجنة وحرير، وهو بحر من ~~العلم ممدود بسبعة أبحر، ويومه من يوم الأدب كعمر سبعة أنسر. العلم حشو ~~ثيابه، والأدب ملء إهابه. هو شخص الأدب مائلا، ولسان العلم قائلا. # شجرة فضل عودها أدب، وأغصانها علم، وثمرتها عقل، وعروقها سرو، تسقيها ~~سماء الحرية، وتغديها أرض المروءة. هم ملح الأرض إذا فسدت، وعمارة الأرض ~~إذا خربت، ومعرض الأيام إذا احتشدت؛ وهم جمال الأيام، وخواص الأنام، وفرسان ~~الكلام، وفلاسفة الإسلام. فلان غصن طبعه نضير، ليس له فى مجده نظير، قد جمع ~~الحفظ الغزير، والفهم الصحيح، والأدب القوى القويم، وما يؤنسه من ms388 الوحشة ~~إلا الدفاتر، ولا يصحبه فى الوحدة إلا المحابر. فلان يحل دقائق الأشكال، ~~ويزيل معترض الإشكال. له خلق كنسيم الأسحار، على صفحات الأنوار. كالماء ~~صفاء، والمسك ذكاء. أخلاق قد جمعت المروءة أطرافها، وحرست الحرية أكنافها. ~~أخلاق تجمع الأهواء المتفرقة على محبته، وتؤلف الآراء المتشتتة على مودته. ~~أخلاق أعذب من ماء الغمام، وأحلى من ريق النحل، وأطيب من زمان الورد. أخلاق ~~أحسن من الدر والعقيان، فى نحور الحسان، وأذكى من حركات الروح والريحان. ~~فلان يستحط القمر «1» بطرفه، ويستنزل النجم بلطفه «2» . هو خلو المذاق، سهل ~~المساغ. أجمل الناس فى جد، وأحلاهم فى هزل. يتصرف مع القلوب، كتصرف السحاب ~~مع الجنوب. ذو جد كعلو الجد «3» ، وهزل كحديقة الورد. له عشرة ماؤها يقطر، ~~وصحوها من # PageV03P636 # الغضارة يمطر «1» . هو ريحانة على القدح، وذريعة إلى الفرح. عشرته ألطف ~~من نسيم الشمال، على أديم الزلال، وألصق بالقلب، من علائق الحب. إذا أردت ~~فهو سبحة ناسك، أو أحببت فهو تفاحة فاتك، أو اقترحت فهو مدرعة راهب، أو ~~آثرت فهو نخبة شارب. أخباره زكية، وآثاره ذكية. أخباره تأتينا كما وشى ~~بالمسك رياه، ونم على الصباح محياه. قد انتشر من طيب أخباره مازاد على ~~المسك الفتيق، وأوفى على الزهر الأنيق. مناقب تشدخ فى جبينها غرة الصباح، ~~وتتهادى أنباءها وفود الرياح. فلان أخباره آثاره، وعينه فراره «2» ، قد حصل ~~له من حميد الذكر، وجميل النشر، ما لا تزال الرواة تدرسه، والتواريخ تحرسه. # سألت عن أخباره فكأنى حركت المسك فتيقا، أو صبحت الروض أنيقا. # أخباره متضوعة كتضوع المسك الأذفر، ومشرقة إشراق الفجر الأنور. أحببته ~~بالخبر، قبل الأثر، وبالوصف قبل الكشف. هو ممن يثقل ميزان وده، ويحصف ميثاق ~~عهده. هو كريم العهد، صحيح العقد، سليم الصدر فى الود، حميد الورد فيه ~~والصدر. هو لإخوانه عدة تشدهم وتقويهم، ونور يسعى بين أيديهم. # هو ركن الإخاء، صافى شرب الوفاء، حافظ على الغيب ما يحفظه على اللقاء. # هو ممن لا تدوم المداهنة فى عرصات قلبه، ولا تحوم المواربة على جنبات ~~صدره. # هو يسرى إلى كرم العهد، فى ms389 ضياء من الرشد. عهده نقش فى صخر، ووده نسب ~~ملآن من فخر. يقبل من إخوانه العفو، كما يوليهم من إحسانه الصفو. فى وده ~~غنى للطالب، وكفاية للراغب، ومراد للصحب، وزاد للركب. هو فى حبل الوفاء ~~حاطب، وعلى فرض الإخاء مواظب. النجح معقود فى نواصى آرائه، واليمن معتاد فى ~~مذاهب أنحائه. له الرأى. الثاقب الذى تخفى مكايده، وتظهر عوائده، والتدبير ~~النافذ الذى تنجع مباديه، وتبهج تواليه. رأى # PageV03P637 # كالسهم أصاب غرة الهدف، ودهاء كالبحر فى بعد الغور وقرب المغترف، لا يضع ~~رأيه إلا مواضع الأصالة، ولا يصرف تدبيره إلا على مواقع السداد والإصابة. ~~يعرف من مبادىء الأقوال خواتم الأفعال، ومن صدور الأمور أعجاز ما فى ~~الصدور. رؤيته رأى صليت، وبديهته قدر مصيب. يسافر رأيه وهودان لم يبرح، ~~ويسير تدبيره وهوثاو لم ينزح. له رأى لا يخطىء شاكلة الصواب، [ولا يخشى ~~بادرة العثار. فلان يخمر الرأى ويحيله، ويجيد الفكر ويجيله، حتى يحصل على ~~لب الصواب] ، ومحض الرأى. إذا أذكى سراج الفكر، أضاء ظلام الأمر، هو قطب ~~صواب تدور به الأمور، ومستنبط صلاح يرد إليه التدبير. يرى العواقب فى مرآة ~~عقله، وبصيرة ذكائه وفضله. وله رأى يرد الخطب مصلما، والرمح مقلما. [آراؤه ~~سكاكين فى مفاصل الخطوب] ، كأنه ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق، ويطالعه ~~بعين السداد والتوفيق. يستنبط حقائق القلوب، ويستخرج ودائع الغيوب. فد ~~سرينا من مشورته فى ضياء ساطع، ومن رأيه الصائب فى حكم قاطع. ### | نبذ من مفردات الأبيات فى فرائد المدح # أبو نواس: # وكلت بالدهر عينا غير نائمة ... من جود كفيك تأسو كلما جرحا # الطائى: # فلو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع # البحترى: # ولو لم يكن فى كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله # وله: # ولم أر أمثال الرجال تفاوتوا ... لدى المجد حتى عد ألف بواحد # PageV03P638 # كشاجم: # عرف الفاضلون فضلك بالعل ... م وقال الجهال بالتقليد # المتنبى: # شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ ... من شر أعينهم بعيب واحد # وله: # ولما رأيت الناس دون محله ... تيقنت أن الدهر للناس ms390 ناقد # وله أيضا: # إن خوطبوا أولقوا أو كوتبوا وجدوا ... فى اللفظ والخط والهيجاء فرسانا # وله أيضا: # ذكر الأنام لنا فكان قصيدة ... كنت البديع الفرد فى أبياتها # أبو العباس الناشىء: # خلقت كما أرادتك المعالى ... فأنت لمن رجاك كما يريد # المأمونى: # وخلائق كالخمر دون فعاله ... حبب لهن وما لهن خمار ### | [فى مجالس الخلفاء والملوك والحكماء والأمراء] # وقال إبراهيم الموصلى لموسى الهادى، وهو نديمه، وقد غناه صوتا فأعجبه: إن ~~من كان محله من أمير المؤمنين محلى فى الانبساط وتقدم الندام جرأه البسط ~~على الطلب، وبعثته المنادمة على الرجاء، وقد نصب لى أمير المؤمنين بقربى ~~منه مشارع الرغبة إليه، وحثنى محلى عنده على الكروع فى المنهل بين يديه. # فقال: سل شفاها؛ فإنى جاعل فعلى عن إجابتك إليه حاضرا؛ فسأله ما قيمته ~~خمسون ألف درهم؛ فأمر له بمائة ألف درهم. # PageV03P639 # ولما ظفر الإسكندر بدارا بن دارا قال له: بم اجترأ عليك صاحب شرطتك؟ # قال: بتركى ترهيبه وقت إساءته وتفريطه، وإعطائه وقت الإحسان اليسير من ~~فعله نهاية رغبته. فقال الإسكندر: نعم العون على استصلاح القلوب الموغرة ~~الترغيب بالأموال، وأصلح منه عاجلا الترهيب وقت الحاجة إليه. # وقال الحسن بن سهل: خرج بعض ملوك الفرس متنزها، فلقى بعض الحكماء، فسأله ~~عن أحزم الملوك، فقال: من ملك جده هزله، وقهر لبه هواه، وأعرب لسانه عن ~~ضميره، ولم يخدعه رضاه عن سخطه، ولا غضبه عن صدقه. فقال الملك: لا، بل أحزم ~~الملوك من إذا جاع أكل، وإذا عطش شرب، وإذا تعب استراح. فقال الحكيم: أيها ~~الملك، قد أجدت الفطنة. # هذا العلم مستفاد أم غريزى؟ قال: كان عندنا معلم من حكماء الهند، وكان ~~هذا نقش خاتمة. قال: فهل علمك غير هذا؟ قال: ومن أين يوجد مثل هذا عند رجل ~~واحد؟ ثم قال له الملك: علمنى من حكمتك أيها الحكيم قال: نعم، احفظ عنى ~~ثلاث كلمات. قال: ما هن؟ قال: صقلك السيف ليس له جوهر من سنخه «1» خطأ، ~~وصبك الحب فى الأرض السبخة ترجو نباته جهل، وحملك المسن على الرياضة عناء. # قال ms391 أبو تمام الطائى: # والسيف ما لم يلف فيه صيقل ... من سنخه لم ينتفع بصقال # وقيل لبعض الحكماء: ما الدليل الناصح؟ قال: غريزة الطبع. قيل: ما القائد ~~المشفق؟ قال: حسن المنطق. قيل: فما العناء المعنى؟ قال: تطبيعك ما لا طبع ~~له. # وكان أنوشروان يقول: الناس ثلاث طبقات تسوسهم ثلاث سياسات: # [طبقة من خاصة الأحرار تسوسهم بالعطف واللين والإحسان، و] طبقة من خاصة ~~الأشرار تسوسهم بالغلظة والعنف والشدة، وطبقة من العامة تسوسهم باللين ~~والشدة، لئلا تحرجهم الشدة، ولا يبطرهم «2» اللين. # PageV03P640 # وقال واصل بن عطاء: ألا قاتل الله هذه السفلة! تواد من حاد الله ونبيه، ~~وتحاد من واد الله ونبيه، وتذم من مدحه الله، وتمدح من ذمه الله؛ على أنه ~~بهم علم الفضل لأهل الطبقة العالية، وبهم أعطيت الأوساط حظا من النبل. # وقيل لبعض الملوك، [وقد بلغ فى القدر ما لم يبلغه أحد. من ملوك زمانه] : ~~ما الذى بلغ بك هذه المنزلة؟ قال: عفوى عند قدرتى، ولينى عند شدتى، وبذلى ~~الإنصاف ولو من نفسى، وإبقائى فى الحب والبغض مكانا لموضع الاستبدال. # وقال الإسكندر لأحد الحكماء، وأراد سفرا: أرشدنى لأحزم أمرى. # قال: لا تملأن قلبك من محبة الشىء، ولا يستولين عليك بغضه، واجعلهما قصدا ~~«1» ؛ فإن القلب كاسمه ينزع ويرجع، واجعل وزيرك التثبت، وسميرك التيقظ، ولا ~~تقدم إلا بعد المشورة؛ فإنها نعم الدليل، فإذا فعلت ذلك ملكت قلوب رعيتك. # وقيل لبعض الحكماء ما الحزم؟ قال: سوء الظن قيل: فما الصواب؟ قال: # المشورة. قيل: فما الرأى الذى يجمع القلوب على المودة؟ قال: كف بذول، ~~وبشر جميل. قيل: فما الاحتياط؟ قال: الاقتصاد فى الحب والبغض. # وسئل بزرجمهر: ما المروءة؟ قال: ترك ما لا يعنى. قيل: فما الحزم؟ قال: # انتهاز الفرصة. قيل: فما الحلم؟ قال: العفو عند المقدرة. قيل: فما الشدة؟ ~~قال: # ملك الغضب. قيل: فما الخرق؟ قال: حب مغرق؛ وبغض مفرط. # قال معاوية رضى الله عنه لزياد حين ولاه العراق: يا زياد؛ ليكن حبك وبغضك ~~قصدا؛ فإن العثرة فيهما كامنة، واجعل للنزوع والرجوع بقية من قلبك، واحذر ms392 ~~صولة الانهماك، فإنها تؤدى إلى الهلاك. # PageV03P641 ### | ومن كلام بلغاء أهل العصر فى ذكر السلطان # أبو القاسم الصاحب: مرضاة السلطان، لا تغلو بشىء من الأثمان، ولا ببذل ~~الروح والجنان. تهيب السلطان فرض وكيد، وحتم على من ألقى السمع وهو شهيد. # أبو إسحاق الصابى: الملك أحق باصطفاء رجاله منه باصطفاء أمواله؛ لأنه مع ~~اتساع الأمر وجلالة القدر لا يكتفى بالوحدة، ولا يستغنى عن الكثرة؛ ومثله ~~فى ذلك مثل المسافر فى الطريق البعيد الذى يجب أن تكون عنايته بفرسه ~~المجنوب، كعنايته بفرسه المركوب. # فصل للصابى: الملك بمن غلط من أتباعه فاتعظ أشد انتفاعا منه بمن لم يغلط ~~ولم يتعظ؛ فالأول كالقارح «1» الذى أدبته الغرة، وأصلحته الفدامة، والثانى ~~كالجذع المتهوك «2» الذى هو راكب للغرة وراكن إلى السلامة. # وقيل: إن العظم إذا جبر من كسره عاد صاحبه أشد بطشا وأقوى أيدا. # أبو بكر الخوارزمى: لا صغير مع الولاية والعمالة، كما لا كبير مع العطله ~~والبطالة؛ وإنما الولاية أنثى تصغر وتكبر بواليها، ومطية تحسن وتقبح ~~بممتطيها، والصدر لمن يليه، والدست لمن جلس فيه، والأعمال بالعمال، كما أن ~~النساء بالرجال. # فصل له: إن ولاية المرء ثوبه؛ فإن قصر عرى منه، وإن طال عثر فيه. # قليل السلطان كثير، ومداراته حزم وتدبير، ومكاشفته غرور وتغرير. # أبو الفتح البستى: أجهل الناس من كان على السلطان مدلا، وللاخوان مذلا. # أبو الفضل ابن العميد: الإبقاء على حشم السلطان وعماله عدل الإبقاء «3» ~~على ماله، والإشفاق [على حاشيته وحشمه مثل الإشفاق على ديناره ودرهمه] . # PageV03P642 # وله من رسالة طويلة، جواب لأبى شجاع عضد الدولة عن كتاب اقتضاه فيه صدر ~~كتاب ألفه أبو الحسن الصوفى فى نوع من علوم الهيئة. # أنا أقدم الإجابة بحمد الله تعالى جده، على ما وهب لنا معاشر عبيده وخدمه ~~خاصة، بل لرعاياه عامة، بل لأهل الأرض كافة، من عظيم النعمة بمكانه، وجسيم ~~الموهبة بإنفاق أعمارنا فى زمانه، حتى شاركناه فى أسباب السعادة التى لم ~~تزل مذخورة عليه، حتى صارت إليه، وساهمناه فى مواد الفضيلة التى لم تزل ~~محفوظة له حتى انصلت ms393 به؛ فإن المرء أشبه شىء بزمانه، وصفات كل زمان منتسخة ~~من سجايا سلطانه؛ فإن فضل شاع الفضل فى الزمان وأهله، وتحلى الدهر بأفضل ~~حليته، وتجلى للعيون والقلوب بأحسن زينته، وكسابنيه والناشئين فيه بشرف ~~جوهره، وأورثهم نيل فضله، وعز العلم وأهله، وعرف لمقتبسه قدره، وتوجهت ~~الاذهان نحوه، وتعلقت الخواطر به، وصرفت الفكر فيه، ونشدت ضواله، ونظم ~~أشتاته، وجمعت أفراده، ووثقت نفوس الساعين فى استفادته بحسن عائدته، فحرصت ~~عليه، وصرفت نظرها إليه، وأيقنت فى بضاعتها بالنفاق، وفى تجارتها بالإرفاق؛ ~~فصار ذلك إلى نماء العلوم وزيادتها داعية، ولتكثير قليلها وإيضاح مجهولها ~~سببا وعلة، وإلى انخراط جواهرها المتفرقة فى سلوك التصنيف سبيلا، وإلى ~~تقييد شواردها بعقل «1» التأليف طريقا. وإن رذل السلطان اتبعت الرذيلة ~~اتباعا، وذهبت القضائل ضياعا، وبطلت الأقدار والقيم، وسلبت الأخطار والهمم، ~~وزال العلم والتعلم، ودرس الفهم والتفهم، وضرب الجهل بجرانه، ووطىء بمنسمه، ~~واستعلى الخمول على النباهة، واستولى الباطل على الحق، وصار الأدب وبالا ~~على صاحبه، والعلم نكالا على حامله. وبحسب عظيم المحنة بمن هذه صفته، ~~والبلوى مع من هذه صورته، تعظم النعمة بملك سلطان عالم، كالأمير الجليل عضد ~~الدولة، أطال الله تعالى بقاءه، وأدام قدرته، الذى أحله الله عز وجل من ~~الفضائل بملتقى طرقها ومجتمع فرقها، فهى نواد ممن لاقت # PageV03P643 # حتى تصير إليه، وشوارد نوازع حيث حلت حتى تقع عليه، تتلفت تلفت الرامق، ~~وتنشوف إليه تشوف الصب العاشق، قد ملكها أنى توجهت وحشة المضاع وحيرة ~~المرتاع. # فإن تغش قوما غيره أو تزرهم ... فكالوحش يدنيها من الأنس المحل «1» # حتى إذا قابلته أسرعت إليه إسراع السيل بنصب فى الحدور، والطير ينقض إلى ~~الوكور. # وقال أبو الطيب المتنبى: # أحق عاف بدمعك الهمم ... أحدث شىء عهدا بها القدم «2» # وإنما الناس بالملوك، وما ... تفلح عرب ملوكها عجم # لا أدب عندهم ولا حسب ... ولا عهود لهم ولا ذمم # بكل أرض وطئتها أمم ... ترعى بعبد كأنها غنم # يستخشن الخز حين يلمسه ... وكان يبرى بظفره القلم # وقال الزبير بن بكار: قدم ابن ميادة، واسمه الرماح بن أبرد، زائرا العبد ~~الواحد ms394 بن سليمان، وهو أمير المدينة، فكان عنده ليلة فى سماره؛ فقال عبد ~~الواحد لأصحابه: إنى لأهم أن أتزوج فابغونى أيما، قال ابن ميادة: أنا- ~~أصلحك الله- أدلك، قال: على من يا أبا بشر نميل؟ قال: قدمت عليك أيها ~~الأمير، فلما قدمت ألفيت المسجد وإذا أشبه شىء به وبمن فيه الجنة ومن فيها، ~~فبينا أنا أمشى إذ قادتنى رائحة رجل عطر حتى وقفت عليه، فلما وقع بصرى عليه ~~استلهى حسنه ناظرى، فما أقلعت ناظرى حتى تكلم فما زال يتكلم كأنما ينثر ~~درا، ويتلو زبورا، ويدرس إنجيلا، ويقرأ فرقانا، حتى سكت، فلولا معرفتى ~~بالأمير ما شككت أنه هو، ثم خرج من مصلاه إلى داره، فسألت عنه، فأخبرت أنه # PageV03P644 # من الحسن بمكانة، وأنه للخليفتين، وأنه قد نالته ولادة من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لها ساطع من غرته؛ فإن اجتمعت أنت وهو على ولد ساد العباد، ~~وجاب ذكره البلاد. # فلما قضى ابن ميادة كلامه قال عبد الواحد ومن حضر: ذلك محمد بن عبد الله ~~ابن عمرو بن عثمان رضى الله تعالى عنه لفاطمة بنت الحسين بن على رضى الله ~~عنهم، وقال ابن ميادة: # لهم سيرة لم يعطها الله غيرهم ... وكل قضاء الله فهو مقسم # هذا فى تقابل نسبه، وكمال منصبه، كقول عويف القوافى فى طلحة بن عبد الله ~~الزهرى: # يصم رجال حين يدعون للندى ... ويدعون ابن عوف للندى فيجيب # وذاك امرؤ من أى عطفيه يلتفت ... إلى المجد يحوى المجد وهو قريب # وعبد الواحد بن سليمان هذا هو الذى يقول فيه القطامى: # أقول للحرف لما أن شكت أصلا ... طول السفار وأفنى نيها الرحل «1» # إن ترجعى من أبى عثمان منجحة ... فقد يهون على المستنجح العمل # أهل المدينة لا يحزنك شأنهم ... إذا تخطأ عبد الواحد الأجل # ومن قول القطامى: «إن ترجعى من أبى عثمان منجحة» أخذ الآخر قوله: # إذا ما تعنى المرء فى إثر حاجة ... فأنجح لم يثقل عليه عناؤه # وهو عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، قال الكلبى: هو عبد ~~الواحد ابن الحارث ms395 بن الحكم بن أبى العاص بن أمية، والأول قول ابن السكيت. # PageV03P645 # والقصيدة التى منها هذه الأبيات من أجود قوله، وفيها يقول مما يتمثل به: # والعيش لا عيش إلا ما تقر به ... عين ولا حال إلا سوف ينتقل # والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهى ولأم المخطىء الهبل «1» # قد يدرك المتأنى بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل # قوله: «والناس من يلق خيرا قائلون له» مأخوذ من قول المرقش: # ومن يلق خيرا لحمد؟؟؟ الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغى لائما # وقال عمرو بن سعيد للأخطل: أيسرك أن لك بشعرك شعرا؟ قال: لا، ما يسرنى أن ~~لى بقولى مقولا من مقاويل العرب، غير أن رجلا من قومى قال أبياتا حسدته ~~عليها، وايم الله، إنه لمغدف القناع، ضيق الذراع، قليل السماع، قال: ومن ~~هو؟ قال: القطامى، قال: وما هذه الأبيات؟ فأنشد له يصف إبلا من هذه ~~القصيدة: # يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتكل «2» # فهن معترضات والحصا رمض ... والريح ساكنة والظل معتدل «3» # يتبعن سامية العينين تحسبها ... مجنونة أو ترى ما لا ترى الإبل ### | [نغم الألفاظ ونغم الألحان] # قال أبو العتاهية لمخارق: أنت بنغم ألفاظك دون نغم ألحانك، تطرب إذا ~~تكلمت، فكيف إذا ترنمت! وقال له يوما: يا حكيم هذه الأقاليم؛ أصبب فى هذه ~~الآذان من جيد تلك الألحان، فأقسم لو كان الكلام طعاما، لكان غناؤك له ~~إداما. # PageV03P646 # قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: دخلت على المعتصم يوما وقد خلا، وعنده ~~جارية تعنيه، وكان معجبا بها، فلما جلست قال لى: يا أبا إسحاق، كيف تراها؟ # فقلت: يا أمير المؤمنين، أراها تقهره بحذق، وتختله برفق، ولا تخرج من حسن ~~إلا إلى أحسن منه، وفى حلقها شذور نغم أحسن من دوام النعم، قال: يا إسحاق؛ ~~هن غايات الأمل، ومنسيات الأجل، والسقم الداخل، والشغل الشاغل، وإن صفتك ~~هذه لو سمعها من لم يرها لفقد لبه، وقضى نحبه. # وسئل إسحاق عن المجيد من المغنين، فقال: من لطف فى اختلاسه، وتمكن من ~~أنفاسه، وتفرع ms396 فى أجناسه، يكاد يعرف ضمائر مجالسيه، وشهوات معاشريه، يقرع ~~مسمع كل واحد منهم بالنحو الذى يوافق هواه، ويطابق معناه. # وكان إسحاق بن إبراهيم قد جمع إلى حذقه بصتاعته حسن التصرف فى العلوم، ~~وجودة الصنعة للشعر، وحدث عن نفسه فقال: كنت أيام الرشيد أبكر إلى هشيم ~~ووكيع فأسمع منهما، ثم أنصرف إلى عاتكة بنت شهيد؛ فتطارحنى صوتين، ثم أصير ~~إلى زلزل الضارب فآخذ منه طريقين، ثم أسير إلى منزلى فأبعث إلى أبى عبيدة ~~والأصمعى، فلا يزالان عندى إلى الظهر، ثم أذهب إلى الخليفة. # ونزل أبوه بالموصل وليس من أهلها فنسب إليها، وهو مولى خزيمة بن خازم «1» ~~التميمى، وفى ذلك يقول إسحاق: # إذا مضر الحمراء كانت أرومتى ... وقام بنصرى خازم وابن خازم # عطست بأنفى شامخا وتناولت ... بنانى الثريا قاعدا غير قائم # وفيه يقول محمد بن عامر الجرجانى يرثيه: # على الجدث الشرقى عوجا فسلما ... ببغداد لما صد عنه عوائده # أإسحاق لا تبعد، وإن كان قد رمى ... بك الموت مرمى ليس يصدر وارده # متى تأته يوما تحاول منفسا ... من الدين والدنيا فإنك واجده # PageV03P647 # إذا هزل اخضرت فروع حديثه ... ورقت حواشيه وطابت مشاهده # وإن جد كان القول جدا وأقسمت ... مخارجه ألا تلين شدائده # ومن جيد شعر إسحاق قصيدته فى إسحاق بن إبراهيم المصعبى بعد إيقاعه ~~بالخرمية: # تقضت لبانات وجد رحيل ... ولم يشف من أهل الصفاء غليل # ومدت أكف للوداع فصافحت ... وفاضت عيون للفراق تسيل # ولابد للالاف من فيض عبرة ... إذا ما خليل بان عنه خليل «1» # فكم من دم قد طل يوم تحملت ... أوانس لا يودى لهن قتيل «2» # غداة جعلت الصبر شيئا نسيته ... وأعولت لو أجدى على عويل «3» # ولم أنس منها نظرة هاج لى بها ... هوى منه باد ظاهر ودخيل # كما نظرت حوراء فى ظل سدرة ... دعاها إلى ظل الكناس مقيل # فلا وصل إلا أن تلافاه أينق ... عتاق مماها؟؟؟ شدقم وجديل «4» # إذا قلبت أجفانها بتنوفة ... طوى البعد منها هزة وذميل «5» # تفرد إسحاق بنصح أميره ... فليس له عند الإمام عديل # يفرج عنه الشك صدق عزيمة ... ولب به ms397 يعلو الرجال أصيل # أغر بجيب الوالدين كأنه ... حسام جلت عنه العيون صقيل # بنى مصعب للمجد فيكم إذا بدت ... وجوهكم للناظرين دليل # كرمتم فما فيكم جبان لدى الوغى ... ولا منكم عند العطاء بخيل # غلبتم على حسن الثناء فراقكم ... ثناء بأفواه الرجال جميل # PageV03P648 # إذا استكثر الأعداء ما قلت فيكم ... فإن الذى يستكثرون قليل # وهذا نمط الحذاق الفحول، وقال: # ومدرجة للريح غبراء لم يكن ... ليجشمها زميلة غير صارم «1» # يضل بها السارى وإن كان هاديا ... وتقطع أنفاس الرياح النواسم # تعسفت أبرى جوزها بشملة ... بعيدة ما بين العرى والمحازم «2» # كأن شرار المرو من نبذها به ... نجوم هوت إحدى الليالى العواتم «3» # إذا ضمها والسفر ليل فغيبت ... دياجيره عنهم رءوس المعالم # تنادوا فصاروا تحت أكناف رحلها ... ليهديهم قدح الحصى بالمناسم # وقال: # ولما رأين البين قد جد جده ... ولم يبق إلا أن تبين الركائب # دنونا فسلمنا سلاما مخالسا ... فردت علينا أعين وحواجب # تصد بلا بغض ونخلس لمحة ... إذا غفلت عنا العيون الرواقب # نذاد إذا حمنا لنشفى غلة ... كما ذيد عن ورد الحياض الغرائب # وما أحسن ما قال أبو العباس الناشىء فى هذا المعنى: # ولما رأين البين زمت ركابه ... وأيقن منا بانقطاع المطالب # طلبن على الركب المجدين علة ... فعجن علينا من صدور الركائب # فلما تلاقينا كتبن بأعين ... لنا كتبا أعجمنها بالحواجب # فلما قرأناهن سرا طوينها ... حذار الأعادى بازورار المناكب # وقال إسحاق: # ألا من لقلب لا يزال رمية ... للمحة طرف أو لكسرة حاجب # (2- زهر الآداب 3) # PageV03P649 # وللخمر اللاتى تساقط لوثها ... فتور الخطا عن واردات الذوائب ### | [استطراد فى ذكر جمال الذوائب] # وعلى ذكر الذوائب قال ابن المعتز: # سقتنى فى ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب # فأمسيت فى ليلين بالشعر والدجى ... وخمرين من راح وخد حبيب # وقال بكر بن النطاخ: # بيضاء تسحب من قيام شعرها ... وتغيب فيه وهو جثل أسحم «1» # فكأنها فيه نهار مبصر ... وكأنه ليل عليها مظلم # وقال المتنبى: # نشرت ثلاث ذوائب من شعرها ... فى ليلة فأرت ليالى أربعا # واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتنى القمرين فى وقت معا # وقال ابن الرومى: ms398 # وفاحم وارد يقبل ممشاه ... إذا اختال مسبلا غدره «2» # أقبل كالليل فى مفارقه ... منحدرا لا يرام منحدره # حتى تناهى إلى مواطئه ... يلثم من كل موطىء عفره # كأنه عاشق دنا شغفا ... حتى قضى من حبيبه وطره # يغشى غواشى قرونه قدما ... بيضاء للناظرين مقتدره # مثل الثريا إذا بدت سحرا ... بعد غمام وحاسر حسره # أخذه بعض أهل العصر- وهو محمد بن مطران- فقال: # PageV03P650 # ظباء أعارتها الظبا حسن مشيها ... كما قد أعارتها العيون الجاذر # فمن حسن ذاك المشى قامت فقبلت ... مواطىء من أقدامهن الغدائر # وقال مسلم بن الوليد: # أجدك هل تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر # نصبت لها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعفر ### | [وحدة القصيدة واتساقها] # قال الحاتمى: مثل القصيدة مثل الإنسان فى اتصال بعض أعضائه ببعض؛ فمتى ~~انفصل واحد عن الآخر وباينه فى صحة التركيب، غادر الجسم ذا عاهة تتخون «1» ~~محاسنه، وتعفى معالمه؛ وقد وجدت حذاق المتقدمين وأرباب الصناعة من المحدثين ~~بحترسون فى مثل هذا الحال احتراسا يجنبهم شوائب النقصان، ويقف بهم على محجة ~~الإحسان، حتى يقع الاتصال، ويؤمن الانفصال، وتأتى القصيدة فى تناسب صدورها ~~وأعجازها وانتظام نسيبها بمديحها كالرسالة البليغة، والخطبة الموجزة، لا ~~ينفصل جزء منها عن جزء، وهذا مذهب اختص به المحدثون؛ لتوقد خواطرهم، ولطف ~~أفكارهم، واعتمادهم البديع وأفانينه فى أشعارهم، وكأنه مذهب سهلوا حزنه «2» ~~، ونهجوا رسمه؛ فأما الفحول الأوائل، ومن تلاهم من المخضرمين والإسلاميين ~~فمذهبهم المتعالم «عد عن كذا إلى كذا» «3» وقصارى كل واحد منهم وصف ناقته ~~بالعتق، والنجابة والنجاء، وأنه امتطاها؛ فادرع عليها جلباب الليل؛ وربما ~~اتفق لأحدهم معنى لطيف يتخلص به إلى غرض لم يتعمده إلا أن طبعه السليم، ~~وصراطه فى الشعر المستقيم، نصبا مناره «4» وأوقدا باليفاع ناره؛ فمن أحسن ~~تخلص شاعر إلى معتمده قول النابغة الذبيانى: # PageV03P651 # فكفكفت منى عبرة فرددتها ... على النحر منها مستهل ودامع # على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت: ألما أصح والشيب وازع # وقد حال هم دون ذلك شاغل ... مكان الشغاف تبتغيه الأصابع # وعيد أبى قابوس فى غير كنهه ... أتانى ودونى ms399 راكس فالضواجع # وهذا كلام متناسخ «1» تقتضى أوائله أواخره، ولا يتميز منه شىء عن شىء # أتانى، أبيت اللعن، أنك لمتنى ... وتلك التى تستك منها المسامع # مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع # ولو توصل إلى ذلك بعض الشعراء المحدثين الذين واصلوا تفتيش المعانى، ~~وفتحوا أبواب البديع، واجتنوا ثمر الآداب، وفتحوا زهر الكلام لكان معجزا ~~عجبا، فكيف بجاهل بدوى إنما يغترف من قليب قلبه، ويستمد عفو هاحسه. # وقال على بن هارون المنجم عن أبيه: لم يتوصل أحد إلى مدح بمثل قول [ابن] ~~وهيب: # ما زال يلثمنى مراشفه ... ويعلنى الإبريق والقدح # حتى استرد الليل خلعته ... وبدا خلال سواده وضح «2» # وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح # وقال على بن الجهم: # وليلة كحلت بالنقس مقلتها ... ألقت قناع الدجى فى كل أخدود «3» # قد كاد يغرقنى أمواج ظلمتها ... لولا اقتباسى سنا وجه ابن داود # قوله: «كحلت بالنقس مقلتها» مأخوذ من قول أعرابى: «والليل قد صبغ الحصى ~~بمداد» . # PageV03P652 # وقد أخذ هذا أبو نواس فقال: # أبن لى كيف صرت إلى حريمى ... وجفن الليل مكتحل بقار # وقد أخذ هذا أبو تمام فقال: # إليك هتكنا جنح ليل كأنه ... قد اكتحلت منه البلاد بإثمد # وقد أخذ لفظ الأعرابى المتقدم أبو نواس فقال: # قد أغتدى والليل كالمداد ... والصبح ينفيه عن البلاد # طرد المشيب حالك السواد # وإنما نظر فى هذا إلى قول الأعرابى «1» : # أقول والليل قد مالت أواخره ... إلى الغروب: تأمل نظرة حار # ألمحة من سنا برق رأى بصرى ... أم وجه نعم بدا لى أم سنا نار # بل وجه نعم بدا والليل معتكر ... فلاح ما بين حجاب وأستار # ومن بديع الخروج قول على بن الجهم وذكر سحابة: # وسارية تزدار أرضا بجودها ... شغلت بها عينا طويلا هجودها «2» # أتتنا بها ريح الصبا فكأنها ... فتاة ترجيها عجوز تقودها # [فما برحت بغداد حتى تفجرت ... بأودية ما تستفيق مدودها] # فلما قضت حق العراق وأهله ... أتاها من الريح الشمال بريدها # فمرت تفوت الطير سبقا كأنها ... جنود عبيد الله ولت بنودها # يريد انصراف أصحاب عبيد ms400 الله بن خاقان عن الجعفرى إلى سر من رأى عند قتل ~~المتوكل. وقد أخذ هذا التشبيه معكوسا من قول أبى العتاهية: # ورايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها قطع السحاب # PageV03P653 # وقال ديك الجن: # وغرير يقضى بحكمين: فى الرا ... ح بجور، وفى الهوى بمحال # للنقاردفه، وللخوط ما حمل ... لينا، وجيده للغزال «1» # فعلت مقلتاه بالصب ما ... تفعل جدوى يديك بالأموال # ومن بارع الخروج قول المتنبى: # مرت بنا بين تربيها فقلت لها: ... من أين جانس هذا الشادن العربا # فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الشرى وهو من عجل إذا انتسبا # واشتهار شعره، يمنعنى من ذكره. ### | [السر فى الابتداء بالنسيب] # قال ابن قتيبة «2» : سمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيدة إنما ابتدأ ~~بوصف الديار والدمن والآثار؛ فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق؛ ~~ليجعل ذلك سببا لذكر أهله الظاعنين؛ إذ كانت نازلة العمد فى الحلول والظعن ~~على خلاف ما عليه نازلة المدر؛ لانتقالهم من ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، ~~وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان؛ ثم وصل ذلك بالنسيب، فبكى شدة الوجد، وألم ~~الصبابة والشوق؛ ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، ويستدعى إصغاء ~~الأسماع؛ لأن النسيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب «3» ، لما جعل الله ~~تعالى فى تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء، فليس أحد يخلو من أن ~~يكون متعلقا منه بسبب، وضاربا فيه بسهم، حلال أو حرام. فإذا استوثق من ~~الإصغاء إليه، والاستماع له؛ عقب بإيجاب الحقوق؛ فرحل فى شعره، وشكا النصب ~~والسهر، وسرى الليل [وحر الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير، # PageV03P654 # فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمام التأميل] ، وقرر عنده ما ~~ناله من المكاره فى المسير، بدأ فى المديح فبعثه على المكافأة، وفضله على ~~الأشباه، وصغر فى قدره الجزيل، وهزه لفعل الجميل؛ فالشاعر المجيد من سلك ~~هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدا أغلب على الشعر، ولم ~~يطل فيمل السامعين، ولم يقطع وفى النفوس ظمأ إلى المزيد. ### | [موازنة بين أبى تمام والبحترى] # ويتعلق بهذه القطعة ما حدث به الحاتمى عن ms401 نفسه، وإن كانت الحكاية طويلة ~~فهى غير مملولة؛ لما لبسته من حلل الآداب، وتزينت به من حلى الألباب، قال: ~~جمعنى ورجلا من مشايخ البصرة ممن يومأ إليه فى علم الشعر مجلس بعض الرؤساء، ~~وكان خبره قد سبق إلى فى عصبيته للبحترى، وتفضيله إياه على أبى تمام، ووجدت ~~صاحب المجلس مؤثرا لاستماع كلامنا فى هذا المعنى، فأنشأت قولا أنحيت فيه ~~على البحترى إنحاء أسرفت فيه، واقتدحت زناد الرجل، فتكلم وتكلمت، وخضنا فى ~~أفانين من التفضيل والمماثلة، غلوت فى جميعها غلوا شهده جميع من حضر ~~المجلس، وكانوا جلة الوقت، وأعيان الفضل، فاضطر إلى أن قال: ما يحسن أبو ~~تمام يبتدىء، ولا يخرج، ولا يختم، ولو لم يكن للبحترى عليه من الفضل إلا ~~حسن ابتداءاته، ولطف خروجه، وسرعة انتهائه، لوجب أن يقع التسليم له، فكيف ~~بأوابده التى تزداد على التكرار غضارة وجدة ثم أقبل على، فقال: أين يذهب بك ~~عن ابتدائه: # عارضننا أصلا فقلنا الربرب ... حتى أضاء الأقحوان الأشنب «1» # واخضر موشى البرود وقد بدا ... منهن ديباج الخدود المذهب # PageV03P655 # وأنى لأبى تمام مثل خروجه حيث يقول: # أدارهم الأولى بدارة جلجل ... سقاك الحيا روحاته وبوا كره «1» # وجاءك يحكى يوسف بن محمد ... فروتك رياه وجادك ماطره # وقد كرر هذا وزاد فيه فقال: # تنصب البرق مختالا فقلت له: ... لوجدت جود بنى يزدان لم تزد # ومن ذا الذى لطف لأن يخرج من وصف روض إلى مدح، فقال أحسن من قوله: # كأن سناها بالعشى لصحبها ... تبلج عيسى حين يلفظ بالوعد «2» # وأنى لأبى تمام مثل حسن انتهائه حيث يقول: # إليك القوافى نازعات شواردا ... يسير ضاحى وشيها وينمنم # ومشرقة فى النظم غرا يزيدها ... بهاء وحسنا أنها لك تنظم # وقوله فى هذا المعنى: # ألست الموالى فيك نظم قصائد ... هى الأنجم اقتادت مع الليل أنجما # ثناء تخال الروض فيه منورا ... ضحى، وتخال الوشى فيه منمنما # ولقد تقدم البحترى الناس كلهم فى قوله: # لو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... فى وسعه لسعى إليك المنبر # قال أبو على: وكنت ساكنا إلى أن استتم كلامه، فكأن ms402 الجماعة أعجبهم ذلك، ~~عصبية على لا على أبى تمام؛ لأنى كنت كالشجى معترضا فى لهواتهم، وأسر كل ~~واحد منهم إلى صاحبه سرا يومىء به إلى استيلاء الرجل على؛ فلما استتم كلامه ~~وبرقت له بارقة طمع فى تسليمى له ابتدأت فقلت: لست ممن # PageV03P656 # يقعقع له بالشنان، ولا يقرع له بالعصا، لا إله إلا الله! استنت الفصال ~~حتى القرعى! هل هذه المعانى إلا عون مفترعة «1» ، قد تقدم أبو تمام إلى سبك ~~نضارها، وافتضاض أبكارها، وجرى البحترى على وتيرته فى انتزاع أمثالها ~~واتباعها، فأما قوله: «عارضننا أصلا فقلنا الربرب» ، فمن قول أبى جويرية ~~العبدى: # سلمن نحوى للوداع بمقلة ... فكأنما نظرت إلينا الربرب # وقرأن بالحدق المراض تحية ... كادت تكلمنا وإن لم تعرب # وأما قوله فى صفة الغيث مخاطبا للدار: «وجاءك يحكى يوسف بن محمد» وقوله ~~فى هذا المعنى: «لوجدت جود بنى يزدان لم تزد» فمن قول أبى تمام: # ولنؤيها فى القلب نؤى شفه ... وله بظاعنها وبالمتخلف # وكأنما استسقى لهن محمد ... من سومهن من الحيا فى زخرف # ومن قوله الذى تقدم فيه كل أحد لفظا رشيقا ومعنى رقيقا: # ديمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثرى المكروب # لو سعت بقعة لإعظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب # ومن هنا أخذ البحترى: «لسعى إليك المنبر» : # [أيها الغيث حى أهلا بمغدا ... ك وعند السرى وحين تئوب # لأبى جعفر خلائق تحكيهن ... قد يشبه النجيب النجيب # أنت فينا فى ذا الأوان غريب ... وهو فينا فى كل وقت غريب] # «2» وأما قوله: # كأن سناها بالعشى لصحبها ... تبلج عيسى حين يلفظ بالوعد # فإنما نظر فيه إلى قول دعبل بن على: # وميثاء خضراء زربية ... بها النور يلمع فى كل فن «3» # PageV03P657 # ضحوكا إذا لاعبته الرياح ... تأود كالشارب المرجحن # فشبه صحبى سنا نورها ... بديباج كسرى وعصب اليمن # فقلت: بعدتم، ولكننى ... أشبهه بجناب الحسن # فتى لا يرى المال إلا العطاء ... ولا الكنز إلا اعتقاد المنن # وأما قوله فى صفة الغوانى «يسير ضاحى وشيها وينمنم» وقوله فى وصفها: # «وتخال الوشى فيه منمنما» فمن قول أبى تمام: # حلوا بها عقد ms403 النسيب، ونمنموا ... من وشيها نثرا لها وقصيدا # ومن قوله الذى أبدع فيه: # ووالله لا أنفك أهدى شواردا ... إليك تحملن الثناء المنخلا «1» # تخال به بردا عليك محبرا ... وتحسبه عقدا عليك مفصلا # ألذ من السلوى وأطيب نفحة ... من المسك مفتوقا وأيسر محملا # أخف على قلبى وأثقل قيمة ... وأقصر فى قلب الجليس وأطولا # وقول البحترى # هى الأبحم اقتادت مع الليل أنجما # مأخوذ من قول أبى تمام مقصرا عنه كل تقصير عن استيفاء إحسانه حيث يقول: # أصخ تستمع حر القوافى؛ فإنها ... كواكب إلا أنهن سعود # ولا تمكن الإخلاق منها فإنما ... يلذ لباس البرد وهو جديد # فهذه خصال صاحبك فيما عددته من محاسنه التى هتكت بها ستور عواره، ونشرت ~~مطوى أسراره، حتى استوضحت الجماعة أن إحسانه فيها عارية مرتجعة، ووديعة ~~منتزعة، فاسمع ما قال أبو تمام فى نحو أبياتك التى أوجبت الفضل لصاحبك حين ~~قال مبتدئا: # PageV03P658 # لا أنت أنت، ولا الديار ديار ... خف الهوى، وتقضت الأوطار «1» # كانت مجاورة الطلول وأهلها ... زمنا عذاب الورد فهى بحار # وقوله: # رقت حواشى الدهر فهى تمرمر ... وغدا الثرى فى حليه يتكسر # وقوله: # أرأيت أى سوالف وخدود ... عنت لنا بين اللوى وز رود # وهل يستطيع أحد أن يبتدىء بمثل ابتدائه: # طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئى بذاك شهيدا # دمن كأن البين أصبح طالبا ... دمنا لدى آرامها وحقودا «2» # أو مثل قوله مبتدئا: # يا دار در عليك إرهام الندى ... واهتز روضك للثرى فترأدا «3» # وكسيت من خلع الحيا مستاسدا ... أنفا يغادر وحشه مستأسدا # أو مثل قوله متبدئا: # غدت تستجير الدمع خوف نوى غد ... وعاد قتادا عندها كل مرقد # فاذرى لها الإشفاق دمعا موردا ... من الدم يجرى فوق خد مورد # ولقد أحسن حين ابتدأ فقال: # نوار فى صواحبها نوار ... كما فاجاك سرب أو صوار # تكذب حاسد فنأت قلوب ... أطاعت واشيا ونأت ديار # وحيث يقول: # ما فى وقوفك ساعة من باس ... تقضى ذمام الأربع الأدراس # PageV03P659 # فلعل عينك أن تجود بدمعها ... والدمع منه خاذل ومواسى «1» # وحيث يقول: # ما عهدنا كذا نحيب المشوق ... كيف والدمع آية ms404 المعشوق # وحيث يقول: # دمن ألم بها فقال: سلام، ... كم حل عقدة صبره الإلمام؟ # نحرت ركاب الركب حتى يعبروا ... رجلا، وقد عنفوا على ولاموا # وحيث يقول: # أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ... فلا تكفن عن شانيك أو يكفا # لا عذر للصب أن يقنى السلو ولا ... للدمع بعد مضى الحى أن يقفا # ومن اقتضاباته البعيدة قوله: # لهان علينا أن نقول وتفعلا ... ونذكر بعض الفضل منك فتفضلا # وقوله أيضا مقتضبا: # الحق أبلج والسيوف عوارى ... فحذار من أسد العرين حذار # ومما تقدم فيه كل واحد فى حسن التخلص إلى المدح قوله: # إساءة الحادثات استنبطى نفقا ... فقد أظلك إحسان ابن حسان # وقوله: # إذا العيس لاقت بى أبا دلف فقد ... تقطع ما بينى وبين النوائب # وقوله: # لم يجتمع قط فى مصر ولا طرف ... محمد بن أبى مروان والنوب «2» # وقوله المنقطع دونه كل قول فى هذا المعنى: # PageV03P660 # إن الذى خلق الخلائق قلتها ... أقواتها لتصرف الأحراس # فالأرض معروف السماء قرى لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العباس # القوم ظل الله أسكن دينه ... فيهم، وهم جبل الملوك الراسى «1» # وقوله: # عامى وعام العيس بين وديقة ... مسجورة وتنوفة صيهود «2» # حتى أغادر كل يوم بالفلا ... للطير عيدا من بنات العيد # هيهات منها روضة محمودة ... حتى تناخ بأحمد المحمود # بمعرس العرب الذى وجدت به ... أمن المروع ونجدة المنجود # ومن أبدع ابتدائه قوله: # سقي ديارهم أجش هزيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم # جادت معاهدهم عهاد سحابة ... ما عهدها عند الديار ذميم # ثم تخلص إلى المدح فقال وأحسن كل الإحسان: # لا والذى هو عالم أن النوى ... مر وأن أبا الحسين كريم «3» # مازلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسى على إلف سواك تحوم # ثم عاد إلى المدح، فقال: # لمحمد بن الهيثم بن شبابة ... مجد إلى حيث السماك مقيم # ملك إذا نسب الندى من ملتقى ... طرفيه فهو أخ له وحميم # وأبو تمام الذى وصف القوافى بما لم يستطع وصفها به أحد فقال: # فإن أنا لم يحمدك عنى صاغرا ... عدوك فاعلم أننى غير حامد # بسياحة تنساق من غير سائق ... وتنقاد ms405 فى الآفاق من غير قائد # PageV03P661 # محببة ما إن تزال ترى لها ... إلى كل أفق واحدا غير وافد # مخلقة لما ترد أذن سامع ... فتصدر إلا عن يمين وشاهد # والذى قال أيضا فى صفتها # جاءتك من نظم اللسان قلادة ... سمطان فيها اللؤلؤ المكنون # إنسية وحشية كثرت بها ... حركات أهل الأرض وهى سكون # حذيت حذاء الحضرمية أرهفت ... وأجادها التخصير والتلسين # ينبوعها خضل، وحلى قريضها ... حلى الهدى، ونسيجها موضون «1» # أحذاكها صنع الضمير يمده ... حسب إذا نضب الكلام معين «2» # أما المعانى فهى أبكار إذا ... نصت، ولكن القوافى عون # وقد أبدع فى وصفها فقال: # لم أبق حلية منطق إلا وقد ... سبقت سوابقها إليك جيادى # أبقين فى أعناق جودك جوهرا ... أبقى من الأطواق فى الأجياد # هل يستطيع أحد أن ينسب هذا أو شيئا منه إلى السرق والاحتذاء؟ وهل يستطيع ~~مماثلته بشىء من شعر البحترى، أو أشعار المحدثين فى عصره ومن قبله؟ # فعى عن الجواب قصورا، وأحجم عن المساجلة تقصيرا، وحكمت الجماعة لى ~~بالقهر، وعليه بالنصر، ولم ينصرف عن المجلس حتى اعترف بتقديم أبى تمام فى ~~صنعة البديع واختراع المعانى على جميع المحدثين. وكان يوما مشهودا. ### | [أثر الغناء والجمال] # وقال ثمامة بن أشرس: كنت عند المأمون يوما، فاستأذن الغلام لعمير ~~المأمونى فكرهت ذلك، ورأى المأمون الكراهية فى وجهى، فقال: يا ثمامة، ما ~~بك؟ # PageV03P662 # فقلت: يا أمير المؤمنين، إذا غنانا عمير ذكرت مواطن الإبل، وكثبان الرمل، ~~وإذا غنتنا فلانة انبسط أملى، وقوى جذلى، وانشرح صدرى، وذكرت الجنان ~~والولدان، كم بين أن تغنيك جارية غادة كأنها غصن بان، ترنو بمقلة وسنان؛ ~~كأنما خلقت من ياقوتة، أو خرطت من فضة، بشعر عكاشة العمى حيث يقول: # من كف جارية كأن بنانها ... من فضة قد طرفت عنابا # وكأن يمناها إذا ضربت بها ... تلقى على الكف الشمال حسابا # وبين أن يغنيك رجل كث اللحية، غليظ الأصابع، خشن الكف، بشعر ورقاء بن ~~زهير حيث يقول: # رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادره «1» # وكم بين أن يحضرك من تشتهى النظر إليه، وبين من لا ms406 يقف طرفك عليه؟ فتيسم ~~المأمون، وقال: الفرق بينهما واضح، والمنهج فسيح؛ يا غلام، لا تأذن له، ~~وأحضر أطيب قيناته، فظللنا فى أمتع يوم. # وعكاشة هذا هو عكاشة بن عبد الصمد البصرى، نقى الديباجة، ظريف الشعر، ~~وكان شاعرا مجيدا. وقد أخذ معنى قوله أبو العباس الناشىء، وزاد فيه، فقال: # وإذا بصرت بكفها اليسرى حكت ... يد حاسب تلقي عليك صنوفا # فكأنما المضراب فى أوتاره ... قلم يمجمج فى الكتاب حروفا # ويجسه إبهامها فكأنما ... فى النقر تنفى بهرجا وزيوفا # أخذ هذا البيت من قول أبى شجرة السلمى وذكر ناقته: # تطير عنها حصى الظران من بلد ... كما تنوقد عند الجهبذ الورق «2» # PageV03P663 # وأصله قول امرىء القيس: # كأن صليل المروحين تشذه ... صليل زيوف ينتقدن بعبقرا «1» # وقال أبو الفتح كشاجم: # لو لم تحركه أناملها ... كان الهواء يعيده نطقا # جسته عالمة بحالته ... جس الطبيب لمدنف عرقا # غنت فخلت أظننى طربا ... أسمو إلى الأفلاك أو أرقى # وحسبت يمناها تحركه ... رعدا وخلت يسارها برقا # وأنشد الحاتمى لأبى بكر الصولى: # وغناء أرق من دمعة الصب ... وشكوى المتيم المهجور # يشغل المرء منظر ثم نطق ... فهو يصغى بظاهر وضمير # صافح السمع بالذى يشتهيه ... وأذاق النفوس طعم السرور # ليس بالقائل الضعيف إذا ما ... راض نغما ولا الشنيع الجهير # وقال أبو نواس: # وأهيف مثل طاقة ياسمين ... له حظان من دنيا ودين # يحرك حين يشدو ساكنات ... فتنبعث الطبائع للسكون # وهذا مليح، يريد حركة الجوانح للغناء، وسكون الجوارح للاستماع وقال ~~الحمدونى يصف عودا: # وناطق بلسان لا ضمير له ... كأنه فخذ نيطت إلى قدم # يبدى ضمير سواه للقلوب كما ... يبدى ضمير سواه منطق القلم # PageV03P664 ### | [من وصف القيان] # ومن أحسن ما قيل فى صفة القيان قول ابن الرومى: # وقيان كأنها أمهات ... عاطفات على بنيها حوانى # مطفلات وما حملن جنينا ... مرضعات ولسن ذات لبان # ملقمات أطفالهن ثديا ... ناهدات كأحسن الرمان # مفعمات كأنها حافلات ... وهى صفر من درة الألبان # كل طفل يدعى بأسماء شتى ... بين عود ومزهر وكران «1» # أمه دهرها تترجم عنه ... وهو بادى الغنى عن الترجمان # وقال أبو الفتح كشاجم: # جاءت ms407 بعود كأن نغمته ... صوت فتاة تشكو فرق فتى # محفف حفت العيون به ... كأنما الزهر حوله نبتا # دارت ملاويه فيه فاختلفت ... مثل اختلاف العيون مذثبتا # لو حركته وراء منهزم ... على بريد لعاج والتفتا # وقال: # يقولون تب والكأس فى كف أغيد ... وصوت المثانى والمثالث عالى # فقلت لهم لو كنت أزمعت توبة ... وشاهدت هذا فى المنام بدا لى «2» # وقال: # أفدى التى كلف الفؤاد من أجلها ... بالعود حتى شفنى إطرابا # تاهت بجمع صناعتين، وأظهرت ... كبرا بذاك، وأعجبت إعجابا # قالت: فضلتك بالغناء وأنت لا ... تشدو، وكنا مثلكم كتابا # PageV03P665 # فعنيت بالأوتار حتى لم أدع ... نغما ولم أغفل لهن حسابا # وألفتها فأغار ذاك على يدى ... قلمى وعاتبها عليه عتابا # فجعلت للقرطاس جانب صدره ... وجعلت جانب عجزه مضرابا # وقال: # جاءت بعود كأن الحب أنحله ... فما يرى فيه إلا الوهم والشبح # فحركته وغنت بالثقيل لنا ... صوتا به الشوق فى الأحشاء ينقدح # بيضاء يحضر طيب اللهو ما حضرت ... فإن نأت عنك غاب اللهو والفرح «1» # كل اللباس عليها معرض حسن ... وكل ما تتغنى فهو مقترح # هذا من قول ابن المعتز: # وغنت فأغنت عن المسمعي ... ن وارتج بالطرب المجلس # محاسنها نزهة للعيون ... ومعرضها كل ما تلبس # وقال أيضا: «2» # أشتهى فى الغناء بحة حلق ... ناغم الصوت متعب مكدود # كأنين المحب أضعفه الشو ... ق فضاهى به أنين العود # لا أحب الأوتار تعلو كما لا ... أشتهى الضرب لازما للعمود # وأحب المجنبات كحبى ... للمبادى موصولة بالنشيد # كهبوب الصبا توسط حالا ... بين حالين شدة وركود # وقال: # آه من بحة بغير انقطاع ... لفتاة موصولة الإيقاع # أتعبت صوتها وقد يجتنى من ... تعب الصوت راحة الأسماع # PageV03P666 # فغدت تكثر الشجاج وحطت ... طبقات الأوتار بعد ارتفاع «1» # كأنين المحب خفض منه ... صوت شكواه شدة الأوجاع # وقال بعض أهل العصر، وهو أبو الحسن بن يونس: # غنت فأخفت صوتها فى عودها ... فكأنما الصوتان صوت العود # غيداء تأمر عودها فيطيعها ... أبدا، ويتبعها اتباع ودود # أندى من النوار صبحا صوتها ... وأرق من نشر الثنا المعهود # فكأنما الصوتان حين تمازجا ... ماء الغمامة وابنة العنقود # وأبو الحسن هذا هو: ms408 على بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى ~~صاحب عبد الله بن وهب الفقيه، وكان لأبى الحسن فى الشعر مذهب حسن، وطبع ~~صحيح، وحوك مليح، وكان عالما بالنجوم وما يتعلق بها من علوم الأوائل وهو ~~القائل: # سقى الله أكناف اللوى كلما سقى ... بضرب من المزن الكنهور هامل «2» # إذا نشرت ريح جمان سحابة ... غدا وهو حلى للرياض العواطل # به وجد رعد ليس بين جوانح ... ووسواس ودق ليس بين مفاصل # إذا كان خد البرق يلمس نبته ... تلقاه در النور فوق الخمائل # وقال، وذكر غلاما: # يجرى النسيم على غلائل خده ... وأرق منه ما يمر عليه # ناولته المرآة ينظر وجهه ... فكسته فتنة ناظريه إليه # وقال ابن المعتز- وذكر المرآة: # تبيننى لى كلما رمت نظرة ... وناصحتى من دون كل صديق # PageV03P667 # يقابلنى منك الذى لا عدمته ... بلجة ماء وهو غير غريق # وقال أبو الفتح كشاجم يصف مرآة أهداها: # أخت شمس الصفاء فى الحسن والإشراق ... غير الإعشاء للأجفان # ذات طوق مشرف من لجين ... أجريت فيه صفرة العقيان # فهو كالهالة المحيطة بالبد ... ر لست مضين بعد ثمان # وعلى ظهرها فوارس تلهو ... ببزاة تعدو على غزلان # [لك فيها إذا تأملت فأل ... حسن مخبر بنيل الأمانى] # لم يكن قبلها من الماء جرم ... حاصر نفسه بغير أوان # عدلت عكسها الشعاع فمبدا ... إليها ورجعه سيان # وهى شمس وإن مثالك يوما ... لاح فيها فإنها شمسان # أينما قابلت مثالك من أر ... ض ففيها تقابل النيران # فالقها منك بالذى ما رآه ... خائف فانثنى بغير أمان ### | ومن ألفاظ أهل العصر فى مدح الغناء # غناؤه كالغنى بعد الفقر، وهو جبر للكسر «1» . [غناؤه] يبسط أسرة الوجه، ~~ويرفع حجاب الإذن، ويأخذ بمجامع القلب، ويحرك النفوس، ويرقص الرءوس. فلان ~~طبيب القلوب والأسماع، ومحيى موات الخواطر والطباع، يطعم الآذان سرورا، ~~ويقدح فى القلوب نورا. القلوب من غنائه على خطر؛ فكيف الجيوب؟! السكر على ~~صوته شهادة. كل ما يغنيه مقترح. لغنائه فى القلب، موقع القطر فى الجدب. ~~نغمة نغمته تطرب، وضروب ضربه لا تضطرب. # وقيل: السماع متعة الأسماع، وإدام المدام. ms409 # PageV03P668 ### | [الأقلام] # أهدى بعض الكتاب إلى أخ له أقلاما وكتب إليه: إنه- أطال الله بقاءك! - ~~لما كانت الكتابة قوام الخلافة، وقرينة الرياسة، وعمود المملكة، وأعظم ~~الأمور الجليلة قدرا، وأعلاها خطرا، أحببت أن أتحفك من آلاتها بما يحف عليك ~~محمله، وتثقل قيمته، ويكثر نفعه؛ فبعثت إليك أقلاما من القصب النابت فى ~~الأعذاء «1» ، المغذو بماء السماء، كاللآلى المكنونة فى الصدف، والأنوار ~~المحجوبة بالسدف، تنبو عن تأثير الأسنان، ولا يثنيها غمز البنان، قد كستها ~~طباعها جوهرا كالوشى المحبر، وفرند الديباج المنير، فهى كما قال الكميت: # وبيض رقاق صحاح المتو ... ن تسمع للبيض فيها صريرا # مهندة من عتاد الملوك ... يكاد سناهن يعشى البصيرا # وكقبح النبل فى ثقل أوزانها، وقضب الخيزران فى اعتدالها، ووشيج الخط فى ~~اطرادها، تمر فى القراطيس كالبرق اللائح، وتجرى فى الصحف كالماء السائح، ~~أحسن من العقيان، فى نحور القيان. # وكتب عبيد الله بن طاهر إلى إسحاق بن إبراهيم من خراسان إلى بغداد يسأله ~~أن يوجه إليه بأقلام قصبية: أما بعد، فإنا على طول الممارسة لهذه الصناعة ~~التى غلبت على الاسم، ولزمت لزوم الوسم، فحلت محل الأنساب، وجرت مجرى ~~الألقاب- وجدنا الأقلام القصبية أسرع فى الكواغد، وأمر فى الجلود، كما أن ~~البحرية منها أسلس فى القراطيس، وألين فى المعاطف، وأكل عن طريقها؟؟؟، ~~والتعلق بما ينبو من شظاياها. ونحن فى بلاد قليلة القصب، ردىء ما يوجد # PageV03P669 # بها منه؛ فأحببت أن تتقدم فى اختيار أقلام قصبية، وتتأنق فى انتقائها ~~قبلك، وطلبها فى منابتها، من شطوط الأنهار، وأرجاء الكروم، وأن تتيمم ~~باختيارك منها الشديدة المجس، الصلبة المعض، الغليظة الشحوم، المكتنزة ~~الجوانب، الضيقة الأجواف، الرزينة الوزن، فإنها أبقى على الكتاب، وأبعد من ~~الحفاء، وأن تقصد بانتقائك منها للرقاق القضبان، اللطاف المنظر، المقومات ~~الأود، الملس العقد، ولا يكون فيها التواء عوج ولا أمت؛ وضم الصافية ~~القشور، الخفية الأبن «1» ، الحسنة الاستدارة، الطويلة الأنابيب، البعيدة ~~ما بين الكعوب، الكريمة الجواهر، المعتدلة القوام، تكاد أسافلها تهتز من ~~أعلاها، لاستواء أصولها برءوسها، المستكملة يبسا، القائمة على سوقها، قد ~~تشربت الماء في لحائها، وانتهت فى ms410 النضج منتهاها، لم تعجل عن تمام مصلحتها، ~~وإبان ينعها، ولم تؤخر فى الأيام المخوفة عاهاتها؛ من خصر الشتاء، وعفن ~~الأنداء، فإذا استجمعت عندك أمرت تقطعها ذراعا ذراعا، قطعا رفيقا تتحرز معه ~~أن تتشعب رءوسها، أو تنشق أطرافها، ثم عبأت منها حزما فيما يصونها من ~~الأوعية، وعليها الخيوط الوثيقة، ووجهتها مع من يحتاط فى حراستها وحفظها ~~وإيصالها؛ إذ كان مثلها يتوانى فيه، لقلة خطرها عند من لا يعرف فضل جوهرها؛ ~~واكتب معه بعدتها وأصنافها وأجناسها وصفاتها، على الاستقصاء، من غير تأخير ~~ولا إبطاء. # فأجابه ووجه إليه مع الأنابيب: أتانى كتاب الأمير- أعزه الله! - بما أمر ~~به ولخصه، من البعث بما شاكل نعته، وضاهى صفته، من أجناس الأقلام، فتيممت ~~بغيته قاصدا لها، وانتهجت معالم سبله آخذا بها، فأنفذت إليه حزما أنشئت ~~بلطيف السقيا، وحسن العهد والبقيا، لم تعجل بإخراجها، ولا بودرت # PageV03P670 # قبل إدراكها؛ فهى مستوية الأنابيب معتدلتها، مثقفة الكعوب مقومتها؛ لا ~~يرى فيها أمت زور، ولا وصم صغر ولا عوج، وقد رجوت أن يجدها الأمير عند ~~إرادته وحسب بغيته. # ومن كلام منصور بن عمار فى صفة القلم، ويقال إنه لسليمان بن الوليد ~~الكاتب: أو ليس من عجائب الله فى خلقه، وإنعامه على عباده، تعليمه إياهم ~~الكتاب المفيد للباقين حكم الماضين، والمخاطب للعيون بسرائر القلوب، على ~~لغات مختلفة، بمعان مفترقة معقودة، وأحرف مقلوبة، من ألف وتاء، وجيم وباء، ~~متباينات الصور، مختلفات الجهات، لقاحها التفكير، ونتاجها التأليف، تخرس ~~مفردة، وتنطق مزدرجة، بلا أصوات مسموعة، ولا ألسن محدودة، ولا حركات ظاهرة، ~~بل قلم حرف باريه قطته، ليعلق المداد به، وأرهف جانبيه ليرد ما انتشر عنه ~~إليه، وشق فى رأسه ليحتبس الاستعداد عليه، ورفع من شعبتيه لتجتمع حواشى ~~تصويره؛ فهنالك روى القلم فى شقه، وقذف المادة إلى صدره، فإذا علقتها ~~العيون حكتها الألسن، فالقلوب حينئذ راعية، والآذان واعية، لكلام سداه ~~العقل، وألحمه اللسان، وأدته اللهوات، ولفظته الشفاه، ووعته الأسماع، على ~~اختلاف أنحاء، من صفات وأسماء؛ فتبارك الله أحسن الخالقين. # حمل من رسالة كتبها بعض أهل العصر، وهو ms411 أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله ~~النجيرمى، فى القلم إلى أبى عمران بن رياح: # إنه لما كان القلم مطية الفكر والبيان، ومخرج الضمير إلى العيان، ~~ومستنبطا ما تواريه ظلم الجنان إلى نور البيان، ومريح الفطن العوازب، وجالب ~~الفكر الغرائب [ولسان الغائب، وبز الكاتب، ومكتب الكتائب] ، ومفرق الجلائب، ~~وعماد السلم، وزناد الحرب، ويد الحدثان، وخليفة اللسان، ورأس الأدوات التى # PageV03P671 # خص الله بها الإنسان، وشرفه بها على سائر أصناف الحيوان، ومركبا لآلة قد ~~تقدمت كل آلة، وحكمة سبقت فى الإنسان كل حكمة، وقواما لهندسة عقلية، ومصدرا ~~لعقل العاقل، وجهل الجاهل. الناقل إلينا حكم الأولين، وحاملها عنا إلى ~~الآخرين، الحافظ علينا أمر الدنيا والدين، أول شىء خلقه الله بأمره وسبحه، ~~ومجده وحمده وسجد له، فكان له فرسان خلق لهم، وكنت عميدهم، وأقران قصر ~~عليهم، وأنت صنديدهم، وميدان كنت زينه، ومضمار كنت عينه، وحلية كنت سابقها ~~ومعجزها، وغاية كنت مالكها ومحرزها، ورمت بى الأيام إلى معدنه الذى كلفت به ~~وعنيت بطلبه، فانفردت منه بقدح فذ أوحد، فرد فى مثبته، قد ساعدت عليه ~~السعود فى فلك البروج حولا كاملا، مختلف يؤلفه أركانها وطباعها، ومتباين ~~أنوائها وأنحائها، وتؤيده بقواها وجواهرها، حتى غذته عرقا فى الثرى معرقا، ~~وأرضعته ناجما، وسقته مكعبا، وأروته مقصبا، وأظمأته مكتهلا، ولوحته ~~مستحصدا، وجللته بهاءها، وألقت عليه عنوانها، وأودعته أعراقها وأوراقها ~~وأخلاقها، حتى إذا شق بازله، ورقت شمائله، وابتسم من غشائه، ونادى من ~~لحائه، وتعرى «1» عن خز المصيف، بانقضاء الخريف، وانكشف عن لون البيض ~~المكنون، والصدف المخزون، ودر البحار، وفتات الجمار، دعا منه نفق العاج ~~بنقبة الديباج، وقميص الدرر بطراز النساج، فاجتمعت له زينة الأيدى البشرية، ~~إلى الأيدى العلوية، والأنساب الأرضية، إلى الأنساب السماوية، فلما قادته ~~السعادة إلى، ورأيته نسيج وحده فى الأقلام، رأيت أولى الناس به نسيج وحده ~~فى الأنام، فآثرتك به مؤثرا للصنيعة؛ عالما أن زين الجياد فرسانها، وزين ~~السيوف أقرانها، وزين بزة لابسها، وزين أداة ممارسها، # PageV03P672 # فالآن أعطيت القوس باريها، وزناد المكارم موريها، والصمصامة مصلتها، ~~والقناة معلمها، وحلة المجد لا ms412 بسها. # وكان النجيرمى جيد الروية والبديهة فى نظمه ونثره، حلو التصريف، مليح ~~التأليف، وكان يوما عند أبى المسك كافور الإخشيدى، فدخل عليه أبو الفضل ابن ~~عياش فقال: أدام الله أيام سيدنا الأستاذ- بالخفض- فتبسم كافور إلى أبى ~~إسحاق، فقال ارتجالا: # لا غرو إن لحن الداعى لسيدنا ... وغص من هيبة بالريق والبهر # فمثل سيدنا حالت مهابته ... بين البليغ وبين القول بالحصر # فإن يكن خفض الأيام من دهش ... من شدة الخوف لا من قلة البصر # فقد تفاءلت فى هذا لسيدنا ... والفأل مأثرة عن سيد البشر # بأن أيامه خفض بلا نصب ... وأن دولته صفو بلا كدر # فأمر له بثلاثمائة دينار، ولابن عياش بمائتين. # وقال حمدان الدمشقى يصف قلما: # للأيم بعثته وشق لسانه ... وله إذا لم تجره إطراقه # كالحية النضناض إلا أنه ... من حيث يجرى سمه ترياقه # قال العتابى: سألنى الأصمعى فقال لى: أى الأنابيب أصلح للكتابة وعليها ~~أصبر؟ فقلت: ما نشف بالهجير ماؤه، وستره عن تلويحه غشاؤه، من التبرية ~~القشور الدرية الظهور، الفضية الكسور، قال: فأى نوع من البرى أكتب وأصوب؟ # قلت: البرية المستوية القط، عن يمين سنها، برية تأمن معها المجة عند المط ~~«1» ، # PageV03P673 # الهواء فى مشقها فتيق، والريح فى جوفها خريق، والمداد فى خرطومها رقيق، ~~قال: فبقى الأصمعى شاخصا إلى ضاحكا لا يحير مسألة ولا جوابا. ### | [من ترجمة العتانى وأدبه وأخباره] # والعتابى: هو كلثوم بن عمرو بن الحارث التغلبى، يكنى أبا عمرو، قال أبو ~~عثمان الجاحظ: كان العتابى ممن اجتمع له الخطابة، والبيان، والشعر الجيد، ~~والرسائل الفاخرة، وعلى ألفاظه وحذوه يقول فى البديع جميع من يتكلف ذلك من ~~شعراء المولدين كنحو منصور النمرى، ومسلم بن الوليد الأنصارى، وأشباههما، ~~وكان العتابى يحتذى حذو بشار فى البديع، ولم يكن فى المولدين أجود بديعا من ~~بشار وابن هرمة والعتابى من ولد عمرو بن كلثوم ابن مالك بن عتاب بن سعد، ~~ولذلك قال: # إنى امرؤ هدم الإقتار مأثرتى ... واجتاح ما أبدت الايام من خطرى # أنا ابن عمرو بن كلثوم يسوده ... حيا ربيعة والأحياء من مضر # أرومة عطلتنى من ms413 مكارمها ... كالقوس عطلها الرامى من الوتر # وكان صاحب بديهة فى المنظوم والمنثور، حسن العقل والتمييز، والعرب تقول: ~~من تمنى رجلا حسن العقل، حسن البيان، حسن العلم، تمنى شيئا عسيرا. # وقد اجتمع ذلك كله للعتابى. # وعاتبه يحيى بن خالد على لباسه، وكان لا يبالى أى ثوبيه ابتذل! فقال: ~~أبعد الله رجلا مهمه أن يكون جماله فى لباسه وعطره. إنما ذلك حظ النساء، ~~وأهل الأهواء، حتى يرفعه أكبراه: همته، ولبه، ويعلو به معظماه: # لسانه، وقلبه. # PageV03P674 # ودخل على الرشيد فقال: تكلم يا عتابى! فقال: الإيناس قبل الإبساس، لا ~~يمدح المرء بأول صوابه، ولا يذم بأول خطئه؛ لأنه بين كلام زوره، أوعى حصره. # وذكر أبو هفان أن الرشيد لقيه بعد قتل جعفر بن يحيى وزوال نعمته، فقال: ~~ما أحدثت بعد يا عتابى؟ فأنشده ارتجالا: # تلوم على ترك الغنى باهلية ... طوى الدهر عنها كل طرف وتالد # رأت حولها النسوان يرفلن فى الكسا ... منظمة أجيادها بالقلائد # أسرك أنى نلت ما نال جعفر ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد # وأن أمير المؤمنين أغصنى ... مغصهما بالمرهفات البوارد # فإن رفيعات المعالى مشوبة ... بمستودعات فى بطون الأساود # وكان متحرفا عن البرامكة، وفيهم يقول: # إن البرامك لا تنفك أبحية ... بصفحة الدين من نجواهم ندب «1» # تجرمت حجج منهم ومنصلهم ... مضرج بدم الإسلام مختضب «2» # واجتاز عبد الله بن طاهر بالرقة بمنزل العتابى، فقال: أليس هذا منزل ~~كلثوم ابن عمرو؟ قيل: نعم، فثنى رجله، ودخل إليه، فألفاه جالسا فى بيت ~~كتبه، فحادثه وذاكره، ثم انصرف، فتحدث الناس فى ذلك، وقالوا: إن الأمير لم ~~يقصده، وإنما اجتاز به فأخطر ذلك الزيارة، فكتب إليه: # يا من أفادتنى زيارته ... بعد الخمول نباهة الذكر # قالوا الزيارة خطرة خطرت ... ومجاز خطرك ليس بالخطر # فادفع مقالتهم بثالثة ... تستنفد المجهود من شكرى # PageV03P675 # لا تجعلن الوتر واحدة ... إن الثلاث تتمة الوتر # فبعثته الأبيات إلى أن زاره ثلاثا. # وكان يميل إلى المأمون، فلما خرج المأمون إلى خراسان شيعه حتى وصل معه ~~إلى سندان «1» كسرى، فقال له المأمون: سألتك بالله يا عتابى ms414 إلا عملت على ~~زيارتنا إن صار لنا من هذا الأمر شىء، فلما ولى المأمون الخلافة، ودخل ~~بغداد سنة أربع ومائتين توصل إليه العتابى، فلم يمكنه الوصول، فقال للقاضى ~~يحيى بن أكثم: # إن رأيت أن تعلم أمير المؤمنين بمكانى! فقال: لست بحاجب! قال: قد علمت، ~~ولكنك ذو فضل، وذو الفضل معوان! فقال: سلكت بى غير طريقى! قال: # إن الله تعالى ألحقك بحاه ونعمة، وهما يقيمان عليك بالزيادة إن شكرت، ~~والتغيير إن كفرت، وأنا اليوم لك خير منك لنفسك؛ أدعوك لما فيه زيادة ~~نعمتك، وأنت تأبى ذلك؛ ولكل شىء زكاة، وزكاة الجاه بذله للمستعين، فدخل ~~يحيى على المأمون فقال: أجرنى من لسان العتابى، فلها عنه، ولم يأذن له، ~~فلما طال عليه كتب إليه: # ما على ذلك افترقنا بسندا ... ن ولا هكذا عهدنا الإخاء # لم أكن أحسب الخلافة يزدا ... دبها ذو الصفاء إلا صفاء # تضرب الناس بالمثقفة السمر ... على غدرهم وتنسى الوفاء # يعرض بقتله لأخيه على غدره، ونكثه لما عقد الرشيد؛ فلما قرأ المأمون ~~والأبيات أمر أن يدخل عليه. فلما سلم قال: يا عتابى، بلغتنى وفادتك فسرتنى، ~~وقد كانت بلغتنى وفاتك فساءتنى، وإنى لحرى بالغم لبعدك، والسرور بقربك! ~~فقال: يا أمير المؤمنين؛ لو قسم هذا الكلام على أهل الأرض لوسعهم عدلا # PageV03P676 # وأعجزهم شكرا، وإن رضاك لغاية المنى؛ لأنه لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا ~~معك، قال: سلنى، قال: يدك بالعطية أطلق من لسانى بالمسألة، فأمر له بخمسين ~~ألفا. # وقال العتابى وودع جارية له: # ما غناء الحذار والإشفاق ... وشآبيب دمعك المهراق # ليس يقوى الفؤاد منك على الص ... د ولا مقلتا طليح المآقى # غدرات الأيام منتزعات ... ما غنمنا من طول هذا العناق # إن قضى الله أن يكون تلاق ... بعد ما قد ترين كان تلاق # هونى ما عليك واقنى حياء ... لست تبقين لى ولست بباق # أينا قدمت صروف المنايا ... فالذى أخرت سريع اللحاق # ويد الحادثات رهن بمرا ... ت من العيش مصبرات المذاق # غر من ظن أن يفوت المنايا ... وعراها قلائد الأعناق # كم صفيين متعا باتفاق ms415 ... ثم صارا لغربة وافتراق # قلت للفرقدين والليل ملق ... سود أكنافه على الآفاق # ابقيا ما بقيتما سوف يرمى ... بين شخصيكما بسهم الفراق # بينما المرء فى غضارة عيش ... وصلاح من أمره واتفاق # عطفت شدة الزمان فأدته ... إلى فاقة وضيق خناق # لا يدوم البقاء للخلق ... لكن دوام البقاء للخلاق # وقال فى الرشيد: # إمام له كف تضم بنانها ... عصا الدين ممنوعا من البرى عودها # PageV03P677 # وعين محيط بالبرية طرفها ... سواء عليها قربها وبعيدها # وقال فيه: # رعى أمة الإسلام فهو إمامها ... وأدى إليها الحق فهو امينها # مقيم بمستن الفلاحيث تلتقى ... طوارق أبكار الخطوب وعونها # وكان منصور النمرى سعى به إلى الرشيد فخافه، فهرب إلى بلد الروم. وله ~~قصائد يعتذر فيها جيدة مختارة، وهو مشبه فى حسن الاعتذار بالنابغة ~~الذبيانى، ومن جيد اعتذاره قوله للرشيد، ويقال: بل قالها على لسان. عيسى بن ~~موسى الهاشمى يخاطب الرشيد: # جعلت رجاء العفو عذرا وشبته ... بهيبة إما غافر أو معاتب # وكنت إذا ما خفت حادث نبوة ... جعلتك حصنا من حذار النوائب # فأنزل بى هجرانك اليأس بعد ما ... حللت بواد منك رحب المشارب # أظل ومرعاى الجديب مكانه ... وآوى إلى حافات أكدر ناضب # ولم يثن عن نفسى الردى غير أنها ... تنوء بباق من رجائك ثائب «1» # هى النفس محبوس عليك رجاؤها ... مقيدة الآمال دون المطالب # وتحت ثياب الصبر منى ابن لوعة ... بظل ويمسى مستلين الجوانب # فتى ظفرت منه الليالى بزلة ... فأقلعن عنه داميات المخالب # حنانيك إنى لم أكن بعت عزة ... بذل، وأحرزت المنى بالمواهب # فقد سمتنى الهجران حتى أذقتنى ... عقوبة زلاتى وسوء مناقب # فهاأنا مقصى فى رضاك، وقابض ... على حد مصقول الذبابين قاضب # ومنتزع عما كرهت وجاعل ... هواك مثالا بين عينى وحاجبى # PageV03P678 # وفى هذه القصيدة مما يختار أهل الصناعة: # وأشعث مشتاق رمى فى جفونه ... غريب الكرى بين الفجاج السباسب # سحبت له ذيل السرى وهو لابس ... دجى الليل حتى مج ضوء الكواكب # ومن فوق أكوار المهارى لبانة ... أحل لها أكل الذرى والغوارب # وكل فتى عاداته قصر شوقه ... وطى الحشى دون الهموم العوازب # يسر الهوى لم ms416 يبده نعت فرقة ... صراخا، ولم تسمع به أذن صاحب # إذا ادرع الليل انجلى وكأنه ... بقية هندى الحسام المضارب # بركب ترى كسر الكرى فى جفونهم ... وعهد الليالى فى وجوه مشاحب # وقال أيضا: # لو رأتنى بذى المحارة فردا ... وذراع ابنة الفلاة وسادى «1» # أطفىء الحزن بالدموع إذا ما ... حمة الشوق أثرت فى فؤادى # خاشع الطرف قد توشحنى الضر ... فلانت له قناة قيادى # ترب بؤس أخا هموم كأن ال ... حزن والبؤس وافيا ميلادى # وكأنى استشعرت ما لفظ النا ... س من النائرات والأحقاد # أتصدى الردى وأدرع اللي ... ل بهوجاء فوقها أقتادى # حظ عينى من الكرى خفقات ... بين سرحى ومنحنى أعوادى # أوحش الناس جانبى فما آ ... نس إلا بوحدتى وانفرادى # قد رددت الذى به أتقى النا ... س وأبرزت للزمان سوادى # فاستهلت على تمطرنى الشو ... ق شآبيب مزنة مرعاد # وقال: # أما راع قلب العامرية أننى ... غدوت ومرجوع السقام قرينى # PageV03P679 # وقال: # أكاتم لو عات الهوى ويبينها ... تخلل ماء الشوق بين جفونى # ومطروفة الإنسان فى كل لوعة ... لها نظرة موصولة بحنين ### | [من آداب آل وهب] # وقال الحسن بن وهب بن سعيد: # أبك فمن أحسن ما فى البكى ... أن البكى للوجد تحليل # وهو إذا أنت تأملته ... حزن على الخدين محلول # وقد أعرق بنو وهب فى الكتابة وأنجبوا، ولهم فى هذا الكتاب ما يشهد لهم ~~بما نسب إليهم، وفيهم يقول الطائى: # كل شعب كنتم به آل وهب ... فهو شعبى وشعب كل أديب «1» # إن قلبى لكم لكالكبد الحرى ... وقلبى لغيركم كالقلوب # وفى هذه القصيدة يقول فى مدح سليمان بن وهب: # ما على الوسج «2» الرواتك من عي ... ب إذا ما أتت أبا أيوب # حول لا فعاله مرتع الذم ... ولا عرضه مناخ العيوب # واجد بالصديق من برحاء الش ... وق وجدان غيره بالحبيب # أخذ سليمان منه معنى هذا البيت الأخير، فقال فى رسالة لبعض إخوانه: # ظرف الصداقة، أرق من ظرف العلاقة، والنفس بالصديق، آنس منها بالعشيق. ~~فقال له أبو تمام: كلامك هذا أرق من شعرى. # والحسن بن وهب حسن الشعر والبلاغة، جيد اللسان، حلو البيان، ms417 وكان يحب ~~بنان جارية محمد بن حماد، وله فيها شعر جيد، ولها بقول: # PageV03P680 # أقول وقد حاولت تقبيل كفها ... وبى رعدة أهتز منها وأسكن # ليهنئك أنى أشجع الناس كلهم ... لدى الجرب إلا أننى عنك أجبن # وحضرت مجلسه وبين يديه نار فأمرت بإزالتها، فقال: # بأبى كرهت النار حتى أبعدت ... فعلمت ما معناك فى إبعادها # هى ضرة لك فى التماع ضيائها ... وهبوب نفحتها لدى إيقادها # وأرى صنيعك فى القلوب صنيعها ... بسيالها وأراكها وعرادها «1» # شركنك فى كل الأمور بفعلها ... وضيائها وصلاحها وفسادها # وإلى هذا ينظر قول الأمير تميم بن المعز: # ما هجرت المدام والورد والبد ... ر بطوع، لكن برغم وكره # منعتنى من الثلاثة من لو ... قتلتنى لم أحك والله من هى # قالت الورد والمدامة والبد ... رضيائى ولون خدى ووجهى # قلت بخلا بكل شىء فقالت ... لا ولكن بخلت بى وبشبهى # قلت يا ليتنى شبيهك قالت ... إنما يقتل المحب التشهى # ولما مات الحسن بن وهب- وكان موته بالشام- عزى عنه أخوه سليمان فجاء أبو ~~العيناء، فقال: أنشدنى أبو سعيد الأصمعى: # لعمرى لنعم المرء من آل جعفر ... بحوران أمسى أعلقته الحبائل # لقد فقدوا عزما وحزما وسؤددا ... وعلما أصيلا خالفته المجاهل # فإن عشت لم أملل حياتى وإن تمت ... فما فى حياتى بعد موتك طائل # فقال سليمان: أحسن الله جزاءك، ووصل إخاءك، إن هذا لمن أحسن الشعر، وقد ~~تمثل به قتيبة حين بلغه موت الحجاج، ولكنى أقول كما قال كعب ابن سعد الغنوى ~~يرثى أخاه أبا الغوار: # PageV03P681 # أخى ما أخى لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللقاء هيوب # حليم إذا ما سورة الجهل أطلقت ... حبى الشيب، للنفس اللجوج غلوب # حبيب إلى الزوار غشيان بيته ... جميل المحيا شب وهو أريب # إذا ما تراآه الرجال تحفظوا ... فلم تنطق العوراء وهو قريب # فانصرف الناس يعجبون من علم سليمان، وحسن جوابه، وصحة تمثله. # والأبيات التى أنشدها الأصمعى للحطيئة، واسمه جرول بن أوس بن جؤية ابن ~~مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيفة بن عبس بن بغيض، يقولها فى علقمة ابن علاثة ~~وفيها يقول: # فما ms418 كان بينى لو لقيتك سالما ... وبين الغنى إلا ليال قلائل # قال سليمان بن وهب: لما جار علينا بالنكبة السلطان، وجفانا من أجلها ~~الإخوان، أنصفنا ابن أبى دواد بتطوله، وكفانا الحاجة إليهم بتفضله، فكنا ~~وإياه كما قال الحطيئة: # جاورت آل مقلد فحمدتهم ... إذ لا يكاد أخو جوار يحمد # أيام من يرد الصنيعة يصطنع ... فينا، ومن يرد الزهادة يزهد # وله فصل إلى بعض إخوانه: # لك أن تعتب، وشبيهك أن يعذر؛ فهب أقل الأمرين لأكثرهما، وقدم فضلك على ~~حقك، ويقينك على شكك. # ووصف رجلا بليغا فقال: كان والله واسع المنطق، جزل الألفاظ، ليس بالهذر ~~فى لفظه، [ولا المظلم فى مقصده؛ معناه إلى القلم أسرع من لفظه إلى السمع] . # وهذا ضد قول محمد بن عبد الملك الزيات فى عبيد الله بن يحيى بن خاقان. # هو مهزول الألفاظ، غليظ المعانى، سخيف العقل، ضعيف العقدة، واهى العزم، ~~مأفون الرأى # PageV03P682 ### | ألفاظ لأهل العصر فى ذم الكتاب والكتاب والنثر والشعر # الخرس أحسن من كلامه، والعى أبلغ من بيانه، حاطره ينبو، وقلمه يكبو، ~~ويسهو ويغلط، ويخطىء ويسقط. هو قصير باع الكتابة، قاصر سعى الخطابة، وكتبه ~~مضطربة الألفاظ، متفاوتة الأبعاض، منتشرة الأوضاع، متباينة الأغراض. الجلم ~~أولى بكفه من القلم، والطاس أليق بها من القرطاس. # كلام تنبو عن قبوله الطباع، وتتجافى عن استماعه الأسماع. ألفاظ تنبو عنها ~~الآذان فتمجها، وتنكرها الطباع فتزجها. كلام لا يرفع الطبع له حجابا، ولا ~~يفتح السمع له بابا. كلام يصدى «1» الريان، ويصدىء الأفهام والأذهان. # كلام قد تعمل فيه حتى تبذل، وتكلف حتى تعسف. طبع جاس، ولفظ قاس، لا مساغ ~~له فى سمع، ولا وصول له مع خلو ذرع. كلام لا الروية ضربت فيه بسهم، ولا ~~الفكرة جالت فيه بقدح. كلام تتعثر فى حزونته، وتتحير الأفهام من وعورته. ~~كلمات ضعيفة الإتقان، قليلة الأعيان، مضمحلة على الامتحان. # ألفاظ تستعار من الدياجى، ومعان تقدر من الأثافى. كلام بمثله بنسلى ~~الأخرس عن كلمه، ويفرح الأصم بصممه، أثقل من الجندل، وأمر من الحنظل، هو ~~هذيان المحموم، وسوداء الهموم. كلام رث، ومعنى ms419 غث، لا طائل فيهما، ولا ~~طلاوة عليهما. أبيات ليست من محكم الشعر وحكمه، ولا من أحجال الكلام وغرره. # شعر ضعيف الصنعة ردىء الصيغة بغيض الصفة [وقد جمع بين إقواء «2» وإيطاء، ~~وإبطاء وإخطاء. ما قطع فى شعره شعرة] ولا سقى قطرة. لو شعر بالنقص ما شعر. # PageV03P683 # لا يميز بين خبيث القول وطيبه، ولا يفرق بين بكره وثيبه. هو بارد ~~العبارة، ثقيل الاستعارة. هو من بين الشعراء منبوذ بالعراء. لم يلبس شعره ~~حلة الطلاوة. # له شعر لا يطيب درسه، ولا يخف سرده، وخط مضطرب الحروف، متضاعف التضعيف ~~والتحريف. خط يقذى العين ويشجى الصدر. خط منحط، كأنه أرجل البط، وأنامل ~~السرطان، على الحيطان. قلمه لا يستجيب بريه، ومداده لا يساعد جريه. قلمه ~~كالولد العاق، والأخ المشاق، إذا أدرته استطال، وإذا قومته مال، وإذا بعثته ~~وقف، وإذا وقفته انحرف. قلم مائل الشق، مضطرب المشق، متفاوت [البرى، معدوم ~~الجرى، محرف القط. قلم لم يقلم ظفره فهو] يخدش القرطاس، وينقش الأنقاس «1» ~~، ويأخذ بالأنفاس. قلم لا يبعث إذا بعثته، ولا يقف إذا وقفته. قد وقف ~~اضطراب [بريه، دون استمرار] جريه، واقتطع تفاوت قطه، عن تجويد خطه. ### | [وصف الكلام] # ذكر عتبة بن أبى سفيان كلام العرب فقال: إن للعرب كلاما هو أرق من ~~الهواء، وأعذب من الماء، مرق من أفواههم مروق السهام من قسيها، بكلمات ~~مؤتلفات، إن فسرت بغيرها عطلت، وإن بدلت بسواها من الكلام استصعبت؛ فسهولة ~~ألفاظهم توهمك أنها ممكنة إذا سمعت، وصعوبتها تعلمك أنها مفقودة إذا طلبت. ~~هم اللطيف فهمهم، النافع علمهم، بلغتهم نزل القرآن، وبها يدرك البيان، وكل ~~نوع من معناه مباين لما سواه، والناس إلى قولهم يصيرون، وبهداهم يأتمون، ~~أكثر الناس أحلاما، وأكرمهم أخلاقا. # وكان يقال: خير الكلام المطمع الممتنع. # PageV03P684 # وأنشد إبراهيم بن العباس الصولى لخاله العباس بن الاحنف: # إليك أشكو رب ما حل بى ... من صد هذا العاتب المذنب # إن قال لم يفعل، وان سيل لم ... يبذل، وإن عوتب لم يعتب # صب بعصيانى، ولو قال لى ... لا تشرب البارد لم أشرب # ثم قال: ms420 هذا والله الشعر الحسن المعنى، السهل اللفظ، العذب المستمع، ~~الصعب الممتنع، العزيز النظير، القليل الشبيه، البعيد مع قربه، الحزن مع ~~سهولته، فجعل الناس يقولون: هذا الكلام أحسن من الشعر. # وقال أبو العباس الناشىء يصف شعره: # يتحير الشعراء إن سمعوا به ... فى حسن صنعته وفى تأليفه # فكأنه فى قربه من فهمهم ... ونكولهم فى العجز عن ترصيفه # شجر بدا للعين حسن نباته ... ونأى عن الأيدى جنى مقطوفه # فإذا قرنت أبيه بمطيعه ... وقرنته بغريبه وطريفه # ألفيت معناه يطابق لفظه ... والنظم منه جليه بلطيفه # فأتاه متسقا على إحسانه ... قد نيط منه رزينه بخفيفه # هذبته فجعلته لك باقيا ... ومنعت صرف الدهر عن تصريفه # وقال الناشىء فى فصل من كتابه فى الشعر: الشعر قيد الكلام، وعقل الآداب، ~~وسور البلاغة، ومعدن البراعة، ومجال الجنان، ومسرح البيان، وذريعة المتوسل، ~~ووسيلة المتوصل، وذمام الغريب، وحرمة الأديب، وعصمة الهارب، وعدة الراهب، ~~ورحلة الدانى، ودوحة المتمثل، وروحة المتحمل، وحاكم الإعراب، وشاهد الصواب. # وقال فى هذا الكتاب: الشعر ما كان سهل المطالع، فصل المقاطع، فحل # PageV03P685 # المديح، جزل الافتخار، شجى النسيب، فكه الغزل، سائر المثل، سليم الزلل، ~~عديم الخللى، رائع الهجاء، موجب المعذرة، محب المقتبة، مطمع المسالك، فائت ~~المدارك، قريب البيان، بعيد المعانى، نائى الأغوار، ضاحى القرار، نقى ~~المستشف، قد هريق فيه ماء الفصاحة، وأضاء له نور الزجاجة، فانهل فى صادى ~~الفهم، وأضاء فى بهيم الرأى. لمتأمله ترقرق، ولمستشفه تألق، يروق المتوسم، ~~ويسر المترسم؛ قد أبدت صدوره متونه، وزهت فى وجوهه عيونه، وانقادت كواهله ~~لهواديه، وطابقت [ألفاظه معانيه، وخالفت أجناسه مبانيه، فاطرد لمتصفحه، ~~وأنار] لمستوضحه، وأشبه الروض فى وشى ألوانه، وتعمم أفنانه، وإشراق نواره، ~~وابتهاج أنجاده بأغواره؛ وأشبه الوشى فى اتفاق رقومه، واتساق رسومه، وتسطير ~~كفوفه، وتحبير فوفه؛ وحكى العقد فى التئام فصوله، وانتظام وصوله، وازديان ~~ياقوته بدره، وفريده بشذره، فلو اكتنف الإيجاز موارده، وصقلت مداوس الدربة ~~مناصله، وشحذت مدارس الأدب فياصله، جاء سليما من المعايب، مهذبا من ~~الأدناس، تتحاشاه الأبن، وتتحاماه الهجن، مهديا إلى الأسماع بهجته، وإلى ~~العقول حكمته. # وقد قلت فى ms421 الشعر قولا جعلته مثلا لقائليه، وأسلوبا لسالكيه، وهو: # الشعر ما قومت زيغ صدوره ... وشددت بالتهذيب أسر متونه # ورأبت بالإطناب شعب صدوعه ... وفتحت بالإيجاز غور عيونه # وجمعت بين قريبه وبعيده ... ووصلت بين مجمه ومعينه # وعقدت منه لكل أمر يقتضى ... شبها به فقرنته بقرينه # فإذا بكيت به الديار وأهلها ... أجريت للمحزون ماء شئونه # ووكلته بهمومه وغمومه ... دهرا فلم يسر الكرى بجفونه # PageV03P686 # وإذا مدحت به جوادا ماجدا ... وقضيته بالشكر حق ديونه # أصفيته بنفيسه ورصينه ... ومنحته بخطيره وثمينه # فيكون جزلا فى اتفاق صنوفه ... ويكون سهلا فى اتساق فنونه # وإذا أردت كناية عن ريبة ... باينت بين ظهوره وبطونه # فجعلت سامعه يشوب شكوكه ... ببيانه وظنونه بيقينه # وإذا عتبت على أخ فى زلة ... أدمجت شدته له فى لينه # فتركته مستأنسا لدمائة ... مستيئسا لوعوثه وحزونه # وإذا نبذت إلى التى علقتها ... إن صارمتك بفاتنات شئونه # تيمتها؟؟؟ بلطيفه ورقيقه ... وشغفتها بخفيه وكمينه # وإذا اعتذرت إلى أخ فى زلة ... واشكت بين محيله ومبينه # فيحور ذنبك عند من يعتده ... عتبا عليك مطالبا بيمينه # والقول يحسن منه فى منثوره ... ما ليس يحسن منه فى موزونه # وقال الخليل بن أحمد: الشعراء أمراء الكلام، بضرفونه أنى شاءوا؛ وجائز ~~لهم ما لا يجوز لغيرهم: من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللفظ وتعقيده، ~~ومد مقصوره، وقصر ممدوده، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته وقال: ~~الشعر حلية اللسان، ومدرجة البيان، ونظام الكلام، مقسوم غير محظور، ومشترك ~~غير محصور، إلا أنه فى العرب جوهرى، وفى العجم صناعى. # قال أعرابى لشاعر من أبناء الفرس: الشعر للعرب، فكل من يقول الشعر منكم ~~فإنما نزا على أمه رجل منا! فقال الفارسى: وكذلك من لا يقول الشعر منكم، ~~فإنما نزا على أمه رجل منا! # PageV03P687 # وقال عمارة بن عقيل: أجود الشعر ما كان أملس المتون، كثير العيون، لا ~~يمجه السمع، ولا يستأذن على القلب. وأنشد الجاحظ شعر أبى العتاهية فلم ~~يرضه، وقال: هو املس المتون، ليس له عيون. كأنه وعمارة تجاذبا كلاما واحدا. # وقال ابن عقيل: الشعر بضاعة من بضائع العرب، ودليل من أدلة ms422 الأدب، وأثارة ~~من أثارات الحسب. ولن يهز الشعر إلا الكريم المحتد، الكثير السؤدد، الكلف ~~بذكر اليوم والغد. # ومدح بشار المهدى فلم يعطه شيئا، فقيل له: لم تجد فى مدحه. فقال: # لا والله، لقد مدحته بشعر لو قلت مثله فى الدهر لما خيف صرفه على حر، ~~ولكنى أكذب فى العمل، فأكذب فى الأمل. # نظمه الناجم فقال: # ولى فى أحمد أمل بعيد ... ومدح حين أنشده طريف # مدائح لو مدحت بها الليالى ... لما دارت على لها صروف # قال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان: صف لى جريرا والفرزدق والأخطل، ~~فقال: يا أمير المؤمنين، أما أعظمهم فخرا، وأبعدهم ذكرا، وأحسنهم عذرا، ~~وأسيرهم مثلا، وأقلهم غزلا، وأحلاهم عللا، البحر الطامى إذا زخر، والحامى ~~إذا ذعر، والسامى إذا خطر، [الذى إذا هدر جال، وإذا خطر صال، الفصيح ~~اللسان، الطويل العنان، فالفرزدق. وأما أحسنهم نعتا، وأمدحهم بيتا، وأقلهم ~~فوتا، الذى إن هجا وضع، وإن مدح رفع، فالأخطل. وأما أغزرهم بحرا، وأرقهم ~~شعرا، وأكثرهم ذكرا، الأغر الأبلق، الذى إن طلب لم يسبق، وإن طلب لم يلحق، ~~فجرير. وكلهم ذكى الفؤاد، رفيع العماد، وارى الزناد. # قال مسلمة بن عبد الملك، وكان حاضرا: ما سمعنا بمثلك يا بن صفوان فى ~~الأولين ولا فى الآخرين، أشهد أنك أحسنهم وصفا، وألينهم عطفا، وأخفهم ~~مقالا، # PageV03P688 # وأكرمهم فعالا. فقال خالد: أتم الله عليك نعمه، وأجزل لك قسمه. أنت والله ~~أيها الأمير- ما علمت- كريم الغراس، عالم بالناس، جواد فى المحل، بسام عند ~~البذل، حليم عند الطيش، فى الذروة من قريش، من أشراف عبد شمس، ويومك خير من ~~الأمس. # فضحك هشام وقال: ما رأيت مثلك يا بن صفوان لتخلصك فى مدح هؤلاء، ووصفهم، ~~حتى أرضيتهم جميعا وسلمت منهم. # ودخل العجاج على عبد الملك بن مروان فقال له: بلغنى أنك لا تحسن الهجاء، ~~فقال: يا أمير المؤمنين، من قدر على تشييد الأبنية، أمكنه خراب الأخبية، ~~قال: ما يمنعك من ذلك؟ قال: إن لنا عزا يمنعنا من أن نظلم، وحلما يمنعنا من ~~أن نظلم، قال: لكلماتك أحسن من ms423 شعرك! فما العز الذى يمنعك أن تظلم؟ قال: ~~الأدب [البارع، والفهم الناصع. قال: فما الحلم الذى يمنعك من أن تظلم؟ قال: ~~الأدب] المستطرف، والطبع التالد، قال: لقد أصبحت حكيما. قال: وما يمنعنى من ~~ذلك وأنا نجى أمير المؤمنين؟ # قال أبو إسحاق: وليس كما قال العجاج، بل لكثير من الشعراء طباع تنبو عن ~~الهجاء كالطائى وأضرابه، وأصحاب المطبوع أقدر عليه من أهل المصنوع، إذ كان ~~الهجو كالنادرة التى إذا جرت على سجية قائلها، وقربت من يد متناولها، وكان ~~واسع العطن، كثير الفطن، قريب القلب من اللسان، التهبت بنار الإحسان. # ومما ينحو هذا النحو من مقامات أبى الفتح الإسكندرى إنشاء بديع الزمان ~~قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: طرحتنى النوى مطارحها، حتى إذا وطئت جرجان ~~الأقصى، فاستظهرت على الأيام بضياع أجلت فيها يد العمارة، وأموال وقفتها ~~على التجارة، وحانوت جعلته مثابة «1» ، ورفقة اتخذتهم صحابة، وجعلت للدار ~~حاشيتى النهار، والحانوت ما بينهما؛ فجلسنا يوما نتذاكر الشعر والشعراء، # PageV03P689 # وتلقاءنا شاب قد جلس غير بعيد، ينصت وكأنه يفهم، ويسكت وكأنه لا يعلم، ~~حتى إذا مال الكلام بنا ميله، وجر الجدل فينا ذيله. قال: أصبتم عذيقه «1» ، ~~ووافيتم جذيله، ولو شئت للفظت [فأفضت] ، ولو أردت لسردت، ولجاءت الحق فى ~~معرض بيان يسمع الصم، وينزل العصم. فقلت: يا فاضل، أدن فقد منيت، وهات فقد ~~أثنيت، فدنا وقال: سلونى أجبكم، واستمعوا أعجبكم. # قلنا: فما تقول فى امرىء القيس؟ قال: هو أول من وقف بالديار وعرصاتها، ~~واغتدى والطير فى وكناتها، ووصف الخيل بصفاتها، ولم يقل الشعر كاسبا، ولم ~~يجد القول راغبا، ففضل من تفتق للحيلة لسانه، وانتجع للرغبة بنانه قلنا: ~~وما تقول فى النابغة؟ قال: ينسب إذا عشق، ويثلب إذا حنق، ويمدح إذا رغب، ~~ويعتذر إذا رهب، فلا يرمى إلا صائبا. # قلنا: فما تقول فى طرفة؟ قال: هو ماء الأشعار وطينتها، وكنز القوافى ~~ومدينتها، مات ولم تظهر أسرار دفائنه؟؟؟، ولم تطلق عتاق خزائنه. # قلنا: فما تقول [فى زهير؟ قال: يذيب الشعر والشعر يذيبه، ويدعو القول ~~والسحر يجيبه. # قلنا: فما تقول] ms424 فى جرير والفرزدق؟ وأيهما أسبق؟ قال: جرير أرق شعرا، ~~وأغزر غزرا، والفرزدق أمتن صخرا، وأكثر فخرا، وجرير أوجع هجوا، وأشرف يوما، ~~والفرزدق أكثر روما، وأكثر قوما، وجرير إذا نسب أشجى، وإذا ثلب أردى، وإذا ~~مدح أسنى، والفرزدق إذا افتخر أجزى، وإذا وصف أوفى، وإذا احتقر أزرى. # قلنا: فما تقول فى المحدثين من الشعراء والمتقدمين منهم؟ قال: المتقدمون ~~اشرف لفظا، وأكثر فى المعانى حظا، والمتأخرون ألطف صنعا، وأرق نسجا. # PageV03P690 # قلنا: فلو أريت من أشعارك، ورويت من أخبارك، قال: خذهما فى معرض واحد، ~~وأنشد: # أما ترونى أتغشى طمرا ... ملتحفا فى الضر أمرا إمرا # منطويا على الليالى غمرا ... ملاقيا منها صروفا حمرا # أقصى أمانى طلوع الشعرى ... فقد عنينا بالأمانى دهرا # وكان هذا الحر أعلى قدرا ... وماء هذا الوحه أغلى سعرا # ضربت للسرو قبابا خضرا ... فى دار دارا وإوان كسرى # فانقلب الدهر لبطن ظهرا ... وعاد عرف العيش عندى نكرا # لم يبق من وفرى إلا ذكرا ... ثم إلى اليوم هلم جرا # لولا عجوز لى بسر من را ... وأفرخ دون جبال بصرى # قد جلب الدهر إليهم شرا ... قتلت يا سادة نفسى صبرا! # قال عيسى بن هشام: فنلته ما تاح «1» ، وأعرض عنا فراح، وجعلت أنفيه ~~وأثبته، وأنكره وكأنى أعرفه، ثم دلتنى عليه ثناياه، فقلت: الإسكندرى والله؛ ~~فلقد كان فارقنا خشفا، ووافانا جلفا «2» ، ونهضت على إثره، ثم قبضت على ~~خصره، وقلت: ألست أبا الفتح؟ ألم تكن فينا وليدا، ولبثت فينا من عمرك سنين؟ ~~فأى عجوز لك بسر من رأى؟ فضحك وقال: # ويحك هذا الزمان زور ... فلا يغرنك الغرور # غرق وبرق وكل وطرق ... وأسرق وطلبق لمن تزور # لا تلتزم حالة ولكن ... در لليالى كما تدور # PageV03P691 # ومن إنشائه مقامة ولدها على لسان عصمة وذى الرمة قال: حدثنا عيسى بن هشام ~~قال: بينا نحن فى مجتمع لنا ومعنا يومئذ رجل العرب حفظا ورواية عصمة ابن ~~بدر الفزارى، فأفضى الكلام إلى ذكر من أعرض عن خصمه حلما، أو أعرض عنه خصمه ~~احتقارا، حتى ذكر الصلتان العبدى واللعين المنقري، وما كان من احتقار ms425 جرير ~~والفرزدق لهما. فقال عصمة: سأحدثكم بما شاهدته عينى، ولا أحدثكم عن غيرى: ~~بينا أنا أسير فى بلاد تميم مرتحلا نجيبة، وقائدا جنيبة، عن لى راكب على ~~أورق جعد اللغام «1» ، فاجتاز بى رافعا صوته بالسلام. # فقلت: من الراكب الجهير الكلام، المحيى بتحية الإسلام؟ فقال: أنا غيلان ~~ابن عقبة. فقلت: مرحبا بالكريم حسبه، الشهير نسبه، السائر منطقه. فقال: # رحب واديك، وعز ناديك، فمن أنت؟ قلت: عصمة بن بدر الفزارى. فقال: # حياك الله، نعم الصديق، والصاحب والرفيق. وسرنا فلما هجرنا قال: ألا نغور ~~«2» يا عصمة فقد صهرتنا الشمس؟ فقلت: أنت وذاك، فملنا إلى شجرات ألاء «3» ~~كأنهن عذارى متبرجات، قد نشرن الغدائر، وسرحن الضفائر؛ لأثلات متناوحات؛ ~~فحططنا رحالنا، ونلنا من الطعام، وكان ذو الرمة زهيد الأكل. وزال كل منا ~~إلى ظل أثلة يريد القابلة، واضطجع ذو الرمة وأردت أن أصنع صنيعه، فوليت ~~ظهرى الأرض، وعيناى لا يملكها غمض، فنظرت غير بعيد إلى ناقة كوماء، ضحيت ~~وغبيطها ملقى» # ، وإذا رجل قائم يكلؤها كأنه عسيف أو أسيف «5» ، فلهيت عنهما، وما أنا ~~والسؤال عما # PageV03P692 # لا يعنينى! ونام ذو الرمة غرارا، ثم انتبه، وكان ذلك فى أيام مهاجاته ~~لذلك المرى. فرفع عقيرته ينشد فيه: # أمن مية الطلل الدارس ... ألظ به العاصف الرامس # فلم يبق إلا شجيج القذال ... ومستوقد ما له قابس # وحوض تثلم من جانبيه ... ومحتفل دائر طامس # وعهدى به وبه سكنه ... ومية والإنس والآنس # ستأنى امرأ القيس مأثورة ... يغنى بها العابر الجالس # ألم تر أن امرأ القيس قد ... ألظ به داؤه الناجس # هم القوم لا يالمون الهجاء ... وهل يألم الحجر اليابس؟ # فما لهم فى الفلا راكب ... ولا لهم فى الوغى فارس # إذا طمح الناس للمكرمات ... فطرفهم المطرق الناعس # تعاف الأكارم إصهارهم ... فكل نسائهم عانس # فلما بلغ هذا البيت جعل ذلك النائم يمسح عينيه ويقول: أذو الرميمة يمنعنى ~~النوم بشعر غير مثقف ولا سائر. فقلت: يا غيلان، من هذا؟ فقال: # الفريزد، يعنى الفرزدق، وحمى ذو الرمة: # وأما مجاشع الأرذلون ... فلم يسق ميتهم راجس # سيعقلهم عن مساعى الكرام ms426 ... عقل، ويحبسهم حابس # فقلت: الآن [يشرق فيثور، و] يعم الفرزدق هذا وقبيله بالهجاء. # فوالله ما زاد على أن قال: قبحا لك يا ذا الرميمة! أتعرض لمثلى بمقال ~~منتحل! ثم عاد فى نومه كأن لم يسمع شيئا، وسار ذو الرمة وسرت، وإنى لأرى ~~فيه انكسارا حتى افترقنا. # PageV03P693 # قوله فيما ولد على الفرزدق «بمقال منتحل» ، يريد أن البيت الأخير منقول ~~من قول جرير: # ألم تر أن الله أخزى مجاشعا ... إذا ما أفاضت فى الحديث المجالس # وما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن المجد حابس # عقال: ابن محمد بن [سعيد بن] مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك ابن ~~زيد مناة بن تميم، وهو جد الفرزدق. وحابس: ابن عقال بن محمد بن سفيان ابن ~~مجاشع بن دارم، وهو أبو الأقرع بن حابس أحد المؤلفة قلوبهم. ### | فقر فى الشعر # قيل لابن الزبعرى: لم تقصر أشعارك؟ فقال: لأنها أعلق بالمسامع، وأجول فى ~~المحافل. # وقيل ذلك لعقيل بن علفة فى أهاجيه، فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط ~~بالعنق. # غيره: لسان الشاعر أرض لا تخرج الزهر حتى تستسلف المطر، وما ظنك بقوم ~~الاقتصار محمود إلا فيهم. والكذب مذموم إلا منهم. إياكم والشاعر فإنه يطلب ~~على الكذب مثوبة، ويقرع جليسه بأدنى زلة. # أبو القاسم الصاحب بن عباد: النثر يتطاير كتطاير الشرر، والنظم يبقى بقاء ~~النقش فى الحجر. # أبو عبيدة: الزحاف فى الشعر كالرخصة فى الدين، لا يقدم عليها إلا فقيه. # وقال أبو فراس الحمدانى: # تناهض الناس للمعانى ... لما رأوا نحوها نهوضى # تكلفوا المكرمات كدا ... تكلف الشعر بالعروض # PageV03P694 # وقد مدح الجاحظ العروض وذمها، فقال فى مدحها: العروض ميزان، ومعراض بها ~~يعرف الصحيح من السقيم، والعليل من السليم، وعليها مدار الشعر، وبها يسلم ~~من الأود والكسر. وقال فى ذمه: هو علم مولد، وأدب مستبرد، ومذهب مرفوض، ~~وكلام مجهول، يستنكر «1» العقل بمستفعلن وفعول، من غير فائدة ولا محصول. # ومن مفردات الأبيات فى هذا المعنى قول دعبل: # يموت ردىء الشعر من قبل أهله ... وجيده يبقى وإن مات ms427 قائله # البحترى: # أعيا على؛ فلا هيابة فرق ... يخشى الهجاء، ولا هش فيمتدح # آخر: # [و] مما يقتل الشعراء غما ... غداوة من يغل عن الهجاء # أحمد بن أبى فنن: # وإن أحق الناس باللؤم شاعر ... يلوم على البخل اللئام، ويبخل # وهذا كقول على بن العباس الرومى فى أبى الفياض سوار بن أبى شراعة، وكان ~~سوار شاعرا مجيدا: # يا من صناعته الدعاء إلى العلا ... ناقضت فى فعليك أى نقاض # عجبا لحضاض الكرام على الذى ... هو فيه محتاج إلى حضاض # وصف المكارم وهو فيها زاهد ... ورأى الجميل وفيه عنه تغاض # لم ألق كالشعراء أكثر حارضا ... واشد معتبة على الحراض «2» # PageV03P695 # كم فيهم من آمر برشيدة ... لم يأتها، ومرغب رفاض # يا حسرتى لمودة أدبية ... لم نفترق عنها افتراق تراض # ليس العتاب بنافع فى قاطع ... أعيا المشيب تتابع المقراض # ثم قال بعد هذا التبكيت والعتاب ما منعه أن يتوهم أنه هجاه: # ولما هجوتك، بل وعظتك إننى ... لا أجعل الأعراض كالأغراض «1» # فاكفف سهامك عن أخيك فإنما ... آسفته، فرماك بالمعراض # فمتى حلمت وجدت أحنف دهره ... ومتى جهلت منيت بالبراض # فاعذر أخاك على الوعيد؛ فإنما ... أنذرت قبل الرمى بالإنباض # [واعلم وقيت الجهل أن خساسة ... بطر الغنى ومذلة الإبعاض] # ثم هجاه بقوله: # وما تكلمت إلا قلت فاحشة ... كأن فكيك للأغراض مقراض # مهما تقل فسهام منك مرسلة ... وفوك قوسك والأعراض أغراض # وابن الرومى هذا كما قال مسلم بن الوليد الأنصارى فى الحكم بن قنبر ~~المازنى: # عابنى من معايب هن فيه ... حكم فاشتفى بها من هجانى # وكما قال الآخر: # ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه ... مراد لعمرى ما أراد قريب ### | [الأحنف بن قيس] # وروى عيسى بن دأب قال: أول ما عرف الأحنف بن قيس وقدم أنه وفد على عمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه وكان أحدث القوم سنا، وأقبحهم منظرا، فتكلم كل # PageV03P696 # رجل من الوفد بحاجته فى خاصته، والأحنف ساكت، فقال له عمر: قل يا فتى! ~~فقام فقال: يا أمير المؤمنين، إن العرب نزلت بمساكن طيبة، ذات ثمار وأنهار ~~عذاب، وأكنة ظليلة «1» ، ومواضع فسيحة، ms428 وإنا نزلنا بسبخة نشاشة، ماؤها ملح، ~~وأفنيتها ضيقة، وإنما يأتينا الماء فى مثل حلق النعامة فإلا تدركنا يا أمير ~~المؤمنين بحفر نهر يغزر ماؤه، حتى تأتى الأمة فتغرف بجرتها وإنائها أوشك أن ~~نهلك، قال: ثم ماذا؟ قال: تزيد فى صاعنا ومدنا، وتثبت من تلاحق فى العطاء ~~من ذريتنا. قال: ثم ماذا؟ قال: تخفف عن ضعيفنا، وتنصف قوينا، وتتعاهد ~~ثغورنا، وتجهز بعثنا، قال: ثم ماذا؟ قال: إلى ها هنا انتهت المطالب، ووقف ~~الكلام. # قال: أنت رئيس وفدك، وخطيب مصرك، قم عن موضعك الذى أنت فيه. # فأدناه حتى أقعده إلى جانبه، ثم سأله عن نسبه، فانتسب له، فقال: أنت سيد ~~تميم، فبقيت له السيادة إلى أن مات. # وهو الأحنف، واسمه الضحاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن حصن ابن عبادة بن ~~النزال بن مرة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن [سعد بن] زيد مناة بن ~~تميم وقال بعض بنى تميم: حضرت مجلس الأحنف وعنده قوم مجتمعون له فى أمر ~~لهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الكرم منع الحرم، ما أقرب النقمة من ~~أهل البغى، لا خير فى لذة تعقب ندما، لم يهلك من اقتصد، ولم يفتقر من زهد، ~~رب هزل قد عاد جدا، من أمن الزمان خانه، ومن تعظم عليه أهانه، دعوا المزاح ~~فإنه يؤرث «2» الضغائن، وخير القول ما صدقه الفعل، احتملوا لمن أدل عليكم، ~~واقبلوا عذر من اعتذر إليكم، أطع أخاك وإن عصاك، وصله وإن جفاك، أنصف من ~~نفسك قبل أن ينتصف منك، إياكم ومشاورة # PageV03P697 # النساء، واعلم أن كفر النعم لؤم، وصحبة الجاهل شؤم، ومن الكرم الوفاء ~~بالذمم، ما أقبح القطيعة بعد الصلة، والجفاء بعد اللطف، والعداوة بعد الود، ~~لا تكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا إلى البخل أسرع منك إلى ~~البذل، واعلم أن لك من دنياك ما أصلحت به مثواك، فأنفق فى حق، ولا تكن ~~خازنا لغيرك، وإذا كان الغدر موجودا فى الناس فالثقة بكل أحد عجز؛ اعرف ~~الحق لمن عرفه لك، ms429 واعلم أن قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل. # قال: فما سمعت كلاما أبلغ منه. فقمت وقد حفظته. # ودخل الأحنف على معاوية، ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجابا، فقال: # يا أبا بحر، ما تقول فى الولد؟ فعلم ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين، هم ~~عماد ظهورنا، وثمر قلوبنا، وقرة أعيننا، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف ~~منا بعدنا، فكن لهم أرضا ذليلة، وسماء ظليلة، إن سألوك فأعطهم، وإن ~~استعتبوك وأعتبهم «1» . ولا تمنعهم رفدك فيملوا قربك، ويستثقلوا حياتك، ~~ويتمنوا وفاتك. # قال: لله درك يا أبا بحر، هم كما قلت! وزعمت الرواة أنها لم تسمع للأحنف ~~إلا هذين البيتين: # فلو مد سروى بمال كثير ... لجدت وكنت له باذلا # فإن المروءة لا تستطاع ... إذا لم يكن مالها فاضلا # وكان يبخل. وقال لبنى تميم: أتزعمون أنى بخيل! والله إنى لأشير بالرأى ~~قيمته عشرة آلاف درهم! فقالوا: تقويمك لرأيك بخل. وكان الأحنف من الفضلاء ~~الخطباء النساك، وبه يضرب المثل فى الحلم وقد ذكر للنبى صلى الله عليه وسلم ~~فاستغفر له؛ فقد بعث النبى صلى الله عليه وسلم رجلا إلى قومه بنى سعد يعرض ~~عليهم الإسلام، فقال الأحنف: إنه يدعوكم # PageV03P698 # إلى خير، ولا أسمع إلا حسنا. فذكر للنبى صلى الله عليه وسلم، فقال: اللهم ~~اغفر للاحنف. وكان الأحنف يقول: ما شىء أرجى عندى من ذلك. # قال عبد الملك بن عمير: قدم إلينا الأحنف، فما رأينا خصلة تذم فى رجل إلا ~~رأيناها فيه، كان أصلع الرأس، متراكب الاسنان، أشدق، مائل الذقن، ناتئ ~~الوجنتين، باخق العينين «1» ، خفيف العارضين، أحنف الرجلين، وكانت العين ~~تقتحمه دمامة وقلة رواء، ولكنه إذا تكلم جلى عن نفسه. وهو الذى خطب بالبصرة ~~حين اختلفت الأحياء، وتنازعت القبائل؛ فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا ~~معشر الأزد [وربيعة] ، أنتم إخواننا فى الدين، وشركاؤنا فى الصهر، وأكفاؤنا ~~فى النسب، وجيراننا فى الدار، ويدنا على العدو، والله لأزد البصرة أحب ~~إلينا من تميم الكوفة، [ولأزد الكوفة أحب إلينا من تميم الشام] ، وفى ~~أموالنا وأحلامنا سعة لنا ولكم. ms430 # وقد قام خطباء البصرة فى هذا اليوم وتكلموا وأسهبوا، فلما قام الأحنف ~~أصغت القبائل إليه، وانثالت عليه، وقال الناس: هذا أبو بحر، هذا خطيب بنى ~~تميم، وحضر ذلك الجمع جارية لآل المهلب، فذهبت تروم النظر إليه، فاعتاص ذلك ~~عليها، فأشرفت عليه من دارها، فلما رأته والأبصار خاشعة لكلامه، ورأت دمامة ~~خلقه، وكثرة آفات جوارحه، قالت: فقدت هذه الخلقة ولو افترت عن فصل الخطاب ~~وذكر المدائنى أن الأحنف بن قيس وفد على معاوية رضى الله عنه مع أهل ~~العراق، فخرج الآذن، فقال: إن أمير المؤمنين يعزم عليكم ألا يتكلم أحد إلا ~~لنفسه، فلما وصلوا إليه قال الأحنف: لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته أن ~~دافة دفت، ونازلة نزلت، ونابتة نبتت، كلهم بهم حاجة إلى معروف أمير ~~المؤمنين وبره. قال: حسبك يا أبا بحر، فقد كفيت الشاهد والغائب. # PageV03P699 # ولما عزم معاوية على البيعة ليزيد كتب إلى زياد أن يوجه إليه بوفد أهل ~~العراق، فبعث إليه بوفد البصرة والكوفة، فتكلمت الخطباء فى يزيد، والأحنف ~~ساكت، فلما فرغوا قال: قل يا أبا بحر، فإن العيون إليك أشرع منها إلى غيرك. ~~فقام الأحنف فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم ~~قال: يا أمير المؤمنين؛ إنك أعلمنا بيزيد فى ليله ونهاره، وإعلانه وإسراره، ~~فإن كنت تعلمه لله رضا فلا تشاور فيه أحدا، ولا تقم له الخطباء والشعراء، ~~وإن كنت تعلم بعده من الله فلا تزوده من الدنيا وترحل أنت إلى الآخرة؛ فإنك ~~تصير إلى يوم يفر [فيه] المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه. قال: ~~فكأنه أفرغ على معاوية ذنوب ماء بارد. فقال له: اقعد يا أبا يحر؛ فإن خيرة ~~الله تجرى، وقضاء الله يمضى، وأحكام الله تنفذ، لا معقب لحكمه، ولا راد ~~لقضائه؛ وإن يزيد فتى قد بلوناه «1» ، ولم نجد فى قريش فتى هو أجدر بأن ~~يجتمع عليه منه. # فقال: يا أمير المؤمنين، أنت تحكى عن شاهد، ونحن نتكلم على غائب، وإذا ~~أراد الله شيئا كان. # قال ابن الرومى: # إن امرأ ms431 رفض المكاسب واغتدى ... يتعلم الآداب حتى أحكما # فكسا وحلى كل أروع ماجد ... من حر ما حاك القريض ونظما # ثقة برعى الاكرمين حقوقه ... لأحق ملتمس بألا يحرما # قال أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن عمار: ومن نادر شعر أبى الحسن فى ~~هذا المعنى قوله، ووصف إتعاب الشعراء أنفسهم بدءو بهم فى صناعتهم، وما ~~يتصرم من أعمارهم، وأن إلحاحهم فى طلب ما فى أيدى من أسلفوه مديحهم لو كان ~~رغبة منهم إلى ربهم كان أجدى عليهم، وأقرب من درك بغيتهم، ونجح طلبتهم، ثم ~~انحرف إلى توبيخ من مدحه فحرمه بأحسن عبارة، وأرضى استعارة، فقال: # PageV03P700 # للناس فيما يكلفون مغارم ... عند الكرام لها قضاء ذمام # ومغارم الشعراء فى أشعارهم ... إنفاق أعمار وهجر منام # وجفاء لذات ورفض مكاسب ... لو حولفت حرست من الإعدام # وتشاغل عن ذكر رب لم يزل ... حسن الصنائع سابغ الإنعام «1» # من لو بخدمته تشاغل معشر ... خدموكم أجدى على الخدام # أفما لذلك حرمة مرعية ... إن الكرام إذا لغير كرام # لم أحتسب فيك الثواب بمدحتى ... إياك يابن أكارم الأقوام # لو كان شعرى حسبة لم أكسه ... أحدا أحق به من الأيتام # لا تقبلن المدح ثم تعافه ... فتنام والشعراء غير نيام # واحذر معرتهم إذا دنستهم ... فلهم أشد معرة العرام # واعلم بأنهم إذا لم ينصفوا ... حكموا لأنفسهم على الحكام # وجناية العادى عليهم تنقضى ... وعقابهم يبقى مع الأيام # أبو الطيب المتنبى: # ومكايد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتنى # مات الأحنف بن قيس بالكوفة، فمشى مصعب بن الزبير فى جنازته بغير رداء، ~~وقال: اليوم مات سر العرب؛ فلما دفن قامت امرأة على قبره فقالت: # لله درك من مجن فى جنن «2» ، ومدرج فى كفن، نسأل الذى فجعنا بموتك، ~~وابتلانا بفقدك، أن يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الرشد دليلك، وأن يوسع لك ~~فى قبرك، ويغفر لك يوم حشرك؛ فوالله لقد كنت فى المحافل شريفا، وعلى ~~الأرامل # PageV03P701 # عطوفا، ولقد كنت فى الحى مسودا، وإلى الخليفة موفدا، ولقد كانوا لقولك ~~مستمعين، ولرأيك متبعين؛ ثم أقبلت على الناس فقالت: ألا إن أولياء ms432 الله فى ~~بلاده، شهود على عباده، وإنى لقائلة حقا، ومثنية صدقا، وهو أهل لحسن ~~الثناء، وطيب النثا «1» ، أما والذى كنت من أجله فى عدة، ومن الحياة إلى ~~مدة، ومن المقدار إلى غاية، ومن الإياب إلى نهاية، الذى رفع عملك، لما قضى ~~أجلك، لقد عشت حميدا مودودا، ومت سعيدا مفقودا، ثم انصرفت وهى تقول: # لله درك يا أبا بحر ... ماذا تغيب منك فى القبر؟ # لله درك أى حشو ثرى ... أصبحت من عرف ومن نكر # إن كان دهر فيك جر لنا ... حدثا به وهنت قوى الصبر «2» # فلكم يد أسديتها ويد ... كانت ترد جرائر الدهر «3» # ثم انصرفت فسئل عنها، فإذا هى امرأته وابنة عمه. فقال الناس: ما سمعنا ~~كلام امرأة قط أبلغ ولا أصدق منه. # قال: وكان الأحنف قدم الكوفة فى أيام مصعب بن الزبير، فرآه رجل أعور ~~دميما قصيرا أحنف الرجلين، فقال له: يا أبا بحر؛ بأى شىء بلغت فى الناس ما ~~أرى؛ فوالله ما أنت بأشرف قومك، ولا أجودهم؟! فقال: يا ابن أخى، بخلاف ما ~~أنت فيه! قال: وما هو؟ قال: تركى من أمرك ما لا يعنينى، كما عناك من أمرى ~~ما لا تتركه. ### | [منصور النمرى] # اجتمع الشعراء بباب المعتصم فبعث إليهم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل ~~قول منصور النمرى فى أمير المؤمنين الرشيد: # PageV03P702 # إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع # إذا رفعت امرا فالله رافعه ... ومن وضعت من الأقوام متضع # من لم يكن بأمين الله معتصما ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع # إن أخلف الغيث لم تخلف أنامله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع # فليدخل، فقال محمد بن وهيب: فينا من يقول خيرا منه، وأنشد: # ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر # يحكى أفاعيله فى كل نائبة ... الغيث والليث والصمصامة الذكر # فأمر بإدخاله وأحسن صلته. # أخذ معنى البيت الأول من بيتى محمد بن وهيب أبو القاسم محمد بن هانىء ~~الأندلسى: # المدنفان من البرية كلها ... قلبى وطرف بابلى أحور «1» # والمشرقات النيرات ثلاثة ... الشمس والقمر المنير وجعفر # وبيت أبى ms433 القاسم [الأول] مأخوذ من قول ابن الرومى: # يا عليلا جعل العلة ... مفتاحا لسقمى # ليس فى الأرض عليل ... غير جفنيك وجسمى # ومر النمرى بالعتابى مغموما فقال: مالك، أعزك الله؟ فقال: امرأتى بطلق ~~«2» منذ ثلاث ونحن على يأس منها. فقال له العتابى: وإن دواءها منك أقرب من ~~وجهها، قل: هارون الرشيد، فإن الولد يخرج! فقال: شكوت إليك ما بى، فأجبتنى ~~بهذا؟ فقال: ما أخذت هذا إلا من قولك: # إن أخلف الغيث لم تخلف أنامله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع # PageV03P703 # وأبيات منصور بن سلمة بن الزبرقان النمرى التى ذكرها المعتصم من قصيدة له ~~وهى أحسن ما قيل فى الشيب أولها: # ما تنقضى حسرة منى ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع # بان الشباب وفاتتنى بغرته ... خطوب دهر وأيام لها خدع «1» # ما كنت أو فى شبابى كنه غرته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع # تعجبت أن رأت أسراب دمعته ... فى حلبة الخد أجراها حشى وجع # أصبحت لم تطعمى ثكل الشباب ولم ... تشجى بغصته فالعذر لا يقع # لا ألحين فتاتى غير كاذبة ... عين الكذوب فما فى ودكم طمع # ما واجه الشيب من عيب وإن ومقت ... إلا لها نبوة عنه ومرتدع «2» # إنى لمعترف ما فى من أرب ... عند الحسان فما للنفس تنخدع # قد كدت تقضى على فوت الشباب أسى ... لولا تعزيك أن الأمر منقطع # وذكر أن الرشيد لما سمع هذا بكى، وقال: ما خير دنيا لا تخطر فيها ببرد ~~الشباب! وأنشد متمثلا: # أتأمل رجعة الدنيا سفاها ... وقد صار الشباب إلى ذهاب # فليت الباكيات بكل أرض ... جمعن لنا فنحن على الشباب # وكان الرشيد يقدم منصورا النمرى بجودة شعره، ولما يمت إليه من النسب من ~~العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه، وكانت نثيلة أم العباس من النمر بن ~~قاسط؛ ولما كان يظهر من الميل إلى إمامة العباس وأهله، والمنافرة لآل على ~~رضى الله عنه ويقول: # بنى حسن وقل لبنى حسين ... عليكم بالسداد من الأمور # أميطوا عنكم كذب الأمانى ... وأحلاما يعدن عداة زور «3» # PageV03P704 # تسمون النبى أبا ويأبى ... من ms434 الأحزاب سطر فى سطور # يريد قول الله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) # . وهذا إنما نزل فى شأن زيد بن حارثة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تبناه، فقال له الرشيد: # ما عدوت ما فى نفسى، وأمره أن يدخل بيت المال فيأخذ ما أحب. # وكان يضمر غير ما يظهر، ويعتقد الرفض، وله فى ذلك شعر كثير لم يظهر إلا ~~بعد موته، وبلغ الرشيد قوله: # آل النبى ومن يحبهم ... يتطامنون مخافة القتل # أمن النصارى واليهود ومن ... من أمة التوحيد فى أزل «1» # إلا مصالت ينصرونهم ... بظبا الصوارم والقنا الذبل «2» # فأمر الرشيد بقتله [وكان حينئذ برأس العين] ، فمضى الرسول فوجده قد مات ~~فقال الرشيد: لقد هممت أن أنبش عظامه فأحرقها. وكان يلغز فى مدحه لهرون، ~~وإنما يريد قول النبى صلى الله عليه وسلم لعلى رضوان الله عليه: أنت منى ~~بمنزلة هرون من موسى. وقال الجاحظ: وكان يذهب أولا مذهب الشراة «3» ، فدخل ~~الكوفة وجلس إلى هشام بن الحكم الرافضى وسمع كلامه، فانتقل إلى الرفض، ~~وأخبرنى من رآه على قبر الحسين بن على رضى الله عنهما ينشد قصيدته التى ~~يقول فيها: # فما وجدت على الأكتاف منهم ... ولا الأقفاء آثار النصول «4» # ولكن الوجوه بها كلوم ... وفوق حجورهم مجرى السيول # أريق دم الحسين ولم يراعوا ... وفى الأحياء أموات العقول # فدت نفسى جبينك من جبين ... جرى دمه على خد أسيل # أيخلو قلب ذى ورع ودين ... من الأحزان والألم الطويل # PageV03P705 # وقد شرقت رماح بنى زياد ... برى من دماء بنى الرسول «1» # بتربة كربلاء لهم ديار ... نيام الأهل دارسة الطلول # فأوصال الحسين ببطن قاع ... ملاعب للدبور وللقبول # تحيات ومغفرة وروح ... على تلك المحلة والحلول «2» # برئنا يا رسول الله ممن ... أصابك بالأذية والدحول «3» ### | [ابنا المعذل] # وقال أحمد بن المعذل: # أخو دنف رمته فأقصدته ... سهام من جفونك لا تطيش # كئيب إن ترحل عنه جيش ... من البلوى ألم به جيوش # وكان أحمد بن المعذل بن غيلان العبدى فى اللغة والبيان والأدب والحلاوة ~~غاية. # قال: دخلت المدينة فتحملت على عبد الملك بن ms435 الماجشون برجل ليخصنى ويعنى ~~بى، فلما فاتحنى قال: ما تحتاج أنت إلى شفيع، معك من الحذاء والسقاء ما ~~تأكل به لب الشجر، وتشرب صفو الماء. # وكان أخوه عبد الصمد يؤذيه ويهجوه، فكتب إليه احمد: أما بعد فإن أعظم ~~المكروه ما جاء من حيث يرجى المحبوب، وقد كنت مؤملا مرجوا، حتى شمل شرك، ~~وعم أذاك، فصرت فيك كأبى العاق: إن عاش نغصه، وإن مات نقصه، واعلم لقد خشنت ~~صدر أخ جيبه لك ناصح، والسلام. # وكان يقول له: أنت كالأصبع الزائدة: إن تركت شانت، وإن قطعت آلمت! ومثل ~~هذا قول النعمان بن شمر الغسانى: # PageV03P706 # وصال أبى برد عناء، وتركه ... بلاء، فما أدرى به كيف أصنع # إذا زرته يومين مل زيارتى ... وإن غبت عنه ظلت العين تدمع # وقول الضحاك بن همام الرقاشى: # وأنت امرؤ منا خلقت لغيرنا ... حياتك لا ترجى وموتك فاجع # وأنت- على ما كان منك- ابن حرة ... وإنى لما يرضى به الخصم مانع # وفيك خصال صالحات يشينها ... لديك جفاء عنده الود ضائع # وقال بعض المحدثين: # إذا ساءنى فى القول والفعل جاهدا ... وفى كل حال من أحب وأمحض «1» # فياليت شعرى ما يعاملنى به ... على كل ذنب من أعادى وأبغض # وقال أبو العباس المبرد: وكان أحمد بن المعذل من الأبهة، والتمسك ~~بالمنهاج، والتجنب للعبث، والتعرض للاشفاق لما فى «2» أيدى الناس، وإظهار ~~الزهد فيه، والتباعد عنه، على غاية، حتى حمل فى فقهاء وأدباء من أهل ~~البصرة؛ فأخذ الصلة غير ممتنع ولا منكر. ووصله إسحاق بن إبراهيم فقبل، ~~واستدعى اجتباءه إياه، وتحلى له جهده، فقال عبد الصمد: # عذيرى من أخ قد كان يبدى ... على من لابس السلطان عتبه # وكان يذمهم فى كل يوم ... له بالجهل والهذيان خطبه # فلما أن أتته دريهمات ... من السلطان باع بهن ربه # وقال فيه: # لى أخ لا ترى له ... سائلا غير عاتب # أجمع الناس كلهم ... للئيم المذاهب # PageV03P707 # دون معروف كفه ... لمس بعض الكواكب # ليت لى منك يا أخى ... جارة من محارب # نارها كل شتوة ... مثل نار الحباحب # ذهب إلى قول القطامى، وقول القطامى ms436 من خبيث الهجاء، وكان نزل بامرأة من ~~محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر، فذم مثواه عندها، فقال: # وإنى وإن كان المسافر نازلا ... وإن كان ذا حق على الناس واجب # فلابد أن الضيف يخبر ما رأى ... مخبر أهل أو مخبر صاحب # لمخبرك الأنباء عن أم منزل ... تضيفتها بين العذيب فراسب # تلفعت فى طل وريح تلفنى ... إلى طرمساء غير ذات كواكب «1» # إلى حيزبون توقد النار بعد ما ... تلفعت الظلماء من كل جانب «2» # تصلى بها برد العشاء ولم تكن ... تخال وميض النار يبدو لراكب # [فما راعها إلا بغام مطيتى ... تريح بمحسود من الصوت لاغب] # «3» فجنت فنونا من دلاث مناخة ... ومن رجل عارى الأشاجع شاحب «4» # سرى فى حليك الليل حتى كأنما ... تخزم بالأطراف شوك العقارب # تقول وقد قربت كورى وناقتى ... إليك، فلا تذعر على ركائبى # فسلمت والتسليم ليس يسرها ... ولكنه حق على كل جانب # فردت سلاما كارها ثم أعرضت ... كما انحاشت الأفعى مخافة ضارب # فلما تنازعنا الحديث سألتها ... من الحى؟ قالت: معشر من محارب # PageV03P708 # من المشتوين القد مما تراهم ... جياعا وريف الناس ليس بناضب # فلما بدا حرمانها الضيف لم يكن ... على مبيت السوء ضربة لازب # وقمت إلى مهرية قد تعودت ... يداها ورجلاها حثيث المراكب # إلا إنما نيران قيس إذا شتوا ... لطارق ليل مثل نار الحباحب # ومحارب: قبيلة منسوبة إلى الضعف، وقد ضربت العرب بها المثل. قال الفرزدق ~~لجرير: # وما استعهد الأقوام من زوج حرة ... من الناس إلا منك أو من محارب # أى يأخذون العهد عليه أنه ليس من كليب ولا من محارب. # وقال أبو نواس فى قصيدته التى فخر فيها باليمانية وهجا قبائل معد: # وقيس عيلان لا أريد لها ... من المخازى سوى محاربها # وكانت أم عبد الصمد بن المعذل طباخة، فكان أحمد يقول إذا بلغه هجاؤه: أم ~~عبد الصمد ما عسيت أن أقول فيمن ألقح بين قدر وتنور، ونشأ بين زق وطنبور ~~«1» ؟ وعبد الصمد ابن المعذل شاعر أهل البصرة فى وقته، وهو القائل: # تكلفنى إذلال نفسى لعزها ... وهان عليها أن أهان ms437 لتكرما # تقول: سل المعروف يحيى بن أكثم ... فقلت: سليه رب يحيى بن أكثما # قال أبو شراعة القيسى: كنت فى مجلس العتبى مع عبد الصمد بن المعذل، لأبى ~~حكيمة نتذاكرنا أشعار المولدين فى الرقيق، فقال عبد الصمد: أنا أشعر الناس ~~فيه وفى غيره، فقلت: أحذق منك والله بالرقيق الذى يقول، وهو راشد بن إسحاق ~~أبو حكيمة الكوفى: # PageV03P709 # ومستوحش لم يمس فى دار غربة ... ولكنه ممن يحب غريب # طواه الهوى واستشعر الوصل غيره ... فشطت نواه والمزار قريب «1» # سلام على الدار التى لا أزورها ... وإن حلها شخص إلى حبيب # وإن حجبت عن ناظرى ستورها ... هوى تحسن الدنيا به وتطيب # هوى تضحك اللذات عند حضوره ... ويسخن طرف اللهو حين يغيب # تثنى به الأعطاف حتى كأنه ... إذا اهتز من تحت الثياب قضيب # ألم تر صمتى حين يجرى حديثه ... وقد كنت أدعى باسمه فأجيب # رضيت بسعى الدهر بينى وبينه ... وإن لم يكن للعين فيه نصيب # أحاذر إن واصلته أن ينالنى ... وإياه سهم للفراق مصيب # أرى دون من أهوى عيونا تريبنى ... ولا شك أنى عندهن مريب # أدارى جليسى بالتجلد فى الهوى ... ولى حين أخلو زفرة ونحيب # وأخبر عنه بالذى لا أحبه ... فيضحك سنى والفؤاد كئيب # مخافة أن تغرى بنا ألسن العدا ... فيطمع فينا كاشح فيعيب # كأن مجال الطرف فى كل ناظر ... على حركات العاشقين رقيب # أرى خطرات الشوق يبكين ذا الهوى ... ويصبين عقل المرء وهو لبيب # وكم قد أذل الحب من متمنع ... فأضحى وثوب العز منه سليب # وإن خضوع النفس فى طلب الهوى ... لأمر، إذا فكرت فيه، عجيب # فلم ينطق بحرف. # ولأبى شراعة يمدح بنى رياح: # بنى رياح أعاد الله نعمتكم ... خير المعاد وأسقى ربعكم ديما «2» # PageV03P710 # فكم به من فتى حلو شمائله ... يكاد ينهل من أعطافه كرما # لم يلبسوا نعمة لله مذ خلقوا ... إلا تلبسها إخوانهم نعما # وفى إبراهيم بن رياح يقول عبد الصمد بن المعذل: # قد تركت الرياح يا بن رياح ... وهى حسرى إن هب منها نسيم # نهكت مالك الحقوق فأضحى ... لك مال نضو وفعل جسيم ms438 «1» # وكان عبد الصمد [بن المعذل] متصلا بإبراهيم وبنيه، وأفاد منهم أموالا ~~جليلة، واعتقد عقدا نفيسة، فما شكر ذلك ولا أصحبه بما يجب عليه من الثناء ~~عند نكبته، وكان الواثق عزله عن ديوان الضياع، ودفعه إلى عمر بن فرج ~~الرخجى، فحبسه فهجاه عبد الصمد. # قال أبو العباس محمد بن يزيد «2» : وكان عبد الصمد شديد الإقدام على ردىء ~~السريرة فيما بينه وبين الناس، خبيث النية، يرصد صديقه بالمكروه، تقديرا أن ~~يعاديه فيسوءه بأمر يعرفه؛ ولا يكاد يسلم لأحد، وكان مشهورا فى ذلك الأمر، ~~يلبس عليه «3» ، ويحمل على معرفة، عجبا بظرف لسانه، وطيب مجلسه، وأيضا لقبح ~~مسبته، وشائن معرته. # قال أبو العيناء: ولما حبس الواثق إبراهيم بن رياح، وكان لى صديقا، صنعت ~~له هذا الخبر رجاء أن ينتهى إلى أمير المؤمنين فينتفع به، فأخبرنى زيد بن ~~على ابن الحسين أنه كان عند الواثق حين قرىء عليه فضحك واستظرفه. وقال: ما ~~صنع هذا كله أبو العيناء إلا فى سبب إبراهيم بن رياح، وأمر بتخليته، ~~والخبر: قال لقيت أعرابيا من بنى كلاب فقلت له: ما عندك من خبر هذا العسكر؟ ~~فقال: # قتل أرضا عالمها، قال: فقلت: فما عندك من خبر الخليفة؟ قال: بخبخ بعزه، ~~وضرب # PageV03P711 # بجرانه، وأخذ الدرهم من مصره، وأرهف قلم كل كاتب بجبايته. قلت: فما عندك ~~فى أحمد بن أبى دواد؟ قال: عضلة «1» لا تطاق، وجندلة لا ترام، ينتحى بالمدى ~~لتحزه فيجور، وتنصب له الحبائل حتى تقول: الآن، ثم يضبر «2» ضبرة الذئب، ~~ويخرج خروج الضب، والخليفة يحنو عليه، والقرآن آخذ بضبعيه. قلت: # فما عندك فى عمر بن فرج؟ قال: ضخم حضجر «3» ، غضوب هزبر. قد أهدفه القوم ~~لبغيهم، وانتضلوا له عن قسيهم، وأحر له بمثل مصرع من يصرع. # قلت: فما عندك فى خبر اين الزيات؟ قال: ذلك رجل وسع الورى شره، وبطن ~~بالأمور خيره. فله فى كل يوم صريع، لا يظهر فيه أثر ناب ولا مخلب، إلا ~~بتسديد الرأى. # قلت: فما عندك فى خبر إبراهيم بن رياح! قال: ذاك رجل أوبقه كرمه، وإن يفز ms439 ~~للكرام قدح، فأحر بمنجاته، ومعه دعاء لا يخذله، ورب لا يسلمه، وفوقه خليفة ~~لا يظلمه. قلت: فما عندك فى خبر نجاح بن سلمة؟ قال: لله دره من ناقض أوتار، ~~يتوقد كأنه شعلة نار، له فى الفينة بعد الفينة، عند الخليفة خلسة كخلسة ~~السارق، أو كحسوة الطائر، يقوم عنها وقد أفاد نعما، وأوقع نقما. قلت: فما ~~عندك فى خبر ابن الوزير؟ قال: إخاله كبش الزنادقة، ألا ترى أن الخليفة إذا ~~أهمله خضم ورتع، وإذا أمر بتقصيه أمطر فأمرع. قلت: فما عندك من خبر الخصيب ~~أحمد] ؟ # قال: ذاك أحمق، أكل أكلة نهم، فاختلف اختلاف بثم. قلت: فما عندك فى خبر ~~المعلى بن أيوب؟ قال: ذاك رجل قد من صخرة، فصبره صبرها، ومسه مسها، وكل ما ~~فيه بعد فمنها ولها. قلت: فما عندك من خبر أحمد بن إسرائيل؟ قال: كتوم غرور ~~«4» ، وجلد صبور، رجل جلده جلد نمر، كلما خرقوا له إهابا، أنشأ الله له ~~إهابا. # قلت: فما عندك من خبر الحسن بن وهب؟ قال: ذاك رجل اتخذ السلطان أخا، # PageV03P712 # فاتخذه السلطان عبدا، قال: قلت: فما عندك من خبر أخيه سليمان بن وهب؟ # قال: شد ما استوفيت مسألتك أيها الرجل! ذاك حرمة حبست مع صواحباتها فى ~~جريرة محرمة، ليس من القوم فى ورد ولا صدر، هيهات: # كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول # قال: قلت: فما عندك من خبر عبد الله بن يعقوب؟ قال: أموات غير أحياء، وما ~~يشعرون أيان يبعثون. # قلت: فأين نزلت فأؤمك؟ قال: مالى ينزل تأمه. أنا أستتر فى الليل إذا عسعس ~~«1» ، وأنتشر فى الصبح إذا تنفس. # ومن مليح شعر راشد بن إسحاق بن راشد، وهو أبو حكيمة، وكان قوى أسر الشعر: # تحيرت فى أمرى وإنى لواقف ... أجيل وجوه الرأى فيك وما أدرى «2» # أأعزم عزم اليأس فالموت راحة ... أم اقنع بالإعراض والنظر الشزر # وإنى وإن أعرضت عنك لمنطو ... على حرق بين الجوانح والصدر # إذا هاج شوقى مثلتك لى المنى ... فألقاك ما بينى وبينك فى ستر # فديتك لم أصبر ولى فيك ms440 حيلة ... ولكن دعانى اليأس فيك إلى الصبر # تصبرت مغلوبا وإنى لموجع ... كما صبر الظمآن فى البلد القفر # وقال: # عتبت عليك فى قطع العتاب ... فما عطفتك ألسنة العتاب # PageV03P713 # وفيما صرت تظهر لى دليل ... على عتب الضمير المستراب # وما خطرت دواعى الشوق إلا ... هززت إليك أجنحة التصابى # وقال أيضا: # ضحكت ولو تدرين ما بى من الهوى ... بكيت لمحزون الفؤاد كثيب # لمن لم ترح عيناه من فيض عبرة ... ولا قلبه من زفرة ونحيب # لمستأنس بالهم فى دار وحشة ... غريب الهوى باك لكل غريب # ألا بأبى العيش الذى بان فانقضى ... وما كان من حسن هناك وطيب # ليالى يدعونا الصبا فنجيبه ... ونأخذ من لذاته بنصيب # نردد مستور الأحاديث بيننا ... على غفلة من كاشح ورقيب # إلى أن جرى صرف الحوادث فى الهوى ... فبدل منها مشهد بمغيب # وله مذهب استفرغ فيه أكثر شعره، صنت الكتاب عن ذكره. ### | [عبد الملك بن صالح] # دعا الرشيد بعبد الملك بن صالح- وكان معتقلا فى حبسه- فلما مثل بين يديه ~~التفت إليه، وكان يحدث يحيى بن خالد بن برمك وزيره، فقال متمثلا: # أريد حياته ويريد قتلى ... عذيرك من خليلك من مراد «1» # ثم قال: يا عبد الملك، كأنى أنظر إلى شؤبوبها «2» قد همع، وإلى عارضها قد ~~لمع، وكأنى بالوعيد قد أورى «3» ، بل أدمى، فأبرز عن براجم بلا معاصم «4» ، ~~ورءوس بلا غلاصم، فمهلا بنى هاشم، فبى والله سهل لكم الوعر، وصفا لكم ~~الكدر، وألقت إليكم الأمور أثناء أزمتها، فنذار لكم نذرا قبل حلول داهية ~~خبوط باليد والرجل، فقال عبد الملك: أفذا أتكلم أم توأما؟ قال: بل فذا، ~~قال: أتق # PageV03P714 # الله يا أمير المؤمنين فيما ولاك، واحفظه فى رعاياك الذى استرعاك، ولا ~~تجعل الكفر بموضع الشكر، والعقاب بموضع الثواب، فقد والله سهلت لك الوعور، ~~وجمعت على خوفك ورجائك الصدور، وشددت أواخى ملكك بأوثق من ركنى يلملم، وكنت ~~لك كما قال أخو بنى جعفر بن كلاب- يعنى لبيدا: # ومقام ضيق فرجته ... بلسان وبيان وجدل # لو يقوم الفيل أو فياله ... زل عن مثل مقامى وزحل # فأعاده إلى مجلسه «1» ، وقال: لقد ms441 نظرت إلى موضع السيف من عاتقه مرارا، ~~فيمنعنى عن قتله إبقائى على مثله. ### | [مدح الحقد وذمه] # وأراد يحيى بن خالد أن يضع من عبد الملك ليرضى الرشيد، فقال له: يا عبد ~~الملك، بلغنى أنك حقود! فقال عبد الملك: أيها الوزير، إن كان الحقد هو بقاء ~~الشر والخير، إنهما لباقيان فى قلبى! فقال الرشيد: تالله ما رأيت أحدا احتج ~~للحقد بأحسن مما احتج به عبد الملك. # وقد مدح ابن الرومى الحقد، وأخذ هذا المعنى من قول عبد الملك، وزاد فيه؛ ~~فقال لعاتب عابه بذلك: # لئن كنت فى حفظى لما أنا مودع ... من الخير والشر انتحيت على عرضى # لما عبتنى إلا بفضل إبانة ... ورب امرىء يزرى على خلق محض «2» # ولا عيب أن تجزى القروض بمثلها ... بل العيب أن تدان دينا ولا تقضى # وخير سحيات الرجال سجية ... توفيك ما تسدى من القرض بالقرض # إذا الأرض أدت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهى ناهيك من أرض # PageV03P715 # ولولا الحقود المستكنات لم يكن ... لينقض وترا آخر الدهر ذو نقض # وما الحقد إلا توأم الشكر فى الفتى ... وبعض السجايا ينتمين إلى بعض # فحيث ترى حقدا على ذى إساءة ... فثم ترى شكرا على حسن القرض # وقال يرد على نفسه، ويذم ما مدح، توسعا واقتدارا: # يا مادح الحقد محتالا له شبها ... لقد سلكت إليه ملكا وعثا # إن القبيح وإن صنعت ظاهره ... يعود ما لم منه مرة شعثا «1» # كم زخرف القول ذو زور ولبسه ... على القلوب ولكن قل ما لبثا # قد أبرم الله أسباب الأمور معا ... فلن ترى سببا منهن منتكثا «2» # يا دافن الحقد فى ضعفى جوانبه ... ساء الدفين الذى أضحت له جدثا # الحقد داء دوى لا دواء له ... يرى الصدور إذا ما جمره حرثا # فاستشف منه بصفح أو معاتبة ... فإنما يبرىء المصدور ما نفثا # واجعل طلابك بالأوتار ما عظمت ... ولا تكن بصغير القول مكترثا # فالعفو أقرب للتقوى وإن جرم ... من مجرم جرح الأكباد أو فرثا # يكفيك فى العفو أن الله قرظه ... وحيا إلى خير من صلى ومن ms442 بعثا # شهدت أنك لو أذنبت ساءك أن ... تلقى أخاك حقودا صدره شرثا # إذا وسرك أن تلقى الذنوب معا ... وأن تصادف منه حانبا دمثا # إنى إذا خلط الأقوام صالحهم ... بسيىء الفعل جدا كان أو عبثا # جعلت قلبى كظرف السبك حينئذ ... يستخلص الفضة البيضاء لا الخبثا # ولست أجعله كالحوض أمدحه ... بحفظ ما طاب من ماء وما خبثا # والبيت الذى تمثل به الرشيد هو لعمرو بن معد يكرب يقوله لقيس بن # PageV03P716 # المكشوح المرادى، وقد تمثل به على بن أبى طالب رضى الله عنه لما رأى عبد ~~الرحمن ابن ملجم المرادى فقال له: أنت تخضب هذه من هذه، وأشار إلى لحيته ~~ونقرته «1» . # فقيل له: يا أمير المؤمنين، ألا تقتله! فقال: كيف يقتل المرء قاتله؟ # وكان بين مسلمة بن عبد الملك وبين العباس بن الوليد تباعد، فبلغ العباس ~~أن مسلمة ينتقصه، فكتب إليه يقول: # ألا تقنى الحياء أبا سعيد ... وتقصر عن ملاحاتى وعذلى # فلولا أن فرعك حين تنمى ... وأصلك منتهى فرعى وأصلى # وأنى إن رميتك هضت عظمى ... ونالتنى إذا نالتك نبلى # لقد أنكرتنى إنكار خوف ... يضم حشاك عن شتمى وأكلى # فكم من سورة أبطأت عنها ... بنى لك مجدها طلبى وحفلى # ومبهمة عييت بها فأبدى ... عويلى عن مخارجها وفضلى # كقول المرء عمرو فى القوافى ... لقيس حين خالف كل عدل # عذيرى من خليلى من مراد ... أريد حياته ويريد قتلى # لم يتفق له فى القافية كما قال عمرو، فغيره. ### | [رجع إلى عبد الملك بن صالح] # وعبد الملك هذا هو ابن صالح بن على، وكان بليغا جهيرا فاضلا عاقلا. # وقال الجاحظ: قال لى عبد الرحمن مؤدب عبد الملك بن صالح: قال لى عبد ~~الملك، بعد أن خصنى وصيرنى وزيرا بدلا من قمامة: يا عبد الرحمن، انظر فى ~~وجهى؛ فأنا أعرف منك بنفسك ولا تسعدنى على ما يقبح؛ دع [عنك كيف الأمير؟] ، ~~وكيف أصبح الأمير؟ وكيف أمسى؟ واجعل مكان التقريظ حسن الاستماع # PageV03P717 # منى، واعلم أن صواب الاستماع أحسن من صواب القول، وإذا حدثتك حديثا فلا ~~يفوتنك شىء منه؛ وأرنى فهمك ms443 فى طرفك؛ إنى اتخذتك وزيرا بعد أن كنت معلما، ~~وجعلتك جليسا مقربا بعد أن كنت مع الصبيان مبعدا، ومتى لم تعرف نقصان ما ~~خرجت منه لم تعرف رجحان ما صرت إليه. # وساير الرشيد عبد الملك، فقال له قائل: طأطىء من إشرافه، واشدد من ~~شكائمه، وإلا فسد عليك، فقال له الرشيد: ما يقول هذا؟ قال: حاسد نعمة، ~~ونافس رتبة، أغضبه رضاك عنى، وباعده قربك منى، وأساءه إحسانك إلى. # فقال له الرشيد: انخفض القوم وعلوتهم؛ فتوقدت فى قلوبهم جمرة التأسف. # فقال عبد الملك: أضرمها الله بالتزيد عندك! فقال الرشيد: هذا لك وذاك ~~لهم. # وصعد المنبر، فأرتج عليه فقال: أيها الناس، إن اللسان بضعة من الإنسان ~~تكل بكلاله إذا كل، وتنفسح [بانفساحه] إذا ارتجل، إن الكلام بعد الإفحام ~~كالإشراق بعد الإظلام، وإنا لا نسكت حصرا، ولا ننطق هذرا؛ بل نسكت مفيدين، ~~وننطق مرشدين، وبعد مقامنا مقام، ووراء أيامنا أيام، بها فصل الخطاب، ~~ومواقع الصواب، وسأعود فأقول، إن شاء الله تعالى وقال الأصمعى: كنت عند ~~الرشيد فدعا بعبد الملك بن صالح من حبسه، فقال: يا عبد الملك، أكفرا ~~بالنعمة «1» ، وغدرا بالسلطان، ووثوبا على الإمام؟ # فقال: يا أمير المؤمنين، بؤت بأعباء الندم، واستحلال النقم، وما ذاك إلا ~~من قول حاسد، ناشدتك الله والولاية، ومودة القرابة. فقال الرشيد: يا عبد ~~الملك، تضع لى لسانك، وترفع لى جنانك، بحيث يحفظ الله لى عليك، ويأخذ لى ~~منك، هذا كاتبك قمامة ينبىء عن غلك «2» ، فالتفت عبد الملك إلى قمامة وكان ~~قائما، فقال: # PageV03P718 # أحقا يا قمامة؟ قال: حقا، لقد رمت ختر «1» أمير المؤمنين! فقال عبد ~~الملك: # وكيف لا يكذب على يا أمير المؤمنين فى غيبتى من يبهتنى فى حضرتى؟ # فقال الرشيد: دع قمامة، هذا ابنك عبد الرحمن ينبىء عنك بمثل خبر قمامة، ~~فقال عبد الملك: إن عبد الرحمن مأمور أو عاق؛ فإن كان مأمورا فهو معذور، ~~وإن كان عاقا فما أتوقع من عقوقه أكثر. ### | [فى مقام الخوف] # وقال الرشيد للحسن بن عمران وقد أدخل عليه يرسف فى قيوده: وليتك دمشق ms444 وهى ~~جنة مونقة، تحيط بها غدر كاللجين «2» ، فتكف على رياض كالزرابى، وكانت بيوت ~~أموال فما برح بها التعدى، حتى تركتها أجرد من الصخر، وأوحش من القفر! ~~فقال: يا أمير المؤمنين، ما قصدت لغير التوفيق من جهته، ولكنى وليت أقواما ~~ثقل على أعناقهم الحق، فتفرغوا فى ميدان التعدى، ورأوا أن المراغمة بترك ~~العمارة أوقع بإضرار السلطان، وأنوه بالشنعة؛ فلا جرم أن موجدة أمير ~~المؤمنين قد أخذت لهم بالحظ الاوفر من مساءتى! فقال عبد الله ابن مالك: هذا ~~أجزل كلام سمع لخائف، وهذا ما كنا نسمعه عن الحكماء «أفضل الأشياء بديهة ~~أمن وردت فى مقام خوف» . # ولما رضى الرشيد عن يزيد بن مزيد دخل عليه فقال: الحمد لله الذى سهل لى ~~سبل الكرامة بلقائك، ورد على النعمة بوجه الرضا منك، وجزاك الله فى حال ~~سخطك حق المتثبتين المراقبين، وفى حال رضاك حق المنعمين المتطولين؛ فقد ~~جعلك الله- وله الحمد- تتثبت [تحزجا] عند الغضب، وتتطول [ممتنا] بالنعم، ~~وتستبقى المعروف عند الصنائع تفضلا بالعفو. # PageV03P719 ### | [من الرثاء] # وفى يزيد بن مزيد يقول مسلم بن الوليد مرثيته، وقد رويت له فى يزيد بن ~~أحمد السلمى: # قبر ببرذعة استسر ضريحه ... خطرا تقاصر دونه الأخطار «1» # نفضت بك الأحلاس نفض إقامة ... واسترجعت نزاعها الأمصار # فاذهب كما ذهبت غوادى مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار # سلكت بك العرب السبيل إلى العلا ... حتى إذا سبق الردى بك حاروا # وقال أبو عبد الرحمن محمد بن أبى عطية يرثى أخاه: # حنطته يا نصر بالكافور ... وزففته للمنزل المهجور # هلا ببعض خصاله حنطته ... فيضوع أفق منازل وقبور # والله لو بنسيم أخلاق له ... تعزى إلى التقديس والتطهير # حنطت من وطئ الحصى وعلا الربى ... لتزود بل عدة لنشور # فاذهب كما ذهب الشباب فإنه ... [قد كان خير مجاور ومجير] # [واذهب كما ذهب الوفاء فإنه] ... عصفت به ريحا صبا ودبور # والله ما أبنته لأزيده ... شرفا ولكن نفثة المصدور # ومات رجل من العرب كان يعول اثنى عشر ألفا، فلما حمل على سريره صر، فقال ~~بعض من حضر: # وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه ms445 أصلاب قوم تقصف «2» # وليس فتيق المسك ما تجدونه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف # وقال عبد الله بن المعتز فى عبيد الله بن سليمان بن وهب يرثيه: # يا بن وهب بالكره منى بقيت ... عجبى يوم مت كيف حييت # PageV03P720 # إنما طيب الثناء الذى خلفت ... لا مسك نعتك المفتوت # واختصرت الطريق بعدك للمو ... ت فلاقيته ولست أفوت # كيف يبقى على الحوادث حى ... بيد الدهر عوده منحوت # وقال أيضا: # ذكرت ابن وهب فلله ما ... ذكرت وما غيبوا فى الكفن # تقطر أقلامه من دم ... ويعلم بالظن ما لم يكن # وظاهر أطرافه ساكن ... وما تحته حركات الفطن # وقال: # ذكرت عبيد الله والترب دونه ... فلم تحبس العينان منى بكاهما «1» # وحاشاه من قول «سقى الغيث قبره» ... يداه تروى قبره من نداهما # وهذا مأخوذ من قول الطائى: # سقى الغيث غيثا وارت الأرض شخصه ... وإن لم يكن فيه سحاب ولا قطر «2» # وكيف احتمالى للسحاب صنيعة ... بإسقائها قبرا وفى لحده البحر # وقال ابن المعتز: # لم تمت أنت، إنما مات من لم ... يبق فى المجد والمكارم ذكرا # لست مستسقيا لقبرك غيثا ... كيف يظما وقد تضمن بحرا # والبيت الثانى من هذين من بيت الطائى. # وقال: # محمد بن حميد أخلقت رممه ... أريق ماء المعالى إذ أريق دمه # رأيته بنجاد السيف محتبيا ... كالبدر حين انجلت عن وجهه ظلمه # فى روضة حفها من حولها زهر ... أيقنت عند انتباهى أنها نعمه # PageV03P721 # فقلت والدمع من وجد ومن حرق ... يجرى وقد خدد الخدين منسجمه: # ألم تمت يا سليل المجد من زمن؟ ... فقال لى: لم يمت من لم يمت كرمه # وقال بعض أهل العصر: # عمر الفتى ذكره، لاطول مدته ... وموته موته لا موته الدانى # فأحى ذكرك بالإحسان تزرعه ... تجمع به لك فى الدنيا حياتان # وقال عبد السلام بن رغبان الحمصى «1» : # سقى الغيث أرضا ضمنتك وساحة ... لقبرك فيه الغيث والليث والبدر # وما هى أهل إذ أصابتك بالبلى ... لسقيا، ولكن من حوى ذلك القبر # أخذ هذا البيت [الأول] الراضى فقال يرثى أباه المقتدر: # بنفسى ثرى ضمنت فى ساحة البلى ... لقد ضم منك الغيث ms446 والليث والبدرا # فلو أن عمرى كان طوع مشيئتى ... وأسعدنى المقدور قاسمتك العمرا # ولو أن حيا كان قبرا لميت ... لصيرت أحشائى لأعظمه قبرا # هذا البيت ينظر إلى قول المتنبى: # حتى أتوا جدثا كأن ضريحه ... فى قلب كل موحد محفور # لما حملت قطر الندى بنت خمارويه بن [أحمد بن] طولون إلى المعتضد كتب معها ~~أبوها إليه يذكره بحرمة سلفها [بسلفه] ، ويذكر ما ترد عليه من أبهة ~~الخلافة، وجلالة الخليفة، ويسأل إيناسها وبسطها، فبلغت من قلب المعتضد لما ~~زفت إليه مبلغا عظيما، وسر بها غاية السرور، وأمر الوزير أبا القاسم عبيد ~~الله ابن سليمان بن وهب بالجواب عن الكتاب، فأراد أن يكتبه بخطه، فسأله أبو ~~الحسين بن ثوابة أن يؤثره بذلك ففعل؛ وغاب أياما وأتى بنسخة يقول فى فصل # PageV03P722 # منها: وأما الوديعة فهى بمنزلة شىء انتقل من يمينك إلى شمالك، عناية بها، ~~وحياطة عليها، ورعاية لمودتك فيها. ثم أقبل عبيد الله يعجب من حسن ما وقع ~~له من هذا، وقال: تسميتى لها بالوديعة نصف البلاغة، فقال عبيد الله: # ما أقبح هذا! تفاءلت لامرأة زفت إلى صاحبها بالوديعة، والوديعة مستردة. # وقولك «من يمينك إلى شمالك أقبح» لأنك جعلت أباها اليمين وأمير المؤمنين ~~الشمال، ولو قلت: «وأما الهدية فقد حسن موقعها منا، وجل خطرها عندنا؛ وهى ~~وإن بعدت عنك، بمنزلة من قربت منك؛ لتفقد نالها، وأنسنابها، ولسرورها بما ~~وردت عليه، واغتباطها بما صارت إليه» لكان أحسن، فنفذ الكتاب. # وكانت قطر الندى مع جمالها موصوفة بفضل العقل، خلا بها المعتضد يوما ~~للأنس بها فى مجلس أفرده لم يحضره غيرها، فأخذت منه الكأس، فنام على فخذها، ~~فلما استثقل «1» وضعت رأسه على وسادة، وخرجت فجلست فى ساحة القصر على باب ~~المجلس، فاستيقظ فلم يجدها، فاستشاط غضبا «2» ، ونادى بها فأجابته على قرب، ~~فقال: ما هذا؟ أخليتك إكراما لك، ودفعت إليك مهجتى دون سائر حظاياى، فتضعين ~~رأسى على وسادة! فقالت: يا أمير المؤمنين، ما جهلت قدر ما أنعمت به على، ~~وأحسنت فيه إلى، ولكن فيما أدبنى به أبى أن قال ms447 لى: # لا تنامى مع الجلوس، ولا تجلسى بين النيام. ### | [رجع إلى الرثاء] # وفى أبى الحسين بن ثوابة يقول ابن المعتز يرثيه: # ليس شىء لصحة ودوام ... علب الدهر حيلة الأقوام # وتولى أبو الحسين حميدا ... فعلى روحه سلام السلام # PageV03P723 # حين عاقدته على الحفظ للعهد وصافحته بكف الذمام «1» # واصطفته على الأخلاء نفسى ... كاصطفاء الأرواح للأجسام # كان ريحانة الندامى وميزا ... ن القوافى شعرا وبحر كلام # ومكان السهم الذى لا يرى ... الشك ولا يستغيث بالأوهام # ساحر الوحى فى القراطيس لا تحبس ... عنه أعنة الأقلام # فإذا ما رأيته خلت فى خديه ... صبحا منقبا بظلام # نفس صبرا لا تجزعى إن هذا ... خلق من خلائق الأيام ### | [أيام الشباب] # وأنشد أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب لرجل من بنى كلاب: # سقى الله دهرا قد تولت غياطله ... وفارقنا إلا الحشاشة باطله «2» # ليالى خدنى كل أبيض ماجد ... يطيع هوى الصابى وتعصى عواذله # وفى دهرنا والعيش فى ذاك غرة ... ألا ليت ذاك الدهر تثنى أوائله # بما قد غنينا والصبا جل همنا ... يمايلنا ريعانه ونمايله # وجر لنا أذياله الدهر حقبة ... يطاولنا فى غيه ونطاوله # فسقيا له من صاحب خذلت بنا ... مطيتنا فيه وولت رواحله # أصد عن البيت الذى فيه قاتلى ... وأهجره حتى كأنى قاتله # هذا البيت يناسب قول ذى الرمة، وإن لم يكن فى هذا المعنى، يصف ظبية ~~وولدها: # إذا استود عنه صفصفا أو صريمة ... تنحت ونصت جيدها بالمناظر «3» # حذارا على وسنان يصرعه الكرى ... بكل مقيل عن ضعاف فواتر # PageV03P724 # وتهجره إلا اختلاسا نهارها ... وكم من محب رهبة العين هاجر # وقال أبو حية النميرى: # أما وأبى الشباب لقد أراه ... جميلا ما يراد به بديل # إذ الأيام مقبلة علينا ... وظل أراكة الدنيا ظليل # وقال على بن بسام: # بشاطئ نهر قبرك فالمصلى ... فما والاهما فالقريتين # معاهد لهونا والعيش غض ... وصرف الدهر مقبوض اليدين # وكان ابن بسام هذا- وهو على بن [محمد بن] منصور بن بسام- مليح المقطعات، ~~كثير الهجاء خبيثه، و [ليس] له حظ التطويل، وهو القائل: # كم قد قطعت إليك من ديمومة ... نطف المياه بها سواد الناظر ms448 «1» # فى ليلة فيها السماء مرذة ... سوداء مظلمة كقلب الكافر «2» # والبرق يخفق من خلال سحابه ... خفق الفؤاد لموعد من زائر # والقطر منهمل يسح كأنه ... دمع المودع إثر إلف سائر # وقال فى العباس [بن الحسين] لما وزر للمكتفى: # وزارة العباس من نحسها ... ستقلع الدولة من أسها # شبهته لما بدا مقبلا ... فى خلع يخجل من لبسها # جارية رعناء قد قدرت ... ثياب مولاها على نفسها # وقال فى على بن يحيى المنجم يرثيه: # PageV03P725 # قد زرت قبرك يا على مسلما ... ولك الزيارة من أقل الواجب # ولو استطعت حملت عنك ترابه ... فلطالما عنى حملت نوائبى # وكان مولعا بهجاء أبيه، وفيه يقول وقد ابتنى دارا: # شدت دارا خلتها مكرمة ... سلط الله عليها الغرقا # وأرانيك صريعا وسطها ... وأرانيها صعيدا زلقا # وقال أبو العباس بن المعتز يهجوه: # من شاء يهجو عليا ... فشعره قد كفاه «1» # لو أنه لأبيه ... ما كان يهجو أباه ### | [مع الخلفاء] # وقال المأمون لأحمد بن أبى خالد، وهو يخلف الحسن بن سهل، وقد أشار إليه ~~برأى استرجحه: قد اعتل الحسن ولزم بيته، ووكل الأمر إليك، فأنا إلى راحته ~~وبقائه، أحوج [متى] إلى إتعابه وفنائه، وقد رأيت أن أستوزرك؛ فإن الأمر له ~~ما دمت أنت تقوم به، وقد طالعت رأيه فى هذا الأمر، فما عداك. فقال: # يا أمير المؤمنين، أعفنى من التسمى بالوزارة، وطالبنى بالواجب فيها، ~~واجعل بينى وبين الغاية ما يرجو بى له وليى، ويخافنى له عدوى، فما بعد ~~الغايات إلا الآفات. فاستحسن كلامه، وقال: لا بد من ذلك، واستوزره. # ورأى المأمون خط محمد بن داود فقال: يا محمد، إن شاركتنا فى اللفظ، فقد ~~فارقناك فى الخط، فقال: يا أمير المؤمنين، إن من أعظم آيات النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه أدى عن الله سبحانه وتعالى رسالاته، وحفظ عنه وحيه، وهو # PageV03P726 # أمى لا يعرف من فنون الخط فنا، ولا يقرأ من سائره حرفا، فبقى عمود ذلك فى ~~أهله، فهم يشرفون بالشبه الكريم فى نقص الخط، كما يشرف غيرهم بزيادته؛ وإن ~~أمير المؤمنين أخص الناس برسول الله صلى الله ms449 عليه وسلم، والوارث لموضعه، ~~والمتقلد لأمره ونهيه؛ فعلقت به المشابهة الجليلة، وتناهت إليه الفضيلة ~~فقال المأمون: يا محمد، لقد تركتنى لا آسى على الكتابة، ولو كنت أميا. # وهذا شبيه بقول سعيد بن المسيب، وقد قيل له: ما بال قريش أضعف العرب ~~شعرا، وهى أشرف العرب بيتا؟ قال: لأن كون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منها قطع متن الشعر عنها. # وقال إبراهيم بن الحسن بن سهل: كنا فى مجلس المأمون وعمرو بن مسعدة يقرأ ~~عليه الرقاع، فجاءته عطسة، فلوى عنقه فردها، فرآه المأمون فقال: يا عمرو، ~~لا تفعل فإن رد العطسة وتحويل الوجه بها يورثان انقطاعا فى العنق. فقال بعض ~~ولد المهدى: ما أحسنها من مولى لعبده، وإمام لرعيته! فقال المأمون: وما فى ~~ذلك؟ هذا هشام اضطربت عمامته فأهوى الأبرش الكلبى إلى إصلاحها، فقال هشام: ~~إنا لا نتخذ الإخوان خولا «1» ! فالذى قال هشام أحسن مما قلته. فقال عمرو: ~~يا أمير المؤمنين: إن هشاما يتكلف ما طبعت عليه، [ويظلم] فيما تعدل فيه، ~~ليس له قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا قيامك بحق الله، وإنك ~~والملوك لكما قال النابغة الذبيانى: # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # لأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # أخذ النابغة هذا من قول شاعر قديم من كندة: # PageV03P727 # تكاد تميد الأرض بالناس إن رأوا ... لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب # هو الشمس وافت يوم دجن فأفضلت ... على كل ضوء والملوك كواكب «1» # قال يزيد بن معاوية لجميل بن أوس، وكان أكرمه واجتباه: لم كرهت الإفراط ~~فى تقديمى، وتطامنت عن الدرجة التى سما بك إليها مكانك منى؟ # فقال: [أيد الله سلطانك، وأعلى مكانك] ، إن الذين كانوا قبلنا من أهل ~~العلوم والآداب، والعقول والألباب، كانوا أطول أعمارا منا، وأكثر للزمان ~~صحبة، وأكثر للأيام تجربة، وقد قال الحكيم: بقدر الثواب عند الرضا يكون ~~العقاب عند السخط، وبقدر السمو فى الرفعة تكون وجبة الرفعة، ولا خير فيمن ~~لا يسمع الموعظة، ولا يقبل ms450 النصيحة، وأنا يا أمير المؤمنين وإن كنت آمنا من ~~التعرض لسخطك والدنو مما يقرب منه، فلست بآمن من طعن المساوى فى الدرجة ~~عندك، وحقر المشارك لى فى المنزلة منك، وليس من تقديمك قليل، ولا من تعظيمك ~~يسير، فإن أقل ذلك فيه النباهة، والفخر، [والثناء] والذكر، وحسبى مما بذلته ~~من أموالك استحقاقى عندك لإكرامك، وحسبى من تقديمك خالص رضاك، وصفاء ضميرك ### | مختار من أقوال الحكماء عند وفاة الإسكندر # لما جعل الإسكندر فى تابوت من ذهب تقدم إليه أحدهم فقال: كان الملك يخبأ ~~الذهب، وقد صار الآن الذهب يخبؤه، وتقدم إليه آخر، والناس يبكون ويجزعون، ~~فقال: حر كنا بسكونه، أخذه أبو العتاهية فقال: # يا على بن ثابت بان منى ... صاحب جل فقده يوم بنتا # PageV03P728 # قد لعمرى حكيت لى غصص المو ... ت وحركتنى لها وسكنتا # وتقدم إليه آخر فقال: كان الملك يعظنا فى حياته، وهو اليوم أوعظ منه أمس. ~~أخذه أبو العتاهية فقال: # وكانت فى حياتك لى عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا # وتقدم إليه آخر فقال: قد طاف الأرضين وتملكها، ثم جعل منها فى أربعة ~~أذرع. ووقف عليه آخر فقال: مالك لا تقل عضوا من أعضائك، وقد كنت تستقل ملك ~~العباد. ووقف عليه آخر فقال: انظر إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظل ~~الغمام كيف انجلى. وقال آخر: مالك لا ترغب بنفسك عن ضيق المكان، وقد كنت ~~ترغب بها عن رحب «1» البلاد. وقال آخر: [كان الملك غالبا فصار مغلوبا، ~~وآكلا فصار مأكولا. وقال آخر] : أمات هذا الميت كثيرا من الناس لئلا يموت، ~~وقد مات الآن. وقال آخر: ما كان أقبح إفراطك فى التجبر أمس، مع شدة خضوعك ~~اليوم. وقالت بنت دارا: ما علمت أن غالب أبى يغلب. وقال رئيس الطباخين: قد ~~نضدت النضائد، وألقيت الوسائد، ونصبت الموائد، ولست أرى عميد المجلس! ### | جملة من كلام ابن المعتز فى الفصول القصار فى ذكر السلطان # أشقى الناس بالسلطان صاحبه، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها ~~احتراقا. لا يدرك الغنى بالسلطان إلا نفس خائفة، وجسم ms451 تعب، ودين متثلم. # إن كان البحر كثير الماء فإنه بعيد المهوى، ومن شارك السلطان فى عز ~~الدنيا شاركه فى ذل الآخرة. فساد الرعية بلا ملك كفساد الجسم بلا روح. إذا ~~زادك السلطان تأنيسا فزده إجلالا. من صحب السلطان صبر على قسوته كصبر # PageV03P729 # الغواص على ملوحة بحره. الملك بالدين يبقى، والدين بالملك يقوى. من نصح ~~لخدمة نصحته المجازاة. لا تلتبس بالسلطان فى وقت اضطراب الأمور عليه؛ فإن ~~البحر لا يكاد يسلم صاحبه فى حال سكونه، فكيف عند اختلاف رياحه، واضطراب ~~أمواجه؟ ### | ومن كلام أهل العصر وغيرهم فى هذا النحو # الأوطان حيث يعدل السلطان. إذا نطق لسان العدل فى دار الإمارة، فلها ~~البشرى بالعز والإمارة. أخر بالملك العادل أن يستقل سريره فى سرة الأرض. # ريح السلطان على قوم سموم «1» ، وعلى قوم نسيم. أخلق بدم المستخف ~~بالجبابرة أن يكون جبارا «2» . من غمس يده فى مال السلطان فقد مشى بقدمه ~~على دمه. الملك خليفة الله فى عباده وبلاده، ولن يستقيم أمر خلافته مع ~~مخالفته. الملك من ينشر أثواب الفضل، ويبسط أنواع العدل. السلطان كالنار: ~~إن باعدتها بطل نفعها، وإن قاربتها عظم ضررها. إقبال السلطان تعب وفتنة، ~~وإعراضه حسرة ومذلة. صاحب السلطان كراكب الأسد يهابه الناس وهو لمركبه ~~أهيب. # السلطان إذا قال لعماله: هاتوا، فقد قال لهم: خذوا. ثلاثة لا أمان لهم: ~~السلطان، والبحر، والزمان. ليكن السلطان عندك كالنار: لا تدنو منها إلا عند ~~الحاجة إليها، وإن اقتبست منها فعلى حذر. مثل أصحاب السلطان كقوم رقوا جبلا ~~ثم وقعوا منه، فكان أقربهم إلى التلف أبعدهم فى المرقى. مثل السلطان كالجبل ~~الصعب الذى فيه كل ثمرة طيبة، وكل سبع حطوم، فالارتقاء إليه شديد، والمقام ~~فيه أشد. لئن عز الملوك فى الدنيا بالجور ليذلن فى الآخرة [بالعدل] . # لابن عباد الصاحب: # إذا ولاك سلطان فزده ... من التعظيم واحذره وراقب # PageV03P730 # فما السلطان إلا البحر عظما ... وقرب البحر محذور العواقب ### | [وصف كاتبة] # ووصف أحمد بن صالح بن شيران «1» جارية كاتبة فقال: كأن خطها أشكال ~~صورتها، وكأن مدادها سواد شعرها، وكأن ms452 قرطاسها أديم وجهها، [وكأن قلمها بعض ~~أناملها، وكأن بنانها سحر مقلتها، وكأن سكينها غنج لحظها] وكأن مقطها قلب ~~عاشقها. ### | [وصف غلام كاتب] # وقال بعض الكتاب يصف غلاما كاتبا: # انظر إلى أثر المداد بخده ... كبنفسج الروض المشوب بورده # ما أخطأت نوناته من صدغه ... شيئا، ولا ألفاته من قده # ألقت أنامله على أقلامه ... شبها أراك فرندها كفرنده «2» # وكأنما أنقاسه من شعره ... وكأنما قرطاسه من خده «3» # وقال أحمد بن أبى سمرة الدارمى فيما ينظر إلى هذا من طرف خفى: # [سراب الفيافى صادق عند وعدها ... وسم الأفاعى مبرئ عند صدها] # رمتنى ولم أسعد بأيام وصلها ... بعينى مهاة أنحستنى ببعدها # فعلقها قلبى كما قد تعلقت ... صوالج صدغيها بتفاح خدها # فقلبى لما أضعفته كخصرها ... ودمعى لما نظمته كعقدها # ونيل الثريا ممكن عند وصلها ... وأسرغ من برق تناقض وعدها ### | [من بديع الزمان إلى ابن العميد] # رقعة كتبها بديع الزمان إلى ابن العميد يستنجزه: أين تكرم الشيخ العميد ~~أيده الله على مولاه؟ وكيف معدله إلى سواه؟ أيقصر فى النعمة، لأنى قصرت # PageV03P731 # فى الخدمة؟ إذن فقد أساء المعاملة، ولم يحسن المقابلة، وعثر فى أذيال ~~السهو، ولم ينعش بيد العفو، أم يقول: إن الدهر بيننا خدع، وفيما بعد متسع، ~~فقد أزف رحيلى «1» ، ولا ماء بعد الشط، ولا سطح وراء الخط؛ أم ينتظر سؤالى؟ ~~وإنما سألته، يوم أملته، واستمنحته «2» ، يوم مدحته، واقتضيته، يوم أتيته، ~~وانتجعت سحابه، لما قرعت بابه، وليس كل السؤال أعطنى، ولا كل الرد أعفنى؛ ~~أم يظن- أيده الله تعالى- أنى أرد صلته، ولا ألبس خلعته؟ وهذه فراسة المؤمن ~~إلا أنها باطلة، ومخيلة العارف إلا أنها فاسدة؛ أم ليس يجد فى مكانا للنعمة ~~يضعها، وأرضا للمنة يزرعها؟ فلا أقل من تجربة دفعة، والمخاطرة بإنفاذ خلعة، ~~ليخرج من ظلمة التخمين، إلى نور اليقين، وينظر أأشكر أم أكفر؛ أم يتوقع- ~~أيده الله- صاعقة تملكنى، أو بائقة تهلكنى «3» ، فلهذا أمل موفر، لأن شيخ ~~السوء باق معمر؛ أم يقدر- أيده الله- أنى أشكره إذا اصطنع، وأعذره إذا منع، ~~وتالله لو كنت ينبوع المعاذير ما حظى منها بجرعة، فليرحنى بسرعة. ms453 ### | [بين البديع وأبى القاسم الهمذانى] # وكتب أبو القاسم الهمذانى إلى البديع: قد كتبت لسيدى حاجة إن قضاها ~~وأمضاها، ذاق حلاوة العطاء، وإن أباها وفل شباها «4» لقى مرارة الاستبطاء، ~~فأى الجودين أخف عليه؟ أجود بالعلق «5» ، أم جود بالعرض؟ ونزول عن الطريف، ~~أم عن الخلق الشريف؟ # فأجابه: جعلت فداك هذا طبيخ، كله توبيخ، وثريد، كله وعيد، ولقم، إلا أنها ~~نقم، ولم أر قدرا أكثر منها عظما، ولا آكلا أكثر منى كظما، ولم أر شربة أمر ~~منها طعما، ولا شاربا أتم منى حلما، ما هذه الحاجة؟ ولنكن حاجتك من بعد ~~ألين جوانب، وألطف مطالب، توافق قضاءها وترافق ارتضاءها، إن شاء الله ~~تعالى. # PageV03P732 # وفى مقامات أبى الفتح «1» الإسكندرى من إنشائه، قال: # حدثنا عيسى بن هشام قال: أحلنى جامع بخارى يوم، وقد انتظمت مع رفقة فى ~~سمط الثريا، وحين احتفل الجامع بأهله طلع علينا ذو طمرين «2» ، قد أرسل ~~صوانا، واستتلى [طفلا] عريانا، يضيق بالضر وسعه، ويأخذه القر ويدعه، لا ~~يملك غير القشرة «3» بردة، ولا يلتقى لحياه رعدة، ووقف الرجل وقال: لا ينظر ~~لهذا الطفل إلا من رحم طفله، ولا يرق لهذا الضر إلا من لا يأمن مثله، يا ~~أصحاب الجدود المفروزة، والأردية المطروزة، والدور المنجدة، والقصور ~~المشيدة، إنكم لن تأمنوا حادثا، ولن تعدموا وارثا، فبادروا الخير ما أمكن، ~~وأحسنوا مع الدهر ما أحسن، فقد والله طعمنا السكباج «4» ، وركبنا الهملاج ~~«5» ، ولبسنا الديباج، وافترشنا الحشايا بالعشايا، فما راعنا إلا هبوب ~~الدهر بغدره، وانقلاب المجن لظهره، فعاد الهملاج قطوفا «6» ، وانقلب ~~الديباج صوفا، وهلم جرا، إلى ما تشاهدون من خالى وزيى؛ فها نحن نرضع من ~~الدهر ثدى عقيم، ونركب من الفقر ظهر بهيم، ولا نرنو إلا بعين اليتيم، ولا ~~نمد إلا يد العديم، فهل من كريم يجلو عنا غياهب هذه البؤوس، ويفل شبا هذه ~~النحوس؟. ثم قعد مرتفقا، وقال للطفل: أنت وشأنك. فقال: وما عسى أن أقول، ~~وهذا الكلام لو لقى الشعر لحلقه، أو الصخر لفلقه، وإن قلبا لم ينضجه ما قلت ~~لنىء! قد سمعتم يا قوم، ما لم ms454 تسمعوا قبل اليوم، فليشغل كل منكم بالجود ~~يده، وليذكر غده، واقيا بى ولده، واذكرونى أذكركم، وأعطونى أشكركم! قال ~~عيسى بن هشام: فما آنسنى فى وحدتى إلا خاتم ختمت به خنصره، فلما تناوله ~~أنشأ يقول: # وممنطق من نفسه ... بقلادة الجوزاء حسنا # PageV03P733 # كمتيم لقى الحبي ... ب فضمه شغفا وحزنا # متألف من غير أسرته ... على الأيام خدنا # علق سنى قدره ... لكن من أهداه أسنى # أقسمت لو كان الورى ... فى المجد لفظا كنت معنى # قال عيسى بن هشام: فتبعته حتى سفرت الخلوة عن وجهه، فإذا والله شيخنا ~~الإسكندرى، وإذا الصبى غلام له، فقلت: # أبا الفتح شبت وشب الغلام ... فأين الكلام، وأين السلام؟ «1» # فقال: # غريبا إذا جمعتنا الطريق ... أليفا إذا نظمتنا الخيام # فعلمت أنه كره لقائى، فتركته وانصرفت. ### | [وصف فص وخاتم] # وقال أبو الفتح كشاجم يصف فصا: # ساجل؟؟؟ بفصك من أردت وباهه ... فكفى به كمدا لقلب الحاسد # متألق فيه الفرند كأنه ... وجهى غداة ندى وضيف قاصد # لو أن ظمأى منه علت لارتوت ... من ماء جوهره المعين البارد «2» # بهر العيون إضاءة فى رقة ... فكأننى متخنم بعطارد # وقال بعض المحدثين يصف خاتما: # ووحيد الكيان صيغ بديعا ... فإذا تم صيغ من جوهرين # خلعت خجلة الخدود عليه ... خلعا قد لبسن فوق اللجين # PageV03P734 # فإذا ما رأيته فى بنان ... قد كساها من حسنه حلتين # قلت نجم هوى من الجو حتى ... صار مجرى بروجه فى اليدين # وقال البحترى يستهدى المعتز فصا: # فهل أنت يابن الراشدين مختمى ... بياقوتة تبهى على وتشرق # يغار احمرار الورد من حسن صبغها ... ويحكيه جادى الرحيق المعتق # إذا برزت والشمس قلت تجاريا ... إلى أمد أو كادت الشمس تسبق # إذا التهبت فى اللحظ ضاهى ضياؤها ... جبينك عند الجود إذ يتألق «1» # أسربل منها ثوب فخر معجل ... فيبقى بها ذكر على الدهر مخلق # وعلى ذكر الخاتم قال أبو الفتح كشاجم: # عرضن فعرضن القلوب من الهوى ... لأسرع من كى القلوب على الجمر # كأن الشفاء اللعس منها خواتم ... من التبر مختوم بهن على الدر «2» # وقال الناظم: # يروع مناجيه بهاروت لحظه ... ويؤنسه منه بصورة آدم ms455 # ترى فيه لاما فردة فوق وردة ... وفصا من الياقوت من فوق خاتم ### | [مفاضلة بين الكلام والصمت] # وقال أبو تمام الطائى: تذاكرنا فى مجلس سعيد بن عبد العزيز الكلام وفضله، ~~والصمت ونبله، فقال: ليس النجم كالقمر؛ إنك إنما تمدح السكوت بالكلام، ولا ~~تمدح الكلام بالسكوت، وما أنبأ عن شىء فهو أكبر منه. # قال الجاحظ: كيف يكون الصمت أنفع من الكلام، ونفعه لا يكاد يجاوز # PageV03P735 # صاحبه، ونفع الكلام يعم ويخص، والرواة لم ترو سكوت الصامتين، كما روت ~~كلام الناطقين؛ فبالكلام أرسل الله تعالى أنبياءه لا بالصمت، ومواضع الصمت ~~المحمودة قليلة، ومواطن الكلام المحمودة كثيرة، وبطول الصمت يفسد البيان. ~~وكان يقال: محادثة الرجال تلقيح لألباتها. # وذكر الصمت فى مجلس سليمان بن عبد الملك فقال: إن من تكلم فأحسن قدر أن ~~يسكت فيحسن، وليس من سكت فأحسن يتكلم فيحسن. # قال بعض النساك: أسكتتنى كلمة ابن مسعود عشرين سنة؛ وهى: من كان كلامه لا ~~يوافق فعله فإنما يوبخ نفسه. ### | [الحنين إلى الأوطان] # قال أبو عمرو بن العلاء: مما يدل على حرية الرجل وكرم غريزته حنينه إلى ~~أوطانه، وتشوقه إلى متقدم إخوانه، وبكاؤه على ما مضى من زمانه. # وقالوا: الكريم يحن إلى جنابه، كما يحن الأسد إلى غابه. # وقالوا: يشتاق اللبيب إلى وطنه، كما يشتاق النجيب إلى عطنه «1» . ### | ألفاظ لأهل العصر فى ذكر الوطن # بلد لا تؤثر عليه بلدا، ولا تصبر عنه أبدا. هو عشه الذى فيه درج، ومنه ~~خرج. مجمع أسرته، ومقطع سرته. بلد أنشأته تربته، وغذاه هواؤه، ورباه نسيمه، ~~وحلت عنه التمائم فيه. # قالوا: وكان الناس يتشوقون إلى أوطانهم، ولا يفهمون العلة فى ذلك، حتى ~~أوضحها على بن العباس الرومى فى قصيده لسليمان بن عبد الله بن طاهر يستعديه ~~على رجل من التجار، يعرف بابن أبى كامل، أجبره على بيع داره واغتصبه بعض ~~جدرها، بقوله: # PageV03P736 # ولى وطن آليت ألا أبيعه ... وألا أرى غيرى له الدهر مالكا # عهدت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا فى ظلالكا # وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا ms456 # إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فخنوا لذلكا # فقد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسد إن بان غودر هالكا # يقول له فيها: # وقد عزنى فيها لئيم وسامنى ... فقال لى اجهد فى جهد احتيالكا «1» # وما هو إلا نسجك الشعر ضلة ... وما الشعر إلا ضلة من ضلالكا # بصير بتسآل الملوك، ولم يكن ... بعار على الأحرار مثل سؤالكا # وإنى وإن أضحى مدلا بماله ... لآمل أن أضحى مدلا بمالكا # فإن لم تصبنى من يمينك نعمة ... فلا نخطئنه نقمة من شمالكا # فكم لقى العافون بدءا وعودة ... نوالك والعادون مر نكالكا # وقال على بن عبد الكريم النصيبى: أتانى أبو الحسن بن الرومى بقصيدته هذه، ~~وقال: أنصفنى، وقل الحق: أيهما أحسن قولى فى الوطن أو قول الأعرابى: # أحب بلاد الله ما بين منعج ... إلى وسلمى أن يصوب سحابها # بلاد بها نيطت على تمائمى ... وأول أرض مس جلدى ترابها «2» # فقلت: بل قولك؛ لأنه ذكر الوطن ومحبته، وأنت ذكرت العلة التى أوجبت ذلك. # وقال ابن الرومى أيضا يتشوق إلى بغداد، وقد طال مقامه بسر من رأى: # بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد # فإذا تمثل فى الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد «3» # PageV03P737 # وقال أبو العباس: ولما احتفل القائل فى هذا المعنى السابق إليه قال: # بلاد بها حل الشباب تمائمى # وقد تقدم. وإذا كانت تمائمه قطعت بأبرق العزاف، وكان التراب الذى مس جلده ~~تراب جزيرة سيراف، وجب أن يحن إليه حنين المتأسفين على غوطة دمشق، وقصور ~~مدينة السلام، ونجف الجزيرة، ومستشرف الخورنق، وجوسق سر من رأى، لما بعد ~~عنها، وطال مقامه بغيرها، كلا، ولكن هذا الرجل علم أن الحنين إلى الأوطان ~~لما تذكر من معاهد اللهو فيها، بجدة الشباب الذى ذكر أن غول سكرته، يغطى ~~على مقدار فضيلته، فى قوله: # لا تلح من يبكى شبيبته ... إلا إذا لم يبكها بدم # عيب الشبيبة غول سكرتها ... ومقدار ما فيها من النعم # لسنا نراها حق رؤيتها ... إلا أوان الشيب والهرم # كالشمس لا تبدو فضيلتها ... حتى تغشى الأرض بالظلم # ولرب ms457 شىء لا يبينه ... وجدانه إلا مع العدم # أخذها هذا من قول الطائى: # راحت وفود الأرض عن قبره ... فارغة الأيدى ملاء القلوب # قد علمت ما رزئت، إنما ... يعرف فقد الشمس بعد الغروب # وأخذ ابن الرومى قوله فى صفة الوطن من قول بشار: # متى تعرف الدار التى بان أهلها ... بسعدى فإن العهد منك قريب # تذكرك الأهواء إذ أنت يافع ... لديها فمغناها لديك حبيب «1» # أو من قول بعض الأعراب: # ذكرت بلادى فاستهلت مدامعى ... بشوقى إلى عهد الصبا المتقادم «2» # PageV03P738 # حننت إلى أرض بها اخضر شاربى ... وقطع عنى قبل عقد التمائم # وأنشد ثعلب لرجاء بن هرون العكى: # أحن إلى وادى الأراك صبابة ... لعهد الصبا فيه ونذكار أول # كأن نسيم الريح فى جنباته ... نسيم حبيب أو لقاء مؤمل # قال أبو بكر الصولى: ولست أشك أنه من قول رجاء أخذ، وبه ألم، وعليه عول؛ ~~لأنه فى تناوله المعنى غريب الأخذ، عائر السهم «1» ، لا يعارض معنى معروفا ~~إذا أنشد علم الناس أنه معدنه الذى انتحته منه. # وقد اختلس معنى قول ابن الرومى: # فقد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسد إن بان غودر هالكا # أخذه على بن محمد الإيادى وقال فأحسن الأخذ ولطف فى السرقة: # بالجزع فالخبتين أشلاء دار ... ذات ليال قد تولت قصار # بانوا فماتت أسفا بعدهم ... وإنما الناس نفوس الديار # وقال أعرابى: # أيا حبذا نجد وطيب ترابه ... تصافحه أيدى الرياح الغرائب # وعهد صبا فيه ينازعك الهوى ... بذلك أتراب. عذاب المشارب # تنال المنى منهن فى كل مطلب ... عذاب الثنايا واردات الذوائب «2» # وقال ابن ميادة يخاطب الوليد بن يزيد. # ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... بحرة ليلى خيت ربتنى أهلى # بلاد بها نيطت على تمائمى ... وقطعن عنى حين أدركنى عقلى # فإن كنت عن تلك المواطن مانعى ... قأفش على الزرق واجمع إذ اشملى # وقال سوار بن الصرير «3» ، ورويت لمالك بن الريب: # PageV03P739 # سقى الله اليمامة من بلاد ... نوائحها كأرواح الغوانى «1» # وجوا زاهرا للريح فيه ... نسيم لا يروع الترب وانى # به سقت الشباب إلى زمان ... يقبح عندنا حسن الزمان # وقال أعرابى: # أقول ms458 لصاحبى والعيس تخدى ... بنابين المنيفة فالضمار «2» # تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار # ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضه غب الفطار «3» # [وأهلك إذ يحل القوم نجدا ... وأنت على زمانك غير زار] # شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار # وهذا البيت كقول الآخر: # سقى الله أياما لنا قد تتابعت ... وسقيا لعصر العامرية من عصر # ليالى أعطيت البطالة مقودى ... تمر الليالى والشهور ولا أدرى # وتخلف سليمان عن نصرة ابن الرومى؛ فذاك الذى هاجه على هجائه، فمن ذلك ~~قوله، وقد خرج فى بعض الوجوه فرجع مهزوما: # جاء سليمان بنى طاهر ... فاجتاح معتز بنى المعتصم # كأن بغداد وقد أبصرت ... طلعته نائحة تلتدم «4» # مستقبل منه ومستدبر ... وجه بخيل وقفا منهزم # وقال: # قرن سليمان قد أضر به ... شوق إلى وجهه سيتلفه # PageV03P740 # كم يعد القرن باللقاء وكم ... يكذب فى وعده ويخلفه # لا يعرف القرن وجهه ويرى ... قفاه من فرسخ، فيعرفه # وقد أخذ هذا المعنى من قول بعض الخوارج، وقد قال له أبو جعفر المنصور: # أخبرنى أى أصحابى كان أشد إقداما فى مبارزتك، فقال: ما أعرف وجوههم، ~~ولكننى أعرف أقفاءهم، فقل لهم يدبروا أعرفك. # وفى هذه المنازعة يقول ابن الرومى لمواليه بنى هاشم وكان ولاؤه لعبيد ~~الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور: # تخذتكم درعا على لتدفعوا ... نبال العدى عنى فكنتم نصالها # وقد كنت أرجو منكم خير ناصر ... على حين خذلان اليمين شمالها # فإن أنتم لم تحفظوا لمودتى ... ذماما فكونوا لا عليها ولا لها # قفوا موقف المعذور عنى بمعزل ... وخلوا نبالى والعدا ونبالها ### | ألفاظ لأهل العصر، فى وصف الأمكنة والأزمنة # بلدة كأنها صورة جنة الخلد، منقوشة فى عرض الأرض. بلدة كأن محاسن الدنيا ~~مجموعة فيها، ومحصورة فى نواحيها. بلدة كأن ترابها عنبر، وحصباءها عقيق «1» ~~، وهواءها نسيم، وماءها رحيق. بلدة معشوقة السكنى، رحبة المثوى «2» ، ~~كوكبها يقظان، وجوها عريان، وحصاها جوهر، ونسيمها معطر، وترابها مسك أذفر، ~~ويومها غداة، وليلها سحر، وطعامها هنى، وشرابها مرى. بلدة واسعة الرقعة، ~~طيبة البقعة، كأن محاسن الدنيا عليها مفروشة، وصورة ms459 الجنة فيها منقوشة، ~~واسطة البلاد وسرتها، ووجهها وغرتها. # PageV03P741 ### | ولهم فى ضد ذلك # بلد متضايق الحدود والأفنية، متراكب المنازل والأبنية. بلد حرها مؤذ، ~~وماؤها غير مغذ. بلدة وسخة السماء، رمدة الهواء، جوها غبار، [وأرضها خبار ~~«1» ] ، وماؤها طين، وترابها سرجين «2» . وحيطانها نزوز، وتشرينها تموز «3» ~~، فكم فى شمسها من محترق، وفى ظلها من غرق. بلدة ضيقة الديار، سيئة الجوار، ~~حيطانها أخصاص، وبيوتها أقفاص، وحشوشها مسايل، وطرقها مزابل. ### | ولهم فى صفات الحصون والقلاع # حصن كأنه على مرقب النجم، يحسر دونه الناظر، ويقصر عنه العقاب الكاسر، ~~يكاد من علاه يغرق فى حوض الغمام. حصن انتطق بالجوزاء، وناجت أبراجه بروج ~~السماء. قلعة حلقت بالجو تناجى السماء بأسرارها. قلعة بعد فى السماء ~~مرتقاها، حتى تساوى ثراها مع ثرياها. قلعة تتوشح بالغيوم، وتتحلى بالنجوم. # قلعة عالية على المرتقى، صماء عن الرقى، قد جاوزت الجوزاء سمتا، وعزلت ~~السماك الأعزل سمكا، هى متناهية فى الحصانة، موثوقة بالوثاقة، ممتنعة على ~~الطلب والطالب، منصوبة على أضيق المسالك وأوعر المناصب، لم تزدها الأيام ~~إلا نبو أعطاف، واستصعاب جوانب وأطراف، قد مل الولاة حصارها، ففارقوها عن ~~طموح منها وشماس، وسئمت الجيوش ظلها، فغادرتها بعد قنوط وياس، فهى حمى لا ~~يراغ «4» ، ومعقل لا يستطاع، كأن الأيام صالحتها على الإعفاء من الحوادث ~~والليالى عاهدتها على التسليم من القوارع. قلعة يحوى من الرفعة قدرا لا ~~تستهان مواقعه، وتلوى فى المنعة جيدا لا تستلان أخادعه، ليس للوهم قبل ~~القدوم إليها مسرى، ولا للفكر قبل الخطو نحوها مجرى. # PageV03P742 ### | ولهم فى صفات القصور والدور # قصر كأن شرفاته بين النسر والعيوق «1» ، كأنه يسامى الفرقد، وقد اكتست له ~~الشعرى العبور ثوب الغيور. قصر طال مبناه، وطاب مغناه، كأنه فى الحصانة جبل ~~منيع، وفى الحسن ربيع مريع. شرفات كالعذارى شددن مناطقها، وتوجن بالأكاليل ~~مفارقها. قصر أقرت له القصور بالقصور «2» ، كأنه سحاب فى بحر السماء. دار ~~قوراء توسع العين قرة، والنفس مسرة. كأن بانيها استسلف الجنة فعجلت له. دار ~~تخجل منها الدور، وتتقاصر عنها القصور؛ إن مات صاحبها مغفورا له فقد انتقل ~~من جنة ms460 إلى جنة. دار قد اقترن اليمن بيمناها، واليسر بيسراها، الجسوم منها ~~فى حضر، والعيون على سفر. # دار هى [دائرة الميامن، و] دارة المحاسن. دار دار بالسعد نجمها، وفاز ~~بالحسن سهمها. دار يخدمها الدهر، ويأويها البدر، ويكنفها النصر، هى مرتع ~~النواظر، ومتنفس الخواطر. دار قد أخذت أدوات الجنان، وضحكت عن العبقرى ~~الحسان. ### | [من رسائل الميكالى وشعره] # فصل لأبى الفضل الميكالى إلى بعض إخوانه: # ما ابتدأت بمخاطبة سيدى حتى سرت المسرة فى نفسى، وقويت أركان بهجتى ~~وأنسى، وحتى أقبلت وجوه الميامن تتهلل إلى، وبدر المساعد تنثال على «3» ، ~~وكيف [لا يملكنى الجذل والفرح، وكيف] لا يهزنى النشاط والمرح، وقد زففت ودى ~~إلى كفء كريم، وعرضته لحظ من الجمال جسيم، وأرجو أن يرد منه على حسن قبول ~~وإقبال، ويحظى من ارتياحه له ببرد # PageV03P743 # اشتمال، ويصادف من اهتزازه وإنشائه، وعمارته وإنمائه، وتحصين أطرافه من ~~شوائب الخلل، وشوائن الوهن والميل، وما تستحكم به مرائر الوصال، وتؤمن على ~~قواها عوادى الانتقاض والانحلال. # وله: إذا لم يؤت المرء فى شكر المنعم إلا من عظم قدر الإنعام والاصطناع، ~~واستغراقه منه قوى الاستقلال والاضطلاع، فليس عليه فى القصور عن كنه واجبه ~~عتب، ولا يلحقه فيه نقيصة ولا عيب. ولئن ظهر عجزى عن حق هذه النعمة فإنى ~~احيل بحسن الثناء على من لا يعجزه حمله، ولا يؤوده ثقله، ولا يزكو الشكر ~~إلا لديه، ولا تصرف الرغبة إلا إليه، والله يبقيه لمجد يقيم أعلامه، وفضل ~~يقضى ذمامه، وعرف يبث أقسامه، وولى يوالى إكرامه، وعدو يديم قمعه وإرغامه ~~وله: ولو وفيت هذه النعمة الجسيمة حقها لمشيت إلى حضرته- آنسها الله تعالى- ~~حبوا [لا] «1» على القدم، ولآثرت فيه خدمة اللسان على خدمة القلم، ولما ~~رضيت له بباعى القصير، وعبارتى الموسومة بالعجز والقصور، حتى أستعير فيه ~~ألسنة تحمل شكرا وثناء، وتوسع نشرا «2» ودعاء، ثم لا أكون بلغت مبلغا ~~كافيا، ولا أبليت عذرا شافيا؛ إلا أن عدم الإذن ثبطنى «3» عن مقصود الغرض، ~~وعاقنى عن الواجب المفترض؛ فأقمت عاكفا على دعاء أرفعه إلى الله عز وجل ~~مبتهلا، وأواصله مجتهدا ms461 فى ليلى ونهارى محتفلا. # وله: أحق النعمة بالزيادة نعمة لم تزل العيون إليها مستشرفة «4» ، ~~والقلوب إليها متشوفة، والأيام بها واعدة، والأقدار فيها مساعدة، حتى ~~استقرت فى نصابها، وألقت عصى اغترابها، فهى للنماء والزيادة مترشحة، وبالعز ~~والسعادة متوشحة، وبالأدعية الصالحة مستدامة مرتهنة، وباتفاق الكلمة ~~والأهواء عليها مرتبطة محصنة. # PageV03P744 # وله فصل من كتاب تعزية بالأمير ناصر الدين: # أقدار الله تعالى فى خلقه لم تزل تختلف بين مكروه ومحبوب، وتتصرف بين ~~موهوب ومسلوب، غادية أحكامها مرة بالمصائب والنوائب، رائحة أقسامها تارة ~~بالعطايا والرغائب، ولكن أحسنها فى العيون أثرا، وأطيبها فى الأسماع خبرا، ~~وأحراها بأن تكسب القلوب عزاء وتصسبرا، ما إذا انطوى نشر، وإذا انكسر جبر، ~~وإذا أخذ بيد رد بأخرى، وإذا وهب بيمنى سلب بيسرى، كالمصيبة بفلان التى ~~قرحت الأكباد، وأوهنت الأعضاد «1» ، وسودت وجوه المكارم والمعالى، وصورت ~~الأيام فى صور الليالى، وغادرت المجد وهو يلبس حداده، والعدل وهو يبكى ~~عماده، والدين وهو يندب جهاده، حتى إذا كاد اليأس يغلب الرجاء، ويرد الظنون ~~مظلمة النواحى والأرجاء، قيض الله تعالى من الأمير الجليل من اجتمعت عليه ~~الأهواء، ورضيت به الدهماء، فأسى به حادث الكلم، وسد بمكانه عظيم الثلم، ~~ورد الآمال والنفوس قد استبدلت بالحيرة قوة وانتصارا، وصارت للدولة ~~المباركة أعوانا وأنصارا ومن شعره فى تجنيس القوافى، فى معان مختلفة: # إذا لم تكن لمقال النصيح ... سميعا ولا عاملا أنت به # ينبهك الدهر من رقدة الملاهى ... وإن قلت لا أنتبه # وقال: # تفرق الناس فى أرزاقهم فرقا ... فلابس من ثراء المال أو عارى # كذا المعايش فى الدنيا وساكنها ... مقسومة بين أوعاث وأوعار # وقال: # حوى القد عمرا فقلت اعتقد ... رضا بالقضاء ولا تحتقد # PageV03P745 # فإما احتقدت قضاء الإله ... فأقبح بمحتقد تحت قد # وقال: # تمت محاسنه فما يزرى بها ... مع فضله ونمائه وكماله # إلا قصور وجوده عن جوده ... لا عون للرجل الكريم كماله # انصر أخاك إذا اجتداك فواسه ... وإن استغاثك واثقا بك ماله «1» # وقال أيضا: # إذا تغديت صدر يومى ... ثم تأذيت بالغداء # فقلت إذ مسنى أذاه ... أرى غدائى أراغ دائى # وله ms462 فى هذا [الصوغ] : # لنا صديق يجيد لقما ... راحتنا فى أذى قفاه # ما ذاق من كسبه، ولكن ... أذى قفاه أذاق فاه # وقال يهجو رجلا: # يريد يوسع فى بيته ... ويأبى له الضيق فى صدره # فتى سخط النصب فى قدره ... كما رضى الخفض فى قدره # يخدر أوصال أضيافه ... ولا يبرز الخبز من خدره # وقال فى غير هذا المذهب يصف كتابا ورد عليه: # قد أتانا من صديق كلام ... كلآل زانهن نظام # فسرى فى القلب منى سرور ... مطرب يعجز عنه المدام # مثل ما يرتاح رب بنات ... حوله من جمعهن زحام # PageV03P746 # فرعى الله طويلا يرجى ... خلفا من نسله لا يذام # وأتاه بعد يأس بشير ... قال يا بشراى هذا غلام # وقال يصف الشمع: # وليل كلون الهجر أو ظلمة الحبر ... نصبنا لراجيه عمودا من التبر # يشق جلابيب الدجى فكأنما ... ترى بين أيدينا عمودا من الفجر # يحاكى رواء العاشقين بلونه ... وذوب حشاه والدموع التى تجرى # خلا أن جارى الدمع ينحله قوى ... وعهدى بدمع العين ينحل إذ يجرى # تبدى لنا كالغصن قدا وفوقه ... شعاع كأنا منه فى ليلة البدر «1» # تحمل نورا حتفه فيه كامن ... وفيه حياة الانس واللهو لو يدرى # إذا ما علته علة جر رأسه ... فيختال فى ثوب جديد من العمر # وقال: # يا رب غصن نوره ... يزرى بنور الشفق # يظل طول عمره ... يبكى بجفن أرق # نار المحب فى الحشا ... وناره فى المفرق # لاح لنا فى مغرب ... فردنا فى مشرق # وقال: # وقضيب من بنات النحل ... فى قد الكعاب «2» # يشبه العاشق فى لو ... ن ودمع ذى انسكاب # كسى الباطن منه ... وهو عريان الإهاب «3» # PageV03P747 # فإذا ما أنعم الأب ... دان ملبوس الثياب # فهو للشقوة منها ... فى بلاء وعذاب # وقال كشاجم يصف شمعا أهداها [إلى بعض الملوك] : # [و] «1» صفر من بنات النحل تكسى ... بواطنها وأظهرها عوارى # عذارى يفتضضن من الأعالى ... إذا افتضت من السفل العذارى # وأمست تنتج الأضواء حتى ... تلقح فى ذوائبها بنار # كواكب لسن عنك بآفلات ... إذا ما أشرقت شمس العقار # بعثت بها إلى ملك كريم ... شريف الأصل محمود النجار # فأهديت الضياء بها ms463 إلى من ... محاسنه تضىء لكل سارى # وقال: # يشقى الفتى بخلاف كل معاند ... يؤذيه حتى بالقذى فى مائه # يقذى إذا أصغى الإناء لشربه ... ويروغ عنه عند سكب إنائه «2» # وقال: # أطالب أيامى بإنجاز موعدى ... وها هى تلوى بالوفاء وتجمح # أقول عساها أن تلين لمطلبى ... قليلا فبعض الشوك بالمن يسمح # وقال: # أرى وصالك لا يصفو لآمله ... والهجر يتبعه ركضا على الأثر # كالقوس أقرب سهميها إذا عطفت ... عليه أبعدها من منزع الوتر # أخذ هذا من قول ابن الرومى وذكر رجلا متلونا: # رأيتك بينا أنت خل وصاحب ... إذا بك قد وليتنا ثانيا عطفا # PageV03P748 # وأنك إذ أحنى حنوك موجب ... بعادا لمن بادلته الود واللطفا # لكالقوس أحنى ما تكون إذا انحنت ... على السهم أنأى ما تكون له قذفا # وله فى نحو ذلك: # توددت حتى لم أجد متوددا ... وأتعبت أقلامى عتابا مرددا # كأنى أستدعى لك ابن حنية ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا ### | [فى وصف أبى الفضل الميكالى] # وذكر عمر بن على بن محمد المطوعى أبا الفضل الميكالى فى كتاب ألفه فى ~~منظومه ومنثوره فقال: قد أصبحت حضرته- لا زالت أرجة الأرجاء بطيب شمائله، ~~راضية الرضا عن صوب أنامله- موسم الآمال، ومحط الرحال؛ وعبده أحرار الكلام، ~~كما خدمته أحرار الأيام، وأطاعته المعانى والمعالى، كما أطاعه صرف الأيام ~~والليالى، فهو- أدام الله تمكينه- شهاب المجد الذى لا يخبو واقده، وروض ~~الكرم الذى لا يجدب رائده؛ إن أردت البلاغة فهو مالك عنانها، وفارس ~~ميدانها، وناظم درها ومرجانها، وصائغ لجينها وعقيانها؛ وإن أردت السماحة ~~فهو محلها ومكانها، وتاريخها وعنوانها، ويدها ولسانها، وحدقتها وإنسانها، ~~وحديقتها وبستانها؛ وإن أردت شرف الأصل والنسب، والجمع بين الموروث [من ~~المجد] والمكتسب، فناهيك بأوائله شرفا سابقا، وفضلا باسقا، ومجدا فى فلك ~~الفخر سامقا «1» ؛ فهم الجحاجحة الغر، والكواكب الزهر، ومن بهم يفتخر ~~الفخر، ويتشرف الدهر، زحموا مناكب الكواكب من بعد أقدارهم، وصكوا فرق ~~الفرقد وصدر البدر بشرف أخطارهم، فما فيهم إلا قمر فضل دار فى فلك علم، ~~وهلال مجد لاح فى سماء فهم، توارثوا المجد كابرا عن كابر، وباقيا عن غابر، ~~وسافرت ms464 أخبارهم فى البعد والقرب. وطارت فى أقاصى # PageV03P749 # الشرق والغرب، وسارت مسير الشمس فى كل بلد، وهبت هبوب الريح فى البر ~~والبحر، فهم كما قال أبو عبادة البحترى فى الشاه بن ميكال وأهله فأحسن ~~وأجاد وبلغ ما أراد: # بنى أحوذى يغمر الطرف موفيا ... ببسطته والسيف وافى الحمائل «1» # تضيق الدروع التبعيات منهم ... على كل رحب الباع سبط الأنامل # عراعر قوم يسكن الثغر إن مشوا ... على أرضه والثغر جم الزلازل «2» # فكم فيهم من منعم متطول ... بآلائه أو مشرف متطاول # إذا سئلوا جادت سيوف أكفهم ... [نظائر جمات التلاع السوائل # خليقون سروا أن تلين أكفهم] ... عرائك أحداث الزمان الجلائل # وما زال لحظ الراغبين معلقا ... إلى قمر فيهم رفيع المنازل # وفيه، أو فى أبيه، يقول أبو سعيد أحمد بن شبيب: # وإلى الأمير ابن الأمير تواهقت ... رزحى الركاب برازحى الركاب «3» # شيم أرق من الهواء بل الهوى ... وألذ من ظفر بعقب ضراب # وعزائم لو كن يوما أسهما ... لنفذن فى الأيام غير نواب «4» # مائية الجريان إلا أنها ... نارية الإقدام والإلهاب # يخطرن بين سياسة ورياسة ... ويتهن بين مثوية وعقاب ### | [ابن أبى دواد بين يدى الواثق] # قال أبو عبد الله بن حمدون النديم: لقد رأيت الملوك فى مقاصيرها، ومجامع # PageV03P750 # حفلها، فما رأيت أغزر أدبا من الواثق؛ خرج علينا ذات يوم وهو يقول: لقد ~~عرض عرضة من عرضه لقول الخزاعى، يريد دعبلا: # خليلى ماذا أرتجى من غد امرىء ... طوى الكشح عنى اليوم وهو مكين # وإن امرأ قد ضن عنى بمنطق ... يسد؟؟؟ من خلتى لضنين # فانبرى احمد بن أبى دواد يسأله كأنما نشط من عقال فى رجل من أهل اليمامة ~~فأطنب وأسهب، وذهب فى القول كل مذهب؛ فقال الواثق: يا أبا عبد الله لقد ~~أكثرت فى غير كبير، ولا طيب، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه صديقى: # وأهون ما يعطى الصديق صديقه ... من الهين الموجود أن يتكلما # فقال: وما قدر اليمامى أن يكون صديقك، وإنما أحسبه أن يكون من عرض ~~معارفك؟. قال: يا أمير المؤمنين، إنه شهرنى بالاستشفاع إليك، وجعلنى بمرأى ~~ومسمع من الرد ms465 والإسعاف، فإذا لم أقم له هذا المقام أكون كما قال أمير ~~المؤمنين آنفا: # خليلى ماذا أرتجى من غنى امرئ ... طوى الكشح عنى اليوم وهو مكين # فقال الواثق: بالله يا محمد بن عبد الملك إلا عجلت لأبى عبد الله حاجته، ~~ليسلم من هجنة المطل، كما سلم من هجنة الرد. ### | [من صفة ابن أبى دواد، وأخباره] # وكان ابن أبى دواد من أحسن الناس تأتيا، وكان يقول: ربما أردت أن أسأل ~~أمير المؤمنين الحاجة بحضرة ابن الزيات فأؤخر ذلك إلى وقت مغيبه؛ لئلا ~~يتعلم حسن التلطف منى! وكان بينه وبين محمد بن عبد الملك عداوة عظيمة وأمر ~~الواثق أصحابه أن ينهضوا قياما لأبى جعفر إذا دخل، ولم يرخص فى ذلك لأحد، ~~فاشتد الأمر على ابن أبى دواد، ولم يجد لخلاف الواثق سبيلا. # فوكل بعض غلمانه بمراقبة موافاته، فإذا أقبل أخبره فنهض يركع، فقال ابن ~~الزيات: # PageV03P751 # صلى الضحى لما استفاد عداوتى ... وأراه ينسك بعدها ويصوم # لا تعدمن عداوة موسومة ... تركتك تقعد بعدها وتقوم # وقال الواثق يوما لابن أبى دواد تضجرا بكثرة حوائجه: قد أخليت بيوت ~~الأموال بطلباتك للائذين بك، والمتوسلين إليك. فقال: يا أمير المؤمنين، ~~نتائج شكرها متصلة بك، وذخائرها موصولة لك، ومالى من ذلك إلا عشق اتصال ~~الألسن بخلود المدح، فقال: والله لا منعناك ما يزيد فى عشقك، ويقوى فى همتك ~~فينا ولنا؛ وأمر فأخرج له خمسة وثلاثون ألف درهم. ### | [بين أبى العيناء وابن أبى دواد] # قال أبو العيناء: [قلت] لابن أبى دواد: إن قوما من أهل البصرة قدموا إلى ~~سر من رأى يدا على، فقال: يد الله فوق أيديهم. فقلت: إن لهم مكرا، فقال: ~~ولا يحيق المكر السيى إلا بأهله، فقلت: إنهم كثير. قال: كم من فئة قليلة ~~غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، فقلت: لله در القاضى فهو كما ~~قالت الصموت الكلابية: # لله درك أى جنة خائف ... ومتاع دنيا أنت للحدثان # متخمط يطأ الرجال شهامة ... وطء الفنيق مدارج القردان «1» # ويكبهم حتى تظل رءوسهم ... مأمومة تنحط للغربان # ويفرج الباب الشديد ms466 رتاجه ... حتى يصير كأنه بابان # وكانت هذه المجاوبة بين أبى العيناء وبين أبى العلاء المنقرى، وكان قد ~~استجاش عليه قوما من أهل البصرة. # PageV03P752 ### | قطعة من شعر الأعراب فى الغزل # ابن ميادة: # ألا ليت شعرى هل يحلن أهلنا ... وأهلك روضات ببطن اللوى خضرا # وهل تأتين الريح تدرج موهنا ... برياك تعرورى بنا بلدا قفرا # بريح خزامى الرمل بات معانقا ... فروع الأقاحى تنضب الطل والقطرا # ألا ليتنى ألقاك يا أم جحدر ... قريبا، فأما الصبر عنك فلا صبرا # وقال: # وما روضة بات الربيع يجودها ... على ما بها من حنوة وعرار «1» # بأطيب من ريح القرنفل موهنا ... بما التف من درع لها وخمار # وقال آخر: # تجالسنا بنت الدلال تعلقت ... عراه بحبات القلوب الهوائم # وبين ما تخفى من الوجد ردها ... غريق الأناسى فى الدموع السواجم # جرى الدمع مجرى مائه فكففنه ... بعناب أطراف الأكف النواعم # ورد التحيات الهوى من عيونها ... بيقظان طرف فى مخيلة نائم # وقال العلاء بن موسى الجهنى: # ولما رأتنى مخطرا شوكة العدى ... ردى النفس مجتابا إلى غير موعد # جلت داجى الظلماء منها بسنة ... ونحر مشوب لونه بالزبرجد «2» # PageV03P753 # وبالشذر مسبوكا كأن التهابه ... تلهب جمر الفرقد المتوقد «1» # وجاءت كسل السيف لو مر مشيها ... على البيض أمسى سالما لم يخضد # فبتنا ولم نكذبك لو أن ليلنا ... إلى الحول لم نملل وقلنا له ازدد # نذود النفوس الصاديات عن الهوى ... ذيادا ونسقيهن سقى المصرد # فلما بدا ضوء الصباح وراعنا ... مع الصبح صوت الهاتف المتشهد «2» # نهضنا بشخص واحد فى عيونهم ... نطا فى حواشى الأتحمى المعضد «3» # إلى جنة منهم وسلمت غاديا ... عليها سلام الباكر المتزود # وولت وأغباش الدجى مرجحنة ... تأطر غصن البانة المتأود # وقال أعرابى من طيىء: # وأحور يصطاد القلوب وما له ... من الريش إلا زعفران وإثمد # وما كنت أخشى الفتك ممن سلاحه ... سوار وخلخال وطوق منضد # وأشنب براق الثنايا غروبه ... من البرد الوسمى أصفى وأبرد # خليلى بالله أقعدا فتبينا ... وميضا نرى الظلماء منه تقدد # يكشف اعراض السحاب كأنه ... صفيحة هندى تسل وتغمد # فبت على الأجبال ليلا أشيمه ... أقوم له حتى الصباح ms467 وأقعد # هذا فى البرق كقول الطرماح فى النور: # يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد ### | [زيارة طيف الخيال] # وقال بشار: # أعددت لى عتبا بحبكم ... يا عبد طال بحبكم عتبى # PageV03P754 # ولقد تعرض لى خيالكم ... فى القرط والخلخال والقلب # فشربت غير مباشر حرجا ... برضاب أشنب بارد عذب # وقال المتنبى: # بتنا يناولنا المدام بكفه ... من ليس يخطر أن نراه بباله # نجنى الكواكب من قلائد جيده ... وننال عين الشمس من خلخاله # وأول شعر أبى الطيب: # لا الحلم جاد به ولا بمثاله ... لولا ادكار وداعه وزياله # إن المعيد لنا المنام خياله ... كانت إعادته خيال خياله # إنى لأبغض طيف من أحببته ... إذ كان يهجرنا زمان وصاله # يقول: التمثيل والتخيل له فى اليقظة أعاد خياله فى المنام، فكأن الخيال ~~الذى فى النوم تصور فى اليقظة. وأظهر من هذا قول الطائى: # زار الخيال لها لا بل أزاركه ... فكر إذا نام فكر الخلق لم ينم # ظبى تقنصته لما نصبت له ... فى آخر الليل أشراكا من الحلم # أما بيته الأول فمن قول جميل: # حييث طيفك من طيف ألم به ... حدثت نفسك عنه وهو مشغول # وقال ذو الرمة: # نأت دارمى أن تزار، وزورها ... إذا ما دجا الإظلام منا وساوس «1» # إذا نحن عرسنا بأرض سرى لنا ... هوى لبسته بالقلوب اللوابس «2» # وبيته الثانى ألم فيه بقول قيس بن الملوح: # PageV03P755 # وإنى لأستغشى وما بى نعسة ... لعل خيالا منك يلقى خياليا # وأخرج من بين الجلوس لعلنى ... أحدث عنك النفس فى السر خاليا # تقطع أنفاسى لذكرك أنفسا ... يردن فما يرجعن إلا صواديا # وقد قال فيه قيس بن ذريح: # وإنى لأهوى النوم فى غير نعسة ... لعل لقاء فى المنام يكون # تخبرنى الأحلام أنى أراكم ... فياليت أحلام المنام يقين # وكان البحترى أكثر الناس إبداعا فى الخيال، حتى صار لاشتهاره مثلا يقال ~~له «خيال البحترى» ، وفى بعض ذلك يقول: # ألمت بنا بعد الهدو، فسامحت ... بوصل متى تطلبه فى الجد تمنع # فما برحت حتى مضى الليل وانقضى ... وأعجلها داعى الصباح الملمع # فولت كأن البين يخلج شخصها ... أوان تولت ms468 من حشاى وأضلعى «1» # وقال: # سقى الغيث أجزاعا عهدت بجوها ... غزالا تراعيه الجاذر أغيدا # إذا ما الكرى أهدى إلى خياله ... شفى قربه التبريح أو نقع الصدى «2» # فلم نر مثلينا ولا مثل شأننا ... نعذب أيقاظا وننعم هجدا # وقال: # بلى وخيال من أثيلة كلما ... تأوهت من وجدى تعرض يطمع # يرى مقلتى ما لا ترى من لقائه ... وتسمع أذنى رجع ما ليس تسمع # [ويكفيك من حق تخيل باطل ... ترد به نفس اللهيف فترجع] # قوله فى البيت الأخير من قول الحسين بن الضحاك: # PageV03P756 # وماذا يفيدك طيف الخيا ... ل والهجر حظك ممن تحب # غناء قليل، ولكننى ... تمليته بقنوع المحب # وللحسين فى هذا المعنى وإن لم يكن فى ذكر الخيال: # وصف البدر حسن وجهك حتى ... خلت أنى، وما أراك، أراكا # وإذا ما تنفس النرجس الغضن ... توهمته نسيم جناكا # خدع للمنى تعللنى فيك ... بإشراق ذا ونكهة ذاكا «1» # وأول من طرد الخيال طرفة بن العبد، فقال: # فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإنى واصل حبل من وصل # فتبعه جرير فى قوله فقال: # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعى بسلام # قال البحترى، ونفى هذا المعنى بقوله: # قد كان منى الوجد غب تذكر ... إذ كان منك الصد غب تناسى # تجرى دموعى حين دمعك جامد ... ويلين قلبى حين قلبك قاسى # ما قلت للطيف المسلم لا تعد ... تغشى، ولا نهنهت حامل كاسى # وقال ابن هانى الأندلسى: # ألا طرقتنا والنجوم ركود ... وفى الحى أيقاظ ونحن هجود «2» # وقد أعجل الفجر الملمع خطوها ... وفى أخريات الليل منه عمود # سرت عاطلا غضبى على الدر وحده ... فلم يدر نحر مادهاه وحيد «3» # فما برحت إلا ومن سلك أدمعى ... قلائد فى لباتها وعقود # ألم يأتها أنا كبرنا عن الصبا ... وأنا بلينا والزمان جديد # PageV03P757 # وقال على بن محمد الإيادى: # أما إنه لولا الخيال المراجع ... وعاص يرى فى النوم وهو مطاوع # لأشفق واستحيا من النوم واله ... يرى بعد روعات الهوى وهو هاجع # وقال أيضا: # طيف يزورك من حبيب هاجر ... أهلا به وبطيفه من زائر # شق الدجى وسرى فأمعن فى السرى ... حتى ms469 ألم فبات بين محاجرى # يحدو به هيف القوام المنثنى ... نحوى وسالفة الغزال النافر # لله درك من خيال واصل ... أسرى فأنصف من حبيب هاجر # عللت علة قلب صب هائم ... وقضيت ذمة فيض دمع قاطر # وقال عبد الكريم بن إبراهيم # لم أدر مغناك لولا المسك والقطر ... وزورة لملم عهده عفر «1» # سرى يعارض أنفاس الرياح بما ... تحمر الورد منه وانتشى الزهر # يخفى بثوب الدجى مسراه مستترا ... ومن تقنع صبحا كيف يستتر # كأن أعين واشيه تراقبه ... فيه فيدمج أخبارى فيختصر # وقال # أهلا به من زائر معتاد ... والليل يرفل فى ثياب حداد «2» # يتجاوز الرايات يخفق ظلها ... ويشق ملتف القنا المنآد # أنى اهتدى فى ظل أخضر مغدف ... حتى تيمم بالعراء وسادى # بأرق من كبد المتيم مقدما ... فى حيث ينبو الحارث بن عباد «3» # معتادة أمنت نمائم حليها ... والحلى نمام على العواد # PageV03P758 # وكأنما ياقوتها فى نحرها ... متوقد مما يجن فؤادى ### | [عقال بن شبة بين يدى المنصور] # خطب صالح بن أبى جعفر المنصور فى بعض الأمر فأحسن، فأراد المنصور أن ~~يقرظه ويثنى عليه، فلم يجسر أحد على ذلك لمكان المهدى، وكان مرشحا للخلافة، ~~وخافوا ألا يقع الثناء على أخيه بموافقته، فقام عقال بن شبة، فقال: # ما رأيت أبين بيانا، ولا أفصح لسانا، ولا أحسن طريقا، ولا أغمض «1» ~~عروقا، من خطيب قام بحضرتك يا أمير المؤمنين، وحق لمن كان أمير المؤمنين ~~أباه، والمهدى أخاه، أن يكون كما قال زهير: # يطلب شأو امرأين قدما حسنا ... بزا الملوك وبزا هذه السوقا «2» # هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا # أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فبالذى قدما من صالح سبقا # فعجب الناس من حسن تخلصه، فقال أبو جعفر: لا ينصرف التميمى إلا بثلاثين ~~ألفا. # قال أبو عبد الله كاتب المهدى: ما رأيت مثل عقال قط فى بلاغته؛ [مدح ~~الغلام، و] أرضى المنصور، وسلم من المهدى. ### | [زهير وهرم بن سنان] # وفى قصيدة زهير هذه يمدح هرم بن سنان بن أبى حارثة المرى: # قد جعل المبتغون الخير فى هرم ... والسائلون إلى أبوابه ms470 طرقا # من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا # PageV03P759 # وليس مانع ذى قربى وذى رحم ... يوما ولا معدما من خابط ورقا «1» # ليث بعثر يصطاد الرجال، إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا «2» # يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا # فضل الجواد على الخيل البطاء فلا ... يعطى بذلك ممنونا ولا نزقا # هذا وليس كمن بعيا بحجته ... وسط الندى إذا ما ناطق نطقا # لو نال حى من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا # وكان زهير كثير المدح لهرم، ويروى أن بنتا لسنان بن أبى حارثة رأت بنتا ~~لزهير بن أبى سلمى فى بعض المحافل، وإذا لها شارة وحال حسنة، فقالت: # قد سرنى ما أرى من هذه الشارة والنعمة عليك [فقالت: إنها منكم] . فقالت: # بلى والله لك الفضل، أعطيناكم ما يفنى، وأعطيتمونا ما يبقى! وقد قيل: إن ~~عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لابنة هرم بن سنان: # ما وهب أبوك لزهير؟ قالت: أعطيناه مالا وأثاثا أفناه الدهر. قال: لكن ما ~~أعطاكموه لا تفنيه الدهور. وقد صدق عمر رضى الله عنه، لقد أبقى زهير لهم ما ~~لا تفنيه الدهور، ولا تخلقه العصور، ولا يزال به ذكر الممدوح ساميا، وشرفه ~~باقيا، فقد صار ذكرهم علما منصوبا، ومثلا مصروبا، قال الطائى، وذكرهم فى ~~شعره: # مالى ومالك شبه حين أذكره ... إلا زهير وقد أصغى له هرم # وقال يوسف الجوهرى يمدح الحسن بن سهل: # لو أن عينى زهير أبصرت حسنا ... وكيف يصنع في أمواله الكرم # إذن لقال زهير حين يبصره ... هذا الجواد على العلات لا هرم # PageV03P760 # وقال آخر، ويدخل فى باب تفضيل الشعر: # الشعر يحفظ ما أودى الزمان به ... والشعر أفضل ما يجنى من الكرم # لولا مقال زهير فى قصائده ... ما كان يعرف جود كان من هرم # وقيل: أعطى هرم [العطاء الجزيل] عوض قول زهير فيه: # تالله قد علمت سراة بنى ... ذبيان عام الحبس والأصر # أن نعم حشو الدرع أنت إذا ... دعيت نزال ولج فى الذعر «1» # حامى الذمار ms471 على محافظة الجلى ... أمين مغيب الصدر «2» # حدب على المولى الضريك إذا ... ضاقت عليه نوائب الدهر «3» # ومرهق النيران يحمد فى اللأواء ... غير ملعن القدر «4» # والستر دون الفاحشات، وما ... يلقاك دون الخير من ستر # وقال: # إن البخيل ملوم حيث كان ... ولكن الجواد على علاته هرم # هو الكريم الذى يعطيك نائله ... عفوا، ويظلم أحيانا فيظلم # وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول: لا غائب مالى ولا حرم # الخليل: الذى أخل به الفقر؛ إلى غير ذلك من مختار مدحه فيه. ### | [فضل الشعر] # ولما امتدح نصيب عبد الله بن جعفر رضى الله عنه أمر له بإبل وخيل، وثياب ~~ودنانير ودراهم، قال له رجل: أتعطى لمثل هذا العبد الأسود هذا العطاء؟ ~~فقال: إن كان أسود فإن شعره أبيض، وإن كان عبدا فإن ثناءه لحر، ولقد استحق ~~بما قال أكثر مما أعطى وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى، وما لا يفنى، ومطايا ~~تنضى، وأعطانا مديحا يروى، وثناء يبقى. # PageV03P761 # وقال الأخطل يعتد على بنى أمية بمدحه لهم: # أبنى أمية إن أخذت نوالكم ... فلما أخذتم من مديحى أكثر # أبنى أمية لى مدائح فيكم ... تنسون إن طال الزمان وتذكر # ولما مدح أبو تمام الطائى محمد بن حسان الضبى بقصيدته التى أولها: # أسقى طلولهم أجش هزيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم «1» # وصله بمال كثير، وخلع عليه خلعة نفيسة، فقال يصفها: # قد كسانا من كسوة الصيف خرق ... مكتس من مكارم ومساع «2» # حلة سا برية وكساء ... كسحا القيض أو رداء الشجاع «3» # كالسراب الرقراق فى الحسن، إلا ... أنه ليس مثله فى الخداع # قصبيا تسترجف الريح متني ... ه بأمر من الهبوب مطاع # رجفانا كأنه الدهر منه ... كبد الصب أو حشى المرتاع» # لازما ما يليه تحسبه جز ... ءامن المتنين والأضلاع # كسوة من أغر أروع رحب الصدر ... رحب الفؤاد رحب الذراع # سوف أكسوك ما يعفى عليها ... من ثناء كالبرد برد الصناع # حسن هاتيك فى العيون، وهذا ... حسنه فى القلوب والأسماع # فقال: لعنة الله على إن بقى عندى ثوب أو يصل إلى أبى تمام؛ وأمر بحمل ما ~~فى خزائنه إليه. # قال ms472 إبراهيم بن العباس الصولى لأبى تمام: [أمراء] الكلام يا أبا تمام ~~رعية لإحسانك، قال: [ذاك] لأنى أستضىء بنورك، وأرد شريعتك. # PageV03P762 # وكان الطائى مع جودة شعره بليغ الخطاب، حاضر الجواب، وكان يقال: # ثنتان قلما يجتمعان: اللسان البليغ، والشعر الجيد. # وقال الحسن بن جنادة الوشاء: انصرف أبو تمام من عند بعض أصحاب السلطان، ~~فوقف على، فقلت: من أين؟ فقال: كنت عند بعض الملوك فأكلنا طعاما طيبا، ~~وفاكهة فاضلة، وبخرنا وغلفنا؛ فخرجت هاربا من المجلس، نافرا إلى التسلى، ~~وما فى منزلى نبيذ [فإن كان عندك منه شىء فامنحنى، فقلت: ما عندى نبيذ] ، ~~ولكن عندى خمر أريده لبعض الأدوية، فقال: دع اسمه، وأعطنا جسمه، فليس ~~يثنينا عن المدام، ما هجنته «1» به من اسم الحرام.. ### | [استنجاز أعرابى موعدة] # قال عبيد الله بن محمد بن صدقة: كنا عند أبى عبيد الله «2» ، فدخل عليه ~~أعرابى قد كان له عليه وعد، فقال له: أيها الشيخ السيد، إنى والله أتسحب ~~على كرمك، وأستوطىء فراش مجدك، وأستعين على نعمك بقدرك؛ وقد مضى لى موعدان، ~~فاجعل النجح ثالثا، أقد لك الشكر فى العرب شادخ الغرة، بادى الأوضاح. # فقال أبو عبيد الله: ما وعدتك تغريرا، ولا أخرتك تقصيرا، ولكن الأشغال ~~تقطعنى، وتأخذ بأوفر الحظ منى، وأنا أبلغ لك جهد الكفاية، ومنتهى الوسع ~~بأوفر مأمول، وأحمد عاقبة، وأقرب أمد، إن شاء الله تعالى فقال الأعرابى: يا ~~جلساء الصدق، قد أحصرنى التطول، فهل من معين منجد ومساعد منشد؟ فقال بعض ~~أحداث الكتاب لأبى عبيد الله: والله- أصلحك الله- لقد قصدك، وما قصدك حتى ~~أملك، وما أملك إلا بعد أن أجال النظر، فأمن الخطر، وأيقن بالظفر، فحقق له ~~أمله بتهيئة القليل، وتهنئة التعجيل. قال الشاعر: # إذا ما اجتلاه المجد عن وعد آمل ... تبلج عن بشر ليستكمل البشرا # ولم يثنه مطل العداة عن التى ... تصون له الحمد الموفر والأجرا # PageV03P763 # فأحضر أبو عبيد الله «1» للأعرابى عشرة آلاف درهم، وقال الأعرابى للفتى: # خذها فأنت سببها. فقال: شكرك أحب إلى منها، فقال له أبو عبيد الله: خذها ~~فقد أمرنا له بمثلها. ms473 فقال الأعرابى: الأن كملت النعمة، وتمت المنة. ### | [معاوية بن يسار] # وكان أبو عبيد الله واسع الذرع، سابغ الدرع فى الكرم والبلاغة، واسمه ~~معاوية بن يسار «2» . # وكان يقول: إن نحوة الشرف تناسب بطر الغنى، والصبر على حقوق الثروة أشد ~~من الصبر على ألم الحاجة، وذل الفقر يسعى على عز الصبر، وجور الولاية مانع ~~من عدل الإنصاف، إلا من ناسب بعد الهمة، وكان لسلطان عزمه قوة على شهوته. # وكان يقول: لا يكسر رأس صناعة إلا فى أخس رتان، وأرذل سلطان، ولا يعيب ~~العلم إلا من انسلخ عنه، وخرج منه. # وكان يقول: حسن البشر علم من أعلام [النجاج] ورائد من [رواد الفلاح] ، ~~وما أحسن ما قال زهير: # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذى أنت سائله # وقال له المهدى بعد أن قتل ابنه على الزندقة: لا يمنعك ما سبق [به] ~~القضاء فى ولدك، من [ثلج صدرك] وتقديم نصحك؛ فإنى لا أعرض لك رأيا على ~~تهمة، ولا أؤخر لك قدما عن رتبة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما كان [ولدى ~~حسنة] من نبت إحسانك أرضه، ومن تفقدك سماؤه، وأنا طاعة أمرك، وعبد نهيك، ~~وبقية رأيك لى أحسن الخلف عندى. # وكان يقول: العالم يمشى البراز آمنا، والجاهل يهبط الغيطان كامنا، ولله ~~در زهير حيث يقول: # الستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر # وقال أبو عبيد الله: ذاكرنى المنصور فى أمر الحسين «3» بن قحطة، فقال: ~~كان # PageV03P764 # أوثق الناس عندى، وأقربهم من قلبى، فلما لقى أبا حنيفة انتكث، فقلت: إن ~~فسدت نيته فسيضعه الباطل كما رفعه الحق، وتشهد مخايله عليه كما شهدت له، ~~فتعدل فى أمره من شك إلى يقين. ثم قال لى: اكتم على ما ألقيت عليك. # قال عمران بن شهاب: استعنت على أبى عبيد الله فى أمر ببعض إخوانه وكان قد ~~تقدم سؤالى إياه فيه، فقال لى: لولا أن حقك لا يجحد ولا يضاع، لحجبت عنك ~~حسن نظرى؛ أظننتنى أجهل الإحسان حتى أعلمه، ولا أعرف موضع المعروف حتى ~~أعرفه؟ لو كان ينال ما ms474 عندى إلا بغيرى لكنت مثل البعير الذلول؛ يحمل عليه ~~الحمل الثقيل، إن قيد انقاد، وإن أنيخ برك، ما يملك من نفسه شيئا، فقلت: ~~معرفتك بموضع الصنائع أثبت معرفة، ولم أجعل فلانا شفيعا إنما جعلته مذكرا. ~~قال: وأى إذكار أبلغ عندى فى رعى حقك من مسيرك إليه وتسليمك عليه «1» ، إنه ~~متى لم يتصفح المأمول أسماء مؤمليه غدوة ورواحا لم يكن للأمل محلا، وجرى ~~عليه المقدار لمؤمليه على يديه بما قدر، وهو غير محمود على ذلك ولا مشكور، ~~ومالى إمام بعدوردى من القرآن إلا أسماء رجال أهل التأميل، حتى أعرضهم على ~~قلبى، فلا تستعن على شريف إلا بشرفه؛ فإنه يرى ذلك عيبا لعرفه؛ وأنشد: # وذاك امرؤ إن تأته فى عظيمة ... إلى بابه لا تأته بشفيع # ومن توقيعاته: الحق يعقب فلجا أو ظفرا، والباطل يورث كذبا وندما. # وكتب إليه رجل: والنفس مولعة بحب العاجل. فكتب إليه: لكن العقل الذى جعله ~~الله للشهوة زماما وللهوى. رباطا موكل بحب الآجل، ومستصغر لكل كثير رائل. # قال مصعب بن عبد الله الزبيرى: وفد زياد الحارثى على المهدى وهو بالرى ~~ولى عهد، فأقام سنتين لا يصل إليه شىء من بره، وهو ملازم كاتبه أبا عبيد ~~الله، فلما طال أمره دخل إلى كاتبه فأنشده: # PageV03P765 # ما بعد حولين مرا من مطالبة ... ولا مقام لذى دين وذى حسب # لئن رحلت ولم أظفر بفائدة ... من الأمير لقد أعذرت فى الطلب # فوقع أبو عبيد الله: يصنع الله لك! فكتب إليه: # ما أردت الدعاء منك لأنى ... قد تيقنت أنه لا يجاب # أيجاب الدعاء من مستطيل ... جل تسبيحه الخنا والسباب ### | ألفاظ لأهل العصر، فى ذكر الاستطالة والكبر # مع ما يشاكل ذلك من معانيها، ويطرق نواحيها من المساوى والمقابح فلان ~~لسانه مقراض للأعراض، لا يأكل خبزه إلا بلحوم الناس. هو غرض يرشق بسهام ~~الغيبة، وعلم يقصد بالوقيعة، قد تناولته الألسن العاذلة، وتناقلت حديثه ~~الأندية الحافلة. قد لزمه عار لا يمحى رسمه، ولزمه شنار لا يزول وسمه، ~~فأصبح [نقل كل لسان، وضحكة كل إنسان «1» ، وصار دولة الألسن، ms475 ومثلة الأعين. ~~وقد عرض عرضه] غرضا لسهام الغائبين، وألسنة القاذفين، وقلد نفسه عظيم العار ~~والشنار، والسبة الخالدة على الليل والنهار. قد أسكرته خمرة الكبر، ~~واستغرقته عرة التيه، كأن كسرى حامل غاشيته، وقارون وكيل نفقته، وبلقيس ~~إحدى داياته، وكأن يوسف لم ينظر إلا بطلعته، [وداود لم ينطق إلا بنغمته] ، ~~ولقمان لم يتكلم إلا بحكمته، والشمس لم تطلع إلا من جبينه، والغمام لم يند ~~إلا من يمينه، وكأنه امتطى السماكين، وانتعل الفرقدين، وتناول النيرين ~~بيدين، وملك الخافقين، واستعبد الثقلين، وكأن الخضراء له عرشت، والغبراء ~~باسمه فرشت. # PageV03P766 # فلان له من الطاوس رجله، ومن الورد شوكه، ومن الماء زبده، ومن النار ~~دخانها، ومن الخمر خمارها، قد هبت سمائم نمائمه، ودبت مكايد عقاربه، ~~والنمام يضرب بسيف كليل إلا أنه يقطع، ويضرب بعضد واهن إلا أنه يوجع. # هو تمثال الجبن، وصورة الخوف، ومقر الرعب؛ فلو سميت له الشجاعة لخاف ~~لفظها قبل معناها، وذكرها قبل فحواها، وفزع من اسمها دون مسماها، فهو يهلك ~~من تخوفه أضغاث أحلام، فكيف بمسموع الكلام؟ إذا ذكرت السيوف لمس رأسه هل ~~ذهب، ومس جبينه هل ثقب؟ كأنه أسلم فى كتاب الجبن صبيا، ولقن كتاب الفشل ~~أعجميا. وعده برق خلب، وروغان ثعلب. غيم وعده جهام، وحد سيفه كهام. حصلت ~~منه على مواعيد عرقوبية «1» ، وأحزان يعقوبية «2» ، قد حرمنى ثمر الوعد، ~~وجرنى على شوك المطل. فتى له وعد أخذ «3» من البرق الخلب خلقا، وقد تناول ~~من العارض الجهام طبعا، وتركنى أرعى رياض رجاء لا ينبت، وأجنى ثمار أمل لا ~~يورق؛ فأنا فى ضمان الانتظار، وإسار عدة ضمار «4» . # هو يرسل برقه، ولا يسيل ودقه، ويقدم رعده، فلا يمطر بعده. وعده الرقم على ~~بساط الهواء، والخط فى بسيط الماء. # حل هذا من قول أبى الفضل بن العميد: # لا أستفيق من الغرام، ولا أرى ... خلوا من الأشجان والبرحاء # وصروف أيام أقمن قيامتى ... بنوى الخليط وفرقة القرناء # وجفاء خل كنت أحسب أنه ... عونى على السراء والضراء # ثبت العزيمة فى العقوق، ووده ... متنقل كتنقل الأحياء # ذى خلة يأتيك أثبت عهده ms476 ... كالخط يرسم فى بسيط الماء # PageV03P767 # أردت هذا البيت. # هو صخرة خلقاء «1» ، لا يستجيب للمرتقى، وحية صماء لا تسمع للرقى، كأنى ~~أستنفر بالجو رعدا، وأهز منه بالدعاء طودا، هو ثابت العطف [نابى العطف] ، ~~عاجز القوة، قاصر المنة، يتعلق بأذناب المعاذير، ويحيل على ذنوب المقادير. ~~هو كالنعامة تكون جملا إذا قيل لها طيرى، وطائرا إذا قيل لها سيرى. # يفاض له بذل، ولا يفوض إليه شغل، ويملأ له وطب، ولا يدفع به خطب، قد وفر ~~همه على مطعم يجوده، وملبس يجوده، ومرقد يمهده، وبنيان يشيده، هذا كقول ~~الخطيئة: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى # قلب نغل، وصدر دغل، وطوية معلولة، وعقيدة مدخولة، صفوه رنق «2» ، وبره ~~ملق، قد ملىء قلبه رينا، وشحن صدره مينا «3» ، يدعى الفضل وهو فيه دعى، ~~دأبه بث الخدائع، والنفث فى عقد المكايد، ضميره خبث، ويمينه حنث، وعهده ~~نكث. هو سحابة صيف، وطارق ضيف، قوته غنيمة، والظفر به هزيمة. هو العود ~~المركوب، والوتر المضروب، يطؤه الخف والحافر، ويستضيمه الوارد والصادر. ~~[يغمض عن الذكر] ، ويصغر عن الفكر. ذاته لا يوسم أغفالها، وصفته لا تنفرج ~~أقفالها. هو أقل من تبنة فى لبنة، ومن قلامة فى قمامة. وهو بيذق الشطرنج فى ~~القيمة والقامة، جهله كثيف، وعقله سخيف، لا يستتر من العقل بسجف، ولا يشتمل ~~إلا على سخف. يمد يد الجنون فيعرك بها أذن الحزم، ويفتح جراب السخف فيصفع ~~به قفا العقل. لا تزال الأخبار تورد سفائح جهله وخرقه، والأنباء تنقل نتائج ~~سخفه وحمقه، قد ظل يتعثر فى فضول جهله، ويتساقط فى ذيول عقله. هو سمين ~~المال مهزول النوال. ثروة فى الثريا وهمة فى الثرى. # PageV03P768 # وجهه كهول المطلع، وزوال النعمة، وقضاء السوء، وموت الفجاءة. هو قذى ~~العين، وشجى الصدر، وأذى القلب، وحمى الروح، وجهه كآخر الصك، وظلم الشك، ~~كأن النحس يطلع من جبينه، والخل يقطر من وجنته. وجهه طلعة الهجر، ولفظه قطع ~~الصخر. وجهه كحضور الغريم، ووصول الرقيب، وكتاب العزل، وفراق الحبيب. له من ~~الدينار نضرته، ومن الورد صفرته، ومن السحاب ms477 ظلمته، ومن الأسد نكهته «1» . ~~هو عصارة لؤم فى قرارة خبث. # ألأم مهجة فى أسقط جثة. حديث النعمة، خبيث الطعمة، خبيث المركب، لئيم ~~المنتسب، يكاد من لؤمه يعدى من جلس إلى جنبه، أو تسمى باسمه. قد أرضع بلبان ~~اللؤم، وربى فى حجر الشؤم، وفطم عن ثدى الخير، ونشأ فى عرصة الخبث، وطلق ~~الكرم ثلاثا لم ينطق فيه استثناء، وأعتق المجد بتاتا لم يستوجب عليه ولاء. ~~هو حماز مبطن بثور مفروز بتيس، مطرز بطرر، [أتى من اللؤم بنادر] ، لم تهتد ~~له قصة مادر «2» . هو قصير الشبر، صغير القدر، قاصر القدر، ضيق الصدر، رد ~~إلى قيمة مثله فى خبث أصله، وفرط جهله، لا أمس ليومه، ولا قديم لقومه، ~~سائله محروم، وماله مكتوم؛ لا يحين إنفاقه، ولا يحل خناقه. خيره كالعنقاء ~~تسمع بها ولا ترى. خبزه فى حالق، وإدامه فى شاهق. غناه فقر، ومطبخه قفر، ~~يملأ بطنه والجار جائع، ويحفظ ماله والعرض ضائع، قد أطاع سلطان البخل ~~وانخرط كيف شاء فى سلكه. هو ممن لا يبض حجره، ولا يثمر شجره، سكيت الحلبة ~~«3» ، وساقة الكتيبة، وآخر الجريدة. لعنة العائب، وعرضة الشاهد والغائب. هو ~~عيبة العيوب، وذنوب الذنوب. وقال أبو الفضل الميكالى: # PageV03P769 # وطلعة بقبحها قد شهرت ... تحكى زوال نعمة ما شكرت # كأنها عن لحمها قد قشرت ... أقبح بها صحيفة قد نشرت # عنوانها إذا الوحوش حشرت ... يلعنها ما قدمت وأخرت # صاحبها ذو عورة لو سترت ... إن سار يوما فالجبال سيرت # أو رام أكلا فالجحيم سعرت # ويختص بهذه الأنواع رسالة بديع الزمان إلى القاضى على بن أحمد يشكو أبا ~~بكر الحيرى القاضى ويذمه- وقد أطلت عنان الاختيار فيها لصحة مبانيها، ~~وارتباط ألفاظها بمعانيها: # الظلامة- أطال الله بقاء القاضى- إذا أتت من مجلس القضاء، لم ترق إلا إلى ~~سيد القضاة. وما كنت لأقصر سيادته على الحكام، دون سائر الأنام، لولا ~~اتصالهم بسببه، واتسامهم بلقبه، وهبهم مطفلين على قسمه، مغيرين على اسمه، ~~ألهم فى الصحة أديم كأديمه «1» ، أو قديم فى الشرف كقديمه، أو حديث فى ~~الكرم كطريفه؛ فهنيئا لهم الأسماء، وله المعانى، ولا ms478 زالت لهم الظواهر، وله ~~الجواهر. ولا غرو أن يسموا قضاة، فما كل مائع ماء، ولا كل سقف سماء، ولا كل ~~سيرة عدل العمرين «2» ، ولا كل قاض قاضى الحرمين، ويالثارات القضاء! ما ~~أرخص ما بيع، وأسرع ما أضيع! والسنة الإنذار، قبل خلو الديار، وموت الخيار، ~~ألا يغار لحلى الحسناء، على السوداء، ومركب أولى السياسة، تحت الساسة، ~~ومجلس الأنبياء، من تصدر الأغبياء، وحمى البزاة من صيد البغاث، ومرتع ~~الذكور «3» من تسلط الإناث؟ ويا للرجال، وأين الرجال! ولى القضاء من لا ~~يملك من آلاته غير السبال «4» ، ولا يعرف من أدواته غير الاعتزال، ولا ~~يتوجه # PageV03P770 # فى أحكامه إلا إلى الاستحلال، [ولا يرى التفرقة إلا فى العيال] ولا يحسن ~~من الفقه غير جمع المال، [ولا يتقن من الفرائض إلا قلة الاحتفال، وكثرة ~~الافتعال] ولا يدرس من أبواب الجدال إلا قبيح الفعال، وزور المقال، ذاك أبو ~~بكر القاضى، أضاعه الله كما أضاع أمانته، وخان خزانته، ولاحاطه من قاض فى ~~صولة جندى، وسبلة كردى ... إلى أن قال: أيكفى أن يصبح المرء بين الزق ~~والعود، ويمسى بين موجبات الحدود، حتى يكمل شبابه، وتشيب أترأبه. ثم يلبس ~~دنيته «1» ، ليخلع دينيته، ويسوى طيلسانه، ليحرف يده ولسانه، ويقصر سباله، ~~ليطيل حباله، ويظهر شقاشقه، لبستر مخارقه، وببيض لحيته، ليسود صحيفته، ~~ويبدى ورعه، ليخفى طمعه، ويغشى محرابه، ليملأ جرابه، ويكثر دعاءه، ليحشو ~~وعاءه، ثم يخدم بالنهار أمعاءه، ويعالج بالليل وجعاءه، ويرجو أن يخرج من ~~بين هذه الأحوال عالما، ويقعد حاكما؟ هذا إذا المجد كالوه بقفزان «2» ~~وباعوه فى سوق الخسران! هيهات حتى ينسى الشهوات، ويجوب الفلوات، ويعتضد ~~المحابر، ويحتضن الدفاتر، وينتج الخواطر، ويحالف الأسفار، ويعتاد القفار، ~~ويصل الليلة باليوم، ويعتاض السهر من النوم، ويحمل على الروح، ويجنى على ~~العين، وينفق من العيش، ويخزن فى القلب، ولا يستريح من النظر إلا إلى ~~التحديق، ولا من التحقيق إلا إلى التعليق؛ وحامل هذه الكلف إن أخطأه رائد ~~التوفيق، فقد ضل سواء الطريق، وهذا الحيرى رجل قد شغله طلب الرياسة عن ~~تحصيل آلاتها، وأعجله حصول الأمنية عن تمحل ms479 أدواتها «3» : # والكلب أحسن حالة ... وهو النهاية فى الخساسه # ممن تصدى للريا ... سة قبل إبان الرياسه # PageV03P771 # فولى المظالم وهو لا يعرف أسرارها، وحمل الأمانة وهو لا يدرى مقدارها؛ ~~والأمانة عند الفاسق خفيفة المحمل على العاتق، تشفق منها الجبال، ويحملها ~~الجهال، وقعد مقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حديثه يروى، وكتاب ~~الله يتلى، وبين البينة والدعوى، فقبحه الله تعالى من حاكم لا شاهد عنده ~~أعدل من السلة والجام «1» ، يدلى بهما إلى الحكام، ولا مزكى أصدق لديه من ~~الصفر «2» ، ترقص على الظفر، ولا وثيقة أحب إليه من غمزات الخصوم، على ~~الكيس المختوم، ولا كفيل أوقع بوفاقه من خبيئة الذيل، وحمال الليل، ولا ~~وكيل أعز عليه من المنديل والطبق، فى وقت الغسق والفلق، ولا حكومة أبغض ~~إليه من حكومة المجلس، ولا خصومة أوحش لديه من خصومة المفلس، ثم الويل ~~للفقير إذا ظلم، فما يغنيه موقف الحكم إلا بالقتل من الظلم، ولا يجيره مجلس ~~القضاء إلا بالنار من الرمضاء. وأقسم لو أن اليتيم وقف بين أنياب الأسود، ~~بل الحيات السود، لكانت سلامته منهما أرجى من سلامته إذا وقع من هذا القاضى ~~بين عقاربه وأقاربه؛ وما ظن القاضى بقوم يحملون الأمانة على متونهم، ~~ويأكلون النار فى بطونهم، حتى تغلظ قصراتهم «3» من مال اليتامى، وثسمن ~~أكفالهم من مال الأيامى، وما رأيه فى دار عمارتها خراب الدور، وعطلة ~~القدور، وخلاء البيوت، من الكسوة والقوت، وما قوله فى رجل يعادى الله فى ~~الفلس، ويبيع الدين بالثمن البخس، وفى حاكم يبرز فى ظاهر أهل السمت، وباطن ~~أصحاب السبت، فعله الظلم البحت، وأكله الحرام السحت. وما قوله فى سوس لا ~~يقع إلا على صوف الأيتام؛ وجراد لا يقع إلا على الزرع الحرام، ولص لا ينقب ~~إلا خزانة الأوقاف، وكردى لا يغير إلا على الضعاف، وليث لا يفترس عباد الله ~~إلا بين الركوع والسجود، وخارب «4» لا ينهب مال الله إلا بين العهود ~~والشهود. # PageV03P772 # وذكر فى هذه الرسالة فصلا فى ذكر العلم- وهو مستطرف البلاغة، مستعذب ~~البراعة- قال: # والعلم- أطال الله بقاء القاضى- شىء كما ms480 تعرفه، بعيد المرام، لا يصاد ~~بالسهام، ولا يقسم بالأزلام «1» ؛ ولا يرى فى المنام [ولا يضبط باللجام، ~~ولا يورث عن الأعمام، ولا يكتب للئام] ، وزرع لا يزكو «2» حتى يصادف من ~~الحزم ثرى طيبا، ومن التوفيق مطرا صيبا؛ ومن الطبع جوا صافيا، ومن الجهد ~~روحا دائما، ومن الصبر سقيا نافعا، والعلم علق «3» لا يباع ممن زاد، وصيد ~~لا يألف الأوغاد، وشىء لا يدرك إلا بنزع الروح، وعون الملائكة والروح، وغرض ~~لا يصاب إلا بافتراش المدر «4» ، واتساد الحجر، ورد الضجر، وركوب الخطر، ~~وإدمان السهر، واصطحاب السفر، وكثرة النظر، وإعمال الفكر، ثم هو معتاص إلا ~~على من زكا زرعه، وخلا ذرعه، [وكرم أصله وفرعه، ووعى بصره وسمعه] ، وصفا ~~ذهنه وطبعه، فكيف يناله من أنفق صباه على الفحشاء؛ وشبابه على الأحشاء، ~~وشغل نهاره بالجمع، وليله بالجماع، وقطع سلوته بالغنى، وخلوته بالغناء، ~~وأفرغ جده على الكيس، وهزله فى الكأس؛ والعلم ثمر لا يصلح إلا للغرس، ولا ~~يغرس إلا فى النفس، وصيد لا يقع إلا فى الندر، ولا ينشب إلا فى الصدر، ~~وطائر لا يخدعه إلا قنص اللفظ، ولا يعلقه إلا شرك الحفظ [ولا ينشب إلا فى ~~الصدر،] وبحر لا يخوضه الملاح، ولا تطيقه الألواح، ولا تهيجه الرياح، وجبل ~~لا يتسنم إلا بخطا الفكر، وسماء لا يصعد إلا بمعراج الفهم، ونجم لا يلمس ~~إلا بيد المجد. # PageV03P773 ### | ومن مفردات الأبيات فى المعايب والمقابح # قول أبى تمام: # مساو لو قسمن على الغوانى ... لما أمهرن إلا بالطلاق # آخر: # قوم إذا جرجان منهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا «1» # البحترى: # نبا فى يدى، وابن اللئيمة واجد ... وينبو الخبيث الطبع وهو صقيل # ابن الرومى فى رجل يعرف بابن رمضان: # رأيتك تدعى رمضان دعوى ... وأنت نظير يوم الشك فيه # وله فى أعمى: # كيف يرجو الحياء منه صديق ... ومكان الحياء منه خراب # غيره: # هو الكلب، إلا أن فيه ملالة ... وسوء مراعاة وما ذاك فى الكلب # آخر: # أبادلف يا أكذب الناس كلهم ... سواى فإنى فى مديحك أكذب # أبو الفضل الميكالى: # هو الشوك لا يعطيك ms481 وافر منة ... يد الدهر إلا حين تضربه جلدا # PageV03P774 ### | [قولهم فى اللحن وتعلم العربية] # قال المأمون لبعض ولده وسمع منه لحنا: ما على أحدكم أن يتعلم العربية، ~~فيقيم بها أوده «1» ، ويزين بها مشهده، ويفل «2» حجج خصمه، بمس كتاب حكمه ~~«3» ، ويملك مجلس سلطانه، بظاهر بيانه؛ ليس لأحدكم أن يكون لسانه كلسان ~~عبده أو أمته، فلا يزال الدهر أسير كلمته. # وقال رجل للحسن البصرى يا أبو سعيد، قال: كسب الدراهم شغلك أن تقول يا ~~أبا سعيد، ثم قال: تعلموا العلم للأديان، والنحو للسان، والطب للأبدان. # وكان الحسن كما قال الأعرابى وسمع كلامه: والله إنه لفصيح إذ الفظ، نصيح ~~إذا وعظ. وقيل له: يا أبا سعيد، ما نراك تلحن، قال: سبقت اللحن. أخذه أبو ~~العتاهية، وقيل له: إنك تخرج فى شعرك عن العروض، فقال: سبقت العروض، وقال ~~إسحاق بن خلف البهرانى: # النحو يصلح من لسان الألكن ... والمرء تعظمه إذا لم يلحن # فإذا طلبت من العلوم أجلها ... فأجلها منها مقيم الألسن # وقال على بن بسام: # رأيت لسان المرء رائد علمه ... وعنوانه فانظر بماذا تعنون # ولا تعد إصلاح اللسان فإنه ... يخبر عما عنده ويبين # على أن للاعراب حدا، وربما ... سمعت من الإعراب ما ليس يحسن # ولا خير فى اللفظ الكريه استماعه ... ولا فى قبيح اللحن والقصد أزين # PageV03P775 # وقال بعض أهل العصر، وهو أبو سعيد الرستمى: # أفى الحق أن يعطى ثلاثون شاعرا ... ويحرم ما دون الرضا شاعر مثلى # كما سامحوا عمرا بواو زيادة ... وضويق بسم الله فى ألف الوصل # أبو الفتح البستى: # حذفت وغيرى مثبت فى مكانه ... كأنى نون الجمع حين يضاف # وقال: # أفدى الغزال الذى فى النحو كلمنى ... مناظرا فاجتنيت الشهد من شفته # فأورد الحجج المقبول شاهدها ... محققا ليرينى فضل معرفته # ثم اتفقت على رأى رضيت به ... والرفع من صفتى والنصب من صفته # الحسن اللحام «1» : # أنا من وجوه النحو فيكم أفعل ... ومن اللغات إذا تعد المهمل «2» ### | [لوعة الشوق] # وقال أحمد بن يوسف: # كتب غلام من ولد أنوشروان ممن كان أحد غلمان الديوان، إلى آخر منهم وكان ms482 ~~قد علق به، وكان شديد الكلف به والمحبة له: ليس من قدرى- أدام الله سعادتك- ~~أن أقول لمثلك جعلت فداك؛ لأنى أراك فوق كل قيمة خطيرة وثمن معجز، ولأن ~~نفسى لا تساوى نفسك، فتقبل فى فديتك، وعلى كل حال؛ فجعلنى الله فداء ساعة ~~من أيامك، اعلم أيها السيد العلى المنزلة، أنه لو كان لعبدك من شدة الخطب ~~أمر يقف على حده النعت «3» ، لاجتهدنا أن يضعف «4» # PageV03P776 # من ذلك ما عسى أن يعطف به زمام قلبك، وتحنو له على الرقة به والتحفى ~~أثناء جوانحك، ولكن الذى أمسيت وأصبحت ممتحنا به فيه شسع «1» على كل بيان، ~~ونزح عن كل لسان؛ والحب أيها المالك لم يشبه قذى ريبة، ولم يختلط به قلب ~~معاب، فلا ينبغى لمن كرمت أخلاقه أن يعاف مقاربة صاحبه المدل بحرمة نيته، ~~والذى أتمناه أيها المولى اللطيف مجلس أقف فيه أمامك، ثم أبوح بما أضنى ~~جسدى، وفت كبدى، فإن خف ذلك عليك ورأيت نشاطا من نفسك إليه كنت كمن فك ~~أسيرا وأبرأ عليلا، ومن الخير سلك سبيلا، يتوعر سلوكها على من كان قبله، ~~ومن يكون بعده؛ ثم أضاف إلى ذلك منة لا يطيقها جبل راس، ولا فلك دائر، ~~فرأيك أيها السيد المعتمد فى الإسعاف، قبل أن يبدرنى الموت؛ فيحول بينى ~~وبين ما نزعت إليه النفس مواصلا برا إن شاء الله تعالى. # فأجابه: تولي الله تعالى ما جرى به لسانك بالمزيد، ولا أوحش ما بيننا ~~بطائر فرقة، ولا صافر تشتت، وضمنا وإياك فى أوثق حبال الأنس، وأوكد أسباب ~~الألفة؛ وقفت على ما لخصته من العجز عن بلوغ ما خامر قلبك «2» ، وانطوى فى ~~ضميرك، من الشغف المقلق، والهوى المضرع، ولعمرى لو كشفت لك عن معشار ما ~~اشتمل عليه مضمر صدرى لأيقنت أن الذى عندك إذا قسته إلى ما عندى كالمتلاشى ~~البائد، ولكنك بفضل الإنعام سبقتنا إلى كشف ما فى الضمير. # وأما طاعتى لك، وذمامى إليك؛ فطاعة العبد المقتنى، الطائع لما يحكم له ~~وعليه مولاه ومالكه، وأنا صائر إليك وقت كذا؛ فتأهب لذلك بأحمد عافية، وأتم ms483 ~~عقدة «3» ، وأسعد نجم جرى بالألفة، إن شاء الله تعالى. # وكتب بعض الكتاب: إنى لأكره أن أفديك بنفسى استحياء من التقصير # PageV03P777 # فى المعاوضة، ومن التخلف فى الموازنة، وعلى الأحوال كلها، فقدم الله روحى ~~عنك، وصاننى عن رؤية المكروه فيك. # وقال المتنبى: # فدى لك من يقصر عن مداكا ... فلا ملك إذن إلا فداكا # ولو قلنا فدى لك من يساوى ... دعونا بالبقاء لمن قلاكا # وآمنا فداءك كل نفس ... وإن كانت لمملكة ملاكا # [وقال عبيد الله بن شبيب: كتب إلى بعض إخوانى من أهل البصرة كتابا ملح ~~فيه وأوجز، وهو: أطال الله بقاءك، كما أطال خباءك، وجعلنى فداك إن كان فى ~~فداؤك. # كتبت ولو قدرت هوى وشوقا ... إليك لكنت سطرا فى كتابى] # وكتب آخر إلى إبراهيم وأحمد ابنى المدبر، وقد أصابتهما محنة ثم أردفتها ~~نعمة: لو قبلت فيكما، ودانيت قدريكما، لقلت: جعلنى الله فداكما، ولكنى لا ~~أجزى عنكما، فلا أقبل بكما، وقد بلغتنى المحنة التى لو مات إنسان غما بها ~~لكنته [ثم اتصلت النعمة التى لو طار امرؤ برحابها لكنته] وكتب تحته: # وليس بتزويق اللسان وصوغه ... ولكنه قد خالط اللحم والدما # وكتب ابن ثوابة إلى عبيد الله بن سليمان يعتذر فى ترك مكاتبته بالتفدية ~~[الله يعلم، وكفى به عليما، لقد وددت مكاتبتك بالتفدية] فرأيت عيبا أن ~~أفديك بنفس لابد لها من فناء، ولا سبيل لها إلى بقاء، ومن أظهر لك شيئا ~~وأضمر لك خلافه فقد غش؛ والأمر إذا كانت الضرورة توجب أنه ملق «1» لا يحقق، ~~وإعطاء لا يتحصل، لم يجب أن يخاطب به مثلك، وإن كان عند قوم نهاية من ~~نهايات التعظيم، ودليلا من دلالات الاجتهاد، وطريقا من طرق التقرب. # قال الزبير بن أبى بكر: قال لى مسلمة بن عبد الله بن جندب الهذلى: خرجت ~~أريد العقيق ومعى زيان السواق؛ فلقينا نسوة فيهن امرأة لم أر أجمل منها ~~فأنشدت بيتين لزيان: # PageV03P778 # ألا يا عباد الله هذا أخوكم ... قتيل، فهل فيكم له اليوم ثائر؟ # خذوا بدمى، إن مت، كل خريدة ... مريضة جفن العبن والطرف ساحر ms484 # ثم قال: شأنك بها يابن الكرام فالطلاق له لازم إن لم يكن دم أبيك فى ~~نقابها. فأقبلت على وقالت: أنت ابن جندب؟ فقلت: نعم. قالت: إن قتيلنا لا ~~يودى، وأسيرنا لا يفدى، فاغتنم لنفسك، واحتسب أباك. # قال أبو عبيدة: قال رجل من فزارة لرجل من بنى عذرة: تعدون موتكم من الحب ~~مزية، وإنما ذاك من ضعف المنة، وعجز الروية. فقال العذرى: # أما إنكم لو رأيتم المحاجر البلج «1» ، ترشق بالأعين الدعج «2» ، فوقها ~~الحواجب الزج «3» ، [وتحتها المباسم الفلج] ، والشفاه السمر، تفتر عن ~~الثنايا الغر، كأنها برد الدر، لجعلتموها اللات والعزى، ورفضتم الإسلام ~~وراء ظهوركم: # وقال أعرابى: دخلت بغداد فرأيت فيها عيونا دعجا، وحواجب زجا، يسحبن ~~الثياب، ويسلبن الألباب. # وذكر أعرابى نساء فقال: ظعائن فى سوالفهن طول، غير قبيحا العطول «4» ، ~~إذا مشين أسبلن الذيول، وإن ركبن أثقلن الحمول. # ووصف آخر نساء فقال: يتلثمن على السبائك، ويتشحن على النيازك «5» ، ~~ويتزرن على العواتك، ويرتفقن على الأرائك، ويتهادين على «6» الدرانك، ~~ابتسامهن وميض، عن ثغر كالإغريض، وهن إلى الصبا صور، وعن الخناحور «7» . # PageV03P779 ### | (وصف الهوى، وأمره) # سئل بعض الحكماء عن الهوى، فقال: هو جليس ممتع، وأليف مؤنس، أحكامه جائزة ~~«1» ، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والنفوس ~~وآراءها، وأعطى زمام طاعتها، وقياد مملكتها، توارى عن الأبصار مدخله، وغمض ~~عن القلوب مسلكه. # وسئلت أعرابية عن الهوى فقالت: لامتع الهوى بملكه، ولا ملى بسلطانه، وقبض ~~الله يده، وأوهن عضده؛ فإنه جائر لا ينصف فى حكم، أعمى ما ينطق بعدل، ولا ~~يقصر فى ظلم، ولا يرعوى للوم، ولا ينقاد لحق، ولا يبقى على عقل ولا فهم، لو ~~ملك الهوى وأطيع لرد الأمور على أدبارها، والدنيا على أعقابها. # ووصف أعرابى الهوى فقال: هوداء تدوى به النفوس الصحاح، وتسيل منه ~~الأرواح، وهو سقم مكتتم، وجمر مضطرم؛ فالقلوب له منضجة، والعيون ساكنة «2» ~~قال [أبو] عبيد الله بن محمد بن عمران المرزبانى: أخبرنى المظفر بن يحيى، ~~قال: # أحب رجل امرأة دونه فى القدر، فعذله عمه، فقال: يا عم، لا تلم مجبرا على ~~سقمه؛ فإن المقر ms485 على نفسه مستغن عن منازعة خصمه، وإنما يلام من اقترف ما ~~يقدر على تركه، وليس أمر الهوى إلى الرأى فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره؛ بل ~~قدرته أغلب، وجانبه أعز من أن تنفذ فيه حيلة حازم، أو لطف محتال. # وقال بعضهم: رأيت امرأتين من أهل المدينة تعاتب إحداهما الأخرى على هوى ~~لها، فقالت: إنه يقال فى الحكمة الغابرة، والأمثان السائرة: لا تلومن من ~~أساء بك الظن إذا جعلت نفسك هدفا للتهمة، ومن لم يكن عونا على نفسه مع خصمه ~~لم يكن معه شىء من عقدة الرأى، ومن أقدم على هوى وهو يعلم # PageV03P780 # ما فيه من سوء المغبة سلط على نفسه لسان العذل، وضيع الحزم. فقالت ~~المعذولة؛ ليس أمر الهوى إلى الرأى فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره، وهو أغلب ~~قدرة، وأمنع جانبا من أن تنفذ فيه حيلة الحازم، أو ما سمعت قول الشاعر: # ليس خطب الهوى بخطب يسير ... لا ينبيك عنه مثل خبير # ليس أمر الهوى يدبر بالرأ ... ى ولا بالقياس والتفكير # إنما الأمر فى الهوى خطرات ... محدثات الأمور بعد الأمور # قال المرزبانى: أخبرنى الصولى أن هذه الأبيات لعلية بنت المهدى، ولها ~~فيها لحن. # وقيل لعبد الله بن المقفع: ما بال العاقل المميز الذهن، واللبيب الفطن، ~~يتعرض للحب وقد رأى منه مواضع الهلكة، ومصارع التلف، وعلم ما يؤول «1» إليه ~~عقباه، وترجع به أخراه على أولاه؟ فقال: زخرف «2» ظاهر العشق بجمال زينة ~~يستدعى القلوب إلى ملامسته، وملى بعاجل حلاوة يطبى «3» النفوس إلى ملابسته، ~~كظاهر زخرف الدنيا، وبهاء رونقها، ولذيذ جنى ثمرها، وقد سكرت أبصار قلوب ~~أبنائها عن النظر إلى قبيح عيوب أفعالها، فهم فى بلائها منغمسون، وفى هلكة ~~فتنتها متورطون، مع علمهم بسوء عواقب خطبها، وتجرع مرارة شربها، وسرعة ~~استرجاعها ما وهبت، وإخراجها مما ملكت، فليس ينجو منها إلا من حذرها، ولا ~~يهلك فيها إلا من أمنها، وكذلك صورة الهوى؛ هما فى الفتنة سواء. ### | [بعض ما جاء فى العفاف] # وقال ابن دريد: قال بعض الحكماء: أغلق أبواب الشبهات بأفعال الزهادة، ~~[وافتح أبواب البر ms486 بمفاتيح العبادة] فإن ذلك يدنيك من السعادة، # PageV03P781 # وتستوجب من الله الزيادة. # وقال غيره: إن اللذة مشوبة بالقبح؛ ففكروا فى انقطاع اللذة وبقاء ذكر ~~القبح قال أبو عبد الله بن إبراهيم بن عرفة [نفطويه] : # ليس الظريف بكامل فى ظرفه ... حتى يكون عن الحرام عفيفا # فإذا تعفف عن محارم ربه ... فهناك يدعى فى الأنام ظريفا # وقال: # كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعنى ... منه الحياء وخوف الله والحذر # وكم خلوت بمن أهوى فيقنعنى ... منه الفكاهة والتقبيل والنظر # أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم ... وليس لى فى حرام منهم وطر # كذلك الحب لا إتيان معصية ... لا خير فى لذة من بعدها سقر # وقال العباس بن الأحنف: # أتأذنون لصب فى زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر # [لا يبصر السوء إن طالت إقامته ... عف الضمير ولكن فاسق النظر] «1» # وقال بعض الطالبيين: # رمونى وإياهم بشنعاءهم بها ... أحق، أدال الله منهم وعجلا # بأمر تركناه ورب محمد ... جميعا فإما عفة أو تجملا # وقال سعيد بن حميد: # زائر زارنا على غير وعد ... مخطف الكشح مثقل الأرداف # غالب الخوف حين غالبه الشو ... ق وأخفى الهوى وليس بخافى # غض طرفى عنه تقى الله فاختر ... ت على بذله بقاء التصافى # ثم ولى والخوف قد هز عطف ... يه ولم يخل من لباس العفاف # PageV03P782 # وفى الحديث الشريف: «من أحب فعف فمات فهو شهيد» . # والعفاف مع البذل، كالاستطاعة مع الفعل، كما قال صريع الغوانى: # وما ذمى الأيام أن لست مادحا ... لعهد لياليها التى سلفت قبل # ألا رب يوم صادق العيش نلته ... بها ونداماى العفافة والبذل «1» # وأنشد الصولى لأبى حاتم السجستانى فى المبرد، وكان يلزم حلقته، وكان من ~~الملاح وهو غلام: # ماذا لقيت اليوم من ... متمجن خنث الكلام «2» # وقف الجمال بوجهه ... فسمت له حدق الانام # حركاته وسكونه ... يجنى بها ثمر الأثام # فإذا خلوت بمثله ... وعزمت فيه على اعترام # لم أعد أخلاق العفا ... ف وذاك أوكد للغرام # نفسى فداؤك يا أبا ال ... عباس جل بك اعتصام # فارحم أخاك فإنه ... نزر الكرى بادى السقام # وأنله ما دون الحرا ... م فليس يرغب ms487 فى الحرام # وكان أبو حاتم يتصدق كل يوم بدرهم، ويختم القرآن فى كل أسبوع. # وذكر أنه اجتمع أبو العباس بن سريج الشافعى، وأبو بكر بن داود العباسى فى ~~مجلس على بن عيسى بن الجراح الوزير، فتناظرا فى الإيلاء، فقال ابن سريج: # أنت بقولك: «من كثرت لحظاته دامت حسراته» أبصر منك بالكلام فى الإيلاء، ~~فقال أبو بكر: لئن قلت ذلك فإنى أقول: # أنزه فى روض المحاسن مقلتى ... وأمنع نفسى أن تنال محرما # PageV03P783 # وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما # وينطق طرفى عن مترجم خاطرى ... فلولا اختلاسى رده لتكلما # رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فلست أرى حبا صحيحا مسلما # فقال أبو العباس: بم تفتخر على؟ وأنا لو شئت لقلت: # ومطاعم للشهد من نغماته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته # صبا بحسن حديثه وكلامه ... وأكرر اللحظات فى وجناته # حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولى بخاتم ربه وبراته # فقال أبو بكر: أصلح الله الوزير، تحفظ عليه ما قال حتى يقيم شاهدين عدلين ~~أنه ولى بخاتم ربه! فقال أبو العباس: يلزمنى فى هذا ما يلزمك فى قولك: # أنزه فى روض المحاسن مقلتى ... البيت. فضحك الوزير، وقال: لقد جمعتما ~~ظرفا ولطفا وفهما وعلما. ### | ألفاظ لأهل العصر، فى محاسن النساء # هى روضة الحسن، وضرة الشمس، وبدر الأرض. هى من وجهها فى صباح شامس، ومن ~~شعرها فى ليل دامس «1» ، كأنها فلقة قمر على برج فضة. # بدر التم يضىء تحت نقابها، وغصن البان يهتز تحت ثيابها، ثغرها يجمع ~~الضريب والضرب «2» ، كأنه نثر الدر، كما قال البحترى: # إذا نضون شفوف الريط آونة ... قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا # قد أنبت صدرها ثمر الشباب، خرطت لها يد الشباب حقين «3» من عاج، كأنها ~~البدر قرط بالثريا، ونيط بها عقد من الجوزاء، أعلاها كالغصن ميال، # PageV03P784 # وأسفلها كالدعص «1» منهال، لها عنق كإبريق اللجين، وسرة كمدهن العاج، ~~نطاقها مجدب، وإزارها مخصب. مطلع الشمس من وجهها، ونبت الدر من فيها، وملقط ~~الورد من خدها، ومنبع السحر من طرفها، ومبادىء الليل من ms488 شعرها، ومغرس الغصن ~~من قدها، ومهيل الرمل من ردفها ### | ولهم فى محاسن الغلمان والمعذرين # زاد جماله، وأقمر هلاله. ترقرق فى وجهه ماء الحسن، شادن فاتر طرفه، ساحر ~~لفظه. غلام تأخذه العين، ويقبله القلب، ويأخذه الطرف، وترتاح إليه الروح. ~~تكاد القلوب تأكله، والعيون تشربه. جرى ماء الشباب فى عوده فتمايل كالغصن، ~~واستوفى أقسام الحسن، ولبس ديباجة الملاحة، كأن البدر قد ركب أزراره، لا ~~يشبع منه الناظر، ولا يروى منه الخاطر، كاد البدر يحكيه، والشمس تشبهه ~~وتضاهيه، صورة تجلو الأبصار، وتخجل الأقمار، شادن منتقب بالبدر، ومكتحل ~~بالسحر. ما هو إلا نزهة الأبصار، ومخجل الأقمار، وبدعة الأمصار، غمزات طرفه ~~تخبر عن ظرفه، ومنطقه ينطق عن وصفه. تخال الشمس تبرقعت غرته، والليل ناسب ~~أصداغه وطرته الحسن ما فوق أزراره، والطيب ما تحت إزاره، شادن يضحك عن ~~الأقحوان، ويتنفس عن الريحان، كأن خده سكران من خمر طرفه «2» ، وبغداد ~~مسروقة من حسنه وظرفه، أعجمت يد الجمال نون صدغه بخال، هذا محلول من قول ~~ابن المعتز: # غلالة خده صبغت بورد ... ونون الصدغ معجمة بخال # PageV03P785 # له عينان حشو أجفانهما السحر، كأنه قد أعار الظبى جيده، والغصن قده، ~~والراح ريحه، والورد خده، الشكل «1» من حركاته، وجميع الحسن بعض صفاته. قد ~~ملك أزمة القلوب، وأظهر حجة الذنوب، كأنما وسمه الجمال بنهايته، ولحظه ~~الفلك بعنايته، فصاغه من ليله ونهاره، وحلاه بنجومه وأقماره، ونقبه ببدائع ~~آثاره، ورمقه بنواظر سعوده، وجعله بالجمال أحد حدوده. وقد صبغ الحياء غلالة ~~وجهه، ونشر لؤلؤ العرق عن ورد خده. تكاد الألحاظ تسفك من خده دم الخجل. له ~~طرة كالغسق، على غرة كالفلق. جاءنا فى غلالة تنم على ما يستره، وتجفو مع ~~رقتها عما يظهره «2» . وجه بماء الحسن مغسول، وطرف بمرود السحر مكحول ثغر ~~حمى حماية الثغور، وجعل ضرة لقلائد النحور. السحر فى ألحاظه، والشهد فى ~~ألفاظه. اختلس قامة الغصن، وتوشح بمطارف الحسن، وحكى الروض غب المزن «3» . ~~الأرض مشرقة بنور وجهه، وليل السرار فى مثل شعره «4» . الجنة مجتناة من ~~قربه، وماء الجمال يترقرق فى خده، ومحاسن الربيع بين ms489 سحره ونحره، والقمر ~~فضلة من حسنه. ما هو إلا خال فى خد الظرف، وطراز على علم الحسن، ووردة فى ~~غصن الدهر، ونقش على خاتم الملك، وشمس فى فلك اللطف. هو قمر فى التصوير، ~~شمس فى التأثير. منظر يملأ العيون، ويملك النفوس، زرافين أصداغه «5» معاليق ~~القلوب. كأن صدغه قرط من المسك على عارض البدر. وجهه عرس، وصدغه مأتم، ~~ووصله جنة، وهجره جهنم. أصداغه قد اتخذت شكل العقارب، وظلمت ظلم الأقارب. ~~إن كان عقرب صدغه تلسع، فترياق ريقه ينفع. كأن شاربه زئبر الخز الأخضر، ~~وعذاره طراز المسك والعنبر [الأذفر] ، على الورد الأحمر. إذا تكلم تكشف ~~حجاب الزمرد والعقيق، # PageV03P786 # عن سمط الدر الأنيق. قد هم أرقم الشعر على شاربه، وكاد فم الحسن يقبله. # كأن العذار ينقش فص وجهه، ويحرق فضة خده. طرز الجمال ديباج وجهه، وأبان ~~عذاره العذر فى حبه. [لعب الربيع بخده، فأنبت البنفسج فى ورده. # لما احترقت فضة خده، احترق سواد القلب من حبه] . # كيف لا يخضر شاربه ... ومياه الحسن تسقيه ### | ولهم فى نقيض ذلك، فى ذم خروج اللحية # قد انتقب بالديجور، بعد النوز؛ فدولة حسنه قد أعرضت أيامه، وانقرضت دولته ~~وأحكامه. استحال خده دجا، وزمرد خده سبجا «1» ؛ وأخمدت نار حسنه بعد ~~الإيقاد، ولبس عارضه ثوب الحداد. ذبل ورد خده، وتشوك زعفران خطه. فارقنا ~~خشفا، ووافانا جلفا، وفارقنا هلالا وغزالا، وعاد وبالا ونكالا. # مالى أرى الآباط جائشة؛ والآناف معشبة، والعيون منورة، والأزرار مرعى، ~~والأظفار حمى، واللحى لبودا، والأسنان خضرا وسودا. ### | من رسائل البديع ومقاماته # وكتب إلى بديع الزمان بعض من عزل عن ولاية حسنة يستمد وداده ويستميل ~~فؤاده؛ فأجابه بما نسخته: وردت رقعتك أطال الله بقاءك فأعرتها طرف التعزز ~~ومددت إليها يد التقزز، وجمعت عليها ذيل التحرز، فلم تند على كبدى، ولم تحظ ~~بناظرى ويدى؛ ولقد خطبت من مودنى ما لم أجدك لها كفيا، وطلبت من عشرتى ما ~~لم أرك لها رضيا؛ وقلت: هذا الذى رفع عنا أجفان # PageV03P787 # طرفه، وشال بشعرات أنفه، وتاه بحسن قده، وزها بورد خده، ولم يسقنا من ms490 من ~~نوئه، ولم نسر بضوئه؛ فالآن إذ نسخ الدهر آية حسنه، وأقام مائل غصنه، وفلل ~~غرب عجبه «1» ، وكف شأو زهوه، وانتصر لنا منه بشعرات قد كسفت هلاله، وأكسفت ~~باله، ومسخت جماله، وغيرت حاله، وكدرت شرعته «2» ، ونكرت طلعته، جاء يستقى ~~من جرفنا جرفا، ويغرف من طينتنا غرفا، فمهلا يا أبا الفضل مهلا: # أرغبت فينا إذ علا ... ك الشعر فى خد قحل # وخرجت من حد الظبا ... ء وصرت فى حد الإبل # أنشأت تطلب عشرتى ... عد للعداوة يا خجل # أنسيت أيامك؛ إذ تكلمنا نزرا «3» ، وتنظرنا شزرا «4» ، وتجالس من حضر، ~~ونسرق إليك النظر، ونهتز لكلامك، ونهش لسلامك: # فمن لك بالعين التى كنت مرة ... إليك بها فى سالف الدهر أنظر # أيام كنت تتمايل، والأعضاء تتزايل، وتتغانج، والأجساد تتفالج، وتتفلت، ~~والأكباد تتفتت، وتخطر وترفل، والوجد بنا يعلو ويسفل، وتدبر وتقبل، فتمنى ~~وتخبل، [وتصد] وتعرض، فتضنى وتمرض: # وتبسم عن ألمى كأن منورا ... تخلل حر الرمل دعص له ند # فأقصر الآن فإنه سوق كسد، ومتاع فسد، ودولة أعرضت، وأيام انقضت: # وعهد نفاق مضى ... وسوق كساد نزل # وخد كأن لم يكن ... وخط كأن لم يزل # PageV03P788 # ويوم صار أمس، وحسرة بقيت فى النفس، وثغر غاض ماؤه فلا يرشف، وريق خدع ~~فلا ينشف، وتمايل لا يعجب، وتثن لا يطرب، [ووجه زال بهاؤه] ، ومقلة لا تجرح ~~ألحاظها، وشفة لا تفتن ألفاظها، فحتام تدل، وإلام نحتمل وعلام؟ وآن أن تذعن ~~الآن، وقد بلغنى ما أنت متعاطيه من تمويه يجوز بعد العشاء فى الغسق، وتشبيه ~~يفتضح عند ذوى البصر والصدق؛ من إفنائك لتلك الشعرات جفا وحصا، وإنحائك ~~عليها نقصا وقصا. وسيكفينا الدهر مؤونة الإنكار عليك، بما يزف من بنات ~~الشعر وأمهاته إليك؛ فأما ما استأذنت فيه رأيى من الاختلاف إلى مجلسى فما ~~أقل إليك نشاطى، وأضيق عنك بساطى، وأشنع قلقى منك، وأشد استغنائى عن حضورك، ~~فإن حضرت فأنت داء نروض عليه الحلم، ونتعلم به الصبر، ونتكلف فيه الاحتمال، ~~ونفضى منه الجفن على قذى، ونطوى منه الصدر على أذى، ونجعله للقلوب تأنيبا، ~~وللعيون تأديبا. # ومالك ms491 إلا أن تعتاض من الرغبة عنا رغبة فينا. ومن ذلك التدلل علينا تذللا ~~لنا، ومن ذلك التعالى تبصبصا، ومن ذلك التغالى ترخصا، وما بال الدهر أعقبك ~~من التزايد تنقصا «1» ، ومن التسحب على الإخون تقمصا، ولئن اعتضت من الذهاب ~~رجوعا، لقد اعتضنا من النزاع نزوعا «2» ، فانأ برحلك وجانبك، ملقى حبلك على ~~غاربك، لا أوثر قربك، ولا أنده سربك، والسلام. # ومن إنشاء بديع الزمان فى مقامات الإسكندرى ولعل ما فيها من الطول غير ~~مملول. قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: كان يبلغنى من مقامات الإسكندرى ما ~~يصغى له النفور، وينتفض له العصفور، ويروى لى من شعره ما يمتزج بأجزاء ~~الهواء رقة، ويغمض عن أوهام الكهنة دقة، وأنا أسأل الله بقاءه، # PageV03P789 # حتى أرزق لقاءه، وأتعجب من قعود همته بحالته، مع حسن آلته، وقد ضرب الدهر ~~شؤونه أسدادا «1» وهلم جرا. إلى أن اتفقت لى حاجة بحمص، فشحذت إليها الحرص، ~~فى صحبة أفراد كنجوم الليل، أحلاس «2» لظهور الخيل، فأخذنا الطريق ننتهب ~~مسافته، ونستأصل شأفته، ولم نزل نفرى أسنمة النجاد «3» بتلك الجياد، حتى ~~صرن كالعصى، ورجعن كالقسى، وتاح لنا واد فى سفح جبل، ذى ألاء وأثل، ~~كالعذارى يسرحن الضفائر، وينشرن الغدائر، فمالت الهاجرة بنا إليها، فنزلنا ~~نغور ونغور، وربطنا الأفراس بالأمراس، وملنا مع النعاس، فما راعنا إلا صهيل ~~الخيول، ونظرت إلى فرسى وقد أرهف أذنيه، وطمح بعينيه، يجذ قوى الحبل ~~بمشافره، ويخد خد الارض بحوافره، ثم اضطربت الخيل، فأرسلت الأبوال، وقطعت ~~الحبال، وصار كل منا إلى سلاحه، فإذا الأسد فى فروة الموت، قد طلع من غابه، ~~منتفجا فى إهابه، كاشرا عن أنيابه، بطرف قد ملىء صلفا، وأنف قد حشى أنفا. # وصدر لا يبرحه القلب، ولا يسكنه الرعب، فقلنا: خطب والله ملم، وحادث مهم، ~~وتبادرنا إليه من سرعان الرفقة فتى: # أخضر الجلدة من بيت العرب ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب # بقلب ساقه قدر، وسيف كله أثر، فملكته سورة الأسد، فخانته أرض قدمه، حتى ~~سقط ليده وفمه، وتجاوز الأسد مصرعه، إلى من كان معه، ودعا الحين أخاه، إلى ms492 ~~مثل ما دعاه، فسار إليه، وعقل الرعب يديه، فأخذ أرضه وافترس الليث صدره، ~~ولكن شغلت بعمامتى فمه، حتى حقنت دمه، وقام الفتى فوجأ بطنه حتى هلك من ~~خوفه، والأسد بالوجأة فى جوفه، ونهضنا # PageV03P790 # على أثر الخيل، فتألفنا منها ما ثبت، وتركنا ما أفلت، وعدنا إلى الرفيق ~~لنجهزه. # فلما حثونا الترب فوق رفيقنا ... جزعنا ولكن أى ساعة مجزع # وعدنا إلى الفلاة، فهبطنا أرضها، وسرنا حتى إذا ضمرت المزاد، ونفد الزاد، ~~أو كاد يدركه النفاد، ولم نملك الذهاب ولا الرجوع، وخفنا القاتلين الظمأ ~~والجوع، عن لنا فارس فصمدنا صمده، وقصدنا قصده، ولما بلغنا نزل عن حاذ فرسه ~~ينقش الأرض بشفتيه، ويلقى التراب بيديه، وعمدنى من بين الجماعة، فقبل ~~ركابى، وتحرم بثيابى، ونظرت فإذا وجه يبرق برق العارض المتهلل، وفرس متى ما ~~ترق العين فيه تسهل، وعارض قد اخضر، وشارب قد طر، وساعد ملآن، وقضيب ريان، ~~ونجار تركى، وزى ملكى، فقلت: # ما جاء بك؟ لا أبالك! فقال: أبا عبد بعض الملوك، هم من قتلى بهم، فهمت ~~على وجهى إلى حيث ترانى، وشهدت شواهد حاله، على صدق مقاله، ثم قال: أنا ~~اليوم عبدك، ومالى مالك، فقلت: بشرى لك وبك، أداك سيرك إلى فناء رحب، وعيش ~~رطب، وهنأتنى الجماعة، بحسب الاستطاعة، وجعل ينظر فتقتلنا ألحاظه، وينطق ~~فتفتننا ألفاظه، والنفس تناجينى فيه بالمحظور، والشيطان من وراء الغرور، ~~فقال: يا سادة، إن فى سفح هذا الجبل عينا، وقد ركبتم فلاة عوراء «1» ، ~~فخذوا من هنالك الماء، فلوينا الأعنة إلى حيث أشار، وبلغناه وقد صهرت ~~الهاجرة الأبدان، وركبت الجنادب العيدان «2» ، فقال: ألا تقيلون فى هذا ~~الظل الرحب، على هذا الماء العذب؟ فقلنا: أنت وذاك، فنزل عن فرسه، ونحى ~~منطقته، وحل قرطقته «3» ، فما استتر عنا إلا بغلالة [تنم] على بدنه، # PageV03P791 # فما شككنا أنه خاصم الولدان، ففارق الجنان، وهرب من رضوان، وعمد إلى ~~السروج فحطها، وإلى الأفراس فحشها «1» ، وإلى الأمكنة ففرشها، وقد حارت ~~البصائر فيه، ووقعت الأبصار عليه، ووتد كل منا شبقا، وخنث اللفظ ملقا. ~~وقلت: يا فتى، ما ألطفك فى ms493 الخدمة! وأحسنك فى الجملة! فالويل لمن فارقته، ~~وطوبى لمن رافقته، فكيف نشكر الله على النعمة بك؟! فقال: # ما سترونه أكثر، أتعجبكم خفتى فى الخدمة، فكيف لو رأيتمونى فى الرفقة؟ # أريكم من حذقى طرفا، لتزدادوا بى شغفا؟ فقلنا: هات، فعمد إلى قوس [أحدنا] ~~فأوتره؛ وفوق سهما فرماه فى السماء، وأتبعه بآخر فشقه فى الهواء، وقال: ~~سأريكم نوعا آخر، ثم عمد إلى كنانتى فأخذها، وإلى فرسى فعلاه، ورمى أحدنا ~~بسهم أثبته فى صدره، وآخر طيره من ظهره، فقلت: ويحك! ما تصنع؟ قال: اسكت ~~يالكع، والله ليشدن كل منكم يد رفيقه، أو لأغصنه بريقه، فلم ندر ما نصنع، ~~وأفراسنا مربوطة، وسروجنا محطوطة، وأسلحتنا بعيدة، وهو راكب ونحن رجالة، ~~والقوس فى يده يرشق بها الظهور، ويمشق بها «2» البطون والصدور، وحين رأينا ~~منه الجد، أخذنا «3» القد، فشد بعضنا بعضا، وبقيت وحدى لا أجد من بشدنى، ~~فقال: اخرج بإهابك «4» ، عن ثيابك، ثم نزل عن فرسه، وجعل يصفع الواحد منا ~~بعد الآخر، ويقول: # أقمت قضيبك، فخذ نصيبك، [ونزع ثيابه] وصار إلى وعلى خفان جديدان فقال: ~~اخلعهما لا أم لك، فقلت: هذا خف لبسته رطبا، فليس يمكننى خلعه فقال: على ~~نزعه، ثم دنا لينزع الخف، ومددت يدى إلى سكين فيه # PageV03P792 # وهو مشغول، فأثبته فى بطنه، وأبنته من متنه «1» . فما زاد على فم فغره ~~«2» ، وألقمه حجره، وقمت إلى أصحابى فحللت أيديهم، وتوزعنا سلب المقتولين، ~~وأدركنا الرفيق، وقد جاد بنفسه، وصار إلى رمسه «3» ، وصرنا إلى الطريق ~~فوردنا حمص بعد ليال، فلما انتهينا إلى فرضة من سوقها رأينا رجلا قد قام ~~على رأس ابن وبنية، بجراب وعصية، وهو يقول: # رحم الله من حشا ... فى جرابى مكارمه # رحم الله من رثى ... لسعيد وفاطمه # إنه خادم لكم ... وهى لا شك خادمه # قال عيسى بن هشام: فقلت: إن هذا الرجل هو الإسكندرى لذى سمعت به وسألت ~~عنه فإذا هو هو، فدلفت إليه، فقلت له: أحكمك حكمك، فقال: # درهم، فقلت: # لك درهم فى مثله ... مادام يسعدنى النفس # فاحسب حسابك والتمس ... كيما تنال الملتمس # لك درهم ms494 فى اثنين، وفى ثلاثة، وفى أربعة، فى خمسة حتى بلغت العشرين، ثم ~~قلت: كم معك؟ قال: عشرون رغيفا، فأمرت له بها، وقلت: لا نصرة مع الخذلان، ~~ولا حيلة مع الحرمان. # وقال أبو فراس الحمدانى. # سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عينى تمايله # وما السلاف دهتنى بل سوالفه ... ولا الشمول دهتنى بل شمائله # ألوى بصبرى أصداغ لوين له ... وغال عقلى «4» بما تحوى غلائله # PageV03P793 # وقال ابن المعتز، وقد تقدم عنه فى هذه الألفاظ: # ويوم فاختى الدجن مرخ ... عزاليه # بهطل وانهمال «1» ... أبحت سروره وظللت فيه # برغم العاذلات رخى بال ... وساق يجعل المنديل منه # مكان حمائل السيف الطوال ... غلالة خده صبغت بورد # ونون الصدغ معجمة بخال ... بدا والصبح تحت الليل باد # كطرف أبلق مرخى الجلال ... بكأس من زجاج فيه أسد # فرائسهن ألباب الرجال ... أقول وقد أخذت الكاس منه # وقتك السوء ربات الحجال # وقد أحسن ما شاء فى قوله: # فرائسهن ألباب الرجال ... وإن كان أصل # المعنى لأبى نواس فى ذكر تصاوير الكاس. # قال الصولى: مر أبو نواس بالمدائن فعدل إلى ساباط «2» ، فقال بعض أصحابه: # ندخل إيوان كسرى؛ فرأينا آثارا فى مكان حسن تدل على اجتماع كان لقوم ~~قبلنا، فأقمنا خمسة أيام نشرب هناك، وسألنا أبا نواس صفة الحال، فقال: # ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس # مساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان جنى ويابس # ولم أر منهم غير ما شهدت به ... بشرقى ساباط الديار البسابس # حبست بها صحبى فجمعت شملهم ... وإنى على أمثال تلك لحابس # أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوم له يوم الترحل خامس # تدار علينا الراح فى عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس # PageV03P794 # قرارتها كسرى وفى جنباتها ... مهى تدريها بالقسى الفوارس «1» # فللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس # وقال على بن العباس النوبختى: قال لى البحترى: أتدرى من أين أخذ الحسن ~~قوله: # ولم أر منهم غير ما شهدت به ... ؟ .. البيت- فقلت: لا، # قال: من قول أبى خراش: # ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنه ms495 قد سل عن ماجد محض # فقلت: المعنى مختلف، فقال: أما ترى حذو الكلام واحدا، وإن اختلف المعنى؟! ~~قال الجاحظ: نظرنا فى الشعر القديم والمحدث فوجدنا المعانى تقلب ويؤخذ ~~بعضها من بعض، غير قول عنترة فى الأوائل: # وخلا الذباب بها يغنى وحده ... غردا كفعل الشارب المترنم # هزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم # وقول أبى نواس فى المحدثين: # قرارتها كسرى وفى جنباتها ... مهى تدريها بالقسى الفوارس # فللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس # أخذه أبو العباس الناشىء فقال وولد معنى زائدا: # ومدامة لا يبتغى من ربه ... أحد حباه بها لديه مزيدا # فى كأسها صور تظن لحسنها ... عربا برزن من الخيام وغيدا «2» # وإذا المزاج أثارها فتقسمت ... ذهبا ودرا توأما وفريدا # فكأنهن لبسن ذاك مجاسدا ... وجعلن ذا لنحورهن عقودا # وأبيات أبى خراش، وكان خراش وعروة غزوا ثمالة فأسروهما، وأخذوهما # PageV03P795 # وهموا بقتلهما، فنهاهم بنو رزام، وأبى بنو هلال إلا قتلهما، وأقبل رجل من ~~بنى رزام فألقى على حراش رداءه، وشغل القوم بقتل عروة، وقال الرجل لخراش: ~~انجه، فنجا إلى أبيه، فأخبره الخبر، ولا تعرف العرب رجلا مدح من لا يعرفه ~~غيره: # حمدت إلهى بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض # فوالله لا أنسى قتيلا رزنته ... بجابب قوسى ما مشيت على الأرض # بلى إنها تعفو الكلوم، وإنما ... نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضى «1» # ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنه قد سل عن ماجد محض # ولم يك مثلوج الفؤاد مهبجا ... أضاع الشباب فى الربيلة والخفض «2» # ولكنه قد لوحته مخامص ... على أنه ذو مرة صادق النهض # كأنهم يشبثون بطائر ... خفيف المشاس عظمه غير ذى نحض # يبادر فوت الليل نهو مهابذ ... يحث الجناح بالتبسط والقبض # الربيلة: الخفض والدعة، والمهابذ: المجتهد فى العدو والطيران. # وقال أبو خراش يرثى أخاه عروة: # تقول أراه بعد عروة لاهيا ... وذلك رزء لو علمت جليل # فلا تحسبى أنى تناسيت عهده ... ولكن صبرى يا أميم جميل # ألم تعلمى أن قد تفرق قبلنا ... خليلا صفاء مالك ms496 وعقيل # وأنى إذا ما الصبح أنسيت ضوءه ... يعاودنى قطع على ثقيل # [أبى الصبر أنى لا أزال يهيجنى ... مبيت لنا فيما مضى ومقيل] # مالك وعقيل اللذان ذكرهما نديما جذيمة الأبرش، وكانا أتياه بابن أخته ~~عمرو، # PageV03P796 # وكان قد استهوته الجن، فمناهما فتمنيا منادمته، وهما اللذان عنى متمم ابن ~~نويرة فى مرثية أخيه مالك: # وكنا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا # فلما تفرقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا # وقول عنترة فى وصف الذباب أوحد فرد، ويتيم فذ، وقد تعلق ابن الرومى بذيله ~~وزاد معنى آخر فى قوله: # إذا رنقت شمس الأصيل ونفضت ... على الأفق الغربى ورسا مزعزعا «1» # ولاحظت النوار وهى مريضة ... وقد وضعت خدا على الأرض أضرعا # كما لاحظت عوادها عين مدنف ... توجع من أوصابه ما توجعا «2» # وبين إغضاء الفراق عليهما ... كأنهما خلا صفاء تودعا # وقد ضربت فى خضرة الروض صفرة ... من الشمس فاخضرا خضرارا مشعشعا # وظلت عيون النور تخضل بالندى ... كما اغرورقت عين الشجى لتدمعا # وأذكى نسيم؟؟؟ الروض ريعان ظله ... وغنى مغنى الطير فيه مرجعا # وغرد ربعى الذباب خلاله ... كما حثحث النشوان صنجا مشرعا # فكانت أرانين الذباب هناكم ... على شدوات الطير ضربا موقعا # وذكر أبو نواس معنى قوله فى تصاوير الكئوس فى مواضع من شعره فمن ذلك: # بنينا على كسرى سماء مدامة ... مكللة حافاتها بنجوم # فلو رد فى كسرى بن ساسان روحه ... إذا لاصطفانى دون كل نديم ### | [وصف الدمن والأطلال] # وأول هذا الشعر: # لمن دمن تزداد طيب نسيم ... على طول ما أقوت وحسن رسوم «3» # PageV03P797 # تجافى البلى عنهن حتى كأنما ... لبسن على الإقواء ثوب نعيم # وهذا معنى مليح وإن أخذه من قول أعرابى: # شطت بهم عنك نية قذف ... غادرت الشعب غير ملتئم «1» # واستودعت سرها الديار فما ... تزداد طيبا إلا على القدم # وهذا ضد قول محمد بن وهيب: # طللان طال عليهما الأمد ... درسا فلا علم ولا قصد # لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعد الأحبة مثل ما وجدوا # وقال الأخطل: # لأسماء محتل بناظرة البشر ... قديم ولما يعفه سالف الدهر # يكاد ms497 من العرفان يضحك رسمه ... وكم من ليال للديار ومن شهر # هذا أيضا كقول أبى صخر الهذلى: # لليلى بذات الجيش دار عرفتها ... وأخرى بذات البين آياتها سطر # كأنهما م الآن لم يتغيرا ... وقد مر للدارين من بعدنا عصر «2» # وقد قال مزاحم القيلى: # تراها على طول القواء جديدة ... وعهد المغانى بالحلول قديم # وقرأ الزبير بن بكار أخبار أبى السائب [المخزومى] فلما بلغ إلى قول مالك ~~بن أسماء الفزارى: # بكت الديار لفقد ساكنها ... أفعند قلبى أبتغى الصبرا؟ # هذا البيت نظير قول ابن وهيب: # بيناهم سكن بجيرتهم ... ذكروا الفراق فأصبحوا سفرا # فظللت ذا وله يعاتبنى ... من لا يرى أمرى له أمرا # PageV03P798 # وإن أبا السائب قال عند سماع البيت الاوسط: ما أسرع هذا! أما اهتدوا! أما ~~قدموا ركابا! أما ودعوا صديقا! فقال الزبير: رحم الله أبا السائب! فكيف لو ~~سمع قول العباس بن الأحنف: # سألونا عن حالنا كيف أنتم ... فقرنا وداعنا بالسؤال # ما أنخنا حتى ارتحلنا فما ف ... رقن بين النزول والإرتحال «1» # هكذا رواه الزبير بن بكار لمالك بن أسماء، ورواها غيره لأيوب بن شبيب ~~الباهلى. # ومن ألفاظ أهل العصر، فى صفة الديار الخالية دار لبست البلى، وتعطلت من ~~الحلى. دار قد صارت من أهلها خالية، بعد ما كانت بهم حالية. دار قد أنفد ~~البين سكانها، وأقعد حيطانها، شاهد اليأس منها ينطق، وحبل الرجاء فيها ~~يقصر. كأن عمرانها يطوى وخرابها ينشر، أركانها قيام وقعود، وحيطانها ركع ~~وهجود. # يشبه الأول من قول مالك بن أسماء قول مزاحم العقيلى. # بكت دار هم من فقدهم فتهللت ... دموعى، فأى الجاز عين ألوم؟ «2» # أمستعبر يبكى على الهون والبلى ... أم آخر يبكى شجوه فيهيم # أبو الطيب المتنبى: # لك يا منازل فى القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أو اهل # يعلمن ذاك، وما علمت، وإنما ... أولا كما يبكى عليه العاقل # وقال على بن جبلة، فى معنى قول العباس بن الأحنف: # زائر نم عليه حسنه ... كيف يخفى الليل بدرا طلعا # بأبى من زارنى مكتتما ... خائفا من كل أمر جزعا # PageV03P799 # رصد الغفلة حتى أمكنت ms498 ... ورعى الحارس حتى هجعا # ركب الأهوال فى زورته ... ثم ما سلم حتى ودعا # وقال الحسين بن الضحاك: # [بأبى زور تلفت له ... فتنفست عليه الصعدا «1» # بينما أضحك مسرورا به ... إذ تقطعت عليه كمدا «2» # أبو الطيب المتنبى] : # بأبى من وددته فافترقنا ... وقضى الله بعد ذاك اجتماعا # فافترقنا حولا، فلما اجتمعنا ... كان تسليمه على الوداعا # وقال أبو الحسن جحظة: قال لى خالد الكاتب: دخلت يوما بعض الديارات فإذا ~~أنا بشاب موثق فى صفاد حسن الوجه؛ فسلمت عليه، فرد على، وقال: # من أنت؟ قلت: خالد بن يزيد، فقال: صاحب المقطعات الرقيقة؟ قلت: نعم! ~~فقال: # إن رأيت أن تفرج عنى ببعض ما تنشدنى من شعرك فافعل، فأنشدته: # ترشفت من شفتيها عقارا ... وقبلت من خدها جلنارا «3» # وعانقت منها كثيبا مهيلا ... وغصنا رطيبا وبدرا أنارا # وأبصرت من نورها فى الظلام ... لكل مكان بليل نهارا # فقال: أحسنت! لا يفضض الله فاك، ثم قال: أجز لى هذين البيتين: # رب ليل أمد من نفس العا ... شق طولا قطعته بانتحاب # وحديث ألذ من نظر الوا ... مق بدلته بسوء العتاب # فوالله لقد أعملت فكرى فما قدرت أن أجيزهما. [ويمكن أن يجازا بهذا البيت: # ووصال أقل من لمحة البا ... رق عوضت عنه طول اجتناب] # PageV03P800 ### | [طول الليل] # وقال ابن الرومى فى طول الليل: # رب ليل كأنه الدهر طولا ... قد تناهى فليس فيه مزيد # ذى نجوم كأنهن نجوم ... الشيب ليست تغيب لكن تزيد # وهذا من أجود ما جاء فى هذا المعنى، وقد قال بشار: # لخديك من كفيك فى كل ليلة ... إلى أن ترى وجه الصباح وساد # تبيت تراعى الليل ترجو نفاده ... وليس لليل العاشقين نفاد «1» # وقال: # خليلى ما بال الدجى لا تزحزح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضح # أضل النهار المستنير سبيله ... أم الدهر ليل كله ليس يبرح # كأن الدجى زادت وما زادت الدجى ... ولكن أطال الليل هم مبرح # وقال [أيضا] : # طال هذا الليل، بل طال السهر ... ولقد أعرف ليلى بالقصر # لم يطل حتى جفانى شادن ... ناعم الأطراف فتان النظر «2» # لى فى ليلى منه لوعة ms499 ... ملكت قلبى وسمعى والبصر # فكأن الهم شخص ماثل ... كلما أبصره النوم نفر «3» # وقال أيضا: # كأن فؤاده كرة تنزى ... حذار البين إن نفع الحذار «4» # يروعه السرار بكل شىء ... مخافة أن يكون به السرار # [كأن جفونه سملت بشوك ... فليس لنومه فيها قرار] # أقول وليلتى تزداد طولا: ... أما لليل بعدهم نهار # PageV03P801 # جفت عينى عن التغميض حتى ... كأن جفونها فيها قصار # قيل لبشار: من أين سرقت قولك: ... يروعه السرار بكل شىء # فقال: من قول أشعب الطمع، وقد قيل له: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما رأيت ~~اثنين يتساران إلا ظننتهما يريدان أن يأمرا لى بشىء. وأخذه أبو نواس فقال: # لا تبيحن حرمة الكتمان ... راحة المستهام فى الإعلان # قد تسترت بالسكوت وبالإطراق ... جهدى فنمت العينان # تركتنى الوشاة نصب المشيرين ... وأحدوثة بكل مكان # ما نرى خاليين فى الناس إلا ... قلت ما يخلوان إلا لشانى # ومثل قول بشار: # جفت عينى عن التغميض # ... البيت، قول الآخر: # كأن المحب بطول السهاد ... قصير الجفون ولم تقصر # وقد تناول هذا المعنى العتابى [فأفسده وقال] : # وفى المآقى انقباض عن جفونهما ... وفى الجفون عن الآماق تقصير # وقال المتنبى: # أعيدوا صباحى فهو عند الكواكب ... وردوا رقادى فهو لحظ الحبائب # كأن نهارى ليلة مدلهمة ... على مقلة من فقدكم فى غياهب # بعيدة ما بين الجفون كأنما ... عقدتم أعالى كل هدب بحاجب # وقال الشعبى: تشاجر الوليد بن عبد الملك ومسلمة أخوه فى شعر امرئ القيس ~~والنابغة فى طول الليل، أيهما أشعر؟ فقال الوليد: النابغة أشعر، وقال ~~مسلمة: # بل امرؤ القيس، فرضيا بالشعبى، فأحضراه، فأنشده الوليد: # كلينى لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطىء الكواكب «1» # تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذى يرعى النجوم بآيب «2» # PageV03P802 # وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب «1» # وأنشده مسلمة قول امرئ القيس: # وليل كموج البحر أرخى سدوله ... على بأنواع الهموم ليبتلى # فقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح، وما الإصباح منك بأمثل # فيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل ms500 شدت بيذبل # فطرب الوليد طربا، فقال الشعبى: بانت القضية. # معنى قول النابغة: # وصدر أراح الليل عازب همه # أنه جعل صدره مأوى للهموم، وجعل الهموم كالنعم السارحة الغادية، تسرح ~~نهارا ثم تأتى إلى مكانها ليلا. وهو أول من استثار هذا المعنى، ووصف أن ~~الهموم مترادفة بالليل لتقييد الألحاظ عما هى مطلقة فيه بالنهار، واشتغالها ~~بتصرف اللحظ عن استعمال الفكر، وامرؤ القيس كره أن يقول: إن الهم يخف عليه ~~فى وقت من الأوقات فقال: وما الإصباح منك بأمثل. # وقال الطرماح بن حكيم الطائى: # ألا أيها الليل الذى طال أصبح ... بيوم، وما الإصباح فيك بأروح # على أن للعينين فى الصبح راحة ... لطرحهما طرفيهما كل مطرح # فنقل لفظ امرئ القيس ومعناه، وزاد فيه زيادة اغتفر له معها فحش السرقة ~~وإنما تنبه عليه من قول النابغة، إلا أن النابغة لوح، وهذا صرح. # وقال ابن بسام: # لا أظلم الليل ولا أدعى ... أن نجوم الليل ليست تغور «2» # ليلى كما شاءت، فإن لم تزر ... طال، وإن زارت فليلى قصير # وإنما أغار ابن بسام على قول على بن الخليل فلم يغير إلا القافية: # PageV03P803 # لا أظلم الليل ولا أدعى ... أن نجوم الليل ليست تزول # ليلى كما شاءت، قصير إذا ... جادت، وإن ضنت فليلى طويل # وهذه السرقة كما قال البديع فى التنبيه على أبى بكر الخوارزمى فى بيت أخذ ~~رويه وبعض لفظه: «وإن كانت قضية القطع تجب فى الربع، فما أشد شفقتى على ~~جوارحه [أجمع] ؛ ولعمرى إن هذه ليست سرقة، وإنما هى مكابرة محضة، وأحسب أن ~~قائله لو سمع هذا لقال: هذه بضاعتنا ردت إلينا، فحسبت أن ربيعة ابن مكدم ~~وعتيبة بن الحارث بن شهاب كانا لا يستحلان من البيت ما استحله، فإنهما كانا ~~يأخذان جله «1» ، وهذا الفاضل قد أخذ كله، وقد أخذ على بن الخليل من قول ~~الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان: # لا أسأل الله تغييرا لما صنعت ... نامت وإن أسهرت عينى عيناها # فالليل أطول شىء حين أفقدها ... والليل أقصر شىء حين ألقاها # وابن بسام فى هذا ms501 [الشعر] كما قال الشاعر: # وفتى يقول الشعر إلا أنه ... فى كل حال يسرق المسروقا ### | ألفاظ لأهل العصر فى طول الليل والسهر وما يعرض فيه من الهموم والفكر # ليلة من غصص الصدر، ونقم الدهر. ليلة هموم وغموم، كما شاء الحسود، وساء ~~الودود. ليلة قص جناحها، وضل صباحها. ليل ثابت الأطناب، طامى الغوارب، طامح ~~الأمواج «2» ، وافى الذوائب. ليال ليست لها أسحار، وظلمات لا تتخللها ~~أنوار. بات بليلة نابغية، يراد قوله: # PageV03P804 # فبت كأنى ساورتنى ضئيلة ... من الرقش فى أنيابها السم ناقع «1» # [يسهد من ليل التمام سليمها ... لحلى النساء فى يديه قعاقع] # بات فى الصيف بليلة شتوية. سامرته الهموم، وعانقته الغموم، واكتحل ~~المهاد، وافترش القتاد، فاكتحل «2» بملمول السهر، وتململ على فراش الفكر. # قد أقض مهاده، وقلق وساده. هموم تفرق بين الجنب والمهاد، وتجمع بين العين ~~والسهاد. طرف برعى النجوم مطروف، وفراش بشعار الهم محفوف. # كأنه على النجوم رقيب، وللظلام نقيب. ### | ولهم فيما يتصل بضد ذلك من ذكر [إقبال] الليل وانتشار الظلمة، وطلوع الكواكب # أقبلت عساكر الليل، وخفقت رايات الظلام. وقد أرخى الليل علينا سدوله، ~~وسحب الظلام فينا ذيوله. توقد الشفق فى ثوب الغسق. أقبلت وفود النجوم ~~[وجاءت مواكب الكواكب. تفتحت أزاهير النجوم] ، وتوردت حدائق الجو، وأذكى ~~الفلك مصابيحه. قد طفت النجوم فى بحر الدجى، ولبس الظلام جلبابا من القار. ~~ليلة كغراب الشباب، وحدق الحسان، وذوائب العذارى. ليلة كأنها فى لباس بنى ~~العباس «3» ليلة كأنها فى لباس الثكالى، وكأنها من الغيش فى مواكب الحبش. ~~ليلة قد حلك إهابها، فكأن البحر يهابها. ### | ولهم فى ذكر النوم والنعاس # شرب كأس النعاس، وانتشى من خمر الكرى «4» ، قد عسكر النعاس بطرفه، وخيم ~~بين عينيه. غرق فى لجة الكرى، وتمايل فى سكرة النوم. # قد كحل الليل الورى بالرقاد، وشامت الأعين أجفانها فى الأغماد. # PageV03P805 ### | وفى انتصاف الليل وتناهيه، وانتشار النور، وأفول النجوم # قد اكتمل الظلام. قد انتصفنا عمر الليل، واستغرقنا شبابه. قد شاب رأس ~~الليل، كاد ينم النسيم بالسحر. قد انكشف غطاء الليل. انهتك «1» ستر الدجى، ~~وشمطت ذوائبه، وتقوس ظهره، وتهدم ms502 عمره. قوضت خيام الليل، وخلع الأفق ثوب ~~الدجى. أعرض الظلام وتولى، [وتدلى] عنقود الثريا طرز قميص الليل بغرة ~~الصبح، وباح الصبح بسره. خلع الليل ثيابه، وحدر الصبح نقابه. لاحت تباشير ~~الصبح، وافتر الفجر عن نواجذه، وضرب النور فى الدجى بعموده. بث الصبح ~~طلائعه. تبرقع الليل بغرة الصبح. أطار بازى الصبح غراب الليل «2» ، وعزلت ~~نوافج الليل «3» بجامات الكافور، وانهزم جند الظلام عن عسكر النور. خلعنا ~~خلعة الظلام، ولبسنا رداء الصباح، وملأ الآذان برق الصباح، وسطع الضوء، ~~وطلع النور، وأشرقت الدنيا، وأضاءت الآفاق. مالت الجوزاء للغروب، وولت ~~مواكب الكواكب، وتناثرت عقود النجوم، وفرت أسراب النجوم من حدق الأنام، وهى ~~نطاق الجوزاء، وانطفأ قنديل الثريا. قال بعض الأعراب: خرجنا فى ليلة حندس ~~قد ألقت على الأرض أكارعها، فمحت صورة الأبدان، فما كنا نتعارف إلا ~~بالآذان. # قال ابن محكان السعدى: # وليل يقول الناس فى ظلماته ... سواء صحيحات العيون وعورها # كأن لنا منه بيوتا حصينة ... مسوحا أعاليها وساجا ستورها «4» # وهدا بارع جدا. أراد أن أعلاه أشد ظلاما من جوانبه. # وقال أعرابى فى صفته: خرجت حين انحدرت النجوم، وشالت أرجلها، # PageV03P806 # فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر. # ومن بديع الشعر فى صفة الليل قول الأعرابى: # والليل يطرده النهار ولا ترى ... كالليل يطرده النهار طريدا # فتراه مثل البيت مال رواقه ... هتك المقوض ستره الممدودا # ومن اليديع: # على حين أثنى القوم خيرا على السرى ... وطارت بأخرى الليل أجنحة الفجر # آخر: # وليل ذى غياطل مدلهم ... رميت بنجمه عرض الأفول # يرد الطرف منقبصا كليلا ... ويملأ هوله صدر الذليل # ابن المعتز: # هامت ركائبنا إليك بنا ... بظليل أهل النار والمنح # فكأن أيديهن دائبة ... يفحصن ليلتهن عن صبح # وقال كشاجم: # سيا لليل قصرت مدته ... بدير مران مر مشكورا # وبات بدر الدجى يشعشعها ... نورية تملأ الدجى نورا «1» # غارت على نفسها وقد سفرت ... فعاد جيب الحباب مزرورا # حتى رأيت الظلام يدرجه الغرب ... ودرج الصباح منشورا «2» # فاختلط الليل والنهار كما ... تخلط كف مسكا وكافورا # وقال على بن محمد الكوفى: # متى أرتجى يوما شفاء من الضنا ... إذا ms503 كان جانيه على طبيبى # ولى عائدات ضفتهن فجئن فى ... لباس سواد فى الظلام قشيب «3» # نجوم أراعى طول ليلى بروجها ... وهن لبعد السير ذات لغوب # PageV03P807 # خوافق فى جنح الظلام كأنها ... قلوب معناة بطول وجيب «1» # ترى حوتها فى الشرق ذات سباحة ... وعقربها فى الغرب ذات دبيب «2» # إذا ما هوى الإكليل منها حسبته ... تهدل غصن فى الرياض رطيب # كأن التى حول المجرة أوردت ... لتكرع فى ماء هناك صبيب # كأن رسول الصبح يخلط فى الدجى ... شجاعة مقدام بجبن هيوب # كأن اخضرار البحر صرح ممرد ... وفيه لآل لم تشن بثقوب «3» # كأن سواد الليل فى ضوء صبحه ... سواد شباب فى بياض مشيب # كأن نذير الشمس يحكى ببشره ... على بن داود أخى ونسيبى # ولولا اتقائى عتبه قلت سيدى ... ولكن يراها من أجل ذنوبى # جواد بما تحوى يداه مهذب ... أديب غدا خلا لكل أديب # نسيب إخاء وهو غير مناسب ... قريب صفاء وهو غير قريب # ونسبة ما بين الأقارب وحشة ... إذا لم يؤنسها انتساب قلوب ### | [أخو الصفاء قريب] # وهذا البيت كقول الطائى: # وقلت أخى قالوا أخ من قرابة ... فقلت لهم إن الشكول أقارب # [نسيبى فى رأيى وعزمى ومذهبى ... وإن باعدتنا فى الأصول المناسب] # وقال عبد السلام بن رغبان «4» ، وسلك طريق الطائى [فما ضل عنها] : # أخ كنت أبكيه دما وهو حاضر ... حذارا، وتعمى مقلتى وهو غائب # بكاء أخ لم تحوه بقرابة ... بلى إن إخوان الصفاء أقارب # فمات فما شوقى إلى الأجر واقف ... ولا أنا فى عمرى إلى الله راغب # وأظلمت الدنيا التى أنت نورها ... كأنك للدنيا أخ ومناسب # PageV03P808 # يبرد نيران المصائب أننى ... أرى زمنا لم تبق فيه مصائب # وفى هذه القصيدة: # ترشفت أيامى وهن كوالح ... إليك، وغالبت الردى وهو غالب # ودافعت فى كيد الزمان ونحره ... وأى يد لى والزمان المحارب؟ # وقلت له: خل ابن أمى لعصبة ... وهأنا أو فازدد فإنا عصائب # فوالله إخلاصا من القول صادقا ... وإلا فحبى آل أحمد كاذب # لو أن يدى كانت شفاءك أو دمى ... دم القلب حتى يقضب الحبل قاضب # لسلمت تسليم الرضا واتخذتها ... يدا للردى ms504 ما حج لله راكب # فتى كان مثل السيف من حيث جئته ... لنائبة نابتك فهو مضارب # فتى همه حمد على الدهر رائح ... وإن ناب عنه ماله وهو عازب # شمائل إن تشهد فهن مشاهد ... عظام، وإن ترحل فهن ركائب # وقال الطائى لعلى بن الجهم: # إن يكد مطرف الإخاء فإننا ... نغدو ونسرى فى إخاء تالد «1» # أو يفترق نسب يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد # أو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذب تحدر من غمام واحد «2» # وقال محمد بن موسى بن حماد: سمعت على بن الجهم، وذكر دعبلا فلعنه، وكفره، ~~وقال: وكان يطعن على أبى تمام، وهو خير منه دينا وشعرا، فقال رجل: لو كان ~~أبو تمام أخاك ما زدت على مدحك له. # فقال: إلا يكن أخا نسب فهو أخو أدب، أما سمعت ما خاطبنى به؟ # وأنشد الأبيات: # PageV03P809 # وقال رجل لابن المقفع: إذا لم يكن أخى صديقى لم أحببه، قال: # نعم صدقت، الأخ نسيب الجسم، والصديق نسيب الروح. # وقال أبو تمام يخاطب محمد بن عبد الملك الزيات: # أبا جعفر إن الجهالة أمها ... ولود، وأم العلم جداء حائل «1» # أرى الحشو والدهماء أضحوا كأنهم ... شعوب تلاقت دوننا وقبائل # غدوا وكأن الجهل يجمعهم أبا ... وحظ ذوى الآداب فيهم نوافل # فكن هضبة تأوى إليها وحرة ... يعرد عنها الأعوجى المناقل «2» # فإن الفتى فى كل حال مناسب ... مناسب روحانية من يشاكل # وقال البحترى لأبى القاسم بن خرداذبه: # إن كنت من فارس فى بيت سؤددها ... وكنت من بحترى البيت والنسب «3» # فلم يضرنا تنائى المنصبين وقد ... رحنا نسيبين فى علم وفى أدب # إذا تقاربت الآداب والتأمت ... دنت مسافة بين العجم والعرب ### | [وصف النجوم] # وقد احتذى طريقه أبو القاسم محمد بن هانىء، فقال يمدح جعفر بن على، وذكر ~~النجوم، فقال: # جعلنا حشايانا ثياب مدامنا ... وقدت لنا الظلماء من جلدها لحفا # فمن كبد تدنى إلى كبد هوى ... ومن شفة توحى إلى شفة رشفا # بعيشك نبه كأسه وجفونه ... فقد نبه الإبريق من بعد ما أغفى # وقد فكت الظلماء بعض قيودها ... وقد قام جيش الليل للفجر فاصطفا ms505 # PageV03P810 # وولت نجوم للثريا كأنها ... خواتم تبدو فى بنان يد تخفى # ومر على آثارها دبرانها ... كصاحب ردء أكمنت خيله خلفا «1» # وأقبلت الشعرى العبور ملبة ... بمرزمها اليعبوب نجنبه طرفا # وقد بادرتها أختها من ورائها ... لتخرق من ثنيى مجرتها سجفا # تخاف زئير الليث يقدم نثرة ... وبربر فى الظلماء ينسفها نسفا # كأن السماكين اللذين تظاهرا ... على لبدتيه ضامنان له الحتفا # فذا رامح يهوى إليه سنانه ... وذا أعزل قد عض أنمله لهفا # كأن رقيب النجم أجدل مرقب ... يقلب تحت الليل فى ريشه طرفا # كأن سهيلا فى مطالع أفقه ... مفارق إلف لم يجد بعده إلفا # كأن بنى نعش ونعشا مطافل ... بوجرة قد أضللن فى مهمه خشفا # كأن سهاها عاشق بين عود ... فآونة يبدو وآونة يخفى # كأن معلى قطبها فارس له ... لواءان مر كوزان قد كره الزحفا # كأن قدامى النسر والنسر واقع ... قصصن فلم تسم الخوافى به ضعفا # كأن أخاه حين دوم طائرا ... أتى دون نصف البدر فاختطف النصفا # كأن الهزيع الآبنوسى موهنا ... سرى بالنسيج الخسروانى ملتفا «2» # كأن ظلام الليل إذ مال ميلة ... صريع مدام بات يشربها صرفا # كأن عمود الفجر خاقان عسكر ... من الترك نادى بالنجاشى فاستخفى # كأن لواء الشمس غرة جعفر ... رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا # وقال ابن طباطبا [العلوى] : # كأن اكتتام المشترى فى سحابه ... وديعة سر فى ضمير مديع # كأن سهيلا والنجوم أمامه ... يعارضها راع وراء قطيع # PageV03P811 # وقد لاحت الشعرى العبور كأنها ... تقلب طرف بالدموع هموع # وأضحعت الجوزاء فى أفق غربها ... فباتت كنشوان هناك صريع # إلى أن أجاب الليل داعى صبحه ... وكان ينادى منه غير سميع # وقال: # وكأن الهلال لما تبدى ... شطر طوق المرآة ذى التذهيب # أو كقوس قد انحنت طرفاه ... أو كتون فى مهرق مكتوب # وقال على بن محمد العلوى يصف القمر، وقد طرح جرمه على دجلة: # لم أنس دجلة والدجى متصرم ... والبدر فى أفق السماء مغرب # فكأنها فيه رداء أزرق ... وكأنه فيها طراز مذهب # وقال [الأمير] تميم بن المعز، وكان يحتذى مثل ابن المعتز، ويقف فى ~~التشبيهات بجانبه، ويفرغ فيها على قالبه، ms506 ويتبعه [فى] سلوك ألفاظ الملوك: # اسقيانى فلست أصغى لعذل ... ليس إلا تعلة النفس شغلى # أأطيع العذول فى ترك ما أهوى ... كأنى اتهمت رأيى وعقلى # عللانى بها فقد أقبل الليل ... كلون الصدود من بعد وصل # وانجلى الغيم بعد ما أضحك الرو ... ض بكاء السحاب جاد بوبل # عن هلال كصولجان نضار ... فى سماء كأنها جام ذبل # وقال: # رب صفراء عللتنى بصفرا ... وجنح الظلام مرخى الإزار # بين ماء وروضة وكروم ... ورواب منيفة وصحار «1» # تتثنى به الغصون علينا ... وتجيب القيان فيها القمارى «2» # PageV03P812 # وكأن الدجى غدائر شعر ... وكأن النجوم فيها مدارى «1» # وانجلى الغيم عن هلال تبدى ... فى يد الأفق مثل نصف سوار # وقال: # عتبت فانثنى عليها العتاب ... ودعا دمع مقلتيها انسكاب # وضعت نحو خدها بيديها ... فالتقى الياسمين والعناب «2» # رب مبدى تعتب جعل العتب ... رياء وهمه الإعتاب # فاسقنيها مدامة تصبغ الكا ... س كما يصبغ الخدود الشباب # ما ترى الليل كيف رق دجاه ... وبدا طيلسانه ينجاب؟ # وكأن الصباح فى الأفق باز ... والدجى بين مخلبيه غراب # وكأن السماء لجة بحر ... وكأن النجوم فيها حباب # وكأن الجوزاء سيف صقيل ... وكأن الدجى عليها قراب ### | من وصف الشراب والكؤس والسقاة فى الليل # وقال: # وزنجية الآباء كرخية الجلب ... عببرية الأنفاس كرمية النسب «3» # كميت بزلنا دنها فتفجرت ... بأحمر قان مثل ما قطر الذهب # فلما شربناها صبونا كأننا ... شربنا السرور المحض واللهو والطرب # ولم نأت شيئا يسخط المجد فعله ... سوى أننا بعنا الوقار من اللعب # كأن كؤوس الشرب وهى دوائر ... قطائع ماء جامد تحمل اللهب # يمد بها كفا خضيبا مديرها ... وليس بشىء غيرها هو مختضب # فبتنا نسقى الشمس والليل راكد ... ونقرب من بدر السماء وما قرب # PageV03P813 # وقد حجب الغيم الهلال كأنه ... ستارة شرب خلفها وجه من أحب # [كأن الثريا تحت حلكة لونها ... مداهن بلور على الأرض تضطرب] # وقال: # كأن السحاب الغر أصبحن أكؤسا ... لنا، وكأن الراح فيها سنا البرق # إلى أن رأيت النجم وهو مغرب ... وأقبل رايات الصباح من الشرق # كأن سواد الليل والصبح طالع ... بقايا مجال الكحل فى الاعين الزرق # وقال: # وكأس يعيد ms507 العسر يسرا، ويجتنى ... ثمار الغنى للشرب من شجر الفقر # يولد فيها المزج درا منضدا ... كما فتتت فوق الثرى نقط القطر «1» # صغار وكبرى فى الكؤوس كأنها ... على الراح واوات تجمعن فى سطر # إذا حثها الساقى الأغر حسبتها ... نجوم الثريا لحن فى راحة البدر # صبحت بها صحبى وقدر ندج الدجى ... بفضة لألاء الصباح سنا الفجر «2» # وقد أزهرت بيض النجوم كأنها ... على الأفق الأعلى قلائد من در # وقال: # ألا فاسقيانى قهوة ذهبية ... فقد ألبس الآفاق جنح الدجى دعج # كأن الثريا والظلام يحفها ... فصوص لجئين قد أحاط بها سبج «3» # كأن نجوم الليل تحت سواده ... إذا جن زنجى تبسم عن فلج # وقال: # أيا دير مرحنا سقتك رعود ... من الغيم يهمى مزنها ويجود # فكم واصلتنا فى رباك أوانس ... يطفن علينا بالمدامة غيد # PageV03P814 # [وكم ناب عن نور الضحى فيك مبسم ... ونابت عن الورد الجنى خدود] # وماست على الكثبان قضبان فضة ... فأثقلها من حملهن نهود # وإذ لمتى لم يوقظ الشيب ليلها ... وإذ أثرى فى الغانيات حميد # ليالى أغدو بين ثوبى صبابة ... ولهو، وأيام الزمان هجود # وقال: # سألته قبلة منه على عجل ... فاحمر من خجل واصفر من وجل # واعتل ما بين إسعاف يرققه ... وبين منع تمادى فيه بالعلل «1» # وقال: وجهى بدر لا خفاء به ... ومبصر البدر لا يدعوه للقبل # وهذا ينظر إلى قوله: # أباح لمقلتى السهرا ... وجار على واقتدرا # غزال لو جرى نفسى ... عليه لذاب وانفطرا # ولكن عينه حشدت ... على الغنج والحورا # ومن أودى به قمر ... فكيف يعاتب القمرا # كأنه ذهب إلى قول أبى نواس: # كأن ثيابه أطلعن ... من أزراره قمرا # يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا # بعين خالط التفتير ... من أجفانها الحورا # ووجه سابرى لو ... تصوب ماؤه قطرا «2» # قيل للجاحظ: من أنشد الناس وأشعرهم؟ قال: الذى يقول: وأنشد هذه الأبيات. # ونظير قوله: # PageV03P815 # كأن ثيابه أطلعن ... من أزراره قمرا # قول الحكم «1» بن قنبر المازنى: # ويلى على من أطار النوم فامتنعا ... وزاد قلبى إلى أوجاعه وجعا # وقال تميم: # نقبت وجهها بخر وجاءت ... بمدام منقب بزجاج # فتأملت فى النقابين منها ms508 ... قمرا طالعا وضوء سراج # فاسقيانى بلا مزاج فإنى ... فى المعالى صرف بغير مزاج # وانظر الأفق كيف بدله الإصب ... اح من بعد آبنوس بعاج # وقال: # إذا حذرت زمانا لا تسر به ... كم قد أتى سهل دهر بعد أصعبه «2» # فاقبل من الدهر ما أعطاك مختلطا ... لعل مرك يحلو فى تقلبه # خذها إليك، ودع لومى، مشعشعة ... من كف أقنى أسيل الخد مذهبه «3» # فى كل معقد حسن فيه معترض ... عليه يحميه من أن تستبد به # فكحل عينيه ممنوع بخنجره ... وورد خديه محمى بعقربه # لا تترك القدح الملآن فى يده ... إنى أخاف عليه من تلهبه # فصنه عن سقينا؛ إنى أغار به ... وسقه واسقنى من فضل مشربه # وانظر إلى الليل كالزنجى منهزما ... والصبح فى إثره يعدو بأشهبه # والبدر منتصب ما بين أنجمه ... كأنه ملك ما بين موكبه ### | من المختار من شعر تميم بن المعز # وإذ أفضيت إلى ذكره، فهاك من مختار شعره، [قال] : # PageV03P816 # مستقبل بالذى يهوى وإن كثرت ... منه الذنوب ومقبول بما صنعا # فى وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيه حيثما شفعا # كأنما الشمس من أثوابه برزت ... حسنا، أو البدر من أزراره طلعا # استعارة [مأخوذة] من قول الآخر، وهو ابن زريق: # أستودع الله فى بغداد لى قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه # ومن قول أحمد بن يحيى الفران: # بدا فكأنما قمر ... على أزراره طلعا # يحث المسك من عرق الجبين ... بنانه ولعا # وقال أبو ذر أستاذ سيف «1» الدولة: # نفسى الفداء لمن عصيت عواذلى ... فى حبه لم أخش من رقبائه # الشمس تظهر فى أسرة وجهه ... والبدر يطلع من خلال قبائه «2» # وقال تميم: # أأعذل قلبى وهو لى غير عاذل ... وأعصى غرامى وهو ما بين أضلعى # ومن لى بصبر أستزيل به الجوى ... ولا جلدى طوعى ولا كبدى معى # فأول شوقى كان آخر سلوتى ... وآخر صبرى كان أول أدمعى # وقال: # ورد الخدود أرق من ... ورد الرياض وأنعم # هذا تنشقه الأنو ... ف وذا يقبله الفم # وإذا عدلت فأفضل ... الوردين ورد يلثم # لا ورد إلا ما تولى ... صبغ حمرته الدم # هذا يشم ms509 ولا يضم ... وذا يضم ويشمم «3» # PageV03P817 # سبحان من خلق الخدود ... د شقائقا تتنسم # وأعارها الأصداغ فهى ... بها شقيق يعلم # واستنطق الأجفان فهى ... بلحظها تتكلم # وتبين للمحبوب عن ... سر الحبيب فيفهم # وتشير إن رأت الرقيب ... بلحظها فتسلم # وأعارها مرضا تصح ... به القلوب وتسقم # فتن العيون أجل من ... فتن الخدود وأعظم # وقال: # إن كانت الألحاظ رسل القلوب ... فينا فما أهون كيد الرقيب # قبلت من أهوى بعينى ولم ... يعلم بتقبيلى خد الحبيب # لكنه قد فطنت عينه ... بلحظ عينى فطنة المستريب # إن كان علم الغيب مستخفيا ... عنا فعند اللحظ علم الغيوب # وقال: # قالوا الرحيل لخمسة ... تأتى سريعا من جمادى # فأجبتهم إنى اتخذ ... ت له الأسى والحزن زادا «1» # سبحان من قسم الأسى ... بين الأحبة والبعادا # وأعار للأجفان حسنا ... تسترق به العبادا # وقال: # عقرب الصدغ فوق تفاحة الخد ... نعيم مطرز بعذاب # وسيوف اللحاظ فى كل حين ... مانعات جنى الثنايا العذاب «2» # وعيون الوشاة يفسدن بالرقبة ... والمنع رؤية الأحباب «3» # PageV03P818 # فمتى يشتفى المحب وتطفى ... بالتدانى حرارة الإكتئاب # وقال: # ترى عذاريه قد قاما بمعذرتى ... عند العذول فيغدو وهو يعذرنى # ريم كأن له فى كل جارحة ... عقدا من الحسن أو نوعا من الفتن # كأن جوهره من لطفه عرض ... فليس تحويه إلا أعين الفطن # والله ما فتنت عينى محاسنه ... إلا وقد سحرت ألفاظه أذنى # ما تصدر العين عنه لحظها مللا ... لأنه كل شخص مرتضى حسن # يا منتهى أملى لا تدن لى أجلى ... ولا تعذب ظنونى فيك بالظنن # إن كان وجهك وجها صيغ من قمر ... فإن قدك قد قد من غصن # وقال: # ألا يا نسيم الريح عرج مسلما ... على ذلك الشخص البعيد المودع # وهب على من شف جسمى بعاده ... سموما بما استمليت من نار أضلعى «1» # فإن قال: ما هذا الحرور؟ فقل له: ... تنفس مشتاق بحبك موجع # ومختار شعره كثير، وقد تفرق منه قطعة كافية فى أعراض الكتاب. ### | [عود إلى وصف النجوم] # رجع ما انقطع قال الصاحب أبو القاسم إسمعيل بن عباد: # لقد رحلت سعدى فهل لك مسعد؟ ... وقد أنجدت دارا فهل أنت منجد؟ # رعيت ms510 بطرفى النجم لما رأيتها ... تباعد بعد النجم بل هى أبعد # تنير الثريا وهى قرط مسلسل ... ويشغل منها الطرف در مبدد «2» # وتعترض الجوزاء وهى ككاعب ... تميل من سكر بها وتميد «3» # PageV03P819 # وتحسبها طورا أسير جناية ... ترشح بعد المشى وهو مقيد # ولاح سهيل وهو للصبح راقب ... كما سل من غمد جراز مهند «1» # أردد طرفى فى النجوم كأنها ... دنانير لكن السماء زبرجد # رأيت بها، والصبح ما حان ورده ... قناديل والخضراء صرح ممرد «2» # وفيه لنا من مربط الشمس أشقر ... إذا ما جرى فالريح تكبو وتركد # وقال أبو على الحاتمى: # وليل أقمنا فيه نعمل كأسنا ... إلى أن بدا للصبح فى الليل عسكر # ونجم الثريا فى السماء كأنه ... على حلة زرقاء جيب مدنر «3» # البحترى: # ولقد سريت مع الكواكب راكبا ... أعجازها بعزيمة كالكوكب # والليل فى لون الغراب كأنه ... هو فى حلوكته وإن لم ينعب # والعيس تنصل من دجاه كما انجلى ... صبغ الخضاب عن القذال الأشيب # حتى تبدى الفجر من جنباته ... كالماء يلمع من خلال الطحلب # وقال الأمير أبو الفضل الميكالى. # أهلا بفجر قد نضى ثوب الدجى ... كالسيف جرد من سواد قراب «4» # أو غادة شقت صدارا أزرقا ... ما بين ثغرتها إلى الأتراب «5» # وقال رجل من بنى الحارث بن كعب يصف الشمس: # مخبأة أما إذا الليل جنها ... فتخفى وأما بالنهار فتظهر # إذا انشق عنها ساطع الفجر وانجلى ... دجى الليل وانجاب الحجاب المستر # وألبس عرض الأرض لونا كأنه ... على الأفق الشرقى ثوب معصفر # تجلت وفيها حين يبدو شعاعها ... ولم يعل للعين القصيرة منظر «6» # PageV03P820 # عليها كردع الزعفران يشبه ... شعاع تلالا فهو أبيض أصفر «1» # فلما علت وابيض منها اصفرارها ... وجالت كما جال المنيح المشهر «2» # وجللت الآفاق ضوءا ينيرها ... بحر لها وجه الصحى تتسعر «3» # ترى الظل يطوى حين تبدو وتارة ... تراه إذا زالت عن الأرض ينشر # كما بدأت إذ أشرقت فى مغيبها ... تعود كما عاد الكبير المعمر # وتدنف حتى ما يكاد شعاعها ... يبين إذا ولت لمن يتبصر # فأفنت قرونا وهى فى ذاك لم تزل ... تموت وتحيا كل يوم وتنشر ### | [أجمل ما قال العرب] # وقال ms511 عبد الملك بن مروان لبعض جلسائه يوما: ما أحكم أربعة أبيات قالتها ~~العرب فى الجاهلية؟ فأنشده: # منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسى # وطلوعها بيضاء صافية ... وغيوبها صفراء كالورس # تجرى على كبد السماء كما ... يجرى حمام الموت فى النفس # اليوم تعلم ما يجىء به ... ومضى بفصل قضائه أمس # قال: أحسنت، فأخبرنى بأمدح بيت قالته العرب فى الشجاعة، قال: قول كعب بن ~~مالك الأنصارى: # نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما، ونلحقها إذا لم تلحق # قال: فأخبرنى بأفضل بيت قيل فى الجود، فأنشده لحاتم طيىء: # PageV03P821 # أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # ترى أن ما أبقيت لم أك ربه ... وأن يدى مما بخلت به صفر # ألم تر أن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر # غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... فكلا سقاناه بكأ سيهما الدهر # فما زادنا بغيا على ذى قرابة ... غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر # قال: فأخبرنى عن أحسن الناس وصفا، قال: الذى «1» يقول: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالى # والذى يقول: # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذى لم يثقب # والذى يقول: # وتعرف فيه من أبيه شمائلا ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر # سماحة ذا، مع برذا، ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر # يريد امرأ القيس. ### | ومن ألفاظ أهل العصر فى طلوع الشمس وغروبها ومتوع النهار «2» وانتصافه، وابتدائه، وانتهائه # بدا حاجب الشمس، ولمعت فى أجنحة الطير، وكشفت قناعها، ونثرت شعاعها، ~~وارتفع سرادقها، وأضاءت مشارقها، وانتشر جناح الضوء فى أفق الجو. طنب شعاع ~~الشمس فى الآفاق، وذهبت أطراف الجدران. أينع النهار «3» وارتفع. استوى شباب ~~النهار، وعلا رونق الضحى، وبلغت الشمس كبد السماء # PageV03P822 # انتعل كل شىء ظله، وقام قائم الهاجرة، ورمت الشمس بجمرات الظهر. اصفرت ~~غلالة الشمس، وصارت كأنها الدينار يلمع فى قرار الماء، ونفضت تبرا على ~~الأصيل، وشدت رحلها للرحيل، وتصوبت الشمس للمغيب، وتضيفت للغروب «1» فأذن ~~جنبها للوجوب «2» . شاب النهار، وأقبل شباب الليل، ووقفت الشمس للعيان، ~~وشافه ms512 الليل لسان النهار. الشمس قد أشرقت بروجها، وجنحت للغروب، وشافهت درج ~~الوجوب. الجو فى أطمار منهجة من أصائله «3» ، وشفوف مورسة من غلائله. استتر ~~وجه الشمس بالنقاب، وتوارت بالحجاب. كان هذا الأمر من مطلع الفلق، إلى ~~مجتمع الغسق. فلان يركب فى مقدمة الصبح، ويرجع فى ساقة الشفق، ومن حين تفتح ~~الشمس جفنها، إلى أن تغمض طرفها، ومن حين تسكن الطير أوكارها، إلى حين ينزل ~~السراة من أكوارها مقامة لأبى الفتح الإسكندرى من إنشاء البديع، اتصلت بذكر ~~الليل والنهار قال عيسى بن هشام: كنت وأنا فتى السن أشد رحلى لكل عماية، ~~وأركض طرفى لكل غواية، حتى شربت من العمر سائغه، ولبست من الدهر سابغه، ~~فلما صاح النهار بجانب ليلى، وجمعت للمعاد ذيلى، وطئت ظهر المروضة، لأداء ~~المفروضة، وصحبنى فى الطريق رجل لم أنكره من سوء، فلما تخالينا، وحين ~~تجالينا، سفرت القصة عن أصل كوفى، ومذهب صوفى، وسرنا فلما حللنا الكوفة ~~ملنا إلى داره [ودخلناها] وقد بقل وجه النهار، واخضر جانبه، ولما اغتمض جفن ~~الليل وطرشار به قرع علينا الباب، فقلنا: من القارع المنتاب؟ فقال: وفد ~~الليل وبريده، وفل الجوع وطريده، وأسير # PageV03P823 # الضر، والزمن المر، وضيف وطؤه خفيف، وضالته رغيف، وجار يستعدى على الجوع، ~~والجيب المرقوع، وغريب أوقدت النار على سفره، ونبح العواء فى أثره «1» ، ~~ونبذت خلفه الحصيات، وكنست بعده العرصات، فنضوه طليح، وعيشه تبريح «2» ، ~~ومن دون أفراخه مهامه فيح «3» . # قال عيسى بن هشام: فقبضت من كيسى قبضة الليث وبعثتها إليه، وقلت زدنا ~~سؤالا نزدك نوالا، فقال: ما عرض عرف العود، على أحر من نار الجود، ولا لقى ~~وفد البر، بأحسن من بريد الشكر، ومن ملك الفضل فليواس، فلا يذهب العرف بين ~~الله والناس، وأما أنت فحقق الله أملك، وجعل اليد العليا لك. # قال عيسى بن هشام: ففتحنا الباب، فإذا شيخنا أبو الفتح الإسكندرى، فقلنا: ~~يا أبا الفتح، شد ما بلغت بك الخصاصة، وهذا الزى خاصة! فتبسم وأنشأ يقولى: # لا يغرنك الذى ... أنا فيه من الطلب # أنا فى بردة تشق ... لها بردة الطرب ms513 # أنا لو شئت لاتخذ ... ت شقاقا من الذهب ### | [من رسائل البديع] # وكتب البديع إلى بعض إخوانه: غضب العاشق أقصر عمرا من أن ينتظر عذرا، وإن ~~كان فى الظاهر مهابة سيف، إنه فى الباطن سحابة صيف، وقد رابنى إعراضه صفحا، ~~أفجدا قصد أم مزحا، ولو التبس القلبان حق التباسهما ما وجد الشيطان بينهما ~~مساغا، ولا والله لا أريك ردا، أجد منه بدا، وإن محبة تحتمل شكا لأجدر ~~محبة، ألا تشترى بحبة، وإن كان # PageV03P824 # قصد مزحا فما أغنانا عن مزح يحل عقد الفؤاد [حتى نقف على المراد، ولا ~~تسعنا إلا العافية] والسلام. # وله إليه: المودة- أعزك الله- غيب، وهو فى مكان من الصدر، لا ينفذه بصر، ~~ولا يدركه نظر، ولكنها تعرف ضرورة، وإن لم تظهر صورة، ويدركها الناس، وإن ~~لم تدركها الحواس، ويستملى المرء صحيفتها من صدره، ويعلم حال غيره من نفسه، ~~ويعلم أنها حب وراء القلب، وقلب وراء الخلب «1» ، وخلب وراء العظم، وعظم ~~وراء اللحم، ولحم وراء الجلد، وجلد وراء البرد، وبرد [وراء البعد] . ولو ~~كانت هذه الحجب قوارير لم ينفذها نظر، فيستدل عليها بغير هذه الحاسة بدليل ~~إلا أن أزوره، والله لو التبست به التباسا، يجعل رأسينا رأسا، مازدته ودا، ~~ولو حال بينى وبينه سور الأعراف، ورمل الأحقاف، ما نقصته حقا. # وقال الأمير أبو الفضل الميكالى: # وغزال منخته ظاهر الود ... فجازى بالصد والإنتحاب # لم ألمه إن ردنى لحجاب ... ردنى واله الفؤاد لما بى «2» # هو روح وليس ينكر للرو ... ح توار عن الورى بحجاب # وللبديع إلى أخيه: # كتابى أطال الله بقاءك، ونحن وإن بعدت الدار فرعا نبعة، فلا يجنين بعدى ~~على قربك، ولا تمحون ذكرى من قلبك، فالأخوان، وإن كان أحدهما بخراسان ~~والآخر بالحجاز، مجتمعان على الحقيقة مفترقان على المجاز، والاثنان، فى # PageV03P825 # المعنى واحد وفى اللفظ اثنان، وما بينى وبينك إلا ستر، طوله فتر، وإن ~~صاحبنى رفيق، اسمه توفيق، لنلتقين سريعا ولنسعدن جميعا، والله ولى المأمول. # وكتب أبو الفضل بن العميد إلى بعض إخوانه: # قد قرب- أيدك الله- محلك على تراخيه، وتصاقب مستقرك على تنائيه؛ ms514 لأن ~~الشوق يمثلك، والذكر يخيلك؛ فنحن فى الظاهر على افتراق، وفى الباطن على ~~تلاق، وفى التسمية متباينون، وفى المعنى متواصلون، وإن تفارقت الأشباح، لقد ~~تعانقت الأرواح. ### | جملة من كلام ابن المعتز فى الفصول القصار # الدهر سريع الوثبة، شنيع العثرة. أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام. ~~والناس وفد البلى، وسكأن الثرى، وأقران الردى. المرء نصب الحوادث وأسير ~~الاغترار. الآمال حصائد «1» الرجال. الحرص ينقص المرء من قدره، ولا يزيد فى ~~رزقه. الكذب والحسد والنفاق أثافى الذل. النمام جسر الشر. الحاسد اسمه صديق ~~ومعناه عدو الحاسد ساخط على القدر، مغتاظ على من لا ذنب له، بخيل بما لا ~~يملكه، يشفيك [منه] أنه يغتم فى وقت سرورك. الفرصة سريعة الفوت بطيئة ~~العود. الصبر من ذى المصيبة مصيبة على ذوى الشمات. التواضع سلم الشرف، ~~والجود صوان العرض من الذم. الغدر قاطع. [الأسرار] إذا كثر «2» خزانها ~~ازدادت ضياعا السوء كشجرة النار يحرق بعضها بعضا. عبد الشهوة أذل من عبد ~~الرق. وعاء الخطأ بالصمت يختم، والخرق بالرفق يلحم. الوعد مرض المعروف، ~~والإنجاز برؤه، والمطل تلفه. إذا حضر الأجل، افتضح # PageV03P826 # الأمل. لاتشن وجه العفو بالتقريع. لا تنكح خاطب سرك. ومن زاد أدبه على ~~عقله كان كالراعى الضعيف مع شاء كثيرة. # قال أبو العباس الناشىء لأبى سهل بن نوبخت: # زعمت أبا سهل بأنك جامع ... ضروبا من الآداب يجمعها الكهل # وهبك تقول الحق أى فضيلة ... تكون لذى علم وليس له عقل # والهم حبس الروح. قلوب العقلاء حصون الأسرار. من كرمت عليه نفسه هان عليه ~~ماله. من جرى فى عنان أمله، عثر بأجله. ما كل من [يحسن] وعده يحسن إنجازه. ~~ربما أورد الطمع ولم يصدر، وضمن ولم يوف. وربما شرق شارب الماء قبل ريه. من ~~تجاوز الكفاف لم يقنعه إكثار. كلما عظم قدر المنافس فيه عظمت الفجيعة ~~بفقده، ومن أرحله الحرص أنضاه الطلب. الأمانى تعمى أعين البصائر، والحظ ~~يأتى من لم يؤمه. وربما كان الطمع وعاء حشوه المتالف، وسائقا يدعو إلى ~~الندامة. ما أحلى تلقى البغية، وأمر عاقبة الفراق. من ms515 لم يتأمل الأمر بعين ~~عقله، لم تقع حيلته إلا على مقاتله. ### | [رثاء المعتضد، وتعزيته] # وقال أبو العباس يرثى المعتضد: # قضوا ما قضوا من أمرهم ثم قدموا ... إماما إمام الخلق بين يديه «1» # وصلوا عليه خاشعين كأنهم ... صفوف قيام للسلام عليه # وقال يرثيه: # قالت شريرة ما لجفنك ساهرا ... قلقا، وقد هدأت عيون النوم «2» # ما قد رأيت من الزمان أحل بى ... هذا، وتحت الصدر ما لم تعلمى # PageV03P827 # يا نفس صبرا للزمان وريبه ... فهو الملىء بما كرهت فسلمى # إن الذى حاز الفضائل كلها ... هو ذاك فى قعر الضريح المظلم # أما السيوف فمن صنائع بأسه ... لولاه لم يروين من سفك الدم # وكأن أحداث الزمان عبيده ... فمتى يؤخرهن لا تستقدم # يقظان من سنة المضيع قلبه ... ومعول للمعول المتظلم # يرعى الضغائن قبل ساعة فرصة ... فإذا رآها أمكنت لم يحجم # كم فرصة تركت فصارت غصة ... تشجى بطول تلهف وتندم # ولرب كيد ظل يسجد بعدها ... فى بشر وجه مطلق متجهم # وهى المنايا إن رمين بنبلها ... يرمين فى نفس الأجل الأعظم # لله درك أى ليث كتيبة ... والخيل تعثر بالقنا المتحطم # ولقد عمرت ولا حريم معاند ... حرم ولا الإسلام بالمستسلم # وقال للمعتضد يعزيه بابنه هرون: # يا ناصر الدين إذ هدت قواعده ... وأصدق الناس فى بؤسى وإنعام # وقائد الخيل مذ شدت مآزره ... مذللات بإسراج وإلجام # كأنهن قنا ليست لها عقد ... يهزها الزجر فى كر وإقدام # قب كطى ثياب العصب مضمرة ... تقرب النار بين البيض والهام «1» # وسائس الملك يرعاه ويكلؤه ... إذا حلا الغمض فى أجفان نوام # تمرى أنامله الدنيا لصاحبها ... ونصله من عداه قاطر دامى «2» # كالسهم يبعثه الرامى فصفحته ... تلقى الردى دونه، والفوق للرامى «3» # لا يشتكى الدهر إن خطب ألم به ... إلا إلى صعدة أوحد صمصام «4» # صبرا، فديناك إن الصبر عادتنا ... وإن طوينا على حزن وتهيام # PageV03P828 # فبادر الاجر نحو الصبر محتسبا ... إن الجزوع صبور بعد أيام # ولما ماتت دريدة «1» ، وهى جارية [المعتضد، و] كانت مكينة عنده، جزع ~~عليها جزعا شديدا، فقال له عبيد الله بن سليمان: مثلك يا أمير المؤمنين ~~تهون عليه المصائب؛ ms516 لأنك تجد من كل فقيد خلفا، وتنال جميع ما تريد من ~~العوض، والعوض لا يوجد منك، فلا ابتلى الله الإسلام بفقدك، وعمره بطول بقاء ~~عمرك، وكأن الشاعر عنى أمير المؤمنين بقوله: # يبكى علينا ولا نبكى على أحد ... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل # فضحك المعتضد وتسلى وعاد إلى عادته. # قال محمد بن داود الجراح: فلقينى عبيد الله فأخبرنى بذلك، وقال: أردت ~~شعرا فى معنى البيت الذى أنشدته فما وجدته؛ فقلت له قد قال البطين البجلى: # طوى الموت ما بينى وبين أحبة ... بهم كنت أعطى من أشاء وأمنع # فلا يحسب الواشون أن قناتنا ... تلين، ولا أنا من الموت نجزع # ولكن للألاف- لابد- لوعة ... إذا جعلت أقرانها تتطلع «2» # فكتبه، وقال: وحفظته لما عدلت عنه. ### | من شعر ابن المعتز # وقال ابن المعتز، وذكر الموتى: # وسكان دار لا تزاور بينهم ... على قرب بعض فى المحلة من بعض # كأن خواتيما من الطين فوقهم ... فليس لها حتى القيامة من فض # وقال يمدح عبيد الله بن سليمان: # PageV03P829 # أيا موصل النعمى على كل حالة ... إلى قريبا كنت أو نازح الدار # كما يلحق الغيث البلاد بسيله ... وإن جاد فى أرض سواها بإمطار # ويا مقبلا والدهر عنى معرض ... يقسم لحمى بين ناب وأظفار # ويا من يرانى حيث كنت بقلبه ... وكم من أناس لا يرون بأبصار # لقد رمت بى آمال نفسى كلها ... فيا لهف نفسى لو أعنت بمقدار # ذكرت منى سمع الإمام وعينه ... ورفعت نارى كى يرى ضوءها السارى # وكم نعمة لله فى صرف نقمة ... ترجى ومكروه حلا بعد إمرار # وما كل ما تهوى النفوس بنافع ... ولا كل ما تخشى النفوس بضرار # قوله: # كما يلحق الغيث البلاد بسيله ... مأخوذ من قول بهشل بن حرى # وقد بعث إليه كثير بن الصلت كسوة ومالا من المدينة: # جزى الله خيرا والجزاء بكفه ... بنى الصلت إخوان السماحة والمجد # أتانى وأهلى بالعراق نداهم ... كما انقض سيل من تهامة أو بحد # وقال ابن المولى: # سررت بجعفر إذ حل أرضى ... كما سر المسافر بالإياب # كممطور ببلدته فأضحى ... غنيا عن مطالعة السحاب ms517 # وبعث عبد الله بن طاهر إلى أبى الجنوب بن أبى حفصة وهو ببغداد عشرين ألف ~~درهم فقال: # لعمرى لنعم الغيث غيث أصابنا ... ببغداد من أرض الجزيرة وابله «1» # ونعم الفتى والبيد بينى وبينه ... بعشرين ألفا صبختنى رسائله «2» # PageV03P830 # فكنا كحى صبح الغيث أهله ... ولم تنتجع أظعانه وحمائله # أتى جود عبد الله حتى كفت به ... رواحلنا سير الفلاة رواحله ### | [أبو شجاع] # وكانت بنو كلاب ومن والاها من العرب بنواحى الكوفه تجمعوا وعزموا على أخذ ~~الكوفة سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، فبعث أبو شجاع عضد الدولة دنير «1» ~~ابن لشكروز فأصلحهما، وكان أبو الطيب المتنبى بها فوصله وبعث إليه خلعا ~~وقاد إليه فرسا بسرج ثقيل، فقال فى قصيدة: # فلو لم يسر سرنا إليه بأنفس ... غرائب يؤثرن الجياد على الأهل # وما أنا ممن يدعى الشوق قلبه ... ويعتل فى ترك الزيارة بالشغل # ولكن رأيت الفضل فى القصد شركة ... فكان لك الفضلان فى القصد والفضل # وليس الذى يتبع الوبل رائدا ... كمن جاءه فى داره رائد الوبل ### | [الموفق العباسى] # وكان ابن المعتز يمدح أبا أحمد بن المتوكل، ويلقب بالناصر والموفق، وكانت ~~حاله ترامت فى أيام المعتضد إلى غاية لم يبلغها الخليفة، وقد ذكرها الصولى ~~فى قصيدة [لصاحب المغرب] ، فقال وقد اقتص خلفاء بنى العباس من أولهم: # ومعتضد من بعده وموفق ... يردد من إرث الخلافة ما ذهب # مواز لهم فى كل فضل وسؤدد ... وإن لم يكن فى العد منهم لمن حسب «2» # وقال المعتضد، أو قيل على لسانه، لما غلب الموفق على أمره: # أليس من العجائب أن مثلى ... يرى ما هان ممتنعا عليه # وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شىء فى يديه # وشعر ابن المعتز فيه: # PageV03P831 # إليك امتطينا العيس تنفخ فى البرى ... وللصبح طرف بالظلام كحيل # صدين من التهجير حتى كأنها ... سيوف جلاها الصقل فهى تحول # فبتنا ضيوفا للفلاة قراهم ... عنيق ونص دائم وذميل «1» # يهز برود العصب فوق متونها ... نسيم كنفث الراقيات عليل # ولما طغى أمر الدعى رميته ... بعزم يرد العضب وهو فليل «2» # وجرد من أغماده كل مرهف ... إذا ما انتضته ms518 الكف كاد يسيل # جرى فوق متنيه الفرند كأنما ... تنفس فيه القين وهو صقيل # وأعلمته كيف التصافح بالقنا ... وكيف تروى البيض وهى محول # سريع إلى الأعداء، أما جنابه ... فماض، وأما وجهه فجميل # وبقرى السؤال العذر من بعد ماله ... ويستصغر المعروف حين ينيل # أخذ معنى قوله: «نسيم كنفث الراقيات عليل» عبد الكريم بن إبراهيم، فقال: # سلام على طيب روحاتنا ... إلى القصر والنهر الخضرم «3» # إلى مزبد الموج طامى العبا ... ب يقذف بالبان والساسم «4» # تخال به قطما مقرما ... يكر على قطم مقرم # ويسجو فيسحب فى ذائل ... يمان تسهم بالأنجم # كأن الشمال على وجهه ... بها سقم وهى لم تسقم # ضعيفة رش كنفث الرقى ... على كبد المدنف المغرم # إذا درجت فوقه درجته ... فى حبك الزرد المحكم # وقد جللته بأوراقها ... فروع غذتها نطاف السم # علتها الحمام بتغريدها ... كما سجع النوح فى مأتم # PageV03P832 # كأن شعاع الضحى بينها ... على السوسن الغض والخرم # وشائع من ذهب سائل ... على خسروانية نعم # ربا تتفقأ من فوقها ... عزالى الربيع لها اسرهم «1» # على كل محبية خلة ... تسدى على جدول مفعم # كما فتل الوقف صواغه ... وكالأرقم انساب للأرقم ### | [صاحب الزنج] # وقول ابن المعتز «ولما طغا أمر الدعى» يريد صاحب الزنج بالبصرة، وكانت ~~شوكته قد اشتدت وظفر به بعد مواقعة كثيرة، وفى ذلك يقول ابن الرومى فى ~~قصيدة طويلة جدا يمدح فيها أبا أحمد [الموفق بن المتوكل، وصاعد بن خالد، ~~والعلاء بن صاعد ابنه، وهى من أجود شعره، فقال] : # أبا أحمد أبليت أمه أحمد ... بلاء سيرضاه ابن عمك أحمد # حصرت عميد الزنج حتى تخاذلت ... قواه، وأودى زاده المتزود «2» # فظل، ولم تقتله، يلفظ نفسه ... وظل، ولم تأسره، وهو مقيد # وكانت نواحيه كثافا فلم تزل ... تحيفها شحذا كأنك مبرد «3» # تفرق عنه بالمكايد جنده ... ويزدادهم جندا وجندك محصد «4» # ولا بس سيف القرن بعد استلابه ... أضر له من كاسديه وأكيد # فما رمته حتى استقل برأسه ... مكان قناة الظهر أسمر أجرد # [هذا مأخود من قول مسلم بن الوليد: # ورأس مهراق قد ركبت قلته ... لدنا يقوم مقام الليت والجيد] # ولم تأل إنذارا ms519 له غير أنه ... رأى أن متن البحر صرح ممرد # سكنت سكونا كان رهنا بوثبة ... عماس، كذاك الليث للوثب يلبد «5» # هذا مأخوذ من قول النابغة: # PageV03P833 # وقلت يا قوم إن الليث منقبض ... على براثنه للوثبة الضارى # ويقول فى مدح صاعد: # يقرظ إلا أن ما قيل دونه ... ويوصف إلا أنه لا يحدد «1» # أرق من الماء الذى فى حسامه ... طباعا، وأمضى من شباه وأنجد # له سورة مكتنة فى سكينة ... كما اكتن فى الغمد الجراز المهند # كأن أباه حين سماه صاعدا ... رأى كيف يرقى فى المعالى ويصعد # [لما سمع البحترى هذا البيت قال: منى أخذه، فى قوله فى العلاء بن صاعد] : # سماه أسرته العلاء وإنما ... قصدوا بذلك أن يتم علاه # وهذا فى قوله، كما قال [ابن] المرزبان وقد أنشد لابن المعتز فى مناقضة ~~الطالبيين: # دعوا الأسد تسكن فى غابها ... ولا تدخلوا بين أنيابها # فنحن ورثنا ثياب النبى ... فلم تجذبون بهدابها # [قال:] قد أخذه من [قول] بعض العباسيين: # دعوا الأسد تسكن أغيالها ... ولا تقربوها وأشبالها # ولكنه سرق ساجا، ورد عاجا، وغل قطيفة، ورد ديباجا. # ومن قصيدة ابن الرومى: # تراه على الحرب العوان بمنزل ... وآثاره فيها، وإن غاب، شهد # كما احتجب المقدار والحكم حكمه ... على الخلق طرا ليس عنه معرد «2» # البحترى: # ولى الأمور بنفسه، ومحلها ... متقارب، ومرامها متباعد «3» # PageV03P834 # يتكفل الأدنى، ويدرك رأيه ال ... أقصى، ويتبعه الأبى العاند # إن غار فهو من النباهة منجد ... أو غاب فهو من المهابة شاهد # وقال أعرابى يصف رجلا: كان إذا ولى لم يطابق بين جفونه، ويرسل العيون على ~~عيونه؛ فهو غائب عنهم، شاهد معهم، والمحسن آمن، والمسىء خائف. # فتى روحه روح بسيط كيانه ... ومسكن ذاك الروح نور مجسد # صفا ونفى عنه القذى فكأنه ... إذا ما استشفته العقول مصعد # كرمتم فجاش المفحمون بمدحكم ... إذا رجزوا فيكم أثبتم فقصدوا # أرى من تعاطى ما بلغتم كرائم ... منال الثريا وهو أكمه مقعد # كما أزهرت جنات عدن وأثمرت ... فأضحت وعجم الطير فيها لغرد # وفى هذه القصيدة يقول: # لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة ms520 يولد # وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأرغد # إذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما سوف يلقى من رداها يهدد # قال الصولى: افتتح ابن الرومى هذه القصيدة على ما لا يلزمه «1» من فتح ما ~~قبل حرف الروى اقتدارا، فحمله ذلك على أن قال: # متاح له مقداره فكأنما ... نقوض ثهلان عليه وصندد «2» # ثهلان: اسم جبل، وهذا لا يصح، إنما هو صندد بكسر الدال؛ لأن فعللا لم ~~يجىء إلا فى أربعة أحرف: درهم، وهجرع [للأحمق] ، وهبلع للذى يبلع كثيرا، ~~وقلعم للذى يقلع الأشياء. # وقول ابن المعتز فى وصف السيف «3» : # كأنما تنفس فيه القين وهو صقيل # معنى بديع فى وصف الفرند، وقد قال: # PageV03P835 # ولى صارم فيه المنايا كوامن ... فما ينتضى إلا لسفك دماء # ترى فوق متنيه الفرند كأنه ... بقية غيم رق دون سماء # وقال أيضا إسحاق بن خلف: # ألقى بجانب خصره ... أمضى من الأجل المتاح # وكأنما ذر الهبا ... ء عليه أنفاس الرياح # ولما صار سيف عمرو بن معد يكرب الذى كان يسمي الصمصامة إلى الهادى،- وكان ~~عمرو وهبه لسعيد بن العاص، فتوارثه ولده إلى أن مات المهدى، فاشتراه موسى ~~الهادى منهم بمال جليل، وكان أوسع بنى العباس كفا، وأكثرهم عطاء- ودعا ~~بالشعراء، وبين يديه مكتل فيه بدرة، فقال: قولوا فى هذا السيف؛ فبدر ابن ~~يامين البصرى فقال: # حاز صمصامة الزبيدى من بين ... جميع الأنام موسى الأمين # سيف عمرو وكان فيما سمعنا ... خير ما أغمدت عليه الجفون # أخضر اللون بين خديه برد ... من ذعاف يميس فيه المنون «1» # أوقدت فوقه الصواعق نارا ... ثم شابت فيه الذعاف القيون «2» # فإذا ما سللته بهر الشمس ... ضياء فلم تكد تستبين # ما يبالى من انتضاه لحرب ... أشمال سطت به أو يمين # يستطير الأبصار كالقبس المش ... عل ما تستقر فيه العيون # وكأن الفرند والجوهر والجا ... رى على صفحتيه ماء معين # نعم مخراق ذى الحفيظة فى الهيجاء ... يعصى به ونعم القرين # قال موسى: أصبت ما فى نفسى، واستخفه [الفرح] فأمر له بالمكتل والسيف؛ ~~فلما خرج قال للشعراء: إنما حرمتم من أجلى، فشأنكم ms521 المكتل # PageV03P836 # وفى السيف غناى [فقام موسى] فاشترى منه السيف بمال جليل. # البحترى: # قد جدت بالطرف الجواد فثنه ... لأخيك من جدوى يديك بمنصل «1» # يتناول الروح البعيد مناله ... عفوا، ويفتح فى الفضاء المقفل # بإنارة فى كل حتف مظلم ... وهداية فى كل نفس مجهل # يغشى الوغى فالترس ليس بجنة ... من حده، والدرع ليس بمعقل # ماض وإن لم تمضه يد فارس ... بطل، ومصقول وإن لم يصقل # مصغ إلى حكم الردى فإذا مضى ... لم يلتفت، وإذا قضى لم يعدل # متوقد يفرى بأول ضربة ... ما أدركت ولو أنها فى يذبل «2» # فكأن فارسه إذا استعصى به الز ... حفان يعصى بالسماك الأعزل «3» # فإذا أصاب فكل شىء مقتل ... وإذا أصيب فما له من مقتل # حملت حمائله القديمة بقلة ... من عهد عاد غضة لم تذبل # وقال أبو القاسم بن هانى للمعز: # عجبا لمنصلك المقلد كيف لم ... تسل النفوس عليك منه مسيلا # لم يخل جبار الملوك بذكره ... إلا تشحط فى الدماء قتيلا # فإذا رأيناه رأينا علة ... للنيرات ونيرا معلولا # بك حسنه منقلدا وبهاؤه ... متنكبا ومضاؤه مسلولا # فإذا غضبت علته دونك ربدة ... يغدو بها طرف الزمان كحيلا # وإذا طربت إلى الرضا أهدى إلى ... شمس الظهيرة عارضا مصقولا # كتب الفرند عليه بعض صفاتكم ... فعرفت فيه التاج والإكليلا # PageV03P837 # وقال: # هل يدنينى من فنائك سابح ... مرح وجائلة النسوع أمون # ومهند فيه الفرند كأنه ... در له خلف الفرات كمين # غضب المضارب مقفرا من أعين ... لكنه من أنفس مسكون # وأهدى الكندى إلى بعض إخوانه سيفا، فكتب إليه: «الحمد لله الذى خصك ~~بمنافع كمنافع ما أهديت، وجعلك تهتز للمكارم اهتزاز الصارم، وتمضى فى ~~الأمور مضاء حده المأثور، وتصون عرضك بالإرفاد «1» ، كما تصان السيوف ~~بالأغماد، ويطرد ماء الحياء فى صفحات خدك المشوف، كما يشف الرونق فى صفائح ~~السيوف، وتصقل شرفك بالعطيات، كما تصقل متون المشرفيات. ### | [وفد الشام بين يدى المنصور] # قدم على أبى جعفر المنصور وفد من الشام بعد انهزام عبد الله بن على، ~~وفيهم الحارث بن عبد الرحمن الغفارى، فتكلم جماعة منهم، ثم قام الحارث ~~فقال: # يا أمير ms522 المؤمنين؛ إنا لسنا وفد مباهاة، ولكنا وفد توبة استخفت حليمنا؛ ~~فنحن بما قدمنا معترفون، وبما سلف منا معتذرون، فإن تعاقبنا فبما أجرمنا، ~~وإن تعف عنا فطالما أحسنت إلى من أساء، فقال المنصور: أنت خطيب القوم، ورد ~~عليه ضياعه بالغوطة. # وقال رجل من أهل الشام للمنصور: يا أمير المؤمنين، من انتقم فقد شفى غيظه ~~وانتصف، ومن عفا تفضل، ومن أخذ حقه لم يجب شكره ولم يذكر فضله، وكظم الغيظ ~~حلم، والتشفى طرف من الجزع، ولم يمدح أهل التقى والنهى من كان حليما بشدة ~~العقاب، ولكن بحسن الصفح والاغتفار وشدة التغافل، # PageV03P838 # وبعد فالمعاقب مستدع لعداوة أولياء المذنب، والعافى مسترع لشكرهم آمن من ~~مكافأنهم، ولأن يثنى عليك باتساع الصدر خير من أن توصف بضيقه، على أن ~~إقالتك عثرات عباد الله موجب لإفالة عثرتك من ربهم، وموصول بعفوه، وعقابك ~~إياهم موصول بعقابه، قال الله عز وجل: «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين» . ### | [بعض ما قيل فى العفو] # وقال بعض الكتاب لرئيسه وقد عتب عليه: «إذا كنت لم ترض منى بالإساءة فلم ~~رضيت من نفسك بالمكافأة» . # وأذنب رجل من بنى هاشم فقبضه المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين، من حمل ~~مثل دالتى، «1» ولبس ثوب حرمتى، غفر له مثل زلتى، قال: صدقت وعفا عنه. # ولما دخل بعض الكتاب على أمير بعد نكبة نالته فرأى من الأمير بعض ~~الازدراء، فقال له: لا يضعنى عندك خمول النبوة، وزوال الثروة؛ فإن السيف ~~العتيق إذا مسه كثير الصدإ استغنى بقليل الجلاء حتى يعود حده، ويظهر فرنده؛ ~~ولم أصف نفسى عجبا، لكن شكرا. وقال صلى الله عليه وسلم: # «أنا أشرف ولد آدم ولا فخر» ؛ فجهر بالشكر، وترك الاستطالة بالكبر. ### | [تميم بن جميل والمعتصم] # وكان تميم بن جميل السدوسى [قد أقام] بشاطىء الفرات، واجتمع إليه كثير من ~~الأعراب، فعظم أمره، وبعد ذكره؛ فكتب المعتصم إلى مالك بن طوق فى النهوض ~~إليه، فتبدد جمعه، «2» وظفر به فحمله موثقا «3» إلى باب المعتصم، فقال أحمد ~~بن أبى داود: ما رأيت رجلا عاين الموت، فماها له ms523 ولا شغله عما كان يجب عليه ~~أن يفعله إلا تميم بن جميل؛ فإنه لما مثل بين يدى المعتصم وأحضر # PageV03P839 # السيف والنطع، ووقف بينهما، تأمله المعتصم- وكان جميلا وسيما- فأحب أن ~~يعلم أين لسانه من منظره، فقال: تكلم يا تميم، فقال: # أما إذ أذنت يا أمير المؤمنين فأنا أقول: الحمد لله الذى أحسن كل شىء ~~خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، [يا أمير ~~المؤمنين:] جبر [الله] بك صدع الدين، ولم بك شعث المسلمين، وأوضح بك سبل ~~الحق، وأخمد بك شهاب الباطل؛ إن الذنوب تخرس الألسن الفصيحة، وتعيى الأفئدة ~~الصحيحة، ولقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجة وساء الظن، فلم يبق إلا عفوك ~~وانتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما منى وأسرعهما إلى أشبههما بك، وأولاهما ~~بكرمك، ثم قال: # أرى الموت بين السيف والنطع كامنا ... يلاحظنى من حيثما أتلفت # وأكبر ظنى أنك اليوم قاتلى ... وأى امرىء مما قضى الله يفلت # وأى امرىء يأتى بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت «1» # وما جزعى من أن أموت وإننى ... لأعلم أن الموت شىء موقت «2» # ولكن خلفى صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت # فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا # وكم قائل لا يبعد الله داره ... وآخر جذلان يسر ويشمت # فتبسم المعتصم وقال: يا جميل، قد وهبتك للصبية، وغفرت لك الصبوة، ثم أمر ~~بفك قيوده، وخلع عليه، وعقد له على شاطىء الفرات. ### | [من المعتصم إلى عبد الله بن طاهر] # وكتب المعتصم- حين صارت إليه الخلافة- إلى عبد الله بن طاهر: عافانا الله ~~وإياك، قد كانت فى قلبى منك هنات غفرها الاقتدار «3» ، وبقيت حزازات أخاف ~~منها عليك عند نظرى إليك؛ فإن أتاك ألف كتاب أستقدمك فيه فلا تقدم، # PageV03P840 # وحسبك معرفة بما أنا منطو لك عليه إطلاعى إياك على ما فى ضميرى منك، ~~والسلام. ### | [الخليفة المعتصم] # قال العباس بن المأمون: ولما أفضت الخلافة إلى المعتصم دخلت، فقال: # هذا مجلس كنت أكره الناس لجلوسى فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت تعفو ~~عما تيقنته، فكيف ms524 تعاقب على ما توهمته؟ فقال: لو أردت عقابك لتركت عتابك. # وكان المعتصم شهما، شجاعا، عاقلا، مفوها، ولم يكن فى [خلفاء] بنى العباس ~~أمى غيره؛ وقيل: [بل كان يكتب خطا ضعيفا، و] كان سبب ذلك أنه رأى جنازة ~~لبعض الخدم، فقال: ليتنى مثله لأتخلص من الكتاب! فقال الرشيد: # والله لا عذبتك بشىء تختار عليه الموت. # قال أبو القاسم الزجاجى: وهذا شىء يحكى من غير رواية صحيحة، إلا أن جملته ~~أنه كان ضعيف البصر بالعربية. # وقرأ أحمد بن عمار المذرى «1» - وكان يتقلد العرض عليه فى الحضرة- كتابا ~~فيه: # «ومطرنا مطرا كثر عنه الكلأ» فقال له المعتصم: ما الكلأ؟ فقال: لا أدرى. # فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! خليفة أمى وكاتب أمى! ثم قال: من يقرب ~~منا من كتاب الدار؟ فعرف مكان محمد بن عبد الملك الزيات، وكان يتولى قهرمة ~~الدار، ويشرف على المطبخ، فأحضره، فقال: ما الكلأ؟ فقال: النبات كله رطبه ~~ويابسه؛ فالرطب منه خاصة يقال له خلا، ومنه سميت المخلاة، واليابس يقال له ~~حشيش؛ ثم اندفع فى صفات البنات من ابتدائه إلى اكتماله إلى هيجه، فاستحسن ~~ذلك المعتصم، وولاه العرض من ذلك اليوم، فلم يزل وزيرا مدة خلافته [وخلافة ~~الواثق] ، حتى نكبه المتوكل بحقود حقدها عليه أيام أخيه الواثق. # PageV03P841 # وقال الرياشى: كتب ملك الروم إلى المعتصم كتابا يتهدده فيه، فأمر بجوابه، ~~فلما قرىء عليه لم يرض ما فيه، وقال لبعض الكتاب: اكتب «أما بعد فقد قرأت ~~كتابك، وفهمت خطابك، والجواب ما ترى، لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عقبى ~~الدار» . # وهذا نظير قول قطرى للحجاج، وقد كتب إليه كتابا يتهدده، فأجابه قطرى: أما ~~بعد، فالحمد لله الذى لو شاء لجمع شخصينا؛ فعلمت أن متاقفة الرجال [أقوم] ~~من تسطير المقال، والسلام «1» . ### | [كعب بن معدان الأشعرى عند الحجاج] [ووصفه بنى المهلب بن أبى صفرة] # ولما افتتح المهلب خراسان، ونفى الخوارج عنها، وتفرقت الأزارقة كتب ~~الحجاج إليه أن اكتب لى بخبر الوقيعة، واشرح لى القصة حتى كأنى شاهدها؛ ~~فبعث إليه المهلب كعب بن معدان الأشعرى، ms525 فأنشده قصيدة فيها ستون بيتا تقتص ~~خبرهم لا يخرم منه شيئا؛ فقال له الحجاج: أخطيب أم شاعر؟ قال له: # كلاهما، أعز الله الأمير! قال: أخبرنى عن بنى المهلب، فقال له: المغيرة ~~سيدهم، وكفاك بيزيد فارسا، وما لقى الأبطال مثل حبيب، وما يستحيى شجاع أن ~~يفر من مدرك، وعبد الملك موت [ذعاف وسم] ناقع، وحسبك بالمفضل فى النجدة، ~~واستجهز قبيصة، ومحمد ليث غاب، فقال الحجاج: ما أراك فضلت عليهم واحدا ~~منهم؛ فأخبرنى عن جملتهم ومن أفضلهم؟ فقال: هم- أعز الله الأمير! - كالحلقة ~~المفرغة لا يدرى أين طرفها، قال: إن خبر حربكم كان يبلغنى عظيما، أفكذلك ~~كان؟ قال: نعم أيها الأمير، والسماع دون العيان. قال: # أخبرنى كيف رضا المهلب عن جنده ورضا جنده عنه؟ قال: أعز الله الأمير، # PageV03P842 # له عليهم شفقة الوالد، ولهم به بر الولد. قال: أخبرنى كيف فاتكم قطرى؟ # قال: كدناه فى منزله فتحول عنه، وتوهم أنه كادنا بذلك، قال: فهلا ~~اتبعتموه، قال: الكلب إذا أجحر عقر، قال: المهلب كان أعلم بك حيث أرسلك. ### | [بشر بن مالك عند الحجاج] [يصف أبناء المهلب أيضا] # وقد روى أن المهلب لما فرغ من قتل عبد ربه الحرورى دعا بشر بن مالك ~~فأنفذه بالبشارة إلى الحجاج، فلما دخل على الحجاج قال: ما اسمك؟ قال: # بشر بن مالك، فقال الحجاج: بشارة وملك! وكيف خلفت المهلب؟ قال: # خلفته وقد أمن ما خاف، وأدرك ما طلب، قال: كيف كانت حالكم مع عدوكم؟ قال: ~~كانت البداءة لهم، والعاقبة لنا، قال الحجاج: العاقبة للمتقين، ثم قال: فما ~~حال الجند؟ قال: وسعهم الحق، وأغناهم النفل، وإنهم لمع رجل يسوسهم سياسة ~~الملوك، ويقاتل بهم قتال الصعلوك، فلهم منه بر الوالد، وله منهم طاعة ~~الولد، قال: فما حال ولد المهلب؟ قال: رعاة البيات حتى يؤمنوه، وحماة السرح ~~حتى يردوه، قال: فأيهم أفضل؟ قال: ذلك إلى أبيهم، قال: وأنت أيضا، فإنى أرى ~~لك لسانا وعبارة، قال: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفها، قال: ويحك! ~~أكنت أعددت لهذا المقام هذا المقال؟ # قال: لا يعلم ms526 الغيب إلا الله. ### | [أبو الصقر وصاعد بن مخلد] # ودخل أبو الصقر قبل وزارته على صاعد بن مخلد، وهو الوزير حينئذ، وفى ~~المجلس أبو العباس بن ثوابة، فسأل الوزير عن رجل، فقال: أنفى، يريد نفى، ~~فقال ابن ثوابة: فى الخرء، فتضاحك به أهل المجلس، فقام أبو الصقر مغضبا «1» ~~. # PageV03P843 ### | [أبو العيناء وابن ثوابة] # وكان أبو العيناء يعادى ابن ثوابة لمعاداته لأبى صقر؛ فاجتمعا فى مجلس ~~صاعد فى غد ذلك اليوم، فتلاحيا، فقال ابن ثوابة: أما تعرفنى؟ فقال: # بلى أعرفك ضيق الطعن، كثير الوسن، خارا على الذقن، وقد بلغنى تعديك على ~~أبى الصقر، وإنما حلم عنك؛ لأنه لم يجد لك عزا فيذله، ولا علوا فيضعه، ولا ~~مجدا فيهدمه؛ فعاف لحمك أن يأكله، ودمك أن يسفكه، فقال ابن ثوابة: ما تساب ~~إنسانان إلا غلب ألأمها، فقال أبو العيناء: فلهذا غلبت بالأمس أبا الصقر! ### | [من مكارم أبى الصقر] # ومما يعد من مكارم أبى الصقر أن ابن ثوابة دخل عليه فى وزارته، فقال: ~~تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، فقال أبو الصقر: لا تثريب عليك ~~يغفر الله لك [وهو أرحم الراحمين] ، فما قصر فى الإحسان إليه، والإنعام ~~عليه، مدة وزارته. ### | [أبو الصقر وأبو العيناء] # ولما ولى أبو الصقر الوزارة خير أبا العيناء فيما يخبه حتى يفعله به، ~~فقال: # أريد أن يكتب [لى الوزير] إلى أحمد بن محمد الطائى يعرفه مكانى، ويلزمه ~~قضاء حق مثلى. # فكتب إليه كتابا بخطه، فوصله إلى الطائى، فسبب له فى مدة شهر مقدار ألف ~~دينار، وعاشره أجمل عشرة، فانصرف بجميع ما يحبه وكتب إلى أبى الصقر كتابا ~~مضمنه: أنا- أعزك الله- طليقك من الفقر، ونقيذك من البؤس، أخذت بيدى عند ~~عثرة الدهر، وكبوة الكبر، وعلى أية حال حين فقدت الأولياء والأشكال ~~والإخوان والأمثال، الذين يفهمون فى غير تعب، وهم الناس الذين كانوا غياثا ~~للناس، فحللت عقدة الخلة، ورددت إلى بعد النفور النعمة، وكتبت لى كتابا إلى ~~الطائى، فكأنما كان منه إليك، أتيته وقد استصعبت على الأمور، وأحاطت بى ~~النوائب؛ فكثر من بشره، ms527 وبذل من يسره، وأعطى من ماله أكرمه، ومن بره أحكمه، ~~مكرما لى # PageV03P844 # مدة ما أقمت، ومثقلالى من فوائده لما ودعت، حكمنى فى ماله فتحكمت، وأنت ~~تعرف جورى إذا تمكنت، وزادنى من طوله فشكرت؛ فأحسن الله جزاءك، وأعظم ~~حباءك، وقدمنى أمامك، وأعاذنى من فقدك وحمامك؛ فقد أنفقت على مما مملكك ~~الله، وأنفقت من الشكر ما يسره الله لى، والله عز وجل يقول: (لينفق ذو سعة ~~من سعته.) # فالحمد لله الذى جعل لك اليد الغالبة، والرتبة الشريفة، لا أزال الله عن ~~هذه الأمة ما بسط فيها من عدلك، وبث فيها من رفدك. ### | [أبو العيناء يذم ابن الخصيب] # قطعة مختارة من نسخة الكتاب الذى عمله أبو العيناء فى ذم أحمد بن الخصيب ~~لما نكب على ألسنة الكتاب والقواد وأرباب الدولة [فى ذلك الوقت] . # قال: ذكره محمد بن عبد الله بن طاهر فقال: ما زال يخرق ولا يرقع، وما زلت ~~أتوقع له الذى وقع فيه. [وذكره أتامش، فقال: غدر بمن آثره، وتخطى إلى ما لا ~~يقدره، فحل به ما يحذره. وذكره بغاء فقال: أبطرته النعمة، ففجأته النقمة] ~~وذكره وصيف فقال: ترك العقلاء على يأس مرتبته، والحمقى على رجاء درجته! ~~وذكره موسى بن بغاء فقال: لولا أن القدر يعشى البصر، لما نهى فينا ولا أمر، ~~وذكره فارس بن بغاء فقال: لم تتم له نعمة؛ لأنه لم تكن له فى الخير همة. ~~وذكره الفضل ابن العباس فقال: إن لم يكن تاريخ البلاء فما أعظم البلوى. ~~وذكره هرون بن عيسى فقال: كانت دولة من دول المجانين، خرجت من الدنيا ~~والدين. وذكره المعلى بن أيوب، فقيل له: ما أعجب ما نكب، فقال: نعمته أعجب ~~من نكبته! وذكره ميمون بن إبراهيم، فقال: لو تأمل فعاله فاجتنبها، لاستغنى ~~عن الآداب أن يطلبها! وذكره محمد بن نجاح فقال: لئن كانت النعمة عظمت على ~~قوم خرج عنهم لقد عظمت المصيبة على قوم نزل فيهم! وذكره على بن [يحيى بن] ~~المنجم، فقال: لم يكن له أول # PageV03P845 # يرجع إليه، ولا آخر يعود عليه، ولا ms528 عقل فيزكو لديه! وذكره محمد بن موسى ~~بن شاكر المنجم فقال: [قبحه الله] إن ذكرت ذا فضل تنقصه لما فيه من ضده، أو ~~ذكرت ذا نقص تولاه لما فيه من شكله. وذكره ابن ثوابة فقال: امرؤ أساء عشرة ~~الأحرار، فأصبح مقفر الديار. وذكره حجاج بن لهرون فقال: ما كان له فى الشرف ~~أسباب متان، ولا فى الخير عادات حسان. وذكره [أحمد بن حمدون فقال: إن منحته ~~القدرة لقد حملته النكبة. وذكره] محمد بن الفضل فقال: ما زال يستوحش ~~بالنعمة حتى أنس بالنقمة وذكره عبد الله بن فراس فقال: كنت إذا نصحته ~~زنانى، وإذا غششته منانى. وذكره أبو صالح بن عمار فقال: لئن علا بحظ لقد ~~انحط بحق. وذكره سعيد بن حميد فقال: إذا أصاب أحجم، وإذا أخطأ صمم. ### | [أبو بكر سيبويه وأهل مصر] # وكان فى هذا العصر بمصر أبو بكر المعروف بسيبويه ناقلة البصرة يشبهه فى ~~حضور جوابه وخطابه، وحسن عبارته، وكثرة روايته، وكان قد تناول البلاذر «1» ~~؛ فعرضت له منه لوثة «2» ، وكان أكثر الناس يتبعونه ويكتبون عنه ما يقول. # قال يوما للمصريين: يأهل مصر، أصحابنا البغداديون أحزم منكم، لا يقولون ~~بالولد، حتى يتخذوا له العقد والعدد؛ فهم أبدا يعتزلون. ولا يقولون باتخاذ ~~العقار خوفا أن يملكهم سوء الجوار؛ فهم أبدا يكنزون. ولا يقولون باتخاذ ~~الحرائر خوفا أن تتوق نفسهم إلى السرارى؛ فهم أبدا يتسررون. ولا يقولون ~~أبدا بإظهار الغنى [فى مكان] عرفوا فيه بالفقر؛ فهم أبدا يسافرون. # ووقف يوما بالجامع وقد أخذت الخلق مأخذها، فقال: يأهل مصر، حيطان # PageV03P846 # المقابر أنفع منكم، يستنزه بها من التعب، ويستد فأبها من الريح، ويستظل ~~بها من الشمس. والبهائم خير منكم تمتطى ظهورها، وتحتذى جلودها، وتؤكل ~~لحومها. # وكان أبو الفضل بن خنزابه الوزير، ربما رفع أنفه تيها، فقال له سيبويه، ~~وقد رآه فعل ذلك: أشم منى الوزير رائحة كريهة فشمر أنفه، فأطرق واستعمل ~~البهوض، فخرج سيبويه، فقال له رجل: من أين أقبلت؟ فقال: من عند الزاهى ~~بنفسه، المدل بفرسه «1» ، المستطيل على أبناء جنسه. # واستأذن على ms529 مسلم بن عبيد الله العلوى، ومسلم من أهل الحجاز نزل مصر، ~~فحجب عنه، فقال: قولوا له: يرجع إلى لبس العباء، ومص النوى، وسكنى الفلا، ~~فهو أشبه به من نعيم الدنيا. # وكان على شرط كافور الإخشيدى أحد الخاصة، فوجد عليه سيبويه فى بعض الأمر، ~~فعزل عن الشرطة، فوليها ركى «2» صاحب الراضى، فلم يحمده أيضا، فوقف لكافور ~~وهو مار إلى الصلاة يوم الجمعة، فقال: أيها الأستاذ، وليت ظالما، وعزلت ~~ظالما، قليل الوفاء، كثير الجفاء، غليظ القفا. فتبسم ابن برك البغدادى، ~~وكان يسابر كافورا، فقال: وهذا ابن برك ممن يغرك، لن ينفعك ولن يضرك. # وأخلى الحمام لمفلح الحسينى، فأتى سيبويه ليدخل، فمنع، وقيل: الأمير مفلح ~~به، فقال: لا أنقى الله مغسوله، ولا بلغه سوله، ولا وقاه من العذاب مهوله، ~~وجلس حتى خرج، فقال: إن الحمام [لا يخلى إلا] لأحد ثلاثة: مبتلى فى قبله، ~~أو مبتلى فى دبره، أو سلطان يخاف من شره، فأى الثلاثة أنت؟ قال: # أنا المقدم. # وأحضره أبو بكر بن عبد الله الخازن فقال: قد بلغنى بذاء لسانك، وقبيح # PageV03P847 # معاملتك للأشراف؛ فاحذر أن تعود فينالك منى أشد العقوبة؛ فخرج [متحزنا ~~فكان] الولدان يتولعون به ويذكرون له الخازن، فيشتد عليه ذلك، فينصرف ولا ~~يكلمهم؛ فمر به رجل يكنى أبا بكر من ولد عقبة بن أبى معيط، وغلام قد ألح ~~عليه «1» بذلك، فضحك المعيطى، فقال للغلام: ضرب الله عنق الخازن كما ضرب ~~النبى صلى الله عليه وسلم عنق عقبة بن أبى معيط على الكفر، وضرب ظهر أبيك ~~بالسوط كما ضرب على بن أبى طالب بأمر عثمان رضى الله عنهما ظهر الوليد بن ~~عقبة على شرب الخمر، وألحقك يا صبى بالصبية، يريد قول النبى صلى الله عليه ~~وسلم، وقد قال له عقبة لما أمر النبى صلى الله عليه وسلم عليا رضى الله عنه ~~بقتله: # «فمن للصبية يا رسول الله» ؟ قال: النار لك ولهم. فانصرف المعيطى وبطن ~~الأرض أحب إليه من ظهرها. ### | [رجع إلى أبى العيناء] # وقال أبو العيناء: أنا أول من أظهر العقوق لوالديه ms530 بالبصرة، قال لى أبى: # إن الله قد قرن طاعته بطاعتى، فقال تعالى: (أن اشكر لي ولوالديك) # فقلت: # يا أبت، إن الله تعالى قد أمننى عليك ولم يأمنك على، فقال تعالى: (ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم) . # وقال أعرابى لأبيه: يا أبت، إن كبير حقك لا يبطل صغير حقى عليك، والذى ~~تمت به إلى أمت بمثله إليك، ولست أزعم أنا سواء، ولكن لا يحل لك الاعتداء. # ودخل على عبيد الله بن سليمان فضمه إليه، فقال: أنا إلى ضم الكفاية أحوج ~~منى إلى ضم اليدين. # وقال له مرة: أنا معك مقبوض الظاهر، مرحوم الباطن «2» . # PageV03P848 # قال أبو الطيب المتنبى: # ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها ... أنى بما أنا باك منه محسود # وقال له رجل: يا مخنث، فقال: وضرب لنا مثلا ونسى خلقه! ### | [كلمات لأبى العيناء] # وذكر أبو العيناء محمد بن يحيى بن خالد بن برمك، فقال: بابى وأمى دام ~~الوجه الطلق، والقول الحق، والوعد الصدق، نيته أفضل من علانيته، وفعله أفضل ~~من قوله. وقال له المتوكل: ما أشد ما مر عليك من فقد بصرك؟ فقال: # ما حرمت منه من النظر إليك أيها الأمير! وقال لعبيد الله بن يحيى: مسنا ~~وأهلنا الضر، وبضاعتنا الحمد والشكر، وأنت الذى لا يخيب عنده حر، وقال له ~~يوما: # قد اشتد الحجاب، وفحش الحرمان، فقال: ارفق يا أبا عبد الله، فقال: لو رفق ~~بى فعلك لرفق بك قولى! وقال له: أيها الوزير، إذا تغافل أهل التفضل هلك أهل ~~التجمل. وذم رجلا فقال: لا يعرف الحق فينصره، ولا الباطل فينكره. # وقيل له: ما أبلغ الكلام؟ فقال: ما أسكت المبطل، وحير المحق. وقيل له: # مات الحسن بن سهل، فقال: والله لئن أتعب المادحين، لقد أطال بكاء الباكين ~~والله لقد أصيب بموته الأنام، وخرست بفقده الأقلام. ### | [مما قيل فى الرثاء] # قال أشجع بن عمرو السلمى: # مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلا له فيه مادح # وما كنت أدرى ما فواضل كفه ... على الناس حتى غيبته الصفائح # فأصبح فى ms531 لحد من الأرض ميتا ... وكانت به حيا تضيق الصحاصح «1» # كأن لم يمت ميت سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح # PageV03P849 # فما أنا من رزء وإن جل جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح # لئن حسنت فيك المرائى وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح # سأبكيك ما فاضت دموعى، فإن تغض ... فحسبك منى ما تكن الجوانح # قوله: # وكانت به حيا تضيق الصحاصح ... يتعلق بقول الحسين بن مطير # فى معن بن زائدة: # ألما على معن وقولا لقبره: ... سقتك الغوادى مربعا ثم مربعا # فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة مضجعا # ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا # بلى قد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدعا # فتى عيش فى معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا # ولما مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا # وهذا كقول عبد الصمد بن المعذل فى عمرو بن سعيد بن سلم الباهلى: # أقبر أبى أمية لو علاه ... حملت إذا لضقت به ذراعا # حويت الجود والتقوى وعمرا ... فكيف أطقت يا قبر اضطلاعا # لموتهم أطقت لهم ضمانا ... ولولا ذاك لم تطق اتساعا # وقول أشجع: # لئن حسنت فيك المراثى وذكرها # من قول الخنساء: # يا صخر بعدك هاجنى استعبارى ... شانيك بات بدلتى وصغارى # كنا نعد لك المدائح مدة ... فاليوم صرت تناح بالأشعار # وقالت جنوب أخت عمرو [ذى الكلب] : # سألت بعمر وأخى صحبه ... فأفظعنى حين ردوا السؤالا # PageV03P850 # فقالوا: أتيح له نائما ... أغر السلاح عليه أجالا «1» # أتيح له نمرا أجبل ... فنالا لعمرك منه ونالا # فأقسم يا عمرو لو نبهاك ... إذا نبها منك داء عضالا # [إذا نبها ليث عريسة ... مبيدا مفتيا نفوسا ومالا] # إذا نبها غير رعيدة ... ولا طائشا دهشا حين صالا # هما مع تصرف ريب المنون ... من الدهر ركنا شديدا أمالا # وقالوا: قتلناه فى غارة ... بآية أن قد ورثنا النبالا # فهلا إذا قبل ريب المنون ... فقد كان فذا وكنتم رجالا # وقد علمت فهم عند اللقاء ... بأنهم لك كانوا ms532 نفالا # كأنهم لم يحسوا به ... فيخلوا نساءهم والحجالا # ولم ينزلوا بمحول السنين ... به فيكونوا عليه عيالا # وقد علم الضيف والمرملون ... إذا اغبر أفق وهبت شمالا # وخلت عن اولادها المرضعات ... ولم تر عين لمزن بلالا # بأنك كنت الربيع المغيث ... لمن يعتفيك وكنت الثمالا «2» # وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكي الكلالا «3» # [فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه هلالا # وحى صبحت وحى أبحت ... غداة اللقاء منايا عجالا # وكم من قبيل وإن لم تكن ... أردتهم منك باتوا وجالا # قال عمرو بن شبة: وكان عمرو بن عاصم هذا يغزو فهما فيصيب منهم، فوضعوا له ~~رصدا على الماء، فأخذوه فقتلوه، ثم مروا بأخته جنوب، فقالوا: أخاك! فقالت: ~~لئن طلبتموه لتجدنه [منيعا، ولئن ضفتموه لتجدنه مريعا، ولئن وعدتموه # PageV03P851 # لتجدنه] سريعا! فقالوا: قد أخذناه فقتلناه، وهذا نبله. فقالت: والله لئن ~~سلبتموه لا تجدون ثنته وافية، ولا حجرته جافية، ولرب ثدى منكم قد افترشه، ~~ونهب قد احتوشه؛ ثم قالت الأبيات المتقدمة الذكر. # وأنشد أبو حاتم ولم يقل قائله: # ألا فى سبيل الله ماذا تضمنت ... بطون الثرى واستودع البلد القفر # بدور إذا الدنيا دجت أشرقت بهم ... وإن أجدبت يوما فأيديهم القطر # فيا شامتا بالموت لا تشمتن بهم ... حياتهم فخر وموتهم ذكر # أقاموا بظهر الأرض فاخضر عودها ... وصاروا ببطن الأرض فاستوحش الظهر # وقال أبو عبد الله العتبى، وتوفى له بنون فجع بهم ومات فى آخرهم ابن له ~~يكنى أبا عمرو كان يقول الشعر؛ فقال يرثيه: # لقد شمت الواشون بى وتغيرت ... وجوم أراها بعد موت أبى عمرو # تجرى على الدهر لما فقدته ... ولو كان حيا لاجترأت على الدهر «1» # أسكان بطن الأرض لو يقبل الفدى ... فدينا، وأعطينا بكم ساكنى الظهر # فياليت من فيها عليها، وليت من ... عليها ثوى فيها مقيما إلى الحشر # وقاسمنى دهرى بنى مشاطرا ... فلما توفى شطره مال فى شطرى «2» # فصاروا كأن لم يعرف الموت غيرهم ... فثكل على ثكل وقبر على قبر # وقال فى ابن توفى صغيرا. # إن يكن مات صغيرا ... فالأسى غير صغير # كان ريحانى فأمسى ... وهو ريحان ms533 القبور # غرسته فى بساتين ... البلى أيدى الدهرر # PageV03P852 # ومن هنا أخذ أبو الطيب المتنبى قوله: # فإن تك فى قبر فإنك فى الحشا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل # وقال خلف بن خليفة الأقطع: # أعاتب نفسى إن تبسمت خاليا ... وقد يضحك الموتور وهو حزين # وبالبد أشجانى وكم من شج له ... دوين المصلى والبقيع، شجون # ربى حولها أمثالها إن أتيتها ... قرينك أشجانا وهن سكون # كفى الهجر أنا لم يضح لك أمرنا ... ولم يأتنا عما لديك يقين # وقال أبو عطاء السندى فى ابن هبيرة: # ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بباقى دمعها لجمود # عشية قام النائحات وشققت ... جيوب بأبدى مأتم وخدود «1» # فإن تمس مهجور الفنا فربما ... أقام به بعد الوفود وفود # فإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل ما تحت التراب بعيد # أعرابى: # ومن عجب أن بت مستودع الثرى ... وبث بما زودتنى متمتعا # فلو أننى أنصفتك الود لم أبت ... خلافك حتى ننطوى فى الثرى معا # سأحمى الكرى عينى وأفترش الثرى ... يمينى إذا صار الثرى لك مضجعا # وبعدك لا آسى لعظم رزية ... قضيت فهونت المصائب أجمعا # ومعنى هذا البيت الأخير تداوله الناس نظما ونثرا. # [قال أبو نواس فى الأمين] # طوى الموت ما بينى وبين محمد ... وليس لما تطوى المنية ناشر # PageV03P853 # لئن عمرت دور بمن لا أحبه ... لقد عمرت ممن أحب المقابر # وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لى شىء عليه أحاذر # وقيل لأم الهيثم السدوسية: ما أسرع ما سلوت عن ابنك الهيثم! قالت: # أما والله لقد رزئته كالبدر فى بهائه، والرمح فى استوائه، والسيف فى ~~مضائه؛ ولقد فتتت مصيبته كبدى، وأفنى فقده جلدى، وما اعتضت من بعده إلا أمن ~~المصائب لفقده. # وعزى أبو العيناء أحمد بن أبى دواد عن ولد له، فقال: ما أصيب من أثيب ~~والله لقد هان لفقده، جليل المصائب من بعده. # ودخل أعرابى من بادية البصرة إلى الشام ومعه بنون، فلما كان بقنسرين مات ~~بنوه بالطاعون فقال: # أبعد بنى الدهر أرجو غضارة ... من العيش أو آسى لما فات من ms534 عمرى # غطارفة زهر مضوا لسبيلهم ... فلهفى على تلك الغطارفة الزهر # سقى الله أجسادا ورائى تركتها ... بحاضر قنسرين من صيب القطر # يذكرنيهم كل خير رأيته ... وشر، فما أنفك منهم على ذكر # هذا البيت كقول الآخر: # رعاك ضمان الله يا أم مالك ... ولله أن يرعاك أولى وأوسع # يذكر نيك الخير والشر والذى ... أخاف وأرجو والذى أتوقع # وقال مسلم بن الوليد: # وإنى وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الروع فارقه النصل # أما والحبالات الممرات بيننا ... رسائل أدتها المودة والوصل «1» # لما خنت عهدا من إخاء ولا نأى ... بذكراك نأى عن ضميرى ولا شغل # PageV03P854 # وإنى فى مالى وأهلى كأننى ... لفقدك لا مال لدى ولا أهل # يذكر نيك الخير والشر والحجا ... وقيل الخنى والحلم والعلم والجهل # فألقاك عن مذمومها متنزها ... وألقاك فى محمودها ولك الفضل # وأحمد من إخلافك البخل إنه ... بعرضك لا بالمال حاشى لك البخل # أمنتجعا مروا بأثقال همة ... دع الثقل واحمل حاجة مالها ثقل # ثناء كعرف الطيب يهدى لأهله ... وليس له إلا بنى برمك أهل # فإن أغش قوما بعدهم أو أزورهم ... فكالوحش يدنيها من القنص المحل ### | ومن ألفاظ أهل العصر فى التعازى وما يتعلق بمعانيها من ذكر البكاء والجزع وعظم المصائب # خبر عز على النفوس مسمعه، وأثر فى القلوب موقعه. خبر تصطك له السامع، ~~وترتج به الأضالع، وتسقط له الحبالى، وتصحو منه السكارى خبر كادت له القلوب ~~تطير، والعقول تطيش، والنفوس تطيح. خبر يخفض البصر ويقذيه، ويقبض الأمل ~~ويقدح فيه. الخبر فى أثناء الرجاء قد انقطع، وأصم به الناعى وقد أسمع. ناعى ~~الفضائل قائم، وأنف المحاسن راغم. خبر أحرج الصدر، وأحل البكاء، وحرم ~~الصبر، وأطار واقع السكون، وأثار كامن الوجوم، وثقلت وطأتة على أجزاء ~~النفس، وتأدت معرته إلى سر القلب. كتبت والأرض واجفة، والشمس كاسفة، للرزء ~~العظيم، والمصاب الجسيم، فى فلك الملك، وركن المجد، وقريع الشرق والغرب، ~~وما عسى أن يقال فى الفلك الأعلى إذا انهار من جوانبه، وتهافت على مناكبه. # أتى الناعى «1» ، فندب المساعى، وقامت بواكى المجد، وكسفت شمس الفضل، # PageV03P855 # وعاد النهار أسود، والعيش ms535 أنكد. غرب لموته نجم الفضل، وكسدت سوق الأدب، ~~وقامت نوادب السماحة، ووقف فلك الكرم، ولطمت عليه المحاسن خدودها، وشقت له ~~المناقب جيوبها [وبرودها] ، قد كانت الرزية بحيث مارت السماء مورا، وسارت ~~الجبال سيرا، حتى شوهدت الكواكب ظهرا، ثم تهافتت شفعا ووترا، فارتاعت ~~الأمة، وانبسطت الظلمة، وارتفعت الرحمة، واضطربت الملة، وقامت نوادب المجد، ~~وأصبح الناس من القيامة على وعد. إن المجد بعده لجارى الدمع، وإن الفضل ~~لمنزعج النفس، وإن الكرم لحرج الصدر، وإن الملك لواهن الظهر «1» . كتابى ~~وأنا من الحياة متذمم، وبالعيش متبرم، بعد ما ماد الطود الشامخ، وزال الجبل ~~الباذخ، ونطقت نوادب المجد، وأقيمت مآتم الفضل. # نهى؟؟؟ فلان فتنكر وجه الدهر، وقبضت مهجة الفخر، فلا قلب إلا قد تباين ~~صدعه، ولا عين إلا وهى ترشح بالدم بعده. كتبت والأحشاء محترقة، والأجفان ~~بمائها غرقة، والدمع واكف، والحزن عاكف. مصاب أطلق أسراب الدموع وفرقها، ~~وأقلق أعشار القلوب وأحرقها، مصاب فض عقود الدموع، وشب النار بين الضلوع. ~~مصاب أذاب دموع الأحرار، فتحلبت «2» سحائب الدموع الغزار، وانسدت مسالك ~~السكون والاستقرار. كتبت عن عين تدمع، وقلب يجزع، ونفس تهلع «3» ، وقد ~~أذللت مصون العبرة، وحجبت وافد الحيرة، ومد الهم إلى جسمى يد السقم، وجر ~~الدمع على خدى ذيول الدم. لولا أن العين بالدمع أنطق من كل لسان وقلم، ~~لأخبرت عن بعض ما أوهن ظهرى، وأوهى أزرى. إن الفجيعة إذا لم تحارب بجيش من ~~البكاء، ولم يخفف من أثقالها بالاشتكاء، تضاعف داؤها، وازدادت أعباؤها، وعز ~~دواؤها. قد شفيت غليلى بما استذريته # PageV03P856 # من أسراب الدموع المتحيرة، وخففت عنى بعض البرحاء بما امتريته من أخلافها ~~المتحدرة. إن فى إسبال العبرة، وإطلاق الزفرة، والإجهاش بالبكاء والنشيج، ~~وإعلان الصياح والضجيج، تنفيسا عن برحاء القلوب، وتخفيفا من أثقال الكروب. ~~قد أتى الدهر بما هد الأصلاب، وأطار الألباب، من النازلة الهائلة، والفجيعة ~~الفظيعة. زرء أضعف العزائم القوية، وأبكى العيون البكية. مصيبة زلزلت ~~الأرض، وهدمت الكرم المحض، وسلبت الأجفان كراها، والأبدان قواها. فجيعة لا ~~يداوى كلمها آس «1» ، ولا يسد ثلمها تناس. # مصيبة تركت العقول ms536 مدلهة، والنفوس مولهة. رزء هض وهاض «2» ، وأطال ~~الانخزال والانخفاض، ولم يرض بأن فض الأعضاء، حتى أفاض الدماء. رزء ملأ ~~الصدور ارتياعا، وقسم الألباب شعاعا، وترك الجفون مقروحة، والدموع مسفوحة، ~~والقوى مهدودة، وطرق العزاء مسدودة. رزء نكأ القلوب وجرحها، وأحر الأكباد ~~وقرحها، مالى يد تخط إلا بكلفة، ولا نفس تردد إلا فى غصة، ولا عين تنظر إلى ~~من وراء قذى، ولا صدر ينطوى إلا على أذى؛ فالدموع واكفة، والقلوب واجفة، ~~والهم وارد، والانس شارد. # والناس مأتمهم عليه واحد ... فى كل دار رنة وزفير # كأنى كندة وهى تلهف على حجر «3» ، والخنساء تبكى على صخر. أنا بين عبرة ~~وزفرة، وأنة وحسرة، وتململ واضطراب، واشتعال والتهاب. مصيبة أصبحت لغمتها ~~وقيذا، ولكربتها أخيذا. كتبت وقد ملك الجزع عزائى، وحصل ناظرى فى إسار ~~بكائى، فالقلب دهش، والبنان يرتعش، وأنا من البقاء متوحش. قد انتهى بى ~~الهلع إلى حيث لا التأسى مصحب، ولا التناسى مصاحب، بى انزعاج يحل عقد ~~الحزم، واكتتاب ينقض شروط العزم. قد بلغ الحزن مبلغا # PageV03P857 # لم أبتذله للنوائب، وإن جلت وقعا، ونالت منى منالا لم يعتد طرق المصائب، ~~وإن عظمت فجعا. كتبت عن اضطراب نفس، واضطرام صدر، والتهاب قلب، وانتهاب ~~صبر؛ فما أعظمه مفقودا! وما أكرمه ملحودا! إنى لأنوح عليه نوح «1» المناقب، ~~وأرثيه مع النجوم الثواقب، وأبكيه مع المعالى والمحاسن، وأثنى [عليه] بثناء ~~المساعى والمآثر. ليت يمين الزمان شلت قبل أن فتكت بمهجه الفضل، وعين ~~الزمان كفت قبل أن رأت مصرع الفخر. لقد رزئنا من فلان عالما فى شخص، وأمة ~~فى نفس. مضى والمحاسن تبكيه، والمناقب تعزى فيه. # العيون لما قرت به أسخنها فيه ريب المنون، ولما شرحت به الصدور قبضها ~~بفقده المقدور. قد ركب على الأعناق، بعد العتاق، وعلى الأجياد بعد الجياد، ~~وفاح فتيت المسك من مآثره، كما يفوح العنبر من مجامره. كان منزله مألف ~~الأضياف، ومأنس الأشراف، ومنتجع الركب، ومقصد الوفد، فاستبدل بالأنس وحشة، ~~وبالغضارة غبرة، وبالبياض ظلمة، واعتاض من تزاحم المراكب تلادم المآتم، ومن ~~ضجيج النداء والصهيل، عجيج البكاء والعويل. هذى ms537 المكارم تبدى شجوها لفقده، ~~وتلبس حدادها من بعده، وهذى المحاسن قد قامت نواد بها مع نوادبه، واقترنت ~~مصائبها بمصائبه. لو قبلت الفدية لوقيته بنفسى وأيام عمرى، علما بأن العيش ~~بمثله من إخوان الصفا يصفو، وبظعنه عن الدنيا يكدر ويعفو. لو وقى من الموت ~~عزيز قوم لعزته، أو كبير بأولاده وأسرته، أو ذو سلطان باستطالته وقدرته، أو ~~زعيم دولة بحشده وعدته، لكان الماضى أحق من وقى وأولى من فدى، وكنا أقدر ~~على دفع ما حدث، وذب ما كرث وأرهق؛ لكنه الأمر المسوى فيه بين من عز جانبه ~~وذل، وكثر ماله وقل، حتى لحق المفضول بالفاضل، والناقص بالكامل. # PageV03P858 ### | ولهم فيما يطابق هذا النحو من وصف الدهر وذم الدنيا # هو الدهر لا يعجب من طوارقه، ولا ينكر هجوم بواثقه. عطاؤه فى ضمان ~~الارتجاع، وحباؤه فى قران الانتزاع. من عرف الزمان لم يستشعر منه الأمان، ~~وتصرف الحوادث، بين الموروث والوارث. الدهر مشحون بطوارق الغير، مشوب صفو ~~إيامه بالكدر، ممزوج صابه بالعسل، موصولة حبال الأمن فيه بأسباب الأجل. قد ~~جعل الله الدنيا دار قلعة، ومحل نقلة «1» ، فمن راحل ليومه، ومن مؤخر لغده، ~~وكل متشوف لأجله، وجار لأمده. ما الدنيا إلا دار النقلة، ولا المقام فيها ~~إلا للرحلة، إن المرء حقيق إذا طرقه ما يتحيف صبره [ويتطرق صدره] ، أن يعود ~~إلى علمه بالدنيا كيف نصبت على النقلة، وجنبت طويل المهلة، وابتدئت ~~بالنفاد، وشفع كونها بالفساد، وأن الثاوى فيها راحل، والأيام فيها مراحل. ~~موهوب الدنيا مسلوب وإن أرجىء إلى مهل، وممنوحها مجذوب وإن أخر إلى أجل. لو ~~خلد من سبق، لما وسعت الأرض من لحق؛ ولذلك جعلت الدنيا دار قلعة، ومحل ~~نجعة. # سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهوب # تملكها الآتى تملك سالب ... وفارقها الماضى فراق سليب # وقال عتبة بن هارون: كنت مع فضل الرقاشى، فمر بمقبرة، فقال: يأهل الديار ~~الموحشة، والمحال المقفرة، التى نطق بالخراب فناؤها، وشيد بالتراب بناؤها، ~~ساكنها مغترب، ومحلها مقترب، أهل هذه المنازل متشاغلون، لا يتواصلون تواصل ~~الإخوان، ولا ms538 يتزاورون تزاور الجيران، قد طحنهم بكلكله البلى، وأكلهم ~~الجندل والثرى. # PageV03P859 # وقال خافان بن صبيح: لوحشة الشك التمسنا أنس اليقين، ومن ذل الجهل هر بنا ~~إلى عز المعرفة، ولخوف الضلالة لزمنا الجادة. # وقال بعض الحكماء: كمون المصائب وسكون النوائب وبغتات المنايا مطويات فى ~~الساعات، متحركات فى الأوقات، ورب مغتبط بساعة فيها انقضاء أجله، ومتمتع ~~بوقت صار فيه إلى قبره، ومنتظر ورود يوم فيه منيته. # ووعظ أعرابى ابنا له أفسد ماله فى الشراب، فقال: لا الدهر يعظك، ولا ~~الأيام تنذرك، والساعات تعد عليك، والأنفاس تعد منك، وأحب أمريك إليك، ~~أردهما للمضرة لديك. ### | [من مقامات بديع الزمان الهمذانى] # ومن إنشاء بديع الزمان فى المقامات: حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت فى ~~الأهواز فى رفقة متى ما ترق العين فيهم تسهل، ليس منا إلا أمرد بكر الآمال، ~~بض الجمال، أو مختط حسن الإقبال، مرجو الأيام والليال؛ فأفضنا فى العشرة ~~كيف [نضع قواعدها، والأخوة كيف] نحكم معاقدها، والسرور فى أى وقت نتعاطاه، ~~والأنس كيف نتهاداه، وفائت الحظ كيف نتلافاه، والشراب [من أين نخلصه، ~~والمجلس كيف نرتبه؟ فقال أحدنا: على البيت والمنزل، وقال آخر: # على الشراب والنقل] ، وقال بعضنا: إلى السماع والجماع، وقمنا نجر أذيال ~~الفسوق، حتى انسلخنا من السوق، واستقبلنا رجل فى طمرين، فى يمناه عكازة، ~~وعلى كتفه جنازة «1» ؛ فتطيرنا لما رأينا الجنازة، وأعرضنا عنها صفحا، ~~وطوينا دونها كشحا، فصاح بناصيحة كادت الأرض لها تنفطر، والنجوم تنكدر، ~~وقال: # لترونها صغرا، ولتركبنها قسرا. مالكم تكرهون مطية ركبها أسلافكم، ~~وسيركبها أخلافكم، وتتقذرون سريرا وطئه آباؤكم، وسيطؤه أبناؤكم؟ أما والله ~~لتحملن على # PageV03P860 # هذه العيدان، إلى تلكم الديدان، ولتنقلن بهذه الجياد، إلى تلكم الوهاد. # ويحكم تطيرون «1» ، كأنكم مخيرون، وتتكرهون، كأنكم منزهون، هل تنفع هذه ~~الطيرة، يا فجرة؟ # قال عيسى بن هشام: فقد نقض علينا ما كنا عقدناه، وأبطلنا ما كنا أردناه؛ ~~فملنا إليه، وقلنا: ما أحوجنا إلى وعظك، وأعشقنا للفظك! ولو شئت لزدت، قال: ~~إن وراءكم موارد أنتم واردوها، وقد سرتم إليها عشرين حجة: # وإن امرأ قد سار عشرين ms539 حجة ... إلى منهل من ورده لقريب # وفوقكم من يعلم أسراكم، ولو شاء لهتك أستاركم، يعاملكم فى الدنيا بحلم، ~~ويقضى عليكم فى الآخرة بعلم، فليكن الموت منكم على ذكر، لئلا تأتوا بنكر؛ ~~فإنكم متى استشعرتموه لم تجمحوا، ومتى ذكرتموه لم تمزحوا، وإن نسيتموه فهو ~~ذاكركم، [وإن نمتم عنه فهو ثائركم، وإن كرهتموه فهو زائركم] قلنا: فما ~~حاجتك؟ قال: هى أطول من أن تحد، وأكثر من أن تعد، قلنا: فسانح الوقت؟ قال: ~~رد فائت العمر، ودفع نازل الأمر، قلنا: ما إلى ذلك سبيل، ولكن لك ما شئت من ~~متاع الدنيا وزخرفها، قال: لا حاجة لى فيها. # قوله # وإن امرأ قد سار عشرين حجة # محرف عن قول قائله: # وإن امرأ قد سار خمسين حجة # والبيت لأبى محمد التيمى، أنشده دعبل: # إذا ما مضى القرن الذى أنت فيهم ... وخلفت فى قرن فأنت غريب # والبيت بعده. قال دعبل: وتزعم الرواة أنه لأعرابى من بنى أسد. وقال خلاد ~~الأرقط: كنا على باب أبى عمرو بن العلاء ومعنا التيمى، فذكرنا كتاب # PageV03P861 # الحجاج بن يوسف إلى قتيبة بن مسلم: إنى وإياك لدتان «1» ، وإن أمرأ قد ~~سار خمسين حجة لقمن أن يرده. فأصلحناه بيتا، فاجتلبه التيمى فى شعره. ### | [من رسائل بديع الزمان الهمذانى] # وكتب البديع إلى أبى القاسم الكرخى: أنا وإن لم ألق تطاول الإخوان إلا ~~بالتطول، وتجمل الأحرار إلا بالتجمل، أحاسب الشيخ على أخلاقه ضنا بما عقدت ~~يدى عليه من الظن به، والتقدير فى مذهبه، ولولا ذاك لقلت: فى الأرض مجال إن ~~ضاقت ظلاله، وفى الناس واصل إن رثت حباله، وأؤاخذه بأفعاله؛ فإن أعارنى ~~أذنا واعية، ونفسا مراعية، وقلبا متعظا، ورجوعا عن الذهاب، ونزوعا عما ~~يقرعه من هذا الباب، فرشت لمودته صدرى «2» ، وعقدت عليه جوامع حصرى، ومجامع ~~عمرى؛ وإن ركب من التعالى غير مركب، وذهب من التغالى فى غير مذهب، أقطعته ~~خطة أخلاقه، ووليته جانب إعراضه، فكنت امرأ: # لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره # فإنى- أطال الله بقاء الشيخ مولاى- وإن كنت فى مقتبل السن والعمر، ms540 فقد ~~حلبت شطرى الدهر «3» ، وركبت ظهرى البر والبحر، ولقيت وفدى الخير والشر، ~~وصافحت يدى النفع والضر، وضربت إبطى العسر واليسر، وبلوت طعمى الحلو والمر، ~~ورضنت ثديى العرف والنكر؛ فما تكاد الأيام ترينى من أفعالها غريبا، وتسمعنى ~~من أقوالها عجيبا، ولقيت الأفراد، وطارحت الآحاد؛ فما رأيت أحدا إلا ملأت ~~حافتى سمعه وبصره، وشغلت حيزى فكره ونظره، وأثقلت كفه فى الحزن، وكفته فى ~~الوزن؛ وود لو بارز القرن # PageV03P862 # بصفحتى، أو لقى الفضل بصحيفتى، فمالى صغرت فى عينه؟ وما الذى أزرى بى ~~عنده؟ حتى احتجب وقد قصدته، ولزم أرضه وقد حضرته، وأنا أحاشيه أن يجهل قدر ~~الفضل، أو يجحد فضل العلم، أو يمتطى ظهر التيه، على أهليه، وأسأله أن ~~يختصنى من بينهم بفضل إنعام إن زلت بى مرة قدم رأى فى قصده، وكأنى به وقد ~~غضب لهذه المخاطبة المجحفة، والرتبة المتحيفة، وهو فى جنب جفائه يسير، وإن ~~أقلع عن عادته إلى الوفاء، ونزع عن شيمته فى الجفاء؛ فأطال الله بقاء ~~الأستاذ وأدام عزه وتأييده وله إليه رقعة: # يعز على- أطال الله بقاء الشيخ الرئيس- أن ينوب فى خدمته قلمى، عن قدمى، ~~ويسعد برؤيته رسولى، دون وصولى، ويرد شرعة الأنس به كتابى، قبل ركابى، ولكن ~~ما الحيلة والعوائق جمة: # وعلى أن أسعى ولي ... س على إدراك النجاح # وقد حضرت داره، وقبلت جداره، وما بى حب الجدران، ولكن شغفا بالقطان، ولا ~~عشق الحيطان، ولكن شوقا إلى السكان، وحين عدت العوادى عنه، أمليت ضمير ~~الشوق على لسان القلم، معتذرا إلى الشيخ على الحقيقة، عن تقصير وقع، وفتور ~~فى الخدمة عرض، ولكنى أقول: # إن يكن تركى لقصدك ذنبا ... فكفى ألا أراك عقابا # وله جواب إلى رئيس هراة عدنان بن محمد: ورد كتاب الشيخ الرئيس سيدى، فظلت ~~وفود النعم تترى على، ومثلت لدى وبين يدى، وقد أخذ مكارم نفسه، فجعلها ~~قلادة غرسه، وتتبع المحاسن من عنده، فحلى بها نحر عبده «1» ، وما أشبه رائع ~~حليه، فى نحر وليه، إلا بالغرة اللائحة «2» ، على [الدهمة] الكالحة # PageV03P863 # لا آخذ الله الشيخ بوصف نزعه عن ms541 عرضه، وزرعه فى غير أرضه، ونعت سلخه من ~~خلقه وخلقه، وأهداه إلى غير مستحقه، وفضل استفاده من فرعه وأصله، وأوصله ~~إلى غير أهله. ذكر حديث الشوق ولو كان الأمر بالزيارة حتما، أو الإذن ~~[جزما] أطلق عزما، لكان آخر نظرى فى الكتاب، أول نظرى إلى الركاب، ولاستعنت ~~على كلف السير، بأجنحة الطير «1» ، لكنه- أدام الله عزه- صرعنى بين يد ~~سريعة النبذ، ورجل وشيكة الأخذ، وأرانى زهدا فى ابتغاء، كحسو فى ارتغاء، ~~ونزاعا فى نزوع، كذهاب فى رجوع، ورغبة فى كرغبة عنى، وكلاما فى الغلاف، ~~كالضرب تحت اللحاف، فلم أصرح بالإجابة وقد عرض بالدعاء، ولم أعلن بالزيارة ~~وقد أسر بالنداء، ولو لم يدعنى بلسان المحاجاة، ولم يجاهرنى بفم المناجاة، ~~لكنت أسرع إليه، من الكرم إلى عطفيه، وفكرت فى مراد الشيخ، فوجدته لا يتعدى ~~الكرم يشب ناره، والفضل يدرك ثاره، وإذا كان الأمر كذلك فما أولاه بترفيه ~~مولاه، عن زفرة صاعدة، بسفرة باعدة «2» ، ونكباء جاهدة ### | ..... # وقد زاد سيدى فى أمر المخاطبة، وما أحسن الاعتدال، وقد كفانا منه ~~الأستاذ، وأسأله ألا يزيد، وقد بدأ ويجب ألا يعيد، فلا تنفع كثرة العد مع ~~قلة المعدود، والزيادة فى الحد مع نقصان المحدود نقص من الحدود، ورب ربح ~~أدى إلى خسران، وزيادة أفضت إلى نقصان، ورأى الشيخ فى تشريفه بجوابه موفق ~~إن شاء الله تعالى. # اجتلب قوله فى أول هذه الرسالة من قول أبى إسحاق الصابى فى جواب كتاب ~~لبعض إخوانه: # وصل كتابك مشحونا بلطيف برك، موشحا بغامر فضلك، ناطقا بصحة # PageV03P864 # عهدك، صادقا عن خلوص ودك، وفهمته وشكرت الله تعالى على سلامتك شكر ~~المخصوص بها، ووقفت على ما وصفته من الاعتداد بى، وتناهيت إليه من التقريظ ~~لى، فما زدت على أن أعرتنى خلالك، ونحلتنى خصالك، لأنك بالفضائل أولى، وهى ~~بك أحرى، ولو كنت فى نفسى ممن يشتمل على وصفه حدى إذا حددت، أو يحيط بكماله ~~وصفى إذا وصفت، لشرعت فى بلوغها والقرب منها، لكن المادح لك مستنفد لك وسعه ~~وقد بخسك، ومستغرق طوقه وقد نقصك، فأبلغ ما يأتى به ms542 المثنى عليك، ويتوصل ~~إليه المطرى لك، الوقوف فى ذلك دون منتهاه، والإقرار بالعجز دون غايته ~~ومداه. # ونقل البديع ما ذكره من ترك السفر والبغية بما حضر من قول ابن الرومى: # أما حق حامى عرض مثلك أن ترى ... له الرفد والترفيه أوجب واجب # أقمت لكى تزداد نعماك نعمة ... وتغنى بوجه ناضر غير شاحب # وكى لا يقول القائلون أثابه ... وعاقبه والقول جم المساغب # وليس عجيبا أن ينوب تكرم ... عديت به من آمل لك عائب # دمامى ترعى لا ذمام سفينة ... وحقى لا حق القلاص النجائب «1» # ودخل على أبى العتاهية أبنه، وقد تصوف، فقال: ألم أكن قد نهيتك عن هذا؟ ~~فقال: وما عليك أن أتعود الخير، وأنشأ عليه! فقال: يا بنى، يحتاج المتصوف ~~إلى رقة حال، وحلاوة شمائل، ولطافة معنى، وأنت ثقيل الظل، مظلم الهواء، ~~راكد النسيم، حامد العينين، فأقبل على سوقك؛ فإنها أعود عليك. # وكان بزازا. # PageV03P865 ### | فقر من كلام المتصوفة والزهاد والقصاص # نور الحقيقة، أحسن من نور الحديقة. الزهد قطع العلائق، وهجر الخلائق. # الدنيا ساعة، فاجعلها طاعة. التصوف ترك التكلف. قيل لمتصوف: أتيع مرقعتك؟ ~~قال: أرأيتم صيادا يبيع شبكته! وقيل لبعضهم: لو تزوجت! قال: # لو قدرت أن أطلق نفسى لطلقتها، وأنشد: # تجرد من الدنيا فإنك إنما ... سقطت إلى الدنيا وأنت مجرد # الدنيا نوم والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن فى أضغاث أحلام. # ذو النون: العبد بين نغمة وذنب، لا يصلحهما إلا الشكر والاستغفار. # غيره: ينبغى للعبد أن يكون فى الدنيا كالمريض لابد له من قوت، ولا يوافقه ~~كل طعام. ليس فى الجنة نعيم أعظم من علم أهلها أنها لا تزول. # ابن المبارك: الزهد إخفاء الزهد. إذا هرب الزاهد من الناس فاطلبه، وإذا ~~طلبهم فاهرب عنه. من أطلق طرفه كثر أسفه. من سوء القدر فضل النظر من طاوع ~~طرفه، تابع حتفه، ومن نظر بعين الهوى حار، ومن حكم على الهوى جار، ومن أطال ~~النظر لم يدرك الغاية، وليس لناظر نهاية. ربما أبصر الأعمى رشده، وأصل ~~البصير قصده. وقيل: رب حرب جنيت من لفظة، ورب ms543 حب غرس من لحظة، وأنشد: # نظرت إليها نظرة لو كسوتها ... سرابيل أبدان الحديد المسرد # لرقت حواشيها وفض حديدها ... ولانت كما لانت لداود فى اليد «1» # وقال سعيد بن حميد: # نظرت فقادتنى إلى الحتف نظرة ... إلى بمضمون الضمير تشير «2» # PageV03P866 # فلا تصرفن الطرف فى كل منظر ... فإن معاريض البلاء كثير # ولم أر مثل الحب أسقم ذا هوى ... ولا مثل حكم الحب كيف يجور # لقد صنت ما بى فى الضمير لو أنه ... يصان لدى الطرف النموم ضمير # غيره: # اليوم أيقنت أن الحب متلفة ... وأن صاحبه منه على خطر # كيف الحياة لمن أمسى على شرف ... من المنية بين الخوف والحذر # يلوم عينيه أحيانا بذنبهما ... ويحمل الذنب أحيانا على القدر # إذا نأى أو دنا فالقلب عندكم ... وقلبه أبدا منه على سفر # ونظر محمد بن أسباط الصوفى إلى أبى المثنى الشيبانى وقد نظر فى وجه غلام ~~مليح، فقال: [إياك و] إدمان النظر [فإنه] يكشف الخبر، ويفضح البشر، ويطول ~~به المكث فى سقر. # وقال المعلى الصوفى: شكوت إلى بعض الزهاد فسادا أجده فى قلبى، فقال: هل ~~نظرت إلى شىء فتاقت إليه نفسك؟ قلت: نعم، قال: احفظ عينيك؛ فإنك إن ~~أطلقتهما أوقعتاك فى مكروه، وإن ملكتهما ملكت سائر جوارحك. # وقال مسلم الخواص لمحمد بن على الصوفى: أوصنى، فقال: أوصيك بتقوى الله فى ~~أمرك كله، وإيثار ما يحب على محبتك، وإياك والنظر إلى كل ما دعاك إليه ~~طرفك، وشوقك إليه قلبك؛ فإنهما إن ملكاك لم تملك شيئا من جوارحك، حتى تبلغ ~~لهما ما يطالعانك به «1» ، وإن ملكتهما كنت الداعى إلى ما أردت، فلم يعصيا ~~لك أمرا ولم يردا لك قولا. # قال بعض الحكماء: إن الله عز وجل جعل القلب أمير الجسد، وملك الأعضاء؛ ~~فجميع الجوارح تنقاد له، وكل الحواس تطيعه، وهو مديرها «2» # PageV03P867 # ومصرفها، وقائدها وسائقها، وبإرادته تنبعث، وفى طاعته تتقلب؛ ووزيره ~~العقل، وعاضده الفهم، ورائده العينان، وطليعته الأذنان. [وهما فى النقل ~~سواء، لا يكتمانه أمرا، ولا يطويان دونه سرا، يريد العين والأذن] . # وقيل لأفلاطون: أيهما أشد ضررا بالقلب السمع أم ms544 البصر؟ فقال: هما للقلب ~~كالجناحين للطائر، لا يستقل إلا بهما، ولا ينهض إلا بقوتهما، وربما قص ~~أحدهما فنهض بالآخر على تعب ومشقة. قيل: فما بال الأعمى يعشق ولا يرى، ~~والأصم يعشق ولا يسمع؟ قال: لذلك قلت: إن الطائر قد ينهض بأحد جناحيه ولا ~~يستقل بهما طيرانا، فإذا اجتمعا كان ذهابه أمضى، و [طيرانه] أوحى «1» . # وقال الأسود بن طالوت الجارودى: نظر إلى أبو الغمر الصوفى وقد أطلت النظر ~~إلى غلام جميل، فقال: ويحك! إن طرفك لعظيم ما اجتنى من البلاء قد عرضك ~~للمكروه وطول العناء، لقد نظرت إلى حتف قاتل للقلوب، وبلاء مظهر للعيوب، ~~وعار فاضح للنفوس، ومكروه مذهل للعقول، أكل هذا الاغترار بالله جرأك عليه ~~حتى أمنت مكره، ولم تخف كيده؛ أعلم أنك لم تكن فى وقت من أوقاتك، ولا حالة ~~من حالاتك، أقرب إلى عقوبة الله منك فى حالتك هذه، ولو أخذك لم يتخلصك ~~الثقلان، ولم يقبل فيك شفاعة إنس ولا جان. # ونظر محمد بن ضوء الصوفى إلى رجل ينظر إلى غلام مليح، فقال: # كفى بالعبد نقصا عند الله، وضعة عند ذوى العقول، أن ينظر إلى كل ما سنح ~~له من البلاء. # ونظر [أبو] مسلم الخشوعى فأطال النظر، فقال: إن فى خلق السموات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب. ثم قال: # سبحان الله! ما أهجم طرفى على مكروه نفسه، وأدمنه على تسخط سيده، # PageV03P868 # وأغراه بما نهى عنه، وألهجه بما حذر منه! لقد نظرت إلى هذا نظرا شديدا ~~خشيت أنه سيفضحنى عند جميع من يعرفنى فى عرصة القيامة؛ ولقد تركنى نظرى هذا ~~وأنا أستحى من الله تعالى إن غفر لى! ثم صعق. # ونظر غالب المضرور «1» إلى علام جميل على فرس رائع، فقال: لا أدرى بم ~~أداوى طرفى، ولا بم أعالج قلبى؟ ما أتوب إلى الله من ذنب إلا رجعت فيه، ولا ~~أستغفره من أمر إلا أتيت أعظم منه، حتى لقد استحييت أن أسأله المغفرة لما ~~يلحق قلبى من القنوط من عفوه، لعظيم حالى بالمنكر الذى أصنعه. فقال له ~~قائل: ms545 وأى منكر أتيت؟ فقال: أنريد منى أكثر من نظرى هذا! والله لقد خشيت أن ~~يبطل كل عمل قدمته، وخير أسلفته، ثم بكى حتى ألصق خده بالأرض. # ورأى بعض الزهاد صوفيا يضحك إلى غلام جميل، فقال له: يا خارب القلب، ويا ~~مفتضح الطرف؛ أما تستحى من كرام كاتبين، وملائكة حافظين، يحفظون الأفعال، ~~ويكتبون الأعمال، وينظرون إليك، ويشهدون عليك، بالبلاء الظاهر، والغل ~~الدخيل المخامر، الذى أقمت نفسك فيه مقام من لا يبالى من وقف عليه، ونظر من ~~الخلق إليه. # وقال أبو حمزة بن إبراهيم: قلت لمحمد بن العلاء الدمشقى- وكان سيد ~~المتصوفة، وقد رأيته يماشى غلاما وضيئا مدة ثم فارقه-: لم هجرت ذلك الفتى ~~بعد أن كنت له مواصلا، وإليه مائلا؟ فقال: والله لقد فارقته من غير قلى ولا ~~ملل؛ ولقد رأيت قلبى يدعونى إذا خلوت به، وقربت منه، إلى أمر لو أتيته ~~لسقطت من عين الله عز وجل؛ فهجرته تنزيها لله ولنفسى عن مصارع الفتن، وإنى ~~لأرجو أن يعقبنى سيدى من # PageV03P869 # مفارقته ما أعقب الصابرين عن محارمه عند صدق الوفاء بأحسن الجزاء؛ ثم بكى ~~حتى رحمته. # قال أبو حمزة: ورأيت مع أحمد بن على الصوفى ببيت المقدس غلاما جميلا، ~~فقلت: منذكم صحبك هذا الغلام؟ فقال: منذ سنين، فقلت: لو سرتما إلى بعض ~~المنازه فكنتما فيه كان أحمد لكما من الجلوس فى المسجد بحيث يراكما الناس؟ ~~فقال: أخاف احتيال الشيطان على به وقت خلوتى، وإنى لأكره أن يرانى الله فيه ~~على معصية فيفرق بينى وبينه يوم يظفر المحبون بأحبابهم قال أبو الفتح ~~البستى: # تنازع الناس فى الصوفى، واختلفوا ... فيه وظنوه مشتقا من الصوف # ولست أنحل هذا الاسم غير فتى ... صافى فصوفى حتى لقب الصوفى # ورأى بقراط رجلا من تلامذته يتفرس فى وجه أوحيا، وكانت فائقة الجمال، ~~فقال: ما هذا الشغل الذى منعك الروية والفكرة؟ فقال: التعجب من آثار حكمة ~~الطبيعة فى صورة أوحيا، فقال: لا تجعلن نظرك لشهوتك مركبا، فيجمع لك فى ~~الوحول الأذية «1» ؛ ولتكن نفسك منه على بال، إن آثار الطبيعة فى ms546 وجه أوحيا ~~الظاهرة تمحق بصرك، وإن فكرت فى صورتها الباطنة تحد نظرك. # وقال بعضهم: رأيت جارية حسناء الساعد؛ فقلت: يا جارية، ما أحسن ساعدك! ~~فقالت: [أجل، لكنه] لم تختص به، فغض بصر جسمك عما ليس لك؛ لينفتح بصر عقلك ~~فترى مالك. # PageV03P870 ### | الرأى والهوى # وقال بعض الفلاسفة اليونانيين: فضل ما بين الرأى والهوى أن الهوى يخص ~~والرأى يعم، وأن الهوى فى حيز العاجل، والرأى فى حيز الآجل، والرأى يبقى ~~على طول الزمان، والهوى سريع الدثور «1» والاضمحلال، والهوى فى حير الحس، ~~والرأى فى حيز العقل. # وقال بعض الحكماء: من انقاد لهواه عرضته الشهوات. # وقال آخر: من جرى مع هواه طلقا «2» ، جعل عليه للذل طرقا. # وقال ابن دريد: أوصى بعض الحكماء رجلا فقال: آمرك بمجاهدة هواك؛ فإنه ~~يقال: إن الهوى مفتاح السيئات، وخصيم الحسنات، وكل أهوائك لك عدو، وأعداهما ~~هوى يكتمك نفسه، وأعدى منه هوى يمثل لك الإثم فى صورة التقوى، ولن تفصل بين ~~هذه الخصوم إذا تناظرت لديك إلا بحزم لا يشوبه وهن «3» ، وصدق لا يطمع فيه ~~تكذيب، ومضاء لا يقاربه التثبيط، وصبر لا يغتاله الجزع، وهمة لا يتقسمها ~~التضييع وقال أبو العتاهية: # لا تأمن الموت فى طرف وفى نفس ... ولو تمنعت بالحجاب والحرس # فما تزال سهام الموت نافذة ... فى جنب مدرع منا ومترس «4» # ما بال دينك ترضى أن تدنسه ... وثوبك الدهر مغسول من الدنس # ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجرى على يبس ### | [من البد بدائه فى مجالس الخلفاء] # خرج شبيب بن شيبة من دار المهدى، فقيل له: كيف رأيت الناس؟ قال: # PageV03P871 # رأيت الداخل راجيا والخارج راضيا. نحا إلى هذا المعنى ربيعة الرقى فقال: # قد بسط المهدى كف الندى ... للناس والعفو عن الظالم # فالراحل الصادر عن بابه ... مبشر للوارد القادم # وقال مسلم بن الوليد فى نحو هذا المعنى: # جزيت ابن منصور على نأى داره ... جزاء مقر بالصنيعة شاكر # فتى راغم الأموال واصطنع العلا ... وأرث نيران الندى للعشائر «1» # [ترى الناس أرسالا على باب داره] ... [على آمن يحدو به حمل صادر ms547 «2» # وقال المتنبى: # وألقى الفم الضحاك أعلم أنه ... قريب بذى الكف المفداة عهده # دخل خالد بن صفوان على أبى العباس السفاح، وعنده أخواله من بنى الحارث بن ~~كعب، فقال: ما تقول فى أخوالى؟ فقال: هم هامة الشرف، وعرنين الكرم، وغرس ~~الجود، إن فيهم لخصالا ما اجتمعت فى غيرهم من قومهم؛ إنهم لأطولهم أمما، ~~وأكرمهم شيما، وأطيبهم طعما، وأوفاهم ذمما، وأبعدهم همما، الجمرة فى الحرب، ~~والرفد فى الجدب، والرأس فى كل خطب، وغيرهم بمنزلة العجب «3» . فقال: وصفت ~~أبا صفوان فأحسنت، فزاد أخواله فى الفخر؛ فغضب أبو العباس لأعمامه، فقال: ~~أفخر يا خالد؟ قال: أعلى أخوال المؤمنين! قال: وأنت من أعمامه؟ قال: كيف ~~أفاخر قوما هم بين ناسج برد، وسائس قرد، ودابغ جلد «4» ، دل عليهم هدهد، ~~وغرقهم جرذ، وملكتهم أم ولد! فأشرق وجه أبى العباس. # قال يموت ابن المزرع: سمعت خالى الجاحظ، وذكر كلام خالد هذا، فقال: والله ~~لو فكر فى جمع معايبهم، واختصار اللفظ فى مثالبهم، # PageV03P872 # بعد ذلك المدح المهذب سنة لكان قليلا، فكيف على بديهته لم يرض له فكرا. # هكذا أورد هذه الحكاية الصولى، وقد جاءت بأطول من هذا، وليس من شرطنا. # قال معن بن أوس الهذلى: # لعمرك ما أدرى وإنى لأوجل ... على أينا تأنى المنية أول # وإنى أخوك الدائم الود لم أحل ... إذا ناب خطب أو نبا بك منزل «1» # كأنك تشفى منك داء مساءتى ... وسخطى، وما فى ريبتى ما تعجل # وإن سؤتنى يوما صبرت إلى غد ... ليعقب يوما آخر منك مقبل # ستقطع فى الدنيا إذا ما قطعتنى ... يمينك فانظر أى كف تبدل # وفى الناس إن رثت حبالك واصل ... وفى الأرض عن دار القلى متحول # إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل # ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل # وكنت إذا ما صاحب رام ظنتى ... وبدل سوءا بالذى كان يفعل # قلبت له ظهر المجن ولم أدم ... عليه العهد إلا ريثما أتحول # إذا انصرفت نفسى عن الشىء لم تكد ... على بوجه ms548 آخر الدهر تقبل # ودخل عبد الله بن الزبير على معاوية بن أبى سفيان وأنشد شعر معن، فقال: # لمن هذا؟ فقال: لى يا أمير المؤمنين، قال: لقد شعرت بعدى يا أبا بكر! ثم ~~دخل عليه معن فأنشد الشعر بعينه، فقال: يا أبا بكر، ألم تقل إنه شعرك؟ ~~فقال: # يا أمير المؤمنين، إنه ظئرى «2» فما كان له فهو لى. أراد معاتبة معاوية ~~فعاتبه بشعر معن؛ ليبلغ ما فى نفسه، وليس ادعاؤه له على حقيقة منه. # PageV03P873 # وقال خالد بن صفوان: دخلت على هشام بن عبد الملك، فاستدنانى حتى كنت أقرب ~~الناس إليه، ثم تنفس الصعداء، وقال: يا خالد، رب خالد جلس مجلسك هو أشهى ~~إلى حديثا منك! فعلمت أنه أراد خالدا القسرى، فقلت: # أفلا تعيده يا أمير المؤمنين؟ فقال: هيهات؟ إن خالدا أدل فأمل، وأوجف ~~فأعجف، ولم يدع لراجع مرجعا. وتمثل بهذا البيت: # إذا انصرفت نفسى عن الشىء لم تكد ... عليه بوجه آخر الدهر تقبل # وروى أبو حاتم عن أبى عبيدة قال: كان عبد الملك بن مروان فى سمره مع أهل ~~بيته وولده وخاصته، فقال لهم: ليقل كل واحد منكم أحسن ما قيل من الشعر، ~~وليفصل [من] رأى تفضيله، فأنشدوا وفضلوا، فقال بعضهم: [امرؤ القيس، وقال ~~بعضهم:] النابغة، وقال بعضهم: الأعشى، فلما فرغوا قال: # أشعر الناس والله من هؤلاء الذى يقول، وأنشد بعض هذه الأبيات التى أنشد، ~~وهى لمعن بن أوس: # وذى رحم قلمت أظفار ضغنه ... بحلمى عنه وهو ليس له حلم # يحاول رغمى لا يحاول غيره ... وكالموت عندى أن يحل به الرغم # فإن أعف عنه أغض عينا على قذى ... وليس له بالصفح عن ذنبه علم # وإن أنتصر منه أكن مثل رائش ... سهام عدو يستهاض بها العظم # صبرت على ما كان بينى وبينه ... وما يستوى حرب الأقارب والسلم # وبادرت منه النأى والمرء قادر ... على سهمه ما كان فى كفه السهم # ويشتم عرضى فى المغيب جاهدا ... وليس له عندى هوان ولا شتم «1» # إذا سمته وصل القرابة سامنى ... قطيعتها، تلك السفاهة والإثم # فإن أدعه للنصف ms549 يأب إجابتى ... ويدعو لحكم جائر غيره الحكم «2» # PageV03P874 # فلولا اتقاء الله والرحم التى ... رعايتها حق وتعطيلها ظلم # إذا لعلاه بارق وخطمته ... بوسم شنار لا يشابهه وسم «1» # ويسعى إذا أبنى ليهدم صالحى ... وليس الذى يبنى كمن شانه الهدم # يود لو أبى معدم ذو خصاصة ... وأكره جهدى أن يخالطه العدم # ويعتد غنما فى الحوادث نكبتى ... وما إن له فيها سناء ولا غنم # فما زلت فى لينى له وتعطفى ... عليه كما تحنو على الولد الأم # وخفضى له منى الجناح تألفا ... لتدنيه منى القرابة والرحم # وصبرى على أشياء منه تريبنى ... وكظمى عن غيظى وقد ينفع الكظم # لاستل منه الضغن حتى استللته ... وقد كان ذا ضغن يصوبه الحزم «2» # رأيت انثلاما بيننا فرقعته ... برفقى أحيانا وقد يرقع الثلم # وأبرأت غل الصدر منه توسعا ... بحلمى كما يشفى بالادوية الكلم # فأطفأت نار الحرب بينى وبينه ... فأصبح بعد الحرب وهو لنا سلم ### | [من رسائل أبى الفضل بن العميد] # وكتب أبو الفضل بن العميد إلى أبى عبد الله الطبرى: # وصل كتابك فصادفنى قريب عهد بانطلاق، من عنت الفراق، وأوقفنى مستريح ~~الأعضاء والجوانح من حر الاشتياق، فإن الدهر جرى على حكمه المألوف فى تحويل ~~الأحوال، ومضى على رسمه المعروف فى تبديل الأبدال، وأعتقنى من مخالتك عتقا ~~لا تستحق به ولاء، وأبرأنى من عهدتك براءة لا تستوجب معها دركا ولا ~~استثناء، ونزع من عنفى ربقة الذل فى إخائك بيدى جفائك، ورش على ما كان ~~يحتدم فى ضميرى من نيران الشوق ماء السلو، وشن على ما كان يلتهب فى صدرى من ~~الوجد # PageV03P875 # ماء اليأس، ومسح أعشار قلبى فلام فطورها بجميل الصبر «1» ، وشعب أفلاذ ~~كبدى فلاحم صدوعها بحسن العزاء، وتغلغل فى مسالك أنفاسى فعوض نفسى من ~~النزاع إليك نزوعا عنك «2» ، ومن الذهاب فيك رجوعا دونك، وكشف عن عينى ~~ضبابات ما ألقاه الهوى على بصرى، ورفع عنها غيابات ما سدله الشك دون نظرى، ~~حتى حدر النقاب عن صفحات شيمك، وسفر عن وجوه خليقتك؛ فلم أجد إلا منكرا، ~~ولم ألق إلا مستكبرا، فوليت منها فرارا، وملئت رعبا، ms550 فاذهب فقد ألقيت حبلك ~~على غاربك، ورددت إليك ذميما عهدك. # وفى فصل من هذه الرسالة: وأما عذرك الذى رمت بسطه فانقبض، وحاولت تمهيده ~~وتقريره فاستوفز وأعرض، ورفعت بضبعه فانخفض، فقد ورد ولقيته بوجه يؤثر ~~قبوله على رده، وتزكيته على جرحه، فلم يف بما بذلته لك من نفسه، ولم يقم ~~عند ظنك به، أنى وقد غطى التذمم وجهه، ولف الحياء رأسه، وغض الخجل طرفه؛ ~~فلم تتمكن من استكشافه، وولى فلم تقدر على إيقافه، ومضى يعثر فى فضول ما ~~يغشاه من كرب حتى سقط، فقلنا: لليد والفم؛ ثم أمر بمطالعة ما صحبه فلم أجده ~~إلا تأبط شرا، أو تحمل وزرا. # وقوله هذا محلول من عقد نظمه إذ يقول: # اقر السلام على الأمير وقل له ... قدك اتئب أر بيت فى الغلواء # أنت الذى شتت شمل مسرتى ... وقدحت نار الشوق فى أحشائى # ورضيت بالثمن اليسير معوضة ... منى، فهلا بعتنى بغلاء # وسألتك العتبى فلم ترنى لها ... أهلا، فجدت بعذرة شوهاء «3» # وردت مموهة فلم يرفع لها ... طرف، ولم ترزق من الإصغاء # PageV03P876 # وأعار منطقها التذمم سكتة ... فتراجعت تمشى على استحياء # لم تشف من كمد، ولم تبرد على ... كبد، ولم تمسح جوانب داء # داوت جوى بجوى وليس بحازم ... من يستكف النار بالحلفاء # من يشف من كمد بآخر مثله ... أثرت جوارحه على الأدواء # وله إليه رسالة: أخاطب الشيخ سيدى- أطال الله بقاءه- مخاطبة محرج يروم ~~الترويح عن قلبه، ويريغ التفريج «1» من كربه؛ فأكاتبه مكاتبة مصدور، يريد ~~أن ينفث بعض ما به، ويخفف الشكوى من أوصابه، ولو بقيت فى التصبر بقية لسكت، ~~ولو وجدت فى أثناء وجدى مخرجة يتحللها تجلد لأمسكت؛ فقديما لبست الصديق على ~~علاته، وصفحت له عن هناته، ولكنى مغلوب على العزاء، مأخوذ عن عادتى فى ~~الإغضاء، فقد سل من جفائك ما ترك احتمالى جفاء، وذهب فى نفسى من ظلمك ما ~~أنزف حلمى فجعله هباء، وتوالى على من قبح فعلك فى هجر يستمر على نسق، وصد ~~مطرد متسق، ما لو فض على الورى، وأفيض على البشر لامتلأت منه صدورهم، فهل ms551 ~~أقدر على ألا أقول، وهل نكلك إلى مراعاتك، وهل نشكوك إلى الدهر حليفك على ~~الإضرار، وعقيدك على الإفساد «2» ، وأشكوه إليك، فإنكما وإن كنتما فى قطيعة ~~الصديق رضيعى لبان، وفى استيطاء مركب العقوق شريكى عنان، فإنه فاصر عنك فى ~~دقائق مخترعة، أنت فيها نسيج وحدك، وقاعد عما تقوم به من لطائف مبتدعة، أنت ~~فيها وحيد عصرك، أنتما متفقان فى ظاهر يسر الناظر، وباطن يسوء الخابر، وفى ~~تبديل الأبدال، والتحول من حال إلى حال، وفى بث حبائل الزور، ونصب أشراك ~~الغرور، وفى خلف الموعود، والرجوع فى الموهوب، وفى فظاعة اهتضام ما يعير، ~~وشناعة ارتجاع ما يمنح، وقصد مشارة الأحرار «3» ، والتحامل # PageV03P877 # عند ذوى الأخطار، وفى تكذيب الظنون، والميل عن النباهة للخمول، إلى كثير ~~من شيمكا التى أسندتما إليها، وسنتكما التى تعاقدتما عليها، فأين هو ممن لا ~~يجارى فيه نقض عرى العهود، ونسكث قوى العقود؟ وأنى هو عن النميمة والغيبة، ~~ومشى الضراء» # فى الغيلة، والتنفق بالنفاق فى الحيلة وأين هو ممن ادعى ضروب الباطل، ~~والتحلى بما هو منه عاطل، وتنقص العلماء والأفاضل؛ هذا إلى كثير من مساو ~~منثورة أنت ناظمها، ومخاز متفرقة أنت جامعها. أنت أيدك الله إن سويته ~~بنفسك، ووزنته بوزنك، أظلم منه لذويه، وأعق منه لبنيه؛ وهبك على الجملة قد ~~زعمت- مفتريا عليه- أنه أشد منك قدرة، وأعظم بسطة، وأتم نصرة، وأطلق يدا فى ~~الإساءة، وأمضى فى كل نكابة شباة «2» ، وأحد فى كل عاملة شداة «3» ، وأعظم ~~فى كل مكروه متغلغلا، وآلف إلى كل محذور متوصلا، إن الدهر الذى ليس بمعتب ~~من يجزع، وإن العتبى منك مأمولة، ومن جهتك مرقوبة، وهيهات! فهل توهم أنه لو ~~كان ذا روح وجثمان، مصورا فى صورة إنسان، ثم كاتبته أستعطفه على الصلة، ~~وأستعفيه من الهجر، وأذكره من المودة، وأستميل به إلى رعاية المقة، وأستعد ~~على ما أشاعه الفراق فى نفسى من اللوعة، وأضرمه بالبعاد فى صدرى من الحرقة، ~~كان يستحسن ما استحسنته من الاضطراب عند جوابى، ويستجيز ما استجزته من ~~الاستخفاف بكتابى. # وله فصل فى هذه الرسالة، وقد ذكر ms552 دعواه فى العلم: # وهبك أفلاطون نفسه فأين ما سننته من السياسة، فقد قرأناه، أتجد فيه ~~إرشادا إلى قطيعة صديق، واحسبك أرسطاطاليس بعينه، أين ما رسمته من الأخلاق؟ ~~فقد رأيناه فلم تر فيه هداية إلى شىء من العقوق، وأما الهندسة فإنها باحثة ~~عن المقادير، ولن يعرفها إلا من جهل مقدار نفسه، وقدر الحق عليه وله؛ بل لك ~~فى رؤساء الآداب العربية [منا ريح ومضطرب، ولسنا نشاحك، لكن أتحب أن تتحقق # PageV03P878 # بالغريب من القول، دون الغريب] من الفعل؟ وقد أغربت فى الذهاب بنفسك إلى ~~حيث لا تهتدى للرجوع عنه. وأما النحو فلن تدفع عن حذق فيه، وبصر به، وقد ~~اختصرته أوجز اختصار، وسهلت سبيل تعليمه على من يجعلك قدوة، ويرضى بك أسوة، ~~فقلت: الغدر والباطل وما جرى مجراهما مرفوع، والصدق والحق وما صاحبهما ~~مخفوض، وقد نصب الصديق عندك، ولكن غرضا يرشق بسهام الغيبة، وعلما يقصد ~~بالوقيعة، ولست بالعروضى ذى اللهجة فأعرف قدر حذقك فيه، إلا أنى لا أراك ~~تتعرض لكامل فيه، ولا وافر، وليتك سبحت فى بحر المجتث حتى تخرج منه إلى شط ~~المتقارب. # وفى فصل منها أيضا: # وهبنى سكت لدعواك سكوت متعجب، ورضيت رضا متسخط، أيرضى الفضل اجتذابك ~~بأهدائه، من يدى أهليه وأصحابه، وأحسبك لم تزاحم خطابه، حتى عرفت ذلة نفره ~~وقلة بصره، فاصدقنى هل أنشدك: # لو بأبانين جاء يخطبها ... ضرج ما أنف خاطب بدم «1» # وليت شعرى بأى حلى تصديت له، وأنت لو تتوجت بالثريا، وقلدت قلادة الفلك، ~~وتمنطقت بمنطقة الجوزاء، وتوشحت بالمجرة لم تكن إلا عطلا، ولو توشحت بأنوار ~~الربيع الزاهر، وسرجت جبينك غرة البدر الباهر، ما كنت إلا عطلا، سيما مع ~~قلة وفائك، وضعف إخائك، وظلمة ما تتصرف فيه من خصالك، وتراكم الدجى على ~~ضلالك، وقد ندمت على ما أعرتك من ودى، ولكن أى ساعة مندم، بعد إفناء الزمان ~~فى ابتلائك، وتصفحى حالات الدهر فى اختيارك، وبعد تضييع ما غرسته، ونقض ما ~~أسسته، فإن الوداد غرس إذا لم يوافق ثرى ثريا، وجوا عذيا «2» ، وماء رويا، ~~لم يرج زكاؤه، ولم ms553 يجر نماؤه، ولم تفتح أزهاره، ولم تجن ثماره، ولبت شعرى، ~~كيف # PageV03P879 # ملك الضلال قيادى حتى أشكل على ما يحتاج إليه الممزوجان، ولا يستغنى عنه ~~المتآلفان، وهما ممازجة طبع، وموافقة شكل وخلق، ومطابقة خيم «1» وخلق، وما ~~وصلتنا حال تجمعنا على ائتلاف، وحمتنا من اختلاف، ونحن فى طرفى ضدين، وبين ~~أمرين متباعدين، وإذا حصلت الأمر وجدت أقل ما بيننا من البعاد، أكثر مما ~~بين الوهاد والنجاد «2» ، وأبعد مما بين البياض والسواد، وأيسر ما بيننا من ~~النفار أقل [ما بيننا من النضار، وأكثر ما] بين الليل والنهار، والإعلان ~~والإسرار ### | [حسن التأتى للأمور] # قال أسد بن عبد الله لأبى جعفر المنصور: يا أمير المؤمنين، فرط الخيلاء، ~~وهيبة العزة، وظل الخلافة، يكف عن الطلب من أمير المؤمنين إلا عن إذنه، ~~فقال له: قل، فقد والله أصبت مسلك الطلب؛ فسأل حوائج كثيرة قضيت له. # وقال عمرو بن نهيك لأبى جعفر المنصور: يا أمير المؤمنين، قد حضر خدمك ~~الإعظام والهيبة عن ابتدائك بطلياتهم، وما عاقبة هذين لهم عندك؟ قال: عطاء ~~يزيدهم حياء، وإكرام يكسوهم هيبة الأبد قال عيسى بن على: ما زال المنصور ~~يشاورنا فى أمره حتى قال إبراهيم بن هرمة فيه: # إذا ما أراد الأمر ناجى ضميره ... فناجى ضميرا غير مختلف العقل # ولم يشرك الأدنين فى جل أمره ... إذا اختلفت بالأضعفين قوى الحبل ### | فقر فى ذكر المشورة # المشورة لقاح العقل، ورائد الصواب، وحزم التدبير. المشاورة قبل المساورة. ~~والمشورة عين الهداية. # PageV03P880 # ابن المعتز: من رضى بحاله استراح، والمستشير على طرف النجاح. # وله: من أكثر المشورة لم يعدم فى الصواب مادحا، وفى الخطإ عاذرا. # بشار بن برد: المشاور بين إحدى الحسنيين: صواب يفوز بثمرته أو خطأ يشارك ~~فى مكروهه، وقال: # إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن ... بعزم نصيح أو مشورة حازم # ولا تحسب الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافى قوة للقوادم «1» # وما خير كف أمسك الغل أختها ... وما خير سيف لم يؤيد بقائم # وخل الهوينى للضعيف ولا تكن ... نؤوما فإن الحر ليس بنائم # وأدن إلى القرب المقرب نفسه ... ولا تشهد ms554 النجوى امرأ غير كاتم # فإنك لا تستطرد الغم بالمنى ... ولا تبلغ العليا بغير المكارم # دخل الهذيل بن زفر على يزيد بن المهلب فى حمالات لزمته فقال: أيها ~~الأمير، قد عظم شأنك أن يستعان بك أو يستعان عليك، ولست تفعل شيئا من ~~المعروف إلا وأنت أكبر منه، وليس العجب من أن تفعل، بل العجب من ألا تفعل؛ ~~فقضاها. ### | [تأريخ الكتب والرسائل] # استخلص القاضى أبو خليفة الفضل بن حباب الجمحى رجلا للأنس به، فقال: # أغير ثيابى وأعود، قال: ما أفعل، إيناسك وعد، وإيحاشك نقد، وكان أبو ~~خليفة من جلة المحدثين، وله حلاوة معنى، وحسن عبارة، وبلاغة لفظ. قال ~~الصولى: كاتبت أبا خليفة فى أمور أرادها فأغفلت التاريخ منها فى كتابين، ~~فكتب إلى بعد نفوذ الثانى: وصل كتابك- أعزك الله- مبهم الأوان، مظلم ~~المكان، فأدى خيرا ما القرب # PageV03P881 # فيه بأولى من البعد؛ فإذا كتبت- أكرمك الله تعالى! - فلتكن كتبك مرسومة ~~بتاريخ؛ لأعرف أدنى آثارك، وأقرب أخبارك، إن شاء الله تعالى. # وقال بعض الكتاب: التاريخ عمود اليقين، ونافى الشك، به تعرف الحقوق، ~~وتحفظ العهود. # وقال رجل لأبى خليفة سلم عليه: ما أحسبك تعرف نسبى، فقال: # وجهك يدل على نسبك، والإكرام يمنع من مسألتك، فأوجد لى السبيل إلى ~~معرفتك. # وسأل أبو جعفر المنصور قبل أن تفضى إليه الخلافة شبيب بن شيبة، فانتسب له ~~فعرفه أبو جعفر، فأثنى عليه وعلى قومه، فقال له شبيب: بأبى أنت وأمى! أنا ~~أحب المعرفة واجلك عن المسألة، فتبسم أبو جعفر وقال: لطف أهل العراق! أنا ~~عبد الله بن محمد [بن على] بن عبد الله بن العباس، فقال: بأبى أنت وأمى. # ما أشبهك بنسبك؛ وأدلك على منصبك. ### | فقر وأمثال، يتداولها العمال # الولاية حلوة الرضاع مرة الفطام. غبار العمل خير من زعفران العطلة. # ابن الزيات: الإرجاف مقدمة السكون. # عبد الله بن يحيى: الإرجاف رائد الفتنة. # حامد بن العباس: غرس البلوى، يثمر الشكوى. # أبو محمد المهلبى: التصرف أعلى وأثنى، والتعطل أصفى وأعفى أبو القاسم ~~الصاحب: وعد الكريم، ألزم من دين الغريم. # ابن المعتز: ذل العزل يضحك ms555 من تيه الولاية. وقال: # كم تائه بولاية ... وبعزله ركض البريد # سكر الولاية طيب ... وخمارها صعب شديد # PageV03P882 # وقال: من ولى ولاية فتاه فيها فأخبره أن قدره دونها. العزل طلاق الرجال ~~وحيض العمال. وأنشدوا: # وقالوا العزل للعمال حيض ... لحاه الله من حيض بغيض # فإن يك هكذا فأبو على ... من اللائى يئسن من المحيض # منصور الفقيه: # يا من تولى فأبدى ... لنا الجفا وتبدل # أليس منك سمعنا ... من لم يمت فسيعزل # وقال أيضا: # إذا عزل المرء واصلته ... وعند الولاية أستكبر # لأن المولى له نخوة ... ونفسى على الذل لا تصبر ### | [من ترجمة منصور الفقيه، وأخباره] # ومنصور هذا هو منصور بن إسماعيل بن عيسى بن عمر التيمى «1» ، وكان يتفقه ~~على مذهب الإمام الشافعى رضى الله عنه، وهو حلو المقطعات، لا تزال تندر له ~~الأبيات مما يستظرف معناه، ويستحلى مغزاه، [ويبقى ثناه] ، وهو القائل لما ~~كف بصره: # من قال مات ولم يستوف مدته ... لعظم نازلة نالته معذور # وليس فى الحكم أن يحيا فتى بلغت ... به نهاية ما يخشى المقادير # فقل له عير مرتاب بغفلته ... أو سوء مذهبه: قد عاش منصور # وعتب على بعض الأشراف، وكانت أمه أمة قيمتها ثمانية عشر دينارا، فقال: # من فاتنى بأبيه ... ولم يفتنى بأمه # PageV03P883 # ورام شتمى ظلما ... سكت عن نصف شتمه # وقال: # لو قيل لى خذ أمانا ... من حادث الأزمان # لما أخذت أمانا ... إلا من الإخوان # وقال: # رضيت بما قسم الله لى ... وفوضت أمرى إلى خالقى # كما أحسن الله فيما مضى ... كذلك يحسن فيما بقى # وقال: # لو كنت منتفعا بعل ... مك مع مواصلة الكبائر # ما ضر شرب السم واع ... لم أن شرب السم ضائر # وقال: # إذا القوت تأتى ل ... ك والصحة والأمن # وأصبحت أخا حزن ... فلا فارقك الحزن # ورأيت له فى أكثر النسخ- على أن أكثر الناس يرويه لإبراهيم بن المهدى، ~~وهو الصحيح-: # لولا الحياء وأننى مشهور ... والعيب يعلق بالكبير كبير # لحللت منزلنا الذى نحتله ... ولكان منزلنا هو المهجور «1» # وهذا كقول الصاحب أبى القاسم: # [دعتنى عيناك نحو الصبا ... دعاء يكرر فى كل ساعه # فلولا ms556 وحقك عذر المشيب ... لقلت لعينيك سمعا وطاعه # PageV03P884 # وقال ابن دريد فى معنى البيت الأول فأحسن:] # إذا رأيت امرأ فى حال عسرته ... مصافيا لك ما فى وده خلل # فلا تمن له أن يستفيد غنى ... فإنه بانتقال الحال ينتقل ### | [تغير الحال، بكثرة الأموال] # وكان لمحمد بن الحسن بن سهل صديق قد نالته عسرة، ثم ولى عملا، فأتاه محمد ~~قاضيا حقا ومسلما عليه، فرأى منه [نبوة و] تغيرا، فكتب إليه: # لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة ... وأصبحت ذا يسر، وقد كنت ذا عسر # لقد كشف الإثراء منك خلائقا ... من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر # وقال أبو العتاهية فى عمرو بن مسعدة، وكان له خلا قبل ارتفاع حاله، فلما ~~علت رتبته مع المأمون تغير عليه: # غنيت عن العهد القديم غنيتا ... وضيعت عهدا كان لى ونسيتا # وقد كنت لى أيام ضعف من القوى ... أبر وأوفى منك حين قويتا # تجاهلت عما كنت تحسن وصفه ... ومت عن الإحسان حين حيبتا # وكتب بديع الزمان إلى أبى نصر بن المرزبان فيما ينخرط فى هذا السلك: # كنت- أطال الله بقاء الشيخ سيدى وأدام عزه- فى قديم الزمان أتمنى الخير ~~للاخوان، وأسأل الله تعالى أن يدر عليهم أخلاف الرزق «1» ، ويمدلهم أكناف ~~العيش، ويؤتيهم أصناف الفضل، ويوطئهم أكناف العز، وينيلهم أعراف المجد، ~~وقصاراى الآن أن أرغب إلى الله تعالى ألا ينيلهم فوق الكفاية، فشد ما يطغون ~~عند النعمة ينالونها، والدرجة يعلونها، وسرع ما ينظرون من عال، ويجمعون من ~~مال، وينسون فى ساعة اللدونة. أوقات الخشونة «2» ، وفى أزمان العذوبة أيام ~~الصعوبة، وللكتاب مزية # PageV03P885 # فى هذا الباب؛ فبينهم فى الغربة أعوان كما انفرج المشط، وفى العطلة إخوان ~~كما انتظم السمط، حتى إذا لحظهم الجد لحظة حمقاء بمنشور عمالة، أوصك جعالة؛ ~~عاد عامر مودتهم خرابا، وانقلب شراب عهدهم سرابا، فما اتسعت دورهم إلا ضاقت ~~صدورهم، ولا علت قدورهم إلا خبت بدورهم، ولا علت أمورهم إلا أسبلت ستورهم، ~~ولا أوقدت نارهم إلا انطفأ نورهم. ولا هملجت عتاقهم إلا فظعت أخلاقهم، ولا ~~صلحت أحوالهم، إلا فسدت أفعالهم، ولاكثر مالهم، ms557 إلا قل جمالهم، وعز ~~معروفهم، وورمت أنوفهم «1» ، حتى إنهم ليصيرون على الإخوان مع الخطوب خطبا، ~~وعلى الأحرار مع الزمان ألبا. قصارى أحدهم من المجد أن ينصب تحته تخته، وأن ~~يوطىء استه دسته، وحسبه من الشرف دار يصهرج أرضها، ويزخرف بعضها، ويزوق ~~سقوفها، ويعلق شفوفها «2» ، وناهيه من الشرف أن تغدو الحاشية أمامه، وتحمل ~~الغاشية قدامه، وكفاه من الكرم ألفاظ فقاعية «3» ، وثياب قداعية، يلبسها ~~ملوما، ويحشوها لوما، وهذه صفة أفاضلهم. ومنهم من يمنحك الود أيام خشكاره ~~حتى إذا أخصب جعل ميزانه وكيله، وأسنانه أكيله، وأنيسه كيسه، وأليفه رغيفه، ~~وأمينه يمينه، ودنانيره سميره، وصندوقه صديقه، ومفتاحه ضجيعه، وخاتمه ~~خادمه، وجمع الدرة إلى الدرة، ووضع البدرة على البدرة، فلم تقع القطرة من ~~طرفه، ولا الدرة من كفه؛ ولا يخرج ماله عن عهدة خاتمه، إلى يوم مأتمه، وهو ~~يجمع لحادث حياته، أو وارث وفاته؛ يسلك فى الغدر كل طريق، ويبيع بالدرهم ~~ألف صديق؛ وقد كان الظن بصديقنا أبى سعيد- أيده الله تعالى- أنه إذا أخصب ~~آوانا كنفا من ظله، وحبانا من فضله، فمن لنا الآن بعدله؟ إنه- أطال الله ~~بقاءه- حين طارت إلى أذنه عقاب المخاطبة بالوزير، وجلس من الديوان فى صدر ~~الإيوان # PageV03P886 # افتض عذره السياسة لدى، بتعرض بعض المختلفة إلى، وجعل يعرضه للهلاك، ~~ويتسبب إليه بمال الأتراك، وجعلت أكاتبه مرة وأقصده أخرى، وأذكره أن الراكب ~~ربما استنزل، والوالى ربما عزل، ثم يجف ريق الخجل على لسان العذر، فتبقى ~~الحزازة فى الصدر، وما يجمعنى والشيخ إن كان زاده قولى إلا علوا فى تحكمه، ~~[وغلوا فى تهكمه] وجعل يمشى الجمزى فى ظلمه؛ [ويبرأ إلى من علمه] ، فأقول- ~~إذا رأيت ذلة السؤال منى وعزة الرد منه لى-: # قل لى متى فرزنت سر ... عة ما أرى يا بيذق «1» # وما أضيع وقتا فيه أضعته، وزمانا بذكره قطعته، هلم إلى الشيخ وشرعته، فقد ~~نكأ القلب بقرحه، وكيف أصف حالا لا يقرع الدهر مروة حاله، ولا ينتقض عروة ~~إجلاله؛ فما أولانى بأن أذكره مجملا، وأتركه مفصلا، والسلام. # وكتب إلى بعض إخوانه فى أمر رجل ولى الأشراف: ms558 # فهمت ما ذكرت- أطال الله بقاءك- من أمر فلان أنه ولى الأشراف، فإن يصدق ~~الطير يكن إشرافا على الهلاك، بأيدى الأتراك، فلا تحزنك ولايته فالحبل لا ~~يبرم إلا للفتل، ولا تعجبك خلعته فالثور لا يزين إلا للقتل، ولا يرعك نفاقه ~~فأرخص ما يكون النفط إذا غلا [وأسفل ما يكون الأرنب إذا علا] ، وكأنى به ~~وقد شن عليه جران العود، شن المطر الجود، وقيد له مركب الفجار، من مربط ~~النجار، وإنما جر له الحبل، ليصفع كما صفع من قبل، وستعود تلك الحالة ~~إحالة، وينقلب ذلك الحبل حبالة، فلا يحسد الذئب على الإلية يعطاها طعمة، ~~ولا يحسب الحب ينثر للعصفور نعمة، [وهبه ولى إمارة البحرين أليس # PageV03P887 # مرجعه ذلك العقل، ومصيره ذلك الفضل، ومنصبه ذلك الأصل. وعصارته ذلك ~~النسل، وقعيدته تلك الأهل] ، وقوله ذلك القول، وفعله ذلك الفعل، فكان ماذا؟ ~~أليس [ما] قد سلب أكثر مما أوتى، وما عدم أوفر مما غنم! مالك تنظر إلى ~~ظاهره، وتعمى عن باطنه؟ أكان يعجبك أن تكون قعيدته فى بيتك، وبغلته من ~~تحتك، أم كان يسرك أن تكون أخلافه فى إهابك، وبوابه على بابك، أم كنت تود ~~أن تكون وجعاؤه فى إزارك، وغلمانه فى دارك، أم كنت ترضى أن تكون فى مربطك ~~أفراسه، وعليك لباسه، ورأسك راسه؟ جعلت فداك! ما عندك خير مما عنده، فاشكر ~~الله وحده على ما آتاك، واحمده على ما أعطاك، ثم أنشد: # إن الغنى هو الراضى بعيشته ... لا من يظل على الأقدار مكتئبا ### | [فى البخل] # ألف سهل بن هارون كتابا «1» يمدح فيه البخل ويذم الجود؛ ليظهر قدرته على ~~البلاغة، وأهداه للحسن بن سهل فى وزارته للمأمون، فوقع عليه: لقد مدحت ما ~~ذمه الله، وحسنت ما قبح الله، وما يقوم صلاح لفظك بفساد معناك، وقد جعلنا ~~نوالك عليه قبول قولك فيه. # وكان الحسن من كرماء الناس وعقلائهم. سئل أبو العيناء عنه، فقال: # كأنما خلف آدم فى ولده، فهو ينفع عيلتهم، ويسد خلتهم، ولقد رفع الله ~~للدنيا من شأنها، إذ جعله من سكانها أخذ هذا المعنى أبو ms559 العيناء من قول ~~الشاعر: # وكأن آدم كان قبل وفاته ... أوصاك وهو يجود بالحوباء # ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم ... وكفيت آدم عيلة الأبناء # PageV03P888 # وأخذ أبو الطيب المتنبى آخر كلام أبى العيناء فقال: # قد شرف الله دنيا أنت ساكنها ... وشرف الناس إذ سواك إنسانا # وقيل للحسن بن سهل: لم قيل: قال الأول، وقال الحكيم؟ قال: لأنه كلام قد ~~مر على الأسماع قبلنا، فلو كان زللا لما نقل إلينا مستحسنا. ### | ومن أمثال البخلاء، واحتجاجهم، وحكمهم # أبو الأسود الدؤلى: لا تجاود الله؛ فإنه أجود وأمجد، ولو شاء ان يوسع على ~~خلقه حتى لا يكون فيهم محتاج فعل. وقال: لو أطعنا المساكين فى إعطائنا ~~إياهم كنا أسوأ حالا منهم. # وقال الكندى: قول «لا» يدفع البلاء، وقول «نعم» يزيل النعم. وقال: # سماع الغناء برسام حاد؛ لأن المرء يسمع فيطرب، فيسمح فيفتقر، فيغتم فيمرض ~~فيموت. وقال لابنه: يا بنى، كن مع الناس كاللاعب بالقمار، إنما غرضه أخذ ~~متاعهم، وحفظ متاعه. # وقال [غيره:] منع الجميع أرضى للجميع. إذا قبح السؤال حسن المنع. # وقال على بن الجهم: من وهب فى عمله فهو مخدوع، ومن وهب بعد العزل فهو ~~أحمق، ومن وهب من جوائز سلطانه أو ميراث لم يتعب فيه فهو مخذول، ومن وهب من ~~كيسه وما استفاد بحيلته فهو المطبوع على قلبه، المختوم على سمعه وبصره ومن ~~إنشاداتهم: # لا تجد بالعطاء فى غير حق ... ليس فى منع غير ذى الحق بخل # وقال كثير: # إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... حقيقة تقوى أو صديق ترافقه # منعت، وبعض المنع حزم وقوة ... ولم يفتلتك المال إلا حقائقه «1» # PageV03P889 # ابن المعتز: # يا رب جود جر فقر امرىء ... فقام للناس مقام الذليل # فاشدد عرا مالك واستبقه ... فالبخل خير من سؤال البخيل # وكتب بعض البخلاء يصف بخيلا: حضرت- أعزك الله- مائدة فلان للقدر المجلوب، ~~والحين المتاح «1» ، والشقاء الغالب، فرأيت أوانى تروق العيون محاسنها، ~~ويونق النفوس ظاهرها وباطنها، وتزهى اللحظات ببدائع غرائبها، وتستوفى ~~الشهوات بلطائف عجائبها، مكللة بأحسن من حلى الحسان ووجوهها وزهر الرياض ~~ونورها؛ كأن الشمس حلت بساحتها، والبدر ms560 يغرف من جوانبها فمددت يدا عنتها ~~الشراهة، وغلبها القدر الغالب، وجرها الطمع الكاذب، وإذا له مع كسر كل رغيف ~~لحظة نكر، ومع كل لقمة نظرة شزر، وفيما بين ذلك حرق قائمة، يصلى بها من ~~حضره من الغلمان والحشم، [وقام بين يديه من الولدان] والخدم، ومع ذلك فترة ~~المغشى عليه من الموت؛ فلما وضعت الحرب أوزارها برفع الخوان، وتخلت عنه ~~سمادير الغشيان «2» ، بسط لسان جهله، ونصر ما كان من بخله، ونظر إلى ~~مؤاكله، نظر المسترق له بأكلته، المالك لخيط رقبته! يظن أنه أولى من والديه ~~بنسبته، وأحق بماله، من ولده وعياله، يرى ذلك [فضلا، وحقا لازما، وأمرا ~~واجبا] نزل به الكتاب والسنة، واتفق عليه قضاة الأمة، فإن دفعه رد حكم ~~القضاة عليه، وإن سمح به فغير محمود عليه. ### | فقر لابن المعتز وغيره فى الصديق والصدق # إنما سمى الصديق صديقا لصدقه فيما يدعيه لك، وسمى العدو عدوا لعدوه # PageV03P890 # عليك إذا ظفر بك. علامة الصديق إذا أراد القطيعة أن يؤخر الجواب، ولا ~~يبتدئ بالكتاب، لا يفسدنك الظن على صديق قد أصلحك اليقين له. إذا كثرت ذنوب ~~الصديق أنمحق السرور به، وتسلطت التهم عليه. من لم يقدم الامتحان قبل الثقة ~~والثقة قبل الأنس أثمرت مودته ندما. نصح الصديق تأديب، ونصح العدو تأنيب. ~~ظاهر العتاب خير من باطن الحقد، ما جمش الود بمثل العتاب. # ترك العتاب- إذا استحق أخ ... منك العتاب- ذريعة الهجر # وكتب أبو إسحاق الصابى إلى صديق له من الحبس: نحن فى الصحبة كالنسرين «1» ~~، لكنى واقع، وعلى الطائر أن يغشى أخاه ويراجع من قل صدقه قل صديقه. من ~~صدقت لهجته ظهرت حجته. الصادق بين المهابة والمحبة. من عرف بالصدق جاز ~~كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه، ومن تمام الصدق الإخبار بما تحتمل ~~العقول. ### | [كتاب الحسن بن وهب إلى أبى تمام يصف بلاغته] # وكتب الحسن بن وهب إلى أبى تمام الطائى: أنت حفظك الله تحتذى من البيان ~~فى النظام، مثل ما نقصد نحن فى النثر من الإفهام، والفضل لك- أعزك الله- إذ ~~كنت تأتى به فى غاية ms561 الاقتدار، على غاية الاقتصار، فى منظوم الأشعار، فتحل ~~متعقده، وتربط متشرده، وتضم أقطاره، وتجلو أنواره، وتفصله فى حدوده، وتخرجه ~~فى قيوده، ثم لا تأتى به مهملا فيستبهم، ولا مشتركا فيلتبس، ولا متعقدا ~~فيطول، ولا متكلفا فيحول؛ فهو منك كالمعجزة تضرب فيه الأمثال، وتشرح فيه ~~المقال؛ فلا أعدمنا الله هداياك واردة، وفوائدك وافدة، وهى طويلة # PageV03P891 # وفى هذه الرسالة يقول أبو تمام، وقد أرى أنه قال ذلك فى غيرها: # [لقد جلى كتابك كل بث ... جو، وأصاب شاكلة الرمى # فضضت ختامه فتبلجت لى ... غرائبه عن الخبر الجلى # وكان أغض فى عينى وأندى ... على كبدى من الزهر الجنى # وأحسن موقعا منى وعندى ... من البشرى أتت بعد النعى # كتبت به بلا لفظ كريه ... على أذن، ولا لفظ قمى # وضمن صدره ما لم تضمن ... صدور الغانيات من الحلى # فإن تك من هداياك الصفايا ... فرب هدية لك كالهدى # لئن غربتها فى الأرض بكرا ... لقد زفت إلى سمع كفى # وقال البحترى فى الحسن بن وهب: # وإذا تألق فى الندى كلامه المصقول ... خلت لسانه من عضبه «1» # وإذا دجت أقلامه لم انتحت ... برقت مصابيح الدجا فى كتبه # باللفظ يقرب فهمه فى بعده ... منا، ويبعد نيله فى قربه # حكم فسائحها خلال بنانه ... متدفق وقليبها من قلبه # كالروض مؤتلق بحمرة ورده ... وأنيق زهرته وخضرة عشبه # أو كالبرود تخيرت لمتوج ... من خاله أو وشيه أو عصبه «2» # وكأنها والسمع معقود بها ... وجه المحب بدا لعين محبه # أنشد بعض الكتاب هذه الأبيات أبا العباس ثعلبا، فاستعادها حتى فهمها، ثم ~~قال: لو سمع الأوائل هذا ما فضلوا عليه شعرا. # وقال بعض الكتاب: # PageV03P892 # ورسالة ألفاظها ... فى النظم كالدر النثير # جاءت إليك كأنها ... التوفيق فى كل الأمور # بأرق من شكوى وأح ... سن من حياة فى سرور # لو واجهت أعمى لأصبح ... وهو ذو طرف بصير # فكانها أمل سرى ... من بعد يأس فى السرور # أو كالفقيد إذا أتت ... لقدومه بشرى البشير # أو كالمنام لساهر ... أو كالأمان لمستجير # كتبت بحبر كالنوى ... أو كفر نعمى من كفور # فكأنما هو باطل ... ما بين ms562 حق مستنير # وقال أحمد بن أبى العباس بن ثوابة] : # فى كل يوم صدور الكتب صادرة ... من رأيه وندى كفيه عن مثل # عن خط أقلامه يجرى القضاء على ... كل الخلائق بين البيض والأسل «1» # كأن أسطره فى بطن مهرقه ... نور يضاحك دمع الواكف الخضل «2» # لعابه عللى والصدر ينفثها ... وربما كان فيه النفع للعلل # كالنار تعطيك من نور ومن حرق ... والدهر يعطيك من غم ومن جذل «3» # وقال آخر: # مداد مثل خافية الغراب ... ورق مثل رقراق السراب # واقلام كأرواح الجوارى ... وألفاظ كأيام الشباب ### | [مثل من بلاغة عمرو بن مسعدة] # قال أحمد بن يوسف: دخلت على المأمون، وفى يده كتاب، وهو يعاود قراءته مرة ~~بعد مرة، ويصعد فيه بصره ويصوبه؛ فالتفت إلى وقد لحظنى فى # PageV03P893 # أثناء قراءته الكتاب، فقال: أراك مفكرا فيما تراه منى! فقلت: نعم، وقى ~~الله أمير المؤمنين المخاوف! قال: لا مكروه إن شاء الله، ولكنى قرأت كتابا ~~وجدته نظير ما سمعت الرشيد يقوله عن البلاغة، فإنى سمعته يقول: البلاغة ~~التباعد من الإطالة، والتقرب من البغية، والدلالة بالقليل من اللفظ على ~~الكثير من المعنى، وما كنت أتوهم أن أحدا يقدر على هذه البلاغة حتى قرأت ~~هذا الكتاب من عمرو بن مسعدة إلينا فإذا فيه: # كتابى إلى أمير المؤمنين ومن قبلى من الأجناد والقواد فى الطاعة ~~والانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أعطياتهم، واختلت أحوالهم! ~~ألا ترى يا أحمد إلى إدماجه [المسألة فى الإخبار] ، وإعفائه سلطانه من ~~الإكثار. # ثم أمر لهم برزق ثمانية أشهر. # وفى عمرو بن مسعدة يقول أبو محمد عبد الله بن أيوب التيمى «1» : # أعنى على بلوق ناصب ... خفى كوحيك بالحاجب # كأن تألقه فى السماء ... يدا كاتب أو يدا حاسب # فروى منازل تذكارها ... يهيج من شوقك الغالب # غريب يحن لأوطانه ... ويبكى على عصره الذاهب # كفاك أبو الفضل عمرو الندى ... مطالعة الأمل الكاذب # وصدق الرجاء وحسن الوفاء ... لعمرو بن مسعدة الكاتب # عريض الفناء طويل البنا ... ء فى العز والشرف الثاقب # بنى الملك طود له بيته ... وأهل الخلافة من غالب # هو ms563 المرتجى لصروف الزمان ... ومعتصم الراغب الراهب # جواد بما ملكت كفه ... على الضيف والجار والصاحب # PageV03P894 # بأدم الركاب ووشى الثيا ... ب والطرف والطفلة الكاعب # نؤمله لجسام الأمور ... وندعوه للجلل الكارب # خصيب الجناب مطير السحاب ... بشيمته لين الجانب # يروى القنا من نحور العدا ... ويغرق فى الجود كاللاعب «1» # إليك تبدت بأكوارها ... حراجيج فى مهمه لاحب «2» # كأن نعاما تمادى بنا ... تزايل من برد حاصب # يردن ندى كفك المرتجى ... ويقضين من حقك الواجب # ولله ما أنت من جابر ... بسجل لقوم ومن خارب «3» # يساقى العدا بكئوس الردى ... ويسبق مسألة الطالب # وكم راغب نلته بالعطا ... وكم نلت بالحتف من هارب # وتلك الخلائق أعطيتها ... وفضل من المانع الواهب # كسبت الثناء، وكسب الثنا ... ء أفضل مكسبة الكاسب # يقينك يجلو ستور الدجى ... وظنك يخبر بالغائب # وهذا الشعر يتدفق طبعا وسلاسة. ### | [الكلام الجيد الطبع، والكلام المصنوع] # قلت: والكلام الجيد الطبع مقبول فى السمع، قريب المثال، بعيد المنال، ~~أنيق الديباجة، [رقيق الزجاجة] ، يدنو من فهم سامعه، كدنوه من وهم صانعه، ~~والمصنوع مثقف الكعوب، معتدل الأنبوب، يطرد ماء البديع على جنباته، ويجول ~~رونق الحسن فى صفحاته، كما يحول السحر فى الطرف الكحيل، # PageV03P895 # والأثر فى السيف الصقيل وحمل الصانع شعره على الإكراه فى التعمل وتنقيح ~~المبانى دون إصلاح المعانى يعفى آثار صنعته، ويطفىء أنوار صيغته، ويخرجه ~~إلى فساد التعسف، وقبح التكلف؛ وإلقاء المطبوع بيده إلى قبول ما يبعثه ~~هاجسه، وتنفثه وساوسه، من غير إعمال النظر، وتدقيق الفكر، يخرجه إلى حد ~~المشتهر الرث، وحيز الغث؛ وأحسن ما أجرى إليه، وأعول عليه، التوسط بين ~~الحالين، والمنزلة بين المنزلتين، من الطبع والصنعة. # وقد قال أعرابى للحسن البصرى: علمنى دينا وسيطا، لا ساقطا سقوطا، ولا ~~ذاهبا فروطا، قال الحسن: أحسنت، خير الأمور أوساطها. والبحترى عن هذا القوس ~~ينزع، وإلى هذا النحو يرجع. # قد تم- بعون الله تعالى وتوفيقه- الجزء الثالث من كتاب «زهر الآداب، وثمر ~~الألباب» لأبى إسحاق الحصرى، ويليه- إن شاء الله تعالى- الجزء الرابع ~~مفتتحا بقول المؤلف «ومن الشعر الذى يجرى مع النفس قول ابن المعتز بمدح ~~المكتفى» نسأله سبحانه أن ms564 يوفق إلى إكماله. # PageV03P896 ### | فهرس الجزء الثالث من كتاب «زهر الآداب، وثمر الألباب» لأبى إسحاق الحصرى # فهرس الجزء الثالث من كتاب «زهر الآداب، وثمر الألباب» لأبى إسحاق الحصرى # ص الموضوع # 599 نبذ لأهل العصر تجرى فى المدح مجرى الأمثال # 638 نبذ من مفردات الأبيات فى فرائد المدح # 639 بين إبراهيم الموصلى وموسى الهادى # 640 بين الإسكندر ودارا بن دارا # - حكيم يصف أحزم الملوك # - أنو شروان يصف سياسة الدولة # 641 واصل بن عطاء يصف أخلاق السفلة ما يبلغ بالإنسان أقصى درجات الفضل # - أحزم الرأى # - حكيم يصف خلال الفضل # - بزرجمهر يصف المروءة ونحوها # - وصية معاوية لزياد حين ولاه العراق # 642 من كلام البلغاء فى ذكر السلطان # - للصاحب بن عباد # - لأبى إسحاق الصابى # - للخوارزمى # - لأبى الفتح البستى # - لأبى الفضل بن العميد # 644 لأبى الطيب المتنبى # - بين ابن ميادة وعبد الواحد بن سليمان # 645 لعويف القوافى بمدح طلحة بن عبيد الله # للقطامى يمدح عبد الواحد بن سليمان # نسب عبد الواحد بن سليمان # 646 منزلة شعر القطامى # 646 نغم الألفاظ ونغم الألحان # - بين مخارق وأبى العتاهية # 647 إسحاق الموصلى يصف جارية للمعتصم # ص الموضوع # 647 إسحاق يصف المغنى المجيد # - من ترجمة إسحاق الموصلى. وشعره # 650 استطراد فيما قيل من الشعر فى جمال الذوائب # 651 وحدة القصيدة واتساقها # 654 السر فى الابتداء بالنسيب # 655 موازنة بين أبى تمام والبحترى عن الحاتمى # 662 أثر الغناء والجمال # 663 عكاشة بن عبد الصمد البصرى # 665 بعض ما قيل فى وصف القيان من الشعر # 667 من ترجمة على بن عبد الرحمن (أبى الحسن بن يونس) # - لابن المعتز فى المرآة # 668 لكشاجم يصف المرآة # 669 الأقلام # - كتاب من عبيد الله بن طاهر إلى إسحاق بن إبراهيم يستهديه أقلاما # 670 جواب إسحاق على كتاب عبيد الله # 671 المنصور بن عمار يصف القلم # - للنجيرمى فى وصف القلم # 673 من أخبار النجيرمى # - لحمدان الدمشقى يصف قلما # - وصف القلم الصالح للكتابة للعتابى # 674 من ترجمة العتابى وأخباره وشعره # 680 من آداب آل وهب: الحسن بن وهب، ms565 وسليمان بن وهب # 683 من كلام أهل العصر فى ذم الكتابة # PageV03P897 # ص الموضوع # 684 وصف الكلام لعتبة بن أبى سفيان # 685 وصف الكلام لعتبة بن أبى سفيان # 685 الناشىء يصف شعره # - من فصل للناشىء فى الشعر # 686 لمؤلف الكتاب فى الشعر # 687 للخليل بن أحمد يصف الشعراء # - بين أعرابى وشاعر من أبناء الفرس # 688 لعمارة بن عقيل، وللجاحظ # - لبشار وقد مدح المهدى فلم يجزه # - خالد بن صفوان يصف جريرا والفرزدق والأخطل # 689 بين العجاج وعبد الملك بن مروان # - المقامة القريضيه للبديع # 692 المقامة الغيلانية للبديع # 694 فقر فى الشعر # 695 من مفردات الأبيات فى الشعر # 696 الأحنف بن قيس # 697 نسب الأحنف بن قيس # 698 كلام للأحنف فى مجلس معاوية # - صفة الأحنف # - ذكر الأحنف للنبى فاستغفر له # 699 مما وصف به الأحنف # - جارية لآل المهلب والأحنف # - وفود الأحنف على معاوية # 700 ابن الرومى يذكر حق الشاعر على الكرام # 701 وفاة الأحنف ورثاء امرأة إياه # 702 المعتصم ومحمد بن وهيب # 703 منصور النمرى والعتابى # 704 تقديم الرشيد للنمرى # 705 النمرى رافضى # 706 أبناء المعذل، أحمد بن المعذل # 706 ص الموضوع # 706 بين أحمد بن المعذل وأخيه # 707 أخذ أحمد بن المعذل للصلة # 708 الفطامى يهجو امرأة من محاربه # 709 أم عبد الصمد بن المعذل # - لأبى حكيمة فى الرقيق # 710 لأبى شراعة يمدح بنى رياح # 711 لأبن المعذل فى إبراهيم بن رياح # - صفات عبد الصمد بن المعذل # 713 من شعر أبى حكيمة راشد بن إسحاق # 714 بين الرشيد وعبد الملك بن صالح # 715 عبد الملك بن صالح # - لابن الرومى يمدح الحقد # 717 بين مسلمة بن عبد الملك والعباس ابن الوليد # - رجع إلى أخبار عبد الملك بن صالح # 719 بين الرشيد والحسن بن عمران # - بين الرشيد ويزيد بن مزيد # 720 مختار مما قيل من الشعر فى الرثاء # 722 قطر الندى والخليفة المعتضد # 723 لابن المعتز يرثى ابن ثوابة # 724 أيام الشباب، وما قيل فيها من الشعر # 725 من ترجمة على بن بسام، وأخباره ms566 # 726 بين المأمون وأحمد بن خالد # - بين المأمون ومحمد بن داود فى حسن الخط # - رأفة المأمون بعماله # 728 بين يزيد بن معاوية وجميل بن أوس # - من أقوال الحكماء عند وفاة الاسكندر # PageV03P898 # ص الموضوع # 729 جملة من كلام ابن المعتز فى ذكر السلطان # 730 من كلام أهل العصر فى هذا النحو # 731 وصف جارية كاتبة # - وصف غلام كاتب # - من بديع الزمان لابن العميد # 732 بين البديع وأبى القاسم الهمذانى # 733 من مقامات بديع الزمان # 734 مما قيل فى وصف فص وخاتم # 735 مفاضلة بين الكلام والصمت # 736 الحنين إلى الأوطان وبعض ما قيل فيه # 741 ألفاظ لأهل العصر فى وصف الأمكنة # 742 ولهم فى ضد ذلك # - ولهم فى وصف الفلاع والحصون # 743 ولهم فى صفات الدور والقصور # - من رسائل الميكالى وشعره # 748 لكشاجم يصف شمعا # - لابن الرومى يذكر رجلا متلونا # 749 وصف أبى الفضل الميكالى للمطوعى # 750 ابن أبى دواد بين يدى الواثق # 751 من صفة ابن أبى دواد وأخباره # 752 بن أبى العيناء وابن أبى دواد # 752 قطعة من شعر الأعراب فى الغزل # 754 زيارة طيف الخيال # 759 عقال بن شبة بين يدى المنصور # - زهير وهرم بن أبى سنان # 761 فضل الشعر # 762 من أخبار أبى تمام # 763 استنجاز أعرابى موعدة # 764 معاويه بن يسار وبعض أحباره # ص الموضوع # 766 ألفاظ لأهل العصر فى وصف الاستطالة والكبر # 770 من بديع الزمان يشكو القاضى الحيرى # 773 للبديع فى ذكر العلم # 774 من مفردات الأبيات فى المعايب # 775 قولهم فى اللحن وتعلم العربية # 776 لوعة الشوق # 779 بنو عذرة # 779 وصف الحسان # 780 وصف الهوى، وأمره # 781 بعض ما جاء فى العفاف # 784 ألفاظ لأهل العصر فى وصف النساء # 785 ولهم فى وصف الغلمان والمعذرين # 787 ولهم فى نقيض ذلك فى ذم خروج اللحية # - من رسائل بديع الزمان # 789 المقامة الأسدية، لبديع الزمان # 793 لأبى فراس الحمدانى يتغزل # 794 لابن المعتز فى الغزل # - لأبى نواس فى وصف يوم شرب # 795 لأبى العباس ms567 الناشىء # - لأبى خراش الهذلى # 796 رثاء أبى خراش لأخيه # 797 لابن الرومى # - لأبى نواس # - وصف الدمن والأطلال ### | 799- # لأهل العصر فى وصف الديار الخالية # 801 بعض ما قيل فى طول الليل # 804 لأهل العصر فى طول الليل # 805 ولهم فى ضد ذلك # PageV03P899 # ص الموضوع # 805 ولهم فى ذكر النوم والنعاس # 807 من بديع الشعر فى وصف الليل # 808 أخو الصفاء قريب # 810 بعض ما قيل فى وصف النجوم # 813 من وصف الشراب فى الليل # 816 المختار من شعر تميم بن المعز # 819 عود إلى وصف النجوم # 821 أجمل ما قال العرب من الشعر # 822 لأهل العصر فى طلوع الشمس وغروبها # 823 المقامة الكوفية، لبديع الزمان # 824 من رسائل بديع الزمان # 826 جملة من كلام ابن المعتز فى الفصول القصار # 827 رثاء المعتضد وتعزيته # 829 من شعر ابن المعتز # 831 أبو شجاع عضد الدولة # - الموفق العباسى # 833 صاحب الزنج # 836 لابن يامين فى سيف عمرو بن معد يكرب الزبيدى # 837 للبحترى يصف سيفا # - لابن هانى يصف سيف المعز # 838 وفد الشام بين يدى المنصور # - بعض ما قيل فى العفو # - تميم بن جميل السدوسى والمعتصم # 840 من المعتصم إلى عبد الله بن طاهر # 841 الخليفة المعتصم # 842 كعب بن معدان يصف للحجاج بنى المهلب # 843 بشر بن مالك يصف للحجاج بنى المهلب أيضا # ص الموضوع # 843 أبو الصقر وصاعد بن مخلد # 844 أبو العيناء وابن أبى ثوابة # - من مكارم أبى الصقر # - أبو الصقر وأبو العيناء # 845 أبو العيناء يذم ابن الخصيب # 846 أبو بكر سيبويه المصرى وأهل مصر # 848 رجع إلى أبى العيناء # 849 كلمات لأبى العيناء # - المختار مما قيل فى الرثاء # 855 لأهل العصر فى التعازى # 860 المقامة الأهوازية، لبديع الزمان # 862 من رسائل بديع الزمان # 864 من رسائل الصابى # 865 لابن الرومى # - بين أبى العتاهية وابنه # 866 فقر من كلام المتصوفة # 871 الرأى والهوى # - من البدائه فى مجالس الخلفاء # 872 أخوال السفاح # 874 لمعن بن أوس # 876 من رسائل ابن العميد ms568 # 880 حسن التأتى للأمور # 880 فقر فى ذكر المشورة # 881 تأريخ الكتب والرسائل # 882 فقر وأمثال يتداولها العمال # 883 من ترجمة منصور الفقيه # 885 من بديع الزمان لابن المرزيان # 887 من البديع لبعض إخوانه # 888 بين سهل بن هارون والحسن بن سهل # PageV03P900 # ص الموضوع # 889 من أمثال البخلاء واحتجاجهم # 890 فقر لابن المعتز فى الصداقة # 891 كتاب الحسن بن وهب إلى أبى تمام يصف بلاغته # 892 للبحترى فى الحسن بن وهب # ص الموضوع # 893 مثل من بلاغة عمرو بن مسعدة # 894 للتيمى فى عمرو بن مسعدة # 895 الكلام الجيد الطبع، والكلام المصنوع # والحمد لله واسع الفضل، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد نبيه المصطفى، ~~وعلى آله وصحبه وعترته. # PageV03P901 # الجزء الرابع # زهر الأداب وثمر الألباب لأبى إسحاق إبراهيم بن على، الحصرى، القيروانى ~~المتوفى فى عام 453 من الهجرة مفصل ومضبوط ومشروح بقلم المرحوم الدكتور زكى ~~مبارك الجزء الرابع حققه وزاد فى تفضيله وضبطه وشرحه صمد محيى الدين عبد ~~الحميد وابرار الجيل بيروت # PageV04P905 # جميع الحقوق محفوظة لدار الجيل # PageV04P906 # الحمد لله كفاء نعمائه، والشكر له على آلائه، وصلاته وسلامه على الصفوة ~~من أنبيائه، وعلى آله وصحبه وأوليائه # PageV04P907 ### | [نماذج من الشعر الجيد] # ومن الشعر الذى يجرى مع النفس قول ابن المعتز يمدح المكتفى؛ إذ قدم من ~~الرقة بعد القبض على القرمطى فقال: # لا ورمان النهود ... فوق أغصان القدود «1» # وعناقيد من اصدا ... غ وورد من خدود # وبدور من وجوه ... طالعات بالسعود # ورسول جاء بالمي ... عاد من بعد الوعيد # ونعيم من وصال ... فى قفا طول الصدود «2» # ما رأت عينى كظبى ... زارنى فى يوم عيد # فى قباء فاختى ال ... لون من لبس الجديد «3» # كلما قاتل جند ... ى بسيف وعمود # قاتل الناس بعيني ... ن وخدين وجيد «4» # قد سقانى الخمر من فيه ... على رغم الحسود # PageV04P908 # وتعانقنا كأنا ... وهو فى عقد شديد # نقرع الثغر بثغر ... طيب عند الورود # [مثل ما عاجل برد ... قطر مزن بجمود # سحرا من قبل أن ... ترجع أرواح الوفود # ومضى يخطر فى المش ... ى كجبار عنيد] # مرحبا ms569 بالملك القا ... دم بالجد السعيد # يا مذل البغى يا قا ... تل حيات الحقود # عش ودم فى ظل عيش ... خالد باق جديد # فلقد أصبح أعدا ... ؤك كالزرع الحصيد # ثم قد صاروا حديثا ... مثل عاد وثمود # جاءهم بحر حديد ... تحت أجبال بنود # فيه عقبان خيول ... فوقها أسد جنود # وردوا الحرب فمدوا ... كل خطى مديد «1» # وحسام شره الحد ... إلى قطع الوريد «2» # ما لهذا الفتح يا خير ... إمام من نديد «3» # فاحمد الله ... فإن الحمد مفتاح المزيد # وقول على بن الخليل مولى يزيد بن مزيد الشيبانى وكان يرمى بالزندقة، قال ~~الفضل بن الربيع: جلس الرشيد يوما للمظالم، فجعلت أتصفح الناس، وأسمع ~~كلامهم، فرميت بطرفى، فرأيت فى آخرهم شيخا حسن الهيئة والوجه ما رأيت أحسن ~~منه؛ فوقف حتى تقوض المجلس «4» ثم قال: يا أمير المؤمنين، رقعتى؛ فأمر # PageV04P909 # بأخذها، فقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لى بقراءتها؛ فأنا أحسن ~~تعبيرا لخطى من غيرى- فقال له: اقرأ، فقال: شيخ ضعيف، ومقام صعب، ولا آمن ~~الاضطراب؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يصل عنايته بأمرى فى الإذن بالجلوس ~~فعل، فقال: اجلس، فجلس وأنشأ يقول: # يا خير من وخدت بأرحله ... تجب الركاب بمهمه جلس «1» # تطوى السباسب فى أزمتها ... طى التجار عمائم البرس «2» # لما رأتك الشمس طالعة ... سجدت لوجهك طلعة الشمس # خير البرية أنت كلهم ... فى يومك الغادى وفى الأمس # وكذاك لن تنفك خيرهم ... تمسى وتصبح فوق ما تمسى # لله ما هرون من ملك ... عف السريرة طاهر النفس # تمت عليه لربه نعم ... تزداد جدتها مع اللبس # من عترة طابت أرومتها ... أهل العفاف ومنتهى القدس # متهللين على اسرتهم ... ولدى الهياج مصاعب شمس «3» # إنى لجأت إليك من فزع ... قد كان شردنى ومن لبس # لما استخرت الله مجتهدا ... يممت نحوك رحلة العنس «4» # واخترت حلمك لا أجاوزه ... حتى أغيب فى ثرى رمسى # كم قد سريت إليك مدرعا ... ليلا يموج كحالك النقس «5» # إن راعنى من هاجس فزع ... كان التوكل عنده ترسى # ما ذاك إلا أننى رجل ... أصبو إلى نفر من الإنس # PageV04P910 # بيض أوانس لا قرون لها ... يقتلن ms570 بالتطويل والحبس # وأجاذب الفتيان بينهم ... صفراء مثل مجاجة الورس # للماء فى حافاتها حبب ... نظم كرقم صحائف الفرس # والله يعلم فى بنيته ... ما إن أضعت إقامة الخمس «1» # قال: ومن تكون؟ قال: على بن الخليل، الذى يقال إنه زنديق، فقال له: أنت ~~آمن، وأمر له بخمسة آلاف درهم. # وأنشد أبو العباس المبرد لرجل يصف دعوة دعا بها الله عز وجل، وقد رأيتها ~~فى شعر محمد بن حازم الباهلى: # وسارية لم تسر فى الأرض تبتغى ... محلا، ولم يقطع بها البيد قاطع # سرت حيث لم تحد الركاب ولم تنخ ... لورد، ولم يقصر لها القيد مانع # تمر وراء الليل والليل ضارب ... بجثمانه فيه سمير وهاجع # إذا وردت لم يردد الله وفدها ... على أهلها، والله راء وسامع # تفتح أبواب السموات دونها ... إذا قرع الأبواب منهن قارع # وإنى لأرجو الله حتى كأننى ... أرى بجميل الظن ما الله صانع ### | [من مستحسن الأجوبة] # ودخل رجل [من شيبان] على معن بن زائدة، فقال: ما هذه الغيبة؟ # فقال: أيها الأمير، ما غاب عن العين من يذكره القلب، وما زال شوقى إلى ~~الأمير شديدا، وهو دون ما يجب له، وذكرى له كثيرا، وهو دون قدره، ولكن جفوة ~~الحجاب، وقلة بشر الغلمان، منعانى من الإتيان! فأمر بتسهيل إذنه، وأجزل ~~صلته. # وقال أبو جعفر المنصور لمعن بن زائدة: كبرت يا معن! قال: فى طاعتك يا ~~أمير المؤمنين، قال: إنك لجلد «2» ، قال: على أعدائك، قال: وإن فيك لبقية، ~~قال: # PageV04P911 # هى لك يا أمير المؤمنين، قال: فأى الدولتين أحب إليك؛ هذه أم دولة بنى ~~أمية؟ # قال: ذلك إليك يا أمير المؤمنين، إن زاد برك على برهم كانت دولتك أحب ~~إلى. ### | [من ترجمة معن بن زائدة، وأخباره] # ومعن هذا هو معن بن زائدة بن عبد الله [بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو ~~أخى الحوفزان بن شريك بن عمرو بن قيس] بن شرحبيل بن منبه بن مرة ابن ذهل بن ~~شيبان، وبنو مطر بيت شيبان، وشيبان بيت ربيعة. # وكان معن أجود الناس، وفيه يقول مروان بن ms571 أبى حفصة ويعم بنى مطر: # بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها فى غيل خفان أشبل «1» # هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل # ولا يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا فى النائبات وأجملوا # بها ليل فى الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم فى الجاهلية أول # هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... جابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا # أخذ البيت الأول ابن الرومى، وزاد فيه، فقال: # تلقاهم ورماح الخط بينهم ... كالأسد ألبسها الآجام خفان ### | [الرأى والشجاعة] # أتى قوم من العرب شيخا لهم قد أربى على الثمانين، وأهدف على التسعين «2» ~~، فقالوا: إن عدونا استاق سرحنا، فأشر علينا بما ندرك به الثأر، وننفى به ~~العار، فقال: الضعف فسخ همتى، ونكث إبرام عزيمتى، ولكن شاوروا الشجعان من ~~ذوى العزم، والجبناء من ذوى الحزم؛ فإن الجبان لا يألو برأيه ما يقى مهجكم، ~~والشجاع لا يألو برأيه ما يشيد ذكركم، ثم اخلصوا من الرأى بنتيجة تبعد عنكم ~~معرة نقص الجبان، وتهور الشجعان، فإذا نجم الرأى على هذا كان أنفذ على ~~عدوكم من السهم الصائب، والحسام القاضب. # PageV04P912 ### | [قضاء الله وعدله] # قال الأصمعى: سمعت أعرابية تقول لرجل تخاصمه: والله لو صور الجهل لأظلم ~~معه النهار، ولو صور العقل لأضاء معه الليل، وإنك من أفضلهما لمعدم؛ فخف ~~الله، واعلم أن من ورائك حكما لا يحتاج المدعى عنده إلى إحضار البينة. ### | [بنو كليب] # قال الفرزدق يهجو كليبا: # ولو يرمى بلؤم بنى كليب ... نجوم الليل ما وضحت لسارى # ولو لبس النهار بنو كليب ... لدنس لؤمهم وضح النهار ### | [من جيد كلام الأعراب] # وقال سفيان بن عيينة: سمعت أعرابيا يقول عشية عرفة: اللهم لا تحرمنى خير ~~ما عندك لشر ما عندى، وإن لم تتقبل تعبى ونصبى فلا تحرمنى أجر المصاب على ~~مصيبته. # وقال آخر منهم لصديق استبطأه فلامه: كانت لى إليك زلة يمنعنى من ذكرها ما ~~أملت من تجاوزك عنها، ولست أعتذر إليك منها إلا بالإقلاع عنها. # وقال آخر لابن عم له: والله ما أعرف تقصيرا فأقلع، ولا ذنبا فأعتب، ولست ~~أقول: إنك ms572 كذبت، ولا إننى أذنبت. # وقال آخر لابن عم له: سأتخطى ذنبك إلى عذرك، وإن كنت من أحدهما على يقين، ~~ومن الآخر على شك، لتتم النعمة منى إليك، وتقوم الحجة لى عليك. # وأصيب أعرابى بابن له فقال- وقد قيل له: اصبر- أعلى الله أتجلد، أم فى ~~مصيبتى أتبلد؟ والله للجزع من أمره أحب إلى الآن من الصبر! لأن الجزع ~~استكانة، والصبر قساوة، ولئن لم أجزع من النقص لا أفرح بالمزيد. # ودعا أعرابى فقال: اللهم إنى أعوذ بك أن افتقر فى غناك، أو أضل فى هداك، ~~أو أذل فى عزك، أو أضام فى سلطانك، أو أضطهد والأمر إليك. # PageV04P913 # قال الأصمعى: سمعت أعرابيا يعظ رجلا وهو يقول: ويحك! إن فلانا وإن ضحك ~~إليك، فإنه يضحك منك، ولئن أظهر الشفقة عليك، إن عقاربه لتسرى إليك؛ فإن لم ~~تتخذه عدوا فى علانيتك، فلا تجعله صديقا فى سريرتك. # سمع أعرابى رجلا يقع فى السلطان، فقال: إنك غفل لم تسمك التجارب، وفى ~~النصح لسع العقارب، كأنى بالضاحك إليك، وهو باك عليك. # وحذر بعض الحكماء صديقا له صحبه رجل، فقال: احذر فلانا فإنه كثير ~~المسألة، حسن البحث، لطيف الاستدراج، يحفظ أول كلامك على آخره، ويعتبر ما ~~أخرت بما قدمت، فلا تظهرن له المخافة فيرى أن قد تحرزت؛ واعلم أن من يقظة ~~الفطنة إظهار الغفله مع شدة الحذر، فباثثه مباثة الآمن، وتحفظ منه تحفظ ~~الخائف؛ فإن البحث يظهر الخفى الباطن، ويبدى المستكن الكامن. # أتى أعرابى رجلا لم يكن بينه وبينه حرمة فى حاجة له، فقال: إنى امتطيت ~~إليك الرجاء، وسريت على الأمل، ورافقت الشكر، وتوسلت بحسن الظن، فحقق ~~الأمل، وأحسن المثوبة، وأكرم الصفد «1» ، وأقم الأود «2» ، وعجل السراح «3» ~~. # قال الأصمعى: وسمعت أعرابيا يقول: إذا ثبتت الأصول فى القلوب، نطقت ~~الألسنة لفروع! والله يعلم أن قلبى لك شاكر، ولسانى ذاكر، ومحال أن يظهر ~~الود المستقيم، من الفؤاد السقيم. # ومدح أعرابى رجلا، فقال: إنه ليغسل من العار وجوها مسودة، ويفتح من الرأى ~~أبوابا منسدة. # وقال أعرابى: # كم قد ولدتم من رئيس قسور ... دامى الأظافر ms573 فى الخميس الممطر # سدكت أنامله بقائم مرهف ... [وبنشر فائدة وجذوة منبر # PageV04P914 # ما إن يريد إذا الرماح تشاجرت ... درعا سوى سربال طيب العنصر # يلقى السيوف بوجهه وبنحره] ... ويقيم هامته مقام المغفر # ويقول للطرف اصطبر لشبا القنا ... فعقرت ركن المجد إن لم تعقر # وإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربل سربال محل أغبر «1» # أومى إلى الكوماء هذا طارق ... نحرتنى الأعداء إن لم تنحرى «2» # وقال: # قامت تصدى له عمدا لغفلته ... فلم ير الناس وجدا كالذى وجدا # جيداء ربداء لم تعقد قلائدها ... وناهد مثل قلب الظبى ما خضدا # فراح كالحائم الصديان ليس له ... صبر ولا يأمن الأعداء إن وردا # وقال آخر: # ومكتتمات بعد وهن طرقننى ... بأردية الظلماء ملتحفات # دسسن رسولا ناصحا وتلونه ... على رقبة منهن مستترات # فبت أعاطيهن صرف صبابة ... وبتن على اللذات معتكفات # فياوجد قلبى يوم أتبعت ناظرى ... سليمى وجادت بعدها عبراتى # وقال الأحنف بن قيس: من لم يستوحش من ذل المسألة لم يأنف من الرد. # وقال سفيان الثورى لأخ له: هل بلغك شىء مما تكرهه عمن لا تعرف؟ # قال: لا، قال: فأقلل ممن تعرف. # أخذه ابن الرومى، فقال: # عدوك من صديقك مستفاد ... فأقلل ما استطعت من الصحاب # فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب # فدع عنك الكثير فكم كثير ... يعاف، وكم قليل مستطاب؟ # PageV04P915 # وما اللجج الملاح مرويات ... ويلفى الرى فى النطف العذاب ### | [جمل من ألوان المديح] # وقال رجل لخالد القسرى: والله إنك لتبذل ماجل، وتجبر ما انفل، وتكثر ما ~~قل؛ ففضلك بديع، ورأيك جميع، تحفظ ما شذ، وتؤلف ما ند. # وسئل أعرابى عن قومه، فقال: يقتلون الفقر، عند شدة القر، وأرواح الشتاء، ~~وهبوب الجر بياء «1» ، بأسنمة الجزور، ومترعات القدور، تهش وجوههم عند طلب ~~المعروف، وتعبس عند لمعان السيوف. # ووصف أعرابى قوما فقال: لهم جود كرام اتسعت أحوالها، وبأس ليوث تتبعها ~~أشبالها، وهمم ملوك انفسحت آمالها، وفخر آباء شرفت أخوالها. # وقال خالد بن صفوان، وقد دخل على بعض الولاة: قدمت فأعطيت كلا بقسطه من ~~نظرك [ومجلسك] ، وصوتك، وعدلك، حتى كأنك من ms574 كل أحد، وحتى كأنك لست من أحد. # وذكر خالد رجلا فقال: كان والله بديع المنطق، ذلق الجرأة، جزل الألفاظ، ~~عربى اللسان، ثابت العقدة، رقيق الحواشى، خفيف الشفتين، بليل الريق، رحب ~~الشرف، قليل الحركات، خفى الإشارات، حلو الشمائل، حسن الطلاوة، حييا جريا، ~~قؤولا صموتا، يفل الحز، ويصيب المفاصل، لم يكن بالهذر فى منطقه، ولا بالزمر ~~فى مروءته، ولا بالخرق فى خليقته، متبوعا غير تابع، كأنه علم فى رأسه نار. # وقال بعض البلغاء لرئيسه: إن من النعمة على المثنى عليك أنه لا يأمن ~~التقصير، ولا يخاف الإفراط، ولا يحذر أن تلحقه نقيصة الكذب، ولا ينتهى به ~~المدح إلى غاية إلا وجد فى فضلك عونا على تجاوزها. ومن سعادة جدك أن الداعى ~~لا يعدم كثرة المشايعين، ومساعدة النية على ظاهر القول. # PageV04P916 ### | ألفاظ لأهل العصر، فى ضروب الممادح # قد وضعت كثرة التجارب، فى يده مرآة العواقب. قد نجدته صروف الدهور، ~~وحنكته مصاير الأمور. قد أرضعته الحنكة بلبانها، وأدبته الدربة فى إبانها. # فلان نوازل التجارب حنكته، وفوادح الأيام عركته. هو عارف بتصاريف ~~[الأيام، آخذ برهان التجارب، نافذ فى مجال التحصيل والتمييز. قد صحب ~~الأيام، وتولى] النقض والإبرام. هو ابن الدهر حنكة وتجريبا، وعودا على ~~الدهر صليبا. # قد أدبه الليل والنهار، ودارت على رأسه الأدوار، واختلفت به الأطوار. له ~~همة علا جناحها إلى عنان النجم. وامتد صباحها من شرق إلى غرب، لا يتعاظمه ~~إشراف الأمر إذا أخطره بفكره، وانتساف الصخر إذا ألقاه فى وهمه، همته أبعد ~~من مناط الفرقد، وأعلى من منكب الجوزاء. أوسع من الأرض ذات العرض. هو حى ~~القلب، منشرح الصدر، ذكى الذهن، شجاع الطبع، ليس بالنؤوم ولا السؤوم، فذ ~~فرد، وأسدورد، وكأن له فى كل جارحة قلبا. كأن قلبه عين، وكأن جسمه سمع. # شهاب مقدم، وقدح مقوم. [وهو شهم] مشدود النطاق، قائم على ساق، قد جد ~~واجتهد، وحشر وحشد، شمر عن ساق الجد ما أطاق، قد ركب الصعب والذلول، وتجشم ~~الحزن والسهول، وقطع البر والبحر، وأعمل السيف والرمح، وأسرج الدهم والشهب ~~«1» . هو مولود ms575 فى طالع الكمال، وهو جملة الجمال. قد أصبح عين المكارم، ~~وزين المحافل. هو فرد دهره، وشمس عصره، وزبن مصره، وهو علم الفضل، وواسطة ~~عقد الدهر، ونادرة الفلك، ونكتة الدنيا، وغرة العصر. قد بايعته يد المجد، ~~ومالت به الشورى إلى النصر. فلان يزيد عليهم زيادة الشمس على البدر، والبحر ~~على القطر. هو رائش نبلهم، ونبعة فضلهم، وجمة وردهم، # PageV04P917 # وواسطة عقدهم. هو صدرهم وبدرهم، ومن عليه يدور أمرهم، ينيف عليهم إنافة ~~صفحة الشمس على كرة الأرض، كأنهم فلك هو قطبه، وجسد هو قلبه، ومملوك هو ~~ربه. هو مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم. موضعه من أهل الفضل موضع الواسطة ~~من العقد، وليلة التم من الشهر، بل ليلة القدر إلى مطلع الفجر. # أفضل وأنعم، وأسدى فى الإحسان وألحم، وأسرج فى الإكرام وألجم، قسم من ~~إنعامه ما يسع أمما، وتلقى السعادة أمما «1» ، أعطاه عنان الاهتمام، حتى ~~استولى على قصب المرام. رد عنه الدهر أحص الجناح «2» ، وملكه مقادة النجاح. ~~أولاه من معهود البر ومألوفه، وقصرت الأعداء عن مئاته وألوفه. أولاه إسعافا ~~سمحا وعطاء سحا، ومننا صفوا وعفوا. أفاض عليه شعاب البر ومسايله، وجمع له ~~شعوب الجميل وقبائله، وهطلت عليه سحائب عنايته، ورفرفت حوله أجنحة رعايته. ~~قد فكه بكرمه من قيد السؤال، ومعرة الاختلال. راشه بعد ما حصه الفقر، ~~وأرضاه وقد أسخطه الدهر. ملأ العيون، وسهر دوننا لتحقيق الظنون. قد شمت من ~~كرمه أكرم سحاب، وحصلت من إنعامه فى أخصب جناب. قد سد ثلمة حالى، وأدر ~~حلوبة آمالى. ما أخلو من طل إحسانه ووابله، وغابر إنعامه وقابله. قد ~~استمطرت منه بنوء غزير. وسريت فى ضوء قمر منير. قد كرعت من بره فى مشارع ~~تغزر ولا تنزر، ورفلت من طوله فى ملابس تطول ولا تقصر. إقامته فى ظل ظليل، ~~وفضل جزيل، وريح بليل، ونسيم عليل، وماء روى، ومهاد وطى، وكن كنين، ومكان ~~مكين. أنا آوى إلى ظله كما يأوى الطير المذعور إلى الحرم، وأواجه منه وجه ~~المجد وصورة الكرم. أنا من إنعامه بين خير مستفيض، وجاه عريض، ونعم بيض. ms576 # قد استظهرت على جور الآيام بعد له، واستترت من دهرى بظله. ما أردد فيه ~~طرفى # PageV04P918 # وأعده من خالص ملكى منتسب إلى عطائه، أو مكتسب بجميل آرائه. مسافة بصرى ~~تبعد إن سافرت فى مواهبه، وركائب فكرى تطلح «1» إن أنضيتها فى استقراء ~~صنائعه. # نعمته نعمة عمت الأمم، وسبقت النعم، وكشفت الهموم ورفعت الهمم، نعمه قد ~~سطع صباحها مستنيرا، وطنب شعاعها مستطيرا، قد عرفتنى نعمه حتى استنفدت شكر ~~لسانى ويدى وأتعبت ظهرى، وملأت صدرى. نعمه عندى مشرقة الجو، مغرقة النوء، ~~مونقة الضوء. تتابعت نعمه تتابع القطر على القفر، وترادفت مننه ترادف الغنى ~~إلى ذوى الفقر. نعمه أشرقت بها أرضى، ومطر بها روضى، وورى لها زندى، ~~وعلامعها جدى، وأتانى الزمان يعتذر من إساءته، وجاءنى الدهر ينتظر أمرى. # نعمه أنعمت البال، وسرت النفس والحال. نعم تعم عموم المطر، وتزيد عليه ~~بإفراد النفع عن الضرر. نعم تضعف الخواطر عن التماسها، وتصغر القرائح عن ~~اقتراحها. له أياد قد عمت الآفاق، ووسمت الأعناق، وأياد قد حبست عليك ~~الشكر، واستعبدت لك الحر. منن توالت توالى القطر، واتسعت سعة البر والبحر، ~~وأثقلت كاهل الحر. عندى قلادة منتظمة من مننه قد جعلتها وقفا على نحور ~~الأيام، وجلوتها على أبصار الأنام. أياد يقصر عن حقوقها جهد القول، وتزهر ~~فيها سواطع الإنعام والطول. أياديه أطواق فى أجياد الأحرار، وأفلاك تدور ~~على ذوى الأخطار. له منن تضعف عن تحملها عواتق الأطواد، ويتضاعف حملها على ~~السبع الشداد، لو تحمل الثقلان ثقل هذا الامتنان لأثقل كواهلهم وأضعف ~~عواتقهم. أياد يفرض لها الشكر ويحتم، ومنن يبتدأ بها الذكر ويختم. أياد ~~تثقل الكاهل، ومنن تتعب الأنامل. # منن تضعف منن الشكر «2» ، وينشر معها قوى النشر، منن هى أحسن أثرا من ~~الغيث فى أزاهير الربيع، وأحلى موقعا من الأمن عند الخائف المروع. إن أتعبت ~~نفسى فى # PageV04P919 # تعداد مننه وحصرها فسأطمع فى إحصاء السحاب وقطرها. أياد لا تحصى أو تحصى ~~محاسن النجوم، ومنن لا تحصر أو تحصر أقطار الغيوم. أياد كعدد الرمل والنمل، ~~أعيت على العد، ولم تقف عند حد. زادت ms577 أياديه حتى كادت تجهد الأعداد، وتسبق ~~الإعداد. أياديه عندى أغزر من قطر المطر، وعوارفه لدى أسرع من رجع البصر. ~~رفعتنى من قعر التراب، إلى سمك السحاب. استنبطه من الحضيض الأوهد، إلى ~~السناء الأمجد، وقد نبهه عن خمول، وأجرى الماء فى عوده بعد ذبول، ورقاه إلى ~~ذروة من المجد بعد نزول. فضائل تزل أقدام النجوم لو وطئتها، وتقصر همم ~~الأفلاك لو طلبتها، ثبت قدمه فى المحل المنيف، ومكنه من جوامع التشريف. # جذب بضبعه من المسقط المنحط، إلى المرفع المشتط. ### | ولهم فى أدعية من صدور الكتب تليق بهذه الأثنية والممادح # أطال الله له البقاء، كطول يده بالعطاء، ومد له فى العمر، كامتداد ظله ~~على الحر، وأدام له المواهب، كما أفاض به الرغائب، وحرس لديه الفضائل، كما ~~عوذ به الشمائل «1» . # تولى الله عنى مكافأته، وأعان على الخير نيته وفعله، وأصحب بقاءه عزا ~~يبسط يديه لأوليائه على أعدائه، وكلاءة تذب عن ودائع مننه عنده «2» ، وزاد ~~فى نعمه وإن عظمت، وبلغه آماله وإن انفسحت، ولا زال الفضل يأوى منه إلى ركن ~~منيع، وجناب مريع. لا زالت الألسن عليه بالثناء ناطقة، والقلوب على مودته ~~متطابقة، والشهادات له بالفضل متناسقة. لا زال يعطف على الصادر والوارد، ~~عطف الأم والوالد. أبقاه الله للجميل يعلى معالمه، ويحمى مكارمه، ويعمر ~~مدارجه، ويثمر نتائجه. أدام الله أيامه التى هى أيام الفضائل ومواقيتها، ~~وأزمان المآثر وتواريخها. أدامه الله # PageV04P920 # للمواهب، سامية الذوائب، موفية على منية الراجى وبغية الطالب. أبقاه الله ~~للعطاء يفضه بين خدمه، والجمال يفيضه على إنشاء نعمه، والله يتابع له أيام ~~العلاء والغبطة، والنماء والبسطة، ليرتع أنواع الخدم فى رياض فواضله، ويكرع ~~أصناف الحشم فى حياض مواهبه، والله يبقيه طويل الذراع، مديد الباع، مليا ~~بالاتصال «1» والاصطناع. جزاه الله عن نعمة هيأها بعد أن أسبغها، وعارفة ~~ملاها «2» بعد أن سوغها. أفضل ما جازى به مبتدىء إحسان، ومجير إنسان، لا ~~زال مكانه مصانا «3» للكرم، معانا للنعم، لا تريمه المواهب، ولا ترومه ~~النوائب، بسطت بالعلا يده، وقرن بالسعادة جده، وجعل خير يوميه غده، ولا ms578 ~~زالت الأيام والليالى مطاياه، فى أمانيه وآماله [وأيامه] ، وصرف صروف الغير ~~عن إصابة إقباله وكماله. # وقال ابن المعتز فى القاسم بن عبيد الله: # أيا حاسدا يكوى التلهف قلبه ... إذا ما رآه غازيا وسط عسكر # تصفح بنى الدنيا فهل فيهم له ... نظير ترى ثم اجتهد وتفكر # فإن حدثتك النفس أنك مثله ... بنجوى ضلال بين جنبيك مضمر # فجد، وأجد رأيا، وأقدم على العدا ... وشد عن الإثم المازر واصبر # وعاص شياطين الشباب وقارع النوائب ... وارفع صرعة الضر واجبر # فإن لم تطق ذا فاعذر الدهر واعترف ... لأحكامه واستغفر الله يغفر ### | [منزلة صناعة الكلام] # قال الجاحظ: صناعة الكلام علق نفيس، وجوهر ثمين، هو الكنز الذى لا يفنى ~~ولا يبلى، والصاحب الذى لا يمل ولا يقلى، وهو العيار على كل # PageV04P921 # صناعة، والزمام لكل عبارة، والقسطاس الذى به يستبين نقص كل شىء ورجحانه، ~~والراووق الذى يعرف به صفاء كل شىء وكدره، والذى كل علم عليه عيال، وهو لكل ~~تحصيل آلة ومثال وقال ابن الرومى: # ما عذر معتزلى موسر منعت ... كفاه معتزليا مثله صفدا» # أيزعم القدر المحتوم ثبطه ... إن قال ذاك فقد حل الذى عقدا # وقال [ابن الرومى] : # لذوى الجدال إذا غدوا لجدالهم ... حجج تضل عن الهدى وتجور # وهن كآنية الزجاج تصادمت ... فهوت، وكل كاسر مكسور # فالقاتل المقتول ثم لضعفه ... ولوهيه، والآسر المأسور # وقال أبو العباس الناشىء يفتخر بالكلام: # ونحن أناس يعرف الناس فضلنا ... بألسننا زينت صدور المحافل # تنير وجوه الحق عند جوابنا ... إذا أظلمت يوما وجوه المسائل # صمتنا فلم نترك مقالا لصامت ... وقلنا فلم نترك مقالا لقائل # وقال يصف أصحابه: # فلو شهدت مقاماتى وأنديتى ... يوم الخصام وماء الموت يطرد # فى فتية لم يلاق الناس مذ وجدوا ... لهم شبيها ولا يلفون إن فقدوا «2» # مجاور والفضل أفلاك العلا سبل التقوى ... محل الهدى عمد النهى الوطد # كأنهم فى صدور الناس أفئدة ... تحس ما أخطئوا فيها وما عمدوا # يبدون للناس ما تخفى ضمائرهم ... كأنهم وجدوا منها الذى وجدوا # دلوا على باطن الدنيا بظاهرها ... وعلم ما غاب عنهم بالذى شهدوا # مطالع الحق ms579 ما من شبهة غسقت ... إلا ومنهم لدينا كوكب يقد «3» # PageV04P922 # وقال سعيد بن حميد: # قالت: اكتم هواى واكن عن اسمى ... بالعزيز المهيمن الجبار # قلت: لا أستطيع ذلك، قالت: ... صرت بعدى تقول بالإجبار # وتخليت عن مقالة بشر بن ... غياث لمذهب النجار # وقال أبو القاسم بن عباد الصاحب: # كنت دهرا أقول بالإستطاعة ... وأرى الجبر ضلة وشناعه # ففقدت استطاعتى فى هوى ظبى؛ ... فسمعا للمجبرين وطاعه # وقال أيضا: # ولما تناءت بالحبيب دياره ... وصرنا جميعا من عيان إلى وهم «1» # تمكن منى الشوق غير مخالس ... كمعتزلى قد تمكن من خصم ### | [بعض ما قيل فى النسيب] # وأنشد محمد بن سلام بعض هذه الأبيات التى أنشدها، وزعم أنها لأبى كبير ~~الهذلى، ورويت ليزيد بن الطثرية وغيره، والرواة يدخلون بعض الشعر فى بعض، ~~وهى: # عقيلية، أما ملاث إزارها ... فوعث، وأما خصرها فبتيل «2» # تقيظ أكناف الحمى، ويظلها ... بنعمان من وادى الأراك مقيل # فياخلة النفس التى ليس دونها ... لنا من أخلاء الصفاء خليل # ويا من كتمنا حبه، لم يطع له ... عدو، ولم يؤمن عليه دخيل # أما من مقام أشتكى غربة النوى ... وخوف العدا فيه إليك سبيل # أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك؟ وكلا ليس منك قليل # PageV04P923 # وإن عناء النفس- مادمت هكذا ... عنود النوى محجوبة- لطويل # أراجعة قلبى على فرائح ... مع الركب لم يكتب عليك قتيل # فلا تحملى وزرى وأنت ضعيفة ... فحمل دمى يوم الحساب ثقيل # فياجنة الدنيا، ويا منتهى المنى ... ويا نور عينى، هل إليك سبيل؟ # فديتك، أعدائى كثير، وشقتى ... بعيد، وأشياعى لديك قليل # وكنت إذا ما جئت جئت بعلة ... فأفنيت علاتى، فكيف أقول؟ # فما كل يوم لى بأرضك حاجة ... ولا كل يوم لى إليك رسول # وأنشد ابن سلام لأبى كبير الهذلى: # وإنى لمستسق لها الله كلما ... لوى الدين معتل وشح غريم # سحائب لا من صيب ذى صواعق ... ولا محرقات ماؤهن حميم # ولا مخلفات حين هجن بنسمة ... إليهن هوجاء المهب عقيم # إذا ما هبطن القاع قد مات نبته ... بكين به حتى يعيش هشيم ### | [عمران بن حطان والحجاج] # ولما ظفر الحجاج بعمران بن حطان الشارى ms580 «1» قال: اضربوا عنق ابن الفاجرة، ~~فقال عمران: لبئسما أدبك أهلك يا حجاج! كيف أمنت أن أجيبك بمثل ما لقيتنى ~~به؟ أبعد الموت منزله أصانعك عليها؟ فأطرق الحجاج استحياء، وقال: خلوا عنه؛ ~~فخرج إلى أصحابه، فقالوا: والله ما أطلقك إلا الله، فارجع إلى حربه معنا، ~~فقال: هيهات! غل يدا مطلقها، واسترق رقبة معتقها! وأنشد: # أأقاتل الحجاج عن سلطانه ... بيد تقر بأنها مولاته؟ # إنى إذا لأخو الدناءة، والذى ... عفت على عرفانه جهلاته # PageV04P924 # ماذا أقول إذا وقفت موازيا ... فى الصف وأحتجت له فعلاته؟ # وتحدث الأكفاء أن صنائعا ... غرست لدى فحنظلت نخلاته # أأقول جار على؟ إنى فيكم ... لأحق من جارت عليه ولاته # تالله ما كدت الأمير بآلة ... وجوارحى وسلاحها آلاته # أخذ أبو تمام هذا فقال معتذرا إلى أبى المغيث موسى بن إبراهيم الرافعى: # أألبس هجر القول من لو هجوته ... إذا لهجانى عنه معروفه عندى # كريم متى امدحه أمدحه والورى ... معى، وإذا مالمته لمته وحدى # وعمران بن حطان هو القائل: # لم يعجز الموت شىء دون خالقه ... والموت فان إذا ما غاله الأجل # وكل كرب أمام الموت منقطع ... بالموت، والموت فيما بعده جلل «1» # وكان الفرزدق عمل بيتا، وحلف بالطلاق أن جريرا لا ينقضه، وهو: # فإنى أنا الموت الذى هو نازل ... بنفسك فانظر كيف أنت محاوله # فاتصل ذلك بجرير، فقال: أنا أبو حزرة، طلقت امرأة الخبيث، وقال: # أنا الدهر يفنى الموت والدهر خالد ... فجئنى بمثل الدهر شيئا يطاوله # وإنما أشار جرير إلى قول عمران. # وهو عمران بن حطان بن ظبيان بن سهل بن معاوية بن الحارث بن سدوس ابن سنان ~~بن ذهل بن ثعلبة، ويكنى أبا شهاب، وكان من الشراة، وكان من أخطب الناس ~~وأفصحهم، وكان إذا خطب ثارت الخوارج إلى سلاحها، وكان من أقبح الناس وجها، ~~قالت له امرأته وكانت فى الجمال مثله فى القبح: # إنى لأرجو أن أكون وإياك فى الجنة؛ لأن الله رزقك مثلى فشكرت، وابتلانى ~~بمثلك فصبرت! # PageV04P925 ### | [بين أعرابى وبعض الولاة] # ودخل أعرابى على بعض الولاة فقال: أصلح الله الأمير، اجعلنى زماما من ms581 ~~أزمتك، فإنى مسعر حرب «1» ، وركاب نجب، شديد على الأعداء، لين على ~~الأصدقاء، منطوى الحصيلة، قليل الثميلة «2» ، [قليل] غرار النوم، قد غذتنى ~~الحروب أفاويقها، وحلبت الدهر أشطره، فلا يمنعك منى الدمامة، فإن تحتها ~~لشهامة. ### | [الدنيا، وأهلها] # قال المسيح عليه السلام: الدنيا لإبليس مزرعة، وأهلها له حراث. # وقال إبليس لعنه الله: العجب لبنى آدم يحبون الله ويعصونه، ويبغضوننى ~~ويطيعوننى. ### | [أربع كلمات طيبات] # خرج الزهرى يوما من عند هشام بن عبد الملك فقال: ما رأيت كاليوم، ولا ~~سمعت كأربع كلمات تكلم بهن رجل عند هشام؛ دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين؛ ~~احفظ عنى أربع كلمات، فيهن صلاح ملكك، واستقامة رعيتك. # قال: هاتهن؟ قال: لا تعدن عدة لا تثق من نفسك بإنجازها، ولا يغرنك ~~المرتقى وإن كان سهلا إذا كان المنحدر وعرا، واعلم أن للأعمال جزء فاتق ~~العواقب، وأن للأمور بغتات فكن على حذر. # قال عيسى بن دأب: فحدثت بهذا الحديث الهادى وفى يده لقمة قد رفعها إلى ~~فيه فأمسكها، وقال: ويحك أعد على! فقلت: يا أمير المؤمنين، أسغ لقمتك، ~~فقال: حديثك أحب إلى. # PageV04P926 ### | [بين معاوية وعمرو بن سعيد] # ولما عقد معاوية البيعة ليزيد قام الناس يخطبون؛ فقال لعمرو بن سعيد: # قم يا أبا أمية، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن يزيد بن ~~معاوية أجل تؤمونه، وأمل تؤملونه، إن استضفتم إلى حلمه وسعكم «1» ، وإن ~~احتجتم إلى رأيه أرشدكم، وإن افتقرتم إلى ذات يده أعناكم، جذع قارح «2» ، ~~سوبق فسبق، وموجد فمجد، وقورع فقرع، وهو خلف أمير المؤمنين، ولا خلف عنه، ~~فقال له معاوية: اجلس، فقد أبلغت. # وعمرو بن سعيد هذا هو الأشدق؛ [وإنما سمى الأشدق] لتشادقه فى الكلام، ~~وقيل: بل كان أفقم مائل الشدق، وهذا قول عوانة بن الحكم الكلبى، وهو خلاف ~~قول الشاعر: # تشادق حتى مال فى القول شدقه ... وكل خطيب لا أبالك أشدق # وكان أبوه سعيد بن العاص أحد خطباء بنى أمية وبانائهم. # ولما مات سعيد دخل عمرو على معاوية فاستنطقه فقال: إن أول كل مركب صعب، ~~وإن مع ms582 اليوم غدا، فقال معاوية: وفى هذه العلة إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: ~~أوصى إلى ولم يوص بى، فقال معاوية: إن ابن سعيد هذا لأشدق! ### | [من تواضع الرشيد] # قال ابن السماك للرشيد: يا أمير المؤمنين، تواضعك فى شرفك أفضل من شرفك؛ ~~إن رجلا آتاه الله مالا وجمالا وحسبا، فواسى فى ماله، وعف فى جماله، وتواضع ~~فى شريه؟؟؟، كتب فى ديوان الله عز وجل. # PageV04P927 ### | [للمتنبى فى حمى أصابته بمصر] # نالت أبا الطيب المتنبى علة بمصر، فكان بعض إخوانه من المصريين يكثر ~~الإلمام «1» به: فلما أبل قطعه، فكتب إليه: وصلتنى أعزك الله معتلا، ~~وقطعتنى مبلا، فإن رأيت ألا تسكدر الصحة على، وتحبب العلة إلى، فعلت. # وفى هذه العلة يقول: # أقمت بأرض مصر؛ فلا ورائى ... تخب بى الركاب، ولا أمامى # عليل الجسم ممتنع القيام ... شديد السكر من غير المدام # وزائرتى كأن بها حياء ... فليس تزور إلا فى الظلام # بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها، وباتت فى عظامى # يضيق الجلد عن نفسى وعنها ... فتوسعه بأنواع السقام # إذا ما فارقتنى غسلتنى ... كأنا عاكفان على حرام # كأن الصبح يطردها فتجرى ... مدامعها بأربعة سجام # أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام # ويصدق وعدها والصدق شر ... إذا ألقاك فى الكرب العظام ### | ألفاظ لأهل العصر فى العيادة وما جانسها من ذكر التشكى والمرض وتلونه، وسوء أثره، والانزعاج لعوارضه # عرض لى مرض أساء بالنجاة ظنى، وكاد يصرف وجه الإفاقة عنى. # هو شورى بين أمراض أربعة: صداع لا يخف، وحمى لا تغب «2» ، وزكام لا يجف، ~~وسعال لا يكف. علة هو فى أسرها معتقل، وبقيدها مكبل. # PageV04P928 # أمراض تلونت على، وأساءت بى وإلى، فأنا أشكر الله تعالى إذ جعلها عظة ~~وتذكيرا، ولم يبق منها الآن إلا يسيرا، أحسب أن الأمراض قد أقسمت على أن ~~تجعل أعضائى مراتعها، [وآلت على أن تصير جوارحى مرابعها] . # علل لا يصدر منها [آت إلا لتكدير ورد] ولا يعزل منها وال إلا بولى عهد. # قد كرت تلك العلة فعادت عللا، [وسقتنى بعد نهل عللا] «1» . علل برته برى ~~الأخلة، ونقصته ms583 نقص الأهلة، وتركته حرضا، وأوسعته مرضا، وغادرته والخيال ~~أكثف منه جثة، والطيف أوفر منه قوة. عرض له من المرض ما صار معه القنوط ~~يغاديه ويراوحه، واليأس يخاطبه ويصافحه. # قد ورد من سوء الظن أو خم المناهل، وبات من حسن الرجاء على مراحل. # طالعت الكرم يترجح نجمه بين الإضاءة والأفول، وتمثل شمسه بين الإشراق ~~والغروب. أصبح فلان لا يقل رأسه «2» ، ولا يحور ظله، ويد المنية تقرع بابه. # ما هو للعلة إلا عرض، ولسهام المنية إلا غرض. شاهدت نفسى وهى تخرج، ولقيت ~~روحى وهى تعرج، وعرفت كيف تكون السكرة، وكيف تقع الغمرة، وكيف طعم البعد ~~والفراق، وكيف تلتف الساق بالساق. مرض لحقتنى روعته، وملكتنى لوعته. وجدت ~~فى نفسى ألما أوحشه آنسه وآنسه أوحشه. # بلغنى من شكايته ما أوحش جناب الأنس، وأرانى الظلمة فى مطلع الشمس. # قد بلغنى ما عرض لك من المرض، وألم بك من الألم؛ فتحامل على سوداء صدرى، ~~وأقذى سواد طرفى، وفد استنفد القلق لعلتك ما أعده الصبر من ذخيرة، وأضعف ما ~~قواه العزم من بصيرة. قلبى يتقلب على حد السيف إلى أن أعرف انكشاف العارض ~~وزياله، وأتحقق انحساره وانتقاله. أنهى إلى من الخبر العارض، حسم الله ~~مادته، وقصر مدته، ما أرانى الأفق مظلما، والعيش مبهما. # PageV04P929 ### | فقر فى تهوين العلة بحسن الرجاء، وذكر المشاركة والاهتمام بحلولها والاستبشار بزوالها # إن الذى بلغنى من ضعفه قد أضعف المنة، وإن لم يضعف الظن بالله والثقة. قد ~~استشف العافية من ثوب رقيق. ما أكثر ما رأينا هذه العلل حلت ثم تجلت وتوالت ~~ثم تولت. خبرنى فلان بعلتك فأشركنى فيها ألما وقلقا، فلا أعل الله لك جسما ~~ولا حالا، فليست نكاية الشغل فى قلبى بأقل من نكاية الشكاية فى جسمك، ولا ~~استيلاء القلق على نفسى بأيسر من اعتراض السقم لبدنك، ومن ذا الذى يصح جسمه ~~إذا تألمت إحدى يديه، ومن يحل محلها فى القرب إليه؟ أنا منزعج لشكاتك، ~~مبتهج بمعافاتك، إن كانت علتك قد قرحت وجرحت، فإن صحتك قد آست وآنست «1» . ~~بلغتنى شكاتك فارتعت، ثم ms584 عرفت خفتها فارتحت. الحمد لله على قرب المدة بين ~~المحنة والمنحة، والنقمة والنعمة، وعلى أنا لم نتهالك بأيدى المخافة حتى ~~تدارك بحسن الرأفة، ولم نستسلم لخطة الحذر حتى سلم من ورطة القدر. ### | ولهم فى شكاة أهل الفضل والسؤود # شكاته التى تتألم منها المروءة والفضل. ويسقم منها الكرم المحض. # شكاته التى غصت بها حلوق المجد، وحرجت لها صدور أهل الأدب والعلم «2» ، ~~وبدا الشحوب معها على وجه الحرية، وحرم معها البشر على غرة المروءة. قد ~~اعتل بعلته الكرم، وشكا بشكايته السيف والقلم. شكاة عرضت منه لشخص الكرم ~~الغض، والشرف المحض. لو قبلت مهجتى فدية، دون وعكة تجدها، # PageV04P930 # لجدت بها، وساعة أنس تفقدها لبذلتها، عالما بأنى أفدى الكرم لا غير، ~~والفضل ولا ضير. ### | ولهم فى تنسم الإقبال، وذكر الإبلال # قد شمت بارقة العافية، وشممت رائحة الصحة. أقبل صنع الله من حيث لم ~~أحتسب، وجاءنى لطفه من حيث لا أرتقب، وتدرجت إلى الإبلال وقد حسبته حلما، ~~ورضيت به دون الاستقلال غنما، وقد تخلصت إلى شط العافية لما تداركنى الله ~~تعالى بلطيفة من لطائفه، وجعل هبة الروح عارفة من عوارفه، وتنسمت روح ~~الحياة، بعد أن أشفيت على الوفاة «1» ، وثنيت وجهى إلى الدنيا بعد مواجهتى ~~للدار الأخرى. قد صافح الإقبال والإبلال، وقارب النهوض والاستقلال. سيريك ~~الله من العافية التى أذاقك ويسبغ ثوبها، ولا يعيد عليك مكروهها. قد استقل ~~استقلال اليف حودث عهده وأعيد فرنده «2» ، والقمر انكشف سراره، وذاعت ~~أسراره «3» . حين استقلت يدى بالقلم، بشرتك بانحسار الألم. قد أتاك الله ~~بالسلامة الفائضة، وعافاك من الشكاة العارضة. أبل فانشرحت الصدور، وشمل ~~السرور. الحمد لله الذى حرس جسمك وعافاه، ومحا عنه أثر السقم وعفاه. الحمد ~~لله الذى جعل العافية عقبى ما تشكيت، والسلامة عوضا عما عاينت. الحمد لله ~~الذى أعفاك من معاناة الألم، وعافاك للفضل والكرم، ونظمنى معك فى سلك ~~النعمة، وضمنى إليك فى منبلج الصحة. الحمد لله الذى جعل السلامة ثوبك الذى ~~لا تنضوه «4» ، وسيفك فيما تأمله وترجوه. الله يجعل السلامة أطول برديك، ~~وأشدهما سبوغا عليك، ويدفع # PageV04P931 # فى ms585 صدور المكاره دون ربعك، وفى نحور المحاذير قبل الانتهاء إلى ظلك. لا ~~زالت العافية شعارك، ما واصل ليلك نهارك. ### | فقر فى أذعية العيادة، والاستشفاء بكتبها # أغناك الله عن الطب والأطباء، بالسلامة والشفاء، وجعله عليك تمحيصا «1» ~~لا تنغيصا، وتذكيرا لا نكيرا، وأدبا لا غضبا. الله يدر لك صوب العافية، ~~ويضفى عليك ثوب الكفاية الوافية. أوصل الله تعالى إليك من برد الشفاء ما ~~يكفيك حر الأدواء. كتابك قد أدى روح السلامة فى أعضائى، وأوصل برد العافية ~~إلى أحشائى. تركنى كتابك والنعم تثب إلى صحتى، والخطوب تتجافى عن مهجتى، ~~بعد أمراض اكتنفت، وأسقام اختلفت. قد استبق كتابك والعافية إلى جسمى كأنهما ~~فرسا رهان تباريا، ورسيلا مضمار تجاريا. أبدلنى كتابك من حزون الشكاية سهول ~~المعافاة، ومن شدة التألم، رخاء التنعم. ### | قطعة من كلام الأطباء والفلاسفة # العاقل يترك ما يحب ليستغنى عن العلاج بما يكره. # جالينوس: المرض هرم عارض، والهرم مرض طبيعى. # وله: مجالسة الثقيل حمى الروح. # بختيشوع: أكل القليل مما يضر أصلح من أكل الكثير مما ينفع. # يوحنا بن ماسويه: عليك من الطعام بما حدث، ومن الشراب بما قدم. # وقال له المأمون: ما أحسن ما يتنقل به على النبيذ؟ قال: قول أبى نواس، ~~يريد قوله: # الحمد لله ليس لى مثل ... خمرى شرابى ونقلى القبل # PageV04P932 # ثابت بن قرة: ليس شىء أضر بالشيخ من أن تكون له جارية حسناء، وطباخ حاذق؛ ~~لأنه يكثر من الطعام فيسقم، ومن الجماع فيهرم. # غيره: ليس لثلاث حيلة: فقر يخالطه كسل، وخصومه يخامرها حسد، ومرض يمازجه ~~هرم. # ثلاثة يجب مداراتهم: السلطان، والمريض، والمرأة. # ثلاثة يعذرون على سوء الخلق: المريض، والمسافر، والصائم. ### | فقر فى ذكر المرض والصحة والموت والحياة لغير واحد # شيئان لا يعرفان إلا بعد ذهابهما: الصحة والشباب. بمرارة السقم توجد ~~حلاوة الصحة. هذا كقول أبى تمام: # إساءة دهر أذكرت حسن فعله ... إلى، ولولا الشرى لم يعرف الشهد «1» # وقوله أيضا: # والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذى أدراك كيف نعيمها # ما سلامة بدن معرض للآفات، وبقاء عمر معرض للساعات؟ # قال أبو النجم: ms586 # إن الفتى يصبح للسقام ... كالغرض المنصوب للسهام # أخطأ رام وأصاب رام # وقيل لبعض الأطباء وقد نهكته العلة: ألا تتعالج؟ فقال: إذا كان [الداء ~~من] السماء بطل الدواء، وإذا قدر الرب بطل حذر المربوب، ونعم الدواء الأمل، ~~وبئس الداء الأجل. # بزرجمهر: إن كان شىء فوق الحياة فالصحة، وإن كان شىء فوق الموت فالمرض، ~~وإن كان شىء مثل الحياة فالغنى، وإن كان شىء مثل الموت فالفقر. # PageV04P933 # غيره: خير من الحياة ما لا تطيب الحياة إلا به، وشر من الموت ما يتمنى ~~الموت له. # قال المتنبى فى مرثية أم سيف الدولة: # أطاب النفس أنك مت موتا ... تمنته البواقى والخوالى # وزلت ولم ترى يوما كريها ... تسر النفس فيه بالزوال # رواق العز فوقك مسبطر ... وملك على ابنك فى كمال # الموت باب الآخرة الحسن: ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه ~~من الموت. # ابن المعتز: الموت سهم مرسل إليك، وعمرك بقدر سفره نحوك أخذه بعض أهل ~~العصر فقال: # لا تأمن الدهر الخؤو ... ن وخف بوادر آفته # فالموت سهم مرسل ... والعمر قدر مسافته # البستى: # لا يغرنك أننى لين الم ... س فعزمى إذا انتضيت حسام # أنا كالورد فيه راحة قوم ... ثم فيه لآخرين زكام # وقال آخر: # إن الجهول تضرنى أخلاقه ... ضرر السعال لمن به استسقاء # ولآخر، وهو البستى: # فلا تكن عجلا فى الأمر تطلبه ... فليس يحمد قبل النضج بحران # وقال آخر: # لا تعتمد إلا رئيسا فاضلا ... إن الكبار أطب للأوجاع # وقال آخر: # وإنى لأختص بعض الرجال ... وإن كان فدما ثقيلا عباما «1» # PageV04P934 # فإن الجبن على أنه ... ثقيل وخيم يشهى الطعاما # وقال المتنبى: # لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل # وقال أيضا: # أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم ### | [من الأجوبة المفحمة] # قال أبو المنذر هشام بن محمد السائب الكلبى: كان بلال بن أبى بردة جلدا ~~حين ابتلى، أحضره يوسف بن عمر فى قيوده لبعض الأمر، وهم بالحيرة؛ فقام خالد ~~بن صفوان فقال ليوسف: أيها الأمير، إن عدو الله بلالا ضر بنى ms587 وحبسنى ولم ~~أفارق جماعة؛ ولا خلعت يدا من طاعة، ثم التفت إلى بلال فقال: الحمد لله ~~الذى أزال سلطانك، وهد أركانك، وأزال جمالك، وغير حالك، فوالله لقد كنت ~~شديد الحجاب، مستخفا بالشريف، مظهرا للعصبية! فقال بلال: # يا خالد؛ إنما استطلت على بثلاث معك هن على: الأمير مقبل عليك، وهو عنى ~~معرض. وأنت مطلق، وأنا مأسور. وأنت فى طينتك، وأنا غريب! فأفحمه، [ويقال: ~~إن آل الأهتم زعنفة دخلت فى بنى منقر فانتسبت إليهم] «1» وكان سبب ضرب بلال ~~خالدا فى ولايته أن بلالا مر بخالد فى موكب عظيم، فقال خالد: # سحابة صيف عن قليل تقشع # فسمعه بلال، فقال: والله لا تقشع أو يصيبك منها شؤبوب «2» برد، وأمر ~~بضربه وحبسه. ### | [رثاء قدح] # وقال أبو الفتح كشاجم يرثى قدحا له انكسر: # PageV04P935 # عرانى الزمان بأحداثه ... فبعضا أطقت، وبعض فدح «1» # وعندى فجائع للحادثات ... وليس كفجعتنا بالقدح # وعاء المدام، وتاج البنان ... ومدنى السرور، ومقصى الترح «2» # ومعرض راح متى تكسه ... ويستودع السر منها يبح # وجسم هواء وإن لم يكن ... يرى للهواء بكف شبح # يرد على الشخص تمثاله ... وإن تتخذه مراة صلح # ويعبق من نكهات المدام ... فتحسب منه عبيرا نفح # ورق؛ فلو حل فى كفة ... ولا شىء فى أختها ما رجح # يكاد مع الماء إن مسه ... لما فيه من شكله ينفسح # هوى من أنامل مجدولة ... فيا عجبا من لطيف رزح # فأفقدنيه على ضنة ... به للزمان غريم ملح # كأن له ناظرا ينتقى ... فمتى يتعمد غير الملح # أقلب ما أبقت الحادثا ... ت منه وفى العين دمع يسح # وقد قدح الوجد منى به ... على القلب من ناره ما قدح # وأعجب من زمن مانح ... وآخر يسلب تلك المنح # فلا تبعدن فكم من حشى ... عليك كليم وقلب قرح # سيقفر بعدك رسم الغبوق ... وتوحش منك مغانى الصبح ### | [من طرائف الوصف] # ومن أحسن ما قيل فى وصف قدح، قول ابن الرومى يصف قدحا أهداه إلى على بن ~~يحيى المنجم: # PageV04P936 # وبديع من البدائع يسبى ... كل عقل، ويطبى كل طرف «1» # رق فى الحسن والملاحة حتى ... ما يوفيه واصف ms588 حق وصف # كفم الحب فى الملاحة بل أشهى ... وإن كان لا يناجى بحرف # تنفذ العين فيه حتى تراها ... أخطأته من رقة المستشف # كهواء بلا هباء مشوب ... بضياء، أرقق بذاك وأصف # صيغ من جوهر مصفى طباعا ... لا علاجا بكيمياء مصف # وسط القدر، لم يكبر لجرع ... متوال، ولم يصغر لرشف # لا عجول على العقول جهول ... بل حليم عنهن فى غير ضعف «2» # فيه نون معقرب عطفته ... حكماء القيون أحكم عطف # مثل عطف الأصداغ فى وجنات ... من حبيب يزهى بحسن وظرف # ما رأى الناظرون قدا وشكلا ... مثله فارسا على بطن كف # وقال أبو القاسم التنوخى: # وراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك فى قدح من نهار # هواء ولكنه جامد ... وماء ولكنه غير جار # إذا ما تأملتها وهى فيه ... تأملت نورا محيطا بنار # فهذا النهاية فى الابيضاض ... وهذا النهاية فى الاحمرار # وما كان فى الحق أن يقرنا ... لفرط التنافى وبعد النفار # ولكن تجاور شكلاهما ال ... بسيطان فاتفقا فى الجوار # كأن المدير لها باليمين ... إذا قام للسقى أو باليسار # تدرع ثوبا من الياسمين ... له فردكم من الجلنار # PageV04P937 # وقال أبو الفتح كشاجم برثى منديل كم: # من يبك من وجد على هالك ... فإنما أبكى على دستجه «1» # جاذبنيها رشأ أغيد ... فجادت النفس بها محرجه # بديعة فى نسجها، مثلها ... يفقد من يحسن أن ينسجه # كأنما رقة أشكالها ... من رقة العشاق مستخرجه # كأنما مفتول أهدا بها ... أيدى دبا فى نسق مزوجه «2» # كأنما تفريق أعلامها ... طاوسة تختال أو درجه # لبيسة جددها حسنها ... لارثة السلك ولا منهجه «3» # كم رقعة من عند معشوقة ... ترسل فى أثنائها مدرجه # أو مسحة من شفة عذبة ... تبرد حر الكبد المنضجه # إلى تحيات لطاف بها ... تسكن منى مهجة مزعجه # كانت لمسح الكاس حتى ترى ... منها لآثار القذى مخرجه # وخاتمى يعقد فيها إذا ... آثرت من كفى أن أخرجه # وأتقى الجام بها كلما ... كلله المازج أو توجه # فاستأثر الدهر بها؛ إنه ... ذو همة مجلية مرهجه «4» # فأصبحت فى كم مختالة ... ملجمة فى هجرنا مسرجة # وقال أيضا يصف سقوط الثلج: # الثلج يسقط أم لجين ms589 يسبك ... أم ذا حصى الكافور ظل يفرك # راحت به الأرض الفضاء كأنها ... فى كل ناحية بثغر تضحك # PageV04P938 # شابت مفارقها فبين ضحكها ... طورا، وعهدى بالمشيب ينسك # أربى على خضر الغصون فأصبحت ... كالدر فى قضب الزبرجد يسلك # وتردت الأشجار منه ملاءة ... عما قليل بالرياح تهتك # كانت كعود الهند طرى فانكفى ... فى لون ابيض وهو أسود أحلك # والجو من أرج الهواء كأنه ... خلع تعنبر تارة وتمسك «1» # فخذى من الأوتار حظك إنما ... يتحرك الإطراب حين تحرك # فاليوم يوزن بالملاحة، إنه ... سيطل فيه دم الدنان ويسفك «2» # وقال أيضا: # باكر فهذى صبيحة قره ... واليوم يوم سماؤه ثره # ثلج وشمس وصوب غادية ... والأرض من كل جانب غره # باتت وقيعانها زبرجدة ... فأصبحت قد تحولت دره # كأنها والثلوج تضحكها ... تعار ممن أحبه ثغره # كأن فى الجو أيديا نثرت ... درا علينا فأسرعت نثره # شابت فسرت بذاك وابتهجت ... وكان عهدى بالشيب يستكره # قد جليت بالبياض بلدتنا ... فاجل علينا الكؤوس بالحمره # وقال الصنوبرى: # ذهب كؤوسك يا غلا ... م فإن ذا يوم مفضض # الجو يجلى فى البيا ... ض وفى حلى الكافور يعرض # أزعمت ذا ثلج وذا ... ورد على الأغصان بنفض # ورد الربيع مورد ... والورد فى تشرين أبيض # PageV04P939 # وقال البستى: # كم نظمنا عقود لهو وأنس ... وجعلنا الزمان للهو سلكا # وفتقنا الدنان فى يوم ثلج ... عزل الكأس فيه رشدا ونسكا # فكأن السماء تنحل كافو ... را علينا، ونحن نفتق مسكا # وقال الأمير أبو الفضل الميكالى يصف الجمد: # رب جنين من حيا النمير ... مهتك الأستار والضمير # سللته من رحم الغدير ... كأنها صحائف البلور # أو أكر تجسمت من نور ... أو قطع من خالص الكافور # لو بقيت سلكا على الدهور ... لعطلت قلائد النحور «1» # وأخجلت جواهر البحور ... [وسميت ضرائر الثغور] # يا حسنه فى زمن الحرور ... إذ قيظه مثل حشى المهجور «2» # يهدى إلى الأكباد والصدور ... روحا يجلى نفثة المصدور # ويجلب السرور للمقرور ### | ألفاظ لأهل العصر فى وصف الثلج والبرد والأيام الشتوية # ألقى الشتاء كلكله، وأحل بنا أثقاله. مد الشتاء رواقه، وألقى أوراقه، وحل ~~نطاقه. ضرب الشتاء بجرانه، واستقل بأركانه، وأناخ بنوازله، ms590 وأرسى بكلا كله، ~~وكلح بوجهه، وكشر عن أنيابه. قد عادت [هامات] الجبال شيبا، ولبست من الثلج ~~بردا قشيبا. شابت مفارق البروج، لتراكم الثلوج، ألم الشيب بها وابيضت لممها ~~«3» . قد صار البرد حجابا، والثلج حجازا. برد يغير الألوان، وينشف الأبدان. ~~برد يقضقض الأعضاء، وينفض الأحشاء. برد يجمد الريق فى الأشداق، والدمع فى ~~الآماق. برد حال بين الكلب وهريره، # PageV04P940 # والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره. نحن بين لثق، ورثق، وزلق ~~«1» يوم كأن الأرض شابت لهوله. يوم فضى الجلباب، مسكى النقاب، عبوس قمطرير، ~~كشر عن باب الزمهرير، وفرش الأرض بالقوارير. يوم أخذت الشمال زمامه، وكسا ~~الصر «2» ثيابه. يوم كأن الدنيا فيه كافورة، والسماء بلورة. # يوم أرضه كالقوارير اللامعة، وهواؤه كالزنابير اللاسعة. يوم أرضه ~~كالزجاج، وسماؤه كأطراف الزجاج «3» . يوم يثقل فيه الخفيف إذا هجم، ويخف ~~الثقيل إذا هجر، نحن فيه بين أطباق البرد فما نستغيث إلا بحر الراح، وسورة ~~الأقداح. # ليس للبرد كالبرد، والخمر، والجمر. إذا كلب الشتاء، فترياق سمومه الصلاء، ~~ودرق سيوفه الطلاء «4» . ### | نقيض ذلك من كلامهم فى وصف القيظ وشدة الحر # قوى سلطان الحر، وبسط بساط الجمر. حر الصيف، كحد السيف. # أوقدت الشمس نارها، وأذكت أوارها. حر يلفح حر الوجه. حر يشبه قلب الصب، ~~ويذيب دماغ الضب. هاجرة كأنها من قلوب العشاق، إذا اشتعلت فيها نار الفراق. ~~هاجرة تحكى نار الهجر، وتذيب قلب الصخر. كأن البسيطة من وقدة الحر، بساط من ~~الجمر. حر تهرب له الحرياء من الشمس، قد صهرت الهاجرة الأبدان، وركبت ~~الجنادب العيدان. حر ينضج الجلود، ويذيب الجلمود أيام كأيام الفرقة ~~امتدادا، وحر كحر الوجد اشتدادا. حر لا يطيب معه عيش، ولا ينفع معه ثلج ولا ~~خيش. حمارة القيظ، تغلى كدم ذى الغيظ. آب آب يجيش «5» مرجله، ويثور قسطله. ~~هاجرة كقلب المهجور، أو التنور المسجور. هاجرة كالجحيم الجاحم، تجر أذيال ~~السمائم. # PageV04P941 ### | [العجلة أم الندامة] # قال بعض الحكماء: إياك والعجلة فإن العرب كانت تكنيها ام الندامة؛ لأن ~~صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكر، ويقطع ms591 قبل ~~أن يقدر، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم قبل أن يخبر، ولن يصحب هذه الصفة أحد إلا ~~صحب الندامة، واعتزل السلامة. ### | [تأميل ورجاء] # ولما ولى المهتدى «1» سليمان بن وهب وزارته قام إليه رجل من ذوى حرمته، ~~فقال: أعز الله الوزير؛ أنا خادمك المؤمل لدولتك، السعيد بأيامك، المنطوى ~~القلب على ودك، المنشور اللسان بمدحك، المرتهن بشكر نعمتك، وقد قال الشاعر: # وفيت كل صديق ودنى ثمنا ... إلا المؤمل دولاتى وأيامى # فإننى ضامن ألا أكافئه ... إلا بتسويغه فضلى وإنعامى # وإنى لكما قال القيسى: ما زلت أمتطى النهار إليك، وأستدل بفضلك عليك، حق ~~إذا جننى الليل فغض البصر، ومحا الأثر، أقام بدنى، وسافر أملى، والاجتهاد ~~عذر، فإذا بلغتك فقد «2» . قال سليمان: لا عليك؛ فإنى عارف بوسيلتك، محتاج ~~إلى كفايتك واصطناعك، ولست أؤخر عن يومى هذا تولينك ما يحسن عليك أثره، ~~ويطيب لك خبره، إن شاء الله. # وكتب محمد بن عباد إلى أبى الفضل جعفر بن محمود الإسكافى وزير المعتز ~~بالله وكان المعتز يختص به، ويتقرب إليه قبل الوزارة: ما زلت- أيدك الله ~~تعالى- أذم الدهر بذمك إياه، وأنتظر لنفسى ولك عقباه، وأتمنى زوال حال من ~~لا ذنب له # PageV04P942 # إلا عاقبة محمودة تكون لك بزوال حاله، وأترك الإعذار «1» فى الطلب على ~~الاختلال الشديد؛ ضنا بالمعروف عندى إلا عن أهله، وحبسا لشعرى إلا عن ~~مستحقه. # فوقع فى كتابه: لم أؤخر ذكرك ناسيا لحقك، ولا مهملا لواجبك، ولا مرجيا ~~«2» لمهم أمرك، ولكنى ترقبت اتساع الحال، وانفساح الآمال؛ لأخصك بأسناها ~~خطرا، وبأجلها قدرا، وأعودها بنفع عليك، وأوفرها رزقا لك، وأقربها مسافة ~~منك؛ فإذا كنت ممن يحفزه الإعجال، ولا يتسع له الإمهال، فسأختار لك خير ما ~~يشير إليه الوقت، وأنعم النظر فيه، وأجعله أول ما أمضيه، إن شاء الله. # ولما ولى سليمان بن وهب الوزارة كتب إليه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: # أبى دهرنا إسعافنا فى نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحب ونكرم # فقلت له: نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا؛ إن المهم المقدم # فعجب من لطيف شكواه فى تهنئته، وقضى حوائجه. ms592 # [ووقع عبيد الله فى كتاب رجل اعتد عنده بأثر جميل: وقفت على ما ذكرته من ~~شكايتك، فوقع ذلك عندنا الموقع الذى أردته، وصدر جوابنا إليك بما شكرته، ~~ولم تعد ظننا، وما قدرنا فيك، ثم اعتدت الاعتداد حتى كأنك لم تكاتبنا؛ فلا ~~تفسدن تالد إحسانك بطارف امتنانك، واقتصر من وصف سالفك على ذكر مستأنفك] . ### | [من حسن التقسيم] # ووقع عبيد الله فى أمر رجل خرج عن الطاعة: أنا قادر على إخراج هذه النعرة ~~«3» من رأسه، والوحرة من نفسه «4» . # PageV04P943 # ونحو هذا التقسيم قول قتيبة بن مسلم بخراسان: من كان فى يده شىء من مال ~~عبد الله فلينبذه، أو فى فمه فليلفظه، أو فى صدره فلينفثه. # وقال عبد الله بن على، بعد قتله من قتل من بنى أمية، لإسماعيل بن عمرو: # أساءك ما فعلت بأصحابك؟ قال: كانوا يدا فقطعتها «1» ، [وعضدا ففتتها، ~~ومرة فنقضتها] ، وركنا فهدمته، [وجبلا فهضته] ، وجناحا فقصصته، قال: إنى ~~لخليق بأن ألحقك بهم، قال: إنى إذا لسعيد. # وقال المنصور لجرير بن عبد الله: إنى لأعدك لأمر كبير! قال: يا أمير ~~المؤمنين قد أعد الله لك منى قلبا معقودا بنصيحتك، ويدا مبسوطة بطاعتك، ~~وسيفا مسلولا على أعدائك. # وكتب الحسن بن وهب إلى القاسم بن الحسن بن سهل يعزيه: مد الله فى عمرك ~~موفورا غير منتقص، وممنوحا غير ممتحن، ومعطى غير مستلب. # ومن جيد التقسيم مع المطابقة قول بعض الكتاب: إن أهل النصح والرأى لا ~~يساويهم أهل الأفن والغش، وليس من جمع إلى الكفاية الأمانة كمن أضاف إلى ~~العجز الخيانة. # وقالت هند بنت النعمان بن المنذر لرجل دعت له وقد أولاها يدا: شكرتك يد ~~نالتها خصاصة بعد ثروة، وأغناك الله عن يد نالتها ثروة بعد فاقة. # ومن بديع التقسيم فى هذا النوع قول البحترى: # كأنك السيف حداه ورونقه ... والغيث وابله الدانى وريقه # هل المكارم إلا ما تجمعه ... أو المواهب إلا ما تفرقه # وقال الحسن بن سهل يوما للمأمون: الحمد لله يا أمير المؤمنين على جزيل ما ~~آتاك؛ # PageV04P944 # وسنى ما أعطاك؛ إذ قسم لك الخلافة، ms593 ووهب لك معها الحجة، ومكنك بالسلطان، ~~وحلاه لك بالعدل، وأيدك بالظفر، وشفعه لك بالعفو، وأوجب لك السعادة، وقرنها ~~بالسياسة، فمن فسح له فى مثل عطية الله لك؟ أم من ألبسه الله تعالى من زينة ~~المواهب ما ألبسك؟ أم من ترادفت نعم الله تعالى عليه ترادفها عليك؟ أم من ~~حاولها وارتبطها بمثل محاولتك؟ أم أى حاجة بقيت لرعيتك لم يجدوها عندك؟ أم ~~أى قيم للاسلام انتهى إلى غايتك ودرجتك؟ # تعالى الله! ما أعظم ما خص القرن الذى أنت ناصره! وسبحان الله! أية نعمة ~~طبقت الأرض بك إن أدى شكرها إلى بارئها، والمنعم على العباد بها؟ إن الله ~~تعالى خلق الشمس فى فلكها ضياء يستنير بها جميع الخلائق؛ فكل جوهر زها حسنه ~~ونوره فهى ألبسته زينته لما اتصل به من نورها؟ وكذلك كل ولى من أوليائك سعد ~~بأفعاله فى دولتك، وحسنت صنائعه عند رعيتك، فإنما نالها بما أيدته من رأيك ~~وتدبيرك، وأسعدته من حسنك وتقويمك. ### | [بين قينة وأربعة من عشاقها] # قال بعض الظرفاء: اجتمع لقينة أربعة من عشاقها، وكلهم يورى عن صاحبه ~~أمره، ويخفى عنه خبره، ويومىء «1» إليها بحاجبه، ويناجيها بلحظه؛ وكان ~~أحدهم غائبا فقدم، والآخر مقيما قد عزم على الشخوص، والثالث قد سلفت «2» ~~أيامه، والرابع مستأنفة مودته؛ فضحكت إلى واحد، وبكت إلى آخر، وأقصت «3» ~~آخر، وأطمعت آخر؛ واقترح كل واحد منهم ما يشاكل بثه وشأنه؛ فأجابته، فقال ~~القادم: جعلت فداك، أتحسنين: # ومن ينأ عن دار الهوى يكثر البكا ... وقول لعلى أو عسى سيكون # PageV04P945 # وما اخترت نأى الدار عنك لسلوة ... ولكن مقادير لهن شؤون # فقالت: أحسنه، ولا أقيم لحنه، ولكن مطارحه لتستغنى به عنه، لقربه منه، ~~وأنا به أحذق، ثم غنت: # وما زلت مد شطت بك الدار باكيا ... أؤمل منك العطف حين تؤوب # فأضعفت ما بى حين أبت وزدتنى ... عذابا وإعراضا وأنت قريب # وقال الظاعن: جعلت فداك، أتحسنين: # أزف الفراق فأعلنى جزعا ... ودعى العتاب فإننا سفر # إن المحب يصد مقتربا ... فإذا تباعد شفه الذكر # قالت: نعم، وأحسن منه ومن إيقاعه، ثم غنت: ms594 # لأقيمن مأتما عن قريب ... ليس بعد الفراق غير النحيب # ربما أوجع النوى للقلوب ... ثم لا سيما فراق الحبيب «1» # ثم قال السالف: جعلت فداك، أتحسنين: # كنا نعاتبكم ليالى عودكم ... حلو المذاق وفيكم مستعتب # فالآن حين بدا التنكر منكم ... ذهب العتاب فليس عنكم مذهب # قالت: لا، ولكن أحسن منه فى معناه، ثم غنت: # وصلتك لما كان ودك خالصا ... وأعرضت لما صار نهبا مقسما # ولن يلبث الحوض الجديد بناؤه ... إذا كثر الوراد أن يتهدما # فقال المستأنف: أتحسنين، جعلت فداك: # إنى لأعظم أن أبوح بحاجتى ... وإذا قرأت صحيقتى فتفهمى # وعليك عهد الله إن أبثثته ... أحدا ولا آذنته بتكلم «2» # PageV04P946 # فقالت: نعم، ومن غناء صاحبه «1» ؛ ثم غنت: # لعمرك ما استودعت سرى وسرها ... سوانا، حذارا أن تذيع السرائر # ولا خالطتها مقلتاى بنظرة ... فتعلم نجوانا العيون النواظر # ولكن جعلت الوهم بينى وبينها ... رسولا فأدى ما تجن الضمائر # أكاتم ما فى النفس خوفا من الهوى ... مخافة أن يغرى بذكرك ذاكر # فتفرقوا وكلهم قد أومأ بحاجته، وأجابته بجوابه. ### | [بين ابن المعتز وقينة] # قال أبو العباس بن المعتز: كان لنا مجلس حظ أرسلت بسببه خادمة إلى قينة ~~فأجابت، فلما مرت فى الطريق وجدت فيه حارسا فرجعت، فأرسلت أعاتبها فكتبت ~~إلى: لم أتخلف عن المسير إلى سيدى فى عشيتى أمس لأرى وجهه المبارك وأجيب ~~دعاءه، إلا لعلة قد عرفتها فلانة، ثم خفت أن يسبق إلى قلبه الطاهر أنى قد ~~تخلفت بغير عذر؛ فأحببت أن تقرأ عذرى بخطى، ووالله ما أقدر على الحركة، ولا ~~شىء أسر إلى من رؤيتك، والجلوس بين يديك، وأنت يا مولاى جاهى وسندى، لافقدت ~~قربك، ولك رأيك فى بسط العذر موفقا. # وكتبت فى أسفل الكتاب: # أليس من الحرمان حظ سلبته ... واحوجنى فيه البلاء إلى العذر # فصبرا فما هذا بأول حادث ... رمتنى به الأقدار من حيث لا أدرى # فأجبتها: كيف أرد عذر من لا تتسلط التهمة عليه، ولا تهتدى الموجدة إليه! ~~وكيف أعلمه قبول المعاذير، ولست آمن بعض خواطره «2» أن تشير إلى انتهاز ~~فرصة فيما دعا إلى الفرقة؛ وإن سلمت ms595 من ذلك فمن يجيرنى من توكله # PageV04P947 # على تقديم العذر، ووقوعه مواقع التصديق فى كل وقت، فتتصل أيام الشغل ~~والعلة، وتنقضى أيام الفراغ والصحة، فتطول مدة الغيبة، وتدرس آثار المودة، ~~وكتبت فى آخر الرقعة: # إذا غبت لم تعرف مكانى لذة ... ولم يلق نفسى لهوها وسرورها # وحدثت سمعا واهنا غير ممسك ... لقولى، وعينا لا يرانى ضميرها ### | [بين ابن المعتز وبعض الوزراء] # وكتب إلى بعض الوزراء: ما زال الحاسد لنا عليك أيها الوزير ينصب الحبائل، ~~ويطلب الغوائل، حتى انتهز فرصته، وأبلغك تشنيعا زخرفه «1» ، وكذبا زوره، ~~وكيف الاحتراس ممن يحضر وأغيب، ويقول وأمسك؟ مرتصدا لا يغفل وماكرا لا ~~يفتر؛ وربما استنصح الغاش، وصدق الكاذب؛ والحظوة لا تدرك بالحيلة، ولا يجرى ~~أكثرها على حسب السبب والوسيلة. # فأجابه: حصول الثقة بك- أعزك الله! - تغنى عن حضورك، وصدق حالتك يحتج ~~عنك، وما تقرر عندنا من نيتك وطويتك يغنى عن اعتذارك. ### | [من شعر ابن المعتز] # وقد قال ابن المعتز: # أخنى عليك الدهر مقتدرا ... والدهر ألأم غالب ظفرا # ما زلت تلقى كل حادثة ... حتى حناك وبيض الشعرا # فالآن هل لك فى مقاربة ... فلقد بلغت الشيب والكبرا # لله إخوان فقدتهم ... سكنوا بطون الأرض والحفرا # أين السبيل إلى لقائهم ... أم من يحدث عنهم خبرا # كم مورق بالبشر مبتسم ... لا أجتنى من غصنه ثمرا # PageV04P948 # ما زال يولينى خلائقه ... وصبرت أرقبه وما صبرا # وعدو غيب طالب لدمى ... لو يستطيع لجاوز القدرا # يورى زنادى كى يخادعنى ... ويطير فى أثوابى الشررا # وقال أيضا: # وإنى على إشفاق عينى من القذى ... لتجمح منى نظرة ثم أطرق «1» # كما حلئت من برد ماء طريدة ... تمد إليه جيدها وهى تفرق «2» # وقال: # وما زلت مذ شدت يدى عقد مئزرى ... غناى لغيرى وافتقارى على نفسى # ودل على الحمد مجدى وعفتى ... كما دل إشراق الصباح على الشمس # وقال: # سعى إلى الدن بالمبزال ينقره ... ساق توشح بالمنديل حين وثب # لما وجاها بدت صفراء صافية ... كأنما قد سيرا من أديم ذهب # وقال: # لبست صفرة فكم فتنت من ... أعين قد رأيتها وعقول # مثل شمس الغروب تسحب ذيلا ms596 ... صبغته بزعفران الأصيل # والشمس عند طلوعها، وعند غروبها، تمكن الناظر إليها فيمكن التشبيه بها؛ ~~قال قيس بن الخطيم: # فرأيت مثل الشمس عند طلوعها ... فى الحسن أو كدنوها لغروب # PageV04P949 ### | [جرير فى المدينة يغرى بشعر قيس بن الخطيم] # ولما قدم جرير بن الخطفى المدينة اجتمع إليه أهلها، وقالوا: يا أبا حزرة! ~~أنشدنا من شعرك، قال: ما تصنعون به؟ وفيكم من يقول: # أنى سربت وكنت غير سروب ... وتقرب الاحلام غير قريب # ما تمنعى يقظى فقد نولته ... فى النوم غير مصرد محسوب «1» # كان المنى يلقى بها فلقيتها ... فلهوت عن لهو امرىء مكذوب «2» # فرأيت مثل الشمس عند طلوعها ... فى الحسن أو كدنوها لغروب # تخطو على برديتين غذاهما ... غدق بساحة حائر يعبوب «3» ### | [يعقوب بن داود] # وقع يزيد بن خالد الكوفى رقعة إلى يعقوب بن داود ضمنها: # قل لابن داود والأنباء سائرة: ... لا يحرز الأجر إلا من له عمل # يا ذا الذى لم تزل يمناه مذ خلقت ... فيها لباغى نداه العل والنهل # إن كنت مسدى معروف إلى رجل ... لفضل شكر فإنى ذلك الرجل # فامنن على ببر منك ينعشنى ... فإننى شاكر المعروف محتمل # قال يعقوب: قد جربنا شكرك فوجدناه قد سبق برنا، وقد أمرت لك بعشرة آلاف ~~درهم [تصلح حالك] ، وليست آخر ما عندنا لك، فاستوفاها حتى مات. # PageV04P950 # ولما سخط المهدى على يعقوب أحضره، فقال: يا يعقوب! قال: لبيك يا أمير ~~المؤمنين تلبية مكروب لموجدتك، شرق بغصتك، قال: ألم أرفع قدرك وأنت خامل، ~~وأسير ذكرك وأنت هامل، وألبسك من نعم الله تعالى ونعمى ما لم أجد عندك طاقة ~~لحمله، ولا قياما بشكره؟ فكيف رأيت الله تعالى أظهر عليك، ورد كيدك إليك؟ # قال: يا أمير المؤمنين؛ إن كنت قلت هذا بتيقن وعلم فإنى معترف، وإن كان ~~بسعاية الباغين، ونمائم المعاندين، فأنت أعلم بأكثرها؛ وأنا عائذ بكرمك، ~~وعميم شرفك. # فقال: لولا الحنث «1» فى دمك لألبستك قميصا لا تشد عليه زرا «2» ؛ ثم أمر ~~به إلى الحبس، فتولى وهو يقول: الوفاء يا أمير المؤمنين كرم؛ والمودة رحم، ~~وما على العفو ندم، وأنت ms597 بالعفو جدير، وبالمحاسن خليق. فأقام فى السجن إلى ~~أن أخرجه الرشيد. # أخذ معنى قول المهدى: «لألبسنك قميصا لا تشد عليه زرا» أبو تمام فقال: # طوقته بالحسام طوق ردى ... أغناه عن مس طوقه بيده # وقال ابن عمر فى معنى قول الطائى. # طوقته بحسام طوق داهية ... لا يستطيع عليه شد أزرار # PageV04P951 # ولما قبض المهدى على يعقوب ورأى أبو الحسن النميرى ميل الناس عليه، وكان ~~مختلطا به قال: # يعقوب لا تبعد وجنبت الردى ... فلأبكين كما بكى الغصن الندى «1» # لو أن خيرك كان شرا كله ... عند الذين عدوا عليك لما عدا # أخذ هذا المعنى بعض المحدثين [فى الغزل] فقال: # لو أن هجرك كان وصلا كله ... مما أقاسى منك كان قليلا ### | [بين أحمد بن أبى دواد والواثق] # قال أبو العيناء: قال لى أحمد بن أبى دواد: دخلت على الواثق فقال لى: # ما زال اليوم قوم فى ثلبك ونقصك! فقال: يا أمير المؤمنين، لكل امرىء منهم ~~ما اكتسب من الإثم، والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم، والله ولى جزائه؛ ~~وعقاب أمير المؤمنين من ورائه، وما ذل- يا أمير المؤمنين- من كنت ناصره، ~~وما ضاق من كنت جارا له، فما قلت لهم يا أمير المؤمنين؟ # قال: قلت يا أبا عبد الله: # وسعى إلى بصرم عزة معشر ... جعل الإله خدودهن نعالها «2» # قال الفتح بن خاقان: ما رأيت أظرف من ابن أبى دواد؛ كنت يوما ألاعب ~~المتوكل بالنرد، فاستؤذن له عليه، فلما قرب منا هممت برفعها، فمنعنى ~~المتوكل وقال: أجاهر الله وأستره من عباده؟ فقال له المتوكل: لما دخلت أراد ~~الفتح أن يرفع النرد! قال: خاف يا أمير المؤمنين أن أعلم عليه! فاستحليناه، ~~وقد كنا تجهمناه. # PageV04P952 ### | [من خطباء العرب شبيب بن شيبة وخالد بن صفوان] # قيل لبعض الأمراء: إن شبيب بن شيبة «1» يتعمل الكلام ويستدعيه، فلو أمرته ~~أن يصعد المنبر فجأة لافتضح؛ فأمر رسولا فأخذ بيده فصعد به المنبر، فحمد ~~الله وأثنى عليه، وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: إن لأمير ~~المؤمنين أشباها أربعة: الأسد الخادر، والبحر ms598 الزاخر، والقمر الباهر، ~~والربيع الناضر، فأما الأسد الخادر فأشبه صولته ومضاءه، وأما البحر الزاخر ~~فأشبه جوده وعطاءه، وأما القمر الباهر فأشبه نوره وضياءه، وأما الربيع ~~الناضر فأشبه حسنه وبهاءه، ثم نزل. # وهذا الكلام ينسب إلى ابن عباس يقوله فى على بن أبى طالب رضى الله عنهما. # وكان شبيب بن شيبة من أفصح الناس وأخطبهم، ويشبه بخالد بن صفوان؛ غير أن ~~خالدا كان أعلى منه قدرا فى الخاصة والعامة. وذكر خالد شبيبا فقال: # ليس له صديق فى السر ولا عدو فى العلانية. وكانت بينهما معارضة «2» للنسب ~~والجوار والصناعة، ولما قال الشاعر: # فنح شبيبا عن قراع كتيبة ... وأدن شبيبا من كلام ملفق # وكان لا ينظر إليه أحد وهو يخطب إلا تبين فيه الخجل. # وقال أبو تمام لعلى بن الجهم: # لو كنت يوما بالنجوم مصدقا ... لزعمت أنك نلت شكل عطارد # أو قدمتك السن خلت بأنه ... من لفظك اشتقت بلاغة خالد # وقالت له امرأة: إنك لجميل يا أبا صفوان. قال: كيف تقولين هذا وما فى ~~عمود الجمال ولا رداؤه، ولا برنسه. عموده الطول، ولست بطويل، ورداؤه # PageV04P953 # البياض، ولست بأبيض، وبرنسه سواد الشعر، وأنا أشمط! ولكن قولى: # إنك لمليح. # وكان خالد حافظا لأخبار الإسلام، وأيام الفتن، وأحاديث الخلفاء، ونوادر ~~الرواة، وكل ما تصرف فيه أهل الأدب، وله يقول مكى بن سوادة: # عليم بتنزيل الكتاب ملقن ... ذكور لما سداه أول أولا # يبذ قريع القوم فى كل محفل ... ولو كان سحبان الخطيب ودغفلا # ترى خطباء الناس يوم أرتجاله ... كأنهم الكروان صادف أجدلا «1» # أما سحبان الذى ذكره فهو خطيب العرب بأسرها غير منازع ولا مدافع، وكان ~~إذا خطب لم يعد حرفا، ولم يتوقف، ولم يتحبس، ولم يفكر فى استنباط، وكان ~~يسيل غربا، كأنه آذى بحر «2» . # ويقال: إن معاوية قدم عليه وفد من خراسان وجههم سعيد بن عثمان، وطلب ~~سحبان فلم يوجد عامة النهار، ثم اقتضب من ناحية كان فيها اقتضابا، فدخل ~~عليه فقال: تكلم، فقال: انظروا لى عصا تقيم من أودى، فقال له معاوية: ما ~~تصنع بها؟ فقال: ms599 ما كان يصنع موسى عليه الصلاة والسلام وهو يخاطب ربه وعصاه ~~بيده، فجاءوه بعصا فلم يرضها. فقال: جيئونى بعصاى، فأخذها، ثم قام فتكلم ~~منذ صلاة الظهر إلى [أن فاتت] صلاة العصر، ما تنحنح، ولا سعل، ولا توقف، ~~ولا تحبس، ولا ابتدأ فى معنى فخرج منه إلى غيره حتى أتمه ولم يبق منه شىء، ~~ولا سأل عن أى جنس من الكلام يخطب فيه، فما زالت تلك حاله وكل عين فى ~~السماطين؟؟؟ إلى أن أشار له معاوية بيده أن اسكت، فأشار سحبان بيده أن دعنى ~~لا تقطع على كلامى، فقال له معاوية: # [الصلاة، فقال: هى أمامك ونحن فى صلاة يتبعها تحميد وتمجيد، وعظة وتنبيه # PageV04P954 # وتذكير ووعد ووعيد، فقال معاوية:] إنك أخطب العرب، فقال سحبان: # والعجم، والجن، والإنس. ### | [عجلان بن سحبان] # وكان ابنه عجلان حلو اللسان، جيد الكلام، مليح الإشارة، يجمع مع خطابته ~~شعرا جيدا، ويضرب الأمثال إذا خطب، وينتزع النادر من الشعر، والسائر من ~~المثل، فتحلو خطبته، وكان يزن كلامه وزنا. ### | [دغفل بن حنظلة النسابة] # وأما دغفل الذى ذكره مكى بن سوادة فهو دغفل بن حنظلة بن يزيد أحد بنى ذهل ~~بن ثعلبة النسابة، وكان أعلم الناس بأنساب العرب، والآباء والأمهات، ~~وأحفظهم لمثالبها، وأشدهم تنقيرا وبحثا عن معايب العرب، ومثالب النسب. # قال له معاوية يوما: والله لئن قلت فى هذا البيت «1» من قريش ما تجد فى ~~آل حرب مقالا؛ فتبسم دغفل؛ فقال له معاوية: والله لتخبرنى بتبسمك، وما ~~انضمت عليه جوانحك، أو لأضربن عنقك، وما آمن أن تكذب أو تزيد. # فقال: يا أمير المؤمنين، أنتم من بنى عبد مناف كسنام كوماء فتية «2» ، ~~ذات مرعى خصيب، وماء عذب، وأكمة بارزة، فهل يوجد فى سنام هذه مدب قراد من ~~عاهة؟ فقال له معاوية: أولى لك! لو قلت غير هذا؛ أما على ذلك لو رأيت هندا ~~وأباها، وزوجها، وأخاها، وعمها، وخالها، لرأيت رجالا تحار أبصار من رآهم ~~فيهم، فلا تجاوزهم إلى غيرهم، جلالة وبهاء. ### | [وصف العصا لأعرابى بين يدى الحجاج] # وعلى ذكر العصا لقى الحجاج ms600 أعرابيا فقال: من أين أقبلت؟ قال: من # PageV04P955 # البادية. قال: ما بيدك؟ قال: عصا أركزها لصلاتى، وأعدها لعداتى، وأسوق ~~بها دابتى، وأقوى بها على سفرى، وأعتمد بها فى مشيتى، ليتسع بها خطوى، ~~وأعبر بها «1» النهر فتؤمننى؛ وألقى عليها كسائى فتسترنى من الحر، وتقينى ~~من القر، وتدنى ما بعد منى، وهى محمل سفرتى، وعلاقة إداوتى، ومشجب ثيابى، ~~أعتمد بها عند الضراب، وأقرع بها الأبواب، وأتقى بها عقور الكلاب، تنوب عن ~~الرمح فى الطعان، وعن الحرز «2» عند منازلة الأقران، ورثتها عن أبى، ~~وأورثها بعدى ابنى، وأهش بها على غنمى، ولى فيها مآرب أخرى، كثيرة لا تحصى. ### | [عزة الخليل بن أحمد] # قال النضر بن شميل: كتب سليمان بن على إلى الخليل بن أحمد يستدعيه الخروج ~~إليه، وبعث إليه بمال كثير، فرده وكتب إليه: # أبلغ سليمان أنى عنه فى سعة ... وفى غنى غير أنى لست ذا مال # يسخو بنفسى أنى لا أرى أحدا ... يموت هزلا ولا يبقى على حال # والفقر فى النفس لا فى المال نعرفه ... ومثل ذاك الغنى فى النفس لا المال # والمال يغشى أناسا لا خلاق لهم ... كالسيل يغشى أصول الدندن البالى «3» # كل امرىء بسبيل الموت مرتهن ... فاعمل لنفسك، إنى شاغل بالى # أخذ هذا الطائى فقال: # لا تنكرى عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالى # وقال أيضا يصف قوما خضوا بابن أبى دواد: # نزلوا مركز الندى وذراه ... وعدتنا من دون ذاك العوادى # PageV04P956 # غير أن الربا إلى سبل الأن ... واء أدنى، والحظ حظ الوهاد «1» # وهذا الشعر من أصلح شعر الخليل، وكان شعره قليلا ضعيفا، بالإضافة إليه ~~وهو أستاذ النحو والغريب، وقد اخترع علم العروض من غير مثال تقدمه، وعنه ~~أخذ سيبويه، وسعيد بن مسعدة، وأئمة البصريين، وكان أوسع الناس فطنة، ~~وألطفهم ذهنا. قال الطائى: # فلو نشر الخليل إذا لعفت ... رزاياه على فطن الخليل ### | [من رسائل الصابى] # وكتب أبو إسحاق الصابى إلى محمد بن عباس يعزيه عن طفل: # الدنيا، أطال الله بقاء الرئيس، أقدار ترد فى أوقاتها، وقضايا تجرى إلى ~~غاياتها، ولا يرد منها ms601 شىء عن مداه، ولا يصد عن مطلبه ومنحاه؛ فهى كالسهام ~~التى تثبت فى الأغراض، ولا ترجع بالاعتراض؛ ومن عرف ذلك معرفة الرئيس لم ~~يغض من الزيادة، ولم يقنط من النقيصة «2» ، وأمن أن يستخف أحد الطرفين ~~حلمه، ويستنزل أحد الأمرين حزمه، لم يدع أن يوطن نفسه على النازلة قبل ~~نزولها، ويأخذ الأهبة للحادثة قبل حلولها، وأن يجاور الخير بالشكر، ويساور ~~المحنة بالصبر؛ فيتخير فائدة الأولى عاجلا، ويستمرىء عائدة الأخرى آجلا. # وقد نفذ من قضاء الله تعالى فى المولى الجليل قدرا، الحديث سنا، ما أرمض، ~~وأومض، وأقلق وأقض؛ ومسنى من التألم له ما يحق على مثلى ممن توافت أيادى ~~الرئيس إليه، ووجبت مشاركته فى الملم عليه، فإنا لله وإنا إليه راجعون وعند ~~الله نحتسبه غصنا ذوى، وشهابا خبا، وفرعا دل على أصله، وخطيا أنبته # PageV04P957 # وشيجه؛ وإياه أسأل أن يجعله للرئيس فرطا صالحا، وذخرا عتيدا، وأن ينفعه ~~يوم الدين، حيث لا ينفع إلا مثله بين البنين، بجوده ومجده. # ولئن كان المصاب عظيما، والحادث فيه جسيما، لقد أحسن الله إليه، وإلى ~~الرئيس فيه؛ أما إليه فإن الله نزهه بالاخترام «1» ، عن اقتراف الآثام، ~~وصانه بالاحتضار، عن ملابسة الأوزار، فورد دنياه رشيدا، وصدر عنها سعيدا، ~~نقى الصحيفة من سواد الذنوب، برى الساحة من درن العيوب، لم تدنسه الجرائر، ~~ولم تعلق به الصغائر والكبائر، قد رفع الله عنه دقيق الحساب، وأسهم له ~~الثواب مع أهل الصواب، وألحقه بالصديقين الفاضلين فى المعاد، وبوأه حيث ~~أفضلهم من غير سعى ولا اجتهاد. # وأما الرئيس فإن الله عز وجل لما اختار ذلك له قبضه قبل رؤيته إياه على ~~الحالة «2» التى تكون معها الرقة، ومعاينته التى تتضاعف معها لحرقة، وحماه ~~من فتنه المرافقة، ليرفعه عن جزع المفارقة، [وكان هو المبقى] فى دنياه، وهو ~~الواحد الماضى الذخيرة لأخراه، وقد قيل: إن تسلم الجلة فالسخل هدر «3» ؛ ~~وعزيز على أن أقول قول المهون للأمر من بعده، وألا أوفى التوجع عليه واجب ~~فقده، فهو له سلالة، ومنه بضعة، ولكن ذلك طريق التسلية، وسبيل التعزية، ~~والمنهج المسلوك ms602 فى مخاطبة مثله، ممن يقبل منفعة الذكرى وإن أغناه ~~الاستبصار، ولا يأبى ورود الموعظة وإن كفاه الاعتبار، والله تعالى يقى ~~الرئيس المصائب، ويعيذه من النوائب، ويرعاه بعينه التى لا تنام، ويجعله فى ~~حماه الذى لا يرام، ويبقيه موفورا غير منتقص، ويقدمنا إلى السوء أمامه، ~~وإلى المحذور قدامه، ويبدأ بى من بينهم فى هذه الدعوة، إذ كنت أراها من ~~أسعد أحوالى، وأعدها من أبلغ أمانى وآمالى. # PageV04P958 # وكتب إلى بعض الرؤساه: # قد جرت العادة- أطال الله بقاء الأمير! - بالتمهيد للحاجة قبل موردها، ~~وإسلاف الظنون الداعية إلى نجاحها، وسالك هذه السبيل يسىء الظن بالمسئول، ~~فهو لا يلتمس فضله إلا جزاء، ولا يستدعى طوله إلا قضاء؛ والأمير بكرمه ~~الغريب، ومذهبه البديع، يؤثر أن يكون السلف له، والابتداء منه، ويوجب ~~للمهاجم برغبته عليه حق الثقة به منه، والحمد لله الذى أفرده بالطرائق ~~الشريفة، وتوحده «1» بالخلائق المنيفة، وجعله عين زمانه البصيرة، ولمعته ~~الثاقبة المنيرة «2» . ### | [من رسائل البديع] # وكتب البديع فى بابه إلى بعض أصحابه: # لك أعزك الله عادة فضل، فى كل فضل، ولنا شبه مقت، فى كل وقت؛ ولعمرى إن ~~ذا الحاجة مقيت الطلعة، ثقيل الوطأة، ولكن ليسوا سواء [؛ أولو «3» حاجة ~~تحتاج إليهم الأموال، وأولو حاجة تحوجهم الآمال. # والأمير أبو تمام عبد السلام بن الفضل «4» المطيع لله أمير المؤمنين- ~~أيده الله- إن أحوجه الزمان فطالما خدمه، وإن أهانه فكثيرا ما أكرمه ونعمه. ~~وقديما أقله السرير، وعرفه الخورنق والسدير. وإن نقصه المال فالعرض وافر، ~~وإن جفاه الملك فالفضل ظاهر، وإن ابتلاه الله فليبتليكم به فينظر كيف ~~تفعلون. # وأنت تقابل مورده عليك من الإعظام، بما يستحق من الإكرام، فلا تنظرن إلى ~~ثوب بال، فتحته شرف عال، ولا تقس على البرد، ما وراءه من المجد، ولكن إن ~~نظرت ففى شامخ أصله، وراسخ عقله، وشهادة الفراسة له. ثم ليأت بعد هذه ~~الآيات ما هو قضية المروءة معه، والأخوة معى، بالغا فى ذلك غاية جهده، ~~والسيف لا يرى فى غمده، والحمد لله حق حمده. # PageV04P959 # وله إلى أبى إسحاق إبراهيم بن أحمد بن حمزة: # لو ms603 كانت الدنيا أطال الله بقاء الشيخ! - على مرادى تجرى، لاخترت أن أضرب ~~بهذه الحضرة أطناب عمرى، وأنفق على هذه الخدمة أيام دهرى، ولكن فى أولاد ~~الزنا كثرة. ولعين الزمان نظرة، وقد كنت حظيت من خدمة الشيخ المحسن بشرعة ~~أنس نغصها بعض الوشاة على، وذكر أنى أقمت بطوس بعد استئذانى إلى مرو، وفى ~~هذا ما يعلمه الشيخ، فإن رأى أن يحسن جبرى بكتاب يطرز به مقدمى فعل إن شاء ~~الله تعالى. # وله فى هذا الباب إلى أبى نصر الميكالى: # الشيخ- أعزه الله- ملك من قلبى مكانا فارغا «1» ، فنزله غير منزل قلعة، ~~ومن مودتى ثوبا سابغا، فلبسه غير لبسه خلعة، ومن نصب تلك الشمائل شبكا، ~~وأرسل تلك الأخلاق شركا، قنص الأحرار فاستحثهم، وصاد الإخوان واسترقهم. # وتالله ما يغبن إلا من اشترى عبدا وهو يجد حرا بأرخص من العبد ثمنا، وأقل ~~فى البيع غبنا، ثم لا يهتبل «2» غرة وجوده، وينتهز فرصة امتلاكه بجوده، ~~وأنا أنم للشيخ على مكرمة يتيمة، ونعمة وسيمة. فليعتزل من الرأى ما كان ~~بهيما، وليطلق من النشاط ما كان عقيما، وليحلل حبوة التقصير، وليتجنب جانب ~~التأخير، وليفتض عذرتها، وينقض حجتها وعمرتها، برأى يجذب المجد باعه، ويعمر ~~النشاط رباعه؛ وتلك حاجة سيدى أبى فلان وقد ورد من الشيخ بحرا، وعقد به ~~جسرا، وما عسر وعد هو مستنجزه، ولا بعد أمر هو منتهزه، ولا ضاعت نعمة أنا ~~بريد شكرها، وعزيم نشرها، وولى أمرها؛ وهذا الفاضل قرارة مائها، وعماد ~~بنائها؛ وقد شاهدت من ظرفه، ما أعجز عن وصفه، وعرفت من باطنه ما لم يدر ~~بظاهره، ورأيت من أوله ما نم على آخره، ثم له البيت المرموق، والنسب ~~الموموق، والأولية # PageV04P960 # القديمة، والشيمة الكريمة؛ وقد جمعتنا فى الود حلقة، ونظمتنا فى السفر ~~رفقة، وعرفنى بما أنهض له وفيه، فضمنت له عن الشيخ كرما لا يغلق بابه، ~~وغدقا «1» لا يخلف سحابه؛ فليخرجنى الشيخ من عهدة هذه الثقة، زادها إليه ~~تأكدا، وإن رأى أن أسأل الشيخ فى معناه عرفنى كيف المأتى له، وإنما أطلت ~~ليعلم صدق اهتمامى، وفرط تقليدى ms604 للمنة والتزامى. # وله جواب عن صنيعة بصاحب هذه العناية: # ورد فلان سيدى وهو عين بلدتنا وإنسانها، ومقلتها ولسانها؛ فأظهر آيات ~~فضله، لا جرم أنه وصل إلى الصميم، من الإيجاب الكريم، وهو الآن مقيم بين ~~روح وريحان وجنة نعيم، تحيته فيها سلام، وآخر دعواه ذكرك وحسن الثناء عليك ~~بما أنت أهله، وأنا أصدق دعواه، وأفتخر به افتخار الخصى بمتاع مولاه، وقد ~~عرفته ولسنه، وكيف يجر «2» فى البلاغة رسنه، فما ظنك به؟ وقد ملكتها ~~المجالس ولحظتها العيون، وسل صارما من فيه، يعيد شكرك ويبديه، وينشر ذكرك ~~ويطويه؛ والجماعة تمدح لمدحه، وتجرح بجرحه، فرأيك فى تحفظ أخلاقك التى ~~أثمرت هذا الشكر، وأنتجت هذه المآثر الغر، موفقا إن شاء الله تعالى. # ومن إنشائه فى مقامات الاسكندرى، قال: # حدثنا عيسى بن هشام، قال: لما نطقنى الغنى بفاضل ذيله، اتهمت بمال سلبته، ~~أو كنز أصبته، فخفرنى الليل، وسرت بى الخيل. وسلكت فى هربى مسالك لم يرضها ~~السير، ولا اهتدت إليها الطير، حتى طويت أرض الرعب وتجاوزت حده، وصرت إلى ~~حمى الأمن ووجدت برده، وبلغت أذربيجان وقد حفيت الرواحل، وأكلتها المراحل، ~~ولما بلغتها: # PageV04P961 # نزلنا على أن المقام ثلاثة ... فطابت لنا حتى أقمنا بها شهرا # فبينا أنا يوما فى بعض أسواقها إذ طلع رجل بركوة قد اعتضدها «1» ، وعصا ~~قد اعتمدها، ودنية قد تقلسها، وفوطة قد تطيلسها؛ فرفع عقيرته وقال: اللهم ~~يا مبدئ الأشياء ومعيدها، ومحيى العظام ومبيدها، وخالق المصباح ومديره، ~~وفالق الإصباح ومنيره، وموصل الآلاء سابغة إلينا، وممسك السماء أن تقع ~~علينا، وبارئ النسم أزواجا، وجاعل الشمس سراجا، والسماء سقفا، والأرض ~~فراشا، وجاعل الليل سكنا والنهار معاشا، ومنشىء السحاب ثقالا، ومرسل ~~الصواعق نكالا، وعالم ما فوق النجوم، وما تحت التخوم. أسألك الصلاة على سيد ~~المرسلين محمد وآله الطاهرين، وأن تعيننى على الغربة أثنى حبلها، وعلى ~~العسرة أعدو ظلها، وأن تسهل لى على يدى من فطرته الفطرة، وأطلعته الطهرة، ~~وسعد بالدين المتين، ولم يعم عن الحق المبين، راحلة تطوى هذا الطريق، وزادا ~~يسعنى والرفيق. # قال عيسى بن هشام: فناجيت ms605 نفسى بأن هذا الرجل أفصح من إسكندرينا أبى ~~الفتح، والتفت لفتة، فإذا هو أبو الفتح. فقلت: يا أبا الفتح، بلغ هذه الأرض ~~كيدك، وانتهى إلى هذا الشعب صيدك؟! فأنشأ يقول: # أنا جوالة البلا ... د وجوابة الأفق # أنا خذروفة الزما ... ن وعمارة الطرق # لا تلمنى لك الرشا ... د على كديتى وذق # وقال الطرماح بن حكيم: # وما أنس م الأشياء لا أنس بيعة ... من الدهر إذ أهل الصفاء جميع # PageV04P962 # وإذ دهر نافيه اعتزاز، وطيرنا ... سواكن فى أوكارهن وقوع # فهل لليالينا بنعف مليحة ... وأيامهن الصالحات رجوع؟ # كأن لم يرعك الظاعنون إلى بلى ... ومثل فراق الظاعنين يروع] «1» ### | [أيام الشباب وأيام المشيب] # وقال على بن محمد [بن الحسن] العلوى: # واها لأيام الشبا ... ب وما لبسن من الزخارف # وذهابهن بما عرفن ... من المناكر والمعارف # أيام ذكرك فى دوا ... وين الصبا صدر الصحائف # واها لأيامى وأيا ... م الشهيات المراشف # الغارسات البان قضبا ... نا على كثب الروادف # والجاعلات البدر ما ... بين الحواجب والسوالف # أيام يظهرن الخلا ... ف بغير نيات المخالف # وقف النعيم على الصبا ... وزللت من تلك المواقف # وقال ابن المعتز: # دعتنى إلى عهد الصبا ربة الخدر ... وألقت قناع الخز عن واضج الثغر # وقالت وماء العين يخلط كحلها ... بصفرة ماء الزعفران على النحر # لمن تطلب الدنيا إذا كنت قابضا ... عنانك عن ذات الوشاحين والشذر # أراك جعلت الشيب للهجر علة ... كأن هلال الشهر ليس من الشهر # وقال [أحمد بن أبى طاهر] : # PageV04P963 # يا من كلفت بحبه ... كلفى بكاسأت العقار # وحياة ما فى وجنتي ... ك من الشقائق والبهار # وولوع ردفك بالترجرج ... تحت خصرك فى الإزار # ما إن رأيت لحسن وجهك ... فى البرية من نجار # لما رأيت الشيب من ... وجهى بما يحكى الخمار # [قالت غبار قد علا ... ك فقلت ذا غير الغبار # هذا الذى نقل الملو ... ك إلى القبور من الديار] # قالت ذهبت بحجتى ... عنى بحسن الاعتذار # يا هذه أرأيت ليلا مذ خلقت بلا نهار # وقال خالد الكاتب: # نظرت إلى بعين من لم يعدل ... لما تمكن طرفها من مقتلى # لما رأت شيبا ms606 ألم بمفرقى ... صدت صدود مفارق متحمل # وظللت أطلب وصلها بتملق ... والشيب يغمزها بألا تفعلى # وقال ابن الرومى: # كفى حزنا أن الشباب معجل ... قصير الليالى والمشيب مخلد # وعزاك عن ليل الشباب معاشر ... فقالوا: نهار الشيب أهدى وأرشد # فقلت: نهار المرء أهدى لسعيه ... ولكن ظل الليل أندى وأبرد # محار الفتى شيخوخة أو منية ... ومرجوع وهاج المصابيح رمدد «1» # وقال: # كان الشباب وقلبى فيه منغمس ... فى لذة لست أدرى ما دواعيها # PageV04P964 # روح على النفس منه كاد يبردها ... برد النسيم ولا ينفك يحييها # كأن نفسى كانت منه سارحة ... فى جنة بات ساقى المزن يسقيها # يمضى الشباب ويبقى من لبانته ... شجو على النفس لا ينفك يشجيها «1» # ما كان أعظم عندى قدر نعمته ... لنفسه لا لحلم كان يصبيها # ما كان يوزن إعجاب النساء به ... والنفس أوجب إعجابا بما فيها # وقال: # إذا ما رأتك البيض صدت، وربما ... غدوت وطرف البيض نحوك أصور «2» # وما ظلمتك الغانيات بصدها ... وإن كان فى أحكامها ما يجور «3» # أعر طرفك المرآة وانظر؛ فإن نبا ... بعينيك عنك الشيب فالبيض أعذر # إذا شنئت عين الفتى شيب نفسه ... فعين سواء بالشناءة أجدر «4» # وقال كشاجم: # وقفتنى ما بين حزن وبوس ... وثنت بعد ضحكة بعبوس # إذ رأتنى مشطت عاجا بعاج ... وهى الآبنوس بالآبنوس # وقال أبو نواس: # بكرت تبصرنى الرشاد كأننى ... لا أهتدى لمذاهب الأبرار # وتقول: ويحك قد كبرت عن الصبا ... ورمى الزمان إليك بالأعذار # فإلى متى تصبو وأنت متيم ... متقلب فى راحة الإقتار # فأجبتها إنى عرفت مذاهبى ... فصرفت معرفتى إلى الإنكار # PageV04P965 # وقال أحمد بن زياد الكاتب: # ولما رأيت الشيب حل بياضه ... بمفرق رأسى قلت: أهلا ومرحبا # ولو خلت أنى إن تركت تحيتى ... تنكب عنى رمت أن يتنكبا # ولكن إذا ما حل كرة فسامحت ... به النفس يوما كان للكره أذهبا # كأن هذا البيت ينظر إلى قول الأول: # وجاشت إلى النفس أول مرة ... فردت إلى معروفها فاستقرت # أبو الطيب: # أنكرت طارقة الحوادث مرة ... ثم اعترفت بها فصارت ديدنا # ابن الرومى: # لاح شيبى فصرت أمرح فيه ... مرح الطرف فى العذار المحلى # وتولى ms607 الشباب فازددت غيا ... فى ميادين باطلى إذ تولى # إن من ساءه الزمان بشىء ... لأحق الورى بأن يتسلى # [المتنبى: # أترانى أسوء نفسى لما ... ساءنى الدهر؟ لا، لعمرى، كلا] # المتنبى: # تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع # ولمن يغالط فى الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فيطمع # [البحترى «1» ] : # يكفيك من حق تخيل باطل ... تردى به نفس اللهيف فترجع # PageV04P966 # وقلما تصح مغالطات أهل العقول، عند أهل التحصيل، وما أحسن ما قال الطائى: # لعب الشيب بالمفارق، بل جد ... فأبكى تماضرا ولعوبا «1» # يا نسيب الثغام ذنبك أبقى ... حسناتى عند الحسان ذنوبا «2» # لو رأى الله أن فى الشيب فضلا ... جاورته الأبرار فى الخلد شيبا # وقد جاء فى التشاغل عن الدهر وأحداثه، ونكباته، ومصائبه، وفجعاته، ~~والتسلى عن الهموم، بماء الكروم، شعر كثير؛ فمما يتعلق منه بذكر الشيب قول ~~ابن الرومى: # سأعرض عمن أعرض الدهر دونه ... وأشربها صرفا وإن لام لوم # فإنى رأيت الكأس أكرم خلة ... وفت لى ورأسى بالمشيب معمم # وصلت فلم تبخل على بوصلها ... وقد بخلت بالوصل عنى تكتم «3» # ومن صارم اللذات إن خان بعضها ... ليرغم دهرا ساءه فهو أرغم # أمن بعد مثوى المرء فى بطن أمه ... إلى ضيق مثواه من القبر يسلم # ولم يبق بين الضيق والضيق فرجة ... أبى الله! إن الله بالعبد أرحم! # وقال العطوى: # أعجبتن إن أناخ بى الدهر ... فحاكمته إلى الأقداح # لا ترد الهموم ينشبن أظفا ... را حدادا بشرب ماء قراح # أحمد الله، صارت الكأس تأسو ... دون إخوانى الثقات جراحى # وقال ابن الرومى [ونحله بشارا] : # وقد كنت ذا حال أطيل ادكارها ... وإرعاءها قلبى لأهتز معجبا «4» # PageV04P967 # فبدلت حالا غير هاتيك، غايتى ... تنأسى ذكراها لتغرب مغربا # وكنت أدير الكأس ملأى روية ... لأجذل مسرورا بها ولأطربا # وكانت مزيدا فى سرورى ومتعتى ... فأضحت مفرا من همومى ومهربا «1» # وهذا كما قال فى قينة وإن لم يكن من هذا الباب: # شاهدت فى بعض ما شاهدت مسمعة ... كأنما يومها يومان فى يوم # ظللت أشرب بالأرطال، لا طربا ... بذاك، بل طلبا للسكر والنوم # ومن مليح شعره فى الشيب: ms608 # ومن نكد الدنيا إذا ما تنكرت ... أمور- وإن عدت صغارا- عظائم # إذا رمت بالمنقاش نتف أشاهبى ... أتيح له من بينهن الأداهم # يروع منقاشى نجوم مسائحى ... وهن لعينى طالعات نواجم «2» # وقال أبو الفتح كشاجم: # أخى قم فعاونى على نتف شيبة ... فإنى منها فى عذاب وفى حرب # إذا ما مضى المنقاش يأتى بها أتت ... وقد أخذت من دونها جارة الجنب # كجان على السلطان يجزى بذنبه ... تعلق بالجيران من شدة الرعب # وقد وشحت هذا الكتاب بقطع مختارة فى الشيب والشباب، وجئت ههنا بجملة، ~~وهذا النوع أعظم من أن نحيط به اختيارا، أو نبلغه اختبارا. ### | شذور لأهل العصر، فى وصف الشيب ومدحه وذمه # ذوى غصن شبابه. بدت فى رأسه طلائع المشيب، [أخذ الشيب بعنان شبابه] ، ~~غزاه الشيب بجيوشه، طرز الشيب شبابه، أقمر ليل شبابه، ألجمه # PageV04P968 # بلجامه، وقاده بزمامه، علاه غبار وقائع الدهر. وزن هذا لابن المعتز # هذا غبار وقائع الدهر # بينا هو راقد فى ليل الشباب، أيقظه صبح المشيب. طوى مراحل الشباب، وأنفق ~~عمره بغير حساب. جاوز من الشباب مراحل، وورد من الشيب مناهل. فل الدهر شبا ~~شبابه، ومحا محاسن روائه. قضى باكورة الشباب، وأنفق نضارة الزمان. أخلق ~~بردة الصبا، ونهاه النهى عن الهوى. طار غراب شبابه. انتهى شبابه، وشاب ~~أترابه. استبدل بالأدهم الأبلق، وبالغراب العقعق «1» . # انتهى إلى أشد الكهل، واستعاض من حلك الغراب بقادمة النسر. افتر عن ناب ~~القارح، وقرع ناجذ الحلم، وارتاض بلجام الدهر، وأدرك عصر الحنكة وأوان ~~المسكة. جمع قوة الشباب إلى وقار المشيب. أسفر صبح المشيب، وعلته أبهة ~~الكبر. خرج عن حد الحداثة، وارتفع عن غرة الغرارة. نفض حبرة الصبا، وولى ~~داعية الحجا. لما قام له الشيب مقام النصيح، عدل عن علائق الحداثة بتوبة ~~نصوح. الشيب حلية العقل وشيمة الوقار. الشيب زبدة مخضتها الأيام، وفضة ~~سبكتها التجارب. سرى فى طريق الرشد بمصباح الشيب. عصى شياطين الشباب، وأطاع ~~ملائكة الشيب. الشيخ يقول عن عيان، والشاب عن سماع. # فى الشيب استحكام الوقار وتناهى الجلال، وميسم التجربة، وشاهد الحنكة ~~الشيب مقدمة الموت والهرم، والمؤذن بالخرف، ms609 والقائد للموت. الشيب رسول ~~المنية. الشيب عنوان الفساد. والموت ساحل، والشيب سفينة تقرب من الساحل. ~~صفا فلان على طول العمر، صفاء التبر على شغب الجمر «2» . لقد تناهت به ~~الأيام تهذيبا وتحليما، وتناهت به السن تجريبا وتحنيكا. قد وعظه الشيب # PageV04P969 # بوخطه، وخبطه السن بابنه وسبطه، قد تضاعفت عقود عمره، وأخذت الأيام من ~~جسمه. وجد مس الكبر، ولحقه ضعف الشيخوخة، وأساء إليه أثر السن، واعتراض ~~الوهن. هو من ذوى الأسنان العالية، والصحبة للأيام الخالية. هو هم هرم، فد ~~أخذ الزمان من عقله. كما أخذ من عمره. ثلمه الدهر ثلم الإناء «1» ، وتركه ~~كذى الغارب المنكوب، والسنام المجبوب. رماه من قوسه «2» الكبر. أريق ماء ~~شبابه، واستشن أديمه كسر الزمان جناحه، ونقض مرته. طوى الدهر منه ما نشر، ~~وقيده الكبر، يرسف رسفان المقيد، هو شيخ مجتث «3» الجثة، واهى المنة، مغلول ~~القوة ومفلول الفتوة «4» ، ثقلت عليه الحركة، واختلفت إليه رسل المنية. ما ~~هو إلا شمس العصر، على القصر. أركانه قد وهت، ومدته قد تناهت. # هل بعد الغاية منزلة، أو بعد الشيب سوى الموت مرحلة؟ ما الذى يرجى ممن ~~كان مثله فى تعاجز الخطا، وتخاذل القوى، وتدانى المدى، والتوجه إلى الدار ~~الأخرى، أبعد دقة العظم، ورقة الجلد، وضعف الحس، وتخاذل الأعضاء، وتفاوت ~~الاعتدال، والقرب من الزوال. والذى بقى منه ذماء «5» يرقبه المنون بمرصد، ~~وحشاشة هى هامة اليوم أوغد. قد خلق عمره، وانطوى عيشه، وبلغ ساحل الحياة، ~~ووقف على ثنية الوداع، وأشرف على دار المقام، فلم يبق إلا أنفاس معدودة، ~~وحركات محصورة. نضب غدير شبابه. ### | فقر لغير واحد فى المشيب # قيس بن عاصم: الشيب خطام المنية. أكثم بن صيفى: المشيب عنوان الموت. ~~الحجاج بن يوسف: الشيب نذير الآخرة. غيره: الشيب نوم الموت. # PageV04P970 # العتبى: الشيب مجمع الأمراض. العتابى: الشيب نذير المنية. محمود الوراق: ~~الشيب أحد الميتتين. ابن المعتز: الشيب أول مواعد الفناء. وقال: عظم الكبير ~~فإنه عرف الله قبلك، وارحم الصغير فإنه أغر بالدنيا منك. غيره: الشبب قناع ~~الموت. # الشيب غمام قطره الغموم. الشيب قذى عين الشباب. # نظر سليمان ms610 بن وهب فى المرآة فرأى الشيب، فقال: عيب لا عدمناه! وقيل لأبى ~~العيناء: كيف أصبحت؟ فقال: فى داء يتمناه الناس! ابن المعتز: # أنكرت شر مشيبى وولت ... بدموع فى الرداء سجوم # اعذرى يا شر شيبى بهم ... إن شيب الرأس نور الهموم # مسلم بن الوليد: # الشيب كره، وكره أن أفارقه ... أعجب لشىء على البغضاء مودود # يمضى الشباب فيأتى بعده بدل ... والشيب يذهب مفقودا بمفقود # وقال آخر: # لو أن عمر الفتى حساب ... كان له شيبه فذالك «1» # وقال بعضهم: # ولى صاحب ما كنت أهوى اقترابه ... فلما التقينا كان أكرم صاحب # عزيز علينا أن يفارق بعد ما ... تمنيت دهرا أن يكون مجانبى # يعنى الشيب، يقول: لم أكن أشتهى اقترابه، فلما حل كان أكرم صاحب، عزيز ~~على مجانبته؛ لأنه لا يجانب إلا بالموت. # PageV04P971 # أبو إسحاق الصابى: # والعمر مثل الكاس ير ... سب فى أواخرها القذى # أبو الفضل الميكالى: # أمتع شبابك من لهو ومن طرب ... ولا تصخ لملام سمع مكترث # فخير عمر الفتى ريعان جدته ... والعمر من فضة والشيب من خبث ### | [بعض ما قالوه فى الخضاب] # فى ذكر الخضاب: الخضاب أحد الشبابين عبدان الأصبهانى: # فى مشيبى شماتة لعداتى ... وهو ناع منغص لى حياتى # ويعيب الخضاب قوم، وفيه ... لى أنس إلى حضور وفاتى # لا ومن يعلم السرائر إنى ... ما تطلبت خلة الغانيات «1» # إنما رمت أن يغيب عنى ... ما ترينيه كل يوم مراتى # وهو ناع إلى نفسى، ومن ذا ... سره أن يرى وجوه النعاة؟ # ابن المعتز: # رأت شيبة قد كنت أغفلت قصها ... ولم تتعهدها أكف الخواضب # فقالت: أشيب ما أرى؟ قلت: شامة ... فقالت: لقد شانتك عند الحبائب # الأمير أبو الفضل الميكالى: # قد أبى لى خضاب شيبى فؤاد ... فيه وجد بكتم سرى ولوع «2» # خاف أن يحدث الخضاب نصولا ... ونصول الخضاب شىء بديع # وقالوا: الخضاب من شهود الزور، والخضاب حداد المشيب، [إن خضب الشعر] فكيف ~~يخضب الكبر. الخضاب كفن الشيب. # PageV04P972 # ابن الرومى: # ليس تغنى شهادة الشعر الأسود ... شيئا إذا استشن الأديم # أفيرجو مسود أن يزكى ... شاهد الخضب؟ أين ضل الحليم؟! # لا لعمرى ms611 ما للخضاب لدى الأبصار ... إلا التكذيب والتأثيم # يدعى للكبير شرخ شباب ... قد تولى به الشباب القديم # والسواد الدعى أوجب تكذيبا ... إذا كذب السواد الصميم # وله أيضا فى هذا المعنى: # كما لو أردنا أن نحيل شبابنا ... مشيبا ولم يأت المشيب تعذرا # كذلك يعنينا إحالة شيبنا ... شبابا إذا ثوب الشباب تحسرا # أبى الله تدبير ابن آدم نفسه ... وأنى يكون العبد إلا مدبرا # وقال: # قل للمسود حين شيب: هكذا ... غش الغوانى فى الهوى إياكا # كذب الغوانى فى سواد عذاره ... فكذبنه فى ودهن كذاكا «1» # هيهات غرك أن يقال غرائر ... أى الدواهى غيرهن دهاكا # لا تحسبن خدعتهن بحيلة ... بل أنت ويحك خادعتك مناكا؟ # وقال أبو الطيب المتنبى: # ومن هوى كل من ليست مموهة ... تركت لون مشيبى غير مخضوب # ومن هوى الصدق فى قولى وعادته ... رغبت عن شعر فى الوجه مكذوب # ليت الحوادث باعتنى الذى أخذت ... منى بحلمى الذى أعطت وتجريبى # فما الحداثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم فى الشبان والشيب # PageV04P973 # غيره: # يا خاضب الشيب بالحناء يستره ... سل الإله له سترا من النار # وقد سلك أبو القاسم مسلكا طريفا فى قوله: # أفدى المغاضبة التى أتبعتها ... نفسا يشيع عيسها إذ آبا «1» # والله لولا أن يسفهنى الصبا ... ويقول بعض القائلين تصابى # لكسرت دملجها لضيق عناقه ... ولثمت من فيها البرود رضابا «2» # بنتم فلولا أن أغير لمتى ... عتبا وألقاكم على غضابا «3» # لخضبت شيبا فى عذارى كامنا ... ومحوت محو النقس منه شبابا «4» # وخلعته خلع النجاد مذمما ... واعتضت من جلبابه جلبابا # ولبست مبيض الحداد عليكم ... لو أننى أجد البياض خضابا # وإذا أردت إلى المشيب وفادة ... فاجعل إليه مطيك الأحقابا # فلتأخذن من الزمان حمامة ... ولتدفعن إلى الزمان غرابا # ماذا أقول لريب دهر خائن ... جمع العداة وفرق الأحبابا ### | [الوليد بن يزيد وقد غلبت عليه لذاته] # وقيل للوليد بن يزيد بن عبد الملك لما غلبت عليه لذاته. وملكته شهواته: ~~يا أمير المؤمنين؛ إن الرعية ضاعت بتضييعك أمرها، وتركك ما يجب عليك من ~~مصلحتها. فقال: ما الذى أغفلناه من واجب حقها، وأسقطناه من مفروض ذمامها؟ ms612 ~~أما كرمنا دائم، ومعروفنا شامل، وسلطاننا قائم؛ وإنما لنا ما نحن فيه، بسط ~~لنا فى النعمة، ومكن لنا فى المكرمة، وأذلت لنا الأمة «5» ، ومد لنا فى ~~الحرمة، فإن تركت ما به وسع، وامتنعت عما به أنعم، كنت أنا # PageV04P974 # المزيل لنعمتى بمالا ينال الرعية ضره، ولا يؤودهم ثقله «1» . يا حاجب لا ~~تأذن لأحد فى الكلام. # وقال عمرو بن عتبة للوليد بن يزيد، وكان خاصا به: يا أمير المؤمنين؛ ~~أنطقتنى بالأنس، وأنا أسكت بالهيبة، وأراك تأمرنا بأشياء أنا أخافها عليك، ~~أفأسكت مطيعا أم أقول مشفقا؟ قال: كل مقبول منك، معلوم فيه ثقتك «2» ؛ ولله ~~فينا علم غيب نحن صائرون إليه! وتعود فتقول. فقتل الوليد بعد ذلك بشهر. ### | [بين الحجاج وأهل العراق] # وقال عبد الملك بن مروان للحجاج: إنى استعملتك على العراق، فاخرج إليها ~~كميش الإزار «3» ، شديد الغرار، قليل العثار، منطوى الخصيلة، قليل الثميلة ~~«4» ، غرار النوم، طويل اليوم، واضغط الكوفة ضغطة تحبق منها البصرة. # وشكا الحجاج يوما سوء طاعة أهل العراق، وسقم مذهبهم، وسخط طريقتهم، فقال ~~له ### | جامع المحاربى: # أما إنهم لو أحبوك لأطاعوك، على أنهم ما شنئوك لبلدك، ولا لذات يدك، إلا ~~لما نقموه من أفعالك؛ فدع ما يبعدهم عنك إلى ما يدنيهم منك، والتمس العافية ~~ممن دونك تعطها ممن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك ثلاثا. # فقال له الحجاج: والله ما أرى أن أرد بنى اللخناء إلى طاعتى إلا بالسيف. # فقال جامع: أيها الأمير؛ إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار. قال ~~الحجاج: # PageV04P975 # الخيار يومئذ لله. قال جامع: أجل، ولكن لا ندرى لمن يجعله الله. فغضب ~~الحجاج وقال: يا هناه؛ إنك من محارب، فقال جامع: # وللحرب سمينا وكنا محاربا ... إذا ما القنا أمسى من الطعن أحمرا # فقال له الحجاج: والله لقد هممت أن أخلع لسانك، فأضرب به وجهك. # فقال جامع: إن صدقناك أغضبناك، وإن كذبناك أغضبنا الله. فقال الحجاج: # أجل، وسكن سلطانه، وشغل ببعض الأمر، وخرج جامع وانسل من صفوف الناس، ~~وانحاز إلى جبل العراق. ### | [جامع المحاربى] # وكان جامع لسنا ms613 مفوها، وهو الذى يقول للحجاج حين بنى واسطا: # بنيتها فى غير بلدك، وأورثتها غير ولدك. # وكان الحجاج من الفصحاء البلغاء، ويقال: ما رئى حضرى أفصح من الحجاج ومن ~~الحسن البصرى. وكان يحب أهل الجهارة والبلاغة، ويؤثرهم ويقربهم. ### | [أيوب بن القرية] # ولما دخل أيوب بن القرية على الحجاج- وكان فيمن أسر من أصحاب عبد الرحمن ~~بن الأشعث بن قيس الكندى- قال له: ما أعددت لهذا الموقف؟ # قال: ثلاثة حروف، كأنها ركب وقوف: دنيا، وآخرة، ومعروف. # فقال له الحجاج: بئسما منيت به نفسك يابن القرية، أترانى ممن تخدعه ~~بكلامك وخطبك؟ والله لانت أقرب إلى الآخرة من موضع نعلى هذه. # قال: أقلنى عثرتى، وأسغنى ريقى، فإنه لا بد للجواد من كبوة، والسيف من ~~نبوة، والحليم من صبوة. # قال: أنت إلى القبر أقرب منك إلى العفو، ألست القائل وأنت تحرض حزب ~~الشيطان، وعدو الرحمن: تغدوا بالحجاج قبل أن يتعشى بكم! وقد رويت هذه ~~اللفظة للغضبان بن القبعثرى. ثم قدمه فضرب عنقه. # PageV04P976 # قال الخريمى لأبى دلف وأخذه من قول ابن القرية: # له كلم فيك معقولة ... إزاء القلوب كركب وقوف ### | [كثير بن أبى كثير] # وبعث الحجاج إلى عامله بالبصرة: اخترلى عشرة من عندك، فاختار رجالا فيهم ~~كثير بن أبى كثير، وكان عربيا فصيحا، فقال كثير: ما أرانى أفلت من يد ~~الحجاج إلا باللحن، فلما دخلنا عليه دعانى فقال: ما اسمك؛ فقلت: كثير. # قال: ابن من؟ فقلت فى نفسى: إن قلت ابن أبى كثير لم آمن أن يتجاوزها، ~~قلت: ابن أبا كثير، فقال: اعزب «1» لعنك الله ولعن من بعث معك!! ### | [من قولهم فى المديح] # وقال النابغة الذبيانى يمدح آل جفنة: # ولله عينا من رأى أهل قبة ... أضر بمن عادى وأكثر نافعا «2» # وأعظم أحلاما وأكثر سيدا ... وأفضل مشفوعا إليه وشافعا # متى تلقهم لا تلق للبيت عورة ... فلا الضيف ممنوعا ولا الجار ضائعا # وأنشد محمد بن سلام الجمحى للنابغة الجعدى: # فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا # فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما ms614 يسوء الأعاديا # [أشم طويل الساعدين شمردل ... إذا لم يرح للمجد أصبح غاديا] # ومن حر المدح وجيد الشعر قول الحطيئة: # تزور امرأ يعطى على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد # يرى البخل لا يبقى على المرء ماله ... ويعلم أن المرء غير مخلد # PageV04P977 # كسوب ومتلاف إذا ما سألته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # وسمع عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه هذا البيت فقال: ذاك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وقوله: # يسوسون أحلاما بعيدا أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد # أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذى سدوا # أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا # وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا # مطاعين فى الهيجا مكاشيف للدجى ... بنى لهم آباؤهم وبنى الجد # وتعذلنى أبناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالذى علمت سعد # وقال منصور النمرى: # ترى الخيل يوم الحرب يظمأن تحته ... ويروى القنا فى كفه والمناصل # حلال لأطراف الأسنة نحره ... حرام عليها منه متن وكاهل «1» # وقال آخر: # فتى دهره شطران فيما ينوبه ... ففى بأسه شطر وفى جوده شطر # فلا من بغاة الخير فى عينه قذى ... ولا من زئير الحرب فى أذنه وقر ### | [الشراب وخطره] # وقال بعض الظرفاء: الشراب أول الخراب، ومفتاح كل باب، يمحق الأموال «2» ، ~~ويذهب الجمال، ويهدم المروءة، ويوهن القوة «3» ، ويضع الشريف، # PageV04P978 # ويهين الظريف، ويذل العزيز، ويفلس التجار، ويهتك الأستار، ويورث الشنار ~~«1» . # وقال يزيد بن محمد المهلبى: # لعمرك ما يحصى على الكأس شرها ... وإن كان فيها لذة ورخاء # مرارا تريك الغى رشدا، وتارة ... تخيل أن المحسنين أساءوا # وأن الصديق الماحض الود مبغض ... وأن مديح المادحين هجاء # وجربت إخوان النبيذ فقلما ... يدوم لإخوان النبيذ إخاء ### | [من اعتلال الطفيليين، وحيلهم] # عوتب طفيلى على التطفيل فقال: والله ما بنيت المنازل إلا لتدخل، ولا نصبت ~~الموائد إلا لتؤكل، وإنى لأجمع فيها خلالا؛ أدخل مجالسا، وأقعد مؤانسا، ~~وأنبسط وإن ms615 كان رب الدار عابسا؛ ولا أتكلف مغرما، ولا انفق درهما، ولا أتعب ~~خادما. # وقال ابن الدراج «2» الطفيلى لأصحابه: لا يهولنكم إغلاق الباب، ولا شدة ~~الحجاب، وسوء الجواب، وعبوس البواب، ولا تحذير الغراب، ولا منابذة الألقاب؛ ~~فإن ذلك صائر بكم إلى محمود النوال، ومغن لكم عن ذل السؤال، واحتملوا ~~اللكزة الموهنة، واللطمة المزمنة، فى جنب الظفر بالبغية، ولدرك للأمنية، ~~والزموا الطوزجة للمعاشرين «3» ، والخفة للواردين والصادرين، والتملق ~~للملهين والمطربين، والبشاشة للخادمين والموكلين؛ فإذا وصلتم إلى مرادكم ~~فكلوا محتكرين، وادخروا لغدكم مجتهدين؛ فإنكم أحق بالطعام ممن دعى إليه، ~~وأولى به ممن وضع له، فكونوا لوقته حافظين، وفى طلبه مشمرين، واذكروا قول ~~أبى نواس: # PageV04P979 # لنخمس مال الله من كل فاجر ... وذى بطنة للطيبات أكول «1» # هذا يقوله أبو نواس فى أبيات تستندر كلها، ويستظرف جلها، وهى: # وخيمة ناطور برأس منيفة ... تهم يدا من رامها بزليل «2» # إذا عارضتها الشمس فاءت ظلالها ... وإن واجهتها آذنت بدخول # حططنا بها الأثقال فل هجيرة ... عبورية تذكى بغير فتيل «3» # تأنت قليلا ثم فاءت بمذقة ... من الظل فى رث الإناء ضئيل «4» # كأنا لديها بين عطفى نعامة ... جفا زورها عن مبرك ومقيل # حلبت لأصحابى بها درة الصبا ... بصفراء من ماء الكروم شمول # إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدره برحيل # فلما توافى الليل جنحا من الدجى ... تصابيت واستجملت غير جميل # وأعطيت من أهوى الحديث كما بدا ... وذللت صعبا كان غير ذلول # فغنى وقد وسدت يسراى خده ... ألا ربما طالبت غير منيل # فأنزلت حاجاتى بحقوى مساعدى ... وإن كان أدنى صاحب وخليل # فأصبحت ألحى السكر والسكر محسن ... ألا رب إحسان عليك ثقيل # كفى حزنا أن الجواد مقتر ... عليه، ولا معروف عند بخيل # سأبغى الغنى إما وزير خليفة ... يقوم سواء أو مخيف سبيل # بكل فتى لا يستطار فؤاده ... إذا نوه الزحفان باسم قتيل # لنخمس مال الله من كل فاجر ... وذى بطنة للطيبات أكول # ألم نر أن المال عون على التقى ... وليس جواد معدم كبخيل # PageV04P980 ### | ألفاظ لأهل العصر فى صفة الطفيليين والأكلة وغيرهم ms616 # شيطان معدته رجيم، وسلطانها ظلوم. هو آكل من النار، وأشرب من الرمل. لو ~~أكل الفيل ما كفاه، ولو شرب النيل ما أرواه، يجوب البلاد، حتى يقع على جفنة ~~جواد. يرى ركوب البريد، فى حضور الثريد «1» . أصابعه ألزم للشواء، من سفود ~~الشواء، وأنامله كالشبكة، فى صيد السمكة. هو أجوع من ذئب معتس بين أعاريب. ~~العيون قد تقلبت، والأكباد قد تلهبت، والأفواه قد تحلبت. امتدت إلى الخوان ~~الأعناق، [واحتدت نحوه الأحداق] ، وتحلبت له الأشداق. ### | [وصف طائر] # سأل المهدى صباح بن خاقان عن طائر له جاء من آفاق الغابة فقال: # يا أمير المؤمنين، لو لم بين بحسن الصفة لبان بحسن الصورة. قال: صفه لى. # قال: نعم، يا أمير المؤمنين، قد قد الجلم «2» ، وقوم تقويم القلم، ينظر ~~من جمرتين، ويلفظ بدرتين، ويمشى على عقيقتين، تكفيه الحبة، وترويه الغبة ~~«3» ، إن كان فى قفص فلقه، أو تحت ثوب خرقه، إذا أقبل فديناه، وإذا أدبر ~~حميناه. ### | [أحظى النساء عند المهدى] # ودخل عبد الله بن مصعب الزبيرى على المهدى، فقال: ويحك يا زبيرى؛ دخلت ~~على الخيزران، فلما قامت لتصلح من شأنها نظرت إلى حسنة! فقلت: # يا أمير المؤمنين؛ أدركك فى ذلك ما أدرك المخزومى حيث قال: # بينما نحن بالبلاكث بالقا ... ع سراعا والعيس تهوى هويا # PageV04P981 # خطرت خطرة على القلب من ذك ... راك وهنا فما استطعت مضيا # قلت: لبيك إذ دعانى لك الشو ... ق وللحاديين كرا المطيا # فأمر فرفعت الستور عن حسنة. # ثم قال لى: يا زبيرى، واسوأتاه من الخيزران! ثم انثنى راجعا إليها فقلت: ~~يا أمير المؤمنين، أدركك فى هذا ما أدرك جميلا «1» حيث يقول: # وأنت التى حببت شغبا إلى بدا ... إلى وأوطانى بلاد سواهما # حللت بهذا حلة ثم حلة ... بهذا فطاب الواديان كلاهما # فدخل على الخيزران، فما لبث أن خرج؛ قال الزبيرى: فدخلت، فقال: # أنشدنى فأنشدته لصخر بن الجعد: # هنيئا لكأس جذها الحبل بعد ما ... عقدنا لكأس موثقا لا نخونها # وإشماتها الأعداء لما تألبوا ... حوالى واشتدت على ضغونها # فإن تصبحى وكلت عينى بالبكا ... وأشمت أعدائى فقرت عيونها ms617 # فإن حراما أن أخونك ما دعا ... بيليل قمرى الحمام وجونها «2» # وما طرد الليل النهار، وما دعت ... على فنن ورقاء شاك رنينها «3» # فأمر لى على كل بيت بألف دينار، وكانت الخيزران وحسنة أحظى النساء عند ~~المهدى. ### | [وصف غلام] # ووصف اليوسفى علاما فقال: كان يعرف المراد باللحظ، كما يعرفه باللفظ، ~~ويعاين فى الناظر، ما يجرى فى الخاطر «4» ، أقرب إلى داعيه، من يد معاطيه؛ # PageV04P982 # حديد الذهن، ثاقب الفهم، خفيف الجسم، يغنيك عن الملامة، ولا يحوجك إلى لا ~~استزادة. # وقال أبو نواس: # ومنتظر رجع الحديث بطرفه ... إذا ما انثنى من لينه فضح الغصنا # إذا جعل اللحظ الخفى كلامه ... جعلت له عينى لتفهمه أذنا # وقال: # وإنى لطرف العين بالعين زاجر ... فقد كدت لا يخفى على ضمير # وقد طرق هذا المعنى وإن لم يكن منه [من قال] : # بلوت أخلاء هذا الزمان ... فأقللت بالهجر منهم نصيبى # وكلهم إن تصفحته ... صديق العيان عدو المغيب # تفقد مساقط لحظ المريب ... فإن العيون وجوه القلوب # وهو كقول المهدى: # ومطلع من نفسه ما يسره ... عليه من اللحظ الخفى دليل # إذا القلب لم يبد الذى فى ضميره ... ففى اللحظ والألفاظ منه رسول ### | [بين خالد بن صفوان وعلى بن الجهم] # ودخل خالد بن صفوان على على بن الجهم بن أبى حذيفة فألفاه يريد الركوب ~~فقرب إليه حمار ليركبه، فقال خالد: أما علمت أن العير «1» عار، والحمار ~~شنار، منكر الصوت، قبيح الفوت، متزلج «2» فى الضحل، مرتطم فى الوحل، ليس ~~بركوبة فحل، ولا بمطية رحل، راكبه مقرف «3» ، ومسايره مشرف. # فاستوحش ابن أبى حذيفة من ركوب الحمار ونزل عنه، وركب فرسا ودفع الحمار ~~إلى خالد فركبه، فقال له: ويحك يا خالد! أتنهى عن شىء وتأتى مثله؟ # فقال: أصلحك الله! عير من بنات الكربال «4» ، واضح السربال، مختلج # PageV04P983 # القوائم «1» ، يحمل الرجلة، ويبلغ العقبة، ويمنعنى أن أكون جبارا عنيدا، ~~إن لم أعترف بمكانى فقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. ### | [كر الحدثان] # قال ابن دأب: خرجت مع بعض الأمراء فى سفر إلى الشام، فمر بى رجل كنت ~~أعرفه حسن الحال ms618 من أصحاب الأموال الظاهرة فى حال رثة، فسلم على فقلت: ما ~~الذى غير حالك؟ فقال: تنقل الزمان، وكر الحدثان؛ فآثرت الضرب فى البلدان، ~~والبعد عن المعارف والخلان، وقد كان الأمير الذى أنت معه صديقا لى فاخترت ~~البعد من الأشكال، حين حصنى «2» الإقلال، واستعملت قول الشاعر: # سأعمل نص العيس حتى يكفنى ... غنى المال يوما أو غنى الحدثان «3» # فللموت خير من حياة يرى لها ... على المرء ذى العلياء مس هوان # متى يتكلم يلغ حكم كلامه ... وإن لم يقل قالوا عديم بيان # كأن الفتى فى أهله بورك الفتى ... بغير لسان ناطق بلسان # قال ابن دأب: فلما اجتمعت مع الأمير فى المنزل وصفت له الرجل، فقال لى: ~~ويحك! اطلبه حتى أصلح من حاله، فطلبته فأعوزنى. ### | [من قولهم فى الرثاء] # وقال أبو الشيص يرثى [قتيلا] : # ختلته المنون بعد اختيال ... بين صفين من قنا ونصال # فى رداء من الصفيح صقيل ... وقميص من الحديد مذال «4» # PageV04P984 # وقال حارثة بن بدر الغدانى يرثى زيادا: # صلى الإله على قبر وطهره ... عند الثوية يسفى فوقه المور «1» # تهدى إليه قريش نعش سيدها ... فثم حل الندى والعز والخير «2» # أبا المغيرة والدنيا مفجعة ... وإن من غرت الدنيا لمغرور # قد كان عندك للمعروف عارفة ... وكان عندك للنكراء تنكير # وكنت تغشى فتعطى المال من سعة ... فالآن بابك أمسى وهو مهجور # ولا تلين إذا عوشرت معتسرا ... وكان أمرك ما يوسرت ميسور # لم يعرف الناس مذغيبت فتيتهم ... ولم يجل ظلاما عنهم نور «3» # فالناس بعدك قد خفت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الأعاصير # أخذ هذا البيت من قول مهلهل بن ربيعة فى أخيه كليب، وكان إذا انتدى «4» ~~لم تحل حبوته، ولم ينطق أحد إلا مجيبا له، إجلالا ومهابة: # أنبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس # وتحدثوا فى أمر كل عظيمة ... لو كنت حاضر أمرهم لم ينبسوا # وكان حارثة ذا بيان وجهارة [وأدب] ، وكان شاعرا عالما بالأخبار ~~[والأنساب] ، وكان قد غلب على زياد، وكان حارثة منهوما فى الشراب، فعوتب ~~زياد فى الاستئثار به، فقال: كيف أطرح رجلا يسايرنى ms619 مذ دخلت العراق، ولم ~~يصكك ركابه ركابى، ولا تقدمنى فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عنى فلويت عنقى ~~إليه، ولا أخذ على الشمس فى شتاء قط، ولا الروح فى صيف، ولا سألته عن باب ~~فى العلم إلا قدرت أنه لا يحسن غيره. # وقال له زياد: من أخطب؟ أنا أم أنت؟ فقال: الأمير أخطب إذا توعد # PageV04P985 # أو وعد، وبرق ورعد، وأنا أخطب فى الوفادة، والثناء، والتحبير، وأنا أكذب ~~إذا خطبت، وأحشو كلامى بزيادات [مليحة] شهية، والأمير يقصد إلى الحق، ~~وميزان العدل، ولا يزيد فى كلامه، ولا ينقص منه. # فقال له زياد: [قاتلك الله!] لقد أجدت تخليص صفتى وصفتك. # ولما مات زياد جفاه عبيد الله [ابنه] ، فقال [له حارثة: أيها الأمير، ما ~~هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبى المغيرة؟ فقال له عبيد الله] : إن أبا ~~المغيرة بلغ مبلغا لا يلحقه فيه عيب، وأنا أنسب إلى من يغلب على، وأنت تديم ~~الشراب، وأنا حديث السن؛ فمتى قربتك فظهرت منك رائحة الشراب لم آمن أن يظن ~~بى [ذلك] ، فدع الشراب وكن أول داخل وآخر خارج. # فقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضرى ونفعى، أأدعه للحال عندك؟ # ولكن صرفنى فى بعض أعمالك. فولاه سرق من بلاد الأهواز. # وقال أبو الأسود الدؤلى، وكان صديقا لحارثة: «1» # أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق # ولا تدعن للناس شيئا تصيبه ... فحظك من ملك العراقين سرق # فما الناس إلا قائل فمكذب ... يقول بما يهوى وإما مصدق # يقولون أقوالا بظن وتهمة ... فإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا # فقال له حارثة: # جزاك إله العرش خير جزائه ... فقد قلت معروفا وأوصيت كافيا # أمرت بشىء لو أمرت بغيره ... لألفيتنى فيه لأمرك عاصيا # PageV04P986 ### | [وصف امرأة] # قال الأصمعى: سمعت امرأة من العرب تصف امرأة وهى تقول: سطعاء بضة، بيضاء ~~غضة، درماء رخصة، قباء طفلة، تنظر بعينى شادن ظمآن، وتبسم عن منور ~~الأقحوان، فى غب التهتان، وتشير بأساريع الكثبان، خلقها عميم، وكلامها ~~رخيم، فهى كما قال الشاعر: # كأنها فى القمص الرقاق ms620 ... مخة ساق بين كفى ساق «1» # أعجلها الشاوى عن الإحراق # ووصف أعرابى امرأة يحبها فقال: هى زينة [فى] الحضور، وباب من أبواب ~~السرور، ولذكرها فى المغيب، والبعد من الرقيب، أشهى إلينا من كل ولد ونسيب، ~~وبها عرفت فضل الحور العين، واشتقت بها إليهن يوم الدين. ### | [من كلام الأعراب] # وسئل أعرابى عن سفر أكدى فيه، فقال: ما غنمنا إلا ما قصرنا من صلاتنا، ~~فأما ما أكلته منا الهواجر، ولقيته منا الأباعر، فأمر استخففناه، لما ~~أملناه. # وقال عبد قيس بن خفاف البرجمى لحاتم الطائى، وقد وفد عليه فى دماء حملها، ~~قام ببعضها وعجز عن بعض: إنى حملت دماء عولت فيها على مالى وآمالى، فأما ~~مالى فقدمته، وكنت أكبر آمالى، فإن تحملها فكم من حق قضيت، وهم كفيت، وإن ~~حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك، ولم آيس من غدك. # وقيل لأعرابى: لم لا تضرب فى البلاد «2» ؟ فقال: يمنعنى من ذلك طفل بارك، ~~ولص سافك، ثم إنى لست مع ذلك واثقا بنجح طلبتى، ولا معتقدا بقضاء # PageV04P987 # حاجتى، ولا راجيا عطف قرابتى؛ لأنى أقدم على قوم أطغاهم الشيطان، ~~واستمالهم السلطان، وساعدهم الزمان، وأسكرتهم حداثة الأسنان. # وخرج المهدى بعد هدأة من الليل يطوف بالبيت، فسمع أعرابية من جانب المسجد ~~تقول: قوم متظلمون، نبت عنهم العيون، وفدحتهم الديون؛ وعضتهم السنون، باد ~~رجالهم، وذهبت أموالهم، وكثر عيالهم، أبناء سبيل، وأنضاء طريق «1» ، وصية ~~الله، ووصية رسول الله، فهل آمر بخير، كلأه الله فى سفره، وخلفه فى أهله. ~~فأمر نصرا الخادم، فدفع إليها خمسمائة درهم. ### | [من مقامات البديع] # ومن إنشاء البديع فى مقامات أبى الفتح الإسكندرى: حدثنى عيسى بن هشام ~~قال: كنت ببغداذ، فى وقت الأراذ «2» ؛ فخرجت إلى السوق أعتام «3» من ~~أنواعه، لابتياعه، فسرت غير بعيد إلى رجل قد أخذ أنواع الفواكه وصففها، ~~وجمع أنواع الرطب وصنفها؛ فقبضت من كل شىء أحسنه، وقرضت من كل نوع أجوده؛ ~~وحين جمعت حواشى الإزار، على تلك الأوزار، أخذت عيناى رجلا قد لف رأسه ~~[ببرقع] حياء، ونصب جسده، وبسط يده، واحتضن عياله، وتأبط أطفاله، ms621 وهو يقول ~~بصوت يدفع الضعف فى صدره، والحرض فى ظهره: # ويلى على كفين من سويق ... أو شحمة تضرب بالدقيق # أو قصعة تملأ من خرديق ... تفثأ عنا سطوات الريق # تقيمنا عن منهج الطريق ... يا رازق الثروة بعد الضيق # سهل على كف فتى لبيق ... ذى حسب فى مجده عريق # PageV04P988 # يهدى إلينا قدم التوفيق ... ينقذ عيشى من يد الترنيق # قال عيسى بن هشام: فأخذت من فاضل الكيس أخذة وأنلته إياها، فقال: # يا من حبانى بجميل بره ... أفضى إلى الله بحسن سره # واستحفظ الله جميل ستره ... إن كان لا طقلة لى بشكره # فالله ربى من وراء أمره # قال عيسى بن هشام: فقلت: إن فى الكيس فضلا، فابرز لى عن باطنك أخرج لك عن ~~آخره، فأماط لثامه، فإذا شيخنا أبو الفتح السكندرى، فقلت: # ويحك! أى داهية أنت؟ فقال: # نقضى العمر تشبيها ... على الناس وتمويها # أرى الأيام لا تبقى ... على حال فأحكيها # فيوما شرها فى ... ويوما شرتى فيها ### | [من رسائل بديع الزمان] # وسأل البديع أبا نصر بن المرزبان- عارية- بعض ما يتجمل به، فأمسك عن ~~إجابته؛ فأعاد الكتاب إليه بما نسخته: # لا أزال- أطال الله تعالى بقاء مولانا الشيخ! - لسوء الانتقاد، وحسن ~~الاعتقاد، أمسح جبين الخجل، وأمد يمين العجل، ولضعف الحاسة، فى الفراسة، ~~أحسب الورم شحما «1» ، والسراب شرابا، حتى إذا تجشمت موارده، لأشرب بارده، ~~لم أجد شيئا. # وما حسبت الشيخ سيدى ممن تعنيه «2» هذه الجملة حتى عرضت على النار عوده، ~~ونشرت بالسؤال جوده، وكإتبته أستعيره حلية جمال، سحابة يوم أو شطره، بل ~~مسافة ميل أو قدره، فعاص فى الفطنة غوصا عميقا، ونظر فى الكيس # PageV04P989 # نظرا دقيقا، وقال: هذا رجل مشحوذ المدية، فى أبواب الكدية «1» ، قد جعل ~~استعارة الأعلاق طريق افتراسها، وسبب احتباسها، وقد منى ضرسه، وحدث بالمحال ~~نفسه، ولا لطيفة فى هذا الباب، أحسن من التغافل عن الجواب، فضلا عن ~~الإيجاب، وكلا فما فى أبواب الرد أقبح مما قرع، ولا فى شرائع البخل أوحش ~~مما شرع؛ ثم العذر له من جهتى مبسوط إن بسطه الفضل، ومقبول إن قبله المجد، ms622 ~~وإنما كاتبته لأعيد الحال القديمة، وأشرط له على نفسى أن أريحه من سوم ~~الحاجات من بعد، فمن لم يستحى من «أعطنى» ، لم يستحى له من «أعفنى» ؛ وعلى ~~حسب جوابه أجرى المودة فيما بعد، فإن رأى أن يجيب فعل إن شاء الله. # وله إلى سهل بن محمد بن سليمان: # أنا إذا طويت عن خدمة مولاى- أطال الله بقاءه- يوما لم أرفع له بصرى، ولم ~~أعده من عمرى، وكأنى بالشيخ- أعزه الله- إذا أغفلت مفروض خدمته، من قصد ~~حضرته، والمثول فى حاشيته، وجملة غاشيته، يقول: إن هذا الجائع لما شبع ~~تضلع، واكتسى وتلفع، وتجلل، وتبرقع، تربع وترفع، فما يطوف بهذا الجناب، ولا ~~يظهر بهذا الباب؛ وأنا الرجل الذى آواه من قفر، وأغناه من فقر، وآمنه من ~~خوف، إذ لا حر بوادى عوف؛ حتى إذا وردت عليه رقعتى هذه، وأعارها طرف كرمه، ~~وظرف شيمه، ونظر فى عنوانها اسمى قال: بعدا وسحقا، [وسبا وتبا] وحتا ونحتا، ~~وطعنا ولعنا، فما أكذب سراب أخلاقه، وأكثر أسراب نفاقه، فالآن انحل من ~~عقدته، وانتبه من رقدته وكاتبنى يستعيدنى، كلالا أزوجه الرضا ولا قلامة، ~~ولا أمنحه المنى ولا كرامة، بل أدعه يركب راسه، ويقاسى أنفاسه، فستأتينى به ~~الليالى، والكيس الخالى، ثم أريه ميزان قدره، وأذيقه وبال أمره، حتى # PageV04P990 # إذا بلغ موضع الحاجة من الرقعة قال: مأربة لا حفاوة، ووطر ساقه، لا نزاع ~~شاقه «1» ، فهذا بذا، ولا أبعد من تلك الهمم العالية، والأخلاق السامية أن ~~يقول: مرحبا بالرقعة وكاتبها، وأهلا بالمخاطبة وصاحبها [وقضاء الحاجة ~~بإنحائها، وإبرازها، وهى الرقعة التى سالت إلى من التمسته، كما اقترحته بما ~~طالبته، فرأيه فيه موفق إن شاء الله تعالى] . # وله أيضا إلى بعض الرؤساء يسأله إطلاق محبوس [بسببه] . # الشيخ- أطال الله بقاءه- إذا وصل يدى بيده لم ألمس الجوزاء، إلا قاعدا، ~~وقد ناطها منة فى عنق الدهر، وصاغها إكليلا لجبين الشكر. وما أقصر يدى عن ~~الجزاء، ولسانى عن الثناء. وهذا الجاهل قد عرف نفسه، وقلع ضرسه، ورأى ميزان ~~قدره، وذاق وبال أمره، وجهز إلى كتيبة عجائز عاجزات «2» ؛ فأطلقن العويل ~~والأليل، وبعثننى ms623 شفيعا إلى، واستعن بى على، وتوسلن بكلمة الاستسلام، ولحمة ~~الإسلام، فى فك هذا الغلام؛ فإن أحب الشيخ أن يجمع فى الطول بين الحوض ~~والكوثر «3» ، وينظم فى الفضل ما بين الروض والمطر، شفع فى إطلاقه مكارمه، ~~وشرف بذلك خادمه، وأنجزنا بالإفراج عنه، موفقا إن شاء الله تعالى. ### | [عفو عن ذى جريرة] # وقال رجل لإبراهيم بن المهدى: اشفع لى إلى أمير المؤمنين فى فك أخى من ~~حبسه، وكان محبوسا فى عداد العصاة، فقال للمأمون: ليس للعاصى بعد القدرة ~~عليه ذنب، وليس للمصاب بعد الملك عذر «4» . فقال: صدقت؛ فما طلبتك؟ # قال: فلان هبه لى. قال: هو لك. # PageV04P991 # وسأل أبو عبادة أحمد بن أبى خالد أن يطلق له أسارى، ففعل، فقال له: قد ~~فككنا أسراك. فقال: لا فك الله رقاب الأحرار من أياديك! ### | ألفاظ لأهل العصر فى التهنة بالإطلاق من الأسر # الحمد لله حمد الإخلاص، على حسن الخلاص، الذى أفضى بك من ذلة رق، إلى عزة ~~عتق، ومن تصلية جحيم، إلى جنة نعيم. خرج من العقال، خروج السيف من الصقال. ~~خرج من إساره، خروج البدر من سراره. الحمد لله الذى فك أسرا، وجعل من بعد ~~العسر يسرا. خرج من البلاء، خروج السيف من الجلاء. قد جعل الله لك من مضايق ~~الأمور مخرجا نجيحا؟؟؟، ومن مغالق الأهوال مسرحا فسيحا «1» . ### | [أبو نواس يمدح الأمين] # مدح أبو نواس الأمين محمدا فى [أول] خلافته بقصيدته التى يقول فيها: # أقول والعيس تعرورى الفلاة بنا ... صعر الأزمة من مثنى ووحدان # يا ناق لا تسأمى أو تبلغى ملكا ... تقبيل راحته والركن سيان # مقابلا بين أملاك تفضله ... ولادتان من المنصور ثنتان # متى تحطى إليه الرحل سالمة ... تستجمعى الخلق فى تمثال إنسان # قال [الحسن] : هذا لأن محمدا ولده المنصور مرتين من قبل أن أباه هرون ~~الرشيد بن المهدى بن أبى جعفر المنصور، ومن قبل أن أمه أمة العزيز بنت جعفر ~~ابن [أبى جعفر] المنصور، وكان المنصور دخل عليها وهى طفلة تلعب، فقال: # ما أنت إلا زبيدة، فغلب عليها هذا اللقب، ولم يل الخلافة ms624 من أبواه ~~هاشميان غير على بن أبى طالب وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وابنه الحسن، ~~وأمه فاطمة بنت النبى صلى الله عليه وسلم، والأمين محمد بن الرشيد. # PageV04P992 # رجع القول- فلما أنشده القصيدة قال: ما ينبغى أن يسمع مدحك بعد قولك فى ~~الخصيب بن عبد الحميد: # إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ... فأى فتى بعد الخصيب تزور؟ # فتى يشترى حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور # فما فاته جود، ولا حل دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير «1» # فقال: يا أمير المؤمنين، كل مدح فى الخصيب وغيره فمدح فيك؛ لأنى أقول، ثم ~~ارتجل: # ملكت على طير السعادة واليمن ... وجاءت لك العلياء مقتبل السن # بمحيا وجود الدين تحيا مهنأ ... بحسن وإحسان مع اليمن والأمن # لقد طابت الدنيا بطيب ثنائه ... وزادت به الأيام حسنا إلى حسن «2» # لقد فك أرقاب العفاة محمد ... وأسكن أهل الخوف فى كنف الأمن «3» # إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثنى وفوق الذى نثنى # وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذى نعنى # قال: صدقت، مدح عبدى مدح لى؛ ووصله وقربه. # وأما قول أبى نواس: # إذا نحن أثنينا عليك بصالح # فمن قول الخنساء: # فما بلغ المهدون للناس مدحة ... وإن أطنبوا إلا الذى فيك أفضل # وما بلغت كف امرئ متناولا ... من المجد إلا والذى نلت أطول # PageV04P993 ### | [بين الأخطل ومعاوية] # وفد الأخطل على معاوية، فقال: إنى قد امتدحتك بأبيات فاسمعها، فقال: # إن كنت شبهتنى بالحية، أو الأسد، أو الصقر، فلا حاجة لى بها، وإن كنت ~~[قلت] كما قالت الخنساء، وأنشد البيتين، فقل. فقال الأخطل: والله لقد ~~أحسنت، وقد قلت فيك بيتين ما هما بدونهما، ثم أنشد: # إذا مت مات العرف وانقطع الندى ... فلم يبق إلا من قليل مصرد # وردت أكف السائلين وأمسكوا ... عن الدين والدنيا بحزن مجدد # وقول أبى نواس: # وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة # من قول كثير فى عبد العزيز بن مروان: # متى ما أقل فى سالف الدهر مدحة ... فما هى إلا لابن ليلى المعظم # وقال الفرزدق: # وما أمرتنى النفس ms625 فى رحلة لها ... إلى أحد إلا إليك ضميرها # ولما أنشد أبو تمام أحمد بن أبى دواد قصيدته: # سقى عهد الحمى صوب العهاد # وانتهى إلى قوله: # وما سافرت فى الأفاق إلا ... ومن جدواك راحلتى وزادى # مقيم الظن عندك والأمانى ... وإن قلقت ركابى فى البلاد # قال له ابن أبى دواد: هذا المعنى لك أو أخذته؟ قال: هو لى، وقد ألممت فيه ~~بقول أبى نواس: # وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذى نعنى # وأخذه المتنبى فقال: # PageV04P994 # أشرت أبا الحسين بمدح قوم ... نزلت بهم فرحت بغير زاد # وظنونى مدحتهم قديما ... وأنت بما مدحتهم مرادى # وأما قول أبى تمام: «وما سافرت فى الآفاق- البيت» فمن قول المثقب العبدى، ~~[وذكر ناقته: # إلى عمرو بن حمدان أبينى ... أخى النجدات والمجد الرصين «1» # وأما قول أبى نواس: # فما فاته جود ولا حل دونه # البيت، فمن قول الشمردل بن شريك [اليربوعى] : # ما قصر المجد عنكم يا بنى حكم ... ولا تجاوزكم يا آل مسعود # يحل حيث حللتم لا يريمكم ... ما عاقب الدهر بين البيض والسود «2» # إن يشهدوا يوجد المعروف عندهم ... خدنا وليس إذا غابوا بموجود # وقد قال الكميت الأسدى: # يسير أبان قريع السما ... ح والمكرمات معا حيث سارا # وقول أبى نواس أيضا: # فتى يشترى حسن الثناء بماله # مأخوذ من قول الراعى: # فتى يشترى حسن الثناء بماله ... إذا ما اشترى المخزاة بالمجد بيهس ### | [بين السفاح وأبى نخيلة] # دخل أبو نخيلة على أبى العباس السفاح، فاستأذنه فى الإنشاد، فقال: # لعنك الله! ألست القائل لمسلمة بن عبد الملك: # أمسلمة يا نجل خير خليفة ... ويا فارس الهيجا ويا جبل الأرض # PageV04P995 # شكرتك إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أوليته نعمة يقضى # وألقيت لما أن أتيتك زائرا ... على لحافا سابغ الطول والعرض # ونبهت من ذكرى وما كان خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض # ثم أمره بأن ينشد، فأنشده أرجوزة يقول فيها: # كنا أناسا نرهب الهلاكا ... ونركب الأعجاز والأوراكا # وكل ما قد سر فى سواكا ... زور، وقد كفر هذا ذاكا # واسم أبى نخيلة؟؟؟ الجنيد ms626 بن الجون، [وهو مولى لبنى حماد] ، كان مقصدا ~~راجزا. # قيل للحنساء: لئن مدحت أخاك لقد هجوت أباك! فقالت: # جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر «1» # حتى إذا جد الجراء وقد ... ساوى هناك القدر بالقدر «2» # وعلا صياح الناس: أيهما؟ ... قال المجيب هناك: لا أدرى # برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجرى # أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر # وهما كأنهما وقد برزا ... صقران قد حطا على وكر # وقيل لأبى عبيدة: ليس هذا فى شعر الخنساء. فقال: العامة أسقط من أن يجاد ~~عليها بمثل هذا. # وقد أحسن البحترى فى نحو هذا؛ إذ يقول فى يوسف بن أبى سعيد، [ومحمد] بن ~~يوسف الطائى: # جد كجد أبى سعيد إنه ... ترك السماك كأنه لم يشرف # PageV04P996 # قاسمته أخلاقه وهى الردى ... للمعتدى وهى الندى للمعتفى # وإذا جرى فى غاية وجريت فى ... أخرى النقى شأوا كما فى المنصف «1» # قول الخنساء: # يتعاوران ملاءة الحضر # أبرع استعارة، وأنصع عبارة، وقد قال عدى بن الرقاع: # يتعاوران من الغبار ملاءة ... غبراء محكمة هما نسجاها # تطوى إذا وردا مكانا جاسيا ... فإذا السنابك أسهلت نشراها «2» # وإلى هذا أشار الطائى فى قوله: # تثير عجاجة فى كل ثغر ... يهيم بها عدى بن الرقاع # وأول من نظر إلى هذا المعنى شاعر جاهلى من بنى عقيل «3» فقال: # ألا يا ديار الحى بالسبعان ... عفت حججا بعدى وهن ثمان # فلم يبق منها غير نؤى مهدم ... وغير أثاف كالركى رعان # وآيات هاب أورق اللون سافرت ... به الريح والأمطار كل مكان «4» # قفار مروراة تحار بها القطا ... وتمسى بها الجابان تقتربان «5» # يثيران من نسج الغبار عليهما ... قميصين أسمالا ويرتديان ### | ومن مستحسن رثاء الخنساء وليلى وغيرهما من النساء # قال أبو العباس أحمد بن يحيى النحوى: أنشد أبو السائب المخزومى قول ~~الخنساء: # وإن صخرا لمولانا وسيدنا ... وإن صخرا إذا نشتو لنحار # PageV04P997 # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم فى رأسه نار # فقال: الطلاق لى لازم إن لم تكن قالت هذا وهى تتبختر فى مشيها، وتنظر فى ~~عطفها. # ومن مستحسن رثاء الخنساء قولها ترثى ms627 أخاها صخرا: # اذهب فلا يبعدنك الله من رجل ... مناع ضيم وطلاب لأوتار # قد كنت فينا صريحا غير مؤتشب ... مركبا فى نصاب غير خوار # فسوف أبكيك ما ناحت مطوقة ... وما أضاءت نجوم الليل للسارى # أبكى فتى الحى نالته منيته ... وكل نفس إلى وقت بمقدار # وقولها [تعنيه] : # شهاد أنجية شداد أوهية ... قطاع أودية للوتر طلابا # سم العداة وفكاك العناة إذا ... لاقى الوغى لم يكن للموت هيابا # يهدى الرعيل إذا جار السبيل بهم ... نهد التليل لزرق السمر ركابا ### | [من ترجمة الخنساء، وليلى الأخيلية] # والخنساء اسمها تماضر بنت عمرو [بن الحارث] بن الشريد بن رياح بن [يقظة ~~بن عصية بن خفاف] بن امرئ القيس، وتكنى أم عمرو، ومصداق ذلك قول أخيها ~~[صخر] : # أرى أم عمرو لا تمل عيادتى ... وملت سليمى مضجعى ومكانى # سليمى: امرأته، وإنما لقبت الخنساء كناية عن الظبية، وكذلك [تسميتهم] ~~الذلفاء. والذلف: قصر فى الأنف؛ وإنما يريدون به أيضا أن ذلك من صفات ~~الظباء، وهى أشعر نساء العرب عند كثير من الرواة؛ وكان الأصمعى يقدم ليلى ~~الأخيلية، وهى ليلى بنت عبد الله بن كعب بن ذى الرحالة بن معاوية بن عبادة ~~بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقيل لها الأخيلية لقول جدها ~~كعب: # PageV04P998 # نحن الأخايل ما يزال غلامنا ... حتى يدب على العصا مذكورا # قال أبو زيد: [هذا البيت لها فسميت به، وليلى أغزر بحرا] ، وأكثر تصرفا، ~~وأقوى لفظا؛ والخنساء أذهب فى عمود الرثاء. # قال المبرد: كانت الخنساء وليلى الأخيلية فى أشعارهما متقدمتين لأكثر ~~الفحول، وقلما رأيت امرأة تتقدم فى صناعة، وإن قل ذلك، فالجملة ما قال الله ~~تعالى: # «أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين» . # ومن أحسن المرائى ما خلط فيه مدح بتفجع على المرثى، فإذا وقع ذلك بكلام ~~صحيح، ولهجة معربة، ونظام غير متفاوت، فهو الغاية من كلام المخلوقين. # واعلم أن من أجل الكلام قول الخنساء: # يا صخر وراد ماء قد تناذره ... أهل المياه فما فى ورده عار # مشى السبنتى إلى هيجاء معضلة ... لها سلاحان ms628 أنياب وأظفار «1» # وما عجول على بو تطيف به ... لها حنينان إعلان وإسرار # ترتع فى غفلة حتى إذا ادكرت ... فإنما هى إقبال وإدبار «2» # يوما بأوجع منى حين فارقنى ... صخر، وللعيش إحلاء وإمرار # لم تره جارة يمشى بساحتها ... لريبة حين يخلى بيته الجار # قال: ومن كامل قولها: # فلولا كثرة الباكين حولى ... على إخوانهم لقتلت نفسى # وما يبكون مثل أخى، ولكن ... أسلى النفس عنه بالتأسى # يذكرنى طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس # PageV04P999 # يعنى أنها تذكره أول النهار للغارة، ووقت المغيب للأضياف. # وقد قال ابن الرومى فيما يتعلق بطرف من هذا المعنى: # رأيت الدهر يجرح ثم يأسو ... ويوسى أو يعوض أو ينسى # أبت نفسى الهلاع لرزء شىء ... كفى شجوا لنفى رزء نفسى # أتجزع وحشة لفراق إلف ... وقد وطنتها لحلول رمس # وقد أنكر على من تعلل بالتأسى بما قال غيره «1» ، فقال فى ذلك: # خليلى قد عللتمانى بالاسى ... فأنعمتما لو أننى أتعلل # أللناس آثارى، وإلا فما الأسى ... وعيشكما إلا ضلال مضلل # وما راحة المرزوء فى رزء غيره ... أيحمل عنه بعض ما يتحمل # كلا حاملى عبء الرزية مثقل ... وليس معينا مثقل الظهر مثقل # وضرب من الظلم الخفى مكانه ... تعزيك بالمرزوء حين تأمل # لأنك يأسوك الذى هو كلمه ... بلا بصر لو أن جورك يعدل # وقالت الخنساء: # وقائلة والنعش قد فات خطوها ... لتدركه يا لهف نفسى على صخر # ألا ثكلت أم الذين غدوا به ... إلى القبر! ماذا يحملون إلى القبر؟! # وماذا يوارى القبر تحت ترابه ... من الجود يا بؤس الحوادث والدهر # فشان المنايا إذ أصابك ريبها ... لتغد على الفتيان بعدك أو تسرى # وهذا المعنى كثير قد مرت منه قطعة جيدة، ولم تزل الخنساء تبكى على أخويها ~~صخر ومعاوية، حتى أدركت الإسلام؛ فأقبل بها بنو عمها وهى عجوز كبيرة إلى ~~عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه، فقالوا: يا أمير المؤمنين! هذه الخنساء، # PageV04P1000 # وقد قرحت آماقها من البكاء فى الجاهلية والإسلام، فلو نهيتها لرجونا أن ~~تنتهى، فقال لها عمر رضى الله عنه: اتقى الله وأيقنى بالموت، قالت: أبكى ~~أبى ms629 وخير بنى مضر صخرا ومعاوية، وإنى لموقنة بالموت، قال: أتبكين عليهم وقد ~~صاروا جمرة فى النار؟ قالت: ذلك أشد لبكائى عليهم! فرق لها عمر وقال: خلوا ~~عن عجوزكم لا أبا لكم! فكل امرىء يبكى شجوه، ونام الخلى عن بكاء الشجى. # وكان عمرو بن الشريد يأخذ بيد ابنيه معاوية وصخر فى الموسم، ويقول: # أنا أبو خيرى مضر، فمن أنكر فليغير، فلا يغير ذلك عليه أحد، وكان يقول: # من أتى بمثلهما أخوين من قبل فله حكمه، فتقر له العرب بذلك. # وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقول: أنا ابن الفواطم من قريش، والعواتك ~~من سليم، وفى سليم شرف كثير. # وكان يقال لمعاوية: فارس الجون، والجون من الأضداد، يقال للأسود والأبيض، ~~وقتلته بنو مرة، قتله هاشم بن حرملة، فطلبه دريد بن الصمة حتى قتله، وأما ~~صخر فغزا أسد بن خزيمة فأصاب فيهم، وطعنه ثور ابن ربيعة الأسدى، فأدخل فى ~~جوفه حلقا من الدرع فأندمل عليه، فنتأت قطعة من جنبه مثل اليد، فمرض لها ~~حولا، ثم أشير عليه بقطعها، فأحموا له شفرة ثم قطعوها، فما عاش إلا قليلا. # ومن جيد شعر ليلى الأخيلية ترثى توبة بن الحمير الخفاجى، وكان لها محبا، ~~وله فيها شعر كثير، وقتله بنو عوف بن عقيل، قتله عبد الله بن سالم: # نظرت وركن من عماية دوننا ... وأركان جسمى أى نظرة ناظر «1» # فآنست خيلا بالرقى مغيرة ... سوابقها مثل القطا المتواتر # PageV04P1001 # فإن تكن القتلى بواء فإنكم ... فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر «1» # فلا يبعدنك الله يا توب إنما ... لقاء المنايا دارعا مثل حاسر # أتته المنايا بين درع حصينة ... وأسمر خطى وجرداء ضامر «2» # كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ ... قلائص بفحصن الحصى بالكراكر «3» # ولم يدع يوما للحفاظ وللنهى ... وللحرب ترمى نارها بالشرائر «4» # وللبازل الكوماء يرغو حوارها ... وللخيل تعدو بالكماة المساعر «5» # فتى لا تخطاه الرفاق، ولا يرى ... لقدر عيالا دون جار مجاور # فتى كان أحيا من فتاة حيية ... وأشجع من ليث بخفان خادر «6» # فتى لا تراه الناب إلفا لسقبها ... إذا اختلجت بالناس إحدى ms630 الكبائر # وكنت إذا مولاه خاف ظلامة ... أتاك فلم يقنع سواك بناصر # وقد كنت مرهوب السنان وبين ال ... لسان ومدلاج السرى غير فاتر # ولا تأخذ الكوم الجلاد سلاحها ... لتوبة فى حد الشتاء الصنابر «7» # وقال بعض الرواة: بينا معاوية يسير إذ رأى راكبا، فقال لبعض شرطه: # ائتنى به وإياك أن تروعه. فأتاه فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: إياه ~~أردت، فلما دنا الراكب حدر لثامه فإذا ليلى الأخيلية، فأنشأت تقول: # معاوى لم أكد آتيك تهوى ... برحلى نحو ساحتك الركاب # PageV04P1002 # تجوب الأرض نحوك ما تأنى ... إذا ما الأكم قنعها السراب # وكنت المرتجى وبك استغاثت ... لتنعشها إذا بخل السحاب # قال: فقال: ما حاجتك؟ قالت: ليس مثلى يطلب إلى مثلك حاجة، فتخير أنت! ~~فأعطاها خمسين من الإبل؛ ثم قال: أخبرينى عن مضر، قالت: # فاخر بمضر، وحارب بقيس، وكاثر بتميم، وناظر بأسد، فقال: ويحك يا ليلى! ~~أكما يقول الناس كان توبة؟ قالت: يا أمير المؤمنين، ليس كل الناس يقول حقا، ~~الناس شجرة بغى، يحسدون النعم حيث كانت، وعلى من كانت؛ كان يا أمير ~~المؤمنين سبط البنان، حديد اللسان، شجى الأقران، كريم المخبر، عفيف المئزر، ~~جميل المنظر، وكان كما قلت، ولم أتعد الحق فيه: # بعيد الثرى لا يبلغ القوم قعره ... ألد ملد يغلب الحق باطله «1» # فقال معاوية: ويحك يا ليلى! يزعم الناس أنه كان عاهرا خاربا، فقالت من ~~ساعتها مرتجلة: # معاذ إلهى كان والله توبة ... جوادا على العلات جما نوافله «2» # أغر خفاجيا يرى البخل سبة ... تحالف كفاه الندى وأنامله # عفيفا بعيد الهم صلبا قناته ... جميلا محياه قليلا غوائله # وكان إذا ما الضيف أرغى بعيره ... لديه أتاه نيله وفواضله # وقد علم الجوع الذى كان ساريا ... على الضيف والجيران أنك قاتله # وأنك رحب الباع يا توب بالقرى ... إذا ما لئيم القوم ضاقت منازله # يبيت قرير العين من كان جاره ... ويضحى بخير ضيفه ومنازله # فقال لها معاوية: ويحك يا ليلى! لقد جزت بتوبة قدره، فقالت: # يا أمير المؤمنين. والله لو رأيته وخبرته لعلمت أنى مقصرة فى نعته، لا ~~أبلغ كنه ما ms631 هو له أهل. فقال لها معاوية: فى أى سن كان؟ فقالت: يا أمير ~~المؤمنين: # PageV04P1003 # أتته المنايا حين تم تمامه ... وأقصر عنه كل قرن يناضله # وصار كليث الغاب يحمى عرينه ... فترضى به أشباله وحلائله # عطوف حليم حين يطلب حلمه ... وسم ذعاف لا تصاب مقاتله # فأمر لها بجائزة، وقال: أى ما قلت فيه أشعر؟ قالت: يا أمير المؤمنين، ما ~~قلت شيئا إلا والذى فيه من خصال الخير أكثر، ولقد أجدت حيث أقول: # جزى الله خيرا والجزاء بكفه ... فتى من عقيل ساد غير مكلف # فتى كانت الدنيا تهون بأسرها ... عليه فلم ينفك جم التصرف # ينال عليات الأمور بهونة ... إذا هى أعيت كل خرق مسوف «1» # هو المسك بالأرى الضحاكى شبته ... بدرياقة من خمر بيسان قرقف «2» # ويقال: إنها دخلت على مروان بن الحكم فقال: ويحك يا ليلى! أكما نعت توبة ~~كان؟ قالت: أصلح الله الأمير! والله ما قلت إلا حقا، ولقد قصرت، وما رأيت ~~رجلا قط كأن أربط على الموت جأشا، ولا أقل انحياشا حين تحتدم براكاء الحرب، ~~ويحمى الوطيس بالطعن والضرب، كان والله كما قلت: # فتى لم يزل يزداد خيرا لدن نشا ... إلى أن علاه الشيب فوق المسايح # تراه إذا ما الموت حل بورده ... ضروبا على أقرانه بالصفائح # شجاع لدى الهيجاء ثبت مشايح ... إذا انحاز عن أقرانه كل سابح # فعاش حميدا لا ذميما فعاله ... وصولا لقرباه يرى غير كالح # فقال لها مروان: كيف يكون توبة على ما تقولين وكان خاربا؟ «والخارب سارق ~~الإبل خاصة» ، فقالت: والله ما كان خاربا، ولا للموت هائبا، ولكنه # PageV04P1004 # كان فتى له جاهلية، ولو طال عمره وأنسأه الموت لارعوى قلبه، ولقضى فى حب ~~الله نحبه، وأقصر عن لهوه، ولكنه كما قال ابن عمه مسلمة بن زيد: # فلله قوم غادروا ابن حمير ... قتيلا صريعا للسيوف البواتر # لقد غادروا حزما وعزما ونائلا ... وصبرا على اليوم العبوس القماطر # إذا هاب ورد الموت كل غضنفر ... عظيم الحوايا لبه غير حاضر # مضى قدما حتى يلاقى ورده ... وجاد بسيب فى السنين القواشر «1» # فقال لها مروان: يا ms632 ليلى، أعوذ بالله من درك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة ~~الأعداء، فوالله لقد مات توبة، وإن كان من فتيان العرب وأشدائهم، ولكنه ~~أدركه الشقاء، فهلك على أحوال الجاهلية، وترك لقومه عداوة. # ثم بعث إلى ناس من عقيل فقال: والله لئن بلغنى عنكم أمر أكرهه من جهة ~~توبة لأصلبنكم على جذوع النخل، إياكم ودعوى الجاهلية، فإن الله قد جاء ~~بالإسلام، وهدم ذلك كله. # وروى أبو عبيدة عن محمد بن عمران المرزبانى قال: قال أبو عمرو بن العلاء ~~الشيبانى: قدمت ليلى الأخيلية على الحجاج بن يوسف وعنده وجوه أصحابه ~~وأشرافهم، فبينا هو جالس معهم إذ أقبلت جارية فأشار إليها وأشارت إليه؛ فلم ~~تلبث أن جاءت جارية من أجمل النساء وأكملهن، وأتمهن خلقا، وأحسنهن محاورة؛ ~~فلما دنت منه سلمت ثم قالت: أتأذن أيها الأمير؟ قال: نعم، فأنشدت: # أحجاج إن الله أعطاك غاية ... يقصر عنها من أراد مداها. # أحجاج لا يفلل سلاحك إنما ال ... منايا بكف الله حيث يراها # PageV04P1005 # إذا ورد الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها # شفاها من الداء العياء الذى بها ... غلام إذا هز القناة ثناها # إذا سمع الحجاج صوت كتيبة ... أعد لها قبل النزول قراها # أعد لها مصقولة فارسية ... بأيدى رجال يحلبون صراها «1» # حتى أتت على آخرها. فقال الحجاج لمن عنده: أتعرفون من هذه؟ قالوا: # ما نعرفها، ولكن ما رأينا امرأة أطلق لسانا منها، ولا أجمل وجها، ولا ~~أحسن لفظا، فمن هى أصلح الله الأمير؟ قال: هى ليلى الأخيلية صاحبة توبة بن ~~الحمير التى يقول فيها: # ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... على ودونى جندل وصفائح # لسلمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح # ثم قال لها: يا ليلى، أنشدينا بعض ما قاله فيك توبة، فأنشدته: # نأتك بليلى دارها لا تزورها ... وشطت نواها واستمر مريرها # وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت ... وقد رابنى منها الغداة سفورها # على دماء البدن إن كان زوجها ... يرى لى ذنبا غير أنى أرورها # وأنى إذا ما زرتها قلت: يا اسلمى ... فهل كان فى قولى اسلمى ms633 ما يصيرها # حمامة بطن الواديين ترنمى ... سقاك من الغر الغوادى مطيرها # أبينى لنا لا زال ريشك ناعما ... ولا زلت فى خضراء دان بريرها «2» # وقد تذهب الحاجات يطلبها الفتى ... شعاعا وتخشى النفس ما لا يضيرها # أيذهب ريعان الشباب ولم أزر ... عرائر من همدان بيضا نحورها # ولو أن ليلى فى ذرى متمنع ... بنجران لالتفت على قصورها # PageV04P1006 # يقر بعينى أن أرى العيس ترتمى ... بنا نحو ليلى وهى تجرى صقورها # وأشرف بالغور اليفاع لعلنى ... أرى نار ليلى أو يرانى بصيرها # أرتنا حمام الموت ليلى، وراقنا ... عيون نقيات الحواشى تديرها # حتى أنت على آخرها. فقال: يا ليلى، ما رابه من سفورك؟ فقالت: أيها ~~الأمير؛ ما رآنى قظ إلا متبرقعة، فأرسل إلى رسولا إنه ملم بنا، فنظر أهل ~~الحى رسوله فأعدوا له وكمنوا؛ ففطنت لذلك من أمرهم، فلما جاء ألفيت برقعى ~~وسفرت فأنكر ذلك، فما زاد على التسليم وانصرف راجعا. فقال لها الحجاج: لله ~~درك! فهل كانت بينكما ريبة قط؟ قالت: لا والذى أسأله صلاحك، إلا أنى رأيت ~~أنه قال قولا فظننت أنه خضع لبعض الأمر، فقلت: # وذى حاجة قلنا له: لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل # لنا صاحب لا ينبغى أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل # فما كلمنى بشىء بعد ذلك حتى فرق الموت بينى وبينه. فقال لها: حاجتك! ~~قالت: أن تحملنى إلى قتيبة بن مسلم على البريد إلى خراسان، فحملها ~~فاستظرفها قتيبة ووصلها، ثم رجعت فماتت بساوة «1» ، وقبرها هناك. # وروى المبرد أنها لما أنشدته الأبيات «أحجاح إن الله أعطاك» .. إلى قولها ~~«غلام إذا هز القناة ثناها» قال لها: لا تقولى غلام، ولكن قولى: همام، ثم ~~قال لها: # أى نسائى أحب إليك أن أنزلك عندها؟ قالت: ومن نساؤك أيها الأمير؟ قال: # أم الجلاس بنت سعيد بن العاص الأموية، وهند بنت أسماء بن خارجة الفزارية، ~~وهند بنت المهلب بن أبى صفرة العتكية «2» . قالت: هذه أحب إلى. فلما كان ~~الغد دخلت إليه فقال: يا غلام أعطها خمسمائة. قالت: أيها الأمير، اجعلها ~~أدما «3» . # PageV04P1007 # قيل لها: إنما ms634 أمر لك بشاء، فقالت: الأمير أكرم من ذلك؛ فجعلها إبلا أدما ~~استحياء؛ وإنما كان أمر لها بشاء [أولا، والأدم أكرمها] . # وأول هذا الحديث عن رجل من بنى عامر بن صعصعة يقال له ورقاء قال: # كنت عند الحجاج فدخل الآذن «1» فقال: أصلح الله الأمير! بالباب امرأة ~~تهدر كما يهدر البعير الناد «2» . قال: أدخلها، فلما دخلت نسبها فانتسبت ~~له. فقال: # ما أتى بك يا ليلى؟ قالت: إخلاف النجوم، وقلة الغيوم، وكلب البرد، وشدة ~~الجهد، وكنت لنا بعد الله الرفد. # قال لها: أخبرينى عن الأرض. قالت: الأرض مغبرة، والفجاج مقشعرة، وأصابتنا ~~سنون مجحفة مظلمة، لم تدع لنا هبعا ولاربعا، ولا عافطة ولا نافطة «3» أهلكت ~~الرجال، ومزقت العيال، وأفسدت الأموال، وأنشدت الأبيات التى مضت آنفا؛ ~~فالتفت الحجاج [إلى أصحابه] . وقال: هل تعرفون هذه؟ قالوا: # لا. قال: هذه ليلى الأخيلية التى تقول: # نحن الأخايل لا يزال غلامنا ... حتى يدب على العصا مذكورا # تبكى الرماح إذا فقدن أكفنا ... حزنا وتلقانا الرفاق؟؟؟. ورا # وفى آخر حديثها قال لها: أنشدينا بعض شعرك، فأنشدته: # لعمرك ما بالموت عار على الفتى ... إذا لم تصبه فى الحياة المعاير # ومن كان مما يحدث الدهر جازعا ... فلابد يوما أن يرى وهو صابر # فلا يبعدنك الله يا توب هالكا ... لدى الحرب إن دارت عليك المقادر # فكل جديد أو شباب إلى بلى ... وكل امرئ يوما إلى الله صائر # وكل قرينى ألفة لتفرق ... شتات وإن ضنا وطال التعاشر # PageV04P1008 # فأقسمت أبكى بعد توبة هالكا ... وأحفل من دارت عليه الدوائر # فقال الحجاج لصاحب له: اذهب بها فاقطع عنى لسانها، فدعا لها بالحجام ~~ليقطع لسانها. فقالت له: ويحك! إنما قال لك الأمير: اقطع لسانى بالعطاء، ~~فارجع إليه فاسأله، فسأله فاستشاط غيظا، وهم بقطع لسانه، [ثم أمر بها ~~فأدخلت] فقالت: أيها الأمير، كاد يقطع مقولى، وأنشدته: # حجاج أنت الذى ما فوقه أحد ... إلا الخليفة والمستغفر الصمد # حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحت ... وأنت للناس نور فى الدجا يقد «1» # احتذى الحجاج فى قوله: «اقطع لسانها» قول النبى صلى الله عليه وسلم ms635 لما ~~أعطى المؤلفة قلوبهم يوم حنين مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس أربعين ~~فسخطها وقال: # أتجعل نهيى ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع # وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع # وما كنت إلا امرأ منهم ... ومن تضع اليوم لا يرفع «2» # العبيد: اسم فرسه، وحصن [الذى ذكره] هو أبو عيينة بن حصن بن حذيفة ابن ~~بدر سيد فزارة، وحابس: أبو الأقرع بن حابس، وقد تقدم نسبه- فأمر النبى صلى ~~الله عليه وسلم بإحضاره، فقال: أنت القائل: # أتجعل نهبى ونهب العبيد ... بين الأقرع وعيينة # وكان النبى عليه الصلاة والسلام كما قال الله عز وجل: «وما علمناه الشعر ~~وما ينبغى له» . فقال: قم يا على فاقطع لسانه. قال العباس: فقلت: يا على؛ # PageV04P1009 # وإنك لقاطع لسانى؟ قال: إنى ممض فيك ما أمرت، فمضى بى حتى أدخلنى ~~الحظائر، فقال: اعتد ما بين الأربعين إلى مائة، قلت: بأبى أنت وأمى! ما ~~أحلمكم وأعلمكم وأعدلكم وأكرمكم! فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أعطاك أربعين، وجعلك من المهاجرين [فإن شئت] فخذها، وإن شئت فخذ مائة، وكن ~~من المؤلفة قلوبهم. فقلت: أشر على. فقال: إنى آمرك أن تأخذ ما أعطاك. ~~فأخذتها. # وكانت ليلى الأخيلية قد حاجت النابغة الجعدى فأفحمته. # ودخلت على عبد الملك ابن مروان وقد أسنت فقال: ما رأى توبة فيك حتى أحبك؟ ~~قالت: رأى فى ما رأى الناس فيك حين ولوك! فضحك عبد الملك حتى بدت له سن ~~سوداء كان يخفيها. ### | [عود إلى رثاء شواعر العرب] # وقالت هند بنت أسد الضبابية: # لقد مات بالبيضاء من جانب الحمى ... فتى كان زينا للمواكب والشرب # يلوذ به الجانى محافة ما جنى ... كما لاذت العصماء بالشاهق الصعب # تظل بنات العم والخال حوله ... صوادى لا يروين بالبارد العذب # وقالت أم خالد النميرية [تشبب بأثال الكلابى «1» ] : # إذا ما أتتنا الريح من نحو أرضه ... أتتنا برياه فطاب هبوبها «2» # أتتنا بمسك خالط المسك عنبر ... وريح خزامى باكرتها جنوبها # أحن لذكراه إذا ما ذكرته ... وتنهل عبرات تفيض غروبها «3» # حنين أسير نازح شد قيده ms636 ... وإعوال نفس غاب عنها حبيبها # PageV04P1010 # وأنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى [ثعلب] ، لأم الضحاك المحاربية وكانت ~~تحب رجلا من الضباب حبا شديدا: # يأيها الراكب الغادى لطيته ... عرج أبثك عن بعض الذى أجد # ما عالج الناس من وجد تضمنهم ... إلا وجدت به فوق الذى وجدوا # حسبى رضاه وأنى فى مسرته ... ووده آخر الأيام أجتهد # وقالت: # هل القلب إن لاقى الضبابى خاليا ... لدى الركن أو عند الصفا ينحرج # وأزعجنا قرب الفراق، وبيننا ... حديث كتنفيس المريضين مزعج # حديث لو أن اللحم يشوى بحره ... غريضا أتى أصحابه وهو منضج # وأنشد الزبير بن بكار لحليمة الخضرية، وقد أنشدها المبرد لنبهان العبشمى ~~«1» وهو أشبه «2» : # يقر بعينى أن أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأجرع المتقاود # وأن أرد الماء الذى شربت به ... سليمى وإن مل السرى كل واحد # وألصق أحشائى ببرد ترابه ... وإن كان مخلوطا بسم الأساود # وقالت الفارعة بنت شداد ترثى أخاها مسعودا: # يا عين بكى لمسعود بن شدا ... بكاء ذى عبرات شجوه بادى # من لا يذاب له شحم السديف ولا ... يجفو العيال إذ ما ضن بالزاد # ولا يحل إذ ما حل منتبذا ... يخشى الرزية بين المال والنادى # قوال محكمة، نقاض مبرمة ... فتاح مبهمة، حباس أوراد # قتال مسغبة، وثاب مرقبة ... مناع مغلبة، فكاك أقياد # حلال ممرعة، فراج مفظعة ... حمال مضلعة، طلاع أنجاد # PageV04P1011 # حمال ألوية، شهاد أندية ... شداد أوهية، فراج أسداد # جماع كل خصال الخير قد علموا ... زين القرين ونكل الظالم العادى # أبا زرارة لا تبعد فكل فتى ... يوما رهين صفيحات وأعواد # هلا سقيتم، بنى جرم، أسيركم ... نفسى فداؤك من ذى كربة صادى # نعم الفتى، ويمين الله، قد علموا ... يخلو به الحى أو يغدو به الغادى # هو الفتى يحمد الجيران مشهده ... عند الشتاء وقد هموا بإخماد # الطاعن الطعنة النجلاء يتبعها ... مثعنجرا بعد ما تغلى بإزباد # والسابى الزق للأضياف إن نزلوا ... إلى ذراه وغيث المحوج الغادى # والمحسنات من النساء كثير، وقد تفرق لهن فى أضعاف هذا الكتاب ما اختير. ### | [عبرات المحبين] # وأنشد أحمد بن يحيى ثعلب: # ومستنجد بالحزن دمعا ms637 كأنه ... على الخد مما ليس يرقا حائر «1» # إذا ديمة منه استقلت تهللت ... أوائل أخرى مالهن أواخر # ملا مقلتيه الدمع حتى كأنه ... لما انهل من عينيه فى الماء ناظر «2» # وينظر من بين الدموع بمقلة ... رمى الشوق فى إنسانها فهو ساهر # وقال آخر- ورويت لقيس بن الملوح: # نظرت كأنى من وراء زجاجة ... إلى الدار من ماء الصبابة أنظر # فعيناى طورا يغرقان من البكا ... فأعشى، وطورا تحسران فأبصر # وقال غيلان: # وما شنتا خرقاء واهية الكلى ... سقى بهما ساق ولما تبللا # بأضيع من عينيك للدمع كلما ... توهمت ربعا أو توسمت منزلا # PageV04P1012 # وقال آخر: # ومما شجانى أنها يوم ودعت ... تولت وماء الجفن فى العين حائر «1» # فلما أعادت من بعيد بنظرة ... إلى التفاتا أسلمته المحاجر «2» # أبو عبادة البحترى: # وقفنا والعيون مشغلات ... يغالب طرفها نظر كليل # نهته رقبة الواشين حتى ... تعلق لا يغيض ولا يسيل # وأنشد أبو الحسن [جحظة] : # ومن طاعتى إياه أمطر ناظرى ... إذا هو أبدى من ثناياه لى برقا # كأن دموعى تبصر الوصل هاربا ... فمن أجله تجرى لتدركه سبقا # أخذ البيت الأول المتنبى فقال: # يبتل خدى كلما ابتسمت ... من مطر برقه ثناياها # وقال أبو الشيص، واسمه محمد بن عبيد الله، وهو ابن عم دعبل: # وقائلة وقد بصرت بدمع ... على الخدين منحدر سكوب # أتكذب فى البكاء وأنت جلد ... قديما ما جسرت على الذنوب # قميصك والدموع تجول فيه ... وقلبك ليس بالقلب الكثيب # كمثل قميص يوسف حين جاءوا ... عليه عشية بدم كذوب # [فقلت لها: فداك أبى وأمى ... رجمت بسوء ظنك فى الغيوب] # أما والله لو فتشت قلبى ... لسرك بالعويل وبالنحيب # دموع العاشقين إذا تلاقوا ... بظهر الغيب ألسنة القلوب # PageV04P1013 ### | [من أخبار العباس بن الأحنف] # وقال بشار بن برد: ما زال فتى من بنى حنيفة يدخل نفسه فينا ويخرجها منا ~~حتى قال: # نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عينا لغيرك دمعها مدرار # من ذا يعيرك عينه تبكى بها ... أرأيت عينا للبكاء تعار؟! # قال: وهذا الذى عناه بشار هو أبو الفضل العباس بن الأحنف بن طلحة ابن ~~هرون بن كلدة بن خزيم بن ms638 شهاب [بن سالم] بن حبة بن كليب بن عدى ابن عبد ~~الله بن حنيفة، وكان كما قال بعض من وصفه: كان أحسن خلق الله إذا حدث ~~حديثا، وأحسنهم إذا حدث استماعا، وأمسكهم عن ملاحاة إذا خولف، وكان ملوكى ~~المذهب، ظاهر النعمة، حسن الهيئة، وكانت فيه آلات الظرف، كان جميل الوجه، ~~فاره المركب، نظيف الثوب، حسن الألفاظ، كثير النوادر، رطيب الحديث، باقيا ~~على الشراب، كثير المساعدة، شديد الاحتمال، ولم يكن هجاء، ولا مداحا، كان ~~يتنزه عن ذلك، ويشبه من المتقدمين بعمر بن أبى ربيعة. # وسئل أبو نواس عن العباس وقد ضمهما مجلس فقال: هو أرق من الوهم، وأحسن من ~~الفهم. # وكان أبو الهذيل العلاف المعتزلى إذا ذكره لعنه وزناه لأجل قوله: # وضعت خدى لأدنى من يطيف بكم ... حتى احتقرت وما مثلى بمحتقر «1» # إذا أردت انتصارا كان ناصركم ... قلبى، وما أنا من قلبى بمنتصر # فأكثروا أو أقلوا من ملامكم ... فكل ذلك محمول على القدر # PageV04P1014 # وقوله فى البيت الأوسط كقوله: # قلبى إلى ما ضرنى داعى ... يكثر أسقامى وأوجاعى # لقلما أبقى على ما أرى ... يوشك أن ينعانى الناعى «1» # كيف احتراسى من عدوى إذا ... كان عدوى بين أضلاعى # وقيل [لعنان] جارية الناطفى: من أشعر الناس؟ قالت: الذى يقول # وأهجركم حتى يقولوا: لقد سلا ... ولست بسال عن هواك إلى الحشر # ولكن إذا كان المحب على الذى ... يحب شفيقا نازع الناس بالهجر # وقال [العباس] : # جرى السيل فاستبكانى السيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتى غروب # وما ذاك إلا أن تيقنت أنه ... يمر بواد أنت منه قريب # يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى ... إليكم تلقى طيبكم فيطيب # فياساكنى شرقى دجلة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب # وقال الصولى: ناظر أبو أحمد على بن يحيى المنجم رجلا يعرف بالمتفقه ~~الموصلى فى العباس بن الأحنف والعتابى، فعمل على فى ذلك رسالة أنفذها لعلى ~~بن عيسى؛ لأن الكلام فى مجلسه جرى. وكان مما خاطبه به أن قال: # ما أهل نفسه قط العتابى لتقديمها على العباس فى الشعر، ولو خاطبه مخاطب ~~لدفعه ms639 وأنكره؛ لأنه كان عالما لا يؤتى من قلة معرفة بالشعر، ولم أر أحدا من ~~العلماء بالشعر مثل العتابى والعباس، فضلا عن تقديم العتابى عليه لتباينهما ~~[فى ذلك] ، وإن العتابى متكلف، والعباس يتدفق طبعا؛ وكلام هذا سهل عذب، ~~وكلام ذاك متعقد كز، وفى شعر هذا رقة وحلاوة، وفى شعر ذاك غلظ وجساوة، وشعر ~~هذا فى فن واحد وهو الغزل؛ وأكثر فيه وأحسن، وقد افتن العتابى فلم يخرج فى ~~شىء منه عما وصفناه. # PageV04P1015 # وإن من أحسن شعر العتابى قصيدته التى مدح بها الرشيد وأولها: # يا ليلة لى فى حوران ساهرة ... حتى تكلم فى الصبح العصافير # وقال فيها: # أفى الأماقى انقباض عن جفونهما ... أم فى الجفون عن الآماق تقصير # وهذا البيت أخذه من قول بشار الذى أحسن فيه كل الإحسان وهو قوله: # جفت عينى عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار # فمسخه العتابى، على أن بشارا أخذه من قول جميل: # كأن المحب لطول السهاد ... قصير الجفون ولم تقصر # إلا أن بشارا أحسن فيه؛ فنازعهما إياه فأساء، وإن حق من أخذ معنى قد سبق ~~إليه أن يصنعه أجود من صنعة السابق إليه، أو يزيد عليه، حتى يستحقه، وأما ~~إذا قصر عنه فهو مسىء معيب بالسرقة، مذموم على التقصير. # ولقد هاجى أبا قابوس النصرانى فغلب عليه فى كثير مما جرى بينهما على ضعف ~~منة أبى قابوس فى الشعر، ثم قال فى هذه القصيدة: # ماذا عسى مادح يثنى عليك وقد ... ناداك بالوحى تقديس وتطهير # فت الممادح إلا أن ألسننا ... مستعلنات بما تخفى الضمائير «1» # فختم البيت فيها بأثقل لفظة لو وقعت فى البحر لكدرته، وهى صحيحة، وما شىء ~~أملك بالشعر بعد صحة المعنى من حسن صحة اللفظ، وهذا عمل التكلف، وسوء ~~الطبع. # وللعباس بن الأحنف إحسان كثير، ولو لم يكن إلا قوله: # أنكر الناس ساطع المسك من دجلة ... قد أوسع المشارع طيبا # PageV04P1016 # فهم يعجبون منه وما يد ... رون أن قد حللت منه قريبا # قاسمينى هذا البلاء، وإلا ... فاجعلى لى من التعزى نصيبا # إن بعض العتاب يدعو إلى ms640 العت ... ب، ويؤذى به المحب الحبيبا # وإذا ما القلوب لم تضمر العط ... ف فلن يعطف العتاب القلوبا «1» # وقوله: # قالت مرضت فعدتها فتبرمت ... وهى الصحيحة والمريض العائد # تالله لو أن القلوب كقلبها ... ما رق للولد الصغير الوالد # إن كان ذنبى فى الزيارة فاعلمى ... إنى على كسب الذنوب لجاهد «2» # ألقيت بين جفون عينى فرقة ... فإلى متى أنا ساهر يا راقد # يقع البلاء وينقضى عن أهله ... وبلاء حبك كل يوم زائد # سماك لى ناس وقالوا: إنها ... لهى التى تشقى بها وتكابد # فجحدتهم ليكون غيرك ظنهم ... إنى ليعجبنى المحب الجاحد # وقوله: # إنى وإن كنت قد أسأت بى ال ... يوم لراج للعطف منك غدا # أستمتع الله بالرجاء وإن ... لم أر منكم ما أرتجى أبدا # وله: # أهدى له أحبابه أترجة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر # متطيرا منها أتته وجسمها ... لونان باطنها خلاف الظاهر # ولئن وفى أبو أحمد العباس حقه، لقد ظلم العتابى ما كان مستحقه، من سر ~~الكلام، وجودة رصف النظام. قال الصولى فى نسب العباس- وكان من # PageV04P1017 # خؤولته-: هو العباس بن الأحنف بن الأسود بن قدامة بن هيمان من بنى [هفان ~~بن الحارث بن] ذهل بن [الديل بن] حنيفة. وله يقول الصريع يهجوه: # بنو حنيفة لا يرضى الدعى بهم ... فاترك حنيفة واطلب غيرها نسبا # اذهب إلى عرب ترضى بنسبتهم ... إنى أرى لك لونا يشبه العربا # وقال [أبو أحمد: قال] العباس: # حر دعاه الهوى سرا فلباه ... طوعا فأضحك مولاه وأبكاه # فشاهدت بالذى يخفى لواحظه ... وعدلتها بفيض الدمع عيناه # جازيتنى إذ رعيت الود بعدك أن ... وكلت طرفى بنجم الليل يرعاه # الله يشهد أنى لم أخنك هوى ... كفاك بينة أن يشهد الله # وقال: # يا من يكاتمنى تغير قلبه ... سأكف نفسى قبل أن تتبرما «1» # وأصد عنك وفى يدى بقية ... من حبل ودك قبل أن يتصرما # يا للرجال لعاشقين تواقفا ... وتخاطبا من غير أن يتكلما # حتى إذا خافا العيون وأشفقا ... جعلا الإشارة بالأنامل سلما # وقال: # الله يعلم ما أردت بهجركم ... إلا مساترة العدو الكاشح # وعلمت أن تسترى وتباعدى ... أبقى لوصلك من ms641 دنو فاضح # وقال: # يهيم بحران الجزيرة قلبه ... وفيها غزال فاتر الطرف ساحره # بؤازره قلبى على وليس لى ... يدان بمن قلبى على يؤازره «2» # PageV04P1018 ### | [العين والقلب] # وقد قال سهل بن هرون: # أعان طرفى على قلبى وأعضائى ... بنظرة وقفت جسمى على دائى # وكنت غرا بما يجنى على بدنى ... لا علم لى أن بعضى بعض أعدائى # وقال النظام: # إن العيون على القلوب إذا جنت ... كانت بليتها على الأجساد # البحترى: # ولست أعجب من عصيان قلبك لى ... حقا إذا كان قلبى فيك يعصينى # وقال الأصمعى: سمعت الرشيد يقول: قلب العاشق عليه مع معشوقه. # فقلت: هذا والله يا أمير المؤمنين أحسن من قول عروة بن حزام لعفراء فى ~~أبياته التى أنشدها: # وإنى لتعرونى لذكراك روعة ... لها بين جلدى والعظام دبيب # وما هو إلا أن أراها فيه فجاءة ... فأبهت حتى لا أكاد أجيب «1» # وأصرف عن دائى الذى كنت أرتئى ... ويقرب منى ذكره ويغيب # ويضمر قلبى غدرها ويعينها ... على، ومالى فى الفؤاد نصيب # فقال الرشيد: من قال ذلك وهما، فقد قلته علما. ### | [من مأثور الحكم] # قال على بن عبيدة الريحانى: احم ودك فإنه عرضك، وصن الأنس بك فإنه يغزر ~~«2» حظك، ولا تستكثر من الطمأنينة إلا بعد استحكام الثقة؛ فإن الأنس سريرة ~~العقل، والطمأنينة بذلة المتحابين، وليس لك بعدهما تحفة تمنحها صاحبك، ولا ~~حباء توجب به الشكر على من اصطفيت. # PageV04P1019 # وقال: ما أنصف من عاتب أخاه بالإعراض على ذنب كان منه، أو هجره لخلاف بما ~~يكره عنده، إذا كان لا يعتد فى سالف أيام العشرة إلا بالرضا عنه، ومشاكلته ~~فيما يؤنسه منه. فإن كان العاتب شكا جميع ما ستره من أخيه أولا، فلقد تتمم ~~الموافقة حظ الاغتفار، وإن لم يكن وفى له بكل ما استحق منه فليقتص مما وجب ~~منه عليه لأخيه بقدر ذنبه، ثم العودة إلى الألفة أولى من تشتت الشمل، وأشبه ~~بأهل التصافى، وأكرم فى الأحدوثة عند الناس. # وقال: الحياء لباس سابغ، وحجاب واق، وستر من المساوى، وأخو العفاف، وحليف ~~الدين، ومصاحب بالصنع. ورقيب من العصمة، وعين كالئة ms642 «1» تذود عن الفساد، ~~وتنهى عن الفحشاء والأدناس. # وقال: لا يخلو أحد من صبوة إلا أن يكون جاسى الخلقة «2» ، منقوص البنية، ~~أو على خلاف تركيب الاعتدال. ### | [الهوى] # ورأى سعيد بن سلم «3» بن قتيبة ابنا له قد شرع فى رقيق الشعر وروايته، ~~فأنكر عليه، فقيل له: إنه قد عشق، فقال: دعوه فإنه يلطف، وينظف، ويظرف. # وقال الفضل بن أحمد بن أبى طاهر «4» ، واسم أبى طاهر طيفور: وصف الهوى ~~قوم وقالوا: إنه فضيلة، وإنه ينتج الحيلة، ويشجع قلب الجبان، ويسخى قلب ~~البخيل، ويصفى ذهن الغبى، ويطلق بالشعر لسان المفحم، ويبعث حزم العاجز ~~الضعيف، وإنه عزيز تذل له عزة الملوك، وتضرع فيه صولة الشجاع، وتنقاد له ~~طاعة كل ممتنع، ويذلل كل مستصعب، ويبرز كل محتجب، وهو داعية الأدب، وأول ~~باب تفتق به لأذهان والفطن، # PageV04P1020 # وتستخرج به دقائق المكايد والحيل، وإليه تستريح الهمم، وتسكن نوافر ~~الأخلاق والشيم «1» ، يمتع جليسه، ويؤنس أليفه، وله سرور يجول فى النفس، ~~وفرح مستكن فى القلب، وبه يتعاطف أهل المودة، ويتصل أهل الألفة، وعليه ~~تتألف الأشكال، وله صولات على القدر، ومكايد تبطل لطائف الحيل، وظرف يظهر ~~فى الأخلاق والخلق، وأرواح تسطع من أهلها، وتعبق من ذويها. # وقال اليمانى بن عمرو مولى ذى الرياستين: كان ذو الرياستين يبعث بى ~~وبأحداث من أهله إلى شيخ بخراسان ويقول: تعلموا منه الحكمة؛ فكنا نأنيه، ~~وإذا انصرفنا من عنده اعترضنا ذو الرياستين يسألنا عما أفادنا فنخبره؛ ~~فسرنا إلى الشيخ يوما فقال لنا: أنتم أدباء، وقد سمعتم الحكمة، وفيكم ~~أحداث، ولكم نعم، فهل فيكم عاشق؟ قلنا: لا، قال: اعشقوا؛ فإن العشق يطلق ~~الغبى، ويفتح جبلة البليد، ويسخى كف البخيل، ويبعث على النظافة وحسن ~~الهيئة، ويدعو إلى الحركة والذكاء، وشرف الهمة، وإياكم والحرام. # قال: فانصرفنا، فسألنا عما أفادنا فى يومنا؛ فهبناه أن نخبره، فعزم ~~علينا. # فقلنا له: أمرنا بكذا وكذا، قال: صدق، أتعلمون من أين أخذ هذا الأدب؟ # قلنا: لا. قال: إن بهرام جور كان له ابن رشحه للملك من بعده، فنشأ ساقط ~~الهمة، خامل المروءة، دنىء النفس، ms643 سيىء الأدب، كليل القريحة، كهام الفكر ~~«2» ؛ فغمه ذلك، ووكل به من المؤدبين والمنجمين والحكماء من يلازمه ويعلمه، ~~وكان يسألهم فيحكون له ما يسوءه، إلى أن قال له بعض مؤدبيه: قد كنا نخاف ~~سوء أدبه فحدث من أمره ما صرنا إلى اليأس منه، قال: وما ذلك؟ قال: # رأى ابنة فلان المرزبان فعشقها فغلبت عليه، فهو لا يهذى إلا بأمرها، ولا ~~يتشاغل إلا بذكرها فقال بهرام جور: الآن رجوت صلاحه. # PageV04P1021 # ثم دعا بأبى الجارية فقال: إنى مسر لك سرا فلا يعدونك «1» . فضمن له ستره ~~فأعلمه أن ابنه قد عشق ابنته، وأنه يريد أن ينكحها إياه، وأمره أن يأخذها ~~بإطماعه بنفسها، ومراسلته من غير أن يراها، أو تقع عينه عليها؛ فإذا استحكم ~~طمعه فيهما تجنت عليه، وهجرته، فإذا استعتبها أعلمته أنها لا تصلح إلا ~~لملك، أو من همته همة ملك، وأن ذلك يمنعها من مواصلته، ثم ليعلمه خبرها ~~وخبره، ولا يطلعها على ما أسر إليه، فقبل ذلك أبوها منه. # ثم قال للمؤدب: خوفه بى، وشجعه على مراسلة الجارية، ففعل ذلك، وفعلت ~~الجارية ما أمرها به أبوها؛ فلما انتهت إلى التجنى عليه، وعلم الفتى السبب ~~الذى كرهته من أجله أخذ فى الأدب، وطلب الحكمة، والعلم، والفروسية، ولعب ~~الصوالجة، والرماية، حتى مهر فى ذلك، ورفع إلى أبيه أنه يحتاج من المطاعم ~~والآلات والدواب والملابس والوزراء فوق الذى كان له؛ فسر الملك بذلك، وأمر ~~له بما أراد، ودعا بمؤدبه، فقال: إن الموضع الذى وضع ابنى نفسه فيه بحب هذه ~~المرأة لا يزرى به «2» ؛ فتقدم إليه أن يرفع أمرها إلى ويسألنى أن أزوجه ~~إياها، ففعل، فزوجها منه، وأمر بتعجيل نقلها إليه، وقال له: إذا اجتمعت أنت ~~وهى فلا تحدث شيئا حتى أصير إليك. فلما اجتمعا صار إليه فقال: يا بنى، لا ~~يضعن منها عندك مراسلتها إياك، وليست فى حبالك، فأنا أمرتها بذلك، وهى من ~~أعظم الناس منة عليك، بما دعتك إليه من طلب الحكمة، والتخلق بأخلاق الملوك، ~~حتى بلغت الحد الذى تصلح معه للملك بعدى؛ فزدها فى ms644 التشريف والإكرام بقدر ~~ما تستحق منك. ففعل الفتى ذلك، وعاش مسرورا بالجارية، وأبوه مسرورا به، ~~وزاد فى إكرام المرزبان، ورفع مرتبته وشرفه بصيانته لسره وطاعته، وأحسن ~~جائزته وجائزة المؤدب # PageV04P1022 # بامتثاله أمره، وعقد لابنه الملك من بعده. قال اليمانى: وكان الشيخ الحسن ~~بن مصعب. # ثم قال ذو الرياستين: قال على بن بلال: # سيهلك فى الدنيا شفيق عليكم ... إذا غاله من حادث الدهر غائله # ويخفى لكم حبا شديدا ورهبة ... وللناس أشغال، وحبك شاغله # كريم يميت السر حتى كأنه ... إذا استخبروه عن حديثك، جاهله # يود بأن يمسى عليلا لعلها ... إذا سمعت عنه بشكوى تراسله # ويرتاح للمعروف فى طلب العلا ... لتحمد يوما عند ليلى شمائله «1» # وذكر أعرابى الهوى فقال: هو أعظم مسلكا فى القلب من الروح فى الحسم، ~~وأملك بالنفس من النفس. يظهر ويبطن، ويكثف ويلطف، فامتنع عن وصفه اللسان، ~~وعيى عنه البيان! فهو بين السحر والجفون، لطيف المسلك والكمون. وأنشد: # يقولون لو دبرت بالعقل حبها ... ولا خير فى حب يدبر بالعقل ### | [من رسائل الميكالى] # فصل للأمير أبى الفضل الميكالى: # لا زالت الأيام تزيد رتبته ارتفاعا، وباعه اتساعا، وعزته غلبة وامتناعا، ~~فلا يبقى مجد إلا شيدته معاليه ومكارمه، ولا ملك إلا افترعته صرائمه ~~وصوارمه. # وله فصل: لا زالت حياة الأحرار بفضله متسمة، ووجوه المكارم بغرر أيامه ~~مبتسمة، وأهواء الصدور بخدمة وده مرتسمة، [وغنائم الشكر بين محاسن قوله ~~وفعله مقتسمة] . # وله: الله يديم راية الأمير الجليل محفوفة بالفلج والنصر، مكنوفة «2» ~~بالغلبة # PageV04P1023 # والقهر، حتى لا يزاول خطبا إلا تذللت به صعابه، ولا يمارس أمرا إلا تيسرت ~~أسبابه، ولا يروم «1» حالا إلا أذعن لهيبته وسلطانه، وخضع لسيفه وسنانه، ~~وذل لمعقد لوائه، ومنثنى عنانه، إلى أن ينال من آماله أقاصيها، ويملك من ~~باغيه أزمتها ونواصيها [ويسامى الثريا بعلو همته ويناصيها] . # وله فصل: إنما أشكو إليك زمانا سلب ضعف ما وهب، وفجع بأكثر مما أمتع، ~~وأوحش فوق ما آنس، وعنف فى نزع ما ألبس؛ فإنه لم يذقنا حلاوة الاجتماع، حتى ~~جرعنا مرارة الفراق، ولم يمتعنا بأنس الالتقاء، حتى غادرنا ms645 رهن التلهف ~~والاشتياق، والحمد لله تعالى على كل حال يسىء ويسر، ويحلو ويمر، ولا أيأس ~~من روح الله فى إباحة صنع يجعل ربعه مناخى «2» ، ويقصر مدة البعاد ~~والتراخى، فألاحظ الزمان بعين راض، ويقبل إلى حظى بعد إعراض، وأستأنف بعزته ~~عيشا سابغ الذيول والأعطاف، رقيق المعانى والأوصاف، عذب الموارد والمناهل، ~~مأمون الآفات والغوائل. # وله فصل: أنا أسأل الله تعالى أن يرد على برد العيش الذى فقدته، وفسحة ~~السرور الذى عهدته؛ فيقصر من الفراق أمده، ويعلو للالتقاء حكمه ويده، ويرجع ~~ذلك العهد الذى رقت غلائله، وصفت من الأقذاء مناهله، فلم أتهنأ بعده بأنس ~~مقيم، ولا تعلقت يوما إلا بعيش بهيم. # فلو ترجع الأيام بينى وبينه ... بذى الأثل صيفا مثل صيفى ومربعى # أشد بأعناق النوى بعد هذه ... مرائر إن جاذبتها لم تقطع # وما على الله بعزيز أن يقرب بعيدا، ويهب طالعا سعيدا، ويسهل عسيرا، ويفك ~~من رق الاشتياق أسيرا. # PageV04P1024 # وله فصل من كتاب إلى أبى منصور عبد الملك الثعالبى: # قرأت خبر سلامته، فسرى السرور فى الجوانح، واهتزت النفس له اهتزاز الغصن ~~تحت البارح: # أليس لأخبار الأحبة فرحة ... ولا فرحة العطشان فاجأه القطر # يقولون: قد أوفى لوقت كتابه ... فتنتشر البشرى وبنشرح الصدر # ثم سألت الله تعالى أن يحرس علينا سلامته سابغة الملابس والمطارف، موصولة ~~التالد بالطارف. # وله فصل من كتاب تعزية عن أبى العباس بن الإمام أبى الطيب: # لئن كانت الرزية ممضة مؤلمة، وطرق العزاء والسلوة مبهمة، لقد حلت بساحة ~~من لا تنتقض بأمثالها مرائره، ولا تضعف عن احتمالها بصائره، قد يتلقاها ~~بصدر فسيح، يحمى أن يبيخ الحزن جنابه، وصبر مشيح، يحمى أن يحبط الجزع أجره ~~وثوابه؛ كيف لا وآداب الدين من عنده تلتمس، وأحكام الشرع من لسانه ويده ~~تستفاد وتقتبس، والعيون ترمقه فى هذه الحال لتجرى على سننه، وتأخذ بآدابه ~~وسننه؛ فإن تعزت القلوب فبحسب تماسكه عزاؤها، وإن حسنت الأفعال فإلى حميد ~~أفعاله ومذاهبه اعتزاؤها. # [من شعر الميكالى] جملة من شعره فى تحسين القوافى والغزل قال: # عذيرى من جفون راميات ... بسهم السحر من ms646 عينى غزال # غزانى طرفه حتى سبانى ... لأنتصرن منه بمن غزالى # وله أيضا: # أما حان أن يشتفى المستهام ... بزورة وصل وتأوى له «1» # PageV04P1025 # يجمجم عن سؤله هيبة ... ويعلم؟؟؟ علمك تأويله # وقال أيضا: # شكوت إليه ما ألاقى فقال لى: ... رويدا ففى حكم الهوى أنت مؤتلى # فلو كان حقا ما ادعيت من الجوى ... لقل بما ألقى إذا أن تموت لى # وقال أيضا: # تفرق قلبى فى هواه فعنده ... فريق وعندى شعبة وفريق # إذا ظمئت نفسى أقول لها: اسقنى ... فإن لم يكن راح لديك فريق «1» # وقال أيضا: # شافه كفى رشأ ... بقبلة ما شفت # فقلت إذ قبلها ... يا ليت كفى شفتى # وقال: # يا شادنا غاب نجم الحسن لولاه ... قد كان يوسف لما مات ولاه # ولاه رقى ظرف فى شمائله ... فاشتط فى الحكم لولا أن تولاه # ارحم فتى مدنفا ما إن يخلصه ... من غمرة الوجد إلا أنت والله ### | [الاهتزاز لقضاء حوائج الناس] # قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: حدثنى أبو الهيثم بن السندى بن شاهك ~~قال: قلت فى أيام ولايتى الكوفة لرجل من أهلها لا يجف قلمه ولا تستريح يده، ~~ولا تسكن حركته فى طلب حوائج الناس، وإدخال المنافع على الضعفاء، وكان رجلا ~~مفوها: أخبرنى عن الشىء الذى هون عليك النصب، وقواك على التعب، ما هو؟ # PageV04P1026 # قال: قد، والله، سمعت تغريد الأطيار بالأسحار على أفنان الأشجار، وسمعت ~~[خفق] أوتار العيدان، وترجيع أصوات القيان، فما طربت من صوت قط طربى من ~~ثناء حسن، على رجل قد أحسن، ومن شاكر منعم، ومن شفاعة شفيع محتسب لطالب ~~ذاكر فقال أبو الهيثم: فقلت له: لله أبوك! لقد حشيت كرما! فبأى شىء سهلت ~~عليك المعاودة والطلب؟ قال: لا أبلغ المجهود، ولا أسأل إلا ما يجوز، وليس ~~صدق العذر بأكره إلى من إنجاز الوعد، ولست لإكراه السائل بأكره منى لإجحاف ~~المسئول، ولا أرى الراغب أوجب حقا على للذى قدم من حسن ظنه من المرغوب إليه ~~للذى احتمل من كله. قال إبراهيم: ما سمعت كلاما قط أشد مؤالفة لموضعه، ولا ~~أليق بمكانه، من هذا ms647 الكلام. ### | [بين عميلة الفزارى وأسيد بن عنقاء] # وروى أبو بكر بن شقير النحوى عن أحمد بن عبيد قال: # كان أسيد بن عنقاء الفزارى من أكبر أهل زمانه «1» ، وأشدهم عارضة ولسانا، ~~وطال عمره، ونكبه دهره؛ فاختلت حاله، فخرج يتبقل «2» لأهله؛ فمر عليه عميلة ~~الفزارى، فسلم عليه، وقال: يا عم؛ ما أصارك إلى ما أرى؟ قال: بخل مثلك ~~بماله، وصون وجهى عن مسألة الناس. قال: أما والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ~~من حالك ما أرى، فرجع ابن عنقاء إلى أهله فأخبرهم بما قال عميلة، فقالوا ~~له: غرك كلام غلام جنح ظلام فكأنما ألقموا فاه حجرا؛ فبات متململا بين رجاء ~~ويأس، فلما كان السحر سمع رغاء الإبل، وثغاء الشاء، وصهيل الخيل، ولجب ~~الأموال، فقال: ما هذا؟ # PageV04P1027 # قالوا: عميلة قد ساق إليك ماله، فخرج ابن عنقاء له «1» ، فقسم ما له ~~شطرين، وساهم عليه، فأنشأ ابن عنقاء يقول: # رآنى على ما بى عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالى، أسر كما جهر # دعانى فواسانى، ولو ضن لم يلم ... على حين لا بدو يرجى ولا حضر # فقلت له خيرا، وأثنيت فعله ... وأوفاك ما أوليت من ذم أوشكر «2» # ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردى بثوب سابغ الذيل واتزر «3» # غلام رماه الله بالحسن يافعا ... له سيمياء لا تشق على البصر # كأن الثريا علقت فى جبينه ... وفى أنفه الشعرى وفى خده القمر # إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذل، ولو شاء لانتصر ### | [من غرر المدائح] # وأنشد أبو حاتم عن أبى عبيدة للعرندس أحد بنى بكر بن كلاب يمدح بنى عمرو ~~الغنويين، وكان الأصمعى يقول: هذا من «4» المحال، كلابى يمدح غنويا! # هينون لينون أيسار ذوو كرم ... سواس مكرمة أبناء أيسار # إن يسألوا العرف يعطوه، وإن خبروا ... فى الجهد أدرك منهم طيب أخبار # لا ينطقون عن الأهواء إن نطقوا ... ولا يمارون إن ماروا بإكثار # من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التى يسرى بها السارى # منهم وفيهم يعد الخير متلدا ... ولا يعد نثا خزى ولا عار ### | [صروف الدهر] # فصل لبعض ms648 الكتاب- ما تعجبك مما لقيت من الحيف! هل ضمن الدهر أن # PageV04P1028 # ينصف ولا يحيف «1» ، أو يبرم فلا ينقض، أو يعافى فلا يمرض، أو يصفو فلا ~~يكدر، أو يفى فلا يغدر؟ قدر أن تعذب لى مشاربه، وتلين لى جوانبه، فحكم ~~الدنيا لا تترك حامدا لها إلا أسكتته، ولا ضاحكا إلا أبكته، أقوى ما كان ~~بها ثقة، وأشد ما كان لها مقة «2» ، وأوكد ما كان ركونا إليها، وأعظم ما ~~كان حرصا عليها. ### | [من لا يوفى النعم حقها] # وقال بعض الكتاب يصف رجلا بالذم: # ما ظنك بمن يعنف بالنعم عنف من ساءته مجاورتها، ويستخف بحقها استخفاف من ~~ثقل عليه حملها، ويطرح الشكر عليها اطراح من لا يعلم أن الشكر يرتبطها. ### | [عود إلى غرر المدائح] # وقال أبو الشيص: # يا من تمنى على الدنيا مبالغها ... هلا سألت أبا بشر فتعطاها # ما هبت الريح إلا هب نائله ... ولا ارتقى غاية إلا تخطاها # غيره: # طلاب العلا إلا عليك يسير ... وباع الأعادى عن مداك قصير # إذا عد أهل الفضل كنت الذى له ... وللفضل فيه أول وأخير # وقال أبو الحجناء الأصغر نصيب يصف إسحاق بن صباح: # كأن ابن صباح، وكندة حوله ... إذا ما بدا، بدر توسط أنجما # على أن فى البدر المحاق، وإن ذا ... تمام فما يزداد إلا تتمما # PageV04P1029 # نرى المنبر الغربى يهتز تحته ... إذا ما علا أعواده وتكلما # فأنت ابن خير الناس إلا نبوة ... ومن قبلها كنت السنام المقدما # ونصيب هو القائل فى البرامكة، وكان منقطعا إليهم: # عند الملوك مضرة ومنافع ... وأرى البرامك لا تضر وتنفع # إن العروق إذا استسر بها الثرى ... أث النبات بها وطاب المزرع «1» # فإذا جهلت من أمرىء أعراقه ... وقديمه فانظر إلى ما يصنع # أخذ هذا من قول سلم الخاسر: # لا تسأل المرء عن خلائقه ... فى وجهه شاهد من الخبر # وقال نصيب فى بنى سليمان بن على: # بنى سليمان حزتم كل مكرمة ... وليس فوقكم فخر لمفتخر # لا تسأل المرء يوما عن خلائقه ... فى وجهه شاهد ينبيك عن خبر # حسب امرىء شرفا أن ساد أسرته ... وأنت سدت ms649 جميع الجن والبشر # سأل سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت رجلا حاجة، فلم يقضها، وسأل آخر، ~~فقضاها، فقال للأول: # ذممت ولم تحمد، وأبت بحاجة ... تولى سواكم شكرها واصطناعها # أبى لك فعل الخير رأى مقصر ... ونفس أضاق الله بالبخل باعها # إذا ما أرادته على الخير مرة ... عصاها، وإن همت بشر أطاعها ### | [فعلات الأجواد] # قال رجل لهشام بن عبد الملك: قد افتقرت يا أمير المؤمنين إلى ظهور حسن ~~رأيك، فإن رأيت إظهاره بسرور الصديق، ورغم العدو، فعلت، # PageV04P1030 # قال هشام: أوجزت وملحت فيما سألت؛ فلا ترد لك طلبة، فما سأله شيئا إلا ~~أعطاه أكثر منه. # قال حميد بن بلال: ولى عمرو بن مسعدة فارس وكرمان، فقال له بعض أصحابه: ~~أيها الأمير، لو كان الحياء يظهر سؤالا لدعاك حيائى من كرمك فى جميع أهليك ~~إلى الإقبال على بما يكثر به حسد عدوى، دون أن أسألك، فقال عمرو: # لا تبغ ذلك بابتذالك ماء وجهك، ونحن نغنيك عن اراقته فى خوض السؤال، ~~فارفع ما تريده فى رقعة يصل إليك سرا، ففعل. # وقال رجل من أهل فارس: قدم على محمد بن طيفور، وهو عامل على بلاد أصبهان ~~لبعض أهلها: كم تقدرون صلات محمد فى كل سنة للشعراء والمتوسلين؟ # قالوا: مائة ألف دينار، سوى الخلع والحملان «1» . # وورد عليه يوما كتاب من بعض إخوانه فى شأن رجل استماحه له فى درجه «2» : # أنت أعزك الله تعالى أجل من أن يتوسل بغيرك إليك، وأن يستماح جودك إلا ~~بك، غير أنى أذكرك بكتابى فى أمر حامله، ما شرع كرمك [من الشكر] وزرع ~~إحسانك من الأجر، قبل الصادرين والواردين؛ فهناك الله تعالى ذلك، ولا زالت ~~يد الله بجميل إحسانه ونعمته متواترة عليك. # فقال محمد للرجل: احتكم لك وله؛ فأخذ منه ألف دينار، ولمن كتب له مثلها. # وقال رجل لإبراهيم بن المهدى: قد أوحشنى منك تردد غليل فى صدرى أهابك عن ~~إظهاره، واجلك عن كشفه، فقال له إبراهيم: لكنى أكشف لك معروفى، وأطهر ~~إحسانى؛ فإن يكن غير هذين فى خلدك، فاكتب رقعة ms650 يخرج توقيعى؟؟؟ سرا لتقف على ~~ما تحب، فبلغ كلامه المهدى فقال: هذا والله غاية الكرم. # PageV04P1031 # وكتب محمد بن طيفور لبعض خاصته بمال كثير وصل به، فكتب الرجل إليه: قد ~~استغرقت نعمتك وجوه الشكر لك، وغرر الحمد فيما سلف منك، ولولا فرط عجزى عن ~~تلقى ما يجب لك من الحمد لقبلت ما أنفذته. # فكتب إليه محمد: قد صغر شكرك لنا ما أسلفناه إليك؛ فخذ ما أنفذناه ثوابا ~~عن معرفتك بشكر التافه «1» عندى، وإلا سمح شكرك بما رأيناك له أهلا إلى أن ~~يتسع قبول مثلك ما يستحق به جميل الدعاء، وجزيل الثناء، إن شاء الله تعالى. ### | [من نوادر الرثاء] # ولما مات قرد زبيدة بنت جعفر ساءها ذلك، ونالها من الغم ما عرفه الصغير ~~والكبير من خاصتها، فكتب إليها أبو هارون العبدى: # أيتها السيدة الخطيرة؛ إن موقع الخطب بذهاب الصغير المعجب كموقع السرور ~~بنيل الكثير المفرح، ومن جهل قدر التعزية عن التافه الخفى، عمى عن التهنئة ~~بالجليل السنى، فلا نقصك الله الزائد فى سرورك، ولا حرمك أجر الذاهب من ~~صغيرك. # فأمرت له بجائزة. # وكتب أبو إسحاق الصابى عن ابن بقية فى أيام وزارته إلى أبى بكر بن قريعة ~~يعزيه عن ثور أبيض بقوله، وجلس للعزاء عنه تراقعا وتحامقا: # التعزية على المفقود أطال الله بقاء القاضى إنما تكون بحسب محله من ~~فاقده، من غير أن تراعى قيمته ولا قدره، ولا ذاته ولا عينه؛ إذ كان الغرض ~~فيها تبريد الغلة، وإخماد اللوعة، وتسكين الزفرة، وتنفيس الكربة، فرب ولد # PageV04P1032 # عاق، وشقيق مشاق، ودى رحم أصبح لها قاطعا، [ولأهله فاجعا] ، وقريب قوم قد ~~قلدهم عارا، وناط بهم شنارا، فلا لوم على ترك التعزية عنه، وأحر بها أن ~~تستحيل تهنئة بالراحة منه؛ ورب مال صامت غير ناطق، قد كان صاحبه به ~~مستظهرا، وله مستثمرا، فالفجيعة به إذا فقد موضوعة موضعها، والتعزية عنه ~~واقعة منه موقعها. وقد بلغنى أن القاضى أصيب بثور كان له، فجلس للعزاء عنه ~~شاكيا، وأجهش عليه باكيا، والندم عليه والها «1» ، وحكيت عنه حكايات فى ~~التأبين ms651 له، وإقامة الندبة عليه، وتعديد ما كان فيه من فضائل البقر التى ~~تفرقت فى غيره، واجتمعت فيه وحده؛ فصار كما قال أبو نواس، فى مثله من ~~الناس: # ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد # لأنه يكرب الأرض مغمورة «2» ، ويثيرها مزروعة، ويرقص فى الدواليب ساقيا ~~وفى الأرحاء طاحنا، ويحمل الغلات مستقلا، والأثقال مستخفا؛ فلا يؤوده عظيم، ~~ولا يعجزه جسيم، ولا يجرى فى الحائط» # مع شقيقه، ولا فى الطريق مع رفيقه، إلا كان جلدا لا يسبق، ومبررا لا ~~يلحق، وفائتا لا ينال شأوه وغايته، ولا يبلغ مداه ونهايته. ويشهد الله أن ~~ما ساءه ساءنى، وما آلمه آلمنى، ولم يجز عندى فى حق وده استصغار خطب جل ~~عنده، فأرقه وأمضه وأقلقه، ولا تهوين صعب بلغ منه وأرمضه، وشفه وأمرضه؛ ~~فكتبت هذه الرقعة، قاضيا بها من الحق فى مصابه هذا بقدر ما أظهر من إكباره ~~إياه، وأبان من إعظامه له؛ وأسأل الله تعالى أن يخصه من المعوضة بأفضل ما ~~خص به البشر، عن البقر، وأن يفرد هذه البهيمة العجماء بأثرة من الثواب، ~~يضيفها إلى المكلفين من أهل # PageV04P1033 # الألباب «1» ؛ فإنها وإن لم تكن منهم، فقد استحقت ألا تفرد عنهم، بأن مس ~~القاضى سببها، وصار إليه منتسبها، حتى إذا أنجز الله ما وعد به [عباده ~~المؤمنين] من تمحيص سيئاتهم، وتضعيف حسناتهم، والإفضاء بهم إلى الجنة التى ~~رضيها لهم دارا، وجعلها لجماعتهم قرارا؛ وأورد القاضى- أيده الله تعالى- ~~موارد أهل النعيم، مع أهل الصراط المستقيم، جاء وثوره هذا مجنوب معه، مسموح ~~له به؛ وكما أن الجنة لا يدخلها الخبث، ولا يكون من أهلها الحدث، ولكنه عرق ~~يجرى من أعراضهم، كذلك يجعل الله ثور القاضى مركبا من العنبر الشخرى، وماء ~~الورد الجورى؛ [فيصير ثورا له طورا؛ وجونة عطر «2» له طورا] وليس ذلك ~~بمستبعد ولا مستنكر، ولا مستصعب ولا متعذر؛ إذ كانت قدرة الله بذلك محيطة، ~~ومواعيده لأمثاله ضامنة، بما أعده الله فى الجنة لعباده الصادقين، وأوليائه ~~الصالحين؛ من شهوات أنفسهم وملاذ أعينهم، وما هو سبحانه مع غامر فضله ms652 وفائض ~~كرمه، بمانعه ذلك مع صالح مساعيه، ومحمود شيمه؛ وقلبى متعلق بمعرفة خبره، ~~أدام الله عزه فيما ادرعه من شعار الصبر، واحتفظ به من إيثار الأجر، ورفع ~~إليه من السكون لأمر الله تعالى فى الذى طرقه، والشكر له فيما أزعجه ~~وأقلقه، فليعرفنى القاضى من ذلك ما أكون ضار با معه بسهم المساعدة عليه، ~~وآخذا بقسط المشاركة فيه. # فصل من جواب أبى بكر: وصل توقيع سيدنا الوزير أطال الله بقاه، وأدام ~~تأييده ونعماه، وأكمل رفعته وعلاه، وحرس مهجته ووقاه، بالتعزية عن الثور ~~الأبيض، الذى كان للحرث مثيرا، وللدواليب مديرا، وبالسبق إلى سائر المنافع ~~شهيرا، وعلى شدائد الزمان مساعدا وظهيرا «3» . لعمرك لقد كان بعمله # PageV04P1034 # ناهضا، ولحماقات البقر رافضا، وأنى لنا بمثله وشرواه «1» ، ولا شروى له؛ ~~فإنه كان من أعيان البقر، وأنفع أجناسه للبشر، مضاف ذلك إلى خلات لولا خوفى ~~من تجدد الحزن عليه، وتهييج الجزع وانصرافه إليه لعددتها؛ ليعلم- أدام الله ~~عزه- أن الحزين عليه غير ملوم. وكيف يلام امرؤ فقد من ماله قطعة يجب فى ~~مثلها الزكاة، ومن خدم معيشته بهيمة تعين على الصوم والصلاة، وقد احتذيت ما ~~مثله الوزير من جميل الاحتساب، والصبر على المصاب؛ فقلت: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون قول من علم أنه أملك لنفسه وماله وأهله «2» وأنه لا يملك شيئا دونه؛ ~~إذ كان جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، هو الملك الوهاب، المرتجع ما ارتجع مما ~~يعوض عليه نفيس الثواب. وقد وجدت- أيد الله الوزير- للبقر خاصة فضيلة على ~~سائر بهيمة الأنعام، تشهد بها العقول والأفهام، وذكر جملة من فضائلها. # وكأن أبا نواس فى قوله: # ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد # نظر فى هذا المعنى إلى قول جرير: # إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا ### | [عود إلى المختار من الرثاء] # وقالت امرأة من العرب، يقال: إنها امرأة العباس عم النبى صلى الله عليه ~~وسلم، ترثى بنيها «3» : # رعوا من المجد أكنافا إلى أجل ... حتى إذا كملت أظماؤهم وردوا # ميت بمصر، وميت بالعراق، ... وميت بالحجاز، منايا بينهم بدد # كانت لهم ms653 همم فرقن بينهم ... إذا القعاديد عن أمثالهم قعدوا # PageV04P1035 # بث الجميل، وتفريج الجليل، وإعطاء الجزيل الذى لم يعطه أحد وقال عبدة بن ~~الطبيب فى قيس بن عاصم: # عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما # تحية من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلما «1» # فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما # وقيس بن عاصم هو القائل: # إنى امرؤ لا يعترى حسبى ... دنس يغيره ولا أفن # من منقر فى بيت مكرمة ... والأصل ينبت حوله الغصن «2» # خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه أعفة لسن «3» # لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحسن جواره فطن # وقالت أخت الوليد بن طريف الشيبانى ترثيه: # أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف # فتى لا يعد الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف # عليك سلام الله وقفا؛ لأننى ... أرى الموت وقاعا بكل شريف # فقدناك فقدان الربيع، وليتنا ... فديناك من فتياننا بألوف # وخرج الوليد فى أيام الرشيد، فقتله يزيد بن مزيد، وفى ذلك يقول بكر ابن ~~النطاح الحنفى: # يا بنى تغلب لقد فجعتكم ... من يزيد سيوفه بالوليد # لو سيوف سوى سيوف يزيد ... قارعته لاقت خلاف السعود # واتر بعضها يقتل بعضا ... لا يفل الحديد غير الحديد # PageV04P1036 ### | [من شعر بكر بن النطاح] # وكان بكر كثير التعصب لربيعة والمدح فيهم، وهو القائل: # ومن يفتقر منا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسأل # ونحن وصفنا دون كل قبيلة ... بشدة بأس فى الكتاب المنزل # وإنا لنلهو بالسيوف كما لهت ... فتاة بعفد أو سخاب قرنفل «1» # يريد قول الله عز وجل: «ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد» # . جاء فى بعض التفاسير أنهم بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب. # وبكر القائل أيضا فى أبى دلف: # يا عصمة العرب الذى لو لم يكن ... حيا لقد كانت بغير عماد # إن العيون إذا رأتك حدادها ... رجعت من الإجلال غير حداد # وإذا رميت الثغر منك بعزمة ... فتحت منه مواضع الأسداد # فكأن رمحك منقع فى عصفر ... وكأن سيفك سل ms654 من فرصاد # لوصال من غضب أبو دلف على ... بيض السيوف لذبن فى الأغماد # أذكى وأوقد للعداوة والقرى ... نارين نار وغى ونار زناد # وأبو دلف هو القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير بن شنج بن معاوية ~~بن خزاعى بن عبد العزى بن دلف بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل ابن لجيم. # وقد رويت الأبيات التى مرت لأخت الوليد بن طريف لعبد الملك بن بجرة ~~النميرى. # وقال أبو هفان واسمه منصور بن بجرة، قال: أنشدنى دعبل لنفسه: # وداعك مثل وداع الربيع ... وفقدك؟؟؟ مثل افتقاد الديم # PageV04P1037 # عليك السلام فكم من وفاء ... أفارق منك وكم من كرم # فقلت: أحسنت، ولكن سرقت البيتين من ربيعيين: الأول من قول القطامى: # ما للكواعب ودعن الحياة كما ... ودعننى واتخذن الشيب ميعادى # والثانى من قول ابن بجرة: # فقدناك فقدان الربيع وليتنا # وأنشد البيت. فقال: بلى، والله سرق الطائى من ابن بجرة بيتا كاملا فقال: # عليك سلام الله وقفا فإننى ... رأيت الكريم الحر ليس له عمر # كذا وردت الحكاية من غير وجه، وكان يجب إذا كان من ربيعيين أن يكون ~~«فقدناك فقلدن الربيع» لأخت الوليد. # وقد قال السموءل فى قصر العمر: # يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول # وقال ابن قتيبة: أخذ النميرى قوله: «أيا شجر الخابور» من قول الجن فى عمر ~~بن الخطاب رضى الله عنه: # أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتز العضاه باسوق # وقد أنشده أبو تمام الطائى للشماخ فى أبيات أولها: # جزى الله خيرا من أمير وباركت ... يد الله فى ذاك الأديم الممزق # [ومن يسع أو يركب جناحى نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق] # قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... نوافج فى أكمامها لم تفتق «1» # وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفى سبنتى أزرق العين مطرق # تظل الحصان البكر تلقى جنينها ... نثا خبر فوق المطى معلق # PageV04P1038 # وقد قال بشار قريبا من قوله: [ولا المال إلا من قنا وسيوف] : # على جنبات الملك منه مهابة ... وفى الدرع عبل الساعدين قروع # إذا اختزن المال ms655 البخيل فإنمه ... خزائنهم خطية ودروع # وهذا كقول أبى الطيب المتنبى فى فاتك الإخشيدى: # كنا نظن دياره مملوءة ... ذهبا فمات وكل دار بلقع # وإذا المكارم والصوارم والقنا ... وبنات أعوج كل شىء يجمع «1» # ومن بارع هذا النحو قول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثى: # وإنى لأرباب القبور لغابط ... لسكنى سعيد بين أهل المقابر # وإنى لمفجوع به إذ تكاثرت ... عداتى ولم أهتف سواه بناصر # وكنت كمغلوب على نصل سيفه ... وقد حز فيه نصل حران باتر # أتيناه زوارا فأمجدنا قرى ... من البث والداء الدخيل المخامر # وأبنا بزرع قد نما فى صدورنا ... من الوجد يسقى بالدموع البوادر # ولما حضرنا لاقتسام تراثه ... أصبنا عظيمات اللهى والمآثر «2» # أى لم نصب مالا، ولكنا أصبنا فعالا. ### | [من كلاب الأعراب] # دخلت أعرابية على عبد الله بن أبى بكرة بالبصرة، فوقفت بين السماطين «3» ~~، فقالت: أصلح الله الأمير، وأمتع به؛ حدرتنا إليك سنة اشتد بلاؤها، وانكشف ~~غطاؤها، أقود صبية صغارا، وآخرين كبارا، فى بلد شاسعة، تخفضنا خافضة، ~~وترفعنا رافعة، لملمات من الدهر برين عظمى، وأذهبن لحمى، وتركتنى والهة ~~أدور بالحضيض، وقد ضاق بى البلد العريض، فسألت فى أحياء العرب: من الكاملة ~~فضائله، المعطى سائله، المكفى نائله «4» ؛ # PageV04P1039 # فدللت عليك- أصلحك الله تعالى- وأنا امرأة من هوازن؛ وقد مات الوالد، ~~وغاب الرافد، وأنت بعد الله غياثى، ومنتهى أملى، فافعل بى إحدى ثلاث: # إما أن تردنى إلى بلدى، أو تحسن صفدى «1» . أو تقيم أودى! فقال: بل ~~أجمعها لك، فلم يزل يجرى عليها كما يجرى على عياله، حتى ماتت. # قال العتبى: وقف أعرابى بباب عبيد الله بن زياد، فقال: يأهل الغضارة «2» ~~، حقب السحاب «3» ، وانقشع الرباب «4» ، واستأسدت الذئاب، وردم الثمد، وقل ~~الحفد «5» ، ومات الولد، وكنت كثير العفاة، صخب السقاة، عظيم الدلاة «6» ، ~~لا أتضاءل للزمان، ولا أحفل بالحدثان، حى حلال «7» ، وعدد ومال، فتفرقنا ~~أيدى سبا، بعد فقد الأبناء والآباء؛ وكنت حسن الشارة، خصيب الدارة، سليم ~~الجارة، وكان محلى حمى، وقومى أسى، وعزمى جدا؛ قضى الله ولا رجعان لما قضى، ~~بسواف المال «8» ، وشتات الرجال، وتغير الحال، فأغيثوا من شخصه شاهده، ~~ولسانه ms656 وافده، وفقره سائقه وقائده. # [من مقامات بديع الزمان] ومن مقامات الإسكندرى من إنشاء بديع الزمان، ~~قال: # حدثنا عيسى بن هشام، قال: دخلت البصرة وأنا من سنى فى فتاء «9» ، ومن ~~الزى فى حبر ووشاء «10» ، ومن الغنى فى بقر وشاء؛ فأتيت المربد مع رفقة ~~تأخذهم العيون، ودخلنا غير بعيد فى بعض تلك المتنزهات، ومشينا فى تلك ~~المتوجهات، وملكتنا أرض فحللناها، وعمدنا لقداح اللهو فأجلناها، مطرحين ~~للحشمة، # PageV04P1040 # إذ لم يكن فينا إلا منا، فما كان إلا بأسرع من ارتداد الطرف حتى عن لنا ~~سواد، تخفضه وهاد، وترفعه نجاد، وعلمنا أنه يهم بنا، فأتلعنا «1» له، حتى ~~انتهى إلينا «2» سيره، ولقينا بتحية الإسلام، ورددنا عليه مقتضى السلام؛ ثم ~~أجال فينا طرفه وقال: يا قوم؛ ما منكم إلا من يلحظنى شزرا، ويوسعنى زجرا ~~«3» ، ولا ينبئكم عنى، بأصدق منى؛ أنا رجل من أهل الإسكندرية، من الثغور ~~الأموية، قد وطأ لى الفضل كنفه، ورحبت بى عبس، ونمانى بيت، ثم جعجع بى ~~الدهر عن ثمه ورمه «4» ، وأتلانى زغاليل حمر «5» الحواصل: # كأنهم حيات أرض محلة ... فلو يغضون لذكى سمهم # إذا نزلنا أرسلونى كاسبا ... وإن رحلنا ركبونى كلهم # ونشزت علينا البيض «6» ، وشمست منا الصفر، وأكلتنا السود «7» ، وحطمتنا ~~الحمر، وانتابنا أبو مالك، فما تلقانا أبو جابر إلا عن عفر «8» ، وهذه ~~البصرة ماؤها هضوم، وفقيرها مهضوم، والمرء من ضرسه فى شغل، ومن نفسه فى كل، ~~فكيف بمن: # يطوف ما يطوف ثم يأوى ... إلى زغب محددة العيون # كساهن البلى شعثا فتمسى ... جياع الناب ضامرة العيون # ولقد أصبحن اليوم وقد سرحن الطرف فى حى كميت، وفى بيت كلا بيت، وقلبن ~~الأكف على ليت، فقضضن عقد الضلوع، وأفضن ماء الدموع، وتداعين باسم الجوع: # والفقر فى زمن اللثا ... م لكل ذى كرم علامه # PageV04P1041 # وقد اخترتكم يا سادة، ودلتنى عليكم السعادة، وقلت: قسما، إن فيهم شيما، ~~فهل من فتى يعشيهن، أو يغشيهن؟ وهل من حر يغديهن، أو يرديهن؟ # قال عيسى بن هشام: فوالله ما استأذن على سمعى كلام رائع أبرع مما سمعت، ~~لاجرم أنا استمحنا الأوساط، ونفضنا الأكمام، ms657 وبحثنا الجيوب «1» ؛ وأنلته ~~مطرفى، وأخذت الجماعة أخذى، وقلنا له: الحق بأطفالك، فأعرض عنا بعد شكر ~~وفاه، ونشر ملأ به فاه. ### | [من رسائل البديع] # ومن رسائله إلى بعض الرؤساء: # خلقت- أطال الله بقاء السيد وأدام تأييده- مشروح جنان الصدر، جموح عنان ~~الحلم «2» ، فسيح رقعة الصدر: # حمولا صبورا لو تعمدنى الردى ... لسرت إليه مشرق الوجه راضيا # ألوفا وفيا لو رددت إلى الصبا ... لفارقت شيبى موجع القلب باكيا # والله لأحيلن السيد على الأيام، ولأكلن استحالة رأيه فى على الليالى، ولا ~~أزال أصفيه الولاء، وأسنيه الثناء، وأفرش له من صدرى الدهناء، وأعيره أذنا ~~صماء، حتى يعلم أى علق باع، وأى فتى أضاع، وليقفن موقف اعتذار، وليعلمن ~~بنصح أتى الواشون أم بحبول «3» ، ولا أقول: يا حالف اذكر حلا، ولكن يا عاقد ~~«4» اذكر حلا، ولست كمن يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أذى رهطه، ~~ويستاق إلى رمى يزيد لسبطه «5» ، ولكنى أقول: # هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت # PageV04P1042 # وأنا أعلم أن السيد لا يخرج عن تلك الحلية، بهذه الرقية، وأن جوابه أخشن ~~من لقائه، فإن نشط للاجابة فلتكن المخاطبة قرأت رقعتك، فهو أخف مؤنة، وأقل ~~تبعة. # وله إلى [الشيخ] العميد: # أنا- أطال الله بقاء الشيخ العميد-[مع إخوان نيسابور] فى ضيعة لا فيها ~~أعان، ولا عنها أصان، وشيمة ليست بى تناط، ولا عنى تماط، وحرفة لا عنى ~~تزال، ولا فيها أدال، وهى الكدية التى على تبعتها، وليس لى منفعتها، فهل ~~للشيخ العميد أن يلطف بصنيعته لطفا يحط عنه درن العار، وشيمة التكتب ~~بالأشعار «1» ، ليخف على القلوب ظله، ويرتفع عن الأحرار كله «2» ، ولا يثقل ~~على الأجفان شخصه، بإتمام ما كان عرضه عليه من أشغاله، ليعلق بأذياله، ~~ويستفيد من خلاله؛ فيكون قد صان العلم عن ابتذاله، والفضل عن إذلاله «3» ، ~~واشترى حسن الثناء بجاهه، كما يشتريه بماله، والشيخ العميد فيما يوجبه من ~~وعد يعتمده، ووفاء يتلو ما يعده، عال رأيه إن شاء الله ### | [عود إلى غرر المديح] # وقال بعض أهل العصر، وهو أبو العباس الناشىء، يمدح سعد الدولة ms658 أبا ~~المعالى شريف بن سيف الدولة على بن عبد الله بن حمدان: # كأن مرآة فهم الدهر فى يده ... يرى بها غائب الأشياء لم يغب # ما يرفع الفلك العالى سماء علا ... إلا علاها شريف كوكب العرب # يا من بعين الرضا يلقى مؤمله ... والبخل يطبق أجفانا على الغضب # لو يكتب الملك أسماء الملوك إذا ... أعطاك موضع بسم الله فى الكتب # PageV04P1043 # غربت فى كل يوم منك مكرمة ... فليس ذكرك فى أرض بمغترب # بيته الأول كقول القائل: # أطل على الأشياء حتى كأنما ... له من وراء الغيب مقلة شاهد # [وكما قال] أبو تمام الطائى: # أطل على كلا الأفقين حتى ... كأن الأرض فى عينيه دار «1» # وأفرط ابن الرومى فقال: # أحاط علما بكل خافية ... كأنما الأرض فى يديه كره # وقال محمد بن وهيب: # عليم بأعقاب الأمور، كأنما ... يخاطبه من كل أمر عواقبه # وقال بعض شعراء بنى عبد الله بن طاهر: # وقوفك تحت ظلال السيوف ... أقر الخلافة فى دارها # كأنك مطلع فى القلوب ... إذا ما تناجت بأسرارها # وقال البحترى للفتح بن خاقان: # كأنك عين فى القلوب بصيرة ... ترى ما عليه مستقيم ومائل # وقال فى سليمان بن عبد الله بن طاهر: # ينال بالظن ما فات اليقين به ... إذا تلبس دون الظن إيقان # كأن آراءه والظن يجمعها ... تريه كل خفى وهو إعلان «2» # ما غاب عن عينه فالقلب يذكره ... وإن تنم عينه فالقلب يقظان # وقال أبو الحسن أحمد بن محمد الكاتب يمدح عبيد الله بن سليمان [بن وهب ~~الوزير] : # PageV04P1044 # إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان البحر والمطر # وإن أضاءت لنا أنوار غرته ... تضاءل الأنوران الشمس والقمر # وإن مضى رأيه أوحد عزمته ... تأخر الماضيان السيف والقدر # من لم يبت حذرا من خوف سطوته ... لم يدر ما المزعجان الخوف والحذر # ينال بالظن ما يعيا العيان به ... والشاهدان عليه العين والأثر # كأنه الدهر فى نعمى وفى نعم ... إذا تعاقب منه النفع والضرر # كأنه وزمام الدهر فى يده ... يرى عواقب ما يأتى وما يدر # وأصل هذا قول أوس بن حجر: # الألمعى الذى ms659 يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا وهذا المعنى قد مر فى ~~أثناء الكتاب. # قال أبو الحسن جحظة البرمكى: قلت لخالد الكاتب: كيف أصبحت؟ # قال: أصبحت أرق الناس شعرا، قلت: أتعرف قول الأعرابى: # فما وجد أعرابية قذفت بها ... صروف الليالى حيث لم تك ظنت # تمنت أحاليب الرعاء، وخيمة ... بنجد، فلم يقدر لها ما تمنت # إذا ذكرت ماء العضاه وطيبه ... وريح الصبا من نحو نجد أرنت «1» # بأعظم من وجد بليلى وجدته ... غداة غدونا غدوة واطمأنت # وكانت رياح تجمل الحاج بيننا ... فقد بخلت تلك الرياح وضنت # فصاح خالد وقال: ويحك! ويلك يا جحظة! هذا والله أرق من شعرى. # PageV04P1045 ### | [تكاليف المجد] # فصل لأبى العباس بن المعتز لن تكسب- أعزك الله- المحامد، وتستوجب الشرف، ~~إلا بالحمل على النفس والجال «1» ، والنهوض بحمل الأثقال، وبذل الجاه ~~والمال، ولو كانت المكارم تنال بغير مئونة لاشترك فيها السفل والأحرار، ~~وتساهمها الوضعاء مع ذوى الأخطار؛ ولكن الله تعالى خص الكرماء الذين جعلهم ~~أهلها، فخفف عليهم حملها، وسوغهم فضلها، وحظرها على السفلة لصغر أقدارهم ~~عنها، وبعد طباعهم منها، ونفورها عنهم، واقشعرارها منهم. # [وقال أبو الطيب المتنبى: # لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال] # وقال الطائى: # والحمد شهد لا يرى مشتاره ... يجنيه إلا من نقيع الحنظل «2» # شر لحامله، ويحسبه الذى ... لم يؤذ عاتقه خفيف المحمل # أخذه الطائى من قول مسلم بن الوليد، وقيل غيره: # الجود أخشن مسا يا بنى مطر ... من أن تبزكموه كف مستلب # ما أعلم الناس أن الجود مدفعة ... للذم لكنه يأتى على النشب «3» # وقال بعض الأجواد: إنا لنجد كما يجد البخلاء، ولكنا نصبر ولا يصبرون. ### | [احتمال الغضب] # وقال الجاحظ: قيل لأبى عباد وزير المأمون، وكان أسرع الناس غضبا: # إن لقمان الحكيم قال لابنه: ما الحمل الثقيل؟ قال: الغضب. قال أبو عباد: # PageV04P1046 # لكنه والله أخف على من الريش! قيل له: إنما عنى لقمان أن احتمال الغضب ~~ثقيل، فقال: لا، والله لا يقوى على احتمال الغضب من الناس إلا الجمل! وغضب ~~يوما على بعض كتابه، فرماه بدواة كانت بين ms660 يديه فشجه، فقال أبو عباد: صدق ~~الله تعالى فى قوله: (والذين إذا ما غضبوا هم يعقرون) . # فبلغ ذلك المأمون فأحضره، وقال له: ويحك! ما تحسن تقرأ آية من كتاب الله ~~تعالى! قال: بلى يا أمير المؤمنين، إنى لأحفظ من سورة واحدة ألف آية؛ فضحك ~~المأمون وأمر بإخراجه. ### | نبذة من لطائف ابن المعتز، وفضل تحققه بالبديع والاستعارات مما تتعين العناية بمطالعتها # قال أبو بكر الصولى: اجتمعت مع جماعة من الشعراء عند أبى العباس عبد الله ~~بن المعتز، وكان يتحقق بعلم البديع تحققا ينصر دعواه فيه لسان مذاكرته، فلم ~~يبق مسلك من مسالك الشعراء إلا سلك بنا شعبا من شعابه، وأوردنا أحسن ما قيل ~~فى بابه، إلى أن قال أبو العباس: ما أحسن استعارة اشتمل عليها بيت واحد من ~~الشعر؟ قال الأسدى: قول لبيد: # وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # قال أبو العباس: هذا حسن، وغيره أحمد منه، وقد أخذه من قول ثعلبة ابن ~~صعيرة المازنى «1» : # فتذاكرا ثقلا رثيدا بعد ما ... ألقت ذكاء يمينها فى كافر # PageV04P1047 # وقول ذى الرمة أعجب إلى منه: # ألا طرقت مى هيوما بذكرها ... وأيدى الثريا جنح فى المغارب # وقال بعضنا: بل قول لبيد أيضا: # ولقد حميت الخيل تحمل شكتى ... فرط، وشاحى- إن غدوت- لجامها # قال أبو العباس: هذا حسن، ولكن نعدل عن لبيد. # وقال آخر: [قول الهذلى] : # ولو أننى استودعته الشمس لاهتدت ... إليه المنايا عينها ورسولها # قال أبو العباس: هذا حسن، وأحسن منه «1» - فى استعارة لفظ الاستيداع- قول ~~الحصين بن الحمام؛ لأنه جمع الاستعارة والمقابلة فى قوله: # نطاردهم نستودع البيض هامهم ... ويستودعونا السمهرى المقوما «2» # وقال آخر: بل قول ذى الرمة: # أقامت به حتى ذوى العود فى الثرى ... وساق الثريا فى ملاءته الفجر # قال أبو العباس: هذا لعمرى نهاية الخبرة؛ وذو الرمة أبدع الناس استعارة، ~~وأبرعهم عبارة، إلا أن الصواب حتى «ذوى العود والثرى» ؛ لأن العود لا يذوى ~~ما دام فى الثرى، وقد أنكره على ذى الرمة غير ابن المعتز. قال أبو عمرو ابن ~~العلاء: كانت يدى فى ms661 يد الفرزدق فأنشدته هذا البيت، فقال: أرشدك أم أدعك؟ ~~قال: فقلت: بل أرشدنى، فقال: إن العود لا يذوى فى الثرى، والصواب «حتى ذوى ~~العود والثرى» . # قال الصولى: وكأنه نبه على ذى الرمة؛ فقلت: بل قوله: # ولما رأيت الليل والشمس حية ... حياة الذى يقضى حشاشة نازع # PageV04P1048 # قال أبو العباس: اقتدحت زندك يا أبا بكر فأورى «1» ، هذا بارع جدا، وقد ~~سبقه إلى هذه الاستعارة جرير حيث يقول: # تحيى الروامس ربعها وتجده ... بعد البلى فتميته الأمطار «2» # وهذا بيت جمع الاستعارة والمطابقة؛ لأنه جاء بالإحياء والإماتة، والبلى ~~والجدة، ولكن ذو الرمة قد استوفى ذكر الإحياء والإماتة فى موضع آخر فأحسن، ~~وهو قوله: # ونشوان من طول النعاس كأنه ... بحبلين فى مشطونة يترجح «3» # إذا مات فوق الرحل أحييت روحه ... بذكرك والعيس المراسل جنح # فما أحد من الجماعة انصرف من ذلك المجلس إلا وقد غمره من بحر أبى العباس ~~ما غاض معه معينه، ولم ينهض حتى زودنا من بره ولطفه نهاية ما اتسعت له ~~حاله. ### | [كتمان الحب] # وقال ابن المعتز: # لما رأيت الحب يفضحنى ... ونمت على شواهد الصب # ألقيت غيرك فى ظنونهم ... وسترت وجه الحب بالحب # وقال العباس بن الأحنف فى هذا المعنى: # قد جرر الناس أذيال الظنون بنا ... وفرق الناس فينا قولهم فرقا # فكاذب قد رمى بالظن غيركم ... وصادق ليس يدرى أنه صدقا # [وقريب من هذا المعنى قول الفارضى رضى الله عنه، وإن لم يكن منه: # تخالفت الأقوال فينا تباينا ... برجم أصول بيننا ما لها أصل «4» # PageV04P1049 # فشنع قوم بالوصال، ولم أصل ... وأرجف بالسلوان قوم ولم أسل # وما صدق التشنيع عنها لشقوتى ... وقد كذبت عنى الأراجيف والنقل] «1» # وقال ابن المعتز: # لنا عزمة صماء لا تسمع الرقى ... تبيت أنوف الحاسدين على رغم # وإنا لنعطى الحق من غير حاكم ... علينا، ولو شئنا لملنا مع الظلم # وقد أخذه أبو العباس من قول أعرابى: # ألا يا شفاء النفس ليس بعالم ... بك الناس حتى يعلموا ليلة القدر # سوى رجمهم بالظن والظن كاذب ... مرارا وفيهم من يصيب ولا يدرى # وقال الحسين بن مطير: ms662 # لقد كنت جلدا قبل أن توقد النوى ... على كبدى نارا بطيئا خمودها # ولو تركت نار الهوى لتضرمت ... ولكن شوقا كل يوم يزيدها # وقد كنت أرجو أن تموت صبابتى ... إذا قدمت أيامها وعهودها # فقد جعلت فى حبة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولى بشوق يعيدها # بمرتجة الأرداف هيف خصورها ... عذاب ثناياها عجاف نهودها # وصفر تراقيها، وحمر أكفها ... وسود نواصيها، وبيض خدودها # مخصرة الأوساط، زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها # يمنيننا حتى ترف قلوبنا ... رفيف الخزامى بات طل يجودها # وفيهن مقلاق الوشاح كأنها ... مهاة بتربان طويل عمودها «2» # وقال: # قضى الله يا أسماء أن لست بارحا ... أحبك حتى يغمض العين مغمض # PageV04P1050 # فحبك بلوى غير أن لا يسرنى ... وإن كان بلوى أننى لك مبغض «1» # فواكبدا من لوعة البين كلما ... ذكرت ومن رفض الهوى حين يرفض # ومن عبرة تذرى الدموع وزفرة ... تقضقض أطراف الحشاثم تنهض «2» # فياليتنى أقرضت جلدا صبابتى ... وأقرضنى صبرا على الشوق مقرض # إذا أنا رضت القلب فى حب غيرها ... بدا حبها من دونه يتعرض # وكان الحسين قوى أسر الكلام، جزل الألفاظ، شديد العارضة، وهو القائل فى ~~المهدى: # له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم # فيمطر يوم الجود من كفه الندى ... ويقطر يوم البؤس من كفه الدم # فلو أن يوم البؤس خلى عقابه ... على الناس لم يصبح على الأرض مجرم # ولو أن يوم الجود خلى نواله ... على الأرض لم يصبح على الأرض معدم # وأنشد أبو هفان له: # أين أهل العتاب بالدهناء ... أين جيراننا على الأحساء # جاورونا والأرض ملبسة نو ... ر الأقاحى تجاد بالأنواء «3» # كل يوم بأقحوان جديد ... تضحك الأرض من بكاء السماء # أخذ هذا المعنى دعبل، ونقله إلى معنى آخر، فقال: # أين الشباب؟ وأية سلكا؟ ... أم أين يطلب؟ ضل، بل هلكا # لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى # وقال مسلم بن الوليد فى هذا المعنى: # مستعبر يبكى على دمنة ... ورأسه يضحك فيه المشيب # PageV04P1051 ### | [معالى الأخلاق] # وأنشد الزبير بن بكار: # أحب معالى الأخلاق جهدى ... وأكره أن أعيب وأن أعابا ms663 # وأصفح عن سباب الناس حلما ... وشر الناس من حب السبابا # وأترك قائل العوراء عمدا ... لاهلكه وما أعيا الجوابا # ومن هاب الرجال تهيبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا # [رياضة النفس «1» على الفراق] # وعلى ذكر قوله: # إذا أنا رضت القلب فى حب غيرها # أنشد الأصمعى لغلام من بنى فزارة: # وأعرض حتى يحسب الناس أنما ... بى الهجر، لا والله ما بى لها هجر # [ولكن أروض النفس أنظر هل لها ... إذا فارقت يوما أحبتها صبر] # قال إسحاق الموصلى: قال لى الرشيد: ما أحسن ما قيل فى ### | رياضة النفس على الفراق؟ # قلت: قول أعرابى: # وإنى لأستحيى عيونا، وأتقى ... كثيرا، وأستبقى المودة بالهجر # فأنذر بالهجران نفسى أروضها ... لأعلم عند الهجر هل لى من صبر # [فقال الرشيد: هذا مليح، ولكنى أستملح قول اعرابى آخر: # خشيت عليها العين من طول وصلها ... فهاجرتها يومين خوفا من الهجر # وما كان هجرانى لها عن ملالة ... ولكننى جربت نفسى بالصبر] «2» # PageV04P1052 # قال الصولى: قال لى المبرد: عمك إبراهيم بن العباس أحزم رأيا من خاله ~~العباس بن الأحنف فى قوله: # كان خروجى من عندكم قدرا ... وحادثا من حوادث الزمن # من قبل أن أعرض الفراق على ... قلبى، وأن أستعد للحزن # وقال عمك إبراهيم: # وناجيت نفسى بالفراق أروضها ... فقالت: رويدا لا أغرك من صبرى «1» # فقلت لها: فالهجر والبين واحد ... فقالت أأمنى بالفراق وبالهجر» # فقلت له: إنه نقل كلام خاله: # عرضت على قلبى الفراق فقال لى ... من الآن فايأس لا أغرك من صبرى # إذا صد من أهوى رجوت وصاله ... وفرقة من أهوى أحر من الجمر # وقال العباس بن الأحنف: # أروض على الهجران نفسى لعلها ... تماسك لى أسبابها حين أهجر # وأعلم أن النفس تكذب وعدها ... إذا صدق الهجران يوما وتغدر # وما عرضت لى نظرة مذعرفتها ... فأنظر إلا مثلت حين أنظر # [وقال المتنبى من المعنى: # حببتك قلبى قبل حبى من نأى ... وقد كان غدارا فكن أنت وافيا # وأعلم أن البين يشكيك بعدها ... فلست فؤادى إن وجدتك شاكيا] # قال الحاتمى: والذى أراه وأذهب إليه أن أحسن من هذا المعنى قول ms664 أبى صحر ~~الهذلى: # ويمنعنى من بعض إنكار ظلمها ... إذا ظلمت يوما وإن كان لى عذر # مخافة أنى قد علمت لئن بدا ... لى الهجر منها ما على هجرها صبر # PageV04P1053 # وأنى لا أدرى إذا النفس أشرفت ... على هجرها ما يبلغن بى الهجر # فياحبها زدنى جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأحزان موعدك الحشر ### | شذور من كلام أهل العصر فى مكارم الأخلاق # ابن المعتز- العقل غريزة تزينها التجارب. وله: العاقل من عقل لسانه «1» ، ~~والجاهل من جهل قدره. # غيره: إذا تم العقل نقص الكلام. حسن الصورة الجمال الظاهر، وحسن الخلق ~~الجمال الباطن. ما أبين وجوه الخير والشر فى مرآة العقل إذا لم يصدئها ~~الهوى. العاقل لا يدعه ما ستر الله من عيوبه أن يفرح بما أظهر من محاسنه. # بأيدى العقول تمسك أعنة النفوس عن الهوى. أخر بمن كان عاقلا أن يكون عما ~~لا يعنيه غافلا. التواضع من مصايد الشرف. من لم يتضع عند نفسه لم يرتفع عند ~~غيره. # يحيى بن معاذ- التكبر على المتكبر تواضع. الحلم حجاب الآفات. # أحيوا الحياء بمجاورة من يستحيا منه. من كساه الحياء ثوبه، ستر عن الناس ~~عيبه. الصبر تجرع الغصص، وانتظار الفرص. قلوب العقلاء حصون الأسرار. انفرد ~~بسرك ولا تودعه حازما فيزل، ولا جاهلا فيخون. الأناة «2» حسن السلامة، ~~والعجلة مفتاح الندامة. من حسن خلقه وجب حقه. إنما يستحق اسم الإنسانية من ~~حسن خلقه. يكاد سيىء الخلق يعد من البهائم والسباع. # أرسطاطاليس- المروءة استحياء المرء نفسه. المعروف حصن النعم من صروف ~~الزمن. للحازم كنز فى الآخرة من عمله، وفى الدنيا من معروفه. # لا تستحى من القليل فإن الحرمان أقل منه. # PageV04P1054 # أبو بكر الخوارزمى- الطرف «1» يجرى وبه هزال، [والسيف يمضى وبه انفلال] ، ~~والحر يعطى وبه إقلال «2» . بذل الجاه أحد المالين. شفاعة اللسان أفضل زكاة ~~الإنسان. بذل الجاه رفد للمستعين «3» . الشفيع جناح الطالب. # التقوى هى العدة الباقية، والجنة الواقية. ظاهر التقوى شرف الدنيا، ~~وباطنها شرف الآخرة. من عفت أطرافه، حسنت أوصافه. قال أبو الطيب المتنبى: # ولا عفة فى سيفه وسنانه ... ولكنها فى الكف والفرج والفم # لقمان- الصمت حكم ms665 وقليل فاعله. أربع كلمات صدرت عن أربعة ملوك كأنما رميت ~~عن قوس واحدة؛ قال كسرى: لم أندم على ما لم أقل، وندمت على ما قلت مرارا. ~~قيصر: أنا على رد ما لم أقل أقدر منى على رد ما قلت. ملك الصين: إذا تكلمت ~~بالكلمة ملكتنى، وإذا لم أتكلم بها ملكتها. ملك الهند: عجبت ممن يتكلم ~~بالكلمة إن رفعت ضرته، وإن لم ترفع لم تنفعه. ما الدخان على النار، ولا ~~العجاج «4» على الريح، بأدل من ظاهر الرجل على باطنه، وأنشد: # قد يستدل بظاهر عن باطن ... حيث الدخان فثم موقد نار # من أصلح ماله فقد صان الأكرمين المال والعرض. من لم يجمد فى التقدير ولم ~~يذب فى التدبير فهو سديد التدبير «5» . عليك بالقصد بين الطرفين، لا منع ~~ولا إسراف، ولا بخل ولا إتراف. لا تكن رطبا فتعصر، ولا يابسا فتكسر، ولا ~~حلوا فتسترط، ولا مرا فتلفظ. # المأمون بن الرشيد- الثناء أكثر من الاستحقاق ملق وهذر، والتقصير عى ~~وحصر. # PageV04P1055 # إكرام الأضياف، من عادة الأشراف. وفى الخبر: لا تتكلفوا للضيف فتبغضوه؛ ~~فمن أبغض الضيف أبغضه الله. ينبغى لصاحب الكريم أن يصبر عليه إذا جمعتهما ~~نبوة الزمان، فليس ينتفع بالجوهرة الكريمة من لم ينتظر نفاقها. ### | مواعظ عقلها بعض أهل العصر تتعلق بهذا الفصل # أغض على القذى، وإلا لم ترض أبدا «1» . أجمل الطلب فسيأتيك [ما قدر لك، ~~صن عرضك] ، وإلا أخلقت وجهك. جاور الناس بالكف عن مساويهم. انس رفدك، ولا ~~تنس وعدك، كذب أسواء الظنون بأحسنها «2» . # أغن من وليته عن السرقة، فليس يكفيك من لم تكفه. لا تتكلف ما كفيت فيضيع ~~ما أوليت. # ابن المعتز- لا تسرع إلى أرفع موضع فى المجلس، فالموضع الذى ترفع إليه ~~خير من الموضع الذى تحط منه. لا تذكر الميت بسوء فتكون الأرض أكتم عليه ~~منك. ينبغى للعاقل أن يدارى زمانه مداراة السابح للماء الجارى. # العتابى- المداراة سياسة رفيعة تجلب المنفعة، وتدفع المضرة، ولا يستغنى ~~عنها ملك ولا سوقة، ولا يدع أحد منها حظه إلا غمرته صروف المكاره. ### | [من رسائل العتابى وأدبه] # وكتب العتابى ms666 إلى بعض إخوانه: # لو اعتصم شوقى إليك بمثل سلوك عنى لم أبذل وجه الرغبة إليك، # PageV04P1056 # ولم أتجشم مرارة تماديك، ولكن استخفتنا صبابتنا، فاحتملنا قسوتك، لعظيم ~~قدر مودتك، وأنت أحق من اقتص «1» لصلتنا من جفائه، ولشوقنا من إبطائه. # وله: كتبت إليك ونفسى رهينة بشكرك «2» ، ولسانى علق بالثناء عليك، ~~والغالب على ضميرى لائمة لنفسى، واستقلال لجهدى فى مكافأتك، وأنت- أصلحك ~~الله! - فى عز الغنى عنى، وأنا تحت ذل الفاقة إلى عطفك، وليس من أخلاقك أن ~~تولى جانب النبوة منك من هو عان فى الضراعة إليك. # ودخل العتابى على الرشيد فقال: تكلم يا عتابى؛ فقال: الإيناس «3» قبل ~~الإبساس، لا يحمد المرء بأول صوابه، ولا يذم بأول خطئه؛ لأنه بين كلام ~~زوره، أوعى حصره. # ومر العتابى بأبى نواس وهو ينشد الناس: # ذكر الكرخ نازح الأوطان ... فبكى صبوة ولات أوان # فلما رآه قام إليه، وسأله الجلوس، فأنى؟؟؟ وقال: أين أنا منك وأنت ~~القائل، وقد أنصفك الزمان: # قد علقنا من الخصيب حبالا ... أمنتنا طوارق الحدثان # وأنا القائل وقد جار على، وأساء إلى: # لفظتنى البلاد، وانطوت الأك ... فاء دونى، وملنى جيرانى # والتقت حلقة على من الده ... ر فماجت بكلكل وجران # نازعتنى أحداثها منية النف ... س وهدت خطوبها أركانى # خاشع للهموم معترف القل ... ب كئيب لنائبات الزمان # PageV04P1057 ### | [شعر الأعراب] # قال عبد الرحمن بن أخى الأصمعى: سمعت عمى يحدث قال: أرقت ليلة من الليالى ~~بالبادية، وكنت نازلا عند رجل من بنى الصيداء «1» ، وكان واسع الرحل، كريم ~~المحل، فأصبحت وقد عزمت على الرجوع إلى العراق، فأتيت أبا مثواى «2» ، ~~فقلت: إنى قد هلعت «3» من الغربة، واشتقت إلى أهلى، ولم أفد فى قدمتى هذه ~~كبير علم. وإنما كنت أغتفر وحشة الغربة وجفاء البادية للفائدة؛ فأظهر ~~الجفاوة حتى أبرز غداء له فتغديت، وأمر بناقة مهرية «4» كأنها سبيكة لجين ~~[فارتحلها] واكتفلها، ثم ركب وأردفنى، وأقبلها مطلع الشمس؛ فما سرنا كبير ~~مسير حتى لقينا شيخ على حمار، له جمة قد صبغها بالورس «5» ، كأنها قنبيطة، ~~وهو يترنم، فسلم عليه صاحبى، وسأله عن نسبه فاعتزى أسديا من بنى ms667 ثعلبة. # قال: أتروى أم تقول؟ قال: كلا. قال: أين تؤم؟ فأشار إلى موضع قريب من ~~الموضع الذى نحن فيه. فأناخ الشيخ، وقال لى: خذ بيد عمك فأنزله عن حماره، ~~ففعلت، وألقى له كساء قد اكتفل به، ثم قال: أنشدنا يرحمك الله وتصدق على ~~هذا الغريب بأبيات يبثهن عنك، ويذكرك بهن، فأنشدنى له: # لقد طال يا سوداء منك المواعد ... ودون الجدا المأمول منك الفراقد # تمنيننا بالوصل وعدا، وغيمكم ... ضباب، فلا صحو، ولا الغيم جائد # إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت مالك حامد # وقل غناء عنك مال جمعته ... إذا صار ميراثا وواراك لاحد # إذا أنت لم تعرك بجنبيك بعض ما ... يريب من الأدنى رماك الأباعد # PageV04P1058 # إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك بروق جمة ورواعد # إذا العزم لم يفرج لك الشك لم تزل ... جنيبا كما استتلى الجنيبة قائد «1» # إذا أنت لم تترك طعاما تحبه ... ولا مقعدا تدعو إليه الولائد # تجللت عارا لا يزال يشبه ... عليك الرجال نثرهم والقصائد # وأنشدنى لنفسه: # تعز فإن الصبر بالحر أجمل ... وليس على ريب الزمان معول # فلو كان يغنى أن يرى المرء جازعا ... لنازلة أو كان يغنى التذلل # لكان التعزى عند كل مصيبة ... ونازلة بالحر أولى وأجمل # فكيف وكل ليس يعدو حمامه ... وما لامرىء مما قضى الله مزحل # فإن تكن الأيام فينا تبدلت ... بنعمى وبؤسى والحوادث تفعل # فما لينت منا قناة صليبة ... ولا ذللتنا للذى ليس يجمل # ولكن رحلناها نفوسا كريمة ... تحمل ما لا يستطاع فتحمل # وقينا بحد العزم منا نفوسنا ... فصحت لنا الأعراض والناس هزل # قال: فقمت إليه، وقد نسيت أهلى، وهان على طول الغربة، وضنك العيش، سرورا ~~بما سمعت، ثم قال: يا بنى؛ من لم يكن الأدب والعلم أحب إليه من الأهل ~~والولد لم ينجب. ### | [خصومة قرشية] # خاصم بعض القرشيين عمر بن عثمان بن موسى بن عبيد الله بن معمر، فأسرع ~~إليه القرشى فقال: على رسلك، فإنك لسريع الإيقاد «2» وشيك الصريمة، وإنى ~~والله ما أنا مكافئك دون أن تبلغ غاية ms668 التعدى، فأبلغ غاية الإعذار. # PageV04P1059 ### | [ادعاء] # قال عبد الله بن عبد العزيز، وكان من أفاضل أهل زمانه: قال لى موسى ابن ~~عيسى: أنهى «1» إلى أمير المؤمنين، يعنى الرشيد، أنك تشتمه، وتدعو عليه، ~~فبأى شىء استجزت «2» ذلك؟ قال: أما شتمه فهو والله إذا أكرم على من نفسى، ~~وأما الدعاء عليه فوالله ما قلت «اللهم إنه أصبح عبئا ثقيلا على أكتافنا، ~~لا تطيقه أبداننا، وقذى فى عيوننا، لا تنطبق عليه أجفاننا، وشجى فى حلوفنا، ~~لا تسيغه أفواهنا؛ فاكفنا مؤنته، وفرق بيننا وبينه» ! ولكنى قلت: «اللهم إن ~~كان تسمى الرشيد ليرشد فأرشده، أو أتى غير ذلك «3» فراجع به، اللهم إن له ~~فى الإسلام بالعباس حقا على كل مسلم، وله بنبيك قرابة ورحما، فقربه من كل ~~خير، وباعده من كل شر، وأسعدنا به، وأصلحه لنفسه ولنا» . فقال له: يغفر ~~الله لك يا عبد العزيز، كذلك بلغنا. ### | [عزل وال] # ولما حج الرشيد سنة ست وثمانين ومائة دخل مكة وعديله يحيى بن خالد؛ ~~فانبرى إليه العمرى فقال: يا أمير المؤمنين، قف حتى أكلمك! فقال: أرسلوا ~~زمام الناقة، فأرسلوه، فوقفت فكأنما أوتدت، فقال: [أقول؟ قال:] قل، فقال: # اعزل عنا إسماعيل بن القاسم. [قال: ولم؟ قال:] لأنه يقبل الرشوة، ويطيل ~~النشوة، ويضرب بالعشوة، قال: قد عزلناه [عنك،] ثم التفت إلى يحيى فقال: # أعندك مثل هذه البديهة؟ فقال: إنه ليجب أن يحسن إليه، قال: إذا عزلنا عنه ~~من يريد عزله فقد كافأناه. # PageV04P1060 ### | [حرمة الكعبة] # ولما وجه عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف إلى عبد الله بن الزبير ~~وأوصاه بما أراد أن يوصيه، قال الأسود بن الهيثم النخعى: يا أمير المؤمنين، ~~أوص هذا الغلام [الثقفى] بالكعبة ألا يهدم أحجارها، ولا يهتك أستارها، ولا ~~ينفر أطيارها، وليأخذ على ابن الزبير شعائها؟؟؟، وعقابها، وأنقابها «1» ، ~~حتى يموت فيها جوعا، ويخرج مخلوعا. ### | [كتاب ينصر محاربا] # وكتب عبد الله بن طاهر إلى نصر بن شبيب وقد نزل به ليحاربه فى جنده، ~~فوجده «2» متحصنا منه، فكتب إليه: اعتصامك بالقلال قيد عزمك عن القتال، ~~والتجاؤك إلى الحصون ms669 «3» ، ليس ينجيك من المنون، ولست بمفلت من أمير ~~المؤمنين، فإما فارس مطاعن، أو راجل مستأمن. فلما قرأه حصره الرعب عن ~~الجواب، فلم يلبث أن خرج مستأمنا. ### | [من حكم الفرس] # قال بزرجمهر بن البختكان لبعض الملوك: أنعم تشكر، وأرهب تحذر، ولا تهازل ~~فتحقر، فجعلهن الملك نقش خاتمه بدلا من اسمه واسم أبيه. # ولما قتل أنوشروان بزرجمهر وجد فى منطقته رقعة فيها مكتوب: إذا كانت ~~الحظوظ بالجدود فما الحرص؟ وإذا كانت الأمور ليست بدائمة فما السرور؟ # وإذا كانت الدنيا غرارة فما الطمأنينة؟ # [قال سقراط] : من كثر احتماله وظهر حلمه قل ظلمه وكثر أعوانه، ومن قل همه ~~على ما فاته استراحت نفسه وصفا ذهنه وطال عمره. وقال: من تعاهد # PageV04P1061 # نفسه بالمحاسبة أمن عليها المداهنة. وقال: الأمانى حبال الجهل، والعشرة ~~الحسنة وقاية من الأسواء. # وشتمه بعض الملوك وكان على فرس وعليه حلل وبزة- فقال له سقراط: إنما تفخر ~~على بغير جنسك، ولكن رد كل جنس إلى جنسه وتعال الآن فلنتكلم. # وقال سقراط: من أعطى الحكمة فلا يجزع لفقد الذهب والفضه؛ لأن من أعطى ~~السلامة والدعة لا يجزع لفقد الألم والتعب؛ لأن ثمار الحكمة السلامة ~~والدعة، وثمار الذهب والفضة الألم والتعب؛ وقال: القنية ينبوع الأحزان؛ ~~فأقلوا القنية تقل همومكم. وقال: القنية مخدومة، ومن خدم غير نفسه فليس بحر ~~وقال أبو الطيب: # أبدا تسترد ما تهب الدن ... يا فيا ليت جودها كان بخلا # وكفت كون فرحة تورث اله ... م وخل يغادر الوجد خلا ### | [حكم للهند] # وفى كتاب الهند: العاقل حقيق أن تسخو نفسه عن الدنيا، علما بأنه لا ينال ~~أحد منها شيئا إلا قل إمتاعه به وكثر عناؤه فيه، ووباله عليه، واشتدت مؤنته ~~عند فراقه، وعلى العاقل أن يدوم ذكره لما بعد هذه الدار، ويتنزه عما تسيره ~~إليه نفسه من هذه العاجلة، ويتنحى عن مشاركة الكفرة والجهال فى حب هذه ~~الفانية التى لا يألفها ولا ينخدع بها إلا المغترون. # وفيه: لا يجدن العاقل فى صحبة الأحباب والأخلاء، ولا يحرصن على ذلك كل ~~الحرص. فإن صحبتهم على ما ms670 فيها من السرور كثيرة الأذى، والمؤنات، والأحزان، ~~ثم لا يفى «1» ذلك بعاقبة الفراق. # وفيه: ليس من شهوات الدنيا ولذاتها شىء إلا وهو مولد أذى وحزنا، # PageV04P1062 # كالماء المالح الذى كلما ازداد له صاحبه شربا ازداد عطشا، وكالقطعة من ~~العسل فى أسفلها سم للذائق؛ فيه حلاوة عاجلة، وله فى أسفلها سم ذعاف، ~~وكأحلام النائم التى تسره فى منامه، فإذا استيقظ انقطع السرور، وكالبرق ~~الذى يضىء قليلا، ويذهب وشيكا «1» ، ويبقى صاحبه فى الظلام مقيما، وكدودة ~~الإبريسم ما ازدادت عليه لفا إلا ازدادت من الخروج بعدا. # وفيه: صاحب الدين قد فكر؛ فعلته السكينة، وسكن فتواضع، وقنع فاستغنى، ~~ورضى فلم يهتم، وخلع الدنيا فنجا من الشرور، ورفض الشهوات فصار حرا، وطرح ~~الحسد فظهرت له المحبة، وسخت نفسه عن كل فان، فاستكمل العقل، وأبصر ~~العاقبة، فأمن الندامة، ولم يؤذ الناس فيخافهم، ولم يذنب إليهم فيألهم ~~العفو. ### | [وصية من عتبة بن أبى سفيان] # وقال سعد القصر مولى عتبة بن أبى سفيان: ولأنى عتبة أمواله بالحجاز، فلما ~~ودعته قال: يا سعد، تعاهد صغير مالى فيكبر، ولا تجف كبيره «2» فيصغر؛ فإنه ~~ليس يمنعنى كثير ما عندى، من إصلاح قليل ما فى يدى، ولا يمنعنى قليل ما ~~عندى من كثير ما ينو بنى «3» . قال: فقدمت الحجاز، فحدثت به رجالا من قريش، ~~ففرقوا به الكتب إلى الوكلاء. ### | [يزيد بن معاوية] # وقال يزيد بن معاوية لعبيد الله بن زياد: إن أباك كفى أخاه عظيما، وقد ~~استكفيتك صغيرا، فلا تتكلن منى على عذر، فقد اتكلت منك على كفاية، ولأن ~~أفول لك: إياك، أحب إلى من أن أقول: إياى؛ فإن الظن إذا أخلف فيك أخلف منك، ~~فلا ترح نفسك وأنت فى أدنى حظك، حتى تبلغ # PageV04P1063 # أقصاه؛ واذكر فى يومك أخبار غدك، واستزدنى بإحسانك إلى أهل الطاعة، ~~وإساءتك إلى أهل المعصية، أزدك إن شاء الله تعالى. ### | [فضل العمامة] # ذكرت العمامة عند أبى الأسود الدؤلى فقال: جنة فى الحرب، ودثار فى البرد، ~~وكنة فى الحر، ووقار فى الندى، وشرف فى الأحدوثة، وزيادة فى القامة، وهى ~~[بعد] ms671 عادة من عادات العرب. ### | [من رسائل ابن العميد] # وكتب أبو الفضل بن العميد إلى أبى عبد الله الطبرى: # وقفت على ما وصفت من بر مولانا الأمير لك، وتوفره بالفضل عليك، وإظهار ~~جميل رأيه فيك، وما أنزله من عارفة «1» لديك؛ وليس العجب أن يتناهى مثله فى ~~الكرم إلى أبعد غاية، وإنما العجب أن يقصر شىء من مساعيه عن نيل المجد كله، ~~وحيازة الفضل بأجمعه؛ وقد رجوت أن يكون ما يغرسه من صنيعة عندك أجدر غرس ~~بالزكاء «2» ، وأضمنه للزيع والنماء؛ فارع ذلك، واركب فى الخدمة طريقة ~~تبعدك من الملال، وتوسطك فى الحضور بين الإكثار والإقلال، ولا تسترسل إلى ~~حسن القبول كل الاسترسال؛ فلأن تدعى من بعيد خير من أن تقصى «3» من قريب، ~~وليكن كلامك جوابا تتحرز فيه من الخطل ومن الإسهاب، ولا يعجبنك تأتى كلمة ~~محمودة فيلج بك الإطناب توقعا لمثلها؛ فربما هدمت ما بنته الأولى، وبضاعتك ~~فى الشرف مزجاة، وبالعقل يزم اللسان، ويرام السداد، فلا يستفزنك طرب الكلام ~~على ما يفسد تمييزك؛ والشفاعة لا تعرض لها فإنها مخلقة للجاه؛ فإن اضطررت ~~إليها فلا تهجم عليها حتى تعرف موقعها. # وتحصل وزنها، وتطالع موضعها؛ فإن وجدت النفس بالإجابة سمحة، وإلى # PageV04P1064 # الإسعاف هشة، فأظهر ما فى نفسك غير محقق، ولا توهم أن عليك فى الرد ما ~~يوحشك، ولا فى المنع ما يغيظك، وليكن انطلاق وجهك إذا دفعت عن حاجتك أكثر ~~منه عند نجاحها على يدك، ليخف كلامك، ولا يثقل على سامعه منك. أقول ما أقول ~~غير واعظ ولا مرشد، فقد جمل الله خصالك، وحسن خلالك، وفضلك فى ذلك كله؛ ~~لكنى أنبه تنبيه المشارك لك، وأعلم أن للذكرى موصعا منك لطيفا. # وله أيضا: سألتنى عمن شفنى «1» وجدى به، وشغفنى حبى له، وزعمت أنى لو شئت ~~لذهلت عنه ولو أردت لاعتضت منه. زعما، لعمر أبيك، ليس بمزعم. كيف أسلو عنه، ~~وأنا أراه، وأنساه وهو لى تجاه؛ هو أغلب على، وأقرب إلى، من أن يرخى لى ~~عنانى، أو يخلينى واختيارى، بعد اختلاطى بملكه، وانخراطى فى سلكه، وبعد ms672 أن ~~ناط حبه بقلبى نائط، وساطه بدمى سائط «2» . وهو جار مجرى الروح فى الأعضاء، ~~متنسم تنسم روح الهواء؛ إن ذهبت عنه رجعت إليه، وإن هربت منه وقعت عليه، ~~وما أحب السلو عنه مع هناته، وما أوثر الخلو منه مع ملاته؛ هذا على أنه إن ~~أقبل على بهتنى إقباله، وإن أعرض عنى لم يطرقنى خياله، يبعد عنى مثاله «3» ~~، ويقرب من غيرى نواله، ويرد عينى خاسئة، ويثنى يدى خالية، وقد بسط آفات ~~العيون المقاربة، وصدق مرامى الظنون الكاذبة، وصله ينذر بصده، وقربه يؤذن ~~ببعده، يدنى عند ما ينزح، ويأسو «4» مثل ما يجرح، محالته أحوال «5» ، وخلته ~~خلال، وحكمه سجال، الحسن فى عوارفه، والجمال من منائحه، والبهاء من أصوله ~~وصفاته، والسناء من نعوته وسماته، اسمه مطابق لمعناه، وفحواه موافق # PageV04P1065 # لنجواه، يتشابه حالاه، ويتضارع قطراه، من حيث تلقاه يستنير، ومن حيث ~~تنساه يستدير. ### | [هرب من الوباء] # وقع بالكوفة وباء، فخرج الناس وتفرقوا بالنجف، فكتب شريح إلى صديق له خرج ~~بخروج الناس: أما بعد، فإنك بالمكان الذى أنت فيه بعين من لا يعجزه هرب، ~~ولا يفوته طلب؛ وإن المكان الذى خلفت لا يعجل لأحد حمامه «1» ، ولا يظلمه ~~أيامه، وإنا وإياك لعلى بساط واحد، وإن النجف من ذى قدرة لقريب. # وهرب أعرابى ليلا على حمار حذارا من الطاعون، فبينما هو سائر إذ سمع ~~قائلا يقول: # لن يسبق الله على حمار ... ولا على ذى ميعة طيار # أو يأتى الحتف على مقدار ... قد يصبح الله أمام السارى «2» # فكر راجعا، وقال: إذا كان الله أمام السارى فلات حين مهرب. ### | [قتيل الحب] # قال الأصمعى: أخبرنى يونس بن حبيب قال: أتى قوم إلى ابن عباس بفتى محمول ~~ضعفا، فقالوا: استشف لهذا الغلام، فنظر إلى فتى حلو الوجه، عارى العظام؛ ~~فقال له: ما بك؟ فقال: # بنا من جوى الشوق المبرح لوعة ... تكاد لها نفس الشفيق تذوب «3» # ولكنما أبقى حشاشة ما نرى ... على ما به عود هناك صليب «4» # فقال ابن عباس: أرأيتم وجها أعتق، ولسانا أذلق، وعودا أصلب، وهوى أغلب، ~~مما رأيتم اليوم؟ هذا ms673 قتيل الحب، لا قود ولادية! # PageV04P1066 # وكان ابن عباس رضى الله عنهما حبر قريش وبحرها، وله يقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل. وفيه يقول حسان ابن ~~ثابت: # إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فصلا # شفى وكفى ما فى النفوس؛ فلم يدع ... لذى لسن فى القول جدا ولا هزلا # سموت إلى العليا بغير مشقة ... فنلت ذراها لا دنيا ولا وغلا ### | [مسلم بن الوليد صريع الغوانى] # وقال مسلم بن الوليد: # أعاود ما قدمته من رجائها ... إذا عاودت باليأس فيها المطامع # رأتنى غنى الطرف عنها فأعرضت ... وهل خفت إلا أن تشير الأصابع «1» # وما زينتها النفس لى عن لجاجة ... ولكن جرى فيها الهوى وهو طائع # فأقسمت أنسى الداعيات إلى الصبا ... وقد فاجأتها العين والستر واقع «2» # فغطت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدى الأسارى أثقلتها الجوامع «3» # وكان مسلم أنصاريا صريحا، وشاعرا فصيحا، ولقب صريعا أيضا لقوله: # سأنقاد للذات متبع الهوى ... لأمضى هما أو أصيب فتى مثلى # هل العيش إلا أن تروح مع الصبا ... صريع حميا الكأس والأعين النحل # واجتلب له هذا الاسم لأجل هذا البيت؛ وقد قال القطامى: # صريع غوان راقهن ورقنه ... لدن شب حتى شاب سود الذوائب # ومسلم أول من لطف البديع، وكسا المعانى حلل اللفظ الرفيع، وعليه يعول ~~الطائى، وعلى أبى نواس، ومن بديع شعره الذى امتثله الطائى قوله: # تساقط يمناه الندى وشماله الردى وعيون القول منطقه الفصل # PageV04P1067 # كأن نعم فى فيه تجرى مكانها ... سلافة ما مجت لأفراخها النحل # له هضبة تأوى إلى ظل برمك ... منوط بها الآمال، أطنابها السبل # عجول إلى أن يودع الحمد ماله ... يعد الندى غنما إذا اغتنم البخل «1» # وقد حرم الأعراض بالبيض والندى ... فأموالهم نهب وأعراضهم بسل «2» # حبا لا يطير الجهل فى عرصاتها ... إذا هى حلت لم يفت حلها ذحل «3» # بكب أبى العباس يستمطر الغنى ... وتستنزل النعمى ويسترعف النصل # متى شئت رفعت الستور عن الغنى ... وتستنزل النعمى ويسترعف النصل # متى شئت رفعت الستور عن الغنى ... إذا أنت زرت الفضل أو أذن ms674 الفضل # وقوله أيضا: # إذا كنت ذا نفس جواد ضميرها ... فليس يضر الجود أن كنت معدما # رآنى بعين الجود فانتهز الذى ... أردت فلم أفغر إليه به فما # ظلمتك إن لم أجزل الشكر بعد ما ... جعلت إلى شكرى نوالك سلما # فإنك لم يترك نداك ذخيرة ... لغيرك من شكرى ولا متلوما # وقال ليزيد بن مزيد: # موف على مهج فى يوم ذى رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل # ينال بالرفق ما يعيا الرجال به ... كالموت مستعجلا يأتى على مهل # لا يرحل الناس إلا نحو حجرته ... كالبيت يضحى إليه ملتقى السبل # يقرى المنية أرواح الكماة كما ... يقرى الضيوف شحوم الكوم والبزل «4» # يكسو السيوف رءوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذبل # قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه فى كل مرتحل # وهذا المعنى كثير. # PageV04P1068 ### | [من شعر أبى نواس] # قال عمرو الوراق: سمعت ابا نواس ينشد قصيدته: # أيها المنتاب عن عفره ... لست من ليلى ولا سمرة # لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره # فحسدته عليها، فلما بلغ إلى قوله: # وإذا مج القنا علقا ... وتراءى الموت فى صوره # راح فى ثنيى مفاضته ... أسد يدمى شبا ظفره # تتأيى الطير غزوته ... ثقة بالشبع من جزره # تحت ظل الرمح تتبعه ... فهى تتلوه على أثره # فقلت: ما تركت للنابغة شيئا حيث يقول: # إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدى بعصائب # جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب # فقال: اسكت، فلئن أحسن الاختراع، لما أسات الاتباع. # أخذه الطائى فقال: # وقد ظللت عقبان راياته ضحى ... بعقبان طير فى الدماء نواهل # أقامت على الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل ### | [وصف جيش] # وقال المتنبى يصف جيشا: # وذى لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناج، ولا الوحش المثار بسالم # تمر عليه الشمس وهى ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم # إذا ضوءها لا فى من الطير فرجة ... تدور فوق البيض مثل الدراهم # PageV04P1069 ### | [شعب بوان] # ونظير قول أبى الطيب فى هذا البيت وإن لم يكن فى ms675 معناه قوله يصف شعب ~~بوان، وسيأتى، وفى هذا الشعب يقول ابو العباس المبرد: كنت مع مع الحسين بن ~~رجاء بفارس؛ فخرجت إلى شعب بران، فنظرت إلى تربة كأنها الكافور، ورياض ~~كأنها الثوب الموشى، وماء ينحدر كأنه سلاسل الفضة، على حصباء كأنها حصى ~~الدر؛ فجعلت أطوف فى حنباتها، وأدور فى عرصاتها، فإذا فى بعض جدرانها ~~مكتوب: # إذا أشرف المكروب من رأس تلعة ... على شعب بوان أفاق من الكرب # وألهاه بطن كالحرير لطافة ... ومطرد يجرى من البارد العذب «1» # وطيب رياص فى بلاد مريعة ... وأغصان أشجار جناها على قرب «2» # يدير علينا الكاس من لو لحظته ... بعينك مالمت المحبين فى الحب # فبالله يا ريح الشمال تحملى ... إلى شعب بوان سلام فتى صب «3» # قال أبو العباس: فأخبرت سليمان بن وهب بما رأيت، فقال: وقد رأيت تحت هذه ~~الأبيات: # ليت شعرى عن الذين تركنا ... خلفنا بالعراق هل ذكرونا؟ # أم يكون المدى تطاول حتى ... قدم العهد بيننا فنسونا «4» # إن حفوا حرمة الصفاء فإنا ... لهم فى الهوى كما عهدونا # وشعر المتنبى: # مغانى الشعب طيبا فى المغانى ... بمنزلة الربيع من الزمان # ولكن الفتى العربى فيها ... غريب الوجه واليد واللسان # ملاعب جنة لو سار فيها ... سليمان لسار بترجمان # طبت فرساننا والخيل حتى ... خشيت وإن كرمن من الحران # PageV04P1070 # غدونا تنفض الأغصان فيه ... على أعرافها مثل الجمان # فجئت وقد حجبن الشمس عنى ... وجئن من الضياء بما كفانى # وألقى الشرق منها فى بنانى ... دنانيرا تفر من البنان # [ومنها: # يقول بشعب بوان حصانى ... أعن هذا يسار إلى الطعان؟ # أبوكم آدم سن المعاصى ... علمكم مفارقة الجنان] # إنما أردت هذا البيت. ومنها: # لها ثمر تشير إليك منه ... بأشربة وقفن بلا أوانى # ومواه يصل بها حصاها ... صليل الحلى فى أيدى الغوانى ### | [رجع إلى وصف الجيش] # وأول من ابتكر هذا المعنى الأول الأفوه الأودى فى قوله: # وأرى الطير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار «1» # وقال حميد بن ثور وذكر ذئبا: # إذا ما غدا يوما رأيت غيابة ... من الطير ينظرن الذى هو صانع «2» # فهم بأمر تم أزمع غيره ms676 ... وإن ضاق أمر مرة فهو واسع # وقال مسلم بن الوليد: # وإنى؟؟؟ لأستجيى القنوع ومذهبى ... فسيح وأقلى الشح إلا على عرضى # وما كان مثلى يعتريك رجاؤه ... ولكن أساءت نعمة من فتى محض # وإنى وإشرافى عليك بهمتى ... لكالمبتغى زبدا من الماء بالمخض # أخذه أبو عثمان الناجم فقال: # لم تحصل بمخضك الماء إلا ... زبدا حين رمت بالجهل زبدا # PageV04P1071 ### | [وصف وسفينة] # وقال مسلم أيضا يصف السفينة: # كشفت أهاويل الدجى عن مهوله ... بجارية محمولة حامل بكر # إذا أقبلت راعت بقنة قرهب ... وإن أدبرت راقت بقادمتى نسر «1» # أطلت بمجدافين يعتورانها ... وقومها كبح اللجام من الدبر # كأن الصبا تحكى بها حين واجهت ... نسيم الصبا مشى العروس إلى الخدر ### | [مما قيل فى وصف الأساطيل] # وقال أبو القاسم بن هانىء يصف أسطول المعز بالله: # أما والجوارى المنشآت التى سرت ... لقد ظاهرتها عدة وعديد # قباب كما ترخى القباب على المها ... ولكن من ضمت عليه أسود # [وما راع ملك الروم إلا اطلاعها ... تنشر أعلام لها وبنود] # ولله مما لا يرون كتائب ... مسومة يجرى بها وجنود # أطال لها أن الملائك خلفها ... فمن وقفت خلف الصفوف ردود «2» # وأن الرياح الذاريات كتائب ... وأن النجوم الطالعات سعود # عليها غمام مكفهر صبيره ... له بارقات جمة ورعود «3» # مواخر فى طامى العباب كأنها ... لعزمك بأس أو لكفك جود # أنافت بها آطامها وسما بها ... بناء على غير العراء مشيد # [من الطير إلا أنهن جوارح ... وليس لها إلا النفوس مصيد] # وليس بأعلى كبكب وهو شاهق ... وليس من الصفاح وهو صلود # من الراسيات الشم لولا انتقالها ... فمنها قنان شمخ وريود «4» # من القادحات النار تضرم للصلى ... فليس لها يوم اللقاء خمود # PageV04P1072 # إذا زفرت غيظا ترامت بمارج ... كما شب من نار الجحيم وقود # تعانق موج البحر حتى كأنه ... سليط له فيه الذبال عتيد «1» # ترى الماء فيها وهو قان خضابه ... كما باشرت ردع الخلوق جلود «2» # فأنفاسهن الحاميات صواعق ... وأفواههن الزافرات حديد # يشب لآل الجاثليق سعيرها ... وما هى من آل الطريد بعيد # لها شعل فوق الغمار كأنها ... دماء تلقيها ملاحف سود # وغير المذاكى نجرها غير ms677 أنها ... مسومة تحت الفوارس قود # فليس لها إلا الرياح أعنة ... وليس لها إلا العباب كديد «3» # ترى كل قوداء التليل كما انثنت ... سوالف غيد أعرضت وخدود «4» # رحيبة مد الباع وهى نضيجة ... بغير شوى عذراء وهى ولود # تكبرن عن نقع يثار كأنها ... موال وجرد الصافنات عبيد # لها من شفوف العبقرى ملابس ... مفوفة فيها النضار جسيد # كما اشتملت فوق الأرائك خرد ... أو التفعت فوق المنابر صيد # لبوس تكف الموج وهو غطامط ... وتدرأ بأس اليم وهو شديد # فمنه دروع فوقها وجواشن ... ومنها خفاتين لها وبرود # وقال على بن محمد الإيادى يصف أسطول القائم فأجاد ما أراد: # أعجب لأسطول الإمام محمد ... ولحسنه وزمانه المستغرب # لبست به الأمواج أحسن منظر ... يبدو لعين الناظر المتعجب # من كل مشرفة على ما قابلت ... إشراف صدر الأجدل المتنصب # دهماء قد لبست ثياب تصنع ... تسبى العقول على ثياب ترهب # PageV04P1073 # من كل أبيض فى الهواء منشر ... منها وأسحم فى الخليج مغيب «1» # كملاءة فى البر يقطع شدها ... فى البحر أنفاس الرياح الشذب # محفوفة بمجاذف مصفوفة ... فى جانبين دوين صلب صلب # كقوادم النسر المرفرف عريت ... من كاسيات رياشه المتهدب # تحتثها أيدى الرجال إذا ونت ... بمصعد منه بعيد مصوب «2» # خرقاء تذهب إن يد لم تهدها ... فى كل أوب للرياح ومذهب # جوفاء تحمل موكبا فى جوفها ... يوم الرهان وتستقل بموكب # ولها جناح يستعار يطيرها ... طوع الرياح وراحة المتطرب # يعلو بها حدب العباب مطارة ... فى كل لج زاخر مغلولب # تسمو بأجرد فى الهواء متوج ... عريان منسوج الذؤابة شوذب «3» # يتنزل الملاح منه ذؤابة ... لو رام يركبها القطا لم يركب # فكأنما رام استراقة مقعد ... للسمع إلا أنه لم يشهب «4» # وكأنما جن ابن داود هم ... ركبوا جوانبها بأعنف مركب # سجروا جواحم نارها فتقاذفوا ... منها بألسن مارج متلهب # من كل مسجور الحريق إذا انترى؟؟؟ ... من سجنه انصلت انصلات الكوكب # عريان يفدمه الدخان كأنه ... صبح يكر على الظلام الغيهب # ولواحق مثل الأهلة جنح ... لحق المطالب فائتات المهرب # يذهبن فيما بينهن لطافة ... ويجئن فعل الطائر المتغلب # كنضائض الحيات رحن لواعبا ... حتى يقعن ببرك ms678 ماء الميزب # شرعوا جوانبها مجادف أتعبت ... شأو الرياح لها ولما تتعب # PageV04P1074 # تنصاع من كثب كما نفر القطا ... طورا، وتجتمع اجتماع الربرب «1» # والبحر يجمع بينها فكأنه ... ليل يقرب عقربا من عقرب # وعلى كواكبها أسود خلافة ... تختال فى عدد السلاح المذهب # فكأنما البحر استعار بزيهم ... ثوب الجمال من الربيع المعجب ### | [من لطائف التودد] # كتب العباس «2» بن جرير إلى الفضل بن يحيى: # لا أعلم منزلة توحشنى من الأمير ولا توحشه منى؛ لأننى فى المودة له ~~كنفسه، وفى الطاعة كيده، وإنما ألطفه من فضله، وقد بعثت بعض ما ظننت أنه ~~يحتاج إليه فى سفره. وذكر ما بعث. # وكتب غيره فى هذا المعنى: إذا كان اللطف دليل محبة، وميسم قربة، كفى ~~قليله عن كثيره، وناب يسيره عن خطيره، لا سيما إذا كان لمقصود به ذا همة لا ~~يستعظم نفيسا، ولا يستصغر خسسا؛ وقد حزت من هذه الصفة أجل فضائلها، وأرفع ~~منازلها. # وفى هذا المعنى: إن يد الأنس طويلة بكل ما بلغت، منبسطة بكل ما أدركت، من ~~حيث يد الحشمة قصيرة عن كل ما حوت، مقبوضة دون ما أملت؛ لأن باب القول مطلق ~~لذوى الخصوص «3» ، محظور عند ذوى الهموم، ولتمكن ما بيننا عاطيتك من لطفى ~~مالا دونه قلة، ثقة منك بأنه يرد على ما لا فوقه كثرة. # PageV04P1075 ### | ومن ألفاظ أهل العصر فى إقامة رسم الهدية فى المهرجان والنيروز # لمثل هذا اليوم الجديد والأوان السعيد سنة، وعلى مثلى فيها أن يتحف ~~ويلطف، وعلى مثل سيدنا، ولا مثل له، أن يقبل ويشرف. لليوم رسم إن أخل به ~~الأولياء عد هفوة، وإن منع منه الرؤساء حسب جفوة، ومولاى يسوغنى الدالة ~~فيما اقترن بالرقعة، ويكسبنى بذلك الشرف والرفعة. الهدايا تكون من الرؤساء ~~مكاثرة بالفضل، ومن النظراء مقارضة بالمثل، ومن الأولياء ملاطفة بالقل «1» ~~، وقد سلكت فى هذا اليوم مع مولاى سبيل أهل طبقته من الأرباب، وقد حملت إلى ~~مولاى هدية [الملاطف، لا هدية] المحتفل، والنفس له، والمال منه. ### | ولهم فى التهنئة بالنيروز والمهرجان وفصل الربيع # هذا اليوم غرة فى أيام الدهر، ms679 وتاج على مفرق العصر. أسعد الله مولانا ~~بنوروزه الوارد عليه، وأعاده ماشاء وكيف شاء إليه. أسعد الله تعالى سيدنا ~~بالنوروز الطالع عليه ببركاته، وأيمن طائره فى جميع أيامه ومتصرفاته؛ ولا ~~يزال يلبس الأيام ويبليها وهو جديد، ويقطع مسافة نحسها وسعدها وهو سعيد. ~~أقبل النيروز إلى سيدنا ناشرا حلله التى استعارها من شيمته، ومبديا حالته ~~«2» التى اتخذها من سجيته، ومستصحبا من أنواره ما اكتساه من محاسن فضله ~~وإكرامه، ومن أنظاره ما اقتبسه من جوده وإنعامه. ويوكد الوعد بطول بقائه ~~حتى يمل العمر، ويستغرق الدهر. سيدنا هو الربيع الذى لا يذبل شجره، [ولا ~~يزول سحره] ولا ينقطع ثمره، ولا يقلع غمامه، ولا تتبدل أيامه؛ فأسعده الله ~~تعالى بهذا # PageV04P1076 # الربيع المتشبه بأخلاقه، وإن لم ينل قدرها، ولم يحمل فضلها، ولم يجد بدا ~~من الإقرار بها. سيدنا هو الربيع الدى يتصل مطره، من حيث يؤمن ضرره، ويدوم ~~زهره، من حيث يتعجل ثمره؛ فلا زال آمرا ناهيا، قاهرا عاليا، تتهيأ الأعياد ~~بمصادفة سلطانه، وتستفيد المحاسن من رياض إحسانه. أسعد الله سيدنا بهذا ~~النوروز الحاضر، الجديد الناضر، سعادة تستمر له فى جميع أيامه على العموم ~~دون الخصوص، لتكون متشابهات [فى اكتناف] المواهب لها، واتصال المسار فيها، ~~لا يفرق إلا بمقدار يزيد التالى على الخالى، ويدرج الآنى على الماضى. عرف ~~الله سيدنا بركة هذا المهرجان، وأسعده فيه، وفى كل زمان وأوان، وأبقاه ما ~~شاء فى ظلال الأمانى والأمان. هذا اليوم من محاسن الدهر المشهورة، وفضائل ~~الأزمنة المذكورة، فلقى الله تعالى سيدنا بركة وروده، وأجزل حظه من أقسام ~~سعوده، هذا اليوم من غرر الدهور، ومواسم السرور، معظم فى الملك الفارسى، ~~مستظرف فى الملك العربى؛ فوفر الله تعالى فيه على مولاى السعادات، وعرفه فى ~~أيامه البركات، على الساعات واللحظات ### | [الصفات التى تلرم فى رجل الشرطة] # وقال الحجاج بن يوسف: دلونى على رجل للشرطة، فقيل: أى رجل تريد؟ فقال: ~~أريد رجلا دائم العبوس، طويل الجلوس، سمين الأمانة، أعجف الخيانة «1» ، ~~يهون عليه سبال الشريف فى الشفاعة «2» ! فقالوا: عليك بعبد الرحمن [بن ms680 عبد ~~الله] التميمى، فأرسل إليه يستعمله، فقال: لست أعمل لك عملا إلا أن تكفينى ~~ولدك، وأهل بيتك، وعيالك وحاشيتك، فقال: يا غلام ناد: من طلب إليه حاجة ~~منهم فقد برئت منه الذمة. # PageV04P1077 # وقال أشجع بن عمرو السلمى يمدح فى هذا المعنى إبراهيم بن عثمان بن نهيك ~~صاحب شرطة الرشيد، وكان جبارا عنيدا: # فى سيف إبراهيم خوف واقع ... بدوى النفاق، وفيه أمن المسلم # ويبيت بكلأ والعيون هواجع ... مال المصيع ومهجة المستسلم # شد الخطام بأنف كل مخالف ... حتى استقام له الذى لم يخطم # لا يصلح السلطان إلا شدة ... تغشى البرى بفضل ذنب المجرم # ومن الولاة مفخم لا يتقى ... والسيف تقطر شفرتاه من الدم «1» # منعت مهابتك النفوس حديثها ... بالأمر تكرهه وإن لم تعلم ### | [من كلام الأعراب] # عذلت أعرابية أباها فى الجود وإتلاف ماله، فقالت: حبس المال، أنفع ~~للعيال، من بذل الوجه فى السؤال؛ فقد قل النوال، وكثر البخال، وقد أتلفت ~~الطارف والتلاد، وبقيت تطلب ما فى أيدى العباد ومن لم يحفظ ما ينفعه، أوشك ~~أن يسعى فيما يضره. # قال الأصمعى: سمعت أعرابية تقول: اللهم ارزقنى عمل الخائفين، وخوف ~~العاملين، حتى أتنعم بترك التنعم، رجاء لما وعدت، وخوفا مما أوعدت. # وقال آخر: اللهم من أراد بنا سوءا فأحطه به كإحاطة القلائد، بأعناق ~~الولائد، وأرسخه على هامته، كرسوخ السجيل، على هام أصحاب الفيل وقال بعض ~~الأعراب: نالنا وسمى، وخلفه ولى «2» ؛ فالأرض كأنها وشى [عبقرى] ؛ ثم أتتنا ~~غيوم جراد، بمناجل حداد؛ فخربت البلاد، وأهلكت العباد؛ فسبحان من يهلك ~~القوى الأكول. بالضعيف المأكول. # PageV04P1078 ### | [مع الولاة والخلفاء] # وقال عمارة بن حمزة لأبى العباس السفاح- وقد أمر له بجوائز نفيسة، وكسوة ~~وصلة، وأدنى مجلسه-: وصلك الله يا أمير المؤمنين وبرك، فوالله لئن أردنا ~~شكرك على كنه صلتك، فإن الشكر ليقصر عن نعمتك، كما قصرنا عن منزلتك، غير أن ~~الله تعالى جعل لك فضلا علينا بالتقصير منا، ولم تحرمنا الزيادة منك لنقص ~~شكرنا. # وقال أبو العباس السفاح لخالد بن صفوان: كيف علمك بأخوالى بنى الحارث ابن ~~كعب؟ قال: يا أمير المؤمنين، ms681 هم هامة الشرف، وعرنين الكرم، وفيهم خصال ليست ~~فى غيرهم من قومهم، هم أحسبهم أمما، وأكرمهم شيما، وأهناهم طعما، وأوفاهم ~~ذمما، وأبعدهم همما، هم الجمرة فى الحرب، والرأس فى كل خطب، وغيرهم بمنزلة ~~العجب «1» . # وعزى خالد بن صفوان عمر بن عبد العزيز وهنأه بالخلافة، فقال: الحمد لله ~~الذى من على الخلق بك، والحمد لله الذى جعل نبوتكم رحمة، وخلافتكم عصمة، ~~ومصائبكم أسوة، وجعلكم قدوة. # وقال خالد بن صفوان لبعض الولاة: قدمت وأعطيت كلا بقسطه من نظرك ومجلسك، ~~فى صوتك وعدلك، حتى كأنك من كل أحد، وحتى كأنك لست من أحد. # وقال رجل لخالد: إن أباك كان دميما، «2» ولكنه كان حليما، وإن أمك كانت ~~حسناء، ولكنها كانت رعناء، فيا جامع شر أبويه! ### | شذور فى المقابح ومساوى الأخلاق # على بن عبيدة الريحانى- أدنس شعار المرء جهله. # PageV04P1079 # ابن المعتز- نعم الجاهل، كالرياض فى المزابل. كلما حسنت نعمة الجاهل ~~ازداد فيها قبحا. لسان الجاهل مفتاح حتفه. لا ترى الجاهل إلا مفرطا أو ~~مفرطا. # الجاحظ- البخل والجبن غريزة واحدة، يجمعهما سوء الظن بالله. البخل يهدم ~~مبانى الشرف. # وقال ابن المعتر: لما عرف أهل النقص حالهم عند ذوى الكمال، استعانوا ~~بالكبر ليعظم صغيرا، ويرفع حقيرا، وليس ينفع الطمع فى وثاق الذل. # الغضب يصدئ العقل حتى لا يرى صاحبه صورة حسن فيرتكبه، ولا صورة قبيح ~~فيجتنبه. الغضب ينبىء عن كامن الحقد. من أطاع غضبه أضاع أدبه. # حدة الغضب تعثر المنطق «1» ، وتقطع مادة الحجة، وتفرق الفهم «2» . غضب ~~الجاهل فى قوله، وغضب العاقل فى فعله. عقوبة الغضب تبدأ بالغضبان: تقبح ~~صورته، وتثلم دينه، وتعجل ندمه. ما أقبح الاستطالة «3» عند الغنى، والخضوع ~~عند الفقر. من يهتك ستر غيره تكشفت عورات بيته. نفاق المرء من ذلة الشرير ~~لا يظن بالناس خيرا لأنه يراهم بعين طبعه. من عدد نعمه محق كرمه. # خلف الوعد خلق الوغد، من أسرع كثر عثاره. ### | [من المفاخرات] # فاخر كاتب نديما، فقال الكاتب: أنا معونة، وأنت مؤنة؛ وأنا للجد، وأنت ~~للهزل؛ وأنا للشدة وأنت للذة؛ وأنا للحرب، وأنت للسلم. فقال النديم: # أنا ms682 للنعمة، وأنت للخدمة؛ وأنا للحضرة، وأنت للمهنة؛ تقوم وأنا جالس، ~~وتحتشم وأنا مؤانس؛ تدأب لراحتى، وتشقى لسعادتى؛ فأنا شريك، وأنت معين، كما ~~أنك تابع، وأنا قرين. # PageV04P1080 # وفاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب القلم: أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل ~~على خطر. فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف إن تم مراده، وإلا فإلى السيف ~~معاده. # قال أبو تمام: # السيف أصدق أنباء من الكتب ... فى حده الحد بين الجد واللعب # إبراهيم بن المهدى: # فقد تلين ببعض القول تبذله ... والوصل فى جبل صعب مراقيه # كالخيزران منيع حين تكسره ... وقد يرى لينا فى كف لاويه # أبو الهيدام «1» عامر بن عمارة المرى يرثى: # سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا ... فإن بها ما أدرك الواتر الوترا # ولسنا كمن يبكى أخاه بعبرة ... يعصرها من ماء مقلته عصرا # ولكننى أشفى فؤادى بغمرة ... وألهب فى قطرى جوانبه جمرا # وإنا أناس ما تفيض دموعنا ... على هالك منا وإن قصم الظهرا ### | [من وصايا الحكماء] # لقى رجل حكيما فقال: كيف ترى الدهر؟ قال: يخلق الأبدان، ويجدد الآمال، ~~ويقرب المنية، ويباعد الأمنية. قال: فما حال أهله؟ قال: من ظفر به منهم ~~تعب، ومن فاته نصب. قال: فما الغنى عنه؟ قال: قطع الرجاء منه، قال: فأى ~~الأصحاب أبر وأوفى؟ قال: العمل الصالح والتقوى. قال: أيهم أضر وأردى «2» ؟ ~~قال: النفس والهوى، قال: فأين المخرج؟ قال: سلوك المنهج. قال: # وما هو؟ قال: بذل المجهود، وترك الراحة، ومداومة الفكرة. قال: أوصنى. # قال: قد فعلت. # PageV04P1081 # وقال بعض الملوك لحكيم من حكمائه: عظنى بعظة تنفى عنى الخيلاء «1» ، ~~وتزهدنى فى الدنيا. قال: فكر فى خلقك، واذكر مبدأك ومصيرك، فإذا فعلت ذلك ~~صغرت عندك نفسك، وعظم بصغرها عندك عقلك؛ فإن العقل أنفعها لك عظما، والنفس ~~أزينهما لك صغرا؛ قال الملك: فإن كان شىء يعين على الأخلاق المحمودة فصفتك ~~هذه. قال: صفتى دليل، وفهمك محجة، والعلم علية «2» ، والعمل مطية، والإخلاص ~~زمامها، فخذ لعقلك بما يزينه من العلم، وللعلم بما يصونه من العمل، وللعمل ~~بما يحققه من الإخلاص، وأنت أنت! قال: صدقت. ### | [من المدح] ms683 # وقال ابن الرومى: # تغنون عن كل تقريظ بمجدكم ... غنى الظباء عن التكحيل بالكحل # تلوح فى دول الأيام دولتكم ... كأنها ملة الإسلام فى الملل # وقال أيضا: # كل الخصال التى فيكم محاسنكم ... تشابهت منكم الأخلاق والخلق # كأنكم شجر الأترج طاب معا ... حملا ونورا، وطاب العود والورق # وقال البستى [فى نحو هذا] : # فتى جمع العلياء علما وعفة ... وبأسا وجودا لا يفيق فواقا # كما جمع التفاح حسنا ونضرة ... ورائحة محبوبة ومذاقا # قال أبو العباس المبرد: حدثنى عجل بن أبى دلف قال: امتدح رجل أبى بكلمة، ~~فوصله بخمسمائة دينار ولم يره، وهى: # PageV04P1082 # ما لى وما لك قد كلفتنى شططا ... حمل السلاح وقول الدارعين قف # أمن رجال المنايا خلتنى رجلا ... أمسى وأصبح مشتاقا إلى التلف # أرى المنايا على غيرى فأكرهها ... فكيف أمشى إليها بارز الكتف # أخلت أن سواد الليل غيرنى ... وأن قلبى فى جنبى أبى دلف # قلت: هذا كحديث الذى دخل فى قوم على شراب فسقوه غير الشراب الذى يشربون، ~~فقال: # نبيذان فى مجلس واحد ... لإيثار مثر على مقتر # فلو كنت تفعل فعل الكرام ... فعلت كفعل أبى البخترى # تتبع إخوانه فى البلاد ... فأغنى المقل عن المكثر # فاتصل شعره بأبى البخترى فأعطاه ألف دينار ولم يره. ### | [أحمد بن أبى فنن] # والأبيات التى مدح بها أبو دلف هى لأحمد بن أبى فنن «1» ، وكان شاعرا ~~مجيدا، وهو القائل: # ولما أبت عيناى أن تملك البكى ... وأن تحبسا سح الدموع السواكب «2» # تثاءبت كى لا ينكر الدمع منكر ... ولكن قليلا ما بقاء التثاؤب «3» # أعرضتمانى للهوى ونممتما ... على؟ لبئس الصاحبان لصاحب # وقال: # وحياة هجرك غير معتمد ... إلا لقصد الحنث فى الحلف # ما أنت أملح من رأيت ولا ... كلفى بحبك منتهى كلفى # PageV04P1083 # قال الصولى: كنا بحضرة أبى العباس المبرد فأنشد هذين البيتين فاستظرفهما ~~وأنشدنا فى ذلك: # وحياة غيرك غير معتمد به ... حنثا ولكن معظما لحياتكا «1» # ما ينقضى طمعى وإن أطمعتنى ... فى الوعد منك إلى اقتضاء عداتكا «2» # وقال الخثعمى: # ولم أر مثل الصد أدعى إلى الهوى ... إذا كان ممن لا يخاف على وصل # وآلت يمينا ms684 كالزجاج رقيقة ... وما حلفت إلا لتحنث من أجلى # وكان أحمد بن أبى فنن أسود، ولذلك قال: # أخلت أن سواد الليل غيرنى # ولما أدخل على المعتز وامتدحه قال: هذا الشاعر الآدم «3» ، قال بعض من ~~حضر: # لا يضره سواده مع بياض أياديك عنده، قال: أجل، ووصله. # أخذ قوله: # أرى المنايا على غيرى فأكرهها # من قول أعرابى قيل له: ألا تغزو؟ قال: أنا والله أكره الموت على فراشى، ~~فكيف أمشى إليه ركضا؟ ### | [الاستطراد] # وهذا المذهب الذى سلكه أحمد ضرب من البديع يسمى الاستطراد، وذلك أن ~~الفارس يظهر أنه يستطرد لشىء ويبطن غيره، فيكر عليه، وكذلك هذا # PageV04P1084 # الشاعر يظهر أنه يذهب لمعنى فيعن له آخر فيأتى به، كأنه على غير قصد، ~~وعليه بناه، وإليه كان معزاه «1» ، وقد أكثر المحدثون منه فأحسنوا فى ذلك. # قال الأصمعى: كنت عند الرشيد فدخل عليه إسحاق بن إبراهيم الموصلى فقال: ~~أنشدنى من شعرك، فأنشده: # وآمرة بالبخل قلت لها: اقصرى ... فليس إلى ما تأمرين سبيل # أرى الناس خلان الجواد، ولا أرى ... بخيلا له فى العالمين خليل # ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئا أن يكون منيل # فعالى فعال المكثرين تجملا ... ومالى كما قد تعلمين قليل # وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأى أمير المؤمنين جميل # فقال الرشيد: يا فضل؛ أعطه عشرين ألف درهم. ثم قال: لله أبيات تأتينا بها ~~يا إسحاق ما أتقن أصولها، وأبين فصولها. وأقل فضولها! فقال: والله يا أمير ~~المؤمنين؛ لا قبلت منها درهما واحدا. قال: ولم؟ قال: لأن كلامك، والله، خير ~~من شعرى. فقال: يا فضل؛ ادفع إليه أربعين ألفا. قال الأصمى: فعلمت أنه أصيد ~~لدراهم الملوك منى. # ومن ذلك «2» قول أبى تمام يصف فرسا: # وسابح هطل التعداء هتان ... على الجراء أمين عير خوان # أظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمه ... فخل عينيك فى ريان ظمآن # فلو تراه مشيحا والحصى زيم ... بين السنابك من مثنى ووحدان # أيقنت- إن لم تثبت- أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان # وقد احتذى البحترى هذا الحذو فى حمدويه الأحول، وكان ms685 حمدويه هذا عدوا ~~للممدوح، فقال: # PageV04P1085 # وأغر فى الزمن البهيم محجل ... قد رحت منه على أغر محجل # كالهيكل المبنى إلا أنه ... فى الحسن جاء كصورة فى هيكل # ملك العيون؛ فإن بدا أعطينه ... نظر المحب إلى الحبيب المقبل # ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوما خلائق حمدويه الأحول # وفى قصيدته هذه يحكى أن البحترى قال له أصحابه: إنك ستعاب بهذا البيت؛ ~~لأنك سرقته من أبى تمام، قال: أعاب من أخذى من أبى «1» تمام؟! والله ما قلت ~~شعرا قط إلا بعد أن أحضرت شعره فى فكرى، قال: وأسقط البيت بعد، فلا يوجد فى ~~أكثر النسخ. ### | [سبق المتقدمين إلى الاستطراد] # وهذا معنى قد أعجب المحدثين، وتخيلوا أنهم لم يسبقوا إليه، وقد تقدم لمن ~~قبلهم، قال الفرزدق: # كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع ... إذا جلسوا أفواه بكر بن وائل # قال الحاتمى: وأنى جرير بهذا النوع فحثا «2» فى وجه السابق إلى هذا ~~المعنى فضلا عمن تلاه؛ فإنه استطرد فى بيت واحد، فهجا فيه ثلاثة، فقال: # لما وضعت على الفرزدق ميسمى ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل # وقيل هذا البيت مما يرد على الحاتمى، وهو قوله: # أعددت للشعراء كأسا مرة ... فسقيت آخرهم بكأس الأول # قال أبو إسحاق: وأول من ابتكره السموءل بن عادياء اليهودى، وكل أحد تابع ~~له فقال: # وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول # يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول # PageV04P1086 # وقد قال طرفة فى هذا المعنى: # فلو شاء ربى كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربى كنت عمرو بن مرثد # فأصبحت ذا مال كثير، وعادنى ... بنون كرام سادة لمسود # قيس بن خالد: ذو الجدين الشيبانى. وعمرو بن مرثد: سيد بنى قيس بن ثعلبة، ~~فدعا [عمرو] طرفة لما بلغه ذلك، فقال: أما البنون فإن الله يعطيك، ولكن لا ~~تريم حتى تكون من أوسطنا حالا؛ وأمر بنيه وكانوا عشرة، فدفع إليه كل واحد ~~منهم عشرا من الإبل؛ فانصرف بمائة ناقة. # وكان ابن عبدل منقطعا إلى عبد الله بن بشر بن مروان «1» ، فتأخر ms686 عنه بره، ~~وغاب أياما، ثم أتاه فسأله عن غيبته، فقال: خطبت ابنة عم لى بالسواد، فزعمت ~~أن لها ديونا وأسلافا «2» هناك، وأنى إذا جمعتها لها صارت إلى محبتى، ففعلت ~~ذلك، فلما استنجزتها كتبت إلى: # سيخطئك الذى أملت منى ... إذا انتقضت عليك قوى حبالى # كما أخطاك معروف ابن بشر ... وكنت تعد ذلك رأس مال «3» # فقال: ما أحسن ما ألطفت بالسؤال! وأجزل صلته. # ومن بديع هذا الباب قول بشار بن برد: # خليلى من كعب أعينا أخاكما ... على دهره؛ إن الكريم معين # ولا تبخلا بخل ابن قزعة؛ إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين # إذا جئته فى حاجة سد بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين # فقل لأبى يحيى متى تبلغ العلا ... وفى كل معروف عليك يمين # وقال بكر بن النطاح يمدح مالك بن طوق: # PageV04P1087 # عرضت عليها ما أرادت من المنى ... لترضى فقالت: قم فجئنى بكوكب # فقلت لها: هذا التعنت كله ... كمن يشتهى لحم عنقاء مغرب # سلى كل أمر يستقيم طلابه ... ولا تذهبى يا در فى كل مذهب # فأقسم لو أصبحت فى عز مالك ... وقدرته ما رام ذلك مطلبى # فتى شقيت أمواله بسماحه ... كما شقيت قيس بأرماح ثعلب # واعتذر رجل إلى رجل بحضرة عبد الأعلى بن عبد الله فلم يقبل عذره، فقال ~~عبد الأعلى: أما والله لئن كان احتمل إثم الكذب ودنامته، وخضوع الاعتذار ~~وذلته، فعاقبته على الذنب الذاهب، ولم تشكر له إنابة التائب، إنك لمن يسىء ~~ولا يحسن. # وقال الحطيئة: # يسوسون أحلاما بعيدا أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد # أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذى سدوا # أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن وعدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا # وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا «1» # وإن قال مولاهم على جل حادث ... من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا # ويعذلنى أبناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالذى علمت سعد «2» ### | [شاعر باهلى فى حضرة الرشيد] # ووصل سعيد بن سلم إلى الرشيد شاعرا باهليا، فأنشده قصيدة حسنة، فاسترابه ms687 ~~الرشيد، وقال: أسمعك مستحسنا، وأنكرك متهما «3» ؛ فإن كنت صاحب هذا الشعر ~~فقل فى هذين، وأشار إلى الأمين والمأمون وكانا جالسين. # PageV04P1088 # فقال: يا أمير المؤمنين، حملتنى على غير الجدد: هيبة الخلافة، ووحشة ~~الغربة، وروعة المفاجأة، وجلالة المقام، وصعوبة البديهة، وشرود القوافى، ~~على غير الروية، فليمهلنى أمير المؤمنين حتى يتألف نافر القول. # فقال الرشيد: لا عليك ألا تقول؛ قد جعلت اعتذارك عوض امتحانك. # فقال: يا أمير المؤمنين؛ نفست الخناق، وسهلت ميدان السباق، ثم قال: # بنيت بعبد الله بعد محمد ... ذرى قبة الإسلام فاخضر عودها # هما طنباها بارك الله فيهما ... وأنت- أمير المؤمنين- عمودها # فقال الرشيد: وأنت بارك الله فيك، سل ولا تكن مسألتك دون إحسانك فقال: ~~الهنيدة يا أمير المؤمنين «1» ! فأمر له بها، وبخلع نفيسة، وصلة جزيلة. ### | [كاتب الحجاج عند سليمان بن عبد الملك] # دخل يزيد بن أبى مسلم كاتب الحجاج على سليمان بن عبد الملك، فازدراه ونبت ~~عينه عنه، فقال: ما رأت عينى كاليوم قط، لعن الله امرأ أجرك رسنه، وحكمك فى ~~أمره. فقال: يا أمير المؤمنين، لا تقل ذلك؛ فإنك رأيتنى والأمر عنى مدبر، ~~وعليك مقبل؛ فلو رأيتنى والأمر على مقبل، وعنك مدبر، لاستعظمت منى ما ~~استصغرت، واستكبرت ما استقللت. # قال: عزمت عليك يابن أبى مسلم لتخبرنى عن الحجاج، أتراه يهوى فى جهنم أم ~~قد قر بها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لا تقل هذا فى الحجاج، وقد بذل لكم ~~النصيحة، وأمن دولتكم، وأخاف عدوكم، وكأنى به يوم القيامة وهو عن يمين ~~أبيك، ويسار أخيك، فاجعله حيث شئت. # فقال له سليمان: اعزب «2» إلى لعنة الله! فخرج، فالتفت سليمان إلى جلسائه # PageV04P1089 # فقال: قاتله الله! ما أحسن بديهته، وترفيعه لنفسه ولصاحبه! وقد أحسن ~~المكافأة فى الصنيعة، خلوا عنه. ### | [من أدب إبراهيم بن العباس الموصلى] # قال إبراهيم بن العباس الموصلى: والله ما اتكلت فى مكاتبة قط إلا على ما ~~يجلبه خاطرى، ويجيش به صدرى، إلا قولى فى فصل: وصار ما كان يحرزهم يبرزهم، ~~وما كان يعقلهم يعتقلهم. وقولى فى رسالة أخرى: «فأنزلوه من معقل إلى عقال، ms688 ~~وبدلوه آجالا بآمال» ، فإنى ألممت فى هذا بقول الصريع «1» : # موف على مهج فى يوم ذى رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل # وفى المعنى الأول يقول أبو تمام: # فإن يبن حيطانا عليه فإنما ... أولئك عقالاته لا معاقله # وكان يقول: ما تمنيت كلام أحد أن يكون لى إلا قول عبد الحميد بن يحيى: # الناس أصناف متباينون، وأطوار متفاوتون، منهم علق مضنة لا يباع، وغل مظنة ~~لا يبتاع. # ورد كتاب بعض الكتاب إلى إبراهيم بن العباس بذم رجل ومدح آخر؛ فوقع فى ~~كتابه: إذا كان للمحسن من الجزاء ما يقنعه، وللمسىء من النكال ما يقمعه، ~~بذل المحسن الواجب عليه رغبة، وانقاد المسىء للحق رهبة. فوثب الناس يقبلون ~~يده. # ووقع لرجل مت إليه بحرمة: تقدمت بحرمة مألوفة، ووسيلة معروفة، أقوم ~~بواجبها، وأرعاها من جميع جوانبها. # وإبراهيم بن العباس هو القائل: # لنا إبل كوم يضبق بها الفضا ... وتغبر منها أرضها وسماؤها # PageV04P1090 # فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن يستذم دماؤها «1» # حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأيسر خطب يوم حق فناؤها # وقال الصولى: وجدت بخط عبد الله بن أبى سعيد إبراهيم بن العباس أنشده ~~لنفسه: # وعلمتنى كيف الهوى وجهلته ... وعلمكم صبرى على ظلمكم ظلمى # وأعلم مالى عندكم فيردنى ... هواى إلى جهلى فأرجع عن علمى # فقلت: أسبقك إلى هذا أحد؟ فقال: العباس بن الأحنف بقوله: # تجنب يرتاد السلو فلم يجد ... له عنك فى الأرض العريضة مذهبا # فعاد إلى أن راجع الوصل صاغرا ... وعاد إلى ما تشتهين وأعتبا «2» # قال الصولى: وأظن أن ابن أبى سعيد غلط فى هذه الرواية؛ لأن الأشبه بقول ~~ابن العباس: «فعاد إلى أن راجع الوصل صاغرا» قوله: # كم قد تجرعت من غيظ ومن حزن ... إذا تجدد حزن هون الماضى # وكم سخطت وما باليتم سخطى ... حتى رجعت بقلب ساخط راضى # وأنشد له: # لمن لا أرى أعرضت عن كل من أرى ... وصرت على قلبى رقيبا لقاتله # أدافعه عن سلوة وأرده ... حياء إلى أوصابه وبلابله # وقال فى هذا النحو: # وأنت هوى النفس من بينهم ... وأنت الحبيب ms689 وأنت المطاع # وما بك إن بعدوا وحدة ... ولا معهم إن بعدت اجتماع # وقال الطائى: # إذا جئت لم أحزن لبعد مفارق ... وإن غبت لم أفرح بقرب مقيم # PageV04P1091 # فيا ليتنى أفديك من غربة النوى ... بكل أخ لى واصل وحميم # وأصل هذا من قول مالك بن مسمع للأحنف بن قيس: «ما أشتاق للغائب إذا حضرت، ~~ولا أنتفع بالحاضر إذا غبت» . # وقال إبراهيم بن العباس: # تدانت بقوم عن تناء زيارة ... وشط بليلى عن دنو مزارها «1» # وإن مقيمات بمنعرج اللوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها # وليلى كمثل النار ينفع ضوءها ... بعيدا نأى عنها ويحرق جارها # كأنه نظر إلى قول النظار الفقعسى: # يقولون هذى أم عمرو قريبة ... دنت بك أرض نحوها وسماء # ألا إنما بعد الخليل وقربه ... إذا هو لم يوصل إليه سواء # وقوله: «وليلى كمثل النار» كقول العباس بن الأحنف: # أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا # صرت كأنى ذبالة نصبت ... تضئ للناس وهى تحترق # وقال إبراهيم بن العباس: # أميل مع الصديق على ابن عمى ... وآخذ للصديق من الشقيق # وإن ألفيتنى حرا مطاعا ... فإنك واجدى عبد الصديق # أفرق بين معروفى ومنى ... وأجمع بين مالى والحقوق ### | [رثاء مصلوب] # قال العقيلى يرثى صديقا له أخذ فى خربة «2» فقتل وصلب: # لعمرى لئن أصبحت فوق مشدب ... طويل تعفيك الرياح مع القظر # PageV04P1092 # لقد عشت مبسوط اليدين مرزأ ... وعوفيت عند الموت من ضغطة القبر # وأفلت من ضيق التراب وغمه ... ولم تفقد الدنيا؛ فهل لك من شكر # فما تشتفى عيناى من دائم البكى ... عليك، ولو أنى بكيت إلى الحشر # فطوبى لمن يبكى أخاه مجاهرا ... ولكننى أبكى لفقدك فى ستر ### | [كلام لا يحتمل الجواب] # وكتب محمد بن كثير إلى هارون الرشيد: # يا أمير المؤمنين؛ لولا حظ كرم الفعل فى مطالع السؤال، لألهى المطل قلوب ~~الشاكرين، ولصرف عيون الناظرين إلى حسن المحبة، فأى الحالين يبعد قولك عن ~~مجاز فعلك؟ # فقال هارون الرشيد: هذا الكلام لا يحتمل الجواب؛ إذ كان الإقرار به يمنع ~~من الاحتجاج عليه. ### | [تعجيل الإحسان] # وقال يحيى بن أكثم ms690 للمأمون يذكر حاجة له قد وعده بقضائها، واغفل ذلك: # أنت يا أمير المؤمنين أكرم من أن نعرض لك بالاستنجاز، ونقابلك بالادكار، ~~وأنت شاهدى على وعدك، وأن تأمر بشىء لم تتقدم أيامه، ولا يقدر زمانه، ونحن ~~أضعف من أن يستولى علينا صبر انتظار نعمتك، وأنت الذى لا يؤوده «1» إحسان، ~~ولا يعجزه كرم؛ فعجل لنا يا أمير المؤمنين ما يزيدك كرما، وتزداد به نعما، ~~ونتلقاه بالشكر الدائم. # فاستحسن المأمون هذا الكلام، وأمر بقضاء حاجته. # قدم على المأمون رجل من أبناء الدهاقين وعظمائهم، من أهل الشام، على عدة ~~سلفت له من المأمون «2» ، من توليته بلده، وأن يضم إليه مملكته، فطال على # PageV04P1093 # الرجل انتظار خروج أمر أمير المؤمنين بذلك، فقصد عمرو بن مسعدة وسأله ~~إيصال رقعة إلى المأمون من ناحيته، فقال: اكتب بما شئت فإنى موصله، قال: # فتول ذلك عنى، حتى تكون لك نعمتان. فكتب عمرو: # إن رأى أمير المؤمنين أن يفك أسر عدته من ربقة المطل، بقضاء حاجة عبده، ~~والإذن له بالانصراف إلى بلده، فعل موفقا. # فلما قرأ المأمون الرقعة دعا عمرا، وجعل يعجب من حسن لفظها، وإيجاز ~~المراد فيها، فقال له عمرو: فما نتيجتها يا أمير المؤمنين؟ قال: الكتابة له ~~فى هذا الوقت بما سأل؛ لئلا يتأخر فضل استحساننا كلامه، وبجائزة تنفى دناءة ~~المطل. # ومن كلام عمرو بن مسعدة: أعظم الناس أجرا، وأنبههم ذكرا، من لم يرض بحياة ~~العدل «1» فى دولته، وظهور الحجة فى سلطانه، وإيصال المنافع إلى رعيته فى ~~حياته، حتى احتال فى تخليد ذلك فى الغابرين بعده، عناية بالدين، ورحمة ~~بالرعية، وكفاية لهم من ذلك ما لو عنوا باستنباطه لكان يعرض أحد الأمرين، ~~إما الإكداء «2» عن إصابة الحق فيه لكثرة ما يعرض من الالتباس، وإما إصابة ~~الرأى بعد طول الفكر، ومقاساة التجارب، واستغلاق كثير من الطرق إلى دركه؛ ~~وأسعد الرغاة من دامت سعادة الحق فى أيامه، وبعد وفاته وانقراضه. ### | [فضل الإيجاز] # وقال رجل لسويد بن منجوف، وقد أطال الخطبة بكلام افتتحه للصلح بين قوم من ~~العرب: # «يا هذا؛ أتيت مرعى ms691 غير مرعاك، أفلا أدلك عليه؟ قال: نعم. قال: # PageV04P1094 # قل: «أما بعد، فإن فى الصلح بقاء الآجال، وحفظ الأموال، والسلام» . # فلما سمع القوم هذا الكلام تعانقوا وتواهبوا الترات «1» ### | [أبو مسلم] # قال عبد الله بن مسعود «2» : لما أمر أبو مسلم بمحاربة عبد الله بن على ~~«3» دخلت عليه فقلت: «أيها الأمير، تريد عظيما من الأمر» ؟ قال: وما هو؟ ~~قلت: عم أمير المؤمنين وهو شيخ قومه، مع نجدة، وبأس، وحزم، وحسن سياسة. # فقال لى: يا بن شبرمة، أنت بحديث تعلم معانيه، وشعر توضح قوافيه، أعلم ~~منك بالحرب؛ إن هذه دولة قد اطردت أعلامها، وامتدت أيامها، فليس لمناوئها ~~والطامع فيها يد تنيله شيئا من الوثوب عليها، فإذا ولت أيامها فدع الوزغ ~~بذنبه فيها. # قال بعض حكماء خراسان: لما بلغنى خروج أبى مسلم أتيت عسكره لأنظر إلى ~~تدبيره وهيبته، فأقمت فيه أياما، فبلغنى عنه شدة عجب، وكبر ظاهر، فظننت أنه ~~تحلى بذلك لعى فيه أراد أن يستره بالصمت، فتوصلت إليه بحيث أسمع كلامه، ~~وأغيب عن بصره، فسلمت فرد ردا جميلا، وأمر بإدخال قوم يريد تنفيذهم فى وجه ~~من الوجوه، وقد عقدوا لرجل منهم لواء، فنظر إليهم ساعة متأملا لهم، وقال: ~~افهموا عنى وصيتى إياكم؛ فإنها أجدى عليكم من أكثر تدبيركم، وبالله ~~توفيقكم. قالوا: نعم أيها السالار، ومعناه السيد بالفارسية، فسمعته يقول، ~~ومترجم يحكى كلامه بالفارسية لمن عبر له منهم بالعربية: «أشعروا قلوبكم ~~الجرأة فإنها سبب الظفر، وأكثروا ذكر الضغائن فإنها تبعث على الإقدام، ~~والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب، وعليكم بعصبية الأشراف، ودعوا عصبية ~~الدناءة؛ فإن الأشراف تظهر بأفعالها، والدناءة بأقوالها» . # PageV04P1095 # وذكر إدريس بن معقل أبا مسلم فقال: بمثل أبى مسلم يدرك ثار، وينفى عار، ~~ويؤكد عهد، ويبرم عقد، ويسهل وعر، ويخاض غمر، ويقلع ناب، ويفتح باب. ### | [حساب] # وقال رجل لأبى جعفر المنصور: أين ما تحدث به فى أيام بنى أمية؟ إن ~~الخلافة إذا لم تقابل بإنصاف المظلومين، ولم تعامل بالعدل فى الرعية، وقسمة ~~الفىء بالسوية، صار عاقبة أمرها بوارا، وحاق بولاتها سوء العذاب. # قال: فتنفس ثم ms692 قال: قد كان ما تقول، ولكنا يا أخى استعجلنا الفانية على ~~الباقية، وكأن قد انقضت هذه الدار. فقال له الرجل: فانظر على أى حالة ~~تنقضى. # وقال أبو الدوانيق وكان فصيحا بليغا: «عجبا لمن أصار علمه غرضا لسهام ~~الخطايا، وهو عارف بسرعة المنايا، اللهم إن تقض للمسيئين «1» صفحا فاجعلنى ~~منهم، وإن تهب للظالمين فسحا فلا تحرمنى ما يتطول به المولى على أخس عبيده» ~~. ### | [من كلام الأحنف بن قيس] # سئل الأحنف بن قيس عن العقل؟ فقال: رأس الأشياء؛ فيه قوامها، وبه تمامها؛ ~~لأنه سراج ما بطن، وملاك ما علن، وسائس الجسد «2» ، وزينة كل أحد، لا ~~تستقيم الحياة إلا به، ولا تدور الأمور إلا عليه. # ولما خطب زياد خطبته المشهورة قام الأحنف بن قيس، فقال: الفرس بشده، ~~والسيف بحده، والمرء بجده، وقد بلغ بك جدك ما أرى، وإنما الثناء بعد ~~البلاء، فإنا لا نثنى حتى نبلو «3» # PageV04P1096 ### | [مما كتبه ابن الزيات] # وكتب ابن الزيات عهد الواثق على مكة بحضرة المعتصم: أما بعد، فإن أمير ~~المؤمنين قد قلدك مكة وزمزم، تراث أبيك الأقدم، وجدك الأكرم، وركضة جبريل ~~«1» ، وسقيا إسماعيل، وحفر عبد المطلب، وسقاية العباس؛ فعليك بتقوى الله ~~تعالى، والتوسعة على أهل بيته. # وكتب: لو لم يكن من فضل الشكر إلا أنك لا تراه إلا بين نعمة مقصورة عليه، ~~وزيادة منتظرة له، ثم قال لمحمد بن رباح: كيف ترى؟ قال: كأنهما قرطان ~~بينهما وجه حسن، ومع ذلك ذكر ابن الزيات أمر الحرم بتعظيم وتفخيم ### | ألفاظ لأهل العصر فى التهنئة بالحج، وتفخيم [أمر] الحرم و [تعظيم] أمر المناسك والمشاعر، وما يتص بها من الأدعية # قصد البيت العتيق، والمطاف الكريم، والملتزم النبيه، والمستلم النزيه. # [وقف بالمعرف العظيم، وورد زمزم والحطيم] . حرم الله الذى أوسعه للناس ~~كرامة، وجعله لهم مثابة «2» ، وللخليل خطة، وللذبيح خلة، ولمحمد صلى الله ~~عليه وسلم قبلة، ولأمته كعبة، ودعا إليه حتى لبى من كل مكان سحيق، وأسرع ~~نحوه من كل فج عميق، يعود عنه من وفق وقد قبلت توبته، وغفرت حوبته «3» ، ~~وسعدت سفرته، وأنجحت أوبته، ms693 وحمد سعيه، وزكا حجه، وتقبل عجه وثجه «4» . ~~انصرف مولاى عن الحج الذى انتضى له عزائمه، وأنضى فيه رواحله، وأتعب نفسه ~~بطلب راحتها، وأنفق ذخائره بشراء سعة الجنة وساحتها؛ فقد زكت إن شاء الله ~~تعالى أفعاله وتقبلت أعماله، وشكر سعيه، وبلغ هديه. # PageV04P1097 # قد أسقطت عن ظهرك الثقل العظيم، وشهدت الموقف الكريم، ومحصت عن نفسك ~~بالسعى من الفج العميق، إلى البيت العتيق. حمدا لمن سهل عليك قضاء فريضة ~~الحج، ورؤية المشعر والمقام، وبركة الأدعية والموسم، وسعادة أفنية الحطيم ~~وزمزم قصد أكرم المقاصد، وشهد أشرف المشاهد؛ فورد مشارع الجنة، وخيم بمنازل ~~الرحمة. وقد جمعت مواهب الله لديك: فالحج أديت فرضه، وحرم الله وطئت أرضه، ~~والمقام الكريم قمته، والحجر الأسود استلمته، وزرت قبر النبى صلى الله عليه ~~وسلم مشافها لمشهده، ومشاهدا لمسجده. ومباشرا باديه ومحضره، وماشيا بين ~~قبره ومنبره، ومصليا عليه حيث صلى، ومتقربا إليه بالقرابة العظمى، وعدت ~~وسعيك مشكور، وذنبك مغفور، وتجارتك رابحة، والبركات عليك غادية ورائحة. ~~تلقى الله دعاءك بالإجابة، واستغفارك بالرضا، وأملك بالنجح، وجعل سعيك ~~مشكورا، وحجك مبرورا. عرف الله تعالى مولاى مناهج ما نواه، وقصده وتوخاه، ~~ما يسعده فى دنياه، ويحمد عقباه. ### | [من شعر قطرى بن الفجاءة] # قال أبو حاتم: أتيت أبا عبيدة ومعى شعر عروة بن الورد، فقال لى: ما معك؟ # قلت: شعر عروة، قال: شعر فقير، يحمله فقير، ليقرأه على فقير! قلت: ما معى ~~[شعر] غيره؛ فأنشدنى أنت ما شئت، فانشدنى: # يا رب ظل عقاب قد وقيت به ... مهرى من الشمس والأبطال تجتلد «1» # ورب يوم حمى أرعيت عقوته ... خيلى اقتسارا وأطراف القنا قصد «2» # ويوم لهو لأهل الخفض ظل به ... لهوى اصطلاء الوغى وناره تقد # PageV04P1098 # مشهرا موقفى والحرب كاشفة ... عنها القناع وبحر الموت يطرد # ورب هاجرة تغلى مراجلها ... مخرتها بمطايا غارة تخد «1» # تجتاب أودية الأفزاع آمنة ... كأنها أسد يصطادها أسد # فإن أمت حتف أنفى لا أمت كمدا ... على الطعان وقصر العاجز الكمد «2» # ولم أقل لم أساق الموت شاربه ... فى كأسه والمنايا شرع ورد # ثم قال: هذا والله هو الشعر، ms694 لا ما يتعللون به من أشعار المخانيث. # والشعر لقطرى بن الفجاءة المازنى، وكان يكنى فى السلم أبا محمد، وفى ~~الحرب أبا نعامة، وكان أطول الخوارج أياما، وأحدهم شوكة، وكان شاعرا جوادا، ~~وهو القائل أيضا: # لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متهيبا لحمام # فلقد أرانى للرماح دريئة ... من عن يمينى تارة وأمامى # حتى خضبت بما تحدر من دمى ... أكناف سرجى أو عنان لجامى # ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام ### | [من جيد المديح] # وقال المسيب بن علس: # تبيت الملوك على عتبها ... وشيبان إن غضبت تعتب # وكالشهد بالراح ألفاظهم ... وأخلاقهم منهما أعذب # وكالمسك ترب مقاماتهم ... وترب أصولهم أطيب # وقال آخر: # اذكر مجالس من بنى أسد ... بعدوا فحن إليهم القلب # الشرق منزلهم، ومنزلنا ... غرب، وأين الشرق والغرب؟ # PageV04P1099 # من كل أبيض جل زينته ... مسك أحم وصارم عضب «1» # ومدجج يسعى لغارته ... وعقيرة بفنائه تخبو «2» # آخر: # رأيتكم بقية آل حرب ... وهضبتها التى فوق الهضاب # تبارون الرياح ندى وجودا ... وتمتثلون أفعال السحاب # يذكرنى مقامى اليوم فيكم ... مقامى أمس فى ظل الشباب ### | [بين سعيد بن عبد الملك وسعيد بن حميد] # كتب سعيد بن عبد الملك إلى سعيد بن حميد: # أكره- أطال الله بقاءك! - أن أضعك ونفسى موضع العذر والقبول، فيكون أحدنا ~~معتذرا مقصرا، والآخر قابلا متفضلا، ولكن أذكر ما فى التلاقى من تجديد ~~البر، وفى التخلف من قلة الصبر، وأسأل الله تعالى أن يوفقك وإيانا لما يكون ~~منه عقبى الشكر فاجابه: وصل كتابك- أكرمك الله تعالى! - الحاضر سروره، ~~للطيف موقعه، الجميل صدوره ومورده، الشاهد ظاهره على صدق باطنه، ونحن- أعزك ~~الله- نجعل جزاءك حسن الاعتراف بفضلك، ومجاراتك التقصير دونك؛ ونرى أن لا ~~عذر فى التخلف عنك، وإن حالت الأشغال بيننا وبينك. # وإن كنت سامحت فى العذر قبل الاعتذار، وسبقت إلى فضيلة الاغتفار، فلا زلت ~~على كل خير دليلا، وإليه داعيا، وبه آمرا؛ ولقد التقينا قبل وصول كتابك ~~لقاء أحدث وطرا، وهاج شوقا، وأرجو أن تتسع لنا الجمعة بما ضاقت به الأيام؛ ~~فننال حظا من محادثتك والأنس بك # PageV04P1100 ### | [منزلة ms695 سعيد بن حميد] # ولسعيد بن حميد حلاوة فى منظومه ومنثوره، لكنه قليل الاختراع، كثير ~~الإغارة على من سبقه؛ وكان يقال: لو رجع كلام كل أحد إلى صاحبه لبقى سعيد ~~ابن حميد ساكتا. # وفيه يقول أبو على البصير: # رأس من يدعى البلاغة منى ... ومن الناس، كلهم فى حرامه # وأخونا ولست أكنى سعيد ب ... ن حميد تؤرخ الكتب باسمه # هذا المعنى ينظر إلى قول منصور الفقيه وإن لم يكن منه: # تضيق به الدنيا فينهض هاربا ... إذا نحن قلنا: خيرنا الباذل السمح # فإن قيل: من هذا الشقى؟ أقل لهم ... على شرط كتمان الحديث: هو الفتح # وكان سعيد يهوى فضل الشاعرة؛ فعزم مرة على سفر، فقالت له: # كذبتنى الود أن صافحت مرتحلا ... كف الفراق بكف الصبر والجلد # لا تذكرن الهوى والشوق لو فجعت ... بالشوق نفسك لم تصبر على البعد # وكان سعيد عند بعض إخوانه، فنهض منصرفا وأخذ بعضا دتى الباب، وأنشأ يقول: # سلام عليكم، حالت الكأس بيننا ... وولت بنا عن كل مرأى ومسمع # فلم يبق إلا أن يصافحنى الكرى ... فيجمع سكرا بين جسمى ومضجعى # وقال [سعيد] : # أرى ألسن الشكوى إليك كليلة ... وفيهن عن غير الثناء فتور «1» # تقيم على العتب الذى ليس نافعا ... وليس لها إلا إليك مصير # وما أنت إلا كالزمان تلونت ... نوائب من أحداثه وأمور # فإن قل إنصاف الزمان وجوده ... فمن ذا على جور الزمان يجير # PageV04P1101 ### | [من السرقات الشعرية] # أما قوله: # تقيم على العتب الذى ليس نافعا # فمن قول المؤمل: # لا تغضبن على قوم تحبهم ... فليس منك عليهم ينفع الغضب # يا جائرين علينا فى حكومتهم ... والجور أقبح ما يؤتى ويرتكب # لسنا إلى غيركم منكم نفر إذا ... جرتم، ولكن إليكم منكم الهرب # وأول من نبه على هذا المعنى النابغة الذبيانى فى قوله للنعمان بن المنذر. # فإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # خطاطيف حجن فى حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع # سرقه أشجع السلمى فقال لإدريس بن عبد الله بن الحسين بن على، وقد بعث ~~إليه الرشيد من اغتاله ms696 فى المغرب: # أتظن يا إدريس أنك مفلت ... كيد الخلافة أو يقيك حذار # إن السيوف إذا انتضاها عزمه ... طالت، وتقصر دونها الأعمار # هيهات إلا أن تحل ببلدة ... لا يهتدى فيها إليك نهار # وقال سلم الخاسر يعتذر إلى المهدى: # إنى أعز بخير الناس كلهم ... وأنت ذاك لما يأتى ويجتنب # وأنت كالدهر مبثوثا حبائله ... والدهر لا ملجأ منه ولا هرب # ولو ملكت عنان الريح أصرفه ... فى كل ناحية ما فاتك الطلب # فليس إلا انتظارى منك عارفة ... فيها من الخوف منجاة ومنقلب # وقول سلم: # ولو ملكت عنان الريح أصرفه # PageV04P1102 # كأنه من قول الفرزدق للحجاج: # ولو حملتنى الريح ثم طلبتنى ... لكنت كمود أدركته مقادره «1» # وقول على بن جبلة لحميد الطوسى: # وما لامرئ حاولته منك مهرب ... ولو رفعته فى السماء المطالع # أخذه البحترى فقال: # سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا # فلو انهم ركبوا الكواكب لم يكن ... ليجيرهم من حد بأسك مهرب # وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فى نحو قول النابغة: # وإنى وإن حدثت نفسى بأننى ... أفوتك إن الرأى منى لعازب # لأنك لى مثل المكان المحيط بى ... من الأرض لولا استنهضتنى المذاهب # وأما قول سعيد: وما أنت إلا كالزمان والبيت الذى يليه، فكأنه ألم فيه ~~بقول شمعل الثعلبى وإن لم يكن المعنى بنفسه: # أمن جذبة بالرجل منى تباشرت ... عداتى، ولا عتب على ولا هجر # فإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر، لا عار بما صنع الدهر # وقال رجل من طيئ وكان رجل منهم يقال له زيد من ولد عروة بن زيد الخيل قتل ~~رجلا اسمه زيد فأقاد منه السلطان، فقال الطائى يفتخر على الأسديين: # علا زيدنا يوم الحمى رأس زيدكم ... بأبيض مشحوذ الغرار يمانى «2» # فإن تقتلوا زيدا بزيد فإنما ... أقادكم السلطان بعد زمان # وقول الثعلبى مأخوذ من قول النابغة، وهو أول من ابتكره: # وعيرتنى بنو ذبيان خشيته ... وما على بأن أخشاك من عار # PageV04P1103 # ومن جيد شعر سعيد بن حميد: # أهاب وأستحيى وأرقب وعده ... فلا هو يبدانى ولا أنا أسأل # هو الشمس مجراها بعيد وضوءها ms697 ... قريب، وقلبى بالبعيد موكل # وهذا المعنى وإن كان كثيرا مشهورا فما يكاد يدانى فى الإحسان فيه. # وقد قال أبو عيينة: # غزتنى جيوش الحب من كل جانب ... إذا حان من جند قفول غزا جند # أقول لأصحابى: هى الشمس، ضوءها ... قريب، ولكن فى تناولها بعد # وقال العباس بن الأحنف: # هى الشمس مسكنها فى السماء ... فعز الفؤاد عزاء جميلا # فلن تستطيع إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك النزولا # وقال البحترى: # دنوت تواضعا وعلوت قدرا ... فشأناك انحدار وارتفاع # كذاك الشمس تبعد أن تدانى ... ويدنو الضوء منها والشعاع # وقال ابن الرومى: # وذخرته للدهر أعلم أنه ... كالدهر فيه لمن يؤول مآل # ورأيته كالشمس إن هى لم تنل ... فالنور منها والضياء ينال # وقال المتنبى: # بيضاء تطمع فيما تحت حلتها ... وعز ذلك مطلوبا لمن طلبا # كأنها الشمس يعيى كف قابضها ... شعاعها وتراه العين مقتربا # وقال سعيد بن حميد، ويروى لفضل الشاعرة: # PageV04P1104 # ما كنت أيام كنت راضية ... عنى بذاك الرضا بمغتبط # علما بأن الرضا سيتبعه ... منك التجنى وكثرة السخط # فكل ما ساءنى فعن خلق ... منك وما سرنى فعن غلط # وفى هذا المعنى يقول أبو العباس الهاشمى من ولد عبد الصمد بن على، ويعرف ~~بأبى العبر. # أبكى إذا غضبت، حتى إذا رضيت ... بكيت عند الرضا خوفا من الغضب # فالموت إن غضبت، والموت إن رضيت ... إن لم يرحنى سلو عست فى تعب # وقال العباس بن الأحنف: # إذا رضيت لم يهننى ذلك الرضا ... لصحة علمى أن سيتبعه عتب # وأبكى إذا ما أذنبت خوف عتبها ... فأسألها مرضاتها ولها الذنب # وصالكم هجر، وقربكم قلى ... وعطفكم صد وسلمكم حرب # وأنتم بحمد الله فيكم فظاظة ... وكل ذلول من أموركم صعب «1» # وقال: # قد كنت أبكى وأنت راضية ... حذار هذا الصدود والغضب # إن تم ذا الهجر يا ظلوم ولا ... تم فمالى فى العيش من أرب «2» # وما أحسن قول القائل: # وما فى الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق # تراه باكيا فى كل حين ... مخافة فرقة أو لاشتياق «3» # فيبكى إن نأوا حذرا عليهم ... ويبكى إن دنوا خوف الفراق ms698 # PageV04P1105 # وتسخن عينه عند التنائى ... وتسخن عينه عند التلاق ### | [الاقتباس من القرآن الكريم] # وقال سعيد بن حميد: إذا نزعت فى كتابى «1» بآية من كتاب الله تعالى أثرت ~~إظلامه، وزينت أحكامه، وأعذبت كلامه. # أمثال للعرب والعجم والعامة وما يماثلها من كتاب الله تعالى [مما هو أجل ~~منها وأعلى] أخرجها أبو منصور عبد الملك الثعالبى قال على رضى الله تعالى ~~عنه: «القتل أنفى للقتل» ، وفى القرآن: # «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب» . # والعرب تقول لمن يعير غيره بما هو فيه: «عير بجير بجره ونسى بجير خبره ~~«2» » ، وفى القرآن: «وضرب لنا مثلا ونسي خلقه» . # وفى معاودة العقوبة عند معاودة الذنب: «إن عادت العقرب عدنا لها» وفى ~~القرآن: «وإن عدتم عدنا» # . «وإن تعودوا نعد» . # وفى ذوق الجانى وبال أمره: «يداك أو كتا، وفوك نفخ» . وفى القرآن: # «ذلك بما قدمت يداك» . # وفى قرب الغد من اليوم قول الشاعر # وإن غدا لناظره قريب # وفى القرآن: «أليس الصبح بقريب» . # وفى ظهور الأمر: «قد وضح الأمر لذى عينين» ، وفى القرآن: «الآن حصحص ~~الحق» . # وفى الإساءة إلى من لا يقبل الإحسان: «أعط أخاك تمرة، فإن أبى فجمرة» . # PageV04P1106 # وفى القرآن: «ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين» . # وفى فوت الأمر: «سبق السيف العذل» ، وفى القرآن العظيم: «قضي الأمر الذي ~~فيه تستفتيان» . # وفى الوصول إلى المراد ببذل الرغائب: «من ينكح الحسناء يعط مهرها» وفى ~~القرآن: «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» . # وفى منع الرجل مراده: # وقد حيل بين العير والنزوان «1» # وفى القرآن: «وحيل بينهم وبين ما يشتهون» . # وفى تلافى الإساءة: «عاد غيث على ما أفسد» ، وفى القرآن: «ثم بدلنا مكان ~~السيئة الحسنة حتى عفوا» . # وفى الاختصاص: «كل مقام بمقال «2» » . وفى القرآن «لكل نبإ مستقر» . # العجم: «من احترق كدسه تمنى إحراق أكداس الناس «3» » ، وفى القرآن: # «ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء» . # العامة: «من حفر لأخيه بئرا وقع فيها» ، وفى القرآن: «ولا يحيق المكر ~~السيئ إلا بأهله» . # ومن الشعر: # كل امرىء يشبهه فعله ... ما يفعل المرء فهو ms699 أهله # وفى القرآن: «قل كل يعمل على شاكلته» . # العامة: «كل البقل ولا تسأل عن المبقلة» . # وفى القرآن: «لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم» . # PageV04P1107 # شعر: # كم مرة حفت بك المكاره ... خار لك الله وأنت كاره # وفى القرآن: «فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا» . # العامة: «المأمول خير من المأكول» ، وفى القرآن: «وللآخرة خير لك من ~~الأولى» # . العامة: «لو كان فى اليوم خير ما سلم على الصياد» ، وفى القرآن: # «ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم» # . المتنبى: # مصائب قوم عند قوم فوائد # وفى القرآن: «وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها» # . عند الخنازير تنفق العذرة وفى القرآن: «الخبيثات للخبيثين والخبيثون ~~للخبيثات» # . العجم: «لم يرد الله بالنملة صلاحا إذ أنبت لها جناحا» ، وفى القرآن: ~~«حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة» # . العامة: الكلب لا يصيد كارها، وفى القرآن: «لا إكراه في الدين» # . العجم: «كل شاة تناط برجلها» ، وفى القرآن: «كل نفس بما كسبت رهينة» . ### | جملة من مكاتبات [بعض] أهل العصر # أبو القاسم محمد بن على الإسكافى عن الأمير نوح بن نصر وعن ابنه عبد ~~الملك لأبى طاهر وشمكير بن زياد يشكره على حميد سيرته: # من حمدناه- أعزك الله تعالى- من أعيان الملة الذين بهم افتخارها، وأعوان ~~الدولة الذين بهم استظهارها، بخلة ينزع فيها من خلال «1» الفضل، وخصلة يكمل ~~بها من خصال العدل. وإنك- أعزك الله! - من نحمده بالارتقاء فى درج الفضائل، ~~والاستواء فى كل الشواكل؛ فإنه ليس من محمدة إلا وسهمك فيها فائز، [ولا من ~~شدة إلا ومهلك «2» فيها بارز] ، وذلك- أعزك الله تعالى! - أمر قد أغنى صدق ~~خبره عن العيان، وكفى بيان أثره تكلف الامتحان، ولو أعطينا النفوس مناها، # PageV04P1108 # وسوغناها هواها، لأوردنا عليك فى ذرور «1» كل شارق جديد شكر، وجددنا لك ~~مع اعتراض كل خاطر جميل ذكر، لكنا للعادة فى ترك الهوى، والثقة بأنك مع ~~صالح آدابك تحل الأدنى من الإحماد محل الأوفى، فيقضى لك بأنه- وإن عظم ~~قدره- يسير العدد، وعلى ما هو- وإن تناهى لفظه- باقى الفخر مدى الأبد، وكان ~~مما اقتضانا الآن تناولك به أخبار تواترت، ms700 وأقوال تظاهرت، بإطباق سكان ~~الحضرة ونيسابور من أهل عملك على شكر ما يتزيد لهم وفيهم من مواد عدلك، ~~وحسن فضلك، حتى لقد ظلوا ولهم فى شكر ذلك محافل تعقد، ومشاهد تشهد، يعجب ~~بها السامع والرائى، ويقترن بها المؤمن والداعى؛ فإن هذا- أعزك الله- حال ~~يطيب مسمعه، ويلذ موقعه، حتى لقد ملأ القلوب بهجا، والصدور ثلجا، حتى ~~استفزها فرط الارتياح، وصدق الانشراح، إلى هذا الكتاب أن أعجلناه، وهذا ~~الشكر أن أجزلناه. بعد ذكر لك اتصل كل الاتصال، وأجمل كل الإجمال، وتضاعف ~~به حظك من الرأى أضعافا، وأشرف محلك على كل المحال إشرافا، ونحن نهنيك- ~~أعزك الله- على التوفيق الذى قسمه الله لك، والتيسير الذى وكله بك، ونبعثك ~~على استدامتها بصالح النية، وبصادق البغية، لتدنو من العدل على ما ترعى، ~~وتحسن الهدى فيما تتولى. فرأيك أبقاك الله تعالى فى إحلال ذلك محله من ~~استبشار به تستكمله، واستثمار له تعجله [إن شاء الله تعالى] . # وكتب إليه يعزيه: «إن أحق من سلم لأمر الله تعالى ورضى بقدره، حتى يمحض ~~مصطنعا «2» ، ويخلص مصطبرا، وحتى يكون بحيث أمر الله من الشكر إذا وهب، ~~والرضا إذا سلب، أنت أعزك الله تعالى؛ لمحلك من الشكر والحجا، وحظك من ~~الصبر والنهى، ثم لما ترجع إليه من ثبات الجنان «3» عند النازلة، # PageV04P1109 # وقوة الأركان لعز الدولة الفاضلة، فإن لك فيها وفى سهمك الفائز، ومهلك ~~البارز، عوضا عن كل مرزوء، ودركا لكل مرجو، ونسأل الله أن يجعلك من ~~الشاكرين لفضله إذا أبلى، والصابرين لحكمه إذا ابتلى «1» ، وأن يجعل لك لا ~~بك التعزية، ويقيك فى نفسك وفى ذويك الرزية، بمنه وقدرته. # وله إليه: ترامى إلينا خبر مصابك بفلان؛ فخلص إلينا من الاغتمام به ما ~~يحصل فى مثله ممن أطاع ووفى، وخدم ووالى، وعلمنا أن لفقدك مثله لوعة، ~~وللمصاب به لذعة؛ فآثرنا كتابنا هذا إليك فى تعزيتك، على يقيننا بأن عقلك ~~يغنى عن عظتك، ويهدى إلى الأولى بشيمتك، والأزيد فى رتبتك، فليحسن- أعزك ~~الله- صبرك على ما أخذه منك، وشكرك على ما أبقى لك، وليتمكن فى نفسك ما وفر ~~لك ms701 من ثواب الصابرين، وأجزل من ذخر المحسنين، وليرد كتابك مما ألهمك الله ~~تعالى من عزاء، وأبلاكه من جميل بلاء، إن شاء الله تعالى وله إليه جواب: ~~وصل كتابك- أعزك الله تعالى- مفتتحا بالتعزية عن فلان، وبوصف توجعك ~~للمصيبة، ونحن نحمد الله تعالى الذى ينعم فضلا، ويحكم عدلا، ويهب إحسانا، ~~ويسلب امتحانا، على مجارى قضيته كيف حرت آخذة ومعطية، ومواقع مشيئته كيف ~~مضت سارة ومسيئة، حمد عالمين أن لا حكم إلا له، ولا حول إلا به، ومستمسكين ~~بما أمر به عند المساءة من الصبر، والمسرة من الشكر، راجين ما أعده الله من ~~الثواب للصابرين، والمزيد للشاكرين. # وما توفيقنا إلا بالله عليه نتوكل وإليه ننيب «2» ، وأما وحشتك- أعزك ~~الله- للحادث على الماضى، عفا الله عنه، فمثلك من ذوى الصفاء والوفاء اختص ~~بذلك واهتم له، وعرف مثله فاغتم به؛ فإن الطاعة نسب بين أوليائها، والنعمة ~~سبب بين أبنائها، # PageV04P1110 # فلا عجب أن يمسك فى هذا العارض ما يمس أولى المشاركة، ويخصك من الاهتمام ~~ما خص ذوى المشابكة. # وله إليه أيضا فى أمر غزاة: ورد خبرك أكرمك الله تعالى بنفوذك لوجهك فيمن ~~جمعهم الله تعالى للسعى فى سبيله إلى جملتك؛ فاملنا أن يكون ذلك موصولا ~~بأعظم الخيرة، مؤديا إلى أحسن المغبة. إلا أنا أحسسنا من الغزاة الذين بهم ~~تعتضد، وإياهم تستنجد، فتور نيات، وفساد طويات؛ وهذا كما علمت باب عظيم يجب ~~الاطلاع بالفكر والرأى عليه، والاحتراس بالجد والجهد من الخطل فيه. [فسبيلك ~~أن تتأمل أمرك بعين استقصاء العورة، واستدراك الآخرة] ، فإن أنت وجدت فى ~~عدتك تمام القدرة، وفى عدتك مقدار الكفاية، ولم تجد نيات أولئك الغزاة ~~مدخولة، ولا عراهم محلولة «1» ، استخرت الله تعالى فى المسير بكل ما تقدر ~~عليه من الحزم فى أمرك، ثم إن تكن الأخرى، وكان القوم على ما ذكرت من كلال ~~البصائر، وضعف المرائر «2» ، عملت على التلوم لحديث يحدثك به كتابنا هذا إن ~~اجتليت ما ذكرته، وإن لم تبلغ بلاغة ما اخترته، فاعتلق بذيله «3» . ### | [من مقامات بديع الزمان] # وهذه المقامة من إنشاء البديع، قال عيسى بن ms702 هشام: غزوت الثغر بقزوين سنة ~~خمس وسبعين، فما اجتزنا حزنا، إلا هبطنا بطنا، حتى وقف بنا المسير على بعض ~~قراها، فمالت الهاجرة بنا إلى ظل أثلاث فى حجرها عين كلسان الشمعة، أصفى من ~~الدمعة، تسيح فى الرضراض، سيح النضناض «4» ؛ فنلنا من المأكل ما نلنا، ثم ~~ملنا إلى الظل فقلنا؛ فما ملكنا النوم حتى سمعنا صوتا أنكر من صوت الحمار، ~~ورجعا أضغف من رجع الحوار، يشفعهما صوت طبل كأنه خارج # PageV04P1111 # من ما صغى أسد؛ فذاد عن «1» القوم رائد النوم، وفتحت العيون إليه وقد ~~حالت الأشجار دونه، وأصغيت فإذا هو يقول على إيقاع صوت الطبل: # أدعو إلى الله فهل من مجيب ... إلى ذرى رحب وعيش خصيب # وجنة عالية ما تنى ... قطوفها دانية ما تغيب «2» # يا قوم إنى رجل ثائب ... من بلد الكفر وأمرى عجيب «3» # إن أك آمنت فكم ليلة ... جحدت فيها وعبدت الصليب # يا رب خنزير تمششته ... ومسكر أحرزت منه النصيب «4» # ثم هدانى الله، وانتاشنى ... من زلة الكفر اجتهاد المصيب «5» # فظلت أخفى الدين فى أسرتى ... وأعبد الله بقلب منيب # أسجد للات حذار العدى ... ولا أجى الكعبة خوف الرقيب # وأسأل الله إذا جننى ... ليلى وأضنانى يوم عصيب # رب كما أنك أنقذتنى ... فنجنى؛ إنى فيهم غريب # ثم اتخذت الليل لى مركبا ... وما سوى العزم أمامى نجيب # وقدك من سيرى فى ليلة ... يكاد رأس الطفل فيها يشيب # حتى إذا ما جزت بحر العمى ... إلى حمى الدين نفضت الوجيب # وقلت إذ لاح شعار الهدى ... نصر من الله وفتح قريب # ولما بلغ هذا البيت قال: يا قوم؛ وطئت والله بلادكم بقلب لا العشق شاقه، ~~ولا الفقر ساقه، وقد تركت وراء ظهرى حدائق وأعنابا، وكواعب أترابا، وخيلا ~~مسومة، وقناطير مقنطرة، وعدة وعديدا، ومراكب وعبيدا، وخرجت خروج الحية من ~~جحره، وبرزت بروز الطائر من وكره، مؤثرا دينى على # PageV04P1112 # دنياى. وجامعا يمناى إلى يسراى، واصلا سيرى بسراى «1» ، فلو رفعتم النار ~~بشررها، ورميتم الروم بحجرها، وأعنتمونى على غزوها مساعدة وإسعادا، ومرافدة ~~وإرفادا، ولا شطط، فكل قادر على قدرته، وحسب ثروته. # ولا ms703 أستكثر البدرة، ولا أرد التمرة، وأقبل الذرة، ولكل منى سهمان، سهم ~~أذلقه للقاء «2» ، وسهم أفوقه بالدعاء، وأرشق به أبواب السماء، عن قوس ~~الظلماء. # قال عيسى بن هشام: فاستفزنى رائع ألفاظه، وسروت جلباب النوم، وعدوت إلى ~~القوم، وإذا والله شيخنا أبو الفتح الإسكندرى، بسيف قد شهره، وزى قد نكره؛ ~~فلما رآنى غمزنى بعينه وقال: رحم الله امرأ أحسن حدسه؛ وملك نفسه، وأغنانا ~~بفاضل قوله، وقسم لنا من نيله! ثم أخذ ما أخذ، فقمت إليه فقلت: أنت من ~~أولاد بنات الروم؟ فقال: # أنا حالى مع الزما ... ن كحالى مع النسب # نسبى فى يد الزما ... ن إذا سامه انقلب # أنا أمسى من النبي ... ط وأضحى من العرب ### | [عاقبة السؤال بلفظ حسن] # قال سليمان بن عبد الملك: ما سألنى أحد قط مسألة يثقل على قضاؤها، ولا ~~يخف على أداؤها، بلفظ حسن يجمع له القلب فهمه إلا قضيتها، وإن كانت العزيمة ~~نفذت فى منعه «3» ، وكان الصواب مستقرا فى دفعه، ضنا بالصواب أن يرد سائله، ~~أو يحرم نائله. ### | [ابن رفاعة يتحدث عن النعمان بن المنذر والحارث الغسانى] # وقال أبو عبيدة: كان أبو قيس بن رفاعة يفد سنة إلى النعمان بن المنذر # PageV04P1113 # اللحمى وسنة إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى، فقال له الحارث يوما وهو ~~عنده: # يا بن رفاعة، بلغنى أنك تفضل النعمان على! قال: كيف أفضله عليك أبيت ~~اللعن! فوالله لقفاك أحسن من وجهه، ولأمك أشرف من أبيه، [ولآباؤك أشرف من ~~جميع قومه] ، ولأمسك أفضل من يومه، ولشمالك أجود من يمينه، ولحرمانك أنفع ~~من بذله، ولقليلك أكثر من كثيره، [ولثمادك أغزر من غديره، ولكرسيك أرفع من ~~سريره، ولجدولك أغمر من بحوره، وليومك أفضل من شهره، ولشهرك أشرف من حوله، ~~ولحولك خير من حقبه، ولزندك أورى من زنده، ولجندك أعز من جنده، ولهزلك أصوب ~~من جده، وإنك لمن غسان أرباب الملوك، وإنه لمن لحم كثيرى النوك! فعلام ~~أفضله عليك؟ # وقد روى مثل هذا الكلام للنابغة الذبيانى مع النعمان بن المنذر] . ### | [أربعة أبيات] # وقال المفضل الضبى: دخلت على ms704 المهدى فقال قبل أن أجلس: أنشدنى أربعة ~~أبيات لا تزد عليهن، وعنده عبد الله بن مالك الخزاعى، فأنشدته «1» : # وأشعث قد قد السفار قميصه ... يجر شواء بالعصا غير منضج # دعوت إلى ما نابنى وأجابنى ... كريم من الفتيان غير مزلج» # فتى يملأ الشيزى ويروى سنانه ... ويضرب فى رأس الكمى المدجج # فتى ليس بالراضى بأدنى معيشة ... ولا فى بيوت الحى بالمتولج # فقال المهدى: هذا هو، وأشار إلى عبد الله بن مالك، فلما انصرفت بعث إلى ~~بألف دينار، وبعث إلى عبد الله بأربعة آلاف. ### | [أبو الأسود الدؤلى وامرأته] # ننازع أبو الأسود الدؤلى وامرأته إلى زياد فى ابنهما، وأراد أبو الأسود ~~أخذه # PageV04P1114 # منها فأبت، وقالت المرأة: أصلح الله الأمير، هذا ابنى، كان بطنى وعاؤه، ~~وحجرى فناؤه، وثديى سقاؤه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام؛ فلم أزل بذلك ~~سبعة أعوام، فلما استوفى فصاله، وكملت خصاله، واستوكعت أوصاله «1» ، وأملت ~~نفعه، ورجوت عطفه، أراد أن يأخذه منى كرها، فآدنى أيها الأمير؛ فقد أراد ~~قهرى، وحاول قسرى. # فقال أبو الأسود: هذا ابنى حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، وأنا ~~أقوم عليه فى أدبه، وأنظر فى تقويم أوده «2» ، وأمنحه علمى، وألهمه حلمى، ~~حتى يكمل عقله، ويستكمل فتله. # فقالت المرأة: صدق أصلحك الله؛ حمله خفا، وحملته ثقلا، ووضعه شهوة، ~~ووضعته كرها. # فقال زياد: اردد على المرأة ولدها؛ فهى أحق به منك، ودعنى من سجعك. ### | [عظات ووصايا] # قال الأصمعى: بلغنى أن بعض الحكماء كان يقول: إنى لأعظكم، وإنى لكثير ~~الذنوب، مسرف على نفسى، غير حامد لها، ولا حاملها على المكروه فى طاعة ~~الله. وقد بلوتها فلم أجد لها شكرا فى الرضاء، ولا صبرا على البلوى. ولو أن ~~أحدا لا يعظ أخاه حتى يحكم أمره لترك الأمر ### | .... # ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس، وتذكير من النسيان، ~~واعلموا أن الدنيا سرورها أحزان، وإقبالها إدبار، وآخر حياتها الموت، فكم ~~من مستقبل يوما لا يستكمله، ومنتظر غدا لا يبلغه؟ ولو تنظرون الأجل ومسيره ~~لأبغضتم الأمل وغروره. # جمع عبد الملك أهله وولده فقال: يا ms705 بنى أمية، ابذلوا نداكم، وكفوا أذاكم، ~~وأجملوا إذا طلبتم، واغفروا إذا قدرتم، ولا تلحفوا إذا سألتم، ولا تبخلوا ~~إذا سئلتم؛ فإن العفو بعد القدرة، والثناء بعد الخبرة، وخير المال ما أفاد ~~حمدا ونفى ذما # PageV04P1115 ### | [وصف هشام بن عبد الملك بصفته] # ودخل سعيد الجعفرى على هشام بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إنى ~~أريد أن أصفك بصفتك، فإن انحرف كلامى فلهيبة الإمام، واجتماع الأقوام، ~~وتصرف الأعوام، ولرب جواد عثر فى أرسانه «1» وكبا فى ميدانه «2» ، ورحم ~~الله امرأ قصر من لفظه، وألصق الأرض بلحظه، ووعى قولى بحفظه. فخاف هشام أن ~~يتكلم فيقصر عن جائزة مثله، فعزم عليه فسكت. ### | [حاتم الطائى يتحمل الديات عن عبد قيس البرجمى] # قال عبد قيس بن خفاف البرجمى لحاتم الطائى وقد وفد عليه فى دماء تحملها ~~وعجز عن البعض: إنه وقعت بينى وبين قومى دماد فتواكلوها، وإنى حملتها فى ~~مالى وأملى، فقدمت مالى، وكنت أملى، فإن تحملها فرب حق قضيته، وهم قد ~~كفيته، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك. ### | [وصف ثقيل] # قال أبو على العتابى: حدثنى الحمدونى قال: بعث إلى أحمد بن حرب المهلبى ~~فى غداة، السماء فيها مغيمة، فأتيته والمائدة موضوعة مغطاة؛ وقد وافت عجاب ~~المغنية، فأكلنا جميعا، وجلسنا على شرابنا، فما راعنا إلا داق يدق الباب، ~~فأتاه الغلام فقال: بالباب فلان؛ فقال لى: هو فتى من آل المهلب، ظريف، ~~نظيف، فقلت: ما نريد غير ما نحن فيه، فأذن له، فجاء يتبختر وقدامى قدح شراب ~~فكسره، فإذا رجل «3» آدم ضخم، قال: وتكلم فإذا هو أعيا الناس، فجلس بينى ~~وبين عجاب، قال: فدعوت بدواة وكتبت إلى أحمد ابن حرب: # PageV04P1116 # كدر الله عيش من كدر العي ... ش! فقد كان صافيا مستطابا # جاءنا والسماء تهطل بالغي ... ث وقد طابق السماع الشرابا # كسر الكاس وهى كالكوكب الدر ... رى ضمت من المدام رضابا # قلت لما رميت منه بما أكره ... والدهر ما أفاد أصابا # عجل الله نقمة لابن حرب ... تدع الدار بعد شهر خرابا # ودفعت الرقعة ms706 إلى أحمد، فقال: [ويحك] ألا نفست فقلت بعد حول؟ # فقلت: أردت أقول بعد يوم، فخفت أن تصيبنى مضرة ذلك، وفطن الثقيل فنهض، ~~فقال: آذيته! فقلت: هو آذانى. ### | [طيلسان ابن حرب] # وقال الحمدونى فى طيلسان ابن حرب: # ولى طيلسان إن تأملت شخصه ... تيقنت أن الدهر يفنى وينقرض # تصدع حتى قد أمنت انصداعه ... وأظهرت الأيام من عمره الغرض # كأنى لإشفاقى عليه ممرض ... أخا سقم مما تمادى به المرض # فلو أن أصحاب الكلام يرونه ... لما روك فيه وادعوا أنه عرض «1» # [وقال فيه: # لطيلسان ابن حرب نعمة سبقت ... بها تبين فضلى فهو متصل # قد كنت دهرا جهولا ثم حنننى ... عليه خوفى من الأقوام إن جهلوا # أظل أجتنب الإخوان من حذر ... كأنما بى جرح ليس يندمل # يا طيلسانا إذا الألحاظ جلن به ... فعلن فعل سهام فيه تنتضل # لئن بليت فكم أبليت من أمم ... تترى أبادتهم أيامك الأول # PageV04P1117 # وكم رآك أخ لى ثم أنشدنى: ... ودع هريرة إن الركب مرتحل] # وقال فيه «1» . # يا بن حرب كسوتنى طيلسانا ... أمرضته الأوجاع فهو سقيم # فإذا ما لبسته قلت: سبحا ... نك محيى العظام وهى رميم # طيلسان له إذا هبت الري ... ح عليه بمنكبى هميم # أذكرتنى بيتا لحسان فيه ... حرق للفؤاد حين أقوم # لو يدب الحولى من ولد الذ ... ر عليها لأندبتها الكلوم «2» # وقال أيضا: # يا قاتل الله ابن حرب لقد ... أطال إتعابى على عمد # بطيلسان خلت أن البلى ... يطلبه بالوتر والحقد # أجد فى رفوى له، والبلى ... يلهو به فى الهزل والجد # ذكرنى الجنة لما غدا ... أصحابها منها على حرد «3» # إن أتهم الرفاء فى رفوه ... مضى به التمزيق فى نجد # غنيته لما مضى راحلا: ... يا واحدى تتركنى وحدى! # وقال أيضا فيه: # إن ابن حرب كسانى ... ثوبا يطيل انحرافه # أظل أدفع عنه ... وأتقى كل آفه # فقد تعلمت من خش ... يتى عليه الثقافة # وقال أيضا: # طيلسان ما زال أقدم فى الدهر ... من الدهر ما لرفويه حيله # PageV04P1118 # وترى ضعفه كضعف عجوز ... رثة الحال ذات فقر معيله # غمرته الرقاع فهو كمصر ... سكنته نزاع كل قبيله # إن ms707 أزينه يابن حرب بذمى ... فجرير قد زان قبلى بجيله # جرير: ابن عبد الله البجلى، وله صحبة [رضى الله عنه، وقد] قال غسان فى ~~هجائه جريرا: # لعمرى لئن كانت بجيلة زانها ... جرير لقد أخزى كليبا جريرها # وقال الحمدونى فى معناه لأول «1» : # يابن حرب إنى أرى فى زوايا ... بيتنا مثل ما كسوت جماعه # طليلسان رفوته ورفوت الر ... فو منه حتى رفوت رقاعه # فأطاع البلى وصار خليعا ... ليس يعطى الرفاء فى الرفو طاعه # فإذا سائل رآنى فيه ... ظن أنى فتى من أهل الضياعة «2» # وقال فيه: # طيلسان لابن حرب ... يتداعى لا مساسا «3» # قد طوى قرنا فقرنا ... وأناسا فأناسا # لبس الأيام حتى ... لم تدع فيه لباسا # غاب تحت الحس حتى ... لا يرى إلا قياسا ### | [من رسائل ابن العميد] # كتب أبو الفضل بن العميد إلى أبى عبد الله الطبرى: # كتابى وأنا بحال لو لم ينغص منها الشوق إليك، ولم يرنق صفوها النزاع ~~نحوك، فعددتها من الأحوال الجميلة، واعتددت حظى منها فى النعم الجليلة؛ فقد ~~جمعت ليها بين سلامة عامة، ونعمة تامة، وحظيت منها فى جسمى بصلاح، وفى سعيى # PageV04P1119 # بنجاح، لكن ما بقى أن يصفو لى عيش مع بعدى عنك، ويخلو ذرعى مع خلوى منك، ~~ويسوغ لى مطعم ومشرب مع انفرادى دونك، وكيف أطمع فى ذلك وأنت جزء من نفسى، ~~وناظم لشمل أنسى، وقد حرمت رؤيتك، وعدمت مشاهدتك، وهل تسكن نفس متشعبة ذات ~~انقسام، وينفع أنس متشتت بلا نظام، وقد قرأت كتابك جعلنى الله تعالى فداءك؛ ~~فامتلأت سرورا بملاحظة خطك، وتأمل تصرفك فى لفظك، وما أقرظهما فكل خصالك ~~مقرظ عندى، وما أمدحهما فكل أمرك ممدوح فى ضميرى وعقدى، وأرجو أن تكون ~~حقيقة أمرك موافقة لتقديرى فيك، فإن كان كذلك وإلا فقد غطى هواك وما ألقى ~~على بصرى. # وله إلى عضد الدولة يهنئه بولدين: # أطال الله بقاء الأمير الأجل عضد الدولة، دام عزه وتأييده، وعلوه ~~وتمهيده، وبسطته وتوطيده، وظاهر له من كل خير مزيده، وهناه ما اختصه به على ~~قرب الميلاد، من توافر الأعداد، وتكثر الأمداد، وتثمر الأولاد، ms708 وأراه من ~~النجابة فى البنين والأسباط «1» ، ما أراه من الكرم فى الآباء والأجداد، ~~ولا أخلى عينه من قرة، ونفسه من مسرة، ومتجدد نعمة، ومستأنف مكرمة، وزيادة ~~فى عدده، وفسح فى أمده، حتى يبلغ غاية مهله، ويستغرق نهاية أمله، ويستوفى ~~ما بعد حسن ظنه؛ وعرفه الله السعادة فيما بشر عبده من طلوع بدرين هما ~~انبعثا من نوره، واستنارا من دوره، وحقا بسريره، وجعل وفودهما متلائمين، ~~وورودهما توأمين، بشيرين بتظاهر النعم، وتواتر القسم، ومؤذنين بترادف بنين ~~[يغص] بجمعهم منخرق الفضاء، ويشرق بنورهم أفق العلاء، وينتهى بهم أمد ~~النماء «2» ، إلى غاية تفوت # PageV04P1120 # غاية الإحصاء، ولا زالت السبل عامرة، والمناهل غامرة، يصافح صادرهم ~~بالبشر [الوارد] ، وآملهم بالنيل القاصد. # وقال أبو الطيب وذكر أبا دلف وأبا الفوارس ابنى عضد الدولة: # فلم أر قبله شبلى هزبر ... كشبليه، ولا فرسى رهان # فعاشا عيشة القمرين يحيى ... بضوئهما ولا يتحاسدان # ولا ملكا سوى ملك الأعادى ... ولا ورثا سوى من يقتلان # [وكانا ابنا عدو كاثراه ... له ياءى حروف أنيسيان] # دعاء كالثناء بلا رياء ... يؤديه الجنان إلى الجنان # وكتب أبو القاسم الإسكافى عن نوح بن نصر إلى وشمكير بن زياد فى استبطاء ~~وتهنئة: # وصل كتابك ناطقا مفتتحه بجميل العذر، فيما نقل من المكاتبة، وبعث من ~~المطالعة، ومعربا مختتمه عن جملة خبر السلامة التى طبقت أعمالك، والاستقامة ~~التى عمت أحوالك، وفهمناه، ولولا أن مواتاتك- أيدك الله تعالى- فيما تأتى ~~وتذر، وترتئى وتدبر، عادة لنا أورثتناها قرابة ما بين وفاقنا ووفاقك، ~~وملاءمة حال ألجأتنا لحال استحقاقك؛ لكنا ربما ضايقناك فى العذر الذى ~~اعتذرت به، وإن كان واضحا طريقه، وناقشناك فيه، وإن كان واجبا تصديقه، لفرط ~~الأنس [يخلص إلينا] بكتابك، والارتياح بخطابك، اللذين لا يؤديان إلا خبر ~~سلامة توجب الإحماد، فنحن نأبى إلا إجراء تلك العادة، كما عودتنا، وإلا ~~التجافى عما تريد فيه من الزيادة التى أردتها، ولا ندع مع ذلك أن يصل ~~تسويفك «1» إلى الإقلال الذى اخترته بإحمادك على الكتاب إذا كتبته، توخيا ~~«2» لأن تكون مؤهلا فى الحالين لخالصة # PageV04P1121 # التنويل، مقدما فى درج التفضيل، موفى ms709 حقائق الإيثار، موقى لواحق ~~الاستقصار، ونستعين بالله على قضاء حقوقك، وعلى جميل النية فى أمورك؛ فإن ~~ذلك لا يبلغ إلا بقوته، ولا يدرك إلا بحوله، وأما بعد فقد عفى «1» - أعزك ~~الله تعالى- ما أفاد كتابك بخبر السلامة من أنسه، على آثار من سبقه بخبر ~~العلة من وحشة، فأوجبتنا مقابلة موهبة الله تعالى فى المحبوب صنع، والمكروه ~~دفع، نستقبل به إخلاص المواهب لنا، ونستديم به أخص المراتب بنا، فرأيك- ~~أعزك الله تعالى- فى المطالعة بذكر تستمده فى الفوة والصحة من مزيد، ~~والطاعة والكفاية من توفيق وتسديد، موفقا إن شاء الله تعالى. ### | ألفاظ لأهل العصر فى ضروب التهانى وما ينخرط فى سلكها من ذلك فى النهنئة بالمولود وما يجرى مجراها من الأدعية، وما يختص منها بالملوك أو الرؤساء # مرحبا بالفارس المصدق للظنون، المقر للعيون، المقبل بالطالع السعيد، ~~والخير العتيد، أنجب الأبناء لأكرم الآباء. أنا مستبشر بطلوع النجم الذى ~~كنا منه على أمل، ومن تطاول استسراره [الذى كنا منه] على وجل، إن يشأ الله ~~يجعله مقدمة إخوة فى نسق كالفريد المتسق «2» . قد طلع فى أفق الحرية أسعد ~~نجم، [ونجم «3» ] فى حدائق المروءة أذكى نبت. يا بشراى بطلوع الفارس ~~الميمون جده، المضمون سعده، عليه خاتم الفضل وطابعه، وله سهم الخير وطالعه. ~~الحمد لله على طلوع هذا الهلال الذى نراه إن شاء الله بدرا لا يضمر السرار ~~بهاه، ولا يبلغ المحاق سناءه وسناه، وقد بشرت قوابله بالإقبال وعلو الجد ~~«4» ، واقترن قدومه بالطالع السعد. هناك الله تعالى بقوة الظهر، # PageV04P1122 # واشتداد الأزر. الفارس المكثر لسواد الفضل، الموفر لحال الأهل، المستوفى ~~شرف الأرومة، بكرم الأبوة والأمومة، وأبقاه حتى نراه، كما رأينا جده وأباه. # عرفت آنفا ما كثر الله به عدده، وشد عضده، من طلوع الفارس الذى أضاء له ~~الأفق، وطال به باع السعادة، فعظمت النعمى لدى، وأوردت البشرى غاية المنى ~~على. مرحبا بالفارس القادم، بأعظم المغانم، سوى الخلق [سامى العرق] يلوح ~~عليه سيماء المجد، وتتجاذبه أطراف الملك والحمد. وردت البشرى بالفارس الذى ~~أوسع رباع المجد تأهيلا، ومناكب الشرف ارتفاعا، وأعضاد العز ms710 اشتدادا. ~~واتتنى بشرى البشائر «1» ، والنعم المحروسة على النظائر، فى سلالة العز ~~وسليله، وابن منبر الملك وسريره، والأمير القادم بغرة المكارم، الناهض إلى ~~إلى ذروة العلياء، بآباء أمراء، وملوك عظماء. مرحبا بالفارس المامول لشد ~~الظهور، المرجو لسد الثغور. الحمد لله الذى شد أزر الدولة، ونظم قلادة ~~الإمرة، ودعم سرير العزة، ووطد منابر المملكة، بالقمر السعد، وشبل الأسد ~~الورد. قد تنسمت المكارم والمعالى، وتباشرت الخطب والقوافى، بالفارس ~~المأمول لشد أزر الملك، وسد ثغر المجد، وتطاول السرير شوقا إليه، واهتزت ~~المنابر حرصا عليه. قد افتر جفن العالم عن العين البصيرة، واستغرب مضحكه عن ~~اللمعة المنيرة؛ أما الأمير فالتاج لجبينه يبهى، والركاب بقدمه تزهى «2» ، ~~أللهم أرنى هذا الهلال بدرا قد علا الأقدار قدرا، وبلغه الله فيه من مناه، ~~حتى نراه وأخاه، منيفين على ذروة المجد، آخذين من أوفر الحظوة بأعلى الجد. # ولهم: والله يمتع به، ويرزق الخير منه، ويحقق الأمل فيه. عرف الله تعالى ~~آثار بركة المولود المسعود، وعضد الفضل بالزيادة فى عدده، وأقر عين # PageV04P1123 # المجد بالسادة من ولده. عرفه الله تعالى من سيادة مقدمه، ما يجمع الأعداء ~~تحت قدمه. عمرك الله تعالى حتى ترى هذا الهلال قمرا باهرا، وبدرا زاهرا، ~~يكثر به عدد حفدتك، ويعظم معه غصة حسدتك، من حيث لا تهتدى النوائب إلى ~~أغراضكم، ولا تطمع الحوادث «1» إلى انتقاصكم، متعك الله بالولد، وجعله من ~~أقوى العدد، ووصله بإخوة متوافرى العدد، شادى الأزر والعضد. هناك الله ~~تعالى مولده، وقرن باليمن مورده، وأراك من بنيه أولادا برره [وأسباطا ~~وحفدة، وعرفك بركة قدومه، ونجح مقدمه، وسعد طالعه، ويمن طائره، وعمرك الله] ~~حتى نرى؟؟؟ زيادة الله منه كما رأيتها به «2» ، والله يبلغك أفضل ما تقسمه ~~السعود، وتعلو به الجدود، حتى يستغرق مع إخوته مساعى الفضل، ويشيدوا قواعد ~~الفخر، ويزحموا صدور الدهر، ويضبطوا أطراف الأرض؛ والله يحرسه من نواظر ~~الأيام أن ترنو إليه «3» ، وأطماع الليالى أن تتوجه عليه، حتى يستقل بأعباء ~~الخدمة، وينهض بأثقال الدعوة، ويخف فى الدفع عن البيضة، ويسرع فى حماية ~~الحوزة، والله يديم لمولانا ms711 من العمر أكلاه، ومن العز أهناه، ليطبق العالم ~~بفضله وعدله، ويدبر الأرض بالنجباء من نسله. ### | ولهم فى ذكر المولود العلوى # غصن رسول الله صلى الله عليه وسلم، شجره أهل أن يحلو ثمره، وفرع بين ~~الرسالة والإمامة منتماه، خليق أن يحمد بدؤه وعقباه. مرحبا بالطالع بأيمن ~~طالع، ومن هو من أشرف المناصب والمنابع، حيث الرسالة والخلافة، والإمامة ~~والزعامة، أبقاه الله تعالى حتى يتهنأ فيه صوانع المنن «4» ، ويعد حسنه من ~~بنى الحسن. # PageV04P1124 ### | ولهم فى التهنئة بالإملاك «1» والنفاس، وما يقترن به من الأدعية # من اتصل بمولاى سببه، وشرف به منصبه، كان حقيقا بالرغبة إلى الله تعالى ~~فى توفيره وتكثيره، وزيادته وتثميره، لتزكو منابت الفضل، وتنمى مغارس النبل ~~والفخر، وتطيب معادن المجد. بارك الله لمولاى فى الأمر الذى عقده، وأحمده ~~إياه «2» وأسعده، وجعله موصولا بنماء العدد، وزكاء الولد، واتصال الحبل، ~~وتكثير النسل والله تعالى يخير له فى الوصلة الكريمة، ويقرنها بالمنحة ~~الجسيمة. قد عظم الله بهجتى، وضاعف غبطتى، بما أتاحه من سرور ممهد، بجمع ~~شمل مجدد، فلا زالت النعم به محفوفة، والمسار إليه مصروفة، جعل الله هذه ~~الوصلة أكيدة العقدة، طويلة المدة، سابغة البركة والفضل، طيبة الذرية ~~والنسل. # وصل الله هذا الاتصال السعيد، والعقد الحميد، بأكمل المواهب، وأحمد ~~العواقب، وجعل شمل مسرتك ملتئما، وسبب أنسك منتظما. عرفك الله تعجيل ~~البركات، وتوالى الخيرات، ولا أخلاك الله من هذه الوصلة [من التهانى بنجباء ~~الأولاد، وكبت بكثرة عددك الحساد. هناك الله مولاى الوصلة] بكثرة العدد، ~~ووفور الولد، وانبساط الباع واليد، عالى القدر والجد. ### | ولهم فى التهنئة بالولاية والأعمال، وما يتصل بها من الأدعية للوزراء والقضاة والعمال # عرفت أخبار البلد الذى أحسن الله إلى أهله، وعطف عليهم بفضله، إذ أضيف ~~إلى ما يلاحظه مولاى بعين إيالته، ويشفى خلله بفضل أصالته. أنا من سر # PageV04P1125 # بالولاية يلبس مولاى ظلالها، ويسحب أذيالها، بنعم مستفادة، ورتب مستزادة، ~~سرورى بما أعلمه بكسبه «1» الثناء فى كل عمل يدبره، من أحدوثة جميلة، ~~ومثوبة جزيلة، ويؤثره من إحياء عدل، وإماتة جور، وعمارة لسبل الخيرات، ~~وإيضاح لطرق ms712 المكرمات، سيدى يوفى على الرتب التى يدعى لها بحلوله «2» ؛ ~~فهنيئا لها بتجملها بولايته، وتحليها بكفايته. الأعمال إن بلغت أقصى ~~الآمال، فكفاية مولاى تتجاوزها وتتخطاها، والرتب وإن جلت قدرا، وكبرت ذكرا، ~~فصناعته تسبقها «3» وتنسؤها، غير أن للتهانى رسما لا بد من إقامته، وشرطا ~~لا سبيل إلى نقض عادته. الأعمال وإن بلغت أقصى الآمال فكفاية سيدى توفى ~~عليها إيفاء الشمس على النجوم، وترتفع عنها ارتفاع السماء على التخوم. # سيدى أرفع قدرا وأنبه ذكرا، من أن نهنئه بولاية وإن جل أمرها وعظم قدرها. ~~قد أعطيت قوس الوزارة باريها، وأضيفت إلى كفئها وكافيها، وفسخ فيها شرط ~~الدنيا الفاسد فى إهداء حظوظها إلى أوغادها، ونقض بها حكمها الجائر فى ~~العدول بها عن نجباء أولادها. الدنيا أعز الله الوزير مهنأة بانحيازها «4» ~~إلى رأيه وتنفيذه، والممالك مغبوطة باتصالها إلى أمره وتدبيره. قد كانت ~~الدنيا مستشرفة لوزارته، إلى أن سدت بما كانت الأيام عنه مخبرة، وحظيت بما ~~كانت الظنون به مبشرة. أنا أهنىء الوزارة بإلقائها إلى فضله مقادتها، ~~وبلوغها فى ظله إرادتها، وانحيازها من إيالته إلى واضحة الفخر، وتوشحها من ~~كفايته بعزة سائدة على وجه الدهر. الحمد لله الذى أقر عين الفضل، ووطأ مهاد ~~المجد، وترك الحساد يتعثرون فى ذيول الخيبة، ويتساقطون فى فضول الحسرة؛ ~~وأرانى الوزارة وقد استكمل الشيخ إجلالها، ووفى لها جمالها: # PageV04P1126 # فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها # والقاضى علم العلم شرقا وغربا، ونجم الفضل غورا ونجدا، وشمس الأدب برا ~~وبحرا، فسبيل الأعمال أن تهنأ إذا ردت إلى نظره الميمون، وعصبت برأيه ~~المأمون. [أسعد الله القاضى بما جد] له من رأى مولانا وارتضاه، واعتمده ~~لأجل أمر الشريعة وأمضاه، وأسعد المسلمين والدين بما أصاره إليه، وجمع ~~زمامه فى يديه. عرف الله سيدى من سعادة عمله، أفضل ما ترقاه بأمله، ولقاه ~~من مناجح أمره، أفضل ما انتحاه بفكره. خار الله له فيما تولاه وتطوقه، ~~وبلغه فى كل حال أمله وحققه، وعرفه من يمن ما باشره تدبيره «1» الخير ~~[والخيرة] والبركات الحاضرة والمنتظرة، وجعل المناجح إليه ms713 أرسالا، لا تمل ~~تواليا واتصالا. # أسعده الله أفضل سعادة قسمت لوالى عمل، وأسهم له أخص بركة أسهمت لمسامى ~~أهل «2» ، أحضر الله السداد عزمه، والرشاد همه، وكنقه العصمة وأيده، وقرنه ~~بالتوفيق ولا أفرده. هنأه الله تعالى الموهبة التى ساقها إليه، ومد رواقها ~~عليه؛ إذ كانت من عقائل المواهب، مسفرة عن خصائص المراتب، وحلت فيه محل ~~الاستحباب لا الإيجاب، والاستحقاق دون الاتفاق. هنأ الله نعمته الفضل «3» ~~الذى الولاية أصغر آلاتها، والرياسة بعض صفاتها ### | ولهم فى التهنئة بذكر الخلع والأجبية # أهنى سيدى مزيد الرفعة، وجديد الخلعة، التى تخلع قلوب المنازعين، واللواء ~~الذى يلوى أيدى المنابذين، والحظ الذى لو امتطاه إلى الأفلاك لحازها، أو ~~سامى به الجوزاء، لجازها. بلغنى خبر ما تطوعت به سماء المجد، وجادت به # PageV04P1127 # أنواء الملك، فصن من الخلع أسناها، ومن المراكب أبهاها، [ومن السيوف ~~أمضاها، ومن الأفراس أجراها، ومن الإقطاعات أنماها] . لبس خلعته متجللا ~~منها ملابس العز، وامتطى فرسه فارعا به ذروة المجد، وتقلد سيفه حاصدا بحد ~~طلى أعدائه «1» وغامطى نعمائه، واعتنق طوقه متطوقا عز الأبد، واعتضد ~~بالسوارين الموديين بقوة الساعد والعضد، وساس أولياءه ولواء العز عليه ~~خافق، وهو بلسان الظفر والنصر ناطق. قد لبس خلعته التى تعمد بها [رفعته] ، ~~وامتطى حملانه الذى واصل به إحسانه «2» ، تمنطق بحسامه الذى ظاهر أبواب ~~إنعامه، وتختم بخاتميه، اللذين بسطا من يديه؛ ووقع من دواته، التى أعلت من ~~درجاته قد زررت عليه سماء الشرف عرى الخلعة، التى تتراءى صفحات العز على ~~أعطافها، وتمترى مزايا المجد من أطرافها، وركب الحملان الذى نتناول قاصيتى ~~المنى من ناصيته، والمركب الذى تستخذى «3» حلى الثريا لحليته، والسيف ~~والمنطقة الناطقان عن نهاية الإكرام، الناظمان قلائد الإعظام. خلع تخلع ~~قلوب الأعداء من مقارها «4» ، وتعمر نفوس الأولياء بمسارها، وسيف كالقضاء ~~مضاء وحدا، ولواء يخفق قلوب المنازعين إذا خفق، وحملات تصدع منكب الدهر إذا ~~انطلق «5» . ### | ولهم فى التهنئة بالقدوم من سفر # أهنى سيدى ونفسى بما يسره الله من قدومه سالما، وأشكره على ذلك شكرا ~~قائما؛ غيبة المكارم مقرونة بغيبتك، وأوبة النعم موصولة بأوبتك؛ ms714 فوصل الله ~~تعالى قدومك من الكرامة، بأضعاف ما قرن به مسيرك من السلامة. # وهناك أيامك، وبلغك محابك؛ ما زلت بالنية مسافرا، وباتصال الذكر # PageV04P1128 # والفكر لك ملاقيا، إلى أن جمع الله شمل سرورى بأوبتك «1» ، وسكن نافر ~~قلبى بعودتك، فأسأل الله أن يسعدك بمقدمك سعادة تكون فيها [بالإقبال] ~~مقابلا، وبالأمانى ظافرا، ولا أوحش منك أوطان الفضل، ورباع المجد، بمنه ~~وكرمه. ### | [من أحسن الشعر] # قال الهيثم بن عدى: أنشدنى مجالد بن سعيد شعرا أعجبنى، فقلت: من أنشدكه؟ ~~قال: كنا يوما عند الشعبى فتناشدنا الشعر، فلما فرغنا قال: أيكم يحسن أن ~~يقول مثل هذا، وأنشدنا: # خليلى مهلا طالما لم أقل مهلا ... وما سرفا م الآن قلت ولا جهلا «2» # وإن صبا ابن الأربعين سفاهة ... فكيف مع اللاتى مثلت بها مثلا # يقول لى المفتى وهن عشية ... بمكة يسحبن المهدبة السحلا «3» # تق الله لا تنظر إليهن يا فتى ... وما خلتنى بالحج ملتمسا وصلا # فوالله لا أنسى وإن شطت النوى ... عرانينهن الشم والأعين النجلا # ولا المسك فى أعرافهن ولا البرى ... جواعل فى أوساطها قصبا خدلا # خليلى لا والله ما قلت مرحبا ... لأول شيبات طلعن ولا أهلا «4» # خليلى إن الشيب داء كرهته ... فما أحسن المرعى وما أقبح المحلا # قال مجالد: فكتبت الشعر، ثم قلنا للشعبى: من يقوله؟ فسكت، فحسبنا أنه ~~قائله. ### | [المراثى التى قيلت على قبر عمرو بن حممة الدوسى] # قال الشرقى بن القطامى: لما مات عمرو بن حممة الدوسى- وكان أحد من تتحاكم ~~العرب إليه- مر بقبره ثلاثة نفر من أهل المدينة قادمين من الشام: الهدم ابن ~~امرئ القيس بن الحارث بن زيد، وهو أبو كلثوم بن الهدم الذى نزل عليه # PageV04P1129 # النبى صلى الله عليه وسلم، وعتيك بن قيس بن هيشة بن أمية بن معاوية، ~~وحاطب ابن قيس بن هيشة ابن معاوية. وحاطب بن هيشة الذى كانت بسببه حرب ~~حاطب، فعقروا رواحلهم على قبره، وقام الهدم فقال: # لقد ضمت الأثراء منك مرزأ ... عظيم رماد النار مشترك القدر # إذا قلت لم تترك مقالا لقائل ... وإن صلت كنت الليث تحمى حمى الأجر ms715 # حليما إذ ما الحلم كان حزامة ... وقوفا إذا كان الوقوف على الجمر «1» # ليبكك من كانت حياتك عزه ... وأصبح لما مت يغضى على الصغر # سقى الأرض ذات الطول والعرض مثجم ... أحم الذرى واهى العرى دائم القطر ~~«2» # وما بى سقيا الأرض لكن تربة ... أضلك فى أحشائها ملحد القبر # وقام عتيك بن قيس فقال: # برغم العلا والجود والمجد والندى ... طواك الردى يا خير حاف وناعل # لقد غال صرف الدهر منك مرزأ ... نهوضا بأعباء الأمور الأثاقل # يضم العفاة الطارقين فناؤه ... كما ضم أم الرأس شعب القبائل # ويسرو دجا الهيجا مضاء عزيمة ... كما كشف الصبح اطراق الغياطل «3» # ويستهزم الجيش العرمرم باسمه ... وإن كان جرارا كثير الصواهل # فإما تصبنا الحادثات بنكبة ... رمتك بها إحدى الدواهى الضآبل «4» # فلا تبعدن إن الحتوف موارد ... وكل فتى من صرفها غير وائل «5» # وقام حاطب بن قيس فقال: # سلام على القبر الذى ضم أعظما ... تحوم المعالى نحوه فتسلم # PageV04P1130 # سلام عليه كلما ذر شارق ... وما امتد قطع من دجى الليل مظلم # [فيا قبر عمرو جاد أرضا تعطفت ... عليك ملث دائم القطر مرزم # تضمنت جسما طاب حيا وميتا ... فأنت بما ضمنت فى الأرض معلم # فلو نطقت أرض لقال ترابها ... إلى قبر عمرو الأزد حل التكرم # إلى مرمس قد حل بين ترابه ... وأحجاره بدر وأضبط ضيغم # فلا يبعدنك الله حيا وميتا ... فقد كنت نور الخطب والخطب مظلم # لعمر الذى حطت إليه على الونا ... حدابير عوج نيها متهمم] # لقد هدم العلياء موتك جانبا ... وكان قديما ركنها لا يهدم ### | [بلاغة الأعراب] # قال الأصمعى: سمعت أعرابيا يذكر قومه فقال: كانوا إذا اصطفوا تحت القتام، ~~مطرت بينهم السهام، بشؤبوب الحمام «1» ، وإذا تصافحوا بالسيوف، فغرت ~~أفواهها الحتوف، فرب قرن عارم قد أحسنوا أدبه، وحرب عبوس قد أضحكتها ~~أسنتهم، وخطب مشمئز ذللوا مناكبه، ويوم عماس قد كشفوا ظلمته بالصبر حتى ~~تتجلى. كانوا البحر لا ينكش غماره، ولا يننه؟؟؟ تياره. # قال العتبى: سئل أعرابى عن حاله [عند موته] فقال: أجدنى مأخوذا بالنقلة، ~~محجوجا بالمهلة، أفارق ما جمعت، وأقدم على ما ضيعت، فيا ms716 حيائى من كريم قدم ~~المعذرة، وأطال النظرة «2» ، إن لم يتداركنى بالمغفرة، ثم قضى. # وقال بعض الرواة: كان يقال: الإخوان ثلاثة: أخ يخلص لك وده، ويبلغ لك فى ~~مهمك جهده، وأخ ذو نية يقتصر بك على حسن نيته، دون رفده «3» ومعونته، وأخ ~~يجاملك بلسانه، ويشتغل عنك بشأنه، ويوسعك من كذبه بأيمانه. # قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: وقفت علينا أعرابية فقالت: يا قوم، تعثر ~~بنا الدهر، إذ قل منا الشكر، وفارقنا الغنى، وحالفنا الفقر، فرحم الله امرأ ~~فهم # PageV04P1131 # بعقل، وأعطى من فضل، وواسى من كفاف، وأعان على عفاف. ### | [ذل السؤال] # قال أبو بكر الحنفى: حضرت مسجد الجماعة بالكوفة، وقام سائل يتكلم عند ~~صلاة الظهر ثم عند العصر والمغرب، فلم يعط شيئا، فقال: اللهم إنك بحاجتى ~~عالم غير معلم، واسع غير مكلف، وأنت الذى لا يرزؤك نائل، ولا يحفيك «1» ~~سائل، ولا يبلغ مدحتك قائل، أنت كما قال المثنون، وفوق ما يقولون، أسألك ~~صبرا جميلا، وفرجا قريبا، ونصرا بالهدى، وقرة عين فيما تحب وترضى، ثم ولى ~~لينصرف، فابتدره الناس يعطونه، فلم يأخذ شيئا، ثم مضى وهو يقول: # ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضا، ولو نال الغنى بسؤال # وإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخف كل نوال ### | [من مقامات بديع الزمان] # ومن مقامات الإسكندرى إنشاء البديع: حدثنا عيسى بن هشام قال: # كنت فى بلاد الأهواز، وقصاراى لفظة شرود أصيدها، أو كلمة بليغة أستفيدها؛ ~~فادانى السير إلى رقعة [من البلاد] فسيحة، وإذا هناك قوم مجتمعون على رجل ~~يستمعون إليه وهو يخبط الأرض بعضا على إيقاع لا يختلف، وعلمت أن مع الإيقاع ~~لحنا، ولم أبعد لأنال من السماع حظا، أو أسمع من البليغ لفظا، فما زلت ~~بالنظارة، أزحم هذا وأدفع ذاك، حتى وصلت إلى الرجل، وصرفت الطرف منه إلى ~~حزقة كالقرنب «2» ، مكفوف فى شملة من صوف، يدور كالخذروف «3» ، متبرنسا ~~بأطول منه، معتمدا على عصا فيها جلاجل، يضرب الأرض بها على إيقاع غنج، ولفظ ~~هزج، من صدر حرج، وهو يقول: # يا قوم قد أثقل دينى ظهرى ... وطالبتنى ms717 طلتى بالمهر «4» # PageV04P1132 # أصبحت من بعد غنى ووفر ... ساكن قفر وحليف فقر # يا قوم هل بينكم من حر ... يعيننى على صروف الدهر # يا قوم قد عيل بفقرى صبرى ... وانكشفت عنى ذيول الستر # وفض ذا الدهر بأيدى البتر ... ما كان لى من فضة وتبر # آوى إلى بيت كقيد الشبر ... خامل قدر وصغير قدر «1» # لو ختم الله بخير أمرى ... أعقبنى من عسرة بيسر # هل من فتى فيكم كريم النجر ... محتسب فى عظيم الأجر # إن لم يكن مغتنما للشكر # قال عيسى بن هشام: فرق له والله قلبى، واغرورقت عينى، وما لبثت أن أعطيته ~~دينارا كان معى، فأنشأ يقول: # يا حسنها فاقعة صفراء ... معشوقة منقوشة قوراء # يكاد أن يقطر منها الماء ... قد أثمرتها همة علياء # نفس فتى يملكه السخاء ... يصرفه فيه كما يشاء # يا ذا الذى يعنيه ذا الثناء ... ما يتقصى قدرك الإطراء # فامض على الله لك الجزاء # ورحم الله من شدها فى قرن بمثلها، وآنسها بأختها، فناله الناس ما نالوه ~~«2» ؛ ثم فارقهم وتبعته، وعلمت أنه متعام لسرعة ما عرف الدينار، فلما ~~نظمتنا خلوة مددت يمناى إلى يسرى عضديه، وقلت: والله لترينى سرك، أو لأكشفن ~~سترك؛ فكشف عن توأمتى لوز «3» ، وحدرت لثامه، فإذا هو والله شيخنا أبو ~~الفتح الإسكندرى، فقلت: أنت أبو الفتح؟ فقال: لا # أنا أبو قلمون ... فى كل لون أكون # PageV04P1133 # اختر من الكسب دونا ... فإن دهرك دون # زج الزمان بحمق ... إن الزمان زبون # لا تخدعن بعقل ... ما العقل إلا الجنون ### | [من شعر كشاجم] # وقال أبو الفتح كشاجم: # ما زال حر الشوق يغلب صبرها ... حتى تحدر دمعها المتعلق # وجرى من الكحل السحيق بخدها ... خط تؤثره الدموع السبق # فكأن مجرى الدمع حلية فضة ... فى بعضه ذهب وبعض محرق # وقال: # ما لذة أكمل فى طيبها ... من قبلة فى إثرها عضه # كأنما تأثيرها لمعة ... من ذهب أجرى فى فضه # خلستها بالكره من شادن ... يعشق بعضى بالمنى بعضه # وقال: # ومستهجن مدحى له إن تأكدت ... له عقد الإخلاص، والحر يمدح «1» # ويأبى الذى فى القلب إلا تبينا ... وكل إناء بالذى ms718 فيه يرشح # وقال: # وإذا افتخرت بأعظم مقبورة ... فالناس بين مكذب ومصدق # فأقم لنفسك فى انتسابك شاهدا ... بحديث مجد للقديم محقق # وقال: # يا مسدى العرف إسرارا وإعلانا ... ومتبع البر والإحسان إحسانا # أقلع سحابك قد غرقتنى نعما ... ما أدمن الغيث إلا كان طوفانا «2» # PageV04P1134 # هذا مولد من قول أبى نواس: # لا تسدين إلى عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا # البحترى: # ألح جودا ولم تضرر سحائبه ... وربما ضر فى إلحاحه المطر # مواهب ما تجشمنا السؤال لها ... إن الغمام قليب ليس يحتفر «1» # وقد أخذ على ذى الرمة قوله: # ألا يا اسلمى يا دارمى على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر # قالوا: وأحسن منه قول طرفة: # فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى # وقد تحرز ذو الرمة مما تؤول عليه بالسلامة فى أول البيت. # وقال كشاجم: # أيا نشوان من خمر بفيه ... متى تصحو وريقك خندريس «2» # أرى بك ما أراه بذى انتشاء ... ألح عليه بالكاس الجليس # تورد وجنة وفتور لحظ ... تمرضه وأعطاف تميس # وقال: # وما زال يبرى جملة الجسم حبها ... وينقصه حتى نقصت عن النقص «3» # وقد ذبت حتى صرت إن أنا زرتها ... أمنت عليها أن يرى أهلها شخصى ### | [الرجوع إلى الرئيس بعد تجربة غيره] # كتب ابن مكرم إلى بعض الرؤساء: نبت بى غرة الحداثة، فردتنى إليك التجربة، ~~وقادتنى الضرورة، ثقة بإسراعك إلى وإن أبطأت عنك، # PageV04P1135 # وقبولك العذر وإن قصرت عن واجبك، وإن كانت ذنوبى سدت على مسالك الصفح ~~عنى، فراجع فى مجدك وسؤددك، وإنى لا أعرف موقفا أذل من موقفى، لولا أن ~~المخاطبة فيه لك، ولا خطة أدنى من خطتى، لولا أنها فى طلب رضاك. # وهذا المعنى الذى ذهب إليه من الرجوع إلى الرئيس بعد تجربة غيره قد أكثر ~~الناس منه قديما وحديثا وسأفيض فى طرف من ذلك: # وأنشد أبو عبيدة لزياد بن منقذ الحنظلى، وهو أخو [المرار العدوى، نسب إلى ~~أمة العدوية، وهى فكيهة بنت تميم بن الدول بن جبلة بن عدى بن] عبد مناة بن ~~أد بن طابخة؛ فولدت لمالك بن حنظلة عديا ويربوعا؛ ms719 فهؤلاء من ولده يقال لهم ~~[بنو] العدوية، وكان زياد نزل بصنعاء فاجتواها «1» ومنزله بنجد، فقال فى ~~ذلك قصيدة يقول فيها وذكر قومه: # مخدمون ثقال فى مجالسهم ... وفى الرحال إذا صاحبتهم خدم «2» # لم ألق بعدهم حيا فأخبرهم ... إلا يزيدهم حبا إلى هم # [وأراه أول من استثار هذا المعنى. # وكان ابن أبى عرادة السعدى مع سلم بن زياد بخراسان وكان له مكرما فتركه ~~وصحب غيره فلم يخمد أمره، فرجع إليه، فقال: # عتبت على سلم فلما فقدته ... وجربت أقواما بكيت على سلم # رجعت إليه بعد تجريب غيره ... فكان كبرء بعد طول من السقم] # وقال مسلم بن الوليد: # حياتك يا بن سعدان بن يحيى ... حياة للمكارم والمعالى # جلبت لك الثناء فجاء عفوا ... ونفس الشكر مطلقة العقال # PageV04P1136 # وترجعنى إليك- وإن نأت بى ... ديارى عنك- تجربة الرجال # وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد المبرد للبحترى: # أخ لك عاداه الزمان فأصبحت ... مذممة فيما لديه المطالب # متى ما تذوقه التجارب صاحبا ... من الناس تردده إليك التجارب # وأنشد: # حياة أبى العباس زين لقومه ... لكل امرئ قاسى الأمور وجربا # ونعتب أحيانا عليه ولو مضى ... لكنا على الباقى من الناس أعتبا «1» # قال الصولى: جرى ذكر المكتفى بحضرة الراضى فأطريته وأكثرت الثناء عليه، ~~فقال لى: يا صولى؛ كنت أنشدتنى لجرير: # أسليك عن زيد لتسلى، وقد أرى ... بعينيك من زيد قذى ليس يبرح # فقلت: يا أمير المؤمنين، من شكر القليل كان للكثير أشد شكرا، وأعظم ذكرا، ~~قال: فأين أنا لك من المكتفى؟ فأنشدته للطائى: # كم من وساع الجود عندى والندى ... لما جرى وجريت كان قطوفا «2» # أحسنتما صفدى، ولكن كنت لى ... مثل الربيع حيا وكان خريفا # وكلا كما اقتعد العلا فركبتها ... فى الذروة العليا وجاء رديفا «3» # إن غاض ماء المزن فضت، وإن قست ... كبد الزمان على كنت رءوفا # وكان المكتفى أول من نادمه الصولى، واختلط به. # ولم يل الخلافة أحد اسمه على إلا على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه، ~~وعلى بن المعتضد المكتفى بالله، وكان سبب اتصاله به وانقطاعه إليه أن رجلا ~~يعرف بمحمد ms720 بن أحمد الماوردى نزع إلى المكتفى بالرفة، وكان ألعب الناس # PageV04P1137 # بالشطرنج، فلما قدم عليه بغداد وهو خليفة قال: يا أمير المؤمنين، أنا ~~أعلم الناس بهذه الصناعة، فأقطعنى ما كان للرازى الشطرنجى؛ فغاظ ذلك ~~المكتفى، وندب له الصولى فلم ير معه الماوردى شيئا. فقال له المكتفى: صار ~~ماء وردك بولا، قال الصولى: فأقبل المكتفى على ورتبنى فى الجلساء، فحجبت ~~يوما عنه، واتصل بى أن خصمى شمت بى، فكتبت قصيدة للمكتفى أقول فيها: # قد ساء ظن الناس بى وتنكروا ... لما رأونى دون غيرى أحجب # إن كان غلبيه يقرب أمره ... دونى فإنى عن قريب أغلب # فضحك، وأمر لى بمائتى دينار، واندرجت فى خدمته. ### | [فى بيعة يزيد بن معاوية] # اجتمعت وفود العرب عند معاوية رحمه الله تعالى، وكان إذا أراد أن يفعل ~~شيئا ألقى منه ذرءا إلى الناس «1» ، فإذا امتنعوا كف، وإن رضوا أمضى، فعرض ~~ببيعة يزيد، فقامت خطباء معد فشققوا الكلام، وأطنبوا فى الخطاب، فوثب شاب ~~من غسان قابضا على قائم سيفه، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن الحيف فى حكم ~~السيف «2» ، وبعد النسيم الهيف «3» ؛ فإن هؤلاء عجزوا عن الصيال، فعولوا ~~على المقال، ونحن القاتلون إذا صلنا، والمعجبون إذا قلنا، فمن مال عن القصد ~~أقمناه، ومن قال بغير الحق وقمناه «4» ، فلينظر ناظر إلى موطىء قدمه، قبل ~~أن تدحض فيهوى هوى الحجر من رأس النيق «5» ؛ فتفرق الناس عن قوله، ونسوا ما ~~كانوا فيه من الخطب. # PageV04P1138 ### | [فى الإقدام حياة] # وقال المهلب يوما لجلسائه: أراكم تعنفوننى فى الإقدام، قالوا له: إى ~~والله، إنك لسقوط بنفسك فى المهالك، قال: إليكم عنى! فوالله لولا أن آتى ~~الموت مسترسلا، لأتانى مستعجلا؛ إنى لست آتى الموت من حبه، إنما آتيه من ~~بغضه، ثم تمثل بقول الحصين بن الحمام المرى: # [تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد ... لنفسى حياة مثل أن أتقدما # ومن هذا أخذ أبو الطيب المتنبى قوله] : # أرى كلنا يهوى الحياة لنفسه ... حريصا عليها مستهاما بها صبا # فحب الجبان النفس أورده التقى ... وحب الشجاع النفس أورده الحربا # وقال أبو دلف: # الحرب تضحك ms721 عن كرى وإقدامى ... والخيل تعرف آثارى وأيامى # سيفى مدامى، وريحانى مثقفتى، ... وهمتى مقة التفصيل للهام «1» # وقد تجرد لى بالحسن منفردا ... أمضى وأشجع منى يوم إقدامى «2» # سلت لواحظه سيف السفام على ... جسمى فأصبح جسمى ربع أسقام ### | [من أخبار أبى دلف وشعره] # وكان أبو دلف شاعرا مجيدا، وجوادا كريما. جامعا لآلات الأدب والظرف، وله ~~شعر جيد فى كل فن، وهو القائل: # أحبك يا جنان؛ فأنت منى ... محل الروح من جسد الجبان # ولو أنى أقول: مكان روحى ... لخفت عليك بادرة الزمان # PageV04P1139 # لإقدامى إذ ما الخيل جالت ... وهاب كماتها حر الطعان «1» # وكان يتعشق جارية ببغداد فإذا شخص إلى الحضرة زارها، فركب فى بعض قدماته ~~إليها، فلما صار بالجسر مشى على طرف طيلسان بعض المارين، فخرقه، فأخذ ~~بعنانه، وقال: يا أبا دلف؛ ليست هذه كرخك، هذه مدينة السلام؛ الذئب والشاة ~~بها فى مربع واحد! فثنى عنانه متوجها إلى الكرخ، وكتب إلى الجارية: # قطعت عن لقائك الأشغال ... وهموم أتت على ثقال # فى بلاد يهان فيها عزيز الق ... وم حتى تناله الأنذال # حيث لا مدفع بسيف عن الضيم ... ولا للكماة فيها مجال # ومقام العزيز فى بلد الهو ... ن إذا أمكن الرحيل محال # فعليك السلام يا ظبية الكر ... خ أقمتم وحان منا ارتحال # ودخل أبو دلف على المأمون بعد الرضا عنه، فسأله عن عبد الله بن طاهر، ~~فقال: # خلفته يا أمير المؤمنين أمين غيب، نصيح جيب، أسدا عاتيا، قائما على ~~براثنه، يسعد به وليك، ويشقى به عدوك، رحب الفناء لأهل طاعتك، ذا بأس شديد ~~لمن زاغ عن قصد محجتك، قد فقهه الحزم، وأيقظه العزم، فقام فى نحر الأمور ~~على ساق التشمير، يبرمها بأيده «2» وكيده، ويفلها بحده وجده؛ وما أشبهه فى ~~الحرب إلا بقول العباس بن مرداس: # أكر على الكتيبة لا أبالى ... أحتقى كان فيها أم سواها # [فقال قائل: ما أفصحه على جبليته! فقال المأمون: وإن بالجبل قوما أمجادا، ~~كراما أنجادا، وإنهم ليوفون السيف حظه يوم النزال، والكلام حقه يوم المقال، ~~وإن أبا دلف منهم] . # PageV04P1140 ### | [من رسائل الميكالى] # فصل ms722 لأبى الفضل الميكالى من كتاب تعزية عن أبى العباس بن الإمام أبى ~~الطيب. # لئن كانت الرزية بمصيبة مؤلمة، وطرق العزاء والسلوة مبهمة، لقد حلت بساحة ~~من لا تنتقض بأمثالها مرائره، ولا تضعف عن احتمالها بصائره، بل يتلقاها ~~بصدر فسيح يحمى أن يفتح الحزن بابه، وصبر مشيح يحمى أن يحبط الجزع أجره ~~وثوابه، ولم لا وآداب الدين من عنده تلتمس، وأحكام الشرع من بنانه ولسانه ~~تستفاد وتقتبس، والعيون ترمقه «1» فى هذه الحال لتجرى على سننه، وتأخذ ~~بآدابه وسننه؛ فإن تعزت القلوب فبحسن تماسكه عزاؤها، وإن حسنت الأفعال فإلى ~~حميد أفعاله ومذاهبه اعتزاؤها. # وله من تعزية إلى أبى عمرو البحترى: قدس الله روحه، وسقى ضريحه؛ فلقد عاش ~~نبيه الذكر، جليل القدر، عبق الثناء والنشر، يتجمل به أهل بلده، ويتباهى ~~بمكانه ذوو مودته، ويفتخر الأثر وحاملوه بتراخى بقائه ومدته، حتى إذا تسنم ~~ذروة «2» الفضائل والمناقب، وظهرت محاسنه كالنجوم الثواقب، اختطفته يد ~~المقدار، ومحى أثره بين الآثار، فالفضل خاشع الطرف لفقده، والكرم خالى ~~الربع من بعده، والحديث يندب حافظه ودارسه، وحسن العهد يبكى كافله وحارسه. # وله: فأما الشكر الذى أعارنى رداءه، وقلدنى طوقه وسناءه؛ فهيهات أن ينتسب ~~إلا إلى عادات فضله وإفضاله، ولا يسير إلا تحت رايات عرفه ونواله، وهو ثوب ~~لا يحلى إلا بذكره طرازه، واسم له حقيقته ولسواه مجازه، ولو أنه # PageV04P1141 # حين ملك رقى بأياديه، وأعجز وسعى عن حقوق مكارمه ومساعيه، خلى لى مذهب ~~الشكر وميدانه، ولم يجاذبنى زمامه وعنانه، لتعلقت عن بلوغ بعض الواجب بعروة ~~طمع، ونهضت فيه ولو على وهن وظلع «1» ، ولكنه يأبى إلا أن يستولى على أمد ~~الفضائل، ويتسنم ذرا الغوارب منها والكواهل؛ فلا يدع فى المجد غاية إلا ~~يسبق إليها فارطا، ويخلف من سواه عنها حسيرا ساقطا؛ لتكون المعالى بأسرها ~~مجموعة فى ملكه، منظومة فى سلكه، خالصة له من دعوى القسيم وشركه. # وله فصل من كتاب إلى أبى سعيد بن خلف الهمذانى: فأما التحفة التى شفعها ~~بكتابه فقد وصلت، فكانت ضرة لزهر الربيع، موفية بحسن الخط على الوشى ms723 ~~الصنيع، وليس يهتدى لمثل هذه اللطائف فى مبرة الإخوان، إلا من يعد من أفراد ~~الأقران، ولا يرضى من نفسه فى إقامة شعائر البر دون القران «2» ، والله ~~يمتعه بما منحه من خصائص هى فى آذان الزمان شنوف «3» ، وفى جيده عقد برصوف. ### | [عتاب] # وقال أبو يعقوب الخريمى يعاتب الوليد بن أبان: # أتعجب منى إن صبرت على الأذى ... وكنت امرأ ذا إربة متجملا # فإنى بحمد الله لا رأى عاجز ... رأيت، ولا أخطأت للحق مفصلا # ولكن تدبرت الأمور؛ فلم أجد ... سوى الحلم والإغضاء خيرا وأفضلا # وأقسم لولا سالف الود بيننا ... وعهد أبت أركانه أن تزيلا # وأيامك الغر اللواتى تقدمت ... وأوليتنيها منعما متطولا # PageV04P1142 # رحلت قلوص الهجر ثم اقتعدتها ... إلى البعد ما ألفيت فى الأرض معملا # وأكرمت نفسى والكرامة حظها ... ولم ترنى لولا الهوى متذللا # وعارضت أطراف الصبا أبتغى أخا ... يعين إذا ما الهم بالمرء أعضلا # أخا كأبى عمرو، وأنى بمثله ... إذا الحر بالمجد ارتدى وتسر بلا # جزى الله عثمان الخريمى خير ما ... جزى صاحبا جزل المواهب مفضلا # أخا كان إن أقبلت بالود زادنى ... صفاء وإن أدبرت حن وأقبلا # أخا لم يخنى فى الحياة ولم أبت ... يخوفنى الأعداء منه التنقلا # إذا حاولوه بالسعاية حاولوا ... به هضبة تأبى بأن تتخلخلا # يحكمنى فى ماله ولسانه ... ويركب دونى الراعبى المؤللا «1» # كفى جفوة الإخوان طول حياته ... وأورث مما كان أعطى وأحزلا # وبات حميدا لم يكدر صنيعه ... ولم أقله طول الحياة وماقلا # وكنت أخا لو دام عهدك واصلا ... نصورا إذا ما الشر خب وهرولا # فغيرك الواشون حتى كأنما ... ترانى شجاعا بين عينيك مقبلا ### | [من ترجمة أبى يعقوب الخريمى] # وأبو يعقوب هذا إسحاق بن حسان، قال المبرد: كان أبو يعقوب جميل الشعر، ~~مقبولا عند الكتاب، وله كلام قوى، ومذهب متوسط، وكان يرجع إلى نسب كريم فى ~~الصغد، وكان له ولاء فى غطفان، وكان اتصاله بمولاه أبى عثمان بن خريم المرى ~~الذى يقال له خريم الناعم، وكان أبو عثمان هذا قائدا جليلا، وسيدا كريما. ~~وسئل [خريم] عن لذة الدنيا، فقال: الأمن فإنه لا ms724 عيش لخائف، والعافية فإنه ~~لا عيش لسقيم، والغنى فإنه لا عيش لفقير. وقيل له: # PageV04P1143 # ما بلغ من نعمتك؟ قال: لم ألبس جديدا فى صيف، ولا خلقا فى شتاء. وفى نسبه ~~فى الصغد يقول: # أبا لصغد باس أن تعيرنى جمل ... سفاها ومن أخلاق جارتنا البخل «1» # وما ضرنى أن لم تلدنى يحابر ... ولم تشتمل جرم على ولا عكل «2» # يقول فيها: # [ودون الندى فى كل قلب ثنية ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل] # وود الفتى فى كل نيل ينيله ... إذا ما انقضى لو أن نائله جزل # وأعلم علما ليس بالظن أنه ... لكل أناس من ضرائبهم شكل # وأن أخلاء الزمان غناؤهم ... قليل إذا ما المرء زلت به النعل # تزود من الدنيا متاعا لغيرها ... فقد شمرت حذاء وانصرم الحبل «3» # وهل أنت إلا هامة اليوم أوغد ... لأمك من إحدى طوارقها الثكل # وقال يتشوق الحسن بن التختاخ «4» : # ألا مبلغ عنى خليلى ودونه ... مطا سفر لا يطعم النوم طالبه # رسالة ثاو بالعراق وروحه ... بفسطاط مصر حيث جمت عجائبه # له كل يوم حنة بعد رنة ... يجيش بها فى الصدر شوق يغالبه # إلى صاحب لا يخلق النأى عهده ... لناء ولا يشقى به من يصاقبه # تخيره حرا نقيا ضميره ... جميلا محياه كريما ضرائبه # هو الشهد سلما، والذعاف عداوة ... وبحر على الوراد تجرى غواربه # فيا حسن الحسن الذى عم فضله ... وتمت أياديه وجمت مناقبه # إليك على بعد المزار تطلعت ... نوازع شوق ما ترد عوازبه # أرى بعدك الإخوان أبناء علة ... لهم نسب فى ودهم لا أناسبه # PageV04P1144 # فهل يرجعن عيشى وعيشك مرة ... ببغداد دهر منصف لا نعاتبه # ليالى أرعى فى جنابك روضة ... وآوى إلى حصن منيع مراتبه «1» # وإذ أنت لى كالشهد بالراح صفقا ... بماء رصاف صفقته جنائبه «2» # عسى ولعل الله يجمع بيننا ... كما لاءمت صدع الإناء مشاعبه ### | فقر وفصول فى معان شتى # قال العتابى: حظ الطالبين من الدرك، بحسب ما استصحبوا من الصبر. # بعض الحكماء: الحلم عدة للسفيه، وجنة من كيد العدو، وإنك لن تقابل سفيها ~~بالإعراض عن قوله إلا أذللت نفسه، وفللت حده، وسللت ms725 عليه سيوفا من شواهد ~~حلمك عنه، فتولوا لك الانتقام منه. # وقال آخر: العجلة مكسبة للمذمة، مجلبة للنداءة، منفرة لأهل الثقة، مانعة ~~من سداد الرغبة. # وأتى العتابى وهو بالرى رجل يودعه فقال: أين تريد؟ قال: بغداد، قال: إنك ~~تريد بلدا اصطلح أهله على صحة العلانية، وسقم السريرة، كلهم يعطيك كله، ~~ويمنعك قله وقال يحيى بن خالد لرجل دخل عليه: ما كان خبرك مع فلان؟ قال: قد ~~افتديت مكاشفته واشتريت مكاشرته «3» بألف درهم، فقال يحيى: لا تبرح حتى ~~يكتب الفضل وجعفر عنك هذا القول. # قال الأصمعى: سمعت أعرابيا يدعو، ويقول: اللهم ارزقنى عمل الخائفين، وخوف ~~العاملين، حتى أتنعم بترك التنعم، رجاء لما وعدت، وخوفا مما أوعدت. # وللعتابى: أما بعد فإنه ليس بمستخلص غضارة عيش إلا من خلال مكروهه، # PageV04P1145 # ومن انتظر بمعاجلة الدرك مؤاجلة الاستقصاء سلبته الأيام فرصته. # كتب بعض الكتاب إلى أخ له: إن رأيت أن تحدد لى ميعادا لزيارتك، أتقوته ~~«1» إلى وقت رؤيتك، ويؤنسنى إلى حين لقائك، فعلت إن شاء الله فأجابه: أخاف ~~أن أعدك وعدا يعترض دون الوفاء به مآلا أقدر على دفعه، فتكون الحسرة أعظم ~~من الفرقة. # فأجاب المبتدئ: أنا أسر بموعدك، وأكون جذلا «2» بانتظارك، فإن عاق عن ~~الإنجاز عائق، كنت قد ربحت السرور بالتوقع لما أحبه، وأصبت أجرى على الحسرة ~~بما حرمته. # وكتب أخ إلى أخ له يستدعيه: أما بعد فإنه من عانى الظمأ بفرقتك استوجب ~~الرى من رؤيتك، والسلام. # وكتب آخر فى بابه: يومنا يوم طاب أوله، وحسن مستقبله، وأتت السماء ~~بقطارها، فحلت الأرض بأنوارها «3» ، وبك تطيب الشمول، ويشفى الغليل، فإن ~~تأخرت عنا فرقت شملنا، وإن تعجلت إلينا نظمت أمرنا. # قال إسحاق الموصلى: قال لى ثمامة بن أشرس، وقد أصبت بمصيبة: لمصيبة فى ~~غيرك لك ثوابها، خير من مصيبة فيك لغيرك أجرها. # ومر عمر بن ذر بابن عياش المنتوف، وكان سفه عليه فأعرض عنه، وتعلق بثوبه، ~~وقال: يا هناه؛ إنا لم نجد لك جزاء إذ عصيت الله فينا، خيرا من أن نطيعه ~~فيك. أخذه من قول عمر ms726 بن الخطاب رضى الله تعالى عنه: ما عاقبت من عصى الله ~~فيك بمثل أن تطيع الله فيه. # وكتب بعض الكتاب إلى رئيسه: ما رجائى عدلك بزائد على تأميلى فضلك، كما ~~أنه ليس خوفى صيالك، بأكثر من خشيتى نكالك؛ لأنك # PageV04P1146 # لا ترضى للمحسن بصغير المثوبة، كما لا تقنع للمسىء إلا بموجع العقوبة. # وقال آخر: ما عسيت أن أشكرك عليه من مواعد لم تشب بمطل، ومرافد لم تشن ~~بمن، وعهد لم يمازجه ملق، وود لم يشبه مذق. # وقال آخر: علقت به أسباب الجلالة غير مستشعر فيها بنخوة، وترامت له أحوال ~~الصرامة غير مستعمل معها السطوة، هذا مع دماثة فى غير حصر، ولين جانب من ~~غير خور «1» . # فصل لابن الرومى: إنى لوليك الذى لم تزل تنقاد لك مودته من غير طمع ولا ~~جزع، وإن كنت لذى رغبة مطمعا، ولذى رهبة مهربا. # أبو فراس الحمدانى: # كذاك الوداد المحض لا يرتجى له ... ثواب، ولا يخشى عليه عقاب ### | [بين حنيفة ونمير] # غزت حنيفة نميرا فانتصفوا منهم، فقيل لرجل منهم: كيف صنع قومك؟ # قال: اتبعونى وقد أحقبوا كل جمالية خيفانه «2» ، فما زالوا يخصفون ~~[أخفاف] المطى بحوافر الخيل، حتى لحقوهم؛ فجعلوا المران أرشية الموت، ~~فاشتفوا بها أرواحهم. ### | [دعاء] # ودعا أعرابى فقال: اللهم إن كان رزقى نائيا فقربه، أو قريبا فيسره، أو ~~ميسرا فعجله، أو قليلا فكثره، أو كثيرا فثمره. ### | [من رسائل البلغاء] # وكتب عنبسة بن إسحاق إلى المأمون وهو عامله على الرقة، يصف خروج الأعراب ~~بناحية سنجار وعيثهم بها «3» : يا أمير المؤمنين، قد قطع سبل المجتازين، # PageV04P1147 # من المسلمين والمعاهدين، نفر من شذاذ الأعراب الذين لا يرقبون فى مؤمن ~~إلا «1» ولا ذمة، ولا يخافون من الله حدا ولا عقوبة، ولولا ثقتى بسيف أمير ~~المؤمنين وحصده هذه الطائفة، وبلوغه فى أعداء الله ما يردع قاصيهم ودانيهم، ~~لأذنت بالاستنجاد عليهم، ولا بتعثت الخيل إليهم، وأمير المؤمنين معان فى ~~أموره بالتأييد والنصر إن شاء الله. # فكتب إليه المأمون: # أسمعت غير كهام السمع والبصر ... لا يقطع السيف إلا فى يد الحذر # سيصبح القوم ms727 من سيفى وضاربه ... مثل الهشيم ذرته الريح بالمطر # فوجه عنبسة بالبيتين إلى الأعراب، فما بقى منهم اثنان. # وكتب المطلب بن عبد الله بن مالك إلى الحسن بن سهل فى رجل توسل به: # طلب العافين الوسائل إلى الأمير- أعزه الله- ينبىء عن شروع موارد إحسانه، ~~ويدعو إلى معرفة فضله، وما أنصفه- أعزه الله تعالى- من توسل إلى معروفه ~~بغيره؛ فرأى الأمير- أعزه الله- فى التطول على من قصرت معرفته عن ذلك بما ~~يريد الله تعالى فيه موفقا إن شاء الله تعالى. # فكتب إليه الحسن: وصلك الله بما وصلتنى فى صاحبك من الأجر والشكر، وأراك ~~الإحسان فى قصدك إلى بأمثاله فرضا يفيدك شكره، ويعقبك أجره، فرأيك فى إتمام ~~ما ابتدأت به وإعلامى ذلك مشكورا. # وكان المطلب ممدحا كريما، وقد حسد دعبل شرفه وإنعامه، وغبط إحسانه ~~وإكرامه، إذ يقول: # اضرب ندى طلحة الطلحات معترفا ... بلؤم مطلب فينا وكن حكما # تخلص خزاعة من لؤم ومن كرم ... فلا تعد لها لؤما ولا كرما # وأمر طلحة أعرف من أن يوصف. # PageV04P1148 # وما أبعد قول دعبل من قول البحترى لصاعد بن مخلد وأهل بيته: # بنى مخلد كفوا تدفق جودكم ... ولا تبخسونا حظنا فى المكارم # ولاتنصروا مجدى قنان ومخلد ... بأن تذهبوا عنا بسمعة حاتم «1» # وكان لنا اسم الجود حتى جعلتم ... تغضون منا بالخلال الكرائم ### | [رثاء يزيد بن مزيد] # قال الزبير بن بكار: لما مات يزيد بن مزيد بأرمينية قام حبيب بن البراء ~~خطيبا، فقال: أيها الناس، لا تقنطوا من مثله وإن كان قليل النظير، وهبوه من ~~صالح دعائكم مثل الذى أخلص فيكم من نواله، والله ما تفعل الديمة الهطلة فى ~~البقعة الجدبة ما عملت فينا يداه من عدله ونداه. # فسرق هذا أبو لبابة [الشاعر] فقال: # ما بقعة جادها غيث وقرنها؟؟؟ ... فأزهرت بأقاحى النبت ألوانا # أبهى وأحسن مما أثرت يده ... فى الشرق والغرب معروفا وإحسانا # [وقال ابن المبارك يمدح يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبى صفرة: # وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشترى # وإذا توعرت المسالك لم يكن ... فيها السبيل إلى ms728 نداك بأوعر «2» # وإذا صنعت صنيعة أتممتها ... بيدين ليس نداهما بمكدر # وإذا هممت لمعتفيك بنائل ... قال الندى- فأطعته- لك: أكثر «3» # يا واحد العرب الذى ما إن لهم ... من معدل عنه ولا من مقصر] # PageV04P1149 ### | [من رسائل بديع الزمان] # كتب البديع أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن يحيى: أما أبو فلان فلا شك أن ~~كتابى يرد منه على صدر محا اسمى من صحيفته، وقطع حظى من وظيفته، ونسى ~~اجتماعنا على الحديث والغزل، وتصرفنا فى الجد والهزل، وتقلبنا فى أعطاف ~~العيش، بين الوقار والطيش، وارتضاعنا ثدى العشرة؛ إذ الزمان رقيق القشرة، ~~وتواعدنا أن يلحق أحدنا بصاحبه، وتصافحنا من قبل ألا نصرم الحبل، وتعاهدنا ~~من بعد ألا ننقض العهد، وكأنى به وقد اتخذ إخوانا فلا بأس، فإن كان للجديد ~~لذة فللقديم حرمة، والأخوة بردة لا تضيق بين اثنين، ولو شاء معاشرنا فى ~~البين، وكان سألنى أن أرتاد له «1» منزلا ماؤه روى، ومرعاه غذى، وأكاتبه ~~لينهض إليه راحلته؛ فهاك نيسابور «2» ضالته التى نشدتها وقد وجدتها، ~~وخراسان أمنيته التى طلبتها وقد أصبتها، وهذه الدولة بغيته التى أرادها وقد ~~وردتها، فإن صدقنى رائدا، فليأتنى قاصدا. # وله إلى بعض إخوانه يعزيه عن أبيه: وصلت رقعتك يا سيدى والمصاب لعمر الله ~~كبير، وأنت بالجزع جدير، ولكنك بالعزاء أجدر، والصبر عن الأحبة رشد كأنه ~~الغى، وقد مات الميت فليحى الحى، والآن فاشدد على مالك بالخمس، فأنت اليوم ~~غيرك بالأمس، وكان الشيخ رحمه الله وكيلك، تضحك ويبكى لك، وقد مولك ما ألف ~~فى سراه «3» وسيره، وخلفك فقيرا إلى الله غنيا عن غيره، وسيعجم الشيطان ~~عودك، فإن استلانك رماك بقوم يقولون: خير المال ما أتلف بين الشراب ~~والشباب، وأنفق بين الحباب «4» والأحباب، والعيش بين القداح والأقداح «5» ، ~~ولولا الاستعمال، ما أريد المال! فإن أطعتهم فاليوم فى الشراب، وغدا فى ~~الخراب، واليوم واطربا للكاس، وغدا واحربا من # PageV04P1150 # الإفلاس، يا مولاى ذلك الخارج من العود يسميه الجاهل نقرا، ويسميه العاقل ~~فقرا. وكذلك المسموع فى الناى، هو فى الآذان زمر، وفى الأبواب سمر، فإن لم ~~يجد الشيطان مغمزا ms729 فى عودك من هذا الوجه، رماك بقوم يمثلون الفقر حذاء ~~عينيك، فتجاهد قلبك، وتحاسب بطنك، وتناقش عرسك «1» ، وتمنع نفسك، وتتوقى ~~دنياك بوزرك، وتراه فى الآخرة فى ميزان غيرك، لا، ولكن قصدا بين الطريقين، ~~وميلا عن الفريقين، لا منع ولا إسراف، والبخل فقر حاضر، وضر عاجل، وإنما ~~يبخل المرء خيفة ما هو فيه. # ومن ينفق الساعات فى جمع ماله ... مخافة فقر فالذى صنع الفقر # وليكن لله فى مالك قسم، وللمروءة قسم؛ فصل الرحم ما استطعت، وقدر إذا ~~قطعت، فلأن تكون فى جانب التقدير، خير من أن تكون فى جانب التبذير. # وله إلى رئيس عناية برجل: كتابى أظال الله بقاء الرئيس، والكاتب مجهول، ~~والكتاب فضول، وبحسب الرأى موقعه، فإن كان جميلا فهو تطول، وإن كان شينا ~~فهو تقول، وأية سلك الظن فله- أيده الله تعالى- المن، من نيسابور عن سلامة ~~شاملة نسأل الله تعالى ألا يلهينا بسكرها، عن شكرها، والحمد لله رب ~~العالمين. يقول الشيخ- أيده الله تعالى: من هذا الرجل؟ وما هذا الكتاب؟ ~~فأما الرجل فخاطب ود أولا، وموصل شكر ثانيا؛ وأما الكتاب فلحام أرحام ~~الكرام؛ فإن يعن الله الكرام تتصل الأرحام. # هذا الشريف قد حاربه زمان السوء؛ فأخرجه من البيت الذى بلغ السماء مفخرا، ~~ثم طلب فوقه مظهرا «2» ؛ وله بعد جلالة النسب، وطهارة الأخلاق، وكرم العهد، ~~وحضرنى فسألته عما وراءه، فأشار إلى ضالة الأحرار، وهو الكرم مع اليسار، # PageV04P1151 # ونبه على قيد الكرام، وهو البشر مع الإنعام، وحدث عن برد الأكباد، وهو ~~مساعدة الزمان للجواد، ودل على نزهة الأبصار، وهو الثراء، ومتعه الأسماع، ~~وهو الثناء، وقلما اجتمعا، وعز ما وجدا معا. وذكر أن الشيخ الرئيس- أيده ~~الله- جماع هذه الخيرات، وسألنى الشهادة له، وبذل الخط بها، ففعلت، وسألت ~~الله إعانته على همته؛ فرأى الشيخ- أيده الله تعالى فى الوقوف على ما كتبت، ~~وفى الإجابة- إن نشط- الموفق إن شاء الله وله إلى ابن أخته: وصل كتابك بما ~~ضمنته من تظاهر نعم الله عليك، وعلى أبويك، فسكنت إلى ذلك من حالك، وسألت ~~الله بقاءك، وأن يرزقنى لقاءك، وذكرت مصابك بأخيك، ms730 رحمه الله تعالى، فكأنما ~~فتت عضدى، وطعنت فى كبدى، فقد كنت معتضدا بمكانه، والقدر جار لشانه، وكذلك ~~المرء يدبر، والقضاء يدمر، والآمال تنقسم، والآجال تبتسم، فالله يجعله لك ~~فرطا، ولا يرينى فيك سوءا أبدا، وأنت إن شاء الله تعالى وارث عمره، وسداد ~~ثغره، ونعم العوض بقاؤك. # إن الأشاء إذا أصاب مشذبا ... منه اتمهل ذرا وأث أسافلا «1» # وأبوك سيدى أيده الله تعالى وألهمه الجميل، وهو الصبر، وأناله الجزيل، ~~وهو الأجر، وأمتعه بك طويلا، فما سؤت بديلا، وأنت ولدى ما دمت والعلم شانك، ~~والمدرسة مكانك، والدفتر نديمك، وإن قصرت، ولا إخالك، فغيرى خالك. # وله من كتاب إلى أبى القاسم الداودى بسجستان: # كتابى- أطال الله بقاء الفقيه- كتاب من ينسى الأيام وتذكره، ويطويها # PageV04P1152 # وتنشره، ويبيد أبناء دهره، وراء ظهره، ويخرج أهل زمانه، من ضمانه، فإذا ~~تناولهم بيمناه، وتسلمهم بيسراه، أقسم أن صفقته هى الرابحة، وكفته هى ~~الراجحة، وأنا- أيد الله الفقيه- على قرب العهد، بالمهد، قد قطعت عرض ~~الأرض، وعاشرت أجناس الناس، فما أحد إلا بالجهل اتبعته، وبالخبرة بعته، ~~وبالظن أخذته، وباليقين نبذته، وما حمد وضعته فى أحد إلا ضيعته، ولا مدح ~~صرفته إلى أحد إلا غربته، ومن احتاج إلى الناس، وزنهم بالقسطاس، ومن طاف ~~نصف الشرق، فقد لقى ربع الخلق، ومن لم يجد فى النصف لمحة دالة، لم يجد فى ~~الكل غرة لائحة، وكان لنا صديق يقول: إن عشت تسعين عاما مت ولم أملك ~~دينارا؛ لأنى قد عشت ثلاثين ولم أملك ثلثها، وهذا لعمرى ياس، يوجبه قياس، ~~وقنوط، بالحجة منوط، ودعابة ستكون جدا، ووراء هذه الجملة موجدة على قوم، ~~وغربدة إلى يوم، والأمير السيد واسع مجال الهمم، ثابت مكان القدم، وأنا فى ~~كنفه صائب سهم الأمل، وافر الجذل، والحمد لله على ما يوليه، ويولينا معشر ~~مواليه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وذريته. # وله إلى إبراهيم بن حمزة خادم الأستاذ الجليل: قد أتبع قدمه، إلى الخدمة ~~قلمه، وأتلى لسانه، فى الحاجة بنان، وقد كان استأذنه فى توفير هذا اليوم فى ~~مجلس السيد الجليل فأذن له ms731 على عادته السليمة، وشيمته القويمة، ومن وجد ~~كلأرتع «1» ، ومن صادف غيثا انتجع «2» ، ومن احتاج للحاجات سأل، وبقى أن ~~يشفع الأستاذ الجليل بإزاء الحوض عفره «3» ، وينظم إلى روض الإحسان مطره، ~~ويطرز أنسنا بأبى فلان؛ فقد وصف لى حتى حننت شوقا إليه، ووجدا به، وشغفا ~~له، وغلوا فيه، ورأيه فى الإصغاء إلى الكرم عال، إن شاء الله تعالى. # PageV04P1153 ### | [من مقامات بديع الزمان] # ومن إنشائه فى مقامات أبى الفتح السكندرى: # حدثنا عيسى بن هشام قال: حدانى إلى سجستان أرب «1» ، فاقتعدت طيته، ~~وامتطيت مطيته، واستخرت الله تعالى فى العزم حدوته أمامى، والحزم جعلته ~~قدامى، حتى هدانى إليها، ووافيت دروبها «2» ، وقد وافت الشمس غروبها، واتفق ~~المبيت حيث انتهيت؛ ولما انتضى نصل الصباح، وبرز جبين المصباح، مضيت إلى ~~السوق أتخذ منزلا، فحيث انتهيت من دائرة البلد إلى نقطتها، ومن قلادة السوق ~~إلى واسطتها، خرق سمعى صوت له من كل عرق معنى، فانتحيت وفده، حتى وقفت ~~عنده؛ فإذا رجل على فرسه، مختنق بنفسه، قد ولانى قذاله وهو يقول: من عرفنى ~~فقد عرفنى، ومن لم يعرفنى فأنا أعرفه بنفسى، أنا باكورة اليمن، أنا أحدوثة ~~الزمن، أنا أدعية الرجال، وأحجية ربات الحجال «3» ، سلوا عنى الجبال ~~وحزونها، والبحار وعيونها، والخيل ومتونها، من الذى ملك أسوارها، وعرف ~~أسرارها، ونهج سمتها، وولج حرتها؟ وسلوا الملوك وخزائنها، والأغلاق ~~ومعادنها، والعلوم وبواطنها، والخطوب ومغالقها، والحروب ومضابقها، من الذى ~~أخذ مختزنها، ولم يؤد ثمنها؟ ومن الذى ملك مفاتحها، وعرف مصالحها؟ أنا ~~والله فعلت ذلك، وسفرت بين الملوك الصيد، وكشفت أستار الخطوب السود. أنا ~~والله شهدت حتى مصارع العشاق، ومرضت حتى لمرض الأحداق، وهصرت الغصون ~~الناعمات، وجنيت جنى الخدود الموردات، ونفرت عن الدنيات نفور طبع الكريم عن ~~وجوه اللئام، ونبوت عن المحرمات نبو سمع الشريف عن قبيح الكلام، والآن لما ~~أسفر صبح المشيب، وعلتنى أبهة الكبر، عمدت # PageV04P1154 # لإصلاح أمر المعاد، بإعداد الزاد، فلم أر طريقا أهدى إلى الرشاد مما أنا ~~سالكه، يرانى أحدكم راكب فرس وهوس «1» ، فيقول: هذا أبو العجب، لا، ولكنى ~~أبو العجائب، عاينتها وعانيتها، ms732 وأم الكبائر قايستها وقاسيتها، وأخو ~~الأعلاق، صعبا أخذتها، وهونا أضعتها، وغاليا اشتريتها، ورخيصا بعتها؛ فقد ~~والله صحبت لها المواكب، وزاحمت المناكب، ورعيت الكواكب، وأنضيت الركائب، ~~ولا من عليكم، فما حصلتها إلا لأمرى، ولا أعددتها إلا لنفسى، لكنى دفعت إلى ~~مكاره نذرت معها ألا أدخر عن المسلمين نفعها، ولا بد لى أن أخلع ربقة هذه ~~الأمانة من عنقى إلى أعناقكم، وأعرض دوائى هذا فى أسواقكم، فليشتره منى من ~~لا يتقزز من موقف العبيد، ولا يأنف من كلمة التوحيد، وليصننه من أنجبت ~~جدوده، وسقى بالماء الطاهر عوده. # قال عيسى بن هشام: فدرت إلى وجهه لأعلم علمه، فإذا شيخنا أبو الفتح ~~الإسكندرى، وانتظرت إجفال النعامة بين يديه، ثم تعرضت فقلت: كم يحل دواءك ~~هذا؟ قال: يحل الكيس ما مست الحاجة؛ فانصرفت وتركته. # ومن إنشائه فى هذا الباب: حدثنا عيسى بن هشام قال: بينا أنا بمدينة ~~السلام، قافلا من البيت الحرام «2» ، أميس ميس الرجلة «3» ، على شاطىء ~~الدجلة، أتأمل تلك الطرائف، وأتقصى تلك الزخارف، إذ انتهيت إلى حلقة رجال ~~مزدحمين، يلوى الطرب أعناقهم، ويشق الضحك أشداقهم، فساقنى الحرص إلى ما ~~ساقهم، حتى وقفت بمسمع صوت رجل دون مرأى وجهه، لشدة الهجمة، وفرط الزحمة، ~~وإذا هو قراد يرقص قرده، ويضحك من عنده، فرقصت رقص المحرج، وسرت سير ~~الأعرج، فوق أعناق الناس، يلفظنى عاتق هذا لسرة ذاك، حتى افترشت لحية ~~رجلين، وقعدت بين اثنين، وقد # PageV04P1155 # أشرقنى الخجل بريقه، وأرهقنى المكان لضيقه، فلما فرغ القراد من شغله، ~~وانتفض المجلس عن أهله، قمت وقد كسانى الريب حلته، ووقفت لأرى صورته، فإذا ~~أبو الفتح الإسكندرى، فقلت: ما هذه الدناءة؟ ويحك! فقال: # الذنب للأيام لا لى ... فاعتب على صرف الليالى # بالحمق أدركت المنى ... ورفلت فى ثوب الجمال # ومن إنشائه فى هذا الباب أيضا: حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت بأصفهان ~~أعتزم المسير إلى الرى، فحللتها حلول الفى «1» ، أتوقع النقلة كل لمحة، ~~وأترقب الرحلة كل صبحة؛ فلما حم ما توقعته، وأزف ما ترقبته، نودى للصلاة ~~نداء سمعته، وتعين فرض الإجابة؛ فانسللت من ms733 بين الصحابة، أغتنم الجماعة ~~أدركها، وأخشى فوات القافلة أتركها، لكنى استعنت ببركة الصلاة، على وعثاء ~~الفلاة؛ فضرت إلى أول الصفوف، ومثلت للوقوف، وتقدم الإمام للمحراب، وقرأ ~~فاتحة الكتاب، [وثنى بالأحزاب «2» ] ، بقراءة حمزة، مدة وهمزة، وأتبع ~~الفاتحة بالواقعة، وأنا أتصلى بنار الصبر وأتصلب، وأتقلى على جمر الغيظ ~~وأتقلب، وليس إلا السكوت والصبر، أو الكلام والقبر، لما عرفت من خشونة ~~القوم فى ذلك المقام، أن لو قطعت الصلاة دون السلام، فوقفت بقدم الضرورة ~~على تلك الصورة، إلى انتهاء السورة، وقد قنطت من القافلة، ويئست من ~~الراحلة، ثم حنى قوسه للركوع، بنوع من الخشوع، وضرب من الخضوع، لم أعهده ~~قبل ذلك، ثم رفع رأسه ويده، وقال: سمع الله لمن حمده، وقام، حتى ما شككت ~~أنه نام، ثم أكب لوجهه، فرفعت رأسى أنتهز فرصة، فلم أر بين الصفوف فرجة، ~~فعدت للسجود، حتى كبر للقعود، وقام للركعة الثانية، وقرأ الفاتحة والقارعة، ~~فعدت للسجود، حتى كبر للقعود، وقام للركعة الثانية، وقرأ الفاتحة والقارعة، ~~قراءة استوفى فيها عمر الساعة، واسترق أرواح # PageV04P1156 # الجماعة، فلما فرغ من ركعتيه، مال للتحية بأخدعيه، فقلت: قد قرب الفرج، ~~وآن المخرج، فقام رجل فقال: من كان منكم يحب الصحابة والجماعة، فليعرنى ~~سمعه ساعة. # قال عيسى بن هشام: فلزمت أرضى، صيانة لعرضى، فقال: حقيق على ألا أقول على ~~الله إلا الحق، قد جئتكم ببشارة من نبيكم، لكنى لا أؤديها حتى يطهر الله ~~هذا المسجد من نذل جحد نبوته، وعادى أمته. # قال عيسى بن هشام: فربطنى بالقيود، وشدنى بالحبال السود، ثم قال: # رأيته صلى الله عليه وسلم [فى المنام] كالشمس تحت الغمام، والبدر ليلة ~~التمام، يسير والنجم يتبعه، ويسحب الذيل والملائكة ترفعه، ثم علمنى دعاء، ~~وأوصانى أن أعلم ذلك أمته، وقد كتبته فى هذه الأوراق بخلوق «1» ومسك، ~~وزعفران وسك؛ فمن استوهبه منى وهبته، ومن أعطى ثمن القرطاس أخذته. # قال عيسى بن هشام: فانثالت عليه الدراهم، حتى حيرته؛ ونظرت فإذا شيخنا ~~أبو الفتح الإسكندرى، فقلت: كيف اهتديت إلى هذه الحيلة؟ ومتى اندرحت فى هذه ~~القبيلة؟ فأنشأ ms734 يقول: # الناس حمر فجوز ... وابرز عليهم وبرز # حتى إذا نلت منهم ... ما تشتهيه ففروز «2» ### | [جارية ذات أدب وجمال تبذ أبناء الخلفاء] # وصفت لعبد الملك بن مروان جارية لرجل من الأنصار ذات أدب وجمال، فساومه ~~فى ابتياعها، فامتنع وامتنعت، وقالت: لا أحتاج للخلافة ولا أرغب فى ~~الخليفة، والذى أنا فى ملكه أحب إلى من الأرض ومن فيها. فبلغ ذلك عبد الملك ~~فأغراه بها؛ فأضعف الثمن لصاحبها وأخذها قسرا، فما أعجب بشىء # PageV04P1157 # إعجابه بها، فلما وصلت إليه، وصارت فى يديه، أمرها بلزوم مجلسه، والقيام ~~على رأسه؛ فبينما هى عنده، ومعه ابناه الوليد وسليمان، قد أخلاهما ~~للمذاكرة، فأقبل عليهما فقال: أى بيت قالته العرب أمدح؟ فقال الوليد: قول ~~جرير فيك: # ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح # وقال سليمان: بل قول الأخطل: # شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا # فقالت الجارية: بل أمدح بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت: # يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل # فأطرق، ثم قال: أى بيت قالته العرب أرق؟ فقال الوليد: قول جرير: # إن العيون التى فى طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا # فقال سليمان: بل قول عمر بن أبى ربيعة: # حبذا رجعها يديها إليها ... من يدى درعها تحل الإزارا # فقالت الجارية: بل بيت يقوله حسان: # لو يدب الحولى من ولد الذر عليها ... لأندبتها الكلوم «1» # فأطرق، ثم قال: أى بيت قالته العرب أشجع؟ فقال الوليد: قول عنترة: # إذ يتقون بى الأسنة لم أخم ... عنها، ولو أنى تضايق مقدمى «2» # فقال سليمان: بل قوله: # وأنا المنية فى المواطن كلها ... فالموت منى سابق الآجال # فقالت الجارية: بل بيت يقوله كعب بن مالك: # نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إذا لم تلحق # فقال عبد الملك: أحسنت، وما نرى شيئا فى الإحسان إليك أبلغ من ردك # PageV04P1158 # إلى أهلك. فأجمل كسوتها، وأحسن صلتها، وردها إلى أهلها. # ومثل قول كعب بن مالك قول نهشل بن حرى: # إنا بنى نهشل لا ندعى لأب ... عنه، ولا ms735 هو بالأبناء يشرينا # إن تبتدر غاية يوما لمكرمة ... تلق السوابق منا والمصلينا # إنا لمن معشر أفنى أوائلهم ... قول الكماة: ألا أين المحامون # الو كان فى الألف منا واحد فدعوا ... من فارس خالهم إياه يعنونا # إذا الكماة تأبوا أن ينالهم ... حد السيوف وصلناها بأيدينا «1» # إنما أردت هذا البيت. # وقوله: # لو كان فى الألف منا واحد # أخذه من قول طرفة بن العبد: # إذا القوم قالوا من فتى خلت أننى ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد ### | [نهشل بن حرى] # وكان نهشل شاعرا ظريفا، وهو نهشل بن حرى بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل ~~بن دارم، وكان اسم جده ضمرة هذا: شقة، ورد على النعمان بن المنذر فقال: من ~~أنت؟ فقال: أنا شقة، وكان قضيفا «2» نحيفا دميما، فقال له النعمان: # نسمع بالمعيدى لا أن تراه، والمعيدى: تصغير المعدى، فذهبت مثلا، فقال: # أبيت اللعن! إن الرجال لا تكال بالقفزان، وليست بمسوك «3» يستقى بها من ~~الغدران، وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إذا نطق نطق ببيان، وإذا قاتل ~~قاتل بجنان، فقال: أنت ضمرة! ونهشل هو القائل: # ويوم كأن المصطلين بحره ... وإن لم يكن جمر قيام على الجمر # أقمنا به حتى تجلى، وإنما ... تفرج أيام الكريهة بالصبر # PageV04P1159 ### | [أثر الشعر] # وكان عبد الملك يقول: يا بنى أمية، أحسابكم أعراضكم، لا تعرضوها على ~~الجهال، فإن الذم باق ما بقى الدهر؛ والله ما سرنى أنى هجيت ببيت الأعشى، ~~وأن لى طلاع الأرض ذهبا، وهو قوله فى علقمة بن علاثة: # يبيتون فى المشتى ملاء بطونهم ... وجاراتهم غرثى يبتن خمائصا # والله ما يبالى من مدح بهذين البيتين ألا يمدح بغيرهما، وهما قول زهير: # هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا ~~«1» # على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل # وقال ابن الأعرابى: أمدح بيت قاله المحدثون قول أبى نواس: # أخذت بحبل من حبال محمد ... أمنت به من طارق الحدثان # [تغطيت من دهرى بظل جناحه ... فعينى ترى دهرى وليس يرانى # فلو تسأل الأيام عنى مادرت ... وأين مكانى ما عرفن ms736 مكانى # وهذا كقول أعرابى، ذكر بعض الرواة أن مالك بن طوق كان جالسا فى بهو مطل ~~على رحبته ومعه جلساؤه، إذ أقبل أعرابى تخب به ناقته، فقال: إياى أراد، ~~ونحوى قصد، ولعل عنده أدبا ينتفع به. فأمر حاجبه بإدخاله، فلما مثل بين ~~يديه قال: ما أقدمك يا أعرابى؟ قال: الأمل فى سيب الأمير والرحاء لنائله ~~«2» . # قال: فهل قدمت أمام رغبتك وسيلة؟ قال: نعم، أربعة أبيات قلتها بظهر ~~البرية؛ فلما رأيت ما بباب الأمير من الأبهة والجلالة استصغرتها، قال: فهل ~~لك أن تنشدنا أبياتك؟ ولك أربعة آلاف درهم، فإن كانت أبياتك أحسن فقد ربحنا ~~عليك، والا قد نلت مرادك وربحت علينا، قال: قد رضيت، فأنشده: # PageV04P1160 # وما زلت أخشى الدهر حتى تعلقت ... يداى بمن لا يتقى الدهر صاحبه # فلما رآنى الدهر تحت جناحه ... رأى مرتقى صعبا منيعا مطالبه # وأنى بحيث النجم فى رأس باذخ ... تظل الورى أكنافه وجوانبه # فتى كسماء الغيث والناس حوله ... إذا أجدبوا جادت عليهم سحائبه # قال: قد ظفرنا بك يا أعرابى، والله ما قيمتها إلا عشرة آلاف درهم. # قال: فإن لى صاحبا شاركته فيها ما أراه يرضى بيعى، قال: أتراك حدثت نفسك ~~بالنكث؟ قال: نعم، وجدت النكث فى البيع أيسر من خيانة الشريك، فأمر له بها. ### | [أنصف بيت، وأصدق بيت] # وأنصف بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت لأبى سفيان بن الحارث فى جوابه ~~عما هجا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى محمد بن عمار عن أبيه قال: ~~أنشد النبى حسان بن ثابت قوله: # هجوت محمدا، فأجبت عنه ... وعند الله فى ذاك الجزاء # فقال النبى عليه السلام: جزاؤك الجنة يا حسان. # فلما انتهى إلى قوله: # فإن أبى ووالده وعرضى ... لعرض محمد منكم وقاء # قال النبى عليه السلام: وقاك الله حر النار. # فلما قال: # أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء # قال من حضر: هذا أنصف بيت قالته العرب. # وأصدق بيت قالته العرب وأمدحه قول كعب بن زهير فى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # تحمله الناقة الأدماء ms737 معتجرا ... بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم # وفى عطافيه أو أثناء بردته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم # (17- زهر الآداب 4) # PageV04P1161 # وقال الأصمعى: والجهال يروون هذا البيت لأبى دهبل، واسمه وهب بن ربيعة، ~~فى عبد الله بن عبد الرحمن الأزرق والى اليمامة، والصواب ما ذكرناه، وهو ~~بصفات النبى صلى الله عليه وسلم أعلق، وبمدحه أليق. ### | ألفاظ لأهل العصر فى ذكر النبى صلى الله عليه وسلم # سليل أكرم نبعة، وقريع أشرف بقعة. جاب بأمته الظلمات إلى النور، وأفاء ~~عليهم بالظل بعد الحرور. وهو خيرة الله من خلقه، وحجته فى أرضه. # الهادى إلى حقه، والمنبه على حكمه. والداعى إلى رشده، والآخذ بفرضه. ~~مبارك مولده، سعيدة غرته، قاطعة حجته، سامية درجته، ساطع صباحه، متوقد ~~مصباحه، مظفرة حروبه، ميسرة خطوبه، قد أفرد بالزعامة وحده، وختم بأن لا نبى ~~بعده. يفصح بشعاره على المنابر، وبالصلاة عليه فى المحاضر، وتعمر بذكره ~~صدور المساجد، وتستوى فى الانقياد له حالة المقر والجاحد. آخر الأنبياء فى ~~الدنيا عمرا، وأولهم يوم القيامة ذكرا، وأرجحهم عند الله ميزانا، وأوضحهم ~~حجة وبرهانا. صدع بالرسالة، وبلغ بالدلالة، ونقل الناس عن طاعة الشيطان ~~الرجيم. أرسله الله قمرا للاسلام منيرا، وقدرا على أهل الضلال مبيرا. صلى ~~الله عليه وسلم. خير من افتتحت بذكره الدعوات، واستنجحت بالصلاة عليه ~~الطلبات. خير مبعوث، وأفضل وارث وموروث. وخير مولود، دعا إلى خير معبود. ~~صلى الله على كاشف الغمة عن الأمة. الناطق فيهم بالحكمة، الصادع بالحق، ~~الداعى إلى الصدق، الذى ملك هوادى الهدى، ودل على ما هو خير وأبقى. صلى ~~الله عليه بشير الرحمة والثواب، ونذير السطوة والعقاب. صلى الله على أتم ~~بريته خيرا وفضلا، وأطيبهم فرعا وأصلا، وأكرمهم عودا ونجارا، وأعلاهم منصبا ~~وفخارا، وعلى أهله الذين عظمهم توقيرا، وطهرهم تطهيرا هم مقاليد السعادة ~~ومفاتيحها، ومعارج البركة ومصابيحها. أعلام الإسلام وأيمان الإيمان. # الطيبون الأخيار، الطاهرون الأبرار. الذين أذهب عنهم الأرجاس، وجعل ~~مودتهم واجبة على الناس. هم حبل الهدى وشجرة الإيمان، أصلها نبوة، وفرعها ~~مروة، وأغصانها تنزيل، وورقاتها تأويل، وخدمها ميكال وجبريل. ms738 # PageV04P1162 # ولبديع الزمان إلى بعض الأشراف فى درج كلام تقدم: # إن جعلنا نعد فخاركم، ونحد آثاركم، نفد الحصى قبل نفودها، وفنيت الخواطر، ~~قبل أن تفنى المآثر، ولم لا، وإن ذكر الشرف فأنتم بنو بجدته، أو العلم ~~فأنتم عاقد وإزرته. أو الدين فأنتم ساكنو بلدته، أو الجود فأنتم بنو بجدته، ~~أو التواضع صبرتم لشدته، أو الرأى صلتم بحدته، وإن بيتا تولى الله عز وجل ~~بناءه، ومهد الرسول عليه السلام فناءه، وأقام الوصى رضوان الله عليه عماده، ~~وخدم جبريل عليه السلام أهله، لحقيق أن يصان عن مدح لسان قصير. # وذكر النبى صلى الله عليه وسلم أعرابى فقال: بأبى وأمى رسول رب العالمين، ~~ختمت به الدنيا، وفتحت به الآخرة، صلى الله عليه وسلم، به يبدأ الذكر ~~الجميل ويختم. # إلى هذا المكان أمسكت العنان. والإطناب فى هذا الكتاب يعظم ويتسع، بل ~~يتصل ولا ينقطع؛ إذ كان غرضى فيه أن ألمح المعنى من معانيه، ثم أنجر معه ~~حيث انجر، وأمر فيه كيف مر، وآخذ فى معنى آخر غير موصول بشكله، ولا مقرون ~~بمثله، وقد أخل نظاما، وأفرد تؤاما، نشرا لبساط الانبساط، ورغبة فى استدعاه ~~النشاط. وهذا التصنيف لا تدرك غايته، ولا تبلغ نهايته؛ إذ المعانى غير ~~محصورة بعدد، ولا مقصورة إلى أمد. وقد أبرزت فى الصدر، صفحة العذر، يجول ~~فرندها، ويثقب زندها، وذلك أنى ما ادعيت فيما أتيت إلا ما [لا] يكون ما ~~تركته أفضل مما أدركته، وأنى لم أسلك مذهبا مخترعا لم أسبق إليه، ولا قصدت ~~غرضا مبتدعا لم أغلب عليه، ومن ركب مطية الاعتذار، واجتنب خطية الإصرار فقد ~~خرج من تبعة التقصير، وبرىء من عهدة المعاذير. # وأما بعد فإن أحق من احتكم إليه واقتصر عليه الاعتراف بفضل الإنصاف، ~~وليعلم من ينصف أن الاختيار ليس يعلم ضرورة، ولا يوقف له على صورة، فيكثر ~~الإغماض، ويقل الاعتراض، ويعلم أن ما لا يقع بهواه، قد يختاره سواه، وكل ~~يعمل اقتداره، ويحسن اختياره، فلو وقع الاجتماع على ما يرضى ويسخط، ويثبت ~~ويسقط، لارتفع حجاج المختلفين، فى أمر الدنيا ms739 والدين. # PageV04P1163 # وقال المتنبى: # تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلا على شجب والخلف فى الشجب # فقيل: تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل: تشرك جسم المرء فى العطب # الشجب: الموت، وهى لفظة معروفة، وإن كانت غير مألوفة عند أهل النقد. # وقد أنكرها البحترى على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فى مجاذبته إياه ~~حيث يقول: # ولو أن الحكيم وازن فى اللفظ واختار لم يقل شجبه وكان أبو الطيب نظر إلى ~~ما رواه أبو ظبيان، قال: اجتمع نفر من أهل الكلام على رجل من الملحدين، ~~فجعلوا لا يأتون بمسألة إلا سألهم الدليل عليها، وناقضهم فيها، فأعياهم ~~كثرة ما يقول ويقولون، فقال بعضهم: أما بعد فإن الموت لا شك فيه فقال ~~الملحد: ما رأيت خاطبا وواعظا وشاهدا لا يرد أوجز منه، وقلما ترى معنى إلا ~~وهو يدافع أو يناقض ويحار به عن سواء المحجة. وقيل: من طلب عيبا وجده. قال ~~أبو عمرو بن سعيد القطر بلى: ليس من بيت إلا وفيه لطاعن مطعن، إلا قول ~~الحطيئة: # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس # وقول طرفة بن العبد: # ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # وقول على بن زيد: # عن المرء لا تسل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتد # وللعلم بذلك قال قتيبة بن مسلم لأبى عياش المنتوف، وقد دخل عليه وبين ~~يديه سلة زعفران: أنشدنى بيتا لا يصارف ولا يكذب وهى لك، فأنشده ما ليس ~~لطاعن فيه مطعن: # فما حملت من ناقة فوق كورها ... أبر وأوفى ذمة من محمد # [صلى الله عليه وسلم، ورحم وكرم، وشرف وعظم، وعلى آله الطيبين، وسلم ~~تسليما] قد تم كتاب «زهر الآداب، لأبى إسحاق الحصرى» والحمد لله الذى ~~بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على كريم الآباء والأمهات # PageV04P1164 ### | فهرس الجزء الرابع من كتاب «زهر الآداب، وثمر الألباب» لأبى إسحاق الحصرى # ص الموضوع # 907 فاتحة الجزء # 908 نماذج من الشعر الجيد # 908 لابن المعتز # 909 لعلى بن الخليل أمام الرشيد ms740 # 911 وصف دعوة لمحمد بن حازم # 911 من مستحسن الأجوبة # 912 من ترجمة معن بن زائدة وأخباره # 912 الرأى والشجاعة # 913 قضاء الله وعدله # 913 بنو كليب # 913 من جيد كلام الأعراب # 916 جمل من ألوان المديح # 917 ألفاظ لأهل العصر فى ضروب الممادح # 920 أدعية فى صدور الكتب # 921 لابن المعتز فى القاسم بن عبيد الله # 921 منزلة صناعة الكلام # 923 بعض ما قيل فى النسيب # 923 لأبى كبير الهذلى # 924 عمران بن حطان والحجاج # 925 من ترجمة عمران بن حطان # 926 بين أعرابى وبعض الولاة # - الدنيا وأهلها # - أربع كلمات طيبات # 927 بين معاوية وعمرو بن سعيد # - من تواضع الرشيد # 928 للمتنبى فى حمى أصابته بمصر ألفاظ لأهل العصر فى العيادة # ص الموضوع # 929 فقر فى تهوين العلة # - جمل فى شكاة أهل الفضل # 930 جمل فى تنسم الإقبال وذكر الإبلال # 932 فقر فى أدعية العيادة # - من كلام الأطباء والفلاسفة # 933 فقر فى ذكر المرض والصحة # 935 من الأجوبة المفحمة # - رثاء قدح انكسر # 938 لكشاجم فى رثاء منديل # - وله يصف سقوط الثلج # 939 للصنوبرى # 940 لأبى الفتح البستى # - لأبى الفضل الميكالى # 940 لأهل العصر فى وصف الثلج والبرد # 941 لهم فى وصف القيظ والحر # 942 العجلة أم الندامة # - تأميل ورجاء # 942 من حسن التقسيم # 945 بين قينة وأربعة من عشاقها # 947 بين ابن المعتز وقينة # 948 بين ابن المعتز وبعض الوزراء # - من شعر ابن المعتز # 950 جرير فى المدينة يغرى بشعر قيس ابن الخطيم # - يعقوب بن داود # 952 بين أحمد بن أبى دواد والواثق # 953 من خطباء العرب شبيب بن شبة # PageV04P1165 # ص الموضوع # 954 ومنهم خالد بن صفوان # - سحبان وائل # 955 عجلان بن سحبان # - دغفل بن حنظلة النسابة # 956 عزة الخليل بن أحمد # 957 من رسائل الصابى # 959 من رسائل بديع الزمان # 961 المقامة الأذربيجانية للبديع # 963 مختار من الشعر فى أيام الشباب والمشيب # 968 شذور لأهل العصر فى وصف الشيب # 970 فقر لغير واحد فى المشيب # 972 بعض ما ms741 قالوه فى الخضاب # 974 الوليد بن يزيد بن عبد الملك # 975 بين الحجاج وأهل العراق # 976 جامع المحاربى # - أيوب بن القرية # 977 كثير بن أبى كثير والحجاج # - مختار مما قالوه فى المديح # 978 الشراب وخطره # 979 من اعتلال الطفيليين وحيلهم # 981 وصف طائر # - أحظى النساء عند المهدى # 982 وصف غلام # 983 بين خالد بن صفوان وعلى بن الجهم # 984 كرة الحدثان # - مختار مما قالوه فى الرثاء # 985 من أخبار حارثة بن بدر الغدانى # 987 وصف امرأة # - من كلام الأعراب # 988 المقامة الأزاذية لبديع الزمان # ص الموضوع # 989 من رسائل البديع # 991 عفو عن ذى جريرة # 992 لأهل العصر فى التهنئة بالإطلاق # - لأبى نواس فى مدح الأمين # 994 بين الأخطل ومعاوية # 995 بين السفاح وأبى نخيلة # 996 من شعر الخنساء # 997 مما يستخسن من رثاء الخنساء # 998 ليلى الأخيلية صاحبة توبة بن الحمير # 999 موازنة بين الخنساء وليلى # 1000 لابن الرومى # - للخنساء # 1001 عمرو بن الشريد وأبناه صخر ومعاوية # - من رثاء ليلى الأخيلية لتوبة # 1002 وفود ليلى على معاوية # 1004 وفودها على مروان بن الحكم # 1005 وفودها على الحجاج الثقفى # 1009 العباس بن مرداس السلمى # 1010 عود إلى رثاء شواعر العرب # 1012 عبرات المحبين # 1014 من أخبار العباس بن الأحنف # 1015 موازنة بين العتابى والعباس الأحنف # 1019 العين والقلب # - من مأثور الحكم # 1020 الهوى # 1023 من رسائل أبى الفضل الميكالى # 1025 من شعر الميكالى # 1026 الارتياح لقضاء حوائج الناس # 1027 بين عمبلة الفزارى وأسيد بن # PageV04P1166 # ص الموضوع # 1028 من غرر المدائح # - صروف الدهر # 1029 من لا يوفى النعم حقها # - عود إلى غرر المدائح # 1030 فعلات الأجواد # 1032 من نوادر الرثاء # - رثاء قرد # - رثاء ثور # 1035 عود إلى المختار من الرثاء # 1039 من كلام الأعراب # 1040 المقامة البصرية لبديع الزمان # 1042 من رسائل بديع الزمان # 1043 عود إلى غرر المديح # 1046 تكاليف المجد لابن المعتز # - احتمال الغضب # 1047 نبذة من لطائف ابن المعتز # 1049 كتمان الحب # 1052 معالى الأخلاق # - رياضة النفس على ms742 الفراق # 1054 من كلام أهل العصر فى مكارم الأخلاق # 1056 من رسائل العتابى وأديه # 1059 خصومة قرشية # 1060 دعاء # - عزل وال # 1061 حرمة الكعبة # - من حكم الفرس # 1062 من حكم الهند # 1063 وصية عتبة بن أبى سفيان لبعض ولاته # - يزيد بن معاوية # ص الموضوع # 1064 فضل العمامة # - من رسائل ابن العميد # 1066 هرب من الوباء # - قتيل الهوى # 1067 ابن عباس حبر قريش # - مسلم بن الوليد صريع الغوانى # 1069 من شعر أبى نواس # - وصف جيش للمتنبى # 1070 شعب بوان # 1071 عود إلى وصف الجيش # 1072 وصف سفينة # - مما قيل فى وصف الأساطيل # 1075 من لطائف التودد # 1076 لأهل العصر فى الإهداء فى المهرجان # - وفى التهنئة بالنيروز وفصل الربيع # 1077 الصفات التى تلزم فى رجل الشرطة # 1078 من كلام الأعراب # 1079 مع الولاة والخلفاء # - شذرات فى مساوىء الأخلاق # 1080 من المفاخرات # 1081 من وصايا الحكماء # 1082 من المديح # 1084 الاستطراد، وأمثلة منه # 1086 سبق المتقدمين إلى الاستطراد # 1088 شاعر باهلى فى حضرة الرشيد # 1089 كاتب الحجاج عند سليمان بن عبد المطلب # 1090 من أدب إبراهيم بن العباس الموصلى # 1092 رثاء مصلوب # PageV04P1167 # ص الموضوع # 1093 كلام لا يحتمل الجواب، تعجيل الإحسان # 1094 فضل الإيجاز # 1095 أبو مسلم الخراسانى # 1096 حساب، من كلام الأحنف بن قيس # 1097 مما كتبه ابن الزيات # - لأهل العصر فى التهنئة بالحج # 1098 من شعر قطرى بن الفجاءة # 1099 من جيد المديح # 1100 بين سعيد بن عبد الملك وسعيد بن حميد # 1101 منزلة سعيد بن حميد الأدبية # 1102 نماذج من السرقات الشعرية # 1106 الاقتباس من القرآن الكريم # - أمثال للعرب والعجم وما يقابلها من القرآن الكريم # 1108 جملة من مكاتبات بعض أهل العصر # 1111 المقامة القزوينية لبديع الزمان # 1113 عاقبة السؤال بلفظ حسن # 1114 أربعة أبيات، أبو الأسود وامرأته # 1115 عظات ووصايا # 1116 وصف هشام بن عبد الملك بصفته # - حاتم الطائى يتحمل ديات، وصف ثقيل # 1117 طيلسان ابن حرب # 1119 من رسائل ابن العميد # 1121 لأبى الطيب فى ابنى عضد الدولة ms743 # - للاسكافى فى استبطاء وتهنئة # 1122 لأهل العصر فى ضروب للتهانى # 1124 فى ذكر المولود العلوى # 1125 فى التهنئة بالإملاك والنفاس # - فى التهنئة بالولاية والأعمال # ص الموضوع # 1127 فى التهنئة بذكر الخلع والأجبية # 1128 فى التهنئة بالقدوم من سفر # 1129 من أحسن الشعر # - ما قيل من الشعر على قبر عمرو بن حممة الدوسى # 1131 بلاغة الأعراب # 1132 ذل السؤال، المقامة الأهوازية (المكفوفية) # 1134 من شعر كشاجم # 1135 الرجوع للرئيس بعد تجربة غيره # 1137 من اسمه على من الخلفاء # 1138 فى بيعة يزيد بن معاوية # 1139 فى الإقدام حياة # - من أخبار أبى دلف وشعره # 1141 من رسائل الميكالى # 1142 للخريمى يعاتب الوليد بن أبان # 1143 من ترجمة أبى يعقوب الخريمى # 1145 فقر وفصول فى معان شتى # 1147 دعاء، من رسائل البلغاء # 1149 رثاء يزيد بن مزيد الشيبانى # 1150 من رسائل بديع الزمان # 1154 المقامة السجستانية للبديع # 1157 جارية ذات أدب وجمال تبذأ بناء الخلفا # 1159 نهشل بن حرى، ومختار من شعره # 1160 أثر الشعر # 1161 أنصف بيت، وأصدق بيت # 1162 ألفاظ لأهل العصر فى ذكر النبى صلى الله عليه وسلم # 1163 خاتمة مؤلف الكتاب PageV04P1168 ms744