######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_001303 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشريف المرتضى #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 413 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الفصول المختارة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر الحديث الشيعية ـ القسم العام #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_001303 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1303_الفصول-المختارة-الشريف-المرتضى #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: السيد نور الدين جعفريان الاصبهاني ، الشيخ يعقوب الجعفري ، الشيخ محسن الأحمدي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1414 - 1993 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # الفصول المختارة من العيون والمحاسن تأليف: # السيد الشريف المرتضى (355 - 436 ه‍) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ~~المتوحد بالقدم، العام لجميع خلقه بالنعم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~معادن الدين والكرم، وسلم كثيرا. # سألت أيدك الله أن أجمع لك فصولا من كلام شيخنا ومولانا المفيد أبي عبد ~~الله محمد بن محمد بن النعمان في المجالس، ونكتا من كتابه المعروف ب‍ ~~(العيون والمحاسن) لتستريح إلى قراءته في سفرك، وتنشر ذكره في مستقرك ~~وبلدك، وقد أجبتك أيدك الله إلى ذلك إيثارا لوفاق مسرتك، ورغبة فيما عند ~~الله سبحانه بإجابتك، والله الكريم يوفقك برحمته لذلك، ويتفضل بحراستك إنه ~~قريب مجيب. PageV00P016 # فصل اتفق للشيخ المفيد أبي عبد الله أيده الله اجتماع مع القاضي أبي بكر ~~أحمد بن سيار في دار السلام بدار الشريف أبي عبد الله محمد بن محمد بن طاهر ~~الموسوي رحمه الله، وكان بالحضرة جمع كثير يزيد عددهم على مائة إنسان، ~~وفيهم أشراف من بني علي - عليه السلام - وبني العباس رحمة الله عليه، ومن ~~وجوه الناس والتجار حضروا في قضاء حق للشريف رحمه الله فجرى من جماعة من ~~القوم خوض في ذكر النص على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - ~~وتكلم الشيخ أبو عبد الله أيده الله في ذلك بكلام يسير على ما اقتضاه الحال ~~فقال له القاضي أبو بكر أحمد بن سيار: # أخبرني ما النص في الحقيقة وما معنى هذه اللفظة؟ # فقال له الشيخ أيده الله: النص هو الإظهار والإبانة من ذلك قولهم: فلان ~~قد نص قلوصه إذا أبانها بالسير وأبرزها من جملة الإبل ولذلك سمي المفرش ~~العالي منصة لأن الجالس عليه يبين بالظهور من الجماعة، فلما أظهره المفرش ~~سمي منصة على ما ذكرناه، ومن ذلك أيضا قولهم قد نص فلان مذهبه إذا أظهره ~~وأبانه ومنه قول امرء القيس: # وجيد كجيد الريم ليس بفاحش * إذا هي نصته ولا بمعطل يريد به إذا هي ~~أظهرته وقد قيل إذا هي نصته والمعنى في هذا يرجع إلى PageV00P018 # الإظهار فأما هذه ms001 اللفظة فإنها قد جعلت مستعملة في الشريعة على المعنى ~~الذي قدمت ومتى أردت حد المعنى منها قلت: حقيقة النص هو القول المنبئ عن ~~المقول فيه على سبيل الإظهار. # فقال القاضي: ما أحسن ما قلت ولقد أصبت فيما أوضحت وكشفت فخبرني الآن إذا ~~كان النبي (ص) قد نص على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه ~~السلام - فقد أظهر فرض طاعته وإذا أظهره استحال أن يكون مخفيا، فما بالنا ~~لا نعلمه إن كان الأمر على ما ذكرت في حد النص وحقيقته؟ # فقال الشيخ أيده الله: أما الإظهار من النبي (ص) فقد وقع ولم يك خافيا في ~~حال ظهوره، وكل من حضره فقد علمه ولم يرتب فيه ولا اشتبه عليه، فأما سؤالك ~~عن علة فقدك العلم به الآن وفي هذا الزمان، فإن كنت لا تعلمه على ما أخبرت ~~به عن نفسك فذلك لدخول الشبهة عليك في طريقه لعدولك عن وجه النظر في الدليل ~~المفضي بك إلى حقيقته، ولو تأملت الحجة فيه بعين الإنصاف لعلمته. ولو كنت ~~حاضرا في وقت إظهار النبي (ص) له لما أخللت بعلمه ولكن العلة في ذهابك عن ~~اليقين فيه ما وصفناه. # فقال. وهل يجوز أن يظهر النبي (ص) شيئا في زمانه فيخفى على من ينشأ بعد ~~وفاته حتى لا يعلمه إلا بنظر ثاقب واستدلال عليه؟ # قال له الشيخ أيده الله تعالى: نعم يجوز ذلك، بل لا بد لمن غاب عن المقام ~~في علم ما كان فيه من النظر والاستدلال. وليس يجوز أن يقع له به علم ~~الاضطرار لأنه من جملة الغائبات غير أن الاستدلال في هذا الباب يختلف في ~~الغموض والظهور والصعوبة والسهولة على حسب الأسباب المعترضات في طرقه وربما ~~عرى طريق ذلك من سبب فيعلم بيسير من الاستدلال على وجه يشبه الاضطرار إلا ~~أن PageV00P019 # طريق النص حصل فيه من الشبهات للأسباب التي اعترضته ما تعذر معها العلم ~~به إلا بعد نظر ثاقب وطول زمان في الاستدلال. # فقال: فإذا كان الأمر على ما وصفت فما أنكرت أن ms002 يكون النبي (ص) قد نص على ~~نبي آخر معه في زمانه أو نبي يقوم من بعده مقامه وأظهر ذلك وشهره على حد ما ~~أظهر به إمامة أمير المؤمنين - طيه السلام - فذهب عنا علم ذلك كما ذهب عنا ~~علم النص بأسبابه. # فقال الشيخ أيده الله: أنكرت ذلك من قبل أن العلم حاصل لي ولك ولكل مقر ~~بالشرع ومنكر له، بكذب من ادعى ذلك على رسول الله (ص) ولو كان ذلك حقا لما ~~عم الجميع علم بطلانه وكذب مدعيه ومضيفه إلى النبي (ص) ولو تعرى بعض ~~العقلاء من سامعي الأخبار عن علم ذلك لاحتجت في إفساده إلى تكلف دليل غير ~~ما وصفت لكن الدليل الذي ذكرت يغنيني عن اعتماد غيره، فإن كان النص على ~~الإمامة نظيره فيجب أن يعم العلم ببطلانه جميع سامعي الأخبار حتى لا يختلف ~~في اعتقاد ذلك اثنان، وفي تنازع الأمة فيه واعتقاد جماعة صحته والعلم به ~~واعتقاد جماعة بطلانه، دليل على فرق ما بينه وبين ما عارضت به. # ثم قال الشيخ أيده الله: هلا أنصف القاضي من نفسه والتزم ما ألزمه خصومه ~~فيما شاركهم فيه من نفي ما تفردوا به ففصل بينه وبين خصومه في قوله إن ~~النبي (ص) قد نص على رجم الزاني وفعله، وموضع قطع السارق وفعله، وعلى صفة ~~الطهارة والصلاة وحدود الصوم والحج والزكاة وفعل ذلك، وبينه وكرره وشهره. ~~ثم التنازع موجود في ذلك وإنما يعلم الحق فيه وما عليه العمل من غيره، بضرب ~~من الاستدلال. بل في قوله: إن انشقاق القمر لرسول الله (ص) كان ظاهرا في ~~حياته ومشهورا في عصره وزمانه. وقد أنكر ذلك جماعة من المعتزلة وغيرهم من ~~PageV00P020 # أهل الملل والملحدة وزعموا أن ذلك من توليد أصحاب السير ومؤلفي المغازي ~~وناقلي الآثار وليس يمكنه أن يدعي على من خالف فيما ذكرناه علم الاضطرار ~~وإنما يعتمد على غلطهم في الاستدلال. فما يؤمنه أن يكون النبي (ص) قد نص ~~على نبي من بعده وإن عرى من العلم بذلك على سبيل الاضطرار؟ وبم يدفع أن ms003 ~~يكون قد حصلت له شبهات حالت بينه وبين العلم بذلك كما حصل لخصومه فيما ~~عددناه ووصفناه؟ وهذا ما لا فصل فيه. # فقال له: ليس يشبه أمر النص على أمير المؤمنين - عليه السلام - جميع ما ~~ذكرت لأن فرض النص عندك فرض عام وما وقع فيه الاختلاف فيما قدمت فإنها فروض ~~خاصة ولو كانت في العموم كهو لما وقع فيها الاختلاف. # فقال له الشيخ أدام الله عزه: فقد انتقض الآن جميع ما اعتمدته وبان فساده ~~واحتجت في الاعتماد إلى غيره وذلك أنك جعلت موجب العلم وسبب ارتفاع الخلاف، ~~ظهور الشئ في زمان ما واشتهاره بين الملأ ولم تضم إلى ذلك غيره ولا شرطت ~~فيه موصوفا سواه فلما نقضناه عليك ووضح لك دماره، عدلت إلى التعلق بعموم ~~الفرض وخصوصه. ولم يك هذا جاريا فيما سلف والزيادة في الاعتلال انقطاع ~~والانتقال من اعتماد إلى اعتماد أيضا انقطاع على أنه ما الذي يؤمنك أن ينص ~~على نبي يحفظ شرعه ويكون فرض العمل به خاصا في العبادة كما كان الفرض فيما ~~عددناه خاصا، فهل فيها من فصل يعقل؟ فلم يأت بشئ تجب حكايته. PageV00P021 # فصل وذكرت بحضرة الشيخ أبي عبد الله أدام الله عزه ما ذكره أبو جعفر محمد ~~بن عبد الرحمن بن قبة الرازي رحمه الله في كتاب (الإنصاف) حيث ذكر أن شيخا ~~من المعتزلة أنكر أن تكون العرب تعرف المولى سيدا وإماما. قال: فأنشدته قول ~~الأخطل: # فما وجدت فيها قريش لأمرها * أعف وأولى من أبيك وأمجدا وأورى بزنديه ولو ~~كان غيره * غداة اختلاف الناس أكدى وأصلدا فأصبحت مولاها من الناس كلهم * ~~وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا قال أبو جعف فأسكت الشيخ كأنما ألقم حجرا، وجعلت ~~أستحسن ذلك. # فقال لي الشيخ أبو عبد الله أدام الله عزه: قد قال لي أيضا شيخ من ~~المعتزلة: # إن الذي تدعونه من النص الجلي على أمير المؤمنين - عليه السلام - شئ حادث ~~ولم يك معروفا عند متقدمي الشيعة ولا اعتمده أحد منهم في حجته وإنما بدأ به ~~وادعاه ابن الراوندي في ms004 كتابه في الإمامة وناضل عليه ولم يسبقه إليه أحد، ~~ولو كان معروفا فيما سلف لما أخل السيد إسماعيل بن محمد رحمه الله به في ~~شعره ولا ترك ذكره في نظمه مع إغراقه في ذكر فضائل أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - ومناقبه حتى تعلق بشاذ الحديث وأورد من الفضائل ما لم نسمع به إلا ~~منه، فما باله إن كنتم صادقين لم يذكر النص الجلي ولا اعتمده في شئ من ~~مقاله؟ وهو الأصل المعول عليه لو ثبت. PageV00P022 # فقلت له: قد ذهب عنك أيها الشيخ مواضع مقاله في ذلك لعدولك عن العناية ~~برواية شعر هذا الرجل ولو كنت ممن صرف همته إلى تصفح قصائده لعرفت ما ذهب ~~عليك من ذلك وأسكنتك المعرفة به عن الاعتماد على ما اعتمدته من خلو شعره ~~على ما وصفت في استدلالك بذلك، وقد قال السيد إسماعيل بن محمد رحمه الله في ~~قصيدته الرائية التي يقول في أولها: # الحمد لله حمدا كثيرا * ولي المحامد ربا غفورا حتى انتهى إلى قوله: # وفيهم علي وصي النبي * بمحضرهم قد دعاه أميرا وكان الخصيص به في الحياة * ~~وصاهره واجتباه عشيرا أفلا ترى أنه قد أخبر في نظمه أن رسول الله (ص) دعا ~~عليا - عليه السلام - في حياته بإمرة المؤمنين واحتج بذلك فيما ذكره من ~~مناقبه - عليه السلام - فسكت الشيخ وكان منصفا. # فصل وحدثني الشيخ أبو عبد الله أيده الله قال أبو الحسن علي بن ميثم أبا ~~الهذيل العلاف فقال له: أليس تعلم أن إبليس ينهى عن الخير كله ويأمر بالشر ~~كله؟ فقال: نعم. قال: أفيجوز أن يأمر بالشر كله وهو لا يعرفه وينهى عن ~~الخير كله وهو لا يعرفه؟ قال: لا. فقال له أبو الحسن رحمه الله: قد ثبت أن ~~إبليس يعلم الشر كله والخير كله؟. قال أبو الهذيل: أجل. قال: فأخبرني عن ~~إمامك الذي تأتم به بعد الرسول (ص) هل يعلم الخير كله والشر كله؟ قال: لا. ~~قال له: فإبليس أعلم من إمامك إذن. فانقطع أبو الهذيل. PageV00P023 # وقال أبو الحسن علي بن ميثم ms005 يوما آخر لأبي الهذيل. أخبرني عمن أقر على ~~نفسه بالكذب وشهادة الزور هل تجوز شهادته في ذلك المقام على آخرين؟ قال أبو ~~الهذيل: لا يجوز ذلك. قال له أبو الحسن: أفلست تعلم أن الأنصار ادعت الإمرة ~~لنفسها ثم أكذبت أنفسها في ذلك المقام وشهدت عليها بالزور ثم أقرت بها لأبي ~~بكر وشهدت بها له. فكيف تجوز شهادة قوم قد أكذبوا أنفسهم وشهدوا عليها ~~بالزور مع ما أخذنا رهنك به من القول في ذلك. # فقال لي الشيخ أيده الله: هذا كلام موجز في البيان والمعنى فيه على ~~الايضاح أنه إذا كان الدليل عند من خالفنا على إمامة أبي بكر إجماع ~~المهاجرين عليه فيما زعمه والأنصار وكان معترفا ببطلان شهادة الأنصار له من ~~حيث أقرت على أنفسها بباطل ما ادعته من استحقاق الإمامة، فقد صار وجود ~~شهادتهم كعدمها وحصل الشاهد بإمامة أبي بكر من بعض الأمة لا كلها، وبطل ما ~~ادعوه من الاجماع عليها. ولا خلاف بيننا وبين خصومنا أن إجماع بعض الأمة ~~ليس بحجة فيما ادعاه وإن الغلط جائز عليهم، وفي ذلك فساد الاستدلال على ~~إمامة أبي بكر بما ادعاه القوم وعدم البرهان عليها من جميع الوجوه. # فصل وحدثني الشيخ أدام الله عزه قال. وحدث عن الحسين بن زيد (1)، قال: # حدثني مولاي، قال: كنت مع زيد بن علي - عليه السلام - بواسط فذكر قوم أبا ~~بكر وعمر وعليا - عليه السلام - فقدموا أبا بكر وعمر عليه، فلما قاموا قال ~~لي زيد رحمه الله: # قد سمعت كلام هؤلاء وقد قلت أبياتا فادفعها إليهم وهي. # PageV00P024 # ومن شرف الأقوام يوما برأيه * فإن عليا شرفته المناقب وقول رسول الله ~~والحق قوله * وإن زعمت منهم أنوف كواذب بأنك مني يا علي معالنا * كهارون من ~~موسى أخ لي وصاحب دعاه ببدر فاستجاب لأمره * وما زال في ذات الإله يضارب ~~فما زال يعلوهم بم وكأنه * شهاب تلقاه القوابس ثاقب وأخبرني الشيخ أدام ~~الله عزه مرسلا، قال: سأل رجل زين العابدين علي بن الحسين - عليه السلام، ~~فقال له: يا بن رسول ms006 الله أخبرني بما ذا فضلتم الناس جميعا وسدتموهم، فقال ~~له - عليه السلام -: أنا أخبرك بذلك، اعلم أن الناس كلهم لا يخلون من أن ~~يكونوا أحد ثلاثة: إما رجل أسلم على يد جدنا رسول الله (ص) مولى لنا ونحن ~~ساداته وإلينا يرجع بالولاء، أو رجل قاتلناه فقتلناه فمضى إلى النار أو رجل ~~أخذنا منه الجزية عن يد وهو صاغر ولا رابع للقوم، فأي فضل لم نحزه وشرف لم ~~نحصله بذلك؟ # فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في إبطال إمامة أبي بكر من جهة ~~الاجماع، سأله المعروف بالكتبي فقال له: ما الدليل على فساد إمامة أبي بكر؟ # فقال له: الأدلة على ذلك كثيرة، وأنا أذكر لك منها دليلا يقرب إلى فهمك، ~~وهو) أن الأمة مجمعه على أن الإمام لا يحتاج إلى إمام وقد أجمعت الأمة على ~~أن أبا بكر قال على المنبر: (وليتكم ولست بخيركم فإن استقمت فاتبعوني وإن ~~اعوججت فقوموني) فاعترف بحاجته إلى رعيته، وفقره إليهم في تدبيره ولا خلاف ~~بين ذوي العقول أن من احتاج إلى رعيته فهو إلى الإمام أحوج، وإذا ثبت حاجة ~~أبي بكر إلى PageV00P025 # الإمام بطلت إمامته بالاجماع المنعقد على أن الإمام لا يحتاج إلى إمام. # فلم يدر الكتبي بم يعترض وكان بالحضرة رجل من المعتزلة يعرف بعزرالة ~~فقال: ما أنكرت على من قال لك: إن الأمة أيضا مجمعة على أن القاضي لا يحتاج ~~إلى قاض، والأمير لا يحتاج إلى أمير فيجب على هذا الأصل أن توجب عصمة ~~الأمراء والقضاة أو تخرج عن الاجماع. # فقال له الشيخ أدام الله عزه: إن سكوت الأول أحسن من كلامك هذا! وما كنت ~~أظن أنه يذهب عليك الخطأ في هذا الفصل أو تحمل نفسك عليه مع العلم يوهنه ~~وذلك أنه لا إجماع فيما ذكرت بل الاجماع في ضده لأن الأمة متفقة على أن ~~القاضي الذي هو دون الإمام، يحتاج إلى قاض هو الإمام، والأمير من قبل ~~الإمام يحتاج إلى أمير هو الإمام وذلك مسقط ما تعلقت به. اللهم إلا أن ms007 تكون ~~أشرت بالأمير والقاضي إلى نفس الإمام فهو كما وصفت غير محتاج إلى قاض ~~يتقدمه أو أمير عليه، وإنما استغنى عن ذلك لعصمته وكماله فأين موضع إلزامك ~~عافاك الله؟. فلم يأت بشئ فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه أيضا سأله رجل ~~من المعتزلة يعرف بأبي عمرو الشطوي، فقال له: أليس قد أجمعت الأمة على أن ~~أبا بكر وعمر كان ظاهرهما الإسلام؟ فقال له الشيخ: نعم قد أجمعوا على أنهما ~~قد كانا على ظاهر الإسلام زمانا فأما أن يكونوا مجمعين على أنهما كانا في ~~سائر أحوالهما على ظاهر الإسلام فليس في هذا إجماع للاتفاق على أنهما كانا ~~على الشرك، ولوجود طائفة كثيرة العدد تقول: PageV00P026 # إنهما كانا بعد إظهارهما الإسلام على ظاهر كفر بجحد النص. وأنه كان يظهر ~~منهما النفاق في حياة النبي (ص). فقال الشطوي: قد بطل ما أردت أن أورده على ~~هذا السؤال بما أوردت. وكنت أظن أنك تطلق القول على ما سألتك. # فقال له الشيخ أدام الله عزه: قد سمعت ما عندي، وقد علمت ما الذي أردت ~~فلم أمكنك منه، ولكني أنا أضطرك إلى الوقوع فيما ظننت أنك توقع خصمك فيه، ~~أليس الأمة مجمعة على أنه من اعترف بالشك في دين الله والريب في نبوة رسول ~~الله (ص) فقد اعترف بالكفر وأقر به على نفسه؟ فقال: بلى. # فقال له الشيخ أدام الله عزه: فإن الأمة مجمعة لا خلاف بينها على أن عمر ~~بن الخطاب قال: ما شككت منذ يوم أسلمت إلا يوم قاضي فيه رسول الله (ص) أهل ~~مكة، فإني جئت إليه فقلت له: يا رسول الله ألست بنبي؟ فقال: بلى، فقلت: # ألسنا بالمؤمنين؟ قال: بلى، فقلت: فعلى م تعطي هذه الدنية من نفسك؟ فقال: ~~إنها ليست بدنية ولكنها خير لك. فقلت له: أليس قد وعدتنا أن ندخل مكة؟ قال: # بلى. قلت: فما بالنا لا ندخلها؟ قال: أو عدتك أن تدخلها العام؟ قلت: لا، ~~قال. # فسندخلها إن شاء الله تعالى. فاعترف بشكه في دين الله ونبوة رسول (ص) ms008 ~~وذكر مواضع شكوكه وبين عن جهاتها وإذا كان الأمر على ما وصفناه فقد حصل ~~الاجماع على كفره بعد إظهار الإيمان واعترافه بموجب ذلك على نفسه. ثم ادعى ~~خصومنا من الناصبة أنه تيقن بعد الشك ورجع إلى الإيمان بعد الكفر فأطرحنا ~~قولهم لعدم البرهان عليه واعتمدنا على الاجماع فيما ذكرناه. # فلم يأت بشئ أكثر من أن قال: ما كنت أظن أن أحدا يدعي الاجماع على كفر ~~عمر بن الخطاب حتى الآن. # فقال الشيخ أدام الله عزه: فالآن قد علمت ذلك وتحققته ولعمري إن هذا مما ~~لم يسبقني إلى استخراجه أحد فإن كان عندك شئ فأورده. فلم يأت بشئ. ~~PageV00P027 # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه قال: دخل ضرار بن عمرو الضبي على يحيى ~~بن خالد البرمكي فقال له: يا أبا عمرو هل لك في مناظرة رجل هو ركن الشيعة؟ # فقال ضرار: هلم من شئت. # فبعث إلى هشام بن الحكم رحمه الله فأحضره فقال له: يا أبا محمد هذا ضرار ~~وهو من قد علمت في الكلام والخلاف لك فكلمه في الإمامة. فقال له: نعم. # ثم أقبل على ضرار، فقال: يا أبا عمرو خبرني على ما تجب الولاية والبراءة ~~أعلى الظاهر أم على الباطن؟ فقال ضرار: بل على الظاهر فإن الباطن لا يدرك ~~إلا بالوحي قال هشام: صدقت. فأخبرني الآن أي الرجلين كان أذب عن وجه رسول ~~الله (ص) بالسيف وأقتل لأعداء الله بين يديه وأكثر آثارا في الجهاد أعلي بن ~~أبي طالب أو أبو بكر؟ فقال: بل علي بن أبي طالب، ولكن أبا بكر كان أشد ~~يقينا. فقال هشام. # هذا هو الباطن الذي قد تركنا الكلام فيه وقد اعترفت لعلي - عليه السلام - ~~بظاهر عمله من الولاية وأنه يستحق بها من الولاية ما لم يجب لأبي بكر فقال ~~ضرار هذا هو الظاهر نعم. # ثم قال له هشام: أفليس إذا كان الباطن مع الظاهر فهو الفضل الذي لا يدفع؟ ~~فقال له ضرار بلى فقال له هشام: ألست تعلم أن رسول الله (ص) قال لعلي: # أنت ms009 مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ قال ضرار نعم. قال ~~هشام: أفيجوز أن يقول له هذا القول إلا وهو عنده في الباطن مؤمن؟ قال: لا. # قال هشام: فقد صح لعلي - عليه السلام - ظاهره وباطنه ولم يصح لصاحبك لا ~~ظاهر ولا باطن والحمد لله. PageV00P028 # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه أيضا قال: جاء ضرار إلى أبي الحسن علي ~~بن ميثم رحمه الله فقال له: يا أبا الحسن قد جئتك مناظرا. فقال له أبو ~~الحسن: وفيم تناظرني؟ فقال: في الإمامة فقال. ما جئتني والله مناظرا ولكنك ~~جئت متحكما. # قال له ضرار: ومن أين لك ذلك؟ قال أبو الحسن. علي البيان عنه، أنت تعلم ~~أن المناظرة ربما انتهت إلى حد يغمض فيه الكلام فتتوجه الحجة على الخصم ~~فيجهل ذلك أو يعاند وإن لم يشعر بذلك أكثر مستمعيه بل كلهم. ولكني أدعوك ~~إلى منصفة من القول وهو أن تختار أحد الأمرين: إما أن تقبل قولي في صاحبي ~~وأقبل قولك في صاحبك فهذه واحدة. قال ضرار لا أفعل ذلك. قال له أبو الحسن: ~~ولم لا تفعله؟ قال: لأنني إذا قبلت قولك في صاحبك قلت لي إنه كان وصي رسول ~~الله (ص) وأفضل من خلفه وخليفته على قومه وسيد المسلمين فلا ينفعني بعد أن ~~قبلت ذلك منك أن صاحبي كان صديقا واختاره المسلمون إماما لأن الذي قبلته ~~منك يفسد هذا علي. قال له أبو الحسن: فاقبل قولي في صاحبك وأقبل قولك في ~~صاحبي، قال ضرار وهذا لا يمكن أيضا لأني إذا قبلت قولك في صاحبي، قلت لي ~~كان ضالا مضلا ظالما لآل محمد - عليهم السلام - قعد في غير مجلسه ودفع ~~الإمام عن حقه وكان في عصر النبي في منافقا، فلا ينفعني قبولك قولي فيه أنه ~~كان خيرا صالحا وصاحبا أمينا لأنه قد انتقض بقبولي قولك فيه، بعد ذلك أنه ~~كان ضالا مضلا. فقال له أبو الحسن رحمه الله. فإذا كنت لا تقبل قولك في ~~صاحبك ولا قولي فيه ولا قولك في صاحبي ms010 فما جئتني إلا متحكما ولم تأتني ~~مباحثا مناظرا. PageV00P029 # فصل ومن كلام الشيخ أيده الله أيضا. وحضر الشيخ أدام الله عزه مجلسا ~~للنقيب أبي الحسن العمري أدام الله عزه وكان بالحضرة جمع كثير، وفيه القاضي ~~أبو محمد العماني وأبو بكر بن الدقاق فتخاوضوا في ضروب من الحكايات فجرى ~~ذكر الحسد. فقال أبو بكر سئل الحسن البصري فقيل له: أيها الشيخ هل يكون في ~~أهل الإيمان حسد؟ فقال: سبحان الله أما علمتم ما جرى بين إخوة يوسف ويوسف - ~~عليه السلام -، أو ما قرأتم قصتهم في محكم القرآن، فكيف يجوز أن يخرج الحسد ~~عن الإيمان؟ فاستحسن هذه الحكاية أبو محمد العماني وهو معتزلي المذهب ~~والحاكي أيضا من المعتزلة. # فقال الشيخ أدام الله عزه لهم: إن نفس هذا الاستدلال الذي استحسنتموه ~~يوجب أن تكون كبائر الذنوب لا تخرج أيضا عن الإيمان وذلك أنه لا خلاف أن ما ~~صنعه إخوة يوسف - عليه السلام - بأخيهم من إلقائه في غيابة الجب وبيعه ~~بالثمن البخس وكذبهم على الذئب وما أوصلوه إلى قلب أبيهم نبي الله يعقوب - ~~عليه السلام - من الحزن كان كبيرا من الذنوب. وقد قص الله تعالى قصتهم ~~وأخبر عن سؤالهم أباهم الاستغفار عند توبتهم وندمهم، فإن كان الحسد لا يخرج ~~عن الإيمان بما حكي عن الحسن من الاستدلال فالكبير من الذنوب أيضا لا يخرج ~~عن الإيمان بذلك بعينه، وهذا نقض مذهب أهل الاعتزال فلم يرد أحد منهم ~~جوابا. PageV00P030 # فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه أيضا حضر في دار الشريف أبي عبد الله ~~محمد ابن محمد بن طاهر رحمه الله، وحضر رجل من المتفقهة يعرف بالورثاني وهو ~~من فقهائها فقال له الورثاني: أليس من مذهبك أن رسول الله (ص) كان معصوما ~~من الخطأ، مبرأ من الزلل مأمونا عليه من السهو والغلط، كاملا بنفسه غنيا عن ~~رعيته؟ # - فقال له الشيخ أيده الله: بلى كذلك كان (ص) قال له: فما تصنع في قول ~~الله جل جلاله * (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) * (1). أليس ~~قد أمره الله ms011 بالاستعانة بهم في الرأي وأفقره إليهم، فكيف يصح لك ما ادعيت ~~مع ظاهر القرآن وما فعله النبي (ص)؟ # فقال له الشيخ أدام الله عزه: إن رسول الله (ص) يشاور أصحابه لفقر منه ~~إلى آرائهم ولحاجة دعته إلى مشورتهم من حيث ظننت وتوهمت بل لأمر آخر أنا ~~أذكره لك بعد الايضاح عما أخبرتك به، وذلك أنا قد علمنا أن رسول الله (ص) ~~كان معصوما من الكبائر والصغائر وإن خالفت أنت في عصمته من الصغائر وكان ~~أكمل الخلق باتفاق أهل الملة وأحسنهم رأيا وأوفرهم عقلا وأكملهم تدبيرا، ~~وكانت المواد بينه وبين الله سبحانه متصلة والملائكة تتواتر عليه بالتوفيق ~~من الله عز وجل والتهذيب والإنباء له عن المصالح، وإذا كان بهذه الصفات لم ~~يصح أن يدعوه داع إلى اقتباس الرأي من رعيته لأنه ليس أحد منهم إلا وهو ~~دونه في سائر ما عددناه، وإنما يستشير الحكيم غيره على طريق الاستفادة ~~والاستعانة برأيه إذا تيقن أنه أحسن رأيا منه وأجود تدبيرا وأكمل عقلا أو ~~ظن ذلك، فأما إذا أحاط # PageV00P031 # علما بأنه دونه فيما وصفناه، لم يكن للاستعانة في تدبيره برأيه معنى لأن ~~الكامل لا يفتقر إلى الناقص فيما يحتاج فيه إلى الكمال، كما لا يفتقر ~~العالم إلى الجاهل فيما يحتاج فيه إلى العلم والآية بينة يدل متضمنها على ~~ذلك ألا ترى إلى قوله تعالى: # * (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) * فعلق وقوع الفعل بعزمه ~~دون رأيهم ومشورتهم، ولو كان إنما أمره بمشورتهم للاستعانة برأيهم لقال له: ~~فإذا أشاروا عليك فاعمل وإذا اجتمع رأيهم على شئ فامضه، فكان تعلق فعله ~~بالمشورة دون العزم الذي يختص، به فلقا جاء الذكر بما تلوناه سقط ما ~~توهمته. # فأما وجه دعائهم إلى المشورة عليه (ص) فإن الله أمره أن يتألفهم بمشورتهم ~~ويعلمهم بما يصنعونه عند عزماتهم ليتأدبوا بآداب الله عز وجل فاستشارهم ~~لذلك لا للحاجة إلى آرائهم، على أن هاهنا وجها آخر بينا وهو أن الله سبحانه ~~أعلمه أن في أمته من يبتغي له الغوائل ويتربص به ms012 الدوائر ويسر خلافه ويبطن ~~مقته ويسعى في هدم أمره ويناقضه في دينه ولم يعرفه بأعيانهم ولا دله عليهم ~~بأسمائهم، فقال عز اسمه: * (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم ~~نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم) * (1) وقال جل اسمه: * ~~(وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف ~~الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون) * (2) وقال تبارك اسمه: * (يحلفون لكم ~~لترضوا عنهم فإن ترضوا منهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) * (3) ~~وقال: * (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون) * (4) ~~وقال عز من قائل. * (وإذا رأيتهم # PageV00P032 # تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة ~~عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون) * (1) وقال جل جلاله: # * (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا ~~قليلا) * (2)، * (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم ~~كارهون) * (3). # ثم قال سبحانه بعد أن أنبأه عنهم في الجملة * (ولو نشاء لأريناكهم ~~فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم ي لحن القول) * (4) فدله عليهم بمقالهم وجعل ~~الطريق إلى معرفتهم ما يظهر من نفاقهم في لحن قولهم، ثم أمره بمشورتهم ليصل ~~بما يظهر منهم إلى علم باطنهم، فإن الناصح تبدو نصيحته في مشورته، والغاش ~~المنافق يظهر ذلك في مقاله، فاستشارهم (ص) لذلك، ولأن الله جل جلاله جعل ~~مشورتهم الطريق إلى معرفتهم. # ألا ترى أنهم لما أشاروا ببدر عليه (ص) في الأسرى فصدرت مشورتهم عن نيات ~~مشوبة في نصيحته كشف الله تعالى ذلك له وذمهم عليه وأبان عن إدغالهم فيه، ~~فقال جل وتعالى * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون ~~عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق ~~لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) * (5) فوجه التوبيخ إليهم والتعنيف على رأيهم ~~وأبان لرسوله (ص) عن حالهم فيعلم أن المشورة لهم لم تكن للفقر إلى آرائهم ~~وإنما كانت لما ذكرناه. # PageV00P033 # فقال شيخ من القوم يعرف ms013 بالجراحي وكان حاضرا: يا سبحان الله أترى أن أبا ~~بكر وعمر كانا من أهل النفاق؟ كلا ما نظن أنك أيدك الله تطلق هذا وما رأينا ~~أن النبي (ص) استشار ببدر غيرهما، فإن كانا هما من المنافقين فهذا ما لا ~~نصبر عليه ولا نقوى على استماعه، وإن لم يكونا من جملة أهل النفاق فاعتمد ~~على الوجه الأول، وهو أن النبي (ص) أراد أن يتألفهم بالمشورة ويعلمهم كيف ~~يصنعون في أمورهم. # فقال له الشيخ أدام الله عزه: ليس هذا من الحجاج أيها الشيخ في شئ وإنما ~~هو استكبار واستعظام معدول به عن الحجة والبرهان ولم نذكر إنسانا بعينه ~~وإنما أتينا بمجمل من القول ففصله الشيخ وكان غنيا عن تفصيله. # فصاح الورثاني وأعلى صوته بالصياح يقول: الصحابة أجل قدرا من أن يكونوا ~~من أهل النفاق وسيما الصديق والفاروق، وأخذ في كلام نحو هذا من كلام السوقة ~~والعامة وأهل الشغب والفتن. # فقال له الشيخ أدام الله عزه: دع عنك الضجيج وتخلص مما أوردته عليك من ~~البرهان واحتل لنفسك وللقوم فقد بان الحق وزهق الباطل بأهون سعي والحمد ~~لله. # فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه وقد سأله بعض أصحابه فقال له: إن ~~المعتزلة والحشوية يدعون أن جلوس أبي بكر وعمر مع رسول الله (ص) في العريش ~~كان أفضل من جهاد أمير المؤمنين - عليه السلام - بالسيف لأنهما كانا مع ~~النبي (ص) في مستقره يدبران الأمر معه ولولا أنهما أفضل الخلق عنده لما ~~اختصهما بالجلوس معه PageV00P034 # فبأي شئ يدفع هذا؟ # فقال له الشيخ أدام الله عزه: سبيل هذا القول أن يعكس وهذه القضية أن ~~تقلب وذلك أن النبي (ص) لو علم أنهما لو كانا في جملة المجاهدين بأنفسهما ~~يبارزان الأقران ويقتلان الأبطال ويحصل لهما جهاد يستحقان به الثواب، لما ~~حال بينهما وبين هذه المنزلة التي هي أجل وأشرف وأعلى وأسنى من القعود على ~~كل حال بنص الكتاب حيث يقول الله سبحانه: * (لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل ms014 الله ~~المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل ~~الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) * (1). # فلما رأينا الرسول (ص) قد منعهما هذه الفضيلة وأجلسهما معه، علمنا أن ذلك ~~لعلمه بأنهما لو تعرضا للقتال أو عرضا له لأفسدا، إما بأن ينهزما، أو يوليا ~~الدبر كما صنعا في يوم أحد وخيبر وحنين، فكان يكون في ذلك عظيم الضرر على ~~المسلمين ولا يؤمن وقوع الوهن فيهم بهزيمة شيخين من جملتهم، أو كانا لفرط ~~ما يلحقهما من الخوف والجزع يصيران إلى أهل الشرك مستأمنين أو غير ذلك من ~~الفساد الذي يعلمه الله تعالى، ولعله لطف للأمة بأن أمر نبيه (ص) بحبسهما ~~عن القتال، فأما ما توهموه من أنه حبسهما للاستعانة برأيهما، فقد ثبت أنه ~~كان كاملا وأنهما كانا ناقصين عن كماله، وكان معصوما وكانا غي معصومين، ~~وكان مؤيدا بالملائكة وكانا غير مؤيدين، وكان يوحى إليه وينزل القرآن عليه ~~ولم يكونا كذلك، فأي فقر يحصل له مع ما وصفناه إليهما لولا عمى القلوب وضعف ~~الرأي وقلة الدين. # PageV00P035 # والذي يكشف لك عن صحة ما ذكرناه آنفا في وجه إجلاسهما معه في العريش، قول ~~الله سبحانه: * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن) * الآية (1)، فلا يخلو الرجلان من أن يكونا مؤمنين أو غير مؤمنين، ~~فإن كانا مؤمنين، فقد اشترى الله أنفسهما منهما بالجنة، على شرط القتال ~~المؤدي إلى القتل منهما لغيرهما أو قتل غيرهما لهما، ولو كانا كذلك لما حال ~~النبي (ص) بينهما وبين الوفاء بشرط الله عليهما من القتل، وفي منعهما من ~~ذلك دليل على أنهما بغير الصفة التي يعتقدها فيهما الجاهلون، فقد وضح بما ~~بيناه أن العريش وبال عليهما ودليل على نقصهما وأنه بالضد مما توهموه لهما ~~والمنة لله. # فصل وحدثني الشيخ أدام الله عزه فقال: لما حج الرشيد ونزل المدينة اجتمع ~~إليه بنو هاشم وبقايا المهاجرين والأنصار ووجوه الناس، وكان في القوم سيدنا ~~أبو الحسن ms015 موسى بن جعفر - عليهما السلام - فقال لهم الرشيد: قوموا إلى ~~زيارة رسول الله. # قال: ثم نهض معتمدا على يد أبي الحسن موسى بن جعفر - عليهما السلام - حتى ~~انتهى إلى قبر رسول الله (ص) فوقف ثم قال: السلام عليك يا رسول الله، ~~السلام عليك يا بن عم - افتخارا على قبائل العرب الذين حضروا معه واستطالة ~~عليهم بالنسب - قال: فنزع أبو الحسن موسى - عليه السلام - يده من يده ثم ~~تقدم فقال: # السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبة، قال: فتغير لون الرشيد ثم ~~قال: # يا أبا الحسن إن هذا لهو الفخر الجسيم. # PageV00P036 # فصل وحدثني الشيخ أدام الله عزه أيضا قال: روي أنه لما سار المأمون إلى ~~خراسان وكان معه الرضا علي بن موسى - عليهما السلام -، فبينا هما يسيران إذ ~~قال له المأمون: يا أبا الحسن إني فكرت في شئ ففتح لي الفكر الصواب فيه، ~~فكرت في أمرنا وأمركم ونسبنا ونسبكم فوجدت الفضيلة فيه واحدة ورأيت اختلاف ~~شيعتنا في ذلك محمولا على الهوى والعصبية. # فقال له أبو الحسن الرضا - عليه السلام -: إن لهذا الكلام جوابا فإن شئت ~~ذكرته لك وإن شئت أمسكت، فقال له المأمون: إني لم أقله إلا لأعلم ما عندك ~~فيه، قال له الرضا - عليه السلام -: أنشدك الله يا أمير المؤمنين لو أن ~~الله تعالى بعث نبيه محمدا (ص) فخرج علينا من وراء أكمة من هذه الآكام فخطب ~~إليك ابنتك أكنت تزوجه إياها؟ فقال: يا سبحان الله وهل أحد يرغب عن رسول ~~الله (ص)؟ فقال له الرضا - عليه السلام -: أفتراه يحل له أن يخطب إلي، قال: ~~فسكت المأمون هنيئة ثم قال: أنتم والله أمس برسول الله (ص) رحما. # قال الشيخ أدام الله عزه: وإنما المعنى لهذا الكلام، أن ولد العباس يحلون ~~لرسول الله (ص) كما يحل له البعداء في النسب منه، وأن ولد أمير المؤمنين ~~عليه السلام - من فاطمة - عليها السلام - ومن أمامة بنت زينب ابنة رسول ~~الله (ص) يحرمن عليه لأنهن من ولده في الحقيقة فالولد ألصق بالوالد ms016 وأقرب ~~وأحرز للفضل من ولد العم بلا ارتياب بين أهل الدين، فكيف يصح مع ذلك أن ~~يتساووا في الفضل بقرابة الرسول (ص) فنبهه الرضا - عليه السلام - على هذا ~~المعنى وأوضحه له. PageV00P037 # فصل وحدثني الشيخ أدام الله عزه أيضا قال: قال المأمون يوما للرضا - عليه ~~السلام -: # أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين - عليه السلام - يدل عليها القرآن ~~قال: فقال له الرضا - عليه السلام -: فضيلته في المباهلة قال الله جل ~~جلاله: * (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على ~~الكاذبين) * (1) فدعا رسول الله (ص) الحسن والحسين - عليهما السلام - فكانا ~~ابنيه ودعا فاطمة - عليها السلام - فكانت في هذا الموضع نساءه ودعا أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - فكان نفسه بحكم الله عز وجل، وقد ثبت أنه ليس أحد ~~من خلق الله سبحانه أجل من رسول الله (ص) وأفضل فوجب أن لا يكون أحد أفضل ~~من نفس رسول الله (ص) بحكم الله عز وجل. # قال: فقال له المأمون: أليس قد ذكر الله الأبناء بلفظ الجمع وإنما دعا ~~رسول الله (ص) ابنيه خاصة وذكر النساء بلفظ الجمع وإنما دعا رسول الله (ص) ~~ابنته وحدها، فلم لا جاز أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه ويكون المراد نفسه في ~~الحقيقة دون غيره فلا يكون لأمير المؤمنين - عليه السلام - ما ذكرت من ~~الفضل؟ # قال: فقال له الرضا - عليه السلام -: ليس بصحيح ما ذكرت يا أمير المؤمنين ~~وذلك أن الداعي إنا يكون داعيا لغيره كما يكون الأمر آمرا لغيره ولا يصح أن ~~يكون داعيا لنفسه في الحقيقة كما لا يكون آمرا لها في الحقيقة، وإذا لم يدع ~~رسول الله (ص) رجلا في المباهلة إلا أمير المؤمنين - عليه السلام - فقد ثبت ~~أنه نفسه التي عناها الله تعالى في كتابه وجعل حكمه ذلك في تنزيله. # قال. فقال المأمون. إذا ورد الجواب سقط السؤال. # PageV00P038 # فصل قال الشيخ أدام الله عزه: وإنني لأستحسن قول الفرزدق في كلمة التي ~~يمدح فيها ms017 علي بن الحسين - عليه السلام -، وإنه ليليق بما تقدم في هذه ~~الفصول ويجانسه حيث يقول وهو يعني زين العابدين - عليه السلام -: # يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم مشتقة من رسول ~~الله نبعته * طابت عناصره والخيم والشيم ينجاب نور الهدى عن نور غرته * ~~كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم يغضي حياء ويغضى من مهابته * فلا يكلم إلا ~~حين يبتسم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا وليس ~~قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم من معشر حبهم دين وبغضهم ~~* كفر وقربهم منجى ومعتصم يستدفع السوء والبلوى بحبهم * ويسترب به الاحسان ~~والنعم مقدم بعد ذكر الله ذكرهم * في كل فرض ومختوم به الكلم إن عد أهل ~~التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم لا يستطيع جواد بعد ~~غايتهم * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذ ما أزمة أزمت * والأسد ~~أسد الشرى والبأس محتدم لا يقبض العسر بسطا من أكفهم * سيان ذلك إن أثروا ~~وإن عدموا أي الخلايق ليست في رقابهم * لأولية هذا أوله نعم ما قال لاقط ~~إلا في تشهده * لولا التشهد كانت لاؤه نعم من يعرف الله يعرف أولية ذا * ~~فالدين من بيت هذا ناله الأمم من جده دان فضل الأنبياء له * وفضل أمته دانت ~~له الأمم PageV00P039 # وفي مثله لعلي بن محمد العلوي الحماني رضي الله عنه: # بين الوصي وبين المصطفى نسب * تحتال فيه المعالي والمحاميد كانا كشمس ~~نهار في البروج كما * أدارها ثم إحكام وتجويد كسيرها انتقلا من طاهر علم * ~~إلى مطهرة أبائها صيد تفرقا عند عبد الله واقترنا * بعد النبوة توفيق ~~وتسديد وذر ذو العرش ذرا طاب بينهما * فانبث نور له في الأرض تخليد نور ~~تفرع عند البعث فانشعبت * منه شعوب لها في الدين تمهيد هم فتية كسيوف الهند ~~طال بهم * على المطاول آباء مناجيد قوم لماء المعالي في وجوههم * عند ~~التكرم تصويب وتصعيد يدعون أحمد إن عد الفخار أبا * والعود ينبت في أفنانه ~~العود ms018 والمنعمون إذا ما لم تكن نعم * والذائدون إذا قل المذاويد أوفوا من ~~المجد والعلياء في قلل * شم قواعدهن الفضل والجود ما سود الناس إلا من تمكن ~~في * أحشائه لهم ود وتسويد بسط الأكف إذا شيمت مخايلهم * أسد اللقاء إذا صد ~~الصناديد يزهي المطاف إذا طافوا بكعبته * ويستنير لهم منها القواعيد في كل ~~يوم لهم بأس يعاش به * وللمكارم من أفعالهم عيد محسدون ومن يعقد بحبهم * ~~حبل المودة يضحى وهو محسود لا ينكر الدهر إن ألوى بحقهم * فالدهر مذ كان ~~مذموم ومحمود ونظير هذا بيتان من قبله رحمه الله أيضا: # رأت بيعي على رغم الملاح * هو البيت المقابل للضراح ووالدي المشار به إذا ~~ما * دعا الداعي بحي على الفلاح PageV00P040 # وفي مثل ذلك قول العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي ~~طالب - عليه السلام - محتجا بفضله على قريش التي هي أفضل الخلق جميعا: # وقالت قريش لنا مفخر * رفيع على الناس لا ينكر فقد صدقوا لهم فضلهم * ~~وبينهم رتب تقصر وأدناهم رحما بالنبي * إذا فخروا فيه المفخر بنا الفخر ~~منكم على غيركم * فاقا علينا فلا تفخروا ففضل النبي عليكم لنا * أقروا به ~~بعد ما أنكروا فإن طرتم بسوى مجدنا * فإن جناحكم الأقصر ومما يدخل في جملة ~~هذا النظم من نثر الكلام قول داود بن القاسم أبي هاشم الجعفري رحمه الله ~~وقد دخل على محمد بن عبد الله بن طاهر بعد قتل يحيى ابن عمر المقتول بشاهي ~~رحمه الله، فقال له: أيها الأمير إنا قد جئناك لنهنيك بأمر لو كان رسول ~~الله (ص) حيا لعزيناه به. # وفي مثله قول بعض الشيعة لرجل من الناصبة في محاورة له في فضل آل محمد - ~~عليهم السلام -: أرأيت لو أن الله بعث نبيه محمدا (ص) أين ترى كان يحط رحله ~~وثقله؟ فقال له الرجل الناصب: كان يحطه في أهله وولده فقال له المتشيع: ~~فإني قد حططت هو أي حيث يحط رسول الله (ص) رحله وثقله. # ومنه قول الكميت بن زيد رحمه الله تعالى: ms019 # ما أبالي إذا حفظت أبا * القاسم فيهم ملامة اللوام ما أبالي ولن أبالي ~~فيهم * أبدا رغم ساخطين رغام فيهم شيعتي وقسمي من * الأمة حسبي من سائر ~~الأقسام PageV00P041 # فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه وكلامه قال الشيخ أدام الله عزه: قال ~~أبو الحسين الخياط: جاءني رجل من أصحاب الإمامة عن رئيس لهم زعم أنه أمره ~~أن يسألني عن قول النبي (ص) لأبي بكر * (لا تحزن:) * (1) أطاعة حزن أبي بكر ~~أم معصية؟ قال: فإن كان طاعة فقد نهاه عن الطاعة، وإن كان معصية فقد عصى ~~أبو بكر قال: فقلت له: دع الجواب اليوم ولكن ارجع إليه فاسأله عن قول الله ~~عز وجل لموسى - عليه السلام -: * (لا تخف) * (2) أيخلو خوف موسى - عليه ~~السلام - من أن يكون طاعة أو معصية؟ فإن يكن طاعة فقد نهاه عن الطاعة، وإن ~~يكن معصية فقد عصى موسى - عليه السلام -. قال: فمضى ثم عاد إلي فقلت له: ~~رجعت إليه؟ قال نعم، فقلت له: ما قال؟ قال: قال لي: لا تجلس إليه. # قال الشيخ أدام عزه: ولست أدري صحة هذه الحكاية ولا أبعد أن يكون تخرصها ~~الخياط، ولو كان صادقا في قوله إن رئيسا من الشيعة أنفذ يسأله عن هذا ~~السؤال لما قصر الرئيس عن إسقاط ما أورده من الاعتراض ويقوى في النفس أن ~~الخياط أراد التقبيح على أهل الإمامة في تخرص هذه الحكاية، غير أني أقول له ~~ولأصحابه: الفصل بين الأمرين واضح، وذلك أني لو خليت وظاهر قوله تعالى ~~لموسى - عليه السلام -: * (لا تخف) *، وقوله لنبيه (ص): * (ولا يحزنك ~~قولهم) * (3) وما أشبه هذا مما يوجه إلى الأنبياء لقطعت على أنه نهي لهم عن ~~قبيح يستحق فاعله الذم # PageV00P042 # عليه لأن في ظاهره حقيقة النهي من قوله: لا تفعل، كما أن في ظاهر خلافه ~~ومقابله في الكلام حقيقة الأمر إذا قال له: افعل لكني عدلت عن الظاهر، في ~~مثل هذا لدلالة عقلية أوجبت علي العدول عنه كما توجب الدلالة على المرور مع ~~الظاهر عند عدم الدليل الصارف عنه وهي ما ms020 ثبت من عصمة الأنبياء - عليهم ~~السلام - التي تنبئ عن اجتنابهم الآثام. # وإذا كان الاتفاق حاصلا على أن أبا بكر لم يكن معصوما كعصمة الأنبياء وجب ~~أن يجري كلام الله تعالى فيما ضمنه من قصته على ظاهر النهي وحقيقته وقبح ~~الحال التي كان عليها، فتوجه النهي إليه عن استدامتها، إذ لا صارف يصرف عن ~~ذلك من عصمة ولا خبر عن الله تعالى فيه ولا عن رسوله (ص)، فقد بطل ما أورده ~~الخياط وهو في الحقيقة رئيس المعتزلة وبان وهن اعتماده. # ويكشف عن صحة ما ذكرناه ما تقدم به مشايخنا رحمهم الله تعالى وهو أن الله ~~سبحانه لم ينزل السكينة قط على نبيه (ص) في موطن كان معه فيه أحد من أهل ~~الإيمان إلا عمهم في نزول السكينة وشملهم بها. بذلك جاء القرآن، قال الله ~~عز وجل: * (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم ~~الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين) * (1) وقال في موضع آخر: * (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين) * (2) ولما لم يكن مع النبي (ص) في الغار إلا أبو بكر أفرد الله ~~عز وجل نبيه بالسكينة (ص) دونه وخصه بها ولم يشركه معه وقال الله # PageV00P043 # عز وجل: * (فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) * (1) فلو كان ~~الرجل مؤمنا لجرى مجرى المؤمنين في عموم السكينة لهم، ولولا أنه أحدث بحزنه ~~في الغار منكرا لأجله توجه النهي إليه عن استدامته، لما حرمه الله تعالى من ~~السكينة ما تفضل به على غيره من المؤمنين الذين كانوا مع رسول الله (ص) في ~~المواطن الأخرى على ما جاء في القرآن ونطق به محكم الذكر بالبيان، وهذا بين ~~لمن تأمله. # قال الشيخ أيده الله: وقد حير هذا الكلام جماعة من الناصبة وضيق عليهم ~~صدورهم فتشعبوا واختلفوا في الحيلة للتخلص منه فما اعتمد منهم أحد إلا على ~~ما يدل على ضعف عقله وسخف رأيه وضلاله عن الطريق، فقال قوم منهم: إن ~~السكينة إنما نزلت ms021 على أبي بكر واعتلوا في ذلك بأنه كان خائفا رعبا ورسول ~~الله (ص) كان آمنا مطمئنا وقالوا: والآمن غني عن السكينة وإنما يحتاج إليها ~~الخائف الوجل. # قال الشيخ أدام الله عزه: فيقال لهم: قد جنيتم بجهلكم على أنفسكم وطعنتم ~~على كتاب الله عز وجل بهذا الضيف الواهي من استدلالكم، وذلك أنه لو كان ما ~~اعتللتم به صحيحا لوجب أن لا تكون السكينة نزلت على رسول الله (ص) في يوم ~~بدر ولا في يوم حنين لأنه لم يكن (ص) في هذين الموطنين خائفا ولا رعبا ولا ~~جزعا بل كان آمنا مطمئنا متيقنا بكون الفتح له وأن الله عز وجل يظهره على ~~الدين كله ولو كره المشركون، وفيما نطق به القرآن من نزول السكينة عليه ما ~~يدمر على هذا الاعتلال. # فإن قلتم: إن النبي (ص) كان في هذين المقامين خائفا وإن لم يبد خوفه # PageV00P044 # ولذلك نزلت السكينة عليه فيهما وحملتم أنفسكم على هذه الدعوى. # قلنا لكم: وهذه كانت قصته (ص) في الغار فبم تدفعون ذلك؟ فإن قلتم: # إنه (ص) قد كان محتاجا إلى السكينة في كل حال لينتفي عنه الخوف والجزع ~~ولا يتعلقان به في شئ من الأحوال، نقضتم ما سلف لكم من الاعتلال وشهدتم ~~ببطلان مقالكم الذي قدمناه. على أن نص التلاوة يدل على خلاف ما ذكرتموه، ~~وذلك أن الله سبحانه قال: * (فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) ~~* (1) فأنبأ الله سبحانه خلقه أن الذي نزلت عليه السكينة هو المؤيد ~~بالملائكة إذ كانت الهاء التي في التأييد تدل على ما دلت عليه الهاء التي ~~في نزول السكينة وكانت هاء الكناية في مبتدأ قوله: * (إلا تنصروه فقد نصره ~~الله) * (2) إلى قوله: * (وأيده بجنود لم تروها) * عن مكنى واحد ولم يجز أن ~~تكون عن اثنين غيرين كما لا يجوز أن يقول القائل لقيت زيدا فكلمته وأكرمته ~~فيكون الكلام لزيد بهاء الكناية وتكون الكرامة لعمرو أو خالد أو بكر، وإذا ~~كان المؤيد بالملائكة رسول الله (ص) باتفاق الأمة فقد ثبت أن الذي نزلت ms022 ~~عليه السكينة هو خاصة دون صاحبه، وهذا ما لا شبهة فيه. # وقال قوم منهم: إن السكينة وإن اختص بها النبي (ص) فليس يدل ذلك على نقص ~~الرجل لأن السكينة إنما يحتاج إليها الرئيس المتبوع دون التابع، فيقال لهم: # هذا أيضا رد على الله تعالى لأنه قد أنزلها على الأتباع المرؤوسين ببدر ~~وحنين وغيرهما من المقامات، فيجب على ما أصلتموه أن يكون الله سبحانه فعل ~~بهم ما لم تكن بهم الحاجة إليه، ولو فعل ذلك لكان عابثا تعالى الله عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا. # قال الشيخ: وهاهنا شبهة يمكن إيرادها هي أقوى مما تقدم غير أن القوم لم ~~يهتدوا إليها ولا أظن أنها خطرت ببال أحد منهم، وهي أن يقول قائل: قد وجدنا # PageV00P045 # الله سبحانه ذكر شيئين ثم عبر عن أحدهما بالكناية فكانت الكناية عنهما ~~دون أن تختص بأحدهما وهو مثل قوله سبحانه: * (والذين يكنزون الذهب والفضة ~~ولا ينفقونها في سبيل الله) * (1) فأورد لفظ الكناية عن الفضة خاصة وإنما ~~أرادهما جميعا معا وقد قال الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف وإنما أراد: نحن بما ~~عندنا راضون وأنت راض بما عندك، فذكر أحد الأمرين واستغنى عن الآخر، كذلك ~~يقول سبحانه: * (فأنزل الله سكينته عليه) * ويريدهما جميعا دون أحدهما. # والجواب عن هذا وبالله التوفيق: أن الاقتصار بالكناية على أحد الأمرين ~~دون عموم الجميع مجاز واستعارة استعمله أهل اللسان في مواضع مخصوصة وجاء به ~~القرآن في أماكن محصورة، وقد ثبت أن الاستعارة ليست بأصل يجري في الكلام ~~ولا يصح عليها القياس وليس يجوز لنا أن نعدل عن ظواهر القرآن وحقيقة الكلام ~~إلا بدليل يلجئ إلى ذلك - ولا دليل في قوله تعالى: * (فأنزل الله سكينته ~~عليه) * فيتعدى من أجله المكنى عنه إلى غيره. # وشئ آخر وهو أن العرب إنما تستعمل ذلك إذا كان المعنى فيه معروفا ~~والالتباس منه مرتفعا فتكتفي بلفظ الواحد عن الاثنين للاختصار مع الأمن من ~~وقوع الشبهة والارتياب، فأما إذا لم يكن الشئ معروفا وكان الالتباس عند ~~إفراده ms023 متوهما لم يستعمل ذلك ومن استعمله كان عندهم ملغزا معميا، ألا ترى ~~أن الله # PageV00P046 # سبحانه لما قال: * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله) * علم كل سامع للخطاب أنه أرادهما معا بما قدمه من كراهة كنزهما ~~المانع من إنفاقهما فلما عم الشيئين بذكر يتضمنهما في ظاهر المقال بما يدل ~~على معنى ما أخره من ذكر الإنفاق، اكتفى بذكر أحدهما للاختصار. # وكذلك قوله تعالى: * (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) * (1) إنما ~~اكتفى بالكناية عن أحدهما في ذكرهما معا لما قدمه في ذكرهما من دليل ما ~~تضمنته الكناية فقال تعالى: * (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) * ~~فأوقع الرؤية على الشيئين جميعا وجعلهما سببا للاشتغال بما وقعت عليه منهما ~~عن ذكر الله عز وجل والصلاة، وليس يجوز أن يقع الالتباس في أنه أراد أحدهما ~~مع ما قدمه من الذكر إذ لو أراد ذلك لخلا الكلام عن الفائدة المعقولة فكان ~~العلم بذلك يجزي في الإشارة إليه. # وكذلك قوله تعالى. * (والله ورسوله أحق أن يرضوه) * (2) لما تقدم ذكر ~~الله على التفصيل وذكر رسوله على البيان دل على أن الحق في الرضا لهما ~~جميعا وإلا لم يكن ذكرهما جميعا معا يفيد شيئا على الحد الذي قدمناه وكذلك ~~قول الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف لو لم يتقدمه قوله: نحن ~~بما عندنا، لم يجز الاقتصار على الثاني لأنه لو حمل الأول على إسقاط المضمر ~~من قوله راضون لخلا الكلام عن الفائدة فلما كان سائر ما ذكرناه معلوما عند ~~من عقل الخطاب جاز الاقتصار فيه على أحد المذكورين للإيجاز والاختصار # PageV00P047 # وليس كذلك قوله تعالى: * (فأنزل الله سكينته عليه) * لأن الكلام يتم فيها ~~وينتظم في وقوع الكناية عن النبي (ص) خاصة دون الكائن معه في الغار، ولا ~~يفتقر إلى رد الهاء عليهما معا مع كونها في الحقيقة كناية عن واحد في الذكر ~~وظاهر اللسان، ولو أراد بها الجميع لحصل الالتباس والتعمية والألغاز لأنه ~~كما يكون التلبيس واقعا عند دليل الكلام على ms024 انتظامها للجميع متى أريد بها ~~الواحدة مع عدم الفائدة لو لم يرجع على الجميع، كذلك يكون التلبيس حاصلا ~~إذا أريد بها الجميع عند عدم الدليل الموجب لذلك وكمال الفائدة مع الاقتصار ~~على الواحد في ا لمراد. # ألا ترى أن قائلا لو قال: لقيت زيدا ومعه عمرو فخاطبت زيدا وناظرته، ~~وأراد بذلك مناظرة الجميع لكان ملغزا معميا لأنه لم يكن في كلامه ما يفتقر ~~إلى عموم الكناية عنهما، ولو جعل هذا نظيرا للآيات التي تقدمت لكان جاهلا ~~بفرق ما بينها وبينه مما شرحناه. فيعلم أنه لا نسبة بين الأمرين. # وشئ آخر وهو أن الله سبحانه وتعالى كنى بالهاء التالية للهاء التي في ~~السكينة عن النبي (ص) خاصة فلم يجز أن يكون أراد بالأولة غر النبي (ص) خاصة ~~لأنه لا يعقل في لسان القوم كناية عن مذكورين بلفظ الواحد وكناية تردفها ~~على النسق عن واحد من الاثنين. وليس لذلك نظير في القرآن ولا في الأشعار ~~ولا في شئ من الكلام فلما كانت الهاء في قوله تعالى: * (وأيده بجنود لم ~~تروها) * كناية عن النبي (ص) بالاتفاق، ثبت أن التي قبلها من قوله: * ~~(فأنزل الله سكينته عليه) * كناية عنه (ص) خاصة وبأن مفارقة ذلك لجميع ما ~~تقدم ذكره من الآي والشعر الذي استشهدوا به والله الموفق للصواب بمنه. ~~PageV00P048 # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه قال: سأل يحيى بن خالد البرمكي بحضرة ~~الرشيد، هشام بن الحكم رحمه الله، فقال له: أخبرني يا هشام عن الحق هل يكون ~~في جهتين مختلفتين؟ قال هشام: لا، قال. فخبرني عن نفسين اختصما في حكم في ~~الدين وتنازعا واختلفا هل يخلوان من أن يكونا محقين أو مبطلين أو يكون ~~أحدهما مبطلا والآخر محقا؟ فقال له هشام: لا يخلوان من ذلك وليس يجوز أن ~~يكونا محقين على ما قدمت من الجواب، قال له يحيى بن خالد: فخبرني عن علي - ~~عليه السلام - والعباس لما اختصما إلى أبي بكر في الميراث أيهما كان المحق ~~من المبطل إذ كنت لا تقول إنهما كانا محقين ms025 ولا مبطلين؟. # قال هشام. فنظرت فإذا إنني إن قلت بأن عليا - عليه السلام - كان مبطلا، ~~كفرت وخرجت عن مذهبي، وإن قلت إن العباس كان مبطلا ضرب الرشيد عنقي ووردت ~~علي مسألة لم أكن سئلت عنها قبل ذلك الوقت ولا أعددت لها جوابا. فذكرت قول ~~أبي عبد الله - عليه السلام - وهو يقول لي: يا هشام لا تزال مؤيدا بروح ~~القدس ما نصرتنا بلسانك. فعلمت أني لا أخذل وعن لي الجواب في الحال فقلت ~~له: لم يكن من أحدهما خطأ وكانا جميعا محقين ولهذا نظير قد نطق به القرآن ~~في قصة داود - عليه السلام - حيث يقول الله جل اسمه: (وهل أتاك نبأ الخصم ~~إذ تسوروا المحراب) إلى قوله: (خصمان بغى بعضنا على بعض) (1) فأي الملكين ~~كان مخطئا وأيهما كان مصيبا أم تقول إنهما كانا مخطئين فجوابك في ذلك جوابي ~~بعينه؟. # فقال يحيى: لست أقول إن الملكين أخطئا بل أقول إنهما أصابا، وذلك أنهما # PageV00P049 # لم يختصما في الحقيقة ولا اختلفا في الحكم وإنما أظهرا ذلك لينبها داود - ~~عليه السلام - على الخطيئة ويعرفاه الحكم ويوقفاه عليه. # قال: فقلت له: كذلك علي - عليه السلام - والعباس لم يختلفا في الحكم ولا ~~اختصما في الحقيقة وإنما أظهرا الاختلاف والخصومة لينبها أبا بكر على غلطه ~~ويوقفاه على خطئه ويدلاه على ظلمه لهما في الميراث، ولم يكونا في ريب من ~~أمرهما وإنما كان ذلك منهما على حد ما كان من الملكين فلم يحر جوابا ~~واستحسن ذلك الرشيد. # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه أيضا قال: أحب الرشيد أن يسمع كلام هشام ~~ابن الحكم مع الخوارج فأمره بإحضاره وإحضار عبد الله بن يزيد الأباضي وجلس ~~بحيث يسمع كلامهما ولا يرى القوم شخصه، وكان بالحضرة يحيى بن خالد. فقال ~~يحيى لعبد الله بن يزيد: سل أبا محمد - يعني هشاما - عن شئ. فقال هشام: إنه ~~لا مسألة للخوارج علينا. فقال عبد الله بن يزيد: وكيف ذلك؟ فقال هشام: # لأنكم قوم قد اجتمعتم معنا على ولاية رجل وتعديله والاقرار بإمامته وفضله ~~ثم فارقتمونا ms026 في عداوته والبراءة منه فنحن على اجتماعنا وشهادتكم لنا، ~~وخلافكم علينا غير قادح في مذهبنا، ودعواكم غير مقبولة علينا إذ الاختلاف ~~لا يقابل الاتفاق وشهادة الخصم لخصمه مقبولة وشهادته عليه مردودة. # فقال يحيى بن خالد: لقد قربت قطعه يا أبا محمد ولكن جاره شيئا فإن أمير ~~المؤمنين أطال الله بقاه يحب ذلك. قال: فقال هشام: أنا أفعل ذلك غير أن ~~الكلام ربما انتهى إلى حد يغمض ويدق على الأفهام فيعاند أحد الخصمين أو ~~يشتبه عليه، فإن أحب الإنصاف فليجعل بيني وبينه واسطة عدلا إن خرجت من ~~الطريق ردني إليه وإن جار في حكمه شهد عليه. فقال عبد الله بن يزيد: لقد ~~دعا PageV00P050 # أبو محمد إلى الإنصاف. # فقال هشام: فمن يكون هذا الواسطة وما يكون مذهبه أيكون من أصحابي أو من ~~أصحابك أو مخالفا للملة أو لنا جميعا؟ فقال عبد الله بن يزيد: اختر من شئت ~~فقد رضيت به. قال هشام: أما أنا فأرى أنه إن كان من أصحابي لم يؤمن عليه ~~العصبية لي وإن كان من أصحابك لم آمنه في الحكم علي، وإن كان مخالفا لنا ~~جميعا لم يكن مأمونا علي ولا عليك ولكن يكون رجلا من أصحابي ورجلا من ~~أصحابك لينظران فيما بيننا ويحكمان علينا بموجب الحق ومحض الحكم بالعدل. # فقال عبد الله بن يزيد: قد أنصفت يا أبا محمد وكنت أنتظر هذا منك، فأقبل ~~هشام على يحيى بن خالد فقال له: قد قطعته أيها الوزير ودمرت على مذاهبه ~~كلها بأهون سعي ولم يبق معه شئ واستغنيت عن مناظرته. # قال: فحرك الرشيد الستر فأصغى يحيى بن خالد فقال له: هذا متكلم الشيعة ~~وافق الرجل موافقة لم تتضمن مناظرة ثم ادعى عليه أنه قد قطعه وأفسد عليه ~~مذهبه فمره أن يبين عن صحة ما ادعاه على الرجل. فقال يحيى بن خالد لهشام. ~~إن أمير المؤمنين يأمرك أن تكشف عن صحة ما ادعيت على هذا الرجل. # قال: فقال هشام: إن هؤلاء القوم لم يزالوا معنا على ولاية أمير المؤمنين ~~علي ابن ms027 أبي طالب - عليه السلام - حتى كان من أمر الحكمين ما كان، فأكفروه ~~بالتحكيم وضللوه بذلك وهم الذين اضطروه إليه، والآن قد حكم هذا الشيخ وهو ~~عماد أصحابه مختارا غير مضطر رجلين مختلفين في مذهبهما أحدهما يكفره والآخر ~~يعدله، فإن كان مصيبا في ذلك فأمير المؤمنين - عليه السلام - أولى بالصواب ~~منه، وإن كان مخطئا كافرا فقد أراحنا من نفسه بشهادته بالكفر عليها، والنظر ~~في كفره وإيمانه أولى من النظر في إكفاره عليا - عليه السلام -، قال: ~~فاستحسن ذلك الرشيد وأمر بصلته وجائزته. PageV00P051 # فصل قال الشيخ أدام الله عزه: وهشام بن الحكم كان من أكبر أصحاب أبي عبد ~~الله جعفر بن محمد - عليه السلام -، وكان فقيها، وروى حديثا كثيرا وصحب أبا ~~عبد الله - عليه السلام - وبعده أبا الحسن موسى - عليه السلام -، وكان يكنى ~~أبا محمد وأبا الحكم، وكان مولى بني شيبان، وكان مقيما بالكوفة وبلغ من ~~مرتبته وعلوه عند أبي عبد الله جعفر بن محمد - عليه السلام - أنه دخل عليه ~~بمنى وهو غلام أول ما اختط عارضاه وفي مجلسه شيوخ الشيعة كحمران بن أعين ~~وقيس الماصر ويونس بن يعقوب وأبي جعفر الأحول وغيرهم فرفعه على جماعتهم ~~وليس فيهم إلا من هو أكبر سنا منه. # فلما رأى أبو عبد الله - عليه السلام - أن ذلك الفعل قد كبر على أصحابه ~~قال: # هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده، وقال له أبو عبد الله - عليه السلام - وقد ~~سأله عن أسماء الله تعالى واشتقاقها فأجابه ثم قال له: أفهمت يا هشام فهما ~~تدفع به أعداءنا الملحدين مع الله عز وجل؟ قال هشام: نعم، قال أبو عبد الله ~~- عليه السلام -: نفعك الله به وثبتك عليه. قال هشام: فوالله ما قهرني أحد ~~في التوحيد حتى قمت مقامي هذا. # قال الشيخ أيده الله: وقد روى عن أبي عبد الله - عليه السلام - ثمانية ~~رجال كل واحد منهم يقال له هشام، فمنهم أبو محمد هشام بن الحكم مولى بني ~~شيبان هذا، ومنهم هشام بن سالم مولى بشر بن مروان، وكان من سبي الجوزجان، ~~ومنهم ms028 هشام الكندي الذي يروي عنه علي بن الحكم، ومنهم هشام المعروف بأبي ~~عبد الله البزاز ومنهم هشام الصيداني، ومنهم هشام الخياط، ومنهم هشام بن ~~يزيد، ومنهم هشام بن المثنى الكوفي. PageV00P052 # فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه، قال له رجل من أصحاب الحديث ممن يذهب ~~إلى مذهب الكرابيسي: ما رأيت أجسر من الشيعة فيما يدعونه من المحال وذلك ~~أنهم زعموا أن قول الله سبحانه * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا) * (1) نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين مع ما في ~~ظاهر الآية من أنها نزلت في أزواج رسول الله. وذلك أنك إذا تأملت الآية من ~~أولها إلى آخرها وجدتها منتظمة لذكر الأزواج خاصة ولم نجد لمن ادعوها له ~~ذكرا. # فقال له الشيخ أيده الله: أجسر الناس على ارتكاب الباطل وأبهتهم وأشدهم ~~إنكارا للحق وأجهلهم، من قام مقامك في هذا الاحتجاج ودفع ما عليه الاجماع ~~والاتفاق، وذلك أنه لا خلاف بين الأمة أن الآية من القرآن قد يأتي أولها في ~~شئ وآخرها في غيره ووسطها في معنى وأولها في سواه وليس طريق الاتفاق في ~~معنى إحاطة وصف الكلام بالآي. # وقد نقل المخالف والموافق أن هذه الآية نزلت في بيت أم سلمة رضي الله ~~تعالى عنها ورسول الله في البيت ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين - عليهم ~~السلام - وقد جللهم بعباءة خيبرية وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي. فأنزل الله ~~عز وجل: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * ~~فتلاها رسول الله (ص) فقالت له أم سلمة رضي الله عنها: يا رسول الله ألست ~~من أهل بيتك؟ فقال لها: إنك إلى خير ولم يقل إنك من أهل بيتي. # حتى روى أصحاب الحديث أن عمر سئل عن هذه الآية فقال: سلوا عنها # PageV00P053 # عائشة. فقالت عائشة: إنها نزلت في بيت أختي أم سلمة فاسألوها عنها فإنها ~~أعلم بها مني. فلم يختلف أصحاب الحديث من الناصبة ولا أصحاب الحديث من ~~الشيعة في خصوصها فيمن عددناه، وحمل القرآن في التأويل على ما ms029 جاء به الأثر ~~أولى من حمله على الظن والترجيم. # مع أن الله سبحانه قد دل على صحة ذلك بمتضمن الآية حيث يقول جل وعلا: * ~~(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) * وإذهاب الرجس لا يكون إلا ~~بالعصمة من الذنوب لأن الذنوب من أرجس الرجس والخبر عن الإرادة هنا إنما هو ~~خبر عن وقوع الفعل خاصة دون الإرادة التي يكون بها لفظ الأمر أمرا لا سيما ~~على ما أذهب إليه في وصف القديم بالإرادة، وأفرق بين الخبر عن الإرادة ~~هاهنا والخبر عن الإرادة في قوله. * (يريد الله ليبين لكم) * (1) وقوله: * ~~(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) * (2) إذ لو جرت مجرى واحدا لم ~~يكن لتخصيص أهل البيت بها معنى إذ الإرادة التي يقتضي الخبر والبيان يعم ~~الخلق كلهم على وجهها في التفسير ومعناها، فلما خص الله أهل البيت - عليهم ~~السلام - بإرادة إذهاب الرجس عنهم دل على ما وصفناه من وقوع إذهابه عنهم ~~وذلك موجب للعصمة على ما ذكرناه، وفي الاتفاق على ارتفاع العصمة عن الأزواج ~~دليل على بطلان مقال من زعم أنها فيهن. # مع أن من عرف شيئا من اللسان وأصله، لا يرتكب هذا القول ولا توهم صحته ~~وذلك أنه لا خلاف بين أهل العربية أن جمع المذكر بالميم وجمع المؤنث - ~~بالنون وأن الفصل بينهما بهاتين العلامتين، ولا يجوز في لغة القوم وضع ~~علامة # PageV00P054 # المؤنث على المذكر ولا وضع علامة المذكر على المؤنث ولا استعملوا ذلك في ~~حقيقة ولا مجاز ولما وجدنا الله سبحانه قد بدأ في هذه الآية بخطاب النساء ~~فأورد علامة جمعهن من النون في خطابهن فقال: * (يا نساء النبي لستن كأحد من ~~النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول) * إلى قوله: * (وأطعن الله ورسوله) * ~~(1) ثم عدل بالكلام عنهن بعد هذا الفصل إلى جمع المذكر فقال. * (إنما يربد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * فلما جاء بالميم وأسقط ~~النون علمنا أنه لم يتوجه هذا القول إلى المذكور الأول بما بيناه من أصل ~~العربية وحقيقتها، ثم رجع ms030 بعد ذلك إلى الأزواج، فقال: * (واذكرن ما يتلى في ~~بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا) * (2). # فدل ذلك على إفراد من ذكرناه من آل محمد - عليهم السلام - بما علقه عليهم ~~من حكم الطهارة الموجبة للعصمة وجليل الفضيلة. # وليس يمكنكم معشر المخالفين أن تدعوا أنه كان في الأزواج مذكورا رجل غير ~~النساء وذكر ليس برجل فيصح التعلق منكم بتغليب المذكر على المؤنث إذا كان ~~في الجمع ذكر وإذا لم يمكن ادعاء ذلك وبطل أن يتوجه إلى الأزواج فلا غير ~~لهن توجهت إليه إلا من ذكرناه ممن جاء فيه الأثر على ما بيناه. # PageV00P055 # فصل ومن كلامه أيضا في الدلالة على أن أمير المؤمنين - عليه السلام - لم ~~يبايع أبا بكر، قال الشيخ أدام الله عزه: قد أجمعت الأمة على أن أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - تأخر عن بيعة أبي بكر فالمقلل يقول: كان تأخره ~~ثلاثة أيام، ومنهم من يقول: تأخر حتى ماتت فاطمة - عليها السلام - ثم بايع ~~بعد موتها، ومنهم من يقول: تأخر أربعين يوما، ومنهم من يقول: تأخر ستة أشهر ~~والمحققون من أهل الإمامة يقولون: لم يبايع ساعة قط فقد حصل الاجماع على ~~تأخره عن البيعة ثم اختلفوا في بيعته بعد ذلك على ما قدمنا به الشرح. # فمما يدل على أنه لم يبايع البتة أنه ليس يخلو تأخره من أن يكون هدى ~~وتركه ضلالا أو يكون ضلالا وتركه هدى وصوابا، أو يكون صوابا وتركه صوابا، ~~أو يكون خطأ وتركه خطأ، فلو كان التأخر ضلالا وباطلا، لكان أمير المؤمنين - ~~عليه السلام - قد ضل بعد النبي (ص) بترك الهدى الذي كان يجب المصير إليه ~~وقد أجمعت الأمة على أن أمير المؤمنين - عليه السلام - لم يقع منه ضلال بعد ~~النبي (ص) ولا في طول زمان أبي بكر وأيام عمر وعثمان وصدرا من أيامه حتى ~~خالفت الخوارج عند التحكيم وفارقت الأمة، وبطل أن يكون تأخره عن بيعة أبي ~~بكر ضلالا. # وإن كان تأخره هدى وصوابا وتركه خطأ وضلالا فليس يجوز أن يعدل عن الصواب ms031 ~~إلى الخطأ ولا عن الهدى إلى الضلال لا سيما والاجماع واقع على أنه لم يظهر ~~منه ضلال في أيام الثلاثة الذين تقدموا عليه، ومحال أن يكون التأخر خطأ ~~وتركه خطأ للاجماع على بطلان ذلك أيضا ولما يوجبه القياس من فساد هذا ~~المقال. PageV00P056 # وليس يصح أن يكون صوابا وتركه صوابا لأن الحق لا يكون في جهتين مختلفتين ~~ولا على وصفين متضادين،. ولأن القوم المخالفين لنا في هذه المسألة مجمعون ~~على أنه لم يكن إشكال في جواز الاختيار وصحة إمامة أبي بكر وإنما الناس بين ~~قائلين قائل من الشيعة يقول: إن إمامة أبي بكر كانت فاسدة فلا يصح القول ~~بها أبدا. وقائل من الناصبة يقول: إنها كانت صحيحة ولم يكن على أحد ريب في ~~صوابها إذ جهة استحقاق الإمامة هو ظاهر العدالة والنسب والعلم والقدرة على ~~القيام بالأمور ولم تكن هذه الأمور تلتبس على أحد في أبي بكر عندهم. وعلى ~~ما يذهبون إليه فلا يصح مع ذلك أن يكون المتأخر عن بيعته مصيبا أبدا لأنه ~~لا يكون متأخرا لفقد الدليل بل لا يكون متأخرا لشبهة وإنما يتأخر إذا ثبت ~~أنه تأخر للعناد. # فثبت بما بيناه أن أمير المؤمنين - عليه السلام - لم يبايع أبا بكر على ~~شئ من الوجوه كما ذكرناه وقدمناه وقد كانت الناصبة غافلة عن هذا الاستخراج ~~في موافقتها على أن أمير المؤمنين - عليه السلام - تأخر عن البيعة وقتا ما، ~~ولو فطنت له لسبقت بالخلاف فيه عن الاجماع وما أبعد أنهم سيرتكبون ذلك إذا ~~وقفوا على هذا الكلام غير أن الاجماع السابق لمرتكب ذلك يحجه ويسقط قوله ~~فيهون قصته ولا يحتاج معه إلى الاكثار PageV00P057 # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه قال: قال أبو الحسن علي بن ميثم رحمه ~~الله لرجل نصراني: لم علقت الصليب في عنقك؟ قال: لأنه شبيه الشئ الذي صلب ~~عليه عيسى - عليه السلام -. قال أبو الحسن: فكان عيسى - عليه السلام - يحب ~~أن يمثل به؟ # قال: لا. قال: فأخبرني عن عيسى - عليه السلام - أكان يركب الحمار ويمضي ~~عليه في ms032 حوائجه؟ قال: نعم. قال: أفكان يحب بقاء الحمار حتى يبلغ عليه ~~حاجته؟ قال: # نعم، قال: فتركت ما كان يحب عيسى بقاه وما كان يركبه في حياته بمحبة منه ~~وعمدت إلى ما حمل عليه عيسى - عليه السلام - بالكره منه وركبه بالبغض له ~~فعلقته في عنقك، فقد كان ينبغي على هذا القياس أن تعتق الحمار في عنقك ~~وتطرح الصليب وإلا فقد تجاهلت! # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه قال: لما أراد رسول الله (ص) الاختفاء ~~من قريش والهرب منهم إلى الشعب لخوفه على نفسه، استشار أبا طالب رحمة الله ~~عليه في ذلك فأشار به عليه، ثم تقدم أبو طالب إلى أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - أن يضطجع على فراش رسول الله (ص) ليقيه بنفسه فأجابه إلى ذلك، ~~فلما نامت العيون جاء أبو طالب ومعه أمير المؤمنين - عليه السلام - فأقام ~~رسول الله (ص) وأضجع أمير المؤمنين - عليه السلام - مكانه فقال أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - يا أبتاه إني مقتول. فقال أبو طالب PageV00P058 # رحمه الله: # إصبرن يا بني فالصبر أحجى * كل حي مصيره لشعوب قد بذلناك والبلاء شديد * ~~لفداء النجيب وابن النجيب لفداء الأغر ذي الحسب * الثاقب والباع والفناء ~~الرحيب إن يصبك المنون فالنبل يبرى * فمصيب منها وغير مصيب كل حي وإن تملى ~~بعيش * آخذ من سهامها بنصيب قال: فقال أمير المؤمنين - عليه السلام -: # أتأمرني بالصبر في نصر أحمد * ووالله ما قلت الذي قلت جازعا ولكنني أحببت ~~إظهار نصرتي * وتعلم أني لم أزل لك طائعا وسعيي لوجه الله في نصر أحمد * ~~نبي الهدى المحمود طفلا ويافعا وقال أمير المؤمنين - عليه السلام - بعد ~~ذلك: # وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى * ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول إله ~~الخلق إذ مكروا به * فنجاه ذو الطول الكريم من المكر وبات رسول الله بالشعب ~~آمنا * وذلك في حفظ الإله وفي ستر وبت أراعيهم وهم ينبؤنني * وقد صبرت نفسي ~~على القتل والأسر أردت به نصر الإله تبتلا * وأضمرته حتى أوسد في قبري قال ~~الشيخ أدام الله عزه: وأكثر الأخبار جاءت بمبيت ms033 أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - على فراش رسول الله (ص) في ليلة مضي رسول الله (ص) إلى الغار وهذا ~~الخبر PageV00P059 # وجدته في ليلة مضيه إلى الشعب، ويمكن أن يكون قد بات - عليه السلام - ~~مرتين على فراش الرسول (ص) وفي مبيته - عليه السلام - حجج على أهل الخلاف ~~من وجوه شتى: # أحدها في قولهم إن أمير المؤمنين آمن برسول الله (ص) وهو ابن خمس سنين أو ~~سبع سنين أو تسع سنين ليبطلوا بذلك فضيلة إيمانه ويقولوا إنه وقع منه على ~~سبيل التلقين دون المعرفة واليقين، إذ لو كانت سنه عند دعوة رسول الله (ص) ~~على ما ذكروا له، لم يكن أمره يلتبس عند مبيته على الفراش وتشبهه برسول ~~الله (ص) حتى يتوهم أنه هو فيرصدونه إلى وقت السحر لأن جسم الطفل لا يلتبس ~~بجسم الرجل الكامل، فلما التبس على قريش الأمر في ذلك حتى ظنوا أن عليا - ~~عليه السلام - رسول الله (ص) بائتا على حاله في مكانه، وكان هذا في أول ~~الدعوة وابتدائها وعند مضيه إلى الشعب، دل على أن أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - كان عند إجابته للرسول (ص) بالغا كاملا في صورة الرجال ومثلهم في ~~الجسم ومقاربهم. وإن كانت الحجج على صحة إيمانه وفضيلته وأنه لم يقع إلا ~~بالمعرفة، لا يفتقر إلى ذكر هذا وإنما أوردناه استظهارا. # ومنها أن الله سبحانه قص علينا في محكم كتابه قصة إسماعيل في تعبده ~~بالصبر على ذبح أبيه إبراهيم - عليه السلام - له ثم مدحه بذلك وعظمه وقال: ~~* (إن هذا لهو البلاء المبين) * (1) وقال رسول الله (ص) في افتخاره بآبائه: ~~أنا ابن الذبيحين يعني إسماعيل - عليه السلام - و عبد الله، ولعبد الله في ~~الذبح قصة مشهورة يطول شرحها يعرفها أهل السير وأن أباه عبد المطلب فداه ~~بمائة ناقة حمراء. # وإذا كان ما أخبر الله تعالى به من محنة إسماعيل - عليه السلام - بالذبح ~~يدل على أجل فضيلة وأفخر منقبة، احتجنا أن ننظر في حال مبيت أمير المؤمنين ~~- عليه السلام - # PageV00P060 # على الفراش وهل يقارب ذلك أو يساويه فوجدناه يزيد ms034 في الظاهر عليه، وذلك ~~أن إبراهيم - عليه السلام - قال لابنه إسماعيل - عليه السلام -: * (إني أرى ~~في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء ~~الله من الصابرين) * (1) فاستسلم لهذه المحنة مع علمه بإشفاق الوالد على ~~الولد ورأفته به ورحمته له وأن هذا الفعل لا يكاد يقع من الوالد بولده بل ~~لم يقع فيما سلف ولم يتوهم فيما يستقبل، وكان هذا أمرا يقوى في ظن إسماعيل ~~أن المقال مع أبيه خرج مخرج الامتحان له في الطاعة دون تحقق العزم على ~~إيقاع الفعل فيزول كثير من الخوف معه وترجى السلامة عنده. # وأمير المؤمنين - عليه السلام - دعاه أبو طالب رحمه الله إلى المبيت على ~~فراش النبي (ص) وفدائه بنفسه وليس له من الطاعة عليه ما للأنبياء - عليهم ~~السلام - على البشر، ولم يأمره بذلك عن وحي من الله تعالى كما أمر إبراهيم ~~- عليه السلام - ابنه وأسند أمره إلى الوحي، ومع علم أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - أن قريشا أغلظ الناس على رسول الله (ص) وأقساهم قلبا وما يعرفه كل ~~عاقل من الفرق بين الاستسلام للعدو المناصب والمبغض المعاند الذي يريد أن ~~يشفي نفسه ولا يبلغ الغاية في شفائها إلا بنهاية التنكيل وغاية الأذى بضروب ~~الآلام، وبين الاستسلام للولي المحب والوالد المشفق الذي يغلب في الظن أن ~~إشفاقه يحول بينه وبين إيقاع الضرر بولده، إما مع طاعة الله تعالى بالمسألة ~~والمراجعة أو بارتكاب المعصية ممن يجوز عليه ارتكاب المعاصي أو بحمل ذلك ~~منه على ما قدمناه من الاختبار والتورية في الكلام " ليصح له مطلوبه من ~~الامتحان. # وإذا كانت محنة أمير المؤمنين - عليه السلام - أعظم من محنة إسماعيل # PageV00P061 # - عليه السلام - بما كشفناه ثبت أن الفضل الذي حصل به لأمير المؤمنين - ~~عليه السلام - يرجح على كل فضيلة حصلت لأحد من الصحابة وأهل البيت - عليهم ~~السلام - وبطل قول من رام المفاضلة بينه وبين أبي بكر من العامة والمعتزلة ~~الناصبة له - عليه السلام - إذ قد حصل له - عليه السلام - فضل يزيد على ~~الفضل ms035 الحاصل للأنبياء. # ولعل قائلا يقول عند سماع هذا: كيف يسوغ لكم ما ادعيتموه في هذه المحنة ~~وتعظيمها على محنة إسماعيل - عليه السلام - وذلك نبي وهذا عندكم وصي نبي ~~وليس يجوز أن يكون من ليس بنبي أفضل من أحد الأنبياء - عليهم السلام -. # فإنه يقال لهم: ليس في تفضيلنا هذه المحنة على محنة إسماعيل - عليه ~~السلام - تفضيل لأمير المؤمنين - عليه السلام - على أحد الأنبياء - عليهم ~~السلام -، وذلك أن عليا - عليه السلام - وإن حصل له فضل لم يجزه نبي فيما ~~مضى، فإن الذي حازته الأنبياء من الفضل الذي لم يحصل منه شئ لأمير المؤمنين ~~- عليه السلام - يوجب فضلهم عليه ويمنع من المساواة بينه وبينهم أو تفضيله ~~عليهم كما بيناه، وبعد فإن الحجة إذا قامت على فضل أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - على نبي من الأنبياء ولاح على ذلك البرهان، وجب علينا القول به ~~وترك الخلاف فيه ولم يوحشنا منه خلاف العامة الجهلاء. # وليس في تفضيل سيد الوصيين وإمام المتقين وأخي رسول رب العالمين سيد ~~المرسلين ونفسه بحكم التنزيل وناصره في الدين وأبي ذريته الأئمة الراشدين ~~الميامين على بعض الأنبياء المتقدمين، أمر يحيله العقل ولا يمنع منه السنة ~~ولا يرده القياس ولا يبطله الاجماع إذ عليه جمهور شيعته، وقد نقلوا ذلك عن ~~الأئمة من ذريته - عليهم السلام - وإذا لم يكن فيه إلا خلاف الناصبة ~~والمستضعفين ممن يتولاه لم يمنع من القول به. PageV00P062 # فإن قال قائل: إن محنة إسماعيل - عليه السلام - أجل قدرا من محنة أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - وذلك أن أمير المؤمنين - عليه السلام - قد كان ~~عالما بأن قريش إنما تريد غيره وليس غرضها قتله وإنما قصدها لرسول الله (ص) ~~دونه فكان على ثقة من السلامة وإسماعيل - عليه السلام - كان متحققا لحلول ~~الذبح به من حيث امتثل الأمر الذي نزل الوحي به فشتان بين الأمرين. # قيل له: إن أمير المؤمنين - عليه السلام - وإن كان قد كان عالما بأن ~~قريشا إنما قصدت رسول الله (ص) دونه، فقد كان يعلم بظاهر الحال وما يوجب ~~غالبا الظن من ms036 العادة الجارية شدة غيظ قريش على من فوت غرضهم في مطلوبهم ~~ومن حال بينهم وبين مرادهم من عدوهم ومن لبس عليهم الأمر حتى ضلت حيلتهم ~~وخابت آمالهم من أنهم يعاملونه بأضعاف ما كان في أنفسهم أن يعاملوا صاحبه ~~لتزايد حقنهم وحقدهم واعتراء الغضب لهم، فكان الخوف منه عند هذه الحال أشد ~~من خوف الرسول (ص)، واليأس من رجوعهم عن إيقاع الضرر به أقوى من يأس النبي ~~(ص). # وهذا هو المعروف الذي لا يختلف فيه اثنان لأنه قد كان يجوز منهم عند ~~ظفرهم بالنبي (ص) أن تلين قلوبهم له ويتعطفوا للنسب والرحم التي بينهم ~~وبينه ويلحقهم من الرقة عليه ما يلحق الظافر بالمظفور به فيبرد قلوبهم ويقل ~~غيظهم وتسكن نفوسهم، وإذا فقدوا المأمول من الظفر به وعرفوا وجه الحيلة ~~عليهم في فوتهم غرضهم وعلموا الله بعلي - عليه السلام - تم ذلك، ازدادت ~~الدواعي لهم إلى الإضرار به وتوفرت عليه وكانت البلية أعظم على ما شرحناه. # على أن إسماعيل - عليه السلام - قد كان يعلم أن قتل الوالد لولده لم يجر ~~به عادة من الأنبياء والصالحين ولا وردت به فيما مضى عبادة فكان يقوى في ~~نفسه أنه على PageV00P063 # ما قدمناه من الاختبار ولو لم يقع له ذلك لجوز نسخه لغرض توجيه الحكمة أو ~~كان يجوز أن يكون في باطن الكلام خلاف ما في ظاهره أو يكون تفسير المنام ~~بضد حقيقته، أو يحول الله عز وجل بين أبيه وبين مراده بالاخترام أو شغل ~~يعوقه عنه. # ولا محالة أنه قد خطر بباله ما فعله الله من فدائه وإعفائه عن الذبح ولو ~~لم يخطر ذلك لكان مجوزا عنده، إذ لو لم يجز في عقله لما وقع من الحكيم ~~سبحانه وعلى أنه متى تيقن الفعل تيقنه من مشفق رحيم. وإذا تيقنه أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - تيقنه من عدو قاس حقود، فكان الفصل بين الأمرين ~~لا خفاء به عند ذوي العقول. # فإن قال قائل منهم في الجواب الأول: إذا كنتم فضلتم عليا على إسماعيل في ~~محنة الاستسلام للقتل ولم ms037 يمنع ذلك من فضل إسماعيل - عليه السلام - عليه في ~~أمور توجب التفاوت بينه وبينه في الفضل فما أنكرتم أن يكون علي أفضل من أبي ~~بكر بهذه الحال ولا يمنع ذلك من فضل أبي بكر عليه في طاعات أخر. # قيل له: الفصل بين الأمرين واضح، وذلك أنا إنما فضلنا إسماعيل - عليه ~~السلام - على أمير المؤمنين - عليه السلام - مع اختصاصه بهذه الفضيلة منه، ~~لإحاطة العلم منا بفضل النبوة لإسماعيل - عليه السلام - الذي لم يحصل لأمير ~~المؤمنين - عليه السلام - مثله ولا حصل له معنى يوازيه ولفضيلة الوحي بنزول ~~الملائكة وغير ذلك، فلو كان لأبي بكر فضل يوازي هذه الفضيلة أو يزيد عليها ~~لوجب أن يكون معروفا، فلما وجدنا أبا بكر عريا من فضيلة المبيت على الفراش ~~وعريا من فضيلة الجهاد ووجدنا كل فضل تدعيه أصحابه له قد شاركه فيه أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - وزاد عليه في معناه، بطل مقال من أوجب الشك في ~~حاله على ما ذكرناه. # ولو جاز ذلك لقائل يقترحه بغير برهان، لجاز لآخر أن يوجب الشك في فضل بعض ~~أمة النبي (ص) على كثير من الأنبياء - عليهم السلام - وإن لم يظهر منهم فعل ~~PageV00P064 # يقارب النبوة ويعتمد في ذلك على المبهم من القول والشك في البواطن دون ~~الظواهر والموجود من الأعمال، ولوجب أن لا يقطع على فضل أحد على غيره في ~~الظاهر، لأنا لا نأمن أن يكون مع المفضول في الظاهر أعمال باطنة توفي في ~~الفضل على ما عرفناه، وفي ذلك أنه يجب على من خالفنا أن لا يأمن أن يكون قد ~~كان في بعض الأعراب أو غيرهم ممن صحب النبي (ص) وقتا ما من يزيد في فضله ~~عند الله على أبي بكر وعمر وعثمان، وهذا نقض مذاهبهم بأسرها وهو لازم لهم ~~على ما أوردوه من السؤال. # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه مرسلا عن علي بن عاصم عن عطاء بن السائب ~~عن ميسرة أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - مر برحبة ~~القصارين بالكوفة فسمع رجلا يقول: لا ms038 والذي احتجب بسبع طباق، قال: فعلاه ~~بالدرة وقال له: ويلك إن الله لا يحجبه شئ عن شئ، فقال الرجل. فأكفر عن ~~يميني يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا، إنك حلفت بغير الله تعالى. # قال الشيخ أدام الله عزه: وفي هذا الحديث حجة على المشبهة، وحجة على ~~مذهبي في المعرفة والإرجاء وقولي في ذبائح أهل الكتاب، فاقا المشبهة فإنها ~~زعمت أن الله تعالى في السماء دون الأرض وأنه محتجب عن خلقه بالسماوات ~~السبع، وفي دليل العقل على أن الذي يحويه مكان ويستره حجاب لا يكون إلا ~~جسما أو جوهرا والجسم محدث والبرهان قائم على قدم الله سبحانه، ما يمنع من ~~التشبيه ويفسده. وقول الله سبحانه: * (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) * ~~(1) وقول # PageV00P065 # أمير المؤمنين - عليه السلام - بصريحه يفسد ذلك أيضا على ما تقدم به ~~الشرح. # وأما قولي في المعرفة فإنني أقول: إنه ليس يصح أن يعرف الله تعالى من وجه ~~ويجهل من وجه وإنما يصح ذلك في المحسوسات فتعرف بالحس وتجهل حقائقها لتعلق ~~العلم بها بالاستنباط. # وأما مذهبي في الإرجاء فإنني أقول: لا طاعة مع كافر لأنه لا يعرف ربه ~~وإذا لم يعرفه لم تصح منه طاعة إذ الفعل إنما يكون طاعة بقصد الفاعل به إلى ~~المطاع، وإذا كان جاهلا بالمطاع لم يصح منه توجيه الفعل إليه، وفي قول أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - للحالف لا كفارة عليك لأنك لم تحلف بالله دليل ~~على صحة ما ذهبت إليه وبطلان قول من خالفني في هذا الباب من الفرق كلما. ~~وأصحابي خاصة الذين يثبتون للكافر طاعات يزعمون أن الله يثيبه عليها في ~~الدنيا. # وأما قولي في ذبائح أهل الكتاب فإنني أحرمها لقول الله تعالى ذكره: * ~~(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) * (1) وإذا ثبت أن اليهودي ~~لا يعرف الله سبحانه لاعتقاده أن الله عز وجل أبد شرع موسى - عليه السلام - ~~وأكذب محمدا (ص) وكفره بمرسل محمد (ص) واعتقاده أن الذي أرسله الشيطان ms039 دون ~~الرحمن، وكذلك النصراني لا يعرف الله لأنه يعتقد أن الله جل اسمه ثالث ~~ثلاثة وأنه ثلاثة أقانيم جوهر واحد وأن المسيح ابنه اتحد به، وكفرهم بمن ~~أرسل محمدا - (ص) واعتقادهم أنه جاء من قبل الشيطان مع أن أكثر اليهود ~~مشبهة مجبرة يزعمون أن إلههم شيخ كبير أبيض الرأس واللحية ويعتمدون في ذلك ~~على ما زعموا أنهم وجدوه في بعض كتب الأنبياء أنه قال: صعدت إلى عتيق ~~الأيام (الأنام ن خ) فوجدته جالسا على # PageV00P066 # كرسي وحوله الملائكة فرأيته أبيض الرأس واللحية. # ، وإذا ثبت أن القوم لا يعرفون الله تعالى، ثبت أن الذي يظهر منهم من ~~التسمية ليس يتوجه إلى الله تعالى وأن جهلهم بالله تعالى يوجه الاسم إلى ما ~~يعتقدونه إلها وذلك غير الله في الحقيقة، وإذا لم يقع منهم التسمية لله في ~~الحقيقة لم تحل ذبائحهم. # والذي يخالفنا في هذا الباب من أصحابنا لا يعرف معاني هذا الكلام ولا ~~يعمل فيما يذهب إليه على الواضح من الأخبار وإنما يعتمد في ذلك على أحاديث، ~~شواذ وأخر لها معاني وتأويلات، ولم أقصد للنقض عليهم فأستقصي الكلام وإنما ~~ذكرت هذه النكتة لما اقتضاه شرح الحديث الذي قدمناه. # فصل قال الشيخ أدام الله عزه: حكى أبو القاسم الكعبي في كتاب الغرر عن ~~أبي الحسن الخياط، قال: حدثني أبو مخالد قال: مر أبو عمرو بن العلاء بعمرو ~~بن عبيد وهو يتكلم في الوعيد فقال - يعني أبا عمرو -: إنما أتيتم من العجمة ~~لأن العرب لا ترى ترك الوعيد ذما وإنما ترى ترك الوعد ذما وأنشد: # وإني وإن أوعدته ووعدته * لأخلف إيعادي وأنجز موعدي قال: فقال له عمر ~~أفليس يسقى تارك الإيعاد مخلفا؟ قال. بلى. قال: # فنسمي الله عز وجل مخلفا إذا لم يفعل ما أوعد؟. قال: لا قال: فقد أبطلت ~~شاهدك. PageV00P067 # قال الشيخ أدام الله عزه: ووجدت أبا القاسم قد اعتمد على هذا الكلام ~~واستحسنه ورأيته قد وضعه في أماكن شتى من كتبه واحتج به على أصحابنا ~~الراجئة. فيقال له: إن عمرو بن عبيد ذهب ms040 عن موضع الحجة في الشعر وغالط أبا ~~عمرو بن العلاء أو جهل مواضع العمدة من كلامه، وذلك أنه إذا كانت العرب ~~والعجم وكل عاقل يستحسن العفو بعد الوعيد ولا يعلقون بصاحبه ذما فقد بطل أن ~~يكون العفو من الله تعالى مع الوعيد قبيحا، لأنه لو جاز أن يكون منه قبيحا ~~ما هو حسن في الشاهد عند كل عاقل، لجاز أن يكون منه حسنا ما هو قبيح في ~~الشاهد عند كل عاقل، وهذا نقض العدل، والمصير إلى قول أهل التجوير والجبر. # مع أنه إذا كان العفو مستحسنا مع الخلف فهو أولى بأن يكون حسنا مع عدم ~~الخلف ونحن إذا قلنا إن الله سبحانه يعفو مع الوعيد فإنما نقول بأنه توعد ~~بشرط يخرجه عن الخلف في وعيده لأنه حكيم لا يعبث. # وإذا كان حسن العفو في الشاهد منا يغمر قبح الخلف حتى يسقط الذم عليه وهو ~~لو حصل في موضع لم يجر به إلى العفو أو ما حصل في معناه من الحسن لكان الذم ~~عليه قائما ويجعل وجود الخلف كعدمه في ارتفاع اللوم عليه، فهو في إخراج ~~الشرط المشهور عن القبح إلى صفة الحسن وإيجاب الحمد والشكر لصاحبه أخرى ~~وأولى من إخراجه الخلف عما كان يستحق عليه من الذم عند حسن العفو وأوضح في ~~باب البرهان وهذا بين لمن تدبره. # وشئ آخر وهو أنا لا نطلق على كل تارك الإيعاد الوصف بأنه مخلف لأنه نجوز ~~أن يكون قد شرط في وعيده شرطا أخرجه به عن الخلف، وإن أطلقنا ذلك في البعض ~~فلإحاطة العلم أو عدم الدليل على الشرط فنحكم على الظاهر وإن كان أبو عمرو ~~بن العلاء أطلق القول في الجواب إطلاقا فإنما أراد به PageV00P068 # الخصوص دون العموم وتكلم على معنى البيت الذي استشهد به. # وما رأيت أعجب من متكلم يقطع على حسن معنى مع مضامته لقبيح ويجعل حسنه ~~مسقطا للذم على القبيح ثم يمتنع من حسن ذلك المعنى مع تعريه من ذلك القبيح ~~ثم يفتخر بهذه النكتة عند أصحابه ويستحسنون احتجاجه ms041 المؤدي إلى هذه ~~المناقضة ولكن العصبية ترين القلوب! # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه قال: سئل أبو الحسن علي بن إسماعيل بن ~~ميثم رحمه الله فقيل له: لم صلى أمير المؤمنين - عليه السلام - خلف القوم؟ ~~قال: جعلهم بمثل سواري المسجد، قال السائل: فلم ضرب الوليد بن عقبة الحد ~~بين يدي عثمان؟ قال: لأن الحد له وإليه فإذا أمكنه إقامته أقامه بكل حيلة، ~~قال: فلم أشار على أبي بكر وعمر؟ قال. طلبا منه أن يحيى أحكام الله عز وجل ~~ويكون دينه القيم كما أشار يوسف - عليه السلام - على ملك مصر نظرا منه ~~للخلق، ولأن الأرض والحكم فيها إليه فإذا أمكنه أن يظهر مصالح الخلق فعل ~~وإذا لم يمكنه ذلك بنفسه توصل إليه على يدي من يمكنه طلبا منه لإحياء أمر ~~الله تعالى. # قال: فلم قعد عن قتالهم؟. قال: كما قعد هارون بن عمران عن السامري ~~وأصحابه وقد عبدوا العجل، قال: أفكان ضعيفا؟ قال: كان كهارون - عليه السلام ~~- حيث يقول: * (يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) * (1) وكان ~~كنوح - عليه السلام -، إذ قال: * (إني مغلوب فانتصر) * (2) وكان كلوط - ~~عليه السلام إذ قال: * (لو # PageV00P069 # أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) * (1) وكان كموسى وهارون - عليهما ~~السلام - إذ قال موسى: * (رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي) * (2) قال: فلم ~~قعد في الشورى؟ قال: # اقتدارا منه على الحجة وعلما منه بأن القوم إن ناظروه وأنصفوا كان هو ~~الغالب، ولو لم يفعل وجبت الحجة عليه لاثه من كان له حق فدعي إلى أن يناظر ~~فيه فإن ثبت له الحجة سلم الحق إليه وأعطيه فإن لم يفعل بطل حقه وأدخل بذلك ~~الشبهة على الخلق، وقد قال - عليه السلام - يومئذ: اليوم أدخلت في باب إن ~~أنصفت فيه وصلت إلى حقي، يعني أن أبا بكر استبد بها يوم السقيفة ولم ~~يشاوره. # قال: فلم زوج عمر بن الخطاب ابنته؟ قال: لإظهاره الشهادتين وإقراره بفضل ~~رسول الله (ص) وأراد بذلك استصلاحه وكفه عنه وقد عرض لوط - عليه السلام ms042 - ~~بناته على قومه وهم كفار ليردهم عن ضلالتهم فقال: * (هؤلاء بناتي هن أطهر ~~لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد) * (3). # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه مرسلا عن عمرو بن وهب اليماني قال: ~~حدثني عمرو بن سعد (4) عن محمد بن جابر عن أبي إسحاق السبيعي قال: قال شيخ ~~من أهل الشام حضر صفين مع أمير المؤمنين - عليه السلام - بعد انصرافهم من ~~صفين: # أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء من الله وقدر؟ ~~قال: نعم يا # PageV00P070 # أخا أهل الشام والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا ~~واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء من الله وقدره. # فقال الشامي: عند الله تعالى أحتسب عناي إذا يا أمير المؤمنين وما أظن أن ~~لي أجرا في سعيي إذا كان الله قضاه علي وقدره لي. # فقال أمير المؤمنين - عليه السلام -: إن الله قد أعظم لكم الأجر على ~~مسيركم وأنتم سائرون وعلى مقامكم وأنتم مقيمون ولم تكونوا في شئ من حالاتكم ~~مكرهين ولا إليها مضطرين ولا عليها مجبرين. # فقال الشامي: فكيف يكون ذلك والقضاء والقدر ساقانا وعنهما كان مسيرنا ~~وانصرافنا؟ # فقال له أمير المؤمنين - عليه السلام -: ويحك يا أخا أهل الشام لعلك ظننت ~~قضاء لازما وقدرا حتما لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد ~~والوعيد والأمر من الله عز وجل والنهي منه، وما كان المحسن أولى بثواب ~~الاحسان من المسئ ولا المسئ أولى بعقوبة الذنب من المحسن. تلك مقالة عبدة ~~الأوثان وحزب الشيطان وخصماء الرحمن وشهداء الزور وقدرية هذه الأمة ~~ومجوسها، إن الله أمر عباده تخييرا ونهاهم تحذيرا وكلف يسيرا وأعطى على ~~القليل كثيرا ولم يطع مكرها ولم يعص مغلوبا ولم يكلف عسيرا ولم يرسل ~~الأنبياء لعبا ولم ينزل الكتب على العباد عبثا * (وما خلق السماوات والأرض ~~وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) * (1). # قال الشامي: فما القضاء والقدر اللذان كان مسيرنا بهما وعنهما؟ # قال. الأمر من الله تعالى في ms043 ذلك والحكم منه ثم تلا * (وكان أمر الله ~~قدرا # PageV00P071 # مقدورا) * (1). # فقام الشامي مسرورا فرحا لما سمع هذا المقال وقال: فرجت عني يا أمير ~~المؤمنين فرج الله عنك وأنشأ يقول: # أنت الإمام الذي نرجو بطاعته * يوم النشور من الرحمن رضوانا أوضحت من ~~ديننا ما كان ملتبسا * جزاك ربك عنا فيه إحسانا نفى الشكوك مقال منك متضح * ~~وزاد ذا العلم والإيمان إيقانا فلن أرى عاذرا في فعل فاحشة * ما كنت راكبها ~~ظلما وعدوانا كلا ولا قائلا يوما لداهية * أرداه فيها لدينا غير شيطانا ولا ~~أراد ولا شاء الفسوق لنا * قبل البيان لنا ظلما وعدوانا نفسي الفداء لخير ~~الخلق كلهم * بعد النبي علي الخير مولانا أخي النبي ومولى المؤمنين معا * ~~وأول الناس تصديقا وإيمانا وبعل بنت رسول الله سيدنا * أكرم به وبها سرا ~~وإعلانا فصل وأخبرني الشيخ أيده الله أيضا قال: قال أبو حنيفة: دخلت ~~المدينة فأتيت جعفر بن محمد فسلمت عليه وخرجت من عنده فرأيت ابنه موسى في ~~دهليز قاعدا في مكتب له وهو صبي صغير السن فقلت له: يا غلام أين يحدث ~~الغريب عندكم إذا أراد ذلك؟ فنظر إلي ثم قال: يا شيخ اجتنب شطوط الأنهار ~~ومسقط الثمار وفئ النزال وأفنية الدور والطرق النافذة والمساجد وارفع وضع ~~بعد ذلك حيث شئت. # PageV00P072 # قال: فلما سمعت هذا القول منه نبل في عيني وعظم في قلبي فقلت له: # جعلت فداك ممن المعصية؟ فنظر إلي نظرا ازدراني به ثم قال: إجلس حتى أخبرك ~~فجلست بين يديه فقال: إن المعصية لا بد من أن تكون من العبد أو من خالقه أو ~~منهما جميعا، فإن كانت من الله تعالى فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده ~~ويأخذه بما لم يفعله، وإن كانت منهما فهو شريكه والقوي أولى بإنصاف عبده ~~الضعيف، وإن كانت من العبد وحده فعليه وقع الأمر وإليه توجه النهي وله حق ~~الثواب وعليه العقاب ووجبت له الجنة والنار قال أبو حنيفة: فلما سمعت ذلك ~~قلت: * (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) * (1). # قال الشيخ أيده ms044 الله: وفي ذلك يقول الشاعر لم تخل أفعالنا اللاتي يذم بها ~~* إحدى ثلاث معان حين نأتيها إما تفرد بارينا بصنعتها * فيسقط اللوم عنا ~~حين ننشيها أو كان يشركنا فيها فيلحقه * ما سوف يلحقنا من لائم فيها أو لم ~~يكن لإلهي في جنايتها * ذنب فما الذنب إلا ذنب جانيها # PageV00P073 # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه أيضا مرسلا قال: مر فضال بن الحسن بن ~~فضال الكوفي بأبي حنيفة وهو في جمع كثير يملي عليهم شيئا من فقهه وحديثه، ~~فقال لصاحب كان معه: والله لا أبرح أو أخجل أبا حنيفة، فقال صاحبه: إن أبا ~~حنيفة ممن قد علمت حاله ومنزلته وظهرت حجته، فقال: مه هل رأيت حجة كافر علت ~~على مؤمن، ثم دنا منه فسلم عليه فرد ورد القوم بأجمعهم السلام. # فقال: يا أبا حنيفة رحمك الله إن لي أخا يقول: إن خير الناس بعد رسول ~~الله (ص) علي بن أبي طالب وأنا أقول: إن أبا بكر خير الناس بعد رسول الله ~~(ص) وبعده عمر فما تقول أنت رحمك الله؟ فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال: كفى ~~بمكانهما من رسول الله كرما وفخرا أما علمت أنهما ضجيعاه في قبره فأي حجة ~~أوضح لك من هذه؟ فقال له فضال: إني قد قلت ذلك لأخي، فقال. # والله لئن كان الموضع لرسول الله يردونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس ~~لهما فيه حق، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله (ص) لقد أساءا وما ~~أحسنا إليه إذ رجعا في هبتهما ونكثا عهدهما. # فأطرق أبو حنيفة ساعة، ثم قال قل له: لم يكن لهما ولا له خاصة ولكنهما ~~نظرا في حق عائشة وحفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما، فقال ~~له فضال: قد قلت له ذلك، فقال: أنت تعلم أن النبي (ص) مات عن تسع حشايا ~~فنظرنا فإذا لكل واحدة منهن تسع ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر ~~فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك، وبعد فما بال عائشة وحفصة ترثان رسول الله ms045 ~~(ص) وفاطمة ابنته تمنع الميراث؟ فقال أبو حنيفة: يا قوم نحوه عني فإنه ~~والله رافضي خبيث. PageV00P074 # فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه على عبد الله بن كلاب، قال الشيخ أيده ~~الله: # استدل ابن كلاب على أن معنى المكلم غير معنى المتكلم بأن قال: قد يقول ~~القائل فلان مكلم لفلان ولا يصح أن يقول هو متكلم لفلان قال: فتعلم أن لفظة ~~متكلم لا تدل على أكثر من موصوف بالكلام وهر يجري مجرى العالم والمعلم في ~~أنه ليس معنى أحدهما معنى الآخر فيقال له ليس بيننا وبينك خلاف في اختلاف ~~المعنيين وأن أحد الوصفين يتعدى والآخر لا يتعدى وإنما الخلاف بيننا وبينك ~~في وجه آخر وهو أن هذا الوصف لا بد من أن يتعدى إذا كان الموصوف به حكيما ~~ولم يك محتاجا وإلا بطل المعقول. # ألا ترى أنه متى تعرى المتكلم من الآفة والحاجة لم يعقل في الشاهد إلا ~~وهو مكلم وإنما يخرج عن هذا الوصف المتعدي إلى ما يختص به من لفظ متكلم ~~بآفة تعرض له أو لحاجة به إلى فعل الكلام، ولا متكلم غيره كالمغني ليطرب ~~والمحدث نفسه للضجر والمتحفظ لكلامه قد سمعه أو يريد تأليفه أو يكون مألوفا ~~بالنوم الذي يغمر عقله أو الجنة أو ضرب من السوداء وما جانسها مما يغمر ~~العقل فيقع الكلام منه مع عدم القصد، وإذا ثبت أن القديم تعالى ليس بمحتاج ~~ولا يصح عليه تعلق الآفات به فقد ثبت أنه لا يكون متكلما إلا وهو مكلم فلو ~~جاز خلاف ذلك مع كون الحقيقة في الشاهد على ما بيناه لجاز قلب الحقائق كلها ~~وهو محال فاسد. # على أنه يقال له. أليس قد ثبت أن المكلم لا يكون مكلما إلا بكلام كما أن ~~PageV00P075 # المحرك لا يكون محركا إلا بحركة ولا مسكنا إلا بسكون، فلا يخلو أن القديم ~~تعالى في كلامه لموسى بن عمران - عليه السلام - من إحدى منزلتين إما أن ~~يكون مكلما له بكلامه الذي هو عنده قديم فيلزم أن يكون فيما لم يزل مكلما ms046 ~~له كما أنه لو حركه بحركة لم تزل لوجب أن يكون فيما لم يزل له محركا، وفي ~~هذا نقض مذهبه الذي اجتباه لنفسه في الفرق بين المكلم والمتكلم وإثبات ~~القديم متكلما دون أن يكون مكلما، أو يكون مكلما له بكلام غير كلامه القديم ~~فيكون مكلما بالكلام المحدث وذلك أيضا نقض مذهبه لقوله إنه لا يكون مكلما ~~إلا بكلامه ومحال أن يكون كلامه محدثا. # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله حراسته أيضا قال: دخل أبو الحسن علي بن ميثم ~~رحمه الله على الحسن بن سهل وإلى جانبه ملحد قد عظمه والناس حوله، فقال. # لقد رأيت ببابك عجبا، قال: وما هو؟ قال: رأيت سفينة تعبر بالناس من جانب ~~إلى جانب بلا ملاح ولا ماصر قال: فقال له صاحبه الملحد وكان بحضرته: إن هذا ~~أصلحك الله لمجنون، قال: فقلت: وكيف ذاك؟ قال. خشب جماد لا حيلة له ولا قوة ~~ولا حياة فيه ولا عمل كيف يعبر بالناس؟ # قال: فقال أبو الحسن: فأيهما أعجب هذا أو هذا الماء الذي يجري على وجه ~~الأرض يمنة ويسرة بلا روح ولا حيلة ولا قوى، وهذا النبات الذي يخرج من ~~الأرض والمطر الذي ينزل من السماء تزعم أنت أنه لا مدبر لهذا كله وتنكر أن ~~تكون سفينة تحرك بلا مدبر وتعبر بالناس، قال: فبهت الملحد. PageV00P076 # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه أيضا مرسلا قال. وقف رجل من بني أسد على ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - فقال. يا أمير المؤمنين العجب فيكم يا بني ~~هاشم كيف عدل بهذا الأمر عنكم وأنتم الأعلون نسبا وأشد نوطا بالرسول (ص) ~~وفهما للكتاب؟ # فقال أمير المؤمنين - عليه السلام -: يا بن دودان إنك لقلق الوضين ضيق ~~المجم ترسل عن غير ذي سدد ولك ذمامة الصهر - لأنه من أصهاره - عليه السلام ~~- وحق المسألة وقد استعلمت فاعلم، كانت أثرة سخت بها نفوس قوم وشحت عليها ~~نفوس قوم آخرين (فدع عنك نهبا صيح في حجراته) وهلم الخطب في أمر أبي سفيان ~~فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه، ولا غرو يئس ms047 القوم والله من خفضي وهينتي ~~وحاولوا الإدهان في ذات الله وهيهات ذلك مني، فإن تنجر عنا محن البلوى، ~~أحملهم من الحق على محضه، وإن تكن الأخرى * (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ولا ~~تأس على القوم الفاسقين) * (1). # قال الشيخ أدام الله عزه: وهذا القول من أمير المؤمنين - عليه السلام - ~~أدل دليل على أنه لم تستقر به الدار ولم يتمكن من إنفاذ حكم من الأحكام، ~~وأنه إنما عدل عن قبض فدك وترك حقه لضروب من الاستصلاح وقد أبان عن ذلك ~~أيضا بكلامه المشهور عند الخاصة والعامة، حيث يقول: " أما والله لو ثنيت لي ~~الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين ~~أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم حتى يزهر كل كتاب من هذه ~~الكتب ويقول يا رب إن عليا قضى بقضائك). # PageV00P077 # فدل على أنه - عليه السلام - غير متمكن من إنفاذ جميع الأحكام، وقد روت ~~الناصبة عنه - عليه وآله السلام - أنه قال حين أفضي الأمر إليه لقضاته - ~~وقد قالوا له: بم نقضي يا أمير المؤمنين؟ - فقال: " اقضوا بما كنتم تقضون ~~حتى تكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي، فدل على أنه - عليه السلام - ~~قد أخر القضاء بمذهبه في كثير من الأحكام لمكان الاختلاف عليه وانتظر ~~الاجتماع من المختلفين أو وجود المصلحة. # فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه وكلامه قال. وقال أبو القاسم الكعبي: # سمعت أبا الحسين الخياط يحتج في إبطال قول المرجئة في الشفاعة بقوله ~~تعالى: # * (أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار) * (1) قال: ~~والشفاعة لا تكون إلا لمن استحق العقاب. # قال: فيقال له: ما كان أغفل أبا الحسين وأعظم رقدته أترى أن الراجئة إذا ~~قالت إن النبي (ص) يشفع فيشفع فيمن يستحق العقاب، قالوا إنه هو الذي ينقذ ~~من في النار أم يقولون إن الله سبحانه هو الذي أنقذه بتفضله ورحمته وجعل ~~ذلك إكراما لنبيه (ص) فأين وجه الحجة فيما تلاه؟ أو ما علم أن من مذهب ~~خصومه القول بالوقف في الأخبار وأنهم ms048 لا يقطعون بالظاهر على العموم ~~والاستيعاب، فلو كان القول يتضمن نفي خروج أحد من النار لما كان ذلك ظاهرا ~~ولا مقطوعا به عند القوم، وكيف ونفس الكلام يدل على الخصوص دون العموم ~~بقوله * (أفمن حق عليه كلمة العذاب) *، وإنما يعلم من المراد بذلك بدليل ~~دون نفسه وقد حصل # PageV00P078 # الاجماع على أنه توجه إلى الكفار وليس أحد من أهل القبلة يدين بجواز ~~الشفاعة للكفار فيكون ما تعلق به الخياط حجة عليه. # ثم قال أبو القاسم: وكان أبو الحسين - يعني الخياط - يتلو في ذلك أيضا ~~قوله عز وجل: * (تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين * ~~وما أضلنا إلا المجرمون * فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم) * (1). # قال الشيخ أدام الله عز،: فيقال لهم: ما رأيت أعجب منكم يا معاشر ~~المعتزلة تتكلمون فيما قد شارككم الناس فيه من العدل والتوحيد أحسن كلام ~~حتى إذا صرتم إلى الكلام في الإمامة والإرجاء صرتم فيهما عامة حشوية تخبطون ~~خبط عشواء لا تدرون ما تأتون وما تذرون، ولكن لا أعجب العجب من ذلك وأنتم ~~إنما جودتم فيما عاونكم عليه غيركم واستفدتموه من سواكم وقصرتم فيما تفردتم ~~به لا سيما في نصرة الباطل الذي لا يقدر على نصرته في الحقيقة قادر، ولكن ~~العجب منكم في ادعائكم الفضيلة والبينونة بها من سائر الناس، ولو والله حكى ~~هذا الاستدلال مخالف لكم لارتبنا بحكايته، ولكن لا ريب وشيوخكم يحكونه عن ~~مشايخهم ثم لا يقنعون حتى يوردوه على سبيل التبجح به والاستحسان له، وأنت ~~أيها الرجل من غلوك فيه جعلته أحد الغرر فأنت وإن كنت أعجمي الأصل والمنشأ ~~فأنت عربي اللسان صحيح الحس، وظاهر الآية في الكفار خاصة ولا يخفى ذلك على ~~الأنباط فضلا عن غيرهم حيث يقول الله تعالى حاكيا عن الفرقة بعينها وهي ~~تعني معبوداتها دون الله وتخاطبها فتقول: * (إذ نسويكم برب العالمين) * ~~فيعترفون بالشرك بالله ثم يقولون: * (وما أضلنا إلا المجرمون) * وقبل ذلك ~~يقسمون فيقولون: # * (تالله إن كنا لفي ضلال مبين) *. # PageV00P079 # فهل يا أبا القاسم - أصلحك ms049 الله - تعرف أحدا من خصومك في الإرجاء ~~والشفاعة يذهب إلى جواز الشفاعة لعباد الأصنام المشركين بالله عز وجل، ~~والكفار برسله - عليهم السلام - حتى استحسنت استدلال شيخك بهذه الآية على ~~المشبهة، كما زعمت، والمجبرة ومن ذهب مذهبهم من العامة، فإن ادعيت علم ذلك ~~تجاهلت، وإن زعمت أنه إذا بطلت الشفاعة للكفار فقد بطلت للفساق، أتيت بقياس ~~طريف من القياس الذي حكي عن أبي حنيفة أنه قال فيه: " البول في المسجد ~~أحيانا أحسن من بعض (نقض ن خ) القياس ". # وكيف تزعم ذلك وأنت إنما حكيت مجرد القول في الآية، ولم تذكر وجه ~~الاستدلال منها وإن ما توهمت أن الحجة في ظاهرها غفلة عظيمة حصلت منك على ~~أنه إنما يصح القياس على العلل والمعاني دون الصور والألفاظ، والكفار إنما ~~بطل قول من ادعى الشفاعة لهم - إن لو ادعاها مدع - بصريح القرآن لا غير ~~فيجب أن لا تبطل الشفاعة لفساق أهل الملة إلا بنص القرآن أيضا أو قول من ~~الرسول (ص) يجري مجرى القرآن في الحجة، وإذا عدم ذلك بطل القياس فيه. مع ~~أنا قد بينا أنك لم تقصد القياس وإنما تعلقت بظاهر القرآن وكشفنا عن غفلتك ~~في المتعلق به، فليتأمل ذلك أصحابك وليستحيوا لك منه. # على أنه قد روي عن الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - ~~عليهم السلام - أنه قال: في هذه الآيات دلالة على وجود الشفاعة، قال: وذلك ~~أن أهل النار لو لم يروا يوم القيامة شافعين يشفعون لبعض من استحق العقاب ~~فيشفعون ويخرجون بشفاعتهم من النار أو يعفون منها بعد الاستحقاق، لما ~~تعاظمت حسراتهم ولا صدر عنهم هذا المقال لكنهم لما رأوا شافعا يشفع فيشفع، ~~وصديقا حميما يشفع لصديقه فيشفع، عظمت حسراتهم عند ذلك فقالوا: * (فما لنا ~~من PageV00P080 # شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين) *. # ولعمري إن مثل هذا الكلام لا يرد إلا عن إمام هدى، أو أحد من الأئمة أئمة ~~الهدى - عليهم السلام -، فأما ما حكاه أبو القاسم فيليق بمقام الخياطين ms050 ~~ونتيجة عقول السخفاء والضعفاء في الدين. # فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه أيضا في إبطال القياس: سئل الشيخ أيده ~~الله في مجلس لبعض القضاة وكان فيه جمع كثير من الفقهاء والمتكلمين، فقيل ~~له: ما الدليل على إبطال القياس في الأحكام الشرعية؟ # فقال الشيخ أدام الله عز ه: الدليل على ذلك أنني وجدت الحكم الذي تزعم ~~خصومي أنه أصل يقاس عليه ويستخرج منه الفرع، قد كان جائزا من الله سبحانه ~~التعبد في الحادثة التي هو حكمها بخلافه مع كون الحادثة على حقيقتها وبجميع ~~صفاتها، فلو كان القياس صحيحا لما جاز في العقول التعبد في الحادثة بخلاف ~~حكمها إلا مع اختلاف حالها وتغير الوصف عليها، وفي جواز ذلك على ما وصفناه ~~دليل على إبطال القياس في الشرعيات. # فلم يفهم السائل معنى هذا الكلام ولا عرفه، والتبس على الجماعة كلها ~~طريقه ولم يلح لأحد منهم ولا فطن به، وخلط السائل وعارض على غير ما سلف، ~~فوافقه الشيخ أدام الله عزه على عدم فهمه للكلام وكرره عليه فلم يحصل له ~~معناه. # قال الشيخ أيده الله: فاضطررت إلى كشفه على وجه لا يخفى على الجماعة، ~~فقلت: إن النبي (ص) نص على تحريم التفاضل في البر فكان النص في ذلك أصلا ~~PageV00P081 # زعمتم أيها القايسون أن الحكم بتحريم التفاضل في الأرز مقيس عليه وأنه ~~الفرع له، وقد علمنا أن في العقل يجوز أن يتعبد القديم سبحانه وتعالى ~~بإباحة التفاضل في البر وهو على جميع صفاته بدلا من تعبده بحظره فيه، فلو ~~كان الحكم بالحظر لعلة في البر أو صفة هو عليها لاستحال ارتفاع الحظر إلا ~~بعد ارتفاع العلة أو الوصف، وفي تقديرنا وجوده على جميع الصفات والمعاني ~~التي يكون عليها مع الحظر عند الإباحة وهذا دليل على بطلان القياس فيه. # ألا ترى أنه لما كان وصف المتحرك إنما لزمه لوجود الحركة، أو لقطعه ~~المكانين، استحال توهم حصول السكون له في الحقيقة مع وجود الحركة أو قطعه ~~المكانين، وهذا بين لمن تدبره. فلم يأت القوم بشئ يجب ms051 حكايته. # (حكاية مجلس آخر في هذا الاستدلال) قال الشيخ أدام الله عزه. ثم جرى هذا ~~الاستدلال في مجلس آخر فاعترض بعض المعتزلة فقال: ما أنكرت على من قال لك ~~إن هذا الدليل إنما هو على من زعم أن للشرعيات عللا موجبة كعلل العقليات. ~~وليس في الفقهاء من يذهب إلى ذلك، وإنما يذهبون إلى أنها سمات وعلامات غير ~~موجبة لكنها دالة على الحكم، ومنبئة عنه، وإذا كانت سمات وعلامات لم يمتنع ~~من تقدير خلاف الحكم على الحادثة مع كونها على صفاتها، وذلك مسقط لما ~~اعتمدت عليه. # قال الشيخ أيده الله: فقلت له. ليس مناقضة الفقهاء الذين أو مات إليهم ~~حجة علي فيما اعتمدته، وقد ثبت أن حقيقة القياس هو حمل الشئ على نظيره في ~~الحكم بالعلة الموجبة له في صاحبه، فإذا وضع هؤلاء القوم هذه السمة على غير ~~الحقيقة فأخطأوا لم يخل خطأهم بموضع الاعتماد، مع أن الذي قدمته يفسد هذا ~~PageV00P082 # الاعتراض أيضا وذلك أن السمة والعلامة إذا كانت تدل على حكم من الأحكام ~~فمحال وجودها وهي لا تدل لأن الدليل لا يصح أن يخرج عن حقيقته، فيكون تارة ~~دليلا وتارة ليس بدليل، وإذا كنتم تزعمون أن العلامة هي صفة من صفات ~~المحكوم عليه بالحكم الذي ورد به النص فقد جرت مجرى العلة في استحالة ~~وجودها مع عدم مدلولها كما يستحيل وجود العلة مع عدم معلولها، وليس بين ~~الأمرين فصل. # فخلط هذا الرجل تخليطا بينا ثم ثاب إليه فكره، فقال: هذه السمات عندنا ~~سمعية طارئة على الحوادث ولسنا نعلمها عقلا ولا اضطرارا وإنما نعلمها سمعا ~~وبدليل السمع، وعندنا مع ذلك أن العلل السمعية والأدلة السمعية قد تخرج ~~أحيانا عن مدلولها ومعلولها وهي كالأخبار العامة التي تدل على استيعاب ~~الجنس بإطلاقها ثم تكون خاصة عند قرائنها، وهذا فرق بين الأمور العقلية ~~والسمعية. # قال الشيخ أيده الله: فقلت له: إن كانت هذه السمات سمعية طارئة على ~~الحوادث وليست من صفاتها اللازمة لها وإنما هي معان متجددة، فيجب أن يكون ~~الطريق إليها السمع خاصة ms052 دون العقل والاستنباط لأنها حينئذ تجري مجرى ~~الأسماء التي هي الألقاب فلا يصل عاقل إلى حقايقها إلا بالسمع الوارد بها، ~~ولو كان ورد بها سمع لبطل القياس لأنه كان حينئذ يكون نصا على الحمل كقول ~~القائل: اقطعوا زيدا فقد سرق من حرز وإثما استحق القطع لأنه سرق من حرز لا ~~لغير ذلك من شئ يضام هذا الفعل أو يقاربه، وهذا نص على قطع كل سارق من حرز ~~إذا كان التقييد فيه على ما بيناه. # فإن كنتم تذهبون في القياس إلى ما ذكرناه فالخلاف بيننا وبينكم في الاسم ~~دون المعنى والمطالبة لكم بعده بالنصوص الواردة في سائر ما استعملتم فيه ~~القياس، فإن ثبت لكم زال المراء بيننا وبينكم، وإن لم يثبت علمتم أنكم إنما ~~PageV00P083 # تدفعون عن مذاهبكم بغير أصل معتمد، ولا برهان يلجأ إليه. # فقال: لسنا نقول إن النص قد ورد في الأصول حسبما ذكرت وإنما ندرك السمات ~~بضرب من الاستخراج والتأمل. # قال الشيخ أيده الله: فقلت: هذا هو الذي يعجز عنه كل أحد إلا أن يلجأ إلى ~~استخراج عقلي وقد أفسدنا ذلك فيما سلف، والآن فإن كنت صادقا فتعاط ذلك، فإن ~~قدرت عليه أقررنا لك بالقياس الذي أنكرناه، وإن عجزت عنه بان ما حكمناه به ~~عليك من دفاعك عن الأصل المعروف. # فقال:. لا يلزمني ذكر طريق الاستخراج، وجعل يضجع في الكلام، وبان عجزه. # فقال أبو بكر بن الباقلاني: لسنا نقول هذه العلامات مقطوع بها، ولا ~~معلومة فنذكر طريق استخراجها، ولكن الذي أذهب إليه - وهو مذهب هذا الشيخ - ~~وأومأ إلى الأول - القول بغلبة الظن في ذلك، فما غلب في ظني عملت عليه ~~وجعلته سمة وعلامة، وإن غلب في ظن غيري سواه وعمل عليه أصاب ولم يخطئ وكل ~~مجتهد مصيب فهل معك شئ على هذا المذهب؟ # فقلت: هذا أضعف من جميع ما سلف وأوهن، وذلك أنه إذا لم يكن لله تعالى ~~دليل على المعنى ولا السمة وإنما تعبدك على ما زعمت بالعمل على غلبة الظن ~~فلا بد أن يجعل لغلبة الظن سببا ms053 وإلا لم يحصل ذلك في الظن ولم يكن لغلبته ~~طريق، وهب أنا سلمنا لك التعبد بغلبة الظن في الشريعة، ما الدليل على أنه ~~قد يغلب فيما زعمت؟ وما السبب الموجب له أرناه؟ فإنا نطالبك به كما طالبنا ~~هذا الرجل بجهة الاستخراج للسمة. # والعلة السمعية كما وصف فإن أوجدتنا ذلك، ساغ لك وإن لم توجدناه ~~PageV00P084 # بطل ما اعتمدت عليه. # فقال: أسباب غلبة الظن معروفة وهي كالرجل الذي يغلب في ظنه إن سلك هذا ~~الطريق نجا وإن سلك غيره هلك، وإن أتجر في ضرب من المتاجر ربح، وإن أتجر في ~~غيره خسر، وإن ركب إلى ضيعة والسماء متغيمة مطر، وإن ركب وهي مصحية سلم، ~~وإن شرب هذا الدواء انتفع، وإن عدل إلى غيره استضر وما أشبه ذلك. ومن ~~خالفني في أسباب غلبة الظن قبح كلامه. # فقلت له: إن هذا الذي أوردته لا نسبة بينه وبين الشريعة وأحكامها، وذلك ~~أنه ليس شئ منه إلا وللخلق فيه عادة وبه معرفة فإنما يغلب ظنونهم حسب ~~عاداتهم، وإمارات ذلك ظاهرة لهم، والعقلاء يشتركون في أكثرها وما اختلفوا ~~فيه فلاختلاف عاداتهم خاصة، وأما الشريعة فلا عادة فيها ولا أمارة من دربة ~~ومشاهدة لأن النصوص قد جاءت فيها باختلاف المتفق في صورته، وظاهر معناه ~~واتفاق المختلف في الحكم وليس للعقول في رفع حكم منها وإيجابه مجال، وإذا ~~لم يك فيها عادة بطل غلبة الظن فيها. # ألا ترى أنه من لا عادة له بالتجارة ولا سمع بعادة الناس فيها لا يصح أن ~~يغلب ظنه في نوع منها بربح ولا خسران، ومن لا معرفة له بالطرقات ولا ~~بأغيارها ولا له عادة في ذلك ولا سمع بعادة أهلها فليس يغلب ظنه بالسلامة ~~في طريق دون طريق. # ولو قدرنا وجود من لا عادة له بالمطر ولا سمع بالعادة فيه، لم يصح أن ~~يغلب في ظنه مجئ المطر عند الغيم دون الصحو، وإذا كان الأمر كما بيناه وكان ~~الاتفاق حاصلا على أنه لا عادة في الشريعة للخلق بطل ما ادعيت من غلبة الظن ms054 ~~وقمت مقام الأول في الاقتصار على الدعوى. # فقال: هذا الآن رد على الفقهاء كلهم وتكذيب لهم فيما يدعونه من غلبة ~~PageV00P085 # الظن ومن صار إلى تكذيب الفقهاء كلهم قبحت مناظرته. فقلت له: ليس كل ~~الفقهاء يذهب مذهبك في الاعتماد في المعاني والعلل على غلبة الظن، بل ~~أكثرهم يزعم أنه يصل إلى ذلك بالاستدلال والنظر فليس كلامنا ردا على ~~الجماعة وإنما هو رد عليك وعلى فرقتك خاصة. فإن كنت تقشعر من ذلك فما ~~ناظرناك إلا له، ولا خالفناك إلا من أجله، مع أن الدليل إذا أكذب الجماعة ~~فلا حرج علينا في ذلك ولا لوم، بل اللوم لهم إذا صاروا إلى ما تدل الدلائل ~~على بطلانه وتشهد بفساده. # وليس قولي: إنكم معشر المتفقهة تدعون غلبة الظن وليس الأمر كذلك بأعجب من ~~قولك وفرقتك: إن الشيعة والمعتزلة وأكثر المرجئة، وجمهور الخوارج فيما ~~يدعون العلم به من مذهبهم في التوحيد والعدل مبطلون كاذبون مغرورون، وإنهم ~~في دعواهم العلم بذلك جاهلون، فأي شناعة تلزم فيما وصفت به أصحابك مع ~~الدليل الكاشف عن ذلك؟ فلم يأت بشئ. # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه قال: سأل أبو الهذيل العلاف أبا الحسن ~~علي ابن ميثم رحمه الله عند علي بن رياح فقال له: ما الدليل على أن عليا ~~كان أولى بالإمامة من أبي بكر؟ فقال له: الدليل على ذلك إجماع أهل القبلة ~~على أن عليا - عليه السلام - كان عند وفاة رسول الله (ص) مؤمنا عالما كافيا ~~ولم يجمعوا بذلك على أي بكر، فقال له أبو الهذيل. ومن لم يجمع عليه عافاك ~~الله؟ قال له أبو الحسن: أنا وأسلافي من قبل وأصحابي الآن، فقال له أبو ~~الهذيل: فأنت وأصحابك ضلال تائهون، قال له أبو الحسن. ليس جواب هذا الكلام ~~إلا السباب ثم اللطام. PageV00P086 # فصل قال الشيخ أدام الله عزه: حضرت يوما مجلسا فجرى فيه كلام في رذالة ~~بني تيم بن مرة وسقوط أقدارهم فقال شيخ من الشيعة: قد ذكر أبو عيسى الوراق ~~فيما يدل على ذلك قول الشاعر ويقضى الأمر ms055 حين تغيب تيم * ولا يستأذنون وهم ~~شهود وإنك لو رأيت عبيد تيم * وتيما قلت أيهما العبيد فذكر الشاعر أن ~~الرائي لهم لا يفرق بين عبيدهم وساداتهم من الضعة وسقوط القدر فانتدب له ~~أبو العباس هبة الله المنجم فقال له: يا شيخ ما أعرفك بأشعار العرب، هذا في ~~تيم بن مرة، أو في تيم الرباب، وجعل يتضاحك بالرجل ويتماجن عليه يقول له. ~~سبيلك إلى أن تؤلف دواوين العرب فإن بصرك بها حسن. # فقال الشيخ أدام الله عزه: فقلت له. قد جعلت هذا الباب رأس مالك، ولو ~~أنصفت في الخطاب لأنصفت في الاحتجاج وإن أخذنا معك في إثبات هذا الشعر تعلق ~~البرهان فيه بالرجال والكتب والمصنفات، واندفع المجلس ومض الوقت ولكن بيننا ~~وبينك كتب السير وكل من اطلع على حديث الجمل وحرب البصرة، فهل ريب في شعر ~~عمير بن الأهلب الضبي وهو يجود بنفسه بالبصرة وقد قتل بين يدي الجمل وهو ~~يقول: # لقد أوردتنا حومة الموت أمنا * فلم ننصرف إلا ونحن رواء نصرنا قريشا ضلة ~~من حلومنا * ونصرتنا أهل الحجاز عناء لقد كان عن نصر ابن ضبة أمه * وشيعتها ~~مندوحة وغناء نصرنا بني تيم بن مرة شقوة * وهل تيم إلا أعبد وإماء ~~PageV00P087 # وهو قول رجل من أنصار عائشة، ومن سفك دمه في ولايتها يقول هذا القول في ~~قبيلتها بلا ارتياب بين أهل السير، ولم يك بالذي يقوله في تلك الحال إلا ~~وهو معروف عند الرجال غير مشكوك فيه عند أحد من العارفين بقبائل العرب من ~~سائر الناس فأخذ في الضجيج ولم يأت بشئ. # فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في إثبات الحكم بقول فاطمة - عليها ~~السلام - قال الشيخ أيده الله: قد ثبت عصمة فاطمة - عليها السلام - بإجماع ~~الأمة على ذلك فتيا مطلقة، وإجماعهم على أنه لو شهد عليها شهود بما يوجب ~~إقامة الحد من الفعل المنافي للعصمة لكان الشهود مبطلين في شهادتهم ووجب ~~على الأمة تكذيبهم وعلى السلطان عقوبتهم فإن الله تعالى قد دل على ذلك ~~بقوله. * (إنما يريد الله ليذهب ms056 عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * ~~(1) ولا خلاف بين نقلة الآثار أن فاطمة - عليها السلام - كانت من أهل هذه ~~الآية، وقد بينا فيما سلف أن ذهاب الرجس عن أهل البيت الذين عنوا بالخطاب ~~يوجب عصمتهم ولإجماع الأمة أيضا على قول النبي (ص): (من آذى فاطمة فقد ~~آذاني ومن آذاني فقد آذى الله عز وجل ". # فلولا أن فاطمة - عليها السلام - كانت معصومة من الخطأ، مبرأة من الزلل ~~لجاز منها وقوع ما يجب أذهاب به بالأدب والعقوبة، ولو وجب ذلك لوجب أذاها، ~~ولو جاز وجوب أذاها لجاز أذى رسول الله (ص) والأذى لله عز وجل فلقا بطل ذلك ~~دل على أنها - عليها السلام - كانت معصومة حسبما ذكرناه. # وإذا ثبت عصمة فاطمة - عليها السلام - وجب القطع بقولها واستغنت عن # PageV00P088 # الشهود في دعواها لأن المدعي إنما افتقر للشهود له لارتفاع العصمة عنه ~~وجواز ادعائه الباطل فيستظهر بالشهود على قوله لئلا يطمع كثير من الناس في ~~أموال غيرهم وجحد الحقوق الواجبة عليهم. وإذا كانت العصمة مغنية عن الشهادة ~~وجب القطع على قول فاطمة - عليها السلام - وعلى ظلم مانعها فدكا ومطالبها ~~بالبينة عليها. # ويكشف عن صحة ما ذكرناه أن الشاهدين إنما يقبل قولهما على الظاهر مع جواز ~~أن يكونا مبطلين كاذبين فيما شهدا به، وليس يصح الاستظهار على قول من قد ~~أمن منه الكذب بقول من لا يؤمن عليه ذلك، كما لا يصح الاستظهار على قول ~~المؤمن بقول الكافر وعلى قول العدل البر بقول الفاسق الفاجر ويدل أيضا على ~~ذلك أن النبي (ص) استشهد على قوله فشهد خزيمة بن ثابت في ناقة نازعه فيها ~~منازع، فقال له النبي (ص): من أين علمت يا خزيمة أن هذه الناقة لي؟ أشهدت ~~شراي لها؟ فقال: لا ولكني علمت أنها لك من حيث علمت أنك رسول الله، فأجاز ~~النبي (ص) شهادته كشهادة رجلين وحكم بقوله، فلولا أن العصمة دليل الصدق (و) ~~تغني عن الاستشهاد لما حكم النبي (ص) بقول خزيمة بن ثابت وحده وصوبه في ~~الشهادة له على ما لم ms057 يره ولم يحضره باستدلاله عليه بدليل نبوته وصدقه على ~~الله سبحانه فيما أداه إلى بريته. # وإذا وجب قبول قول فاطمة - عليها السلام - بدلائل صدقها واستغنت عن ~~الشهود لها، ثبت أن من منع حقها وأوجب الشهود على صحة قولها قد جار في حكمه ~~وظلم في فعله وآذى الله تعالى ورسوله (ص) بإيذائه لفاطمة - عليها السلام -، ~~وقد قال الله جل جلاله: * (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) * (1). # PageV00P089 # فصل ومن حكايته أدام الله عزه قال: سئل هشام بن الحكم رحمه الله عما ~~ترويه العامة من قول أمير المؤمنين - عليه السلام - لما قبض عمر، وقد دخل ~~عليه وهو مسجى: " لوددت أن ألقى الله بصحيفة هذا المسجى "، وفي حديث آخر ~~لهم " إني لأرجو أن ألقى الله بصحيفة هذا المسجى ". # فقال هشام: هذا حديث غير ثابت ولا معروف الإسناد وإنما حصل من جهة القصاص ~~وأصحاب الطرقات، ولو ثبت لكان المعنى فيه معروفا، وذلك أن عمر واطأ أبا بكر ~~والمغيرة وسالما مولى أبي حذيفة وأبا عبيدة على كتب صحيفة بينهم يتعاقدون ~~فيها على أنه إذا مات رسول الله (ص) لم يورثوا أحدا من أهل بيته ولم يولوهم ~~مقامه من بعده، فكانت الصحيفة لعمر إذ كان عماد القوم والصحيفة التي ود ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - ورجا أن يلقى الله بها هي هذه الصحيفة ~~فيخاصمه بها ويحتج عليه بمتضمنها. # والدليل على ذلك ما روته العامة عن أبي بن كعب أنه كان يقول في مسجد رسول ~~الله (ص) بعد أن أفضي الأمر إلى أبي بكر بصوت يسمعه أهل المسجد " ألا هلك ~~أهل العقدة والله ما آسى عليهم إثما آسى على من يضلون من الناس، فقيل له: ~~يا صاحب رسول الله من هؤلاء أهل العقدة؟ وما عقدتهم؟ # فقال: قوم تعاقدوا بينهم إن مات رسول الله لم يورثوا أحدا من أهل بيته ~~ولا ولوهم مقامه، أما والله لئن عشت إلى يوم الجمعة لأقومن فيهم مقاما أبين ~~به للناس أمرهم، قال: فما أتت عليه الجمعة ms058 ". PageV00P090 # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه مرسلا قال. قال الصادق - عليه السلام -: ~~أعربوا حديثنا فإنا قوم فصحاء. # وأخبرني الشيخ أدام الله عزه مرسلا عن محمد بن سلام الجمحي أن أبا الأسود ~~الدؤلي دخل على أمير المؤمنين - عليه السلام - فرمى إليه رقعة فيها: بسم ~~الله الرحمن الرحيم الكلام ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم ~~ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أوجد معنى في ~~غيره. فقال أبو الأسود: يا أمير المؤمنين هذا كلام حسن فما تأمرني أن أصنع ~~به فإنني لا أدري ما أردت بإيقافي عليه؟ فقال أمير المؤمنين - عليه السلام ~~-: إني سمعت في بلدكم هذا لحنا كثيرا فاحشا فأحببت أن أرسم كتابا من نظر ~~إليه ميز بين كلام العرب وكلام هؤلاء فابن على ذلك. فقال أبو الأسود: وفقنا ~~الله بك يا أمير المؤمنين للصواب. # قال الشيخ أدام الله عزه: وقد اختلف في معنى النحو ما هو؟ فقيل. # النحو ما قصد له. تقول: نحا نحوه أي قصد قصده، وإنما أرادوا قصد نحو ~~الإعراب. # وقال أبو عثمان المازني: النحو ناحية من الكلام، والعربية اسم اللغة، ~~يقال هي اللغة العربية يراد به الجيدة الفصيحة البينة، وقيل للعربي عربي ~~لأنه عرب الألفاظ أي بينها. # وقال الأصمعي: قال رجل لبنيه: يا بني أصلحوا ألسنتكم فإن الرجل تنوبه ~~النائبة يحب أن يتجمل فيها، فيستعير من أخيه دابته وثوبه، ولا يجد من يعيره ~~لسانه. PageV00P091 # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه مرسلا عن محمد بن أحمد بن أبان النخعي، ~~قال: حدثني معاذ بن سعيد الحميري قال: شهد السيد إسماعيل بن محمد الحميري ~~رحمه الله عند سوار القاضي بشهادة، فقال له: ألست إسماعيل بن محمد الذي ~~يعرف بالسيد؟ فقال: نعم، فقال له: كيف أقدمت على الشهادة عندي، وأنا أعرف ~~عداوتك للسلف؟ فقال السيد: قد أعاذني الله من عداوة أولياء الله وإنما هو ~~شئ لزمني ثم نهض، فقال له: قم يا رافضي فوالله ما شهدت بحق، فخرج السيد ~~رحمه الله وهو يقول: # أبوك ms059 ابن سارق عنز النبي * وأنت ابن بنت أبي جحدر ونحن على رغمك الرافضون ~~* لأهل الضلالة والمنكر ثم عمل شعرا وكتبه في رقعة وأمر من ألقاها في ~~الرقاع بين يدي سوار قال: فأخذ الرقعة سوار، فلما وقف عليها خرج إلى أبي ~~جعفر المنصور وكان قد نزل الجسر الأكبر ليستعدي على السيد فسبقه السيد إلى ~~المنصور فأنشأ قصيدته التي يقول فيها: # يا أمين الله يا منصور يا خيره الولاة * إن سوار بن عبد الله من شر ~~القضاة نعثلي جملي لكم غير موات * جده سارق عنز فجرة من فجرات والذي كان ~~ينادي من وراء الحجرات * يا هنات اخرج إلينا إننا أهل هنات فاكفنيه لا كفاه ~~الله شر الطارقات * سن فينا سننا كانت مواريث الطغاة قال: فضحك أبو جعفر ~~المنصور وقال: نصبتك قاضيا فأمدحه كما PageV00P092 # هجوته، فأنشد السيد رحمه الله يقول: # إني امرؤ من حمير أسرتي * بحيث تحوي سروها حمير آليت لا أمدح ذا نائل * ~~له سناء وله مفخر إلا من الغر بني هاشم * إن لهم عندي يدا تشكر إن لهم عندي ~~يدا شكرها * حق وإن أنكرها منكر يا أحمد الخير الذي إنما * كان علينا رحمة ~~تنشر حمزة والطيار في جنة * فحيث ما شاء دعا جعفر منهم وهادينا الذي نحن من ~~* بعد عمانا فيه نستبصر لما دجا الدين ورق الهدى * وجار أهل الأرض ~~واستكبروا ذاك علي بن أبي طالب * ذاك الذي دانت له خيبر دانت وما دانت له ~~عنوة * حتى تدهدا عرشه الأكبر ويوم سلع إذ أتى آتيا * عمرو بن عبد مصلتا ~~يخطر يخطر بالسيف مدلا كما * يخطر فحل الصرمة الدوسر إذ جلل السيف على رأسه ~~* أبيض عضبا حده مبتر فخر كالجذع وأوداجه * ينصب منها حلب أحمر وكان أيضا ~~مما جرى له مع سوار، ما حدث به الحرث بن عبيد الله الربعي قال: كنت جالسا ~~في مجلس المنصور وهو بالجسر الأكبر وسوار عنده والسيد ينشده: # إن الإله الذي لا شئ يشبهه * آتاكم الملك للدنيا وللدين آتاكم الله ملكا ~~لا زوال له * حتى يقاد إليكم ms060 صاحب الصين وصاحب الهند مأخوذ برمته * وصاحب ~~الترك محبوس على هون PageV00P093 # حتى أتى على القصيدة والمنصور مسرور فقال سوار: هذا والله يا أمير ~~المؤمنين يعطيك بلسانه ما ليس في قلبه، والله إن القوم الذين يدين بحبهم ~~لغيركم وإنه لينطوي في عداوتكم. # فقال السيد: والله إنه لكاذب وإنني في مديحك لصادق ولكنه حمله الحسد إذ ~~رآك على هذه الحال، وإن انقطاعي إليكم ومودتي لكم أهل البيت لمعرق فيها عن ~~أبوي وإن هذا وقومه لأعداؤكم في الجاهلية والإسلام، وقد أنزل الله عز وجل ~~على نبيه - عليه وآله السلام - في أهل بيت هذا: * (إن الذين ينادونك من ~~وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) * (1) فقال المنصور صدقت. # فقال سوا يا أمير المؤمنين إنه يقول بالرجعة، ويتناول الشيخين بالسب ~~والوقيعة فيهما، فقال السيد: أما قوله بأني أقول بالرجعة فإن قولي في ذلك ~~على ما قال الله تعالى: * (ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم ~~يوزعون) * (2) وقد قال في موضع آخر: * (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا) * ~~(3) فعلمت أن هاهنا حشرين: أحدهما عام والآخر خاص، وقال سبحانه: * (ربنا ~~أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل) * ~~(4)، وقال الله تعالى: * (فأماته الله مائة عام ثم بعثه) * (5) وقال الله ~~تعالى: * (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم ~~الله موتوا ثم أحياهم) * (6). # فهذا كتاب الله عز وجل، وقد قال رسول الله (ص): " يحشر المتكبرون في صور # PageV00P094 # الذر يوم القيامة "، وقال (ص): " لم يجر في بني إسرائيل شئ إلا ويكون في ~~أمتي مثله حتى المسخ والخسف والقذف "، وقال حذيفة: " والله ما أبعد أن يمسخ ~~الكثيرا من هذه الأمة قردة وخنازير ". # فالرجعة التي لا نذهب إليها هي ما نطق به القرآن وجاءت به السنة، وإنني ~~لأعتقد أن الله تعالى يرد هذا - يعني سوارا - إلى الدنيا كلبا، أو قردا أو ~~خنزيرا، أو ذرة، فإنه والله متجبر متكبر كافر، قال: فضحك المنصور وأنشد ~~السيد يقول: # جاثيت سوارا أبا شملة * عند الإمام الحاكم العادل ms061 فقال قولا خطأ كله * ~~عند الورى الحافي والناعل ما ذب عما قلت من وصمة * في أهله بل لج في الباطل ~~وبان للمنصور صدقي كما * قد بان كذب الأنوك الجاهل يبغض ذا العرش ومن يصطفي ~~* من رسله بالنير الفاضل ويشنأ الحبر الجواد الذي * فضل بالفضل على الفاضل ~~ويعتدى بالحكم في معشر * أدوا حقوق الرسل للراسل فبين الله تزاويقه * فصار ~~مثل الهائم الهائل قال: فقال المنصور كف عنه، فقال السيد: يا أمير المؤمنين ~~البادئ أظلم يكف عني حتى أكف عنه، فقال المنصور لسوار: تكلم بكلام فيه ~~نصفة، كف عنه حتى لا يهجوك. PageV00P095 # فصل وأخبرني الشيخ أدام الله عزه: مرسلا عن محمد بن عيسى بن عبيد ~~اليقطيني عن سعيد بن جناح عن سليمان بن جعفر قال: قال لي أبو الحسن ~~العسكري: # نمت وأنا أفكر في بيت ابن أبي حفصة: # أنى يكون وليس ذاك بكائن * لبني البنات وراثة الأعمام فإذا إنسان يقول ~~لي: # قد كان إذ نزل الكتاب بفضله * ومضى القضاء به من الأحكام إن ابن فاطمة ~~المنوه باسمه * حاز الوراثة عن بني الأعمام وبقي ابن نثلة واقفا متحيرا * ~~يبكي ويسعده ذووا الأرحام فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه سئل في مجلس ~~الشريف أبي الحسن أحمد بن القاسم العلوي المحمدي، فقيل له: ما الدليل على ~~أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كان أفضل الصحابة؟ فقال: الدليل على ذلك ~~قول النبي (ص): (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر) فجاء ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - وقد ثبت أن أحب الخلق إلى الله سبحانه ~~وتعالى أعظمهم ثوابا عند الله وأن أعظم الناس ثوابا لا يكون إلا لأنه ~~أشرفهم أعمالا وأكثرهم عبادة لله تعالى، وفي ذلك برهان على فضل أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - على الخلق كلهم سوى PageV00P096 # النبي (ص). # فقال له السائل: وما الدليل على صحة هذا الخبر؟ وما أنكرت أن يكون غير ~~معتمد لأنه إنما رواه أنس بن مالك وحده، وأخبار الآحاد ليست بحجة فيما يقطع ~~على الله تعالى بصوابه. # فقال الشيخ ms062 أدام الله عزه: هذا الخبر وإن كان من أخبار الآحاد على ما ~~ذكرت من أن أنس بن مالك رواه وحده، فإن الأمة بأجمعها قد تلقته بالقبول ولم ~~يرووا أن أحدا رده على أنس ولا أنكر صحته عند روايته، فصار الاجماع عليه هو ~~الحجة في صوابه ولم يخل ببرهانه كونه من أخبار الآحاد كما شرحناه. # مع أن التواتر قد ورد بأن أمير المؤمنين - عليه السلام - احتج به في ~~مناقبه يوم الدار فقال: أنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله (ص): " ~~اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر " فجاء أحد غيري؟ ~~فقالوا: اللهم لا، فقال اللهم اشهد فاعترف القوم بصحته ولم يك أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - بالذي يحتج بباطل لا سيما وهو في مقام المنازعة ~~والتوسل بفضائله إلى أعلى الرتب التي هي الإمامة والخلافة للرسول (ص) ~~وإحاطة علمه بأن الحاضرين معه في الشورى يريدون الأمر دونه مع قول النبي ~~(ص): " علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار " وإذا كان الأمر على ما ~~وصفناه دل على صحة الخبر حسبما بيناه. # فاعترض بعض المجبرة فقال. إن احتجاج الشيعة برواية أنس من أطرف الأشياء، ~~وذلك أنهم يعتقدون تفسيق أنس بل تكفيره، ويقولون: إنه كتم الشهادة في النص ~~حتى دعا عليه أمير المؤمنين - عليه السلام - ببلاء لا تواريه الثياب فبرص ~~على كبر السن فمات وهو أبرص، فكيف يجوز بأن يستشهد برواية الكافرين؟ # فقالت المعتزلة: قد أسقط هذا الكلام الرجل ولم يجعل الحجة في الرواية ~~PageV00P097 # أنسا وإنما جعلها الاجماع، وهذا الذي أوردته هذيان قد تقدم إبطاله. # فقال السائل: هب أنا سلمنا صحة الخبر، ما أنكرت ألا يفيد ما ادعيت من فضل ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - على الجماعة، وذلك أن المعنى فيه (اللهم ~~ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي من هذا الطائر) يريد أحب الخلق إلى الله عز ~~وجل في الأكل معه دون أن أراد أحب الخلق إليه في نفسه لكثرة أعماله، إذ قد ~~يجوز أن يكون الله سبحانه يحب ألا ms063 يأكل مع نبيه من غيره أفضل منه ويكون ذلك ~~أحب إليه للمصلحة. # فقال الشيخ أدام الله عزه: هذا الذي اعترضت به ساقط وذلك أن محبة الله ~~تعالى ليست ميل الطباع وإنما هي الثواب كما أن بغضه وغضبه ليسا باهتياج ~~الطباع وإنما هما العقاب. ولفظ " أفعل " في أحب وأبغض لا يتوجه إلا إلى ~~معناهما من الثواب والعقاب، ولا معنى على هذا الأصل لقول من زعم أن " أحب ~~الخلق إلى الله يأكل مع رسول الله (ص) " توجه إلى محبة الأكل والمبالغة في ~~ذلك بلفظ " أفعل " لأنه يخرج اللفظ عما ذكرناه من الثواب إلى ميل الطباع، ~~وذلك محال في صفة الله تعالى سبحانه. # وشئ آخر وهو أن ظاهر الخطاب يدل على ما ذكرناه دون ما عارضت به أن لو ~~كانت المحبة على غير معنى الثواب، لأنه (ص) قال: " اللهم ائتني بأحب خلقك ~~إليك يأكل معي من هذا الطائر " وقوله: " بأحب الخلق إليك " كلام تام، وقوله ~~بعد ه: " يأكل معي من هذا الطائر " كلام مستأنف لا يفتقر الأول إليه، ولو ~~كان أراد ما ذكرت لقال: " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك في الأكل معي " فلما ~~كان اللفظ على خلاف هذا وكان على ما قد ذكرناه لم يجز العدول عن الظاهر إلى ~~محتمل على المجاز. # وشئ آخر وهو أنه لو تساوى المعنيان في ظاهر الكلام لكان الواجب علينا ~~PageV00P098 # تحميلهما اللفظ معا دون الاقتصار على أحدهما إلا بالدليل لأنه لا يتنافى ~~الجمع بينهما فيكون أراد بقوله: " أحب خلقك إليك " في نفسه وللأكل معي، ~~وإذا كان الأمر على ما بيناه سقط اعتراضك. # وقال رجل من الزيدية كان حاضرا للسائل: هذا الاعتراض ساقط على أصلك ~~وأصلنا، لأنا نقول جميعا: إن الله عز وجل لا يريد المباح والأكل مع النبي ~~(ص) مباح وليس بفرض ولا نفل فيكون الله عز وجل يحبه فضلا عن أن يكون بعضه ~~أحب إليه من بعض، وهذا السائل من أصحاب أبي هاشم فلذلك أسقط الزيدي كلامه ~~على أصله إذ كان يوافقه في الأصول على مذهب أبي ms064 هاشم فخلط السائل هنيأة. # ثم قال للشيخ أدام الله عزه: فأنا أعترض باعتراض آخر وهو أن أقول: ما ~~أنكرت أن يكون هذا القول إنما أفاد أن عليا - عليه السلام - كان أفضل الخلق ~~في يوم الطائر ولكن بم يدفع أن يكون قد فضله قوم من الصحابة عند الله عز ~~وجل بكثرة الأعمال والمعارف بعد ذلك، وهذا أمر لا يعلم بالعقل وليس معك سمع ~~في نفس الخبر يمنع من ذلك ويدل على أنه - عليه السلام - أفضل الصحابة كلهم ~~إلى وقتنا هذا. فإنا لا نسألك عن فضله عليهم وقتا بعينه. # فقال الشيخ أدام الله عزه: هذا السؤال أوهن مما تقدم والجواب عنه أيسر ~~وذلك أن الأمة مجمعة على إبطال قول من زعم أن أحدا اكتسب أعمالا زادت على ~~الفضل الذي حصل لأمير المؤمنين - عليه السلام - على الجماعة من قبل أنهم ~~بين قائلين: # فقائل يقول: إن أمير المؤمنين - عليه السلام - كان أفضل من الكل في وقت ~~الرسول (ص) ولم يساوه أحد بعد ذلك وهم الشيعة الإمامية والزيدية وجماعة من ~~شيوخ المعتزلة وجماعة من أصحاب الحديث. PageV00P099 # وقائل يقول. إنه لم يبن لأمير المؤمنين في وقت من الأوقات فضل على سائر ~~الصحابة يقطع به على الله عز وجل وتجزم الشهادة بصحته ولا بان لأحد منهم ~~فضل عليه وهم الواقفة في الأربعة من المعتزلة، منهم أبو علي وأبو هاشم ~~وأتباعهما. # وقائل يقول: إن أبا بكر كان أفضل من علي أمير المؤمنين في وقت الرسول (ص) ~~وبعده، وهم جماعة من المعتزلة، وبعض المرجئة وطوائف من أصحاب الحديث. # وقائل يقول: إن أمير المؤمنين خرج عن فضله بحوادث كانت منه فساواه غيره ~~وفضل عليه من أجل ذلك من لم يكن له فضل عليه وهم الخوارج وجماعة من ~~المعتزلة، منهم الأصم، والجاحظ. # وجماعة من أصحاب الحديث أنكروا قتال أهل القبلة، ولم يقل أحد من الأمة إن ~~أمير المؤمنين كان أفضل عند الله سبحانه تعالى من الصحابة كلهم ولم يخرج عن ~~ولاية الله عز وجل ولا أحدث معصية لله تعالى، ثم فضل ms065 عليه غيره بعمل زاد به ~~ثوابه على ثوابه ولا جوز ذلك فيكون معتبرا، وإذا بطل الاعتبار به للاتفاق ~~على خلافه سقط، وكان الاجماع حجة يقوم مقام قول الله تعالى في صحة ما ذهبنا ~~إليه فلم يأت بشئ. # وذاكرني الشيخ أدام الله عزه في هذه المسألة بعد ذلك فزادني فيها زيادة ~~ألحقتها وهي أن قال: إن الذي يسقط ما اعترض به السائل في تأويل قول النبي ~~(ص): " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك، على المحبة للأكل معه دون محبته في ~~نفسه بإعظام ثوابه، بعد الذي ذكرناه في إسقاطه، أن الرواية جاءت عن أنس بن ~~مالك أنه قال: لما دعا رسول الله (ص) أن يأتيه الله عز وجل بأحب الخلق إليه ~~قلت: # اللهم اجعله رجلا من الأنصار ليكون لي الفضيلة بذلك، فجاء علي ~~PageV00P100 # - عليه السلام - فرددته وقلت له: رسول الله على شغل. فمضى ثم عاد ثانية ~~فقال لي: # استأذن لي على رسول الله. فقلت له: إنه على شغل فجاء ثالثة فاستأذنت له ~~فدخل فقال له النبي (ص): قد كنت سألت الله تعالى أن يأتيني بك دفعتين ولو ~~أبطأت على الثالثة لأقسمت على الله بأن يأتيني بك. # فلولا أن النبي (ص) سأل الله عز وجل أن يأتيه بأحب خلقه إليه في نفسه ~~وأعظمهم ثوابا عنده، وكانت هذه من أجل الفضائل لما آثر أنس أن يختص بها ~~قومه، ولولا أن أنسا فهم ذلك من معنى كلام الرسول (ص) لما دافع أمر ~~المؤمنين - عليه السلام - عن الدخول ليكون ذلك الفضل لرجل من الأنصار فيحصل ~~له جزء منه. # وشئ آخر وهو أنه لو احتمل معنى لا يقتفي الفضيلة لأمير المؤمنين - عليه ~~السلام -، لما احتج به أمير المؤمنين - عليه السلام - يوم الدار ولا جعله ~~شاهدا على أنه أفضل من الجماعة، وذلك أنه لو لم يكن الأمر على ما وصفناه ~~وكان محتملا لما ظنه المخالفون من أنه سأل ربه أن يأتيه بأحب الخلق إليه في ~~الأكل معه، لما أمن أمير المؤمنين - عليه السلام - من أن يتعلق بذلك بعض ~~خصومه ms066 في الحال أو يشتبه ذلك على إنسان. فلما احتج به أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - على القوم واعتمده في البرهان، دل على أنه لم يكن مفهوما منه إلا ~~فضله، وكان إعراض الجماعة أيضا عن دفاعه عن ذلك بتسليم ما ادعاه دليلا على ~~صحة ما ذكرناه. # وهذا بعينه يسقط قول من زعم أنه يجوز مع إطلاق النبي (ص) في أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - ما يقتضي فضله عند الله تعالى على الكافة، وجود ~~من هو أفضل منه في المستقبل، لأنه لو جاز ذلك لما عدل القوم عن الاعتماد ~~عليه ولجعلوه شبهة في منعه مما ادعاه من القطع على نقصانهم عنه في الفضل، ~~وفي عدول القوم عن ذلك دليل على أن القول مفيد بإطلاقه فضله - عليه السلام ~~- ومؤمن من بلوغ أحد منزلته في الثواب بشئ من الأعمال، وهذا بين لمن تدبره. ~~PageV00P101 # فصل ومن كلامه أدام الله عزه أيضا: سئل الشيخ أدام الله حراسته عن معصية ~~داود - عليه السلام - ما كانت؟ فقال: فيها جوابان: # أحدهما أن الله سبحانه لما جعله خليفة في الأرض بقوله: * (يا داود إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق) * (1) أراد سبحانه وتعالى أن ~~يهذبه ويؤدبه لأمر علمه منه فجعل ذلك بملائكته دون البشر وأهبط عليه ~~الملكين في صورة بشرين، فقالا له: * (خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا ~~بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط * إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ~~ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب) * (2)، فقال داود - عليه ~~السلام - للمدعي حاكما على المدعى عليه من غير أن يسأل المدعى عليه عن صحة ~~دعوى المدعي * (لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه) * (3). # وقد كان الحكم يوجب أن لا يعجل بذلك حتى يسأل المدعى عليه فيقول له: ما ~~تقول في هذه الدعوى؟ فلما عجل بالحكم قبل الاستثبات كان ذلك منه صغيرة ووجب ~~عليه التوبة منها وتبين ذلك في الحال ففعل ما وجب عليه مما وصفناه، قال ~~الله عز وجل * (وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا ms067 وأناب فغفرنا له ~~ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) * (4). # PageV00P102 # والجواب الآخر: حكاه الناصر فأخبر أن داود - عليه السلام - ذكرت له امرأة ~~أوريا ابن حنان فسأله أن ينزل له عنها ليتزوج بها بعد انقضاء عدتها، وكان ~~ذلك مباحا في شرعه، فامتنع عليه أوريا ورغب بامرأته على جزع لحقه من ~~الامتناع عليه ورهبة حصلت له منه. # وكانت الخطيئة من داود - عليه السلام - أن طلب ذلك من أوريا بن حنان وهو ~~نبي وملك مطاع وأوريا رعية وتابع، ولو سأل أوريا ذلك مثله من الرعية لما ~~كان بسؤاله مخطئا لأنه لم يكن يحدث له عند الامتناع من الجزع والخوف والهلع ~~ما حدث له عند الامتناع من نبيه وملكه ورئيسه داود - عليه السلام -، وهذا ~~الجواب غير بعيد، والله نسأل التوفيق. # قال الشيخ أدام الله عزه: فإن قال قائل: أليس قد نطق القرآن بوقوع ~~المعصية من نبي من أنبياء الله سبحانه في حال نبوته، وهذا خلاف مذهبك في ~~ارتفاع المعاصي عن الأنبياء كلهم والأئمة - عليهم السلام - لأنهم على أصلك ~~معصومون من الذنوب والخطأ في الدين. # فالجواب: أن الذي أذهب إليه في هذا الباب أنه لا يقع من الأنبياء - عليهم ~~السلام - ذنب بترك واجب مفترض، ولا يجوز عليهم خطأ في ذلك ولا سهو يوقعهم ~~فيه وإن جاز منهم ترك نفل ومندوب إليه على غير القصد والتعمد، ومتى وقع ذلك ~~منهم عوجلوا بالتنبيه عليه، فيزولون عنه في أسرع مدة وأقرب زمان. # فأما نبينا (ص) خاصة والأئمة من ذريته - عليهم السلام - فلم يقع منهم ~~صغيرة بعد النبوة والإمامة من ترك واجب ولا مندوب إليه، لفضلهم على من ~~تقدمهم من PageV00P103 # الحجج - عليهم السلام - وقد نطق القرآن بذلك وقامت الدلائل منه ومن غيره ~~على ذلك للأئمة من ذريته - عليهم السلام - قال الله تعالى وقد ذكر معصية ~~آدم - عليه السلام -: * (وعصى آدم ربه فغوى) * (1) فسمى المعصية غواية وذلك ~~حكم كل معصية، إذ كان فاعلها يخيب بفعلها من ثواب تركها، وكانت الغواية هي ~~الخيبة في وجه من الوجوه، وعلى مفهوم اللغة، قال ms068 الشاعر ومن يلق خيرا يحمد ~~الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما وقال الله سبحانه في آية ~~الدين عند ذكر الشهود: * (فاستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين ~~فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) ~~* (2) يريد لئلا تنسى إحداهما فسمى النسيان ضلالا، وذلك معروف في اللغة، ~~فلما تقرر أن كل معصية غواية وكل نسيان ضلال دل قوله سبحانه وتعالى: * ~~(والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى *) (3) على أنه قد نفى عن نبيه ~~عليه وآله السلام المعاصي على كل وجه والنسيان من كل وجه، وهذا بين لمن ~~تأمله. # قال الشيخ أدام الله عز،. وأقول: إن ترك النفل قد يسمى معصية كما أن فعله ~~قد يسمى طاعة لا سيما إذا وقع ذلك من نبي أو وصي أو صفي فإنهم لمنزلتهم عند ~~الله سبحانه يؤاخذهم بالقليل من الفعل ولا يعذرهم فيه ليؤدبهم بذلك ويهذبهم ~~ويزجرهم عن مثله في المستقبل، ولو وقع من غيرهم، ما كان ليؤاخذهم به ولا ~~يعجل لهم الأدب عليه على ما قدمت ذكره. # PageV00P104 # فصل ومن كلام الشيخ وحكاياته قال الشيخ أدام الله عزه: قال أبو القاسم ~~الكعبي في كتاب الغرر، إن سأل سائل فقال: من أين أثبت الاجتهاد؟ قلنا: إنا ~~وجدنا كل مبطل له قد صار فيما أقامه مقامه إلى الاجتهاد في أنه أبطل ~~الاجتهاد وأوجب الوقوف في الحادثة وأوجب الأخذ بقول الإمام حسب ما تقول ~~الرافضة - يعني الإمامية - قال: فهو على كل حال قد صار إلى الاجتهاد لأن ~~إيجابه الوقوف حكم حكم به، وكذلك الأخذ بقول الإمام حكم لم ينص الله عليه ~~ولا نص عليه رسوله، فلما كان هؤلاء إنما أبطلوا الاجتهاد من هذه الجهة ~~كانوا مصححين له من حيث لا يشعرون ومثبتين أنه لا بد من الاجتهاد. # قال الشيخ أدام الله عزه: فيقال له: خبرنا عمن أثبت الأصول عندك من جهة ~~الاجتهاد وأبطل النص فيها ولم يعتمد عليه، وزعم أن الاجتهاد هو طريق إلى ~~العلم بها، أيكون النظر أصلا ms069 في إبطال مقاله؟ أم لا سبيل إلى الرد عليه إلا ~~من جهة التوقيف؟ # فإن قال: لا سبيل إلى كسر مذهبه إلا من جهة التوقيف. # قيل له. فقد كان العقل إذن يجيز للناس وضع الشرايع كلها من جهة الاجتهاد، ~~وهذا خلاف مذهبك وما لا نعلم أن أحدا من الفقهاء ولا أهل العلم كافة ركبه، ~~على أن صحة السمع لا يخلو من أن تكون معروفة من جهة النظر أو الخبر، فإن ~~كانت معروفة من جهة الخبر فحكم صحة الخبر كحكمها، وهذا يؤدي إلى ما لا ~~نهاية له، وإن كانت معروفة بالنظر فقد ظفرنا بالبغية في إلزامك ذلك. # وإن للقائل الذي قدمنا ذكره أن يستدل على صحة مقاله بمثل استدلالك، ~~فيقول: وجدت كل من أبطل الاجتهاد في استخراج هذه الأحكام يضطره الأمر في ~~PageV00P105 # ذلك إلى الاجتهاد، لأنه إن استعمله مبتدئا فيه فضرورته إليه ظاهرة وإن ~~استعمل النص والاحتجاج بالاجماع فإنا نصححها بالاجتهاد فهو مضطر في أصل ما ~~اعتمد عليه إلى الاجتهاد. وهذا نظير ما قلت يا أبا القاسم لمخالفيك في ~~الاجتهاد في الفروع عندك، مع أنها أصول عندهم لا مجال للاجتهاد فيها ولا ~~فصل في ذلك. # على أنه يقال له: ما أبين غفلتك! أنت تزعم أن الاجتهاد في الأحكام له حد ~~يمنع من الحكم على الذاهب عنه بالضلال، ومبطلوا الاجتهاد إنما أبطلوه بضرب ~~من النظر والاستدلال حكموا على الذاهب عنه بالضلال، فمن أين صار ما أبطله ~~القوم من الاجتهاد هو الذي به صححوه، وما صححوه هو الذي شهدوا بفساده لولا ~~سهوك عن الحق. # واعلم رحمك الله أن الذي يذهب إليه هذا الرجل ومن شاركه في خلافنا في ~~الحكم بالنص ليس هو اجتهاد في الحقيقة، بل هو حدس وترجيم وظن فاسد لا ينتج ~~يقينا ولا يولد علما ولو اعترفنا لهم بأنهم مجتهدون لما لمناهم على فعلهم ~~لكنا نعتقد فيهم أنهم مقصرون مفرطون تائهون ضالون، ومن أطلق لفظه بالرد على ~~أهل الاجتهاد في الأحكام فإنما أطلقه مجازا لأن القوم قد شهروا أنفسهم بهذه ~~الصفة حتى ms070 صارت كالعلم لهم، وإن كانوا بالضد منها فجرت لهم مجرى سمة ~~المهلكة بالمفازة واللديغ بالسليم وعين الشمس بالجونة وما أشبه ذلك، فتأمله ~~ترشد إن شاء الله. # قال الشيخ أدام الله عزه: وقد تعلق قوم من ضعفة متفقهة العامة ومن جهال ~~المعتزلة في صحة الاجتهاد والقياس بقول أمير المؤمنين - عليه السلام - " ~~علمني رسول الله (ص) ألف باب فتح لي كل باب ألف باب ". # فيقال لهم: وهل أصول الشريعة كلها ألف أصل وفروعها ألف ألف وذلك نهايتها ~~وهي محصورة بهذا العدد لا أقل منه ولا أكثر؟ فإن زعموا ذلك قالوا قولا ~~مرغوبا عنه PageV00P106 # وقيل لهم: أرونا أصلا واحدا له ألف فرع، وقد ظهرت حجتكم وهذا ما تعجزون ~~عنه، وإن قالوا: ليست الأصول ألفا على التحرير وليس فيها مائة ألف فرع، ~~أبطلوا استدلالهم، فإن قالوا: فما وجه قول أمير المؤمنين - عليه السلام - ~~وما تأويله؟ # قيل لهم: يحتمل وجوها: # منها أن المعلم له الأبواب وهو رسول الله (ص) فتح له بكل باب منها ألف ~~باب ووقفه على ذلك. # ومنها أن علمه بكل باب أوجب فكره فيه فبعثه الفكر على المسألة عن شعبه ~~ومتعلقاته فاستفاد بالفكر فيه علم ألف باب بالبحث عن كل باب منها ومثل هذا ~~معنى قول النبي (ص): " من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم). # ومنها أنه نص له على علامات تكون عندها حوادث كل حادثة يدل على حادثة إلى ~~أن ينتهي إلى ألف حادثة فلما عرف الألف علامة عرف بكل علامة منها ألف ~~علامة، والذي يقرب هذا من الصواب أنه - عليه السلام - أخبرنا بأمور تكون ~~قبل كونها ثم قال - عليه السلام - عقيب إخباره بذلك. " علمني رسول الله ألف ~~باب فتح لي كل باب ألف باب ". # وقال بعض الشيعة: إن معنى هذا القول أن النبي نص له على صفة ما فيه الحكم ~~على الجملة دون التفصيل كقوله: " يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب " وكان هذا ~~بابا استفيد منه تحريم الأخت من الرضاعة والأم والخالة والعمة وبنت الأخ ~~وبنت الأخت، ms071 وكقول الصادق. - عليه السلام -: " الربا في كل مكيل وموزون " ~~فأستفيد بذلك الحكم في أصناف المكيلات والموزونات كلها. وكقوله - عليه ~~السلام - يحل من الطير ما يدف، ويحرم منه ما يصف، ويحل من البيض ما اختلف ~~طرفاه، ويحرم منه ما اتفق طرفاه، ويحل من السمك ما كان له فلوس، ويحرم منه ~~ما ليس له فلوس، وما أشبه ذلك. والأجوبة الأولة هي لي خاصة وأنا اعتمدتها. ~~PageV00P107 # فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه سئل عن قول الله عز وجل: * (وإن يوما ~~عند ربك كألف سنة مما تعدون) * (1) وقوله في موضع آخر: * (تعرج الملائكة ~~والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة * فاصبر صبرا جميلا) * (2) ~~وقوله تعالى في موضع آخر * (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ~~في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) * (3) وما الوجه في هذه الآيات مع ~~اختلاف ظواهرها؟ # فقال الشيخ أدام الله عز: أما معنى الأولة والثانية فإنه تحمل على ~~التعظيم لأمر الآخرة والإخبار عن شدته وأهواله، فاليوم الواحد من أيامها ~~على أهل العذاب كألف سنة من سني الدنيا لشدته وعظم بلائه وما يحل بالكافرين ~~فيه من أنواع العذاب. # واليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة فهو يوم المحشر وإنما طال على الكافرين ~~حتى صار قدره عندهم ذلك لما يشاهدون فيه من شدة الحساب وعذاب جهنم وصعوبته، ~~والممر على الصراط، والمعاينة للسعير وإسماعهم زفرات النار وصوت سلاسلها ~~وأغلالها، وصياح خزنتها، ورؤيتهم لاستطارة شررها. # ألا ترى إلى قوله تعالى: * (إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا) * (4) وقد وصف ~~الله عز وجل ذلك اليوم وقال: * (إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما # PageV00P108 # ثقيلا) * وقال تعالى: * (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات ~~حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) * (2) وقال ~~تعالى: * (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم ~~يومئذ شأن يغنيه) * (3) وهذا الذي ذكرناه معروف في اللسان يقول القائل " ~~كانت ليلتي البارحة شهرا " وقال امرؤ القيس: # ألا أيها ms072 الليل الطويل إلا انجل * بصبح وما الاصباح منك بأمثل فيا لك من ~~ليل كأن نجومه * بكل مغار الفتل شدت بيذبل والليل لم يطل في نفسه ولكن طال ~~عليه لما قاسى فيه من الهم والسهر، والعرب تقول ليوم الشر " هذا يوم أطول ~~من عمر النسر ". # وأما قوله عز وجل: * (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في ~~يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) * فالمعنى فيه على ما ذكر أنه يعرج في ~~يوم مقداره لو رام بشر قطعه، لما قطعه إلا في ألف سنة، وإذا كان الأمر على ~~ما بيناه لم يكن بين المعاني تفاوت على ما وصفناه. # PageV00P109 # فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه، وكلامه في الغيبة قال. قال لي شيخ ~~من حذاق المعتزلة وأهل التدين بمذهبه منهم: أريد إن أسألك عن مسألة كانت ~~خطرت ببالي وسألت عنها جماعة ممن لقيت من متكلمي الإمامية بخراسان وفارس ~~والعراق فلم يجيبوا فيها بجواب مقنع. # فقلت: سل على اسم الله إن شئت. # فقال: خبرني عن الإمام الغائب عندكم أهو في تقية منك كما هو في تقية من ~~أعدائه؟ أم هو في تقية من أعدائه خاصة؟ # فقلت له: الإمام عندي في تقية من أعدائه لا محالة وهو أيضا في تقية من ~~كثير من الجاهلين به ممن لا يعرفه ولا سمع به فيعاديه أو يواليه، هذا على ~~غالب الظن والعرف، ولست أنكر أن يكون في تقية من جماعة ممن يعتقد إمامته ~~الآن، فأما أنا فإنه لا تقية عليه مني بعد معرفته بي على حقيقة المعرفة ~~والحمد لله. # فقال: هذا والله جواب طريف لم أسمعه من أحد قبلك، فأحب أن تفصل لي وجوهه ~~وكيف صار في تقية ممن لا يعرفه وفي تقية من جماعة تعتقد إمامته الآن وليس ~~هو في تقية منك إذ عرفك؟ # فقلت له: أما تقيته من أعدائه فلا حاجة لي إلى الكلام فيها لظهور ذلك ~~وأما تقيته ممن لا يعرفه فإنما قلت ذلك على غالب الظن وظاهر الحال وذلك أنه ~~ليس ms073 يبعد أن لو ظهر لهم لكانوا بين أمور، إما أن يسفكوا دمه بأنفسهم ~~لينالوا PageV00P110 # بذلك المنزلة عند المتغلب على الزمان ويحوزوا به المال والرياسة، أو ~~يسعوا به إلى من يحل هذا الفعل به أو يقبضوا عليه ويسلموه إليه فيكون في ~~ذلك عطبه وفي عطبه وهلاكه عظيم الفساد. # وإنما غلب في الظن ذلك لأن الجاهل لحقه ليس يكون معه المعرفة التي تمنعه ~~من السعي على دمه ولا يعتقد في الكف عنه ما يعتقده المتدين بولايته وهو يرى ~~الدنيا مقبلة إلى من أوقع الضرر به فلم يبعد منه ما وصفناه بل قرب وبعد منه ~~خلافه. # وأما وجه تقيته من بعض من يعتقد إمامته الآن، فإن المعتقدين بذلك ليسوا ~~بمعصومين من الغلط ولا مأمونا عليهم الخطأ بل ليس مأمونا عليهم العناد ~~والارتداد، فلا ينكر أن يكون المعلوم منهم أنه لو ظهر لهم الإمام - عليه ~~السلام - أو عرفوا مكانه أن تدعوهم دواعي الشيطان إلى الاغراء به والسعي ~~عليه والإخبار بمكانه طمعا في العاجلة ورغبة فيها وإيثارا لها على الآجلة ~~كما دعت دواعي الشيطان أمم الأنبياء إلى الارتداد عن شرايعهم حتى غيرها ~~جماعة منهم وبدلها أكثرهم، وكما عاند قوم موسى نبيهم وإمامهم هارون وارتدوا ~~عن شرعه الذي جاء به هو وأخوه موسى - عليهما السلام - واتبعوا السامري، فلم ~~يلتفتوا إلى أمر هارون ونهيه ولا فكروا في وعظه وزجره وإذا كان ذلك على ما ~~وصفت، لم ينكر أن تكون هذه حال جماعة من منتحلي الحق في هذا الزمان لارتفاع ~~العصمة عنهم. # وأما حكمي لنفسي فإنه ليس يختصني لأنه يعم كل من شاركني في المعنى الذي ~~من أجله حكمت وإنما خصصت نفسي بالذكر لأنني لا أعرف غيري عينا على اليقين ~~مشاركا لي في الباطن فأدخله معي في الذكر. # والمعنى الذي من أجله نفيت أن يكون صاحب الأمر - عليه السلام - متقيا مني ~~PageV00P111 # عند المعرفة بحالي لأنني أعلم أني عارف بالله عز وجل وبرسوله (ص) ~~وبالأئمة - عليهم السلام -، وهذه المعرفة تمنعني من إيقاع كفر غير مغفور ~~والسعي على دم الإمام ms074 - عليه السلام -، بل إخافته عندي كفر غير مغفور. # وإذا كنت على ثقة تعصمني من ذلك لما أذهب إليه في الموافاة، فقد أمنت أن ~~يكون الإمام في تقية مني أو ممن شاركني فيما وصفت من إخواني، وإذا تحقق ~~أمورنا على ما ذكرت فلا يكون في تقية مني بعد معرفته أني على حقيقة المعرفة ~~إذ التقية إنما هي الخوف على النفس والإخافة للإمام لا تقع من عارف بالله ~~عز وجل على ما قدمت. # فقال: فكأنك إنما جوزت تقية الإمام من أهل النفاق من الشيعة، فأما ~~المعتقدون للتشيع ظاهرا وباطنا فحالهم كحالك وهذا يؤدي إلى المناقضة لأن ~~المنافق ليس بمعتقد للتشيع في الحقيقة، وأنت قد أجزت ذلك على بعض الشيعة في ~~الحقيقة فكيف يكون هذا؟ # فقلت له: ليس الأمر كما ظننت، وذلك أن جماعة من معتقدي التشيع عندي غير ~~عارفين في الحقيقة وإنما يعتقدون الديانة على ظاهر القول بالتقليد ~~والاسترسال دون النظر في الأدلة والعمل على الحجة، ومن كان بهذه المنزلة لم ~~يحصل له الثواب الدائم المستحق للمعرفة المانع بدلالة الخبر به عن إيقاع ~~كفر من صاحبه فيستحق به الخلود في الجحيم فتأمل ذلك. # قال: فقد اعترض الآن هاهنا سؤال في غير الغيبة أحتاج إلى معرفة جوابك عنه ~~ثم أرجع إلى المسألة في الغيبة، خبرني عن هؤلاء المقلدين من الشيعة ~~الإمامية أنهم كفار يستحقون الخلود بالنار؟ فإن قلت ذلك فليس في الجنة من ~~الشيعة الإمامية إذا غيرك لأنا لا نعرف أحدا منهم على تحقيق النظر سواك بل ~~إن كان، فيهم فلعلهم لا يكونون عشرين نفسا في الدنيا كلها، وهذا ما أظنك ~~تذهب إليه، PageV00P112 # وإن قلت إنهم ليسوا بكفار وهم يعتقدون التشيع ظاهرا وباطنا فهم مثلك وهذا ~~مبطل لما قدمت. # فقلت له: لست أقول إن جميع المقلدة كفار لأن فيهم جماعة لم يكلفوا ~~المعرفة ولا النظر في الأدلة لنقصان عقولهم عن الحد الذي به يجب تكليف ذلك، ~~وإن كانوا مكلفين عندي للقول والعمل، وهذا مذهبي في جماعة من أهل السواد ~~والنواحي الغامضة والبوادي والأعراب ms075 والعجم والعامة، فهؤلاء إذا قالوا ~~وعملوا كان ثوابهم على ذلك كعوض الأطفال والبهائم والمجانين وكان ما يقع ~~منهم من عصيان يستحقون عليه العقاب في الدنيا وفي يوم المآب طول زمان ~~الحساب أو في النار أحقابا، ثم يخرجون إلى محل الثواب. # وجماعة من المقلدة عندي كفار لأن فيهم من القوة على الاستدلال ما يصلون ~~به إلى المعارف فماذا انصرفوا عن النظر في طرقها فقد استحقوا الخلود في ~~النار فأما قولك إنه ليس في الدنيا أحد من الشيعة ينظر حق النظر إلا عشرون ~~نفسا أو نحوهم فإنه لو كنت صادقا في هذا المقال ما منع أن يكون جمهور ~~الشيعة عارفين لأن طرق المعرفة قريبة يصل إليها كل من استعمل عقله وإن لم ~~يكن يتمكن من العبارة عن ذلك ويسهل عليه الجدل ويكون من أهل التحقيق في ~~النظر وليس عدم الحذق في الجدل وإحاطة العلم بحدوده والمعرفة بغوامض الكلام ~~ودقيقه ولطيف القول في المسألة، دليلا على الجهل بالله عز وجل. # فقال: ليس أرى أن أصل معك الكلام في هذا الباب الآن لأن الغرض هو القول ~~في الغيبة ولكن لما تعلقت بمذهب غريب أحببت أن أقف عليه وأنا أعود إلى ~~مسألتي الأولى وأكلمك في هذا المذهب بعد هذا يوما آخر أخبرني الآن إذا لم ~~يكن الإمام في تقية منك فما باله لا يظهر لك فيعرفك نفسه بالمشاهدة ويريك ~~معجزة ويبين لك كثيرا من المشكلات ويؤنسك بقربه ويعظم قدرك بقصده ~~PageV00P113 # ويشرفك بمكانه إذا كان قد أمن منك الاغراء به وتيقن ولايتك له ظاهرة ~~وباطنة؟ # فقلت له: أول ما في هذا الباب أنني لا أقول لك إن الإمام - عليه السلام - ~~يعلم السرائر وإنه مما لا يخفى عليه الضمائر فتكون قد أخذت رهني بأنه يعلم ~~مني ما أعرفه من نفسي، وإذا لم يكن ذلك مذهبي وكنت أقول إنه يعلم الظواهر ~~كما يعلم البشر وإن علم باطنا فبإعلام الله عز وجل له خاصة على لسان نبيه - ~~عليه السلام - بما أودعه آباؤه - عليهم السلام - من النصوص على ذلك أو ms076 ~~بالمنام الذي يصدق ولا يخلف أبدا أو بسبب أذكره غير هذا، فقد سقط سؤالك من ~~أصله لأن الإمام إذا فقد علم ذلك من جهة الله عز وجل أجاز علي ما يجيزه على ~~غيري ممن ذكرت فأوجبت الحكمة تقيته مني وإنما تقيته مني على الشرط الذي ~~ذكرت آنفا ولم أقطع على حصوله لا محالة، ولم أقل إن الله عز وجل قد أطلع ~~الإمام على باطني وعرفه حقيقة حالي قطعا فتفرغ الكلام عليه. # على أنني لو قطعت على ذلك لكان لترك ظهوره لي وتعرفه إلي وجه واضح غير ~~التقية، وهو أنه - عليه السلام - قد علم أنني وجميع من شاركني في المعرفة ~~نزول عن معرفته ولا نرجع عن اعتقاد إمامته ولا نرتاب في أمره ما دام غائبا، ~~وعلم أن اعتقادنا ذلك من جهة الاستدلال، ومع عدم ظهوره لحواسنا أصلح لنا في ~~تعاظم الثواب وعلو المنزلة باكتساب الأعمال، إذ كان ما يقع من العمل ~~بالمشاق الشديدة أعظم ثوابا مما يقع بالسهولة مع الراحة، فلما علم - عليه ~~السلام - ذلك من حالنا، وجب عليه الاستتار عنا لنصل إلى معرفته وطاعته على ~~حد يكسبنا من المثوبة أكثر مما يكسبنا العلم به والطاعة له مع المشاهدة ~~وارتفاع الشبهة التي تكون في حال الغيبة والخواطر، وهذا ضد ما ظننت. # مع أن أصلك في اللطف يؤيد ما ذكرناه ويوجب ذلك وإن علم أن الكفر يكون مع ~~الغيبة والإيمان مع الظهور لأنك تقول: إنه لا يجب على الله تعالى فعل ~~PageV00P114 # اللطف الذي يعلم أن العبد إن فعل الطاعة مع عدمه كانت أشرف منها إذا ~~فعلها معه، فكذلك يمنع الإمام من الظهور إذا علم أن الطاعة للإمام تكون عند ~~غيبته أشرف منها عند ظهوره وليس يكفر القوم به في كلا الحالين وهذا بين لا ~~إشكال فلما ورد عليه الجواب سكت هنيئة، ثم قال: هذا لعمري جواب يستمر على ~~الأصول التي ذكرتها والحق أولى ما استعمل. # فقلت له: أنا أجيبك بعد هذا الجواب بجواب آخر أظنه مما قد سمعته لأنظر ~~كلامك عليه. # فقال: ms077 هات ذلك فإني أحب أن أستوفي ما في هذه المسألة، فقلت له: إن قلت إن ~~الإمام في تقية مني وفي تقية ممن خالفني ما يكون كلامك عليه؟ قال: # أفتطلق أنه في تقية منك كما هو في تقية ممن خالفك؟ قلت: لا. قال: فما ~~الفرق بين القولين؟ قلت: الفرق بينهما أنني إذا قلت إنه في تقية مني كما هو ~~في تقية ممن خالفني، أوهمت أن خوفه مني على حد خوفه من عدوه وأن الذي يحذره ~~مني هو الذي يحذره منه أو مثله في القبح، فإذا قلت: إنه يتقي مني وممن ~~خالفني ارتفع هذا الايهام، قال: فمن أي وجه اتقى منك؟ ومن أي وجه اتقى من ~~عدوه؟ فصل لي الأمرين حتى أعرفهما. # فقلت له: تقيته من عدوه هي لأجل خوفه من ظلمه له وقصده الإضرار به وحذره ~~من سعيه على دمه، وتقيته مني لأجل خوفه من إذاعتي على سبيل السهو أو للتجمل ~~والتشرف بمعرفته بالمشاهدة، أو على التقية مني بمن أوعزه إليه من إخواني في ~~الظاهر فيعقبه ذلك ضررا عليه فبان الفرق بين الأمرين. # فقال. ما أنكرت أن يكون هذا يوجب ا لمساواة بينك وبين عدوه، لأنه ليس يثق ~~بك كما لا يثق بعدوه، فقلت له: قد بينت الفرق وأوضحته وهذا سؤال بين ~~PageV00P115 # قد سلف جوابه وتكراره لا فائدة فيه على أنني أقلبه عليك فأقول لك: أليس ~~قد هرب رسول الله (ص) من أعدائه واستتر عنهم في الغار خوفا على نفسه منهم، ~~قال: # بلى، قلت له: فهل عرف عمر بن الخطاب حال هربه ومستقره ومكانه كما عرف ذلك ~~أبو بكر لكونه معه؟ قال: لا أدري، قلت: فهب عرف عمر ذلك، أعرف ذلك جميع ~~أصحابه والمؤمنين به؟ قال: لا قلت: فأي فرق كان بين أصحابه الذين لم يعلموا ~~بهربه ولا عرفوا بمكانه وبين أعدائه الذين هرب منهم و هلا أبانهم من ~~المشركين بإيقافهم على أمره، ولم ستر ذلك عنهم كما ستره عن أعدائه؟ وما ~~أنكرت أن يكون لا فرق بين أوليائه وأعدائه وأن ms078 يكون قد سوى بينهم في الخوف ~~منهم والتقية وإلا فما الفصل بين الأمرين، فلم يأت بشئ أكثر من أنه جعل ~~يؤمي إلى معتمدي في الفرق بينما ألزم ولم يأت به على وجهه وعلم من نفسه ~~العجز عن ذلك. # قال الشريف أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي: واستزدت الشيخ أدام الله ~~عزه على هذا الفصل من هذا المجلس حيث اعتل بأن غيبة الامام - عليه السلام - ~~عن أوليائه إنما هي لطف لهم في وقوع الطاعة منهم على وجه يكون به أشرف منها ~~عند مشاهدته، فقلت له: فكيف يكون حال هؤلاء الأولياء عند ظهوره - عليه ~~السلام - ، أليس يجب أن يكون القديم تعالى قد منعهم اللطف في شرف طاعاتهم ~~وزيادة ثوابهم؟ # فقال الشيخ أدام الله عزه: ليس في ذلك منع لهم من اللطف على ما ذكرت من ~~قبل أنه لا ينكر أن يعلم الله سبحانه وتعالى منهم أنه لو أدام ستره عنهم ~~وإباحة الغيبة في ذلك الزمان بدلا من الظهور، لفسق هؤلاء الأولياء فسقا ~~يستحقون به من العقاب ما لا يفي أضعاف ما يفوتهم من الثواب فأظهره سبحانه ~~PageV00P116 # لهذه العلة، وكان ما يقتطعهم به عنه من العذاب، أرد عليهم وأنفع لهم مما ~~كانوا يكتسبونه من فضل الثواب على ما تقدم به الكلام. # قال الشيخ أيده الله: ووجه آخر وهو أنه لا يستحيل أن يكون الله تعالى قد ~~علم من حال كثير من أعداء الإمام - عليه السلام - أنهم يؤمنون عند ظهوره ~~ويعترفون بالحق عند مشاهدته ويسلمون له الأمر وأنه إن لم يظهر في ذلك ~~الزمان أقاموا على كفرهم وازدادوا طغيانا بزيادة الشبهة عليهم فوجب في ~~حكمته تعالى إظهاره لعموم الصلاح. # ولو أباحه الغيبة لكان قد خص بالصلاح ومنع من اللطف في ترك الكفر، وليس ~~يجوز على مذهبنا في الأصلح أن يخص الله تعالى بالصلاح، ولا يجوز أيضا أن ~~يفعل لطفا في اكتساب بعض خلقه منافع تزيد على منافعه إذ كان في فعل ذلك ~~اللطف، رفع لطفه لجماعة في ترك القبح والانصراف عن الكفر به سبحانه ms079 ~~والاستخفاف بحقوق أوليائه - عليهم السلام -، لأن الأصل والمدار على إنقاذ ~~العباد من المهالك، وزجرهم من القبائح، وليس الغرض زيادتهم في المنافع خاصة ~~إذ كان الاقتطاع بالألطاف عما يوجب دوام العقاب أولى من فعل اللطف فيما ~~يستزاد به من الثواب لأنه ليس يجب على الله تعالى أن يفعل بعبده ما يصل معه ~~إلى نفع يمنعه من أضعافه من النفع. # وكذلك لا يجب عليه أن يفعل اللطف له في النفع بما يمنع غيره من أضاف ذلك ~~النفع، وهو إذا سلبه هذا اللطف لم يستدرجه به إلى فعل القبيح، ومتى فعله ~~حال بين غيره وبين منافعه ومنعه من لطف ما ينصرف به عن القبيح، وإذا كان ~~الأمر على ما بيناه كان هذان الفصلان يسقطان هذه الزيادة. PageV00P117 # فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه، قال: سئل أبو محمد الفضل بن شاذان ~~النيشابوري رحمه الله قيل له: ما الدليل على إمامة أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب؟ # فقال: الدليل على ذلك من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه (ص) ومن إجماع ~~المسلمين، فأما كتاب الله سبحانه وتعالى قوله عز وجل: * (يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * (1) فدعانا سبحانه ~~وتعالى إلى إطاعة أولي الأمر كما دعانا إلى طاعة نفسه وطاعة رسوله (ص) ~~فاحتجنا إلى معرفة أولي الأمر كما وجبت علينا معرفة الله ومعرفة رسوله (ص)، ~~فنظرنا في أقاويل الأمة فوجدناهم قد اختلفوا في أولي الأمر وأجمعوا في ~~الآية على ما يوجب كونها في علي بن أبي طالب - عليه السلام -. # فقال بعضهم: أولوا الأمر هم أمراء السرايا، وقال بعضهم: هم العلماء، وقال ~~بعضهم: هم القوام على الناس، والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وقال ~~بعضهم: هم علي بن أبي طالب والأئمة من ذريته - عليهم السلام -، فسألنا ~~الفرقة الأولى فقلنا لهم: أليس علي بن أبي طالب من أمراء السرايا؟ فقالوا: ~~بلى فقلنا للثانية: ألم يكن علي - عليه السلام - من العلماء؟ قالوا: بلى. ~~وقلنا للثالثة: أليس علي - عليه السلام - قد كان من القوام على ms080 الناس ~~بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ # فقالوا: بلى، فصار أمير المؤمنين - عليه السلام - معنيا بالآية باتفاق ~~الأمة وإجماعها، وتيقنا ذلك بإقرار المخالف لنا في إمامته - عليه السلام - ~~والموافق عليها، فوجب أن يكون # PageV00P118 # إماما بهذه الآية لوجود الاتفاق على أنه معني بها، ولم يجب العدول إلى ~~غيره والاعتراف بإمامته لوجود الاختلاف في ذلك، وعدم الاتفاق وما يقوم ~~مقامه في البرهان. # وأما السنة: فإنا وجدنا النبي (ص) استقضى عليا - عليه السلام - على اليمن ~~وأمره على الجيوش وولاه الأموال وأمره بأدائها إلى بني جذيمة الذين قتلهم ~~خالد بن الوليد ظلما واختاره - عليه السلام - لأداء رسالات الله عز وجل ~~والابلاغ عنه في سورة البراءة، واستخلفه عند غيبته على من خلف ولم نجد ~~النبي (ص) سن هذه السنن في غيره ولا اجتمعت هذه السنن في أحد بعد النبي (ص) ~~كما اجتمعت في علي - عليه السلام -، وسنة رسول الله (ص) بعد موته واجبة ~~كوجوبها في حياته، وإنما تحتاج الأمة إلى الإمام لهذه الخصال التي ذكرناها ~~فإذا وجدناها في رجل قد سنها الرسول (ص) فيه كان أولى بالإمامة ممن لم يسن ~~النبي (ص) فيه شيئا من ذلك. # وأما الاجماع فإن إمامته تثبت من جهته من وجوه: # منها أنهم قد أجمعوا جميعا على أن عليا - عليه السلام - قد كان إماما ولو ~~يوما واحدا، ولم يختلف في ذلك أصناف أهل الملة ثم اختلفوا، فقالت طائفة: ~~كان إماما في وقت كذا دون وقت كذا، وقالت طائفة: كان إماما بعد النبي (ص) ~~في جميع أوقاته ولم تجتمع الأمة على غيره أنه كان إماما في الحقيقة طرفة ~~عين، والاجماع أحق أن يتبع من الخلاف. # ومنها أنهم أجمعوا جميعا على أن عليا - عليه السلام - كان يصلح للإمامة ~~وأن الإمامة تصلح لبني هاشم، واختلفوا في غيره، وقالت طائفة: لم تكن تصلح ~~لغير علي بن أي طالب - عليه السلام -، ولا تصلح لغير بني هاشم والاجماع حق ~~لا شبهة فيه، والاختلاف لا حجة فيه. PageV00P119 # ومنها أنهم أجمعوا على أن عليا - عليه السلام - كان بعد النبي (ص) ms081 ظاهر ~~العدالة واجبة له الولاية، ثم اختلفوا فقال قوم: إنه كان مع ذلك معصوما من ~~الكبائر والضلال، وقال آخرون: لم يك معصوما ولكن كان عدلا برا تقيا على ~~الظاهر لا يشوب ظاهره الشوائب فحصل الاجماع على عدالته، واختلفوا في نفي ~~العصمة عنه، ثم أجمعوا كلهم جميعا على أن أبا بكر لم يك معصوما واختلفوا في ~~عدالته، فقالت طائفة: كان عدلا وقالت أخرى: لم يكن عدلا لأنه أخذ ما ليس ~~له، فمن أجمعوا على عدالته واختلفوا في عصمته أولى بالإمامة ممن اختلفوا في ~~عدالته وأجمعوا على نفي العصمة عنه. # فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه، وكلامه. حضر الشيخ مجلس أبي منصور ~~ابن المرزبان وكان بالحضرة جماعة من متكلمي المعتزلة فجرى كلام وخوض في ~~شجاعة الإمام، وهل ذلك شرط يجب في الإمامة أم لا يجب؟ ومضى فيه طرف على ~~سبيل المذاكرة، فقال أبو بكر بن صرايا: عندي أن أبا بكر الصديق كان من ~~شجعان العرب ومتقدميهم في الشجاعة. # فقال له الشيخ أدام الله عزه: من أين حصل ذلك عندك وبأي وجه عرفته؟ # فقال: الدليل على ذلك أنه رأى قتال أهل الردة وحده في نفر معه وخالفه على ~~رأيه في ذلك جمهور الصحابة وتقاعدوا عن نصرته، فقال: أما والله لو منعوني ~~عقالا لقاتلتهم، ولم يستوحش من اعتزال القوم له ولا ضعف ذلك نفسه ولا منعه ~~من التصميم على حربهم، فلولا أنه كان من الشجاعة على حد يقصر الشجعان عنه ~~لما أظهر هذا القول عند خذلان القوم له. PageV00P120 # فقال له الشيخ أيده الله: ما أنكرت على من قال لك إنك لم تلجأ إلى معتمد ~~عليه في هذا الباب وذلك أن الشجاعة لا تعرف بالحس لصاحبها فقط ولا ~~بإدعائها، وإنما هي شئ في الطبع يمده الاكتساب، والطريق إليها أحد أمرين: # إما الخبر عنها من جهة علام الغيوب المطلع على الضمائر فيعلم خلقه حال ~~الشجاع وإن لم يبد منه فعل يستدل به عليها، والوجه الآخر أن يظهر منه أفعال ~~يعلم بها حاله كمبارزة الأقران ومقاومة ms082 الشجعان ومنازلة الأبطال والصبر عند ~~اللقاء وترك الفرار عند تحقق القتال، ولا يعلم ذلك أيضا بأول وهلة ولا ~~بواحدة من الفعل حتى يتكرر ذلك على حد يتميز به صاحبه ممن حصل له ذلك ~~اتفاقا أو على سبيل الهوج والجهل بالتدبير. # وإذا كان الخبر من الله سبحانه وتعالى بشجاعة أبي بكر معدوما، وكان هذا ~~الفعل الدال على الشجاعة غير موجود للرجل فكيف يجوز لعاقل أن يدعي له ~~الشجاعة بقول قاله هو ليس من دلالتها في شئ عند أحد من أهل النظر والتحصيل ~~لا سيما ودلائل جبنه وهلعه وخوفه وضعفه أظهر من أن يحتاج فيها إلى التأمل. # وذلك أنه لم يبارز قط قرنا ولا قاوم بطلا ولا سفك بيده دما، وقد شهد مع ~~رسول الله (ص) مشاهده فكان لكل واحد من الصحابة أثر في الجهاد إلا له، وفر ~~في يوم أحد، وانهزم في يوم خيبر، وولى الدبر يوم التقى الجمعان، وأسلم رسول ~~الله (ص) في هذه المواطن مع ما كتب الله تعالى عليه الجهاد، فكيف تجتمع ~~دلائل الجبن ودلائل الشجاعة لرجل واحد في وقت واحد لولا أن العصبية تميل ~~بالعبد إلى الهوى. # وقال له رجل من طياب الشيعة وكان حاضرا: عافاك الله أي دليل هذا ~~PageV00P121 # وكيف يعتمد عليه وأنت تعلم أن الإنسان قد يغضب فيقول: لو سامني هذا ~~السلطان لهذا الأمر ما قبلته، وإن عندنا لشيخا ضعيف الجسم ظاهر الجبن يصلي ~~بنا في مسجدنا فلا يحدث أمر يضجره وينكره إلا قال: والله لأصبرن على هذا أو ~~لأجاهدن فيه ولو اجتمعت علي ربيعة ومضر. # فقال: ليس الدلائل على الشجاعة ما ذكرت دون غيره، والذي اعتمدنا عليه يدل ~~كما يدل العقل والخبز ووجه الدلالة منه أن أبا بكر باتفاق لم يكن مؤوف ~~العقل ولا غبيا ولا ناقصا بل كان بالاجماع من العقلاء، وكان بالاتفاق جيد ~~الآراء، فلولا أنه كان واثقا من نفسه عالما بصبره وشجاعته لما قال هذا ~~القول بحضرة المهاجرين والأنصار وهو لا يأمن أن يقوم القوم على خلافه ~~فيخذلونه ويتأخرون عنه ويعجز ms083 هو لجبنه أن لو كان الأمر على ما ادعيتموه ~~عليه، فيظهر منه الخلف في قوله وليس يقع هذا من عاقل حكيم، فلما ثبتت حكمة ~~أبي بكر دل مقاله الذي حكيناه على شجاعته كما وصفناه. # فقال له الشيخ أدام الله عزه: ليس تسليمنا لعقل أبي بكر وجودة رأيه ~~تسليما لما ادعيت من شجاعته كما رويت عنه من القول ولا يوجب ذلك في عرف ولا ~~عقل ولا سنة ولا كتاب، وذلك أنه لو كان على ما ذكرت من الحكمة فليس بممتنع ~~أن يأتي بهذا القول مع جبنه وخوفه وهلعه ليشجع أصحابه ويحض المتأخرين عنه ~~على نصرته، ويحثهم على جهاد عدوه ويقوي عزمهم على معونته، ويصرفهم عن رأيهم ~~في خذلانه. # وهكذا يصنع الحكماء في تدبيراتهم فيظهرون فن الصبر ما ليس عندهم ومن ~~الشجاعة ما ليس في طبائعهم حتى يمتحنوا الأمر وينظروا عواقبه، فإن استجاب ~~المتأخرون عنهم ونصرهم الخاذلون لهم، وكلوا الحرب إليهم وعلقوا PageV00P122 # الكلفة بهم، وإن أقاموا على الخذلان واتفقوا على ترك النصرة لهم والعدول ~~من معونتهم، أظهروا من الرأي خلاف ما سلف وقالوا: قد كانت الحال موجبة ~~للقتال وكان عزمنا على ذلك تاما، فلما رأينا أشياعنا وعامة أتباعنا يكرهون ~~ذلك، أوجبت الضرورة إعفاءهم عما يكرهون والتدبير لهم بما يؤثرون، وهذا أمر ~~قد جرت به عادة الرؤساء في كل زمان ولم يك تنقلهم من رأي إلى رأي مسقطا ~~لأقدارهم عند الأنام. # فلا ينكر أن يكون أبو بكر إنما أظهر التصميم على الحرب لحث القوم على ~~موافقته في ذلك ولم يبدلهم جزعه لئلا يزيد ذلك في فشلهم ويقوى به رأيهم، ~~واعتمد على أنهم إن صاروا إلى أمره، ونفع هذا التدبير في تمام غرضه فقد بلغ ~~المراد، وإن لم ينجع ذلك عدل عن الرأي الأول كما وصفناه من حال الرؤساء في ~~تدبيراتهم. # على أن أبا بكر لم يقسم بالله في قتال أهل الردة بنفسه، وإنما أقسم في ~~قتالهم بأنصاره الذين اتبعوه على رأيه، وليس في يمينه بالله لينفذن خالدا ~~وأصحابه ليصلوا بالحرب، دليل على شجاعته ms084 في نفسه. # وشئ آخر وهو أن أبا بكر قال هذا القول عند غضبه لمباينة القوم له ولا ~~خلاف بين ذوي العقول أن الغضبان قد يعتريه عند غضبه من هيجان الطباع ما ~~يفسد عليه رأيه حتى يقدم من القول على ما لا يفي به عند سكون نفسه ويعمل من ~~الأعمال ما يندم عليه عند زوال الغضب عنه ولا يكون في وقوع ذلك منه دليل ~~على فساد عقله ووجوب إخراجه عن جملة أهل التدبير وقد صرح الرجل بذلك في ~~خطبته المشهورة عنه التي لا يختلف فيها اثنان، وأصحابه خاصة يقولون بها ~~ويجعلونها من مفاخره حيث يقول: " إن رسول الله خرج من الدنيا وليس أحد من ~~الأمة يطالبه بضربة سوط فما فوق، وكان عليه وآله PageV00P123 # السلام معصوما عن الخطأ تأتيه الملائكة بالوحي فلا تكلفوني ما كنتم ~~تكلفونه فإن لي شيطانا يعتريني عند غضبي فإذا رأيتموني مغضبا فاجتنبوني لا ~~أؤثر في أشعاركم وأبشاركم ". # فقد أعذر هذا الرجل إلى القوم وأنذرهم فيما يأتيه عند غضبه من قول وفعل ~~ودلهم على الحال فيه، فلذلك آمن من نكير المهاجرين والأنصار عليه مقاله عند ~~غضبه، مع إحاطة العلم منهم بما لحقه في الحال من خلاف المخالفين عليه حتى ~~بعثه على ذلك المقال فلم يأت بشئ. # فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه أيضا سئل عن صلاة أبي بكر بالناس هل ~~كانت عن أمر النبي (ص) أم عن غير أمره؟ فقال: الذي صح في ذلك وثبت أن عائشة ~~قالت: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس، فكان الأمر بذلك من جهتها في ظاهر ~~الحال، وادعى المخالفون أنها إنما أمرت بذلك عن النبي (ص) ولم تثبت لهم هذه ~~الدعوى بحجة يجب قبولها. # قال الشيخ أدام الله عزه: والدليل على أن الأمر كان مختصا بعائشة دون ~~النبي (ص) قول النبي لها عند إفاقته من غشيته وقد سمع صوت أبي بكر في ~~المحراب: " إنكن لصويحبات يوسف " ومبادرته معجلا معتمدا على أمير المؤمنين ~~- عليه السلام - والفضل بن العباس ورجلاه يخطان الأرض من الضعف حتى ms085 نحى أبا ~~بكر عن المحراب، فلو كان - عليه السلام - هو الذي أمره بالصلاة لما رجع ~~باللوم على أزواجه في ذلك ولا بادر وهو على الحال التي وصفناها حتى صرفه عن ~~الصلاة، ولكان قد أقره حتى يقضي فرضه ويتم الصلاة وفي صرفه له وقوله لعائشة ~~ما PageV00P124 # ذكرناه، دليل على صحة ما وصفناه. # قال الشيخ أدام الله عزه: وقد تعلق القوم في تأويل قول النبي (ص) " إنكن ~~لصويحبات يوسف " بشئ يدل على جهلهم، فقالوا: إن لهذا القول من النبي (ص) ~~سببا معروفا وهو أنه (ص) قال: قدموا أبا بكر، فقالت عائشة: يا رسول الله إن ~~أبا بكر رجل أسيف فإن قام مقامك لم يملك العبرة فمر عمر أن يصلي بالناس. ~~فقال النبي (ص) لها عند خلافها عليه: " إنكن لصويحبات يوسف ". # وقد كان اعترض علي بهذا الكلام شيخ من مشايخ أهل الحديث واعتمده. # فقلت له: أول ما في هذا الباب أنك قد اعترفت بخلاف عائشة للنبي (ص) وردها ~~عليه أمره حتى أنكر عليها ذلك، وفي الاعتراف به شهادة منك عليها بالمعصية ~~لله عز وعلا ولرسوله وهذا أعظم مما تنكرونه على الشيعة من شهادتهم عليها ~~بالمعصية بعد النبي (ص) عند محاربتها لأمير المؤمنين - عليه السلام -. # والثاني أنه لا خلاف أن النبي (ص) كان من أحكم الحكماء وأفصح الفصحاء ولم ~~يكن يشبه الشئ بخلافه ويمثله بضده وإنما كان يضع المثل في موضعه فلا يخرم ~~مما مثله به في معناه شيئا، ونحن نعلم أن صويحبات يوسف إنما عصين الله ~~وخالفنه بأن أرادت كل واحدة منهن من يوسف - عليه السلام - ما أرادته الأخرى ~~وفتنت به كما فتنت به صاحبتها، وبذلك نطق القرآن قال الله جل وعلا: * (فلما ~~رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاشا لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ~~* قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما ~~أمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين) * (1). # فلو كانت عائشة دفعت الأمر عن أبيها ولم ترد شرف ذلك المقام له ولم # PageV00P125 # تفتتن بمحبة ms086 الرئاسة وعلو المنزلة، لكان النبي (ص) في تشبيهها بصويحبات ~~يوسف قد وضع المثل في غير موضعه وشبه الشئ بضده وخلافه ورسول الله (ص) يجل ~~عن هذه الصفة ولا يجوز عليه النقص ويرتفع عن الجهل بحقيقة الأمثلة. # وإذا كان الأمر على ما وصفناه ثبت أن التمثيل إنما وقع من النبي (ص) ~~لموضع خلاف المرأة له وتقدمها بالأمر لأبيها عليه لفتنتها بمحبة الاستطالة ~~والرغبة في حوز الفضيلة بذلك والرئاسة على ما قدمناه. # قال الشيخ أدام الله عزه: وقد قالوا أيضا في مبادرة النبي (ص) بالخروج ~~إلى المسجد وصرف أبي بكر عن الصلاة إنما كان ذلك لأن المسلمين كانوا متعلقي ~~القلوب برسول الله (ص) محزونين بتأخره عنهم فخشى - عليه السلام - أن يتأخر ~~عنهم فيختلفوا ويرجف عليه منهم المرجفون، ولم يبادر إلى ما ذكرتموه من ~~الانكار لصلاة أبي بكر بالناس. # فيقال لهم لو كان الأمر على ما وصفتموه لما نحى رسول الله بين أبا بكر عن ~~المحراب، ولأمكنه الوصول إلى غرضه مع إتمام أبي بكر للصلاة بأن كان عليه ~~وآله السلام يخرج إلى القوم عند فراغ أبي بكر من الصلاة فيشاهدونه على حال ~~الاستقلال ويسرون بلقائه ويبطل ما يتخوفونه من أراجيفهم عليه، ولا يعزل ~~الرجل عن صلاة قد أمره بإقامتها ليدل بذلك على أنه قد أحدث ما يوجب عزله أو ~~يكشف عن حال مستحقة له كانت مستورة عن الأنام، لأجلها لم يصح أن يصلي ~~بالناس أو يكون القول على ما قلناه من الله لم يكن عن أمره - عليه السلام - ~~تلك الصلاة، أو كان عليه وآله السلام لما خرج صلى خلفه كما فعل على أصولكم ~~مع عبد الرحمان لما أدركه وهو في الصلاة فلم يعزله عن المقام وصلى - عليه ~~السلام - خلفه مع المؤتمين به من الناس. PageV00P126 # وقد علم العقلاء بالعادة الجارية أن الذي يقدم إنسانا في مقام يشرف به ~~قدره ويعظم به منزلته لا يبادر بعد تقديمه بغير فصل إلى صرفه وحط تلك ~~الرتبة التي كان جعلها له إلا لحادث يحدثه أو اعتراض أمر ظاهر ms087 يرفع الشبهة ~~بظهوره من (غير ن خ) تغير حاله الموجبة لصرفه، وإن الفعل الذي وقع من النبي ~~(ص) في باب أبي بكر مع القول الذي اقترن إليه من التوبيخ لزوجته لا يكون من ~~الحكماء إلا للنكير المحض، والدلالة على استدراك ما كان يفوت من الصلاح ~~بالفعل لو لم يقع فيه ذلك البدار ومن أنكر ما وصفناه خرج من العرف ~~والعادات. # وقد زعم قوم من أهل العناد أن النبي (ص) لم يعزل أبا بكر عن الصلاة ~~بخروجه إلى المسجد وأنه كان مع ذلك على إمامته في الصلاة، قلنا لهم فكان ~~أبو بكر إماما للنبي (ص) وكان الرسول مؤتما به في الحال؟ فقالوا بأجمعهم: ~~لا. قلنا لهم: # أفكان شريكا للنبي (ص) في إمامة الصلاة حتى كانا جميعا إمامين للمسلمين ~~في تلك الصلاة؟ فقالوا أيضا: لا. قلنا لهم: أفليس لما خرج النبي (ص) كان هو ~~إمام المسلمين في تلك الصلاة وصار أبو بكر بعد أن كان إمامهم فيها مؤتما ~~كأحد الجماعة بالنبي (ص)؟ قالوا: بلى، قلنا لهم: من لا يعقل أن هذا صرف له ~~من المقام فليس يعقل شيئا على الوجوه والأسباب، وهذه الطائفة رحمك الله ~~جهال جدا وأوباش غمار، ولعل معاندا منهم لا يبالي بما قال، يرتكب القول بأن ~~أبا بكر كان باقيا على إمامته في الصلاة بعد خروج النبي (ص). # فيقال له: هذا خروج من الاجماع، ومع أنه خروج من الاجماع فما معنى ما جاء ~~به التواتر وحصل عليه الإطباق من أن رسول الله (ص) صلى بالناس ثم الاختلاف ~~في ابتدائه من حيث ابتدأ أبو بكر من القرآن أو من حيث انتهى من القرآن، ومع ~~ذلك فإذا كان أبو بكر هو الإمام للنبي (ص) في آخر صلاة صلاها PageV00P127 # - عليه السلام - فواجب أن يكون النبي (ص) معزولا عن إمامة أمته ومصروفا ~~عن النبوة لأن الله تعالى أخره في آخر أيامه عن المقام وختم بذلك عمله في ~~ملة الإسلام، وليس يشبه هذا ما يدعونه في صلاته خلف عبد الرحمان فإن ذلك ~~وإن كان ms088 أيضا ظاهر الفساد فقد صلى رسول الله (ص) بعد ذلك بالناس وأخر عبد ~~الرحمان عما كان قدمه فيه ولم يجب أن تثبت سنته بتقدمه عليه إذ أفعال رسول ~~الله (ص) ينسخ بعضها بعضا فلا تثبت السنة منها إلا بما استقر، وآخر أفعاله ~~- عليه السلام - سنة ثابتة إلى آخر الزمان. # فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه وكلامه، قال الشيخ: كان يختلف إلي ~~حدث من أولاد الأنصار ويتعلم الكلام فقال لي يوما: اجتمعت البارحة مع ~~الطبراني شيخ من الزيدية. فقال لي: أنتم يا معشر الإمامية حنبلية وأنتم ~~تستهزؤون بالحنبلية، فقلت له: وكيف ذلك؟ فقال: لأن الحنبلية تعتمد على ~~المنامات وأنتم كذلك، والحنبلية تدعي المعجزات لأكابرها وأنتم كذلك، ~~والحنبلية ترى زيارة القبور والاعتكاف عندها وأنتم كذلك فلم يكن عندي جواب ~~أرتضيه، فما الجواب؟ # قال الشيخ أدام الله عزه: فقلت له: ارجع إليه فقل له: قد عرضت ما ألقيته ~~إلي على فلان فقال لي: قل له إن كانت الإمامية حنبلية بما وصفت أيها الشيخ ~~فالمسلمون بأجمعهم حنبلية والقرآن ناطق بصحة الحنبلية وصواب مذاهب أهلها، ~~وذلك أن الله تعالى يقول: * (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر ~~كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين * قال يا بني لا تقصص رؤياك على ~~إخوتك PageV00P128 # فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين) * (1). # فأثبت الله جل اسمه المنام وجعل له تأويلا عرفه أولياؤه - عليهم السلام - ~~وأثبتته الأنبياء ودانت به خلفاؤهم وأتباعهم من المؤمنين واعتمدوه في علم ~~ما يكون وأجروه مجرى الخبر مع اليقظة وكالعيان له. # وقال سبحانه: * (ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا ~~وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا ~~نراك من المحسنين) * (2) فنبأهما - عليه السلام - بتأويله وذلك على تحقيق ~~منه لحكم المنام، وكان سؤالهما له مع جهلهما بنبوته دليلا على أن المنامات ~~حق عندهم، والتأويل لأكثرها صحيح إذا وافق معناها، وقال عز اسمه: * (وقال ~~الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ms089 وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ~~يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون * قالوا أضغاث أحلام ~~وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين) * (3) ثم فسرها يوسف - عليه السلام - وكان ~~الأمر كما قال. # وقال تعالى في قصة إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام -: * (فلما بلغ معه ~~السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت ~~افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) * (4) فأثبتا - عليهما ~~السلام - الرؤيا وأوجبا الحكم ولم يقل إسماعيل لأبيه - عليه السلام - يا ~~أبت لا تسفك دمي برؤيا رأيتها فإن الرؤيا قد تكون من حديث النفس وأخلاط ~~البدن وغلبة الطباع بعضها على بعض كما ذهبت إليه المعتزلة. # PageV00P129 # فقول الإمامية في هذا الباب ما نطق به القرآن، وقول هذا الشيخ هو قول ~~الملأ من أصحاب الملك حيث قالوا: * (أضغاث أحلام) * ومع ذلك فإنا لسنا نثبت ~~الأحكام الدينية من جهة المنامات وإنما نثبت من تأويلها ما جاء الأثر به عن ~~ورثة الأنبياء - عليهم السلام -. # فأما قولنا في المعجزات فهو كما قال الله تعالى: * (وأوحينا إلى أم موسى ~~أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه ~~إليك وجاعلوه من المرسلين) * (1). # فضمن هذا القول تصحيح المنام إذ كان الوحي إليها في المنام، وضمن المعجز ~~لها لعلمها بما كان قبل كونه. # وقال سبحانه في قصة مريم - عليها السلام -: * (فأشارت إليه قالوا كيف ~~نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * ~~وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) * (2). فكان ~~نطق المسيح - عليه السلام - معجزا لمريم - عليها السلام - إذ كان شاهدا ~~ببراءة ساحتها. وأم موسى - عليه السلام - ومريم لم تكونا نبيين ولا مرسلين ~~ولكنهما كانتا من عباد الله الصالحين. # فعلى مذهب هذا الشيخ كتاب الله يصحح الحنبلية. # وأما زيارة القبور فقد أجمع المسلمون على وجوب زيارة رسول الله (ص) حتى ~~رووا من حج ولم يزره متعمدا فقد جفاه (ص) وثلم حجه بذلك الفعل، وقد ms090 قال ~~رسول الله (ص): " من سلم علي من عند قبري سمعته ومن سلم علي من بعيد بلغته ~~سلام الله عليه ورحمته وبركاته " وقال (ص) للحسن - عليه السلام -: " من ~~زارك بعد موتك أو زار أباك أو زار أخاك فله الجنة ". # PageV00P130 # وقال أيضا في حديث له أوله مشروح في غير هذا الكتاب: " تزوركم طائفة من ~~أمتي تريد به بري وصلتي فإذا كان يوم القيامة زرتها في الموقف فأخذت ~~بأعضادها فأنجيتها من أهواله وشدائده "، ولا خلاف بين الأمة أن رسول الله ~~(ص) لما فرغ من حجة الوداع لاذ بقبر قد درس فقعد عنده طويلا ثم استعبر فقيل ~~له يا رسول الله ما هذا القبر؟ فقال: هذا قبر أمي آمنة بنت وهب سألت الله ~~في زيارتها فأذن لي. # وقال (ص): " قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها وكنت نهيتكم عن ~~ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروها ". # وقد كان أمر في حياته (ص) بزيارة قبر حمزة - عليه السلام - وكان يلم به ~~وبالشهداء، ولم تزل فاطمة - عليها السلام - بعد وفاته (ص) تغدو إلى قبره ~~وتروح والمسلمون يثابرون على زيارته وملازمة قبره (ص) فإن كان ما يذهب إليه ~~الإمامية من زيارة مشاهد الأئمة - عليهم السلام - حنبلية وسخفا من الفعل، ~~فالإسلام مبني على الحنبلية ورأس الحنبلية رسول الله (ص)، وهذا قول متهافت ~~جدا يدل على قلة دين قائله وضعف رأيه وبصيرته. # ثم قلت له: يجب أن تعلم أن الذي حكيت عنه قد حرف القول وقبحه ولم يأت به ~~على وجهه، والذي نذهب إليه في الرؤيا أنها على أضرب. فضرب منه يبشر الله به ~~عباده ويحذرهم وضرب تهويل من الشيطان وكذب يخطر ببال النائم، وضرب من غلبة ~~الطباع بعضها على بعض، ولسنا نعتمد على المنامات كما حكاه لكننا نأنس بما ~~نبشر به، ونتخوف مما نحذر منها ومن وصل إليه شئ من علمها عن ورثة الأنبياء ~~- عليهم السلام - ميز بين حق تأويلها وباطله ومتى لم يصل إليه شئ من ذلك ~~كان على الرجاء والخوف. # وهذا يسقط ما لعله سيتعلق به ms091 في منامات الأنبياء - عليهم السلام - من ~~أنها وحي PageV00P131 # لأن تلك مقطوع بصحتها وهذه مشكوك فيها مع أن منها أشياء قد اتفق ذوو ~~العادات على معرفة تأويلها حتى لم يختلفوا فيه ووجدوه حسنا. # وهذا الشيخ لم يقصد بكلامه الإمامية ولكنه قصد الأمة ونصر البراهمة ~~والملحدة، مع أني أعجب من هذه الحكاية عنه وأنا أعرفه يميل إلى مذهب أبي ~~هاشم ويعظمه ويختاره، وأبو هاشم يقول في كتابه " المسألة في الإمامة ": إن ~~أبا بكر رأى في المنام كأن عليه ثوبا جديدا عليه رقمان ففسره على النبي (ص) ~~فقال له إن صدقت رؤياك تبشر بخير (فستخبر بولد ن خ) وتلي الخلافة سنتين، ~~فلم يرض شيخه أبو هاشم أن أثبت المنامات حتى أوجب بها الخلافة وجعلها دلالة ~~على الإمامة فيجب على قول هذا الشيخ الزيدي عند نفسه أن يكون أبو هاشم رئيس ~~المعتزلة عنده حنبليا بل يكون عنده أبو بكر حنبليا بل رسول الله (ص) لأنه ~~صحح المنام وأوجب به الأحكام، وهذا من بهرج المقال. # فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه أيضا وكلامه، قال أيده الله: حضرت ~~بمجمع لقوم من الرؤساء وكان فيهم شيخ من أهل الري معتزلي يعظمونه لمحل سلفه ~~وتعلقه بالدولة فسئلت عن شئ من الفقه فأفتيت فيه على المأثور عن الأئمة - ~~عليهم السلام -. # فقال ذلك الشيخ. هذه الفتيا تخالف الاجماع. # فقلت له: إجماع من تعني عافاك الله؟ # فقال: إجماع الفقهاء المعروفين بالفتيا في الحلال والحرام من فقهاء ~~الأمصار فقلت له: هذا أيضا مجمل من القول، فهل يدخل آل محمد - عليهم السلام ~~- في PageV00P132 # جملة هؤلاء الفقهاء أم تخرجهم عن الاجماع؟ # فقال: بل أجعلهم في صدر الفقهاء ولو صح عنهم ما تروونه لما خالفناه. # فقلت له: هذا مذهب لا أعرفه لك ولا لمن أومأت إليه ممن جعلتهم الفقهاء ~~لأن القوم بأجمعهم يرون الخلاف على أمير المؤمنين - عليه السلام - وهو سيد ~~أهل البيت - عليهم السلام - في كثير مما قد صح عنه من الأحكام فكيف ~~تستوحشون من خلاف ذريته - عليهم السلام - وتوجبون على أنفسكم قبول ms092 قولهم ~~على كل حال؟ # فقال: معاذ الله ما نذهب إلى هذا ولا يذهب إليه أحد من الفقهاء، وهذه ~~شناعة منك على القوم بحضرة هؤلاء الرؤساء. # - فقلت له: لم أحك إلا ما أقيم عليه البرهان ولا ذكرت إلا معروفا لا يمكن ~~أحدا من أهل العلم دفعي عنه لما هو عليه من الاشتهار لكنك أنت تريد أن ~~تتجمل بضد مذهبك عند هؤلاء الرؤساء، ثم أقبلت على القوم فقلت: لا خلاف عند ~~شيوخ هذا الرجل وأئمته وفقهائه وساداته أن أمير المؤمنين - عليه السلام - ~~قد يجوز عليه الخطأ في شئ يصيب فيه عمرو بن العاص زيادة على ما حكيت عنه من ~~المقال فاستعظم القوم ذلك وأظهروا البراءة من معتقديه وأنكره هو وزاد في ~~الانكار فقلت له: أليس من مذهبك ومذهب هؤلاء الفقهاء أن عليا - عليه السلام ~~- لم يكن معصوما كعصمة النبي (ص)؟ قال: بلى. قلت: فلم لا يجوز عليه الخطأ ~~في شئ من الأحكام؟ فسكت. # ثم قلت له: أليس عندكم أن أمير المؤمنين - عليه السلام - قد كان يجتهد ~~برأيه في كثير من الأحكام وأن عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري والمغيرة بن ~~شعبة كانوا من أهل الاجتهاد؟ قال: بلى. قلت له: ما الذي يمنع من إصابة ~~هؤلاء القوم ما يذهب على أمير المؤمنين - عليه السلام - من جهة الاجتهاد مع ~~ارتفاع العصمة عنه وكون هؤلاء القوم من أهل الاجتهاد؟. فقال: ليس يمنع من ~~ذلك مانع. فقلت له: PageV00P133 # فقد أقررت ما أنكرت الآن، ومع هذا أفليس من أصلك أن كل أحد بعد النبي (ص) ~~يؤخذ من قوله ويترك إلا ما انعقد عليه الاجماع؟ قال: بلى. قلت: أفليس هذا ~~يسوغكم الخلاف على أمير المؤمنين - عليه السلام - في كثير من أحكامه التي ~~لم يقع عليها الاجماع؟ # وبعد فليست بي حاجة إلى هذا التعسف ولا أنا مفتقر فيما حكيت إلى هذا ~~الاستدلال لأنه لا أحد من الفقهاء إلا وقد خالف أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - في بعض أحكامه ورغب منها إلى غيره، وليس فيهم أحد وافقه في جميع ~~ما حكم ms093 فيه - عليه السلام - من الحلال والحرام. # وإني لأعجب من إنكارك لما ذكرت وصاحبك الشافعي يخالف أمير ا لمؤمنين - ~~عليه السلام - في الميراث وا لمكاتب ويذهب إلى قول زيد فيهما. # ويروي عنه - عليه السلام - أنه كان لا يرى الوضوء من مس الذكر ويقول هو ~~إن الوضوء منه واجب، وإن عليا - عليه السلام - خالف الحكم فيه بضرب من ~~الرأي. # وحكى الربيع عنه في كتابه المشهور عنه أنه قال: لا بأس بصلاة الجمعة ~~والعيدين خلف كل أمين وغير مأمون ومتغلب، صلى علي بالناس وعثمان محصور، ~~فجعل الدلالة على جواز الصلاة خلف المتغلب على أمر الأمة صلاة الناس خلف ~~علي - عليه السلام - في زمن حصر عثمان، فصرح بأن عليا - عليه السلام - كان ~~متغلبا، ولا خلاف أن المتغلب على أمر الأمة فاسق ضال، وقال لا بأس بالصلاة ~~خلف الخوارج لأنهم متأولون وإن كانوا فاسقين، فمن يكون هذا مذهبه ومقالة ~~إمامه وفقيهه، يزعم معه أنه لو صح له عن أمير المؤمنين - عليه السلام - شئ ~~أو عن ذريته الطاهرين - عليهم السلام - لدان به لولا أن الذاهب إلى هذا ~~يريد التلبيس. # وليس في فقهاء الأمصار سوى الشافعي إلا وقد شارك الشافعي في الطعن ~~PageV00P134 # على أمير المؤمنين - عليه السلام - وتزييف كثير من قوله والرد عليه في ~~أحكامه حتى إنهم يصرحون بأن الذي يذكره أمير المؤمنين - عليه السلام - في ~~الأحكام معتبر فإن أسنده إلى النبي (ص) قبلوه منه على ظاهر العدالة كما ~~يقبلون من أبي موسى الأشعري وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة مما يسنده إلى ~~النبي (ص)، بل كما يقبلون من حمال في السوق على ظاهر العدالة ما يرويه ~~مسندا إلى النبي (ص) وأما ما قاله أمير المؤمنين - عليه السلام - من غير ~~إسناد له إلى الرسول (ص) كان موقوفا على صبرهم ونظرهم واجتهادهم فإن وضح ~~لهم صوابه فيه قالوا به من حيث النظر لا من حيث حكمه به وقوله. وإن عثروا ~~على خطأ فيه اجتنبوه وردوا عليه وعلى من اتبعه فيه. # فزعموا أن آراءهم هي المعيار على قوله - عليه السلام ms094 -. وهذا، لا يذهب ~~إليه من وجد في صدره جز من مودته صلوات الله عليه وسلامه وحقه الواجب له - ~~عليه السلام - وتعظيمه الذي فرضه الله عز وجل ورسوله، بل لا يذهب إلى هذا ~~القول إلا من رد على رسول الله (ص): " علي مع الحق والحق مع علي يدور معه ~~حيثما دار " وقوله: " أنا مدينة العلم وعلي بابها "، وقوله: " علي أقضاكم " ~~وقول أمير المؤمنين - عليه السلام -: " ضرب رسول الله (ص) بيده على صدري ~~وقال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه فما شككت في قضاء بين اثنين ". فلما ورد ~~عليه هذا الكلام تحير وقال: هذه شناعات على الفقهاء والقوم لهم حجج على ما ~~حكيت عنهم. # فقال له بعض الحاضرين: نحن نبرأ إلى الله من هذا المقال ومن كل دائن به، ~~وقال له أخ إن كان مع القوم حجج على ما حكاه الشيخ فهي حجج على إبطال ما ~~ادعيت أولا من ضد هذه الحكاية، ونحن نعيذك بالله من أن تذهب إلى هذا القول ~~فإن كل شئ تظنه حجة عليه فهو كالحجة في إبطال نبوة النبي فسكت مستحيا مما ~~جرى وتفرق الجمع. PageV00P135 # فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في تفسير القرآن، سئل عن قوله تعالى: # * (علمت نفس ما قدمت وأخرت) * (1) وعن قوله تعالى: * (ينبأ الإنسان يومئذ ~~بما قدم وأخر) * (2)، وقيل له ما هو المقدم هاهنا والمؤخر؟ # فقال: أما ما قدمه الإنسان فهو ما عمله في حياته مما لم يكن له أثر بعد ~~وفاته، وأما الذي أخره فهو ما سنه في حياته فاقتدى به بعد وفاته. # وهذا مبين في قول النبي (ص): " من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة ". # وقد قال سبحانه: * (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) * (3) يريد به ~~عقاب إضلالهم لمن أضلوه من الناس، والأصل في هذا تعاظم العقاب عليهم بما ~~يفعل من القبيح في الاقتداء بهم، وتعاظم الثواب لهم بما يصنع من الجميل ms095 ~~بالاتباع لسنتهم الحسنة في الناس. # PageV00P136 # فصل وسئل الشيخ أدام الله عزه عن قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) * (1) فقيل له: فيمن نزلت هذه الآية؟ فقال: ~~في أمير المؤمنين - عليه السلام - وجرى حكمها في الأئمة من ذريته الصادقين ~~- عليهم السلام -. # قال الشيخ أدام الله عزه: وقد جاءت آثار كثيرة في ذلك، ومما يدل على صحة ~~هذا التأويل ما أنا أذكره بمشيئة الله وعونه. قد ثبت أن الله سبحانه دعا ~~المؤمنين في هذه الآية إلى اتباع الصادقين والكون معهم فيما يقتضيه الدين، ~~وثبت أن المنادى به يجب أن يكون غير المنادى إليه لاستحالة أن يدعى الإنسان ~~إلى الكون مع نفسه واتباعها. # فلا يخلو أن يكون الصادقون الذين دعا الله تعالى إليهم جميع من صدق وكان ~~صادقا حتى يعمهم اللفظ ويستغرق جنسهم أو يكونوا بعض الصادقين، وقد تقدم ~~إفسادنا لمقال من زعم أنه عم الصادقين لأن كل مؤمن فهو صادق بإيمانه فكان ~~يجب بذلك أن يكون الدعاء للإنسان إلى اتباع نفسه وذلك محال على ما ذكرناه. # وإن كانوا بعض المؤمنين دون بعض فلا يخلو من أن يكونوا معهودين معروفين ~~فتكون الألف واللام إنما دخلا للمعهود أو يكونوا غير معهودين، فإن كانوا ~~معهودين فيجب أن يكونوا معروفين غير مختلف فيهم، وتأتي الروايات بأسمائهم ~~والإشارة إليهم خاصة وأنهم طائفة معروفة عند من سمع الخطاب من # PageV00P137 # الرسول (ص)، وفي عدم ذلك دليل على بطلان مقال من ادعى أن هذه الآية نزلت ~~في جماعة غير من ذكرناه كانوا معهودين. # وإن كانوا غير معهودين فلا بد من الدلالة عليهم ليتميزوا ممن يدعي مقامهم ~~وإلا بطلت الحجة لهم وسقط تكليف اتباعهم، وإذا ثبت أنه لا بد من الدليل ~~عليهم ولم يدع أحد من الفرق دلالة على غير من ذكرناه، ثبت أنها فيهم خاصة ~~لفساد خلو الأمة كلها من تأويلها وعدم أن يكون القصد إلى أحد منهم بها. # على أن الدليل قائم على أنها فيمن ذكرناه لأن الأمر ورد باتباعهم على ~~الاطلاق وذلك يوجب عصمتهم ms096 وبراءة ساحتهم والأمان من زللهم بدلالة إطلاق ~~الأمر باتباعهم، والعصمة توجب النص على صاحبها بلا ارتياب، وإذا اتفق ~~مخالفونا على نفي العصمة والنص عمن ادعوا له تأويل هذه الآية، فقد ثبت أنها ~~في الأئمة - عليهم السلام - لوجود النقل بالنص عليهم وإلا خرج الحق عن أمة ~~محمد (ص) وذلك فاسد. # مع أن في القرآن دليلا على ما ذكرناه وهو أن الله سبحانه قال: * (ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله. واليوم ~~الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأساء ~~أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) * (1) فجمع الله تبارك اسمه وتعالى ~~هذه الخصال كلها ثم شهد لمن # PageV00P138 # كملت فيه بالصدق والتقى على الاطلاق، فكان مفهوم معنى الآيتين الأولى ~~وهذه الثانية أن اتبعوا الصادقين الذين باجتماع هذه الخصال التي عددناها ~~فيهم، استحقوا إطلاق الاسم بصادقين. # ولم نجد أحدا من أصحاب رسول الله (ص) اجتمعت فيه هذه الخصال إلا أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - فوجب أنه الذي عناه الله سبحانه ~~بالآية وأمر فيها باتباعه والكون معه فيما يقتضيه الدين، وذلك أنه ذكر ~~الإيمان به جل اسمه وتعالى واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، فكان ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - أول الناس إيمانا به وبما وصف بالأخبار ~~المتواترة بأنه أول من أجاب رسول الله (ص) من الذكور وبقول النبي لفاطمة - ~~عليها السلام -: " زوجتك أقدمهم سلما وأكثرهم علما ". # وقول أمير المؤمنين - عليه السلام -: " أنا عبد الله وأخو رسوله لم يقلها ~~أحد قبلي ولا يقولها أحد بعدي إلا كذاب مفتر صليت قبلهم سبع سنين "، وقوله ~~- عليه السلام -: " اللهم إني لا أقر لأحد من هذه الأمة عبدك قبلي "، وقوله ~~- عليه السلام - وقد بلغه من الخوارج مقالا أنكره، " لا أم يقولون إن عليا ~~يكذب أفعلى من أكذب أعلى الله فأنا أول من عبده أم على رسول الله (ص) فأنا ms097 ~~أول من آمن به وصدقه ونصره " وقول الحسن - عليه السلام - صبيحة الليلة التي ~~قبض فيها أمير المؤمنين - عليه السلام -: " لقد قبض في الليلة رجل ما سبقه ~~الأولون بعمل ولا بدركه الآخرون " في أدلة يطول شرحها على ذلك. # ثم أردف الوصف الذي تقدم، بإيتاء المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ووجدنا ذلك PageV00P139 # لأمير المؤمنين - عليه السلام - بالتنزيل وتواتر الأخبار به على التفصيل. # قال الله عز وجل: * (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) * (1) ~~واتفقت الرواة من الفريقين الخاصة والعامة على أن هذه الآية بل السورة كلها ~~نزلت في أمير المؤمنين وزوجته فاطمة وابنيه - عليهم السلام -، وقال سبحانه: ~~* (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * (2). # وجاءت الرواية أيضا مستفيضة بأن المعني بهذا أمير المؤمنين - عليه السلام ~~- ولا خلاف أنه أعتق من كد يده جماعة لا يحصون كثرة ووقف أراضي كثيرة وعينا ~~استخرجها - عليه السلام - وأحياها بعد موتها فانتظم الصفات على ما ذكرناه. # ثم أردف ذلك قوله: * (وأقام الصلاة وآتى الزكاة) *. وكان هو المعني بها - ~~عليه السلام - بدلالة قوله: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * (3) واتفق أهل النقل على أنه ~~صلوات الله عليه المزكي في حال ركوعه في الصلاة فطابق هذا الوصف وصفه في ~~الآية المتقدمة وشاركه في معناها. # ثم أعقب ذلك قوله: * (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) * وليس أحد من الصحابة ~~إلا من نقض العهد في الظاهر أو تقول ذلك عليه إلا أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - فإنه لا يمكن لأحد أن يزعم أنه نقض ما عاهد عليه رسول الله (ص) من ~~النصرة والمساواة فاختص أيضا بهذا الوصف. # PageV00P140 # ثم قال سبحانه: * (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس) * ولم يوجد ~~أحد صبر مع رسول الله (ص) عند الشدائد غير أمير المؤمنين - عليه السلام - ~~فإنه باتفاق وليه وعدوه لم يول دبرا ولا فر من قرن ولا هاب في الحرب خصما. # فلما استكمل - عليه ms098 السلام - هذه الخصال بأسرها قال سبحانه: * (أولئك ~~الذين صدقوا) * يعني به أن المدعو إلى اتباعه من جملة الصادقين، هو من دل ~~على اجتماع الخصال فيه وذلك أمير المؤمنين - عليه السلام -، وإنما عبر عنه ~~بحرف الجمع تعظيما له وتشريفا، إذ العرب تضع لفظ الجمع على الواحد إذا ~~أرادت أن تدل على نباهته وعلو قدره وشرف محله، وإن كان قد يستعمل فيمن لا ~~يراد له ذلك إذا كان الخطاب يتوجه إليه ويعم غيره بالحكم. ولو جعلنا المعنى ~~في لفظ الجمع بالعبارة عن أمير المؤمنين - عليه السلام - لكان لذلك وجها ~~لأنه وإن خص بالذكر فإن الحكم جار فيمن يليه من أئمة الهدى - عليهم السلام ~~- على ما قد شرحناه. وهذا بين والله نسأل توفيقا نصل به إلى الرشاد بمنه. # فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في توبة طلحة والزبير على ما تدعيه ~~المعتزلة من ذلك، قال الشيخ أدام الله عزه: أما طلحة فقتل بين الصفين وهو ~~مصمم على الحرب، وهذه حال ظاهرها الإقامة على الفسق، ومن ادعى باطنا غيرها ~~فقد ادعى علم غيب لا يجب قبوله منه إلا ببرهان ولا برهان على ذلك، مع أن ~~الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أمير المؤمنين - عليه السلام - أنه مر به وهو ~~قتيل فقال لأصحابه: # أجلسوا طلحة فأجلسوه فقال: هل وجدت ما وعدك ربك حقا فقد وجدت ما وعدني ~~ربي حقا، ثم قال: أضجعوا طلحة وقال في موضع آخر وقد مر به: لقد كان ~~PageV00P141 # لك برسول الله صحبة لكن الشيطان دخل منخريك فأوردك النار. # وكتب - عليه السلام - إلى عماله في الآفاق بالفتح وكان فيه. " إن الله ~~تعالى قتل طلحة والزبير على بغيهما وشقاقهما ونكثهما وهزم جمعهما ورد عائشة ~~خاسرة " في كلام طويل، ولو كان الرجل تائبا لما قال هذا القول فيه أمير ~~المؤمنين - عليه السلام -، مع أنا إن جوزنا توبة طلحة مع الحال التي ~~وصفناها ووجب علينا الشك في أمره والانتقال عن ظاهر حاله، وجب أن يشك في كل ~~فاسق وكافر ظهر لنا ضلاله ولم يظهر منه ms099 ندمه بل كان على ظاهر الضلال إلى ~~وقت خروجه من الدنيا، وهذا فاسد. وقد استقصيت القول في هذا الباب في كتابي ~~المعروف بالمسألة الكافية. # وأما الزبير فقتل وهو منهزم من غير إظهار ندم ولا إقلاع ولا توبة، ولو ~~كان انصرافه للندم والتوبة لكان يصير إلى أمير المؤمنين - عليه السلام - ~~ويكون مصير إلى حيزه ويظهر نصرته ومعونته كما جرد في حربه وعداوته، ولو جاز ~~أن يقطع على توبته ويجب علينا ولايته مع ما وصفناه، لوجب على المسلمين أن ~~يقطعوا على توبة كل منهزم عن الرسول (ص) وإن لم يصيروا إلى حيزه ولا أظهروا ~~الاقرار بنبوته، وقد تعلق القوم في باب الزبير بقولين رويا عن أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - أما أحدهما: فإنهم ذكروا أن الزبير رجع عن الحرب ~~بعد أن ذكره أمير المؤمنين - عليه السلام - كلام رسول الله (ص) فقال له عبد ~~الله ابنه: يا أبت تتركنا في مثل هذا المقام وتنصرف عنا في مثل هذه الحال. ~~فقال له: يا بني إن عليا ذكرني أمرا أنسانيه الدهر، فقال له عبد الله: لا ~~ولكنك فررت من سيف ابن أبي طالب، فقالوا: فرجع الزبير عند ذلك كارا على ~~أصحاب أمير المؤمنين - عليه السلام - فقال أمير المؤمنين: أفرجوا للشيخ ~~فإنه محرج. قالوا: فلما شهد له أمير المؤمنين - عليه السلام - بذلك وكف ~~أصحابه عن قتله دل على ندمه وتوبته. PageV00P142 # والقول الآخر زعموا أن ابن جرموز لما جاء برأس الزبير وبسيفه إلى أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - قال له: سمعت رسول الله (ص) يقول: بشر قاتل ابن ~~صفية بالنار قالوا: فلو لم يكن الزبير تائبا لما كان قاتله ضالا من أهل ~~النار ولو لم يكن من أهل الجنة لما كان قاتله من أهل النار قال الشيخ أدام ~~الله عزه: فيقال لهم: إن كان رجوع الزبير عند أذكار أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - توبة توجب مدحه فالإنصاف يوجب أن رجوعه عند تحريض ابنه له نقض ~~للتوبة وإصرار يوجب ذمه، بل رجوعه إلى القتال على الوجه الذي روي أسوأ ~~الحالة لأنه ms100 يدل على عناده بارتفاع الشبهة عنه في فسقه به وضلاله، ولأنه ~~ترك الديانة للحمية والعصبية والأنفة ومحبة الرياسة، وهذا بخلاف ما ~~ظننتموه. # أما قول أمير المؤمنين - عليه السلام -: " أفرجوا للشيخ فإنه محرج " فإنه ~~متى صح كان على الاستهزاء والذم لأنه لا يجوز أن يأمر - عليه السلام - ~~أصحابه بالتمكين لعدوه من حربه ولا يجيز لهم تسويغه إظهار خلافه، ولأن ~~الحرج لا يدعو إلى الفسق ولا يبعث على خلاف الحق، مع أن الذي كان من ابن ~~الزبير غير محرج لأهل الإيمان إلى إظهار الضلال ولا ملجئ لأحد من الخلق إلى ~~ارتكاب المعاصي والطغيان، فعلم أن قول أمير المؤمنين - عليه السلام - متى ~~صح عنه صلوات الله عليه وسلامه خرج مخرج قوله سبحانه: * (ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم) * (1)، وقوله تعالى: * (انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا) * (2)، ~~وقوله سبحانه: * (فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شئ) * ~~(3)، ونظائر ذلك من آي القرآن. # PageV00P143 # وأما ترك أمير المؤمنين - عليه السلام - الأمر لأصحابه بقتل الزبير ~~وقتاله فذلك من تفضله ومنه عليه، وهو كقول رسول الله (ص) في المن على أهل ~~مكة وأمانهم فليس في العفو عن الجاني، وترك التعجيل لعقوبته دلالة على ~~الرضا بفعاله، بل هو دليل التفضل والصفح للتآلف والاستصلاح. # وأما تعلقهم بما رووا عن أمير المؤمنين - عليه السلام - من قوله لابن ~~جرموز حين جاء برأس الزبير، بشر قاتل ابن صفية بالنار، وأن ذلك يوجب للزبير ~~الجنة ويدل على أنه من أهل الإيمان فأول ما في هذا الباب أنه ليس كل من وجب ~~عليه النار بقتل نفس دل على أن النفس من أهل الجنة لأن قتل المعاهد يوجب ~~النار وإن كان المقتول في النار وقتل الغيلة يوجب النار وإن كان المقتول في ~~النار، وقتل الكافر لشفاء الغيظ دون الديانة أو للرياء والسمعة أو للقربة ~~إلى المخلوقين أو للعبث أو لجعله علامة لفجور أو لقتل مؤمن كل ذلك يوجب ~~لفاعله النار وإن كان المقتول في النار، وكذلك قتل الكافر الكافر يوجب ~~النار وإن كان ms101 الكافر من أهل النار. # على أن قصة ابن جرموز في قتل الزبير والمعنى الذي وجب له به النار معروف ~~عند من سمع الأخبار غير مختلف فيه بين نقلة السير والآثار، وذلك أن ابن ~~جرموز كان يوم الجمل مع عائشة في نفر من بني سعد فقتل من أصحاب أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - جماعة فلما رأى الدائرة على أصحاب الجمل لحق ~~بالأحنف بن قيس وهو بالجلحاء على فرسخين من البصرة معتزلا للقتال، فجاء رجل ~~إلى الأحنف فأسر إليه أن الزبير بوادي السباع متوجها إلى المدينة مستخفيا ~~من الناس، فقال الأحنف رافعا صوته: ما عسيت أن أصنع بالزبير إن كان بوادي ~~السباع. وقد جاء فقتل الناس بعضهم ببعض وفتنهم ثم انطلق سالما إلى المدينة. ~~PageV00P144 # فعلم القوم أنه إنما رفع صوته ليعلمهم بذلك وأنه يعجبه قتله، فقام ابن ~~جرموز ومعه رجلان من بني عوف بن سعد أحدهما فضالة بن حابس والآخر جميع بن ~~عمير فركبوا خيولهم فأدركوه وقد توجه منطلقا ركض فرسه فسبقهم إليه عمرو بن ~~جرموز فحذره (فحدقه ن خ) الزبير وجعل يتحذر منه فقال له عمرو: لا بأس عليك ~~فإنما أنا منطلق في طريقي ومصاحبك، فأمنه الزبير عند ذلك واطمأن إليه ~~فاغتفله حتى إذا شغل عنه طعنه بالرمح فقتله ثم نزل فاحتز رأسه فأتى به ~~الأحنف ثم انحدر به إلى أمير المؤمنين - عليه السلام - متقربا به إليه ~~صلوات الله عليه يريد الخروج بذلك عما صنع في قتاله وقتل أصحابه، ولم يك ~~قتله له تدينا ولا على بصيرة من أمره وكان ذلك معلوما لأمير المؤمنين - ~~عليه السلام - بما أنبأه به الرسول (ص) فلأجل ذلك خبر بأنه من أهل النار. # مع أنه قد استحق النار بأمانه وقتله له بعد الأمان ثم باغتياله أيضا. مع ~~أن ابن جرموز خرج على أمير المؤمنين - عليه السلام - مع الخوارج وكان آخذا ~~برايتهم فقتله الله على يد أمير المؤمنين - عليه السلام - وأورده بقتله ~~إياه النار فكان الخبر الذي رووه خبرا عن عاقبته لئلا يلتبس أمره بقتل ~~الزبير فيظن أن ms102 ذلك عاصم له عن استحقاق العقاب. # وقد أطبق أهل النقل على مثل القول الذي روي عن أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - في ابن جرموز عند مجيئه برأس الزبير عن النبي (ص) في رجل من ~~الأنصار قتل جماعة من المشركين في يوم أحد وأبلى بلاء حسنا فبشره رسول الله ~~(ص) بالنار فرووا أن رجلا من الأنصار كان يقال له قزمان قاتل في يوم أحد ~~قتالا شديدا حتى قتل ستة نفر من المشركين أو سبعة فأثبته الجراح فاحتمل إلى ~~بيته وجاء المسلمون إلى رسول (ص) فأخبروه بخبره، وذكروه عنده بحسن معونته ~~PageV00P145 # وزكوه ومدحوه فقال رسول الله (ص): إنه من أهل النار فأتى النبي (ص) بعد ~~ذلك فقيل له: يا رسول الله إن قزمان قد استشهد فقال (ص) يفعل الله ما يشاء ~~ثم أتى فقيل: يا رسول الله إنه قتل نفسه، فقال: اشهدوا أني رسول الله. ~~وذكروا أنه لما احتمل وبه الجراح نزل في دور بني ظفر فقال له المسلمون: ~~أبشر فقد أبليت اليوم، فقال: بم تبشروني فوالله ما قاتلت إلا على أحساب ~~قومي ولولا ذلك ما قاتلت، فلما اشتد به ألم الجراح حبا إلى كنانته فأخذ ~~منها مشقصا فقتل نفسه. # فإذا كان الأمر على ما شرحناه وكان رسول الله (ص) قد قطع بالنار على رجل ~~جاهد في الظاهر لمعونة الإسلام وقتل جماعة من المشركين ثم شهد عليه بالعقاب ~~عند إخبار المسلمين له ببلائه وعظم نكايته في الكفار وحسن معونته لما علم ~~من عاقبة أمره ومآله إلى الفعل الذي يستحق به النار مخافة أن يشتبه أمره ~~على أهل الإسلام فيعتقدوا فيه الإيمان مع قتله نفسه بما سلف له من الجهاد ~~أو يشكوا في استحقاقه العقاب، لم ينكر أن يكون أمير المؤمنين - عليه السلام ~~- بشر ابن جرموز بالنار عند مجيئه برأس الزبير لعاقبة أمره والعلم منه ~~بضميره الذي يستحق به العقاب وما سبق له من العلم فيه بحصوله على الخارجية ~~في العقد، وقتاله الذي كان منه يوم النهروان مخافة أن يشتبه أمره فيما يصير ~~إليه ms103 على أحد من أهل الإيمان كما وصفناه وبيناه. # ولا يدل ذلك منه - عليه السلام - على استحقاق الزبير الجنان ولا على ~~توبته من الضلال ولا على عدم استحقاقه النار كما لم يدل ذلك من رسول الله ~~(ص) على استحقاق من قتل قزمان من الكفار الجنان ولا على توبتهم من الشرك ~~وانتقالهم إلى الإسلام، ولا على عدم استحقاقهم العقاب، وهذا بين لمن تدبره. # ووجه آخر وهو أن بعض الشيعة قال إن ابن جرموز إنما استحق النار ~~PageV00P146 # لخلافه على الإمام العادل - عليه السلام - في قتل الزبير بن العوام وذلك ~~أن أمير المؤمنين - عليه السلام - نادى يوم البصرة ألا لا تتبعوا مدبرا ولا ~~تجهزوا على جريح ولكم ما حوى عسكرهم من الكراع والسلاح، فخالفه ابن جرموز ~~واتبع الزبير فكان في ذلك مخالفا للإمام وعاصيا له في أفعاله فاستحق النار ~~لما ارتكبه من ضلاله ولم يجب بذلك أن يكون الزبير من أهل الجنة لأنه لا ~~تعلق لاستحقاقه الثواب باستحقاق هذا المخالف لإمامه العقاب، وهذا وجه لا ~~بأس بالتعلق به بل هو واضح معتمد. # سؤال - قال الشيخ أدام الله عزه: فإن قال قائل ما أنكرتم أن يكون إخبار ~~النبي (ص) باستحقاق قاتل الزبير النار يدل على استحقاق الزبير الجنان ويوجب ~~أن قاتله إنما استحق النار من أجل أن المقتول من أهل الجنة لا لشئ من ~~الأسباب التي ذكرتموها وإلا فمتى ما كان الأمر على ما ادعيتموه دون ما ~~ذكرناه، بطل معنى قول النبي (ص) لأنه قد نبه باستحقاق القاتل النار على ~~استحقاق المقتول الجنة بذكر المقتول والحكم على قاتله بالنار الجواب - قيل ~~له: إن لذكر النبي (ص) الزبير وقتله عند البشارة لقاتله بالنار وجها غير ~~الذي ظننته وهو أنه لما كان الزبير رأس الفتنة وأمير أهل الضلالة وقائد أهل ~~النكث والجهالة كان القتل له يوجب على الظاهر لقاتله أعظم المنازل وأجل ~~المراتب وأكبر الثواب والمدائح كما يجب لقاتل النبي (ص) أو الصديق التقي أو ~~إمام المسلمين البر الوفي عظيم العقاب، وكان المعلوم من حال هذا القاتل ms104 ضد ~~ما يقتضيه الظاهر، أراد رسول الله (ص) الإبانة عن حاله والكشف عن باطنه ~~وماله لئلا يلتبس أمره على ما قدمناه فيما سلف وليزيل الشبهة فيما يجب من ~~الاعتقاد فيه على ظاهر الحال. PageV00P147 # وهذا يجري مجرى من علم الله سبحانه أنه يقتل عبدا مسلما تقيا برا عدلا ~~وفيا على غير التعمد، ومع حسن الطوية وسلامة النية والاخلاص لله تعالى في ~~الطاعة، فذكر النبي (ص) أن هذا القاتل من أهل الجنة فقال: إن فلانا يعني ~~الإمام سيقتل وإن قاتله من أهل الجنة ليكشف بذلك عن حاله ويمنع الاعتقاد ~~فيه ما يوجبه ظاهر فعله من القتل الذي تلبس بالتعمد. # وإنما بشره بالجنة مع وصفه بقتل رجل من أهل الجنة ليدل على أن قتله له لم ~~يقع على الوجه الذي به يستحق العقاب وليزيل الشبهة من أمره ويصرف الناس عن ~~اعتقاد موجب ظاهره. # وهذا كقول نبي قال لأمته: ألا ترون أن فلانا الصائم نهاره القائم ليله ~~المتصدق بماله، اعلموا أنه من أهل النار ليدلهم بذلك على مآله ويكشف لهم عن ~~باطنه ولتزول الشبهة عنهم في أمره بحسن ظاهره، أو قال في رجل مرتكب لكبائر ~~الذنوب، اعلموا أن فلانا الشارب للخمور القاتل للنفوس المرتكب للفجور من ~~أهل الجنة، فذلك سائغ جائز يدل على مال الرجل ويكشف عن عاقبته ويمنع من ~~الاعتقاد لما يجب بظاهره على أغلب الأمور ومدار هذا الباب هو أن كل من فعل ~~فعلا أوجب ظاهره فيه حكما لأجل الفعل وكان الباطن عند الله سبحانه وتعالى ~~يخالف الظاهر وأراد الإبانة عن حاله وإزالة الشبهة في أمره، حكم عليه بخلاف ~~حكم الظاهر وعلقه بذكر الفعل الذي يوجب على الظاهر ضد ما حكم به لأجل ~~الباطن ليزيل الشبهة بذكر ذلك، ويدل على ما كان ملتبسا بالفعل بعينه. # ولولا أن النبي (ص) ذكر قاتل الزبير وخبر عنه بالنار عند ذكر قتله لوجب ~~أن يعتقد في قاتله منزلة أجل الصالحين، ومن فقأ عين الفتنة واجتث أصل ~~PageV00P148 # الضلالة حتى يجب له من الحكم أن ينزل في أعلى ms105 منازل المثابين، من حيث كان ~~الزبير أعظم أهل الفتنة عقابا لكونه إمام القوم وداعيهم إلى الفتنة، ولما ~~يجب من تعاظم الثواب لقاتل من يتعاظم له العقاب، ولما يجب لمزيل الفتنة من ~~الثواب الموفي على ما يستحقه مثيرها من العقاب. # ولما علم الله سبحانه من حال ابن جرموز ما ذكرناه، أعلم نبيه - عليه ~~السلام - ذلك ليدل أمته عليه فدلهم بالذكر الذي حكيناه، وهذا واضح لمن ~~تأمله وأحسن النظر فيه والمنة لله جل وعلا. # فصل ومن كلام الشيخ أيده الله فيما يختص مذاهب أهل الإمامة، قال الشيخ ~~أدام الله عزه: إن قال قائل: كيف يصح لكم معشر الإمامية القول بإمامة ~~الاثني عشر - عليهم السلام - وأنتم تعلمون أن فيهم من خلفه أبوه وهو صبي ~~صغير لم يبلغ الحلم ولا قارب بلوغه، كأبي جعفر محمد بن علي بن موسى - عليهم ~~السلام - وقد توفي أبوه وله عند وفاته سبع سنين، وكقائمكم الذي تدعونه وسنه ~~عند وفاة أبيه عند المكثرين خمس سنين. # وقد علمنا بالعادات التي لم تنتقض في زمان من الأزمنة أن من كان له من ~~السنين ما ذكرناه، لم يكن من بالغي الحلم ولا مقاربيه، والله تعالى يقول: * ~~(وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم) * (1) وإذا كان الله تعالى قد أوجب الحجر على هذين النفسين في ~~أموالهما لإيجابه ذلك في جملة الأيتام، بطل أن يكونا إمامين لأن الإمام هو ~~الوالي على الخلق في جميع أمر الدين والدنيا. # PageV00P149 # وليس يصح أن يكون الوالي على أموال الله تعالى كلها من الصدقات والأخماس ~~والمأمون على الشريعة والأحكام وإمام الفقهاء والقضاة والحكام والحاجز على ~~كثير من ذوي الألباب في ضروب من الأعمال، من لا ولاية له على درهم واحد من ~~مال نفسه ولا يؤمن على النظر لنفسه ومن هو محجور عليه لصغر سنه ونقصان عقله ~~لتناقض ذلك واستحالته، وهذا دليل على بطلان مذاهب الإمامية خاصة. # فالجواب عن ذلك وبالله التوفيق قال الشيخ أدام الله عزه: هذا كلام يوهم ~~الضعفة ويوقع الشبهة لمن ms106 لا بصيرة له، ويروع بظاهره قبل الفحص عن معناه ~~والعلم بباطنه. وجملة القول فيه أن الآية التي اعتمدها هؤلاء القوم في هذا ~~الباب، خاصة وليست بعامة بدلالة توجب خصوصها وتدل على بطلان الاعتقاد ~~لعمومها. وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد قطع العذر في كمال من أوجب له ~~الإمامة ودل على عصمة من نصبه للرئاسة، وقد وضح بالبرهان القياسي والدليل ~~السمعي إمامة هذين الإمامين - عليهما السلام - فأوجب ذلك خروجهما من جملة ~~الأيتام الذين توجه نحوهم الكلام. # كما أوجب العقل خصوص قوله تعالى: * (والله على كل شئ قدير) * (1) وقام ~~الدليل على عدم العموم من قوله تعالى: * (وأوتيت من كل شئ) * (2) و * ~~(فتحنا عليهم أبواب كل شئ) * (3). وكما خص الاجماع قوله تعالى: * (فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) * (4)، فأفرد النبي بغير هذا الحكم ~~ممن # PageV00P150 # انتظمه الخطاب. # وكما خص العقل قوله تعالى: * (إنا اعتدنا للكافرين نارا أحاط بهم ~~سرادقها) * (1) وقوله تعالى: * (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا فيها) * (2) وقوله تعالى: * (ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا) * ~~(3) فأخرج آدم وموسى وذا النون وغيرهم من الأنبياء - عليهم السلام - ~~والصالحين الذين وقع منهم ظلم صغير فذكرهم الله في صريح التنزيل إذ لم ~~يذكرهم على التفصيل. # وكما اختصت الآية في السراق من قوله: * (والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم) * (4) فجعلت في سارق ~~دون سارق ولم يعم السراق، وكما اختصت آية القتل قوله: * (النفس بالنفس) * ~~(5). # وأشباه ذلك مما يطول شرحه. # وإذا كان المستدل بما حكيناه على الإمامية معترفا بخصوص ما هو على الظاهر ~~عموم بدليل يدعيه ربما ووفق فيه وربما خولف فيه، كانت الإمامية غير حرجة في ~~اعتقادها خصوص آية الحجر بدليل يوجبه العقل ويحصل عليه الاجماع على التنزيل ~~الذي أذكره والبيان، وذلك أنه لا خلاف بين الأمة أن هذه الآية يختص ~~انتظامها لنواقص العقول عن حد الاكمال الذي يوجب الإيناس فلم تك منتظمة لمن ~~حصل له من العقل ما هو حاصل لبالغي الحلم من أهل ms107 الرشاد فبطل أن تكون ~~منتظمة للأئمة - عليهم السلام -. # PageV00P151 # والذي يكشف لك عن وهن هذه الشبهة التي أوردها هؤلاء الضعفاء هو أن المحتج ~~بهذه الآية لا يخلو من أن يكون مسلما للشيعة إمامة هذين النفسين - عليهما ~~السلام - تسليم جدل أو منكرا لإمامتهما غير معترف بها على حال، فإن كان ~~مسلما لذلك فقد سقط احتجاجه لضرورته إلى الاعتراف بخروج من أكمل الله عز ~~وجل عقله وكلفه المعارف وعصمه من الذنوب والمآثم، من عموم هذه الآية ووجوب ~~ما وصفناه للإمام. وإن كان منكرا لم يكن لكلامه في تأويل هذه الآية معنى ~~لأن التأويل للقرآن فرع لا يتم إلا بأصله. # ولأن إنكاره لإمامة من ذكرناه بغير الآية التي تعلق بها يغنيه عن ~~الاعتماد عليها ولا يفقره إليها فإن اعتمد عليها فإنما يعتمد على ضرب من ~~الرجحان، مع أن كلامه حينئذ يكون كلام من احتج بعموم قوله: * (والله على كل ~~شئ قدير) * مع منازعته في المخلوق، وإنكاره القول بالتعديل وككلام من تعلق ~~بعموم قوله: # * (ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا) * مع إنكاره عصمة الأنبياء من ~~الكبائر والقطع على أنهم من أهل الثواب، وهذا تخليط لا يصير إليه ناظر مع ~~أن الخصوص قد يقع في القول ولا يصح وقوعه في عموم العقل والعقل موجب لعموم ~~الأئمة - عليهم السلام - بالكمال والعصمة فإذا دل الدليل على إمامة هذين ~~النفسين - عليهما السلام - وجب خصوص الآية فيمن عداهما بلا ارتياب. # مع أن العموم لا صيغة له عندنا فيجب استيعاب الجنس بنفس اللفظ وإنما يجب ~~ذلك بدليل يقترن إليه، فمتى تعرى عن الدليل وجب الوقف فيه ولا دليل على ~~عموم هذه الآية، وهذا خلاف ما توهموه. # على أن خصومنا قد نسوا في هذا الباب شيئا لو ذكروه لصرفهم عن هذا ~~الاحتجاج، وذلك أنهم يخصون قوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر ~~مثل PageV00P152 # حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة ~~فلها النصف) * (1) ويخرجون ولد رسول الله (ص) من عموم هذه الآية بخبر واحد ~~ينقضه القرآن ms108 ويرده اتفاق آل محمد - عليهم السلام - ولا يقنعون من خصومهم ~~أن يخصوا آية الأيتام بدليل العقل وبرهان القياس وتواتر الأخبار بالنص على ~~هؤلاء الأئمة - عليهم السلام -، فمن رأى أعجب من هؤلاء القوم! ولا أظلم ولا ~~أشد جورا في الأحكام، والله نسأل التوفيق للصواب بمنه. # فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في الرجعة وجواب سؤال فيها سأله ~~المخالفون قال الشيخ: سأل بعض المعتزلة شيخا من أصحابنا الإمامية وأنا حاضر ~~في مجلس قد ضم جماعة كثيرة من أهل النظر والمتفقهة فقال له: إذا كان من ~~قولك إن الله جل اسمه يرد الأموات إلى دار الدنيا قبل الآخرة عند قيام ~~القائم - عليه السلام - ليشفى المؤمنين كما زعمتم من الكافرين وينتقم لهم ~~منهم كما فعل ببني إسرائيل فيما ذكرتم حتى تتعلقون بقوله تعالى: * (ثم ~~رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا) * (2) ~~فخبرني ما الذي يؤمنك أن يتوب يزيد وشمر وعبد الرحمان بن ملجم ويرجعوا عن ~~كفرهم وضلالهم ويصيروا في تلك الحال إلى طاعة الإمام - عليه السلام - فيجب ~~عليك ولايتهم والقطع بالثواب لهم؟ وهذا نقض مذاهب الشيعة. # فقال الشيخ المسؤول: القول في الرجعة إنما قبلته من طريق التوقيف وليس # PageV00P153 # للنظر فيه مجال وأنا لا أجيب عن هذا السؤال لأنه لا نص عندي فيه وليس ~~يجوز أن أتكلف من غير جهة النص الجواب، فشنع السائل وجماعة المعتزلة عليه ~~بالعجز والانقطاع. # وقال الشيخ أدام الله عز،: فأقول أنا أبين في هذا السؤال جوابين. # أحدهما: أن العقل لا يمنع من وقوع الإيمان ممن ذكره السائل لأنه (لا ن خ) ~~يكون إذ ذاك قادرا عليه ومتمكنا منه لكن السمع الوارد عن أئمة الهدى - ~~عليهم السلام - بالقطع عليهم بالخلود في النار والتدين بلعنهم، والبراءة ~~منهم إلى آخر الزمان منع من الشك في حالهم، وأوجب القطع على سوء اختيارهم ~~فجروا في هذا الباب مجرى فرعون وهامان وقارون ومجرى من قطع الله عز اسمه ~~على خلوده في النار ودل بالقطع على أنهم لا يختارون أبدا الإيمان ممن قال ms109 ~~الله تعالى في جملتهم: # * (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ~~ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) * (1) يريد إلا أن يلجئهم الله، والذين ~~قال الله تعالى فيهم: * (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ~~* ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون) * (2) ثم ~~قال جل من قائل في تفصيلهم وهو يوجه القول إلى إبليس: * (لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين) * (3). # وقوله: * (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) * (4) وقوله: * (تبت يدا أبي ~~لهب # PageV00P154 # وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب) * (1) فقطع عليه ~~بالنار وأمن من انتقاله إلى ما يوجب له الثواب، وإذا كان الأمر على ما ~~وصفناه بطل ما توهموه على هذا الجواب. # والجواب الآخر أن الله سبحانه إذا رد الكافرين في الرجعة لينتقم منهم لم ~~يقبل لهم توبة وجروا في ذلك مجرى فرعون لما أدركه الغرق * (قال آمنت أنه لا ~~إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين) * (2)، قال الله ~~سبحانه: * (الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) * (3) فرد الله عليه ~~إيمانه ولم ينفعه في تلك الحال ندمه وإقلاعه، وكأهل الآخرة الذين لا تقبل ~~لهم توبة ولا ينفعهم ندم لأنهم كالملجئين إذ ذاك إلى الفعل، ولأن الحكمة ~~تمنع من قبول التوبة أبدا وتوجب اختصاص بعض الأوقات بقبولها دون بعض. # وهذا هو الجواب الصحيح على مذهب أهل الإمامة، وقد جاءت به آثار متظاهرة ~~عن آل محمد - عليهم السلام - حتى روي عنهم في قوله سبحانه: * (يوم يأتي بعض ~~آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ~~قل انتظروا إنا منتظرون) * (4) فقالوا: إن هذه الآية هو القائم - عليه ~~السلام -، فإذا ظهر لم تقبل توبة المخالف، وهذا يسقط ما اعتمده السائل. # سؤال - فإن قالوا في هذا الجواب: ما أنكرتم أن يكون الله سبحانه على ما ~~أصلتموه قد أغرى عباده بالعصيان وأباحهم الهرج والمرج والطغيان لأنهم إذا ~~كانوا ms110 يقدرون على الكفر وأنواع الضلال وقد يئسوا من قبول التوبة، لم يدعهم ~~داع إلى الكف عما في طباعهم ولا انزجروا عن فعل قبيح يصلون به إلى النفع ~~العاجل، ومن وصف الله سبحانه بإغراء خلقه بالمعاصي وإباحتهم الذنوب فقد ~~أعظم # PageV00P155 # الفرية عليه؟. # جواب - قيل لهم: ليس الأمر على ما ظننتموه وذلك أن الدواعي لهم إلى ~~المعاصي ترتفع إذ ذاك ولا يحصل لهم داع إلى قبيح على وجه من الوجوه ولا سبب ~~من الأسباب لأنهم يكونون قد علموا بما سلف لهم من العذاب إلى وقت الرجعة ~~على خلاف أئمتهم - عليهم السلام - ويعلمون في الحال أنهم معذبون على ما سبق ~~لهم من العصيان، وأنهم إن راموا فعل قبيح تزايد عليهم العقاب ولا يكون لهم ~~عند ذلك طبع يدعوهم إلى ما يتزايد عليهم به العذاب بل تتوفر لهم دواعي ~~الطباع والخواطر كلها إلى إظهار الطاعة والانتقال عن العصيان، وإن لزمنا ~~هذا السؤال لزم جميع أهل الإسلام مثله في أهل الآخرة وحالهم في إبطال ~~توبتهم وكون توبتهم غير مقبولة منهم، فمهما أجاب به الموحدون لمن ألزمهم ~~ذلك، فهو جوابنا بعينه. # سؤال آخر - وإن سألوا على المذهب الأول والجواب المتقدم فقالوا: كيف ~~يتوهم من القوم الإقامة على العناد والإصرار على الخلاف وقد عاينوا فيما ~~يزعمون عقاب القبور وحل بهم عند الرجعة العذاب على ما يعلمون مما زعمتم ~~أنهم مقيمون عليه، وكيف يصح أن تدعوهم الدواعي إلى ذلك، ويخطر لهم في فعله ~~الخواطر وما أنكرتم أن تكونوا في هذه الدعوى مكابرين؟. # الجواب - قيل لهم. يصح ذلك على مذهب من أجاب بما حكيناه من أصحابنا بأن ~~نقول: إن جميع ما عددتموه لا يمنع من دخول الشبهة عليهم في استحسان الخلاف ~~لأن القوم يظنون أنهم إنما بعثوا بعد الموت تكرمة لهم وليلوا الدنيا كما ~~كانوا، و (لان خ) يظنون أن ما اعتقدوه في العذاب السالف لهم كان غلطا منهم، ~~وإذا حل بهم العقاب ثانية توهموا قبل مفارقة أرواحهم أجسادهم أن ذلك ليس من ~~طريق الاستحقاق وأنه من الله تعالى ms111 لكنه كما تكون الدول وكما حل بالأنبياء. ~~PageV00P156 # ولأصحاب هذا الجواب أن يقولوا: ليس ما ذكرناه في هذا الباب بأعجب من كفر ~~قوم موسى وعبادتهم العجل وقد شاهدوا منه الآيات وعاينوا ما حل بفرعون وملئه ~~على الخلاف، ولا هو بأعجب من إقامة أهل الشرك على خلاف رسول الله (ص) وهم ~~يعلمون عجزهم عن مثل ما أتى به القرآن، ويشهدون معجزاته وآياته عليه وآله ~~السلام، ويجدون مخبرات أخباره على حقائقها من قوله تعالى: * (سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر) * (1) وقوله: * (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) * ~~(2). وقوله: * (ألم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون) * (3) وما حل بهم من العقاب بسيفه عليه وآله السلام وهلاك كل من ~~توعده بالهلاك، هذا وفيمن أظهر الإيمان به المنافقون ينضافون في خلافه إلى ~~أهل الشرك والضلال. # على أن هذا السؤال لا يسوغ لأصحاب المعارف من المعتزلة لأنهم يزعمون أن ~~أكثر المخالفين على الأنبياء كانوا من أهل العناد، وأن جمهور المظهرين ~~للجهل بالله يعرفونه على الحقيقة ويعرفون أنبياءه وصدقهم ولكنهم في الخلاف ~~على اللجاجة والعناد. فلا يمنع أن يكون الحكم في الرجعة وأهلها على هذا ~~الوصف الذي حكيناه، وقد قال الله تعالى: * (ولو ترى إذ وقفوا على النار ~~فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ~~ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) * (4). ~~فأخبر سبحانه أن أهل العقاب لو ردهم الله تعالى إلى الدنيا لعادوا إلى ~~الكفر والعناد مع ما شاهدوا في القبور وفي المحشر من الأهوال وما ذاقوا من ~~أليم العذاب. # PageV00P157 # فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في المتعة، قال الشيخ أدام الله عزه: ~~حضرت دار بعض قواد الدولة وكان بالحضرة شيخ من الإسماعيلية يعرف بابن لؤلؤ ~~فسألني ما الدليل على إباحة المتعة؟ فقلت له: الدلالة على ذلك قول الله جل ~~جلاله: * (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ~~فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا ms112 جناح عليكم فيما تراضيتم به ~~من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما) * (1) فأحل جل اسمه نكاح المتعة ~~بصريح لفظها وبذكر أوصافه من الأجر عليها والتراضي بعد الفرض من الازدياد ~~في الأجل وزيادة الأجر فيها. # فقال: ما أنكرت أن تكون هذه الآية منسوخة بقوله: * (والذين هم لفروجهم ~~حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى ~~وراء ذلك فأولئك هم العادون) * (2) فحظر الله تعالى النكاح إلا لزوجة أو ~~ملك يمين، وإذا لم تكن المتعة زوجة ولا كانت ملك يمين فقد سقط قول من ~~أحلها. # فقلت له: قد أخطأت في هذه المعارضة من وجهين: أحدهما أنك ادعيت أن ~~المستمتع بها ليست بزوجة ومخالفك يدفعك عن ذلك ويثبتها زوجة في الحقيقة. ~~والثاني أن سورة المؤمنين مكية وسورة النساء مدنية والمكي متقدم للمدني ~~فكيف يكون ناسخا له وهو متأخر عنه، وهذه غفلة شديدة # PageV00P158 # فقال: لو كانت المتعة زوجة لكانت ترث ويقع بها الطلاق، وفي إجماع الشيعة ~~على أنها غير وارثة ولا مطلقة، دليل على فساد هذا القول. # فقلت له: وهذا أيضا غلط منك في الديانة، وذلك أن الزوجة لم يجب لها ~~الميراث ويقع بها الطلاق من حيث كانت زوجة فقط، وإنما حصل لها ذلك بصفة ~~تزيد على الزوجية، والدليل على ذلك أن الأمة إذا كانت زوجة لم ترث ولم تورث ~~والقاتلة لا ترث، والذمية لا ترث، والأمة المبيعة تبين بغير طلاق، ~~والملاعنة تبين أيضا بغير طلاق وكذلك المختلعة والمرتدة والمرتد عنها زوجها ~~والمرضعة قبل الفطام بما يوجب التحريم من لبن الأم أو الزوجة تبين بغير ~~طلاق، وكل ما عددناه زوجات في الحقيقة فبطل ما توهمت فلم يأت بشئ. # فقال صاحب المجلس وهو رجل أعجمي لا معرفة له بالفقه وإنما يعرف الظواهر: ~~أنا أسألك في هذا الباب عن مسألة خبرني هل تزوج رسول الله (ص) متعة أو تزوج ~~أمير المؤمنين - عليه السلام -؟ فقلت له: لم يأت بذلك خبر ولا علمته. فقال ~~لي: لو كان في المتعة خير ما تركها رسول ms113 الله (ص) وأمير المؤمنين - عليه ~~السلام -، فقلت له: أيها القائد ليس كل ما لم يفعله رسول الله (ص) كان ~~محرما وذلك أن رسول الله (ص) والأئمة - عليهم السلام - كافة لم يتزوجوا ~~بالإماء، ولا نكحوا الكتابيات ولا خالعوا ولا تزوجوا بالزنج ولا نكحوا ~~السند ولا اتجروا إلى الأمصار ولا جلسوا باعة للتجارة وليس ذلك كله محرما ~~ولا منه شئ محظورا إلا ما اختصت الشيعة به دون مخالفيها من القول في نكاح ~~الكتابيات. # فقال: دع هذا وخبرني عن رجل ورد من قم يريد الحج فدخل إلى مدينة السلام ~~فاستمتع فيها بامرأة ثم انقضى أجلها فتركها وخرج إلى الحج وكانت حاملا منه ~~ولم يعلم بحالها فحج ومضى إلى بلده وعاد بعد عشرين سنة وقد ولدت ~~PageV00P159 # بنتا وشبت ثم عاد إلى مدينة السلام فوجد فيها تلك الابنة فاستمتع بها وهو ~~لا يعلم أليس يكون قد نكح بنته وهذا فظيع جدا. # فقلت له: إن أوجب هذا الذي ذكره القائد تحريم المتعة وتقبيحها، أوجب ~~تحريم نكاح الميراث وكل نكاح وتقبيحه، وذلك أنه قد يتفق فيه مثل ما وصفته ~~وجعلته طريقا إلى حظر المتعة، وذلك أنه لا يمنع أن يخرج رجل من أهل السنة ~~وأصحاب أحمد بن حنبل من خوارزم قاصدا للحج فينزل بمدينة السلام ويحتاج إلى ~~النكاح، فيستدعي امرأة من جيرانه حنبلية سنية فيسألها أن تلتمس له امرأة ~~ينكحها، فتدله على امرأة شابة ستيرة ثيب لا ولي لها فيرغب فيها وتجعل ~~المرأة أمرها إلى إمام المحلة وصاحب مسجدها، فيحضر رجلين ممن يصلي معه ~~ويعقد عليها النكاح للخوارزمي السني الذي لا يرى المتعة ويدخل بالمرأة ~~ويقيم معها إلى وقت رحيل الحاج إلى مكة، فيستدعي الشيخ الذي عقد عليه ~~النكاح فيطلقها بحضرته ويعطيها عدتها وما يجب عليه من نفقتها، ثم يخرج فيحج ~~وينصرف من مكة على طريق البصرة إلى بلده وقد كانت المرأة حاملا وهو لا يعلم ~~فيقيم عشرين سنة ثم يعود إلى مدينة السلام للحج، فينزل في تلك المحلة ~~بعينها ويسأل عن العجوز فيفقدها لموتها فيسأل عن ms114 غيرها، فتأتيه قرابة لها ~~أو نظيرة لها في الدلالة فتذكر له جارية هي بنت المتوفاة بعينها، فيرغب ~~فيها ويعقد عليها كما عقد على أمها بولي وشاهدين ثم يدخل بها فيكون قد وطئ ~~بنته فيجب على القائد أن يحرم لهذا الذي ذكرناه كل نكاح. # فاعترض الشيخ السائل أولا فقال: عندنا أنه يجب على هذا الرجل أن يوصي إلى ~~جيرانه باعتبار حالها، وهذا يسقط هذه الشناعة. فقلت له. إن كان هذا عندكم ~~واجبا فعندنا أوجب منه وأشد لزوما أن يومي المستمتع ثقة من إخوانه في ~~PageV00P160 # البلد باعتبار حال المستمتع بها، فإن لم يجد أخا أوصى قوما من أهل البلد ~~وذكر لهم أنها كانت زوجته ولم يذكر المتعة وهذا شرط عندنا فقد سقط أيضا ما ~~توهمته. # ثم أقبلت على صاحب المجلس فقلت له: إن أمرنا مع هؤلاء المتفقهة عجيب وذلك ~~أنهم مطبقون على تبديعنا في نكاح المتعة مع إجماعهم على أن رسول الله (ص) ~~قد كان أذن فيها وأنها عملت على عهده، ومع ظاهر كتاب الله عز وجل في ~~تحليلها، وإجماع آل محمد - عليهم السلام - على إباحتها، والاتفاق على أن ~~عمر حرمها في أيامه مع إقراره بأنها كانت حلالا على عهد رسول الله (ص)، فلو ~~كنا على ضلالة فيها لكنا في ذلك على شبهة تمنع ما يعتقده المخالف فينا من ~~الضلال والبراءة منا. # وليس فيمن يخالفنا إلا من يقول في النكاح وغيره بضد القرآن وخلاف الاجماع ~~ونقض شرع الإسلام والمنكر في الطباع وعند ذوي المروءات، ولا يرجع في ذلك ~~إلى شبهة تسوغه في قوله وهم معه يتولى بعضهم بعضا ويعظم بعضهم بعضا، وليس ~~ذلك إلا لاختصاص قولنا بآل محمد - عليهم السلام - فلعداوتهم لهم رمونا عن ~~قوس واحد. # هذا أبو حنيفة النعمان بن ثابت يقول: لو أن رجلا عقد على أمه عقدة النكاح ~~وهو يعلم أنها أمه ثم وطئها لسقط عنه الحد ولحق به الولد. # وكذلك قوله في الأخت والبنت، وكذلك سائر المحرمات، ويزعم أن هذا نكاح ~~شبهة أوجبت سقوط الحد عنه. # ويقول: لو ms115 أن رجلا استأجر غسالة أو خياطة أو خبازة أو غير ذلك من أصحاب ~~الصناعات ثم وثب عليها فوطئها وحملت منه سقط عنه الحد ولحق به الولد. ~~PageV00P161 # ويقول: إذا لف الرجل على إحليله حريرة ثم أولجه في قبل امرأة ليست له ~~بمحرم حتى ينزل لم يكن زانيا ولا وجب عليه الحد. # ويقول: إن الرجل إذا يلوط بغلام فأوقب لم يجب عليه الحد ولكن يردع ~~بالكلام الغليظ والأدب والخفقة بالنعل والخفقتين وما أشبه ذلك. # ويقول: إن شرب النبيذ الصلب المسكر حلال طلق، وهو سنة وتحريمه وقال ~~الشافعي: إذا فجر الرجل بامرأة فحملت منه فأولدت بنتا فإنه يحل للفاجر أن ~~يتزوج بهذه البنت ويطأها ويولدها لا حرج عليه في ذلك فأحل نكاح البنات ~~وقال: لو أن رجلا اشترى أخته من الرضاعة ووطئها لما وجب عليه الحد، وكان ~~يجيز سماع الغناء بالقصب وأشباهه. # وقال مالك بن أنس: إن وطئ النساء في أحشاشهن حلال طلق، وكان يرى سماع ~~الغناء بالدف وأشباهه من الملاهي، ويزعم أن ذلك سنة في العرسات والولائم. # وقال داود بن علي الإصفهاني: إن الجمع بين الأختين في ملك اليمين حلال ~~طلق، والجمع بين الأم والبنت غير محظور فاقتسم هؤلاء الفجور وكل منكر فيما ~~بينهم واستحلوه ولم ينكر بعضهم على بعض، مع أن الكتاب والسنة والاجماع تشهد ~~بضلالهم في ذلك، ثم عظموا أمر المتعة والقرآن شاهد بتحليلها والسنة ~~والاجماع يشهدان بذلك، فيعلم أنهم ليسوا من أهل الدين ولكنهم من أهل ~~العصبية والعداوة لآل محمد - عليهم السلام - فاستعظم صاحب المجلس ذلك ~~وأنكره وأظهر البراءة من معتقديه وسهل عليه أمر المتعة والقول بها. ~~PageV00P162 # فصل قال الشيخ أدام الله عزه: وقد كنت استدللت بالآية التي قدمت تلاوتها ~~على تحليل المتعة في مجلس كان صاحبه رئيس زمانه فاعترضني فيها أبو القاسم ~~الداركي فقال: ما أنكرت أن يكون المراد بقوله تعالى: * (فما استمتعتم به ~~منهن فآتوهن أجورهن فريضة) * إنما أراد به نكاح الدوام وأشار بالاستمتاع ~~إلى الالتذاذ دون نكاح المتعة الذي تذهب إليه. # فقلت له: إن الاستمتاع وإن ms116 كان في الأصل هو الالتذاذ فإنه إذا علق بذكر ~~النكاح وأطلق بغير تقييد لم يرد به إلا نكاح المتعة خاصة لكونه علما عليها ~~في الشريعة وتعارف أهلها. # ألا ترى أنه لو قال قائل: نكحت أمس امرأة متعة، أو هذه المرأة نكاحي لها ~~أو عقدي عليها للمتعة أو أن فلانا يستحل نكاح المتعة لما فهم من قوله إلا ~~النكاح الذي تذهب إليه الشيعة خاصة، وإن كانت المتعة قد تكون بوطئ الإماء ~~والحرائر على الدوام كما أن الوطئ في اللغة هو وطئ القدم ومماسة باطنه للشئ ~~على سبيل الاعتماد، ولو قال قائل: وطئت جاريتي ومن وطف امرأة غيره فهو زان، ~~وفلان يطأ امرأته وهي حائض لم يعقل من ذلك مطلقا على أصل الشريعة إلا ~~النكاح دون وطئ القدم. # وكذلك الغائط هو الشئ المحوط، وقيل هو الشئ المنهبط ولو قال قائل: هل ~~يجوز أن آتي الغائط ثم لا أتوضأ وأصلي، أو قال: فلان أتى الغائط ولم ~~يستبرئ، لم يفهم من قوله إلا الحدث الذي يجب منه الوضوء PageV00P163 # وأشباه ذلك مما قد تقرر في الشريعة. # وإذا كان الأمر على ما وصفناه فقد ثبت أن إطلاق لفظ نكاح المتعة لا يقع ~~إلا على النكاح الذي ذكرناه، وإن كان الاستمتاع في أصل اللغة هو الالتذاذ ~~كما قدمناه. # فاعترض القاضي أبو محمد بن معروف فقال: هذا الاستدلال يوجب عليك أن لا ~~يكون الله تعالى أحل بهذه الآية غير نكاح المتعة لأنها لا تتضمن سواه، وفي ~~الاجماع على انتظامها تحليل نكاح الدوام دليل على بطلان ما اعتمدته. # فقلت له: ليس يدخل هذا الكلام على أصل الاستدلال ولا يتضمن معتمدي ما ~~ألزمنيه القاضي فيه وذلك أن قوله سبحانه: * (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن ~~تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) * (1) يتضمن تحليل المناكح المخالفة ~~للسفاح في الجملة ويدخل فيه نكاح الدوام من الحرائر والإماء ثم يختص نكاح ~~المتعة بقوله تعالى: * (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) * ويجري ~~ذلك مجرى قول القائل: (قد حرم الله عليك نساء بأعيانهن وأحل لك ms117 ما عداهن ~~فإن استمتعت منهن فالحكم فيه كذا وكذا، وإن نكحت نكاح الدوام فالحكم فيه ~~كيت وكيت). فيذكر له المحللات في الجملة، ويبين له حكم نكاح بعضهن، كما ~~يذكرهن له، ثم يبين له أحكام نكاحهن كلهن. فما أعلمه زاد علي شيئا. # PageV00P164 # فصل قال الشيخ أدام الله عزه: قد كنت حضرت مجلس الشريف أبي الحسن أحمد ~~ابن القاسم المحمدي رحمه الله وحضره أبو القاسم الداركي فسأله بعض الشيعة ~~عن الدلالة على تحريم نكاح المتعة عنده فاستدل بقوله تعالى: * (والذين هم ~~لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * ~~فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) * (1) قال: والمتعة باتفاق الشيعة ~~ليست بزوجة ولا ملك يمين فبطل أن تكون حلالا. # فقال له السائل: ما أنكرت أن تكون زوجة، وما حكيته عن الشيعة من إنكار ~~ذلك لا أصل له. # فقال له: لو كانت زوجة كانت وارثة لأن الاتفاق حاصل على أن كل زوجة فهي ~~وارثة وموروثة إلا ما أخرجه الدليل من الأمة والذمية والقاتلة، فنازعه ~~السائل في هذه الدعوى وقال: ما أنكرت أن تكون المتعة أيضا زوجة تجري مجرى ~~الذمية والرق والقاتلة في خروجها عن استحقاق الميراث وضايقه في هذه ~~المطالبة. # فلما طال الكلام بينهما في هذه النكتة وتردد قال: الدليل على أنها ليست ~~بزوجة أن القاصد إلى الاستمتاع بها إذا قال لها: تمتعيني نفسك، فأنعمت له، ~~حصلت متعة ليس بينها وبينه ميراث ولا يلحقها الطلاق، وإذا قال لها: زوجيني ~~نفسك، فأنعمت، حصلت زوجة يقع بها الطلاق ويثبت بينها وبينه الميراث، فلو # PageV00P165 # كانت المتعة زوجة لما اختلف حكمها باختلاف الألفاظ ولا وقع الفرق بين ~~أحكامها بتغاير الكلام ولوجب أن يقع الاستمتاع في العقد بلفظ التزويج، ويقع ~~التزويج بلفظ الاستمتاع وهذا باطل بإجماع الشيعة وما هم عليه من الاتفاق، ~~فلم يدر السائل ما يقول له لعدم فهمه وفقهه وضعف بصيرته بأصل المذهب. # فقال الشيخ أدام الله عزه: فقلت للداركي: لم زعمت أن الأحكام قد تتغير ~~باختلاف ما ذكرت من الكلام، وما ms118 أنكرت أن يكون العقد عليها بلفظ الاستمتاع ~~يقوم مقام العقد عليها بلفظ الزوجية، وأن يكون لفظ الزوجية يقوم مقام لفظ ~~الاستمتاع فهل تجد لما ادعيت من هذا الأمر برهانا أو عليه دليلا أو فيه ~~بيان؟. # وبعد فكيف استجزت أن تدعي إجماع الشيعة على ما ذكرت ولم يسمع ذلك من أحد ~~منهم ولا قرأت لهم في كتاب ونحن معك في المجلس نفتي بأنه لا فرق بين ~~اللفظين في باب العقد للنكاح سواء كان نكاح الدوام أو نكاح المتعة، وإنما ~~الفصل بين النكاحين في اللفظ ومن جهة الكلام ذكر الأجل في نكاح الاستمتاع ~~وترك ذكره في نكاح الميراث. فلو قال لها: تمتعيني نفسك، ولم يذكر الأجل ~~لوقع نكاح الميراث لا ينحل إلا بالطلاق، ولو قال لها: تزوجيني نفسك إلى أجل ~~كذا، فأنعمت به لوقع نكاح استمتاع، وهذا ما ليس فيه بين الشيعة خلاف، فلم ~~يرد شيئا تجب حكايته وظهر عليه بحمد الله الكلام. PageV00P166 # فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه قال: سئل الفضل بن شاذان رحمه الله ~~تعالى عما روته الناصبة عن أمير المؤمنين - عليه السلام - أنه قال: " لا ~~أوتي برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلدة المفتري " فقال: إنما ~~روى هذا الحديث سويد ابن غفلة، وقد أجمع أهل الآثار على أنه كان كثير ~~الغلط، وبعد فإن نفس الحديث متناقض لأن الأمة مجمعة على أن عليا - عليه ~~السلام - كان عدلا في قضيته وليس من العدل أن يجلد حد المفتري من لم يفتر، ~~هذا جور على لسان الأمة كلها وعلي بن أبي طالب - عليه السلام - عندنا برئ ~~من ذلك. # قال الشيخ أدام الله عزه وأقول: إن هذا الحديث إن صح عن أمير المؤمنين - ~~عليه السلام - ولن يصح بأدلة أذكرها بعد، فإن الوجه فيه أن المفاضل بينه ~~وبين الرجلين إنما وجب عليه حد المفتري من حيث أوجب لهما بالمفاضلة ما لا ~~يستحقانه من الفضل، لأن المفاضلة لا تكون إلا بين متقاربين في الفضل وبعد ~~أن يكون في المفضول فضل، وإن كانت الدلائل ms119 على أن من لا طاعة معه لا فضل له ~~في الدين، وأن المرتد عن الإسلام ليس فيه شئ من الفضل الديني، وكان الرجلان ~~بجحدهما النص قد خرجا عن الإيمان، بطل أن يكون لهما فضل في الإسلام، فكيف ~~يحصل لهما من الفضل ما يقارب فضل أمير المؤمنين - عليه السلام -؟ # ومتى فضل إنسان أمير المؤمنين - عليه السلام - عليهما فقد أوجب لهما فضلا ~~عظيما في الدين. فإنما استحق حد المفتري الذي هو كاذب دون المفتري الذي هو ~~راجم بالقبيح لأنه افترى بالتفضيل لأمير المؤمنين - عليه السلام - عليهما ~~من حيث كذب PageV00P167 # في إثبات فضل لهما في الدين، ويجري في هذا الباب مجرى من فضل المسلم البر ~~التقي على الكافر المرتد الخارج عن الدين، ومجرى من فضل جبرئيل - عليه ~~السلام - على إبليس، ورسول الله (ص) على أبي جهل بن هشام في أن المفاضلة ~~بين ما ذكرناه توجب لمن لا فضل له على وجه فضلا مقاربا لفضل العظماء عند ~~الله سبحانه، وهذا بين لمن تأمله. # مع أنه لو كان هذا الحديث صحيحا وتأويله على ما ظنه القوم لوجب أن يكون ~~حد المفتري واجبا على رسول الله (ص) وحاشا له من ذلك لأن رسول الله (ص) قد ~~فضل أمير المؤمنين - عليه السلام - على سائر الخلق فآخى بينه وبين نفسه، ~~وجعله بحكم الله في المباهلة نفسه، وسد أبواب القوم إلا بابه، ورد كبراء ~~أصحابه عن إنكاحهم ابنته سيدة نساء العالمين - عليها السلام - وأنكحه وقدمه ~~في الولايات كلها ولم يؤخره، وأخبر أنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ~~وأنه أحب الخلق إلى الله وأنه مولى من كان مولاه من الأنام، وأنه منه ~~بمنزلة هارون من موسى بن عمران، وأنه - عليه السلام - أفضل من سيدي شباب ~~أهل الجنة، وأن حربه حربه وسلمه سلمه وغير ذلك مما يطول شرحه إن ذكرناه. # وكان يجب أيضا أن يكون - عليه السلام - قد أوجب الحد على نفسه إذ أبان عن ~~فضله على سائر أصحاب رسول الله (ص) حيث يقول: " أنا عبد الله وأخو رسول ~~الله ms120 (ص) لم يقلها أحد قبلي، ولا يقولها أحد بعدي إلا كذاب مفتر، صليت ~~قبلهم سبع سنين ". # وفي قوله - عليه السلام - لعثمان وقد قال له: أبو بكر وعمر خير منك. ~~فقال: بل أنا خير منك ومنهما، عبدت الله قبلهما وعبدته بعدهما. وكان أيضا ~~قد أوجب الحد PageV00P168 # على ابنه الحسن - عليه السلام - وجميع ذريته وأشياعه وأنصاره وأهل بيته، ~~فإنه لا ريب في اعتقادهم فضله على سائر الصحابة، وقد قال الحسن - عليه ~~السلام - صبيحة الليلة التي قبض فيها أمير المؤمنين - عليه السلام -: " لقد ~~قبض في هذه الليلة رجل ما سبقه الأولون بعمل ولا أدركه الآخرون " وهذه ~~المقالة متهافتة جدا. # قال الشيخ أدام الله عزه: ولست أمنع العبارة بأن أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - كان أفضل من أبي بكر وعمر على معنى تسليم فضلهما من طريق الجدل، ~~أو على معتقد الخصوم في أن لهما فضلا في الدين، فأما على تحقيق القول في ~~المفاضلة فإنه غلط وباطل. # قال الشيخ أدام الله عزه: وشاهد ما أطلقت من القول ونظيره قول أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - في أهل الكوفة: " اللهم إني قد مللتهم وملوني ~~وسئمتهم وسئموني، اللهم فأبدلني بهم خيرا منهم وأبدلهم بي شرا مني " ولم ~~يكن في أمير المؤمنين - عليه السلام - شر وإنما أخرج الكلام على اعتقادهم ~~فيه ومثله قول حسان وهو يعني النبي (ص). # أتهجوه ولست له بكفؤ * فشركما لخيركما الفداء ولم يكن في رسول الله (ص) ~~شر وإنما أخرج الكلام على معتقد الهاجي فيه. PageV00P169 # فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه وكلامه، قال الشيخ أيده الله وقد كان ~~الفضل بن شاذان رحمه الله استدل على إمامة أمير المؤمنين - عليه السلام - ~~بقول الله تعالى: * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من ~~المؤمنين والمهاجرين) * (1). قال: وإذا أوجب الله للأقرب برسول الله (ص) ~~الولاية وحكم بأنه أولى به من غيره، وجب أن أمير المؤمنين - عليه السلام - ~~كان أولى بمقام رسول الله (ص) من كل أحد. # قال الفضل: فإن قال قائل: فإن العباس كان أقرب إلى رسول الله ms121 (ص) من علي ~~- عليه السلام -، قيل له: إن الله تعالى لم يذكر الأقرب في النبي (ص) دون ~~أن علقه بوصف، فقال: * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ~~وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين) * ~~فشرط في الأولى بالرسول الإيمان والهجرة، ولم يكن العباس من المهاجرين، ولا ~~كانت له هجرة بالاتفاق. # قال الشيخ وأقول: إن أمير المؤمنين - عليه السلام - كان أقرب إلى رسول ~~الله من العباس وأولى بمقامه منه إن ثبت أن المقام موروث، وذلك أن عليا - ~~عليه السلام - كان ابن عم رسول الله (ص) لأبيه وأمه، والعباس عمه لأبيه ~~خاصة، ومن تقرب بسببين كان أقرب ممن تقرب بسبب واحد. # وأقول: إنه لو لم تكن فاطمة - عليه السلام - موجودة بعد رسول الله (ص) ~~لكان أمير # PageV00P170 # المؤمنين - عليه السلام - أحق بميراث رسول الله (ص) وبتركته من العباس ~~ولو ورث مع الولد أحد غير الأبوين والزوج والزوجة لكان أمير المؤمنين - ~~عليه السلام - أحق بميراث الرسول (ص) مع فاطمة - عليها السلام - من العباس ~~لما قدمت من انتظامه القربة من جهتين واختصاص العباس بها من جهة واحدة. # قال الشيخ أدام الله عزه: ولست أعلم بين أهل العلم خلافا في أن عليا - ~~عليه السلام - كان ابن عم رسول الله (ص) لأبيه وأمه وأن العباس كان عمه ~~لأبيه خاصة، ويدل على ذلك ما رواه نقلة الآثار وهو أن أبا طالب رحمة الله ~~عليه مر على رسول الله (ص) وهو يصلي وعلي - عليه السلام - إلى جانبه فلما ~~سلم قال: ما هذا يا بن أخ؟ فقال له رسول الله (ص) شئ أمرني به ربي يقربني ~~به إليه، فقال لابنه جعفر: يا بني صل جناح ابن عمك، فصلى رسول الله (ص) ~~بعلي وجعفر جميعا يومئذ فكانت أول صلاة جماعة في الإسلام، ثم أنشأ أبو طالب ~~- عليه السلام - يقول: # إن عليا وجعفرا ثقتي * عند ملم الزمان والكرب والله لا أخذل النبي ولا * ~~يخذله من بني ذو حسب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * أخي لأمي من بينهم ms122 وأبي ~~ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله قال: سمعت عليا - ~~عليه السلام - ينشد ورسول الله (ص) يسمع: # أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي * معه ربيت وسبطاه هما ولدي جدي وجد رسول ~~الله منفرد * وفاطم زوجتي لا قول ذي فند فالحمد لله شكرا لا شريك له * البر ~~بالعبد والباقي بلا أمد صدقته وجميع الناس في بهم * من الضلالة والاشراك ~~والنكد PageV00P171 # قال: فابتسم رسول الله (ص) وقال: صدقت يا علي وفي ذلك يقول الشاعر أيضا: # إن علي بن أبي طالب * جدا رسول الله جداه أبو علي وأبو المصطفى * من طينة ~~طيبها الله فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في حوز البنت المال دون العم ~~والأخ. سئل الشيخ أدام الله عزه في مجلس الشريف أبي الحسن علي بن أحمد بن ~~إسحاق أدام الله عزه فقيل له: أخبرنا عن رجل توفي وخلف بنتا وعما كيف تقسم ~~الفريضة في تركته؟ فقال الشيخ أدام الله عز: إذا لم يكن ترك غير المذكورين ~~فالمال بأسره للبنت خاصة وليس للعم شئ، فقال السائل: لم زعمت أن المال ~~للبنت خاصة وليس للعم شئ وما الدليل على ذلك؟ # فقال الشيخ أيده الله: الدليل على ذلك من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه، ~~ومن إجماع آل محمد - عليهم السلام -. # فأما كتاب الله سبحانه فقوله جل جلاله: * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة ~~فلها النصف) * (1) فأوجب الله سبحانه للبنت النصف كملا مع الأبوين وأوجب # PageV00P172 # لها النصف الآخر مع العم بدلالة قوله تعالى: * (وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين) * (1) وذلك أنه إذا كان ~~الأقرب أولى من الأبعد كانت البنت مستحقة للنصف مع العم كما تستحقه مع ~~الأبوين بنص التلاوة، ونظرنا في النصف الآخر ومن أولى به أهي أم العم؟ فإذا ~~هي وجدناها أقرب من العم لأنها تتقرب بنفسها، والعم يتقرب إلى الميت بجده، ~~والجد يتقرب إلى ms123 الميت بأبيه، فوجب رد النصف الباقي إلى البنت بمفهوم آية ~~ذوي الأرحام. # وأما السنة فإن رسول الله (ص) لما قتل حمزة بن عبد المطلب - عليه السلام ~~-، ابنته وأخاه العباس وابن أخيه رسول الله (ص) وبني أخيه عليا - عليه ~~السلام - وجعفرا وعقيلا رضي الله عنهما، فورث رسول الله (ص) ابنته جميع ~~تركته ولم يرث هو منها شيئا ولا ورث أخاه العباس ولا بني أخيه أبي طالب ~~رحمه الله، فدل على أن البنت أحق بالميراث كله من العم والأخ وابن الأخ وقد ~~قال الله جل اسمه: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * (2). وقال ~~تعالى: * (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * (3). # وأما إجماع آل محمد - عليهم السلام -: فإن الأخبار متواترة عنهم بما ~~حكيناه، وقد قال رسول الله (ص): " إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ~~أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ". # فقال السائل: ما أنكرت أن يكون قوله تعالى: * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله) *، ليس في الميراث لكنه في غيره، وأما فعل رسول الله ~~(ص) مع # PageV00P173 # بنت حمزة فما أنكرت أن يكون إنما جاز له ذلك لأنه استطاب نفوس الوراث ~~معها. # وأما الاجماع الذي ذكرت عن آل محمد - عليهم السلام - فإنه ليس بحجة لأن ~~الحجة هي في إجماع الأمة بأسرها. # فقال الشيخ أدام الله عزه: أما إنكارك كون آية ذوي الأرحام في الميراث ~~فإنه غير مرتفع به ولا يعتمد عليه من كان معدودا في جملة أهل العلم وذلك أن ~~الله سبحانه نسخ بهذه الآية ما كان عليه القوم من الموارثة بين الإخوان في ~~الدين وحط عن الأنصار ميراث المهاجرين لهم دون أقاربهم فقال سبحانه وتعالى ~~* (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا كان ذلك في كتاب الله مسطورا) * (1) فبين سبحانه أن ذوي الأرحام ~~أولى بذوي أرحامهم من المهاجرين الذين لا رحم بينهم ومن المؤمنين البعداء ~~منهم ms124 في النسب. ثم قال: إلا أن تتبرعوا عليهم فتفعلوا بهم معروفا وهذا مما ~~لا يختلف فيه من عرف الأخبار ونظر في السير والآثار مع دلالة تتضمن الكلام. # على أنا لا نجد من ذوي الأرحام أولى بأقاربهم في شئ من الأشياء إلا في ~~الميراث خاصة والعقل الذي يوجبه الميراث وما عدا ذلك فالإمام أولى به من ~~ذوي الأرحام والمسلمون أولى به إذا لم ينظر فيه الإمام. # وأما ما ادعيت من استطابة رسول الله (ص) في أنفس المذكورين فلو كان على ~~ما ذكرت ووصفت، لوجب أن يرد به النقل ويثبت في الآثار ويكون معروفا عند ~~حملة الأخبار، فلما لم يذكر ذلك على وجه من الوجوه، دل على أنه لا أصل له ~~وأن تخريجه باطل محال. # PageV00P174 # وأما دفعك الحجة من إجماع آل محمد - عليهم السلام - واعتمادك على إجماع ~~الأمة كافة فإنه إذا وجبت الحجة بإجماع الأمة، وجبت بإجماع أهل البيت - ~~عليهم السلام - لحصول الاجماع الذي ذكرت على موجب العصمة لآل محمد - عليهم ~~السلام - من قول النبي (ص) فإن بطل الاعتماد على إجماع آل محمد - عليهم ~~السلام - مع الشهادة من النبي (ص) بأن المتمسك بهم لا يضل أبدا، بطلت الحجة ~~من إجماع الأمة إذ قد وجد الفساد فيما أجمعوا عليه من نقل الخبر الذي ~~رويناه وهذا محال لا خفاء باستحالته فلم يرد شيئا. # فصل ومن كلام الشيخ أدام الله عزه في الطلاق، قال الشيخ: حضرت يوما عند ~~صديقنا أبي الهذيل سبيع بن المنبه المختاري رحمه الله وألحقه بأوليائه ~~الطاهرين - عليهم السلام - وحضر عنده الشيخان أبو طاهر وأبو الحسن ~~الجوهريان والشريف أبو محمد بن المأمون فقال لي أحد الشيخين: ما تقول في ~~طلاق الحامل إذا وقع الرجل منه ثلاثا في مجلس واحد؟ قال: فقلت له: إذا ~~أوقعه بحضور مسلمين عدلين وقعت منه واحدة لا أكثر من ذلك فسكت الجوهري ~~هنيئة ثم قال: كنت أظن أنكم لا توقعون شيئا منه بتة. # فقال أبو محمد بن المأمون للشيخ أدام الله عزه: أتقولون إنه يقع منه ~~واحدة؟ # فقال ms125 له الشيخ أيده الله: نعم إذا كان بشرط الشهود فأظهر تعجبا من ذلك. # وقال: ما الدليل على أن الذي يقع بها واحدة وهو قد تلفظ بالثلاث؟ # قال الشيخ أيده الله: فقلت له: الدليل على ذلك من كتاب الله عز وجل، ~~PageV00P175 # ومن سنة نبيه (ص)، ومن إجماع المسلمين، ومن قول أمير المؤمنين - عليه ~~السلام -، ومن قول ابن عباس رحمه الله ومن قول عمر بن الخطاب. # فازداد الرجل تعجبا لما سمع هذا الكلام، وقال: أحب أن تفصل لنا ذلك ~~وتشرحه على البيان. # فقلت له: أما كتاب الله تعالى فقد تقرر أنه نزل بلسان العرب وعلى مذاهبها ~~في الكلام، قال الله سبحانه: * (قرانا عربيا غير ذي عوج) * (1) وقال: * ~~(وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) * (2) ثم قال سبحانه في آية ~~الطلاق: # * (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) * (3) فكانت الثالثة في ~~قوله: # * (أو تسريح بإحسان) *. # ووجدنا المطلق إذا قال لامرأته: " أنت طالق " أتى بلفظ واحد يتضمن تطليقة ~~واحدة، فإذا قال عقيب هذا اللفظ: ثلاثا، لم يخل من أن تكون إشارته إلى طلاق ~~وقع فيما سلف ثلاث مرات أو إلى طلاق يكون في المستقبل ثلاثا، أو إلى الحال، ~~فإن كان أخبر عن الماضي فلم يقع الطلاق إذا باللفظ الذي أورده في الحال ~~وإنما أخبر عن أمر كان، وإن كان أخبر عن المستقبل فيجب أن لا يقع بها طلاق ~~حتى يأتي الوقت ثم يطلقها ثلاثا على مفهوم اللفظ والكلام، وليس هذان ~~القسمان مما جرى الحكم عليهما ولا تضمنهما المقال فلم يبق إلا أنه أخبر عن ~~الحال وذلك كذب ولغو بلا ارتياب لأن الواحدة لا تكون أبدا ثلاثا، فلأجل ذلك ~~حكمنا عليه بتطليقة واحدة من حيث تضمنه اللفظ الذي أورده وأسقطنا ما لغى ~~فيه وأطرحناه # PageV00P176 # إذ كان على مفهوم اللغة التي نطق بها القرآن فاسدا وكان مضادا لأحكام ~~الكتاب. # وأما السنة فإن النبي (ص) قال: " كل ما لم يكن على أمرنا هذا فهو رد " ~~وقال - عليه السلام -: " ما وافق الكتاب فخذوه وما خالفه فاطرحوه ms126 " وقد ~~بينا أن المرة لا تكون مرتين وأن الواحدة لا تكون ثلاثا، فأوجبت السنة ~~إبطال طلاق الثلاث. # وأما إجماع الأمة فإنهم مطبقون على أن كل ما خالف الكتاب والسنة فهو ~~باطل، وقد تقدم وصف خلاف الطلاق الثلاث للكتاب والسنة فحصل الاجماع على ~~بطلانه. # وأما قول أمير المؤمنين - عليه السلام -: فإنه قد تظاهر عنه بالخبر ~~المستفيض أنه قال: " إياكم والمطلقات ثلاثا في مجلس واحد فإنهن ذوات أزواج ~~"، وأما قول ابن عباس فإنه يقول: " ألا تعجبون من قوم يحلون المرأة لرجل ~~وهي تحرم عليه، ويحرمونها على آخر وهي محل له "، فقالوا: يا ابن عباس ومن ~~هؤلاء القوم؟ قال: # " هم الذين يقولون للمطلق ثلاثا في مجلس قد حرمت عليك امرأتك ". # وأما قول عمر بن الخطاب: فلا خلاف أنه رفع إليه رجل مد طلق امرأته ثلاثا ~~فأوجع رأسه ثم ردها إليه، وبعد ذلك رفع إليه رجل قد طلق كالأول فأبانها ~~منه. فقيل له في اختلاف حكمه في الرجلين. فقال: قد أردت أن أحمله على كتاب ~~الله عز اسمه ولكني خشيت أن يتتابع فيه السكران والغيران. # فاعترف بأن المطلقة ثلاثا ترد إلى زوجها على حكم الكتاب وأنه إنما أبانها ~~منه بالرأي والاستحسان، فعملنا من قوله على ما وافق القرآن، ورغبنا عما ذهب ~~إليه من جهة الرأي. فلم ينطق أحد من الجماعة بحرف وأنشأوا حديثا آخر ~~تشاغلوا PageV00P177 # قال الشيخ أيده الله: وما أشبه قولهم في الحكم على الواحدة من الطلاق ~~بأنها ثلاث إلا بقول النصارى ثلاثة أقانيم جوهر واحد. بل النصارى أعذر منهم ~~لأنهم ذكروا ثلاثة معان معقولة، ثم وصفوها بمعنى واحد في خلاف وصفها في ~~الثلاثة فأخطأوا في المعنى القياسي وإن كان غلطهم على الظاهر في المعنى ~~العددي والناصبة أتت بمعنى واحد ولفظ واحد فخروا عنه بأنه ثلاثة في معنى ما ~~كان واحدا، وهذا نهاية الجهل وضعف العقل. # على أنه لا خلاف بين أهل اللسان وأهل الإسلام أن المصلي لو قال في ركوعه ~~سبحان ربي العظيم فقط ثم قال في عقيبه ثلاثا لم يكن مسبحا ms127 ثلاثا، ولو قال ~~في سجوده سبحان ربي الأعلى ثم قال ثلاثا لم يكن مسبحا ثلاثا، ولو قرأ الحمد ~~مرة ثم قال في آخرها بلفظة عشرا لم يكن قارئا لها عشرا. # وقد أجمعت الأمة على أن الملاعن لو قال في شهادته: أشهد بالله أربعا أني ~~لمن الصادقين لم يكن شاهدا أربع مرات على الحقيقة حتى يفصلها، ولو أن حاجا ~~رمى الجمرة بسبع حصيات في دفعة واحدة لم يجز ذلك عن رمي سبع متفرقات، وهذا ~~كله دليل على أنه إذا قال: أنت طالق، ثم قال: ثلاثا، لم يكن طلاقا ثلاثا، ~~وهذا بين لمن تدبره. # فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه وكلامه في الطلاق، قال الشيخ أيده ~~الله: # وقد ألزم الفضل بن شاذان رحمه الله فقهاء العامة على قولهم في الطلاق، أن ~~يحل للمرأة الحرة المسلمة أن تمكن من وطئها في اليوم الواحد عشرة أنفس على ~~سبيل النكاح وهذا شنيع في الدين منكر في الإسلام. PageV00P178 # قال الشيخ أيده الله: ووجه إلزامه لهم ذلك بأن قال: خبروني عن رجل تزوج ~~امرأة على الكتاب والسنة وساق إليها مهرها أليس قد حل له وطيها؟ فقالوا: # وقال المسلمون كلهم: بلى. قال لهم: فإن وطئها ثم كرهها عقيب الوطئ أليس ~~يحل له خلعها على مذهبكم في تلك الحال؟ فقالت العامة خاصة: نعم، قال لهم: ~~فإنه خلعها ثم بدا له بعد ساعة في العود إليها أليس يحل له أن يخطبها لنفسه ~~ويحل لها أن ترغب فيه؟ قالوا: بلى، فقال لهم: فإن عقد عليها عقد النكاح ~~أليس قد عادت إلى ما كانت عليه من النكاح وسقط عنها عدة الخلع؟ قالوا: بلى، ~~قال لهم: فإن رجع إلى نيته في فراقها ففارقها عقيب العقد الثاني بالطلاق من ~~غير أن يدخل بها ثانية أليس قد بانت منه ولا عدة عليها بنص القرآن من قوله: ~~* (ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) * (1)؟ ~~قالوا: نعم ولا بد لهم من ذلك مع التمسك بالدين، قال لهم: أليس قد حلت من ms128 ~~وقتها للأزواج إذ ليس عليها عدة بنص القرآن؟ قالوا: بلى، قال: فما تقولون ~~إن صنع بها الثاني كصنع الأول، أليس يكون قد نكحها اثنان في بعض يوم من غير ~~حظر من ذلك على أصولكم في الأحكام، فلا بد أن يقولوا بلى، قال لهم: وكذلك ~~لو نكحها ثالث ورابع إلى أن يتم ناكحوها عشرة أنفس وأكثر من ذلك إلى آخر ~~النهار، أليس يكون ذلك جائزا طلقا حلالا؟ وهذه هي الشناعة التي لا تليق ~~بأهل الإسلام. # قال الشيخ أيده الله: والموضع الذي لزمت منه هذه الشناعة فقهاء العامة ~~دون الشيعة الإمامية أنهم يجيزون الخلع والطلاق والظهار في الحيض، وفي ~~الطهر الذي قد حصل فيه جماع من غير استبانة حمل، والإمامية تمنع من ذلك ~~وتقول: إن هذا أجمع لا يقع بالحاضرة التي تحيض إلا بعد أن تكون طاهرة من ~~الحيض طهرا لم # PageV00P179 # يحصل فيه جماع فلذلك سلمت مما وقع فيه المخالفون. # قال الشيخ أدام الله عزه: وقد حيرت هذه المسألة العامة حتى زعم بعضهم وقد ~~ألزمته أنا بمتضمنها، أن المطلقة بعد الرجعة إليها عن الخلع يلزمها العدة ~~وإن كانت مطلقة من غير دخول بها فرد القرآن ردا ظاهرا وقلت لهذا القائل: من ~~أين أوجبت عليها العدة وقد طلقها الرجل من غير أن يدخل بها مع نص القرآن؟ # فقال: لأنه قد دخل بها مرة قبل هذا الطلاق. # فقلت له: إن اعتبرت هذا الباب لزمك أن يكون من تزوج بامرأة وقد كان طلقها ~~ثلاثا فاستحلت ثم اعتدت وتزوجها بعد العدة ثم طلقها قبل أن يدخل بها في ~~الثاني أن تكون العدة واجبة عليها لأنه قد دخل بها مرة، وهذا خلاف دين ~~الإسلام. # فقال: الفرق بينهما أن هذه التي ذكرت قد قضت منه عدة والأولة لم تقض ~~العدة. # فقلت له: أليس قد أسقطت الرجعة لها بعد الخلع عنها العدة باتفاق؟ # قال: بلى، قلت له: فمن أين يرجع عليها ما كان قد سقط عنها، وكيف يصح ذلك ~~في الأحكام الشرعية وأنت لا يمكنك أن تلزمها العدة الساقطة ms129 عنها إلا بنكاح ~~لا يجب فيه العدة بظاهر القرآن؟ وهذا أمر متناقض فلم يأت بشئ. # فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه أيضا في الميراث وحديثه، حدثني الشيخ ~~أيده الله تعالى قال: أخبرني أبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، ~~عن أبيه رحمه الله، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد ~~بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن بكير بن أعين قال: PageV00P180 # جاء رجل إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر - عليه السلام - فقال له: يا ~~أبا جعفر ما تقول في امرأة تركت زوجها وأخويها لأمها وأختا لأبيها؟ فقال ~~أبو جعفر - عليه السلام -: للزوج النصف ثلاثة أسهم من ستة أسهم وللإخوة من ~~الأم الثلث سهمان من ستة وللأخت من الأب ما بقي وهو السدس سهم من ستة. فقال ~~له الرجل: فإن فرائض زيد وفرائض العامة والقضاة على غير ذلك يا أبا جعفر ~~يقولون: للأخت من الأب ثلاثة أسهم من ستة تعول إلى ثمانية، فقال له أبو ~~جعفر - عليه السلام -: ولم قالوا ذلك؟ قال: لأن الله تعالى يقول: * (إن ~~امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك) * (1) قال أبو جعفر - عليه ~~السلام -: فإن كانت الأخت أخا؟ قال: ليس له إلا السدس. # فقال أبو جعفر - عليه السلام -: فما لكم نقصتم الأخ إن كنتم تحتجون في ~~النصف للأخت بأن الله تعالى قد سمى لها النصف فإن الله تعالى قد سمى للأخ ~~أيضا الكل، والكل أكثر من النصف، قال الله سبحانه: * (فلها نصف ما ترك وهو ~~يرثها إن لم يكن لها ولد) * (2) فلا تعطون الذي جعل الله له الجميع في بعض ~~فرائضكم شيئا وتعطونه السدس في موضع وتعطون الذي جعل الله له النصف ذلك ~~تاما. # فقال له الرجل فكيف تعطي الأخت أصلحك الله النصف ولا يعطى الأخ شيئا؟ ~~فقال أبو جعفر - عليه السلام -: يقولون في أم وزوج وإخوة لأم وأخت لأب ~~فيعطون الزوج النصف ثلاثة أسهم من ستة تعول إلى تسعة والأم ms130 السدس والإخوة ~~من الأم الثلث والأخت من الأب النصف ثلاثة ترتفع من ستة إلى تسعة، قال: # كذلك يقولون، قال: فإن كانت الأخت أخا لأب؟ قال: ليس له شئ، فقال الرجل ~~لأبي جعفر - عليه السلام - فما تقول أنت رحمك الله؟ فقال: ليس للإخوة من ~~الأب والأم ولا للإخوة من الأم ولا للإخوة من الأب مع الأم شئ. # PageV00P181 # فصل ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه قال: وقد ألزم الفضل بن شاذان رحمه ~~الله فقهاء العامة في قولهم في الميراث أن يكون نصيب بني العم أكثر من نصيب ~~الولد واضطرهم إلى الاعتراف بذلك. # قال لهم: خبروني عن رجل توفي وخلف ثلاثين ألف درهم وخلف ثمانية وعشرين ~~بنتا وخلف ابنا واحدا كيف يقسم ميراثه؟ فقالوا: يعطى الولد الذكر ألفي درهم ~~وتعطى كل بنت ألف درهم، فيكون للبنات ثمانية وعشرون ألف درهم على عددهم ~~ويحصل للولد الذكر ألفا درهم فيكون ما قسمه الله تعالى وأوجبه في كتابه: * ~~(للذكر مثل حظ الأنثيين) *. # قال لهم: فما تقولون إن كان موضع الابن ابن عم كيف تقسم الفريضة؟ # فقالوا: يعطى ابن العم عشرة آلاف درهم وتعطى البنات كلهن عشرين ألف درهم. # قال لهم الفضل بن شاذان: فقد صار ابن العم أوفر حظا من الابن للصلب ~~والابن مسمى في التنزيل متقرب بنفسه، وبنو العم لا تسمية لهم إنما يتقربون ~~بأبيهم وأبوهم يتقرب بجده، والجد يتقرب بابنه، وهذا نقض الشريعة. # قال الشيخ أدام الله عزه: وإنما لزمت هذه الشناعة فقهاء العامة خاصة ~~لقولهم بأن من عدا الزوج والزوجة والأبوين يرثون مع الولد على خلاف مسطور ~~الكتاب والسنة، وإنما أعطوا ابن العم عشرة آلاف درهم في هذه الفريضة من حيث ~~تعلقوا بقوله تعالى: * (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) * (1) ~~فلما بقي الثلث أعطوه لابن العم فلحقتهم الشناعة المخرجة لهم عن الدين ونجت ~~الشيعة من ذلك. # PageV00P182 # فصل قال الشيخ أدام الله عزه: وما رأيت أشد وقاحة من الناصبة في تشنيعهم ~~على الإمامية فيما يذهبون إليه من الفقه المأثور عن آل ms131 محمد - عليهم السلام ~~- وإن عجبي ليطول منهم في ذلك فإنني لا أزال أسمع المحتفل منهم والمتفقه ~~يقول: خرجت الإمامية عن الاجماع في قولها إن البنت تحوز المال دون العم وقد ~~بينا عن الحجة في ذلك من نص القرآن وسنة رسول الله (ص)، ولو قالت الشيعة ~~ذلك فيهم ووصفتهم في توريث العم النصف مع البنت برد القرآن والسنة والاجماع ~~لكانت ظاهرة الحجة في صدقها. # ثم إن الرجل منهم ينفر العامة عن الإمامية بما يحكيه من قولها في توريث ~~المرأة قيمة الطوب والخشب دون ملك الرباع، والأثر عن آل محمد - عليهم ~~السلام - ورد بأن ذلك حكم الله تعالى في الأزواج لأنهن إنما يرثن بالسبب ~~دون النسب وهن يتزوجن بعد أزواجهن فلو ورثن من الأرض لأدخلن على ولد الميت ~~الأجنبي، فأدى ذلك إلى إفساد الملك في الأغلب وإن جاز سلامته من الفساد ~~فحكم الله تعالى بذلك في الأزواج لرأفته بعباده، وأعطيت المرأة قيمة ما ~~منعت من ملكه فلم تظلم في ذلك. # والناصبة لا ترجع على أنفسها باللوم إذا زعمت أن من سمى الله كل المال لا ~~يستحق منه شيئا في بعض فرائضهم ويستحق السدس في بعض آخر مع توريثهم الأخت ~~التي سمى لها النصف ذلك على كما له وإذا تأمل المتأمل ما وصفناه بان له من ~~جرأة القوم وتفريطهم (تغطرسهم ن خ) ما ذكرناه. # ثم يقولون أيضا: إن الشيعة تظلم في الفرائض فتعطي الابن الأكبر سيف ~~PageV00P183 # أبيه وقميصه وخاتمه ومصحفه دون الابن الأصغر فإن لم يكن له من الذكور إلا ~~ولد واحد أعطي ذلك دون البنات، وهذا القول مأثور من سنة رسول الله (ص) وقد ~~فعله أمير المؤمنين - عليه السلام - بابنه الحسن - عليه السلام - وفعلته ~~الأئمة - عليهم السلام - من بعده. # وقد ذهب جماعة من الإمامية إلى تعويض باقي الورثة بقيمة ما اختص به الولد ~~الأكبر والذكر دون البنات، ومن لم ير العوض ولا أخذ القيمة ذهب إلى أن ~~السنة أفردت الابن باستحقاق ذلك، وجاءت بتفضيله على باقي الولد كما جاء ~~القرآن: * (للذكر مثل ms132 حظ الأنثيين) *. # وإنما وجب للذكر ضغف ما للأنثى لأن عليه العقل والجهاد وليس ذلك على ~~الإناث، كذلك على الولد الأكبر قضاء الصوم عن أبيه والصلاة إذا كان قد فرط ~~فيهما وهو أن يجب عليه قضاء الصوم من مرض أو سفر فيسوفه ويخترم دونه، ويجب ~~عليه قضاء الصلاة التي نسيها فيسوفها وتأتيه المنية قبل قضائها، فيلزم ~~الولد الأكبر من الذكور قضاء ذلك فلأجله فضل في الميراث بما ذكرناه. # وليس هذا بأشنع من قولهم إن ابن العم أوفر حظا في الميراث من الابن وإن ~~الابن أقل سهما من ابن العم، بل لا شناعة في قول الشيعة، وهذا القول ضلال ~~بخلاف الكتاب والسنة في قواعد الاجماع. PageV00P184 # فصل قال الشيخ أدام الله عزه: ومن شناعتهم على أهل الإمامة ما اختصوا به ~~من جمهورهم في المسح على الرجلين، وظاهر القرآن ينطق بذلك قال الله تعالى: ~~* (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) * (1) فأوجب المسح بصريح ~~اللفظ، وجاءت الأخبار أن رسول الله (ص) توضأ فغسل وجهه وذراعيه ومسح برأسه ~~ومسح برجليه، وأن أمير المؤمنين - عليه السلام - توضأ كذلك، وأن ابن عباس ~~رحمه الله قال: نزل القرآن في الوضوء بغسلين ومسحين فاسقط الله تعالى ~~الغسلين في التيمم وجعل بدلهما مسحين. وجاءت الآثار عن أئمة الهدى من آل ~~محمد - عليهم السلام - أنهم قالوا: # إن الرجل ليصلي أربعين سنة وما يطيع الله عز وجل في الوضوء. فقيل لهم: ~~وكيف ذلك؟ فقالوا: يجعل موضع المسح غسلا. # فهذا القول لا شناعة فيه لموافقته الكتاب والسنة وأحكام أهل البيت - ~~عليهم السلام - وخيار الصحابة، لكن الشناعة في قولهم بالمسح على الخفين ~~اللذين ليسا من بعض الإنسان ولا من جوارحه ولا نسبة بينهما وبين أبعاضه إلا ~~كغيرهما من الملبوسات، والقرآن ينطق بضد قولهم في ذلك إذ صريحه يفيد إيقاع ~~الطهارة بنفس الجارحة دون ما عداها. # وقد قال الصادق - عليه السلام -: " إذا رد الله كل إهاب إلى موضعه ذهبت ~~طهارة هؤلاء - يعني الناصبة في ms133 جلود الإبل والبقر والغنم " وهم أنفسهم أعني ~~الناصبة # PageV00P185 # يروون عن عائشة أنها قالت: لأن ينقطع رجلاي بالمواسي أحب إلي من أن أمسح ~~على الخفين، ويروون عن أبي هريرة أنه كان يقول: " ما أبالي أمسحت على خفي ~~أم مسحت على ظهر عير بالفلاة " وكثيرا ما يشنعون علينا بتحليل المتعة ~~بالنساء وقد تقدم قولنا بالحجة على صحتها من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ~~فلا شناعة في القول بها. # لكن الشناعة عليهم في القول بنكاح الأمهات، والأخوات، والبنات والعمات ~~والخالات، والمستأجرات من ذوات الصناعات، وإتيان النساء في أدبارهن على ~~الجبر لهن والاكراه، والجمع بين الأخوات في ملك اليمين والأمهات والبنات ثم ~~لا يقنعون بالتشنيع بالحق الذي لا قبح فيه مع شناعة مذاهبهم وقبحها على ما ~~وصفناه حتى يتخرصون علينا بالكذب فيزعمون أنا لا نلحق ولد المتعة بأبيه، ~~وهذا بهت منهم للشيعة وكذب عليهم لا شبهة فيه. # لكن القول عنهم فيما لا يمكنهم دفاعه مما هو ضد للشريعة وخروج عن الملة ~~قول أبي حنيفة: إن الرجل إذا تزوج بالمرأة ثم طلقها عقيب عقد النكاح بلا ~~فصل فأتت بولد لستة أشهر أنه يلحق به من غير أن يكون جامعها الرجل ولا خلا ~~بها، وإنما عقد عليه لها أبوها وطلقها هو في المجلس فألحق بالرجل غير ولده، ~~وقال: لو عقد عليها بمصر وهي ببغداد ثم جاءت بولد وهو بمصر لم يبرح منها ~~للحق به الولد. # وقال الشافعي بضد هذا: إنه لو افتض رجل بكرا وأحبلها فجاءت بابنة لحل له ~~العقد عليها وحل له وطيها، فأباح هذا نكاح ابنته وعلق ذلك على الرجل غير ~~ولده. # ثم زعم أبو حنيفة أيضا: أن المرأة إذا زنت بصبي صغير لم تحد وإن زنى ~~PageV00P186 # كبير بصغيرة حد، فأبطل قول الله تعالى: * (الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة) * (1) ثم فرق بين المتفقين وناقض في القياس وقال ~~مضيفا إلى قبايح قوله: إن المرأة إذا كان لها مهر فمات زوجها وتقادم موته ~~وجهل مهر المرأة فإنه لا مهر لها. # ونظير ذلك قوله: إن ms134 المقر على نفسه بشرب الخمر بعد ما تقادم لا حد عليه، ~~فأبطل بذلك أيضا حكم الله تعالى وقال في الجماعة، إذا سرق بعضهم دون بعض ~~قطع الجميع، فأوجب الحد على من أسقطه الله عنه وأسقطه عمن أوجبه الله تعالى ~~عليه. # تم - الجزء الأول = ويتلوه = الجزء الثاني = بمشيئة الله وعونه # PageV00P187 # الجزء الثاني من كتاب الفصول المختارة بسم الله الرحمن الرحيم فصل قال ~~الشيخ أيده الله: وقد ناقض رجل من أهل الحجاز رجلا من أهل العراق وشنع عليه ~~في مقالته فقابله العراقي وظهر بينهما في ذلك فضائحهما معا وقبح ~~اعتقاداتهما، وأنا أحكي طرفا من قولهما لينضاف إلى ما أثبتناه في ذلك. # قال الحجازي: وجدت الله تعالى يقول: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا) * (1). وأرى العراقي يقول: فإن لم تجدوا ماء فتوضأوا بالنبيذ بخلاف ~~قول الله عز وجل ورسوله (ص) وإجماع المسلمين. # فقال العراقي: وأنا أيضا وجدت الله يقول: * (واستشهدوا شهيدين من # PageV00P189 # رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء) * (1) ~~وأرى الحجازي يقول: واستشهدوا شاهدا واحدا ويمين المدعي، مع قول النبي (ص): ~~" لو يعطى قوم بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم " فخالف كتاب الله وسنة ~~نبيه (ص) وإجماع المسلمين. # ثم قال الحجازي: وأرى العراقي يقول في فأرة وقعت في بئر فماتت إنه ينزح ~~منه عشرون دلوا، وإن وقع فيها ذنب فأرة ينزح ماء البئر كله، فما أعجب هذا ~~القول وأطرفه! كيف يكون الكل غير منجس والبعض منجسا إن هذا لشئ عجيب! # فقال العراقي: أطرف من هذا القول قولك أيها الحجازي في فأرة وقعت في بئر ~~فيها قلتان من ماء وتفسخت فيها إن ماء البئر طاهر ولو أخذ من الماء قلة ~~وفيها بعض الفارة لكان ذلك الماء نجسا، فقد صارت الفارة بأسرها غير منجسة ~~وبعضها منجس، والماء بأسره طاهر وبعضه نجس، وهذا أشنع مما حكيت عنا. # ثم قال الحجازي: وأرى العراقي يقول في الفارة إذا ماتت في البئر إنه ينزح ~~منها عشرون دلوا، وإن مات فيها إنسان من أهل الطهارة والإيمان ms135 ينزح الماء ~~كله، أفترى الفارة أطهر من أهل الإيمان، نعوذ بالله من سوء الاختيار فقال ~~العراقي: وأنا أيضا أرى الحجازي يقول إن المسلم المؤمن التقي الطاهر إذا مس ~~فرجه وجب عليه الوضوء ولو مس فرج كلب أو خنزير لما وجب عليه الوضوء بجعل ~~الكلب والخنزير أطهر من أهل التقى والإيمان نعوذ بالله من الخذلان. # PageV00P190 # وحكى زكريا بن يحيى الساجي عن أبي حنيفة قال: إذا أدخل الجنب يده. # في بئر بنية الوضوء فسد الماء كله، وإن لم ينو الوضوء كان الماء طاهرا، ~~وهذا عجيب أيضا. # وحكي عن محمد بن الحسن أنه كان يقول: لو أن رجلا، جنبا دخل بئرا ينوي ~~الغسل من الجنابة لفسد الماء كله ولم يطهر هو، فإن خرج منها ثم دخلها ثانية ~~لم يطهر هو أيضا ولم يطهر الماء، فإن دخلها ثالثة كان هذا حكمه، فإن دخلها ~~رابعة طهر. # وحكي عن أبي يوسف أنه قال: لو أن رجلا جنبا دخل بئرا ليخرج منها دلوا ~~فانغمس فيها لم يفسد الماء ولم يجزه الغسل، وقال محمد بن الحسن: لا يفسد ~~الماء ويجزيه الغسل، وهذه الأقوال عجيبة جدا. # قال الشيخ أيده الله: عدنا إلى الحكاية عن المتناقض الحجازي بئرا ليخرج ~~منها قال الحجازي: رأيت العراقي يدفع السنن بالراح ويعدل عنها إلى الرأي ~~والقياس، لأنا نجد النبي (ص) يقول: الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، وقال ~~العراقي: إن الوضوء غير محتاج إلى النية جرأة منه على رد السنن. # فقال العراقي: وأنا أرى الحجازي أرد للسنة مني وأشد إقداما على البدعة، ~~لأنه يقول في صرورة أحرم بالحج عن غيره أن الحجة تكون على المحرم وتجزيه عن ~~حجة الإسلام، فيا عجبا من مدع على العراقي رد السنة في الوضوء بغير النية ~~ويأتي هو في الحج الذي هو أعظم الدين فيجيزه بغير نية، نعوذ بالله من مشنع ~~هو بالتشنيع عليه أولى، ومن عائب بشئ قد أتى ما هو أعظم منه. # ثم قال الحجازي: وأرى العراقي يقول: إن الرجل لو صلى في ثوب فيه من بول ms136 ~~ما (لا ن خ) يؤكل لحمه أكثر من قدر الدرهم أن صلاته جائزة إلا أن يكون ~~كثيرا PageV00P191 # فاحشا، والكثير عنده ربع الثوب فصاعدا، ثم يناقض فيقول: لو أن شاة بالت ~~في بئر فيها ألف قربة ماء لنجس الماء كله، وهذا من فاحش المناقضة. # فقال العراقي: وأرى الحجازي أولى بالمناقضة لأنه يقول: لو أن رجلا تيمم ~~بتراب قد خالطه دقيق لم يجزه، وإن توضأ بماء قد خالطه لبن كان وضوءه جائزا، ~~وهذا أعجب من ذلك. # ثم قال الحجازي: وجدت الله تعالى يقول: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم ~~إلى الكعبين) * (1) فأمر تعالى بالوضوء مرتبا، وقال رسول الله حين بدأ ~~بالصفا: # (نبدأ بما بدأ الله تعالى به)، وأرى العراقي ينقض ذلك ويخالف الله في ~~ترتيبه. # فقال العراقي: فإني رأيتك أيها الحجازي تقول في أصل الديانة بمثل ما شنعت ~~به علي، وذلك أن الله عز وجل يقول: * (وفضل الله المجاهدين على القاعدين ~~أجرا عظيما) * (2) ويقول تعالى: * (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ~~إنما يتذكر أولوا الألباب) * (3) فقدم الله جل اسمه أهل الجهاد على ~~القاعدين في محل التعظيم، ولم يسو بين العالمين وبين من نقص عن رتبتهم في ~~العلم وقد قدمنا جميعا أبا بكر على علي بن أبي طالب وكان أكثر علما من أبي ~~بكر، وكان مجاهدا، وأبو بكر قاعد، فيجب أن نشترك جميعا في العيب وتسلم منه ~~الرافضة خاصة، وهذا مما لا ترتضيه لنفسك، ثم قال له: على أننا قد اتفقنا ~~جميعا على تقديم المياسر على الميامن ولم نوجب الترتيب في ذلك فيجب أن نكون ~~جميعا قد خالفنا الله في ترتيبه. # PageV00P192 # فصل ثم قال الحجازي: وأرى العراقي متعجرفا في قوله متعسفا في نحلته يقدم ~~بالعصبية على الأنبياء وينجس الأخيار والأصفياء. من ذلك قوله: إن المني نجس ~~ومنه خلقت الأنبياء، فليت شعري إذا لم يفكر في تنجيس نفسه فهلا اتقى الله ~~في إقدامه على أنبياء ربه بالتنجيس ولقد نزه الله عز وجل الأنبياء ms137 عما ~~أضافه إليهم. # فقال العراقي: وأرى الحجازي أشد تعجرفا وتعسفا وإقداما على القول بالباطل ~~من ذلك قوله: إن الشعر إذا بان من الحي فهو نجس، وهذا رد على رسول الله (ص) ~~وقول فظيع في سنته لأن النبي (ص) قسم شعره حين حلقه بمنى بين أصحابه ~~لتلحقهم بركته، ولو كان نجسا وحاشا له (ص) مما ذهب إليه الحجازي لما قسمه ~~بين أصحابه ولكان يجعل سبيله سبيل ما يخرج من السبيلين في إطراحه وإبعاده ~~ولكنه (ص) أعلمنا بفعله ذلك طهارة شعره فوجب علينا أن نحكم لأجل ذلك على كل ~~شعر بائن بالطهارة لاتفاق العلل الموجبة لذلك. # ثم قال الحجازي: ورأيت النبي (ص) قال في الصلاة: تحريمها التكبير ~~وتحليلها التسليم، وأرى العراقي يقول: تحريم الصلاة التعظيم والتهليل، ~~وتحليلها البول والغائط والضراط، وهذا رد على رسول الله (ص). # فقال العراقي: وأنا أرى الحجازي قد دان بمثل ذلك وأشنع منه وذلك أن من ~~قوله إنه من قذف المحصنات في صلاته ساهيا جازت صلاته، والنبي (ص) قد جعل ~~التسليم خروجا فكيف يكون التسليم خروجا وقذف المحصنات ليس بخروج، وهذا هو ~~الرد على رسول الله (ص)، قال وهو يقول مع ذلك مناقضا أنه لو PageV00P193 # قال في افتتاح الصلاة الأكبر الله لم يكن مكبرا حتى يأتي باللفظ المعروف ~~في ذلك وهو الله أكبر ولو قال في موضع التسليم عليكم السلام لكان مسلما ~~خارجا من الصلاة وإن خالف المعروف المأثور في ذلك. # ثم قال الحجازي: ورأيت الله سبحانه يقول في القرآن بلسان عربي مبين، وأرى ~~العراقي يقول: لو قرأ بالفارسية في الصلاة لكان جائزا تحريفا للقرآن ~~وتبديلا له وإدخالا له في جملة ما يأتيه الباطل وقد نفى الله عز وجل عنه ~~الباطل من بين يديه ومن خلفه وهو أيضا إخراج القرآن عن حد الاعجاز إلى حد ~~الامكان نعوذ بالله من الخذلان. # فقال العراقي: وأرى الحجازي قد شاركني في هذه الشناعة وأبطل الكتاب ~~والسنة وذلك أن الله تعالى يقول: * (ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ~~ليبين لهم) * (1) وقال تعالى: ms138 * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * ~~(2) ولم ير النبي (ص) في حال يلفظ بالفارسية فضلا عن أن يؤدي فرضا من فرائض ~~الصلاة بالفارسية، ولا خلاف عند الحجازي أن التشهد في الصلاة والصلاة على ~~النبي (ص) فيها فرض، ولو تشهد المصلي بالفارسية في الصلاة لأجزأه ذلك، ولو ~~سلم أيضا التسليمة التي هي عنده فريضة بالفارسية لأجزأه ذلك، فإن كان ~~العراقي قد خالف القرآن فالحجازي قد رد السنة والقرآن. # ثم قال الحجازي: رأيت النبي (ص) يقول: كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب ~~فهي خداج، وأرى العراقي يجيز الصلاة بالآية القصيرة مثل ألم، ومدهامتان، ~~وما أشبههما من الآيات جرأة منه على الله عز وجل. # PageV00P194 # فقال العراقي: وأرى الحجازي قد نقض هذا الخبر وأبطل معناه وذلك أنه يقول: ~~من قرأ بآية طويلة مقدارها مقدار فاتحة الكتاب أجزأته صلاته فقد دخل بهذا ~~القول فيما عاب، ورد الحديث الذي احتج به ردا واضحا. # ثم قال الحجازي: وأرى العراقي مدعيا للقياس وهو مع ذلك أشد الناس مناقضة ~~وأبعدهم من القياس من ذلك قوله في رجل تكلم في الصلاة ساهيا فإن ذلك مفسد ~~لصلاته، وإن سلم في صلاته ساهيا لم يفسد صلاته، فأي مناقضة أبين من هذه؟ # فقال العراقي: وأرى الحجازي أكثر مناقضة وأعجب مقالة من ذلك قوله: # إن الخائف على نفسه من السبع والعدو في حال القتال أنه يصلي إلى غير ~~القبلة ولا إعادة عليه، وإن تيمم وهو يخاف على نفسه التلف إن اغتسل صلى ~~بتيممه وأعاد الصلاة، وهذا لعمري هو المناقضة الظاهرة. # ثم قال الحجازي: وأرى العراقي يقدم على رد الكتاب ويبيح ما قد جعل الله ~~إباحته على صفة من ذلك قوله: إن العائث في الأرض بالفساد يحل له أكل الميتة ~~عند الضرورة، ويقصر عند طول سفره فأباح رخص الله تعالى حيث حظرها. # فقال العراقي: فإن قول الحجازي أعجب، وذلك أنه يبيح لهذا العائث بعينه ~~المسح على الخفين يوما وليلة كما يبيحه للمقيم، فإن كان ذلك تشهيا فلا مكاس ~~بالشهوة، وإن كان اتباعا ms139 للسنة واقتداء بالسلف فلسنا نعلم لذلك قائلا ممن ~~تقدم الحجازي والله نسأل التوفيق. # ثم قال الحجازي: وأرى العراقي يقول في الرجل يصلي الظهر يوم الجمعة ~~PageV00P195 # في منزله أنها تجزيه، ثم يقول إن خرج بعد ذلك يريد الجمعة فأدرك الإمام ~~في الصلاة صلى معه وإن لم يدرك الإمام أعاد الظهر أربعا فهي في حال تجزيه ~~وفي حال لا تجزيه، وهذا تلاعب بالدين. # فقال العراقي: فإن الحجازي أشد تلاعبا بالدين مني، وذلك أنه يقول في ~~الإمام إذا خطب خطبتين لم يجلس بينهما أن ذلك لا يجزيه وإن صلى ركعتين لم ~~يجزه عن الجمعة، وحجته ز ذلك أن النبي (ص) فرق بين الخطبتين، فلا يجزي خلاف ~~فعل النبي (ص)، وهو مع هذا يقر بأن النبي (ص) ما اعتكف إلا صائما والاعتكاف ~~على مذهبه يجوز بغير صيام خلافا للنبي (ص) وخلافا على جميع أصحابه إذ لم ير ~~أحد منهم اعتكف إلا بصيام، فأينا على هذا القول ألعب في الدين؟ # ثم قال الحجازي: وأرى العراقي مع مناقضته في الطهارة والصلاة قد ناقض ~~أيضا في الزكاة وذلك إني رأيت النبي (ص) جعل في أربعين من الغنم شاة، وأرى ~~العراقي يجعل فيها كلبا، ورأيت رسول الله (ص) جعل صدقة الفطرة من الحنطة ~~والشعير وأرى العراقي يعطي من ذلك السقمونيا. # فقال العراقي: وأنا أيضا رأيت النبي (ص) يقول في خمس من الإبل شاة، وأرى ~~الحجازي يقول في خمس من الإبل بعير، وهذا رد على النبي (ص). # ثم قال الحجازي: ورأيت النبي (ص) يقول ليس فيما دون خمس أواق صدقة وأرى ~~العراقي يقول إذا كانت للرجل عشرة مثاقيل ذهبا ومائة درهم قيمتها عشرة ~~مثاقيل، أن عليه الزكاة خلافا للسنة. # فقال العراقي: وأنا أرى الحجازي قد رد قول النبي (ص) " ليس فيما دون ~~الخمس أواق صدقة " لأنه يوجب على ألف رجل لهم مئتا درهم الزكاة ويسقطها عمن ~~يملك مائة ألف درهم من الصيارفة، وهذا هو السفه في الأحكام. PageV00P196 # ثم قال الحجازي: وقد ناقض العراقي أيضا في الصيام، فقال: إذا داوى ms140 الصائم ~~جائفة في شهر رمضان فعليه القضاء، وإن بلع حصاة أو خاتما وما أشبههما ~~متعمدا لم يجب عليه بذلك القضاء. # فقال العراقي: فإن الحجازي شريكي في المناقضة، وذلك أن من قوله إن ~~المسافر والمريض إذا أفطرا في شهر رمضان ثم لم يقضيا ما أفطراه حتى حال ~~عليهما شهر رمضان آخر أن عليهما القضاء والكفارة، وقال مع ذلك لو أن رجلا ~~أفطر عامدا في شهر رمضان من غير عذر كان عليه القضاء ولا كفارة عليه فأينا ~~مع هذا أشد مناقضة. # ثم قال الحجازي: وقال العراقي مناقضا في المجنون إذا غلب الجنون على عقله ~~الشهر كله لم يكن عليه القضاء، وإن أفاق في بعض الشهر كان عليه صيام ما ~~أفاق فيه وقضاء ما سلف ثم قال في المغمى عليه الشهر كله، عليه قضاء الشهر ~~بأسره وهذه هي المناقضة الواضحة. # فقال العراقي: قد ذهب الحجازي إلى مثل ذلك بعينه، فقال: إن من بلغ من ~~الصبيان في بعض النهار أنه يمسك بقية يومه ولا قضاء عليه، ومن أسلم من ~~الكفار في بعض النهار كان عليه قضاء ذلك اليوم، وهذا ما لا خفاء بالمناقضة ~~فيه ثم قال الحجازي: وأرى العراقي مبدعا في الحج كإبداعه فيما سلف وذلك أن ~~النبي (ص) قال: لا ينكح المحرم ولا ينكح وأرى العراقي يقول: لا حرج على ~~المحرم أن ينكح وينكح، ردا لقول رسول الله (ص). # فقال العراقي: وأنت أيها الحجازي قد رددت على النبي (ص) وذلك أن ~~PageV00P197 # النبي (ص) قال: إن المحرم إذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين ويقطعهما من ~~أسفل الكعبين وأنت تقول يلبس الخفين ولا حرج عليه وإن لم يقطعهما فرددت على ~~النبي (ص) ردا صريحا. # ثم قال الحجازي: وأرى العراقي يقابل أفعال النبي (ص) بالرد ويبدع المتبع ~~لسنته، ومن ذلك أن النبي (ص) أشعر بدنة وسلت الدم بإصبعه، فقال العراقي ~~إشعار البدنة بدعة. # فقال العراقي: فإن الحجازي أيضا غير سليم من هذا العيب، وذلك أن النبي ~~(ص) قيل له ليلة المزدلفة: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك، وأعيد ms141 عليه القول، ~~فقال: الصلاة أمامك، حتى أتى المزدلفة فجمع بها الصلاتين، وقال الحجازي: لا ~~حرج في الصلاة قبل جمع في وقت لم يصل النبي (ص) فيه وفي موضع لم يصل فيه، ~~وهذا أشنع مما أضافه إلى العراقي. # ثم قال الحجازي مشنعا على العراقي في البيوع أنه يجعل الخمرة النجسة ~~المحرمة أثمانا للأشياء استخفافا بالشريعة، من ذلك: قوله إن المسلم إذا ~~اشترى عبدا من ذمي بخمر ثم أعتقه أن العتق جائز وعليه قيمة الخمر فقال ~~العراقي: وإن الحجازي يقول في مسلم كاتب عبده على خمر إن العبد يكون مكاتبا ~~وعليه أداء الخمر لا غيره، وهذا هو ما عابه بعينه. # وشنع الحجازي أيضا فقال. وأرى العراقي لا يتحاشى من إجازة بيع الخمر ~~تهاونا بالمحارم، من ذلك قوله: لا بأس ببيع العصير ممن يتخذه خمرا. # فقال العراقي: فأنت أيضا تقول: لا بأس ببيع السلاح لأهل الحرب وحمله ~~إليهم ومبايعة قاتلي الأنفس وقاطعي الطريق ومخيفي السبل، السلاح الذي ~~PageV00P198 # يتوصلون به إلى حتف أهل الإسلام، وهذا أشنع مما ذكرت. # فقال الحجازي: رأيت النبي (ص) يقول: ثمن الكلاب سحت، وأمر بقتل الكلاب، ~~وأرى العراقي يستجيز بيع الكلاب وأكل أثمانها. # فقال العراقي: فإن الحجازي قد رد قول النبي (ص) كما رددت، وذلك أن النبي ~~(ص) قال: من ملك ذا رحم فهو حر والحجازي يقول: إن الرجل يملك أخته، والمرأة ~~تملك أخاها، وهذا أقبح مما حكاه عن العراقي. # ثم شنع الحجازي على العراقي في الكفارات، فقال: وجدت الله تعالى يقول في ~~كفارة اليمين: * (إطعام عشرة مساكين) * (1) وأرى العراقي يقول: يطعم مسكينا ~~واحدا عشر مرات وقد أدى فرض الله عز وجل عليه. # وقال العراقي: فإن الله تعالى يقول: * (إطعام عشرة مساكن من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم) * (2) وأنت أيها الحجازي تقول إن كسى مسكينا ~~واحدا عشر مرات أجزأه، فكيف أكون أنا رادا للقرآن في الاطعام ولا تكون أنت ~~رادا له في الكسوة، لولا الاقتراح الذي لا يجدي نفعا. # ثم شنع الحجازي على العراقي في الحدود، فقال: رأيت العراقي ms142 مبطلا لحدود ~~الله عز وجل، من ذلك قوله في مجنون زنى بصحيحة أنه لا حد عليهما، ثم يقول ~~مناقضا: وإن زنح صحيح بمجنونة فإن الحد عليه. # فقال العراقي: فإن الحجازي يقول إن المجنون إذا جامع امرأته الصحيحة في ~~شهر رمضان وهي صائمة لم يكن عليها كفارة، ولو جامع صحيح امرأته PageV00P199 # المجنونة في شهر رمضان كانت عليه الكفارة فقد ناقض هو أيضا ودخل فيما ~~عاب. # ثم قال الحجازي: وأرى العراقي يكافئ دماء أهل الكفر بدماء أهل الإسلام مع ~~قول الله تعالى: * (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * (1) فزعم ~~أن المسلم يقتل بالكافر وأن لأهل الذمة أن يقتلوا أهل الإيمان قودا. # فقال العراقي: وأنت أيها الحجازي شريكي في مثل ذلك لأنك تقول إن مخيف ~~السبيل إذا كان مسلما وقتل ذميا قتل أو صلب والذي (والمزني ن خ) من قبلك ~~يقول إن المسلم إذا قتل الذمي غيلة قتل به فأي شناعة ليست عليكما. # قال الشيخ أدام الله عزه: فهذا طرف مما تناقض فيه الرجلان قد أتيت به على ~~نهاية من الاختصار، ولو ذكرت جميع ما وجدته لهما في إثبات الأحكام لاحتجت ~~إلى كتاب مفرد لذلك وخرجت عن غرضي في هذا الكتاب، وفيما أوردته كفاية لأولي ~~الألباب في بطلان ما ذهب إليه أهل الخلاف لآل محمد - عليهم السلام - من ~~الحلال والحرام. # PageV00P200 # فصل ومن حكايات الشيخ وكلامه، قال الشيخ أيده الله: قال لي يوما بعض ~~المعتزلة: لو كان ما تدعونه من هذا الفقه الذي تضيفونه إلى جعفر بن محمد ~~وآبائه وأبنائه - عليهم السلام - حقا وأنتم صادقون في الحكاية عنهم، لوجب ~~أن يقع لنا معشر مخالفيكم العلم الضروري بصحة ذلك حتى لا نشك فيه كما وقع ~~لكم صحة الحكاية عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وداود وغيرهم من فقهاء ~~الأمصار برواية أصحابهم عنهم. فلما لم نعلم صحة ما تدعونه مع سماعنا ~~لأخباركم وطول مجالستنا لكم، دل على أنكم متخرصون في ذلك. # وبعد فما بال كل من عددناه من فقهاء الأمصار قد استفاض عنهم القول في ~~الفتيا ms143 استفاضة منعت من الريب في مذاهبهم، وأنتم أئمتكم أعظم قدرا من هؤلاء ~~وأجل خطرا لا سيما مع ما تعتقدونه فيهم من العصمة وعلو المنزلة والفضل على ~~جميع البرية والبينونة من الخلق بالمعجزة وما اختصوا به من خلافة الرسول ~~(ص) وفرض الطاعة على الجن والإنس إن هذا لشئ عجيب. # قال الشيخ أيده الله: فقلت له: إن الجواب عن هذا السؤال قريب جدا غير أني ~~أقلبه عليك فلا يمكنك الانفصال منه إلا بإخراج من ذكرت من جملة أهل العلم، ~~ونفي المعرفة عنهم وإسقاط مقال من زعم أنهم كانوا من أصحاب الفتيا، والعلم ~~الضروري حاصل لكل من سمع الأخبار بضد ذلك وخلافه، وأنهم - عليهم السلام - ~~كانوا من أجلة أهل الفتيا، وذلك أننا وإن كنا كاذبين على قولك فلا بد ~~لهؤلاء القوم - عليهم السلام - من مقال في الفتيا يتضمن بعض ما حكيناه ~~عنهم، فما بالنا PageV00P201 # معشر الشيعة بل ما بالكم معشر الناصبة لا تعلمون مذاهبهم على الحقيقة ~~بالضرورة كما تعلمون مذاهب أهل الحجاز وأهل العراق ومن ذكرت من فقهاء ~~الأمصار فإن زعمت أنك تعلم لهم في الفتيا مذهبا بخلاف ما نحكيه عنهم، علم ~~اضطرار مع تديننا بكذبك في ذلك، لم نجد فرقا بيننا وبينك إذا ادعينا أننا ~~نعلم صحة ما نحكيه عنهم بالاضطرار وأنك وأصحابك تعلمون ذلك ولكنكم تكابرون ~~العيان وهذا ما لا فصل فيه. # فقال: إنا لم نعلم مذاهبهم باضطرار لأنه كان مبثوثا في مذاهب الفقهاء ~~وكانوا - عليهم السلام - يختارون فاختاروا من قول الصحابة والتابعين فتفرق ~~مجموع اختيارهم في مذاهب الفقهاء. # فقلت: إن هذا بعينه موجود في مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي ومن عددت لأن ~~هؤلاء تخيروا من أقوال الصحابة والتابعين فكان يجب أن لا نعلم مذاهبهم ~~باضطرار على أنك إن قنعت بهذا الاعتلال فإنا نعتمد عليه في جوابك، فنقول ~~إننا إنما تعرفنا في علم الاضطرار بمذاهبهم - عليهم السلام - لأن الفقهاء ~~يقسموا مذاهبهم المنصوصة عندنا قد أتوا بها على سبيل الاختيار لأن قولهم ~~متفرق في مقال الفقهاء فلذلك لم يقع العلم به باضطرار ms144 فقال: فهب أن الأمر ~~كما وصفت ما بالنا لا نعلم ما رويتم عنهم من خلاف جميع الفقهاء علم اضطرار؟ # فقلت له: ليس شئ مما تومي إليه إلا وقد قاله صحابي أو تابعي وإن اتفق من ~~ذكرت من فقهاء الأمصار على خلافه الآن فلما قدمناه مما رضيته من الاعتلال ~~لم يحصل علم الاضطرار مع أنك تقول لا محالة بأن قولهم - عليهم السلام - في ~~هذه الأبواب PageV00P202 # بخلاف ما عليه غيرهم فيها وهو ما أجمع عليه عندك فقهاء الأمصار من ~~الصحابة والتابعين بإحسان، فما بالنا لا نعلم ذلك من مقالهم علم اضطرار ~~وليس هو مما يحدثه مذاهب الفقهاء ولا اختلف فيه عندك من أهل الإسلام أحد، ~~فبأي شئ تعلقت في ذلك تعلقنا به في إسقاط سؤالك والله الموفق للصواب فلم ~~يأت بشئ تجب حكايته والحمد لله. # قال الشريف أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي أيده الله: قلت للشيخ أيده ~~الله عقيب هذه الحكاية لي: إن حمل هؤلاء القوم أنفسهم على أن يقولوا إن ~~جعفر بن محمد وأباه محمد بن علي وابنه موسى بن جعفر - عليهم السلام - لم ~~يكونوا من أهل الفتيا لكنهم كانوا من أهل الزهد والصلاح. # قال: فإنه يقال لهم: هب أنا سامحناكم في هذه المكابرة وجوزناها لكم أليس ~~من قولكم وقول كل مسلم وذمي وعدو لعلي بن أبي طالب وولي له، أن أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - كان من أهل الفتيا؟ فلا بد من أن يقولوا: بلى، ~~فيقال لهم: # ما بالنا لا نعلم جميع مذاهبه في الفتيا كما نعلم جميع مذاهب من عددتموه ~~من فقهاء الأمصار بل من الصحابة كزيد وابن مسعود وعمر بن الخطاب، فإن ~~قالوا: # إنكم تعلمون ذلك باضطرار، قلنا لهم: وذلك هو ما تحكونه أنتم عنه أو ما ~~نحكيه نحن بما يوافق حكايتنا عن ذريته - عليهم السلام -، فإن قالوا: هو ما ~~نحكيه دونكم، قلنا لهم: ونحن على أصلكم في إنكار ذلك مكابرون، فإن قالوا: ~~نعم، قلنا لهم: بل العلم حاصل لكم بما نحكيه عنه خاصة وأنتم في إنكار ذلك ms145 ~~مكابرون وهذا ما لا فصل فيه. # وهو أيضا يسقط اعتلالكم في عدم العلم الضروري بمذاهب الذرية لما ذكروه من ~~تقسيم الفقهاء لها، لأن أمير المؤمنين - عليه السلام - قد سبق الفقهاء ~~الذين PageV00P203 # أشاروا إليهم وكان مذهبه - عليه السلام - منفردا فإن اعتلوا بأنه كان ~~متقسما في قول الصحابة فهم أنفسهم ينكرون ذلك لروايتهم عنه الخلاف، مع أنه ~~يجب أن لا نعرف مذهب عمر وابن مسعود لأنهما كانا متقسمين في مذهب الصحابة، ~~وهذا فاسد من القول بين الاضمحلال. # قال الشيخ: وهذا كلام صحيح، ويؤيده علمنا بمذاهب المختارين من المعتزلة ~~والزيدية والخوارج مع انبثاثها في أقاويل الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ~~وقال الشيخ أيده الله تعالى: وقد ذكرت الجواب عما تقدم من السؤال في هذا ~~الباب في كتابي المعروف بتقرير الأحكام ووجوده هناك يغني عن تكراره هاهنا ~~إذ هو في موضعه مستقصى على البيان. # فصل ومن حكايات الشيخ وكلامه قال الشيخ أدام الله عزه: حكى عمرو بن بحر ~~الجاحظ عن إبراهيم بن سيار النظام في كتاب الفتيا بعد كلام أورده في صدره: # قال إبراهيم: وقد قال عمر بن الخطاب: " لو كان هذا الدين بالقياس لكان ~~باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره "، قال: وهذا القول من عمر لا يجوز إلا في ~~الأحكام والفرائض وأما الوعد والوعيد والتعديل والتجويز والتشبيه ونفي ~~التشبيه فلا يجوز فيه خلاف القياس، وقد كان يجب على عمر بن الخطاب، العمل ~~بما قال في الأحكام كلها ولكنه ناقض فاستعمل القياس بعد أن منع منه بما ~~تقدم من المقال. # فقال الجاحظ: وقال إبراهيم: وليس ذلك بأعجب من قوله يعني عمر بن ~~PageV00P204 # الخطاب " أجرأكم على الجد أجرأكم على النار " ثم قضى في الجد بمائة قضية ~~مختلفة، ذكر ذلك هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني ~~عن شئ من أمر الجد فقال: إني لأحفظ من عمر مائة قضية في الجد كلها ينقض ~~بعضها بعضا. # قال إبراهيم: وليس قول من قال إنما كان ذلك من عمر على جهة الاصلاح بين ~~الخصوم بشئ لأن ms146 الاصلاح غير القضاء، وكيف يكون هذا التأويل مذهبا وعمر نفسه ~~يقول: إني قضيت في الجد قضايا مختلفة كلها لم آل فيها عن الحق فإن أعش إن ~~شاء الله لأقضين فيه بقضاء لا يختلف فيه اثنان بعدي تقضي به المرأة وهي ~~قاعدة على ذيلها " ذكر ذلك أيوب السجستاني (السختياني ن خ) وابن عون عن ~~محمد بن سيرين، وهؤلاء بعمر أعرف ممن خرج له العذر. # وقال الجاحظ: وقال إبراهيم: وقال أيضا عمر: " ردوا الجهالات إلى السنة) ~~ولعمري لو رد المجهول إلى المعروف والاختلاف إلى الاجماع كان أولى به، ومتى ~~رد عمر الجهالات إلى السنة وهو يقفي في شئ واحد بمائة قضية مختلفة، ولو كان ~~ذلك عنده جائزا وكان عند نفسه مأجورا لما قال: " أجرأكم على الجد أجرأكم ~~على النار " وهذا بين في الكلام. # قال الشيخ أيده الله: وهذا القول الذي حكيناه عن صديق المعتزلة أبي عثمان ~~فيما حكاه عن شيخه ورئيسه إبراهيم النظام، طعن ظاهر على عمر بن الخطاب ~~وشهادة عليه بالجور في الأحكام وقطع منه على أنه كان من أهل العناد في ~~الديانة وأنه لم يرعها فيما صار إليه من اجتهاد الرأي. ألا ترى إلى قوله ~~بعد أن أورد مناقضته في الكلام كيف صرح بعناده فقال: لو كان الاختلاف في ~~الأحكام والقول فيها بالرأي عند عمر جائزا لما قال: " أجرأكم على الجد ~~أجرأكم على النار " فأبان في PageV00P205 # هذا المقال عن اعتقاده في عمر وأنه إنما أقدم على القول بالرأي واختلفت ~~أحكامه فيه للدنيا وطلب الرئاسة دون الدين الذي يؤم به الثواب. # وقال الجاحظ: قال إبراهيم وليس يشبه رأيه في الأحكام صنيعه حين خالف أبي ~~بن كعب عبد الله بن مسعود في الصلاة في ثوب واحد لأنه حين بلغه ذلك خرج ~~مغضبا حتى أسند ظهره إلى حجرة عائشة وقال: " اختلف رجلان من أصحاب رسول ~~الله (ص) ممن يؤخذ عنهما لا أسمع أحدا يختلف في الحكم بعد مقامي هذا إلا ~~فعلت به وفعلت "، أفترى أن عمر نسي اختلاف قوله في الأحكام حتى أنكر ms147 ما ظهر ~~من الاختلاف عن الرجلين كلا، ولكنه كان يناقض ويخبط خبط عشواء. # قال الجاحظ: وقال إبراهيم: وهذه أيضا كانت سبيل أبي بكر لأنه سئل عن قول ~~الله عز وجل: * (وفاكهة وأبا) * (1) فقال: " أي سماء تظلني أم أي أرض تقلني ~~أم أين أذهب أم كيف أصنع إذا قلت في آية من كتاب الله بغير ما أراد الله عز ~~وجل، أما الفاكهة فنعرفها، وأما الأب فالله أعلم به "، ثم سئل عن الكلالة، ~~فقال: # " أقول فيها برأي فإن كان صوابا فمن الله عز وجل، وإن كان خطأ فمن قبلي، ~~الكلالة ما دون الوالد والولد ". # قال إبراهيم: وقوله هاهنا خلاف قوله هناك، فكيف يجوز لصاحب الحكم في ~~الأموال وفي حقوق المسلمين برأي لا يدري صاحبه لعله فيه مخطئ، فإن استجاز ~~القول فيها - لأن ذلك كان جهد رأيه - فليجز الاجتهاد في الآية التي سئل ~~عنها، ومن استعظم القول بالرأي ذلك الاستعظام لم يقدم على القول بالرأي هذا ~~الإقدام. # PageV00P206 # قال الجاحظ: وقال إبراهيم: وإنني لأعجب من قول عم " إني لأستحي من الله ~~أن أخالف أبا بكر " فإن كان عمر إنما تابعه لأن خلافه لا يجوز فقد خالفه في ~~الجد مائة مرة، وفي أهل الردة وفي أمور كثيرة، وإن كان لم يقل ذلك لأن أبا ~~بكر لا يخطئ ولكنه كان استبان له بعد أن الحق ما قال أبو بكر في الكلالة ~~فإن كان ذلك كذلك فما وجه قوله: " إني لأستحي من الله عز وجل أن أخالف أبا ~~بكر " وهذا قول لو قال به أبعد الناس كان عليه الاقرار به، على أن أبا بكر ~~لم يعزم على ذلك القول وقد تبرأ إليهم منه. # قال الجاحظ: وقال إبراهيم: وكذلك كان ابن مسعود يعني في المناقضة والقول ~~بالباطل في الدين، ألا تراه قال في حديث [بروع (1) ابنة واسق] " أقول فيها ~~برأي فإن كان خطأ فمني وإن كان صوابا فمن الله عز وجل، لها صدقة نسائها ولا ~~وكس ولا شطط " وهذا هو الحكم بالظن والقضاء بالشبهة، وإذا كانت الشهادة ~~بالظن ms148 حراما فالحكم بالظن أعظم. # قال إبراهيم: ولو أن ابن مسعود أخذ نفسه بما أدب به غيره حيث يقول: # " الحلال بين والحرام بين فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك " واستعمل هذا ~~الأدب لم يقل في الأحكام وهو رجل مقلد: " أقول فيها برأي فإن أصبت فمن الله ~~وإن أخطأت فمن نفسي " وهذا كلام فاسد لأنه لا يكون عمل واحد واجتهاد واحد ~~إذا وافق الحق كان من الله وإذا وافق الباطل كان من عند غير الله عز وجل ~~وهو في الوجهين جميعا شئ واحد. وقال إبراهيم: ولو كان ابن مسعود بدل نظره ~~في الفتيا بنظره في الشقي كيف شقي والسعيد كيف سعد حتى لا يفحش قوله على ~~الله عز وجل فيما دان به في ذلك ولا يشتد غلطه، كان أولى به. # PageV00P207 # قال: وكان يزعم أن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا فاسق ولا كافر ولا منافق، ~~وبقوله قال سفيان الثوري وغيره وهم من الشكية. # قال إبراهيم: وزعم ابن مسعود أنه رأى القمر قد انشق لرسول الله (ص) قال ~~إبراهيم: وهذا من الكذب الذي لا خفاء به لأن الله تعالى لم يشق له القمر ~~وحده وإنما شقه آية للعالمين وحجة لسيد المرسلين ومزجرة للعباد وبرهانا في ~~جميع البلاد، فكيف لم يعرف ذلك العامة ولم يؤرخ الناس بذلك العام ولم يذكره ~~شاعر ولم يسلم عنده كافر ولم يحتج به مسلم على ملحد فيما سلف، وهذا باب ~~يستوي في معرفته الخاصة والعامة. # قال الشيخ أيده الله تعالى: فتأملوا وفقكم الله هذا الكلام وحصلوا ما ~~فيه، فإن أبا عثمان قد أفصح في الحكاية عن شيخه النظام صريح الطعن على أبي ~~بكر وعمر و عبد الله بن مسعود ثم زاد عبد الله في الذم، بأن كذبه فيما ~~يحكيه من مشاهدة المعجز لرسول الله (ص) على ما وصفه به من الحكم في الدين ~~بالرأي وتناقض قوله في ذلك، تعرفوا بفهم ما ذكرناه خبث باطن هذا الرجل وهو ~~سيد أهل الاعتزال وبه فخرت المعتزلة وضربت به وبأبي الهذيل الأمثال، فقال ms149 ~~قائلهم عند موته ذهب الكلام، خرف أبو الهذيل ومات النظام، وإذا انضاف إلى ~~نظركم فيما سلف نظركم فيما يأتي بعد من مقال هذا الرجل وإخوانه من أهل ~~الاعتزال تحققتم فيهم ما ذكرناه. # قال الجاحظ: قال إبراهيم: وكإقدام عبد الله على حذف سورتين من كتاب الله ~~عز وجل فهبه لم يشهد قراءة النبي (ص) لهما أفما علم بعجيب تأليفهما وأنهما ~~على نظم سائر القرآن المعجز للبلغاء أن ينظموا نظمه وأن يحسنوا تأليفه على ~~أنهما من القرآن، وأحسبه جهل ذلك كله كيف لم يصدق جماعة الأمة أنهما من ~~القرآن. PageV00P208 # قال: وما زال - يعني عبد الله - يطبق في الركوع حتى مات، وأخذ ذلك عنه ~~بعض أصحابه وأحسبه لم يشهد النبي في فعل خلاف ذلك وكان غائبا، كيف لم يقنعه ~~إجماعهم على فسخ ذلك وكيف لم يستوحش من خلافهم وهو في ذلك الرأي غريب وحيد. ~~قال: وعاب عثمان حين بلغه أنه صلى بمنى أربعا، وقال فيه قولا شديدا ثم قام ~~فتقدم فكان أول صلاة صلاها أربعا فقيل له في ذلك فقال: # الخلاف شر فكيف يكون هذا عذره وقد عمل بالفرقة في أمور كثيرة عظيمة وخالف ~~الأمة بأسرها، وكيف يكون الخلاف على المعصية معصية. # قال إبراهيم: ورأي عبد الله أناسا من الزط فقال: هؤلاء أشبه من رأيت ~~بالجن ليلة الجن، ذكر ذلك عنه من لا يتهم عليه ولا على غيره جماعة، منهم ~~سليمان التميمي عن أبي عثمان النهدي. وقال علقمة: قلت لابن مسعود: كنت مع ~~رسول الله (ص) ليلة الجن؟ فقال: ما شهدها منا أحد. ذكر ذلك أيضا عنه من لا ~~يتهم عليه ولا على غيره جماعة، منهم داود عن الشعبي عن علقمة. # قال إبراهيم: وسأله عمر عن شئ من الصرف فقال: لا بأس به. فقال عمر قد ~~كرهته فقال: يا أمير المؤمنين وأنا أيضا قد كرهته إذ كرهته أنت. فرجع عن ~~قوله بغير نظر ولا تأمل. # وهذا بن مسعود ركن من أركانكم يعني - فقهاء العامة - وإمام من أئمتكم وهو ~~من أفاضل من قال في ms150 الفتيا فما ظنك فيمن دونه، فكيف يكون هؤلاء حجة علينا ~~ويلزمنا لهم طاعة، على أنا لم نبلغ من القول فيهم ما قال بعضهم في بعض. # قال الجاحظ: قال إبراهيم: ورويتم عن إسماعيل عن الشعبي أن قوما سألوا زيد ~~بن ثابت عن شئ فأفتاهم فكتبوه فقال: وما يدريكم لعلي قد أخطأت وإنما اجتهدت ~~لكم برأي، ورويتم عن المغيرة عن إبراهيم أن عمر بن الخطاب PageV00P209 # قضى بقضاء فقال له رجل: أصبت والله يا أمير المؤمنين، فقال: وما يدريك ~~أني أصبت والله ما يدري عمر أ أصاب أم أخطأ، ورويتم عن سفيان الثوري عن ~~عاصم عن الشعبي عن ابن عباس أنه قال: ربما أنهاكم عن أشياء لعلها ليس بها ~~بأس وآمركم بأشياء لعل بها بأسا، ورويتم عن عمر وعن طاووس أن ابن عمر سئل ~~عن شئ فقال: لا أدري فإن شئت أخبرتك بالظن. # قال إبراهيم: فقد أقر القوم على أنفسهم أنهم بالظن كانوا يريقون الدماء، ~~وبالظن كانوا يبيحون الفروج، وبالظن يحكمون في الأموال، وبالظن يوجبون ~~العبادات وقد نهى الله عز وجل العباد أن يحكموا بالظن ويشهدوا به فقال ~~تعالى: # * (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) * (1) وأمر بالعلم واليقين فخالف القوم ~~ذلك وعلموا أن الناس لهم منقادون وأنهم ما قالوا من شئ فهو حتم لا مرد له. ~~قال إبراهيم: وإذا كان هذا المذهب موجودا في الأكابر والأصاغر من السلف فما ~~ظنك بالتابعين، ثم ما ظنك بالفرق التي بينهم، وإذا كان هذا ما أقروا به على ~~أنفسهم فما لم يقروا به ورأوا ستره أكثر. # قال الشيخ أيده الله: وقد أدخل إبراهيم النظام أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - في جملة من ذكرنا قوله فيه ونظمه معهم في معايب الأقوال عنادا منه ~~له - عليه السلام - وعصبية لم يلجأ فيها إلى شبهة بل اعتمد في نصرتها على ~~البهت واللجاج، وظن الجاحظ وإخوانه من أهل الاعتزال أن إبراهيم قد أخذ ~~بطائل من ذلك وسوى بين القوم في الحكم عليهم بموجب الضلال وليس الأمر كما ~~ظنوه في استواء الأحوال لكنه مستمر ms151 في القول منهم والاعتقاد دون الحجة ~~الموجبة للاتفاق. # والدليل على ذلك أن الذي حكى عن النظام عمن ذكرناه متفق عليه عند # PageV00P210 # جماعة أهل الإسلام لا ينازع فيه اثنان من نقلة الآثار، فالطاعنون على ~~القوم ينقونه للحجة عليهم في ارتكاب الضلال، والمتولون لهم ينقونه على وجه ~~المدح لهم بالاجتهاد في الأحكام ويجعلونه أصلا لمذاهبهم في تسويغ الاختلاف، ~~ومن أبى الاجتهاد والقياس من القائلين بسلامة القوم ينقله عنهم على وجه ~~الصلح في الأحكام والقول بمدلول الخطاب واختلاف وجوهه واحتماله في اللسان، ~~فليس في الأمة إلا من يشهد بصحة ذلك على ما حكاه إبراهيم وغيره من أصحاب ~~المقالات. # والذي حكاه عن أمير المؤمنين - عليه السلام - من اختلاف الأقوال وإظهار ~~القول بالرأي شئ تفرد به فريق وأباه فريق، وادعته شيعة أبي بكر وعمر ~~وعثمان، وأنكرته شيعة علي أمير المؤمنين - عليه السلام - كافة وأطبقوا على ~~رده وتكذيب الرواة له، وأجمعت ذريته وعترته - عليهم السلام - على إنكار ذلك ~~وإبطاله فكيف يكون المختلف فيه نظير المتفق عليه؟ أم كيف يتساوى الحكمان في ~~ذلك والقول فيه على ما وصفناه؟ مع أن الاجماع من فرق أهل الخلاف ومن ذرية ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - وشيعته على نقيض ما تفرد به شيعة عثمان من ~~الحكاية عن أمير المؤمنين - عليه السلام - في اختلاف الأحكام، وقد نقل ذلك ~~عدو علي - عليه السلام - كما نقله وليه فكانت الحجة به دامغة لأهل الخلاف. # من ذلك إجماع الخاص والعام عن النبي (ص) أنه قال: " علي أقضاكم " وأقضى ~~القوم لا يختلف قوله في الأحكام، وقال النبي (ص): " علي مع الحق والحق مع ~~علي يدور حيثما دار " ومن كان الحق معه بشهادة رسول الله (ص) لم يرتكب ~~الضلال، وقول أمير المؤمنين - عليه السلام -: " بعثني رسول الله (ص) إلى ~~اليمن قاضيا بين أهله فقلت له: أتبعثني وأنا شاب ولا علم لي بكثير من ~~القضاء فضرب بيده على PageV00P211 # صدري وقال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه فما شككت في قضاء بين اثنين ". # وهذا القول يضاد الحكاية عنه أنه كان يقول بالرأي ms152 لأن القول بالرأي يوجب ~~الشك في الأحكام وقد نفى عن نفسه ذلك فكيف يثبته مع النفي له لولا البهت ~~والعناد. # وهذه أخبار قد سلمها العدو ونقلها على ما ذكرناه وإنما يتأولها من فارقنا ~~في العقد على مدلولها ويختص بها شيئا دون شئ أو زمانا دون زمان، وذلك باطل ~~لظاهر عمومها وما تقتضيه حقائقها في معانيها من كونها مدحا على الأوصاف ~~التي هي عليها عند من عرف اللسان، وليس لخصومنا أخبار تنفي ما حكاه إبراهيم ~~عن أئمتهم من الاختلاف بل الاجماع على صحة ذلك عليهم حاصل حسبما قدمناه. # على أن أكثر ما حكاه إبراهيم عن أمير المؤمنين - عليه السلام - يمكن ~~مساهلته في بابه وتسليمه له على وجه النظر دون التدين وحمله مع ذلك على ~~خلاف ما توهمه من القول بالاجتهاد، ولأنا نذهب فيه إن سلمناه مذهب التقية ~~والاستصلاح والتأليف والمداراة، وهذا أصل ندين به ونعتقده وليس لخصومنا ~~مثله يلجأون إليه في الخروج من الشناعات. # قال الشيخ أيده الله: وقد أورد الجاحظ الأخبار التي ذكرناها واعتمدنا ~~عليها في بطلان ما أضافه إبراهيم إلى أمير المؤمنين - عليه السلام - من ~~القول بالرأي ولم يعمل فيها شيئا بل خلط في الكلام عليها وصار إلى الهذيان، ~~وقد ذكر عنا أيضا عمدة وأضرب عن الكلام عليها جانبا للعجز والاضطرار وهي أن ~~العقول عندنا توجب عصمة الإمام والدليل القاهر قائم على إمامة أمير ~~المؤمنين - عليه السلام -، وليس يجوز أن يعتري الشك في الدين أهل العصمة في ~~الأديان ولا أن يقع الضلال PageV00P212 # من الإمام السيد الذي هو أفضل الأنام، وهذا يسقط ما حكاه القوم واعتمدوه ~~مما جاءت به الأخبار وليس فيمن خالفنا أحد يدعي العصمة لأئمته ولا لأحد ~~منهم ولا لصحابي ولا لتابعي بإحسان فنسلم مما حكاه إبراهيم عنهم وحكم به ~~عليهم من الضلال في الدين والعناد. وتد استقصيت القول في إقرار أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - أحكام القوم للتقية والاستصلاح وبينت وجوه ذلك ~~وأوردت الزيادات فيه والمسائل والجوابات في كتابي المعروف بتقرير الأحكام ~~فأغنى عن إعادته هاهنا. # قال الشيخ ms153 أيده الله: وقد علم إبراهيم أن الذي أراد به التسوية بين أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - وبين القوم لا يتم له عند أهل النظر والحجاج ~~فاعتمد على السب المحض لأمير المؤمنين - عليه السلام - والغميزة فيه بمجرد ~~أقوال الرجال، فقال وقد اختلف قول علي بن أبي طالب - عليه السلام - في ~~أمهات الأولاد فقال بشئ ثم رجع عنه، وحكى عن عبيدة السلماني أنه قال: سألت ~~عليا - عليه السلام - عن بيع أمهات الأولاد فقال: كان رأي ورأي عمر أن لا ~~يبعن وأنا الآن أرى أن يبعن، فقلت له: رأيك مع رأي عمر أحب إلينا من رأيك ~~وحدك. # قال الشيخ أيده الله: وهذا خبر قد أطبق الفقهاء ونقاد الآثار على بطلانه، ~~ومن صححه منهم فلم يثق بهذه الحكاية من عبيدة وقال: تخرصها وعمل بالكذب ~~فيما ادعى، لأن أمير المؤمنين - عليه السلام - كان أعظم في نفوس المهاجرين ~~والأنصار من أن يقدموا عليه - في حكم حكم به هذا الإقدام فكيف بعبيدة مع ~~صغر سنه في الحال وضعة قدره، ولم يكن عبيدة ولا أضرابه في الذين يتجاسرون ~~على أمير المؤمنين - عليه السلام - بهذا المقال. # وجملة الأمر أنه لو كان عبيدة صادقا لما أخل ذلك بها ذكرناه من عصمة أمير ~~PageV00P213 # المؤمنين - عليه السلام - من قبل أنه كان رأيه في أيام عمر أن لا يخالفه ~~في (الفتيا خوفا من انتشار الكلمة ووقوع الفساد وذلك هو الذي توجبه الحكمة ~~في تدبير الدين واستصلاح الأنام، فلما أفضي الأمر إليه زال ما كان يخافه ~~فيما سلف من إظهار الخلاف فحكم بما لم يزل يعتقده من جواز بيع أمهات ~~الأولاد كما رأى رسول الله (ص) في عام الحديبية، إمضاء أحكام الكفار والكف ~~عن الحرب لهم والجهاد ثم زالت العلة الموجبة لذلك في عام الفتح فرأى حربهم ~~وجهادهم وخلاف ما كان رآه قبل من الأحكام. # فأما اعتراض عبيدة قوله بالرد، فذلك نظير رد الخوارج عليه في التحكيم ~~وحرب طلحة والزبير ومعاوية وأهل الشام له، ولم يخل ذلك بكمال عصمته - عليه ~~السلام - كما لم يقدح خلاف ms154 المشركين لرسول الله (ص) وردهم عليه وحربهم له ~~في نبوته وعصمته ومن اعتمد على ما اعتمد عليه الجاحظ وأستاذه وأشياعهما في ~~هذا الباب، فقد وضح جهله وبان عجزه. # ثم قال الجاحظ: وقال إبراهيم: وقد قضى يعني أمير المؤمنين - عليه السلام ~~- في الحد بقضايا مختلفة، وهذا تخرص منه لا خفاء به لأنه لا يحفظ عنه في ~~الحد إلا قول واحد ولم يختلف من أهل النقل عليه في ذلك اثنان ومن اعتمد على ~~البهت هان أمره. # ثم قال إبراهيم: وندم - يعني أمير المؤمنين - عليه السلام - على إحراق ~~المرتد بعد الذي كان من فتيا ابن عباس، وهذا من أطرف شئ سمع وأعجبه، وذلك ~~أن ابن عباس أحد تلامذته والآخذين العلم عنه، وهو الذي يقول: كان أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - يجلس بيننا كأحدنا ويداعبنا ويبسطنا، ويقول: ~~والله ما ملأت طرفي قط منه هيبة له - عليه السلام -، فكيف يجوز من مثل من ~~وصفناه التقدم على أمير المؤمنين PageV00P214 # - عليه السلام - في الفتيا وإظهار الخلاف عليه في الدين لا سيما في الحال ~~التي هو مظهر له فيها الاتباع والتعظيم والتبجيل. # وكيف يكون ما حكاه إبراهيم من ندمه - عليه السلام - على إحراق المرتد حقا ~~وقد أحرق في آخر زمانه الأحد عشر الذين ادعوا الربوبية فيه. أفتراه ندم على ~~ندمه الأول؟ كلا! ولكن الناصبة تتعلق بالهباء المنثور ثم قال إبراهيم: وودي ~~رجلا جلده في الخمر ثمانين فمات، وقال إنما وديته لأن هذا شئ جعلناه بيننا ~~وهذا شئ لم يسمع به إلا من هذه الجهة ولا رواه أحد من أهل الآثار، كيف وهو ~~- عليه السلام - يقول: " من ضربناه حدا في حق من حقوق الله فمات فلا دية له ~~علينا ومن ضربناه حدا في حق من حقوق المخلوقين فمات فديته علينا " ولا خلاف ~~في أن حد الخمر من حقوق الله عز وجل خاصة، ولكني أظن أن إبراهيم أراد أن ~~يذكر حد القذف فغلط بحد الخمر لاتفاقهما في العدد. # وقال إبراهيم: رأى - يعني أمير المؤمنين - عليه السلام - الرجم على مولاة ~~حاطب فلما ms155 سمع قول عثمان تابعه ونازعه زيد بن ثابت في المكاتب فأفحمه، وهذا ~~سب صريح بغير حجة وكذب ظاهر بلا شبهة، لأن الاتفاق حاصل على أن أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - كان أعلم القوم وأنهم كانوا يرجعون إليه ولا يرجع ~~إلى أحد منهم، وكيف يكون ما رواه هذا الرجل حقا والخبر المستفيض عن النبي ~~(ص) أنه قال: " علي أقضاكم " وليس يصح أن يكون أقضى الأمة من أفحمه زيد بن ~~ثابت في المكاتب فإن كان قد أفحمه على ما ذكره إبراهيم، فقد أكذب النبي ~~بإفحامه من شهد له بأنه أقضى منه، وليس المكاتب من الفرائض في شئ فيصح أن ~~يتعلق بالخبر الذي يروونه " زيد أفرضكم " مع أن الاجماع موجود على مذهب ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - في الرجم والمكاتب خلاف زيد وابن عفان، وهذا ~~يدل على PageV00P215 # بطلان ما ادعاه هؤلاء القوم. # ثم قال إبراهيم: وروى داود عن الشعبي أن عليا رجع عن قوله في الحرام ~~ثلاثا، ولو لم يحتج في إبطال هذه الرواية إلا بإضافتها إلى الشعبي لكفى، ~~وذلك أن الشعبي كان مشهورا بالنصب لعلي - عليه السلام - ولشيعته وذريته، ~~وكان معروفا بالكذب سكيرا خميرا مقامرا عيارا، وكان معلما لولد عبد الملك ~~بن مروان وسميرا للحجاج. # وروى إسماعيل بن عيسى العطار قال: حدثنا بهلول بن كثير، قال: حدثنا أبو ~~حنيفة، قال: أتيت الشعبي أسأله عن مسألة فإذا بين يديه شطرنج ونبيذ وهو ~~متوشح بملحفة مصبوغة بعصفر فسألته عن مسألة، فقال: ما تقول فيها بنو أستها، ~~قال: فقلت: هذا أيضا مع هذا وذهبت إلى كتب لي كنت سمعتها منه فخرقتها ثم ~~صار مصيري هذا أن أسمع عن رجل عنه. # وروى أبو بكر الكوفي عن المغيرة قال: كان الشعبي يهون عليه أن تقام ~~الصلاة وهو على الشطرنج والنرد، وقال: مررت بالشعبي وإذا هو قائم في الشمس ~~على فرد رجل وفي فمه بيذق فقال: هذا جزاء من قومر. # وروى الفضل بن سليمان عن النضر بن مخارق قال: رأيت الشعبي بالنجف يلعب ~~بالشطرنج وإلى جنبه قطيفة فإذا مر به ms156 من يعرفه أدخل رأسه فيها. # وبلغ من كذبه أنه قال: لم يشهد الجمل من الصحابة إلا أربعة فإن جاءوا ~~بخامس فأنا كذاب، علي وعمار وطلحة والزبير، وقد أجمع أهل السير أنه شهد ~~البصرة مع علي - عليه السلام - ثمانمائة من الأنصار وتسعمائة من أهل بيعة ~~الرضوان وسبعون من أهل بدر وهو الذي روى أن عليا - عليه السلام - كان أحمر ~~الرأس واللحية خلافا على الأمة PageV00P216 # في وصفه، وبلغ من نصبه وكذبه أنه كان يحلف بالله لقد دخل علي بن أبي طالب ~~اللحد وما حفظ القرآن، وهذا خلاف الاجماع وإنكار الاضطرار، وروى مخالد قال: ~~قيل للشعبي: إنك لتقع في هذه الشيعة وإنما تعلمت منهم. وكان يقول: ما أشك ~~في صاحبنا الحرث الأعور أنه كان كذابا، وكان يشبه في زيه ولباسه وفعاله ~~وكلامه بالشطار وأهل الزعارة، وخالف الأمة في قوله: إن النفساء تربص شهرين. # فكيف يحتج برواية هذا على أمير المؤمنين - عليه السلام - مع أن المشهور ~~عنه أنه كان لا يرى الحرام شيئا ويقول فيه إنه جاء إلى ما أحل الله فحرمه ~~على نفسه يمسك امرأته ولا شئ عليه. # ثم قال إبراهيم: وقال - يعني أمير المؤمنين - عليه السلام - في أمر ~~الحكمين: # لقد عثرت عثرة لا أنجبر * سوف أكيس بعدها وأستمر وأجمع الرأي الشتيت ~~المنتشر وهذا لا ينضاف إليه - عليه السلام - بلا شبهة لأنا نعلم بالضرورة ~~أنه كان - عليه السلام - يظهر التدين بصوابه في التحكيم وتضليل من خطاه في ~~ذلك حتى قتل أربعة آلاف على تخطئتهم له في التحكيم، فكيف يسوغ من عاقل أن ~~يضرب الرقاب على قول قيل فيه وهو يشهد به على نفسه؟! هذا ما لا يتوهمه إلا ~~مؤوف العقل غير معدود في جملة المكلفين. # وكيف يصح ذلك مع أن الخوارج إنما ساموه أن يعترف لهم بالخطأ فيما صنعه في ~~باب الحكمين ليرجعوا إلى ولايته فرد عليهم ذلك ووجه بابن عباس لمناظرتهم ~~فيه، ولو كان قال هذا الشعر كما حكاه إبراهيم لكان الغاية في بغية القوم ~~منه ولرضوا به عنه ولدخلوا في ولايته ms157 إذ صريحه شهادة منه على نفسه بالخطأ ~~والندم PageV00P217 # على ما صنع. # والذي يدل على بطلان جميع ما حكاه هذا الرجل عنه من قرب ويوضحه أنه لو ~~كان له أصل لكان أوكد الحجج لأعدائه من الخوارج وغيرهم ممن رأى حربه ~~بالبصرة أو صفين ومن قعد عن نصرته، ولشيعة عثمان خاصة حتى لم كانوا يحتجون ~~به عليه في المقامات ويشنعون به على رؤوس الجماعات، وقد أحطنا علما باحتجاج ~~جميع من خالفه أو قعد عنه أو نازعه وحاربه، فلم نجد فيه أنهم قالوا له ~~تناقضت أحكامك واختلفت آراؤك ولا فضل لك في العلم لأن زيدا نازعك فأفحمك ~~ولأن عثمان خالفك فأسكتك ولأنك تحكم بشئ ثم تندم عليه وتخطئ في أمر وتعترف ~~بخطئك فيه ثم تقيم عليه، بل وجدنا جماعة من ذكرناه معترفين بفضله - عليه ~~السلام - في العلم والشجاعة والحكم والقرابة بالرسول (ص) والزهد، وإنما كان ~~بعضهم يتعلق عليه بإيوائه قتلة عثمان وهم أهل البصرة والشام، وبعضهم بتحكيم ~~الرجال وهم أهل النهروان، وبعضهم بقتال أهل القبلة وهم المعتزلة للقتا ل. # وقد اجتهدت بنو أمية وبنو مروان في مثالبه - عليه السلام - ونفروا العامة ~~عن ولايته فلم يحفظ عن أحد منهم في سلطانه سقط له في العلم ولا تجهيل له في ~~الأحكام، وأكثر ما كانوا يخبطون به في ذلك ويشبهون به على الاغفال، خذلانه ~~لعثمان ونصرته لقتلته والاستبداد بالأمر دون الرجال وما أشبه ذلك. # ولو كان شئ مما حكاه إبراهيم عن أمير المؤمنين - عليه السلام - محفوظ، ~~لنشره من ذكرناه واعتمد عليه كما وصفناه، وفي عدول الكافة عنه لا سيما ~~الخوارج - وقد جرت بينه وبينهم المناظرات - دليل على وقاحة إبراهيم وبهته ~~وعناده وضعف ما اعتمده من الكذب الذي لا خفاء به. PageV00P218 # ثم طعن على أمير المؤمنين - عليه السلام - أيضا إبراهيم بأن قال: وخالف ~~الجماعة كلها في أمهات الأولاد، وفي الأحياض، وقضائه في قطع اليدين أصول ~~الأصابع، ودفع السارق إلى الشهود، وجلد الوليد بن عقبة أربعين سوطا في ~~خلافة عثمان، وجهره بتسمية الرجال في قنوت الغداة، وقبول شهادة ms158 الصبيان ~~بعضهم على بعض، قال: وقد قال الله عز وجل: * (ممن ترضون من الشهداء) * (1) ~~وأخذه نصف دية الرجل من أولياء المرأة، وكأخذ نصف دية العين من المقتص من ~~الأعور، وتخليفه رجلا يصلي العيدين بالضعفاء في المسجد الأعظم. # قال: وغير ما عددناه مما جعله في سلطانه وحكم به وقاله، وهو خلاف على ~~الأحياء من قضاته ومن فقهاء مصره وعلى جميع الأموات من نظرائه. # قال إبراهيم: وهو يقول مع ذلك لقضاته: " اقضوا كما كنتم تقضون حتى يكون ~~الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي فإني أكره الخلاف " فلا يخلو ما ترك من ~~الحكم وأخره من العمل به إلى اجتماع الناس، أن يكون كهذه الأمور في الخلاف ~~أو كخلاف بعضهم على بعض أو كخلاف آخر قال: وأعجب مما مضى، قطعه القدم وترك ~~العقب وقطعه الأصابع وتركه الكف والابهام. # قال: فإن كان الذي أخره من باب الخلاف الذي عددناه فكيف لم يحكم به ولم ~~أخره وقدم مثله؟ وإن كان كخلاف بعض الصحابة لبعض فذلك مما لا يحتشم منه ولا ~~يوحش العامة من صاحبه، وإن كان ضربا آخر من الخلاف فليس يكون إلا خلاف ~~المعروف من دين محمد (ص). # قال: فعلى أي وجه استجاز ترك الحكم عنده وأمرهم أن يحكموا بالباطل، # PageV00P219 # أفتراه كان في تقية؟ كلا، ما كانت عليه تقية من ذلك لأن أصل الفساد لم ~~يكن عليه من قبل خلافهم له في الفتيا، وإنما كان الخلاف من طلحة والزبير ~~على وجه طلب الشورى وأنهما بايعاه بالمدينة كارهين والطلب بدم عثمان، وأنه ~~كان سدى ذلك ولحمته، وأن قاتل عثمان لا يكون للناس إماما، وكان خلاف عبد ~~الله بن وهب على أن من حكم الرجال في واجب الدين وما قد أفصح به الكتاب ~~فغير إمام، فلو كان اضطراب جل الناس من قبل الخلاف على علي - عليه السلام - ~~في الفتيا كان لما قال وجه، فكيف وقد حكم في كل ما ذكرناه بخلاف ما عليه ~~الجماعة ثم لم يكن في ذلك تنكير ولا تغيير ثم قال إبراهيم عقيب ms159 هذا الفصل: ~~فكيف تجب طاعة قوم هذه سيرتهم وأقاويلهم ومذاهبهم يعني عليا أمير المؤمنين ~~- عليه السلام - وأبا بكر وعمر وزيدا و عبد الله بن مسعود و عبد الله بن ~~عباس ومن تقدم ذكره، غير أنه لم يذكر عثمان على التفصيل وأظن أن الجاحظ طوى ~~ذكره لعصبيته للعثمانية والمروانية إلا أنه قد حكى عنه الطعن عليه في ~~الجملة في فصل أنا أورده إن شاء الله. # قال الشيخ أيده الله: وليس في جميع هذا الفصل الذي حكيناه عن إبراهيم ~~كثير طائل ولا معتمد من شبهة فيتعلق بها المبطل غير ألفاظ في جملة ما ~~أورده، أنا أبين عن وهن متضمنها وإن كان في المختصر الذي قدمته من النقض ~~عليه كفاية لولا أنني أريد البيان. # أما ما ذكره من خلافه - عليه السلام - على جملة القوم فالعار في ذلك على ~~من خالفه دونه والعيب يختص به سواه، لأنه - عليه السلام - هو الإمام ~~المتبوع والقدوة المتأسى به والمدلول على صوابه والمدعو إلى اتباعه حيث ~~يقول رسول الله (ص): " أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت ~~الباب " وحيث يقول (ص) وقد PageV00P220 # قدمناه فيما سلف: " علي أقضاكم " و " هو مع الحق والحق معه " وفي قوله ~~(ص): # " إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى ~~يردا علي الحوض، فلما عدل القوم عن اتباعه كانوا " ضلالا بذلك وكان هو - ~~عليه السلام - المصيب وأهل بيته - عليهم السلام - وأنصاره وشيعته. # وما أعجب هذا المقال من النظام وهو في مذهبه هذا الذي نصره بتخطئة ~~الصحابة، مبطل للاجماع راد على من احتج به واعتمده فكيف يشنع على الشيعة ~~بانفراد أمير المؤمنين - عليه السلام - بالأحكام وهو ركن الأمة وعمادها ~~وملجأها في الدين وإمامها، ثم يقول خالف جميع الأحياء من قضاته وفقهاء ~~مصره، ولو أنصف واستحمى لجعل الخلاف للقضاة والفقهاء عليه وأضافه إليهم ~~دونه وجعل قوله الحجة، إذ قول الإمام هو المعيار على قضاته ورعيته وليس قول ~~الرعية معيارا عليه فقلب القصة تعجرفا. # وأما قوله: إنه - عليه السلام - قال ms160 لقضاته: اقضوا كما كنتم تقضون، فإنما ~~قال لهم هذا القول في أول الأمر وعند فور الناس بالبيعة له، فكره - عليه ~~السلام - أن يأمرهم بالقضاء بمذاهبه كلها المتضمنة لنقض أحكام من تقدمه ~~والخلاف على جماعتهم، فينفرون عن نصرته ويتفرقون عن الجهاد معه ويشمأزون ~~منه ويظنون أن ذلك مقدمة للبراءة ممن تقدمه فصدف عنه لتألفهم واستصلاحهم، ~~فلما قتل الله أهل البصرة وفرق جمعهم وأباد أهل الشام وأفنى الخارجة ~~بالنهروان، خمدت نار الفتنة ودرجهم في طول المدة على الخلاف شيئا بعد شئ ~~ولو تمكن - عليه السلام - على الحد الذي يستطيع معه إظهار جميع الأحكام من ~~غير أن يكون في ذلك عموم الفساد، لأظهر الأحكام المأثورة عن ذريته - عليهم ~~السلام - مما حفظوها عنه عن الرسول (ص) فتلك هي الأحكام التي لم يتمكن من ~~إمضائها مع ما حكم به مما ذكره إبراهيم من PageV00P221 # الأحكام، وليست خلافا لدين محمد (ص) بل هي أحكامه في الحقيقة بالجلي من ~~البرهان. # وأما قول إبراهيم إن الفساد لم يكن على أمير المؤمنين - عليه السلام - من ~~قبل خلافهم في الفتيا فإن ذلك إنما كان كذلك لأنه - عليه السلام - لم يفتتح ~~ولايته به بل قال لقضاته: اقضوا كما كنتم تقضون، وقد ذكر هذا إبراهيم لكنه ~~نسيه عن قرب ولو افتتح ولايته بنقض أحكام القوم والخلاف عليهم جملة لكان ~~الفساد عليه أكثر من الفساد بأهل البصرة وصفين والنهروان، لأنه كان يكون ~~تضليلا لأئمتهم وتفسيقا لهم وتخطئة لجمهور الصحابة في الاقتداء بمن سلف ~~والتصويب لهم في الأحكام، لكنه - عليه السلام - عدل عن ذلك ودرجهم على ~~إظهار الخلاف في شئ بعد شئ وحال بعد حال، وأراهم في الظاهر أنه كخلاف بعضهم ~~على بعض في الاجتهاد فلو أمن - عليه السلام - من اضطراب الجماعة وتفرقهم ~~عنه وانصرافهم عن نصرته عند الحكم بمحض مذهبه لما أخر ذلك. # ودليل ما قلناه قوله - عليه السلام - لقضاته: " اقضوا كما كنتم تقضون حتى ~~يكون الناس جماعة " فأخر الحكم بجميع مذهبه إلى اتفاق الجماعة أفلا ترى إلى ~~قوله - عليه السلام -: " لو ثني لي ms161 الوسادة لحكمت بين أهل التوراة ~~بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل ~~الفرقان بفرقانهم حتى يزهر كل كتاب من هذه الكتب ويقول: يا رب إن عليا قد ~~قضى بقضائك " فدل على أنه لم تستقر به الدار ولم يتمكن من تنفيذ الأحكام. # وأما انصرافهم عن النكير عليه فيما حكم به من خلاف أقاويل الجماعة الذين ~~ذكرهم فإنما استقام له ذلك لوفاق جمهور أصحابه له - عليه السلام - واتباعهم ~~إياه، وتجويزهم الخلاف على من تقدم فيه ولو استجازوا فيما بقي من الأحكام ~~مثل PageV00P222 # ذلك لأظهر - عليه السلام - القول فيها ولم يؤخره إلى وقت الاجتماع. # وقول إبراهيم: إن الذي أخره لا يخلو من أن يكون مثل ما أظهره أو خلاف ~~المعروف من دين محمد (ص)، فإنه يقال له: بل هو من جنس ما أظهره وهو من دين ~~محمد (ص) لا غير وإنما لم يظهر الحكم لأن في إظهاره مباينة القوم بنقض ~~أحكام أئمتهم كلها وإخراج ذلك على وجه التضليل لهم وليس في إظهار البعض ما ~~يدل على إظهار الكل، ولأن الاتفاق قد يحصل بتجويز جماعة الخلاف على إمام ~~لهم في شئ، وإن كان الخلاف لهم في مثله ونوعه أو نظيره في باب الخلاف فيكون ~~لأجل ذلك الواجب على المستصلح أن يكف عن إظهاره وليس في الاتفاقات قياس. # وشئ آخر وهو أن يكون الذي عدل أمير المؤمنين - عليه السلام - عن تغييره ~~من أحكام القوم شيئا قد تكرر العمل به في سلطان الماضين حتى صار دينا ~~ومذهبا، وما خالفه ونقضه لم يكن كذلك بل كان قولهم فيه مجردا من عمل بل كان ~~فتيا مضت في الحال وعمل بها في سلطانهم وقتا من الزمان، فلم يتخوف من إظهار ~~الخلاف فيها وربما كانت الشبهة للاتباع في بعض المنكر أقوى منها في بعض ~~آخر، فعدل الإمام المستصلح للأنام عن تغيير ما قويت عندهم فيه الشبهات إلى ~~ما ضعفت في أنفسهم الشبهة فيه كراهة اختلاف الكلمة والافتتان. # وأما ما تعلق به في إبطال شهادة الصبيان من ms162 قوله: * (ممن ترضون من ~~الشهداء) * ومن قوله: * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * فإن الأمر فيه على خلاف ~~ما توهمه، وذلك أن الله سبحانه أمر بالإشهاد في الديون رجلين أو رجلا ~~وامرأتين ولم يبطل الحكم في ذلك ولا في غيره بشهادة من يخالف ما وصفناه، ~~وليس يتضمن قوله: * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * أن لا تقبلوا إلا شهادة ذوي ~~عدل وقد قبل رسول الله (ص) شهادة " خزيمة بن ثابت " وحده وأمضى الحكم بها، ~~وقبل شهادة PageV00P223 # واحد ويمين المدعي وأمضى الحكم بذلك. فما نرى إبراهيم إلا طاعنا على رسول ~~الله (ص) بما اعتمده، بل طاعنا على كتاب الله عز وجل ومزريا على أحكامه، ~~وذلك أن الله تعالى قد أمر بقبول شهادة الكفار في الوصية حيث يقول: * (أو ~~آخران من غيركم) * (1) والكفار ليسوا من أهل العدالة. # وإنما قبل أمير المؤمنين - عليه السلام - شهادة الصبيان في مكان دون مكان ~~وعلى حال دون حال، فقبلها في الجراح وأشباهه من حقوق العباد وأخذ بأول ~~قولهم وأطرح آخره لما دعاه إلى ذلك الاضطرار لتنفيذ أحكام الله عز وجل ومنع ~~أن يبطل حقوق العباد، ولم يصنع - عليه السلام - ذلك إلا بنص فيه من الرسول ~~(ص) بأدلة، منها الاتفاق على قوله (ص): " أنا مدينة العلم وعلي بابها "، ~~وقوله (ص): " علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار " على أنه قد ~~أخذ بهذا القول عن أمير المؤمنين - عليه السلام - جماعة لا يتمكن الجاحظ من ~~الطعن عليهم في الفتيا ودان به أئمة في الفقه عنده من التابعين وهو إجماع ~~من فقهاء مدينة الرسول (ص). # وقد روى مالك عن هشام بن عروة أن عبد الله بن الزبير أجاز شهادة الصبيان ~~بعضهم على بعض في الجراح وقال مالك بهذا القول ما لم يتفرقوا. وروى ابن أبي ~~زياد عن أبيه قال: السنة أن ليفي بشهادة الغلمان ويؤخذ بها في الجراح ولا ~~يلتفت إلى ما أحدثوا. وروى أيضا عن أبيه عن عمر بن عبد العزيز مثل ذلك. # وروى يونس عن ابن شهاب قال: كان مروان ms163 يجيز شهادة الصبيان ويأخذ بأول ~~قولهم. وروى ابن إسحاق قال: كان ابن شهاب وربيعة يجيزان شهادة الصبيان ~~بعضهم على بعض. وروى مثل ذلك أيضا عن شريح وهو مشهور عنه، وهذا يكشف لك عن ~~جهل الجاحظ وأستاذه النظام فيما ادعياه من الاجماع على خلاف # PageV00P224 # أمير المؤمنين - عليه السلام - في هذا الباب. # وأما تعلقه بضرب الوليد بن عقبة أربعين سوطا في خلافة عثمان فإنه ذهب ~~عليه وجه ذلك لأن أمير المؤمنين - عليه السلام - ضربه بسعفة لها رأسان فكان ~~قد أقام فيه الحد ثمانين على الكمال، وهذا مأخوذ من قوله تعالى في محكم ~~القرآن: * (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد ~~إنه أواب) * (1). # وأما تشنيعه على أمير المؤمنين - عليه السلام - في القنوت في الغداة ~~والجهر فيه بتسمية الرجال فيه، فهذا أدل دليل على جهله وقلة فهمه وأوضح ~~برهان على إلحاده وإرادته الطعن على رسول الله (ص)، وذلك أنه لا خلاف بين ~~الفقهاء وحملة الآثار أن رسول الله (ص) كان يقنت في صلاة الغداة ويجهر ~~بتسمية الرجال فيه. # وقد نقل الناس ذلك واستفاض حتى ليس يخالف في لفظه من أهل العلم اثنان، ~~وكان قنوته بعد حمد الله تعالى والثناء عليه " اللهم العن رعلا وذكوان، ~~والعن الملحدين من أسد وغطفان، والعن أبا سفيان، والعن سهيلا ذا الأسنان، ~~والعن العصاة الذين عادوا دينك وقاتلوا نبيك " فجعل يلعنهم بهذا الذي ~~ذكرناه أربعين صباحا، وقد روت الرواة عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قنت في ~~الصبح فقال: " اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة (2) بن هشام، وعياش (3) ~~ابن أبي ربيعة، والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر ورعل وذكوان ~~واجعل عليهم سنين كسني يوسف ". # فإن كان على أمير المؤمنين - عليه السلام - في ذلك عار أو نقص في الدين # PageV00P225 # وحاشاه من ذلك بما ذكره إبراهيم في قنوته وجهره بتسمية الرجال، فذلك ~~بعينه عيب على رسول الله (ص) وعار عليه، وهذا هو الذي أراده النظام وكنى ~~عنه بذكر أمير المؤمنين - عليه السلام - ولم يذكر بعد ms164 هذا وقبله شيئا إلا ~~والوجه فيه معروف واضح البيان وقد قدمت الحجة عليه في الجملة، وإن ذكرت وجه ~~بعضه فأنا أذكر وجوه باقيه لئلا يتوهم متوهم أني إنما عدلت عنه لعدم ~~البرهان عليه. # أما قول أمير المؤمنين - عليه السلام - في الأحياض فلسنا نعلم فيه خلافا ~~بل قوله في الأقراء وأنها الأطهار مأخوذ من جهة اللغة التي نزل بها القرآن ~~وذلك أن القرء هو الجمع ومن ذلك سميت القرية قرية لجمعها من تحتوي عليه، ~~وقيل قريت الماء في الحوض إذا جمعته، وسمي الذكر قرانا باجتماع بعضه إلى ~~بعض، ولما كان الطهر فيه تجمع المرأة الدم بالحيض ثبت أنه القرء، فأي شناعة ~~في ذلك؟ # وأما قطعه اليد من أصول الأصابع فذلك هو حكم الله عز وجل بنص القرآن قال ~~الله عز وجل: * (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) * (1) وإنما الكتابة ~~بالأصابع خاصة. # وأما دفعه السارق إلى الشهود فهو كأمره الجزار بقطع يد السارق، وكتأميره ~~بعض الفقهاء في بلد لقطع الأيدي وضرب الرقاب، وإنما رد أمر السارق إلى ~~الشهود استظهارا عليهم في الشهادة ليرهبوا الكذب فيها وليمتحن صدقهم، فإن ~~كانوا صادقين لم يتحرجوا من قطع المشهود عليه، وإن كانوا كاذبين جزعوا من ~~ذلك ويخرجوا من ولايته بأنفسهم، فأي شناعة في هذا لولا جهل النظام وضعف ~~عقله. # وأما أخذه نصف الدية من أولياء المرأة إذا أرادوا قود الرجل بها فذلك هو # PageV00P226 # العدل الذي من تخلف عنه لم يصر إلا إلى الجور، وذلك أن دية المرأة خمسة ~~آلاف درهم ودية الرجل عشرة آلاف درهم فإذا قتل أولياء المرأة الرجل قتلوا ~~نفسا ديتها الضعف من دية صاحبتهم فوجب عليهم رد الفاضل من ذلك، ألا ترى ~~أنهم لو أرادوا أخذ الدية لما كان لهم إلا خمسة آلاف درهم فكيف يكون لهم ~~نفس قيمتها في الشريعة عشرة آلاف درهم وإنما لهم من الدية خمسة آلاف درهم. # لكن النظام يجعل المحاسن من غفلته مثالب وهو لا يشعر بذلك، وكذلك القول ~~في أخذ نصف الدية من المقتص من الأعور لأن دية ms165 عين الأعور عشرة آلاف درهم ~~ودية فرد عين الصحيح خمسة آلاف، وهذا كالأول. # وأما تخليفه رجلا يصلي العيدين بالضعفاء في المسجد الحرام، فذلك من ~~الأدلة على عدله - عليه السلام - وأنه أعرف الأمة بمعالم الدين وأنواع ~~القضاء لأنه لو كلف الضعفاء بالخروج إلى المصلى لكلفهم فوق الوسع، ولو أنه ~~أسقط عنهم صلاة العيدين لكان قد منعهم فضلا كثيرا فجعل لهم ما يدركون به ~~الفضل ولم يكلفهم ما لا طاقة لهم به، وهذه كلها أمور منصوصة على ما قدمناه. # وأما قوله أنه - عليه السلام - أمرهم أن يحكموا بالباطل إلى أن تجتمع ~~الناس، فقد تجاهل بذلك من قبل أن الحق كان عند الاختلاف، تنفيذ أحكام ~~القوم، ولو أبدله بالحكم بما يوجب التقية العدول عنه لكان الباطل بعينه، ~~ولم يسلك أمير المؤمنين - عليه السلام - في هذا الباب إلا مسلك رسول الله ~~(ص) حيث أمضى أحكام المشركين في الحديبية وكانت ضلالا منهم وشركا وكان ~~إمضاؤه هدى وإيمانا وصوابا وهذا القدر كاف في إسقاط هذه الشناعة. # وأما قوله: إن خلاف طلحة والزبير على أمير المؤمنين - عليه السلام - إنما ~~كان على وجه طلب الشورى وإنهما بايعاه بالمدينة كارهين فهذا هو نفس ما ~~ادعاه الرجلان PageV00P227 # وكذبا فيه على الواضح من البيان. # وذلك أن أمير المؤمنين - عليه السلام - لم يدع الناس إلى بيعته وإنما ~~جاءوه فيها على الاختيار وألزموه قبول أمرهم، وكان أول من صفق على يده ~~بالاتفاق طلحة بن عبيد الله، والدلالة على ذلك ما أجمع عليه رواة الآثار من ~~قول الأسدي، وقد رأى يد طلحة أول يد صفقت على يد أمير المؤمنين - عليه ~~السلام -، فقال: إنا لله، أول يد صفقت على يد أمير المؤمنين يد شلاء يوشك ~~أن لا يتم هذا الأمر فكيف يكون طلحة مكرها وهو أول من صفق على يده بالبيعة؟ # ويكشف أيضا عن ذلك قول أمير المؤمنين - عليه السلام - في خطبته التي هي ~~أشهر من خطبه كلها وقد ذكر بيعته، فقال: " فتداك الناس علي كتداك الإبل على ~~حياضها حتى وطئ الحسنان وشقت أعطافي وقيل ms166 لي إن لم تجبنا إلى البيعة ~~ألحقناك بابن عفان " ولا خلاف أن أمير المؤمنين - عليه السلام - كان عند ~~قتل عثمان مستتر عن جمهور الناس فلما قتل عثمان، تلوذ بحيطان المدينة مخافة ~~أن يقال إنه رغب في الأمر حتى مضى الناس إليه طوعا. وكيف يكون طلحة والزبير ~~مكرهين والعامة تروي أنه قال لهما: " امددا أيديكما أبايعكما فإنني أكون ~~لكما وزيرا خير من أن أكون لكما أميرا ". # وأما طلبهما الشورى فليس ذلك لهما وقد تمت إمامته وانعقدت بيعته ~~بالمهاجرين والأنصار وبهما أنفسهما، هذا على التسليم للمخالفين أن إمامته ~~كانت باختيار دون النص عليها والدلالة على وجوبها. # وقوله: إنه قتل عثمان وكان سدى ذلك ولحمته وقاتل عثمان لا يكون للناس ~~إماما، فقد علم كل من سمع الأخبار أن أمير المؤمنين - عليه السلام - لم ~~يحضر قتل عثمان وقد كان أنفذ إليه بابنه الحسن - عليه السلام - لما منعوه ~~الماء ليسقيه، وأن الذي تولي PageV00P228 # قتله وحضره طلحة والزبير في أشياعهما وجماعة من المهاجرين والأنصار وقد ~~قال أمير المؤمنين - عليه السلام - لهما ولغيرهما ممن اشتبه ذلك عليه: " ~~والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله " فلم يمكن أحد منهم الرد عليه. # وأما خذلانه له فلسنا ننكره وكذلك الديانة كانت توجب ذلك ولو نصره أو رضي ~~بفعاله لما كان يصلح للإمامة. # والذي توهمه النظام وشبه به في إبطال إمامته إذا صح كان دليلا على إمامته ~~- عليه السلام -، ولم يأت فيما أورده بحجة فيحتاج إلى نقضها وإنما اقتصر ~~على الدعوى فأسقطناها بمثلها، ثم لم نقنع بذلك حتى عضدناها ببرهان يعرفه من ~~تأمله والله الموفق للصواب. # قال الشيخ أدام الله عزه: وقد طعن إبراهيم على أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - من وجه آخر فزعم أنه كان يحدث بالمعاريض ويدلس في الحديث، فقال: ~~روى أبو عوانة عن داود بن عبد الله الأزدي عن حميد بن عبد الرحمان الحميري ~~أنه بعث ابن أخ له إلى الكوفة وقال: سل علي بن أبي طالب عن الحديث الذي ~~رواه عنه أهل الكوفة في البصرة فإن كان ms167 حقا تحولنا عنها، قال: فأتى الكوفة ~~وأتى الحسن بن علي - عليه السلام - فأخبره بالخبر، فقال له الحسن - عليه ~~السلام -: ارجع إلى عمك فاقرأه السلام وقل له: قال أمير المؤمنين - يعني ~~أباه - عليه السلام - إذا حدثتكم بحديث عن رسول الله (ص) فإني لم أكذب على ~~الله عز وجل ولا على رسوله وإذا حدثتكم برأي فإنما أنا رجل محارب والحرب ~~خدعة. # قال: وروى داود عن الأعمش عن خيثمة عن سويد بن غفلة، قال: # سمعت عليا - عليه السلام - يقول: إذا حدثتكم عن رسول الله (ص) فهو كما ~~حدثتكم فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب على رسول الله (ص)، ~~وإذا PageV00P229 # سمعتموني أحدث فيما بيني وبينكم فإنما أنا رجل محارب والحرب خدعة. # قال إبراهيم: وكيف يجوز لمن قد علم أنه إذا قال للناس أمرني رسول الله ~~(ص) بكذا وكذا أن ذلك عندهم على السماع والمشافهة، فإن كان هذا ونحوه جائزا ~~فالتدليس في الحديث جائز، قال إبراهيم: وفي الجملة إن عليا لو لم يحدثهم عن ~~النبي (ص) بالمعاريض لما اعتذر من ذلك. # قال الشيخ أدام الله حراسته: وهذا الذي ذكره النظام عن أمير المؤمنين - ~~عليه السلام - ليس فيه شئ يوجب التدليس ولا الشبهات في الأخبار، بل قد أفصح ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - عن المراد فيه وميز بين ما يقتضي الظاهر منه ~~مثله في الباطن وبين ما له وجه وتأويل في الكلام، فقال لهم: " إذا حدثتكم ~~عن رسول الله (ص) فهو كما حدثتكم وإذا لم أسند الحديث إلى الرسول فله وجه ~~تأويل " فرفع بذلك التلبيس وأزال عنهم الشكوك والارتياب، ولا معنى لقول ~~النظام كيف يجوز لمن علم أنه إذا قال للناس أمرني رسول الله (ص) بكذا أن ~~ذلك عندهم على السماع، لأنه قد منعهم من الاعتقاد بما أورده من علامات ~~الاعراض. # مع أنه يمكن أن يقال له: إن الذي يضيفه أمير المؤمنين - عليه السلام - ~~إلى النبي (ص) من باب ما باطنه كظاهره في الأحكام، وليس يدخل في باب الخبر ~~عن نفسه وما يراه. ms168 فلا تخلط أيها الرجل هذين وميز كل واحد منهما على ما ~~ذكرناه فإنه يسقط شناعتك مع أنها قد سقطت بما قدمناه. # وأما قوله: إن أمير المؤمنين - عليه السلام - لو لم يحدثهم بالمعاريض لما ~~اعتذر من ذلك، فإنا لا ننكر أن يتكلم - عليه السلام - بالمعاريض في حال ~~الاضطرار بعد أن يجعل بينها وبين الحقائق فصلا وقد فعل ذلك أمير المؤمنين - ~~عليه السلام -، وليس إخباره به PageV00P230 # اعتذارا على ما ظنه النظام بل بيان وبرهان لهم على وجوه الكلام وهو يجري ~~مجرى الحقيقة في القرآن والمجاز والمحكم منه والآيات المتشابهات، فإن كانت ~~الدلالة من أمير المؤمنين - عليه السلام - على الفرق بين الاعراض اعتذارا ~~من جناية جناها أو غلط وقع منه - وحاشاه من ذلك - فالدلائل من الله عز وجل ~~على الفرق بين ما ذكرناه اعتذار من خطأ فيه وهذا كفر وإلحاد. # وما رأيت أعجب من رجل يحكي عن متكلم أنه حقق وعرض ولم يخل كلامه من برهان ~~ويميز به بين الأمرين ثم يحكم عليه بالتلبيس والتدليس لوجود البرهان. ~~أفتراه لو عرى كلامه من الدليل لكان يجب على قول النظام أن يكون قد بين ~~وأزال الالتباس، وقد كان ذلك كذلك فهذا هو الجهل المحض والوسواس وإن كان ~~بخلافه فكيف يكون المبرهن مدلسا لولا العناد. # على أن الحديث الذي رواه عن حميد الحميري غير معروف ولا ثابت عند نقلة ~~الآثار وهو سن جملة تخرصه الذي قدمنا حكايته عنه فيما سلف من هذه الأبواب. # ثم قال إبراهيم: وقال عمرو بن عبيد وهاشم بن الأوقص: ألا ترى أن قوله - ~~يعني أمير المؤمنين - عليه السلام " أمرت أن أقاتل الناكثين والقاسطين ~~والمارقين " من ذلك القول الذي يقوله برأيه للخدعة، وقوله في ذي الثدية: " ~~ما كذبت ولا كذبت " من ذلك أيضا قال: ولعل الشئ إذا كان عنده حقا استجاز أن ~~يقول: إن رسول الله (ص) أمرني به لأن الله ورسوله قد أمرا بكل حق. # قال الشيخ أيده الله: يقال لإبراهيم: هذا من جهل عمرو بن عبيد وهاشم ابن ~~الأوقص وضلالهما، وضعف ms169 عقلك أنت أيضا يا إبراهيم في اعتمادك على هذا ~~PageV00P231 # القول منهما وطعنكم وجماعتكم على أمير المؤمنين - عليه السلام -، وذلك أن ~~قوله: # " أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين " إنما قاله قبل كون القتال ~~من هؤلاء المذكورين وهو متوجه إلى البصرة عند نكث طلحة والزبير بيعته، فجعل ~~هذا القول حجته في قصدهما والمسير إليهما لأن قوما أشاروا بالكف عنهما ~~فاعتمد في ترك رأيهم في ذلك على هذا القول وأضافه إلى النبي (ص) في أقوالي ~~ضمها إليها، نقلها أهل السير جميعا، منها قوله - عليه السلام -: " أما ~~والله لقد علم أصحاب محمد (ص) وهذه عائشة بنت أبي بكر فاسألوها أن أصحاب ~~الجمل والمخدج اليد ملعونون على لسان النبي الأمي وها هذه هاهنا فاسألوها " ~~وقال - عليه السلام -: " لا أجد إلا قتالهم أو الكفر بما أنزل على محمد (ص) ~~" فكيف يكون هذا عن رأيه وهو يستشهد بأعدى الناس له ويواجه عائشة بلعنة ~~أصحابها ويستشهدها على خبر ذي الثدية قبل كونه. # وهب أنه - عليه السلام - ذكر قتال أهل البصرة وقال فيه برأيه من أين علم ~~بحال القاسطين والمارقين ولم يكن ظهر منهم شئ في الحال يستدل به بل ~~المارقون كانوا خاصة أصحابه عند هذا المقال، وكيف عين ذا الثدية بالمقال ~~وقطع عليه بالضلال وجعله رأسا للقوم وهو إذ ذاك من جملة أوليائه. فإن كان ~~رجم بذلك فأصاب، لم ينكر أن يكون ما خبر به المسيح - عليه السلام - أصحابه ~~من أفعالهم في المأكول والمشروب والمدخر كان ترجيما، وكذلك جميع ما خبرت به ~~الأنبياء قبل كونه وإخبار النبي (ص) قبل مخبراتها، وهذا طعن في الدين وخروج ~~من قول أهل الملل كافة، ولعمري إنه يليق بمذهب النظام، وإن كان ما خبر به ~~عن النبي (ص) وكان إخباره به قبل كونه يدل على أنه لم يكن عن رأي ترجيم ولا ~~تحديس وظن وتركين. فقد بطل PageV00P232 # ما قاله الرجلان، ولا وجه غير الترجيم إلا علم الغيب فترى النظام وابن ~~عبيد والأوقص أرادوا الطعن على أمير المؤمنين - عليه السلام - فجعلوه إلها ~~يعلم الغيب بغير ms170 تعليم، وهكذا يجن الله من عاداه. # ثم قال إبراهيم: وقال عمرو بن عبيد: لولا أن عليا يوم التمس ذا الثدية ~~كان يقول والله ما كذبت ولا كذبت وهو ينظر إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة ~~أخرى، ما شككت أن النبي (ص) قد قال له في ذلك قولا. قال إبراهيم: وهذا ~~القول من عمرو طعن شديد على - عليه السلام -. # قال الشيخ أيده الله: فيقال لإبراهيم: لسنا نشك في نصب عمرو وعداوته ~~لأمير المؤمنين - عليه السلام - وكما لا نشك في ذلك فلسنا نشك في جهله وضعف ~~عقله وطعنه في الدين ونفاقه، والذي حكيت عنه يدل على ما وصفناه لأن نظر ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - إلى السماء إن لم يدل على صحة ما رواه عن ~~النبي (ص) ورغبته إلى الله تعالى في التوفيق لتقريب إظهار المخدج ليزول عن ~~قلوب الناس الشبهات، لم يدل على أنه لا نص عنده في ذلك، وأي نسبة بين النظر ~~إلى السماء وبين الكذب وبين النظر إلى الأرض وبين التدليس؟ وهل النظر إلى ~~ذلك إلا كالنظر إلى العسكر أو إلى نفسه أو يمين أو يسار أو أمام أو وراء؟ ~~وهل ذلك إلا كغيره مما عددناه من ضروب الأفعال والتصرف من الإنسان في ~~حركاته وسكناته؟ # وهذا الذي حكاه النظام عن عمرو بن عبيد ليس يجب فيه أكثر من التعجب منه، ~~فإنه ليس بحجة يجب التسليم لها ولا شبهة يجب النظر فيها، ولولا أنني كرهت ~~إغفاله لئلا يظن ظان أن ذلك لشبهة فيه لما كان الرأي إيراده لأنه ~~PageV00P233 # محض الهذيان. # على أنه إذا تأمل متأمل قصة المخدج عرف أن أمره كان بعهد من رسول الله ~~(ص)، وذلك أن هذا المخدج لم يكن معروفا عند أصحاب أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - ولا مشهورا، ولا علموا أنه كان في الخوارج فنجا أو قتل، ولا سمعوا ~~له خبرا فأنبأهم أمير المؤمنين - عليه السلام - بصفته قبل الوقعة وخبرهم ~~بقتله ومآله، والدليل على ذلك أنه لو كان الرجل معروفا عند القوم وكان قتله ~~معلوما لهم لما كان ms171 لاستدلال أمير المؤمنين بالخبر عنه على باطلهم وحقه ~~معنى يعقل وإنما جعل خبره معجزا وبرهانا له على صوابه. # فلما انكشف الحرب أمر بطلبه في القتلى فلم يوجد وشك الناس في خبره فقلق - ~~عليه السلام - لذلك وجعل ينظر إلى السماء تارة يناجي ربه في بيان الأمر ~~وإزالة الغمة عن الخلق، وينظر إلى الأرض أخرى مفكرا في أصحابه خائفا عليهم ~~الضلال عند استبطائهم وجوده، فوفق الله الكشف عنه فركب أمير المؤمنين - ~~عليه السلام - بغلة رسول الله (ص) حتى أتى جمعا من القتلى فقال: اكشفوا ~~بعضهم عن بعض فكشفوهم فوجدوا رجلا أسود بادنا له ثديان كثدي المرأة عليها ~~شعرات إذا مدت جذبت يده وإذا أرسلت ردت يده، فكبر - عليه السلام - عند ذلك ~~ذال الريب عن أصحابه، فكيف يكون الخبر عما وصفناه حدسا وترجيما، بل كيف ~~تكون هذه المنقبة الجليلة مثلبة وهذه الفضيلة العظيمة رذيلة لولا أن الله ~~سبحانه قد أعمى قلب عمرو بن عبيد والنظام والحاكي عنه وأصحابهما المعتقدين ~~لفضلهما والله نسأل توفيقا برحمته. PageV00P234 # فصل قال الشيخ أيده الله: وجدت جماعة من المعتزلة يدفعون ما حكيت عن ~~النظام بحكاية الجاحظ عنه أن يكون مذهبا له، وتحملهم الحمية للاعتزال ~~والعصبية للرجال على إنكار المعلوم من ذلك وعلى أن يحملوا أنفسهم على البهت ~~المزري بصاحبه المسقط لقدره، حتى آل بهم الأمر إلى تخريج العذر للنظام فيما ~~ذكرناه بأن زعموا أن الذي وصفناه وشرحناه من الفصول عنه إنما خرج مخرج ~~الحجاج لحملة الأخبار ومناقضة خصومه من الفقهاء. # قالوا: وإنما قال الرجل إن هذه الشناعات على الصحابة تلزمكم على روايتكم ~~عنهم هذه الروايات فأما أنا فإني أتخلص من ذلك باعتمادي على ظاهر القرآن ~~والخبر القاطع للعذر من الأخبار ويسلم بذلك على مقالتي الأئمة من الصحابة ~~والتابعين بإحسان. # قال الشيخ أيده الله: وهذا تمن من هؤلاء الجهال واعتلال فاسد يدل على ضعف ~~عقل معتقده أو على محض العصبية منه والعناد، وذلك أن صريح كلام النظام ~~وظاهره وباطنه بخلاف ما ادعاه هؤلاء القوم الأوغاد، ولا فرق بين من حمل ms172 ~~مذهب النظام على ما ذكره القوم وانصرف عن مفهومه وبين من حمل مذهب الخوارج ~~على خلاف المعروف منه، بل ادعى فيه معنى مذهب الشيعة وحمل مذهب الشيعة على ~~مقتضى مذهب الخوارج وصنع ذلك في سائر المذاهب والمقالات. # وأقرب ما يبطل قول هذه الفرقة ويشهد بتخرصها وعنادها في تخريج ~~PageV00P235 # مذهب النظام على خلاف ما حكيناه، ما شهد به الجاحظ عليه وحكاه عنه نصا لا ~~يشوبه شك ولا ارتياب، وذلك أنه قال: وكان إبراهيم من أشد الناس قولا في ~~الروافض لبغضهم أبا بكر وعمر وأبا عبيدة، وأشد الناس قولا في الخوارج ~~لبغضهم عليا - عليه السلام - وعثمان وطلحة والزبير وعائشة، ومن أشد الناس ~~قولا في المعتزلة لبغضهم سعدا وابن عمر ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وزيد ~~بن ثابت وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وجميع من كان لا يرى قتال الفئة ~~الباغية ويقول: # كن عند الله المقتول ولا تكن القاتل. فإذا صار إلى القول في أصول الفتيا، ~~انتظم جميع المعاني المعيبة عنده والمذهب الذي كان يسخطه من غيره. # ولو كان له من يثيره ويسائله لكشف منه ما كان مستورا ولأظهر من تناقض ~~مذهبه ما يسقط قدره ويحط منه، ولكن أصحابه لم يكونوا أصحاب أخبار وآثار ~~وأحكام وفتيا وكانت " المداخلة " إليهم أعجب من علم القرآن، و " الطفرة " ~~أبلغ عندهم من علم الأحكام، وبئس المذهب لعمر الله اجتبى لنفسه واختار ~~لدينه، وسنقول عند الرد عليه بالذي يجب إن شاء الله. # قال الشيخ أيده الله: فأيما أولى بنا الآن أن نصدق على النظام قوله على ~~نفسه وإخباره عن مذهبه وصريح لفظه الدال على مراده وحكاية صاحبه، الجاحظ ~~عمرو بن بحر عنه أو تصديق هؤلاء النفر المتعصبين بالباطل الحاملين أنفسهم ~~على البهت والعناد والخصومة واللجاج؟ وكيف يحسن مناظرة من ركب هذا المركب ~~في الوقاحة والمكابرة لولا أن قوما من الضعفة الذين لا معرفة لهم بالمقالات ~~ولم يطلعوا على المذاهب ولا عنوا بقراءة الكتب على المشايخ فالتبس عليهم ~~هذا المقال؟ PageV00P236 # فصل مع أن النظام لم يحتج ms173 في شاهد مذهبه إلى الشهادة عليه من عمرو بن بحر ~~وغيره من حيث صرح بما مضى وبما أنا مبينه الآن حيث يقول: وقلتم - يعني ~~مخالفيه - إن قولنا هذا - يعني قوله - خلاف على الجماعة وأن النبي (ص) قال: ~~يد الله على الجماعة، ثم قال حاكيا عن مذهبه: فنحن لا نزعم أن أصحاب رسول ~~الله (ص) أطبقوا على الرأي وأجمعوا على القول في الفتيا فيكون كما وصفتم ~~ويخالف ما ادعيتم، وإنما كان يرى الفتيا بالقياس وترك المنصوص عليه من ~~أصحاب رسول الله (ص) عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن ~~مسعود وزيد ومعاذ وأبو الدرداء وأبو موسى وناس قليل من أحداث الصحابة دون ~~الأكابر والباقون هم الجماعة، وهؤلاء النفر هم أصحاب الفرقة، ولكن لما كان ~~فيهم عمر ابن الخطاب وعثمان وهؤلاء معهم سلطان الرغبة والرهبة، شاع لهم ذلك ~~في الدهماء وانقادت لهم العوام وجاز للباقين السكوت على التقية وعلى أنهم ~~قد علموا أنه غير مقبول منهم ولا مسموع قولهم. # قال الشيخ أيده الله: أفلا ترون وفقكم الله إلى تجريده مذهبه في تمييز ~~الصحابة وتعيين من طعن عليه منهم فبدأ بعمر بن الخطاب وأتبعه الباقين، وقبل ~~هذا قد ذكر أبا بكر وصرح بالطعن عليه في قوله في الكلالة، وطعن على عبد ~~الله ابن عباس بعد هذا وعلى ابن عمر، وذكر في هذا الفصل بعينه علة استفاضة ~~القول في الصحابة بالرأي وأنها هي التمكن والغلبة والسلطان ونحن مصدقوه ~~فيما ذكره عن القوم، ومصوبوه في تعلقه بانغمار الحق بالتقية إلا إدخاله ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - في جملتهم في القول بالقياس والرأي ومكذبوه ~~ورادون عليه بما سلف لنا في ذلك من البيان، وما أعلم أحدا أجسر على البهتان ~~ممن تعلق في مذهب النظام بخلاف ما شرحه هو في مقالته وحكيناه عنه في ~~المواضع المقدمات. PageV00P237 # فصل قال الشيخ أيده الله: وقال الجاحظ في آخر فصل حكاه عن النظام في ~~الفتيا: وكان إبراهيم من حفاظ الحديث مع ذهن حديد ولسان ذرب يتخلص به إلى ms174 ~~الغامض، ويحل به المنعقد، ويقرب به ما بعد وهو مع ذلك يخطئ خطأ الغمر ويخبط ~~خبط السكران ويجمع بين التيقظ والغفلة والحزم والإضاعة. # ثم قال عمرو عقيب هذا الفصل: وقول إبراهيم هذا لم يعمل به مسلم وهو وإن ~~طول وكثر فإن المأخذ في الكثير عليه قريب، فقد شهد عمرو على النظام بخلافه ~~الأمة في المقال، ووصفه بالجمع بين المتضادات وهو أعرف بمذهبه من هؤلاء ~~الجهال، وبعد فإن لم نصدق الجاحظ عليه في هذه الحكايات لم يجب أن نصدقه ~~عليه في جميع ما حكاه من مذاهبه لأنها لم تظهر إلا من جهته، وإذا أكذبناه ~~في ذلك كله لم نعرف للنظام مذهبا في الفتيا فضلا عن أن يحتاج إلى الاحتيال ~~له في التخريجات. # على أن هذه الجماعة التي حكينا عنها الانكار لا بد لها مع إقامتها على ~~ذلك من تكذيب الجاحظ وتضليله وتجهيله في الرد على النظام، لأنه قد رد عليه ~~في هذا الكتاب على ترتيب ما حكيناه من تدينه بما وصفناه، وليست في موضع من ~~يقبل قولها على الجاحظ ويترك ما خبر به وحكاه إلى شهواتها وأمانيها التي ~~تدل على سوء التدبير وقلة الدين وضعف الرأي. # قال الشيخ أيده الله: فهذه جملة ما ثبت عن النظام في الطعن على الصحابة ~~والأئمة الراشدين والتابعين بإحسان، ولو أوردنا جميع ما في هذه الأبواب من ~~مقاله لطال به الكتاب، وقد أضربنا عن مناقضته بين الأخبار وإيراده تكذيب ~~PageV00P238 # بعض القوم لبعض في الروايات وشهادته عليهم بالبدع في الديانات وقول الزور ~~والبهتان، فمتى أردتم أرشدكم المعرفة ذلك على الكمال فعليكم بكتاب الفتيا ~~لعمرو بن بحر الجاحظ فإنكم تجدونه في ذلك على الاستقصاء والبيان، مع أن ~~إبراهيم في اعتذاره من الإقدام على تخطئة الأمة ملبس في ذلك على الضعفاء ~~لأنه يدين بفساد الاجماع. وقد ذكر ذلك عنه عمرو بن بحر في هذا الكتاب فقال: ~~وقال إبراهيم: لم يضطرني الخبر أن النبي (ص) قال: " لا تجتمع أمتي على خطأ ~~" وكان يزعم أنه قد يجوز أن يجتمع المسلمون على ms175 ضلالة ولكن لا يجتمعون على ~~خطأ بعينه. # وقال الجاحظ في افتتاح حكاياته عنه: زعم إبراهيم بن سيار أن سبيل القرآن ~~كسبيل التوراة والإنجيل والزبور وجميع كتب الأنبياء، وأن سبيل هذه الأمة في ~~فتياها وأحكامها كسبيل أمة موسى وعيسى وجميع الأنبياء - عليهم السلام -، ~~وأن أصحاب محمد (ص) حين تكلفوا القول في الفتيا وقالوا بالقياس لم يعد ~~أمرهم أحد وجهين: إما أن يكونوا ظنوا أن ذلك جائز لهم بسبب غلطوا فيه ولأمر ~~توهموه، أو يكون ذلك كان منهم على التآمر والتحكم وليكونوا أئمة وقادة ~~وسلفا. # قال الشيخ أيده الله: في هذا - أدام الله توفيقكم - كفاية في الدلالة على ~~مذهب الرجل في جواز تغيير القرآن والزيادة فيه والنقصان والطعن على الاجماع ~~والبراءة من أهل بيت النبي (ص) والصحابة جميعا والتابعين بإحسان، وكفى ~~بمعتقد هذا الرجل كفرا وإلحادا وخروجا عن دين الإسلام، والحمد لله على ما ~~من به علينا من هدايته وله الشكر على نعمته في دينه وإياه نسأل سترا جميلا ~~برحمته. PageV00P239 # فصل ومن حكايات الشيخ وكلامه، قال الشيخ أيده الله تعالى: وجدت أصحاب ~~المقالات كافة يقولون إن أول خلاف وقع في الإسلام بعد وفاة رسول الله (ص) ~~الخلاف في الإمامة بين المهاجرين والأنصار، وقد غلطوا في ذلك، فإن أول خلاف ~~حدث في الإسلام بعد وفاة الرسول (ص)، خلاف عمر بن الخطاب في وفاة النبي (ص) ~~فإنه ادعى حياته. # وذلك أن جميع أهل السير والآثار يقولون إن النبي (ص) لما قبضه الله عز ~~وجل فخرج الناعي ينعاه، خرج عمر بن الخطاب من منزله فقال: " والله لا أسمع ~~أحدا يقول مات رسول الله إلا قتلته، إن رسول الله (ص) لم يمت وإنما غاب عنا ~~كما غاب موسى عن قومه أربعين ليلة، والله ليرجعن رسول الله إلى قومه كما ~~رجع موسى إلى قومه وليقطعن أيدي رجال وأرجلهم " فلم يزل على ذلك يقول هذا ~~القول في محفل بعد محفل حتى خرج إليه أبو بكر فقال له: على رسلك يا عمر فلم ~~ينصت له، فلما رأى أنه لا ms176 ينصت له، قام قائما فحمد الله وأثنى عليه وصلى ~~على النبي (ص) ثم قال: " أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ~~ومن كان يعبد الله سبحانه وتعالى فإن الله سبحانه حي لا يموت ولقد نعى نبيه ~~إلى نفسه وهو بين أظهركم فقال: * (إنك ميت وإنهم ميتون) * " قالوا: فحينئذ ~~كف عمر عن القول الذي كان يقول به. # قال الشيخ أدام الله تأييده: وفي هذا الذي ذكرناه غير شئ: # فمنه أن أول خلاف حدث بعد رسول الله (ص) خلاف عمر بن الخطاب على ~~PageV00P240 # الجماعة ونفيه موت رسول الله (ص) وما ادعاه من حياته. # ومنه أن هذا الخلاف هو مذهب المحمدية من الغلاة وبه يدينون وهو ضلال ~~باتفاق. # ومنه أنه خلاف أظهره الرجل بغير شبهة تدعو إليه من جهة عقل أو تأويل كتاب ~~أو لفظ سنة أو عادة جرت فيتعلق بذلك، وما جرى هذا المجرى لم يتوهم على ~~صاحبه إلا العناد وقصد الإفساد والإدغال في الدين. # ومنه أنه يدل على جهل قائله بالقرآن وعدم حفظه له لأن التنزيل مبين لوفاة ~~رسول الله (ص)، قال الله سبحانه لنبيه - عليه السلام - * (إنك ميت وإنهم ~~ميتون) * (1) وقال سبحانه: * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * (2). # ومنه أن الرجل أقدم على اليمين بالله عز وجل وأقسم بأسمائه الحسنى أن ~~رسول الله (ص) لم يمت، ثم لم يقنع بذلك حتى وصفه بالغيبة ثم شبه غيبته ~~بغيبة موسى - عليه السلام - عن قومه وأقسم بالله في مقدار زمان غيبته، ثم ~~لم يقنعه جميع ذلك من قوله الباطل حتى خبر أنه سيرجع ويقطع أيدي رجال ~~وأرجلهم، فهب أن الشبهة دخلت عليه في وفاة النبي (ص) واعتقد أنه ممن لا ~~يموت أو ممن يتأخر موته عن تلك الحال، أي شبهة عرضت له في ذكر قطع أيدي ~~الرجال وأرجلهم إذا عاد؟ إن هذه الأمور عجيبة وإذا تأملها المنصف عرف ~~مباينتها لليقين والصدق ومباعدتها لشرائط الإيمان. # ولعل بعض أهل الخلاف يزعم عند ms177 سماع هذا الكلام أن القول الذي أظهره # PageV00P241 # عمر لم يكن عن عقد ونية ولكنه كان منه على سبيل الإرهاب لئلا يطمع أهل ~~النفاق. فإن زعم ذلك، قيل له: إن هذا التخريج لا يصح على ظاهر مقال الرجل ~~ولا يلائم ما كان منه في الحال لأنه أخرجه مخرج الجد وأبان عما يبان به عن ~~الاعتقاد فأكده بالقسم والأيمان، ولو كان على ما ظننت من أنه أراد ~~الاستصلاح ما كان يورد ذلك على الوجه الذي يقع به الضلال ولا يؤكده التأكيد ~~الذي يدل به السامعين على وجود اعتقاد صدقه في ظاهره وباطنه، ولما كان ~~لقوله عند سماع الآية من أبي بكر " كأني والله ما سمعتها قط ولا علمت أنها ~~في القرآن " معنى، ولقال عند اجتماع الكلمة على الوفاة للناس: " اعلموا ~~أيها الناس أني لم أك جاهلا بوفاة الرسول وإنما أظهرت ما أظهرت من الكلام ~~للإرهاب والاستصلاح " وفي يمين عمر بالله تعالى أنه لما سمع الآية تنبه بها ~~على غلطه في المقال وكان قبلها كأن لم يسمعها قط دليل على بطلان قول من ~~تخرج له ما قدمناه. # وإذا بطل أن يكون الرجل أراد بما أظهره الاستصلاح وبطل أن يكون ما قاله ~~لشبهة دخلت عليه دعته إلى ذلك المقال، لم يبق إلا أنه أراد الفساد في الدين ~~وسلك طريق العناد. على أنه مع الأمر الذي يخرجونه له في ذلك لا ينفك من ~~إظهار الباطل والتصريح بالكذب في الأخبار والإذاعة بما يدعو إلى الجهل ~~والضلال، وهذا بين لذوي الألباب. # على أن المقدار من الزمان الذي أظهر فيه عمر بن الخطاب من القول ما ~~حكيناه ثم رجع عنه، لم يكن موهوما فيه أن لو صمت عن ذلك أو اعتمد على غيره ~~مما لا يخرج به على ظاهر الحق ووقوع الفساد على معهود العادات. # وبعد، فما بال أبي بكر لم يسبقه إلى هذا الاستصلاح وغيره من المهاجرين ~~والأنصار، بل ما باله لما أمره أبو بكر بالانصات لم يجبه إلى ذلك حتى تركه ~~وعدل PageV00P242 # عن كلامه إلى كلام ms178 الناس، وكيف لم يجر فساد قط في ما سلف عند موت نبي أو ~~ملك كان المعلوم أو المظنون أنه لو وقع موته ساعة من النهار يصلح الناس ~~وارتفع ذلك الفساد فكيف لم يسبقه إلى ذلك أحد عند موت من ذكرناه من الملوك ~~والأنبياء، وأي فساد كان يتخوف من السكوت عن الباطل والكذب ودفع الضرورات، ~~وما كان وجه الفساد الذي يتخوفه الرجل، وإنما انتشرت الكلمة ووقع معظم ~~الخلاف بعد رجوعه عما كان ادعاه. # مع أنا لا نجده استصلح أحدا من الأمة بذلك ولا نعرف وجها في كلامه ~~للاستصلاح، وقد وجدنا ما كان يتخوفه من الفساد مع مقاله ذلك، فأي فائدة ~~حصلت للأمة فيما أورده وعلى أي معنى يحمله إن لم يكن أراد الإفساد والتلبيس ~~والاضلال، على أن الرجل نفسه قد أظهر أنه قال القول الذي حكيناه عنه على ~~وجه الاعتقاد له وصرح بأنه لم يقصد الاستصلاح بمقال ظاهره خلاف باطنه في ~~الحال وأبطل قول من خرج له العذر بالاستصلاح. # فروى محمد بن إسحاق عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك قال: لما بويع أبو ~~بكر في السقيفة وكان من الغد، جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل ~~أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه وقال: " أيها الناس إنه كنت قلت لكم بالأمس ~~مقالة ما كانت إلا عن رأي، وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت بعهد من رسول ~~الله (ص) ولكن قد كنت أرى أن رسول الله (ص) سيدبر أمرنا حتى يكون آخرنا ~~موتا ". # وروى عكرمة عن ابن عباس قال: " والله إني لأمشي مع عمر في خلافته وما معه ~~غيري وهو يحدث نفسه ويضرب قدميه بدرته إذ التفت إلي فقال: يا بن عباس هل ~~تدري ما حملني على مقالتي التي قلت حين توفي رسول الله (ص) قال: قلت: ~~PageV00P243 # لا أدري أنت أعلم يا أمير المؤمنين " قال: فإنه والله ما حملني على ذلك ~~إلا أنني كنت أقرأ هذه الآية: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) ms179 * (1) وكنت أظن أنه سيبقى بعد أمته حتى ~~يشهد عليها بآخر أعمالها فإنه الذي حملني على أن قلت ما قلت. # ألا ترى إلى تصريح الرجل بأنه كان يعتقد حياة رسول الله (ص) ويعتل لذلك ~~تارة بالرأي وتارة بتأويل القرآن، وأنه لم يعتمد فيه أنه من كتاب الله ولا ~~عهد من الرسول (ص) ثم يناقض تارة أخرى بالاعتلال، فيزعم أن الذي حمله عليه ~~ما وجده في الكتاب، فيعلم بذلك صحة ما ذكرناه عنه من التخليط ويظهر لك ~~إدغاله في الدين بمناقضته في المقال وبنقله التلبيس على الضعفاء من اعتلال ~~إلى اعتلال، وقد تبين لك بما قلناه صحة ما قدمناه من ركوبه في ذلك عظيم ~~الضلال وأنه إن كان صدق على نفسه فقد وضح عناده وإدغاله في الدين على ما ~~شرحناه. # قال الشيخ أيده الله: وقد سلك ابنه عبد الله طريقه في الإقدام على الباطل ~~والقول بغير علم ولا بيان وهو عندهم من صلحاء الصحابة وأهل الفضل والسداد. # وذلك أنه لما غنم المسلمون من الفرس في أيام عمر ما غنموه وكان في جملته ~~العود الذي يستعمله المجوس في الملاهي، فأحضروه مجلس عمر فلم يكد يعرفه أحد ~~ممن حضر في الحال، ولم يدر ما الذي يصنع به ولا اسمه من الأسماء، فتشاجروا ~~في ذلك فقال لهم عبد الله بن عمر: دعونا من اختلافكم في هذا وخذوها عني ~~وأنا أبو عبد الرحمان، هذا الميزان الحراني، فلم يرض بالسكوت عما لا يعلم ~~حتى تحدى القوم بأن عنده معرفة لما لا يعرفه، ثم لم يرض بذلك حتى أنبأهم # PageV00P244 # بباطل وشهد عندهم شهادة زور وقد كان غنيا عن ذلك وما دعاه إليه داع. # وهذا مما يعد من حماقته أفترى من خالفنا يمكنه أن يزعم في هذا أيضا أنه ~~أراد به الاستصلاح بكلام يطلب لهذا الرجل عذرا إلا مشارك له في الحمق ~~والإقدام على الباطل، ولا يثق به في النقل بعد ما حكيناه ويتولاه في الشرع ~~ويعتقد فضله في الصحابة إلا مائق مأفون العقل. # ولو لم يكن عبد الله ms180 ضعيف الرأي ناقص العقل لما تأخر عن بيعه أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - وأبى الدخول في طاعته وحرم الجهاد معه ويدعه في ~~حروبه وخذل الناس عنه واستحل خلافه ومباينته ثم جاء بعد ذلك مختارا إلى ~~الحجاج بن يوسف الثقفي فقال له: أيها الأمير امدد يدك أبايعك لأمير ~~المؤمنين عبد الملك ابن مروان. حتى قال له الحجاج بن يوسف الثقفي: وما حملك ~~على هذا يا أبا عبد الرحمان بعد ما تأخرت عنه؟ قال: حملني عليه حديث رويته ~~عن النبي (ص) إنه قال: " من مات وليس في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهلية " ~~فقال له الحجاج: # بالأمس تتأخر عن بيعة علي بن أبي طالب مع روايتك هذا الحديث ثم تأتيني ~~الآن لأبايعك لعبد الملك، أما يدي فمشغولة عنك ولكن هذه رجلي فبايعها فسخر ~~منه وعبث به وأنزله منزلته. # ولعمري إن عبد الله وإن فارق أباه في الشهامة والفطنة لقد وافقه في ~~العداوة لأمير المؤمنين - عليه السلام - ومضى على شاكلته وعادته في ذلك، ~~وقد قال رسول الله (ص) " من أبغض عليا فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله ~~عز وجل " وقال له - عليه السلام -: " عادى الله من عاداك وقاتل الله من ~~قاتلك " وقال له - عليه السلام -: " حربك يا علي حربي وسلمك يا علي سلمي " ~~وقال له - عليه السلام -: # " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، وهذه ~~دعوات قد استجابها الله عز وجل من نبيه عليه وآله السلام PageV00P245 # فصل من كلام الشيخ أيده الله، قال الشيخ: قد أجمعت الأمة على أن أبا بكر ~~قال بعد العقد له: " أقيلوني أقيلوني " فاستقالهم الولاية والإمرة عليهم ~~وفهمنا ذلك وعرفناه وقد أجمعت الأمة على أن الناس دعوا عثمان إلى الخلع ~~فأبى فحصروه لذلك وتوعدوه بالقتل إن لم يخلع نفسه ليختاروا لأنفسهم من ~~يرضوه فأبى إلا دفاعهم عن ذلك واحتج عليهم فيه بأن الله سبحانه قمصه الأمر ~~فلا يحل له خلعه، وقال لهم: " لا أخلع قميصا قمصنيه الله عز وجل " فنظرنا ~~في هذين الفعلين ms181 فوجدناهما مختلفين متضادين يوجب أحدهما إن كان صوابا خطأ ~~فاعل ضده وإن كان خطأ صواب فاعل خلافه. # وذلك أنه إن كان حل لأبي بكر أن يخلع نفسه من الإمامة مختارا ويدعو الناس ~~إلى خلعه فقد حرم الله سبحانه على عثمان أن يمتنع من ذلك إذا أريد عليه ~~ودعي إليه وأخيف وهدد بالقتل إن امتنع عليهم من ذلك فلما رأينا عثمان اختار ~~القتل على الإجابة إلى الخلع، علمنا أنه لم يختر ذلك إن كان متدينا به إلا ~~أن الخلع أعظم من إظهار كلمة الشرك وصنع ضروب الفسق وأكل الميتة والدم ولحم ~~الخنزير لأن هذه كلها تحل عند الخوف على النفس وعثمان لم يستحل الخلع عند ~~الخوف على نفسه فكان على مذهبه من أعظم الكبائر وأكبر ضروب الكفر، وإذا كان ~~أبو بكر قد استحله ودعا إليه بان أنه أتى كفرا على مذهب عثمان وأعظم من ~~الكفر أو يكون استحلاله ذلك يدل على أن استسلام عثمان للقتل بدلا من الخلع، ~~أعظم ما يكون من الكفر لأن من امتنع من مباح بقتل نفسه كان مارقا عن الدين ~~PageV00P246 # ولا فضل في ذلك لمن عقل على ما بيناه. # وعسى أن يقول بعضهم إن عثمان دعي إلى خلعه على ما يوجب الخلع فامتنع لذلك ~~وأبو بكر اختار الخلع فاختلف الوجهان في ذلك. # فإنه يقال له: لو كان الأمر على ما وصفت لكان الخلع حاصلا له وإن لم يخلع ~~نفسه لأن الفسق الموجب للخلع بوجوده يخرج عند أصحاب الاختيار خاصة صاحبه من ~~الإمامة ولا يحتاج معه إلى أن يخلع نفسه، مع أن عثمان كان أناب لهم وأظهر ~~التوبة وأعتبهم على ما عتبوه ورجع لهم في الظاهر إلى ما أرادوه فصار في ~~الحكم بمنزلته الأولى من العدالة فلذلك ساموه أن يخلع نفسه مختارا وكان ذلك ~~هو الذي دعا إليه أبو بكر بعينه فلم يختلف الوجهان على ما ظننتموه وفي ذلك ~~ما قدمناه من وجوب ضلال أحد الرجلين وخطأه في الدين. # على أن الاختيار إن كان للأمة فكان إليها العزل ms182 والخلع ولم يكن لدعائها ~~عثمان إلى أن يخلع نفسه معنى يعقل لأنه كان لها أن تخلعه إذا لم يجبها إلى ~~ذلك ويختاره، وإن كان الخلع إلى الإمام فلا معنى لقول أبي بكر للناس ~~أقيلوني وقد كان يجب - لما كره الأمر - أن يخلع هو نفسه ولا تكون لهم إذ ~~ذاك ضربة لازب عليه، وهذا أيضا تناقض آخر يبين عن بطلان الاختيار وتخليط ~~القوم. # وأنت أرشدك الله إذا تأملت قول أمير المؤمنين - عليه السلام - في خطبته ~~في الكوفة عند ذكر الخلافة حيث يقول: " فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته ~~إذ عقدها لآخر بعد وفاته " وجدته عجبا وعرفت منه المغزى الذي كان من الرجل ~~في القول وبان خلاف الباطن منه للظاهر وتيقنت الحيلة التي أوقعها والتلبيس ~~وعثرت به على الضلال وقلة الدين والله تعالى نسأل التوفيق. PageV00P247 # فصل وسمعت شيخنا أيده الله يقول: إن مما يشهد برذالة بني تيم بن مرة وبني ~~عدي ويجب أن يضاف إلى ما سلف لنا في ذلك، قول أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية ~~حين بلغه بيعة الناس لأبي بكر فجعل يقول ويحرض بني هاشم على فسخ أمره ~~ويدعوهم إلى تقديم أمير المؤمنين - عليه السلام - وتسليمه ويقول: # بني هاشم لا يطمع الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدي فما الأمر إلا ~~فيكم وإليكم * وليس لها إلا أبو حسن علي أبا حسن فاشدد لها كف حازم * فإنك ~~بالأمر الذي يرتجى ملي أفلا ترون إلى قول هذا الشيخ بحضرة الملأ وبحيث يبلغ ~~قوله الحاضر والبادي كيف يزري على تيم وعدي ويظهر القول برذالتها وقصورها ~~عن استحقاق الخلافة ونيل الرياسة وهو وإن كان منافقا عندنا فإن وصف القبائل ~~لا تتعلق صحته بما ينفي نفاقه ولا يخل نفاقه بصدقه في وصفه لأن العرب كانوا ~~أهل أنفة من الكذب فيما يعلم باضطرار ضد مقالتهم فيه لا سيما وأبو سفيان ~~سيد من سادات قومه، فأقل ما في هذا الباب أن ينزل بشعره منزلة شعر الجاهلية ~~في وصف القبائل بالشجاعة أو الجبن ms183 أو السخاء أو البخل أو الشرف أو الضعة، ~~وإذا كان الأمر على ما بيناه سقط قول من رام إبطال احتجاجنا بقول أبي سفيان ~~على ما ذكرناه لموضع نفاقه وخلافه الدين على ما بيناه. PageV00P248 # فصل قال الشيخ أيده الله: وما رأيت أوهن ولا أضعف من تعلق المعتزلة ~~ومتكلمي المجبرة بقول العباس بن عبد المطلب رحمه الله لأمير المؤمنين - ~~عليه السلام - بعد وفاة رسول الله (ص): " امدد يدك يا بن أخ أبايعك فيقول ~~الناس عم رسول الله بايع ابن أخيه فلا يختلف عليك اثنان " وقد ادعوا أن في ~~هذا دليلا على أن رسول الله (ص) لم ينص على أمير المؤمنين - عليه السلام -. # وقولهم إنه لو كان نص عليه لم يدعه العباس إلى البيعة لأن المنصوص عليه ~~لا يفتقر في إمامته وكمالها إلى البيعة فلما دعاه العباس إلى عقد إمامته من ~~حيث تنعقد الإمامة التي تكون بالاختيار دل على بطلان النص، وهذا الكلام مع ~~وهنه فقد حار قوم من الشيعة عن فهم الغرض فيه وعدلوا عن نقضه من وجهه، وقد ~~كنت قلت لمناظر اعتمد عليه في حجاجه في الإمامة ورام به مناقضتي في مجلس من ~~مجالس النظر أقوالا أنا أورد مختصرا منها وأعتمد على بعضها إذ كان شرح ذلك ~~يطول. # وهو أن يقال لهم إن كان دعاء العباس أمير المؤمنين - عليه السلام - إلى ~~البيعة يدل على ما زعمتم من بطلان النص وثبوت الإمامة من جهة الاختيار فيجب ~~أن يكون دعاء النبي (ص) الأنصار إلى بيعته في ليلة العقبة ودعاؤه المسلمين ~~من المهاجرين والأنصار تحت شجرة الرضوان، دليلا على أن نبوته (ص) إنما ثبتت ~~له من جهة الاختيار فإنه لو كان ثابت الطاعة من قبل الله عز وجل وإرساله له ~~وكان المعجز دليل نبوته، لاستغنى عن البيعة له تارة بعد أخرى فإن قلتم ذلك، ~~خرجتم عن الملة، وإن أثبتموه نقضتم العلة عليكم. PageV00P249 # فإن قالوا: إن بيعة الناس لرسول الله (ص) لم تك لإثبات نبوته وإنما كانت ~~للعهد في نصرته بعد معرفة حقه وصدقه فيما ms184 أتى به عن الله عز وجل من رسالته. # قيل لهم: أحسنتم في هذا القول وكذلك كان دعاء العباس أمير المؤمنين - ~~عليه السلام - إلى بسط اليد إلى البيعة فإنما كان بعد ثبوت إمامته بتجديد ~~العهد في نصرته والحرب لمخالفيه وأهل مضادته ولم يحتج - عليه السلام - ~~إليها في إثبات إمامته. # ويدل على ما ذكرناه قول العباس: " يقول الناس عم رسول الله بايع ابن أخيه ~~فلا يختلف عليك اثنان " فعلق الاتفاق بوقوع البيعة ولم يكن لتعلقه بها إلا ~~وهي بيعة الحرب التي يرهب عندها الأعداء ويحذرون من الخلاف ولو كانت بيعة ~~الاختيار من جهة الشورى والاجتهاد لما منع ذلك من الاختلاف بل كانت نفسها ~~الطريق إلى تشتت الرأي وتعلق كل قبيل باجتهاده واختياره. # أولا ترى إلى جواب أمير المؤمنين - عليه السلام - بقوله: " يا عم إن لي ~~برسول الله (ص) أعظم شغل عن ذلك " ولو كانت بيعته عقد الإمامة لما شغله ~~عنها شاغل ولما كانت قاطعة له عن مراده في القيام برسول الله (ص)، أولا ترى ~~أنه لما ألح عليه العباس في هذا الباب قال: " يا عم، إن رسول الله (ص) أوصى ~~إلي وأوصاني أن لا أجرد سيفا بعده حتى يأتيني الناس طوعا وأمرني بجمع ~~القرآن والصمت حتى يجعل الله عز وجل لي مخرجا " فدل ذلك أيضا على أن البيعة ~~إنما دعا إليها للنصرة والحرب وأنه لا تعلق لثبوت الإمامة بها وأن الاختيار ~~ليس منها في قبيل ولا دبير علي ما وصفناه. # ووجه آخر وهو أن القوم لما أنكروا النص وأظهروا أن الإمامة تثبت لهم من ~~طريق الاختيار، أراد العباس أن يكيدهم من حيث ذهبوا إليه ويبطل أمرهم بنفس ~~ما جعلوه طريقا لهم إلى الظلم وجحد النص، فقال لأمير المؤمنين - عليه ~~السلام -: PageV00P250 # " ابسط يدك أبايعك فإن سلموا الحق لأهله لم تضرك البيعة وإن ادعوا الشورى ~~والاختيار وأنكروا حقك كان لك من البيعة والاختيار والعقد مثل ما لهم فلم ~~يمكنهم الاستبداد بالأمر دونك " فأبى أمير المؤمنين - عليه السلام - ذلك ~~وكره أن يتوصل إلى حقه بباطل ms185 لا يوصل إليه وبرهان أمره يقهر القلوب بظهور ~~النص عليه. # ولأنه كره أن يبسط يده للبيعة فيلزمه بعد ذلك تجريد السيف على دافعيه ~~الأمر فلا يستقيم له مع الاختيار وعقد القوم له أن يلزم التقية وقد تقدمت ~~الوصية له من النبي (ص) بالكف عن الحرب مخافة بطلان الدين ودرس الإسلام، ~~وقد بين ذلك في مقاله - عليه السلام - حيث يقول: " أما والله لولا قرب عهد ~~الناس بالكفر لجاهدتهم " فعدل عن قبول البيعة لما ذكرناه. # فإن قال بعضهم في هذا الجواب: قد وصل إلى حقه كما زعمتم بعد عثمان ~~بالاختيار ودخل في الشورى فكيف استجاز التوصل إلى الحق بالباطل على ما ~~فهمناه عنكم من الجواب؟ # قيل له: يقول القوم إنما ساغ له ذلك في الشورى وبعد عثمان لخفاء النص ~~عليه في تلك الأحوال واندراس أمره بمرور الزمان على دفعه عن حقه فلم يجد إذ ~~ذاك من ظهور فرض طاعته ما كان عند وفاة رسول الله (ص) فاضطر إلى التوصل إلى ~~حقه من حيث جعلوه طريقا إلى التأمير على الناس. # على أن القوم جمعوا بين علتين إحداهما ما ذكرناه، والأخرى ما أردفناه ~~المذكور من وجوب الجهاد عليه بعد قبول البيعة ولم يكن في الأول يجوز له ذلك ~~للوصية المتقدمة من النبي (ص) في الكف عن السيف ولما رآه في ذلك من ~~الاستصلاح وكانت الحال بعد عمر وبعد عثمان على خلاف ما ذكرناه وهذا يبطل ما ~~تعلقتم به. PageV00P251 # ووجه آخر وهو المعتمد عندي في هذا الجواب عن هذا السؤال والمعول عليه دون ~~ما سواه، وهو أن أمير المؤمنين - عليه السلام - لم يتوصل إلى حقه في حال من ~~الأحوال بما يوصل إليه من اختيار الناس له على ما ظنه الخصوم. # وذلك أنه - عليه السلام - احتج في يوم الشورى بنصوص رسول الله (ص) ~~الموجبة له فرض الطاعة كقوله: " أفيكم أحد قال له رسول الله (ص) من كنت ~~مولاه فعلي مولاه غيري؟ أفيكم أحد قال له رسول الله (ص) أنت مني بمنزلة ~~هارون من موسى إلا أنه ms186 لا نبي بعدي غيري؟ " وأشباه هذا من الكلام الموجب ~~لإمامة صاحبه بدليله المغني له عن اختيار العباد. # ولما قتل عثمان لم يدع أحدا إلى اختياره لكنه دعاهم إلى بيعته على النصرة ~~له والاقرار بالطاعة وليس في هذا من معنى الاختيار الذي يذهب إليه ~~المخالفون شئ على كل حال، والجواب الأول لي خاصة والثاني لأصحابنا وقد ~~نصرته بموجز من الكلام. # فصل وقد سأل المخالفون في شئ يتعلق بهذا الفصل عن سؤال لم أجد لأحد من ~~أصحابنا فيه جوابا فأجبت عنه بما أسقطه على البيان، وهو أن قالوا: إذا ~~زعمتم أن النبي (ص) قد نص على أمير المؤمنين - عليه السلام - بالإمامة وبين ~~عن فرض طاعته ودعا الأمة إلى اتباعه، فما معنى قول العباس بن عبد المطلب ~~رحمة الله عليه لأمير المؤمنين - عليه السلام - في مرض رسول الله (ص): " يا ~~ابن أخ ادخل معي إلى النبي فاسأله عن الأمر من بعده هل هو فينا فتطمئن ~~قلوبنا أم هو في غيرنا فيوصيه بنا " فدخلا PageV00P252 # عليه فسأله العباس عن ذلك فلم يجبه هل هو فيهم أو في غيرهم فقال لهم: " ~~على رسلكم معشر بني هاشم أنتم المظلومون بي أنتم المقهورون ". # فيقال لهم أخطأتم الغرض في معنى هذا المقال وضللتم عن المراد منه، وذلك ~~أن العباس رحمه الله إنما سأل النبي (ص) عن كون الأمر فيهم بعده على الوجوب ~~وتسليم الأمة لهم وهل المعلوم عند الله عز وجل تمكينهم منه وعدم الحيلولة ~~بينهم وبينه فتطمئن لذلك نفسه ويسكن إلى وصوله إلى غرضه وعدم المنازع ~~وتمكينهم من الأمر أو يغلبون عليه ويحال بينهم وبينه فسأل النبي (ص) أن ~~يوصي بهم في الاكرام والاعظام ولم يك في شك من الاستحقاق والاختصاص بالحكم. # ألا ترى إلى جواب النبي (ص) بأنكم المقهورون وأنتم المضطهدون، فجميع هذه ~~الألفاظ جاءت بها الرواية ولولا أن سؤال العباس إنما كان عن حصول المراد من ~~التمكين من المستحق ونفوذ الأمر والنهي لم يكن لجواب النبي (ص) بما ذكرناه ~~معنى يعقل وكان جوابا عن غير السؤال ms187 ورسول الله (ص) يجل عن صفات النقض كلها ~~لانتظامه صفات الكمال. # ونظير ما ذكرناه قول الرجل لأبيه وهو يعلم أنه وارثه دون الناس كافة: # " أترى أن تركتك تكون لي بعد الوفاة أم تحصل لغيري، وهل ما أهلتني له ~~ينفرد لي أم يغلبني عليه إخوتي أو بنو عمي " فيقول له الوالد إذا لم يعلم ~~الحال ما يغلب في ظنه من ذلك أو يجيبه بالرجاء، وليس سؤال الولد لوالده أن ~~يجيبه عن الاستحقاق. # وأمثال هذا يكثر وفي الجواب عنه كفاية وغنى عن الأمثال وبالله نستعين. ~~PageV00P253 # فصل ومن كلام الشيخ أيده الله في تقدم إيمان أمير المؤمنين - عليه السلام ~~-، قال الشيخ أحسن الله توفيقه: أجمعت الأمة على أن أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - أول ذكر أجاب رسول الله (ص) ولم يختلف في ذلك أحد من أهل العلم ~~إلا أن العثمانية طعنت في إيمان أمير المؤمنين - عليه السلام - لصغر سنه في ~~حال الإجابة وقالوا: إنه لم يكن - عليه السلام - في تلك الحال بالغا فيقع ~~إيمانه على وجه المعرفة، وإن إيمان أبي بكر حصل منه مع الكمال فكان على ~~اليقين والمعرفة والاقرار من جهة التقليد والتلقين غير مساو للاقرار ~~بالمعلوم المعروف بالدلالة. # فلم يحصل خلاف من القوم في تقدم الاقرار من أمير المؤمنين - عليه السلام ~~- للجماعة والإجابة منه للرسول وإنما خالفوا فيما ذكرناه، وأنا أبين عن ~~غلطهم فيما ذهبوا إليه من توهين إقرار أمير المؤمنين - عليه السلام - ~~وحملهم إياه على وجه التلقين دون المعرفة واليقين بعد أن أذكر خلافا حدث ~~بعد الاجماع من بعض المتكلمين والناصبة من أصحاب الحديث. # وذلك أن هاهنا طائفة تنسب إلى العثمانية وتزعم أن أبا بكر سبق أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - إلى الاقرار وتعتل في ذلك بأحاديث مولدة ضعاف. # منها أنهم رووا عن أبي نضيرة (1) قال: أبطأ علي والزبير عن بيعة أبي بكر ~~قال: فلقي أبو بكر عليا فقال له (ص) أبطأت عن بيعتي وأنا أسلمت قبلك، ولقي ~~الزبير فقال: أبطأت عن بيعتي وأنا أسلمت قبلك. # PageV00P254 # ومنها حديث أبي أمامة عن عمر ms188 بن عنبسة (1) قال: أتيت رسول الله (ص) أول ~~ما بعث وهو بمكة وهو حينئذ مستخف، فقلت: من أنت؟ قال: أنا نبي، قلت: # وما النبي؟ قال: رسول الله، فقلت: الله أرسلك؟ قال: نعم، فقلت: بماذا ~~أرسلك؟ # قال: بأن يعبد الله عز وجل ويكسر الأصنام ويوصل الأرحام، قلت: نعم ما ~~أرسلك به، فمن تبعك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد، يعني أبا بكر وبلالا وكان ~~عمر يقول: " لقد رأيتني وأنا رابع الإسلام " قال: فأسلمت ثم قلت: أنا ~~أبايعك يا رسول الله. # ومنها حديث الشعبي قال: سألت ابن عباس عن أول من أسلم؟ قال: # أبو بكر ثم قال: أما سمعت قول حسان: # إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية ~~أتقاها وأعدلها * بعد النبي وأوفاها بما حملا الثاني التالي المحمود مشهده ~~* وأول الناس منهم صدق الرسلا ومنها حديث رووه عن منصور عن مجاهد قال: أول ~~من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله (ص) وأبو بكر وخباب وعمار وبلال وسمية ~~وصهيب. # ومنها حديث رووه عن عمرو بن مرة قال: ذكرت لإبراهيم النخعي حديثا فأنكره ~~وقال: أبو بكر أول من أسلم. # قال الشيخ أيده الله: فيقال لهم: أما الحديث الأول فإنه رواه أبو نضيرة ~~وهذا أبو نضيرة مشهور بعداوة أمير المؤمنين - عليه السلام -، وقد ضمنه ما ~~ينقض أصلا لهم في الإمامة، ولو ثبت لكان أرجح من تقدم إسلام أبي بكر وهو أن ~~أمير المؤمنين # PageV00P255 # - عليه السلام - والزبير أبطئا عن بيعة أبي بكر، وإذا ثبت أنهما أبطئا عن ~~بيعته وتأخرا، نقض ذلك قولهم إن الأمة أجمعت عليه ولم يكن من أمير المؤمنين ~~- عليه السلام - كراهية لأمره. # وإذا ثبت أن أمير المؤمنين - عليه السلام - قد كان متأخرا عن بيعته على ~~وجه الكراهة لها بدلالة ما رووه من قول أبي بكر له: " أبطأت عن بيعتي وأنا ~~أسلمت قبلك " على وجه الحجة عليه في كونه أولى بالإمامة منه، ثبت بطلان ~~إمامة أبي بكر لأن أمير المؤمنين - عليه السلام - لا يجوز أن يكره الحق ولا ms189 ~~أن يتأخر عن الهدى، وقد أجمعت الأمة على أنه - عليه السلام - لم يوقع خطأ ~~بعد الرسول (ص) يعثر عليه طول مدة أبي بكر وعمر وعثمان، وإنما ادعت الخوارج ~~الخطأ منه في آخر أيامه - عليه السلام - بالتحكيم وذهبت عن وجه الحق في ~~ذلك. # وإذا لم يجز من أمير المؤمنين - عليه السلام - التأخر عن الهدى والكراهة ~~للحق والجهل بموضع الأفضل، بطل هذا الحديث. وما زلنا نجتهد في إثبات الخلاف ~~من أمير المؤمنين - عليه السلام - على أبي بكر والتأخر عن بيعته والكراهة ~~لأمره، والناصبة تحيد عن قبول ذلك وتدفعه أشد دفع حتى صاروا يسلمونه طوعا ~~واختيارا وينظمونه في احتجاجهم لفضل صاحبهم، فهكذا يفعل الله عز وجل بأهل ~~الباطل يخيبهم ويسلبهم التوفيق حتى يدخلوا فيما يكرهون من حيث لا يشعرون. # على أن بإزاء هذا الحديث عن أبي بكر حديثا عنه ينقضه من طريق أوضح من ~~طريق أبي نضيرة، وهو ما رواه علي بن مسلم الطوسي، عن زافر بن سليمان، عن ~~الصلت بن بهرام، عن الشعبي قال: مر علي بن أبي طالب - عليه السلام - ومعه ~~أصحابه على أبي بكر فسلم ومضى، فقال أبو بكر " من سره أن ينظر إلى أول ~~الناس في الإسلام سبقا وأقرب الناس من نبينا - عليه السلام - رحما وأعظمهم ~~دالة عليه PageV00P256 # وأفضلهم غناء عنه بنفسه فلينظر إلى علي بن أبي طالب " وهذا يبطل ما ادعوه ~~على أبي بكر وأضافه أبو نضيرة إليه. # وأما حديث عمر بن عنبسة فإنه من طريق أبي أمامة ولا خلاف أن أبا أمامة ~~كان من المنحرفين عن أمير المؤمنين - عليه السلام - والمتجبرين عليه، وأنه ~~كان في حيز معاوية، ثم فيه عن عمرو وأنه شهد لنفسه أنه كان رابع الإسلام ~~وشهادة المرء لنفسه غير مقبولة إلا أن يكون معصوما أو يدل دليل على صدقه، ~~وإذا لم تثبت شهادته لنفسه بطل الحديث بأسره. # مع أن الرواية قد اختلفت عن عمرو من طريق أبي أمامة، فروى عنه في حديث ~~آخر أنه قال: أتيت النبي (ص) بماء يقال له عكاظ فقلت له: ms190 يا رسول الله من ~~بايعك على هذا الأمر؟ قال: من بين حر وعبد، فأقيمت الصلاة فصليت خلفه أنا ~~وأبو بكر وبلال وأنا يومئذ رابع الإسلام. فاختلف اللفظ والمعنى في هذين ~~الحديثين والواسطة واحد، فتارة يذكر مكة وتارة يذكر عكاظا، وتارة يذكر أنه ~~وجده مستخفيا بمكة وتارة يذكر أنه كان ظاهرا يقيم الصلاة ويصلي بالناس معه، ~~والحديث واحد من طريق واحد وهذا أدل دليل على فساده. # وأما حديث الشعبي فقد قابله الحديث عنه من طريق الصلت بن بهرام المتضمن ~~لضده، وفي ذلك إسقاطه، مع أنه قد عزاه إلى ابن عباس والمشهور عن ابن عباس ~~ضد ذلك وخلافه. # ألا ترى إلى ما رواه أبو صالح عن عكرمة عن ابن عباس وهذان أصدق على ابن ~~عباس من الشعبي لأن أبا صالح معروف بعكرمة وعكرمة معروف بابن عباس، قال: ~~قال رسول الله في: " صلت الملائكة علي وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين "، ~~قالوا: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: " لم يكن معي من الرجال غيره "، ~~PageV00P257 # ومن طريق عمر بن ميمون عن ابن عباس قال: " أول من أسلم من الناس بعد ~~خديجة بنت خويلد علي بن أبي طالب ". # وأما قول حسان فإنه ليس بحجة من قبل أن حسانا كان شاعرا وقصد الدولة ~~والسلطان وقد كان منه بعد رسول الله انحراف شديد عن أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - وكان عثمانيا وحرض الناس على أمير المؤمنين - عليه السلام - وكان ~~يدعو إلى نصرة معاوية وذلك مشهور عنه في نثره ونظمه، ألا ترى إلى قوله: # يا ليت شعري وليت الطير * تخبرني ما كان بين علي وابن عفانا ضحوا بأشمط ~~عنوان السجود به * يقطع الليل تسبيحا وقرآنا ليسمعن وشيكا في ديارهم * الله ~~أكبر يا ثارات عثمانا فإن جعلت الناصبة شعر حسان حجة في تقديم إيمان أبي ~~بكر فلتجعله حجة في قتل أمير المؤمنين - عليه السلام - عثمان والقطع على ~~أنه أحفى الناس بقتله وأن ثاراته يجب أن تطلب منه. # فإن قالوا: إن حسانا غلط في ذلك. # قلنا لهم: وكذلك غلط في ms191 قوله في أبى بكر وإن قالوا: لا يجوز غلطه في باب ~~أبي بكر لأنه شهد به بمحضر من الصحابة فلم يردوا عليه. # قيل لهم: ليس عدم إظهارهم الرد عليه دليلا على رضاهم به لأن الجمهور ~~كانوا شيعة أبي بكر وكان المخالفون له في تقية من الجهر بالنكير عليه في ~~ذلك مخافة الفرقة والفتنة. # مع أن قول حسان بن ثابت محتمل لأن يكون أبو بكر من المتقدمين في ~~PageV00P258 # الإسلام والأولين دون أن يكون أول الأولين، ولسنا ندفع أن أبا بكر ممن ~~يعد في المظهرين للإسلام أولا وإنما ننكر أن يكون من أول الأولين، فلما ~~احتمل قول حسان ما وصفناه لم ينكر المسلمون عليه ذلك. # مع أن حسانا أيضا قد حرض على أمير المؤمنين - عليه السلام - ظاهرا ودعا ~~إلى مطالبته بثارات عثمان جهرا فلم ينكر عليه في الحال منكر، فيجب أن يكون ~~مصيبا في ذلك. # فإن قالوا: هذا شئ قاله في مكان دون مكان، فلما ظهر عنه أنكره جماعة من ~~الصحابة. # قيل لهم: فإن قنعتم بذلك واقترحتم في الدعوى فاقنعوا منا بمثله فيما ~~اعتقدتموه من شعره في أبي بكر وهذا ما لا فصل فيه. # على أن حسانا قد شهد في شعره بإمامة أمير المؤمنين نصا وذكر ذلك بحضرة ~~النبي (ص) فجزاه خيرا في قوله: # يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالنبي مناديا في أبيات سأذكرها في ~~موضعها إن شاء الله، وشهد لأمير المؤمنين - عليه السلام - أيضا بسبق قريش ~~إلى الإيمان حيث يقول: # جزى الله خيرا والجزاء بكفه * أبا حسن عنا ومن كأبي حسن سبقت قريشا بالذي ~~أنت أهله * فصدرك مشروح وقلبك ممتحن فشهد بتقديم إيمان أمير المؤمنين - ~~عليه السلام - الجماعة، وهذا مقابل لما تقدم ومسقط له، فإن زعموا أن هذا ~~محتمل، قيل لهم: أما في تفضيله إياه على الكل PageV00P259 # فليس بمحتمل، وأما في تقدم الإسلام فإن الظاهر منه يوجبه، وإن احتمل ~~فكذلك ما ذكرتموه عنه أيضا محتمل. # وأما روايتهم عن مجاهد فإنها مقصورة على مذهبه ورأيه ومقاله، وبإزاء ~~مجاهد عالم من التابعين ms192 ينكرون عليه مقاله ويذهبون إلى خلافه في ذلك وأن ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - أول الناس إيمانا، وهذا القدر كاف في إبطال ~~قول مجاهد. # على أن الثابت عن مجاهد خلاف ما ادعاه هؤلاء القوم وأضافوه إليه وضده ~~ونقيضه، روى ذلك منهم من لا يتهم عليه سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد وأثره عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): " السباق أربعة: سبق يوشع ~~ابن نون إلى موسى بن عمران - عليه السلام - وصاحب ياسين إلى عيسى بن مريم - ~~عليه السلام - وسبق علي بن أبي طالب - عليه السلام - إلى رسول الله (ص) " ~~ونسي الناقل عن سفيان الآخر، وقد ذكر في حديث غير هذا أنه مؤمن آل فرعون، ~~وهذا يسقط تعلقهم بما ادعوه على مجاهد. # وأما حديث عمرو بن مرة عن إبراهيم فهو أيضا نظير قول مجاهد، وإنما أخبر ~~عمرو عن مذهب إبراهيم والغلط جائز على إبراهيم ومن فوقه، وبإزاء إبراهيم من ~~هو فوقه وأجل قدرا منه يدفع قوله ويكذبه في دعواه كأبي جعفر محمد ابن علي ~~الباقر وأبي عبد الله الصادق - عليهم السلام -، ومن غير أهل البيت قتادة ~~والحسن وغيرهما ممن لا يحصى كثرة، وفي هذا أيضا غنى عن غيره. # قال الشيخ أيده الله: فهذه جملة ما اعتمده القوم فيما ادعوه من خلافنا في ~~تقديم إيمان أمير المؤمنين - عليه السلام - وتعلقوا به، وقد بينت عوارها ~~وأوضحت عن حالها، وأنا ذاكر طرفا من أسماء من روى أن أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - كان أسبق الخلق إلى رسول الله (ص) وأولهم من الذكور إجابة له ~~وإيمانا به. PageV00P260 # فمن ذلك الرواية عن أمير المؤمنين - عليه السلام - نفسه من طريق سلمة بن ~~كهيل عن حبة العرني، قال: سمعت عليا - عليه السلام - يقول: " اللهم لا أعرف ~~عبدا لك عبدك من، هذه الأمة قبلي غير نبيها " يقول ذلك ثلاث مرات، ثم قال: ~~" لقد صليت قبل أن يصلي أحد سبعا ". # ومن طريق المنهال عن عباية الأسدي عن أمير المؤمنين - عليه السلام -، ~~قال: # " لقد أسلمت قبل الناس بسبع ms193 سنين ". # ومن طريق جابر عن عبد الله بن يحيى الحضرمي عن علي بن أبي طالب - عليه ~~السلام - قال: " صليت مع رسول الله ثلاث سنين ولم يصل أحد غيري ". # ومن طريق نوح بن قيس الطاحني عن سليمان بن أبي فاطمة، قال: # حدثتني معاذة العدوية، قالت: سمعت عليا - عليه السلام - يخطب على منبر ~~البصرة فسمعته يقول: " أنا الصديق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت ~~قبل أن يسلم ". # ومن طريق عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أمير المؤمنين - عليه السلام -، ~~قال: # " صليت قبل الناس سبع سنين ". # ومن طريق نوح بن دراج عن خالد الخفاف، قال: أدركت الناس وهم يقولون: وقع ~~بين علي - عليه السلام - وعثمان كلام، فقال عثمان: والله إن أبا بكر وعمر ~~خير منك، فقال علي - عليه السلام -: " كذبت والله لأنا خير منك ومنهما عبدت ~~الله قبلهما وعبدت الله بعدهما ". # ومن طريق الحرث الأعور قال: سمعت أمير المؤمنين - عليه السلام - يقول: # " اللهم إني لا أعترف لعبد من عبادك عبدك قبلي " وقال - عليه السلام - ~~قبل ليلة الهرير بيوم وهو يحرض الناس على أهل الشام: " أنا أول ذكر صلى مع ~~رسول الله (ص) PageV00P261 # ولقد رآني أضرب بالسيف قدامه وهو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا ~~علي، حياتك حياتي وموتك موتي " وقال - عليه السلام - وقد بلغه أن قوما ~~يطعنون عليه في الأخبار عن رسول الله (ص) بعد كلام خطب به - عليه السلام -: ~~" بلغني أنكم تقولون أن عليا يكذب فعلى من أكذب أعلى الله فأنا أول من آمن ~~به وعبده ووحده أم على رسول الله (ص) فأنا أول من آمن به وصدقه ونصره " ~~وقال - عليه السلام - لما بلغه افتخار معاوية عند أهل الشام، شعره المشهور ~~الذي يقول فيه: # سبقتكم إلى الإسلام طرا * صغيرا ما بلغت أوان حلمي وأنا أذكر الشعر بأسره ~~في موضع غير هذا عند الحاجة إليه إن شاء الله تعالى. # ومن ذلك ما رواه أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري صاحب رسول الله (ص) من ~~طريق عبد الرحمان ms194 بن معمر عن أبيه عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: مال رسول ~~الله (ص): " صلت الملائكة علي وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين وذلك أنه لم ~~يصل معي رجل غيره ". # ومن ذلك ما رواه سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه من طريق علثم (1) ~~الكندي عن سلمان قال: قال رسول الله: " أولكم ورودا علي الحوض أولكم إسلاما ~~علي بن أبي طالب ". # ومن ذلك ما رواه أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه من طريق محمد بن عبد ~~الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت ~~رسول الله (ص) يقول لعلي - عليه السلام -: " أنت أول من آمن بي " في حديث ~~طويل وروى أبو سخيلة عن أبي ذر أيضا قال: سمعت رسول الله وهو آخذ # PageV00P262 # بيد علي - عليه السلام - يقول: " أنت أول من آمن بي وأول من يصافحني يوم ~~القيامة " وقد رواه ابن أبي رافع عن أبيه أيضا عن أبي ذر رضي الله تعالى ~~عنه قال: أتيته أودعه فقال: " إنها ستكون فتنة فعليك بالشيخ علي بن أبي ~~طالب - عليه السلام - فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: أنت أول من آمن بي ". # ومن ذلك ما رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه من طريق قيس بن مسلم عن ~~ربعي بن خراش قال: سألت حذيفة بن اليمان: ما تقول في علي بن أبي طالب؟ ~~فقال: " ذاك أقدم الناس سلما وأرجح الناس علما ". # ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه من طريق شريك بن ~~عبد الله عن محمد بن عقيل عن جابر قال: بعث رسول الله (ص) يوم الاثنين ~~وأسلم علي - عليه السلام - يوم الثلاثاء. # ومن ذلك ما رواه زيد بن أرقم من طريق عمرو بن مرة عن أبي حمزة مولى ~~الأنصار قال: سمعت زيد بن أرقم يقول: أول من صلى مع رسول الله (ص) علي ابن ~~أبي طالب. # ومن ذلك ما رواه زيد بن صوحان العبدي من طريق عبد ms195 الله بن هشام عن أبيه ~~عن طريف بن عيسى الغنوي، أن زيد بن صوحان خطب في مسجد الكوفة فقال. " سيروا ~~إلى أمير المؤمنين وسيد المسلمين وأول المؤمنين إيمانا ". # ومن ذلك ما روته أم سلمة زوج النبي (ص) من طريق مساور الحميري عن أمه ~~قالت: قالت أم سلمة. " والله لقد أسلم علي بن أبي طالب أول الناس وما كان ~~كافرا " في حديث طويل. # ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عباس بن عبد المطلب من طريق أبي صالح ~~PageV00P263 # عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): " صلت الملائكة علي وعلى ~~علي بن أبي طالب سبع سنين "، قالوا: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: " لم يكن ~~معي من الرجال غيره ". # ومن طريق عمرو بن ميمون عنه ما تقدم ذكره وروى مجاهد عنه أيضا مثل ذلك، ~~وقد سلف لنا فيما مضى. # ومن ذلك ما رواه قثم بن العباس بن عبد المطلب من طريق قيس بن أبي حازم عن ~~أبي إسحاق، قال: دخلت على قثم بن العباس فسألته عن علي بن أبي طالب - عليه ~~السلام - فقال: " كان أولنا برسول الله (ص) لحوقا وأشدنا به لصوقا ". # ومن ذلك ما رواه مالك الأشتر رضي الله تعالى عنه من طريق الفضل بن أدهم ~~المزني قال: سمعت ما لك الأشتر بن الحرث يقول في خطبة خطبها بصفين: # " معنا ابن عم رسول الله (ص) وسيف من سيوف الله علي بن أبي طالب صلى مع ~~رسول الله (ص) صغيرا ولم يسبقه بالصلاة ذكر وجاهد حتى صار شيخا كبيرا ". # ومن ذلك ما رواه سعيد بن قيس من طريق مالك بن قدامة الأرحبي أن سعيد بن ~~قيس خطب الناس بصفين فقال: " معنا ابن عم نبينا (ص) صدق وصلى صغيرا وجاهد ~~مع نبيكم كبيرا ". # ومن ذلك ما رواه عمرو بن الحمق الخزاعي من طريق عبد الله بن شريك ~~العامري، قال: قام عمرو بن الحمق بصفين فقال: " يا أمير المؤمنين أنت ابن ~~عم نبينا وأول المؤمنين إيمانا بالله عز وجل ". # ومن ذلك ms196 ما رواه هاشم بن عتبة (1) بن أبي وقاص من طريق جندب بن # PageV00P264 # عبد الله الأزدي، قال: قال هاشم بن عتبة بن أبي وقاص يوم صفين: نجاهد في ~~طاعة الله مع ابن عم رسول الله (ص) وأول من آمن بالله وأفقه الناس في دين ~~الله. # ومن ذلك ما رواه محمد بن كعب من طريق عمر مولى عفرة عن محمد بن كعب: قال: ~~" أول من أسلم علي بن أبي طالب وأول من أظهر الإسلام أبو بكر ". # ومن ذلك ما رواه مالك بن الحويرث من طريق مالك بن الحسن بن مالك، قال: ~~أخبرني أبي عن جدي مالك بن الحويرث، قال: " أول من أسلم من الرجال علي بن ~~أيي طالب ". # ومن ذلك ما رواه أبو مخلد من طريق أبي عوانة عن عمران عن أبي مخلد، قال: ~~" أول من أسلم وصلى علي بن أبي طالب ". # ومن ذلك ما رواه أبو بكر عتيق بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وأنس ابن ~~مالك، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري. # والذي رواه أبو بكر، من طريق زافر بن سليمان عن الصلت بن بهرام عن ~~الشعبي، قال: " مر علي بن أبي طالب على أبي بكر ومعه أصحابه فسلم عليه ~~ومضى، فقال أبو بكر: من سره أن ينظر إلى أول الناس في الإسلام سبقا وأقرب ~~الناس برسول الله (ص) قرابة فلينظر إلى علي بن أبي طالب ": في الحديث، وقد ~~قدمناه فيما مضى. # وأما عمر فإن أبا حازم مولى ابن عباس قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: ~~قال عمر بن الخطاب: كفوا عن علي بن أبي طالب فإني سمعت من رسول الله (ص) ~~فيه خصالا قال: " إنك أول المؤمنين بعدي إيمانا " وساق الحديث. # وأما عمرو بن العاص فإن تميم بن جذيم الناجي قال: إنا لمع أمير المؤمنين ~~PageV00P265 # - عليه السلام - بصفين إذ خرج إليه عمرو بن العاص فأراد أن يكلمه. فقال ~~عمرو: تكلم فإنك أول من أسلم واهتدى ووحد وصلى. # ومن ذلك ما رواه أبو موسى الأشعري من طريق يحيى بن ms197 سلمة بن كهيل عن أبيه ~~سلمة عن أبي جعفر عن ابن عباس قال: قال أبو موسى الأشعري: " علي أول من ~~أسلم ". # ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك من طريق عباد بن عبد الصمد، قال: # سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله (ص): " لقد صلت الملائكة علي وعلى ~~علي بن أبي طالب سبع سنين، وذلك أنه لم ترفع إلى السماء شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا مني ومن علي صلوات الله عليه ". # ومن ذلك ما روي عن الحسن بن أبي الحسن البصري من طريق قتادة بن دعامة ~~السدوسي، قال: سمعت الحسن يقول: " إن عليا - عليه السلام - صلى مع النبي ~~أول الناس، فقال رسول الله (ص) صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين ". # ومن ذلك ما روي عن قتادة من طريق سعيد بن أبي عروبة قال: سمعت قتادة ~~يقول: " أول من صلى من الرجال علي بن أبي طالب ". # ومن ذلك ما روي عن ابن إسحاق من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، ~~قال: " كان أول ذكر آمن وصدق علي بن أبي طالب وهو ابن عشر سنين ثم أسلم ~~بعده زيد بن حارثة ". # ومن ذلك ما روي عن الحسن بن زيد من طريق إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس ~~قال: أخبرني أبي عن الحسن بن زيد أن عليا - عليه السلام - كان أول ذكر ~~أسلم. PageV00P266 # وأما الرواية عن آل أبي طالب في ذلك فإنها أكثر من أن تحصى، وقد أجمع بنو ~~هاشم وخاصة آل علي - عليه السلام - لا تنازع بينهم على أن أول من أجاب رسول ~~الله (ص) من الذكور علي بن أبي طالب - عليه السلام -، ونحن أغنياء بشهرة ~~ذلك عن ذكر طرقه ووجوهه. # وأما الأشعار التي تؤثر عن الصحابة في الشهادة له - عليه السلام - بتقدم ~~الإيمان وأنه أسبق الناس إليه فقد وردت عن جماعة منهم وظهرت عنهم على وجه ~~يوجب العلم ويزيل الارتياب ولم يختلف فيها من أهل العلم والنقل والآثار ~~اثنان. # فمن ms198 ذلك قول خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين رحمه الله: # إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا * أبو حسن مما نخاف من الفتن وجدناه أولى ~~الناس بالناس إنه * أطب قريش بالكتاب وبالسنن وإن قريشا لا تشق غباره * إذا ~~ما جرى يوما على الضمر البدن ففيه الذي فيهم من الخير كله * وما فيهم مثل ~~الذي فيه من حسن وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه قد كان في سالف الزمن ~~وأول من صلى من الناس كلهم * سوى خيرة النسوان والله ذو المنن وصاحب كبش ~~القوم في كل وقعة * يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن فذاك الذي تثنى الخناصر ~~باسمه * إمامهم حتى أغيب في الكفن ومنه قول حسان بن ثابت، وقد قدمنا هذين ~~البيتين فيما سلف: # جزى الله خيرا والجزاء بكفه * أبا حسن عنا ومن كأبي حسن سبقت قريشا بالذي ~~أنت أهله * فصدرك مشروح وقلبك ممتحن PageV00P267 # ومنه قول كعب بن زهير: # صهر النبي وخير الناس كلهم * وكل من رامه بالفخر مفخور صلى الصلاة مع ~~الأمي أولهم * قبل العباد ورب الناس مكفور ومنه قول ربيعة بن الحرث بن عبد ~~المطلب حيث يقول عند بيعة الناس لأبي بكر: # ما كنت أحسب أن الأمر منتقل * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من ~~صلى لقبلتهم * وأعلم الناس بالآثار والسنن وآخر الناس عهدا بالنبي ومن * ~~جبريل عون له في الغسل والكفن من فيه ما فيهم لا تمترون به * وليس في القوم ~~ما فيه من الحسن ماذا الذي ردكم عنه فنعلمه * ها إن بيعتكم من أول الفتن ~~وفي هذا الشعر قطع من قائله على إبطال إمامة أبي بكر وإثبات الإمامة لأمير ~~المؤمنين - عليه السلام -. # ومنه قول الفضل بن أبي لهب فيما رد به على الوليد بن عقبة من مديحه ~~لعثمان ومرثيته له وتحريضه على أمير المؤمنين - عليه السلام - في قصيدته ~~التي يقول في أولها: # ألا إن خير الناس بعد * ثلاثة قتيل التجيبى الذي جاء من مصر فقال الفضل ~~رحمه الله: # ألا إن خير الناس بعد محمد * مهيمنه التاليه ms199 في العرف والنكر وخيرته في ~~خيبر ورسوله * بنبذ عهود الشرك فوق أبي بكر PageV00P268 # وأول من صلى وصنو نبيه * وأول من أردى الغواة لدى بدر فذاك علي الخير من ~~ذا يفوقه * أبو حسن حلف القرابة والصهر وفي هذا الشعر دليل على تقدم إيمان ~~أمير المؤمنين - عليه السلام -، وعلى أنه كان الأمير في سنة تسع على ~~الجماعة، وكان في جملة رعيته أبو بكر على خلاف ما ادعته الناصبة من قولهم ~~أن أبا بكر كان الأمير على الجماعة، وأن أمير المؤمنين - عليه السلام - كان ~~تابعا له. # ومنه قول مالك بن عبادة الغافقي حليف حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه: # رأيت عليا لا يلبث قرنه * إذا ما دعاه حاسرا أو مسربلا فهذا وفى الإسلام ~~أول مسلم * وأول من صلى وصام وهللا ومنه قول عبد الله بن أبي سفيان بن ~~الحرث بن عبد المطلب: # وكان ولي الأمر بعد محمد * علي وفي كل المواطن صاحبه وصي رسول الله حقا ~~وجاره * وأول من صلى ومن لان جانبه وفي هذا الشعر أيضا دليل على اعتقاد هذا ~~الرجل في أمير المؤمنين - عليه السلام - أنه كان الخليفة لرسول الله (ص) ~~بلا فصل. # ومنه قول النجاشي بن الحرث بن كعب: # فقل للمضلل من وائل * ومن جعل الغث يوما سمينا جعلت ابن هند وأشياعه * ~~نظير علي أما تستحونا إلى أول الناس بعد الرسول * أجاب النبي من العالمينا ~~PageV00P269 # ومنه قول جرير بن عبد الله البجلي: # فصلى الإله على أحمد * رسول المليك تمام النعم وصلى على الطهر من بعده * ~~خليفتنا القائم المدعم عليا عنيت وصي النبي * يجالد عنه غواة الأمم له ~~الفضل والسبق والمكرمات * وبيت النبوة لا المهتضم وفي هذا الشعر أيضا تصريح ~~من قائله بإمامة أمير المؤمنين - عليه السلام - بعد الرسول وأنه كان ~~الخليفة له دون من تقدم. # ومنه قول عبد الله بن حكيم التميمي حيث يقول: # دعانا الزبير إلى بيعة * وطلحة من بعد ما أثقلا فقلنا صفقنا بأيماننا * ~~فإن شئتما فخذا الأشملا نكثتم عليا على بيعة * وإسلامه فيكم أولا ومنه قول ms200 ~~عبد الرحمان بن حنبل حليف بني جمح: # لعمري لئن بايعتم ذا حفيظة * على الدين معروف العفاف موفقا عفيفا على ~~الفحشاء أبيض ماجدا * صدوقا وللجبار قدما مصدقا أبا حسن فارضوا به وتبايعوا ~~* فليس كمن فيه لذي العيب منطقا علي وصي المصطفى ووزيره * وأول من صلى لذي ~~العرش واتقى ومنه قول أبي الأسود الدؤلي: # وإن عليا لكم مفخر * يشبه بالأسد الأسود أما إنه ثاني العابدين * بمكة ~~والله لم يعبد PageV00P270 # ومنه قول زفر بن زيد بن حذيفة الأسدي: # فحوطوا عليا واحفظوه فإنه * وصي وفى الإسلام أول أول ومنه قول قيس بن سعد ~~بن عبادة بصفين: # هذا علي وابن عم المصطفى * أول من أجابه ممن دعا هذا الإمام لا نبالي من ~~غوى ومنه قول هاشم بن عتبة بن أبي وقاص بصفين: # أشلهم بذي الكعوب شلا * مع ابن عم أحمد يجلي أول من صدقه وصلى فصل قال ~~الشيخ أيده الله: فأما قول الناصبة إن إيمان أمير المؤمنين - عليه السلام - ~~لم يقع على وجه المعرفة وإنما كان على وجه التقليد وبحفظ التلقين ومن كان ~~بهذه المنزلة لم يستحق صاحبه المدحة ولم يجب له به الثواب، وادعاؤهم أن ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - كان في تلك الحال ابن سبع سنين ومن كانت هذه ~~سنه لم يكن كامل العقل ولا مكلفا، فإنه يقال لهم: إنكم قد جهلتم في ادعائكم ~~أنه كان في وقت مبعث النبي (ص) ابن سبع سنين وقلتم قولا لا برهان عليه ~~يخالف المشهور ويضاد المعروف. PageV00P271 # وذلك أن جمهور الروايات جاءت بأنه - عليه السلام - قبض وله خمس وستون ~~سنة، وجاء في بعضها أن سنه كانت عند وفاته ثلاثا وستين سنة، فأما ما سوى ~~هاتين الروايتين فشاذ مطروح لا يعرف في صحيح النقل ولا يقبله أحد من أهل ~~الرواية والعقل، وقد علمنا أن أمير المؤمنين - عليه السلام - صحب رسول الله ~~(ص) ثلاثا وعشرين سنة منها ثلاث عشرة قبل الهجرة وعشر بعدها وعاش بعده ~~ثلاثين سنة، وكانت وفاته في سنة أربعين من الهجرة، فإذا حكمنا في سنه على ~~خمس ms201 وستين بما تواترت به الأخبار، كانت سنه عند مبعث النبي (ص) اثنتي عشرة ~~سنة وإن حكمنا على ثلاث وستين كانت سنه عند المبعث عشر سنين، فكيف يخرج من ~~هذا الحساب أن يكون سنه عند المبعث سبع سنين؟ # اللهم إلا أن يقول قائل إن سنه كانت عند وفاته ستين سنة فيصح له ذلك إلا ~~أنه يكون دافعا للمتواتر من الأخبار منكرا للمشهور من الآثار معتمدا على ~~الشاذ من الروايات، ومن صار إلى ذلك كان الأولى بمناظرته البيان له عن وجه ~~الكلام في الأخبار والتوقيف على طريق الفاسد من الصحيح فيها دون المجازفة ~~في المقالة. # وكيف يمكن عاقل سمع الأخبار أو نظر في شئ من الآثار أن يدعي أن أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - توفي وله ستون سنة، مع قوله - عليه السلام - ~~الشايع عنه الذايع في الخاص والعام عندما بلغه من إرجاف أعدائه في التدبير ~~والرأي: " بلغني أن قوما يقولون أن علي بن أبي طالب شجاع لكن لا بصيرة له ~~بالحرب لله أبوهم وهل فيهم أحد أبصر بها مني لقد قمت فيها وما بلغت العشرين ~~وها أنا ذا قد ذرفت على الستين ولكن لا رأي لمن لا يطاع " فخبر - عليه ~~السلام - بأنه قد ذرف على الستين في وقت عاش بعده دهرا طويلا وذلك في أيام ~~صفين. PageV00P272 # وهذا يكذب قول من زعم أنه صلوات الله عليه توفي وله ستون سنة، مع أن ~~الروايات قد جاءت مستفيضة ظاهرة بأن سنه كانت عند وفاته بضعا وستين سنة، ~~وفي مجيئها بذلك على الانتشار دليل على بطلان مقال من أنكر ذلك. # فممن روى ما ذكرناه علي بن عمرو بن أبي سبرة عن عبد الله بن محمد بن عقيل ~~قال: سمعت محمد بن الحنفية يقول في سنة الجحاف حين دخلت سنة إحدى وثمانين: ~~هذه لي خمس وستون سنة وقد جاوزت سن أبي، قلت: وكم كانت سنه يوم قتل؟ قال: ~~ثلاثا وستين سنة. # ومنهم أبو القاسم نعيم قال: حدثنا لشريك عن أبي إسحاق، قال: توفي علي ~~صلوات الله عليه وهو ms202 ابن ثلاث وستين سنة. ومنهم يحيى ابن أبي كثير عن سلمة، ~~قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول، وقد سئل عن سن أمير المؤمنين صلوات الله ~~عليه يوم قبض قال: كان قد نيف على الستين، ومنهم ابن عائشة من طريق أحمد بن ~~زكريا، قال: سمعته يقول بعث رسول الله (ص) وعلي - عليه السلام - ابن عشر ~~سنين وقتل علي وله ثلاث وستون سنة، ومنهم الوليد بن هشام الفحدمي من طريق ~~أبي عبد الله الكواسحي، قال: أخبرنا الوليد بأسانيد مختلفة: أن عليا - عليه ~~السلام - قتل بالكوفة يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ~~أربعين وهو ابن خمس وستين سنة. # فأما من روى أن سنه كانت عند البعثة أكثر من عشر سنين فغير واحد منهم عبد ~~الله بن مسعود من طريق عثمان بن المغيرة عن وهب عنه قال: إن أول شئ علمته ~~من أمر رسول الله (ص) أننا قدمنا مكة فأرشدونا إلى العباس بن عبد المطلب ~~فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم، فبينا نحن جلوس إذ أقبل رجل من باب الصفا ~~عليه ثوبان أبيضان على يمينه غلام مراهق أو محتلم تتبعه امرأة قد ~~PageV00P273 # سترت محاسنها حتى قصدوا الحجر فاستلمه والغلام والمرأة معه، ثم طاف ~~بالبيت سبعا والغلام والمرأة يطوفان معه، ثم استقبل الكعبة وقام فرفع يديه ~~وكبر وقام الغلام على يمينه وكبر وقامت المرأة خلفهما فرفعت يديها وكبرت ~~فأطال الرجل القنوت، ثم ركع فركع الغلام والمرأة معه، ثم رفع رأسه فأطال ~~القنوت ثم سجد وهما يصنعان ما يصنع. # فلما رأينا شيئا ننكره ولا نعرفه بمكة أقبلنا على العباس فقلنا: يا أبا ~~الفضل إن هذا الدين ما كنا نعرفه فقال: أجل والله ما تعرفون هذا قلنا: ما ~~تعرفه؟ قال: # هذا ابن أخي محمد بن عبد الله وهذا علي بن أبي طالب وهذه المرأة خديجة ~~بنت خويلد والله ما على وجه الأرض أحد يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاء ~~الثلاثة. # وروى قتادة عن الحسن وغيره قال: كان أول من آمن علي بن أبي ms203 طالب وهو ابن ~~خمس عشرة سنة أو ست عشرة. # وروى شداد بن أوس قال: سألت خباب بن الأرت عن إسلام علي: فقال: # أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة ولقد رأيته يصلي مع النبي وهو يومئذ بالغ ~~مستحكم البلوغ، وروى علي بن زيد عن أبي نضرة قال: أسلم علي وهو ابن أربع ~~عشرة سنة وكان له يومئذ ذؤابة يختلف إلى الكتاب. # وقد روى عبد الله بن زياد عن محمد بن علي قال: أول من آمن بالله علي وهو ~~ابن إحدى عشرة سنة. وروى الحسن بن زيد قال: أول من أسلم علي بن أبي طالب ~~وهو ابن خمس عشرة سنة، وقد قال عبد الله بن أبي سفيان بن عبد المطلب: # وصلى علي مخلصا بصلاته * لخمس وعشر من سنين كوامل وخلى أناسا بعده ~~يتبعونه * له عمل أفضل به صنع عامل PageV00P274 # وروى سلمة بن كهيل عن أبيه عن حية بن جوين قال: أسلم علي وكان له ذؤابة ~~يختلف إلى الكتاب. # على أنا لو سلمنا لخصومنا ما ادعوه من أنه - عليه السلام - كان له عند ~~المبعث سبع سنين، لم يدل ذلك على صحة ما ذهبوا إليه من أن إيمانه كان على ~~وجه التلقين دون المعرفة واليقين وذلك أن صغر السن لا ينافي كمال العقل، ~~وليس دليل وجوب التكليف بلوغ الحلم فيراعى ذلك، هذا باتفاق أهل النظر ~~والعقول وإنما يراعى بلوغ الحلم في الأحكام الشرعية دون العقلية. # وقد قال الله سبحانه في قصة يحيى - عليه السلام -: * (وآتيناه الحكم ~~صبيا) * (1) وقال في قصة عيسى - عليه السلام -: * (فأشارت إليه قالوا كيف ~~نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله أتاني الكتاب وجعلني نبيا * ~~وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) * (2) فلم ~~ينف صغر هذين النبيين - عليهما السلام - كمال عقلهما والحكمة التي آتاهما ~~الله تعالى، ولو كانت العقول تحيل ذلك لأحالته في كل أحد وعلى كل حال. # وقد أجمع أهل التفسير إلا من شذ منهم في قوله تعالى: * (وشهد شاهد من ~~أهلها إن ms204 كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من ~~دبر فكذبت وهو من الصادقين) * (3) أنه كان طفلا صغيرا في المهد أنطقه الله ~~تعالى حتى برأ يوسف - عليه السلام - من الفحشاء وأزال عنه التهمة. # والناصبة إذا سمعت هذا الاحتجاج قالت: إن هذا الذي ذكرتموه فيمن # PageV00P275 # عددتموه كان معجزا بخرقه العادة ودلالة لنبي من أنبياء الله عز وجل، فلو ~~كان أمير المؤمنين - عليه السلام - مشاركا لمن وصفتموه في خرق العادة لكان ~~معجزا له - عليه السلام - أو للنبي (ص)، وليس يجرز أن يكون المعجز له، ولو ~~كان للنبي (ص) لجعله في معجزاته واحتج به في جملة بيناته ولجعله المسلمون ~~من آياته، فلما لم يجعله رسول الله (ص) لنفسه علما ولا عده المسلمون في ~~معجزاته علمنا أنه لم يجز فيه الأمر على ما ذكرتموه. # فيقال لهم: ليس كل ما خرق الله به العادة وجب أن يكون علما ولا لزم أن ~~يكون معجزا ولا شاع علمه في العام ولا عرف من جهة الاضطرار وإنما المعجز ~~العلم هو خرق العادة عند دعوة داع أو براءة مقذوف وتجري براءته مجرى ~~التصديق له في مقاله بل هي تصديق في المعنى وإن لم يكن تصديقا بنفس اللفظ ~~والقول. # وكلام عيسى - عليه السلام - إنما كان معجزا لتصديقه له في قوله: * (إني ~~عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا) * مع كونه خرقا للعادة وشاهدا لبراءة ~~أمه من الفاحشة ولصدقها فيما ادعته من الطهارة وكانت حكمة يحيى - عليه ~~السلام - في حال صغره تصديقا له في دعوته في الحال ولدعوة أبيه زكريا - ~~عليه السلام - فصارت مع كونها خرقا للعادة دليلا ومعجزا وكلام الطفل في ~~براءة يوسف - عليه السلام - إنما كان معجزا بخرق العادة لشهادته ليوسف - ~~عليه السلام - بالصدق في براءة ساحته ويوسف - عليه السلام - نبي مرسل. # فثبت أن الأمر على ما ذكرناه، ولم يك كمال عقل أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - شاهدا في شئ مما ادعاه ولا استشهد هو - عليه السلام - به فيكون مع ~~كونه خرقا للعادة معجزا، ولو استشهد ms205 - عليه السلام - به أو شهد على حد ما ~~شهد الطفل ليوسف - عليه السلام - وكلام عيسى - عليه السلام - له ولأمه ~~وكلام يحيى - عليه السلام - لأبيه بما يكون في PageV00P276 # المستقبل والحال، لكان لخصومنا وجه في المطالبة بذكر ذلك في المعجزات ~~ولكن لا وجه له على ما بيناه. # على أن كمال عقل أمير المؤمنين - عليه السلام - لم يكن ظاهرا للحواس ولا ~~معلوما بالاضطرار فيجري مجرى كلام المسيح - عليه السلام - وحكمة يحيى - ~~عليه السلام - وكلام شاهد يوسف - عليه السلام -، فيمكن الاعتماد عليه في ~~المعجزات وإنما كان طريق العلم به قول رسول الله (ص) أو الاستدلال الشاق ~~بالنظر الثاقب والسبر بحاله - عليه السلام - على مرور الأوقات لسماع كلامه ~~والتأمل لاستدلالاته والنظر إلى ما يؤدي إلى معرفته وفطنته. # ثم لا يحصل ذلك إلا لخاص من الناس، ومن عرف وجه الاستنباطات، وما جرى هذا ~~المجرى فارق حكمه حكم ما سلف للأنبياء من المعجزات وما كان لنبينا (ص) من ~~الأعلام، إذ تلك بظواهرها تقدح في القلوب أسباب اليقين ويشترك الجميع في ~~علم الحال الظاهرة منها المنبئة عن خرق العادات، دون أن تكون مقصورة على ما ~~ذكرناه من البحث الطويل والاستبراء للأحوال على مرور الأوقات والرجوع فيه ~~إلى نفس قول الرسول (ص) الذي يحتاج في العلم به إلى النظر في معجز غيره ~~والاعتماد على ما سواه من البينات، فلا ينكر أن يكون الرسول (ص) إنما عدل ~~عن ذكر ذلك واحتجاجه به في جملة آياته لما وصفناه. # وشئ آخر وهو أنه لا ينكر أن يكون الله عز وجل علم من مصلحة خلقه الكف من ~~الرسول (ص) عن الاحتجاج بذلك والدعاء إلى النظر فيه وأن اعتماده على ما ~~ظاهره خرق العادة أولى في مصلحة الدين. # وشئ آخر وهو أن رسول الله (ص) وإن لم يحتج به على التفصيل واليقين فقد ~~فعل ما يقوم مقام الاحتجاج به على البصيرة واليقين، فابتدأ عليا - عليه ~~السلام - بالدعوة PageV00P277 # قبل الذكور كلهم ممن ظاهره البلوغ وافتتح بدعوته أداء رسالته واعتمد عليه ~~في إيداعه سره وأودعه ما ms206 كان خائفا من ظهوره عنه. # فدل باختصاصه بذلك على ما يقوم مقام قوله - عليه السلام - إنه معجز له ~~وإن بلوغ عقله علم على صدقه، ثم جعل ذلك من مفاخره وجليل مناقبه وعظيم ~~فضائله ونوه بذكره وشهره بين أصحابه واحتج له به في اختصاصه، وكذلك فعل ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - في ادعائه له فاحتج به على خصومه وتمدح به ~~بين أوليائه وأعدائه وفخر به على جميع أهل زمانه، وذلك هو معنى النطق ~~بالشهادة بالمعجز له بل هو الحجة في كونه نائبا في القول بما خصه الله ~~تعالى منه ونفس الاحتجاج بعلمه ودليل الله وبرهانه، وهذا يسقط ما اعتمدوه. # ومما يدل على أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان عند بعثة النبي بالغا ~~مكلفا وأن إيمانه به كان بالمعرفة والاستدلال وأنه وقع على أفضل الوجوه ~~وآكدها في استحقاق عظيم الثواب، أن رسول الله (ص) مدحه به وجعله من فضائله ~~وذكره في مناقبه ولم يك بالذي يفضل بما ليس بفضل ويجعل في المناقب ما لا ~~يدخل في جملتها ويمدح على ما لا يستحق عليه الثواب. # فلما مدح رسول الله (ص) بين أمير المؤمنين - عليه السلام - بتقدم الإيمان ~~فيما ذكرناه آنفا من قوله (ص) لفاطمة - عليها السلام -: " أما ترضين أني ~~زوجتك أقدمهم سلما " وقوله (ص) في رواية سلمان رضي الله عنه: " أول هذه ~~الأمة ورودا على نبيها الحوض أولها إسلاما علي بن أبي طالب " وقوله: " لقد ~~صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين وذلك أنه لم يكن أحد من الرجال يصلي ~~غيري وغيره "، وإذا كان الأمر على ما وصفناه، فقد ثبت أن إيمانه - عليه ~~السلام - وقع بالمعرفة واليقين دون التقليد والتلقين، لا سيما وقد سماه ~~رسول الله (ص) إيمانا وإسلاما. وما يقع من الصبيان على وجه التلقين ~~PageV00P278 # لا يسمى على الاطلاق الديني إيمانا وإسلاما. # ويدل على ذلك أن أمير المؤمنين - عليه السلام - قد تمدح به وجعله من ~~مفاخره واحتج به على أعدائه وكرره في غير مقام من مقاماته حيث يقول: " ~~اللهم إني لا أعرف ms207 عبدا لك من هذه الأمة عبدك قبلي "، وقوله - عليه السلام ~~-: " أنا الصديق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم " ~~وقوله - عليه السلام - لعثمان: " أنا خير منك ومنهما عبدت الله قبلهما ~~وعبدت الله بعدهما " وقوله - عليه السلام -: " أنا أول ذكر صلى " وقوله - ~~عليه السلام -: " على من أكذب أعلى الله وأنا أول من آمن به وعبده ". # فلو كان إيمانه على ما ذهبت إليه الناصبة من جهة التلقين ولم يكن له ~~معرفة ولا علم بالتوحيد لما جاز منه - عليه السلام - أن يتمدح بذلك، ولا أن ~~يسميه عبادة، ولا أن يفتخر به على القوم، ولا أن يجعله تفضيلا له على أبي ~~بكر وعمر ولو أنه فعل من ذلك ما لا يجوز لرده عليه مخالفوه واعترضه فيه ~~مضادوه وحاجه في بطلانه مخاصموه، وفي عدول القوم عن الاعتراض عليه وتسليم ~~الجماعة له ذلك دليل على ما ذكرناه وبرهان على فساد قول الناصبة الذي ~~حكيناه. # وليس يمكن أن يدفع ما رويناه في هذا الباب من الأخبار لشهرتها وإجماع ~~الفريقين من الناصبة والشيعة على روايتها، ومن تعرض للطعن فيها مع ما ~~شرحناه لم يمكنه الاعتماد على تصحيح خبر وقع في تأويله الاختلاف، وفي ذلك ~~إبطال جمهور الأخبار وإفساد عامة الآثار وهب أن من لا يعرف الحديث ولا خالط ~~حملة العلم يقدم على إنكار بعض ما رويناه أو يعاند فيه بعض العارفين به ~~ويغتنم الفرصة بكونه خاصا في أهل العلم، كيف يمكن دفع شعر أمير المؤمنين - ~~عليه السلام - في ذلك وقد شاع من شهرته على حد يرتفع فيه الخلاف وانتشر حتى ~~صار مذكورا مسموعا من العامة فضلا PageV00P279 # عن الخواص في قوله - عليه السلام -: # محمد النبي أخي وصنوي * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي أضحى وأمسى * ~~يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وعرسي * منوط لحمها بدمي ولحمي ~~وسبطا أحمد ولداي منها * فأيكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الإسلام طرا * على ~~ما كان من فهمي وعلمي وأوجب لي الولاء معا عليكم * رسول الله يوم غدير ms208 خم ~~فويل ثم ويل ثم ويل * لمن يلقى الإله غدا بظلمي وفي هذا الشعر كفاية في ~~البيان عن تقدم إيمانه - عليه السلام - وأنه وقع مع المعرفة بالحجة ~~والبيان، وفيه أيضا أنه كان الإمام بعد الرسول (ص) بدليل المقال الظاهر في ~~يوم الغدير الموجب للاستخلاف. # ومما يؤيد ما ذكرناه ما رواه عبد الله بن الأسود الكندي عن محمد بن عبد ~~الله ابن أبي رافع عن أبيه عن جده أن رسول الله (ص) صلى يوم الاثنين وصلت ~~خديجة رضوان الله عليها معه ودعا عليا - عليه السلام - إلى الصلاة معه يوم ~~الثلاثاء، فقال له: # أنظرني حتى ألقى أبا طالب، فقال له النبي (ص): إنها أمانة، فقال علي - ~~عليه السلام -: # فإن كانت أمانة فقد أسلمت لك، فصلى معه وهو ثاني يوم المبعث. # وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله، وقال في حديثه: إن هذا دين ~~يخالف دين أبي حتى أنظر فيه وأشاور أبا طالب. فقال له النبي (ص): أنظر ~~واكتم، قال: فمكث هنيأة ثم قال: بل أجيبك وأصدق بك، فصدقه وصلى معه. # وروى هذا المعنى بعينه وهذا المقال من أمير المؤمنين - عليه السلام - على ~~اختلاف PageV00P280 # في اللفظ واتفاق في المعنى، جماعة كثيرة من حملة الآثار. # وهو يدل على أن أمير المؤمنين - عليه السلام - كان مكلفا عارفا في تلك ~~الحال بتوقفه واستدلاله وتميزه بين مشورة أبيه وبين الإقدام على القبول ~~والطاعة للرسول (ص) من غير فكرة ولا تأمل، ثم خوفه إن ألقى ذلك إلى أبيه أن ~~يمنعه منه مع أنه حق فيكون قد صد عن الحق فعدل عن ذلك إلى القبول وعلم من ~~النبي (ص) مع أمانته وما كان يعرفه من صدقه في مقاله وما سمعه من القرآن ~~الذي نزل عليه وأراه الله من برهانه أنه رسول محق فآمن به وصدقه، وهذا بعد ~~أن ميز بين الأمانة وغيرها وعرف حقها وكره أن يفشي سر رسول الله (ص) وقد ~~ائتمنه عليه وهذا لا يقع اتفاقا من صبي لا عقل له ولا يحصل ممن لا ms209 تمييز ~~معه. # ويؤيد أيضا ما ذكرناه أن النبي (ص) بدأ به في الدعوة قبل الذكور كلهم ~~وإنما أرسله الله تعالى إلى المكلفين، فلو لم يعلم أنه - عليه السلام - ~~عاقل مكلف لما افتتح به أداء رسالته وقدمه في الدعوة على جميع من بعث إليه ~~لأنه لو كان الأمر على ما ادعته الناصبة لكان قد عدل عن الأولى وتشاغل بما ~~لم يكلفه عن أداء ما كلفه ووضع فعله في غير موضعه ورسول الله (ص) عن ذلك. # وشئ آخر وهو أنه دعا عليا - عليه السلام - في حال كان مستترا فيها بدينه ~~كاتما لأمره خائفا إن شاع من عدوه، فلا يخلو أن يكون قد كان واثقا من أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - بكتم سره وحفظ وصيته وامتثال أمره وحمله من الدين ~~ما حمله، أولم يكن واثقا بذلك، فإن كان واثقا فلم يثق به - عليه السلام - ~~إلا وهو في نهاية كمال العقل وعلى غاية الأمانة وصلاح السريرة والعصمة ~~والحكمة وحسن التدبير لأن الثقة بما وصفناه دليل على جميع ما شرحناه على ~~الحال التي قدمنا شرحها، وإن كان غير واثق من أمير المؤمنين - عليه السلام ~~- بحفظ سر وغير آمن من تضييعه وإذاعة أمره PageV00P281 # فوضعه عنده من أعظم الجهل والتفريط وضد الحزم والحكمة والتدبير حاشا ~~الرسول (ص) من ذلك ومن كل صفة نقص، وقد أعلى الله تعالى عز وجل رتبته وأكذب ~~مقال من ادعى ذلك فيه. # وإذا كان الأمر على ما بيناه فما نرى الناصبة قصدت الطعن في إيمان أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - إلا عيب الرسول (ص) والذم لأفعاله ووصفه بالعبث ~~والتفريط ووضع الأشياء غير مواضعها والإزراء عليه في تدبيراته، وما أراد ~~مشايخ القوم ومن ألقي هذا المذهب إليهم إلا ما ذكرناه والله متم نوره ولو ~~كره الكافرون. # فصل وسمعت الشيخ أدام الله عزه يقول: مما يدل على إيمان أبي طالب رضي ~~الله عنه إخلاصه في الود لرسول الله (ص) والنصرة له بقلبه ويده ولسانه ~~وأمره ولديه عليا - عليه السلام - وجعفرا رضي الله عنه باتباعه، وقول رسول ~~الله ms210 (ص) فيه عند وفاته: # " وصلتك رحم وجزيت خيرا يا عم " فدعا له، وليس يجوز أن يدعو رسولي الله ~~(ص) بعد الموت لكافر ولا أن يسأل الله خيرا، ثم أمره عليا - عليه السلام - ~~خاصة من بين أولاده الحاضرين بتغسيله وتكفينه وتوريته دون عقيل ابنه وقد ~~كان حاضرا ودون طالب أيضا، ولم يكن من أولاده من قد آمن في تلك الحال إلا ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - وجعفر وكان جعفر غائبا في بلاد الحبشة فلم ~~يحضر من أولاده مؤمن إلا أمير المؤمنين - عليه السلام - فأمره أن يتولى ~~أمره دون من لم يكن على الإيمان، ولو كان رحمة الله عليه كافرا لما أمر ~~ابنه المؤمن بتولية أمره ولكان الكافر أحق به. # مع أن الخبر قد ورد على الاستفاضة بأن جبرئيل - عليه السلام - نزل على ~~رسول الله (ص) عند موت أبي طالب رضوان الله عليه فقال له: " يا محمد إن ربك ~~يقرئك PageV00P282 # السلام ويقول لك أخرج من مكة فقد مات ناصرك " وهذا يبرهن على إيمانه ~~لتحققه بنصرة الرسول (ص) وتقوية أمره. # ويدل على ذلك قوله رضوان الله عليه لعلي - عليه السلام - حين رآه يصلي مع ~~رسول الله (ص): " ما هذا يا بني "، فقال: " دين دعاني إليه ابن عمي " فقال ~~له: # " اتبعه فإنه لا يدعوك إلا إلى خير " فاعترف بصدق رسول الله (ص) وذلك ~~حقيقة الإيمان، وقوله رحمة الله عليه وقد مر على أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - وهو يصلي عن يمين رسول الله ومعه جعفر ابنه فقال: " يا بني صل ~~جناح ابن عمك " فصلى جعفر معه وتأخر أمير المؤمنين - عليه السلام - حتى صار ~~هو وجعفر خلف رسول الله (ص) فجاءت الرواية بأنها أول صلاة جماعة صليت في ~~الإسلام، ثم أنشأ أبو طالب يقول: # إن عليا وجعفرا ثقتي * عند ملم الزمان والكرب والله لا أخذل النبي ولا * ~~يخذله من بني ذو حسب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * أخي لأمي من بينهم وأبي ~~فاعترف بنبوة النبي (ص) اعترافا صريحا في قوله: " والله لا أخذل النبي " ~~ولا فصل بين ms211 أن يصف رسول الله (ص) بالنبوة في نظمه وبين أن يقر بذلك في نثر ~~كلامه ويشهد عليه من حضره. # ومما يدل على ذلك أيضا قوله في قصيدته اللامية: # ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعني بقول الأباطل وأبيض يستسقي ~~الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل PageV00P283 # فشهد بتصديق رسول الله (ص) شهادة ظاهرة لا تحتمل تأويلا ونفى عنه الكذب ~~على كل وجه، وهذا هو حقيقة الإيمان ومنه قوله: # ألم تعلموا أن النبي محمدا * رسول أمين خط في سالف الكتب وهذا إيمان لا ~~شبهة فيه لشهادته له في الإيمان برسول الله (ص) وقد روى أصحاب السير أن أبا ~~طالب رضوان الله عليه لما حضرته الوفاة اجتمع إليه أهله فأنشأ يقول: # أوصي بنصر النبي الخير مشهده * عليا ابني وشيخ القوم عباسا وحمزة الأسد ~~الحامي حقيقته * وجعفرا أن يذودوا دونه الناسا كونوا فداء لكم أمي وما ولدت ~~* في نصر أحمد دون الناس أتراسا فأقر للنبي (ص) بالنبوة عند احتضاره، ~~واعترف له بالرسالة قبل مماته، وهذا أمر يزيل الريب في إيمانه بالله عز وجل ~~وبرسوله (ص) وبتصديقه له وإسلامه. # ومنه قوله المشهور عنه بين أهل المعرفة، وأنت إذا التمسته وجدته في غير ~~موضع من المصنفات، وقد ذكره الحسين بن بشر الآمدي في كتاب ملح القبائل: # أترجون أن نسخي بقتل محمد * ولم تختضب سمر العوالي من الدم كذبتم وبيت ~~الله حتى تفرقوا * جماجم تلقى بالحطيم وزمزم وتقطع أرحام وتسبى حليلة * ~~حليلا ويغشى محرم بعد محرم وينهض قويم في الحديد إليكم * يذودون عن أحسابهم ~~كل مجرم على ما أتى من بغيكم وضلالكم * وغشيانكم في أمرنا كل مأثم بظلم نبي ~~جاء يدعو إلى الهدى * وأمر أتى من عند ذي العرش مبرم فلا تحسبونا مسلميه ~~ومثله * إذا كان في قوم فليس بمسلم PageV00P284 # فهذي معاذير وتقدمة لكم * لئلا يكون الحرب قبل التقدم وهذا أيضا صريح في ~~الاقرار بنبوة رسول الله (ص) كالذي قبله على ما بيناه، وقد قال في قصيدته ~~اللامية ما يدل على ما وصفناه في إخلاصه ms212 في النصرة حيث يقول: # كذبتم وبيت الله نسلم أحمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع ~~دونه * ونذهل عن أبنائنا والحلائل فإن تعلقوا بما يؤثر عنه من قوله لرسول ~~الله (ص): # والله لا وصلوا إليك بجمعهم * حتى أغيب في التراب دفينا فامض ابن أخ فما ~~عليك غضاضة * وأبشر بذاك وقر منك عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصح * ولقد صدقت ~~وكنت ثم أمينا لولا المخافة أن تكون معرة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا ~~فقالوا: هذا الشعر يتضمن أنه لم يؤمن برسول الله (ص) ولم يسمح له بالإسلام ~~والاتباع خوف المعرة والتسفيه فكيف يكون مؤمنا مع ذلك؟ # فإنه يقال لهم: إن أبا طالب رحمه الله لم يمتنع من الإيمان برسول الله ~~(ص) في الباطن والاقرار بحقه من طريق الديانة، وإنما امتنع من إظهار ذلك ~~لئلا تسفهه قريش وتذهب رئاسته ويخرج منها من كان متبعا له عن طاعته وتنخرق ~~هيبته عندهم فلا يسمع له قول ولا يمتثل له أمر، فيحول ذلك بينه وبين مراده ~~من نصرة رسول الله (ص) ولا يتمكن من غرضه في الذب عنه فاستتر الإيمان وأظهر ~~منه ما كان يمكنه إظهاره على وجه الاستصلاح ليصل بذلك إلى بناء الإسلام ~~وقوام الدعوة PageV00P285 # واستقامة أمر رسول الله (ص) وكان في ذلك كمؤمني أهل الكهف الذين أبطنوا ~~الإيمان وأظهروا ضده للتقية والاستصلاح فأتاهم الله أجرهم مرتين، والدليل ~~على ما ذكرناه في أمر أبي طالب رحمه الله قوله في هذا الشعر بعينه: # ودعوتني وزعمت أنك ناصح ولقد صدقت وكنت ثم أمينا فشهد بصدقه واعترف ~~بنبوته وأقر بنصحه وهذا محض الإيمان على ما قدمناه. # فصل وسمعت الشيخ أدام الله عزه يقول: ومما يشهد بأن آل محمد صلوات الله ~~عليهم أحق بمقام النبي (ص) ممن عداهم من سائر الناس في النظم الذي قد ضمن ~~أوفى الاحتجاج، قول الكميت بن زيد الأسدي رحمه الله: # يقولون لم يورث ولولا تراثه * لقد شركت فيه بكيل وأرحب وعك ولخم والسكون ~~وحمير * وكندة والحيان بكر وتغلب ولا انتشلت عضوين منها يحابر * وكان لعبد ms213 ~~القيس عضو مورب ولا انتقلت من خندف في سواهم * ولا اقتدحت قيس بها ثم ~~أثقبوا ولا كانت الأنصار فيها أذلة * ولا غيبا عنها إذ الناس غيب هم شهدوا ~~بدرا وخيبر بعدها * ويوم حنين والدماء تصبب وهم رئموها غير ظئر وأشبلوا * ~~عليها بأطراف القنا وتحدبوا فإن هي لم تصلح لحي سواهم * فإن ذوي القربى أحق ~~وأوجب PageV00P286 # وقد كان الجاحظ قال في بعض كتبه بجهله وتعصبه على الشيعة وعناده: إنه ~~لولا الكميت وما احتج به في هذا القول لم تعرف الشيعة وجه الحجة في تقديم ~~آل محمد - عليهم السلام -، وهذا ينضاف إلى حماقاته في الديانة واختياراته ~~الملائمة لسخف عقله، وكيف يجوز أن يذهب مثل هذا على الشيعة وأمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب - عليه السلام - إمام الشيعة قد احتج به على معاوية في ~~جواب كتابه إليه الذي يقول فيه: " لكل الخلفاء حسدت وعلى كلهم بغيت تقاد ~~إلى بيعتهم وأنت كاره كما يقاد الجمل المخشوش " فأجابه أمير المؤمنين - ~~عليه السلام - عن هذا الفصل بأن قال له. # " حاشا لله أن يكون الحسد من خلقي والبغي من شيمتي بل ذلك من خلقك وخلق ~~أبيك وأهل بيتك وشيمتهم إذ حسدتم رسول الله (ص) على ما آتاه الله من فضله، ~~فنصبتم له الحرب وكنتم أصحاب رايات أعدائه في كل موطن وبغيتم عليه حتى ~~أظفره الله بكم " في كلام يتصل بهذا. # ثم قال - عليه السلام -: " أما كراهتي لأمر القوم فإني لست أتبرأ منه ولا ~~أنكره وذلك أن رسول الله (ص) قبضه الله إليه ونحن أهل بيته أحق الناس به ~~فقلنا لا يعدل الناس عنا ولا يبخسونا حقنا، فما راعنا إلا والأنصار قد صارت ~~إلى سقيفة بني ساعدة يطلبون هذا الأمر فصار أبو بكر إليهم وعمر فيمن ~~تبعهما، فاحتج أبو بكر عليهم بأن قريشا أولى بمقام رسول الله (ص) منهم لأن ~~رسول الله (ص) كل من قريش وتوصل بذلك إلى الأمر دون الأنصار، فإن كانت ~~الحجة لأبي بكر بقريش فنحن أحق الناس برسول الله ممن تقدمنا لأننا أقرب من ms214 ~~قريش كلها إليه وأخصهم به، وإن لم يكن لنا حق مع القرابة فالأنصار على ~~دعواهم " في كلام يتلو هذا لا حاجة بنا إلى إيراده في هذا المكان. ~~PageV00P287 # وإنما نظم الكميت معنى كلام أمير المؤمنين - عليه السلام - في منثور ~~كلامه في الحجة على معاوية فلم يزل آل محمد - عليهم السلام - بعد أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - يحتجون بذلك ومتكلموا الشيعة قبل الكميت وفي ~~زمانه وبعده وذلك موجود في الأخبار المأثورة والروايات المشهورة. # ومن بلغ إلى الحد الذي بلغه الجاحظ في البهت سقط كلامه ولم يجد فرقا بينه ~~وبين من قال: إن أول من فتح باب الحجة للمعتزلة في مذاهبها بشر بن المعتمر ~~في شعره وأنهم كانوا قبل ذلك مقلدة ومن تعاطى منهم الكلام كان سخيف الحجة ~~ضعيف الشبهة حتى اتفق لهم بشر وبنى الناس على شعره. # فإن قالوا: هذا بهت لأن كتب القوم موجودة قبل بشر تتضمن الحجج والبراهين. ~~قيل لهم: وما أتى به جاحظكم بهت وعناد لأن أصول الشيعة ورواياتهم وكتب ~~السيرة والمصنفات في الأثر قبل الكميت موجودة فيها احتجاج آل محمد - عليهم ~~السلام - بالقرابة واعتمادهم في اللصوق بالرسول (ص) والاختصاص به في النسب، ~~ومن نظر في كتب السقيفة وقول شيعة الصحابة، عرف ذلك وأغناه عن غيره. # مع أن من زعم أن احتجاج العلوية والشيعة بالقرابة شئ محدث، لم يكن في ~~منزلة من يناظر لأنه يدفع الاضطرار إذ الجماعة كلها مطبقة على ذلك وقد صار ~~سبقها إليه من جهة العادة كالطبع الذي لا يتوهم من صاحبه خلاف موجبه ~~لاتفاقها بلسان واحد على التعلق به والاعتماد عليه. PageV00P288 # وسمعت الشيخ أيده الله تعالى يقول: ومما يشهد لإمامة أمير المؤمنين - ~~عليه السلام - ويؤيد القول بصحة وجود السلف للشيعة في الصدر الأول من النظم ~~المتفق على نقله أيضا قول أمير المؤمنين - عليه السلام - بصفين وهو يرتجز ~~للمبارزة: # أنا علي صاحب الصمصامة * وصاحب الحوض لدى القيامة أخو نبي الله ذي ~~العلامة * قد قال إذ عممني العمامة أنت أخي ومعدن الكرامة * ومن له من بعدي ~~الإمامة وهذا ms215 مع ما فيه من الدلالة على ما قدمناه دليل على أن أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - قد ذكر النص واحتج به، وفيه إبطال قول الناصبة ~~إنه لم يذكره في مقام من مقاماته. # قال الشيخ أيده الله: ومما جاء في هذا المعنى ما قد تقدم ذكره في الأشعار ~~السابقة في تقدم إيمانه - عليه السلام -، وأنا أذكر المواضع منها دون ~~جملتها وإن كنت قد شرحت ذلك فيما مضى وتكراره هنا للتأكيد والبيان. # فمنه قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب: # وكان ولي الأمر بعد محمد * علي وفي كل المواطن صاحبه فشهد بأن أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - كان خليفة رسول الله (ص) دون من تقدم عليه، ~~بشهادته أنه كان ولي الأمر من بعده. PageV00P289 # ومنه قول جرير بن عبد الله: # فصلى الإله على أحمد * رسول المليك تمام النعم وصلى على الطهر من بعده * ~~خليفته القائم المدعم عليا عنيت وصي النبي * يجالد عنه غواة الأمم وهذا قطع ~~على إمامة أمير المؤمنين - عليه السلام - لا ريب فيه على عاقل في قصد قائله ~~وغرضه والإبانة عن معتقده في أنه الخليفة للرسول (ص) بلا فصل والإمام من ~~بعده، فأما الأشعار بأنه الوصي دون الجماعة والاطباق من الكافة على ذلك، ~~يغنى عن تفصيله بتسمية الرجال وفي ثبوته دليل على القول بإمامته - عليه ~~السلام - إذ كان وصي النبي (ص) في أهله وتركاته هو الخليفة له لاستحالة أن ~~يكون إمامان في زمان واحد وخليفتان للنبي (ص) على أمته في وقت واحد. # فصل قال الشيخ أيده الله: ومما يشهد لقول الشيعة في معنى المولى وأن ~~النبي (ص) أراد به يوم الغدير الإمامة، قول حسان بن ثابت على ما جاء به ~~الأثر أن رسول الله (ص) لما نصب عليا - عليه السلام - يوم الغدير للناس ~~علما وقال فيه ما قال، استأذنه حسان بن ثابت في أن يقول شعرا في ذلك المقام ~~فأذن له فأنشأ يقول: # يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالنبي مناديا يقول فمن موليكم ~~ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك ms216 التعاديا إلهك مولانا وأنت ولينا * ولن ~~تجدن منالك اليوم عاصيا فقال له قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما ~~وهاديا PageV00P290 # فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم ~~وآل وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا فلما فرغ من هذا القول قال له النبي ~~(ص): " لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك " فلولا أن ~~النبي (ص) أراد بالمولى الإمامة لما أثنى على حسان بإخباره بذلك ولأنكره ~~عليه ورده عنه. # ومنه قول قيس بن سعد بن عبادة رحمه الله وهو متوجه إلى صفين قصيدته ~~اللامية التي أولها: # قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل حسبنا ربنا الذي فتح ~~البصرة * بالأمس والحديث طويل إلى قوله: # وعلي إمامنا وإمام * لسوانا أتى به التنزيل يوم قال النبي من كنت مولاه * ~~فهذا مولاه خطب جليل إنما قاله النبي على الأمة * حتما ما فيه قال وقيل ~~وهذه الأشعار مع تضمنها الاعتراف بإمامة أمير المؤمنين - عليه السلام - فهي ~~دلائل على ثبوت سلف الشيعة وإبطال عناد المعتزلة في إنكارهم ذلك. ~~PageV00P291 # فصل قال الشيخ أيده الله: ومما يشهد بشجاعة أمير المؤمنين - عليه السلام ~~- وعظم بلائه في الجهاد ونكايته في الأعداء من النظم الذي يشهد بصحة النثر ~~في النقل، قول أسيد بن أبي أياس بن زنيم بن محمد بن عبد العزى يحرض مشركي ~~قريش على أمير المؤمنين - عليه السلام -: # في كل مجمع غاية أخزاكم * جذع أبر على المذاكى القرح لله دركم ألما ~~تنكروا * قد ينكر الحر الكريم ويستحي هذا ابن فاطمة الذي أفناكم * ذبحا ~~ويمسي سالما لم يذبح أعطوه خرجا واتقوا بضريبة * فعل الذليل وبيعة لم تربح ~~ابن الكهول وابن كل دعامة * في المعضلات وابن زين الأبطح أفناهم قعصا وضربا ~~يفتري * بالسيف يعمل حده لم يصفح ومما يشهد لذلك قول أخت عمرو بن ود ~~العامري وقد رأته قتيلا فقالت: # من قتله؟ فقيل لها: علي بن أبي طالب فقالت: كفو كريم ثم أنشأت تقول: # لو كان قاتل عمرو غير قاتله * لكنت ms217 أبكي عليه آخر الأبد لكن قاتله من لا ~~يعاب به * من كان يدعى قديما بيضة البلد أفلا ترى إلى قريش كيف تحرض عليه ~~بذكر من قتله وكثرتهم وفناء رؤسائهم بسيفه وقتله لشجعانهم وأبطالهم ثم لا ~~يجسر أحد من القوم أن ينكر ذلك ولا ينفع في جماعتهم التحريض لعجزهم عنه - ~~عليه السلام -، أو لا ترى أنه PageV00P292 # - عليه السلام - قد بلغ من فضله في الشجاعة أنها قد صارت تفخر بقتله من ~~قتل منها وتنفي العار عنه بإضافته إليه، وهذا لا يكون إلا وقد سلم الجميع ~~له واصطلحوا على إظهار العجز عنه. # وقد روى أهل السير أن أمير المؤمنين - عليه السلام - لما قتل عمرو بن عبد ~~ود، نعي إلى أخته فقالت: لم يعد يومه على يد كفو كريم لأرقأت دمعتي إن ~~هرقتها عليه قتل الأبطال وبارز الأقران وكانت منيته على يد كفو كريم ما ~~سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر ثم أنشأت تقول: # أسدان في ضيق المكر تصاولا * وكلاهما كفو كريم باسل فتخالسا مهج النفوس ~~كلاهما * وسط المدار مخاتل ومقاتل وكلاهما حفر القراع حفيظة * لم يثنه عن ~~ذاك شغل شاغل فاذهب علي فما ظفرت بمثله * قول سديد ليس فيه تحامل فالثأر ~~عندي يا علي فليتني * أدركته والعقل مني كامل ذلت قريش بعد مقتل فارس * ~~فالذل مهلكها وخزي شامل ثم قالت: والله لا ثارت قريش بأخي ما حنت النيب. # وقد كان حسان بن ثابت افتخر للإسلام بقتل عمر بن عبد ود فقال في ذلك ~~أقوالا كثيرة منها: # أمسى الفتى عمرو بن عبد يبتغى * بجنوب يثرب غارة لم تنظر فلقد وجدت ~~سيوفنا مشهورة * ولقد رأيت جيادنا لم تقصر ولقد لقيت غداة بدر عصبة * ضربوك ~~ضربا غير ضرب الحسر أصبحت لا تدعى ليوم عظيمة * يا عمرو أو لجسيم أمر منكر ~~PageV00P293 # فلما بلغ شعره بني عامر قال فتى منهم يرد قوله في ذلك: # كذبتم وبيت الله لم تقتلوننا * ولكن بسيف الهاشميين فافخروا بسيف ابن عبد ~~الله أحمد في الوغى * بكف علي نلتم ذاك فاقصروا فلم تقتلوا ms218 عمر بن ود ولا ~~ابنه * ولكنه الكفؤ الهزبر الغضنفر علي الذي في الفخر طال بناؤه * فلا ~~تكثروا الدعوى علينا فتفخروا ببدر خرجتم للبراز فردكم * شيوخ قريش جهرة ~~وتأخروا فلما أتاهم حمزة وعبيدة * وجاء علي بالمهند يخطر فقالوا نعم أكفاء ~~صدق وأقبلوا * إليهم سراعا إذ بغوا وتجبروا فجال علي جولة هاشمية * فدمرهم ~~لما عتوا وتكبروا فليس لكم فخر علينا بغيرنا * وليس لكم فخر يعد ويذكر وقد ~~جاء الأثر من طرق شتى بأسانيد مختلفة عن زيد بن وهب قال: # سمعت عليا - عليه السلام - يقول وقد ذكر حديث بدر فقال: قتلنا من ~~المشركين سبعين وأسرنا سبعين، وكان الذي أسر العباس رجل قصير من الأنصار ~~فأدركته فألقى العباس قي عمامته لئلا يأخذها الأنصاري وأحب أن أكون أنا ~~الذي أسرته. # وجيئ به إلى رسول الله (ص) فقال الأنصاري: يا رسول الله قد جئتك بعمك ~~العباس أسيرا. فقال العباس: كذبت ما أسرني إلا ابن أخي علي بن أبي طالب. # فقال له الأنصاري: يا هذا أنا أسرتك. فقال: والله يا رسول الله ما أسرني ~~إلا ابن أخي علي بن أبي طالب ولكأني بجلحته في النقع تبين لي فقال رسول ~~الله (ص): # صدق عمي ذاك ملك كريم، فقال العباس: لقد عرفته بجلحته وحسن وجهه، ~~PageV00P294 # فقال له: إن الملائكة الذين أيدني الله بهم على صورة علي بن أبي طالب ~~ليكون ذلك أهيب لهم في صدور الأعداء، قال: فهذه عمامتي على رأس علي فمره ~~فليردها علي فقال: ويحك إن يعلم الله فيك خيرا يعوضك أحسن العوض. # أفلا ترون أن هذا الحديث يؤيد ما تقدم ويؤكد القول بأن أمير المؤمنين كان ~~أشجع البرية وأنه بلغ من بأسه وخوف الأعداء منه - عليه السلام - أن جعل ~~الله الملائكة على صورته ليكون ذلك أرعب لقلوبهم وإن هذا المعنى لم يحصل ~~لبشر من قبله ولا بعده. # ويؤيد ما رويناه ما جاء من الأثر عن أبي جعفر محمد بن علي - عليه السلام ~~- في حديث بدر، قال: لقد كان يسأل الجريح من المشركين فيقال له من جرحك؟ ms219 # فيقول: علي بن أبي طالب فإذا قالها مات. # وفي بلاء أمير المؤمنين - عليه السلام - يوم بدر يقول أبو هاشم السيد ~~إسماعيل بن محمد الحميري رحمه الله: # من كعلي الذي تبارزه * الأقران إذ بالسيوف تصطلم إذا الوغى نارها مسعرة * ~~تحرق فرسانها إذا اقتحموا في يوم بدر وفي مشاهده * العظمى ونار الحروب ~~تضطرم بارز أبطالها وسادتها * قعصا لهم بالحسام قد علموا دعوه كي يدركون ~~غرته * فما تملوا منه ولا سلموا جد بسيف النبي هامات * أقوام هم سادة وهم ~~قدم سيدنا الماجد الجليل أبو * السبطين رأس الأنام والعلم إن عليا وإن ~~فاطمة * إن سبطيهما وإن ظلموا لصفوة الله بعد صفوته * لا عرب مثلهم ولا عجم ~~PageV00P295 # فصل في معنى نسبة الإمامية قال الشيخ أيده الله: الإمامية هم القائلون ~~بوجوب الإمامة والعصمة ووجوب النص، وإنما حصل لها هذا الاسم في الأصل ~~لجمعها في المقالة هذه الأصول فكل من جمعها فهو إمامي وإن ضم إليها حقا في ~~المذهب كان أم باطلا، ثم إن من شمله هذا الاسم واستحقه لمعناه قد افترقت ~~كلمتهم في أعيان الأئمة - عليهم السلام - وفي فروع ترجع إلى هذه الأصول ~~وغير ذلك. # فأول من شذ عن الحق من فرق الإمامية " الكيسانية " وهم أصحاب المختار، ~~وإنما سميت بهذا الاسم لأن المختار كان اسمه أولا كيسان، وقيل إنما سمي ~~بهذا الاسم لأن أباه حمله وهو صغير فوضعه بين يدي أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - قالوا: فمسح يده على رأسه وقال: كيس كيس فلزمه هذا الاسم، وزعمت ~~فرقة منهم أن محمد بن علي - عليه السلام - استعمل المختار على العراقيين ~~بعد قتل الحسين - عليه السلام - وأمره بالطلب بثأره وسماه كيسان لما عرف من ~~قيامه ومذهبه، وهذه الحكايات في معنى اسمه عن الكيسانية خاصة، فأما نحن فلا ~~نعرف إلا أنه سمى بهذا الاسم ولا نتحقق معناه. # وقالت هذه الطائفة بإمامة أبي القاسم محمد بن أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - ابن خولة الحنفية، وزعموا أنه هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطا ~~وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، وأنه حي لم يمت ولا ms220 يموت حتى يظهر الحق، وتعلقت ~~في إمامته بقول أمير المؤمنين - عليه السلام - يوم البصرة: أنت ابني حقا، ~~وأنه كان صاحب رايته كما كان أمير المؤمنين - عليه السلام - صاحب راية رسول ~~الله (ص) وكان ذلك عندهم PageV00P296 # الدليل على أنه أولى الناس بمقامه. # واعتلوا في أنه المهدي بقول النبي (ص) لن تنقض الأيام والليالي حتى يبعث ~~الله عز وجل رجلا من أهل بيتي اسمه اسمي وكنيته كنيتي واسم أبيه اسم أبي ~~يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. # قالوا: وكان من أسماء أمير المؤمنين - عليه السلام -: عبد الله، بقوله: ~~أنا عبد الله وأخو رسول الله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب ~~مفتر. # وتعلقوا في حياته بأنه إذا ثبت إمامته وأنه القائم، فقد بطل أن يكون ~~الإمام غيره، وليس يجوز أن يموت قبل ظهوره فتخلو الأرض من حجة، فلا بد على ~~صحة هذه الأصول من حياته. # وهذه الفرقة بأجمعها تذهب إلى أن محمدا رحمه الله كان الإمام بعد الحسن ~~والحسين - عليهما السلام - وقد حكي عن بعض الكيسانية أنه كان يقول: إن ~~محمدا كان الإمام بعد أمير المؤمنين - عليه السلام - ويبطل إمامة الحسن ~~والحسين - عليه السلام - ويقول: # إن الحسن - عليه السلام - إنما دعا في باطن الدعوة إلى محمد بأمره وأن ~~الحسين - عليه السلام - ظهر بالسيف بإذنه وأنهما كانا داعيين إليه وأميرين ~~من قبله وحكي عن بعضهم أن محمدا مات وحصلت الإمامة بعده في ولده وأنها ~~انتقلت من ولده إلى ولد العباس ابن عبد المطلب، وقد حكي أيضا أن منهم من ~~يقول: إن عبد الله بن محمد حي لم يمت وأنه القائم وهذه حكاية شاذة وقيل: إن ~~منهم من يقول: إن محمدا قد مات وأنه يقوم بعد الموت وهو المهدي وينكر ~~حياته، وهذا أيضا قول شاذ. # وجميع ما حكيناه بعد الأول من الأقوال فهو حادث ألجأ القوم إليه الاضطرار ~~عند الحيرة وفراقهم الحق. والأصل المشهور ما حكيناه من قول الجماعة ~~المعروفة بإمامة أبي القاسم بعد أخويه - عليها السلام - والقطع على حياته ~~وأنه ms221 القائم. PageV00P297 # مع أنه لا بقية للكيسانية جملة وقد انقرضوا حتى لا يعرف منهم في هذا ~~الزمان أحد إلا ما يحكى ولا يعرف صحته. # وكان من الكيسانية أبو هاشم إسماعيل بن محمد الحميري الشاعر رحمه الله ~~وله في مذهبهم أشعار كثيرة ثم رجع عن القول بالكيسانية وبرئ منه ودان بالحق ~~لأن أبا عبد الله جعفر بن محمد - عليه السلام - دعاه إلى إمامته وأبان له ~~عن فرض طاعته فاستجاب له فقال بنظام الإمامة وفارق ما كان عليه من الضلالة ~~وله في ذلك أيضا شعر معروف، ومن بعض قوله في إمامة محمد رضوان الله عليه ~~ومذاهب الكيسانية قوله: # ألا حي المقيم بشعب رضوي * وأهد له بمنزله السلاما وقل يا بن الوصي فدتك ~~نفسي * أطلت بذلك الجبل المقاما أضر بمعشر والوك منا * وسموك الخليفة ~~والإماما وعادوا فيك أهل الأرض طرا * مقامك عندهم سبعين عاما لقد أضحى ~~بمورق شعب رضوي * تراجعه الملائكة الكلاما وما ذاق ابن خولة طعم موت * ولا ~~وارت له أرض عظاما وإن له بها لمقيل صدق * وأندية تحدثه كراما وله أيضا وقد ~~روى عبد الله بن عطاء عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر - عليهما السلام - ~~أنه قال: أنا دفنت عمي محمد بن الحنفية ونفضت يدي من تراب قبره فقال: # نبئت أن ابن عطاء روى * وربما صرح بالمنكر PageV00P298 # لما لوى أن أبا جعفر * قال ولم يصدق ولم يبرر دفنت عمي ثم غادرته * صفيح ~~لبن وتراب ثرى ما قاله قط ولو قاله * قلنا اتق الله أبا جعفر وله عند رجوعه ~~إلى الحق وفراقه الكيسانية: # تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر ودنت بدين غير ~~ما كنت داينا * به ونهاني سيد الناس جعفر فقلت هب إني قد تهودت برهة * وإلا ~~فديني دين من يتنصر فلست بغال ما حييت وراجع * إلى ما عليه كنت أخفي وأضمر ~~ولا قائل قولا لكيسان بعدها * وإن عاب جهال متالي وأكثروا ولكنه من قد مضى ~~لسبيله * على أحسن الحالات يقضى ويؤثر وكان " كثير عزة " كيسانيا ومات على ms222 ~~ذلك، وله في مذهب الكيسانية قوله: # ألا إن الأئمة من قريش * ولاة الحق أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه * هم ~~الأسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط إيمان وبر * وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق ~~الموت حتى * يقود الخيل يقدمها اللواء يغيب فلا يرى فيهم زمانا * برضوى ~~عنده عسل وماء PageV00P299 # فصل قال الشيخ أيده الله: وأنا أعرض على هذه الطائفة مع اختلافها في ~~مذاهبها بما أدل به على فساد أقوالها بمختصر من القول وإشارة إلى معاني ~~الحجاج دون استيعاب ذلك وبلوغ الغاية فيه إذ ليس غرضي القصد لنقض المذاهب ~~الشاذة عن نظام الإمامية في هذا الكتاب، وإنما كان غرضي حكايتها فأحببت أن ~~لا أخليها من رسم لمع من الحجج على ما ذكرت وبالله التوفيق. # فمما يدل على بطلان قول الكيسانية في إمامة محمد رضي الله عنه أنه لو كان ~~على ما زعموا إماما معصوما يجب على الأمة طاعته، لوجب النص عليه أو ظهور ~~العلم الدال على صدقه إذ العصمة لا تعلم بالحس ولا تدرك من ظاهر الخلقة ~~وإنما تعلم بخبر علام الغيوب المطلع على الضمائر أو بدليله سبحانه على ذلك، ~~وفي عدم النص على محمد من الرسول (ص) أو من أبيه أو من أخويه - عليهم ~~السلام - أيضا دليل على بطلان مقال من ذهب إلى إمامته. # وكذلك عدم الخبر المتواتر بمعجز ظهر عليه عند دعوته إلى إمامته - إذ لو ~~كان لكان ادعاها - برهان على ما ذكرناه. # مع أن محمدا رضي الله عنه لم يدع قط للإمامة لنفسه ولا دعا أحدا إلى ~~اعتقاد ذلك فيه، وقد كان سئل عن ظهور المختار وادعائه عليه أنه أمره ~~بالخروج والطلب بثأر الحسين - عليه السلام - وأنه أمره أن يدعو الناس إلى ~~إمامته عن ذلك وصحته، فأنكره وقال لهم: والله ما أمرته بذلك لكني لا أبالي ~~أن يأخذ بثأرنا كل أحد وما يسوءني أن يكون المختار هو الذي يطلب بدمائنا، ~~فاعتمد السائلون له على ذلك PageV00P300 # وكانوا كثرة قد رحلوا إليه لهذا المعنى بعينه على ما ذكره أهل السير ms223 ~~فرجعوا فنصر أكثرهم المختار على الطلب بدم أبي عبد الله الحسين - عليه ~~السلام - ولم ينصروه على القول بإمامة أبي القاسم. # ومن قرأ الكتب وعرف الآثار وتصفح الأخبار وما جرى عليه أمر المختار لم ~~يخف عليه هذا الفصل الذي ذكرناه فكيف يصح القول بإمامة محمد مع ما وصفناه. # فصل فأما ما تعلقوا به فيما ادعوه من إمامته من قول أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - له يوم البصرة وقد أقدم بالراية: " أنت ابني حقا " فإنه جهل منهم ~~بمعاني الكلام وعجرفة في النظر والحجاج، وذلك أن النص لا يعقل من ظاهر هذا ~~الكلام ولا من فحواه على معقول أهل اللسان ولا من تأويله على شئ من اللغات، ~~ولا فصل بين من ادعى أن الإمامة تعقل من هذا اللفظ وأن النص بها يستفاد ~~منه، وبين من زعم أن النبوة تعقل منه وتستفاد من معناه إذ تعريه من الأمرين ~~جميعا على حد واحد. # فإن قال منهم قائل: إن أمير المؤمنين - عليه السلام - لما كان إماما وقال ~~لابنه محمد: " أنت ابني حقا " دل ذلك على أنه إنما شبهه به في الإمامة لا ~~غير فكان هذا القول منه تنبيها على استخلافه له على حسب ما بيناه. # قيل له: لم زعمت أنه لما أضافه إلى نفسه وشبهه بها دل على أنه أراد ~~التشبيه له بنفسه في الإمامة دون غير هذه الصفة من صفاته - عليه السلام -، ~~وما أنكرت أنه أراد تشبيهه به في الصورة دون ما ذكرت. PageV00P301 # فإن قال: إنه لم يجر في تلك الحالة ذكر الصورة ولا ما يقتضى أن يكون أراد ~~تشبيهه به فيها بالإضافة التي ذكرها فكيف يجوز حمل كلامه - عليه السلام - ~~على ذلك. # قيل له: وكذلك لم يجر في تلك الحال للإمامة ذكر فتكون إضافته إلى نفسه ~~بالذكر دليلا على أنه أراد تشبيهه به فيها على أن لكلامه - عليه السلام - ~~معنى معقولا ولا يذهب عنه منصف، وذلك أن محمدا لما حمل الراية ثم صبر حتى ~~كشف أهل البصرة فأبان من شجاعته وبأسه ونجدته ما كان مستورا، ms224 سر بذلك أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - فأحب أن يعظمه ويمدحه على فعله فقال له: " أنت ~~ابني حقا " يريد به أنك شبيهي في الشجاعة والبأس والنجدة وقد قيل: إن من ~~أشبه أباه فما ظلم. # وقيل: إن من نعمة الله على العبد أن يشبه أباه ليصح نسبه. # فكان الغرض المفهوم من قول أمير المؤمنين - عليه السلام - التشبيه لمحمد ~~به في الشجاعة والشهادة له بطيب المولد والقطع على طهارته والمدحة له بما ~~تضمنه الذكر من إضافته، ولم يجر للإمامة ذكر ولا كان هناك سبب يقتضي حمل ~~الكلام على معناها ولا تأويله على فائدة يقتضيها، وإذا كان الأمر على ما ~~وصفناه سقطت شبهتهم في هذا الباب. # ثم يقال لهم: فإن أمير المؤمنين - عليه السلام - قال في ذلك اليوم بعينه ~~في ذلك الموطن نفسه - بعد أن قال لمحمد المقال الذي رويتموه - للحسن ~~والحسين - عليهما السلام - وقد رأى فيهما انكسارا عند مدحه لمحمد رضي الله ~~عنه: " وأنتما ابنا رسول الله " فإن كان إضافة محمد رضي الله تعالى عنه ~~بقوله: " أنت ابني حقا " يدل على نصه عليه فإضافته الحسن والحسين - عليهما ~~السلام - إلى رسول الله (ص) يدل على أنه قد نص على نبوتهما إذ كان الذي ~~أضافهما إليه نبيا ورسولا وإماما فإن لم يجب ذلك بهذه الإضافة لم يجب بتلك ~~ما ادعوه، وهذا بين لمن تأمله. PageV00P302 # وأما اعتمادهم على إعطائه الراية يوم البصرة وقياسهم إياه بأمير المؤمنين ~~- عليه السلام - عندما أعطاه رسول الله (ص) رأيته، فإن فعل النبي (ص) ذلك ~~وإعطاءه أمير المؤمنين - عليه السلام - الراية لا يدل على أنه الخليفة من ~~بعده، فلو دل على ذلك لوجب أن يكون كل من حمل الراية في عصر الرسول (ص) ~~منصوصا عليه بالإمامة وكل صاحب راية كان لأمير المؤمنين - عليه السلام - ~~مشارا إليه بالخلافة، وهذا جهل لا يرتكبه عاقل. # مع أنه يلزم هذه الفرقة أن يكون محمد رضي الله عنه إماما للحسن والحسين - ~~عليهما السلام - وأن لا تكون لهما إمامة البتة لأنهما لم يحملا الراية ~~وكانت الراية له دونهما، ms225 وهذا قول لا يذهب إليه إلا من شذ من الكيسانية على ~~ما حكيناه. # وقول أولئك منتقض بالاتفاق على قول النبي (ص) في الحسن والحسين - عليهما ~~السلام -: " ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا " وبالاتفاق على وصية أمير ~~المؤمنين إلى الحسن - عليهما السلام - ووصية الحسن إلى الحسين - عليهما ~~السلام - وبقيام الحسن - عليه السلام - بالإمامة بعد أبيه ودعائه الناس إلى ~~بيعته على ذلك، وبقيام الحسين - عليه السلام - من بعده وبيعة الناس له على ~~الأمر دون محمد حتى قتل - عليه السلام - من غير رجوع عن هذا القول، مع قول ~~رسول الله (ص) فيهما الدال على عصمتهما وأنهما لا يدعيان باطلا حيث يقول: " ~~ابناي هذان سيدا شباب أهل الجنة ". # وأما تعلقهم بقول النبي (ص): " لن تنقضي الأيام والليالي حتى يبعث الله ~~رجلا من أهل بيتي " إلى آخر الكلام، فإن بإزائهم الزيدية يدعون ذلك في محمد ~~بن عبد الله بن الحسن بن الحسن - عليه السلام - وهم أولى به منهم لأن أبا ~~محمد كان اسمه المعروف به عبد الله، وكان أمير المؤمنين - عليه السلام - ~~اسمه علي وإنما انضاف إلى الله بالعبودية كما انضاف جميع العباد إلى الله ~~بالعبودية، وإن كان لإضافته في هذا PageV00P303 # الموضع معنى يزيد على ما ذكرناه ليست بنا حاجة إلى الكشف عنه في حجاج ~~هؤلاء القوم. # مع أن الإمامية الاثني عشرية أولى به في الحقيقة من الجميع لأن صاحبهم ~~اسمه اسم رسول الله (ص)، وكنيته كنيته، وأبوه عبد من عباد الله وهم يقولون ~~بالعصمة وجميع أصول الإمامية ويمضون مع الأخبار الواردة بالنصوص على الأئمة ~~- عليهم السلام -، وينقلون فضائل من تقدم القائم - عليه السلام - من آبائه ~~ومعجزاتهم وعلومهم التي بانوا بها من الرعية، ولا يدفعون ضرورة من موت حي، ~~ولا يقدمون على تضليل معصوم وتكذيب إمام عدل والكيسانية بالضد مما حكيناه ~~فلا يعتبر تعلقهم بظاهر لفظ قد تحدثه الفرق إذ المعتمد هو الحجة والبرهان ~~ولم يأت القوم بشئ منه فيكون عذرا لهم فيما صاروا إليه. # وأما تعلقهم في حياته بما ادعوه من إمامته وبناؤهم على ms226 ذلك أنه القائم من ~~آل محمد - عليهم السلام - فإنا قد أبطلنا ذلك بما تقدم من مختصر القول فيه ~~فسقط بسقوطه وبطلانه. # ومما يدل أيضا على فساده تواتر الخبر بنص أبي جعفر الباقر على ابنه ~~الصادق - عليهما السلام - بالإمامة، ونص الصادق على ابنه الكاظم موسى - ~~عليهما السلام -، ونص موسى على علي - عليهما السلام -، وتظاهر الخبر عمن ~~ذكرناه بالعلوم الدالة على إمامتهم والمعجزات المنبئة عن حقوقهم وصدقهم مع ~~الخبر عن النبي (ص) بالنص عليهم من حديث اللوح، وما رواه عبد الله بن مسعود ~~ووصفه سلمان من ذكر أعيانهم وأعدادهم. # وقد أجمع من ذكرناه بأسرهم والأئمة من ذريتهم وجميع أهل بيتهم على موت ~~أبي القاسم رضي الله عنه، وليس يصح أن يكون إجماع هؤلاء باطل. PageV00P304 # ويؤيد ذلك أن الكيسانية في وقتنا هذا لا بقية لهم ولا يوجد عدد منهم يقطع ~~العذر بنقله بل لا يوجد أحد منهم يدخل في جملة أهل العلم، بل لا نجد أحدا ~~منهم جملة وإنما تقع مع الناس الحكاية عنهم خاصة، ومن كان بهذه المنزلة لم ~~يجز أن يكون ما اعتمده من طريق الرواية حقا لأنه لو كان كذلك لما بطلت ~~الحجة عليه بانقراض أهله وعدم تواترهم، فبان بما وصفناه أن مذهب القوم باطل ~~لم يحتج الله به على أحد ولا ألزمه اعتقاده على ما حكيناه. # قال الشيخ أيده الله تعالى: ثم لم تزل الإمامية على القول بنظام الإمامة ~~حتى افترقت كلمتها بعد وفاة أبي عبد الله جعفر بن محمد - عليهما السلام -. # فقالت فرقة منها: إن أبا عبد الله - عليه السلام - حي لم يمت ولا يموت ~~حتى يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا لأنه القائم المهدي، ~~وتعلقوا بحديث رواه رجل يقال له عنبسة بن مصعب عن أبي عبد الله - عليه ~~السلام - أنه قال: إن جاءكم من يخبركم عني بأنه غسلني وكفنني ودفنني فلا ~~تصدقوه، وهذه الفرقة تسمى الناووسية وإنما سميت بذلك لأن رئيسهم في هذه ~~المقالة رجل من أهل البصرة يقال له عبد الله بن ناووس. ms227 # وقالت فرقة أخرى: إن أبا عبد الله - عليه السلام - توفي ونص على ابنه ~~إسماعيل ابن جعفر - عليه السلام - وأنه الإمام بعده وأنه القائم المنتظر، ~~وأنكروا وفاة إسماعيل في حياة أبي عبد الله - عليه السلام - وقالوا إنه لم ~~يمت وإنما لبس على الناس في أمره لأمر رآه أبوه. # وقال فريق منهم: إن إسماعيل قد كان توفي على الحقيقة في زمن أبيه - عليه ~~السلام - غير أنه قبل وفاته نص على ابنه محمد فكان الإمام بعده. # وهؤلاء هم القرامطة وهم المباركية ونسبهم إلى القرامطة برجل من أهل ~~السواد يقال له قرمطويه، ونسبهم إلى المباركية برجل يسمى المبارك مولى ~~إسماعيل PageV00P305 # ابن جعفر والقرامطة أخلاف المباركية، والمباركية سلفهم. # وقال فريق من هؤلاء: إن الذي نص على محمد بن إسماعيل هو الصادق - عليه ~~السلام - دون إسماعيل وكان ذلك الواجب عليه لأنه أحق بالأمر بعد أبيه من ~~غيره، ولأن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين - عليهما السلام - ~~وهؤلاء الفرق الثلاث هم الإسماعيلية وإنما سموا بذلك لادعائهم إمامة ~~إسماعيل. # وأما علتهم في النص على إسماعيل فهي أن قالوا: كان إسماعيل أكبر ولد ~~جعفر، وليس يجوز أن ينص على غير الأكبر، قالوا: وقد أجمع من خالفنا على أن ~~أبا عبد الله - عليه السلام - نص على إسماعيل غير أنهم ادعوا أنه بدا لله ~~فيه وهذا قول لا نقبله منهم. # وقالت فرقة أخرى: إن أبا عبد الله توفي وكان الإمام بعده محمد بن جعفر ~~واعتلوا في ذلك بحديث تعلقوا به، وهو أن أبا عبد الله - عليه السلام - على ~~ما زعموا كان في داره جالسا فدخل عليه محمد وهو صبي صغير فعدا إليه فكبا في ~~قميصه ووقع لوجهه، فقام إليه أبو عبد الله - عليه السلام - فقبله ومسح ~~التراب عن وجهه وضمه إلى صدره وقال: سمعت أبي يقول: إذا ولد لك ولد يشبهني ~~فسمه باسمي، وهذا الولد شبيهي وشبيه رسول الله (ص) وعلى سنته وشبيه علي - ~~عليه السلام -، وهذه الفرقة تسمى الشمطية بنسبتها إلى رجل يقال له يحيى بن ~~أبي الشمط. ms228 # وقالت فرقة أخرى: إن الإمام بعد أبي عبد الله - عليه السلام - ابنه عبد ~~الله بن جعفر واعتلوا في ذلك بأنه كان أكبر ولد أبي عبد الله - عليه السلام ~~- قالت: وإن أبا عبد الله - عليه السلام - قال: الإمامة لا تكون إلا في ~~الأكبر من ولد الإمام، وهذه الفرقة تسمى الفطحية وإنما سميت بذلك لأن رئيسا ~~لها يقال له عبد الله بن أفطح، ويقال: إنه كان أفطح الرجلين، ويقال: بل كان ~~أفطح الرأس، ويقال: إن عبد الله كان هو PageV00P306 # الأفطح. # قال الشيخ أيده الله: فأما الناووسية فقد ارتكبت في إنكارها وفاة أبي عبد ~~الله - عليه السلام - ضربا من دفع الضرورة وإنكار المشاهدة لأن العلم ~~بوفاته كالعلم بوفاة أبيه من قبله، ولا فرق بين هذه الفرقة وبين الغلاة ~~الدافعين لوفاة أمير المؤمنين - عليه السلام - وبين من أنكر مقتل الحسين - ~~عليه السلام - ودفع ذلك وادعى أنه كان مشبها للقوم، فكل شئ جعلوه فصلا ~~بينهم وبين من ذكرناه فهو دليل على بطلان ما ذهبوا إليه في حياة أبي عبد ~~الله - عليه السلام -. # وأما الخبر الذي تعلقوا به فهو خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا، ولو رواه ~~ألف إنسان وألف ألف لما جاز أن يجعل ظاهره حجة في دفع الضرورات وارتكاب ~~الجهالات بدفع المشاهدات، على أنه يقال لهم ما أنكرتم أن يكون هذا القول ~~إنما صدر من أبي عبد الله - عليه السلام - عند توجهه إلى العراق ليؤمنهم من ~~موته في تلك الأحوال، ويعرفهم رجوعه إليهم من العراق ويحذرهم من قبول أقوال ~~المرجفين به المؤدية إلى الفساد، ولا يجب أن يكون ذلك مستغرقا لجميع ~~الأزمان وأن يكون على العموم في كل حال. # ويحتمل أن يكون أشار إلى جماعة علم أنهم لا يبقون بعده وأنه يتأخر عنهم، ~~فقال: من جاءكم من هؤلاء، فقد جاء في بعض الأسانيد من جاءكم منكم، وفي ~~بعضها من جاءكم من أصحابي، وهذا يقتفي الخصوص. # وله وجه آخر وهو أنه عنى بذلك كل الخلق سوى الإمام القائم بعده لأنه ليس ~~يجوز أن يتولى ms229 غسل الإمام وتكفينه ودفنه إلا الإمام القائم مقامه إلا أن ~~تدعو ضرورة إلى غير ذلك، فكأنه - عليه السلام - أنبأهم بأنه لا ضرورة تمنع ~~القائم من بعده عن تولي أمره بنفسه. PageV00P307 # وإذا كان الخصوص قد يكون في كتاب الله تعالى مع ظاهر القول للعموم وجاز ~~أن يخص القرآن ويصرف عن ظواهره على مذهب أصحاب العموم بالدلائل، فلم لا جاز ~~الانصراف عن ظاهر قول أبي عبد الله - عليه السلام - إلى معنى يلائم الصحيح ~~ولا يحمل على وجه يفسد المشاهدات ويسد على العقلاء باب الضرورات. # وهذا كاف في هذا الموضع إن شاء الله تعالى مع أنه لا بقية للناووسية ولم ~~يكن أيضا في الأصل كثيرة ولا عرف منهم رجل مشهور بالعلم ولا قرئ لهم كتاب ~~وإنما هي حكاية إن صحت فعن عدد يسير لم يبرز قولهم حتى اضمحل وانتقض، وفي ~~ذلك كفاية عن الإطالة في نقضه. # فصل وأما ما اعتلت به الإسماعيلية من أن إسماعيل رحمه الله كان الأكبر ~~وأن النص يجب أن يكون على الأكبر، فلعمري إن ذلك يجب إذا كان الأكبر باقيا ~~بعد الوالد وأما إذا كان المعلوم من حاله أنه يموت في حياته ولا يبقى بعده ~~فليس يجب ما ادعوه، بل لا معنى للنص عليه ولو وقع لكان كذبا لأن معنى النص ~~أن المنصوص عليه خليفة الماضي فيما كان يقوم به وإذا لم يبق بعده لم يكن ~~خليفة فيكون النص حينئذ عليه كذبا لا محالة، وإذا علم الله أنه يموت قبل ~~الأول وأمره باستخلافه، لكان الأمر بذلك عبثا مع كون النص كذبا لأنه لا ~~فائدة فيه ولا غرض صحيح، فبطل ما اعتمدوه في هذا الباب. # وأما ما ادعوه من تسليم الجماعة لهم حصول النص عليه فإنهم ادعوا في ذلك ~~باطلا وتوهموا فاسدا من قبل أنه ليس أحد من أصحابنا يعترف بأن أبا عبد ~~PageV00P308 # الله - عليه السلام - نص على ابنه إسماعيل ولا روى راو ذلك في شاذ من ~~الأخبار ولا في معروف منها وإنما كان الناس في حياة إسماعيل يظنون أن ms230 أبا ~~عبد الله - عليه السلام - ينص عليه لأنه أكبر أولاده، وبما كانوا يرونه من ~~تعظيمه فلما مات إسماعيل رحمه الله زالت ظنونهم وعلموا أن الإمامة في غيره ~~فتعلق هؤلاء المبطلون بذلك الظن وجعلوه أصلا وادعوا أنه قد وقع النص، وليس ~~معهم في ذلك أثر ولا خبر يعرفه أحد من نقلة الشيعة، وإذا كان معتمدهم على ~~الدعوى المجردة من برهان فقد سقط بما ذكرناه. # فأما الرواية عن أبي عبد الله - عليه السلام - من قوله: " ما بدا لله في ~~شئ كما بدا له في إسماعيل " فإنها على غير ما توهموه أيضا من البداء في ~~الإمامة وإنما معناها ما روي عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه قال: إن ~~الله تعالى كتب القتل على ابني إسماعيل مرتين فسألته فيه فعفا عن ذلك فما ~~بدا له في شئ كما بدا له في إسماعيل، يعني به ما ذكره من القتل الذي كان ~~مكتوبا فصرفه عنه بمسألة أبي عبد الله - عليه السلام - وأما الإمامة فإنه ~~لا يوصف الله فيه بالبداء، وعلى ذلك إجماع فقهاء الإمامية ومعهم فيه أثر ~~عنهم - عليه السلام - أنهم قالوا: مهما بدا لله في شئ فلا يبدو له في نقل ~~نبي عن نبوته ولا إمام عن إمامته ولا مؤمن قد أخذ عهده بالإيمان عن إيمانه. # وإذا كان الأمر على ما ذكرناه فقد بطل أيضا هذا الفصل الذي اعتمدوه ~~وجعلوه دلالة على نص أبي عبد الله - عليه السلام - على إسماعيل. ~~PageV00P309 # فصل فأما من ذهب إلى إمامة محمد بن إسماعيل بنص أبيه عليه فإنه منتقض ~~القول فاسد الرأي، من قبل أنه إذا لم يثبت لإسماعيل إمامة في حياة أبي عبد ~~الله - عليه السلام - لاستحالة وجود إمامين بعد النبي (ص) في زمان واحد، لم ~~يجز أن تثبت إمامة محمد لأنها تكون حينئذ ثابتة بنص غير إمام، وذلك فاسد ~~بالنظر الصحيح. # فصل وأما من زعم أن أبا عبد الله - عليه السلام - نص على محمد بن إسماعيل ~~بعد وفاة أبيه، فإنهم لم يتعلقوا في ذلك بأثر وإنما قالوه ms231 قياسا على أصل ~~فاسد وهو ما ذهبوا إليه من حصول النص على أبيه إسماعيل، وزعموا أن العدل ~~يوجب بعد موت إسماعيل النص على ابنه لأنه أحق الناس به، وإذا كنا قد بينا ~~عن بطلان قولهم فيما ادعوه من النص على إسماعيل فقد فسد أصلهم الذي بنوا ~~عليه الكلام. # على أنه لو ثبت ما ادعوه من نص أبي عبد الله - عليه السلام - على ابنه ~~إسماعيل لما صح قولهم في وجوب النص على محمد ابنه من بعده لأن الإمامة ~~والنصوص ليستا موروثتين على حد ميراث الأموال، ولو كانت كذلك لاشترك فيها ~~ولد الإمام، وإذا لم تكن موروثة وكانت إنما تجب لمن له صفات مخصوصة ومن ~~أوجبت المصلحة إمامته، فقد بطل أيضا هذا المذهب. PageV00P310 # فصل وأما من ادعى إمامة محمد بن جعفر بعد أبيه - عليه السلام - فإنهم ~~شذاذ جدا قالوا بذلك زمانا مع قلة عددهم وإنكار الجماعة عليهم ثم انقرضوا ~~حتى لم يبق منهم أحد يذهب إلى هذا المذهب، وفي ذلك إبطال مقالتهم لأنها لو ~~كانت حقا لما جاز أن يعدم الله أهلها كافة حتى لا يبقى منهم من يحتج بنقله. # مع أن الحديث الذي رووه لا يدل على ما ذهبوا إليه لو صح وثبت، فكيف وليس ~~هو حديثا معروفا ولا رواه محدث مذكور وأكثر ما فيه عند ثبوت الرواية له أنه ~~خبر واحد وأخبار الآحاد لا يقطع على الله تعالى بصحتها. # ولو كان صحيحا أيضا لما كان في متضمنه دليل الإمامة لأن مسح أبي عبد الله ~~- عليه السلام - التراب عن وجه ابنه ليس بنص عليه في عقل ولا سمع ولا عرف ~~ولا عادة، وكذلك ضمه إلى صدره وكذلك قوله إن أبي خبرني أن سيولد لي ولد ~~يشبهه، وأنه أمره بتسميته وأنه أخبره أنه يكون على شبه رسول الله (ص) ولا ~~في مجموع هذا كله دلالة على الإمامة في ظاهر قول وفعل ولا في تأويله، وإذا ~~لم يك في ذلك دلالة على ما ذهبوا إليه بان بطلانه. # مع أن محمد بن جعفر خرج ms232 بالسيف بعد أبيه ودعا إلى إمامته وتسمى بإمرة ~~المؤمنين ولم يتسم بذلك أحد ممن خرج من آل أبي طالب، ولا خلاف بين أهل ~~الإمامة أن من تسمى بهذا الاسم بعد أمير المؤمنين - عليه السلام - فقد أتى ~~منكرا فكيف يكون هذا على شبه رسول الله (ص) لولا أن الراوي لهذا الحديث قد ~~وهم فيه أو تعمد الكذب. PageV00P311 # فصل وأما الفطحية فإن أمرها أيضا واضح وفساد قولها غير خاف ولا مستور عمن ~~تأمله، وذلك أنهم لم يدعوا نصا من أبي عبد الله - عليه السلام - على عبد ~~الله وإنما عملوا على ما رووه من أن الإمامة تكون في الأكبر وهذا حديث لم ~~يرو قط إلا مشروطا وهو أنه قد ورد أن الإمامة تكون في الأكبر ما لم تكن به ~~عاهة، وأهل الإمامة القائلون بإمامة موسى - عليه السلام - متواترون بأن عبد ~~الله كان به عاهة في الدين لأنه كان يذهب إلى مذاهب المرجئة الذين يقعون في ~~علي - عليه السلام - وعثمان وأن أبا عبد الله - عليه السلام - قال وقد خرج ~~من عنده: " عبد الله هذا مرجئ كبير " وأنه دخل عليه عبد الله يوما وهو يحدث ~~أصحابه فلما رآه سكت حتى خرج فسئل عن ذلك فقال: " أو ما علمتم أنه من ~~المرجئة ". # هذا مع أنه لم يكن له من العلم ما يتخصص به من العامة، ولا روي عنه شئ من ~~الحلال والحرام، ولا كان بمنزلة من يستفتى في الأحكام، وقد ادعى الإمامة ~~بعد أبيه فامتحن بمسائل صغار فلم يجب عنها ولا تأتى للجواب فأي علة أكبر ~~مما ذكرناه تمنع من إمامة هذا الرجل. # مع أنه لو لم تكن علة تمنع من إمامته لما جاز من أبيه صرف النص عنه، ولو ~~لم يكن قد صرفه عنه لأظهره فيه، ولو أظهره لنقل وكان معروفا في أصحابه، وفي ~~عجز القوم عن التعلق بالنص عليه دليل على بطلان ما ذهبوا إليه. PageV00P312 # فصل قال الشيخ أيده الله: ثم لم تزل الإمامية بعد من ذكرناه على نظام ~~الإمامة حتى قبض موسى بن ms233 جعفر - عليه السلام -، فافترقت بعد وفاته فرقا قال ~~جمهورهم بإمامة أبي الحسن الرضا - عليه السلام - ودانوا بالنص عليه وسلكوا ~~الطريقة المثلى في ذلك، وقال جماعة منهم بالوقف على أبي الحسن موسى - عليه ~~السلام - وادعوا حياته وزعموا أنه هو المهدي المنتظر وقال فريق منهم إنه قد ~~مات وسيبعث وهو القائم بعده. # واختلفت الواقفة في الرضا - عليه السلام - ومن قام من آل محمد بعد أبي ~~الحسن موسى - عليه السلام - فقال بعضهم هؤلاء خلفاء - أبي الحسن - عليه ~~السلام - وأمراؤه وقضاته إلى أوان خروجه وإنهم ليسوا بأئمة وما ادعوا ~~الإمامة قط، وقال الباقون إنهم ضالون مخطئون ظالمون، وقالوا في الرضا - ~~عليه السلام - خاصة قولا عظيما وأطلقوا تكفيره وتكفير من قام بعده من ولده. # وشذت فرقة ممن كان على الحق إلى قول سخيف جدا فأنكروا موت أبي الحسن - ~~عليه السلام - وحبسه، وزعموا أن ذلك كان تخييلا للناس، وادعوا أنه حي غائب ~~وأنه هو المهدي وزعموا أنه استخلف على الأمر محمد بن بشر مولى بني أسد، ~~وذهبوا إلى الغلو والقول بالإباحة ودانوا بالتناسخ. # واعتلت الواقفة فيما ذهبوا إليه بأحاديث رووها عن أبي عبد الله - عليه ~~السلام - منها أنهم حكوا عنه أنه لما ولد موسى بن جعفر - عليه السلام - دخل ~~أبو عبد الله - عليه السلام - على حميدة البربرية أم موسى - عليه السلام - ~~فقال لها: " يا حميدة بخ بخ حل الملك في بيتك " قالوا: وسئل عن اسم القائم ~~فقال اسمه اسم حديدة الحلاق. PageV00P313 # فيقال لهذه الفرقة: ما الفرق بينكم وبين الناووسية الواقفة على أبي عبد ~~الله - عليه السلام - والكيسانية الواقفة على أبي القاسم ابن الحنفية رحمة ~~الله عليه، والمفوضة المنكرة لوفاة أبي عبد الله الحسين - عليه السلام - ~~الدافعة لقتله، والسبائية المنكرة لوفاة أمير المؤمنين - عليه السلام - ~~المدعية حياته، والمحمدية النافية لموت رسول الله (ص) المتدينة بحياته. وكل ~~شئ راموا به كسر مذاهب من عددناهم فهو كسر لمذاهبهم ودليل على إبطال ~~مقالتهم. # ثم يقال لهم فيما تعلقوا به من الحديث الأول: ما أنكرتم أن يكون الصادق - ~~عليه السلام - أراد ms234 بالملك الإمامة على الخلق وفرض الطاعة على البشر وملك ~~الأمر والنهي، وأي دليل في قوله لحميدة: " حل الملك في بيتك " على أنه نص ~~على ابنه بأنه القائم بالسيف أو ما سمعتم الله تعالى يقول: * (فقد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) * (1) وإنما أراد ملك الدين ~~والرئاسة فيه على العالمين. # وأما قوله - عليه السلام - وقد سئل، عن اسم القائم فقال اسم حديدة ~~الحلاق، فإنه إن صح وثبت ذلك - على أنه غير معروف - فإنما أشار به إلى ~~القائم بالإمامة بعده ولم يشر به إلى القائم بالسيف، وقد علمنا أن كل إمام ~~فهو قائم بالأمر بعد أبيه فأي حجة فيما تعلقوا به لولا عمى القلوب. # على أنه يقال لهم: ما الدليل على إمامة أبي الحسن موسى - عليه السلام - ~~وما البرهان على أن أباه نص عليه؟ فبأي شئ تعلقوا في ذلك واعتمدوا عليه، ~~أريناهم بمثله صحة إمامة الرضا - عليه السلام - وثبوت النص من أبيه عليه، ~~وهذا ما لا يجدون عنه مخلصا. # وأما من زعم أن الرضا - عليه السلام - ومن بعده كانوا خلفاء أبي الحسن ~~موسى # PageV00P314 # - عليه السلام - ولم يدعوا الأمر لأنفسهم، فإنه قول مباهت لا يذكر في دفع ~~الضرورة ولأن جميع شيعة هؤلاء القوم وغير شيعتهم من الزيدية الخلص ومن تحقق ~~النظر، يعلم يقينا أنهم كانوا ينتحلون الإمامة وأن الدعاة إلى ذلك خاصتهم ~~من الناس، ولا فصل بين هذه الفرقة في بهتها وبين الفرق الشاذة من الكيسانية ~~فيما ادعوه من أن الحسن والحسين - عليهما السلام - كانا خليفتي محمد بن ~~الحنفية وأن الناس لم يبايعوهما على الإمامة لأنفسهما، وهذا قول وضوح فساده ~~يغني عن الإطناب فيه. # وأما البشرية فإن دليل وفاة أي الحسن - عليه السلام - وإمامة الرضا - ~~عليه السلام - وبطلان الحلول والاتحاد ولزوم الشرايع وفساد الغلو والتناسخ ~~يدل بمجموع ذلك وبآحاده على فساد ما ذهبوا إليه. # فصل قال الشيخ أيده الله: ثم إن الإمامية استمرت على القول بأصول الإمامة ~~طول أيام أبي الحسن الرضا - عليه السلام -، فلما توفي وخلف ابنه أبا جعفر - ~~عليه ms235 السلام - وله عند وفاة أبيه سبع سنين، اختلفوا وتفرقوا ثلاث فرق: # فرقة مضت على سنن القول في الإمامة ودانت بإمامة أبي جعفر - عليه السلام ~~- ونقلت النص عليه وهم أكثر الفرق عددا. # وفرقة ارتدت إلى قول الواقفة ورجعوا عما كانوا عليه من إمامة الرضا - ~~عليه السلام -. # وفرقة قالت بإمامة أحمد بن موسى - عليه السلام - وزعموا أن الرضا - عليه ~~السلام - وصى إليه ونص بالإمامة عليه. # واعتل الفريقان الشاذان عن أصل الإمامة بصغر سن أبي جعفر - عليه السلام - ~~PageV00P315 # وقالوا ليس يجوز أن يكون إمام الزمان صبيا لم يبلغ الحلم. # فيقال لهم: ما سوى الراجعة إلى الوقف كما قيل للواقفة دلوا بأي دليل شئتم ~~على إمامة الرضا - عليه السلام - حتى نريكم بمثله إمامة أبي جعفر - عليه ~~السلام -، وبأي شئ طعنتم به في نقل النص على أبي جعفر - عليه السلام - فإن ~~الواقفة تطعن بمثله في نقل النص على أبي الحسن الرضا - عليه السلام - ولا ~~فصل في ذلك. # على أن ما اشتبه عليهم من جهة سن أبي جعفر - عليه السلام - فإنه بين ~~الفساد، وذلك أن كمال العقل لا يستنكر لحجج الله تعالى مع صغر السن قال ~~الله سبحانه: * (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله ~~آتاني الكتاب وجعلني نبيا) * (1) فخبر عن المسيح - عليه السلام - بالكلام ~~في المهد، وقال في قصة يحيى - عليه السلام -: * (وآتيناه الحكم صبيا) * ~~(2). # وقد أجمع جمهور الشيعة مع سائر من خالفهم على أن رسول الله (ص) دعا عليا ~~- عليه السلام - وهو صغير السن ولم يدع الصبيان غيره، وباهل بالحسن والحسين ~~- عليهما السلام - وهما طفلان، ولم ير مباهل قبله ولا بعده باهل بالأطفال، ~~وإذا كان الأمر على ما ذكرناه من تخصيص الله تعالى حججه على ما شرحناه، بطل ~~ما تعلق به هؤلاء القوم. # على أنهم إن أقروا بظهور المعجزات على الأئمة - عليهم السلام - وخرق ~~العادة لهم وفيهم، بطل أصلهم الذي اعتمدوا عليه في إنكار إمامة أبي جعفر - ~~عليه السلام - وإن أبوا ذلك ولحقوا بالمعتزلة في إنكار المعجز إلا على ms236 ~~الأنبياء - عليهم السلام -، كلموا بما تكلم به إخوانهم من أهل النصب ~~والضلال، وهذا المقدار يكفي بمشيئة الله في نقض ما اعتمدوه بما حكيناه. # PageV00P316 # فصل قال الشيخ أيده الله: ثم ثبتت الإمامية القائلون بإمامة أبي جعفر - ~~عليه السلام - بأسرها على القول بإمامة أبي الحسن علي بن محمد من بعد أبيه ~~- عليهما السلام - ونقل النص عليه إلا فرقة قليلة العدد شذوا عن جماعتهم، ~~فقالوا بإمامة موسى بن محمد أخي أبي الحسن علي بن محمد ثم إنهم لم يثبتوا ~~على هذا القول إلا قليلا حتى رجعوا إلى الحق ودانوا بإمامة علي بن محمد - ~~عليه السلام - ورفضوا القول بإمامة موسى ابن محمد وأقاموا جميعا على إمامة ~~أبي الحسن - عليه السلام - فلما توفي تفرقوا بعد ذلك: # فقال الجمهور منهم بإمامة أبي محمد الحسن بن علي - عليه السلام - ونقلوا ~~النص عليه وأثبتوه. # وقال فريق منهم: إن الإمام بعد أبي الحسن، محمد بن علي أخو أبي محمد - ~~عليه السلام - وزعموا أن أباه عليا - عليه السلام - نص عليه في حياته، وهذا ~~محمد كان قد توفي في حياة أبيه فدفعت هذه الفرقة وفاته وزعموا أنه لم يمت ~~وأنه حي وهو الإمام المنتظر وقال نفر من الجماعة شذوا أيضا عن الأصل: إن ~~الإمام بعد محمد بن علي بن محمد بن علي بن موسى - عليهم السلام - أخوه جعفر ~~بن علي وزعموا أن أباه نص عليه بعد مضي محمد وأنه القائم بعد أبيه. # فيقال للفرقة الأولى: لم زعمتم أن الإمام بعد أبي الحسن - عليه السلام - ~~ابنه محمد وما الدليل على ذلك؟ فإن ادعوا النص طولبوا بلفظه والحجة عليه ~~ولن يجدوا لفظا يتعلقون به في ذلك ولا تواتر يعتمدون عليه، لأنهم في أنفسهم ~~من الشذوذ PageV00P317 # والقلة على حد ينفى عنهم التواتر القاطع للعذر في العدد مع أنهم قد ~~انقرضوا ولا بقية لهم وذلك مبطل أيضا لما ادعوه. # ويقال لهم في ادعاء حياته، ما قيل للكيسانية والناووسية والواقفة، ~~ويعارضون بما ذكرناه ولا يجدون فصلا. # فأما أصحاب جعفر فإن أمرهم مبني على إمامة محمد، وإذا ms237 سقط قول هذا الفريق ~~لعدم الدلالة على صحته وقيامها على إمامة أبي محمد - عليه السلام - فقد بان ~~فساد ما ذهبوا إليه. # فصل قال الشيخ أيده الله: ولما توفي أبو محمد الحسن بن علي بن محمد - ~~عليهم السلام - افترق أصحابه بعده على ما حكاه أبو محمد الحسن بن موسى ~~النوبختي رضي الله عنه أربع عشرة فرقة: # فقال الجمهور منهم بإمامة ابنه القائم المنتظر - عليه السلام - وأثبتوا ~~ولادته وصححوا النص عليه وقالوا هو سمي رسول الله ومهدي الأنام، واعتقدوا ~~أن له غيبتين إحداهما أطول من الأخرى، والأولى منهما هي القصرى، وله فيها ~~الأبواب والسفراء، ورووا عن جماعة من شيوخهم وثقاتهم أن أبا محمد الحسن - ~~عليه السلام - أظهره لم وأراهم شخصه، واختلفوا في سنه عند وفاة أبيه فقال ~~كثير منهم: كان سنه إذ ذاك خمس سنين لأن أباه توفي سنة ستين ومائتين، وكان ~~مولد القائم - عليه السلام - سنة خمس وخمسين ومائتين وقال بعضهم بل كان ~~مولده سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وكان سنه عند وفاة أبيه ثماني سنين، ~~وقالوا إن أباه لم يمت حتى أكمل الله عقله وعلمه الحكمة وفصل الخطاب وأبانه ~~من سائر الخلق بهذه الصفة إذ كان خاتم PageV00P318 # الحجج ووصي الأوصياء وقائم الزمان. # واحتجوا في جواز ذلك بدليل العقل من حيث ارتفعت إحالته ودخل تحت القدرة، ~~وبقوله تعالى في قصة عيسى - عليه السلام - * (ويكلم الناس في المهد) * وفي ~~قصة يحيى - عليه السلام - * (وآتيناه الحكم صبيا) * (2) وقالوا: إن صاحب ~~الأمر - عليه السلام - حي لم يمت ولا يموت ولو بقي ألف عام حتى يملأ الأرض ~~قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، وأنه يكون عند ظهوره شابا قويا في صورة ~~ابن نيف وثلاثين سنة، وأثبتوا ذلك في معجزاته وجعلوه من جملة دلائله وآياته ~~- عليه السلام -. # وقالت فرقة ممن دانت بإمامة الحسن - عليه السلام - إنه حي لم يمت وإنما ~~غاب وهو القائم المنتظر وقالت فرقة أخرى إن أبا محمد - عليه السلام - مات ~~وعاش بعد موته وهو القائم المهدي واعتلوا في ذلك بخبر رووه أن القائم إنما ms238 ~~سمي بذلك لأنه يقوم بعد الموت. # وقالت فرقة أخرى إن أبا محمد - عليه السلام - قد توفي لا محالة، وإن ~~الإمام من بعده أخوه جعفر بن علي واعتلوا في ذلك بالرواية عن أبي عبد الله ~~- عليه السلام - إن الإمام هو الذي لا يوجد منه ملجأ إلا إليه، قالوا فلما ~~لم نر للحسن - عليه السلام - ولدا ظاهرا التجأنا إلى القول بإمامة جعفر ~~أخيه. # ورجعت فرقة ممن كانت تقول بإمامة الحسن - عليه السلام - عن إمامته عند ~~وفاته وقالوا لم يكن إماما وكان مدعيا مبطلا، وأنكروا إمامة أخيه محمد، ~~وقالوا الإمام جعفر بن علي بنص أبيه عليه، قالوا إنما قلنا بذلك لأن محمدا ~~مات في حياة # PageV00P319 # أبيه والإمام لا يموت في حياة أبيه، وأما الحسن - عليه السلام - فلم يكن ~~له عقب والإمام لا يخرج من الدنيا حتى يكون له عقب. # وقالت فرقة أخرى إن الإمام محمد بن علي أخو الحسن بن علي - عليه السلام ~~-، ورجعوا عن إمامة الحسن - عليه السلام - وادعوا حياة محمد بعد أن كانوا ~~ينكرون ذلك. # وقالت فرقة أخرى إن الإمام بعد الحسن - عليه السلام - ابنه المنتظر وأنه ~~علي بن الحسن، وليس كما تقول القطعية إنه محمد بن الحسن وقالوا بعد ذلك ~~بمقالة القطعية في الغيبة والانتظار حرفا بحرف. # وقالت فرقة أخرى إن القائم محمد بن الحسن - عليه السلام - ولد بعد أبيه ~~بثمانية أشهر وهو المنتظر، وأكذبوا من زعم الله ولد في حياة أبيه. # وقالت فرقة أخرى إن أبا محمد - عليه السلام - مات عن غير ولد ظاهر ولكن ~~عن حبل من بعض جواريه والقائم من بعد الحسن محمول به، وما ولدته أمه بعد ~~وإنه يجوز أنها تبقى مائة سنة حاملا به فإذا ولدته أظهرت ولادته. # وقالت فرقة أخرى إن الإمامة قد بطلت بعد الحسن - عليه السلام - فارتفعت ~~الأئمة وليس في الأرض حجة من آل محمد - عليهم السلام - وإنما الحجة الأخبار ~~الواردة عن الأئمة المتقدمين - عليهم السلام -، وزعموا أن ذلك سائغ إذا غضب ~~الله على العباد فجعله عقربة لهم. # وقالت فرقة أخرى إن ms239 محمد بن علي أخا الحسن بن علي - عليه السلام - كان ~~الإمام في الحقيقة مع أبيه علي - عليه السلام - وإنه لما حضرته الوفاة وصى ~~إلى غلام له يقال له نفيس وكان ثقة أمينا، ودفع إليه الكتب والسلاح ووصاه ~~أن يسلمها إلى أخيه جعفر فسلمها إليه وكانت الإمامة في جعفر بعد محمد على ~~هذا الترتيب. # وقالت فرقة أخرى وقد علمنا أن الحسن - عليه السلام - كان إماما فلما قبض ~~PageV00P320 # التبس الأمر علينا فلا ندري أجعفر كان الإمام بعده أم غيره، والذي يجب ~~علينا أن نقطع على أنه لا بد من إمام ولا نقدم على القول بإمامة أحد بعينه ~~حتى يتبين لنا ذلك. # وقالت فرقة أخرى بل الإمام بعد الحسن ابنه محمد وهو المنتظر غير أنه قد ~~مات وسيحيى ويقوم بالسيف فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. # وقالت الفرقة الرابع عشرة منهم أن أبا محمد - عليه السلام - كان الإمام ~~من بعد أبيه، وإنه لما حضرته الوفاة نص على أخيه جعفر بن علي بن محمد بن ~~علي وكان الإمام من بعده بالنص عليه والوراثة له، وزعموا أن الذي دعاهم إلى ~~ذلك ما يجب في العقل من وجوب الإمامة مع فقدهم لولد الحسن - عليه السلام - ~~وبطلان دعوى من ادعى وجوده فيما زعموا من الإمامية. # قال الشيخ أيده الله: وليس من هؤلاء الفرق التي ذكرناها فرقة موجودة في ~~زماننا هذا وهو من سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة إلا الإمامية الاثنا عشرية ~~القائلة بإمامة ابن الحسن المسمى باسم رسول الله (ص) القاطعة على حياته ~~وبقائه إلى وقت قيامه بالسيف، حسبما شرحناه فيما تقدم عنهم وهم أكثر فرق ~~الشيعة عددا وعلماء ومتكلمين ونظارا وصالحين وعبادا ومتفقهة وأصحاب حديث ~~وأدباء وشعراء، وهم وجه الإمامية ورؤساء جماعتهم والمعتمد عليهم في ~~الديانة. # ومن سواهم منقرضون لا يعلم أحد من جملة الأربع عشرة فرقة التي قدمنا ~~ذكرها ظاهرا بمقالة ولا موجودا على هذا الوصف من ديانته وإنما الحاصل منهم ~~حكاية عمن سلف وأراجيف بوجود قوم منهم لا تثبت. PageV00P321 # فصل وأما الفرقة القائلة ms240 بحياة أبي محمد - عليه السلام -، فإنه يقال لها: ~~ما الفصل بينك وبين الواقفة والناووسية فلا يجدون فصلا، وأما الفرقة الأخرى ~~التي زعمت أن أبا محمد - عليه السلام - عاش من بعد موته وهو المنتظر فإنه ~~يقال لها: إذا جاز أن تخلو الدنيا من إمام حي يوما فلم لا يجوز أن تخلو منه ~~سنة وما الفرق بين ذلك وبين أن تخلو أبدا من الإمام، وهذا خروج عن مذهب ~~الإمامية وقول بمذهب الخوارج والمعتزلة، ومن صار إليه من الشيعة كلم بكلام ~~الناصبة ودل على وجوب الإمامة. # ثم يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون الحسن - عليه السلام - ميتا لا محالة ولم ~~يعش بعد وسيعيش، وهذا نقض مذاهبهم فأما ما اعتلوا به من أن القائم إنما سمي ~~بذلك لأنه يقوم بعد الموت، فإنه يحتمل أن يكون المراد به بعد موت ذكره دون ~~أن يكون المراد به موته في الحقيقة بعدم الحياة منه، على أنهم لا يجدون ~~بهذا الاعتلال بينهم وبين الكيسانية فرقا. # مع أن الرواية قد جاءت بأن القائم إنما سمي بذلك لأنه يقوم بدين قد اندرس ~~ويظهر بحق كان مخفيا ويقوم بالحق من غير تقية تعتريه في شئ منه، وهذا يسقط ~~ما ادعوه. # وأما الفرقة التي زعمت أن جعفر بن علي هو الإمام بعد أخيه الحسن - عليه ~~السلام - فإنهم صاروا إلى ذلك من طريق الظن والتوهم ولم يوردوا خبرا ولا ~~أثرا يجب النظر فيه، ولا فصل بين هؤلاء القوم وبين من ادعى الإمامة بعد ~~الحسن - عليه السلام - لبعض الطالبيين واعتمد على الدعوى المتعرية من ~~برهان. PageV00P322 # فأما ما اعتلوا به من الحديث عن أبي عبد الله - عليه السلام - إن الإمام ~~هو الذي لا يوجد منه ملجأ إلا إليه فإنه يقال لهم فيه: ولم زعمتم أنه لا ~~ملجأ إلا إلى جعفر وما أنكرتم أن يكون الملجأ هو ابن الحسن - عليه السلام - ~~الذي نقل جمهور الإمام النص عليه. # فإن قالوا: لا يجب أن يثبت وجود من لم يشاهد، قيل لهم: ولم لا يجب ذلك ~~إذا قامت الدلالة ms241 على وجوده مع أنه لا يجب علينا أن نثبت الإمامة لمن لا نص ~~عليه ولا دليل على إمامته، على أن هذه العلة يمكن أن يعتل بها كل من ادعى ~~الإمامة لرجل من آل أبي طالب بعد الحسن - عليه السلام -، ويقول إنما قلت ~~ذلك لأنني لم أجد ملجأ إلا إليه. # وأما الفرقة الراجعة عن إمامة الحسن - عليه السلام - والمنكرة لإمامة ~~أخيه محمد فإنها يحتج عليها بدليل إمامة الحسن - عليه السلام - من النص ~~عليه والتواتر عن أبيه به، ويطالب بالدلالة على إمامة علي بن محمد - عليه ~~السلام -، وكل شئ اعتمدوه في ذلك فإنه العمدة عليهم فيما أبوه من إمامة ~~الحسن - عليه السلام - وأما إنكارهم لإمامة محمد بن علي أخ الحسن - عليه ~~السلام - فقد أصابوا في ذلك ونحن موافقوهم على صحته. # وأما اعتلالهم لصوابهم في الرجوع عن إمامة الحسن - عليه السلام - وأنه ~~ممن مضى ولا عقب له، فهو اعتماد على التوهم لأن الحسن - عليه السلام - قد ~~أعقب المنتظر - عليه السلام -، والأدلة على إمامته أكثر من أن تحصى، وليس ~~إذا لم نشاهد الإمام بطلت إمامته، ولا إذا لم يدرك وجوده حسا واضطرارا ولم ~~يظهر للخاصة والعامة، كان ذلك دليلا على عدمه. # وأما الفرقة الأخرى الراجعة عن إمامة الحسن - عليه السلام - إلى إمامة ~~محمد أخيه، فهي كالتي قبلها والكلام عليها نحو ما سلف، مع أنهم أشد بهتانا ~~ومكابرة PageV00P323 # لأنهم أنكروا إمامة من كان حيا بعد أبيه وظهرت عنه من العلوم ما يدل على ~~فضله على الكل وادعوا إمامة رجل مات في حياة أبيه ولم يظهر منه علم ولا من ~~أبيه - عليه السلام - نص عليه بعد أن كانوا يعترفون بموته، وهؤلاء سقاط ~~جدا. # وأما الفرقة التي اعترفت بولد الحسن - عليه السلام - وأقرت بأنه المنتظر ~~إلا أنها زعمت أنه علي وليس بمحمد، فالخلاف بيننا وبين هؤلاء في الاسم دون ~~المعنى والكلام لهم فيه خاصة، فيجب أن يطالبوا بالأثر في الاسم فإنهم لا ~~يجدونه، والأخبار منتشر في أهل الإمامة وغيرهم أن اسم القائم - عليه السلام ~~- اسم رسول الله ms242 (ص) ولم يكن في أسماء رسول الله (ص) علي، ولو ادعوا أنه ~~أحمد لكان أقرب إلى الحق، وهذا المقدار كاف فيما يحتج به على هؤلاء. # وأما الفرقة التي زعمت أن القائم ابن الحسن - عليه السلام - وأنه ولد بعد ~~أبيه بثمانية أشهر فأنكروا أن يكون له ولد في حياة أبيه، فإنه يحتج عليهم ~~بوجوب الإمامة من جهة العقول، وكل شئ يلزم المعتزلة وأصناف الناصبة يلزم ~~هذه الفرقة فيما ذهبوا إليه من جواز خلو العالم من وجود إمام حي كامل ~~ثمانية أشهر، لأنه لا فرق بين ثمانية أشهر والثمانين. # على أنه يقال لهم: لم زعمتم ذلك أبالعقل قلتموه أم بالسمع؟ فإن ادعوا ~~العقل أحالوا في العقول لأن العقل لا مدخل له في ذلك، وإن ادعوا السمع ~~طولبوا بالأثر فيه ولن يجدوه وإنما صاروا إلى هذا القول من جهة الظن والرجم ~~بالغيب، والظن لا يعتمد عليه في الدين. # وأما الفرقة الأخرى التي زعمت أن الحسن - عليه السلام - توفي عن حمل ~~بالقائم وأنه لم يولد بعد، فهي مشاركة للفرقة المتقدمة في إنكار الولادة، ~~وما دخل على تلك داخل على هذه ويلزمها من التجاهل ما يلزم تلك لقولها إن ~~حملا يكون مائة PageV00P324 # سنة، إذ كان هذا مما لم تجر به عادة ولا جاء به أثر في أحد من سائر الأمم ~~ولم يكن له نظير وهو وإن كان مقدورا لله تعالى فليس يجب أن يثبت إلا بعد ~~الدليل الموجب لثبوته. # ومن اعترف به من حيث الجواز فأوجبه، يلزمه إيجاب وجود كل مقدور حتى لا ~~يأمن لعل المياه قد استحالت ذهبا وفضة وكذلك الأشجار ولعل كل كافر في ~~العالم إذا نام مسخه الله تعالى قردا أو كلبا أو خنزيرا من حيث لم يشعر به ~~ثم يعيده إلى الإنسانية، ولعل بالبلاد القصوى مما لا نعرف خبره نساء يحبلن ~~يوما ويضعن في غده، وهذا كله جهل وضلال فتحه على نفسه من اعترف بخرق العادة ~~من غير حجة واعتمد على جواز ذلك في القدرة. # وأما الفرقة الأخرى التي زعمت أن ms243 الإمامة قد بطلت بعد الحسن - عليه ~~السلام - فإن وجوب الإمامة بالعقل يفسد قولها وقول الله: * (يوم ندعوا كل ~~أناس بإمامهم) * (1)، وقول النبي: " من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ~~ميتة جاهلية "، وقول أمير المؤمنين - عليه السلام -: " اللهم إنك لا تخلي ~~الأرض من حجة على خلقك إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا لئلا تبطل حججك ~~وبيناتك "، وقول النبي (ص): " في كل خلف من أمتي عدل من أهل بيتي ينفي عن ~~هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين ". # وأما تعلقهم بقول الصادق - عليه السلام -: " إن الله لا يخلي الأرض من ~~حجة إلا أن يغضب على أهل الدنيا " فالمعنى في ذلك أنه لا يخليها من حجة ~~ظاهرة بدلالة ما قدمناه. # وأما الفرقة التي زعمت أن محمد بن علي - عليه السلام - كان إماما بعد ~~أبيه وأنه # PageV00P325 # وصى إلى غلام يقال له " نفيس " وأعطاه السلاح والكتب وأمره أن يدفعها إلى ~~جعفر فإن الذي قدمناه على الإسماعيلية من الدليل على بطلان إمامة إسماعيل ~~بوفاته في حياة أبيه يكسر قول هذه الفرقة، ونزيده بيانا أن وصي الإمام لا ~~يكون إلا إماما ونفيس غلام محمد لم يكن إماما، ويبطل إمامة جعفر عدم ~~الدلالة على إمامة محمد ودليل بطلان إمامته أيضا ما ذكرناه من وفاته في ~~حياة أبيه. # وأما الفرقة التي أقرت بإمامة الحسن - عليه السلام - ووقفت بعده واعتقدت ~~أنه لا بد من إمام ولم يعينوا على أحد، فالحجة عليهم النقل الصادق بإمامة ~~المنتظر - عليه السلام - والنص من أبيه عليه، وليس هذا موضعه فنذكره على ~~النظام - وأما الفرقة التي أقرت بالمنتظر وأنه ابن الحسن - عليه السلام - ~~وزعمت أنه قد مات وسيحيى ويقوم بالسيف، فإن الحجة عليها ما يجب من وجود ~~الإمام وحياته وكماله وكونه بحيث يسمع الاختلاف ويحفظ الشرع، وبدلالة أنه ~~لا فرق بين موته وعدمه. # وأما الفرقة التي اعترفت بأن أبا محمد الحسن بن علي - عليه السلام - كان ~~الإمام بعد أبيه وادعت أنه لما حضرته الوفاة نص على أخيه جعفر بن علي، ~~واعتلوا في ذلك بأن زعموا أن ms244 دعوى من ادعى النص على ابن الحسن - عليه ~~السلام - باطل والعقل موجب للإمامة فلذلك اضطروا إلى القول بإمامة جعفر ~~فإنه يقال لهم: لم زعمتم أن نقل الإمامية النص من الحسن - عليه السلام - ~~على ابنه باطل وما أنكرتم أن يكون حقا لقيام الدلالة على وجوب الإمامة وثقة ~~الناقلين وعلامة صدقهم بصفات الغيبة والخبر فيها عما يكون قبل كونه وتكون ~~النقلة لذلك خاصة أصحاب الحسن - عليه السلام - والسفراء بينه وبين شيعته. # ولفساد إمامة جعفر لما كان عليه في الظاهر مما يضاد صفات الإمامة من ~~PageV00P326 # نقصان العلم وقلة المعرفة وارتكاب القبائح والاستخفاف بحقوق الله في ~~مخلفي أخيه مع عدم النص عليه ولفقد أحد من الخلق يروي ذلك أو يأثره عن أحد ~~من آبائه أو من أخيه خاصة، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه فقد سقط ما تعلق ~~به هذا الفريق أيضا. # على أنه لا فصل بين هؤلاء القوم وبين من ادعى إمامة بعض الطالبيين واعتل ~~بعلتهم في وجوب الإمامة وفساد قول الإمامية فيما يدعونه من النص على ابن ~~الحسن - عليه السلام -، فإذا كان لا فصل بين القولين وأحدهما باطل بلا ~~اختلاف فالآخر في البطلان والفساد مثله، فهذه وفقكم الله جملة كافية فيما ~~قصدناه، ونحن نشرح هذه الأبواب والقول فيها على الاستقصاء والبيان في كتاب ~~نفرده بعد، والله ولي التوفيق وإياه نستهدي إلى سبيل الرشاد. # فصل سئل الشيخ أيده الله فقيل له: أليس رسول الله (ص) قد ظهر قبل استتاره ~~ودعا إلى نفسه قبل هجرته وكانت ولادته معروفة ونسبه مشهورا وداره معلومة، ~~هذا مع الخبر عنه في الكتب الأولى والبشارة به في صحف إبراهيم وموسى - ~~عليهما السلام - وإدراك قريش وأهل الكتاب علاماته ومشاهدتهم لدلائل نبوته ~~وأعلام عواقبه، فكيف لم يخف مع ذلك على نفسه ولا أمر الله أباه بستر ولادته ~~وفرض عليه إخفاء أمره كما زعمتم أنه فرض ذلك على أبي الإمام لما كان ~~المنتظر عندكم من بين الأئمة والمشار إليه بالقيام بالسيف دون آبائه، فأوجب ~~ذلك على ما ادعيتموه واعتللتم به في الفرق ms245 بين آبائه وبينه في الظهور على ~~خبره وكتم ولادته والستر عن الأنام شخصه، وهل قولكم في الغيبة مع ما وصفناه ~~من حال النبي (ص) إلا فاسد PageV00P327 # متناقض. # جواب - يقال إن المصلحة لا تكون من جهة القياس ولا تعرف أيضا بالتوهم ولا ~~يتوصل إليها بالنظائر والأمثال، وإنما تعلم من جهة علام الغيوب المطلع على ~~الضمائر العالم بالعواقب الذي لا تخفى عليه السرائر، فليس ننكر أن يكون ~~الله سبحانه قد علم من حال رسول الله (ص) مع جميع ما شرحتم أنه لا يقدم ~~عليه أحد ولا يؤثر ذلك منه إما لخوف من الإقدام على ذلك أو لشك فيما قد ~~سمعوه من وصفه أو لشبهة عرضت لهم في الرأي فيه، فتدبير الله سبحانه له في ~~الظهور على خلاف تدبير الإمام المنتظر لاختلاف الحالين. # ويدل على ما بيناه ويوضح عما ذكرناه أنه لم يتعرض أحد من عبدة الأوثان ~~ولا أهل الكتاب ولا أحد من ملوك العرب والفرس مع ما قد اتصل بهم من البشارة ~~بالنبي (ص) لأحد من آباء رسول الله (ص) بالإخافة، ولا لاستبراء واحدة من ~~أمهاته لمعرفة الحمل به، ولا قصدوا الإضرار به في حال الولادة ولا طول ~~زمانه إلى أن صدع بالرسالة. # ولا خلاف أن الملوك من ولد العباس لم يزالوا على الإخافة لآباء الإمام ~~وخاصة ما جرى من أبي جعفر المنصور مع الصادق - عليه السلام -، وما صنعه ~~هارون بأبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم - عليه السلام - حتى هلك في حبسه ~~ببغداد، وما قصد المتوكل بأبي الحسن العسكري - عليه السلام - جد الإمام حتى ~~أشخصه من الحجاز فحبسه عنده بسر من رأى، وكذلك جرى أمر أبي محمد الحسن - ~~عليه السلام - بعد أبيه إلى أن قبضه الله تعالى. # ثم كان من أمر المعتمد بعد وفاة أبي محمد - عليه السلام - ما لم يخف على ~~أحد من حبسه لجواريه والمساءلة عن حالهن في الحمل، واستبراء أمرهن عندما ~~اتفقت PageV00P328 # كلمة الإمامية على أن القائم هو ابن الحسن - عليه السلام - فظن المعتمد ~~أنه يظفر به فيقتله ويزيل ms246 طمعهم في ذلك فلم يتمكن من مراده وبقي بعض جواري ~~أبي محمد - عليه السلام - في الحبس أشهرا كثيرة، فدل بذلك على الفرق بين ~~حال النبي (ص) في مولده وبين الإمام - عليه السلام - على ما قدمناه بما ~~ذكرناه وشرحناه. # وشئ آخر وهو أن الخوف قد كان مأمونا على رسول الله (ص) من بني هاشم وبني ~~عبد المطلب وجمع أهل بيته وأقاربه، لأن الشرف المتوقع له بالنبوة كان شرفهم ~~والمنزلة التي تحصل له بذلك فهي تختص بهم، وعلمهم بهذه الحال يبعثهم على ~~صيانته وحفظه وكلاءته ليبلغ الرتبة التي يرجونها له فينالون بها أعلى ~~المنازل ويملكون بها جميع العالم. # وأما البعداء منهم في النسب فيعجزون عن إيقاع الضرر به لموضع أهل بيته ~~ومنعهم منه وعلمهم بحالهم وأنهم أمنع العرب جانبا وأشدهم بأسا وأعزهم ~~عشيرة، فيصدهم ذلك عن التعرض له ويمنع من خطوره ببالهم، وهذا فصل بين حال ~~النبي (ص) فيما يوجب ظهوره مع انتشار ذكره والبشارة به، وبين الإمام فيما ~~يجوز استتاره وكتم أمر ولادته، وهذا بين لمن تدبره. # وشئ آخر وهو أن ملوك العجم في زمان مولد النبي (ص) لم يكونوا يكرهون مجئ ~~نبي يدعو إلى شرع مستأنف ولا يخافون بمجيئه على أنفسهم ولا على ملكهم لأنهم ~~كانوا ينوون الإيمان به والاتباع له، وقد كانت اليهود تستفتح به على العرب ~~وترجو ظهوره كما قال الله عز وجل: * (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) * (1) ~~وإنما حصل للقوم الخلاف عليه والإباء له بنية تجددت لهم عند مبعثه. # ولم يجر أمر الإمام المنتظر - عليه السلام - هذا المجرى بل المعلوم من ~~حال جميع # PageV00P329 # ملوك زمان مولده ومولد آبائه، خلاف ذلك من اعتقادهم فيمن ظهر منهم يدعو ~~إلى إمامة نفسه أو يدعو إليه داع، سفك دمه واستئصال أهله وعشيرته وهذا أيضا ~~فرق بين الأمرين. # وشئ آخر وهو أن رسول الله (ص) مكث ثلاث عشرة سنة يدعو بمكة إلى دينه ~~والاعتراف بالوحدانية وبنبوته ويسفه جميع من خالفه ويضللهم ويسب آلهتهم، ~~فلم يقدم أحد منهم على قتله ولا رام ms247 ذلك ولا استقام لهم نفيه عن بلادهم ولا ~~حبسه ولا منعه من دعوته، ونحن نعلم علما يقينا لا يتخالجنا فيه الشك بأنه ~~لو ظن أحد من ملوك هذه الأزمان ببعض آل أبي طالب أنه يحدث نفسه بادعاء ~~الإمامة بعد مدة طويلة، لسفك دمه دون أن يعلم ذلك ويتحققه فضلا عن أن يراه ~~ويجده. # وقد علم أهل العلم كافة أن أكثر من حبس في السجون من ولد رسول الله (ص) ~~وقتل بالغيلة إنما فعل به ذلك على الظنة والتهمة دون اليقين والحقيقة، ولو ~~لم يكن أحد منهم حل به ذلك إلا موسى بن جعفر - عليه السلام - لكان كافيا ~~ومن تأمل هذه الأمور وعرفها وفكر فيما ذكرناه وتبينه انكشف له الفرق بين ~~النبي وبين الإمام فيما سأل عنه هؤلاء القوم ولم يتخالجه فيه ارتياب والله ~~الموفق للصواب. # وبهذا النحو يجب أن يجاب من سأل فقال: أليس الرسول قد ظهر في أول أمره ~~وعرفت العامة والخاصة وجوده ثم استتر بعد ذلك عند الخوف على نفسه فقد كان ~~يجب أن يكون تدبير الإمام في ظهوره واستتاره كذلك. مع أن الاتفاقات ليس ~~عليها قياس، والألطاف والمصالح تختلف في أنفسها ولا تدرك حقائقها إلا بسمع ~~يرد عن عالم الخفيات جلت عظمته فلا يجب أن نسلك في معرفتها طريق الاعتبار. # وليس يستتر هذا الباب إلا على من قل علمه بالنظر وبعد عنه الصواب والله ~~نستهدي إلى سبيل الرشاد. PageV00P330 # فصل ومن حكايات الشيخ وكلامه قال الشيخ أيده الله: حضرت مجلسا لبعض ~~الرؤساء وكان فيه جمع كثير من المتكلمين والفقهاء فألفيت أبا الحسن علي بن ~~عيسى الرماني يكلم رجلا من الشيعة يعرف بأبي الصقر الموصلي في شئ يتعلق ~~بالحكم في فدك ووجدته قد انتهى في كلامه إلى أن قال له: قد علمنا باضطرار ~~أن أبا بكر قال لفاطمة - عليها السلام - عند مطالبتها له بالميراث: " سمعت ~~رسول الله يقول نحن معاشر الأنبياء لا نورث " فسلمت - عليها السلام - لقوله ~~ولم ترده عليه، وليس يجوز على فاطمة - عليها السلام - أن تصبر على ms248 المنكر ~~وتترك المعروف وتسلم للباطل لا سيما وأنتم تقولون إن عليا - عليه السلام - ~~كان حاضرا للمجلس، ولا شك أن جماعة من المسلمين حضروه واتصل خبره بالباقين ~~فلم ينكره أحد من الأمة ولا علمنا أن أحدا رد على أبي بكر وأكذبه في الخبر، ~~فلولا أنه كان محقا فيما رواه من ذلك لما سلمت الجماعة له ذلك. # فاعترضه الرجل الإمامي بما روي عن فاطمة - عليها السلام - من ردها عليه ~~وإنكارها لروايته وخطبتها في ذلك واستشهادها على بطلان خبره بظاهر القرآن ~~وأورد كلاما في هذا المعنى على حسب ما يقتضيه واتسعت له الحال. # فقال علي بن عيسى: هذا الذي ذكرته شئ تختص أنت وأصحابك به، والذي ذكرته ~~من الحكم عليها شئ عليه الاجماع وبه حاصل علم الاضطرار فلو كان ما تدعونه ~~من خلافه حقا، لارتفع معه الخلاف وحصل عليه الاجماع كما حصل على ما ذكرت لك ~~من رواية أبي بكر وحكمه، فلما لم يكن الأمر كذلك دل PageV00P331 # على بطلانه. # فكلمه الإمامي بكلام لم أرتضه، وتكرر منهما جميعا، فأشار صاحب المجلس إلي ~~لأخذ الكلام فأحس بذلك علي بن عيسى فقال لي: إنني قد جعلت على نفسي أن لا ~~أتكلم في مسألة واحدة مع نفسين في مجلس واحد فأمسكت عنه وتركته حتى انقطع ~~الكلام بينه وبين الرجل. # ثم قلت له: خبرني عن المختلف فيه هل يدل الاختلاف على بطلانه؟ فظن أنني ~~أريد شيئا غير المسألة الماضية وأنني لا أكسر شرطه فقال: لست أدري أي شئ ~~تريد بهذا الكلام فأبن لي عن غرضك لأتكلم عليه، فقلت له: لم آتك بكلام مشكل ~~ولا خاطبتك بغير العربية، وغرضي في نفس هذا السؤال مفهوم لكل ذي سمع من ~~العرب إذا أصغى إليه ولم يله عنه، اللهم إلا أن تريد أن أبين لك عن غرضي ~~فيما أجري بهذه المسألة إليه فلست أفعل ذلك بأول وهلة إلا أن تلزمني في حكم ~~النظر، والذي استخبرتك عنه معروف صحته وأنا أكرره: أتقول إن الشئ إذا اختلف ~~العقلاء في وجوده أو صحته وفساده كان ms249 اختلافهم دليلا على بطلانه، أو قد ~~يكون حقا وإن اختلفت العقلاء فيه؟ # فقال: ليس يكون الشئ باطلا من حيث اختلف الناس فيه ولا يذهب إلى ذلك ~~عاقل. # فقلت له: فما أنكرت الآن أن تكون فاطمة - عليها السلام - قد أنكرت على ~~أبي بكر حكمه، وردت عليه في خبره، واحتجت عليه في بطلان قضائه، واستشهدت ~~بالقرآن على ما جاء الأثر به ولا يجب أن يقع الاتفاق على ذلك وإن كان حقا ~~ولا يكون الخلاف فيه علامة على كذب مدعيه بل قد يكون صدقا وإن اختلف فيه ~~على ما أعطيت في الفتيا التي قررناك عليها. PageV00P332 # فقال: أنا لا أعتمد على ما سمعت مني من الكلام مع الرجل على الاختلاف ~~فيما ادعاه إلا بعد أن قدمت معه مقدمات لم تحض ها، والذي أعتمد عليه الآن ~~معك أن الذي يدل على صدق أبي بكر فيما رواه عن النبي (ص) من أنه لا يورث ~~وصوابه فيما حكم به، ما جاء به الخبر عن علي - عليه السلام - أنه قال: " ما ~~حدثني أحد بحديث إلا استحلفته ولقد حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر " فلو لم ~~يكن عنده صادقا أمينا عادلا، لما عدل عن استحلافه ولا صدقه في روايته ولا ~~ميز بينه وبين الكافة في خبره، وهذا يدل على أن ما يدعونه على أبي بكر من ~~تخرص الخبر فاسد محال. # فقلت له: أول ما في هذا الباب أنك قد تركت الاعتلال الذي اعتمدته بدئا ~~ورغبت عنه بعد أن كنت راغبا فيه وأحلتنا على شئ لا نعرفه ولا سمعناه وإنما ~~بينا الكلام على الاعتلال الذي حضرناه ولسنا نشاحك في هذا الباب لكنا نكلمك ~~على ما استأنفته من الكلام. # أنت تعلم وكل عاقل عرف المذاهب وسمع الأخبار، أن الشيعة لا تروي هذا ~~الحديث عن أمير المؤمنين - عليه السلام - ولا تصححه بل تشهد بفساده وكذب ~~رواته، وإنما يرويه آحاد من العامة ويسلمه من دان بإمامة أبي بكر خاصة، فإن ~~لزم الشيعة أمر بحديث تفرد به خصومهم لزم المخالفين ما تفردت الشيعة ~~بروايته، ms250 وهذا على شرط الإنصاف وحقيقة النظر والعدل فيه فيجب أن تصير إلى ~~اعتقاد ضلالة كل من روت الشيعة عن النبي (ص) وعن علي والأئمة من ذريته - ~~عليهم السلام - ما يوجب ضلالتهم، فإن لم تقبل ذلك ولم تلتزمه لتفرد القوم ~~بنقله دونك فكيف استجزت إلزامهم الاقرار برواية ما تفردت به دونهم لولا ~~التحكم دون الإنصاف. # على أن أقرب الأمور في هذا الكلام أن تتكافأ الروايات ولا يلزم أحد ~~PageV00P333 # الفريقين منهما إلا ما حصل عليه الاجماع أو يضم إليه دليل يقوم مقام ~~الاجماع في الحجة والبيان، وفي هذا إسقاط الاحتجاج بالخبر من أصله. # مع أني أسلمه لك تسليم جدل وأبين لك أنك لم توف الدليل حقه ولا اعتمدت ~~على برهان، وذلك أنه ليس من شرط الكاذب في خبر أن يكون كاذبا في جميع ~~الأخبار، ولا من شرط من صدق في شئ أن يصدق في كل الأخبار وقد وجدنا اليهود ~~والنصارى والملحدين يكذبون في أشياء ويصدقون في غيرها، فلا يجب لصدقهم فيما ~~صدقوا فيه أن نصدقهم فيما كذبوا فيه، ولا نكذبهم فيما صدقوا لأجل كذبهم في ~~الأمور الأخر ولا نعلم أن أحدا من العقلاء جعل التصديق لزيد في مقالة واحدة ~~دليلا على صدقه في كل أخباره. # وإذا كان ذلك كذلك فما أنكرت أن يكون الرجل مخطئا فيما رواه عن النبي (ص) ~~في الميراث وأن أمير المؤمنين - عليه السلام - قد صدقه فيما رواه من الحديث ~~الذي لم يستحلفه فيه، فيكون وجه تصديقه له وعلة ذلك أنه - عليه السلام - ~~شاركه في سماعه من النبي (ص) فكان حفظه له عنه يغنيه عن استحلافه، ويدله ~~على صدقه فيما أخبر به ولا يكون ذلك من حيث التعديل له والحكم على ظاهره. # على أن الذي رواه أبو بكر عن النبي (ص) يدل على صحته العقل ويشهد بصوابه ~~القرآن فكان تصديق أمير المؤمنين - عليه السلام - له من حيث العقل والقرآن ~~لا من جهة روايته هو عن النبي (ص) ولا لحسن ظاهر له على ما قدمناه. # وذلك أن الخبر الذي رواه ms251 أبو بكر هو أن قال: سمعت رسول الله يقول: " ما ~~من عبد يذنب ذنبا فيندم عليه ويخرج إلى صحراء فلاة فيصلي ركعتين ثم يعترف ~~به ويستغفر الله عز وجل فيه إلا غفر الله له " وهذا شئ قد نطق به القرآن، ~~قال الله تعالى * (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ~~ما PageV00P334 # تفعلون) * (1) وقال: * (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) * (2) ~~والعقل يدل على قبول التوبة. # وإذا كان الأمر على ما وصفناه بطل ما تعلقت به وكان ذكره لأبي بكر خاصة ~~لأنه لم يحدثه بحديث غير هذا، فصدقه لما ذكرناه وأخبر عن تصديقه بما ~~وصفناه، ولم يكن ذلك لتعديله على ما ظننت، ولا لتصويبه في الأحكام كلها على ~~ما قدمت بما شرحناه. # فقال عند سماع هذا الكلام: أنا لم أعتمد في عدالة أبي بكر وصحة حكمه على ~~الخبر وإنما جعلته توطئة للاعتماد فطولت الكلام فيه وأطنبت في معناه، والذي ~~أعتمده في هذا الباب أني وجدت أمير المؤمنين - عليه السلام - قد بايع أبا ~~بكر وأخذ عطاءه وصلى خلفه ولم ينكر عليه بيد ولا لسان، فلو كان أبو بكر ~~ظالما لفاطمة - عليها السلام -، لما جاز أن يرضى به أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - إماما ينتهي في طاعته إلى ما وصفت. # فقلت له: هذا انتقال ثان بعد انتقال أول وتدارك فائت وتلافي فارط وتذكر ~~ما كان منسيا، وإن عملنا على هذه المجازفة انقطع المجلس بنشر المسائل ~~والتنقل فيها والتحيز وخرج الأمر عن حده وصار مجلس مذاكرة دون تحقيق جدل ~~ومناظرة، وأنت لا تزال تعتذر في كل دفعة عندما يظهر من وهن متعمداتك بأنك ~~لم تردها ولكنك وطأت بها، فخبرني الآن هل هذا الذي ذكرته آخرا هو توطئة أو ~~عماد؟ فإن كان توطئة عدلنا عن الكلام فيه وسألناك عن المعتمد، وإن كان أصلا ~~كلمناك عليه. # PageV00P335 # مع أني لست أفهم منك معنى التوطئة لأن كل كلام اعتل به معتل ففسد فقد ~~انهدم ما بناه عليه ووضح فساد ما بينه إن بناه عليه، فاعتذارك في فساد ms252 ما ~~تقدم ما بناه توطئة لا معنى له. # ولكننا نتجاوز هذا الباب ونقول لك: ما أنكرت على من قال لك إن ما ادعيته ~~من أن أمير المؤمنين - عليه السلام - بايع الرجل دعوى عرية عن برهان ولا ~~فرق بينها وبين قولك إنه كان مصيبا فيما حكم به على فاطمة - عليها السلام - ~~فدل على أن أمير المؤمنين - عليه السلام - قد بايع على ما ادعيت ثم ابن ~~عليه، فإما أن تعتمد على الدعوى المحضة فإنها تضر ولا تنفع، وقولك إنه - ~~عليه السلام - صلى خلف الرجل، فإن كنت تريد أنه صلى متأخرا عن مقامه فلسنا ~~ننكر ذلك وليس فيه دلالة على رضاه به، وإن أردت أنه صلى مقتديا به ومؤتما ~~فما الدليل على ذلك فإنا نخالفك فيه وعنه ندفعك، وهذه دعوى كالأولى تضر من ~~اعتمد عليها أيضا ولا تنفع. # وأما قولك إنه أخذ العطاء فالأمر كما وصفت، ولكن لم زعمت أن في ذلك دلالة ~~على رضاه بإمامته والتسليم له في حكمه، أوليس تعلم أن خصومك يقولون في ذلك ~~إنه أخذ بعض حقه ولم يكن يحل له الامتناع من أخذه لأن في ذلك تضييعا لماله ~~وقد نهى الله تعالى عن التضييع وأكل الأموال بالباطل. # وبعد فما الفصل بينك وبين من جعل هذا الذي اعتمدت عليه بعينه حجة في ~~إمامة معاوية، فقال: وجدت الحسن والحسن و عبد الله بن عباس و عبد الله بن ~~جعفر وغيرهم من المهاجرين والأنصار قد بايعوا معاوية بن أبي سفيان بعد صلح ~~الحسن - عليه السلام - وأخذوا منه العطاء وصلوا خلفه الفرائض ولم ينكروا ~~عليه بيد ولا لسان فكل ما جعلته اسقاطا لهذا الاعتماد فهو بعينه دليل على ~~فساد ما اعتمدته حذو النعل بالنعل، فلم يأت بشئ تجب حكايته. PageV00P336 # فصل ومن حكايات الشيخ وكلامه قال: سألني أبو الحسن علي بن نصر الشاهد ~~بعكبرا في مسجده وأنا متوجه إلى سر من رأى فقال: أليس قد ثبت عندنا أن أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - كان أعلم الصحابة كلها وأعرفها بمعالم الدين ~~وكانوا يستفتونه ويتعلمون منه ms253 لفقرهم إليه، وكان غنيا عنهم لا يرجع إلى أحد ~~منهم في علم الدين ولا يستفيده - عليه السلام - منهم؟ فقلت: نعم هذا قولنا ~~وهذا الواضح الذي لا خفاء به ولا يمكن عاقل دفعه ولا يقدم أحد على إنكاره ~~إلا أن يرتكب البهت والمكابرة. # فقال أبو الحسن: فإن بعض أهل الخلاف قد احتج علي في دفع هذا بأن قال: قد ~~وردت الرواية عن علي - عليه السلام - أنه قال: " ما حدثني أحد بحديث إلا ~~استحلفته عليه ولقد حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر "، فلو كان يعلم صلوات الله ~~عليه جميع الدين ولا يفتقر إلى غيره لما احتاج إلى استحلاف من يحدثه ولا ~~الاستظهار في يمينه ليصح عنده علم ما أخبر به. # وقد روي أيضا أنه - عليه السلام - حكم في شئ فقال له شاب من القوم: # أخطأت يا أمير المؤمنين. فقال - عليه السلام - له: صدقت أنت وأخطأت فماذا ~~يكون الجواب عن هذا الكلام وكيف الطريق إلى حله؟ # فقلت له: أول ما في هذا الكلام أن الأخبار لا تتقابل ويحكم ببعضها على ~~بعض حتى تتساوى في الصفة فيكون الظاهر المستفيض مقابلا لمثله في الاستفاضة ~~والمتواتر مقابلا لمثله في التواتر والشاذ مقابلا لمثله في الشذوذ. # وما ذكرناه عن مولانا - عليه السلام - مستفيض قد تواتر به الخبر على ~~التحقيق، PageV00P337 # وما ذكره هذا الرجل عنه - عليه السلام - من الحديثين، فأحدهما شاذ وارد ~~من طريق الآحاد غير مرضي الإسناد، والآخر ظاهر البطلان لانقطاع إسناده وعدم ~~وجوده في نقل معروف من الثقات، وليس يجوز المقابلة في مثل هذه الأخبار بل ~~الواجب إسقاط الظاهر منها الشاذ وإبطال المتواتر ما ضاده من الآحاد. # والثاني إن لما ذكره الخصم من الحديث الأول عن أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - غير وجه يلائم ما ذكرناه من فضل مولانا أمير المؤمنين - عليه ~~السلام - في العلم على سائر الأنام: # منها أنه - عليه السلام - إنما كان يستحلف على الأخبار لئلا يجتري مجتر ~~على الإضافة إلى رسول الله (ص) بالسماع ما لم يسمعه منه وإنما ألقي إليه ~~عنه فحصل عنده ms254 بالبلاغ. # ومنها أنه كان يستحلف مع العلم بصدق المخبر ليتأكد خبره عند غيره من ~~السامعين فلا يشك فيه ولا يرتاب. # ومنها أنه - عليه السلام - استحلف فيما عرفه يقينا ليكون ذلك حجة له إذا ~~حكم به على أهل العناد ولا يقول قائل منهم عند حكمه بذلك قد حكم بالشاذ. # ومنها أنه يكون استحلافه - عليه السلام - للخبر بما لا يتضمن حكما في ~~الدين ويتضمن أدبا وموعظة أو لفظة حكمة أو مدحة لإنسان أو مذمة فلا يجب إذا ~~علم ذلك من غيره أن يكون فقيرا في علم الدين إليه وناقصا في العلم عن ~~رتبته. # على أن لفظ الحديث " ما حدثني أحد بحديث إلا استحلفته " فهذا يوجب ~~بالضرورة أنه كان يستحلف على ما يعلم لأنه محال أن يكون كل من حدثه حدثه ~~بما لا يعلم، وإذا ثبت أنه قد استحلف على علم لأحد ما ذكرناه أو لعلة من ~~العلل بطل ما اعتمده هذا الخصم. PageV00P338 # وأما الحديث الثاني فظهور بطلانه أوضح من أن يخفى وذلك أنه قال فيه: # إن شابا قال له: ليس الحكم فيه ذلك، فقال أمير المؤمنين - عليه السلام - ~~على ما زعم الخصم: أصبت أنت وأخطأت، وهذا واضح السقوط على ما بيناه لأنه لا ~~يخلو - عليه السلام - أن يكون حكم بالخطأ مع علمه بأنه خطأ، أو يكون حكم ~~بالخطأ وهو يظن أنه صواب فإن كان حكم بالخطأ على علم بأنه خطأ عاند في دين ~~الله وضل بإقدامه على تغيير حكم الله وهو - عليه السلام - يجل عن هذه ~~الرتبة ولا يعتقد مثل هذا فيه الخوارج فضلا عمن دونهم في عداوته من ~~الناصبة، وإن كان حكم بالخطأ وهو يظن أنه صواب فكيف زال ظنه عن ذلك وانتقل ~~عنه بقول رجل واحد لا يعضده برهان وهذا مما لا يتوهم على أحد من أهل ~~الأديان. # على أنه لو كان لهذا الحديث أصل أو كان معروفا عند أحد من أهل الآثار ~~لكان الرجل معروفا مشهورا بالعين والنسب مشهور القبيلة والمكان، ولكان أيضا ~~الحكم الذي جرى فيه هذا الأمر ms255 مشهورا عند الفقهاء ومدونا عند أصحاب ~~الأخبار، وفي عدم معرفة الرجل وتعيين الحكم وعدمه من الأصول دليل على ~~بطلانه كما بيناه. # على أن الأمة قد اتفقت عنه - عليه السلام - أنه قال: " ضرب رسول الله (ص) ~~بيده على صدري وقال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه فما شككت في قضاء بين اثنين ~~" وهذا مضاد لوقوع الخطأ منه - عليه السلام - في الأحكام ومانع من دخول ~~السهو عليه في شئ منها والارتياب. # وأجمعوا أن النبي (ص) قال: " علي مع الحق والحق مع علي يدور حيث ما دار " ~~وليس يجوز أن يكون من هذا وصفه يخطئ في الدين أو يشك في الأحكام. # وأجمعوا أن النبي (ص) قال: " علي أقضاكم " وأقضى الناس لا يجوز أن يخطف ~~PageV00P339 # في الأحكام، ولا أن يكون غيره أعلم منه بشئ من الحكم، فدل بذلك على بطلان ~~ما اعترض به الخصم وكشف عن وهنه على البيان وبالله التوفيق وإياه نستهدي ~~إلى سبيل الرشاد. # وأما التعلق من الخبر بقوله " وصدق أبو بكر " في تعديله وإثبات الإمامة ~~له، فليس بصحيح لأنه قد يصدق من لا يستحق الثواب، وقد يحكم بالصدق في الخبر ~~لمن يستحق العقاب، فلا وجه لتعلقه بذلك، مع أن الخبر باطل لا يثبت بأدلة قد ~~ذكرناها في مواضعها والحمد لله. # فصل وحضر الشيخ أبو عبد الله أيده الله بمسجد الكوفة فاجتمع إليه من ~~أهلها وغيرهم أكثر من خمسمائة إنسان فابتدر إليه رجل من الزيدية أراد ~~الفتنة والشناعة فقال: بأي شئ استجزت إنكار إمامة زيد بن علي؟ # فقال له الشيخ: إنك قد ظننت علي ظنا باطلا، وقولي في زيد لا يخالفني فيه ~~أحد من الزيدية فلا يجب أن يتصور مذهبي في ذلك بالخلاف لهم. # فقال له الرجل: وما مذهبك في إمامة زيد بن علي؟ # فقال له الشيخ: أنا أثبت من إمامة زيد ما تثبته الزيدية وأنفي عنه من ذلك ~~ما تنفيه فأقول: إن زيدا رحمة الله عليه كان إماما في العلم والزهد والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنفي عنه الإمامة الموجبة لصاحبها العصمة ms256 ~~والنص والمعجز وهذا ما لا يخالفني عليه أحد من الزيدية حسبما قدمت. # فلم يتمالك جميع من حضر من الزيدية أن شكروه ودعوا له وبطلت حيلة الرجل ~~فيما أراد من التشنيع والفتنة. PageV00P340 # فصل وحضر الشيخ أبو عبد الله أيده الله بسر من رأى واجتمع عليه من ~~العباسيين وغيرهم جمع كثير فقال له بعض مشايخ العباسيين: أخبرني من كان ~~الإمام بعد رسول الله (ص)؟ # فقال له: كان الإمام من دعاه العباس إلى أن يمد يده لبيعته على حرب من ~~حارب وسلم من سالم. # فقال له العباسي: ومن هذا الذي دعاه العباس إلى ذلك؟ # فقال له الشيخ: هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - حيث ~~قال له العباس في اليوم الذي قبض فيه رسول الله (ص) بما اتفق عليه أهل ~~النقل: " ابسط يدك يا بن أخ أبايعك فيقول الناس عم رسول الله بايع ابن أخيه ~~فلا يختلف عليك اثنان ". # فقال له شيخ من فقهاء أهل البلد: فما كان الجواب من علي؟ # فقال له: كان الجواب أن قال له: إن رسول الله (ص) عهد إلي أن لا أدعو ~~أحدا حتى يأتوني ولا أجرد سيفا حتى يبايعوني ومع هذا فلي برسول الله شغل. # فقال العباسي: فقد كان العباس رحمه الله إذن على خطأ في دعائه له إلى ~~البيعة. # فقال له الشيخ: لم يخطئ العباس فيما قصد لأنه عمل على الظاهر وكان عمل ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - على الباطن وكلاهما أصاب الحق ولم يخطئه ~~والحمد لله. # فقال له العباسي: فإن كان علي بن أبي طالب هو الإمام بعد النبي (ص) فقد ~~أخطأ أبو بكر وعمر ومن اتبعهما وهذا أعظم في الدين. PageV00P341 # فقال له الشيخ: لست أنشط الساعة للفتيا بتخطئة أحد وإنما أجبتك عن شئ ~~سألت عنه، فإن كان صوابا وضمن تخطئة إنسان فلا تستوحش من اتباع الصواب، وإن ~~كان باطلا فتكلم على إبطاله فهو أولى من التشنيع بما لا يجدي نفعا. # مع أنه إن استعظمت تخطئة من ذكرت فلا بد لك من تخطئة علي ms257 والعباس من قبل ~~أنهما قد تأخرا عن بيعة أبي بكر ولم يرضيا بتقدمه عليهما، ولا عملا له ولا ~~لصاحبه عملا، ولا تقلدا لهما ولاية ولا رآهما أبو بكر وعمر أهلا أن ~~يشركاهما في شئ من أمورهما، وخاصة ما صنعه عمر بن الخطاب فإنه ذكر من يصلح ~~للإمامة في الشورى ومن يصلح للنظر في الاختيار فلم يذكر العباس في إحدى ~~الطائفتين ولما ذكر عليا - عليه السلام - عابه ووصفه بالدعابة تارة وبالحرص ~~على الدنيا أخرى، وأمر بقتله إن خالف عبد الرحمان بن عوف وجعل الحق في حيز ~~عبد الرحمان دونه وفضله عليه. # هذا وقد أخذ منه ومن العباس ومن جميع بني هاشم الخمس الذي جعله الله ~~تعالى لهم وأرغمهم فيه وحال بينهم وبينه وجعله في السلاح والكراع، فإن كنت ~~أيها الشيخ أيدك الله تنشط للطعن على علي والعباس بخلافهما للشيخين ~~وكراهتهما لإمارتهما وتأخرهما عن بيعتهما، وترى من العقد فيهما ما - سنه ~~الشيخان من أمرهما من التأخير لهما عن شريف المنازل والغض منهما والحط من ~~أقدارهما، فصر إلى ذلك فإنه الضلال بغير شبهة، وإن كنت ترى ولايتهما ~~والتعظيم لهما والاقتداء بهما، فاسلك سبيلهما ولا تستوحش من تخطئة من ~~خالفهما، وليس هاهنا منزلة ثالثة. # فقال العباسي عند سماع هذا الكلام: اللهم أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا ~~فيه يختلفون.# PageV00P342 ms258