######OpenITI# #META# book_id: 147 #META# epub_url: https://www.masaha.org/pages/download.php?flink=../upload_book/dl_file/163.epub&bid=147 #META# title: الإفصاح في إمامة أمير المؤمنين(ع) #META# المؤلف: الشيخ المفيد #META# المواضيع: العقائد #META# عدد الصفحات: 243 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب (الافصاح في إثبات إمامة مولانا أمير ~~المؤمنين (عليه السلام)) من مصنفات الشيخ أبي عبد الله محمد بن محمد بن ~~النعمان المعروف ب (الشيخ المفيد) قدس الله سره السعيد PageV01P023 PageV01P024 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله موجب الحمد ومستحقه، وصلواته على خيرته من خلقه: محمد وآله. # أما بعد: # فإني - بمشيئة الله وتوفيقه - مثبت في هذا الكتاب جملا من القول في ~~الإمامة يستغنى ببيانها عن التفصيل، ومعتمد في إيضاحها على موجز يغني عن ~~التطويل وراسم في أصول ذلك رسوما يصل بها إلى فروعها ذوو التحصيل، وإن كان ~~ما خرج من تصنيفاتي وأمالي في هذا الباب يوفي(1) - والله المحمود على ما ~~تضمن - معناه من كل كتاب، ويعرف الزيادة فيه متأمله من ذوي الألباب. PageV01P025 # والغرض فيما نورده الآن - بمعونة الله عز وجل - بعد الذي ذكرناه، ووصفنا ~~حاله وبيناه، تلخيص جنس مفرد لم يتميز بالتحديد فيما أسلفناه، ولا وجدناه ~~على ما نؤمه لأحد من أصحابنا المتقدمين رضي الله عنهم ولا عرفناه، مع صدق ~~الحاجة إليه فيما كلفه الله تعالى جميع من ألزمه فروضه وأمره ونهاه(1)، إذ ~~كان به تمام الاخلاص لمن اصطفاه سبحانه من خلقه وتولاه، وكمال الطاعة في ~~البراءة إليه ممن بمعصيته(2) له عاداه، وبالله استعين، وإياه أستهدي إلى ~~سبيل الرشاد. PageV01P026 # ### | مسألة # إن سأل سائل، فقال: أخبروني عن الإمامة، ما هي في التحقيق على موضوع ~~الدين واللسان؟ # قيل له: هي التقدم فيما يقتضي طاعة(1) صاحبه، والاقتداء به فيما تقدم فيه ~~على البيان. # فإن قال: فحدثوني عن هذا التقدم، بماذا حصل لصاحبه: # أبفعل نفسه، أم بنص مثله في الإمامة عليه، أم باختياره؟ # قيل له: بل بإيثار سبق ظهور حاله أوجب له ذلك عند الله تعالى ليزكي ~~أعماله، فأوجب على الداعي إليه بما يكشف عن مستحقه النص عليه، دون ما سوى ~~ذلك مما عددت في الأقسام. # فإن قال: فخبروني عن المعرفة بهذا الإمام، أمفترضة على الأنام، أم مندوب ~~إليها كسائر التطوع الذي يؤجر فاعله، ولا يكتسب تاركه الآثام؟ PageV01P027 # قيل له: بل ms001 فرض لازم كأوكد فرائض الإسلام. # فإن قال: فما الدليل على ذلك، وما الحجة فيه والبرهان؟ # قيل له: الدليل على ذلك من أربعة أوجه: # أحدها: القرآن، وثانيها: الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وثالثها: # الاجماع، ورابعها: النظر القياسي والاعتبار. # فأما القرآن: فقول الله سبحانه وتعالى: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم }(1) فأوجب معرفة الأئمة من حيث أوجب ~~طاعتهم، كما أوجب(2) معرفة نفسه، ومعرفة نبيه - عليه وآله السلام - بما ~~ألزم من طاعتهما(3) على ما ذكرناه. # وقول الله تعالى: { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه ~~فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا }(4) وليس يصح أن يدعى أحد بما لم ~~يفترض عليه علمه والمعرفة به. # وأما الخبر: فهو المتواتر(5) عن النبي (صلى الله عليه وآله)، أنه قال: " ~~من مات وهو لا يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية "(6) وهذا صريح بأن الجهل PageV01P028 # بالإمام يخرج صاحبه عن الإسلام. # وأما الاجماع: فإنه لا خلاف بين أهل الإسلام أن معرفة إمام(1) المسلمين ~~واجبة على العموم، كوجوب معظم الفرائض في الدين. # وأما النظر والاعتبار: فإنا وجدنا الخلق منوطين بالأئمة في الشرع، إناطة ~~يجب بها عليهم معرفتهم على التحقيق، وإلا كان ما كلفوه من التسليم لهم في ~~أخذ الحقوق منهم، والمطالبة لهم في أخذ مالهم، والارتفاع إليهم في الفصل ~~عند الاختلاف، والرجوع إليهم في حال الاضطرار، والفقر إلى حضورهم لإقامة ~~الفرائض من صلوات وزكوات وحج وجهاد، تكليف ما لا يطاق، ولما استحال ذلك على ~~الحكيم الرحيم سبحانه، ثبت أنه فرض معرفة الأئمة، ودل على أعيانهم بلا ~~ارتياب. # فإن قال: فخبروني الآن من كان الإمام بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، ~~والقائم في رئاسة الدين مقامه، لأعرفه فأؤدي بمعرفته ما افترض له علي من ~~الولاء؟ # قيل له: من أجمع المسلمون على اختلافهم في الآراء والأهواء على إمامته ~~بعد النبي (صلى الله عليه وآله)(2)، ولم يختلفوا من بعد وفاته فيما أوجب له ~~ذلك من اجتماع خصال الفضل له والأقوال فيه والأفعال: أمير المؤمنين علي ms002 بن ~~أبي طالب (عليه السلام). PageV01P029 # فإن قال: أبينوا لي عن صحة هذا المقال، فإني أراكم مدعين الاجماع فيما ~~ظاهره الاختلاف، ولست أقنع منكم فيه إلا بالشرح لوجهه والبيان(1). # قيل له: ليس فيما حكيناه من الاجماع(2) اختلاف ظاهر ولا باطن، فإن ظننت ~~ذلك لبعدك عن الصواب، أفلا ترى أن الشيعة من فرق الأمة تقطع بإمامته (عليه ~~السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بلا فصل، وتقضي له بذلك إلى وقت ~~وفاته، وتخطئ من شك في هذا المقال على كل حال؟ # والحشوية(3) والمرجئة(4) والمعتزلة متفقون على إمامته (عليه السلام) بعد ~~عثمان، وأنه PageV01P030 # لم يخرج عنها حتى توفاه الله تعالى راضيا عنه، سليما من الضلال؟ # والخوارج - وهم أخبث أعدائه وأشدهم(1) عنادا - يعترفون له بالإمامة، ~~كاعتراف الفرق الثلاث، وإن فارقوهم بالشبهة في انتهاء الحال؟ # ولا سادس في الأمة لمن ذكرناه يخرج بمذهبه عما شرحناه، فيعلم بذلك وضوح ~~ما حكمنا به من الاجماع على إمامته(2) بعد النبي (صلى الله عليه وآله) كما ~~وصفناه. # فأما الاجماع على ما يوجب له الإمامة من الخلال: فهو إجماعهم على مشاركته ~~(عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في النسب، ومساهمته له في ~~كريم الحسب، واتصاله به في وكيد السبب(3)، وسبقه كافة الأمة إلى الاقرار، ~~وفضله على جماعتهم في جهاد الكفار، وتبريزه عليهم في المعرفة والعلم ~~بالأحكام، وشجاعته وظاهر زهده اللذين لم يختلف فيهما(4) اثنان، وحكمته في ~~التدبير وسياسة الأنام، وغناه بكماله في التأديب المحوج إليه المنقص(5) عن ~~الكمال، وببعض هذه الخصال يستحق الإمامة فضلا عن جميعها على ما قدمناه. # وأما الاجماع على الأفعال الدالة على وجوب الإمامة والأقوال: PageV01P031 # فإن الأمة متفقة على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدمه في حياته، ~~وأمره على جماعة من وجوه أصحابه، واستخلفه في أهله واستكفاه أمرهم عند ~~خروجه إلى تبوك قبل وفاته، واختصه لإيداع أسراره، وكتب عهوده، وقيامه مقامه ~~في نبذها إلى أعدائه، وقد كان ندب ليعرض ذلك من تقدم عليه، فعلم الله ~~سبحانه أنه لا يصلح له، فعزله بالوحي من ms003 سمائه. # ولم يزل(1) يصلح به إفساد من كان على الظاهر من خلصائه، ويسد به خلل ~~أفعالهم المتفاوتة بحكمه وقضائه، وليس يمكن أحد ادعاء هذه الأفعال من ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) لغير أمير المؤمنين (عليه السلام)، على اجتماع ~~ولا اختلاف، فيقدح بذلك في أس(2) ما أصلناه وبيناه. # وأما الأقوال المضارعة لهذه الأفعال في الدلالة: فهي أكثر من أن تحصى على ~~ما شرطناه(3) في الاختصار، وإن كنا سنورد منها ما فيه كفاية، إن شاء الله تعالى: # فمنها: ما سلم لروايته الجميع من قول الرسول (صلى الله عليه وآله) بغدير ~~خم(4)، بعد أن قرر أمته على المفترض له من الولاء الموجب لإمامته عليهم، ~~والتقدم لسائرهم في الأمر والنهي والتدبير، فلم ينكره أحد منهم، PageV01P032 # وأذعنوا بالإقرار له طائعين: " من كنت مولاه فعلي مولاه(1) فأعطاه بذلك ~~حقيقة الولاية، وكشف به عن مماثلته له في فرض الطاعة والأمر لهم، والنهي ~~والتدبير والسياسة(2) والرئاسة، وهذا نص - لا يرتاب بمعناه من فهم اللغة - ~~بالإمامة. # ومنها أيضا: قوله (صلى الله عليه وآله) بلا اختلاف بين الأمة: " أنت مني ~~بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي "(3) فحكم له بالفضل على ~~الجماعة، والنصرة والوزارة والخلافة، في حياته وبعد وفاته، والإمامة له، ~~بدلالة أن هذه المنازل كلها كانت لهارون من موسى (عليه السلام) في حياته، ~~وإيجاب جميعها لأمير المؤمنين (عليه السلام) إلا ما أخرجه الاستثناء منها ~~ظاهرا، وأوجبه بلفظ يعدله من بعد وفاته، وبتقدير ما كان يجب لهارون من موسى ~~لو بقي بعد أخيه، فلم يستثنه النبي (صلى الله عليه وآله)، فبقي لأمير ~~المؤمنين (عليه السلام) عموم ما حكم له من المنازل، وهذا نص على إمامته، لا ~~خفاء به على من تأمله، وعرف وجوه القول فيه، وتبينه. # ومنها: قوله (صلى الله عليه وآله) على الاتفاق: " اللهم ائتني بأحب خلقك ~~إليك، يأكل معي من هذا الطائر "(4) فجاءه بأمير المؤمنين (عليه السلام)، فأكل PageV01P033 # معه، وقد ثبت أن أحب الخلق إلى الله تعالى أفضلهم عنده، إذ كانت محبته ~~منبئة عن الثواب دون ms004 الهوى وميل الطباع، وإذا صح أنه أفضل خلق الله تعالى ~~ثبت أنه كان الإمام، لفساد تقدم المفضول على الفاضل في النبوة وخلافتها ~~العامة في الأنام. # ومنها: قوله (صلى الله عليه وآله) يوم خيبر: " لأعطين الراية غدا رجلا ~~يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح ~~الله على يديه "(1) فأعطاها من بين أمته جميعا عليا (عليه السلام)، ثم بين ~~له من الفضيلة بما بان به من الكافة، ولولا ذلك لاقتضى الكلام خروج الجماعة ~~من هذه الصفات على كل حال، وذلك محال، أو كان التخصيص بها ضربا من الهذيان، ~~وذلك أيضا فاسد محال، وإذا وجب أنه أفضل الخلق بما شرحناه، ثبت أنه كان ~~الإمام دون من سواه، على ما رتبناه. # وأمثال ما ذكرناه مما يطول به(2) التقصاص من تفضيله له (عليه السلام) على ~~كافة أصحابه وأهل بيته، بأفعاله به وظواهر الأقوال فيه ومعانيها المعقولة، ~~لمن فهم الخطاب والشهادة له بالصواب، ومقتضى العصمة من الذنوب والآفات، مما ~~يدل على غناه عن الأمة، ويكشف بذلك عن كونه PageV01P034 # إماما بالتنزيل الذي رسمناه، وقد استقصينا القول في أعيان هذه المسائل ~~على التفصيل والشرح والبيان في غير هذا المكان(1)، فلا حاجة بنا إلى ذكره ~~هاهنا مع الغرض الذي أخبرنا به عنه ووصفناه. # واعلم - أرشدك الله تعالى - أن فيما رسمناه من هذه الأصول أربع مسائل، ~~يجب ذكرها والجواب عنها، لتزول به شبهة أهل الخلاف: # أولها: السؤال عن وجه الدلالة من الاجماع الذي ذكرناه في إمامة أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله) على إمامته من بعده ~~على الفور، دون من قام ذلك المقام ممن يعتقد الجمهور في فعله الصواب. # ثانيها: عن الدلالة على أن أمير المؤمنين (عليه السلام) الأفضل عند الله ~~تعالى من الجميع، وإن كان أفضل منهم في ظاهر الحال. # ثالثها: عن الدليل على فساد إمامة المفضول على الفاضل بحسب ما ذكرناه. # رابعها: عن حجة دعوى الاجماع في سائر ما عددناه، مع ما يظن فيه من خلاف ~~البكرية والعثمانية ms005 والخوارج، وما يعتقدونه من الدفع لفضائل أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) الجواب عن السؤال الأول: أنه إذا ثبت بالحجة القاهرة من ~~الاجماع وجود إمام بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بلا فصل: وثبوت إمامته ~~على الفور، ولم يكن على من ادعي ذلك له سوى أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~إجماع على حال PageV01P035 # من الأحوال، لما يعرف من مذاهب شيعة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في ~~العباس وأبي بكر، وتقدمه في ذلك المقام، ونفي الإمامة عنه على كل حال، ~~ومذهب شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) في ما تدعيه الراوندية(1) من إمامة ~~العباس وأنها لم تصح له في حال، ولم يكن دليل من كتاب ولا سنة، ولا اعتبار ~~على إمامة المتقدم فينوب ذلك مناب الاجماع، ثبت أن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) كان إماما في تلك الحال ومستقبلها إلى أن قبضه الله تعالى إلى جنته ~~على ما وصفناه، وإلا خرج الحق عن الاجماع(2)، وبطل قول كافة الأمة فيما ~~شهدوا به من وجود الإمام(3) وثبوت الإمامة له على القطع والثبات، وذلك فاسد ~~بالنظر الصحيح والاجماع. # والجواب عن السؤال الثاني: أن الدلائل قد قامت على أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) لم ينطق عن الهوى، ولا فعل في شرعة شيئا ولا قال إلا ~~بوحي(4) يوحى، وقد علمنا أن الوحي من الله جل اسمه العالم بالسر وأخفى، ~~وأنه جل اسمه لا يحابي خلقه، ولا يبخس أحدا منهم حقه. # فلولا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان الأفضل عنده جل اسمه لما فرض ~~على نبيه (صلى الله عليه وآله) التفضيل له على الكافة، والتنويه بفضله من بين PageV01P036 # الجماعة، والاقرار له من التعظيم بما لم يشركه فيه غيره، لأنه لو لم يكن ~~ذلك كذلك لكان محابيا له وباخسا لغيره حقه، أو غير عالم بحقيقة الأمر في ~~مستحقه، وذلك كله محال، فثبت أن الفضل الذي بان به أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) في الظاهر من الجماعة بأفعال الرسول (صلى الله عليه وآله) وأقواله، ~~أدل دليل على فضله في الحقيقة، وعند الله ms006 سبحانه على ما ذكرناه. # والجواب عن السؤال الثالث: ما قدمناه في فساد نبوة المفضول على الفاضل، ~~ومشاركة الإمامة للنبوة في معنى التقدم والرفعة والرئاسة وفرض الطاعة، وبما ~~يفسد به علو المفضول على الفاضل في الثواب، ودلالة التعظيم الديني على ~~منزلة المعظم في استحقاق الجزاء بالأعمال، وثبوت علو تعظيم الإمام على ~~الرعية في شرعية الإسلام، وفي كل ملة، وعند أهل كل نحلة وكتاب. # والجواب عن السؤال الرابع: أنا لا نعلم بكريا ولا عثمانيا ولا خارجيا دفع ~~إجماع المختلفين على تسليم ما رويناه من فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~وعددناه، وكيف ينكرون رواية ذلك وهم أنفسهم قد رووه، ونقوله عن أسلافهم ~~وتقبلوه، وأعملوا أفكارهم في الاستخراج بوجوهه وتأولوه؟! وليس خلافهم ~~للشيعة فيما تعلقوا به من معانيه خلافا في صحة سنده والتسليم لرواته، كما ~~أن اختلاف المسلمين في تأويل القرآن لا يوجب إنكارهم للتنزيل. # ومن دفع ما وصفناه من هذه الحال وجب رده إلى أصحاب PageV01P037 # الحديث ممن سميناه، وإن كان الموجود في أصولهم - من نقلهم(1) - شاهدا ~~عليهم بما ذكرناه، على أننا لا ننكر أن يدفع المتفق عليه واحد من أهل النظر ~~أو اثنان، أو ألف من العامة أو ألفان، لكنه لا يكون ذلك باتفاق الحجة قادحا ~~فيما انعقد به الاجماع، لوجود أمثاله فيما نعتناه. # وإنما مدار الأمر على اصطلاح(2) معظم العلماء، واجتماع المختلفين على ~~التسليم عند السلامة من العصبية، وحال السكون عن المماراة(3) والمجادلة، ~~ونقل المتضادين في الآراء والاعتقادات مع العداوة في أصل الديانات ~~والمناصبة، ولولا أن الأمر كذلك لما ثبت إجماع(4) على شيء من شريعة الإسلام، ~~لوجود المختلفين فيها على كل حال. # وها هنا منصفة بيننا وبين أهل الخلاف، وهي أن يذكروا شيئا من فرائض ~~الشريعة وواجبات الأحكام، أو مدائح قوم من الصحابة، أو تفضيلا لهم على ~~غيرهم من الأنام، ممن يلجؤون في صحته إلى الاجماع، فإن لم نوجدهم خلاف فيه، ~~من أمثال المنكرين لما عددناه من فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإلا ~~فقد ظهرت الحجة لهم فيما ادعوه، وهيهات. # فإن قال ms007 قائل(5): فإذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الإمام بعد PageV01P038 # النبي (صلى الله عليه وآله) دون سائر الناس، فعلى أي وجه تقدم عليه أبو ~~بكر وعمر وعثمان، وادعوا الإمامة دونه، وأظهروا أنهم أحق بها على كل حال؟ # قيل له: لقد كان ذلك على وجه الدفع له (عليه السلام) عن حقه، والخلاف ~~عليه في مستحقه، وليس ذلك بمستحيل ممن ارتفعت عنه العصمة، وإن كان في ظاهر ~~الأمر على أحسن الصفات. # فإن قال: فكيف يجوز ذلك ممن سميناه، وهم وجوه أصحاب النبي (صلى الله عليه ~~وآله) والمهاجرين والسابقين إلى الإسلام؟ # قيل له: أما وجوه الصحابة ورؤساء المهاجرين وأعيان السابقين إلى الإيمان ~~بواضح الدليل وبين البرهان فهو أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب أخو رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) ووزيره وناصره ووصيه وسيد الأوصياء، وعم رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله سيد ~~الشهداء رضوان الله عليهم، وابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) جعفر بن ~~أبي طالب الطيار مع الملائكة في الجنان رضي الله عنه، وابن عم رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) أيضا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنه، ~~الذين سبقوا من سميت إلى الإيمان، وخرجوا في مواساة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) عن الديار والأوطان، وأثنى الله عليهم في محكم القرآن، وأبلوا دون ~~أصحابه(1) في الجهاد وبارزوا الأقران، وكافحوا الشجعان، وقتلوا الأبطال، ~~وأقاموا عمود الدين وشيدوا الإسلام. PageV01P039 # ثم الطبقة التي تليهم، كخباب(1) وعمار وأبي ذر والمقداد وزيد بن حارثة، ~~ونظرائهم في الاجتهاد وحسن الأثر والبلاء والاخلاص لله ولرسوله (صلى الله ~~عليه وآله) في السر والاعلان. # وبعد: فلو سلمنا لك دعواك لمن ادعيت الفضل لهم على ما تمنيت، لم يمنع مما ~~ذكرناه، لأنه لا يوجب لهم العصمة من الضلال، ولا يرفع عنهم جواز الغلط ~~والسهو والنسيان، ولا يحيل منهم تعمد العناد. # وقد رأيت ما صنع شركاؤهم في الصحبة والهجرة والسبق إلى الإسلام حين رجع ~~الأمر إلى أمير المؤمنين (عليه ms008 السلام) باختيار الجمهور منهم والاجتماع(2)، ~~فنكث بيعته طلحة والزبير، وقد كانا بايعاه على الطوع والإيثار، وطلحة نظير ~~أبي بكر، والزبير أجل منهما على كل حال، وفارقه سعد بن أبي وقاص وهو أقدم ~~إسلاما من أبي بكر، وأشرف منه في النسب، وأكرم منه في الحسب، وأحسن آثارا ~~من الثلاثة في الجهاد. # وتبعه على فراقه وخذلانه محمد بن مسلمة وهو من رؤساء الأنصار، واقتفى ~~آثارهم في ذلك وزاد عليها بإظهار سبه(3) والبراءة منه حسان، فلو كانت ~~الصحبة مانعة من الضلال لمنعت من ذكرناه ومعاوية PageV01P040 # ابن أبي سفيان وأبا(1) موسى الأشعري، وله من الصحبة والسبق ما لا يجهل، ~~وقد علمتم عداوتهم لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وإظهارهم البراءة منه، ~~والقنوت عليه(2)، وهو ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأميره على ~~أبي بكر وعمر وعثمان. # ولو كانت الصحبة أيضا مانعة من الخطأ في الدين والآثام لكانت مانعة لمالك ~~بن نويرة، وهو صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الصدقات، ومن تبعه ~~من وجوه المسلمين(3) من الردة عن الإسلام. # ولكانت صحبة السامري لموسى بن عمران عليهما السلام وعظم محله منه ~~ومنزلته، تمنعه من الضلال باتخاذ العجل والشرك بالله عز وجل، ولاستحال أيضا ~~على أصحاب موسى نبي الله (عليه السلام)، وهم ستمائة ألف إنسان، وقد شاهدوا ~~الآيات والمعجزات، وعرفوا الحجج والبينات، أن يجتمعوا على خلاف نبيهم وهو ~~حي بين أظهرهم، وباينوا خليفته وهو يدعوهم ويعظهم ويحذرهم من الخلاف، ~~وينذرهم فلا يصغون إلى شيء من قوله، ويعكفون على عبادة العجل من دون الله عز وجل. # ولكان أيضا أصحاب عيسى (عليه السلام) معصومين من الردة، ولم يكونوا كذلك، ~~بل فارقوا أمره، وغيروا شرعه، وادعوا عليه أنه كان يأمرهم بعبادته، واتخاذه ~~إلها مع الله تعالى تعمدا للكفر والضلال، وإقداما على العناد من غير شبهة ~~ولا سهو ولا نسيان. PageV01P041 # فإن قال: فإذا كان الأمر على ما ذكرتموه، وكان القوم قد دفعوا حقا لأمير ~~المؤمنين (عليه السلام) كما وصفتموه، فلم أقرهم(1) على ذلك أمير المؤمنين ~~(عليه السلام)، واتبعهم عليه ms009 الأنصار والمهاجرون، وما بال أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) لم يجاهدهم كما جاهد الناكثين والقاسطين والمارقين؟ # قيل له: لم يقرهم على ذلك جميع المسلمين، ولا تبعهم عليه سائر الأنصار ~~والمهاجرين، وإن كان الراضي بذلك منهم الجمهور، والمؤثر في العدد هم ~~الأكثرون، وليس ذلك علامة على الصواب، بل هو في إلا غلب دليل على الضلال، ~~وقد نطق بذلك القرآن، قال الله تعالى: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين }(2). # وقال تعالى { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون }(3). # وقال تعالى: { وأن أكثركم فاسقون }(4). # وقال تعالى: { وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات }(5). # وقال تعالى: { وما آمن معه إلا قليل }(6) في آيات يطول بإثباتها الكتاب. PageV01P042 # على أن هذا القول، وإن كان حجة فيما ذكرناه، فالوجود شاهد به لصحته على ~~ما وصفناه، ألا ترى أن أكثر الخلق على مرور الأيام والأوقات(1) عصاة لله ~~تعالى، والقليل منهم مطيعون له على الاخلاص، والجمهور الأكثر منهم جهال على ~~كل حال، والعلماء قليل يحصرهم العدد بلا ارتياب، وأهل التصون(2) والمروءة ~~من بين الخلق أفراد، وأهل المناقب في الدين والدنيا آحاد، فيعلم بذلك أن ~~الأكثر لا معتبر بهم في صحيح الأحكام. # وبعد: فإنه لم يتمكن قط متملك(3) إلا وكان حال الخلق معه حالهم مع أبي ~~بكر وعمر وعثمان، وهذه عادة جارية إلى وقتنا هذا وإلى آخر الزمان، ألا ترى ~~إلى اجتماع الأمة(4) على متاركة(5) معاوية بن أبي سفيان حين ظهر أمره عند ~~مهادنة الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). # وسكوت الكافة عنه وهو يلعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~على المنابر، ويقنت عليه في الصلوات، ويضرب رقاب المسلمين على الولاية له، ~~ويجيز على البراءة منه بالأموال. # وكذلك كانت حالهم مع يزيد لعنه الله، وقد قتل الحسين بن PageV01P043 # علي (عليه السلام) ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحبيبه وقرة عينه ~~ظلما وعدوانا، وسبي أهله ونساءه وذراريه(1)، وهتكهم بين الملأ، وسيرهم على ~~الأقتاب في الفلوات، واستباح حرم رسول الله (صلى ms010 الله عليه وآله) في وقعة ~~الحرة(2)، وسفك دماء أهل الإيمان، وأظهر الردة عن الإسلام، فلم يجاهره أحد ~~من الأمة بنكيرة، وأطبقوا على إظهار التسليم له والائتمام به، والاتباع له ~~والانقياد. # ولم يزل الأمر يجري في الأمة(3) بعد يزيد لعنه الله مع الجبارين من بني ~~أمية ومروان على ما وصفناه، وكذلك كانت صورتهم على عهد آدم (عليه السلام) ~~وإلى وقت من سميناه، ومن بعدهم إلى الآن، وإنما ينظر الناس إلى من حصل له ~~الاتفاق في الرئاسة والسلطان، وينقادون له كما ذكرناه، ويجتنبون خلافه على ~~ما بيناه، سواء كان من الله أو من الشيطان، أو كان عادلا في الرعية أو كان ~~ظالما من الفجار. # بل قد وجدنا الجمهور في كثير الأحوال يتحيزون(4) عن أولياء PageV01P044 # الله تعالى، ويخالفون أنبياءه، ويسفكون في العناد لهم الدماء، ويطبقون ~~على طاعة أعداء الله عز وجل، ويسلمون لهم على الطوع والإيثار، وربما اتفق ~~للظالم المتغلب والناقص الغبي الجاهل من الجماعة الرضا به والاتباع، ~~فانقادت الأمور له على منيته فيها والمحاب، واختلفت(1) على العادل المستحق ~~الكامل الحكيم العالم(2)، واضطربت عليه الأمور، وكثرت له المعارضات، وحصلت ~~في ولايته الفتن والمنازعات، والخصومات والمدافعات(3). # وقد عرف أهل العلم ما جرى على كثير من أنبياء الله (صلى الله عليه وآله) ~~من الأذى والتكذيب، والرد لدعواهم، والاستخفاف بحقوقهم، والانصراف عن ~~إجابتهم، والاجتماع على خلافهم، والاستحلال لدمائهم. # فأخبر الله تعالى بذلك فيما قص به(4) من نبأهم في القرآن، فكان من ~~الأتباع للفراعنة والنماردة وملوك الفرس والروم على الضلال، ما لا يحيل(5) ~~على ذي عقل ممن سمع الكتاب، ليعلم بما شرحناه أنه لا معتبر في الحق ~~بالاجتماع، ولا معتمد في الباطل على الاختلاف، وإنما مدار PageV01P045 # الأمر في هذين البابين على الحجج والبينات، لما وصفناه من وجود الاجتماع ~~على الظلال، والاختلاف والتباين في الهدى، والصواب بما بيناه، ولا سبيل إلى ~~دفعه إلا بالعناد. ### || فصل # فأما قوله: فلم لا يجاهدهم أمير المؤمنين (عليه السلام) كما جاهد ~~الناكثين والقاسطين والمارقين؟ فقد ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما ~~تظاهر عنه ms011 من الأخبار، فكان من(1) الجواب حيث يقول: " أما والله، لولا حضور ~~الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر(2)، وما أخذ الله على العلماء(3) أن لا ~~يقاروا على كظة(4) ظالم، ولا سغب(5) مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ~~ولسقيت آخرها بكأس أولها "(6). # فدل على أنه (عليه السلام) إنما ترك جهاد الأولين لعدم الأنصار، وجاهد ~~الآخرين لوجود الأعوان، وكان ذلك هو الصلاح الشامل على معلوم الله تعالى ~~وشرائط حكمته في التدبيرات. PageV01P046 # فإن قال: أفليس قد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " ما كان ~~الله ليجمع أمتي على ضلال "(1) فكيف يصح اجتماع الأمة على دفع المستحق عن ~~حقه والرضا بخلاف الصواب، وذلك ضلال بلا اختلاف؟ # قيل له: أول ما في هذا الباب أن الرواية لما ذكرت غير معلومة عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله)، وإنما جاءت بها الأخبار على اختلاف من المعاني ~~والألفاظ، وقد دفع صحتها جماعة من رؤساء أهل النظر والاعتبار، وأنكرها إمام ~~المعتزلة وشيخها إبراهيم بن سيار النظام(2) وبعد: فلو ثبت ما ضرنا فيما ~~وصفناه، لأنا لا نحكم بإجماع أمة الإسلام على الرضا بما صنعه المتقدمون على ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) فكيف نحكم بذلك ونحن نعلم يقينا - كالاضطرار - ~~خلاف الأنصار في عقد الإمامة على المهاجرين، وإنكار بني هاشم وأتباعهم على ~~الجميع في تفردهم بالأمر دون أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد جاءت ~~الأخبار مستفيضة بأقاويل جماعة من وجوه(3) الصحابة في إنكار ما جرى، وتظلم ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) من ذلك(4) برفع الصوت والإجهار؟! PageV01P047 # وكان من قول العباس بن عبد المطلب عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما ~~قد عرفه الناس، ومن أبي سفيان بن حرب والزبير بن العوام أيضا ما لا يخفى ~~على من سمع الأخبار، وكذلك من عمار بن ياسر وسلمان وأبي ذر والمقداد وبريدة ~~الأسلمي وخالد بن سعيد بن العاص في جماعات يطول بذكرها الكلام. # وهذا يبطل ما ظنه الخصم من اعتقاد(1) الاجماع على إمامة المتقدم(2) على ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) على أنه لا شبهة تعرض في إجماع(3) الأمة ms012 على ~~أبي بكر وعمر وعثمان إلا وهي عارضة في قتل عثمان بن عفان، وإمامة معاوية من ~~بعد صلح الحسن (عليه السلام)، وطاعة يزيد بعد الحرة، وإمامة بني أمية وبني مروان. # فإن وجب(4) لذلك القطع بالإجماع على الثلاثة المذكورين حتى تثبت إمامتهم ~~ويقضى لهم بالصواب ليكون جميع من ذكرناه شركاءهم في الإمامة، وثبوت الرئاسة ~~الدينية والسلطان، إذ العلة واحدة فيما أوجب لهم ذلك، فهو ظاهر التسليم ~~والانقياد على الاجتماع، وترك النكير والخلاف، وهذا ما يأباه أهل العلم ~~كافة، ولا يذهب إليه أحد من أهل التمييز لتناقضه في الاعتقاد. PageV01P048 # فإن قال: أليس قد روى أصحاب الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه ~~قال: " خير القرون القرن الذي أنا فيه، ثم الذين يلونه(1) "(2). # وقال (عليه السلام): " إن الله تعالى اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما ~~شئتم فقد غفرت لكم "(3). # وقال (عليه السلام): " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم "(4) فكيف ~~يصح مع هذه الأحاديث أن يقترف(5) أصحابه السيئات، أو يقيموا على الذنوب ~~والكبائر الموبقات؟! # قيل له: هذه أحاديث آحاد، وهي مضطربة الطرق والإسناد، والخلل ظاهر في ~~معانيها والفساد، وما كان بهذه الصورة لم يعارض الاجماع ولا يقابل(6) حجج ~~الله تعالى وبيناته الواضحات(7)، مع أنه قد عارضها من الأخبار التي جاءت ~~بالصحيح من الإسناد، ورواها الثقات PageV01P049 # عند أصحاب الآثار، وأطبق على نقلها الفريقان من الشيعة والناصبة على ~~الاتفاق، ما ضمن خلاف ما انطوت(1) عليه فأبطلها على البيان: # فمنها: ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " لتتبعن سنن من ~~كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في حجر ضب لاتبعتموهم ". ~~فقالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: " فمن إذن؟! "(2). # وقال (صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي توفي فيه: " أقبلت الفتن كقطع ~~الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة(3) شر من الأولى "(4). # وقال (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع لأصحابه: " ألا وإن دماءكم ~~وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ~~ألا ليبلغ الشاهد منكم ms013 الغائب، ألا لأعرفنكم ترتدون بعدي كفارا، يضرب بعضكم ~~رقاب بعض، ألا إني قد شهدت وغبتم "(5). # وقال (عليه السلام) لأصحابه أيضا: " إنكم محشورون إلى الله تعالى يوم PageV01P050 # القيامة حفاة عراة، وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، ~~فأقول: يا رب، أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا ~~مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم "(1). # وقال (عليه السلام) " أيها الناس، بينا أنا على الحوض إذ مر بكم زمرا، ~~فتفرق بكم الطرق، فأناديكم: ألا هلموا إلى الطريق، فيناديني مناد من ورائي: ~~إنهم بدلوا بعدك، فأقول: ألا سحقا، ألا سحقا "(2). # وقال (عليه السلام): " ما بال أقوام يقولون: إن رحم(3) رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) لا تنفع يوم القيامة، بلى - والله - إن رحمي لموصولة في ~~الدنيا والآخرة، وإني - أيها الناس - فرطكم على الحوض، فإذا جئتم، قال ~~الرجل منكم: # يا رسول الله أنا فلان بن فلان، وقال الآخر: أنا فلان بن فلان، فأقول: ~~أما النسب فقد عرفته، ولكنكم أحدثتم بعدي فارتددتم القهقري "(4). # وقال (عليه السلام) وقد ذكر عنده الدجال: " أنا لفتنة بعضكم أخوف مني ~~لفتنة الدجال "(5). PageV01P051 # وقال (عليه السلام) " إن من أصحابي من لا يراني بعد أن يفارقني "(1). # في أحاديث من هذا الجنس يطول شرحها، وأمرها في الكتب عند أصحاب الحديث ~~أشهر من أن يحتاج فيه إلى برهان، على أن كتاب الله عز وجل شاهد بما ذكرناه، ~~ولو لم يأت حديث فيه لكفى في بيان ما وصفناه: # قال الله سبحانه وتعالى: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ~~وسيجزي الله الشاكرين }(2)، فأخبر تعالى عن ردتهم بعد نبيه (صلى الله عليه ~~وآله) على القطع والثبات. # وقال جل اسمه: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن ~~الله شديد العقاب }(3) فأنذرهم الله سبحانه من الفتنة في الدين، وأعلمهم ~~أنها تشملهم على العموم، إلا من خرج بعصمة الله من الذنوب. # وقال سبحانه وتعالى: { ألم * أحسب ms014 الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين * أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون }(4) ~~وهذا صريح في الخبر عن PageV01P052 # فتنتهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بالاختبار، وتمييزهم بالأعمال. # وقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه }(1) إلى آخر الآية، دليل على ما ذكرناه. # وقوله تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم }(2) ~~يزيد ما شرحناه. # ولو ذهبنا إلى استقصاء ما في هذا الباب من آيات القرآن، والأخبار عن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، لانتشر القول فيه، وطال به الكتاب. # وفي قول أنس بن مالك -: دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدينة، ~~فأضاء منها كل شيء، فلما مات (عليه السلام) أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) الأيدي ونحن في دفنه حتى أنكرنا قلوبنا(3) - ~~شاهد عدل على القوم بما بيناه. # مع أنا نقول لهذا السائل المتعلق بالأخبار الشواذ المتناقضة ما قدمنا ~~حكايته، وأثبتنا أن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين توهمت أنهم ~~لا يقارفون الذنوب، ولا يكتسبون السيئات، هم الذين حصروا عثمان ابن عفان، ~~وشهدوا عليه بالردة عن الإسلام، وخلعوه عن إمامة الأنام، PageV01P053 # وسفكوا دمه على استحلال، وهم الذين نكثوا بيعة أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) بعد العهود والإيمان، وحاربوه بالبصرة، وسفكوا دماء أهل الإسلام، ~~وهم القاسطون بالشام، ومنهم رؤساء المارقة عن الدين والإيمان، ومن قبل منع ~~جمهورهم الزكاة حتى غزاهم إمام عدل عندكم(1)، وسبي ذراريهم، وحكم عليهم ~~بالردة والكفر والضلال. # فإن زعمت أنهم(2) فيما قصصناه من أمرهم(3) على الصواب، فكفاك خزيا بهذا ~~المقال، وإن حكمت عليهم أو على بعضهم(4) بالخطأ وارتكاب الآثام بطلت ~~أحاديثك، ونقضت ما بينته(5) من الاعتلال(6). # ويقال له أيضا: وهؤلاء الصحابة الذين رويت ما رويت فيهم من الأخبار، وغرك ~~منهم التسمية لهم بصحبة النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان ms015 أكابرهم وأفاضلهم ~~أهل بدر، الذين زعمت أن الله قطع لهم المغفرة والرضوان، هم الذي نطق القرآن ~~بكراهتهم للجهاد، ومجادلتهم للنبي (صلى الله عليه وآله) في تركه، وضنهم ~~بأنفسهم من نصره، ورغبتهم في الدنيا، وزهدهم في الثواب، فقال جل اسمه: { ~~كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في ~~الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى PageV01P054 # الموت وهم ينظرون * وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن ~~غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر ~~الكافرين * ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون }(1). # ثم زجرهم الله تعالى عن شقاق نبيهم (صلى الله عليه وآله)، لما علم من خبث ~~نياتهم وأمرهم بالطاعة والاخلاص، وضرب لهم فيما أنبأ به من بواطن(2) ~~أخبارهم وسرائرهم الأمثال، وحذرهم من الفتنة بارتكابهم قبائح الأعمال، وعدد ~~عليهم نعمه ليشكروه ويطيعوه فيما دعاهم إليه من الأعمال، وأنذرهم العقاب من ~~الخيانة لله جلت عظمته، ولرسوله (صلى الله عليه وآله)، فقال تعالى: { يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون * ولا ~~تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون * إن شر الدواب عند الله الصم ~~البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا ~~وهم معرضون * يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون * واتقوا ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب * ~~واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم ~~وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم PageV01P055 # تشكرون * يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ~~وأنتم تعلمون * واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم }(1). # ومن قبيل هذا ما أكده عليهم من فرض الصبر في الجهاد، وتوعدهم بالغضب على ~~الهزيمة، لما علم من ضعف بصائرهم، فلم يلتفتوا إلى وعيده، وأسلموا نبيه ~~(صلى الله عليه وآله) إلى عدوه في ms016 مقام بعد مقام. # فقال سبحانه: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون }(2). # { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار * ~~ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من ~~الله ومأواه جهنم وبئس المصير }(3). # هذا وقد أخبر جل اسمه عن عامة من حضر بدرا من القوم، ومحبتهم للحياة، ~~وخوفهم من الممات، وحضورهم ذلك المكان طمعا في الغنائم والأموال، وأنهم لم ~~يكن لهم نية في نصرة الإسلام. فقال تعالى: # { إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو ~~تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك ~~عن بينة ويحيي من حي عن بينة وإن الله PageV01P056 # لسميع عليم * إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ~~ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور }(1). # وقال في القوم بأعيانهم، وقد أمرهم نبيهم (صلى الله عليه وآله) بالخروج ~~إلى بدر، فتثاقلوا عنه، واحتجوا عليه، ودافعوه عن الخروج معه: # { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ~~وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا ~~قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا * أينما تكونوا يدرككم الموت ~~ولو كنتم في بروج مشيدة }(2) الآية. # وقال تعالى فيهم وقد كان لهم في الأسرى من الرأي: # { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا ~~والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما ~~أخذتم عذاب عظيم }(3). # فأخبر سبحانه بالنص الذي لا يحتمل التأويل أنهم أرادوا الدنيا دون ~~الآخرة، وآثروا العاجلة على الآجلة، وتعمدوا من العصيان ما لولا PageV01P057 # سابق علم الله وكتابه، لعجل لهم العقاب. # وقال تعالى فيما قص(1) من نبأهم في يوم أحد، وهزيمتهم من المشركين، ~~وتسليم ms017 النبي (صلى الله عليه وآله): # { إذ تصعدون ولا تلون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون }(2). # وقال جل اسمه في قصتهم بحنين، وقد ولوا الأدبار ولم يبق مع النبي (صلى ~~الله عليه وآله) أحد غير أمير المؤمنين (عليه السلام)، والعباس بن عبد ~~المطلب رضي الله عنه، وسبعة من بني هاشم ليس معهم غيرهم من الناس(3): # { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما ~~رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين.. ~~}(4) يعني أمير المؤمنين (عليه السلام)، والصابرين معه من بني هاشم دون ~~سائر المنهزمين. # وقال سبحانه في نكثهم عهود النبي (صلى الله عليه وآله) وهو حي بين أظهرهم موجود: # { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد PageV01P058 # الله مسؤولا }(1). # وقد سمع كل من سمع من الأخبار، ما كان يصنعه كثير منهم، والنبي (صلى الله ~~عليه وآله) حي بين أظهرهم، والوحي ينزل عليه بالتوبيخ لهم والتعنيف ~~والإيعاد، ولا يزجرهم ذلك عن أمثال ما ارتكبوه من الآثام: # فمن ذلك ما روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يخطب على المنبر في ~~يوم الجمعة، إذ جاءت عير لقريش قد أقبلت(2) من الشام، ومعها من يضرب بالدف ~~ويصفر(3)، ويستعمل ما حظره الإسلام، فتركوا النبي (صلى الله عليه وآله) ~~قائما على المنبر، وانفضوا عنه إلى اللهو واللعب، رغبة فيه، وزهدا في سماع ~~موعظة النبي صلى الله وآله، وما يتلوه عليهم من القرآن. # فأنزل الله عز وجل فيهم: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك ~~قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين }(4). # وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم(5) يصلي بهم، إذ أقبل رجل PageV01P059 # ببصره سوء يريد المسجد للصلاة، فوقع في بئر كانت هناك فضحكوا منه ~~واستهزؤوا به، وقطعوا الصلاة، ولم يوقروا الدين، ولا هابوا النبي (صلى الله ~~عليه وآله)، ms018 فلما سلم النبي (صلى الله عليه وآله)، قال: " من ضحك فليعد ~~وضوءه والصلاة "(1). # ولما تأخرت عائشة وصفوان بن المعطل(2) في غزوة بني المصطلق، أسرعوا إلى ~~رميها بصفوان، وقذفوها بالفجور، وارتكبوا في ذلك البهتان. # وكان منهم في ليلة العقبة من التنفير لناقته (صلى الله عليه وآله)، ~~والاجتهاد في رميه عنها وقتله بذلك ما كان. # ثم لم يزالوا يكذبون عليه (صلى الله عليه وآله) في الأخبار حتى بلغه ذلك، ~~فقال: " كثرت الكذابة علي فما أتاكم عني من حديث فاعرضوه على القرآن "(3). # فلو لم يدل على تهاونهم بالدين، واستخفافهم بشرع نبيهم (صلى الله عليه ~~وآله)، إلا أنهم كانوا قد تلقوا عنه أحكام الإسلام على الاتفاق، فلما مضى ~~(صلى الله عليه وآله) من بينهم جاؤوا بجميعها على غاية الاختلاف، لكفى في ~~ظهور حالهم ووضح به أمرهم وبان، فكيف وقد ذكرنا من ذلك طرفا PageV01P060 # يستبصر به أهل الاعتبار، وإن عدلنا عن ذكر الأكثر إيثارا للاختصار. # فأما من كان منهم يظاهر النبي (صلى الله عليه وآله) بالإيمان(1)، ممن ~~يقيم معه الصلاة، ويؤتي الزكاة، وينفق في سبيل الله، ويحضر الجهاد، ويباطنه ~~بالكفر والعدوان(2)، فقد نطق بذكره القرآن كما نطق بذكر من ظهر منه النفاق: # قال الله تعالى { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا }(3). # وقال جل اسمه فيهم: { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا ~~بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون }(4). # وقال تعالى: { وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم }(5). # وقال سبحانه: { ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم PageV01P061 # ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم }(1). # وقال عز وجل: { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم ~~خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فأحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون }(2). # وقال فيهم وقد أحاطوا بالنبي (صلى الله عليه وآله)، وجعلوا مجالسهم منه ms019 ~~عن يمينه وشماله، ليلبسوا بذلك على المؤمنين: # { فمال الذين كفروا قبلك مهطعين * عن اليمين وعن الشمال عزين * أيطمع كل ~~امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم * كلا إنا خلقناهم مما يعلمون }(3). # ثم دل الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) على جماعة منهم وأمره ~~بتألفهم، والاغضاء عمن ظاهره بالنفاق منهم، فقال: { سيحلفون بالله لكم إذا ~~انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما ~~كانوا يكسبون }(4). # وقال: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين }(5). # وقال تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه PageV01P062 # عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ ~~عظيم }(1). # وجعل لهم في الصدقة سهما منصوصا، وفي الغنائم جزءا مفروضا، وكان من ~~عددناه، وتلونا فيه القرآن، وروينا في أحواله(2) الأخبار، قد كانوا من جملة ~~الصحابة(3)، وممن شملهم اسم الصحبة، ويتحقق إلى الاعتزاء إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله) على طبقاتهم في الخطأ والعمد والضلال والنفاق بحسب ما ~~شرحناه، فهل يتعلق عاقل بعد هذا بذكر الصحبة، ومشاهدة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) في القطع على فعل الصواب، وهل يوجب بذلك(4) العصمة والتأييد، إلا ~~بأنه مخذول مصدود(5) عن البيان؟! PageV01P063 PageV01P064 # ### | فصل # فإن قال قائل: لسنا ندفع أنه قد كان في وقت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) طوائف من أهل النفاق يستترون(1) بالإسلام، وأن منهم من كان أمره ~~مطويا عن النبي (صلى الله عليه وآله)، منهم من فضحه الوحي وعرفه الله تعالى ~~نبيه (صلى الله عليه وآله)، ولا ندفع أيضا أنه قد وقع من جماعة من الصحابة ~~الأخيار ذلك سهوا عن الصواب، وخطأ في الهزيمة من الذي فرض عليهم مصابرته في ~~الجهاد، فإن الله تعالى قد عفا عنهم بما أنزله في ذلك من القرآن. # لكنا ندفعكم عن تخطئة أهل السقيفة، ومن اتبعهم من أهل السوابق والفضائل، ~~ومن قطع له رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسلامة، وحكم له بالصواب(2)، ~~وأخبر عنه أنه من أهل الجنان، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي (عليه السلام)، ms020 ~~وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن نفيل وعبد الرحمن بن عوف ~~الزهري وأبي عبيدة بن الجراح، الذين(3) قال PageV01P065 # النبي (صلى الله عليه وآله) فيهم: " عشرة من أصحابي في الجنة "(1) على ما ~~جاء به الثابت في الأخبار، ومن قاربهم في الفضائل، وماثلهم في استحقاق ~~الثواب، فيجب أن يكون الكلام في هؤلاء القوم على الخصوص، دون العموم في ~~الأتباع والأصحاب. # قيل لهم: لو كان سؤالكم فيما سلف عن خاصة من عممتموه على الاطلاق، لصدر ~~جوابنا عنه بحسب ذلك على التمييز والإفراد، لكنكم تعلقتم بالاسم الشامل، ~~فاغتررتم باستحقاق التسمية بالصحبة والاتباع على الاطلاق، فأوضحنا لكم عن ~~غلطكم فيما ظننتموه منه بما لا يستطاع دفعه على الوجوه كلها والأسباب. # وإذا كنتم الآن قد رغبتم عن ذلك السؤال، واعتمدتم في المسألة عمن ذكرتموه ~~على الخصوص دون كافة الأصحاب، فقد سقطت أعظم أصولكم في الكلام، وخرجت ~~الصحبة والاتباع والمشاهدة وسماع الوحي والقرآن، وإقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة، والإنفاق والجهاد من إيجاب الرحمة والرضوان، وسقط الاحتجاج في ~~الجملة، بالعصمة من كبائر الآثام والردة عن الإسلام بذلك، وبما رويتموه ~~عن(2) النبي (صلى الله عليه وآله) من الأخبار، ولم يبق لكم فيمن تتولونه ~~وتدينون(3) بإمامته إلا الظن والعصبية PageV01P066 # للرجال، والتقليد في الاعتقاد، والاعتماد على ما يجري مجرى الأسمار(1) ~~والخرافات، وما لا يثبت على السير والامتحان(2)، وسنقفكم على حقيقة ذلك ~~فيما نورده من الكلام، إن شاء الله تعالى. ### || فصل # وعلى أن الذي تلوناه في باب الأسرى، وإخبار الله تعالى عن إرادة المشير ~~به لعرض الدنيا، وحكمه عليه باستحقاق تعجيل العقاب، لولا ما رفع عن أمة ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذلك، وأخره للمستحقين منهم إلى يوم ~~المآب، لخص أبا بكر ومن شاركه في نيته وإرادته فيه، لأنه هو المشير في ~~الأسرى بما أشار على الاجماع من الأمة والاتفاق، فما عصمته السوابق ~~والفضائل على ما ادعيتموه له من الأخبار بعاقبته، والقطع له بالجنان، حسبما ~~اختلفتموه من الغلط في دين الله عز وجل، والتعمد لمعصية الله، وإيثار ms021 عاجل ~~الدنيا على ثواب الله تعالى، حتى وقع من ذلك ما أبان الله به عن سريرته، ~~وأخبر لأجله عن استحقاقه لعقابه، وهو وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعبد ~~الرحمن وسعد وسعيد وأبو عبيدة بن الجراح في جملة من انهزم يوم أحد، وتوجه ~~إليهم الوعيد من الله عز وجل، ولحقهم التوبيخ والتعنيف على ما اكتسبوه بذلك ~~من الآثام في قوله PageV01P067 # تعالى: { إذ تصعدون ولا تلون على أحد }(1) الآية. # وكذلك كانت حاله يوم حنين، بلا اختلاف بين نقلة الآثار، ولم يثبت أحد ~~منهم مع النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان أبو بكر هو الذي أعجبته في ذلك ~~اليوم كثرة الناس، فقال: لم نغلب اليوم من قلة. ثم كان أول المنهزمين، ومن ~~ولى من القوم الدبر، فقال الله تعالى: { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم ~~تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين }(2) فاختص من ~~التوبيخ به لمقاله بما لم يتوجه إلى غيره، وشارك الباقين في الذم على نقض ~~العهد والميثاق. # وقد كان منه ومن صاحبه يوم خيبر ما لا يختلف فيه من أهل العلم اثنان، ~~وتلك أول حرب حضرها المسلمون بعد بيعة الرضوان، فلم يفيا لله تعالى بالعقد ~~مع قرب العهد، وردا راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أقبح ما يكون ~~من الانهزام، حتى وصفهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالفرار، وأخرجهما ~~من محبة الله عز وجل، ومحبة رسوله (صلى الله عليه وآله) بفحوى مقاله لأمير ~~المؤمنين (عليه السلام)، أو ما يدل عليه الخطاب حيث يقول: " لأعطين الراية ~~غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرار، لا يرجع حتى ~~يفتح الله على يديه "(3) فأعطاها أمير المؤمنين (عليه السلام). # هذا وقد دخل القوم كافة سوى أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى: PageV01P068 # { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا }(1). # فأما ما تعلقوا به في العفو عنهم في قوله تعالى: { إن الذين تولوا منكم ~~يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ms022 ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ~~}(2) الآية، فإنه طريف، يدل على جهلهم، وضعف عقولهم، وذلك أنهم راموا بما ~~تعلقوا به من السوابق التي زعموا لأئمتهم، والقضايا والأخبار عن العواقب ~~دفعا عن إضافة الظلم إليهم، والخطأ في دفع النص على أمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، وجحد حقوقه بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، بما جلب عليهم إيجاب ~~التخطئة لهم في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله)، والحكم عليهم بنقض ~~العهود، وارتكاب كبائر الذنوب، وتوجه الذم إليهم من أجل ذلك والوعيد، ثم ~~اشتغلوا بطلب الحيل في تخليصهم من ذلك(3) وتمحل وجوه العفو عنهم فيما لا ~~يمكنهم دفاعه من خلافهم على الله تعالى، وعلى نبيه (صلى الله عليه وآله) ~~وهو بين أظهرهم، وما كان أغناهم عن هذا التخليط والتهور لو سلكوا طريق(4) ~~الرشاد، ولم تحملهم العصبية على تورطهم، وتدخلهم في(5) العناد! PageV01P069 # وبعد: فإن العفو من الله سبحانه قد يكون عن العاجل من العقاب، وقد يكون ~~عن الآجل من العذاب، وقد يكون عنهما جميعا إذا شاء، وليس في الآية أنه عفا ~~عنهم على كل حال، ولا أنه يعفو عنهم في يوم المآب، بل ظاهرها يدل على ~~الماضي دون المستقبل، ويؤيده قوله تعالى: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل ~~لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا }(1). # فقد ثبت أنه لا يكون العفو في كل حال، وإن عفا فقد عفا عن السؤال، فإذن ~~لا بد أن يكون معنى العفو على ما قلناه في الدنيا عن العاجل دون الآجل، كما ~~عفا سبحانه عنهم في يوم بدر، لما كان منهم من الرأي في الأسرى، وقد أخبر ~~أنه لولا ما سبق في كتابه، من دفع العقاب عن أمة محمد (صلى الله عليه ~~وآله)، وترك معاجلتهم بالنقمات، لمسهم منه جل جلاله عذاب عظيم، أو يكون ~~العفو عن خاص من القوم دون العموم، وإلا لتناقض(2) القرآن. # وعلى أي الوجهين ثبت العفو عن المذكورين، فقد خرج الأمر عن يد خصومنا في ~~براءة ساحة من يذهبون إلى إمامته وتعظيمه والولاية له(3) لأنه لا ms023 تتميز ~~الدعوى إلا بدليل، ولا دليل للقوم إلا ما تلوناه في العفو، وذلك غير موجب ~~بنفسه التغيير والتمييز بخروجه عن PageV01P070 # الاستيعاب، وعن الوقوع على كل حال. # على أنا لو سلمنا لهم العفو عنهم على ما تمنوه، لما أوجب ذلك لهم العفو ~~عما اكتسبوه من بعد من الذنوب، ولا دل(1) على عصمتهم فيما يستقبل من ~~الأوقات، ولا خروجهم عن العمد في المعاصي والشبهات، فأين وجه الحجة لهم ~~فيما اعتمدوه لولا ضعف الرأي واليقين؟! # فأما ما ادعوه على النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: " عشرة من أصحابي ~~في الجنة "(2) ثم سموا أبا بكر وعمر وعثمان ومن تقدم ذكره فيما حكيناه، ~~فإنه ساقط من غير وجه: # أحدها: أن الذي رواه فيما زعموا عن النبي (صلى الله عليه وآله) سعيد بن ~~زيد ابن نفيل، وهو أحد العشرة بما تضمنه لفظ الحديث على شرحهم إياه، وقد ~~ثبت أن من زكى غيره بتزكية نفسه لم تثبت تزكيته لذلك في شريعة الإسلام، ومن ~~شهد لغيره بشهادة له فيها نصيب لم تقبل شهادته باتفاق. # ومنها: أن سعيدا واحد، ورواية الواحد لا يقطع بها على الحق عند الله ~~سبحانه. # ومها: أن دليل العقل يمنع من القطع بالجنة والأمان من النار لمن تجوز منه ~~مواقعة قبائح الأعمال، ومن ليس بمعصوم من الزلل والضلال، لأنه متى قطع له ~~بما ذكرناه، وهو من العصمة خارج بما PageV01P071 # وصفناه، كان مغرى بمواقعة الذنوب والسيئات، مرحا في ارتكاب ما تدعوه إليه ~~الطبائع والشهوات، لأنه يكون آمنا من العذاب، مطمئنا إلى ما أخبر به من حسن ~~عاقبته، وقطع له به من الثواب في الجنات، وذلك فاسد لا يجوز على الحكيم ~~سبحانه، ولا يصح منه تدبير العباد. # وإذا وجب ما ذكرناه، وكانت الأمة مجمعة على ارتفاع العصمة عمن ضمن الخبر ~~أسماءهم، سوى أمير المؤمنين (عليه السلام)، لما تذهب إليه الشيعة من عصمته، ~~ومفارقته للجماعة في التوفيق للصواب، ثبت أن الحديث باطل مختلق، مضاف إلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله). # فصل على أنه يقال لهم لو كان ms024 الخبر كما زعمتم صحيحا، وكان الاتفاق عليه ~~من الجماعة ما تدعون واقعا، لكان الأمان من عذاب الله لأبي بكر وعمر وعثمان ~~به حاصلا، وكان الذم عنهم في حقيقة ذلك زائلا، ولو كان الأمر كذلك لما جزع ~~القوم عند احتضارهم من لقاء الله تعالى، ولا اضطربوا من قدومهم على ~~أعمالهم، مع اعتقادهم أنها مرضية لله سبحانه، ولا شكوا بالظفر في ثواب الله ~~عز وجل. # ولجروا في الطمأنينة لعفو الله تعالى، لثقتهم بخبر الرسول (صلى الله عليه ~~وآله)، مجرى أمير المؤمنين (عليه السلام) في التضرع إلى الله عز وجل في ~~حياته أن يقبضه الله تعالى إليه، ويعجل له السعادة بما وعده من الشهادة، ~~وعند احتضاره أظهر من سروره بقرب لقائه برسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~واستبشاره بالقدوم PageV01P072 # على الله عز وجل، لمعرفته بمكانه منه، ومحله من ثوابه، وقد سبق من كلام ~~الصالحين أن من أطاع الله أحب لقاءه، ومن عصاه كره لقاءه. # والخبر الظاهر أن أبا بكر جعل يدعو بالويل والثبور عند احتضاره، وأن عمر ~~تمنى أن يكون ترابا عند وفاته، وود لو أن أمه لم تلده، وأنه نجا من أعماله ~~كفافا، لا له ولا عليه، وما ظهر من جزع عثمان ابن عفان عند حصر القوم له، ~~وتيقنه بهلاكه، دليل على أن القوم لم يعرفوا من رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) ما تضمنه الخبر من استحقاقهم الجنة على كل حال، ولا أمنوا من عذاب ~~الله سبحانه لقبيح ما وقع منهم الأعمال. # وبعد: فكيف ذهب عن عثمان بن عفان الاحتجاج بهذا الخبر - إن كان حقا - على ~~حاصريه في يوم الدار، وما الذي منعه من الاحتجاج به عليهم في استحلال دمه، ~~وقد ثبت في الشرع حظر دماء أهل الجنان، وما باله تعلق في دفعهم عن نفسه بكل ~~ما وجد إليه السبيل من الاحتجاج، ولم يذكر هذا الخبر في جملة ما اعتمده في ~~هذا المقال؟! # كلا لو كان الأمر على ما ظنه الجهال من صحة هذا الحديث عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله)، ms025 أو روايته في وقت عثمان، لما ذهب عليه التعلق به على ما بيناه. # مع أنا لو سلمنا لهم ما يتمنونه من ثبوت الخبر عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله)، لما أمكنهم به دفع ما ذكرناه من إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ~~وجحد القوم لفرض طاعته على الشبهة والعناد، لأنهم قد علموا ما جرى بين أمير PageV01P073 # المؤمنين (عليه السلام) وبين طلحة والزبير من المباينة في الدين، ~~والتخطئة من بعضهم لبعض والتضليل والحرب، وسفك الدم على الاستحلال به دون ~~التحريم، وخروج الجميع من الدنيا على ظاهر التدين بذلك، دون الرجوع عنه بما ~~يوجب العلم واليقين. # فإن كان ما وقع من الفريقين صوابا - مع ما ذكر ناه - لم ينكر أن يعتقد ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه الإمام بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ~~بلا فصل، ويرى أبو بكر وعمر وعثمان خلاف ذلك، وكونهم على صواب. # وإن كان أحد الفريقين على خطأ، لم ينكر أيضا أن يكون المتقدمون على ~~المؤمنين (عليه السلام) في النص وإنكاره على خلاف الصواب، وإن كانوا جميعا ~~من أهل الثواب(1). # وإن كان الفريقان في حرب البصرة على ضلال، وذلك لا يضرهما في استحقاق ~~النعيم والأمان من الجحيم، كان المتقدمون في الإمامة ودفعها على خطأ، وإن ~~كانوا من أهل النعيم، ولم يضر ذلك بأمانهم(2) من عذاب السعير، وهذا أقرب ~~لأنه جرى ما جرى من أهل البصرة، وفي ذلك زيادة عليه بالحرب وسفك الدماء، ~~وإظهار البراءة والتفسيق. # وإن زعم مخالفونا أن المحق من الفريقين أمير المؤمنين (عليه السلام) PageV01P074 # وأصحابه دون من خالفهم، غير أن المخالفين تابوا قبل خروجهم من الدنيا ~~فيما بينهم وبين الله عز وجل، بدلالة الخبر وما تضمنه من استحقاقهم لثواب ~~الله تعالى على التحقيق. # فكذلك يقال لهم: إن المتقدمين على أمير المؤمنين (عليه السلام) كانوا ~~بذلك ضالين، ولكنهم تابوا قبل خروجهم من الدنيا في سرائر هم وفيما بينهم ~~وبين خالقهم، وإن لم يكن ذلك منهم على الظهور، بدلالة الخبر على ما رتبوه، ~~وهذا يدمر معتمدهم فيما تعلقوا به من ms026 الحديث في دفع النص على إمامة أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) لتقدم من سموه، وزعموا أنه(1) من أهل الجنة، ولا ~~يجوز لهم دفع الحق على كل الوجوه، والله الموفق. PageV01P075 PageV01P076 # ### | فصل # فإن قال قائل: فإني أترك التعلق بالخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) ~~بأن القوم في الجنة لما طعنتم به فيه، مما لا أجد منه مخلصا، ولكن خبروني ~~عن قوله تعالى: { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا ذلك الفوز العظيم }(1). # أليس قد أوجب لأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد جنات عدن، ~~ومنع بذلك من تجويز الخطأ عليهم في الدين والزلل عن الطريق المستقيم، فكيف ~~يصح القول مع ذلك بأن الإمامة كانت دونهم لأمير المؤمنين (عليه السلام) ~~وأنهم دفعوه بالتقدم عليه عن حق وجب له على اليقين، وهل هذا إلا متناقض؟! # قيل له: إن الله سبحانه لا يعد أحدا بالثواب إلا على شرط الاخلاص ~~والموافاة بما يتوجه الوعد بالثواب عليه، وأجل من أن يعري PageV01P077 # ظاهر اللفظ بالوعد عن الشروط، لما في العقل من الدليل على ذلك والبرهان. # وإذا كان الأمر على ما وصفناه، فالحاجة ماسة إلى ثبوت أفعال من ذكرت في ~~السبق والطاعة لله تعالى في امتثال أوامره ظاهرا على وجه الاخلاص، ثم ~~الموافاة بها على ما ذكرناه حتى يتحقق لهم الوعد بالرضوان والنعيم المقيم ~~وهذا لم يقم عليه دليل، ولا تثبت لمن ذكرت حجة توجب العلم واليقين، فلا ~~معنى للتعلق بظاهر الآية فيه، مع أن الوعد من الله تعالى بالرضوان إنما ~~توجه إلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، دون أن يكون متوجها إلى ~~التالين الأولين. # والذين سميتهم من المتقدمين على أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن ضممت ~~إليهم في الذكر، لم يكونوا من الأولين في السبق، وإنما كانوا من التالين ~~للأولين، والتالين للتالين. # والسابقون الأولون من المهاجرين، هم: أمير المؤمنين (عليه السلام)، وجعفر ~~بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وخباب، وزيد بن حارثة، ms027 وعمار وطبقتهم. # ومن الأنصار النقباء المعروفون(1)، كأبي أيوب، وسعد بن معاذ، وأبي الهيثم ~~بن التيهان، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، ومن كان في طبقتهم من الأنصار. PageV01P078 # فأما أصحابك فهم الطبقة الثانية ممن ذكرناه، والوعد إنما حصل للمتقدمين ~~في الإيمان دونهم على ما بيناه، وهذا يسقط ما توهمت. ### || فصل # ثم يقال له: قد وعد الله المؤمنين والمؤمنات في الجملة مثل وعد به ~~السابقين من المهاجرين والأنصار، ولم يوجب ذلك نفي الغلط عن كل من استحق ~~اسم الإيمان، ولا إيجاب العصمة له من الضلال، ولا القطع له بالجنة على كل حال. # قال الله عز وجل: { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو ~~الفوز العظيم }(1). # فإن وجب للمتقدمين على أمير المؤمنين (عليه السلام) الثواب على كل حال، ~~لاستحقاقهم الوصف بأنهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار على ما ~~ادعيت لهم في المقال، فإنه يجب مثل ذلك لكل من استحق اسم الإيمان في حال من ~~الأحوال، بما تلوناه، وهذا ما لا يذهب إليه أحد من أهل الإسلام. # ويقال له أيضا: قد وعد الله الصادقين مثل ذلك، فقطع لهم بالمغفرة ~~والرضوان، فقال سبحانه: { هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم PageV01P079 # ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم }(1). # فهل يجب لذلك أن يقطع على كل من صدق في مقاله بالعصمة من الضلال، ويوجب ~~له الثواب المقيم، وإن ضم إلى فعله قبائح الأفعال؟! # فإن قال: نعم. خرج عن ملة الإسلام، وإن قال: لا يجب ذلك لعلة من العلل. ~~قيل له في آية السابقين مثل ما قال، فإنه لا يجد فرقا. # ويقال له أيضا: ما تصنع في قول الله تعالى: { وبشر الصابرين * الذين إذا ~~أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ~~ورحمة وأولئك هم المهتدون }(2)؟! # أتقول أن كل من صبر(3) على مصاب فاسترجع مقطوع له بالعصمة والأمان من ~~العذاب، ms028 وإن كان مخالفا لك في الاعتقاد، بل مخالفا للإسلام؟! # فإن قال: نعم ظهر خزيه، وإن قال: لا يجب ذلك. وذهب في الآية إلى الخصوص ~~دون الاشتراط، سقط معتمده من عموم آية السابقين، ولم يبق معه ظاهر فيما ~~اشتبه به الأمر عليه في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وخطأ المتقدمين ~~عليه حسب ما ذكرناه. # وهذا باب إن بسطنا القول فيه، واستوفينا الكلام في معانيه، PageV01P080 # طال به الخطاب، وفيما اختصرناه كفاية لذوي الألباب. ### || فصل # فإن قال في أصل الجواب أنه لا يجوز تخصيص السابقين الأولين، ولا الاشتراط ~~فيهم، لأنه سبحانه قد اشترط في التابعين، وخصهم بقوله: # { والذين اتبعوهم بإحسان }(1). # فلو كان في السابقين الأولين من يقع منه غير الحسن الجميل، لما أطلق ~~الرضا عنهم في الذكر ذلك الاطلاق، واشترط فيمن وصله بهم من التابعين. # قيل له: أول ما في هذا الباب، أنك أوجبت للسابقين بهذا الكلام العصمة من ~~الذنوب، ورفعت عنهم جواز الخطأ وما يلحقهم به من العيوب، والأمة مجمعة على ~~خلاف ذلك لمن زعمت أن الآية فيه صريحة(2)، لأن الشيعة تذهب إلى تخطئة ~~المتقدمين على أمير المؤمنين (عليه السلام)، والمعتزلة والشيعة وأكثر ~~المرجئة وأصحاب الحديث يضللون طلحة والزبير في قتالهم أمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، والخوارج تخطئ أمير المؤمنين (عليه السلام) وتبرأ منه ومن عثمان، ~~وطلحة والزبير ومن كان في حيزهما، وتكفرهم بحربهم أمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، وولايتهم(3) عثمان بن عفان، فيعلم PageV01P081 # أن إيجاب العصمة لمن يزعم أن الله تعالى عناه في الآية(1) بالرضوان باطل، ~~والقول به خروج عن الاجماع. # على أن قوله تعالى: { والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ~~}(2) ليس هو شرطا في التابعين، وإنما هو وصف للاتباع، وتمييز له من ضروبه ~~التي لا يوجب شيء منها الرحمة والغفران، وهذا مما لا يبطل الخصوص في ~~السابقين، والشرط في أفعالهم على ما ذكرناه. # مع أنا قد بينا أن المراد بالسابقين الأولين، هم الطبقة الأولى من ~~المهاجرين والأنصار، وذكرنا أعيانهم وليس من المتقدمين على أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) والمخالفين عليه من ms029 كان من الأولين، وإن كان فيهم جماعة من ~~التالين، ولسنا ندفع ظاهر الأولين من القوم، وأنهم من أهل الثواب وجنات ~~النعيم على عمومهم دون الخصوص، وهذا أيضا يسقط تعلقهم بما ذكروه في ~~التابعين، على أنه لا يمتنع أن يكون الشرط في التابعين شرطا في السابقين، ~~ويكتفى به بذكر السابقين للاختصار، ولأن وروده(3) في الذكر على الاقتران. # ويجري ذلك مجرى قوله تعالى: { والله ورسوله أحق أن يرضوه }(4) PageV01P082 # وقوله تعالى: { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ~~فبشرهم بعذاب أليم }(1). # ويقال له أيضا: أليس الله تعالى يقول: { كل نفس بما كسبت رهينة * إلا ~~أصحاب اليمين }(2). # وفي الأنفس من لم يرده، ولم يستثنه لفظا، وهم: الأطفال والبله(3) ~~والبهائم والمجانين؟! وإنما يدل استثناؤهم لفظا(4) على استثناء أهل(5) ~~العقول. # فبم ينكر أن يكون الشرط في السابقين مثل الشرط في التابعين، وأن اللفظ من ~~ذكر السابقين موجود في التابعين؟ وهذا بين لمن تدبره. # على أن الذي ذكرناه في الخبر، وبينا أنه لا يجوز من الحكيم تعالى أن يقطع ~~بالجنة إلا على شرط الاخلاص، لما تحظره الحكمة من الاغراء بالذنوب، يبطل ~~ظنهم في تأويل هذه الآية، وكل ما يتعلقون به من غيرها في القطع على أمان ~~أصحابهم من النار، للاجماع على ارتفاع العصمة عنهم، وأنهم كانوا ممن يجوز ~~عليه اقتراف الآثام، وركوب الخلاف لله تعالى على العمد والنسيان، وقد تقدم ~~ذلك فيما سلف، فلا حاجة بنا إلى الإطالة فيه. PageV01P083 ### || فصل آخر # ويمكن أيضا مما ذكرناه من أمر طلحة والزبير وقتالهما لأمير المؤمنين ~~(عليه السلام)، وهما عند المخالفين من السابقين(1) الأولين، ويضم إليه ما ~~كان من سعد بن عبادة، وهو سيد الأنصار ومن السابقين الأولين، ونقباء رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) في السقيفة، ترشح(2) للخلافة، ودعا أصحابه إليه، ~~وما راموه من البيعة له على الإمامة حتى غلبهم المهاجرون على الأمر، فلم ~~يزل مخالفا لأبي بكر وعمر، ممتنعا عن بيعتهما في أهل بيته وولده وأشياعه ~~إلى أن قتل بالشام على خلافهما ومباينتهما(3). # وإذا جاز من بعض ms030 السابقين دفع الحق في الإمامة، واعتقاد الباطل فيها، ~~وجاز من بعضهم استحلال الدم على الضلال، والخروج من الدنيا على غير توبة ~~ظاهرة للأنام، فما تنكر من وقوع مثل ذلك من المتقدمين على أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) - وإن كانوا من السابقين الأولين(4) - وما الذي يعصمهم مما ~~وقع من شركائهم في السبق والهجرة وغير ذلك مما تعدونه لهم في الصفات، وهذا ~~مما لا سبيل إلى دفعه. PageV01P084 # ### | فصل # فإن قال: فإذا كنتم قد أخرجتم المتقدمين على أمير المؤمنين والمحاربين له ~~والقاعدين عنه من رضا الله تعالى، وما ضمنته آية السابقين بالشرط على ما ~~ذكرتم، والتخصيص الذي وصفتم، ولما اعتمدتموه من تعريهم من العصمة، وما ~~واقعه - من سميتموه منهم على الاجماع - من الذنوب، فخبروني عن قوله تعالى: ~~{ لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة }(1). # فكيف يصح لكم تأويله بما يخرج القوم من الرضا والغفران، والاجماع منعقد ~~على أن أبا بكر وعمر(2) وطلحة والزبير وسعدا وسعيدا قد بايعوا تحت الشجرة، ~~وعاهدوا النبي (صلى الله عليه وآله)، أوليس هذا الاجماع يوجب الرضا على ~~البيان؟ # قيل له: القول في الآيتين جميعا سواء، وهو في هذه الآية أبين PageV01P085 # وأوضح وأقرب طريقا، وذلك أن الله تعالى ذكر المبايعين(1)، وخصص من توجه ~~إليه الرضا من جملتهم بعلامات نطق بها التنزيل، ودل بذلك على أن أصحابك - ~~أيها الخصم - خارجون عن الرضا على التحقيق، فقال جل اسمه: { لقد رضى الله ~~عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ~~وأثابهم فتحا قريبا }(2). # فخص سبحانه بالرضا منهم من علم الله منهم الوفاء، وجعل علامته من بينهم ~~ثباته في الحروب بنزول السكينة عليه، وكون الفتح القريب به وعلى يديه، ولا ~~خلاف بين الأمة أن أول حرب لقيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد بيعة ~~الرضوان حرب خيبر، وأنه قدم أبا بكر فيها فرجع منهزما فارا من مرحب، وثنى ~~بعمر فرجع منهزما فارا، يجبن أصحابه ويجبنونه. # فلما رأى ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: " لأعطين الراية ms031 غدا ~~رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرارا، لا يرجع حتى ~~يفتح الله تعالى على يديه "(3) فأعطاها أمير المؤمنين (عليه السلام) فلقي ~~مرحبا فقتله، وكان الفتح على يديه واختص الرضا به(4)، ومن كان معه من ~~أصحابه وأتباعه، وخرج صاحباك من الرضا بخروجهما عن الوفاء، PageV01P086 # وتعريهما من السكينة، لانهزامهما وفرارهما وخيبتهما من الفتح القريب، ~~لكونه على يد غيرهما، وخرج من سميت من أتبعاهما(1) منه، إذ لا فتح لهم ولا ~~بهم على ما ذكرناه(2) وانكشف عن الرجلين خاصة، بدليل قول رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله): " ويحبه الله ورسوله " ما كان مستورا، لاستحقاقهما في ~~الظاهر ضد ذلك من الوصف، كما استحقا اسم الفرار دون الكرار، ولولا أن الأمر ~~كما وصفناه لبطل معنى كلام النبي (صلى الله عليه وآله)، ولم يكن له فائدة، ~~وفسد تخصيصه عليا (عليه السلام) بما ضمنه من الثناء على ما شرحناه. # ومما يؤيد ذلك ويزيده بيانا قول الله عز وجل: { ولقد كانوا عاهدوا الله ~~من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا }(3). # فدل على أنه تعالى يسأل المولين(4) يوم القيامة عن العهد، ويعاقبهم بنقض ~~العهد، وليس يصح اجتماع الرضا والمسألة والعقاب لشخص واحد، فدل ذلك على ~~خصوص الرضا، ووجب إلحاقه في الحكم بما لا يتوجه إليه السؤال، وإذا وجب ذلك ~~بطل تعلق الخصم في الآية بالعموم، وسقط اعتماده على البيعة في الجملة. # وعلى كل حال، هذا إن لم يكن في الآية نفسها وفيما تلوناه بعدها دليل على ~~خروج القوم من الرضا، وكان الأمر ملتبسا، فكيف وفيها PageV01P087 # أوضح برهان بما رتبناه؟! # ومما يدل على خصوص الآية أيضا قوله تعالى: { ومن يولهم يومئذ دبره إلا ~~متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير }(1). # فتوعد على الفرار بالغضب والنار، كما وعد على الوفاء بالرضا والنعيم، فلو ~~كانت آية الرضا في المبايعين على العموم وعدم الشرط لبطل الوعيد، وخرجت ~~الآية النازلة عن الحكمة(2)، ولم يحصل لها فائدة ولا مفهوم، وذلك فاسد بلا ms032 ~~ارتياب. # ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا }(3). # وهذا صريح باختصاص الرضا بطائفة من المبايعين دون الجميع، وبثبوت الخصوص ~~في الموفين بظاهر التنزيل الذي لا يمكن لأحد دفعه، إلا بالخروج عن الدين. # على أن بعض أصحابنا قد سلم لهم ما ظنوه من توجه الرضا إلى جميع ~~المبايعين(4)، وأراهم أنه غير نافع لهم فيما اعتقدوه، لأن الرضا PageV01P088 # للماضي من الأفعال، وما هو في الحال لا يعصم من وقوع ضده الموجب للسخط في ~~المستقبل، وما يتوقع من الأحوال، وهذا ما لا يمكن لأحد من خصومنا دفعه، إلا ~~من قال منهم بالموافاة فإنه يتعلق بها، وكلامي المتقدم يكفي في الكثير على ~~الجميع، والحمد لله. PageV01P089 # ### | فصل # فإن قال: قد فهمت ما ذكرتموه في هذه وما قبلها من الآي، ولست أرى لأحد ~~حجة في دفعه لوضوحه في البيان، ولكن خبروني عن قوله تعالى في سورة النور: { ~~وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم ~~أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }(1). # أليس قد ذكر المفسرون أنها في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب ~~(عليه السلام)؟! واستدل المتكلمون من مخالفيكم على صحة ذلك، بما حصل لهم من ~~جميع هذه الصفات: # فأولها: أنهم كانوا حاضرين لنزولها بدليل كاف المواجهة(2) بلا اختلاف، ثم ~~أنهم كانوا ممن خاف في أول الإسلام، فآمنهم الله تعالى، ومكن لهم في ~~البلاد، وخلفوا النبي (صلى الله عليه وآله) وأطاعهم العباد، فثبت أنها PageV01P090 # نزلت فيهم بهذا الضرب من الاعتبار، وإلا فبينوا لنا الوجه في معناها، إن ~~لم يكن الأمر على ما ذكرناه. # قيل له: إن تفسير القرآن لا يؤخذ بالرأي، ولا يحمل على اعتقادات الرجال ~~والأهواء، وما حكيته من ذلك عن المفسرين فليس هو إجماعا منهم، ولا مرجوعا ~~به إلى ثقة ms033 ممن تعاطاه ومن ادعاه، ولم يسنده إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله)، ولا إلى من تجب طاعته على الأنام. # وممن فسر القرآن عبد الله بن عباس، والمحكي عنه في تأويل هذه الآية غير ~~ما وصفت بلا تنازع بين حملة الآثار، وكذلك المروي عن محمد بن علي عليهما ~~السلام، وعن عطاء ومجاهد(1)، وإنما ذكر ذلك برأيه وعصبيته مقاتل بن سليمان، ~~وقد عرف نصبه لآل محمد (صلى الله عليه وآله) وجهله وكثرة تخاليطه في الجبر ~~والتشبيه، وما ضمنته كتبه في معاني القرآن. # على أن المفسرين للقرآن طائفتان: شيعة، وحشوية، فالشيعة لها في هذه الآية ~~تأويل معروف تسنده إلى أئمة الهدى عليهم السلام، والحشوية مختلفة في ~~أقاويلها على ما ذكرناه، فمن أين يصح إضافة ما ادعوه من التأويل إلى مفسري ~~القرآن جميعا على الاطلاق، لولا عمى العيون وارتكاب العناد؟! # فأما ما حكوه(2) في معناها عن المتكلمين منهم، فقد اعتمده PageV01P091 # جميعهم على ما وصفوه بالاعتبار الذي ذكروه، وهو ضلال عن المراد(1)، وخطأ ~~ظاهر الفساد، من وجوه لا تخفى على من وفق للرشاد: # أحدها: أن الوعد مشترط بالإيمان على التحقيق بالأعمال الصالحات، وليس على ~~ما يذهب إليه مخالفونا من إيمان أصحابهم على الحقيقة، وأنهم كانوا من أصحاب ~~الصالحات بإجماع، ولا دليل يقطع به على الحق عند الله، بل الخلاف في ذلك ~~ظاهر بينهم وبين خصومهم، والمدافعة عن الأدلة على ذلك موجودة كالعيان. # والثاني: أن المراد في الآية بالاستخلاف إنما هو توريث الأرض والديار، ~~والتبقية(2) لأهل الإيمان بعد هلاك الظالمين لهم من الكفار، دون ما ظنه ~~القوم من الاستخلاف في مقام النبوة، وتملك الإمامة وفرض الطاعة على الأنام. # ألا ترى أن الله سبحانه قد جعل ما وعد به من ذلك مماثلا لما فعله ~~بالمؤمنين وبالأنبياء عليهم السلام قبل هذه الأمة في الاستخلاف(3)، وأخبر ~~بكتابه عن حقيقة ذلك وصورته ومعناه، وكان بصريح ما أنزله من القرآن مفيدا ~~لما ذكرناه، من توريث الديار والنعم والأموال عموم المؤمنين دون خصوصهم ~~ومعنى ما بيناه، دون الإمامة التي هي خلافة للنبوة ms034 والإمرة والسلطان. PageV01P092 # قال الله تعالى في سورة الأعراف: { قال موسى لقومه استعينوا بالله ~~واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين * قالوا ~~أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ~~ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون }(1). # فبشرهم بصبرهم على أذى الكافرين بميراث أرضهم، والملك لديارهم من بعدهم، ~~والاستخلاف على نعمتهم، ولم يرد بشيء من ذلك تمليكهم مقام النبوة والإمامة ~~على سائر الأمة، بل أراد ما بيناه. # ونظير هذا الاستخلاف من الله سبحانه لعباده، ومما هو في معناه، قوله جل ~~اسمه في سورة الأنعام: { وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من ~~بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين }(2) وليس هذا الاستخلاف من ~~الإمامة وخلافة النبوة في شيء وإنما هو ما قدمنا ذكره ووصفناه. # وقوله تعالى: { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ~~}(3) فإنما أراد بذلك تبقيتهم(4) بعد هلاك الماضين، وتوريثهم ما كانوا فيه ~~من النعم، فجعله(5) من مننه عليهم ولطفه بهم PageV01P093 # ليطيعوه ولا يكفروا به كما فعل الأولون. # ومنه قوله تعالى: { آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ~~فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير }(1) وقد علم كل ذي عقل أن هذا ~~الاستخلاف مباين للعامة في معناه، وقد وفى الله الكريم موعده لأصحاب نبيه ~~(صلى الله عليه وآله) جميعا في حياته وبعد وفاته، ففتح لهم البلاد، وملكهم ~~رقاب العباد، وأحلهم الديار، وأغنمهم الأموال، فقال عز من قائل: { وأورثكم ~~أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها }(2). # وإذا كان الأمر على ما وصفناه، ثبت أن المراد بالآية من الاستخلاف ما ~~ذكرناه، ولم يتضمن ذلك الإمامة وخلافة النبوة على ما بيناه، وكان الوعد به ~~عموما لأهل الإيمان(3) بما شرحناه، وبطل ما تعلق به خصومنا في إمامة ~~المتقدمين على أمير المؤمنين (عليه السلام) ووضح جهلهم في الاعتماد على ~~التأويل الذي حكيناه عنهم للآية لما تلوناه من كتاب الله تعالى وفصلنا وجهه ~~وكشفناه. # وقد حكى هذا المعنى بعينه في ms035 تأويل هذه الآية الربيع عن أبي العالية(4)، ~~والحسين بن محمد، عن الحكم، وغيرهما، عن جماعات من PageV01P094 # التابعين، ومفسري القرآن(1). ### || فصل # على أن عموم الوعد بالاستخلاف للمؤمنين الذي عملوا الصالحات من أصحاب ~~النبي (صلى الله عليه وآله)، على ما اختصوا به من الصفات في عبادتهم لله ~~تعالى على الخوف والأذى والاستسرار بدين الله جل اسمه، على ما نطق به ~~القرآن، يمنع مما ادعاه(2) أهل الخلاف من تخصيص أربعة منهم دون الجميع، ~~لتناقض اجتماع معاني العموم على الاستيعاب والخصوص، ووجوب دفع أحدهما صاحبه ~~بمقتضى العقول(3). # وإذا ثبت عموم الوعد، وجب صحة ما ذكرناه في معنى الاستخلاف من توريث ~~الديار والأموال، وظهور عموم ذلك لجميعهم(4) في حياة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) وبعده بلا اختلاف، بطل ما ظنه الخصوم في ذلك وتأولوه على المجازفة، ~~والعدول عن النظر الصحيح. PageV01P095 ### || فصل # فإن قال منهم قائل: إن الآية وإن كان ظاهرها العموم، فالمراد بها الخصوص، ~~بدليل وجود الخلافة فيمن عددناه دون الجميع. وعلى هذا يعتمد متكلموهم. # قيل له: أحلت في ذلك من قبيل أنك إنما أوجبت لأصحابك الإمامة، وقضيت لهم ~~بصحة الخلافة بالآية، وجعلتها ملجأ لك في حجاج خصومك، ودفعهم عما وصفوا به ~~من فساد عقلك، فلما لم يتم(1) لك مرادك من الآية، بما أوجبه عليك عمومها ~~بظاهرها، ودليل متضمنها، عدلت إلى تصحيح تأويلك منها، بادعاء ما تورعت فيه ~~من خلافة القوم، وثبوت إمامتهم، الذي أفقرك عدم البرهان عليه إلى تصحيحه ~~عندك بالآية، فصرت دالا على وجوده معنى تنازع فيه بوجود شيء تتعلق صحة وجوده ~~بوجود ما دفعت(2) عن وجوده، وهذا تناقض من القول، وخبط أوجبه لك(3) الضلال، ~~وأوقعك فيه التقليد والعصبية للرجال، نعوذ بالله من الخذلان. # ثم يقال له: خبرنا عما تدعيه من استخلاف الله تعالى لأئمتك على الأنام، ~~وصحة إمامتهم على ما زعمت فيما سلف لك من الكلام، أبظاهر أمرهم ونهيهم ~~وتملكهم علمت ذلك، وحكمت به على PageV01P096 # القطع والثبات، أم بظاهر الآية ودليلها على ما قدمت من الاعتبار، أم بغير ~~ذلك من ضروب الاستدلال؟ ms036 # فإن قال: بظاهر أمرهم ونهيهم في الأمة، ورئاستهم الجماعة، ونفوذ أمرهم ~~و(1) أحكامهم في البلاد، علمت ذلك وقطعت به على أنهم خلفاء الله تعالى: ~~والأئمة بعد رسوله (عليه السلام). وجب على وفور هذه العلة القطع بصحة إمامة ~~كل من ادعى خلافة الرسول (صلى الله عليه وآله)، ونفذت إحكامه وقضاياه في ~~البلاد، وهذا ما لا يذهب إليه أحد من أهل الإيمان. # وإن قال: إنما علمت صحة خلافتهم بالآية ودلائلها على الاعتبار. # قيل له: ما وجه دلالة الآية على ذلك، وأنت دافع لعمومها في جميع أهل ~~الإيمان، وموجب خصوصها بغير معنى في ظاهرها، ولا في باطنها، ولا مقتضاها ~~على الأحوال؟ فلا يجد شيئا يتعلق به فيما ادعاه. # وإن قال: إن دلالتي على ما ادعيت من صحة خلافتهم معنى غير الآية نفسها، ~~بل من الظاهر(2) من أمر القوم ونهيهم، وتأمرهم على الأنام. خرجت الآية عن ~~يده، وبانت فضيحته فيما قدره منها وظنه في تأويلها وتمناه، وهذا ظاهر بحمد الله. PageV01P097 ### || فصل # مع أنا لو سلمنا لهم في معنى الاستخلاف أن المراد في الآية ما ذكروه من ~~إمامة الأنام، لما وجب به ما ذهبوا إليه من صحة خلافة المتقدمين على أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) بل كانت الآية نفسها شاهدة بفساد أمرهم وانتقاضه ~~على البيان، وذلك أن الله جل اسمه وعد المؤمنين من أصحاب نبيه (صلى الله ~~عليه وآله) بالاستخلاف، ثوابا لهم على الصبر والإيمان، والاستخلاف من الله ~~تعالى للأئمة لا يكون استخلاف من العباد، ولما ثبت أن أبا بكر كان منصوبا ~~باختيار عمر وأبي عبيدة بن الجراح، وعمر باستخلاف أبي بكر دون النبي (صلى ~~الله عليه وآله)، وعثمان باختيار عبد الرحمن، فسد أن يكونوا داخلين تحت ~~الوعد بالاستخلاف، لتعريهم من النص بالخلافة من الله تعالى، وإقرار ~~مخالفينا - إلا من شذ منهم - أن إمامتهم كانت باختيار، وثبت أن الآية كانت ~~مختصة بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) دونهم، لإجماع شيعته ~~على أن إمامته باستخلاف الله تعالى له، ونصه عليه، وأقامه (عليه السلام) ~~نبيه (صلى ms037 الله عليه وآله) علما للأمة وإماما لها بصريح المقال. ### || فصل آخر # ويقال لهم: ما تنكرون أن يكون خروج أبي بكر وعمر وعثمان من الخوف في أيام ~~النبي (صلى الله عليه وآله) يخرجهم عن الوعد بالاستخلاف، لأنه PageV01P098 # إنما توجه إلى من كان يلحقه الخوف من أذى المشركين، وليس له مانع منهم، ~~كأمير المؤمنين(1)(عليه السلام) وما مني به النبي صلى الله وآله وعمار وأمه ~~وأبيه، والمعذبين بمكة، ومن أخرجهم النبي (صلى الله عليه وآله)، مع جعفر بن ~~أبي طالب إلى بلاد الحبشة لما كان ينالهم من الفتنة والأذى في الدين(2). # فأما أبو بكر فإن الشيعة تذكر أنه لم يكن خائفا في حياة النبي (صلى الله ~~عليه وآله) لأسباب نحن أغنياء عن شرحها، وأنتم تزعمون أن الخوف مرتفع عنه ~~لعزته في قريش ومكانه منهم وكثرة ماله واتساع(3) جاهه، وإعظام القوم له ~~لسنه وتقدمه، حتى أنه كان يجير ولا يجار عليه، ويؤمن ولا يحتاج إلى أمان، ~~وزعمتم إنه اشترى تسعة نفر من العذاب. # وأن عمر بن الخطاب لم يخف قط، ولا هاب أحدا من الأعداء، وأنه جرد سيفه ~~عند إسلامه، وقال: لا يعبد الله اليوم سرا. ثقة بنفسه، وطمأنينة إلى ~~سلامته، وأمنا من الغوائل، وأنه لن يقدم عليه أحد بسوء، لعظم رهبة الناس ~~منه وإجلالهم لمكانه. # وأن عثمان بن عفان كان آمنا ببني أمية، وهم ملاك الأمر إذ ذاك.، فكيف يصح ~~لكم مع هذا القول أن تستدلوا بالآية على صحة خلافتهم ودخولهم(4) تحت الوعد ~~بالاستخلاف، وهم من الوصف المنافي لصفات PageV01P099 # الموعودين بالاستخلاف على ما ذكرناه، لولا أنكم تخبطون فيما تذهبون إليه ~~خبط عشواء؟! ### || فصل # ويقال لهم: أليس يمكنكم إضافة ما تلوتموه من هذه الآية في أئمتكم إلى ~~صادق عن الله تعالى فيجب العمل به، وإنما أسندتم قولكم فيه إلى ضرب من ~~الرأي والاعتبار الفاسد بما أوضحناه. # وقد ورد عن تراجمة القرآن من آل محمد (صلى الله عليه وآله) في تأويلها ما ~~هو أشبه من تأويلكم وأولى بالصواب، فقالوا: إنها نزلت في عترة النبي (صلى ms038 ~~الله عليه وآله) وذريته الأئمة الأطهار عليهم السلام وتضمنت البشارة لهم ~~بالاستخلاف، والتمكن في البلاد، وارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدي منهم، ~~فكانوا (عليه السلام) هم المؤمنين العاملين الصالحات، بعصمتهم(1) من ~~الزلات. # وهم أحق بالاستخلاف على الأنام ممن عداهم، لفضلهم على سائر الناس، وهم ~~المدالون(2) على أعدائهم في آخر الزمان، حتى يتمكنوا في البلاد، ويظهر دين ~~الله تعالى بهم ظهورا لا يستخفي على أحد من العباد، ويأمنون بعد طول خوفهم ~~من الضالمين المرتكبين في PageV01P100 # أذاهم الفساد(1)، وقد دل القرآن على ذلك وجاءت به الأخبار: # قال الله عز وجل: { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها ~~عبادي الصالحون }(2). # وقال تعالى: { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون }(3). # وقال تعالى: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة ~~يكون عليهم شهيدا }(4). وكل هذه أمور منتظرة، غير ماضية ولا موجودة في الحال. # ومثلهم فيما بشرهم الله تعالى به من ذلك ما تضمنه قوله تعالى: # { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودههما منهم ما كانوا ~~يحذرون }(5) وقوله تعالى في بني إسرائيل: { ثم رددنا لكم الكرة عليهم ~~وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا }(6). # ومما أنزله فيهم سوى المثل لهم (عليه السلام) قوله تعالى: { الذين إن PageV01P101 # مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الأمور }(1). فصار معاني جميع ما تلوناه راجعا إلى ~~الإشارة إليهم عليهم السلام بما ذكرناه. # ويحقق.(2) ذلك ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) على الاتفاق من قوله: # " لن تنقضي الأيام والليالي حتى يبعث الله رجلا من أهل بيتي يواطئ اسمه ~~اسمي، يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا "(3). # وأما ما تعلقوا به من كاف المواجهة، فإنه لا يخل بما شرحناه في التأويل ~~من آل محمد عليهم السلام لأن القائم من آل محمد والموجود من أهل بيته في ~~حياته هم من المواجهين في الحقيقة ms039 والنسب والحسب، وإن لم يكن من أعيانهم، ~~فإذا كان منهم بما وصفناه، فقد دخل تحت الخاطب، وبطل ما توهم أهل الخلاف. ### || فصل # على أنه يقال لهم: ما الفصل بينكم فيما تأولتم به هذه الآية(4) وبين من ~~تأولها خلاف تأويلكم، فأوجب حكمها في غير من سميتم، ولجأ PageV01P102 # في صحة مقاله إلى مثل عيوبكم، فقال: # إن الله جل اسمه بشر في هذه الآية بالاستخلاف أبا سفيان صخر بن حرب، ~~ومعاوية ويزيد ابني أبي سفيان، وذلك أني قد وجدتهم انتظموا صفات الموعودين ~~بالاستخلاف، وكانوا من الخائفين عند قوة الإسلام لخلافهم على النبي (صلى ~~الله عليه وآله)، فتوجه إليهم الوعد من الله سبحانه بالأمن من الخوف، بشرط ~~الانتقال إلى الإيمان، واستئناف الأعمال الصالحات، والاستخلاف بعد ذلك، ~~والتمكين لهم في البلاد، ثوابا لهم على طاعة الله وطاعة رسوله (صلى الله ~~عليه وآله)، وترغيبا لهم في الإيمان، فأجابوا الله تعالى إلى ما دعاهم ~~إليه، وأذعنوا بالإسلام، وعملوا الصالحات، فأمنوا من المخوفات. # واستخلفهم النبي (صلى الله عليه وآله) في حياته، كانوا من بعده خلفاء ~~لخلفائه الراشدين، ألا ترى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) استخلف أبا ~~سفيان على سبي الطائف، وهم يومئذ ستة آلاف إنسان، واستعمله من بعد ذلك على ~~نجران فلم يزل عامله عليها حتى قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو ~~خليفته فيها من غير عزل له ولا استبدال. # واستعمل أيضا - صلوات الله عليه - يزيد بن أبي سفيان على صدقات أخواله ~~بني فراس بن غنم، فجباها(1) وقدم بها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~فلقيه أبوه أبو سفيان فطلب منه مال الصدقات، فأبى أن يعطيه، فقال: PageV01P103 # إذا صرت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبره بذلك، فأخبره فقال له: # " خذ المال فعد به إلى أبيك ". فسوغه مال الصدقات كله، صلة لرحمه، ~~وإكراما له، وتمييزا له من كافة أهل الإسلام. # واستعمل رسول الله صلى عليه وآله على كتابته معاوية، وكان والي خليفتيه ~~من بعده عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وولى أبو ms040 بكر يزيد ابن أبي سفيان ~~ربع أجناد الشام، وتوفي وهو خليفته على ذلك، فأقره عمر بن الخطاب إلى أن ~~مات خلافته. # وإذا كان أبو سفيان ومعاوية ويزيد - ابناه - على ظاهر الإسلام والإيمان ~~والعمل الصالح، وكان لهم من الخلافة في الإسلام ما وصفناه، ثم الذي حصل ~~لمعاوية من الإمرة بعد أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبيعة الحسن بن علي ~~(عليه السلام)، وتسليم الأمر إليه، حتى سمي عامه (عام الجماعة) للاتفاق، ~~ولم يسم عام أحد من الخلفاء قبله بذلك، ثبت أنهم المعنيون في الآية ببشارة ~~الاستخلاف، دون من ادعيتم له ذلك بمعنى الاستدلال على ما انتظمتموه من ~~الاعتبار. # وهذا أشبه من تأويل المعتزلة للآية في أبي بكر وعمر وعثمان، وهو ناقض ~~لمذاهبهم، ومضاد لاعتقاداتهم، ولا فضل لأحد منهم فيه إلا أن يرجع في ~~العبرة(1) إلى ما شرحناه، أو يعتمد في التفسير على الأثر حسبما قدمناه، ~~فيبطل حينئذ توهمه فيما تأوله على ما بيناه(2)، والحمد لله. PageV01P104 ### || فصل # ثم يقال لهم أيضا: ألستم تعلمون أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط وعبد الله ~~بن أبي سرح قد كانا واليين على المسلمين من قبل عثمان بن عفان، وهو إمام ~~عدل عندكم مرضي الفعال، وقد كان مروان ابن الحكم كذلك، ثم خطب له على ~~المنابر في الإسلام بإمرة المؤمنين، كما خطب لعمر بن الخطاب وعثمان بن ~~عفان، وكذلك أيضا ابنه عبد الملك، ومن بعده من بني أمية، قد حكموا في ~~العباد وتمكنوا في البلاد، فبأي شيء تدفعون صرف معنى الآية إليهم، والوعد ~~بالاستخلاف لهم، وإدخالهم في جملة من سميتموه، وزعمتم أنهم أئمة عدل خلفاء، ~~واعتمدتم في صحة ذلك على ما ذكرناه في أمر أبي سفيان ومعاوية ويزيد - ابنيه ~~- حسبما شرحناه؟! # فلا يجدون مهربا من ذلك بما قدمناه على الترتيب الذي رسمناه، وكذلك ~~السؤال عليهم في عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري، فإنهما ممن كان على ظاهر ~~الإسلام، والعمل الصالح عند الجمهور من الناس، وكانا من المواجهين بالخطاب، ~~وممن خاف في صدر الإسلام، وحصلت لهما ولآيات(1) في حياة ms041 رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)، وخلافة له، ولخلفائه على أصولهم بغير إشكال، وليس يمكن ~~لخصومنا دفع التأويل فيهما بما يتعلقون به في أمية وبني(2) مروان من الخروج ~~عن الخوف PageV01P105 # في صدر الإسلام، وهذا كله تخليط ورطهم الجهل فيه بدين الله تعالى، ~~والعداوة(1) لأوليائه عليهم السلام. PageV01P106 # ### | فصل # فإن قال: قد وضح لي ما ذكرتموه في أمر هذه الآية، وأثبتموه في معناها، ~~كما ظهر الحق لي فيما تقدمها(1)، وانكشف بترادف الحجج التي أوردتموها ما ~~كان مستورا عني من ضعف تأول مخالفيكم لها، غير أني واصف استدلالا لهم من آي ~~آخر على ما يدعونه من إمامة أبي بكر وعمر، لأسمع ما عندكم فيه، فإن أمره قد ~~اشتبه علي ولست أجد محيصا عنه، وذلك أنهم قالوا: وجدنا الله تعالى يقول في ~~سورة الفتح: { سيقول لك المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا ~~نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ~~فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا }(2). # ثم قال: { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما ~~توليتم، من قبل يعذبكم عذابا أليما }(3). PageV01P107 # قالوا: فحظر الله على نبيه (صلى الله عليه وآله) إخراج المخلفين معه ~~بقوله : { قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل }. # ثم أوجب عليهم الخروج مع الداعي لهم من بعده إلى قتال القوم الذين وصفهم ~~بالبأس الشديد من الكفار، وألزمهم طاعته في قتالهم حتى يجيبوا إلى الإسلام ~~ووجدنا الداعي لهم إلى ذلك من بعده أبا بكر وعمر،. # لأن أبا بكر(1) دعاهم إلى قتال المرتدين، وكانوا أولي بأس شديد على الحال ~~المعروفة، ثم دعاهم عمر بن الخطاب من بعده إلى قتال أهل فارس، وكانوا كفارا ~~أشداء، فدل ذلك على إمامتهما بما فرض الله تعالى في كتابه من طاعتهما(2)، ~~فهذا دليل للقوم على نظامه الذي حكيناه، فما قولكم فيه؟ # قيل له: ما نرى في هذا الكلام - على إعجاب أهل الخلاف ms042 به - حجة تؤنس، ولا ~~شبهة تلتبس، وليس فيه أكثر من الدعوى العرية عن البرهان، ومن لجأ إلى مثله ~~فيما يجب بالحجة والبيان، فقد كشف عن عجزه وشهد على نفسه بالخذلان، وذلك أن ~~متضمن الآي ينبئ عن منع المخلفين من اتباع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~عند الانطلاق إلى المغانم التي سأله القوم اتباعه ليأخذوها(3)، وليس فيه ~~حظر عليه صلوات الله عليه وآله إخراجهم PageV01P108 # معه في غير ذلك الوجه، ولا منع له كم من إيجاب الجهاد عليهم معه في مغاز أخر. # وبعد تلك الحال، فمن أين يجب، إذا كان الله تعالى قد أمره بإيذانهم عند ~~الرد لهم عن وجه الغنيمة بالدعوة فيما بعد إلى قتال الكافرين، أن يكون ذلك ~~بدعاء من بعده دون أن يكون بدعائه هو بنفسه صلوات الله عليه وآله، إذا كان ~~(صلى الله عليه وآله) قد دعا أمته إلى قتال طوائف من الكفار أولي بأس شديد ~~بعد هذه الغزاة التي غنم المسلمون، وحظر الله تعالى فيها على المخلفين ~~الخروج، وهل فيما ذكروه من ذلك أكثر من الدعوى على ما وصفناه؟ ### || فصل # ثم يقال لهم: أليس الوجه الذي منع الله تعالى المخلفين من اتباع النبي ~~(صلى الله عليه وآله) فيه الوصول إلى الغنائم منه بالخروج معه، هو فتح ~~خيبر، الذي بشر الله تعالى به أهل بيعة الرضوان على ما اتفق عليه أهل ~~التفسير، وتواتر به أهل السير والآثار(1)؟! فلا بد من أن يقولوا: بلى. وإلا ~~سقط الكلام معهم فيما يتعلق بتأويل القرآن، ويرجع فيه إلى علماء التفسير ~~ورواة الأخبار، إذا ما وصفناه إجماع ممن سميناه. # فيقال لهم: أو لستم تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد غزا بعد ~~غزوة خيبر غزوات عديدة، وسار بنفسه وأصحابه إلى مواطن كثيرة، PageV01P109 # واستنفر(1) الأعراب وغيرهم فيها إلى جهاد الكفار، ولقي المسلمون في تلك ~~المقامات من أعدائهم ما انتظم وصف الله تعالى له بالبأس الشديد، لا سيما ~~بمؤتة(2) وحنين وتبوك سوى ما قبلها وبينها وبعدها من الغزوات؟! ولا بد أيضا ~~من ms043 أن يقولوا: بلى. وإلا وضح من جهلهم ما يحظر مناظرتهم في هذا الباب. # فيقال لهم: فمن أين يخرج لكم مع ما وصفناه - أيها الضعفاء الأوغاد - وجوب ~~طاعة المخلفين من الأعراب بعد النبي (صلى الله عليه وآله) دون أن يكون هو ~~الداعي لهم بنفسه على ما بيناه؟ فلا يجدون حيلة في إثبات ما ادعوه مع ما ~~شرحناه. ### || فصل # ثم يقال لهم: ينبغي أن تنتبهوا من رقدتكم، وتعلموا أن الله تعالى لو أراد ~~منع المخلفين من اتباع النبي (صلى الله عليه وآله) في جميع غزواته - على ما ~~ظننتموه - لما خص ذلك بوقت معين دون ما سواه، ولكان الحظر له واردا على ~~الاطلاق، وبما يوجب عمومه في كل حال، ولما لم يكن الأمر كذلك، بل كان مختصا ~~بزمان الغنائم التي تضمن البشارة فيها القرآن، وبوصف مسألتهم له بالاتباع ~~دون حال الامتناع منه أو الإعراض(3) عن PageV01P110 # السؤال، دل على بطلان ما توهمتموه، ووضح لكم بذلك الصواب. ### || فصل آخر # وقد ظن بعض أهل الخلاف بجهله وقلة(1) علمه أن هؤلاء المخلفين من الأعراب ~~هم الطائفة الذين تخلفوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك، ~~وكانت مظاهرة له بالنفاق، فتعلق فيما ادعاه من حظر النبي صلى الله وآله ~~عليهم الاتباع له على كل حال، بقوله جل اسمه في سورة التوبة: { فإن رجعك ~~الله إلى طائفة منهم استأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا ~~معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين }(2). # فقال: هذا هو المراد بقوله في سورة الفتح: { كذلكم قال الله من قبل }(3) ~~وإذا كان قد منعه من إخراجهم معه أبدا، ثبت أن الداعي لهم إلى قتال القوم ~~الذين وصفهم بالبأس الشديد هو غيره وذلك مصحح عند نفسه ما ادعاه من وجوب ~~طاعة أبي بكر وعمر وعثمان على ما قدمنا القول فيه وبيناه آنفا. # فيقال له: أيها الغافل الغبي الناقص، أين يذهب بك وهذه PageV01P111 # الآية وما قبلها من قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل ~~لكم ms044 انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من ~~الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل }(1) نزلت في غزوة تبوك ~~بإجماع علماء الأمة، ولتفصيل ما قبلها من التأول قصص طويلة قد ذكرها ~~المفسرون، وسطرها مصنفو السير والمحدثون؟! # ولا خلاف أن الآيات التي نزلت في سورة الفتح نزلت في المخلفين عن ~~الحديبية، وبين هاتين الغزوتين من تفاوت الزمان ما لا يختلف فيه اثنان من ~~أهل العلم، وبين الفريقين أيضا في النعت والصفات اختلاف في ظاهر القرآن. # فكيف يكون ما نزل بتبوك - وهي في سنة تسع من الهجرة - متقدما على النازل ~~في عام الحديبية - وهي سنة ست - لولا أنك في حيرة تصدك عن الرشاد؟! # ثم يقال له: فهب أن جهلك بالأخبار، وقلة معرفتك بالسير والآثار، سهل عليك ~~القول في تأويل القرآن بما قضى على بطلانه التأريخ المتفق عليه بواضح ~~البيان، أما سمعت الله جل اسمه يقول في المخلفين من الأعراب: { ستدعون إلى ~~قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا ~~وإن تتولوا كما توليتم، من قبل يعذبكم عذابا أليما }(2). PageV01P112 # فأخبر عن وقوع الدعوة لهم إلى القتال على الاستقبال، وإرجاء أمرهم في ~~الثواب والعقاب بشرطه في الطاعة منهم والعصيان، ولم يقطع بوقوع أحد الأمرين ~~منهم على البيان. # وقال جل اسمه في المخلفين الآخرين من المنافقين المذكورين في سورة براءة: ~~{ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين * ~~ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا وهم فاسقون }(1). # فقطع على استحقاقهم العقاب(2) وأخبر نبيه (صلى الله عليه وآله) بخروجهم ~~من الدنيا على الضلال، ونهاه عن الصلاة عليهم إذا فارقوا الحياة، ليكشف ~~بذلك عن نفاقهم لسائر الناس، وشهد عليهم بالكفر بالله عز اسمه وبرسوله (صلى ~~الله عليه وآله) بصريح الكلام، ولم يجعل لهم في الثواب شرطا على حال، وأكد ~~ذلك بقوله ms045 تعالى: { ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم ~~بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون }(3). # وهذا جزم من الله تعالى على كفرهم في الحال، وموتهم على الشرك PageV01P113 # به، وسوء عاقبتهم وخلودهم في النار، وقد ثبت في(1) العقول فرق ما بين ~~المرجأ أمره فيما يوجب الثواب والعقاب(2)، وبين المقطوع له بأحدها(3) على ~~الوجوه كلها. # وإن الإرجاء لما ذكرناه، والشرط الذي ضمنه كلام الله تعالى فيما تلوناه، ~~لا يصح اجتماعه مع القطع، بما شرحناه من متضمن الآي الأخر على ما بيناه، ~~لشخص واحد ولا لأشخاص متعددة على جميع الأحوال، وإن من جوز(4) ذلك وارتاب ~~في معناه فليس بمحل من يناظر في الديانات، لأنه لا يصير إلى ذلك إلا بآفة ~~تخرجه عن حد(5) العقلاء أو مكابرة ظاهرة وعناد، وهذا كاف في فضيحة هؤلاء ~~الضلال الذين حملهم الجهل بدين الله، والنصب لآل محمد نبيه (صلى الله عليه ~~وآله) على القول في القرآن بغير هدى ولا بيان، نسأل الله التوفيق، ونعوذ به ~~من الخذلان. ### || فصل # على أنا لو سلمنا لهم تسليم نظر ما توهموه من تضمن الآية لوجوب طاعة داع ~~للمخلفين من الأعراب إلى القتال بعد النبي (صلى الله عليه وآله) PageV01P114 # على ما اقترحوه، واعتبرنا فيما ادعوه من ذلك لأبي بكر وعمر وعثمان بمثل ~~ما اعتبروه، لكان بأن يكون دلالة على إمامة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ~~(عليه السلام) أولى من أن يكون دلالة على إمامة من ذكروه، وذلك أن أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) قد دعا بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى قتال ~~الناكثين بالبصرة والقاسطين بالشام والمارقين بالنهروان، واستنفر الكافة ~~إلى قتالهم وحربهم وجهادهم، حتى ينقادوا بذلك إلى دين الله تعالى الذي ~~فارقوه، ويخرجوا به عن الضلال الذي اكتسبوه، وقد علم كل من سمع الأخبار ما ~~كان من شدة أصحاب الجمل وصبرهم عند اللقاء، حتى قتل بين الفريقين على قول ~~المقل عشرة آلاف إنسان. # وتقرر عند أهل العلم أنه لم تر حرب في جاهلية ولا إسلام أصعب ولا أشد من ms046 ~~حرب صفين، ولا سيما ما جرى من ذلك ليلة الهرير، حتى فات أهل الشام فيها ~~الصلاة، وصلى أهل العراق بالتكبير والتهليل والتسبيح، بدلا من الركوع ~~والسجود والقراءة، لما كانوا عليه من الاضطرار(1) بتواصل اللقاء في القتال، ~~حتى كلت السيوف بينهم لكثرة الضراب، وفنى النبل، وتكسرت الرماح بالطعان، ~~ولجأ كل امرئ منهم عند عدم سلاحه إلى قتال صاحبه بيده وفمه، حتى هلك ~~جمهورهم بما وصفناه، وانكشفت الحرب بينهم عن قتل نيف وعشرين ألف(2) PageV01P115 # إنسان على قول المقل أيضا، وضعف هذا العدد أو قريب من الضعف على قول ~~آخرين بحسب اختلافهم في الروايات. # فأما أهل النهروان، فقد بلغ وظهر من شدتهم وبأسهم وصبرهم على القتال مع ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) بالبصرة والشام، ما لم يرتب فيه من أهل ~~العلم(1) اثنان، وظهر من إقدامهم بعد التحكيم على قتل النفوس والاستسلام ~~للموت والبأس والنجدة ما يغني أهل العلم به عن الاستدلال عليه، والاستخراج ~~لمعناه، ولو لم يدل على عظم بأسهم وشدتهم في القتال إلا أنهم كانوا ~~بالاتفاق أربعة آلاف إنسان، فصبروا على اللقاء حتى قتل سائرهم سوى أربعة ~~أنفس شذوا منهم على ما جاءت به الأخبار. # ولم يجر أمر أبي بكر وعمر في الدعوة مجرى أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~لأنهما كانا مكتفيين بطاعة الجمهور لهما، وانقياد الجماعات إلى طاعتهما، ~~وعصبية الرجال لهما، فلم يظهر من دعائهما إلى قتال من سير إليه الجيوش ما ~~ظهر من أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) في الاستنفار والترغيب في الجهاد ~~والترهيب من تركه والاجتهاد في ذلك والتكرير له حالا بعد حال، لتقاعد ~~الجمهور عن نصرته، وخذلان من خذله من أعداء الله الشاكين في أمره ~~والمعاندين له، وما مني به من تمويه خصومه وتعلقهم في استحلال قتاله ~~بالشبهات. # ثم لم يبن من شدة أهل الردة وفارس مثل ما ذكرناه من أهل PageV01P116 # البصرة والشام والنهروان على ما شرحناه، بل ظهر منهم خلاف ذلك، لسرعة ~~انفضاضهم عمن لقيهم من أهل الإسلام، وتفرقهم وهلاكهم بأهون سعي، وأوحى(1) ~~مدة، وأقرب مؤنة، على ما تواترت ms047 به الآثار، وعلمه كافة من سمع الأخبار، ~~فبان بما وصفناه أننا مع التسليم للخصوم بما ادعوه في معنى الآية، ~~وباعتبارهم الذي اعتمدوه، أولى بالحجة منهم في صرف تأويلها إلى إمامة أمير ~~المؤمنين (عليه السلام)، دون من سموه على ما قدمناه. # ولو تكافأ القولان، ولم يكن لأحدهما رجحان على صاحبه في البرهان، لكانت ~~المكافأة مسقطه لما حكموا به من تخصيص أبي بكر وعمر، بدلالة الآية على ~~الترتيب الذي أصلوا الكلام عليه في الاستدلال، وهذا ظاهر جلي ولله الحمد. ### || فصل # قد كان بعض متكلمي المعتزلة رام الطعن في هذا الكلام، بأن قال: قد ثبت أن ~~القوم الذين فرض الله تعالى قتالهم بدعوة من أخبر عنه كفار خارجون عن ملة ~~الإسلام، بدلالة قوله تعالى: { تقاتلونهم أو يسلمون }(2). PageV01P117 # وأهل البصرة والشام والنهروان - فيما زعم - لم يكونوا كفارا، بل كانوا من ~~أهل ملة الإسلام إلا أنهم فسقوا عن الدين، وبغوا على الإمام، فقاتلهم بقوله ~~تعالى: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما ~~على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله }(1). # وأكد ذلك عند نفسه بسيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) فيهم، وبخبر رواه ~~عنه (عليه السلام)، أنه سئل عنهم، فقال: " إخواننا بغوا علينا }(2) ولم ~~يخرجهم عن حكم أهل الإسلام. # قال: فثبت بذلك أن الداعي إلى قتال من سماه الله تعالى ووصفه بالبأس ~~الشديد(3) إنما هو أبو بكر وعمر دون أمير المؤمنين (عليه السلام)، ### || فصل # فقلت له: ما أبين غفلتك، وأشد عماك! أنسيت قول أصحابك في المنزلة بين ~~المنزلتين، وإجماعهم على من استحق التسمية بالفسق خارج بما به استحق ذلك عن ~~الإيمان والإسلام، غير سائغ تسميته بأحد هذين الاسمين في الدين على التقييد ~~والاطلاق، أم جهلت هذا من أصل الاعتزال، أم تجاهلت وارتكبت العناد؟! PageV01P118 # أو لست تعلم أن المتعلق بإيجاب الإسلام على أهل البصرة والشام(1) ~~والنهروان لا يلزم بذلك إكفارهم، ولا يمنعه من نفي الكفر عنهم، بحسب ما ~~نبهناك عليه من مقالة أصحابك في الأسماء والأحكام، فكيف ذهب عليك هذا الوجه ~~من ms048 الكلام، وأنت تزعم أنك متحقق بعلم الحجاج؟! فاستحى لذلك وبانت فضيحته، ~~بما كان يدافع به من الهذيان. ### || فصل # قال بعض المرجئة وكان حاضر الكلام: قد نجونا نحن من المناقضة التي وقع ~~فيها أهل الاعتزال، لأنا لا نخرج أحدا من الإسلام إلا بكفر يضاد الإيمان، ~~فيجب على هذا الأصل أن يكون الكلام بيننا في إكفار القوم على ما تذهبون ~~إليه، وإلا لزمكم معنى الآي. # فقلت له: لسنا نحتاج إلى ما ظننت من نقل الكلام على الفرع(2)، وإن كان ~~مذهبك في الأسماء ما وصفت، لأن الإسلام عندنا وعندك إنما هو الاستسلام ~~والانقياد، ولا خلاف بيننا أن الله عز وجل قد أوجب على محاربي أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) مفارقة ما هم عليه بذلك من العصيان، وألزمهم ~~الاستسلام له والانقياد إلى ما يدعوهم إليه، من الدخول في الطاعة وكف ~~القتال، فيكون قوله تعالى: { تقاتلونهم أو PageV01P119 # يسلمون }(1) خارجا على هذا المعنى الذي ذكرناه، وهو موافق لأصلك، وجار ~~على أصل اللغة التي نزل بها القرآن. فلحق بالأول في الانقطاع، ولم أحفظ منه ~~إلا عبارات فارغة داخلة في باب الهذيان. ### || فصل # على أنه يقال للمعتزلة والمرجئة والحشوية جميعا: لم أنكرتم إكفار محاربي ~~أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد فارقوا طاعة الإمام العادل وأنكروها، ~~وردوا فرائض الله تعالى عليه وجحدوها، واستحلوا دماء المؤمنين وسفكوها، ~~وعادوا أولياء الله المتقين في طاعته، ووالوا أعداءه الفجرة الفاسقين في ~~معصيته، وأنتم قد أكفرتم مانعي أبي بكر الزكاة، وقطعتم بخروجهم عن ملة ~~الإسلام؟! ومن سميناه قد شاركهم في منع أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~الزكاة، وأضاف إليه من كبائر الذنوب ما عددناه، وهل فرقكم بين الجميع في ~~أحكام الكفر(2) والإيمان إلا عناد في الدين وعصبية للرجال. ### || فصل # فإن قالوا: مانعو الزكاة إنما منعوها على وجه العناد، ومحاربو أمير ~~المؤمنين إنما حاربوه ومنعوه زكاتهم واستحلوا الدماء في خلافه على PageV01P120 # التأويل دون العناد، فلهذا افترق الأمران. # قيل لهم: انفصلوا(1) ممن قلب القصة عليكم، فحكم على محاربي أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) في حروبه، واستحلال دماء المؤمنين من أصحابه، ms049 ومنعه الزكاة ~~وإنكار حقوقه بالعناد، وحكم على مانعي أبي بكر الزكاة بالشبهة والغلط في ~~التأويل، وهذا أولى بالحق والصواب، لأن أهل اليمامة لم يجحدوا فرض الزكاة، ~~وأنما أنكروا فرض حملها إلى أبي بكر، وقالوا: # نحن نأخذها من أغنيائنا، ونضعها في فقرائنا، ولا نوجب على أنفسنا حملها ~~إلى من لم يفترض له ذلك علينا بسنة ولا كتاب. # ولم نجد لمحاربي أمير المؤمنين (عليه السلام) حجة في خلافه واستحلال ~~قتاله ولا شبهة أكثر من أنهم نكثوا بيعته فقد أعطوه إياها من أنفسهم ~~بالاختيار، وادعوا بالعناد أنهم أجابوا إليها بالاضطرار، وقرفوه(2) بقتل ~~عثمان وهم يعلمون اعتزاله فتنة عثمان، وطالبوه بتسليم قتلته إليهم وليس لهم ~~في الأرض سلطان، ولا يجوز تسليم القوم إليهم على الوجوه كلها والأسباب، ~~ودعاه المارقون منهم إلى تحكيم الكتاب، فلما أجابهم إليه زعموا أنه قد كفر ~~بإجابتهم إلى الحكم بالقرآن، وهذا ما لا يخفى العناد من جماعتهم فيه على ~~أحد من ذوي الألباب. PageV01P121 ### || فصل # فإن قالوا: فإذا كان محاربو أمير المؤمنين (عليه السلام) كفارا عندكم ~~بحربه، مرتكبي العناد في خلافه، فما باله (عليه السلام) لم يسر فيهم بسيرة ~~الكفار فيجهز على جرحاهم، ويتبع مدبرهم، ويغنم جميع أموالهم، ويسبي نساء هم ~~وذراريهم، وما أنكرتم أن يكون عدوله عن ذلك في حكمهم يمنع من صحة القول ~~عليهم بالإكفار؟ # قيل لهم: إن الذي وصفتموه في حكم الكفار إنما هو شيء يختص بمحاربي ~~المشركين، ولم يوجد في حكم الاجماع والسنة فيمن سواهم من سائر الكفار، فلا ~~يجب أن يعدى منهم إلى غيرهم بالقياس، ألا ترون أن أحكام الكافرين تختلف، ~~فمنهم من يجب قتله على كل حال، ومنهم من يجب قتله بعد الامهال، ومنهم ~~الجزية ويحقن دمه بها ولا يستباح، ومنهم من لا يحل دمه ولا تؤخذ منه الجزية ~~على حال، ومنهم من يحل نكاحه ومنهم من يحرم بالإجماع، فكيف يجب اتفاق ~~الأحكام من الكافرين على ما أوجبتموه فيمن سميناه، إذا كانوا كفارا، وهي ~~على ما بيناه في دين الإسلام من الاختلاف؟! ### || فصل # ثم يقال ms050 لهم: خبرونا هل تجدون في السنة أو الكتاب أو الاجماع الحكم(1) في ~~طائفة من الفساق بقتل المقبلين منهم وترك المدبرين، وحظر PageV01P122 # الإجهاز على جرحى المقاتلين وغنيمة ما حوي عسكرهم دون ما سواه من أمتعتهم ~~وأموالهم أجمعين؟ # فإن ادعوا معرفة ذلك ووجوده طولبوا بتعيينه فيمن عدا البغاة من محاربي ~~أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنهم يعجزون عن ذلك، ولا يستطيعون إلى ~~إثباته سبيلا. # وإن قالوا: إن ذلك، وإن كان غير موجود في طائفة من الفاسقين، فحكم أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) به في البغاة دليل على أنه في السنة أو الكتاب(1)، ~~وإن لم يعرف وجه التعيين. # قيل لهم: ما أنكرتم أن يكون حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) في البغاة ~~ممن سميتموه دليلا على أنه حكم الله تعالى قي طائفة من الكافرين موجود في ~~السنة والكتاب، وإن لم يعرف الجمهور الوجه في ذلك على التعيين، فلا يجب أن ~~يخرج القوم من الكفر لتخصيصهم من الحكم بخلاف ما حكم الله تعالى به فيمن ~~سواهم من الكافرين، كما لا يجب خروجهم من الفسق بتخصيصهم من الحكم بخلاف ما ~~حكم الله تعالى به فيمن سواهم من(2) الفاسقين، وهذا ما لا فصل فيه. ### || فصل # على أن أكثر المعتزلة يقطعون بكفر المشبهة والمجبرة، ولا PageV01P123 # يخرجونهم بكفرهم عن الملة، ويرون(1) الصلاة على أمواتهم، ودفنهم في مقابر ~~المسلمين، وموارثتهم، ومنهم من يرى مناكحتهم، ولا يلحقونهم بغيرهم من ~~الكفار في أحكامهم المضادة لما وصفناه، ولا يلزمون أنفسهم مناقضة في ذلك. # وأبو هاشم الجبائي(2) خاصة يقطع بكفر من ترك الكفر وأقام على قبيح أو حسن ~~يعتقد قبحه، ولا يجري عليه شيئا من أحكام الكافرين من قتل، أو أخذ جزية، أو ~~منع من موارثة، أو دفن في مقابر المسلمين، أو صلاة عليه بعد أن يكون مظهر ~~للشهادتين، والاقرار بجميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) على ~~الاجمال، وهذا يمنعه فيمن تقدم ذكره من المعتزلة وأصحابهم من المطالبة في ~~محاربي أمير المؤمنين (عليه السلام) بما سلف حكايته عن الخصوم، ولا يسوغ ~~لهم الاعتماد ms051 بذكر الإسلام من الأذى(3). ### || فصل # فإن قالوا: كيف يصح لكم إكفار أهل البصرة والشام وقد سئل PageV01P124 # أمير المؤمنين (عليه السلام) عنهم، فقال: " إخواننا بغوا علينا "(1)، ولم ~~ينف عنهم الإيمان، ولا حكم عليهم بالشرك والإكفار؟! # قيل لهم: هذا خبر شاذ، لم يأت به التواتر من الأخبار، ولا أجمع على صحته ~~رواة الآثار، وقد قابله ما هو أشهر منه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، ~~وأكثر نقلة، وأوضح طريقا في الإسناد، وهو أن رجلا سأل أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) بالبصرة، والناس مصطفون للحرب، فقال له: علام نقاتل هؤلاء القوم - ~~يا أمير المؤمنين - ونستحل دماءهم وهم يشهدون شهادتنا، ويصلون إلى قبلتنا؟ # فتلا (عليه السلام) هذه الآية، رافعا بها صوته: { وإن نكثوا أيمانهم من ~~بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ~~ينتهون }(2). # فقال الرجل حين سمع ذلك: كفار، ورب الكعبة. وكسر جفن سيفه ولم يزل يقاتل ~~حتى قتل(3). # وتظاهر الخبر عنه (عليه السلام) أنه قال يوم البصرة: " والله ما قوتل أهل ~~هذه الآية حتى اليوم: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون ~~في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل PageV01P125 # الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم }(1). # وجاء مثل ذلك عن عمار وحذيفة رحمة الله عليهما(2)، وغيرهما من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه آله، فالأمر في اجتماع أصحاب أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) على إكفار عثمان والطالبين بدمه وأهل النهروان أظهر من أن يحتاج ~~فيه إلى شرح وبيان، وعنه أخذت الخوارج مذهبها الموجود في أخلافها اليوم من ~~الإكفار لعثمان بن عفان وأهل البصرة والشام، وإن كانت الشبهة دخلت عليهم في ~~سيرته (عليه السلام) فيهم، وما استعمله من الأحكام حتى ناظره أسلافهم عند ~~مفارقتهم له فحججهم(3) بما قد تواترت به الأخبار. ### || فصل # على أنا لو سلمنا لهم الحديث في وصفهم بالإخوة له عليه السلام، لما منع ~~من كفرهم، كما لم يمنع من بغيهم، ولم يضاد ms052 ضلالهم باتفاق مخالفينا، ولا ~~فسقهم عن الدين واستحقاقهم اللعنة والاستخفاف والإهانة وسلب اسم الإيمان ~~عنهم والإسلام، والقطع عليهم بالخلود في الجحيم. PageV01P126 # قال الله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا }(1)، فأضافه إليهم بالإخوة وهو ~~نبي الله وهم كفار بالله عز وجل. # وقال تعالى: { وإلى ثمود أخاهم صالحا }(2). # وقال: { وإلى مدين أخاهم شعيبا }(3) ولم يناف ذلك كفرهم، ولا ضاد ظلالهم ~~وشركهم، فأحرى أن لا يضاد تسمية أمير المؤمنين (عليه السلام) محاربيه ~~بالإخوة مع كفرهم بحربه، وضلالهم عن الدين بخلافه، وهذا بين لا إشكال فيه. ### || فصل # ومما يدل على كفر محاربي أمير المؤمنين (عليه السلام) علمنا بإظهارهم ~~التدين بحربه، والاستحلال لدمه ودماء المؤمنين من ولده وعترته وأصحابه، وقد ~~ثبت أن استحلال دماء المؤمنين أعظم عند الله من استحلال(4) جرعة خمر، ~~لتعاظم المستحق(5) عليه من العقاب بالاتفاق. # وإذا كانت الأمة مجمعة على إكفار مستحل الخمر، وإن شهد الشهادتين وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة، فوجب القطع على كفر مستحل PageV01P127 # دماء المؤمنين، لأنه أكبر(1) من ذلك وأعظم في العصيان بما ذكرناه، وإذا ~~ثبت ذلك صح الحكم بإكفار محاربي أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما ~~وصفناه. # دليل آخر: ويدل على ذلك أيضا ما تواترت به الأخبار من قول النبي (صلى ~~الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): " حربك - يا علي - حربي، وسلمك سلمي "(2). # وقد ثبت أنه لم يرد بذلك الخبر عن كون حرب أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~حربه على الحقيقة، وإنما أراد التشبيه في الحكم دون ما عداه، وإلا كان ~~الكلام لغوا ظاهر الفساد، وإذا كان حكم حربه (عليه السلام) كحكم حرب الرسول ~~(صلى الله عليه وآله) وجب إكفار محاربيه، كما يجب بالإجماع إكفار محاربي ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله). # دليل آخر: وهو أيضا ما أجمع على نقله حملة الآثار من قول الرسول (صلى ~~الله عليه وآله): " من آذى عليا فقد آذاني، ومن آذاني، فقد آذى الله تعالى ~~"(3) ولا خلاف بين أهل الإسلام أن المؤذي للنبي (صلى الله عليه وآله) ~~بالحرب والسب والقصد له بالأذى والتعمد لذلك كافر، خارج ms053 عن ملة الإسلام، ~~فإذا ثبت ذلك وجب الحكم بإكفار محاربي أمير المؤمنين (عليه السلام) بما أوجبه PageV01P128 # النبي (صلى الله عليه وآله) من ذلك بما بيناه. # دليل آخر: وهو أيضا ما انتشرت به الأخبار، وتلقاه العلماء بالقبول عن ~~رواة الآثار، من قول النبي (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه ~~السلام): # " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". # وقد ثبت أن من عادى الله تعالى وعصاه على وجه المعاداة فهو كافر خارج عن ~~الإيمان، فإذا ثبت أن الله تعالى لا يعادي أولياءه وإنما يعادي أعداءه، وصح ~~أنه تعالى معاد لمحاربي أمير المؤمنين (عليه السلام) لعداوتهم له، بما ~~ذكرناه من حصول العلم بتدينهم بحربه (عليه السلام) بما ثبت به عداوة محاربي ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويزول معه الارتياب، وجب إكفارهم على ما ~~قدمناه. # وقد استقصيت الكلام في هذا الباب في كتابي المعروف ب (المسألة ~~الكافئة)(2) وفيما أثبته منه هاهنا كفاية، إن شاء الله. ### || فصل # ثم يقال للمعتزلة ومن وافقهم في إنكار إمامة معاوية بن أبي PageV01P129 # سفيان وبني أمية من عقلاء أصحاب الحديث: ما الفرق بينكم فيما تأولتم به ~~الآية، وأوجبتم به منها طاعة أبي بكر وعمر، وبين الحشوية فيما أوجبوا به ~~منها طاعة معاوية وبني أمية وجعلوه حجة لهم على إمامتهم، وعموا بالمعني بها ~~أبا بكر وعمر وعثمان ومن ذكرناه. # وذلك أن أكثر فتوح الشام وبلاد المغرب والبحرين والروم وخراسان كانت على ~~يد معاوية بن أبي سفيان وأمرائه كعمرو بن العاص وبسر بن أرطاة ومعاوية بن ~~حديج وغير من ذكرناه، ومن بعدهم على أيدي بني أمية وأمرائهم بلا اختلاف. # فإن جروا(1) على ذلك خرجوا عن أصولهم، وزعموا أن الله سبحانه أوجب طاعة ~~الفاسقين، وأمر باتباع الظالمين، ونص على إمامة المجرمين، وإن امتنعوا منه ~~لعلة من العلل مع ما وصفناه من قتالهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) لقوم ~~كفار أولي بأس شديد منعوا من ذلك في الرجلين بمثلها، فلا يجدون فصلا مع ما ~~يلحق مقالتهم من الخلل والتناقض بالتخصيص على ms054 التحكم دون الحجة والبيان، ~~ومن الله نسأل التوفيق. PageV01P130 # ### | فصل # فإن قال: قد قطعتم عذري في الجواب عما تعلق به خصماؤكم من تأويل هذه ~~الآية، وأزلتم - بحمد الله - ما اشتبه علي من مقالهم فيها، ولكن كيف يمكنكم ~~تأويل قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم }(1). # وقد علمتم أنه لم يقاتل المرتدين بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلا أبو ~~بكر، فوجب أن يكون إماما وليا لله تعالى بما ضمنه التنزيل، وهذا ما لا نرى ~~لكم عنه محيصا؟! # قيل له: قد بينا فيما سلف وجه التأويل لهذه الآية، وذكرنا(2) عن خيار ~~الصحابة أنها نزلت في أهل البصرة، بما رويناه عن حذيفة بن اليمان وعمار بن ~~ياسر، وقد جاءت الأخبار بمثل ذلك عن أمير PageV01P131 # المؤمنين (عليه السلام)، ووردت بمعناه عن عبد الله بن مسعود، ودللنا أيضا ~~على كفر محاربي أمير المؤمنين (عليه السلام) بما لا يخفى الصواب فيه على ~~ذوي الإنصاف، وذلك موجب لردتهم عن الدين الذي دعا الله تعالى إليه العباد، ~~فبطل صرف تأويلها عن هذا الوجه إلى ما سواه. ### || فصل # مع أن متضمن الآية وفوائدها وما يتصل بها مما بعدها يقضي بتوجهها إلى ~~أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنه المعني بالمدحة فيها، والمشار إليه في ~~جهاد المرتدين دون من ظنوه بغير بصيرة وتوهموه. # وذلك أن الله سبحانه توعد المرتدين عن دينه بالانتقام منهم بذي صفات ~~مخصوصة بينها في كتابه، وعرفها كافة عباده، بما يوجب لهم العلم بحقائقها، ~~وكانت بالاعتبار الصحيح خاصة لأمير المؤمنين (عليه السلام) دون المدعى له ~~ذلك بما لا يمكن دفعه إلا بالعناد: # فأولها: وصفهم بأنهم يحبون الله تعالى ويحبهم الله. # وقد علم كل من سمع الأخبار اختصاص أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا ~~الوصف من الرسول (صلى الله عليه وآله)، وشهادته له به يوم خيبر حيث يقول: ms055 # " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرارا غير ~~فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه "(1) فأعطاها عليا (عليه السلام)، ولم PageV01P132 # يرد خبر ولا جاء أثر بأنه (صلى الله عليه وآله) وصف أبا بكر ولا عمر ولا ~~عثمان بمثل ذلك في حال من الأحوال، بل مجئ هذا الخبر بوصف أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) بذلك عقيب ما كان من أبي بكر وعمر في ذلك اليوم من الانهزام، ~~واتباعه بوصف الكرار دون الفرار، موجب لسلب الرجلين معنى هذه المدحة كما ~~سلبهما مدحة الكر، وألزمهما ذم الفرار. # وثانيها: وصف المشار إليه في الآية باللين على المؤمنين والشدة على ~~الكافرين، حيث يقول جل اسمه: { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم }(1). # وهذا وصف لا يمكن أحدا دفع أمير المؤمنين (عليه السلام) عن استحقاقه ~~بظاهر ما كان عليه من شدته على الكافرين، ونكايته في المشركين، وغلظته على ~~الفاسقين، ومقاماته المشهورة في تشييد الملة ونصرة الدين، ورأفته ~~بالمؤمنين، ورحمته للصالحين. # ولا يمكن أحدا ادعاؤه لأبي بكر إلا بالعصبية، أو الظن دون اليقين، لأنه ~~لم يعرف له قتيل في الإسلام، ولا بارز قرنا، ولم ير له(2) موقف عني فيه بين ~~يدي النبي (صلى الله عليه وآله)(3)، ولا نازل بطلا، ولا سفك بيده لأحد ~~المشركين دما، ولا كان له فيهم جريح، ولم يزل من قتالهم هاربا، ومن حربهم ~~ناكلا، وكان على المؤمنين غليظا، ولم يكن بهم رحيما. PageV01P133 # ألا ترى ما فعله بفاطمة سيدة نساء العالمين (عليه السلام) وما أدخله من ~~الذل على ولدها، وما صنع بشيعتها(1)، وما كان من شدته على صاحب رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) وعامله على الصدقات، ومن كان في حيزه من المسلمين حتى ~~سفك دماءهم بيد المنافق الرجيم(2)، واستباح حريمهم بما لا يوجب ذلك في ~~الشرع والدين. # فثبت أنه كان من الأوصاف على ضد ما أوجبه الله تعالى في حكمه لمن أخبر عن ~~الانتقام به من المرتدين. # ثم صرح تعالى فيما أوصله ms056 بالآية(3) من الذكر الحكيم ينعت(4) أمير ~~المؤمنين (عليه السلام)، وأقام البرهان الجلي على أنه عناه بذلك وأراده ~~خاصة، بما أشار به من صفاته التي تحقق بالانفراد بها من العالمين. # فقال جل اسمه: { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن ~~حزب الله هم الغالبون }(5). # فصارت الآية متوجهة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بدلالة متضمنها، وما ~~اتصل بها على حسب ما شرحناه، وسقط توهم المخالف فيما ادعاه لأبي PageV01P134 # بكر على ما بيناه. ### || فصل # ويؤيد ذلك إنذار رسول الله (صلى الله عليه وآله) قريشا بقتال أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) لهم من بعده، حيث جاءه سهيل بن عمرو(1) في جماعة ~~منهم، فقالوا: يا محمد، إن أرقاءنا لحقوا بك فأرددهم علينا. # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لتنتهن - يا معشر قريش - أو ~~ليبعثن الله عليكم رجلا يضر بكم على تأويل القرآن كما ضربتكم على تنزيله ". # فقال له بعض أصحابه: من هو - يا رسول الله - أبو بكر؟! # فقال: " لا " فقال: فعمر؟! فقال: " لا، ولكنه خاصف النعل في الحجرة " ~~وكان علي (عليه السلام) يخصف نعل رسول الله صلى عليه وآله في الحجرة(2). # وقوله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): " تقاتل بعدي ~~الناكثين والقاسطين والمارقين "(3) PageV01P135 # وقول الله عز وجل: { فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون }(1). # وهي في قراءة عبد الله بن مسعود: منهم بعلي منتقمون(2) وبذلك جاء التفسير ~~عن علماء التأويل(3). # وإذا كان الأمر على ما وصفناه، ولم يجر لأبي بكر وعمر في حياة النبي (صلى ~~الله عليه وآله) ما ذكرناه، فقد صح أن المراد بمن ذكرناه أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) خاصة على ما بيناه. # وقد صح أنه المراد بقوله تعالى: { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~}(4) على ما فصلنا القول به من انتظام الكلام ودلالة معانيه، وما في السنة ~~مما بينا الغرض فيه وشرحناه. ### || فصل # على أنا متى حققنا النظر في متضمن هذه الآية، ولم نتجاوز المستفاد من ~~ظاهرها، وتأويله على ms057 مقتضى اللسان إلى القرائن من الأخبار على نحو ما ~~ذكرناه آنفا، لم نجد في(5) ذلك أكثر من الأخبار PageV01P136 # بوجود بدل من(1) المرتدين في جهاد من فرض الله جهاده من الكافرين، على ~~غير تعيين لطائفة من مستحقي القتال، ولا عموم الجماعة بما يوجب استغراق ~~الجنس في المقال. # ألا ترى لو أن حكيما أقبل على عبيد له، وقال لهم: يا هؤلاء، من يعصني ~~منكم ويخرج عن طاعتي فسيغنيني الله عنه بغيره ممن يطيعني، ويجاهد معي على ~~الاخلاص في النصحية لي، ولا يخالف أمري. # لكان كلامه هذا مفهوما مفيدا لحث عبيده على طاعته، وإخباره بغناه عنهم ~~عند مخالفتهم، ووجود من يقوم مقامهم في طاعته على أحسن من طريقتهم، ولم يفد ~~بظاهره ولا مقتضاه الأخبار بوجود من يجاهدهم أنفسهم على القطع، وإن كان ~~محتملا لوعيدهم بالجهاد على الجواز له دون الوجوب لموضع الإشارة بذكر ~~الجهاد إلى مستحقه. # وهذا هو نظير الآية فيما انطوت عليه، ومماثل ألفاظها فيما تفضي إليه، ومن ~~ادعى فيه خلاف ما ذكرناه لم يجد إليه سبيلا، وإن رام فيه فصلا عجز عن ذلك، ~~ورجع بالخيبة حسيرا، ومن الله نسأل التوفيق. PageV01P137 PageV01P138 # ### | فصل # فإن قال: أفليس الله تعالى يقول في سورة الفتح: { محمد رسول الله والذين ~~معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في ~~الإنجيل كزرع أخرج شطأه }(1). # وقد علمت الكافة أن أبا بكر وعمر وعثمان من وجوه أصحاب رسول الله صلى ~~الله وعليه وآله، ورؤساء من كان معه، وإذا كانوا كذلك فهم أحق الخلق بما ~~تضمنه القرآن من وصف أهل الإيمان، ومدحهم بالظاهر من البيان، وذلك مانع من ~~الحكم عليهم بالخطأ والعصيان(2)؟! # قيل لهم: إن أول ما نقول في هذا الباب أن أبا بكر وعمر وعثمان ومن ~~تضيفه(3) الناصبة إليهم في الفضل كطلحة والزبير وسعد وسعيد وأبي عبيدة وعبد ~~الرحمن لا يتخصصون من هده المدحة بما خرج عنه PageV01P139 # أبو هريرة وأبو الدرداء، بل لا ms058 يتخصصون بشيء لا يعم عمرو بن العاص وأبا ~~موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة وأبا الأعور السلمي ويزيد و(1) معاوية بن ~~أبي سفيان، بل لا يختصون منه بشيء دون أبي سفيان صخر بن حرب وعبد الله بن ~~أبي سرح والوليد بن عقبة بن أبي معيط والحكم بن أبي العاص ومروان بن الحكم ~~وأشباههم من الناس، لأن كل شيء أوجب دخول من سميتهم في مدحة القرآن، فهو ~~موجب دخول من سميناه، وعبد الله بن أبي سلول ومالك بن نويرة(2) وفلان وفلان. # إذ أن جميع هؤلاء أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن كان معه، ~~ولأكثرهم من النصرة للإسلام والجهاد بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) ~~والآثار الجميلة والمقامات المحمودة ما ليس لأبي بكر وعمر وعثمان، فأين ~~موضع الحجة لخصومنا في فضل من ذكره على غيره من جملة من سميناه، وما وجه ~~دلالتهم منه على إمامتهم، فإنا لا نتوهمه، بل لا يصح أن يدعيه أحد من ~~العقلاء؟! ### || فصل # ثم يقال لهم: خبرونا عما وصف الله تعالى به من كان مع نبيه (صلى الله ~~عليه وآله) بما تضمنه القرآن، أهو شامل لكل من كان معه عليه الصلاة والسلام PageV01P140 # في الزمان، أم في الصقع والمكان، أم في ظاهر الإسلام، أم في ظاهره وباطنه ~~على كل حال، أم الوصف به علامة تخصيص مستحقه بالمدح دون من عداه، أم لقسم ~~آخر غير ما ذكرناه؟ # فإن قالوا: هو شامل لكل من كان مع النبي (صلى الله عليه وآله) في الزمان ~~أو المكان أو ظاهر الإسلام، ظهر سقوطهم وبان جهلهم وصرحوا بمدح الكفار وأهل ~~النفاق، وهذا ما لا يرتكبه عاقل. # وإن قالوا: إنه يشمل كل من كان معه على ظاهر الديانة وباطنها معا دون من ~~عددتموه من الأقسام. # قيل لهم: فدلوا على أئمتكم وأصحابكم، ومن تسمون من أوليائكم، أنهم كانوا ~~في باطنهم على مثل ما أظهروه من الإيمان، ثم ابنوا حينئذ على هذا الكلام، ~~وإلا فأنتم مدعون ومتحكمون بما لا تثبت معه حجة، ولا لكم عليه دليل، ms059 وهيهات ~~أن تجدوا دليلا يقطع به على سلامة بواطن القوم من الضلال، إذ ليس به قرآن ~~ولا خبر عن النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن اعتمد فيه على غير هذين فإنما ~~اعتمد على الظن والحسبان. # وإن قالوا: إن متضمن القرآن من الصفات المخصوصة إنما هي علامة على مستحقي ~~المدحة من جماعة مظهري الإسلام دون أن تكون منتظمة لسائرهم على ما ظنه ~~الجهال. # قيل لهم: فدلوا الآن على من سميتموه كان مستحقا لتلك الصفات، لتتوجه إليه ~~المدحة ويتم لكم فيه المراد، وهذا ما لا سبيل إليه حتى يلج الجميل في سم ~~الخياط. PageV01P141 ### || فصل # ثم يقال لهم: تأملوا معنى الآية، وحصلوا فائدة لفظها، وعلى أي وجه تخصص ~~متضمنها من المدح، وكيف مخرج القول فيها؟ تجدوا أئمتكم أصفارا مما ادعيتموه ~~لهم منها، وتعلموا أنهم باستحقاق الذم وسلب الفضل بدلالتها منهم بالتعظيم ~~والتبجيل من مفهومها، وذلك أن الله تعالى ميز مثل قوم من أصحاب نبيه (صلى ~~الله عليه وآله) في كتبه الأولى، وثبوت صفاتهم بالخير والتقى(1) في صحف ~~إبراهيم وموسى وعيسى (عليه السلام)، ثم كشف عنهم بما ميزهم به من الصفات ~~التي تفردوا بها من جملة المسلمين، وبانوا بحقيقتها عن سائر المقربين. # فقال سبحانه: { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ~~تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر ~~السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل }(2). # وكأن تقدير الكلام: إن الذين بينت(3) أمثالهم في التوراة والإنجيل من ~~جملة أصحابك ومن معك - يا محمد - هم أشداء على الكفار، والرحماء بينهم ~~الذين تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا. PageV01P142 # وجرى هذا في الكلام مجرى من قال: زيد بن عبد الله إمام عدل، والذين معه ~~يطيعون الله، ويجاهدون في سبيل الله، ولا يرتكبون شيئا مما حرم الله وهم ~~المؤمنون حقا دون من سواهم، إذ هم أولياء الله الذين تجب مودتهم دون من معه ~~ممن عداهم، وإذا كان الأمر على ما وصفناه، فالواجب أن تستقرئ الجماعة في ~~طلب ms060 هذه الصفات، فمن كان عليها منهم فقد توجه إليه المدح وحصل له التعظيم، ~~ومن كان على خلافها فالقرآن إذن منبه على ذمه، وكاشف عن نقصه، ودال على ~~موجب لومه، ومخرج له عن منازل التعظيم. # فنظرنا في ذلك واعتبرناه، فوجدنا أمير المؤمنين (عليه السلام) وجعفر بن ~~أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث وعمار بن ياسر والمقداد بن ~~الأسود وأبا دجانة - وهو سماك بن خرشة الأنصاري(1) - وأمثالهم من المهاجرين ~~والأنصار رضي الله عنهم، قد انتظموا صفات الممدوحين من الصحابة في متضمن ~~القرآن. # وذلك أنهم بارزوا من أعداء الملة الأقران، وكافحوا منهما الشجعان، وقتلوا ~~منهم الأبطال، وسفكوا في طاعة الله سبحانه دماء الكفار، وبنوا بسيوفهم ~~قواعد الإيمان، وجلوا عن نبيهم (صلى الله عليه وآله) الكرب PageV01P143 # والأحزان، وظهر بذلك شدتهم على الكفار، كما وصفهم الله تعالى في محكم ~~القرآن، وكانوا من التواصل على أهل الإسلام والرحمة بينهم على ما ندبوا ~~إليه، فاستحقوا الوصف في الذكر والبيان. # فأما إقامتهم الصلاة وابتغاؤهم من فضل الله تعالى القربات، فلم يدفعهم عن ~~علو الرتبة في ذلك أحد من الناس، فثبت لهم حقيقة المدح لحصول مثلهم فيما ~~أخير الله تعالى عنهم في متقدم الكتب، واستغنينا بما عرفنا لهم مما شرحناه ~~في استقراء غيرهم، ممن قد ارتفع في حاله الخلاف، وسقط الغرض بطلبه على ~~الاتفاق. # ثم نظرنا فيما ادعاه الخصوم لأجل أئمتهم وأعظمهم قدرا عندهم من مشاركة من ~~سميناه فيما ذكرنا من الصفات وبيناه، فوجدنا هم على ما قدمناه من الخروج ~~عنها واستحقاق أضدادها على ما رسمناه. # وذلك أنه لم يكن لأحد منهم مقام في الجهاد، ولا عرف لهم قتيل من الكفار، ~~ولا كلم كلاما في نصرة الإسلام، بل ظهر منه الجزع في مواطن القتال، وفر في ~~يوم خيبر واحد وحنين، وقد نهاهم الله تعالى عن الفرار، وولوا الأدبار مع ~~الوعيد لهم على ذلك في جلي البيان، وأسلموا النبي (صلى الله عليه وآله) ~~للحتوف(1) في مقام بعد مقام، فخرجوا بذلك عن الشدة على الكفار، وهان أمرهم ~~على ms061 أهل الشرك والضلال، وبطل أن يكونوا PageV01P144 # من جملة المعنين(1) بالمدحة في القرآن ولو كانوا على سائر ما عدا ما ~~ذكرناه من باقي الصفات، وكيف وأنى يثبت لهم شيء منها بضرورة ولا استدلال، ~~لأن المدح إنما توجه إلى من حصل له مجموع الخصال في الآية دون بعضها، وفي ~~خروج القوم من البعض بما ذكرناه(2) مما لا يمكن دفعه إلا بالعناد وجوب ~~الحكم عليهم بالذم بما وصفناه؟! وهذا بين جلي والحمد لله. ### || فصل # ثم يقال لهم: قد روى مخالفوكم عن علماء التفسير من آل محمد عليهم السلام ~~أن هذه الآية إنما نزلت في أمير المؤمنين والحسن والحسين والأئمة عليهم ~~السلام من بعدهم خاصة دون سائر الناس، وروايتهم لما ذكرنا عمن سمينا أولى ~~بالحق والصواب مما ادعيتموه بالتأويل والظن الحسبان والرأي، لإسنادهم ~~مقالتهم في ذلك إلى من ندب النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الرجوع إليه عند ~~الاختلاف، وأمر باتباعه في الدين، وأمن متبعه من الضلال. # ثم إن دليل القرآن يعضده البيان، وذلك إن الله تعالى أخبر عمن ذكره ~~بالشدة على الكفار، والرحمة لأهل الإيمان، والصلاة له، والاجتهاد في ~~الطاعات، بثبوت صفته في التوراة والإنجيل، وبالسجود لله تعالى PageV01P145 # وخلع الأنداد، ومحال وجود صفة ذلك لمن سجوده للأوثان، وتقربه للات والعزى ~~دون الله الواحد القهار، لأنه يوجب الكذب في المقال، أو المدحة بما يوجب ~~الذم من الكفر والعصيان. # وقد اتفقت الكافة على أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعدا وسعيدا ~~وأبا عبيدة وعبد الرحمن قد عبدوا قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله). # الأصنام، وكانوا دهرا طويلا يسجدون للأوثان من دون الله تعالى، ويشركون ~~به الأنداد، فبطل أن تكون أسماؤهم ثابتة في التوراة والإنجيل بذكر السجود ~~على ما نطق به القرآن. # وثبت لأمير المؤمنين والأئمة من ذريته عليهم السلام ذلك، للاتفاق على ~~أنهم لم يعبدوا قط غير الله تعالى، ولا سجدوا لأحد سواه، وكان مثلهم في ~~التوراة والإنجيل واقعا موقعه على ما وصفناه، مستحقا به المدحة قبل كونه ~~لما فيه من الاخلاص لله ms062 سبحانه على ما بيناه. # ووافق دليل ذلك برهان الخبر عمن ذكرناه من علماء آل محمد صلوات الله ~~عليهم، بما دل به النبي (صلى الله عليه وآله) من مقاله الذي اتفق العلماء ~~عليه، وهذا أيضا مما لا يمكن التخلص منه مع الإنصاف. ### || فصل # على أنه يقال لهم: خبرونا عن طلحة والزبير، أهما داخلان في جملة ~~الممدوحين بقوله تعالى: { محمد رسول الله والذين معه أشداء على PageV01P146 # الكفار }(1) إلى آخره، أم غير داخلين في ذلك؟ # فإن قالوا: لم يدخل طلحة والزبير ونحوهما في جملة القوم. # خرجوا من مذاهبهم وقيل لهم: ما الذي أخرجهم من ذلك وأدخل أبا بكر وعمر ~~وعثمان، فكل شيء تدعونه في استحقاق الصفات، فطلحة والزبير أشبه أن يكونا ~~عليها منهم، لما ظهر من مقاماتهم في الجهاد الذي لم يكن لأبي بكر وعمر ~~وعثمان فيه ذكر على جميع الأحوال؟! فلا يجدون شيئا يعتمدون عليه في الفرق ~~بين القوم أكثر من الدعوى الظاهرة الفساد. # وإن قالوا: إن طلحة والزبير في جملة القوم الممدوحين بما في الآي. # قيل لهم: فهلا عصمهما المدح الذي ادعيتموه لهم من دفع أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) عن حقه، وإنكار إمامته، واستحلال حربه، وسفك دمه، والتدين ~~بعداوته على أي جهة شئتم: كان ذلك من تعمد، أو خطأ، أو شبهة، أو عناد، أو ~~نظر، أو اجتهاد! # فإن قالوا: إن مدح القرآن - على ما يزعمون - لم يعصمهما من ذلك، ولا بد ~~من الاعتراف بما ذكرناه، لأن منع دفعه جحد الاضطرار. # قيل لهم: فبما تدفعون أن أبا بكر وعمر وعثمان قد دفعوا أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) عن حقه، وتقدموا عليه وكان أولى بالتقدم عليهم، وأنكروا ~~إمامته وقد كانت ثابتة، ودفعوا النصوص عليه وهي له واجبة، ولم PageV01P147 # يعصمهم ذلك، ثم توجه المدح لهم من الآية، كما لم يعصم طلحة والزبير مما ~~وصفناه ووقع منهم في إنكار حق أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما وقع من ~~الرجلين المشاركين لهم فيما ادعيتموه من مدح القرآن وعلى الوجه الذي كان ~~منهما ذلك من تعمد أو خطأ أو ms063 شبهة أو اجتهاد أو عناد؟ وهذا ما لا سبيل لهم ~~إلى دفعه، وهو مبطل لتعلقهم بالآية ودفع أئمتهم عن الضلالة، وإن سلم لهم ~~منها ما تمنوه تسليم جدل للاستظهار. ### || فصل # ويؤكد ذلك أن الله تعالى مدح من وصف بالآية بما كان عليه في الحال، ولم ~~يقض بمدحه له على صلاح العواقب، ولا أوجب العصمة له من الضلال، ولا استدامة ~~لما استحق به المدحة في الاستقبال. # ألا ترى أنه سبحانه قد اشترط في المغفرة لهم والرضوان الإيمان في ~~الخاتمة، ودل بالتخصيص لمن اشترط له ذلك، على أن في جملتهم من يتغير حاله ~~فيخرج عن المدح إلى الذم واستحقاق العقاب، فقال تعالى فيما اتصل به من ~~وصفهم(1) ومدحهم بما ذكرناه من مستحقهم في الحال: # { كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم ~~الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما }(2). PageV01P148 # فبعضهم في الوعد ولم يعمهم به، وجعل الأجر مشترطا لهم بالأعمال الصالحة، ~~ولم يقطع على الثبات، ولو كان الوصف لهم بما تقدم موجبا لهم الثواب، ومبينا ~~لهم المغفرة والرضوان، لاستحال الشرط فيهم بعده وتناقض الكلام، وكان ~~التخصيص لهم موجبا بعد العموم ظاهر التضاد، وهذا ما لا يذهب إليه ناظر، ~~فبطل ما تعلق به الخصم من جميع الجهات، وبان تهافته على اختلاف المذاهب في ~~الأجوبة والاسقاطات، والمنة لله. PageV01P149 PageV01P150 # ### | مسألة أخرى # وقد تعلق هؤلاء القوم أيضا بعد الذي ذكرناه عنهم فيما تقدم من الآي بقوله ~~تعالى: { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من ~~الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير }(1). # فزعموا بجهلهم أن هذه الآية دالة على أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة ~~والزبير وسعدا وسعيدا وعبد الرحمن وأبا عبيدة بن الجراح من أهل الجنة على ~~القطع والثبات، إذ كانوا ممن أسلم قبل الفتح، وأنفقوا وقاتلوا الكفار، وقد ~~وعدهم الله الحسنى - وهي الجنة وما فيها من الثواب - وذلك مانع من وقوع ~~معصية منهم يجب عليه ms064 بها العقاب، وموجب لولايتهم في الدين وحجيتهم على كل ~~حال(2). PageV01P151 ### || فصل # فيقال لهم: إنكم بنيتم كلامكم في تأويل هذه الآية وصرف الوعد فيها إلى ~~أئمتكم على دعويين: # إحداهما: مقصورة عليكم لا يعضدها برهان، ولا تثبت بصحيح الاعتبار. # والأخرى: متفق على بطلانها، لا تنازع في فسادها ولا اختلاف، ومن كان أصله ~~فيما يعتمده ما ذكرناه، فقد وضح جهله لذوي الألباب. # فأما الدعوى الأولى: فهي قولكم أن أبا بكر وعمر قد أنفقا قبل الفتح، وهذا ~~ما لا حجة فيه بخبر صادق ولا كتاب، ولا عليه من الأمة إجماع، بل الاختلاف ~~فيه موجود، والبرهان على كذبه(1) لائح مشهود. # وأما الدعوى الأخيرة: وهي قولكم أنهما قاتلا الكفار فهذه مجمع على ~~بطلانها غير مختلف في فسادها، إذ ليس يمكن لأحد من العقلاء أن يضيف إليهما ~~قتل كافر معروف، ولا جراحة مشرك موصوف، ولا مبارزة قرن ولا منازلة كفؤ، ولا ~~مقام مجاهد. # وأما هزيمتهما من الزحف فهي أشهر وأظهر من أن يحتاج فيه إلى الاستشهاد، ~~وإذا خرج الرجلان من الصفات التي تعلق الوعد بمستحقها من جملة الناس، فقد ~~بطل ما بنيتم على ذلك من الكلام، PageV01P152 # وثبت بفحوى القرآن ودلائله استحقاقهما الوعيد بضد ما استحقه أهل الطاعة. ### || فصل # على أن اعتلالكم يوجب عموم الصحابة كلها بالوعد، ويقضي لهم بالعصمة من كل ~~ذنب، لأنهم بأسرهم بين رجلين: أحدهما أسلم قبل الفتح وأنفق وقاتل، والآخر ~~كان ذلك منه بعد الفتح، ومن دفع(1) منهم عن ذلك كانت حاله حال أبي بكر وعمر ~~وعثمان في دفع الشيعة لهم عما أضافه إليهم أشياعهم من الإنفاق لوجه الله ~~تعالى، وإذا كان الأمر على ما وصفناه، وكان القرآن ناطقا بأن الله تعالى قد ~~وعد جماعتهم الحسنى، فكيف يختص بذلك من سميتموه، لولا العصبية والعناد؟! ### || فصل # ثم يقال لهم: إن كان لأبي بكر وعمر وعثمان الوعد بالثواب، لما ادعيتموه ~~لهم من الإنفاق والقتال، وأوجب ذلك عصمتهم من الآثام، لأوجب ذلك لأبي سفيان ~~ويزيد بن أبي سفيان ومعاوية(2) وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص أيضا، بل ms065 هو ~~لهؤلاء أوجب، وهم به أحق من أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم ممن سميتموه، لما ~~نحن مثبتوه في المقال. PageV01P153 # وذلك أنه لا خلاف بين الأمة أن أبا سفيان أسلم قبل الفتح بأيام، وجعل ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأمان لمن دخل داره تكرمة له وتمييزا عمن ~~سواه، وأسلم معاوية قبله في عام القضية(1) وكذلك كان إسلام يزيد بن أبي ~~سفيان(2). # وقد كان لهؤلاء الثلاثة من الجهاد بين يدي رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) ما لم يكن لأبي بكر وعمر وعثمان، لأن أبا سفيان أبلى يوم حنين بلاء ~~حسنا، وقاتل يوم الطائف قتالا لم يسمع بمثله في ذلك اليوم لغيره، وفيه ذهبت ~~عينه، وكانت راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع ابنه يزيد بن أبي ~~سفيان، وهو يقدم بها بين يدي المهاجرين والأنصار. # وقد كان أيضا لأبي سفيان بعد النبي (صلى الله عليه وآله) مقامات ومعروفة ~~في الجهاد، وهو صاحب يوم اليرموك، وفيه ذهبت عينه الأخرى، وجاءت الأخبار أن ~~الأصوات خفيت فلم يسمع إلا صوت أبي سفيان، وهو يقول: يا نصر الله اقترب. ~~والراية مع ابنه يزيد، وقد كان له بالشام وقائع مشهورات(3). # ولمعاوية من الفتوح بالبحر وبلاد الروم والمغرب والشام في أيام عمر ~~وعثمان وأيام إمارته وفي أيام أمير المؤمنين (عليه السلام) وبعده ما لم يكن لعمر PageV01P154 # ابن الخطاب. # وأما خالد بن الوليد وعمرو بن العاص فشهرة قتالهما مع النبي (صلى الله ~~عليه وآله) وبعده تغني الإطالة بذكرها في هذا الكتاب، وحسب عمرو بن العاص ~~في فضله على أبي بكر وعمر تأمير رسول الله (صلى الله عليه وآله) إياه ~~عليهما في حياته(1) ولم يتأخر إسلامه عن الفتح فيكون لهما فضل عليه بذلك، ~~كما يدعى في غيره. # وأما خالد بن الوليد فقد أمره رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حياته، ~~وأنفذه في سرايا كثيرة(2). # ولم ير لأبي بكر وعمر ما يوجب تقديمهما على أحد في أيامه صلى الله عليه ~~وآله، فإن أنصف الخصوم جعلوا ما عددناه لهؤلاء ms066 القوم فضلا على من سموه في ~~متضمن الآي، وإلا فالتسوية واجبة بينهم في ذلك على كل حال، وهذا يسقط ~~تعلقهم بالتخصيص فيما سلمناه لهم تسليم جدل من التفضيل على ما أدعوه في ~~التأويل، وإن القول فيه ما قدمناه. ### || فصل # ثم يقال لهم: أليست الآية قاضية بالتفضيل ودالة على الثواب والأجر لمن ~~جمع بين الإنفاق والقتال معا، ولم يفرد أحدهما عن الآخر، PageV01P155 # فيكون مختصا به على الانفراد؟! فلا بد من أن يقولوا: بلى. وإلا خالفوا ~~ظاهر القرآن. # فيقال لهم: هب أنا سلمنا لكم أن لأبي بكر وعمر وعثمان إنفاقا، ولم يصح ~~ذلك بحجة من خبر صادق ولا إجماع ولا دليل قرآن، وإنما هي دعوة عرية عن ~~البرهان، فأي قتال لهم قبل الفتح أو بعده مع النبي (صلى الله عليه وآله) ~~حتى يكونوا بمجموع الأمرين مستحقين للتفضيل على غيرهم من الناس؟! فإن راموا ~~ذكر قتال بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) لم يجدوا إليه سبيلا على ~~الوجوه كلها والأسباب، اللهم إلا أن يقولوا ذلك على التخرص والبهت بخلاف ما ~~عليه الاجماع، وذلك باطل بالاتفاق. # ثم يقال لهم: قد كان للرسول (صلى الله عليه وآله) مقامات في الجهاد، ~~وغزوات معروفات، ففي أيها قاتل أبو بكر وعمر وعثمان، أفي بدر، فليس لعثمان ~~فيها ذكر واجتماع، ولم يحضرها باتفاق، وأبو بكر وعمر كانا في العريش ~~محبوسين عن القتال، لأسباب تذكرها الشيعة، وتدعون أنتم خلافا لما تختصون(1) ~~به من الاعتقاد؟! # أم بأحد فالقوم بأسرهم ولوا الأدبار، ولم يثبت مع النبي (صلى الله عليه ~~وآله) سوى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وانضاف إليه نفر من الأنصار؟! # أم بخيبر وقد عرف العلماء ومن خالطهم من العامة ما كان من أمر أبي بكر ~~وعمر فيها من الفساد والرجوع من الحرب والانهزام، PageV01P156 # حتى غضب النبي (صلى الله عليه وآله)، وقال: " لأعطين الراية غدا رجلا يحب ~~الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على ~~يديه "(1) فأعطاها أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان الفتح على يديه، كما ms067 ~~أخبر النبي (صلى الله عليه وآله)؟! # أم في يوم الأحزاب فلم يكن لفرسان الصحابة وشجعانها ومتقدميها في الحرب ~~إقدام في ذلك اليوم سوى أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه خاصة، وقتله ~~عمرو بن عبد ود، ففتح الله بذلك على أهل الإسلام؟! # أم في يوم حنين فأصل هزيمة المسلمين كانت فيه بمقال من أبي بكر، واغتراره ~~بالجمع، واعتماده على كثرة القوم دون نصر الله ولطفه وتوفيقه، ثم انهزم هو ~~وصاحبه أول الناس، ولم يبق مع النبي (صلى الله عليه وآله) إلا تسعة نفر من ~~بني هاشم، أحدهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وثبتوا به في ذلك المقام؟! ~~ثم ما بين هذه الغزوات وبعدها، فحال القوم فيها في التأخر عن الجهاد ما ~~وصفناه لغيره من الطلقاء والمؤلفة قلوبهم ومسلمة الفتح، وأضرابهم من الناس ~~وطبقات الأعراب في القتال والإنفاق، وما هو مشهور عند نقلة الآثار، وقد ~~نقلنا لأبي سفيان وولديه في هذا الباب ما لا يمكن دعوى مثله لأبي بكر وعمر ~~وعثمان على ما قدمناه وشرحناه. # وإذا لم يكن للقوم من معاني الفضل ما يوجب لهم الوعد(2)، بالحسنى على ما ~~نطق به القرآن، ولا اتفق لهم الجمع بين الإنفاق والقتال PageV01P157 # بالإجماع وبالدليل(1) الذي ذكرناه، فقد ثبت أن الآية كاشفة عن نقصهم، ~~دالة على تعريتهم(2) مما يوجب الفضل، ومنبهة على أحوالهم المخالفة لأحوال ~~مستحقي التعظيم والثواب. ### || فصل # ثم يقال لهم أيضا: أخبرونا عن عمر بن الخطاب، بما ذا قرنتموه بأبي بكر(3) ~~وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، فيما ادعيتموه لهم من الفضل في ~~تأويل الآية، ولم يكن له قتال قبل الفتح ولا بعده، ولا ادعى له أحد إنفاقا ~~على كل حال! # وهب أن الشبهة دخلت عليكم في أمر أبي بكر بما تدعونه من الإنفاق، وفي ~~عثمان ما كان منه من النفقة في تبوك، وفي طلحة والزبير وسعيد بالقتال، أي ~~شبهة دخلت عليكم في عمر بن الخطاب، ولا إنفاق له ولا قتال؟! وهل ذكركم إياه ~~في القوم إلا عصبية وعنادا وحمية في الباطل، وإقداما على التخرص ms068 في الدعاوى ~~والبهتان. ### || فصل آخر # ثم يقال لهم: خبرونا عن طلحة والزبير ما توجه إليهما من الوعد PageV01P158 # بالحسنى في الآية على ما ادعيتموه للجماعة، وهل عصمهما ذلك من خلاف أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وحربه، وسفك دماء أنصاره وشيعته، وإنكار حقوقه التي ~~أوجبها الله تعالى له ودفع إمامته؟! # فإن قالوا: لم يقع من الرجلين شيء من ذلك، وكانا معصومين عن جميعه. كابروا ~~وقبحت المناظرة لهم، لأنهم اعتمدوا العناد في ذلك ودفعوا علم الاضطرار. # وإن قالوا: إن الوعد من الله سبحانه لطلحة والزبير بالحسنى لم يمنعهما من ~~سائر ما عددناه، للاتفاق منهم على وقوعه من جهتهما والاجماع. # قيل لهم: ما أنكرتم أن يكون ذلك أيضا غير عاصم لأبي بكر وعمر وعثمان مع ~~دفع أمير المؤمنين (عليه السلام) عن حقه، وإنكار فضله(1)، وجحد إمامته ~~والنصوص عليه، ولا يمنع التسليم لكم ما ادعيتموه من دخولهم في الآية، وتوجه ~~المدحة إليهم منها، والوعد بالحسنى والنعيم على غاية منيتكم، فيما ذكرته ~~الشيعة في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وحال المتقدمين عليه، كما ~~رتبنا ذلك فيما تقدم من السؤال، فلا يجدون منه مهربا. ### || فصل # وقد زعم بعض الناصبة أن الآية قاضية بفضل أبي بكر على أمير PageV01P159 # المؤمنين (عليه السلام)، فإن زعم أن أبا بكر له إنفاق بالإجماع وقتال مع ~~النبي (صلى الله عليه وآله)، وأن عليا لم يكن له إنفاق(1) على ما زعم وكان ~~له قتال، ومن جمع الأمرين كان أفضل من المنفرد بأحدهما على النظر الصحيح ~~والاعتبار. # فيقال له: أما قتال أمير المؤمنين (عليه السلام) وظهور جهاده مع النبي ~~صلى الله (عليه السلام) واشتهاره فمعلوم بالاضطرار، وحاصل عليه من الآية ~~بالإجماع والاتفاق، وليس لصاحبك قتال بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) ~~باتفاق العلماء، ولا يثبت له جهاد بخبر ولا قرآن، ولا يمكن لأحد ادعاء ذلك ~~له على الوجوه كلها والأسباب، إلا أن يتخرص باطلا على الظن والعناد. # وأما الإنفاق فقد نطق به القرآن لأمير المؤمنين (عليه السلام) في آية ~~النجوى(2) بإجماع علماء القرآن، وفي آية ms069 المنفقين بالليل والنهار(3)، وجاء ~~التفسير بتخصيصها فيه (عليه السلام)، ونزل الذكر بزكاته (عليه السلام) في ~~الصلاة(4)، PageV01P160 # وصدقته على المسكين واليتيم والأسير في: { هل أتى على الإنسان }(1). # وليس يثبت لأبي بكر إنفاق يدل عليه القرآن بظاهره، ولا قطع العذر به من ~~قول إمام صادق في الخبر عن معناه، ولا يدل عليه تواتر ولا إجماع، مع حصول ~~العلم الضروري بفقر أبي بكر، وما كان عليه من الاضطرار المانع لصحة دعوى ~~الناصبة له ذلك، حسب ما تخرصوه في المقال، ولا فرق بين من ادعى لأبي بكر ~~القتال مع ما بيناه ومن ادعى مثل ذلك لحسان، وبين من ادعى له الإنفاق مع ما ~~بيناه ومن ادعى مثله لأبي هريرة وبلال. # وإذا كانت الدعوى لهذين الرجلين على ما ذكرناه ظاهرة البطلان، فكذلك ما ~~شاركهما في دلالة الفساد من الدعوى لأبي بكر على ما وصفناه، فبطل مقال من ~~ادعى له الفضل في الجملة، فضلا عمن ادعاه له على أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) على ما بنى عليه الناصب الكلام، وبان جهله، والله الموفق للصواب. PageV01P161 PageV01P162 # ### | باب آخر من السؤال عن تأويل القرآن وأخبار يعزونها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وأنه قد مدح أئمتهم على التخصيص والاجمال ### || مسألة # فإن قالوا: وجدنا الله تعالى قد مدح أبا بكر في مسارعته إلى صديق النبي ~~(صلى الله عليه وآله)، وشهد له بالتقوى على القطع والثبات، فقال الله تعالى: # { والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون * لهم ما يشاءون عند ربهم ~~ذلك جزاء المحسنين * ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن ~~الذي كانوا يعملون }(1). # وإذا ثبت أن هذه الآية نزلت في أبي بكر على ما جاء به الأثر، استحال أن ~~يجحد فرض الله تعالى، وينكر واجبا، ويظلم في أفعاله، ويتغير عن حسن أحواله، ~~وهذا ضد ما تدعونه عليه وتضيفونه(2) إليه PageV01P163 # من جحد النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقولوا في ذلك كيف شئتم ~~لنقف عليه. ### || جواب # قيل لهم: قد أعلمناكم فيما سلف أن تأويل كتاب الله تعالى لا يجوز ms070 بأدلة ~~الرأي، ولا تحمل معانيه على الأهواء، ومن قال فيه بغير علم فقد غوى، والذي ~~ادعيتموه من نزول هذه الآية في أبي بكر على الخصوص فهذا راجع إلى الظن، ~~والعمل عليه غير صادر عن اليقين، وما اعتمدتموه من الخبر فهو مخلوق، وقد ~~سبرنا الأخبار ونخلنا الآثار فلم نجده في شيء منها معروف، ولا له ثبوت من ~~عالم بالتفسير موصوف، ولا يتجاسر أحد من الأمة على إضافته إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله) فإن عزاه إلى غيره فهو كداود ومقاتل بن سليمان(1) ~~وأشباههما من المشبهة الضلال، والمجبرة الاغفال الذين أدخلوا في تأويل كلام ~~الله تعالى الأباطيل، وحملوا معانيه على ضد الحق والدين، وضمنوا تفسيرهم ~~الكفر بالله العظيم، والشناعة(2) للنبيين والملائكة المقربين عليهم السلام ~~أجمعين، ومن PageV01P164 # اعتمد(1) في معتقده على دعاوى ما وصفناه فقد خسر الدنيا والآخرة بما ~~بيناه، وبالله العصمة وإياه نسأل التوفيق. ### || فصل # على أن أكثر العامة وجماعة الشيعة يروون عن علماء التأويل وأئمة القول في ~~معاني التنزيل أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) على ~~الخصوص، وإن جرى حكمها في حمزة وجعفر وأمثالهما من المؤمنين السابقين، وهذا ~~يدفع(2) حكم ما ادعيتموه لأبي بكر ويضاده، ويمنع من صحته ويشهد بفساده، ~~ويقضي بوجوب القول به دون ما سواه، إذا كان واردا من طريقين، ومصطلحا عليه ~~من طائفتين مختلفين، ومتفقا عليه من(3) الخصمين المتباينين، فحكمه بذلك حكم ~~الاجماع، وما عداه فهو من طريق - كما وصفناه - مقصور على دعوى الخصم خاصة ~~بما بيناه، وهذا ما لا يحيل الحق فيه على أحد من العقلاء، فممن روى ذلك على ~~ما شرحناه: # إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن السدي، عن ابن عباس، في قوله تعالى: { ~~والذي جاء بالصدق وصدق به }. PageV01P165 # قال: هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)(1) ورواه عبيدة بن ~~حميد، عن منصور، عن مجاهد، مثل ذلك سواء(2). # وروى سعيد، عن الضحاك، مثل ذلك أيضا(3). # وروى أبو بكر الحضرمي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، في قوله تعالى: ~~{ والذي ms071 جاء بالصدق } " هو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، صدق به أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) "(4). # وروى علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير(5)، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ~~(عليه السلام)، مثل ذلك سواء(6). ### || فصل # وقد روى أصحاب الحديث من العامة عن طرقهم خاصة أنها نزلت في النبي صلى ~~الله وآله وحده دون غيره من سائر الناس. # فروى علي بن الحكم، عن أبي هريرة، قال: بينا هو يطوف PageV01P166 # بالبيت إذ لقيه معاوية بن أبي سفيان، فقال له أبو هريرة: يا معاوية، ~~حدثني الصادق المصدق والذي جاء بالصدق وصدق به: أنه يكون أمرا(1) يود أحدكم ~~لو علق بلسانه منذ خلق الله السماوات والأرض، وأنه لم يل ما ولي(2). # ورووا عن السدي وغيره من السلف، عن قوله تعالى: { والذي جاء بالصدق وصدق ~~به } قال: جاء بالصدق (عليه السلام)، وصدق به نفسه (عليه السلام)(3). # وفي حديث لهم آخر، قالوا: جاء محمد (صلى الله عليه وآله) بالصدق، وصدق به ~~يوم القيامة إذا جاء به شهيدا(4). ### || فصل # وقد رووا أيضا في ذلك ما اختصوا بروايته دون غيرهم، عن مجاهد في قوله ~~تعالى: { والذي جاء بالصدق } أنه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والذي ~~صدق به أهل القرآن، يجيئون(5) به يوم القيامة، فيقولون: هذا الذي دعوتمونا ~~إليه(6) قد اتبعنا ما فيه(7). PageV01P167 ### || فصل # وقد زعم جمهور متكلمي العامة وفقهائهم أن الآية عامة في جميع المصدقين ~~برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتعلقوا في ذلك بالظاهر أو العموم، وبما ~~تقدمه(1) من قول الله تعالى: { فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ ~~جاءه أليس في جهم مثوى للكافرين * والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون }(2). # وإذا كان الاختلاف بين روايات العامة وأقاويلهم في تأويل هذه الآية على ~~ما شرحناه، وإذا تناقضت أقوالهم فيه بما بيناه سقط جميعها بالمقابلة ~~والمكافأة، وثبت تأويل الشيعة للاتفاق الذي ذكرناه، ودلالته على الصواب حسب ~~ما وصفناه، والله الموفق للصواب. ### || مسألة # فإن قال قائل منهم: كيف يتم ms072 لكم تأويل هذه الآية في أمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، وهي تدل على أن الذي فيه قد كانت له ذنوب كفرت عنه بتصديقه رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، حيث يقول الله تعالى: { ليكفر الله عنهم أسوأ ~~الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعلمون }(3). # ومن قولكم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يذنب ذنبا، ولا قارف معصية، PageV01P168 # صغيرة ولا كبيرة، على خطأ ولا عمد، فكيف يصح أن الآية - مع ما وصفنا - فيه؟! ### || جواب # قيل لهم: لسنا نقول في عصمة أمير المؤمنين (عليه السلام) بأكثر من قولنا ~~في عصمة النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا نزيد على قول أهل العدل في عصمة ~~الرسل عليهم السلام من كبائر الآثام، وقد قال الله تعالى في نبيه (صلى الله ~~عليه وآله) { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر }(1). # وقال تعالى: { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار }(2). # وقال تعالى: { ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك }(3). # فظاهر هذا الكلام يدل على أنه قد قارف الكبائر، وقد ثبت أنه مصروف عن ~~ظاهره بضروب من البرهان، فكذلك القول فيما تضمنته الآية في أمير المؤمنين ~~(عليه السلام). # وجه آخر: أن المراد بذكر التكفير إنما هو ليؤكد التطهير له صلوات الله ~~عليه من الذنوب، وهو وإن كان لفظه لفظ الخبر على الاطلاق، فإنه مشترط بوقوع ~~الفعل لو وقع، وإن كان المعلوم أنه غير واقع أبدا للعصمة، بدليل العقل الذي ~~لا يقع فيه اشتراط. PageV01P169 # وجه آخر: وهو أن التكفير المذكور بالآية إنما تعلق بالمحسنين الذين أخبر ~~الله تعالى بجزائهم من التنزيل، وجعله جزاء للمعني بالمدح للتصديق دون أن ~~يكون متوجها إلى المصدق المذكور، وهذا يسقط ما توهمه الخصوم. PageV01P170 # ### | مسألة أخرى # فإن قالوا: فما عندكم في قوله تعالى: { فأما من أعطى واتقى * وصدق ~~بالحسنى * فسنيسره لليسرى }(1) مع ما جاء في الحديث أنها نزلت في أبي بكر ~~على التخصيص(2)، وهذا ظاهر عند(3) الفقهاء وأهل التفسير؟ # الجواب: قيل لهم في ذلك كالذي قبله، وهو من دعاوى العامة بغير بينة ولا ~~حجة ms073 تعتمد ولا شبهة، وليس يمكن إضافته إلى صادق عن الله سبحانه، ولا فرق ~~بين من ادعاه لأبي بكر وبين من ادعاه لأبي هريرة، أو المغيرة بن شعبة، أو ~~عمرو بن العاص، أو معاوية بن أبي سفيان، في تعري دعواه عن البرهان، وحصولها ~~في جملة الهذيان، مع أن ظاهر الكلام يقتضي عمومه في كل معط من أهل التقوى ~~والإيمان، وكل PageV01P171 # من خلا من الكفر والطغيان، ومن حمله على الخصوص فقد صرفه عن الحقيقة إلى ~~المجاز، ولم يقنع منه فيه إلا بالجلي من البرهان. ### || فصل # على أن أصحاب الحديث من العامة قد رووا ضد ذلك عن عبد الله بن عباس وأنس ~~بن مالك وغيرهما من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قد ذكروا أنها ~~نزلت في أبي الدحداح الأنصاري وسمرة بن جندب(1)، وأخبروا عن سبب نزولها ~~فيهما بما يطول شرحه، وأبو الدحداح الأنصاري هو الذي أعطى واتقى، وسمرة بن ~~جندب هو الذي بخل واستغنى، وفي روايتهم لذلك إسقاط لما رواه بعضهم من خلافه ~~في أبي بكر، ولم يسنده إلى صحابي معروف، ولا إمام من أهل العلم موصوف، وهذا ~~بين لمن تدبره. ### || فصل # مع أنه لو كانت الآية نازلة في أبي بكر على ما ادعاه الخصوم، لوجب ظهورها ~~فيه على حد يدفع(2) الشبهة والشكوك، ويحصل معه اليقين بسبب ذلك، والمعنى ~~الذي لأجله نزل التنزيل وأسباب ذلك PageV01P172 # متوفرة من الرغبة في نشره، والأمان من الضرر في ذكره، ولما لم يكن ظهوره ~~على ما وصفناه دل على بطلانه بما بيناه، والحمد لله. PageV01P173 PageV01P174 # ### | مسألة أخرى # فإن قالوا: أفليس قد وردت الأخبار بأن أبا بكر كان يعول على مسطح ويتبرع ~~عليه، فلما قذف عائشة في جملة أهل الإفك امتنع من بره، وقطع عنه معروفه، ~~وآلى في الامتناع من صلته(1)، فأنزل الله تعالى: # { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~والله غفور رحيم }(2). # وأخبر أن أبا بكر من أهل الفضل والدين ms074 والسعة في الدنيا، وبشره بالمغفرة ~~والأجر العظيم، وهذا أيضا يضاد معتقدكم فيه. ### ||| الجواب: # قيل لهم: لسنا ندفع أن الحشوية قد روت ذلك، إلا أنها لم تسنده PageV01P175 # إلى الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولا روته عن حجة في الدين، وإنما أخبرت ~~به عن مقاتل والضحاك وداود الحواري والكلبي وأمثالهم ممن فسر القرآن ~~بالتوهم، وأقدم على القول فيه بالظن والتخرص حسب ما قدمناه. # وهؤلاء بالإجماع ليسوا من أولياء الله المعصومين ولا أصفيائه المنتجبين، ~~ولا ممن يلزم المكلفين قولهم والاقتداء بهم على كل حال في الدين، بل هم ممن ~~يجوز عليه الخطأ وارتكاب الأباطيل. # وإذا كان الأمر على ما وصفناه لم يضرنا ما ادعوه في التفسير، ولا ينفع ~~خصومنا على ما بيناه ممن يوجب اليقين، على أن الآثار الصحيحة والروايات ~~المشهورة والدلائل المتواترة قد كشفت عن فقر أبي بكر ومسكنته، ورقة حاله ~~وضعف معيشته، فلم يختلف أهل العلم أنه كان في الجاهلية معلما، وفي الإسلام ~~خياطا(1)، وكان أبوه صيادا، فلما كف بذهاب بصره وصار مسكينا محتاجا، قبضه ~~عبد الله بن جدعان لندي(2) الأضياف إلى طعامه، وجعل له في كل يوم على ذلك ~~أجرا درهما(3)، ومن كانت حاله في معيشته على ما وصفناه، وحال أبيه على ما ~~ذكرناه، خرج عن جملة أهل السعة في الدنيا، ودخل في الفقراء فما أحوجهم إلى PageV01P176 # المسألة والاجتداء! وهذا يبطل ما توهموه. ### || فصل # على أن ظاهر الآية معناها موجب لتوجهها إلى الجماعة دون الواحد، والخطاب ~~بها يدل على تصريحه على ذلك، فمن تأول القرآن بما يزيله عن حقيقته، وادعى ~~المجاز فيه والاستعارة بغير حجة قاطعة، فقد أبطل(1) بذلك وأقدم على المحظور ~~وارتكب الضلال. ### || فصل # على أنا لو سلمنا لهم أن سبب نزول هذه الآية امتناع أبي بكر من بر مسطح، ~~والايلاء منه بالله تعالى لا يبره ويصله(2)، لما أوجب من فضل أبي بكر ما ~~ادعوه، ولو أوجبه لمنعه من خطأه في الدين، وإنكاره النص على أمير المؤمنين ~~(عليه السلام)، وجحده ما لزمه والاقرار به على اليقين، للاجماع على أن ms075 ذلك ~~غير عاصم من الضلال، ولا مانع من مقارفة الآثام، فأين موضع التعلق بهذا ~~التأويل في دفع ما وصفناه آنفا لولا الحيرة والصد عن السبيل؟! PageV01P177 ### || فصل # وبعد: فليس يخلو امتناع أبي بكر عيلولة مسطح والإنفاق عليه من أن يكون ~~مرضيا لله تعالى، وطاعة له ورضوانا، أو أن يكون سخطا لله ومعصية وخطأ، فلو ~~كان مرضيا لله سبحانه وقربة إليه لما زجر عنه وعاتب عليه، وأمر بالانتقال ~~عنه وحض على تركه وإذا لم يك لله تعالى طاعة، فقد ثبت أنه معصية مسخوطة ~~وفساد في الدين، وهذا دال على نقص الرجل وذمه، وهو بالضد مما توهموه. ### || فصل # على أن مسطحا من بني عبد مناف(1)، وهو من ذوي القربى للنبي (صلى الله ~~عليه وآله)، وما نزل من القرآن في إيجاب صلته وبره والنفقة عليه فإنما هو ~~شيء على استحقاقه ذلك عند الله تعالى، ودال على فضله، وعائد على قومه ~~بالتفضل وأهله وعشيرته، وكاشف عما يجب بقرابة النبي صلى الله على وآله من ~~التعظيم لمحسنهم، والعفو عن مسيئهم، والتجاوز عن الخاطئ منهم، وليس يتعدى ~~ذلك إلى المأمور به، ولا يكسبه شيئا، وفي هذا إخراج لأبي بكر من الفضيلة ~~بالآية على ما شرحناه. PageV01P178 ### || فصل # على أن مسطحا، وإن كان من بني عبد مناف، فإنه ابن خالة أبي بكر، لأن أمه ~~أثاثة بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم، وكان أبو بكر يمونه لرحمه ~~منه، دون حقه بالهجرة والإيمان، فلما كان منه من أمر عائشة ما كان امتنع من ~~عيلولته وجفاه، وقطع رحمه غيظا عليه وبغضا له، فنهاه الله تعالى عن ذلك، ~~وأمره بالعود إلى بره، وأخبره بوجوب ذلك عليه لهجرته وقرابته من النبي (صلى ~~الله عليه وآله)، ودل بما أنزله فيه على خطئه في حقوقه وقطيعته من استحقاقه ~~لضد ذلك بإيمانه وطاعته لله تعالى وحسن طريقته، فأين يخرج من هذا فضل بأبي ~~بكر؟! إلا أن تكون المثالب مناقب، والذم مدحا، والقبيح حسنا، والباطل حقا، ~~وهذا نهاية الجهل والفساد. ### || فصل # ويؤكد ذلك أن ms076 الله عز وجل رغب للنهي عن قطيعة من سماه في صلته في المغفرة ~~إذا انتهى عما نهاه عنه، وصار إلى مثل(1) ما أمره به، حيث يقول: { ألا ~~تحبون أن يغفر الله لكم }(2). # فلولا أنه كان مستحقا للعقاب لما جعل المغفرة له بشرط الانتقال، وإذا لم ~~تتضمن الآية انتقاله مع ما دلت عليه، قبحت حاله PageV01P179 # وصارت وبالا عليه، حسب ما ذكرناه. ### || فصل # فأما ادعاؤهم أن الله تعالى شهد لأبي بكر بأنه من أهل الفضل والسعة، فليس ~~الأمر كما ظنوه، وذلك لقوله تعالى: { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ~~}(1) إنما هو نهي يختص بذكر أهل الفضل والسعة، يعم في المعنى كل قادر عليه، ~~وليس بخبر في الحقيقة ولا المجاز. # وإنما يختص بذكر ما سميناه على حسب اختصاص الأمر بالطاعات بأهل الإيمان ~~حيث يقول تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله }(2) و{ يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته }(3). # وإن كان المعني من الأمر بذلك عاما لجميع المكلفين، والمراد في الاختصاص ~~من اللفظ ما ذكرناه ملاءمة الوصف لما دعا إليه من الأعمال، وهو يجري مجرى ~~قول القائل لمن يريد تأديبه ووعظه: لا ينبغي لأهل العقل والمروءة والسداد ~~أن يرتكبوا الفساد، ولا يجوز لأهل الدين والعفاف أن يأتوا(4) قبائح ~~الأفعال، وإن كان المخاطب بذلك ليس من أهل المروءة والسداد، ولا أهل ~~الديانة والعفاف، وإنما خص PageV01P180 # بالمنكر ما وصفناه لما قدمناه وبيناه. # فيعلم أن ما تعلق به المخالف فيما ادعاه من فعل أبي بكر من لفظ القرآن ~~على خلاف ما توهمه وظنه، وأنه ليس من الخبر في شيء على ما بيناه. # وأماه قولهم: أن أبا بكر كان من أهل السعة في الدنيا بظاهر القرآن، ~~فالقول فيه كالمتقدم سواء، ومن بعد ذلك فإن الفضل والسعة والنقص والفقر من ~~باب التضايف، فقد يكون الإنسان من ذوي الفضل بالإضافة إلى من دونه من أهل ~~الضائقة والفقر(1)، ويكون مع ذلك مسكينا بالإضافة إلى من هو أوسع حالا منه، ~~وفقيرا إلى من هو محتاج إليه. # وإذا كان الأمر ms077 على ما وصفناه، لم ينكر وصف أبي بكر بالسعة عند إضافة ~~حاله إلى مسطح وأنظاره من المضطرين بالفقر ومن لا معيشة له ولا عائدة عليه، ~~كما يكون السقف سماء لمن هو تحته، وتحتا لمن هو فوقه ويكون الخفيف ثقيلا ~~عندما هو أخف منه وزنا، والقصير طويلا بالإضافة إلى من هو أقصر منه، وهذا ~~ما لا يقدح في قول الشيعة، ودفعها الناصبة عما ادعته لأبي بكر من الاحسان ~~والإنفاق على النبي (صلى الله عليه وآله)، حسب ما تخرصوه من الكذب في ذلك، ~~وكابروا به العباد، وأنكروا به ظاهر الحال، وما جاء به التواتر من الأخبار، ~~ودل عليه صحيح النظر والاعتبار، وهذا بين لمن تدبره. PageV01P181 ### || فصل # وقد روت الشيعة سبب نزول هذه الآية من كلام جرى بين بعض المهاجرين ~~والأنصار، فتظاهر المهاجرون عليهم وعلوا في الكلام، فغضبت الأنصار من ذلك، ~~وآلت بينها أن لا تبر ذوي الحاجة من المهاجرين، وأن تقطع معروفها عنهم، ~~فأنزل الله سبحانه هذه الآية، فاتعظت الأنصار بها، وعادت إلى بر القوم ~~وتفقدهم، وذكروا في ذلك حديثا طويلا وشرح جوابه أمرا بينا. # فإذا ثبت مذهبهم في ذلك سقط السؤال من أصله، ولم يكن لأبي بكر فيه ذكر، ~~واستغني بذلك عن تكلف ما قدمناه، إلا أنا قد تطوعنا على القوم بتسليم ما ~~ادعوه، وأوضحنا لهم عن بطلان ما تعلقوا به فيه، استظهارا للحجة وإصدارا عن ~~البيان، والله الموفق للصواب. ### || فصل آخر # ثم يقال لهم: خبرونا عما ادعيتموه لأبي بكر من الفضل في الدنيا، لو انضاف ~~إلى التقوى، ونزول القرآن أن تصريح الشهادة له به عودا بعد سدى، هل كان ~~موجبا لعصمته من الضلال في مستقبل الأحوال، ودالا على صوابه في كل فعل ~~وقول، وأنه لا يجوز عليه الخطأ والنسيان، وارتكاب الخلاف لله تعالى ~~والعصيان؟ # فإن ادعوا له بالعصمة من الآثام، وأحالوا من أجله عليه الضلال في ~~الاستقبال، خرجوا عن الاجماع، وتفردوا بالمقال، بما لم يقبله PageV01P182 # أحد من أهل الأديان، وكابروا دلائل العقول وبرهان السمع، ودفعوا الأخبار. # وقيل لهم: دلوا على ms078 صحة ما ادعيتموه من ذلك. فلا يجدون شيئا يعتمدونه على ~~كل حال. # وإن قالوا: ليس يجب له بالفضل والسعة وسائر ما عددناه وانضاف إليه ونطق ~~به القرآن العصمة من الضلال، بل جائز عليه الخطأ مع استحقاقه لجميعه ~~ومقارفة الذنوب في الاستقبال. # قيل لهم: فهب أنا سلمنا لكم(1) الآن من تأويل الآية على ما اقترحتموه، ما ~~أنكرتم في ضلال الرجل فيما بعد من إنكاره النص على أمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، ودفعه عما أوجب الله تعالى عليه الاقرار به من الفرض، وتغيير حاله ~~من الفضل بالنقص، إذ كانت العصمة مرتفعة عنه، والخطأ جائز عليه، والضلال عن ~~الحق موهوم منه ومظنون به، فلا يجدون حيلة، في دفع ذلك، ولا معتمدا في ~~إنكاره، وهذا مما تقدم معناه، إنما ذكرته للتأكيد والبيان، وهو مما لا محيص ~~لهم عنه، والحمد لله. PageV01P183 PageV01P184 # ### | مسألة أخرى # فإن قالوا: أفليس قد آنس الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) بأبي بكر ~~في خروجه(1) إلى المدينة للهجرة، وسماه صاحبا له في محكم كتابه، وثانيا ~~لنبيه (صلى الله عليه وآله) في سفره، ومستقرا معه في الغار لنجاته، فقال ~~تعالى: { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما ~~في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه ~~وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ~~والله عزيز حكيم }(2) وهذه فضيلة جليلة يشهد بها القرآن، فهل تجدون من ~~الحجة مخرجا؟ ### ||| جواب: # قيل لهم: أما خروج أبي بكر مع النبي (صلى الله عليه وآله) فغير مدفوع، ~~وكونه في الغار معه غير مجحود، واستحقاق اسم الصحبة معروف، إلا أنه ليس في ~~واحدة منها ولا في جميعها ما يظنون له من الفضل، فلا تثبت PageV01P185 # له منقبة في حجة سمع ولا عقل، بل قد شهدت الآية التي تلوتموها في ذلك ~~بزلل الرجل، ودلت على نقصه وأنبأت عن سوء أفعاله بما نحن موضحون عن وجهه، ~~إن شاء الله تعالى. # وأما ما ادعيتموه من أنس ms079 الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله)، فهو توهم ~~منكم وظن يكشف عن بطلانه الاعتبار، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~مؤيد بالملائكة المقربين الكرام، والوحي ينزل عليه من الله تعالى حالا ~~بحال، والسكينة معه في كل مكان، وجبرئيل (عليه السلام) آتيه بالقرآن وعصمته ~~والتوفيق من الله تعالى والثقة بما وعهده من النصر والظفر يرفع عنه ~~الاستيحاش، فلا حاجة إلى أنيس سوى من ذكرنا، لا سيما وبمنقوص عن منزلة ~~الكمال، خائف وجل، يحتاج إلى التسكين والرفق والمداراة. # وقد نطق بصفته هذه صريح القرآن، وأنبأ بمحنة النبي (صلى الله عليه وآله)، ~~وما عالجه من تدبيره له بالتسكين والتشجيع وتلافي ما فرط منه لشدة جزعه ~~وخوفه وقلقه، كي لا يظهر منه ما يكون به عظيم الفساد، حيث يقول سبحانه فيما ~~أخبر به عن نبيه (صلى الله عليه وآله): { لا تحزن إن الله معنا }(1). # وبعد: فلو كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤنس على ما ادعاه ~~الجاهل، لم يكن له بذلك فضل في الدين، لأن الأنس قد يكون لأهل التقوى ~~والإيمان بأمثالهم من أهل الإيمان، وبأغيارهم من أهل الضلال والبهائم ~~والشجر والجمادات، بل ربما أنس العاقل بمن يخالفه في دينه، PageV01P186 # واستوحش ممن يوافقه، وكان أنسه بعبده - وإن كان ذميا - أكثر من أنسه ~~بعالم وفقيه - وإن كان مهذبا - ويأنس بوكيله أحيانا ولا يأنس برئيسه، كما ~~يأنس بزوجته أكثر من أنسه بوالدته، ويأنس إلى الأجنبي فيما لا يأنس فيه إلى ~~الأقرب منه، وتأتي عليه الأحوال يرى أن التأنس ببعيره وفرسه أولى من التأنس ~~بأخيه وابن عمه، كما يختار المسافر استصحاب من يخبره بأيام الناس، ويضرب له ~~الأمثال، وينشده الأشعار، ويلهيه بالحديث عن الذكر وما يبهج(1) الخواطر ~~بالبال، ولا يختار استصحاب أعبد الناس ولا أعرفهم بالأحكام ولا أقرأهم ~~للقرآن، وإذا كان الأمر على ما وصفناه لم يثبت لأبي بكر فضل بالإنس به، ولو ~~سلمناه ولم نعترض في بطلانه بما قدمناه، وهذا بين لا إشكال فيه عند ذوي ~~الألباب. # وأما كونه للنبي (صلى الله ms080 عليه وآله) ثانيا، فليس فيه أكثر من الأخبار ~~بالعدد في الحال، وقد يكون المؤمن في سفره ثاني كافر، أو فاسق، أو جاهل، أو ~~صبي، أو ناقص، كما يكون ثاني مؤمن وصالح وعالم وبالغ وكامل، وهذا ما ليس ~~فيه اشتباه، فمن ظن به فضلا فليس من العقلاء. # وأما الصحبة فقد تكون بين المؤمن والكافر كما تكون بينه وبين المؤمن، وقد ~~يكون الصاحب فاسقا كما يكون برا تقيا، ويكون أيضا بهيمة وطفلا، فلا معتبر ~~باستحقاقها فيما يوجب المدح أو الذم، ويقتضي PageV01P187 # الفضل أو النقص. # قال الله تعالى فيما خبر به عن مؤمن وكافر: { قال له صاحبه وهو يحاوره ~~أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا * لكنا هو الله ربي ولا ~~أشرك بربي أحدا }(1) فوصف أحدهما بالإيمان، والآخر بالكفر والطغيان، وحكم ~~لكل واحد منهما بصحبة الآخر على الحقيقة(2) وظاهر البيان، ولم يناف الصحبة ~~اختلاف ما بينهما في الأديان. # وقال الله سبحانه مخاطبا الكفار الذين بهتوا نبيه (صلى الله عليه وآله)، ~~وادعوا عليه الجنون والنقصان: { وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالأفق ~~المبين }(3) فأضافه (عليه السلام) إلى قومه بذكر الصحبة، ولم يوجب ذلك لهم ~~فضلا، ولا بإقامتهم كفرا وذما، فلا ينكر أن يضيف إليه (عليه السلام) رجلا ~~بذكر الصحبة، وإن كان المضاف إليه كافرا ومنافقا وفاسقا، كما أضافه إلى ~~الكافرين بذكر الصحبة(4)، وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيد الأولين ~~والآخرين، ولم يوجب لهم فضلا ولا وفاقا(5) في الدين، ولا نفي عنهم بذلك ~~نقصا ولا ضلالا عن الدين. # وقد ثبت أن إضافته إليهم بذكر الصحبة أوكد في معناها من PageV01P188 # إضافة أبي بكر بها، لأن المضاف إليه أقوى في السبب من المضاف، وهذا ظاهر ~~البرهان. # فأما استحقاق الصبي اسم الصحبة من الكامل العاقل، وإن لم يوجب ذلك له ~~كمالا، فهو أظهر من أن يحتاج فيه إلى الاشتهار بإفاضته على ألسن الناس ~~العام والخاص، ولسقوطه بكل لسان.. # وقد تكون البهائم صاحبا، وذلك معروف في اللغة، قال عبيد بن الأبرص: # بل رب ماء ms081 أردت آجن %~% سبيله خائف جديب # قطعته غدوة مسيحا %~% وصاحبي بادن خبوب # يريد بصاحبه بعيره بلا اختلاف(1). # وقال أمية بن أبي الصلت: # إن الحمار مع الحمار مطية %~% فإذا خلوت به فبئس الصاحب(2) # وقال آخر: # زرت هندا وذاك بعد اجتناب %~% ومعي صاحب كتوم اللسان(3) # يعني به السيف، فسمى سيفه صاحبا. # وإذا كان الأمر على ما وصفناه لم يثبت لأبي بكر بذكر الصحبة فضيلة، ولا ~~كانت له منقبة على ما بيناه وشرحناه. # وأما حلوله مع النبي (صلى الله عليه وآله) في الغار، فهو كالمتقدم غير ~~موجب له PageV01P189 # فضلا، ولا رافع عنه نقصا وذما، وقد يحوي المكان البر والفاجر، والمؤمن ~~والكافر، والكامل والناقص، والحيوان والجماد، والبهيمة والإنسان، وقد ضم ~~مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) الذي هو أشرف من الغار المؤمنين وأهل ~~النفاق، وحملت السفينة البهائم وأهل الإيمان من الناس، ولا معتبر حينئذ ~~بالمكان، ومن اعتقد به فضلا لم يرجع في اعتقاده ذلك إلى حجة عقلية ولا ~~عبارة ولا سمع ولا قياس، ولم يحصل بذلك إلا على ارتكاب الجهالات. # فإن تعلقوا بقوله تعالى: { إن الله معنا } فقد تكون { معنا } للواحد كما ~~تكون للجماعة، وتكون للموعظة والتخويف كما تكون للتسكين والتبشير، وإذا ~~احتملت(1) هذه الأقسام لم تقتض فضلا، إلا أن ينضم إليها دليل من غيرها ~~وبرهان، وليس به مع التعلق بها أكثر من ظاهر الإسلام. ### || فصل # فأما الحجج منها على ما يوجب نقص أبي بكر وذمه، فهو قوله تعالى فيما أخبر ~~به من نهي نبيه (صلى الله عليه وآله) لأبي بكر عن الحزن في ذلك المكان، فلا ~~يخلو أن يكون ذلك منه على وجه الطاعة لله سبحانه لما نهاه النبي (صلى الله ~~عليه وآله) عنه، ولا لفظ له في تركه، لأنه (صلى الله عليه وآله) لا ينهى عن ~~طاعات ربه، ولا يؤخر عن قربه. PageV01P190 # ومن وصفه بذلك فقد قدح في نبوته، وأخرجه عن الإيمان بالله تعالى، وأدخله ~~في جملة أعدائه وأهل مخالفيه، وذلك ضلال عظيم. # وإذا خرج أبو بكر بحزنه الذي كان منه في الغار ms082 على الاتفاق من طاعة الله ~~تعالى، فقد دخل به في معصية الله، إذ ليس بين الطاعة والمعصية في أفعال ~~العاقل الذاكر واسطة على تحقيق النظر، ومن جعل بينهما قسما ثالثا - وهو ~~المباح - لزمه فيه ما لزم في الطاعة، إذ كان رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) لا يحظر ما أباحه الله تعالى، ولا يزجر عما شرعه الله. # وإذا صح أن أبا بكر كان عاصيا لله سبحانه يحزنه المجمع على وقوعه منه في ~~الغار، دل على استحقاقه الذم دون المدح، وكانت الآية كاشفة عن نقصه بما بيناه. # ومنها: أن الله سبحانه أخبر في هذه الآية أنه خص نبيه (صلى الله عليه ~~وآله) بالسكينة دون أبي بكر، وهذا دليل على أن حاله غير مرضية لله تعالى، ~~إذ لو كان من أولياء الله وأهل محبته لعمته السكينة مع النبي (صلى الله ~~عليه وآله) في ذلك المقام، كما عمت من كان معه (صلى الله عليه وآله) ببدر ~~وحنين، ونزل القرآن، فقال تعالى في هذه السورة: { لقد نصركم الله في مواطن ~~كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض ~~بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين }(1). PageV01P191 # وقال في سورة الفتح: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ~~فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا }(1). # وقال فيها أيضا: { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ~~فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين }(2). # فدل عموم السكينة كل من حضر مع النبي (صلى الله عليه وآله) من المؤمنين ~~مقاما سوى الغار، بما أنزل به القرآن، على صلاح حال القوم وإخلاصهم لله ~~تعالى، واستحقاقهم الكرامة منه بالسكينة التي أكرم بها نبيه (صلى الله عليه ~~وآله)، وأوضح بخصوص نبيه في الغار بالسكينة دون صاحبه في تلك الحال على ما ~~ذكرناه عن خروجه من ولاية الله تعالى، وارتكابه لما أوجب في العدل والحكمة ms083 ~~الكرامة بالسكينة من قبائح الأعمال، وهذا بين لم تحجب عنه العباد، وقد ~~استقصيت الكلام في هذه المسألة في مواضع من كتبي، وخاصة كتاب (العيون ~~والمحاسن)(3) فإنني فرغت فيها الكلام، واستوفيت ما فيه على التمام، فلذلك ~~خففت القول هاهنا، وتحريت الاختصار، وفيما أثبته كفاية، إن شاء الله تعالى. PageV01P192 # ### | مسألة أخرى # فإن قالوا: إن الأمة مجمعة على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خص أبا ~~بكر وعمر يوم بدر بالكون معه في العريش، وصانهما عن البذل في الحرب، وأشفق ~~على حياتهما عن ضرب السيوف، وفزع إليهما في الرأي والتدبير، وهذا أمر أبين ~~فضلا وأجل منقبة، فقولوا في ذلك ما عندكم في معناه. ### ||| جواب: # قيل لهم: ما أراكم تعتمدون في الفضائل إلا على الرذائل، ولا تصلون ~~المناقب إلا بذكر المثالب، وذلك دليل خذلانكم وخزيكم في الدين وضلالكم. # أما كون أبي بكر وعمر مع رسول (صلى الله عليه وآله) في العريش ببدر فلسنا ~~ننكره، لكنه لغير ما ظننتموه، والأمر فيه أوضح من أن يلتبس بما توهمتموه، ~~وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما علم من جبنهما عن الحروب، ~~وخوفهما من البراز للحتوف، وجزعهما من لقاء الأبطال، وضعف بصيرتهما، وعدم ~~ثباتهما في القتال بما أوجب في الحكمة والدين والتدبير، PageV01P193 # حبسهما في ذلك المكان، ومنعهما من التعرض إلى القتال، والاحتياط عليهما، ~~لأن لا يوقعا في تدبيره الفساد. # ولو علم (صلى الله عليه وآله) منهما قوة في الجهاد، وبصيرة في حرب أهل ~~العناد، ونية في الاصلاح والسداد، لما حال بينهما وبين اكتساب الثواب، ولا ~~منعهما من التعرض لنيل المنازل العالية بجهاد الأعداء، ولا اقتصر بهما على ~~منازل القاعدين، ولا أدخلهما في حكم المفضولين، بما نطق به الذكر الحكيم ~~حيث يقول سبحانه: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما }(1). # ويؤكد ذلك أن الله تعالى أخبر عباده في كتابه بأنه: ms084 { اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا ~~عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرءان ومن أوفى بعهده من الله.. فاستبشروا ~~ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم }(2). # فلا يخلو أن يكونا في جملة المؤمنين الذين نعتهم الله وأخبر عنهم بما ~~ضمنه القرآن، أو أن يكونوا من غيرهم بخلاف صفاتهم التي جاء بها PageV01P194 # التنزيل، فلو كانوا من جملة المؤمنين(1) لما منعهم رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) من الوفاء بشرط الله عليهم في القتال، ولا حال بينهم وبين ~~التوصل بالجهاد إلى ما وعد الله عليه أهل الإيمان من عظيم الثواب، في محل ~~النعيم والأجر الكبير، الذي من ظفر به كان من الفائزين، لأنه (صلى الله ~~عليه وآله) إنما بعث بالحث على أعمال الخيرات، والاجتهاد في القرب ~~والطاعات، والترغيب في بذل النفوس في جهاد الأعداء، وإقامة المفترضات. # ولما وجدناه قد منع هذين الرجلين من الجهاد، وحبسهما عما ندب إليه ~~خيار(2) العباد، دل على أنهما بخلاف صفات من اشترى الله تعالى نفسه بالجنة ~~من أهل الإيمان، وهذا واضح لذوي العقول والأذهان. # ويزيد ذلك بيانا انهزامهما مع المنهزمين في يوم أحد، وفرارهما من مرحب ~~يوم خيبر، وكونهما من جملة المولين الأدبار في يوم الخندق، وأنهما لم يثبتا ~~لقرن قط، ولا بارزا بطلا، ولا أراقا في نصرة الإسلام دما، ولا احتملا في ~~الذب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ألما، وكل ذلك يؤكد ما ذكرناه في ~~معناه، ويزيل عن ذوي الاعتبار الشبهات فيما ذكره أهل الضلالات. # وأما قولهم: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صانهما عن البذل في ~~الحرب، وأشفق عليهما من ضرب السيف، فهو أوهن كلام وأضعفه، وذلك أنه صلى ~~الله وآله عرض في ذلك اليوم عمه حمزة أسد الله وأسد رسوله للحرب، وبذل ~~إليها أخاه وابن عمه وصهره وأحب الخلق إليه أمير المؤمنين علي PageV01P195 # ابن أبي طالب (عليه السلام)، وابن عمه عبيدة بن لحارث بن عبد المطلب رحمة ~~الله عليه، وأحباءه من الأخيار، ms085 وخلصاءه من أهل الإيمان(1). # فكان (عليه السلام) يقدم كل من عظمت منزلته عنده للجهاد، معرضا له بذلك ~~إلى أجل منازل الثواب، ويرى أن تأخره عن ذلك حط له عن شيء من المقام، إلا أن ~~يكون بصفة من ذكرناه من المرتابين في الإيمان والشاكين في نعيم الجنان. # ولم يك (عليه السلام) من أبناء الدنيا والداعين إليها، وإلى التمسك ~~بأعمال أهلها والترغيب عن حطامها، فيتصور بما ذكره الجاهلون من الاشفاق على ~~أحبته من الشهادة، والمنع لهم ما يعقب لهم من الراحة ويحصل به الفضيلة، ولو ~~كان بهذه الصفة لخرج عن النبوة ولحق بأهل الكبر والجبرية، وحاشاه (صلى الله ~~عليه وآله) من ذلك. ### || فصل # على أنه يقال لهم: لو كان الأمر على ما ظننتموه في منع الرجلين من الجهاد ~~كان سببه المحبة والاشفاق، لأشفق عليهما من ذلك في خيبر، ولم يعرضهما له ~~حتى افتضحا بالهزيمة بين المسلمين، وأبان (عليه السلام) ذلك لأمته أجمعين ~~عن حالهما في الظاهر، وما كانا عليه في السر والباطن، وسماهما فرارين، ~~وأخرجهما عن محبة الله تعالى حيث يقول عند PageV01P196 # فرارهما: " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ~~كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه "(1). # وقد بينا ما يقتضيه فيهما من فحوى هذا الكلام فيما تقدم، ولا حاجة لنا ~~إلى تكراره. ### || فصل # وأما قولهم: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنما حبسهما عن القتال ~~لحاجة منه إلى رأيهما في التدبير. فإنه نظير ما سلف من جهلهم، بل أفحش منه، ~~وذلك لأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان معصوما وكانا بالاتفاق غير ~~معصومين، وكان (صلى الله عليه وآله) مؤيدا بالملائكة ولم يكونا مؤيدين. # وقد ثبت أن العاقل لا يستمد الرأي إلا ممن يعتقد فضله عليه منه، ومتى ~~استمد ممن يساويه أو يقاربه في معناه فلجواز عدوله عن صوابه بالغلط عن ~~طريقه، وما يلحقه من الآفات في النظر، ويحول بينه وبين الحق فيه من ~~الشبهات. # وإذا فسد القول بفضل أبي بكر وعمر على رسول الله ms086 (صلى الله عليه وآله) في ~~الرأي، بل في كل شيء من الأشياء، وبطل مساواتهما له ومقاربتهما إياه مع ما ~~يبطل من جواز الغلط عليه، ولحوق الآفات به لعصمته(2)(صلى الله عليه وآله)، ~~استحال مقال من زعم أنه كان محتاجا إليهما في الرأي. PageV01P197 ### || فصل # على أنه لو كان ممن يجوز عليه الخطأ في الدين والغلط في التدبير، لكان ما ~~يقع منه مستدركا بجبرئيل وميكائيل وأمثالهما من الملائكة عليهم السلام، ولم ~~يكله الله تعالى في شيء منه إلى رعيته، ولا أحوجه فيه إلى أحد من أمته، لما ~~تقتضيه الحكمة في تولى حراسته وتهدئته، وغناه بذلك عمن أحوجه الله سبحانه ~~إليه من جميع بريته. # ولو جاز أن يلجئه الله تعالى إلى أحد من أمته في الرأي، لجاز أن يضطر ~~إليه في جميع معرفة الأحكام، ولجعله تابعا لهم فيما يدركونه بالاجتهاد ~~والقياس، وهذا ما لا يذهب إليه مسلم، فثبت ما بيناه من الغرض في حبس ~~الرجلين عن القتال، فإنه كما شرحناه، وبينا وجهه وأوضحناه، دون ما ظنه ~~الجاهلون، والحمد لله. ### || فصل # ثم يقال لهم: خبرونا عن حبس رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبا بكر وعمر ~~عن القتال في يوم بدر لحاجة إلى مشورتهما عليه، وتدبيرهما الأمر معه، أقلتم ~~ذلك ظنا أو حدسا، أم قلتموه واعتمدتم فيه على اليقين؟ # فإن زعموا أنهم قالوا ذلك بالظن والحدس والترجيم فكفاهم بذلك خزيا في ~~مقالهم وشناعة وقبحا، وإن ادعوا العلم به والحجة فيه طولبوا بوجه البرهان ~~عليه، وهل ذلك من وجه العقل أدركوه أم وجوه السمع والتوقيف، فلا يجدون شيئا ~~يتعلقون به من الوجهين جميعا. PageV01P198 # ثم يقال لهم: أما العريش فكان من رأي الأنصار بلا اختلاف، ولم يكن لأبي ~~بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين مقال، وأما المشورة فلم تكن فيه، وإنما أشار ~~في الأسرى بعد القتال، واختلفا عند المشورة في الرأي. # وعدل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ ذاك عن رأي عمر بن الخطاب، ~~لمعرفته أنه صدر عن تراث بينه وبين القوم، وقصد الشناعة(1) على النبي (صلى ms087 ~~الله عليه وآله)، وشفاء غيظ بني عبد مناف، ولم يرد بما قال وجه الله تعالى، ~~وصار إلى رأي أبي بكر لما أراد الله تعالى من المحنة لذلك. # فنزل القرآن بتخطئة صاحبكم، وجاء الخبر عن علام الغيوب بخيانته في الدين، ~~وركونه إلى الدنيا، وإرادته لحطامها، وضعف بصيرته في الجهاد، وأظهر منه ما ~~كان يخفيه، وكشف عن ضميره، وفضحه الوحي بما ورد فيه، حيث يقول الله سبحانه: ~~{ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ~~عذاب عظيم }(2). # وهذا يدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) حينما استشارهما لم يكن لفقر ~~منه في الرأي والتدبير إليهما، وإنما كان لاستبراء أحوالهما والإظهار ~~لباطنهما في النصيحة له أو ضدها، كما أخبره الله سبحانه بتعريفه ذلك PageV01P199 # عند نطقهما في الأمور وكلامهما وغيرهما من أضرابهما، فقال تعالى: { ولو ~~نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول }(1). # وإذا كان الأمر على ما وصفناه بطل ما ادعوه في العريش، وكانت المشورة ~~بعده من أوضح البرهان على نقص الرجلين دون فضلهما على ما قدمناه(2). PageV01P200 # ### | مسألة أخرى # فإن قالوا: أفليس قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبا بكر في حياته ~~على جميع أهل بيته وأصحابه، حيث أمره أن يصلي بالناس في مرضه مع قوله (عليه ~~السلام) " الصلاة عماد الدين "(1)، وقوله (عليه السلام): # " إمامكم خياركم "(2) وهذا أوضح دليل على إمامته بعد النبي (صلى الله ~~عليه وآله)، وفضله على جميع أمته؟! ### ||| جواب: # قيل لهم: أما الظاهر المعروف فهو تأخير رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~أبا بكر عن الصلاة وصرفه عن ذلك المقام، وخروجه مستعجلا وهو من ضعف الجسم ~~بالمرض على ما لا يتحرك معه العاقل إلا بالاضطرار، ولتدارك ما يخاف بفوته ~~عظيم الضرر والفساد، حتى كان عزله عما كان تولاه من تلك الصلاة. PageV01P201 # فأما تقدمه على الناس فكان بقول عائشة دون النبي (صلى الله عليه وآله)، ~~وبذلك جاءت الأخبار وتواترت ms088 الأحاديث والآثار، ومن الدعي غير ذلك فعليه حجة ~~البرهان والبيان. ### || فصل # على أننا لو صححنا حديث عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وسلمنا لهم ~~صدقها فيه(1) تسليم جدل، وإن كانت الأدلة تبطله وتقضي بفساده من كل وجه، ~~لما أوجب ما ادعوه من فضله على الجماعة، لأنهم مطبقون على أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) صلى خلف عبد الرحمن بن عوف الزهري(2)، ولم يوجب ذلك له ~~فضلا عليه ولا غيره من المسلمين. # ولا يختلفون أنه (صلى الله عليه وآله) أمر عمرو بن العاص على أبي بكر ~~وعمر وجماعة من المهاجرين والأنصار، وكان يؤمهم طول زمان إمارته في الصلاة ~~عليهم، ولم يدل ذلك على فضله عليهم في الظاهر، ولا عند الله تعالى على حال ~~من الأحوال. # وهم متفقون على أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لأمته: " صلوا خلف كل ~~بر وفاجر "(3) وأباح لهم الصلاة خلف الفجار، وجوز بذلك إمامة إمام لهم PageV01P202 # في الصلاة منقوص مفضول، بل فاسق فاجر مرذول، بما تضمنه لفظ الخبر ومعناه، ~~وإذا كان الأمر على ما ذكرناه بطل ما اعتمدوه من فضل أبي بكر في الصلاة. ### || فصل # ثم يقال لهم: قد اختلف المسلمون في تقديم النبي (صلى الله عليه وآله) أبا ~~بكر للصلاة. # فقال المسمون السنة: إن عائشة أمرت بتقديمه عن النبي (صلى الله عليه وآله). # وقالت الشيعة: إنها أمرته بذلك عن نفسها دون النبي (صلى الله عليه وآله)، ~~بلا اختلاف بينهم أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج إلى المسجد وأبو بكر ~~في الصلاة، فصلى تلك الصلاة، فلا يخلو أن يكون صلاها إماما لأبي بكر ~~والجماعة، أو مأموما لأبي بكر مع الجماعة، أو مشاركا لأبي بكر في إمامتهم، ~~وليس قسم رابع يدعى فنذكره على التقسيم. # فإن كان (صلى الله عليه وآله) صلاها إماما لأبي بكر والجماعة فقد صرفه ~~بذلك عما أوجب فضله عند كم من إمامة القوم، وحطه عن الرتبة التي ظننتم ~~حصوله فيها بالصلاة، وبطل ما اعتمدتموه(1) من ذلك، ووجب له خلافه من النقص ~~والخروج ms089 عن الفضل على التأبيد، إذا كان آخر أفعال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) جار حكمها على التأبيد(2) وإقامة الشريعة وعدم PageV01P203 # نسخها إلى أن تقوم الساعة، وهذا بين لا ريب فيه. # وإن كان (صلى الله عليه وآله) مأموما لأبي بكر فقد صرف إذن عن النبوة، ~~وقدم عليه من أمره الله تعالى بالتأخير عنه، وفرض عليه غض الطرف عنده، ونسخ ~~بذلك نبوته وما يجب له بها من إمامة الجماعة، والتقدم عليهم في الدين، وهذا ~~ما لا يطلقه مسلم. # وإن كان النبي (صلى الله عليه وآله) إماما للجماعة مع أبي بكر على ~~الاشتراك في إمامتهم، وكان ذلك آخر أعماله في الصلاة، فيجب أن يكون سنة، ~~وأقل ما فيه جوازه وارتفاع البدعة منه، والاجماع منعقد على ضد ذلك، وفساد ~~إمامة نفسين في الصلاة معا لجماعة من الناس، وإذا كان الأمر على ما وصفناه ~~فقد سقط ما تعلق به القوم من صلاة أبي بكر، وما ادعوه له بها من الفضل على ~~تسليم الخبر دون المنازعة فيه، فكيف وقد بينا سقوطه بما قدمناه. ### || فصل # على أن الخبر بصلاة أبي بكر وإن كان أصله من حديث عائشة ابنته خاصة على ~~ما ذكروه، فإنه قد جاء عنها في التناقض والاختلاف وذلك شاهد بفساده على ~~البيان: # فروى أبو وائل، عن مسروق، عن عائشة، قال: صلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر قاعدا(1). PageV01P204 # وروى إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة في حديث في الصلاة أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) صلى عن يسار أبي بكر قاعدا، وكان أبو بكر يصلي بالناس قائما(1). # وفي حديث وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أيضا، قالت: ~~صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه عن يمين أبي بكر جالسا، وصلى ~~أبو بكر قائما بالناس(2). # وفي حديث عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: صلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) بحذاء أبي بكر جالسا، وكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله (صلى الله ms090 ~~عليه وآله)، والناس يصلون بصلاة أبي بكر(3). # فتارة تقول: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إماما بأبي بكر، وتارة تقول: # كان أبو بكر إماما، وتارة تقول: صلى عن يمين أبي بكر، وتارة تقول: # صلى عن يساره، وتارة تقول: صلى بحذائه، وهذه أمور متناقضة تدل بظاهر ما ~~فيها من الاضطراب والاختلاف على بطلان الحديث، وتشهد بأنه موضوع. ### || فصل آخر # على أن الخبر الثابت عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: " إنما جعل PageV01P205 # الإمام إماما ليؤتم به، فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين "(1) يبطل ~~أيضا حديث صلاة أبي بكر، ويدل على اختلافه، لأنه يتضمن مناقضة ما أمر به، ~~مع ترك المتمكن منه على فاعله، ومتى ثبت أوجب تضليل أبي بكر وتبديعه على ~~الإقدام على خلاف النبي (صلى الله عليه وآله). # واستدلوا بمثل ذلك في رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ كان هو المؤتم ~~بأبي بكر، وفي كلا الأمرين بيان فساد الحديث مع ما في الوجه الأول من دليل فساده. ### || فصل آخر # مع أن الرواية قد جاءت من غير طريق عن عائشة أنها قالت: # جاء بلال فأذن بالصلاة ورسول الله (صلى الله عليه وآله) مغمى عليه، ~~فانتظرنا إفاقته وكاد الوقت يفوت، فأرسلنا إلى أبي بكر يصلي بالناس(2). # وهذا صريح منها بأن صلاته كانت عن أمرها ورأيها، دون أمر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) وإذنه ورأيه ورسمه. # والذي يؤيد ذلك ويكشف عن صحته، الاجماع على أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) خرج مبادرا معجلا بين يدي رجلين من أهل بيته PageV01P206 # حتى تلافى الأمر بصلاته وعزل الرجل عن مقامه. # ثم الاجماع أيضا على قول البني (صلى الله عليه وآله) حين أفاق لعائشة ~~وحفصة: " إنكن كصويحبات يوسف (عليه السلام) "(1) ذما لهما على ما أفتنا به ~~أمته، وإخبارا عن إرادة كل واحدة منهما المنزلة بصلاة أبيها بالناس، ولو ~~كان هو (صلى الله عليه وآله) تقدم بالأمر لأبي بكر بالصلاة لما حال بينه ~~وبين تمامها، ولا رجع باللوم على غيره فيها، وهذا ما ms091 لا خفاء به على ذوي ~~الأبصار. # وفي هذه المسألة كلام كثير، قد سبق أصحابنا رحمهم الله إلى استقصائه، ~~وصنف أبو عيسى محمد بن هارون الوراق(2) كتاب مفردا في معناه سماه كتاب ~~(السقيفة) يكون نحو مائتي ورقة، لم يترك لغيره زيادة عليه فيما يوضح عن ~~فساد قول الناصبة وشبههم التي اعتمدوها من الخبر بالصلاة، وأشار إلى كذبهم ~~فيه، فلذلك عدلت عن الإطالة في ذكر البراهين على ما قدمت، واقتصرت على ~~الاختصار، وإن كان فيما أثبته كفاية لذوي الأبصار، والحمد لله. PageV01P207 PageV01P208 # ### | مسألة أخرى # فإن قالوا: إن لأبي بكر من الإنفاق على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~والمواساة بماله ما لم يكن لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولا لغيره من ~~الصحابة، حتى جاء الخبر عنه (صلى الله عليه وآله)، أنه قال: " ما نفعنا مال ~~كمال أبي بكر "(1). # وقال (عليه السلام) في موطن آخر: " ما أحد من الناس أعظم نفعا علينا حقا ~~في صحبته وماله من أبي بكر بن أبي قحافة "(2). ### ||| جواب: # قيل لهم: قد تقدم لنا من القول فيما يدعى من إنفاق أبي بكر ما يدل ~~المتأمل له على بطلان مقال أهل الخلاف، وإن كنا لم نبسط الكلام في معناه ~~بعد، فإن أصل الحديث في ذلك عائشة، وهي التي ذكرته عن PageV01P209 # رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأضافته بغير حجة، وقد عرفت ما كان من ~~خطأها في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وارتكابها معصية الله تعالى ~~في خلافه حتى نزل فيها وفي صاحبتها حفصة بنت عمر بن الخطاب: { إن تتوبا إلى ~~الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح ~~المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير }(1). # ثم الذي كان منها في أمر عثمان بن عفان حتى صارت أوكد الأسباب في خلعه، ~~وقتله، فلما كان من أمره ما كان، وبايع الناس لأمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب (عليه السلام) حسدته على ذلك، وكرهت أمره، ورجعت عن ذم عثمان بن عفان ~~إلى مدحه، وقذفت أمير المؤمنين (عليه السلام) ms092 بدمه، وخرجت من بيتها إلى ~~البصرة إقداما على خلاف الله تعالى فيما أمرها به في كتابه، فألبت عليه ~~ودعت إلى حربه، واجتهدت في سفك دمه واستئصال ذريته وشيعته، وأثارت من ~~الفتنة ما بقي في الأمة ضررها في الدين إلى هذه الغاية. # ومن كانت هذه حالها لم يوثق بها في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، ولا آمنت على الأدغال(2) في دين الله تعالى، لا سيما فيما تجربه ~~نفعا إليها وشهادة بفضل متى صح لكان لها فيه الحظ الأوفر، وهذا ما لا يخفى ~~على ذوي حجا. PageV01P210 ### || فصل # على أنه لو كان لأبي بكر إنفاق على ما تدعيه الجهال، لوجب أن يكون له وجه ~~معروف، وكان يكون ذلك لوجه ظاهر مشهور، كما اشتهرت صدقة أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) بخاتمه، وهو في الركوع حتى علم به الخاص، والعام، وشاعت ~~نفقته بالليل والنهار والسر والاعلان، ونزول بها محكم القرآن، ولم تخف ~~صدقته التي قدمها بين يدي نجواه، حتى أجمعت عليها أمة الإسلام، وجاء بها ~~صريح القول في البيان، واستفاض إطعام المسكين(1) واليتيم والأسير، وورد ~~الخبر به مفصلا في { هل أتى على الإنسان }(2). # فكان أقل ما يجب في ذلك أن يكون كشهرة نفقة عثمان بن عفان في جيش العسرة، ~~حتى لم يختلف في ذلك من أهل العمل اثنان(3)، ولما خالف الخبر في إنفاق أبي ~~بكر ما ذكرناه، وكان مقصورا على ابنته خاصة، ويكفي في ما شرحناه، ومضافا ~~إلى من في طريقه من أمثال الشعبي وأشباهه المعروفين بالعصبية لأبي بكر وعمر ~~وعثمان، والتقرب إلى بني أمية بالكذب والتخرص والبهتان، مما يدل على فساده ~~بلا ارتياب. PageV01P211 ### || فصل # مع أن الله تعالى قد أخبر في ذلك بأنه المتولي عناء نبيه (صلى الله عليه ~~وآله) عن سائر الناس، ورفع الحاجة عنه في الدين والدنيا إلى أحد من العباد، ~~فقال تعالى { ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى }(1). # فلو جاز أن يحتاج مع ذلك إلى نوال أحد من الناس لجاز أن يحتاج في هداه ~~إلى ms093 غير الله تعالى، ولما ثبت أنه غني في الهدى بالله وحده، ثبت أنه غني في ~~الدنيا بالله تعالى دون الخلق كما بيناه. ### || فصل # على أنه لو كان فيما عدده الله تعالى من أشياء يتعدى الفضل إلى أحد من ~~الناس، فالواجب أن تكون مختصة بآبائه عليهم السلام، وبعمه أبي طالب رحمة ~~الله، وولده (عليه السلام)، وبزوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ولم ~~يكن لأبي بكر في ذلك حظ ولا نصيب على كل حال. # وذلك أن الله تعالى آوى يتمه بجده عبد المطلب، ثم بأبي طالب من بعه، ~~فرباه وكفله صغيرا، ونصره وواساه ووقاه من أعدائه بنفسه وولده كبيرا، ~~وأغناه بما رزقه الله من أموال آبائه رحمهم الله تعالى وتركاتهم وهم ملوك ~~العرب، وأهل الثروة منهم واليسار بلا اختلاف، ثم ما أفاده من PageV01P212 # بعده في خروجه إلى الشام من الأموال، وما كان انتقل إليه من زوجته خديجة ~~بنت خويلد. # وقد علم جميع أهل العلم ما كانت عليه من سعة الأحوال، وكان لها من جليل ~~الأموال، وليس لأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن ~~وأبي عبيدة بن الجراح وغيرهم من سائر الناس سوى من سميناه سبب لشيء من ذلك، ~~يتعدى به فضلهم إليه(1) على ما بيناه، بل كانوا فقراء فأغناهم الله بنبيه ~~(صلى الله عليه وآله)، وكانوا ضلالا فدعاهم إلى الهدى، ودلهم على الرشاد، ~~وكانوا أذلة فتوصلوا بإظهار اتباع نبوته إلى الملك والسلطان. # وهب أن في هؤلاء المذكورين من كان له قبل الإسلام من المال ما ينسب به ~~إلى اليسار، وفيهم من له شرف بقبيلة يبين به ممن عداه، هل لأحد من سامعي ~~الأخبار وأهل العلم بالآثار ريب في فقر أبي بكر وسوء حاله في الجاهلية ~~والإسلام، ورذالة قبيلته من قريس كلها، وظهور المسكنة في جمهورهم على ~~الاتفاق؟ # ولو كان له من السعة ما يتمكن به من صلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~والإنفاق عليه ونفعه بالمال، كما ادعاه الجاهلون، لا غنى أباه ببعضه عن ~~النداء على مائة ms094 ة عبد الله بن جدعان(2) بأجرة على ذلك(3) بما يقيم به PageV01P213 # رمقه، ويستر به عورته بين الناس، ولارتفع هو عن الخياطة وبيع الخلقان(1) ~~بباب بيت الله الحرام إلى مخالطة وجوه التجار، ولكان غنيا به في الجاهلية ~~عن تعليم الصبيان ومقاساة(2) الأطفال في ضرورته إلى ذلك لعدم ما يغنيه عنه ~~ما وصفناه. وهذا دليل على ضلال الناصبة فيما ادعوه له من الإنفاق للمال، ~~وبرهان يوضح عن كذبهم فيما أضافوه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) من مدحه ~~على الإنفاق. ### || فصل آخر # مع أنه لو ثبت لأبي بكر نفقة مال على ما ظنه الجهال لكان خلو القرآن من ~~مديح له على الاجماع وتواتر الأخبار، مع نزوله بالمدح على اليسير من ذوي ~~الإنفاق، دليلا على أنه لم يكن لوجه الله تعالى، وأنه يعتمد بالسمعة ~~والرياء، وكان فيه ضرب من النفاق. # وإذا ثبت أن الله تعالى عدل كريم لا ينوه بذكر اليسير من طاعاته، ويخفي ~~الكثير، ولا يمدح الصغير، ويهمل الكبير، ففي خلو القرآن من ذكر إنفاق أبي ~~بكر أو مدحه له بذكر الإنفاق على الشرط الذي وصفناه أوضح برهان على ما ~~قدمناه. # ثم يقال لهم: قد علمت الكافة أن نفقات الصحابة على عهد رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) إنما كانت في السلاح والكراع ومعونة الجهاد وصلات PageV01P214 # فقراء المسلمين، وتزويد المرملين(1)، ومعونة المساكين، ومواساة ~~المهاجرين، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يسترفد(2) أحدا منهم ولا ~~استوصله، ولا جعل عليه قسما من مؤنته، ولا التمس منهم شيئا أهله وعشيرته، ~~وقد حرم الله تعالى عليه وعلى أهل بيته أكل الصدقات، وأسقط عن كافتهم الأجر ~~له على تبليغهم عن الله تعالى الرسالات، ونصب الحجج لهم وإقامة البينات، في ~~دعائهم إلى الأعمال الصالحات، واستنقاذهم بلطفه من المهلكات، وإخراجهم بنور ~~الحق عن الظلمات. # وكان صلى ا لله عليه وآله من أزهد الناس في الدنيا وزينتها، ولم يزل ~~مخرجا لما في يديه من مواريث آبائه، وما أفاء الله تعالى من الغنائم ~~والأنفال، وجعله له خالصا دون الناس إلى ms095 فقراء أصحابه، وذوي الخلة من ~~أتباعه حتى استدان من المال(3) ما قضاه أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ~~وفاته، وكان هو المنجز لعداته(4) فأي وجه مع ما وصفناه من حاله (صلى الله ~~عليه وآله) لإنفاق أبي بكر على ما ادعوه، لولا أن الناصبة لا تأنف من الجهل ~~ولا تستحيي من العناد؟! PageV01P215 ### || فصل # مع أنا لا نجدهم يحيلون على وجه فيما يذكرونه من إنفاق أبي بكر، إلا على ~~ما ادعوه من ابتياعه بلال بن حمامة(1) من مواليه، وكانوا عزموا بعد الإيمان ~~ليردوه عنه إلى الكفر والطغيان. # وهذا أيضا من دعاويهم الباطلة المتعرية من الحجج والبرهان، وهو راجع في ~~أصله إلى عائشة، وقد تقدم من القول فيما ترويه وتضيفه إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله)، ما يغني عن الزيادة فيه والتكرار. # ولو ثبت على غاية أمانيهم في الضلال لما كان مصححا لروايتهم مدح أبي بكر ~~عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وإخباره بانتفاعه بنفقته عليه ومواساته ~~بالمال، لأن بلالا لم يكن ولدا للنبي (صلى الله عليه وآله)، ولا أخا ولا ~~والدا، ولا قريبا ولا نسيبا، فيكون خلاصه من العذاب بمال أبي بكر نافعا ~~للنبي (صلى الله عليه وآله)، ولا مختصا به دون سائر أهل الإسلام. # ولو تعدى ما خص بلالا من الانتفاع بمال أبي بكر إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله)، لموضع إيمانه برسالته، وإقراره بنبوته ولكونه في جملة أصحابه، لتعدى ~~ذلك إلى جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وجميع ملائكة الله تعالى وأنبيائه وعباده ~~الصالحين، لأن الإيمان برسول الله (صلى الله عليه وآله) يتضمن الإيمان ~~بجميع النبيين والملائكة والمؤمنين والصديقين والشهداء PageV01P216 # والصالحين، وقد انكشف عن جهالات الناصبة وتجرئهم في بدعهم، وضعف بصائرهم، ~~وسخافة عقولهم، ومن الله نسأل التوفيق. ### || فصل # على أن الثابت من الحديث في مح النبي (صلى الله عليه وآله) خديجة بنت ~~خويلد رضي الله عنها دون أبي بكر، والظاهر المشهور من انتفاع النبي (صلى ~~الله عليه وآله) بمالها، يوضح عن صحته واختصاصها به دون من ادعى له ~~بالبهتان، وقد اشترك في نقل الحديث ms096 الفريقان من الشيعة والحشوية، وجاء ~~مستفيضا عن عائشة بنت أبي بكر على البيان. # فروى عبد الله بن المبارك، عن مجالد(1)، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، ~~قالت: كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا ذكر خديجة أحسن الثناء عليها، ~~فقلت له يوما: ما تذكر منها وقد أبدلك الله خيرا منها؟! # فقال: ما أبدلني الله خيرا منها، صدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها ~~إذ حرمني الناس، ورزقني الله الولد منها ولم يرزقني من غيرها "(2) وهذا يدل ~~على بطلان حديثها في مدح أبي بكر بالمواساة، ويوجب تخصيصها بذلك دونه، ~~ويوضح عن بطلان ما تدعيه الناصبة أيضا من PageV01P217 # سبق أبي بكر جماعة الأمة إلى الإسلام، إذ فيه شهادة من الرسول (صلى الله ~~عليه وآله) بتقدم إيمان خديجة رحمها الله على سائر الناس. PageV01P218 # ### | مسألة أخرى # فإن قالوا: فما تصنعون في الخبر المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) ~~أنه قال لأصحابه: " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "(1)؟ # أليس هذا نص منه على إمامتهما، وإيجاب على الأمة جميعا فرض طاعتهما، وفي ~~ذلك أدل دليل على طهارتهما وصوابهما فيما صنعاه من التقدم على أمير ~~المؤمنين، وصحة خلافتهما؟! ### ||| جواب # قيل لهم: هذا حديث موضوع، والخلل في سنده مشهور، والتناقض في معناه ظاهر، ~~وحاله في متضمنه لائحة للمعتبر الناظر. # فأما خلل إسناده: فإنه معزى إلى عبد الملك بن عمير(2)، عن PageV01P219 # ربعي بن حراش، ثم من بعده تارة يعزى إلى حذيفة بن اليمان، وتارة إلى حفصة ~~بنت عمر بن الخطاب. # فأما عبد الملك بن عمير فمن أبناء الشام، وأجلاف محاربي أمير المؤمنين ~~(عليه السلام)، المشتهرين بالنصب والعداوة له ولعترته، ولم يزل يتقرب إلى ~~بني أمية بتوليد الأخبار الكاذبة في أبي بكر وعمر، والطعن في أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) حتى قلدوه القضاء، وكان يقبل فيه الرشا، ويحكم بالجور ~~والعدوان، وكان متجاهرا بالفجور والعبث بالنساء، فمن ذلك أن الوليد بن سريع ~~خاصم أخته كلثم بنت سريع إليه في أموال وعقار، وكانت كلثم من أحسن نساء ~~وقتها وأجملهن فأعجبته، فوجه القضاء ms097 على أخيها تقربا إليها، وطمعا فيها، ~~فظهر ذلك عليه واستفاض عنه، فقال فيه هذيل الأشجعي(1): # أتاه وليد بالشهود يقودهم %~% على ما ادعى من صامت المال والخول # يسوق إليه كلثما وكلامها %~% شفاء من الداء المخامر والخبل # فما برحت تومي إليه بطرفها %~% وتومض(2) أحيانا إذا خصمها غفل PageV01P220 # وكان لها دل وعين كحيلة %~% فأدلت بحسن الدل منها وبالكحل # فأفتنت القبطي حتى قضى لها %~% بغير قضاء الله في المال والطول # فلو كان من في القصر يعلم علمه %~% لما استعمل القبطي فينا على عمل # له حين يقضي للنساء تخاوص(1) %~% وكان وما منه التخاوص والحول # إذا ذات دل كلمته بحاجة %~% فهم بأن يقضي تنحنح أو سعل # وبرق عينيه ولاك لسانه %~% يرى كل شيء ما خلا سخطها خبل(2) # ثم الذي عزاه إليه هو ربعي بن حراش عند أصحاب الحديث من المعدودين في ~~جملة الروافض المستهزئين على أبي بكر وعمر(3)، وإضافته إليه - مع ما وصفناه ~~- ظاهرة البطلان، مع أن المشهور عن حذيفة بن اليمان في أصحاب العقبة يضاد ~~روايته هذا الحديث عنه. # وأما روايته عن حفصة بنت عمر بن الخطاب فهي من البرهان على فساده، ووجوب ~~سقوطه في باب الحجاج، لأن حفصة متهمة فيما ترويه من فضل أبيها وصاحبه، ~~ومعروفة بعداوتها لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وتظاهرها ببغضه وسبه ~~والاغراء به، والانحطاط في هوى أختها عائشة بنت أبي بكر في حربه والتألب ~~عليه، ثم لاجترارها بما يتضمنه أفضل وجوه النفع إليهما به، وقد سلف(2) كتاب ~~في هذا المعنى ما يستغنى به PageV01P221 # عن الإطالة في هذا المقام، والله ولي التوفيق(1). ### || فصل # على أنه لو ثبت هذا الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) لأوجب عصمة أبي ~~بكر وعمر من الآثام، وقضى لهما بالكمال، ونفى السهو والغلط عنهما على كل ~~حال، وذلك أن فرض الاقتداء بهما يوجب صواب الفاعل له عند الله تعالى، وأن ~~علمه في ذلك واقع موقع الرضا، فلو لم يكونا معصومين من الخطأ لا يؤمن منهما ~~وقوعه، وكان المقتدي بهما فيه ضالا عن الصراط، وموقعا من الفعل ما ms098 ليس ~~بصواب عند الله تعالى، ولا موافق لرضاه، كما أن الله تعالى لما فرض طاعة ~~نبيه (صلى الله عليه وآله) وأمر بالاقتداء به، كما أمره بالاقتداء بمن تقدم ~~من أنبيائه عليهم السلام، حيث يقول: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ~~}(2) أوجب عصمته (صلى الله عليه وآله) كما أوجب عصمة من تقدم من الأنبياء ~~(عليه السلام)، ولم يجز في حكمته فرض الاقتداء بمن ذكرناه مع ارتفاع العصمة ~~منهم لما بيناه. # وفي الاجماع أن أبا بكر وعمر لم يكونا معصومين عن الخطأ، وإقرارهما على ~~أنفسهما بذلك أظهر حجة على اختلاف الخبر وفساده كما ذكرناه. PageV01P222 ### || فصل آخر # مع أن التباين بين أبي بكر وعمر في كثير من الأحكام يمنع من فرض الاقتداء ~~بهما على كل حال، لاستحالة اتباعهما فيما اختلفا فيه، ووجوب خلاف أحدهما في ~~وفاق صاحبه، وخلاف صاحبه في اتباعه. # وقد ثبت أن الله تعالى لا يكلف عباده المحال، ولا يشرع ذلك منه (صلى الله ~~عليه وآله)، وإذا بطل وجوب الاقتداء بهما في العموم لما بيناه، لم يبق - إن ~~سلم الحديث - إلا وجوبه في الخصوص، وذلك غير موجب للفضل فيهما، ولا مانع من ~~ضلالهما ونقصهما، وهو حاصل في مثل ذلك من أهل الكتاب، ولو فاق المسلمين لهم ~~في خاص من الأقوال مع كفرهم وضلالهم بالإجماع، فبان بما وصفناه سقوط الحديث ~~وفساد معانيه على ما قدمناه. ### || فصل آخر # على أن أصحاب الحديث قد رووه بلفظين مختلفين، على وجهين من الأعراب ~~متباينين: أحدهما الخفض، وقد سلف قولنا بما بيناه، والآخر النصب، وله معنى ~~غير ما ذهب إليه أهل الخلاف. # وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما دعا الأمة إلى التمسك بكتاب ~~الله تعالى، وبعترته عليه وعليهم السلام، حيث يقول: " إني مخلف فيكم ~~الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، فإنهما ~~لن يفترقا حتى يردا علي الحوض "(1). وكان عالما بما أوحى الله تعالى إليه، أن أول PageV01P223 # ناقض لأمره في ذلك وعادل عنه هذان الرجلان، فأراد (عليه السلام) تأكيد ms099 ~~الحجة عليهما، بتخصيصهما بالأمر باتباع الكتاب. والعترة بعد عمومها به، ~~ودخولهما في جملة المخاطبين من سائر الناس، فناداهما على التخصيص لما ~~قدمناه من التوكيد في الحجة عليهما، فقال: " اقتدوا باللذين من بعدي: أبي ~~بكر وعمر " وكانا هما المناديين بالاتباع دون أن يكون النداء إليهما على ما ~~شرحناه. # وليس بمنكر أن يبتدئ بالأمر بلفظ الجمع لاثنين، أو بلفظ الاثنين للجمع ~~اتساعا، كما يعبر عن الواحد وليس فيه من معاني الجمع قليل ولا كثير بلفظ ~~الاثنين أو الجمع، قال الله عز وجل: { هذان خصمان اختصموا في ربهم }(1). # وقال { وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب - إلى قوله - خصمان بغى ~~بعضنا على بعض }(2). # وإذا كان الأمر على ما وصفناه فقد سقط ما تعلق به الناصبة من الحديث، ولم ~~يبق فيه شبهة، والحمد لله. PageV01P224 # ### | سؤال # فإن قالوا: فإنا نجد الأمة قد وصفت أبا بكر بالصديق، ونعتت عمر بالفاروق، ~~ووسمت عثمان بذي النورين، وشاع ذلك فيهم واستفاض حتى لم يخف على أحد من ~~الناس، وهذا من أوضح الدليل على أن القوم من أهل الثواب، وأنهم كانوا في ~~أمرهم على محض الحق والصواب، ولو لم يكونوا كذلك لما شاع هذا المدح وذاع. ### ||| جواب # قيل لهم: لا معتبر لانتشار الصفات، ولا يعتمد ذلك عاقل على حال، لأنه قد ~~يوصف بالمدح بها من لا يستحق ذلك للعصبية والضلال، كما يوصف بذلك من ~~يستحقه(1) بصحيح الاعتبار، لا سيما الدولة والمملكة في استفاضة ذلك من أوكد ~~الأسباب، وإن لم يكن ثابتا بحجة تظهر أو بيان. # ألا ترى أن نعت الأصنام بالألوهية قد كان مستفيضا في PageV01P225 # الجاهلية قبل الإسلام، وإن كنا نعلم بطلانه، ووجود من يعتقد خلافه في تلك ~~الأزمان، وأن الوصف بالربوبية قد شاع فيما سلف لكثير من ملوك الزمان مع ~~ثبوت خلاف أهل الحق وتيقنهم(1) في ترك إظهار الخلاف. # وقد استفاض من أوصاف ملوك بني العباس ما يقتضي جليل المدحة، كما شاع ~~وانتشر لمنازعيهم في الإمامة الطالبيين مثل ذلك حتى صاروا فيه على حد سواء، ~~ولم يجب بذلك اجتماع ms100 الفريقين في الصواب، ولا اتفاقهم في الاستحقاق. # وكان وصف أبي جعفر بالمنصور كوصف محمد بن عبد الله بن الحسن بالمهدي، ~~ووصف القائم بعد أبي جعفر المنصور بالمهدي، وابنه بالهادي، وابن ابنه ~~بالرشيد كوصف من ذكرناه من الطبقة الأخرى بالناصر والهادي والرشيد والمنصور ~~أيضا والمعز والعزيز. # وإذا كانت الاستفاضة في أوصاف من سميناه على طريقة واحدة استحال انتظام ~~الحق لجميعها، لما يدخل ذلك من الخلل، ويلحقه من التناقض، وبطل ما تعلق به ~~الخصوم في تسمية العامة المتقدمين على أمير المؤمنين (عليه السلام) كل ما ~~يفيد المدحة لهم في الدين، ولم يجب باشتهاره ثبوت إمامتهم على اليقين. # ثم يقال للمعتزلة والخوارج وأهل العدل والمرجئة وعقلاء أصحاب الحديث: ~~أنتم تعلمون أنه قد شاع لمعاوية بن أبي سفيان PageV01P226 # واستفاض أنه (خال المؤمنين) و(كاتب وحي رب العالمين) كما شاع واستفاض ~~لأبي بكر أنه (صديق) ولعمر أنه (فاروق) ولم يجب بذلك عندكم أن يكون خال ~~المؤمنين على التحقيق، ولا مستحقا لكتابة الوحي والتنزيل. # فما أنكرتم أن يكون الشائع لأبي بكر وعمر مما ذكرتموه لا يجب لهما به حق ~~في الدين؟! وهذا مما لا فرق لهم فيه. ### || فصل # ثم يقال للمعتزلة: ليس يمكنكم دفاع ما قد شاع لكم من لقبكم بالقدرية، كما ~~شاع من لقب أصحاب المخلوق بالجبر، والمحكمة بالخارجية، وشيعة علي (عليه ~~السلام) بالرافضة، وأصحاب الحديث بالحشوية، ولم يجب بذلك عندكم ولا عند ~~فريق ممن سميناه استحقاقهم الشائع مما وصفناه، ولا خروجهم به من الدين كما ~~ذكرناه، فما أنكرتم أن يكون المشتهر في العامة لأبي بكر وعمر من لفظ المدحة ~~لا يوجب لهما فضلا، ولا يخرجهما عن نقص، وذلك مما لا تجدون إلى دفعه(1) سبيلا. PageV01P227 PageV01P228 # ### | سؤال # فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون العقد لأبي بكر وعمر الإمامة، وتقدمهما على ~~الكافة في الرئاسة، يدل على فضلهما في الإسلام، وعلوهما في الديانة، وإن ~~كنا لا نحيط علما بذلك الفضل، ولم يتصل بنا من جهة الأثر والنقل. # وذلك أنهما لم يكونا من أشرف القوم نسبا فيدعو ذلك إلى تقديمهما، ms101 لأن بني ~~عبد مناف أشرف منهما، ولا كانا من أكثرهم ما لا فيطمع العاقدون لهما في نيل ~~أموالهما، ولا كانا أعزهم عشيرة فيخافون عشيرتهما. # فلم يبق إلا أن المتقدمين لهما على أمير المؤمنين (عليه السلام) والعباس ~~بن عبد المطلب وسائر المهاجرين والأنصار إنما قدموهما لفضل عرفوه لهما، ~~وإلا فما السبب الموجب لاتباع العقلاء المخلصين لأمرهما، ونصبهما إمامين ~~لجماعتهم ورئيسين لكافتهم لولا الذي ادعيناه؟ ### ||| جواب # قيل لهم: لو كان للرجلين فضل حسب ما ادعيتموه، وكان ذلك PageV01P229 # معروفا عند أهل زمانهما كما ذكرتموه، لوجب أن تأتي به الأخبار وترويه ~~نقلة السير والآثار، بل وجب أن يظهر على حد يوجب علم اليقين والاضطرار، ~~ويزيل الريب فيه حتى لا يختلف في صحته اثنان، لأن جميع الدواعي إلى انتشار ~~فضائل الرجال متوفرة، في نقل ما كان لهذين الرجلين مما يقتضي التعظيم، لمن ~~وجد لهما، والأخبار بها. # ألا ترى أنهما كانا أميري الناس، وحصلت لهما القدرة على الكافة والسلطان، ~~وكان المظهر لولايتهما في زمانهما ومن بعد إلى هذه الحال هو الظاهر على ~~عدوه، المتوصل به إلى ما يصلح به الأحوال، والمظهر لعداوتهما مهدور الدم، ~~أو خائف مطرود عن البلاد، والمظنون به من الافصاح ببغضهما مبعد عن الدنيا، ~~مستخف باعتقاده عند الجمهور، متوقع منهم ما يخافه ويحذره، حتى صار القتل ~~مسنونا لمن أظهر ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإن كان مظهرا لمحبة ~~أبي بكر وعمر، متدينا بها على الاعتقاد، وحتى جعل بنو أمية الامتحان ~~بالبراءة من أمير المؤمنين (عليه السلام) طريقا إلى استبراء الناس في ~~اعتقاد إمامة من تقدمه، وكل من امتنع من البراءة حكموا عليه بعداوة ~~الشيخين، والبراءة من عثمان، ومن تبرأ من أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~حكموا له باعتقاد السنة، وولاية أبي بكر وعمر وعثمان. # ونال أكثر أهل الدنيا مما تمنوه منها(1) من القضاء والشهادات PageV01P230 # والإمارات، وحازوا الأموال، وقربت منازلهم من خلفاء بني أمية وبني العباس ~~بالعصبية لأبي بكر وعمر وعثمان، والدعاء إلى إمامتهم، والتفضيل لهم على ~~كافة الصحابة، والتخرص بما يضيفونه إليهم من الفضل ms102 الذي يمنع بالقرآن، ~~وينفى بالسنة، ويستحيل في العقول، ويظهر فساده بيسير الاعتبار. # وإذا كان الأمر على ما وصفناه، ولم يمكن لعاقل رفع ما بيناه وشرحناه، بطل ~~أن يكون العلم بفضل الرجلين والثالث أيضا على الحد الذي ذكرناه، مما يزول ~~معه الارتياب لتوفير الدواعي(1) على موجبه لو كان، بل لم يقدر الخصم على ~~ادعاء شيء في هذا الباب أقوى عنده مما حكيناه عنهم فيما سلف من هذا الكتاب، ~~وأوضحنا عن وهن التعلق به وكشفناه، وبان بذلك جهل الناصبة فيما ادعوه لهما ~~من الفضل المجهول على ما توهموه، كما وضح به فساد مقالهم فيما تعلقوا به من ~~ذلك في تأويل المسطور، وتخرصوه من الخير المفتعل الموضوع، والمنة لله تعالى. ### || فصل # ثم يقال لهم: قد سبرنا أحوال المتقدمين على أمير المؤمنين (عليه السلام)، ~~فيما يقتضي لهم فضلا يوجب تقدمهم، فلم نجده على شيء من الوجوه، وذلك أن خصال ~~الفضل معروفة، ووجوهه ظاهرة مشهورة، وهي: السبق PageV01P231 # إلى الإسلام، والجهاد بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والعلم ~~بالدين، والإنفاق في سبيل الله جل اسمه، والزهد في الدنيا. # أما السبق إلى الإسلام: فقد تقدم أمير المؤمنين (عليه السلام) أبا بكر ~~باتفاق العلماء وإجماع الفقهاء(1)، وإن كان بعض أعدائه يزعم أنه لم يكن على ~~يقين، وإنما كان منه لصغر سنه على جهة التعليم، وقد تقدمه أيضا بعد أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) زيد وجعفر وخباب رضي الله عنهم وغيرهم من ~~المهاجرين، وجاء بذلك الثبت في الحديث. # فروى سالم بن أبي الجعد، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص أنه قال لأبيه سعد: ~~كان أبو بكر أولكم إسلاما؟ # قال: لا، قد أسلم قبله أكثر من خمسين رجلا(2). # فأما عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، فإنه لا يشتبه على أحد من أهل العلم ~~أنهما ينزلان عن مرتبة التقدم على السابقين، وأنهما لم يكونا من الأولين في ~~الإسلام، وقد تقدمهما جماعة من المسلمين. PageV01P232 # وأما الجهاد: فإنه لا قدم لأحدهم فيه، فلا يمكن لعاقل دعوى ذلك على شيء من ~~الوجوه ms103 وقد ذكر من كان منه ذلك سواهم، فلم يذكر هم أحد، ولا تجاسر على ~~القول بارزوا وقتا من الأوقات قرنا، ولا سفكوا لمشرك دما، ولا جرحوا في ~~الحرب كافرا، ولا نازلوا من القوم إنسانا، فالريب في هذا الباب معدوم، ~~والعلم بما ذكرناه حاصل موجود. # وأما العلم بالدين: فقد ظهر من عجزهم فيه، ونقصهم عن مرتبة أهل العلم في ~~الضرورة إلى غيرهم من الفقهاء، أحوال إماراتهم ما أغنى عن نصب الدلائل عليه. # وقد كان رسول (صلى الله عليه وآله) حكم لجماعة من أصحابه بأحكام فيه، فما ~~حكم لأحد من الثلاثة بشيء منه، فقال (صلى الله عليه وآله): " أقرأكم أبي، ~~وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضكم زيد، وأقضاكم علي "(1). # فكان (صلى الله عليه وآله) ناحلا لكل من سميناه سهما من العلم، وجامعا ~~سائره لأمير المؤمنين (عليه السلام)، بما حكم له بالقضاء الذي يحتاج صاحبه ~~إلى جميع من سماه من العلوم، وأخرج أبا بكر وعمر وعثمان من ذلك كله، ولم ~~يجعل لهم فيه حظا كما ذكرناه، وهذا مما لا إشكال فيه على ذوي العقول. # وأما الإنفاق: فقد قلنا فيما تقدم فيه قولا يغني عن إعادته PageV01P233 # ها هنا، وعمر بن الخطاب من بين الثلاثة صفر منه بالاتفاق، أما عثمان فقد ~~كان له ذلك، وإن كان بلا فضل، فإن خلو القرآن من مديح له على ما كان منه، ~~دليل على أنه لا فصل له فيه، ولو حصل له به قسط من الفضل لكان كسهم غيره من ~~المنفقين الذين لم يجب لهم التقدم بذلك في إمامة المسلمين. # وأما الزهد في الدنيا: فقد قضى بتعرية الثلاثة منه مثابرتهم على الإمارة، ~~ومضاربتهم الأنصار على الرئاسة، ومسابقتهم إلى الحلية في التظاهر باسم ~~الإمامة، وتر كوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسجى بين أظهرهم، لم ~~يقضوا له بذلك في مصابه حقا، ولا حضروا له غسلا وتجهيزا، ولا صلاة ولا ~~تشييعا ولا دفنا، وتوفروا على مخاصمة من سبقهم إلى السقيفة طمعا في العاجل، ~~وزهدا في الآجل، وسيعا في حوز الشهوات، وتناولا ms104 للذات، وتطاولا على الناس ~~بالرئاسات، ولم يخرجها الأول منهم عن نفسه حتى أيقن بهلاكه، فجعلها حينئذ ~~في صاحبه ضنا بها على سائر الناس، وغبطة لهم. # وكان من أمر الثاني في الشورى ما أوجب تحققه بها بعد وفاته، وتحمل من ~~أوزارها ما كان غنيا عنه لو سنحت بها نفسه إلى مستحقها، وظهر بعده من ~~الثالث ما استحل به أصحاب رسول الله صلى عليه وآله دمه، من إطراح الدين، ~~والانقطاع إلى الدنيا، وقضاء الذمامات بأموال الله تبارك وتعالى، وتقليد ~~الفجار من بني أمية ومروان رقاب أهل الأديان، ولما طولب بنزعها عنه ليقوم ~~بها من سلك طرق الدين، امتنع من ذلك PageV01P234 # حبا للدنيا، وتأكد طمعه فيها، إلى أن سفك القوم دمه على الاستحلال له، ~~ورفع الحظر والتحريم. # ثم فأي زهد حصل لهم مع ما وصفناه، وأي شبهة تبقى على مخالف في خروجهم عن ~~خصال الفضل كلها مع ما ذكرناه، لولا أن العصبية ترين على القلوب؟! ### || فصل # وأما سؤالهم عن علة تقديم الناس لهم مع ما ذكروه من أحوالهم في النزول عن ~~الشرف، وقلة العشيرة والمال، فلذلك غير علة: # إحداها: أنهم قصدوا إلى من ليس بأشرفهم فقدموه، ليكون ذلك ذريعة إلى نيل ~~جماعاتهم الإمامة، مع اختلافهم في منازل الشرف، ولا يمنع أحدا منهم انحطاطه ~~عن أعلى الرتب في النسب من التقدم إلى من هو أشرف منه، ولو حصروها في أعلى ~~القوم نسبا وأكرمهم حسبا لاختصت بفريق، وحصل الباقون منها أصفارا، ثم لو ~~جعلوها فيمن كان غيره أكثر منه مالا لطمع الفقراء كلهم بذلك فيها، وتقدير ~~هم حوز الأفعال، ولم يحصروها في أعزهم عشيرة مخافة أن يتغير عليهم، فلا ~~يتمكنون من إخراجها منه، ولامتنع عنهم(1) بعشيرته فلا يبلغون منه المراد. PageV01P235 # والثانية: أن الذي قدموه كان متعريا، مما أوجب عندهم تأخيره(1)، فلم يك ~~على حال من الفضل يبعث على الحسد، فيحول ذلك بينه وبين التقديم. # والثالثة: أن الأكثر كانوا إلى الرجل أسكن منهم إلى غيره، لبعده عن ~~عداوتهم، وخروجه عن آصارهم، بوتر من وترهم في الدين. ms105 # والرابعة: ملاءمة العاقدين للمعقود له في الباطن، واجتماعهم على السر من ~~أمرهم والظاهر، فتشابهت لذلك منهم القلوب. # والخامسة: استحكام طمع الاتباع في النيل من المتقدمين مراداتهم في ~~الرئاسات، والسيرة فيهم بما يؤثرونه من الأحكام المخالفة للمفترضات ~~والمسنونات، والتجاوز لهم عن العثرات والزلات، وهذا أيضا من الأسباب ~~الداعية إلى إخراج الحق عن أهله بلا اختلاف. # والسادسة: الاتفاق الذي لا يرجع فيه إلى أصل ثابت ولا نتيجة نظر، وقد جرت ~~به العادات، وقضت بوجود أمثاله الشهادات. # ألا ترى إلى اجتماع أهل الجاهلية على عبادة الأوثان، وهي جمادات لا تنفع ~~أحدا ولا تضره، ولا تجلب إليه خيرا ولا تدفع عنه شرا، مع انصرافهم عن عبادة ~~الله الذي خلقهم، وأراهم في أنفسهم وغيرهم الآيات. # وكذلك كانت حال من تقدمهم في عبادة الأصنام(2)، مع تقريع PageV01P236 # الأنبياء لهم وتوبيخ الحكماء. # وكذلك كانت حال قوم موسى (عليه السلام) حين خالفوا نبيهم في عبادة العجل ~~واتبعوا السامري، فتركوا(1) هارون نبي الله، ولم يصغوا إلى وعظه، ولا ~~التفتوا إلى قوله، ولا اعتنوا بحجته، ولم يكن السامري أكثر القوم مالا، ولا ~~أشرفهم نسبا، ولا أعزهم عشيرة. # وقد اتبع كثير من العرب مسيلمة الكذاب، مع ظهور نقصه وعجزه وحماقته، ~~واشتهار كذبه وسخفه، وتركوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع ظهور فضله ~~وكمال عقله، واشتهار صدقه فيهم، وأما منته، وشرف أصله وكرم فرعه، وبرهان ~~أمره ووضوح حجته وعجيب آياته، ولم يك مسيلمة أعزهم عشيرة، ولا أكثرهم مالا، ~~ولا أشرفهم نسبا، بل كان بالضد من هذه الصفات كلها، ولم يمنع ذلك من الضلال ~~به، وتقديم أتباعه له، وارتداد جماعة ممن كان قد أسلم عن دينه واللحوق به. # وقد ظهر من اتباع الجمهور لأراذل الناس وانصرافهم عن أفاضلهم على مرور(2) ~~الأوقات ما لا يمكن دفعه، ولم يك ذلك لعز عشيرة، ولا لشرف نسب، ولا كثرة ~~مال، بل كان بتمام حيلة وجد في الدنيا واتفاق، حتى ساست النساء الرجال، ~~وتقدم الأطفال على العقلاء، واسترق العبيد الأحرار، واستعبد الأوضاع ~~الأشراف، وحكم الجهال على العلماء. PageV01P237 # وقد ms106 قال الله عز وجل: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين }(1). # وقال تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا }(2). # وكان الجمهور في زمان أكثر الأنبياء أتباع المجرمين، فضل بهم أكثر أممهم ~~وغيروا شرائعهم، وصدوا عن سبيلهم، ودعوا إلى غير دينهم، ولم يدعهم إلى ذلك ~~شرف المضلين، ولا عزهم في عشائرهم، ولا كثرة أموالهم، وإنما دعاهم إليه ما ~~ذكرناه من الداعي إلى تقديم من سميناه. # ولو ذهبنا إلى تتبع هذا المعنى وتعداد من حصل له وشرح الأمر فيه، لطال ~~الخطاب، وفي الجملة أن الأغلب في حصول الدنيا لأهلها، والأكثر فيها تمام ~~الرئاسة لأهل الجهل، والمعهود في ملكها والغلبة عليها لأهل الضلال والكفر، ~~وإنما يخرج عن هذا العهد إلى أهل الإيمان وذوي الفضل والكمال في النادر ~~الشاذ، ومن دفع ما وصفناه، وأنكر ما شرحناه، كان جاهلا أو مرتكبا للعناد. ### || فصل # ثم يقال لهم: لسنا ننكر أن تقديم المفضول على الفاضل مخالف لأحكام ~~العقول، وأن سياسة الناقص الكامل من الحكم المعكوس PageV01P238 # المرذول، لكنه غير بدع عند أهل الضلال، ولا عجب من اختيارهم فيما سلف من ~~الأزمان والأحوال، وأن تقديم تيم وعدي على بني هاشم وعبد مناف إنما هو ~~كتقديم العبيد على السادات، وتغلب أبي بكر بن أبي قحافة على مقام رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله)، ودفع أخيه ووصيه وصهره ووزيره ووارثه وخليفته في ~~أهله وأحب الخلق إلى الله تعالى وإليه لعجيب، تكاد النفوس منه تذوب، لكنا ~~إذا وكلنا الأمر إلى ما قدمناه من ذكر أمثاله في البدائع من الأمور فيما ~~سلف، سلت لذلك القلوب. # وقد قال الشاعر: # أجاء نبي الحق من آل هاشم %~% لتملك تيم دونهم عقدة الأمر؟! # وتصرف عن قوم بهم تم أمرها %~% ويملكها بالصفر منهم أبو بكر # أفي حكم من هذا فنعرف حكمه %~% لقد صار عرف الدين نكرا إلى نكر(1)! # وقال أيضا رحمه الله: # أترى صهاكا وابنها وابن ابنها %~% وأبا قحافة آكل الذبان # كانوا يرون، وفي الأمور عجائب %~% يأتي بهن تصرف ms107 الأزمان # أن الخلافة من وارثة هاشم %~% فيهم تصير وهيبة السلطان(2) PageV01P239 PageV01P240 # ### | فصل # إعلموا - رحمكم الله - أنه لولا ما اتفق لهؤلاء الثلاثة من التقدم على آل ~~محمد عليهم السلام والتسلط على الخلق بسلطانهم، والترؤس بالغطرسة عليهم، ~~لما سل بين المسلمين سفيان، ولا اختلف في الشريعة اثنان، ولا استحل أتباع ~~الجمل وأهل الشام والنهروان دماء أهل الإيمان،، ولا سفك دم أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب (عليه السلام) جهلا على التدين به والاستحلال، ولا قتل ~~الحسنان عليهم السلام، ولا استحلت حرمات العترة وأريقت دماؤهم، كما يستباح ~~ذلك من أهل الردة عن الإسلام. # لكنهم أصلوا ذلك بدفعهم عليا أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن مقامه، ~~وسنوه باستخفافهم بحقه، وأوجبوه باستهانتهم بأمره، وسهلوه بوضعهم من قدره، ~~وسجلوه بحطهم له عن محله، وأباحوه بما أظهروا من عداوته ومقته، فباءوا لذلك ~~بإثمه، وتحملوا أوزاره وأوزار من ضل بهم عن الحق بأسره، كما قال الله ~~تعالى: { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما ~~كانوا يفترون }(1). PageV01P241 # ولقد أحسن شاعر آل محمد عليهم السلام في جملة ما فصلناه في هذا المقام ~~حيث يقول: # تبيت النشاوى من أمية نوما %~% وفي الطف قتلى ما ينام حميمها # وما ضيع الإسلام إلا عصابة %~% تأمر نوكاها(1) فدام نعيمها # فأضحت قناة الدين في كف ظالم %~% إذا اعوج منها جانب لا يقيمها(2) # وقال الآخر في ذلك: # لعمري لئن جارت أمية واعتدت %~% لأول من سن الضلالة أجور # وقال الكميت بن زيد رحمه الله وقد ذكر مقتل الحسين (عليه السلام): # يصيب به الرامون عن قوس وترهم(3) %~% فيا آخرا يبدي(4) له الغي أول(5) # وقد أثبت في هذا الكتاب - والله المحمود - جميع ما يتعلق به أهل الخلاف ~~في إمامة أئمتهم من تأويل القرآن والاجماع، والعمد لهم في الأخبار على ما ~~يتفقون عليه من الاجماع دون ما يختلفون فيه، لشذوذه ودخوله في باب الهذيان، ~~وبينت عن وجوه ذلك بواضح البيان، وكشفت عن الحقيقة فيه بجلي البرهان. PageV01P242 # وأنا - بمشيته وعونه تعالى - أفرد فيما تعتمده الشيعة في إمامه أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) من ms108 آيات القرآن المحكمات، والأخبار الصادقة بحجج ~~التواتر والقرآن من البينات كتابا، أشبع فيه معاني الكلام(1)، ليضاف إلى ~~هذا الكتاب، وتكمل به الفوائد في هذه الأبواب، والله - تعالى اسمه - هو ~~الموفق والهادي إلى الصواب. # * * * # إلى هنا تم كتاب (الافصاح) للشيخ السديد المفيد، أبي عبد الله محمد بن ~~محمد بن النعمان بن عبد السلام بن جابر بن النعمان بن سعيد العكبري ~~البغدادي قدس سره السعيد. # ![](../Images/163-logo.jpg) # PageV01P243 # ms109