######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب :الافصاح ¶ المؤلف : الشيخ المفيد ¶ المحقق : ¶ الناشر : ¶ الطبعة : ¶ عدد الأجزاء : ¶ مصدر الكتاب :مكتبة يعسوب الدين عليه السلام ¶ [ الكتاب ] ¶ [مكتبة يعسوب الدين عليه السلام] #META# cat: مؤلفات المفيد #META# bkid: 316 #META# المؤلف: الشيخ المفيد #META# bkord: 285 #META# idx: 1 #META# iso: الافصاح #META# comp: 1 #META# bk: الافصاح #META# max: 243 #META# digitization_comments: [مكتبة يعسوب الدين عليه السلام] #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | AUTO الافصاح # الشيخ المفيد # ---الافصاح ¶ الشيخ المفيد ¶ --- ----NO PAGE NO------ [ 16 ] # فإذا قال الخصم: بلى ولابد من ذلك ان كان من اهل العلم والمعرفة ~~بالاخبار. قيل له: فلم لم يقاتل بمكة وما باله صبر على الاذى، ولم منع ~~اصحابه عن الجهاد وقد بذلوا انفسهم في نصرة الاسلام، وما الذي اضطره إلى ~~الاستجارة بالنجاشي واخراج اصحابه من مكة إلى بلاد الحبشة. خوفا على دمائهم ~~من الاعداء، وما الذي دعاه إلى القتال حين خذله اصحابه وتثاقلوا عليه فقاتل ~~بهم مع قلة عددهم، وكيف لم يقاتل بالحديبية مع كثرة انصاره وبيعتهم له على ~~الموت، وما وجه اختلاف افعاله في هذه الاحوال ؟ فما كان في ذلك جوابكم فهو ~~جوابنا في ظهور السلف من أباء صاحب الزمان واستتار. وغيبته فلا تجدون من ~~ذلك مهر با. والحمد لله المستعان، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم ~~تسليما كثيرا. # --- # واستعدادهم لمنازلة المملمين ومنعهم من دخول مكة، فاضطر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله إلى تغيير مسيره نحر الحديبية، فلما رأت قريش تحول مسير ~~المسلمن ركضوا راجعين نحو مكة. وبعد ذلك ارسلوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله رسلهم لترى لاي امر قدم وما هي بغينه، واراد صلى الله عليه وآله ~~ان يوضح الامر لسادات قريش في مكة فطلب من عمر الذهاب لكنه امتنع من ذلك ~~خوفا من قريش، فارسل بدله عثمان بن ابي عفان إلى ابي سفيان، فاحتبسته قريش ~~عن العودة، وشاع ان قريش قتلته، عندها دعا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~إلى قتال القوم، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فانزل الله فيها قرأنا. ~~الا ان قريش بعثت سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في طلب ~~الصلع فصالحهم. انظر: تأريخ الطبري 2: 620، السيرة النبوية (لابن كثير) 3: ~~312، السيرة النبوية (لابن هشام) 3: 321، التفسير العظيم (لابن كثير) 4: ~~200 (*) # --- PageV01P016 [ 3 ] # الافصاح في امامة أمير المؤمنين عليه السلام # ويليه ايمان ابى طالب # تأليف الفقيه المتكلم ابي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الحارثي ~~المعروف ب الشيخ المفيد ms001 المتوفى 413 # هق قسم الدراسات الاسلامية مؤسسة البعثة قم. # --- PageV01P003 [ 4 ] # مركز مؤسسة البعثة للطباعة والنشر اسم الكتاب: الافصاح في امامة امير ~~المؤمنين (عليه السلام) ويليه ايمان ابي طالب الؤلف الفقيه المتكلم أبو عبد ~~الله محمد بن النعمان الحارثي المعروف ب " الشيخ المفيد " تحقيق: قسم ~~الدراسات الاسلامية - مؤسسة البعثة - قم الطبعة الاولى 1412 ه. ق الكمية: ~~2000 نسخه التوزيع: مؤسسة البعثة طهران شارع سمية - بين شارعي الشهيد مفتح ~~وفرصت - تلفون 821159 فاكس: 821370 ص. ب: 1361 / 15815 ومعارض مؤسسة البعثة ~~للنشر والتوزيع: قم - تلفون: 32118، مشهد - تلفون: 59488، اصفهان - تلفون: 32817 # --- PageV01P004 [ 5 ] # بسم الله الرحمن الرحيم.. # --- PageV01P005 [ 6 ] # ... # --- PageV01P006 [ 7 ] # مقدمة المؤلف هو شيخ الامة، ورئيس متكلميه، ورأس فقهائها: أبو عبد الله ~~محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام بن جابر بن النعمان ابن التابعي ~~الجليل الشهيد سعيد بن جبير، العكبري البغدادي، المعروف ب (ابن المعلم) ~~الشهير في الآفاق ب (الشيخ المفيد) (1). ولد في الحادي عشر من ذي القعدة ~~بعكبرا - وهي مدينة تقع في شمال بغداد على الضفة الشرقية لنهر دجلة - سنة ~~(336) أو (338) ه. وتوفي ببغداد ليلة الجمعة لثلاث خلون من شهر رمضان ~~المبارك سنة (413) وكان يوم وفاته كيوم الحشر كما وصفه بعض المؤرخين، شيعه ~~ثمانون ألفا، وصلى عليه تلميذه الشريف المرتضى علي بن الحسين بميدان ~~الاشنان، الذي ضاق على الناس رغم سعته، ولم ير يوم أكبر # --- # (1) روي أن علي بن عيسى الرماني لقبه بالمفيد، بعد مناظرة طريفة جرت ~~بينهما، أفحم الرماني فيها، وقيل أن الذي لقبه بالمفيد هو القاضي عبد ~~الجبار المعتزلي. انظر تفصيل ذلك في روضات الجنات 6: 159 (*). # --- PageV01P007 [ 8 ] # منه لشدة زحام الناس للصلاة عليه، ومن كثرة بكاء المؤالف والمخالف، ولا ~~عجب فقد فقد العلم به حامل لوائه، وزعيم طلائعه، ورائد الفكر وفارسه المعلم ~~وكميه المقدام، وثلم الدين بموته ثلمة لا يسدها شئ. كان (1) قدس سره شيخا ~~ربعة، نحيفا، أسمر، خشن اللباس، كثير الصلاة والصوم والتقشف والتخشع ~~والصدقات، عظيم الخشوع، ما كان ينام من الليل إلا هجعة ثم يقوم ويصلي، أو ~~يتلو ms002 كتاب الله، أو يطالع، أو يدرس. كان مديما للمطالعة والتعلم، ومن أحفظ ~~الناس، قيل إنه ما ترك للمخالفين كتابا إلا حفظه، وبهذا قدر على حل شبه ~~القوم. كان دقيق الفطنة، ماضي الخاطر، حاضر الجواب، حسن اللسان والجدل، ~~ضنين السر، جميل العلانية، بارعا في جميع العلوم، حتى كان يقال: له على كل ~~إمام منة. كان نشيطا للبحث والمناظرة، صبورا على الخصم، وكان يناظر أهل كل ~~عقيدة فلا يدرك شاوه، ولم يكن في زمانه من يدانيه أو يضاهيه في هذا ~~المضمار، حتى جعل المخالفين في ضيق شديد بقوة حجته وتاثير # --- # (1) كل ما سنورده من أحواله وصفاته ومديحه فهو مما أطراه به كبار علماء ~~الرجال والتاريخ من الفريقين، كصهره أبي يعلى الجعفري وتلميذيه النجاشي ~~والطوسي، وكأبي حيان التوحيدي وابن النديم والخطيب البغدادي واليافعي ~~والذهبي وابن الجوازي وابن حجر العسقلاني وابن كثير الشامي وغيرهم (*). # --- PageV01P008 [ 9 ] # كلامه في الناس الذين راحوا يتهافتون لولوج باب السعادة والفوز، وسلوك ~~نهج واحد أصيل وواضح، ألا وهو نهج آل البيت عليهم السلام، مما أثار حفيظة ~~بعض المتعصبين - الذين كان دأبهم الانتصار لانفسهم، فجانبوا الانصاف بحق من ~~خالفهم وإن كان محقا دونهم - كابن العماد الحنبلي واليافعي والخطيب ~~البغدادي الذين راحوا يعلنون فرحهم وسرورهم بوفاة هذا المصلح العظيم، ناسين ~~جليل قدره، فقالوا: " هلك به خلق من الناس إلى أن أرواح الله المسلمين منه ~~" ! ! كان شديدا على أهل البدع والاهواء وحملة الافكار المنحرفة، وكان ~~بعضهم يتفادى مناظرته ويخشى حجاجه، وله مع البعض الاخر كالقاضي عبد الجبار ~~المعتزلي والقاضي أبي بكر الباقلاني رئيس الاشاعرة مناظرات كثيرة رواها ~~تلامذته ومترجموه، وحفلت بها كتبه ك (العيون والمحاسن)، وكتب أكثر من خمسين ~~كتابا ورسالة في الرد عليهم وتفنيد آرائهم، ومن أقطابهم: الجاحظ، ابن عباد، ~~ابن قتيبة، ثعلب، الجبائي، أبو عبد الله البصري، ابن كلاب القطان - من ~~رؤساء الحشوية -، الخالدي، النفسي، النصيبي، الكرابيسي، ابن رشيد، ابن ~~الاخشيد، الحلاج وغيرهم، ألزمهم فيها الحجة بالمنطق والدليل الذي لا ينقض. ~~كما خص الامامة وما يتفرع عنها من بحوث عقائدية وكلامية ms003 بمجموعة من مصنفاته ~~القيمة، وما يهمنا منها هنا كتابة: # --- PageV01P009 [ 10 ] # الافصاح في إثبات إمامة أمير المؤ منين عليه السلام وهو هذا الكتاب الذي ~~بين يديك، قال في ديباجته: " إني - بمشيئة الله وتوفيقه - مثبت في هذا ~~الكتاب جملا من القول في الامامة يستغنى ببيانها عن التفصيل، ومعتمد في ~~إيضاحها على موجز يغني عن التطويل، وراسم في اصول ذلك رسوما يصل بها إلى ~~فروعها ذوو التحصيل.. والغرض فيما نورده الآن تلخيص جنس مفرد لم يتميز ~~بالتحديد فيما أسلفناه، ولا وجدناه على ما نؤمه لاحد من أصحابنا المتقدمين ~~رضي الله عنهم ولا عرفناه، مع صدق الحاجة إليه فيما كلفه الله تعالى جميع ~~من ألزمه فروضه وأمره ونهاه، إذ كان به تمام الاخلاص لمن اصطفاه سبحانه من ~~خلقه وتولاه، وكمال الطاعة في البراءة إليه ممن بمعصيته له عاداه ". وقال ~~في خاتمته: " قد أثبت في هذا الكتاب جميع ما يتعلق به أهل الخلاف في إمامة ~~أئمتهم من تأويل القرآن والاجماع والعمد لهم في الاخبار على ما يتفقون عليه ~~من الاجماع دون ما يختلفون فيه، لشذوذه ودخوله في باب الهذيان، وبينت عن ~~وجوه ذلك بواضح البيان، وكشفت عن الحقيقة فيه بجلي البرهان ". أورد فيه ~~أدلة علماء العامة على صحة إمامة أئمتهم، وآراء المتكلمين والمفسرين وأصحاب ~~النظريات المختلفة والمذاهب المتعددة، ثم أجاب عنها بفهم قوي، ونظر دقيق، ~~واسلوب جميل، وبيان فصيح، # --- PageV01P010 [ 11 ] # مبينا ضعفها وسقمها من عدة وجوه، ثم يفترض صحة الدليل الذي احتجوا به، ~~تاركا ما أورده عليه من إشكالات جانبا، ليرده بوجوه وأدلة اخرى ذات معان ~~جديدة تخلف عن سابقتها، مستشهدا في جميع ذلك بكثير من الآيات القرآنية، ~~مستعينا بطريقي: النقل الصحيح المتواتر المتفق عليه، والعقل، فيستوفي البحث ~~في المسألة الواحدة حتى يسقطها من الاعتبار، وبدلا من أن تكون دليلا لهم ~~تصبح دليلا وحجة عليهم، غير تارك لهم ثغرة يلجؤون إليها إلا التسليم واتباع ~~نهج الحق والصراط المستقيم بما جاءهم به من البينة والبرهان { فعلموا أن ~~الحق لله } { فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل ms004 سواء السبيل } { يحاجون في الله ~~من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد }. ~~كما حاجج في هذا الكتاب أبرز الفرق وأشهرها كالسنة والمعتزلة والحشوية ~~والخوارج فيما بينهم، بذكر حجج وأدلة وشبه بعضهم على البعض الآخر، مؤكدا ~~قدرته وتفوقه وسعة اطلاعه بأفكار وعقائد الفرق والمذاهب الاخرى. والمباحثات ~~المذكورة في هذا الكتاب ليست كلها افتراضية أو غير واقعية، كما قد يتصور ~~البعض، بل إن بعضها كان قد حدث فعلا، كما هو واضح في محاججته مع بعض متكلمي ~~المعتزلة، وبعض المرجئة، قال في نهايتها بعد غلبته عليهما: " فلحق بالاول ~~في الانقطاع، ولم # --- PageV01P011 [ 12 ] # أحفظ منه إلا عبارات فارغة داخلة في باب الهذيان " (1). وقد ضمنه مؤلفه ~~منتخبا من كتابه (المسألة الكافئة) كما ذكر ذلك في معرض إحالته إليه (2). ~~وأحال فيه أيضا إلى كتابه الآخر (العيون والمحاسن) (3) الذي ألفه سنة ثلاث ~~وسبعين وثلاثمائة (4)، أي قبل وفاته بثلاثين سنة، وكان عمره الشريف آنذاك ~~خمسا أو سبعا وثلاثين سنة، فيكون تأليفه للافصاح بعد هذا العمر. والمتيقن ~~لدينا أن الافصاح ليس آخر كتاب ألفه، لانه وعد في آخره بتأليف كتاب في ~~(إمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام من القرآن) وقد ألفه فعلا، إذ عده ~~تلميذه أبو العباس أحمد بن علي النجاشي (372 - 450 ه) من تأليفاته (5). نسخ ~~الكتاب اعتمدنا في تحقيق هذا الكتاب على ثلاث نسخ خطية ورابعة مطبوعة. ~~النسخة الاولى: وهي المحفوظة في خزانة مخطوطات مكتبة ملك، # --- # (1) الافصاح: 120. (2) الافصاح: 129. (3) الافصاح: 192. (4) الفصول ~~المختارة من العيون والمحاسن 2: 99 (5) رجال النجاشي: 40 (*). # --- PageV01P012 [ 13 ] # في طهران برقم (2926)، وتقع في (57)) ورقة، ليس فيها اسم الناسخ ولا ~~تاريخ الاستنساخ، وكتب في رأس الصفحة الاولى (كتاب الايضاح لشيخنا الاعز ~~الاجل السديد الشيخ المفيد طاب ثراه) كذا ورد عنوان الكتاب في هذه النسخة ~~ولكن الصحيح (الافصاح) بدليل ما في سائر النسخ والمعاجم المختصة والفهارس ~~المعنية بالتراث. وقد رمزنا لها ب (أ). النسخة الثانية: وهي المحفوظة في ~~خزانة مخطوطات مكتبة المجلس النيابي الايراني (مجلس شوراى ملى)، في طهران، ~~برقم (10547)، وتقع ms005 في (40) ورقة، ليس فيها اسم الناسخ ولا تاريخ ~~الاستنساخ. ورمزنا لها ب (ح). النسخة الثالثة: وهي المحفوظة في خزانة ~~مخطوطات المكتبة المركزية العامة (آستان قدس رضوي) في مدينة مشهد المقدسة، ~~برقم (7443)، وتقع في (51) ورقة، كتب في أولها: (هذا كتاب الافصاح في إثبات ~~إمامة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، من مصنفات الشيخ أبي عبد الله ~~محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد قدس الله سره السعيد). وفي ~~آخرها: (يقول العبد الفقير إلى الله الغني ابن زين العابدين محمد حسن ~~الارموي، النزيل عند سيده ومولاه أمير المؤمنين علي في مشهد الغري، على ~~مشرفه آلاف التحية والسلام: قد اتفق لي الفراغ من كتابة هذه # --- PageV01P013 [ 14 ] # النسخة الشريفة ليومين خلتا (كذا) من شهر رمضان من شهور سنة ألف وثلثمائة ~~وخمسون (كذا) الهجرية على هاجرها الصلوات والسلام، والمرجو من المنتفعين أن ~~يذكرني (كذا) بالمغفرة والاستغفار، والله ولي التوفيق، سنة 1350). ورمزنا ~~لها ب (ب). النسخة الرابعة: وهي المطبوعة في النجف الاشرف، المطبعة ~~الحيدرية، سنة (1368 ه)، في (136) صفحة، وجاء في آخرها: (إلى هنا تم كتاب ~~الافصاح للشيخ السديد الشيخ المفيد.. استنساخا على يد الفقير إلى ربه الغني ~~عبد الرزاق (1) بن السيد محمد ابن السيد عباس بن السيد حسن بن السيد قاسم ~~الموسوي نسبا المقرمي لقبا، في النجف الاشرف على مشرفه الصلاة والسلام، عصر ~~يوم الاحد الثاني من شهر ذي الحجة الحرام من سنة الالف والثلثمائة والخمسين ~~هجرية على مهاجرها ألف صلا ة وتحية، سنة 1350 ذي الحجة. صحح مقابلة من أوله ~~إلى تمامه على نسخة العلامة الشيخ شير محمد بن صفر علي الهمداني الجورقاني ~~دام بقاه). وأعادت مكتبة المفيد في قم المقدسة طبعها بالاوفسيت ضمن هامش ~~(1) وهو العلامة الحجة، له تأليفات بلغت أكثر من اثنين وأربعين كتابا ~~ورسالة، جلها في تاريخ الشهداء العلويين وأئمة آل البيت عليهم السلام، ولد ~~في النجف الاشرف سنة (1316 ه) وتوفي فيها سنة (1391 ه)، وصدر له من ~~مننشورات مؤسستنا كتاب (مقتل الحسين) عليه السلام. # --- PageV01P014 [ 15 ] # كتاب (عدة رسائل للشيخ ms006 المفيد). ورمزنا لها ب (م). منهج التحقيق لاحظنا ~~أن النسخ الثلاث المخطوطة والنسخة المطبوعة في النجف الاشرف مليئة بالتصحيف ~~والتحريف والسقط، فكان من العسير اختيار نسخة من بينها يصح الاعتماد عليها ~~كي تكون أصلا في التحقيق، لذا اعتبرناها كلها أصولا معتمدة وبمرتبة واحدة، ~~إذ تعد كل واحدة منها مكملة الاخرى، فعمدنا إلى مقابلة جميع النسخ مع بعضها ~~البعض. ثم تلا المقابلة تخريج الاحاديث والآثار والاشعار من امهات المصادر ~~المعتمدة عند الفريقين. وفى مرحلة تقويم متن الكتاب وتصحيحه، قمنا بما يلي: ~~1 - إثبات أنسب الالفاظ وأصحها - عند اختلاف النسخ - في متن الكتاب، ثم ~~الاشارة إلى الاختلافات ذات الوجوه المحتملة الواردة في النسخ الاخرى. 2 - ~~تقطيع المتن بأحسن وجه يحفظ له المعنى ويسهل على القارئ تقبله، ويضيف عليه ~~جمالية في الاخراج. 3 - ضبط بعض الكلمات الصعبة والاعلام. 4 - شرح المفردات ~~الغامضة شرحا موجزا باعتماد أهم معاجم اللغة. 5 - ترجمة موجزة لبعض الرواة ~~والاعلام الواردة في الكتاب. # --- PageV01P015 [ 16 ] # 6 - التعليق المقتضب عند الضرورة. ومن ثم تأتي مرحلة ترتيب هوامش الكتاب ~~وفقا للمعلومات والملاحظات المثبتة في الفقرات المتقدمة. وأخيرا قمنا ~~بإعداد الفهارس الفنية الشاملة لمحتويات هذا الكتاب. شكر وثناء يسر مؤسسة ~~البعثة إذ تقدم للقارئ الكريم هذا الاثر القيم أن تتقدم بالثناء والتقدير ~~للاخوة الافاضل الذين ساهموا في إنجازه كل بحسب تخصصه، وكما يلي: 1 - ~~مقابلة النسخ: الاخ كريم راضي الواسطي والاخ إسماعيل الموسوي. 2 - تخريج ~~النصوص: الاخ عصام البدري. 3 - تقويم النص: الاخ علي موسى الكعبي والاخ ~~شاكر شبع. 4 - تثبيت الهوامش: الاخ عبد الكريم البصري. 5 - إعداد الفهارس: ~~الشيخ كريم الزريقي. نسأل الله سبحانه ان يوفق كل العاملين في خدمة دينه ~~المبين إلى ما يجب ويرضى، وأن يوفقنا لاداء واجبنا في حقل إحياء تراث أهل ~~البيت عليهم السلام إنه تعالى ولي التوفيق. قسم الدراسات الاسلامية مؤسسة ~~البعثة - قم # --- PageV01P016 [ 17 ] # صورة الصفحة الاولى من النسخة (أ). # --- PageV01P017 [ 18 ] # صورة الصفحة الاخيرة من النسخة (أ). # --- PageV01P018 [ 19 ] # صورة الصفحة الاولى من النسخة (ب). # --- PageV01P019 [ 20 ] # صورة الصفحة ms007 الاخيرة من النسخة (ب). # --- PageV01P020 [ 21 ] # صورة الصفحة الاخيرة من النسخة (ج). # --- PageV01P021 [ 22 ] # صورة الصفحة الاولى من النسخة (ج). # --- PageV01P022 [ 23 ] # بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب (الافصاح في إثبات إمامة مولانا أمير ~~المؤمنين عليه السلام) من مصنفات الشيخ أبي عبد الله محمد بن محمد بن ~~النعمان المعروف ب (الشيخ المفيد) قدس الله سره السعيد # --- PageV01P023 [ 24 ] # ... # --- PageV01P024 [ 25 ] # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله موجب الحمد ومستحقه، وصلواته على خيرته ~~من خلقه: محمد وآله. أما بعد: فإني - بمشيئة الله وتوفيقه - مثبت في هذا ~~الكتاب جملا من القول في الامامة يستغنى ببيانها عن التفصيل، ومعتمد في ~~إيضاحها على موجز يغني عن التطويل وراسم في أصول ذلك رسوما يصل بها إلى ~~فروعها ذوو التحصيل، وإن كان ما خرج من تصنيفاتي وأمالي في هذا الباب يوفي ~~(1) - والله المحمود على ما تضمن - معناه من كل كتاب، ويعرف الزيادة فيه ~~متأمله من ذوي الالباب. هامش (1) (يوفى) ليس في ب (*). # --- PageV01P025 [ 26 ] # والغرض فيما نورده الآن - بمعونة الله عزوجل - بعد الذي ذكرناه، ووصفنا ~~حاله وبيناه، تلخيص جنس مفرد لم يتميز بالتحديد فيما أسلفناه، ولا وجدناه ~~على مانؤمه لاحد من أصحابنا المتقدمين رضى الله عنهم ولا عرفناه، مع صدق ~~الحاجة إليه فيما كلفه الله تعالى جميع من ألزمه فروضه وأمره ونهاه (1)، إذ ~~كان به تمام الاخلاص لمن اصطفاه سبحانه من خلقه وتولاه، وكمال الطاعة في ~~البراءة إليه ممن بمعصيته (2) له عاداه، وبالله استعين، وإياه استهدي إلى ~~سبيل الرشاد. # --- # (1) في ب، م: ونهيه. (2) في ب: ممن يرى بمعصية. وفي أ، ح: ممن يرى منه ~~معصيته (*). # --- PageV01P026 [ 27 ] # مسأله إن سأل سائل، فقال: أخبروني عن الامامة، ما هي في التحقيق على ~~موضوع الدين واللسان ؟ قيل له: هي التقدم فيما يقتضي طاعة (1) صاحبه، ~~والاقتداء به فيما تقدم فيه على البيان. فإن قال: فحدثوني عن هذا التقدم، ~~بماذا حصل لصاحبه: أبفعل نفسه، أم بنص مثله في الامامة عليه، أم باختياره ؟ ~~قيل له: بل بإيثار سبق ظهور حاله أوجب له ذلك عند الله تعالى ليزكي أعماله، ~~فأوجب ms008 على الداعي إليه بما يكشف عن مستحقه النص عليه، دون ما سوى ذلك مما ~~عددت في الاقسام. فإن قال: فخبروني عن المعرفة بهذا الامام، أمفترضة على ~~الانام، أم مندوب إليها كسائر التطوع الذي يؤجر فاعله، ولا يكتسب تاركه ~~الآثام ؟ # --- # (1) (طاعه) ليس في ب، م. # --- PageV01P027 [ 28 ] # قيل له: بل فرض لازم كأوكد فرائض الاسلام. فإن قال: فما الدليل على ذلك، ~~وما الحجة فيه والبرهان ؟ قيل له: الدليل على ذلك من أربعة أوجه: أحدها: ~~القرآن، وثانيها: الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله، وثالثها: الاجماع، ~~ورابعها: النظر القياسي والاعتبار. فأما القرآن: فقول الله سبحانه وتعالى: ~~{ يا أيها الذين ء امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } ~~(1) فأوجب معرفة الائمة من حيث أوجب طاعتهم، كما أوجب (2) معرفة نفسه، ~~ومعرفة نبيه - عليه وآله السلام - بما ألزم من طاعتهما (3) على ما ذكرناه. ~~وقول الله تعالى: { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتى كتابه بيمينه ~~فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا } (4) وليس يصح أن يدعى أحد بما لم ~~يفترض عليه علمه والمعرفة به. وأما الخبر: فهو المتواتر (5) عن النبي صلى ~~الله عليه وآله، أنه قال: " من مات وهو لا يعرف إمام زمانه، مات ميتة ~~جاهلية " (6) وهذا صريح بأن الجهل # --- # (1) سورة النساء 4: 59. (2) (معرفة الائمة.. كما أوجب) ليس في أ. (3) في ~~أ: طاعتها. (4) سورة الاسراء 17: 71. (5) في أ: التواتر. (6) كمال الدين 2: ~~412 / 10، الكافي 1: 308 / 3، غيبة النعماني: 330 / 5، حلية الاولياء 3: ~~224، مسند أحمد بن حنبل 4: 96، مجمع الزوائد 5: 218. # --- PageV01P028 [ 29 ] # بالامام يخرج صاحبه عن الاسلام. وأما الاجماع: فإنه لا خلاف بين أهل ~~الاسلام أن معرفة إمام (1) المسلمين واجبة على العموم، كوجوب معظم الفرائض ~~في الدين. وأما النظر والاعتبار: فإنا وجدنا الخلق منوطين بالائمة في ~~الشرع، إناطة يجب بها عليهم معرفتهم على التحقيق، وإلا كان ما كلفوه من ~~التسليم لهم في أخذ الحقوق منهم، والمطالبة لهم في أخذ مالهم، والارتفاع ~~إليهم في الفصل عند الاختلاف، والرجوع إليهم في حال الاضطرار، والفقر إلى ~~حضورهم لاقامة الفرائض من صلوات وزكوات وحج وجهاد، تكليف ما لا ms009 يطاق، ولما ~~استحال ذلك على الحكيم الرحيم سبحانه، ثبت أنه فرض معرفة الائمة، ودل على ~~أعيانهم بلا ارتياب. فإن قال: فخبروني الآن من كان الامام بعد الرسول صلى ~~الله عليه وآله، والقائم في رئاسة الدين مقامه، لاعرفه فاؤدي بمعرفته ما ~~افترض له علي من الولاء ؟ قيل له: من أجمع المسلمون على اختلافهم في الآراء ~~والاهواء على إمامته بعد النبي صلى الله عليه وآله (2)، ولم يختلفوا من بعد ~~وفاته فيما أوجب له ذلك من اجتماع خصال الفضل له والاقوال فيه والافعال: ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. # --- # (1) في أ، ح، م: أئمة. (2) في أ، ح زيادة: على حال (*). # --- PageV01P029 [ 30 ] # فإن قال: أبينوا لي عن صحة هذا المقال، فإني أراكم مدعين الاجماع فيما ~~ظاهره الاختلاف، ولست أقنع منكم فيه إلا بالشرح لوجهه والبيان (1). قيل له: ~~ليس فيما حكيناه من الاجماع (2) اختلاف ظاهر ولا باطن، فإن ظننت ذلك لبعدك ~~عن الصواب، أفلا ترى أن الشيعة من فرق الامة تقطع بإمامته عليه السلام بعد ~~النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل، وتقضي له بذلك إلى وقت وفاته، وتخطئ من ~~شك في هذا المقال على كل حال ؟ والحشوية (3) والمرجئة (4) والمعتزلة متفقون ~~على إمامته عليه السلام بعد عثمان، وأنه # --- # (1) في ب، م: والمقال. (2) (من الاجماع) ليس في ب، م. (3) سميت الحشوية ~~بهذا الاسم، لانهم يحشون الاحاديث التي لا أصل لها في الاحاديث المروية عن ~~الرسول صلى الله عليه وآله، أي يدخلونها فيها وليست منها، وهم من فرق ~~المرجئة يقولون بالجبر والتشبيه، وإن الله تعالى موصوف عندهم بالنفس واليد ~~والسمع والبصر، وقالوا: كل ثقة من العلماء يأتي بخبر مسند عن النبي فهو ~~حجة. " المقالات والفرق: 6، 136 ". وأراد المصنف بالحشوية هنا أهل السنة ~~عموما، أنظر ص 91 و216. (4) المرجئة: اختلف فيهم على أقوال: فقيل هم فرقة ~~من فرق الاسلام يعتقدون أنه لا يضير مع الايمان معصية كما لا ينفع مع الكفر ~~طاعة، سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله تعالى أرجأ تعذيبهم عن المعاصي، أي ~~أخره عنهم. وقيل: ms010 هم الذين يقولون الايمان قول بلا عمل، لانهم يقدمون القول ~~ويؤخرون العمل. وقيل: ما عدا الشعية من العامة، وسموا مرجئة لانهم زعموا أن ~~الله تعالى أخر نصب الامام ليكون نصبه باختيار الامة بعد النبي صلى الله ~~عليه وآله. " المقالات والفرق: 5، 131، مجمع البحرين - رجا - 1: 177 ". # --- PageV01P030 [ 31 ] # لم يخرج عنها حتى توفاه الله تعالى راضيا عنه، سليما من الضلال ؟ ~~والخوارج - وهم أخبث أعدائه وأشدهم (1) عنادا - يعترفون له بالامامة، ~~كاعتراف الفرق الثلاث، وإن فارقوهم بالشبهة في انتهاء الحال ؟ ولا سادس في ~~الامة لمن ذكرناه يخرج بمذهبه عما شرحناه، فيعلم بذلك وضوح ما حكمنا به من ~~الاجماع على إمامته (2) بعد النبي صلى الله عليه وآله كما وصفناه. فأما ~~الاجماع على ما يوجب له الامامة من الخلال: فهو إجماعهم على مشاركته عليه ~~السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله في النسب، ومساهمته له في كريم ~~الحسب، واتصاله به في وكيد السبب (3)، وسبقه كافة الامة إلى الاقرار، وفضله ~~على جماعتهم في جهاد الكفار، وتبريزه عليهم في المعرفة والعلم بالاحكام، ~~وشجاعته وظاهر زهده اللذين لم يختلف فيهما (4) اثنان، وحكمته في التدبير ~~وسياسة الانام، وغناه بكماله في التأديب المحوج إليه المنقص (5) عن الكمال، ~~وببعض هذه الخصال يستحق الامامة فضلا عن جميعها على ما قدمناه. وأما ~~الاجماع على الافعال الدالة على وجوب الامامة والاقوال: # --- # (1) في أ، ح زيادة: له. (2) في أ: بإمامته. (3) في أ: النسب. (4) في أ: ~~الذي لم يختلف فيه. (5) في ب، ح، م: النقص. # --- PageV01P031 [ 32 ] # فإن الامة متفقة على أن رسول الله صلى الله عليه وآله قدمه في حياته، ~~وأمره على جماعة من وجوه أصحابه، واستخلفه في أهله واستكفاه أمرهم عند ~~خروجه إلى تبوك قبل وفاته، واختصه لايداع أسراره، وكتب عهوده، وقيامه مقامه ~~في نبذها إلى أعدائه، وقد كان ندب ليعرض ذلك من تقدم عليه، فعلم الله ~~سبحانه أنه لا يصلح له، فعزله بالوحي من سمائه. ولم يزل (1) يصلح به إفساد ~~من كان على الظاهر من خلصائه، ويسد به خلل أفعالهم المتفاوتة بحكمه وقضائه، ~~وليس يمكن أحد ms011 ادعاء هذه الافعال من الرسول صلى الله عليه وآله لغير أمير ~~المؤمنين عليه السلام، على اجتماع ولا اختلاف، فيقدح بذلك في اس (2) ما ~~أصلناه وبيناه. وأما الاقوال المضارعة لهذه الافعال في الدلالة: فهي أكثر ~~من أن تحصى على ما شرطناه (3) في الاختصار، وإن كنا سنورد منها ما فيه ~~كفاية، إن شاء الله تعالى: فمنها: ما سلم لروايته الجميع من قول الرسول صلى ~~الله عليه وآله بغدير خم (4)، بعد أن قرر امته على المفترض له من الولاء ~~الموجب لامامته عليهم، والتقدم لسائرهم في الامر والنهي والتدبير، فلم ~~ينكره أحد منهم، # --- # (1) (يزل) ليس في أ. (2) الاس: الاصل. " الصحاح - اسس - 3: 903 ". (3) في ~~أ، ب، ح: على شرطنا. (4) خم: بئر حفرها مرة بن كعب، ونسب إلى ذلك غدير خم، ~~وهو بين مكة والمدينة. " معجم البلدان 2: 388 " (*). # --- PageV01P032 [ 33 ] # وأذعنوا بالاقرار له طائعين: " من كنت مولاه فعلي مولاه (1) فأعطاه بذلك ~~حقيقة الولاية، وكشف به عن مماثلته له في فرض الطاعة والامر لهم، والنهي ~~والتدبير والسياسة (2) والرئاسة، وهذا نص - لا يرتاب بمعناه من فهم اللغة - ~~بالامامة. ومنها أيضا: قوله صلى الله عليه وآله بلا اختلاف بين الامة: " ~~أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لانبي بعدي " (3) فحكم له بالفضل ~~على الجماعة، والنصرة والوزارة والخلافة، في حياته وبعد وفاته، والامامة ~~له، بدلالة أن هذه المنازل كلها كانت لهارون من موسى عليه السلام في حياته، ~~وإيجاب جميعها لامير المؤمنين عليه السلام إلا ما أخرجه الاستثناء منها ~~ظاهرا، وأوجبه بلفظ يعدله من بعد وفاته، وبتقدير ماكان يجب لهارون من موسى ~~لو بقي بعد أخيه، فلم يستثنه النبي صلى الله عليه وآله، فبقي لامير ~~المؤمنين عليه السلام عموم ما حكم له من المنازل، وهذا نص على إمامته، لا ~~خفاء به على من تأمله، وعرف وجوه القول فيه، وتبينه. ومنها: قوله صلى الله ~~عليه وآله على الاتفاق: " اللهم إئتني بأحب خلقك إليك، يأكل معي من هذا ~~الطائر " (4) فجاءه بأمير المؤمنين عليه السلام، فأكل # --- # (1) الكافي 1: 227 / 1، علل الشرائع: 144، أمالي الصدوق: 291، حلية ~~الاولياء ms012 4: 23، مسند أحمد 1: 331، المستدرك للحاكم 3: 134. (2) (والسياسة) ~~ليس في أ. (3) علل الشرائع: 222، أمالي الصدوق: 146 / 7، عيون أخبار الرضا ~~عليه السلام 2: 10 / 23، سنن الترمذي 5: 641 / 3731، مسند أحمد 6: 438، ~~مجمع الزوائد 9: 108. (4) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 187 / 2، أمالي ~~الصدوق: 521 / 3، الخصال: 555، # --- PageV01P033 [ 34 ] # معه، وقد ثبت أن أحب الخلق إلى الله تعالى أفضلهم عنده، إذ كانت محبته ~~منبئة عن الثواب دون الهوى وميل الطباع، وإذا صح أنه أفضل خلق الله تعالى ~~ثبت أنه كان الامام، لفساد تقدم المفضول على الفاضل في النبوة وخلافتها ~~العامة في الانام. ومنها: قوله صلى الله عليه وآله يوم خيبر: " لاعطين ~~الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرار، لا ~~يرجع حتى يفتح الله على يديه " (1) فأعطاها من بين امته جميعا عليا عليه ~~السلام، ثم بين له من الفضيلة بما بان به من الكافة، ولولا ذلك لاقتضى ~~الكلام خروج الجماعة من هذه الصفات على كل حال، وذلك محال، أو كان التخصيص ~~بها ضربا من الهذيان، وذلك أيضا فاسد محال، وإذا وجب أنه أفضل الخلق بما ~~شرحناه، ثبت أنه كان الامام دون من سواه، على ما رتبناه. وأمثال ما ذكرناه ~~مما يطول به (2) التقصاص من تفضيله له عليه السلام على كافة أصحابه وأهل ~~بيته، بأفعاله به وظواهر الاقوال فيه ومعانيها المعقولة، لمن فهم الخطاب ~~والشهادة له بالصواب، ومقتضى العصمة من الذنوب والآفات، مما يدل على غناه ~~عن الامة، ويكشف بذلك عن كونه # --- # صحيح الترمذي 5: 636 / 3721، المستدرك 3: 130، مجمع الزوائد 7: 138. (1) ~~أمالي الطوسي 1: 313، إرشاد المفيد: 36، إعلام الورى: 99، مسند أحمد 1: ~~185، صحيح مسلم 4: 1871 / 32، صحيح الترمذي 5: 639، المناقب لابن المغازلي: ~~177. مناقب الخوارزمي: 105، ذخائر العقبى: 72، الرياض النضرة 3: 148 و151. ~~(2) في أ: بذكره. والتقصاص: التتبع. انظر المعجم الوسيط 2: 739 (*). # --- PageV01P034 [ 35 ] # إماما بالتنزيل الذي رسمناه، وقد استقصينا القول في أعيان هذه المسائل ~~على التفصيل والشرح والبيان في غير هذا المكان (1)، فلا حاجة بنا إلى ذكره ~~هاهنا مع الغرض الذي أخبرنا به عنه ووصفناه. واعلم - أرشدك الله تعالى - أن ~~فيما رسمناه من هذه الاصول أربع مسائل، يجب ذكرها والجواب ms013 عنها، لتزول به ~~شبهة أهل الخلاف: أولها: السؤال عن وجه الدلالة من الاجماع الذي ذكرناه في ~~إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله على إمامته ~~من بعده على الفور، دون من قام ذلك المقام ممن يعتقد الجمهور في فعله ~~الصواب. ثانيها: عن الدلالة على أن أمير المؤمنين عليه السلام الافضل عند ~~الله تعالى من الجميع، وإن كان أفضل منهم في ظاهر الحال. ثالثها: عن الدليل ~~على فساد إمامة المفضول على الفاضل بحسب ما ذكرناه. رابعها: عن حجة دعوى ~~الاجماع في سائر ما عددناه، مع ما يظن فيه من خلاف البكرية والعثمانية ~~والخوارج، وما يعتقدونه من الدفع لفضائل أمير المؤمنين عليه السلام الجواب ~~عن السؤال الاول: أنه إذا ثبت بالحجة القاهرة من الاجماع وجود إمام بعد ~~النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل: وثبوت إمامته على الفور، ولم يكن على من ~~ادعي ذلك له سوى أمير المؤمنين عليه السلام إجماع على حال # --- # (1) انظر رسالته " تفضيل امير المؤمنين على سائر الصحابة " والفصول ~~المختارة من العيون والمحاسن 1: 64 (*). # --- PageV01P035 [ 36 ] # من الاحوال، لما يعرف من مذاهب شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام، في ~~العباس وأبي بكر، وتقدمه في ذلك المقام، ونفي الامامة عنه على كل حال، ~~ومذهب شيعة أمير المؤمنين عليه السلام في ما تدعيه الراوندية (1) من إمامة ~~العباس وأنها لم تصح له في حال، ولم يكن دليل من كتاب ولاسنة، ولا اعتبار ~~على إمامة المتقدم فينوب ذلك مناب الاجماع، ثبت أن أمير المؤمنين عليه ~~السلام كان إماما في تلك الحال ومستقبلها إلى أن قبضه الله تعالى إلى جنته ~~على ما وصفناه، وإلا خرج الحق عن الاجماع (2)، وبطل قول كافة الامة فيما ~~شهدوا به من وجود الامام (3) وثبوت الامامة له على القطع والثبات، وذلك ~~فاسد بالنظر الصحيح والاجماع. والجواب عن السؤال الثاني: أن الدلائل قد ~~قامت على أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينطق عن الهوى، ولا فعل في ~~شرعة شيئا ولا قال إلا بوحي (4) يوحى، وقد ms014 علمنا أن الوحي من الله جل اسمعه ~~العالم بالسر وأخفى، وأنه جل اسمه لا يحابي خلقه، ولا يبخس أحدا منهم حقه. ~~فلولا أن أمير المؤمنين عليه السلام كان الافضل عنده جل اسمه لما فرض على ~~نبيه صلى الله عليه وآله التفضيل له على الكافة، والتنويه بفضله من بين # --- # (1) الراوندية: هم شيعة ولد العباس بن عبد المطلب، قالوا: إن أحق الناس ~~بالامامة بعد الرسول صلى الله عليه وآله العباس بن عبد المطلب لانه عمه ~~ووارثه وعصبته. " المقالات والفرق: 180، فرق الشيعة: 46 ". (2) (عن ~~الاجماع) ليس في أ. (3) في أ: الامامة. (4) في أ: شيئا وقال إن هو إلا وحي، ~~وفي ب، م: شيئا إلا بوحي. # --- PageV01P036 [ 37 ] # الجماعة، والاقرار له من التعظيم بما لم يشركه فيه غيره، لانه لو لم يكن ~~ذلك كذلك لكان محابيا له وباخسا لغيره حقه، أو غير عالم بحقيقة الامر في ~~مستحقه، وذلك كله محال، فثبت أن الفضل الذي بان به أمير المؤمنين عليه ~~السلام في الظاهر من الجماعة بأفعال الرسول صلى الله عليه وآله وأقواله، ~~أدل دليل على فضله في الحقيقة، وعند الله سبحانه على ما ذكرناه. والجواب عن ~~السؤال الثالث: ما قدمناه في فساد نبوة المفضول على الفاضل، ومشاركة ~~الامامة للنبوة في معنى التقدم والرفعة والرئاسة وفرض الطاعة، وبما يفسد به ~~علو المفضول على الفاضل في الثواب، ودلالة التعظيم الديني على منزلة المعظم ~~في استحقاق الجزاء بالاعمال، وثبوت علو تعظيم الامام على الرعية في شرعية ~~الاسلام، وفي كل ملة، وعند أهل كل نحلة وكتاب. والجواب عن السؤال الرابع: ~~أنا لا نعلم بكريا ولا عثمانيا ولا خارجيا دفع إجماع المختلفين على تسليم ~~مارويناه من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام وعددناه، وكيف ينكرون رواية ~~ذلك وهم أنفسهم قد رووه، ونقوله عن أسلافهم وتقبلوه، وأعملوا أفكارهم في ~~الاستخراج بوجوهه وتأولوه ؟ ! وليس خلافهم للشيعة فيما تعلقوا به من معانيه ~~خلافا في صحة سنده والتسليم لرواته، كما أن اختلاف المسلمين في تأويل ~~القرآن لا يوجب إنكارهم للتنزيل. ومن دفع ما وصفناه من هذه ms015 الحال وجب رده ~~إلى أصحاب # --- PageV01P037 [ 38 ] # الحديث ممن سميناه، وإن كان الموجود في اصولهم - من نقلهم (1) - شاهدا ~~عليهم بما ذكرناه، على أننا لاننكر أن يدفع المتفق عليه واحد من أهل النظر ~~أو اثنان، أو ألف من العامة أو ألفان، لكنه لا يكون ذلك باتفاق الحجة قادحا ~~فيما انعقد به الاجماع، لوجود أمثاله فيما نعتناه. وإنما مدار الامر على ~~اصطلاح (2) معظم العلماء، واجتماع المختلفين على التسليم عند السلامة من ~~العصبية، وحال السكون عن المماراة (3) والمجادلة، ونقل المتضادين في الآراء ~~والاعتقادات مع العداوة في أصل الديانات والمناصبة، ولولا أن الامر كذلك ~~لما ثبت إجماع (4) على شئ من شريعة الاسلام، لوجود المختلفين فيها على كل ~~حال. وها هنا منصفة بيننا وبين أهل الخلاف، وهي أن يذكروا شيئا من فرائض ~~الشريعة وواجبات الاحكام، أو مدائح قوم من الصحابة، أو تفضييلا لهم على ~~غيرهم من الانام، ممن يلجؤون في صحته إلى الاجماع، فإن لم نوجدهم خلاف فيه، ~~من أمثال المنكرين لما عددناه من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، وإلا ~~فقد ظهرت الحجة لهم فيما ادعوه، وهيهات. فإن قال قائل (5): فإذا كان أمير ~~المؤمنين عليه السلام هو الامام بعد # --- # (1) في أ، ح: نقله. والمراد ظاهرا الحديث. (2) يقال اصطلح القوم: زال ما ~~بينهم من خلاف واتفقوا. " المعجم الوسيط 1: 520 ". (3) المماراة: الجدال ~~والنزاع. " الصحاح - مرا 6: 2491 ". (4) في ب، م: إجماع في. (5) (قائل) ليس ~~في ب، ح، م. # --- PageV01P038 [ 39 ] # النبي صلى الله عليه وآله دون سائر الناس، فعلى أي وجه تقدم عليه أبو بكر ~~وعمر وعثمان، وادعوا الامامة دونه، وأظهروا أنهم أحق بها على كل حال ؟ قيل ~~له: لقد كان ذلك على وجه الدفع له عليه السلام عن حقه، والخلاف عليه في ~~مستحقه، وليس ذلك بمستحيل ممن ارتفعت عنه العصمة، وإن كان في ظاهر الامر ~~على أحسن الصفات. فإن قال: فكيف يجوز ذلك ممن سميناه، وهم وجوه أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآله والمهاجرين والسابقين إلى الاسلام ؟ قيل له: أما وجوه ~~الصحابة ورؤساء المهاجرين وأعيان السابقين إلى الايمان بواضح ms016 الدليل وبين ~~البرهان فهو أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب أخو رسول الله صلى الله عليه ~~وآله ووزيره وناصره ووصيه وسيد الاوصياء، وعم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله سيد الشهداء رضوان الله عليهم، ~~وابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله جعفر بن أبي طالب الطيار مع الملائكة ~~في الجنان رضى الله عنه، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله أيضا عبيدة ~~بن الحارث بن عبد المطلب رضى الله عنه، الذين سبقوا من سميت إلى الايمان، ~~وخرجوا في مواساة النبي صلى الله عليه وآله عن الديار والاوطان، وأثنى الله ~~عليهم في محكم القرآن، وأبلوا دون أصحابه (1) في الجهاد وبارزوا الاقران، ~~وكافحوا الشجعان، وقتلوا الابطال، وأقاموا عمود الدين وشيدوا الاسلام. # --- # (1) في أ: أصحابك. # --- PageV01P039 [ 40 ] # ثم الطبقة التي تليهم، كخباب (1) وعمار وأبي ذر والمقداد وزيد بن حارثة، ~~ونظرائهم في الاجتهاد وحسن الاثر والبلاء والاخلاص لله ولرسوله صلى الله ~~عليه وآله في السر والاعلان. وبعد: فلو سلمنا لك دعواك لمن ادعيت الفضل لهم ~~على ما تمنيت، لم يمنع مما ذكرناه، لانه لا يوجب لهم العصمة من الضلال، ولا ~~يرفع عنهم جواز الغلط والسهو والنسيان، ولا يحيل منهم تعمد العناد. وقد ~~رأيت ما صنع شركاؤهم في الصحبة والهجرة والسبق إلى الاسلام حين رجع الامر ~~إلى أمير المؤمنين عليه السلام باختيار الجمهور منهم والاجتماع (2)، فنكث ~~بيعته طلحة والزبير، وقد كانا بايعاه على الطوع والايثار، وطلحة نظير أبي ~~بكر، والزبير أجل منهما على كل حال، وفارقه سعد بن أبي وقاص وهو أقدم ~~إسلاما من أبي بكر، وأشرف منه في النسب، وأكرم منه في الحسب، وأحسن آثارا ~~من الثلاثة في الجهاد. وتبعه على فراقه وخذلانه محمد بن مسلمة وهو من رؤساء ~~الانصار، واقتفى آثارهم في ذلك وزاد عليها بإظهار سبه (3) والبراءة منه ~~حسان، فلو كانت الصحبة مانعة من الضلال لمنعت من ذكرناه ومعاوية # --- # (1) خباب بن الارت التميمي، صحابي، من نجباء السابقين، شهد المشاهد كلها، ~~ونزل الكوفة فمات ms017 سنة (37) ه. " سير أعلام النبلاء 2: 323 / 62. حلية ~~الاولياء 1: 359، الاصابة 2: 101 / 2206، رجال الشيخ الطوسي: 19 / 3 (2) ~~(والاجتماع) ليس في ب، م. (3) في ب، ح، م: وزاد عليهم في سبه (*). # --- PageV01P040 [ 41 ] # ابن أبي سفيان وأبا (1) موسى الاشعري، وله من الصحبة والسبق ما لا يجهل، ~~وقد علمتم عداوتهم لامير المؤمنين عليه السلام، وإظهارهم البراءة منه، ~~والقنوت عليه (2)، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وأميره على أبي ~~بكر وعمر وعثمان. ولو كانت الصحبة أيضا مانعة من الخطأ في الدين والآثام ~~لكانت مانعة لمالك بن نويرة، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله على ~~الصدقات، ومن تبعه من وجوه المسلمين (3) من الردة عن الاسلام. ولكانت صحبة ~~السامري لموسى بن عمران عليهما السلام وعظم محله منه ومنزلته، تمنعه من ~~الضلال باتخاذ العجل والشرك بالله عزوجل، ولاستحال أيضا على أصحاب موسى نبي ~~الله عليه السلام، وهم ستمائة ألف إنسان، وقد شاهدوا الآيات والمعجزات، ~~وعرفوا الحجج والبينات، أن يجتمعوا على خلاف نبيهم وهو حي بين أظهرهم، ~~وباينوا خليفته وهو يدعوهم ويعظهم ويحذرهم من الخلاف، وينذرهم فلا يصغون ~~إلى شئ من قوله، ويعكفون على عبادة العجل من دون الله عزوجل. ولكان أيضا ~~أصحاب عيسى عليه السلام معصومين من الردة، ولم يكونوا كذلك، بل فارقوا ~~أمره، وغيروا شرعه، وادعوا عليه أنه كان يأمرهم بعبادته، واتخاذه إلها مع ~~الله تعالى تعمدا للكفر والضلال، وإقداما على العناد من غير شبهة ولا سهو ~~ولا نسيان. # --- # (1) نصبت عطفا على الاسم الموصول (من). (2) في ب، م: حتى دعوا عليه في ~~قنوت الصلاة. (3) في أ: المؤمنين. # --- PageV01P041 [ 42 ] # فإن قال: فإذا كان الامر على ما ذكرتموه، وكان القوم قد دفعوا حقا لامير ~~المؤمنين عليه السلام كما وصفتموه، فلم أقرهم (1) على ذلك أمير المؤمنين ~~عليه السلام، واتبعهم عليه الانصار والمهاجرون، وما بال أمير المؤمنين عليه ~~السلام لم يجاهدهم كما جاهد الناكثين والقاسطين والمارقين ؟ قيل له: لم ~~يقرهم على ذلك جميع المسلمين، ولا تبعهم عليه سائر الانصار والمهاجرين، وإن ~~كان الراضي بذلك منهم الجمهور، والمؤثر ms018 في العددهم الاكثرون، وليس ذلك ~~علامة على الصواب، بل هو في الاغلب دليل على الضلال، وقد نطق بذلك القرآن، ~~قال الله تعالى: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } (2). وقال تعالى { ~~وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } (3). وقال تعالى: { وأن أكثركم ~~فاسقون } (4). وقال تعالى: { وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا ~~الذين ء امنوا وعملوا الصالحات } (5). وقال تعالى: { وماءامن معه إلا قليل ~~} (6) في آيات يطول بإثباتها الكتاب. # --- # (1) في ب: أمرهم (2) سورة يوسف 12: 103. (3) سورة يوسف 12: 106. (4) سورة ~~المائدة 5: 59. (5) سورة ص 38: 24. (6) سورة هود 11: 40. # --- PageV01P042 [ 43 ] # على أن هذا القول، وإن كان حجة فيما ذكرناه، فالوجود شاهد به لصحته على ~~ما وصفناه، ألا ترى أن أكثر الخلق على مرور الايام والاوقات (1) عصاة لله ~~تعالى، والقليل منهم مطيعون له على الاخلاص، والجمهور الاكثر منهم جهال على ~~كل حال، والعلماء قليل يحصرهم العدد بلا ارتياب، وأهل التصون (2) والمروءة ~~من بين الخلق أفراد، وأهل المناقب في الدين والدنيا آحاد، فيعلم بذلك أن ~~الاكثر لا معتبر بهم في صحيح الاحكام. وبعد: فإنه لم يتمكن قط متملك (3) ~~إلا وكان حال الخلق معه حالهم مع أبي بكر وعمر وعثمان، وهذه عادة جارية إلى ~~وقتنا هذا وإلى آخر الزمان، ألا ترى إلى اجتماع الامة (4) على متاركة (5) ~~معاوية بن أبي سفيان حين ظهر أمره عند مهادنة الحسن بن علي بن أبي طالب ~~عليه السلام. وسكوت الكافة عنه وهو يلعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~عليه السلام على المنابر، ويقنت عليه في الصلوات، ويضرب رقاب المسلمين على ~~الولاية له، ويجيز على البراءة منه بالاموال. وكذلك كانت حالهم مع يزيد ~~لعنه الله، وقد قتل الحسين بن # --- # (1) في أ: على مرور الازمات، وفي ح، م: على مرور الاوقات. (2) التصون: ~~حفظ النفس من المعائب " أقرب الموارد - صون - 1: 671 ". (3) في ب، م: ملك. ~~(4) (الامة) ليس في ب. (5) المتاركة: المسالمة، والمصالحة. " أقرب الموارد ~~- ترك - 1: 76 "، وفي ب، ح، م: مشاركة. # --- PageV01P043 [ 44 ] # علي عليه السلام ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وحبيبه وقرة عينه ظلما ~~وعدوانا، ms019 وسبى أهله ونساءه وذراريه (1)، وهتكهم بين الملا، وسيرهم على ~~الاقتاب في الفلوات، واستباح حرم رسول الله صلى الله عليه وآله في وقعة ~~الحرة (2)، وسفك دماء أهل الايمان، وأظهر الردة عن الاسلام، فلم يجاهره أحد ~~من الامة بنكيرة، وأطبقوا على إظهار التسليم له والائتمام به، والاتباع له ~~والانقياد. ولم يزل الامر يجري في الامة (3) بعد يزيد لعنه الله مع ~~الجبارين من بني امية ومروان على ما وصفناه، وكذلك كانت صورتهم على عهد آدم ~~عليه السلام وإلى وقت من سميناه، ومن بعدهم إلى الآن، وإنما ينظر الناس إلى ~~من حصل له الاتفاق في الرئاسة والسلطان، وينقادون له كما ذكرناه، ويجتنبون ~~خلافه على ما بيناه، سواء كان من الله أو من الشيطان، أو كان عادلا في ~~الرعية أو كان ظالما من الفجار. بل قد وجدنا الجمهور في كثير الاحوال ~~يتحيزون (4) عن أولياء # --- # (1) في أ: وذريته. (2) وقعة الحرة: حدثت في أيام يزيد بن معاوية في سنة ~~(63 ه)، وكان أمير الجيش فيها مسلم بن عقبة، وسموه لقبيح صنيعه مسرفا، حيث ~~قدم المدينة ونزل (حرة واقم) - شرق المدينة - فخرج أهل المدينة لمحاربته ~~فكسرهم، وقتل من الموالي ثلاثة آلاف وخمسمائة رجل، ومن الانصار ألفا ~~وأربعمائة، وقيل ألفا وسبعمائة، ومن قريش ألفا وثلاثمائة، ودخل جنده ~~المدينة فنهبوا الاموال وسبوا الذرية واستباحوا الفروج، وأحضروا أعيان ~~المدينة لمبايعة يزيد بن معاوية، " مروج الذهب 3: 69 والكامل في التاريخ 3: ~~63 ". (3) (يجري في الامة) ليس في ب. (4) في ب، م: يحترزون، وتحيز عنه: تنحى. # --- PageV01P044 [ 45 ] # الله تعالى، ويخالفون أنبياءه، ويسفكون في العناد لهم الدماء، ويطبقون ~~على طاعة أعداء الله عزوجل، ويسلمون لهم على الطوع والايثار، وربما اتفق ~~للظالم المتغلب والناقص الغبي الجاهل من الجماعة الرضا به والاتباع، ~~فانقادت الامور له على منيته فيها والمحاب، واختلفت (1) على العادل المستحق ~~الكامل الحكيم العالم (2)، واضطربت عليه الامور، وكثرت له المعارضات، وحصلت ~~في ولايته الفتن والمنازعات، والخصومات والمدافعات (3). وقد عرف أهل العلم ~~ما جرى على كثير من أنبياء الله صلى الله عليه وآله من الاذى والتكذيب، ms020 ~~والرد لدعواهم، والاستخفاف بحقوقهم، والانصراف عن إجابتهم، والاجتماع على ~~خلافهم، والاستحلال لدمائهم. فأخبر الله تعالى بذلك فيما قص به (4) من ~~نبأهم في القرآن، فكان من الاتباع للفراعنة والنماردة وملوك الفرس والروم ~~على الضلال، ما لا يحيل (5) على ذي عقل ممن سمع الكتاب، ليعلم بما شرحناه ~~أنه لا معتبر في الحق بالاجتماع، ولا معتمد في الباطل على الاختلاف، وإنما مدار # --- # (1) في أ، ب، ح: واختلف. (2) (العالم) ليس في ب، ح، م. (3) في م: ~~المرافعات. (4) في أ: بهم. (5) في أ: لا يحل. # --- PageV01P045 [ 46 ] # الامر في هذين البابين على الحجج والبينات، لما وصفناه من وجود الاجتماع ~~على الظلال، والاختلاف والتباين في الهدى، والصواب بما بيناه، ولا سبيل إلى ~~دفعه إلا بالعناد. فصل فأما قوله: فلم لا يجاهدهم أمير المؤمنين عليه ~~السلام كما جاهد الناكثين والقاسطين والمارقين ؟ فقد ذكر أمير المؤمنين ~~عليه السلام فيما تظاهر عنه من الاخبار، فكان من (1) الجواب حيث يقول: " ~~أما والله، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر (2)، وما أخذ الله ~~على العلماء (3) أن لا يقاروا على كظة (4) ظالم، ولا سغب (5) مظلوم، لالقيت ~~حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها " (6). فدل على أنه عليه السلام ~~إنما ترك جهاد الاولين لعدم الانصار، وجاهد الآخرين لوجود الاعوان، وكان ~~ذلك هو الصلاح الشامل على معلوم الله تعالى وشرائط حكمته في التدبيرات. # --- # (1) في ب، ح، م: هو. (2) في أ، ح: لولا حضور الناصر، ولزوم الحجة. (3) في ~~أ، ح: على أولياء الامر. (4) الكظة: شئ يعتري الانسان عند الامتلاء من ~~الطعام، والمراد استئثار الظالم بالحقوق. " الصحاح - كظظ - 3: 1178 ". (5) ~~السغب: الجوع، والمراد منه هضم حقوق المظلوم. " الصحاح - سغب 1: 147 ". (6) ~~نهج البلاغة، الخطبة الشقشقية: 31. # --- PageV01P046 [ 47 ] # فإن قال: أفليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " ماكان ~~الله ليجمع امتي على ضلال " (1) فكيف يصح اجتماع الامة على دفع المستحق عن ~~حقه والرضا بخلاف الصواب، وذلك ضلال بلا اختلاف ؟ قيل له: أول ما في هذا ~~الباب أن الرواية لما ذكرت غير معلومة عن النبي صلى الله عليه ms021 وآله، وإنما ~~جاءت بها الاخبار على اختلاف من المعاني والالفاظ، وقد دفع صحتها جماعة من ~~رؤساء أهل النظر والاعتبار، وأنكرها إمام المعتزلة وشيخها إبراهيم بن سيار ~~النظام (2) وبعد: فلو ثبت ما ضرنا فيما وصفناه، لانا لانحكم بإجماع امة ~~الاسلام على الرضا بما صنعه المتقدمون على أمير المؤمنين عليه السلام فكيف ~~نحكم بذلك ونحن نعلم يقينا - كالاضطرار - خلاف الانصار في عقد الامامة على ~~المهاجرين، وإنكار بني هاشم وأتباعهم على الجميع في تفردهم بالامر دون أمير ~~المؤمنين عليه السلام، وقد جاءت الاخبار مستفيضة بأقاويل جماعة من وجوه (3) ~~الصحابة في إنكار ما جرى، وتظلم أمير المؤمنين عليه السلام من ذلك (4) برفع ~~الصوت والاجهار ؟ ! # --- # (1) انظر الرد على هذا الحديث في الاحتجاج: 115، الخصال 2: 549 / 30. ومن ~~مصادره سنن الترمذي 4: 466 / 2167، مسند أحمد 5: 145، سنن الدرامي 1: 29. ~~(2) انظر ترجمته في: " تاريخ بغداد 6: 97 / 3131، سير أعلام النبلاء 10: ~~541 / 172، لسان الميزان 1: 67 / 173، الكنى والالقاب 3: 253 ". (3) (وجوه) ~~ليس في ب، م. (4) (من ذلك) ليس في ب، # --- PageV01P047 [ 48 ] # وكان من قول العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وآله ما قد ~~عرفه الناس، ومن أبي سفيان بن حرب والزبير بن العوام أيضا ما لا يخفى على ~~من سمع الاخبار، وكذلك من عمار بن ياسر وسلمان وأبي ذر والمقداد وبريدة ~~الاسلمي وخالد بن سعيد بن العاص في جماعات يطول بذكرها الكلام. وهذا يبطل ~~ما ظنه الخصم من اعتقاد (1) الاجماع على إمامة المتقدم (2) على أمير ~~المؤمنين عليه السلام على أنه لاشبهة تعرض في إجماع (3) الامة على أبي بكر ~~وعمر وعثمان إلا وهي عارضة في قتل عثمان بن عفان، وإمامة معاوية من بعد صلح ~~الحسن عليه السلام، وطاعة يزيد بعد الحرة، وإمامة بني امية وبني مروان. فإن ~~وجب (4) لذلك القطع بالاجماع على الثلاثة المذكورين حتى تثبت إمامتهم ويقضى ~~لهم بالصواب ليكون جميع من ذكرناه شركاءهم في الامامة، وثبوت الرئاسة ~~الدينية والسلطان، إذ العلة واحدة فيما أوجب لهم ذلك، فهو ظاهر التسليم ~~والانقياد على الاجتماع، وترك النكير والخلاف، وهذا مايأباه أهل العلم ~~كافة، ولا ms022 يذهب إليه أحد من أهل التمييز لتناقضه في الاعتقاد. # --- # (1) في أ: اعتقادنا. (2) في ب: من تقدم. (3) في ب، م: في التعرض على ~~إجماع. (4) (وجب) ليس في ب. # --- PageV01P048 [ 49 ] # فإن قال: أليس قد روى أصحاب الحديث عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: ~~" خير القرون القرن الذي أنا فيه، ثم الذين يلونه (1) " (2). وقال عليه ~~السلام: " إن الله تعالى اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت ~~لكم " (3). وقال عليه السلام: " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم " ~~(4) فكيف يصح مع هذه الاحاديث أن يقترف (5) أصحابه السيئات، أو يقيموا على ~~الذنوب والكبائر الموبقات ؟ ! قيل له: هذه أحاديث آحاد، وهي مضطربة الطرق ~~والاسناد، والخلل ظاهر في معانيها والفساد، وما كان بهذه الصورة لم يعارض ~~الاجماع ولا يقابل (6) حجج الله تعالى وبيناته الواضحات (7)، مع أنه قد ~~عارضها من الاخبار التي جاءت بالصحيح من الاسناد، ورواها الثقات # --- # (1) في ب: ثم الذي يليه. (2) مسند أحمد 2: 228، سنن أبي داود 4: 214 / ~~4657، صحيح مسلم 4: 1962 / 210، وفيها: خير أمتي القرن.. (3) مسند أحمد 1: ~~80 و2: 295، صحيح مسلم 4: 1941 / 161، صحيح البخاري 6: 363 / 383، سنن ~~الدرامي 2: 313. (4) لسان الميزان 2: 137، تفسير البحر المحيط 5: 528، ~~أعلام الموقعين 2: 223، كنز العمال 1: 199 / 1002، كشف الخفاء ومزيل ~~الالباس 1 / 132. وانظر تلخيص الشافي 2: 246. (5) في م: يعترف. (6) في أ: ~~يعترض الاجماعات ولا قايل، في ب: تعترض الاجماعات ولا تقابل. (7) في أ: ~~وموضحاته. # --- PageV01P049 [ 50 ] # عند أصحاب الآثار، وأطبق على نقلها الفريقان من الشيعة والناصبة على ~~الاتفاق، ما ضمن خلاف ما انطوت (1) عليه فأبطلها على البيان: فمنها: ماروي ~~عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر ~~وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في حجر ضب لاتبعتموهم ". فقالوا: يارسول الله، ~~اليهود والنصارى ؟ قال: " فمن إذن ؟ ! " (2). وقال صلى الله عليه وآله في ~~مرضه الذي توفي فيه: " أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، ~~الآخرة (3) شر من الاولى " (4). وقال صلى الله عليه وآله في حجة الوداع ~~لاصحابه: " ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ~~في شهركم هذا في ms023 بلدكم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب، ألا لاعرفنكم ~~ترتدون بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا إني قد شهدت وغبتم " (5). ~~وقال عليه السلام لاصحابه أيضا: " إنكم محشورون إلى الله تعالى يوم # --- # (1) في أ: انطق. (2) مسند أحمد 2: 511، سنن ابن ماجة 2: 1322 / 3994، ~~صحيح البخاري 4: 326 / 249. (3) في ب: آخره. (4) مسند أحمد 3: 489، مجمع ~~الزوائد 9: 24، سنن ابن ماجة 2: 1310 / 3961. (5) الجامع الصحيح للترمذي 4: ~~461 / 2159 و486 / 2193، صحيح البخاري 7: 182 و8: 285 / 14 و9: 90 / 27، ~~صحيح مسلم 3: 1305 / 29 - 31، سنن أبي داود 4: 221 / 4686 قطعة منه، مسند ~~أحمد 1: 230، سنن النسائي 7: 127 قطعة منه، سنن الدرامي 2: 69 قطعة منه. # --- PageV01P050 [ 51 ] # القيامة حفاة عراة، وإنه سيجاء برجال من امتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، ~~فأقول: يا رب، أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا ~~مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم " (1). وقال عليه السلام " أيها الناس، ~~بينا أنا على الحوض إذ مربكم زمرا، فتفرق بكم الطرق، فاناديكم: ألا هلموا ~~إلى الطريق، فيناديني مناد من ورائي: إنهم بدلوا بعدك، فأقول: ألا سحقا، ~~ألا سحقا " (2). وقال عليه السلام: " ما بال أقوام يقولون: إن رحم (3) رسول ~~الله صلى الله عليه وآله لا تنفع يوم القيامة، بلى - والله - إن رحمي ~~لموصولة في الدنيا والآخرة، وإني - أيها الناس - فرطكم على الحوض، فإذا ~~جئتم، قال الرجل منكم: يارسول الله أنا فلان بن فلان، وقال الآخر: أنا فلان ~~بن فلان، فأقول: أما النسب فقد عرفته، ولكنكم أحدثتم بعدي فارتددتم القهقرى ~~" (4). وقال عليه السلام وقد ذكر عنده الدجال: " أنا لفتنة بعضكم أخوف مني ~~لفتنة الدجال " (5). # --- # (1) صحيح البخاري 6: 108، صحيح مسلم 4: 2194 / 58، الجامع الصحيح للترمذي ~~4: 615 / 2423، سنن النسائي 4: 117. (2) مسند أحمد 6: 297. (3) (إن رحم) ~~ليس في ب، ح، م. (4) مسند أحمد 3: 18 و62 قطعة منه. (5) كنز العمال 14: 322 ~~/ 28812. # --- PageV01P051 [ 52 ] # وقال عليه السلام " إن من أصحابي من لا يراني بعد أن يفارقني " (1). في ~~أحاديث من هذا الجنس يطول شرحها، وأمرها في الكتب عند أصحاب الحديث أشهر من ~~أن يحتاج فيه إلى برهان، على أن كتاب الله عزوجل شاهد بما ذكرناه، ms024 ولو لم ~~يأت حديث فيه لكفى في بيان ما وصفناه: قال الله سبحانه وتعالى: { وما محمد ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ~~ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين } (2)، فأخبر ~~تعالى عن ردتهم بعد نبيه صلى الله عليه وآله على القطع والثبات. وقال جل ~~اسمه: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد ~~العقاب } (3) فأنذرهم الله سبحانه من الفتنة في الدين، وأعلمهم أنها تشملهم ~~على العموم، إلا من خرج بعصمة الله من الذنوب. وقال سبحانه وتعالى: { الم * ~~أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من ~~قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين * أم حسب الذين يعملون ~~السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون } (4) وهذا صريح في الخبر عن # --- # (1) مسند أحمد 6: 307. (2) سورة آل عمران 3: 144. (3) سورة الانفال 8: ~~25. (4) سورة العنكبوت 29: 1 - 4. # --- PageV01P052 [ 53 ] # فتنتهم بعد النبي صلى الله عليه وآله بالاختبار، وتمييزهم بالاعمال. ~~وقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه } (1) إلى آخر الآية، دليل على ما ذكرناه. وقوله تعالى: ~~{ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم } (2) يزيد ما ~~شرحناه. ولو ذهبنا إلى استقصاء ما في هذا الباب من آيات القرآن، والاخبار ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله، لانتشر القول فيه، وطال به الكتاب. وفي ~~قول أنس بن مالك -: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة، فأضاء منها ~~كل شئ، فلما مات عليه السلام أظلم منها كل شئ، وما نفضنا عن النبي صلى الله ~~عليه وآله الايدي ونحن في دفنه حتى أنكرنا قلوبنا (3) - شاهد عدل على القوم ~~بما بيناه. مع أنا نقول لهذا السائل المتعلق بالاخبار الشواذ المتناقضة ما ~~قدمنا حكايته، وأثبتنا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذين توهمت ~~أنهم لا يقارفون الذنوب، ولا يكتسبون السيئات، هم الذين حصروا عثمان ابن ~~عفان، وشهدوا عليه بالردة ms025 عن الاسلام، وخلعوه عن إمامة الانام، # --- # (1) سورة المائدة 5: 54. (2) سورة محمد صلى الله عليه وآله 47: 29. (3) ~~الجامع الصحيح للترمذي 5: 588 / 3618، مسند أحمد بن حنبل 3: 221 / 268، سنن ~~ابن ماجة 1: 522 / 1631. # --- PageV01P053 [ 54 ] # وسفكوا دمه على استحلال، وهم الذين نكثوا بيعة أمير المؤمنين عليه السلام ~~بعد العهود والايمان، وحاربوه بالبصرة، وسفكوا دماء أهل الاسلام، وهم ~~القاسطون بالشام، ومنهم رؤساء المارقة عن الدين والايمان، ومن قبل منع ~~جمهورهم الزكاة حتى غزاهم إمام عدل عندكم (1)، وسبى ذراريهم، وحكم عليهم ~~بالردة والكفر والضلال. فإن زعمت أنهم (2) فيما قصصناه من أمرهم (3) على ~~الصواب، فكفاك خزيا بهذا المقال، وإن حكمت عليهم أو على بعضهم (4) بالخطأ ~~وارتكاب الآثام بطلت أحاديثك، ونقضت ما بينته (5) من الاعتلال (6). ويقال ~~له أيضا: وهؤلاء الصحابة الذين رويت ما رويت فيهم من الاخبار، وغرك منهم ~~التسمية لهم بصحبة النبي صلى الله عليه وآله، وكان أكابرهم وأفاضلهم أهل ~~بدر، الذين زعمت أن الله قطع لهم المغفرة والرضوان، هم الذي نطق القرآن ~~بكراهتهم للجهاد، ومجادلتهم للنبي صلى الله عليه وآله في تركه، وضنهم ~~بأنفسهم من نصره، ورغبتهم في الدنيا، وزهدهم في الثواب، فقال جل اسمه: { ~~كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في ~~الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى # --- # (1) (عندكم) ليس في ب، م. (2) في أ، ح: أن جميعهم. (3) في أ: امورهم. (4) ~~(أو على بعضهم) ليس في ب، م. (5) في أ: بنيته. (6) في أ: الاعتدال. # --- PageV01P054 [ 55 ] # الموت وهم ينظرون * وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن ~~غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر ~~الكافرين * ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } (1). ثم زجرهم الله ~~تعالى عن شقاق نبيهم صلى الله عليه وآله، لما علم من خبث نياتهم وأمرهم ~~بالطاعة والاخلاص، وضرب لهم فيما أنبأ به من بواطن (2) أخبارهم وسرائرهم ~~الامثال، وحذرهم من الفتنة بارتكابهم قبائح الاعمال، وعدد عليهم نعمه ~~ليشكروه ويطيعوه فيما دعاهم إليه من الاعمال، وأنذرهم العقاب من الخيانة ~~لله جلت عظمته، ولرسوله صلى ms026 الله عليه وآله، فقال تعالى: { يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون * ولا تكونوا كالذين ~~قالوا سمعنا وهم لا يسمعون * إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا ~~يعقلون * ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون * ~~يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن ~~الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون * واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب * واذكروا إذ أنتم قليل ~~مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من ~~الطييبات لعلكم # --- # (1) سورة الانفال 8: 5 - 8، وفي م زيادة: نفاقهم. (2) في أ: مواطن. # --- PageV01P055 [ 56 ] # تشكرون * يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ~~وأنتم تعلمون * واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم ~~} (1). ومن قبيل هذا ما أكده عليهم من فرض الصبر في الجهاد، وتوعدهم بالغضب ~~على الهزيمة، لما علم من ضعف بصائرهم، فلم يلتفتوا إلى وعيده، وأسلموا نبيه ~~صلى الله عليه وآله إلى عدوه في مقام بعد مقام. فقال سبحانه: { يا أيها ~~الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } (2). ~~{ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار * ~~ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من ~~الله ومأواه جهنم وبئس المصير } (3). هذا وقد أخبر جل اسمه عن عامة من حضر ~~بدرا من القوم، ومحبتهم للحياة، وخوفهم من الممات، وحضورهم ذلك المكان طمعا ~~في الغنائم والاموال، وأنهم لم يكن لهم نية في نصرة الاسلام. فقال تعالى: { ~~إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم ~~لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ~~ويحيى من حى عن بينة وإن الله # --- # (1) سورة الانفال 8: 20 - 28. (2) سورة الانفال 8: 45. (3) سورة الانفال ~~8: 15، 16 (*). # --- PageV01P056 [ 57 ] # لسميع عليم * إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو ms027 أراكهم كثيرا لفشلتم ~~ولتنازعتم في الامر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور } (1). وقال في ~~القوم بأعيانهم، وقد أمرهم نبيهم صلى الله عليه وآله بالخروج إلى بدر، ~~فتثاقلوا عنه، واحتجوا عليه، ودافعوه عن الخروج معه: { ألم تر إلى الذين ~~قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة فلما كتب عليهم القتال ~~إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت ~~علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والاخرة خير ~~لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا * أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج ~~مشيدة } (2) الآية. وقال تعالى فيهم وقد كان لهم في الاسرى من الرأي: { ~~ماكان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الاخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخدتم ~~عذاب عظيم } (3). فأخبر سبحانه بالنص الذي لا يحتمل التأويل أنهم أرادوا ~~الدنيا دون الآخرة، وآثروا العاجلة على الآجلة، وتعمدوا من العصيان ما لولا # --- # (1) سورة الانفال 8: 42، 43. (2) سورة النساء 4: 77، 78. (3) سورة ~~الانفال 8: 67، 68. # --- PageV01P057 [ 58 ] # سابق علم الله وكتابه، لعجل لهم العقاب. وقال تعالى فيما قص (1) من نبأهم ~~في يوم احد، وهزيمتهم من المشركين، وتسليم النبي صلى الله عليه وآله: { إذ ~~تصعدون ولاتلون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا ~~تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون } (2). وقال جل ~~اسمه في قصتهم بحنين، وقد ولوا الادبار ولم يبق مع النبي صلى الله عليه ~~وآله أحد غير أمير المؤمنين عليه السلام، والعباس بن عبد المطلب رضى ا لله ~~عنه، وسبعة من بني هاشم ليس معهم غيرهم من الناس (3): { ويوم حنين إذ ~~أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم ~~مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين.. } (4) يعنى أمير ~~المؤمنين عليه السلام، والصابرين معه من بني هاشم دون سائر المنهزمين. وقال ~~سبحانه في نكثهم عهود النبي صلى الله عليه وآله وهو حي بين ms028 أظهرهم موجود: { ~~ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد # --- # (1) في أ: فيما نص به. (2) سورة آل عمران 3: 153. (3) إرشاد المفيد: 74، ~~مجمع البيان 5: 28، السيرة الحلبية 3: 67، تاريخ اليعقوبي 2: 62، مع ~~اختلاف. (4) سورة التوبة 9: 25، 26 (*). # --- PageV01P058 [ 59 ] # الله مسئولا } (1). وقد سمع كل من سمع من الاخبار، ما كان يصنعه كثير ~~منهم، والنبي صلى الله عليه وآله حي بين أظهرهم، والوحي ينزل عليه بالتوبيخ ~~لهم والتعنيف والايعاد، ولا يزجرهم ذلك عن أمثال ما ارتكبوه من الآثام: فمن ~~ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله كان يخطب على المنبر في يوم ~~الجمعة، إذ جاءت عير لقريش قد أقبلت (2) من الشام، ومعها من يضرب بالدف ~~ويصفر (3)، ويستعمل ما حظره الاسلام، فتركوا النبي صلى الله عليه وآله ~~قائما على المنبر، وانفضوا عنه إلى اللهو واللعب، رغبة فيه، وزهدا في سماع ~~موعظة النبي صلى الله وآله، وما يتلوه عليهم من القرآن. فأنزل الله عزوجل ~~فيهم: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله ~~خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين } (4). وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله ذات يوم (5) يصلي بهم، إذ أقبل رجل # --- # (1) سورة الاحزاب 33: 15. (2) في أ: افلت. (3) (ويصفر) ليس في ب، م. (4) ~~تأويل الآيات 2: 693 / 3، تفسير القمي 2: 367، مجمع البيان 10: 433، مسند ~~أحمد 3: 313 و370، صحيح البخاري 6: 267 / 393، الجامع الصحيح للترمذي 5: ~~414 / 3311، جامع البيان للطبري 28: 67، الدر المنثور 8: 165، والآية من ~~سورة الجمعة 62: 11. (5) (ذات يوم) ليس في أ(*). # --- PageV01P059 [ 60 ] # ببصره سوء يريد المسجد للصلاة، فوقع في بئر كانت هناك فضحكوا منه ~~واستهزؤوا به، وقطعوا الصلاة، ولم يوقروا الدين، ولا هابوا النبي صلى الله ~~عليه وآله، فلما سلم النبي صلى الله عليه وآله، قال: " من ضحك فليعد وضوءه ~~والصلاة " (1). ولما تأخرت عائشة وصفوان بن المعطل (2) في غزوة بني ~~المصطلق، أسرعوا إلى رميها بصفوان، وقذفوها بالفجور، وارتكبوا في ذلك ~~البهتان. وكان منهم في ليلة العقبة من التنفير لناقته صلى الله عليه وآله، ~~والاجتهاد في رميه عنها وقتله بذلك ما كان ثم لم يزالوا ms029 يكذبون عليه صلى ~~الله عليه وآله في الاخبار حتى بلغه ذلك، فقال: " كثرت الكذابة علي فما ~~أتاكم عني من حديث فاعرضوه على القرآن " (3). فلو لم يدل على تهاونهم ~~بالدين، واستخفافهم بشرع نبيهم صلى الله عليه وآله، إلا أنهم كانوا قد ~~تلقوا عنه أحكام الاسلام على الاتفاق، فلما مضى صلى الله عليه وآله من ~~بينهم جاؤوا بجميعها على غاية الاختلاف، لكفى في ظهور حالهم ووضح به أمرهم ~~وبان، فكيف وقد ذكرنا من ذلك طرفا # --- # (1) سنن الدارقطني 1: 161 - 172 بعدة طرق، تاريخ بغداد 9: 379، وكنز ~~العمال 9: 331 / 26281. (2) انظر ترجمته في اسد الغابة 3: 26، الجرح ~~والتعديل 4: 420 / 1844، سير أعلام النبلاء 2: 545 / 115، الاصابة 3: 250 / ~~8084. (3) الاحتجاج 2: 447 (*). # --- PageV01P060 [ 61 ] # يستبصر به أهل الاعتبار، وإن عدلنا عن ذكر الاكثر إيثارا للاختصار. فأما ~~من كان منهم يظاهر النبي صلى الله عليه وآله بالايمان (1)، ممن يقيم معه ~~الصلاة، ويؤتي الزكاة، وينفق في سبيل الله، ويحضر الجهاد، ويباطنه بالكفر ~~والعدوان (2)، فقد نطق بذكره القرآن كما نطق بذكر من ظهر منه النفاق: قال ~~الله تعالى { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلوة ~~قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا } (3). وقال جل اسمه ~~فيهم: { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا ~~يأتون الصلوة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون } (4). وقال تعالى: ~~{ وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم } (5). وقال ~~سبحانه: { ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم # --- # (1) في ب، م: فأما من كان منهم زمن حياة النبي صلى الله عليه وآله بظاهر ~~الايمان. (2) في ب، م: وبباطنه الكفر والعدوان. (3) سورة النساء 4: 142. ~~(4) سورة التوبة 9: 54. (5) سورة التوبة 9: 101 (*). # --- PageV01P061 [ 62 ] # ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم } (1). وقال عزوجل: { وإذا ~~رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل ~~صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون } (2). وقال فيهم وقد ~~أحاطوا بالنبي صلى الله عليه وآله، وجعلوا مجالسهم ms030 منه عن يمينه وشماله، ~~ليلبسوا بذلك على المؤمنين: { فمال الذين كفروا قبلك مهطعين * عن اليمين ~~وعن الشمال عزين * أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم * كلا إنا خلقناهم ~~مما يعلمون } (3). ثم دل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله على جماعة ~~منهم وأمره بتألفهم، والاغضاء عمن ظاهره بالنفاق منهم، فقال: { سيحلفون ~~بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم ~~جهنم جزاء بما كانوا يكسبون } (4). وقال: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين } (5). وقال تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه # --- # (1) سورة محمد صلى الله عليه وآله 47: 30 (2) سورة المنافقون 63: 4. (3) ~~سورة المعارج 70: 36 - 39. (4) سورة التوبة 9: 95. (5) سورة الاعراف 7: 199 (*). # --- PageV01P062 [ 63 ] # عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ ~~عظيم } (1). وجعل لهم في الصدقة سهما منصوصا، وفي الغنائم جزءا مفروضا، ~~وكان من عددناه، وتلونا فيه القرآن، وروينا في أحواله (2) الاخبار، قد ~~كانوا من جملة الصحابة (3)، وممن شملهم اسم الصحبة، ويتحقق إلى الاعتزاء ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله على طبقاتهم في الخطأ والعمد والضلال والنفاق ~~بحسب ما شرحناه، فهل يتعلق عاقل بعد هذا بذكر الصحبة، ومشاهدة النبي صلى ~~الله عليه وآله في القطع على فعل الصواب، وهل يوجب بذلك (4) العصمة ~~والتأييد، إلا بأنه مخذول مصدود (5) عن البيان ؟ ! # --- # (1) سورة فصلت 41: 34، 35. (2) في ب: أحوالهم. (3) في أ، ح: العصابة. (4) ~~في ب، م زيادة: بدون. (5) في ب،: الامامة حاشا فإنه غني (*). # --- PageV01P063 [ 64 ] # .. # --- PageV01P064 [ 65 ] # فصل فإن قال قائل: لسنا ندفع أنه قد كان في وقت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله طوائف من أهل النفاق يستترون (1) بالاسلام، وأن منهم من كان أمره ~~مطويا عن النبي صلى الله عليه وآله، منهم من فضحه الوحي وعرفه الله تعالى ~~نبيه صلى الله عليه وآله، ولا ندفع أيضا أنه قد وقع من جماعة من الصحابة ~~الاخيار ذلك سهوا عن الصواب، وخطأ في الهزيمة من الذي فرض عليهم مصابرته في ~~الجهاد، فإن الله تعالى قد عفا عنهم بما أنزله في ms031 ذلك من القرآن. لكنا ~~ندفعكم عن تخطئة أهل السقيفة، ومن اتبعهم من أهل السوابق والفضائل، ومن قطع ~~له رسول الله صلى الله عليه وآله بالسلامة، وحكم له بالصواب (2)، وأخبر عنه ~~أنه من أهل الجنان، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام، وطلحة والزبير ~~وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن نفيل وعبد الرحمن بن عوف الزهري وأبي ~~عبيدة بن الجراح، الذين (3) قال # --- # (1) في م: يستهزؤن. (2) في أ، ح: بالثواب. (3) (وأبي عبيدة بن الجراح، ~~الذين) ليس في ب (*). # --- PageV01P065 [ 66 ] # النبي صلى الله عليه وآله فيهم: " عشرة من أصحابي في الجنة " (1) على ما ~~جاء به الثابت في الاخبار، ومن قاربهم في الفضائل، وما ثلهم في اسحقاق ~~الثواب، فيجب أن يكون الكلام في هؤلاء القوم على الخصوص، دون العموم في ~~الاتباع والاصحاب. قيل لهم: لو كان سؤالكم فيما سلف عن خاصة من عممتموه على ~~الاطلاق، لصدر جوابنا عنه بحسب ذلك على التمييز والافراد، لكنكم تعلقتم ~~بالاسم الشامل، فاغتررتم باستحقاق التسمية بالصحبة والاتباع على الاطلاق، ~~فأوضحنا لكم عن غلطكم فيما ظننتموه منه بما لا يستطاع دفعه على الوجوه كلها ~~والاسباب. وإذا كنتم الآن قد رغبتم عن ذلك السؤال، واعتمدتم في المسألة عمن ~~ذكرتموه على الخصوص دون كافة الاصحاب، فقد سقطت أعظم اصولكم في الكلام، ~~وخرجت الصحبة والاتباع والمشاهدة وسماع الوحي والقرآن، وإقامة الصلاة ~~وإيتاء الزكاة، والانفاق والجهاد من إيجاب الرحمة والرضوان، وسقط الاحتجاج ~~في الجملة، بالعصمة من كبائر الآثام والردة عن الاسلام بذلك، وبما رويتموه ~~عن (2) النبي صلى الله عليه وآله من الاخبار، ولم يبق لكم فيمن تتولونه ~~وتدينون (3) بإمامته إلا الظن والعصبية # --- # (1) سنن أبي داود 4: 211 / 4649، سنن الترمذي 5: 648 / 3748، كنز العمال ~~11: 638 / 33105، و646 / 33137 مع اختلاف. (2) (وسماع الوحي.. رويتموه عن) ~~من نسخة أ. (3) في أ: فيما توالونه وتتقون (*). # --- PageV01P066 [ 67 ] # للرجال، والتقليد في الاعتقاد، والاعتماد على ما يجري مجرى الاسمار (1) ~~والخرافات، وما لا يثبت على السير والامتحان (2)، وسنقفكم على حقيقة ذلك ~~فيما نورده من الكلام، إن شاء الله تعالى. فصل وعلى أن الذي ms032 تلوناه في باب ~~الاسرى، وإخبار الله تعالى عن إرادة المشير به لعرض الدنيا، وحكمه عليه ~~باستحقاق تعجيل العقاب، لولا ما رفع عن امة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~من ذلك، وأخره للمستحقين منهم إلى يوم المآب، لخص أبا بكر ومن شاركه في ~~نيته وإرادته فيه، لانه هو المشير في الاسرى بما أشار على الاجماع من الامة ~~والاتفاق، فما عصمته السوابق والفضائل على ما ادعيتموه له من الاخبار ~~بعاقبته، والقطع له بالجنان، حسبما اختلقتموه من الغلط في دين الله عزوجل، ~~والتعمد لمعصية الله، وإيثار عاجل الدنيا على ثواب الله تعالى، حتى وقع من ~~ذلك ما أبان الله به عن سريرته، وأخبر لاجله عن استحقاقه لعقابه، وهو وعمر ~~وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد وسعيد وأبو عبيدة بن الجراح في جملة ~~من انهزم يوم احد، وتوجه إليهم الوعيد من الله عزوجل، ولحقهم التوبيخ ~~والتعنيف على ما اكتسبوه بذلك من الآثام في قوله # --- # (1) أي أحاديث الليل. انظر النهاية 2: 399. (2) في ب: والاستحسان (*). # --- PageV01P067 [ 68 ] # تعالى: { إذ تصعدون ولاتلون على أحد } (1) الآية. وكذلك كانت حاله يوم ~~حنين، بلا اختلاف بين نقلة الآثار، ولم يثبت أحد منهم مع النبي صلى الله ~~عليه وآله، وكان أبو بكر هو الذي أعجبته في ذلك اليوم كثرة الناس، فقال: لم ~~نغلب اليوم من قلة. ثم كان أول المنهزمين، ومن ولى من القوم الدبر، فقال ~~الله تعالى: { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم ~~الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين } (2) فاختص من التوبيخ به لمقاله بما لم ~~يتوجه إلى غيره، وشارك الباقين في الذم على نقض العهد والميثاق. وقد كان ~~منه ومن صاحبه يوم خيبر ما لا يختلف فيه من أهل العلم اثنان، وتلك أول حرب ~~حضرها المسلمون بعد بيعة الرضوان، فلم يفيالله تعالى بالعقد مع قرب العهد، ~~وردا راية رسول الله صلى الله عليه وآله على أقبح ما يكون من الانهزام، حتى ~~وصفهما رسول الله صلى الله عليه وآله بالفرار، وأخرجهما من محبة الله ~~عزوجل، ومحبة ms033 رسوله صلى الله عليه وآله بفحوى مقاله لامير المؤمنين عليه ~~السلام، أو ما يدل عليه الخطاب حيث يقول: " لاعطين الراية غدا رجلا يحب ~~الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله ~~على يديه " (3) فأعطاها أمير المؤمنين عليه السلام. هذا وقد دخل القوم كافة ~~سوى أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى: # --- # (1) سورة آل عمران 3: 153. (2) سورة التوبة 9: 25. (3) تقدم مع تخريجاته ~~في ص 34 (*). # --- PageV01P068 [ 69 ] # { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسئولا ~~} (1). فأما ما تعلقوا به في العفو عنهم في قوله تعالى: { إن الذين تولوا ~~منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله ~~عنهم } (2) الآية، فإنه طريف، يدل على جهلهم، وضعف عقولهم، وذلك أنهم راموا ~~بما تعلقوا به من السوابق التي زعموا لائمتهم، والقضايا والاخبار عن ~~العواقب دفعا عن إضافة الظلم إليهم، والخطأ في دفع النص على أمير المؤمنين ~~عليه السلام، وجحد حقوقه بعد النبي صلى الله عليه وآله، بما جلب عليهم ~~إيجاب التخطئة لهم في حياة الرسول صلى الله عليه وآله، والحكم عليهم بنقض ~~العهود، وارتكاب كبائر الذنوب، وتوجه الذم إليهم من أجل ذلك والوعيد، ثم ~~اشتغلوا بطلب الحيل في تخليصهم من ذلك (3) وتمحل وجوه العفو عنهم فيما لا ~~يمكنهم دفاعه من خلافهم على الله تعالى، وعلى نبيه صلى الله عليه وآله وهو ~~بين أظهرهم، وما كان أغناهم عن هذا التخليط والتهور لو سلكوا طريق (4) ~~الرشاد، ولم تحملهم العصبية على تورطهم، وتدخلهم في (5) العناد ! # --- # (1) سورة الاحزاب 33: 15. (2) سورة آل عمران 3: 155. (3) (من ذلك) ليس في ~~ب، م. (4) في أ: طرق. (5) في أ: ويدخلهم فيه. # --- PageV01P069 [ 70 ] # وبعد: فإن العفو من الله سبحانه قد يكون عن العاجل من العقاب، وقد يكون ~~عن الآجل من العذاب، وقد يكون عنهما جميعا إذا شاء، وليس في الآية أنه عفا ~~عنهم على كل حال، ولا أنه يعفو عنهم في يوم المآب، بل ظاهرها يدل على ~~الماضي دون المستقبل، ويؤيده قوله تعالى: { ولقد كانوا ms034 عاهدوا الله من قبل ~~لا يولون الادبار وكان عهد الله مسئولا } (1). فقد ثبت أنه لا يكون العفو ~~في كل حال، وإن عفا فقد عفا عن السؤال، فإذن لابد أن يكون معنى العفو على ~~ما قلناه في الدنيا عن العاجل دون الآجل، كما عفا سبحانه عنهم في يوم بدر، ~~لما كان منهم من الرأي في الاسرى، وقد أخبر أنه لولا ما سبق في كتابه، من ~~دفع العقاب عن امة محمد صلى الله عليه وآله، وترك معاجلتهم بالنقمات، لمسهم ~~منه جل جلاله عذاب عظيم، أو يكون العفو عن خاص من القوم دون العموم، وإلا ~~لتناقض (2) القرآن. وعلى أي الوجهين ثبت العفو عن المذكورين، فقد خرج الامر ~~عن يد خصومنا في براءة ساحة من يذهبون إلى إمامته وتعظيمه والولاية له (3) ~~لانه لا تتميز الدعوى إلا بدليل، ولا دليل للقوم إلا ما تلوناه في العفو، ~~وذلك غير موجب بنفسه التغيير والتمييز بخروجه عن # --- # (1) سورة الاحزاب 33: 15. (2) في أ: تناقض. (3) (وتعظيمه والولاية له) ~~ليس في ب (*). # --- PageV01P070 [ 71 ] # الاستيعاب، وعن الوقوع على كل حال. على أنا لو سلمنا لهم العفو عنهم على ~~ما تمنوه، لما أوجب ذلك لهم العفو عما اكتسبوه من بعد من الذنوب، ولا دل ~~(1) على عصمتهم فيما يستقبل من الاوقات، ولا خروجهم عن العمد في المعاصي ~~والشبهات، فأين وجه الحجة لهم فيما اعتمدوه لولا ضعف الرأي واليقين ؟ ! ~~فأما ما ادعوه على النبي صلى الله عليه وآله من قوله: " عشرة من أصحابي في ~~الجنة " (2) ثم سموا أبا بكر وعمر وعثمان ومن تقدم ذكره فيما حكيناه، فإنه ~~ساقط من غير وجه: أحدها: أن الذي رواه فيما زعموا عن النبي صلى الله عليه ~~وآله سعيد بن زيد ابن نفيل، وهو أحد العشرة بما تضمنه لفظ الحديث على شرحهم ~~إياه، وقد ثبت أن من زكى غيره بتزكية نفسه لم تثبت تزكيته لذلك في شريعة ~~الاسلام، ومن شهد لغيره بشهادة له فيها نصيب لم تقبل شهادته باتفاق. ومنها: ~~أن سعيدا واحد، ورواية الواحد لا يقطع بها على الحق عند ms035 الله سبحانه. ومها: ~~أن دليل العقل يمنع من القطع بالجنة والامان من النار لمن تجوز منه مواقعة ~~قبائح الاعمال، ومن ليس بمعصوم من الزلل والضلال، لانه متى قطع له بما ~~ذكرناه، وهو من العصمة خارج بما # --- # (1) في أ: ولا دليل. (2) تقدمت مصادر الحديث ص 66 # --- PageV01P071 [ 72 ] # وصفناه، كان مغرى بمواقعة الذنوب والسيئات، مرحا في ارتكاب ما تدعوه إليه ~~الطبائع والشهوات، لانه يكون آمنا من العذاب، مطمئنا إلى ما أخبر به من حسن ~~عاقبته، وقطع له به من الثواب في الجنات، وذلك فاسد لا يجوز على الحكيم ~~سبحانه، ولا يصح منه تدبير العباد. وإذا وجب ما ذكرناه، وكانت الامة مجمعة ~~على ارتفاع العصمة عمن ضمن الخبر أسماءهم، سوى أمير المؤمنين عليه السلام، ~~لما تذهب إليه الشيعة من عصمته، ومفارقته للجماعة في التوفيق للصواب، ثبت ~~أن الحديث باطل مختلق، مضاف إلى النبي صلى الله عليه وآله. فصل على أنه ~~يقال لهم لو كان الخبر كما زعمتم صحيحا، وكان الاتفاق عليه من الجماعة ما ~~تدعون واقعا، لكان الامان من عذاب الله لابي بكر وعمر وعثمان به حاصلا، ~~وكان الذم عنهم في حقيقة ذلك زائلا، ولو كان الامر كذلك لما جزع القوم عند ~~احتضارهم من لقاء الله تعالى، ولا اضطربوا من قدومهم على أعمالهم، مع ~~اعتقادهم أنها مرضية لله سبحانه، ولاشكوا بالظفر في ثواب الله عزوجل. ~~ولجروا في الطمأنينة لعفو الله تعالى، لثقتهم بخبر الرسول صلى الله عليه ~~وآله، مجرى أمير المؤمنين عليه السلام في التضرع إلى الله عزوجل في حياته ~~أن يقبضه الله تعالى إليه، ويعجل له السعادة بما وعده من الشهادة، وعند ~~احتضاره أظهر من سروره بقرب لقائه برسول الله صلى الله عليه وآله، ~~واستبشاره بالفدوم # --- PageV01P072 [ 73 ] # على الله عزوجل، لمعرفته بمكانه منه، ومحله من ثوابه، وقد سبق من كلام ~~الصالحين أن من أطاع الله أحب لقاءه، ومن عصاه كره لقاءه. والخبر الظاهر أن ~~أبا بكر جعل يدعو بالويل والثبور عند احتضاره، وأن عمر تمنى أن يكون ترابا ~~عند وفاته، وود لو ms036 أن أمه لم تلده، وانه نجا من أعماله كفافا، لاله ولا ~~عليه، وما ظهر من جزع عثمان ابن عفان عند حصر القوم له، وتيقنه بهلاكه، ~~دليل على أن القوم لم يعرفوا من رسول الله صلى الله عليه وآله ما تضمنه ~~الخبر من استحقاقهم الجنة على كل حال، ولا أمنوا من عذاب الله سبحانه لقبيح ~~ما وقع منهم الاعمال. وبعد: فكيف ذهب عن عثمان بن عفان الاحتجاج بهذا الخبر ~~- إن كان حقا - على حاصريه في يوم الدار، وما الذي منعه من الاحتجاج به ~~عليهم في استحلال دمه، وقد ثبت في الشرع حظر دماء أهل الجنان، وما باله ~~تعلق في دفعهم عن نفسه بكل ما وجد إليه السبيل من الاحتجاج، ولم يذكر هذا ~~الخبر في جملة ما اعتمده في هذا المقال ؟ ! كلا لو كان الامر على ما ظنه ~~الجهال من صحة هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله، أو روايته في وقت ~~عثمان، لما ذهب عليه التعلق به على ما بيناه. مع أنا لو سلمنا لهم ما ~~يتمنونه من ثبوت الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله، لما أمكنهم به دفع ما ~~ذكرناه من إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، وجحد القوم لفرض طاعته على ~~الشبهة والعناد، لانهم قد علموا ما جرى بين أمير # --- PageV01P073 [ 74 ] # المؤمنين عليه السلام وبين طلحة والزبير من المباينة في الدين، والتخطئة ~~من بعضهم لبعض والتضليل والحرب، وسفك الدم على الاستحلال به دون التحريم، ~~وخروج الجميع من الدنيا على ظاهر التدين بذلك، دون الرجوع عنه بما يوجب ~~العلم واليقين. فإن كان ما وقع من الفريقين صوابا - مع ما ذكر ناه - لم ~~ينكر أن يعتقد أمير المؤمنين عليه السلام أنه الامام بعد النبي صلى الله ~~عليه وآله بلا فصل، ويرى أبو بكر وعمر وعثمان خلاف ذلك، وكونهم على صواب. ~~وإن كان أحد الفريقين على خطأ، لم ينكر أيضا أن يكون المتقدمون على ~~المؤمنين عليه السلام في النص وإنكاره على خلاف الصواب، وإن كانوا جميعا من ~~أهل الثواب (1). وإن كان ms037 الفريقان في حرب البصرة على ضلال، وذلك لا يضرهما ~~في استحقاق النعيم والامان من الجحيم، كان المتقدمون في الامامة ودفعها على ~~خطأ، وإن كانوا من أهل النعيم، ولم يضر ذلك بأمانهم (2) من عذاب السعير، ~~وهذا أقرب لانه جرى ما جرى من أهل البصرة، وفي ذلك زيادة عليه بالحرب وسفك ~~الدماء، وإظهار البراءة والتفسيق. وإن زعم مخالفونا أن المحق من الفريقين ~~أمير المؤمنين عليه السلام # --- # (1) في أ: الصواب. (2) تحرفت في النسخ إلى: بإمامتهم (*). # --- PageV01P074 [ 75 ] # وأصحابه دون من خالفهم، غير أن المخالفين تابوا قبل خروجهم من الدنيا ~~فيما بينهم وبين الله عزوجل، بدلالة الخبر وما تضمنه من استحقاقهم لثواب ~~الله تعالى على التحقيق. فكذلك يقال لهم: إن المتقدمين على أمير المؤمنين ~~عليه السلام كانوا بذلك ضالين، ولكنهم تابوا قبل خروجهم من الدنيا في سرائر ~~هم وفيما بينهم وبين خالقهم، وإن لم يكن ذلك منهم على الظهور، بدلالة الخبر ~~على ما رتبوه، وهذا يدمر معتمدهم فيما تعلقوا به من الحديث في دفع النص على ~~إمامة أمير المؤمنين عليه السلام لتقدم من سموه، وزعموا أنه (1) من أهل ~~الجنة، ولايجوز لهم دفع الحق على كل الوجوه، والله الموفق. # --- # (1) في ب، م: أنهم (*). # --- PageV01P075 [ 76 ] # ... # --- PageV01P076 [ 77 ] # فصل فإن قال قائل: فإني أترك التعلق بالخبر عن النبي صلى الله عليه وآله ~~بأن القوم في الجنة لما طعنتم به فيه، مما لا أجد منه مخلصا، ولكن خبروني ~~عن قوله تعالى: { والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الانهار خالدين ~~فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } (1). أليس قد أوجب لابي بكرو عمر وعثمان ~~وطلحة والزبير وسعد وسعيد جنات عدن، ومنع بذلك من تجويز الخطأ عليهم في ~~الدين والزلل عن الطريق المستقيم، فكيف يصح القول مع ذلك بأن الامامة كانت ~~دونهم لامير المؤمنين عليه السلام وأنهم دفعوه بالتقدم عليه عن حق وجب له ~~على اليقين، وهل هذا إلا متناقض ؟ ! قيل له: إن الله سبحانه لا يعد أحدا ~~بالثواب إلا على شرط ms038 الاخلاص والموافاة بما يتوجه الوعد بالثواب عليه، وأجل ~~من أن يعري # --- # (1) سورة التوبة 9: 100 (*). # --- PageV01P077 [ 78 ] # ظاهر اللفظ بالوعد عن الشروط، لما في العقل من الدليل على ذلك والبرهان. ~~وإذا كان الامر على ما وصفناه، فالحاجة ماسة إلى ثبوت أفعال من ذكرت في ~~السبق والطاعة لله تعالى في امتثال أوامره ظاهرا على وجه الاخلاص، ثم ~~الموافاة بها على ما ذكرناه حتى يتحقق لهم الوعد بالرضوان والنعيم المقيم ~~وهذا لم يقم عليه دليل، ولا تثبت لمن ذكرت حجة توجب العلم واليقين، فلا ~~معنى للتعلق بظاهر الآية فيه، مع أن الوعد من الله تعالى بالرضوان إنما ~~توجه إلى السابقين الاولين من المهاجرين والانصار، دون أن يكون متوجها إلى ~~التالين الاولين. والذين سميتهم من المتقدمين على امير المؤمنين عليه ~~السلام ومن ضممت إليهم في الذكر، لم يكونوا من الاولين في السبق، وإنما ~~كانوا من التالين للاولين، والتالين للتالين. والسابقون الاولون من ~~المهاجرين، هم: أمير المؤمنين عليه السلام، وجعفر بن أبي طالب، وحمزة بن ~~عبد المطلب، وخباب، وزيدبن حارثة، وعمار وطبقتهم. ومن الانصار النقباء ~~المعروفون (1)، كأبي أيوب، وسعد بن معاذ، وأبي الهيثم بن التيهان، وخزيمة ~~بن ثابت ذي الشهادتين، ومن كان في طبقتهم من الانصار. # --- # (1) في أ: المقربون (*). # --- PageV01P078 [ 79 ] # فأما أصحابك فهم الطبقة الثانية ممن ذكرناه، والوعد إنما حصل للمتقدمين ~~في الايمان دونهم على ما بيناه، وهذا يسقط ما توهمت. فصل ثم يقال له: قد ~~وعد الله المؤمنين والمؤمنات في الجملة مثل وعد به السابقين من المهاجرين ~~والانصار، ولم يوجب ذلك نفى الغلط عن كل من استحق اسم الايمان، ولا إيجاب ~~العصة له من الضلال، ولا القطع له بالجنة على كل حال. قال الله عزوجل: { ~~وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ~~ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم } (1). ~~فإن وجب للمتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام الثواب على كل حال، ~~لاستحقاقهم الوصف بأنهم من السابقين الاولين من المهاجرين والانصار على ما ~~ادعيت لهم في ms039 المقال، فإنه يجب مثل ذلك لكل من استحق اسم الايمان في حال من ~~الاحوال، بما تلوناه، وهذا ما لا يذهب إليه أحد من أهل الاسلام. ويقال له ~~ايضا: قد وعد الله الصادقين مثل ذلك، فقطع لهم بالمغفرة والرضوان، فقال ~~سبحانه: { هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الانهار ~~خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم # --- # (1) سورة التوبة 9: 72 (*). # --- PageV01P079 [ 80 ] # ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم } (1). فهل يجب لذلك أن يقطع على كل من صدق ~~في مقاله بالعصمة من الضلال، ويوجب له الثواب المقيم، وإن ضم إلى فعله ~~قبائح الافعال ؟ ! فإن قال: نعم. خرج عن ملة الاسلام، وإن قال: لا يجب ذلك ~~لعلة من العلل. قيل له في آية السابقين مثل ما قال، فإنه لا يجد فرقا. ~~ويقال له أيضا: ما تصنع في قول الله تعالى: { وبشر الصابرين * الذين إذا ~~أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ~~ورحمة وأولئك هم المهتدون } (2) ؟ ! أتقول أن كل من صبر (3) على مصاب ~~فاسترجع مقطوع له بالعصمة والامان من العذاب، وإن كان مخالفا لك في ~~الاعتقاد، بل مخالفا للاسلام ؟ ! فإن قال: نعم ظهر خزيه، وإن قال: لا يجب ~~ذلك. وذهب في الآية إلى الخصوص دون الاشتراط، سقط معتمده من عموم آية ~~السابقين، ولم يبق معه ظاهر فيما اشتبه به الامر عليه في إمامة أمير ~~المؤمنين عليه السلام، وخطأ المتقدمين عليه حسب ما ذكرناه. وهذا باب إن ~~بسطنا القول فيه، واستوفينا الكلام في معانيه، # --- # (1) المائدة 5: 119. (2) سورة البقرة 2: 155 - 157. (3) في ب: أتقول إن ~~كان من خبر. # --- PageV01P080 [ 81 ] # طال به الخطاب، وفيما اختصرناه كفاية لذوي الالباب. فصل فإن قال في أصل ~~الجواب أنه لا يجوز تخصيص السابقين الاولين، ولا الاشتراط فيهم، لانه ~~سبحانه قد اشترط في التابعين، وخصهم بقوله: { والذين اتبعوهم بإحسان } (1). ~~فلو كان في السابقين الاولين من يقع منه غير الحسن الجميل، لما أطلق الرضا ~~عنهم في الذكر ذلك الاطلاق، واشترط فيمن وصله بهم من التابعين. قيل له: أول ~~ما في ms040 هذا الباب، أنك أوجبت للسابقين بهذا الكلام العصمة من الذنوب، ورفعت ~~عنهم جواز الخطأ وما يلحقهم به من العيوب، والامة مجمعة على خلاف ذلك لمن ~~زعمت أن الآية فيه صريحة (2)، لان الشيعة تذهب إلى تخطئة المتقدمين على ~~أمير المؤمنين عليه السلام، والمعتزلة والشيعة وأكثر المرجئة وأصحاب الحديث ~~يضللون طلحة والزبير في قتالهم أمير المؤمنين عليه السلام، والخوارج تخطئ ~~أمير المؤمنين عليه السلام وتبرأ منه ومن عثمان، وطلحة والزبير ومن كان في ~~حيزهما، وتكفرهم بحربهم أمير المؤمنين عليه السلام، وولايتهم (3) عثمان بن ~~عفان، فيعلم # --- # (1) سورة التورة 9: 100. (2) (صريحة) ليس في أ، ب، ح. (3) في م: ~~وتوليتهم. # --- PageV01P081 [ 82 ] # أن إيجاب العصمة لمن يزعم أن الله تعالى عناه في الآية (1) بالرضوان ~~باطل، والقول به خروج عن الاجماع. على أن قوله تعالى: { والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه } (2) ليس هو شرطا في التابعين، وإنما هو ~~وصف للاتباع، وتمييز له من ضروربه التي لا يوجب شئ منها الرحمة والغفران، ~~وهذا مما لا يبطل الخصوص في السابقين، والشرط في أفعالهم على ما ذكرناه. مع ~~أنا قد بينا أن المراد بالسابقين الاولين، هم الطبقة الاولى من المهاجرين ~~والانصار، وذكرنا أعيانهم وليس من المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام ~~والمخالفين عليه من كان من الاولين، وإن كان فيهم جماعة من التالين، ولسنا ~~ندفع ظاهر الاولين من القوم، وأنهم من أهل الثواب وجنات النعيم على عمومهم ~~دون الخصوص، وهذا أيضا يسقط تعلقهم بما ذكروه في التابعين، على أنه لا ~~يمتنع أن يكون الشرط في التابعين شرطا في السابقين، ويكتفى به بذكر ~~السابقين للاختصار، ولان وروده (3) في الذكر على الاقتران. ويجري ذلك مجرى ~~قوله تعالى: { والله ورسوله أحق أن يرضوه } (4) # --- # (1) (في الاية) ليس في ب، ح، م. (2) سورة التوبة 9: 100. (3) (وروده) ليس ~~في ب، ح، وفي أ: الجميع. (4) سورة التوبة 9: 62. # --- PageV01P082 [ 83 ] # وقوله تعالى: { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ~~فبشرهم بعذاب أليم } (1). ويقال له أيضا: أليس الله تعالى يقول: { كل نفس ~~بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين ms041 } (2). وفي الانفس من لم يرده، ولم ~~يستثنه لفظا، وهم: الاطفال والبله (3) والبهائم والمجانين ؟ ! وإنما يدل ~~استثناؤهم لفظا (4) على استثناء أهل (5) العقول. فبم ينكر أن يكون الشرط في ~~السابقين مثل الشرط في التابعين، وأن اللفظ من ذكر السابقين موجود في ~~التابعين ؟ وهذا بين لمن تدبره. على أن الذي ذكرناه في الخبر، وبينا أنه لا ~~يجوز من الحكيم تعالى أن يقطع بالجنة إلا على شرط الاخلاص، لما تحظره ~~الحكمة من الاغراء بالذنوب، يبطل ظنهم في تأويل هذه الآية، وكل ما يتعلقون ~~به من غيرها في القطع على أمان أصحابهم من النار، للاجماع على ارتفاع ~~العصمة عنهم، وأنهم كانوا ممن يجوز عليه اقتراف الآثام، وركوب الخلاف لله ~~تعالى على العمد والنسيان، وقد تقدم ذلك فيما سلف، فلا حاجة بنا إلى ~~الاطالة فيه. # --- # (1) سورة التوبة 9: 34. (2) سورة المدثر 74: 38، 39. (3) البله: جمع ~~أبله: ضعيف العقل. " مجمع البحرين - بله - 6: 343 ". (4) (وهم الاطفال.. ~~لفظا) ليس في أ. (5) (أهل) ليس في أ، ب، ح. # --- PageV01P083 [ 84 ] # فصل آخر ويمكن أيضا مما ذكرناه من أمر طلحة والزبير وقتالهما لامير ~~المؤمنين عليه السلام، وهما عند المخالفين من السابقين (1) الاولين، ويضم ~~إليه ما كان من سعد بن عبادة، وهو سيد الانصار ومن السابقين الاولين، ~~ونقباء رسول الله صلى الله عليه وآله في السقيفة، ترشح (2) للخلافة، ودعا ~~أصحابه إليه، وما راموه من البيعة له على الامامة حتى غلبهم الهاجرون على ~~الامر، فلم يزل مخالفا لابي بكر وعمر، ممتنعا عن بيعتهما في أهل بيته وولده ~~وأشياعه إلى أن قتل بالشام على خلافهما ومباينتهما (3). وإذا جاز من بعض ~~السابقين دفع الحق في الامامة، واعتقاد الباطل فيها، وجاز من بعضهم استحلال ~~الدم على الضلال، والخروج من الدنيا على غير توبة ظاهرة للانام، فما تنكر ~~من وقوع مثل ذلك من المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام - وإن كانوا ~~من السابقين الاولين (4) - وما الذي يعصمهم مما وقع من شركائهم في السبق ~~والهجرة وغير ذلك مما تعدونه لهم في الصفات، وهذا مما لا سبيل إلى دفعه. # --- # (1) في ب، ح، م: التابعين. ms042 (2) في ب: توشحه. (3) انظر تفصيل ذلك في: ~~الكامل في التاريخ 2: 331، الطبقات الكبرى 3: 616، اسد الغابة 2: 284. (4) ~~(وان.. الاولين) ليس في ب، ح، م. # --- PageV01P084 [ 85 ] # فصل فإن قال: فإذا كنتم قد أخرجتم المتقدمين على أمير المؤمنين ~~والمحاربين له والقاعدين عنه من رضا الله تعالى، وما ضمنته اية السابقين ~~بالشرط على ما ذكرتم، والتخصيص الذي وصفتم، ولما اعتمدتموه من تعريهم من ~~العصمة، وما واقعه - من سميتموه منهم على الاجماع - من الذنوب، فخبروني عن ~~قوله تعالى: { لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } (1). ~~فكيف يصح لكم تأويله بما يخرج القوم من الرضا والغفران، والاجماع منعقد على ~~أن أبا بكر وعمر (2) وطلحة والزبير وسعدا وسعيدا قد بايعوا تحت الشجرة، ~~وعاهدوا النبي صلى الله عليه وآله، أو ليس هذا الاجماع يوجب الرضا على ~~البيان ؟ قيل له: القول في الآيتين جميعا سواء، وهو في هذه الآية أبين # --- # (1) سورة الفتح 48: 18. (2) زاد في م: وعثمان، والثابت أنه لم يبايع تحت ~~الشجرة. انظر الدر المنثور 7 / 521. # --- PageV01P085 [ 86 ] # وأوضح وأقرب طريقا، وذلك أن الله تعالى ذكر المبايعين (1)، وخصص من توجه ~~إليه الرضا من جملتهم بعلامات نطق بها التنزيل، ودل بذلك على أن أصحابك - ~~أيها الخصم - خارجون عن الرضا على التحقيق، فقال جل اسمه: { لقد رضى الله ~~عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ~~وأثابهم فتحا قريبا } (2). فخص سبحانه بالرضا منهم من علم الله منهم ~~الوفاء، وجعل علامته من بينهم ثباته في الحروب بنزول السكينة عليه، وكون ~~الفتح القريب به وعلى يديه، ولا خلاف بين الامة أن أول حرب لقيها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله بعد بيعة الرضوان حرب خيبر، وأنه قدم أبا بكر فيها فرجع ~~منهزما فارا من مرحب، وثنى بعمر فرجع منهزما فارا، يجبن أصحابه ويجبنونه. ~~فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: " لاعطين الراية غدا رجلا ~~يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرارا، لا يرجع حتى يفتح ~~الله تعالى على يديه " (3) فأعطاها أمير المؤمنين عليه السلام ms043 فلقي مرحبا ~~فقتله، وكان الفتح على يديه واختص الرضا به (4)، ومن كان معه من أصحابه ~~وأتباعه، وخرج صاحباك من الرضا بخروجهما عن الوفاء، # --- # (1) في ب، م: السابقين. (2) سورة الفتح 48: 18 (3) تقدم مع تخريجاته في ص ~~34. (4) (واختص الرضى به) ليس في ب، م. # --- PageV01P086 [ 87 ] # وتعريهما من السكينة، لانهزامهما وفرارهما وخيبتهما من الفتح القريب، ~~لكونه على يد غيرهما، وخرج من سميت من أتبعاهما (1) منه، إذ لافتح لهم ولا ~~بهم على ما ذكرناه (2) وانكشف عن الرجلين خاصة، بدليل قول رسول الله صلى ~~الله عليه وآله: " ويحبه الله ورسوله " ماكان مستورا، لاستحقاقهما في ~~الظاهر ضد ذلك من الوصف، كما استحقا اسم الفرار دون الكرار، ولولا أن الامر ~~كما وصفناه لبطل معنى كلام النبي صلى الله عليه وآله، ولم يكن له فائدة، ~~وفسد تخصيصه عليا عليه السلام بما ضمنه من الثناء على ما شرحناه. ومما يؤيد ~~ذلك ويزيده بيانا قول الله عزوجل: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا ~~يولون الادبار وكان عهد الله مسئولا } (3). فدل على أنه تعالى يسأل المولين ~~(4) يوم القيامة عن العهد، ويعاقبهم بنقض العهد، وليس يصح اجتماع الرضا ~~والمسألة والعقاب لشخص واحد، فدل ذلك على خصوص الرضا، ووجب إلحاقه في الحكم ~~بما لا يتوجه إليه السؤال، وإذا وجب ذلك بطل تعلق الخصم في الآية بالعموم، ~~وسقط اعتماده على البيعة في الجملة. وعلى كل حال، هذا إن لم يكن في الآية ~~نفسها وفيما تلوناه بعدها دليل على خروج القوم من الرضا، وكان الامر ~~ملتبسا، فكيف وفيها # --- # (1) في أ: أتباعا. (2) (على ما ذكرناه) ليس في ب، ح، م. (3) سورة الاحزاب ~~33: 15. (4) في أ: المؤمنين. # --- PageV01P087 [ 88 ] # أوضح برهان بما رتبناه ؟ ! ومما يدل على خصوص الآية أيضا قوله تعالى: { ~~ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من ~~الله ومأواه جهنم وبئس المصير } (1). فتوعد على الفرار بالغضب والنار، كما ~~وعد على الوفاء بالرضا والنعيم، فلو كانت آية الرضا في المبايعين على ~~العموم وعدم الشرط لبطل الوعيد، وخرجت الآية النازلة عن ms044 الحكمة (2)، ولم ~~يحصل لها فائدة ولا مفهوم، وذلك فاسد بلا ارتياب. ومما يدل على ذلك أيضا ~~قوله تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى ~~نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا } (3). وهذا صريح باختصاص الرضا ~~بطائفة من المبايعين دون الجميع، وبثبوت الخصوص في الموفين بظاهر التنزيل ~~الذي لا يمكن لاحد دفعه، إلا بالخروج عن الدين. على أن بعض أصحابنا قد سلم ~~لهم ما ظنوه من توجه الرضا إلى جميع المبايعين (4)، وأراهم أنه غير نافع ~~لهم فيما اعتقدوه، لان الرضا # --- # (1) سورة الانفال 8: 16. (2) في ب، ح، م: النازلة منافية للحكمة. (3) ~~سورة الاحزاب 33: 23. (4) في م: المتابعين. # --- PageV01P088 [ 89 ] # للماضي من الافعال، وما هو في الحال لا يعصم من وقوع ضده الموجب للسخط في ~~المستقبل، وما يتوقع من الاحوال، وهذا مالا يمكن لاحد من خصومنا دفعه، إلا ~~من قال منهم بالموافاة فإنه يتعلق بها، وكلامي المتقدم يكفي في الكثير على ~~الجميع، والحمد لله. # --- PageV01P089 [ 90 ] # فصل فإن قال: قد فهمت ما ذكرتموه في هذه وما قبلها من الآي، ولست أرى ~~لاحد حجة في دفعه لوضوحه في البيان، ولكن خبروني عن قوله تعالى في سورة ~~النور: { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض ~~كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من ~~بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم ~~الفاسقون } (1). أليس قد ذكر المفسرون أنها في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن ~~أبي طالب عليه السلام ؟ ! واستدل المتكلمون من مخالفيكم على صحة ذلك، بما ~~حصل لهم من جميع هذه الصفات: فأولها: أنهم كانوا حاضرين لنزولها بدليل كاف ~~المواجهة (2) بلا اختلاف، ثم أنهم كانوا ممن خاف في أول الاسلام، فآمنهم ~~الله تعالى، ومكن لهم في البلاد، وخلفوا النبي صلى الله عليه وآله وأطاعهم ~~العباد، فثبت أنها # --- # (1) سورة النور 24: 55. (2) المراد منها كاف الخطاب في الآية. # --- PageV01P090 [ 91 ] # نزلت فيهم بهذا الضرب من الاعتبار، وإلا فبينوا لنا الوجه في معناها، إن ~~لم ms045 يكن الامر على ما ذكرناه. قيل له: إن تفسير القرآن لا يؤخذ بالرأي، ولا ~~يحمل على اعتقادات الرجال والاهواء، وما حكيته من ذلك عن المفسرين فليس هو ~~إجماعا منهم، ولا مرجوعا به إلى ثقة ممن تعاطاه ومن ادعاه، ولم يسنده إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله، ولا إلى من تجب طاعته على الانام. وممن فسر ~~القرآن عبد الله بن عباس، والمحكي عنه في تأويل هذه الآية غير ما وصفت بلا ~~تنازع بين حملة الآثار، وكذلك المروي عن محمد بن علي عليهما السلام، وعن ~~عطاء ومجاهد (1)، وإنما ذكر ذلك برأيه وعصبيته مقاتل بن سليمان، وقد عرف ~~نصبه لآل محمد صلى الله عليه وآله وجهله وكثرة تخاليطه في الجبر والتشبيه، ~~وما ضمنته كتبه في معاني القرآن. على أن المفسرين للقرآن طائفتان: شيعة، ~~وحشوية، فالشيعة لها في هذه الآية تأويل معروف تسنده إلى أئمة الهدى عليهم ~~السلام، والحشوية مختلفة في أقاويلها على ما ذكرناه، فمن أين يصح إضافة ما ~~ادعوه من التأويل إلى مفسري القرآن جميعا على الاطلاق، لولا عمى العيون ~~وارتكاب العناد ؟ ! فأما ما حكوه (2) في معناها عن المتكلمين منهم، فقد اعتمده # --- # (1) انظر سعد السعود: 166 - 173، مجمع البيان 7: 239، تفسير الطيري 18: ~~122، تفسير القرطبي 12: 297. (2) في ب، م: حكموه. # --- PageV01P091 [ 92 ] # جميعهم على ما وصفوه بالاعتبار الذي ذكروه، وهو ضلال عن المراد (1)، وخطأ ~~ظاهر الفساد، من وجوه لا تخفى على من وفق للرشاد: أحدها: أن الوعد مشترط ~~بالايمان على التحقيق بالاعمال الصالحات، وليس على ما يذهب إليه مخالفونا ~~من إيمان أصحابهم على الحقيقة، وأنهم كانوا من أصحاب الصالحات بإجماع، ولا ~~دليل يقطع به على الحق عند الله، بل الخلاف في ذلك ظاهر بينهم وبين خصومهم، ~~والمدافعة عن الادلة على ذلك موجودة كالعيان. والثاني: أن المراد في الآية ~~بالاستخلاف إنما هو توريث الارض والديار، والتبقية (2) لاهل الايمان بعد ~~هلاك الظالمين لهم من الكفار، دون ما ظنه القوم من الاستخلاف في مقام ~~النبوة، وتملك الامامة وفرض الطاعة على الانام. ألا ترى أن الله سبحانه قد ~~جعل ما وعد ms046 به من ذلك مماثلا لما فعله بالمؤمنين وبالانبياء عليهم السلام ~~قبل هذه الامة في الاستخلاف (3)، وأخبر بكتابه عن حقيقة ذلك وصورته ومعناه، ~~وكان بصريح ما أنزله من القرآن مفيدا لما ذكرناه، من توريث الديار والنعم ~~والاموال عموم المؤمنين دون خصوصهم ومعنى ما بيناه، دون الامامة التي هي ~~خلافة للنبوة والامرة والسلطان. # --- # (1) في أ: المرام. (2) في أ: التنقية، وفي م: النعمة. (3) في ب، م: الآية ~~بالاستخلاف. # --- PageV01P092 [ 93 ] # قال الله تعالى في سورة الاعراف: { قال موسى لقومه استعينوا بالله ~~واصبروا إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين * قالوا ~~أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ~~ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون } (1). فبشرهم بصبرهم على أذى ~~الكافرين بميراث أرضهم، والملك لديارهم من بعدهم، والاستخلاف على نعمتهم، ~~ولم يرد بشئ من ذلك تمليكهم مقام النبوة والامامة على سائر الامة، بل أراد ~~ما بيناه. ونظير هذا الاستخلاف من الله سبحانه لعباده، ومما هو في معناه، ~~قوله جل اسمه في سورة الانعام: { وربك الغنى ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ~~ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشاكم من ذرية قوم ءاخرين } (2) وليس هذا ~~الاستخلاف من الامامة وخلافة النبوة في شئ وإنما هو ما قدمنا ذكره ووصفناه. ~~وقوله تعالى: { ثم جعلناكم خلائف في الارض من بعدهم لننظر كيف تعملون } (3) ~~فإنما أراد بذلك تبقيتهم (4) بعد هلاك الماضين، وتوريثهم ما كانوا فيه من ~~النعم، فجعله (5) من مننه عليهم ولطفه بهم # --- # (1) سورة الاعراف 7: 128، 129. (2) سورة الانعام 6: 133. (3) سورة يونس ~~10: 14. (4) في أ: تبعيتهم. (5) في م: فجعلوا. # --- PageV01P093 [ 94 ] # ليطيعوه ولا يكفروا به كما فعل الاولون. ومنه قوله تعالى: { امنوا بالله ~~ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر ~~كبير } (1) وقد علم كل ذي عقل أن هذا الاستخلاف مباين للعامة في معناه، وقد ~~وفى الله الكريم موعده لاصحاب نبيه صلى الله عليه وآله جميعا في حياته وبعد ~~وفاته، ففتح لهم البلاد، وملكهم رقاب العباد، وأحلهم الديار، وأغنمهم ~~الاموال، فقال عز من ms047 قائل: { وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم ~~تطؤها } (2). وإذا كان الامر على ما وصفناه، ثبت أن المراد بالآية من ~~الاستخلاف ما ذكرناه، ولم يتضمن ذلك الامامة وخلافة النبوة على ما بيناه، ~~وكان الوعد به عموما لاهل الايمان (3) بما شرحناه، وبطل ما تعلق به خصومنا ~~في إمامة المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام ووضح جهلهم في الاعتماد ~~على التأويل الذي حكيناه عنهم للآية لما تلوناه من كتاب الله تعالى وفصلنا ~~وجهه وكشفناه. وقد حكى هذا المعنى بعينه في تأويل هذه الآية الربيع عن أبي ~~العالية (4)، والحسين بن محمد، عن الحكم، وغيرهما، عن جماعات من # --- # (1) سورة الحديد 57: 7. (2) الاحزاب 33: 27. (3) في أ: البيان و. (4) هو ~~رفيع بن مهران الرياحي البصري، أدرك الجاهلية لكنه أسلم بعد وفاة # --- PageV01P094 [ 95 ] # التابعين، ومفسري القرآن (1). فصل على أن عموم الوعد بالاستخلاف للمؤمنين ~~الذي عملوا الصالحات من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، على ما اختصوا به ~~من الصفات في عبادتهم لله تعالى على الخوف والاذى والاستسرار بدين الله جل ~~اسمه، على ما نطق به القرآن، يمنع مما ادعاه (2) أهل الخلاف من تخصيص أربعة ~~منهم دون الجميع، لتناقض اجتماع معاني العموم على الاستيعاب والخصوص، ووجوب ~~دفع أحدهما صاحبه بمقتضى العقول (3). وإذا ثبت عموم الوعد، وجب صحة ما ~~ذكرناه في معنى الاستخلاف من توريث الديار والاموال، وظهور عموم ذلك ~~لجميعهم (4) في حياة النبي صلى الله عليه وآله وبعده بلا اختلاف، بطل ما ~~ظنه الخصوم في ذلك وتأولوه على المجازفة، والعدول عن النظر الصحيح. # --- # النبي صلى الله عليه وآله، قارئ حافظ مفسر، روى عنه الربيع بن أنس ~~الخراساني، راجع تهذيب الكمال 9: 214 وسير أعلام النبلاء: 4 / 207 (1) انظر ~~تفسير الطبري 18: 122، الدر المنثور 6: 215. (2) في ب: أعاده. (3) في أ: ~~القول. (4) في أ: والظهور بالدين لعموم ذلك جميعهم. # --- PageV01P095 [ 96 ] # فصل فإن قال منهم قائل: إن الآية وإن كان ظاهرها العموم، فالمراد بها ~~الخصوص، بدليل وجود الخلافة فيمن عددناه دون الجميع. وعلى هذا يعتمد ~~متكلموهم. قيل له: أحلت في ذلك من قبيل أنك إنما أوجبت لاصحابك ms048 الامامة، ~~وقضيت لهم بصحة الخلافة بالآية، وجعلتها ملجأ لك في حجاج خصومك، ودفعهم عما ~~وصفوا به من فساد عقلك، فلما لم يتم (1) لك مرادك من الآية، بما أوجبه عليك ~~عمومها بظاهرها، ودليل متضمنها، عدلت إلى تصحيح تأويلك منها، بادعاء ما ~~تورعت فيه من خلافة القوم، وثبوت إمامتهم، الذي أفقرك عدم البرهان عليه إلى ~~تصحيحه عندك بالآية، فصرت دالا على وجوده معنى تنازع فيه بوجود شئ تتعلق ~~صحة وجوده بوجود ما دفعت (2) عن وجوده، وهذا تناقض من القول، وخبط أوجبه لك ~~(3) الضلال، وأوقعك فيه التقليد والعصبية للرجال، نعوذ بالله من الخذلان. ~~ثم يقال له: خبرنا عما تدعيه من استخلاف الله تعالى لائمتك على الانام، ~~وصحة إمامتهم على ما زعمت فيما سلف لك من الكلام، أبظاهر أمرهم ونهيهم ~~وتملكهم علمت ذلك، وحكمت به على # --- # (1) في م: لم يتبين. (2) في ب، ح، م: وقعت. (3) في ب، م: أوجبك. # --- PageV01P096 [ 97 ] # القطع والثبات، أم بظاهر الآية ودليلها على ما قدمت من الاعتبار، أم بغير ~~ذلك من ضروب الاستدلال ؟ فإن قال: بظاهر أمرهم ونهيهم في الامة، ورئاستهم ~~الجماعة، ونفوذ أمرهم و(1) أحكامهم في البلاد، علمت ذلك وقطعت به على أنهم ~~خلفاء الله تعالى: والائمة بعد رسوله عليه السلام. وجب على وفور هذه العلة ~~القطع بصحة إمامة كل من ادعى خلافة الرسول صلى الله عليه وآله، ونفذت ~~إحكامه وقضاياه في البلاد، وهذا ما لا يذهب إليه أحد من أهل الايمان. وإن ~~قال: إنما علمت صحة خلافتهم بالآية ودلائلها على الاعتبار. قيل له: ما وجه ~~دلالة الآية على ذلك، وأنت دافع لعمومها في جميع أهل الايمان، وموجب خصوصها ~~بغير معنى في ظاهرها، ولا في باطنها، ولا مقتضاها على الاحوال ؟ فلا يجد ~~شيئا يتعلق به فيما ادعاه. وإن قال: إن دلالتي على ما ادعيت من صحة خلافتهم ~~معنى غير الآية نفسها، بل من الظاهر (2) من أمر القوم ونهيهم، وتأمرهم على ~~الانام. خرجت الآية عن يده، وبانت فضيحته فيما قدره منها وظنه في تأويلها ~~وتمناه، وهذا ظاهر بحمد الله. # --- # (1) (أمرهم ms049 و) ليس في ب، م. (2) في أ، ح: والظاهر. بدل: بل من الظاهر. # --- PageV01P097 [ 98 ] # فصل مع أنا لو سلمنا لهم في معنى الاستخلاف أن المراد في الآية ما ذكروه ~~من إمامة الانام، لما وجب به ما ذهبوا إليه من صحة خلافة المتقدمين على ~~أمير المؤمنين عليه السلام بل كانت الآية نفسها شاهدة بفساد أمرهم وانتقاضه ~~على البيان، وذلك أن الله جل اسمه وعد المؤمنين من أصحاب نبيه صلى الله ~~عليه وآله بالاستخلاف، ثوابا لهم على الصبر والايمان، والاستخلاف من الله ~~تعالى للائمة لا يكون استخلاف من العباد، ولما ثبت أن أبا بكر كان منصوبا ~~باختيار عمر وأبي عبيدة بن الجراح، وعمر باستخلاف أبي بكر دون النبي صلى ~~الله عليه وآله، وعثمان باختيار عبد الرحمن، فسد أن يكونوا داخلين تحت ~~الوعد بالاستخلاف، لتعريهم من النص بالخلافة من الله تعالى، وإقرار ~~مخالفينا - إلا من شذ منهم - أن إمامتهم كانت باختيار، وثبت أن الآية كانت ~~مختصة بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام دونهم، لاجماع شيعته على ~~أن إمامته باستخلاف الله تعالى له، ونصه عليه، وأقامه عليه السلام نبيه صلى ~~الله عليه وآله علما للامة وإماما لها بصريح المقال. فصل آخر ويقال لهم: ما ~~تنكرون أن يكون خروج أبي بكر وعمر وعثمان من الخوف في أيام النبي صلى الله ~~عليه وآله يخرجهم عن الوعد بالاستخلاف، لانه # --- # (1) في ب، ح، م: بخروجهم والظاهر أنها: خروجهم. # --- PageV01P098 [ 99 ] # إنما توجه إلى من كان يلحقه الخوف من أذى المشركين، وليس له مانع منهم، ~~كأمير المؤمنين (1) عليه السلام وما مني به النبي صلى الله وآله وعمار وامه ~~وأبيه، والمعذبين بمكة، ومن أخرجهم النبي صلى الله عليه وآله، مع جعفر بن ~~أبي طالب إلى بلاد الحبشة لما كان ينالهم من الفتنة والاذى في الدين (2). ~~فأما أبو بكر فإن الشيعة تذكر أنه لم يكن خائفا في حياة النبي صلى الله ~~عليه وآله لاسباب نحن أغنياء عن شرحها، وأنتم تزعمون أن الخوف مرتفع عنه ~~لعزته في قريش ومكانه منهم وكثرة ms050 ماله واتساع (3) جاهه، وإعظام القوم له ~~لسنه وتقدمه، حتى انه كان يجير ولا يجار عليه، ويؤمن ولا يحتاج إلى أمان، ~~وزعمتم إنه اشترى تسعة نفر من العذاب. وأن عمر بن الخطاب لم يخف قط، ولا ~~هاب أحدا من الاعداء، وأنه جرد سيفه عند إسلامه، وقال: لا يعبد الله اليوم ~~سرا. ثقة بنفسه، وطمأنينة إلى سلامته، وأمنا من الغوائل، وأنه لن يقدم عليه ~~أحد بسوء، لعظم رهبة الناس منه وإجلالهم لمكانه. وأن عثمان بن عفان كان ~~آمنا ببني امية، وهم ملاك الامر إذ ذاك.، فكيف يصح لكم مع هذا القول أن ~~تستدلوا بالآية على صحة خلافتهم ودخولهم (4) تحت الوعد بالاستخلاف، وهم من ~~الوصف المنافي لصفات # --- # (1) في ب، م: مانع في أمير المؤمنين. (2) في ب، م: والاذى فيه. (3) في ب، ~~م: وامتناع. (4) (أن تستدلوا.. ودخلوهم) ليس في ب، م. # --- PageV01P099 [ 100 ] # الموعودين بالاستخلاف على ما ذكرناه، لولا أنكم تخبطون فيما تذهبون إليه ~~خبط عشواء ؟ ! فصل ويقال لهم: أليس يمكنكم إضافة ما تلوتموه من هذه الاية ~~في أئمتكم إلى صادق عن الله تعالى فيجب العمل به، وإنما أسندتم قولكم فيه ~~إلى ضرب من الرأي والاعتبار الفاسد بما أوضحناه. وقد ورد عن تراجمة القرآن ~~من آل محمد صلى الله عليه واله في تأويلها ما هو أشبه من تأويلكم وأولى ~~بالصواب، فقالوا: إنها نزلت في عترة النبي صلى الله عليه واله وذريته ~~الائمة الاطهار عليهم السلام وتضمنت البشارة لهم بالاستخلاف، والتمكن في ~~البلاد، وارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدي منهم، فكانوا عليه السلام هم ~~المؤمنين العاملين الصالحات، بعصمتهم (1) من الزلات. وهم احق بالاستخلاف ~~على الانام ممن عداهم، لفضلهم على سائر الناس، وهم المدالون (2) على ~~أعدائهم في آخر الزمان، حتى يتمكنوا في البلاد، ويظهر دين الله تعالى بهم ~~ظهورا لا يستخفي على أحد من العباد، ويأمنون بعد طول خوفهم من الضالمين ~~المرتكبين في # --- # (1) في ب، م: الصالحين عصمهم الله. (2) المدالون: المنصورون، يقال: أداله ~~على عدوه: نصره. " الصحاح - دول - 4: 1700 ". وفي أ: الموالون، وفي ب، م: ~~المذلون. # --- PageV01P100 [ 101 ms051 ] # أذاهم الفساد (1)، وقد دل القرآن على ذلك وجاءت به الاخبار: قال الله ~~عزوجل: { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون ~~} (2). وقال تعالى: { وله أسلم من في السماوات والارض طوعا وكرها واليه ~~يرجعون } (3). وقال تعالى: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ~~ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا } (4). وكل هذه أمور منتظرة، غير ماضية ولا ~~موجودة في الحال. ومثلهم فيما بشرهم الله تعالى به من ذلك ما تضمنه قوله ~~تعالى: { ونريد أن نمن على الذين أستضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين * ونمكن لهم في الارض ونرى فرعون وهامان وجنودههما منهم ما كانوا ~~يحذرون } (5) وقوله تعالى في بني إسرائيل: { ثم رددنا لكم الكرة عليهم ~~وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } (6). ومما أنزله فيهم سوى ~~المثل لهم عليه السلام قوله تعالى: { الذين إن # --- # (1) في أ، ح: العناد. (2) سورة الانبياء 21: 105. (3) سورة آل عمران 3: ~~83. (4) سورة النساء 4: 159. (5) سورة القصص 28: 5، 6. (6) سورة الاسراء 17: 6. # --- PageV01P101 [ 102 ] # مكناهم في الارض أقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الامور } (1). فصار معاني جميع ما تلوناه راجعا إلى ~~الاشارة إليهم عليهم السلام بما ذكرناه. ويحقق. (2) ذلك ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه واله على الاتفاق من قوله: " لن تنقضي الايام والليالي حتي ~~يبعث الله رجلا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، يملاها قسطا وعدلا كما ملئت ~~ظلما وجورا " (3). وأما ما تعلقوا به من كاف المواجهة، فإنه لا يخل بما ~~شرحناه في التأويل من آل محمد عليهم السلام لان القائم من آل محمد والموجود ~~من أهل بيته في حياته هم من المواجهين في الحقيقة والنسب والحسب، وإن لم ~~يكن من أعيانهم، فإذا كان منهم بما وصفناه، فقد دخل تحت الخاطب، وبطل ما ~~توهم أهل الخلاف. فصل على أنه يقال لهم: ما الفصل بينكم فيما تأولتم به هذه ~~الاية (4) وبين من تأولها خلاف تأويلكم، فأوجب حكمها في غير من سميتم، ولجأ # --- # (1) سورة الحج 22: 41. (2) في ب، م: وتحقيق. (3) سنن أبى داود 4: 106، ~~سنن الترمذي 4: 52، مسند أحمد ms052 1: 376، 377، 430، 448. وراجع إحقاق الحق 13: ~~234 - 247. (4) (هذه الاية) ليس في ب، م. # --- PageV01P102 [ 103 ] # في صحة مقاله إلى مثل عيوبكم، فقال: إن الله جل اسمه بشر في هذه الاية ~~بالاستخلاف أبا سفيان صخر بن حرب، ومعاوية ويزيد ابني أبي سفيان، وذلك أني ~~قد وجدتهم انتظموا صفات الموعدين بالاستخلاف، وكانوا من الخائفين عند قوة ~~الاسلام لخلافهم على النبي صلى الله عليه وآله، فتوجه إليهم الوعد من الله ~~سبحانه بالامن من الخوف، بشرط الانتقال إلى الايمان، واستئناف الاعمال ~~الصالحات، والاستخلاف بعد ذلك، والتمكين لهم في البلاد، ثوابا لهم على طاعة ~~الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله، وترغيبا لهم في الايمان، فأجابوا ~~الله تعالى إلى ما دعاهم إليه، وأذعنوا بالاسلام، وعملوا الصالحات، فأمنوا ~~من المخوفات. واستخلفهم النبي صلى الله عليه وآله في حياته، كانوا من بعده ~~خلفاء لخلفائه الراشدين، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وآله أستخلف ~~أبا سفيان على سبي الطائف، وهم يؤمئذ ستة آلاف إنسان، واستعمله من بعد ذلك ~~على نجران فلم يزل عامله عليها حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو ~~خليفته فيها من غير عزل له ولا استبدال. واستعمل أيضا - صلوات الله عليه - ~~يزيد بن أبي سفيان على صدقات أخواله بني فراس بن غنم، فجباها (1) وقدم بها ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فلقيه أبوه أبو سفيان فطلب منه مال ~~الصدقات، فأبى أن يعطيه، فقال: # --- # (1) (فجباها) ليس في ب، ح، م. أنظر الاصابة 6: 341، الاعلام للزركلي 9: 237. # --- PageV01P103 [ 104 ] # إذا صرت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بذلك، فأخبره فقال له: " ~~خذ المال فعد به إلى أبيك ". فسوغه مال الصدقات كله، صلة لرحمه، وإكراما ~~له، وتمييزا له من كافة اهل الاسلام. واستعمل رسول الله صلى عليه وآله على ~~كتابته معاوية، وكان والي خليفتيه من بعده عمربن الخطاب وعثمان بن عفان، ~~وولى أبو بكر يزيد ابن أبي سفيان ربع أجناد الشام، وتوفي وهو خليفته على ~~ذلك، فأقره عمربن الخطاب إلى أن مات خلافته. وإذا كان أبو سفيان ومعاوية ms053 ~~ويزيد - ابناه - على ظاهر الاسلام والايمان والعمل الصالح، وكان لهم من ~~الخلافة في الاسلام ما وصفناه، ثم الذي حصل لمعاوية من الامرة بعد أمير ~~المؤمنين عليه السلام، وبيعة الحسن بن علي عليه السلام، وتسليم الامر إليه، ~~حتى سمي عامه (عام الجماعة) للاتفاق، ولم يسم عام أحد من الخلفاء قبله ~~بذلك، ثبت أنهم المعنيون في الآية ببشارة الاستخلاف، دون من ادعيتم له ذلك ~~بمعنى الاستدلال على ما انتظمتموه من الاعتبار. وهذا أشبه من تأويل ~~المعتزلة للاية في أبي بكر وعمر وعثمان، وهو ناقض لمذاهبهم، ومضاد لا ~~عتقاداتهم، ولا فضل لاحد منهم فيه إلا أن يرجع في العبرة (1) إلى ما ~~شرحناه، أو يعتمد في التفسير على الاثر حسبما قدمناه، فيبطل حينئذ توهمه ~~فيما تأوله على ما بيناه (2)، والحمد لله. # --- # 1) في العبرة) ليس في ب، ح، م. 2) (على ما بيناه) ليس في ب. # --- PageV01P104 [ 105 ] # فصل ثم يقال لهم أيضا: ألستم تعلمون أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط وعبد ~~الله بن أبي سرح قد كانا واليين على المسلمين من قبل عثمان بن عفان، وهو ~~إمام عدل عندكم مرضي الفعال، وقد كان مروان ابن الحكم كذلك، ثم خطب له على ~~المنابر في الاسلام بإمرة المومنين، كما خطب لعمر بن الخطاب وعثمان بن ~~عفان، وكذلك أيضا ابنه عبد الملك، ومن بعده من بني أمية، قد حكموا في ~~العباد وتمكنوا في البلاد، فبأي شئ تدفعون صرف معنى الآية إليهم، والوعد ~~بالاستخلاف لهم، وإدخالهم في جملة من سميتموه، وزعمتم أنهم أئمة عدل خلفاء، ~~واعتمدتم في صحة ذلك على ما ذكرناه في أمر ابي سفيان ومعاوية ويزيد - ابنيه ~~- حسبما شرحناه ؟ ! فلا يجدون مهربا من ذلك بما قدمناه على الترتيب الذي ~~رسمناه، وكذلك السوال عليهم في عمرو بن العاص وأبي موسى الاشعري، فإنهما ~~ممن كان على ظاهر الاسلام، والعمل الصالح عند الجمهور من الناس، وكانا من ~~المواجهين بالخطاب، وممن خاف في صدر الاسلام، وحصلت لهما ولايات (1) في ~~حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، وخلافة له، ولخلفائه على أصولهم ms054 بغير ~~إشكال، وليس يمكن لخصومنا دفع التأويل فيهما بما يتعلقون به في أمية وبني ~~(2) مروان من الخروج عن الخوف # --- # (1) في ب، ح، م: وحصلت لهم. (2) (بني) ليس في ب. # --- PageV01P105 [ 106 ] # في صدر الاسلام، وهذا كله تخليط ورطهم الجهل فيه بدين الله تعالى، ~~والعداوة (1) لاوليائه عليهم السلام. # --- # (1) في أ: والولاية. # --- PageV01P106 [ 107 ] # فصل فإن قال: قد وضح لي ما ذكرتموه في أمر هذه الآية، وأثبتموه في ~~معناها، كما ظهر الحق لي فيما تقدمها (1)، وانكشف بترادف الحجج التي ~~أوردتموها ماكان مستورا عني من ضعف تأول مخالفيكم لها، غير أني واصف ~~استدلالا لهم من آي اخر على ما يدعونه من إمامة أبي بكر وعمر، لاسمع ما ~~عندكم فيه، فإن أمره قد اشتبه علي ولست أجد محيصا عنه، وذلك أنهم قالوا: ~~وجدنا الله تعالى يقول في سورة الفتح: { سيقول لك المخلفون إذا انطلقتم إلى ~~مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا ~~كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ~~} (2). ثم قال: { قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما ~~توليتم، من قبل يعذبكم عذابا أليما } (3). # --- # (1) (في امر.. تقدمها) ليس في ب، م. (2) سورة الفتح 48: 15. (3) سورة ~~الفتح 48: 16. # --- PageV01P107 [ 108 ] # قالو: فحظر الله على نبيه صلى الله عليه وآله إخراج المخلفين معه بقوله: ~~{ قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل }. ثم أوجب عليهم الخروج مع الداعي ~~لهم من بعده إلى قتال القوم الذين وصفهم بالبأس الشديد من الكفار، وألزمهم ~~طاعته في قتالهم حتى يجيبوا إلى الاسلام ووجدنا الداعي لهم إلى ذلك من بعده ~~أبا بكر وعمر،. لان أبا بكر (1) دعاهم إلى قتال المرتدين، وكانوا اولي بأس ~~شديد على الحال المعروفة، ثم دعاهم عمربن الخطاب من بعده إلى قتال أهل ~~فارس، وكانوا كفارا أشداء، فدل ذلك على إمامتهما بما فرض الله تعالى في ~~كتابه من طاعتهما (2)، فهذا دليل للقوم على نظامه الذي حكيناه، ms055 فما قولكم ~~فيه ؟ قيل له: ما نرى في هذا الكلام - على إعجاب أهل الخلاف به - حجة تؤنس، ~~ولا شبهة تلتبس، وليس فيه أكثر من الدعوى العرية عن البرهان، ومن لجأ إلى ~~مثله فيما يجب بالحجة والبيان، فقد كشف عن عجزه وشهد على نفسه بالخذلان، ~~وذلك أن متضمن الآي ينبئ عن منع المخلفين من اتباع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله عند الانطلاق إلى المغانم التي سأله القوم اتباعه ليأخذوها (3)، وليس ~~فيه حظر عليه صلوات الله عليه وآله إخراجهم # --- # (1) (لان أبا بكر) ليس في ب، م. (2) ممن ذهب إلى هذا الرأي ابن جريج ~~والقرطبي والزمخشري والبيضاوي، انظر تفسير القرطبي 16: 272، الكشاف 4: 338، ~~تفسير البيضاوي 2: 410، الدر المنثور 7: 520. (3) في ب، ح، م، له وأخذها. # --- PageV01P108 [ 109 ] # معه في غير ذلك الوجه، ولا منع له كم من إيجاب الجهاد عليهم معه في مغاز ~~اخر. وبعد تلك الحال، فمن أين يجب، إذا كان الله تعالى قد أمره بإيذانهم ~~عند الرد لهم عن وجه الغنيمة بالدعوة فيما بعد إلى قتال الكافرين، أن يكون ~~ذلك بدعاء من بعده دون أن يكون بدعائه هو بنفسه صلوات الله عليه وآله، إذا ~~كان صلى الله عليه وآله قد دعا امته إلى قتال طوائف من الكفار أولي بأس ~~شديد بعد هذه الغزاة التي غنم المسلمون، وحظر الله تعالى فيها على المخلفين ~~الخروج، وهل فيما ذكروه من ذلك أكثر من الدعوى على ما وصفناه ؟ فصل ثم يقال ~~لهم: أليس الوجه الذي منع الله تعالى المخلفين من اتباع النبي صلى الله ~~عليه وآله فيه الوصول إلى الغائم منه بالخروج معه، هو فتح خيبر، الذي بشر ~~الله تعالى به أهل بيعة الرضوان على ما اتفق عليه أهل التفسير، وتواتر به ~~أهل السير والآثار (1) ؟ ! فلا بد من أن يقولوا: بلى. وإلا سقط الكلام معهم ~~فيما يتعلق بتأويل القرآن، ويرجع فيه إلى علماء التفسير ورواة الاخبار، إذا ~~ما وصفناه إجماع ممن سميناه. فيقال لهم: أو لستم تعلمون أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله قد غزا بعد غزوة خيبر ms056 غزوات عديدة، وسار بنفسه وأصحابه إلى ~~مواطن كثيرة، # --- # (1) معالم التنزيل 5: 170، الكشاف 4: 337، تفسير الرازي 28: 90، تفسير ~~القرطبي 16: 270 وغيرها. # --- PageV01P109 [ 110 ] # واستنفر (1) الاعراب وغيرهم فيها إلى جهاد الكفار، ولقي المسلمون في تلك ~~المقامات من أعدائهم ما انتظم وصف الله تعالى له بالبأس الشديد، لاسيما ~~بمؤتة (2) وحنين وتبوك سوى ما قبلها وبينها وبعدها من الغزوات ؟ ! ولا بد ~~أيضا من أن يقولوا: بلى. وإلا وضح من جهلهم ما يحظر مناظرتهم في هذا الباب. ~~فيقال لهم: فمن أين يخرج لكم مع ما وصفناه - أيها الضعفاء الاوغاد - وجوب ~~طاعة المخلفين من الاعراب بعد النبي صلى الله عليه وآله دون أن يكون هو ~~الداعي لهم بنفسه على ما بيناه ؟ فلا يجدون حيلة في إثبات ما ادعوه مع ما ~~شرحناه. فصل ثم يقال لهم: ينبغي أن تنتبهوا من رقدتكم، وتعلموا أن الله ~~تعالى لو أراد منع المخلفين من اتباع النبي صلى الله عليه وآله في جميع ~~غزواته - على ما ظننتموه - لما خص ذلك بوقت معين دون ما سواه، ولكان الحظر ~~له واردا على الاطلاق، وبما يوجب عمومه في كل حال، ولما لم يكن الامر كذلك، ~~بل كان مختصا بزمان الغنائم التي تضمن البشارة فيها القرآن، وبوصف مسألتهم ~~له بالاتباع دون حال الامتناع منه أو الاعراض (3) عن # --- # (1) في أ: واستبق، وفي م: استفز. (2) مؤته: قرية في حدود الشام. " معجم ~~البلدان 5: 219 ". (3) في أ، ب، م: والاعراض. # --- PageV01P110 [ 111 ] # السؤال، دل على بطلان ما توهمتموه، ووضح لكم بذلك الصواب. فصل آخر وقد ظن ~~بعض أهل الخلاف بجهله وقلة (1) علمه أن هؤلاء المخلفين من الاعراب هم ~~الطائفة الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك، وكانت ~~مظاهرة له بالنفاق، فتعلق فيما ادعاه من حظر النبي صلى الله وآله عليهم ~~الاتباع له على كل حال، بقوله جل اسمه في سورة التوبة: { فإن رجعك الله إلى ~~طائفة منهم استاذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عدوا ~~إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين } (2). فقال: هذا هو ~~المراد ms057 بقوله في سورة الفتح: { كذلكم قال الله من قبل } (3) وإذا كان قد ~~منعه من إخراجهم معه أبدا، ثبت أن الداعي لهم إلى قتال القوم الذين وصفهم ~~بالبأس الشديد هو غيره وذلك مصحح عند نفسه ما ادعاه من وجوب طاعة أبي بكر ~~وعمر وعثمان على ما قدمنا القول فيه وبيناه آنفا. فيقال له: أيها الغافل ~~الغبي الناقص، أين يذهب بك وهذه # --- # (1) في ب، ح، م: دون. وممن ذهب إلى هذا الرأي ابن زيد والجبائي والفخر ~~الرازي، انظر تفسير الطبري 26: 51، والثعالبي 4: 175 والفخر الرازي 28: 90. ~~(2) سورة التوبة 9: 83. (3) سورة الفتح 48: 15. # --- PageV01P111 [ 112 ] # الآية وما قبلها من قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنو مالكم إذا قيل لكم ~~انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الاخرة ~~فما متاع الحياة الدنيا في الاخرة إلا قليل } (1) نزلت في غزوة تبوك بإجماع ~~علماء الامة، ولتفصيل ما قبلها من التأول قصص طويلة قد ذكرها المفسرون، ~~وسطرها مصنفو السير والمحدثون ؟ ! ولا خلاف أن الآيات التي نزلت في سورة ~~الفتح نزلت في المخلفين عن الحديبية، وبين هاتين الغزوتين من تفاوت الزمان ~~مالا يختلف فيه اثنان من أهل العلم، وبين الفريقين أيضا في النعت والصفات ~~اختلاف في ظاهر القرآن. فكيف يكون ما نزل بتبوك - وهي في سنة تسع من الهجرة ~~- متقدما على النازل في عام الحديبية - وهي سنة ست - لولا أنك في حيرة تصدك ~~عن الرشاد ؟ ! ثم يقال له: فهب أن جهلك بالاخبار، وقلة معرفتك بالسير ~~والآثار، سهل عليك القول في تأويل القرآن بما قضى على بطلانه التأريخ ~~المتفق عليه بواضح البيان، أما سمعت الله جل اسمه يقول في المخلفين من ~~الاعراب: { ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا ~~يؤ تكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم، من قبل يعذبكم عذابا أليما } (2). # --- # (1) سورة التوبة 9: 38. (2) سورة الفتح 48: 16. # --- PageV01P112 [ 113 ] # فأخبر عن وقوع الدعوة لهم إلى القتال على الاستقبال، وإرجاء أمرهم في ~~الثواب والعقاب بشرطه في الطاعة منهم والعصيان، ولم يقطع بوقوع أحد الامرين ~~منهم على البيان. وقال ms058 جل اسمه في المخلفين الآخرين من المنافقين المذكورين ~~في سورة براءة: { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن ~~تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا ~~مع الخالفين * ولاتصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا ~~بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون } (1). فقطع على استحقاقهم العقاب (2) ~~وأخبر نبيه صلى الله عليه وآله بخروجهم من الدنيا على الضلال، ونهاه عن ~~الصلاة عليهم إذا فارقوا الحياة، ليكشف بذلك عن نفاقهم لسائر الناس، وشهد ~~عليهم بالكفر بالله عز اسمه وبرسوله صلى الله عليه وآله بصريح الكلام، ولم ~~يجعل لهم في الثواب شرطا على حال، وأكد ذلك بقوله تعالى: { ولا تعجبك ~~أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم ~~كافرون } (3). وهذا جزم من الله تعالى على كفرهم في الحال، وموتهم على الشرك # --- # (1) سورة التوبة 9: 83، 84. (2) في ب نسخة بدل، وفي ح: العذاب. (3) سورة ~~التوبة 9: 85. # --- PageV01P113 [ 114 ] # به، وسوء عاقبتهم وخلودهم في النار، وقد ثبت في (1) العقول فرق ما بين ~~المرجأ أمره فيما يوجب الثواب والعقاب (2)، وبين المقطوع له بأحدها (3) على ~~الوجوه كلها. وإن الارجاء لما ذكرناه، والشرط الذي ضمنه كلام الله تعالى ~~فيما تلوناه، لا يصح اجتماعه مع القطع، بما شرحناه من متضمن الآي الاخر على ~~ما بيناه، لشخص واحد ولا لاشخاص متعددة على جميع الاحوال، وإن من جوز (4) ~~ذلك وارتاب في معناه فليس بمحل من يناظر في الديانات، لانه لا يصير إلى ذلك ~~إلا بآفة تخرجه عن حد (5) العقلاء أو مكابرة ظاهرة وعناد، وهذا كاف في ~~فضيحة هؤلاء الضلال الذين حملهم الجهل بدين الله، والنصب لآل محمد نبيه صلى ~~الله عليه وآله على القول في القرآن بغير هدى ولا بيان، نسأل الله التوفيق، ~~ونعوذ به من الخذلان. فصل على أنا لو سلمنا لهم تسليم نظر ما توهموه من ~~تضمن الآية لوجوب طاعة داع للمخلفين من الاعراب إلى القتال بعد النبي صلى ~~الله عليه وآله # --- # (1) في أزيادة: بدائة. (2) (فيما.. والعقاب) ms059 ليس في ب، م. (3) في ب، ح، ~~م: العقاب. (4) في أ: جهل. (5) في ب: جد. # --- PageV01P114 [ 115 ] # على ما اقترحوه، واعتبرنا فيما ادعوه من ذلك لابي بكر وعمر وعثمان بمثل ~~ما اعتبروه، لكان بأن يكون دلالة على إمامة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ~~عليه السلام أولى من أن يكون دلالة على إمامة من ذكروه، وذلك أن أمير ~~المؤمنين عليه السلام قد دعا بعد النبي صلى الله عليه وآله إلى قتال ~~الناكثين بالبصرة والقاسطين بالشام والمارقين بالنهروان، واستنفر الكافة ~~إلى قتالهم وحربهم وجهادهم، حتى ينقادوا بذلك إلى دين الله تعالى الذي ~~فارقوه، ويخرجوابه عن الضلال الذي اكتسبوه، وقد علم كل من سمع الاخبار ما ~~كان من شدة أصحاب الجمل وصبرهم عند اللقاء، حتى قتل بين الفريقين على قول ~~المقل عشرة آلاف إنسان. وتقرر عند أهل العلم أنه لم تر حرب في جاهلية ولا ~~إسلام أصعب ولا أشد من حرب صفين، ولاسيما ما جرى من ذلك ليلة الهرير، حتى ~~فات أهل الشام فيها الصلاة، وصلى أهل العراق بالتكبير والتهليل والتسبيح، ~~بدلا من الركوع والسجود والقراءة، لما كانوا عليه من الاضطرار (1) بتواصل ~~اللقاء في القتال، حتى كلت السيوف بينهم لكثرة الضراب، وفنى النبل، وتكسرت ~~الرماح بالطعان، ولجأ كل امرئ منهم عند عدم سلاحه إلى قتال صاحبه بيده ~~وفمه، حتى هلك جمهورهم بما وصفناه، وانكشفت الحرب بينهم عن قتل نيف وعشرين ~~ألف (2) # --- # (1) في ب، ح، م: الاضطراب. (2) في ب، م: قتل عشرين ألف. # --- PageV01P115 [ 116 ] # إنسان على قول المقل أيضا، وضعف هذا العدد أو قريب من الضعف على قول ~~آخرين بحسب اختلافهم في الروايات. فأما أهل النهروان، فقد بلغ وظهر من ~~شدتهم وبأسهم وصبرهم على القتال مع أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة ~~والشام، ما لم يرتب فيه من أهل العلم (1) اثنان، وظهر من إقدامهم بعد ~~التحكيم على قتل النفوس والاستسلام للموت والبأس والنجدة ما يغني أهل العلم ~~به عن الاستدلال عليه، والاستخراج لمعناه، ولو لم يدل على عظم بأسهم وشدتهم ~~في القتال إلا أنهم كانوا ms060 بالاتفاق أربعة الآف إنسان، فصبروا على اللقاء ~~حتى قتل سائرهم سوى أربعة أنفس شذوا منهم على ما جاءت به الاخبار. ولم يجر ~~أمر أبي بكر وعمر في الدعوة مجرى أمير المؤمنين عليه السلام لانهما كانا ~~مكتفيين بطاعة الجمهور لهما، وانقياد الجماعات إلى طاعتهما، وعصبية الرجال ~~لهما، فلم يظهر من دعائهما إلى قتال من سير إليه الجيوش ما ظهر من أمر أمير ~~المؤمنين عليه السلام في الاستنفار والترغيب في الجهاد والترهيب من تركه ~~والاجتهاد في ذلك والتكرير له حالا بعد حال، لتقاعد الجمهور عن نصرته، ~~وخذلان من خذله من أعداء الله الشاكين في أمره والمعاندين له، وما مني به ~~من تمويه خصومه وتعلقهم في استحلال قتاله بالشبهات. ثم لم يبن من شدة أهل ~~الردة وفارس مثل ما ذكرناه من أهل # --- # (1) في أ: الاسلام. (*) # --- PageV01P116 [ 117 ] # البصرة والشام والنهروان على ما شرحناه، بل ظهر منهم خلاف ذلك، لسرعة ~~انفضاضهم عمن لقيهم من أهل الاسلام، وتفرقهم وهلاكهم بأهون سعي، وأوحى (1) ~~مدة، وأقرب مؤنة، على ما تواترت به الآثار، وعلمه كافة من سمع الاخبار، ~~فبان بما وصفناه أننا مع التسليم للخصوم بما ادعوه في معنى الآية، ~~وباعتبارهم الذي اعتمدوه، أولى بالحجة منهم في صرف تأويلها إلى إمامة أمير ~~المؤمنين عليه السلام، دون من سموه على ما قدمناه. ولو تكافأ القولان، ولم ~~يكن لاحدهما رجحان على صاحبه في البرهان، لكانت المكافأة مسقطه لما حكموا ~~به من تخصيص أبي بكر وعمر، بدلالة الآية على الترتيب الذي أصلوا الكلام ~~عليه في الاستدلال، وهذا ظاهر جلي ولله الحمد. فصل قد كان بعض متكلمي ~~المعتزلة رام الطعن في هذا الكلام، بأن قال: قد ثبت أن القوم الذين فرض ~~الله تعالى قتالهم بدعوة من أخبر عنه كفار خارجون عن ملة الاسلام، بدلالة ~~قوله تعالى: { تقاتلونهم أو يسلمون } (2). # --- # (1) الوحى: السرعة. " الصحاح. وحى - 6: 252 "، وفي ب، ح، م: وفي أرحى. ~~(2) سورة الفتح 48: 16. # --- PageV01P117 [ 118 ] # وأهل البصرة والشام والنهروان - فيما زعم - لم يكونوا كفارا، بل كانوا من ~~أهل ملة الاسلام إلا أنهم فسقوا عن الدين، ms061 وبغوا على الامام، فقاتلهم بقوله ~~تعالى: { وإن طائفتان من المؤمينن اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما ~~على الاخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفيئ إلى أمر الله } (1). وأكد ذلك عند ~~نفسه بسيرة أمير المؤمنين عليه السلام فيهم، وبخبر رواه عنه عليه السلام، ~~أنه سئل عنهم، فقال: " إخواننا بغوا علينا } (2) ولم يخرجهم عن حكم أهل ~~الاسلام. قال: فثبت بذلك أن الداعي إلى قتال من سماه الله تعالى ووصفه ~~بالبأس الشديد (3) إنما هو أبو بكر وعمر دون أمير المؤمنين عليه السلام، ~~فصل فقلت له: ما أبين غفلتك، وأشد عماك ! أنسيت قول أصحابك في المنزلة بين ~~المنزلتين، وإجماعهم على من استحق التسمية بالفسق خارج بما به استحق ذلك عن ~~الايمان والاسلام، غير سائغ تسميته بأحد هذين الاسمين في الدين على التقييد ~~والاطلاق، أم جهلت هذا من أصل الاعتزال، أم تجاهلت وارتكبت العناد ؟ ! # --- # (1) سورة الحجرات 49: 9. (2) قرب الاسناد: 45، سنن البيهقي 8: 182، حياة ~~الصحابة 2: 496. (3) في ب، ح، م: والشدة. # --- PageV01P118 [ 119 ] # أو لست تعلم أن المتعلق بإيجاب الاسلام على أهل البصرة والشام (1) ~~والنهروان لا يلزم بذلك إكفارهم، ولا يمنعه من نفي الكفر عنهم، بحسب ما ~~نبهناك عليه من مقالة أصحابك في الاسماء والاحكام، فكيف ذهب عليك هذا الوجه ~~من الكلام، وأنت تزعم أنك متحقق بعلم الحجاج ؟ ! فاستحى لذلك وبانت فضيحته، ~~بما كان يدافع به من الهذيان. فصل قال بعض المرجئة وكان حاضر الكلام: قد ~~نجونا نحن من المناقضة التي وقع فيها أهل الاعتزال، لانا لا نخرج أحدا من ~~الاسلام إلا بكفر يضاد الايمان، فيجب على هذا الاصل أن يكون الكلام بيننا ~~في إكفار القوم على ما تذهبون إليه، وإلا لزمكم معنى الآي. فقلت له: لسنا ~~نحتاج إلى ما ظننت من نقل الكلام على الفرع (2)، وإن كان مذهبك في الاسماء ~~ما وصفت، لان الاسلام عندنا وعندك إنما هو الاستسلام والانقياد، ولا خلاف ~~بيننا أن الله عزوجل قد أوجب على محاربي أمير المؤمنين عليه السلام مفارقة ~~ما هم عليه بذلك من العصيان، وألزمهم الاستسلام له والانقياد إلى ما يدعوهم ~~إليه، من ms062 الدخول في الطاعة وكف القتال، فيكون قوله تعالى: { تقاتلونهم أو # --- # (1) (والشام) ليس في ب، ح، م. (2) (على الفرع) ليس في ب، ح، م. # --- PageV01P119 [ 120 ] # يسلمون } (1) خارجا على هذا المعنى الذي ذكرناه، وهو موافق لاصلك، وجار ~~على أصل اللغة التي نزل بها القرآن. فلحق بالاول في الانقطاع، ولم أحفظ منه ~~إلا عبارات فارغة داخلة في باب الهذيان. فصل على أنه يقال للمعتزلة ~~والمرجئة والحشوية جميعا: لم أنكرتم إكفار محاربي أمير المؤمنين عليه ~~السلام، وقد فارقوا طاعة الامام العادل وأنكروها، وردوا فرائض الله تعالى ~~عليه وجحدوها، واستحلوا دماء امؤمنين وسفكوها، وعادوا أولياء الله المتقين ~~في طاعته، ووالوا أعداءه الفجرة الفاسقين في معصيته، وأنتم قد أكفرتم مانعي ~~أبي بكر الزكاة، وقطعتم بخروجهم عن ملة الاسلام ؟ ! ومن سميناه قد شاركهم ~~في منع أمير المؤمنين عليه السلام الزكاة، وأضاف إليه من كبائر الذنوب ما ~~عددناه، وهل فرقكم بين الجميع في أحكام الكفر (2) والايمان إلا عناد في ~~الدين وعصبية للرجال. فصل فإن قالوا: مانعو الزكاة إنما منعوها على وجه ~~العناد، ومحاربو أمير المؤمنين إنما حاربوه ومنعوه زكاتهم واستحلوا الدماء ~~في خلافه على # --- # (1) سورة الفتح 48: 16. (2) في ب، م: في الاحكام. # --- PageV01P120 [ 121 ] # التأويل دون العناد، فلهذا افترق الامران. قيل لهم: انفصلوا (1) ممن قلب ~~القصة عليكم، فحكم على محاربي أمير المؤمنين عليه السلام في حروبه، ~~واستحلال دماء المؤمنين من أصحابه، ومنعه الزكاة وإنكار حقوقه بالعناد، ~~وحكم على مانعي أبي بكر الزكاة بالشبهة والغلط في التأويل، وهذا أولى بالحق ~~والصواب، لان أهل اليمامة لم يجحدوا فرض الزكاة، وأنما أنكروا فرض حملها ~~إلى أبي بكر، وقالوا: نحن نأخذها من أغنيائنا، ونضعها في فقرائنا، ولا نوجب ~~على أنفسنا حملها إلى من لم يفترض له ذلك علينا بسنة ولا كتاب. ولم نجد ~~لمحاربي أمير المؤمنين عليه السلام حجة في خلافه واستحلال قتاله ولا شبهة ~~أكثر من أنهم نكثوا بيعته فقد أعطوه إياها من أنفسهم بالاختيار، وادعوا ~~بالعناد أنهم أجابوا إليها بالاضطرار، وقرفوه (2) بقتل عثمان وهم يعلمون ~~اعتزاله فتنة عثمان، وطالبوه بتسليم قتلته إليهم ms063 وليس لهم في الارض سلطان، ~~ولا يجوز تسليم القوم إليهم على الوجوه كلها والاسباب، ودعاه المارقون منهم ~~إلى تحكيم الكتاب، فلما أجابهم إليه زعموا أنه قد كفر بإجابتهم إلى الحكم ~~بالقرآن، وهذا ما لا يخفى العناد من جماعتهم فيه على أحد من ذوي الالباب. # --- # (1) في ب، م: انقضوا. (2) قرفه: اتهمه. " الصحاح - قرف - 4: 1415 ". # --- PageV01P121 [ 122 ] # فصل فإن قالوا: فأذا كان محاربو أمير المؤمنين عليه السلام كفارا عندكم ~~بحربه، مرتكبي العناد في خلافه، فما باله عليه السلام لم يسر فيهم بسيرة ~~الكفار فيجهز على جرحاهم، ويتبع مدبرهم، ويغنم جميع أموالهم، ويسبي نساء هم ~~وذراريهم، وما أنكرتم أن يكون عدوله عن ذلك في حكمهم يمنع من صحة القول ~~عليهم بالاكفار ؟ قيل لهم: إن الذي وصفتموه في حكم الكفار إنما هو شئ يختص ~~بمحاربي المشركين، ولم يوجد في حكم الاجماع والسنة فيمن سواهم من سائر ~~الكفار، فلا يجب أن يعدى منهم إلى غيرهم بالقياس، ألا ترون أن أحكام ~~الكافرين تختلف، فمنهم من يجب قتله على كل حال، ومنهم من يجب قتله بعد ~~الامهال، ومنهم الجزية ويحقن دمه بها ولا يستباح، ومنهم من لا يحل دمه ولا ~~تؤخذ منه الجزية على حال، ومنهم من يحل نكاحه ومنهم من يحرم بالاجماع، فكيف ~~يجب اتفاق الاحكام من الكافرين على ما أوجبتموه فيمن سميناه، إذا كانوا ~~كفارا، وهي على ما بيناه في دين الاسلام من الاختلاف ؟ ! فصل ثم يقال لهم: ~~خبرونا هل تجدون في السنة أو الكتاب أو الاجماع الحكم (1) في طائفة من ~~الفساق بقتل المقبلين منهم وترك المدبرين، وحظر # --- # (1) (الحكم) ليس في ب، م (*). # --- PageV01P122 [ 123 ] # الاجهاز على جرحى المقاتلين وغنيمة ما حوعسكر هم دون ما سواه من امتعتهم ~~وأموالهم أجمعين ؟ فإن ادعوا معرفة ذلك ووجوده طولبوا بتعيينه فيمن عدا ~~البغاة من محاربي أمير المؤمنين عليه السلام، فإنهم يعجزون عن ذلك، ولا ~~يستطيعون إلى إثباته سبيلا. وإن قالوا: إن ذلك، وإن كان غير موجود في طائفة ~~من الفاسقين، فحكم أمير المؤمنين عليه السلام به في البغاة دليل على ms064 أنه في ~~السنة أو الكتاب (1)، وإن لم يعرف وجه التعيين. قيل لهم: ما أنكرتم أن يكون ~~حكم أمير المؤمنين عليه السلام في البغاة ممن سميتموه دليلا على أنه حكم ~~الله تعالى قي طائفة من الكافرين موجود في السنة والكتاب، وإن لم يعرف ~~الجمهور الوجه في ذلك على التعيين، فلا يجب أن يخرج القوم من الكفر ~~لتخصيصهم من الحكم بخلاف ما حكم الله تعالى به فيمن سواهم من الكافرين، كما ~~لا يجب خروجهم من الفسق بتخصيصهم من الحكم بخلاف ماحكم الله تعالى به فيمن ~~سواهم من (2) الفاسقين، وهذا ما لافصل فيه. فصل على أن أكثر المعتزلة ~~يقطعون بكفر المشبهة والمجبرة، ولا # --- # (1) في ب: في السنة والكتاب. (2) (الكافرين كما.. سواهم من) ليس في أ، ب، م (*). # --- PageV01P123 [ 124 ] # يخرجونهم بكفرهم عن الملة، ويرون (1) الصلاة على أمواتهم، ودفنهم في ~~مقابر المسلمين، وموارثتهم، ومنهم من يرى مناكحتهم، ولا يلحقونهم بغيرهم من ~~الكفار في أحكامهم المضادة لما وصفناه، ولا يلزمون أنفسهم مناقضة في ذلك. ~~وأبو هاشم الجبائي (2) خاصة يقطع بكفر من ترك الكفر وأقام على قبيح أو حسن ~~يعتقد قبحه، ولا يجري عليه شئيا من أحكام الكافرين من قتل، أو أخذ جزية، أو ~~منع من موارثة، أو دفن في مقابر المسلمين، أو صلاة عليه بعد أن يكون مظهر ~~للشهادتين، والاقرار بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله على ~~الاجمال، وهذا يمنعه فيمن تقدم ذكره من المعتزلة وأصحابهم من المطالبة في ~~محاربي أمير المؤمنين عليه السلام بما سلف حكايته عن الخصوم، ولا يسوغ لهم ~~الاعتماد بذكر الاسلام من الاذى (3). فصل فإن قالوا: كيف يصح لكم إكفار أهل ~~البصرة والشام وقد سئل # --- # (1) في أ: بكفرهم عن المسألة، وترك. (2) هو عبد السلام بن محمد بن عبد ~~الوهاب الجبائي، أبو هاشم، من كبار المعتزلة، عالم بالكلام، له آراء انفرد ~~بها عنهم، وله مصنفات في الاعتزال، ولد ببغداد، وتوفي بها في سنة 321 ه. ~~انظر " تاريخ بغداد 11: 55 / 5735، وفيات الاعيان 3: 183 / 383، سير أعلام ~~النبلاء 15: 63 / 32 ". (3) (ولا يسوغ.. الاذى) ms065 ليس في ب، ح، م (*). # --- PageV01P124 [ 125 ] # أمير المؤمنين عليه السلام عنهم، فقال: " إخواننا بغوا علينا " (1)، ولم ~~ينف عنهم الايمان، ولاحكم عليهم بالشرك والاكفار ؟ ! قيل لهم: هذا خبر شاذ، ~~لم يأت به التواتر من الاخبار، ولا أجمع على صحته رواة الآثار، وقد قابله ~~ما هو أشهر منه، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وأكثر نقلة، وأوضح طريقا في ~~الاسناد، وهو أن رجلا سأل أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة، والناس ~~مصطفون للحرب، فقال له: علام نقاتل هؤلاء القوم - يا أمير المؤمنين - ~~ونستحل دماءهم وهم يشهدون شهادتنا، ويصلون إلى قبلتنا ؟ فتلا عليه السلام ~~هذه الآية، رافعا بها صوته: { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ~~دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } (2). فقال ~~الرجل حين سمع ذلك: كفار، ورب الكعبة. وكسر جفن سيفه ولم يزل يقاتل حتى قتل ~~(3). وتظاهر الخبر عنه عليه السلام أنه قال يوم البصرة: " والله ما قوتل ~~أهل هذه الآية حتى اليوم: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف ~~ياتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون ~~في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل # --- # (1) تقدم مع تخريجاته في ص 118. (2) سورة التوبة: 9: 12. (3) الاحتجاج: ~~169 - 170 (*). # --- PageV01P125 [ 126 ] # الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم } (1). وجاء مثل ذلك عن عمار وحذيفة ~~رحمة الله عليهما (2)، وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه آله، فالامر ~~في اجتماع أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام على إكفار عثمان والطالبين بدمه ~~وأهل النهروان أظهر من أن يحتاج فيه إلى شرح وبيان، وعنه أخذت الخوارج ~~مذهبها الموجود في أخلافها اليوم من الاكفار لعثمان بن عفان وأهل البصرة ~~والشام، وإن كانت الشبهة دخلت عليهم في سيرته عليه السلام فيهم، وما ~~استعمله من الاحكام حتى ناظره أسلافهم عند مفارقتهم له فحججهم (3) بما قد ~~تواترت به الاخبار. فصل على أنا لو سلمنا لهم الحديث في وصفهم بالاخوة له ~~عليه السلام، لما منع من كفرهم، كما لم يمنع من بغيهم، ولم يضاد ms066 ضلالهم ~~باتفاق مخالفينا، ولافسقهم عن الدين واستحقاقهم اللعنة والاستخفاف والاهانة ~~وسلب اسم الايمان عنهم والاسلام، والقطع عليهم بالخلود في الجحيم. # --- # (1) أمالي الطوسي 1: 130، تفسير العياشي 2: 79 / 27، مناقب ابن شهر آشوب ~~148 3، شواهد التنزيل 1: 209 / 280 و281، والآية من سورة المائدة 5: 54. ~~(2) تفسير التبيان 3: 555، مجمع البيان 3: 321، مناقب ابن شهر آشوب 3: 148. ~~(3) في م: في حبهم (*). # --- PageV01P126 [ 127 ] # قال الله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا } (1)، فأضافه إليهم بالاخوة وهو ~~نبي الله وهم كفار بالله عزوجل. وقال تعالى: { وإلى ثمود أخاهم صالحا } ~~(2). وقال: { وإلى مدين أخاهم شعيبا } (3) ولم يناف ذلك كفرهم، ولاضاد ~~ظلالهم وشركهم، فأحرى أن لا يضاد تسمية أمير المؤمنين عليه السلام محاربيه ~~بالاخوة مع كفرهم بحربه، وضلالهم عن الدين بخلافه، وهذا بين لا إشكال فيه. ~~فصل ومما يدل على كفر محاربي أمير المؤمنين عليه السلام علمنا بإظهارهم ~~التدين بحربه، والاستحلال لدمه ودماء المؤمنين من ولده وعترته وأصحابه، وقد ~~ثبت أن استحلال دماء المؤمنين أعظم عند الله من استحلال (4) جرعة خمر، ~~لتعاظم المستحق (5) عليه من العقاب بالاتفاق. وإذا كانت الامة مجمعة على ~~إكفار مستحل الخمر، وإن شهد الشهادتين وأقام الصلاة وآتى الزكاة، فوجب ~~القطع على كفر مستحل # --- # (1) سورة الاعراف 7: 65، سورة هود 11: 50. (2) سورة الاعراف 7: 73، سورة ~~هود 11: 61. (3) سورة الاعرف 7: 85، سورة هود 11: 84. (4) في أزيادة: شرب. ~~(5) في ب: المستحل (*). # --- PageV01P127 [ 128 ] # دماء المؤمنين، لانه أكبر (1) من ذلك وأعظم في العصيان بما ذكرناه، وإذا ~~ثبت ذلك صح الحكم بإكفار محاربي أمير المؤمنين عليه السلام على ما وصفناه. ~~دليل آخر: ويدل على ذلك أيضا ما تواترت به الاخبار من قول النبي صلى الله ~~عليه وآله لعلي عليه السلام: " حربك - يا علي - حربي، وسلمك سلمي " (2). ~~وقد ثبت أنه لم يرد بذلك الخبر عن كون حرب أمير المؤمنين عليه السلام حربه ~~على الحقيقة، وإنما أراد التشبيه في الحكم دون ما عداه، وإلا كان الكلام ~~لغوا ظاهر الفساد، وإذا كان حكم حربه عليه السلام كحكم حرب الرسول صلى الله ~~عليه وآله وجب إكفار محاربيه، كما يجب بالاجماع إكفار محاربي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله. دليل ms067 آخر: وهو أيضا ما أجمع على نقله حملة الآثار من قول ~~الرسول صلى الله عليه وآله: " من آذى عليا فقد آذاني، ومن آذاني، فقد آذى ~~الله تعالى " (3) ولا خلاف بين أهل الاسلام أن المؤذي للنبي صلى الله عليه ~~وآله بالحرب والسب والقصد له بالاذى والتعمد لذلك كافر، خارج عن ملة ~~الاسلام، فإذا ثبت ذلك وجب الحكم بإكفار محاربي أمير المؤمنين عليه السلام ~~بما أوجبه # --- # (1) في أ: أكثر، وفي ب، م: أكفر. (2) أمالي الطوسي 1: 374، تفسير فرات: ~~181، مناقب ابن شهر آشوب 3: 217، مناقب الخوارزمي: 76، مناقب ابن المغازلي: ~~50 / 73، الفصول المختارة: 197. (3) الرياض النضرة 3: 122، ذخائر العقبى: ~~65، الجامع الصغير للسيوطي: 122، ينابيع المودة: 205، مناقب ابن شهر آشوب ~~3: 211 (*). # --- PageV01P128 [ 129 ] # النبي صلى الله عليه وآله من ذلك بما بيناه. دليل آخر: وهو أيضا ما ~~انتشرت به الاخبار، وتلقاه العلماء بالقبول عن رواة الآثار، من قول النبي ~~صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام: " اللهم وال من والاه، ~~وعاد من عاداه ". وقد ثبت أن من عادى الله تعالى وعصاه على وجه المعاداة ~~فهو كافر خارج عن الايمان، فإذا ثبت أن الله تعالى لا يعادي أولياءه وإنما ~~يعادي أعداءه، وصح أنه تعالى معاد لمحاربي أمير المؤمنين عليه السلام ~~لعداوتهم له، بما ذكرناه من حصول العلم بتدينهم بحربه عليه السلام بما ثبت ~~به عداوة محاربي رسول الله صلى الله عليه وآله ويزول معه الارتياب، وجب ~~إكفارهم على ما قدمناه. وقد استقصيت الكلام في هذا الباب في كتابي المعروف ~~ب (المسألة الكافئة) (2) وفيما أثبته منه هاهنا كفاية، إن شاء الله. فصل ثم ~~يقال للمعتزلة ومن وافقهم في إنكار إمامة معاوية بن أبي # --- # (1) أمالي الصدوق: 460 / 2، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 47 / 183 ~~و59 / 227، مشكل الآثار 2: 307، مسند أحمد 1: 88 و4: 370، أخبار أصفهان 2: ~~227، تاريخ بغداد 14 / 236، مستدرك الحاكم 3: 110. (2) ذكر هذا الكتاب ~~تلميذاه النجاشي والطوسي وسمياه " المسألة الكافئة في إبطال توبة الخاطئة ~~". انظر رجال النجاشي: 399، فهرست الطوسى: 158 (*). # --- PageV01P129 [ 130 ] # سفيان وبني امية من عقلاء أصحاب الحديث: ما الفرق بينكم فيما تأولتم به ~~الآية، وأوجبتم ms068 به منها طاعة أبي بكر وعمر، وبين الحشوية فيما أوجبوا به ~~منها طاعة معاوية وبني امية وجعلوه حجة لهم على إمامتهم، وعموا بالمعني بها ~~أبا بكر وعمر وعثمان ومن ذكرناه. وذلك أن أكثر فتوح الشام وبلاد المغرب ~~والبحرين والروم وخراسان كانت على يد معاوية بن أبي سفيان وامرائه كعمرو بن ~~العاص وبسر بن أرطاة ومعاوية بن حديج وغير من ذكرناه، ومن بعدهم على أيدي ~~بني امية وأمرائهم بلا اختلاف. فإن جروا (1) على ذلك خرجوا عن اصولهم، ~~وزعموا أن الله سبحانه أوجب طاعة الفاسقين، وأمر باتباع الظالمين، ونص على ~~إمامة المجرمين، وإن امتنعوا منه لعلة من العلل مع ما وصفناه من قتالهم بعد ~~النبي صلى الله عليه وآله لقوم كفار أولي بأس شديد منعوا من ذلك في الرجلين ~~بمثلها، فلا يجدون فصلا مع ما يلحق مقالتهم من الخلل والتناقض بالتخصيص على ~~التحكم دون الحجة والبيان، ومن الله نسأل التوفيق. # --- # (1) في ب، ح، أ: أقروا (*). # --- PageV01P130 [ 131 ] # فصل فإن قال: قد قطعتم عذري في الجواب عما تعلق به خصماؤكم من تأويل هذه ~~الآية، وأزلتم - بحمد الله - ما اشتبه علي من مقالهم فيها، ولكن كيف يمكنكم ~~تأويل قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم } (1). وقد علمتم أنه لم يقاتل المرتدين بعد النبي صلى الله عليه وآله ~~إلا أبو بكر، فوجب أن يكون إماما وليا لله تعالى بما ضمنه التنزيل، وهذا ~~مالانرى لكم عنه محيصا ؟ ! قيل له: قد بينا فيما سلف وجه التأويل لهذه ~~الآية، وذكرنا (2) عن خيار الصحابة أنها نزلت في أهل البصرة، بما رويناه عن ~~حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر، وقد جاءت الاخبار بمثل ذلك عن أمير # --- # (1) سورة المائدة 5: 54. (2) تقدم البحث حوله مع التخريجات في ص 125 و126 # --- PageV01P131 [ 132 ] # المؤمنين عليه السلام، ووردت بمعناه عن عبد الله بن مسعود، ms069 ودللنا أيضا ~~على كفر محاربي أمير المؤمنين عليه السلام بما لا يخفى الصواب فيه على ذوي ~~الانصاف، وذلك موجب لردتهم عن الدين الذي دعا الله تعالى إليه العباد، فبطل ~~صرف تأويلها عن هذا الوجه إلى ما سواه. فصل مع أن متضمن الآية وفوائدها وما ~~يتصل بها مما بعدها يقضي بتوجهها إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فإنه ~~المعني بالمدحة فيها، والمشار إليه في جهاد المرتدين دون من ظنوه بغير ~~بصيرة وتوهموه. وذلك أن الله سبحانه توعد المرتدين عن دينه بالانتقام منهم ~~بذي صفات مخصوصة بينها في كتابه، وعرفها كافة عباده، بما يوجب لهم العلم ~~بحقائقها، وكانت بالاعتبار الصحيح خاصة لامير المؤمنين عليه السلام دون ~~المدعى له ذلك بما لا يمكن دفعه إلا بالعناد: فأولها: وصفهم بأنهم يحبون ~~الله تعالى ويحبهم الله. وقد علم كل من سمع الاخبار اختصاص أمير المؤمنين ~~عليه السلام بهذا الوصف من الرسول صلى الله عليه وآله، وشهادته له به يوم ~~خيبر حيث يقول: " لاعطين الرايد غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ~~ورسوله، كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه " (1) فأعطاها ~~عليا عليه السلام، ولم # --- # (1) تقدم مع تخريجاته في ص 34 (*). # --- PageV01P132 [ 133 ] # يرد خبر ولا جاء أثر بأنه صلى الله عليه وآله وصف أبا بكر ولا عمر ولا ~~عثمان بمثل ذلك في حال من الاحوال، بل مجئ هذا الخبر بوصف أمير المؤمنين ~~عليه السلام بذلك عقيب ما كان من أبي بكر وعمر في ذلك اليوم من الانهزام، ~~وإتباعه بوصف الكرار دون الفرار، موجب لسلب الرجلين معنى هذه المدحة كما ~~سلبهما مدحة الكر، وألزمهما ذم الفرار. وثانيها: وصف المشار إليه في الآية ~~باللين على المؤمنين والشدة على الكافرين، حيث يقول جل اسمه: { أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } ~~(1). وهذا وصف لا يمكن أحدا دفع أمير المؤمنين عليه السلام عن استحقاقه ~~بظاهر ما كان عليه من شدته على الكافرين، ونكايته في المشركين، وغلظته على ~~الفاسقين، ومقاماته المشهورة في ms070 تشييد الملة ونصرة الدين، ورأفته ~~بالمؤمنين، ورحمته للصالحين. ولا يمكن أحدا ادعاؤه لابي بكر إلا بالعصبية، ~~أو الظن دون اليقين، لانه لم يعرف له قتيل في الاسلام، ولا بارز قرنا، ولم ~~ير له (2) موقف عني فيه بين يدي النبي صلى الله عليه وآله (3)، ولا نازل ~~بطلا، ولا سفك بيده لاحد المشركين دما، ولا كان له فيهم جريح، ولم يزل من ~~قتالهم هاربا، ومن حربهم ناكلا، وكان على المؤمنين غليظا، ولم يكن بهم رحيما. # --- # (1) سورة المائدة 5: 54. - (2) (بارز.. له) ليس في أ، ب، م. (3) في ب، ~~زيادة: ولا بارز قرنا (*). # --- PageV01P133 [ 134 ] # ألا ترى ما فعله بفاطمة سيدة نساء العالمين عليها السلام وما أدخله من ~~الذل على ولدها، وما صنع بشيعتها (1)، وما كان من شدته على صاحب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وعامله على الصدقات، ومن كان في حيزه من المسلمين حتى ~~سفك دماءهم بيد المنافق الرجيم (2)، واستباح حريمهم بما لا يوجب ذلك في ~~الشرع والدين. فثبت أنه كان من الاوصاف على ضد ما أوجبه الله تعالى في حكمه ~~لمن أخبر عن الانتقام به من المرتدين. ثم صرح تعالى فيما أوصله بالآية (3) ~~من الذكر الحكيم ينعت (4) أمير المؤمنين عليه السلام، وأقام البرهان الجلي ~~على أنه عناه بذلك وأراده خاصة، بما أشار به من صفاته التي تحقق بالانفراد ~~بها من العالمين. فقال جل اسمه: { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله ~~والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون } (5). فصارت الآية متوجهة إلى أمير ~~المؤمنين عليه السلام بدلالة متضمنها، وما اتصل بها على حسب ما شرحناه، ~~وسقط توهم المخالف فيما ادعاه لابي # --- # (1) للتوسع في هذا البحث راجع الشافي 4: 57 - 123، تقريب المعارف: 163 - ~~168، الصراط المستقيم 2: 282 - 302، نهج الحق: 265 - 272. (2) في أ: ~~الذميم. (3) في ب، ح، م: ثم خرج به جل اسمه بما وصله في الآية. (4) في ب، ~~ح، م: حازه بدل (بنعت). (5) سورة المائدة 5: 55: 56 (*). # --- PageV01P134 [ 135 ] # بكر على ما بيناه. فصل ويؤيد ذلك إنذار رسول ms071 الله صلى الله عليه وآله ~~قريشا بقتال أمير المؤمنين عليه السلام لهم من بعده، حيث جاءه سهيل بن عمرو ~~(1) في جماعة منهم، فقالوا: يا محمد، إن أرقاءنا لحقوا بك فارددهم علينا. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لتنتهن - يا معشر قريش - أو ليبعثن ~~الله عليكم رجلا يضر بكم على تأويل القرآن كما ضربتكم على تنزيله ". فقال ~~له بعض أصحابه: من هو - يارسول الله - أبو بكر ؟ ! فقال: " لا " فقال: فعمر ~~؟ ! فقال: " لا، ولكنه خاصف النعل في الحجرة " وكان علي عليه السلام يخصف ~~نعل رسول الله صلى عليه وآله في الحجرة (2). وقوله صلى الله عليه وآله ~~لامير المؤمنين عليه السلام: " تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين " (3) # --- # (1) سهيل بن عمرو بن عبد شمس، القرشي العامري من لؤي، خطيب قريش وأحد ~~ساداتها في الجاهلية، أسلم يوم الفتح بمكة، وهو الذي تولى أمر الصلح ~~بالحديبية. توفي بالشام في 18 ه. " سير أعلام النبلاء 1: 194 / 25، الجرح ~~والتعديل 4: 245 / 1058، صفوة الصفوة 1: 731 / 112، الاصابة 3: 146 / 3566 ~~". (2) إرشاد المفيد: 64، صحيح الترمذي 5: 634 / 3751، مستدرك الحاكم 2: ~~125 و137، مسند أحمد 3: 82، مناقب ابن المغازلي: 438 - 440، دلائل النبوة ~~للبيهقي 6: 435. (3) مستدرك الحاكم 3: 139، اسد الغابة 4: 33، تاريخ بغداد ~~13: 187، مجمع الزوائد 6: 235، مناقب الخوارزمي: 122 و125، الطرائف: 104 / ~~154، فرائد السمطين 1: 282 / 221 (*). # --- PageV01P135 [ 136 ] # وقول الله عزوجل: { فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون } (1). وهي في قراءة ~~عبد الله بن مسعود: منهم بعلي منتقمون (2) وبذلك جاء التفسير عن علماء ~~التأويل (3). وإذا كان الامر على ما وصفناه، ولم يجر لابي بكر وعمر في حياة ~~النبي صلى الله عليه وآله ما ذكرناه، فقد صح أن المراد بمن ذكرناه أمير ~~المؤمنين عليه السلام خاصة على ما بيناه. وقد صح أنه المراد بقوله تعالى: { ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } (4) على ما فصلنا القول به من انتظام ~~الكلام ودلالة معانيه، وما في السنة مما بينا الغرض فيه وشرحناه. فصل على ~~أنا متى حققنا النظر في متضمن هذه الآية، ولم نتجاوز المستفاد من ظاهرها، ~~وتأويله على مقتضى اللسان إلى القرائن من الاخبار على نحو ما ms072 ذكرناه آنفا، ~~لم نجد في (5) ذلك أكثر من الاخبار # --- # (1) سورة الزخرف 43: 41. (2) (وهي في.. منتقمون) ليس في ب، ح. (3) انظر ~~الفرودس 3: 154 / 4417، شواهد التنزيل ج 2: 151 - 155، الدر المنثور 7: ~~380. (4) سورة المائدة 5: 54. (5) في أ، ب، م: نفي (*). # --- PageV01P136 [ 137 ] # بوجود بدل من (1) المرتدين في جهاد من فرض الله جهاده من الكافرين، على ~~غير تعيين لطائفة من مستحقي القتال، ولا عموم الجماعة بما يوجب استغراق ~~الجنس في المقال. ألا ترى لو أن حكيما أقبل على عبيد له، وقال لهم: يا ~~هؤلاء، من يعصني منكم ويخرج عن طاعتي فسيغنيني الله عنه بغيره ممن يطيعني، ~~ويجاهد معي على الاخلاص في النصحية لي، ولا يخالف أمري. لكان كلامه هذا ~~مفهوما مفيدا لحث عبيده على طاعته، وإخباره بغناه عنهم عند مخالفتهم، ووجود ~~من يقوم مقامهم في طاعته على أحسن من طريقتهم، ولم يفد بظاهره ولا مقتضاه ~~الاخبار بوجود من يجاهدهم أنفسهم على القطع، وإن كان محتملا لوعيدهم ~~بالجهاد على الجواز له دون الوجوب لموضع الاشارة بذكر الجهاد إلى مستحقه. ~~وهذا هو نظير الاية فيما انطوت عليه، ومماثل ألفاظها فيما تفضي إليه، ومن ~~ادعى فيه خلاف ما ذكرناه لم يجد إليه سبيلا، وإن رام فيه فصلا عجز عن ذلك، ~~ورجع بالخيبة حسيرا، ومن الله نسأل التوفيق. # --- # (1) في أ، ب، م: بوجوده يدل على. وزاد عليها في ب، م: ان (*). # --- PageV01P137 [ 138 ] # . # --- PageV01P138 [ 139 ] # فصل فإن قال: أفليس الله تعالى يقول في سورة الفتح: { محمد رسول الله ~~والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من ~~الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم ~~في الانجيل كزرع أخرج شطأه } (1). وقد علمت الكافة أن أبا بكر وعمر وعثمان ~~من وجوه أصحاب رسول الله صلى الله وعليه وآله، ورؤساء من كان معه، وإذا ~~كانوا كذلك فهم أحق الخلق بما تضمنه القرآن من وصف أهل الايمان، ومدحهم ~~بالظاهر من البيان، وذلك مانع من الحكم عليهم بالخطأ والعصيان (2) ؟ ! قيل ~~لهم: إن أول ما نقول في هذا الباب أن ms073 أبا بكر وعمر وعثمان ومن تضيفه (3) ~~الناصبة إليهم في الفضل كطلحة والزبير وسعد وسعيد وأبي عبيدة وعبد الرحمن ~~لا يتخصصون من هده المدحة بما خرج عنه # --- # (1) سورة الفتح 48: 29. (2) في ب، ح، م: النسيان. (3) في أ: يصفه، وفى ب، ~~م: تضفه (*). # --- PageV01P139 [ 140 ] # أبو هريرة وأبو الدرداء، بل لا يتخصصون بشئ لا يعم عمرو بن العاص وأبا ~~موسى الاشعري والمغيرة بن شعبة وأبا الاعور السلمي ويزيد و(1) معاوية بن ~~أبي سفيان، بل لا يختصون منه بشئ دون أبي سفيان صخر بن حرب وعبد الله بن ~~أبي سرح والوليدبن عقبة بن أبي معيط والحكم بن أبي العاص ومروان بن الحكم ~~وأشباههم من الناس، لان كل شئ أوجب دخول من سميتهم في مدحة القرآن، فهو ~~موجب دخول من سميناه، وعبد الله بن أبي سلول ومالك بن نويرة (2) وفلان ~~وفلان. إذ أن جميع هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن كان معه، ~~ولاكثرهم من النصرة للاسلام والجهاد بين يدي النبي صلى الله عليه وآله ~~والآثار الجميلة والمقامات المحمودة ما ليس لابي بكر وعمر وعثمان، فأين ~~موضع الحجة لخصومنا في فضل من ذكره على غيره من جملة من سميناه، وما وجه ~~دلالتهم منه على إمامتهم، فإنا لا نتوهمه، بل لا يصح أن يدعيه أحد من ~~العقلاء ؟ ! فصل ثم يقال لهم: خبرونا عما وصف الله تعالى به من كان مع نبيه ~~صلى الله عليه وآله بما تضمنه القرآن، أهو شامل لكل من كان معه عليه الصلاة ~~والسلام # --- # (1) في ب، ح: بن. (2) (ومالك بن نويرة) ليس في ب، ح، م. # --- PageV01P140 [ 141 ] # في الزمان، أم في الصقع والمكان، أم في ظاهر الاسلام، أم في ظاهره وباطنه ~~على كل حال، أم الوصف به علامة تخصيص مستحقه بالمدح دون من عداه، أم لقسم ~~آخر غير ما ذكرناه ؟ فإن قالوا: هو شامل لكل من كان مع النبي صلى الله عليه ~~وآله في الزمان أو المكان أو ظاهر الاسلام، ظهر سقوطهم وبان جهلهم وصرحوا ~~بمدح الكفار وأهل النفاق، وهذا ما لا ms074 يرتكبه عاقل. وإن قالوا: إنه يشمل كل ~~من كان معه على ظاهر الديانة وباطنها معا دون من عددتموه من الاقسام. قيل ~~لهم: فدلوا على أئمتكم وأصحابكم، ومن تسمون من أوليائكم، أنهم كانوا في ~~باطنهم على مثل ما أظهروه من الايمان، ثم ابنوا حينئذ على هذا الكلام، وإلا ~~فأنتم مدعون ومتحكمون بمالا تثبت معه حجة، ولا لكم عليه دليل، وهيهات أن ~~تجدوا دليلا يقطع به على سلامة بواطن القوم من الضلال، إذ ليس به قرآن ~~ولاخبر عن النبي صلى الله عليه وآله، ومن اعتمد فيه على غير هذين فإنما ~~اعتمد على الظن والحسبان. وإن قالوا: إن متضمن القرآن من الصفات المخصوصة ~~إنما هي علامة على مستحقي المدحة من جماعة مظهري الاسلام دون أن تكون ~~منتظمة لسائرهم على ما ظنه الجهال. قيل لهم: فدلوا الآن على من سميتموه كان ~~مستحقا لتلك الصفات، لتتوجه إليه المدحة ويتم لكم فيه المراد، وهذا ما ~~لاسبيل إليه حتى يلج الجميل في سم الخياط. # --- PageV01P141 [ 142 ] # فصل ثم يقال لهم: تأملوا معنى الآية، وحصلوا فائدة لفظها، وعلى أي وجه ~~تخصص متضمنها من المدح، وكيف مخرج القول فيها ؟ تجدوا أئمتكم أصفارا مما ~~ادعيتموه لهم منها، وتعلموا أنهم باستحقاق الذم وسلب الفضل بدلالتها منهم ~~بالتعظيم والتبجيل من مفهومها، وذلك أن الله تعالى ميز مثل قوم من أصحاب ~~نبيه صلى الله عليه وآله في كتبه الاولى، وثبوت ضفاتهم بالخير والتقى (1) ~~في صحف إبراهيم وموسى وعيسى عليه السلام، ثم كشف عنهم بما ميزهم به من ~~الصفات التي تفردوا بها من جملة المسلمين، وبانوا بحقيقتها عن سائر ~~المقربين. فقال سبحانه: { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم ~~من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل } (2). وكأن تقدير ~~الكلام: إن الذبن بينت (3) أمثالهم في التوراة والانجيل من جملة أصحابك ومن ~~معك - يا محمد - هم أشداء على الكفار، والرحماء بينهم الذين تراهم ركعا ~~سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا. ms075 # --- # (1) في أ: بالجبر والنفي. (2) سورة الفتح 48: 29. (3) في ب: يثبت، وفي ح: ~~ثبت (*). # --- PageV01P142 [ 143 ] # وجرى هذا في الكلام مجرى من قال: زيد بن عبد الله إمام عدل، والذين معه ~~يطيعون الله، ويجاهدون في سبيل الله، ولا يرتكبون شيئا مما حرم الله وهم ~~المؤمنون حقا دون من سواهم، إذ هم أولياء الله الذين تجب مودتهم دون من معه ~~ممن عداهم، وإذا كان الامر على ما وصفناه، فالواجب أن تستقرئ الجماعة في ~~طلب هذه الصفات، فمن كان عليها منهم فقد توجه إليه المدح وحصل له التعظيم، ~~ومن كان على خلافها فالقرآن إذن منبه على ذمه، وكاشف عن نقصه، ودال على ~~موجب لومه، ومخرج له عن منازل التعظيم. فنظرنا في ذلك واعتبرناه، فوجدنا ~~أمير المؤمنين عليه السلام وجعفر بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة ~~بن الحارث وعمار بن ياسر والمقداد بن الاسود وأبا دجانة - وهو سماك بن خرشة ~~الانصاري (1) - وأمثالهم من المهاجرين والانصار رضي الله عنهم، قد انتظموا ~~صفات الممدوحين من الصحابة في متضمن القرآن. وذلك أنهم بارزوا من أعداء ~~الملة الاقران، وكافحوا منهما الشجعان، وقتلوا منهم الابطال، وسفكوا في ~~طاعة الله سبحانه دماء الكفار، وبنوا بسيوفهم قواعد الايمان، وجلوا عن ~~نبيهم صلى الله عليه وآله الكرب # --- # (1) أبو دجانة الانصاري: صحابي، شجاعا بطلا، له آثار جميلة في الاسلام، ~~شهد بدرا، وثبت يوم احد، واصيب بجراحات كثيرة، واستشهد باليمامة في الاسلام ~~(11 ه) " معجم رجال الحديث 8: 303، سير أعلام النبلاء 1: 243 / 39، أسد ~~الغابة 2: 352 " (*). # --- PageV01P143 [ 144 ] # والاحزان، وظهر بذلك شدتهم على الكفار، كما وصفهم الله تعالى في محكم ~~القرآن، وكانوا من التواصل على أهل الاسلام والرحمة بينهم على ما ندبوا ~~إليه، فاستحقوا الوصف في الذكر والبيان. فأما إقامتهم الصلاة وابتغاؤهم من ~~فضل الله تعالى القربات، فلم يدفعهم عن علو الرتبة في ذلك أحد من الناس، ~~فثبت لهم حقيقة المدح لحصول مثلهم فيما أخير الله تعالى عنهم في متقدم ~~الكتب، واستغنينا بما عرفنا لهم مما شرحناه في استقراء غيرهم، ممن قد ارتفع ~~في حاله الخلاف، وسقط ms076 الغرض بطلبه على الاتفاق. ثم نظرنا فيما ادعاه الخصوم ~~لاجل أئمتهم وأعظمهم قدرا عندهم من مشاركة من سميناه فيما ذكرنا من الصفات ~~وبيناه، فوجدنا هم على ما قدمناه من الخروج عنها واستحقاق أضدادها على ما ~~رسمناه. وذلك أنه لم يكن لاحد منهم مقام في الجهاد، ولاعرف لهم قتيل من ~~الكفار، ولاكلم كلاما في نصرة الاسلام، بل ظهر منه الجزع في مواطن القتال، ~~وفر في يوم خيبر واحد وحنين، وقد نهاهم الله تعالى عن الفرار، وولوا ~~الادبار مع الوعيد لهم على ذلك في جلي البيان، وأسلموا النبي صلى الله عليه ~~وآله للحتوف (1) في مقام بعد مقام، فخرجوا بذلك عن الشدة على الكفار، وهان ~~أمرهم على أهل الشرك والضلال، وبطل أن يكونوا # --- # (1) في ب، م: للخوف. # --- PageV01P144 [ 145 ] # من جملة المعنين (1) بالمدحة في القرآن ولو كانوا على سائر ما عدا ما ~~ذكرناه من باقي الصفات، وكيف وأنى يثبت لهم شئ منها بضرورة ولا استدلال، ~~لان المدح إنما توجه إلى من حصل له مجموع الخصال في الآية دون بعضها، وفي ~~خروج القوم من البعض بما ذكرناه (2) مما لا يمكن دفعه إلا بالعناد وجوب ~~الحكم عليهم بالذم بما وصفناه ؟ ! وهذا بين جلي والحمد لله. فصل ثم يقال ~~لهم: قد روى مخالفوكم عن علماء التفسير من آل محمد عليهم السلام أن هذه ~~الآية إنما نزلت في أمير المؤمنين والحسن والحسين والائمة عليهم السلام من ~~بعدهم خاصة دون سائر الناس، وروايتهم لما ذكرنا عمن سمينا أولى بالحق ~~والصواب مما ادعيتموه بالتأويل والظن الحسبان والرأي، لاسنادهم مقالتهم في ~~ذلك إلى من ندب النبي صلى الله عليه وآله إلى الرجوع إليه عند الاختلاف، ~~وأمر باتباعه في الدين، وأمن متبعه من الضلال. ثم إن دليل القرآن يعضده ~~البيان، وذلك إن الله تعالى أخبر عمن ذكره بالشدة على الكفار، والرحمة لاهل ~~الايمان، والصلاة له، والاجتهاد في الطاعات، بثبوت صفته في التوراة ~~والانجيل، وبالسجود لله تعالى # --- # (1) في ب، ح: المعينين. (2) (من البعض بما ذكرناه) ليس في ب، م (*). # --- PageV01P145 [ 146 ] # وخلع الانداد، ومحال ms077 وجود صفة ذلك لمن سجوده للاوثان، وتقربه للات والعزى ~~دون الله الواحد القهار، لانه يوجب الكذب في المقال، أو المدحة بما يوجب ~~الذم من الكفر والعصيان. وقد اتفقت الكافة على أن أبا بكر وعمر وعثمان ~~وطلحة والزبير وسعدا وسعيدا وأبا عبيدة وعبد الرحمن قد عبدوا قبل بعثة ~~النبي صلى الله عليه وآله. الاصنام، وكانوا دهرا طويلا يسجدون للاوثان من ~~دون الله تعالى، ويشركون به الانداد، فبطل أن تكون أسماؤهم ثابتة في ~~التوراة والانجيل بذكر السجود على ما نطق به القرآن. وثبت لامير المؤمنين ~~والائمة من ذريته عليهم السلام ذلك، للاتفاق على أنهم لم يعبدوا قط غير ~~الله تعالى، ولا سجدوا لاحد سواه، وكان مثلهم في التوراة والانجيل واقعا ~~موقعه على ما وصفناه، مستحقا به المدحة قبل كونه لما فيه من الاخلاص لله ~~سبحانه على ما بيناه. ووافق دليل ذلك برهان الخبر عمن ذكرناه من علماء آل ~~محمد صلوات الله عليهم، بما دل به النبي صلى الله عليه وآله من مقاله الذي ~~اتفق العلماء عليه، وهذا أيضا مما لا يمكن التخلص منه مع الانصاف. فصل على ~~أنه يقال لهم: خبرونا عن طلحة والزبير، أهما داخلان في جملة الممدوحين ~~بقوله تعالى: { محمد رسول الله والذين معه أشداء على # --- PageV01P146 [ 147 ] # الكفار } (1) إلى آخره، أم غير داخلين في ذلك ؟ فإن قالوا: لم يدخل طلحة ~~والزبير ونحوهما في جملة القوم. خرجوا من مذاهبهم وقيل لهم: ما الذي أخرجهم ~~من ذلك وأدخل أبا بكر وعمر وعثمان، فكل شئ تدعونه في استحقاق الصفات، فطلحة ~~والزبير أشبه أن يكونا عليها منهم، لما ظهر من مقاماتهم في الجهاد الذي لم ~~يكن لابي بكر وعمر وعثمان فيه ذكر على جميع الاحوال ؟ ! فلا يجدون شيئا ~~يعتمدون عليه في الفرق بين القوم أكثر من الدعوى الظاهرة الفساد. وإن ~~قالوا: إن طلحة والزبير في جملة القوم الممدوحين بما في الآي. قيل لهم: ~~فهلا عصمهما المدح الذي ادعيتموه لهم من دفع أمير المؤمنين عليه السلام عن ~~حقه، وإنكار إمامته، واستحلال حربه، وسفك دمه، والتدين ms078 بعداوته على أي جهة ~~شئتم: كان ذلك من تعمد، أو خطأ، أو شبهة، أو عناد، أو نظر، أو اجتهاد ! فإن ~~قالوا: إن مدح القرآن - على ما يزعمون - لم يعصمهما من ذلك، ولا بد من ~~الاعتراف بما ذكرناه، لان منع دفعه جحد الاضطرار. قيل لهم: فبما تدفعون أن ~~أبا بكر وعمر وعثمان قد دفعوا أمير المؤمنين عليه السلام عن حقه، وتقدموا ~~عليه وكان أولى بالتقدم عليهم، وأنكروا إمامته وقد كانت ثابتة، ودفعوا ~~النصوص عليه وهي له واجبة، ولم # --- # (1) سورة الفتح 48: 29. # --- PageV01P147 [ 148 ] # يعصمهم ذلك، ثم توجه المدح لهم من الآية، كما لم يعصم طلحة والزبير مما ~~وصفناه ووقع منهم في إنكار حق أمير المؤمنين عليه السلام، كما وقع من ~~الرجلين المشاركين لهم فيما ادعيتموه من مدح القرآن وعلى الوجه الذي كان ~~منهما ذلك من تعمد أو خطأ أو شبهة أو اجتهاد أو عناد ؟ وهذا ما لاسبيل لهم ~~إلى دفعه، وهو مبطل لتعلقهم بالآية ودفع أئمتهم عن الضلالة، وإن سلم لهم ~~منها ما تمنوه تسليم جدل للاستظهار. فصل ويؤكد ذلك أن الله تعالى مدح من ~~وصف بالآية بما كان عليه في الحال، ولم يقض بمدحه له على صلاح العواقب، ولا ~~أوجب العصمة له من الضلال، ولا استدامة لما استحق به المدحة في الاستقبال. ~~ألا ترى أنه سبحانه قد اشترط في المغفرة لهم والرضوان الايمان في الخاتمة، ~~ودل بالتخصيص لمن اشترط له ذلك، على أن في جملتهم من يتغير حاله فيخرج عن ~~المدح إلى الذم واستحقاق العقاب، فقال تعالى فيما اتصل به من وصفهم (1) ~~ومدحهم بما ذكرناه من مستحقهم في الحال: { كزرع أخرج شطئه فازره فاستغلظ ~~فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } (2). # --- # (1) (به من وصفهم) ليس في ب، ح، م. (2) سورة الفتح 48: 29 # --- PageV01P148 [ 149 ] # فبعضهم في الوعد ولم يعمهم به، وجعل الاجر مشترطا لهم بالاعمال الصالحة، ~~ولم يقطع على الثبات، ولو كان الوصف لهم بما تقدم موجبا لهم الثواب، ومبينا ~~لهم المغفرة ms079 والرضوان، لاستحال الشرط فيهم بعده وتناقض الكلام، وكان ~~التخصيص لهم موجبا بعد العموم ظاهر التضاد، وهذا ما لا يذهب إليه ناظر، ~~فبطل ما تعلق به الخصم من جميع الجهات، وبان تهافته على اختلاف المذاهب في ~~الاجوبة والاسقاطات، والمنة لله. # --- PageV01P149 [ 150 ] # . # --- PageV01P150 [ 151 ] # مسألة أخرى وقد تعلق هؤلاء القوم أيضا بعد الذي ذكرناه عنهم فيما تقدم من ~~الآي بقوله تعالى: { لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم ~~درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما ~~تعملون خبير } (1). فزعموا بجهلهم أن هذه الآية دالة على أن أبا بكر وعمر ~~وعثمان وطلحة والزبير وسعدا وسعيدا وعبد الرحمن وأبا عبيدة بن الجراح من ~~أهل الجنة على القطع والثبات، إذ كانوا ممن أسلم قبل الفتح، وأنفقوا ~~وقاتلوا الكفار، وقد وعدهم الله الحسنى - وهي الجنة وما فيها من الثواب - ~~وذلك مانع من وقوع معصية منهم يجب عليه بها العقاب، وموجب لولايتهم في ~~الدين وحجيتهم على كل حال (2). # --- # (1) سورة الحديد 57: 10 (2) ممن ذهب إلى هذا الرأي الكلبي والزمخشري ~~والقرطبي والنسفي والفخر الرازي، انظر تفسير الكشاف 4: 474، تفسير القرطبي: ~~17 / 240، تفسير النسفي 3: 478، تفسير الفخر الرازي 29: 219. # --- PageV01P151 [ 152 ] # فصل فيقال لهم: إنكم بنيتم كلامكم في تأويل هذه الآية وصرف الوعد فيها ~~إلى إئمتكم على دعويين: إحداهما: مقصورة عليكم لا يعضدها برهان، ولا تثبت ~~بصحيح الاعتبار. والاخرى: متفق على بطلانها، لا تنازع في فسادها ولا ~~اختلاف، ومن كان أصله فيما يعتمده ما ذكرناه، فقد وضح جهله لذوي الالباب. ~~فأما الدعوى الاولى: فهي قولكم أن أبا بكر وعمر قد أنفقا قبل الفتح، وهذا ~~ما لاحجة فيه بخبر صادق ولا كتاب، ولا عليه من الامة إجماع، بل الاختلاف ~~فيه موجود، والبرهان على كذبه (1) لائح مشهود. وأما الدعوى الاخيرة: وهي ~~قولكم أنهما قاتلا الكفار فهذه مجمع على بطلانها غير مختلف في فسادها، إذ ~~ليس يمكن لاحد من العقلاء أن يضيف إليهما قتل كافر معروف، ولا جراحة مشرك ~~موصوف، ولا مبارزة قرن ولا منازلة كفؤ، ولا مقام مجاهد. ms080 وأما هزيمتهما من ~~الزحف فهي أشهر وأظهر من أن يحتاج فيه إلى الاستشهاد، وإذا خرج الرجلان من ~~الصفات التي تعلق الوعد بمستحقها من جملة الناس، فقد بطل ما بنيتم على ذلك ~~من الكلام، # --- # (1) في أ: على كذب مدعيه. # --- PageV01P152 [ 153 ] # وثبت بفحوى القرآن ودلائله استحقاقهما الوعيد بضد ما استحقه أهل الطاعة. ~~فصل على أن اعتلالكم يوجب عموم الصحابة كلها بالوعد، ويقضي لهم بالعصمة من ~~كل ذنب، لانهم بأسرهم بين رجلين: أحدهما أسلم قبل الفتح وأنفق وقاتل، ~~والآخر كان ذلك منه بعد الفتح، ومن دفع (1) منهم عن ذلك كانت حاله حال أبي ~~بكر وعمر وعثمان في دفع الشيعة لهم عما أضافه إليهم أشياعهم من الانفاق ~~لوجه الله تعالى، وإذا كان الامر على ما وصفناه، وكان القرآن ناطقا بأن ~~الله تعالى قد وعد جماعتهم الحسنى، فكيف يختص بذلك من سميتموه، لو لا ~~العصبية والعناد ؟ ! فصل ثم يقال لهم: إن كان لابي بكر وعمر وعثمان الوعد ~~بالثواب، لما ادعيتموه لهم من الانقاق والقتال، وأوجب ذلك عصمتهم من ~~الآثام، لاوجب ذلك لابي سفيان ويزيد بن أبي سفيان ومعاوية (2) وخالد بن ~~الوليد وعمرو بن العاص أيضا، بل هو لهؤلاء أوجب، وهم به أحق من أبى بكر ~~وعمر وعثمان وغيرهم ممن سميتموه، لما نحن مثبتوه في المقال. # --- # (1) في ب، وقع. (2) (ومعاوية) ليس في ب، ح، م. # --- PageV01P153 [ 154 ] # وذلك أنه لا خلاف بين الامة أن أبا سفيان أسلم قبل الفتح بأيام، وجعل ~~رسول الله صلى الله عليه وآله الامان لمن دخل داره تكرمة له وتمييزا عمن ~~سواه، وأسلم معاوية قبله في عام القضية (1) وكذلك كان إسلام يزيد بن أبي ~~سفيان (2). وقد كان لهؤلاء الثلاثة من الجهاد بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله ما لم يكن لابي بكر وعمر وعثمان، لان أبا سفيان أبلى يوم حنين ~~بلاء حسنا، وقاتل يوم الطائف قتالا لم يسمع بمثله في ذلك اليوم لغيره، وفيه ~~ذهبت عينه، وكانت راية رسول الله صلى الله عليه وآله مع ابنه يزيد بن أبي ~~سفيان، وهو ms081 يقدم بها بين يدي المهاجرين والانصار. وقد كان أيضا لابي سفيان ~~بعد النبي صلى الله عليه وآله مقامات ومعروفة في الجهاد، وهو صاحب يوم ~~اليرموك، وفيه ذهبت عينه الاخرى، وجاءت الاخبار أن الاصوات خفيت فلم يسمع ~~إلا صوت أبي سفيان، وهو يقول: يانصر الله اقترب. والراية مع ابنه يزيد، وقد ~~كان له بالشام وقائع مشهورات (3). ولمعاوية من الفتوح بالبحر وبلاد الروم ~~والمغرب والشام في أيام عمر وعثمان وأيام إمارته وفي أيام أمير المؤمنين ~~عليه السلام وبعده ما لم يكن لعمر # --- # (1) كان معاوية يقول أنه أسلم عام القضية وكتم إسلامه من أبيه وامه. انظر ~~اسد الغابة 4: 385. (2) أسلم يوم فتح مكة. انظر سير إعلام النبلاء 1: 329، ~~اسد الغابة 5: 112. (3) انظر الاصابة 3: 237، سير أعلام النبلاء 2: 106. # --- PageV01P154 [ 155 ] # ابن الخطاب. وأما خالد بن الوليد وعمرو بن العاص فشهرة قتالهما مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وبعده تغني الاطالة بذكرها في هذا الكتاب، وحسب عمرو بن ~~العاص في فضله على أبى بكر وعمر تأمير رسول الله صلى الله عليه وآله إياه ~~عليهما في حياته (1) ولم يتأخر إسلامه عن الفتح فيكون لهما فضل عليه بذلك، ~~كما يدعى في غيره. وأما خالد بن الوليد فقد أمره رسول الله صلى الله عليه ~~وآله في حياته، وأنفذه في سرايا كثيرة (2). ولم ير لابي بكر وعمر ما يوجب ~~تقديمهما على أحد في أيامه صلى الله عليه وآله، فإن أنصف الخصوم جعلوا ما ~~عددناه لهؤلاء القوم فضلا على من سموه في متضمن الآي، وإلا فالتسوية واجبة ~~بينهم في ذلك على كل حال، وهذا يسقط تعلقهم بالتخصيص فيما سلمناه لهم تسليم ~~جدل من التفضيل على ما أدعوه في التأويل، وإن القول فيه ما قدمناه. فصل ثم ~~يقال لهم: أليست الآية قاضية بالتفضيل ودالة على الثواب والاجر لمن جمع بين ~~الانفاق والقتال معا، ولم يفرد أحدهما عن الاخر، # --- # (1) عقد رسول الله صلى الله عليه وآله لواء لعمرو على أبي بكر وعمر في ~~غزوة ذات السلاسل. انظر سير أعلام النبلاء 3 / 57 و67. (2) انظر سير أعلام ~~النبلاء ms082 1: 366. # --- PageV01P155 [ 156 ] # فيكون مختصا به على الانفراد ؟ ! فلابد من أن يقولوا: بلى. وإلا خالفوا ~~ظاهر القرآن. فيقال لهم: هب أنا سلمنا لكم أن لابي بكر وعمر وعثمان إنفاقا، ~~ولم يصح ذلك بحجة من خبر صادق ولا إجماع ولا دليل قرآن، وإنما هي دعوة عرية ~~عن البرهان، فأي قتال لهم قبل الفتح أو بعده مع النبي صلى الله عليه وآله ~~حتى يكونوا بمجموع الامرين مستحقين للتفضيل على غيرهم من الناس ؟ ! فإن ~~راموا ذكر قتال بين يدي النبي صلى الله عليه وآله لم يجدوا إليه سبيلا على ~~الوجوه كلها والاسباب، اللهم إلا أن يقولوا ذلك على التخرص والبهت بخلاف ما ~~عليه الاجماع، وذلك باطل بالاتفاق. ثم يقال لهم: قد كان للرسول صلى الله ~~عليه وآله مقامات في الجهاد، وغزوات معروفات، ففي أيها قاتل أبو بكر وعمر ~~وعثمان، أفي بدر، فليس لعثمان فيها ذكر واجتماع، ولم يحضرها باتفاق، وأبو ~~بكر وعمر كانا في العريش محبوسين عن القتال، لاسباب تذكرها الشيعة، وتدعون ~~أنتم خلافا لما تختصون (1) به من الاعتقاد ؟ ! أم بأحد فالقوم بأسرهم ولوا ~~الادبار، ولم يثبت مع النبي صلى الله عليه وآله سوى أمير المؤمنين عليه ~~السلام، وانضاف إليه نفر من الانصار ؟ ! أم بخيبر وقد عرف العلماء ومن ~~خالطهم من العامة ما كان من أمر أبي بكر وعمر فيها من الفساد والرجوع من ~~الحرب والانهزام، # --- # (1) في أ، ب، ح: تختصمون. # --- PageV01P156 [ 157 ] # حتى غضب النبي صلى الله عليه وآله، وقال: " لاعطين الراية غدا رجلا يحب ~~الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على ~~يديه " (1) فأعطاها أمير المؤمنين عليه السلام، وكان الفتح على يديه، كما ~~أخبر النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! أم في يوم الاحزاب فلم يكن لفرسان ~~الصحابة وشجعانها ومتقدميها في الحرب إقدام في ذلك اليوم سوى أمير المؤمنين ~~صلوات الله وسلامه عليه خاصة، وقتله عمرو بن عبد ود، ففتح الله بذلك على ~~أهل الاسلام ؟ ! أم في يوم حنين فأصل هزيمة المسلمين كانت فيه بمقال من أبي ~~بكر، واغتراره ms083 بالجمع، واعتماده على كثرة القوم دون نصر الله ولطفه ~~وتوفيقه، ثم انهزم هو وصاحبه أول الناس، ولم يبق مع النبي صلى الله عليه ~~وآله إلا تسعة نفر من بني هاشم، أحدهم أمير المؤمنين عليه السلام، وثبتوا ~~به في ذلك المقام ؟ ! ثم ما بين هذه الغزوات وبعدها، فحال القوم فيها في ~~التأخر عن الجهاد ما وصفناه لغيره من الطلقاء والمؤلفة قلوبهم ومسلمة ~~الفتح، وأضرابهم من الناس وطبقات الاعراب في القتال والانفاق، وما هو مشهور ~~عند نقلة الآثار، وقد نقلنا لابي سفيان وولديه في هذا الباب ما لا يمكن ~~دعوى مثله لابي بكر وعمر وعثمان على ما قدمناه وشرحناه. وإذا لم يكن للقوم ~~من معاني الفضل ما يوجب لهم الوعد (2)، بالحسنى على ما نطق به القرآن، ولا ~~اتفق لهم الجمع بين الانفاق والقتال # --- # (1) تقدم تخريجاته في ص 34. (2) في ب، ح: الوجه. # --- PageV01P157 [ 158 ] # بالاجماع وبالدليل (1) الذي ذكرناه، فقد ثبت أن الآية كاشفة عن نقصهم، ~~دالة على تعريتهم (2) مما يوجب الفضل، ومنبهة على أحوالهم المخالفة لاحوال ~~مستحقي التعظيم والثواب. فصل ثم يقال لهم أيضا: أخبرونا عن عمر بن الخطاب، ~~بما ذا قرنتموه بأبي بكر (3) وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، فيما ~~ادعيتموه لهم من الفضل في تأويل الآية، ولم يكن له قتال قبل الفتح ولابعده، ~~ولا ادعى له أحد إنفاقا على كل حال ! وهب أن الشبهة دخلت عليكم في أمر أبي ~~بكر بما تدعونه من الانفاق، وفي عثمان ما كان منه من النفقة في تبوك، وفي ~~طلحة والزبير وسعيد بالقتال، أي شبهة دخلت عليكم في عمر بن الخطاب، ولا ~~إنفاق له ولا قتال ؟ ! وهل ذكركم إياه في القوم إلا عصبية وعنادا وحمية في ~~الباطل، وإقداما على التخرص في الدعاوى والبهتان. فصل آخر ثم يقال لهم: ~~خبرونا عن طلحة والزبير ما توجه إليهما من الوعد # --- # (1) في أ: دليله. (2) في أ: تعريهم. (3) في أ: قربتموه إلى أبي بكر # --- PageV01P158 [ 159 ] # بالحسنى في الآية على ما ادعيتموه للجماعة، وهل عصمهما ذلك من خلاف أمير ~~المؤمنين عليه السلام وحربه، ms084 وسفك دماء أنصاره وشيعته، وإنكار حقوقه التي ~~أوجبها الله تعالى له ودفع إمامته ؟ ! فإن قالوا: لم يقع من الرجلين شئ من ~~ذلك، وكانا معصومين عن جميعه. كابروا وقبحت المناظرة لهم، لانهم اعتمدوا ~~العناد في ذلك ودفعوا علم الاضطرار. وإن قالوا: إن الوعد من الله سبحانه ~~لطلحة والزبير بالحسنى لم يمنعهما من سائر ما عددناه، للاتفاق منهم على ~~وقوعه من جهتهما والاجماع. قيل لهم: ما أنكرتم أن يكون ذلك أيضا غير عاصم ~~لابي بكر وعمر وعثمان مع دفع أمير المؤمنين عليه السلام عن حقه، وإنكار ~~فضله (1)، وجحد إمامته والنصوص عليه، ولا يمنع التسليم لكم ما ادعيتموه من ~~دخولهم في الآية، وتوجه المدحة إليهم منها، والوعد بالحسنى والنعيم على ~~غاية منيتكم، فيما ذكرته الشيعة في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، وحال ~~المتقدمين عليه، كما رتبنا ذلك فيما تقدم من السؤال، فلا يجدون منه مهربا. ~~فصل وقد زعم بعض الناصبة أن الآية قاضية بفضل أبي بكر على أمير # --- # (1) في أ، ب، ح: فرضه. # --- PageV01P159 [ 160 ] # المؤمنين عليه السلام، فإن زعم أن أبا بكر له إنفاق بالاجماع وقتال مع ~~النبي صلى الله عليه وآله، وأن عليا لم يكن له إنفاق (1) على ما زعم وكان ~~له قتال، ومن جمع الامرين كان أفضل من المنفرد بأحدهما على النظر الصحيح ~~والاعتبار. فيقال له: أما قتال أمير المؤمنين عليه السلام وظهور جهاده مع ~~النبي صلى الله عليه السلام واشتهاره فمعلوم بالاضطرار، وحاصل عليه من ~~الآية بالاجماع والاتفاق، وليس لصاحبك قتال بين يدي النبي صلى الله عليه ~~وآله باتفاق العلماء، ولا يثبت له جهاد بخبر ولا قرآن، ولا يمكن لاحد ادعاء ~~ذلك له على الوجوه كلها والاسباب، إلا أن يتخرص باطلا على الظن والعناد. ~~وأما الانفاق فقد نطق به القرآن لامير المؤمنين عليه السلام في آية النجوى ~~(2) بإجماع علماء القرآن، وفي آية المنفقين بالليل والنهار (3)، وجاء ~~التفسير بتخصيصها فيه عليه السلام، ونزل الذكر بزكاته عليه السلام في ~~الصلاة (4)، # --- # (1) (بالاجماع.. إنفاق) ليس في ب، ح، م. (2) وهي قوله تعالى: { يا أيها ms085 ~~الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } سورة المجادلة ~~58: 12. وانظر مستدرك الحاكم 2: 482 والرياض النضرة 3: 222. (3) وهي قوله ~~تعالى: { الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون } سورة البقرة 2: 274. وانظر مناقب ابن ~~المغازلي: 280 / 325، الرياض النضرة 3: 178، شواهد التنزيل 1: 109. (4) وهو ~~قوله تعالى: { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون } سورة المائدة 5: 55 وانظر تفسير الحبري 258 / 21 # --- PageV01P160 [ 161 ] # وصدقته على المسكين واليتيم والاسير في: { هل اتى على الانسان } (1). ~~وليس يثبت لابي بكر إنفاق يدل عليه القرآن بظاهره، ولا قطع العذر به من قول ~~إمام صادق في الخبر عن معناه، ولا يدل عليه تواتر ولا إجماع، مع حصول العلم ~~الضروري بفقر أبي بكر، وما كان عليه من الاضطرار المانع لصحة دعوى الناصبة ~~له ذلك، حسب ما تخرصوه في المقال، ولا فرق بين من ادعى لابي بكر القتال مع ~~ما بيناه ومن ادعى مثل ذلك لحسان، وبين من ادعى له الانفاق مع ما بيناه ومن ~~ادعى مثله لابي هريرة وبلال. وإذا كانت الدعوى لهذين الرجلين على ما ذكرناه ~~ظاهرة البطلان، فكذلك ما شاركهما في دلالة الفساد من الدعوى لابي بكر على ~~ما وصفناه، فبطل مقال من ادعى له الفضل في الجملة، فضلا عمن ادعاه له على ~~أمير المؤمنين عليه السلام على ما بنى عليه الناصب الكلام، وبان جهله، ~~والله الموفق للصواب. # --- # و260 / 22، معرفة علوم الحديث للحاكم: 102، فرائد السمطين 1: 187 - 195. ~~(1) سورة الانسان 76: 1. وانظر تفسير الحبري: 326 / 69، شواهد التنزيل 2: ~~298 - 315. # --- PageV01P161 [ 162 ] # ..... # --- PageV01P162 [ 163 ] # باب آخر من السؤال عن تأويل القرآن وأخبار يعزونها إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وأنه قد مدح أئمتهم على التخصيص والاجمال مسألة فإن قالوا: وجدنا ~~الله تعالى قد مدح أبا بكر في مسارعته إلى صديق النبي صلى الله عليه وآله، ~~وشهد له بالتقوى على القطع والثبات، فقال الله تعالى: { والذى جاء بالصدق ~~وصدق به أولئك هم المتقون * لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين * ~~ليكفر ms086 الله عنهم أسوأ الذى عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذى كانوا يعملون } ~~(1). وإذا ثبت أن هذه الآية نزلت في أبي بكر على ما جاء به الاثر، استحال ~~أن يجحد فرض الله تعالى، وينكر واجبا، ويظلم في أفعاله، ويتغير عن حسن ~~أحواله، وهذا ضد ما تدعونه عليه وتضيفونه (2) إليه # --- # (1) سورة الزمر 39: 33 - 35. (2) في أو يصفونه. # --- PageV01P163 [ 164 ] # من جحد النص على أمير المؤمنين عليه السلام فقولوا في ذلك كيف شئتم لنقف ~~عليه جواب: قيل لهم: قد أعلمناكم فيما سلف أن تأويل كتاب الله تعالى لا ~~يجوز بأدلة الرأي، ولا تحمل معانيه على الاهواء، ومن قال فيه بغير علم فقد ~~غوى، والذي ادعيتموه من نزول هذه الآية في أبي بكر على الخصوص فهذا راجع ~~إلى الظن، والعمل عليه غير صادر عن اليقين، وما اعتمدتموه من الخبر فهو ~~مخلوق، وقد سبرنا الاخبار ونخلنا الآثار فلم نجده في شئ منها معروف، ولا له ~~ثبوت من عالم بالتفسير موصوف، ولا يتجاسر أحد من الامة على إضافته إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله فإن عزاه إلى غيره فهو كداود ومقاتل بن سليمان ~~(1) وأشباههما من المشبهة الضلال، والمجبرة الاغفال الذين أدخلوا في تأويل ~~كلام الله تعالى الاباطيل، وحملوا معانيه على ضد الحق والدين، وضمنوا ~~تفسيرهم الكفر بالله العظيم، والشناعة (2) للنبيين والملائكة المقربين ~~عليهم السلام أجمعين، ومن # --- # (1) مقاتل بن سليمان بن بشير البلخي، من أعلام المفسرين، كان متروك ~~الحديث إذ نسبه الكثيرون إلى الكذب ووضع الحديث، عاش في بغداد وتوفي ~~بالبصرة في سنة 150 ه. " تهذيب التهذيب 10: 279 / 501، الجرح والتعديل 8: ~~354 / 1630، سير أعلام النبلاء 7: 201 / 79، وفيات الاعيان 5: 255 / 733 ". ~~(2) في أ: والشتم. # --- PageV01P164 [ 165 ] # اعتمد (1) في معتقده على دعاوى ما وصفناه فقد خسر الدنيا والآخرة بما ~~بيناه، وبالله العصمة وإياه نسأل التوفيق. فصل على أن أكثر العامة وجماعة ~~الشيعة يروون عن علماء التأويل وأئمة القول في معاني التنزيل أن هذه الآية ~~نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام على الخصوص، وإن جرى حكمها في حمزة ~~وجعفر وأمثالهما من المؤمنين السابقين، ms087 وهذا يدفع (2) حكم ما ادعيتموه لابي ~~بكر ويضاده، ويمنع من صحته ويشهد بفساده، ويقضي بوجوب القول به دون ما ~~سواه، إذا كان واردا من طريقين، ومصطلحا عليه من طائفتين مختلفين، ومتفقا ~~عليه من (3) الخصمين المتباينين، فحكمه بذلك حكم الاجماع، وما عداه فهو من ~~طريق - كما وصفناه - مقصور على دعوى الخصم خاصة بما بيناه، وهذا ما لا يحيل ~~الحق فيه على أحد من العقلاء، فممن روى ذلك على ما شرحناه: إبراهيم بن ~~الحكم، عن أبيه، عن السدي، عن ابن عباس، في قوله تعالى: { والذى جاء بالصدق ~~وصدق به }. # --- # (1) في ب، م: ومن اعتقد. (2) في أ: يرفع، وفي ب نسخة بدل: يرجع. (3) في ~~أ، ب، ح: وثانيا قرآن، بدل: ومتفقا عليه من. # --- PageV01P165 [ 166 ] # قا ل: هو أمير المؤ منين علي بن أبي طالب عليه السلام (1) ورواه عبيدة بن ~~حميد، عن منصور، عن مجاهد، مثل ذلك سواء (2). وروى سعيد، عن الضحاك، مثل ~~ذلك أيضا (3). وروى أبو بكر الحضرمي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، في ~~قوله تعالى: { والذى جاء بالصدق } " هو رسول الله صلى الله عليه وآله، صدق ~~به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام " (4). وروى علي بن أبي ~~حمزة، عن أبي بصير (5)، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام، مثل ذلك ~~سواء (6). فصل وقد روى أصحاب الحديث من العامة عن طرقهم خاصة أنها نزلت في ~~النبي صلى الله وآله وحده دون غيره من سائر الناس. فروى علي بن الحكم، عن ~~أبي هريرة، قال: بينا هو يطوف # --- # (1 و2) مناقب ابن شهر آشوب 3: 92، تلخيص الشافي 3: 215، تفسير الحبري: ~~315 / 62. (3) مناقب ابن شهر آشوب 3: 92، مجمع البيان 8: 777، شواهد ~~التنزيل 2: 122 / 813. (4) كشف الغمة 1: 324، تلخيص الشافي 3: 214. (5) (عن ~~أبي بصير) ليس في ب، ح، م، وعلي بن أبي حمزة يروي عن الصادق عليه السلام ~~مباشرة وكذلك بتوسط أبي بصير، راجع معجم رجال الحديث 11: 227. (6) تلخيص ~~الشافي 3: 215، وانظر مناقب ابن المغازلي 269 / 317، كفاية الطالب: 233، ~~ترجمة الامام علي عليه السلام من تاريخ دمشق 2: 418 و419 / 924 / 925. # --- PageV01P166 [ 167 ] # بالبيت ms088 إذ لقيه معاوية بن ابي سفيان، فقال له أبو هريرة: يا معاوية، ~~حدثني الصادق المصدق والذي جاء بالصدق وصدق به: أنه يكون أمرا (1) يود ~~أحدكم لو علق بلسانه منذ خلق الله السماوات والارض، وأنه لم يل ما ولي (2). ~~ورووا عن السدي وغيره من السلف، عن قوله تعالى: { والذى جاء بالصدق وصدق به ~~} قال: جاء بالصدق عليه السلام، وصدق به نفسه عليه السلام (3). وفي حديث ~~لهم آخر، قالوا: جاء محمد صلى الله عليه وآله بالصدق، وصدق به يوم القيامة ~~إذا جاء به شهيدا (4). فصل وقد رووا أيضا في ذلك ما اختصوا بروايته دون ~~غيرهم، عن مجاهد في قوله تعالى: { والذي جاء بالصدق } أنه رسول الله صلى ~~الله عليه وآله، والذي صدق به أهل القرآن، يجيئون (5) به يوم القيامة، ~~فيقولون: هذا الذي دعوتمونا إليه (6) قد اتبعنا ما فيه (7). # --- # (1) في ب، م: يكون أمير المؤمنين عليه السلام. (2) تلخيص الشافي 3: 214. ~~(3) مجمع البيان 8: 777، تلخيص الشافي 3: 214. (4) تلخيص الشافي 3: 214. ~~(5) في م: يحدثون. (6) في أوالمصادر: أعطيتمونا. (7) تلخيص الشافي 3: 215، ~~الدر المنثور 7: 229، تفسير الطبري: 24: 4، تفسير القرطبي 15: 256. # --- PageV01P167 [ 168 ] # فصل وقد زعم جمهور متكلمي العامة وفقهائهم أن الآية عامة في جميع ~~المصدقين برسول الله صلى الله عليه وآله، وتعلقوا في ذلك بالظاهر أو ~~العموم، وبما تقدمه (1) من قول الله تعالى: { فمن أظلم ممن كذب على الله ~~وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهم مثوى للكافرين * والذي جاء بالصدق وصدق به ~~أولئك هم المتقون } (2). وإذا كان الاختلاف بين روايات العامة وأقاويلهم في ~~تأويل هذه الآية على ما شرحناه، وإذا تناقضت أقوالهم فيه بما بيناه سقط ~~جميعها بالمقابلة والمكافأة، وثبت تأويل الشيعة للاتفاق الذي ذكرناه، ~~ودلالته على الصواب حسب ما وصفناه، والله الموفق للصواب. مسألة فإن قال ~~قائل منهم: كيف يتم لكم تأويل هذه الآية في أمير المؤمنين عليه السلام، وهي ~~تدل على أن الذي فيه قد كانت له ذنوب كفرت عنه بتصديقه رسول الله صلى الله ~~عليه وآله، حيث يقول الله تعالى: { ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا ms089 يعلمون } (3). ومن قولكم أن أمير المؤمنين ~~عليه السلام لم يذنب ذنبا، ولا قارف معصية، # --- # (1) في ب، ح، وربما تعلق به. (2) سورة الزمر 39: 32، 33. (3) سورة الزمر ~~39: 35. # --- PageV01P168 [ 169 ] # صغيرة ولا كبيرة، على خطأ ولا عمد، فكيف يصح ان الآية - مع ما وصفنا - ~~فيه ؟ ! جواب: قيل لهم: لسنا نقول في عصمة أمير المؤمنين عليه السلام بأكثر ~~من قولنا في عصمة النبي صلى الله عليه وآله، ولا نزيد على قول أهل العدل في ~~عصمة الرسل عليهم السلام من كبائر الآثام، وقد قال الله تعالى في نبيه صلى ~~الله عليه وآله { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } (1). وقال ~~تعالى: { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار } (2). وقال تعالى: { ~~ووضعنا عنك وزرك * الذى أنقض ظهرك } (3). فظاهر هذا الكلام يدل على أنه قد ~~قارف الكبائر، وقد ثبت أنه مصروف عن ظاهره بضروب من البرهان، فكذلك القول ~~فيما تضمنته الآية في أمير المؤمنين عليه السلام. وجه آخر: أن المراد بذكر ~~التكفير إنما هو ليؤكد الطهير له صلوات الله عليه من الذنوب، وهو وإن كان ~~لفظه لفظ الخبر على الاطلاق، فإنه مشترط بوقوع الفعل لو وقع، وإن كان ~~المعلوم أنه غير واقع أبدا للعصمة، بدليل العقل الذي لا يقع فيه اشتراط. # --- # (1) سورة الفتح 48: 2. (2) سورة التوبة 9: 117. (3) سورة الشرح 94: 2، 3. # --- PageV01P169 [ 170 ] # وجه آخر: وهو أن التكفير المذكور بالآية إنما تعلق بالمحسنين الذين أخبر ~~الله تعالى بجزائهم من التنزيل، وجعله جزاء للمعني بالمدح للتصديق دون أن ~~يكون متوجها إلى المصدق المذكور، وهذا يسقط ما توهمه الخصوم. # --- PageV01P170 [ 171 ] # مسألة أخرى فإن قالوا: فما عندكم في قوله تعالى: { فأما من أعطى واتقى * ~~وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى } (1) مع ما جاء في الحديث أنها نزلت في أبي ~~بكر على التخصيص (2)، وهذا ظاهر عند (3) الفقهاء وأهل التفسير ؟ الجواب: ~~قيل لهم في ذلك كالذي قبله، وهو من دعاوى العامة بغير بينة ولا حجة تعتمد ~~ولا شبهة، وليس يمكن إضافته إلى صادق عن الله سبحانه، ولا فرق بين من ادعاه ~~لابي بكر وبين من ادعاه لابي هريرة، أو ms090 المغيرة بن شعبة، أو عمرو بن العاص، ~~أو معاوية بن أبي سفيان، في تعري دعواه عن البرهان، وحصولها في جملة ~~الهذيان، مع أن ظاهر الكلام يقتضي عمومه في كل معط من أهل التقوى والايمان، وكل # --- # (1) سورة الليل 92: 5 - 7. (2) الدر المنثور 8: 535، جامع البيان للطبري ~~30: 142، الكشاف 4: 762، تفسير الثعالبي 4: 420، تفسير الرازي 31: 198. (3) ~~في أ: مع. # --- PageV01P171 [ 172 ] # من خلا من الكفر والطغيان، ومن حمله على الخصوص فقد صرفه عن الحقيقة إلى ~~المجاز، ولم يقنع منه فيه إلا بالجلي من البرهان. فصل على أن أصحاب الحديث ~~من العامة قد رووا ضد ذلك عن عبد الله بن عباس وأنس بن مالك وغيرهما من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، قد ذكروا أنها نزلت في أبي الدحداح ~~الانصاري وسمرة بن جندب (1)، وأخبروا عن سبب نزولها فيهما بما يطول شرحه، ~~وأبو الدحداح الانصاري هو الذي أعطى واتقى، وسمرة بن جندب هو الذي بخل ~~واستغنى، وفي روايتهم لذلك إسقاط لما رواه بعضهم من خلافه في أبي بكر، ولم ~~يسنده إلى صحابي معروف، ولا إمام من أهل العلم موصوف، وهذا بين لمن تدبره. ~~فصل مع أنه لو كانت الآية نازلة في أبي بكر على ما ادعاه الخصوم، لوجب ~~ظهورها فيه على حد يدفع (2) الشبهة والشكوك، ويحصل معه اليقين بسبب ذلك، ~~والمعنى الذي لاجله نزل التنزيل وأسباب ذلك # --- # (1) تفسير القمي 2: 425، مجمع البيان 10: 759، أسباب النزول للسيوطي: ~~195، تفسير البحر المحيط 8: 483. (2) في أ: يرفع. # --- PageV01P172 [ 173 ] # متوفرة من الرغبة في نشره، والامان من الضرر في ذكره، ولما لم يكن ظهوره ~~على ما وصفناه دل على بطلانه بما بيناه، والحمد لله. # --- PageV01P173 [ 174 ] # .... # --- PageV01P174 [ 175 ] # مسألة أخرى فإن قالوا: أفليس قد وردت الاخبار بأن أبا بكر كان يعول على ~~مسطح ويتبرع عليه، فلما قذف عائشة في جملة أهل الافك امتنع من بره، وقطع ~~عنه معروفه، وآلى في الامتناع من صلته (1)، فأنزل الله تعالى: { ولا يأتل ~~أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في ~~سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور ms091 رحيم } ~~(2). وأخبر أن أبا بكر من أهل الفضل والدين والسعة في الدنيا، وبشره ~~بالمغفرة والاجر العظيم، وهذا أيضا يضاد معتقدكم فيه. جواب: قيل لهم: لسنا ~~ندفع أن الحشوية قد روت ذلك، إلا أنها لم تسنده # --- # (1) أسباب النزول للسيوطي 2: 30، الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 12: 207، ~~الكشاف 3: 222 تفسير البيضاوي 2: 119، تفسير الرازي 23: 186. (2) سورة ~~النور 24: 22. # --- PageV01P175 [ 176 ] # إلى الرسول صلى الله عليه وآله، ولا روته عن حجة في الدين، وإنما أخبرت ~~به عن مقاتل والضحاك وداود الحواري والكلبي وأمثالهم ممن فسر القرآن ~~بالتوهم، وأقدم على القول فيه بالظن والتخرص حسب ما قدمناه. وهؤلاء ~~بالاجماع ليسوا من أولياء الله المعصومين ولا أصفيائه المنتجبين، ولا ممن ~~يلزم المكلفين قولهم والاقتداء بهم على كل حال في الدين، بل هم ممن يجوز ~~عليه الخطأ وارتكاب الاباطيل. وإذا كان الامر على ما وصفناه لم يضرنا ما ~~ادعوه في التفسير، ولا ينفع خصومنا على ما بيناه ممن يوجب اليقين، على أن ~~الآثار الصحيحة والروايات المشهورة والدلائل المتواترة قد كشفت عن فقر أبي ~~بكر ومسكنته، ورقة حاله وضعف معيشته، فلم يختلف أهل العلم أنه كان في ~~الجاهلية معلما، وفي الاسلام خياطا (1)، وكان أبوه صيادا، فلما كف بذهاب ~~بصره وصار مسكينا محتاجا، قبضه عبد الله بن جدعان لندي (2) الاضياف إلى ~~طعامه، وجعل له في كل يوم على ذلك أجرا درهما (3)، ومن كانت حاله في معيشته ~~على ما وصفناه، وحال أبيه على ما ذكرناه، خرج عن جملة أهل السعة في الدنيا، ~~ودخل في الفقراء فما أحوجهم إلى # --- # (1) ذكر ابن رسته في الاعلاق النفيسة: 192 أن أبا بكر كان بزازا. (2) ~~ندوت القوم: جمعتهم في مجلس، والمراد هنا يدعوهم إلى الطعام. " الصحاح - ~~ندا - 6: 2505 ". (3) انظر الشافي 4: 24 و25، تلخيص الشافي 3: 238. # --- PageV01P176 [ 177 ] # المسألة والاجتداء ! وهذا يبطل ما توهموه. فصل على أن ظاهر الآية معناها ~~موجب لتوجهها إلى الجماعة دون الواحد، والخطاب بها يدل على تصريحه على ذلك، ~~فمن تأول القرآن بما يزيله عن حقيقته، وادعى المجاز فيه والاستعارة بغير ~~حجة فاطعة، فقد أبطل (1) بذلك وأقدم على المحظور وارتكب ms092 الضلال. فصل على ~~أنا لو سلمنا لهم أن سبب نزول هذه الآية امتناع أبي بكر من بر مسطح، ~~والايلاء منه بالله تعالى لا يبره ويصله (2)، لما أوجب من فضل أبي بكر ما ~~ادعوه، ولو أوجبه لمنعه من خطأه في الدين، وإنكاره النص على أمير المؤمنين ~~عليه السلام، وجحده ما لزمه والاقرار به على اليقين، للاجماع على أن ذلك ~~غير عاصم من الضلال، ولا مانع من مقارفة الآثام، فأين موضع التعلق بهذا ~~التأويل في دفع ما وصفناه آنفا لو لا الحيرة والصد عن السبيل ؟ ! # --- # (1) أي جاء بالباطل. " المعجم الوسيط - بطل - 1: 61 ". (2) في ب، ح، م ~~لامتناع بره وفضله بدل (لا يبره ويصله). # --- PageV01P177 [ 178 ] # فصل وبعد: فليس يخلو امتناع أبي بكر عيلولة مسطح والانفاق عليه من أن ~~يكون مرضيا لله تعالى، وطاعة له ورضوانا، أو أن يكون سخطا لله ومعصية وخطأ، ~~فلو كان مرضيا لله سبحانه وقربة إليه لما زجر عنه وعاتب عليه، وأمر ~~بالانتقال عنه وحض على تركه وإذا لم يك لله تعالى طاعة، فقد ثبت أنه معصية ~~مسخوطة وفساد في الدين، وهذا دال على نقص الرجل وذمه، وهو بالضد مما ~~توهموه. فصل على أن مسطحا من بني عبد مناف (1)، وهو من ذوي القربى للنبي ~~صلى الله عليه وآله، وما نزل من القرآن في إيجاب صلته وبره والنفقة عليه ~~فإنما هو شئ على استحقاقه ذلك عند الله تعالى، ودال على فضله، وعائد على ~~قومه بالتفضل وأهله وعشيرته، وكاشف عما يجب بقرابة النبي صلى الله على وآله ~~من التعظيم لمحسنهم، والعفو عن مسيئهم، والتجاوز عن الخاطئ منهم، وليس ~~يتعدى ذلك إلى المأمور به، ولا يكسبه شيئا، وفي هذا إخراج لابي بكر من ~~الفضيلة بالآية على ما شرحناه. # --- # (1) هو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف. انظر جمهرة أنساب ~~العرب: 73، سير أعلام النبلاء 1: 187. # --- PageV01P178 [ 179 ] # فصل على أن مسطحا، وإن كان من بني عبد مناف، فإنه ابن خالة أبي بكر، لان ~~أمه أثاثة بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد ms093 بن تيم، وكان أبو بكر يمونه لرحمه ~~منه، دون حقه بالهجرة والايمان، فلما كان منه من أمر عائشة ما كان امتنع من ~~عيلولته وجفاه، وقطع رحمه غيظا عليه وبغضا له، فنهاه الله تعالى عن ذلك، ~~وأمره بالعود إلى بره، وأخبره بوجوب ذلك عليه لهجرته وقرابته من النبي صلى ~~الله عليه وآله، ودل بما أنزله فيه على خطئه في حقوقه وقطيعته من استحقاقه ~~لضد ذلك بإيمانه وطاعته لله تعالى وحسن طريقته، فأين يخرج من هذا فضل بأبي ~~بكر ؟ ! إلا أن تكون المثالب مناقب، والذم مدحا، والقبيح حسنا، والباطل ~~حقا، وهذا نهاية الجهل والفساد. فصل ويؤكد ذلك أن الله عزوجل رغب للنهي عن ~~قطيعة من سماه في صلته في المغفرة إذا انتهى عما نهاه عنه، وصار إلى مثل ~~(1) ما أمره به، حيث يقول: { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } (2). فلولا أنه ~~كان مستحقا للعقاب لما جعل المغفرة له بشرط الانتقال، وإذا لم تتضمن الآية ~~انتقاله مع ما دلت عليه، قبحت حاله # --- # (1) في أ، ب، ح: إلى ضد. (2) سورة النور 24: 22 (*). # --- PageV01P179 [ 180 ] # وصارت وبالاعليه، حسب ما ذكرناه. فصل فأما ادعاؤهم أن الله تعالى شهد ~~لابي بكر بأنه من أهل الفضل والسعة، فليس الامر كما ظنوه، وذلك لقوله ~~تعالى: { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة } (1) إنما هو نهي يختص بذكر ~~أهل الفضل والسعة، يعم في المعنى كل قادر عليه، وليس بخبر في الحقيقة ولا ~~المجاز. وإنما يختص بذكر ما سميناه على حسب اختصاص الامر بالطاعات بأهل ~~الايمان حيث يقول تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله } (2) ~~و{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } (3). وإن كان المعني من ~~الامر بذلك عاما لجميع المكلفين، والمراد في الاختصاص من اللفظ ما ذكرناه ~~ملاءمة الوصف لما دعا إليه من الاعمال، وهو يجري مجرى قول القائل لمنم يريد ~~تأديبه ووعظه: لا ينبغي لاهل العقل والمروءة والسداد أن يرتكبوا الفساد، ~~ولا يجوز لاهل الدين والعفاف أن يأتوا (4) قبائح الافعال، وإن كان المخاطب ~~بذلك ليس من أهل المروءة ms094 والسداد، ولا أهل الديانة والعفاف، وإنما خص # --- # (1) سورة النور 24: 22. (2) سورة الانفال 8: 20. (3) سورة آل عمران 3: ~~102. (4) في ب، ح، م: أن يرتكب # --- PageV01P180 [ 181 ] # بالمنكر ما وصفناه لما قدمناه وبيناه. فيعلم أن ما تعلق به المخالف فيما ~~ادعاه من فعل أبي بكر من لفظ القرآن على خلاف ما توهمه وظنه، وأنه ليس من ~~الخبر في شئ على ما بيناه. وأماه قولهم: أن أبا بكر كان من أهل السعة في ~~الدينا بظاهر القرآن، فالقول فيه كالمتقدم سواء، ومن بعد ذلك فإن الفضل ~~والسعة والنقص والفقر من باب التضايف، فقد يكون الانسان من ذوي الفضل ~~بالاضافة إلى من دونه من أهل الضائقة والفقر (1)، ويكون مع ذلك مسكينا ~~بالاضافة إلى من هو أوسع حالا منه، وفقيرا إلى من هو محتاج إليه. وإذا كان ~~الامر على ما وصفناه، لم ينكر وصف أبي بكر بالسعة عند إضافة حاله إلى مسطح ~~وأنظاره من المضطرين بالفقر ومن لا معيشة له ولا عائدة عليه، كما يكون ~~السقف سماء لمن هو تحته، وتحتا لمن هو فوقه ويكون الخفيف ثقيلا عند ما هو ~~أخف منه وزنا، والقصير طويلا بالاضافة إلى من هو أقصر منه، وهذا ما لا يقدح ~~في قول الشيعة، ودفعها الناصبة عما ادعته لابي بكر من الاحسان والانفاق على ~~النبي صلى الله عليه وآله، حسب ما تخرصوه من الكذب في ذلك، وكابروا به ~~العباد، وأنكروا به ظاهر الحال، وما جاء به التواتر من الاخبار، ودل عليه ~~صحيح النظر والاعتبار، وهذا بين لمن تدبره. # --- # (1) في ب: الاضافة والفضل. # --- PageV01P181 [ 182 ] # فصل وقد روت الشيعة سبب نزول هذه الآية من كلام جرى بين بعض المهاجرين ~~والانصار، فتظاهر المهاجرون عليهم وعلوا في الكلام، فغضبت الانصار من ذلك، ~~وآلت بينها أن لا تبر ذوي الحاجة من المهاجرين، وأن تقطع معروفها عنهم، ~~فأنزل الله سبحانه هذه الآية، فاتعظت الانصار بها، وعادت إلى بر القوم ~~وتفقدهم، وذكروا في ذلك حديثا طويلا وشرح جوابه أمرا بينا. فإذا ثبت مذهبهم ~~في ذلك سقط السؤال من أصله، ولم يكن لابي بكر ms095 فيه ذكر، واستغني بذلك عن ~~تكلف ما قدمناه، إلا أنا قد تطوعنا على القوم بتسليم ما ادعوه، وأوضحنا لهم ~~عن بطلان ما تعلقوا به فيه، استظهارا للحجة وإصدارا عن البيان، والله ~~الموفق للصواب. فصل آخر ثم يقال لهم: خبرونا عما ادعيتموه لابي بكر من ~~الفضل في الدنيا، لو انضاف إلى التقوى، ونزول القرآن أن تصريح الشهادة له ~~به عودا بعد سدى، هل كان موجبا لعصمته من الضلال في مستقبل الاحوال، ودالا ~~على صوابه في كل فعل وقول، وأنه لا يجوز عليه الخطأ والنسيان، وارتكاب ~~الخلاف لله تعالى والعصيان ؟ فإن ادعوا له بالعصمة من الآثام، وأحالوا من ~~أجله عليه الضلال في الاستقبال، خرجوا عن الاجماع، وتفردوا بالمقال، بما لم يقبله # --- PageV01P182 [ 183 ] # أحد من أهل الاديان، وكابروا دلائل العقول وبرهان السمع، ودفعوا الاخبار. ~~وقيل لهم: دلوا على صحة ما ادعيتموه من ذلك. فلا يجدون شيئا يعتمدونه على ~~كل حال. وإن قالوا: ليس يجب له بالفضل والسعة وسائر ما عددناه وانضاف إليه ~~ونطق به القرآن العصمة من الضلال، بل جائز عليه الخطأ مع استحقاقه لجميعه ~~ومقارفة الذنوب في الاستقبال. قيل لهم: فهب أنا سلمنا لكم (1) الآن من ~~تأويل الآية على ما اقترحتموه، ما أنكرتم في ضلال الرجل فيما بعد من إنكاره ~~النص على أمير المؤمنين عليه السلام، ودفعه عما أوجب الله تعالى عليه ~~الاقرار به من الفرض، وتغيير حاله من الفضل بالنقص، إذ كانت العصمة مرتفعة ~~عنه، والخطأ جائز عليه، والضلال عن الحق موهوم منه ومظنون به، فلا يجدون ~~حيلة، في دفع ذلك، ولا معتمدا في إنكاره، وهذا مما تقدم معناه، إنما ذكرته ~~للتأكيد والبيان، وهو مما لا محيص لهم عنه، والحمد لله. # --- # (1) في ب، ح: لهم (*). # --- PageV01P183 [ 184 ] # ... # --- PageV01P184 [ 185 ] # مسألة أخرى فإن قالوا: أفليس قد آنس الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ~~بأبي بكر في خروجه (1) إلى المدينة للهجرة، وسماه صاحبا له في محكم كتابه، ~~وثانيا لنبيه صلى الله عليه وآله في سفره، ومستقرا معه في الغار لنجاته، ~~فقال تعالى: { إلا تنصروه ms096 فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين ~~إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينتة ~~عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي ~~العليا والله عزيز حكيم } (2) وهذه فضيلة جليلة يشهد بها القرآن، فهل تجدون ~~من الحجة مخرجا ؟ جواب: قيل لهم: أما خروج أبي بكر مع النبي صلى الله عليه ~~وآله فغير مدفوع، وكونه في الغار معه غير مجحود، واستحقاق اسم الصحبة ~~معروف، إلا أنه ليس في واحدة منها ولا في جميعها ما يظنون له من الفضل، فلا تثبت # --- # (1) في ب زيادة: من مكة. (2) سورة التوبة 9: 40 (*). # --- PageV01P185 [ 186 ] # له منقبة في حجة سمع ولا عقل، بل قد شهدت الآية التي تلوتموها في ذلك ~~بزلل الرجل، ودلت على نقصه وأنبأت عن سوء أفعاله بما نحن موضحون عن وجهه، ~~إن شاء الله تعالى. وأما ما ادعيتموه من انس الله تعالى نبيه صلى الله عليه ~~وآله، فهو توهم منكم وظن يكشف عن بطلانه الاعتبار، وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله مؤيد بالملائكة المقربين الكرام، والوحي ينزل عليه من الله ~~تعالى حالا بحال، والسكينة معه في كل مكان، وجبرئيل عليه السلام آتيه ~~بالقرآن وعصمته والتوفيق من الله تعالى والثقة بما وعهده من النصر والظفر ~~يرفع عنه الاستيحاش، فلا حاجة إلى أنيس سوى من ذكرنا، لا سيما وبمنقوص عن ~~منزلة الكمال، خائف وجل، يحتاج إلى التسكين والرفق والمداراة. وقد نطق ~~بصفته هذه صريح القرآن، وأنبأ بمحنة النبي صلى الله عليه وآله، وما عالجه ~~من تدبيره له بالتسكين والتشجيع وتلافي ما فرط منه لشدة جزعه وخوفه وقلقه، ~~كي لا يظهر منه ما يكون به عظيم الفساد، حيث يقول سبحانه فيما أخبر به عن ~~نبيه صلى الله عليه وآله: { لا تحزن إن الله معنا } (1). وبعد: فلو كان ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله مؤنس على ما ادعاه الجاهل، لم يكن له بذلك ~~فضل في الدين، لان الانس قد يكون لاهل التقوى ms097 والايمان بأمثالهم من أهل ~~الايمان، وباغيارهم من اهل الضلال والبهائم والشجر والجمادات، بل ربما أنس ~~العاقل بمن يخالفه في دينه، # --- # (1) سورة التوبة 9: 40 (*). # --- PageV01P186 [ 187 ] # واستوحش ممن يوافقه، وكان انسه بعبده - وإن كان ذميا - أكثر من انسه ~~بعالم وفقيه - وإن كان مهذبا - ويأنس بوكيله أحيانا ولا يأنس برئيسه، كما ~~يأنس بزوجته أكثر من انسه بوالدته، ويأنس إلى الاجنبي فيما لا يأنس فيه إلى ~~الاقرب منه، وتأتي عليه الاحوال يرى أن التأنس ببعيره وفرسه أولى من التأنس ~~بأخيه وابن عمه، كما يختار المسافر استصحاب من يخبره بأيام الناس، ويضرب له ~~الامثال، وينشده الاشعار، ويلهيه بالحديث عن الذكر وما يبهج (1) الخواطر ~~بالبال، ولا يختار استصحاب أعبد الناس ولا أعرفهم بالاحكام ولا أقرأهم ~~للقرآن، وإذا كان الامر على ما وصفناه لم يثبت لابي بكر فضل بالانس به، ولو ~~سلمناه ولم نعترض في بطلانه بما قدمناه، وهذا بين لا إشكال فيه عند ذوي ~~الالباب. وأما كونه للنبي صلى الله عليه وآله ثانيا، فليس فيه أكثر من ~~الاخبار بالعدد في الحال، وقد يكون المؤمن في سفره ثاني كافر، أو فاسق، أو ~~جاهل، أو صبي، أو ناقص، كما يكون ثاني مؤمن وصالح وعالم وبالغ وكامل، وهذا ~~ما ليس فيه اشتباه، فمن ظن به فضلا فليس من العقلاء. وأما الصحبة فقد تكون ~~بين المؤمن والكافر كما تكون بينه وبين المؤمن، وقد يكون الصاحب فاسقا كما ~~يكون برا تقيا، ويكون أيضا بهيمة وطفلا، فلا معتبر باستحقاقها فيما يوجب ~~المدح أو الذم، ويقتضي # --- # (1) في أ: عن الفكر وما ينتج (*). # --- PageV01P187 [ 188 ] # الفضل أو النقص. قال الله تعالى فيما خبر به عن مؤمن وكافر: { قال له ~~صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا * ~~لكناه هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا } (1) فوصف أحدهما بالايمان، والآخر ~~بالكفر والطغيان، وحكم لكل واحد منهما بصحبة الآخر على الحقيقة (2) وظاهر ~~البيان، ولم يناف الصحبة اختلاف ما بينهما في الاديان. وقال الله سبحانه ~~مخاطبا الكفار الذين بهتوا نبيه صلى الله ms098 عليه وآله، وادعوا عليه الجنون ~~والنقصان: { وما صاحبكم بمجنون * ولقد رأه بالافق المبين } (3) فأضافه عليه ~~السلام إلى قومه بذكر الصحبة، ولم يوجب ذلك لهم فضلا، ولا بإقامتهم كفرا ~~وذما، فلا ينكر أن يضيف إليه عليه السلام رجلا بذكر الصحبة، وإن كان المضاف ~~إليه كافرا ومنافقا وفاسقا، كما أضافه إلى الكافرين بذكر الصحبة (4)، وهو ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسيد الاولين والآخرين، ولم يوجب لهم فضلا ~~ولا وفاقا (5) في الدين، ولا نفي عنهم بذلك نقصا ولا ضلالا عن الدين. وقد ~~ثبت أن إضافته إليهم بذكر الصحبة أوكد في معناها من # --- # (1) سورة الكهف 18: 37، 38. (2) (على الحقيقة) ليس في ب، م. (3) سورة ~~التكوير 81: 22، 23. (4) (وإن كان المضاف.. بذكر الحصبة) ليس في ب، ح، م. ~~(5) في أ: رفاقا (*). # --- PageV01P188 [ 189 ] # إضافة أبي بكر بها، لان المضاف إليه أقوى في السبب من المضاف، وهذا ظاهر ~~البرهان. فأما استحقاق الصبي اسم الصحبة من الكامل العاقل، وإن لم يوجب ذلك ~~له كمالا، فهو أظهر من أن يحتاج فيه إلى الاشتهار بإفاضته على ألسن الناس ~~العام والخاص، ولسقوطه بكل لسان.. وقد تكون البهائم صاحبا، وذلك معروف في ~~اللغة، قال عبيد بن الابرص: بل رب ماء أردت آجن * سبيله خائف جديب قطعته ~~غدوة مسيحا * وصاحبي بادن خبوب يريد بصاحبه بعيره بلا اختلاف (1). وقال ~~أمية بن أبي الصلت: إن الحمار مع الحمار مطية * فإذا خلوت به فبئس الصاحب ~~(2) وقال آخر: زرت هندا وذاك بعد اجتناب * ومعي صاحب كتوم اللسان (3) يعني ~~به السيف، فسمى سيفه صاحبا. وإذا كان الامر على ما وصفناه لم يثبت لابي بكر ~~بذكر الصحبة فضيلة، ولا كانت له منقبة على ما بيناه وشرحناه. وأما حلوله مع ~~النبي صلى الله عليه وآله في الغار، فهو كالمتقدم غير موجب له # --- # (1) ديوان عبيد بن الابرص: 27، وفيه بل رب ماء وردت آجن. (2 و3) كنز ~~الفوائد للكراجكي 2: 50 (*). # --- PageV01P189 [ 190 ] # فضلا، ولا رافع عنه نقصا وذما، وقد يحوي المكان البر والفاجر، والمؤمن ~~والكافر، والكامل والناقص، والحيوان والجماد، والبهيمة والانسان، وقد ضم ~~مسجد النبي صلى ms099 الله عليه وآله الذي هو أشرف من الغار المؤمنين وأهل ~~النفاق، وحملت السفينة البهائم وأهل الايمان من الناس، ولا معتبر حينئذ ~~بالمكان، ومن اعتقد به فضلا لم يرجع في اعتقاده ذلك إلى حجة عقلية ولا ~~عبارة ولا سمع ولا قياس، ولم يحصل بذلك إلا على ارتكاب الجهالات. فإن ~~تعلقوا بقوله تعالى: { إن الله معنا } فقد تكون { معنا } للواحد كما تكون ~~للجماعة، وتكون للموعظة والتخويف كما تكون للتسكين والتبشير، وإذا احتملت ~~(1) هذه الاقسام لم تقتض فضلا، إلا أن ينضم إليها دليل من غيرها وبرهان، ~~وليس به مع التعلق بها أكثر من ظاهر الاسلام. فصل فأما الحجج منها على ما ~~يوجب نقص أبي بكر وذمه، فهو قوله تعالى فيما أخبر به من نهي نبيه صلى الله ~~عليه وآله لابي بكر عن الحزن في ذلك المكان، فلا يخلو أن يكون ذلك منه على ~~وجه الطاعة لله سبحانه لما نهاه النبي صلى الله عليه وآله عنه، ولا لفظ له ~~في تركه، لانه صلى الله عليه وآله لا ينهى عن طاعات ربه، ولا يؤخر عن قربه. # --- # (1) في ب، ح، م: اختلفت # --- PageV01P190 [ 191 ] # ومن وصفه بذلك فقد قدح في نبوته، وأخرجه عن الايمان بالله تعالى، وأدخله ~~في جملة أعدائه وأهل مخالفيه، وذلك ضلال عظيم. وإذا خرج أبو بكر بحزنه الذي ~~كان منه في ا لغار على الاتفاق من طاعة الله تعالى، فقد دخل به في معصية ~~الله، إذ ليس بين الطاعة والمعصية في أفعال العاقل الذاكر واسطة على تحقيق ~~النظر، ومن جعل بينهما قسما ثالثا - وهو المباح - لزمه فيه ما لزم في ~~الطاعة، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يحظر ما أباحه الله تعالى، ~~ولا يزجر عما شرعه الله. وإذا صح أن أبا بكر كان عاصيا لله سبحانه يحزنه ~~المجمع على وقوعه منه في الغار، دل على استحقاقه الذم دون المدح، وكانت ~~الآية كاشفة عن نقصه بما بيناه. ومنها: أن الله سبحانه أخبر في هذه الآية ~~أنه خص نبيه صلى الله عليه وآله ms100 بالسكينة دون أبي بكر، وهذا دليل على أن ~~حاله غير مرضية لله تعالى، إذ لو كان من أولياء الله وأهل محبته لعمته ~~السكينة مع النبي صلى الله عليه وآله في ذلك المقام، كما عمت من كان معه ~~صلى الله عليه وآله ببدر وحنين، ونزل القرآن، فقال تعالى في هذه السورة: { ~~لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء ~~الكافرين } (1). # --- # (1) سورة التوبة 9: 25، 26 (*). # --- PageV01P191 [ 192 ] # وقال في سورة الفتح: { لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ~~فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } (1). وقال ~~فيها أيضا: { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } (2). فدل عموم السكينة كل من حضر مع ~~النبي صلى الله عليه وآله من المؤمنين مقاما سوى الغار، بما أنزل به ~~القرآن، على صلاح حال القوم وإخلاصهم لله تعالى، واستحقاقهم الكرامة منه ~~بالسكينة التي أكرم بها نبيه صلى الله عليه وآله، وأوضح بخصوص نبيه في ~~الغار بالسكينة دون صاحبه في تلك الحال على ما ذكرناه عن خروجه من ولاية ~~الله تعالى، وارتكابه لما أوجب في العدل والحكمة الكرامة بالسكينة من قبائح ~~الاعمال، وهذا بين لم تحجب عنه العباد، وقد استقصيت الكلام في هذه المسألة ~~في مواضع من كتبي، وخاصة كتاب (العيون والمحاسن) (3) فإنني فرغت فيها ~~الكلام، واستوفيت ما فيه على التمام، فلذلك خففت القول هاهنا، وتحريت ~~الاختصار، وفيما أثبته كفاية، إن شاء الله تعالى. # --- # (1) سورة الفتح 48: 18. (2) سورة الفتح 48: 26. (3) راجع الفصول المختارة ~~من العيون والمحاسن 1: 19 - 24، بحار الانوار 10: 418 - 424، وانظر ~~الاحتجاج 2: 499 والشافي 4: 25 (*). # --- PageV01P192 [ 193 ] # مسألة أخرى فإن قالوا: إن الامة مجمعة على أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله خص أبا بكر وعمر يوم بدر بالكون معه في العريش، وصانهما عن البذل في ~~الحرب، ms101 واشفق على حياتهما عن ضرب السيوف، وفزع إليهما في الرأي والتدبير، ~~وهذا أمر أبين فضلا وأجل منقبة، فقولوا في ذلك ما عندكم في معناه. جواب: ~~قيل لهم: ما أراكم تعتمدون في الفضائل إلا على الرذائل، ولا تصلون المناقب ~~إلا بذكر المثالب، وذلك دليل خذلانكم وخزيكم في الدين وضلالكم. أما كون أبي ~~بكر وعمر مع رسول صلى الله عليه وآله في العريش ببدر فلسنا ننكره، لكنه ~~لغير ما ظننتموه، والامر فيه أوضح من أن يلتبس بما توهمتموه، وذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله لما علم من جبنهما عن الحروب، وخوفهما من البراز ~~للحتوف، وجزعهما من لقاء الابطال، وضعف بصيرتهما، وعدم ثباتهما في القتال ~~بما أوجب في الحكمة والدين والتدبير، # --- PageV01P193 [ 194 ] # حبسهما في ذلك المكان، ومنعهما من التعرض إلى القتال، والاحتياط عليهما، ~~لان لا يوقعا في تدبيره الفساد. ولو علم صلى الله عليه وآله منهما قوة في ~~الجهاد، وبصيرة في حرب أهل العناد، ونية في الاصلاح والسداد، لما حال ~~بينهما وبين اكتساب الثواب، ولامنعهما من التعرض لنيل المنازل العالية ~~بجهاد الاعداء، ولا اقتصر بهما على منازل القاعدين، ولا أدخلهما في حكم ~~المفضولين، بما نطق به الذكر الحكيم حيث يقول سبحانه: { لا يستوى القاعدون ~~من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل ~~الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى ~~وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما } (1). ويؤكد ذلك أن الله ~~تعالى أخبر عباده في كتابه بأنه: { اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة ~~والانجيل والقرءان ومن أوفى بعهده من الله.. فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم ~~به وذلك هو الفوز العظيم } (2). فلا يخلو أن يكونا في جملة المؤمنين الذين ~~نعتهم الله وأخبر عنهم بما ضمنه القرآن، أو أن يكونوا من غيرهم بخلاف ~~صفاتهم التي جاء بها # --- # (1) سورة النساء 4: 95. (2) سورة التوبة 9: 111 (*). # --- PageV01P194 [ 195 ] # التنزيل، فلو كانوا من جملة المؤمنين (1) لما منعهم رسول الله صلى ms102 الله ~~عليه وآله من الوفاء بشرط الله عليهم في القتال، ولا حال بينهم وبين التوصل ~~بالجهاد إلى ما وعد الله عليه أهل الايمان من عظيم الثواب، في محل النعيم ~~والاجر الكبير، الذي من ظفر به كان من الفائزين، لانه صلى الله عليه وآله ~~إنما بعث بالحث على أعمال الخيرات، والاجتهاد في القرب والطاعات، والترغيب ~~في بذل النفوس في جهاد الاعداء، وإقامة المفترضات. ولما وجدناه قد منع هذين ~~الرجلين من الجهاد، وحبسهما عما ندب إليه خيار (2) العباد، دل على أنهما ~~بخلاف صفات من اشترى الله تعالى نفسه بالجنة من أهل الايمان، وهذا واضح ~~لذوي العقول والاذهان. ويزيد ذلك بيانا انهزامهما مع المنهزمين في يوم احد، ~~وفرارهما من مرحب يوم خيبر، وكونهما من جملة المولين الادبار في يوم ~~الخندق، وأنهما لم يثبتا لقرن قط، ولا بارزا بطلا، ولا أراقا في نصرة ~~الاسلام دما، ولا احتملا في الذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله ألما، ~~وكل ذلك يؤكد ما ذكرناه في معناه، ويزيل عن ذوي الاعتبار الشبهات فيما ذكره ~~أهل الضلالات. وأما قولهم: أن رسول الله صلى الله عليه وآله صانهما عن ~~البذل في الحرب، وأشفق عليهما من ضرب السيف، فهو أوهن كلام وأضعفه، وذلك ~~أنه صلى الله وآله عرض في ذلك اليوم عمه حمزة أسد الله وأسد رسوله للحرب، ~~وبذل إليها أخاه وابن عمه وصهره وأحب الخلق إليه أمير المؤمنين علي # --- # (1) " الذين نعتهم الله.. جملة المؤمنين) ليس في ب، ح، م. (2) في ب، ح، ~~م: حيال (*). # --- PageV01P195 [ 196 ] # ابن أبي طالب عليه السلام، وابن عمه عبيدة بن لحارث بن عبد المطلب رحمة ~~الله عليه، وأحباءه من الاخيار، وخلصاءه من أهل الايمان (1). فكان عليه ~~السلام يقدم كل من عظمت منزلته عنده للجهاد، معرضا له بذلك إلى أجل منازل ~~الثواب، ويرى أن تأخره عن ذلك حط له عن شئ من المقام، إلا أن يكون بصفة من ~~ذكرناه من المرتابين في الايمان والشاكين في نعيم الجنان. ولم يك عليه ~~السلام من أبناء الدنيا والداعين إليها، ms103 وإلى التمسك بأعمال أهلها والترغيب ~~عن حطامها، فيتصور بما ذكره الجاهلون من الاشفاق على أحبته من الشهادة، ~~والمنع لهم ما يعقب لهم من الراحة ويحصل به الفضيلة، ولو كان بهذه الصفة ~~لخرج عن النبوة ولحق بأهل الكبر والجبرية، وحاشاه صلى الله عليه وآله من ~~ذلك. فصل على أنه يقال لهم: لو كان الامر على ما ظننتموه في منع الرجلين من ~~الجهاد كان سببه المحبة والاشفاق، لاشفق عليهما من ذلك في خيبر، ولم ~~يعرضهما له حتى افتضحا بالهزيمة بين المسلمين، وأبان عليه السلام ذلك لامته ~~أجمعين عن حالهما في الظاهر، وما كانا عليه في السر والباطن، وسماهما ~~فرارين، وأخرجهما عن محبة الله تعالى حيث يقول عند # --- # (1) في ح، م: الاديان (*). # --- PageV01P196 [ 197 ] # فرارهما: " لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ~~كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه " (1). وقد بينا ما يقتضيه ~~فيهما من فحوى هذا الكلام فيما تقدم، ولا حاجة لنا إلى تكراره. فصل وأما ~~قولهم: أن رسول الله صلى الله عليه وآله إنما حبسهما عن القتال لحاجة منه ~~إلى رأيهما في التدبير. فإنه نظير ما سلف من جهلهم، بل أفحش منه، وذلك لان ~~النبي صلى الله عليه وآله كان معصوما وكانا بالاتفاق غير معصومين، وكان صلى ~~الله عليه وآله مؤيدا بالملائكة ولم يكونا مؤيدين. وقد ثبت أن العاقل لا ~~يستمد الرأي إلا ممن يعتقد فضله عليه منه، ومتى استمد ممن يساويه أو يقاربه ~~في معناه فلجواز عدوله عن صوابه بالغلط عن طريقه، وما يلحقه من الآفات في ~~النظر، ويحول بينه وبين الحق فيه من الشبهات. وإذا فسد القول بفضل أبي بكر ~~وعمر على رسول الله صلى الله عليه وآله في الرأي، بل في كل شئ من الاشياء، ~~وبطل مساواتهما له ومقاربتهما إياه مع ما يبطل من جواز الغلط عليه، ولحوق ~~الآفات به لعصمته (2) صلى الله عليه وآله، استحال مقال من زعم أنه كان ~~محتاجا إليهما في الرأي. # --- # (1) تقدم مع تخريجاته في ص: 34. (2) في أزيادة: ورأفته ms104 (*). # --- PageV01P197 [ 198 ] # فصل على أنه لو كان ممن يجوز عليه الخطأ في الدين والغلط في التدبير، ~~لكان ما يقع منه مستدركا بجبرئيل وميكائيل وأمثالهما من الملائكة عليهم ~~السلام، ولم يكله الله تعالى في شئ منه إلى رعيته، ولا أحوجه فيه إلى أحد ~~من أمته، لما تقتضيه الحكمة في تولى حراسته وتهدئته، وغناه بذلك عمن أحوجه ~~الله سبحانه إليه من جميع بريته. ولو جاز أن يلجئه الله تعالى إلى أحد من ~~أمته في الرأي، لجاز أن يضطر إليه في جميع معرفة الاحكام، ولجعله تابعا لهم ~~فيما يدركونه بالاجتهاد والقياس، وهذا ما لا يذهب إليه مسلم، فثبت ما بيناه ~~من الغرض في حبس الرجلين عن القتال، فإنه كما شرحناه، وبينا وجهه وأوضحناه، ~~دون ما ظنه الجاهلون، والحمد لله. فصل ثم يقال لهم: خبرونا عن حبس رسول ~~الله صلى الله عليه وآله أبا بكر وعمر عن القتال في يوم بدر لحاجة إلى ~~مشورتهما عليه، وتدبيرهما الامر معه، أقلتم ذلك ظنا أو حدسا، أم قلتموه ~~واعتمدتم فيه على اليقين ؟ فإن زعموا أنهم قالوا ذلك بالظن والحدس والترجيم ~~فكفاهم بذلك خزيا في مقالهم وشناعة وقبحا، وإن ادعوا العلم به والحجة فيه ~~طولبوا بوجه البرهان عليه، وهل ذلك من وجه العقل أدركوه أم وجوه السمع ~~والتوقيف، فلا يجدون شيئا يتعلقون به من الوجهين جميعا. # --- PageV01P198 [ 199 ] # ثم يقال لهم: أما العريش فكان من رأي الانصار بلا اختلاف، ولم يكن لابي ~~بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين مقال، وأما المشورة فلم تكن فيه، وإنما أشار ~~في الاسرى بعد القتال، واختلفا عند المشورة في الرأي. وعدل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله إذ ذاك عن رأي عمر بن الخطاب، لمعرفته أنه صدر عن تراث بينه ~~وبين القوم، وقصد الشناعة (1) على النبي صلى الله عليه وآله، وشفاء غيظ بني ~~عبد مناف، ولم يرد بما قال وجه الله تعالى، وصار إلى رأي أبي بكر لما أراد ~~الله تعالى من المحنة لذلك. فنزل القرآن بتخطئة صاحبكم، وجاء الخبر عن علام ~~الغيوب بخيانته في الدين، ms105 وركونه إلى الدنيا، وإرادته لحطامها، وضعف بصيرته ~~في الجهاد، وأظهر منه ما كان يخفيه، وكشف عن ضميره، وفضحه الوحي بما ورد ~~فيه، حيث يقول الله سبحانه: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الاخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من ~~الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } (2). وهذا يدل على أن النبي صلى ~~الله عليه وآله حينما استشارهما لم يكن لفقر منه في الرأي والتدبير إليهما، ~~وإنما كان لاستبراء أحوالهما والاظهار لباطنهما في النصيحة له أو ضدها، كما ~~أخبره الله سبحانه بتعريفه ذلك هامش (1) (اشناعة) ليس في ب. (2) سورة ~~الانفال 8: 67، 68. # --- PageV01P199 [ 200 ] # عند نطقهما في الامور وكلامهما وغيرهما من أضرابهما، فقال تعالى: { ولو ~~نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول } (1). وإذا كان ~~الامر على ما وصفناه بطل ما ادعوه في العريش، وكانت المشورة بعده من أوضح ~~البرهان على نقص الرجلين دون فضلهما على ما قدمناه (2). هامش (1) سورة محمد ~~47: 30. (2) للتوسع راجع الفصول المختار 1: 14 و15، الشافي 4: 417، الغدير ~~7: 207. # --- PageV01P200 [ 201 ] # مسألة أخرى فإن قالوا: أفليس قدم رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر ~~في حياته على جميع أهل بيته وأصحابه، حيث أمره أن يصلي بالناس في مرضه مع ~~قوله عليه السلام " الصلاة عماد الدين " (1)، وقوله عليه السلام: " إمامكم ~~خياركم " (2) وهذا أوضح دليل على إمامته بعد النبي صلى الله عليه وآله، ~~وفضله على جميع امته ؟ ! جواب: قيل لهم: أما الظاهر المعروف فهو تأخير رسول ~~الله صلى الله عليه وآله أبا بكر عن الصلاة وصرفه عن ذلك المقام، وخروجه ~~مستعجلا وهو من ضعف الجسم بالمرض على ما لا يتحرك معه العاقل إلا ~~بالاضطرار، ولتدارك ما يخاف بفوته عظيم الضرر والفساد، حتى كان عزله عما ~~كان تولاه من تلك الصلاة. هامش (1) كنز العمال 7: 284 / 18889 و18891. (2) ~~كنز العمال 7: 596 / 30433، عوالي اللئالي 1: 37 / 27، وفيهما: ليؤمكم ~~خياركم. # --- PageV01P201 [ 202 ] # فأما تقدمه على الناس فكان بقول عائشة دون النبي صلى الله عليه وآله، ~~وبذلك جاءت الاخبار وتواترت الاحاديث والآثار، ومن ms106 الدعي غير ذلك فعليه حجة ~~البرهان والبيان. فصل على أننا لو صححنا حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه ~~وآله، وسلمنا لهم صدقها فيه (1) تسليم جدل، وإن كانت الادلة تبطله وتقضي ~~بفساده من كل وجه، لما أوجب ما ادعوه من فضله على الجماعة، لانهم مطبقون ~~على أن النبي صلى الله عليه وآله صلى خلف عبد الرحمن بن عوف الزهري (2)، ~~ولم يوجب ذلك له فضلا عليه ولا غيره من المسلمين. ولا يختلفون أنه صلى الله ~~عليه وآله أمر عمرو بن العاص على أبي بكر وعمر وجماعة من المهاجرين ~~والانصار، وكان يؤمهم طول زمان إمارته في الصلاة عليهم، ولم يدل ذلك على ~~فضله عليهم في الظاهر، ولا عند الله تعالى على حال من الاحوال. وهم متفقون ~~على أن النبي صلى الله عليه وآله قال لامته: " صلوا خلف كل بر وفاجر " (3) ~~وأباح لهم الصلاة خلف الفجار، وجوز بذلك إمامة إمام لهم هامش (1) (صدقها ~~فيه) ليس في ب. (2) صحيح مسلم 1: 230 / 81، سنن ابن ماجة 1: 392 / 1236، ~~سنن النسائي 1: 77، سنن أبي داود 1: 38 / 1552. (3) كنز العمال 6: 54 / ~~1481 عن سنن البيهقى، عوالي اللئالى 1: 37 / 28. # --- PageV01P202 [ 203 ] # في الصلاة منقوص مفضول، بل فاسق فاجر مرذول، بما تضمنه لفظ الخبر ومعناه، ~~وإذا كان الامر على ما ذكرناه بطل ما اعتمدوه من فضل أبي بكر في الصلاة. ~~فصل ثم يقال لهم: قد اختلف المسلمون في تقديم النبي صلى الله عليه وآله أبا ~~بكر للصلاة. فقال المسمون السنة: إن عائشة أمرت بتقديمه عن النبي صلى الله ~~عليه وآله. وقالت الشيعة: إنها أم رته بذلك عن نفسها دون النبي صلى الله ~~عليه وآله، بلا اختلاف بينهم أن النبي صلى الله عليه وآله خرج إلى المسجد ~~وأبو بكر في الصلاة، فصلى تلك الصلاة، فلا يخلو أن يكون صلاها إماما لابي ~~بكر والجماعة، أو مأموما لابي بكر مع الجماعة، أو مشاركا لابي بكر في ~~إمامتهم، وليس قسم رابع يدعى فنذكره على التقسيم. فإن كان صلى الله عليه ~~وآله صلاها إماما لابي بكر والجماعة فقد صرفه ms107 بذلك عما أوجب فضله عند كم من ~~إمامة القوم، وحطه عن الرتبة التي ظننتم حصوله فيها بالصلاة، وبطل ما ~~اعتمدتموه (1) من ذلك، ووجب له خلافه من النقص والخروج عن الفضل على ~~التأبيد، إذا كان آخر أفعال رسول الله صلى الله عليه وآله جار حكمها على ~~التأبيد (2) وإقامة الشريعة وعدم هامش (1) في ح: ما ادعيتموه. (2) في ح، م: الندب. # --- PageV01P203 [ 204 ] # نسخها إلى أن تقوم الساعة، وهذا بين لا ريب فيه. وإن كان صلى الله عليه ~~وآله مأموما لابي بكر فقد صرف إذن عن النبوة، وقدم عليه من أمره الله تعالى ~~بالتأخير عنه، وفرض عليه غض الطرف عنده، ونسخ بذلك نبوته وما يجب له بها من ~~إمامة الجماعة، والتقدم عليهم في الدين، وهذا ما لا يطلقه مسلم. وإن كان ~~النبي صلى الله عليه وآله إماما للجماعة مع أبي بكر على الاشتراك في ~~إمامتهم، وكان ذلك آخر أعماله في الصلاة، فيجب أن يكون سنة، وأقل ما فيه ~~جوازه وارتفاع البدعة منه، والاجماع منعقد على ضد ذلك، وفساد إمامة نفسين ~~في الصلاة معا لجماعة من الناس، وإذا كان الامر على ما وصفناه فقد سقط ما ~~تعلق به القوم من صلاة أبي بكر، وما ادعوه له بها من الفضل على تسليم الخبر ~~دون المنازعة فيه، فكيف وقد بينا سقوطه بما قدمناه. فصل على أن الخبر بصلاة ~~أبي بكر وإن كان أصله من حديث عائشة ابنته خاصة على ما ذكروه، فإنه قد جاء ~~عنها في التناقض والاختلاف وذلك شاهد بفساده على البيان: فروى أبو وائل، عن ~~مسروق، عن عائشة، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي مات ~~فيه خلف أبي بكر قاعدا (1). هامش (1) تاريخ الطبري 4: 1812، السيره الحلبيه ~~3: 464. # --- PageV01P204 [ 205 ] # وروى إبراهيم، عن الاسود، عن عائشة في حديث في الصلاة أن النبي صلى الله ~~عليه وآله صلى عن يسار أبي بكر قاعدا، وكان أبو بكر يصلي بالناس قائما (1). ~~وفي حديث وكيع، عن الاعمش، عن إبراهيم، عن الاسود، عن عائشة أيضا، قالت: ~~صلى رسول الله ms108 صلى الله عليه وآله في مرضه عن يمين أبي بكر جالسا، وصلى أبو ~~بكر قائما بالناس (2). وفي حديث عروة بنى الزبير، عن عائشة، قالت: صلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله بحذاء أبي بكر جالسا، وكان أبو بكر يصلي بصلاة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله، والناس يصلون بصلاة أبي بكر (3). فتارة ~~تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إماما بأبي بكر، وتارد تقول: كان ~~أبو بكر إماما، وتارة تقول: صلى عن يمين أبي بكر، وتارة تقول: صلى عن ~~يساره، وتارة تقول: صلى بحذائه، وهذه أمور متناقضة تدل بظاهر ما فيها من ~~الاضطراب والاختلاف على بطلان الحديث، وتشهد بأنه موضوع. فصل آخر على أن ~~الخبر الثابت عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: " إنما جعل هامش (1) ~~السيرة الحلبية 3: 464. (2) السيرة الحلبية 3: 467، سيرة ابن هشام 4: 302. ~~(3) السيرة الحلبية 3: 464 و465. # --- PageV01P205 [ 206 ] # الامام إماما ليؤتم به، فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين " (1) يبطل ~~أيضا حديث صلاة أبي بكر، ويدل على اختلافه، لانه يتضمن مناقضة ما أمر به، ~~مع ترك المتمكن منه على فاعله، ومتى ثبت أوجب تضليل أبي بكر وتبديعه على ~~الاقدام على خلاف النبي صلى الله عليه وآله. واستدلوا بمثل ذلك في رسول ~~الله صلى الله عليه وآله إذ كان هو المؤتم بأبي بكر، وفي كلا الامرين بيان ~~فساد الحديث مع ما في الوجه الاول من دليل فساده. فصل آخر مع أن الرواية قد ~~جاءت من غير طريق عن عائشة أنها قالت: جاء بلال فأذن بالصلاة ورسول الله ~~صلى الله عليه وآله مغمى عليه، فانتظرنا إفاقته وكاد الوقت يفوت، فأرسلنا ~~إلى أبي بكر يصلي بالناس (2). وهذا صريح منها بأن صلاته كانت عن أمرها ~~ورأيها، دون أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وإذنه ورأيه ورسمه. والذي ~~يؤيد ذلك ويكشف عن صحته، الاجماع على أن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج ~~مبادرا معجلا بين يدي رجلين من أهل بيته هامش (1) مسند أحمد بن حنبل 2: ~~214، 420، صحيح البخاري 1: 171 / 44، صحيح مسلم 1: 308 / 77، صحيح ms109 الترمذي ~~2: 194 / 361، سنن ابن ماجة 1: 276 / 846، سنن النسائي 2: 83. (2) كنز ~~العمال 5: 634 / 4116 عن اللالكائي في السنة. # --- PageV01P206 [ 207 ] # حتى تلافى الامر بصلاته وعزل الرجل عن مقامه. ثم الاجماع أيضا على قول ~~البني صلى الله عليه وآله حين أفاق لعائشة وحفصة: " إنكن كصويحبات يوسف ~~عليه السلام " (1) ذما لهما على ما أفتنا به امته، وإخبارا عن إرادة كل ~~واحدة منهما المنزلة بصلاة أبيها بالناس، ولو كان هو صلى الله عليه وآله ~~تقدم بالامر لابي بكر بالصلاة لما حال بينه وبين تمامها، ولا رجع باللوم ~~على غيره فيها، وهذا ما لا خفاء به على ذوي الابصار. وفي هذه المسألة كلام ~~كثير، قد سبق أصحابنا رحمهم الله إلى استقصائه، وصنف أبو عيسى محمد بن ~~هارون الوراق (2) كتاب مفردا في معناه سماه كتاب (السقيفة) يكون نحو مائتي ~~ورقة، لم يترك لغيره زيادة عليه فيما يوضح عن فساد قول الناصبة وشبههم التي ~~اعتمدوها من الخبر بالصلاة، وأشار إلى كذبهم فيه، فلذلك عدلت عن الاطالة في ~~ذكر البراهين على ما قدمت، واقتصرت على الاختصار، وإن كان فيما أثبته كفاية ~~لذوي الابصار، والحمد لله. هامش (1) كنز العمال 5: 634 / 4116 عن اللالكائي ~~في السنة. (2) ترجم له النجاشي في رجاله: 372 / 1016 وعد من تصانيفه كتاب ~~السقيفة، وأطراه المحقق الداماد في الراشحة الثامنة من الرواشح السماوية ~~وقال: هو من أجلة المتكلمين من اصحابنا وأفاضلهم. # --- PageV01P207 [ 208 ] # ..... # --- PageV01P208 [ 209 ] # مسألة أخرى فإن قالوا: إن لابي بكر من الانفاق على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله والمواساة بماله ما لم يكن لعلي بن أبي طالب عليه السلام، ولا ~~لغيره من الصحابة، حتى جاء الخبر عنه صلى الله عليه وآله، أنه قال: " ما ~~نفعنا مال كمال أبي بكر " (1). وقال عليه السلام في موطن آخر: " ما أحد من ~~الناس أعظم نفعا علينا حقا في صحبته وماله من أبي بكر بن أبي قحافة " (2). ~~جواب: قيل لهم: قد تقدم لنا من القول فيما يدعى من إنفاق أبي بكر ما يدل ~~المأمل له على بطلان مقال أهل الخلاف، وإن كنا ms110 لم نبسط الكلام في معناه ~~بعد، فإن أصل الحديث في ذلك عائشة، وهي التي ذكرته عن هامش (1) مسند أحمد ~~2: 253 و366. وأخرجه في كنز العمال 11: 549 / 32576 و555 / 32608، 12: 505 ~~/ 35648 عن مسند أحمد، وابن ماجة، وحلية الاولياء، وابن عساكر. (2) كنز ~~العمال 11: 554 / 32604 عن الطبراني في المعجم الكبير. # --- PageV01P209 [ 210 ] # رسول الله صلى الله عليه وآله، وأضافته بغير حجة، وقد عرفت ما كان من ~~خطأها في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وارتكابها معصية الله تعالى في ~~خلافه حتى نزل فيها وفي صاحبتها حفصة بنت عمر بن الخطاب: { إن تتوبا إلى ~~الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح ~~المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير } (1). ثم الذي كان منها في أمر عثمان بن ~~عفان حتى صارت أوكد الاسباب في خلعه، وقتله، فلما كان من أمره ما كان، ~~وبايع الناس لامير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حسدته على ذلك، ~~وكرهت أمره، ورجعت عن ذم عثمان بن عفان إلى مدحه، وقذفت أمير المؤمنين عليه ~~السلام بدمه، وخرجت من بيتها إلى البصرة إقداما على خلاف الله تعالى فيما ~~أمرها به في كتابه، فألبت عليه ودعت إلى حربه، واجتهدت في سفك دمه واستئصال ~~ذريته وشيعته، وأثارت من الفتنة ما بقي في الامة ضررها في الدين إلى هذه ~~الغاية. ومن كانت هذه حالها لم يوثق بها في الحديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله، ولا امنت على الادغال (2) في دين الله تعالى، لا سيما فيما ~~تجربه نفعا إليها وشهادة بفضل متى صح لكان لها فيه الحظ الاوفر، وهذا ما لا ~~يخفى على ذوي حجا. (1) سورة التحريم 66: 4. (2) أدغل في الامر: أدخل فيه ما ~~يخالفه ويفسده. " الصحاح - دغل - 4: 1697 ". # --- PageV01P210 [ 211 ] # فصل على أنه لو كان لابي بكر إنفاق على ما تدعيه الجهال، لوجب أن يكون له ~~وجه معورف، وكان يكون ذلك لوجه ظاهر مشهور، كما اشتهرت صدقة أمير المؤمنيين ~~عليه السؤم بخاتمه، وهو في الركوع حتى علم به الخاص، والعام، ms111 وشاعت نفقته ~~بالليل والنهار والسر والاعلان، ونزول بها محكم القرآن، ولم تخف صدقته التي ~~قدمها بين يدي نجواه، حتى أجمعت عليها أمة الاسلام، وجاء بها صريح القول في ~~البيان، واستفاض إطعام المسكين (1) واليتيم والاسير، وورد الخبر به مفصلا ~~في { هل أتى على الانسان } (2). فكان أقل ما يجب في ذلك أن يكون كشهرة نفقة ~~عثمان بن عفان في جيش العسرة، حتى لم يختلف في ذلك من أهل العمل اثنان (3)، ~~ولما خالف الخبر في إنفاق أبي بكر ما ذكرناه، وكان مقصورا على ابنته خاصة، ~~ويكفي في ما شرحناه، ومضافا إلى من في طريقه من أمثال الشعبي وأشباهه ~~المعروفين بالعصبية لابي بكر وعمر وعثمان، والتقرب إلى بني أمية بالكذب ~~والتخرص والبهتان، مما يدل على فساده بلا ارتياب. (1) (حتى أجمعئت.. ~~المسكين) ليس في ح، وفي ب: وصدقته حين اجمع المسكين. (2) سورة الانسان 76: ~~1. (3) (فكان أقل.. اثنان) ليس في ب، ح، م. # --- PageV01P211 [ 212 ] # فصل مع أن الله تعالى قد أخبر في ذلك بأنه المتولي عناء نبيه صلى الله ~~عليه وآله عن سائر الناس، ورفع الحاجة عنه في الدين والدنيا إلى أحد من ~~العباد، فقال تعالى { ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا ~~فأغنى } (1). فلو جاز أن يحتاج مع ذلك إلى نوال أحد من الناس لجاز أن يحتاج ~~في هداه إلى غير الله تعالى، ولما ثبت أنه غني في الهدى بالله وحده، ثبت ~~أنه غني في الدنيا بالله تعالى دون الخلق كما بيناه. فصل على أنه لو كان ~~فيما عدده الله تعالى من أشياء يتعدى الفضل إلى أحد من الناس، فالواجب أن ~~تكون مختصة بآبائه عليهم السلام، وبعمه أبي طالب رحمة الله، وولده عليه ~~السلام، وبزوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ولم يكن لابي بكر في ذلك ~~حظ ولا نصيب على كل حال. وذلك أن الله تعالى آوى يتمه بجده عبد المطلب، ثم ~~بأبي طالب من بعه، فرباه وكفله صغيرا، ونصره وواساه ووقاه من أعدائه بنفسه ~~وولده كبيرا، وأغناه بما رزقه الله من أموال ms112 آبائه رحمهم الله تعالى ~~وتركاتهم وهم ملوك العرب، وأهل الثروة منهم واليسار بلا اختلاف، ثم ما ~~أفاده من هامش (1) سورة الضحى 93: 6 - 8. # --- PageV01P212 [ 213 ] # بعده في خروجه إلى الشام من الاموال، وما كان انتقل إليه من زوجته خديجة ~~بنت خويلد. وقد علم جميع أهل العلم ما كانت عليه من سعة الاحوال، وكان لها ~~من جليل الاموال، وليس لابي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد ~~الرحمن وأبي عبيدة بن الجراح وغيرهم من سائر الناس سوى من سميناه سبب لشئ ~~من ذلك، يتعدى به فضلهم إليه (1) على ما بيناه، بل كانوا فقراء فأغناهم ~~الله بنبيه صلى الله عليه وآله، وكانوا ضلالا فدعاهم إلى الهدى، ودلهم على ~~الرشاد، وكانوا أذلة فتوصلوا بإظهار اتباع نبوته إلى الملك والسلطان. وهب ~~أن في هؤلاء المذكورين من كان له قبل الاسلام من المال ما ينسب به إلى ~~اليسار، وفيهم من له شرف بقبيلة يبين به ممن عداه، هل لاحد من سامعي ~~الاخبار وأهل العلم بالآثار ريب في فقر أبي بكر وسوء حاله في الجاهلية ~~والاسلام، ورذالة قبيلته من قريس كلها، وظهور المسكنة في جمهورهم على ~~الاتفاق ؟ ولو كان له من السعة ما يتمكن به من صلة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله والانفاق عليه ونفعه بالمال، كما ادعاه الجاهلون، لاغنى أباه ببعضه عن ~~النداء على مائة ة عبد الله بن جدعان (2) بأجرة على ذلك (3) بما يقيم به ~~هامش (1) في أ: فضل منه إليهم، وفي ب: فضله إليهم. (2) في أ: لينتال. (3) ~~(باجرة على ذلك) ليس في م. # --- PageV01P213 [ 214 ] # رمقه، ويستر به عورته بين الناس، ولا رتفع هو عن الخياطة وبيع الخلقان ~~(1) بباب بيت الله الحرام إلى مخالطة وجوه التجار، ولكان غنيا به في ~~الجاهلية عن تعليم الصبيان ومقاساة (2) الاطفال في ضرورته إلى ذلك لعدم ما ~~يغنيه عنه ما وصفناه. وهذا دليل على ضلال الناصبة فيما ادعوه له من الانفاق ~~للمال، وبرهان يوضح عن كذبهم فيما أضافوه إلى النبي صلى الله عليه وآله من ~~مدحه على الانفاق. فصل ms113 آخر مع أنه لوثبت لابي بكر نفقة مال على ما ظنه ~~الجها لكان خلو القرآن من مديح له على الاجماع وتواتر الاخبار، مع نزوله ~~بالمدح على اليسير من ذوي الانفاق، دليلا على أنه لم يكن لوجه الله تعالى، ~~وأنه يعتمد بالسمعة والرياء، وكان فيه ضرب من النفاق. وإذا ثبت أن الله ~~تعالى عدل كريم لا ينوه بذكر اليسير من طاعاته، ويخفي الكثير، ولا يمدح ~~الصغير، ويهمل الكبير، ففي خلو القرآن من ذكر إنفاق أبي بكر أو مدحه له ~~بذكر الانفاق على الشرط الذي وصفناه أوضح برهان على ما قدمناه. ثم يقال ~~لهم: قد علمت الكافة أن نفقات الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله إنما كانت في السلاح والكراع ومعونة الجهاد وصلات هامش (1) الخلقان: ~~جمع خلق، الثوب البالي. " الصالح - خلق 4: 1472 ". (2) المقاساة: المكابدة ~~والمعالجة. " تاج العروس - قسا - 10: 293 ". # --- PageV01P214 [ 215 ] # فقراء المسلمين، وتزويد المرملين (1)، ومعونة المساكين، ومواساة ~~المهاجرين، وأن النبي صلى الله عليه وآله لم يسترفد (2) أحدا منهم ولا ~~استوصله، ولا جعل عليه قسما من مؤنته، ولا التمس منهم شيئا أهله وعشيرته، ~~وقد حرم الله تعالى عليه وعلى أهل بيته أكل الصدقات، وأسقط عن كافتهم الاجر ~~له على تبليغهم عن الله تعالى الرسلات، ونصب الحجج لهم وإقامة البينات، في ~~دعائهم إلى الاعمال الصالحات، واستنقاذهم بلطفه من المهلكات، وإخراجهم بنور ~~الحق عن الظلمات. وكان صلى ا لله عليه وآله من أزهد الناس في الدنيا ~~وزينتها، ولم يزل مخرجا لما في يديه من مواريث آبائه، وما أفاء الله تعالى ~~من الغنائم والانفال، وجعله له خالصا دون الناس إلى فقراء أصحابه، وذوي ~~الخلة من أتباعه حتى استدان من المال (3) ما قضاه أمير المؤمنين عليه ~~السلام بعد وفاته، وكان هو المنجز لعداته (4) فأي وجه مع ما وصفناه من حاله ~~صلى الله عليه وآله لانفاق أبي بكر على ما ادعوه، لولا أن الناصبة لا تأنف ~~من الجهل ولا تستحيي من العناد ؟ ! هامش (1) المرمل: الذي نفد زاده. " ~~الصحاح - رمل - 4: 1713 ". (2) الاسترفاد: الاستعانة. " مجمع البحرين - رفد ms114 ~~- 3: 54 ". (3) في ب: الشرع بدل (المال). (4) تهذيب الآثار 1: 60، فردوس ~~الاخبار 3: 61 / 4170، شواهد التنزيل 1: 373 ؟ 515 و516، وأخرجه في كنز ~~العمال 7: 249 / 18782 عن ابن أبي شيبة وقال: رجاله ثقات. # --- PageV01P215 [ 216 ] # فصل مع أنا لانجدهم يحيلون على وجه فيما يذكرونه من إنفاق أبي بكر، إلا ~~على ما ادعوه من ابتياعه بلال بن حمامة (1) من مواليه، وكانوا عزموا بعد ~~الايمان ليردوه عنه إلى الكفر والطغيان. وهذا أيضا من دعاويهم الباطلة ~~المتعرية من الحجج والبرهان، وهو راجع في أصله إلى عائشة، وقد تقدم من ~~القول فيما ترويه وتضيفه إلى النبي صلى الله عليه وآله، ما يغني عن الزيادة ~~فيه والتكرار. ولو ثبت على غاية أمانيهم في الضلال لما كان مصححا لروايتهم ~~مدح أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وآله، وإخباره بانتفاعه بنفقته عليه ~~ومواساته بالمال، لان بلالا لم يكن ولدا للنبي صلى الله عليه وآله، ولا أخا ~~ولا والدا، ولا قريبا ولا نسيبا، فيكون خلاصه من العذاب بمال أبي بكر نافعا ~~للنبي صلى الله عليه وآله، ولا مختصا به دون سائر أهل الاسلام. ولو تعدى ما ~~خص بلالا من الانتفاع بمال أبي بكر إلى النبي صلى الله عليه وآله، لموضع ~~إيمانه برسالته، وإقراره بنبوته ولكونه في جملة إصحابه، لتعدى ذلك إلى ~~جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وجميع ملائكة الله تعالى وأنبيائه وعباده ~~الصالحين، لان الايمان برسول الله صلى الله عليه وآله يتضمن الايمان بجميع ~~النبيين والملائكة والمؤمنين والصديقين والشهداء هامش (1) هو بلال بن رباح، ~~وحمامة امه، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله، توفي بدمشق في الطاعون سنة ~~(18) وقيل غير ذلك، انظر ترجمته في رجال الكشي: 38 / 79، رجال الطوسى: 8 / ~~4، معجم رجال الحديث 3: 364، سير أعلام النبلاء 1: 347. # --- PageV01P216 [ 217 ] # والصالحين، وقد انكشف عن جهالات الناصبة وتجرئهم في بدعهم، وضعف بصائرهم، ~~وسخافة عقولهم، ومن الله نسأل التوفيق. فصل على أن الثابت من الحديث في مح ~~النبي صلى الله عليه وآله خديجة بنت خويلد رضى الله عنها دون أبي بكر، ~~والظاهر المشهور من انتفاع النبي صلى الله عليه ms115 وآله بمالها، يوضح عن صحته ~~واختصاصها به دون من ادعى له بالبهتان، وقد اشترك في نقل الحديث الفريقان ~~من الشيعة والحشوية، وجاء مستفيضا عن عائشة بنت أبي بكر على البيان. فروى ~~عبد الله بن المبارك، عن مجالد (1)، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: ~~كان النبي صلى الله عليه وآله إذا ذكر خديجة أحسن الثناء عليها، فقلت له ~~يوما: ما تذكر منها وقد أبدلك الله خيرا منها ؟ ! فقال: ما أبدلني الله ~~خيرا منها، صدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني ~~الله الولد منها ولم يرزقني من غيرها " (2) وهذا يدل على بطلان حديثها في ~~مدح أبي بكر بالمواساة، ويوجب تخصيصها بذلك دونه، ويوضح عن بطلان ما تدعيه ~~الناصبة أيضا من هامش (1) في ب، ح، م: مجاهد، وهو تصحيف صوابه ما في المتن ~~من نسخة أو المصادر، وانظر ترجمة مجالد بن سعيد، في طبقات ابن سعد 6: 243، ~~تهذيب التهذيب 10: 39، سير أعلام النبلاء 6: 284. (2) مسند أحمد بن حنبل 6: ~~117 عن شيخه علي بن إسحاق، عن ابن المبارك، سير أعلام النبلاء 2: 117، كنز ~~العمال 12: 132. # --- PageV01P217 [ 218 ] # سبق أبي بكر جماعة الامة إلى الاسلام، إذ فيه شهادة من الرسول صلى الله ~~عليه وآله بتقدم إيمان خديجة رحمها الله على سائر الناس. # --- PageV01P218 [ 219 ] # مسألة أخرى فإن قالوا: فما تصنعون في الخبر المروي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله أنه قال لاصحابه: " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " (1) ؟ ~~أليس هذا نص منه على إمامتهما، وإيجاب على الامة جميعا فرض طاعتهما، وفي ~~ذلك أدل دليل على طهارتهما وصوابهما فيما صنعاه من التقدم على أمير ~~المؤمنين، وصحة خلافتهما ؟ ! جواب قيل لهم: هذا حديث موضوع، والخلل في سنده ~~مشهور، والتناقض في معناه ظاهر، وحاله في متضمنه لائحة للمعتبر الناظر. ~~فأما خلل إسناده: فإنه معزى إلى عبد الملك بن عمير (2)، عن هامش (1) مسند ~~أحمد بن حنبل 5: 382 و385 و399 و402، سنن ابن ماجة 1: 37 / 97، سنن الترمذي ~~5: 609 / 3662، مستدرك الحاكم 3: 75. مصابيح السنة 4: 162 / 4742 و218 / ~~4889. (2) قال الشيخ الطوسي في تلخيص الشافي 3: 33: كان ms116 فاسقا جريئا على ~~الله، وهو الذي قتل عبد الله بن يقطر رسول الحسين بن علي إلى مسلم بن ~~عقيل.. وكان مروانيا. # --- PageV01P219 [ 220 ] # ربعي بن حراش، ثم من بعده تارة يعزى إلى حذيفة بن اليمان، وتارة إلى حفصة ~~بنت عمر بن الخطاب. فأما عبد الملك بن عمير فمن أبناء الشام، وأجلاف محاربي ~~أمير المؤمنين عليه السلام، المشتهرين بالنصب والعداوة له ولعترته، ولم يزل ~~يتقرب إلى بني أمية بتوليد الاخبار الكاذبة في أبي بكر وعمر، والطعن في ~~أمير المؤمنين عليه السلام حتى قلدوه القضاء، وكان يقبل فيه الرشا، ويحكم ~~بالجور والعدوان، وكان متجاهرا بالفجور والعبث بالنساء، فمن ذلك أن الوليد ~~بن سريع خاصم اخته كلثم بنت سريع إليه في أموال وعقار، وكانت كلثم من أحسن ~~نساء وقتها وأجملهن فأعجبته، فوجه القضاء على أخيها تقربا إليها، وطمعا ~~فيها، فظهر ذلك عليه واستفاض عنه، فقال فيه هذيل الاشجعي (1): أتاه وليد ~~بالشهود يقودهم * على ما ادعى من صامت المال والخول يسوق إليه كلثما ~~وكلامها * شفاء من الداء المخامر والخبل فما برحت تومي إليه بطرفها * وتومض ~~(2) أحيانا إذا خصمها غفل هامش وقال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث جدا مع قلة ~~روايته، وذكر إسحاق الكوسج عن أحمد أنه ضعفه جدا. انظر ترجمته في الجرح ~~والتعديل: 5: 360، تهذيب التهذيب 6: 411، سير أعلام النبلاء 5: 438. (1) هو ~~هذيل بن عبد الله بن سالم بن هلال الاشجعي، شاعر كوفي معروف، وله هجاء في ~~ثلاثة من قضاة الكوفة: عبد الملك بن عمير، الشعبي، ابن أبي ليلى. انظر ~~جمهرة أنساب العرب: 249، الاعلام للزركي 9: 72. (2) أومضت المرأة: سارقت ~~النظر. " الصحاح - ومض - 3: 1113 ". # --- PageV01P220 [ 221 ] # وكان لها دل وعين كحيلة * فأدلت بحسن الدل منها وبالكحل فأفتنت القبطي ~~حتى قضى لها * بغير قضاء الله في المال والطول فلو كان من في القصر يعلم ~~علمه * لما استعمل القبطي فينا على عمل له حين يقضي للنساء تخاوص (1) * ~~وكان وما منه التخاوص والحول إذا ذات دل كلمته بحاجة * فهم بأن يقضي تنحنح ~~أو سعل وبرق عينيه ولاك لسانه * يرى كل شئ ما خلاسخطها خبل ms117 (2) ثم الذي ~~عزاه إليه هو ربعي بن حراش عند أصحاب الحديث من المعدودين في جملة الروافض ~~المستهزئين على أبي بكر وعمر (3)، وإضافته إليه - مع ما وصفناه - ظاهرة ~~البطلان، مع أن المشهور عن حذيفة بن اليمان في أصحاب العقبة يضاد روايته ~~هذا الحديث عنه. وأما روايته عن حفصة بنت عمر بن الخطاب فهي من البرهان على ~~فساده، ووجوب سقوطه في باب الحجاج، لان حفصة متهمة فيما ترويه من فضل أبيها ~~وصاحبه، ومعروفة بعداوتها لامير المؤمنين عليه السلام، وتظاهرها ببغضه وسبه ~~والاغراء به، والانحطاط في هوى اختها عائشة بنت ابى بكر في حربه والتألب ~~عليه، ثم لاجترارها بما يتضمنه أفضل وجوه النفع إليهما به، وقد سلف (2) ~~كتاب في هذا المعنى ما يستغنى به هامش (1) تخاوص: غض من بصره شييئا، وهو في ~~كل ذلك يحدق النظر كأنه يقوم سهما. " لسان العرب - خوص 7: 31 ". (2) شرح ~~نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17: 62. (3) انظر تاريخ بغداد 8: 433. (4) زاد ~~في ب: منا. # --- PageV01P221 [ 222 ] # عن الاطالة في هذا المقام، والله ولي التوفيق فصل على أنه لو ثبت هذا ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله لاوجب عصمة أبي بكر وعمر من الآثام، ~~وقضى لهما بالكمال، ونفى السهو والغلط عنهما على كل حال، وذلك أن فرض ~~الاقتداء بهما يوجب صواب الفاعل له عند الله تعالى، وأن علمه في ذلك واقع ~~موقع الرضا، فلو لم يكونا معصومين من الخطأ لا يؤمن منهما وقوعه، وكان ~~المقتدي بهما فيه ضالا عن الصراط، وموقعا من الفعل ما ليس بصواب عند الله ~~تعالى، ولا موافق لرضاه، كما أن الله تعالى لما فرض طاعة نبيه صلى الله ~~عليه وآله وأمر بالاقتداء به، كما أمره بالاقتداء بمن تقدم من أنبيائه ~~عليهم السلام، حيث يقول: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } (2) أوجب ~~عصمته صلى الله عليه وآله كما أوجب عصمة من تقدم من الانبياء عليه السلام، ~~ولم يجز في حكمته فرض الاقتداء بمن ذكرناه مع ارتفاع العصمة منهم لما ~~بيناه. وفي الاجماع أن أبا بكر وعمر لم يكونا معصومين ms118 عن الخطاء، وإقرارهما ~~على أنفسهما بذلك أظهر حجة على اختلاف الخبر وفساده كما ذكرناه. # --- # (1) أنظر الشافي 2: 306 - 311، تلخيص الشافي 3: 32، الصراط المستقيم 3: ~~144 - 146. (2) سورة الانعام 6: 90. # --- PageV01P222 [ 223 ] # فصل آخر مع أن التباين بين أبي بكر وعمر في كثير من الاحكام يمنع من فرض ~~الاقتداء بهما على كل حال، لا ستحالة اتباعهما فيما اختلفا فيه، ووجوب خلاف ~~أحدهما في وفاق صاحبه، وخلاف صاحبه في اتباعه. وقد ثبت أن الله تعالى لا ~~يكلف عباده المحال، ولا يشرع ذلك منه صلى الله عليه وآله، وإذا بطل وجوب ~~الاقتداء بهما في العموم لما بيناه، لم يبق - إن سلم الحديث - إلا وجوبه في ~~الخصوص، وذلك غير موجب للفضل فيهما، ولا مانع من ضلالهما ونقصهما، وهو حاصل ~~في مثل ذلك من أهل الكتاب، ولو فاق المسلمين لهم في خاص من الاقوال مع ~~كفرهم وضلالهم بالاجماع، فبان بما وصفناه سقوط الحديث وفساد معانيه على ما ~~قدمناه. فصل آخر على أن أصحاب الحديث قد رووه بلفظين مختلفين، على وجهين من ~~الاعراب متباينين: أحدهما الخفض، وقد سلف قولنا بما بيناه، والآخر النصب، ~~وله معنى غير ما ذهب إليه أهل الخلاف. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله لما دعا الامة إلى التمسك بكتاب الله تعالى، وبعترته عليه وعليهم ~~السلام، حيث يقول: " إني مخلف فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: ~~كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (1). ~~وكان عالما بما أوحى الله تعالى إليه، أن أول # --- # (1) حديث الثقلين من الاحاديث الصحيحة المتواترة، تنتهي سلسلة أسانيده ~~إلى جماعة من. # --- PageV01P223 [ 224 ] # ناقض لامره في ذلك وعادل عنه هذان الرجلان، فأراد عليه السلام تأكيد ~~الحجة عليهما، بتخصيصهما بالامر باتباع الكتاب. والعترة بعد عمومها به، ~~ودخولهما في جملة المخاطبين من سائر الناس، فناداهما على التخصيص لما ~~قدمناه من التوكيد في الحجة عليهما، فقال: " اقتدوا باللذين من بعدي: أبي ~~بكر وعمر " وكانا هما المناديين بالاتباع دون أن يكون النداء إليهما على ما ~~شرحناه. وليس بمنكر أن يبتدئ بالامر بلفظ ms119 الجمع لاثنين، أو بلفظ الاثنين ~~للجمع اتساعا، كما يعبر عن الواحد وليس فيه من معاني الجمع قليل ولا كثير ~~بلفظ الاثنين أو الجمع، قال الله عزوجل: { هذان خصمان اختصموا في ربهم } ~~(1). وقال { وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب - إلى قوله - خصمان بغى ~~بعضنا على بعض } (2). وإذا كان الامر على ما وصفناه فقد سقط ما تعلق به ~~الناصبة من الحديث، ولم يبق فيه شبهة، والحمد لله. # --- # أجلة الصحابة، رواه في صحيح مسلم 4: 1883 / 36 و37، سنن الترمذي 5: 662 / ~~3786 و663 / 3788، سنن الدارمي 2: 431، سنن البيهقي 2: 148 و7: 30 و10: ~~114، مسند أحمد 3: 14 و17 و26 و59 و4: 366 و371، مستدرك الحاكم 3: 109 ~~و148. (1) سورة الحج 22: 19. (2) سوره ص 38: 21، 22. (*) # --- PageV01P224 [ 225 ] # سؤال فإن قالوا: فإنا نجد الامة قد وصفت أبا بكر بالصديق، ونعتت عمر ~~بالفاروق، ووسمت عثمان بذي النورين، وشاع ذلك فيهم واستفاض حتى لم يخف على ~~أحد من الناس، وهذا من أوضح الدليل على أن القوم من أهل الثواب، وأنهم ~~كانوا في أمرهم على محض الحق والصواب، ولو لم يكونوا كذلك لما شاع هذا ~~المدح وذاع. جواب قيل لهم: لا معتبر لانتشار الصفات، ولا يعتمد ذلك عاقل ~~على حال، لانه قد يوصف بالمدح بها من لا يستحق ذلك للعصبية والضلال، كما ~~يوصف بذلك من يستحقه (1) بصحيح الاعتبار، لاسيما الدولة والمملكة في ~~استفاضة ذلك من أوكد الاسباب، وإن لم يكن ثابتا بحجة تظهر أو بيان. ألا ترى ~~أن نعت الاصنام بالالوهية قد كان مستفيضا في # --- # (1) في أ: كما ينفق في المدح بها غير المستحق. # --- PageV01P225 [ 226 ] # الجاهلية قبل الاسلام، وإن كنا نعلم بطلانه، ووجود من يعتقد خلافه في تلك ~~الازمان، وأن الوصف بالربوبية قد شاع فيما سلف لكثير من ملوك الزمان مع ~~ثبوت خلاف أهل الحق وتيقنهم (1) في ترك إظهار الخلاف. وقد استفاض من أوصاف ~~ملوك بني العباس ما يقتضي جليل المدحة، كما شاع وانتشر لمنازعيهم في ~~الامامة الطالبيين مثل ذلك حتى صاروا فيه على حد سواء، ولم يجب بذلك اجتماع ~~الفريقين في الصواب، ولا اتفاقهم ms120 في الاستحقاق. وكان وصف أبي جعفر بالمنصور ~~كوصف محمد بن عبد الله بن الحسن بالمهدي، ووصف القائم بعد أبي جعفر المنصور ~~بالمهدي، وابنه بالهادي، وابن ابنه بالرشيد كوصف من ذكرناه من الطبقة ~~الاخرى بالناصر والهادي والرشيد والمنصور أيضا والمعز والعزيز. وإذا كانت ~~الاستفاضة في أوصاف من سميناه على طريقة واحدة استحال انتظام الحق لجميعها، ~~لما يدخل ذلك من الخلل، ويلحقه من التناقض، وبطل ما تعلق به الخصوم في ~~تسمية العامة المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام كل ما يفيد المدحة ~~لهم في الدين، ولم يجب باشتهاره ثبوت إمامتهم على اليقين. ثم يقال للمعتزلة ~~والخوارج وأهل العدل والمرجئة وعقلاء أصحاب الحديث: أنتم تعلمون أنه قد شاع ~~لمعاوية بن أبي سفيان # --- # (1) في ب، ح، م: ونفيهم، والظاهر أنها تصحيف: وتقيتهم. # --- PageV01P226 [ 227 ] # واستفاض أنه (خال المؤمنين) و(كاتب وحي رب العالمين) كما شاع واستفاض ~~لابي بكر أنه (صديق) ولعمر أنه (فاروق) ولم يجب بذلك عندكم أن يكون خال ~~المؤمنين على التحقيق، ولا مستحقا لكتابة الوحي والتنزيل. فما أنكرتم أن ~~يكون الشائع لابي بكر وعمر مما ذكرتموه لا يجب لهما به حق في الدين ؟ ! ~~وهذا مما لا فرق لهم فيه. فصل ثم يقال للمعتزلة: ليس يمكنكم دفاع ما قد شاع ~~لكم من لقبكم بالقدرية، كما شاع من لقب أصحاب المخلوق بالجبر، والمحكمة ~~بالخارجية، وشيعة علي عليه السلام بالرافضة، وأصحاب الحديث بالحشوية، ولم ~~يجب بذلك عندكم ولا عند فريق ممن سميناه استحقاقهم الشائع مما وصفناه، ولا ~~خروجهم به من الدين كما ذكرناه، فما أنكرتم أن يكون المشتهر في العامة لابي ~~بكر وعمر من لفظ المدحة لا يوجب لهما فضلا، ولا يخرجهما عن نقص، وذلك مما ~~لا تجدون إلى دفعه (1) سبيلا. # --- # (1) في أ: والا فهلموا فضلا، وذلك ما لا يجدون إليه بدل (وذلك مما.. دفعه). # --- PageV01P227 [ 228 ] # .... # --- PageV01P228 [ 229 ] # سؤال فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون العقد لابي بكر وعمر الامامة، ~~وتقدمهما على الكافة في الرئاسة، يدل على فضلهما في الاسلام، وعلوهما في ~~الديانة، وإن كنا لا نحيط علما ms121 بذلك الفضل، ولم يتصل بنا من جهة الاثر ~~والنقل. وذلك انهما لم يكونا من أشرف القوم نسبا فيدعو ذلك إلى تقديمهما، ~~لان بني عبد مناف أشرف منهما، ولا كانا من أكثرهم مالا فيطمع العاقدون لهما ~~في نيل أموالهما، ولا كانا أعزهم عشيرة فيخافون عشيرتهما. فلم يبق إلا أن ~~المتقدمين لهما على أمير المؤمنين عليه السلام والعباس بن عبد المطلب وسائر ~~المهاجرين والانصار إنما قدموهما لفضل عرفوه لهما، وإلا فما السبب الموجب ~~لاتباع العقلاء المخلصين لامرهما، ونصبهما إمامين لجماعتهم ورئيسين لكافتهم ~~لولا الذي ادعيناه ؟ جواب قيل لهم: لو كان للرجلين فضل حسب ما ادعيتموه، ~~وكان ذلك # --- PageV01P229 [ 230 ] # معروفا عند أهل زمانهما كما ذكرتموه، لوجب أن تأتي به الاخبار وترويه ~~نقلة السير والاثار، بل وجب أن يظهر على حد يوجب علم اليقين والاضطرار، ~~ويزيل الريب فيه حتى لا يختلف في صحته اثنان، لان جميع الدواعي إلى انتشار ~~فضائل الرجال متوفرة، في نقل ما كان لهذين الرجلين مما يقتضي التعظيم، لمن ~~وجد لهما، والاخبار بها. ألا ترى أنهما كانا أميري الناس، وحصلت لهما ~~القدرة على الكافة والسلطان، وكان المظهر لولايتهما في زمانهما ومن بعد إلى ~~هذه الحال هو الظاهر على عدوه، المتوصل به إلى ما يصلح به الاحوال، والمظهر ~~لعداوتهما مهدور الدم، أو خائف مطرود عن البلاد، والمظنون به من الافصاح ~~ببغضهما مبعد عن الدنيا، مستخف باعتقاده عند الجمهور، متوقع منهم ما يخافه ~~ويحذره، حتى صار القتل مسنونا لمن أظهر ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، ~~وإن كان مظهرا لمحبة أبي بكر وعمر، متدينا بها على الاعتقاد، وحتى جعل بنو ~~أمية الامتحان بالبراءة من أمير المؤمنين عليه السلام طريقا إلى استبراء ~~الناس في اعتقاد إمامة من تقدمه، وكل من امتنع من البراءة حكموا عليه ~~بعداوة الشيخين، والبراءة من عثمان، ومن تبرأ من أمير المؤمنين عليه السلام ~~حكموا له باعتقاد السنة، وولاية أبي بكر وعمر وعثمان. ونال أكثر أهل الدنيا ~~مما تمنوه منها (1) من القضاء والشهادات # --- # (1) في ب، ح، م: تمناه منهم. # --- PageV01P230 [ 231 ] # والامارات، وحازوا ms122 الاموال، وقربت منازلهم من خلفاء بني أمية وبني العباس ~~بالعصبية لابي بكر وعمر وعثمان، والدعاء إلى إمامتهم، والتفضيل لهم على ~~كافة الصحابة، والتخرص بما يضيفونه إليهم من الفضل الذي يمنع بالقرآن، ~~وينفى بالسنة، ويستحيل في العقول، ويظهر فساده بيسير الاعتبار. وإذا كان ~~الامر على ما وصفناه، ولم يمكن لعاقل رفع ما بيناه وشرحناه، بطل أن يكون ~~العلم بفضل الرجلين والثالث أيضا على الحد الذي ذكرناه، مما يزول معه ~~الارتياب لتوفير الدواعي (1) على موجبه لو كان، بل لم يقدر الخصم على ادعاء ~~شئ في هذا الباب أقوى عنده مما حكيناه عنهم فيما سلف من هذا الكتاب، ~~وأوضحنا عن وهن التعلق به وكشفناه، وبان بذلك جهل الناصبة فيما ادعوه لهما ~~من الفضل المجهول على ما توهموه، كما وضح به فساد مقالهم فيما تعلقوا به من ~~ذلك في تأويل المسطور، وتخرصوه من الخير المفتعل الموضوع، والمنة لله ~~تعالى. فصل ثم يقال لهم: قد سبرنا أحوال المتقدمين على أمير المؤمنين عليه ~~السلام، فيما يقتضي لهم فضلا يوجب تقدمهم، فلم نجده على شئ من الوجوه، وذلك ~~أن خصال الفضل معروفة، ووجوهه ظاهرة مشهورة، وهي: السبق # --- # (1) في أ: الرواة بدل (الدواعي). # --- PageV01P231 [ 232 ] # إلى الاسلام، والجهاد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، والعلم ~~بالدين، والانفاق في سبيل الله جل اسمه، والزهد في الدنيا. أما السبق إلى ~~الاسلام: فقد تقدم أمير المؤمنين عليه السلام أبا بكر باتفاق العلماء ~~وإجماع الفقهاء (1)، وإن كان بعض أعدائه يزعم أنه لم يكن على يقين، وإنما ~~كان منه لصغر سنه على جهة التعليم، وقد تقدمه أيضا بعد أمير المؤمنين عليه ~~السلام زيد وجعفر وخباب رضى الله عنهم وغيرهم من المهاجرين، وجاء بذلك ~~الثبت في الحديث. فروى سالم بن أبي الجعد، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص أنه ~~قال لابيه سعد: كان أبو بكر أولكم إسلاما ؟ قال: لا، قد أسلم قبله أكثر من ~~خمسين رجلا (2). فأما عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، فإنه لا يشتبه على أحد ~~من أهل العلم أنهما ms123 ينزلان عن مرتبة التقدم على السابقين، وأنهما لم يكونا ~~من الاولين في الاسلام، وقد تقدمهما جماعة من المسلمين. # --- # (1) في أ: الامة بدل (الفقهاء). قال الحاكم النيسابوري في معرفة علوم ~~الحديث: 22: لا أعلم خلافا بين أصحاب التواريخ أن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه أولهم إسلاما. وحديث أن عليا عليه السلام أولهم إسلاما مروي في مصادر ~~معتبرة كثيرة وبطرق ومتون شتى. فرواه الترمذي في صحيحه 5: 640 / 3728، ~~والحاكم في مستدركه على الصحيحين 3: 136، 183، 465، وأبو نعيم في حلية ~~الاولياء 1: 65، 66، والخطيب في تاريخ بغداد 2: 18 و4: 233. (2) تاريخ ~~الطبري 2: 215، الاعلام بحقيقة إسلام أمير المؤمنين عليه السلام: 409. # --- PageV01P232 [ 233 ] # وأما الجهاد: فأنه لا قدم لاحدهم فيه، فلا يمكن لعاقل دعوى ذلك على شئ من ~~الوجوه وقد ذكر من كان منه ذلك سواهم، فلم يذكر هم أحد، ولا تجاسر على ~~القول بارزوا وقتا من الاوقات قرنا، ولاسفكوا لمشرك دما، ولاجرحوا في الحرب ~~كافرا، ولانازلوا من القوم إنسانا، فالريب في هذا الباب معدوم، والعلم بما ~~ذكرناه حاصل موجود. وأما العلم بالدين: فقد ظهر من عجزهم فيه، ونقصهم عن ~~مرتبة أهل العلم في الضرورة إلى غيرهم من الفقهاء، أحوال إماراتهم ما أغنى ~~عن نصب الدلائل عليه. وقد كان رسول صلى الله عليه وآله حكم لجماعة من ~~أصحابه بأحكام فيه، فما حكم لاحد من الثلاثة بشئ منه، فقال صلى الله عليه ~~وآله: " أقرأكم ابي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضكم زيد، وأقضاكم ~~علي " (1). فكان صلى الله عليه وآله ناحلا لكل من سميناه سهما من العلم، ~~وجامعا سائره لامير المؤمنين عليه السلام، بما حكم له بالقضاء الذي يحتاج ~~صاحبه إلى جميع من سماه من العلوم، وأخرج أبا بكر وعمر وعثمان من ذلك كله، ~~ولم يجعل لهم فيه حظا كما ذكرناه، وهذا مما لاإشكال فيه على ذوي العقول. ~~وأما الانفاق: فقد قلنا فيما تقدم فيه قولا يغني عن إعادته # --- # (1) سنن الترمذي 5: 664 / 3790 و3791، سنن ابن ماجة 1: 55 / 154، مسند ~~أحمد 3: 281، مصابيح السنة 4: 179 / 4787، مستدرك الحاكم 3: 422. # --- PageV01P233 [ 234 ] # ها هنا، وعمر بن الخطاب من بين الثلاثة ms124 صفر منه بالاتفاق، أما عثمان فقد ~~كان له ذلك، وإن كان بلا فضل، فإن خلو القرآن من مديح له على ما كان منه، ~~دليل على أنه لافصل له فيه، ولو حصل له به قسط من الفضل لكان كسهم غيره من ~~المنفقين الذين لم يجب لهم التقدم بذلك في إمامة المسلمين. وأما الزهد في ~~الدنيا: فقد قضى بتعرية الثلاثة منه مثابرتهم على الامارة، ومضاربتهم ~~الانصار على الرئاسة، ومسابقتهم إلى الحلية في التظاهر باسم الامامة، وتر ~~كوا رسول الله صلى الله عليه وآله مسجى بين أظهرهم، لم يقضوا له بذلك في ~~مصابه حقا، ولا حضروا له غسلا وتجهيزا، ولا صلاة ولا تشييعا ولادفنا، ~~وتوفروا على مخاصمة من سبقهم إلى السقيفة طمعا في العاجل، وزهدا في الآجل، ~~وسيعا في حوز الشهوات، وتناولا للذات، وتطاولا على الناس بالرئاسات، ولم ~~يخرجها الاول منهم عن نفسه حتى أيقن بهلاكه، فجعلها حينئذ في صاحبه ضنابها ~~على سائر الناس، وغبطة لهم. وكان من أمر الثاني في الشورى ما أوجب تحققه ~~بها بعد وفاته، وتحمل من أوزارها ما كان غنيا عنه لو سنحت بها نفسه إلى ~~مستحقها، وظهر بعده من الثالث ما استحل به أصحاب رسول الله صلى عليه وآ له ~~دمه، من إطراح الدين، والانقطاع إلى الدنيا، وقضاء الذمامات بأموال الله ~~تبارك وتعالى، وتقليد الفجار من بني أمية ومروان رقاب أهل الاديان، ولما ~~طولب بنزعها عنه ليقوم بها من سلك طرق الدين، امتنع من ذلك # --- PageV01P234 [ 235 ] # حبا للدنيا، وتأكد طمعه فيها، إلى أن سفك القوم دمه على الاستحلال له، ~~ورفع الحظر والتحريم. ثم فأي زهد حصل لهم مع ما وصفناه، وأي شبهة تبقى على ~~مخالف في خروجهم عن خصال الفضل كلها مع ما ذكرناه، لولا أن العصبية ترين ~~على القلوب ؟ ! فصل وأما سؤالهم عن علة تقديم الناس لهم مع ما ذكروه من ~~أحوالهم في النزول عن الشرف، وقلة العشيرة والمال، فلذلك غير علة: إحداها: ~~أنهم قصدوا إلى من ليس بأشرفهم فقدموه، ليكون ذلك ذريعة إلى نيل جماعاتهم ~~الامامة، ms125 مع اختلافهم في منازل الشرف، ولا يمنع أحدا منهم انحطاطه عن أعلى ~~الرتب في النسب من التقدم إلى من هو أشرف منه، ولو حصروها في أعلى القوم ~~نسبا وأكرمهم حسبا لا ختصت بفريق، وحصل الباقون منها أصفارا، ثم لو جعلوها ~~فيمن كان غيره أكثر منه مالا لطمع الفقراء كلهم بذلك فيها، وتقدير هم حوز ~~الافعال، ولم يحصروها في أعزهم عشيرة مخافة أن يتغير عليهم، فلا يتمكنون من ~~إخراجها منه، ولا متنع عنهم (1) بعشيرته فلا يبلغون منه المراد. # --- # (1) في أ، ب، ح: وبفقرهم، بدل: (ولامتنع عنهم). # --- PageV01P235 [ 236 ] # والثانية: أن الذي قدموه كان متعريا، مما أوجب عندهم تأخيره (1)، فلم يك ~~على حال من الفضل يبعث على الحسد، فيحول ذلك بينه وبين التقديم. والثالثة: ~~أن الاكثر كانوا إلى الرجل أسكن منهم إلى غيره، لبعده عن عداوتهم، وخروجه ~~عن آصارهم، بوتر من وترهم في الدين. والرابعة: ملاءمة العاقدين للمعقود له ~~في الباطن، واجتماعهم على السر من أمرهم والظاهر، فتشابهت لذلك منهم ~~القلوب. والخامسة: استحكام طمع الاتباع في النيل من المتقدمين مراداتهم في ~~الرئاسات، والسيرة فيهم بما يؤثرونه من الاحكام المخالفة للمفترضات ~~والمسنونات، والتجاوز لهم عن العثرات والزلات، وهذا أيضا من الاسباب ~~الداعية إلى إخراج الحق عن أهله بلا اختلاف. والسادسة: الاتفاق الذي لا ~~يرجع فيه إلى أصل ثابت ولا نتيجة نظر، وقد جرت به العادات، وقضت بوجود ~~أمثاله الشهادات. ألا ترى إلى اجتماع أهل الجاهلية على عبادة الاوثان، وهي ~~جمادات لا تنفع أحدا ولا تضره، ولا تجلب إليه خيرا ولا تدفع عنه شرا، مع ~~انصرافهم عن عبادة الله الذي خلقهم، وأراهم في أنفسهم وغيرهم الآيات. وكذلك ~~كانت حال من تقدمهم في عبادة الاصنام (2)، مع تقريع # --- # (1) في ب، ح، م، زيادة: من اخرجوه. (2) في ب، ح، م، الاصنام وعبادتها بدل ~~(عبادة الاصنام). # --- PageV01P236 [ 237 ] # الانبياء لهم وتوبيخ الحكماء. وكذلك كانت حال قوم موسى عليه السلام حين ~~خالفوا نبيهم في عبادة العجل واتبعوا السامري، فتركوا (1) هارون نبي الله، ~~ولم يصغوا إلى وعظه، ولا التفتوا إلى قوله، ولا ms126 اعتنوا بحجته، ولم يكن ~~السامري أكثر القوم مالا، ولا أشرفهم نسبا، ولا أعزهم عشيرة. وقد اتبع كثير ~~من العرب مسيلمة الكذاب، مع ظهور نقصه وعجزه وحماقته، واشتهار كذبه وسخفه، ~~وتركوا رسول الله صلى الله عليه وآله مع ظهور فضله وكمال عقله، واشتهار ~~صدقه فيهم، وأما منته، وشرف أصله وكرم فرعه، وبرهان أمره ووضوح حجته وعجيب ~~آياته، ولم يك مسيلمة أعزهم عشيرة، ولا أكثرهم مالا، ولا أشرفهم نسبا، بل ~~كان بالضد من هذه الصفات كلها، ولم يمنع ذلك من الضلال به، وتقديم أتباعه ~~له، وارتداد جماعة ممن كان قد أسلم عن دينه واللحوق به. وقد ظهر من اتباع ~~الجمهور لاراذل الناس وانصرافهم عن أفاضلهم على مرور (2) الاوقات ما لا ~~يمكن دفعه، ولم يك ذلك لعز عشيرة، ولا لشرف نسب، ولا كثرة مال، بل كان ~~بتمام حيلة وجد في الدنيا واتفاق، حتى ساست النساء الرجال، وتقدم الاطفال ~~على العقلاء، واسترق العبيد الاحرار، واستعبد الاوضاع الاشراف، وحكم الجهال ~~على العلماء. # --- # (1) في أ: فشكوا بدل (فتركوا). (2) في ب زيادة: الايام و. # --- PageV01P237 [ 238 ] # وقد قال الله عزوجل: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين } (1). وقال ~~تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا } (2). وكان الجمهور في زمان أكثر الانبياء أتباع ~~المجرمين، فضل بهم أكثر أممهم وغيروا شرائعهم، وصدوا عن سبيلهم، ودعوا إلى ~~غير دينهم، ولم يدعهم إلى ذلك شرف المضلين، ولا عزهم في عشائرهم، ولا كثرة ~~أموالهم، وإنما دعاهم إليه ما ذكرناه من الداعي إلى تقديم من سميناه. ولو ~~ذهبنا إلى تتبع هذا المعنى وتعداد من حصل له وشرح الامر فيه، لطال الخطاب، ~~وفي الجملة أن الاغلب في حصول الدنيا لاهلها، والاكثر فيها تمام الرئاسة ~~لاهل الجهل، والمعهود في ملكها والغلبة عليها لاهل الضلال والكفر، وإنما ~~يخرج عن هذا العهد إلى أهل الايمان وذوي الفضل والكمال في النادر الشاذ، ~~ومن دفع ما وصفناه، وأنكر ما شرحناه، كان جاهلا أو مرتكبا للعناد. فصل ثم ~~يقال لهم: لسنا ننكر ms127 أن تقديم المفضول على الفاضل مخالف لاحكام العقول، وأن ~~سياسة الناقص الكامل من الحكم المعكوس # --- # (1) سورة الفرقان 25: 31. (2) سورة الانعام 6: 112. # --- PageV01P238 [ 239 ] # المرذول، لكنه غير بدع عند أهل الضلال، ولا عجب من اختيارهم فيما سلف من ~~الازمان والاحوال، وأن تقديم تيم وعدي على بني هاشم وعبد مناف إنما هو ~~كتقديم العبيد على السادات، وتغلب أبي بكر بن أبي قحافة على مقام رسول الله ~~صلى الله عليه وآله، ودفع أخيه ووصيه وصهره ووزيره ووارثه وخليفته في أهله ~~وأحب الخلق إلى الله تعالى وإليه لعجيب، تكاد النفوس منه تذوب، لكنا إذا ~~وكلنا الامر إلى ما قدمناه من ذكر أمثاله في البدائع من الامور فيما سلف، ~~سلت لذلك القلوب. وقد قال الشاعر: أجاء نبي الحق من آل هاشم * لتملك تيم ~~دونهم عقدة الامر ؟ ! وتصرف عن قوم بهم تم أمرها * ويملكها بالصفر منهم أبو ~~بكر أفي حكم من هذا فنعرف حكمه * لقد صار عرف الدين نكرا إلى نكر (1) ! ~~وقال أيضا رحمه الله: أترى صهاكا وابنها وابن ابنها * وأبا قحافة آكل ~~الذبان كانوا يرون، وفي الامور عجائب * يأتي بهن تصرف الازمان أن الخلافة ~~من وارثة هاشم * فيهم تصير وهيبة السطان (2) # --- # (1) الصراط المستقيم 2: 306 قال: من أحسن ما روته العباسة من شعر أبيها ~~السيد الحميري. وذكر الابيات. (2) ديوان السيد الحميري: 792. # --- PageV01P239 [ 240 ] # .... # --- PageV01P240 [ 241 ] # فصل إعلموا - رحمكم الله - أنه لولا ما اتفق لهؤلاء الثلاثة من التقدم ~~على آل محمد عليهم السلام والتسلط على الخلق بسلطانهم، والترؤس بالغطرسة ~~عليهم، لما سل بين المسلمين سفيان، ولا اختلف في الشريعة اثنان، ولا استحل ~~أتباع الجمل وأهل الشام والنهروان دماء أهل الايمان،، ولا سفك دم أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام جهلا على التدين به والاستحلال، ولا ~~قتل الحسنان عليهم السلام، ولا استحلت حرمات العترة وأريقت دماؤهم، كما ~~يستباح ذلك من أهل الردة عن الاسلام. لكنهم أصلوا ذلك بدفعهم عليا أمير ~~المؤمنين عليه السلام، عن مقامه، وسنوه باستخفافهم بحقه، وأوجبوه ~~باستهانتهم بأمره، وسهلوه بوضعهم من قدره، وسجلوه بحطهم له عن محله، ~~وأباحوه ms128 بما أظهروا من عداوته ومقته، فباءوا لذلك بإثمه، وتحملوا أوزاره ~~وأوزار من ضل بهم عن الحق بأسره، كما قال الله تعالى: { وليحملن أثقالهم ~~وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون } (1). # --- PageV01P241 [ 242 ] # ولقد أحسن شاعر آل محمد عليهم السلام في جملة ما فصلناه في هذا المقام ~~حيث يقول: تبيت النشاوى من أمية نوما * وفي الطف قتلى ما ينام حميمها وما ~~ضيع الاسلام إلا عصابة * تأمر نوكاها (1) فدام نعيمها فأضحت قناة الدين في ~~كف ظالم * إذا اعوج منها جانب لا يقيمها (2) وقال الآخر في ذلك: لعمري لئن ~~جارت أمية واعتدت * لاول من سن الضلالة أجور وقال الكميت بن زيد رحمه الله ~~وقد ذكر مقتل الحسين عليه السلام: يصيب به الرامون عن قوس وترهم (3) فيا ~~آخرا يبدي (4) له الغي أول (5) وقد أثبت في هذا الكتاب - والله المحمود - ~~جميع ما يتعلق به أهل الخلاف في إمامة أئمتهم من تأويل القرآن والاجماع، ~~والعمد لهم في الاخبار على ما يتفقون عليه من الاجماع دون ما يختلفون فيه، ~~لشذوذه ودخوله في باب الهذيان، وبينت عن وجوه ذلك بواضح البيان، وكشفت عن ~~الحقيقة فيه بجلي البرهان. # --- # (1) أي الحمقي. انظر الصحاح 4: 1612 - نوك -. (2) أمالي المرتضى 1: 118، ~~مقتل الحسين للخوارزمي 2: 191، معجم البلدان 4: 36، والابيات لابي دهبل ~~الجمحي. (3) في ح نسخة بدل وفي المصدرين: غيرهم. (4) في شرح الهاشميات: ~~سدى. وفي الاغاني: أسدى. وهو الانسب. (5) شرح هاشميات الكميت لابي رياش ~~أحمد بن إبراهيم القيسي: 168، الاغاني 17: 31. # --- PageV01P242 [ 243 ] # وأنا - بمشيته وعونه تعالى - افرد فيما تعتمده الشيعة في إمامه أمير ~~المؤمنين عليه السلام من آيات القرآن المحكمات، والاخبار الصادقة بحجج ~~التواتر والقرآن من البينات كتابا، اشبع فيه معاني الكلام (1)، ليضاف إلى ~~هذا الكتاب، وتكمل به الفوائد في هذه الابواب، والله - تعالى اسمه - هو ~~الموفق والهادي إلى الصواب. * * * إلى هنا تم كتاب (الافصاح) للشيح السديد ~~المفيد، أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام بن جابر بن ~~النعمان بن سعيد العكبري البغدادي قدس سره السعيد. # --- # (1) عد تلميذه الشيخ أبو العباس النجاشي في رجاله: ms129 400 من كتب أستاذه ~~كتابا في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام من القرآن. (*) # مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية PageV01P243 ms130