######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009310 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: أبو حيان علي بن محمد بن العباس البغدادي التوحيدي #META# 010.AuthorNAME :: أبو حيان علي بن محمد بن بن العباس البغدادي التوحيدي #META# 011.AuthorBORN :: - #META# 011.AuthorDIED :: 360 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أخلاق الوزيرين الصاحب بن عباد وابن العميد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التراجم الفردية :: كتب التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: اخلاق الوزيرين #META# 030.LibURI :: JK_009310 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: خليل المنصور #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت/لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1417هـ-1997م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # | خطبة الكتاب # الحمد لله رب العالمين ، وصلواته على خير خلقه محمد وآله الطيبين . أمتعك ~~الله بنعمته عليك ، وتولاك بحسن معونته لك ؛ وألهمك حمده ، وأوزعك شكره ، ~~ومنحك صنعه وتوفيقه ؛ وألبسك عفوه وعافيته ، وأوصل إليك رأفته ، وصرف رغبتك ~~إلى ما خلص عندك نفعه عاجلا ، وحلت لك ثمرته آجلا ؛ وعرفك ما في الغيبة ~~والفرة من الهجنة والشناعة ؛ وما في إظهار العيب والتنديد من العار ~~والتباعة ، وما في الإعراض عن أعراض الناس من السلامة والفائدة ، وما في ~~مباقاتهم ومقاربتهم والتوقير لهم من الراحة والعائدة ، حتى لا تأتي ما تأتي ~~إلا وأنت واثق بعاقبته ومرجوعه ، ولا تدع ما تدع إلا وأنت محسوم الطمع من ~~خيره ومردوده ، وحتى لا تتكلف إلا ما في وسعك وطاقتك ، ولا تكلف أحدا إلا ~~ما له طريق إلى طاعتك وإجابتك ، وعنده الحجة القوية في تقديم أمرك ، ~~والتلوي فيما يتحمله لك ويتوخى فيه مسرتك ، ويقصد به جذلك وغبطتك ، ويصير ~~بالصبر عليه من أوليائك وشيعتك ، ولا يخرج معه إلى محادتك ومخالفتك ، لآمر ~~يعوز ، وحادث يعرض ، وعطن يضيق ، وبال ينخزل ، وطباع تخور ، وحاسد يطعن ، ~~وعدو يعترض ، وجاهل يتعجرف ، وسفيه يتهانف ، وصدر يحرج ، ولسان يتلجلج ؛ بل ~~يتلقى أمرك بالقبول ، وينشط لخدمتك بالتأميل ويرى أن ما يناله من رضاك فوق ~~ما يبذل فيه جهده لك ، وما يحرزه PageV01P005 من ثوابك أضعاف ما يبرزه من ~~كدحه عندك ، وما ينجو به من عتبكواستزادتكيوفي على ما يتعلق بسعيه في مرادك ~~، وما يعز به الثاني من إحمادك أرد عليه مما يذل به في الأول من اقتراحك ، ~~وما يقوى به من اليقين والطمأنينة في كرامته عندك أكثر مما يضعف به من ~~الترنح والشك في بواره عليك . وهذا باب يرجع إلى معرفة الأحوال إذا وردت ~~مشتبهة مستبهمة ، وعواقب الأمور إذا صدرت مستنيرة متوضحة ؛ وثمرة هذه ~~المعرفة السلامة في الدنيا والكرامة في الآخرة ، وبهذه المعرفة يصح الصرف ~~والموازنة ، وتمييز ما اختلف فيه مما اتفق عليه ، وما ترجح بين الاختلاف ~~والاتفاق ، ولم يقم عند الامتحان والنظر على ساق . وهذه حال لا ms001 تستفاد إلا ~~بقلة الرضا عن النفس ، وترك الهويني في التشاور والتخاير ، ومجانبة الوكال ~~كيف دار الأمر وأين بلغت الغاية . وأنت - حفظك الله - إذا نظرت إلى الدنيا ~~وجدتها قائمة على هذه الأركان ، جارية على هذه الأصول ، ثابتة على هذه ~~العادة ؛ فكل من كان نصيبه من الكيس والحزامة أكثر ، كان قسطه من النفع ~~والعائدة أوفر ، وكل من كان حظه من العقل والتأييد أنزر ، كانت تجارته فيها ~~أخسر ، وعاقبته منها أعسر . وهذا الباب جماع المنافع والمضار ، وبه يقع ~~التفاوت بين الأخيار والأشرار ، وبين السفلة وذوي الأقدار ؛ وهو باب ينتظم ~~الصدق والكذب في القول ، والخير والشر في الفعل ، والحق والباطل في ~~الإعتقاد ، والعدل والجور فيما عم ، والإخلاص واليقين فيما خص ، والراحة ~~والسلوان فيما بان ووضح ، والقناعة والصبر فيما نأى ونزح ؛ ومتى تمت هذه ~~المعرفة ، واستحكمت هذه البصيرة ، كان الإقدام على ثقة بالظفر ، والنكول عن ~~اطلاع على الغيب . PageV01P006 وهذه معان من أبصرها نقدها ، ومن نقدها أخذ ~~بها وأعطى ، وكان فيها أنفذ من غيره وأمضى ؛ وهناك يحكم لبعده بالغور ، ~~ولصدره بالسعة ، ولصيته بالطيرورة ، ولطباعه بالكرم ، ولخلقه بالسهولة ~~ولعوده بالصلابة ، ولنفسه بالمداراة ، ولوجهه بالطلاقة ، ولبشاشته بالخلابة ~~. ومتى عاشرت من هذا نعته وحديثه نعمت معه ، وسلمت عليه ، وسعدت به ، وكرمت ~~لديه ، وكان حظك من خلالته ومجاورته الغبطة به ، والغنيمة بمكانه ؛ وأنى لك ~~بمن هذا وصفه وخبره ، ومن لك بالمرء الذي لا بعده ، مع اضطراب دعائم الدنيا ~~، وتساقط أركان الدين ؟ والأول يقول : وكيف التماس الدر والضرع يابس وما ~~لامرئ مما قضى الله مزحل وليس لرحل حطه الله حامل إن البريء من الهنات سعيد ~~وما خير سيف لم يؤبد بقائم تسل ولكن أين بالسيف ضارب الله يرزق لا كيس ولا ~~حمق والبر خير حقيبقة الرجل ولقد أجاد المخزومي أبو سعد في قوله : ~~PageV01P007 اصطلح السائل والمسؤول . . . ليس إلى مكرمة سبيل غال بإخوان ~~الوفاء غول . . . كل امرئ بشأنه مشغول وما أبعد الآخر حين يقول : أرى الناس ~~شتى في النجار وإن غدت . . . خلائقهم في اللؤم واحدة النجر وقد زادني عتبا ~~على الدهر أنني ms002 . . . عدمت الذي يعدي على حادث الدهر وهذا كثير ، والداء ~~فيه متفاقم ، والقول عليه معاد مملول . فإن قلت : هؤلاء شعراء ، والشعراء ~~سفهاء ، ليسوا علماء ولا حكماء ، وإنما يقولون ما يقولون ، والجشع باد منهم ~~، والطمع غالب عليهم ، وعلى قدر الرغبة والرهبة يكون صوابهم وخطأهم ؛ ومن ~~أمكن أن يزحزح عن الحق بأدنى طمع ، ويحمل على الباطل بأيسر رغبة ، فليس ممن ~~يكون لقوله إتاء ، أو لحكمته مضاء ، أو لقدره رفعة ، أو في خلقه طهارة ؛ ~~ولهذا قال القائل : لا تصحبن شاعرا فإنه . . . يهجوك مجانا ويطري بثمن وهذا ~~لأنه مع الريح ، إن مالت به مال ، يتطوح مع أقل عارض ، ويجيب أول ناعق ، ~~ويشيم أي برق لاح ، ولا يبالي في أي واد طاح ؛ فقد جمع دينه ومروئته في قرن ~~تهاونا بهما ، وعجزا عن تدبيرهما ؛ فهو لا يكترث كيف أجاب سائلا ، وكيف ~~أبطل مجيبا ، وكيف ذم كاذبا ومتحاملا ، وكيف مدح مواربا ومخاتلا . فلا تفعل ~~، فداك عمك ، وشب ابنك ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال : ' إن ~~من الشعر لحكما ' ، كما قال : ' وإن من البيان لسحرا ' ، وكيف لا يكون كذلك ~~وفيه مثل قول لبيد : إن تقوى ربنا خير نفل . . . وبإذن الله ريثي وعجل ~~PageV01P008 والشعر كلام وإن كان من قبيل النظم ، كما أن الخطبة كلام وإن ~~كان من قبيل النثر ، والانتثار والانتظام صورتان للكلام في السمع ، كما أن ~~الحق والباطل صورتان للمعنى ، وكذلك المثل في السمع ، وليس الصواب مقصورا ~~على النثر دون النظم ، ولا الحق مقبولا بالنظم دون النثر ؛ وما رأينا أحدا ~~أغضى على باطل النظم واعترض على حق النثر ؛ لأن النثر لا ينتقص من الحق ~~شيئا ؛ وما أحسن ما قال القائل : وإنما الشعر لب المرء يعرضه . . . على ~~المجالس إن كيسا وإن حمقا وإن أشعر بيت أنت قائله . . . بيت يقال ، إذا ~~أنشدته ، صدقا وهذا باب لا يفيد الإغراق فيه إلا ما يفيد التوسط والقصد ، ~~فلا وجه مع هذا للإطالة ، ولما يكون سببا للملامة . وهذه الجملة - أكرمك ~~الله - أنت أحوجتني إليها ، وجشمتني صعبها حتى نشبت بها قائما وقاعدا ، ~~وتقلبت ms003 في حافاتها مختارا ومضطرا ، وتصرفت في فنونها محسنا ومسيئا ، لما ~~تابعت إلي من كتاب بعد كتاب ، تطالبني في جميعه بنسخ أشياء من حديث ابن ~~عباد وابن العميد وغيرهما ممن أدركت في عصري من هؤلاء ، منذ سنة خمسين ~~وثلاثمائة إلى هذه الغاية ، وزعمت أني قد خبرت هذين الرجلين من غمار ~~الباقين ، ووقفت على شأنهما ، واستبنت دخائلهما ، وعرفت خوافي أحوالهما ، ~~وغرائب مذاهبهما وأخلاقهما . ولعمري قد كان أكثر ذاك ، إما بالمشاهدة ~~والصحبة ، وإما بالسماع والرواية من البطانة والحاشية والندماء وذوي ~~الملابسة . وقلت : ينبغي أن تضيف إلى ذلك ما يتعلق به ، ويدخل في طرازه ولا ~~يخرج عن الإفادة بذكره ، والاستفادة من نشره ؛ فإن ذلك يأتي على كل ما تتوق ~~إليه النفس من كرم ولؤم ، وزيادة ونقص ، وورع وانسلاخ ، ورزانة وسخف ، وكيس ~~وبله ، وشجاعة وجبن ، ووفاء وغدر ، وسياسة وإهمال ، واستعفاف ونطف ، ودهاء ~~وغفلة ، وبيان ووعي ، ورشاد وغي ، وخطإ وصواب ، وحلم وسفه ، وخلاعة وتمالك ~~، ونزاهة ودنس ، وفظاظة ورقة ، وحياء وقحة ، ورحمة وقسوة . PageV01P009 ~~وقلت : ولا يحلو موقع ذلك كله ولا يعذب ورده ، ولا يغزر عده ، ولا ينقاد ~~السمع له ، ولا يراح القلب به إلا بعد أن تدع المحاشاة وأنت مقتدر ، وتفارق ~~المخاشاة وأنت منتصر ، وإلا بعد أن تترك العدو والحاسد ينقدان بغيظهما ~~انقدادا ، ويرتدان على أعقابهما ارتدادا ؛ فإن التقية في هذا الفن مجزعة ~~مضرعة ، وركوب الردع فيه مأثرة ومفخرة . وقلت والعامة تقول : من جعل نفسه ~~شاة دق عنقه الذئب ، ومن صير نفسه نخالة أكله الدجاج ، ومن نام على قارعة ~~الطريق دقته الحوافر دقا ، والكبر في استيفاء الحق من غير ظلم ، كالتواضع ~~في أداء الحق من غير ذل ، وكما أن المنع في موضع الإعطاء حرمان ، كذلك ~~الإعطاء في موضع المنع خذلان ؛ وكما أن الكلام في موضع الصمت فضل وهدر ، ~~كذلك السكوت في موضع الكلام لكنة وحصر ، وكما أن القلوب جبلت على حب من ~~أحسن إليها ، كذلك النفوس طبعت على بغض من أساء إليها ؛ والجبل والطبع وإن ~~افترقا في اللفظ فإنهما يجتمعان في المعنى ، وكما أن الحب نتيجة الإحسان ms004 ، ~~كذلك البغض نتيجة الإساءة ، وكما أن المنعم عليه لا يتهنأ بنعمته الواصلة ~~إليه إلا بالشكر لواهبها ، كذلك المساء إليه لا يجد برد غلته ولذة حياته ~~إلا بأن يشكو صاحب الإساءة ، وإلا بأن يهجو المانع ، ويذم المقصر ، ويثلب ~~الحارم وينادي على الخسيس الساقط ، والنذل الهابط ، في كل سوق ، وفي كل ~~مجلس ، وعند كل هزل وجد ، ومع كل شكل وضد ؛ ميزان عدل ، ووزن بقسط ، ونصفة ~~مقبولة ، وعادة جارية على وجه الدهر . وقلت : ومن وجع قلبه وجعك ، وألم ~~علته ألمك ؛ وحرم حرمانك ، وخيب خيبتك ، وجرع ما جرعته ، وقصد بما قصدت به ~~، وعومل بما شاع لك ، قال وأطال ، وكرر وسير ، وأعاد وأبدى ، وعرض وصرح ، ~~ومرض وصحح ، وقام وقعد ، وقرب PageV01P010 وبعد ؛ وإن عينا ترقد على الضيم ~~للعمى أحسن بها ، وإن نفسا تقر على الخسف للموت أولى بها من حياتها . وقلت ~~: أما سمعت قول العاتب على ابن العميد في رسالته حين قال الحق له ؟ قال : ~~وليعلم المرء - وإن عز سلطانه ، وعلا مكانه ، وكثرت حاشيته وغاشيته ، وملك ~~الأعنة ، وقاد الأزمة - أنه ينعم له في الحمد على الحسن ، والذم على القبيح ~~، وأن المخوف يرتاب من ورائه كما يقرع المأمون في وجهه ، فأعلاهما حالا ~~أكثرهما عند التقصير وبالا . وهذا باب يعرفه من الناس من ساس الناس ؛ وهذا ~~الكاتب يعرف بالأشل . وقلت أيضا : ولست أسألك أن لا تذكر من حديثهما إلا ما ~~كان جالبا لمقتهما ، وداعيا إلى الزراية عليهما ، وباعثا على سوء القول ~~والاعتقاد فيهما ، بل تضيف إلى ذلك ما قد شاع لهما وشهر عنهما ، من فضائل ~~لم يثلثهما فيها أحد في زمانهما ، ولا كثير ممن تقدمهما ؛ فإن الفائدة ~~المطلوبة في أمرهما وشرح حديثهما ، تأديب النفس واجتلاب الأنس ، وإصلاح ~~الخلق ، وتخليص ما حسن مما قبح ، وتسليط النظر الصحيح ، مع العدل المحمود ~~فيما أشكل واشتبه بين الحسن المطلق والقبيح المطلق ، وقلت : ومما ينبغي أن ~~لا تغفله ولا تذهب عنه ، وتطالب نفسك بالتيقظ فيه ، والتجمع له : باب اللفظ ~~والمعنى في الصدق والكذب ، فإنك إن حرفت في هذا بعض التحريف ، أو جزفت في ms005 ~~ذاك بعض التجزيف ، خرج معناك من أن يكون فخما نبيلا ، ولفظك من أن يكون ~~حلوا مقبولا ، لأن الأحوال كلها - في اصلاحها وفسادها - موضوعة دون اللفظ ~~المونق ، والتأليف المعجب ، والنظم المتلائم ؛ وما أكثر من رد PageV01P011 ~~صالح معناه لفاسد لفظه ، وقبل فاسد معناه لصالح لفظه ! وقلت : وإنما نبهتك ~~على هذا شفقة عليك ، وحرصا على أن لا يكون لمعنت وعائب طريق إليك ، وأنت - ~~بحمد الله - مستوص لا تحوج إلى تنبيه بعنف ، وإن أحوجت إلى إذكار بلطف ؛ ~~وقد كان البيان عزيزا في وقت البيان ، والنصح غريبا في وقت النصح ، والدين ~~مسترفا في وقت الدين ، إذ الحكمة معانقة بالصدر والنحر ، مقبلة بكل شفة ~~وثغر ، مخطوبة من جميع الآفاق ، يقرع من أجلها كل باب ، ويحرق على فائتها ~~كل ناب ، والأدب متنافس فيه ، محروص على الاستكثار منه ، مع شعبه الكثيرة ~~وطرائقه المختلفة ؛ والدين في عرض ذلك مذبوب عنه بالقول والعمل ، مرجوع ~~إليه بالرضا والتسليم ، مقنوع به في الغصب والحلم ؛ فكيف اليوم وقد استحالت ~~الحال عجماء ، وملك الغنى والثراء الرؤساء والعلماء ، وقل الخائض فيما كسب ~~زيادة أو نفى نقيصة ، وأورث عزا أو أعقب فوزا . وقلت : وليكن ذلك كله - إذا ~~نشطت له - مقصورا غير مبسوط ، أو بين المقصور والمبسوط ، فإنه إن زاد على ~~هذا التحديد طال ، وإذا طال مل ، وإذا مل نظر إلى صحيحه بعين السقيم ، وحكم ~~على حقه بلسان الباطل ، وتخيل القصد فيه إسرافا ، والعدل فيه جورا ، وعند ~~ذلك يحول عن بهجته ومائه ، ورونقه وصفائه . وجميع ما قلته - حاطك الله - ~~وأتيت به ، وسحبت ذيلك عليه ، ورفلت أعطافك فيه ، قد سمعته وفهمته ، وطويته ~~في نفسي وبسطته ، وجمعته بذهني وفرقته ، ونظمته عندي ونثرته ؛ ولست جاهلا ~~به ولا ذاهلا عنه ، ولكن من لي بعتاد ذلك كله ، وبالتأتي له ، وبالقدرة ~~عليه ، وبالسلامة فيه إن فاتتني الغنيمة فيه ؟ مع صدري الضيق ، وبالي ~~المشغول ومع رزوح الحال ، وفقد النصر ، وسوء الجزع ، وضعف التوكل ؛ نعم ! ، ~~ومع الأدب المدخول ، واللسان الملجلج ، والعلم القليل ، PageV01P012 ~~والبيان النزر ، والخوف المانع ؛ وإني لأظن أن الطائع لك في هذه الخطة ، ~~والمجيب ms006 عن هذه المسألة ، قليل التقية ، سيء البقية ، ضعيف البديهة والروية ~~؛ لأنه يتصدى لما لا يفي به ، ولا يتسع له ، ولا يتمكن منه ؛ فإن وفى واتسع ~~وتمكن لم يسلم على كثير ممن يقرأ كلامه ، ويتصفح أمره ، ويقص أثره ، ويطلب ~~عثرته ؛ لأن الناس في نشر المدح والذم ، وفي بسط العذر واللوم ؛ على آراء ~~مختلفة ، ومذاهب متباينة ، وأهواء مشتعلة ، وعادات متعاندة . على أنهم ، ~~بعد شدة جدالهم وطول مرائهم ، رجلان : متعصب لمن تذمه وتعيبه وتنث القبيح ~~عنه ، فهو يغتفر له جميع ما يسمع منك ، صادقا كنت أو كاذبا ، معرضا كنت أو ~~مفصحا . أو متعصب على من تمدحه وتزكيه وتفضله وتثني عليه ، فهو يرد عليك كل ~~ما تدعيه ، محققا كنت أو مجزفا ، موضحا كنت أو مزخرفا ؛ ولذلك قال بعض ~~علماء السلف الصالح : هما أمران مثواك بينهما ، راض عنك فهو يمنحك أكثر مما ~~هو لك ، وساخط عليك يتنقصك من حقك ؛ فرم ما ثلم الباغي بفضلة الراضي يعتدل ~~بك الأمر ؛ والشاعر قد فرغ من هذا المعنى وسيره في قريضه المشهور المتداول ~~حيث يقول : وعين الرضا عن كل عيب كليلة . . . ولكن عين السخط تبدي المساويا ~~على أن هذا الشاعر قد أثبت العيب وإن كان قد وصفه بكلول العين عنه ، ودل ~~على المساوي وإن كان السخط مبديها ، وهذا لأن الهوى مقيم لابث والرأي مجتاز ~~عارض ، ولا بد للهوى من أن يعمل عمله ، ويبلغ مبلغه ، وله قرار لا يطمئن ~~دونه ، وحد هو أبدا يتعداه ويتجاوزه ، وله غول تضل ، وتمساح يبتلع ، وثعبان ~~- إذا نفخ - لا يبقي ولا يذر ، والرأي عنده غريب خامل ، وناصح مجهول . وقال ~~بعض الحكماء : فضل ما بين الرأي والهوى أن الهوى يخص والرأي يعم ، ~~PageV01P013 والهوى في حيز العاجل ، والرأي في حيز الآجل ، والرأي يبقى على ~~الدهر ، والهوى سريع البيود كالزهر ، والرأي من وراء حجاب ، والهوى مفتح ~~الأبواب ممدد الأطناب ؛ ولذلك قال أيضا بعض العرب ، ويقال هو عامر بن الظرب ~~: الرأي نائم والهوى يقظان ، فأرقدوا الهوى بفظاظة ، وأيقظوا الرأي بلطافة ~~. وقال الشاعر : كم من أسير في يدي شهواته . . . طفر ms007 الهوى منه بحزم ضائع ~~وقال أعرابي : لم أر كالعقل صديقا معقوقا ، ولا كالهوى عدوا معشوقا ؛ ومن ~~وفقه الله للخير جعل هواه مقموعا ، ورأيه مرفوعا . وإذا كان الهوى - أبقاك ~~الله - على ما وصفنا ، وعلى وراء ما وصفنا مما لا نحيط به وإن أطلنا ، فمتى ~~يخلو المادح - إذا مدح - من بعض الإفراط تقربا إلى مأموله ، وخلابة لعقله ، ~~واستدرارا لكرمه ، وبعثا على تنويله وتخويله ؛ وهذه حال مصحوبة في الممدوح ~~إذا كان أيضا غائبا أو ميتا ؟ أو متى يسلم الذام - إذا ذم - من بعض الإسراف ~~تعنتا لصاحبه وحملا عليه بالإنحاء الشديد ، والقول الشنيع ، والنداء الفاضح ~~، والحديث المخزي ، وجريا مع شفاء الغيظ وبرد الغليل ؟ لأن جرعة الحرمان ~~أمر من جرعة الثكل ، وضياع التأميل أمض من الموت ، وخدمة من لم يجعله الله ~~لها أهلا أشد من الفقر ، وإنما يخدم من انتصب خليفة لله بين عباده بالكرم ~~والرحمة ، والتجاوز والصفح ، والجود والنائل ، وصلة العيش وبذل مادة الحياة ~~وما يصاب به روح الكفاية ؛ وحرمان المؤمل من الرئيس ككفران النعمة من ~~التابع ورحى الحرب في هذا الموضع راكدة ، والقراع عليه قائم ، والخطابة في ~~دفعه وإثباته واسعة ، والتمويه مع ذلك معترض ، والإعتذار مردود ، والتأويل ~~كثير ، والتنزيل قليل . PageV01P014 ولقد رأيت الجرجائي - وكان في عداد ~~الوزراء وجلة الرؤساء ، وإنما قتله ابن بقية لأنه نعم له بالوزارة - يقول ~~للحاتمي أبي علي ، وهو من أدهياء الناس : إنما تحرم لأنك تشتم فقال الحاتمي ~~: وإنما أشتم لأني أحرم . فأعاد الجرجائي قوله . فأعاد الحاتمي جوابه . ~~فقال ثم ماذا ؟ قال الحاتمي : دع الدست قائمة ، وإن شئت عملناها على ~~الواضحة . قال : قل ! قال الحاتمي : يقطع هذا أن لا يسمعوا مدائحهم ، ولا ~~يكترثوا بمراتبهم ؛ وأن يعترفوا لنا بمزية الأدب وفضل العلم وشرف الحكمة ، ~~كما خذينا لهم بعظمة الولاية ، وفضل العمل ، وبسط اليد ، وعرض الجاه ، ~~والاستبداد بالتنعم والطاق والرواق ، والأمر والنهي ، والحجاب والبواب ؛ ~~وأن يكتبوا على أبواب دورهم وقصورهم : يا بني الرجاء ! ابعدوا عنا ، ويا ~~أصحاب الأمل ! اقطعوا أطماعكم عن خيرنا وميرنا ، وأحمرنا وأصفرنا ، ووفروا ~~علينا أموالنا ، فلسنا نرتاح انثركم في ms008 رسالة تحبرونها ، ولا لنظمكم في ~~قصيدة تتخيرونها ، ولا نعتد بملازمتكم لمجالسنا ، وترددكم PageV01P015 إلى ~~أبوابنا ، وصبركم على ذل حجابنا ، ولا نهش لمدحكم وقريضكم ، ولا لثنائكم ~~وتقريظكم ؛ ومن فعل ما زجرناه عنه ثم ندم فلا يلومن إلا نفسه ، ولا يقلعن ~~إلا ضرسه ، ولا يخمشن إلا وجهه ، ولا يشقن إلا ثوبه ، وإن من طمع في ~~موائدنا يجب أن يصبر على أوابدنا ، ومن رغب في فوائدنا نشب في مكايدنا . ~~فأما إذا استخدمونا في مجالسهم بوصف محاسنهم ، وستر مساويهم ، والاحتجاج ~~عنهم ، والكذب لهم ؛ وأن نكون ألسنة نفاحة عنهم فليثيبوا على العمل ، فإن ~~في توفية العمال أجورهم قوام الدنيا ، وحياة الأحياء والموتى ؛ فإن قصرنا ~~بعد ذلك في إعادة الشكر وإبدائه ، وتنميق الثناء وإفشائه ، فإنهم من منعنا ~~في حل ، ومن الإساءة إلينا في سعة . فرأيت الجرجائي - حين سمع هذا الكلام ~~النقي ، وهذه الحجة البالغة - وجم ساعة ثم قال : لعمري إذا جئنا إلى الحق ، ~~ونظرنا فيه بعين لا قذى بها ، ونفس لا لؤم فيها ، فإن العطاء أولى من المنع ~~، والتنويل أولى من الحرمان ، والخطأ في الجود أسلم من الصواب في البخل ، ~~لأن الصواب في البخل خفي جدا ، وقل من يعرفه ، والخطأ في الجود حلو جدا ، ~~وقل من يكرهه . وأنا أقول : قد صدق هذا الرجل الجليل في هذا الحرف صدقا لا ~~تماري فيه . ولقد جرى بيني وبين أبي علي مسكويه شيء هذا موضعه . قال مرة : ~~أما ترى إلى خطأ صاحبنا - وهو يعني ابن العميد - في إعطائه فلانا ألف دينار ~~ضربة واحدة ؟ لقد أضاع هذا المال الخطير فيمن لا يستحق . فقلت له - بعد ما ~~أطال الحديث وتقطع بالأسف : أيها الشيخ ! أسألك عن شيء واحد واصدق ، فإنه ~~لا مدب للكذب بيني وبينك ، ولا هبوب لريح التمويه علينا ؛ لو غلط صاحبك فيك ~~بهذا العطاء وبأضعافه وأضعاف أضعافه ، أ كنت تتخيله في نفسك مخطئا ومبذرا ~~ومفسدا وجاهلا بحق المال ؟ أو كنت تقول : ما أحسن ما فعل ! وليته ~~PageV01P016 أربى عليه ؟ فإن كان ما تسمع على حقيقته ، فاعلم أن الذي بدد ~~مالك ، وردد مقالك إنما ms009 هو الحسد أو شيء آخر من جنسه ، فأنت تدعي الحكمة ، ~~وتتكلم في الأخلاق وتزيف منها الزائف ، وتختار منها المختار . فافطن لأمرك ~~، واطلع على سرك وشرك . هذا ذكرته - أبقاك الله - لتتبين أن الخطأ في ~~العطاء مقبول ، والنفس تغضي عليه ، والصواب في المنع مردود ، والنفس تقلق ~~منه ؛ ولذلك قال المأمون وهو سيد كريم ، وملك عظيم ، وسائس معروف : ' لأن ~~أخطئ باذلا أحب إلي من أن أصيب مانعا ' ، والشاعر يقول : لا يذهب العرف بين ~~الله والناس وإن كان يكفر النعمة بعض من أنعم عليه بها ، إنه ليشكرها كثير ~~ممن لم يتلمظ حلاوتها ، ولم يطعم فتاتة منها ، ولم يسغ جرعة من غديرها ، ~~ولم يسحب ذيلا من أذيالها . وصدر هذا الكلام شبيه بشيء لا بأس بروايته في ~~هذا الموضع وإن لم يكن من قبيل ما طال القول فيه ، وتوالى النفس به . قال ~~المأمون لأبي العتاهية : إذا قال الله لعبده : لم لم تطعني ، أي شيء يكون ~~من جوابه ؟ فقال : يقول : يا رب لو وفقتني لأطعتك . قال : فإن الله يقول : ~~لو أطعتني لوفقتك . قال أبو العتاهية : فإن العبد يقول : لو وفقتني لأطعتك ~~، أيكون ما يحتاج إليه العبد نسيئة ، وما يطالبه الله به نقدا ؟ ~~PageV01P017 قال المأمون : فما يقطع هذا ؟ قال يا أمير المؤمنين ، اضرب عنه ~~، فإن الدست قائمة . وأرجع فأقول : وما خلا الناس منذ قامت الدنيا من تقصير ~~واجتهاد ، وبلوغ الغاية ، وقصور عن النهاية ، وتشارك في المحامد والمذام ، ~~والمساوي والمحاسن ، والمناقب والمثالب ، والفضائل والرذائل ، والمكارم ~~والملائم ، والمنافع والمضار ، والمكاره والمسار ؛ ومن بعض ما يكون للقائل ~~فيه مندوحه ، وللشاغب به استراحة ، وللناظر فيه متسع ، وللسامع فيه مستمتع ~~؛ وأحسنهم حالا ، وأسعدهم جدا ، وأبلغهم يمنا ، وأربحهم بضاعة ، من كانت ~~محاسنه غامرة لمساويه ، ومناقبه ظاهرة على مثالبه ، ومادحه أكثر من هاجيه ، ~~وعاذره أنطق من عاذله ، والمحتج عنه أنبه من المحتج عليه ، والنافح عنه ~~أصدق من النافح فيه ؛ وليس العمل على عدد هذه وهذه ، ولكن على أن لا يكون ~~مع صاحب المحاسن من الخصال اللئيمة ما يحبطها ويجتاحها ، ويختلعها ، ويأتي ~~عليها وإن صغر حجم ms010 تلك الخلة ، وخمل اسم تلك الخصلة ؛ وأن يكون مع صاحب ~~المساوي من الخلال الكريمة ما يغطيها ، ويسبل الستر عليها ، ويعين الذائد ~~عنها ، ويبيض وجه الناصر لها ، ويمد باع المتطاول إليها ؛ وكما وجدنا ~~السيئات يحبطن الحسنات ، كذلك وجدنا الحسنات يذهبن السيئات . والعمود الذي ~~عليه المعول ، والغاية التي إليها الموئل ، في خصال ثلاث هن دعائم العالم ، ~~وأركان الحياة ، وأمهات الفضائل ، وأصول مصالح الخلق في المعاش والمعاد ؛ ~~وهن : الدين ، والخلق ، والعلم ، بهن يعتدل الحال ، وينتهى إلى الكمال ، ~~وبهن تملك الأزمة ، وينال أعز ما تسمو إليه الهمة ؛ وبهن تؤمن الغوائل ، ~~وتحمد العواقب ؛ لأن الدين جماع المراشد والمصالح ، والخلق نظام الخيرات ~~والمنافع ، والعلم رباط الجميع ؛ ولأن الدين بالعلم يصح ، والخلق بالعلم ~~يطهر ، والعلم بالعمل يكمل ؛ فمن سلم دينه من الشك واللحاء ، وسوء الظن ~~والمراء ، وثبت على قاعدة PageV01P018 التصديق بمواد اليقين الذي أقر به ~~البرهان ، وطهر خلقه من دنس الملال ، ولجاج الطمع ، وهجنة البخل ، وكان له ~~من البشر نصيب ، ومن الطلاقة حظ ، ومن المساهلة موضع ؛ وحظي بالعلم الذي هو ~~حياة الميت ، وحلي الحي ، وكمال الإنسان فقد برز بكل فضل ، وبان بكل شرف ، ~~وخلا عن كل غباوة ، وبرئ من كل معابة ، وبلغ النجد الأشرف ، وصار إلى ~~الغاية القصوى . ولم أذكر لك العقل في هذا التفصيل ، وهو أولهن ، وبه يتم ~~آخرهن ، وعليه مجرى جميع ما افتن القول به ؛ لأنه موهبة الله العظمى ، ~~ومنحته الكبرى ، وباب السعادة في الآخرة والأولى ، وكان ما عداه فرعا عليه ~~، ومضموما إليه ؛ لأنه متى عدمه الإنسان الحي الناطق فقد سقط عنه التكليف ، ~~وبطل عليه الاختيار ، وصار كبعض البهائم العاملة ، وكبعض الشخوص الماثلة ؛ ~~وبه يعرف الدين ، ويقوم الخلق ، ويقتبس العلم ، ويلتمس العمل الذي هو ~~الزبدة ؛ وقد يعدم العمل والعقل موجود ، وقد يفقد الخلق والدين ثابت ؛ ~~فليسالأصل كالفرع ، ولا الأول كالثاني ، ولا العلة كمجلوب العلة ، ولا ما ~~هو قائم كالجوهر ، كما هو دائر كالعرض ؛ فلهذا أضربت عن ذكره ، وغنيت عن ~~الاستظهار به ؛ وإذا تمت فائدة الكلام فما زاد عليه لغو ، وإذا استقر فيه ~~المعنى فما ألم ms011 به فساد . والناس - هداك الله - من هذه الخصال التي ميزتها ~~والخلال التي نصصت القول فيها ، على أنصباء مختلفة ، وهم فيها على غايات ~~متنازحة ، بالقلة والكثرة ، والضعف والقوة ، والنقصان والزيادة ، ومن أجلها ~~يتوخون بالحمد على الإحسان ، ويخدمون بالشكر على الجميل ، ويحيون بالنصائح ~~الخالصة ، ويحبون بالقلوب الصافية ؛ ويثنى عليهم بالقرائح النقية ، ~~والطويات المأمونة ، ويذب عنهم بالنيات الحسنة والألسنة الفصيحة ويعاونون ~~عند الشدائد الحادثة ، والنوائب الكارثة ، والأمور الهائلة ، والأسباب ~~الغائلة ، بالمال المدخور ، والنصح المنخول ، ويدفع عنهم بالأيدي الباطشة ، ~~PageV01P019 والأقدام الثابتة ، والأرواح العزيزة ، والأنفس الكريمة ؛ ~~وكذلك يوكسون على التقصير باللائمة ، ويجبهون على اللؤم بالآبدة ؛ ويذمون ~~على التهاون بكل فاقرة ، ويطوقون كل خزي ومعرة ، ويواجهون بكل شنعاء مفضعة ~~، ويغتابون بكل فاحشة منكرة ، ويرمون بكل ساقطة ولاقطة ، ويحرقون بكل نار ~~حامية ، ويقذفون بكل مخجلة مندية . فهذا جمهور الخبر عن حال المحسن إذا ~~أحسن ، وحال المسيء إذا قصر ، وهم إذا كانوا على هذا السياق ثابتين ، ولهذا ~~المنهاج سالكين ، فإنهم يتنزعون إلى أصول حديثة وقديمة ، وأعراق كريمة ~~ولئيمة ، والمجدود من بينهم من لاث الله بيافوخه الخير ، وعقد بناصيته ~~البركة ، وجعل يده ينبوع الإفضال والجود ، وعصم طباعه من الخساسة والدناءة ~~، وكفاه عار البطالة والفسالة ونزهه عن الإسفاف والنذالة . وهذا كله ثمرة ~~البصيرة الثاقبة ، والنية الحسنة ، والضمير المأمون ، والغيب السليم ، ~~والعقل المؤرب ، والحق المؤثر وإن كان مرا ، والأدب الحسن وإن كان شاقا ، ~~والعفافة التي أصلها الطهارة ، والطهارة التي أصلها النزاهة ؛ ومن عجن الله ~~طينته بهذا الماء ، وروح عنه بهذا الهواء ، وأطلق نفسه بهذا الجو ، وقلبه ~~على هذا البساط ، وسقاه بهذا النوء ، فقد أيده بروح القدس ، ووصله بلطيف ~~الصنع ، وأكمل عليه النعمة الجليلة ، وأنابه بالشرف المحسود ، وميزه ~~بالمزية التامة ، وخصه بخيم الأنبياء ، وألبسه جلباب الأصفياء ، وأتاه ~~ضرائب الصالحين وأحضره توفيق المهديين المرضيين . وقد صح - حفظك الله - ~~عندي ، ووضح لي أن الذي هاجك على هذا المعنى PageV01P020 حتى حركتني له ، ~~وطالبتني به ، ولم ترض مني إلا بالمبالغة والاستقصاء وإلا بمباداة الأعداء ~~. وذوي الشحناء : اجتماعنا في مجالس العلماء ، وتلاقينا على أبواب الحكماء ~~والأدباء أيام ms012 كنت أفكهك بالحديث النادر ، واللفظ الحسن ، فأضحك سنك بما ~~ملح وحر ، وأزيدك من خلال ذلك كله خبرة بالدهر وأهله ، واعتبارا بالزمان ~~وتصرفه ، وأفتح عليك باب المؤانسة ، وأصف لك أخلاق الناس وما يفترقون به ~~ويجتمعون عليه من غرائب الأمور ، وطرائف الأحوال أيام كان عود الشباب رطيبا ~~، وورق الحياة نضيرا ، وظل العيش ممدودا ، ونجم الزمان متوقداومقترح النفس ~~مواتيا ، وروض المنى خضلا ، ودر النعمة متصلا ، وداعي الهوى مشمرا ؛ أيام ~~رأسك فينان ، وأنت كالصعدة تحت السنان ، شطاطك معجب ، وحديثك معشوق ، وقربك ~~متمنى ، والليل بك قصير ، والنهار عليك مقصور ، والعيون إليك طوامح ، ~~والعواذل دونك نوائح وذاك زمان مضى فانقضى ، فأما غويا وإما رشيدا ؛ وكان ~~الوقت يقتضي ذلك ويسعه ، والحال تواتيه وتحمله ، والعذر يقع لطالبه وملتمسه ~~؛ لكني إذا نظرت إلى أملي المتعلق بك ، وطمعي الحائم عليك ، ورجائي المذبذب ~~عليك حولك ؛ وحالي التي جعلك الله كافلها وراعيها ، وجامعها ، وناظم ما ~~انتثر منها ، ومؤلف ما انتشر عنها - رأيت البدار إلى بغيتك أدبا محمودا ، ~~وحظا مدركا ، والتراخي عن طاعتك حرمانا حاضرا ، وعتبا مؤلما . وهكذا صنيع ~~الطمع ؛ فقل لي ما أصنع إن رد اعتذاري من يسره عثاري ، ويسوءه استمراري ؛ ~~وليس إلا الصبر فإنه مفتاح كل باب مرتج وبرود كل حران ملهج ، وما زال الطمع ~~قديما وحديثا وبدءا وعودا يضرع الخد الصقيل ، ويرغم الأنف الأشم ، ويعفر ~~الوجه المفدى ، ويغصن العارض المندى ، ويحني القوام المهتز ، ويدنس العرض ~~PageV01P021 الطاهر ؛ ولحا الله الفقر فإنه جالب الطمع والطبع ، وكاسب ~~الجشع والضرع ، وهو الحائل بين المرء ودينه ، وسد دون مروءته وأدبه ، وعزة ~~نفسه ؛ ولقد صدق الأول حيث قال : وقد يقصر القل الفتى دون همه . . . وقد ~~كان لولا القل طلاع أنجد وما كذب الآخر حيث يقول : إذ المرء لم يقن الحياء ~~إذا رأى . . . مطامع نيل دنسته المطامع إذا قل مال المرء قل صديقه . . . ~~وأهوت عليه بالعيوب الأصابع وأجاد الآخر حين قال : أزرى بنا أننا شالت ~~نعامتنا . . . والفقر يزري بأحساب وألباب وما أملح قول الأعرابي في قافيته ~~: ما بال أم حبيش لا تكلمنا . . . إذا افتقرنا وقد نثري فنتفق ms013 وصدق ، لأنها ~~إذا لحقته على الفقر رغبت عنه ولم تواصله ، وفركته واختارت عليه . وما أحسن ~~ما قال بعد هذا في وصف سيرته وحسن عادة أهله ، فإنه قال : إنا إذا حطمة حتت ~~لنا ورقا . . . نمارس العود حتى ينبت الورق وصاحب الفقر إن مدح فرط ، وإن ~~ذم أسقط ، وإن عمل صالحا أحبط ، وإن ركب شيئا خلط وخبط ؛ ولم أر شيئا أكشف ~~لغطاء الأديب ، ولا أنشف لماء وجهه ، ولا أذعر لسرب حياته منه ، وإن الحر ~~الآنف ، والكريم المتعيف من مقاساته والتجلد PageV01P022 عليه ، لفي شغل ~~شاغل وموت مائت . وعلى ما قدمت من هذه الكلمات ، وأطلت به هذا الباب ، فقد ~~امتثلت أمرك وسارعت إليه ، وأرجو أن تهب لي فيه رضاك إن وقه موقعه الذي ~~أملته ، وتهديني إلى الصواب إن زل عن حدك الذي حددته ، وما غاية أملي به ، ~~وقصارى همتي منه ، إلا أن أكون سببا قويا فيما حاز لك الشكر مني ، وأوفر ~~عليك الحمد عني ، وأذاقك حلاوة مدحي وتمجيدي ، والشاعر يقول : العرف أصل ~~يجتنى . . . من فرعه الثمر الحميد يبلى الفتى في قبره . . . وفعاله غض جديد ~~وسأجعل قصدي نحو السلامة إذا غلبني اليأس من الغنيمة ، وأضيف إلى متن ~~الحديث فوائد كثيرة ، وأجتهد معذرا ، وأتقصى معذورا ، وأحكم متكرما ، وأقول ~~ما أقول رائيا ؛ وراويا ؛ على أني لا أثق بالخاطر إذا طاش ، ولا باللسان ~~إذا همز ، ولا بالقلم إذا استرسل ، ولا بالهوى إذا اشتمل وسول ؛ فإن الهوى ~~يعمي ويصم ، ولعل الغيظ يجرح ويجهز . وهذه آفات متداركة لا سبيل إلى ~~التغاضي عنها ، والسلامة عليها ، وذاك لأن الكلام في حمد من يحمد ، وذم من ~~يذم ، إن نمق تنميقا دخله التزيد ، والمتزيد مقلي ، وإن أرسل على غراره ~~شانه التقصير ، والمقصر معجز ؛ ولأن يدخله التقصير فيكون دليلا على الإبقاء ~~، أحب إلي من أن يدخله التزيد فيكون دليلا على الإرباء ؛ على أن من وصف ~~كريما أطرب ، ومن أطرب طرب ، والطرب خفة وأريحية تستفزان الطباع ، وتشبهان ~~الحصيف بالسخيف ؛ فأما من حدث عن لئيم فإن أساس كلامه يكون على الغيظ ، ~~والغيظ نار القلب ، وخبث اللسان ، وتشنيع ms014 القلم ، فكيف الإنصاف في وصف هذين ~~الرجلين على هذين الحدين ، مع سرف الهوى ، ووقان الغيظ ، وعادة الجور ، ~~وداعية الفساد ، وصارفة الصلاح ؟ PageV01P023 وهذه أعراض لا محيص منها ولا ~~أمان من اعترائها ، ولا واقي من تعاورها ، وبعض هذا يهتك ستر الحلم وإن كان ~~كثيفا ، ويفتق جيب التجمل وإن كان مكفوفا ، ويخرج إلى الجهل وإن كان يقبحه ~~متقدما . وكنت هممت ببعض هذا منذ زمان ، فكبح عناني عن ذلك بعض أشياخنا ~~وقصر إرادتي دونه ، وزعم أن الاختيار الحسن ، والأدب المرضي ينهيان عنه ، ~~ولا يجوزان الخوض فيه ؛ لأن الغيبة والقذع والعضيهة والتقيح والسب المؤلم ~~والكلام القاشر ، والمكاشفة بالملامة والشتيمة بلا مراقبة ليست من أخلاق ~~أهل الحكمة ، ولا من دأب ذوي الأخلاق الكريمة ، وقد قال بعض الحكماء : لا ~~تكونن الأرض أكتم منا للسر ؛ ومن اعتاد الوقيعة في الأعراض ، ومباداة الناس ~~بالسفه ، وثلبهم بكل ما جاش في الصدر ، وتذرع به اللسان ، فليس ممن يذكر ~~بخير ، أو يرجى له فلاح ، أو يؤمن معه عيب ؛ قال : وهل الحلم إلا في كظم ~~الغيظ ، وفي تجرع المضض ، وفي الصبر على المرارة ، وفي الإغضاء عن الهفوات ~~؛ ومن لك بالمهذب الندب الذي لا يجد العيب إليه مختطى ، والأول يقول : ولست ~~بمستبق أخا لا تلمه . . . على شعث أي الرجال المهذب وقيل : لو تكاشفتم ما ~~تدافنتم ، ولو تساويتم ما تطاوعتم ؛ ولا بد من هنة تغتفر ، ومن تقصير يحتمل ~~، والاستقصاء فرقة ، وفي المسالمة تحبب ، ومن ناقش في الحساب فقد رغب عن ~~سجاحه الخلق ، وحسن الملكة وإيثار الكرم . PageV01P024 وهذا الذي قاله هذا ~~الشيخ الصالح مذهب معروف ، وصاحبه حميد ، لا يدفعه من له مسكة من عقل وسيرة ~~صالحة في الناس ، وأدب موروث عن السلف ؛ وليت هذا القائل ولي من نفسه هذه ~~الولاية ، وعامل غيره بهذه الوصية ، وليته بدأ الكلام وما شابهه الرئيس ~~الذي قد أخرج تابعه إلى هذا العناء والكد ، وإلى هذا القيام والقعود ! لا ، ~~ولكنه رأي جانب البائس المحروم ألين ، وعذل المنتجع المظلوم أهون ، وزجر ~~المتلذذ بما ينثه ويستريح به أسهل ؛ فأقبل عليه واعظا ، وأعرض عن ظالمه ms015 ~~محابيا . وبعد فصاحب هذا القول وادع غير محفظ ، وموفور غير منتقص ، وناعم ~~البال غير مغيظ ، وصحيح الجناح غير مهيض ؛ ولو شيك بحد قتادة لكنا نقف على ~~عريكته كيف تكون ، وعلى شكيمته كيف تثبت ، وكنا نعرف ما يأتمر عليه ، وليس ~~برد العافية من حر البلاد في شيء . ولما وقعت الفتنة أيام المهلب كان أبو ~~سعيد الحسن بن أبي الحسن يثبط الناس عن الوثوب مع بني المهلب في قتال أهل ~~الشام ، وقام بذلك مقاوم شقت على مروان بن المهلب ، فقام مروان ذات يوم ~~خطيبا ، وحث الناس على الجد والإنكماش ، ثم عرض بالحسن فقال : بلغني أن هذا ~~الشيخ الطالح المرائي يثبط الناس عن الطلب بحقنا والله لو أن جاره نزع من ~~خص داره قصبة لظل أنفه راعفا ، ودمعه واكفا ، وقلبه لاهفا ، ولسانه قارفا ، ~~وينكر علينا أن نطلب ما لنا ، وكلاما غير هذا غادرناه قادرين ؛ لأنه لا وجه ~~للإطالة به ؛ ولا أقول إن مروان بن المهلب ، أحق بما قال من الحسن ، ولكن ~~الحسن تكلم على مذهب النساك ، ومروان قابل ذلك بمذهب الفتاك . PageV01P025 ~~وفي الجملة - أبقاك الله - ليس المضطر كالمختار ، ولا المحرج كالسليم ، ولا ~~الموفور كالموتور ، ولا كل حكم يلزم المتوسط في حاله يلزم المتناهي في حاله ~~؛ ومتى كان - عافاك الله - التابع كالمتبوع ، والآمل كالمأمول ، والمستميح ~~كالمنعم ، والمغبوط كالمرحوم ، والمدرك ، كالمحروم ؛ هذا في منقطع الثرى ، ~~وذلك في قلة المزن . هذا عمرو بن بحر أبو عثمان ، وهو واحد الدنيا ، كتب ~~رسالة طويلة في ذم أخلاق محمد بن الجهم ، ومدح أخلاق ابن أبي دواد ، وبالغ ~~في الوصفين ، وخطب على الرحلين ، ولم يترك قبيحة إلا أعلقها محمدا ، ولا ~~حسنة إلا منحها أحمد ، وحتى جعل ابن الجهم مع إبليس في نصاب واحد ، وابن ~~أبي دواد مع ملك في نقاب واحد ؛ وهكذا ' عمل من طب لمن حب ' إذا غضب فسب ، ~~أو رضي فمدح وأطنب . وما أحسن مادل على هذا المذهب أشجع السلمي بفحوى كلامه ~~، فإنه قال : أعلي لوم أن مدحت معاشرا . . . خطبوا إلي المدح بالأموال ~~يتزحزحون إذا رأوني مقبلا . . . عن ms016 كل متكأ من الإجلال وإذا لم يكن عليه ~~لوم في مدح المحسن إليه ، فكذلك لا عتب عليه في ذم المسيء إليه . نعم ، ~~وأفاد أبو عثمان في رسالته فوائد لا يخفى مكانها على قارئها ، وقام فيها ~~مقام الخطيب المصقع ، والسهم النافذ ، والناصر المدل ، والمنتقم المستأصل ؛ ~~فهل قال أحد ممن له يد في الفضل ، وقدم في الحكمة ، وعرفان بالأمور ، وقوله ~~معدود فيما PageV01P026 يقال ، وحكمه مقبول فيما يثبت ويزال : بئس ما صنع ~~وساء ما أتى به ؟ بل تهادوه وحفظوه ، واستحسنوه وتأدبوا به ، وحذوا على ~~مثاله وإن كانوا وقعوا دونه . ولم صنف الناس المناقب والمثالب ؟ ولم نشروا ~~أحاديث الكرام واللئام ؟ وكثير من الناس - عافاك الله - لا غيبة لهم ، أو ~~في غيبتهم أجر ، وقد وقع في الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ' ~~اذكروا الفاسق بما فيه كي تحذره الناس ' . وحدثنا برهان الصوفي قال : ذم ~~بشر الحافي بخيلا ثم قال : إن البخيل لا غيبة له ، قيل : وكيف ؟ قال : لقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم - : ' يا بني سلمة من سيدكم ؟ قالوا : الجد ~~بن قيس على بخل فيه ، قال : فأي داء أدوى من البخل ' . فذكره وليس هو ~~بالحضرة . وهذا عيسى بن فرخانشاه عزل عن الوزارة وكان مستخفا بأبي العيناء ~~فوقف عليه أبو العيناء وقال : الحمد لله الذي أذل عزتك ، وأذهب سطوتك ، ~~وأزال مقدرتك ، وأعادك إلى استحقاقك ومنزلتك ، فلئن أخطأت فيك النعمة ، لقد ~~أصابن منك النقمة ، ولئن أساءت الأيام بإقبالها عليك ، لقد أحسنت بإدبارها ~~عنك ؛ فلا أنفذ الله لك أمرا ، ولا رفع لك قدرا ، ولا أعلى لك ذكرا . فهل ~~قال أحد بئس ما صنع ؟ وليس للراضي عن المحسن أن يطالب المساء إليه بأن يكون ~~في مسكه وعلى حال اعتدا له ، لأن بينهما في الحال مسافة لا يقطعها الجواد ~~المبر ولا الريح العصوف . وذكر محمد بن طاهر عند أبي العيناء فقال : ما ~~دخلت عليه قط إلا ظننت أنه من طلائع القيامة ؛ قصير القامة ، مشؤوم الهامة ~~؛ خرج من خراسان وهو أميرها ، ويطمع فيها وهو طريدها ، ويلي على أسير ~~الصغار ms017 طليق الهزيمة . ووجدت رسالة لأبي العباس عبيد الله بن دينار على ما ~~قدمت القول فيه ؛ وأنا PageV01P027 أرويها على وجهها لأنها مفيدة ، رواها ~~لي المنصوري القاضي بأرجان . أولها : ' إن في الشكر ، وإن قل ، وفاء بحق ~~النعمة وإن جل ، بل أقول : إن الشاكر للنعمة ، وإن أطنب وأسهب ، لا يلحق ~~شأو المبتدئ بها ، ولا يخرج بأقصى سعيه من أداء حقه فيها ؛ لأن نعمته صارت ~~سببا لشكره ، وداعية لذكره ، فلها فضل سبقها وموقعها وفضلها ، فإن الشكر من ~~أجلها ، وإنها - حيث حلت - عائدة بثناء جميل ، وثواب جزيل ؛ ولا خلاف بين ~~الحكماء أن الجالب خير من المجلوب ، والفاعل خير من المفعول . ومن لي بشكرك ~~وأنت الذي لما قصدتك بالرغبة بلغت بي ما وراء المحبة ، وناديتك فأجبت من ~~قريب ، ولذت بك فأنزلت البر والترحيب ، فلممت مني شعثا ، ورعيت لي سببا ~~لولا رعايتك لكان رثا ، ووفرت علي نعمة الجاه واليد ، وقمت لي مقام الركن ~~والسند ، فأصبحت لي على الدهر معينا ، ومن أحداث الزمان ملاذا حصينا ، وما ~~زلت بكل خير قمينا ، وجددت لي أملا قد كان أخلق ، وأمسكت مني بالرمق ، ~~وتلقيت دوني نبوة من عاتبك واستزادك ، وجفوة من تغبطك فكادك ؛ في حين عز ~~الشفيق ، وخذل الشقيق ، وجار الزمان ، وتواكل الإخوان ؛ فكشف الله بك تلك ~~الغموم المطبقة ، وسكن برأيك مني نفسا قلقة ، فأنا ، في قصوري عما أوجبه ~~الله علي لك ، كما قال الشاعر : لو أن عمري ألف حول وقد . . . بدلت الساعة ~~بالدهر وكان لي ألف لسان لما . . . نطقت من شكرك بالعشر فشكر الله لك ما ~~أتيت ، وتولى جزاءك على ما تحريت ، وكافأك بأحسن ما نويت ، ولا أخلاك من ~~أمل يناط بك لتحققه ، وظن يصرف إليك فتصدقه ، وشكر يوفر عليك فتستحقه ، ~~وصان لك من النعمة راهنها ، وبلغك أقصى ما تؤمل منها ، وتفضل عليك بما لا ~~تحتسب فيها ؛ وكل ما أغفلناه من الدعاء لك مما يرغب المرء في مثله ، فوهب ~~الله لي فيك ، ووهبه لك في كل أسبابه . فأما فضائلك والمواهب المقسومة لك ~~فقد قادت إليك مودات القلوب ووقفت عليك خبيات الصدور ms018 ، وارتهنت لك شكر ~~الشاكر ، وردت إليك نفرة النافر ، وحاطت PageV01P028 لك الغائب والحاضر ، ~~وأفحمت عنك لسان المنافر ، وقصرت دونك يد المتطاول ، وطامنت لك نخوة ~~المناضل ، وأوفت بك على درجة الأدب والهمة والرياسة . فبلغك الله ذرى ~~المحبة والأمل ، ووفقك لصالح القول والعمل ، ولا زالت ربوع الحرية معمورة ~~بطول عمرك ، والمكارم مؤيدة بدوام تأييدك ، ولا برحت أيامك محفوفة بالعز ~~والسعادة ، ونعمتك مقرونة بالنماء والزيادة ، ووقاك الله بعينه من الأعين ، ~~وحاطك بيده من أيدي المحن ، وفداك من النوائب والأحداث . والنكب من قد فقئت ~~به عين النعمة ، واتضعت بمكانه رتبة الهمة ؛ فلا يصدر عنه آمل إلا بخيبة ، ~~ولا يضطر إليه حر إلا بمحنة ؛ إن أؤتمن غدر ، وإن أجار أخفر ، ولإن وعد ~~أخلف ، وإن قدر اعتسف ، وإن عاهد نكث ، وإن حلف حنث ؛ تصدأ بمحاورته ~~الأفهام ، وتصطرخ منه الدولة والأقلام ، سيان قام أو قعد ، وغاب أو شهد ؛ ~~إن كشفته كشفت عن علج فدم ، يقضى له بكل خسة وذم ، ولم يقف للحرية على ربع ~~ولا رسم ، ولا عرف مكرمة في يقظة ولا حلم ؛ أسوأ الناس صنيعا ، وأشدهم ~~بالدناءة ولوعا ، لم يسلك إلى المجد طريقا ، ولا وجد يوما من الجهل مفيقا ، ~~أولى الناس بشتم وقذف ، وأجدرهم بمجانة وسخف ، ينطق قبح خلقه من سوء ، خلقه ~~، ويدل بركاكة عقله على لؤم أصله ؛ إذا اكتنفته الحوادث لوى عنها شدقه ، ~~وإن لزمه الحق لواه ومحقه ؛ وقد وفر الله حظه من الفدامة كما قصر به في ~~القامة ، فهو بكل لسان مهجو ، ولكل حر عدو ، وإن عوتب على الزهو والتيه ، ~~أقام فيهما على تماديه ؛ يلوث عمته على دماغ فارغ ، وحمق ظاهر سائغ ، فهو ~~في أخر حالاته ، عند نفسه كما قيل ، صورة ممثلة أو بهيمة مهملة . وصلت هذا ~~الفصل بقول فاضت به النفس بعد امتلائها ، وجاشت به بعد تردده فيها ، وما ~~اضطرني إليه إلا تتابع المكروه من جهته ، والشر الذي لا يزال يتعقبني به ، ~~وأنه حين وج غرة اهتبلها ، ولما رأى الفرصة انتهزها ، ولم يرض حتى حسر عن ~~PageV01P029 الذراع يدا ، فكشف القناع وجرد العداوة والتعصب ، وأظهر ms019 التسلط ~~والتغلب . وأنا أعتذر إليك من أن أصل مخاطبتي لك بمثله ، وإن كنت أجعله ~~بمنزلة اللهو الذي أستعين به على الحق ، والهزل الذي أستريح به من الجد ؛ ~~وقد قيل : من لم يذمم المسيء لم يحمد المحسن ، ومن لم يعرف للإساءة مضضا ، ~~لم يجد عنده للإحسان موقعا . وعلى أني لست أدري أميلي إليك أصدق ، أم ~~انحرافي عنه أوثق ، ورغبتي فيك أشد ، أم زهدي فيه أوكد ، ومودتي لك أخلص ، ~~أم أنا على مصارمته أحرص ، وسكوني إليك أتم أم نبوتي عنه أحكم ، وأنا على ~~ذمه أطبع ، أم في حمدك أبدع ؟ كما لست أدري أحظك من الهمة والمروءة أجزل ، ~~أم حظه من الدناءة والقلة أجل ، ومكانك من الحزامة والكرم أرفع ، أم محله ~~فيهما أوضع ؟ وكيف يقرن بك أو يساوي ، وما أتأملك في حال من الأحوال إلا ~~وجدتك فيها حساما قاضبا ، وشهابا ثاقبا ، وعودا صليبا ، ورأيا عند معضل ~~الخطوب مصيبا ؛ في شمائل حلوة عذاب ، وأخلاق معجونة بآداب ؛ لا تتجافى عن ~~مكرمة ، ولا تخل لذي أمل بحرمة ، ولا تؤودك الخطوب إذا اعتورتك ، ولا ~~تتكاءدك الجهات إذا اكتنفتك ، قد تعرقتك الأيام بحالتي النعمى والبلوى ، ~~فكشف منك عن أمضى من الدهر عزما ، وأرزن من رضوى حلما ، وأثبت من الليل ~~جنانا ، وأسمح من صوب الغمام ندى ، وأمنع من السيف جانبا ، وأعز من كليب ~~وائل صاحبا . وما أتأمله في حال من الأحوال إلا وجدته برقا كاذبا ، ورأيا ~~عازبا ؛ ركاكة ظاهرة ، PageV01P030 ونذالة وافرة ، وهيئة خسيسة ، ونفسا على ~~الذم حبيسة ؛ لم ينشأ منشأ أدب ، ولا راضته أولية حسب ، فهو دهره على وجل ~~وذعر ؛ إن صال فعلى القريب الداني ، وإن هم فبمضلات الأماني ، فليس تتجاوز ~~صولته عبده ، ولا يخاف عدوه كيده ، قد جمع إلى القبح المخبر ، بشاعة المنظر ~~، وإلى دمامة الخلق سوء الخلق ؛ إذا فكر المفكر فيما أوتي من الحظ ، ومنح ~~من الحال ، أيقن بعلو الجهل وفوز قدحه ، وإكداء الباطل وكساد ربحه ؛ هو ~~والله كما قال الشاعر : عدو لمولاه عدو صديقه . . . وتلك التي يأتي اللئيم ~~من الفعل مقلمة أظفاره عن عدوه . . . على أقربيه ms020 ظاهر الفحش والجهل وما ~~أخطأ بوجهه قول الحمدوني : كأن دماملا جمعت . . . فصور وجهه منها والعجب كل ~~العجب ، والحديث الذي عندي سيان فيه الصدق والكذب ، ما يظهره من الانحراف ~~والازورار ، على ما بي عنه من السلوة والاصطبار ؛ وما محله فيما يأتيه إلا ~~محل أم عمرو وما قيل فيها : ألا ذهب الحمار لأم عمرو . . . فلا رجعت ولا ~~رجع الحمار بل هجوه والله الفائدة التي يجب في مثلها الشكر ، والأحدوثة ~~التي يحسن فيها الذكر ؛ فأما غضبه وتغيظه فغضب الخيل على اللجم الدلاص ؛ ~~وأنا أقول فيه كما قيل : فإن كنت غضبانا فلا زلت راغما . . . وإن كنت لم ~~تغضب إلى اليوم فاغضب والله لو كانت له مثل أياديك التي لها مني موقع القطر ~~في البلد القفر ، ولطف محل الوصل بعقب التصارم والهجر ، لما وجدني محتملا ~~له أذى ، ولا مغضيا له على قذى ؛ ولو كان تخويفه إياي بمثل إعراضك الذي ~~أدناه يقلق الوساد ، ويمرض الفؤاد ، لما ألفاني له معتبا ، ولا إليه مغتذرا ~~؛ فكيف وهو من لا يجب له حق الصنيعة ، ولا ذمام PageV01P031 أدب ، ولا ذمار ~~معرفة ؛ لم أسر برضاه لما رضي فأساء بغضبه وقد غضب ، ولا نفعني إقباله ~~فيضرني إعراضه ، أنه بحمد الله كما قيل : فتى إن يرض لا ينفعك يوما . . . ~~وإن يغضب فإنك لا تبالي لست والله أحفل به أقبل أم أدبر ، وسكن أم نفر ، ~~ولا أبالي بحالتي سخطه ورضاه ، ولا بأولى أمره ولا بأخراه . فأدام الله له ~~سورة النبوة والإعراض ، وأعانه على الجفوة والانقباض ، ولا أخلاه من الغضب ~~والامتعاض ؛ فقد رضينا بذلك فيه حظا ، واكتفينا به فيه وعظا . وأخبرنا ~~المرزباني عن الصولي قال : كتب ابن مكرم الكاتب إلى أبي العيناء : ' لست ~~أعرف طريقا للمعروف أحزن ولا أوعر من طريقه إليك ، ولا مستزرعا أقل زكاء ~~ولا أبعد من ثمره خير من مكانه عندك ؛ لأن المعروف يضاف منك إلى جنب دني ، ~~ولسان بذي ، وجهل قد ملك عنانك ، وشغل زمانك ؛ فالمعروف عندك ضائع ، والشكر ~~لديك مهجور ، وإنما غايتك في المعروف أن تحوزه ، وفي موليه أن تكفره . ' ~~فكتب ms021 إليه أبو العيناء : بسم الله الرحمن الرحيم وأنت كما قال الإله فإنما ~~. . . أتيت بلفظ ضعفه فيك يوجد أما بعد فقد وصل إلي كتابك ؛ سبك وعرك ، ~~ولقد كان لك في سديف PageV01P032 وبغا ما يشغلك عن البذاء ، ولكن الله ( ~~إذا أراد بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ) . وأنت امرؤ تزعم ~~أنك من أهل ماذرايا ، وهنالك حلت بك الخزايا ، من غير نقص لأهلها ، ولا دفع ~~لفضلها ، لأنك تحبها وتشنؤك ، وتنتمي إليها وتدفعك ؛ وإن امرءا مكرم أبوه ~~لجدير عند الفخر أن يعفر فوه ؛ وأما أمك فامرأة من المسلمات الغافلات ، ~~والغفلة مقرونة بالخير ، والعجب لك ولأخيك أنك لا تنيك ولا ينيك ، فعلام ~~غررتم الحرائر واستهديتم المهائر ، وأنتم قوم تلفقون ما يأفكون ، واله أعلم ~~بما توعون ؛ وفيم خطبتم النساء وأنتم تخطبون ، وكيف نقدتم المهور مع حاجتكم ~~إلي الذكور ، ثم أظهرتم حب النسا ، وبكم عرق النسا ، وكيف ادعيتم يوم الحرب ~~الطعان ، وأنتم معشر تخرون للأذقان ، ولكم في كل يوم وقاع تلفون وقعا ~~للصدور ، والرماح في أعجازكم تمور ، وقد طبتم أنفسا بأن أصبحت نساؤكم عند ~~جيرانكم ، ورجالكم عند غلمانكم ، فإذا سببتموهن بالزنا سببنكم بالبغاء ، ~~وقد - لعمري - أظهرتم الدف ، ونقرتم الدف ، وأكثرتم الطعن وادعيتم الإثآر ؛ ~~فلما احتيج منكم إلى اللقاء ، وتنجز منكم الوفاء ، انهزم الجمع ووليتم ~~الدبر ، فقبحا لكم آل مكرم قبحا يقيم ويلزم . فلستم على الأعقاب تدمى ~~كلومكم . . . ولكن على أعجازكم يقطر الدم PageV01P033 فيا بؤسى للعروس ~~وإزارها الذي لم يحلل ، وفرعها الذي لم يبلل ، وللظبية الغريرة وطرفها ~~الفتان ، وقولها للأتراب ، أما لآل مكرك زباب ؟ وقد زعمت النساء ، غير ما ~~إفك : أنك وأباك وأخاك جند ما هنالك مهزوم من الأنباط . وذكرت أنك لا تعرف ~~للمعروف طريقا أحزن ولا أوعر من طريقه إلي ، ولا مستزرعا أقل زكاء ولا أبعد ~~من ثمره خير من مكانه عندي . فلو كان ما وصفت على ما ذكرت لما لحقك كفر ~~إنعام ، ولا شكر إحسان ، لقصور جدتك عن التفضل وهمك عن الأفضال . بلى ، ~~أستغفر الله ! لو وجدت فضلا لوجهت به إلى ms022 العاملين عليها أعني أم الفلك ، ~~القاضية عليك بالهلك ؛ وأين أنت فيلحقني إكرامك ، أو ينالني إنعامك ؟ هيهات ~~! جل الأمر عن الحرش ، وعفى السيل العطن ؛ ولكنك يا أبا جعفر - وأنى لك ~~بجعفر - لا تعرف للجماع طريقا أسهل مأتى ولا أقرب مأخذا من طريقه إليك ، ~~وحلوله عليك ؛ هذا مع دنس أثوابك ، ووضر أطرافك ، ونتن أرواحك . وزعمت أن ~~المعروف يحصل مني في حسب دني ولسان بذي ، فانظر لك الويلات كيف ارتقيت ، ~~وإلى من تعديت ؟ وهل فوق رسول الله صلى الله عليه مفخر ، وهل عن خلفاء الله ~~مرغب ؟ ولولا عدل سلطاننا وفضل أحلامنا ، وأن الاقتدار يمنع الحر من ~~الانتصار ، مع دقتك عن المجازاة ، وسقوطك عن الملاحاة ، لاصطملك مني ~~الاعتزام ؛ فاشكر لؤمك إذ نجاك ، وخصمك إذ رفع قدره عنك . وأما البذاء فما ~~أعتذر إليك من إقماع اللئيم وتعظيم الكريم ، ولذلك أقول : إذا أنا بالمعروف ~~لم أثن صادقا . . . ولم أشتم الجبس اللئيم المذمما ففيم عرفت الخير والشر ~~باسمه . . . وشق لي الله المسامع والفما وأما الجاحظ فإنه يقول في رسالة : ~~سألتني - أبقاك الله - عن فلان ، وأنا أخبرك بالأثر الذي يدل على صحة الخبر ~~، PageV01P034 وبالواضح الذي يدل على الخفي ، والظاهر الذي يقضي على الباطن ~~؛ فتفهم ذلك - رحمك الله - ولا قوة إلا بالله . فمن ذلك أني رأيته ، وهو في ~~جيرانه كالحيضة المنسية ، وكلهم يعرفه بالأبنة ، وله غلام مديد القامة ، ~~عظيم الهامة ، ذو ألواح وأفخاذ وأوراك وأصداغ ؛ أشعر القفا ، يلبس الرقيق ~~من الثياب ، ويثابر على العطر ودخول الحمام ، ويتزين ويقلم الأظفار ؛ وكان ~~- مع هذه الصفة - المدبر لأمره ، والمشفع لديه ، والحاكم على مولاه دون ~~بنيه وأهله وخاصته ، والصارف له عن رأيه ، إلى رأيه ، وعن إرادته إلى هواه ~~، وكان أكثر أهله معه جلوسا ، وأطولهم به خلوة ، ولا يبيت إلا معه ، وإذا ~~غضب حزنه غضبه وطلب رضاه ، وكان أيام ولايته لا يتقدمه قريب ولا بعيد ، ولا ~~شريف ولا وضيع ؛ إن ركب فهو في موضع صاحب الحرس من الخليفة ، وإن قعد ففي ~~موضع الولد السار والزوجة البارة ، وإن التوت على أحد حاجة كان له من ms023 ~~ورائها ، وكانت أهون عليه من خلع نعليه ، وكان يبيت في لحافه . فحكمنا عليه ~~بهذا الحكم الظاهر ، ولا حكم القضاة بالتسجيل ، وتخليدها في الدواوين ، ولا ~~كالإقرار بالحقوق وشهادات العدول . وكتب العتبي إلى صديق له يحذره رجلا ، ~~ويصف أخلاقه فقال : احذر فلانا ، فإن ظاهره بر وغيبه عداوة ، وإن أفشيت ~~إليه حديثك وضعه عند عدوك ، وإن كتمته إياه شتمك عند صديقه ، لا يصلح لك ~~عند نفسه حتى يفسدك عند غيره ؛ وهو صديقك بما يلزمك من حقه ، وعدوك بما ~~يضيع من حقه عليك ؛ إن دنوت منه آذاك ، وإن غبت عنه اغتابك ، يلطخ . . . ~~صاحبه بأذاه ، فإن غسله بالإعتاب أعاده بالعتب ، وإن تركه عير به ؛ السلامة ~~منه أنلا تعرفه ، فإن عرفت فهو الداء ، إن تداويت لم ينفعك ، وإن تركته ~~قتلك ، أخلط الناس جده بهزله ليمنعك ما في يده منع هزل ، ويغلبك على ما في ~~يدك مسألة جد . PageV01P035 ووجدت أيضا رسالة لأبي هفان إلى ابن مكرم وهي : ~~أما بعد يا بن مكرم ضد اسمه ، وخطيئة أبيه وأمه ، يا سبة العار على سبته ، ~~ولعنة إبليس على لعنته ، ما أظنك من نطفة ، ولا كانت لواضعتك عذرة ؛ أفرغك ~~أبوك من سلحة على سلحة ، وأجراك من أمك في فقحة إلى فقحة ، فأنت كما قال ~~الشاعر : لعنة الله على نتنيهما . . . شعرتين احتكتا في طلبه أولك زينة ~~وآخرك أبنة ، فكلك لعنة في لعنة ، تقصع القمل بأسنانك ، وتمسح مخاطك بلسانك ~~، وتستنزل منيك ببنانك ، ومني غيرك بعجانك ، عبدك يصفعك ، وخادمك يقمعك ، ~~وكلبك يلطعك ، وصديقك يقطعك ، نفسك فساء ، وخشمك خراء ، وريقك ماء العذرة ، ~~وكل خلالك قذرة ؛ وأنت للأحرار عياب ، وبين الكرام نمام ، وأنت للأدباء ~~حاسد ، وللعلماء شاتم ، وبالجليس هامز ، وفي المحسن إليك غامز ، تظهر جورك ~~، وتتعدى طورك ، مهين في نفسك ، عرة في جنسك ، حالف في كل حق وباطل ، كذوب ~~على الجاد والهازل ، تطلب أن تهجى ، وتستدعي أن تزنى ، وقد سبق القول في ~~مثلك ، مع نذالة فعلك ، ولؤم أصلك . أما الهجاء فدق عرضك دونه . . . والمدح ~~عنك كما علمت جليل فاذهب فأنت طليق عرضك إنه . . . عرض عززت به ms024 وأنت ذليل ~~فأنت - يا بن الكشخان القرنان الديوث الصفعان - عتق لأست الشيطان - لا لوجه ~~الرحمن ، فالهجاء من أن يعذب بك في أمان ، فأنت بعز لؤمك في سلطان ، معرفتك ~~تشين ، وقطيعتك تزين ، وذكرك سبة ، وقتلك قربة ، لا يحصي الخلق عيوبك ، ~~PageV01P036 ولا تثبت الحفظة ذنوبك ، أنت بالله مشرك ، وفي خلقه متهتك ، ~~نقصك مفروض ، ودينك مرفوض ، وبكل قبيح منعوت ، وعند العالم ممقوت ، أحسن ~~آدابك الزندقة ، وأفضل حالاتك الصدقة ، نذل الأبوة ، رذل الأخوة ، عدو ~~المروة ، لم تؤمن بنبوة ، ولم تعرف بفتوة ، تقصد الكريم بسبابك ، فيذلك ~~بترك جوابك ، جئت بأم من حمام الدجال ، توازي بها أمهات الرجال ، لا صوم ~~ولا صلاة ، ولا صدقة ولا زكاة ، لا تغتسل من جنابة ، ولا تهتم بإنابة ، ~~عقوقك بأبيك أنه غبر من يدعيك ، لقاتلك أرفع الدرج ، وما على قاذفك من حرج ~~، وكل ذلك بالآيات والحجج ، الحد لتارك وصفك ، والنار للمطنب في مدحك ، ~~ولقارئ مثالبك وكاتب معايبك ثواب أكثر مما لك من العقاب ، لك خلقت سقر ، ~~ومن أجلك يعذب البشر ، أحسن في عينيك من القمر ، ما تستدخله من الكمر ، ~~تهيب المؤمنات والمؤمنين ، وتقذف المحصنات والمحصنين ، إذا ليسوا لك بآباء ~~، ولست لهم في عداد أبناء ، فأنت كما قال الشاعر : مغرى بقذف المحصنا . . . ~~ت ولست من أبنائها آنف للعلم الذي حويته ، وأغار على الشعر الذي رويته ، ~~فأنت - وإن غلطت بكلمة طريفة ، أو حجة حكيمة ، أو نادرة مليحة ، اعتبارا ~~للسامع وفكرة للعاجب - سفيه على إفراط قذرك ، حسود على شدة بخرك ، ووقاع ~~على قاتل ذفرك ، تمازح فلا تحسن وتجاب وتذعن ، إن تركت عبثت ، وإن عبث بك ~~استغثت ، فمثلك ' كمثل الكلب ، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ' ، فاستمع ~~يشبهك في الأيام ، يا عيب المعايب ، ويا شين المحاضر والمغايب ، فلك المثل ~~الأسفل ، والقياس الأرذل ، والشبه الأنذل كما قيل : وأدعوك للأمر الذي أنت ~~شينه . . . على شينه يا فاضحا للفضائح ووجدت أيضا رسالة أفادنيها أبو محمد ~~العروضي لابن حماد في ابن مقلة PageV01P037 أبي علي يمزقه فيها ، ويذكر ~~خساسة أصله ، وسقوط قدره ، ولؤم نفسه ، وفحش منشئه ، تركت تخليدها في ms025 هذا ~~المكان ، وكذلك تركت غيرها هربا من التطويل . وبعد فحمد المحسن وذم المسيء ~~أمران جاريان على مر الزمان مذ خلق الله الخلق ، وعلى ذلك يجري إلى أن يأذن ~~الله بفنائه ، وهو عز وجل أول من حمد وذم ، وشكر ولام ، ألا تراه كيف وصف ~~بعض عباده عند رضاه عنه فقال : ( نعم العبد إنه أواب ) ، وقال في آخر ( إنه ~~كان صادق الوعد ) ، وعلى هذا ، فإنه أكثر من أن يبلغ آخره ، ثم انظر كيف ~~وصف آخر عند سخطه عليه وكراهته لما كان منه فقال : ( هماز مشاء بنميم مناع ~~للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم ) . وهذا فوق ما يقول مخلوق في مخلوق . ~~وقال الحسن البصري : الهماز : العياب ، ومشاء بنميم : ينقل الكلام القبيح ، ~~مناع للخير : بخيل ، معتد أثيم : ظلوم ذميم ، عتل : جاف ، والزنيم : الدعي ~~. قال أبو سعيد السيرافي : العتل : نراه من قولهم جيء بفلان يعتل إذا غلظ ~~عليه ، وعنف به في القود . وكيف يأثم الإنسان في غيبة من كان قلبه نغلا ~~بالنفاق ، وصدره مريضا بالكفر ، ونفسه فائضة بالقساوة ، ووجهه مكسورا ~~بالصفاقة ، ولسانه ذربا بالفحش والبذاءة ، وسيرته جارية على الكيد والعداوة ~~، وعشرته ممقوتة بالنكد والرداءة ؛ وقد أثنى الله على PageV01P038 واحد ~~ولعن آخر ، وحط هذا إلى الحش ورفع ذلك إلى العرش ، وعاتب ، وأنب ولام وذم ؛ ~~وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن تقدمه من الأنبياء والمرسلين ~~والأولياء المخلصين ؛ وعلى هذا فورق السلف الطاهر ، والصحابة العلية ، وهم ~~القدوة والعمدة ، وإليهم ينتهى في كل حال ، وعليهم يعتمد في كل أمر ذي بال ~~. فمن ذا يزري على هذا المذهب إذا خرج القول فيه معضودا بالحجة ، ممدودا ~~بالمعذرة ، معقودا بالنصفة ، وكان فيه برد الغليل ، وشفاء الصدر ، وتخفيف ~~الكاهل من ثقل الغيظ على أجمل وجه وأسهل طرق ، مع مسامحة ظاهرة ، وتغافل ~~عريض ؟ وقيل لبعض الصالحين : أي شيء ألذ ؟ قال : ركوب هوى وافق حقتا ، ~~وإدراك شهوة لا تثلم دينا ، وقضاء وطر لا يتحيف مروة ، وبلوغ مراد لا يسير ~~قالة قبيحة ؛ والمذهب الأول مذهب الزهاد والمتأبدين ، وأصحاب الورع ~~والمتعبدين . ونحن قد بينا الأصل ms026 في هذا الباب ، فليس بنا حاجة إلى التكثير ~~؛ وكيف يلزمنا حكم من يتعجرف في قوله ويختار على رأيه ، ويعترض بجوره . ~~ونحن قد اقتدينا بالله رب العالمين ، وجرينا على عادة الأنبياء والمرسلين ~~وأخذنا بهدي عباد الله الصالحين ؛ وإنما أشكل القول في هذا المذهب على قوم ~~مدحوا الصمت ، وكرهوا كثير القول ؛ وقليل الكلام عندهم فضل ، وكثيره هجر ، ~~وفيه اللغو الذي يجب أن يتجنب ، والحشو الذي لا ينبغي أن يعتاد . وهؤلاء ~~قوم - أكرمك الله - لا يعرفون فضل ما بين التفيهق المذموم والبلاغة ~~المحمودة ، والتشدق المكروه والخطابة الحسنة ، وما هو من باب البيان ~~المشتمل على الحكمة ، وما هو من باب العي الشاهد بالهجنة ؛ ومتى كان ذكر ~~المهتوك حراما ، والتشنيع على الفاسق منكرا ، والدلالة على النفاق خطلا ، ~~وتحذير الناس من الفاحش المتفحش جهلا ؟ هذا ما لا يقوله من قام بالموازنة ~~وبالمكايلة ، وعرف الفرق بين المكاشفة والمجاملة ؛ وإنما غزر الأدب ، وكثر ~~العلم ، وجزلت العبارة ، وانبعجت العبر ، PageV01P039 واستفاضت التجارب ، ~~لما وقفوا عليه من أنباء الناس وقصصهم وأحاديثهم في خيرهم وشرهم ، وفي ~~وفائهم وغدرهم ، ونصحهم ومكرهم ، وأمورهم المختلفة عليهم ، والحسن الذي شاع ~~عنهم ، والقبيح الذي لصق بهم ، والمكارم التي بقيت لهم ، والفضائح التي ~~ركدت عليهم ؛ والدنيا دار عمل ؛ فمن عمل خيرا ذكر به ، وأكرم من أجله ، ~~ولحظ بطرف الوقار ، وصين عرضه عن لصوص العار والشنار ، وألحق بأصحاب ~~التوفيق ، ومن له عند الله الوزن الراجح ، والوجه المسفر ؛ ومن عمل شرا ليم ~~عليه ، وأهيم من أجله ، ونظر إليه بعين المقت ، وألصق بعرضه كل خزي ، وبيع ~~فيمن ينقص لا فيمن يزيد ؛ والجزاء وإن كان مؤخرا إلى دار الآخرة لأهله ، ~~فإن بعض ذلك قد يعجل لمستحقه ، ولهذا قال الله عز وجل في تنزيله : ( ذلك ~~لهم خزي في الدنيا ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) . والذي ذكرته عن الجاحظ ~~فليس هو أول من اقتضبه وسنه ، بل قد سلف فيه قوم كرام ، وخلف عليه ناس من ~~جلة الناس . أنا قرأت رسالة لابن المقفع في معايب بعض آل سليمان ابن علي ~~الهاشمي ، وكذلك أصبت رسالة لسهل ms027 بن هارون في مثالب الحراني ، ورأيت أيضا ~~رسالة لسعيد بن حميد في فضائح آل علي بن هشام ؛ وحتى الصولي بالأمس ذم بعض ~~بني المنجم في رسالة له . وحدثنا حمزة المصنف عن أبي البغدادي قال : كتب ~~أبو العيناء إلى أحمد بن أبي دؤاد : PageV01P040 أما بعد فالحمد لله الذي ~~حبسك في جلدك ، وأبقى لك الجارحة التي بها تنظر إلى زوال نعمتك ، قال : وهي ~~طويلة ، قال : وقال أبو العيناء : لولا أن القدر يعشي البصر ، لما نهى ولا ~~أمر ، ومن غريب هذا الفن رسالة لأبي العباس محمد بن يزيد في خبائث الحسن بن ~~رجاء ، ورأيت أيضا رسالة للعمري في رقاعات الفضل بن سهل ذي الرياستين . ~~فأما الشعراء وأصحاب النظم ، وأرباب المدح والهجاء ، والثلب والحمد ، ~~والتشنيع والتحسين فهم كالطم والرم ؛ لا يكسبون إلا بهذا المذهب ، ولا ~~يعيشون إلا على هذا الاختيار ، ولهم الهجاء المنكر ، والقول المخزي ، ~~والقذع المؤلم ، واللفظ الموجع ؛ والتعريض الذي يتجاوز التصريح ، والتصريح ~~الذي يجمع كل قبيح ، وأمرهم أظهر من أن يدل عليه ، وشأنهم أبين من أن يردد ~~القول فيه . وإنما المدار الصدق في القول ، وعلى تقديم الحق في العقد ، ~~وقصد الصواب عند اشتباه الرأي وغلبة الهوى . فأما قول أبي الحرث حمين وقد ~~سئل عمن يحضر مائدة محمد ابن يحيى ، وجوابه : الملائكة ، قيل : إنما نسألك ~~عمن يأكل معه ، قال : الذباب فإن هذا من باب التملح والمجانة ، وليس من ~~قبيل الصدق في شيء ؛ وإن كان بعض الصدق مشوبا ، وبعض الحق ممزوجا فلا بأس ~~ولا حرج ، فإن ذلك القدر لا يقلب الصدق كذبا ، ولا يحيل الحق باطلا وأين ~~المحض من كل شر ، والخالص من كل خير ؟ إنك إن رمت ذاك في عالم الكون ~~والفساد ، ودار الامتحان والتكليف ، مع هذه الطبائع المختلفة ، والعناصر ~~المتمازجة ، والأسباب القريبة ، رمت محالا ، ورائم المحال خابط ، وطالب ~~PageV01P041 الممتنع خائب ، ومحاول ما لا يكون مكدود معنى ، ومحدود معدى ، ~~ومرجعه إلى الندم ، وغايته الأسف الذي يشجو النفس ، ويمرس الفؤاد ، ويوجع ~~القلب ويضاعف الأسى ، وربما أفضى إلى العطب . قد ذكرنا - حاطك الله - جملة ~~من ms028 القول رأينا تقديمها والاستظهار بها ، قبل أخذنا فيما أنشأنا له هذا ~~الكلام ، قصدا لفل حد الطاعن ، وحسما لمادة الحاسد ، وتعليما للجاهل ، ~~وإرشادا للمتحير ، واحتجاجا على من يدل بحفظ اللسان ، وكتمان السر ، وطي ~~القبيح ، ومسالمة الناس ، واغتفار المنكر ؛ وهو مع ذلك في قوله كالأسد في ~~غيله ، والنمر في أشبه ، والثعبان في وجاره ، حتى إذا غمز غمزة ، أو وخز ~~وخزة ، رأيت معاقد حلمه متحللة ، ودخائر صبره منتهية ، وكظمه الذي كان يدل ~~به مفقودا ، وجلده الذي كان يدعيه باطلا ؛ وما أكثر من يتكلم - على السلامة ~~من النفس والمال ، وطيب القلب ، ورخاء البال ، وعند مواتاة الأمور ، وطاعة ~~الرجال ، ومساعدة المراد - بالحكمة البالغة ، والموعظة الحسنة ، وبالنظر ~~الدقيق ، واللفظ الرقيق ، حتى إذا التوت عليه حال ، وتعسر دون مراده أمر ، ~~وعرض في بعض مطالبه تعقد ، سمعت له هناك زخرة ونخرة ، وضجرة ، وكفرة ، كأن ~~لم يسمع بالحلم والتحلم ، والصبر والتصبر ؛ يخرج من فروته عاريا من الحلم ~~والكظم ، بادي السوأة بالبذاء والجهل ، كما يخرج الشعر من العجين ، ولعل ما ~~نزل به وحل عليه لم يرزأه زبالا ولا مسح عنه عذارا . وهذا هو اللئيم الذي ~~بلغك ، والساقط الذي سمعت به والله تعالى يقول : ( لا يحب الله الجهر ~~بالسوء من القول إلا من ظلم ) ؛ وروى أصحابنا عن ابن عباس أنه PageV01P042 ~~قال : إلا من لم يكرم ، في ضيافته ، فإن كان هذا التأويل صحيحا ، وهذا ~~الوجه معروفا ، فأنا ذلك المظلوم ، ولا بد لمن ظلم من أن يتظلم ، وكيف يكون ~~المظلوم إذا انتصر ظالما ، والله يقول : ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما ~~عليهم من سبيل ) ، ولو كان المظلوم إذا تظلم ظالما ، لكان الظالم إذا ظلم ~~معذورا ؛ وكما هجن الله لوم المحسن ، فكذلك حسن توبيخ المسيء ، وكما أثاب ~~على تزكية من كان طاهرا ، كذلك آجر على جرح من كان مدخولا ؛ ألا ترى أن ~~التقرب إلى الله بعداوة أبي جهل ، وذمه ولعنه وذكر لؤمه وخساسته ، كالتقرب ~~إلى الله بولاية أبي بكر ومدحه والترحم عليه وذكر فضله وبلائه ونصرته ؛ ~~وهذا مستمر في غير أبي جهل ممن عادى ms029 الله ورسوله صلى الله عليه ، كما أنه ~~مستمر في غير أبي بكر ممن أطاع الله ورسوله ؛ وإنما الأمور بعواقبها ، ~~والمذاهب بشواهدها ، والنتائج بمقدماتها ، كما أن الفروع بأصولها ، ~~والأواخر بأوائلها ، والسقوف بأساسها . ولست أدعي على ابن عباد ما لا شاهد ~~لي فيه ، ولا ناصر لي عليه ، ولا أذكر ابن العميد بما لا بينة لي معه ، ولا ~~برهان لدعواي عنده ، وكما أتوخى الحق عن غيرهما إن اعتراض حديثه في فضل أو ~~نقص ، كذلك أعاملها به فيما عرفا بين أهل العصر باستعماله ، وشهرا فيهم ~~بالتحلي به ، لأن غايتي أن أقول ما أحطت به خبرا ، وخفظته سماعا . وسهل علي ~~أن أقول ، لم يكن في الأولين والآخرين مثلهما ، ولا يكون إلى يوم القيامة ~~من يعشرهما اصطناعا للناس ، وحلما عن الجهال ، وقياما بالثواب والعقاب ، ~~وبذلا لقنية المال ، ولكل ذخر من الجواهر والعقد ؛ وأنهما بلغا في المجد ~~والذروة الشماء ، وأحرزا في كل فضل وعلم قصب السبق ، وأن أهل الأرض دانوا ~~لهما ، وأن النقص لم يشنهما بوجه من الوجوه ، وأن العجز لم يعترهما في حال ~~من الأحوال ؛ PageV01P043 وأنهما كانا في شعار إمام الرافضة وعصمته ~~المعروفة ، وأن الاستثناء لم يقع في وصفهما في حال ، لا في الصناعة ~~والمعرفة ، ولا في الأخلاق والمعاملة ، ولا في الرياسة والسياسة ، ولا في ~~الأبوة ، والعمومة ، ولا في الأمومة والخؤولة ، وأن الولادة قرت على شرف ~~المحتد ، والمنشأ جرى على كرم المولد ؛ فالجوهر فائق في الأصل ، والمجد ~~عميم في الفرع ، والنصاب مقوم بالقديم المذكور ، والخير شامل في الحديث ~~المشهور ، والنجابة معروفة عند الولي والعدو ، والعرق نابض بكل فعل رضي ، ~~والغور بعيد على المتأمل ، والأمر كله عال عن المتطاول ، وأنه كما يقال ~~لهذا ؛ ابن العميد لنباهة أبيه ، كذلك كان يقال لذاك ابن الأمين لخير كثير ~~كان فيه ، أن العميد وإن كان مقدما في الكتابة ، فقد كان الأمين معظما في ~~الديانة ، والكتابة صناعة تدركها الخلوقة ، والديانة حلية لا تزداد إلا ~~الجدة ، وتلك الدنيا هي زائلة ، وهذه الآخرة وهي باقية ، والله تعالى يقول ~~: ( والآخرة خير وأبقى ) ، ( وما عند الله ms030 باق ) ؛ على أن الأمين كتب لركن ~~الدولة كما كتب العميد لصاحب خراسان . والأمين كان ينصر مذهب الأشناني ~~تدينا وطلبا للزلفى عند ربه ، والعميد كان يعمل لعاجلته ؛ وإن قلت كان ~~الأمين معلما بقرية من قرى طالقان الديلم ، قيل : وكان والد العميد نخالا ~~في سوق الحنطة بقم . فدع هذا ونظيره ، وأنك متى أردت أن تحصي صنائع ابن ~~العميد وابن عباد أردت PageV01P044 عسيرا ، ومتى أثرت أن تحصل فضائلهما ~~حاولت ممتنعا ، وأنهما كانا بالسياسة عالمين ، ولأولياء نعمهما ناصحين ، ~~وإلى الصغير والكبير متحببين ، وعلى القاصي والداني حدبين ، ولأموالهما ~~باذلين ، ولأعراضهما صائنين ، وفي مرضاة الله دائبين ، وعلى هدي أهل التقى ~~جاريين ، ومن كل دنس ونطف بعيدين نزهين ؛ وأنهما لو بقيا لنزل عليهما الوحي ~~، ولتجدد بهما الشرع ، وسقط بمكانهما الاختلاف ، وزال بنظرهما ما فيه الأمة ~~من هذا العيش النكد ، والشؤم الشامل ، والبلاء المحيط ، والغلاء المتصل ، ~~والدرهم العزيز ، والمكسب الدنس ، والخوف الغالب ، ولكانت الأرض تخرج ~~أثقالها ، وتلفظ كنوزها ، ويستغني من ألم الفقر أهلها ، ومن فضيحة الحاجة ~~أربابها ، ويعود ذوي الدين ناضرا ، وخامل المروة نبيها . ولكن قد يسمع هذا ~~الكلام مني من شاهدهما ، وتبطن أمرهما ، وخبر حالهما وعرف ما لهما وما ~~عليهما ، فلا يتماسك عن زجري وخسائي وإسكاتي ومقتي ، ولا ينهنهه شيء عن ~~مقابلتي بالتكذيب واللوم ، ولا يجد بدا من أن يرد قولي في وجهي ، ولا يسعه ~~إلا ذاك بعد ازدرائي وتجهيلي ، ولا يلبث أن يقول : انظروا إلى هذا الكذب ~~الذي ألفه ، وإلى هذا الزور الذي فوقه ، والباطل الذي وصفه ، والحق الذي ~~دفعه بسبب ثوب لعله أخذه ، أو درهم ثنى عليه كفه ، أو حاجة خسيسة قضيت له ؛ ~~تبلغ قلة الدين وسوء النظر فيما يتعقب بالتقبيح والتحسين أنه يمدح واحدا ~~مقروفا بالزندقة والكفر ، ويقرظ آخر معروفا بالإلحاد والسخف ، ويصف بالجود ~~من كان أبخل من كلب على عقي صبي ويدعي العقل لمن كان أحمق من دغة ؛ ومن ~~أظلم ممن يصف PageV01P045 السفيه بالحصافة ، واللئيم بالكرم ، والمتعجرف ~~بالأناة ، والعاجز بالكفاية ، والناقص بالزيادة ، والمتأخر بالسبق ، ~~والعنيف بالرفق ، والبخيل بالسخاء ، والوضيع بالعلاء ، والوقاح بالحياء ، ~~والجبان ms031 بالغناء ؟ فلا يكون حينئذ لقولي قابل ، ولا لحكمي ملتزم ، ولا ~~لنصبي مرجوع ، ولا لسعي نجح ، ولا لصوابي مختار ، ولا لحدائي مستمع ؛ وفي ~~الجملة لا يكون لدعواي مصدق . ولعمري لو انقلبت عن ابن عباد - بعد قصدي له ~~من مدينة السلام وإناختي بفنائه مع شدة العدم والإنقاض ، والحاجة المزعجة ~~عن الوطن ، وصفر الكف عما يصان به الوجه ؛ وبعد ترددي إلى بابه في غمار ~~الغادين والرائحين ، والطامعين الراجين ، وصبري على ما كلفني نسخه حتى نشبت ~~به تسعة أشهر خدمة وتقربا ، وطلبا للجدوى منه ، والجاه عنده ، مع الضرع ~~والتملق - ببعض ما فارقت من أجله الأعزة ، وهجرت بسببه الإخوان ، وطويت له ~~المهامه والبلاد ، وعلى جزء مما كان الطمع يدندن حوله ، والنفس تحلم به ، ~~والأمل يطمئن إليه ، والناس يعذرونه ويحققونه ، لكنت لإحسانه من الشاكرين ~~ولإساءته من الساترين ، وعند ذكره بالخير من المساعدين المصدقين ، وعند ~~قرفه بالسوء من الذابين الممتعضين . والشاعر يقول : من يعط أثمان المحامد ~~يحمد والآخر يقول : والحمد لا يشترى إلا بأثمان والآخر يقول : PageV01P046 ~~وإن المجد أوله وعور . . . ومصدر غبة كرم وخير وإنك لن تنال المجد حتى . . ~~. تجود بما يضن به الضمير بنفسك أو بملكك في أمور . . . يهاب ركوبها الورع ~~الدثور والآخر يقول : والحمد لا يشترى إلا له ثمن . . . مما يضن به الأقوام ~~معلوم والجود نافية للمال مهلكة . . . والبخل مبق لأهليه ومذموم وقال الآخر ~~: ومن لا يصن قبل النوافذ عرضه . . . فيحرزه يعرر به ويحرق ومن يلتمس حسن ~~الثناء بماله . . . يصن عرضه من كل شنعاء موبق ولكنني ابتليت به ، وكذلك هو ~~ابتلي بي ، ورماني عن قوسه مغرقا فأفرغت ما كان عندي على رأسه مغيظا ؛ ~~وحرمني فازدريته ، وخصني بالخيبة التي نالت مني ، فخصصته بالغيبة التي ~~أحرقته ، والبادي أظلم ، والمنتصف أعذر ؛ وكنت كما قال الأول : وإن لساني ~~شهدة يشتفى به . . . أجل وعلى من صبه الله علقم ولئن كان منعني ماله الذي ~~لم يبق له ، فما حظر علي عرضه الذي بقي بعده ، ولئن كنت انصرفت عنه بخفي ~~حنين لقد لصق به من لساني وقلمي كل عار وشنار وشين ، ولئن ms032 لم يرني أهلا ~~لنائله وبره ، إني لأراه أهلا لقول الحق فيه ، ونث ما كان يشتمل عليه من ~~مخازيه ، ولئن كان ظن أن ما يصير إلي من ماله ضائع ، إني لأتيقن الآن ~~PageV01P047 أن ما يتصل بعرضه من قولي شاعر ، والحساب يخرج الحاصل من ~~الباقي ، والنظر يميز الصحيح من السقيم ، والاعتبار يفرد الحق من الباطل ، ~~والمنصف في الحكم يعذر المظلوم ويلوم الظالم ، والشاعر يقول : فإن تمنعوا ~~ما بأيديكم . . . فلن تمنعونا إذن أن نقولا وقال آخر : فيا قومنا لا ~~تظلمونا فإننا . . . نرى الظلم أحيانا يشل ويعرج ويترك أعراض الرجال كأنها ~~. . . فريسة لحم ليس عنها مهجهج وقال آخر : إن الذي يقبض الدنيا ويبسطها . ~~. . إن كان أغناك عني فهو يغنيني ماذا علي وإن كنتم ذوي رحمي . . . أن لا ~~أحبكم إذ لم تحبوني يا قوم إن حصاتي ذات معجمة . . . على العدو فخلوهم ~~وخلوني وقال آخر : لئن طبت نفسا عن ثنائي إنني . . . لأطيب نفسا عن نداك ~~على عسري فلست إلى جدواك أعظم فاقة . . . على شدة الإعسار منك إلى شكري ~~وروى الحزنبل عن أبي الأعرابي قال : مدح زياد الأعجم بعض العمال فحرمه ورأى ~~لكنته فاستحقره ، فدخل فأنشده : وكنت إذا ما عامل عق أمه . . . ولم يحمها ~~مني أبحت حماهما PageV01P048 كسوتهما بردين من يمنية . . . إذا ألبسا كانا ~~بطيئا بلاهما وأجهل الناس في ارتفاع منزلته ، من ظن أن عرضه في خفارة قدرته ~~، وأن المقدم عليه متعرض لنكيره ، وخير من هذا الظن أن يحتمل ألم مفارقة ~~المال ببعض الميسور ، حتى لا يقرف بشيء لا غاسل له ، ولا نافح عنه ؛ ما ~~الذي ربح اليزيدي حين آسد الشاعر الذي حرمه على نفسه حتى قال فيه شيئا ~~شافيا لغليله منه بما بقي على أست الدهر ، وذلك قوله : بنو اليزيدي في ~~أدبارهم شعر . . . قد شاب مما عليه تحلب الكمر أما حبيشة منهم فهو ممتحن . ~~. . من البغاء بما لم يمتحن بشر بوده أن كل الناس من حمر . . . وكل جارحة ~~في جسمه ذكر والله للخروج من الطارف والتالد أسهل من التعرض لهذا القول ~~والصبر عليه وقلة الاكتراث به ms033 ، ولهذا بكت العرب من وقع الهجاء كما تبكي ~~الثكلى من النساء ، وذلك لشرف نفوسها ونزاهتها عن كل ما يتخون جمالها ويعيب ~~فعالها . ومما يختل به الرئيس ويذهل عليه أنه ينظر إلى جماعة بين يديه قد ~~أحسن إلى كل واحد منهم وقربه وأعطاه واختصه بشيء وأنابه بحال ، وإذا رأى ~~واحدا بعد هؤلاء لا نباهة لقدره ، ولا جهارة لمنظره ، ولا شهرة لاسمه ~~ومنصبه حقره ، وثنى طرفه عنه ، وأغضاه دونه ، ولم يهش لذكره ورؤيته ، ~~واعتقد أنه ليس بذي محل يبالي به ، ولا يبين في غمار الباقين ؛ أو يجب على ~~ذلك المحروم أن يذكره بما هو أغلب عليه ، وأشهر عنه ، وأن يعد نيل غيره ~~كرما قد عم ، وأن كان إخفاقه وحده لؤما قد خص ؟ وهذا موضع يشكل قليلا ، ~~وتطول فيه الخصومة بين الآمل والمأمول ، على أن الكرم والاحتجاج لا يجتمعان ~~، واللؤم والاحتيال لا يفترقان ؛ وقد ألم الشاعر بطرف من هذا المعنى بقوله ~~: PageV01P049 إن تكلمت لم يكن لكلامي . . . موقع والسكوت ليس بمجدي فأبن ~~لي أكل هذا التواني . . . في جميع الإخوان أم في وحدي أم ترى ما اصطنعته ~~عند غيري . . . واجب أن أعده لك عندي والذي أقول غير محتشم ولا مراقب : أن ~~السؤدد لا يكون إلا باحتمال خصال من الصبر والحلم والتكرم والبذل والعطاء ~~والتفقد ، وهن أثقل مما يعانيه الزائر بأمله ، والفقير برجائه ، والشاعر ~~بطمعه ، والمنتجع بزيارته ؛ اللهم إلا أن يكون السيد يجري في هذه الأخلاق ~~والشيم على الهوى فيعطي من كان روحا عنده ، وأحلى شمائل وألطف فضلا ، وأعبر ~~قولا ، فهذا ليس عليه من ثقل السؤدد شيء ، لأنه قد ميز ما يخف عليه مما ~~يثقل ، وما يتصل بنفسه مما ينبو عنه ، وما هذا السؤدد ما قال أبو الأسود ~~الدبلي لعبيد الله بن زياد : إنك لن تسود حتى تصبر على سرار الشيوخ البخر ، ~~وهذا الكلام كالميل ، وقال الشاعر ، لا تحسب المجد تمرا أنت آكله . . . لن ~~تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا وقيل لعدي بن حاتم : من السيد ؟ قال : الأحمق ~~في ماله ، الذليل في عرضه ، المطرح لحقده ، المعني بأمر ms034 جماعته ؛ فليس يسود ~~المرء إلا بعد أن يسهر من أول ليله إلى آخره فكرا في قضاء PageV01P050 ~~الحقوق ، وكف السفاه ، وازدراع المحبة في القلوب ، وبعث الألسنة على الشكر ~~؛ وفي الجملة من جهل حقك ، فليس يلزمك أن تعترف بحقه ، ومن لم ينظر فيما لك ~~عليه ، لم يجب عليك أن تنظر فيما له عليك ؛ وقد قال رسوله صلى الله عليه : ~~' لا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له ' . وقد قيل تواضع للمحسن ~~إليك وإن كان عبدا حبشيا ، وانتصف ممن أساء إليك وإن كان حرا قرشيا ؛ ومن ~~صفات الكريم ما قال الشاعر : وإن الكريم من تلفت حوله . . . وإن اللئيم ~~دائم الطرف أقود وقال آخر : لحا الله أكبانا زنادا وشرنا . . . وأيسرنا عن ~~عرض والده ذبا رأيتك لما نلت مالا وعضنا . . . زمان ترى في حد أنيابه سغبا ~~جعلت لنا ذنبا لتمنع نائلا . . . فأمسك ولا تجعل غناك لنا ذنبا وقال آخر : ~~نال الغنا بعد فقر فاستغاث به . . . كما استغاث بباقي ريقه الشرق وإذا ~~احتججت بالعيان في وصف هذين الرجلين في الكرم واللؤم فقد رفعت المرية ، ~~وإذا أقمت الشاهد على الدعوى فقد منعت من اللائمة ، وإذا رأيت الضرورة فقد ~~بلغت الغاية ؛ وأي خفقة للقلب بعد اليقين ، وأي وحشة للنفس بعد الاستصبار ، ~~أم أي بقية على المحتج إذا وصل البرهان ، أم كيف يستحيا في الحق وإن كان ~~مرا ، أم كيف يعتذر من الصدق وإن كان موجعا . هذا ما لا يكلفه حكيم ، ولا ~~يأمر به مرشد ، ولا يحث عليه ناصح . وهذا مبدأ أخذي في حديث ابن عباد على ~~ما يتفق من تربيته ووضعه ، غير آخذ في أهبة ، ولا محتفل بتقدمة . ~~PageV01P051 فأول ما أذكر من ذلك ما أدل به على سعة كلامه ، وفصاحة لسانه ، ~~وقوة جأشه ، وشدة منته ، وإن كان في فحواه ما يدل على رقاعته وانتكاث ~~مريرته ، وضعف حوله ، وركاكة عقله وانحلال عقده . لما رجع من همذان سنة تسع ~~وستين وثلاثمائة بعد أن فارق حضرة عضد الدولة استقبله الناس من الري وما ~~يليها ، واجتمعوا بساوة ms035 ، ودونها وفوقها ، وكان قد أعد لكل واحد منهم كلاما ~~يلقاه به عند رؤيته وأين كانوا يقعون منه ، وأين كانوا يبيتون عنده ؛ وهذا ~~الذي ذهب به في الإعجاب والكبر ، وبعثه على احتقار الناس ، وتركه في التيه ~~المضل . فأول من دنا منه القاضي أبو الحسن الهمذاني وهو من قرية يقال لها ~~أسدآباد ، فقال له : أيها القاضي ! ما فارقتك شوقا إليك ، ولا فارقتني وجدا ~~عليك ، ولقد مرت بعد ذلك مجالس كانت تقتضيك وتحظيك وترتضيك ؛ ولو شهدتني ~~بين أهلها وقد علوتهم ببياني ولساني وجدلي ، لأنشدت قول حسان بن ثابت في ~~ابن عباس ورأيتني أولى به منه ، فإن حسان قال : إذا ما ابن عباس بدا لك ~~وجهه . . . رأيت له في كل مجمعة فضلا إذا قال لم يترك مقالا لقائل . . . ~~بملتقطات لا ترى بينها فصلا PageV01P052 كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع . . ~~. لذي إربة في القول جدا ولا هزلا سموت إلى العليا بغير مشقة . . . فنلت ~~ذراها لا دنيا ولا وغلا ولذكرت أيها القاضي قول الآخر وأنشدته : فإنه قال ~~فيمن وقف موقفي ، وقرف مقرفي ، وتصرف متصرفي ، وانصرف منصرفي ، واغترف ~~مغترفي : إذا قال لم يترك ولم يقف . . . لعي ولم يثن اللسان على هجر يصرف ~~بالقول اللسان إذا انتحى . . . وينظر في أعطافه نظر الصقر ولقد أودعت صدر ~~عضد الدولة ما يطول به التفاته إلي ، ويديم حسرته علي ، ولقد رأى ما لم ير ~~قبله مثله ، ولا يرى بعده شكله ؛ فالحمد لله الذي أوفدني عليه على ما يسر ~~الولي ، وأصدرني عنه على ما يسوء العدو . أيها القاضي كيف الحال والنفس ، ~~وكيف الإمتاع والأنس ، وكيف المجلس والدرس ، وكيف القرص والجرس ، وكيف الدس ~~والدعس ، وكيف الفرس والمرس وكاد لا يخرج من هذا الهذيان لتهيجه واحتدامه ، ~~وشدة خيلائه وغلوائه . والهمذاني مثل الفارة بين يدي السنور قد تضاءل وقمؤ ~~لا يصعد له نفس إلا بنزع تذللا وتقللا ، هذت على كبره في مجلسه مع نذالته ~~في نفسه . ثم نظر إلي الزعفراني رئيس أصحاب الرأي فقال : أيها الشيخ ! سرني ~~لقاؤك وساءني عناؤك وقد بلغني عدواؤك وما خيله ms036 إليك خيلاؤك وأرجو أن أعيش ~~حتى يردعليك غلواؤك ؛ ما كان عندي أنك تقدم على ما PageV01P053 أقدمت عليه ~~، وتنتهي في عداوتك لأهل ' العدل والتوحيد ' إلى ما انتهيت إليه ؛ ولي معك ~~- إن شاء الله - نهار له ذيل ، وليل يتبعه ليل ، وثبور يتصل به ويل ، وقطر ~~يدوم معه سيل ؛ ( وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ) . قال الزعفراني : ' ~~حسبنا الله ونعم الوكيل ' . ثم أبصر أبا طاهر الشيخ الحنفي فقال : أيها ~~الشيخ ! ما أدري أ أشكوك أم أشكو إليك ، أما شكواي منك فلأنك لم تكاتبني ~~بحرف ، حتى كأنا لم نتلاحظ بطرف ، ولم نتحافظ على إلف ، ولم نتلاق على ظرف ~~؛ وأما شكواي إليك فهو أني ذممت الناس بعدك ، وذكرت لهم عهدك ، وعرضت بينهم ~~ودك ، وقدحت عليهم زندك ، ونشرت عندهم غرائب ما عندك ؛ فاشتاقوا إليك ~~بتشويقي ، واستصفوك بتزويقي ، وأثنوا عليك يتنميقي وترويقي ؛ وهكذا عمل ~~الأحباب إذا تناءت بهم الركاب ، والتوت دونهم الأعناق ، واضطرمت في صدورهم ~~نار الاشتياق . فالحمد لله الذي أعاد الشعب ملتئما ، والشمل منتظما ، ~~والقلوب وادعة ، والأهواء جامعة ؛ حمدا يتصل بالمزيد ، على عادة السادة مع ~~العبيد ، عند كل قريب وبعيد . ثم التفت إلى ابن القطان القزويني الحنفي ، ~~وكان من ظرفاء العلماء ، فقال : أيها الشيخ ! كدت والله أحلم بك في اليقظة ~~، وأشتمل عليك دون الحفظة ، لأنك قد ملكت ني غاية المكانة والحظوة ؛ والله ~~ما أسغت بعدك ريقا إلا على جرض ، ولا سلكت دونك طريقا إلا على مضض ، ولا ~~وجدت للظرف سوقا إلا بالعرض . سقى الله ربعا أنت ساكنه بنزاهتك ، وطبعا أنت ~~طابته ببراعتك ، ومغرسا أنت نبعه بنباهتك ، وأصلا أنت فرعه بفقاهتك . ~~PageV01P054 وقال للعباداني : أيها القاضي ! أيسرك أن أشتاقك وتسلو عني ، ~~وأن أسأل عنك فتنسل مني ، وأن أكاتبك فتتغافل ، وأطالبك بالجواب فتتكاسل ؛ ~~وهذا ما لا أحتمله من صاحب خراسان ، ولا يطمع مني فيه ملك بني ساسان ؛ متى ~~كنت منديلا ليد ؟ ومتى نزلت على هذا الحد لأحد ؟ إن انكفأت إلي بالعذر ~~انكفاء ، وإلا اندرأت عليك بالعذل اندراء ، ثم لا يكون لك معي قرار بحال ، ~~ولا يبقى لك بمكاني استكثار إلا ms037 على وبال وخبال . ثم طلع أبو طالب العلوي ~~فقال : أيها الشريف ! جعلت حسناتك عندي سيئات ، ثم أضفت إليها هنات بعد ~~هنات ، ولم تفكر في ماض ولا آت ، أضعت العهد وأخلفت الوعد ، وحققت النحس ~~وأبطلت السعد ؛ وحلت سرابا للحيران ، بعد ما كانت شرابا للحران ، وظننت أنك ~~قد شبعت مني ، أو اتعضت عني ، هيهات ! وأنى لك بمثلي ، أو بمن يعثر في ذيلي ~~، أو له نهار كنهاري أو ليل كليلي ؟ وهل عائض مني ، وإن جل ، عائض أنا واحد ~~هذا العالم ، وأنت بما تسمع عالم ؛ لا إله إلا الله ، وسبحان الله . أيها ~~الشريف ! أين الحق الذي وكدناه أيام كادت الشمس عنا تزول ؟ والزمان علينا ~~يصول ، وأنا أقول ، وأنت تقول ، والحال بيننا يحول ؟ سقى الله ليلة تشييعك ~~وتوديعك ، وأنت متنكر تنكرا يسوء الولي ، وأنا مفكر تفكرا يسر العدو ، هذا ~~ونحن متوجهون إلى ورامين خوفا من ذلك الجاهل المهين ، يعني بالجاهل المهين ~~ذا الكفايتين حين أخرجه من الري بعد أن ألب عليه وكاد يؤتى على نفسه ~~الخبيثة ، وهو حديث له فرش ، وما أنا بصدده يمنع من اقتصاصه ، ولعله يجري ~~على وجهه فيما بعد ؛ ولقد ظلم بقوله ، وكان بالجهل والمهانة أحق ، وسيمر ما ~~يدل على قولي ويصحح حكمي ، ويبين لك أنه لم يكن معه إلا الجد المساعد فقط ، ~~وباقي ذلك تشبع وإيهام وتمويه وكذب وبهت ووقاحة . PageV01P055 ثم نظر إلى ~~أبي محمد كاتب الشروط فقال : أيها الشيخ ! الحمد لله الذي كفانا شرك ، ~~ووقانا عرك ، وصرف عنا ضرك ، وأرانا فيحك وحرك ؛ دببت الضراء إلينا ، ومشيت ~~الخمر علينا ، ونحن نحيس لك الحيس ونصفك باللبابة والكيس ، ونقول ليس مثله ~~ليس ، وأنت خلال ذلك تقابلنا بالويح والويس ؛ لولا أنك قرحان لسقط العشا بك ~~منا على سرحان . وقال لابن أبي خراسان الفقيه الشافعي : أيها الشيخ ! ألغيت ~~ذكرنا عن لسانك ، واستمررت على الخلوة بإنسانك ، جاريا على نسيانك ، ~~مستهترا بفتيانك وافتنانك ، غير عاطف على إخوانك وأخدانك ؛ لولا أنني أرعى ~~قديما قد أضعته ، وأعطيك من رعايتي ما قد منعته ، لكان لي ولك حديث ، إما ~~طيب وإما ms038 خبيث ؛ خلفتك محتسبا فخلفت مكتسبا ، وتركتك آمرا بالمعروف فلحقتك ~~راكبا للمنكر ، قد يفيل الرأي ويخيب الظن ، ويكذب الأمل ، وقد قال الأول : ~~ألا رب من تغتشه لك ناصح . . . ومؤتمن بالغيب وهو ظنين ثم نظر إلى ~~الشادياشي فقال : يا أبا علي ! كيف أنت وكيف كنت ؟ فقال : يا مولانا لا كنت ~~إن كنت أدري كيف كنت ولا . . . لا كنت إن كنت أدري كيف لم أكن PageV01P056 ~~فقال : أغرب يا ساقط يا هابط ، يا من يذهب إلى الحائط بالغائط ، ليس هذا من ~~نحت يدك ولا هو مما نشأ من عندك ، هذا لمحمد بن عبد الله بن طاهر ، أوله : ~~كتبت تسأل عني كيف كنت وما . . . لاقيت بعدك من غم ومن حزن لا كنت إن كنت ~~أدري كيف كنت ولا . . . لا كنت إن كنت أدري كيف لم أكن وكان ينشد وهو يلوي ~~رقبته ، ويجحظ حدقته ، وينزي أطراف منكبه ويتسايل ويتمايل ، كأنه ( الذي ~~يتخبطه الشيطان من المس ) . ثم قال : يا أبا علي ! لا تعول على اير في ~~سراويل غيرك ، لا اير إلا اير تمطى تحت عانتك ، فإنك إن عولت على ذلك خانك ~~وشانك وفضح خانك ومانك . ثم نظر إلى غلام قد بقل وجهه كان يتهم به على ~~الوجه الأقبح ، فالتوى وتقلقل ، وقال : ادن يا بني ! كيف كنت ؟ ولم حملت ~~على نفسك هذا العناء ؟ وجهك هذا الحسن لا يبتذل للشحوب ، ولا يعرض للفحات ~~الشمس بين الطلوع والغروب ، أنت يجب أن تكون في بذلة بين حجلة وكلة ، تزاح ~~بك العلة ، وتعلا فيك القلة ، وتشفى منك الغلة . هذا آخر حديث الاستقبال ، ~~وقد حذفت منه أشياء كثيرة من رقاعاته ، لأن الغرض غير مقصور على فن واحد من ~~حديثه . وقال يوما في دار الإمارة لفيروزان المجوسي ، وكان الخرائطي حاضرا ~~، في شيء PageV01P057 نابذه عليه ؛ إنما أنت مجش محش لا تهش ولا تبش ولا ~~تمتش . فقال له فيروزان : أيها الصاحب ! برئت من النار إن كنت أدري ما تقول ~~، إن كان من رأيك أن تشتمني فقل ما شئت بعد أن أعلم ، فإن العرض لك ، ~~والنفس فداؤك ms039 ، لست من الزنج ، ولا من البربر ، ولا من الغز ، كلمنا بما ~~نعقل على العادة التي عليها العمل ؛ والله ما هذا من لغة آبائك الفرس ، ولا ~~لغة أهل دينك من هذا السواد ؛ فقد خالطنا الناس فما سمعنا منهم هذا النمط ، ~~وإني أظن أنك لو دعوت الله بهذا الكلام لما أجابك ، ولو سألته لما أعطاك ، ~~ولو استغفرت الله به ما غفر لك ؛ وحقيق على الله ذلك . فقال الخرائطي : ~~أيها الصاحب ! والله لقد صدق فلا تغضب ، فليس كل من وثق بأنه لا يراجع في ~~قوله ركب ما يحمق فيه شاهدا أو غائبا . فقام عنهما خزيان يردد ريقه حقدا ~~عليهما ، وكان ذلك سببا كبيرا في فساد أمرهما . وقلت للزعفراني الشاعر ، ~~وكان من أهل بغداد : اصدقني أيها الشيخ عن هذا الإنسان ، كيف وجدته في طول ~~ما عجمت عوده ، وتصفحت أخلاقه ، وخبرت دخلته . فقال : وجدته كليل الكرم ، ~~حاد اللؤم ، رقيع الظاهر ، مريب الباطن ، دنس الجيب ، مثريا من العيب ، ~~كأنه خلق عبثا مما ملي خبثا ؛ سفهه ينفي حكمة خالقة ، وغناه يدعو إلى الكفر ~~برازقه ؛ وأنا أستغفر الله من قولي فيه ونفاقي معه ؛ ولعن الله الفقر ~~PageV01P058 فهو الذي يحيل المروءة ، ويقدح في الديانة ؛ ولو كان لي ببغداد ~~قوت يحفظ علي ماء الوجه ما صبرت على هذا الرقيع البارد المطاع ساعة ، ولكن ~~ما أصنع قد قلبت أمري ظهرا لبطن ، مالي إلى الرزق باب إلا منه ، وأنشد : ~~والرزق كالوسمي ربتما عدا . . . روض القطا وسقى مهامه جلق فإذا سمعت بحول ~~متأله . . . متأدب فهو الذي لم يرزق والرزق يخطيء باب عاقل قومه . . . ~~ويبيت بوابا لباب الأحمق وأنشد أيضا : الرزق قد يأتيك في وقته . . . والحرص ~~لا يغني ولا يجدي كم قاعد يبلغ مأموله . . . وطالب مضطرب يكدي فاسترزق ~~الرازق من فضله . . . وارض بما يوليك من رفد وثق بإحسان له واسع . . . ~~فهكذا عاداته عندي وأنشد القرمسيني قال : أنشدنا علي بن سليمان الأخفش ~~لشاعر : قد يرزق المرء لم تتعب رواحله . . . ويحرم الرزق من لم يؤت من تعب ~~يا ثابت العقل كم عاينت ذا أدب . . . الرزق أعدى ms040 له من ثابت الجرب وإنني ~~واجد في الناس واحدة . . . الرزق والنوك مقرونان في نسب وخصلة قل فيها من ~~ينازعني . . . الرزق أروغ شيء عن ذوي الأدب وقلت للمسيبي : ما قولك في ابن ~~عباد ؟ فقال : له في الخلاعة قرآن معجر ، وفي الرقاعة آية منزلة ، وفي ~~الحسد عرق PageV01P059 ضارب ، وفي الكذب عار لازب ؛ لا ينزع عن المساوي إلا ~~مللا ، ولا يأتي الخير إلا كسلا ؛ ظاهره ضلالة ، وباطنه جهالة ، وليس له في ~~الكرم دلالة ، ولا في الإحسان إلى الأحرار آلة ؛ فسبحان من خلقه غيظا لأهل ~~الفضل والأدب ، وأعطاه فيضا من المال والنشب ! وقلت لأبي بكر الخوارزمي ~~الشاعر ، وكان قد خبره : كيف وجدت الصاحب ، وقد أعطاك وأولاك وقدمك وآثرك ، ~~وسفر لك إلى عضد الدولة ، وهو اليوم شاه الملوك ، حتى ملأت عيابك تبرا ، ~~وحقائبك ثيابا ، ورواحلك زادا ؟ فقال : دعني مما هنالك ، والله إنه لخواز ~~في المكارم ، صبار على الملائم ، زحاف إلى المآثم ، سماع للنمائم ، مقدام ~~على العظائم ؛ يدعو إلى ' العدل والتوحيد ' ، ويدعي ' الوعد والتخليد ' ، ~~ثم يخلو باستعمال الأيور ، ويشتمل على الفسوق والفجور ، ويمسي وهو بور ~~ويصبح وما على وجهه نور . وكان الخوارزمي من أفصح الناس ، ما رأينا في ~~العجم مثله ، وإنما نوله الصاحب ما نوله ، وخوله ما خوله ، لأنه كان أذكاه ~~عينا على محمد بن إبراهيم صاحب الجيش بنيسابور ، واستملى فيه أخبار المشرق ~~، وبهذا المعنى استدر له من ملك بغداد بوساطة ابن يوسف ، وكان الظاهر أنه ~~إنما يعطيه لأدبه ، ويجيزه لشعره ، ويصطفيه لفضله . ولقد قات للزعفراني : ~~أرى الخوارزمي سيء الرأي في ابن عباد مع ما يصل إليه منه ، فما السبب ؟ ~~PageV01P060 فقال : ابن عباد سيء السياسة لصنائعه ، وذلك أنه يعطي الإنسان ~~عطية ما ، ثم يبلوه بجفاء يتمنى معه لقط النوى من السكك ، والمصطنع الكريم ~~هو الذي يكون اصطناعه بلسانه فوق اصطناعه بيده ؛ وإني أحدثك ببعض ما عامل ~~به الخوارزمي ليصح لك القياس عليه ، والتعجب منه . حضر الخوارزمي يوما ، ~~وجرى حديث القافة ، فقال الخوارزمي : دخل محرز المدلجي على رسول الله صلى ~~الله عليه ونظر إلى أقدام أسامة ، وزيد ms041 ، فقال : هذه أقدام بعضها من بعض ، ~~وصحف البائس كما يصحف الناس ، العلماء فمن دونهم ، وكان ابن عباد على بركة ~~، فما زال يدور حول البركة وهو يصفع الخوارزمي ويقول : محرز ؟ بحياتي ؟ إلى ~~أن رعف الخوارزمي فتنحى وخرج . فهذا وما داناه هو الذي كان يفسد به ما ~~يفعله من الخير والبر . وحدثني بذكو أبي بكر عينا بخراسان أبو الطيب ~~النصراني ، وكان علي السر عند مؤيد الدولة وكان يعرف من مخازي ابن عباد ~~عجائب ؛ سمعته يقول : لو بحت بما في نفسي من حديث هذا المأبون لتصدع الجبل ~~، ولتقلع الجندل . وكان ابن عباد شديد السفه عجيب المناقصة ، سريع التحول ~~من هيئة إلى هيئة ، مستقبلا للأحرار بكل فرية وفاحشة ؛ كان يقول للإنسان ~~الذي قد قدم عليه من أهل العلم : تقدم يا أخي ! وتكلم ، واستأنس ، وافترح ، ~~وانبسط ، ولا ترع ، واحسبني في جوف مرقعة ، ولا يهولك هذا الحشم والخدم ، ~~وهذه الغاشية والحاشية ، وهذه المرتبة والمسطبة ، وهذا الطارق والرواق ، ~~وهذه المجالس والطنافس ؛ فإن سلطان العلم فوق سلطان الولاية ، وشرف العلم ~~أعلى من شرف المال ، فليفرح روعك ولينعم بالك ، PageV01P061 وقل ما شئت ، ~~وانصر ما أردت ، فلست تجد عندنا إلا الإنصاف والإسعاف والإتحاف والإطراف ، ~~والمقاربة والمواهبة ، والموانسة والمقابسة ، وعلى هذا التنزيل ، ومن كان ~~يحفظ ما يهذي به في هذا وغيره ؟ حتى إذا استقى ما عند ذلك الإنسان بهذه ~~الزخارف والحيل ، وسال الرجل معه في حدوره على مذهب الثقة ، وركب في ~~مناظرته ، وردعه وحاجه ، وراجعه وضاجعه وشاكعه ووضع يده على النكتة الفاصلة ~~، والأمر القاطع تنمر له ، وتنغر عليه ، واستحصد غضبا وتلظى لهبا وقال بعد ~~وثبتين أو ثلاث : يا غلام ! خذ بيد هذا الكلب إلى الحبس ، وضعه فيه بعد أن ~~تصب على كاهله وظهره وجنبيه خمس مئة عصا ؛ فإنه معاند ضد ، يحتاج إلى أن ~~يشد بالقد ، ساقط هابط ، كلب نباح ، متعجرف وقاح ؛ أعجبه صبري ، وغره حلمي ~~، ولقد أخلف ظني ، وعدت على نفسي من أجله بالتوبيخ ، وما خلق الله العصا ~~باطلا ، ولا ترك خلقه هاملا . فيقام ذلك البائس على هذه الحال التي تسمع ms042 ، ~~على أن مسموعك دون مشاهدتك لو شاهدت ، ومن لم يحضر ذلك المجلس لم ير منظرا ~~رفيعا ورجلا رقيعا ؛ وقد عامل بما وصفت الحريري غلام ابن طرارة والجامدي ~~الشاعر الوارد عليه من البصرة ، وأبا زيد الكلابي وغيرهم . وكان أبو الفضل ~~أعني ابن العميد إذا رآه يقول : أحسب أن عينيه ركبتا من زئبق وعنقه عمل ~~بلولب . وصدق ، لأنه كان ظريف التثني والتلوي شديد التفكك والتفتل كثير ~~التعوج والتموج ، في شكل المرأة المومسة والفاجرة الماجنة ، والمخنث الأشمط ~~. وسمعت أبا الفضل الهروي يقول له يوما : لو وضع في خزانة الكتب للوقف شيء ~~من الطب لكان ذلك بابا من المنافع لحاضرة والفوائد المجلة والخير العام . ~~PageV01P062 فقال على حدته وجنونه : الطب - يا أبا الفضل - سلم الإلحاد ، ~~ولقد أسررت في هذا القول حسوا في ارتغاء ، أنت مهندس ، وأنت متهم ، ويكفي ~~منك في هذا المعنى ما هو دون هذا . فانخزل الهروي وكان جبانا ، وأخذ يتلافى ~~ما فرط منه . قال أصحابنا بالري : وكيف يسوغ له أن يقول هذا ، وهو يشاور ~~الطبيب في كل غداة ، ويعتمد على الطب في كل عارض ، ويجمع الكتب فيه ، ويرجع ~~إليه ؛ وليس هذا بأعجب من عيبه لعلم النجوم وذمه لأهله ، وهو لا يفارق ~~التقويم ، ولا يخلو يوما من النظر فيه مرات ؛ لأنه كان لا يركب إذا وجد ~~نحسا ، هذا على تقليده فيه ، لأنه ما كان يعرف حرفا من علم النجوم ، لا على ~~طريقة من ينظر في أحكامه ، ولا على مذهب من يختاره لهيئته ، فهل رأيت بهتا ~~أشد من هذا ؟ ومناقضة أقبح من هذا ؟ يذم شيئا في الظاهر ، ثم يحبه في ~~الباطن ، ويزهد غيره في شيء وهو يؤثره . وكان من ضعف عقله يقول : يجوز أن ~~يكون الفلك من سلجم أو جزر أو فجل ؛ قال هذا للصاغاني أبي حامد ونحن حضور ، ~~وهو مع هذا العقل السخيف يطلب كتب الأوائل ويجمعها ، وينظر فيها ، ويشتهي ~~أن يفتح فاتح عليه شيئا منها في السر ، وعلى وجه التهجين لا على وجه التقبل ~~، ويقول في أبي حسن العامري : قال الخرائي كذا وكذا ms043 ، وإذا خلا نظر في كتبه ~~ومصنفاته ، وكان أخذها من أبي الحسن الطبري ، طبيب ركن الدولة ، وكان مع ~~هذا المذهب الذي يدل به ويسميه ' العدل والتوحيد ' قليل التوجه إلى القبلة ~~، قليل الركوع والسجود ، وكان مع حفظه الغزير ، عليه مؤونة في تلاوة آية من ~~كتاب الله عز وجل ، إذا أراد أن يستدل بها في المناظرة والجدل ، أو يذكر ~~وجها من وجوهها في المذاكرة ، ولم يكن عليه طابع العبادة ، ولا سيما ~~المتألهين ، وكان مع هذا سفاكا للدماء ، قتالا للنظراء والأكفاء ، وكان ~~شديد الحس لأهل الفضل والدراية ، ولأصحاب الحفظ والرواية ، وكان جل حسده ~~لمن كتب فأحسن الخط وأجاد اللفظ ، PageV01P063 وتأتى للرسم وملح في ~~الاستعارة ، وكان إذا سمع من إنسان كلاما منظوما ، ومعنى قويما ، ولفظا ~~مسجوعا ، ونثرا مطبوعا ، وبيانا بليغا ، وغرضا حكيما انتقض طباعه وذهب عليه ~~أمره وتبدد حلمه وزال عنه تماسكه والتهب كأنه نار ، واضطرب كأنه شرار ، ~~وحدث نفسه بقتله أو نفيه أو إغراقه وإبعاده وحرمانه . قلت للتميمي الشاعر ~~المصري بالرغيب : كيف ترى هذا الرجل أعني ابن عباد ؟ فقال : طويل العنان في ~~اللؤم ، قصير الباع في الكرم ، وثابا على الشر ، مقعدا عن الخير ، كافرا ~~بالنعم ، متحرشا بالنقم ، جباها بالمكروه ، سفيها في الجملة ، خليعا في ~~التفصيل . قلت : أين هو من صاحبكم بمصر أعني ابن كلس ؟ فقال : ذاك رجل له ~~دار ضيافة ، وله زوار كالقطر ، لا يعرف محكا ولا لجاجا ولا مجادلة ، ولا ~~كيادا ولا مخاتلة ، يعطي على القصد والتأميل ، والرجاء والتوجه ، والطمع ~~والطلب ، وسائر الوسائل عنده ، بعد هذه الأوائل ، فضل يستحق به الزيادة ، ~~وليس هناك امتحان ولا محاسبة ولا احتجاج ولا تعيير ، المال مصبوب ، والخازن ~~قائم ، والمفرق مجزف ، والنداء عال ، والواصل موصول ، والمؤمل مشكور ، ~~والراحل شاكر ؛ وزارة ذاك نيابة عن خلافة ، ووزارة هذا خلافة عن عمالة . هل ~~ترى هاهنا صلة ترتفع عن مئة درهم إلى ألف ؟ أليس أنبل من ورد عليه البديهي ~~وهو شيخه في العروض ، وعنه أخذ القوافي ، وبفتحه وهدايته قال الشعر ؟ هل ~~زاده في طول مقامه إلى رحيله على خمسة آلاف درهم تفاريق ms044 ؟ وإن أقل ضيف بمصر ~~يصير إليه مثل هذا في أول يوم . وقد سألت جماعة من سادة الناس عنه ، وحصلت ~~عن كل واحد منهم جوابا يمر بك فيما تستقبل ، وأذكرها هنا أشياء حدثني بها ~~بطانته وخدمه . PageV01P064 حدثني الجرفادقاني أبو بكر وكان كاتب داره ، ~~قال : يبلغ من سخنة عين صاحبنا أنه لا يسكت عما لا يعرف ، ولا يسأم نفسه ~~فيما لا يفي به ولا يكمل له ، ويظن أنه إن سكت عنه فطن لنقصه وإن اختال ~~وموه جاز ذلك وخفي واستتر ولم يظهر ، ولم يعلم أن ذلك الاحتيال طريق إلى ~~الإغراء بمعرفة الحال ، وصدق القائل : كاد المريب يقول : خذوني . قات له : ~~ما الذي حداك على هذه المقدمة ؟ قال : قال لي في بعض هذه الأيام : ارفع ~~حسابك قد أخرته وقصرت فيه واغتنمت سكوتي وشغلي بتدبير الملك وسياسة ~~الأولياء والجند ، والرعايا والمدن ، وما علي من أعباء الدولة وحفظ البيضة ~~ومشارفة الأطراف النائية والدانية باللسان والقلم ، والرأي والتدبير ، ~~والبسط والقبض ، والإبرام والنقض ، وما على قلبي من الفكر في الأمور ~~الظاهرة والغامضة ؛ وهذا لعمري باب مطمع وإمساكي عنه مغر بالفساد مولع ، ~~فبادر عافاك الله إلى عمل حساب بتفصيل باب باب تبين فيه أمر داري ، وما ~~يجري عليه دخلي وخرجي . قلت له : وهذا كله بسبب قوله هات حسابك بما تراعيه ~~؟ وصدق هذا الكاتب ، كان يأخذ طرفا من الحديث فيمده إلى الفلك بالغثاثة ~~والجهل والهذر . قال أبو بكر : فتفردت أياما وحررت الحساب على قاعدته وأصله ~~والرسم الذي هو مألوف بين أهله ، وحملته إليه ، فأخذه من يدي وأمر عينه فيه ~~من غير تثبت أو فحص أو مسألة ، ثم حذف به إلي وقال : أهذا كتاب ، أهذا ~~تحرير ، أهذا تقرير ، أهذا تفصيل ، أهذا تحصيل ؟ والله لولا أني قد ربيتك ~~في داري ، وشغلت بتخريجك ليلي ونهاري ، ولك حرمة الصبا ، وتلزمني رعاية ~~الأبناء ، لأطعمتك هذا الطومار ، وأحرقتك بالنفط والنار ، وأدبت بل كل كاتب ~~وحاسب ، وجعلتك مثلة لكل شاهد وغائب . PageV01P065 أمثلي يموه عليه ، ويطمع ~~فيما لديه ، وأنا خلقت الكتابة والحسابة ؛ والله ما أنام ليلة إلا ms045 وأحصل في ~~نفسي ارتفاع العراق ودخل الآفاق ؛ أغرك مني أني أجررت : رسنك ، وأخفيت ~~قبيحك وأبديت حسنك ؟ غير هذا الذي رفعت ، واعرف قبل وبعد ما صنعت ، واعلم ~~أنك من الآخرة قد رجعت فزد في صلاتك وصدقتك ، ولا تعول على قحتك وصلابة ~~حدقتك . قال : فوالله ما هالني كلامه ، ولا أحاك في هذيانه ، لأني كنت أعلم ~~جهله بالحساب ، ونقصه في هذا الباب ، فذهبت ، وأفسدت وقدمت وأخرت ، وكايدت ~~وتعمدت ؛ ثم رددته إليه فنظر فيه ، ثم ضحك في وجهي وقال : أحسنت بارك الله ~~عليك ، وهكذا أردت ، وهذا بعينه طلبت ولو تغافلت عنك أول الأمر لما تيقظت ~~في الثاني . فهذا كما ترى أعجب منه كيف شئت . ومن رقاعاته أيضا : سمعته ~~يوما يقول : وقد جرى حديث الأبهري المتكلم ، وكان يكنى أبا سعيد ، فقال : ~~لعن الله ذلك الملعون المأبون المأفون ، جاءني بوجه مكلح ، وأنف مفلطح ، ~~ورأس مسفح ، وذقن مسلح ، وسرم مفتح ، ولسان مبلح ، فكلمني في مسألة الأصلح ~~، فقلت له : اغرب عليك غضب الله الأترح ، الذي يلزم ولا يبرح . وشتم يوما ~~رجلا فقال : لعن الله هذا الأهوج الأعوج ، الأفلج الأفحج ، PageV01P066 ~~الذي إذا قام تحلج ، وإذا مشى تدحرج ، وإن عدا تفجفج . بالله يا أصحابنا ~~حدثوني ، أهذا عقل رئيس ، أو بلاغة كاتب ، أو كلام متماسك ؟ لم تجنون به ، ~~وتتهالكون فيه ؟ وتغيظون أهل الفضل به ؟ هل هناك إلا الجد الذي يرفع من هو ~~أنذل منه ، ويضع من هو أرفع منه ؟ ولقد حدثت بهذا الحديث أبا السلم الشاعر ~~، فأنشدني لشاعر : سبحان من أنزل الدنيا منازلها . . . وصير الناس مشنوءا ~~وموموقا فعاقل فطن أعيت مذاهبه . . . وجاهل خرق تلقاه مرزوقا كأنه من خليج ~~البحر مغترف . . . ولم يكن بارتزاق القوت محقوقا هذا الذي ترك الألباب ~~حائرة . . . وصير العاقل النحرير زنديقا وحدثني المأموني عند روايتي هذا ~~الحديث : سمعته أنا يقول على غير هذا الوجه ، قال : جاءني فلان بهامة مسطحة ~~، وأرنبة مفلطحة ، ولحية مسرحة ، وقفحة مسلحة ، وجبهة موقحة ، وجملة مقبحة ~~، يناظرني في المصلحة ، فهممت والله أن أصلبه على باب المسلحة . وباب ~~المسلحة بالري سوق معروفة . وهذا الكلام الثاني هو ms046 الأول يشقق ويؤذي ، ~~ويصيح ويهذي ، ويوهم ويدعي ، وقاحة وجهلا وازدراء للناس ، وحقرا لكل من يرى ~~من أهل الفضل والأدب ، والحرية والحسب . وكان كلفه بالسجع في الكلام والقلم ~~عند الجد والهزل يزيد على كلف كل من رأيناه في هذه البلاد . قلت للمسيبي : ~~أين يبلغ في عشقه للسجع ، قال : يبلغ به ذلك أنه لو رأى سجعة تنحل بموقعها ~~عروة الملك ، ويضطرب بها حبل الدولة ، ويحتاج من أجلها إلى غرم ثقيل وكلفة ~~صعبة ، وتجشم أمور ، وركوب أهوال ، لكان يخف عليه أن لا PageV01P067 يفرج ~~عنها ويخليها ، بل يأتي لها ويستعملها ، ولا يعبأ بجميع ما وصفت من عاقبتها ~~. وقال علي بن قاسم الكاتب : السجع لهذا الرجل بمنزلة العصا للأعمى ، ~~والأعمى إذا فقد عصاه فقد أقعد ، وهذا إذا ترك السجع فقد أفحم . وقات ~~للخليلي : كيف كان ابن العميد أبو الفضل يقدم هذا ويرشحه وهذا عقله ولفظه ~~وشمائله ؟ فقال : كان يسترفعه ويضحك منه ولا يغتاظ لأنه كان تحت تدبيره . ~~والرقاعة الخالية من القدرة مقبولة ، وإنما تضاعف اليوم حديثه في الرقاعة ~~لأنه أصبح بسيط اللسان بالدولة ، مطاع الأمر في القريب والبعيد ؛ ونعوذ ~~بالله من جنون موصول بانقياد الأمور وطاعة الرجال . وكان يقول : هو مع هذا ~~الطيش والخفة ، والتفتل والتثني أفضل من أبيه ؛ فإن أباه كان ثورا خوارا ، ~~وحمارا نهاقا . وكان أيضا يقدح ابنه أبا الفتح به ، ويبعثه على الحركة ~~والنطق ، وكان أيضا مظنونا به وهو غلام ما بقل وجهه . قال : وأسباب الجد ~~عجيبة ، وكما لا يدري الإنسان من أين يخفق كذلك لا يدري من أين ينال . فقلت ~~للخليلي : أما كان ابن العميد يسمع كلامع ؟ قال : بلى ، وكان يقول : سجعه ~~يدل على الخلاعة والمجانة ، وخطه يدل على الشلل والزمانة ، وصياحه يدل على ~~أنه قد غلب بالقمار في الحانة ، وما نظرت إليه قط في وقت إلا خلت أنه قد ~~سقاه العباره دواء مذ ساعة . وهو أحمق بالطبع إلا أنه طيب ، وإن كان له يوم ~~تضاعف حمقه ، وذهب طيبه ، وضر أهل النعم والمروات والأدب بالحسد والكبر ~~والإعنات . قلت للخليلي : هل عرفت ms047 طالعه ؟ قال : حدثني أصحابنا منهم الهروي ~~أن طالعه الجوزاء كط ، والشعرى اليمانية كط ، وكان زحل في الحادي عشر في ~~الحمل كح ، والقمر فيه يط والشمس في السنبلة PageV01P068 يج ، والزهرة فيها ~~ي ، والمشتري في الميزان كد ، والمريخ في العقرب ز ، وسهم السعادة في القوس ~~يد ، وسهم الغيب في الجدي يد ، والرأس في الثالث في الأسد يا . قال : وخفي ~~علي عطارد . وذكر أنه ولد سنة ثلاثمائة وست وعشرين من الهجرة ، ولأربع عشرة ~~ليلة بقيت من ذي القعدة روز سروش من ماه شهرير . قلت فأين ولد ؟ فقال : كان ~~عندنا أنه ولد بطالقان ، وقال لنا قوم : بل بإصطخر . وقال لي غير الخليلي : ~~كان عطارد في السنبلة ط ي . وكنت بالري سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، وابن ~~عباد بها مع مؤيد الدولة قد وردا في مهمات وحوائج ، وعقد ابن عباد مجلس جدل ~~وكنا نبيت عنده في داره بباب سين معنا الضرير أبو العباس القاص وأبو ~~الحوراء الرقي ، وأبو عبد الله النحوي الزعفراني ، وجماعة من الغرباء فرأى ~~ليلة في مجلسه وجها غريبا صاحب مرقعة ، فأراد أن يفره ، ويعرف ما عنده ، ~~وكان الشاب من أهل سمرقند زعم أنه يعرف بأبي واقد الكراييسي . فقال له : يا ~~أخ انبسط واستأنس وتكلم ؛ فلك منا جانب وطي ومشرب روي ، ولن ترى إلا الخير ~~، بم تعرف ؟ قال : أعرف بدقاق . قال : تدق ماذا ؟ قال : أدق الخصم إذا زاغ ~~عن سبيل الحق . فلما سمع هذا تنكر وعجب ، لأنه فجئ ببديعة . فقال : دع ذا ، ~~تكلم . قال : أتكلم سائلا ؟ والله ما بي حاجة إلى مسألة ، أم أتكلم مسؤولا ~~؟ فوالله إني لأكسل عن الجواب ، أم أتكلك مقررا ؟ فوالله إني لأكره أن أبدد ~~الدر في غير موضعه ، وإني لكما قال الأول : PageV01P069 لقد عجمتني ~~العاجمات فلم تجد . . . هلوعا ولا لين المجسة في العجم وكاشفت أقواما ~~فأبديت وصمهم . . . وما للأعادي في قناتي من وصم فقال له : يا هذا ، ما ~~مذهبك ؟ قال : مذهبي أن لا أقر على الضيم ، ولا أنام على الهون ، ولا أعطي ~~صمتي لمن لم يكن ولي نعمتي ، ولم يصل ms048 عصمته بعصمتي . قال : هذا مذهب حسن ، ~~ومن هذا الذي يأتي الضيم طائعا ، ويركب الهون سامعا ؛ ولكن ما نحلتك التي ~~تنصرها ؟ قال : نحلتي طوية صدري ، ولست أتقرب بها إلى مخلوق ، ولا أنادي ~~عليها في سوق ، ولا أعرضها على شاك ، ولا أجادل عليها المؤمن . قال : فما ~~تقول في القرآن ؟ قال : وما أقول في كلام رب العالمين الذي يعجز عنه الخلق ~~إذا أرادوا الاطلاع على غيبه ، وبحثوا عن خافي سره ، وعجائب حكمته ، فكيف ~~إذا حاولوا مقابلته بمثله ، وليس له مثل مظنون فكيف عن مثل متيقن ؟ قال ابن ~~عباد : صدقت ، ولكن أ مخلوق هو أم غير مخلوق ؟ فقال : إن كان مخلوقا كما ~~تزعم فما ينفعك ؟ وإن كان غير مخلوق كما يزعم خصمك فماذا يضرك ؟ فقال : يا ~~هذا أ بهذا العقل تناظر في دين الله وتقوم على عبادة الله ؟ قال : إن كان ~~كلام الله فينبغي إيماني به وعملي بمحكمه ، وتسليمي لمتشابهه ، وإن كان ~~كلام غيره ، وحاش لله من ذلك ما ضرني . فأمسك عنه ابن عباد وهو مغيظ ، ثم ~~قال له : أنت لم تخرج من خراسان بعد . فمكث الرجل ساعة ثم نهض . فقال له ~~ابن عباد : إلى أين يا هذا قد تكسر الليل ، بت هاهنا . PageV01P070 فقال : ~~أنا بعد لم أخرج من خراسان ، فكيف أبيت بالري ، وخرج . فارتاب به ابن عباد ~~، فقفاه بصاحب له ، ووصاه بأن يتبع خطاه ويبلغ مداه من حيث لا يفطن له ولا ~~يراه ، فما راغ الرجل عن باب ركن الدولة حتى دخل ، ووصل في ذلك الوقت ~~الفائت إليه . فقيل لابن عباد ذلك فطار نومه من عينه ، وقال : أي شيطان هبط ~~علينا وأحصى ما كنا فيه بيننا ، وبلغ أربه منا ، وأخذ حاجته من عندنا ، ~~بلسان سليط وطبع مريد . فحدثني الهروي ، وكان يبيت عند ركن الدولة : أن ركن ~~الدولة قال للخراساني : كيف رأيت كاتب ابننا ؟ قال : رأيت وجهه وجه خنزير ، ~~وعقله عقل سنور ، وكلامه كلام مبرسم ، وحركته حركة مخنث ، ونظره نظر فاجر ، ~~ورأيه رأي موسوس ، وأعضاءع أعضاء مفلوج ؛ ولقد عشانا وتعشى معنا فما زال ~~يذكر ms049 القدر والخبز والأدم والبوارد ، والغضائر والمطابخ حتى عرقت جباهنا من ~~الحياء والانخزال ، واسترخت أيدينا من الخجل . فقال له ركن الدولة : لو ~~علمت أنك هكذا تنقلب عن مجلسه لما أذنت لك في لقائه ، ولكن قد فات . قال ~~الهروي : وكان هذا الكراييسي عينا لركن الدولة بخراسان ، فلذلك كان قريبا ~~منه وكان أحد رجالات الدنيا ، ولم يتمكن من مكاثرته . وقلت للخليلي : بم ~~انفرج ما بين هذا الرجل ، أعني ابن عباد وصاحبكم أعني أبا الفتح ذا ~~الكفايتين ؟ فقال : كان صاحبنا غرا صعب القياد شديد الزهو ؛ وهذا على ~~رقاعته لتي ترى ، PageV01P071 ولم يكن بينهما عاقل يرأب المصدوع ، ويصل ~~المقطوع ، ويرفع الموضوع ، ويرد هذا عن حدته بلسانه ، ويكف ذاك عن تيهه ~~وامتنانه . وقد كان ركن الدولة يكنفهما بظله ، ويكفهما بفضله ، ويخفض لهما ~~جناح إحسانه ، ويمزج بينهما في استخدامه ، ويجمعهما على طاعته لصحة رأيه ~~وحسن مداراته ؛ ونفوسهما على ذلك تغلي ، وصدورهما تفيض ، والألسنة تكني ، ~~والحواجب تتغامز ، والشفاه تلتوي ، والأعين تختلج ، والوشاة تدب ، والزمان ~~يعمل عمله ؛ فلما مضى سائسهما تفارقا القرحة ، وتنازعا الرتبة فكان ما كان ~~. قلت : ما الذي كان ينقم هذا من ذاك ، وذاك من هذا ؟ فقال : كان صاحبنا ~~يقول : أشد ما علي أن خصمي معلم مأبون . وكان هذا يقول : كيف أسامي حدثا ~~صغير الرأس ، كليل اللسان ، قليل الهمة ، الخير عنده حر والدرهم في نفسه رب ~~؛ وكان ينشد فيه : فتى يمنع الطعا . . . م ولا يمنع الحرم فجميع النساء في ~~ال . . . حل والمطبخ الحرم فهذا هذا . قلت لأبي عبيد النصراني ببغداد ، ~~وكان سهل البلاغة حلو اللفظ ، حسن الاقتضاب ، غريب الإشارة ، مليح الفصل ~~والوصل : كيف ترى كتابة ابن عباد ؟ فقال : هي شوهاء فيها شيء في غاية ~~التنقيح ، وفيها شيء في غاية الركاكة ، وبينهما فتور راكد ، بمذاهب ~~المعلمين الحمقى المتعاقلين أشبه منها بمذاهب السلف الأولين من الكتاب ~~وأصحاب الدواوين . قال : السجع الذي يلهج به هو مما يقع في الكلام ، ولكن ~~ينبغي أن يكون كالطراز في الثوب ، والصنفة في الرداء ، والخط في العصب ، ~~والملح في الطعام ، والخال في الوجه ؛ ولو كان ms050 الوجه كله خالا لكان مقليا . ~~PageV01P072 قال : وبديعه في هذا الفن لا تستر ركاكته في سائر فنون الكلام ~~، فإن فنون الكلام محصلة على التقريب بين البدد والسجع والوزن ، وما يسميه ~~قوم تجنيسا وتطبيقا . قال : ومنها شيء يجب أن يسمى المسلسل ، وأمثلته في ~~كلام أبي عثمان موجودة ، ثم قال : والذي ينبغي أن يهجر رأسا ، ويرغب ~~عنهجملة التكلف والإغلاق ، واستعمال الغريب والعويص ، وما يستهلك المعنى أو ~~يفسده أو يحيله ، ويجب أن يكون الغرض الأول في صحة المعنى ، والغرض الثاني ~~في تخير اللفظ ، والغرض الثالث في تسهيل النظم وحلاوة التأليف ، واجتلاب ~~الرونق ، والاقتصاد في المواخاة ، واستدامة الحال ، ليستمر الثاني على ~~الأول ، والثالث على الثاني ، وأن تتوفى الفضاء الذي يعرض بين الفضل والفصل ~~. قلت : ما معنى الفضاء ؟ قال : عدم الرباط بين المتقدم والمتأخر ، وهو ~~النبو العارض في النفس عند سماعه وتحصيله . قال : والهجنة التي ليس بعدها ~~هجنة ، والركاكة التي ليس فوقها ركاكة ، الولوع بالغريب ، وما يشكل فيه ~~الإعراب ، ويتجاذبه التأويل ؛ فإن هذا وما شاكله كلفة على النفس عند سماعه ~~، ومؤونة على الطبع عند تخيره ، ومشقة على اللسان عند اللفظ به . ثم قال : ~~فخير الكلام - على هذا التصفح والتحصيل - ما أيده العقل بالحقيقة ، وساعده ~~اللفظ بالرقة ، وكان له سهولة في السمع ، ووقع في النفس ، وعذوبة في القلب ~~، وروح في الصدر ؛ إذا ورد لم يحجب ، وإذا صدر لم ينس ، وإذا طال لم يمل ، ~~وإذا قصر لك يحقر ، له غنج كغنج العين ، ودل كدل الحبيب ، ولذة كلذة الغناء ~~، وانقياد كانقياد الذليل ، وتيه كتيه العزيز ، وجمش كجمش الغانية ، ووقار ~~كوقار الشيخ ، PageV01P073 وحلاوة كحلاوة العافية ، ولين كلين الصيب ، وأخذ ~~كأخذ الخمر ، وولوج كولوج النسيم ، ووقع كوقع القطر ، وريح كريح العطر ، ~~واستواء كاستواء السطر ، وسبك كسبك التبر ، يجمع لك بين الصحة والبهجة ~~والتمام . فأما صحته فمن جهة شهادة العقل بالصواب ، وأما بهجته فمن جهة ~~جوهر اللفظ ، واعتدال القسمة ، وأما تمامه فمن جهة النظر الذي يستعير من ~~النفس شغفها ، ويستثير من الروح كلفها . وقال : قال أبو الربيع : الكتاب ~~سبعة : الكامل ، والأعزل ، والمبهم ms051 ، والرقاعي ، والمخيل ، والمخلط ، ~~والسكيت . فأما الكامل فهو الذي له في الإنشاء والإملاء حظ . والأعزل : ~~الذي يملي ولا يكتب . والمبهم : الذي يكتب ولا يملي . والرقاعي : الذي يبلغ ~~في الرقاع حاجته ، ولا يصلح لعظم الكتابة ؛ والمخيل : الذي له عارضة وبيان ~~، ورواية وإنشاء ، وتعرف بالآداب ، ولا طبع له في الكتابة ؛ وإذا كان عاقلا ~~صلح لمنادمة الملوك . والمخلط : الذي يرى له في الكتاب الواحد بلاغة جيدة ~~وفدامة عجيبة . والسكيت : المتخلف المتبلد ، وربما جاء بالشيء المحتمل إذا ~~تعنى فيه . قلت فمن أيهم ابن عباد ؟ قال : هو مشكل ، لا يجوز أن تهضمه ~~فتضعه في أسفل سافلين ، ولا يجوز أن تغلظ فيه فترفعه إلى أعلى عليين ، ثم ~~ضعه بين هذين أين شئت ، على أنه على كل حال جبلي . قلت له : قد استمر قولك ~~بما لو كان تصنيفا لك لساغ ، وبقي تمامه في كلمة هذا وقت المسألة عنها ~~ومعرفة الحال فيها . قال : قل ، فقد استرسلنا في الحديث ، وتباثثنا كل ضمير ~~. قلت : كيف ترى كتابنا أعني القرآن ؟ وأنت رجل قد أشرفت على غاية هذا ~~الباب ، واستوعبت جميع ما فيه . PageV01P074 قال : ذاك كلام ليس فيه أثر ~~للصنعة ، ولا علامة للتكلف ، وهو كلام منسكب انسكابا ، وجار جريا يزيد من ~~لطفه على الطبع ، بقدر ما يزيد الطبع على التصنع ، قليله كثير ، وكثيره ~~غزير ، ومعناه أقوم من لفظه ، ولفظه أرشق من وزنه ، ووزنه أعدل من نظمه ، ~~ونظمه أحلى من نثره ، ومجموعه أبهى من مفرقه ، ومفرقه أظرف من مجموعه ، ~~وبعضه أغرب من كله ، وكله أعجب من بعضه ؛ وهو شيء يستوي تعجب الجاهل ، ~~وتحير العالم ، ويستعلي الذهن ويستغرق الفهم ، ويحجب الرؤية عن الإدراك ، ~~ويردها إلى البديهة في التسليم ، وهذا يصح ويبين لمن كان ذا أداة تامة ، ~~وعقل ثابت ، وعلم غزير ، وطبع سجيح ، وبصر بالجوهر صحيح ، ومعرفة بالصورة ~~والصورة ، وتمييز بين الحال والحال ، ورفق فيما يزيد البيان عنه ، لا يحمله ~~ما لا يطيق ، ولا يحتمل له ما لا يجب ، فيكون في جميع ذلك كالطبيب الحاذق ، ~~والناصح المشفق . قلت له : إنما يكون هذا كله وما هو عتيد ms052 عندك داعيا إلى ~~الإيمان به ، والتصديق لصاحبه . فقال : أتراني لا أنصح لنفسي في قضاء الحق ~~عنها مجتلبا للسعادة ، كما لا أنصح لها في اقتضاء الحق لها مكتسبا للزيادة ~~؟ بلى والله ! ولكن وراء هذا ما يشكل ويعضل ، ويطول ويمل . وكان هذا الرجل ~~ممن يدون كلامه كما يدون كلام ابن هلال الصابي . . . . . . . . . صاحبا له ~~: يا هذا ! انفع صاحبك على كل حال وإن ضرك ، وزينه زإن عرك ، وحسن به ظنك ~~وإن غرك . ومما يدل على ولوع ابن عباد بالسجع ومجاوزة الحد فيه بالإفراط ~~قوله يوما : حدثني أبو علي ابن باش ، وكان من سادة الناش ، جعل السين شينا ~~ومر في الحديث وقال : هذه لغة . وكذب وكان كذوبا . وكان أبو مالك يكتب بين ~~يديه فقال له : إنما أنت خط وقط فقط . وفتت أطرافه بحركاته تخنثا وتأنثا . ~~PageV01P075 وقال لعبد الله المعلم ، وقد أنشده : يا عبد الله ! أنت طويل ~~النفس ، عتيق القوس ، شديد المرس . وقال الشيخ من خراسان في شيء جرى : ~~والله لولا شيء لقطعتك تقطيعا ، وبضعتك تبضيعا ، ووزعتك توزيعا ، ومزعتك ~~تمزيعا ، وجرعتك تجريعا ، وأدخلتك في حر أمك ، ثم توقف وقفة وقال : جميعا . ~~وملح هذه الحكاية ينتثر في الكتابة ، وبهاؤها ينتقص بالرواية دون مشاهدة ~~الحال وسماع اللفظ ، وملاحة الشكل في التحرك والتثني ، والترنح والتهادي ، ~~ومد اليد ، ولي العنق ، وهز الرأس والأكتاف ، واستعمال الأعضاء والمفاصل . ~~وقلت لابن القصار الفقيه : لو ناظرته ، وكان يذهب مذهب القلانسي . فقال : ~~الرجل كلف بالمذهب لا يفهمك ما يقول استكبارا عليك ، ولا يفهم ما تقول ~~استحقارا لك . وطلع علي يوما في داره وأنا قاعد في كسر رواق أكتب له شيئا ~~قد كادني به ، فلما أبصرته قمت قائما ، صاح بحلق مشقوق : اقعد ! فالوراقون ~~أخس من أن يقوموا لنا ، فهممت بكلام ، فقال لي الزعفراني الشاعر : احتمل ~~فإن الرجل رقيع ، فغلب علي الضحك ، واستحال الغيظ تعجبا من خفته وسخفه ، ~~لأنه قال هذا وقد لوى شدقه وشمخ أنفه وأمال عنقه واعترض في انتصابه وانتصب ~~في اعتراضه ، وخرج في مسك مجنون قد أفلت من دير حنون . والوصف لا يأتي ms053 على ~~كنه هذه الحال لأن حقائقها لا تدرك إلا باللحظ ، ولا يؤتى عليها باللفظ . أ ~~فهذا كله من شمائل الرؤساء وكلام الكبراء وسيرة أهل العقل والرزانة ؟ لا ، ~~والله ! وتربا لمن يقول غير هذا . PageV01P076 وسمعت الخثعمي الكاتب كاتب ~~علي بن كامة يقول : ما رأيت في طول عمري مع علو سني وكثرة تجارتي تتبعي ~~رجلا أجمع للمخازي والمقابح والرقاعات والجهالات والخساسات والفواحش ~~والخبائث من ابن عباد ؛ أفيل الناس رأيا إذا ارتأى ، وأنكلهم عن الخصم إذا ~~تراءى ، وأقلهم وفاء لمن جعله الله ولي نعمته ، وأوقحهم وجها مع كل إنسان ، ~~ولأحدهم لسانا بكل خنى وفحش ، وأحسدهم لنظير ولمن دون النظير ، وأسعاهم ~~بالفساد على الصغير والكبير ، وأخطبهم على الدين ، وأضرهم للمسلمين ، ~~وأفجرهم من بين العالمين ، فقلت له : ما الذي يمده على ما هو فيه ، وبأي ~~شيء يطرد له ما هو عليه ؟ فقال : لم يبق فيمن فوقه من ينتقد ، ولا فيمن ~~دونه من يزاحم ؛ قد خلا له الجو فهو يبيض ويصفر ، ويتمطى ويبوع ، ويقول ~~سبعا في ثمان ؛ لم يذل لأحد وذل له كل محتاج ، وأمر كل إنسان وما نهاه ~~إنسان ، وضرع إليه كل محتاج ، وما احتاج إلى غيره ، ونشأ على البطر والجنون ~~، وعلى الخلاعة والمجون ؛ فبهذا وأشباهه فسدت أخلاقه ، وساء أدبه ، وبذؤ ~~لسانه ، ووقح وجهه ، وغلط في نفسه غلطا شديدا ؛ وأعجب بعربيته إعجابا بعيدا ~~؛ وهكذا يفسد كل من فقد المخطئ له إذا أخطأ ، والموبخ له إذا أساء ، ~~والمقوم له إذا اعوج ؛ لا يسمع إلا : صدق سيدنا ، وأصاب مولانا ؛ وماله في ~~الزمان ثان ، ولم يعرف فيمن تقدم له نظير . رجل في هذه المملكة الواسعة ~~العريضة على ما ترى من التمكن والاستعلاء ، وهو لا يحصل شيئا من خرابها ~~وعمارتها ، ولا ينظر في مصلحتها ومفسدتها ، ولا يعرف المختلس منها ولا ~~الضائع بين الناظرين فيها . أعمال بائرة ، وبلاد غامرة ، وأموال محتجنة ، ~~وطمع مستحكم ، وضعف غالب وعدو راصد ، ووقت فائت بالفرص ، وخوف مؤذن بسوء ~~العاقبة ؛ وهو قاعد في صدر مجلسه يقول : قال شيخنا أبو PageV01P077 علي ~~وأبو هاشم ، تارة يتقلس ويتعمم ويتلحى ms054 ويناظر العامة ؛ هذا البقال وهذا ~~الخباز وهذا الخلقاني وهذا الإسكاف بالفارسية إما بالدرية ، وإما بالرزاية ~~وإما بغيرهما ؛ ويرى أنه في شيء مهم ، وأنه في نشر مذهب ونصرة دين ؛ وتارة ~~يناغي هذا الأمرد ، ويعاتب هذا الخادم ، وينشد الشعر البارد الذي يورث ~~الفالج : أبا يوسف إن العثانين آفة . . . على حامليها فاتخذ لحية قصدا ولا ~~تك مشغوفا بسحب فضولها . . . ولا تولها إلا الإبادة والحصدا وينشد : قد ~~استوجب في الحكم سليمان بن مختار بما طول من لحي . . . ته التحريق بالنار ~~أو النتف أو الجز . . . أو النشر بمنشار فقد صار بها أشه . . . ر من راية ~~بيطار فإذا أمل الشعر قال : قال سعيد بن حميد لأبي هفان : إن ضرطت عليك ~~لأبلغنك إلى فيد . فقال أبو هفان : زدني أخرى تبلغني مكة ، فإني صرورة . ~~PageV01P078 أ تدري يا أبا فلان ما الصرورة ، وكم لغة فيها ، وما أصلها ، ~~وما نظيرتها ؟ ويقول : ضرب المتوكل على قفحة عبادة فضرط ، فقال : ويحك ما ~~هذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، خليفة يقرع باب قوم فلا يجيبونه ؟ ويقول : ~~مر بعلي بن الحسين العلوي رجل عباسي مأبون ، فقال : من هذا ؟ فقيل : هذا ~~تيس الجن . فقال : ينبغي أن يقال له نعجة الإنس . ويقول : جمع مزبد بين ~~قبحة وصديقها في بيت فتعاتبا ، فأراد أن يجامعها فامتنعت وقالت : ليس هذا ~~موضع ذا ، فسمعها مزبد فقال : يا زانية فأين موضعه أبين القبر والمنبر ~~والله ما بني هذا البيت إلا من جذر القحاب ، ولا وزن ثمن خشبه إلا من أثمان ~~نعال اختطفت في شهر رمضان من المساجد ، وما اشتريت أرضه إلا من السرقة ، ~~وما أعرف موضعا أحق بالزنا فيه منه . وكان ينشد لابن الحجاج كل سخف ~~ويستجيده ويعجب به ؛ أنشد له يوما : يسائلني محمد عن أخيه . . . وعنه وقد ~~بلوتهما شديدا فقلت كلاكما جعس ولكن . . . أخوك ، الحق ، أكثر منك دودا ~~ويقول : امرؤ القيس والنابغة يقصران عن هذا الفن . وينشد أيضا له : ومصرف ~~أنفاس ليث خادر . . . يصدرن عن لهوات كلب رابض PageV01P079 دي لثة غروية ~~الريا وذي . . . لحم مصل في لعاب حامض رث الثيات يحز ms055 منبته دما . . . ~~فكأنما شفتاه شفرا حائض لم أدر ماذا قال إلا أنه . . . ما زال يفسو ضرسه في ~~عارضتي ومن أحاديثه السخيفة التي يتنزه عنها الرؤساء ، قال : قدم أبو فرعون ~~الأعرابي وكان يسمى سلمان البصرة ، فنظر إلى بعض آل المهلب على بابه قد فرش ~~له ، ووصيفة أدماء كأنها طبية قائمة تذب عنه ، فجعل يجمح إليها ويحد النظر ~~، فقال له صاحبها أتشتهيها ؟ قال : إي والذي خلقها . قال : فهل لك أن تكشف ~~عما معك بين يدي وتنكحها وتنكحها وأنا أنظر ؛ فإن فعلت ذلك فهي لك . فلما ~~ألقاها وأخرج متاعه كأنه عمود البيت ، وبرك عليها صاح به الناس : زر ، زر ، ~~فأكثروا عليه ، فاستحيا وفتر وولى هاربا والناس في إثره يصيحون ، وأخذ برأس ~~متاعه وقال : يالك من اير جزيت شرا أقمته حتى إذا اكفهرا واضطربت أعراقه ~~ودرا عاد إلي وجهه مزورا أريد جوا ويريد برا كأنه صاحب ذنب فرا كأنما ألقم ~~شيئا مرا وما عليك أن يقال زرا ؟ وحدث أيضا : قال عبادة : اختصم الحر ~~والحجر في الجلدة التي بينهما ، فكان كل يدعيها ، فتقدما إلى الاير . فقال ~~ليست لأحدكما . PageV01P080 قالا : فلمن هي ؟ قال : هي لي إذا دخلت حططت ~~عليها رحلي ، وإذا خرجت استرحت عندها من كربي . وحكى يوما عن جحظة قال : ~~كانت لي جارية فحبلت ، فقلت لها : يا ملعونة من أحبلك ! قالت : من غرقه يا ~~مولاي . قال : وقيل لعبادة : لم صار الصفع بالقرع على القفا ثقيلا ، وفي ~~الجوف خفيفا ، قال : لأنه ينزل على القفا جملة ويدخل في الجوف تفاريق . ~~وكان ديدنه السخف والخلاعة والمجون ، والرواية عن مزبد المدني وأبي الحرث ~~حمين وعبادة ، وجحظة ونضلة بن البك ومن أشبه هؤلاء . وكان يضع أحاديث من ~~الفواحش على بني ثوابة ويرويها عنهم ويسمهم بها . وكان القوم معاذين منها ، ~~على ما حدثنا شيوخ جلة كرماء لهم دين ومروة . وكان يتكذب على اليزيديين ~~وغيرهم . وكان أكثر هذا فيه ، وإنما كان يتحدث بمثله تبرؤا ونزاهة ، وكان ~~أدنس من الخنزير . ولمثل هذه الخصال كتب إليه أبو راغب ، فتى من آل أبي ~~جعفر العتبي ms056 الوزير بخراسان رسالة هتكه بها ؛ وأنا أرويها لتعلم أني لم ~~أتفرد بتهجينه والنكير عليه ، بل كل حر كريم ، وكل دين مذكور ، وكل ذي مروة ~~ظاهرة معي فيما نثوت عنه وكرهته منه ؛ فإن لم تعبأ بما تسمع مني فاعبأ بمن ~~لعله عندك أشف مني ، ولا تتسرع إلى عيبي هذا الرجل بما قد دونته حتى تتبين ~~الأمر على حقه وصدقه . كتب أبو راغب : أصلحك الله أيها الرجل لنفسك ، فإنك ~~إذا صلحت لنفسك صلحت لقريبك وبعيدك . PageV01P081 أما بعد فإن بعد صيتك ~~بعثني على تصفح شأنك ، وتصفحي لذلك وقفني على أحوال كرهتها لك ، وأنفت منها ~~لمن بلغ درجتك ، والعيب منك مضاعف ، واللسان فيك جوال ، والحقد عليك سريع ؛ ~~ولولا الحال التي أنت عليها من القدرة والتمكن لكان العذر يناضل عنك ، ~~والتوبيخ يتبدد دونك ، وما أحسن ما قال شاعر عصرك في نظمه : ولك أر في عيوب ~~الناس شيئا . . . كنقص القادرين على اللتمام قد خولك الله ما يفوت ذرع همتك ~~، وآتاك ما يتجاوز اشتطاطك في حكمك ، من المال والثروة والرياسة والعلم ~~والقوة والمكانة ؛ ولم يخصك بهذا كله بسابقة لك عنده ، ولا حق لك عليه ، بل ~~كله تفضل في الأول ، واختبار في الثاني ، وثواب أو عقاب في الثالث . ولقد ~~شاهدت وسطي في تعرف أخبارك ، واستعنت كل عين وأذن في معرفة ليلك ونهارك ، ~~فلم أجد في تفصيل ذلك إلا ما يعصب برأسك العار ، ويحشد عليك أسباب الدمار ، ~~وتكون عاقبتك منه دخول النار ؛ لأنك تظهر القول بالوعيد ثم تركب كل بعير ~~كبير ، من أخذ المال المحرم ، واستباحة الحريم المصون ، وقتل النفس المؤمنة ~~، ومساهمة الفسقة الفجرة ، وخدمة الظلمة الغشمة ، وتقديم أهل المجون ~~والعيارة ، وفي عشر هذا سقوط المروة ، والإنسلاخ من الديانة . فيا أيها ~~المدل بالتوحيد والعدل أ هذا كله في مذهبك أو في مذاهب أسلافك ؟ مثل واصل ~~بن عطاء وعمرو بن عبيد ، وأبي موسى المردار ، والجعفرين ؟ PageV01P082 أما ~~كانوا - مع بدعتهم التي شانوا بها وجه الإسلام ، وكادوا بها أهله - مجتهدين ~~في غير ما أنت به راض لنفسك ومصر عليه باغترارك ؟ إن الله ms057 لا يخادع ، ولا ~~منجاة للعبد إلا بالطاعة الخالصة ، والتوبة النصوح ؛ هذا إذا كان الإيمان ~~ساكن صدره والخوف من الله مترددا في أقطار فكره ، واليقين بالمعاد عمود ~~دينه ، والعلم بالجزاء راسخا في فؤاده ؛ فأما إذا كان عاريا من هذا كله فهو ~~الكافر بعينه الذي سمعت به ، وعاقبة الكافرين ( جهنم يصلونها وبئس المصير ) ~~. والله ما حركتني لنبذ هذا الكلام إليك حيبة عليك ؛ لأني لم أنتجعك ، ولم ~~أطمع في مالك ، ولا عرفت وجهي ، ولا سمعت باسمي ، لكن أبت نفسي أن تقر على ~~الجهل بحالك ، وبدخلة ما يكون أمثالك ، فآثرت نصيحتك ؛ فإن النبي صلى الله ~~عليه قال : ' الدين النصيحة ' . وما أخوفني أن تكون جرأتك على هتك حرمات ~~الدين ، ومعارضة الصالحين ، مع العكوفة على الخسران المبين ، إنما قويت ~~وربت لأنك شارد على ربك ، نافر من دين نبيك ، مدع له بلسانك ، شاك فيه ~~بفؤادك ، متعجب ممن له إخلاص ، أو له بالدينونة اختصاص ؛ والويل لك إن كنت ~~بهذا قانعا من نفسك في الحال الأولى ، ثم الويل لك مع الثبور إن كنت جاهلا ~~بما عليك في الحال الأخرى . حدثني أي أمر أنت فيه على رشد ، وآخذ منه ~~باحتياط ؟ أما أنت عليه مع الغلمان المرد الجرد ؟ أم ما أنت مشهور به من ~~المجانة والسخف ؟ ثم تدعي الإطعام للخاص والعام ، وقد شاهدنا فوجدنا على ~~بابك قوما يضربون بالمقارع وجوه الناس ، ويحطون على رؤوسهم العذاب ، طردا ~~لهم وإبعادا ، أ فما هذا بأمرك وعينك وأذنك ؟ فلم تتكلف ما لا تقر به ؟ ولم ~~تدعي مالا تسلم فيه ؟ لقد وقفنا عيانا من استخفافك بالأحرار ، PageV01P083 ~~ووضعك من ذوي الأقدار ، وكفرك بولي نعمتك ، وتعريك من كل شبهة في أمرك ، ما ~~لو تنفسنا به بين الناس ، أو رسمناه بالقلم بالقرطاس ، لكان ذلك زائدا على ~~تمرد فرعون ، وكفر أبي جهل وجرأة ديك الجن . لقد قيست مروتك إلى مروات قوم ~~قرفوا بالزندقة فوجدت مرواتهم فوق ديانتك ، ولقد رأينا قوما لم يتحلوا ~~بالدعوى تحليك استنفدوا قوتهم في طلب مرضاة مؤمليهم ومنتجعي قطرهم ، وبلغوا ~~من ذلك المبالغ . وأنت مع تمكنك ويسارك ms058 لم تسمح من الشاة بظلفها ، ثم ملأت ~~الدنيا بقباقا بالامتنان على الصغير والكبير ، كأنك خالق الخلق وباسط الرزق ~~. انظر أيها الرجل أي آخر سوء لك ؛ والله إنك شديد الثقة ، وقد قيل : رب ~~واثق خجل . أيها الرجل ! ما طار طير فارتفع . . . إلا كما طار وقع أما ~~تعتبر بما آل إليه أمر ذي الكفايتين مع ذلك البأو والخنزرانة ؟ أما رأيت ~~بعينك في هذه السنين ما يحدوك على الأخذ بالوثيقة لنفسك ؟ وكف اليد عن كثير ~~مما يوتغ دينك ، ويهشم أنف مروتك ، ويقطع عرق أبوتك ، ويهيج الألسنة على ~~تبكيتك ، ويبسط الأيدي في الدعاء عليك ، ويحشو القلوب في الدعاء عليك ، ~~ويحشو القلوب تمني زوال دولتك . فاتعظ بقول الشاعر : يا أيها الباغي على ~~الأحرار . . . ثقة بلين مقادة الأقدار لا تغترر بمدى تطاول حينه . . . ~~فالظلم يقصر من خطى الأعمار PageV01P084 والعيش نهلة وارد ولربما . . . سدت ~~عليه مدارج الإصدار وأختم قولي هذا بما قال بعض السلف لأصحابه ، قال : ~~أحذركم الدنيا وأخوفكم يوم التناد ، يوم لا يعرف لخير أمد ، ولا ينقطع لشر ~~أمد ، ولا يعتصم من الله أحد . وأرجو أن تسمع ما صدقت القول فيه بانتصاح ، ~~وتعرف ما تؤتيه بارتياح ، والسلام . قال : ويقول أيضا : قال أبو العيناء ~~لحجاج الكاتب : ابنك في أي شيء هو من النحو ؟ قال : هو في باب الفاعل ~~والمفعول . قال : هو إذن في باب والديه . ويقول : قيل لأعرابي : اشترى ~~الأمير سراويل من فنك . قال : التقى الثوبان . وينشد : شيخ لنا يعرف ~~بالخلدي . . . يريده في غلظ المردي أدخلني يوما إلى داره . . . فناكني ~~والاير من عندي قال الخثعمي : وهو في هذا اكله على نزق فيه شديد ، وقهقهة ~~عالية ، وتفكك قبيح ، وسيلان منكر ، وشمائل مندثرة . الويل له ! هلا ترك ~~هذه السخافات والحماقات على قوم يليق بهم هذا النمط ، وأقبل على الدولة ~~فنظم مختلها ، وسدد التي ليس لها محصول . يا قوم ! أي دين يصح له وقد قتل ~~آل العميد ؟ وأي وفاء يسلم له وقد سم أولاد بويه الذي هو ولي نعمته ، وحافظ ~~مهجته ، وباسط يديه ، وبه نال ما نال ، وبلغ ما بلغ ms059 ؟ وأي مروة تبقى له ، ~~وهو يمن بالقليل إذا أعطى ؟ وأي كرم يعتقد فيه ، وهو يغر PageV01P085 الآمل ~~ويسحبه على الوعد حتى إذا انتهى فقرا أو ضجرا حرمه حرمانا يابسا ، ورده ردا ~~مرا ، وأعطاه شيئا قليلا وقحا ؟ وهل تجد فيمن تقدم عنده ونفق عليه غير ابن ~~المنجم وهو يعبث بلحيته وهامته ؛ ويسخر منه ويضحك به ؛ ويعمل له الشعر في ~~النوروز والمهرجان وغيرهما ، ويسمعه في هيئة يوم المحفل ، ويطرب على إنشاده ~~ويقول : ما أحسن شعرك ! وما أسلس طبعك ! ويطيعه على ذاك ، ويتقدم إليه ~~بالقيادة وبكل ما لا يجيزه الدين والمروة ؛ وكذلك ابن نجم الآخر أبو محمد ~~جبس جاهل صلف ، وسبيله وحديثه أو يقول : وردت على مولانا الصاحب ، وأنا ~~كالبدر إذا طلع ، فعشقني وعشق عذاري وهام بسببي ورزقت منه ، وخففت على قلبه ~~، وحظيت عنده ، وكان يعجبه مني ما لا يجوز التحدث به . وصدق الخثعمي في هذا ~~كله ؛ كان أبو محمد يقول ما هو أكبر مما قال ، وكان مع ذلك في مسك كلب خسة ~~ولؤما وطمعا ؛ رأيته يوما وقد كتب لإنسان كتابا بمكنسة أخذها منه وجعلها في ~~كمه . وقضى لآخر حاجة بعشر باذنجانات ، والباذنجان إذ ذاك بالري مائة بدانق ~~. وقال أيضا الخثعمي : وهل يتقدم عنده إلا هؤلاء الهوج الطغام الذين يجوبون ~~الدنيا ، ويدخلون كل ميدان ، ويسخرون منه فيقولون : فعل مولانا ، وكان ~~مولانا ، وما رأينا مثل مولانا ؛ وإن رأى مولانا أمكننا من نسخ رسائله وكتب ~~ألفاظه ، فإذا سمع هذا وأشباهه ماع وسال وترجرج وذاب وأعطى عليه وجاد . ~~وقال أيضا : كيف يدعى له التبريز في كل علم وهو لا يعرف النحو إلا ما جل ~~منه ، ومن الكلام إلا ما وضح ؛ ثم هو في اللغة على تصحيف شديد ، وتخليط ~~كثير ، وفي الأخبار على تمويه لا يخفى على مميز ؛ وقد أفسد رسائله بطريقة ~~المتكلمين ، وأفسد طريقة PageV01P086 المتكلمين بطريقة الكتاب ، وكذلك ~~النحو واللغة والحديث ، وهذا وصف لا يدفعه إلا مكابر . وصدق هذا الشيخ ، ~~فإني رأيت ابن ثابت البغدادي المحدث ، وقد سأله عشية يوم عن قول النبي صلى ~~الله عليه : ' قوموا ms060 صفوفكم فتراصوا ، لا تتخللكم الشياطين كأنها بنات ~~الحذف ' : ما الحذف ؟ فلم يجبه وقال : سأقول لك ، وأخذ في حديث آخر . قال ~~الخثعمي : وهو مع هذا كله يكذب صراحا في كل شيء ، يقول : كان عندنا معلم ، ~~وسئل عن ' يوسف ' أ ذكر هو أم أنثى ؟ فقال : ' يوسف ' يذكر ويؤنث ، ألا ترى ~~إلى قول الله عز وجل : ( يوسف أعرض عن هذا ) ، ثم قال : ( واستغفري لذنبك ) ~~، وقد اجتمعت له العلامتان . واكن هذا ينسبه إلى إنسان معروف بالأدب ، ~~ولكنه كان يحمق ابن عباد وينث مخازيه ، فكان هذا يضع عليه نوادر باردة . ~~قال : ويقول : دخلت بغداد فلقيت أبا سعيد السيرافي ، وعلي بن عيسى ، ~~والمراغي ؛ وناظرت المراغي في ' عسى ' و ' لعل ' و ' كاد ' وغير ذلك فأبرزت ~~وذكرت ، وأشير إلي بالأصابع ، وفسح لي في المجامع ؛ وكذلك ناظرت فلانا ~~وفلانا ، وأفدتهم أكثر مما استفدت منهم . وسألت أنا أبا سعيد عن هذا فقال : ~~سبحان الله ! وسكت استعظاما لهذا الحديث ونفيا له . وهو كما أومأ إليه . ~~PageV01P087 وقلت للمراغي : أ كان لهذا الحديث أصل فقال : لا ، والله . ~~وقال الخثعمي : وهل يدل ولوعه بالعروض إلا على سوء الطبع وقلة التأتي ؟ ~~وكان أخذها عن البديهي ، وإنما ردؤ شعر البديهي أيضا لمثل هذا ، وبلغ من ~~جنونه عليها أعني العروض أنه كان يلقيها على كل إنسان ، ويطالب به كل شاعر ~~وكاتب ، حتى أخذ في هذه الأيام يلقن غلاما تركيا وآخر قوهيا وآخر زنجيا ؛ ~~وكان يظهر بهذا وما أشبهه الحذق والبراعة والتخريج . ثم ينظر في كتاب ' ~~الفصيح ' ، ' ومختصر ' الجرمي ، ويقول : ما رأيت كاتبا يخطئ إلا من هذا ، ~~ولا يلحن إلا من هذا . وهذا - حفظك الله - منه مغالط ، إن الكاتب قد يخطئ ~~من غيرهما أيضا ، وهو ذاك المخطئ المحرف إذا وزنت كلامه بالقسطاس ، ~~واعتبرته بالقياس على ما أوضحه العلماء والنحويون ، قال : ومن أراد ذلك ~~بينت له ، فليس الباب دونه مغلقا ولا الطريق إليه متعسفا . ثم قال الخثعمي ~~: وهل مداره إلا على السخف والجبه والمكابرة والبهت ، يقول فيمن هو أكتب ~~منه وأعف وأسرى : حجر أبي نصر بن كوشاد . . . أوسع من ms061 مصر وبغداد قلت له : ~~هل لك في فيشة . . . فقال مولاي وأستاذي أ فهذه مخايل ذوي الأقدار والرياسة ~~؟ أم مخايل أصحاب الرعاع والسفلة ؟ وهل شاع القول بتكافؤ الأدلة في هذه ~~الناحية إلا به ؟ وكثرا المراء والدل والشك إلا في أيامه ، لأنه منع أهل ~~القصص من القصص والذكر والزجر والمواعظ والرقائق ، ومنع من رواية الحديث - ~~وقال : ' الحديث ' حشو - وتفسير القرآن ، ونشر التأويل ، وسماع قول الصحابة ~~والتابعين ، وما يعنى بين الحلال والحرام ، ويتعلق بجلائل PageV01P088 ~~الأحكام ، وطردهم ونفاهم ؛ منهم : ابن فارس ، والروياني ، وابن بابويه ، ~~وابن العطار ، وابن شاذان ، والبلخي ، وفلان وفلان ؛ وأجلس النجار يخدع ~~الديلم بالزيدية ، وزعم أنه على مقالة زيد بن علي ورأيه ودينه ومذهبه ، ~~وزيد يعلم الله - بريء منه ، لفسقه وفجوره وتهتكه وظلمه وغصبه ونهبه وقتله ~~النفس المحرمة ، وأخذه الأموال المحظورة . أترانا لا نعرف مذهب زيد ، وأن ~~جميع ما هو فيه مخالف للدين والإسلام . وقال الخثعمي : زعم أنه إنما منع ~~المذكرين والقصاص لئلا يفشو الحشو والتشبيه ولئلا ينشئوا عليه الصغير ~~والكبير ، فهلا منع من الكلام والجدل لئلا يفشو الإلحاد ، ولا تكثر الشبه ؟ ~~ثم يجلس لأصحاب الحديث ، ويروي ويفسل ويكذب ويختلق الإسناد ويبتك المتن . ~~فأي عيب لم يظهر به ولم يغلب عليه ؟ وأي خزي لم يبن ولم يكثر ؟ وأي فعل سيء ~~لا فعله ؟ أ ليس هو سبب كل قبيحة ، وفاتح كل باب شر ؟ فما هذا الغلط فيه ؟ ~~وما هذا التعصب له ؟ وما هذا اللجاج بسببه ؟ أ من العدل الذي يدل به في ~~مذهبه أن يجور ويغصب ، ويقتل ؟ أم من التدين ب ' التوحيد ' أن يركب الفاحش ~~ويأتي القاذورات ؟ ويخلو بالأبن والسوءات ؟ ويتسنم الكبائر المبيرات ؟ ثم ~~يبني دارا يسميها دار التوبة استهزاء وسخرية وسخنة عين ؟ أم من المعروف أن ~~يتعاطى كل منكر قولا وفعلا ؟ PageV01P089 إني لأظن أن من ينصر هذا الرجل ~~لأعمى أصم قد أسلمه الله من يده ، وألجأه إلى الشيطان قرينه . أم من العقل ~~والمروة والكرم والفتوة أن يقول : أين مائدتنا من مائدة مطرف ؟ يعني أبا ~~نصر مطرف بن أحمد وزير مرداويج الجبلي ، وكان ms062 أكرم الناس ؛ ومن مائدة ~~المهلبي ؟ ومن مائدة ابن العميد ؟ وأين طعامنا من طعامه ؟ وأين إطعامنا من ~~إطعامه ؟ وكان أبو الفضل سيدا ، ولكن لم يشق غبارنا ، ولا أدرك شوارنا ، ~~ولا مسح عذارنا ، ولا عرف عرارنا لا في علم الدين ، ولا فيما يرجع إلى ~~منافع المسلمين . فأما ابنه فقد عرفتم قدره في هذا وفي غيره ؛ طياش قلاش ، ~~ليس عنده إلا قاش وقماش ، مثل ابن عياش والهروي والحواش . يا قوم ! هذا ~~كلام من له عقل ويرجع إلى رزانة ؟ ثم يقول في مجلسه : أنا الذعاف لمن حساني ~~، والجراف لمن عصاني ، والجحاف لمن عناني أو حرك عناني ؛ أخمصي فوق هامة ~~الدهر ، أين ابن الزيات منا ؟ أين ابن خاقان من غلامنا ، يعني أبا العياس ~~الضبي ، ومن علي بن عيسى الحشوي ، ومن ابن الفرات الأرعن ، ومن ابن مقلة ~~PageV01P090 الخطاط ، ومن الحسن بن وهب الضراط ؟ هل كانوا إلا دوننا إذا ~~ذكرت سيادتنا ، وشوهدت سعادتنا . ولدت والشعرى في طالعي ، ولولا دقيقة ~~لأدركت النبوة ، وقد أدركت النبوة إذ قمت بالذب عنها والنصرة لها ؛ فمن ذا ~~يجارينا ويمارينا ويبارينا ويهادينا ويضارينا ويسارينا ويشارينا ؟ وكاد ~~الخثعمي لا يقطع هذا المجلس لطول ما مر فيه ، وشدة ما أهمه منه . فهذا كما ~~ترى . وقلت للمسيبي يوما : لم انقطعت عن هذا الرجل ، وقد كان محسنا إليك ، ~~مقدما لك ، معجبا بك ؟ فقال : الصبر على الرقاعة معوز ، ومكاذبة النفس ~~وخداع العقل من الكلف الشاقة والأمور الصعبة ، ولعن الله الرغيف إذا لم يصب ~~إلا بضعة النفس ، وغضاضة القدر ، وكد الروح ، ومفارقة الأدب الحسن ، ودنس ~~العرض النقي ، وتمزيق الدين المعتقد ، وكسب الزور المحبط ، وإزالة المروة ~~المخدومة ؛ وإني لكما قال الشاعر : وإني على عدمي لصاحب همة . . . لها مذهب ~~بين المجرة والنسر وإن امرءا دنياه اكبر همه . . . لمستمسك منها بحبل غرور ~~وسمعته يقول لابن ثابت : جعلك الله ممن إذا خرئ شطر ، وإذا بال قطر ، وإذا ~~فسا غبر ، وإذا ضرط كبر ، وإذا عفج عبر . وهذا سخف لا يليق بأصحاب الفرضة ، ~~والذين نشؤوا بالمزرفة ، واختلفوا إلى الخندق ودار بانوكه والزبد والخلد . ~~PageV01P091 وسمعته يقول ms063 : أنشدني صقلاب ، وابن باب ، وقرأت على ابن البواب ~~، وسمعت من ابن الحباب ، ورويت لأبي المرتاب الدباب كل شيء عجاب . ولقد ~~تحير المهلبي مني ، وعرف معز الدولة فضلي وأدبي وأكبر قدري ، وبلغ الحد ~~الأقصى في أمري . وأنشدني أو دلف الخزرجي عندما رأى من كلفه بالمذهب ~~وإفراطه في التعصب : يا بن عباد بن عبا . . . س بن عبد الله خذها تنكر ~~الجبر وقد أخ . . . رجت للعالم كرها وكان إذا نشط واهتز لا يسمع منه إلا ~~حديث عبادة وجحشويه وأمثال هؤلاء . وكان يضع على بني ثوابة كل حكاية غثة ~~فاحشة ؛ وكان إذا أراد أن ينفي عن نفسه ما يقرف به ، قال : قيل لقاضي ~~الفتيان : نيك الرجال ريبة . فقال : هذا من أراجيف الزناة . وقيل لابن ~~ماسويه : الباقلى مقشورة أصح في الجوف . فقال : هذا من طب الجياع . وقيل ~~للوطي : إن اللواط إذا استحكم صار حلاقا قال : هذا من توليد أصحاب القحاب . ~~فأما الذي يدل على كلام المبرسمين والمجانين ومن قد شهر بالصرع ~~والماليخوليا فما سمعته يقول لشيخ خراساني قد دعا به وأكرمه وتوفر له وكلمه ~~؛ PageV01P092 فسمعته يقول : ما يجب أن يكون لا يقتضي ، وما يكون منه لا ~~يجب أن يكون ، وقد يجب أن يكون ما يكون ، ويكون ما يجب أن لا يكون ، وإنما ~~لا يكون ما يجب أن يكون ، ويكون ما يجب أن لا يكون ؛ لأن ما لا يجب أن يكون ~~ليس في وزن ما يكون ، والكون والوجوب لا يتلازمان ، بل يجتمعان ثم يفترقان ~~، والاجتماع والافتراق عليهما جاريان ؛ فلهذا يرى الواجب كائنا والكائن ~~واجبا ، وما أكثر من يظن أن الكون متضمن الوجوب ، والوجوب متضمن الكون ، ~~وتحصيل الفضل بينهما بالنظر من سحر العقل . وهذا فن لم أجد فيه لمشايخنا ~~شوطا محمودا ، ولعلي أملي فيه كلاما بسيطا بجميع ما يكون شرحا له إن شاء ~~الله . فلما خرجنا قلت للشيخ الخراساني ، وقد أخذنا في المؤانسة وتجاذينا ~~أطراف الحديث كما قال الشاعر : أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا . . . وسالت ~~بأعناق المطي الأباطح كيف سمعت الليلة ذلك الكلام في الكون والإيجاب ؟ فقال ~~: يا ms064 حبيبي ! إما أن يكون هذا الرجل مرحوما في أيديكم أو تكونوا مرحومين في ~~يده . أما في بلدكم مارستان ؟ أما للسلطان شفقة على هذا الإنسان ، أما له ~~من يأخذ بيده وينصح له في نفسه ويكسح هذا الجزء من عقله ، إنا لله وإنا ~~إليه راجعون ؛ غم علي باسمه عندنا بخراسان ، وطنز بنا به في تلك البلدان ، ~~وقد كان ، والله ، يلوح خلل كبير لقوم من أهل العقل والأدب والحكمة من ~~رسائله ورقاعه ، وكانوا يحملون الذنب على الوراقين . وقال يوما آخر لابن ~~القطن أبي الحسن الفقيه المتكلم : أيها الشيخ أنت على الحق ؟ قال : نعم . ~~PageV01P093 قال : والله الحق ؟ قال : نعم . قال : فأنت على الله . فقال ~~القصار : الحمد لله على سرعة هذا الانقطاع ، وسطوه هذا البرهان ، ولزوم هذا ~~الحكم . فلما خرج قلنا له : هلا فصلت أيها الشيخ وقد عرض بك ، وتضاحك عند ~~الإشارة إليك ؟ فقال : وما منا قلتي رجلا لو كان في المارستان مغلولا لكنت ~~لا آمن جانبه إذا كلمته ، فكيف وهو مطلق مطاع ، ونعوذ بالله من مجنون قادر ~~مطاع ، كما نعوذ به من عاقل ضعيف معصي ؛ ثم قال : وهذا الكلام من صاحبه سوء ~~أدب ، وضعف عقل ، وجسارة نفس ، واجتلاب مقت ، وقلة دين ؛ إن الحق الحق ~~اسمان يقعان بالاشتراك في اللفظ على معنيين مختلفين ، وأنا على الحق ، ولكن ~~الحق الذي ضده الباطل ، ولست على الحق الذي لا ضد له ؛ والحق يطلق على الله ~~ويراد أنه محقق ، والحق يطلق على ما عداه ويراد به أنه محقق ؛ والله الحق ~~المحق المحقق ، وما جاوزه فهو الحق المحق المحقق ؛ وإذا قيل في وجه آخر : ~~الله محقق فالمراد به غير هذا ، لأنه يراد به أنه مثبت موجود ، ومعتقد ~~مشهود له بالوحدة والقدرة والحكمة والمشيئة . وحدثنا ابن عباد يوما قال : ~~ما قطعني إلا شاب ورد علينا أصبهان من بغداذ ، فقصدني فأذنت له ، وكان عليه ~~مرقعة ، وفي رجله نعل طاق . فنظرت إلى حاجبي ، فقال له ، وهو يصعد إلي : ~~اخلع نعلك ، قال : ولم ؟ ولعلي أحتاج إليها بعد ساعة ، فغلبني الضحك وقلت : ~~أ تراه يريد ms065 أن يصفعني بها . وقال لي علي بن الحسن الكاتب : هجرني في هذه ~~الأيام هجرا أضر بي ، وكشف مستور حالي ، وذهب علي أمري ، ولم أهتد إلى وجه ~~حيلة في مصلحتي ، وورد المهرجان فدخلت عليه في غمار PageV01P094 الناس ، ~~فلما أنشد يونس تقدمت وأنشدت ، فلم يهش لي ولم ينظر إلي ، وكنت ضمنت أبياتي ~~بيتا له من قصيدة على روي قصيدتي ، فلما مر به هذا البيت هب من كسله ونظر ~~إلي كالمنكر علي ، فطأطأت رأسي ، وقلت بصوت خفيض : لا تلم ، ولا تزد في ~~القرحة ، فما علي محمل ؛ وإنما سرقت هذا البيت من قافيتك لأزين بها قافيتي ~~، وأنت بحمد الله تجود بكل علق ثمين ، وتهب كل جوهر مكنون ، أ تراك تشاحني ~~على هذا القدر ، وتفضحني في هذا المشهد ؟ فرفع رأسه وصوته وقال : يا بني ~~أعد هذا البيت . فأعدته ، فقال : طنان والله ! يا هذا ! ارجع إلى أول ~~قصيدتك ، فقد سهونا عنك ، وطار الفكر بنا في شيء آخر ؛ والدنيا مشغلة ، ~~وصار ذلك ظلما لك لا عن قصد منا ولا تعمد . قال : فأعدتها وأمررتها وأطربت ~~بإنشادها ، وفغرت فمي بقوافيها ؛ فلما بلغت آخرها قال : الزم هذا الفن فإنه ~~حسن الديباجة ، وكأن البحتري قد استخلفك ، وأكثر بحضرتنا وارتفع بخدمتنا ، ~~وابذل نفسك في طاعتنا نكن من وراء مصالحك بأداء حقك والجذب بضبعك ، ~~والزيادة في قدرك على أقرانك . قال : فلم أر بعد ذلك لا الخير ، حتى عراه ~~ملل آخر ، فعاد إلى عادته ، ثم وضعني في الحبس سنة ، وجمع كتبي وأحرقها ~~بالنار ، وفيها كتب الفراء والكسائي ، ومصاحف القرآن ، وأصول كثيرة في ~~الفقه والكلام ، فلم يميزها من كتب الأوائل ، وأمر بطرح النار فيها من غير ~~تثبت ، لفرط جهله وشدة نزقه . PageV01P095 أفهذا يا قوم من سيرة أهل الدين ~~، أو أخلاق ذوي الرياسة ، أو من جنس ما يعتاد ممن له عقل أو تماسك ؟ وهلا ~~طرح النار في خزانة كتبه على قياس هذا ؟ فإن فيها كتب ابن الروندي ، وكلام ~~ابن أبي العوجاء في معارضة القرآن بزعمه ، وصالح بن عبد القدوس ، وأبي سعيد ~~الحصيري مع غيره من كتب ms066 أرسطا طاليس وأشباهه . ولكن من شاء حمق نفسه . كان ~~الأقطع المنشد الكوفي يقول كثيرا : لو لم تستدل على جنون هذا الرجل وقلة ~~دينه وضعف عقله إلا بنفاقي عليه لكفى ؛ لأني رجل قطعت في اللصوصية ، فما ~~قولك في لص مقامر ؟ أقود وألوط وأزني وأنم وأضرب ، وليس عندي من خيرات ~~الدنيا شيء ؛ لأني لا أصلي ولا أصوم ، ولا أزكي ولا أحج ، ونشأت في المساطب ~~والشطوط والفرض والمواخير ، ومشيت مع البطالين سنين وسنين ، وجرحت وخنقت ~~وطررت ونقبت وقتلت وسلبت وكذبت وكفرت وشربت وسكرت وشابكت وساكنت وماحكت ~~ودامكت . ولم يبق في الدنيا منكر إلا أتيت ، ولا خنى إلا ركبت ؛ وهو على ~~هذا يغريبي ويلج معي ويؤذيني ويمنعني من الرجوع إلى بيتي وامرأتي ، قد ~~حبسني في داره هكذا ، فإذا اغتلمت جلدت عميرة ضرورة . وصدق هذا الشيخ ، كذا ~~كان مذهبه ، وعليه شاخ ، ولكن ابن عباد كان يتعلم منه كلام المكدين ، ~~ومناغاة الشحاذين ، وعبارة المقامرين ومن يصر في اللعب بالكعبتين ، ~~PageV01P096 ويضجر ويكفر وينخر ويشق المئزر ، ويبزق في الجو ؛ وكان لا يجد ~~هذا عند أحد كما يجده عنده ، فلذلك كان يتمسك به . وكان الكوفي هذا ، مع ما ~~وصفناه ، طيبا مليحا نظيفا فصيحا ، وهو الذي حدثنا عن بعض أصحابه في ~~المسطبة . قال : قلنا له : إنك تحب الطيب ، وتلهج بالنكاح وتفرط . قال : ~~فقال لنا : والله ما أقتدي في هذا إلا بنبينا صلى الله عليه ، فأنه قال : ' ~~حبب إلي من دنياكم ثلاثة الطيب والنساء ' . قال : فقلنا له : ففي الخبر : ' ~~وجعلت قرة عيني في الصلاة ' وأنت لا تصلي أصلا . فقال : يا حمقى لو صليت ~~لكنت نبيا ، وقد قال صلى الله عليه : ' لا نبي بعدي ' . ورأيت الأقطع هذا ~~واقفا بين يدي ابن عباد في صحن الدار ، وذاك أيضا واقف ، فطلع أبو صالح ~~الوراق ، فقال ابن عباد حين نظر إليه وإلى لحيته المسرحة : ولحية كأنها ~~القباطي فقال الأقطع بلا وقفة : جعلتها وقفا على ضراطي وكان أبو صالح هذا ~~يقول : أنا من ولد محمد بن يزداد الوزير . وكان ابن عباد يطالب الأقطع بأن ~~يحفظ قصائده ms067 في أهل البيت وينشدها الناس على مذهب النوح ، وكان يعطيه على ~~كل بيت درهما ، وإذا لم يحكم ضربه لكل بيت ضربة بعصا عجراء . فكان الأقطع ~~المسكين كل يوم يضرب . فقلت له : من كلفك الصبر على هذا الضرب ؟ احفظ كما ~~كنت تحفظ واربح الدراهم ، وتخلص من الألم . PageV01P097 فقال : والله لو ~~ضربني بكل عصا في الأرض كان أخف علي من حفظ شعره الغث ، وإنشاد قافيته ~~الباردة ، والله وإن شعره في أهل البيت خراء . فهذا قوله . وكان لا يدع ~~الأقطع لينصرف إلى منزله ، وكان يشكو الشبق ، وكانت امرأته تأتيه في كل ~~قليل إلى دهليز الباب وتغير ثيابه ، وتصلح أمره ، وتحدثه وتنصرف بشيء معه ~~قد جمعه فصادف الأقطع يوما الدهليز خاليا ، وكانت الهاجرة منعت من الحركة ، ~~فراودها وطرحها في المكان المتخطى وتقممها وأخذ في عمله ، فرمقه بعض ~~الستريين فعدا ورفع الحديث إلى ابن عباد ، وذكر الحال والصورة ، فهاج من ~~مقيله البارد ومكانه الظليل ، وحشيته التي قد استلقى عليها ، حاسرا حافيا ، ~~قد جعل طرف كمه على رأسه بلا سراويل ، ولقط قدمه لقطا حتى وقف على الأقطع ~~وهو يكوم يولج ويخرج ويرهز ذاهب العقل . فقال له : يا أقطع ويلك يا ابن ~~الزانية إيش هذا في داري ! ؟ فقال : أيها الصاحب ! اذهب ليس هذا موضع ~~النظارة ، هذه امرأتي بشهود وعدول وعقد وقبالة ، اذهب اذهب ، يهذي ولا يعقل ~~حتى أفرغ ، وسيدي على رأسه يضحك ويصفق ويرقص . ثم أخذ بيده على تلك الحال ، ~~وهو يشد تكته ، وابن عباد يعينه ، وأدخله إلى مقيلة يعاتبه ويسأله عن العمل ~~والحال ؟ وكيف استطابه وكيف هاج ؟ ثم خلع عليه ، ووهب لامرأته ثيابا وطيبا ~~. أ فهذا من المروة والفضيلة وأدب الرياسة وآيين الوزارة ؟ أ هكذا كانت ~~البرامكة وهو لا يرضاهم ؟ PageV01P098 أم هكذا كان حامد بن العباس ، ~~والعباس بن الحسن ، وآل الفرات ، وآل الجراح ، وهو لا يزنهم بشيء فيمن تأخر ~~؟ إن من يستحسن هذا وأمثاله ، ويعذر أهله في الرياسة والجلالة لضعيف ~~النحيزة سليب المروة ؛ وإن من ينظر هذا وشبهه لصفيق الوجه قليل المعرفة . ~~وقال لابن الزيات المتكلم ms068 يوما في مناظرته : لا تعبث بلحيتك . فقال ابن ~~الزيات : وما عليك منها ؟ هي لحيتي . قال : أنا سلطان . قال : أ في عهدك ~~النظر في لحيتي ؟ قال أصحابنا : بل قال له : أنا سلطان ، وإذا خرجت من عندي ~~ولحيتك على غير الشكل الذي دخلت علي به ظن الناس أني ظلمتك فيها عند ~~المناظرة والخلاف ، وأنا أحب صيانتك وصيانتي عند الناس بسببك . وقلت لابن ~~الزيات ببغداد : كيف رأيت ابن عباد ؟ قال : هو كالحر ، لا يرجع إليه من خرج ~~منه . وقلت للجيلوهي الشاعر ، وكان شيخا له تجربة ومعرفة بأيام الناس ~~ومشاهدة : حدثني عن ابن عباد . PageV01P099 قال : مغرور من نفسه لمواتاة ~~جده ، وتصديق ذوي الأطماع في جميع دعواه ، وما أحوجه إلى إنصاف الناس من ~~نفسه بأحد شيئين : إما بأن لا يدعي الكمال ، أو بأن لا يبكت الرجال ؛ فلا ~~هو بريء من النقص ، ولا هو غير مستحق للتبكيت ؛ وليس من لا يمكن أن يواجه ~~بالنقص الذي فيه وبالتوبيخ الذي يستحقه على فعله ، ليد له في السلطان قوية ~~، وشمس له في الدولة طالعة - ينبغي أن يركب هاك الناس ويأكلهم بلسانه ؛ ~~فريح الدولة قد تركد ، والضعف يزول ، والحشم يتحول ، وقد يقال وراء ظهره ما ~~يربي على ما هو عليه ، ولو قصر يده على فضله الذي له لم تشل ، ولو وقف قدمه ~~عند غايته لم تزل ، ولكنه يجري طلقا ثم يكبو ، وينصلت للقراع ثم ينبو ، ~~ويتطاول إلى ما لا يناله ثم يخبو ؛ وهذا طريق الجاهلين المغترين . ثم قال : ~~والكذب من آفاته ، وهو خلق يعر المروة ويشين الديانة ، ويسقط الهيبة ، ~~ويجلب الخزي ، ويستدعي المقت ، ويقرب الموت ؛ وقل من لهج به إلا كان حتفه ~~فيه ، وما رئي شيء أمحى لنضارة الوجه ولبهجة العلم ولزينة البيان منه . قال ~~: وعلى ذلك فما رأيت رئيسا يحسن ما يحسن من الإحسان إلا هو مردود بالتنكد ، ~~لأنه ما هنأ قط بنعمته ، ولا أمتع بإحسانه . ولا ترك له يدا بيضاء عند أحد ~~إلا وكر عليها بالتسويد . قال : وقد شاهدت النافقين عليه ، والمتقدمين لديه ~~، ووقفت على مواتهم ووسائلهم وأسبابهم ms069 وذرائعهم فلم أجد فيهم إلا مخشي ~~اللسان استكف شره بالإحسان كالخوارزمي وغيره ، أو مرتبطا لأمر يراد منه لا ~~يفي به سواه كالهمذاني ومن جرى مجراه ، أو ملعوبا به قرب على ظنه وريبة ~~وحال زائدة على القبح والفضيحة ، كفلان وفلان وهم الدهم ؛ ولم أجد في ضروب ~~المتوسلين إليه ، بعد هؤلاء ، من وصل إلى درهم من ماله إلا ببذل النفس ~~وإذالة العرض ، ومواصلة البكور والرواح واستنشاق الغبار والرياح وتجرع ~~العبط والكد ، ومزاحمة أهل الجهل والنقص ، ومغالبة ذل الحجاب وسوء أدب ~~البواب والرضا بالهزء والسخرية ؛ وما ابيضت له يد عند أحد ، ولا ~~PageV01P100 تمت له نعمة على أحد ، لملله وحسده ، وضجره ونكده ، وامتنانه ~~وكثرة ذكره لفضله ومدحه لنفسه . والعرب تقول في حكمها : المنة تزري ~~بالألباء . على أن عطاءه لا يزيد على مائة درهم وثوب إلى خمسمائة ، وما ~~يبلغ إلى ألف نادر ، وما يوفي على الألف بديع ، بل قد نال به ناس من عرض ~~جاهه على السنين ما يزيد قدره على هذا بأضعاف ، وعدد هؤلاء قليل جدا ، وذلك ~~أيضا بابتذال النفس وهتك الستر ، والإفراج عن الدين والمروة والعرض والأنفة ~~. قال : وأي عقل يكون لمن يقول : لم يكن في الدولتين الأموية والعباسية ~~مثلي ، وهذا الكلام قد دونه في بعض كتبه ؛ وقد حكيت هذا بمدينة السلام ~~فسمعه قوم كرام يرجعون إلى فضل كثير وبصائر حسنة منهم ابن البقال الشاعر ، ~~ومحسن ابن التنوخي ، وابن فتاش المصري فضحكوا وهزئوا ، وشعثوا عرضه ، ~~وجحدوا محاسنه التي لو سكت عليها لسلمت له ، ولادعى في جملتها أكثر مما ~~يدعيه لنفسه ؛ ولعمري ما كان له فيمن تقدم في الدولتين مثل ولا شبيه ، ولكن ~~في الخلاعة والمجون ، والرقاعة والجنون . قال : ومن العجب أنه يدعي ' العدل ~~والتوحيد ' وهو لا يفيق من قتل من ظن به عداوته والوقيعة فيه ، أو القدح في ~~رقعة له ، وإن كان ذلك الإنسان من الصالحين العابدين . ولقد بلغ من ركاكته ~~أنه كان عنده أبو طالب العلوي ، فكان إذا سمع منه كلاما يسجع فيه ، وخبرا ~~ينمقه ويرويه ، يبلق عينيه وينشر منخريه ، ويري أنه ms070 قد لحقه غشي حتى يرش ~~على وجهه ماء الورد . فإذا أفاق قيل له ، ما أصابك ؟ م عراك ؟ ما الذي نابك ~~وتغشاك ؟ فيقول : ما زال كلام مولانا يروقني ويونقني حتى فارقني لبي ~~وزايلني ذهني واسترخت له مفاصلي وتحللت عرى قلبي وذهل عقلي وحيل بيني وبين ~~رشدي ؛ فيتهلل وجه ابن عباد عند ذلك ، وينتفش ويضمحل عجبا وجهلا ، ثم يأمر ~~له بالتكرمة PageV01P101 والحباء والصلة والعطاء ، ويقدمه على بني عمه وبني ~~أبيه . من ينخدع هكذا فلا يكون ممن له في الكتابة قسط ، أو في التماسك نصيب ~~، وهو بالنساء الرعن والصبيان الضعاف أشبه منه بالرؤساء والكبار . وحدثني ~~الشاذياشي قال : حجبت مدة عنه فضقت ذرعا بذلك ، فإن الجاه الذي كنت مددته ~~انزوى ، والأمر الذي قومته تأود ، وأخذت المادة تقف ، والحال ينقص ، والذكر ~~يقل ، فأحييت الليل أرقا وفكرا فيما أعتل فقدح لي الخاطر بحيلة ، فأصبحت ~~وكتبت رقعة ذكرت فيها : ' إني رجل امتحنت بما لم يمتحن به أحد غشي بابك ، ~~ونال إحسانك واستمرع فناءك ، واستحصد جنابك ؛ إني بعد هذا الدأب الشديد ~~والنصب المتصل ، والقراءة والنسخ ، والبحث والمناظرة ، والصبر والمناصحة ، ~~قد شككت في مسائل ' الأصول الخمسة ' التي عليها مدار المذهب ، وركن المقالة ~~، وهذه محنة بل فتنة ، بل شيء فيه هلاكي وخسران عملي ، فالله الله في ، ~~تداركني فإني من الأموات بين الأحياء ، غريب الدار ، خائب الأمل ، بائر ~~البضاعة ، خاسر الصفقة ، طلبت الزيادة على ما كان عندي فأتلفت ما كان معي ' ~~. قال : فلما قرأ الرقعة قلق في نصابه ، وأقبل على أصحابه وقال : مسكين ~~الشاذياشي لقد نزل به أمر عظيم ، وحل به خطب جسيم ، ودهي في دينه ، وأصيب ~~بيقينه ؛ إن هذا لهو البلاء المبين . علي به ، هاتوه البائس . ودعيت ~~فأدناني ولا طفني ، وقال لي : ما هذا الشك الذي اعتراك ، وأين أنت عن ~~القاضي أبي الحسن حتى يحل ذاك ؟ قلت : لست أثق إلا ببيان مولانا ، ولا عجب ~~من بيانه ، ولكن العجب من إنصافه مع سلطانه ، وحسن إقباله مع أشغاله . قال ~~: فانفسخ عقده ، وابتل شنه ، واستحال ذلك الملل استطرافا وذلك النبو ~~PageV01P102 استعطافا ، وأقبل يقول ms071 : هات ، وأنا أهاتيه هكذا أياما وليالي ~~، أتأطر له تارة بالاستحسان والقبول ، وأتعسر عليه تارة بالتوقف والفتور ، ~~ولا أفارق الكيس والحيلة ، حتى استنفدت قوته وقوتي له ، ثم قبلت أطرافه ~~وتباكيت ، وقلت : يا مولانا أسلمت على يدك ، ونجوت من النار بإرشادك . فقال ~~: يا أبا علي ! اكثر عندنا ، واقتبس علمنا ، قد ذللنا لك الحجاب ، وتقدمنا ~~بذلك إلى الحجاب ، فاسكن واطمئن ، وطب نفسا وارفئن ، ولا تقلق فترجحن . قال ~~: فانصرفت من مجلسه قرير العين ، ممدود الجاه ، مملو اليد ، ونفسي ريا بكل ~~أمل ، وتفتحت علي أبواب الرزق ، وجمعت إجانة كبيرة خضراء دنانير . قال ~~الجيلوهي : وحديث هذا الرجل ذو شجون ، على أنك إذا أنصفت لم تجد له نظيرا ~~في دهرك ، ومتى بليت به طلبت الخلاص منه ولو بفقرك . قال : وما أخوفني أني ~~إذا دفعت إلى غيره بعده تمنيته ، فأكون كما قال الشاعر : عتبت على بشر فلما ~~فقدته . . . وجربت أقواما بكيت على بشر هكذا أنشد ، وغيره ينشد : ' على ~~عمرو ' ؛ والصحيح ' على سلم ' وله حديث . قال : ومن خواص ما فيه حبه للعامة ~~، وذاك بقدر بغضه للخاصة . وقد قال يوما : أنا أعلم أن الحجاب قبيح وبغيض ، ~~والصبر عليه متعذر ، وهو الذي يورث العداوة الشديدة ، ويبعث على القالة ~~الشنيعة ، ويمحو كل حسنة ، ويهجن كل نعمة ، ويثير كل نقمة ، ويبدي كل عورة ~~، ويبرز كل سوأة ؛ وقد دهي الناس منه قديما وحديثا ، لكني أتلذذ به ، ولست ~~أجد طعم هذه المرتبة العلية ، ولا أعرف ثمرة هذه الحال السنية إلا ~~PageV01P103 بعد أن أحتجب ويقف الناس على منازلهم بالباب ، وأعلم أن صدورهم ~~تغلي بالغيظ ، وألسنتهم تجري بالعيب ، وأهواءهم تأتلف على القلى والبغض ؛ ~~فإن الحديث ينخرق بكل معنى إلى سوء ، ولكن لا أسمح بحلاوة الدولة ، وبجلالة ~~الصولة ، وبهيبة المكانة ، وبما أن سهوت عنه صرت إلى المهانة . قال هذا ~~الشيخ : وهذا قول من نص الله على خذلانه ، وأسلمه إلى حوله ، وأنطقه بلسان ~~إبليس الذي هو عدو الله ، ولا شك أن هذا المذهب من علامات الشقاء في الدنيا ~~، وآيات الخسران في العاقبة ، ولن يقدم عليه إلا من قد سمح ms072 بعرضه ، واستهان ~~بشنيع القالة في نفسه وأبيه وعمه وأسرته ، وجميع من ضرب في مذهبه بسهم ، ~~وشابهه بوجه . وحدثني ابن الثلاج المتكلم ، وكان دينا صدوقا ، قال : العجب ~~أن ابن عباد يدعي أنه قرأ على شيخنا أبي عبد الله البصري ، ولقد كذب في ~~دعواه وفجر في قوله ؛ لقد ورد علينا بغداذ وهو ينصر ابن كلاب على حد ~~المبتدئين ، فحمله مسكويه إلي ، ثم دخل الواسطي عليه وفتح باب المذهب له ، ~~ولم يكن غير ذلك . وكان أبو عبد الله لا يعرفه ولا يعده ، لأنه كان لا يدري ~~ما يكون منه ويصير إليه في الثاني . وما قدر كويتب يرد مع صاحبه ، لا سن له ~~ولا شهرة ، ولا إفضال ولا توسع ، ولا حاشية ولا حشم ؟ ودارت الأيام ودالت ~~الأحوال ، فكتب هذا الشيخ إلى هذا الإنسان بعماد الدين ؛ وأنا أبرأ إلى ~~الله من دين هذا عماده ؛ وكتب هذا إلى ذاك بالشيخ المرشد ، وأي إرشاد كان ~~عنده ؟ وكيف يكون مرشدا من ليس برشيد ؟ وكيف يكون رشيدا من لا يفارق الغي ؟ ~~إن كنت تشك في أمره فانظر إلى غلمانه : الرازي ، وابن الغازي ، وابن طرخان ~~، PageV01P104 والبزاز ، والنصيبي أبي إسحق ، والصيرفي ، والهمذاني ، ~~والدامغاني ، عصابة الكفر ، ما فيهم من يرجع إلى ورع وتقى ، أو إلى مراقبة ~~وحياء أو هدى . ولقد رأيت أبا عبد الله البصري في مجلس عز الدولة سنة ستين ~~في شهر رمضان ، والجماعة هنا : أبو حامد المروروذي وأبو بكر الرازي ، وعلي ~~بن عيسى ، وابن نبهان ، وابن كعب الأنصاري ، والأبهري وابن طرارة ، وأبو ~~الجيش شيخ الشيعة وابن معروف وابن أبي شيبان ، وابن قريعة ، وناس كثير ، ~~وهو في إيوان فسيح في صدره من حضروا من أجله ، وأبو الوفاء المهندس نقيب ~~المجلس ومرتب القوم . فسئل البصري في مسألة فأظهر أنه في بقية علته ، وأنه ~~لا يقدر على الكلام . ثم قام علي بن عيسى الشيخ الصالح وقال : هذا مجلس ~~يبتهى بحضوره لشرفه ، ويفتخر بالكلام فيه لكثرة من يعرف وينصف ، والمغالطة ~~فيه مأمونة ، وليس في كل أوان يتفق هذا الجمع ، وبيننا وبين هذا الشيخ ، ~~يعني ms073 أبا عبد الله ، مسألة من أجلها ومن أجل نظائرها قد استجاز تكفيرنا ~~وتفسيقنا والتشنيع علينا وتنفير المقتبسين منا ، وها أنا قد ابتديت سائلا ~~فلينصر مذهبه كيف شاء ، وإنما هو دين ، فيجب أن نبحث عنه من العارفين . ~~فقال عز الدولة : كلام منصف ، ما أسمع بأسا ولا أرى ظنة ، يحث بذلك على ~~الجواب . فاصفر أبو عبد الله وقلق ، وفطن أبو الوفاء وكان ضلعه معه ، وصفوه ~~له ، فحال بينه وبين الأمير وقال : الشيخ عليل ، وإنما حضر للخدمة ، وبعض ~~غلمانه ينوب عنه ، ولا ينبغي أن يتعب فيحمى جسمه ، ويخاف نكسه ، ويصير ما ~~قصد من قضاء حقه في التجمل بحضوره سببا للتألم . PageV01P105 ثم أقبل أبو ~~الوفاء على علي بن عيسى فقال : يكلمك أيها الشيخ من غلمانه من تحب . فقال : ~~لا حاجة إلى الكلام مع غلمانه ، إنما كان الكلام معه هو القصد ، لأن ~~الاجتماع بيننا يقل ، ولأن الخصومة تكون معه الفيصل ، وذاك أنه يكتب كلامي ~~سائلا ، وكلامه مجيبا ، ثم لا نزاع . فأما أصحابه فإنهم يكلمون أصحابي وذاك ~~قائم بينهم ، وكانت البغية قطع المادة ، وحسم الشغب ، وبلوغ الحد ، وإذا ~~وقع الإباء فلا لجاج ، وإذا عرف المراد فلا حجاج . ثم قال عز الدولة : ~~هاتوا شيئا آخر قبل أن يتصرم النهار بما ليس له در ، وكان فصيحا . فأعرض ~~أبو الجيش الخراساني وكان متكلم الشيعة ، فسأل عن القرآن وقال : أروني من ~~القرآن تنزيله على هيئته الأولى حين نزل به جبريل على قلب محمد صلى الله ~~عليه ، فتلاه على أمته بلسانه ، فإني أجد عند حملته اختلافا كثيرا في ~~تحريفه وتصحيفه ، ونقصه وزيادته ، وإعرابه وغريبه ووضعه وترتيبه ؛ ولهذا ~~وأشباهه اختلف في تأويله ، وشك في تنزيله ، وكثر خوض الناس فيه وفي تفسيره ~~، والاحتجاج له ؛ ولقد سبق علمي أن كلام الله لا يكون في حكم كلام عباده ، ~~وأن ما يجوز على ذلك لا يجوز على هذا ، لأن الله حكيم كريم رحيم ، والحكمة ~~والكرم والرحمة تأبى ما تصفون به في كتاب ربكم ، وتستجيزونه في كلام خالقكم ~~. قال : وهذا الذي قلت بين معروف ؛ القرأة تختلف ضربا ms074 من الاختلاف ، ~~والنقلة تختلف ضربا آخر ، والفقهاء تختلف على قدر ذلك ضربا آخر ، وكذلك ~~أصحاب الكلام ؛ وحتى أفضى هذا إلى طعن الزنادقة فيه ، وانجر عليه قدح ~~الملحدين به ، وقال كلاما كثيرا من هذا الجنس ، فكلهم كاع عن الجواب ، وكاد ~~أبو الجيش بعد تذرعه بالقول يشمت ويبالغ في التشنيع . فقال عز الدولة : يا ~~أبا الجيش أنت في معركة لا مبار لك فيها ، فافر كيف شئت وذر ، والله ~~المستعان . PageV01P106 فانبرى أبو حامد وتكلك بملء فيه ، ومحق أبا الجيش ~~وبيض وجوه الناس . فلما خرج قال له محمد بن صالح الهاشمي : لقد دعمت ~~الإسلام بدعامة لا يزعزها الزمان ، ولقد حصنت الدين حصانة الله يجزيك عنها ~~، ورسوله صلى الله عليه يكافئك عليها . ولولا أن هذه الرسالة لا تحتمل ~~المسألة والجواب بما فيها من فنون القول لأتيت بالمجلس على وجهه . فهذا كان ~~اقتدار البصري جعل في المناظرة ، وقوته عند لقاء الخصم ونصرة المذهب والدين ~~. ولقد ذكا عينا عشرين سنة على صاحب بغداذ لصاحب . . . حتى آلت الأمور إلى ~~ما عرفه الصغير والكبير بأصحابه أصحاب المحابر والأقلام والكرارس . ولقد ~~بلغ من قلة دينه أنه صنف رسالة ذكر فيها الدلالة على أنه هو المهدي المنتظر ~~. قال : فإن معنى المهدي أن الله هداك ، وهدى أهل العدل والتوحيد لك ؛ وأما ~~المنتظر فلأنا كنا ننتظرك بالعراق ؛ وهذه الرسالة مشهورة وحملت في جملة ~~الهدايا إلى قابوس . وسمعت أبا محمد الفرغاني الحنيفي يقول : ما خلوت بفكري ~~في أمري وملازمتي هذا الرجل - يعني البصري - إلا ظننت أن الله تعالى يرسل ~~علي صاعقة أو يجعلني آية وعبرة باقية . وأما ابن أبي كانون فإني قلت له ~~يوما : مالي أراك واجما من غير عارض ، وطويل السكوت من غير عي ، وكثير ~~الفكر من غير وسواس ، وشديد الحزن من غير إفلاس ؟ ليس لك أنس بالجماعة ، ~~ولا تفكه بالمحادثة ، ولا استماع بالمجالسة ، بعد ما عهدتك في حدثان مقدمك ~~وأنت تتقد كالنار ، وتزخر كالبحر ، وتأرن كالمهر ، وتذكو كالعنبر . ~~PageV01P107 فقال : ومن أولى بالبال الكاسف والغم الطويل والأرق الدائم مني ~~؟ فارقت وطني وأهلي وإخواني ms075 ومعارفي وجميع ما كنت آلفه وأحيا به ، وأشتم ~~روح العيش منه ، وتجرعت مرارة بعدي عنهم ، وصبرت نفسي على ما نالهم بخروجي ~~من بينهم وسلوتي دونهم ، وما نزل بي بعدهم من جفاء الغربة ووحشة الوحدة ، ~~وشظف العيش بالقلة - كل ذلك طمعا فيما أبرد به غليل قلبي في الدين والمذهب ~~، وأنفي به الحرج من صدري وأسعد ، وأن آخذ من هذا الشيخ ما أهتدي به وأسكن ~~إليه ، وأجعله عدة لآخرتي . والآن قد حصلت - بعد الرسالة الطويلة والمنازعة ~~الشديدة وبعد البحث ولنظر والكشف والجدل ، وبعد اعتبار هذا الشيخ في نفسه ~~وسيرته وما عليه أصحابه والمتقدمين عنده - على حال عسراء ، وغاية عمياء ، ~~وما أراه إلا صاحب دنيا يعمل للعاجلة ، ولا أرى أصحابه المطيفين به إلا ~~كذلك ، وإن هذا مما يؤلم القلب ، ويفرق البال ، ويحشد الهم ، وينفر اليأس ؛ ~~فلذلك ما تراني على غير ما عهدتني عليه . وأما ابن بنان الوراق فإني سمعته ~~يقول : لقد خطب البصري على الإسلام بما لا يقدر عليه الروم والترك . قلت : ~~وكيف ذاك وأنت لا ترى اليوم ببغداذ مجلسا أبهى من مجلسه ، لما يجتمع فيه من ~~مشايخ العراق وشبان خراسان وفقهاء كل مصرر ، وما في هؤلاء أحد إلا وهو يصلح ~~أن يكون داعية صقع وإمام بلد ؟ فقال لي : صدقت ، فهل تعرف فيهم من إذا ذكر ~~الله وجل قلبه واقشعر جلده ، واطمأن صدره ؟ وإذا سمع موعظة دمعت عينه وخشعت ~~نفسه أو سمع نشيجه ؟ وإذا عرضت له منالة عفت نفسه ؟ أو إذا هاجته شهوة اتقى ~~عندها ربه ؟ أو إذا لزمه إنكار أمر بذل فيه وسعه . أما ترى اللعب والمزاح ~~والسفه والقحة والتجليح والفسق والفجور فاشية فيهم ، وغالبه عليهم ، وظاهرة ~~بينهم ؟ أما لك في الرازي أبي الفتح عبرة ؟ PageV01P108 أما لك بابن طرخان ~~خبرة ؟ فما زال يقول هذا وأشباهه حتى سددت وقطعت عليه . وكان أبو إسحاق ~~النصيبي من أفسق الفاسقين ، وهو يلقب بمقعدة ، لا أعلم في الدنيا قاذورة ~~إلا أتاها ، ولا خساسة إلا أظهرها وجاهر بها ، هكذا كان ببغداذ ، ثم ~~بالدينور عند أبي عمرو كاتب فخر ms076 الدولة الإصبهاني ، وحديثه بإصبهان مشهور ، ~~وكذلك بالصيمرة ، وكيف أكل في نهار شهر رمضان من غير عذر ، وكيف تهتك ~~بجماعة من الأحداث . نعوذ بالله من الخذلان . وحدثنا أبو سليمان محمد بن ~~طاهر السجستاني ، وكان بعيدا من التزيد شديد التوقي ، قال : حضرت وليمة في ~~قطيعة الربيع ، فلقيني فيها البصري أبو عبد الله ، فجلس إلى جانبي ، وتصرف ~~في الحديث معي ، وأرخى عنانه إلي إلى أن قال لي : يا أبا سليمان ، هل وجدتم ~~في فلسفتكم شيئا تسكنون إليه ، وتعتمدون عليه ؟ فأنا من الكلام ومذاهب أهل ~~الجدل على غرور . قال : فسكت من أجل الموضع ، وقلت : الناس أخياف وشتى في ~~الشيم . . . وكلهم يجمعهم بيت الأدم فقال : آخر ما عندي أن الأدلة تتكافأ ، ~~وأن المذاهب والآراء والنحل جارية بين أربابها على قوة النتائج وضعفها ، ~~وجودة العبارة ورداءتها . قال : وقلت له : ما بعد نظرك نظر ، ولا بعد ~~تحصيلك تحصيل ، وانتهى . وأمثل من شاهدناه عندنا ببغداذ : الواسطي أبو ~~القاسم . وكان يبرأ إلى الله من البصري جعل ، ويلعنه عند الولي والعدو ~~تقربا إلى الله . وكان ابن الثلاج يقول : حكم الله بيننا وبين ابن عباد ~~وفلان ، فإنهما سلطا هذا الإنسان في هذا المكان حتى أفسد من أجابه إلى ~~المذهب ، ونفر من أراد أن ينظر في ' العدل والتوحيد ' . وسمعت الفرغاني ~~يقول : لولا أني لا أعرف في جميع المذاهب أقوى من مذهب المعتزلة لناديت على ~~أصحابي بمخازيهم التي يشتملون عليها ويجاهرون بها ، في PageV01P109 الأسواق ~~والشوارع ، بل في المحاضر المشهورة والمنابر الرفيعة ، ولكن لهم حرمة ~~الدعوى وذمام النسب إلى المقالة ، ورجاء في الإقلاع والتوبة ، فإن اليأس ~~غير غالب ما دامت الاستطاعة موجودة ، والنزوع ممكنا ، والتلافي مظنونا . ~~ذاك حديث ابن عباد ، وهذا حديث شيخه وإمامه ومرشده بزعمه ، وهو المرشد ~~والهادي لمن أخذ عنه واقتدى به . يا قوم ! أين يذهب بكم ؟ ! ما هذا العمى ~~الذي قد غلب عليكم ، والهوى الذي قد أصم آذانكم وأعمى أبصاركم ؟ وماهذا ~~الأمر الذي قد حال دون العيان ، وطمس وجه الرشد ، وقلب أثر الحس ؟ أ ليس ~~هذا القائل في مجونه وتلعبه بدينه ms077 : من عملي من عملي . . . نيك الرجال ~~البزل وإنما أنيكهم . . . لأنني معتزلي تلميذ شيخ فاضل . . . ملقب بالجعل أ ~~فهكذا يكون من كان عماد الدين ، وناصر الإسلام والمسلمين ؟ الويل له ، ثم ~~الويل لمن يتولاه وينصره . قال يوما لابن فشيشا صاحب مصطبة المكدين بالري : ~~لا تبطئن عن اللذات إن حضرت . . . لكن تبنك ولا تحفل بتأنيب ولا تزق إذا ما ~~نلت ذاك وبت . . . مع شوزر وافر الأرداف محبوب فالصمي والمترمن بعد القشام ~~به . . . طيب الحياة فلا تعدل عن الطيب خذ في القشام وخذ في الصمي بالكوب . ~~. . فالدهر يمزج تكسيحا بتهريب أ فهذا كلام من يدعو إلى الله ، ويحب أن ~~يستجاب له ، ويجرى على طريقته ، ويكون ذريعة بين الله والعبد ؟ PageV01P110 ~~هذا - عافاك الله - باللعنة الأولى ، وبالبراءة منه ومن أصحابه أحق . ما ~~أقل حياء هؤلاء وأشد تكاذبهم ومكابرتهم ! وإذا ضربت عن باب الدين ، ورجعت ~~إلى الكفاية التي زعم أنه بها تكفى ، وأنه كافي الكفاة ، وأنه واحد الدنيا ~~. هل كان يعرف من الحساب بابا ؟ هل عقد جماعة ؟ هل عقدت له فتكلم عليها ؟ ~~هل قرأ مؤامرة ؟ هل عرف منها حد ؟ هل أمكنه أن يحتج على عامل أو يناظر ~~ناظرا ؟ أو يخاطب مشرفا ، أو يرسم في العمل رسما ، أو يجيب عن كتاب واحد في ~~العمالة ؟ وفيما يتعلق بأبواب النظر في العمارة ، هل ناظر خائنا متقطعا ، ~~أو استدرك مالا مختلسا ؟ هل فصل حكومة بين كاتبين ، أو قطع خصومة يبين ~~جنديين ؟ هل رأينا ثم إلا الرقاعة والتدفق ، والجنون والهذيان ، والتسايل ~~والتمايل ، والبقبقة والطقطقة ، والقرقرة والبربرة ؟ إلا أنه غلط فيه ووثق ~~به ، ووكل إليه الرأي ، ولك يؤذن لأحد في تحريكه بكلمة ، ولا في مضادته ~~بحرف ، حتى تم له ذلك كله بأسهل وجه مع الجو المواتي والأمر المنقاد ، وحب ~~أن يعتقد أن ذاك عن كفاية في الصناعة وحذق في العمل ، وسعة علم بالكتابة ~~الديوانية والرسوم الخراجية . وسئل يوما عن قول الشاعر : سقوني النسي ثم ~~تكنفوني . . . عداة الله من كذب وزور فقال : الخمر تسمى نسيا . PageV01P111 ~~فقيل له : ولم ؟ فقال : ليس للأسماء علل . فلما خلوت ms078 بالزعفراني الشاعر قال ~~لي : أخطأ ، فإن الأسماء ضرب منها مبتدأ ، فالغرض فيه اختصاص العين به ليقع ~~التمييز بينه وبين غيره ، وضرب آخر يؤخذ من أصل الفعل وهو الذي سمي مشتقا ~~لتكون فيه دلالتان : دلالة كدلالة الأول في اختصاص العين ، ودلالة على ~~النعت . والنسي في أسماء الخمر من الضرب الثاني ، لأن الخمر تنسأ العقل أي ~~تؤخره ، وقال : هذا قاله بعض العلماء . فقلت له : هلا قلت هذا في المجلس ؟ ~~فقال : لو قلت هناك لما وجدتني عندك قاعدا مطمئنا . قلت : صدقت ، الرجل ~~حسود . فقال : ولربه كنود ، ولآياته عنيد ، كأنه من اليهود ، أو من بقية ~~ثمود . ولقد غضب يوما م شيء رواه المصري ، وحجبه أياما ؛ وذلك أنه روى أن ~~امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد الله بت عمرو بن ~~العاص ، فقالت : يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء ، وحجري له ~~حواء ، وثديي سقاء ، وزعم أبوه أنه ينزعه مني . فقال رسول الله صلى عليه ~~وسلم : أنت أحق به ما لم تنكحي . وكان غضبه من الحسد ، لأنه روى هذا في عرض ~~حديث بفصاحة وتسهل . وله مثل هذا كثير ، كان لا يستطيع أن يسمع من أحد ~~كلاما منظوما . قال لأبي السلم مسلم الأعرابي يوما : ما خبرك مع فلان ؟ قال ~~: انقلبت عنه خاسئا وأنا حسير . قال : لا تنتجع أمثاله . قال : أيها الصاحب ~~، ما أعلمني بمظان الرجاء والخيبة ! ولكني ربما اغتررت PageV01P112 بالشك ~~اغترارا ، وانجررت على الشوك انجرارا ، وآخر دعواي أن الحمد لله الذي لم ~~يقطع أملي من خيره حتى غمرني بأيادي غيره ، وذاك أنت . وكان حسده لغيره على ~~فصل حسن ، ولفظ حر ، بقدر إعجابه بما يقوله ويكتبه ؛ كتب يوما إلى إنسان : ~~' وأقسم أنك لو كتبت بأجنحة الملائكة المقربين على جباه الحور العين ، ~~مستمدا من أحداق الولدان المخلدين ، جوازا على الصراط المستقيم إلى جنات ~~النعيم لما حسن هذا البخل ' . فأخذ يعيد هذا ويبديه ، ويقول : كيف ترون ؟ ~~وكيف تسمعون ؟ وهل قرأتم شبيهه ؟ وروى في مجلسه يوما ابن ثابت البغدادي ~~حكاية الخليل ، فأحسن سياقتها ms079 وإمرارها ، فحببه أياما وأخر عنه رسمه . وقال ~~: تبسط في مجلسنا ، واسحنفر بحضرتنا ، وترك توقيرنا وهيبتنا ، حتى تشفع في ~~أمره أبو الحسن الطبيب وغيره فعاد له على تشف . وأنا أسوق حكاية الخليل حتى ~~تكون فائدة في هذا الكلام الذي قد نشبنا فيه . قال الخليل : دخلت على ~~سليمان بن علي وهو والي البصرة فوجدته يسقط في كلامه ، فجلست حتى انصرف ~~الناس . فقال : هل من حاجة أبا عبد الررحمن ؟ قلت : أكبر الحوائج . قال : ~~قل ، فإن مسائلك مقضية ، ووسائلك قوية . قلت : أنت سليمان بن علي ، وكان ~~علي في العلم عليا ، وكان عبد الله بن العباس الحبر والبحر ، وكان العباس ~~بن عبد المطلب إذا تكلم أخذ سامعه ما يأخذ النشوان على نقر العيدان ؛ وأراك ~~تسقط في كلامك ، وهذا لا يشبه منصبك ومحتدك . | PageV01P113 قال : فكأنما ~~فقئ في وجهه الرمان خجلا . فقال : لن تسمعه بعدها ، فاحتجب عن الناس برهة ، ~~وأكب على النظر ، ثم أذن للناس في مجلس عام ، فدخلت عليه في ثمة من الناس ، ~~فوجدته يفصح حتى خلته معد بن عدنان . فجلست حتى انصرف الناس . فقال : كيف ~~رأيت أبا عبد الرحمن . قلت : رأيت كل ما سر في الأمير ، وأنشدته : لا يكون ~~السري مثل الزري . . . لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي لا يكون الألد ذو المقول ~~المر . . . هف عند الخصام مثل العيي قيمة المرء كل ما يحسن المر . . . ء ~~قضاء من الإمام علي أي شيء من اللباس على ذي السرو أبهى من اللسان السري ~~ينظم الحجة الشتيتة في السلك من القول مثل نظم الهدي وترى اللحن في لسان ~~أخي الهمة مثل الصدا على المشرفي فاطلب النحو للقران وللشعر مقيما والمسند ~~المروي والخطاب البليغ عند حجاج ال . . . قوم يزهى بمثله في الندى كل ذي ~~الجهل بالفنون يعادي . . . ها ويزري منها بغير الزري قال : وانصرفت . ~~فشيعني غلامه على كتفه بدرة فرددتها عليه ، وكتبت إليه : أبلغ سليمان أني ~~عنه في سعة . . . وفي غنى غير أني لست ذا مال سخى بنفسي أني لا أرى أحدا . ~~. . يموت هزلا ولا يبقى على حال والرزق ms080 عن قدر لا العجز يدفعه . . . ولا ~~يزيدك فيه حول محتال وقال يوما : ' فعل وأفعال ' قليل ، وزعم أصحابنا ~~النحويون أنه ما جاء إلا زند وأزناد ، وفرخ وأفراخ ، وفرد وأفراد . فقلت : ~~أنا أحفظ ثلاثين حرفا كلها ' فعل وأفعال ' . قال : هات يا مدعي ! فسردت ~~الحروف ودللت على مواضعها من الكتب . PageV01P114 ثم قلت : وليس للنحوي أن ~~يجزم مثل هذا الحكم إلا بعد التبحر والسماع الواسع ، وليس للتقليد وجه إذا ~~كانت الرواية شائعة ، والقياس مطردا ، وهذا كقولهم : فعيل على عشرة أوجه ، ~~وقد وجدته أنا على أكثر من عشرين وجها ، وما انتهيت في التتبع إلى أقصاه . ~~فقال : خروجك من دعواك في فعل يدلنا على قيامك بالحجة في فعيل ، ولكننا لا ~~نأذن في اقتصاصك ، ولا نهب آذاننا لكلامك ، ولم يف ما أتيت به يجرأتك في ~~مجلسنا وتبسطك بحضرتنا . وسألني عن أبي حامد المروروذي . فوصفت له نباهته ~~وتقدمه وحفظه وبيانه . فقال : ما تحفظ عنه ؟ قلت : أشياء مختلفة ، فإنه ~~أقام عندنا ببغداذ في آخر أيامه سنتين ، ولقد رأيته في مجلس أبي الفرج محمد ~~بن العباس في أيام وزارته ، بعد أبي الفضل العباس بن الحسين ، وهو يتدفق ~~بالكلام مع ابن طرارة . فلما انتهى قال له أبو الحسن إسحاق الطبري : ارسم ~~لنا كلاما خفيفا في الدليل ، والحجة ، والبرهان ، والبيان ، والقياس ، ~~والعلة ، والحكم ، والاسم ، والفعل ، والحرف ، والنص ، والظاهر ، والباطن ، ~~والتأويل ، والتفسير ، والفحوى ، والاستحسان ، والتقليد ، والاقتداء ، ~~والإجماع ، والأصل ، والفرع ، والوجوب ، والجواز . فاندفع فقال : الدليل : ~~ما سلكك إلى المطلوب . والحجة : ما وثقك من نفسك . والبيان : ما انكشف به ~~الملتمس . والقياس : ما أعارك شبهه من غيره ، أو استعار شبه غيره من نفسه . ~~والعلة : ما اقتضى أبدا حكما باللزوم . PageV01P115 والحكم : ما وجب بالعلة ~~. والاسم : ما صحت به الإشارة إلى مشار إليه . والفعل : ما شاع في الزمان . ~~والحرف : ما ائتلف به اللفظ . والنص : ما أغنى بنفسه لاستقلاله . والظاهر : ~~ما سبق إلى النفس بلا جالب . والباطن : ما غيض عليه بالتفسير . والتأويل : ~~الجهة المتباعدة عن المراد ، ومع ذلك فهي مشمولة تارة بالقصد ، وتارة بغير ~~القصد . والفحوى : الجهة القريبة . والتفسير ms081 : عبارة عن عبارة على طريق ~~الخلافة . والاستحسان : القول الأولى والأشبه في ظاهر الحال . والتقليد : ~~قبول بلا بيان . والاقتداء : سلوك مع عالم سالف . والإجماع : اتفاق الآراء ~~الكثيرة . والأصل : ما لم ينظر إلى ما قبله ، لأنه بنفسه قبل غيره . والفرع ~~: ما انشعب عن الأول والوجوب : ما لم يسع الإضراب عنه . والجواز : ما وقف ~~بين الواجب وبين غير الواجب . وكاد لا يسكت . فقال له أبو الفرج : ما كان ~~أبو محمد المهلبي يثني عليك جزافا ، ولا يشغف بك على طريق الهوى . فقال لي ~~: كيف حفظت هذا ؟ قلت : كنا جماعة نتعاون على ذلك ، ونرسم في ألواح . فقال ~~لي : إني لشديد الحسرة على فوت لقائه ، ومما يزيدني عجبا به أنه كان على ~~مذهب أصحابنا ، ولو نصر في الأحكام مذهب أبي حنيفة لكان قدوة لأهل زمانه . ~~PageV01P116 وقال له بعض الغرباء : إذا قلت عشي الرجل كما تقول : عمي الرجل ~~، وتقول : يعشى كما تقول يعمى ، وقلت أعشى كما تقول : أعمى ، فهلا قلت : ~~امرأة عشياء كما قلت عمياء ، ولك مع ذلك شفة لمياء وفاه ظمياء ؟ قال : ~~فهكذا أقول . قال له : قد خالفت العلماء ، لأنهم نصوا عشواء كما قالوا : ~~ناقة عشواء . فقال : في هذا نظر . وأخطأ . وأي نظر في المسموع ؟ وحدثني ~~محمد بن المرزبان قال : كنا بين يديه ليلة فنعس ، وأخذ إنسان يقرأ ' ~~والصافات ' ، فاتفق أن بعض هؤلاء الأجلاف من أهل ما وراء النهر نعس أيضا ، ~~وضرط ضرطة منكرة ، فانتبه وقال : يا أصحابنا نمنا على ' الصافات ' ، ~~وانتبهنا على ' المرسلات ' . هذا من ملاحاته . وحدثني أيضا قال : انفلتت ~~ليلة أخرى ضرطة من بعض الحاضرين ، وهو في الجدل ، فقال على حدته وجنونه : ' ~~كانت بيعة أبي بكر ' ، خذوا فيما أنتم فيه ، يعني ' كانت فلتة ' لأنه قيل ~~في بيعة أبي بكر ' كانت فلتة ' . أ فهذا من المجون المستطاب ؟ أو من جنس ما ~~يجب أن يكون محكيا عن الرؤساء الديانين والكبراء المستبصرين ، والذين يدعون ~~لأنفسهم الفضل والمروة والديانة ، واحتقار الناس ؟ وقال له ابن ثابت الحوي ~~يوما : أنا آكل التمر على أنه كان مرة رطبا ، يتملح معه ، أي ms082 أميل إلى ~~الحدث وإن بقل وجهه ، لأنه قد كان مرة أمرد . فقال له : فكل الخرا على أنه ~~مرة كان هريسة . وسمعته ينشد في الشاعر الملقب بالمشوق : PageV01P117 وديوث ~~يقال له المشوق . . . له من عرسه كسب وسوق فكم خير يساق إليه منها . . . ~~وكم أير إلى حرها يسوق وكان ينشد في شيخ كاتب من أهل جرجان : جزعت من أمر ~~فظيع قد حدث ابن تميم وهو شيخ لا حدث قد حبس الأصلع في بيت الحدث ورأيت ~~شيخا قدم مع الحاج من خراسان يعرف بالخشوعي ، من الكرامية أصحاب البرانس ، ~~حضر مجلسه وناظره في مسألة الجسم ، وكان يقول ، وهو مذهب هشام بن الحكم في ~~التكلمين المتقدمين : لما كان مثبتا بالعقل دون غيره ، وكنت لا أثبت بالعقل ~~، إلا معقولا ، كما لا أثبت بالسمع إلا مسموعا ، وكما لا أثبت بالبصر إلا ~~مبصرا ؛ وكان إثبات العقل لمن هو غير جسم في المشاهدة غير معقول ، وجب أن ~~يكون جسما لأنه قد كان دخل في قسمة المعقول ؛ وإن بطل أن يكون جسما بطل أن ~~يكون معقولا ، وقد ثبت أنه معقول ؛ فإذا قد ثبت أنه جسم . فقال ابن عباد : ~~هاتوا مسألة أخرى ، فسماع كلام الحكل أرجع بالفائدة من هذا ، وأخذ في مسألة ~~أخرى . وحكى قوم منهم أبو طاهر الأنماطي والقطان أنه قد شده ولم يحضره في ~~الحال شيء ، وكان الخصم ألد ذا سلاطة قليل الاكتراث ، حضر غير طائع ، وتكلم ~~غير متروع . وعاد هذا الشيخ في مجلس آخر ، فقال له : أتقول إن الله جسم ؟ ~~قال : نعم . PageV01P118 قال : فإذا كان جسما جاز أن يكون فوقه شيء أو تحته ~~شيء ، أو عن يمينه شيء ، أو عن يساره شيء . قال : نعم . قال : فما تنكر أن ~~يكون معبودك الآن في هذا الصندوق ؟ فخمد الخراساني خمدة م اشتعل فقال : أ ~~ليس عندك أن الله متكلم بكلام يفعله في الأحوال المختلفة ؟ فقال : بلى . ~~قال : فما تنكر لأن يكون هذا الحمار ينغط ، فيحل الله كلامه في جرذانه ، ~~فيقول : أنا ربكم الأعلى ، وتسمع ذلك منه . فانخزل ابن عباد وقال : خذوا في ms083 ~~غير هذا . والسخف والجرأة وسوء الأدب وإطلاق اللسان بما لا يجوز دينا ومروة ~~غالبة على أصحاب الكلام ؛ والتقى والرهبة والروع بعيدة من هذه الطبقة . ~~وحكى يوما في نوادره الفاترة ما يدل على قلة دين القوم وسوء استبصارهم وشدة ~~استهانتهم بما يقولونه محقين ومبطلين ، وأن الديدن هو الهذيان والرقاعة ~~والتعصب والإيهام ، وليس لوجه الله في ذلك شيء ، لا فيما يجدون به ، ولا ~~فيما يهزلون فيه ، لا حشمة ولا تقوى ، ولا مراقبة ولا بقيا ؛ قد جعلوا الله ~~عرضة للخصومات بالوساوس ، ودينه منديلا لكل يد . سأل ملحد موحدا فقال : ما ~~الدليل على أن للعالم صانعا ؟ فقال : الدليل على ذلك شعرة أمك ، لأنها كلما ~~نتفتها بالدبق نبتت ؛ فلو لم يكن هناك منبت لما نبتت . فقال الملحد : هذا ~~ينقلب عليك لأنه يقال لك : الدليل على أن العالم ليس له صانع نواة أمك ، ~~لأنها إذا قطعت مرة لم تنبت بعد ذلك . وحكى يوما آخر فقال : اجتمع رجلان ؛ ~~أحدهما يقول بقول هشام ، والآخر يقول بقول الجوالقي . PageV01P119 فقال ~~صاحب الجوالقي لصاحب هشام : صف لي ربك الذي تعبده . فوصفه ، فقال : هو جسم ~~ولكن لا يد له ولا جارحة ولا آلة . فقال له صاحب الجوالقي : أيسرك أن يكون ~~لك بهذه الصفة ابن ؟ قال : لا . قال : أ فما تستحي أن تصف ربك بصفة لا ~~ترضاها لولدك ؟ ثم قال صاحب هشام : قد سمعت قولنا ، فصف لي أنت ربك . فوصف ~~فيما وصف : أنه جعد قطط في أتم تمام وأحسن حسن وأحلى صورة وأعدل هيئة وأجمل ~~شارة . فقال له صاحب هشام : أ فيسرك أن تكون لك جارية بهذه الصفة تطؤها ؟ ~~قال : نعم . قال : أ فما تستحي من عبادة من تحب مباضعته ؟ وذلك أن من أحب ~~مباضعة مثله فقد أوقع عليه الشهوة ، تعالى الله عن هذه السخافات والجهالات ~~، وإن قوما يلهجون بهذا وأشباهه لغي بعد من الهدى والنهى . وسمعته يسب ~~أصحاب الهندسة ويقول : جاءني بعض هؤلاء الحمقى ورغبني في الهندسة ، فابتدأ ~~، فأثبت خمسة وعشرين ، وخط خطا ، ووضع شكلا ، وطول وزعم أنه يعمل برهانا ~~على ذلك ms084 . فقلت له : إني كنت أعرف أن خمسة في خمسة خمسة وعشرون ضرورة ، وقد ~~شككت الآن ، فأنا مجتهد حتى أعلمه بالاستدلال . وهذا هو الخسار والدمار . ~~ولو كان له سهم يسير من العقل ما باح على نفسه بهذا القول ، ولو سمع من ~~غيره لوجب إنكاره ، ولو حقق قول القائل : من جهل شيئا عاداه . أ تراه ما ~~سمع كلام ابن ثوابه في مثل هذا ، وكيف نسب فيه إلى الرقاعة ، وكيف رحمه أهل ~~الحكمة ، وكيف هزئ به قوم وجدوا طريقا إلى ذلك . PageV01P120 وأنا أحكي لك ~~في هذا المكان الكلام وإن تنفست الرسالة ، لتعلم أن من شاء حمق نفسه ، وأن ~~الله إذا شاء خذل عبده وأشمت به أعاديه . حدثنا أبو بكر الصيمري قال : ~~حدثنا ابن سمكة قال : حدثنا ابن محارب قال : سمعت أحمد بن الطيب يقول : إن ~~صديقا لابن ثوابة الكاتب أبي العباس يكنى أبا عبيدة قال له ذات يوم : إنك ~~رجل - بحمد الله ومنه - ذو أدب وفصاحة وبراعة وبلاغة ؛ فلو أكملت فضائلك ~~بأن تضيف إليها معرفة البرهان القياسي ، وعلم الأشكال الهندسية الدالة على ~~حقائق الأشياء ، وقرأت كتاب ' أقليدس ' وتدبرته ؟ فقال له ابن ثوابة : وما ~~' أقليدس ' ؟ قال له : رجل من علماء الروم يسمى بهذا الاسم ، وضع كتابا فيه ~~أشكال كثيرة مختلفة تدل على حقائق الأشياء المعلومة والمغيبة ، يشحذ الذهن ~~ويدقق الفهم ، ويلطف المعرفة ، ويصفي الحاسة ، ويثبت الروية ؛ ومنه انفتح ~~الخط وعرفت مقادير حروف المعجم . فقال له أبو العباس ابن ثوابة : وكيف ذاك ~~؟ قال : لا تعلم هو حتى تشاهد الأشكال وتعاين البرهان . قال له : فافعل ما ~~بدا لك . فأتاه برجل يقال له قويري مشهور مقدم ، ولم يعد إليه بعد ذلك . ~~قال أحمد بن الطيب : فاستطرفت ذلك وعجبت منه ، وسألت المخبر عن انصراف ~~قويري أي شيء كان سببه ؟ فأجابني بأن لا أعلم ، فكتبت إلى ابن ثوابة رقعة ~~نسختها : بسم الله الرحمن الرحيم . اتصل بي - جعلني الله فداك - أن رجلا من ~~إخوانك أشار عليك بتكميل فضائلك وتقويتها بمعرفة شيء من القياس البرهاني ، ~~وطمأنينتك إليه ، وأنك أصغيت إلى قوله ms085 PageV01P121 وأذنت له ، وأنه أحضرك ~~رجلا كان غاية في سوء الأدب ، معدنا من معادن الكفر ، وإماما من أئمة الشرك ~~؛ لاستفزازك واستغوائك ، يخادعك في عقلك الرصين ، وينازلك في ثقافة فهمك ~~المتين ، فأبى الله العزيز إلا جميل عوائده الحسنة قبلك ، ومننه السوابق ~~لدي ، وفضله الدائم عندك ، بأن أتى على قواعد برهانه من ذروته ، وحط عوالي ~~أركانه من أقصى معاقد أسه ، فأحببت استعلام ذلك على كنهه من جهتك ، ليكون ~~شكري لك على ما كان منك حسب لومي لصاحبك على ما كان منه ، ولأتلافى الفارط ~~في ذلك بتدبر أسسه إن شاء الله . قال : فأجابني ابن ثوابة برقعة نسختها : ~~بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلت رقعتك - أعزك الله - وفهمت فحواها ، وتدبرت ~~مضمنها ، والخبر كما اتصل بك ، والأمر كما بلغك . وقد لخصته وبينته حتى ~~كأنك معنا وشاهدنا . فأول ما أقول : الحمد لله ولي النعم ، والمتوحد بالقسم ~~، إليه يرد علم الساعة وإليه المصير ؛ وإياه أسأل إيزاع الشكر على ذلك وعلى ~~ما منحنا من ودك وإتمامه بيننا بمنه . ومما أحببت إعلامك وتعريفكه مما تأدى ~~إليك ، أن أبا عبيدة - عليه لعنة الله تترى - بنحسه ودسه ودحسه اغتالني ~~ليكلم ديني من حيث لا أعلم ، وينقلني عما أعتقده وأراه وأضمره من الإيمان ~~بالله عز وجل ورسوله صلى الله عليه ، فوطد لي الزندقة بتزيينه الهندسة ، ~~وأنه يأتيني برجل يفيدني علما شريفا تكمل به فضائلي - فيما زعم - فقلت : ~~عسى أن أفيد به براعة في صناعة ، أو كمالا في مروة ، أو نسكا في دين ، أو ~~فخارا عند الأكفاء . فأجبته بأن هلم به ! فأتاني بشيخ ديراني شاخص النظر ، ~~منتشر عصب البصر ، طويل مشذب ، محزوم الوسط ، متزمل في مسكه ، فاستعذت ~~بالرحمن إذ نزغني الشيطان ، ومجلسي قد غص بالأشراف من كل الأطراف ، كلهم ~~يرمقه ويتشوف إلى رفعي مجلسه وإدنائه وتقريبه ، ويعظمونه ويحيونه ، والله ~~محيط بالكافرين . فأخذ مجلسه ، ولوى أشداقه ، وفتح أوساقه ، فتبينت في ~~مشاهدته النفاق ، وفي ألفاظه الشقاق . PageV01P122 فقلت له : بلغني أن عندك ~~معرفة بالهندسة ، وعلما واصلا إلى فضل يفيد الناظر فيه حكمة وتقدما في كل ~~صنعة ؛ فهلم أفدنا ms086 شيئا منها عسى أن يكون عونا لنا على دين أو دنيا ، وزينا ~~في مروة أو مفاخرة لدى الأكفاء ، ومفيدا نسكا وزهدا ، ( فذلك هو الفوز ~~العظيم ) ، ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) ، ( وما ذلك على ~~الله بعزيز ) . قال : فأحضرني دواة وقرطاسا ، فأحضرتهما ، فأخذ القلم فنكت ~~به نكتة نقط منها نقطة ، فخيلها بصري ولحظها طرفي كأصغر من حبة الذر ، ~~فزمزم عليها بوسواسه ، وتلا عليها من محكم أسفار أباطيله ، ثم أعلن عليها ~~جاهرا بإفكه ؛ وأقبل علي فقال : أيها الرجل ! إن هذه النقطة شيء ما لا جزء ~~له . فقلت : أضللتني ورب الكعبة ! وما الشيء الذي لا جزء له ؟ فقال : ~~كالبسيط . فأذهلني وحيرني ، وكاد يأتي على حلمي وعقل لولا أن هداني ربي ؛ ~~لأنه أتاني بلغة ما سمعتها والله من عربي ولا عجمي ، وقد أحطت علما بلغات ~~العرب ، وقمت بها واستثرتها جاهدا واختبرتها عامدا ، وصرت فيها إلى ما لا ~~أحسب أحدا يتقدمني إلى المعرفة به ، ولا يسبقني إلى دقيقة وجليله . فقلت له ~~: وما الشيء البسيط ؟ فقال : كالله تعالى وكالنفس . فقلت له : إنك من ~~الملحدين ، أتضرب لله أمثالا ؟ والله تعالى يقول : ( فلا تضربوا لله ~~الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) . لعن الله مرشدا أرشدني إليك ، ~~ودالا دلني عليك ، فما ساقك إلي إلا قضاء سوء ولا كسحك نحوي إلا الحين ، ~~أعوذ بالله من الحين ، وأبرأ إليه منكم ومما PageV01P123 تلحدون ، والله ~~ولي المؤمنين ( إني بريء مما تشركون ) ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم . فلما سمع مقالتي كره استعاذتي فاستخفه الغضب ، فأقبل علي مستبسلا ~~فقال : إني أرى فصاحة لسانك سببا لعجمة فهمك ، وتذرعك بقولك آفة من آفات ~~عقلك . فلولا من حضر - والله - المجلس وإصغاؤهم إليه مستصوبين أباطيله ، ~~مستحسنين أكاذيبه ، وما رأيت من استهوائه إياهم بخدعة ، وما تبينت من ~~توازرهم لأمرت بسل لسانه اللكع الألكن . وأمرت بإخراجه إلى حر نار الله ~~وسقره وغضبه ولعنته . فنظرت إلى أمارات الغضب في وجوه الحاضرين ، فقلت : ما ~~غضبكم لنصراني يشرك بالله ويتخذ له من دونه الأنداد ، ويعلن بالإلحاد ؟ ~~ولولا مكانكم ms087 لنهكته عقوبة . فقال لي رجل منهم : إنه أنسان حكيم ، فغاظني ~~قوله . فقلت : لعن الله حكمة مشوبة بكفر . فقال لي آخر : إن عندي مسلما ~~يتقدم أهل هذا العلم . فرجوت - مع ذكره الإسلام - خيرا فقلت : ائتني به ، ~~فأتاني برجل قصير دحداح مجدور آدم أخفش العينين أجلح أفطس سيئ النظر قبيح ~~الزي ، فسلم فرددت عليه السلام ، ورفعت مجلسه وأكرمته ، وقلت له : ما اسمك ~~؟ فقال : أعرف بكنية قد غلبت علي . فقلت : أبو من ؟ فقال : أبو يحيى . ~~فتفاءلت بملك الموت عليه السلام ، وقلت : اللهم إني أعوذ بك من الهندسة ، ~~فاكفني اللهم شرها ، فإنه لا يصرف السوء إلا أنت ، وقرأت ' الحمد ' ، و ' ~~المعوذتين ' ، و ' قل هو الله أحد ' ثلاثا ، وقلت له : إن صديقا لي جاءني ~~بنصراني يتخذ الأنداد ، ويدعي أن لله الأولاد ليغويني ويستفزني ( ولولا ~~رحمة ربي لكنت من PageV01P124 المحضرين ) ، فصرفته أقبح صرف ، ثم ذكرت لي ~~فرجوت - بذكر إسلامك - خيرا . فهلم أفدنا شيئا من هندستك ، وأقبسنا من ~~طرائف حكمتك ما يكون لنا سببا إلى رحمة الله ووسيلة إلى غفرانه ، فإنها ~~أربح تجارة وأعود بضاعة . فقال : أحضرني دواة وقرطاسا . فقلت : أ تدعو ~~بالدواة والقرطاس ، وقد بليت منهما ببلية كلمها لا يندمل عن سويداء قلبي ؟ ~~قال : وكيف كان ذلك ؟ قلت له : إن النصراني نقط لي نقطة كأصغر من سم الخياط ~~، وقال لي : إنها معقولة كربك الأعلى ، فوالله ما عدا فرعون في إفكه وكفره ~~. فقال لي : فإني أعفيك ، لعن الله قويري وما كان يصنع بالنقطة ؟ وهل بلغت ~~أنت أن تعرف النقطة ؟ فقلت : استجهلني ورب الكعبة ، وأنا قد أخذت بأزمة ~~الكتابة ، ونهضت بأعبائها ، واستقللت بثقلها يقول لي ، لا تعرف فحوى النقطة ~~، فنازعتني نفسي في معاجلته بغليظ العقوبة ، ثم استعطفني الحلم إلى الأخذ ~~بالفضل . ودعا بغلامه وقال : ائتني بالتخت ، فوالله ما رأيت مخلوقا بأسرع ~~إحضارا له من ذلك الغلام ، فأتاه ، فتخيلت به هيئة منكرة ولم أدر ما هو ، ~~وجعلت أصوب الفكر فيه تارة وأصعد أخرى ، وأجيل الرأي مليا وأطرق طويلا ، لا ~~أعلم أي شيء هو ، أ صندوق هو ؟ فإذا ليس بصندوق ms088 ، أ تخت هو ؟ فإذا ليس بتخت ~~، فتخيلته كتابوت لحد . فقلت : لحد الملحد يلحد به وبالناس عن الحق . ثم ~~أخرج من كمه ميلا عظيما فظننته متطببا وإنه لمن شرار المتطببين . فقلت له : ~~إن أمرك لعجب كله ولم أر في أميال المتطببين كميلك ، أتقفأ به الأعين ؟ ~~PageV01P125 فقال : لست متطببا ولكني أخط به الهندسة على هذا التخت . فقلت ~~له : إنك وإن كنت مباينا للنصراني في دينه ، إنك لمؤازره في كفره ، أ تخط ~~على تخت بميلك لتعدل بي عن وضح الفجر إلى غسق الليل ؟ وتميل بي إلى الكذب ~~باللوح المحفوظ وكاتبيه الكرام ؟ أ إياي تستهوي ؟ أم حسبتني ممن يهتز ~~لمكايدكم ؟ فقال : لست أذكر لك لوحا محفوظا ولا مضيعا ، ولا كاتبا كريما ~~ولا لئيما ، ولكني أخط به الهندسة ، وأقيم عليها البرهان بالقياس والفلسفة ~~. وأخذ يخط وقلبي مروع يجب وجيبا . فقال لي غير مستعظم : إن هذا الخط طول ~~بلا عرض ، فذكرت صراط ربي المستقيم ، وقلت له : قاتلك الله ! أ تدري ما ~~تقول ؟ تعالى صراط ربي عن تخطيطك وتشبيهك وتبديلك وتحريفك وتضليلك ، إنه ~~لصراط مستقيم ، وإنه لأحد من السيف الباتر ، والحسام القاطع ، وأدق من ~~الشعر ، وأطول مما تمسحون ، وأبعد مما تذرعون ، ومداه بعيد ، وهوله شديد ؛ ~~أ تطمع أن تزحزحني عن صراط ربي أم حسبتني غمرا غبيا لا أعلم ما في باطن ~~ألفاظك ومكنون معانيك ؟ والله ما خططت الخط وأخبرت أنه طول بلا عرض إلا ~~حيلة بالصراط المستقيم لتزل قدمي عنه ، وأن ترديني في نار جهنم . أعوذ ~~بالله وأبرأ إليه من الهندسة ، ومما تدل عليه وترشد إليه ، وإني بريء من ~~المهندسين وما يعلنون ويسرون ، ومما به يعملون ؛ ولبئس ما سولت لك نفسك أن ~~تكون من خزنتها بل من وقودها ، وإن لك فيها لأنكالا وسلاسل وأغلالا ، ( ~~وطعاما ذا غصة وعذابا أليما ) . قم إلى لعنة الله وغضبه ! فأخذ يتكلم . ~~فقلت : سدوا فاه مخافة أن يبدر منه مثل ما بدر من المضلل الأول ، وأمرت ~~بسحبه فسحب إلى أليم عذاب الله ونار ( وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة ~~غلاظ شداد لا يعصون الله ms089 ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) . PageV01P126 ثم ~~أخذت قرطاسا وكتبت بيدي يمينا آليت فيه بكل عهد مؤكد ، وعقد مردد ، ويمين ~~ليست لها كفارة - أن لا أنظر في الهندسة أبدا ، ولا أطلبها ، ولا أتعلمها ~~من أحد سرا ولا جهرا ، ولا على وجه من الوجوه ، ولا بسبب من الأسباب ؛ ~~وأكدت بمثل ذلك على عقبي وعلى أعقاب أعقابهم : أن لا ينظروا فيها ولا ~~يتعلموها ما قامت السموات والأرض ، إلى أن تقوم الساعة ( لميقات يوم معلوم ~~) . فهذا بيان ما سألت - أعزك الله - عنه مما دفعت إليه وامتحنت به ، ~~ولتعلم ما كان مني ، ولولا وعكة أنا في عقابيلها لحضرتك مشافها ، وأخذت ~~بحظي المتمني من الأنس بك ، والاستراحة إليك ؛ فمهد على ذلك عذري ، فإنك ~~غير مباين لفكري ، والسلام . رسالة أبي العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن ~~ثوابة إلى أبي العباس أحمد بن الطيب هذه ، فيها معتبر واسع ، وإشراف على ~~عقل مدخول ، وهي شقيقة قول ابن عباد في الحكاية التي جرت قبل هذه ؛ وليس ~~ينبغي أن يغتر بالإنسان إذا كان فصيح العبارة ، كثير التشقيق ، مديد النفس ~~، قادرا على السجع ، سهل الارتجال ؛ فقد يأتلف هذا كله والعقل ناقص ، وقد ~~يفقد هذا كله والعقل راجح . وقلت لأبي سعيد السيرافي شيخ الدنيا : قال أبو ~~زيدك يقال إنه لكثير فضيض الكلام ، أ يراد بهذا مدح المذكور أم الزراية ~~عليه ؟ فقال لي : هو إلى الزراية أقرب ؛ لأن الفض كسر ، ومنه : فضضت ختم ~~الكتاب ، ومنه : ضربه فصار فضاضا ؛ والصحيح خير من المكسور ، وكأنه يراد ~~بهذا أنه يرمي بهذا بالكلام مكسرا غير صحيح . وإنما أتيت بهذا لأني سألت ~~مرة أبا السلم عن ابن عباد ، فقال : إنه لكثير فضيض الكلام ، ثم مر بي لأبي ~~زيد . وكان بن عباد يقول كثيرا : ما مدحني شاعر بأوجز وأملح من أبيات ~~وافتني من PageV01P127 شاعر ينتسب لسجستان ؛ فإنها تدل على قدرة صاحبها ~~وغزارة قائلها وحسن تصرفه فيها ، وهي : يا من أعاد رميم الملك منشورا . . . ~~وضم بالرأي أمرا كان منشورا أنت الوزير وإن لم تؤت منشورا . . . والأمر ~~بعدك إن لم يؤتمن ms090 شورى وقال ابن نباتة والخالع وابن الجلبات : ليس في هذه ~~الأبيات ما وجب له هذا الإعجاب كله ، ولكن الرجل طريف المرأى والمخبر ، ~~عجيب المبشر والمنظر ؛ مداره على الهوى ، كيفما سنح له جنح إليه ، وأينما ~~برح به طرح عليه . وكان ابن عباد إذا تكلم في مسألة ثم رأى في خصمه فتورا ~~نفش لحيته بأصابع يده وعبث بها ، وفتل رأسه ولوى عنقه ، وشنج أنفه ، وعوج ~~شدقه ، وقال منشدا : إذا المشكلات تصدين لي . . . كشفت حقائقها بالنظر وإن ~~برزت في مخيل الصوا . . . ب عمياء لا تجتليها الفكر مقنعة بخفي الشكو . . . ~~ك وضعت عليها حسام النظر لسانا كشقشقة الأرحبي أو كالحسام اليماني الذكر ~~ولست بذي وقفة في الرجا . . . ل أسائل هذا وذا ما الخبر ولكنني مدره ~~الأصغري . . . ن أقيس بما قد مضى ما غبر وكان لا يبعثه على هذا النمط إلا ~~الذهاب بنفسه ، والتيه الذي يحول بينه وبين عقله ؛ والعجيب أنه كان يعيب ~~غيره بجزء من هذا الباب لا يتجزأ ، ويقول : انظروا إلى PageV01P128 تيهه ~~وصلفه ومدحه لنفسه واستبداده برأيه - وعلى هذا ، حتى إذا صار إلى نفسه ~~وحديثه وخواص أمره جهل وذهل ، وخرج في مسك من لم يسمع بشيء من ذلك ، ولم ~~يفطن له ، ولم يأبه لقبيحه ، ولم يأنف من شنيعه . وهذا من الأسرار في ~~الأخلاق ، ولهذا طال كلام الأولين في الأخلاق ، وجاءت الشريعة واللغة واضعة ~~كلا في موضعها ، وناعتة لمختارها ومرذولها ، وباعثة على حسنها وجميلها ، ~~وداعية إلى رفض قبيحها ومنكرها . والكلام في هذا طويل الذيل مياس ، وما ~~أحسن ما قال الشاعر : لا تلم المرء على فعله . . . وأنت منسوب إلى مثله من ~~ذم شيئا وأتى مثله . . . فإنما يزري على عقله والبيت السائر : لا تنه عن ~~خلق وتأتي مثلهعار عليك إذا فعلت عظيم فهذا هذا . حدثني العتابي قال : قال ~~قوم من أهل أصفهان لابن عباد : لو كان القرآن مخلوقا لجاز أن يموت ، ولو ~~مات القرآن في آخر شعبان بماذا كنا نصلي التراويح في رمضان ؟ فقال : لو مات ~~القرآن كان رمضان أيضا يموت ، ويقول : لا حياة بعدك ، ولا ms091 نصلي التراويح ، ~~ونستريح . وسأله الدامغاني يوما عن قوله عز وجل : ( ولقد همت به ، وهم بها ~~لولا أن رأى برهان ربه ) ، أ تقول أن يوسف هم بالمعصية ؟ فقال : الكلام ~~معطوف بعضه على بعض بالتقديم والتأخير ، فكأنه قال : لولا أن رأى برهان ربه ~~لقد كان يهم بها ، ولكنه لم يهم ، وهذا كقول القائل : إني غرقت لولا أنه ~~خلصني فلان . فحدثت بهذه الجملة ابن المراغي ببغداد ، فقال : لو سكت عن هذا ~~كان أحسن به ، هذا تقدير لاعب بكتاب الله ، لا يحل نظم الكلام على تحريفه ؛ ~~لأن ذلك جرأة ؛ أما PageV01P129 سمعت الله يقول : ( لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله ) ؟ إنما المراد به على سجية الكلام ؛ ولقد همت به همها اللائق ، ~~وهم بها هم البشر الذي لا براءة له من همة إلا بتوفيق الله ، والبرهان كان ~~ذلك التوفيق . وما في الهم ؟ الله أكرم من أن يؤاخذ به ، وإنما ذكر ذلك ~~ليعلم أن النبي صلى الله عليه في نبوته غير مكتف بها دون أن يكنفه الله ~~بعصمته ، ويتغمده برحمته . وسئل ابن عباد يوما عن قوله عز وجل : ( يرسل ~~عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ، فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ، فقيل : ~~كيف يجوز أن يعد هذا في الآلاء والنعم ، وهو إحراق بالنار ، ولا ألم بعده ، ~~ولا عذاب فوقه ؟ فقال : أقول ما قال شيخنا أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن ~~البصري رحمه الله ، فإنه قال : إن الله جعل جهنم سوطا ساق به عباده إلى ~~الجنة ؛ واللفظ عن الحسن - على ما عنينا بجمع كلامه عن الرواة - : ' إن ~~الله خلق جهنم ليحوش بها الخلق إلى طاعته ' . فقال أصحابنا : فزعه إلى ~~الحكاية عن الحسن حاكم بأنه مفلس ، وقد قال العلماء في ذلك ، وإنما قول ~~الحسن ترقيق ، وكلام يدخل في الوعظ ولو حقق لقلق . وسأله الدامغاني يوما عن ~~قوله تعالى : ( ولما سكت عن موسى الغضب ) أي موضع هذا السكوت ، والسكوت ضد ~~الكلام كما أن السكون ضد الحركة ؟ فما أحلى ولا أمر ، وتغافل إما كبرا وإما ~~جهلا . وسمعت ابن بابويه يقول في هذا ms092 ؟ هو مما حرف لأنه نزل : ( ولما سكن ~~عن موسى الغضب ) بالنون . فقلت له : وما درك المحرف في هذا ؟ فقال : هو ما ~~قلت لك ، وقد صح عندنا ذلك عن الصادق . فأمسكت عنه ؛ والجواب أبين من ذلك . ~~| PageV01P130 وقال يوما الحصيري : أيها الصاحب ! ما أقول لخصمي إذا قال لي ~~: حد الظلم وضع الشيء في غير موضعه ؟ قال : قل له يجب على هذا إذا أخذ ~~الرجل عمامته المكورة فوضعها على ركبته أن يكون ظالما . قال أبو سليمان : ~~أخطأ ، لأن العمامة قد توضع على الركبة لغرض صحيح وحاجة بادية ، في وقت ~~مقتض لذلك ، وزمان يليق به ذلك ، ويكون حسنا عدلا ، ويكون في مكانها ؛ ~~والرأس أيضا جعل مكانها لغرض معروف ، والأغراض تختلف وتأتلف . وقيل له يوما ~~: ما أنكرت أن يكون الرزق ما يأكله المرزوق دون غيره ؟ فقال : على هذا لو ~~رزقك الله خفا لكنت تأكله . حكيت هذا لأبي سليمان فصرف القول في الرزق وفي ~~أقسامه وعلله وأسبابه وغرائبه ؛ وقد أخرته لمكان آخر ، فإن هذا الكتاب يضيق ~~عنه ، ويخرج عن الأمر المتحرى به . وقال له أبو عاصم البصري يوما : أ ليس ~~المتكبر هو الذي يتعظم زائدا على ما يستحقه ويحسن به ، ومن أجل ذلك ذموه ~~بهذا الاسم إذا أطلقوه ؟ فقال : بلى ! قال : فما معنى وصف الله نفسه ~~بالتكبر ؟ ونحن إنما نفينا عنه التكبر لقبحه عندنا وعند المعروف به بيننا ، ~~فلو ساغ أن ينعت بالتكبر ساغ أن ينعت بالتكذب . فاشتط وانتفخ وتربد وجهه ~~ودر وريده وكاد يزند ، ثم تدفق بكلام كثير ليس من مسألة أبي عاصم في شيء ، ~~حفظت منه قوله : أحدهم لا يعرف اللغة على طرائقها ودقائقها وحقائقها من ~~ناحية مجازها وسعتها ، ولا من ناحية سلامتها وصحتها ؛ ولا يفرق بين ما يجوز ~~على الله وبين ما لا PageV01P131 يجوز على الله ؛ ويقصد إلى المسائل ~~المشكلة ، والمعاني المعضلة ، والأبواب الغامضة ، والألفاظ المتعارضة ، ~~فيسأل عنها ، ويعجب بها . ليتك عرفت هذا بعد أن تعرف معنى قول العرب : ' ~~صابت بقر ' ، وما المراد بقولهم : ' عود يعلم العنج ' ، وما معنى قولهم : ' ~~لكل جابة جوزة ms093 ثم يؤذن ' ، ومن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~، ومتى توفي المبرمان ، وما البديع ، وما بديع البديع ، وما المخترع ، ومن ~~صاحب البيت السائر : وبي مثل الذي بك غير أني . . . ألام على البكاء ~~وتعذرينا ولقد صدق الأعرابي في قوله : كن كالضب الأعور يعرف قدره ولا يفارق ~~جحره ؛ وأصاب عمر في قوله : لا تحملوا النفس على المهجور فتتركوا المفروض ، ~~ولا تتجنبوا المأذون لكم فيه فتركبوا المنهي عنه . يحضرنا قوم لهم دفر ~~كصنان التيوس أعيا على المسك والغالية ، يسألون عما لا يعنيهم ولا يليق ~~بقدرهم ، ولو سألت واحدا منهم عن كنية أعشى همدان أو عن دعيمص الرمل ، وما ~~ايم النموذج في كلام العرب ، وكيف يجمع العجان ، وكيف يصرف الهجان ، وما ~~الأقذ والمريش ، وما الخباء PageV01P132 والعريش ، وما المشوق والحريش ، ~~وما المشوف والخريش ، وما الرثية والفريش ، وما الكصيصة والقصيصة ، ~~والخربصيصة والهلبسيسة ، وما الفرق بين : ما أنت أخانا فنكرمك ، وبين ما ~~أنت أخانا فنهينك ، الأول بالنصب والثاني بالرفع ، ومن الذي يقول : فأرميها ~~بجلمود . . . وترميني بجلمود فأرميها وترميني . . . وكل هالك مود ولكن صدق ~~عمرو بن عبيد شيخنا وشيخ الإسلام ، وشيخ ' العدل والتوحيد ' حين قال : لن ~~يكون العبد مستكملا لاسم الولاية حتى يسمع الكلمة العوراء فيجعلها دبر أذنه ~~. هذا مع قوله : تقويم الجاهل بما ينكر أيسر من تعريفه ما يجهل ، ولولا أن ~~عذري في تقويمك وتأديبك وتهذيبك وتربيتك يغمض على كثير ممن يسمع هذا الحديث ~~لسلخت شواتك ، وكسرت على رأسك دواتك ، وألزمتك دكانك وأداتك وأطعمتك بولك ~~وخراتك . اذهب فأنت طليق الجهل والقلة ، عتيق الخيبة والذلة . وكان إذا ~~انتهى كلامه مع خصم يقول : النظر شعاري ، والجدل دثاري ، والحق مناري ، ~~والبيان مداري ، والله جاري . PageV01P133 وقال يوما للحسين المتكلم : أ لي ~~تقول هذا ، والجدل ردائي ، ولنظر حذائي ، والعلم وطائي ، والبلاغة غطائي ، ~~والذهب والفضة عطائي ؟ وقال يوما لأبي صادق الطبري : أنت يا أبا صادق خفيف ~~الراس ، شديد الإفلاس ، إذا أبصرت النحار هذيت بالوسواس ، وصدعت رؤوس الناس ~~، بالتمويه والإلباس . وسمعته يوما يقول لابن شاذان : يا أبا الحسن ، توق ~~الرسن ، وانظر ms094 إلى المسن ؛ فما أخوفني أن تسن بالقبيح لا بالحسن . فقال له ~~: أيها الصاحب ! كرم طبعك أمان لي من بوائق سجعك . وقال يوما لابن حمزة : ~~والنظر من خولي ؛ هل هضبة توفى على جبلي ؟ فاحفظ نفسك ، واعرف خصمك ، وراجع ~~فهمك ، وجرب بختك . وكانت له تعسات كثيرة ، لكنها كانت تدفن ولا تذاع ، ~~رهبة ورغبة . قال يوما : ' اطلععليه ' ، ولا يجوز ' إليه ' ، والمعنى يقتضي ~~عليه لا غير . فقال له الضرير النحوي : فما نصنع بقوله عز وجل : ( لعلي ~~أطلع إلى إله موسى ) ؟ فبرد . ومن هذا الضرب قال يوما : جن عليه الليل ، أي ~~كنه الليل ، ولا يجوز غير هذا . فقال له أبو عمران الحسنكي : هذا لعمري في ~~الفصيح ، وإياه ذكر ثعلب PageV01P134 واختاره ، ولكن أين نحن من المرار ~~الفقعسي ، وهو أفصح من عالم صاحب ' الفصيح ' ، فإنه قال : آليت لا أخفي إذا ~~الليل جنني . . . سنا النار عن سار ولا متنور فقال : يا أبا عمران ! أنت ~~جاهل بالعلم ، ولذلك شوه الله وجهك ، ووكل المقت والإدبار بك . وأنشد يوما ~~لشاعر : إذا قلت لها : جودي لنا . . . خرجت بالصمت من لا و نعم قلت : ~~أصحابنا كذا ينشدون ، ويقال فيه تصحيف . فقال : اسلح على أصحابك . ولو كان ~~سأل عن وجه التصحيف لكان أشبه بالفضل وأخلق بأخلاق الرؤساء . وقيل له يوما ~~: ما القرحان ؟ قال : الذي لم يخرج به الجدري . قيل : ولم قيل ذلك ؟ قال : ~~ليسخن الله به عين السائل ، ويسخم وجهه ، ويسمل عينه ، وليقل دينه ، ويدق ~~ظهره ، ويسلط عليه من يسد دبره . واستؤذن يوما للوراق الطرسوسي فقال : الطر ~~في لحيته ، والسوس في حنطته ، ما أصنع بطلعته ؟ وتكلم يوما الخطيب في قول ~~الرجل : ' لا مال له قليل ولا كثير ، ولا مال له قليلا ولا كثيرا ' ، فلم ~~يفهم عنه . وقيل له : ما الفرق بين ' با ' و ' تا ' و ' ثا ' في مواضعها ~~المخصوصة ؟ فتحير . وكان السائل ابن المراغي . PageV01P135 وقيل له : لم ~~جاز : إن زيدا منطلق وعمرو ، ولم يجز : ليت زيدا منطلق وعمرو ، والحرفان ~~متضارعان في إيجاب النصب ؟ فلم يكن عنده جواب . ولقد سهرت معه ليلة في ~~معرفة الفرق ms095 بين : ' زيد أفضل إخوته وزيد أفضل الإخوة ' وجواز أحدهما ~~وبطلان الآخر ، فكان كالحمار بلادة . وقلت للحيلوهي : إنك تنال من عرض هذا ~~الرجل جدا ؟ فقال : قال النبي صلى الله عليه : ' لي الواجد يحل عرضه وظهره ~~' كما قال : ' مطل الغني ظلم ' . قلت : إنما ورد هذا في الواجب ، كالدين ~~والثمن وما أشبههما . فقال : الأمل دين ، والكرم مطلوب ، وما رأس الله أحدا ~~إلا وفرض عليه الإفضال والإحسان . وقيل لعقيل بن علفة : لم تهجو قومك ؟ ~~فقال : إن الشاة إذا وردت الماء فلم يصفر لها لم تشرب ، أي إذا لم يحرضوا ~~على المكارم لم يفعلوها . قال : وأنا استحسن قول الفضل بن يحيى : ما حثني ~~أحد على الكرم كرجل أنشدني بيتين وهما : عد لي بعادتك التي عودتنيروحي ~~فداؤك يا أبا العباس إن الذخائر إن أردت ذخيرةممن يقلدها رقاب الناس قال : ~~وأعجب من ذلك قول جرير فيما رواه الصولي : إذا مدحتم فاختصروا ، وإذا هجوتم ~~فأطيلوا ؛ فإن الناس لا يملون الشر . PageV01P136 ورأيته يوما ، وقد جرى ~~وانقطع ظهره ؛ فإنه قال : قولهم : ' إنها لإبل أم شاء ' ، معناه : بل شاء . ~~فقال له الحنسكي : فما تصنع بقوله عز وجل : ( أم اتخذ مما يخلق بنات ؟ ) أ ~~تراه أراد به : بل اتخذ مما يخلق بنات ، وهذا كفر ؟ فما دار لسانه بشيء على ~~حدته وكثرة هذيانه . وحدثني العبسي ، وقد جرى ذكر ابن عباد : لقد أتانا ~~حديث ما نكذبه . . . عن الرسول رويناه بإسناد أن تطلب الخير ممن وجهه حسن . ~~. . فكيف تطلبه عند ابن عباد مشوه الخلق لا دين ولا حسب . . . كالقرد ما ~~عنده خير لمرتاد فقلت : لمن الشعر ؟ فإنه واقع جدا . فقال : هو لأدريس بن ~~أبي حفصة . قلت له : كأنه ما عنى غير صاحبنا . وقال له يوما ابن ثابت : روى ~~البخاري في ' التاريخ ' أن سعدا مولى أبي بكر روى أن رجلا شكا إلى النبي ~~صلى الله عليه صفوان بن المعطل ، وقال : إنه هجاني . فقال : دعوه ، إنه ~~خبيث اللسان طيب القلب . فما تأويل : ' خبيث اللسان وطيب القلب ' ؟ فقال : ~~البخاري حشوي فشري ، ليس عليه معول ، ولا لقوله متأول . وسئل ms096 يوما عن قول ~~الله عز وجل : ( فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ) ، كيف نظمه ~~وتمامه في المعنى واللفظ ؟ PageV01P137 فصاح على السائل وقال : أ تسأل عن ~~النظم ، وأنت لا تعرف الرقم ولا العقم ولا الصدم ولا الردم ؟ وأوصل إليه ~~الوليدي مسائل من جماعة من أهل نيسابور ، كان فيها ؟ ما معنى : ( إنما ~~يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولائك هم الكاذبون ) ؟ قد علمنا ~~أن من كذب فهو كاذب . وكان فيها : ما معنى قوله تعالى : ( لا تتخذوا إلهين ~~اثنين ) ، وقد علمنا أن إلهين لا يكونان إلا اثنين ؟ ولا قناعة لنا بقول من ~~قال : هذا توكيد ؛ فإن المطالبة فوق التوكيد ؛ وأضعف المتكلمين في القرآن ~~من زعم أن شيئا منه زائد ، وأن كذا وكذا لغو ، وأن هذا على وجه التوكيد ، ~~ونحن وإن كنا نعلم أن التوكيد مذهب العرب ، وكذلك الزيادة والحذف والإضمار ~~، فالحكمة المطلوبة غير ذلك . وعرض علي الوليدي المسائل ، وكان فيها : ما ~~معنى قول الله عز وجل : ( لا تجعلنا مع القوم الظالمين ) ؟ وما وجه قول ~~القائل : ' لا تجعل ' فيما لا يجعل ؟ أو جائز أن يقال للإنسان : لا تنظر ~~برجلك ، ولا تمش بعينك ؟ فإن قيل : لا ، لأن هذا لا يخاف ، قيل : وكذلك لا ~~يجعل الله ، أحدا مع القوم الظالمين ، لأن هذا لا يخاف . وما معنى قوله : ( ~~ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ) ، وقوله : ( ثم جئت على قدر يا موسى ) ~~، وقوله : ( وألقيت عليك محبة مني ) ، وعن قوله عز وجل : ( وتلك الأيام ~~نداولها بين الناس ) ؟ PageV01P138 وما معنى قوله : ( لقد كان في يوسف ~~وإخوته آيات للسائلين ) ؟ خبرنا عن الآيات ، أ كانت في أفعالهم أو في ~~أبدانهم ؟ وما معنى : ( من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولائك ~~الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) ؟ وخبرنا عن قوله : ( وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها ) وعن قوله : ( فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم ~~السامري ) وما معنى : ( ولا يزالون مختلفن إلا من رحم ربك ، ولذلك خلقهم ) ~~أ للاختلاف أم للرحمة ms097 ؟ فإن قيل : للرحمة ، قيل : فالمختلفون هم الذين ~~خلقهم للرحمة ، فما معنى : ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ) ؟ فقد ~~أخرج من رحم من الاختلاف وللرحمة خلقهم ، فإذا كان كلهم للرحمة خلقوا فكلهم ~~غير مختلفين ، لأنه نفى عنهم الاختلاف وهم الجميع ، فأين المراد بالآية ؟ ~~وقال : ( إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ) ، وقال : ( فريق في ~~الجنة ، وفريق في السعير ، ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من ~~يشاء في رحمته ، والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير ) . أ فليس قد أخبر أنه ~~لم يشأ أن يجمعهم على الهدى إذ أمرهم ؟ وما معنى قوله : ( كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء ) ؟ فإن كان عم بهذا الكفار والمؤمنين فما فضيلة يوسف ؟ وإن ~~كان قد خص يوسف فهو قدح في النحلة . PageV01P139 وقال : ( ولا تقولن لشيء ~~إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) مما شاء الله فعله ؟ فإن قيل : نعم ، ~~فكل ما شاء الله كان ، فهذا قولنا ، وإن كان مما يشاء فلا يكون ، فما وجه ~~إيجاب الأمر بأن لا يقول لشيء إني فاعل ؟ إذ العباد يفعلون وإن لم يشأ الله ~~. وما تأويل قوله : ( أولائك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ) ~~، وقال : ( واتبعوا أهواءهم ) ؟ فبدأ بالطبع ، ثم ثنى بالاتباع ، وهذا يدفع ~~تأويلكم في قوله : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) . وما تأويل قوله : ( ~~والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) ، وقال : ( هذا بيان للناس وهدى ~~وموعظة للمتقين ) ؟ فهو بيان للكفار ، وهدى وموعظة للمتقين دون الكافرين ، ~~فلم تعمون ما خص الله ، وتخصون ما عم لله ؟ وما تأويل قوله : ( وننزل من ~~القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) ؟ وما ~~تأويل قوله : ( لا ريب فيه هدى للمتقين ) فخص بهدايته أهل التقوى ؟ فإن قيل ~~: هو هدى للكافر أيضا ، فكيف وقد ختم القصة فقال : ( إن الذين كفروا سواء ~~عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ) ، كيف يكون القرآن هدى لمن كان سواء عليه ~~PageV01P140 أأنذر أم لم ينذر . ويقال : قال الله تعالى : ( ختم الله على ~~قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ms098 ) ، فهل زال فرض بختمه على قلوبهم ؟ فإن ~~قالوا : لا ، فقد كلفوا أن يبصروا الهدى وقد ختم الله على قلوبهم ، وأزالوا ~~الفرض عمن ختم الله على قلبه وعذروه بكفره ، وحطوه بمنزلة الصبي والمجنون . ~~وإن أبوا أن يقال : لو شاء الله لم يعص ، لأن الله ذم الذين قالوا : ( لو ~~شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا . . . ) ، قيل : فما تصنعون بقوله ~~: ( وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما ~~اقتتلوا ) واقتتالهم معصية ، ولو شاء الله ما عصوا بأن يمنعهم ، إذ خلى ~~بينهم وبين معصيته ؟ وما معنى قوله : ( ولكن الله يفعل ما يريد ) . قال ~~الوليدي : وترددت شهورا ليجيب عنه فما فعل . وكان في المسائل أيضا : كيف ~~ينفى العلم عن الله وقد أثبته لنفسه في مواضع ، والنص لا يحذف ولا يتأول ؛ ~~قال الله تعالى : ( أنزله بعلمه ) ، وقال : ( فلنقصن عليهم بعلم ) ، وقال : ~~( وأضله الله على علم ) ، وقال : ( ولقد اخترناهم على علم ) ، وقال : ( . . ~~. ولا تضع إلا بعلمه ) ، وقال : ( وسع ربنا كل شيء علما ) . PageV01P141 ~~ومن أعرض عن التنزيل فقد خلع ربقة الدين . وكان إذا رأى كاتبا يقول له : أ ~~أحكمت ' الفصيح ' ؟ هات : قذت العين ماذا ؟ وهات : لحم الرجل وشحم وما في ~~بابه . وإذا رأى صاحب لغة قال : ما معنى قول الشاعر : وأقدر مشرف الصهوات ~~ساط . . . كميت لا أحق ولا شئيت وإذا رأى نحويا قال : على ماذا ينتصب ( ~~نذيرا للبشر ) . فإذا أكثر من هذا وشبهه أنشد : أرى الناس أخلاطا جميعا ~~وإنهم . . . على ذاك شتى والهوى متفرق ترى المرء إن جالسته ذا صناعة وسائر ~~ما فيه على ذاك أخرق وتلقى أصيل الرأي ليس لسانه . . . بمخرج ما في قلبه ~~حين ينطق ورأيته مرة يسأل الحسنكي : ما الطاية ، والثاية ، والغاية ، ~~والآية ، والراية ؟ وما الناقة القاصية والعاصية والعاطية ؟ وكان سريع الرد ~~على الإنسان شديد التعجرف ، وكان ذلك ربما انقلب عليه . وقال يوما لبعض ~~العلماء في كلام سمعته منه : ' أصفيته كذا وكذا ' لا يجوز ، أما ~~PageV01P142 قرأت القرآن : ( أ فأصفاكم ربكم بالبنين ) إنما يجب أن تقول : ~~أصفيته بكذا وكذا . فقال ms099 العالم : هذا صحيح فصيح ، وغيره جائز حسن ، أما ~~قرأت في الحماسة قول الشاعر في النسيب : لئن كنت أوطأتني عشوة . . . لقد ~~كنت أصفيتك الود حينا فقال بعجرفته : الشعر موضع ضرورة . وكذب ، ليس هذا من ~~ذلك . وحدثني الثقة قال : قال يوما المسيبي في حديثه : ' وكان يخفر من ذاك ~~ويستحس ' . فقال له : سخنت عينك ، لا يقال للرجل يخفر ، الخفر للنساء . ~~فقال المسيبي : أيها الصاحب ! التؤدة خير من العجلة ، أين نحن من قول ~~الشمردل في أرجوزته ، رواها أبو حاتم : لا يسبق النائل منه المنكر . . . ~~فتى شتاء يستحي ويخفر فقال : أخذنا في الحماقة . وقال مرة : ' ضره وأضر به ~~' ، ولا يجوز أضره ، كذا لا يجوز ضر به . فقال له رجل من خراسان : فما تقول ~~في قوله عز وجل : ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ) ؟ فقال للرجل ~~: اخسأ ! أ هذا من ذاك ؟ وأخجل الرجل في صوابه ، ولم يخجل هو من خطئه ~~لسقوطه وجهله ومكابرته وحسده . وقال يوما : النكث للعهد ، والخلف للوعد ؛ و ~~لا يجوز : نكث الوعد ، وكذا لا يجوز : أخلفت العهد . PageV01P143 وكان بيت ~~القرآن والرواية حاضرا أبو الحسن ابن شاذان فقال : هذا مرفوض بقوله تعالى : ~~( قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ) . فبرد ، وكان باردا ، لا ~~رحم الله صداه ولا بل ثراه . وقال في بعض الليالي : الاقتراف لا يكون إلا ~~في القبيح ، أما سمعت الكلام الذي هو كالمثل : ' الاعتراف يمحو الاقتراف ' ~~؟ فقال له مقرئ قد حضر : التنزيل يأبى هذا الحكم وينطق بغيره . قال : وما ~~ذاك ؟ قال : قال الله تعالى : ( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ) ، فخزي ~~وقام . ورأيته يناظر أبا الفرج البغدادي الصوفي ، وكان في أذنه وقر ، في ~~وساوس الصوفية وخطراتهم ، فقال : يا أبا الفرج ! إذا كانت البينونة مشعورا ~~بها في عرصة الحقح حيث لا عبارة للخلق ، ولا أمان للجل والدق ، بطنت وسائل ~~المعرفة بحقائق المراد ، واشتبهت أعلام الحال في تثبيت الإشارة ، وبقيت ~~العبارة على إلف الآلف ، وعادة المتالف . فأجابه أبو الفرج : لا ثبات ~~لمناسب البينونة في نهايات الاتحاد ، لزوال شرائط ms100 رسوم الخلق عند تصافي ~~الأرواح بحقائق الحق . قال ابن عباد : ما أنكر تلاشي المناسب في نهايات ~~الاتحاد ، إذا سطعت أنوار الحقيقة بالاتقاد ؛ وإنما جررت الكلام إلى غاية ~~تزلق فيها الأفهام ، وتسيخ فيها الأوهام ، ولا يشرف عليها إلا نمن خصه الحق ~~بخصائص التمام ، ورفع معارف جملة العوام ؛ ولولا الحال التي امتحنني الحق ~~بها ، وسحبني على غرائبها وعجائبها ، في عرض صوادقها وكواذبها ، مما هو ~~مردود إليه ، ومتوكل فيه عليه ، لشققت معك جلباب صدر قد حشي ودائع ، وفتحت ~~لك أبواب خزائن قد جمعت فيها بدائع ؛ ولكني بما تراني أذبذب عليه مأخوذ ، ~~وبما تسمعني أدندن حوله مأخوذ . وإلى الله المشتكى ، فهو الغاية والمنتهى . ~~PageV01P144 ثم قال : يا أبا الفرج ! هل تعرف من أصحابك من يقول : بليت بما ~~لو يبتلى أحد به . . . لأصبح كالعهن النفيش يطيش بعشق وإعراض وشوق وغربة . ~~. . ومحك الذي أهوى فكيف أعيش وأعجب من ذا أنني متصوف . . . ولكن صوف ~~العاشقين حشيش وقلت لأبي السلم نجبة بن علي القحطاني الشاعر : قد لقيت ابن ~~العميد ، وها أنت تشاهد ابن عباد ، فصفهما لي ؛ فإنك رجل بدوي ، وتنظر إلى ~~كل شيء بفطرتك ، وتنطق عن كل شيء بسابق فطنتك . فقال : أما ابن العميد - ~~يعني أبا الفضل - فكان بحره لا ينزف وبره لا ينسف ، وغباره لا يشق ، ونسيمه ~~لا ينشق ، وحبه لا يفرك وأديمه لا يعرك ؛ على بخل كان به أحال نهاره ليلا ، ~~وألصق به ثبورا وويلا . وأما هذا - يعني ابن عباد - فليس في استحسانه ~~لإحسانه فضل لاستحسانه لإحسان غيره ، قد غرق في بحر نفسه ، فليس يرفع طرفه ~~إلى أحد من بني جنسه ؛ وهذا الذي يدل على غاية نقصه . وقلت للحيلوهي يوما : ~~كيف ترى ابن عباد ؟ فقال : كما قال الشاعر : كبرق لاح يعجب من رآه . . . ~~ولا يسقي الحوائم من لماق ونظر إليه يوما وقد طلع في موكبه فتمثل بقول ~~الشاعر : وأنت كغيث السوء من ير برقه . . . يشمه ومن يحلل به فهو جادبه ومن ~~شعر ابن عباد ، وهو يتملح به عند نفسه ، قوله في رجل تزوجت أمه : عذلت ~~لتزويجه أمه ms101 . . . فقال : فعلت حلالا يجوز PageV01P145 فقلت : حلال كما قد ~~زعم . . . ت ولكن سمحت بصدع العجوز وقال أيضا : زوجت أمك يا أخي . . . ~~فكسوتني ثوب القلق والحر لا يهدي الحر . . . م إلى الرجال على طبق وقلت ~~لأبي الفرج الصوفي البغدادي : أنت شيخ صوفي ، ولك ذكر جميل ، لم تتعاطى ~~لهذا الرجل - أعني ابن عباد - الكلام في الزهد والدقائق والأضمار والوساوس ~~وتصفية الأعمال ؟ هذا علم يذاكر به أصحاب الحرق ، وأرباب الخرق . فقال : ~~هذا رجل رقيع رفيع ، وله جاه ومال وهو مطاع ، ولست أصل إلى ما في يده إلا ~~بالرقاعة ، وأنا ثقيل الظهر بالعيال محتاج إلى القوت ، فأحمق له ساعة حتى ~~أنال منه هذا الحطام الذي قد تهالك عليه الخاص والعام ، وقد قال الأول : ~~فحامقته حتى يقال سجية . . . ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله وسمعته يقول ، وقد ~~جرى حديث ابن العميد أبي الفضل ، فقال : لم يكن له - مع فضله الشائع ، ~~وأدبه ابارع - علم الدين ، ولا كان عنده شيء من الشريعة ؛ كان لا يعرف ~~القرآن وأحكامه وغريبه وإعرابه ، واختلاف العلماء فيه بضروب التأويل وغرائب ~~التفسير ؛ والرئيس إذا عري من هذا السربال فهو ممقوت عند الله تعالى ، مقلي ~~عند الناس . وكان إذا سمع كلاما في الدين ثقل عليه ، وخنس عنه ، وقطع على ~~الخائض فيه ، وكان إذا احتفل في العلم والحكمة وما يدل على الخصوصية قال : ~~لم صارت الأشياء المتعادية في حياتها تتعادى بعد مماتها أيضا وتتنافر ؟ ~~كمعى الذئب وجلد الشاة ، وكسن السنور وعظم الفارة . ولم الصبي إذا ولد أزرق ~~فأرضعته حبشية عاد أشهل ، فإن دامت عليه عاد أكحل ؟ ولم لا يتغلغل شعره كما ~~اسودت حدقته ؟ ولم ينسب الضب إلى العقوق ، والهرة إلى البر ، وهما يتشابهان ~~في أكل أولادهما ؟ PageV01P146 قال : ويقول في دقيق علمه وغامض حكمته : قيل ~~لسنورة : لم تأكلين جراءك على فرط حبك لها ؟ قالت : يخيل إلينا أكبادنا ~~أولى بأن تكون فيها ، من الأماكن التي تحويها . قال : ومن جملة ذلك أيضا : ~~لم يكوت السعلاة من الضربة الأولى ، وتعيش بالضربة الثانية ؟ ولم صار الفرس ~~لا طحال له ، والبعير لا ms102 مرارة له ، والظليم لا مخ لعظمه ؟ ولم ليس في ~~السباع أطيب أفواها من الكلاب ، وليس في الوحش أطيب أفواها من الظباء ؟ ~~وكيف صار الأسد أشد الحيوان بخرا وكذلك الصقر ؟ ولم صار الكلب أسبح من سائر ~~السباع ؟ ولم صار حيتان البحر لا ألسنة لها ولا أدمغة ؟ ولم صار صفن البعير ~~لا بيضة فيه ؟ ولم صارت السمكة لا رئة لها ؟ ولم صار في فؤاد الثور عظم ؟ ~~ولم صارت البراغيث تجتمع على السوط متى دهن بشحم قنفذ أو مسح بمصران ابن ~~عرس ؟ ولم صار الزنبور يموت في الزيت ويعيش في الخل ، كما تموت الخنفساء في ~~الورد وتعيش في الروث ؟ ولم صار الضب يأكل الجراد ويسالم العقارب ، وهي ' ~~أشبه بها من الماء بالماء ' ؟ - في حماقات كثيرة ، الجهل بها أحمد من العلم ~~بها . هذا من تشنيعه على أبي الفضل ، وكان مع ذلك ربما قال : كان واحد ~~الدنيا ؛ وهذا كما ترى ، وهو يدخل في باب المناقضة . والأمر الذي تشدد فيه ~~- أعني ابن عباد - وبلغ الحد الأبعد منه ، وزاد على جميع PageV01P147 الناس ~~فيه : باب المخاطبات ، وأنه كان يطالب أصناف الناس بما ليس في الطاقة ولم ~~تجر به عادة ، وكان يقول : هذا الذي به أجد طعم ولايتي ، ولولا هذه اللذة ~~والشهوة ما باليت أن أتقلب في مرقعة خلق ، وثوب رث بال ، أجوب بلاد الله ، ~~وألقى عباد الله ، وآكل رزق الله . ولقد خدع في هذا عن أموال خطيرة اختلست ~~فتغافل عنها ، إما عن جهل وجنون ، لأنه كان يسوم كل من كتب إليه أن يكني عن ~~نفسه بالعبودية ، وعنه بالمولوية ، ثم يعرض في هاتين الكنايتين ، وكناية ~~الحديث والشأن ، ومن الحديث عنه ، أو له ، أو فيه ، فربما تشاجرت كنايات ~~وتداعت معانيها على الكاتب فلا يخلص إلى تحقيق مراد ، واستبانة وجه ، وهذا ~~الذي أقوله يعرفه الذي دفع إليه ودهي به . وقال لي ابن ثابت : قلت له : كيف ~~كان الخليفة يرضى بأن يقال له : أعزه الله ، وكذلك ولي العهد ، والوزير ، ~~ومن قاد الجيش وأغنى في الهبوة ، ومن أمر على شطر الدنيا ؟ وكان ابن ms103 الزيات ~~يقال له يا أبا جعفر ، وابن أبي دواد يقال له : يا أبا عبد الله . فقال : ~~كان الناس في ذلك الوقت ضعاف العقول صغار الهمم ، ولم تكن لهم مرائر مغارة ~~، ولا نفوس فيها غزارة . هكذا قال . وهذا - حفظك الله - كلام جاهل لا خبرة ~~له بشيء من أمور الدنيا والدين ، وهو مع ذلك دليل على النذالة والسقوط . ~~وجرى يوما حديث المخاطبات عند القاضي أبي حامد المروررذي والترتيب فيها ، ~~وامتعاض الناس من التصارف الجاري بين أهلها ، فقال : سبب هذا كله إحساس ~~الناس بنقصهم القائم بهم ، الراكد عليهم ، النابت فيهم ؛ وطلب دفع ذلك ~~بالترتيب ، PageV01P148 ونفيه بالخطاب ؛ وليس الطريق إلى هذا ، بل الطريق ~~إليه الأخذ بأخلاق من سلف : من الحياء والكرم والدين والمروة . انظر إلى ~~السلف الصالح كيف كانوا ، هل خاطبوا رسول الله - صلى الله عليه - إلا بيا ~~رسول الله ؟ وبعد فهل يخاطب ربنا إلا بالتاء وإلا بالكاف ؟ وهل سمعت عبدا ~~لله قد أخلص دينه له قال : إن رأى ربنا فعل بعبده كذا وكذا ؟ وهل الخير كله ~~إلا فيما خص الله به نبيه وأمته ، وأشاع فيهم حكمته وبركته . ثم قال أبو ~~حامد : وينبغي أن لا يكون بينك وبين أصدقائك صرف ، لأن الصداقة فوق ذلك ، ~~بل المصارفة فيها تقذيها وتفسدها ، وتحيل نضارتها ، وتبدل غضارتها ، وقد ~~تستحيل الصداقة بالمصارفة عداوة ، لأن التجني والاستزادة يعتورانها ، ~~والاعتداد والاحتجاج يمحقانها ؛ فأما النظراء والأكفاء فيكفي معهم أن يكون ~~الجواب كالابتداء ، والآخر كالأول . وكان أبو محمد النباتي يقول في هذا ~~الباب كلاما طيبا ، وأنا أحكيه لأنه موضعه وإن تنفست الرسالة ، فالغرض ~~فائدة ، وإن كان سبب إنشائها الغيظ الذي فاض الصدر به ، ومرح اللسان بوصفه ~~، وقد قال ابن الرومي : وما الحقد إلا توءم الشكر في الفتى . . . وبعض ~~السجايا ينتسبن إلى بعض فحيث ترى حقدا على ذي إساءة . . . فثم ترى شكرا على ~~حسن القرض إذا الأرض أدت ريع ما أنت زارع . . . من البذر فيها فهي ناهيك من ~~أرض فهذا هذا . قال : جميع ما يتقلب فيه من هذه الأمور الفاسدة والأحوال ~~الردية ، يرجع إلى ms104 أصول أربعة ، وهي : الحماقة والرقاعة والرعونة والجنون . ~~فأما الحماقة فما عليه الكتاب من المخاطبات المختلفة التي ليس فيها حقيقة ، ~~ولا ترجع إلى صحة ، لا من جهة الديانة ولا من جهة رسم الأولين السادة ، ~~وإنما هو شيء يؤدي إلى القال والقيل وإلى العداوة والمغالبة ، ويبعث على ~~الوحشة PageV01P149 الشديدة بالاستشعار الردي ، والوسواس المودي ؛ لأن ~~الترتيب إن كان بينك وبين من هو دونك فهو على الدلالة على محلك ، وإن كان ~~إلى نظيرك ، فهو على غاية المماثلة بينه وبينك ، وإن كان إلى من فوقك فهو ~~على توفية ما يستحقه منك . قيل له : ها هنا قسم آخر ، والداهية كلها منه . ~~قال : وما هو ؟ قيل : الذي يدعي أنه نظير لك وهو دونك ، والذي هو فوقك ~~وتدعي أنه في حدك ، وها هنا يشتد النزاع والفراع ، وتتحطم القنا ويتطاير ~~الشرر ، ويجد الشيطان مدخلا منه ، وتسويلا به . فقال : هذا من فقد التناصف ~~في الأصل ، وإلا فالحال مفضية في التحقيق إلى الكلام الأول . ثم قال : وأما ~~الرقاعة فانتفاش القضاة والشهود ، ألا تراهم كيف يوسعون أكمامهم ، ويعرضون ~~جيوبهم ، ويرخون أطواقهم ، وينظرون إلى الأرض تعظما على من يكلمهم ، وتبرؤا ~~ممن يخالفهم ؟ ألا ترى إلى دنياتهم وقرامعتهم وقلانسهم وعمائمهم وتحنبلهم ~~وتقتلهم ؟ فهم كما قال الشاعر : وأنت بالليل ذئب لا حريم له . . . وبالنهار ~~على سمت ابن سيرين وإذا تكلم أحدهم خفض صوته ، وقطع حروفه ، وسبح في خلال ~~ذلك ، وقال : عافاك الله اسمع ! ويا هذا أصلحك الله ! ويا عبد الله الصالح ~~! قل خيرا ، ولا قليل من الله ، ويا فلان ! اتق ربك الذي إليه معادك ، أما ~~عليك حفظة من قبل الله ؟ أما للإسلام عندك حرمة ؟ أما تؤمن بالله ؟ أما ~~تؤمن بيوم الحساب ؟ قال : وأما الرعونة فما عليه الشطار من هؤلاء الشباب ~~الجلد الذين يرفعون الحجر ، ويدعون الفتوة ، ويكثرون ذكرها ويحلفون بها ، ~~ويسمونها ' الجوامردية ' ، ترى PageV01P150 أحدهم يضيق الأكمام ويحل ~~الأزرار ، ويفتل السبال ، ويمشي متحاملا ، ويتكلم متصاولا . قال : وأما ~~الجنون فما تجد عليه هؤلاء الذين يتنازعون بينهم قولهم : أبو بكر خير من ~~علي ، وعلي خير من أبي بكر ms105 ؛ وإذا حلفوا قالوا : وقدر علي ، وحق الصديق ؛ ~~ويقولون : بغداد أطيب من البصرة ، وبادية البصرة أخف من بادية الكوفة ، ~~والرازقي خير من البارقي ، والسونائي أحلى من الكرخي ، وسامرة فوق ' إرم ~~ذات العماد ' ، وفلان فضلي ، وفلان مرعوشي ؛ وترى لهم في هذا الطريق ~~اهتماما وإنفاقا وقوة ومغالبة ومشاغبة ومحاكمة وملاطمة ؛ وهكذا إذا جرى ~~حديث الشاعر والشاعر ، كالعوفي والناشي ، والامح ، والقاص كالبربهاري ~~والقسري . وقد صدق هذا الشيخ ، فقد سمعنا من هذا ما لا يطمع في إحصائه . ~~وقال الزعفراني الشاعر : كيف يكون هذا الرجل - يعني ابن عباد - ديانا ~~ومتألها ، وهو يبتذل العلوية والأشراف ، ويهينهم أعوانه ، وهم يعدون بين ~~يديه فلا ينكر ذلك منهم ؛ ولقد فال يوما ، وهو يريد الركوب لبعض حجابه : ~~نظف الطريق من هذه الخنافس والجعلان والحرابي والغربان . فقلت لبعض من كان ~~إلى جانبي : من يعني ؟ فقال : يعني هؤلاء الواردين من الحجاز لسواد ألوانهم ~~وتفلفل شعورهم ، ودمامة وجوههم وانحطاط قدودهم ، وقلة دماثتهم واختلاف ~~حركاتهم وشمائلهم . PageV01P151 قال : أ فهذا من التشيع والولاء وما يجب ~~لهذا البيت ؟ ثم يدعي أنه زيدي ، فإذا قرض قصيدة غلا ، وزاد على العوفي ~~والناشي . وأما أنا فما رأيت أحدا من خلق الله في حدته سفه لسانه ؛ خرج ~~يوما من دار مؤيد الدولة من باب غامض هربا من قوم كانوا يرقبونه على الباب ~~المشهور من السحر الأعلى ، وهو وحده بين يديه ركابي ، فعرفته عجوز فقامت في ~~وجهه ودعت له ، ومدت يدها بقصعة معها فقال : ما تريدين يا بظراء يا بخراء ~~يا عفلاء يا فقماء ؟ على هذا إلى تباعد ، فبقيت العجوز مبهوتة ، وقالت : ~~مسكين هذا الرجل ، قد جن . فقلت لبعض أصحابه : ما هذا النذل والفحش والخفة ~~والطيش ؟ فقال : هذا دأبه إذا جاع . فقلت : أجاع الله كبده وسلبه نعمته ! ~~وحدثني العتابي قال : الرجل لا دين له ؛ سمعته يقول في الخلوة ، وقد جرى ~~حديث المذهب : كيف أنزل عن هذا المذهب ، يعني الاعتزال ، وقد نصرته وشهرت ~~به نفسي ، وعاديت الصغير والكبير ، وانقضى عمري فيه ؟ قلت للعتابي : ومن ~~أين وقع في هذا الإلحاد ؟ فقال : لم يزل مترجحا ms106 قليل الطمأنينة سيء اليقين ~~، ولكن أهلكه مقعدة الذي يقال له النصيبي أبو إسحق . وصدق هذا الشيخ ؛ كان ~~أبو إسحق شاكا في النبوات ، وكان يصادقبهذا من صافاه ووثق به ، وهو الذي ~~قال بنكده وخبثه : لو ظفر يوم الجمل طلحة والزبير PageV01P152 وعائشة بعلي ~~بن أبي طالب ، دار الخلاف بينهما ، وكان لا يعول أحدهما في الاستظهار على ~~صاحبه إلا بأن يتزوج عائشة ، ثم يكافح صاحبه بها وبشيعتها الذين فتوا بعر ~~جملها وتشافوا به ، وتحاثوا عليه ، وكنا نحن نكور عمائمنا ونرفع طيالسنا ~~ونسرح لحانا ونكتحل ونحتفل ، ثم نجلس في المساجد والجوامع ونحتج لذلك ~~التزويج ، ونتأول كل قول ، ونخرج كل خبر ، ونبلغ كل غاية بكل حيلة . وحديث ~~التاجر المصري من الطرائف ؛ قدم شيخ له هيئة ومعه ثياب مصر ، فدعا به ، ~~واشترى منه ، وتقدم بإكرامه ، ورفع الحجاب عنه ، وقال له : أهل مصر ، أي ~~شيء يغلب عليهم من فنون العلم ، وبرسائل من يشغفون ؟ فقال التاجر : لهم حرص ~~على كل علم ، ونصيب من كل أدب ، وأما الرسائل فإنهم لا يؤثرون على ما لابن ~~عبد كان الكاتب أبي جعفر شيئا ؛ وكان نجاح الخادم قائما ؛ فأومى إلى المصري ~~بأن قل : رسائلك هي المطلوبة والغريبة ، وهي المشتهاة والمستعملة ، وكان ~~إيماؤه باليد ، والإصبع ، والحاجب ، والشفة ، وهذا كله لا يفصح عن حرف ، ~~فلم يكن يفهم التاجر لشقائه معنى الإشارة ؛ وانقبض عنه ابن عباد ولم يحاوره ~~، وقام ذاك على حالة قد ناله فيها فتور لا يدري ما سببه . فلما كان بعد ~~أيام حضر أيضا وأعاد القول على الوجه ، فأعاد المصري الجواب المتقدم ، ~~ونجاح الخادم على رسمه قائم يشير بمثل ما أشار إليه في المجلس الأول ، وهذا ~~لا يفطن ، وفي أهل مصر سلامة صدر شبيهة بغباوة طبع . فالتفت ابن عباد إلى ~~الخادم وقال : إذا كان صاحبك سخين العين قطيع الظهر ، ابن بظراء ، إيش ~~يمكنك أن تعمل ؟ وطرد المصري . أ فهل هذا إلا رقاعة تحتها جنون صرف ، ~~وسرطان في الدماغ ، وعلة في العقل ، وفساد في المزاج ؟ واسمع ما هو أعجب من ~~هذا ! ناظر بالري اليهودي رأس ms107 الجالوت في إعجاز القرآن ، فراجعه اليهودي ~~فيه PageV01P153 طويلا ، وثابته قليلا ، وتند عليه حتى احتد وكاد ينقد ؛ ~~فلما علم أنه سجر تنوره وأسعط أنفه ، احتال طلبا لمصاداته ، ورفقا به في ~~مخاتلته ، فقال : أيها الصاحب ! ولك تتقد وتشتط ، ولم تلتهب وتختلط ؟ كيف ~~يكون القرآن عندي آية ودلالة على النبوة ، ومعجزة من جهة نظمه وتأليفه ؟ ~~وإن كان النظم والتأليف بديعين غريبين ، وكان البلغاء ، فيما تدعي ، عنه ~~عاجزين ، وله مذعنين ، وها أنا أصدق عن نفسي وأقول : عندي أن رسائلك وكلامك ~~وفقرك وما تؤلفه وتباده به نظما ونثرا هو فوق ذلك أو مثل ذلك ، أو قريب منه ~~؛ وعلى كل حال فليس يظهر لي أنه دونه ، وأن ذلك يستعلي عليه بوجه من وجوه ~~الكلام ، أو بمرتبة من مراتب البلاغة . فلما سمع ابن عباد هذا فتر وخمد ، ~~وسكن عن حركته ، وانخمص ورمه به وقال : ولا هكذا أيضا يا شيخ ، كلامنا حسن ~~وبليغ ، وقد أخذ من الجزالة حظا وافرا ، ومن البيان نصيبا ظاهرا ؛ ولكن ~~القرآن له المزية التي لا تجهل ، والشرف الذي يخمل ؛ وأين ما خلقه الله ~~تعالى على أتم حسن وبهاء ، مما يخلقه العبيد بتطلب وتكلف ؟ هذا كله يقوله ، ~~وقد خبأ حميه ، وتراجع مزاجه ، وصارت ناره رمادا ؛ مع إعجاب شديد قد شاع في ~~أعطافه ، وفرح غالب قد دب في أسارير وجهه ؛ لأنه رأى كلامه شبهة على اليهود ~~وعلى عالمهم وحبرهم ، مع سعة حيلهم وشدة جدالهم ، وطول نظرهم وثباتهم ~~لخصومهم . فكيف لا يكون شبهة على النصارى ، وهم ألين من اليهود عريكة ، ~~وأطفؤهم نائرة ، وأقلهم مراء ، وأكثرهم تسليما ؛ وأنه إن جاز هذا على ~~اليهود والنصارى ، وهم دهماء الناس ، فما ظنك بالمجوس ونصيبهم من الجدل أقل ~~، وهم عن النظر أعجز ، وعادتهم في المحاجة أفسد ؛ وهكذا الصابئون ؟ انظر - ~~أكرمك الله - إلى هذا الرجل العظيم الطاق الفسيح الرواق ، الذي لا يرضى ~~أحدا ، كم ينخدع وكم يذوب ! مرة للشاذياشي ، ومرة لليهودي ، ومرة للتاجر ~~المصري ، ومرة للخراساني ، ومرة للبغدادي . PageV01P154 فهل هذا إلا النوك ~~والركاكة ، وضعف النحيزة ، وسوء التخيل ، وقرب الغور ، وقلة العقل ؟ قال ~~أبو ms108 سليمان المنطقي : وعنده يومئذ أبو زكرياء الصيمري ، وقد قرأت عليه هذه ~~الأحاديث : هذا رجل قد سعد في الدنيا سعادة عجيبة مذ ولي إلى الغاية ، وهي ~~شقة عمره وآخر أمره ، لم يشك بشوكة ، ولم ينكب بنكبة ، ولم يسمع من أحد ~~كلمة عوراء ، ولم يدفع في حالة إلى آبدة ، وقد بلغ في حياته ما شاء . فقال ~~أبو زكرياء : النحس الذي لحقه في عقله حتى صار لذلك رقيقا أهوج سيء الأدب ، ~~حديدا كثير الكذب ، شديد التلون ، عسير المأتى ، ممقوت العجب ، عظيم الكبر ~~، طويل الخصومة ، دائم المراء ، وقاعة في أهل الفضل ، حاسدا لذوي الأدب ، ~~مغتاظا على ذوي المروءات ، منانا بالقليل ، معظما للتافه النزر ، وذوي ~~الدين ، مقرونا بالأبن - هو أعظم من جميع ما أعطيه من المال الكثير ، ~~والمرتبة العالية ، ومن الخيل المسومة ، ومن الدور والقصور ، وما فيها من ~~العين الحور ، والخزائن والذخائر ، والفضة والذهب ، والجواهر والخدم ~~والعبيد ؛ لأن العقل إذا صح فهو المنيحة التي لا يوازيها شيء ، وإذا اختل ~~فهو البلوى التي لا يتلافاها شيء ؛ ولو كان مع هذا العقل عاريا من جميع ما ~~عددناه ، لعلاه بعض العامة بكيسه ولطفه ، ولبرز عليه بعض أصحاب الخلقان ~~بمروته وظرفه ، ' ولكن الغنى رب غفور ' . ولهذا أحسن الذي يقول : ذريني ~~للغنى أسعى فإني . . . رأيت الناس شرهم الفقير وأبعدهم وأهونهم عليهم . . . ~~وإن أمسى له كرم وخير ويقصيه الندي وتزدريه . . . حليلته ، وينهره الصغير ~~وتلقى ذا الغنى وله جلال . . . يكاد فؤاد صاحبه يطير قليل ذنبه والذنب جم . ~~. . ولكن الغنى رب غفور PageV01P155 وله مع الغنى أمر ونهي ، وقوة سلطان ، ~~وجد ودولة ؛ فكل عيبه مستور ، وكل فضله منشور . قال له أبو سليمان : صدقت ، ~~وهذا لأن الإنسان لا يكون في هذا العالم مالكا للتمام ، جامعا لأدوات ~~الكمال ؛ وسببه أنه نتيجة للكواكب العالية ، والأجرام الشريفة ، من المواد ~~المختلفة ، والعناصر الصافية والكدرة ؛ فمتى نالته سعادة بالمشتري ، وصل ~~إليه نحس من زحل ، وكذلك الزهرة والمريخ ؛ والعلماء المتقدمون يقولون : ~~المشتري والزهرة سعدا الفلك ، والزهرة مخصوصة بالسعادة العاجلة ، والمشتري ~~مخصوص بالسعادة الآجلة . قال : وهذا وإن كان في الجملة كما قاولوا ms109 ، ~~فلالتباس الدنيا بالآخرة ، فما يستفاد من المشتري كثير من حظوظ الدنيا ، ~~ويستفاد من الزهرة كثير من حظوظ الآخرة . ومن أسرار الزهرة أنها ربما هيأت ~~الوحي ، ومن أسرار المشتري أنه ربما هيأ اللهو . ومر له في هذا لفن كلام ~~كثير مفيد ند عني ، ولم يصحب ذهني إلا ما تسمع . قال : ولهذا كان نحس ابن ~~العميد في بدنه ، لأنه فقد الصحة في وسط عمره ، وحين الحال حويل ، والمال ~~مويل ، والعلم نزر ، والقهم ناقص ، والبلاغة خلق ، والكتابة شمطاء ؛ فلما ~~أخذت أحواله تتسق ، وأسباب فضله تستوسق ضرب في بدنه بالعلل الشديدة ، ~~والأمراض المختلفة ، وسلب لذة المطعم والمشرب ، وبقيت حسرة النعمة في نفسه ~~إلى أن عطب ؛ وقلة حظه منها هو الذي كان يبعثه على قلة الإنعام منها . قال ~~: ولهذا تجد آخر جيد العقل ، صحيح البدن ، محمود البيان ، ولكنك تجده مع ~~ذلك شديد الفقر ، سيء الحال ، مرحوم الجملة . وعلى هذه الجديلة كل من ~~اعتبرت حاله ، وعرفت ما سلبه مما وهب له ، وما أعطيه مما حرمه ، وهذا ليكون ~~العبد أبدا في منزلة من النقص ، وحال من العجز يكون بهما ضارعا إلى خالقة ، ~~طالبا لعنايته من مالكه ، وليكون بين العبد المعجون من الطين وبين الله ~~مدبر الخلق فرق . وذهب في هذا الفضل كل مذهب ، وشفى كل غليل ، وأبكى كل عين ~~، وكان ذا قوة عجيبة في هذه الطريقة ، وذا اطلاع إلى أسرار الخافية . ~~PageV01P156 فأما حديثي معه ، فإن حين وصلت إليه قال لي : أبو من ؟ قلت : ~~أبو حيان . قال : بلغتي أنك تتأدب . قلت : تأدب أهل الزمان . قال : فقل لي ~~، أبو حيان ينصرف أولا ؟ قلت : إن قبله مولانا لا ينصرف ، فلما سمع هذا ~~تنمر وكأنه لم يعجبه ، وأقبل على واحد إلى جانبه فقال له بالفارسية سفها ، ~~على ما فسر لي . ثم قال لي : أنا سامع مطيع . ثم قلت في الدار لبعض الناس ~~مسترسلا : إنما توجهت إلى العراق إلى هذا الباب ، وزاحمت منتجعي هذا الربع ~~، لأتخلص من خرزة الشؤم ؛ فإن الوراقة لم تكن ببغداد كاسدة . فنمي إليه هذا ~~أو بعضه ، أو على ms110 غير وجهه ، فزاده تنكرا ؛ وكان الرجل خفيف الدماغ ، لا ~~يعرف الحلم إلا بالاسم ؛ والسؤدد لا يكون ولا يكمل ولا يتم إلا بعد أن ينسى ~~جميع ما يسمع ، ويتأول ما يكره ، ويؤخذ بالأسد فالأسد . وقال أبو سعيد ~~السيرافي : الحلم مشارك لمعنى الحلم ؛ فصاحب الحلم هو الذي يعرض عما يرى ~~ويسمع كالحالم ، واللفظ إذا واخى اللفظ كان معناه قريبا من معناه ، وهذا ~~الخلق والخلق ، والعدل والعدل ، وسست الرجل ، وسست المرأة . وقال لي يوما ~~آخر ، أعني ابن عباد : يا أبا حيان ! من كناك أبا حيان ؟ قلت : أجل الناس ~~في زمانه ، وأكبرهم في وقته . قال : من هو ويلك ؟ قلت : أنت . PageV01P157 ~~قال : ومتى كان ذلك ؟ قلت : حين قلت لي : يا أبا حيان . فأضرب عن هذا ~~الحديث وأخذ في غيره على كراهة ظهرت عليه . وقال لي يوما آخر ، وهو قائم في ~~صحن داره ، والجماعة قيام : منهم الزعفراني ، وكان شيخا كثير الفضل ، جيد ~~الشعر ، ممتع الحديث ؛ والنميمي المعروف بسبطل وكان من مصر ؛ والأقطع ، ~~وصالح الوراق ، وابن ثابت ، وغيرهم من الكتاب والندماء : يا أبا حيان ! هل ~~تعرف فيمن تقدم من يكنى بهذه الكنية ؟ قلت : نعم ، من أقرب ذلك إلى أبو ~~حيان الدارمي . حدثنا أبو بكر القاضي محمد بن محمد الدقاق ، قال : حدثنا ~~ابن الأنباري ، قال : حدثنا ابن ناصح ، قال : دخل أبو الهذيل العلاف على ~~الواثق ، فقال له الواثق : لمن تعرف هذا الشعر : سباك من هاشم سليل . . . ~~ليس إلى وصله سبيل من يتعاطى الصفات فيه . . . فالقول في وصفه فضول للحسن ~~في وجهه هلال . . . لأعين الخلق ما يزول وطرة لا يزال فيها . . . لنور بدر ~~الدجى مقيل ما اختال في صحن قصر أوس . . . إلا تسجى له قتيل فإن يقف ~~فالعيون نصب . . . وإن تولى فهن حول فقال أبو الهذيل : يا أمير المؤمنين ! ~~هذا لرجل من أهل البصرة يعرف بأبي حيان الدارمي ، وكان يقول بإمامة المفضول ~~. وله من كلمة يقول فيها : أفضله والله قدمه على . . . صحابته بعد النبي ~~المكرم بلا بغضة والله مني لغيرهولكنه أولاهم بالتقدم PageV01P158 وجماعة ~~من أصحابنا قالوا : أنشدنا أبو قلابة ms111 عبد الملك بن محمد الرقاشي لأبي حيان ~~البصري : يا صاحبي دعا الملامة واقصرا . . . ترك الهوى يا صاحبي خسارة كم ~~لمت قلبي كي يفيق فقال لي : . . . لجت يمين ما لها كفاره أن لا أفيق ولا ~~أفتر لحظة . . . إن أنت لم تعشق فأنت حجاره الحب أول ما يكون بنظرة . . . ~~وكذا الحريق بداؤه بشراره يا من أحب ولا أسمي باسمها . . . إياك أعني ~~واسمعي يا جاره فلما رويت الإسناد ، وأنشدت الشعر ، وريقي بليل ، ولساني ~~طلق ، ووجهي متهلل ، وقد تكلفت ذلك وأنا في بقية من غرر الشباب وبعض ريعانه ~~، فملأت الدار صياحا بالرواية والقافية ، فحين انتهيت أنكرت طرفه ، وعلمت ~~سوء موقع ما رويت عنده . قال : ومن تعرف أيضا ؟ قلت : روى الصولي - فيما ~~حدثنا عنه المرزباني : أن معاوية لما حضر أنشد يزيد عند رأسه متمثلا : لو ~~أن حيا نجا لفات أبو . . . حيان لا عاجز ولا وكل الحول القلب الأريب وهل . ~~. . تدفع صرف المنية الحيل قال الصولي : هذا من المعمرين المعقلين . وانتهى ~~الحديث من غير هشاشة منه عليه ، ولا هزة ولا أريحية ، بل على اكفهرار الوجه ~~، ونبو الطرف ، وقلة التقبل . وجرت أشياء أخر ، وكان عقباها أنني فارقت ~~بابه سنة سبعين وثلاثمائة راجعا إلى مدينة السلام ، بغير زاد ولا راحلة ، ~~ولم يعطني في مدة ثلاث سنين درهما واحدا ، ولا ما قيمته درهم واحد . فاحمل ~~هذا ما أردت . ولما نالني منه هذا الحرمان الذي قصدني به ، وأحفظني عليه ، ~~وجعلني من بين جميع غاشية ورده فردا ، أخذت أتلافى ذلك بصدق القول عنه ، في ~~سوء الثناء عليه ، PageV01P159 والبادي أظلم ، وللأمور أسباب ، وللأسباب ~~أسرار ، والغيب لا يطلع عليه ، ولا قارع لبابه . وسألت العماري عنه فقال : ~~الرجل ذو خلة ، ولقد سأله ليلة شيخ من خراسان في الموسم عن قوله عز وجل : ( ~~ولقد اصطفيناه في الدنيا ، وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) ما مرتبة الصلاح ~~المذكور في الثاني من النبوة الثابتة في الدنيا ؟ فأضرب عن المسألة ودافع ~~بصدرها ، ولم يجر كلمة فيها . وسأله هذا الشيخ ليلة أخرى عن قوله عز وجل : ~~( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ms112 وأتممناها بعشر ) ، وعن الفرق بين هذا الاقتصاص ~~وبين قوله : ( وواعدنا موسى أربعين ليلة ) ، فما أعاد ولا أبدى . ولما عاد ~~من همذان ، قيل له : كيف رأيت أبا الوفاء ؟ قال : سرابا بقيعة . قيل : فكيف ~~مجدت عبد العزيز بن يوسف ؟ فقال : نكدا وخديعة . قيل : فكيف وجدت المجوسي ؟ ~~قال : تمثالا في كنيسة أو بيعة . قيل : فابن سعدان ؟ قال : ضخم الدسيعة ، ~~له من نفسه حرى وسيعة . PageV01P160 فهذا حديثه في دينة ، ورأيه وعلمه ~~وعقله ومروته وصناعته ومذهبه . وقد طال وكثر ، ولعل التقصي لو وقع لازداد ~~طولا ، فإنه تنفست أيامه وترددت أحاديثه . سألت ابن الجلباب الشاعر عنه ، ~~فقال : ما أدري ما أقول في رجل من قرنه إلى قدمه عيب وخزي ونذالة ورقاعة ، ~~على أن الطبع النكد أملك له ، والعادة القبيحة أغلب عليه ؛ والإقلاع عن ~~المنشأ المعان بالطباع صعب وعر ، ولعله ممتنع . وسألت الحاتمي عنه ، فقال : ~~رأيت رجلا مدخولا في جميع الفضائل ، مردودا على كل التأويلات ؛ لتيهه ~~وإعجابه ، وحسده ولوثته ، وقلة مصافاته ، وسوء رعايته ، وفساد دخلته ، ~~ووقاحة وجهه ، وشدة تعييره ، وفشو أبنته ، وقبح سيرته في مذهبه ، ونصرته ~~لما يعتقد بقلبه . وسألت البديهي عنه ، فقال : خذ حديثه بما تسمع مني ، وقس ~~عليه ؛ رأيت يوما على بابه شيخا من أهل الكتاب والأدب ذكر أنه ورد من مصر ، ~~وأنه أقام بها زمنا ، وأن أصله من بلاد العجم ؛ فلما خرج إليه رفع قصة كتب ~~على رأسها : عباد بن أحمد ، فأخذ ونظر ، ثم قال : من سماك عبادا باسم ~~الأمين رضي الله عنه ؟ ومن يقول إن هذا اسمك الذي اختير لك عند الولادة ؟ ~~وما هذا التقرب بالتكذيب ؟ وما بينكم وبين أسماء السادة الذين بانوا بها ~~كالسماء بكواكبها ، والأفلاك بعجائبها ؟ أما كان لك بغير هذا الاسم الذي ~~ادعيته درك ؟ ولا كان لك دون التكثر به سبب ؟ ما أحوجك إلى نقاف يوجع ~~يافوخك ، ونتاف يقلع شاموخك ؟ وسألت الصابي أبا إسحق عنه فقال : إن صدقت في ~~وصفه ساء قوما ، وإن كذبت في وصفه ساءني ؛ ولأن أنفرد بالمساءة أحب إلي ؛ ~~وبعد فنحن معه كما قال الشاعر : PageV01P161 ونعتب أحيانا ms113 عليه ولو مضى . . ~~. لكنا على الباقي من الناس أعتبا وقلت للضبعي : كيف ترى هذا الرجل وقد ~~خبرته ؟ فقال : أما جده فيريني أنه واحد الدنيا ، وأما جده فينطق بأنه أنذل ~~من في هذا الورى . وبعد : نعمة الله لا تعاب ولكن . . . ربما استقبحت على ~~أقوام وقلت للمأموني : اصدقني عن هذا الرجل ، فقد عرفت ليله ونهاره ، ~~والليل أصدق عن خبايا الإنسان من النهار . فقال : في الجملة الرجل بلا دين ~~، لفسقه في العمل وارتيابه في العلم . وسألت أبا صادق الطبري عنه فقال : سل ~~عن البخت ، والله ما له سمت يتوجه إليه منه ، ولا باب يعتمد منه عليه ؛ ~~بينا هو لك ، إذ صار لعدوك ، حاله أحوال ، وشأنه شؤون ، وكل ذلك جار على ~~الجنون . وقلت لابن المراغي : كيف تراه ؟ قال : والله ما يشفي الغليل منه ~~هجو ولا ملام ، ولا ما هو معروف به بين الخاص والعام ، إلا أن يسقط من ~~ذروته فيرى في حال سقطته مترددا بين خطبته وورطته . وقلت للشيخ العالم : ~~أما أنت من بين الناس فقد حظيت عنده ، ونلت منه . فقال : لو عرفت ما يتقد ~~على فؤادي من الغيظ عليه لرحمتني في بلائي بأكبر مما تحسدني عليه في ظاهر ~~أمري . قلت : وما تنكر منه ؟ قال : لست أنكر منه شيئا واحدا ، وإنما أنكره ~~كله . وقلتلأبي جعفر الوراق : ما أراك تخرج من حضرة هذا الرجل إلا وأنت ~~ساهم PageV01P162 الوجه ، مغيظ النفس ؛ كأنك لست تخرج من عند من كل أحد ~~يتمنى أن يصل إليه ، وأن ينطق بين يديه ، وأن يصنع به حاله ؟ فقال : والله ~~لولا التحرج لوصفته بكلام كان فيه برد حرارة صدري ، ولكن التحرج مانع من ~~ذلك ، هذا ، والخوف أيضا عامل عمله ، وآخر ما أقول : أنه ساقط من عين الله ~~عز وجل ، والويل له من الله يوم التجازي والقصاص . وقلت لأبي الفضل الهروي ~~: كيف ترى هذا الرجل ؟ قال : أراه - والله - عقوبة من الله نازلة بأهل ~~الفضل والتكرم ، وليتنا علمنا بأي ذنب عوقبنا فكنا ننتهي عنه ولا نصر عليه ~~، فما عندي أن الله يبتلي عبدا من عباده ms114 بخدمته والتعلق به بعد أن ينزع عنه ~~العصمة ، ويوكل به النقمة ، ويحرم عليه الرحمة . وقلت للزعفراني الشاعر : ~~بالله صف لي هذا الرجل . فقال : لو أمكنني الوصف بالنظم كان أعجب إلي ؛ ~~فإني رجل شاعر ، ولكن الخوف من ذلك حائل . وقلت للتميمي : أما أصحابك فقد ~~عرفت عقائد قلوبهم في هذا الرجل . فأين أنت منه ؟ فقال : أحرى اعتقادي فيه ~~أنه خنزير قد أعطي قوة أسد ؛ فهو يفترس يمنة وشآمة ، وكنت أرى فيما مضى أن ~~الشر مكسوب بالقصد حتى شاهدت هذا فتحولت عن الرأي الأول ، وقلت : بل السر ~~في بعض الناس لاصق بالطبع . وقلت لأبي سعيد الأبهري : بين لي أمر هذا الرجل ~~، ففي نفسي أن أعمل كتابا في أخلاقه . فقال لي : لقد حاولت عسيرا . أ ~~تستطيع أن تصف إبليس بجميع ما هو فيه ؟ قلت : لا والله ، إنما أعوذ بالله ~~منه فقط . قال : فعذ بالله من هذا قبل أن تعوذ بالله من إبليس ؛ فإن إبليس ~~- وإن كان شريرا - فهو عاقل ، وهذا يزيد عليه لأنه شرير وهو أحمق . وقلت ~~لأبي طاهر الأنماطي : كل أحد له على هذا الرجل كلام ، وفي نفسه PageV01P163 ~~موجدة سواك ؛ فإنك واصل إليه إذا أردت ونائل من ماله وجاهه إذا أحببت ، فما ~~قولك فيه ؟ فقال : صبري على رقاعته قد نغص علي جميع ما أنا عليه معه ، على ~~أن رقاعته مرشحة بجنون ، وجنونه صادر عن قدرة ، فالرهبة منه قد كدرت عين ~~الرغبة فيه ، والغيظ عليه قد منع من الاستمتاع به . وسألت ابن زرعة الفقيه ~~فقلت : ما أحوجني إلى فتياك في هذا الرجل ! فقال : قد - والله - جبت الآفاق ~~، ولقيت أصناف الناس في الشرق والغرب ، فما رأيت رجلا في جنونه أعقل منه ، ~~ولا في عقله أجن منه ، وإنه لأعجوبة ؛ عدوه هالك لسلطانه ، ووليه خائف من ~~كثرة ألوانه ؛ لا عهد له ولا وفاء ، ولا صدق ولا لطف ، كله هزل ، وجميعه ~~جهل . وقلت لابن فارس صاحب اللغة : بم تحكم على هذا الإنسان ؟ فقال : بأنه ~~لله عدو ، وللأحرار مهين ، ولأهل الفضل حاسد ، وللعامة محب ، وللخاصة مبغض ~~. فأما عداوته لله ms115 فلقلة دينه . وأما إهانته للأحرار فهي شهيرة كهذا النهار ~~. وأما حسده لأهل الفضل جرب ذلك بكلمة تبديها . وأما حبه للعامة فبمناظرته ~~لهم وإقباله عليهم . وأما بغضه للخاصة فلإذلاله لهم وإقصائه إياهم . * * * ~~* فأما ابن العميد أبو الفضل ، فإنه كان بابا آخر ، وطامة أخرى ، وكان فضله ~~من جنس ليس لابن عباد فيه نصيب ، ونقصه من ضرب لم يكن له فيه ضريب ، كان ~~يظهر حلما تحته سفه ، ويدعي علما هو به جاهل ، ويري أنه شجاع وهو ' أجبن من ~~المنزوف ضرطا ' ، وكان يدعي المنطق وهو لا يفي بشيء منه ، ولم يقرأ حرفا ~~على أحد ، PageV01P164 ويتشبع بالهندسة وهو منها بعيد ، ولم يكن معه من ~~صناعة الكتابة الأصل وهو الحساب ، وكان أجهل الناس بالدخل والخرج ، ولقد ~~بقي ما بقي في أيامه فما قعد يوما في الديوان ناظرا في عمل ، أو فاصلا لحكم ~~، أو مخلصا لمشكل ، وكان قد وضع في نفسه - بالحيل الدقيقة ، والأسباب ~~الخافية - أنه واحد الدنيا ، وأن ملوك الأرض يحسدونه عليه ، وأنه لسان ~~الزمان ، وخطيب الدهر ؛ وأن قلمه فوق السيف ، وتدبيره فوق الجيش ، ونظره في ~~الدولة والمملكة وأحوال الأولياء وذوي النصيحة كالوحي والنبوة . وكان معوله ~~في الأعمال على أبي علي البيع ؛ وكان مع هذا شيء السيرة ، قليل الرحمة ، ~~شديد القسوة ، وارم الأنف ، عظيم التيه ، شديد الحسد لمن نطق ببيان ، أو ~~أفصح بالعربية وسيتبين بعض هذا بما أذكره لك بشاهد عدل ، وراو ثقة . ورد ~~أبو طالب الجراحي الكاتب بالري من العراق ، ولم يكن في عصره أنطق منه لسانا ~~وقلما ، وهو من بيت علي بن عيسى الوزير ، فعرض نفسه عليه ، فلما رأى بسطته ~~ولسانه وخطه وطلاقته ولطافته وأبوته وصناعته ، حسده واغتاظ منه ، وضاقت ~~الدنيا به ، وعمل على أن يسمه ، ففطن أبو طالب وكان فطنا ، فطوى الأرض ، ~~ووقع إلى آذربيجان ، وصار إلى ملك الديلم المرزبان بن محمد ، فعرف قدره ، ~~وبسط يده ، وأعلى كعبه ، ونوه باسمه ، واستطال على ملوك النواحي بمكانه . ~~ثم انظر إلى ما جر أبو طالب عليه لخسته ولؤمه ونقصه وسقوطه ، وهكذا يفعل من ~~انصرف من باب ms116 عزيز ذليلا ومن فناء موسر مذموما ؛ وقد كان يمكنه اصطناعه ~~وتقديمه وإكرامه واستخدامه بأسهل غرامة وأيسر مؤونة ، وأهون مرزية ؛ ولكنه ~~حسده وأبعده ، وليته مع ذلك زوده ما يوجب شكرا ، ويكون بلاغا ، ويبقى حديثا ~~مأثورا وذكرا جميلا . ولقد كتب إليه أبو طالب بعد هذا الحديث كتابا قرأت ~~فصلا منه يقول فيه : ' حدثني بأي شيء تحتج إذا طولبت بشرائط الرياسة التي ~~انتحلتها وأكرهت الناس على تسميتك بها ؟ أ تدري ما الرياسة ؟ الرياسة أو ~~يكون باب الرئيس مفتوحا ، ومجلسه PageV01P165 مغشيا ، وخيره مدركا ، ~~وإحسانه فائضا ، ووجهه مبسوطا ، وكنفه مزورا ، وخادمه مؤدبا ، وحاجبه كريما ~~، وبوابه رفيقا ، ودرهمه مبذولا ، وخبزه مأكولا ، وجاهه معرضا ، وتذكرته ~~مسودة بالصلات والجوائز ، وعلامات قضي الحوائج . وأنت ! فبابك مقفل ، ~~ومجلسك خال ، وخيرك مقنوط منه ، وإحسانك منصرف عنه ، ووجهك عابس ، وبنانك ~~يابس ، وكنفك حرج ، وخادمك مذموم ، وحاجبك هرار ، وبوابك كلب ، ودرهمك في ~~العيوق ، ورغيفك في منقطع التراب ، وجاهك موفور عليك ، وتذكرتك محشوو ~~بالقبض على فلان ، وباستئصال فلان وبنفي فلان ، وبسم فلان ، وبالدس على ~~فلان ، وبحط مرتبة فلان . هل عندك أيها الرجل المدعي للعقل ، المفتخر ~~بالمال ، والمتعاطي للحكمة ، إلا الحسد والنذالة ، وإلا الجهالة والضلالة ؟ ~~تزعم أنك من شيعة أفلاطون وسقراط وأرسطوطاليس ، أو كان هؤلاء يضعون الدرهم ~~على الدرهم ، والدينار على الدينار ، أو أشاروا في كتبهم بالجمع والمنع ، ~~ومطالبة الضعيف والأرملة بالعسف والظلم ؟ فيا مسكين استحي ، فإنك لا مع ~~الشريعة ولا مع الفلسفة ، وقد خسرت الدنيا والآخرة . هذا عقلك الذي يخاطب ~~الناس برفعك التراب على رأسك والسخام في وجهك . أ من كرمك وحزمك أن يفد ~~عليك مثلي ؛ رجل من آل الجراح بيت الوزارة والسؤدد ، ينبري لمعروفك ، ويخطب ~~الخدمة بين يديك ، والقيام بأمرك ونهيك ؛ بحظ ميسور ، ونائل منزور ، فتحسده ~~وتبعده ، وتخمله وتهمله ، وتواطيء على سمه وقتله ؟ يا ويلك ! فمتى كنت أنت ~~وآباؤك تستحقون خدمة رجل من آل الجراح ؟ كأن بيتك بقم ما سألنا عنه ، ولا ~~وقفنا عليه ؟ أ ليس أبوك كان قوادا ، وأبوه كان نخالا ؟ ها أنا قد انقلبت ~~عنك خائبا ، أ فضعت وبرت وكسدت ؟ لا ms117 والله ، بل قيض الله لي ملكا من ملوك ~~الدنيا حتى اشتمل علي ، ونظر بعين الكفاية إلي ، وأهلني لمحل زائد عن محلك ~~، ورتبني في حال هي أشرف من رتبتك ، والله أكرم من أن يضيع مثلي أو يحوجني ~~إلى مثلك . فبؤ الآن بخساستك ، والصق بالدقعاء ندما على فعلك ، وثق بأن ~~لساني وقلمي PageV01P166 لا يزالان يبريان عرضك ، ويخطبان بذمك ، ويلهجان ~~بهت : سترك ، ويبعثان الناس على معرفة خزيك وسقوطك ؛ أ تظن - يا جاهل أنه ~~إذا ركب قدامك حاجب ، وسار معك راكب ، وقال الناس : أيها الرئيس - أنك قد ~~ملكت الكمال ، واستحققت خدمة الرجال ، من غير إسعاف ولا إفضال ؟ هيهات ! ~~المجد أخشن مسا من ذاك . وسأشق النظم والنثر في أكناف الأرض بما ينكشف به ~~للصغير والكبير نقصك ، وتزول الشبهة عن القلوب في أمرك إن شاء الله . هذا ~~أفادنيه ، وكان شاعرا من آذربيجان . فهذا هذا . قلت للخليلي : لم كان يصبر ~~أبو الفضل على ابن ثابت الكاتب الهمذاني وهو آفة ونكال ، لا حظ ولا معرفة ~~ولا أدب ولا صناعة ؟ فقال : لأنه علم أن غيره لا يصبر على ذلك الرزق الوتح ~~، والجدوى القليلة ، ومن أجل ذلك قال مسكويه : يقولون إن ابن العميد محمدا ~~. . . يؤول إلى رأي وثيق المنابت فقلت : دعوه قد عرفت مكانه . . . بطلعة ~~منصور وحظ ابن ثابت ومنصور هذا خادم رأيته ، كان من أقبح الناس وجها كثير ~~الهذر ، سيء الأدب ، وكان من قم من الأحرار ؛ ولما ذمه صاحبه وولي نعمته ~~بسبب هذا الخادم للشهرة الفاضحة ، والتهتك الشائع . قال أبو الفضل بحكمته : ~~ما أصنع ؟ والله ما وجدت في هذه المدة لا يري غلافا مثله ، ولا بد لي منه ، ~~فليلم من شاء ، والهوى لا يحلو إلا مع العذل . انظر بالله إلى هذا الحكيم ~~بزعمه ، واسمع قوله ، وهو يزعم مع هذا أن أرسطاطاليس لو رآه لرجع عن آراء ~~كثيرة ببيانه ، ولغير كثيرا من كتبه بمشورته . وكان يقول بقحته وقلة ~~اكتراثه وتهاونه بمن حوله : أما الموسيقى فإنه يموت بموتي ويفقد بفقدي ، ~~هذا وهو لم يقرأ حرفا منه على أحد من خلق الله ms118 ، وما أوحي إليه به ، ولا ~~يجوز أن ينفتح مغلقه جزافا عليه أو على غيره ؛ وإنما كان يستجيز هذا القول ~~PageV01P167 في الموسيقى خاصة لأنه لم يبق منذ دهر من يدل من هذه الصناعة ~~على حرف بتحقيق ، أو يأتي فيها بوصف تام ، لذهابه ودروسه . والعلم كله - ~~أبقاك الله - قد دخله الضيم ، وغلب عليه الذهاب لقلة الراغبين ، وفقد ~~الطالبين ، وإعراض الناس عنه أجمعين . والموسيقى من بين أجزاء الفلسفة فقد ~~حمله ، لأنه لا يوجد علمه إلا بعمل ، ولا يكمل عمله إلا بعلم ، والعلم ~~والعمل في صناعة واحدة قلما يجتمعان على التناسب الصحيح . وكان يعمل كتابا ~~سماه : ' الخلق والخلق ' فمات سنة ستين وهو في المسودة ، وقد رأيت ورقات ~~منه وتقلت إلى ' البصائر ' حروفا كانت فيه أفادنيها أبو طاهر الوراق . ولم ~~يكن الكتاب بذاك ، ولكن جعس الرؤساء خبيص ، وصنان الاغنياء ند ، وخنفساء ~~أصحاب الدولة رامسنة . وقلت للغويري : حدثني عن ابن عباد ، فإنك قد عرفت ~~ليله ونهاره وخافيه وباديه ، وعن ابن العميد فقد اختبطت ورقه ، وانتجعت ~~صوبه . فقال : في ابن عباد قحة مأبون ، ولوثة مأفون ، وهو ابن وقته معك ، ~~ونتيجة ساعته لك ، لا يعرفك إلا عند امتلاء العين بك ، ولا يعطيك شيئا إلا ~~إذا أخذ أكثر منه منك ، يشتري عرضك ، ولا يوليك حقك ، ويبلغ بلسانه ما لا ~~يسمح لك بعشره من فعله ، ثم الويل لك إن أصبت في كلامك ، والويل لك إن ~~أخطأت ، على أن الخطأ يعطفه عليك بالرحمة ، والصواب يحمله في معاملتك على ~~الحسد والانتقام ؛ يريد منك أن لا تذكر فاضلا عنده وإن ذكرته فضلته عليه . ~~وإن ذكر الشعر فقل : أين مسلم بن الوليد منك ؟ وإن ذكر النحو فقل : وصلت ~~إلى ما لم يصل إليه سيبوية ، وإن ذكر البيان فقل : فيك أعراق متواشجة من قس ~~بن ساعدة ، أو لعله كان في قس عرقمن آبائك الفرس ، PageV01P168 وإن ذكر ~~الكلام فقل : لو رآك النظام للزم بابك وحمل عاشيتك ، وإن ذكر الفقه فقل : ~~أين أبو حنيفة عن هذا التحقيق والتدقيق ؟ وأين صاحباه : محمد ، وأبو يوسف ~~عن هذا التطبيق ولتعميق ms119 ؟ فأما الجاحظ فما وزنه عند مثقالك ؟ وأين شراره من ~~نارك ؟ وهل يسبح في بحرك ؟ وهل يتطاول إلى سمائك . لو رآك لرشاك ، ولو ~~شاهدك لما انتسب إلا إليك . وأما إبراهيم بن العباس الصولي فأحسن ما يختاره ~~له أن يكون من المختلفين إليك ، ومن الحاذين على مثالك ، والآخذين عنك . ~~وأما الدواوين فالكلواذي يسلمها لك ، ويتبرأ من الأعمال بسببك ، ويطرح ~~الرسوم القديمة معك ، ويأخذ فيما تبتدعه وتضعه ، لأنه إن نازعك افتضح على ~~يدك ، والعاقل لا يلقي بيده إلى التهلكة ، ولو وثق أنك تقبل مصانعته لصانعك ~~، ولو علم أنك تبقي عليه لخدمك . وأما الخط فابن مقلة وابن أبي خالد ~~والبربري ومن تقدم وتأخر أعطوك الضمة فيه ، وأظهروا لك الانقياد به . قال : ~~ومن مناقبه في مثالبه أنه يقنع منك في مدحك بالنفاق ، وفي ثنائك عليه ~~بالرياء ، وفي نصرة سيرته بالحيلة ، ويرضى في هذا كله بعفوك دون جهدك ، ~~وبما يخف دون ما يثقل ؛ وليس كذلك ابن العميد ؛ فإنه لا يحب أن تمدحه إلا ~~بأكرم الخصال ، وأشرف الفعال ، وأن يكون قولك عن عقد ، ووصفك عن يقين ، ~~وإخبارك عن تعجب ، وتعجبك عن استبصار ، واستبصارك عن معاينة ، وفيه مع ذلك ~~كياد مخنث مجفو ، وسفه ضرة رعناء ، ونميمة كنة سليطة . PageV01P169 وحدثنا ~~القاضي ابن عبد الرحيم ، وكان خصيصا به ، وقهرمان داره ومشرفا على غوامض ~~أمره ، قال : قصده شاعر في بعض الأيام ووصل إليه ، وأنشده وأصغى إليه ، ~~وانصرف بأمل ، وتردد على ذلك فلم ير ما يحب ، وتعلق بي . فقلت له : صاحبه ~~روبين أغلب الناس عليه ، وأوجههم عنده ، فلو لذت به رجوت لك ، فلزمه وسأله ~~الكلام في أمره ، فوعده بذلك . قال روبين فقلت له - يعني ابن العميد - : ~~هذا الشاعر البائس قد سمعت منه شعرا ، وأسمنت أمله ، وهو على ذلك يغدو ~~ويروح ويشكو وينوح ، فلو أمرت له بشيء كان أقطع لشغبه وأجلب لشكره ، وأدعى ~~إلى السلامة من عتبه ؛ وهؤلاء يردون الآفاق ، ولهم الإلحاح والطلب والتذرع ~~باللسان ، والتوصل إلى كل حال بكل حيلة . فقال : وما يريد ؟ إن شاء الله ~~أجبته عن قصيدته في رويها بعدد ms120 أبياته وعروضه وأعيان معانيه ، وأزيد . وإذا ~~وردت شعرا بشعر فليس علي بعد ذلك لوم ولا أنا مقصر ولا ظالم . فقال : فقلت ~~له : هذا سمج شنيع ، والناس لا يقارون عليه ، ولا يرضون به ولو ذهبت ~~أرواحهم وتلفت أنفسهم . فقال : يا هذا ! هون عليك ، وأقلل من حديثك ، فقد ~~ضيعنا في هذا مالا ، وإنا بعد في لذع الحسرة على ذلك ، لأن الشباب له عرام ~~، ولم يكن لي في تلك الحال تجربة ، ولا يقظة ، ولا معرفة بحق المال والقيام ~~بحفظه إذا حصل ، والشغل بجمعه إذا انتقل ، ونعوذ بالله من الحور بعد الكور ~~. المال - عافاك الله - عديل الروح ، كمال الحياة ، وقوام الظهر ، وسرور ~~القلب ، وزينة العيش ، ومجن الحوادث ، وحبل اللذات ، ومتعة الإنسان ، ومادة ~~البقاء ؛ ومن لا مال له لا عقل له ، ومن لا عقل له فلا حياة له ، ومن لا ~~حياة له فلا لذة له ، ومن لا لذة له فهو في قبيل المعدوم . PageV01P170 قال ~~روبين : فعلمت أن بعد هذه الخطبة لا يسمح بدرهم واحد . فوصلت الرجل من مالي ~~بشيء واعتذرت إليه ؛ وبلغني أن ذلك الشاعر مزق عرضه ، وهتك ستره . ولقد ~~شاهدت في مجلسه شاعرا من الكرخ يعرف بمويه ، وكان جيد اللسان ، يقول له : ~~أيها الرئيس ! قد لزمت فناءك لزوم الظل ، وذللت لك ذك النعل ، وخدمت أملي ~~فيك خدمة ناصح لنفسي فيما التمست من الصلة والجائزة . ولك فيما أوفدت عليك ~~من الثناء والمدحة ، وما بي - والله - ألم الحرمان ، ولكن شماتة قوم صدقوني ~~فاتهمتهم ، ونصحوني فاغتششتهم ؛ بأي وجه ألقاهم ، وبأية حجة أدافعهم ؟ وهل ~~حصلت من مديح بعد مديح ، ومن نظم بعد نثر ، ومن رواح بعد بكور ، ومن غسل ~~أطمار وإخلاق سربال ، ومن تأفف لازم ، وضجر دائم إلا على ندم مؤلم ويأس ~~مسقم ؟ فإن كان للنجاح علامة فما هي ، وأين هي ؟ قد - والله - طالت غيبتي ~~عن أهلي ، وعن السائلين عن حالي ، في هذه المعاملة التي عاقبتها الخيبة بعد ~~المطل ، والحرمان بعد الإطماع ، والتحسر بعد الوعد ؛ وقد بسط الله كفك ، ~~وجعل الخير والجود والكرم جارية في أسرارها ونابعة من ms121 جوانبها . ففض أيها ~~الرئيس فإنما أنت بحر ، واسكب فإنما أنت سحاب ، واطلع فإنما أنت شمس ، ~~واتقد فإنما أنت نجم ، ومر فإنما أنت مطاع ، وهب فإنما أنت واجد ، واهتز ~~فإنما أنت ماجد ، وصل فإنك جواد . واللهما يقعد بك خور في الطباع ، ولا نغل ~~في العرق ، ولا قدح في الأصل . المخ قصيد والحبل حصيد ، والزند وار ، ~~والفروة خضراء ، والعود مورق ، والمال جم ، والأمر أجم ، والسلك دقيق ، ~~والنسيج صفيق ، والطراز أنيق ؛ وما هو إلا أن تقول حتى تسمع ، وما هو إلا ~~أن تأمر حتى يمتثل ، لأن أمرك على الفور ، وحكمك ماض بالعدل والجور ؛ فما ~~الذي يثني عزمك عن الكرم ؟ ويفل حدك في الجود ؟ ويقصر باعك عن المجد ؟ ويسد ~~أذنك عن أحاديث غد ؟ إن الذين تكره لهم ما هجوا به كانوا PageV01P171 مثلك ~~، وإن الذين تحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك ؛ فزاحم بمنكبك أضخمهم ~~سناما ، وزد على من كان أكبرهم كاهلا ، وأعلاهم يفاعا ، وأسطعهم شعاعا ، ~~وأزهرهم نارا ، وأكثرهم زوارا ! فلما بهره هذا الكلام الشهي في ذلك المجلس ~~البهي شده وعله ولم يدر ما يقول ، وأطرق هنيهة ، ثم قال : هذا وقت يضيق عن ~~الإطالة منك في الاستزادة ، وعن الإطالة مني في المعذرة ؛ فإذا تواهبنا في ~~الحال ما قد دفعنا إليه ، استأنفنا في الثاني ما نتحامد عليه . فقال الشاعر ~~: أيها الرئيس ! هذه نفاثة صدر قد جوي منذ سنة ، وفضلة لسان قد فدم منذ ~~زمان ؛ وقد تقدم العمل ، والجزاء موقوف ، والرجاء عليل ، والأمل غادر ، ~~والحال بعرض سوء ، والشامت قد شمر للتأنيب ، ولا صبر لمقل على مدل إلا على ~~وجه يحتمل ؛ فإن رأيت قدمت المتأخر ، وقربت المتأخر ، وقربت الشاسع ، وجعلت ~~إجزال العطية في تعجيلها ، وإكرام طالبها في تسهيلها ، فلا مانع إن لم يكن ~~ذلك من سدة جد ، أو تقاعس جد . فقال : يا هذا قد كررت العتب ، واجتررت ~~الملام ، وما أستوجب هذا من أحد من خلق الله ؛ ولقد نافرت العميد بدون هذا ~~حتى ثار من ذلك عجاج قاتم ، وانتهينا منه إلى قري عاتم ؛ ولست ولي نعمتي ~~فأحتملك ، ولا ms122 صنيعتي فأغضي عليك ؛ وإن بعض ما قررته في أذني لمما ينقض مرة ~~الحلم ، ويبدد شمل الصبر ؛ ولست ممن يطيش لأدنى سانح ، ويتطير لأول بارح ؛ ~~والله ما دعوتك إلي ، ولا أغريتك بي ، ولا سألتك تقريظي ، ولا أتعبتك في ~~قصدي ؛ وإن الظلم منك ، وكذاك العتب منك ؛ وأنا على كل حال مالي ؟ فلا تجمع ~~بين الظلم والتظلم ، والجناية والتجني ، وخذ نفسك بالنزاهة والعفاف فإنهما ~~لا يقفانك هذا الموقف ، ولا يعرضانك على هذا المجلس ، PageV01P172 ورزق ~~الله منتاب وغاد ، واطلب الغنى منك فإنه عندك أكثر منه عند من تظلمه وهو لم ~~يظلم ، وتعاقبه وهو لم يجرم . فقال الرجل : ما كررت العتب حتى أكلت النوى ~~المحرق في انتظار صلتك ، ولا اجتررت الملام حتى خانني صبري في توقع جائزتك ~~؛ والغضني إذا مطل ظلم ، والواجد إذا لوى أثم ، والجواد إذا منع ليم . ~~ولعمري ما دعوتني إليك ، ولا أغريتني بك بكتاب خصصتني ورتبتني فيه ، ولا ~~سألتني تقريظك ، ولا أبغيتني في قصدك برسول أرسلته إلي ؛ ولكن لما جلست في ~~صدر هذا الإيوان بأبهتك وعظمتك وكبريائك وجبروتك ؛ وقلت : لا يخاطبني أحد ~~إلا بالرياسة ، ولا ينازعني أحد في حقوق السياسة ؛ فإني كاتب ركن الدولة ، ~~وزعيم الأولياء بالحضرة ، والقيم بمصالح المملكة - فقد أهبت الناس إلى بابك ~~، وأغريتهم بخدمتك ، وأطعمتهم في مالك ، وكأنك قد خاطبتهم بلسان الحال ، ~~وإن لم تكن خاطبتهم بلسان المقال . فأنا ذلك السامع برياستك ، والشاهد ~~بفضلك ، والراغب في خدمتك ، والراجي لخيرك ؛ سمعت فأجبت ، وحضرت فمدحت ، ~~ووقفت أثنيت ؛ وأصغيت فقبلت ؛ وأديت فاستحسنت ؛ ولم يبق بعد هذا كله إلا أن ~~لا يكون عطاؤك حرمانا ، ولا جودك انتحالا ، ولا فتوتك اقتيالا ، ولا ماؤك ~~سرابا ، ولا جودك ضبابا ؛ ولا خدمتك مندمة ، ولا الحاصل من معاملتك مظلمة . ~~وإن الرجل الحر متى علم أن صاحبه لئيم الطباع ، خسيس الخلق ، مرقع المنصب ، ~~ملبوس المحتد ، وأن الله تعالى لم يجعله من معادن الرزق ، ولا من أبواب ~~النجاح ، فإنه لا يطمع فيه ، ولا يتواضع له ، ولا يعده فيمن يعد ، ولا يشغل ~~لسانه بمدحه ، ولا يعق أمله بقصده ، ولا يضيع قوله ms123 في وصفه ؛ بل يرى أن ~~اقتحام الجمر ، وسف التراب ، ونزع الروح أهون من ذاك وأعز . ولعن الله ~~الأدب إذا كان بائعه مذيلا له ، ومشتريه مهينا لقدره ، ومماكسا فيه . وتقوض ~~المجلس ، وقام الناس ، ونصرف الشاعر . PageV01P173 فحدثني شمسويه أنه طلبه ~~بعد ذلك ليصله ، فرجع إليه أنه ذهب بين سمع الأرض وبصرها . وسألت الجرجاني ~~عن ابن عباد وابن العميد . فقال : ما يبينان بكرم كبير ، وفعال مشهور ؛ ولا ~~فائدة في نشر لؤمهما وخساسة طباعهما ؛ بلغ من فلسفة هذا أنه أمر بقطع لسان ~~رجل شتم بلد قم غضبا لبله ، وتيها بوطنه ، وشد آخر في داره إلى شجرة وما ~~زال يضرب إلى أن مات ، وطرحه في جوبة حتى أكلته الكلاب ؛ فقال صاحبه : ~~انظروا إلى هذا الذي قلنا إنه أعقل الناس . حدثني بهذا الهروي . ثم قال : ~~وكان ابن عباد - كما قال أصحابنا - هو ابن سجب ليس عنده إلا القال والقيل ، ~~والكبر والتخييل ؛ يحب العامة ويرفع نفسه عنها ، ويحسد الخاصة ويجعل نفسه ~~منها ، ويستطيل بالعلم وهو قريب القعر فيه ، ويدعي الرد على الأوائل وهو لا ~~يعرف حرفا من نمطهم ، ويتحلى بالعدل والتوحيد ، قولا ويتحلى بالجور فعلا ، ~~ويتشبع بالأدب وهو سيء الأدب ؛ يتهكم بلسانه مستطيلا ، ويتقحم الجراثيم ~~مستهينا ، لو وقع عليه الخصم لجرده للناس ، وأظهره للصغار والكبار ، لكنه ~~في خفارة جده ، وحصن دولته ؛ على أن الجهابذة قد نقدوه وبهرجوه وتركوا ~~التعامل به ، وإنما هو وميض برق وهبوب ريح ، وخفق راية ؛ قإذا قرت الأمور ~~قرارها ، وعطفت الفروع على أصولها ألفيته مطرحا مع نظائره ، خامل الذكر ، ~~وضيع القدر ، قصير الشبر ، مهتوك الستر . قال : وجملة الأمر أن ابن العميد ~~كان حسن الكتابة ، غزير الإنشاء ، جيد الحفظ ، ولم يكن له في كتابته حساب ~~ولا تحصيل لوجوه الأموال ، ولا معرفة بالدواوين ، ولكنه كان بفضل الكيس ~~يتأتى له ويتلطف . قال : وله شعر صالح في الغزل والمعاتبة ؛ ولأنه مشهور لا ~~طائل في روايته ، ومن ذلك قوله : PageV01P174 قلبي دام به ندوب . . . يكاد ~~مما به يذوب قد كنت أخفي الوشاة جهدي . . . فنم مني به الوجيب فهل سمعتم ~~بمستهام ms124 . . . عليه من قلبه رقيب يعمد ما ساءني ضرارا . . . ما هكذا تفعل ~~القلوب يقتادني للصبا غرير . . . كأنه شادن ربيب جرى مع الدهر في عنان . . ~~. فهو لأحكامه نسيب فكل محبوبه بعيد . . . وكل مكروهه قريب وكيف يرجى بقاء ~~صب . . . ناكده الدهر والحبيب وكان ابنه أبو الفتح أشعر منه وأحسن حظا ، ~~واستفاد بدخول بغداد شيئا فات والده . وكان لذلك يغمز على البغداديين ~~ويتعنتهم ، وكان نزر العطاء شديد المنع لا يقبل صنفا من الناس ، وإنما غرم ~~شيئا يسيرا على العامري ، لأن العامري خدعه وطلاه وصبغه ودخل من باب غامض ~~عليه وقال : لقد قصدتك من خراسان لأقرأ عليك علم الحيل وجر الثقيل ، ومراكز ~~الأثقال ، وهو في أواخر علم الهندسة . بهذه الدعوى وبخلابته أيضا ، وبعصر ~~عينيه عند سماع كلامه ، وكان يقول له : ضاع عمري ولم أوفق لرشدي في أول ~~أمري ، ولو وفقت لوقعت إلى كنز علمك وروضة بيانك قبل هذه السنين . ولما رآه ~~أبو الفضل على هذا ، قال : لست في قراءتك جر الثقيل علي بأحوج مني في قراءة ~~الإلهيات عليك ، فإنك في هذا الفن بحر لا يتغلغل إلى قعره ، وجبل لا يتوقل ~~إلى مصاده . وكان هذا تساخرا منهما ، وتكاذبا بينهما ، لأنهما كانا لا ~~يعرفان من هذين العلمين لا قليلا ولا كثيرا . وما ينقضي عجبي من تكاذب ~~العقلاء ، ومن تجاذب الجهال . وخب هذا PageV01P175 الإنسان خب فائت ، ~~والإحاطة به ممتنعة . وأما الهروي فإنه ارتبطه بأمر ركن الدولة ، وكان يمده ~~من ناله ، لأنه حمد في طبه الذي كان يتكثر به بعد هندسته التي كان فيها ~~أبرع ، وبها أعرف . وأما مسكويه فإنه اتخذه خازنا لكتبه ، وأراد أيضا أن ~~يقدح ابنه به ، ولم يكن من الصنائع المقصودة والمهمات اللازمة ؛ وكان أيضا ~~ما يقيم عليه شيئا نزرا لا يقنع به إلا من لا نفس له ولا همة ، وكان يحتمل ~~ذلك لبعض العزازة بظله والتظاهر بجاهه . وأما ما تكلفه لأبي جعفر الخازن ~~فإنه كان لأسباب طويلة ؛ منها أن ركن الدولة أعظمه ، فلزمه أن يقتدي به . ~~ومنها أنه طمع في اقتباس علمه . ومنها أن العيون ms125 كانت تنظر إليه في أمره ، ~~والناس يحسبون ما يأتيه في بابه ، لأنه وقع إلى الري مع صاحبه الصاغاني أبي ~~علي حين طلب الأمان ، والحديث معروف . فأما ابن فارس فإنه استخدمه ليعلم ~~ولده . وأما ابن أبي الثياب البغدادي فإنه قربه ليسترق منه المنطق ، فلما ~~علم بذلك أبو محمد نفس بما معه ، وتكاسل ؛ وقيل له : كيف تعاصيت ؟ فقال : ~~كان سيء الانبعاث في هذه الفنون ، وكان شديد التشبع بها ، يحب أن يختلس ~~الحكمة ، ويمتهن أربابها بفضل المقدرة . وأنشدني في هذه القصة : إلى الله ~~أشكو ريب دهر كأنما . . . يرى كل ما يجري بمكروهنا فرضا يؤمل مني أن أذل ~~لموسر . . . لئيم ونفس الحر بالذل لا ترضى قلت : لمن الشعر ؟ قال : أنشدني ~~ابن أبي البغل لنفسه . وأراغه أبو الفضل على المنادمة فأنف ، وما زال يترصد ~~وقتا ينفلت فيه حتى كان PageV01P176 من أمر ابن العميد ما كان من خروجه إلى ~~أرجان ، فطوى فجاج الأرض ، وجاب البلاد إلى بخارى ، وولي بها البريد إلى أن ~~قضى . وأما أبو طاهر الوراق فإنه رتبه في النسخ ، وكان قوي الخط كثير الصبر ~~على النقل ، ولم يكن من الصنائع ولا من حملة النعمة ، ولا ممن يطالب بالحمد ~~ويبعث على الشكر . وأما ابن بندار فإنه كان فدما غليظا ، غليظ الكلام جافيا ~~جاسيا مقيتا ، وكان وزر بأذربيجان لجستان ، فأحب أن يري من نفسه أنه على ~~مائدته من وزر . فأين الصنائع والمداح ؟ وأين المنتجعون والزائرون ؟ وأين ~~من مر به محتاجا إلى زاد ونفقة فطلبه وقربه ، وأعطاه ووصله ، وأضافه وأكرمه ~~، وتصفح ما معه واقتبس ما معه واقتبس مما عنده ؟ سقى الله ابن عباد ! فإنه ~~وقف نفسه على الغرباء وطلبهم بأكثر مما تعرضوا له ، وسأل عنهم بأكبر مما ~~رجوه فيه ؛ ولولا أنه كان يفسد هذه الأفعال بالرقاعة والتخيل والعجب ~~والتطاول ، وذكر الطعام والمائدة ، وما يعطي ويهب ، لكان قليله أكثر من ~~قليل ذاك ، وصغيره أكبر من كبيره ؛ ولكن لكل حسن مقبح ، ولكل عزيز مذلل ، ~~ولكل جديد مبل . وحدثني ابن عبد الرحيم القاضي قال : قال يوما لصاحب طعامه ~~حدثني عن ms126 هذا الخبز المكسر على الطبق ، والملوث ، وما تتجافى عنه الأيدي ، ~~وما يصيبه اللحم والمرق والثريد - ما تصنعون به ؟ وابتدأ هذا القول وهو في ~~جوف خركاه ، وظن أن لا أذن هناك . فقال له الرجل في جوابه ، بعد أن تكرر ~~قوله ، وقد حال عن مزاجه لغيظه في سؤاله : ندسه في حر امرأة من يسأل عنه . ~~قال : وهذا بالفارسية قاله ، وهذا تفسيره . قال : فانكسر وانخزل ، وعلم أنه ~~قد باء بالخزي ، وعاص على سواده ، وأن PageV01P177 الخطأ منه في أفحش من ~~الخطأ عليه في الجواب . فقال له : أنت مجنون ، اخرج لا بارك الله فيك . ~~وهذا كما تسمع . والموت بهذا الرئيس على الخشبة صلبا أحسن من هذا الحديث ؛ ~~وكان الرجل من فرط كيسه لا يقع إلا مكبوبا ، ولا يذكر إلا مسبوبا . ولقد ~~بلغ من لؤمه وشؤمه أنه قتل من أكل عنده ؛ وذلك أن أبا المحاوش ورد إلى الري ~~، وكان بدويا ، أو من هذه المزالف متباديا ، وشهر بشدة الضرس وكثرة الأكل ، ~~وتكرر حديثه عنده ، وما وصف به من طيب كلامه ، وحسن وصفه للقدر والطبيخ ~~والألوان ، فدعا به ، وتقدم بإحضار شيء كثير من الخبز والحلوى ، فاكتسحه ~~كله ، وطلب الزيادة ، وكشر أبو الفضل في وجهه ، وأظهر استملاحه على تقفؤ ~~فؤاده ونار صدره ؛ ثم وهب له دريهمات وخريقات وشملة ؛ وقال : اكثر عندنا ~~واقترح ما في نفسك على صاحبنا المطبخي . فكان المسكين يحضر في الفرط ، ~~فيطلب شيئا ويأكل وينصرف . فطال ذلك على أبي الفضل ، واغتاظ منه ، وغلب ~~طباعه ، فقال لصاحب مطبخه ، اجمع هذا الذي يقال له لالكات التي قد أخلقت ~~وتقطعت ، وقطعها صغارا كالبنادق ، وقدمها إليه في عجة وافرة ، بيض كثير ، ~~وسمن وافر ، حتى ننظر إلى أكله ، وهل يفطن ؟ وإنما كان كيدا ، ففعل وأحضر ؛ ~~وأقبل أبو المحاوش عليها وتذرع في أكلها ، وأعظم اللقمة ، ودارك الرفع ~~والوضع ، ووجدها وطية ناعمة ، فلما أقلع عنها وانصرف ، وشرب الماء وجاء وقت ~~الثلط ، انقد بطنه فخرج فيه نفسه . فهذا لما تكرم بالإطعام ، وحث على الأكل ~~، ورغب في الرغيب . وهذا الفعل PageV01P178 يجمع إلى النذالة قلة الدين ، ~~وإلى ms127 اللؤم سخف العقل . فالويل ثم الويل له . وكان إذا رأى ابن بندار يقول ~~: جاءكم أسد الغريف على الرغيف . والري جادة الدنيا ، ومنهج المشرق والمغرب ~~والجوالين في الآفاق ، فكان يكثر أهل الانتجاعمن كل صقع ، فلم يكن لأحد ~~منهم عنده مقيل ساعة ولا مبيت ليلة ، ولا زاد مرحلة ولا هشاشة ولا بشاشة . ~~وقد اجتاز به أبو إسحاق الفارسي ، وكان من غلمان أبي سعيد السيرافي ، وكان ~~قيما بالكتاب ، وقرض الشعر ، وصنف وأملى وشرح ، وتكلم في العروض والقوافي ~~والمعمى ، وناقض المتنبي ، وحفظ الطم والرم فما زوده درهما ، ولا افتقده ~~برغيف بعد أن أذن له حتى حضره وسمع كلامه وعرف فضله ، واستبان سعته . قال ~~الخليلي : وكيف يرجى خيره ، أو يؤمل رشده ، أو يساق طمع إليه ، أو يوفد ~~ثناء عليه ، أو يشام له برق ، أو يقطع دونه خرق ، وقد عق أباه ، وسعى في ~~أول أيامه ، حتى تبرأ منه ذلك الشيخ وهرب إلى خراسان ، واستكتب هناك ، ولقب ~~بالعميد . وكتب إلى القاضي أصبهان كتابا برئ منه فيه . وأما أروي قصته في ~~هذا المكان ليكون أذهب في العجب . وكان عقوقه في وجه عجيب ؛ جاء إلى ذخيرات ~~في مواضع ووضع يده عليها ، وعرف صاحبه مكانها ، وخط خطوه عليها ، وزوى ذلك ~~كله عن شيخه وعن جميع كم كان له فيه نصيب ، إما بحق الإرث أو بحق الهبة ، ~~حتى قامت قيامة ذلك الشيخ ، فدعا عليه ، وفضحه عند الناس ، وبرئ منه ، وقدح ~~في ولادته . والرسالة : بسم الله الرحمن الرحيم القاضي ، أطال الله بقاه ، ~~وأدام نعماه ، أجل محل من مواهب الله فيه وعوائده PageV01P179 عنده ، في ~~الدين والدنيا والعصمة والخير والفضيلة ، وحسن التأتي في كل فضيلة ، وجميل ~~اللفظ في جميع الحكومة ؛ ولي في الشكوى إليه ومباثته ، وذم الزمان عنده ~~والاستعداء عليه لديه ، استراحة وتخفيف للثقل ، وتفرج من حرج الصدر ؛ وأنا ~~المتمسك به تمسكي - كان - بالوالد والعم ، واثق بأن نصيبي من شفقته تام ، ~~ومن مشاركته وافر ، والله لا يعد منيه ، ويحفظني بمواصلة النعم عنده إليه ~~بقدرته . والكلوم - أعز الله القاضي - ضروب ، والندوب فنون ؛ وأعسرها برءا ~~وأصعبها ms128 داء ، وأعزها دواء ، ما جرحته يد القريب ، وجلبته أفعال الأهل ؛ ~~فإن ذلك يصل إلى حبة القلب ، وصميم الفؤاد ، ويصير قذى في إنسان العين ، ~~وشجى معترضا في الحلق ، ويتراكم على الأيام ، ويتثكاثف على الدهر ، فيكون ~~نكء القرح بالقرح أوجع ، ومتى تنفس الممنو ، وشكا المملو غيظا وحنقا اجتمع ~~إليه من عشيرته وأسرته شيخ ضعيف ، أو طفل صغير ، أو امرأة باكية ، أو عورة ~~بادية ، أو ذو قرابة ؛ فاستغفر هذا واستفصح ، وسأل وتشفع . ثم رويت أخبار ~~في قطيعة الرحم ، وعدت آثار في صلة القربى ، فضاق النفس ، واشتد الحنق ، ~~وتجرع هذا المظلوم الغيظ وصبر ، وأنف واحتمل ، واحتسب وعفا وغفر ، والشر ~~عتيد ، والبلاء يزيد ، والطبع أغلب ، والعادة لا تنزع ، والجاهل يقلع . فهل ~~دواء هذا ، إذا اتصل وطال ، وامتد وتتابع ، وزاد وتضاعف ، إلا الصريمة ~~والإعراض ، والقطيعة والانقباض ؟ فدواء ما لا تشتهيه النفس تعجيل الفراق . ~~وأنا - جعلني الله فداء القاضي - ذلك الملآن المغتاظ الذي قد عيل صبره وضاع ~~حلمه ، وضاقت نفسه ، وقرح قلبه ، ونضجت كبده ، وقلت حيلته ، وعظمت بليته . ~~وهذا الجاهل ابني ، وما هو بابني ، من انتهى بي إلى هذه الشكوى ، وقصدني ~~بهذه البلوى ، وعقني وخالفني ، وبغى علي وباغضني ؛ وارتكب معي ما لا يحل ، ~~بعد أن ربيته صغيرا ، وأعززته كبيرا ، وأوليته جميلا ، وأمليته جسيما ، ~~وصنته شديدا ، وحطته PageV01P180 دهرا طويلا ؛ وخضت دونه الأهوال ، وقاسيت ~~في حمايته الأغوال ؛ أجمه وأتعب ، وأقلده وأتعطل ، وأعزه وأذل ، وأغترب ~~ليقيم ، وأنعمه وأشقى ، وأتحمل عنه ليرضى ؛ فما يعرف لي حقا ولا يتأتى ، ~~ولا يرعى ذماما ولا يهدي ، ويتهنأ متعرضا مستخفا بي ، ولو أمنت ملال القاضي ~~- أدام الله أيامه - لعددت مقابحه ، وذكرت مساويه ، ووصفت ما يرتكبه من ~~عظائم ، هي به متصلة وإلي منسوبة ، أن أفزع من يسيرها ، وأجزع من قليلها ، ~~ولا أحب أن أراها وأعاينها في جار أو قريب . وقد زجرت ووعظت ، وقلت وراسلت ~~، وكاتبت وشافهت ، وعاتبت وخاطبت ، وشددت وهولت ، ورغبت وأوجعت ؛ وضربت ~~الأمثال ، وذكرت السير ، وخوفت وحذرت ، فما انتفعت ؛ وجرائمه تكثر ، ~~وجرائره تغلظ ؛ ولا فضل في ، ولا احتمال معي ، ولا بقية للإغضاء عندي . ~~وغرضي في ms129 هذه المخاطبة ، ومغزاي من هذه الشكوى والمباثة ، أن يشهد القاضي ~~أني بريء منه ، قاطع له ، عادل عنه ، غير راض بقوله ولا فعله ، نازع ما ~~ألبسته من بنوة ، مطرح له دينا ودنيا ؛ ليس مني ولا إلي ، قد تبرأت منه ~~وصرمته ، ووكلته إلى اختياره ، ورفعت عنه يدي ، وأسلمته إلى الله ليأخذه ~~بحقي ، ويقبل به دعائي ، ولا يحفظ عليه ما لم يحفظه علي . اللهم اسمع واشهد ~~، وكن حسيب الظالم ، واحكم بيني وبينه ، يا خير حاكم . وهذه شهادة لي عند ~~القاضي يحفظها كما يحفظ إليه من حقوق عمله ، فإني مطالبه بها ( يوم يقوم ~~الأشهاد ) وكفى بالله العلي شهيدا . وهذه - أبقاك الله - رسالة تدل على ~~قرحة دامية ، وعين باكية هامية ، ونفس قد ولهت عما حل بها ؛ وإن غلاما يحوج ~~أباه إلى مثل هذه البراءة والشكوى منه والتألم ، لغلام سوء ، والله أكرم من ~~أن يحبره في الدنيا ، وأن يسعده في الآخرة . وكل هذا دليل على أنه عار من ~~الديانة ، سليب المروة ، وقد رضي بظاهر حاله PageV01P181 وإن لم تدم له ، ~~ولها عن عاقبة أمره وإن لم ينج منها . وحدثني أبو العادي الصوفي قال : كنت ~~عند العميد ببخارا ، وقد جرى ذكر ابنه أبي الفضل فقال : كنت أشك في ولادته ~~قبل هذا . والآن فقد تحقق عندي ما كان يريبني منه ؛ فإن الإناء رشاح بما ~~فيه . ثم أفادنا حمزة المصنف جواب القاضي للعميد ، وذلك أنه كتب : بسم الله ~~الرحمن الرحيم وصل كتاب العميد ، أعز الله جلالته ، ووفر عليه كرامته ، ~~وأدام له نعمته وحياطته ؛ وأنس وصوله ، وأوحش محصوله ؛ ويعز علي أن أقرأ ~~كتابه بعد عهد دارس ودهر متقادم - منبئا عن قرائح صدره ، وجرائح فؤاده ؛ ~~وقد - والله - زاد عجبي من هذا الحديث كله ، وشركته في جميعه ، وسألت الله ~~الل ' يف فيئة هذا الغلام إلى حظه ، ونظرا إلى قلب قد أضرم فيه نار العقوق ~~، وأفرج لوازم الحقوق ؛ فإنه إذا وفق لذاك كان فيه صلاح معاشه الذي هو ~~عاجلته ، وسلامة معاده الذي هو آجلته ؛ هذا مع الذكر الجميل الذي ينتشر له ~~، وبركة دعاء شيخه ms130 إذا عادت عليه . وقد كتبت إلى الفتى - أكرمه الله - بما ~~إن هدي لرشده ووفق لحظه غبط واغتبط ، وإن كثر منه اللجاج والمحك خبط واختبط ~~؛ والله يفتح بصره ، ويأخذ بيده فيعلم ما في البراءة من البنوة والتعري من ~~الأبوة من الهجنة الشنيعة والفضيحة الفظيعة . ولم أقنع بالكتاب ، وبما ~~تصرفت فيه من لواذع العتاب ، حتى كتبت إلى أبي الحريش ، وسألته إحضاره ~~ومناظرته ، واستخراج ما عنده مع التهجين الشديد ، وشوب ذلك بالوعد والوعيد ~~، وغالب ظني أن تلك القسوة تحول رقة ، وتلك الفظاظة تعود لينا ؛ ولو كنت في ~~مقره ، أو كان في صقعي لكان لي في هذه القصة جد وانكماش يحمدني عليهما ~~العميد ، ولكني منه بعيد ؛ وإن - وعائذ بالله - تقاعس وعظي عنه ، ونبا نصحي ~~دونه ، بعد التلطف والاجتهاد ، فالأسى والأسف أعز من أن يرسلا وراءه ، أو ~~يقاما إزاءه ؛ والولد قد يموت بارا ويفوت عاقا ، فليطب قلب العميد عنه ~~فائتا ، كما تسلو PageV01P182 النفس عن العزيز مائتا ، ولعل العتب يسفر عنه ~~بما يسر منه ؛ فللزمان في تقلبه غرائب ، وللدهر في تصرفه عجائب . وأنا أسأل ~~الله أن لا يخليني من العميد عمدة ، ولا يريني فيه ومنه سوءا وغمة ؛ ورأيه ~~في مواصلتي بكتبه المتحملة بره وتفضله بمباثتي وتصريفي على تكاليفه - متوقع ~~مشكور ، وأنا عليه حامد شكور . ثم قال الخليلي : وجده - مع هذا - ساقط يلقب ~~بكله ، وهو كناية عن شيء قبيح على زعمه ، كان نخالا في سوق الحناطين ، أو ~~حمالا أو منقيا ، وكان يحرس السوق أيضا بالليل ، والعرق لا ينام ولا بد من ~~أمارة في الفرع ، كما لا بد في الفرع من إشارة إلى الأصل ، والأصل والفرع ~~متشابهان ، إلا أن هذا الخافي ينطق عند ذلك البادي ، وذلك البادي يشهد له ~~هذا الخافي ؛ ولهذا قالت العرب : لكل إناء رشح ، ولكل سقاء نضح ، ولكل شجرة ~~سوس ، ولكل دوحة عيص . وكنت إذا نظرت إلى أبي الفضل تجده غضبان من غير مغضب ~~، شنج الأنف متخازر الطرف ، كالح الوجه ، ' كأنما وجهه بالخل منضوح ' كأنه ~~يعافك أن تنظر إليه ، أو يتقزز منك إذا كلمك ؛ يتجعد ms131 عليك قبل أن تلاطفه ، ~~ويردك قبل أن تسأله ، ويؤنسك قبل أن ترجوه ، ويحرمك قبل أن تمتري معروفه ، ~~ويسفك دمك إن أكلت خبزه ؛ والويل لمن أعرب عنده ، واستمر في كلامه معه ، أو ~~تخير لفظة له ، أو نشر أدبه . وكان يقول لمن يراه بارع اللفظ ، خفيف الروح ~~، لذيذ الحديث ، خفيف اللسان ؛ يا قس بن ساعدة ! هات حديثك ، يا سحبان وائل ~~مر في هزارك ، يا سعيد بن حميد ! لا تحفل بنظارتك . PageV01P183 كل هذا ~~بهزء وسخرية وتهافت وكشر عن ناب أقلح ، ومضغ للكلام ، ولي الشفقة والشدق ~~كأنه ثلج جامد ، أو شيء تارز . ولهذا قال ابن أبي الثياب : أبا الفضل لا في ~~الجن أنت ولا الإنس . . . وطبعك طبع الموت يورد في اليبس فهذا هذا . وحضرت ~~مجلسه ذات عشية في شهر رمضان مع الفقهاء والزعيم ابن شاذان ، وهو على ~~القضاء ؛ فلما كادت الشمس تجب وهي حية بعد ، وقف حاجب له حيال الجماعة ، ~~وأشار بالقيام والانصراف ، فقطعوا متن مسألة كانوا فيها وتركوها بتراء ، ~~وتبادروا إلى الخروج من الباب ؛ وقعد عنهم شيخ طبري في كساء عليه خلق . ~~فقال له الحاجب : قم يا شيخ والحق بأصحابك ، ما تأخرك عنهم ، ولماذا أنت ~~لازم مكانك من بعدهم ؟ فقال الطبري : هذا فضل من الكلام ، أنا رجل غريب ~~قدمت اليوم من بلدي ، ومحلي من العلم قد بان في هذا المشهد العظيم الشرف ، ~~الكبير الفائدة ، وهذا هو المساء ، وأنا صائم ، وإن خرجت أعجز عن مصلحتي في ~~هذه العشية ، والغريب أعمى ، ولست أعدم ها هنا ، إن شاء الله ، ما يمسكني ~~إلى غد ، ثم أغدو إلى شأني وما لا بد منه لغريب مثلي في بلد الغربة . فقال ~~له الحاجب : أنت طبري وليس في قلنسوتك حشو ولا قطن ، والكلام معك يصدع ، ~~وأقبل بغضب ، وجذب يده بعنف حتى أخرجه من المجلس بعد أن شتمه وخبث القول له ~~، ووكل به من ألقاه وراء الباب مدفوعا في ظهره ، مدقوقا في قفاه ، مشتوما ~~في وجهه . وكل هذا بعين الرئيس الخسيس وسمعه ، لأنه كان بهيئته في صدر ~~مجلسه على حشية قد استلقى ms132 ، وهو يسمع ويرى ، فما قال في ذلك كلمة سوداء ولا ~~بيضاء . فلو شاهدت البائس الطبري على الباب ، وقد احتوشه المارة يقولون له ~~: يا شيخ ! ما جنايتك وما الذي دهاك ؟ PageV01P184 قال : يا قوم ! ذنبي ~~أنني طمعت في عشائهم ، ورغبت في المبيت عندهم ، وأن أكون ضيفا نازلا بهم . ~~فقال له رجل منهم : أنت مجنون ، لقد تخلصت بدعاء والدتك الصالحة ، وسلمت ~~سلامة عجيبة ، أتطمع في طعام الأستاذ الرئيس ، وإبليس لا يحدث نفسه بهذا ، ~~والشياطين لا يقدرون على ذلك ؟ ولقد أراد أن يطير ابنه من رأس الجوسق لأنه ~~طلب زيادة رغيف في وظيفته . وصب على هامة أبي الفضل في تلك العشية من نوادر ~~العامة ، وسخافات الحشوية من ضروب الكذب والصدق ما لا يحصل ؛ وللرازيين ~~جرأة على الكلام ، وتخرق في النوادر ؛ ومن ذا الذي رد أفواه الغوغاء ~~والأوباش ؟ ولو افتدى من هذا كله برغيفين وقدرة لحم لكان الربح معه ، ولكن ~~' الشقي بكل حبل يخنق ' . قال الخليلي مرة : لا تنظر إلى نقاء الثوب ، ~~وحمرة الوجه ، وفراهة المركب ، وإلى الضفف والحشد ، والخيل المسومة العتاق ~~، ولكن انظر إلى عرض الرجل كيف هو ؟ وإلى الشكر له كيف هو ؟ وإلى درهمه من ~~أين وجهه وإلى أبن توجهه ؟ واجهد أن تسل من تحت مصلى الرئيس أو مخدته أو ~~دواته تذكرته ، وانظر فيها ، فإن كان قد كتب بخطه : يتفقد فلان بكذا ، أو ~~يسأل عن فلان لينظر في مصلحته ، ويحمل إلى فلان شيء من الحنطة وشيء من ~~الذهب والفضة ، ويوفد فلان على فلان ليصيب خيرا ، ويولى جميلا ، ويقلد فلان ~~لينجبر قليلا ، ويعفى عن فلان وإن كان عظيم الجرم ، ويستصلح أمر فلان وإن ~~كان قد سد طريق ذلك ، ويكلم الأمير في باب فلان حتى بجدد الرضا عنه . فإن ~~كانت التذكرة مشتملة على هذه وأشباهها ، فاعلم أن الله قد استخلف صاحبها ~~على عباده ، وجعله منارا للمحتاجين في بلاده ؛ وإن كان على غير هذا ، فاغسل ~~يدك PageV01P185 منه بالأشنان البارقي ، ولا تحجه بأملك ، ولا تقدسه بثنائك ~~، ولا تعص ربك بحسن ظنك فيه ، وعده في الموتى . وما أجود ms133 ما قال القائل : ~~من ضن بمعروف . . . عددناه من الموتى فكانت راحة منه . . . ومن سوف ومن حتى ~~فهل يكون - أبقاك الله - فعل ابن العميد بالشيخ الطبري إلا فعل من خذله ~~الله وأسلمه من يديه ، ولم يؤهله لخير يجزى به ويكون هو سببا لتمامه ؛ وهل ~~هو إلا فعل ن في أصله خبث ، وفي منشئه دخل ، وفي طباعه خسة ولؤم ، مع قحة ~~الوجه ، ونذالة النفس ، وقلة الاكتراث ، والطغيان الذي هو باب الكفر الذي ~~هو خسران العاجلة والآجلة . وقد كان يمكن أن يدبر ذلك الشيخ البائس بأقرب ~~شيء وأسهله ، ولعله كان عند الله أبر منه وأزكى ؛ وكان يتقي أن يثنى عنه ~~مثل هذا الحديث الذي مسموعه يغيظ ، فكيف مشهوده ؟ وإن طينة تكون مبلولة ~~بهذا الماء ، موضوعة في هذا الهواء ، مذكورة بهذه الأفعال والأسماء ، أعتقد ~~أن للكلب والقرد والخنزير مزية عليها . هذا ، وهو صاحب المال المجموع ، ~~والذخر الكثير ، والضياع الفاشية ، والصامت الواسع ؛ مع الاقتطاع والاحتجان ~~، والسرقة والبهت ؛ كان ورقه في ألف ألف درهم يردها في الخراج ، وكان ~~ارتقاعه يزل عن الحساب ويفوت التحصيل . وفيه قال ابن عبدان الإصفهاني : ~~الاستاذون في الدنيا كثير . . . وما فيهم سوى نذل خسيس وكلهم أرواهم عن ~~قريب . . . فدا الأستاذ سيدنا الرئيس وسيدنا الرئيس فداء كلب . . . فما هو ~~بالرئيس ولا النفيس PageV01P186 والعجب من بخل هذا الرجل ونذالته ، مع ~~تفلسفه ، وتكثره بذكر أفلاطون وسقراط وأرسطوطاليس ومحبته لهم ، مع علمه بأن ~~القوم قد تكلموا في الأخلاق وحددوها وأوضحوا خفاياها ، وميزوا رذائلها ، ~~وبينوا فضلها ، وحثوا على التخلق بها ، وساقوا ذلك كله على الزهد في الدنيا ~~، والقناعة باليسير من حطامها ، وبذل الفضول منها للمحتاجين إليها ~~والمنتجعين بسببها ، والاقتصار على ما تماسك به الرمق من جميع زخارفها ، ~~وتحصيل السعادة العظمى برفض الشهوات القليلة والكثيرة فيها ، والإحسان إلى ~~الناس وغير الناس بغير امتنان ولا اعتداد ، ولا طلب جزاء ولا استحماد ؛ ~~كأنه لم يسمع بما قال عبد الملك بن مروان ، أو سمع ، ولكن حمق عبد الملك ~~عليه ، ولم يعلم أن الصواب فيما قال ، والحزم مع ما اختار . حكى العتبي ms134 قال ~~: قال عبد الملك لأمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد : ما لك ولابن حرثان ~~حيث يقول فيك : إذا هتف العصفور طار فؤاده . . . وليث حديد الناب عند ~~الثرائد قال : يا أمير المؤمنين ، وجب عليه حد فأقمته . قال : فهلا درأته ~~بالشبهات ؟ قال : كان الحد أبين ، وكان زعمه أهون . قال عبد الملك : يا بني ~~أمية ! أحسابكم أنسابكم ، لا تعرضوها للجهال ؛ فإن كلامهم باق ما بقي الدهر ~~. والله ما يسرني أني هجيت بمثل هذا البيت وأن لي ما طلعت عليه الشمس : ~~تبيتون في المشتى ملاء بطونكم . . . وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا ثم قال : ~~وما على من مدح بهذين البيتين أن لا يمدح بغيرهما ، وهما لزهير : ~~PageV01P187 هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا . . . زإن يسألوا يعطوا وإن ~~ييسروا يغلوا * * * على مكثريهم حق من يعتريهم . . . وعند المقلين السماحة ~~والبذل قال الأندلسي : استفدنا من رواية هذا الشيخ أن هذا الخليفة روى : ' ~~يستخبلوا المال يخبلوا ' فإنه كان عندنا : ' يستخولوا المال يخولوا ' ولكل ~~وجه ، ولكن الأنس بهذه الرواية أكثر . وصدق عبد الملك في مناقلته لحرثان ، ~~ودل على الكرم المنافس عليه ، ونهى متابعة الهوى وقلة المبالاة ، وسوء ~~النظر في العاقبة ؛ وإن بعض الفتيان البطالة إذا قال : ' والله لأتعرضن ~~لجناية أضرب عليها ألف سوط فيصح عند الفتيان صبري ' لأعذر عند الناس ممن ~~يتعرض لحرمان مختبط لمعروف ، ومنع لمنتجع خير ، وإساءة قرى طارق ، وتكليح ~~وجه في وجه سائل . وما أسهل قول الإنسان : دع الشاعر فليقل ما شاء ، ودع ~~الزائر فليفر فريه كيف أحب ! ولكنه إذا زل القول ، وطار الحديث ، وتمت ~~النادرة ، فأين المتدارك ؟ وأين المعتذر ؟ وأين المتلافي ؟ هيهات ! والعرب ~~تسمي رجلين مخلدا ؛ أحدهما ؛ من يتأخر شيبه ، فتقول : هذا مخلد ، والآخر هو ~~الذي يمدح بعد موته . ومن لم يرغب في الثناء فقد رغب عن ملة إبراهيم خليل ~~الرحمن ، لأن الله تعالى أخبر أنه سأله ذلك ، وما سأله إلا بعد أن أذن له ، ~~وما أذن له إلا بعد أن علم أنه الخلق الأسنى والاختيار الأعلى ، والطريقة ~~المثلى ، فقال : ( واجعل لي لسان PageV01P188 صدق في الآخرين ) وقال ms135 : ( ~~وتركنا عليه في الآخرين ) . ثم وضع الله من أقدار قوم وأبقى ذمهم في ~~الغابرين فقال : ( فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ) ، فرأى ذلك نهاية في ~~تهجينهم والغض من أخطارهم ، وأن يتحدث عنهم بما يبعث على الاعتبار بمن أساء ~~لنفسه النظر والاختيار ، قال الشاعر : ثمن المعروف شكر . . . ويد الإحسان ~~ذخر وثناء الحي للأم . . . وات في الأحياء عمر وقال أبو هفان في ابن عباد : ~~لله درك قد أكملت أربعة . . . ما هن في أحد من سائر البشر العرض ممتهن ~~والنفس ساقطة . . . والوجه من سفن والعين من حجر أنشد بعضهم في ابن عباد ، ~~وذم سجعه وعقله وخطه وقال : متقلب كافي الكفاة وإنما . . . هو في الحقيقة ~~كافر الكفار السجع سجع مهوس والخط خط منقرس والعقل عقل حمار وقلت للنتيف ~~المتكلم : أرى ابن عباد كثير الخلوة بهؤلاء العفاريت الذين تجاوزوا حد ~~الغلومية ، أ ترى ذلك لفحشاء وتهمة ؟ فقال : أ ما سمعت قول الشاعر : كم ~~حربة في القوم صارت جعبة . . . فاستر عليه فالحديث يطول وإذا الفتى حامى ~~على ذي لحية . . . حبا له فوراءه عاقول وكان قليل التحاشي من القاذورات ، ~~وهو الذي ألصق به الريبة ، وسوغ فيه الغيبة ، وصار الإنسان إذا ذكر مساويه ~~لا يخاف مأثما ، ولا يرتقب لا ئما . على أن مساويه تفوت الحصر ، وتند عن ~~التحصيل . PageV01P189 قال ابن عباد لندمائه : ما أول قول الشاعر : وأن غدا ~~للناظرين قريب فقال الخوارزمي : أوله : أ لم تر أن اليوم أسرع ذاهب وقال ~~ابن الأعرابي : تمامها لنصيح بن منظور الفقعسي ، وهو : إذا ما خلوت الدهر ~~يوما فلا تقل . . . خلوت ولكن قل علي رقيب فلا تحسبن الله يغفل ساعة . . . ~~ولا أن ما يخفى عليه يغيب فأحسن وأجمل ما استطعت فإنما . . . بقرضك تجزي ~~والقروض ضروب فلا تك مغرورا تعلل بالمنى . . . وقل إنما أدعى غدا فأجيب أ ~~لم تر أن اليوم أسرع ذاهب . . . وأن غدا للناظرين قريب وأن المنايا تحت كل ~~ثنية . . . لهن سهام ما تزال تصيب ذهبن بإخوان الصفاء فأصبحت . . . لهن ~~علينا نوبة ستنوب فأقبل عليه بوجه كالح أربد ، وقال : أعرفك نذلا جاهلا ms136 ، ~~مأبونا باطلا ، إنما ترينا من نفسك أنك تحفظ وتحسن ؛ التراب في فيك يا كلب ~~، ومتى نبت ، ومن أبوك ، وعمن أخذت ، وإلى من اختلفت ؟ بلى ، اختلفت عليك ~~الأمور ، وأنفقت في دبرك أيور ، أنت بمخازيها مشهور ، وقوادك بعد ما مات ، ~~وجذرك بعد ما نسي ؛ مثلك يجترئ في مجلسنا ؟ ويقابل بوجهه وجهنا ؟ والله ~~لولا رعايتنا التي جرت بها عادتنا لعرفتنا وعرفت نفسك بنا . وعلى هذا وما ~~كاد يسكت . فكان جنونه غريبا في أنواع الجنون ، لأن الجنون إذا زاحمه العقل ~~، والعقل إذا طلاه الحمق لم يكمل الإنسان ؛ وأنت إذا قست هذا إلى العاقل ، ~~وإلى الأحمق ، وإلى العاقل الذي يعتريه الحمق ، وإلى الأحمق الذي يعتريه ~~العقل . PageV01P190 فهذا كما ترى . ومن تحلى بالسيادة ، وسام الناس ~~الانقياد له بالطاعة ، يحتاج إلى خصال كثيرة يكون مطبوعا عليها سوى خصال ~~أخر يكون مشغوفا بها وباكتسابها من أصحابها ، وبالمجالسة والسماع والقراءة ~~والتقبل . وما أحسن ما قال عدي بن حاتم في صفة السيد حين سئل من السيد ؟ ~~فقال : السيد هو الأخرق في ماله ، الذليل في عزه ، المطرح لحقده ، المعني ~~بأمر جماعته . وكان ذو الكفايتين يقول : خرج ابن عباد من عندنا ، يعني الري ~~متوجها إلى أصفهان ، ومنزله ورامين ، فجاوزها إلى قرية غامرة على ماء ملح ، ~~لا لشيء إلا ليكتب إلينا : كتابي من النوبهار ، يوم السبت نصف النهار . يا ~~قوم ! هل هذا إلا رقاعة ؟ واعلم - حاطك الله - أن الكمال عزيز ، فإن ما ~~ربحه أبو الفضل بالعقل خسره بالبخل ، وكل ما زاد ابن عباد بالسخاء نقص ~~بالحمق ، على أن العقل لا يكون تاما وهناك خساسة ، والسخاء لا يكون محمودا ~~وهناك حماقة ، والبخل في الجملة غالب على المتفلسفين ، كما أن الحماقة ~~غالبة في الجملة على المنشئين . وسمعت علي ابن المنجم يقول : وكان محذقا ~~حلو الحديث ، وقد سئل : لم غلب البخل على كل متفلسف ؟ فقال : وجدنا الغالب ~~على الناظرين في حقائق الأمور ، والباحثين عن أسرار الدهور ، وهم الموسومون ~~بطلب الحكمة التي هي الفلسفة ، التمسك بكل عرض يملكونه ، حتى إنهم لا ~~يفرجون عن شيء إلا بمشقة شديدة ms137 ، ولا يجدون ألم الشح والبخل ، ولا يأنفون ~~من عارهما ؛ وطلبنا العلة في ذلك مع ما يقتضيه مذهبهم من الزهد والبذل ~~والإيثار والتكرم ، فوجدناها في آثار النجوم والنظر في دلالتها ؛ وذلك أن ~~الذي يدل على علم PageV01P191 الحقائق والغوص فيها ، واستيفاء الفكر فيها ~~زحل مع عطارد بالاشتراك . وزحل يوجب مع شهادته الأولى الحصر والحسد والضيق ~~والبخل ؛ لأن البخل يكون من جهة الخوف من الفقر ، وزحل يوجب عجز النفس ، ~~وخضوعا عند الحاجات ، وإشفاقا على الفائت لعسر آثار زحل وكثرة تغير أحوال ~~عطارد . قال : وهذه الدلالة موافقة لما في الطبيعيات ، وذلك أن البرد ~~واليبس ، من آثار زحل ، يوجبان عوارض السوداء ؛ وأخلاق النفس تابعة بالنظر ~~الأول لمزاج البدن ، فلذلك يستحيل إليه ، وكذلك حال عطارد في خصوصيته ~~باليبس ، ولأن الحرارة معدومة في زحل وعطارد ، والسخاء من جنس الشجاعة ~~المشاكلة لقوة الحرارة ، والبخل من جنس الجبن المشاكل لقوة اليبس الذي يوجب ~~العجز وضيق الصدر والخوف في الحاجات . قال : ولأن الزهرة لها في الأمور ~~الإلهية والدلالة على الوحي وطهارة الأخلاق مع ما توجبه من الشهود والنعمة ~~والبذل والقوة الانفعالية بسبب الرطوبة الغالبة عليها ؛ فهي إذا أعطت أعطت ~~الحقائق بغير تكلف ، بل على سبيل الوحي ، وتميل النفس إلى طهارة الأخلاق ~~والتهاون بالمال للمباينة الواقعة بين الأمور الإلهية والأمور الطبيعية ~~التي بها يطلب المال ويتمسك به ، فالذي يشرك في تديره بين العلوم والخلق ~~الزهرة ، ويكون صاحبها مصادقا للحقائق عفوا مبغضا للمال طبعا . والذي يغلب ~~على تدبيره في العلم والخلق زحل ، وعطارد يتكلف العلم ويحب المال ، ويكون ~~مغلوبا بالبخل . وكان جريج المقل إذا جرى حديث أبي الفضل قال : صبور على ~~سوء الثناء وقاح وأنشد فيه : ولا يستوي عند كشف الأمو . . . ر باذل معروفه ~~والبخيل ولا تعجب من إطلاق مثل هذا في ذوي الرياسة ، فإنه مسبوق إليه في ~~القديم PageV01P192 والحديث ؛ هذا محمد بن الجراح عم علي بن عيسى الوزير ~~ساق في كتابه في ' أخبار الوزراء ' فقال : كان آل برمك أندى من السحاب ، ~~وآل وهب أخس من الكلاب ، وأنشد جريج المقل في أبي ms138 الفضل : لنا فيلسوف عالم ~~بالطبائع . . . يخبرنا من طبه بالبدائع رأى البخل حذقا فهو يحمي ويحتمي . . ~~. فلست ترى في داره غير جائع ويزعم أن الفقر في الجود والندى . . . وأن ليس ~~حظ في اكتساب الصنائع ستعلم بعد الموت أنك نادم . . . وأن الذي خلفت ليس ~~بنافع لقد أمن الدنيا ولم يخش صرفها . . . ولم يدر أن المرء رهن الفجائع ~~وقال : كان يدعي له العقل وهو لا يرجع إلى دين ، وكل من فسد دينه فسد عقله ~~. قد أعجبته فلسفته التي لا يحظى منها بطائل ، ولا يتبين بين أهلها بحقيقة ~~. أ من العقل أن ينشد كل شعر لملحد ، ويردد كل لفظ غث ومعنى ثقيل ؟ أنشد ~~يوما قول النضر بن الحارث : يخبرنا ابن كبشة أن سنحيا . . . وكيف حياة ~~أصداء وهام أ يقتلني إذا ما كنت حيا . . . ويحييني إذا رمت عظامي وأنشد آخر ~~: أصبحت جم بلابل الصدر . . . وأبيا منطويا على غمر إن بحت طل دمي وإن . . ~~. أسكت يضيق بذاكم صدري وقال : هذا لصالح بن عبد القدوس العاقل المجيد ، ~~أما سمعت قوله الآخر : باح لساني بمضمر السر . . . وذاك أني أقول بالدهر ~~PageV01P193 وليس بعد الممات منقلب . . . وإنما الموت بيضة العقر وهذه أمور ~~قبيحة من سفلة الناس ، فكيف من عليتهم ؟ وإذا سكت الناس عنهم في حياتهم ~~خوفا منهم ، نطقوا بها بعد موتهم تقربا إلى الله تعالى بالصدق عنهم . فلا ~~يهيدنك ما تسمع ؛ فإن الله تعالى لا يقيص للمحسن إلا المحسن ، كما لا يلجيء ~~المسيء إلا إلى المسيء . ورأيت العسجدي يقول لجريج المقل : كيف وجدت هذا ~~الرجل ؟ يعني أبا الفضل . فقال : يابس العود ، ذميم المعهود ، سيء الظن ~~بالمعبود ، ومثله لا يمجد ولا يسود . فقال له العسجدي : أ فلا ترى ذهه ~~الأبهة والصيت والغاشية والموكب ؟ فقال : هذا وإن كان من الدولة ، فهي غير ~~السؤدد ، والسلطان غير الكرم ، والجدة غير المحمدة ؛ أين الزوار والمنتجعون ~~؟ وأين الآملون الشاكرون ، وأين المثنون الحامدون ؟ وأين الواصفون الصادقون ~~؟ وأين المنصرفون الراضون ؟ وأين دار الضيافة والخدم المرتبون للخدمة ؟ ~~هيهات ! لا تجيء بالطقطقة والرقرقة ؛ أما تسمع الشعر : أبا جعفر ليس فضل ms139 ~~الفتى . . . إذا راح في فرط إعجابه ولا في فراهة برذونه . . . ولا في نظافة ~~أثوابه ولكنه في الفعال الجمي . . . ل والحسب الأشرف النابه وكان أبو الفضل ~~يطري البحتري ويعجب من عزله وتشبيبه ، ويستسهل في الجملة طريقته ، ورجل ~~حاضر يخالفه في ذلك ، فقال أبو الفضل : البحتري يروم غاية شعره . . . من لا ~~يقيم لنفسه مصراعا أنى يروم مناله ولو ابتغى . . . تقويم قافية له ما ~~اسطاعا جذب العلاء بضبعه فأحله . . . بين المجرة والسماك رباعا وغدوت ملتزم ~~الحضيض فكلما . . . فرع العلا باعا هبطت ذراعا PageV01P194 قال : فخري ~~الرجل وسكت . وحدثني أبو الطيب الكميائي قال : قلت لأبي الفضل - بعد أن سم ~~الحاجب النيسابوري ، وبعد أن خطب على حمد ، ودس إلى ابن هندو وغيرهم من أهل ~~الكتابة والمروة والنعمة : لو كففت ، فقد أسرفت . فقال : يا أبا الطيب ! ~~أنا مضطر . فقلت : أي اضطرار ها هنا ؟ والله إن مخادعتنا لأنفسنا في نفعنا ~~وضرنا لأعجب من مكابرة غيرنا لنا في خيرنا وشرنا ، وهذا والله رين القلب ~~وصدأ العقل ، وفساد الاختيار وكدر النفس ، وسوء العادة ، وعدم التوفيق . ~~فقال : يا أبا الطيب ! أنت تتكلم بالظاهر ، وأنا أحترق في الباطن . فقلت : ~~إن كان عذرك في هذه السيرة المخالفة لأهل الديانة وأصحاب الحكمة قد بلغ بك ~~هذا الوضوح والجلاء فإنك معذور عندنا ، ولعلك أيضا مأجور عند الله مالك ~~الجزاء . وإن كنت تعلم في حقيقته غير ما تراجعني عليه القول ، وتناقلني فيه ~~الحجاج فإنك من الخاسرين الذين قد باءوا بغضب من الله على مذاهب الناس ~~أجمعين . فبكى . فقلت : البكاء لا ينفع إن كان الإقلاع ممكنا ، والندم لا ~~يجدي متى كان الإصدار قائما ؛ هذا كله بسبب ابنك أبي الفتح ؛ والله إن أيام ~~ابنك لا تطول ، وإن عيشه لا يصفو ، وإن حاله لا يستقيم وله أعداء لا يتخلص ~~منهم ؛ وقد دل مولده على ذلك . وإنك لا تدفع عنه قضاء الله ، وهو لا يغني ~~عنك من الله شيئا . فعليك بخويصة نفسك . وهذا موضع يروى عنه بعض ما هو ~~فائدة من الأدب والحكمة ، وإن كان استيعاب ذلك شاقا ؛ فإن الرجل ms140 كان كثير ~~المحفوظ جيد الاقتضاب . حدثني ابن فارس : جرى بين يديه أسماء الفرج وكثرتها ~~، فقال بعض الحاضرين : PageV01P195 ماذا أراد العرب بتكثيرها مع قبحها ؟ ~~فقال : لما رأوا الشيء قبيحا جعلوا يكنون عنه ، وكانت الكناية عند فشوها ~~تصير إلى حد الإسم الأول فينتقلون إلى كناية أخرى ، فإذا اتسعت أيضا رأوا ~~فيها من القبح مثل ما كنوا عنه من أجله ، وعلى هذا ، فكثرت الكنايات ، وليس ~~عندهم تكثيرها . وحدثني الهروي قال : سألت يوما ابنه أبا القاسم ؛ أخا كان ~~لذي الكفايتين مات قبله - عن قول الشاعر : فما لكم طلس الثياب كأنكم . . . ~~ذئاب الغضا والذئب بالليل أطلس فقال ولده : هو ظاهر إلا أن يكون تحته معنى ~~. قفلت ممازحا له : أ هو ظاهر لك أو ظاهر عنك أي غائب ؛ ومعنى ظاهر عنك أي ~~مجانب لك بارز عنك . ومنه قول الهذلي : وعيرها الواشون أني أحبها . . . ~~وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وفسر البيت فقال : مالكم مجاهرين لي بالعداوة ولا ~~تجاملونني في حال ، فالذئب أصلح منكم لأنه بالليل أطلس أي مجاهر بالليل فقط ~~، ومداج بالنهار ؛ فهو مجاهر في وقت ومداج في وقت ، وأنتم مصرون على ~~العداوة . وكان يحفظ فقرا كثيرة لابن المعتز ، ويرويها في مجلسه في الوقت ~~بعد الوقت ، وكان يوهم من حضر أنه من اقتضابه . منها قوله : إن في الحكم : ~~أن المتواضع من طلاب العلم والحكم أكثرهم حظا ، كما أن المكان المتطامن من ~~أكثر البقاع ماء . وأنس الأمن بوحشة الوحدة ، ووحدة الخوف تذهب بأنس ~~الجماعة . ومنع الحافظ خير من عطاء المضيع . وإذا طرت فقع قريبا . ~~PageV01P196 والرجال يفيدون المال ، والمال يفيد الرجال . إذا أبصرت العين ~~الشهوة عمي القلب عن الاختيار . من رأى الموت بعين أمله رآه بعيدا ، ومن ~~رآه بعين عقله رآه قريبا . العقل صفاء النفس ، والجهل كدرها . لا تلبس ~~السلطان في وقت اضطراب الأمور عليه ، فإن البحر لا يكاد راكبه يسلم في حال ~~سكونه ، فكيف مع اختلاف رياحه واضطراب أمواجه . وإن الله تعالى أضاف إلى كل ~~مخلوق ضده ليدل على أن الوحدة له وحده . كرم الله لا ينقص حكمته ms141 . ولذلك لم ~~تقع الإجابة لكل دعوة . للطالب المنجح لذة الإدراك ، وللطالب المحروم لذة ~~اليأس . ومن صحب السلطان فليصبر على قسوته كصبر الغواص على ملوحة ماء البحر ~~. والعالم يعرف الجاهل لأنه كان مرة جاهلا ، والجاهل لا يعرف العالم لأنه ~~لم يكن مرة عالما . ومن جعل الحمد خاتما للنعمة جعله الله مفتاحا للمزيد . ~~لو تميزت الأشياء لكان الكذب مع الجبن ، والصدق مع الشجاعة ، والراحة مع ~~اليأس ، والتعب مع الطمع ، والحرمان مع الحرص ، والذل مع الدين . ومال ~~الميت يعزي ورثته عنه . كيف تريد من صديقك خلقا واحدا وهو ذو أربع طبائع . ~~ترقع خرق الدنيا ويتسع ، وتشعبها وتنصدع ، وتجمع منها ما لا يجتمع . وكان ~~مليا بهذا النمط ويفرغ في قالبه ، ولكن لم يكن له منه إلا لقعة اللسان وصدى ~~الصوت ، وتقطيع اللفظ . فأما التحلي والعمل فكان منهما على بعد ؛ والعقل ~~متى لم يثمر كرما فهو وبال ، والحكمة متى لم تورث عملا فهي خبال ؛ والكرم ~~ما قاله الأعرابي حين سئل عنه ، فإنه قال : أما الكرم في اللقاء فالبشاشة ، ~~وأما في العشرة فالهشاشة ، وأما في الأخلاق PageV01P197 فالسماحة ، وأما في ~~الأفعال فالنصاحة ، وأما في الغنى فالمشاركة ، وأما في الفقر فالمواساة . ~~قلت لأبي السلم نجبة بن علي : أ ابن عباد أحب إليك أم ابن العميد ؟ قال : ~~ما فيهما حبيب ، على أني برقاعة هذا أشد انتفاعا مني بعقل ذاك ؛ هذا يغضب ~~إذا ترفعت عن عطائه ، وقبضت يدك عن قبول بره ، ومشيت ناكبا عن بابه وقصده ؛ ~~وذلك كان يحقد إذا رجوته وتعرضت له ، ويغضب إذا أثنيت عليه وطمعت فيه ؛ ~~وهذا يكذب متماجنا ، وذاك كان يصدق مع الدماثة ويغيظ ؛ وهذا يفعل الخير وإن ~~قاله وأفشاه وبجح به وسحب ذيله عليه ، وذاك كان لا يقلع عن الشر وإن قرع في ~~وجهه باللائمة ، وكشط عرضه بالمذمة ؛ وهم هذا في الأخذ والإعطاء ، والإبعاد ~~والإدناء ؛ وكان دأب ذاك الجمع والمنع والتفلسف ليقع اليأس منه ، ويتلذذ ~~بالخيبة عليه ؛ وهذا يقول ويفعل بعض ما يقول متجلدا ، وكان ذاك لا يهم ولا ~~ينوي ولا يظن ولا يحلم ، فضلا ms142 عن القول المطمع والعمل النافع ؛ وعيب هذا ~~أنه يذوب حتى لا يحصل لك منه شيء ؛ وكان عيب ذاك أنه يجمد حتى لا تنتفع منه ~~بشيء . وقلت لأبي السلك يوما ، وقد خرج من دار ابن عباد : كيف ترى الناس ؟ ~~فقال : رأيت الداخل ساقطا ، والخارج ساخطا ، وأخذ من قول شبيب ؛ فإنه خرج ~~من دار المهلبي وقال : تركت الداخل راجيا ، والخارج راضيا . وكان أبو السلم ~~من فصحاء الناس ؛ سمعته يقول : الكسير يعثم والحسير يوثم . وقال أيضا : ما ~~أحسن منقاد هذا الطائر ، بالدال . وقال للبديهي ، لما رأى تعسفه في العربية ~~: يا هذا ! الكلام لا يواتيك قسرا ولا يطيعك كارها ، تكلم عن سجية النفس ، ~~وعفو الطباع ، واطرح البقية جانبا ، وجانب PageV01P198 التكلف ، واتبع ~~المعنى يتبعك اللفظ ، والحظ العقل ، فنه نورك ، والزم الجادة فهي مسلكك ، ~~ولا تذلن فتخزى ، ولا تعزن فتقصى ، وتحكم وأنت مبق ، وخذ كأنك معط ، وكسر ~~لهاتك بتصاريف الكلام مشققا لا متشدقا ، تبلغ إرادتك ، تملك عادتك . قلت له ~~: كيف كان حديث ابن العميد ؟ قال : ' ألذ من السلوى إذا ما نشورها ' وحديث ~~ابن عباد أنتن من الصنان ، وأثقل من الصدام ، وأبغض من القضض في الطعام ، ~~وأوحش من أضغاث الأحلام . يتحاشى كأنه صبي مترعرع ، يطن أن الأرض لم تقل ~~غيره ، وأن السماء لم تظل سواه ، أما سمعته يشتم في هذه الأيام إنسانا فقال ~~: لعن الله الأهوج الأعوج الأفلج الأفحج الحفلج ، الذي إذا قام لجلج وإذا ~~مشى تفحج ، وإن تكلم تلجلج ، وإن تنعم تمجمج ، وإن مشى تدحرج ، وإن عدا ~~تفجفج . قال : فهل سمعت بكلام أنبى عن القلب وأسمج من هذا ؟ نعوذ بالله من ~~العجمة المخلوطة بالتعريب ، ومن العربية المخلوطة بالتعجيم . ولو أن هذا ~~النقص لم يدل إلا على اللفظ الذي معدنه اللسان لكان العذر أقرب ، لكنه كاشف ~~لعورة العقل ، هاتك لستر المعرفة ، ومن استدرجه الله إلى هذه الحال فقد ~~خذله وإن ظن أنه منصور ، وأفقره وإن حسب أنه مثر . وسمعته يقول لكاتب بين ~~يديه ، وقد كتب : ' من إسماعيل بن عباد ' ، وكانت العين من إسماعيل قد ~~تطلست ، ولم يكن ms143 لها بياض المشقين بتعحرف للكاتب والقلم . PageV01P199 فقال ~~: يا هذا ! عيني هكذا ينبغي أن تكتب بالله ؟ أنت أعمى ؟ أما ترى عيني ؟ ~~انظر إليها حسنا ! أ هي مطموسة ، أ هي مملوسة ، أ هي مطلوسة ، أ هي مهروسة ~~، أ هي ممسوحة ، أ هي منزوحة ، أ هي مسطوحة ؟ وما كاد يسكت . وهل هذا إلا ~~رقاعة وجهل وكلام رقعاء المعلمين والمخنثين ؟ ! وقال يوما : ها هنا أشياء ~~لا حقيقة لها . منها : إمام الرافضة ، والاستطاعة مع الفعل ، والبدل للنجار ~~، والهيولى . فقال الحسين المتكلم : والحال لأبي هاشم . فقال : مما يوضح ~~عندي معنى الحال أن مثلك لا يفهمه . وكان هذا الكلام بسبب تنكر له شديد . ~~فقلت أنشدني الأندلسي أبو محمد لبعض شعراء المغرب بيتا ذكر فيه أشياء زعم ~~أنه لا حقيقة لها . فقال : وما ذاك البيت ؟ فأنشدته : الجود والغول ~~والعنقاء ثالثة . . . أسماء أشياء لم تخلق ولم تكن قال : أ وفي المغاربة من ~~له هذا النمط ؟ قلت : سألته عن هذا فقال لي : في المغرب من يقدم نثره على ~~نثر إبراهيم بن العباس الصولي ، ويقدم نظمه على نظم أبي تمام . فقال : فهل ~~روى لك غير هذا ؟ قلت : نعم أنشدني لشاعر لهم يعرف بأبي بكر محمد بن فرح في ~~طفيلي يعرف بابن الإمام : PageV01P200 أفديك من متوجد غضبان . . . حتى يلوح ~~له ضباب دخان يقتاده شم القتار بأنفه . . . مثل اقتياد النجم للحيوان وعلا ~~الدخان بشت طولة مربيا . . . يبدي كمين مطابخ الإخوان وبحانة الملهين جاسوس ~~له . . . ينيبه أين تناكح الزوجان صب إلى الطوفان مرتاح إلى الجولان مضطغن ~~على الخلان فترى الإماميين حول ركابه . . . كالخيل صايعة ليوم رهان لو ~~يسمعون بأكلة أو شربة . . . بعمان أصبح جمعهم بعمان زار الفتى القرشي لا ~~لتعهد . . . منه ، ولا شوق إلى لقيان حتى إذا وضع الخوان تساقطوا . . . ~~نهما عليه تساقط الذبان ورأيته من بينهم متخمطا . . . في لقمة كتخمط ~~السكران لم ينصرف إلا وفي أكمامه . . . حمل وفي أعجافه حملان وأخو ثقيف فر ~~منه قاصدا . . . جيان لو أعنت قرى جيان لو حل نجران لم يبعد على . . . ~~عزمات نيته مدى نجران كالموت تسعى في ms144 التخلص جاهدا . . . منه ، وتلقاه بكل ~~مكان فعجب من الأبيات وقال : ماذا قال لك في تفسير شت طوله ؟ فقلت : زعم ~~أنها بليدة . قال : فما جيان ؟ قلت : زعم أنه مكان يعرف هكذا . قال : اكتب ~~الأبيات إلى نجاح ، وكان خازن كتبه . ثم قال : ما أنشدك شيئا في الغزل ؟ ~~قلت : بلى ! أنشدني لأبي عمر الأندلسي : مهلا فما دين الهوى كفر ولا . . . ~~أعتد عذلك لي من التنزيل PageV01P201 من حاكم بيني وبين عذولي . . . الشجو ~~شجوي والعويل عويلي فبأي جارحة أصون معذبي . . . سلمت من التعذيب والتنكيل ~~إن قلت في عيني فثم مدامعي . . . أو قلت في كبدي فثم غليلي وأنشدني لهذا ~~الشاعر بعينه أيضا : وأحور إن كلمته فهو شاعر . . . بيانا ، وإن لاحظته فهو ~~ساحر على خده للياسمين غلائل . . . عليها من الورد النضير ظهائر حسام ~~بعينيه ونطع بخده . . . وصبغ دم العشاق في النطع ظاهر ولابن رشيق أيضا : ~~ولم أدخل الحمام ساعة بينهم . . . طلاب نعيم ، قد رضيت ببوسي ولكن لتجري ~~دمعتي مستهلة . . . فأبكي ولا يدري بذاك جليسي فقال : كنت أحب أن أرى أبا ~~محمد هذا ، ولو انتجعنا لبلغنا له مراده . وأعدت هذه الكلمة على أبي محمد ~~سنة سبعين ، فقال : والله ما أحب أن أسمع حديثه فكيف أوثر أن أبتلى برقاعته ~~. وله مع حسين المتكلم جواب آخر ؛ تناظرا في مسألة حمي الوطيس ، والتحمت ~~الحرب قال لحسين المتكلم : هذا كلام من لا يعرف الكلام . فقال : أيها ~~الصاحب ! رفقا فإني أعرف بحسين المتكلم ، ولا يجوز أن أشتهر بشيء لا أكون ~~رأسا فيه . فقال : وما في هذا ؟ إبراهيم المسلم طبيب المارستان يعرف ~~بالمسلم وهو بعيد مما يعرف به ، قريب مما يقرف به . وجرى ليلة حديث أبي ~~سعيد السيرافي ، وكان ابن عباد يتعصب له ، ويقدمه على أهل زمانه ، ويزعم ~~أنه حضر مجلسه ، وأبان عن نفسه فيه ، وصادف من أبي سعيد طود حلم وبحر علم . ~~PageV01P202 فقال أبو موسى المعلم : شيخ يعرف بالحسنكي : إلا أنه لم يعمل ~~في شرح كتاب سيبويه شيئا . فنظر إليه ابن عباد متنمرا ولم يقل حرفا . ~~فعجبنا من ذلك . ثم إني توصلت ببعض ms145 أصحابه حتى سأله عن حلمه عن أبي موسى مع ~~ذبه عن أبي سعيد ، فسأله فقال : والله لقد ملكني الغيظ على ذلك الجاهل حتى ~~عزب عني رأيي ، ولم أجد في الحال شيئا يشفي غلتي منه ، فصار ذلك سببا ~~لسكوتي عنه ، فتشابهت الحال الحلم ، وما كان ذلك حلما ، ولكن طلبا لنوع من ~~الاستخفاف لائق به . فوالله ما يدري ذلك الكلب ولا أحد ممن خرج من قريته ~~ورقة من ذلك الكتاب ، وهل سبق أحد إلى مثله من أول الكتاب إلى آخره مع كثرة ~~فنونه وخوافي أسراره . وكان أبو موسى هذا من طبرستان . فعد هذا التعصب من ~~مناقب ابن عباد ، وحجب أبو موسى بعد . وكان ابن عباد يتطلب العلل للحجاب ، ~~ويتعلق بالريح ، وكان له تلذذ به ، وقد حكيت ذلك آنفا . وما سمعت في تلافي ~~المحجوب كلاما ألطف من كلام حدثني به الخوارزمي عن السلامي صاحب خراسان ؛ ~~قال السلامي : عاتبت أبا الفضل البلعمي وزير عبد الملك بن نوح بأبيات على ~~حجاب نالني منه ، فقال : لك عندنا - بما استعتبت - العتبى ، وعلى ما ~~استعديت العدوى . أما نهارنا فمقسوم بين حوائج الناس وإنما نفرغ بالليل ~~للاستئناس بوجوه الأولياء والخواص فاحضر بالنهار مباسطا ومخالطا ، وبالليل ~~مؤانسا ومجالسا . وكان ابن عباد ضد هذا ، لأنه كان يشتكي إليه فيقول : ~~الشكوى إلي الحجاب إغراء ، والصبر عليه يعطفني إلى بعض ما يلتمس مني . ~~PageV01P203 وسمعته يقول : لله عندي أياد متضاعفة ، ونعم متكاثفة ، ومن ~~أجلها أنه لم يغمسني في مذاهب الإمامية . ومع هذا كان إذا عمل قصيدة في أهل ~~البيت غلا وتجاوز ، وغض من الصدر الأول ، وادعى على الشيخين البهتان ، وعرض ~~وصرح . وهذا من فعلاته الذميمة ، وجهالاته المشهورة . وأنشد ثعلب في الحجاب ~~أبياتا وقال : ما سمعت بمثلها . هكذا سمعناه فيما قرئ على ابن مقسم العطار ~~النحوي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وهي : إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه . . ~~. ورد ذوي الحاجات ضيق حجابه ظننت به إحدى ثلاث وربما . . . نزعت بظن واقع ~~بصوابه فقلت به مس من العي حاضر . . . وفي إذنه للناس إظهار ما به فإن لم ~~يكن ms146 عي اللسان فعارض . . . من البخل يحمي ماله عن طلابه وإن لم يكن هذا ~~وذاك فريبة . . . يصر عليها عند إغلاق بابه وحدثني المرزباني قال : لقد ~~أجاد البصير في قوله : رب فتى تحمد أخلاقه . . . وتسكن الأحرار في ذمته قد ~~كثر الحاجب أعداءه . . . وسلط الذم على نعمته ومن طريف ما حدثنا به ابن ~~عباد في الوقت الذي تلاقت فيه العساكر بقصر الجص ، قال : كنت في مقيلي ~~فأتاني آت قال : اسقني قهوة بفرط اختياري . . . خرج الملك عن يدي بختيار ~~وأما أبو الفتح ذو الكفايتين فإنه كان شابا ذكيا متحركا حسن الشعر مليح ~~الكتابة كثير المحاسن ، ولم يظهر منه كل ما كان في قوته لقصر أيامه ، ~~واشتعال دولته وطفوها بسرعة . PageV01P204 ومن شعره : إني متى قناني تنتثر ~~. . . أوصالها أنبوبة أنبوبا أدعو بعاليها العلا فتجيبني . . . وأقي بحد ~~سنانها المرهوبا ومن شعره : نهضت تثنى في الكواعب . . . كالبدر هادته ~~الكواكب فتبرجت سدف الدجى . . . وتبلجت ظلم الغياهب لله أنت وهن إذ . . . ~~يختلن من كرم صواحب متلألئات كللآ . . . لي ضمها عقد الترائب إني أعيذك أن ~~تردي . . . مقلتي بمنى كواذب وتسودي وجه الرجا . . . ء وتغلقي فتح المذاهب ~~أو ما ترين مدامعي . . . سحا سحائبها سواكب جادت ديارك أين كا . . . نت ~~مثلها درر السحائب محلولة الأرماق فص . . . ماء العرى وطف الهيادب وعدتك ~~داهية الليا . . . لي والحوادث والنوائب لا زلن منك بحيث أن . . . ت من ~~الشوائب والمعايب إني إذا أعزي إليك من الأقارب أو أقارب لا تقطعي حبل ~~القري . . . ب وتكفري حق المناسب فتفارقي خلق الكري . . . م وتضربي مثلا ~~لضارب : إن الأقارب كالعقا . . . رب بل أضر من العقارب لا تبخلي إن الكري . ~~. . مة من مواهبها مناهب كفي السيوف عن الحت . . . وف وإن أطاعتها المضارب ~~لا ترغبي عن ماجد . . . سمح الخلائق والضرائب PageV01P205 يعزى لآباء غطا . ~~. . رفة وأمات نجائب إني من النفر الكرا . . . م السادة الشم الذوائب يقظ ~~إذا كري اللئا . . . م عن العلى ككرى الأرانب أسد إذا ونت القرو . . . م عن ~~الوغى وني الثعالب عف أطيل ظميئتي . . . حتى أرى صفو المشارب وأذل نفسي في ~~الكري . . . هة ms147 أو أرى كرم المناسب وإذا تسيء عصابة . . . عممتها شر ~~العصائب كم من عدو كاشح . . . يرنو إلي بطرف عاتب يبدي لنا وجه المشا . . . ~~جر دونه صدر المحارب متقلص الأحشاء من . . . حسد دوين الصدر راتب لو شئت ~~أحرق أهله . . . من نهضتي نار الحباحب سلمته ليد الحوا . . . دث والأمور ~~إلى عواقب إن لم تكن فوق الأك . . . ف يدي فكانت للمغالب أو لم تكن فوق ~~الذرى . . . قدمي فأعيتها المذاهب وله كلام كثير نظم ونثر . وله في وصف ~~الفرس ما يوفى على كل منظوم ، ولو أبقته الأيام لظهر منه فضل كبير . ودخل ~~بغداد فتكلف واحتفل ، وعقد مجالس مختلفة للفقهاء يوما ، وللأدباء يوما ، ~~وللمتكلمين يوما ، وللمتفلسفين يوما ، وفرق أموالا خطيرة ، وتفقد أبا سعيد ~~السيرافي ، وعلي بن عيسى الرماني وغيرهما ، وعرض عليهما المسير معه إلى ~~الري ، ووعدهم ومناهم ، وأظهر المباهاة بهم ، وكذلك خاطب أبا الحسن ~~الأنصاري ابن كعب ، وأبا سليمان السجستاني المنطقي ، وابن البقال الشاعر ، ~~وابن الأعوج النمري وغيرهم . ودخل شهر رمضان فاحتشد وبالغ ، ووصل ووهب ، ~~وجرت في هذه المجالس غرائب العلم وبدائع الحكمة ؛ وخاصة ما جرى للمتفلسفين ~~مع أبي الحسن العامري . PageV01P206 ولولا طول الرسالة لرسمت ذلك كله في ~~هذا المكان . فمن طريف ما جرى ، وفي سماعه فائدة واعتبار : ما أحكيه لك ها ~~هنا . انعقد المجلس في جمادى الآخرة سنة أربع وستين وثلاثمائة ، وغص بأهله ~~، فرأيت العامري ، وقد انتدب فسأل أبا سعيد السيرافي فقال : ما طبيعة الباء ~~من ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ؟ فعجب الناس من هذه المطالبة ، ونزل بأبي ~~سعيد ما كاد يشده به ، فأنطقه الله بالسحر الحلال . وذلك أنه قال : ما أحسن ~~ما أدبنا به بعض الموفقين من المتقدمين ! فإنه قال : وإذا خطبت على الرجال ~~فلا تكن . . . خطل الكلام تقوله مختالا واعلم بأن السكوت لبابة . . . ومن ~~التكلف ما يكون محالا والله يا شيخ لعينك أكبر من قرارك ، ولمرآك أوفى من ~~دخلتك ، ولمنشورك أبين من مطويك ؛ فما هذا الذي طوعت له نفسك ، وسدد عليه ~~رأيك ؛ إني أظن السلامة بالسكوت تعافك ، والغنيمة بالقول ترغب عنك . والله ~~المستعان . فقال ms148 ابن العميد ، وقد أعجب بما قال أبو سعيد : فتى كان يعلو ~~مفرق الحق قوله . . . إذا الخطباء الصيد عصك قيلها جهير وممتد العنان مناقل ~~. . . بصير بعورات الكلام خبيرها وقال : والقائل القول الرفيع الذي . . . ~~يمرع منه البلد الماحل ثم التفت إلى العامري وأنشد : وإن لسانا لم تعنه ~~لبابة . . . كحاطب ليل يجمع الرذل حاطبه PageV01P207 وذي خطل في القول يحسب ~~أنه . . . مصيب فما يلمم به فهو قائله * * * وفي الصمت ستر للعيي وإنما . . ~~. صحيفة لب المرء أن يتكلما * * * وفي الصمت شتر وهو أبهى بذي الحجا . . . ~~إذا لم يكن للنطق وجه ومذهب هاتوا حديثا آخر فقد يئسنا من هذا ، ثم أقبل ~~على ابن فارس معلمه ، فقال : يئسنا من كلام أصحابك في الفرضة والشط . فلما ~~خرجنا قلت لأبي سعيد السيرافي : أيها الشيخ ! رأيت ما كان من هذا الرجل ~~الخطير عندنا ، الكبير في أنفسنا ؟ فقال : ما دهيت قط بمثل ما دهيت به ~~اليوم ، ولقد جرت بيني وبين أبي بشر متي صاحب شرح كتب المنطق سنة ست وعشرين ~~وثلاثمائة في مجلس أبي الفتح الفضل بن جعفر الفرات ملحة كانت هذه أشوس ~~وأشرس منها . ولولا هربي من الإطالة ، وثقل النسخ ، وإدخالي حديثا في حديث ~~، لحكيت المناظرة التي أومى إليها هذا الشيخ الذي كان إمام زمانه وعالم ~~عصره ، لأنه حدثني بها بزوبرها ، وكانت في الفرق بين النحو والمنطق وريم ~~أحدهما على الآخر ، وإحصاء الفوائد لكل واحد منهما . وحضرت المجلس يوما آخر ~~مع أبي سعيد وقد غص بأعلام الدنيا ، وبنود الآفاق ، فجرى حديث أبي إسحاق ~~الصابي ، فقال ذو الكفايتين : ذاك رجل له في كل طراز نسج ، وفي كل فضاء رهج ~~، وفي كل فلاة ركب ، وفي كل غمامة سكب ؛ الكتابة تدعيه بأكثر مما يدعيها ، ~~والبلاغة تتحلى به بأكثر مما يتحلى هو بها . وما أحلى قوله : PageV01P208 ~~حمراء مصفرة الأحشاء باعثة . . . طيبا تخال به في البيت عطارا كأن في وسطها ~~تبرا يخلصه . . . قين يضرم في أوراقه النارا وقوله : ما زلت في سكري ألمع ~~كفها . . . وذراعها بالقرص والإثآر حتى تركت أديمها وكأنما . . . غرز ~~البنفسج في الجمار ms149 وبلغ المجلس أبا إسحاق فحضر وشكر ، وطوى ونشر ، وأورد ~~وأصدر ، وكان كاتب زمانه لسانا وقلما وشمائل ، وكان له مع ذلك يد طويلة في ~~العلم الرياضي . وسمعت أبا إسحاق يقول : هو ابن أبيه ، لله دره ! ثم أخذ في ~~تعظيم أبيه ، وقال : وكان من أماني الكبر لقاؤه ، وإني لكثير الإعجاب ~~بكلامه ، لأني أجد فيه من العقل أكثر مما أجد فيه من اللفظ ، وإني لأظن أن ~~عقل كل أحد كان ممزوجا وكان عقله قراحا . قال : ولقد قرأت له فصلا من كتاب ~~له إلى أبي غبد الله المكي العلوي نديم عضد الدولة يستحق أن يكتب بالذهب ، ~~وهو : ولأن تدعى من بعيد مرات خير من أن تقصى من قريب مرة ، وليكن كلامك ~~جوابا تتحرز فيه ، ولا تعجبن بتأتي كلمة محمودة فيلج بك الإطناب توقعا ~~لمثلها ؛ فربما عثرت بما يهدم ما بنته الأولى ، ثم لا تسلم من تمثل صاحبك ~~بقولهم : ' رب رمية من غير رام ' ، وبضاعتك من النثر قليلة مزجاة ، وبالعقل ~~يزم اللسان ويلزم السداد . فلا تستفزنك طربة الكريم على ما يفيتك عقلك . ~~والشفاعة لا تعرضن لها ، فإنها مخلقة للجاه ؛ وإن اضطررت إليها فلا تهجم ~~عليها حتى تعرف وقتها ، وتحصل وزنها ؛ فيتقدمك من يتكلم فيها ، فإن وجدت ~~النفس بالإجابة سمحة ، وإلى الإسعاف هشة ، فأظهر ما في نفسك غير محقق ولا ~~موهم أن في الرد عليك ما يوحشك ، وفي المنع ما يقبضك ؛ وليكن انطلاق وجهك ~~إذا دفعت عن حاجتك أكثر منه عند نجاحها على يدك ، ليخف كلامك ولا يثقل على ~~مستمعه منك . PageV01P209 أنا أقول ما أقول غير واعظ ولا مرشد ؛ فقد كمل ~~الله خصالك ، وحسن خلالك إذ فضلك في كل حالك ، ولكني أنبه تنبيه المشارك . ~~واعلم أن للذكرى موقعا ونفعا . قلت له : وقد استحسنت له حسنا ، وله أبلغ ~~منه . فقال : كذاك هو . قلت : فإنه مع هذا قد أخطأ في العربية في موضع ، ~~فدللته عليه . فقال : لله أبوك . ولم أذكر الموضع - أيدك الله بالعلم - ~~لتكون أنت قارئه ، أعني أنك تقرأ حرفا حرفا حتى تصيبه ، فليس الخطأ ~~المستدرك بالتتبع ms150 كالمعثور عليه بالهجوم . وكان ابن عباد يروي لأبي الفضل ~~في رقعة إليه حين استكتبه لبويه ، وهو : وبسم الله الرحمن الرحيم . مولاي ~~وإن كان سيدا بهرتنا نفاسته ، وابن صاحب تقدمت علينا رياسته ، فإنه يعدني ~~سندا ووالدا كما أعده ولدا وواحدا ، ومن حق هذا أن يعضد رأيي رأيه حتى ~~يزداد إحكاما وانتظاما ، ويتظاهر قوة وإبراما . وحضرت اليوم المجلس المعمور ~~، فكان من مولانا كلام كثير ، وخطاب طويل ، فقلت إنه لم يزد على الإباء ~~والاستعفاء ، بعد التقصي والاستيفاء ، فأومأ إلى إجبار كالمسألة ، وإكراه ~~كالطلبة . وأقول بعد أن أقدم مقدمة : إن مولاي - وإن كان يستغني عن هذا ~~العمل بتصونه وتقلله وعزوف نفسه عن التكثر بالمال وتحصيله - فإن الأمر ~~مفتقر إلى كفالته ، ومحتاج إلى كفايته ؛ وما أقول ما أقوله وغرضي إنشاء ~~كتاب أو عقد حساب ، أو تفريق مال وجمع ، أو تقديم عطاء أو منع ، لأن ذلك ~~وإن كان مقصودا ، وفي آلات الوزارة معدودا ، فإن في كتابه من يفي به ~~ويستوفيه ، ويوفي عليه بأيسر مساعيه ، لكن مولانا يريده لتهذيب من هو ولي ~~عهده ، ومن يرجوه ليومه وغده ، ولا بد - وإن كان السنخ قويما ، والمحتد ~~كريما ، والفضل عميما ، والمجد صميما ، ومركب العقل سليما - من مناب من ~~يعرف ما PageV01P210 السياسة ، وكيف الرياسة ، وكيف تدبير العامة والخاصة ، ~~ومن أين تجتلب الأصالة والإصابة ، وبماذا تعقد المهابة ، وكيف ترتب المراتب ~~وتعالج الخطب ، وكيف ترد الخطوب إذا ضاقت المذاهب ، وتعصى الشهوة لتحرس ~~الحشمة ، وتهجر اللذة لتحصن الإمرة . ولا غنى عمن يقوم في وجه صاحبه فيراده ~~إذا بدر منه الرأي المنقلب ، ويراجعه إذا جمح به اللجاج المرتكب ، ويعارضه ~~إذا ألح عليه الغضب الملتهب ؛ فما السبب في أن هلكت ممالك جمة ، وبلدان عدة ~~، إلا بأن خضعت أقدار الوزارة وانقبضت أطراف الإمارة ؛ وليس يفسد ما في ~~الأرض ومن عليها - على ما أرى - إلا بالرجوع في مثل هذا إلى الأذناب . فلا ~~يبخلن مولاي بنفسه على هذه الدولة ، فمنها الأمين من قبله ، فإن كان مسموعا ~~كلامي ، وموثوقا به اهتمامي فلا يقعن انقباض عني ، ولا إعراض عما سبق مني ms151 . ~~ومولاي محكم بعد الإجابة إلى العمل فيما يشترطه ، وغير مراجع فيما تقترحه ، ~~وهذا خطي به ، وهو على ولي النعمة حجة لا تبقى معها شبهة . وسأتبع هذه ~~المخاطبة بالمشافهة إما بحضوري لديه ، أو بتجشمه إلى هذا العليل الذي قد ~~ألح النقرس عليه والسلام . وكان ابن عباد يحفظ هذه النسخة ويرويها ويفتخر ~~بها . وقال لي أصحابنا بالري ، منهم أبو غالب الكاتب الأعرج : إن هذه ~~المخاطبة من كلام ابن عباد افتعلها عن ابن العميد إلى نفسه تشيعا بها ، ~~ونفاقا بذكرها . وحدثني اين خارجة قال : كان حمد بن محمد أبو الفرج الكاتب ~~مكينا عند ركن الدولة ، وكان أبو الفضل لا يوفيه حقه ، ولا يحسب له تلك ~~المكانة ، فعاتبه حمد مرارا مصرحا وكانيا ، ثم كتب إليه رقعة طواها على ~~أبيات ، وهي : مالك موفور فما باله . . . أكسبك التيه على المعدم ولم إذا ~~جئت نهضنا وإن . . . جئنا تطاولت ولم تتمم وإن خرجنا لم تقل مثلما . . . ~~نقول ' قدم طرفه قدم ' إن كنت ذا علم فمن ذا الذي . . . مثل الذي تعلم لم ~~يعلم PageV01P211 أو كنت في الغارب من دولة . . . فلست من دونك في المنسم ~~وقد ولينا وعزلنا كما . . . أنت فلم نصغر ولم نعظم تكافأت أحوالنا كلها . . ~~. فصل على الإنصاف أو فاصرم قلت لابن خارجة : أ ترى هذه الأبيات لحمد ؟ قال ~~: نعم . قلت : أ فعاد له إلى محبوبه ؟ قال : كان حرونا ، إذا أبى لا تأتى ~~له ، وإذا جمع لا حيلة فيه . ' أكسب ' في البيت الأول مردود ، غير أن ابن ~~الأعرابي أجازه . تصفح أيدك الله هذه الفقر ، واعرف تعبي بها وإفادتي منها ~~واشتفائي بذكرها والسلام . فأما أبو محمد بن أبي الثياب ، وهو عبد الرزاق ~~بن الحسين البغدادي ، فإنه كان ذا فضل واسع ، وشعر بارع ، وعلم بكل شيء ؛ ~~كالمنطق وغريب اللغة . وله رسالة من خراسان ، لما استقرت به الدار ببخارا ، ~~كتبها إلى أبي الفضل ، ولا بأس بسردها ها هنا لتعلم أن الحر إذا ذاق الهوان ~~ممن يستحق الكرامة عليه ، شق جيبه مستعتبا ، وأدرك طائلته مكافحا ومنيبا . ~~كتب : بسم الله الرحمن الرحيم . أيها ms152 الرجل الذي اختار لنفسه الوصف ~~بالرياسة ، فطالب الصغار والكبار بها في المكاتبة والمخاطبة ! ما يسرني حسن ~~ما أنت عليه ، ولا يعجبني ظاهر ما تدعيه بباطن ما تنقضه به . ألزم فناءك ~~هذه السنين على مقاساة كبرك وتجعد بنانك ، وقلة النائل منك ؛ مع تسيير فنون ~~القريض فيك ، ونثر أصناف البديع عليك ، ومع التضاؤل لك ، وإراقة ماء الوجه ~~بين يديك ، والصبر على مللك وصلفك ، ومع فتحي عليك أبواب المنطق ، وهدايتي ~~إياك إلى ضروب ما اقتبسته من أهل المغرب والمشرق ؛ ثم يكون آخر أمرك في ~~نظرك لي PageV01P212 وإحسانك إلي أن تقرنني بغلام غر جاهل ، ونكد عارم ، ~~يزيد عليك في البخل ، وينقص عنك في الحلم ، وتكلفني لصبر معه ، والرضا ~~بالخسف منه ؟ ومن ذا علم أن رزق الله منتاب مرتاب وعاد ، والمن فيه من سائق ~~وحاد ، غمس نفسه في حياض الذل ، وفارق حسن التوكل على الله الذي بيده ملكوت ~~كل شيء ؟ ولله ما اتخذت الليل جملا هاربا من صقعك ، زاهدا في ضرك ونفعك ، ~~إلا لقولك في انتشالك لأصحابك : ' أبن أبي الثياب لازق ببابنا لزوق اللحم ~~بالعظم ، وجار معنا جري الدم في اللحم ؛ ولو طردناه ما برح ، ولو فاز ~~بغيرنا ما فرح ؛ وأين يجد جنابا أمرع من جنابنا ، وفناء أخصب من فنائنا ؟ ~~أغركم أنه يتلوى علينا وينحني لدينا ؟ ذاك كله ريح ، وهو يلبث في اللوح ، ~~إن يوجه إلى خراسان فما بها من ينقع ظمأته ، وإن عاد إلى بغداد ، فهي التي ~~عرفها وعرفته ، وإن تطاول إلى الشام ومصر ، فما بها من يجتلي غرته أو يقبس ~~حكمته ، أو يصبر على جشعه الفاضح وسؤاله الملح ' . فها أنا قد شخصت إلى ~~المشرق ، وحظيت عند ملكه ، ووليت البريد له ، وغلبت على مجلسه بالمؤانسة ، ~~وحولي الغاشية والضفف ، بعد ما كنت أعانيه عندك من الشظف والجعف ؛ وما كان ~~كلامك ذاك لي إلا إغراء لي بطلب السعادة العاجلة ونيلها في سهولة ، مع ~~التخلص من الغيظ الذي كنت أجرعه عندك صباح مساء ، والكذب الذي كنت أنمقه ~~فيك في الجد والهزل ، والخساسة التي كنت أسترها عليه في ms153 الصحو السكر ، ~~والتلون الذي كنت أحتمله منك في الغضب والرضا . هذا والمنالة منك دون ما ~~يمسك الرمق ، والمبذول عليها فوق مل يجب لك بالحق ؛ ولولا أني - مع ما أرد ~~ملته من العتب عليك - أرجع إلى حفاظ لا تعرف منه إلا الاسم ، لكان لي في ~~جلدك حز ونهس ، وعلى عرضك جمز ورقص . PageV01P213 وما الذي يرجى منك أكثر ~~مما كان ، وولادتك مشهورة ومنشؤك ظاهر ، ومبادئ حالك في ارتفاعك محصلة ، ~~والألسنة بحقائقها دائرة ، والأسماع إلى عجائبها صاغية ، والقلوب في ~~فضائحها متعجبة . ولك في براءة والدك منك كاف ، وفي حديث والدتك ما هو غير ~~خاف ؛ ومما يدل على طلبي البقيا أني اقتصرت في مكاتبتك على لفظ منثور ، ولو ~~نظمت ذلك لكان نقيعك منه يجرعك مضض الندم على تقصيرك معي ومع نظرائي فيما ~~تقدم . فاذكر هذه اليد لي عندك في عرض ما تقرؤه من هذه الرقعة إليك ، وقد ~~شفيت بها فؤادا كان يتلظى أسفا على خدمة ضاعت عندك ، وحرمة بارت لديك ؛ ~~ولعلي قد أطرتك على كثير ممن يلزم فناءك طامعا في خيرك ، أو يشقى بمعرفتك ~~ظانا لدرك المطلوب منك ، ثم ينقلب عنك بقلب أوقد من قلبي عليك ، ولسان أذرب ~~من لساني في عرضك . عليك سلام لا تواصل بعده . . . فلا القلب محزون ولا ~~الدمع سافح والله لا حاق الشر إلا بأهله ، ولا لصق العار إلا بكاسبه ، ولا ~~قيل في الخسيس النذل إى دون ما يستحق ، ' ذق عقق ' فقد فاتك من سبق . ~~أفادني هذه الرسالة أبو جعفر الخطيب النيسابوري ، وقال لي : أنا أوصلت ~~الكتاب إلى أبي الفضل مختوما بعد ما نسخته ، قال : وعدت إليه أطالبه ~~بالجواب ، فقال لي : قد كتبت الجواب قبلك ، وكان ذلك تحاجزا منه ، لأنه كان ~~قد انشوى بها حين قرها . ولقد أنشدني ابن أبي الثياب قصيدة في أبي الفضل ، ~~وأنا أرويها ها هنا لتعلم أنه كان مظلوما فيها وفي أخواتها ، ولتقف على ~~طريقته الحلوة ، ومعانيه السهلة ، ولفظه الخلوب ؛ وقال لنا : كانت جائزتي ~~عليها ، بعد نظائر تقدمتها ، جائزة لا أستجيز ذكرها ، لأنها إن كانت تضع ms154 من ~~صاحبها إنها لتضع مني أيضا . القصيدة PageV01P214 : برح اشتياق وادكار . . ~~. ولهيب أنفاس حرار ومدامع عبراتها . . . ترفض عن نوم مطار لله قلبي ما يجن ~~من الهموم وما يواري لقد انقضى سكر الشبا . . . ب وما انقضى وصب الخمار ~~وكبرت عن وصل الصغا . . . ر وما سلوت عن الصغار سقيا لتغليسي إلى . . . باب ~~الرصافة وابتكاري أيام أخطر في الصبا . . . نشوان مسحوب الإزار حجي إلى حجر ~~الصرا . . . ة وفي حدائقها اعتماري ومواطن اللذات أو . . . طاني ودار الروم ~~داري كم رضت فيها من نفا . . . ر محرم حلو النفار ورعيت من قطربل . . . روض ~~الشقائق والبهار ورفعتها مسكية . . . في ريطتي خز وقار يعطي النديم بزالها ~~. . . ما شئت من نور ونار كيف اعتدال معذل . . . صحب الغواة بلا عذار يستن ~~في طرق الصبا . . . ويعيث في سبل الخسار فيصيد غزلان الكنا . . . س ويدري ~~بقر الصؤار من كل عطشان الوشا . . . ح مميل شرق السوار بيض غريرات طبع . . ~~. ن من الدلال على غرار وعقائل تضفو وحا . . . ف شعورهن على المداري هيف ~~يصلن من الروا . . . دف بالزنانير القصار وتعلقي من طاعة الأس . . . تاذ ~~بالحبل المغار PageV01P215 لقد اختلست منى النفو . . . س من ابيضاض واحمرار ~~ولحظت ما فتر اللوا . . . حظ من فتور واحورار يوم استقلوا والدمو . . . ع ~~تجود روض الجلنار لهفي على صبح الجبا . . . ه يشي به ليل الطرار وتواضع ~~الخد الأسي . . . ل لعطفة الصدغ المدار خذ في هزارك يا غلا . . . م فقد ~~غنيت عن الهزار حسبي بألحان قمر . . . ت بهن تغريد القماري لم يبق لي عيش ~~يلذ سوى معاقرة العقار * * * وإذا استهل ابن العمي . . . د تضاءلت ديم ~~القطار خرق صفت أخلاقه . . . صفو السبيك من النضار فكأنما رفدت موا . . . ~~هبه بأمواج البحار وكأن نشر حديثه . . . نشر الخزامى والعرار وكأننا مما ~~تفرق . . . راحتاه في نثار متثبت يغنى بمح . . . مود الأناة عن البدار كلف ~~بطي السر تح . . . سب صدره ليل السرار يأوي إلى حلم يعا . . . ذ به ورأي ~~مستشار ومرجب يلقى الحوا . . . دث باحتمال واصطبار يربا به عز الفخا . . . ~~ر عن التعرض للفخار وتصون مسمعه المها . . . بة عن ms155 مماراة المماري ويغول ~~أيسر سعيه . . . جهل المنافس والمباري كم يستر الباغي علا . . . ه وما لهن ~~من استتار هيهات لا يخفى على لحظ العيون سنا النهار قل للمخيب وشمكي . . . ~~ر هدمت مجد بني زيار PageV01P216 خربت دور محمد . . . فأبى جوارك للديار ~~وقريتها نارا فخص . . . صميم قلبك بالأوار جلب الجياد إلى قرا . . . رك ~~فاجتثثت من القرار زج النسور من الصفا . . . شعث المسوك من الخبار تردي ~~كغزلان الفلا . . . ة بمثل جنان القفار ككواسر العقبان طر . . . ن إليك ~~بالأسد الضواري لما طلعن علمت أنك . . . من جموعك في اغترار وفللت من ذات ~~اليمي . . . ن لشدة ذات اليسار بالخيل صان صدورها . . . في التبتي من ~~الصدار ومغاور يغزيهم . . . من لا يمل من الغوار ليث يثور فيستثي . . . ر ~~قساطل النقع المثار فكأنما هبواتها . . . حرق من العيون هار في وقعة قسمت ~~كما . . . تك للمنية والإسار وفررت فيمن لا يعد لمثلها غير الفرار متسربلا ~~من لؤم فع . . . لك خطتي خزي وعار هذي النكاية لا النكا . . . ية في البنية ~~والجدار إن الكبار من الأمو . . . ر تنال بالهمم الكبار * * * وإلى أبي ~~الفضل ابتعث . . . ت هواجس الهمم السواري ولقد تخيرت الرجا . . . ل فما ~~دفعت عن الخيار حتى سكنت ظلاله . . . بعد ابتلاء واختبار * * * يغدو على حر ~~البلا . . . د غدو مطلوب بثار فتذيله فتكاته . . . وتذيقه طعم الصغار * * * ~~فتراه في العسر المضر . . . يجود جود أولي اليسار PageV01P217 متهللا ~~للزائري . . . ن مرحبا بالمستزار إني اعتصمت بيمنه . . . فوقيت أسباب ~~العثار يا من له طيب الأرو . . . م ومن له طيب النجار يا من له نور البدو . ~~. . ر ومن له شرف الدراري يا من به مر ض الحبا . . . ء ومن به حصر الوقار ~~يا من لديه حيا العفا . . . ة ومن لديه حمى الذمار أنت الذي وهب الجرا . . ~~. ئر عن علو واقتدار أنت الذي ضمن الوفا . . . ء لجاره كرم الجوار أنت الذي ~~حاز الخطا . . . ر مضاؤه يوم الخطار فحويت مضمار العلا . . . وجريت فيه بلا ~~مجار يفديك من ظن المكا . . . رم في اقتصاد واقتصار فعداه عن طلق الجيا . . ~~. د سقوطه دون العثار خذها ثمار ms156 علاك لا . . . عريت علاك من الثمار عذراء ~~يخجل حسنها . . . ما في خلع العذار وحدثني جريج المقل الشاعر قال : لما قال ~~أبو محمد : يغدو على حر البلا . . . د غدو مطلوب بثار قلت له : ما أكذبك ~~لحاك الله ! فقال : الذي يقبل هذا في نفسه أكذب مني . وقال جريج المقل : قد ~~جبت الآفاق ، وسبرت أصناف الخلق في الأخلاق ، فما رأيت أخس من هذا الرجل ، ~~يعني أبا الفضل . وحدثني أبو غالب الكاتب الأصبهاني قال : كان أبو الفضل ~~يحاجي بكلام له من رآه ، وهو : ' سألت عمن شفني وجدي به ، وشفعني حبي له ، ~~وزعمت أني لو شئت لذهلت عقله ، ولو أردت لاعتضت منه ، ' زعما ، لعمر أبيك ، ~~ليس بمزعم ' PageV01P218 كيف أسلو عنه وأنا أراه ، أو أنساه وهو لي تجاه ؟ ~~هيهات ! هو أغلب علي وأقرب إلي من أن يرخى له عذاري ، أو يخليني واختياري ، ~~بعد اختلاطي بملكه ، وانخراطي في سلكه ؛ وبعد أن ناط حبه قلبي نائط ، وساطه ~~بدمي سائط ؛ فهو جار مني مجرى الروح في الأعضاء ، ومتنسم معي روح الهواء ، ~~إن ذهبت عنه رجعت إليه ، وإن هربت منه وقفت عليه ، ما أحب السلو عنه مع ~~هناته ، وما أوثر الخلو منه على علاته ؛ هذا على أنه إن أقبل لم يهنئني ~~إقباله ، وإن أعرض لم يطرقني خياله ، يبعد علي مناله ، ويقرب من غيري نواله ~~، ويرد عيني خاسية ، ويثني يدي خالية ، وقد بسط مسافات النفس المتقاربة ، ~~وصدق مرامي الظنون الكاذبة ، وصله ينذر بضده ، وقربه يؤذن ببعده ، يدنو عدل ~~ما يبرح ، ويأسو مثل ما يجرح ؛ فحاله أحوال ، وخلته خلال ، وحربه سجال . ~~الحسن من عوائده ، والجمال من منائحه ، والبهاء من فصوله وصفاته ، والسناء ~~من نعوته وسماته ؛ اسمه طبق لمعناه ، وفحواه وفق لنجواه ، ولا يتشابه حالاه ~~، ويتضارع قطراه ، من حيث تلقاه يستنير ، ومن حيث تغشاه يستطير ؛ كالبدر ~~بين سعوده قد وسطها وحفت به يقدمه النسران ، ويتلوه نطاق الجوزاء ، وهكذا ؛ ~~ولو قلت إن الواسطة الغميصاء لها هاد وتابع ، إن فرقتهما اتفقا ، وإن ~~ألفتهما تفرقا ، يقبل بشوك السيال ، ويدبر بسفى البهمى ، ويعترض بسود قصار ~~سواسية كأسنان ms157 الحمار - لصدقت . فأبن لي ما قلته ، فهو تعريض كالتصريح ، ~~وتمريض كالتصحيح ، والسلام . وحدثني أبو غالب الكاتب قال : كتب أبو الفضل ~~إلى أبي دلف الخزرجي في أوائل علته التي نهكته وحالفته ، يثعاتبه ويعابثه ~~فقال : ' الآن علمت ، أيها الشيخ ، أنك لي مكايد ، وإلى جميع ما أنهاك عنه ~~مخالف ، وعلى ديدنك المعروف ثابت ، وبفضلة لسانك مسحور ، وبشائع حلمي عنك ~~مغرور ، وليت ثقتك بذلك لا تخونك ، وتطولي عليك لا يتطاول بك ، واغترارك ~~بغيري لا يزلك ، وليتك ، إذ قد ضللت سواء السبيل في حظك ، شاورتني فكنت لا ~~أبخل عليك بالهداية . PageV01P219 يا هذا ! شكوت إليك أوائل هذه العلة التي ~~قد تخونتني ونهكتني وكان التلافي سهلا ، وباب العافية مفتوحا ، فوعدت ~~بالقيام عليها وبذل النصيحة في تدبيرها ، وكنت لشكري على ذلك حائزا ، ~~وبمقترحك مني فائزا ، فتقاعست عني بلا عذر ، ووقفتني بين وصل وهجر ، فلم ~~أدر كيف أخاطبك ، وعلى ماذا أعاتبك ؛ لأني يئست من نجوع العتاب فيك ، ومن ~~إحاكة الخطاب في قلبك ؛ ولأنك مشهور بقحة ، ومذكور بسلاطة ، ومعتاد للبهت ، ~~وجار على الكذب . وأول ذلك أنك تدعي بنوة محمد بن زكريا من ناحية ابنته ، ~~وقد شاهدت محمدا وما خلف بنتا ، ولا ولدت بنت لم تكن له ابنا ، ولو كانت له ~~بنت وولدت ابنا لم يكن أنت ، ذاك للغوائل المجموعة فيك ، والعيوب المتناثرة ~~عليك . ولك تكن العلة التي رجعت إليك في تدبيرها صرعا ولا صداعا ، ولا ~~جنونا ولا جذاما ، ولا صمما ، ولا بكما ، ولا فالجا ، ولا لقوة ، ولا سكتة ~~، ولا زمانة ، ولا شللا ، ولا أدرة ، ولا علة لا يقوم ببرئها إلا المسيح ~~الذي هو كلمة الله التي ألقاها إلى مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها ؛ ولم ~~تحتج في مداواتي إلى الرقى والتمائم ، ولا إلى النفق في الأرض ، أو إلى ~~الطيران في السكاك ، ولا إلى يد بيضاء كيد موسى ابن عمران ، ولا عصا موسى ، ~~ولا إلى قميص يوسف ، ولا إلى عرش بلقيس ، ولا إلى لوح من سفينة نوح ، ولا ~~إلى فلذة من كبش إبراهيم الذي فدى الله به ابنه إسحق ، كما قال ms158 الله تعالى ~~: ( وفديناه بذبح عظيم ) ، ولا إلى الصدفة التي فيها الدرة اليتيمة ، ولا ~~إلى شطبة من سنام ناقة صالح ، ولا إلى زبرة من زبر الحديد PageV01P220 الذي ~~جعل ردما ليأجوج ومأجوج ، ولا إلى عس من لبن بقرة بني إسرائيل التي ذبحوها ~~وما كادوا يفعلون ، ولا إلى أدمغة الطير الآبابيل التي رمت بحجارة من سجيل ~~، ولا تربة من ( إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ) ، ولا إلى ~~قطعة من السحاب المسخر بين السماء والأرض ، ولا إلى لمعة من البرق الذي ~~يخطف الأبصار ، ولا إلى مثقال من صوت الرعد الذي يسبح بحمده تعالى ، ولا ~~إلى ذرة من الشمس التي جعلت ضياء للعالمين ، ولا إلى قبضة من القمر الذي ~~جعل نورا لأهل الخافقين ، ولا إلى صبغ من الأصباغ التي تظهر في قوس قزح غب ~~الأنداء المتصلة ، ولا إلى مثقال من السراب الذي يحسبه الظمآن ماء ، ولا ~~إلى شيء من شحم الذئب الذي لم يأكل يوسف ، ولا إلى ناب الكلب الذي كان ~~باسطا ذراعيه بالوصيد الذي لو اطلعت عليه لوليت منه فرارا ولملئت منه رعبا ~~، ولا إلى الكبريت الأحمر ، ولا إلى المومياي الأبيض الذي لا يوجد ، ولا ~~إلى حيلة بلنياس ولا إلى قطرات من ماء الحيوان تعجن به هذه الأدوية ، ولا ~~إلى منخل تنخل به ، ولا إلى ذنب شعر حمار عزير الذي أماته الله مائة عام ثم ~~بعثه ، فتنخل به العقاقير ، ولا إلى مرارة العنقاء المغرب التي لم تر قط ، ~~ولا إلى مخ البعوض ، ولا إلى بيض الأنوق ، ولم تحتج في تدبير علتي وجميع ~~أدويتي إلى PageV01P221 نهار لا ليل بعده ، ولا إلى ليل لا نهار بعده ، ولا ~~إلى نهار مولج في ليل ، ولا إلى ليل مولج في نهار ، ولا إلى زمان يخرج من ~~أن يكون ربيعا أو صيفا أو شتاء أو خريفا . ولو ظننت أن هذه كلها أو بعضها ~~تلزمك أو تدخل في تكلفك لآثرت الموت على العافية ؛ فإن في الموت خلاصا منك ~~، ومفارقة لمثلك ، ووالله ما أندب إلا حسن ظني بك ، ومباهاتي ms159 أهل مجلسي ~~بفضلك ، وقولي : أبو دلف وما أدراك ما أبو دلف ! لا تنظروا إلى هزله ، فإن ~~وراء ذلك جدا ، وإن أردتم حقيقة ما أقول فافزعوا إليه في حوائجكم ؛ فإنكم ~~تجدونه في قضائها قبل إنهائها ؛ وهو المرء الذي قد جمع الله له بين المنظر ~~والمخبر ، وبين الدعوى والبينة ، وبين القول والحجة ، وبين الضمان والوفاء ~~، وبين الصداقة والشفقة . فما زلت أقول هذا أو شبهه ، وأصحابي يشيعون قولي ~~بمثله في الظاهر ، ويخالفونني بعلمهم في الباطن حتى كان الفلج لهم ساعة هذه ~~؛ لأني احتجت إلى علمك فخنت عهدي ، وأقبلت عليك فأعرضت عني ، ووهبت لك كلي ~~فبخلت ببعضك علي ؛ ' فيارب مظنون به الخير يخلف ' ولقد استفدت بمعرفتك تجنب ~~مثلك ؛ ويقال : لم يهلك من مالك من وعظك ، ومن أطلعك على خبيئه من خيره ~~وشره ، فقد أراحك من طويل الفكر فيه ، وكفاك خطر التجربة له والسلام ' . ~~قلت لأبي دلف : ما أجبته عن هذا الكلام ؟ قال : عملت في المسودة شيئا ، ثم ~~لم أجسر على إظهاره ، وخفت صولته ونكايته وشره وغائلته ؛ ومما قد حدث في ~~رؤساء زمانك أنهم يحقدون على الأتباع ، ولا يعرفون حقهم في الخدمة والطاعة ~~. وكنا يوما عند ذي الكفايتين بمدينة السلام ، فجرى حديث بغداد ، فقال ذو ~~الكفايتين : لما رجع ابن عباد من بغداد ، قال له الأستاذ الرئيس - نضر الله ~~وجهه - : كيف رأيت بغداد ؟ قال : رأيت بغداد في البلاد ، كالأستاذ في ~~العباد . PageV01P222 وحكى أيضا في هذا اليوم عن أبيه قال : لما انصرف أهل ~~خراسان سنة خمس وخمسين وثلاثمائة أمام الغزاة من الري ، بعد الحادثة التي ~~جرت ودفع الله حدها ، وأعاد نضارتها ، أخذ الرئيس يبني حول دار ركن الدولة ~~حائطا عظيما . فقال له علي بن القاسم العارض : هذا كما يقال : الشد بعد ~~الضرط . فقال : هذا أيضا جيد لئلا تنفلت أخرى . ورأيت أبا الفتح ذا ~~الكفايتين يسأل أبا الحسن العامري : لم طلبت النفس الفرق بين المتشابهين ؟ ~~فقال العامري : لأنها في جوهرها ، وما هو لائق بها تأبى الكثرة وتنفر منها ~~، وهي تحن إلى الوحدة بسوسها ، وتنزع نحوها وتتقبل كل ما ms160 أعانها على ذلك ، ~~ويذلل الطريق لها ؛ والفرق يوضح سبيل الوحدة . وكلما كان الاشتباه أشد كان ~~الفرق ألطف . وكلما كان الفرق ألطف كانت أشد بحثا عنه وألهج بطلبه لأن ~~ظفرها به يكون أعز ، ونيلها مطلوبها يكون أحلى . وقال أبو الفتح يوما آخر ~~لابن فارس المعلم : لم قال الجاحظ : ' فإن الكلام قد يكون في لفظ الجد ~~ومعناه الهزل ، كما يكون في لفظ الهزل ومعناه الجد ' ؟ فلم يقل شيئا . فقال ~~أبو الفتح : قد صدق أبو عثمان ، هذه خاصة مذاهب العرب ، ولكن لم عرض هذا في ~~أخبارها ، وأدنى ما فيه أن يدل على وضع الشيء في غير موضعه ؟ فلم يحره شيئا ~~. فقال هو : إن إفراز الجد من الهزل ، وتمييز الهزل من الجد حتى لا يؤتى ~~بهذا في هذا ، ولا بهذا في هذا لنوع من الخطر على المتكلم البليغ والقائل ~~البين ، ولو جرى على ذلك كان الاقتدار يبطل الحد الملزوم ، والسعة تضيق ~~الغاية المبلوغة . ولما كان البيان لا يكون بيانا ، والبلاغة لا تصير بلاغة ~~إلا بأن يكون المتكلم آخذا PageV01P223 في كل واد ، قادحا بكل زناد ، ~~مستظهرا بكل عتاد ، وجب أن يدخل الهزل في الجد إمتاعا واستمتاعا ، ويدخل ~~الجد في الهزل اقتدارا واتساعا . قال ابن فارس : وأي خصوصية تكون في هذا ، ~~ونحن بالفارسية نرى هذا المذهب ، ولعل سائر اللغات على ذلك ؟ فقال : القول ~~كما قلت ، ولكن أين مزية كلام العرب على جميع ما لأصناف العجم ؟ ثم قال : ~~إن الغرض الأول في الكلام الإفادة ، وجل الأمم على هذا . والثاني تحسين ~~الإفادة ، ثم التحسين تارة يكون بمعاني التوكيد ، وتارة يكون بمعاني الحذف ~~، وتارة يكون بوزن اللفظ ، وبتعديل الوزن ، وبتسهيل المطالع ، وبتيديل ~~المقاطع ؛ وهذه الأنواع غيرها مما يطول إحصاؤه ؛ وهو للعرب خاصة ، ولباقي ~~الأمم عامة . ثم قال : وقد اشتمل القرآن على هذا كله ، وعلى ضروب أخر لم تن ~~في عادة القوم فاشية ولا كثيرة ، ولكن كالشيء البديع ، ألا ترى أنك لا تجد ~~شوافع هذه المعاني التي في الكتاب غريبة في منثور كلامهم ولا في نظومهم ؟ ~~وأنت تعلم أنهم كانوا ms161 لا يسكتون ، وكان ولوعهم بالكلام أشد من ولوعهم بكل ~~شيء ، وكل ولوع كان لهم بعد الكلام فإنما كان بالكلام . فهل تجد معنى قوله ~~تعالى في الإنابة عن التوحيد : ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ، ~~إذا لذهب كل إله بما خلق ، ولعلا بعضهم على بعض ) في شيء من كلام . وكذلك ~~أيضا لا تجد ما يشبه قوله عز وجل : ( لو كان معه آلهة كما تقولون إذا ~~لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) . وكذاك أيضا لا تجد ما يقارب قوله : ( لو ~~كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) . PageV01P224 وكذلك لا تجد ما يداني ~~قوله : ( وما ننزله إلا بقدر معلوم ) ، أو قوله : ( وأنزلنا من السماء ماء ~~بقدر ) . ثم تدبر قوله : ( إنا صببنا الماء صبا ) ، وقال : ( ثم شققنا ~~الأرض شقا ) ، وقال : ( فسالت أودية بقدرها ) ، وقال : ( إن في خلق السموات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ) ~~، وقال : ( وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون ) ، وقال : ( وضرب ~~لنا مثلا ونسي خلقه ، قال : من يحيي العظام وهي رميم ، قل : يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) ، وقال : ( الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ) ، وقال : ( يأيها الناس إن كنتم في ريب ~~من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة ~~وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ~~، ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم ~~من بعد علم شيئا ، وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ~~وأنبتت من كل زوج بهيج ) ، وقال : ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا ~~أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ) . وقال : ( إن الذي أحياها لمحيي الموتى ~~إنه على كل شيء قدير ) . ثم قال : وهذا سبك بديع ، وأسلوب معجز ؛ ولو كانت ~~العرب نغمت بهذه المعاني بعبارات دون عباراتها ، أو حلمت بهذه العبارات ~~بمعان دون معانيها ، لكنا ms162 نقف PageV01P225 ونترجح ، ونرتاب ونضطرب ، فأما ~~وشيء لا يصاب لهم ، لا على وجه التشبيه ولا على التحقيق فماذا يبقى ؟ ثم هب ~~أنهم كانوا مصروفين عنها في الأول وهم لا يأبهون لها ، هلا تصرفوا فيها في ~~الثاني وقد تحدوا بها ؟ إن هذا لواضح . وكان مع شبابه وكثرة أشغاله مليئا ~~بهذا الفن ، ولقن أكثره من معلمه ابن فارس ؛ فإنه قد ذلل هذا وأشباهه له ، ~~وكان ينتصب للناس في جامع الري ، ويفسر القرآن ، ويتكلم على وجوهه ونظائره ~~وتأويلاته ، وزاد هو أيضا أعني أبا الفتح بقوته كشفا لغامضها ، وإبانة لما ~~خفي منها ؛ وكان على كل حال أمثل طريقة من والده أبي الفضل الذي سمع ينشد ~~هازئا : ومدع يدعي بالسيف حجته . . . ما حجة السيف إلا حجة البطل وينشد : ~~لعن الله ذا العصا فلقد كا . . . نت لقفل الناموس كالمفتاح وهذا كله دليل ~~على سوء الضمير ، وخبث العقيدة ، وشدة المجاهرة . قال أبو الفتح يوما لأبي ~~سليمان : قال أبو عثمان في رسالته في ' التربيع والتدوير ' إلى ابن عبد ~~الوهاب : ' لم صرنا تنذكر الشيء المهم فلا نقدر عليه حتى ندعه يأسا منه ~~أجمع ما نكون نفسا وأحسن ما نكون تدبرا ، ثم يعارضنا ويخطر على بالنا في ~~حال شغل أو حال نوم ، وأسهى ما نكون عنه وأقل ما نكون احتفالا به ' . وأنا ~~أحب أن أسمع من الشيخ فيه قولا . فقال أبو سليمان : ليست النفس على قدرة ~~إرادة الإنسان منها ، بل الإنسان على قدر مراد النفس ؛ لأن النفس هي مالكته ~~ومدبرته ومقومته ومتممته ومحركته ؛ فلو كان الإنسان إذا أراد إذكارها ~~أذكرها ، وإذا أراد إنساءها أنساها ، كانت النفس تحت ملكة الإنسان وجارية ~~على إرادته ، ومتصرفة بتصريفه وإرادته ، إنما هي منها ويقوم هو بها ، وكما ~~له من جهتها ، وتمامه من معونتها . PageV01P226 فلهذه الحال قد يتذكر الشيء ~~فلا يجد من النفس إجابة له في ذكر ذلك الشيء ، وقد يسهو عن ذلك الشيء فيلقى ~~عليه أغفل ما يكون عنه لأنه موجود عندها عتيد قبلها ، وإنما يكون هذا منها ~~في الفينة بعد الفينة ؛ ولو لم يتذكر الإنسان ms163 شيئا جملة ، لكانت النفس ~~الناطقة مغمورة ، ولو تذكر كلما شاء لكان قد صفا كل الصفاء ، فأما وقف بين ~~هاتين المنزلتين تذكر مرة فذكر ، وسها مرة فحصر . وطال كلامه في حديث النفس ~~، واتسع في فنون منه . فلما انتهى قال له أبو الفتح : عين الله عليك أيها ~~الشيخ ! أنت كما قال الأحوص : إني إذا خفي الرجال وجدتني . . . كالشمس لا ~~تخفى بكل مكان إني على ما قد علمت محسد . . . أنمي على البغضاء والشنآن ما ~~تعتريني من خطوب ملمة . . . إلا تشرفني وترفع شاني فإذا تزول تزول عن متخمط ~~. . . تخشى بوادره لدى الأقران فلله درك ودر زمان أنت من أهله . فقال أبو ~~سليمان : سعادة ذي الكفايتين هي التي نعشتني عنده ، وهيأت وصفي على لسانه ، ~~وزودتني فخرا بخدمته ، وأبقت ذكري منوها بذكره ؛ ولقد كنت غضيض الطرف حتى ~~رأيته ، كليل اللسان حتى وصفته ، مبخوس الحظ حتى عرفته ، خامل الذكر حتى ~~خدمته . وإن فسح الله في المدة فسأستقبل خلق العيش جديدا ، والحق مفقود ~~المنى موجودا . وحدثني الخليلي قال : أول ما عيب على هذا الفتى أنه بعد موت ~~أبيه أبي الفضل ، أمر بأن ينقل المطبخ إلى دار النساء ، فقال الناس : الحمد ~~لله ، صار الطعام حرا والخبز عورة ، والقدر والغضار حرمة . PageV01P227 ~~والله ما أراد بهذا إلا أن يصان الخبز كما تصان ذوات الخمر وصواحب المقانع ~~، وإن هذه لغيرة وضعت في غير موضعها . ثم أنشد لدعبل قوله : صدق أليته إن ~~قال مجتهدا . . . إي والرغيف فذاك البر من قسمه وإن هممت به فافتك بخبزته . ~~. . فإن موقعها من لحمه ودمه ما كان أحسنه لو أن غيرته . . . على جراذقه ~~كانت على حرمه قال الخليلي : كنت واقفا في صحن داره خلف شجرة كبيرة ، ~~والزمان قيظ ، والهاجرة محتدمة ، وهو أيضا واقف تجاه تلك الشجرة لا يلحقني ~~طرفه . فقال لخادم بين يديه : قد جعت فأصلحوا الطعام ، وصيحوا بهؤلاء ~~الأكلة الطغام . قال : فنزت في نفسي أنفة سدت ما بيني وبين السماء ، فرجعت ~~القهقري ألقط قدمي حتى صرت إلى الباب ، وفت إلى المنزل ؛ وطلبت فاحتجبت ، ~~ثم طلبت فاحتجيت ، وقلت ms164 : سقطت من عالي السطح ، وانكسرت ساقي ؛ وبقيت على ~~هذه التعلة حتى فرج الله بالقبض عليه . قال : وهذا عرق كان ينبض فيه عن ~~أبيه ؛ فإن أباه كان غاليا في هذا الخلق ، وكان يكابد من ستر هذا الداء على ~~نفسه أمرا عسيرا . ولقد حضر ابن بندار يوما ، وكان يأكل معه ، فنظر إلى ~~غضارة قد ملئت ثريدا فأنشد : ثريد كأن الشمس في حجراته . . . نجوم الثريا ~~أو عيون الضياون PageV01P228 فقال : أف ، لعن الله قائله ! فقال ابن بندار ~~: قائله حسان بن ثابت ، والنبي عليه السلام لا يرضى بلعن من يقول له حاضا ~~على جواب المشركين : ' قل ومعك روح القدس ' . فسكت خزيان . وكان ينجم من ~~قلبه في الوقت بعد الوقت بغض العرب والأكلة ؛ أنشد يوما بيتا ، وقال : أحب ~~أن أعلم ما يريد الأعرابي بقوله : ترى ودك السديف على لحاهم . . . كلون ~~الراء لبده الصقيع قال : وما انتصف منه أحد كأبي العباس ابن بندار ؛ فإنه ~~جرى ليلة حديث العرب والقبائل والأنساب . فقال أبو الفضل : أسد عرق وشيج ~~ورحاك ونشيج وطراز نسيج ، فقال ابن بندار : إذا أسدي جاع يوما ببلدة . . . ~~وكان سمينا كلبه فهو آكله فتغافل أبو الفضل كأنه لم يسمع ، وكان حليما ~~حمولا لئيما ذلولا . وقال : أحدثك من حلمه بأعجب من هذا ؛ كنا بأذربيجان ~~لما افتتحناها لإبراهيم بن المرزبان وقررناها في يده اتفق أن ظفرنا هناك ~~بطبيب نصراني بغدادي حسن الحذق ، بارع الصناعة ، مشهود له بصواب الرأي ~~وجودة التدبير ، فأدناه أبو الفضل ورضي هديه ، وحمد رأيه وقوله ، وكان يخصه ~~بالبر والتحفة ؛ فكان من أمره أن أبا الفضل شرب غداتئذ قدحا من شراب الرمان ~~، فبقي في أسفل القدح قليلا ، ومد يده إلى PageV01P229 الطبيب يناوله ، ~~تكرمة له ، ويقول له : اشرب هذه البقية . فقال له الطبيب : ' نهى نبيكم عن ~~سؤر الكلب ' ، وأمسك عن القدح . فاصفر وجه أبي الفضل ، ولم ينطق بكلمة ، ~~ولا أساء إليه ، ولا اعتذر ذاك من فرطته . ولتدافع الحديث ما أخرج من ذكر ~~هذا إلى شأن ذاك . ولقد اضطرب علي نسج الرسالة على مذهب المصنفين ، ولكن ~~عذري بين ، لأني ms165 نقلت ما نقلت في وقت صعب وحال عوراء . سألت العتابي ، شيخا ~~من أهل أصفهان كان صحب ابن عباد في أيام الحداثة ، عن ترك ابن عباد الشراب ~~. فقال : والله ما ترك ما ترك لله ، ولكن تركه أنه كان إذا سكر افتضح ودعا ~~إلى الفجور به ، ولما فشا هذا وقبحت القالة هجره ، وأظهر ذلك لتقوى الله ، ~~أو لوجه الله تعالى . ورأيت ابن عباد يوما يقول لابن أبي هشام : لا تقل ~~حرجت نفسه ، إنما الحرج للصدر ، قال الله تعالى : ( فلا يكن في صدرك حرج ~~منه ) . فقال له : فأين أنت من قوله تعالى : ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ~~مما قضيت ) . فعرق جبينه خجلا ؛ وكان ذاك سبب إعراضه عن هذا الشيخ ، ~~وانقلابه عنه بالحرمان . وقال لي العتابي : كان هذا ، يعني ابن عباد يقال ~~له في المكتب : ديوجه ، قال : وتفسيره شيطان صغير . وقال لي ابن الرازي : ~~كلمته في شيء يوما ، وقلت في عرض الكلام : ' وكان ذلك لانطلاق لسانه ' ، ~~فقال له : ' اخسأ ، الانطلاق في الشيء والطلاقة في اللسان ' . PageV01P230 ~~قال : فقلت له : ما تصنع بقول الأول وهو يزيد بن الصعق يخاطب النابغة ~~الذبياني : وأي الناس أغدر من شآم . . . له صردان منطلق اللسان قال : فخمد ~~وحقد . هكذا قال بفتح القاف ، وكان فصيحا . وقال يوما في المجلس ، وهو يحدث ~~عن رجل أعطاه شيئا فتلكأ في قبوله : ' ولا بد من شيء يعين على الدهر ' ثم ~~قال : قد سألت جماعة عن صدر هذا البيت فما كان عندها ذاك . فقلت : أنا أحفظ ~~ذاك . فنظر إلي بغضب وقال : فما هو ؟ قلت : قد نسيته . قال : ما أسرع ذكرك ~~من نسيانك . قلت : ذكرته والحال سليمة ، فلما حالت على سلامتها نسيت . قال ~~: وما حيلولتها ؟ قلت : نظر الصاحب بغضب ، فوجب في حسن الأدب أن لا يقال ما ~~يثير الغضب . فقال : ومن تكون حتى يغضب عليك ؟ دع هذا وهات ! قلت : قال ~~الشاعر : ألام على أخذ القليل وإنما . . . أصادف أقواما أقل من الذر فإن ~~أنا لم آخذ قليلا حرمته . . . ولا بد من شيء يعين على الدهر فسكت . ~~PageV01P231 وكان ابن ms166 عباد ورد إلى الري سنة ثمان وخمسين مع مؤيد الدولة ، ~~وحضر مجلس ابن العميد أبي الفضل ، وجرى بينه وبين مسكويه كلام ، ووقع تجاذب ~~. قال مسكويه : فدعني حتى أتكلم ، ليس هذا نصفة ، إذا أردت أن لا أتكلم فدع ~~على فمي مخدة . فقال له : أنا لا أدع على فمك مخدة ، ولكن أدع فمك على ~~المخدة . وطارت النادرة ، ولصقت وشاعت وبقيت . فأما حديث ابن عباد مع أبي ~~عبد الله الحصيري فمن الطرائف ؛ كان هذا الحصيري من أسقط الناس وأنذلهم ، ~~فلما ورد ابن عباد الري تقرب إليه وعرض نفسه عليه ، وسأل أن يلقنه المذهب ، ~~فحقره ابن عباد ، وكان لا يهش له . فجعل الحصيري يقف في الأسواق والشوارع ~~العظام ، والمربعات الكيار ، وينادي بصوت جهير ويقول : ادعوا الله للصاحب ~~الجليل ، إسماعيل الذي ليس له في الدنيا عديل ! ثم يقول بالفارسية : فإنه ~~قد بسط العدل ، وأحيا العلم ، وبث المكارم ، وآوى الغرباء ؛ لا يشرب الخمر ~~، ولا يعفج الغلمان ، ولا يخلو بالمردان ، ولا يتقحب بالنساء ، ولا ياخذ ~~الرشا ، ولا يقبل المصانعات ؛ نهاره في الملك ، وليله في دراسة العلم . ~~وأشباه هذا الكلام الشنيع . وكان المنظر عجيبا ، والمسمع أعجب . وكان أهل ~~الري يقفون ويسمعون ويضحكون ويسخرون ، والبلد يغلب على أهله النوادر ~~والعيارة . فلما توالى ذلك منه ، نمي إلى ابن عباد ، وشنع به على الحصيري ، ~~واستؤذن فيه لينهى عنه ويزجر . فقال : لا تفعلوا فإن باله ينكسر ، ونشاطه ~~يذهب ، دعوه على شدته في المذهب وحدته على أهل الكذب . PageV01P232 وكان له ~~آخر يلقنه بالفارسية ، ويقال له : اجلس في الأسواق عند الباقلاني وعند ~~الصيدلاني ، وعند المراق ، وعند الهراس ، واطرح له حسن ' العدل والتوحيد ' ~~، وادعه إلى المذهب ، ولك مشاهرة تدر عليك ، وبر في كل وقت يصل إليك ، ولك ~~الجاه العريض في الوصول إلي ، والخلوة معي ؛ وكان يقال لهذا الرجل الفقاعي ~~. ورأيت آخر يقال له أبو علي الإسكاف ، وكان أشف من الفقاعي ، على هذا ؛ ~~وكان يقال لهؤلاء دعاة الصاحب ، وخاصة الصاحب . واجتهد بالحسين المتكلم ~~الكلابي أن ينتقل إلى مذهبه ، فتلطف حسين وقال : أيها الصاحب ! دعني حتى ~~أكون ms167 مشحذا لك ، فما بقي غيري ، وإن دخلت في المذهب لم يبق بين يديك من ~~تنثو عليه قبيحه ، وتبدي للناس عواره . فضحك من كلامه وقال : قد أعفيناك يا ~~أبا عبد الله ، وبعد ما نبخل عليك بنار جهنم ، اصل بها كيف شئت ! قال لنا ~~حسين بعد ذلك : يا قوم ! أ تراني أصلى بنار جهنم وعقيدتي وسيرتي معروفتان ، ~~ويتبوأ هو الجنة مع قتل الأنفس المحرمة ، وركوب المحظورات العظيمة ؟ إن ظنه ~~بنفسه لعجب ، والله لو كان من المرجئة لكان مخوفا عليه ، فكيف وهو يدعي ~~الوعيد ، ويخوف بالتخليد ؟ لحا الله الوقاح . وقال يوما : ما صدر قول ~~الشاعر : والمشرب العذب كثير الزحام ؟ PageV01P233 فسكت الجماعة . فقال : ~~قد - والله - فشا النفص ، وذهب الحفظ ، ومات الأدب . فقال ابن الرازي : ~~صدره : يزدحم الناس على بابه فأقبل عليه بغيظ ، وقال : ما عرفتك إلا ~~متعجرفا جاهلا ، أما كان لك بالجماعة أسوة ؟ وسمعته يقول : كان أبو الفضل ~~مطبوعا على معرفة الشعر ، وكان لا يخفى عليه جيده من رديه ، وكان يعجب بقول ~~الشاعر : وجاءت إلى باب من السجف بيننا . . . مجاف وقد قامت عليه الولائد ~~لتسمع شعري وهو يقرع قلبها . . . بوحي تؤديه إليها القصائد إذا سمعت معنى ~~لطيفا تنفست . . . له نفسا تنقد منه القلائد ثم قال : هذا والله القول ، ~~وأنا أعجب بقول الآخر حين يقول : ما زلت أهواك سؤل قلبي . . . ما دمت بين ~~الأنام حيا وكيف يسلو هواك قلب . . . سقيته من هواك ريا أولى لك الله ثم ~~أولى . . . أما خشيت العقاب فيا جئت إلينا بغير وعد . . . يا حب من زارنا ~~بديا حتى إذا ملكت قلبي . . . وازددت حسنا نعم وزيا نفرت نفر الظباء عنا . ~~. . فصار من دونك الثريا وسنوسع هذه الرسالة بعد هذا التطويل ببعض ما يكون ~~حجة أو عذرا ، وإن اعترض حديث سقناه على غره ، وعرضناه على حلوه ومره ، ~~ولولا أن الفائدة - أبقاك الله - في سماع هذه الأشياء ومعرفة هذه الأحوال ~~أضعاف الفائدة في الإضراب عنها ، لكان السكوت ممكنا ، والإمساك مستطاعا ، ~~والسلم واقعا ، والإعفاء سهلا ؛ ولكن الخيرة لا تقع ، واليقظة لا تستحكم ، ~~والطبع لا يرتاض ms168 حتى تتصفح الأمور ، وتتعقب الدهور ، وتأخذ نصيبك من ~~الاعتبار ، وتبعث همتك على محمود الاختيار ؛ والشاعر يقول : PageV01P234 ~~ومن يطل عيشه لا تلقه غمرا . . . وفي الحوادث والأيام تجريب وقال آخر : أخو ~~خمسين مجتمع أشدي . . . ونجذني مداورة الشؤون وقال آخر : أ لم تر ما لاقيت ~~والدهر أعصر . . . ومن يتمل العيش يرأ ويسمع وقال لي أصحابنا حين وقف على ~~جرامة هذا الكلام : قد كشفت طائفتين كبيرتين ، وحملتهما على عداوتك ~~والإرصاد لك ، يعني المتكلمين والمتفلسفين ؛ فإن هذه لا تصبر لك على ثلبك ~~ابن عباد ، وهذه لا تسكت عنك في نيلك من ابن العميد . فقلت له : متى كان ~~الخصم منصفا ، وكان مدلا بالحق متوقفا ، فإن القول معه يسهل ، والجدل يخف ، ~~والحديث يفيد ؛ وهل أنا إلا كمن قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ~~: يا رسول الله : رضيت فقلت أحسن ما عرفت ، وغضبت فقلت أقبح ما عرفت . فلم ~~ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأنا أروي لك القصة لتكون الفائدة ~~أظهر ، والحجة أنور . قال عمرو بن الأهتم للزبرقان ، حين قال له النبي عليه ~~السلام : ما علمك فيه ؟ قال : أعلم أنه قد نجمت له مروة ، وأنه مطاع في ~~قومه ، وأنه مانع لما وراء ظهره . فقال الزبرقان : أما والله لقد ترك ما هو ~~أفضل من هذا . فقال عمرو : أما إذا قال ما قال فهو ما علمت أحمق الأب ، ~~لئيم الخال ، زمر المروة ، حديث الغنى ؛ ولقد صدقت في الأولى ، وما كذبت في ~~الأخرى . وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم . PageV01P235 فقال عمرو : يا ~~رسول الله ! لقد غضبت فقلت أقبح ما عرفت ، ورضيت فقلت أحسن ما عرفت . فقال ~~النبي صلى الله عليه : ' إن من البيان لسحرا ' . فهذا هذا ، على ما رواه ~~ابن الأعرابي . ومن أظلم ممن طلب من الساخط ما لا يوجد إلا عند الراضي ، ~~وطلب من الراضي ما لا يصاب إلا عند الساخط ؟ ومن كان كذلك فقد رد الأمور ~~على أعقابها ، وأتى المطالب من غير أبوابها . ولكل واحد من الراضي والساخط ~~شاكلة يعمل عليها ، وشيمة يظهر ms169 بها . على أني ما بهرجت مذهب المتكلمين ، ~~ولا زيفت مقالة المتفلسفين . وإنما قلت في أولئك إنهم ادعوا ' العدل ' ~~وعملوا بالجور ، وأمروا بالمعروف وركبوا المنكر ، ودعوا الناس إلى الله ~~بالقول ونفروا عنه بالفعل ، ولم يرجعوا فيما نصروه وذبوا عنه إلى ورع ظاهر ~~وتحرج معروف ، ويقين لا خلاج فيه ، كما كان عليه سلفهم وأعلامهم ؛ واصل ، ~~وعمرو ، والحسن ومن جرى مجراهم . وهذا ما لا أحتاج إلى الاعتذار منه ؛ فإني ~~سمعت الديانين منهم يقولون هذا فيهم ، ويرونه من الداء الذي قد أعضل عليهم ~~. ثم إني ما رأيت أحدا سكت عن أحد من سفهائهم تغافلا عنه أو حصرا له إلا ~~ورأيته يقول ويطنب في ابن عباد غير خاش ولا متحاش ، لعظم الآفة به على ~~المذهب ، وتفاقم الأمر بمكانه على أهله . وما قولي هذا فيهم إلا كقولك يوم ~~اجتماعنا في مقبرة معروف الكرخي لبعض الشيعة : لو كنت دائنا بحب آل الرسول ~~معتقدا لشرف العترة راجعا إلى صحة السريرة PageV01P236 والعقيدة لظهر ذلك ~~في عفتك وورعك ، وصلاتك وصيامك ، وحجك ، وعبادتك واجتهادك ، وصدقتك ~~ومواساتك ؛ مع إحياء الليل وإظماء النهار ، واقتداء بالذين إياهم تحب ، ~~وعنهم تذب ؛ ولم تكن تقنع من جميع محاسن المذهب بسب السلف وتضليل الأمة ، ~~وثلب الصالحين وتكفير السابقين وتدنيس الطاهرين . فقولك لهذا الرجل الشيعي ~~هو قولي للمتكلم إذا كان دعيا ، ولم يكن في مذهبه برا تقيا . وأما ابن ~~العميد ، فمن هذا الذي يتفلسف على بصيرة ومعرفة ، وهو يرضى سيرته ، ويحمد ~~هديه ، ويراه قدوة ويعده سعيدا ؟ كأن الفلسفة إنما تكون بالدعوى باللسان ، ~~من غير عمل ومعاناة ورياضة ، وقمع للشهوات إذا غلبت ، وردع للنفس إذا طغت ، ~~واستصلاح للأمور بالعدل المؤثر فيها ، وطلب السعادة والفوز في العاقبة على ~~ما رسمه علماؤها ، وحققه حكماؤها . هيهات ! ظن لا تسافر فيه العين ، وقول ~~لا يصبر على لفح الكير . فليت شعري بعد هذا من الخصم الذي يركب البهت ، ~~ويدفع العيان ، ويسحر العقول ، ويطرح الأذهان ، ويقول : ليس القول بالعدل ~~والتوحيد ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر إلا ما هو عليه ابن عباد ، ~~ولا الفلسفة إلا ما ms170 كان يختاره ابن العميد ؟ هذا ما لا يقوله أحد ممن له ~~عقل ونهى ، ولا يجترئ عليه من له حجر وحجا ، خاصة إن كان ممن يرب مروته ~~بالحق ، ويصون كلمته عن الكذب ، ويغار على عقله من تعنيف معنف ، ويأنف ~~لنفسه من لومة لائم . سمعت القاضي أبا حامد المروروذي يقول ، وكان سيد ~~الفقهاء في وقته وإمام أصحابه في عصره ، وعجيب الفضل في جميع أموره ؛ لو أن ~~رجلين ظاهرين زكيا رجلا عند الحاكم ، ثم سأل الحاكم آخرين مرضيين عن ذلك ~~المزكى بعينه فجرحاه لكان PageV01P237 الحاكم لا يقف ولا يتحير ولا يعيا ~~ولا يحصر ، ولكنه يقدم الجرح على التزكية ويعمل به دونها ، ويصير إليه ~~تاركا لها ؟ فإن قلت : ما الحكمة في هذا ؟ قيل لك : إن اللذين زكيا قالا ~~بالظاهر ، وربما يكثر مثله ، ويغلب شبيهه ، وربما يتكلف في نظيره بالرياء ~~والسمعة ، والنفاق والخديعة ، والختل والحيلة ؛ فلو لم يكن هذا لأمضيت ~~التزكية على ظاهرها ، وعملت بها ، وسكنت إليها . فأما إذا استنظهرت فسألت ~~آخرين مرضيين عن المزكى فجرحاه ، فكأنما علما من باطن أمره وخافي حاله وكنه ~~غيبه ، ومطوي شأنه ما توارى عن عرفان من ركاه ، وخفي على بحث من عدله . ~~فكان هذا عندي بالقبول أولى والعمل به أحرى . هذا ما قاله هذا الرجل العالم ~~، وهلك سنة ثلاث وستين وثلاثمائة . وابن عباد حفظك الله - ليس بصغير القدر ~~، وابن العميد لم يكن خامل الذكر ، وما فيهما إلا من هو غرة زمانه ، وتاريخ ~~دهره ، لنباهته وصيته ، وطول أيامه وامتداد دولته ، ومواتاة مراده ، وطاعة ~~الناس له ، وتوجه الأطماع إليه ؛ فكيف يجزف الحديث عنهما مجزف ، ويلزق ~~الكذب بهما ملزق ، أو يدعي الباطل عليهما مدع ؟ هذا ما لا يطمع فيه حصيف ، ~~ولا يعمل عليه عاقل ؛ ولكن حديث الدين والكرم والعقل والمجد والسيرة والهدى ~~والجود والبذل ، ليس من حديث الجد والفتح والختال والإنفاق والدولة والسناء ~~والمرتبة في شيء . اللهم إلى أن يكون الفضل كله عند هذا المخالف في كتاب ~~ينشأ ومعنى يقتضب ، وقصيدة تنشد ، ورسالة تحبر ، ومسألة تتداول بالعي ~~والبيان ، ودعوى تتناقل بالشبهة ، وعربية ms171 تشقق تشقيقا ، وكلمة تزوق تزويقا ~~، وباطل ينصر لحاجة تدعو إليه ، وحق يرفض لأمر يحمل عليه ، وخصم يفحم بما ~~غث وسمن ، وشبهة تركب بما ظهر وبطن . أو يكون الفضل عنده ، والتمام لديه في ~~الأمر والنهي ، والعزل والولاية ، والقبض PageV01P238 والمصادرة ، والكيد ~~والغيلة ، والاستخراج والحيلة ، والغاشية والحاشية ، والخدم والحشم ، ~~والدور والقصور ، والمراكب والمواكب ، فيكون كل ما يدعيه الخصم مقبولا ، ~~وكل ما يأباه مرذولا ؛ فأما أن يكون الفضل - بإحماع الأولين والآخرين ، ~~والماضين والغابرين - في الدينونة والتأله والعفاف والتحرج والكرم ، ~~والطهارة والتقزز والنزاهة والرقة والرحمة والجود والعطية والحلم والعفو ~~والإبقاء والإغضاء والوفاء والإرضاء والتغافل والتسمح والبر والتعهد ، ~~والبشر والطلاقة ، والدماثة والشجاعة وطلب الذكر الجميل من كل أحد ، إما ~~للساعة وإما للأبد ، فينبغي على هذا أن لا يكون لكلام الخصم سامع ، ولا ~~لدعواه مصدق ولا لحكمه مجيز . قلت لأبي الوفاء المهندسن وكان قد رجع من عند ~~ابن عباد ، لقيه بجرجان مؤديا إليه رسالة من بغداذ ، لقيته بالمرج في ليلة ~~عمياء بالمطر والبرد والثلج والسيل العرم : كيف شاهدت ابن عباد ، فإنك ~~صيرفي الناس في الناس ؟ فقال : يقال لمثله عندنا بنيسابور عندنا طبل هرثمي ~~، ويقال لمثله عند إخواننا ببغداد : مادح نفسه يقرئك السلام ؛ وهو مع هذا ~~عند أصحابه رقيع طيب ، وعند الكتاب أحمق غليظ ، وعند سفلة المعتزلة واحد ~~الدنيا ، وعند الفلاسفة طائر طريف ، وعند الصالحين ظلوم قاس ، وعند الله ~~فاسق عاص ، وعند أهل بلده أفاك أثيم ، وعند الجمهور شيطان رجيم . وقلت لأبي ~~السلم تحية بن علي الشاعر القحطاني : أين ابن عباد من ابن العميد ؟ فقد ~~زرتهما منتجعا ، وزرتهما جميعا . فقال : كان ابن العميد أعقل ، وكان يدعي ~~الكرم ، وابن عباد أكرم ، وهو يدعي العقل ؛ وهما في دعوييهما كاذبان ، وعلى ~~سجيتهما جاريان . أنشدت يوما على باب ذاك قول الشاعر : إذا لم يكن للمرء في ~~دولة امرئ . . . جمال ولا مال تمنى انتقالها وما ذاك من بغض لها غير أنه . ~~. . يؤمل أخرى وهو يرجو زوالها PageV01P239 فرفع إليه إنشادي ، فأخذني ~~وأوعدني ، وقال لي : انج بنفسك فإني رأيتك بعد هذا أولغت الكلاب دمد . وكنت ms172 ~~قاعدا على باب هذا منذ أيام فأنشدت البيتين على سهو ، فرفع إليه الحديث ، ~~فدعاني ووهب لي دريهمات وخريقات ، وقال : لا تتمن انتقال دولتنا بعد هذا . ~~وأبو السلم هذا من أغزر الناس في الشعر ، يحفظ الطم والرم ، وكان طيب ~~الإنشاد ، رخيم النغمة . أنشدني لابن حسان : إن الجديدين في طول اختلافهما ~~. . . لا يفسدان ولكن يفسد الناس لا تطمعا طمعا يدني إلى طبع . . . إن ~~المطامع فقر والغنى الياس للناس مال ولي مالان مالهما . . . إذا تحارس أهل ~~المال ، حراس مالي الرضا بالذي أصبحت أملكه . . . ومالي اليأس مما يملك ~~الناس وقال لي الخليلي : الرجل مجنون ، يعني ابن عباد ، وفي طباع المعلمين ~~. سمعته وهو يقول للتميمي الشاعر : كيف تقول الشعر ؟ وإن قلته كيف تجيده ؟ ~~وإن أجدت كيف تغزر فيه ؟ وإن غزرت فيه فكيف تروم غاية وأنت لا تعرف ما ~~الزهلق وما الهبلع ، وما العثلط ، وما الجلعلع ، وما القهقب ، وما الطرطب ، ~~وما القهبلس ، وما الخيسفوج ، وما الخزعبلة ، وما القذعملة ، وما ~~PageV01P240 العرومط ، وما السرومط ، وما الدودرى ، وما المكورى ، وما ~~العفشليل ، وما القفشليل ، وما الجلعبى ، وما القرشب ، وما الصقعل ، وما ~~الجردحل ، وما الدردبيس ، وما الطرطبيس ، وما العلطميس ، وما الجرعبيل ، ~~وما الخنعبيل ، وما العباريد ، وما العبابيد ، وما العباديد ، وما النقاب ، ~~وما الجرفاس ، وما اللووس ، وما النعثل ، وما الطربال ؟ PageV01P241 وما ~~معنى : إنه لظريف ولا تباعة ؛ وما الفرق بين العذم والرذم ، والحدم والحذم ~~، والخصم والقضم ، والنضح والرضح ، والقصم والفصم ، والقصع والفصع ، وما ~~العبنقس ، وما الفلنقس ، وما الوكواك والزونك ، وما الخيتعور ، وما ~~السيتعور ، وما اليستعور ، وما الحرذون ، وما الحلزون ، وما القصدر ، وما ~~الجمعليل . قال الشاعر : جاءت بخف وحتين ورجل جاءت تمشي وهي قدام الإبل ~~PageV01P242 مشي الخمعليلة بالحرف النقل قال : ورأيت بعض الجهال باللغة ~~يصحف هذا ويقول : بخف وحنين ورخل قلت للخليلي : من عني بهذا ؟ قال : عني ~~ابن فارس معلم ابن العميد أبي الفتح . قال الخليلي : أ فهذا الضرب من ~~الكلام مما يجب أن يفتخر به ، ويتدفق به ، إنك يا أبا حيان لو رأيته يميس ~~وهو يهذي بهذا وشبهه ، ويتفيهق فيه ، ويلوي شدقه عليه ms173 ، ويقذف بالبزاق على ~~أهل المجلس ، لحمدت الله تعالى على العافية مما بلي به هذا الرجل . وبعد ~~فما بين الشاعر وبين هذا الضرب ؟ الشاعر يطلب لفظا حرا ، ومعنى بديعا ، ~~ونظما حلوا ، وكلمة رشيقة ، ومثالا سهلا ، ووزنا مقبولا . قلت للخليلي : ~~فما بال الناس ، مع علمهم برقاعته وجنونه ، قد لزموا فناءه ، وتزاحموا على ~~بابه ؟ فقال لي : يا هذا ! خلت الدنيا من الكرم والكرام ، واصطلح الناس على ~~قلة المباهاة بالفضائل ، وكان هذا كله منوطا بالخلافة ، فانقضت أيام الصدر ~~الأول بالدين الخالص ، وأيام بني مروان بالرياء والسمعة ، وأيام بني العباس ~~بالمروات والتوسع في الشهوات ، ولم يبق بعد هذا شيء . ولا بد للناس من ~~الانتجاع ، أخصبت البلاد أم أجدبت ، والحرف لا تسع الخلق ، والمرتبة ~~الواحدة لا تحفظ النظام ، ولا بد للناس من التقسم بين الرفعة والضعة ، وعلى ~~ما بينهما من الأحوال ؛ على أن الكرم والعطاء ، والبذل وحب الثناء ، والهزة ~~والأريحية أمور قد فقدت منذ زمان ، وقامت عليها النوادب في كل مكان . هذا ~~ثمامة المتكلم يحكي بلسانه ، وهو صاحب المأمون ، قال : دخل النوشجاني على ~~المأمون ، فقال : يا أمير المؤمنين ! ما في بيت مال الصدقات درهم ، وقد كثر ~~الغارمون . فقال المأمون : وكيف لا يكثرون وثلاثة أرغفة بدرهم ، وها هنا ~~أناس لا حرفة لهم ، وا إفضال PageV01P243 من موسريهم على معسريهم ؟ أما ~~والله لقد شهدت أيام الرشيد والخراج أقل وأرذل ، وإن فيها لأكثر من مائة يد ~~بالخير طويلة ، وبالعطايا سائلة ، وللمعروف باذلة ، وللأرحام واصلة . وروى ~~عن سابق بني هاشم في هذا أعجب كلام ، قال : والله لو علم الله أن غنى ~~فقرائكم في أكثر من زكوات أغنيائكم لفرض لهم ذلك . فتبارك الله رب العالمين ~~. أين أولئك البرامكة ؟ وأين نحن منهم اليوم ؟ كان معروفهم يسع الصغير ~~والكبير ، ويهم الغني والفقير ، مرذة يغرف ومرة ينزف ، ما لهم هم إلا ~~تثميره . ومن أولئك زبيدة بنت جعفر وابنها ، إني والله لأحسبهما فرقا من ~~المال فيمن لجأ إليهما وطلب معروفهما أكثر كم ألف ألف ألف دينار ؛ ولقد كان ~~لمن ذكرت بطانة ، وللبطانة بطانة ، وكان لهم من ms174 المعروف والبذل في الجار ~~والحميم والسائل وابن السبيل ما لو أحصي لطال ذكره وعظم قدره ؛ فما بالعراق ~~اليوم من يجود بدرهم ولا رغيف ، أو ليس من انقلاب الزمان أن صار عبد الله ~~بن بشير أحد أجواده ، وأحد أبواب المعروف ؟ فما ظنكم بنا وقد حشرنا في زمرة ~~واحدة ؟ ثم ميز أهل كل زمان ! فإذا نظر إلى أهل زماننا لم يقم في المباهاة ~~إلا عند الله ومالك ابن شاهي ! ' إنا لله وإنا إليه راجعون ' . اكتب لهم ~~إلى البلدان . وانظر من كان منهم محتملا فارم به إلى الأطراف وأجنحة الثغور ~~، ومن قل ماله ورث حاله ، وقعد به العدم عن الحركة الشاسعة فلا تجاوز به ~~الموصل والبصرة ، وفرق فيهم ألف درهم ، وعجل سراحهم الأول فالأول . ثم قال ~~لي الخليلي : حصل الآم زمانك من زمان المأمون حين قال هذا القول ، وميز هذا ~~التمييز ، وداواني بهذا الدواء . والله إن هذا لعجب ! حصلنا في حديث ابن ~~العميد على أن يقال : جمشك عميدي ، وفي حديث ابن عباد على أن يقال : هذا ~~ركاب صاحبي ؛ إني لأجد في صدري غليلا لا يبرد شيء ، من ذهاب الكرم وفقد ~~الكرام وقلة المبالي بذلك . قلت للخليلي أيضا : ومع هذا لكه أين ابن عباد ~~من ابن العميد ؟ PageV01P244 فقد خبرت ذلك بملازمتك ، وعرفت هذا بتعرضك . ~~فقال : أما ذاك فكان لا يعطيك ، ولكنه كان لا يطعمك . وأما هذا فإنه يطعمك ~~حتى يستفرغك ، ثم يرميك بالحرمان أو بعطاء شبيه بالحرمان . وتفسير هذا عندك ~~يا أبا حيان . كيف كان علم ذاك من علم هذا ؟ قال : كان ذاك يدعي الفلسفة ~~دعوى شديدة ، ولكن لا ينادي عليها في الأسواق . وهذا يدعي علم الدين ، وهو ~~يعرضه فيمن يريد . قلت له : كيف كان ابن العميد في أمر الطعام ؟ قال : كان ~~مكبوت الأنفاس عند اختلاف الأضراس ، كدر الإحساس عند دوران الكاس ، وهذا ~~مما يخالف ما عليه كرام الناس . قلت : فكيف كان ابن عباد لأهل العلم ؟ قال ~~: إن كذبوه وخدعوه وموهوا عليه ونافقوه وتملقوه قربهم وأدناهم ، وأكرمهم ~~وأعطاهم ، وإن صدقوه وماتنوه وثبتوا له أبعدهم ms175 وأقصاهم ، وحرمهم وأخزاهم . ~~فما ذنبي - أكرمك الله - إذا سألت عنه مشايخ الوقت وأعلام العصر فوصوه ~~جميعا بما جمعت لك في هذا المكان ؟ على أني قد سترت كثيرا من مخازيه ، إما ~~هربا من الإطالة أو صيانة للقلم من رسم الفواحش ، ونث العضلة ، وذكر ما ~~يسمج مسموعه ، ويكره التحدث به . هذا سوى ما فاتني من حديثه ، فإني فارقته ~~سنة سبعين وثلاثمائة . أو ما ذنبي إن ذكرت عنه ما جرعنيه من موارد الخيبة ~~بعد الأمل ، وحملني عليه من الإخفاق بعد الطمع ، مع الخدمة الطويلة ، ~~والوعد المتصل ، والظن الحسن ؛ حتى كأني خصصت بخساسته وحدي ، أو وجب أن ~~أعامل به دون غيري . PageV01P245 قدم إلى نجاح الخادم ، وكان ينظر في خزانة ~~كتبه ثلاثين مجلدة من رسائله ، وقال : يقول لك مولاي : انسخ هذه فإنه قد ~~طلب من خراسان . فقلت بعد ارتياع : هذا طويل ، ولكن لو أذن لخرجت منه فقرا ~~كالغرر ، وشذورا تدور في المجالس كالشمامات والدستنبويات لو رقي بها مجنوق ~~لأفاق ، ولو نفث على ذي عائنة لبرئ ، لا تمل ولا تستغث ، ولا تعاب ولا ~~تسترث . فرفع ذلك إليه على وجه مكروه وأنا لا أعلم ، فقال : طعن في رسائلي ~~وعابها ، ورغب عن نسخها ، وأزرى بها ، والله لينكرن مني ما عرف ، وليعرفن ~~حظه إذا انصرف . كأني طعنت في القرآن ، أو رميت الكعبة بخرق الحيض ، أو ~~عقرت ناقة صالح ، أو سلحت في زمزم ، أو قلت كان النظام ما نويا ، أو كان ~~العلاف ديصانيا ، أو كان الجبائي بتريا ، أو مات أبو هاشم في بيت خمار ، أو ~~كان عباد معلم الصبيان . وما ذنبي يا قوم إذا لم أستطع أن أنسخ ثلاثين ~~مجلدة ؟ ومن هذا الذي يستحسن هذا التكليف حتى أعذره وهو يرجو بعده أن يمتعه ~~الله ببصره أو ينفعه بيده ؟ ثم ما ذنبي إذا قال لي : من أين لك هذا الكلام ~~المفوف المشوف الذي تكتب إلي به في الوقت بعد الوقت . فقلت : وكيف لا يكون ~~كما يوصف وأنا أقطف من ثمار رسائله ، وأستقي من PageV01P246 قليب علمه ، ~~وأشيم بارقه أدبه ، وأرد ساحل بحره ms176 ، وأستوكف قطر مزنه ؟ فيقول : كذبت ~~وفجرت لا أم لك ! ومن أين كلامي الكدية والشحذ والضرع والاسترحام ؟ كلامي ~~في السماء ، وكلامك في السماد . هذا - أيدك الله - وإن كان دليلا على سوء ~~جدي ، فإنه دليل أيضا على انحلاله وتحزقه وتسرعه ولؤمه . انظر كيف يستحيل ~~معي عن مذهبه الذي هو عرقه النابض وسوسه الثابت وديدنه المألوف . وهلا ~~أجراني مجرى التاجر المصري والشاذياشي وفلان وفلان ؟ أو ما ذنبي إذا قال لي ~~: هل وصلت إلى ابن العميد أبي الفتح ببغداذ ؟ فأقول : نعم رأيته وحضرت ~~مجلسه وشاهدت ما جرى له ، وكان من حديثه فيما مدح به كذا وكذا ، وفيما تقدم ~~منه كذا وكذا ، وفيما كفى فيه كذا وكذا ، وفيما تكلف من تقديم أهل العلم ~~واختصاص أرباب الأدب كذا وكذا ، ووصل أبا سعيد السيرافي بكذا وكذا ، ووهب ~~لأبي سليمان المنطقي كذا وكذا ؛ فيزوي وجهه ويتكره حديثه ، وينجذب إلى شيء ~~آخر ليس مما شرع فيه ، ولا مما حرك له . ثم يقول أعلم أنك إنما انتجعته من ~~العراق ، فافرأ علي رسالتك التي توسلت إليه بها ، وأسهبت مقرظا فيها ، ~~فأتمانع فيأمر ويشدد ، فأقرؤها فيتقد ويذهل . وأنا أكتبها لك ها هنا لتكون ~~زيادة في الفائدة . بسم الله الرحمن الرحيم . اللهم هيء لي من أمري رشدا ، ~~ووفقني لمرضاتك أبدا ، ولا تجعل الحرمان علي رصدا . أقول وخير القول ما ~~انعقد بالصواب ، ما تضمن الصدق ، وخير الصدق ما جلب النفع ، وخير النفع ما ~~تعلق بالمزيد ، وخير المزيد ما بدا عن شكر ، وخير الشكر ما بدا عن إخلاص ، ~~وخير الإخلاص ما نشأ عن إيقان ، وخير الإيقان ما صدر عن توفيق . لما رأيت ~~شبابي هرما بالفقر ، وفقري غنى بالقناعة ، وقناعتي عجزا عند PageV01P247 ~~التحصيل ، عدلت إلى الزمان أطلب إليه مكاني فيه ، وموضعي منه ، فرأيت طرفه ~~عني نابيا ، وعنانه عن رضاي مثنيا ، وجانبه في مرادي خشنا ، وإنفاقي في ~~أسبابه سيئا ، والشامت بي على الحدثان متماديا ؛ طمعت في السكوت تجلدا ، ~~وانتحلت القناعة رياضة ، وتألفت شارد حرصي متوقفا ، وطويت منشور أمري ~~متنزها ، وجمعت شتيت رجائي ساليا ، وادرعت الصبر مستمرا ، ولبست ms177 العفاف ~~محمودا ، واتخذت الانقباض صناعة ، وقمت بالعلاء مجتهدا . هذا بعد أن تصفحت ~~الناسفوجدتهم أحد رجلين : رجلا إن نطق عن غيظ ودمنة ، وإن سكت سكت على ضغن ~~وإحنة . ورجلا إن بذل كدر بامتنانه بذله ، وإن منع حصن باحتياله بخله ؛ لم ~~يطل دهري في أثنائه متبرما بطول الغربة وشظف العيش ، وكلب الزمان وعجف ~~المال ، وجفاء الأهل وسوء الحال ، وعادية العدو وكسوف البال ؛ متضرما من ~~الحنق على لئيم لا أجد منصرفا عنه ، متقطعا من الشوق إلى كريم لا أجد سبيلا ~~إليه - حتى لاحت لي غرة الأستاذ فقلت : حل بي الويل ، وسال بي السيل ! أين ~~أنا عن ملك الدنيا ، والفلك الدائر بالنعمى ؟ أين أنا عن مشرق الخير ومغرب ~~الجميل ؟ أين أنا عن بدر البدور وسعد السعود ؟ أين أنا عمن يرى البخل كفرا ~~صريحا ، ويرى الإفضال دينا صحيحا ؟ أين أنا عن سماء لا تفتر عن الهطلان ، ~~وعن بحر لا يقذف إلا باللؤلؤ والمرجان ؟ أين أنا عن فضاء لا يشق غباره ، ~~وعن حرم لا يضام جواره ؟ أين أنا عن منهل لا صدر لفراطه ولا منع لوراده ؟ ~~أين أنا عن ذوب لا شوب فيه ، وعن صدد لا حدد دونه ؟ بلى ! PageV01P248 أين ~~أنا عمن قد أتى بنبوة الكرم ، وإمامة الإفضال ، وشريعة الجود ، وخلافة ~~البذل ، وسياسة المجد ، نسيمه مشيمة البوارق ، ونفسه نفيسة الخلائق ؟ أين ~~أنا عن الباع الطويل والأنف الأشم والمشرب العذب والطريق الأمم ؟ لم لا ~~أقصد بلاده ؟ لم لا أقتدح زناده ؟ لم لا انتجع جنابه وأرعى مراده ؟ لم لا ~~أسكن ربعه وأستدعي نفعه ؟ لم لا أخطب جوده وأعتصر عوده ؟ لم لا أستمطر ~~سحابه وأستسقي ربابه ؟ لم لا أستميح نيله وأستسحب ذيله ؟ لم لا أحج كعبته ، ~~وأستلم ركنه ؟ لم لا أصلي إلى مقامه مؤتما به ؟ لم لا أسبح بثنائه متقدسا ؟ ~~لم لا أحكم في حالي ؟ فتى صيغ من ماء البشاشة وجهه . . . فألفاظه جود ~~وأنفاسه مجد لم لا أقصد : فتى بان للناس في كفه . . . من الجود عينان ~~نضاختان لم لا أمتري معروف : فتى لا يبالي أن يكون بجسمه . . . إذا نال ms178 ~~خلات الكرام ، شحوب لم لا أمدح : فتى يشتري حسن الثناء بروحه . . . ويعلم ~~أعقاب الحديث تدوم نعم ! لم لا انتهي في تقريظ فتى لو كان من الملائكة لكان ~~من المقربين ، ولو كان من PageV01P249 الأنبياء لكان من المرسلين ، ولو كلن ~~من الخلفاء لكان نعته اللائذ بالله ، أو المنصف في الله ، أو المعتضد بالله ~~، أو المنتصب لله ، أو الغاضب لله ، أو الغالب لله ، أو المرضي لله ، أو ~~الكافي بالله ، أو الطالب بحق الله ، أو المحيي لدين الله . أيها المنتجع ~~قرن كلئه المختبط ورق نعمته ، ارع عرض البطان متفيئا بظله ، وكل خضما ناعم ~~البال متعوذا بعزه ، وعش رخي اللبب ، معتصما بحبله ، ولذ بذراه آمن السرب ، ~~وامحض وده بالله القلب ، وق نفسك من سطوته بحسن الحفاظ ، وتخير له ألطف ~~المدح ، تفز بأيمن القدح ؛ ولا تحرم نفسك بقولك : إني غريب المثوى نازح ~~لدار ، بعيد النسب منسي المكان ؛ فإنك قريب الدار بالأمل ، داني النجع ~~بالقصد ، رحيب الساحة بالمنى ، ملحوظ الحال بالحسد ، مشهور الحديث بالدرك . ~~واعلم علما يلتحم باليقين ويدرأ من الشك أنه معروف الفخر بالمفاخر ، مأثور ~~الأثر بالمآثر ؛ قد أصبح واحد الأنام ، تاريخ الأيام ، أسد الغياض يوم ~~الوغى ، نور الرياض يوم الرضا ، إن حرك عند مكرمة حرك غصنا تحت بارح ، وإن ~~دعي إلى اللقاء دعي ليثا فوق سابح . وقل إذا رأيته بلسان التحكم : أصلح ~~أديمي فقد حلم ، وجدد شبابي فقد هرم ، وأنطق لساني بمدحك فقد حصر ، وافتح ~~بصري بنعمتك فقد سدر ، واتل سورة الإخلاص في اصطناعي فقد سردت صفائح النجح ~~عند انتجاعي . وقل : رش عظمي فقد براه الزمان ، واكس جلدي فقد عراه الحدثان ~~، وإياك أن تقول : يا مالك الدنيا جد لي ببعض الدنيا ، فإنه يحرمك ، ولكن ~~قل : يا مالك الدنيا هب لي الدنيا . PageV01P250 اللهم فأحي به بلادك ، ~~وانعش برحمته عبادك ، وبلغه مرضاتك ، وأسكنه فردوسك ، وأدم له العز النامي ~~والكعب العالي ، والمجد التليد ، والجد السعيد ، والحق الموروث والخير ~~المبثوث والولي المنصور ، والشانئ المثبور ، والدعوة الشاملة ، والسجية ~~الفاضلة ، والسرب المحروس ، والربع المأنوس ، والجناب الخصيب والعدو الحريب ~~، والمنهل القريب ؛ واجعل ms179 أولياءه باذلين لطاعته ، ناصرين لأعزته ، ذابين ~~عن حرمه ، مرفرفين على حوبائه . أيها الشمس المضيئة بالكرم ، والقمر المنير ~~بالجمال ، والنجم الثاقب بالعلم ، والكوكب الوقاد بالجود ، والبحر الفياض ~~بالمواهب ، قد سقط العشاء بعبدك على سرحك فأقره من نعمتك بما يضاهي قدرك ، ~~وزوج هيئته تربها من الغنى ، فطال ما خطب كفأها من هى . ثم يقال لي من بعد ~~: جنيت على نفسك حين ذكرت عدوه بخير ، وبينت عنه ، وجعلته سيد الناس ، ~~فأقول : كرهت أن يراني مندريا على عرض رجل عظيم الخطر ، غير مكترث للقعة ~~فيه ، والإنحاء عليه ؛ وقد كان يجوز أن أشعث من ذلك شيئا وأبري من أثلته ~~جانبا ، وأطير إلى جنبه شرارة . فيقال أيضا : جنيت على نفسك وتركت الاحتياط ~~في أمرك ؛ فإنه مقتك وعافك ورأى أنك في قولك عدوت طورك ، وجهلت قدرك ، ~~ونسيت وزنك ؛ وليس مثلك من هجم على ثلب من بلغ رتبة ذلك الرجل ، وأنت متى ~~جسرت على هذا دربت به وجعلت غيره في قرنه . فإذا كانت هذه الحالات ملتبسة ، ~~وهذه العواقب مجهولة فهل يدور العمل بعدها إلا علىالإحسان الذي هو علة ~~المحبة ، والمحبة التي هي علة الحمد ، والإساءة التي هي علة البغض ، والبغض ~~الذي هو علة الذم ؟ فهذا هذا . PageV01P251 وكان ابن عباد شديد الحسد لمن ~~أحسن القول وأجاد اللفظ . وكان الصواب غالبا عليه ، وله رفق في سرد حديث ~~ونيقة في رواية خبر ، وله شمائل مخلوطة بالدماثة ، بين الإشارة والعبارة . ~~وهذا شيء علم في البغداديين وكالخاص في غيرهم . حدثته ليلة بحديث فلم يملك ~~نفسه حتى ضحك واستعاد ، ثم قيل لي بعد : إنه كان يقول : قاتل الله أبا حيان ~~! فإنه نكد وإنه وإنه ، وأكره أن أروي ذمي بقلمي ، وكان ذلك كله حسدا محضا ~~، وغيظا بحتا . وأروي لك الحديث ، فإنه في نهاية الطيب ، وفيه فكاهة ظاهرة ~~، وعي عجيب في معرض بلاغة ظريفة في ملبس فهاهة . حدثني القاضي أبو الحسن ~~الجراحي قال : لحقتني مرة على صعبة ؛ فمن طريف ما مر على رأسي فيها أنه دخل ~~علي في جملة من عاداني شيخ الشونيزية ودوارة الحمار والتوثة ms180 وفقيهها أبو ~~الجعد الأنباري ، وكان من أصحاب البربهاري ، فقال أول ما قعد : يقع لي فيما ~~لا يقع إلا لغيري أو لمثلي فيمن كان كأنه مني أو كأنه كان على سني أو كان ~~معروفا بما لا يعرف به إلاي أني أرى أنك لا تحتمي إلا حمية فوق ما يجب ، ~~ودون ما لا يجب ، وبين فوق ما لا يجب وبين دون ما لا يجب فرق ، والله يعلم ~~أنه لا يعلمه أحد ممن يعلم أو لا يعلم . الطب كله أن تحتمي حمية بين حميتين ~~؛ حمية كلا حمية ، ولا حمية كحمية ، وهذا هو الاعتدال والتعديل والتعادل ~~والمعادلة . قال الله تعالى : ( وكان بين ذلك قواما ) ، وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ' خير الأمور أوساطها ، وشرها أطرافها ' ؛ والعلة في ~~الجملة والتفصيل إذا أقبلت لم تدبر ، وإذا أدبرت لم تقبل ، وأنت من إقبالها ~~في خوف ، ومن إدبارها في التعجب ؛ وما تصنع بهذا كله ؟ لا تنظر إلى اضطراب ~~الحمية عليك PageV01P252 ولكن انظر إلى جهل هؤلاء الأطباء الألباء الذين ~~يشققون الشعر شقا ، ويدقون البعر دقا ، ويقولون ما يدرون وما لا يدرون زرقا ~~وحمقا ؛ وإلى قلة نصحهم مه جهلهم ، ولو لم يجهلوا إذا لم ينصحوا كان أحسن ~~عند الله والملائكة ، ولو نصحوا إذا جهلوا كان أولى عند الناس وأشباه الناس ~~، والله المستعان . أنت في عافية ، ولكن عدوك ينظر إليك بعين الأست ، ويقول ~~: وجهه وجه من قد رجع من القبر بعد غد . وعلى حال فالرجوع من القبر خير من ~~الرجوع إلى القبر ، لعن الله القبر لا بزاز ولا خباز ولا دراز ولا تجواز ' ~~إنا لله وإنا إليه راجعون ' ، عن قريب إن شاء الله ، ( وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت ) ، ( ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ) ، ( وهو على جمعهم إذا ~~يشاء قدير ) ، ( ومن الجبال جدد بيض وحمر ) . تأمر بشيء ؟ السنة في العيادة ~~، خاصة عيادة الكبار والسادة ، التخفيف والتطفيف وقلة الكلام ، أنا إن شاء ~~الله عندك بالعشي ، والحق الحق وأقوم بما يجب على مثلك لمثلي ، وإن كان ليس ~~لك مثل ، ولا لمثلي مثل ms181 ؛ هكذا إلى باب الشام وإلى قنطرة الشوك وإلى ~~المزرفة . أقول لك المثوى ، أنا وأنت اليوم كمثل كمثراتين إذا عفنتا على ~~رأس شجرة ، وكدلويين إذا خلقتا على رأس بئر ، ودع ذا القارورة ، اليوم لا ~~إله إلا الله ، وأمس كان سبحان الله ، وغدا يكون شيئا آخر ، وبعد غد ترى من ~~ربك العجب ، والموت والحياة بعون الله ، ليس هذا مما يباع في السوق ، أو ~~يوجد مطروحا على الطريق ، لكن الإنسان ولا قوة إلا بالله طريف أعمى ، كأنه ~~ما صح له منام قط ، ولا خرج من السمارية إلى الشط ، وكأنه ما رأى قدرة الله ~~في البط ، إذا لقط كيف يتقطقط ؛ والكلام في الإنسان PageV01P253 وعمى قلبه ~~وسخنة عينه كثير لا يحمله تل عقرقوف ، ولا يسلم في هذه الدار إلا من عصر ~~نفسه عصرة ينشق منها فيموت كأنه شهيد . وهذا صعب لا يكون إلا بتوفيق الله ~~وبعض خذلانه الغريب . على الله توكلنا ، وإليه التفتنا ورضينا ، وبه ~~استجرنا ، إن شاء الله خرانا وإن شاء الله أطعمنا . قال القاضي : فكدت أموت ~~من الضحك ، على ضعفي ، وما زال كلامه لهوي إلى خرجت إلى الناس . وكان مع ~~هذا لا يعيا ولا يكل ولا يقف ، وكان من عجائب الزمان . وقال لي ابن عباد : ~~حدثني عن بعض لياليه ببغداد ، يعني ذا الكفايتين ، وعن مذاكرة الجماعة عنده ~~ومشاركته لها . قلت : نعم ! حضرت ليلة في شهر رمضان سنة أربع وستين ~~وثلاثمائة ، فسأل عن الغنى أ يقصر أم يمد ؟ قال ابن فارس : الغنى مقصور وهو ~~اليسار والترفة ، والغناء بالمد ما يسمع على الطريق المعروفة ، إلا أن ~~الفراء قد حكى أن المد في هذا المقصور وهو حجة ، ولا سبيل إلى رد قوله . ~~فقال أبو الفتح : هكذا وما أصح حكايتك ! ولكن قلبي لا يطمئن إلى مد هذا ~~الاسم ، لأنه لم يأت في كلامهم ممدودا . فقال ابن فارس : قد أنشد الفراء ~~قول الشاعر : سيغنيني الذي أغناك عني . . . فلا فقر يدوم ولا غناء فقلت : ~~عندي في هذا شيء ، وما دخرته إلا لمثل هذه الحال ، وقد حان وقته . فقال : ~~هات ms182 ، بارك الله عليك ، إنه لحباء بالفائدة ما علمت . قلت : الشعر على غير ~~هذا الوجه ، والبيت الذي يتلوه يشهد له ، وهو : سيغنيني الذي أغناك عني . . ~~. فلا فقري يدوم ولا غناك تجنيت الذنوب لتصرميني . . . دعي العلات واتبعي ~~هواك PageV01P254 فقال لي : أحسنت وأجدت ! من أنشدك هذا ؟ قلت : أبو الليل ~~العلوي بالمدينة ، في مجلس أميرها أبي حمد العلوي العقيقي . قال : فحدثنا ~~عن أبي الليل هذا وعن غيره بشيء . قلت : سمعت شيخا عنده من بني حرب قد أنشد ~~أبياتا ، لم أعلق منها إلا بيتا واحدا ، وهو : فتى خلقت أرواحه مستقيمة . . ~~. له نفحات ريحهن جنوب وكان معنا إذ ذاك أبو صالح الرازي الصوفي ، وكان ~~مفوها جدلا . فقال له : ماذا أراد بقوله ' أرواحه مستقيمة ' ؟ قال : أراد ~~أن أخلاقه لا تحول عن الخير ، وعادته لا تزيغ إلى القبيح ، وأنه على ديدنه ~~في الكرم ، وخص الجنوب لاستدرارها السحاب ، وجعل نفحاتها منافع لهذا الذي ~~مدح به . قال : زدنا من حديث هؤلاء المدنيين . قلت : وسمعته ، أعني الحربي ~~، يقول للأمير أبي أحمد في حديث طويل : أيها الأمير ! لني ولية تمرع جنابي ~~فإنني . . . لما نلت من وسمي نعماك شاكر قلت : أعد علي نسيج قافيتك . قال : ~~أما ثقفته ؟ قلت : ما أدري ما تقول قال : لعلك من هذه الفرقة الكلامية . ~~قلت : لعله . وسمعت هذا الحربي يقول ، وكان يكنى أبا الخصيب ، لسيدحيه ، ~~وهما بالعقيق على ضفة الوادي وقد مد ، وهما ينطقان بما أحصل ولا أحصل ، حتى ~~قال أبو الخصيب لصاحبه : PageV01P255 يا هذا ! اسل عن طارفك وتالدك ، تسد ~~بين صاحبك ووافدك ، أما سمعت في هذه القوافي الأول : لو كنت تعطي حين تسأل ~~سامحت . . . لك النفس واحلولاك كل خليل ؟ فرددت القافية ، وقلت : ' ~~واستحلاك كل خليل ' : فقال لي منكرا : ما هكذا لغتي ! فقال ذو الكفايتين : ~~كيف كان إدراكهم لما يقع بالإعراب ؟ قلت : سألت أبا الخطيب هذا : أقول إن ~~قربي جعفرا ؟ قال : نعم ، فما تبغي ؟ قلت : أ فأقول : إن بعدي جعفرا ؟ قال ~~: لا ، فما تبغي ؟ قلت : فما الذي يمنع من جوازهما ؟ قال : بينهما مسيفة لا ~~تسلك ، ورميلة لا تعلى ، وما ms183 أعلم الغيب ، وإني على بينة مما قلت ، وعلى ~~ريب مما سألت . فسمع ابن عباد هذا كله على تغيظ ما قصدت إثارته عليه ، ولا ~~علمت إن لي متقصى من نبثي منه ؛ وكان ذلك كله سبب الحرمان . ولقد ظهر لذي ~~الكفايتين بمدينة السلام فضل كبير ، على أنه لم يشخص إلا معتوبا عليه . ~~ولقد كتب إليه ابن طرخان الوراق رسالة طويلة أطلعني على فصل منها يقول فيه ~~: ' وإنك أيها السيد الهمام دخلت هذا البلد إما غرا بما تري وترى ، وإما ~~على أن تبين فضلك لأهله ، وإما لأن تستفيد منهم ما ليس عندك . فإن كان ~~دخولك على غرارة ، فما هذا بمشاكل لرتبتك في هذه الدولة التي غرتها مجلوة ~~بيدك ، وجمتها مفروقة بمذرى تدبيرك ، وأذاها مماط بذبك ، ودواؤها ~~PageV01P256 مأمون بطلبك ، وعدوها مكبوت بصولتك ، ودولتك ، ووليها قرير ~~العين بحسن إيالتك وكفالتك . وإما أن تبين فضلك ، فاعلم أنهم لا يعترفون ~~بفضلك إلا موصوفا بإفضالك ، ولا يسلمون لك مرادك فيهم إلا بأن يدركوا أملهم ~~منك ، كان ذلك طوعا أو كرها ، سلما أو حربا . وإما لأن تستفيد منهم ما ليس ~~عندك ، وهذا لا يكون مع إذالة القاصدين ، والاحتجاب من الطامعين والتكبر ~~على الحاضرين ؛ ولو حسن التكبر بأحد لحسن بك ، لأبوتك الشريفة ، ولغرتك ~~الصبيحة ، ولكفايتك الظاهرة ، ولفضائلك الكثيرة ؛ ولكن زراية التكبر على ~~صاحبه أطرد لمحاسنه من تداركه - بتكبره - من غيره ما يريد يحلده ، والناس ~~لا يرضون إلا بالغاية ، والغاية أن يظلم الرئيس نفسه تكرما على زائره ، ~~ويجرع الغيظ من كل من قرع بابه ولمس ركابه . وأنا ، أعلى الله كعبك ، أحصي ~~أشياء جعلها أصحابنا جوالب للتعب عليك ، والكلام من ورائك ، وليس لي فيما ~~أقول إلا الفوز بجمال النصح ، وإلا الالتذاذ بالتنبه على الكرم ، وإلا ~~إيثار سلامة عرضك على قوم همهم المحك في كل حال ، وإلا التعرض لذكرك لهم ~~بالجميل بعد الرحيل من هذه الرباع . فمن تلك الأشياء : سهوك الذي وقع قد ~~ركد عليك في قبول من تقبل ، وإيصال من توصل ، وإبعاد من تبعد ، وتفضيل من ~~تفضل بقول من حولك ، وحكم من ms184 أطاف بك ، استرسالا مع الأنس بهم ، وثقة بما ~~سلف لهم . وذهب عليك - أكرمك الله - أن هؤلاء الذين تنظر بأعينهم ، وتقبل ~~وترد بأهوائهم ، ما خلوا من حسد لمن يخف على قلبك ويحلى بعينيك ويلتاط ~~بنفسك ، والعامة تقول : ' القاص لا يحب القاص ' . ولو كان قلبك لكل من اسمه ~~عندك ، لصيته البعيد ، وسؤالك لمن لا شهرة له قبلك بحسن التأتي في التقريب ~~، لكان حدك حينئذ مقبولا بما يظهر لك من الزيادة PageV01P257 والنقص ، ~~وكانت الحجة تقوم بينك وبين من قد ضري على مالك ، أو وضع في نفسه أن ينال ~~مراده منك بالخدع ، على أن التغافل في هذا الباب أدل على الكرم ، كما أن ~~الاستقصاء فيه أجلب فيه للنكد . فهذا هذا . وشيء آخر ، وهو أصعب مما تقدم ، ~~وذلك أن حجاجك قد بدد شمل الزوار عنك ، وقسم ظنونهم بك ، وطرح في قلوبهم ~~اليأس منك ؛ ولست بأهل لذلك منهم كما أنهم ليسوا بأهل لشدة الحجاب منك ، ~~وقلة رافعي أخبارهم إليك . وشيء آخر ، وهو أصعب مما تقدم ، والسهو فيه لاحق ~~بالظلم ؛ لم يجب - أدام الله دولتك - أن لا يصل برك إلا إلى الفاضل ، وإلا ~~إلى الكامل ، وإلا إلى الذي هو في الشعر مفلق ، وفي الكتابة بارع ، وفي ~~الفلسفة غاية ، وفي الكلام نهاية ، وفي الفقه آية ، وفي النحو مذكور ، وفي ~~الطب مشهور ؟ وهذا ظلم . لأن الله تعالى جعل لكل شيء قدرا ، وأظهر له خطرا ~~. وكل متاع وثمنه ، وكل بدن وسمنه ، والمتناهي كان في الأول مبتدئا ، ثم في ~~الثاني متوسطا ، ثم في الثالث الذي لا رابع له ؛ وقاصدوك بفضائلهم ~~كالعارضين عليك بأمتعتهم ، وأنت تشتري كل متاع بقيمته وتعدله ببدله . فهكذا ~~ينبغي أن تفعل بأبناء الأمل وأصحاب العمل ؛ فليس يجمل أن يحظى بصلتك وبرك ~~وجائزتك ونظرك أبو سعيد السيرافي ، وأبو سليمان السجستاني ، وعلي بن عيسى ~~الرماني ، وأصحاب القلانس ، ويحرم بعض ذلك فلان وفلان ممن ليس لهم سمع ~~هؤلاء ولا حالهم ، على أنك قادر على إلحاق الصغار بالكبار بالاصطناع ~~والتفضل ؛ فإن الرجال هكذا يتلاحقون ، وفي حلبة الرؤساء يتسابقون . فكن ~~سببا للساكت حتى ms185 ينطق ، وعلة للساكن حتى يتحرك ، وبابا للنائم حتى يستيقظ ، ~~وطريقا للخامل حتى ينتبه ، وجدا سعيدا للميت حتى يحيا ؛ فأما من عدا هذه ~~الطبقة فقد سلف له بغيرك ما هو أشكر ، وبه أبصر وله أنصر ؛ على أنك إذا ~~عممت الجميع بالخير كنت أشد اقتداء بالله ، وأجنحهم إلى هدى أنبياء الله ، ~~وآخذهم بعادة خلفاء الله . وشيء آخر ترجحت بفكري في طيه ونشره ، فرأيت طيه ~~خمشا لوجه النصيحة ، PageV01P258 وذكره بالإطالة فتحا لباب الفضيحة ، ~~فذكرته مختصرا ؛ فقد يفهم من الكلام القصير المعنى العريض الطويل ، وهو ~~حديث المائدة والطبق ، وما يحضر للأكل ويجمع عليه الرقيع والوضيع ، والنزه ~~والجشع ، فجدد الاهتمام بذلك ، فإن القالة فيه طائرة ، والحال فيه دائرة ، ~~والحاجة إلى التحزم فيه ماسة ، والتغافل عنه مجلبة للذم ؛ وقد رأينا قوما ~~كراما تهاونوا في هذا الباب ، إما رفعا لأنفسهم عنه ، وإما شغلا بمهمات أخر ~~دونه ، فأكلتهم الألسنة ، وأعلقتهم الملامة ، وأحوجتهم إلى الاعتذار الطويل ~~بالاحتجاج الكثير . والكرم والمجد لا يثبتان بالدعوى ، ولا يسلمان بالحجة ، ~~ولكن يشيعان بالفعل الذي نطقه كالوحي في الحال التي تنتصب للعين ، ولا ~~يؤنفن من ضعة الأكلة ، فإن لؤم الأكلة دليل ناصع على كرم المطعم . وهذا باب ~~يزل فيه الرئيس ويظلم فيه الخدم ؛ فإن الرئيس لا يقدر على أن يتولى كل ذلك ~~بنفسه فيراعيه بلحظه ولفظه ، إلا أنه متى أحكم الأساس فقد أمن الباس ، ~~وأرضى جمهور الناس . وشيء آخر لا بد من الإفاضة فيه على وجه الذكرى ؛ إن ~~لقاءك الناس بالبشر يأسرهم لك ويرضيهم عنك ؛ فتكلف ذلك إن لم يكن التهلل ~~سجية لك بالمزاج المستعد ، وما أكثر ما يلحق المتخلق بذي الخلق . وبعد فبين ~~عبوس وجهك وقد ظهرت للناس لتركب ، وبين عبوسه ، وقد رجعت إلى دارك لتنزل ، ~~فرق ، أعني أنك ربما عذرت في العبوس في الثاني ، لأن النهار قد نصف ، ولأنك ~~قد تجشمت إلى ذلك الوقت مصاعب الدولة بالأمر والنهي والقبض والبسط ؛ ولست ~~تعذر في غرة نهارك وأنت جام ومتوجه ومقتضب للتدبير في الأمور . وشيء آخر ، ~~قد يسبق إلى عينيك ازدراء من عليم مرقعة ms186 ، أو علته بذاذة ، وقد اعتراه عي ~~إما للهيبة أو لسوء العادة ؛ فلا تصدق العين فإنها تكذب أحيانا ، وعمل على ~~أنك تعتقده بفضلك ، فإن كان من أهل الفضل فهو شقيقك بالطبيعة وإن كان من ~~أهل النقص فهو مستحق منك الرحمة . والإحسان إلى مثله شكر منك لله على ما ~~خصك به من دونه . PageV01P259 هذا ما حصل لي من ذلك الفصل . ثم إني في سنة ~~سبعين وجدت هذه الرسالة في مسودة ابن طرخان فيما يباع من ميراثه . فكان في ~~أولها : ' السعادة أيها الأستاذ الجليل ضربان ، والسعيد رجلان ، وإحدى ~~السعادتين للدنيا ، والثانية للآخرة ؛ وأحد السعيدين من هو سعيد في هذا ~~المكان ، والثاني هو السعيد في مكان آخر ؛ ومن كما فضيلة أحد السعيدين أن ~~يعاش الناس بالمعروف ، ومن تمتم إحدى السعادتين أن تتصل بالأخرى . ولما ~~رأيتك أيها الأستاذ سعيدا في هذه العاجلة بالمال والولاية ، والعز والمرتبة ~~، آثرت أن تكون سعيدا في تلك الآجلة بالإحسان والمعروف ، والبر والمكرمة ، ~~فكتبت حروفا قصدت بها إذكارك لا تعليمك ، لأنك تجل عن التعليم ؛ لما أوجب ~~الله لك علينا من التعظيم . وإنما ساغ الإذكار ، وحسن التنبيه لأشغال قد ~~اكتنفتك من تهذيب الدولة ، وأعباء قد تحملتها في حماية البيضة ، وأمور أنت ~~وليها في بث المعدلة في الرعية ، وإقامتها على سواء المحجة ، ولو سكت عن ~~هذا كله لأمكن ، وكان لا يتشعث لك حال قد تولى الله صلاحها ، ولا ينآد عليك ~~مستقيم قد أذن الله بدوامه ؛ ولكن كنت أحرم القربى إليك ، ولفوت النظر إلى ~~مثلي ومحرومي ألذع لقلبي من فائتك ؛ لأنك سيد وأنا عبد ، وأنت رئيس وأنا ~~مرؤوس ، فنعمت دالا على نفسي بما قدمته من نفسي ؛ فإن كنت لم أخرج من حد ~~الأدب المرضي ، وعادة أهل الحكمة العالية ، فما أولاك بعرفان ذلك لي ! وإن ~~كنت قد خرجت عن ذلك بعجب حال بيني وبين صوابي ، وخطإ قعد بي عن مرتبة ~~أصحابي ، فما أولاك بستر ذلك علي ! وما بسط الله باعك ، وما وسع درعك إلا ~~ليقيك خطأ غيرك بشكل صوابك ، وإلا لتتغمد إساءتهم بإحسانك ، وإلا لتغلب ms187 ~~الظن في الجميل ولا تغلب الظن فيما خالف ذلك ؛ وأنت كالسماء ذات الآفاق ~~المتبارحة ، والكواكب المزدهرة ، والحركات اللطيفة ، والآثار الشريفة ، ~~والأسرار المكنونة ، والعجائب الكثيرة ، والغرائب المشهورة ؛ فلكل عقل عنك ~~بحث ، ولكل قلب فيك أمل ، ولكل عامل عندك رجاء ، ولكل عمل قبلك جزاء . ~~PageV01P260 وأنا أسأل الله الذي رفعك إلى هذه الذروة والقلة أن لا يحطك ~~إلى شيء من الذلة والقلة ' . هذا ما صح لي بالاستخراج من مسودته ، أتيت به ~~على ما ترى . وأروي لك ها هنا قصيدة أبي عبد الله النمري يمدح بها أبا ~~الفتح ، وكان يعجب بها ، ويحفظها وينشدها . ومرادي بذلك تكثير الفائدة ؛ ~~وتخليد الحديث يمتع مرة وينفع مرة أخرى ، وهي : سرت النجائب بالنجائب . . . ~~ترمي الكواكب بالكواكب ترمي تجاهات المشا . . . رق من تجاهات المغارب قصدا ~~إلى ملك يحكم في رغائبه الغرائب ملك تبوأ من خزي . . . مة في النواصي ~~والذوائب حيث السوابق والسوا . . . بغ والنجائب والجنائب يهب المنعمة الكوا ~~. . . عب والمطهمة السلاهب في سورة المجد التلي . . . د وسورة القلب ~~الغوارب يا بن العميد عميد دو . . . لته الموطدة المراتب الألمعي اللذ تحد ~~. . . ثه الشواهد بالغوائب زرناك من أرض البصيرة شاحبين على شواحب نرد ~~المناهل كالمجا . . . هل والسباسب كالسكائب نطوي الجبال إلى جبا . . . ل ~~العلم والحلم المغالب الآن قد قر القرا . . . ر بنا وأطلبت المطالب لا ري ~~دون الري وال . . . بحر الغطامط ذي الغوارب بحر جواهده طوا . . . ف في ~~سواحله رواسب لا دونها لجج الكوا . . . رب ، لا ، ولا حجج الكواذب يرمي بنا ~~تيارها . . . قبل الأباعد والأقارب والبحر لا يندى به . . . إلا السواحل ~~والجوانب لما نهضت إلى الرجا . . . ء وحنت البيض الكواعب وتناثرت عبراته . ~~. . ن علي كالدرر الثقائب ندى يدي وحلتي . . . دمع الأحبة والحبائب ~~PageV01P261 فجعلته فالا وقل . . . ت ندى الدموع ندى المواهب ولئن تلافتني ~~يد الأ . . . ستاذ من أيدي النوائب وأقمت في الظل الظلي . . . ل ولم تشعبني ~~الشواعب ليبشرن أحبتي . . . بمواهبي شتى المواهب ويحلين لآلئا . . . أضعاف ~~أدمعها السواكب ولأقضين من العشي . . . رة كل حق حق واجب حتى يقال أعاده ال ~~. . . أستاذ مكرمة الضرائب كم ms188 من ظباء بالبصي . . . رة في المقاصر والسباسب ~~إنس ووحش يشتبه . . . ن سوى الذوائب والحقائب أدم يقاسمن الأرا . . . ك ~~جناه والقضب الركائب فلأنسها أغصانه . . . تجلو به برد السحائب ولوحشها غض ~~الجنى . . . عبث المعازل والملاعب نصطاد وحشياتها . . . وتصيدنا الإنس ~~الخراعب يا رب يوم لي كظل . . . ك أو كظلمك أو يقارب رقت حواشيه وغضت عين ~~واشيه المراقب قصرت لنا أطرافها . . . قصر القناع عن الذوائب فتبرجت لذاته ~~. . . للخاطبين وللخواطب نزلت به حاجاتنا . . . بين المحاجر والحواجب يا ~~ليت سعدا من سعو . . . دك رد أيامي الذواهب ملك يضيء بوجهه . . . وترى به ~~الظلم الغياهب لو سامه أعداؤه . . . ما نديهم ، واليوم عاصب وهب الذوائب ~~للمطا . . . عن والقواضب للمضارب ومن السخاء مذاهب . . . يعددن في جمل ~~العجائب لما رآه الطالع ال . . . مأمون مأمون المغائب ورآه ركن الدولة ال . ~~. . غراء ركنا ذا مناكب ومظفر الأقلام والأ . . . علام ميمون النقائب كأبيه ~~خير أب وأن . . . جبه إذا عد المناجب PageV01P262 رد الأمور إليه ر . . . د ~~مفوضين على التجارب حتى إذا انتظمت له . . . بثقوب آراء ثواقب وكفى أمير ~~المؤمني . . . ن عرى الكتابة والكتائب بكفايتين أقامتا . . . أود المسالم ~~والمحارب اشتق من أفعاله . . . لقبا له بكر المناقب مثل الفرند على القوا . ~~. . ضب والفريد على الترائب لله توفيق الإما . . . م العدل في اللقب ~~المناسب يا خير من ركب الجيا . . . د وقادها قبا شوازب أغنيتني كل الغنى . ~~. . وكسبتني أسنى المكاسب شرفا تلقبه العدا . . . سرفا فيالك من معايب ~~وكسوتني حللا صقل . . . ن خواطري صقل القواضب حللا كديباج الخدو . . . د ~~مطرزات بالشوارب فلتشكرن رياضنا . . . جدوى سحائبك الصوائب ولتنظمن لك ~~القصا . . . ئد كالقلائد للكواعب والنمري هذا مليح الشعر والأدب والخلق ، ~~ولما توجه إلى ذي الكفايتين من البصرة وصف بعض ما عناه فقال : لما رأيت كرم ~~الأصما وشجر البلوط خضرا عما وفتية عن الفصيح صما ذكرت بالبصرة نخلا جما ~~وفتية بيض الوجوه شما ناديت ياللهم فرج غما ما أسرع الشيء إذا ما حما فأما ~~الجملة التي تمت في أمر أبي الفتح ذي الكفايتين ، فقد كنت في أول الكتاب قد ~~وعدت بروايتها ، وهذا موضعها ms189 على ما سنح الرأي فيه ، ولعلها تفيد وإن لم ~~تكن من خاص ما في هذه الجملة ؛ لأن الرسالة قد صارت كتاب خرافة ، وذاك أن ~~القصد PageV01P263 الأول لم ينحرف إلى هذه الفنون والشعب ، ولكن الحديث ذو ~~شجون ، وله نزوة من القلب على اللسان ، ودبيب على اللسان من القلب ، ~~والاحتراس منه يقل ، والغلط فيه يعرض ، وحفظ الكلام على سننه من الكلف ~~الشاقة والأمور الصعبة واللسان فيه أكثر إنصافا من القلم ، واللفظ أعدل من ~~الخط . وبعد وقبل فالكلام في نشر العيب ، وكشف القناع ، وتدنيس العرض ، ~~وهجو الإنسان ، ووصفه بالخبائث أكثر استمرارا ، والمتكلم فيه أظهر نشاطا ، ~~وأمرن عادة ، وأوقد هاجسا ، وأحضر عاطسا ، وهذا لأن الشر طباع والخير تكلف ~~، والطينة أغلب . وقد قال بعض فتيان خراسان : الإحسان من الإنسان زلة ، ~~والرحمة من القادر أعجوبة ، والظلم من المدل مألوف . وقد قيل لبعض من انتجع ~~مأمولا وأدرك حاجته منه : كيف انقلبت عن فلان ؟ فقال : منعني لذة هجائه ، ~~وأكرهني على حسن الثناء عليه ، والقلوب مجبولة على حب الإحسان ، والألسنة ~~تابعة للقلوب ، كما أن العيون ناطقة عن الضمائر ؛ ولهذا قال الشاعر : ~~تحدثني العينان ما القلب كاتم . . . ولاجن بالبغضاء والنظر الشزر أي لا ~~حائل ولا ستر . واللحظ رائد ، والقلب شاهد ؛ والرائد لا يكذب أهله ، ~~والشاهد لا يكذب نفسه . وقلت لأبي سليمان شيخنا ببغداد ، وكان يتهادى كلامه ~~، ويتشاح على ما يسمع منه : لم صار السب والهجاء وذكر كل عورة وفحشاء أخف ~~على من حرم مأموله ، ومنع ملتمسه ، من الوصف الحسن والثناء الجميل ، والمدح ~~الأغر المحجل ، والتقريظ البليغ المتقبل على من صدقه ظنه ، وتحقق رجاؤه ، ~~وحضرته أمنيته ؟ فقال : لأن الذي يمدح يعلم من نفسه ما عندها كالعتيد ، ~~والذي يثلب PageV01P264 يأخذ لنفسه ما ليس عندها كالمستقبل ؛ فالفصل بينهما ~~كالفصل بين الغارم وما يملكه ، وبين الغانم ما يطلبه . وهذا كما قال ، وهو ~~أرجع إلى شفاء النفس وبر الغليل ، وإلى بلوغ الغاية والاستيلاء على النهاية ~~. * * * كان من الحديث الذي زللنا عنه قليلا إلى هذا الموضع أن ركن الدولة ~~لما مات في أول سنة ست وستين ms190 وثلاثمائة ، اجتمع أبو الفتح ذو الكفايتين ، ~~وعلي بن كامة ، وتعاهدا وتعاقدا وتوافقا وتحالفا ، وبذل كل واحد منهما ~~لصاحبه الإخلاص في المودة في السر والجهر ، والذب في الظاهر والباطن ، ~~والتوقير عند الصغير والكبير ، واجتهدا في الإيمان الغامسة ، والعقود ~~المؤربة ، والأسباب المغارة الفتل ، ودبرا أمر الجيش ، ورد النافر وركبا ~~الخطر الحاضر ، وعانقا الخطب العاقر ، وباشر كل ذلك أبو الفتح خاصة بحد من ~~نفسه ، وصريمة من رأيه ، وجودة فكره ، وصحة نيته ؛ وتوفيق ربه . ~~PageV01P265 فلما ورد مؤيد الدولة الري من أصفهان ؛ وعاين الأمر متسقا ؛ ~~ولحق كل فتق مرتتقا ، بما تقدم من الحزم فيه ، ونفذ من الرأي الصائب عنده ، ~~أنكر الزيادة الموجبة للجند ، وكرهها ودمدم بها . فقال له أبو الفتح : بها ~~نظمت لك الملك ، وحفظت لك الدولة ، وصنت الحريم ، وإن خالفت هذه الزيادة ~~هواك أسقطت باليد الطولى . وكان ابن عباد قد ورد ، وحطبه رطب ، وتنوره بارد ~~، وزرقه غير نافذ ؛ هذا في الظاهر ، فأما في الباطن فكان يخلو بصاحبه ~~وينزيه على أبي الفتح بما يجد إليه السبيل من الطعن والقدح . فأحسن بذلك ~~كله ابن العميد فألب الأولياء على ابن عباد حتى كثر الشغب ، وعظم الخطب ، ~~وهم بقتله ، وقال للأمير : ليس من حق كفايتي في الدولة وقد انتكث حبلها ، ~~وقويت أطماع المفسدين فيها ، أن أسام الخسف ، والأحرار لا يصبرون على نظرات ~~الذل وغمزات الهوان . فقال له في الجواب : كلامك مسموع ، ورضاك متبوع ، فما ~~الذي يبرد فورتك منه ؟ قال : ينصرف إلى أصفهان موفورا ، فوالله لئن أنصفته ~~في مطالبه برفع حساب ما نظر فيه ليعرقن جبينه ، وليقذفن جنينه ، ولئن أحس ~~الأولياء الذين اصطنعتهم بمالي وإفضالي بكلامه في أمري ، وسعيه في فسد حالي ~~، ليكونن هلاكه على أيديهم أسرع من البرق إذا خطف ، ومن المزن إذا نطف . ~~فقال له : مخالف لرأيك ، والنظر لك ، والزمام بيدك . وتلطف ابن عباد في عرض ~~ذلك لأبي الفتح ، وقال : أنا أتظلم منك إليك ، وأتحمل بك عليك ؛ وهذا ~~الاستيحاش العارض سهل الزوال إذا تألف الشارد من حلمك على شافع كرمك ولني ~~ديوان الإنشاء ، واستخدمني فيه ، ورتبني بين ms191 يديك ، واحصرني بين أمرك ونهيك ~~، وسمني برضاك ؛ فإني صنيعة والدك ، وأتجدد بهذا صنيعة لك ، وليس بجميل أن ~~تكر على ما بناه ذلك الرئيس فتهوره وتنقضه ؛ ومتى أجبتني إلى ذلك وأمنتنني ~~فإني أكون خادما بحضرتك ، وكاتبا يطلب الزلفة عندك في صغير أمرك وكبيره وفي ~~هذا إطفاء الثائرة التي قد تأربت بسوء ظنك ، وتصديق أعدائي علي . فقال في ~~الجواب : والله لا تجاورني في بلد السرير ، وبحضرة التدبير ، وخلوة الأمير ~~، ولا يكون لك أذن علي ، ولا عين عندي . PageV01P266 وليس لك مني رضى إلا ~~بالعودة إلى مكانك من إصبهان والسلو عما تحدث به نفسك . فخرج ابن عباد من ~~الري على صورة قبيحة ؛ خرج متنكرا بالليل . وذاك أنه خاف الفتك والغيلة ، ~~وبلغ أصفهان وألقى عصاه بها ونفسه تغلي ، وصدره يفور ، والخوف شامل ، ~~والوسواس غالب . وهم أبو الفتح بإنفاذ من يطلبه ويؤذيه ويهينه ، ويعسف به ، ~~فأحسن هو بالأمر ؛ فحدثني ابن المنجم قال : عمل على ركوب المفازة إلى ~~نيسابور لما ضاق عطنه ، واختلف على نفسه ظنه ، وإنا لفي هذا وما أشبهه حتى ~~بلغهم أن خراسان قد أزمعت الدلوف إليهم ، وتثاورت في الإطلال عليهم . فقال ~~الأمير لأبي الفتح : ما الرأي ؟ قد نمي إلينا ما تعلم من طمع خراسان في هذه ~~الدولة بعد موت ركن الدولة . فقال أبو الفتح : ليس الرأي إلي ولا إليك ، ~~ولا الهم علي ولا عليك . ها هنا من يقول لك : أنت خليفتي ، ويقول لي : أنت ~~كاتب خليفتي ، يدبر هذا بالمال وبالرجال ، وهو الملك عضد الدولة . قال : ~~فاكتب إليه وأشعره بما قد منينا به ، وسله دواء هذا الداء ، وأبلغ في ذلك ~~ما يوجبه الحزم الصحيح ، ويؤذن بالسعي النجيح ، فكتب وتلطف . وصدر في ~~الجواب : إن هذا الأمر عجيب ، رجل مات وخلف مالا ، وله ورثة وابن ، فلم ~~يحمل إليه شيء من إرثه زيا عنه واستئثارا به دونه ، ثم خوطب بأن يغرم شيئا ~~آخر من عنده قد كسبه بجهده ، وجمعه بسعيه وكدحه . هذا والله حديث لم يسمع ~~بمثله ، ولئن استفتي فذ هذا الفقهاء لم يكن عندهم منه إلا التعجب ms192 ~~والاستطراف ، ورحمة هذا الوارث المظلوم من وجهين : أحدهما : أنه حرم ماله ~~بحق الإرث ، والآخر : أنه يطالب بإخراج ما ليس عليه ؛ وإن أبى قولي حاكمت ~~كل من سام هذا إلى من يرضى به . فلما سمع مؤيد الدولة هذا ، وقرأه أبو ~~الفتح قال : - ما ترى ؟ قال : قد قلت ، وليس لي سواه ، أقول : هذا الرجل هو ~~الملك ، والمدبر ، والمال PageV01P267 كله ماله ، والبلاد بلاده ، والجند ~~جنده ، والكل عليه والمهنأ له ، والاسم والجلالة عنده ، وليس ها هنا إرث قد ~~زوي عنه ، ولا مال استؤثر به دونه ، والنادرة لا وجه لها في أمر الجد وفيما ~~يتعلق باللعب . أما خراسان فكانت منذ عشرين سنة تطالبنا بالمال ، وتهددنا ~~بالمسير والحرب ، ونحن مرة نسالم ومرة نحارب . ونحن في خلال ذلك نفرق المال ~~بعد المال على وجوه مختلفة ، واحسب أن ركن الدولة حي باق ، هل كان له إلا ~~أن يدبر بماله ورجاله ودخره وكنزه . أ فليس هذا الحكم لازما لمن قام مقامه ~~، وجلس مجلسه ، وألقي إليه زحام الملك ، وأصدر عنه كل رأي ، وأورد عليه كل ~~دقيق وجليل ؟ وهل علينا إلا الخدمة والنصرة والمناصحة بكل ما سهل وصعب كما ~~كان ذلك عليه بالأمس من جهة الماضي ؟ فقال الأمير : إن الخطب في هذا أراه ~~يطول ، والكلام يتردد ، والمناظرة تربو ، والحجة تقف ، والفرصة تفوت ، ~~والعدو يستمكن ؛ وأرى في الوقت أن نذكر وجها للمال حتى نحتج به ثم نستمد في ~~الباقي منه ، ونرضي الجند في الحال ، ونتحزم في الأمر ، ونظهر المرارة ~~والشكيمة بالاهتمام والاستعداد ، حتى يطير العين إلى خراسان بجدنا ~~واجتهادنا ، وحزمنا واعتمادنا ، فيكون في ذلك تكسير لقلوبهم وحسم لأطماعهم ~~، وباعث على تجديد القول في الصلح ، وإعادة الكلام في المواعيد ، ورد الحال ~~إلى العادة المعروفة ، فقال : أسأل الله بركة هذا الأمر ، فقد نشيت منه ~~رائحة منكرة وما أعرف للمال وجها . أما أنا فقد خرجت من جميع ما كان عندي ~~مرة بما خدمت به الماضي تبرعا حدثان موت أبي ، ومرة بما طالبني به سرا ، ~~وأوعدني بالعزل والاستخفاف من أجله ، ومرة بما غرمت في المسير إلى ms193 العراق ~~في نصرة الدولة . وهذه وجوه استنفذت قلي وكثري ، وأتت على ظاهري وباطني ، ~~وقد غرمت إلى هذه الغاية ما إن ذكرته كنت كالمتن على أولياء نعمتي ، وإن ~~سكت كنت كالمتهم عند من يتوقع عثرتي . وهذا هذا . وأما أحوال النواحي فأحسن ~~حالنا فيها أنا نزجيها إلى الأولياء في نواحيها مع النفقة الواسعة في ~~الوظائف والمهمات التي ننويها . PageV01P268 وأما العامة فلا أحوج الله ~~إليها ، ولا كانت دولة لا تثب إلا بها وبأوساخ أموالها . فقال الأمير وكان ~~ملقنا : هذا ابن كامة ، وهو صاحب الذخائر والكنوز والجبال والحصون ، وبيده ~~بلاد ، قد جمع هذا كله من نعمتنا وفي مملكتنا وأيامنا وبدولتنا ، وهو جام ~~ما شيك ، ومختوم ما فض مذ كان . ما تقول فيه ؟ قال : ما لي فيه كلام ، فإن ~~بيني وبينه عهدا ما أخيس به ولو ذهبت نفسي . فقال : اطلب منه القرض . قال : ~~إنه يتوحش ويراه بابا من الغضاضة ، وقدر القرض لا يبلغ حد الحاجة ، فإن ~~الحاجة ماسة إلى خمسمائة ألف دينار على التقريب ، ونفسه أنفع لنا وأورد على ~~دولتنا من موقع ذلك المال . وبعد فرأيه وتدبيره واسمه وصيته وبداره إلى ~~الحرب فوق المطلوب . قال : فليس لنا وجه سواه ؛ وإذ ليس ها هنا وجه ، فليس ~~يأس بأن نطالع الملك بهذا الرأي لتكون نتيجته من ثم . فقال : أنا لا أكتب ~~بهذا فإنه غدر . قال : يا هذا ! فأنت كاتبي وصاحب سري وثقتي ، والزمام في ~~جميع أمري ، ولا سبيل إلى إخراج هذا الحديث إلى أحد من خلق الله ؛ فإن أنت ~~لم تتول حاره وقاره ، وغثه وسمينه ، ومحبوبه ومكروهه ، فمن ؟ قال : أيها ~~الأمير ! لا تسمني الخيانة ، فإني قد أعطيته عهدا نفضه يذر الديار بلاقع ، ~~ومع اليوم غد ، ولعن الله عاجلة تفسد آجلة . فقال : إني لست أسومك أن تقبض ~~عليه ، ولا أن تسيء إليه . أشر بهذا المعنى على ذلك المجلس ، وخلاك ذم ؛ ~~فإن رأي الصواب فيه تولاه دونك كما يراه ، وإن أضرب عنه عاضنا رأيا غير ما ~~رأينا ، وأنت على حالك لا تنزل عنها ولا تبدل بها ؛ وإنما الذي يجب ms194 عليك في ~~هذا الوقت أن تكتب بين يدي حرفين : أنه لا وجه لهذا المال إلا من جهة فلان ~~، ولست أولى مطالبته به ، ولا مخاطبته عليه ، وفاء له بالعهد ، وثباتا على ~~PageV01P269 اليمين ، وجريا على الواجب ؛ ولا أقل من أن تجيب إلى هذا القدر ~~، وليس فيه ما يدل على شيء من النكث والخلاف والتبديل . فما زال هذا وشبهه ~~يتردد بينهما حتى أخذ خطه بهذا النص على أن يصدره إلى فارس . فلما حصل الخط ~~، وجن الليل ، روسل ابن كامة وحضر ، وقال له الأمير : أ ما عندك هذا المخنث ~~فيما أشار به على الملك في شأنك ، وأورد عليه في أمرك من إطماعه في مالك ~~ونفسك ، وتكثيره عنده ما تحت يدك ، وفي ناحيتك مع صاحبيك ؟ فقال علي بن ~~كامة : هذا الفتى يرتفع عن هذا الحديث ، ولعل عدوا قد كاده به ، وبيني ~~وبينه ما لا منفذ للسحر فيه ، ولا مساغ لظن سيء فيه . قال : فما قلت ما ~~سمعت إلا علىتحقيق ، ودع هذا كله يذهب في الريح ، هذا كتابه إلى فارس بما ~~عرفتك ، وخطه . قال علي : أنا لا أعرف الخط ، ولكن كاتبي يعرف ، فإن أذنت ~~حضر . قال : فليحضر . فجاء الخثعمي الكاتب ، وشهد أن الخط خطه ، فحال ابن ~~كامة على سجيته ، وخرج من مسكه ، وقال : ما ظننت أن هذا الفتى بعد الأيمان ~~التي بيننا يستجيز هذا . قال الأمير : أيها الرجل ! إنما أطلعك الملك على ~~نية هذا الغلام فيك ، لتعرف فساد ضميره لك ، وما هو عليه من هنات أخر ، ~~وآفات هي أكثر من هذا وأكبر ؛ وقد حرك خراسان علينا ، وكاتب صاحب جرجان ، ~~وألقى إلى أخينا بهمذان ، يعني فخر الدولة ، أخبارنا ، وهو عين ها هنا ~~لبختيار وقد اعتقد أنه يعمل في تخليص هذه البلاد له ، ويكون وزيرا بالعراق ~~، وقد ذاق ببغداد ما لا يخرج من ضرسه إلا بنزع نفسه . وكان المجوسي أبو نصر ~~قد قدم من عند الملك عضد الدولة وهو يفتل الحبل ويبرم ، ويؤخر مرة ويقدم ~~أخرى ، ويهاب مرة ويقدم ؛ وكان الحديث قد بيت بليل ، واهتم به قبل وقته ms195 ~~بزمان . قال لي علي بن كامة : فما الرأي الآن . قال : PageV01P270 لا أرى ~~أمثل من طاعة الملك في البض عليه ، وقد كنا على ذلك قادرين ، ولكن كرهنا أن ~~يظن بنا أنا هجمنا على نصيحنا وكافينا ، وعلى ربيب نعمتنا ، وناشيء دولتنا ~~فمهدنا عندك العذر ، وأوضحنا لك الأمر . قال : فأنا أكفيكموه . ثم كان ما ~~كان . قال الخليلي : وكا هذا جره عليه الاستبداد بالرأي ، والغرارة ~~والتواني وقلة التجربة ، والركون إلى وصية الميت ، وسوء النظر في العواقب ، ~~ومجانبة الحزم والرأي الثاقب ؛ وكان أمر الله مفعولا . ورأيت الخليلي ، ~~والهروي ، والشاعر المغربي ، وجماعة من خلطاء أبي الفتح ، كابن فارس ، وابن ~~عبد الرحيم يخوضون في حديثه ، وقالوا : كان الرأي كذا وكذا ، فقال المغربي ~~: أجود من هذه الآراء كلها أن كان يضرب عنق المجوسي جهارا أتى الدهر بما ~~أتى ، وما كان ليكون أشد مما كان ؛ ولعله كان يطرح هنيهة ، ويصير سببا إلى ~~خلاص . وذهبوا في القول كل مذهب . وفي الجملة القدر لا يسبق ، والقضاء لا ~~يملك ؛ ومن استوفى أكله استغنى أجله ، والكلام فضل ، والرأي الدبري مردود ، ~~ومن ساوق الدهر غلب ، ومن لجأ إلى الله فقد فاز فوزا عظيما . ما وصلنا - ~~حاطك الله - حديثا بحديث ، وكلمة بكلمة ، إلا لتكثر الفائدة ، ويظهر العلم ~~، ويكون ما صرفنا القول فيه مرفودا بالحجة الناصعة ، والامتاع المونق . ~~أيها السامع ! قد سمعت صريح الحديث ودعيه ، وعرفت مسخوطه ومرضيه ؛ فإن كان ~~الله قد ألهمك العدل ، وحبب إليك الإنصاف ، وخفف عليك الرفق ، ووفر نصيبك ~~من الخير ، ورفع كعبك في الفضل ، فقد رضيت بحكمك ، وأمنت عداوتك ، ووثقت ~~بما كتب الله لي على لسانك ، وجعله حظي منك . واعلم أنك إن كنت تريد ~~الاعتذار فقد أسلفت الواضح فيه ، وإن كنت تطلب الاحتجاج فقد أتى البيان ~~عليه ، وإن كنت تغضب لابن عباد أو لابن العميد فقد شحنت هذا الكتاب من ~~فضلهما وأدبهما وكرمهما ومجدهما ، بما إذا ميزته وأفردته ثم اجتليته ~~وأبصرته ، واقع نفسك ، وشفى غليلك ، وبلغ آخر مردك ؛ وإلا فعرفني من جمع ~~إلى PageV01P271 هذا الوقت عشر ورقات في مناقبهما وآدابهما ومكارمهما ، وما ms196 ~~ينطق عن اتساعهما وقدرتهما ، ويدعو إلى تعظيمهما وتوفية حقوقهما ومعرفة ~~أقدارهما وهممهما ، ممن لهما عليه الإصبع الحسنة ، واليد الخضراء ، والنعمة ~~السابغة ، ومن لم يذكر إلا بهما ، ومن لم يعرف إلا في أيامهما ، ومن لو لم ~~يلتفت إليه واحد منهما لكان يحرس في الدروب ، أو يلقط النوى في الشوارع ، ~~أو يوجد في أواخر الحمامات . ودع الشعراء جانبا ، فإنما ذاك عن حسب دني ، ~~ومذهب زري ، وطمع خسيس ، ومقام نذل ، وموقف مخجل ؛ ولكن هات رسالة مجردة ، ~~وأديبا فاضلا وعالما مذكورا تجرد لنصرتهما ، ودل على خفي فضلهما ، أو عجب ~~من جلي فعلهما ! فإن كنت لا تجد ذلك ، فدع الكلب ينبح ، فإنما الكلب نباح . ~~على أني - حفظك الله - لا أبرئ نفسي في هذا الكتاب الطويل العريض من دبيب ~~الهوى ، وتسويل النفس ، ومكايد الشيطان ، وغريب ما يعرض للإنسان . فإن وقفت ~~على شيء من ذلك وقرأت العذل علينا ، وسال في اللائمة من أجله وإياك أن تجي ~~جلدة لا تدمي بشفرتك ، أو تسند إلى جمجمة لا تقشعر ذوائبها بريحك ، وأن ~~تمتحن جوهرا لا يحاص عيبه بنارك . واستيقن أن من ركب سنام هذا الحديث كما ~~ركبته ، وسبح في غامر هذه القصة كما سبحت ، وقال ما قلت ، وعرض بما عرضت ، ~~فغير بعيد أن يحكم له وعليه بمثل ما يحكم به لي وعلي ، وإذا كان الحكم ~~لازما ، وهذا القياس مطردا ، فالرضا بهما عز ، والصبر عليهما شرف وإني ~~لأحسد الذي يقول : أعد خمسين عاما ما علي يد . . . لأجنبي ولا فضل لذي رحم ~~الحمد لله شكرا قد قنعت فلا . . . أشكو لئيما ولا أطري أخا كرم لأني أتمنى ~~أن أكونه ، ولكن العجز غالب ، لأنه مبذور في الطينة . ولقد أحسن الآخر أيضا ~~حين يقول : ضيق العذر في الضراعة أنا . . . لو قنعنا بقسمنا لكفانا ما لنا ~~نعبد العباد إذا كا . . . ن إلى الله فقرنا وغنانا PageV01P272 وأدعوها هنا ~~بما دعا به بعض النساك : ' اللهم ثن وجوهنا باليسار ، ولا تبتذلها بالإقتار ~~فنسترزق أهل رزقك ، ونسأل شرار خلقك ، فنبتلى بحمد من أعطى وذم من منع . ~~وأنت من دونهما ولي ms197 الإعطاء ، وبيدك خزائن الأرض والسماء . يا ذا الجلال ~~والإكرام . | PageV01P273 ms198