######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012541 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو حيان التوحيدي، علي بن محمد بن العباس (المتوفى: نحو 400هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أخلاق الوزيرين = مثالب الوزيرين = أخلاق الصاحب بن عباد وابن العميد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012541 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12541 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12541 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد بن تاويت الطنجي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار صادر - بيروت، بإذن: المجمع العلمي العربي بدمشق #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1412 هـ - 1992 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | [مقدمة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، وصلواته على خير خلقه محمد وآله الطيبين. # أمتعك الله بنعمته عليك، وتولاك بحسن معونته لك؛ وألهمك حمده، وأوزعك ~~شكره، ومنحك صنعه وتوفيقه؛ وألبسك عفوه وعافيته، وأوصل إليك رأفته، وصرف ~~رغبتك إلى ما خلص عندك نفعه عاجلا، وحلت لك ثمرته آجلا؛ وعرفك ما في الغيبة ~~والفرة من الهجنة والشناعة؛ وما في إظهار العيب والتنديد من العار ~~والتباعة، وما في الإعراض عن أعراض الناس من السلامة والفائدة، وما في ~~مباقاتهم ومقاربتهم والتوقير لهم من الراحة والعائدة، حتى لا تأتي ما تأتي ~~إلا وأنت واثق بعاقبته ومرجوعه، ولا تدع ما تدع إلا وأنت محسوم الطمع من ~~خيره ومردوده، وحتى لا تتكلف إلا ما في وسعك وطاقتك، ولا تكلف PageV01P001 ~~أحدا إلا ما له طريق إلى طاعتك وإجابتك، وعنده الحجة القوية في تقديم ~~أمرك، والتلوي فيما يتحمله لك ويتوخى فيه مسرتك، ويقصد به جذلك وغبطتك، ~~ويصير بالصبر عليه من أوليائك وشيعتك، ولا يخرج معه إلى محادتك ومخالفتك، ~~لآمر يعوز، وحادث يعرض، وعطن يضيق، وبال ينخزل، وطباع تخور، وحاسد يطعن، ~~وعدو يعترض، وجاهل يتعجرف، وسفيه يتهانف، وصدر يحرج، ولسان يتلجلج؛ بل ~~يتلقى أمرك بالقبول، وينشط لخدمتك بالتأميل ويرى أن ما يناله من رضاك فوق ~~ما يبذل فيه جهده لك، وما يحرزه من ثوابك أضعاف ما يبرزه من كدحه عندك، وما ~~ينجو به من عتبكواستزادتكيوفي على ما يتعلق بسعيه في مرادك، وما يعز به ~~الثاني من إحمادك أرد عليه مما يذل به في الأول من اقتراحك، وما يقوى به من ~~اليقين والطمأنينة في كرامته عندك أكثر مما يضعف به من الترنح والشك في ~~بواره عليك. PageV01P002 # وهذا باب يرجع إلى معرفة الأحوال إذا وردت مشتبهة مستبهمة، وعواقب الأمور ~~إذا صدرت مستنيرة متوضحة؛ وثمرة هذه المعرفة السلامة في الدنيا والكرامة في ~~الآخرة، وبهذه المعرفة يصح الصرف والموازنة، وتمييز ما اختلف فيه مما اتفق ~~عليه، وما ترجح بين الاختلاف والاتفاق، ولم يقم عند الامتحان والنظر على ~~ساق. # وهذه حال لا ms001 تستفاد إلا بقلة الرضا عن النفس، وترك الهويني في التشاور ~~والتخاير، ومجانبة الوكال كيف دار الأمر وأين بلغت الغاية. # وأنت - حفظك الله - إذا نظرت إلى الدنيا وجدتها قائمة على هذه الأركان، ~~جارية على هذه الأصول، ثابتة على هذه العادة؛ فكل من كان نصيبه من ~~الكيس والحزامة أكثر، كان قسطه من النفع والعائدة أوفر، وكل من كان حظه من ~~العقل والتأييد أنزر، كانت تجارته فيها أخسر، وعاقبته منها أعسر. # وهذا الباب جماع المنافع والمضار، وبه يقع التفاوت بين الأخيار والأشرار، ~~وبين السفلة وذوي الأقدار؛ وهو باب ينتظم الصدق PageV01P003 ~~والكذب في القول، والخير والشر في الفعل، والحق والباطل في الاعتقاد، ~~والعدل والجور فيما عم، والإخلاص واليقين فيما خص، والراحة والسلوان فيما ~~بان ووضح، والقناعة والصبر فيما نأى ونزح؛ ومتى تمت هذه المعرفة، واستحكمت ~~هذه البصيرة، كان الإقدام على ثقة بالظفر، والنكول عن اطلاع على الغيب. # وهذه معان من أبصرها نقدها، ومن نقدها أخذ بها وأعطى، وكان فيها أنفذ من ~~غيره وأمضى؛ وهناك يحكم لبعده بالغور، ولصدره بالسعة، ولصيته بالطيرورة، ~~ولطباعه بالكرم، ولخلقه بالسهولة ولعوده بالصلابة، ولنفسه بالمداراة، ~~ولوجهه بالطلاقة، ولبشاشته بالخلابة. ومتى عاشرت من هذا نعته وحديثه نعمت ~~معه، وسلمت عليه، وسعدت به، وكرمت لديه، وكان حظك من خلالته ومجاورته ~~الغبطة به، والغنيمة بمكانه؛ وأنى لك بمن هذا وصفه وخبره، ومن لك بالمرء ~~الذي لا بعده، مع اضطراب دعائم الدنيا، وتساقط أركان الدين؟ والأول يقول: PageV01P004 # وكيف التماس الدر والضرع يابس %~% # وما لامرئ مما قضى الله مزحل %~% # وليس لرحل حطه الله حامل %~% # إن البريء من الهنات سعيد %~% # وما خير سيف لم يؤبد بقائم %~% # تسل ولكن أين بالسيف ضارب %~% PageV01P005 # الله يرزق لا كيس ولا حمق %~% # والبر خير حقيبقة الرجل %~% # ولقد أجاد المخزومي أبو سعد في قوله: # اصطلح السائل والمسؤول %~% ليس إلى مكرمة سبيل # غال بإخوان الوفاء غول %~% كل امرئ بشأنه مشغول # وما أبعد الآخر حين يقول: # أرى الناس شتى في النجار وإن غدت %~% خلائقهم في اللؤم واحدة النجر PageV01P006 # وقد زادني عتبا على الدهر أنني ms002 %~% عدمت الذي يعدي على حادث الدهر # وهذا كثير، والداء فيه متفاقم، والقول عليه معاد مملول. # فإن قلت: هؤلاء شعراء، والشعراء سفهاء، ليسوا علماء ولا حكماء، وإنما ~~يقولون ما يقولون، والجشع باد منهم، والطمع غالب عليهم، وعلى قدر الرغبة ~~والرهبة يكون صوابهم وخطأهم؛ ومن أمكن أن يزحزح عن الحق بأدنى طمع، ويحمل ~~على الباطل بأيسر رغبة، فليس ممن يكون لقوله إتاء، أو لحكمته مضاء، أو ~~لقدره رفعة، أو في خلقه طهارة؛ ولهذا قال القائل: # لا تصحبن شاعرا فإنه %~% يهجوك مجانا ويطري بثمن # وهذا لأنه مع الريح، إن مالت به مال، يتطوح مع أقل عارض، ويجيب أول ناعق، ~~ويشيم أي برق لاح، ولا يبالي في أي واد طاح؛ فقد جمع دينه ومروئته في قرن ~~تهاونا بهما، وعجزا عن تدبيرهما؛ فهو لا يكترث كيف أجاب سائلا، وكيف أبطل ~~مجيبا، وكيف ذم كاذبا ومتحاملا، وكيف مدح مواربا ومخاتلا. فلا تفعل، فداك PageV01P007 ~~عمك، وشب ابنك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: " إن من الشعر ~~لحكما "، كما قال: " وإن من البيان لسحرا "، وكيف لا يكون كذلك وفيه مثل ~~قول لبيد: # إن تقوى ربنا خير نفل %~% وبإذن الله ريثي وعجل # والشعر كلام وإن كان من قبيل النظم، كما أن الخطبة كلام وإن كان من قبيل ~~النثر، والانتثار والانتظام صورتان للكلام في السمع، كما أن الحق والباطل ~~صورتان للمعنى، وكذلك المثل في السمع، وليس الصواب مقصورا على النثر دون ~~النظم، ولا الحق مقبولا بالنظم دون النثر؛ وما رأينا أحدا أغضى على باطل ~~النظم واعترض على حق النثر؛ لأن النثر لا ينتقص من الحق شيئا؛ وما أحسن ما ~~قال القائل: PageV01P008 # وإنما الشعر لب المرء يعرضه %~% على المجالس إن كيسا وإن حمقا # وإن أشعر بيت أنت قائله %~% بيت يقال، إذا أنشدته، صدقا # وهذا باب لا يفيد الإغراق فيه إلا ما يفيد التوسط والقصد، فلا وجه مع هذا ~~للإطالة، ولما يكون سببا للملامة. # وهذه الجملة - أكرمك الله - أنت أحوجتني إليها، ~~وجشمتني صعبها حتى نشبت بها قائما وقاعدا، وتقلبت ms003 في حافاتها مختارا ~~ومضطرا، وتصرفت في فنونها محسنا ومسيئا، لما تابعت إلي من كتاب بعد كتاب، ~~تطالبني في جميعه بنسخ أشياء من حديث ابن عباد وابن العميد وغيرهما ممن ~~أدركت في عصري من هؤلاء، منذ سنة خمسين وثلاثمائة إلى هذه الغاية، وزعمت ~~أني قد خبرت هذين الرجلين من غمار الباقين، ووقفت على شأنهما، واستبنت ~~دخائلهما، وعرفت خوافي أحوالهما، وغرائب مذاهبهما وأخلاقهما. ولعمري قد كان ~~أكثر ذاك، إما بالمشاهدة والصحبة، وإما بالسماع والرواية من البطانة ~~والحاشية والندماء وذوي الملابسة. # وقلت: ينبغي أن تضيف إلى ذلك ما يتعلق به، ويدخل في طرازه ولا يخرج عن ~~الإفادة بذكره، والاستفادة من نشره؛ فإن PageV01P009 ~~ذلك يأتي على كل ما تتوق إليه النفس من كرم ولؤم، وزيادة ونقص، وورع ~~وانسلاخ، ورزانة وسخف، وكيس وبله، وشجاعة وجبن، ووفاء وغدر، وسياسة وإهمال، ~~واستعفاف ونطف، ودهاء وغفلة، وبيان ووعي، ورشاد وغي، وخطإ وصواب، وحلم ~~وسفه، وخلاعة وتمالك، ونزاهة ودنس، وفظاظة ورقة، وحياء وقحة، ورحمة وقسوة. # وقلت: ولا يحلو موقع ذلك كله ولا يعذب ورده، ولا يغزر عده، ولا ينقاد ~~السمع له، ولا يراح القلب به إلا بعد أن تدع المحاشاة وأنت مقتدر، وتفارق ~~المخاشاة وأنت منتصر، وإلا بعد أن تترك العدو والحاسد ينقدان بغيظهما ~~انقدادا، ويرتدان على أعقابهما ارتدادا؛ فإن التقية في هذا الفن مجزعة ~~مضرعة، وركوب الردع فيه مأثرة ومفخرة. PageV01P010 # وقلت والعامة تقول: من جعل نفسه شاة دق عنقه الذئب، ومن صير نفسه نخالة ~~أكله الدجاج، ومن نام على قارعة الطريق دقته الحوافر دقا، والكبر في ~~استيفاء الحق من غير ظلم، كالتواضع في أداء الحق من غير ذل، وكما أن المنع ~~في موضع الإعطاء حرمان، كذلك الإعطاء في موضع المنع خذلان؛ وكما أن الكلام ~~في موضع الصمت فضل وهدر، كذلك السكوت في موضع الكلام لكنة وحصر، وكما أن ~~القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، كذلك النفوس طبعت على بغض من أساء ~~إليها؛ والجبل والطبع وإن افترقا في اللفظ فإنهما يجتمعان في المعنى، وكما ~~أن الحب نتيجة الإحسان، ms004 كذلك البغض نتيجة الإساءة، وكما أن المنعم عليه لا ~~يتهنأ بنعمته الواصلة إليه إلا بالشكر لواهبها، كذلك المساء إليه لا يجد ~~برد غلته ولذة حياته إلا بأن يشكو صاحب الإساءة، وإلا بأن يهجو المانع، ~~ويذم المقصر، ويثلب الحارم وينادي على الخسيس الساقط، والنذل الهابط، في كل ~~سوق، وفي كل مجلس، وعند كل هزل وجد، ومع كل شكل وضد؛ ميزان عدل، ووزن بقسط، ~~ونصفة مقبولة، وعادة جارية على وجه الدهر. PageV01P011 # وقلت: ومن وجع قلبه وجعك، وألم علته ألمك؛ وحرم حرمانك، وخيب خيبتك، وجرع ~~ما جرعته، وقصد بما قصدت به، وعومل بما شاع لك، قال وأطال، وكرر وسير، ~~وأعاد وأبدى، وعرض وصرح، ومرض وصحح، وقام وقعد، وقرب وبعد؛ وإن عينا ترقد ~~على الضيم للعمى أحسن بها، وإن نفسا تقر على الخسف للموت أولى بها من ~~حياتها. # وقلت: أما سمعت قول العاتب على ابن العميد في رسالته حين قال الحق له؟ ~~قال: وليعلم المرء - وإن عز سلطانه، وعلا مكانه، وكثرت حاشيته وغاشيته، ~~وملك الأعنة، وقاد الأزمة - أنه ينعم له في الحمد على الحسن، والذم على ~~القبيح، وأن المخوف يرتاب من ورائه PageV01P012 ~~كما يقرع المأمون في وجهه، فأعلاهما حالا أكثرهما عند التقصير وبالا. # وهذا باب يعرفه من الناس من ساس الناس؛ وهذا الكاتب يعرف بالأشل. # وقلت أيضا: ولست أسألك أن لا تذكر من حديثهما إلا ما كان جالبا لمقتهما، ~~وداعيا إلى الزراية عليهما، وباعثا على سوء القول والاعتقاد فيهما، بل تضيف ~~إلى ذلك ما قد شاع لهما وشهر عنهما، من فضائل لم يثلثهما فيها أحد في ~~زمانهما، ولا كثير ممن تقدمهما؛ فإن الفائدة المطلوبة في أمرهما وشرح ~~حديثهما، تأديب النفس واجتلاب الأنس، وإصلاح الخلق، وتخليص ما حسن مما قبح، ~~وتسليط النظر الصحيح، مع العدل المحمود فيما أشكل واشتبه بين الحسن المطلق ~~والقبيح المطلق، وقلت: ومما ينبغي أن لا تغفله ولا تذهب عنه، وتطالب نفسك ~~بالتيقظ فيه، والتجمع له: باب اللفظ والمعنى في الصدق والكذب، PageV01P013 ~~فإنك إن حرفت في هذا بعض التحريف، أو جزفت في ms005 ذاك بعض التجزيف، خرج معناك ~~من أن يكون فخما نبيلا، ولفظك من أن يكون حلوا مقبولا، لأن الأحوال كلها - ~~في اصلاحها وفسادها - موضوعة دون اللفظ المونق، والتأليف المعجب، وقبل فاسد ~~معناه لصالح لفظه! وقلت: وإنما نبهتك على هذا شفقة عليك، وحرصا على أن لا ~~يكون لمعنت وعائب طريق إليك، وأنت - بحمد الله - مستوص لا تحوج إلى تنبيه ~~بعنف، وإن أحوجت إلى إذكار بلطف؛ وقد كان البيان عزيزا في وقت البيان، ~~والنصح غريبا في وقت النصح، والدين مسترفا في وقت الدين، إذ الحكمة معانقة ~~بالصدر والنحر، مقبلة بكل شفة وثغر، مخطوبة من جميع الآفاق، يقرع من أجلها ~~كل باب، ويحرق على فائتها كل ناب، والأدب متنافس فيه، محروص على الاستكثار ~~منه، مع شعبه الكثيرة وطرائقه المختلفة؛ والدين في عرض ذلك مذبوب عنه ~~بالقول والعمل، مرجوع إليه بالرضا والتسليم، مقنوع به في PageV01P014 ~~الغصب والحلم؛ فكيف اليوم وقد استحالت الحال عجماء، وملك الغنى والثراء ~~الرؤساء والعلماء، وقل الخائض فيما كسب زيادة أو نفى نقيصة، وأورث عزا أو ~~أعقب فوزا. # وقلت: # وليكن ذلك كله - إذا نشطت له - مقصورا غير مبسوط، أو بين المقصور ~~والمبسوط، فإنه إن زاد على هذا التحديد طال، وإذا طال مل، وإذا مل نظر إلى ~~صحيحه بعين السقيم، وحكم على حقه بلسان الباطل، وتخيل القصد فيه إسرافا، ~~والعدل فيه جورا، وعند ذلك يحول عن بهجته ومائه، ورونقه وصفائه. # وجميع ما قلته - حاطك الله - وأتيت به، وسحبت ذيلك عليه، ورفلت أعطافك ~~فيه، قد سمعته وفهمته، وطويته في نفسي وبسطته، وجمعته بذهني وفرقته، ونظمته ~~عندي ونثرته؛ ولست جاهلا به ولا ذاهلا عنه، ولكن من لي بعتاد ذلك كله، ~~وبالتأتي له، وبالقدرة عليه، وبالسلامة فيه إن فاتتني الغنيمة فيه؟ مع صدري ~~الضيق، وبالي المشغول ومع رزوح الحال، وفقد النصر، وسوء الجزع، وضعف ~~التوكل؛ نعم!، ومع الأدب المدخول، واللسان الملجلج، والعلم PageV01P015 ~~القليل، والبيان النزر، والخوف المانع؛ وإني لأظن أن الطائع لك في هذه ~~الخطة، والمجيب عن هذه المسألة، قليل التقية، سيء البقية، ضعيف البديهة ~~والروية؛ ms006 لأنه يتصدى لما لا يفي به، ولا يتسع له، ولا يتمكن منه؛ فإن وفى ~~واتسع وتمكن لم يسلم على كثير ممن يقرأ كلامه، ويتصفح أمره، ويقص أثره، ~~ويطلب عثرته؛ لأن الناس في نشر المدح والذم، وفي بسط العذر واللوم؛ على ~~آراء مختلفة، ومذاهب متباينة، وأهواء مشتعلة، وعادات متعاندة. # على أنهم، بعد شدة جدالهم وطول مرائهم، رجلان: متعصب لمن تذمه وتعيبه ~~وتنث القبيح عنه، فهو يغتفر له جميع ما يسمع منك، صادقا كنت أو كاذبا، ~~معرضا كنت أو مفصحا. # أو متعصب على من تمدحه وتزكيه وتفضله وتثني عليه، فهو يرد عليك كل ما ~~تدعيه، محققا كنت أو مجزفا، موضحا كنت أو مزخرفا؛ ولذلك قال بعض علماء ~~السلف الصالح: هما أمران مثواك بينهما، راض عنك فهو يمنحك أكثر مما هو لك، ~~وساخط عليك يتنقصك من حقك؛ فرم ما ثلم الباغي بفضلة الراضي يعتدل بك الأمر؛ PageV01P016 ~~والشاعر قد فرغ من هذا المعنى وسيره في قريضه المشهور المتداول حيث يقول: # وعين الرضا عن كل عيب كليلة %~% ولكن عين السخط تبدي المساويا # على أن هذا الشاعر قد أثبت العيب وإن كان قد وصفه بكلول العين عنه، ودل ~~على المساوي وإن كان السخط مبديها، وهذا لأن الهوى مقيم لابث والرأي مجتاز ~~عارض، ولا بد للهوى من أن يعمل عمله، ويبلغ مبلغه، وله قرار لا يطمئن دونه، ~~وحد هو أبدا يتعداه ويتجاوزه، وله غول تضل، وتمساح يبتلع، وثعبان - إذا نفخ ~~- لا يبقي ولا يذر، والرأي عنده غريب خامل، وناصح مجهول. # وقال بعض الحكماء: فضل ما بين الرأي والهوى أن الهوى يخص والرأي يعم، ~~والهوى في حيز العاجل، والرأي في حيز الآجل، والرأي يبقى على الدهر، والهوى ~~سريع البيود كالزهر، والرأي PageV01P017 ~~من وراء حجاب، والهوى مفتح الأبواب ممدد الأطناب؛ ولذلك قال أيضا بعض ~~العرب، ويقال هو عامر بن الظرب: الرأي نائم والهوى يقظان، فأرقدوا الهوى ~~بفظاظة، وأيقظوا الرأي بلطافة. # وقال الشاعر: # كم من أسير في يدي شهواته %~% طفر الهوى منه بحزم ضائع # وقال أعرابي: لم أر كالعقل صديقا ms007 معقوقا، ولا كالهوى عدوا معشوقا؛ ومن ~~وفقه الله للخير جعل هواه مقموعا، ورأيه مرفوعا. # وإذا كان الهوى - أبقاك الله - على ما وصفنا، وعلى وراء ما وصفنا مما لا ~~نحيط به وإن أطلنا، فمتى يخلو المادح - إذا مدح - من بعض الإفراط تقربا إلى ~~مأموله، وخلابة لعقله، واستدرارا لكرمه، وبعثا على تنويله وتخويله؛ وهذه ~~حال مصحوبة في الممدوح إذا كان أيضا غائبا أو ميتا؟ أو متى يسلم الذام - ~~إذا ذم - من بعض PageV01P018 ~~الإسراف تعنتا لصاحبه وحملا عليه بالإنحاء الشديد، والقول الشنيع، ~~والنداء الفاضح، والحديث المخزي، وجريا مع شفاء الغيظ وبرد الغليل؟ لأن ~~جرعة الحرمان أمر من جرعة الثكل، وضياع التأميل أمض من الموت، وخدمة من لم ~~يجعله الله لها أهلا أشد من الفقر، وإنما يخدم من انتصب خليفة لله بين ~~عباده بالكرم والرحمة، والتجاوز والصفح، والجود والنائل، وصلة العيش وبذل ~~مادة الحياة وما يصاب به روح الكفاية؛ وحرمان المؤمل من الرئيس ككفران ~~النعمة من التابع ورحى الحرب في هذا الموضع راكدة، والقراع عليه قائم، ~~والخطابة في دفعه وإثباته واسعة، والتمويه مع ذلك معترض، والإعتذار مردود، ~~والتأويل كثير، والتنزيل قليل. # ولقد رأيت الجرجائي - وكان في عداد الوزراء وجلة الرؤساء، PageV01P019 ~~وإنما قتله ابن بقية لأنه نعم له بالوزارة - يقول للحاتمي أبي علي، وهو ~~من أدهياء الناس: # إنما تحرم لأنك تشتم # فقال الحاتمي: وإنما أشتم لأني أحرم. # فأعاد الجرجائي قوله. # فأعاد الحاتمي جوابه. PageV01P020 # فقال ثم ماذا؟ قال الحاتمي: دع الدست قائمة، وإن شئت عملناها على ~~الواضحة. # قال: قل! قال الحاتمي: يقطع هذا أن لا يسمعوا مدائحهم، ولا يكترثوا ~~بمراتبهم؛ وأن يعترفوا لنا بمزية الأدب وفضل العلم وشرف الحكمة، كما خذينا ~~لهم بعظمة الولاية، وفضل العمل، وبسط اليد، وعرض الجاه، والاستبداد بالتنعم ~~والطاق والرواق، والأمر والنهي، والحجاب والبواب؛ وأن يكتبوا على أبواب ~~دورهم وقصورهم: يا بني الرجاء! ابعدوا عنا، ويا أصحاب الأمل! اقطعوا ~~أطماعكم عن خيرنا وميرنا، وأحمرنا وأصفرنا، ووفروا علينا أموالنا، فلسنا PageV01P021 ~~نرتاح انثركم في رسالة تحبرونها، ولا لنظمكم في قصيدة تتخيرونها، ولا ~~نعتد بملازمتكم ms008 لمجالسنا، وترددكم إلى أبوابنا، وصبركم على ذل حجابنا، ولا ~~نهش لمدحكم وقريضكم، ولا لثنائكم وتقريظكم؛ ومن فعل ما زجرناه عنه ثم ندم ~~فلا يلومن إلا نفسه، ولا يقلعن إلا ضرسه، ولا يخمشن إلا وجهه، ولا يشقن إلا ~~ثوبه، وإن من طمع في موائدنا يجب أن يصبر على أوابدنا، ومن رغب في فوائدنا ~~نشب في مكايدنا. فأما إذا استخدمونا في مجالسهم بوصف محاسنهم، وستر ~~مساويهم، والاحتجاج عنهم، والكذب لهم؛ وأن نكون ألسنة نفاحة عنهم فليثيبوا ~~على العمل، فإن في توفية العمال أجورهم قوام الدنيا، وحياة الأحياء ~~والموتى؛ فإن قصرنا بعد ذلك في إعادة الشكر وإبدائه، وتنميق الثناء ~~وإفشائه، فإنهم من منعنا في حل، ومن الإساءة إلينا في سعة. # فرأيت الجرجائي - حين سمع هذا الكلام النقي، وهذه الحجة البالغة - وجم ~~ساعة ثم قال: لعمري إذا جئنا إلى الحق، ونظرنا فيه بعين لا قذى بها، ونفس ~~لا لؤم فيها، فإن العطاء أولى من المنع، والتنويل أولى من الحرمان، والخطأ ~~في الجود أسلم من PageV01P022 ~~الصواب في البخل، لأن الصواب في البخل خفي جدا، وقل من يعرفه، والخطأ في ~~الجود حلو جدا، وقل من يكرهه. # وأنا أقول: قد صدق هذا الرجل الجليل في هذا الحرف صدقا لا تماري فيه. # ولقد جرى بيني وبين أبي علي مسكويه شيء هذا موضعه. # قال مرة: أما ترى إلى خطأ صاحبنا - وهو يعني ابن العميد - في إعطائه ~~فلانا ألف دينار ضربة واحدة؟ لقد أضاع هذا المال الخطير فيمن لا يستحق. # فقلت له - بعد ما أطال الحديث وتقطع بالأسف: أيها الشيخ! أسألك عن شيء ~~واحد واصدق، فإنه لا مدب للكذب بيني وبينك، ولا هبوب لريح التمويه علينا؛ ~~لو غلط صاحبك فيك بهذا العطاء PageV01P023 ~~وبأضعافه وأضعاف أضعافه، أكنت تتخيله في نفسك مخطئا ومبذرا ومفسدا وجاهلا ~~بحق المال؟ أو كنت تقول: ما أحسن ما فعل! وليته أربى عليه؟ فإن كان ما تسمع ~~على حقيقته، فاعلم أن الذي بدد مالك، وردد مقالك إنما هو الحسد أو شيء آخر ~~من جنسه، فأنت تدعي الحكمة، وتتكلم ms009 في الأخلاق وتزيف منها الزائف، وتختار ~~منها المختار. فافطن لأمرك، واطلع على سرك وشرك. # هذا ذكرته - أبقاك الله - لتتبين أن الخطأ في العطاء مقبول، والنفس تغضي ~~عليه، والصواب في المنع مردود، والنفس تقلق منه؛ ولذلك قال المأمون وهو سيد ~~كريم، وملك عظيم، وسائس معروف: " لأن أخطئ باذلا أحب إلي من أن أصيب مانعا ~~"، والشاعر يقول: # لا يذهب العرف بين الله والناس %~% ~~يتلمظ حلاوتها، ولم يطعم فتاتة منها، ولم يسغ جرعة من غديرها، ولم يسحب ~~ذيلا من أذيالها. # وصدر هذا الكلام شبيه بشيء لا بأس بروايته في هذا الموضع وإن لم يكن من ~~قبيل ما طال القول فيه، وتوالى النفس به. # قال المأمون لأبي العتاهية: إذا قال الله لعبده: لم لم تطعني، أي شيء ~~يكون من جوابه؟ فقال: يقول: يا رب لو وفقتني لأطعتك. # قال: فإن الله يقول: لو أطعتني لوفقتك. PageV01P025 # قال أبو العتاهية: فإن العبد يقول: لو وفقتني لأطعتك، أيكون ما يحتاج ~~إليه العبد نسيئة، وما يطالبه الله به نقدا؟ قال المأمون: فما يقطع هذا؟ ~~قال يا أمير المؤمنين، اضرب عنه، فإن الدست قائمة. # وأرجع فأقول: وما خلا الناس منذ قامت الدنيا من تقصير واجتهاد، وبلوغ ~~الغاية، وقصور عن النهاية، وتشارك في المحامد والمذام، والمساوي والمحاسن، ~~والمناقب والمثالب، والفضائل والرذائل، والمكارم والملائم، والمنافع ~~والمضار، والمكاره والمسار؛ ومن بعض ما يكون للقائل فيه مندوحه، وللشاغب به ~~استراحة، وللناظر فيه متسع، وللسامع فيه مستمتع؛ وأحسنهم حالا، وأسعدهم ~~جدا، وأبلغهم يمنا، وأربحهم بضاعة، من كانت محاسنه غامرة لمساويه، ومناقبه ~~ظاهرة على مثالبه، ومادحه أكثر من هاجيه، وعاذره أنطق من عاذله، والمحتج ~~عنه أنبه من المحتج عليه، والنافح عنه أصدق PageV01P026 ~~من النافح فيه؛ وليس العمل على عدد هذه وهذه، ولكن على أن لا يكون مع ~~صاحب المحاسن من الخصال اللئيمة ما يحبطها ويجتاحها، ويختلعها، ويأتي عليها ~~وإن صغر حجم تلك الخلة، وخمل اسم تلك الخصلة؛ وأن يكون مع صاحب المساوي من ~~الخلال الكريمة ما يغطيها، ويسبل الستر عليها، ويعين الذائد عنها، ويبيض ~~وجه الناصر ms010 لها، ويمد باع المتطاول إليها؛ وكما وجدنا السيئات يحبطن ~~الحسنات، كذلك وجدنا الحسنات يذهبن السيئات. # والعمود الذي عليه المعول، والغاية التي إليها الموئل، في خصال ثلاث هن ~~دعائم العالم، وأركان الحياة، وأمهات الفضائل، وأصول مصالح الخلق في المعاش ~~والمعاد؛ وهن: الدين، والخلق، والعلم، بهن يعتدل الحال، وينتهى إلى الكمال، ~~وبهن تملك الأزمة، وينال أعز ما تسمو إليه الهمة؛ وبهن تؤمن الغوائل، وتحمد ~~العواقب؛ لأن الدين جماع المراشد والمصالح، والخلق نظام الخيرات والمنافع، ~~والعلم رباط الجميع؛ ولأن الدين بالعلم يصح، والخلق بالعلم يطهر، PageV01P027 ~~والعلم بالعمل يكمل؛ فمن سلم دينه من الشك واللحاء، وسوء الظن والمراء، ~~وثبت على قاعدة التصديق بمواد اليقين الذي أقر به البرهان، وطهر خلقه من ~~دنس الملال، ولجاج الطمع، وهجنة البخل، وكان له من البشر نصيب، ومن الطلاقة ~~حظ، ومن المساهلة موضع؛ وحظي بالعلم الذي هو حياة الميت، وحلي الحي، وكمال ~~الإنسان فقد برز بكل فضل، وبان بكل شرف، وخلا عن كل غباوة، وبرئ من كل ~~معابة، وبلغ النجد الأشرف، وصار إلى الغاية القصوى. # ولم أذكر لك العقل في هذا التفصيل، وهو أولهن، وبه يتم آخرهن، وعليه مجرى ~~جميع ما افتن القول به؛ لأنه موهبة الله العظمى، ومنحته الكبرى، وباب ~~السعادة في الآخرة والأولى، وكان ما عداه فرعا عليه، ومضموما إليه؛ لأنه ~~متى عدمه الإنسان الحي الناطق فقد سقط عنه التكليف، وبطل عليه الاختيار، ~~وصار كبعض البهائم العاملة، وكبعض الشخوص الماثلة؛ وبه يعرف الدين، ويقوم ~~الخلق، ويقتبس العلم، ويلتمس العمل الذي هو الزبدة؛ وقد يعدم العمل والعقل ~~موجود، وقد يفقد الخلق والدين ثابت؛ فليس PageV01P028 ~~الأصل كالفرع، ولا الأول كالثاني، ولا العلة كمجلوب العلة، ولا ما هو ~~قائم كالجوهر، كما هو دائر كالعرض؛ فلهذا أضربت عن ذكره، وغنيت عن ~~الاستظهار به؛ وإذا تمت فائدة الكلام فما زاد عليه لغو، وإذا استقر فيه ~~المعنى فما ألم به فساد. # والناس - هداك الله - من هذه الخصال التي ميزتها والخلال التي نصصت القول ~~فيها، على أنصباء مختلفة، وهم فيها على غايات متنازحة، بالقلة ms011 والكثرة، ~~والضعف والقوة، والنقصان والزيادة، ومن أجلها يتوخون بالحمد على الإحسان، ~~ويخدمون بالشكر على الجميل، ويحيون بالنصائح الخالصة، ويحبون بالقلوب ~~الصافية؛ ويثنى عليهم بالقرائح النقية، والطويات المأمونة، ويذب عنهم ~~بالنيات الحسنة والألسنة الفصيحة ويعاونون عند الشدائد الحادثة، والنوائب ~~الكارثة، والأمور الهائلة، والأسباب الغائلة، بالمال المدخور، والنصح ~~المنخول، ويدفع عنهم بالأيدي الباطشة، والأقدام الثابتة، والأرواح العزيزة، ~~والأنفس الكريمة؛ وكذلك PageV01P029 ~~يوكسون على التقصير باللائمة، ويجبهون على اللؤم بالآبدة؛ ويذمون على ~~التهاون بكل فاقرة، ويطوقون كل خزي ومعرة، ويواجهون بكل شنعاء مفضعة، ~~ويغتابون بكل فاحشة منكرة، ويرمون بكل ساقطة ولاقطة، ويحرقون بكل نار ~~حامية، ويقذفون بكل مخجلة مندية. # فهذا جمهور الخبر عن حال المحسن إذا أحسن، وحال المسيء إذا قصر، وهم إذا ~~كانوا على هذا السياق ثابتين، ولهذا المنهاج سالكين، فإنهم يتنزعون إلى ~~أصول حديثة وقديمة، وأعراق كريمة ولئيمة، والمجدود من بينهم من لاث الله ~~بيافوخه الخير، وعقد بناصيته البركة، وجعل يده ينبوع الإفضال والجود، وعصم ~~طباعه من PageV01P030 ~~الخساسة والدناءة، وكفاه عار البطالة والفسالة ونزهه عن الإسفاف ~~والنذالة. # وهذا كله ثمرة البصيرة الثاقبة، والنية الحسنة، والضمير المأمون، والغيب ~~السليم، والعقل المؤرب، والحق المؤثر وإن كان مرا، والأدب الحسن وإن كان ~~شاقا، والعفافة التي أصلها الطهارة، والطهارة التي أصلها النزاهة؛ ومن عجن ~~الله طينته بهذا الماء، وروح عنه بهذا الهواء، وأطلق نفسه بهذا الجو، وقلبه ~~على هذا البساط، وسقاه بهذا النوء، فقد أيده بروح القدس، ووصله بلطيف ~~الصنع، وأكمل عليه النعمة الجليلة، وأنابه بالشرف المحسود، وميزه بالمزية ~~التامة، وخصه بخيم الأنبياء، وألبسه جلباب الأصفياء، وأتاه ضرائب الصالحين ~~وأحضره توفيق المهديين المرضيين. # وقد صح - حفظك الله - عندي، ووضح لي أن الذي هاجك على هذا المعنى حتى ~~حركتني له، وطالبتني به، ولم ترض مني إلا بالمبالغة والاستقصاء وإلا ~~بمباداة الأعداء. وذوي الشحناء: اجتماعنا في PageV01P031 ~~مجالس العلماء، وتلاقينا على أبواب الحكماء والأدباء أيام كنت أفكهك ~~بالحديث النادر، واللفظ الحسن، فأضحك سنك بما ملح وحر، وأزيدك من خلال ذلك ~~كله خبرة بالدهر وأهله، واعتبارا بالزمان وتصرفه، وأفتح عليك ms012 باب المؤانسة، ~~وأصف لك أخلاق الناس وما يفترقون به ويجتمعون عليه من غرائب الأمور، وطرائف ~~الأحوال أيام كان عود الشباب رطيبا، وورق الحياة نضيرا، وظل العيش ممدودا، ~~ونجم الزمان متوقداومقترح النفس مواتيا، وروض المنى خضلا، ودر النعمة ~~متصلا، وداعي الهوى مشمرا؛ أيام رأسك فينان، وأنت كالصعدة تحت السنان، ~~شطاطك معجب، وحديثك معشوق، وقربك متمنى، والليل بك قصير، والنهار عليك ~~مقصور، والعيون إليك طوامح، والعواذل دونك نوائح وذاك زمان مضى فانقضى، ~~فأما غويا وإما رشيدا؛ وكان الوقت يقتضي ذلك ويسعه، والحال تواتيه وتحمله، ~~والعذر يقع لطالبه وملتمسه؛ لكني إذا PageV01P032 ~~نظرت إلى أملي المتعلق بك، وطمعي الحائم عليك، ورجائي المذبذب عليك حولك؛ ~~وحالي التي جعلك الله كافلها وراعيها، وجامعها، وناظم ما انتثر منها، ومؤلف ~~ما انتشر عنها - رأيت البدار إلى بغيتك أدبا محمودا، وحظا مدركا، والتراخي ~~عن طاعتك حرمانا حاضرا، وعتبا مؤلما. # وهكذا صنيع الطمع؛ فقل لي ما أصنع إن رد اعتذاري من يسره عثاري، ويسوءه ~~استمراري؛ وليس إلا الصبر فإنه مفتاح كل باب مرتج وبرود كل حران ملهج، وما ~~زال الطمع قديما وحديثا وبدءا وعودا يضرع الخد الصقيل، ويرغم الأنف الأشم، ~~ويعفر الوجه المفدى، ويغصن العارض المندى، ويحني القوام المهتز، ويدنس ~~العرض الطاهر؛ ولحا الله الفقر فإنه جالب الطمع والطبع، وكاسب الجشع ~~والضرع، وهو الحائل بين المرء ودينه، وسد دون مروءته وأدبه، وعزة نفسه؛ ~~ولقد صدق الأول حيث قال: PageV01P033 # وقد يقصر القل الفتى دون همه %~% وقد كان لولا القل طلاع أنجد # وما كذب الآخر حيث يقول: # إذ المرء لم يقن الحياء إذا رأى %~% مطامع نيل دنسته المطامع # إذا قل مال المرء قل صديقه %~% وأهوت عليه بالعيوب الأصابع # وأجاد الآخر حين قال: # أزرى بنا أننا شالت نعامتنا %~% والفقر يزري بأحساب وألباب # وما أملح قول الأعرابي في قافيته: PageV01P034 # ما بال أم حبيش لا تكلمنا %~% إذا افتقرنا وقد نثري فنتفق # وصدق، لأنها إذا لحقته على الفقر رغبت عنه ولم تواصله، وفركته واختارت ~~عليه. # وما أحسن ما قال بعد هذا في وصف سيرته وحسن عادة ms013 أهله، فإنه قال: # إنا إذا حطمة حتت لنا ورقا %~% نمارس العود حتى ينبت الورق # وصاحب الفقر إن مدح فرط، وإن ذم أسقط، وإن عمل صالحا أحبط، وإن ركب شيئا ~~خلط وخبط؛ ولم أر شيئا أكشف لغطاء الأديب، ولا أنشف لماء وجهه، ولا أذعر ~~لسرب حياته منه، وإن الحر الآنف، والكريم المتعيف من مقاساته والتجلد عليه، ~~لفي شغل شاغل وموت مائت. PageV01P035 # وعلى ما قدمت من هذه الكلمات، وأطلت به هذا الباب، فقد امتثلت أمرك ~~وسارعت إليه، وأرجو أن تهب لي فيه رضاك إن وقه موقعه الذي أملته، وتهديني ~~إلى الصواب إن زل عن حدك الذي حددته، وما غاية أملي به، وقصارى همتي منه، ~~إلا أن أكون سببا قويا فيما حاز لك الشكر مني، وأوفر عليك الحمد عني، ~~وأذاقك حلاوة مدحي وتمجيدي، والشاعر يقول: # العرف أصل يجتنى %~% من فرعه الثمر الحميد # يبلى الفتى في قبره %~% وفعاله غض جديد # وسأجعل قصدي نحو السلامة إذا غلبني اليأس من الغنيمة، وأضيف إلى متن ~~الحديث فوائد كثيرة، وأجتهد معذرا، وأتقصى معذورا، وأحكم متكرما، وأقول ما ~~أقول رائيا؛ وراويا؛ على أني لا أثق بالخاطر إذا طاش، ولا باللسان إذا همز، ~~ولا بالقلم إذا استرسل، ولا بالهوى إذا اشتمل وسول؛ فإن الهوى يعمي ويصم، ~~ولعل الغيظ يجرح ويجهز. # وهذه آفات متداركة لا سبيل إلى التغاضي عنها، والسلامة PageV01P036 ~~عليها، وذاك لأن الكلام في حمد من يحمد، وذم من يذم، إن نمق تنميقا دخله ~~التزيد، والمتزيد مقلي، وإن أرسل على غراره شانه التقصير، والمقصر معجز؛ ~~ولأن يدخله التقصير فيكون دليلا على الإبقاء، أحب إلي من أن يدخله التزيد ~~فيكون دليلا على الإرباء؛ على أن من وصف كريما أطرب، ومن أطرب طرب، والطرب ~~خفة وأريحية تستفزان الطباع، وتشبهان الحصيف بالسخيف؛ فأما من حدث عن لئيم ~~فإن أساس كلامه يكون على الغيظ، والغيظ نار القلب، وخبث اللسان، وتشنيع ~~القلم، فكيف الإنصاف في وصف هذين الرجلين على هذين الحدين، مع سرف الهوى، ~~ووقان الغيظ، وعادة الجور، وداعية الفساد، وصارفة الصلاح؟ وهذه أعراض لا ms014 ~~محيص منها ولا أمان من اعترائها، ولا واقي من تعاورها، وبعض هذا يهتك ستر ~~الحلم وإن كان كثيفا، ويفتق جيب التجمل وإن كان مكفوفا، ويخرج إلى الجهل ~~وإن كان يقبحه متقدما. PageV01P037 # وكنت هممت ببعض هذا منذ زمان، فكبح عناني عن ذلك بعض أشياخنا وقصر إرادتي ~~دونه، وزعم أن الاختيار الحسن، والأدب المرضي ينهيان عنه، ولا يجوزان الخوض ~~فيه؛ لأن الغيبة والقذع والعضيهة والتقيح والسب المؤلم والكلام القاشر، ~~والمكاشفة بالملامة والشتيمة بلا مراقبة ليست من أخلاق أهل الحكمة، ولا من ~~دأب ذوي الأخلاق الكريمة، وقد قال بعض الحكماء: لا تكونن الأرض أكتم منا ~~للسر؛ ومن اعتاد الوقيعة في الأعراض، ومباداة الناس بالسفه، وثلبهم بكل ما ~~جاش في الصدر، وتذرع به اللسان، فليس ممن يذكر بخير، أو يرجى له فلاح، أو ~~يؤمن معه عيب؛ قال: وهل الحلم إلا في كظم الغيظ، وفي تجرع المضض، وفي الصبر ~~على المرارة، وفي الإغضاء عن الهفوات؛ ومن لك بالمهذب الندب الذي لا يجد ~~العيب إليه مختطى، والأول يقول: PageV01P038 # ولست بمستبق أخا لا تلمه %~% على شعث أي الرجال المهذب # وقيل: لو تكاشفتم ما تدافنتم، ولو تساويتم ما تطاوعتم؛ ولا بد من هنة ~~تغتفر، ومن تقصير يحتمل، والاستقصاء فرقة، وفي المسالمة تحبب، ومن ناقش في ~~الحساب فقد رغب عن سجاحه الخلق، وحسن الملكة وإيثار الكرم. # وهذا الذي قاله هذا الشيخ الصالح مذهب معروف، وصاحبه حميد، لا يدفعه من ~~له مسكة من عقل وسيرة صالحة في الناس، وأدب موروث عن السلف؛ وليت هذا ~~القائل ولي من نفسه هذه الولاية، وعامل غيره بهذه الوصية، وليته بدأ الكلام ~~وما شابهه الرئيس الذي قد أخرج تابعه إلى هذا العناء والكد، وإلى هذا ~~القيام والقعود! لا، ولكنه رأي جانب البائس المحروم ألين، وعذل المنتجع ~~المظلوم أهون، وزجر المتلذذ بما ينثه ويستريح به أسهل؛ فأقبل عليه واعظا، ~~وأعرض عن ظالمه محابيا. PageV01P039 # وبعد فصاحب هذا القول وادع غير محفظ، وموفور غير منتقص، وناعم البال غير ~~مغيظ، وصحيح الجناح غير مهيض؛ ولو شيك بحد قتادة لكنا ms015 نقف على عريكته كيف ~~تكون، وعلى شكيمته كيف تثبت، وكنا نعرف ما يأتمر عليه، وليس برد العافية من ~~حر البلاد في شيء. # ولما وقعت الفتنة أيام المهلب كان أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يثبط ~~الناس عن الوثوب مع بني المهلب في قتال أهل الشام، وقام بذلك مقاوم شقت على ~~مروان بن المهلب، فقام مروان ذات يوم PageV01P040 ~~خطيبا، وحث الناس على الجد والإنكماش، ثم عرض بالحسن فقال: بلغني أن هذا ~~الشيخ الطالح المرائي يثبط الناس عن الطلب بحقنا والله لو أن جاره نزع من ~~خص داره قصبة لظل أنفه راعفا، ودمعه واكفا، وقلبه لاهفا، ولسانه قارفا، ~~وينكر علينا أن نطلب ما لنا، وكلاما غير هذا غادرناه قادرين؛ لأنه لا وجه ~~للإطالة به؛ ولا أقول إن مروان بن المهلب، أحق بما قال من الحسن، ولكن ~~الحسن تكلم على مذهب النساك، ومروان قابل ذلك بمذهب الفتاك. # وفي الجملة - أبقاك الله - ليس المضطر كالمختار، ولا المحرج كالسليم، ولا ~~الموفور كالموتور، ولا كل حكم يلزم المتوسط في حاله يلزم المتناهي في حاله؛ ~~ومتى كان - عافاك الله - التابع كالمتبوع، والآمل كالمأمول، والمستميح ~~كالمنعم، والمغبوط كالمرحوم، والمدرك، كالمحروم؛ هذا في منقطع الثرى، وذلك ~~في قلة المزن. PageV01P041 # هذا عمرو بن بحر أبو عثمان، وهو واحد الدنيا، كتب رسالة طويلة في ذم ~~أخلاق محمد بن الجهم، ومدح أخلاق ابن أبي PageV01P042 ~~دواد، وبالغ في الوصفين، وخطب على الرحلين، ولم يترك قبيحة إلا أعلقها ~~محمدا، ولا حسنة إلا منحها أحمد، وحتى جعل ابن الجهم مع إبليس في نصاب ~~واحد، وابن أبي دواد مع ملك في نقاب واحد؛ وهكذا " عمل من طب لمن حب " إذا ~~غضب فسب، أو رضي فمدح وأطنب. وما أحسن مادل على هذا المذهب أشجع السلمي ~~بفحوى كلامه، فإنه قال: # أعلي لوم أن مدحت معاشرا %~% خطبوا إلي المدح بالأموال # يتزحزحون إذا رأوني مقبلا %~% عن كل متكأ من الإجلال # وإذا لم يكن عليه لوم في مدح المحسن إليه، فكذلك لا عتب عليه في ذم ~~المسيء إليه. PageV01P043 # نعم، وأفاد أبو ms016 عثمان في رسالته فوائد لا يخفى مكانها على قارئها، وقام ~~فيها مقام الخطيب المصقع، والسهم النافذ، والناصر المدل، والمنتقم ~~المستأصل؛ فهل قال أحد ممن له يد في الفضل، وقدم في الحكمة، وعرفان ~~بالأمور، وقوله معدود فيما يقال، وحكمه مقبول فيما يثبت ويزال: بئس ما صنع ~~وساء ما أتى به؟ بل تهادوه وحفظوه، واستحسنوه وتأدبوا به، وحذوا على مثاله ~~وإن كانوا وقعوا دونه. # ولم صنف الناس المناقب والمثالب؟ ولم نشروا أحاديث الكرام واللئام؟ وكثير ~~من الناس - عافاك الله - لا غيبة لهم، أو في غيبتهم أجر، وقد وقع في الخبر ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " اذكروا الفاسق بما فيه كي تحذره الناس ~~". وحدثنا برهان الصوفي قال: ذم بشر الحافي بخيلا ثم قال: إن البخيل لا ~~غيبة له، قيل: وكيف؟ قال: PageV01P044 # لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم -: " يا بني سلمة من سيدكم؟ قالوا: ~~الجد بن قيس على بخل فيه، قال: فأي داء أدوى من البخل ". فذكره وليس هو ~~بالحضرة. # وهذا عيسى بن فرخانشاه عزل عن الوزارة وكان مستخفا بأبي العيناء فوقف ~~عليه أبو العيناء وقال: PageV01P045 # الحمد لله الذي أذل عزتك، وأذهب سطوتك، وأزال مقدرتك، وأعادك إلى ~~استحقاقك ومنزلتك، فلئن أخطأت فيك النعمة، لقد أصابن منك النقمة، ولئن ~~أساءت الأيام بإقبالها عليك، لقد أحسنت بإدبارها عنك؛ فلا أنفذ الله لك ~~أمرا، ولا رفع لك قدرا، ولا أعلى لك ذكرا. # فهل قال أحد بئس ما صنع؟ وليس للراضي عن المحسن أن يطالب المساء إليه بأن ~~يكون في مسكه وعلى حال اعتدا له، لأن بينهما في الحال مسافة لا يقطعها ~~الجواد المبر ولا الريح العصوف. # وذكر محمد بن طاهر عند أبي العيناء فقال: ما دخلت عليه قط إلا ظننت أنه ~~من طلائع القيامة؛ قصير القامة، مشؤوم الهامة؛ خرج من خراسان وهو أميرها، ~~ويطمع فيها وهو طريدها، ويلي على PageV01P046 ~~أسير الصغار طليق الهزيمة. # ووجدت رسالة لأبي العباس عبيد الله بن دينار على ما قدمت القول فيه؛ وأنا ~~أرويها على وجهها لأنها مفيدة، رواها لي المنصوري ms017 القاضي بأرجان. # أولها: # " إن في الشكر، وإن قل، وفاء بحق النعمة وإن جل، بل أقول: إن الشاكر ~~للنعمة، وإن أطنب وأسهب، لا يلحق شأو المبتدئ بها، ولا يخرج بأقصى سعيه من ~~أداء حقه فيها؛ لأن نعمته صارت سببا لشكره، وداعية لذكره، فلها فضل سبقها ~~وموقعها وفضلها، فإن الشكر من أجلها، وإنها - حيث حلت - عائدة بثناء جميل، ~~وثواب جزيل؛ ولا خلاف بين الحكماء أن الجالب خير من المجلوب، والفاعل خير ~~من المفعول. # ومن لي بشكرك وأنت الذي لما قصدتك بالرغبة بلغت بي ما وراء المحبة، ~~وناديتك فأجبت من قريب، ولذت بك فأنزلت البر والترحيب، فلممت مني شعثا، ~~ورعيت لي سببا لولا PageV01P047 ~~رعايتك لكان رثا، ووفرت علي نعمة الجاه واليد، وقمت لي مقام الركن ~~والسند، فأصبحت لي على الدهر معينا، ومن أحداث الزمان ملاذا حصينا، وما زلت ~~بكل خير قمينا، وجددت لي أملا قد كان أخلق، وأمسكت مني بالرمق، وتلقيت دوني ~~نبوة من عاتبك واستزادك، وجفوة من تغبطك فكادك؛ في حين عز الشفيق، وخذل ~~الشقيق، وجار الزمان، وتواكل الإخوان؛ فكشف الله بك تلك الغموم المطبقة، ~~وسكن برأيك مني نفسا قلقة، فأنا، في قصوري عما أوجبه الله علي لك، كما قال ~~الشاعر: # لو أن عمري ألف حول وقد %~% بدلت الساعة بالدهر # وكان لي ألف لسان لما %~% نطقت من شكرك بالعشر # فشكر الله لك ما أتيت، وتولى جزاءك على ما تحريت، وكافأك بأحسن ما نويت، ~~ولا أخلاك من أمل يناط بك لتحققه، وظن يصرف إليك فتصدقه، وشكر يوفر عليك ~~فتستحقه، وصان لك من النعمة راهنها، وبلغك أقصى ما تؤمل منها، وتفضل عليك ~~بما لا تحتسب فيها؛ وكل ما أغفلناه من الدعاء لك مما يرغب المرء PageV01P048 ~~في مثله، فوهب الله لي فيك، ووهبه لك في كل أسبابه. # فأما فضائلك والمواهب المقسومة لك فقد قادت إليك مودات القلوب ووقفت عليك ~~خبيات الصدور، وارتهنت لك شكر الشاكر، وردت إليك نفرة النافر، وحاطت لك ~~الغائب والحاضر، وأفحمت عنك لسان المنافر، وقصرت دونك يد المتطاول، وطامنت ~~لك نخوة المناضل، ms018 وأوفت بك على درجة الأدب والهمة والرياسة. # فبلغك الله ذرى المحبة والأمل، ووفقك لصالح القول والعمل، ولا زالت ربوع ~~الحرية معمورة بطول عمرك، والمكارم مؤيدة بدوام تأييدك، ولا برحت أيامك ~~محفوفة بالعز والسعادة، ونعمتك مقرونة بالنماء والزيادة، ووقاك الله بعينه ~~من الأعين، وحاطك بيده من أيدي المحن، وفداك من النوائب والأحداث. # والنكب من قد فقئت به عين النعمة، واتضعت بمكانه رتبة الهمة؛ فلا يصدر ~~عنه آمل إلا بخيبة، ولا يضطر إليه حر إلا بمحنة؛ إن أؤتمن غدر، وإن أجار ~~أخفر، ولإن وعد أخلف، وإن PageV01P049 ~~قدر اعتسف، وإن عاهد نكث، وإن حلف حنث؛ تصدأ بمحاورته الأفهام، وتصطرخ ~~منه الدولة والأقلام، سيان قام أو قعد، وغاب أو شهد؛ إن كشفته كشفت عن علج ~~فدم، يقضى له بكل خسة وذم، ولم يقف للحرية على ربع ولا رسم، ولا عرف مكرمة ~~في يقظة ولا حلم؛ أسوأ الناس صنيعا، وأشدهم بالدناءة ولوعا، لم يسلك إلى ~~المجد طريقا، ولا وجد يوما من الجهل مفيقا، أولى الناس بشتم وقذف، وأجدرهم ~~بمجانة وسخف، ينطق قبح خلقه من سوء، خلقه، ويدل بركاكة عقله على لؤم أصله؛ ~~إذا اكتنفته الحوادث لوى عنها شدقه، وإن لزمه الحق لواه ومحقه؛ وقد وفر ~~الله حظه من الفدامة كما قصر به في القامة، فهو بكل لسان مهجو، ولكل حر ~~عدو، وإن عوتب على الزهو والتيه، أقام فيهما على تماديه؛ يلوث عمته على ~~دماغ فارغ، وحمق ظاهر سائغ، فهو في أخر حالاته، عند نفسه كما قيل، صورة ~~ممثلة أو بهيمة مهملة. PageV01P050 # وصلت هذا الفصل بقول فاضت به النفس بعد امتلائها، وجاشت به بعد تردده ~~فيها، وما اضطرني إليه إلا تتابع المكروه من جهته، والشر الذي لا يزال ~~يتعقبني به، وأنه حين وج غرة اهتبلها، ولما رأى الفرصة انتهزها، ولم يرض ~~حتى حسر عن الذراع يدا، فكشف القناع وجرد العداوة والتعصب، وأظهر التسلط ~~والتغلب. # وأنا أعتذر إليك من أن أصل مخاطبتي لك بمثله، وإن كنت أجعله بمنزلة اللهو ~~الذي أستعين به على الحق، والهزل الذي أستريح ms019 به من الجد؛ وقد قيل: من لم ~~يذمم المسيء لم يحمد المحسن، ومن لم يعرف للإساءة مضضا، لم يجد عنده ~~للإحسان موقعا. # وعلى أني لست أدري أميلي إليك أصدق، أم انحرافي عنه أوثق، ورغبتي فيك ~~أشد، أم زهدي فيه أوكد، ومودتي لك أخلص، أم أنا على مصارمته أحرص، وسكوني ~~إليك أتم أم نبوتي عنه أحكم، وأنا على ذمه أطبع، أم في حمدك أبدع؟ كما لست ~~أدري أحظك من الهمة والمروءة أجزل، أم حظه من الدناءة والقلة أجل، ومكانك ~~من الحزامة والكرم أرفع، أم محله فيهما أوضع؟ PageV01P051 ~~وكيف يقرن بك أو يساوى، وما أتأملك في حال من الأحوال إلا وجدتك فيها ~~حساما قاضيا، وشهابا ثاقبا، وعودا صليبا، ورأيا عند معضل الخطوب مصيبا؛ في ~~شمائل حلوة عذاب، وأخلاق معجونة بآداب؛ لا تتجافى عن مكرمة، ولا تخل لذي ~~أمل بحرمة، ولا تؤودك الخطوب إذا اعتورتك، ولا تتكاءدك الجهات إذا اكتنفتك، ~~قد تعرقتك الأيام بحالتي النعمى والبلوى، فكشف منك عن أمضى من الدهر عزما، ~~وأرزن من رضوى حلما، وأثبت من الليل جنانا، وأسمح من صوب الغمام ندى، وأمنع ~~من السيف جانبا، وأعز من كليب وائل صاحبا. # وما أتأمله في حال من الأحوال إلا وجدته برقا كاذبا، ورأيا PageV01P052 ~~عازبا؛ ركاكة ظاهرة، ونذالة وافرة، وهيئة خسيسة، ونفسا على الذم حبيسة؛ ~~لم ينشأ منشأ أدب، ولا راضته أولية حسب، فهو دهره على وجل وذعر؛ إن صال ~~فعلى القريب الداني، وإن هم فبمضلات الأماني، فليس تتجاوز صولته عبده، ولا ~~يخاف عدوه كيده، قد جمع إلى القبح المخبر، بشاعة المنظر، وإلى دمامة الخلق ~~سوء الخلق؛ إذا فكر المفكر فيما أوتي من الحظ، ومنح من الحال، أيقن بعلو ~~الجهل وفوز قدحه، وإكداء الباطل وكساد ربحه؛ هو والله كما قال الشاعر: # عدو لمولاه عدو صديقه %~% وتلك التي يأتي اللئيم من الفعل # مقلمة أظفاره عن عدوه %~% على أقربيه ظاهر الفحش والجهل # وما أخطأ بوجهه قول الحمدوني: PageV01P053 # كأن دماملا جمعت %~% فصور وجهه منها # والعجب كل العجب، والحديث الذي عندي سيان فيه الصدق والكذب، ms020 ما يظهره من ~~الانحراف والازورار، على ما بي عنه من السلوة والاصطبار؛ وما محله فيما ~~يأتيه إلا محل أم عمرو وما قيل فيها: # ألا ذهب الحمار لأم عمرو %~% فلا رجعت ولا رجع الحمار # بل هجوه والله الفائدة التي يجب في مثلها الشكر، والأحدوثة التي يحسن ~~فيها الذكر؛ فأما غضبه وتغيظه فغضب الخيل على اللجم الدلاص؛ وأنا أقول فيه ~~كما قيل: # فإن كنت غضبانا فلا زلت راغما %~% وإن كنت لم تغضب إلى اليوم فاغضب # والله لو كانت له مثل أياديك التي لها مني موقع القطر في البلد القفر، ~~ولطف محل الوصل بعقب التصارم والهجر، لما وجدني محتملا له أذى، ولا مغضيا ~~له على قذى؛ ولو كان تخويفه إياي بمثل إعراضك الذي أدناه يقلق الوساد، ~~ويمرض الفؤاد، لما ألفاني له معتبا، PageV01P054 ~~ولا إليه مغتذرا؛ فكيف وهو من لا يجب له حق الصنيعة، ولا ذمام أدب، ولا ~~ذمار معرفة؛ لم أسر برضاه لما رضي فأساء بغضبه وقد غضب، ولا نفعني إقباله ~~فيضرني إعراضه، أنه بحمد الله كما قيل: # فتى إن يرض لا ينفعك يوما %~% وإن يغضب فإنك لا تبالي # لست والله أحفل به أقبل أم أدبر، وسكن أم نفر، ولا أبالي بحالتي سخطه ~~ورضاه، ولا بأولى أمره ولا بأخراه. فأدام الله له سورة النبوة والإعراض، ~~وأعانه على الجفوة والانقباض، ولا أخلاه من الغضب والامتعاض؛ فقد رضينا ~~بذلك فيه حظا، واكتفينا به فيه وعظا. # وأخبرنا المرزباني عن الصولي قال: كتب ابن مكرم الكاتب إلى أبي العيناء: PageV01P055 # " لست أعرف طريقا للمعروف أحزن ولا أوعر من طريقه إليك، ولا مستزرعا أقل ~~زكاء ولا أبعد من ثمره خير من مكانه عندك؛ لأن المعروف يضاف منك إلى جنب ~~دني، ولسان بذي، وجهل قد ملك عنانك، وشغل زمانك؛ فالمعروف عندك ضائع، ~~والشكر لديك مهجور، وإنما غايتك في المعروف أن تحوزه، وفي موليه أن تكفره. ~~" فكتب إليه أبو العيناء: بسم الله الرحمن الرحيم # وأنت كما قال الإله فإنما %~% أتيت بلفظ ضعفه فيك يوجد # أما بعد فقد وصل إلي كتابك؛ سبك ms021 وعرك، ولقد كان لك في سديف PageV01P056 ~~وبغا ما يشغلك عن البذاء، ولكن الله (إذا أراد بقوم سوءا فلا مرد له وما ~~لهم من دونه من وال) . # وأنت امرؤ تزعم أنك من أهل ماذرايا، وهنالك حلت بك الخزايا، من غير نقص ~~لأهلها، ولا دفع لفضلها، لأنك تحبها وتشنؤك، وتنتمي إليها وتدفعك؛ وإن ~~امرءا مكرم أبوه لجدير عند الفخر أن يعفر فوه؛ وأما أمك فامرأة من المسلمات ~~الغافلات، والغفلة مقرونة بالخير، والعجب لك ولأخيك أنك لا تنيك ولا ينيك، ~~فعلام غررتم الحرائر واستهديتم المهائر، وأنتم قوم تلفقون ما يأفكون، واله ~~أعلم بما توعون؛ وفيم خطبتم النساء وأنتم تخطبون، وكيف نقدتم المهور مع ~~حاجتكم إلي الذكور، ثم أظهرتم حب النسا، وبكم عرق النسا، وكيف ادعيتم يوم ~~الحرب الطعان، PageV01P057 ~~وأنتم معشر تخرون للأذقان، ولكم في كل يوم وقاع تلفون وقعا للصدور، ~~والرماح في أعجازكم تمور، وقد طبتم أنفسا بأن أصبحت نساؤكم عند جيرانكم، ~~ورجالكم عند غلمانكم، فإذا سببتموهن بالزنا سببنكم بالبغاء، وقد - لعمري - ~~أظهرتم الدف، ونقرتم الدف، وأكثرتم الطعن وادعيتم الإثآر؛ فلما احتيج منكم ~~إلى اللقاء، وتنجز منكم الوفاء، انهزم الجمع ووليتم الدبر، فقبحا لكم آل ~~مكرم قبحا يقيم ويلزم. # فلستم على الأعقاب تدمى كلومكم %~% ولكن على أعجازكم يقطر الدم # فيا بؤسى للعروس وإزارها الذي لم يحلل، وفرعها الذي لم يبلل، وللظبية ~~الغريرة وطرفها الفتان، وقولها للأتراب، أما لآل مكرك PageV01P058 ~~زباب؟ وقد زعمت النساء، غير ما إفك: أنك وأباك وأخاك جند ما هنالك مهزوم ~~من الأنباط. # وذكرت أنك لا تعرف للمعروف طريقا أحزن ولا أوعر من طريقه إلي، ولا ~~مستزرعا أقل زكاء ولا أبعد من ثمره خير من مكانه عندي. # فلو كان ما وصفت على ما ذكرت لما لحقك كفر إنعام، ولا شكر إحسان، لقصور ~~جدتك عن التفضل وهمك عن الأفضال. بلى، أستغفر الله! لو وجدت فضلا لوجهت به ~~إلى العاملين عليها أعني أم الفلك، القاضية عليك بالهلك؛ وأين أنت فيلحقني ~~إكرامك، أو ينالني إنعامك؟ هيهات! جل الأمر عن الحرش، وعفى السيل العطن؛ ~~ولكنك ms022 يا أبا جعفر - وأنى لك بجعفر - لا تعرف للجماع طريقا أسهل PageV01P059 ~~مأتى ولا أقرب مأخذا من طريقه إليك، وحلوله عليك؛ هذا مع دنس أثوابك، ~~ووضر أطرافك، ونتن أرواحك. # وزعمت أن المعروف يحصل مني في حسب دني ولسان بذي، فانظر لك الويلات كيف ~~ارتقيت، وإلى من تعديت؟ وهل فوق رسول الله صلى الله عليه مفخر، وهل عن ~~خلفاء الله مرغب؟ ولولا عدل سلطاننا وفضل أحلامنا، وأن الاقتدار يمنع الحر ~~من الانتصار، مع دقتك عن المجازاة، وسقوطك عن الملاحاة، لاصطملك مني ~~الاعتزام؛ فاشكر لؤمك إذ نجاك، وخصمك إذ رفع قدره عنك. # وأما البذاء فما أعتذر إليك من إقماع اللئيم وتعظيم الكريم، ولذلك أقول: # إذا أنا بالمعروف لم أثن صادقا %~% ولم أشتم الجبس اللئيم المذمما # ففيم عرفت الخير والشر باسمه %~% وشق لي الله المسامع والفما PageV01P060 # وأما الجاحظ فإنه يقول في رسالة: سألتني - أبقاك الله - عن فلان، وأنا ~~أخبرك بالأثر الذي يدل على صحة الخبر، وبالواضح الذي يدل على الخفي، ~~والظاهر الذي يقضي على الباطن؛ فتفهم ذلك - رحمك الله - ولا قوة إلا بالله. # فمن ذلك أني رأيته، وهو في جيرانه كالحيضة المنسية، وكلهم يعرفه بالأبنة، ~~وله غلام مديد القامة، عظيم الهامة، ذو ألواح وأفخاذ وأوراك وأصداغ؛ أشعر ~~القفا، يلبس الرقيق من الثياب، ويثابر على العطر ودخول الحمام، ويتزين ~~ويقلم الأظفار؛ وكان - مع هذه الصفة - المدبر لأمره، والمشفع لديه، والحاكم ~~على مولاه دون بنيه وأهله وخاصته، والصارف له عن رأيه، إلى رأيه، وعن ~~إرادته إلى هواه، وكان أكثر أهله معه جلوسا، وأطولهم به خلوة، ولا يبيت إلا ~~معه، وإذا غضب حزنه غضبه وطلب رضاه، وكان أيام ولايته لا يتقدمه قريب ولا ~~بعيد، ولا شريف ولا وضيع؛ إن ركب فهو في موضع صاحب الحرس من الخليفة، وإن ~~قعد ففي موضع الولد السار والزوجة البارة، وإن التوت على أحد حاجة كان له ~~من ورائها، PageV01P061 ~~وكانت أهون عليه من خلع نعليه، وكان يبيت في لحافه. # فحكمنا عليه بهذا الحكم الظاهر، ولا حكم القضاة بالتسجيل، وتخليدها في ~~الدواوين، ولا ms023 كالإقرار بالحقوق وشهادات العدول. # وكتب العتبي إلى صديق له يحذره رجلا، ويصف أخلاقه فقال: احذر فلانا، فإن ~~ظاهره بر وغيبه عداوة، وإن أفشيت إليه حديثك وضعه عند عدوك، وإن كتمته إياه ~~شتمك عند صديقه، لا يصلح لك عند نفسه حتى يفسدك عند غيره؛ وهو صديقك بما ~~يلزمك من حقه، وعدوك بما يضيع من حقه عليك؛ إن دنوت منه آذاك، وإن غبت عنه ~~اغتابك، يلطخ %~% صاحبه بأذاه، فإن غسله بالإعتاب أعاده بالعتب، وإن تركه ~~عير به؛ السلامة منه أن PageV01P062 ~~لا تعرفه، فإن عرفت فهو الداء، إن تداويت لم ينفعك، وإن تركته قتلك، أخلط ~~الناس جده بهزله ليمنعك ما في يده منع هزل، ويغلبك على ما في يدك مسألة جد. # ووجدت أيضا رسالة لأبي هفان إلى ابن مكرم وهي: أما بعد يا بن مكرم ضد ~~اسمه، وخطيئة أبيه وأمه، يا سبة العار على سبته، ولعنة إبليس على لعنته، ما ~~أظنك من نطفة، ولا كانت لواضعتك عذرة؛ أفرغك أبوك من سلحة على سلحة، وأجراك ~~من أمك في فقحة إلى فقحة، فأنت كما قال الشاعر: # لعنة الله على نتنيهما %~% شعرتين احتكتا في طلبه # أولك زينة وآخرك أبنة، فكلك لعنة في لعنة، تقصع القمل بأسنانك، وتمسح ~~مخاطك بلسانك، وتستنزل منيك ببنانك، ومني PageV01P063 ~~غيرك بعجانك، عبدك يصفعك، وخادمك يقمعك، وكلبك يلطعك، وصديقك يقطعك، نفسك ~~فساء، وخشمك خراء، وريقك ماء العذرة، وكل خلالك قذرة؛ وأنت للأحرار عياب، ~~وبين الكرام نمام، وأنت للأدباء حاسد، وللعلماء شاتم، وبالجليس هامز، وفي ~~المحسن إليك غامز، تظهر جورك، وتتعدى طورك، مهين في نفسك، عرة في جنسك، ~~حالف في كل حق وباطل، كذوب على الجاد والهازل، تطلب أن تهجى، وتستدعي أن ~~تزنى، وقد سبق القول في مثلك، مع نذالة فعلك، ولؤم أصلك. # أما الهجاء فدق عرضك دونه %~% والمدح عنك كما علمت جليل # فاذهب فأنت طليق عرضك إنه %~% عرض عززت به وأنت ذليل # فأنت - يا بن الكشخان القرنان الديوث الصفعان - عتق لأست الشيطان - لا ~~لوجه الرحمن، فالهجاء من أن يعذب بك في أمان، فأنت ms024 PageV01P064 ~~بعز لؤمك في سلطان، معرفتك تشين، وقطيعتك تزين، وذكرك سبة، وقتلك قربة، ~~لا يحصي الخلق عيوبك، ولا تثبت الحفظة ذنوبك، أنت بالله مشرك، وفي خلقه ~~متهتك، نقصك مفروض، ودينك مرفوض، وبكل قبيح منعوت، وعند العالم ممقوت، أحسن ~~آدابك الزندقة، وأفضل حالاتك الصدقة، نذل الأبوة، رذل الأخوة، عدو المروة، ~~لم تؤمن بنبوة، ولم تعرف بفتوة، تقصد الكريم بسبابك، فيذلك بترك جوابك، جئت ~~بأم من حمام الدجال، توازي بها أمهات الرجال، لا صوم ولا صلاة، ولا صدقة ~~ولا زكاة، لا تغتسل من جنابة، ولا تهتم بإنابة، عقوقك بأبيك أنه غبر من ~~يدعيك، لقاتلك أرفع الدرج، وما على قاذفك من حرج، وكل ذلك بالآيات والحجج، ~~الحد لتارك وصفك، والنار للمطنب في مدحك، ولقارئ مثالبك وكاتب معايبك ثواب ~~أكثر مما لك من العقاب، لك خلقت سقر، ومن أجلك يعذب البشر، أحسن في عينيك ~~من القمر، ما تستدخله من الكمر، تهيب المؤمنات والمؤمنين، وتقذف المحصنات ~~والمحصنين، إذا ليسوا لك بآباء، ولست لهم في عداد أبناء، فأنت كما قال ~~الشاعر: PageV01P065 # مغرى بقذف المحصنا %~% ت ولست من أبنائها # آنف للعلم الذي حويته، وأغار على الشعر الذي رويته، فأنت - وإن غلطت ~~بكلمة طريفة، أو حجة حكيمة، أو نادرة مليحة، اعتبارا للسامع وفكرة للعاجب - ~~سفيه على إفراط قذرك، حسود على شدة بخرك، ووقاع على قاتل ذفرك، تمازح فلا ~~تحسن وتجاب وتذعن، إن تركت عبثت، وإن عبث بك استغثت، فمثلك " كمثل الكلب، ~~إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث "، فاستمع يشبهك في الأيام، يا عيب ~~المعايب، ويا شين المحاضر والمغايب، فلك المثل الأسفل، والقياس الأرذل، ~~والشبه الأنذل كما قيل: # وأدعوك للأمر الذي أنت شينه %~% على شينه يا فاضحا للفضائح # ووجدت أيضا رسالة أفادنيها أبو محمد العروضي لابن حماد PageV01P066 ~~في أبي مقلة أبي علي يمزقه فيها، ويذكر خساسة أصله، وسقوط قدره، ولؤم ~~نفسه، وفحش منشئه، تركت تخليدها في هذا المكان، وكذلك تركت غيرها هربا من ~~التطويل. # وبعد فحمد المحسن وذم المسيء أمران جاريان على مر الزمان مذ خلق الله ~~الخلق، وعلى ms025 ذلك يجري إلى أن يأذن الله بفنائه، وهو عز وجل أول من حمد وذم، ~~وشكر ولام، ألا تراه كيف وصف بعض عباده عند رضاه عنه فقال: (نعم العبد إنه ~~أواب) ، وقال في آخر (إنه كان صادق الوعد) ، وعلى هذا، فإنه أكثر من أن ~~يبلغ آخره، ثم انظر كيف وصف آخر عند سخطه عليه وكراهته لما كان منه فقال: ~~(هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم) . PageV01P067 # وهذا فوق ما يقول مخلوق في مخلوق. # وقال الحسن البصري: الهماز: العياب، ومشاء بنميم: ينقل الكلام القبيح، ~~مناع للخير: بخيل، معتد أثيم: ظلوم ذميم، عتل: جاف، والزنيم: الدعي. # قال أبو سعيد السيرافي: العتل: نراه من قولهم جيء بفلان يعتل إذا غلظ ~~عليه، وعنف به في القود. # وكيف يأثم الإنسان في غيبة من كان قلبه نغلا بالنفاق، وصدره مريضا ~~بالكفر، ونفسه فائضة بالقساوة، ووجهه مكسورا بالصفاقة، ولسانه ذربا بالفحش ~~والبذاءة، وسيرته جارية على الكيد والعداوة، وعشرته ممقوتة بالنكد ~~والرداءة؛ وقد أثنى الله على واحد ولعن آخر، وحط هذا إلى الحش ورفع ذلك إلى ~~العرش، وعاتب، وأنب ولام وذم؛ وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن تقدمه ~~من الأنبياء والمرسلين PageV01P068 ~~والأولياء المخلصين؛ وعلى هذا فورق السلف الطاهر، والصحابة العلية، وهم ~~القدوة والعمدة، وإليهم ينتهى في كل حال، وعليهم يعتمد في كل أمر ذي بال. # فمن ذا يزري على هذا المذهب إذا خرج القول فيه معضودا بالحجة، ممدودا ~~بالمعذرة، معقودا بالنصفة، وكان فيه برد الغليل، وشفاء الصدر، وتخفيف ~~الكاهل من ثقل الغيظ على أجمل وجه وأسهل طرق، مع مسامحة ظاهرة، وتغافل ~~عريض؟ # وقيل لبعض الصالحين: أي شيء ألذ؟ قال: ركوب هوى وافق حقتا، وإدراك شهوة ~~لا تثلم دينا، وقضاء وطر لا يتحيف مروة، وبلوغ مراد لا يسير قالة قبيحة؛ ~~والمذهب الأول مذهب الزهاد والمتأبدين، وأصحاب الورع والمتعبدين. # ونحن قد بينا الأصل في هذا الباب، فليس بنا حاجة إلى التكثير؛ وكيف ~~يلزمنا حكم من يتعجرف في قوله ويختار على رأيه، ويعترض بجوره. # ونحن قد اقتدينا ms026 بالله رب العالمين، وجرينا على عادة الأنبياء PageV01P069 ~~والمرسلين وأخذنا بهدي عباد الله الصالحين؛ وإنما أشكل القول في هذا ~~المذهب على قوم مدحوا الصمت، وكرهوا كثير القول؛ وقليل الكلام عندهم فضل، ~~وكثيره هجر، وفيه اللغو الذي يجب أن يتجنب، والحشو الذي لا ينبغي أن يعتاد. # وهؤلاء قوم - أكرمك الله - لا يعرفون فضل ما بين التفيهق المذموم ~~والبلاغة المحمودة، والتشدق المكروه والخطابة الحسنة، وما هو من باب البيان ~~المشتمل على الحكمة، وما هو من باب العي الشاهد بالهجنة؛ ومتى كان ذكر ~~المهتوك حراما، والتشنيع على الفاسق منكرا، والدلالة على النفاق خطلا، ~~وتحذير الناس من الفاحش المتفحش جهلا؟ هذا ما لا يقوله من قام بالموازنة ~~وبالمكايلة، وعرف الفرق بين المكاشفة والمجاملة؛ وإنما غزر الأدب، وكثر ~~العلم، وجزلت العبارة، وانبعجت العبر، واستفاضت التجارب، لما وقفوا عليه من ~~أنباء الناس وقصصهم وأحاديثهم في خيرهم وشرهم، وفي وفائهم وغدرهم، ونصحهم PageV01P070 ~~ومكرهم، وأمورهم المختلفة عليهم، والحسن الذي شاع عنهم، والقبيح الذي لصق ~~بهم، والمكارم التي بقيت لهم، والفضائح التي ركدت عليهم؛ والدنيا دار عمل؛ ~~فمن عمل خيرا ذكر به، وأكرم من أجله، ولحظ بطرف الوقار، وصين عرضه عن لصوص ~~العار والشنار، وألحق بأصحاب التوفيق، ومن له عند الله الوزن الراجح، ~~والوجه المسفر؛ ومن عمل شرا ليم عليه، وأهيم من أجله، ونظر إليه بعين ~~المقت، وألصق بعرضه كل خزي، وبيع فيمن ينقص لا فيمن يزيد؛ والجزاء وإن كان ~~مؤخرا إلى دار الآخرة لأهله، فإن بعض ذلك قد يعجل لمستحقه، ولهذا قال الله ~~عز وجل في تنزيله: (ذلك لهم خزي في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم) . # والذي ذكرته عن الجاحظ فليس هو أول من اقتضبه وسنه، بل قد سلف فيه قوم ~~كرام، وخلف عليه ناس من جلة الناس. أنا قرأت رسالة لابن المقفع في معايب ~~بعض آل سليمان PageV01P071 ~~ابن علي الهاشمي، وكذلك أصبت رسالة لسهل بن هارون في مثالب الحراني، ~~ورأيت أيضا رسالة لسعيد بن حميد في فضائح PageV01P072 ~~آل علي بن هشام؛ وحتى الصولي بالأمس ذم بعض بني ms027 المنجم في رسالة له. # وحدثنا حمزة المصنف عن أبي البغدادي قال: كتب أبو العيناء إلى أحمد بن ~~أبي دؤاد: أما بعد فالحمد لله الذي حبسك في جلدك، وأبقى لك الجارحة التي ~~بها تنظر إلى زوال نعمتك، قال: وهي طويلة، قال: وقال أبو العيناء: لولا أن ~~القدر يعشي البصر، لما نهى ولا أمر، ومن غريب PageV01P073 ~~هذا الفن رسالة لأبي العباس محمد بن يزيد في خبائث الحسن بن رجاء، ورأيت ~~أيضا رسالة للعمري في رقاعات الفضل بن سهل ذي الرياستين. # فأما الشعراء وأصحاب النظم، وأرباب المدح والهجاء، والثلب والحمد، ~~والتشنيع والتحسين فهم كالطم والرم؛ لا يكسبون إلا بهذا المذهب، ولا يعيشون ~~إلا على هذا الاختيار، ولهم الهجاء المنكر، والقول المخزي، والقذع المؤلم، ~~واللفظ الموجع؛ والتعريض الذي يتجاوز التصريح، والتصريح الذي يجمع كل قبيح، ~~وأمرهم أظهر من أن يدل عليه، وشأنهم أبين من أن يردد القول فيه. # وإنما المدار الصدق في القول، وعلى تقديم الحق في العقد، وقصد الصواب عند ~~اشتباه الرأي وغلبة الهوى. PageV01P074 # فأما قول أبي الحرث حمين وقد سئل عمن يحضر مائدة محمد ابن يحيى، وجوابه: ~~الملائكة، قيل: إنما نسألك عمن يأكل معه، قال: الذباب فإن هذا من باب ~~التملح والمجانة، وليس من قبيل الصدق في شيء؛ وإن كان بعض الصدق مشوبا، ~~وبعض الحق ممزوجا فلا بأس ولا حرج، فإن ذلك القدر لا يقلب الصدق كذبا، ولا ~~يحيل الحق باطلا وأين المحض من كل شر، والخالص من كل خير؟ إنك PageV01P075 ~~إن رمت ذاك في عالم الكون والفساد، ودار الامتحان والتكليف، مع هذه ~~الطبائع المختلفة، والعناصر المتمازجة، والأسباب القريبة، رمت محالا، ورائم ~~المحال خابط، وطالب الممتنع خائب، ومحاول ما لا يكون مكدود معنى، ومحدود ~~معدى، ومرجعه إلى الندم، وغايته الأسف الذي يشجو النفس، ويمرس الفؤاد، ~~ويوجع القلب ويضاعف الأسى، وربما أفضى إلى العطب. # قد ذكرنا - حاطك الله - جملة من القول رأينا تقديمها والاستظهار بها، قبل ~~أخذنا فيما أنشأنا له هذا الكلام، قصدا لفل حد الطاعن، وحسما لمادة الحاسد، ~~وتعليما للجاهل، وإرشادا للمتحير، ms028 واحتجاجا على من يدل بحفظ اللسان، وكتمان ~~السر، وطي القبيح، ومسالمة الناس، واغتفار المنكر؛ وهو مع ذلك في قوله ~~كالأسد في غيله، والنمر في أشبه، والثعبان في وجاره، حتى إذا غمز غمزة، أو ~~وخز وخزة، رأيت معاقد حلمه متحللة، ودخائر صبره منتهية، وكظمه الذي PageV01P076 ~~كان يدل به مفقودا، وجلده الذي كان يدعيه باطلا؛ وما أكثر من يتكلم - على ~~السلامة من النفس والمال، وطيب القلب، ورخاء البال، وعند مواتاة الأمور، ~~وطاعة الرجال، ومساعدة المراد - بالحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، وبالنظر ~~الدقيق، واللفظ الرقيق، حتى إذا التوت عليه حال، وتعسر دون مراده أمر، وعرض ~~في بعض مطالبه تعقد، سمعت له هناك زخرة ونخرة، وضجرة، وكفرة، كأن لم يسمع ~~بالحلم والتحلم، والصبر والتصبر؛ يخرج من فروته عاريا من الحلم والكظم، ~~بادي السوأة بالبذاء والجهل، كما يخرج الشعر من العجين، ولعل ما نزل به وحل ~~عليه لم يرزأه زبالا ولا مسح عنه عذارا. # وهذا هو اللئيم الذي بلغك، والساقط الذي سمعت به والله تعالى يقول: (لا ~~يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) ؛ وروى أصحابنا عن ابن عباس ~~أنه قال: إلا من لم يكرم، في ضيافته، فإن كان هذا التأويل صحيحا، وهذا ~~الوجه معروفا، فأنا ذلك المظلوم، PageV01P077 ~~ولا بد لمن ظلم من أن يتظلم، وكيف يكون المظلوم إذا انتصر ظالما، والله ~~يقول: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) ، ولو كان المظلوم ~~إذا تظلم ظالما، لكان الظالم إذا ظلم معذورا؛ وكما هجن الله لوم المحسن، ~~فكذلك حسن توبيخ المسيء، وكما أثاب على تزكية من كان طاهرا، كذلك آجر على ~~جرح من كان مدخولا؛ ألا ترى أن التقرب إلى الله بعداوة أبي جهل، وذمه ولعنه ~~وذكر لؤمه وخساسته، كالتقرب إلى الله بولاية أبي بكر ومدحه والترحم PageV01P078 ~~عليه وذكر فضله وبلائه ونصرته؛ وهذا مستمر في غير أبي جهل ممن عادى الله ~~ورسوله صلى الله عليه، كما أنه مستمر في غير أبي بكر ممن أطاع الله ورسوله؛ ~~وإنما الأمور بعواقبها، والمذاهب بشواهدها، والنتائج بمقدماتها، ms029 كما أن ~~الفروع بأصولها، والأواخر بأوائلها، والسقوف بأساسها. ### | [ابن عباد] # ولست أدعي على ابن عباد ما لا شاهد لي فيه، ولا ناصر لي عليه، ولا أذكر ~~ابن العميد بما لا بينة لي معه، ولا برهان لدعواي عنده، وكما أتوخى الحق عن ~~غيرهما إن اعتراض حديثه في فضل أو نقص، كذلك أعاملها به فيما عرفا بين أهل ~~العصر باستعماله، وشهرا فيهم بالتحلي به، لأن غايتي أن أقول ما أحطت به ~~خبرا، وخفظته سماعا. # وسهل علي أن أقول، لم يكن في الأولين والآخرين مثلهما، ولا يكون إلى يوم ~~القيامة من يعشرهما اصطناعا للناس، وحلما عن الجهال، وقياما بالثواب ~~والعقاب، وبذلا لقنية المال، ولكل ذخر من الجواهر والعقد؛ وأنهما بلغا في ~~المجد والذروة الشماء، وأحرزا في كل فضل وعلم قصب السبق، وأن أهل الأرض ~~دانوا لهما، وأن النقص لم يشنهما بوجه من الوجوه، وأن العجز لم يعترهما في ~~حال من PageV01P079 ~~الأحوال؛ وأنهما كانا في شعار إمام الرافضة وعصمته المعروفة، وأن ~~الاستثناء لم يقع في وصفهما في حال، لا في الصناعة والمعرفة، ولا في ~~الأخلاق والمعاملة، ولا في الرياسة والسياسة، ولا في الأبوة، والعمومة، ولا ~~في الأمومة والخؤولة، وأن الولادة قرت على شرف المحتد، والمنشأ جرى على كرم ~~المولد؛ فالجوهر فائق في الأصل، والمجد عميم في الفرع، والنصاب مقوم ~~بالقديم المذكور، والخير شامل في الحديث المشهور، والنجابة معروفة عند ~~الولي والعدو، والعرق نابض بكل فعل رضي، والغور بعيد على المتأمل، والأمر ~~كله عال عن المتطاول، وأنه كما يقال لهذا؛ ابن العميد لنباهة أبيه، كذلك ~~كان يقال لذاك ابن الأمين PageV01P080 ~~لخير كثير كان فيه، أن العميد وإن كان مقدما في الكتابة، فقد كان الأمين ~~معظما في الديانة، والكتابة صناعة تدركها الخلوقة، والديانة حلية لا تزداد ~~إلا الجدة، وتلك الدنيا هي زائلة، وهذه الآخرة وهي باقية، والله تعالى ~~يقول: (والآخرة خير وأبقى) ، (وما عند الله باق) ؛ على أن الأمين كتب لركن ~~الدولة كما كتب PageV01P081 ~~العميد لصاحب خراسان. والأمين كان ينصر مذهب الأشناني تدينا وطلبا للزلفى ~~عند ms030 ربه، والعميد كان يعمل لعاجلته؛ وإن قلت كان الأمين معلما بقرية من قرى ~~طالقان الديلم، قيل: وكان والد العميد نخالا في سوق الحنطة بقم. # فدع هذا ونظيره، وأنك متى أردت أن تحصي صنائع ابن العميد وابن عباد أردت ~~عسيرا، ومتى أثرت أن تحصل فضائلهما حاولت ممتنعا، وأنهما كانا بالسياسة ~~عالمين، ولأولياء نعمهما ناصحين، وإلى الصغير والكبير متحببين، وعلى القاصي ~~والداني حدبين، PageV01P082 ~~ولأموالهما باذلين، ولأعراضهما صائنين، وفي مرضاة الله دائبين، وعلى هدي ~~أهل التقى جاريين، ومن كل دنس ونطف بعيدين نزهين؛ وأنهما لو بقيا لنزل ~~عليهما الوحي، ولتجدد بهما الشرع، وسقط بمكانهما الاختلاف، وزال بنظرهما ما ~~فيه الأمة من هذا العيش النكد، والشؤم الشامل، والبلاء المحيط، والغلاء ~~المتصل، والدرهم العزيز، والمكسب الدنس، والخوف الغالب، ولكانت الأرض تخرج ~~أثقالها، وتلفظ كنوزها، ويستغني من ألم الفقر أهلها، ومن فضيحة الحاجة ~~أربابها، ويعود ذوي الدين ناضرا، وخامل المروة نبيها. # ولكن قد يسمع هذا الكلام مني من شاهدهما، وتبطن أمرهما، وخبر حالهما وعرف ~~ما لهما وما عليهما، فلا يتماسك عن زجري وخسائي وإسكاتي ومقتي، ولا ينهنهه ~~شيء عن مقابلتي بالتكذيب واللوم، ولا يجد بدا من أن يرد قولي في وجهي، ولا ~~يسعه إلا ذاك بعد ازدرائي وتجهيلي، ولا يلبث أن يقول: انظروا إلى هذا الكذب ~~الذي ألفه، وإلى هذا الزور الذي فوقه، والباطل الذي وصفه، والحق الذي دفعه PageV01P083 ~~بسبب ثوب لعله أخذه، أو درهم ثنى عليه كفه، أو حاجة خسيسة قضيت له؛ تبلغ ~~قلة الدين وسوء النظر فيما يتعقب بالتقبيح والتحسين أنه يمدح واحدا مقروفا ~~بالزندقة والكفر، ويقرظ آخر معروفا بالإلحاد والسخف، ويصف بالجود من كان ~~أبخل من كلب على عقي صبي ويدعي العقل لمن كان أحمق من دغة؛ ومن أظلم ممن ~~يصفالسفيه بالحصانة، واللئيم بالكرم، والمتعجرف بالأناة، والعاجز بالكفاية، ~~والناقص بالزيادة، والمتأخر بالسبق، والعنيف بالرفق، والبخيل بالسخاء، ~~والوضيع بالعلاء، والوقاح بالحياء، والجبان بالغناء؟ فلا يكون حينئذ لقولي ~~قابل، ولا لحكمي ملتزم، ولا لنصبي مرجوع، ولا لسعي نجح، ولا لصوابي مختار، ~~ولا لحدائي مستمع؛ وفي ms031 الجملة لا يكون لدعواي مصدق. PageV01P084 # ولعمري لو انقلبت عن ابن عباد - بعد قصدي له من مدينة السلام وإناختي ~~بفنائه مع شدة العدم والإنقاض، والحاجة المزعجة عن الوطن، وصفر الكف عما ~~يصان به الوجه؛ وبعد ترددي إلى بابه في غمار الغادين والرائحين، والطامعين ~~الراجين، وصبري على ما كلفني نسخه حتى نشبت به تسعة أشهر خدمة وتقربا، ~~وطلبا للجدوى منه، والجاه عنده، مع الضرع والتملق - ببعض ما فارقت من أجله ~~الأعزة، وهجرت بسببه الإخوان، وطويت له المهامه والبلاد، وعلى جزء مما كان ~~الطمع يدندن حوله، والنفس تحلم به، والأمل يطمئن إليه، والناس يعذرونه ~~ويحققونه، لكنت لإحسانه من الشاكرين ولإساءته من الساترين، وعند ذكره ~~بالخير من المساعدين المصدقين، وعند قرفه بالسوء من الذابين الممتعضين. ~~والشاعر يقول: # من يعط أثمان المحامد يحمد %~% # والآخر يقول: # والحمد لا يشترى إلا بأثمان %~% PageV01P085 # والآخر يقول: # وإن المجد أوله وعور %~% ومصدر غبة كرم وخير # وإنك لن تنال المجد حتى %~% تجود بما يضن به الضمير # بنفسك أو بملكك في أمور %~% يهاب ركوبها الورع الدثور # والآخر يقول: # والحمد لا يشترى إلا له ثمن %~% مما يضن به الأقوام معلوم # والجود نافية للمال مهلكة %~% والبخل مبق لأهليه ومذموم # وقال الآخر: # ومن لا يصن قبل النوافذ عرضه %~% فيحرزه يعرر به ويحرق # ومن يلتمس حسن الثناء بماله %~% يصن عرضه من كل شنعاء موبق # ولكنني ابتليت به، وكذلك هو ابتلي بي، ورماني عن قوسه مغرقا فأفرغت ما ~~كان عندي على رأسه مغيظا؛ وحرمني فازدريته، PageV01P086 ~~وخصني بالخيبة التي نالت مني، فخصصته بالغيبة التي أحرقته، والبادي أظلم، ~~والمنتصف أعذر؛ وكنت كما قال الأول: # وإن لساني شهدة يشتفى به %~% أجل وعلى من صبه الله علقم # ولئن كان منعني ماله الذي لم يبق له، فما حظر علي عرضه الذي بقي بعده، ~~ولئن كنت انصرفت عنه بخفي حنين لقد لصق به من لساني وقلمي كل عار وشنار ~~وشين، ولئن لم يرني أهلا لنائله وبره، إني لأراه أهلا لقول الحق فيه، ونث ~~ما كان يشتمل عليه من مخازيه، ولئن كان ظن أن ms032 ما يصير إلي من ماله ضائع، ~~إني لأتيقن الآن أن ما يتصل بعرضه من قولي شاعر، والحساب يخرج الحاصل من ~~الباقي، والنظر يميز الصحيح من السقيم، والاعتبار يفرد الحق من الباطل، ~~والمنصف في الحكم يعذر المظلوم ويلوم الظالم، والشاعر يقول: # فإن تمنعوا ما بأيديكم %~% فلن تمنعونا إذن أن نقولا PageV01P087 # وقال آخر: # فيا قومنا لا تظلمونا فإننا %~% نرى الظلم أحيانا يشل ويعرج # ويترك أعراض الرجال كأنها %~% فريسة لحم ليس عنها مهجهج # وقال آخر: # إن الذي يقبض الدنيا ويبسطها %~% إن كان أغناك عني فهو يغنيني # ماذا علي وإن كنتم ذوي رحمي %~% أن لا أحبكم إذ لم تحبوني # يا قوم إن حصاتي ذات معجمة %~% على العدو فخلوهم وخلوني # وقال آخر: # لئن طبت نفسا عن ثنائي إنني %~% لأطيب نفسا عن نداك على عسري # فلست إلى جدواك أعظم فاقة %~% على شدة الإعسار منك إلى شكري # وروى الحزنبل عن أبي الأعرابي قال: مدح زياد PageV01P088 ~~الأعجم بعض العمال فحرمه ورأى لكنته فاستحقره، فدخل فأنشده: # وكنت إذا ما عامل عق أمه %~% ولم يحمها مني أبحت حماهما # كسوتهما بردين من يمنية %~% إذا ألبسا كانا بطيئا بلاهما # وأجهل الناس في ارتفاع منزلته، من ظن أن عرضه في خفارة قدرته، وأن المقدم ~~عليه متعرض لنكيره، وخير من هذا الظن أن يحتمل ألم مفارقة المال ببعض ~~الميسور، حتى لا يقرف بشيء لا غاسل له، ولا نافح عنه؛ ما الذي ربح اليزيدي ~~حين آسد الشاعر الذي حرمه على نفسه حتى قال فيه شيئا شافيا لغليله منه بما ~~بقي على أست الدهر، وذلك قوله: # بنو اليزيدي في أدبارهم شعر %~% قد شاب مما عليه تحلب الكمر # أما حبيشة منهم فهو ممتحن %~% من البغاء بما لم يمتحن بشر # بوده أن كل الناس من حمر %~% وكل جارحة في جسمه ذكر PageV01P089 # والله للخروج من الطارف والتالد أسهل من التعرض لهذا القول والصبر عليه ~~وقلة الاكتراث به، ولهذا بكت العرب من وقع الهجاء كما تبكي الثكلى من ~~النساء، وذلك لشرف نفوسها ونزاهتها عن كل ما يتخون جمالها ويعيب فعالها. ms033 # ومما يختل به الرئيس ويذهل عليه أنه ينظر إلى جماعة بين يديه قد أحسن إلى ~~كل واحد منهم وقربه وأعطاه واختصه بشيء وأنابه بحال، وإذا رأى واحدا بعد ~~هؤلاء لا نباهة لقدره، ولا جهارة لمنظره، ولا شهرة لاسمه ومنصبه حقره، وثنى ~~طرفه عنه، وأغضاه دونه، ولم يهش لذكره ورؤيته، واعتقد أنه ليس بذي محل ~~يبالي به، ولا يبين في غمار الباقين؛ أو يجب على ذلك المحروم أن يذكره بما ~~هو أغلب عليه، وأشهر عنه، وأن يعد نيل غيره كرما قد عم، وأن كان إخفاقه ~~وحده لؤما قد خص؟ وهذا موضع يشكل قليلا، وتطول فيه الخصومة بين الآمل ~~والمأمول، على أن الكرم والاحتجاج لا يجتمعان، واللؤم والاحتيال لا ~~يفترقان؛ وقد ألم الشاعر بطرف من هذا المعنى بقوله: PageV01P090 # إن تكلمت لم يكن لكلامي %~% موقع والسكوت ليس بمجدي # فأبن لي أكل هذا التواني %~% في جميع الإخوان أم في وحدي # أم ترى ما اصطنعته عند غيري %~% واجب أن أعده لك عندي # والذي أقول غير محتشم ولا مراقب: أن السؤدد لا يكون إلا باحتمال خصال من ~~الصبر والحلم والتكرم والبذل والعطاء والتفقد، وهن أثقل مما يعانيه الزائر ~~بأمله، والفقير برجائه، والشاعر بطمعه، والمنتجع بزيارته؛ اللهم إلا أن ~~يكون السيد يجري في هذه الأخلاق والشيم على الهوى فيعطي من كان روحا عنده، ~~وأحلى شمائل وألطف فضلا، وأعبر قولا، فهذا ليس عليه من ثقل السؤدد شيء، ~~لأنه قد ميز ما يخف عليه مما يثقل، وما يتصل بنفسه مما ينبو عنه، وما هذا ~~السؤدد ما قال أبو الأسود الدبلي لعبيد الله بن زياد: إنك لن PageV01P091 ~~تسود حتى تصبر على سرار الشيوخ البخر، وهذا الكلام كالميل، وقال الشاعر، # لا تحسب المجد تمرا أنت آكله %~% لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا # وقيل لعدي بن حاتم: من السيد؟ قال: الأحمق في ماله، الذليل في عرضه، ~~المطرح لحقده، المعني بأمر جماعته؛ فليس يسود المرء إلا بعد أن يسهر من أول ~~ليله إلى آخره فكرا في قضاء الحقوق، وكف السفاه، وازدراع المحبة في ms034 القلوب، ~~وبعث الألسنة على الشكر؛ وفي الجملة من جهل حقك، فليس يلزمك أن تعترف بحقه، ~~ومن لم ينظر فيما لك عليه، لم يجب عليك أن تنظر فيما له عليك؛ وقد قال ~~رسوله صلى الله عليه: " لا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له ". # وقد قيل تواضع للمحسن إليك وإن كان عبدا حبشيا، وانتصف PageV01P092 ~~ممن أساء إليك وإن كان حرا قرشيا؛ ومن صفات الكريم ما قال الشاعر: # وإن الكريم من تلفت حوله %~% وإن اللئيم دائم الطرف أقود # وقال آخر: # لحا الله أكبانا زنادا وشرنا %~% وأيسرنا عن عرض والده ذبا # رأيتك لما نلت مالا وعضنا %~% زمان ترى في حد أنيابه سغبا # جعلت لنا ذنبا لتمنع نائلا %~% فأمسك ولا تجعل غناك لنا ذنبا # وقال آخر: # نال الغنا بعد فقر فاستغاث به %~% كما استغاث بباقي ريقه الشرق # وإذا احتججت بالعيان في وصف هذين الرجلين في الكرم واللؤم فقد رفعت ~~المرية، وإذا أقمت الشاهد على الدعوى فقد منعت من اللائمة، وإذا رأيت ~~الضرورة فقد بلغت الغاية؛ وأي خفقة للقلب بعد اليقين، وأي وحشة للنفس بعد ~~الاستصبار، أم أي بقية على المحتج إذا وصل البرهان، أم كيف يستحيا في الحق ~~وإن كان مرا، أم كيف يعتذر من الصدق وإن كان موجعا. # هذا ما لا يكلفه حكيم، ولا يأمر به مرشد، ولا يحث عليه ناصح. PageV01P093 # وهذا مبدأ أخذي في حديث ابن عباد على ما يتفق من تربيته ووضعه، غير آخذ ~~في أهبة، ولا محتفل بتقدمة. # فأول ما أذكر من ذلك ما أدل به على سعة كلامه، وفصاحة لسانه، وقوة جأشه، ~~وشدة منته، وإن كان في فحواه ما يدل على رقاعته وانتكاث مريرته، وضعف حوله، ~~وركاكة عقله وانحلال عقده. # لما رجع من همذان سنة تسع وستين وثلاثمائة بعد أن فارق حضرة عضد الدولة ~~استقبله الناس من الري وما يليها، واجتمعوا بساوة، ودونها وفوقها، وكان قد ~~أعد لكل واحد منهم كلاما PageV01P094 ~~يلقاه به عند رؤيته وأين كانوا يقعون منه، وأين كانوا يبيتون عنده؛ وهذا ms035 ~~الذي ذهب به في الإعجاب والكبر، وبعثه على احتقار الناس، وتركه في التيه ~~المضل. # فأول من دنا منه القاضي أبو الحسن الهمذاني وهو من قرية يقال لها ~~أسدآباد، فقال له: أيها القاضي! ما فارقتك شوقا إليك، ولا فارقتني وجدا ~~عليك، ولقد مرت بعد ذلك مجالس كانت تقتضيك وتحظيك وترتضيك؛ ولو شهدتني بين ~~أهلها وقد علوتهم ببياني ولساني وجدلي، لأنشدت قول حسان بن ثابت في ابن ~~عباس ورأيتني أولى به منه، فإن حسان قال: PageV01P095 # إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه %~% رأيت له في كل مجمعة فضلا # إذا قال لم يترك مقالا لقائل %~% بملتقطات لا ترى بينها فصلا # كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع %~% لذي إربة في القول جدا ولا هزلا # سموت إلى العليا بغير مشقة %~% فنلت ذراها لا دنيا ولا وغلا # ولذكرت أيها القاضي قول الآخر وأنشدته: فإنه قال فيمن وقف موقفي، وقرف ~~مقرفي، وتصرف متصرفي، وانصرف منصرفي، واغترف مغترفي: # إذا قال لم يترك ولم يقف %~% لعي ولم يثن اللسان على هجر # يصرف بالقول اللسان إذا انتحى %~% وينظر في أعطافه نظر الصقر # ولقد أودعت صدر عضد الدولة ما يطول به التفاته إلي، ويديم حسرته علي، ~~ولقد رأى ما لم ير قبله مثله، ولا يرى بعده شكله؛ فالحمد لله الذي أوفدني ~~عليه على ما يسر الولي، وأصدرني عنه على PageV01P096 ~~ما يسوء العدو. # أيها القاضي كيف الحال والنفس، وكيف الإمتاع والأنس، وكيف المجلس والدرس، ~~وكيف القرص والجرس، وكيف الدس والدعس، وكيف الفرس والمرس وكاد لا يخرج من ~~هذا الهذيان لتهيجه واحتدامه، وشدة خيلائه وغلوائه. والهمذاني مثل الفارة ~~بين يدي السنور قد تضاءل وقمؤ لا يصعد له نفس إلا بنزع تذللا وتقللا، هذت ~~على كبره في مجلسه مع نذالته في نفسه. # ثم نظر إلي الزعفراني رئيس أصحاب الرأي فقال: أيها الشيخ! سرني لقاؤك ~~وساءني عناؤك وقد بلغني عدواؤك وما خيله إليك خيلاؤك وأرجو أن أعيش حتى يرد ~~عليك غلواؤك؛ PageV01P097 ~~ما كان عندي أنك تقدم على ما أقدمت عليه، وتنتهي في عداوتك لأهل ms036 " العدل ~~والتوحيد " إلى ما انتهيت إليه؛ ولي معك - إن شاء الله - نهار له ذيل، وليل ~~يتبعه ليل، وثبور يتصل به ويل، وقطر يدوم معه سيل؛ (وسيعلم الكفار لمن عقبى ~~الدار) . # قال الزعفراني: " حسبنا الله ونعم الوكيل ". # ثم أبصر أبا طاهر الشيخ الحنفي فقال: # أيها الشيخ! ما أدري أأشكوك أم أشكو إليك، أما شكواي منك فلأنك لم ~~تكاتبني بحرف، حتى كأنا لم نتلاحظ بطرف، ولم نتحافظ على إلف، ولم نتلاق على ~~ظرف؛ وأما شكواي إليك فهو أني ذممت الناس بعدك، وذكرت لهم عهدك، وعرضت ~~بينهم ودك، وقدحت عليهم زندك، ونشرت عندهم غرائب ما عندك؛ فاشتاقوا إليك ~~بتشويقي، واستصفوك بتزويقي، وأثنوا عليك يتنميقي وترويقي؛ وهكذا عمل ~~الأحباب إذا تناءت بهم الركاب، والتوت دونهم الأعناق، واضطرمت في صدورهم ~~نار الاشتياق. PageV01P098 # فالحمد لله الذي أعاد الشعب ملتئما، والشمل منتظما، والقلوب وادعة، ~~والأهواء جامعة؛ حمدا يتصل بالمزيد، على عادة السادة مع العبيد، عند كل ~~قريب وبعيد. # ثم التفت إلى ابن القطان القزويني الحنفي، وكان من ظرفاء العلماء، فقال: ~~أيها الشيخ! كدت والله أحلم بك في اليقظة، وأشتمل عليك دون الحفظة، لأنك قد ~~ملكت ني غاية المكانة والحظوة؛ والله ما أسغت بعدك ريقا إلا على جرض، ولا ~~سلكت دونك طريقا إلا على مضض، ولا وجدت للظرف سوقا إلا بالعرض. سقى الله ~~ربعا أنت ساكنه بنزاهتك، وطبعا أنت طابته ببراعتك، ومغرسا أنت نبعه ~~بنباهتك، وأصلا أنت فرعه بفقاهتك. # وقال للعباداني: أيها القاضي! أيسرك أن أشتاقك وتسلو عني، وأن أسأل عنك ~~فتنسل PageV01P099 ~~مني، وأن أكاتبك فتتغافل، وأطالبك بالجواب فتتكاسل؛ وهذا ما لا أحتمله من ~~صاحب خراسان، ولا يطمع مني فيه ملك بني ساسان؛ متى كنت منديلا ليد؟ ومتى ~~نزلت على هذا الحد لأحد؟ إن انكفأت إلي بالعذر انكفاء، وإلا اندرأت عليك ~~بالعذل اندراء، ثم لا يكون لك معي قرار بحال، ولا يبقى لك بمكاني استكثار ~~إلا على وبال وخبال. # ثم طلع أبو طالب العلوي فقال: أيها الشريف! جعلت حسناتك عندي سيئات، ثم ~~أضفت إليها هنات بعد هنات، ولم ms037 تفكر في ماض ولا آت، أضعت العهد وأخلفت ~~الوعد، وحققت النحس وأبطلت السعد؛ وحلت سرابا للحيران، بعد ما كانت شرابا ~~للحران، وظننت أنك قد شبعت مني، أو اتعضت عني، هيهات! وأنى لك بمثلي، أو ~~بمن يعثر في ذيلي، أو له نهار كنهاري أو ليل كليلي؟ # وهل عائض مني، وإن جل، عائض # أنا واحد هذا العالم، وأنت بما تسمع عالم؛ لا إله إلا الله، وسبحان الله. # أيها الشريف! أين الحق الذي وكدناه أيام كادت الشمس عنا تزول؟ والزمان ~~علينا يصول، وأنا أقول، وأنت تقول، والحال PageV01P100 ~~بيننا يحول؟ سقى الله ليلة تشييعك وتوديعك، وأنت متنكر تنكرا يسوء الولي، ~~وأنا مفكر تفكرا يسر العدو، هذا ونحن متوجهون إلى ورامين خوفا من ذلك ~~الجاهل المهين، يعني بالجاهل المهين ذا الكفايتين حين أخرجه من الري بعد أن ~~ألب عليه وكاد يؤتى على نفسه الخبيثة، وهو حديث له فرش، وما أنا بصدده يمنع ~~من اقتصاصه، ولعله يجري على وجهه فيما بعد؛ ولقد ظلم بقوله، وكان بالجهل ~~والمهانة أحق، وسيمر ما يدل على قولي ويصحح حكمي، ويبين لك أنه لم يكن معه ~~إلا الجد المساعد فقط، وباقي ذلك تشبع وإيهام وتمويه وكذب وبهت ووقاحة. # ثم نظر إلى أبي محمد كاتب الشروط فقال: أيها الشيخ! الحمد لله الذي كفانا ~~شرك، ووقانا عرك، وصرف عنا ضرك، وأرانا فيحك وحرك؛ دببت الضراء إلينا، ~~ومشيت الخمر علينا، ونحن نحيس لك الحيس ونصفك باللبابة والكيس، ونقول PageV01P101 ~~ليس مثله ليس، وأنت خلال ذلك تقابلنا بالويح والويس؛ لولا أنك قرحان لسقط ~~العشا بك منا على سرحان. # وقال لابن أبي خراسان الفقيه الشافعي: أيها الشيخ! ألغيت ذكرنا عن لسانك، ~~واستمررت على الخلوة بإنسانك، جاريا على نسيانك، مستهترا بفتيانك وافتنانك، ~~غير عاطف على إخوانك وأخدانك؛ لولا أنني أرعى قديما قد أضعته، وأعطيك من ~~رعايتي ما قد منعته، لكان لي ولك حديث، إما طيب وإما خبيث؛ خلفتك محتسبا ~~فخلفت مكتسبا، وتركتك آمرا بالمعروف فلحقتك راكبا للمنكر، قد يفيل الرأي ~~ويخيب الظن، ويكذب الأمل، وقد قال الأول: # ألا ms038 رب من تغتشه لك ناصح %~% ومؤتمن بالغيب وهو ظنين # ثم نظر إلى الشادياشي فقال: PageV01P102 # يا أبا علي! كيف أنت وكيف كنت؟ فقال: يا مولانا # لا كنت إن كنت أدري كيف كنت ولا %~% لا كنت إن كنت أدري كيف لم أكن # فقال: أغرب يا ساقط يا هابط، يا من يذهب إلى الحائط بالغائط، ليس هذا من ~~نحت يدك ولا هو مما نشأ من عندك، هذا لمحمد بن عبد الله بن طاهر، أوله: # كتبت تسأل عني كيف كنت وما %~% لاقيت بعدك من غم ومن حزن # لا كنت إن كنت أدري كيف كنت ولا %~% لا كنت إن كنت أدري كيف لم أكن # وكان ينشد وهو يلوي رقبته، ويجحظ حدقته، وينزي أطراف منكبه ويتسايل ~~ويتمايل، كأنه (الذي يتخبطه الشيطان من المس) . # ثم قال: يا أبا علي! لا تعول على اير في سراويل غيرك، لا اير إلا اير ~~تمطى تحت عانتك، فإنك إن عولت على ذلك خانك وشانك وفضح خانك ومانك. PageV01P103 # ثم نظر إلى غلام قد بقل وجهه كان يتهم به على الوجه الأقبح، فالتوى ~~وتقلقل، وقال: ادن يا بني! كيف كنت؟ ولم حملت على نفسك هذا العناء؟ وجهك ~~هذا الحسن لا يبتذل للشحوب، ولا يعرض للفحات الشمس بين الطلوع والغروب، أنت ~~يجب أن تكون في بذلة بين حجلة وكلة، تزاح بك العلة، وتعلا فيك القلة، وتشفى ~~منك الغلة. # هذا آخر حديث الاستقبال، وقد حذفت منه أشياء كثيرة من رقاعاته، لأن الغرض ~~غير مقصور على فن واحد من حديثه. # وقال يوما في دار الإمارة لفيروزان المجوسي، وكان الخرائطي حاضرا، في شيء ~~نابذه عليه؛ إنما أنت مجش محش لا تهش ولا تبش ولا تمتش. PageV01P104 # فقال له فيروزان: أيها الصاحب! برئت من النار إن كنت أدري ما تقول، إن ~~كان من رأيك أن تشتمني فقل ما شئت بعد أن أعلم، فإن العرض لك، والنفس ~~فداؤك، لست من الزنج، ولا من البربر، ولا من الغز، كلمنا بما نعقل على ~~العادة التي عليها العمل؛ والله ما هذا من لغة ms039 آبائك الفرس، ولا لغة أهل ~~دينك من هذا السواد؛ فقد خالطنا الناس فما سمعنا منهم هذا النمط، وإني أظن ~~أنك لو دعوت الله بهذا الكلام لما أجابك، ولو سألته لما أعطاك، ولو استغفرت ~~الله به ما غفر لك؛ وحقيق على الله ذلك. # فقال الخرائطي: أيها الصاحب! والله لقد صدق فلا تغضب، فليس كل من وثق ~~بأنه لا يراجع في قوله ركب ما يحمق فيه شاهدا أو غائبا. # فقام عنهما خزيان يردد ريقه حقدا عليهما، وكان ذلك سببا كبيرا في فساد ~~أمرهما. # وقلت للزعفراني الشاعر، وكان من أهل بغداد: اصدقني أيها PageV01P105 ~~الشيخ عن هذا الإنسان، كيف وجدته في طول ما عجمت عوده، وتصفحت أخلاقه، ~~وخبرت دخلته. # فقال: وجدته كليل الكرم، حاد اللؤم، رقيع الظاهر، مريب الباطن، دنس ~~الجيب، مثريا من العيب، كأنه خلق عبثا مما ملي خبثا؛ سفهه ينفي حكمة خالقة، ~~وغناه يدعو إلى الكفر برازقه؛ وأنا أستغفر الله من قولي فيه ونفاقي معه؛ ~~ولعن الله الفقر فهو الذي يحيل المروءة، ويقدح في الديانة؛ ولو كان لي ~~ببغداد قوت يحفظ علي ماء الوجه ما صبرت على هذا الرقيع البارد المطاع ساعة، ~~ولكن ما أصنع قد قلبت أمري ظهرا لبطن، مالي إلى الرزق باب إلا منه، وأنشد: # والرزق كالوسمي ربتما عدا %~% روض القطا وسقى مهامه جلق # فإذا سمعت بحول متأله %~% متأدب فهو الذي لم يرزق # والرزق يخطيء باب عاقل قومه %~% ويبيت بوابا لباب الأحمق # وأنشد أيضا: # الرزق قد يأتيك في وقته %~% والحرص لا يغني ولا يجدي # كم قاعد يبلغ مأموله %~% وطالب مضطرب يكدي # فاسترزق الرازق من فضله %~% وارض بما يوليك من رفد PageV01P106 # وثق بإحسان له واسع %~% فهكذا عاداته عندي # وأنشد القرمسيني قال: أنشدنا علي بن سليمان الأخفش لشاعر: # قد يرزق المرء لم تتعب رواحله %~% ويحرم الرزق من لم يؤت من تعب # يا ثابت العقل كم عاينت ذا أدب %~% الرزق أعدى له من ثابت الجرب # وإنني واجد في الناس واحدة %~% الرزق والنوك مقرونان في نسب # وخصلة قل فيها من ينازعني %~% الرزق أروغ شيء ms040 عن ذوي الأدب # وقلت للمسيبي: ما قولك في ابن عباد؟ # فقال: له في الخلاعة قرآن معجر، وفي الرقاعة آية منزلة، وفي الحسد عرق ~~ضارب، وفي الكذب عار لازب؛ لا ينزع عن المساوي إلا مللا، ولا يأتي الخير ~~إلا كسلا؛ ظاهره ضلالة، وباطنه جهالة، وليس له في الكرم دلالة، ولا في ~~الإحسان إلى الأحرار آلة؛ فسبحان من خلقه غيظا لأهل الفضل والأدب، وأعطاه ~~فيضا من المال والنشب! وقلت لأبي بكر الخوارزمي الشاعر، وكان قد خبره: PageV01P107 # كيف وجدت الصاحب، وقد أعطاك وأولاك وقدمك وآثرك، وسفر لك إلى عضد الدولة، ~~وهو اليوم شاه الملوك، حتى ملأت عيابك تبرا، وحقائبك ثيابا، ورواحلك زادا؟ ~~فقال: دعني مما هنالك، والله إنه لخواز في المكارم، صبار على الملائم، زحاف ~~إلى المآثم، سماع للنمائم، مقدام على العظائم؛ يدعو إلى " العدل والتوحيد ~~"، ويدعي " الوعد والتخليد "، ثم يخلو باستعمال الأيور، ويشتمل على الفسوق ~~والفجور، ويمسي وهو بور ويصبح وما على وجهه نور. # وكان الخوارزمي من أفصح الناس، ما رأينا في العجم مثله، وإنما نوله ~~الصاحب ما نوله، وخوله ما خوله، لأنه كان أذكاه عينا على محمد بن إبراهيم ~~صاحب الجيش بنيسابور، واستملى فيه أخبار المشرق، وبهذا PageV01P108 ~~المعنى استدر له من ملك بغداد بوساطة ابن يوسف، وكان الظاهر أنه إنما ~~يعطيه لأدبه، ويجيزه لشعره، ويصطفيه لفضله. # ولقد قات للزعفراني: أرى الخوارزمي سيء الرأي في ابن عباد مع ما يصل إليه ~~منه، فما السبب؟ فقال: ابن عباد سيء السياسة لصنائعه، وذلك أنه يعطي ~~الإنسان عطية ما، ثم يبلوه بجفاء يتمنى معه لقط النوى من السكك، والمصطنع ~~الكريم هو الذي يكون اصطناعه بلسانه فوق اصطناعه بيده؛ وإني أحدثك ببعض ما ~~عامل به الخوارزمي ليصح لك القياس عليه، والتعجب منه. # حضر الخوارزمي يوما، وجرى حديث القافة، فقال الخوارزمي: PageV01P109 # دخل محرز المدلجي على رسول الله صلى الله عليه ونظر إلى أقدام أسامة، ~~وزيد، فقال: هذه أقدام بعضها من بعض، وصحف البائس كما يصحف الناس، العلماء ~~فمن دونهم، وكان ابن عباد على بركة، فما زال يدور ms041 حول البركة وهو يصفع ~~الخوارزمي ويقول: محرز؟ بحياتي؟ إلى أن رعف الخوارزمي فتنحى وخرج. # فهذا وما داناه هو الذي كان يفسد به ما يفعله من الخير والبر. # وحدثني بذكو أبي بكر عينا بخراسان أبو الطيب النصراني، وكان علي السر عند ~~مؤيد الدولة وكان يعرف من مخازي ابن عباد عجائب؛ سمعته يقول: لو بحت بما في ~~نفسي من حديث هذا المأبون لتصدع الجبل، ولتقلع الجندل. PageV01P110 # وكان ابن عباد شديد السفه عجيب المناقصة، سريع التحول من هيئة إلى هيئة، ~~مستقبلا للأحرار بكل فرية وفاحشة؛ كان يقول للإنسان الذي قد قدم عليه من ~~أهل العلم: تقدم يا أخي! وتكلم، واستأنس، وافترح، وانبسط، ولا ترع، واحسبني ~~في جوف مرقعة، ولا يهولك هذا الحشم والخدم، وهذه الغاشية والحاشية، وهذه ~~المرتبة والمسطبة، وهذا الطارق والرواق، وهذه المجالس والطنافس؛ فإن سلطان ~~العلم فوق سلطان الولاية، وشرف العلم أعلى من شرف المال، فليفرح روعك ~~ولينعم بالك، وقل ما شئت، وانصر ما أردت، فلست تجد عندنا إلا الإنصاف ~~والإسعاف والإتحاف والإطراف، والمقاربة والمواهبة، والموانسة والمقابسة، ~~وعلى هذا التنزيل، ومن كان يحفظ ما يهذي به في هذا وغيره؟ حتى إذا استقى ما ~~عند ذلك الإنسان بهذه الزخارف والحيل، وسال الرجل معه في حدوره على مذهب ~~الثقة، وركب في مناظرته، PageV01P111 ~~وردعه وحاجه، وراجعه وضاجعه وشاكعه ووضع يده على النكتة الفاصلة، والأمر ~~القاطع تنمر له، وتنغر عليه، واستحصد غضبا وتلظى لهبا وقال بعد وثبتين أو ~~ثلاث: يا غلام! خذ بيد هذا الكلب إلى الحبس، وضعه فيه بعد أن تصب على كاهله ~~وظهره وجنبيه خمس مئة عصا؛ فإنه معاند ضد، يحتاج إلى أن يشد بالقد، ساقط ~~هابط، كلب نباح، متعجرف وقاح؛ أعجبه صبري، وغره حلمي، ولقد أخلف ظني، وعدت ~~على نفسي من أجله بالتوبيخ، وما خلق الله العصا باطلا، ولا ترك خلقه هاملا. # فيقام ذلك البائس على هذه الحال التي تسمع، على أن مسموعك دون مشاهدتك لو ~~شاهدت، ومن لم يحضر ذلك المجلس لم ير منظرا رفيعا ورجلا رقيعا؛ وقد عامل ~~بما وصفت ms042 الحريري غلام ابن طرارة PageV01P112 ~~والجامدي الشاعر الوارد عليه من البصرة، وأبا زيد الكلابي وغيرهم. # وكان أبو الفضل أعني ابن العميد إذا رآه يقول: أحسب أن عينيه ركبتا من ~~زئبق وعنقه عمل بلولب. # وصدق، لأنه كان ظريف التثني والتلوي شديد التفكك والتفتل كثير التعوج ~~والتموج، في شكل المرأة المومسة والفاجرة الماجنة، والمخنث الأشمط. # وسمعت أبا الفضل الهروي يقول له يوما: لو وضع في خزانة الكتب للوقف شيء ~~من الطب لكان ذلك بابا من المنافع لحاضرة والفوائد المجلة والخير العام. PageV01P113 # فقال على حدته وجنونه: الطب - يا أبا الفضل - سلم الإلحاد، ولقد أسررت في ~~هذا القول حسوا في ارتغاء، أنت مهندس، وأنت متهم، ويكفي منك في هذا المعنى ~~ما هو دون هذا. # فانخزل الهروي وكان جبانا، وأخذ يتلافى ما فرط منه. # قال أصحابنا بالري: وكيف يسوغ له أن يقول هذا، وهو يشاور الطبيب في كل ~~غداة، ويعتمد على الطب في كل عارض، ويجمع الكتب فيه، ويرجع إليه؛ وليس هذا ~~بأعجب من عيبه لعلم النجوم وذمه لأهله، وهو لا يفارق التقويم، ولا يخلو ~~يوما من النظر فيه مرات؛ لأنه كان لا يركب إذا وجد نحسا، هذا على تقليده ~~فيه، لأنه ما كان يعرف حرفا من علم النجوم، لا على طريقة من PageV01P114 ~~ينظر في أحكامه، ولا على مذهب من يختاره لهيئته، فهل رأيت بهتا أشد من ~~هذا؟ ومناقضة أقبح من هذا؟ يذم شيئا في الظاهر، ثم يحبه في الباطن، ويزهد ~~غيره في شيء وهو يؤثره. # وكان من ضعف عقله يقول: يجوز أن يكون الفلك من سلجم أو جزر أو فجل؛ قال ~~هذا للصاغاني أبي حامد ونحن حضور، وهو مع هذا العقل السخيف يطلب كتب ~~الأوائل ويجمعها، وينظر فيها، ويشتهي أن يفتح فاتح عليه شيئا منها في السر، ~~وعلى وجه التهجين لا على وجه التقبل، ويقول في أبي حسن العامري: قال ~~الخرائي كذا وكذا، وإذا خلا نظر في كتبه ومصنفاته، وكان أخذها من أبي PageV01P115 ~~الحسن الطبري، طبيب ركن الدولة، وكان مع هذا المذهب الذي يدل به ms043 ويسميه " ~~العدل والتوحيد " قليل التوجه إلى القبلة، قليل الركوع والسجود، وكان مع ~~حفظه الغزير، عليه مؤونة في تلاوة آية من كتاب الله عز وجل، إذا أراد أن ~~يستدل بها في المناظرة والجدل، أو يذكر وجها من وجوهها في المذاكرة، ولم ~~يكن عليه طابع العبادة، ولا سيما المتألهين، وكان مع هذا سفاكا للدماء، ~~قتالا للنظراء والأكفاء، وكان شديد الحس لأهل الفضل والدراية، ولأصحاب ~~الحفظ والرواية، وكان جل حسده لمن كتب فأحسن الخط وأجاد اللفظ، وتأتى للرسم ~~وملح في الاستعارة، وكان إذا سمع من إنسان كلاما منظوما، ومعنى قويما، ~~ولفظا مسجوعا، ونثرا مطبوعا، وبيانا بليغا، وغرضا حكيما انتقض طباعه وذهب ~~عليه أمره وتبدد حلمه وزال عنه تماسكه والتهب كأنه نار، واضطرب كأنه شرار، ~~وحدث نفسه بقتله أو نفيه أو إغراقه وإبعاده وحرمانه. # قلت للتميمي الشاعر المصري بالرغيب: كيف ترى هذا الرجل أعني ابن عباد؟ PageV01P116 ~~فقال: طويل العنان في اللؤم، قصير الباع في الكرم، وثابا على الشر، مقعدا ~~عن الخير، كافرا بالنعم، متحرشا بالنقم، جباها بالمكروه، سفيها في الجملة، ~~خليعا في التفصيل. # قلت: أين هو من صاحبكم بمصر أعني ابن كلس؟ فقال: ذاك رجل له دار ضيافة، ~~وله زوار كالقطر، لا يعرف محكا ولا لجاجا ولا مجادلة، ولا كيادا ولا ~~مخاتلة، يعطي على القصد والتأميل، والرجاء والتوجه، والطمع والطلب، وسائر ~~الوسائل عنده، بعد هذه الأوائل، فضل يستحق به الزيادة، وليس هناك امتحان ~~ولا محاسبة ولا احتجاج ولا تعيير، المال مصبوب، والخازن قائم، والمفرق ~~مجزف، والنداء عال، والواصل موصول، والمؤمل مشكور، والراحل شاكر؛ وزارة ذاك ~~نيابة عن خلافة، ووزارة هذا خلافة عن عمالة. PageV01P117 # هل ترى هاهنا صلة ترتفع عن مئة درهم إلى ألف؟ # أليس أنبل من ورد عليه البديهي وهو شيخه في العروض، وعنه أخذ القوافي، ~~وبفتحه وهدايته قال الشعر؟ هل زاده في طول مقامه إلى رحيله على خمسة آلاف ~~درهم تفاريق؟ وإن أقل ضيف بمصر يصير إليه مثل هذا في أول يوم. # وقد سألت جماعة من سادة الناس عنه، وحصلت عن كل واحد ms044 منهم جوابا يمر بك ~~فيما تستقبل، وأذكرها هنا أشياء حدثني بها بطانته وخدمه. # حدثني الجرفادقاني أبو بكر وكان كاتب داره، قال: يبلغ من سخنة عين صاحبنا ~~أنه لا يسكت عما لا يعرف، ولا يسأم PageV01P118 ~~نفسه فيما لا يفي به ولا يكمل له، ويظن أنه إن سكت عنه فطن لنقصه وإن ~~اختال وموه جاز ذلك وخفي واستتر ولم يظهر، ولم يعلم أن ذلك الاحتيال طريق ~~إلى الإغراء بمعرفة الحال، وصدق القائل: كاد المريب يقول: خذوني. # قات له: ما الذي حداك على هذه المقدمة؟ قال: قال لي في بعض هذه الأيام: ~~ارفع حسابك قد أخرته وقصرت فيه واغتنمت سكوتي وشغلي بتدبير الملك وسياسة ~~الأولياء والجند، والرعايا والمدن، وما علي من أعباء الدولة وحفظ البيضة ~~ومشارفة الأطراف النائية والدانية باللسان والقلم، والرأي والتدبير، والبسط ~~والقبض، والإبرام والنقض، وما على قلبي من الفكر في الأمور الظاهرة ~~والغامضة؛ وهذا لعمري باب مطمع وإمساكي عنه مغر بالفساد مولع، فبادر عافاك ~~الله إلى عمل حساب بتفصيل باب باب تبين فيه أمر داري، وما يجري عليه دخلي ~~وخرجي. # قلت له: وهذا كله بسبب قوله هات حسابك بما تراعيه؟ وصدق هذا الكاتب، كان ~~يأخذ طرفا من الحديث فيمده إلى الفلك بالغثاثة والجهل والهذر. PageV01P119 # قال أبو بكر: فتفردت أياما وحررت الحساب على قاعدته وأصله والرسم الذي هو ~~مألوف بين أهله، وحملته إليه، فأخذه من يدي وأمر عينه فيه من غير تثبت أو ~~فحص أو مسألة، ثم حذف به إلي وقال: أهذا كتاب، أهذا تحرير، أهذا تقرير، ~~أهذا تفصيل، أهذا تحصيل؟ والله لولا أني قد ربيتك في داري، وشغلت بتخريجك ~~ليلي ونهاري، ولك حرمة الصبا، وتلزمني رعاية الأبناء، لأطعمتك هذا الطومار، ~~وأحرقتك بالنفط والنار، وأدبت بل كل كاتب وحاسب، وجعلتك مثلة لكل شاهد ~~وغائب. # أمثلي يموه عليه، ويطمع فيما لديه، وأنا خلقت الكتابة والحسابة؛ والله ما ~~أنام ليلة إلا وأحصل في نفسي ارتفاع العراق ودخل الآفاق؛ أغرك مني أني ~~أجررت: رسنك، وأخفيت قبيحك وأبديت حسنك؟ غير هذا الذي رفعت، واعرف قبل ms045 وبعد ~~ما صنعت، واعلم أنك من الآخرة قد رجعت فزد في صلاتك وصدقتك، ولا تعول على ~~قحتك وصلابة حدقتك. PageV01P120 # قال: فوالله ما هالني كلامه، ولا أحاك في هذيانه، لأني كنت أعلم جهله ~~بالحساب، ونقصه في هذا الباب، فذهبت، وأفسدت وقدمت وأخرت، وكايدت وتعمدت؛ ~~ثم رددته إليه فنظر فيه، ثم ضحك في وجهي وقال: أحسنت بارك الله عليك، وهكذا ~~أردت، وهذا بعينه طلبت ولو تغافلت عنك أول الأمر لما تيقظت في الثاني. # فهذا كما ترى أعجب منه كيف شئت. # ومن رقاعاته أيضا: سمعته يوما يقول: وقد جرى حديث الأبهري المتكلم، وكان ~~يكنى أبا سعيد، فقال: لعن الله ذلك الملعون المأبون المأفون، جاءني بوجه ~~مكلح، وأنف مفلطح، ورأس مسفح، وذقن مسلح، وسرم مفتح، ولسان مبلح، فكلمني في ~~مسألة PageV01P121 ~~الأصلح، فقلت له: اغرب عليك غضب الله الأترح، الذي يلزم ولا يبرح. # وشتم يوما رجلا فقال: لعن الله هذا الأهوج الأعوج، الأفلج الأفحج، الذي ~~إذا قام تحلج، وإذا مشى تدحرج، وإن عدا تفجفج. # بالله يا أصحابنا حدثوني، أهذا عقل رئيس، أو بلاغة كاتب، أو كلام متماسك؟ ~~لم تجنون به، وتتهالكون فيه؟ وتغيظون أهل الفضل به؟ هل هناك إلا الجد الذي ~~يرفع من هو أنذل منه، ويضع من هو أرفع منه؟ PageV01P122 # ولقد حدثت بهذا الحديث أبا السلم الشاعر، فأنشدني لشاعر: # سبحان من أنزل الدنيا منازلها %~% وصير الناس مشنوءا وموموقا # فعاقل فطن أعيت مذاهبه %~% وجاهل خرق تلقاه مرزوقا # كأنه من خليج البحر مغترف %~% ولم يكن بارتزاق القوت محقوقا # هذا الذي ترك الألباب حائرة %~% وصير العاقل النحرير زنديقا # وحدثني المأموني عند روايتي هذا الحديث: سمعته أنا يقول على غير هذا ~~الوجه، قال: جاءني فلان بهامة مسطحة، وأرنبة مفلطحة، PageV01P123 ~~ولحية مسرحة، وقفحة مسلحة، وجبهة موقحة، وجملة مقبحة، يناظرني في ~~المصلحة، فهممت والله أن أصلبه على باب المسلحة. وباب المسلحة بالري سوق ~~معروفة. # وهذا الكلام الثاني هو الأول يشقق ويؤذي، ويصيح ويهذي، ويوهم ويدعي، ~~وقاحة وجهلا وازدراء للناس، وحقرا لكل من يرى من أهل الفضل والأدب، والحرية ~~والحسب. # وكان ms046 كلفه بالسجع في الكلام والقلم عند الجد والهزل يزيد على كلف كل من ~~رأيناه في هذه البلاد. # قلت للمسيبي: أين يبلغ في عشقه للسجع، قال: يبلغ به ذلك أنه لو رأى سجعة ~~تنحل بموقعها عروة الملك، ويضطرب بها حبل الدولة، ويحتاج من أجلها إلى غرم ~~ثقيل وكلفة صعبة، وتجشم أمور، وركوب أهوال، لكان يخف عليه أن لا يفرج عنها ~~ويخليها، بل يأتي لها ويستعملها، ولا يعبأ بجميع ما وصفت من عاقبتها. # وقال علي بن قاسم الكاتب: السجع لهذا الرجل بمنزلة العصا PageV01P124 ~~للأعمى، والأعمى إذا فقد عصاه فقد أقعد، وهذا إذا ترك السجع فقد أفحم. # وقات للخليلي: كيف كان ابن العميد أبو الفضل يقدم هذا ويرشحه وهذا عقله ~~ولفظه وشمائله؟ فقال: كان يسترفعه ويضحك منه ولا يغتاظ لأنه كان تحت ~~تدبيره. والرقاعة الخالية من القدرة مقبولة، وإنما تضاعف اليوم حديثه في ~~الرقاعة لأنه أصبح بسيط اللسان بالدولة، مطاع الأمر في القريب والبعيد؛ ~~ونعوذ بالله من جنون موصول بانقياد الأمور وطاعة الرجال. وكان يقول: هو مع ~~هذا الطيش والخفة، والتفتل والتثني أفضل من أبيه؛ فإن أباه كان ثورا خوارا، ~~وحمارا نهاقا. # وكان أيضا يقدح ابنه أبا الفتح به، ويبعثه على الحركة والنطق، وكان أيضا ~~مظنونا به وهو غلام ما بقل وجهه. # قال: وأسباب الجد عجيبة، وكما لا يدري الإنسان من أين يخفق كذلك لا يدري ~~من أين ينال. PageV01P125 # فقلت للخليلي: أما كان ابن العميد يسمع كلامع؟ قال: بلى، وكان يقول: سجعه ~~يدل على الخلاعة والمجانة، وخطه يدل على الشلل والزمانة، وصياحه يدل على ~~أنه قد غلب بالقمار في الحانة، وما نظرت إليه قط في وقت إلا خلت أنه قد ~~سقاه العباره دواء مذ ساعة. # وهو أحمق بالطبع إلا أنه طيب، وإن كان له يوم تضاعف حمقه، وذهب طيبه، وضر ~~أهل النعم والمروات والأدب بالحسد والكبر والإعنات. # قلت للخليلي: هل عرفت طالعه؟ قال: حدثني أصحابنا منهم الهروي أن طالعه ~~الجوزاء كط، والشعرى اليمانية كط، وكان زحل في الحادي عشر في الحمل كح، ~~والقمر ms047 فيه يط والشمس في السنبلة يج، والزهرة فيها ي، والمشتري في الميزان ~~كد، والمريخ في العقرب ز، وسهم السعادة في القوس يد، وسهم الغيب في الجدي ~~يد، والرأس في الثالث في الأسد يا. قال: وخفي علي عطارد. وذكر أنه ولد سنة ~~ثلاثمائة وست وعشرين من الهجرة، ولأربع عشرة PageV01P126 ~~ليلة بقيت من ذي القعدة روز سروش من ماه شهرير. # قلت فأين ولد؟ فقال: كان عندنا أنه ولد بطالقان، وقال لنا قوم: بل ~~بإصطخر. وقال لي غير الخليلي: كان عطارد في السنبلة ط ي. # وكنت بالري سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وابن عباد بها مع مؤيد الدولة قد ~~وردا في مهمات وحوائج، وعقد ابن عباد مجلس جدل وكنا نبيت عنده في داره بباب ~~سين معنا الضرير أبو العباس القاص وأبو الحوراء الرقي، وأبو عبد الله ~~النحوي الزعفراني، وجماعة من الغرباء فرأى ليلة في مجلسه وجها غريبا صاحب ~~مرقعة، PageV01P127 ~~فأراد أن يفره، ويعرف ما عنده، وكان الشاب من أهل سمرقند زعم أنه يعرف ~~بأبي واقد الكراييسي. # فقال له: يا أخ انبسط واستأنس وتكلم؛ فلك منا جانب وطي ومشرب روي، ولن ~~ترى إلا الخير، بم تعرف؟ قال: أعرف بدقاق. # قال: تدق ماذا؟ قال: أدق الخصم إذا زاغ عن سبيل الحق. فلما سمع هذا تنكر ~~وعجب، لأنه فجئ ببديعة. # فقال: دع ذا، تكلم. # قال: أتكلم سائلا؟ والله ما بي حاجة إلى مسألة، أم أتكلم مسؤولا؟ فوالله ~~إني لأكسل عن الجواب، أم أتكلك مقررا؟ فوالله إني لأكره أن أبدد الدر في ~~غير موضعه، وإني لكما قال الأول: # لقد عجمتني العاجمات فلم تجد %~% هلوعا ولا لين المجسة في العجم PageV01P128 # وكاشفت أقواما فأبديت وصمهم %~% وما للأعادي في قناتي من وصم # فقال له: يا هذا، ما مذهبك؟ قال: مذهبي أن لا أقر على الضيم، ولا أنام ~~على الهون، ولا أعطي صمتي لمن لم يكن ولي نعمتي، ولم يصل عصمته بعصمتي. # قال: هذا مذهب حسن، ومن هذا الذي يأتي الضيم طائعا، ويركب الهون سامعا؛ ~~ولكن ما نحلتك التي تنصرها؟ قال: نحلتي ms048 طوية صدري، ولست أتقرب بها إلى ~~مخلوق، ولا أنادي عليها في سوق، ولا أعرضها على شاك، ولا أجادل عليها ~~المؤمن. # قال: فما تقول في القرآن؟ قال: وما أقول في كلام رب العالمين الذي يعجز ~~عنه الخلق إذا أرادوا الاطلاع على غيبه، وبحثوا عن خافي سره، وعجائب حكمته، ~~فكيف إذا حاولوا مقابلته بمثله، وليس له مثل مظنون فكيف عن مثل متيقن؟ قال ~~ابن عباد: صدقت، ولكن أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فقال: إن كان مخلوقا كما ~~تزعم فما ينفعك؟ وإن كان غير مخلوق كما يزعم خصمك فماذا يضرك؟ PageV01P129 ~~فقال: يا هذا أبهذا العقل تناظر في دين الله وتقوم على عبادة الله؟ قال: ~~إن كان كلام الله فينبغي إيماني به وعملي بمحكمه، وتسليمي لمتشابهه، وإن ~~كان كلام غيره، وحاش لله من ذلك ما ضرني. # فأمسك عنه ابن عباد وهو مغيظ، ثم قال له: أنت لم تخرج من خراسان بعد. ~~فمكث الرجل ساعة ثم نهض. فقال له ابن عباد: إلى أين يا هذا قد تكسر الليل، ~~بت هاهنا. # فقال: أنا بعد لم أخرج من خراسان، فكيف أبيت بالري، وخرج. فارتاب به ابن ~~عباد، فقفاه بصاحب له، ووصاه بأن يتبع خطاه ويبلغ مداه من حيث لا يفطن له ~~ولا يراه، فما راغ الرجل عن باب ركن الدولة حتى دخل، ووصل في ذلك الوقت ~~الفائت إليه. # فقيل لابن عباد ذلك فطار نومه من عينه، وقال: أي شيطان PageV01P130 ~~هبط علينا وأحصى ما كنا فيه بيننا، وبلغ أربه منا، وأخذ حاجته من عندنا، ~~بلسان سليط وطبع مريد. # فحدثني الهروي، وكان يبيت عند ركن الدولة: أن ركن الدولة قال للخراساني: ~~كيف رأيت كاتب ابننا؟ قال: رأيت وجهه وجه خنزير، وعقله عقل سنور، وكلامه ~~كلام مبرسم، وحركته حركة مخنث، ونظره نظر فاجر، ورأيه رأي موسوس، وأعضاءع ~~أعضاء مفلوج؛ ولقد عشانا وتعشى معنا فما زال يذكر القدر والخبز والأدم ~~والبوارد، والغضائر والمطابخ حتى عرقت جباهنا من الحياء والانخزال، واسترخت ~~أيدينا من الخجل. # فقال له ركن الدولة: لو علمت أنك هكذا ms049 تنقلب عن مجلسه لما أذنت لك في ~~لقائه، ولكن قد فات. # قال الهروي: وكان هذا الكراييسي عينا لركن الدولة بخراسان، PageV01P131 ~~فلذلك كان قريبا منه وكان أحد رجالات الدنيا، ولم يتمكن من مكاثرته. # وقلت للخليلي: بم انفرج ما بين هذا الرجل، أعني ابن عباد وصاحبكم أعني ~~أبا الفتح ذا الكفايتين؟ فقال: كان صاحبنا غرا صعب القياد شديد الزهو؛ وهذا ~~على رقاعته لتي ترى، ولم يكن بينهما عاقل يرأب المصدوع، ويصل المقطوع، ~~ويرفع الموضوع، ويرد هذا عن حدته بلسانه، ويكف ذاك عن تيهه وامتنانه. وقد ~~كان ركن الدولة يكنفهما بظله، ويكفهما بفضله، ويخفض لهما جناح إحسانه، ~~ويمزج بينهما في استخدامه، ويجمعهما على طاعته لصحة رأيه وحسن مداراته؛ ~~ونفوسهما على ذلك تغلي، وصدورهما تفيض، والألسنة تكني، والحواجب تتغامز، ~~والشفاه تلتوي، والأعين تختلج، والوشاة تدب، والزمان يعمل عمله؛ فلما مضى ~~سائسهما تفارقا القرحة، وتنازعا الرتبة فكان ما كان. # قلت: ما الذي كان ينقم هذا من ذاك، وذاك من هذا؟ PageV01P132 ~~فقال: كان صاحبنا يقول: أشد ما علي أن خصمي معلم مأبون. وكان هذا يقول: ~~كيف أسامي حدثا صغير الرأس، كليل اللسان، قليل الهمة، الخير عنده حر ~~والدرهم في نفسه رب؛ وكان ينشد فيه: # فتى يمنع الطعا %~% م ولا يمنع الحرم # فجميع النساء في ال %~% حل والمطبخ الحرم # فهذا هذا. # قلت لأبي عبيد النصراني ببغداد، وكان سهل البلاغة حلو اللفظ، حسن ~~الاقتضاب، غريب الإشارة، مليح الفصل والوصل: كيف ترى كتابة ابن عباد؟ PageV01P133 ~~فقال: هي شوهاء فيها شيء في غاية التنقيح، وفيها شيء في غاية الركاكة، ~~وبينهما فتور راكد، بمذاهب المعلمين الحمقى المتعاقلين أشبه منها بمذاهب ~~السلف الأولين من الكتاب وأصحاب الدواوين. # قال: السجع الذي يلهج به هو مما يقع في الكلام، ولكن ينبغي أن يكون ~~كالطراز في الثوب، والصنفة في الرداء، والخط في العصب، والملح في الطعام، ~~والخال في الوجه؛ ولو كان الوجه كله خالا لكان مقليا. # قال: وبديعه في هذا الفن لا تستر ركاكته في سائر فنون الكلام، فإن فنون ~~الكلام محصلة على التقريب بين ms050 البدد والسجع والوزن، وما يسميه قوم تجنيسا ~~وتطبيقا. # قال: ومنها شيء يجب أن يسمى المسلسل، وأمثلته في كلام أبي عثمان موجودة، ~~ثم قال: والذي ينبغي أن يهجر رأسا، ويرغب عنه PageV01P134 ~~جملة التكلف والإغلاق، واستعمال الغريب والعويص، وما يستهلك المعنى أو ~~يفسده أو يحيله، ويجب أن يكون الغرض الأول في صحة المعنى، والغرض الثاني في ~~تخير اللفظ، والغرض الثالث في تسهيل النظم وحلاوة التأليف، واجتلاب الرونق، ~~والاقتصاد في المواخاة، واستدامة الحال، ليستمر الثاني على الأول، والثالث ~~على الثاني، وأن تتوفى الفضاء الذي يعرض بين الفضل والفصل. # قلت: ما معنى الفضاء؟ قال: عدم الرباط بين المتقدم والمتأخر، وهو النبو ~~العارض في النفس عند سماعه وتحصيله. # قال: والهجنة التي ليس بعدها هجنة، والركاكة التي ليس فوقها ركاكة، ~~الولوع بالغريب، وما يشكل فيه الإعراب، ويتجاذبه التأويل؛ فإن هذا وما ~~شاكله كلفة على النفس عند سماعه، ومؤونة على الطبع عند تخيره، ومشقة على ~~اللسان عند اللفظ به. # ثم قال: فخير الكلام - على هذا التصفح والتحصيل - ما أيده العقل ~~بالحقيقة، وساعده اللفظ بالرقة، وكان له سهولة في السمع، ووقع في النفس، ~~وعذوبة في القلب، وروح في الصدر؛ إذا ورد لم PageV01P135 ~~يحجب، وإذا صدر لم ينس، وإذا طال لم يمل، وإذا قصر لك يحقر، له غنج كغنج ~~العين، ودل كدل الحبيب، ولذة كلذة الغناء، وانقياد كانقياد الذليل، وتيه ~~كتيه العزيز، وجمش كجمش الغانية، ووقار كوقار الشيخ، وحلاوة كحلاوة ~~العافية، ولين كلين الصيب، وأخذ كأخذ الخمر، وولوج كولوج النسيم، ووقع كوقع ~~القطر، وريح كريح العطر، واستواء كاستواء السطر، وسبك كسبك التبر، يجمع لك ~~بين الصحة والبهجة والتمام. # فأما صحته فمن جهة شهادة العقل بالصواب، وأما بهجته فمن جهة جوهر اللفظ، ~~واعتدال القسمة، وأما تمامه فمن جهة النظر الذي يستعير من النفس شغفها، ~~ويستثير من الروح كلفها. # وقال: قال أبو الربيع: الكتاب سبعة: الكامل، والأعزل، والمبهم، والرقاعي، ~~والمخيل، والمخلط، والسكيت. PageV01P136 # فأما الكامل فهو الذي له في الإنشاء والإملاء حظ. والأعزل: الذي يملي ولا ~~يكتب. والمبهم: الذي يكتب ولا يملي. ms051 والرقاعي: الذي يبلغ في الرقاع حاجته، ~~ولا يصلح لعظم الكتابة؛ والمخيل: الذي له عارضة وبيان، ورواية وإنشاء، ~~وتعرف بالآداب، ولا طبع له في الكتابة؛ وإذا كان عاقلا صلح لمنادمة الملوك. ~~والمخلط: الذي يرى له في الكتاب الواحد بلاغة جيدة وفدامة عجيبة. والسكيت: ~~المتخلف المتبلد، وربما جاء بالشيء المحتمل إذا تعنى فيه. # قلت فمن أيهم ابن عباد؟ قال: هو مشكل، لا يجوز أن تهضمه فتضعه في أسفل ~~سافلين، ولا يجوز أن تغلظ فيه فترفعه إلى أعلى عليين، ثم ضعه بين هذين أين ~~شئت، على أنه على كل حال جبلي. # قلت له: قد استمر قولك بما لو كان تصنيفا لك لساغ، وبقي تمامه في كلمة ~~هذا وقت المسألة عنها ومعرفة الحال فيها. # قال: قل، فقد استرسلنا في الحديث، وتباثثنا كل ضمير. # قلت: كيف ترى كتابنا أعني القرآن؟ وأنت رجل قد أشرفت على غاية هذا الباب، ~~واستوعبت جميع ما فيه. # قال: ذاك كلام ليس فيه أثر للصنعة، ولا علامة للتكلف، وهو PageV01P137 ~~كلام منسكب انسكابا، وجار جريا يزيد من لطفه على الطبع، بقدر ما يزيد ~~الطبع على التصنع، قليله كثير، وكثيره غزير، ومعناه أقوم من لفظه، ولفظه ~~أرشق من وزنه، ووزنه أعدل من نظمه، ونظمه أحلى من نثره، ومجموعه أبهى من ~~مفرقه، ومفرقه أظرف من مجموعه، وبعضه أغرب من كله، وكله أعجب من بعضه؛ وهو ~~شيء يستوي تعجب الجاهل، وتحير العالم، ويستعلي الذهن ويستغرق الفهم، ويحجب ~~الرؤية عن الإدراك، ويردها إلى البديهة في التسليم، وهذا يصح ويبين لمن كان ~~ذا أداة تامة، وعقل ثابت، وعلم غزير، وطبع سجيح، وبصر بالجوهر صحيح، ومعرفة ~~بالصورة والصورة، وتمييز بين الحال والحال، ورفق فيما يزيد البيان عنه، لا ~~يحمله ما لا يطيق، ولا يحتمل له ما لا يجب، فيكون في جميع ذلك كالطبيب ~~الحاذق، والناصح المشفق. # قلت له: إنما يكون هذا كله وما هو عتيد عندك داعيا إلى الإيمان به، ~~والتصديق لصاحبه. # فقال: أتراني لا أنصح لنفسي في قضاء الحق عنها مجتلبا للسعادة، كما لا ~~أنصح لها في ms052 اقتضاء الحق لها مكتسبا للزيادة؟ بلى والله! ولكن وراء هذا ما ~~يشكل ويعضل، ويطول ويمل. PageV01P138 # وكان هذا الرجل ممن يدون كلامه كما يدون كلام ابن هلال الصابي ......... # صاحبا له: يا هذا! انفع صاحبك على كل حال وإن ضرك، وزينه زإن عرك، وحسن ~~به ظنك وإن غرك. # ومما يدل على ولوع ابن عباد بالسجع ومجاوزة الحد فيه بالإفراط قوله يوما: ~~حدثني أبو علي ابن باش، وكان من سادة الناش، جعل السين شينا ومر في الحديث ~~وقال: هذه لغة. وكذب وكان كذوبا. # وكان أبو مالك يكتب بين يديه فقال له: إنما PageV01P139 ~~أنت خط وقط فقط. وفتت أطرافه بحركاته تخنثا وتأنثا. # وقال لعبد الله المعلم، وقد أنشده: يا عبد الله! أنت طويل النفس، عتيق ~~القوس، شديد المرس. # وقال الشيخ من خراسان في شيء جرى: والله لولا شيء لقطعتك تقطيعا، وبضعتك ~~تبضيعا، ووزعتك توزيعا، ومزعتك تمزيعا، وجرعتك تجريعا، وأدخلتك في حر أمك، ~~ثم توقف وقفة وقال: جميعا. # وملح هذه الحكاية ينتثر في الكتابة، وبهاؤها ينتقص بالرواية دون مشاهدة ~~الحال وسماع اللفظ، وملاحة الشكل في التحرك والتثني، والترنح والتهادي، ومد ~~اليد، ولي العنق، وهز الرأس والأكتاف، واستعمال الأعضاء والمفاصل. # وقلت لابن القصار الفقيه: لو ناظرته، وكان يذهب مذهب القلانسي. فقال: ~~الرجل كلف بالمذهب لا يفهمك ما يقول استكبارا عليك، ولا يفهم ما تقول ~~استحقارا لك. PageV01P140 # وطلع علي يوما في داره وأنا قاعد في كسر رواق أكتب له شيئا قد كادني به، ~~فلما أبصرته قمت قائما، صاح بحلق مشقوق: اقعد! فالوراقون أخس من أن يقوموا ~~لنا، فهممت بكلام، فقال لي الزعفراني الشاعر: احتمل فإن الرجل رقيع، فغلب ~~علي الضحك، واستحال الغيظ تعجبا من خفته وسخفه، لأنه قال هذا وقد لوى شدقه ~~وشمخ أنفه وأمال عنقه واعترض في انتصابه وانتصب في اعتراضه، وخرج في مسك ~~مجنون قد أفلت من دير حنون. والوصف لا يأتي على كنه هذه الحال لأن حقائقها ~~لا تدرك إلا باللحظ، ولا يؤتى عليها باللفظ. # أفهذا كله من شمائل الرؤساء وكلام الكبراء وسيرة أهل ms053 العقل والرزانة؟ لا، ~~والله! وتربا لمن يقول غير هذا. PageV01P141 # وسمعت الخثعمي الكاتب كاتب علي بن كامة يقول: ما رأيت في طول عمري مع علو ~~سني وكثرة تجارتي تتبعي رجلا أجمع للمخازي والمقابح والرقاعات والجهالات ~~والخساسات والفواحش والخبائث من ابن عباد؛ أفيل الناس رأيا إذا ارتأى، ~~وأنكلهم عن الخصم إذا تراءى، وأقلهم وفاء لمن جعله الله ولي نعمته، وأوقحهم ~~وجها مع كل إنسان، ولأحدهم لسانا بكل خنى وفحش، وأحسدهم لنظير ولمن دون ~~النظير، وأسعاهم بالفساد على الصغير والكبير، وأخطبهم على الدين، وأضرهم ~~للمسلمين، وأفجرهم من بين العالمين، فقلت له: ما الذي يمده على ما هو فيه، ~~وبأي شيء يطرد له ما هو عليه؟ # فقال: لم يبق فيمن فوقه من ينتقد، ولا فيمن دونه من يزاحم؛ قد خلا له ~~الجو فهو يبيض ويصفر، ويتمطى ويبوع، ويقول PageV01P142 ~~سبعا في ثمان؛ لم يذل لأحد وذل له كل محتاج، وأمر كل إنسان وما نهاه ~~إنسان، وضرع إليه كل محتاج، وما احتاج إلى غيره، ونشأ على البطر والجنون، ~~وعلى الخلاعة والمجون؛ فبهذا وأشباهه فسدت أخلاقه، وساء أدبه، وبذؤ لسانه، ~~ووقح وجهه، وغلط في نفسه غلطا شديدا؛ وأعجب بعربيته إعجابا بعيدا؛ وهكذا ~~يفسد كل من فقد المخطئ له إذا أخطأ، والموبخ له إذا أساء، والمقوم له إذا ~~اعوج؛ لا يسمع إلا: صدق سيدنا، وأصاب مولانا؛ وماله في الزمان ثان، ولم ~~يعرف فيمن تقدم له نظير. # رجل في هذه المملكة الواسعة العريضة على ما ترى من التمكن والاستعلاء، ~~وهو لا يحصل شيئا من خرابها وعمارتها، ولا ينظر في مصلحتها ومفسدتها، ولا ~~يعرف المختلس منها ولا الضائع بين الناظرين فيها. أعمال بائرة، وبلاد ~~غامرة، وأموال محتجنة، وطمع مستحكم، وضعف غالب وعدو راصد، ووقت فائت ~~بالفرص، وخوف مؤذن بسوء العاقبة؛ وهو قاعد في صدر مجلسه يقول: PageV01P143 # قال شيخنا أبو علي وأبو هاشم، تارة يتقلس ويتعمم ويتلحى ويناظر العامة؛ ~~هذا البقال وهذا الخباز وهذا الخلقاني وهذا الإسكاف بالفارسية إما بالدرية، ~~وإما بالرزاية وإما بغيرهما؛ ويرى أنه في شيء مهم، وأنه في ms054 نشر مذهب ونصرة ~~دين؛ وتارة يناغي هذا الأمرد، ويعاتب هذا الخادم، وينشد الشعر البارد الذي ~~يورث الفالج: # أبا يوسف إن العثانين آفة %~% على حامليها فاتخذ لحية قصدا # ولا تك مشغوفا بسحب فضولها %~% ولا تولها إلا الإبادة والحصدا # وينشد: # قد استوجب في الحكم سليمان بن مختار %~% PageV01P144 # بما طول من لحي %~% ته التحريق بالنار # أو النتف أو الجز %~% أو النشر بمنشار # فقد صار بها أشه %~% ر من راية بيطار # فإذا أمل الشعر قال: قال سعيد بن حميد لأبي هفان: إن ضرطت عليك لأبلغنك ~~إلى فيد. فقال أبو هفان: زدني أخرى تبلغني مكة، فإني صرورة. # أتدري يا أبا فلان ما الصرورة، وكم لغة فيها، وما أصلها، وما نظيرتها؟ ~~ويقول: ضرب المتوكل على قفحة عبادة فضرط، فقال: PageV01P145 # ويحك ما هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، خليفة يقرع باب قوم فلا يجيبونه؟ ~~ويقول: مر بعلي بن الحسين العلوي رجل عباسي مأبون، فقال: من هذا؟ فقيل: هذا ~~تيس الجن. # فقال: ينبغي أن يقال له نعجة الإنس. # ويقول: جمع مزبد بين قبحة وصديقها في بيت فتعاتبا، فأراد أن يجامعها ~~فامتنعت وقالت: ليس هذا موضع ذا، فسمعها مزبد فقال: يا زانية فأين موضعه ~~أبين القبر والمنبر والله ما بني هذا البيت PageV01P146 ~~إلا من جذر القحاب، ولا وزن ثمن خشبه إلا من أثمان نعال اختطفت في شهر ~~رمضان من المساجد، وما اشتريت أرضه إلا من السرقة، وما أعرف موضعا أحق ~~بالزنا فيه منه. # وكان ينشد لابن الحجاج كل سخف ويستجيده ويعجب به؛ أنشد له يوما: # يسائلني محمد عن أخيه %~% وعنه وقد بلوتهما شديدا # فقلت كلاكما جعس ولكن %~% أخوك، الحق، أكثر منك دودا # ويقول: امرؤ القيس والنابغة يقصران عن هذا الفن. PageV01P147 # وينشد أيضا له: # ومصرف أنفاس ليث خادر %~% يصدرن عن لهوات كلب رابض # ذي لثة غروية الريا وذي %~% لحم مصل في لعاب حامض # رث الثيات يحز منبته دما %~% فكأنما شفتاه شفرا حائض # لم أدر ماذا قال إلا أنه %~% ما زال يفسو ضرسه في عارضتي # ومن أحاديثه السخيفة التي يتنزه عنها الرؤساء، ms055 قال: قدم أبو فرعون ~~الأعرابي وكان يسمى سلمان البصرة، فنظر إلى بعض آل المهلب على بابه قد فرش ~~له، ووصيفة أدماء كأنها طبية قائمة تذب عنه، فجعل يجمح إليها ويحد النظر، ~~فقال له صاحبها أتشتهيها؟ قال: إي والذي خلقها. # قال: فهل لك أن تكشف عما معك بين يدي وتنكحها وتنكحها وأنا أنظر؛ فإن ~~فعلت ذلك فهي لك. PageV01P148 # فلما ألقاها وأخرج متاعه كأنه عمود البيت، وبرك عليها صاح به الناس: زر، ~~زر، فأكثروا عليه، فاستحيا وفتر وولى هاربا والناس في إثره يصيحون، وأخذ ~~برأس متاعه وقال: # يالك من اير جزيت شرا %~% # أقمته حتى إذا اكفهرا %~% # واضطربت أعراقه ودرا %~% # عاد إلي وجهه مزورا %~% # أريد جوا ويريد برا %~% # كأنه صاحب ذنب فرا %~% # كأنما ألقم شيئا مرا %~% # وما عليك أن يقال زرا؟ %~% # وحدث أيضا: قال عبادة: اختصم الحر والحجر في الجلدة التي بينهما، فكان كل ~~يدعيها، فتقدما إلى الاير. فقال ليست لأحدكما. # قالا: فلمن هي؟ قال: هي لي إذا دخلت حططت عليها رحلي، وإذا خرجت استرحت ~~عندها من كربي. PageV01P149 # وحكى يوما عن جحظة قال: كانت لي جارية فحبلت، فقلت لها: يا ملعونة من ~~أحبلك! قالت: من غرقه يا مولاي. # قال: وقيل لعبادة: لم صار الصفع بالقرع على القفا ثقيلا، وفي الجوف ~~خفيفا، قال: لأنه ينزل على القفا جملة ويدخل في الجوف تفاريق. # وكان ديدنه السخف والخلاعة والمجون، والرواية عن مزبد المدني وأبي الحرث ~~حمين وعبادة، وجحظة ونضلة بن البك ومن أشبه هؤلاء. وكان يضع أحاديث من ~~الفواحش على بني ثوابة ويرويها عنهم PageV01P150 ~~ويسمهم بها. وكان القوم معاذين منها، على ما حدثنا شيوخ جلة كرماء لهم ~~دين ومروة. وكان يتكذب على اليزيديين وغيرهم. وكان أكثر هذا فيه، وإنما كان ~~يتحدث بمثله تبرؤا ونزاهة، وكان أدنس من الخنزير. # ولمثل هذه الخصال كتب إليه أبو راغب، فتى من آل أبي جعفر العتبي الوزير ~~بخراسان رسالة هتكه بها؛ وأنا أرويها لتعلم أني لم أتفرد بتهجينه والنكير ~~عليه، بل كل حر كريم، وكل دين مذكور، وكل ذي مروة ظاهرة ms056 معي فيما نثوت عنه ~~وكرهته منه؛ فإن لم تعبأ بما تسمع مني فاعبأ بمن لعله عندك أشف مني، ولا ~~تتسرع إلى عيبي هذا الرجل بما قد دونته حتى تتبين الأمر على حقه وصدقه. # كتب أبو راغب: أصلحك الله أيها الرجل لنفسك، فإنك إذا صلحت لنفسك صلحت ~~لقريبك وبعيدك. # أما بعد فإن بعد صيتك بعثني على تصفح شأنك، وتصفحي لذلك PageV01P151 ~~وقفني على أحوال كرهتها لك، وأنفت منها لمن بلغ درجتك، والعيب منك مضاعف، ~~واللسان فيك جوال، والحقد عليك سريع؛ ولولا الحال التي أنت عليها من القدرة ~~والتمكن لكان العذر يناضل عنك، والتوبيخ يتبدد دونك، وما أحسن ما قال شاعر ~~عصرك في نظمه: # ولك أر في عيوب الناس شيئا %~% كنقص القادرين على اللتمام # قد خولك الله ما يفوت ذرع همتك، وآتاك ما يتجاوز اشتطاطك في حكمك، من ~~المال والثروة والرياسة والعلم والقوة والمكانة؛ ولم يخصك بهذا كله بسابقة ~~لك عنده، ولا حق لك عليه، بل كله تفضل في الأول، واختبار في الثاني، وثواب ~~أو عقاب في الثالث. # ولقد شاهدت وسطي في تعرف أخبارك، واستعنت كل عين وأذن في معرفة ليلك ~~ونهارك، فلم أجد في تفصيل ذلك إلا ما يعصب برأسك العار، ويحشد عليك أسباب ~~الدمار، وتكون عاقبتك منه دخول النار؛ لأنك تظهر القول بالوعيد ثم تركب كل ~~بعير كبير، من أخذ المال PageV01P152 ~~المحرم، واستباحة الحريم المصون، وقتل النفس المؤمنة، ومساهمة الفسقة ~~الفجرة، وخدمة الظلمة الغشمة، وتقديم أهل المجون والعيارة، وفي عشر هذا ~~سقوط المروة، والإنسلاخ من الديانة. # فيا أيها المدل بالتوحيد والعدل أهذا كله في مذهبك أو PageV01P153 ~~في مذاهب أسلافك؟ مثل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وأبي موسى المردار، ~~والجعفرين؟ PageV01P154 ~~أما كانوا - مع بدعتهم التي شانوا بها وجه الإسلام، وكادوا بها أهله - ~~مجتهدين في غير ما أنت به راض لنفسك ومصر عليه باغترارك؟ إن الله لا يخادع، ~~ولا منجاة للعبد إلا بالطاعة الخالصة، والتوبة النصوح؛ هذا إذا كان الإيمان ~~ساكن صدره والخوف من الله مترددا في أقطار فكره، واليقين بالمعاد عمود ms057 ~~دينه، والعلم بالجزاء راسخا في فؤاده؛ فأما إذا كان عاريا من هذا كله فهو ~~الكافر بعينه الذي سمعت به، وعاقبة الكافرين (جهنم يصلونها وبئس المصير) . # والله ما حركتني لنبذ هذا الكلام إليك حيبة عليك؛ لأني PageV01P155 ~~لم أنتجعك، ولم أطمع في مالك، ولا عرفت وجهي، ولا سمعت باسمي، لكن أبت ~~نفسي أن تقر على الجهل بحالك، وبدخلة ما يكون أمثالك، فآثرت نصيحتك؛ فإن ~~النبي صلى الله عليه قال: " الدين النصيحة ". وما أخوفني أن تكون جرأتك على ~~هتك حرمات الدين، ومعارضة الصالحين، مع العكوفة على الخسران المبين، إنما ~~قويت وربت لأنك شارد على ربك، نافر من دين نبيك، مدع له بلسانك، شاك فيه ~~بفؤادك، متعجب ممن له إخلاص، أو له بالدينونة اختصاص؛ والويل لك إن كنت ~~بهذا قانعا من نفسك في الحال الأولى، ثم الويل لك مع الثبور إن كنت جاهلا ~~بما عليك في الحال الأخرى. # حدثني أي أمر أنت فيه على رشد، وآخذ منه باحتياط؟ أما أنت عليه مع ~~الغلمان المرد الجرد؟ أم ما أنت مشهور به من المجانة والسخف؟ ثم تدعي ~~الإطعام للخاص والعام، وقد شاهدنا فوجدنا على بابك قوما يضربون بالمقارع ~~وجوه الناس، ويحطون على رؤوسهم العذاب، طردا PageV01P156 ~~لهم وإبعادا، أفما هذا بأمرك وعينك وأذنك؟ فلم تتكلف ما لا تقر به؟ ولم ~~تدعي مالا تسلم فيه؟ لقد وقفنا عيانا من استخفافك بالأحرار، ووضعك من ذوي ~~الأقدار، وكفرك بولي نعمتك، وتعريك من كل شبهة في أمرك، ما لو تنفسنا به ~~بين الناس، أو رسمناه بالقلم بالقرطاس، لكان ذلك زائدا على تمرد فرعون، ~~وكفر أبي جهل وجرأة ديك الجن. # لقد قيست مروتك إلى مروات قوم قرفوا بالزندقة فوجدت مرواتهم فوق ديانتك، ~~ولقد رأينا قوما لم يتحلوا بالدعوى تحليك استنفدوا قوتهم في طلب مرضاة ~~مؤمليهم ومنتجعي قطرهم، وبلغوا من ذلك المبالغ. وأنت مع تمكنك ويسارك لم ~~تسمح من الشاة بظلفها، ثم ملأت الدنيا بقباقا بالامتنان على الصغير ~~والكبير، كأنك خالق الخلق PageV01P157 ~~وباسط الرزق. انظر أيها الرجل أي آخر سوء لك؛ والله إنك ms058 شديد الثقة، وقد ~~قيل: رب واثق خجل. أيها الرجل! # ما طار طير فارتفع %~% إلا كما طار وقع # أما تعتبر بما آل إليه أمر ذي الكفايتين مع ذلك البأو والخنزرانة؟ أما ~~رأيت بعينك في هذه السنين ما يحدوك على الأخذ بالوثيقة لنفسك؟ وكف اليد عن ~~كثير مما يوتغ دينك، ويهشم أنف مروتك، ويقطع عرق أبوتك، ويهيج الألسنة على ~~تبكيتك، ويبسط الأيدي في الدعاء عليك، ويحشو القلوب في الدعاء عليك، ويحشو ~~القلوب تمني زوال دولتك. # فاتعظ بقول الشاعر: # يا أيها الباغي على الأحرار %~% ثقة بلين مقادة الأقدار # لا تغترر بمدى تطاول حينه %~% فالظلم يقصر من خطى الأعمار # والعيش نهلة وارد ولربما %~% سدت عليه مدارج الإصدار PageV01P158 # وأختم قولي هذا بما قال بعض السلف لأصحابه، قال: أحذركم الدنيا وأخوفكم ~~يوم التناد، يوم لا يعرف لخير أمد، ولا ينقطع لشر أمد، ولا يعتصم من الله ~~أحد. # وأرجو أن تسمع ما صدقت القول فيه بانتصاح، وتعرف ما تؤتيه بارتياح، ~~والسلام. # قال: ويقول أيضا: قال أبو العيناء لحجاج الكاتب: ابنك في أي شيء هو من ~~النحو؟ قال: هو في باب الفاعل والمفعول. قال: هو إذن في باب والديه. # ويقول: قيل لأعرابي: اشترى الأمير سراويل من فنك. قال: التقى الثوبان. # وينشد: # شيخ لنا يعرف بالخلدي %~% يريده في غلظ المردي PageV01P159 # أدخلني يوما إلى داره %~% فناكني والاير من عندي # قال الخثعمي: وهو في هذا اكله على نزق فيه شديد، وقهقهة عالية، وتفكك ~~قبيح، وسيلان منكر، وشمائل مندثرة. # الويل له! هلا ترك هذه السخافات والحماقات على قوم يليق بهم هذا النمط، ~~وأقبل على الدولة فنظم مختلها، وسدد التي ليس لها محصول. # يا قوم! أي دين يصح له وقد قتل آل العميد؟ وأي وفاء يسلم له وقد سم أولاد ~~بويه الذي هو ولي نعمته، وحافظ مهجته، وباسط يديه، وبه نال ما نال، وبلغ ما ~~بلغ؟ وأي مروة تبقى له، وهو يمن بالقليل إذا أعطى؟ وأي كرم يعتقد فيه، وهو ~~يغر الآمل ويسحبه على الوعد حتى إذا انتهى فقرا أو ضجرا حرمه حرمانا ms059 يابسا، ~~ورده ردا مرا، وأعطاه شيئا قليلا وقحا؟ # وهل تجد فيمن تقدم عنده ونفق عليه غير ابن المنجم وهو PageV01P160 ~~يعبث بلحيته وهامته؛ ويسخر منه ويضحك به؛ ويعمل له الشعر في النوروز ~~والمهرجان وغيرهما، ويسمعه في هيئة يوم المحفل، ويطرب على إنشاده ويقول: ما ~~أحسن شعرك! وما أسلس طبعك! ويطيعه على ذاك، ويتقدم إليه بالقيادة وبكل ما ~~لا يجيزه الدين والمروة؛ وكذلك ابن نجم الآخر أبو محمد جبس جاهل صلف، ~~وسبيله وحديثه أو يقول: وردت على مولانا الصاحب، وأنا كالبدر إذا طلع، ~~فعشقني وعشق عذاري وهام بسببي ورزقت منه، وخففت على قلبه، وحظيت عنده، وكان ~~يعجبه مني ما لا يجوز التحدث به. # وصدق الخثعمي في هذا كله؛ كان أبو محمد يقول ما هو أكبر مما قال، وكان مع ~~ذلك في مسك كلب خسة ولؤما وطمعا؛ رأيته يوما وقد كتب لإنسان كتابا بمكنسة ~~أخذها منه وجعلها في كمه. PageV01P161 # وقضى لآخر حاجة بعشر باذنجانات، والباذنجان إذ ذاك بالري مائة بدانق. # وقال أيضا الخثعمي: وهل يتقدم عنده إلا هؤلاء الهوج الطغام الذين يجوبون ~~الدنيا، ويدخلون كل ميدان، ويسخرون منه فيقولون: فعل مولانا، وكان مولانا، ~~وما رأينا مثل مولانا؛ وإن رأى مولانا أمكننا من نسخ رسائله وكتب ألفاظه، ~~فإذا سمع هذا وأشباهه ماع وسال وترجرج وذاب وأعطى عليه وجاد. # وقال أيضا: كيف يدعى له التبريز في كل علم وهو لا يعرف النحو إلا ما جل ~~منه، ومن الكلام إلا ما وضح؛ ثم هو في اللغة على تصحيف شديد، وتخليط كثير، ~~وفي الأخبار على تمويه لا يخفى على مميز؛ وقد أفسد رسائله بطريقة ~~المتكلمين، وأفسد طريقة المتكلمين بطريقة الكتاب، وكذلك النحو واللغة ~~والحديث، وهذا وصف لا يدفعه إلا مكابر. PageV01P162 # وصدق هذا الشيخ، فإني رأيت ابن ثابت البغدادي المحدث، وقد سأله عشية يوم ~~عن قول النبي صلى الله عليه: " قوموا صفوفكم فتراصوا، لا تتخللكم الشياطين ~~كأنها بنات الحذف ": ما الحذف؟ فلم يجبه وقال: سأقول لك، وأخذ في حديث آخر. # قال الخثعمي: وهو مع هذا كله يكذب صراحا ms060 في كل شيء، يقول: كان عندنا ~~معلم، وسئل عن " يوسف " أذكر هو أم أنثى؟ فقال: " يوسف " يذكر ويؤنث، ألا ~~ترى إلى قول الله عز وجل: (يوسف أعرض عن هذا) ، ثم قال: (واستغفري لذنبك) ، ~~وقد اجتمعت له العلامتان. PageV01P163 # واكن هذا ينسبه إلى إنسان معروف بالأدب، ولكنه كان يحمق ابن عباد وينث ~~مخازيه، فكان هذا يضع عليه نوادر باردة. # قال: ويقول: دخلت بغداد فلقيت أبا سعيد السيرافي، وعلي بن عيسى، ~~والمراغي؛ وناظرت المراغي في " عسى " و " لعل " و " كاد " وغير ذلك فأبرزت ~~وذكرت، وأشير إلي بالأصابع، وفسح لي في المجامع؛ وكذلك ناظرت فلانا وفلانا، ~~وأفدتهم أكثر مما استفدت منهم. # وسألت أنا أبا سعيد عن هذا فقال: سبحان الله! وسكت استعظاما لهذا الحديث ~~ونفيا له. وهو كما أومأ إليه. PageV01P164 # وقلت للمراغي: أكان لهذا الحديث أصل فقال: لا، والله. # وقال الخثعمي: وهل يدل ولوعه بالعروض إلا على سوء الطبع وقلة التأتي؟ ~~وكان أخذها عن البديهي، وإنما ردؤ شعر البديهي أيضا لمثل هذا، وبلغ من ~~جنونه عليها أعني العروض أنه كان يلقيها على كل إنسان، ويطالب به كل شاعر ~~وكاتب، حتى أخذ في هذه الأيام يلقن غلاما تركيا وآخر قوهيا وآخر زنجيا؛ ~~وكان يظهر بهذا وما أشبهه الحذق والبراعة والتخريج. # ثم ينظر في كتاب " الفصيح "، " ومختصر " الجرمي، ويقول: ما رأيت كاتبا ~~يخطئ إلا من هذا، ولا يلحن إلا من هذا. وهذا - حفظك الله - منه مغالط، إن ~~الكاتب قد يخطئ من غيرهما PageV01P165 ~~أيضا، وهو ذاك المخطئ المحرف إذا وزنت كلامه بالقسطاس، واعتبرته بالقياس ~~على ما أوضحه العلماء والنحويون، قال: ومن أراد ذلك بينت له، فليس الباب ~~دونه مغلقا ولا الطريق إليه متعسفا. # ثم قال الخثعمي: وهل مداره إلا على السخف والجبه والمكابرة والبهت، يقول ~~فيمن هو أكتب منه وأعف وأسرى: # حجر أبي نصر بن كوشاد %~% أوسع من مصر وبغداد # قلت له: هل لك في فيشة %~% فقال مولاي وأستاذي # أفهذه مخايل ذوي الأقدار والرياسة؟ أم مخايل أصحاب الرعاع والسفلة؟ # وهل شاع القول بتكافؤ الأدلة في هذه الناحية ms061 إلا به؟ وكثرا المراء والدل ~~والشك إلا في أيامه، لأنه منع أهل القصص من القصص والذكر والزجر والمواعظ ~~والرقائق، ومنع من رواية الحديث PageV01P166 ~~- وقال: " الحديث " حشو - وتفسير القرآن، ونشر التأويل، وسماع قول ~~الصحابة والتابعين، وما يعنى بين الحلال والحرام، ويتعلق بجلائل الأحكام، ~~وطردهم ونفاهم؛ منهم: ابن فارس، والروياني، وابن بابويه، وابن العطار، وابن ~~شاذان، والبلخي، وفلان وفلان؛ وأجلس النجار يخدع الديلم بالزيدية، وزعم أنه ~~على مقالة زيد بن علي ورأيه ودينه ومذهبه، وزيد يعلم الله منه - PageV01P167 ~~بريء، لفسقه وفجوره وتهتكه وظلمه وغصبه ونهبه وقتله النفس المحرمة، وأخذه ~~الأموال المحظورة. أترانا لا نعرف مذهب زيد، وأن جميع ما هو فيه مخالف ~~للدين والإسلام. # وقال الخثعمي: زعم أنه إنما منع المذكرين والقصاص لئلا يفشو الحشو ~~والتشبيه ولئلا ينشئوا عليه الصغير والكبير، فهلا منع من الكلام والجدل ~~لئلا يفشو الإلحاد، ولا تكثر الشبه؟ ثم يجلس لأصحاب الحديث، ويروي ويفسل ~~ويكذب ويختلق الإسناد ويبتك المتن. فأي عيب لم يظهر به ولم يغلب عليه؟ وأي ~~خزي لم يبن ولم يكثر؟ وأي فعل سيء لا فعله؟ أليس هو سبب كل قبيحة، وفاتح كل ~~باب شر؟ فما هذا الغلط فيه؟ وما هذا التعصب له؟ وما هذا اللجاج بسببه؟ أمن ~~العدل الذي يدل به في مذهبه أن يجور ويغصب، PageV01P168 ~~ويقتل؟ أم من التدين ب " التوحيد " أن يركب الفاحش ويأتي القاذورات؟ ~~ويخلو بالأبن والسوءات؟ ويتسنم الكبائر المبيرات؟ ثم يبني دارا يسميها دار ~~التوبة استهزاء وسخرية وسخنة عين؟ أم من المعروف أن يتعاطى كل منكر قولا ~~وفعلا؟ إني لأظن أن من ينصر هذا الرجل لأعمى أصم قد أسلمه الله من يده، ~~وألجأه إلى الشيطان قرينه. # أم من العقل والمروة والكرم والفتوة أن يقول: أين مائدتنا من مائدة مطرف؟ ~~يعني أبا نصر مطرف بن أحمد وزير مرداويج الجبلي، وكان أكرم الناس؛ ومن ~~مائدة المهلبي؟ ومن مائدة ابن العميد؟ PageV01P169 ~~وأين طعامنا من طعامه؟ وأين إطعامنا من إطعامه؟ وكان أبو الفضل سيدا، ~~ولكن لم يشق غبارنا، ولا أدرك شوارنا، ولا مسح عذارنا، ولا ms062 عرف عرارنا لا ~~في علم الدين، ولا فيما يرجع إلى منافع المسلمين. فأما ابنه فقد عرفتم قدره ~~في هذا وفي غيره؛ طياش قلاش، ليس عنده إلا قاش وقماش، مثل ابن عياش والهروي ~~والحواش. # يا قوم! هذا كلام من له عقل ويرجع إلى رزانة؟ ثم يقول في مجلسه: أنا ~~الذعاف لمن حساني، والجراف لمن عصاني، والجحاف لمن عناني أو حرك عناني؛ ~~أخمصي فوق هامة الدهر، أين ابن الزيات منا؟ أين ابن خاقان من غلامنا، يعني ~~أبا PageV01P170 ~~العباس الضبي، ومن علي بن عيسى الحشوي، ومن ابن الفرات الأرعن، ومن ابن ~~مقلة الخطاط، ومن الحسن بن وهب الضراط؟ PageV01P171 ~~هل كانوا إلا دوننا إذا ذكرت سيادتنا، وشوهدت سعادتنا. ولدت والشعرى في ~~طالعي، ولولا دقيقة لأدركت النبوة، وقد أدركت النبوة إذ قمت بالذب عنها ~~والنصرة لها؛ فمن ذا يجارينا ويمارينا ويبارينا ويهادينا ويضارينا ويسارينا ~~ويشارينا؟ وكاد الخثعمي لا يقطع هذا المجلس لطول ما مر فيه، وشدة ما أهمه ~~منه. # فهذا كما ترى. # وقلت للمسيبي يوما: لم انقطعت عن هذا الرجل، وقد كان محسنا إليك، مقدما ~~لك، معجبا بك؟ فقال: الصبر على الرقاعة معوز، ومكاذبة النفس وخداع العقل من ~~الكلف الشاقة والأمور الصعبة، ولعن الله الرغيف إذا لم يصب إلا بضعة النفس، ~~وغضاضة القدر، وكد الروح، ومفارقة الأدب الحسن، ودنس العرض النقي، وتمزيق ~~الدين المعتقد، وكسب الزور المحبط، وإزالة المروة المخدومة؛ وإني لكما قال ~~الشاعر: # وإني على عدمي لصاحب همة %~% لها مذهب بين المجرة والنسر PageV01P172 # وإن امرءا دنياه اكبر همه %~% لمستمسك منها بحبل غرور # وسمعته يقول لابن ثابت: جعلك الله ممن إذا خرئ شطر، وإذا بال قطر، وإذا ~~فسا غبر، وإذا ضرط كبر، وإذا عفج عبر. # وهذا سخف لا يليق بأصحاب الفرضة، والذين نشؤوا بالمزرفة، واختلفوا إلى ~~الخندق ودار بانوكه والزبد والخلد. # وسمعته يقول: أنشدني صقلاب، وابن باب، وقرأت على PageV01P173 ~~ابن البواب، وسمعت من ابن الحباب، ورويت لأبي المرتاب الدباب كل شيء ~~عجاب. # ولقد تحير المهلبي مني، وعرف معز الدولة فضلي وأدبي وأكبر قدري، وبلغ ~~الحد ms063 الأقصى في أمري. # وأنشدني أو دلف الخزرجي عندما رأى من كلفه بالمذهب وإفراطه في التعصب: # يا بن عباد بن عبا %~% س بن عبد الله خذها PageV01P174 # تنكر الجبر وقد أخ %~% رجت للعالم كرها # وكان إذا نشط واهتز لا يسمع منه إلا حديث عبادة وجحشويه وأمثال هؤلاء. # وكان يضع على بني ثوابة كل حكاية غثة فاحشة؛ وكان إذا أراد أن ينفي عن ~~نفسه ما يقرف به، قال: قيل لقاضي الفتيان: نيك الرجال ريبة. فقال: هذا من ~~أراجيف الزناة. # وقيل لابن ماسويه: الباقلى مقشورة أصح في الجوف. # فقال: هذا من طب الجياع. PageV01P175 # وقيل للوطي: إن اللواط إذا استحكم صار حلاقا قال: هذا من توليد أصحاب ~~القحاب. # فأما الذي يدل على كلام المبرسمين والمجانين ومن قد شهر بالصرع ~~والماليخوليا فما سمعته يقول لشيخ خراساني قد دعا به وأكرمه وتوفر له ~~وكلمه؛ فسمعته يقول: ما يجب أن يكون لا يقتضي، وما يكون منه لا يجب أن ~~يكون، وقد يجب أن يكون ما يكون، ويكون ما يجب أن لا يكون، وإنما لا يكون ما ~~يجب أن يكون، ويكون ما يجب أن لا يكون؛ لأن ما لا يجب أن يكون ليس في وزن ~~ما يكون، والكون والوجوب لا يتلازمان، بل يجتمعان ثم يفترقان، والاجتماع ~~والافتراق عليهما جاريان؛ فلهذا يرى الواجب كائنا والكائن واجبا، وما أكثر ~~من يظن أن الكون متضمن الوجوب، والوجوب متضمن الكون، وتحصيل الفضل بينهما ~~بالنظر من سحر العقل. PageV01P176 # وهذا فن لم أجد فيه لمشايخنا شوطا محمودا، ولعلي أملي فيه كلاما بسيطا ~~بجميع ما يكون شرحا له إن شاء الله. # فلما خرجنا قلت للشيخ الخراساني، وقد أخذنا في المؤانسة وتجاذينا أطراف ~~الحديث كما قال الشاعر: # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا %~% وسالت بأعناق المطي الأباطح # كيف سمعت الليلة ذلك الكلام في الكون والإيجاب؟ فقال: يا حبيبي! إما أن ~~يكون هذا الرجل مرحوما في أيديكم أو تكونوا مرحومين في يده. أما في بلدكم ~~مارستان؟ أما للسلطان شفقة على هذا الإنسان، أما له من يأخذ بيده وينصح له ~~في ms064 نفسه ويكسح هذا الجزء من عقله، إنا لله وإنا إليه راجعون؛ غم علي باسمه ~~عندنا بخراسان، وطنز بنا به في تلك البلدان، وقد كان، PageV01P177 ~~والله، يلوح خلل كبير لقوم من أهل العقل والأدب والحكمة من رسائله ~~ورقاعه، وكانوا يحملون الذنب على الوراقين. # وقال يوما آخر لابن القطن أبي الحسن الفقيه المتكلم: أيها الشيخ أنت على ~~الحق؟ قال: نعم. # قال: والله الحق؟ قال: نعم. # قال: فأنت على الله. # فقال القصار: الحمد لله على سرعة هذا الانقطاع، وسطوه هذا البرهان، ولزوم ~~هذا الحكم. # فلما خرج قلنا له: هلا فصلت أيها الشيخ وقد عرض بك، وتضاحك عند الإشارة ~~إليك؟ فقال: وما منا قلتي رجلا لو كان في المارستان مغلولا لكنت لا آمن ~~جانبه إذا كلمته، فكيف وهو مطلق PageV01P178 ~~مطاع، ونعوذ بالله من مجنون قادر مطاع، كما نعوذ به من عاقل ضعيف معصي؛ ~~ثم قال: وهذا الكلام من صاحبه سوء أدب، وضعف عقل، وجسارة نفس، واجتلاب مقت، ~~وقلة دين؛ إن الحق الحق اسمان يقعان بالاشتراك في اللفظ على معنيين ~~مختلفين، وأنا على الحق، ولكن الحق الذي ضده الباطل، ولست على الحق الذي لا ~~ضد له؛ والحق يطلق على الله ويراد أنه محقق، والحق يطلق على ما عداه ويراد ~~به أنه محقق؛ والله الحق المحق المحقق، وما جاوزه فهو الحق المحق المحقق؛ ~~وإذا قيل في وجه آخر: الله محقق فالمراد به غير هذا، لأنه يراد به أنه مثبت ~~موجود، ومعتقد مشهود له بالوحدة والقدرة والحكمة والمشيئة. # وحدثنا ابن عباد يوما قال: # ما قطعني إلا شاب ورد علينا أصبهان من بغداذ، فقصدني PageV01P179 ~~فأذنت له، وكان عليه مرقعة، وفي رجله نعل طاق. فنظرت إلى حاجبي، فقال له، ~~وهو يصعد إلي: اخلع نعلك، قال: ولم؟ ولعلي أحتاج إليها بعد ساعة، فغلبني ~~الضحك وقلت: أتراه يريد أن يصفعني بها. # وقال لي علي بن الحسن الكاتب: هجرني في هذه الأيام هجرا أضر بي، وكشف ~~مستور حالي، وذهب علي أمري، ولم أهتد إلى وجه حيلة في مصلحتي، وورد ~~المهرجان فدخلت عليه ms065 في غمار الناس، فلما أنشد يونس تقدمت وأنشدت، فلم يهش ~~لي ولم ينظر إلي، وكنت ضمنت أبياتي بيتا له من قصيدة على روي قصيدتي، فلما ~~مر به هذا البيت هب من كسله ونظر إلي كالمنكر علي، فطأطأت رأسي، وقلت بصوت ~~خفيض: لا تلم، ولا تزد في PageV01P180 ~~القرحة، فما علي محمل؛ وإنما سرقت هذا البيت من قافيتك لأزين بها قافيتي، ~~وأنت بحمد الله تجود بكل علق ثمين، وتهب كل جوهر مكنون، أتراك تشاحني على ~~هذا القدر، وتفضحني في هذا المشهد؟ فرفع رأسه وصوته وقال: يا بني أعد هذا ~~البيت. فأعدته، فقال: طنان والله! يا هذا! ارجع إلى أول قصيدتك، فقد سهونا ~~عنك، وطار الفكر بنا في شيء آخر؛ والدنيا مشغلة، وصار ذلك ظلما لك لا عن ~~قصد منا ولا تعمد. # قال: فأعدتها وأمررتها وأطربت بإنشادها، وفغرت فمي بقوافيها؛ فلما بلغت ~~آخرها قال: الزم هذا الفن فإنه حسن الديباجة، وكأن البحتري قد استخلفك، ~~وأكثر بحضرتنا وارتفع PageV01P181 ~~بخدمتنا، وابذل نفسك في طاعتنا نكن من وراء مصالحك بأداء حقك والجذب ~~بضبعك، والزيادة في قدرك على أقرانك. # قال: فلم أر بعد ذلك لا الخير، حتى عراه ملل آخر، فعاد إلى عادته، ثم ~~وضعني في الحبس سنة، وجمع كتبي وأحرقها بالنار، وفيها كتب الفراء والكسائي، ~~ومصاحف القرآن، وأصول كثيرة في الفقه والكلام، فلم يميزها من كتب الأوائل، ~~وأمر بطرح النار فيها من غير تثبت، لفرط جهله وشدة نزقه. # أفهذا يا قوم من سيرة أهل الدين، أو أخلاق ذوي الرياسة، أو من جنس ما ~~يعتاد ممن له عقل أو تماسك؟ وهلا طرح النار في خزانة كتبه على قياس هذا؟ ~~فإن فيها كتب PageV01P182 ~~ابن الروندي، وكلام ابن أبي العوجاء في معارضة القرآن بزعمه، وصالح بن ~~عبد القدوس، وأبي سعيد الحصيري مع غيره من كتب أرسطا طاليس وأشباهه. ولكن ~~من شاء حمق نفسه. PageV01P183 # كان الأقطع المنشد الكوفي يقول كثيرا: لو لم تستدل على جنون هذا الرجل ~~وقلة دينه وضعف عقله إلا بنفاقي عليه لكفى؛ لأني رجل قطعت في اللصوصية، ms066 فما ~~قولك في لص مقامر؟ أقود وألوط وأزني وأنم وأضرب، وليس عندي من خيرات الدنيا ~~شيء؛ لأني لا أصلي ولا أصوم، ولا أزكي ولا أحج، ونشأت في المساطب والشطوط ~~والفرض والمواخير، ومشيت مع البطالين سنين وسنين، وجرحت وخنقت وطررت ونقبت ~~وقتلت وسلبت وكذبت وكفرت PageV01P184 ~~وشربت وسكرت وشابكت وساكنت وماحكت ودامكت. ولم يبق في الدنيا منكر إلا ~~أتيت، ولا خنى إلا ركبت؛ وهو على هذا يغريبي ويلج معي ويؤذيني ويمنعني من ~~الرجوع إلى بيتي وامرأتي، قد حبسني في داره هكذا، فإذا اغتلمت جلدت عميرة ~~ضرورة. # وصدق هذا الشيخ، كذا كان مذهبه، وعليه شاخ، ولكن ابن عباد كان يتعلم منه ~~كلام المكدين، ومناغاة الشحاذين، وعبارة المقامرين ومن يصر في اللعب ~~بالكعبتين، ويضجر ويكفر وينخر ويشق المئزر، ويبزق في الجو؛ وكان لا يجد هذا ~~عند أحد كما يجده عنده، فلذلك كان يتمسك به. # وكان الكوفي هذا، مع ما وصفناه، طيبا مليحا نظيفا فصيحا، وهو الذي حدثنا ~~عن بعض أصحابه في المسطبة. # قال: قلنا له: إنك تحب الطيب، وتلهج بالنكاح وتفرط. PageV01P185 # قال: فقال لنا: والله ما أقتدي في هذا إلا بنبينا صلى الله عليه، فأنه ~~قال: " حبب إلي من دنياكم ثلاثة الطيب والنساء ". # قال: فقلنا له: ففي الخبر: " وجعلت قرة عيني في الصلاة " وأنت لا تصلي ~~أصلا. # فقال: يا حمقى لو صليت لكنت نبيا، وقد قال صلى الله عليه: " لا نبي بعدي ~~". # ورأيت الأقطع هذا واقفا بين يدي ابن عباد في صحن الدار، وذاك أيضا واقف، ~~فطلع أبو صالح الوراق، فقال ابن عباد حين نظر إليه وإلى لحيته المسرحة: # ولحية كأنها القباطي %~% # فقال الأقطع بلا وقفة: # جعلتها وقفا على ضراطي %~% PageV01P186 # وكان أبو صالح هذا يقول: أنا من ولد محمد بن يزداد الوزير. # وكان ابن عباد يطالب الأقطع بأن يحفظ قصائده في أهل البيت وينشدها الناس ~~على مذهب النوح، وكان يعطيه على كل بيت درهما، وإذا لم يحكم ضربه لكل بيت ~~ضربة بعصا عجراء. فكان الأقطع المسكين كل يوم يضرب. # فقلت له: من كلفك الصبر ms067 على هذا الضرب؟ احفظ كما كنت تحفظ واربح الدراهم، ~~وتخلص من الألم. # فقال: والله لو ضربني بكل عصا في الأرض كان أخف علي من حفظ شعره الغث، ~~وإنشاد قافيته الباردة، والله وإن شعره في أهل البيت خراء. فهذا قوله. # وكان لا يدع الأقطع لينصرف إلى منزله، وكان يشكو الشبق، وكانت امرأته ~~تأتيه في كل قليل إلى دهليز الباب وتغير ثيابه، وتصلح أمره، وتحدثه وتنصرف ~~بشيء معه قد جمعه فصادف الأقطع PageV01P187 ~~يوما الدهليز خاليا، وكانت الهاجرة منعت من الحركة، فراودها وطرحها في ~~المكان المتخطى وتقممها وأخذ في عمله، فرمقه بعض الستريين فعدا ورفع الحديث ~~إلى ابن عباد، وذكر الحال والصورة، فهاج من مقيله البارد ومكانه الظليل، ~~وحشيته التي قد استلقى عليها، حاسرا حافيا، قد جعل طرف كمه على رأسه بلا ~~سراويل، ولقط قدمه لقطا حتى وقف على الأقطع وهو يكوم يولج ويخرج ويرهز ذاهب ~~العقل. # فقال له: يا أقطع ويلك يا ابن الزانية إيش هذا في داري!؟ فقال: أيها ~~الصاحب! اذهب ليس هذا موضع النظارة، هذه امرأتي بشهود وعدول وعقد وقبالة، ~~اذهب اذهب، يهذي ولا يعقل حتى أفرغ، وسيدي على رأسه يضحك ويصفق ويرقص. ثم ~~أخذ بيده على تلك الحال، وهو يشد تكته، وابن عباد يعينه، وأدخله إلى مقيلة ~~يعاتبه ويسأله عن العمل والحال؟ وكيف استطابه وكيف هاج؟ ثم خلع عليه، ووهب ~~لامرأته ثيابا وطيبا. # أفهذا من المروة والفضيلة وأدب الرياسة وآيين الوزارة؟ PageV01P188 ~~أهكذا كانت البرامكة وهو لا يرضاهم؟ أم هكذا كان حامد بن العباس، والعباس ~~بن الحسن، وآل الفرات، وآل الجراح، وهو لا يزنهم بشيء فيمن تأخر؟ إن من ~~يستحسن هذا وأمثاله، ويعذر أهله في الرياسة والجلالة PageV01P189 ~~لضعيف النحيزة سليب المروة؛ وإن من ينظر هذا وشبهه لصفيق الوجه قليل ~~المعرفة. # وقال لابن الزيات المتكلم يوما في مناظرته: لا تعبث بلحيتك. # فقال ابن الزيات: وما عليك منها؟ هي لحيتي. # قال: أنا سلطان. # قال: أفي عهدك النظر في لحيتي؟ قال أصحابنا: بل قال له: أنا سلطان، وإذا ~~خرجت من عندي ولحيتك على ms068 غير الشكل الذي دخلت علي به ظن الناس أني ظلمتك ~~فيها عند المناظرة والخلاف، وأنا أحب صيانتك وصيانتي عند الناس بسببك. # وقلت لابن الزيات ببغداد: كيف رأيت ابن عباد؟ قال: هو كالحر، لا يرجع ~~إليه من خرج منه. # وقلت للجيلوهي الشاعر، وكان شيخا له تجربة ومعرفة بأيام الناس ومشاهدة: ~~حدثني عن ابن عباد. PageV01P190 # قال: مغرور من نفسه لمواتاة جده، وتصديق ذوي الأطماع في جميع دعواه، وما ~~أحوجه إلى إنصاف الناس من نفسه بأحد شيئين: إما بأن لا يدعي الكمال، أو بأن ~~لا يبكت الرجال؛ فلا هو بريء من النقص، ولا هو غير مستحق للتبكيت؛ وليس من ~~لا يمكن أن يواجه بالنقص الذي فيه وبالتوبيخ الذي يستحقه على فعله، ليد له ~~في السلطان قوية، وشمس له في الدولة طالعة - ينبغي أن يركب هاك الناس ~~ويأكلهم بلسانه؛ فريح الدولة قد تركد، والضعف يزول، والحشم يتحول، وقد يقال ~~وراء ظهره ما يربي على ما هو عليه، ولو قصر يده على فضله الذي له لم تشل، ~~ولو وقف قدمه عند غايته لم تزل، ولكنه يجري طلقا ثم يكبو، وينصلت للقراع ثم ~~ينبو، ويتطاول إلى ما لا يناله ثم يخبو؛ وهذا طريق الجاهلين المغترين. # ثم قال: والكذب من آفاته، وهو خلق يعر المروة ويشين الديانة، ويسقط ~~الهيبة، ويجلب الخزي، ويستدعي المقت، ويقرب الموت؛ وقل من لهج به إلا كان ~~حتفه فيه، وما رئي شيء أمحى لنضارة الوجه ولبهجة العلم ولزينة البيان منه. PageV01P191 # قال: وعلى ذلك فما رأيت رئيسا يحسن ما يحسن من الإحسان إلا هو مردود ~~بالتنكد، لأنه ما هنأ قط بنعمته، ولا أمتع بإحسانه. ولا ترك له يدا بيضاء ~~عند أحد إلا وكر عليها بالتسويد. # قال: وقد شاهدت النافقين عليه، والمتقدمين لديه، ووقفت على مواتهم ~~ووسائلهم وأسبابهم وذرائعهم فلم أجد فيهم إلا مخشي اللسان استكف شره ~~بالإحسان كالخوارزمي وغيره، أو مرتبطا لأمر يراد منه لا يفي به سواه ~~كالهمذاني ومن جرى مجراه، أو ملعوبا به قرب على ظنه وريبة وحال زائدة على ~~القبح والفضيحة، ms069 كفلان وفلان وهم الدهم؛ ولم أجد في ضروب المتوسلين إليه، ~~بعد هؤلاء، من وصل إلى درهم من ماله إلا ببذل النفس وإذالة العرض، ومواصلة ~~البكور PageV01P192 ~~والرواح واستنشاق الغبار والرياح وتجرع العبط والكد، ومزاحمة أهل الجهل ~~والنقص، ومغالبة ذل الحجاب وسوء أدب البواب والرضا بالهزء والسخرية؛ وما ~~ابيضت له يد عند أحد، ولا تمت له نعمة على أحد، لملله وحسده، وضجره ونكده، ~~وامتنانه وكثرة ذكره لفضله ومدحه لنفسه. والعرب تقول في حكمها: المنة تزري ~~بالألباء. # على أن عطاءه لا يزيد على مائة درهم وثوب إلى خمسمائة، وما يبلغ إلى ألف ~~نادر، وما يوفي على الألف بديع، بل قد نال به ناس من عرض جاهه على السنين ~~ما يزيد قدره على هذا بأضعاف، وعدد هؤلاء قليل جدا، وذلك أيضا بابتذال ~~النفس وهتك الستر، والإفراج عن الدين والمروة والعرض والأنفة. # قال: وأي عقل يكون لمن يقول: لم يكن في الدولتين الأموية والعباسية مثلي، ~~وهذا الكلام قد دونه في بعض كتبه؛ وقد حكيت هذا بمدينة السلام فسمعه قوم ~~كرام يرجعون إلى فضل كثير وبصائر PageV01P193 ~~حسنة منهم ابن البقال الشاعر، ومحسن ابن التنوخي، وابن فتاش المصري ~~فضحكوا وهزئوا، وشعثوا عرضه، وجحدوا محاسنه التي لو سكت عليها لسلمت له، ~~ولادعى في جملتها أكثر مما يدعيه لنفسه؛ ولعمري ما كان له فيمن تقدم في ~~الدولتين مثل ولا شبيه، ولكن في الخلاعة والمجون، والرقاعة والجنون. # قال: ومن العجب أنه يدعي " العدل والتوحيد " وهو لا يفيق من قتل من ظن به ~~عداوته والوقيعة فيه، أو القدح في رقعة له، وإن كان ذلك الإنسان من ~~الصالحين العابدين. PageV01P194 # ولقد بلغ من ركاكته أنه كان عنده أبو طالب العلوي، فكان إذا سمع منه ~~كلاما يسجع فيه، وخبرا ينمقه ويرويه، يبلق عينيه وينشر منخريه، ويري أنه قد ~~لحقه غشي حتى يرش على وجهه ماء الورد. فإذا أفاق قيل له، ما أصابك؟ م عراك؟ ~~ما الذي نابك وتغشاك؟ فيقول: ما زال كلام مولانا يروقني ويونقني حتى فارقني ~~لبي وزايلني ذهني واسترخت له مفاصلي وتحللت ms070 عرى قلبي وذهل عقلي وحيل بيني ~~وبين رشدي؛ فيتهلل وجه ابن عباد عند ذلك، وينتفش ويضمحل عجبا وجهلا، ثم ~~يأمر له بالتكرمة والحباء والصلة والعطاء، ويقدمه على بني عمه وبني أبيه. PageV01P195 # من ينخدع هكذا فلا يكون ممن له في الكتابة قسط، أو في التماسك نصيب، وهو ~~بالنساء الرعن والصبيان الضعاف أشبه منه بالرؤساء والكبار. # وحدثني الشاذياشي قال: حجبت مدة عنه فضقت ذرعا بذلك، فإن الجاه الذي كنت ~~مددته انزوى، والأمر الذي قومته تأود، وأخذت المادة تقف، والحال ينقص، ~~والذكر يقل، فأحييت الليل أرقا وفكرا فيما أعتل فقدح لي الخاطر بحيلة، ~~فأصبحت وكتبت رقعة ذكرت فيها: " إني رجل امتحنت بما لم يمتحن به أحد غشي ~~بابك، ونال إحسانك واستمرع فناءك، واستحصد جنابك؛ إني بعد هذا الدأب الشديد ~~والنصب المتصل، والقراءة والنسخ، والبحث والمناظرة، والصبر والمناصحة، قد ~~شككت في مسائل " الأصول الخمسة " التي عليها مدار المذهب، وركن المقالة، ~~وهذه محنة بل فتنة، بل شيء فيه PageV01P196 ~~هلاكي وخسران عملي، فالله الله في، تداركني فإني من الأموات بين الأحياء، ~~غريب الدار، خائب الأمل، بائر البضاعة، خاسر الصفقة، طلبت الزيادة على ما ~~كان عندي فأتلفت ما كان معي ". # قال: فلما قرأ الرقعة قلق في نصابه، وأقبل على أصحابه وقال: مسكين ~~الشاذياشي لقد نزل به أمر عظيم، وحل به خطب جسيم، ودهي في دينه، وأصيب ~~بيقينه؛ إن هذا لهو البلاء المبين. علي به، هاتوه البائس. ودعيت فأدناني ~~ولا طفني، وقال لي: ما هذا الشك الذي اعتراك، وأين أنت عن القاضي أبي الحسن ~~حتى يحل ذاك؟ قلت: لست أثق إلا ببيان مولانا، ولا عجب من بيانه، ولكن العجب ~~من إنصافه مع سلطانه، وحسن إقباله مع أشغاله. # قال: فانفسخ عقده، وابتل شنه، واستحال ذلك الملل استطرافا وذلك النبو ~~استعطافا، وأقبل يقول: هات، وأنا PageV01P197 ~~أهاتيه هكذا أياما وليالي، أتأطر له تارة بالاستحسان والقبول، وأتعسر ~~عليه تارة بالتوقف والفتور، ولا أفارق الكيس والحيلة، حتى استنفدت قوته ~~وقوتي له، ثم قبلت أطرافه وتباكيت، وقلت: يا مولانا أسلمت على يدك، ونجوت ~~من ms071 النار بإرشادك. # فقال: يا أبا علي! اكثر عندنا، واقتبس علمنا، قد ذللنا لك الحجاب، ~~وتقدمنا بذلك إلى الحجاب، فاسكن واطمئن، وطب نفسا وارفئن، ولا تقلق فترجحن. # قال: فانصرفت من مجلسه قرير العين، ممدود الجاه، مملو اليد، ونفسي ريا ~~بكل أمل، وتفتحت علي أبواب الرزق، وجمعت إجانة كبيرة خضراء دنانير. # قال الجيلوهي: وحديث هذا الرجل ذو شجون، على أنك إذا أنصفت لم تجد له ~~نظيرا في دهرك، ومتى بليت به طلبت الخلاص منه ولو بفقرك. PageV01P198 # قال: وما أخوفني أني إذا دفعت إلى غيره بعده تمنيته، فأكون كما قال ~~الشاعر: # عتبت على بشر فلما فقدته %~% وجربت أقواما بكيت على بشر # هكذا أنشد، وغيره ينشد: " على عمرو "؛ والصحيح " على سلم " وله حديث. # قال: ومن خواص ما فيه حبه للعامة، وذاك بقدر بغضه للخاصة. وقد قال يوما: ~~أنا أعلم أن الحجاب قبيح وبغيض، والصبر عليه متعذر، وهو الذي يورث العداوة ~~الشديدة، ويبعث على القالة الشنيعة، ويمحو كل حسنة، ويهجن كل نعمة، ويثير ~~كل نقمة، ويبدي كل عورة، ويبرز كل سوأة؛ وقد دهي الناس منه قديما وحديثا، ~~لكني PageV01P199 ~~أتلذذ به، ولست أجد طعم هذه المرتبة العلية، ولا أعرف ثمرة هذه الحال ~~السنية إلا بعد أن أحتجب ويقف الناس على منازلهم بالباب، وأعلم أن صدورهم ~~تغلي بالغيظ، وألسنتهم تجري بالعيب، وأهواءهم تأتلف على القلى والبغض؛ فإن ~~الحديث ينخرق بكل معنى إلى سوء، ولكن لا أسمح بحلاوة الدولة، وبجلالة ~~الصولة، وبهيبة المكانة، وبما أن سهوت عنه صرت إلى المهانة. # قال هذا الشيخ: وهذا قول من نص الله على خذلانه، وأسلمه إلى حوله، وأنطقه ~~بلسان إبليس الذي هو عدو الله، ولا شك أن هذا المذهب من علامات الشقاء في ~~الدنيا، وآيات الخسران في العاقبة، ولن يقدم عليه إلا من قد سمح بعرضه، ~~واستهان بشنيع القالة في نفسه وأبيه وعمه وأسرته، وجميع من ضرب في مذهبه ~~بسهم، وشابهه بوجه. # وحدثني ابن الثلاج المتكلم، وكان دينا صدوقا، قال: العجب PageV01P200 ~~أن ابن عباد يدعي أنه قرأ على شيخنا أبي عبد الله ms072 البصري، ولقد كذب في ~~دعواه وفجر في قوله؛ لقد ورد علينا بغداذ وهو ينصر ابن كلاب على حد ~~المبتدئين، فحمله مسكويه إلي، ثم دخل الواسطي عليه وفتح باب المذهب له، ولم ~~يكن غير ذلك. # وكان أبو عبد الله لا يعرفه ولا يعده، لأنه كان لا يدري ما يكون منه ~~ويصير إليه في الثاني. PageV01P201 # وما قدر كويتب يرد مع صاحبه، لا سن له ولا شهرة، ولا إفضال ولا توسع، ولا ~~حاشية ولا حشم؟ ودارت الأيام ودالت الأحوال، فكتب هذا الشيخ إلى هذا ~~الإنسان بعماد الدين؛ وأنا أبرأ إلى الله من دين هذا عماده؛ وكتب هذا إلى ~~ذاك بالشيخ المرشد، وأي إرشاد كان عنده؟ وكيف يكون مرشدا من ليس برشيد؟ ~~وكيف يكون رشيدا من لا يفارق الغي؟ إن كنت تشك في أمره فانظر إلى غلمانه: ~~الرازي، وابن الغازي، وابن طرفان، والبزاز، والنصيبي أبي إسحق، والصيرفي، ~~والهمذاني، والدامغاني، عصابة الكفر، ما فيهم من يرجع إلى ورع وتقى، أو إلى ~~مراقبة وحياء أو هدى. # ولقد رأيت أبا عبد الله البصري في مجلس عز الدولة سنة ستين في شهر رمضان، ~~والجماعة هنا: أبو حامد المروروذي وأبو بكر PageV01P202 ~~الرازي، وعلي بن عيسى، وابن نبهان، وابن كعب الأنصاري، والأبهري وابن ~~طرارة، وأبو الجيش شيخ الشيعة وابن معروف وابن أبي شيبان، وابن قريعة، وناس ~~كثير، وهو في إيوان PageV01P203 ~~فسيح في صدره من حضروا من أجله، وأبو الوفاء المهندس نقيب المجلس ومرتب ~~القوم. # فسئل البصري في مسألة فأظهر أنه في بقية علته، وأنه لا يقدر على الكلام. # ثم قام علي بن عيسى الشيخ الصالح وقال: هذا مجلس يبتهى بحضوره لشرفه، ~~ويفتخر بالكلام فيه لكثرة من يعرف وينصف، والمغالطة فيه مأمونة، وليس في كل ~~أوان يتفق هذا الجمع، وبيننا وبين هذا الشيخ، يعني أبا عبد الله، مسألة من ~~أجلها ومن أجل نظائرها قد استجاز تكفيرنا وتفسيقنا والتشنيع علينا وتنفير ~~المقتبسين PageV01P204 ~~منا، وها أنا قد ابتديت سائلا فلينصر مذهبه كيف شاء، وإنما هو دين، فيجب ~~أن نبحث عنه من العارفين. # فقال ms073 عز الدولة: كلام منصف، ما أسمع بأسا ولا أرى ظنة، يحث بذلك على ~~الجواب. # فاصفر أبو عبد الله وقلق، وفطن أبو الوفاء وكان ضلعه معه، وصفوه له، فحال ~~بينه وبين الأمير وقال: الشيخ عليل، وإنما حضر للخدمة، وبعض غلمانه ينوب ~~عنه، ولا ينبغي أن يتعب فيحمى جسمه، ويخاف نكسه، ويصير ما قصد من قضاء حقه ~~في التجمل بحضوره سببا للتألم. # ثم أقبل أبو الوفاء على علي بن عيسى فقال: يكلمك أيها الشيخ من غلمانه من ~~تحب. # فقال: لا حاجة إلى الكلام مع غلمانه، إنما كان الكلام معه هو القصد، لأن ~~الاجتماع بيننا يقل، ولأن الخصومة تكون معه الفيصل، وذاك أنه يكتب كلامي ~~سائلا، وكلامه مجيبا، ثم لا نزاع. # فأما أصحابه فإنهم يكلمون أصحابي وذاك قائم بينهم، وكانت PageV01P205 ~~البغية قطع المادة، وحسم الشغب، وبلوغ الحد، وإذا وقع الإباء فلا لجاج، ~~وإذا عرف المراد فلا حجاج. # ثم قال عز الدولة: هاتوا شيئا آخر قبل أن يتصرم النهار بما ليس له در، ~~وكان فصيحا. # فأعرض أبو الجيش الخراساني وكان متكلم الشيعة، فسأل عن القرآن وقال: ~~أروني من القرآن تنزيله على هيئته الأولى حين نزل به جبريل على قلب محمد ~~صلى الله عليه، فتلاه على أمته بلسانه، فإني أجد عند حملته اختلافا كثيرا ~~في تحريفه وتصحيفه، ونقصه وزيادته، وإعرابه وغريبه ووضعه وترتيبه؛ ولهذا ~~وأشباهه اختلف في تأويله، وشك في تنزيله، وكثر خوض الناس فيه وفي تفسيره، ~~والاحتجاج له؛ ولقد سبق علمي أن كلام الله لا يكون في حكم كلام عباده، وأن ~~ما يجوز على ذلك لا يجوز على هذا، لأن الله حكيم كريم رحيم، والحكمة والكرم ~~والرحمة تأبى ما تصفون به في كتاب ربكم، وتستجيزونه في كلام خالقكم. # قال: وهذا الذي قلت بين معروف؛ القرأة تختلف ضربا PageV01P206 ~~من الاختلاف، والنقلة تختلف ضربا آخر، والفقهاء تختلف على قدر ذلك ضربا ~~آخر، وكذلك أصحاب الكلام؛ وحتى أفضى هذا إلى طعن الزنادقة فيه، وانجر عليه ~~قدح الملحدين به، وقال كلاما كثيرا من هذا الجنس، فكلهم كاع عن ms074 الجواب، ~~وكاد أبو الجيش بعد تذرعه بالقول يشمت ويبالغ في التشنيع. # فقال عز الدولة: يا أبا الجيش أنت في معركة لا مبار لك فيها، فافر كيف ~~شئت وذر، والله المستعان. # فانبرى أبو حامد وتكلك بملء فيه، ومحق أبا الجيش وبيض وجوه الناس. # فلما خرج قال له محمد بن صالح الهاشمي: لقد دعمت الإسلام بدعامة لا ~~يزعزها الزمان، ولقد حصنت الدين حصانة الله يجزيك عنها، ورسوله صلى الله ~~عليه يكافئك عليها. # ولولا أن هذه الرسالة لا تحتمل المسألة والجواب بما فيها من فنون القول ~~لأتيت بالمجلس على وجهه. PageV01P207 # فهذا كان اقتدار البصري جعل في المناظرة، وقوته عند لقاء الخصم ونصرة ~~المذهب والدين. # ولقد ذكا عينا عشرين سنة على صاحب بغداذ لصاحب %~% حتى آلت الأمور إلى ما ~~عرفه الصغير والكبير بأصحابه أصحاب المحابر والأقلام والكرارس. # ولقد بلغ من قلة دينه أنه صنف رسالة ذكر فيها الدلالة على أنه هو المهدي ~~المنتظر. قال: فإن معنى المهدي أن الله هداك، وهدى أهل العدل والتوحيد لك؛ ~~وأما المنتظر فلأنا كنا ننتظرك بالعراق؛ وهذه الرسالة مشهورة وحملت في جملة ~~الهدايا إلى قابوس. PageV01P208 # وسمعت أبا محمد الفرغاني الحنيفي يقول: ما خلوت بفكري في أمري وملازمتي ~~هذا الرجل - يعني البصري - إلا ظننت أن الله تعالى يرسل علي صاعقة أو ~~يجعلني آية وعبرة باقية. # وأما ابن أبي كانون فإني قلت له يوما: مالي أراك واجما من غير عارض، ~~وطويل السكوت من غير عي، وكثير الفكر من غير وسواس، وشديد الحزن من غير ~~إفلاس؟ ليس لك أنس بالجماعة، ولا تفكه بالمحادثة، ولا استماع بالمجالسة، ~~بعد ما عهدتك في حدثان مقدمك وأنت تتقد كالنار، وتزخر كالبحر، وتأرن ~~كالمهر، وتذكو كالقنبر. # فقال: ومن أولى بالبال الكاسف والغم الطويل والأرق الدائم مني؟ فارقت ~~وطني وأهلي وإخواني ومعارفي وجميع ما كنت آلفه وأحيا به، وأشتم روح العيش ~~منه، وتجرعت مرارة بعدي عنهم، وصبرت نفسي على ما نالهم بخروجي من بينهم ~~وسلوتي دونهم، وما نزل بي بعدهم من جفاء الغربة ووحشة الوحدة، وشظف العيش ~~بالقلة ms075 - كل ذلك طمعا فيما أبرد به غليل قلبي في الدين والمذهب، وأنفي به ~~الحرج PageV01P209 ~~من صدري وأسعد، وأن آخذ من هذا الشيخ ما أهتدي به وأسكن إليه، وأجعله عدة ~~لآخرتي. والآن قد حصلت - بعد الرسالة الطويلة والمنازعة الشديدة وبعد البحث ~~ولنظر والكشف والجدل، وبعد اعتبار هذا الشيخ في نفسه وسيرته وما عليه ~~أصحابه والمتقدمين عنده - على حال عسراء، وغاية عمياء، وما أراه إلا صاحب ~~دنيا يعمل للعاجلة، ولا أرى أصحابه المطيفين به إلا كذلك، وإن هذا مما يؤلم ~~القلب، ويفرق البال، ويحشد الهم، وينفر اليأس؛ فلذلك ما تراني على غير ما ~~عهدتني عليه. # وأما ابن بنان الوراق فإني سمعته يقول: لقد خطب البصري على الإسلام بما ~~لا يقدر عليه الروم والترك. # قلت: وكيف ذاك وأنت لا ترى اليوم ببغداذ مجلسا أبهى من مجلسه، لما يجتمع ~~فيه من مشايخ العراق وشبان خراسان وفقهاء كل مصرر، وما في هؤلاء أحد إلا ~~وهو يصلح أن يكون داعية صقع وإمام بلد؟ فقال لي: صدقت، فهل تعرف فيهم من ~~إذا ذكر الله وجل قلبه PageV01P210 ~~واقشعر جلده، واطمأن صدره؟ وإذا سمع موعظة دمعت عينه وخشعت نفسه أو سمع ~~نشيجه؟ وإذا عرضت له منالة عفت نفسه؟ أو إذا هاجته شهوة اتقى عندها ربه؟ أو ~~إذا لزمه إنكار أمر بذل فيه وسعه. # أما ترى اللعب والمزاح والسفه والقحة والتجليح والفسق والفجور فاشية ~~فيهم، وغالبه عليهم، وظاهرة بينهم؟ أما لك في الرازي أبي الفتح عبرة؟ أما ~~لك بابن طرخان خبرة؟ فما زال يقول هذا وأشباهه حتى سددت وقطعت عليه. # وكان أبو إسحاق النصيبي من أفسق الفاسقين، وهو يلقب بمقعدة، لا أعلم في ~~الدنيا قاذورة إلا أتاها، ولا خساسة إلا أظهرها PageV01P211 ~~وجاهر بها، هكذا كان ببغداذ، ثم بالدينور عند أبي عمرو كاتب فخر الدولة ~~الإصبهاني، وحديثه بإصبهان مشهور، وكذلك بالصيمرة، وكيف أكل في نهار شهر ~~رمضان من غير عذر، وكيف تهتك بجماعة من الأحداث. نعوذ بالله من الخذلان. # وحدثنا أبو سليمان محمد بن طاهر السجستاني، وكان بعيدا من التزيد شديد ms076 ~~التوقي، قال: حضرت وليمة في قطيعة الربيع، فلقيني فيها البصري أبو عبد ~~الله، فجلس إلى جانبي، وتصرف في الحديث معي، وأرخى عنانه إلي إلى أن قال ~~لي: يا أبا سليمان، هل وجدتم في فلسفتكم شيئا تسكنون إليه، وتعتمدون عليه؟ ~~فأنا من الكلام ومذاهب أهل الجدل على غرور. # قال: فسكت من أجل الموضع، وقلت: # الناس أخياف وشتى في الشيم %~% وكلهم يجمعهم بيت الأدم # فقال: آخر ما عندي أن الأدلة تتكافأ، وأن المذاهب والآراء PageV01P212 ~~والنحل جارية بين أربابها على قوة النتائج وضعفها، وجودة العبارة ~~ورداءتها. # قال: وقلت له: ما بعد نظرك نظر، ولا بعد تحصيلك تحصيل، وانتهى. # وأمثل من شاهدناه عندنا ببغداذ: الواسطي أبو القاسم. وكان يبرأ إلى الله ~~من البصري جعل، ويلعنه عند الولي والعدو تقربا إلى الله. # وكان ابن الثلاج يقول: حكم الله بيننا وبين ابن عباد وفلان، فإنهما سلطا ~~هذا الإنسان في هذا المكان حتى أفسد من أجابه إلى المذهب، ونفر من أراد أن ~~ينظر في " العدل والتوحيد ". # وسمعت الفرغاني يقول: لولا أني لا أعرف في جميع المذاهب أقوى من مذهب ~~المعتزلة لناديت على أصحابي بمخازيهم التي يشتملون عليها ويجاهرون بها، في ~~الأسواق والشوارع، بل في المحاضر المشهورة PageV01P213 ~~والمنابر الرفيعة، ولكن لهم حرمة الدعوى وذمام النسب إلى المقالة، ورجاء ~~في الإقلاع والتوبة، فإن اليأس غير غالب ما دامت الاستطاعة موجودة، والنزوع ~~ممكنا، والتلافي مظنونا. # ذاك حديث ابن عباد، وهذا حديث شيخه وإمامه ومرشده بزعمه، وهو المرشد ~~والهادي لمن أخذ عنه واقتدى به. يا قوم! أين يذهب بكم؟! ما هذا العمى الذي ~~قد غلب عليكم، والهوى الذي قد أصم آذانكم وأعمى أبصاركم؟ وماهذا الأمر الذي ~~قد حال دون العيان، وطمس وجه الرشد، وقلب أثر الحس؟ أليس هذا القائل في ~~مجونه وتلعبه بدينه: # من عملي من عملي %~% نيك الرجال البزل # وإنما أنيكهم %~% لأنني معتزلي # تلميذ شيخ فاضل %~% ملقب بالجعل # أفهكذا يكون من كان عماد الدين، وناصر الإسلام والمسلمين؟ الويل له، ثم ~~الويل لمن يتولاه وينصره. PageV01P214 # قال يوما لابن فشيشا صاحب مصطبة ms077 المكدين بالري: # لا تبطئن عن اللذات إن حضرت %~% لكن تبنك ولا تحفل بتأنيب # ولا تزق إذا ما نلت ذاك وبت %~% مع شوزر وافر الأرداف محبوب # فالصمي والمترمن بعد القشام به %~% طيب الحياة فلا تعدل عن الطيب # خذ في القشام وخذ في الصمي بالكوب %~% فالدهر يمزج تكسيحا بتهريب # أفهذا كلام من يدعو إلى الله، ويحب أن يستجاب له، ويجرى على طريقته، ~~ويكون ذريعة بين الله والعبد؟ هذا - عافاك الله - باللعنة الأولى، ~~وبالبراءة منه ومن أصحابه أحق. ما أقل حياء هؤلاء وأشد تكاذبهم ومكابرتهم! ~~وإذا ضربت عن باب الدين، ورجعت إلى الكفاية التي زعم أنه بها تكفى، وأنه ~~كافي الكفاة، وأنه واحد الدنيا. # هل كان يعرف من الحساب بابا؟ هل عقد جماعة؟ PageV01P215 ~~هل عقدت له فتكلم عليها؟ هل قرأ مؤامرة؟ هل عرف منها حد؟ هل أمكنه أن ~~يحتج على عامل أو يناظر ناظرا؟ أو يخاطب مشرفا، أو يرسم في العمل رسما، أو ~~يجيب عن كتاب واحد في العمالة؟ وفيما يتعلق بأبواب النظر في العمارة، هل ~~ناظر خائنا متقطعا، أو استدرك مالا مختلسا؟ هل فصل حكومة بين كاتبين، أو ~~قطع خصومة يبين جنديين؟ هل رأينا ثم إلا الرقاعة والتدفق، والجنون ~~والهذيان، والتسايل والتمايل، والبقبقة والطقطقة، والقرقرة والبربرة؟ إلا ~~أنه غلط PageV01P216 ~~فيه ووثق به، ووكل إليه الرأي، ولك يؤذن لأحد في تحريكه بكلمة، ولا في ~~مضادته بحرف، حتى تم له ذلك كله بأسهل وجه مع الجو المواتي والأمر المنقاد، ~~وحب أن يعتقد أن ذاك عن كفاية في الصناعة وحذق في العمل، وسعة علم بالكتابة ~~الديوانية والرسوم الخراجية. # وسئل يوما عن قول الشاعر: # سقوني النسي ثم تكنفوني %~% عداة الله من كذب وزور # فقال: الخمر تسمى نسيا. # فقيل له: ولم؟ فقال: ليس للأسماء علل. # فلما خلوت بالزعفراني الشاعر قال لي: أخطأ، فإن الأسماء ضرب منها مبتدأ، ~~فالغرض فيه اختصاص العين به ليقع التمييز بينه وبين غيره، وضرب آخر يؤخذ من ~~أصل الفعل وهو الذي سمي مشتقا PageV01P217 ~~لتكون فيه دلالتان: دلالة كدلالة الأول في اختصاص العين، ودلالة ms078 على ~~النعت. # والنسي في أسماء الخمر من الضرب الثاني، لأن الخمر تنسأ العقل أي تؤخره، ~~وقال: هذا قاله بعض العلماء. # فقلت له: هلا قلت هذا في المجلس؟ فقال: لو قلت هناك لما وجدتني عندك ~~قاعدا مطمئنا. # قلت: صدقت، الرجل حسود. # فقال: ولربه كنود، ولآياته عنيد، كأنه من اليهود، أو من بقية ثمود. # ولقد غضب يوما م شيء رواه المصري، وحجبه أياما؛ وذلك أنه روى أن امرأة ~~جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد الله بت عمرو بن العاص، ~~فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي ~~سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني. PageV01P218 # فقال رسول الله صلى عليه وسلم: أنت أحق به ما لم تنكحي. # وكان غضبه من الحسد، لأنه روى هذا في عرض حديث بفصاحة وتسهل. # وله مثل هذا كثير، كان لا يستطيع أن يسمع من أحد كلاما منظوما. # قال لأبي السلم مسلم الأعرابي يوما: ما خبرك مع فلان؟ قال: انقلبت عنه ~~خاسئا وأنا حسير. # قال: لا تنتجع أمثاله. # قال: أيها الصاحب، ما أعلمني بمظان الرجاء والخيبة! ولكني ربما اغتررت ~~بالشك اغترارا، وانجررت على الشوك انجرارا، وآخر دعواي أن الحمد لله الذي ~~لم يقطع أملي من خيره حتى غمرني بأيادي غيره، وذاك أنت. # وكان حسده لغيره على فصل حسن، ولفظ حر، بقدر إعجابه بما يقوله ويكتبه؛ ~~كتب يوما إلى إنسان: " وأقسم أنك لو كتبت بأجنحة الملائكة المقربين على ~~جباه الحور العين، مستمدا من أحداق الولدان المخلدين، جوازا على الصراط ~~المستقيم إلى جنات النعيم لما حسن هذا البخل ". PageV01P219 # فأخذ يعيد هذا ويبديه، ويقول: كيف ترون؟ وكيف تسمعون؟ وهل قرأتم شبيهه؟ ~~وروى في مجلسه يوما ابن ثابت البغدادي حكاية الخليل، فأحسن سياقتها ~~وإمرارها، فحببه أياما وأخر عنه رسمه. وقال: تبسط في مجلسنا، واسحنفر ~~بحضرتنا، وترك توقيرنا وهيبتنا، حتى تشفع في أمره أبو الحسن الطبيب وغيره ~~فعاد له على تشف. # وأنا أسوق حكاية الخليل حتى تكون فائدة في هذا الكلام الذي قد نشبنا ms079 فيه. # قال الخليل: دخلت على سليمان بن علي وهو والي البصرة فوجدته يسقط في ~~كلامه، فجلست حتى انصرف الناس. PageV01P220 # فقال: هل من حاجة أبا عبد الررحمن؟ قلت: أكبر الحوائج. # قال: قل، فإن مسائلك مقضية، ووسائلك قوية. # قلت: أنت سليمان بن علي، وكان علي في العلم عليا، وكان عبد الله بن ~~العباس الحبر والبحر، وكان العباس بن عبد المطلب إذا تكلم أخذ سامعه ما ~~يأخذ النشوان على نقر العيدان؛ وأراك تسقط في كلامك، وهذا لا يشبه منصبك ~~ومحتدك. # قال: فكأنما فقئ في وجهه الرمان خجلا. # فقال: لن تسمعه بعدها، فاحتجب عن الناس برهة، وأكب على النظر، ثم أذن ~~للناس في مجلس عام، فدخلت عليه في ثمة من الناس، فوجدته يفصح حتى خلته معد ~~بن عدنان. فجلست حتى انصرف الناس. # فقال: كيف رأيت أبا عبد الرحمن. # قلت: رأيت كل ما سر في الأمير، وأنشدته: PageV01P221 # لا يكون السري مثل الزري %~% لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي # لا يكون الألد ذو المقول المر %~% هف عند الخصام مثل العيي # قيمة المرء كل ما يحسن المر %~% ء قضاء من الإمام علي # أي شيء من اللباس على ذي ال%~%سرو أبهى من اللسان السري # ينظم الحجة الشتيتة في ال%~%سلك من القول مثل نظم الهدي # وترى اللحن في لسان أخي الهم-%~%-مة مثل الصدا على المشرفي # فاطلب النحو للقران ولل%~%شعر مقيما والمسند المروي # والخطاب البليغ عند حجاج ال %~% قوم يزهى بمثله في الندى # كل ذي الجهل بالفنون يعادي %~% ها ويزري منها بغير الزري # قال: وانصرفت. فشيعني غلامه على كتفه بدرة فرددتها عليه، وكتبت إليه: # أبلغ سليمان أني عنه في سعة %~% وفي غنى غير أني لست ذا مال # سخى بنفسي أني لا أرى أحدا %~% يموت هزلا ولا يبقى على حال # والرزق عن قدر لا العجز يدفعه %~% ولا يزيدك فيه حول محتال # وقال يوما: " فعل وأفعال " قليل، وزعم أصحابنا النحويون PageV01P222 ~~أنه ما جاء إلا زند وأزناد، وفرخ وأفراخ، وفرد وأفراد. # فقلت: أنا أحفظ ثلاثين حرفا كلها " فعل وأفعال ms080 ". # قال: هات يا مدعي! فسردت الحروف ودللت على مواضعها من الكتب. # ثم قلت: وليس للنحوي أن يجزم مثل هذا الحكم إلا بعد التبحر والسماع ~~الواسع، وليس للتقليد وجه إذا كانت الرواية شائعة، والقياس مطردا، وهذا ~~كقولهم: فعيل على عشرة أوجه، وقد وجدته أنا على أكثر من عشرين وجها، وما ~~انتهيت في التتبع إلى أقصاه. # فقال: خروجك من دعواك في فعل يدلنا على قيامك بالحجة في فعيل، ولكننا لا ~~نأذن في اقتصاصك، ولا نهب آذاننا لكلامك، ولم يف ما أتيت به يجرأتك في ~~مجلسنا وتبسطك بحضرتنا. # وسألني عن أبي حامد المروروذي. فوصفت له نباهته وتقدمه وحفظه وبيانه. PageV01P223 # فقال: ما تحفظ عنه؟ قلت: أشياء مختلفة، فإنه أقام عندنا ببغداذ في آخر ~~أيامه سنتين، ولقد رأيته في مجلس أبي الفرج محمد بن العباس في أيام وزارته، ~~بعد أبي الفضل العباس بن الحسين، وهو يتدفق بالكلام مع ابن طرارة. # فلما انتهى قال له أبو الحسن إسحاق الطبري: ارسم لنا كلاما خفيفا في ~~الدليل، والحجة، والبرهان، والبيان، والقياس، والعلة، والحكم، والاسم، ~~والفعل، والحرف، والنص، والظاهر، والباطن، والتأويل، والتفسير، والفحوى، ~~والاستحسان، والتقليد، والاقتداء، والإجماع، والأصل، والفرع، والوجوب، ~~والجواز. # فاندفع فقال: الدليل: ما سلكك إلى المطلوب. PageV01P224 # والحجة: ما وثقك من نفسك. # والبيان: ما انكشف به الملتمس. # والقياس: ما أعارك شبهه من غيره، أو استعار شبه غيره من نفسه. # والعلة: ما اقتضى أبدا حكما باللزوم. # والحكم: ما وجب بالعلة. # والاسم: ما صحت به الإشارة إلى مشار إليه. # والفعل: ما شاع في الزمان. # والحرف: ما ائتلف به اللفظ. # والنص: ما أغنى بنفسه لاستقلاله. # والظاهر: ما سبق إلى النفس بلا جالب. # والباطن: ما غيض عليه بالتفسير. # والتأويل: الجهة المتباعدة عن المراد، ومع ذلك فهي مشمولة تارة بالقصد، ~~وتارة بغير القصد. # والفحوى: الجهة القريبة. PageV01P225 # والتفسير: عبارة عن عبارة على طريق الخلافة. # والاستحسان: القول الأولى والأشبه في ظاهر الحال. # والتقليد: قبول بلا بيان. # والاقتداء: سلوك مع عالم سالف. # والإجماع: اتفاق الآراء الكثيرة. # والأصل: ما لم ينظر إلى ما قبله، لأنه بنفسه قبل ms081 غيره. # والفرع: ما انشعب عن الأول والوجوب: ما لم يسع الإضراب عنه. # والجواز: ما وقف بين الواجب وبين غير الواجب. # وكاد لا يسكت. # فقال له أبو الفرج: ما كان أبو محمد المهلبي يثني عليك جزافا، ولا يشغف ~~بك على طريق الهوى. # فقال لي: كيف حفظت هذا؟ قلت: كنا جماعة نتعاون على ذلك، ونرسم في ألواح. # فقال لي: إني لشديد الحسرة على فوت لقائه، ومما يزيدني عجبا PageV01P226 ~~به أنه كان على مذهب أصحابنا، ولو نصر في الأحكام مذهب أبي حنيفة لكان ~~قدوة لأهل زمانه. # وقال له بعض الغرباء: إذا قلت عشي الرجل كما تقول: عمي الرجل، وتقول: ~~يعشى كما تقول يعمى، وقلت أعشى كما تقول: أعمى، فهلا قلت: امرأة عشياء كما ~~قلت عمياء، ولك مع ذلك شفة لمياء وفاه ظمياء؟ قال: فهكذا أقول. # قال له: قد خالفت العلماء، لأنهم نصوا عشواء كما قالوا: ناقة عشواء. # فقال: في هذا نظر. # وأخطأ. وأي نظر في المسموع؟ وحدثني محمد بن المرزبان قال: كنا بين يديه ~~ليلة فنعس، وأخذ إنسان يقرأ " والصافات "، فاتفق أن بعض هؤلاء الأجلاف من ~~أهل ما وراء النهر نعس أيضا، وضرط ضرطة منكرة، فانتبه وقال: يا أصحابنا ~~نمنا على " الصافات "، وانتبهنا على " المرسلات ". # هذا من ملاحاته. PageV01P227 # وحدثني أيضا قال: انفلتت ليلة أخرى ضرطة من بعض الحاضرين، وهو في الجدل، ~~فقال على حدته وجنونه: " كانت بيعة أبي بكر "، خذوا فيما أنتم فيه، يعني " ~~كانت فلتة " لأنه قيل في بيعة أبي بكر " كانت فلتة ". # أفهذا من المجون المستطاب؟ أو من جنس ما يجب أن يكون محكيا عن الرؤساء ~~الديانين والكبراء المستبصرين، والذين يدعون لأنفسهم الفضل والمروة ~~والديانة، واحتقار الناس؟ وقال له ابن ثابت الحوي يوما: أنا آكل التمر على ~~أنه كان مرة رطبا، يتملح معه، أي أميل إلى الحدث وإن بقل وجهه، لأنه قد كان ~~مرة أمرد. # فقال له: فكل الخرا على أنه مرة كان هريسة. PageV01P228 # وسمعته ينشد في الشاعر الملقب بالمشوق: # وديوث يقال له المشوق %~% له من عرسه كسب وسوق # فكم خير ms082 يساق إليه منها %~% وكم أير إلى حرها يسوق # وكان ينشد في شيخ كاتب من أهل جرجان: # جزعت من أمر فظيع قد حدث %~% # ابن تميم وهو شيخ لا حدث %~% # قد حبس الأصلع في بيت الحدث %~% # ورأيت شيخا قدم مع الحاج من خراسان يعرف بالخشوعي، من الكرامية أصحاب ~~البرانس، حضر مجلسه وناظره في مسألة الجسم، PageV01P229 ~~وكان يقول، وهو مذهب هشام بن الحكم في التكلمين المتقدمين: لما كان مثبتا ~~بالعقل دون غيره، وكنت لا أثبت بالعقل، إلا معقولا، كما لا أثبت بالسمع إلا ~~مسموعا، وكما لا أثبت بالبصر إلا مبصرا؛ وكان إثبات العقل لمن هو غير جسم ~~في المشاهدة غير معقول، وجب أن يكون جسما لأنه قد كان دخل في قسمة المعقول؛ ~~وإن بطل أن يكون جسما بطل أن يكون معقولا، وقد ثبت أنه معقول؛ فإذا قد ثبت ~~أنه جسم. # فقال ابن عباد: هاتوا مسألة أخرى، فسماع كلام الحكل أرجع بالفائدة من ~~هذا، وأخذ في مسألة أخرى. # وحكى قوم منهم أبو طاهر الأنماطي والقطان أنه قد شده ولم يحضره في الحال ~~شيء، وكان الخصم ألد ذا سلاطة قليل الاكتراث، حضر غير طائع، وتكلم غير ~~متروع. PageV01P230 # وعاد هذا الشيخ في مجلس آخر، فقال له: أتقول إن الله جسم؟ قال: نعم. # قال: فإذا كان جسما جاز أن يكون فوقه شيء أو تحته شيء، أو عن يمينه شيء، ~~أو عن يساره شيء. # قال: نعم. # قال: فما تنكر أن يكون معبودك الآن في هذا الصندوق؟ فخمد الخراساني خمدة ~~م اشتعل فقال: أليس عندك أن الله متكلم بكلام يفعله في الأحوال المختلفة؟ ~~فقال: بلى. # قال: فما تنكر لأن يكون هذا الحمار ينغط، فيحل الله كلامه في جرذانه، ~~فيقول: أنا ربكم الأعلى، وتسمع ذلك منه. # فانخزل ابن عباد وقال: خذوا في غير هذا. # والسخف والجرأة وسوء الأدب وإطلاق اللسان بما لا يجوز دينا ومروة غالبة ~~على أصحاب الكلام؛ والتقى والرهبة والروع بعيدة من هذه الطبقة. PageV01P231 # وحكى يوما في نوادره الفاترة ما يدل على قلة دين القوم وسوء استبصارهم ~~وشدة ms083 استهانتهم بما يقولونه محقين ومبطلين، وأن الديدن هو الهذيان والرقاعة ~~والتعصب والإيهام، وليس لوجه الله في ذلك شيء، لا فيما يجدون به، ولا فيما ~~يهزلون فيه، لا حشمة ولا تقوى، ولا مراقبة ولا بقيا؛ قد جعلوا الله عرضة ~~للخصومات بالوساوس، ودينه منديلا لكل يد. # سأل ملحد موحدا فقال: ما الدليل على أن للعالم صانعا؟ فقال: الدليل على ~~ذلك شعرة أمك، لأنها كلما نتفتها بالدبق نبتت؛ فلو لم يكن هناك منبت لما ~~نبتت. # فقال الملحد: هذا ينقلب عليك لأنه يقال لك: الدليل على أن العالم ليس له ~~صانع نواة أمك، لأنها إذا قطعت مرة لم تنبت بعد ذلك. PageV01P232 # وحكى يوما آخر فقال: اجتمع رجلان؛ أحدهما يقول بقول هشام، والآخر يقول ~~بقول الجوالقي. # فقال صاحب الجوالقي لصاحب هشام: صف لي ربك الذي تعبده. فوصفه، فقال: هو ~~جسم ولكن لا يد له ولا جارحة ولا آلة. # فقال له صاحب الجوالقي: أيسرك أن يكون لك بهذه الصفة ابن؟ قال: لا. # قال: أفما تستحي أن تصف ربك بصفة لا ترضاها لولدك؟ ثم قال صاحب هشام: قد ~~سمعت قولنا، فصف لي أنت ربك. فوصف فيما وصف: أنه جعد قطط في أتم تمام وأحسن ~~حسن وأحلى صورة وأعدل هيئة وأجمل شارة. PageV01P233 # فقال له صاحب هشام: أفيسرك أن تكون لك جارية بهذه الصفة تطؤها؟ قال: نعم. # قال: أفما تستحي من عبادة من تحب مباضعته؟ وذلك أن من أحب مباضعة مثله ~~فقد أوقع عليه الشهوة، تعالى الله عن هذه السخافات والجهالات، وإن قوما ~~يلهجون بهذا وأشباهه لغي بعد من الهدى والنهى. # وسمعته يسب أصحاب الهندسة ويقول: جاءني بعض هؤلاء الحمقى ورغبني في ~~الهندسة، فابتدأ، فأثبت خمسة وعشرين، وخط خطا، ووضع شكلا، وطول وزعم أنه ~~يعمل برهانا على ذلك. فقلت له: إني كنت أعرف أن خمسة في خمسة خمسة وعشرون ~~ضرورة، وقد شككت الآن، فأنا مجتهد حتى أعلمه بالاستدلال. وهذا هو الخسار ~~والدمار. # ولو كان له سهم يسير من العقل ما باح على نفسه بهذا القول، ولو PageV01P234 ~~سمع من غيره ms084 لوجب إنكاره، ولو حقق قول القائل: من جهل شيئا عاداه. أتراه ~~ما سمع كلام ابن ثوابه في مثل هذا، وكيف نسب فيه إلى الرقاعة، وكيف رحمه ~~أهل الحكمة، وكيف هزئ به قوم وجدوا طريقا إلى ذلك. # وأنا أحكي لك في هذا المكان الكلام وإن تنفست الرسالة، لتعلم أن من شاء ~~حمق نفسه، وأن الله إذا شاء خذل عبده وأشمت به أعاديه. # حدثنا أبو بكر الصيمري قال: حدثنا ابن سمكة قال: حدثنا ابن محارب قال: ~~سمعت أحمد بن الطيب يقول: إن PageV01P235 ~~صديقا لابن ثوابة الكاتب أبي العباس يكنى أبا عبيدة قال له ذات يوم: إنك ~~رجل - بحمد الله ومنه - ذو أدب وفصاحة وبراعة وبلاغة؛ فلو أكملت فضائلك بأن ~~تضيف إليها معرفة البرهان القياسي، وعلم الأشكال الهندسية الدالة على حقائق ~~الأشياء، وقرأت كتاب " أقليدس " وتدبرته؟ فقال له ابن ثوابة: وما " أقليدس ~~"؟ قال له: رجل من علماء الروم يسمى بهذا الاسم، وضع كتابا فيه أشكال كثيرة ~~مختلفة تدل على حقائق الأشياء المعلومة والمغيبة، يشحذ الذهن ويدقق الفهم، ~~ويلطف المعرفة، ويصفي الحاسة، ويثبت الروية؛ ومنه انفتح الخط وعرفت مقادير ~~حروف المعجم. # فقال له أبو العباس ابن ثوابة: وكيف ذاك؟ قال: لا تعلم هو حتى تشاهد ~~الأشكال وتعاين البرهان. PageV01P236 # قال له: فافعل ما بدا لك. فأتاه برجل يقال له قويري مشهور مقدم، ولم يعد ~~إليه بعد ذلك. # قال أحمد بن الطيب: فاستطرفت ذلك وعجبت منه، وسألت المخبر عن انصراف ~~قويري أي شيء كان سببه؟ فأجابني بأن لا أعلم، فكتبت إلى ابن ثوابة رقعة ~~نسختها: بسم الله الرحمن الرحيم. # اتصل بي - جعلني الله فداك - أن رجلا من إخوانك أشار عليك بتكميل فضائلك ~~وتقويتها بمعرفة شيء من القياس البرهاني، وطمأنينتك إليه، وأنك أصغيت إلى ~~قوله وأذنت له، وأنه أحضرك رجلا كان غاية في سوء الأدب، معدنا من معادن ~~الكفر، وإماما من أئمة الشرك؛ لاستفزازك واستغوائك، يخادعك في عقلك الرصين، ~~وينازلك في ثقافة فهمك المتين، فأبى الله العزيز إلا جميل عوائده الحسنة ~~قبلك، ومننه السوابق لدي، وفضله الدائم ms085 عندك، بأن أتى على قواعد برهانه من ~~ذروته، وحط عوالي أركانه من أقصى معاقد أسه، فأحببت استعلام ذلك على كنهه ~~من جهتك، ليكون شكري PageV01P237 ~~لك على ما كان منك حسب لومي لصاحبك على ما كان منه، ولأتلافى الفارط في ~~ذلك بتدبر أسسه إن شاء الله. # قال: فأجابني ابن ثوابة برقعة نسختها: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلت ~~رقعتك - أعزك الله - وفهمت فحواها، وتدبرت مضمنها، والخبر كما اتصل بك، ~~والأمر كما بلغك. وقد لخصته وبينته حتى كأنك معنا وشاهدنا. # فأول ما أقول: الحمد لله ولي النعم، والمتوحد بالقسم، إليه يرد علم ~~الساعة وإليه المصير؛ وإياه أسأل إيزاع الشكر على ذلك وعلى ما منحنا من ودك ~~وإتمامه بيننا بمنه. # ومما أحببت إعلامك وتعريفكه مما تأدى إليك، أن أبا عبيدة - عليه لعنة ~~الله تترى - بنحسه ودسه ودحسه اغتالني ليكلم ديني من حيث لا أعلم، وينقلني ~~عما أعتقده وأراه وأضمره من الإيمان بالله عز وجل ورسوله صلى الله عليه، ~~فوطد لي الزندقة بتزيينه الهندسة، وأنه يأتيني برجل يفيدني علما شريفا تكمل ~~به فضائلي - فيما زعم - فقلت: عسى أن أفيد به براعة في صناعة، أو كمالا في ~~مروة، أو نسكا في دين، أو فخارا عند الأكفاء. فأجبته بأن هلم به! PageV01P238 ~~فأتاني بشيخ ديراني شاخص النظر، منتشر عصب البصر، طويل مشذب، محزوم ~~الوسط، متزمل في مسكه، فاستعذت بالرحمن إذ نزغني الشيطان، ومجلسي قد غص ~~بالأشراف من كل الأطراف، كلهم يرمقه ويتشوف إلى رفعي مجلسه وإدنائه ~~وتقريبه، ويعظمونه ويحيونه، والله محيط بالكافرين. # فأخذ مجلسه، ولوى أشداقه، وفتح أوساقه، فتبينت في مشاهدته النفاق، وفي ~~ألفاظه الشقاق. # فقلت له: بلغني أن عندك معرفة بالهندسة، وعلما واصلا إلى فضل يفيد الناظر ~~فيه حكمة وتقدما في كل صنعة؛ فهلم أفدنا شيئا منها عسى أن يكون عونا لنا ~~على دين أو دنيا، وزينا في مروة أو مفاخرة لدى الأكفاء، ومفيدا نسكا وزهدا، ~~(فذلك هو الفوز العظيم) ، (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) ، (وما ~~ذلك على الله بعزيز) . # قال: فأحضرني دواة وقرطاسا، ms086 فأحضرتهما، فأخذ القلم فنكت PageV01P239 ~~به نكتة نقط منها نقطة، فخيلها بصري ولحظها طرفي كأصغر من حبة الذر، ~~فزمزم عليها بوسواسه، وتلا عليها من محكم أسفار أباطيله، ثم أعلن عليها ~~جاهرا بإفكه؛ وأقبل علي فقال: أيها الرجل! إن هذه النقطة شيء ما لا جزء له. # فقلت: أضللتني ورب الكعبة! وما الشيء الذي لا جزء له؟ فقال: كالبسيط. ~~فأذهلني وحيرني، وكاد يأتي على حلمي وعقل لولا أن هداني ربي؛ لأنه أتاني ~~بلغة ما سمعتها والله من عربي ولا عجمي، وقد أحطت علما بلغات العرب، وقمت ~~بها واستثرتها جاهدا واختبرتها عامدا، وصرت فيها إلى ما لا أحسب أحدا ~~يتقدمني إلى المعرفة به، ولا يسبقني إلى دقيقة وجليله. # فقلت له: وما الشيء البسيط؟ فقال: كالله تعالى وكالنفس. # فقلت له: إنك من الملحدين، أتضرب لله أمثالا؟ والله تعالى يقول: (فلا ~~تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون) . PageV01P240 # لعن الله مرشدا أرشدني إليك، ودالا دلني عليك، فما ساقك إلي إلا قضاء سوء ~~ولا كسحك نحوي إلا الحين، أعوذ بالله من الحين، وأبرأ إليه منكم ومما ~~تلحدون، والله ولي المؤمنين (إني بريء مما تشركون) ، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. # فلما سمع مقالتي كره استعاذتي فاستخفه الغضب، فأقبل علي مستبسلا فقال: ~~إني أرى فصاحة لسانك سببا لعجمة فهمك، وتذرعك بقولك آفة من آفات عقلك. # فلولا من حضر - والله - المجلس وإصغاؤهم إليه مستصوبين أباطيله، مستحسنين ~~أكاذيبه، وما رأيت من استهوائه إياهم بخدعة، وما تبينت من توازرهم لأمرت ~~بسل لسانه اللكع الألكن. # وأمرت بإخراجه إلى حر نار الله وسقره وغضبه ولعنته. # فنظرت إلى أمارات الغضب في وجوه الحاضرين، فقلت: ما غضبكم لنصراني يشرك ~~بالله ويتخذ له من دونه الأنداد، ويعلن بالإلحاد؟ ولولا مكانكم لنهكته ~~عقوبة. PageV01P241 # فقال لي رجل منهم: إنه أنسان حكيم، فغاظني قوله. # فقلت: لعن الله حكمة مشوبة بكفر. # فقال لي آخر: إن عندي مسلما يتقدم أهل هذا العلم. # فرجوت - مع ذكره الإسلام - خيرا فقلت: ائتني به، فأتاني برجل قصير دحداح ~~مجدور آدم أخفش ms087 العينين أجلح أفطس سيئ النظر قبيح الزي، فسلم فرددت عليه ~~السلام، ورفعت مجلسه وأكرمته، وقلت له: ما اسمك؟ فقال: أعرف بكنية قد غلبت ~~علي. # فقلت: أبو من؟ فقال: أبو يحيى. # فتفاءلت بملك الموت عليه السلام، وقلت: اللهم إني أعوذ بك من الهندسة، ~~فاكفني اللهم شرها، فإنه لا يصرف السوء إلا أنت، وقرأت " الحمد "، و " ~~المعوذتين "، و " قل هو الله أحد " ثلاثا، وقلت له: إن صديقا لي جاءني ~~بنصراني يتخذ الأنداد، ويدعي أن لله الأولاد ليغويني ويستفزني (ولولا رحمة ~~ربي لكنت من PageV01P242 ~~المحضرين) ، فصرفته أقبح صرف، ثم ذكرت لي فرجوت - بذكر إسلامك - خيرا. # فهلم أفدنا شيئا من هندستك، وأقبسنا من طرائف حكمتك ما يكون لنا سببا إلى ~~رحمة الله ووسيلة إلى غفرانه، فإنها أربح تجارة وأعود بضاعة. # فقال: أحضرني دواة وقرطاسا. # فقلت: أتدعو بالدواة والقرطاس، وقد بليت منهما ببلية كلمها لا يندمل عن ~~سويداء قلبي؟ قال: وكيف كان ذلك؟ قلت له: إن النصراني نقط لي نقطة كأصغر من ~~سم الخياط، وقال لي: إنها معقولة كربك الأعلى، فوالله ما عدا فرعون في إفكه ~~وكفره. # فقال لي: فإني أعفيك، لعن الله قويري وما كان يصنع بالنقطة؟ وهل بلغت أنت ~~أن تعرف النقطة؟ فقلت: استجهلني ورب الكعبة، وأنا قد أخذت بأزمة الكتابة، PageV01P243 ~~ونهضت بأعبائها، واستقللت بثقلها يقول لي، لا تعرف فحوى النقطة، فنازعتني ~~نفسي في معاجلته بغليظ العقوبة، ثم استعطفني الحلم إلى الأخذ بالفضل. # ودعا بغلامه وقال: ائتني بالتخت، فوالله ما رأيت مخلوقا بأسرع إحضارا له ~~من ذلك الغلام، فأتاه، فتخيلت به هيئة منكرة ولم أدر ما هو، وجعلت أصوب ~~الفكر فيه تارة وأصعد أخرى، وأجيل الرأي مليا وأطرق طويلا، لا أعلم أي شيء ~~هو، أصندوق هو؟ فإذا ليس بصندوق، أتخت هو؟ فإذا ليس بتخت، فتخيلته كتابوت ~~لحد. فقلت: لحد الملحد يلحد به وبالناس عن الحق. ثم أخرج من كمه ميلا عظيما ~~فظننته متطببا وإنه لمن شرار المتطببين. # فقلت له: إن أمرك لعجب كله ولم أر في أميال المتطببين كميلك، أتقفأ به ~~الأعين؟ فقال: ms088 لست متطببا ولكني أخط به الهندسة على هذا التخت. # فقلت له: إنك وإن كنت مباينا للنصراني في دينه، إنك لمؤازره في كفره، ~~أتخط على تخت بميلك لتعدل بي عن وضح الفجر إلى غسق الليل؟ وتميل بي إلى ~~الكذب باللوح المحفوظ وكاتبيه الكرام؟ أإياي تستهوي؟ أم حسبتني ممن يهتز ~~لمكايدكم؟ PageV01P244 ~~فقال: لست أذكر لك لوحا محفوظا ولا مضيعا، ولا كاتبا كريما ولا لئيما، ~~ولكني أخط به الهندسة، وأقيم عليها البرهان بالقياس والفلسفة. # وأخذ يخط وقلبي مروع يجب وجيبا. # فقال لي غير مستعظم: إن هذا الخط طول بلا عرض، فذكرت صراط ربي المستقيم، ~~وقلت له: قاتلك الله! أتدري ما تقول؟ تعالى صراط ربي عن تخطيطك وتشبيهك ~~وتبديلك وتحريفك وتضليلك، إنه لصراط مستقيم، وإنه لأحد من السيف الباتر، ~~والحسام القاطع، وأدق من الشعر، وأطول مما تمسحون، وأبعد مما تذرعون، ومداه ~~بعيد، وهوله شديد؛ أتطمع أن تزحزحني عن صراط ربي أم حسبتني غمرا غبيا لا ~~أعلم ما في باطن ألفاظك ومكنون معانيك؟ والله ما خططت الخط وأخبرت أنه طول ~~بلا عرض إلا حيلة بالصراط المستقيم لتزل قدمي عنه، وأن ترديني في نار جهنم. # أعوذ بالله وأبرأ إليه من الهندسة، ومما تدل عليه وترشد إليه، وإني بريء ~~من المهندسين وما يعلنون ويسرون، ومما به يعملون؛ PageV01P245 ~~ولبئس ما سولت لك نفسك أن تكون من خزنتها بل من وقودها، وإن لك فيها ~~لأنكالا وسلاسل وأغلالا، (وطعاما ذا غصة وعذابا أليما) . قم إلى لعنة الله ~~وغضبه! فأخذ يتكلم. فقلت: سدوا فاه مخافة أن يبدر منه مثل ما بدر من المضلل ~~الأول، وأمرت بسحبه فسحب إلى أليم عذاب الله ونار (وقودها الناس والحجارة ~~عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) . # ثم أخذت قرطاسا وكتبت بيدي يمينا آليت فيه بكل عهد مؤكد، وعقد مردد، ~~ويمين ليست لها كفارة - أن لا أنظر في الهندسة أبدا، ولا أطلبها، ولا ~~أتعلمها من أحد سرا ولا جهرا، ولا على وجه من الوجوه، ولا بسبب من الأسباب؛ ~~وأكدت بمثل ذلك ms089 على عقبي وعلى أعقاب أعقابهم: أن لا ينظروا فيها PageV01P246 ~~ولا يتعلموها ما قامت السموات والأرض، إلى أن تقوم الساعة (لميقات يوم ~~معلوم) . # فهذا بيان ما سألت - أعزك الله - عنه مما دفعت إليه وامتحنت به، ولتعلم ~~ما كان مني، ولولا وعكة أنا في عقابيلها لحضرتك مشافها، وأخذت بحظي المتمني ~~من الأنس بك، والاستراحة إليك؛ فمهد على ذلك عذري، فإنك غير مباين لفكري، ~~والسلام. # رسالة أبي العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن ثوابة إلى أبي العباس أحمد بن ~~الطيب هذه، فيها معتبر واسع، وإشراف على عقل مدخول، وهي شقيقة قول ابن عباد ~~في الحكاية التي جرت قبل هذه؛ وليس ينبغي أن يغتر بالإنسان إذا كان فصيح ~~العبارة، كثير التشقيق، مديد النفس، قادرا على السجع، سهل الارتجال؛ فقد ~~يأتلف هذا كله والعقل ناقص، وقد يفقد هذا كله والعقل راجح. PageV01P247 # وقلت لأبي سعيد السيرافي شيخ الدنيا: قال أبو زيدك يقال إنه لكثير فضيض ~~الكلام، أيراد بهذا مدح المذكور أم الزراية عليه؟ فقال لي: هو إلى الزراية ~~أقرب؛ لأن الفض كسر، ومنه: فضضت ختم الكتاب، ومنه: ضربه فصار فضاضا؛ ~~والصحيح خير من المكسور، وكأنه يراد بهذا أنه يرمي بهذا بالكلام مكسرا غير ~~صحيح. # وإنما أتيت بهذا لأني سألت مرة أبا السلم عن ابن عباد، فقال: إنه لكثير ~~فضيض الكلام، ثم مر بي لأبي زيد. # وكان بن عباد يقول كثيرا: ما مدحني شاعر بأوجز وأملح من أبيات وافتني من ~~شاعر ينتسب لسجستان؛ فإنها تدل على قدرة صاحبها وغزارة قائلها وحسن تصرفه ~~فيها، وهي: # يا من أعاد رميم الملك منشورا %~% وضم بالرأي أمرا كان منشورا # أنت الوزير وإن لم تؤت منشورا %~% والأمر بعدك إن لم يؤتمن شورى PageV01P248 # وقال ابن نباتة والخالع وابن الجلبات: ليس في هذه الأبيات ما وجب له هذا ~~الإعجاب كله، ولكن الرجل طريف المرأى والمخبر، عجيب المبشر والمنظر؛ مداره ~~على الهوى، كيفما سنح له جنح إليه، وأينما برح به طرح عليه. # وكان ابن عباد إذا تكلم في مسألة ثم رأى في خصمه فتورا ms090 نفش لحيته بأصابع ~~يده وعبث بها، وفتل رأسه ولوى عنقه، وشنج أنفه، وعوج شدقه، وقال منشدا: # إذا المشكلات تصدين لي %~% كشفت حقائقها بالنظر PageV01P249 # وإن برزت في مخيل الصوا %~% ب عمياء لا تجتليها الفكر # مقنعة بخفي الشكو %~% ك وضعت عليها حسام النظر # لسانا كشقشقة الأرحبي أو كالحسام اليماني الذكر # ولست بذي وقفة في الرجا %~% ل أسائل هذا وذا ما الخبر # ولكنني مدره الأصغري %~% ن أقيس بما قد مضى ما غبر # وكان لا يبعثه على هذا النمط إلا الذهاب بنفسه، والتيه الذي يحول بينه ~~وبين عقله؛ والعجيب أنه كان يعيب غيره بجزء من هذا الباب لا يتجزأ، ويقول: ~~انظروا إلى تيهه وصلفه ومدحه لنفسه واستبداده برأيه - وعلى هذا، حتى إذا ~~صار إلى نفسه وحديثه وخواص أمره جهل وذهل، وخرج في مسك من لم يسمع بشيء من ~~ذلك، ولم يفطن له، ولم يأبه لقبيحه، ولم يأنف من شنيعه. # وهذا من الأسرار في الأخلاق، ولهذا طال كلام الأولين في PageV01P250 ~~الأخلاق، وجاءت الشريعة واللغة واضعة كلا في موضعها، وناعتة لمختارها ~~ومرذولها، وباعثة على حسنها وجميلها، وداعية إلى رفض قبيحها ومنكرها. # والكلام في هذا طويل الذيل مياس، وما أحسن ما قال الشاعر: # لا تلم المرء على فعله %~% وأنت منسوب إلى مثله # من ذم شيئا وأتى مثله %~% فإنما يزري على عقله # والبيت السائر: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله %~% عار عليك إذا فعلت عظيم # فهذا هذا. # حدثني العتابي قال: قال قوم من أهل أصفهان لابن عباد: لو كان القرآن ~~مخلوقا لجاز أن يموت، ولو مات القرآن في آخر شعبان بماذا كنا نصلي التراويح ~~في رمضان؟ PageV01P251 ~~فقال: لو مات القرآن كان رمضان أيضا يموت، ويقول: لا حياة بعدك، ولا نصلي ~~التراويح، ونستريح. # وسأله الدامغاني يوما عن قوله عز وجل: (ولقد همت به، وهم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه) ، أتقول أن يوسف هم بالمعصية؟ فقال: الكلام معطوف بعضه على بعض ~~بالتقديم والتأخير، فكأنه قال: لولا أن رأى برهان ربه لقد كان يهم بها، ~~ولكنه لم يهم، وهذا كقول ms091 القائل: إني غرقت لولا أنه خلصني فلان. # فحدثت بهذه الجملة ابن المراغي ببغداد، فقال: لو سكت عن هذا كان أحسن به، ~~هذا تقدير لاعب بكتاب الله، لا يحل نظم PageV01P252 ~~الكلام على تحريفه؛ لأن ذلك جرأة؛ أما سمعت الله يقول: (لا تقدموا بين ~~يدي الله ورسوله) ؟ إنما المراد به على سجية الكلام؛ ولقد همت به همها ~~اللائق، وهم بها هم البشر الذي لا براءة له من همة إلا بتوفيق الله، ~~والبرهان كان ذلك التوفيق. # وما في الهم؟ الله أكرم من أن يؤاخذ به، وإنما ذكر ذلك ليعلم أن النبي ~~صلى الله عليه في نبوته غير مكتف بها دون أن يكنفه الله بعصمته، ويتغمده ~~برحمته. # وسئل ابن عباد يوما عن قوله عز وجل: (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا ~~تنتصران، فبأي آلاء ربكما تكذبان) ، فقيل: كيف يجوز أن يعد هذا في الآلاء ~~والنعم، وهو إحراق بالنار، ولا ألم بعده، ولا عذاب فوقه؟ # فقال: أقول ما قال شيخنا أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري رحمه الله، ~~فإنه قال: إن الله جعل جهنم سوطا ساق به عباده إلى الجنة؛ PageV01P253 ~~واللفظ عن الحسن - على ما عنينا بجمع كلامه عن الرواة -: " إن الله خلق ~~جهنم ليحوش بها الخلق إلى طاعته ". # فقال أصحابنا: فزعه إلى الحكاية عن الحسن حاكم بأنه مفلس، وقد قال ~~العلماء في ذلك، وإنما قول الحسن ترقيق، وكلام يدخل في الوعظ ولو حقق لقلق. # وسأله الدامغاني يوما عن قوله تعالى: (ولما سكت عن موسى الغضب) أي موضع ~~هذا السكوت، والسكوت ضد الكلام كما أن السكون ضد الحركة؟ فما أحلى ولا أمر، ~~وتغافل إما كبرا وإما جهلا. # وسمعت ابن بابويه يقول في هذا؟ هو مما حرف لأنه نزل: (ولما سكن عن موسى ~~الغضب) بالنون. PageV01P254 # فقلت له: وما درك المحرف في هذا؟ فقال: هو ما قلت لك، وقد صح عندنا ذلك ~~عن الصادق. # فأمسكت عنه؛ والجواب أبين من ذلك. # وقال يوما الحصيري: أيها الصاحب! ما أقول لخصمي إذا قال لي: حد الظلم وضع ~~الشيء ms092 في غير موضعه؟ قال: قل له يجب على هذا إذا أخذ الرجل عمامته المكورة ~~فوضعها على ركبته أن يكون ظالما. # قال أبو سليمان: أخطأ، لأن العمامة قد توضع على الركبة لغرض صحيح وحاجة ~~بادية، في وقت مقتض لذلك، وزمان يليق به ذلك، ويكون حسنا عدلا، ويكون في ~~مكانها؛ والرأس أيضا جعل مكانها لغرض معروف، والأغراض تختلف وتأتلف. # وقيل له يوما: ما أنكرت أن يكون الرزق ما يأكله المرزوق دون غيره؟ فقال: ~~على هذا لو رزقك الله خفا لكنت تأكله. # حكيت هذا لأبي سليمان فصرف القول في الرزق وفي أقسامه وعلله وأسبابه ~~وغرائبه؛ وقد أخرته لمكان آخر، فإن هذا الكتاب يضيق عنه، ويخرج عن الأمر ~~المتحرى به. PageV01P255 # وقال له أبو عاصم البصري يوما: أليس المتكبر هو الذي يتعظم زائدا على ما ~~يستحقه ويحسن به، ومن أجل ذلك ذموه بهذا الاسم إذا أطلقوه؟ فقال: بلى! قال: ~~فما معنى وصف الله نفسه بالتكبر؟ ونحن إنما نفينا عنه التكبر لقبحه عندنا ~~وعند المعروف به بيننا، فلو ساغ أن ينعت بالتكبر ساغ أن ينعت بالتكذب. # فاشتط وانتفخ وتربد وجهه ودر وريده وكاد يزند، ثم تدفق بكلام كثير ليس من ~~مسألة أبي عاصم في شيء، حفظت منه قوله: أحدهم لا يعرف اللغة على طرائقها ~~ودقائقها وحقائقها من ناحية مجازها وسعتها، ولا من ناحية سلامتها وصحتها؛ ~~ولا يفرق بين ما يجوز على الله وبين ما لا يجوز على الله؛ ويقصد إلى ~~المسائل المشكلة، والمعاني المعضلة، والأبواب الغامضة، والألفاظ المتعارضة، ~~فيسأل عنها، PageV01P256 ~~ويعجب بها. # ليتك عرفت هذا بعد أن تعرف معنى قول العرب: " صابت بقر "، وما المراد ~~بقولهم: " عود يعلم العنج "، وما معنى قولهم: " لكل جابة جوزة ثم يؤذن "، ~~ومن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه، ومتى توفي المبرمان، وما ~~البديع، وما بديع البديع، وما المخترع، ومن صاحب البيت السائر: # وبي مثل الذي بك غير أني %~% ألام على البكاء وتعذرينا PageV01P257 # ولقد صدق الأعرابي في قوله: كن كالضب الأعور يعرف قدره ولا يفارق جحره؛ ~~وأصاب عمر ms093 في قوله: لا تحملوا النفس على المهجور فتتركوا المفروض، ولا ~~تتجنبوا المأذون لكم فيه فتركبوا المنهي عنه. # يحضرنا قوم لهم دفر كصنان التيوس أعيا على المسك والغالية، يسألون عما لا ~~يعنيهم ولا يليق بقدرهم، ولو سألت واحدا منهم عن كنية أعشى همدان أو عن ~~دعيمص الرمل، وما ايم النموذج في كلام العرب، وكيف يجمع العجان، وكيف يصرف ~~الهجان، وما الأقذ والمريش، وما الخباء PageV01P258 ~~والعريش، وما المشوق والحريش، وما المشوف والخريش، وما الرثية والفريش، ~~وما الكصيصة والقصيصة، والخربصيصة والهلبسيسة، وما الفرق بين: ما أنت أخانا ~~فنكرمك، وبين ما أنت أخانا فنهينك، الأول بالنصب والثاني بالرفع، ومن الذي ~~يقول: # فأرميها بجلمود %~% وترميني بجلمود # فأرميها وترميني %~% وكل هالك مود PageV01P259 # ولكن صدق عمرو بن عبيد شيخنا وشيخ الإسلام، وشيخ " العدل والتوحيد " حين ~~قال: لن يكون العبد مستكملا لاسم الولاية حتى يسمع الكلمة العوراء فيجعلها ~~دبر أذنه. # هذا مع قوله: تقويم الجاهل بما ينكر أيسر من تعريفه ما يجهل، ولولا أن ~~عذري في تقويمك وتأديبك وتهذيبك وتربيتك يغمض على كثير ممن يسمع هذا الحديث ~~لسلخت شواتك، وكسرت على رأسك دواتك، وألزمتك دكانك وأداتك وأطعمتك بولك ~~وخراتك. اذهب فأنت طليق الجهل والقلة، عتيق الخيبة والذلة. # وكان إذا انتهى كلامه مع خصم يقول: النظر شعاري، والجدل دثاري، والحق ~~مناري، والبيان مداري، والله جاري. # وقال يوما للحسين المتكلم: ألي تقول هذا، والجدل ردائي، ولنظر حذائي، ~~والعلم وطائي، والبلاغة غطائي، والذهب والفضة عطائي؟ PageV01P260 ~~وقال يوما لأبي صادق الطبري: أنت يا أبا صادق خفيف الراس، شديد الإفلاس، ~~إذا أبصرت النحار هذيت بالوسواس، وصدعت رؤوس الناس، بالتمويه والإلباس. # وسمعته يوما يقول لابن شاذان: يا أبا الحسن، توق الرسن، وانظر إلى المسن؛ ~~فما أخوفني أن تسن بالقبيح لا بالحسن. # فقال له: أيها الصاحب! كرم طبعك أمان لي من بوائق سجعك. # وقال يوما لابن حمزة: والنظر من خولي؛ هل هضبة توفى على جبلي؟ فاحفظ ~~نفسك، واعرف خصمك، وراجع فهمك، وجرب بختك. # وكانت له تعسات كثيرة، لكنها كانت تدفن ولا تذاع، رهبة ورغبة. PageV01P261 # قال ms094 يوما: " اطلع عليه "، ولا يجوز " إليه "، والمعنى يقتضي عليه لا غير. # فقال له الضرير النحوي: فما نصنع بقوله عز وجل: (لعلي أطلع إلى إله موسى) ~~؟ فبرد. # ومن هذا الضرب قال يوما: جن عليه الليل، أي كنه الليل، ولا يجوز غير هذا. # فقال له أبو عمران الحسنكي: هذا لعمري في الفصيح، وإياه ذكر ثعلب ~~واختاره، ولكن أين نحن من المرار الفقعسي، وهو أفصح من عالم صاحب " الفصيح ~~"، فإنه قال: # آليت لا أخفي إذا الليل جنني %~% سنا النار عن سار ولا متنور # فقال: يا أبا عمران! أنت جاهل بالعلم، ولذلك شوه الله وجهك، ووكل المقت ~~والإدبار بك. PageV01P262 # وأنشد يوما لشاعر: # إذا قلت لها: جودي لنا %~% خرجت بالصمت من لا ونعم # قلت: أصحابنا كذا ينشدون، ويقال فيه تصحيف. # فقال: اسلح على أصحابك. # ولو كان سأل عن وجه التصحيف لكان أشبه بالفضل وأخلق بأخلاق الرؤساء. # وقيل له يوما: ما القرحان؟ قال: الذي لم يخرج به الجدري. # قيل: ولم قيل ذلك؟ قال: ليسخن الله به عين السائل، ويسخم وجهه، ويسمل ~~عينه، وليقل دينه، ويدق ظهره، ويسلط عليه من يسد دبره. # واستؤذن يوما للوراق الطرسوسي فقال: الطر في لحيته، والسوس في حنطته، ما ~~أصنع بطلعته؟ PageV01P263 ~~وتكلم يوما الخطيب في قول الرجل: " لا مال له قليل ولا كثير، ولا مال له ~~قليلا ولا كثيرا "، فلم يفهم عنه. # وقيل له: ما الفرق بين " با " و " تا " و " ثا " في مواضعها المخصوصة؟ ~~فتحير. وكان السائل ابن المراغي. # وقيل له: لم جاز: إن زيدا منطلق وعمرو، ولم يجز: ليت زيدا منطلق وعمرو، ~~والحرفان متضارعان في إيجاب النصب؟ فلم يكن عنده جواب. # ولقد سهرت معه ليلة في معرفة الفرق بين: " زيد أفضل إخوته وزيد أفضل ~~الإخوة " وجواز أحدهما وبطلان الآخر، فكان كالحمار بلادة. # وقلت للحيلوهي: إنك تنال من عرض هذا الرجل جدا؟ PageV01P264 ~~فقال: قال النبي صلى الله عليه: " لي الواجد يحل عرضه وظهره " كما قال: " ~~مطل الغني ظلم ". # قلت: إنما ورد هذا في الواجب، كالدين والثمن وما أشبههما. # فقال: الأمل دين، ms095 والكرم مطلوب، وما رأس الله أحدا إلا وفرض عليه الإفضال ~~والإحسان. # وقيل لعقيل بن علفة: لم تهجو قومك؟ فقال: إن الشاة إذا وردت الماء فلم ~~يصفر لها لم تشرب، أي إذا لم يحرضوا على المكارم لم يفعلوها. PageV01P265 # قال: وأنا استحسن قول الفضل بن يحيى: ما حثني أحد على الكرم كرجل أنشدني ~~بيتين وهما: # عد لي بعادتك التي عودتني %~% روحي فداؤك يا أبا العباس # إن الذخائر إن أردت ذخيرة %~% ممن يقلدها رقاب الناس # قال: وأعجب من ذلك قول جرير فيما رواه الصولي: إذا مدحتم فاختصروا، وإذا ~~هجوتم فأطيلوا؛ فإن الناس لا يملون الشر. # ورأيته يوما، وقد جرى وانقطع ظهره؛ فإنه قال: قولهم: " إنها لإبل أم شاء ~~"، معناه: بل شاء. # فقال له الحنسكي: فما تصنع بقوله عز وجل: (أم اتخذ مما يخلق PageV01P266 ~~بنات؟) أتراه أراد به: بل اتخذ مما يخلق بنات، وهذا كفر؟ فما دار لسانه ~~بشيء على حدته وكثرة هذيانه. # وحدثني العبسي، وقد جرى ذكر ابن عباد: # لقد أتانا حديث ما نكذبه %~% عن الرسول رويناه بإسناد # أن تطلب الخير ممن وجهه حسن %~% فكيف تطلبه عند ابن عباد # مشوه الخلق لا دين ولا حسب %~% كالقرد ما عنده خير لمرتاد # فقلت: لمن الشعر؟ فإنه واقع جدا. # فقال: هو لأدريس بن أبي حفصة. # قلت له: كأنه ما عنى غير صاحبنا. # وقال له يوما ابن ثابت: روى البخاري في " التاريخ " أن سعدا مولى أبي بكر ~~روى PageV01P267 ~~أن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه صفوان بن المعطل، وقال: إنه هجاني. # فقال: دعوه، إنه خبيث اللسان طيب القلب. # فما تأويل: " خبيث اللسان وطيب القلب "؟ فقال: البخاري حشوي فشري، ليس ~~عليه معول، ولا لقوله متأول. # وسئل يوما عن قول الله عز وجل: (فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله ~~الباطل) ، كيف نظمه وتمامه في المعنى واللفظ؟ فصاح على السائل وقال: أتسأل ~~عن النظم، وأنت لا تعرف الرقم PageV01P268 ~~ولا العقم ولا الصدم ولا الردم؟ وأوصل إليه الوليدي مسائل من جماعة من ~~أهل نيسابور، كان فيها؟ ما معنى: ms096 (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات ~~الله وأولائك هم الكاذبون) ؟ قد علمنا أن من كذب فهو كاذب. # وكان فيها: ما معنى قوله تعالى: (لا تتخذوا إلهين اثنين) ، وقد علمنا أن ~~إلهين لا يكونان إلا اثنين؟ ولا قناعة لنا بقول من قال: هذا توكيد؛ فإن ~~المطالبة فوق التوكيد؛ وأضعف المتكلمين في القرآن من زعم أن شيئا منه زائد، ~~وأن كذا وكذا لغو، وأن هذا على وجه التوكيد، ونحن وإن كنا نعلم أن التوكيد ~~مذهب العرب، وكذلك الزيادة والحذف والإضمار، فالحكمة المطلوبة غير ذلك. PageV01P269 # وعرض علي الوليدي المسائل، وكان فيها: ما معنى قول الله عز وجل: (لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين) ؟ وما وجه قول القائل: " لا تجعل " فيما لا ~~يجعل؟ أو جائز أن يقال للإنسان: لا تنظر برجلك، ولا تمش بعينك؟ فإن قيل: ~~لا، لأن هذا لا يخاف، قيل: وكذلك لا يجعل الله، أحدا مع القوم الظالمين، ~~لأن هذا لا يخاف. # وما معنى قوله: (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) ، وقوله: (ثم جئت ~~على قدر يا موسى) ، وقوله: (وألقيت عليك محبة مني) ، وعن قوله عز وجل: ~~(وتلك الأيام نداولها بين الناس) ؟ وما معنى قوله: (لقد كان في يوسف وإخوته ~~آيات للسائلين) ؟ خبرنا عن الآيات، أكانت في أفعالهم أو في أبدانهم؟ PageV01P270 ~~وما معنى: (من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولائك الذين لم ~~يرد الله أن يطهر قلوبهم) ؟ وخبرنا عن قوله: (وما من دابة في الأرض إلا على ~~الله رزقها) وعن قوله: (فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري) وما ~~معنى: (ولا يزالون مختلفن إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم) أللاختلاف أم ~~للرحمة؟ فإن قيل: للرحمة، قيل: فالمختلفون هم الذين خلقهم للرحمة، فما ~~معنى: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) ؟ فقد أخرج من رحم من الاختلاف ~~وللرحمة خلقهم، فإذا كان كلهم للرحمة خلقوا فكلهم غير مختلفين، لأنه نفى ~~عنهم الاختلاف وهم الجميع، فأين المراد بالآية؟ # وقال: (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) ، وقال: (فريق ms097 في الجنة، ~~وفريق في السعير، ولو شاء الله لجعلهم أمة PageV01P271 ~~واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته، والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير) . ~~أفليس قد أخبر أنه لم يشأ أن يجمعهم على الهدى إذ أمرهم؟ وما معنى قوله: ~~(كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) ؟ فإن كان عم بهذا الكفار والمؤمنين فما ~~فضيلة يوسف؟ وإن كان قد خص يوسف فهو قدح في النحلة. # وقال: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) مما شاء الله ~~فعله؟ فإن قيل: نعم، فكل ما شاء الله كان، فهذا قولنا، وإن كان مما يشاء ~~فلا يكون، فما وجه إيجاب الأمر بأن لا يقول لشيء إني فاعل؟ إذ العباد ~~يفعلون وإن لم يشأ الله. # وما تأويل قوله: (أولائك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم) ، ~~وقال: (واتبعوا أهواءهم) ؟ PageV01P272 ~~فبدأ بالطبع، ثم ثنى بالاتباع، وهذا يدفع تأويلكم في قوله: (فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم) . # وما تأويل قوله: (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) ، وقال: (هذا ~~بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) ؟ فهو بيان للكفار، وهدى وموعظة للمتقين ~~دون الكافرين، فلم تعمون ما خص الله، وتخصون ما عم لله؟ وما تأويل قوله: ~~(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) ~~؟ وما تأويل قوله: (لا ريب فيه هدى للمتقين) فخص بهدايته أهل التقوى؟ PageV01P273 ~~فإن قيل: هو هدى للكافر أيضا، فكيف وقد ختم القصة فقال: (إن الذين كفروا ~~سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) ، كيف يكون القرآن هدى لمن كان سواء ~~عليه أأنذر أم لم ينذر. # ويقال: قال الله تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم) ، ~~فهل زال فرض بختمه على قلوبهم؟ فإن قالوا: لا، فقد كلفوا أن يبصروا الهدى ~~وقد ختم الله على قلوبهم، وأزالوا الفرض عمن ختم الله على قلبه وعذروه ~~بكفره، وحطوه بمنزلة الصبي والمجنون. # وإن أبوا أن يقال: لو شاء الله لم يعص، لأن الله ذم الذين قالوا: (لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا ms098 %~% ) ، قيل: فما تصنعون بقوله: ~~(وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما ~~اقتتلوا) واقتتالهم معصية، ولو شاء الله ما عصوا بأن يمنعهم، إذ خلى بينهم ~~وبين معصيته؟ وما معنى قوله: (ولكن الله يفعل ما يريد) . PageV01P274 # قال الوليدي: وترددت شهورا ليجيب عنه فما فعل. # وكان في المسائل أيضا: كيف ينفى العلم عن الله وقد أثبته لنفسه في مواضع، ~~والنص لا يحذف ولا يتأول؛ قال الله تعالى: (أنزله بعلمه) ، وقال: (فلنقصن ~~عليهم بعلم) ، وقال: (وأضله الله على علم) ، وقال: (ولقد اخترناهم على علم) ~~، وقال: ( %~% ولا تضع إلا بعلمه) ، وقال: (وسع ربنا كل شيء علما) . # ومن أعرض عن التنزيل فقد خلع ربقة الدين. # وكان إذا رأى كاتبا يقول له: أأحكمت " الفصيح "؟ هات: قذت العين ماذا؟ ~~وهات: لحم الرجل وشحم وما في بابه. PageV01P275 # وإذا رأى صاحب لغة قال: ما معنى قول الشاعر: # وأقدر مشرف الصهوات ساط %~% كميت لا أحق ولا شئيت # وإذا رأى نحويا قال: على ماذا ينتصب (نذيرا للبشر) . فإذا أكثر من هذا ~~وشبهه أنشد: # أرى الناس أخلاطا جميعا وإنهم %~% على ذاك شتى والهوى متفرق # ترى المرء إن جالسته ذا صناعة %~% وسائر ما فيه على ذاك أخرق # وتلقى أصيل الرأي ليس لسانه %~% بمخرج ما في قلبه حين ينطق # ورأيته مرة يسأل الحسنكي: # ما الطاية، والثاية، والغاية، والآية، والراية؟ PageV01P276 ~~وما الناقة القاصية والعاصية والعاطية؟ وكان سريع الرد على الإنسان شديد ~~التعجرف، وكان ذلك ربما انقلب عليه. # وقال يوما لبعض العلماء في كلام سمعته منه: " أصفيته كذا وكذا " لا يجوز، ~~أما قرأت القرآن: (أفأصفاكم ربكم بالبنين) إنما يجب أن تقول: أصفيته بكذا ~~وكذا. # فقال العالم: هذا صحيح فصيح، وغيره جائز حسن، أما قرأت في الحماسة قول ~~الشاعر في النسيب: # لئن كنت أوطأتني عشوة %~% لقد كنت أصفيتك الود حينا # فقال بعجرفته: الشعر موضع ضرورة. PageV01P277 # وكذب، ليس هذا من ذلك. # وحدثني الثقة قال: قال يوما المسيبي في حديثه: " وكان يخفر من ذاك ويستحس ~~". # فقال له: سخنت عينك، لا يقال للرجل يخفر، الخفر للنساء. ms099 # فقال المسيبي: أيها الصاحب! التؤدة خير من العجلة، أين نحن من قول ~~الشمردل في أرجوزته، رواها أبو حاتم: # لا يسبق النائل منه المنكر %~% فتى شتاء يستحي ويخفر # فقال: أخذنا في الحماقة. # وقال مرة: " ضره وأضر به "، ولا يجوز أضره، كذا لا يجوز ضر به. # فقال له رجل من خراسان: فما تقول في قوله عز وجل: (وما هم بضارين به من ~~أحد إلا بإذن الله) ؟ فقال للرجل: اخسأ! أهذا من ذاك؟ وأخجل الرجل في ~~صوابه، ولم يخجل هو من خطئه لسقوطه وجهله ومكابرته وحسده. PageV01P278 # وقال يوما: النكث للعهد، والخلف للوعد؛ ولا يجوز: نكث الوعد، وكذا لا ~~يجوز: أخلفت العهد. # وكان بيت القرآن والرواية حاضرا أبو الحسن ابن شاذان فقال: هذا مرفوض ~~بقوله تعالى: (قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده) . # فبرد، وكان باردا، لا رحم الله صداه ولا بل ثراه. # وقال في بعض الليالي: الاقتراف لا يكون إلا في القبيح، أما سمعت الكلام ~~الذي هو كالمثل: " الاعتراف يمحو الاقتراف "؟ فقال له مقرئ قد حضر: التنزيل ~~يأبى هذا الحكم وينطق بغيره. # قال: وما ذاك؟ قال: قال الله تعالى: (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) ، ~~فخزي وقام. # ورأيته يناظر أبا الفرج البغدادي الصوفي، وكان في أذنه وقر، PageV01P279 ~~في وساوس الصوفية وخطراتهم، فقال: يا أبا الفرج! إذا كانت البينونة ~~مشعورا بها في عرصة الحقح حيث لا عبارة للخلق، ولا أمان للجل والدق، بطنت ~~وسائل المعرفة بحقائق المراد، واشتبهت أعلام الحال في تثبيت الإشارة، وبقيت ~~العبارة على إلف الآلف، وعادة المتالف. # فأجابه أبو الفرج: لا ثبات لمناسب البينونة في نهايات الاتحاد، لزوال ~~شرائط رسوم الخلق عند تصافي الأرواح بحقائق الحق. قال ابن عباد: ما أنكر ~~تلاشي المناسب في نهايات الاتحاد، إذا سطعت أنوار الحقيقة بالاتقاد؛ وإنما ~~جررت الكلام إلى غاية تزلق فيها الأفهام، وتسيخ فيها الأوهام، ولا يشرف ~~عليها إلا نمن خصه الحق بخصائص التمام، ورفع معارف جملة العوام؛ ولولا ~~الحال التي امتحنني الحق بها، وسحبني على غرائبها وعجائبها، في عرض صوادقها ms100 ~~وكواذبها، مما هو مردود إليه، ومتوكل فيه عليه، لشققت معك جلباب صدر قد حشي ~~ودائع، وفتحت لك أبواب خزائن قد جمعت فيها بدائع؛ ولكني بما تراني أذبذب ~~عليه مأخوذ، PageV01P280 ~~وبما تسمعني أدندن حوله مأخوذ. وإلى الله المشتكى، فهو الغاية والمنتهى. # ثم قال: يا أبا الفرج! هل تعرف من أصحابك من يقول: # بليت بما لو يبتلى أحد به %~% لأصبح كالعهن النفيش يطيش # بعشق وإعراض وشوق وغربة %~% ومحك الذي أهوى فكيف أعيش # وأعجب من ذا أنني متصوف %~% ولكن صوف العاشقين حشيش # وقلت لأبي السلم نجبة بن علي القحطاني الشاعر: قد لقيت ابن العميد، وها ~~أنت تشاهد ابن عباد، فصفهما لي؛ فإنك رجل بدوي، وتنظر إلى كل شيء بفطرتك، ~~وتنطق عن كل شيء بسابق فطنتك. # فقال: أما ابن العميد - يعني أبا الفضل - فكان بحره لا ينزف وبره لا ~~ينسف، وغباره لا يشق، ونسيمه لا ينشق، وحبه PageV01P281 ~~لا يفرك وأديمه لا يعرك؛ على بخل كان به أحال نهاره ليلا، وألصق به ثبورا ~~وويلا. # وأما هذا - يعني ابن عباد - فليس في استحسانه لإحسانه فضل لاستحسانه ~~لإحسان غيره، قد غرق في بحر نفسه، فليس يرفع طرفه إلى أحد من بني جنسه؛ ~~وهذا الذي يدل على غاية نقصه. # وقلت للحيلوهي يوما: كيف ترى ابن عباد؟ فقال: كما قال الشاعر: # كبرق لاح يعجب من رآه %~% ولا يسقي الحوائم من لماق # ونظر إليه يوما وقد طلع في موكبه فتمثل بقول الشاعر: # وأنت كغيث السوء من ير برقه %~% يشمه ومن يحلل به فهو جادبه PageV01P282 # ومن شعر ابن عباد، وهو يتملح به عند نفسه، قوله في رجل تزوجت أمه: # عذلت لتزويجه أمه %~% فقال: فعلت حلالا يجوز # فقلت: حلال كما قد زعم %~% ت ولكن سمحت بصدع العجوز # وقال أيضا: # زوجت أمك يا أخي %~% فكسوتني ثوب القلق # والحر لا يهدي الحر %~% م إلى الرجال على طبق # وقلت لأبي الفرج الصوفي البغدادي: أنت شيخ صوفي، ولك ذكر جميل، لم تتعاطى ~~لهذا الرجل - أعني ابن عباد - الكلام في الزهد والدقائق والأضمار والوساوس ~~وتصفية الأعمال؟ هذا ms101 علم يذاكر به أصحاب الحرق، وأرباب الخرق. # فقال: هذا رجل رقيع رفيع، وله جاه ومال وهو مطاع، ولست أصل إلى ما في يده ~~إلا بالرقاعة، وأنا ثقيل الظهر بالعيال محتاج إلى PageV01P283 ~~القوت، فأحمق له ساعة حتى أنال منه هذا الحطام الذي قد تهالك عليه الخاص ~~والعام، وقد قال الأول: # فحامقته حتى يقال سجية %~% ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله # وسمعته يقول، وقد جرى حديث ابن العميد أبي الفضل، فقال: لم يكن له - مع ~~فضله الشائع، وأدبه ابارع - علم الدين، ولا كان عنده شيء من الشريعة؛ كان ~~لا يعرف القرآن وأحكامه وغريبه وإعرابه، واختلاف العلماء فيه بضروب التأويل ~~وغرائب التفسير؛ والرئيس إذا عري من هذا السربال فهو ممقوت عند الله تعالى، ~~مقلي عند الناس. وكان إذا سمع كلاما في الدين ثقل عليه، وخنس عنه، وقطع على ~~الخائض فيه، وكان إذا احتفل في العلم والحكمة وما يدل على الخصوصية قال: لم ~~صارت الأشياء المتعادية في حياتها تتعادى بعد مماتها أيضا وتتنافر؟ كمعى ~~الذئب وجلد الشاة، وكسن السنور وعظم الفارة. # ولم الصبي إذا ولد أزرق فأرضعته حبشية عاد أشهل، فإن دامت عليه عاد أكحل؟ PageV01P284 ~~ولم لا يتغلغل شعره كما اسودت حدقته؟ ولم ينسب الضب إلى العقوق، والهرة ~~إلى البر، وهما يتشابهان في أكل أولادهما؟ قال: ويقول في دقيق علمه وغامض ~~حكمته: قيل لسنورة: لم تأكلين جراءك على فرط حبك لها؟ قالت: يخيل إلينا ~~أكبادنا أولى بأن تكون فيها، من الأماكن التي تحويها. # قال: ومن جملة ذلك أيضا: لم يكوت السعلاة من الضربة الأولى، وتعيش ~~بالضربة الثانية؟ ولم صار الفرس لا طحال له، والبعير لا مرارة له، والظليم ~~لا مخ لعظمه؟ ولم ليس في السباع أطيب أفواها من الكلاب، وليس في الوحش أطيب ~~أفواها من الظباء؟ PageV01P285 ~~وكيف صار الأسد أشد الحيوان بخرا وكذلك الصقر؟ ولم صار الكلب أسبح من ~~سائر السباع؟ ولم صار حيتان البحر لا ألسنة لها ولا أدمغة؟ ولم صار صفن ~~البعير لا بيضة فيه؟ ولم صارت السمكة لا رئة لها؟ ولم ms102 صار في فؤاد الثور ~~عظم؟ ولم صارت البراغيث تجتمع على السوط متى دهن بشحم قنفذ أو مسح بمصران ~~ابن عرس؟ ولم صار الزنبور يموت في الزيت ويعيش في الخل، كما تموت الخنفساء ~~في الورد وتعيش في الروث؟ PageV01P286 ~~ولم صار الضب يأكل الجراد ويسالم العقارب، وهي " أشبه بها من الماء ~~بالماء "؟ - في حماقات كثيرة، الجهل بها أحمد من العلم بها. # هذا من تشنيعه على أبي الفضل، وكان مع ذلك ربما قال: كان واحد الدنيا؛ ~~وهذا كما ترى، وهو يدخل في باب المناقضة. # والأمر الذي تشدد فيه - أعني ابن عباد - وبلغ الحد الأبعد منه، وزاد على ~~جميع الناس فيه: باب المخاطبات، وأنه كان يطالب أصناف الناس بما ليس في ~~الطاقة ولم تجر به عادة، وكان يقول: هذا الذي به أجد طعم ولايتي، ولولا هذه ~~اللذة والشهوة ما باليت أن أتقلب في مرقعة خلق، وثوب رث بال، أجوب بلاد ~~الله، وألقى عباد الله، وآكل رزق الله. # ولقد خدع في هذا عن أموال خطيرة اختلست فتغافل عنها، إما عن جهل وجنون، ~~لأنه كان يسوم كل من كتب إليه أن يكني عن PageV01P287 ~~نفسه بالعبودية، وعنه بالمولوية، ثم يعرض في هاتين الكنايتين، وكناية ~~الحديث والشأن، ومن الحديث عنه، أو له، أو فيه، فربما تشاجرت كنايات وتداعت ~~معانيها على الكاتب فلا يخلص إلى تحقيق مراد، واستبانة وجه، وهذا الذي ~~أقوله يعرفه الذي دفع إليه ودهي به. # وقال لي ابن ثابت: قلت له: كيف كان الخليفة يرضى بأن يقال له: أعزه الله، ~~وكذلك ولي العهد، والوزير، ومن قاد الجيش وأغنى في الهبوة، ومن أمر على شطر ~~الدنيا؟ وكان ابن الزيات يقال له يا أبا جعفر، وابن أبي دواد يقال له: يا ~~أبا عبد الله. PageV01P288 # فقال: كان الناس في ذلك الوقت ضعاف العقول صغار الهمم، ولم تكن لهم مرائر ~~مغارة، ولا نفوس فيها غزارة. # هكذا قال. وهذا - حفظك الله - كلام جاهل لا خبرة له بشيء من أمور الدنيا ~~والدين، وهو مع ذلك دليل على النذالة والسقوط. # وجرى يوما حديث ms103 المخاطبات عند القاضي أبي حامد المروررذي والترتيب فيها، ~~وامتعاض الناس من التصارف الجاري بين أهلها، فقال: سبب هذا كله إحساس الناس ~~بنقصهم القائم بهم، الراكد عليهم، النابت فيهم؛ وطلب دفع ذلك بالترتيب، ~~ونفيه بالخطاب؛ وليس الطريق إلى هذا، بل الطريق إليه الأخذ بأخلاق من سلف: ~~من الحياء والكرم والدين والمروة. انظر إلى السلف الصالح كيف كانوا، هل ~~خاطبوا رسول الله - صلى الله عليه - إلا بيا رسول الله؟ وبعد فهل يخاطب ~~ربنا إلا بالتاء وإلا بالكاف؟ وهل سمعت عبدا لله قد أخلص دينه له قال: إن ~~رأى ربنا فعل بعبده كذا وكذا؟ وهل PageV01P289 ~~الخير كله إلا فيما خص الله به نبيه وأمته، وأشاع فيهم حكمته وبركته. # ثم قال أبو حامد: وينبغي أن لا يكون بينك وبين أصدقائك صرف، لأن الصداقة ~~فوق ذلك، بل المصارفة فيها تقذيها وتفسدها، وتحيل نضارتها، وتبدل غضارتها، ~~وقد تستحيل الصداقة بالمصارفة عداوة، لأن التجني والاستزادة يعتورانها، ~~والاعتداد والاحتجاج يمحقانها؛ فأما النظراء والأكفاء فيكفي معهم أن يكون ~~الجواب كالابتداء، والآخر كالأول. # وكان أبو محمد النباتي يقول في هذا الباب كلاما طيبا، وأنا أحكيه لأنه ~~موضعه وإن تنفست الرسالة، فالغرض فائدة، وإن كان سبب إنشائها الغيظ الذي ~~فاض الصدر به، ومرح اللسان بوصفه، وقد قال ابن الرومي: PageV01P290 # وما الحقد إلا توءم الشكر في الفتى %~% وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض # فحيث ترى حقدا على ذي إساءة %~% فثم ترى شكرا على حسن القرض # إذا الأرض أدت ريع ما أنت زارع %~% من البذر فيها فهي ناهيك من أرض # فهذا هذا. # قال: جميع ما يتقلب فيه من هذه الأمور الفاسدة والأحوال الردية، يرجع إلى ~~أصول أربعة، وهي: الحماقة والرقاعة والرعونة والجنون. # فأما الحماقة فما عليه الكتاب من المخاطبات المختلفة التي ليس فيها ~~حقيقة، ولا ترجع إلى صحة، لا من جهة الديانة ولا من جهة رسم الأولين ~~السادة، وإنما هو شيء يؤدي إلى القال والقيل وإلى العداوة والمغالبة، ويبعث ~~على الوحشة الشديدة بالاستشعار الردي، والوسواس المودي؛ لأن الترتيب إن كان ~~بينك وبين من هو ms104 دونك PageV01P291 ~~فهو على الدلالة على محلك، وإن كان إلى نظيرك، فهو على غاية المماثلة ~~بينه وبينك، وإن كان إلى من فوقك فهو على توفية ما يستحقه منك. # قيل له: ها هنا قسم آخر، والداهية كلها منه. # قال: وما هو؟ قيل: الذي يدعي أنه نظير لك وهو دونك، والذي هو فوقك وتدعي ~~أنه في حدك، وها هنا يشتد النزاع والفراع، وتتحطم القنا ويتطاير الشرر، ~~ويجد الشيطان مدخلا منه، وتسويلا به. # فقال: هذا من فقد التناصف في الأصل، وإلا فالحال مفضية في التحقيق إلى ~~الكلام الأول. # ثم قال: وأما الرقاعة فانتفاش القضاة والشهود، ألا تراهم كيف يوسعون ~~أكمامهم، ويعرضون جيوبهم، ويرخون أطواقهم، وينظرون إلى الأرض تعظما على من ~~يكلمهم، وتبرؤا ممن يخالفهم؟ ألا ترى إلى دنياتهم وقرامعتهم وقلانسهم ~~وعمائمهم وتحنبلهم وتقتلهم؟ فهم كما قال الشاعر: PageV01P292 # وأنت بالليل ذئب لا حريم له %~% وبالنهار على سمت ابن سيرين # وإذا تكلم أحدهم خفض صوته، وقطع حروفه، وسبح في خلال ذلك، وقال: عافاك ~~الله اسمع! ويا هذا أصلحك الله! ويا عبد الله الصالح! قل خيرا، ولا قليل من ~~الله، ويا فلان! اتق ربك الذي إليه معادك، أما عليك حفظة من قبل الله؟ أما ~~للإسلام عندك حرمة؟ أما تؤمن بالله؟ أما تؤمن بيوم الحساب؟ قال: وأما ~~الرعونة فما عليه الشطار من هؤلاء الشباب الجلد الذين يرفعون الحجر، ويدعون ~~الفتوة، ويكثرون ذكرها ويحلفون بها، ويسمونها " الجوامردية "، ترى أحدهم ~~يضيق الأكمام ويحل الأزرار، ويفتل السبال، ويمشي متحاملا، ويتكلم متصاولا. # قال: وأما الجنون فما تجد عليه هؤلاء الذين يتنازعون بينهم قولهم: أبو ~~بكر خير من علي، وعلي خير من أبي بكر؛ وإذا حلفوا قالوا: PageV01P293 # وقدر علي، وحق الصديق؛ ويقولون: بغداد أطيب من البصرة، وبادية البصرة أخف ~~من بادية الكوفة، والرازقي خير من البارقي، والسونائي أحلى من الكرخي، ~~وسامرة فوق " إرم ذات العماد "، وفلان فضلي، وفلان مرعوشي؛ وترى لهم في هذا ~~الطريق اهتماما وإنفاقا وقوة ومغالبة ومشاغبة ومحاكمة وملاطمة؛ وهكذا إذا ~~جرى حديث الشاعر والشاعر، كالعوفي والناشي، والامح، والقاص PageV01P294 ~~كالبربهاري والقسري. ms105 # وقد صدق هذا الشيخ، فقد سمعنا من هذا ما لا يطمع في إحصائه. # وقال الزعفراني الشاعر: كيف يكون هذا الرجل - يعني ابن عباد - ديانا ~~ومتألها، وهو يبتذل العلوية والأشراف، ويهينهم أعوانه، وهم يعدون بين يديه ~~فلا ينكر ذلك منهم؛ ولقد فال يوما، وهو يريد الركوب لبعض حجابه: نظف الطريق ~~من هذه الخنافس والجعلان والحرابي والغربان. # فقلت لبعض من كان إلى جانبي: من يعني؟ فقال: يعني هؤلاء الواردين من ~~الحجاز لسواد ألوانهم وتفلفل شعورهم، ودمامة وجوههم وانحطاط قدودهم، وقلة ~~دماثتهم واختلاف حركاتهم وشمائلهم. # قال: أفهذا من التشيع والولاء وما يجب لهذا البيت؟ PageV01P295 ~~ثم يدعي أنه زيدي، فإذا قرض قصيدة غلا، وزاد على العوفي والناشي. # وأما أنا فما رأيت أحدا من خلق الله في حدته سفه لسانه؛ خرج يوما من دار ~~مؤيد الدولة من باب غامض هربا من قوم كانوا يرقبونه على الباب المشهور من ~~السحر الأعلى، وهو وحده بين يديه ركابي، فعرفته عجوز فقامت في وجهه ودعت ~~له، ومدت يدها بقصعة معها فقال: ما تريدين يا بظراء يا بخراء يا عفلاء يا ~~فقماء؟ على هذا إلى تباعد، فبقيت العجوز مبهوتة، وقالت: مسكين هذا الرجل، ~~قد جن. # فقلت لبعض أصحابه: ما هذا النذل والفحش والخفة والطيش؟ فقال: هذا دأبه ~~إذا جاع. # فقلت: أجاع الله كبده وسلبه نعمته! وحدثني العتابي قال: الرجل لا دين له؛ ~~سمعته يقول في الخلوة، وقد جرى حديث PageV01P296 ~~المذهب: كيف أنزل عن هذا المذهب، يعني الاعتزال، وقد نصرته وشهرت به ~~نفسي، وعاديت الصغير والكبير، وانقضى عمري فيه؟ قلت للعتابي: ومن أين وقع ~~في هذا الإلحاد؟ فقال: لم يزل مترجحا قليل الطمأنينة سيء اليقين، ولكن ~~أهلكه مقعدة الذي يقال له النصيبي أبو إسحق. # وصدق هذا الشيخ؛ كان أبو إسحق شاكا في النبوات، وكان يصادقبهذا من صافاه ~~ووثق به، وهو الذي قال بنكده وخبثه: لو ظفر يوم الجمل طلحة والزبير وعائشة ~~بعلي بن أبي طالب، دار الخلاف بينهما، وكان لا يعول أحدهما في الاستظهار ~~على صاحبه إلا بأن يتزوج عائشة، ثم ms106 يكافح صاحبه بها وبشيعتها الذين فتوا ~~بعر جملها وتشافوا به، وتحاثوا عليه، وكنا نحن نكور عمائمنا ونرفع طيالسنا ~~ونسرح لحانا ونكتحل ونحتفل، ثم نجلس في المساجد والجوامع ونحتج لذلك ~~التزويج، ونتأول كل قول، ونخرج كل خبر، ونبلغ كل غاية بكل حيلة. PageV01P297 # وحديث التاجر المصري من الطرائف؛ قدم شيخ له هيئة ومعه ثياب مصر، فدعا ~~به، واشترى منه، وتقدم بإكرامه، ورفع الحجاب عنه، وقال له: أهل مصر، أي شيء ~~يغلب عليهم من فنون العلم، وبرسائل من يشغفون؟ فقال التاجر: لهم حرص على كل ~~علم، ونصيب من كل أدب، وأما الرسائل فإنهم لا يؤثرون على ما لابن عبد كان ~~الكاتب أبي جعفر شيئا؛ وكان نجاح الخادم قائما؛ فأومى إلى المصري بأن قل: ~~رسائلك هي المطلوبة والغريبة، وهي المشتهاة والمستعملة، وكان إيماؤه باليد، ~~والإصبع، والحاجب، والشفة، وهذا كله لا يفصح عن حرف، فلم يكن يفهم التاجر ~~لشقائه معنى الإشارة؛ وانقبض عنه ابن عباد ولم يحاوره، وقام ذاك على حالة ~~قد ناله فيها فتور لا يدري ما سببه. PageV01P298 # فلما كان بعد أيام حضر أيضا وأعاد القول على الوجه، فأعاد المصري الجواب ~~المتقدم، ونجاح الخادم على رسمه قائم يشير بمثل ما أشار إليه في المجلس ~~الأول، وهذا لا يفطن، وفي أهل مصر سلامة صدر شبيهة بغباوة طبع. # فالتفت ابن عباد إلى الخادم وقال: إذا كان صاحبك سخين العين قطيع الظهر، ~~ابن بظراء، إيش يمكنك أن تعمل؟ وطرد المصري. # أفهل هذا إلا رقاعة تحتها جنون صرف، وسرطان في الدماغ، وعلة في العقل، ~~وفساد في المزاج؟ واسمع ما هو أعجب من هذا! ناظر بالري اليهودي رأس الجالوت ~~في إعجاز القرآن، فراجعه اليهودي فيه طويلا، وثابته قليلا، وتند عليه حتى ~~احتد وكاد ينقد؛ فلما علم أنه سجر تنوره وأسعط أنفه، احتال طلبا لمصاداته، PageV01P299 ~~ورفقا به في مخاتلته، فقال: أيها الصاحب! ولك تتقد وتشتط، ولم تلتهب ~~وتختلط؟ كيف يكون القرآن عندي آية ودلالة على النبوة، ومعجزة من جهة نظمه ~~وتأليفه؟ وإن كان النظم والتأليف بديعين غريبين، وكان البلغاء، فيما ms107 تدعي، ~~عنه عاجزين، وله مذعنين، وها أنا أصدق عن نفسي وأقول: عندي أن رسائلك ~~وكلامك وفقرك وما تؤلفه وتباده به نظما ونثرا هو فوق ذلك أو مثل ذلك، أو ~~قريب منه؛ وعلى كل حال فليس يظهر لي أنه دونه، وأن ذلك يستعلي عليه بوجه من ~~وجوه الكلام، أو بمرتبة من مراتب البلاغة. # فلما سمع ابن عباد هذا فتر وخمد، وسكن عن حركته، وانخمص ورمه به وقال: ~~ولا هكذا أيضا يا شيخ، كلامنا حسن وبليغ، وقد أخذ من الجزالة حظا وافرا، ~~ومن البيان نصيبا ظاهرا؛ ولكن القرآن له المزية التي لا تجهل، والشرف الذي ~~يخمل؛ وأين ما خلقه الله تعالى على أتم حسن وبهاء، مما يخلقه العبيد بتطلب ~~وتكلف؟ هذا كله يقوله، وقد خبأ حميه، وتراجع مزاجه، وصارت ناره رمادا؛ مع ~~إعجاب شديد قد شاع في أعطافه، وفرح غالب قد دب PageV01P300 ~~في أسارير وجهه؛ لأنه رأى كلامه شبهة على اليهود وعلى عالمهم وحبرهم، مع ~~سعة حيلهم وشدة جدالهم، وطول نظرهم وثباتهم لخصومهم. # فكيف لا يكون شبهة على النصارى، وهم ألين من اليهود عريكة، وأطفؤهم ~~نائرة، وأقلهم مراء، وأكثرهم تسليما؛ وأنه إن جاز هذا على اليهود والنصارى، ~~وهم دهماء الناس، فما ظنك بالمجوس ونصيبهم من الجدل أقل، وهم عن النظر ~~أعجز، وعادتهم في المحاجة أفسد؛ وهكذا الصابئون؟ انظر - أكرمك الله - إلى ~~هذا الرجل العظيم الطاق الفسيح الرواق، الذي لا يرضى أحدا، كم ينخدع وكم ~~يذوب! مرة للشاذياشي، ومرة لليهودي، ومرة للتاجر المصري، ومرة للخراساني، ~~ومرة للبغدادي. # فهل هذا إلا النوك والركاكة، وضعف النحيزة، وسوء التخيل، وقرب الغور، ~~وقلة العقل؟ PageV01P301 ~~قال أبو سليمان المنطقي: وعنده يومئذ أبو زكرياء الصيمري، وقد قرأت عليه ~~هذه الأحاديث: هذا رجل قد سعد في الدنيا سعادة عجيبة مذ ولي إلى الغاية، ~~وهي شقة عمره وآخر أمره، لم يشك بشوكة، ولم ينكب بنكبة، ولم يسمع من أحد ~~كلمة عوراء، ولم يدفع في حالة إلى آبدة، وقد بلغ في حياته ما شاء. # فقال أبو زكرياء: النحس الذي لحقه في عقله ms108 حتى صار لذلك رقيقا أهوج سيء ~~الأدب، حديدا كثير الكذب، شديد التلون، عسير المأتى، ممقوت العجب، عظيم ~~الكبر، طويل الخصومة، دائم المراء، وقاعة في أهل الفضل، حاسدا لذوي الأدب، ~~مغتاظا على ذوي المروءات، منانا بالقليل، معظما للتافه النزر، وذوي الدين، ~~مقرونا بالأبن - هو أعظم من جميع ما أعطيه من المال الكثير، والمرتبة ~~العالية، ومن الخيل المسومة، ومن الدور والقصور، وما فيها من العين الحور، PageV01P302 ~~والخزائن والذخائر، والفضة والذهب، والجواهر والخدم والعبيد؛ لأن العقل ~~إذا صح فهو المنيحة التي لا يوازيها شيء، وإذا اختل فهو البلوى التي لا ~~يتلافاها شيء؛ ولو كان مع هذا العقل عاريا من جميع ما عددناه، لعلاه بعض ~~العامة بكيسه ولطفه، ولبرز عليه بعض أصحاب الخلقان بمروته وظرفه، " ولكن ~~الغنى رب غفور ". ولهذا أحسن الذي يقول: # ذريني للغنى أسعى فإني %~% رأيت الناس شرهم الفقير # وأبعدهم وأهونهم عليهم %~% وإن أمسى له كرم وخير # ويقصيه الندي وتزدريه %~% حليلته، وينهره الصغير # وتلقى ذا الغنى وله جلال %~% يكاد فؤاد صاحبه يطير # قليل ذنبه والذنب جم %~% ولكن الغنى رب غفور # وله مع الغنى أمر ونهي، وقوة سلطان، وجد ودولة؛ فكل عيبه مستور، وكل فضله ~~منشور. PageV01P303 # قال له أبو سليمان: صدقت، وهذا لأن الإنسان لا يكون في هذا العالم مالكا ~~للتمام، جامعا لأدوات الكمال؛ وسببه أنه نتيجة للكواكب العالية، والأجرام ~~الشريفة، من المواد المختلفة، والعناصر الصافية والكدرة؛ فمتى نالته سعادة ~~بالمشتري، وصل إليه نحس من زحل، وكذلك الزهرة والمريخ؛ والعلماء المتقدمون ~~يقولون: المشتري والزهرة سعدا الفلك، والزهرة مخصوصة بالسعادة العاجلة، ~~والمشتري مخصوص بالسعادة الآجلة. # قال: وهذا وإن كان في الجملة كما قاولوا، فلالتباس الدنيا بالآخرة، فما ~~يستفاد من المشتري كثير من حظوظ الدنيا، ويستفاد من الزهرة كثير من حظوظ ~~الآخرة. # ومن أسرار الزهرة أنها ربما هيأت الوحي، ومن أسرار المشتري أنه ربما هيأ ~~اللهو. # ومر له في هذا لفن كلام كثير مفيد ند عني، ولم يصحب ذهني إلا ما تسمع. # قال: ولهذا كان نحس ابن العميد في بدنه، لأنه فقد الصحة في PageV01P304 ~~وسط ms109 عمره، وحين الحال حويل، والمال مويل، والعلم نزر، والقهم ناقص، ~~والبلاغة خلق، والكتابة شمطاء؛ فلما أخذت أحواله تتسق، وأسباب فضله تستوسق ~~ضرب في بدنه بالعلل الشديدة، والأمراض المختلفة، وسلب لذة المطعم والمشرب، ~~وبقيت حسرة النعمة في نفسه إلى أن عطب؛ وقلة حظه منها هو الذي كان يبعثه ~~على قلة الإنعام منها. # قال: ولهذا تجد آخر جيد العقل، صحيح البدن، محمود البيان، ولكنك تجده مع ~~ذلك شديد الفقر، سيء الحال، مرحوم الجملة. وعلى هذه الجديلة كل من اعتبرت ~~حاله، وعرفت ما سلبه مما وهب له، وما أعطيه مما حرمه، وهذا ليكون العبد ~~أبدا في منزلة من النقص، وحال من العجز يكون بهما ضارعا إلى خالقة، طالبا ~~لعنايته من مالكه، وليكون بين العبد المعجون من الطين وبين الله مدبر الخلق ~~فرق. # وذهب في هذا الفضل كل مذهب، وشفى كل غليل، وأبكى كل عين، وكان ذا قوة ~~عجيبة في هذه الطريقة، وذا اطلاع إلى أسرار الخافية. # فأما حديثي معه، فإن حين وصلت إليه قال لي: أبو من؟ PageV01P305 ~~قلت: أبو حيان. # قال: بلغتي أنك تتأدب. # قلت: تأدب أهل الزمان. # قال: فقل لي، أبو حيان ينصرف أولا؟ قلت: إن قبله مولانا لا ينصرف، فلما ~~سمع هذا تنمر وكأنه لم يعجبه، وأقبل على واحد إلى جانبه فقال له بالفارسية ~~سفها، على ما فسر لي. # ثم قال لي: أنا سامع مطيع. # ثم قلت في الدار لبعض الناس مسترسلا: إنما توجهت إلى العراق إلى هذا ~~الباب، وزاحمت منتجعي هذا الربع، لأتخلص من خرزة الشؤم؛ فإن الوراقة لم تكن ~~ببغداد كاسدة. # فنمي إليه هذا أو بعضه، أو على غير وجهه، فزاده تنكرا؛ وكان الرجل خفيف ~~الدماغ، لا يعرف الحلم إلا بالاسم؛ والسؤدد لا يكون ولا يكمل ولا يتم إلا ~~بعد أن ينسى جميع ما يسمع، ويتأول ما يكره، ويؤخذ بالأسد فالأسد. PageV01P306 # وقال أبو سعيد السيرافي: الحلم مشارك لمعنى الحلم؛ فصاحب الحلم هو الذي ~~يعرض عما يرى ويسمع كالحالم، واللفظ إذا واخى اللفظ كان معناه قريبا من ~~معناه، وهذا الخلق ms110 والخلق، والعدل والعدل، وسست الرجل، وسست المرأة. # وقال لي يوما آخر، أعني ابن عباد: يا أبا حيان! من كناك أبا حيان؟ قلت: ~~أجل الناس في زمانه، وأكبرهم في وقته. # قال: من هو ويلك؟ قلت: أنت. # قال: ومتى كان ذلك؟ قلت: حين قلت لي: يا أبا حيان. # فأضرب عن هذا الحديث وأخذ في غيره على كراهة ظهرت عليه. # وقال لي يوما آخر، وهو قائم في صحن داره، والجماعة قيام: منهم PageV01P307 ~~الزعفراني، وكان شيخا كثير الفضل، جيد الشعر، ممتع الحديث؛ والنميمي ~~المعروف بسبطل وكان من مصر؛ والأقطع، وصالح الوراق، وابن ثابت، وغيرهم من ~~الكتاب والندماء: يا أبا حيان! هل تعرف فيمن تقدم من يكنى بهذه الكنية؟ ~~قلت: نعم، من أقرب ذلك إلى أبو حيان الدارمي. # حدثنا أبو بكر القاضي محمد بن محمد الدقاق، قال: حدثنا ابن الأنباري، ~~قال: حدثنا ابن ناصح، قال: دخل أبو الهذيل العلاف على الواثق، فقال له ~~الواثق: لمن تعرف هذا الشعر: # سباك من هاشم سليل %~% ليس إلى وصله سبيل # من يتعاطى الصفات فيه %~% فالقول في وصفه فضول PageV01P308 # للحسن في وجهه هلال %~% لأعين الخلق ما يزول # وطرة لا يزال فيها %~% لنور بدر الدجى مقيل # ما اختال في صحن قصر أوس %~% إلا تسجى له قتيل # فإن يقف فالعيون نصب %~% وإن تولى فهن حول # فقال أبو الهذيل: يا أمير المؤمنين! هذا لرجل من أهل البصرة يعرف بأبي ~~حيان الدارمي، وكان يقول بإمامة المفضول. وله من كلمة يقول فيها: # أفضله والله قدمه على %~% صحابته بعد النبي المكرم # بلا بغضة والله مني لغيره %~% ولكنه أولاهم بالتقدم # وجماعة من أصحابنا قالوا: أنشدنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي ~~لأبي حيان البصري: # يا صاحبي دعا الملامة واقصرا %~% ترك الهوى يا صاحبي خسارة PageV01P309 # كم لمت قلبي كي يفيق فقال لي: %~% لجت يمين ما لها كفاره # أن لا أفيق ولا أفتر لحظة %~% إن أنت لم تعشق فأنت حجاره # الحب أول ما يكون بنظرة %~% وكذا الحريق بداؤه بشراره # يا من أحب ولا أسمي باسمها %~% إياك أعني واسمعي ms111 يا جاره # فلما رويت الإسناد، وأنشدت الشعر، وريقي بليل، ولساني طلق، ووجهي متهلل، ~~وقد تكلفت ذلك وأنا في بقية من غرر الشباب وبعض ريعانه، فملأت الدار صياحا ~~بالرواية والقافية، فحين انتهيت أنكرت طرفه، وعلمت سوء موقع ما رويت عنده. # قال: ومن تعرف أيضا؟ قلت: روى الصولي - فيما حدثنا عنه المرزباني: أن ~~معاوية لما حضر أنشد يزيد عند رأسه متمثلا: # لو أن حيا نجا لفات أبو %~% حيان لا عاجز ولا وكل # الحول القلب الأريب وهل %~% تدفع صرف المنية الحيل # قال الصولي: هذا من المعمرين المعقلين. PageV01P310 # وانتهى الحديث من غير هشاشة منه عليه، ولا هزة ولا أريحية، بل على ~~اكفهرار الوجه، ونبو الطرف، وقلة التقبل. وجرت أشياء أخر، وكان عقباها أنني ~~فارقت بابه سنة سبعين وثلاثمائة راجعا إلى مدينة السلام، بغير زاد ولا ~~راحلة، ولم يعطني في مدة ثلاث سنين درهما واحدا، ولا ما قيمته درهم واحد. ~~فاحمل هذا ما أردت. # ولما نالني منه هذا الحرمان الذي قصدني به، وأحفظني عليه، وجعلني من بين ~~جميع غاشية ورده فردا، أخذت أتلافى ذلك بصدق القول عنه، في سوء الثناء ~~عليه، والبادي أظلم، وللأمور أسباب، وللأسباب أسرار، والغيب لا يطلع عليه، ~~ولا قارع لبابه. # وسألت العماري عنه فقال: الرجل ذو خلة، ولقد سأله ليلة شيخ من خراسان في ~~الموسم عن قوله عز وجل: (ولقد اصطفيناه في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين) ما مرتبة الصلاح المذكور في الثاني من النبوة الثابتة في الدنيا؟ ~~فأضرب عن المسألة ودافع بصدرها، ولم يجر كلمة فيها. # وسأله هذا الشيخ ليلة أخرى عن قوله عز وجل: (وواعدنا PageV01P311 ~~موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر) ، وعن الفرق بين هذا الاقتصاص وبين ~~قوله: (وواعدنا موسى أربعين ليلة) ، فما أعاد ولا أبدى. # ولما عاد من همذان، قيل له: كيف رأيت أبا الوفاء؟ قال: سرابا بقيعة. # قيل: فكيف مجدت عبد العزيز بن يوسف؟ فقال: نكدا وخديعة. # قيل: فكيف وجدت المجوسي؟ قال: تمثالا في كنيسة أو بيعة. PageV01P312 # قيل: فابن سعدان؟ قال: ضخم الدسيعة، له من نفسه حرى ms112 وسيعة. # هذا حديثه في دينة، ورأيه وعلمه وعقله ومروته وصناعته ومذهبه. وقد طال ~~وكثر، ولعل التقصي لو وقع لازداد طولا، فإنه تنفست أيامه وترددت أحاديثه. # سألت ابن الجلباب الشاعر عنه، فقال: ما أدري ما أقول في رجل من قرنه إلى ~~قدمه عيب وخزي ونذالة ورقاعة، على أن الطبع النكد أملك له، والعادة القبيحة ~~أغلب عليه؛ والإقلاع عن المنشأ المعان بالطباع صعب وعر، ولعله ممتنع. # وسألت الحاتمي عنه، فقال: رأيت رجلا مدخولا في جميع الفضائل، مردودا على ~~كل التأويلات؛ لتيهه وإعجابه، وحسده PageV01P313 ~~ولوثته، وقلة مصافاته، وسوء رعايته، وفساد دخلته، ووقاحة وجهه، وشدة ~~تعييره، وفشو أبنته، وقبح سيرته في مذهبه، ونصرته لما يعتقد بقلبه. # وسألت البديهي عنه، فقال: خذ حديثه بما تسمع مني، وقس عليه؛ رأيت يوما ~~على بابه شيخا من أهل الكتاب والأدب ذكر أنه ورد من مصر، وأنه أقام بها ~~زمنا، وأن أصله من بلاد العجم؛ فلما خرج إليه رفع قصة كتب على رأسها: عباد ~~بن أحمد، فأخذ ونظر، ثم قال: من سماك عبادا باسم الأمين رضي الله عنه؟ ومن ~~يقول إن هذا اسمك الذي اختير لك عند الولادة؟ وما هذا التقرب بالتكذيب؟ وما ~~بينكم وبين أسماء السادة الذين بانوا بها كالسماء بكواكبها، والأفلاك ~~بعجائبها؟ أما كان لك بغير هذا الاسم الذي ادعيته درك؟ ولا كان لك دون PageV01P314 ~~التكثر به سبب؟ ما أحوجك إلى نقاف يوجع يافوخك، ونتاف يقلع شاموخك؟ وسألت ~~الصابي أبا إسحق عنه فقال: إن صدقت في وصفه ساء قوما، وإن كذبت في وصفه ~~ساءني؛ ولأن أنفرد بالمساءة أحب إلي؛ وبعد فنحن معه كما قال الشاعر: # ونعتب أحيانا عليه ولو مضى %~% لكنا على الباقي من الناس أعتبا # وقلت للضبعي: كيف ترى هذا الرجل وقد خبرته؟ فقال: أما جده فيريني أنه ~~واحد الدنيا، وأما جده فينطق بأنه أنذل من في هذا الورى. # وبعد: # نعمة الله لا تعاب ولكن %~% ربما استقبحت على أقوام PageV01P315 # وقلت للمأموني: اصدقني عن هذا الرجل، فقد عرفت ليله ونهاره، والليل أصدق ~~عن خبايا الإنسان من النهار. ms113 # فقال: في الجملة الرجل بلا دين، لفسقه في العمل وارتيابه في العلم. # وسألت أبا صادق الطبري عنه فقال: سل عن البخت، والله ما له سمت يتوجه ~~إليه منه، ولا باب يعتمد منه عليه؛ بينا هو لك، إذ صار لعدوك، حاله أحوال، ~~وشأنه شؤون، وكل ذلك جار على الجنون. # وقلت لابن المراغي: كيف تراه؟ قال: والله ما يشفي الغليل منه هجو ولا ~~ملام، ولا ما هو معروف به بين الخاص والعام، إلا أن يسقط من ذروته فيرى في ~~حال سقطته مترددا بين خطبته وورطته. # وقلت للشيخ العالم: أما أنت من بين الناس فقد حظيت عنده، ونلت منه. # فقال: لو عرفت ما يتقد على فؤادي من الغيظ عليه لرحمتني في بلائي بأكبر ~~مما تحسدني عليه في ظاهر أمري. PageV01P316 # قلت: وما تنكر منه؟ قال: لست أنكر منه شيئا واحدا، وإنما أنكره كله. # وقلتلأبي جعفر الوراق: ما أراك تخرج من حضرة هذا الرجل إلا وأنت ساهم ~~الوجه، مغيظ النفس؛ كأنك لست تخرج من عند من كل أحد يتمنى أن يصل إليه، وأن ~~ينطق بين يديه، وأن يصنع به حاله؟ فقال: والله لولا التحرج لوصفته بكلام ~~كان فيه برد حرارة صدري، ولكن التحرج مانع من ذلك، هذا، والخوف أيضا عامل ~~عمله، وآخر ما أقول: أنه ساقط من عين الله عز وجل، والويل له من الله يوم ~~التجازي والقصاص. # وقلت لأبي الفضل الهروي: كيف ترى هذا الرجل؟ قال: أراه - والله - عقوبة ~~من الله نازلة بأهل الفضل والتكرم، وليتنا علمنا بأي ذنب عوقبنا فكنا ننتهي ~~عنه ولا نصر عليه، فما عندي أن الله يبتلي عبدا من عباده بخدمته والتعلق به ~~بعد أن ينزع عنه العصمة، ويوكل به النقمة، ويحرم عليه الرحمة. # وقلت للزعفراني الشاعر: بالله صف لي هذا الرجل. PageV01P317 # فقال: لو أمكنني الوصف بالنظم كان أعجب إلي؛ فإني رجل شاعر، ولكن الخوف ~~من ذلك حائل. # وقلت للتميمي: أما أصحابك فقد عرفت عقائد قلوبهم في هذا الرجل. فأين أنت ~~منه؟ فقال: أحرى اعتقادي فيه أنه خنزير قد أعطي ms114 قوة أسد؛ فهو يفترس يمنة ~~وشآمة، وكنت أرى فيما مضى أن الشر مكسوب بالقصد حتى شاهدت هذا فتحولت عن ~~الرأي الأول، وقلت: بل السر في بعض الناس لاصق بالطبع. # وقلت لأبي سعيد الأبهري: بين لي أمر هذا الرجل، ففي نفسي أن أعمل كتابا ~~في أخلاقه. # فقال لي: لقد حاولت عسيرا. أتستطيع أن تصف إبليس بجميع ما هو فيه؟ قلت: ~~لا والله، إنما أعوذ بالله منه فقط. # قال: فعذ بالله من هذا قبل أن تعوذ بالله من إبليس؛ فإن إبليس PageV01P318 ~~- وإن كان شريرا - فهو عاقل، وهذا يزيد عليه لأنه شرير وهو أحمق. # وقلت لأبي طاهر الأنماطي: كل أحد له على هذا الرجل كلام، وفي نفسه موجدة ~~سواك؛ فإنك واصل إليه إذا أردت ونائل من ماله وجاهه إذا أحببت، فما قولك ~~فيه؟ فقال: صبري على رقاعته قد نغص علي جميع ما أنا عليه معه، على أن ~~رقاعته مرشحة بجنون، وجنونه صادر عن قدرة، فالرهبة منه قد كدرت عين الرغبة ~~فيه، والغيظ عليه قد منع من الاستمتاع به. # وسألت ابن زرعة الفقيه فقلت: ما أحوجني إلى فتياك في هذا الرجل! فقال: قد ~~- والله - جبت الآفاق، ولقيت أصناف الناس في الشرق والغرب، فما رأيت رجلا ~~في جنونه أعقل منه، ولا في عقله أجن منه، وإنه لأعجوبة؛ عدوه هالك لسلطانه، ~~ووليه خائف من كثرة ألوانه؛ لا عهد له ولا وفاء، ولا صدق ولا لطف، كله هزل، ~~وجميعه جهل. # وقلت لابن فارس صاحب اللغة: بم تحكم على هذا الإنسان؟ PageV01P319 ~~فقال: بأنه لله عدو، وللأحرار مهين، ولأهل الفضل حاسد، وللعامة محب، ~~وللخاصة مبغض. # فأما عداوته لله فلقلة دينه. # وأما إهانته للأحرار فهي شهيرة كهذا النهار. # وأما حسده لأهل الفضل جرب ذلك بكلمة تبديها. # وأما حبه للعامة فبمناظرته لهم وإقباله عليهم. # وأما بغضه للخاصة فلإذلاله لهم وإقصائه إياهم. # **** PageV01P320 ### | [ابن العميد] # فأما ابن العميد أبو الفضل، فإنه كان بابا آخر، وطامة أخرى، وكان فضله من ~~جنس ليس لابن عباد فيه نصيب، ونقصه من ضرب لم يكن له فيه ضريب، ms115 كان يظهر ~~حلما تحته سفه، ويدعي علما هو به جاهل، ويري أنه شجاع وهو " أجبن من ~~المنزوف ضرطا "، وكان يدعي المنطق وهو لا يفي بشيء منه، ولم يقرأ حرفا على ~~أحد، ويتشبع بالهندسة وهو منها بعيد، ولم يكن معه من صناعة الكتابة الأصل ~~وهو الحساب، وكان أجهل الناس بالدخل والخرج، ولقد بقي ما بقي في أيامه فما ~~قعد يوما في الديوان ناظرا في عمل، أو فاصلا لحكم، PageV01P321 ~~أو مخلصا لمشكل، وكان قد وضع في نفسه - بالحيل الدقيقة، والأسباب الخافية ~~- أنه واحد الدنيا، وأن ملوك الأرض يحسدونه عليه، وأنه لسان الزمان، وخطيب ~~الدهر؛ وأن قلمه فوق السيف، وتدبيره فوق الجيش، ونظره في الدولة والمملكة ~~وأحوال الأولياء وذوي النصيحة كالوحي والنبوة. وكان معوله في الأعمال على ~~أبي علي البيع؛ وكان مع هذا شيء السيرة، قليل الرحمة، شديد القسوة، وارم ~~الأنف، عظيم التيه، شديد الحسد لمن نطق ببيان، أو أفصح بالعربية وسيتبين ~~بعض هذا بما أذكره لك بشاهد عدل، وراو ثقة. # ورد أبو طالب الجراحي الكاتب بالري من العراق، ولم يكن في عصره أنطق منه ~~لسانا وقلما، وهو من بيت علي بن عيسى الوزير، فعرض نفسه عليه، فلما رأى ~~بسطته ولسانه وخطه وطلاقته ولطافته وأبوته وصناعته، حسده واغتاظ منه، وضاقت ~~الدنيا به، وعمل على أن يسمه، ففطن أبو طالب وكان فطنا، فطوى الأرض، ووقع ~~إلى PageV01P322 ~~آذربيجان، وصار إلى ملك الديلم المرزبان بن محمد، فعرف قدره، وبسط يده، ~~وأعلى كعبه، ونوه باسمه، واستطال على ملوك النواحي بمكانه. # ثم انظر إلى ما جر أبو طالب عليه لخسته ولؤمه ونقصه وسقوطه، وهكذا يفعل ~~من انصرف من باب عزيز ذليلا ومن فناء موسر مذموما؛ وقد كان يمكنه اصطناعه ~~وتقديمه وإكرامه واستخدامه بأسهل غرامة وأيسر مؤونة، وأهون مرزية؛ ولكنه ~~حسده وأبعده، وليته مع ذلك زوده ما يوجب شكرا، ويكون بلاغا، ويبقى حديثا ~~مأثورا وذكرا جميلا. # ولقد كتب إليه أبو طالب بعد هذا الحديث كتابا قرأت فصلا منه يقول فيه: " ~~حدثني بأي شيء تحتج إذا طولبت بشرائط الرياسة التي ms116 انتحلتها وأكرهت الناس ~~على تسميتك بها؟ أتدري ما الرياسة؟ الرياسة أو يكون باب الرئيس مفتوحا، ~~ومجلسه مغشيا، وخيره مدركا، PageV01P323 ~~وإحسانه فائضا، ووجهه مبسوطا، وكنفه مزورا، وخادمه مؤدبا، وحاجبه كريما، ~~وبوابه رفيقا، ودرهمه مبذولا، وخبزه مأكولا، وجاهه معرضا، وتذكرته مسودة ~~بالصلات والجوائز، وعلامات قضي الحوائج. # وأنت! فبابك مقفل، ومجلسك خال، وخيرك مقنوط منه، وإحسانك منصرف عنه، ~~ووجهك عابس، وبنانك يابس، وكنفك حرج، وخادمك مذموم، وحاجبك هرار، وبوابك ~~كلب، ودرهمك في العيوق، ورغيفك في منقطع التراب، وجاهك موفور عليك، وتذكرتك ~~محشوو بالقبض على فلان، وباستئصال فلان وبنفي فلان، وبسم فلان، وبالدس على ~~فلان، وبحط مرتبة فلان. # هل عندك أيها الرجل المدعي للعقل، المفتخر بالمال، والمتعاطي للحكمة، إلا ~~الحسد والنذالة، وإلا الجهالة والضلالة؟ تزعم أنك من شيعة أفلاطون وسقراط ~~وأرسطوطاليس، أو كان هؤلاء يضعون الدرهم على الدرهم، والدينار على الدينار، ~~أو أشاروا في كتبهم بالجمع PageV01P324 ~~والمنع، ومطالبة الضعيف والأرملة بالعسف والظلم؟ فيا مسكين استحي، فإنك ~~لا مع الشريعة ولا مع الفلسفة، وقد خسرت الدنيا والآخرة. # هذا عقلك الذي يخاطب الناس برفعك التراب على رأسك والسخام في وجهك. # أمن كرمك وحزمك أن يفد عليك مثلي؛ رجل من آل الجراح بيت الوزارة والسؤدد، ~~ينبري لمعروفك، ويخطب الخدمة بين يديك، والقيام بأمرك ونهيك؛ بحظ ميسور، ~~ونائل منزور، فتحسده وتبعده، وتخمله وتهمله، وتواطيء على سمه وقتله؟ يا ~~ويلك! فمتى كنت أنت وآباؤك تستحقون خدمة رجل من آل الجراح؟ كأن بيتك بقم ما ~~سألنا عنه، ولا وقفنا عليه؟ أليس أبوك كان قوادا، وأبوه كان نخالا؟ ها أنا ~~قد انقلبت عنك خائبا، أفضعت وبرت وكسدت؟ لا والله، بل قيض الله لي ملكا من ~~ملوك الدنيا حتى اشتمل علي، ونظر بعين الكفاية إلي، وأهلني لمحل زائد عن ~~محلك، ورتبني في حال هي أشرف من رتبتك، والله أكرم من أن يضيع مثلي أو ~~يحوجني إلى مثلك. # فبؤ الآن بخساستك، والصق بالدقعاء ندما على فعلك، وثق PageV01P325 ~~بأن لساني وقلمي لا يزالان يبريان عرضك، ويخطبان بذمك، ويلهجان بهت: ~~سترك، ويبعثان الناس على معرفة ms117 خزيك وسقوطك؛ أتظن - يا جاهل أنه إذا ركب ~~قدامك حاجب، وسار معك راكب، وقال الناس: أيها الرئيس - أنك قد ملكت الكمال، ~~واستحققت خدمة الرجال، من غير إسعاف ولا إفضال؟ هيهات! المجد أخشن مسا من ~~ذاك. وسأشق النظم والنثر في أكناف الأرض بما ينكشف به للصغير والكبير نقصك، ~~وتزول الشبهة عن القلوب في أمرك إن شاء الله. # هذا أفادنيه، وكان شاعرا من آذربيجان. فهذا هذا. # قلت للخليلي: لم كان يصبر أبو الفضل على ابن ثابت الكاتب الهمذاني وهو ~~آفة ونكال، لا حظ ولا معرفة ولا أدب ولا صناعة؟ PageV01P326 ~~فقال: لأنه علم أن غيره لا يصبر على ذلك الرزق الوتح، والجدوى القليلة، ~~ومن أجل ذلك قال مسكويه: # يقولون إن ابن العميد محمدا %~% يؤول إلى رأي وثيق المنابت # فقلت: دعوه قد عرفت مكانه %~% بطلعة منصور وحظ ابن ثابت # ومنصور هذا خادم رأيته، كان من أقبح الناس وجها كثير الهذر، سيء الأدب، ~~وكان من قم من الأحرار؛ ولما ذمه صاحبه وولي نعمته بسبب هذا الخادم للشهرة ~~الفاضحة، والتهتك الشائع. قال أبو الفضل بحكمته: ما أصنع؟ والله ما وجدت في ~~هذه المدة لا يري غلافا مثله، ولا بد لي منه، فليلم من شاء، والهوى لا يحلو ~~إلا مع العذل. # انظر بالله إلى هذا الحكيم بزعمه، واسمع قوله، وهو يزعم مع هذا أن ~~أرسطاطاليس لو رآه لرجع عن آراء كثيرة ببيانه، ولغير كثيرا من كتبه ~~بمشورته. PageV01P327 # وكان يقول بقحته وقلة اكتراثه وتهاونه بمن حوله: أما الموسيقى فإنه يموت ~~بموتي ويفقد بفقدي، هذا وهو لم يقرأ حرفا منه على أحد من خلق الله، وما ~~أوحي إليه به، ولا يجوز أن ينفتح مغلقه جزافا عليه أو على غيره؛ وإنما كان ~~يستجيز هذا القول في الموسيقى خاصة لأنه لم يبق منذ دهر من يدل من هذه ~~الصناعة على حرف بتحقيق، أو يأتي فيها بوصف تام، لذهابه ودروسه. # والعلم كله - أبقاك الله - قد دخله الضيم، وغلب عليه الذهاب لقلة ~~الراغبين، وفقد الطالبين، وإعراض الناس عنه أجمعين. والموسيقى من بين أجزاء ms118 ~~الفلسفة فقد حمله، لأنه لا يوجد علمه إلا بعمل، ولا يكمل عمله إلا بعلم، ~~والعلم والعمل في صناعة واحدة قلما يجتمعان على التناسب الصحيح. # وكان يعمل كتابا سماه: " الخلق والخلق " فمات سنة ستين وهو في المسودة، ~~وقد رأيت ورقات منه وتقلت إلى " البصائر " PageV01P328 ~~حروفا كانت فيه أفادنيها أبو طاهر الوراق. ولم يكن الكتاب بذاك، ولكن جعس ~~الرؤساء خبيص، وصنان الاغنياء ند، وخنفساء أصحاب الدولة رامسنة. # وقلت للغويري: حدثني عن ابن عباد، فإنك قد عرفت ليله ونهاره وخافيه ~~وباديه، وعن ابن العميد فقد اختبطت ورقه، وانتجعت صوبه. # فقال: في ابن عباد قحة مأبون، ولوثة مأفون، وهو ابن وقته معك، ونتيجة ~~ساعته لك، لا يعرفك إلا عند امتلاء العين بك، ولا يعطيك شيئا إلا إذا أخذ ~~أكثر منه منك، يشتري عرضك، PageV01P329 ~~ولا يوليك حقك، ويبلغ بلسانه ما لا يسمح لك بعشره من فعله، ثم الويل لك ~~إن أصبت في كلامك، والويل لك إن أخطأت، على أن الخطأ يعطفه عليك بالرحمة، ~~والصواب يحمله في معاملتك على الحسد والانتقام؛ يريد منك أن لا تذكر فاضلا ~~عنده وإن ذكرته فضلته عليه. وإن ذكر الشعر فقل: أين مسلم بن الوليد منك؟ ~~وإن ذكر النحو فقل: وصلت إلى ما لم يصل إليه سيبوية، وإن ذكر البيان فقل: ~~فيك أعراق متواشجة من قس بن ساعدة، أو لعله كان في قس عرقمن آبائك الفرس، ~~وإن ذكر الكلام فقل: لو رآك النظام للزم بابك وحمل عاشيتك، وإن ذكر الفقه ~~فقل: أين أبو حنيفة عن هذا PageV01P330 ~~التحقيق والتدقيق؟ وأين صاحباه: محمد، وأبو يوسف عن هذا التطبيق ولتعميق؟ ~~فأما الجاحظ فما وزنه عند مثقالك؟ وأين شراره من نارك؟ وهل يسبح في بحرك؟ ~~وهل يتطاول إلى سمائك. لو رآك لرشاك، ولو شاهدك لما انتسب إلا إليك. # وأما إبراهيم بن العباس الصولي فأحسن ما يختاره له أن يكون من المختلفين ~~إليك، ومن الحاذين على مثالك، والآخذين عنك. وأما الدواوين فالكلواذي ~~يسلمها لك، ويتبرأ من الأعمال بسببك، ويطرح الرسوم القديمة معك، ويأخذ فيما ~~تبتدعه وتضعه، ms119 لأنه إن نازعك افتضح على يدك، والعاقل لا يلقي بيده إلى ~~التهلكة، ولو وثق أنك تقبل مصانعته لصانعك، ولو علم أنك تبقي عليه لخدمك. PageV01P331 # وأما الخط فابن مقلة وابن أبي خالد والبربري ومن تقدم وتأخر أعطوك الضمة ~~فيه، وأظهروا لك الانقياد به. # قال: ومن مناقبه في مثالبه أنه يقنع منك في مدحك بالنفاق، وفي ثنائك عليه ~~بالرياء، وفي نصرة سيرته بالحيلة، ويرضى في هذا كله بعفوك دون جهدك، وبما ~~يخف دون ما يثقل؛ وليس كذلك ابن العميد؛ فإنه لا يحب أن تمدحه إلا بأكرم ~~الخصال، وأشرف الفعال، وأن يكون قولك عن عقد، ووصفك عن يقين، وإخبارك عن ~~تعجب، وتعجبك عن استبصار، واستبصارك عن معاينة، وفيه مع ذلك كياد مخنث ~~مجفو، وسفه ضرة رعناء، ونميمة كنة سليطة. # وحدثنا القاضي ابن عبد الرحيم، وكان خصيصا به، وقهرمان داره ومشرفا على ~~غوامض أمره، قال: قصده شاعر في بعض PageV01P332 ~~الأيام ووصل إليه، وأنشده وأصغى إليه، وانصرف بأمل، وتردد على ذلك فلم ير ~~ما يحب، وتعلق بي. # فقلت له: صاحبه روبين أغلب الناس عليه، وأوجههم عنده، فلو لذت به رجوت ~~لك، فلزمه وسأله الكلام في أمره، فوعده بذلك. # قال روبين فقلت له - يعني ابن العميد -: هذا الشاعر البائس قد سمعت منه ~~شعرا، وأسمنت أمله، وهو على ذلك يغدو ويروح ويشكو وينوح، فلو أمرت له بشيء ~~كان أقطع لشغبه وأجلب لشكره، وأدعى إلى السلامة من عتبه؛ وهؤلاء يردون ~~الآفاق، ولهم الإلحاح والطلب والتذرع باللسان، والتوصل إلى كل حال بكل ~~حيلة. # فقال: وما يريد؟ إن شاء الله أجبته عن قصيدته في رويها بعدد أبياته ~~وعروضه وأعيان معانيه، وأزيد. وإذا وردت شعرا بشعر فليس علي بعد ذلك لوم ~~ولا أنا مقصر ولا ظالم. PageV01P333 # فقال: فقلت له: هذا سمج شنيع، والناس لا يقارون عليه، ولا يرضون به ولو ~~ذهبت أرواحهم وتلفت أنفسهم. # فقال: يا هذا! هون عليك، وأقلل من حديثك، فقد ضيعنا في هذا مالا، وإنا ~~بعد في لذع الحسرة على ذلك، لأن الشباب له عرام، ولم يكن لي ms120 في تلك الحال ~~تجربة، ولا يقظة، ولا معرفة بحق المال والقيام بحفظه إذا حصل، والشغل بجمعه ~~إذا انتقل، ونعوذ بالله من الحور بعد الكور. # المال - عافاك الله - عديل الروح، كمال الحياة، وقوام الظهر، وسرور ~~القلب، وزينة العيش، ومجن الحوادث، وحبل اللذات، ومتعة الإنسان، ومادة ~~البقاء؛ ومن لا مال له لا عقل له، ومن لا عقل له فلا حياة له، ومن لا حياة ~~له فلا لذة له، ومن لا لذة له فهو في قبيل المعدوم. # قال روبين: فعلمت أن بعد هذه الخطبة لا يسمح بدرهم واحد. فوصلت الرجل من ~~مالي بشيء واعتذرت إليه؛ وبلغني أن ذلك الشاعر مزق عرضه، وهتك ستره. # ولقد شاهدت في مجلسه شاعرا من الكرخ يعرف بمويه، PageV01P334 ~~وكان جيد اللسان، يقول له: أيها الرئيس! قد لزمت فناءك لزوم الظل، وذللت ~~لك ذك النعل، وخدمت أملي فيك خدمة ناصح لنفسي فيما التمست من الصلة ~~والجائزة. # ولك فيما أوفدت عليك من الثناء والمدحة، وما بي - والله - ألم الحرمان، ~~ولكن شماتة قوم صدقوني فاتهمتهم، ونصحوني فاغتششتهم؛ بأي وجه ألقاهم، وبأية ~~حجة أدافعهم؟ وهل حصلت من مديح بعد مديح، ومن نظم بعد نثر، ومن رواح بعد ~~بكور، ومن غسل أطمار وإخلاق سربال، ومن تأفف لازم، وضجر دائم إلا على ندم ~~مؤلم ويأس مسقم؟ فإن كان للنجاح علامة فما هي، وأين هي؟ قد - والله - طالت ~~غيبتي عن أهلي، وعن السائلين عن حالي، في هذه المعاملة التي عاقبتها الخيبة ~~بعد المطل، والحرمان بعد الإطماع، والتحسر بعد الوعد؛ وقد بسط الله كفك، ~~وجعل الخير والجود والكرم جارية PageV01P335 ~~في أسرارها ونابعة من جوانبها. ففض أيها الرئيس فإنما أنت بحر، واسكب ~~فإنما أنت سحاب، واطلع فإنما أنت شمس، واتقد فإنما أنت نجم، ومر فإنما أنت ~~مطاع، وهب فإنما أنت واجد، واهتز فإنما أنت ماجد، وصل فإنك جواد. # واللهما يقعد بك خور في الطباع، ولا نغل في العرق، ولا قدح في الأصل. ~~المخ قصيد والحبل حصيد، والزند وار، والفروة خضراء، والعود مورق، والمال ~~جم، والأمر أجم، والسلك دقيق، ms121 والنسيج صفيق، والطراز أنيق؛ وما هو إلا أن ~~تقول حتى تسمع، وما هو إلا أن تأمر حتى يمتثل، لأن أمرك على الفور، وحكمك ~~ماض بالعدل والجور؛ فما الذي يثني عزمك عن الكرم؟ ويفل حدك في الجود؟ ويقصر ~~باعك عن المجد؟ ويسد أذنك عن أحاديث غد؟ إن الذين تكره لهم ما هجوا به ~~كانوا مثلك، وإن الذين تحسدهم على ما مدحوا PageV01P336 ~~به كانوا من طينتك؛ فزاحم بمنكبك أضخمهم سناما، وزد على من كان أكبرهم ~~كاهلا، وأعلاهم يفاعا، وأسطعهم شعاعا، وأزهرهم نارا، وأكثرهم زوارا! فلما ~~بهره هذا الكلام الشهي في ذلك المجلس البهي شده وعله ولم يدر ما يقول، ~~وأطرق هنيهة، ثم قال: هذا وقت يضيق عن الإطالة منك في الاستزادة، وعن ~~الإطالة مني في المعذرة؛ فإذا تواهبنا في الحال ما قد دفعنا إليه، استأنفنا ~~في الثاني ما نتحامد عليه. # فقال الشاعر: أيها الرئيس! هذه نفاثة صدر قد جوي منذ سنة، وفضلة لسان قد ~~فدم منذ زمان؛ وقد تقدم العمل، والجزاء موقوف، والرجاء عليل، والأمل غادر، ~~والحال بعرض سوء، PageV01P337 ~~والشامت قد شمر للتأنيب، ولا صبر لمقل على مدل إلا على وجه يحتمل؛ فإن ~~رأيت قدمت المتأخر، وقربت المتأخر، وقربت الشاسع، وجعلت إجزال العطية في ~~تعجيلها، وإكرام طالبها في تسهيلها، فلا مانع إن لم يكن ذلك من سدة جد، أو ~~تقاعس جد. # فقال: يا هذا قد كررت العتب، واجتررت الملام، وما أستوجب هذا من أحد من ~~خلق الله؛ ولقد نافرت العميد بدون هذا حتى ثار من ذلك عجاج قاتم، وانتهينا ~~منه إلى قري عاتم؛ ولست ولي نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضي عليك؛ وإن بعض ~~ما قررته في أذني لمما ينقض مرة الحلم، ويبدد شمل الصبر؛ ولست ممن يطيش ~~لأدنى سانح، ويتطير لأول بارح؛ والله ما دعوتك إلي، ولا أغريتك بي، ولا ~~سألتك تقريظي، ولا أتعبتك في قصدي؛ وإن الظلم منك، وكذاك العتب منك؛ وأنا ~~على كل حال مالي؟ فلا تجمع بين الظلم والتظلم، والجناية والتجني، وخذ نفسك ~~بالنزاهة والعفاف فإنهما لا يقفانك هذا ms122 الموقف، ولا يعرضانك على هذا ~~المجلس، ورزق الله PageV01P338 ~~منتاب وغاد، واطلب الغنى منك فإنه عندك أكثر منه عند من تظلمه وهو لم ~~يظلم، وتعاقبه وهو لم يجرم. # فقال الرجل: ما كررت العتب حتى أكلت النوى المحرق في انتظار صلتك، ولا ~~اجتررت الملام حتى خانني صبري في توقع جائزتك؛ والغضني إذا مطل ظلم، ~~والواجد إذا لوى أثم، والجواد إذا منع ليم. # ولعمري ما دعوتني إليك، ولا أغريتني بك بكتاب خصصتني ورتبتني فيه، ولا ~~سألتني تقريظك، ولا أبغيتني في قصدك برسول أرسلته إلي؛ ولكن لما جلست في ~~صدر هذا الإيوان بأبهتك وعظمتك وكبريائك وجبروتك؛ وقلت: لا يخاطبني أحد إلا ~~بالرياسة، PageV01P339 ~~ولا ينازعني أحد في حقوق السياسة؛ فإني كاتب ركن الدولة، وزعيم الأولياء ~~بالحضرة، والقيم بمصالح المملكة - فقد أهبت الناس إلى بابك، وأغريتهم ~~بخدمتك، وأطعمتهم في مالك، وكأنك قد خاطبتهم بلسان الحال، وإن لم تكن ~~خاطبتهم بلسان المقال. فأنا ذلك السامع برياستك، والشاهد بفضلك، والراغب في ~~خدمتك، والراجي لخيرك؛ سمعت فأجبت، وحضرت فمدحت، ووقفت أثنيت؛ وأصغيت ~~فقبلت؛ وأديت فاستحسنت؛ ولم يبق بعد هذا كله إلا أن لا يكون عطاؤك حرمانا، ~~ولا جودك انتحالا، ولا فتوتك اقتيالا، ولا ماؤك سرابا، ولا جودك ضبابا؛ ولا ~~خدمتك مندمة، ولا الحاصل من معاملتك مظلمة. # وإن الرجل الحر متى علم أن صاحبه لئيم الطباع، خسيس الخلق، مرقع المنصب، ~~ملبوس المحتد، وأن الله تعالى لم يجعله من معادن الرزق، ولا من أبواب ~~النجاح، فإنه لا يطمع فيه، ولا يتواضع له، ولا يعده فيمن PageV01P340 ~~يعد، ولا يشغل لسانه بمدحه، ولا يعق أمله بقصده، ولا يضيع قوله في وصفه؛ ~~بل يرى أن اقتحام الجمر، وسف التراب، ونزع الروح أهون من ذاك وأعز. # ولعن الله الأدب إذا كان بائعه مذيلا له، ومشتريه مهينا لقدره، ومماكسا ~~فيه. # وتقوض المجلس، وقام الناس، ونصرف الشاعر. # فحدثني شمسويه أنه طلبه بعد ذلك ليصله، فرجع إليه أنه ذهب بين سمع الأرض ~~وبصرها. # وسألت الجرجاني عن ابن عباد وابن العميد. PageV01P341 # فقال: ما يبينان بكرم كبير، وفعال مشهور؛ ولا ms123 فائدة في نشر لؤمهما وخساسة ~~طباعهما؛ بلغ من فلسفة هذا أنه أمر بقطع لسان رجل شتم بلد قم غضبا لبله، ~~وتيها بوطنه، وشد آخر في داره إلى شجرة وما زال يضرب إلى أن مات، وطرحه في ~~جوبة حتى أكلته الكلاب؛ فقال صاحبه: انظروا إلى هذا الذي قلنا إنه أعقل ~~الناس. # حدثني بهذا الهروي. # ثم قال: وكان ابن عباد - كما قال أصحابنا - هو ابن سجب ليس عنده إلا ~~القال والقيل، والكبر والتخييل؛ يحب العامة ويرفع نفسه عنها، ويحسد الخاصة ~~ويجعل نفسه منها، ويستطيل بالعلم وهو قريب القعر فيه، ويدعي الرد على ~~الأوائل وهو لا يعرف حرفا من نمطهم، ويتحلى بالعدل والتوحيد، قولا ويتحلى ~~بالجور فعلا، ويتشبع PageV01P342 ~~بالأدب وهو سيء الأدب؛ يتهكم بلسانه مستطيلا، ويتقحم الجراثيم مستهينا، ~~لو وقع عليه الخصم لجرده للناس، وأظهره للصغار والكبار، لكنه في خفارة جده، ~~وحصن دولته؛ على أن الجهابذة قد نقدوه وبهرجوه وتركوا التعامل به، وإنما هو ~~وميض برق وهبوب ريح، وخفق راية؛ قإذا قرت الأمور قرارها، وعطفت الفروع على ~~أصولها ألفيته مطرحا مع نظائره، خامل الذكر، وضيع القدر، قصير الشبر، مهتوك ~~الستر. # قال: وجملة الأمر أن ابن العميد كان حسن الكتابة، غزير الإنشاء، جيد ~~الحفظ، ولم يكن له في كتابته حساب ولا تحصيل لوجوه الأموال، ولا معرفة ~~بالدواوين، ولكنه كان بفضل الكيس يتأتى له ويتلطف. # قال: وله شعر صالح في الغزل والمعاتبة؛ ولأنه مشهور لا طائل في روايته، ~~ومن ذلك قوله: # قلبي دام به ندوب %~% يكاد مما به يذوب PageV01P343 # قد كنت أخفي الوشاة جهدي %~% فنم مني به الوجيب # فهل سمعتم بمستهام %~% عليه من قلبه رقيب # يعمد ما ساءني ضرارا %~% ما هكذا تفعل القلوب # يقتادني للصبا غرير %~% كأنه شادن ربيب # جرى مع الدهر في عنان %~% فهو لأحكامه نسيب # فكل محبوبه بعيد %~% وكل مكروهه قريب # وكيف يرجى بقاء صب %~% ناكده الدهر والحبيب # وكان ابنه أبو الفتح أشعر منه وأحسن حظا، واستفاد بدخول بغداد شيئا فات ~~والده. # وكان لذلك يغمز على البغداديين ويتعنتهم، وكان نزر العطاء شديد المنع ms124 لا ~~يقبل صنفا من الناس، وإنما غرم شيئا يسيرا على العامري، لأن العامري خدعه ~~وطلاه وصبغه ودخل من باب غامض عليه وقال: لقد قصدتك من خراسان لأقرأ عليك ~~علم الحيل وجر الثقيل، ومراكز الأثقال، PageV01P344 ~~وهو في أواخر علم الهندسة. بهذه الدعوى وبخلابته أيضا، وبعصر عينيه عند ~~سماع كلامه، وكان يقول له: ضاع عمري ولم أوفق لرشدي في أول أمري، ولو وفقت ~~لوقعت إلى كنز علمك وروضة بيانك قبل هذه السنين. # ولما رآه أبو الفضل على هذا، قال: لست في قراءتك جر الثقيل علي بأحوج مني ~~في قراءة الإلهيات عليك، فإنك في هذا الفن بحر لا يتغلغل إلى قعره، وجبل لا ~~يتوقل إلى مصاده. # وكان هذا تساخرا منهما، وتكاذبا بينهما، لأنهما كانا لا يعرفان من هذين ~~العلمين لا قليلا ولا كثيرا. # وما ينقضي عجبي من تكاذب العقلاء، ومن تجاذب الجهال. # وخب هذا الإنسان خب فائت، والإحاطة به ممتنعة. # وأما الهروي فإنه ارتبطه بأمر ركن الدولة، وكان يمده من PageV01P345 ~~ناله، لأنه حمد في طبه الذي كان يتكثر به بعد هندسته التي كان فيها أبرع، ~~وبها أعرف. # وأما مسكويه فإنه اتخذه خازنا لكتبه، وأراد أيضا أن يقدح ابنه به، ولم ~~يكن من الصنائع المقصودة والمهمات اللازمة؛ وكان أيضا ما يقيم عليه شيئا ~~نزرا لا يقنع به إلا من لا نفس له ولا همة، وكان يحتمل ذلك لبعض العزازة ~~بظله والتظاهر بجاهه. # وأما ما تكلفه لأبي جعفر الخازن فإنه كان لأسباب طويلة؛ منها أن ركن ~~الدولة أعظمه، فلزمه أن يقتدي به. # ومنها أنه طمع في اقتباس علمه. # ومنها أن العيون كانت تنظر إليه في أمره، والناس يحسبون ما يأتيه في ~~بابه، لأنه وقع إلى الري مع صاحبه الصاغاني أبي علي حين طلب الأمان، ~~والحديث معروف. PageV01P346 # فأما ابن فارس فإنه استخدمه ليعلم ولده. # وأما ابن أبي الثياب البغدادي فإنه قربه ليسترق منه المنطق، فلما علم ~~بذلك أبو محمد نفس بما معه، وتكاسل؛ وقيل له: كيف تعاصيت؟ فقال: كان سيء ~~الانبعاث في هذه الفنون، وكان شديد ms125 التشبع بها، يحب أن يختلس الحكمة، ~~ويمتهن أربابها بفضل المقدرة. # وأنشدني في هذه القصة: # إلى الله أشكو ريب دهر كأنما %~% يرى كل ما يجري بمكروهنا فرضا # يؤمل مني أن أذل لموسر %~% لئيم ونفس الحر بالذل لا ترضى # قلت: لمن الشعر؟ قال: أنشدني ابن أبي البغل لنفسه. # وأراغه أبو الفضل على المنادمة فأنف، وما زال يترصد وقتا ينفلت فيه حتى ~~كان من أمر ابن العميد ما كان من خروجه إلى أرجان، فطوى PageV01P347 ~~فجاج الأرض، وجاب البلاد إلى بخارى، وولي بها البريد إلى أن قضى. # وأما أبو طاهر الوراق فإنه رتبه في النسخ، وكان قوي الخط كثير الصبر على ~~النقل، ولم يكن من الصنائع ولا من حملة النعمة، ولا ممن يطالب بالحمد ويبعث ~~على الشكر. # وأما ابن بندار فإنه كان فدما غليظا، غليظ الكلام جافيا جاسيا مقيتا، ~~وكان وزر بأذربيجان لجستان، فأحب أن يري من نفسه أنه على مائدته من وزر. # فأين الصنائع والمداح؟ وأين المنتجعون والزائرون؟ وأين من مر به محتاجا ~~إلى زاد ونفقة فطلبه وقربه، وأعطاه ووصله، وأضافه وأكرمه، وتصفح ما معه ~~واقتبس ما معه واقتبس مما عنده؟ سقى الله ابن عباد! فإنه وقف نفسه على ~~الغرباء وطلبهم بأكثر مما تعرضوا له، وسأل عنهم PageV01P348 ~~بأكبر مما رجوه فيه؛ ولولا أنه كان يفسد هذه الأفعال بالرقاعة والتخيل ~~والعجب والتطاول، وذكر الطعام والمائدة، وما يعطي ويهب، لكان قليله أكثر من ~~قليل ذاك، وصغيره أكبر من كبيره؛ ولكن لكل حسن مقبح، ولكل عزيز مذلل، ولكل ~~جديد مبل. # وحدثني ابن عبد الرحيم القاضي قال: قال يوما لصاحب طعامه حدثني عن هذا ~~الخبز المكسر على الطبق، والملوث، وما تتجافى عنه الأيدي، وما يصيبه اللحم ~~والمرق والثريد - ما تصنعون به؟ وابتدأ هذا القول وهو في جوف خركاه، وظن أن ~~لا أذن هناك. # فقال له الرجل في جوابه، بعد أن تكرر قوله، وقد حال عن مزاجه لغيظه في ~~سؤاله: ندسه في حر امرأة من يسأل عنه. # قال: وهذا بالفارسية قاله، وهذا تفسيره. # قال: فانكسر وانخزل، وعلم أنه ms126 قد باء بالخزي، وعاص على سواده، PageV01P349 ~~وأن الخطأ منه في أفحش من الخطأ عليه في الجواب. # فقال له: أنت مجنون، اخرج لا بارك الله فيك. # وهذا كما تسمع. والموت بهذا الرئيس على الخشبة صلبا أحسن من هذا الحديث؛ ~~وكان الرجل من فرط كيسه لا يقع إلا مكبوبا، ولا يذكر إلا مسبوبا. # ولقد بلغ من لؤمه وشؤمه أنه قتل من أكل عنده؛ وذلك أن أبا المحاوش ورد ~~إلى الري، وكان بدويا، أو من هذه المزالف متباديا، وشهر بشدة الضرس وكثرة ~~الأكل، وتكرر حديثه عنده، وما وصف به من طيب كلامه، وحسن وصفه للقدر ~~والطبيخ والألوان، فدعا به، وتقدم بإحضار شيء كثير من الخبز والحلوى، ~~فاكتسحه كله، وطلب الزيادة، وكشر أبو الفضل في وجهه، وأظهر استملاحه على ~~تقفؤ فؤاده ونار صدره؛ ثم وهب له دريهمات وخريقات وشملة؛ وقال: اكثر عندنا ~~واقترح ما في نفسك على صاحبنا المطبخي. فكان المسكين يحضر في الفرط، فيطلب ~~شيئا ويأكل وينصرف. PageV01P350 # فطال ذلك على أبي الفضل، واغتاظ منه، وغلب طباعه، فقال لصاحب مطبخه، اجمع ~~هذا الذي يقال له لالكات التي قد أخلقت وتقطعت، وقطعها صغارا كالبنادق، ~~وقدمها إليه في عجة وافرة، بيض كثير، وسمن وافر، حتى ننظر إلى أكله، وهل ~~يفطن؟ وإنما كان كيدا، ففعل وأحضر؛ وأقبل أبو المحاوش عليها وتذرع في ~~أكلها، وأعظم اللقمة، ودارك الرفع والوضع، ووجدها وطية ناعمة، فلما أقلع ~~عنها وانصرف، وشرب الماء وجاء وقت الثلط، انقد بطنه فخرج فيه نفسه. # فهذا لما تكرم بالإطعام، وحث على الأكل، ورغب في الرغيب. وهذا الفعل يجمع ~~إلى النذالة قلة الدين، وإلى اللؤم سخف العقل. فالويل ثم الويل له. # وكان إذا رأى ابن بندار يقول: جاءكم أسد الغريف على الرغيف. PageV01P351 # والري جادة الدنيا، ومنهج المشرق والمغرب والجوالين في الآفاق، فكان يكثر ~~أهل الانتجاعمن كل صقع، فلم يكن لأحد منهم عنده مقيل ساعة ولا مبيت ليلة، ~~ولا زاد مرحلة ولا هشاشة ولا بشاشة. # وقد اجتاز به أبو إسحاق الفارسي، وكان من غلمان أبي سعيد السيرافي، وكان ~~قيما ms127 بالكتاب، وقرض الشعر، وصنف وأملى وشرح، وتكلم في العروض والقوافي ~~والمعمى، وناقض المتنبي، وحفظ الطم والرم فما زوده درهما، ولا افتقده برغيف ~~بعد أن أذن له حتى حضره وسمع كلامه وعرف فضله، واستبان سعته. # قال الخليلي: وكيف يرجى خيره، أو يؤمل رشده، أو يساق طمع إليه، أو يوفد ~~ثناء عليه، أو يشام له برق، أو يقطع دونه PageV01P352 ~~خرق، وقد عق أباه، وسعى في أول أيامه، حتى تبرأ منه ذلك الشيخ وهرب إلى ~~خراسان، واستكتب هناك، ولقب بالعميد. # وكتب إلى القاضي أصبهان كتابا برئ منه فيه. # وأما أروي قصته في هذا المكان ليكون أذهب في العجب. # وكان عقوقه في وجه عجيب؛ جاء إلى ذخيرات في مواضع ووضع يده عليها، وعرف ~~صاحبه مكانها، وخط خطوه عليها، وزوى ذلك كله عن شيخه وعن جميع كم كان له ~~فيه نصيب، إما بحق الإرث أو بحق الهبة، حتى قامت قيامة ذلك الشيخ، فدعا ~~عليه، وفضحه عند الناس، وبرئ منه، وقدح في ولادته. # والرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم القاضي، أطال الله بقاه، وأدام نعماه، ~~أجل محل من مواهب الله فيه وعوائده عنده، في الدين والدنيا والعصمة والخير ~~والفضيلة، PageV01P353 ~~وحسن التأتي في كل فضيلة، وجميل اللفظ في جميع الحكومة؛ ولي في الشكوى ~~إليه ومباثته، وذم الزمان عنده والاستعداء عليه لديه، استراحة وتخفيف ~~للثقل، وتفرج من حرج الصدر؛ وأنا المتمسك به تمسكي - كان - بالوالد والعم، ~~واثق بأن نصيبي من شفقته تام، ومن مشاركته وافر، والله لا يعد منيه، ~~ويحفظني بمواصلة النعم عنده إليه بقدرته. # والكلوم - أعز الله القاضي - ضروب، والندوب فنون؛ وأعسرها برءا وأصعبها ~~داء، وأعزها دواء، ما جرحته يد القريب، وجلبته أفعال الأهل؛ فإن ذلك يصل ~~إلى حبة القلب، وصميم الفؤاد، ويصير قذى في إنسان العين، وشجى معترضا في ~~الحلق، ويتراكم على الأيام، ويتثكاثف على الدهر، فيكون نكء القرح بالقرح ~~أوجع، ومتى تنفس الممنو، وشكا المملو غيظا وحنقا اجتمع إليه من PageV01P354 ~~عشيرته وأسرته شيخ ضعيف، أو طفل صغير، أو امرأة باكية، أو عورة بادية، أو ~~ذو قرابة؛ ms128 فاستغفر هذا واستفصح، وسأل وتشفع. ثم رويت أخبار في قطيعة الرحم، ~~وعدت آثار في صلة القربى، فضاق النفس، واشتد الحنق، وتجرع هذا المظلوم ~~الغيظ وصبر، وأنف واحتمل، واحتسب وعفا وغفر، والشر عتيد، والبلاء يزيد، ~~والطبع أغلب، والعادة لا تنزع، والجاهل يقلع. # فهل دواء هذا، إذا اتصل وطال، وامتد وتتابع، وزاد وتضاعف، إلا الصريمة ~~والإعراض، والقطيعة والانقباض؟ فدواء ما لا تشتهيه النفس تعجيل الفراق. # وأنا - جعلني الله فداء القاضي - ذلك الملآن المغتاظ الذي قد عيل صبره ~~وضاع حلمه، وضاقت نفسه، وقرح قلبه، ونضجت كبده، وقلت حيلته، وعظمت بليته. # وهذا الجاهل ابني، وما هو بابني، من انتهى بي إلى هذه الشكوى، وقصدني ~~بهذه البلوى، وعقني وخالفني، وبغى علي وباغضني؛ وارتكب معي ما لا يحل، بعد ~~أن ربيته صغيرا، وأعززته كبيرا، وأوليته جميلا، وأمليته جسيما، وصنته ~~شديدا، وحطته دهرا PageV01P355 ~~طويلا؛ وخضت دونه الأهوال، وقاسيت في حمايته الأغوال؛ أجمه وأتعب، وأقلده ~~وأتعطل، وأعزه وأذل، وأغترب ليقيم، وأنعمه وأشقى، وأتحمل عنه ليرضى؛ فما ~~يعرف لي حقا ولا يتأتى، ولا يرعى ذماما ولا يهدي، ويتهنأ متعرضا مستخفا بي، ~~ولو أمنت ملال القاضي - أدام الله أيامه - لعددت مقابحه، وذكرت مساويه، ~~ووصفت ما يرتكبه من عظائم، هي به متصلة وإلي منسوبة، أن أفزع من يسيرها، ~~وأجزع من قليلها، ولا أحب أن أراها وأعاينها في جار أو قريب. # وقد زجرت ووعظت، وقلت وراسلت، وكاتبت وشافهت، وعاتبت وخاطبت، وشددت ~~وهولت، ورغبت وأوجعت؛ وضربت الأمثال، وذكرت السير، وخوفت وحذرت، فما ~~انتفعت؛ وجرائمه تكثر، وجرائره تغلظ؛ ولا فضل في، ولا احتمال معي، ولا بقية ~~للإغضاء عندي. PageV01P356 # وغرضي في هذه المخاطبة، ومغزاي من هذه الشكوى والمباثة، أن يشهد القاضي ~~أني بريء منه، قاطع له، عادل عنه، غير راض بقوله ولا فعله، نازع ما ألبسته ~~من بنوة، مطرح له دينا ودنيا؛ ليس مني ولا إلي، قد تبرأت منه وصرمته، ~~ووكلته إلى اختياره، ورفعت عنه يدي، وأسلمته إلى الله ليأخذه بحقي، ويقبل ~~به دعائي، ولا يحفظ عليه ما لم يحفظه علي. # اللهم اسمع واشهد، وكن ms129 حسيب الظالم، واحكم بيني وبينه، يا خير حاكم. وهذه ~~شهادة لي عند القاضي يحفظها كما يحفظ إليه من حقوق عمله، فإني مطالبه بها ~~(يوم يقوم الأشهاد) وكفى بالله العلي شهيدا. # وهذه - أبقاك الله - رسالة تدل على قرحة دامية، وعين باكية هامية، ونفس ~~قد ولهت عما حل بها؛ وإن غلاما يحوج أباه إلى مثل هذه البراءة والشكوى منه ~~والتألم، لغلام سوء، والله أكرم من أن يحبره في الدنيا، وأن يسعده في ~~الآخرة. PageV01P357 # وكل هذا دليل على أنه عار من الديانة، سليب المروة، وقد رضي بظاهر حاله ~~وإن لم تدم له، ولها عن عاقبة أمره وإن لم ينج منها. # وحدثني أبو العادي الصوفي قال: كنت عند العميد ببخارا، وقد جرى ذكر ابنه ~~أبي الفضل فقال: كنت أشك في ولادته قبل هذا. والآن فقد تحقق عندي ما كان ~~يريبني منه؛ فإن الإناء رشاح بما فيه. # ثم أفادنا حمزة المصنف جواب القاضي للعميد، وذلك أنه كتب: بسم الله ~~الرحمن الرحيم وصل كتاب العميد، أعز الله جلالته، ووفر عليه كرامته، وأدام ~~له نعمته وحياطته؛ وأنس وصوله، وأوحش محصوله؛ ويعز علي أن أقرأ كتابه بعد ~~عهد دارس ودهر متقادم - منبئا عن قرائح صدره، وجرائح فؤاده؛ وقد - والله - ~~زاد عجبي من هذا الحديث كله، وشركته في جميعه، وسألت الله اللطيف فيئة هذا PageV01P358 ~~الغلام إلى حظه، ونظرا إلى قلب قد أضرم فيه نار العقوق، وأفرج لوازم ~~الحقوق؛ فإنه إذا وفق لذاك كان فيه صلاح معاشه الذي هو عاجلته، وسلامة ~~معاده الذي هو آجلته؛ هذا مع الذكر الجميل الذي ينتشر له، وبركة دعاء شيخه ~~إذا عادت عليه. # وقد كتبت إلى الفتى - أكرمه الله - بما إن هدي لرشده ووفق لحظه غبط ~~واغتبط، وإن كثر منه اللجاج والمحك خبط واختبط؛ والله يفتح بصره، ويأخذ ~~بيده فيعلم ما في البراءة من البنوة والتعري من الأبوة من الهجنة الشنيعة ~~والفضيحة الفظيعة. # ولم أقنع بالكتاب، وبما تصرفت فيه من لواذع العتاب، حتى كتبت إلى أبي ~~الحريش، وسألته إحضاره ومناظرته، واستخراج ما عنده مع التهجين ms130 الشديد، وشوب ~~ذلك بالوعد والوعيد، وغالب ظني أن تلك القسوة تحول رقة، وتلك الفظاظة تعود ~~لينا؛ ولو كنت في مقره، أو كان في صقعي لكان لي في هذه القصة جد وانكماش ~~يحمدني عليهما العميد، ولكني منه بعيد؛ وإن - وعائذ بالله - PageV01P359 ~~تقاعس وعظي عنه، ونبا نصحي دونه، بعد التلطف والاجتهاد، فالأسى والأسف ~~أعز من أن يرسلا وراءه، أو يقاما إزاءه؛ والولد قد يموت بارا ويفوت عاقا، ~~فليطب قلب العميد عنه فائتا، كما تسلو النفس عن العزيز مائتا، ولعل العتب ~~يسفر عنه بما يسر منه؛ فللزمان في تقلبه غرائب، وللدهر في تصرفه عجائب. # وأنا أسأل الله أن لا يخليني من العميد عمدة، ولا يريني فيه ومنه سوءا ~~وغمة؛ ورأيه في مواصلتي بكتبه المتحملة بره وتفضله بمباثتي وتصريفي على ~~تكاليفه - متوقع مشكور، وأنا عليه حامد شكور. # ثم قال الخليلي: وجده - مع هذا - ساقط يلقب بكله، وهو كناية عن شيء قبيح ~~على زعمه، كان نخالا في سوق الحناطين، أو حمالا أو منقيا، وكان يحرس السوق ~~أيضا بالليل، والعرق لا ينام ولا بد من أمارة في الفرع، كما لا بد في الفرع ~~من إشارة إلى PageV01P360 ~~الأصل، والأصل والفرع متشابهان، إلا أن هذا الخافي ينطق عند ذلك البادي، ~~وذلك البادي يشهد له هذا الخافي؛ ولهذا قالت العرب: لكل إناء رشح، ولكل ~~سقاء نضح، ولكل شجرة سوس، ولكل دوحة عيص. # وكنت إذا نظرت إلى أبي الفضل تجده غضبان من غير مغضب، شنج الأنف متخازر ~~الطرف، كالح الوجه، " كأنما وجهه بالخل منضوح " # كأنه يعافك أن تنظر إليه، أو يتقزز منك إذا كلمك؛ يتجعد عليك قبل أن ~~تلاطفه، ويردك قبل أن تسأله، ويؤنسك قبل أن ترجوه، ويحرمك قبل أن تمتري ~~معروفه، ويسفك دمك إن أكلت PageV01P361 ~~خبزه؛ والويل لمن أعرب عنده، واستمر في كلامه معه، أو تخير لفظة له، أو ~~نشر أدبه. # وكان يقول لمن يراه بارع اللفظ، خفيف الروح، لذيذ الحديث، خفيف اللسان؛ ~~يا قس بن ساعدة! هات حديثك، يا سحبان وائل مر في هزارك، يا سعيد بن حميد! ms131 ~~لا تحفل بنظارتك. # كل هذا بهزء وسخرية وتهافت وكشر عن ناب أقلح، ومضغ للكلام، ولي الشفقة ~~والشدق كأنه ثلج جامد، أو شيء تارز. # ولهذا قال ابن أبي الثياب: # أبا الفضل لا في الجن أنت ولا الإنس %~% وطبعك طبع الموت يورد في اليبس # فهذا هذا. # وحضرت مجلسه ذات عشية في شهر رمضان مع الفقهاء والزعيم PageV01P362 ~~ابن شاذان، وهو على القضاء؛ فلما كادت الشمس تجب وهي حية بعد، وقف حاجب ~~له حيال الجماعة، وأشار بالقيام والانصراف، فقطعوا متن مسألة كانوا فيها ~~وتركوها بتراء، وتبادروا إلى الخروج من الباب؛ وقعد عنهم شيخ طبري في كساء ~~عليه خلق. # فقال له الحاجب: قم يا شيخ والحق بأصحابك، ما تأخرك عنهم، ولماذا أنت ~~لازم مكانك من بعدهم؟ فقال الطبري: هذا فضل من الكلام، أنا رجل غريب قدمت ~~اليوم من بلدي، ومحلي من العلم قد بان في هذا المشهد العظيم الشرف، الكبير ~~الفائدة، وهذا هو المساء، وأنا صائم، وإن خرجت أعجز عن مصلحتي في هذه ~~العشية، والغريب أعمى، ولست أعدم ها هنا، إن شاء الله، ما يمسكني إلى غد، ~~ثم أغدو إلى شأني وما لا بد منه لغريب مثلي في بلد الغربة. # فقال له الحاجب: أنت طبري وليس في قلنسوتك حشو ولا قطن، والكلام معك ~~يصدع، وأقبل بغضب، وجذب يده بعنف حتى PageV01P363 ~~أخرجه من المجلس بعد أن شتمه وخبث القول له، ووكل به من ألقاه وراء الباب ~~مدفوعا في ظهره، مدقوقا في قفاه، مشتوما في وجهه. # وكل هذا بعين الرئيس الخسيس وسمعه، لأنه كان بهيئته في صدر مجلسه على ~~حشية قد استلقى، وهو يسمع ويرى، فما قال في ذلك كلمة سوداء ولا بيضاء. # فلو شاهدت البائس الطبري على الباب، وقد احتوشه المارة يقولون له: يا ~~شيخ! ما جنايتك وما الذي دهاك؟ قال: يا قوم! ذنبي أنني طمعت في عشائهم، ~~ورغبت في المبيت عندهم، وأن أكون ضيفا نازلا بهم. # فقال له رجل منهم: أنت مجنون، لقد تخلصت بدعاء والدتك الصالحة، وسلمت ~~سلامة عجيبة، أتطمع في طعام الأستاذ الرئيس، ms132 وإبليس لا يحدث نفسه بهذا، ~~والشياطين لا يقدرون على ذلك؟ PageV01P364 ~~ولقد أراد أن يطير ابنه من رأس الجوسق لأنه طلب زيادة رغيف في وظيفته. # وصب على هامة أبي الفضل في تلك العشية من نوادر العامة، وسخافات الحشوية ~~من ضروب الكذب والصدق ما لا يحصل؛ وللرازيين جرأة على الكلام، وتخرق في ~~النوادر؛ ومن ذا الذي رد أفواه الغوغاء والأوباش؟ ولو افتدى من هذا كله ~~برغيفين وقدرة لحم لكان الربح معه، ولكن " الشقي بكل حبل يخنق ". # قال الخليلي مرة: لا تنظر إلى نقاء الثوب، وحمرة الوجه، وفراهة المركب، ~~وإلى الضفف والحشد، والخيل المسومة العتاق، ولكن انظر إلى عرض الرجل كيف ~~هو؟ وإلى الشكر له كيف هو؟ وإلى درهمه من أين وجهه وإلى أبن توجهه؟ واجهد ~~أن تسل من تحت مصلى PageV01P365 ~~الرئيس أو مخدته أو دواته تذكرته، وانظر فيها، فإن كان قد كتب بخطه: ~~يتفقد فلان بكذا، أو يسأل عن فلان لينظر في مصلحته، ويحمل إلى فلان شيء من ~~الحنطة وشيء من الذهب والفضة، ويوفد فلان على فلان ليصيب خيرا، ويولى ~~جميلا، ويقلد فلان لينجبر قليلا، ويعفى عن فلان وإن كان عظيم الجرم، ~~ويستصلح أمر فلان وإن كان قد سد طريق ذلك، ويكلم الأمير في باب فلان حتى ~~بجدد الرضا عنه. # فإن كانت التذكرة مشتملة على هذه وأشباهها، فاعلم أن الله قد استخلف ~~صاحبها على عباده، وجعله منارا للمحتاجين في بلاده؛ وإن كان على غير هذا، ~~فاغسل يدك منه بالأشنان البارقي، ولا تحجه بأملك، ولا تقدسه بثنائك، ولا ~~تعص ربك بحسن ظنك فيه، وعده في الموتى. وما أجود ما قال القائل: # من ضن بمعروف %~% عددناه من الموتى # فكانت راحة منه %~% ومن سوف ومن حتى # فهل يكون - أبقاك الله - فعل ابن العميد بالشيخ الطبري إلا فعل من خذله ~~الله وأسلمه من يديه، ولم يؤهله لخير يجزى به ويكون هو سببا لتمامه؛ وهل هو ~~إلا فعل ن في أصله خبث، وفي منشئه دخل، PageV01P366 ~~وفي طباعه خسة ولؤم، مع قحة الوجه، ونذالة النفس، وقلة الاكتراث، ~~والطغيان ms133 الذي هو باب الكفر الذي هو خسران العاجلة والآجلة. # وقد كان يمكن أن يدبر ذلك الشيخ البائس بأقرب شيء وأسهله، ولعله كان عند ~~الله أبر منه وأزكى؛ وكان يتقي أن يثنى عنه مثل هذا الحديث الذي مسموعه ~~يغيظ، فكيف مشهوده؟ وإن طينة تكون مبلولة بهذا الماء، موضوعة في هذا ~~الهواء، مذكورة بهذه الأفعال والأسماء، أعتقد أن للكلب والقرد والخنزير ~~مزية عليها. # هذا، وهو صاحب المال المجموع، والذخر الكثير، والضياع الفاشية، والصامت ~~الواسع؛ مع الاقتطاع والاحتجان، والسرقة والبهت؛ كان ورقه في ألف ألف درهم ~~يردها في الخراج، وكان ارتقاعه يزل عن الحساب ويفوت التحصيل. وفيه قال ابن ~~عبدان الإصفهاني: PageV01P367 # الاستاذون في الدنيا كثير %~% وما فيهم سوى نذل خسيس # وكلهم أرواهم عن قريب %~% فدا الأستاذ سيدنا الرئيس # وسيدنا الرئيس فداء كلب %~% فما هو بالرئيس ولا النفيس # والعجب من بخل هذا الرجل ونذالته، مع تفلسفه، وتكثره بذكر أفلاطون وسقراط ~~وأرسطوطاليس ومحبته لهم، مع علمه بأن القوم قد تكلموا في الأخلاق وحددوها ~~وأوضحوا خفاياها، وميزوا رذائلها، وبينوا فضلها، وحثوا على التخلق بها، ~~وساقوا ذلك كله على الزهد في الدنيا، والقناعة باليسير من حطامها، وبذل ~~الفضول منها للمحتاجين إليها والمنتجعين بسببها، والاقتصار على ما تماسك به ~~الرمق من جميع زخارفها، وتحصيل السعادة العظمى برفض الشهوات القليلة ~~والكثيرة فيها، والإحسان إلى الناس وغير الناس بغير امتنان ولا اعتداد، ولا ~~طلب جزاء ولا استحماد؛ كأنه لم يسمع بما قال عبد الملك بن مروان، أو سمع، ~~ولكن حمق عبد الملك عليه، ولم يعلم أن الصواب فيما قال، والحزم مع ما ~~اختار. PageV01P368 # حكى العتبي قال: قال عبد الملك لأمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد: ما لك ~~ولابن حرثان حيث يقول فيك: # إذا هتف العصفور طار فؤاده %~% وليث حديد الناب عند الثرائد # قال: يا أمير المؤمنين، وجب عليه حد فأقمته. # قال: فهلا درأته بالشبهات؟ قال: كان الحد أبين، وكان زعمه أهون. # قال عبد الملك: يا بني أمية! أحسابكم أنسابكم، لا تعرضوها للجهال؛ فإن ~~كلامهم باق ما بقي الدهر. ms134 والله ما يسرني أني هجيت بمثل هذا البيت وأن لي ~~ما طلعت عليه الشمس: PageV01P369 # تبيتون في المشتى ملاء بطونكم %~% وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا # ثم قال: وما على من مدح بهذين البيتين أن لا يمدح بغيرهما، وهما لزهير: # هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا %~% زإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا # *** # على مكثريهم حق من يعتريهم %~% وعند المقلين السماحة والبذل # قال الأندلسي: استفدنا من رواية هذا الشيخ أن هذا الخليفة روى: PageV01P370 # " يستخبلوا المال يخبلوا " فإنه كان عندنا: " يستخولوا المال يخولوا " ~~ولكل وجه، ولكن الأنس بهذه الرواية أكثر. # وصدق عبد الملك في مناقلته لحرثان، ودل على الكرم المنافس عليه، ونهى ~~متابعة الهوى وقلة المبالاة، وسوء النظر في العاقبة؛ وإن بعض الفتيان ~~البطالة إذا قال: " والله لأتعرضن لجناية أضرب عليها ألف سوط فيصح عند ~~الفتيان صبري " لأعذر عند الناس ممن يتعرض لحرمان مختبط لمعروف، ومنع ~~لمنتجع خير، وإساءة قرى طارق، وتكليح وجه في وجه سائل. # وما أسهل قول الإنسان: دع الشاعر فليقل ما شاء، ودع الزائر فليفر فريه ~~كيف أحب! ولكنه إذا زل القول، وطار الحديث، وتمت النادرة، فأين المتدارك؟ ~~وأين المعتذر؟ وأين المتلافي؟ هيهات! PageV01P371 ~~والعرب تسمي رجلين مخلدا؛ أحدهما؛ من يتأخر شيبه، فتقول: هذا مخلد، ~~والآخر هو الذي يمدح بعد موته. # ومن لم يرغب في الثناء فقد رغب عن ملة إبراهيم خليل الرحمن، لأن الله ~~تعالى أخبر أنه سأله ذلك، وما سأله إلا بعد أن أذن له، وما أذن له إلا بعد ~~أن علم أنه الخلق الأسنى والاختيار الأعلى، والطريقة المثلى، فقال: (واجعل ~~لي لسان صدق في الآخرين) وقال: (وتركنا عليه في الآخرين) . # ثم وضع الله من أقدار قوم وأبقى ذمهم في الغابرين فقال: (فجعلناهم أحاديث ~~ومزقناهم كل ممزق) ، فرأى ذلك نهاية في تهجينهم والغض من أخطارهم، وأن ~~يتحدث عنهم بما يبعث على الاعتبار بمن أساء لنفسه النظر والاختيار، قال ~~الشاعر: PageV01P372 # ثمن المعروف شكر %~% ويد الإحسان ذخر # وثناء الحي للأم %~% وات في الأحياء عمر # وقال أبو هفان في ابن عباد: # لله درك قد أكملت ms135 أربعة %~% ما هن في أحد من سائر البشر # العرض ممتهن والنفس ساقطة %~% والوجه من سفن والعين من حجر # أنشد بعضهم في ابن عباد، وذم سجعه وعقله وخطه وقال: # متقلب كافي الكفاة وإنما %~% هو في الحقيقة كافر الكفار # السجع سجع مهوس والخط خط-%~%-ط منقرس والعقل عقل حمار # وقلت للنتيف المتكلم: أرى ابن عباد كثير الخلوة بهؤلاء PageV01P373 ~~العفاريت الذين تجاوزوا حد الغلومية، أترى ذلك لفحشاء وتهمة؟ فقال: أما ~~سمعت قول الشاعر: # كم حربة في القوم صارت جعبة %~% فاستر عليه فالحديث يطول # وإذا الفتى حامى على ذي لحية %~% حبا له فوراءه عاقول # وكان قليل التحاشي من القاذورات، وهو الذي ألصق به الريبة، وسوغ فيه ~~الغيبة، وصار الإنسان إذا ذكر مساويه لا يخاف مأثما، ولا يرتقب لا ئما. على ~~أن مساويه تفوت الحصر، وتند عن التحصيل. # قال ابن عباد لندمائه: ما أول قول الشاعر: # وأن غدا للناظرين قريب # فقال الخوارزمي: أوله: # ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب # وقال ابن الأعرابي: تمامها لنصيح بن منظور الفقعسي، وهو: # إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل %~% خلوت ولكن قل علي رقيب # فلا تحسبن الله يغفل ساعة %~% ولا أن ما يخفى عليه يغيب PageV01P374 # فأحسن وأجمل ما استطعت فإنما %~% بقرضك تجزي والقروض ضروب # فلا تك مغرورا تعلل بالمنى %~% وقل إنما أدعى غدا فأجيب # ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب %~% وأن غدا للناظرين قريب # وأن المنايا تحت كل ثنية %~% لهن سهام ما تزال تصيب # ذهبن بإخوان الصفاء فأصبحت %~% لهن علينا نوبة ستنوب # فأقبل عليه بوجه كالح أربد، وقال: أعرفك نذلا جاهلا، مأبونا باطلا، إنما ~~ترينا من نفسك أنك تحفظ وتحسن؛ التراب في فيك يا كلب، ومتى نبت، ومن أبوك، ~~وعمن أخذت، وإلى من اختلفت؟ بلى، اختلفت عليك الأمور، وأنفقت في دبرك أيور، ~~أنت بمخازيها مشهور، وقوادك بعد ما مات، وجذرك بعد ما نسي؛ مثلك يجترئ في ~~مجلسنا؟ ويقابل بوجهه وجهنا؟ والله لولا رعايتنا التي جرت بها عادتنا ~~لعرفتنا وعرفت نفسك بنا. وعلى هذا وما كاد يسكت. # فكان جنونه غريبا ms136 في أنواع الجنون، لأن الجنون إذا زاحمه العقل، PageV01P375 ~~والعقل إذا طلاه الحمق لم يكمل الإنسان؛ وأنت إذا قست هذا إلى العاقل، ~~وإلى الأحمق، وإلى العاقل الذي يعتريه الحمق، وإلى الأحمق الذي يعتريه ~~العقل. # فهذا كما ترى. # ومن تحلى بالسيادة، وسام الناس الانقياد له بالطاعة، يحتاج إلى خصال ~~كثيرة يكون مطبوعا عليها سوى خصال أخر يكون مشغوفا بها وباكتسابها من ~~أصحابها، وبالمجالسة والسماع والقراءة والتقبل. وما أحسن ما قال عدي بن ~~حاتم في صفة السيد حين سئل من السيد؟ # فقال: السيد هو الأخرق في ماله، الذليل في عزه، المطرح لحقده، المعني ~~بأمر جماعته. # وكان ذو الكفايتين يقول: خرج ابن عباد من عندنا، يعني الري متوجها إلى ~~أصفهان، ومنزله ورامين، فجاوزها إلى قرية غامرة على PageV01P376 ~~ماء ملح، لا لشيء إلا ليكتب إلينا: كتابي من النوبهار، يوم السبت نصف ~~النهار. # يا قوم! هل هذا إلا رقاعة؟ واعلم - حاطك الله - أن الكمال عزيز، فإن ما ~~ربحه أبو الفضل بالعقل خسره بالبخل، وكل ما زاد ابن عباد بالسخاء نقص ~~بالحمق، على أن العقل لا يكون تاما وهناك خساسة، والسخاء لا يكون محمودا ~~وهناك حماقة، والبخل في الجملة غالب على المتفلسفين، كما أن الحماقة غالبة ~~في الجملة على المنشئين. # وسمعت علي ابن المنجم يقول: وكان محذقا حلو الحديث، وقد سئل: لم غلب ~~البخل على كل متفلسف؟ فقال: وجدنا الغالب على الناظرين في حقائق الأمور، ~~والباحثين عن أسرار الدهور، وهم الموسومون بطلب الحكمة التي هي الفلسفة، ~~التمسك PageV01P377 ~~بكل عرض يملكونه، حتى إنهم لا يفرجون عن شيء إلا بمشقة شديدة، ولا يجدون ~~ألم الشح والبخل، ولا يأنفون من عارهما؛ وطلبنا العلة في ذلك مع ما يقتضيه ~~مذهبهم من الزهد والبذل والإيثار والتكرم، فوجدناها في آثار النجوم والنظر ~~في دلالتها؛ وذلك أن الذي يدل على علم الحقائق والغوص فيها، واستيفاء الفكر ~~فيها زحل مع عطارد بالاشتراك. وزحل يوجب مع شهادته الأولى الحصر والحسد ~~والضيق والبخل؛ لأن البخل يكون من جهة الخوف من الفقر، وزحل يوجب عجز ~~النفس، وخضوعا عند ms137 الحاجات، وإشفاقا على الفائت لعسر آثار زحل وكثرة تغير ~~أحوال عطارد. # قال: وهذه الدلالة موافقة لما في الطبيعيات، وذلك أن البرد واليبس، من ~~آثار زحل، يوجبان عوارض السوداء؛ وأخلاق النفس تابعة بالنظر الأول لمزاج ~~البدن، فلذلك يستحيل إليه، وكذلك حال عطارد في خصوصيته باليبس، ولأن ~~الحرارة معدومة في زحل وعطارد، والسخاء من جنس الشجاعة المشاكلة لقوة ~~الحرارة، والبخل من جنس الجبن المشاكل لقوة اليبس الذي يوجب العجز وضيق ~~الصدر والخوف في الحاجات. PageV01P378 # قال: ولأن الزهرة لها في الأمور الإلهية والدلالة على الوحي وطهارة ~~الأخلاق مع ما توجبه من الشهود والنعمة والبذل والقوة الانفعالية بسبب ~~الرطوبة الغالبة عليها؛ فهي إذا أعطت أعطت الحقائق بغير تكلف، بل على سبيل ~~الوحي، وتميل النفس إلى طهارة الأخلاق والتهاون بالمال للمباينة الواقعة ~~بين الأمور الإلهية والأمور الطبيعية التي بها يطلب المال ويتمسك به، فالذي ~~يشرك في تديره بين العلوم والخلق الزهرة، ويكون صاحبها مصادقا للحقائق عفوا ~~مبغضا للمال طبعا. # والذي يغلب على تدبيره في العلم والخلق زحل، وعطارد يتكلف العلم ويحب ~~المال، ويكون مغلوبا بالبخل. # وكان جريج المقل إذا جرى حديث أبي الفضل قال: # صبور على سوء الثناء وقاح %~% # وأنشد فيه: # ولا يستوي عند كشف الأمو %~% ر باذل معروفه والبخيل PageV01P379 # ولا تعجب من إطلاق مثل هذا في ذوي الرياسة، فإنه مسبوق إليه في القديم ~~والحديث؛ هذا محمد بن الجراح عم علي بن عيسى الوزير ساق في كتابه في " ~~أخبار الوزراء " فقال: كان آل برمك أندى من السحاب، وآل وهب أخس من الكلاب، ~~وأنشد جريج المقل في أبي الفضل: # لنا فيلسوف عالم بالطبائع %~% يخبرنا من طبه بالبدائع # رأى البخل حذقا فهو يحمي ويحتمي %~% فلست ترى في داره غير جائع PageV01P380 # ويزعم أن الفقر في الجود والندى %~% وأن ليس حظ في اكتساب الصنائع # ستعلم بعد الموت أنك نادم %~% وأن الذي خلفت ليس بنافع # لقد أمن الدنيا ولم يخش صرفها %~% ولم يدر أن المرء رهن الفجائع # وقال: كان يدعي له العقل وهو لا يرجع إلى دين، وكل من فسد ms138 دينه فسد عقله. ~~قد أعجبته فلسفته التي لا يحظى منها بطائل، ولا يتبين بين أهلها بحقيقة. ~~أمن العقل أن ينشد كل شعر لملحد، ويردد كل لفظ غث ومعنى ثقيل؟ أنشد يوما ~~قول النضر بن الحارث: # يخبرنا ابن كبشة أن سنحيا %~% وكيف حياة أصداء وهام PageV01P381 # أيقتلني إذا ما كنت حيا %~% ويحييني إذا رمت عظامي # وأنشد آخر: # أصبحت جم بلابل الصدر %~% وأبيا منطويا على غمر # إن بحت طل دمي وإن %~% أسكت يضيق بذاكم صدري # وقال: هذا لصالح بن عبد القدوس العاقل المجيد، أما سمعت قوله الآخر: # باح لساني بمضمر السر %~% وذاك أني أقول بالدهر # وليس بعد الممات منقلب %~% وإنما الموت بيضة العقر # وهذه أمور قبيحة من سفلة الناس، فكيف من عليتهم؟ وإذا سكت الناس عنهم في ~~حياتهم خوفا منهم، نطقوا بها بعد موتهم تقربا إلى الله تعالى بالصدق عنهم. # فلا يهيدنك ما تسمع؛ فإن الله تعالى لا يقيص للمحسن إلا المحسن، كما لا ~~يلجيء المسيء إلا إلى المسيء. PageV01P382 # ورأيت العسجدي يقول لجريج المقل: كيف وجدت هذا الرجل؟ يعني أبا الفضل. # فقال: يابس العود، ذميم المعهود، سيء الظن بالمعبود، ومثله لا يمجد ولا ~~يسود. # فقال له العسجدي: أفلا ترى ذهه الأبهة والصيت والغاشية والموكب؟ فقال: ~~هذا وإن كان من الدولة، فهي غير السؤدد، والسلطان غير الكرم، والجدة غير ~~المحمدة؛ أين الزوار والمنتجعون؟ وأين الآملون الشاكرون، وأين المثنون ~~الحامدون؟ وأين الواصفون الصادقون؟ وأين المنصرفون الراضون؟ وأين دار ~~الضيافة والخدم المرتبون للخدمة؟ هيهات! لا تجيء بالطقطقة والرقرقة؛ أما ~~تسمع الشعر: PageV01P383 # أبا جعفر ليس فضل الفتى %~% إذا راح في فرط إعجابه # ولا في فراهة برذونه %~% ولا في نظافة أثوابه # ولكنه في الفعال الجمي %~% ل والحسب الأشرف النابه # وكان أبو الفضل يطري البحتري ويعجب من عزله وتشبيبه، ويستسهل في الجملة ~~طريقته، ورجل حاضر يخالفه في ذلك، فقال أبو الفضل: # البحتري يروم غاية شعره %~% من لا يقيم لنفسه مصراعا # أنى يروم مناله ولو ابتغى %~% تقويم قافية له ما اسطاعا # جذب العلاء بضبعه فأحله %~% بين المجرة والسماك رباعا # وغدوت ms139 ملتزم الحضيض فكلما %~% فرع العلا باعا هبطت ذراعا # قال: فخري الرجل وسكت. # وحدثني أبو الطيب الكميائي قال: قلت لأبي الفضل - بعد أن PageV01P384 ~~سم الحاجب النيسابوري، وبعد أن خطب على حمد، ودس إلى ابن هندو وغيرهم من ~~أهل الكتابة والمروة والنعمة: لو كففت، فقد أسرفت. # فقال: يا أبا الطيب! أنا مضطر. # فقلت: أي اضطرار ها هنا؟ والله إن مخادعتنا لأنفسنا في نفعنا وضرنا لأعجب ~~من مكابرة غيرنا لنا في خيرنا وشرنا، وهذا والله رين القلب وصدأ العقل، ~~وفساد الاختيار وكدر النفس، وسوء العادة، وعدم التوفيق. # فقال: يا أبا الطيب! أنت تتكلم بالظاهر، وأنا أحترق في الباطن. PageV01P385 # فقلت: إن كان عذرك في هذه السيرة المخالفة لأهل الديانة وأصحاب الحكمة قد ~~بلغ بك هذا الوضوح والجلاء فإنك معذور عندنا، ولعلك أيضا مأجور عند الله ~~مالك الجزاء. # وإن كنت تعلم في حقيقته غير ما تراجعني عليه القول، وتناقلني فيه الحجاج ~~فإنك من الخاسرين الذين قد باءوا بغضب من الله على مذاهب الناس أجمعين. # فبكى. # فقلت: البكاء لا ينفع إن كان الإقلاع ممكنا، والندم لا يجدي متى كان ~~الإصدار قائما؛ هذا كله بسبب ابنك أبي الفتح؛ والله إن أيام ابنك لا تطول، ~~وإن عيشه لا يصفو، وإن حاله لا يستقيم وله أعداء لا يتخلص منهم؛ وقد دل ~~مولده على ذلك. وإنك لا تدفع عنه قضاء الله، وهو لا يغني عنك من الله شيئا. ~~فعليك بخويصة نفسك. PageV01P386 # وهذا موضع يروى عنه بعض ما هو فائدة من الأدب والحكمة، وإن كان استيعاب ~~ذلك شاقا؛ فإن الرجل كان كثير المحفوظ جيد الاقتضاب. # حدثني ابن فارس: جرى بين يديه أسماء الفرج وكثرتها، فقال بعض الحاضرين: ~~ماذا أراد العرب بتكثيرها مع قبحها؟ فقال: لما رأوا الشيء قبيحا جعلوا ~~يكنون عنه، وكانت الكناية عند فشوها تصير إلى حد الإسم الأول فينتقلون إلى ~~كناية أخرى، فإذا اتسعت أيضا رأوا فيها من القبح مثل ما كنوا عنه من أجله، ~~وعلى هذا، فكثرت الكنايات، وليس عندهم تكثيرها. # وحدثني الهروي قال: سألت يوما ابنه أبا ms140 القاسم؛ أخا كان لذي الكفايتين ~~مات قبله - عن قول الشاعر: # فما لكم طلس الثياب كأنكم %~% ذئاب الغضا والذئب بالليل أطلس # فقال ولده: هو ظاهر إلا أن يكون تحته معنى. PageV01P387 # قفلت ممازحا له: أهو ظاهر لك أو ظاهر عنك أي غائب؛ ومعنى ظاهر عنك أي ~~مجانب لك بارز عنك. ومنه قول الهذلي: # وعيرها الواشون أني أحبها %~% وتلك شكاة ظاهر عنك عارها # وفسر البيت فقال: مالكم مجاهرين لي بالعداوة ولا تجاملونني في حال، ~~فالذئب أصلح منكم لأنه بالليل أطلس أي مجاهر بالليل فقط، ومداج بالنهار؛ ~~فهو مجاهر في وقت ومداج في وقت، وأنتم مصرون على العداوة. # وكان يحفظ فقرا كثيرة لابن المعتز، ويرويها في مجلسه في الوقت بعد الوقت، ~~وكان يوهم من حضر أنه من اقتضابه. # منها قوله: إن في الحكم: أن المتواضع من طلاب العلم والحكم أكثرهم حظا، PageV01P388 ~~كما أن المكان المتطامن من أكثر البقاع ماء. # وأنس الأمن بوحشة الوحدة، ووحدة الخوف تذهب بأنس الجماعة. # ومنع الحافظ خير من عطاء المضيع. # وإذا طرت فقع قريبا. # والرجال يفيدون المال، والمال يفيد الرجال. # إذا أبصرت العين الشهوة عمي القلب عن الاختيار. # من رأى الموت بعين أمله رآه بعيدا، ومن رآه بعين عقله رآه قريبا. # العقل صفاء النفس، والجهل كدرها. # لا تلبس السلطان في وقت اضطراب الأمور عليه، فإن البحر لا يكاد راكبه ~~يسلم في حال سكونه، فكيف مع اختلاف رياحه واضطراب أمواجه. # وإن الله تعالى أضاف إلى كل مخلوق ضده ليدل على أن الوحدة له وحده. # كرم الله لا ينقص حكمته. ولذلك لم تقع الإجابة لكل دعوة. PageV01P389 # للطالب المنجح لذة الإدراك، وللطالب المحروم لذة اليأس. # ومن صحب السلطان فليصبر على قسوته كصبر الغواص على ملوحة ماء البحر. # والعالم يعرف الجاهل لأنه كان مرة جاهلا، والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم ~~يكن مرة عالما. # ومن جعل الحمد خاتما للنعمة جعله الله مفتاحا للمزيد. # لو تميزت الأشياء لكان الكذب مع الجبن، والصدق مع الشجاعة، والراحة مع ~~اليأس، والتعب مع الطمع، والحرمان مع الحرص، والذل مع ms141 الدين. # ومال الميت يعزي ورثته عنه. # كيف تريد من صديقك خلقا واحدا وهو ذو أربع طبائع. # ترقع خرق الدنيا ويتسع، وتشعبها وتنصدع، وتجمع منها ما لا يجتمع. # وكان مليا بهذا النمط ويفرغ في قالبه، ولكن لم يكن له منه إلا لقعة ~~اللسان وصدى الصوت، وتقطيع اللفظ. فأما التحلي والعمل PageV01P390 ~~فكان منهما على بعد؛ والعقل متى لم يثمر كرما فهو وبال، والحكمة متى لم ~~تورث عملا فهي خبال؛ والكرم ما قاله الأعرابي حين سئل عنه، فإنه قال: أما ~~الكرم في اللقاء فالبشاشة، وأما في العشرة فالهشاشة، وأما في الأخلاق ~~فالسماحة، وأما في الأفعال فالنصاحة، وأما في الغنى فالمشاركة، وأما في ~~الفقر فالمواساة. # قلت لأبي السلم نجبة بن علي: أابن عباد أحب إليك أم ابن العميد؟ # قال: ما فيهما حبيب، على أني برقاعة هذا أشد انتفاعا مني بعقل ذاك؛ هذا ~~يغضب إذا ترفعت عن عطائه، وقبضت يدك عن قبول بره، ومشيت ناكبا عن بابه ~~وقصده؛ وذلك كان يحقد إذا رجوته وتعرضت له، ويغضب إذا أثنيت عليه وطمعت ~~فيه؛ وهذا يكذب متماجنا، وذاك كان يصدق مع الدماثة ويغيظ؛ وهذا يفعل الخير ~~وإن قاله وأفشاه وبجح به وسحب ذيله عليه، وذاك كان PageV01P391 ~~لا يقلع عن الشر وإن قرع في وجهه باللائمة، وكشط عرضه بالمذمة؛ وهم هذا ~~في الأخذ والإعطاء، والإبعاد والإدناء؛ وكان دأب ذاك الجمع والمنع والتفلسف ~~ليقع اليأس منه، ويتلذذ بالخيبة عليه؛ وهذا يقول ويفعل بعض ما يقول متجلدا، ~~وكان ذاك لا يهم ولا ينوي ولا يظن ولا يحلم، فضلا عن القول المطمع والعمل ~~النافع؛ وعيب هذا أنه يذوب حتى لا يحصل لك منه شيء؛ وكان عيب ذاك أنه يجمد ~~حتى لا تنتفع منه بشيء. # وقلت لأبي السلك يوما، وقد خرج من دار ابن عباد: كيف ترى الناس؟ فقال: ~~رأيت الداخل ساقطا، والخارج ساخطا، وأخذ من قول شبيب؛ فإنه خرج من دار ~~المهلبي وقال: تركت الداخل راجيا، والخارج راضيا. PageV01P392 # وكان أبو السلم من فصحاء الناس؛ سمعته يقول: الكسير يعثم والحسير يوثم. # وقال أيضا: ms142 ما أحسن منقاد هذا الطائر، بالدال. # وقال للبديهي، لما رأى تعسفه في العربية: يا هذا! الكلام لا يواتيك قسرا ~~ولا يطيعك كارها، تكلم عن سجية النفس، وعفو الطباع، واطرح البقية جانبا، ~~وجانب التكلف، واتبع المعنى يتبعك اللفظ، والحظ العقل، فنه نورك، والزم ~~الجادة فهي مسلكك، ولا تذلن فتخزى، ولا تعزن فتقصى، وتحكم وأنت مبق، وخذ ~~كأنك معط، وكسر لهاتك بتصاريف الكلام مشققا لا متشدقا، تبلغ إرادتك، تملك ~~عادتك. # قلت له: كيف كان حديث ابن العميد؟ قال: " ألذ من السلوى إذا ما نشورها " PageV01P393 ~~وحديث ابن عباد أنتن من الصنان، وأثقل من الصدام، وأبغض من القضض في ~~الطعام، وأوحش من أضغاث الأحلام. يتحاشى كأنه صبي مترعرع، يطن أن الأرض لم ~~تقل غيره، وأن السماء لم تظل سواه، أما سمعته يشتم في هذه الأيام إنسانا ~~فقال: لعن الله الأهوج الأعوج الأفلج الأفحج الحفلج، الذي إذا قام لجلج ~~وإذا مشى تفحج، وإن تكلم تلجلج، وإن تنعم تمجمج، وإن مشى تدحرج، وإن عدا ~~تفجفج. # قال: فهل سمعت بكلام أنبى عن القلب وأسمج من هذا؟ نعوذ بالله من العجمة ~~المخلوطة بالتعريب، ومن العربية المخلوطة بالتعجيم. # ولو أن هذا النقص لم يدل إلا على اللفظ الذي معدنه اللسان PageV01P394 ~~لكان العذر أقرب، لكنه كاشف لعورة العقل، هاتك لستر المعرفة، ومن استدرجه ~~الله إلى هذه الحال فقد خذله وإن ظن أنه منصور، وأفقره وإن حسب أنه مثر. # وسمعته يقول لكاتب بين يديه، وقد كتب: " من إسماعيل بن عباد "، وكانت ~~العين من إسماعيل قد تطلست، ولم يكن لها بياض المشقين بتعحرف للكاتب ~~والقلم. # فقال: يا هذا! عيني هكذا ينبغي أن تكتب بالله؟ أنت أعمى؟ أما ترى عيني؟ ~~انظر إليها حسنا! أهي مطموسة، أهي مملوسة، أهي مطلوسة، أهي مهروسة، أهي ~~ممسوحة، أهي منزوحة، أهي مسطوحة؟ وما كاد يسكت. # وهل هذا إلا رقاعة وجهل وكلام رقعاء المعلمين والمخنثين؟! وقال يوما: ها ~~هنا أشياء لا حقيقة لها. # منها: إمام الرافضة، والاستطاعة مع الفعل، PageV01P395 ~~والبدل للنجار، والهيولى. # فقال الحسين المتكلم: والحال لأبي هاشم. PageV01P396 # فقال: ms143 مما يوضح عندي معنى الحال أن مثلك لا يفهمه. وكان هذا الكلام بسبب ~~تنكر له شديد. # فقلت أنشدني الأندلسي أبو محمد لبعض شعراء المغرب بيتا ذكر فيه أشياء زعم ~~أنه لا حقيقة لها. # فقال: وما ذاك البيت؟ فأنشدته: # الجود والغول والعنقاء ثالثة %~% أسماء أشياء لم تخلق ولم تكن # قال: أوفي المغاربة من له هذا النمط؟ قلت: سألته عن هذا فقال لي: في ~~المغرب من يقدم نثره على نثر إبراهيم بن العباس الصولي، ويقدم نظمه على نظم ~~أبي تمام. # فقال: فهل روى لك غير هذا؟ قلت: نعم أنشدني لشاعر لهم يعرف بأبي بكر محمد ~~بن فرح في طفيلي يعرف بابن الإمام: PageV01P397 # أفديك من متوجد غضبان %~% حتى يلوح له ضباب دخان # يقتاده شم القتار بأنفه %~% مثل اقتياد النجم للحيوان # وعلا الدخان بشت طولة مربيا %~% يبدي كمين مطابخ الإخوان # وبحانة الملهين جاسوس له %~% ينيبه أين تناكح الزوجان # صب إلى الطوفان مرتاح إلى %~%الجولان مضطغن على الخلان # فترى الإماميين حول ركابه %~% كالخيل صايعة ليوم رهان # لو يسمعون بأكلة أو شربة %~% بعمان أصبح جمعهم بعمان # زار الفتى القرشي لا لتعهد %~% منه، ولا شوق إلى لقيان # حتى إذا وضع الخوان تساقطوا %~% نهما عليه تساقط الذبان # ورأيته من بينهم متخمطا %~% في لقمة كتخمط السكران # لم ينصرف إلا وفي أكمامه %~% حمل وفي أعجافه حملان # وأخو ثقيف فر منه قاصدا %~% جيان لو أعنت قرى جيان PageV01P398 # لو حل نجران لم يبعد على %~% عزمات نيته مدى نجران # كالموت تسعى في التخلص جاهدا %~% منه، وتلقاه بكل مكان # فعجب من الأبيات وقال: ماذا قال لك في تفسير شت طوله؟ فقلت: زعم أنها ~~بليدة. # قال: فما جيان؟ قلت: زعم أنه مكان يعرف هكذا. # قال: اكتب الأبيات إلى نجاح، وكان خازن كتبه. # ثم قال: ما أنشدك شيئا في الغزل؟ قلت: بلى! أنشدني لأبي عمر الأندلسي: # مهلا فما دين الهوى كفر ولا %~% أعتد عذلك لي من التنزيل # *** # من حاكم بيني وبين عذولي %~% الشجو شجوي والعويل عويلي PageV01P399 # فبأي جارحة أصون معذبي %~% سلمت من التعذيب والتنكيل # إن قلت ms144 في عيني فثم مدامعي %~% أو قلت في كبدي فثم غليلي # وأنشدني لهذا الشاعر بعينه أيضا: # وأحور إن كلمته فهو شاعر %~% بيانا، وإن لاحظته فهو ساحر # على خده للياسمين غلائل %~% عليها من الورد النضير ظهائر # حسام بعينيه ونطع بخده %~% وصبغ دم العشاق في النطع ظاهر # ولابن رشيق أيضا: # ولم أدخل الحمام ساعة بينهم %~% طلاب نعيم، قد رضيت ببوسي # ولكن لتجري دمعتي مستهلة %~% فأبكي ولا يدري بذاك جليسي PageV01P400 # فقال: كنت أحب أن أرى أبا محمد هذا، ولو انتجعنا لبلغنا له مراده. # وأعدت هذه الكلمة على أبي محمد سنة سبعين، فقال: والله ما أحب أن أسمع ~~حديثه فكيف أوثر أن أبتلى برقاعته. # وله مع حسين المتكلم جواب آخر؛ تناظرا في مسألة حمي الوطيس، والتحمت ~~الحرب قال لحسين المتكلم: هذا كلام من لا يعرف الكلام. # فقال: أيها الصاحب! رفقا فإني أعرف بحسين المتكلم، ولا يجوز أن أشتهر ~~بشيء لا أكون رأسا فيه. # فقال: وما في هذا؟ إبراهيم المسلم طبيب المارستان يعرف بالمسلم وهو بعيد ~~مما يعرف به، قريب مما يقرف به. # وجرى ليلة حديث أبي سعيد السيرافي، وكان ابن عباد يتعصب له، ويقدمه على ~~أهل زمانه، ويزعم أنه حضر مجلسه، وأبان عن نفسه فيه، وصادف من أبي سعيد طود ~~حلم وبحر علم. # فقال أبو موسى المعلم: شيخ يعرف بالحسنكي: إلا أنه لم يعمل في شرح كتاب ~~سيبويه شيئا. PageV01P401 # فنظر إليه ابن عباد متنمرا ولم يقل حرفا. فعجبنا من ذلك. ثم إني توصلت ~~ببعض أصحابه حتى سأله عن حلمه عن أبي موسى مع ذبه عن أبي سعيد، فسأله فقال: ~~والله لقد ملكني الغيظ على ذلك الجاهل حتى عزب عني رأيي، ولم أجد في الحال ~~شيئا يشفي غلتي منه، فصار ذلك سببا لسكوتي عنه، فتشابهت الحال الحلم، وما ~~كان ذلك حلما، ولكن طلبا لنوع من الاستخفاف لائق به. فوالله ما يدري ذلك ~~الكلب ولا أحد ممن خرج من قريته ورقة من ذلك الكتاب، وهل سبق أحد إلى مثله ~~من أول الكتاب إلى آخره مع كثرة فنونه ms145 وخوافي أسراره. # وكان أبو موسى هذا من طبرستان. فعد هذا التعصب من مناقب ابن عباد، وحجب ~~أبو موسى بعد. # وكان ابن عباد يتطلب العلل للحجاب، ويتعلق بالريح، وكان له تلذذ به، وقد ~~حكيت ذلك آنفا. # وما سمعت في تلافي المحجوب كلاما ألطف من كلام حدثني به PageV01P402 ~~الخوارزمي عن السلامي صاحب خراسان؛ قال السلامي: عاتبت أبا الفضل البلعمي ~~وزير عبد الملك بن نوح بأبيات على حجاب نالني منه، فقال: لك عندنا - بما ~~استعتبت - العتبى، وعلى ما استعديت العدوى. أما نهارنا فمقسوم بين حوائج ~~الناس وإنما نفرغ PageV01P403 ~~بالليل للاستئناس بوجوه الأولياء والخواص فاحضر بالنهار مباسطا ومخالطا، ~~وبالليل مؤانسا ومجالسا. # وكان ابن عباد ضد هذا، لأنه كان يشتكي إليه فيقول: الشكوى إلي الحجاب ~~إغراء، والصبر عليه يعطفني إلى بعض ما يلتمس مني. # وسمعته يقول: لله عندي أياد متضاعفة، ونعم متكاثفة، ومن أجلها أنه لم ~~يغمسني في مذاهب الإمامية. ومع هذا كان إذا عمل قصيدة في أهل البيت غلا ~~وتجاوز، وغض من الصدر الأول، وادعى على الشيخين البهتان، وعرض وصرح. # وهذا من فعلاته الذميمة، وجهالاته المشهورة. # وأنشد ثعلب في الحجاب أبياتا وقال: ما سمعت بمثلها. هكذا سمعناه فيما قرئ ~~على ابن مقسم العطار النحوي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وهي: PageV01P404 # إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه %~% ورد ذوي الحاجات ضيق حجابه # ظننت به إحدى ثلاث وربما %~% نزعت بظن واقع بصوابه # فقلت به مس من العي حاضر %~% وفي إذنه للناس إظهار ما به # فإن لم يكن عي اللسان فعارض %~% من البخل يحمي ماله عن طلابه # وإن لم يكن هذا وذاك فريبة %~% يصر عليها عند إغلاق بابه # وحدثني المرزباني قال: لقد أجاد البصير في قوله: # رب فتى تحمد أخلاقه %~% وتسكن الأحرار في ذمته # قد كثر الحاجب أعداءه %~% وسلط الذم على نعمته # ومن طريف ما حدثنا به ابن عباد في الوقت الذي تلاقت فيه العساكر بقصر ~~الجص، قال: كنت في مقيلي فأتاني آت قال: PageV01P405 # اسقني قهوة بفرط اختياري %~% خرج الملك عن يدي بختيار # وأما أبو الفتح ذو الكفايتين فإنه ms146 كان شابا ذكيا متحركا حسن الشعر مليح ~~الكتابة كثير المحاسن، ولم يظهر منه كل ما كان في قوته لقصر أيامه، واشتعال ~~دولته وطفوها بسرعة. # ومن شعره: # إني متى قناني تنتثر %~% أوصالها أنبوبة أنبوبا # أدعو بعاليها العلا فتجيبني %~% وأقي بحد سنانها المرهوبا # ومن شعره: # نهضت تثنى في الكواعب %~% كالبدر هادته الكواكب PageV01P406 # فتبرجت سدف الدجى %~% وتبلجت ظلم الغياهب # لله أنت وهن إذ %~% يختلن من كرم صواحب # متلألئات كللآ %~% لي ضمها عقد الترائب # إني أعيذك أن تردي %~% مقلتي بمنى كواذب # وتسودي وجه الرجا %~% ء وتغلقي فتح المذاهب # أو ما ترين مدامعي %~% سحا سحائبها سواكب # جادت ديارك أين كا %~% نت مثلها درر السحائب # موصلة الأكناف حي %~% ث الودق صائبة المسارب # محلولة الأرماق فص %~% ماء العرى وطف الهيادب # وعدتك داهية الليا %~% لي والحوادث والنوائب # لا زلن منك بحيث أن %~% ت من الشوائب والمعايب # إني إذا أعزي إلي %~% ك من الأقارب أو أقارب PageV01P407 # لا تقطعي حبل القري %~% ب وتكفري حق المناسب # فتفارقي خلق الكري %~% م وتضربي مثلا لضارب: # إن الأقارب كالعقا %~% رب بل أضر من العقارب # لا تبخلي إن الكري %~% مة من مواهبها مناهب # كفي السيوف عن الحت %~% وف وإن أطاعتها المضارب # لا ترغبي عن ماجد %~% سمح الخلائق والضرائب # يعزى لآباء غطا %~% رفة وأمات نجائب # إني من النفر الكرا %~% م السادة الشم الذوائب # يقظ إذا كري اللئا %~% م عن العلى ككرى الأرانب PageV01P408 # أسد إذا ونت القرو %~% م عن الوغى وني الثعالب # عف أطيل ظميئتي %~% حتى أرى صفو المشارب # وأذل نفسي في الكري %~% هة أو أرى كرم المناسب # وإذا تسيء عصابة %~% عممتها شر العصائب # كم من عدو كاشح %~% يرنو إلي بطرف عاتب # يبدي لنا وجه المشا %~% جر دونه صدر المحارب # متقلص الأحشاء من %~% حسد دوين الصدر راتب # لو شئت أحرق أهله %~% من نهضتي نار الحباحب # سلمته ليد الحوا %~% دث والأمور إلى عواقب # إن لم تكن فوق الأك %~% ف يدي فكانت للمغالب # أو لم تكن فوق الذرى %~% قدمي فأعيتها المذاهب PageV01P409 # وله كلام كثير نظم ونثر. وله في وصف ms147 الفرس ما يوفى على كل منظوم، ولو ~~أبقته الأيام لظهر منه فضل كبير. # ودخل بغداد فتكلف واحتفل، وعقد مجالس مختلفة للفقهاء يوما، وللأدباء ~~يوما، وللمتكلمين يوما، وللمتفلسفين يوما، وفرق أموالا خطيرة، وتفقد أبا ~~سعيد السيرافي، وعلي بن عيسى الرماني وغيرهما، وعرض عليهما المسير معه إلى ~~الري، ووعدهم ومناهم، وأظهر المباهاة بهم، وكذلك خاطب أبا الحسن الأنصاري ~~ابن كعب، وأبا سليمان السجستاني المنطقي، وابن البقال الشاعر، وابن الأعوج ~~النمري وغيرهم. # ودخل شهر رمضان فاحتشد وبالغ، ووصل ووهب، وجرت في هذه المجالس غرائب ~~العلم وبدائع الحكمة؛ وخاصة ما جرى للمتفلسفين مع أبي الحسن العامري. # ولولا طول الرسالة لرسمت ذلك كله في هذا المكان. # فمن طريف ما جرى، وفي سماعه فائدة واعتبار: ما أحكيه لك ها هنا. PageV01P410 # انعقد المجلس في جمادى الآخرة سنة أربع وستين وثلاثمائة، وغص بأهله، ~~فرأيت العامري، وقد انتدب فسأل أبا سعيد السيرافي فقال: ما طبيعة الباء من ~~(بسم الله الرحمن الرحيم) ؟ فعجب الناس من هذه المطالبة، ونزل بأبي سعيد ما ~~كاد يشده به، فأنطقه الله بالسحر الحلال. # وذلك أنه قال: ما أحسن ما أدبنا به بعض الموفقين من المتقدمين! فإنه قال: # وإذا خطبت على الرجال فلا تكن %~% خطل الكلام تقوله مختالا # واعلم بأن السكوت لبابة %~% ومن التكلف ما يكون محالا # والله يا شيخ لعينك أكبر من قرارك، ولمرآك أوفى من دخلتك، ولمنشورك أبين ~~من مطويك؛ فما هذا الذي طوعت له نفسك، وسدد عليه رأيك؛ إني أظن السلامة ~~بالسكوت تعافك، والغنيمة بالقول ترغب عنك. والله المستعان. # فقال ابن العميد، وقد أعجب بما قال أبو سعيد: PageV01P411 # فتى كان يعلو مفرق الحق قوله %~% إذا الخطباء الصيد عصك قيلها # جهير وممتد العنان مناقل %~% بصير بعورات الكلام خبيرها # وقال: # والقائل القول الرفيع الذي %~% يمرع منه البلد الماحل # ثم التفت إلى العامري وأنشد: # وإن لسانا لم تعنه لبابة %~% كحاطب ليل يجمع الرذل حاطبه # *** # وذي خلل في القول يحسب أنه %~% مصيب فما يلمم به فهو قائله # *** PageV01P412 # وفي الصمت ستر للعيي وإنما %~% صحيفة لب المرء أن يتكلما ms148 # *** # وفي الصمت شتر وهو أبهى بذي الحجا %~% إذا لم يكن للنطق وجه ومذهب # هاتوا حديثا آخر فقد يئسنا من هذا، ثم أقبل على ابن فارس معلمه، فقال: ~~يئسنا من كلام أصحابك في الفرضة والشط. # فلما خرجنا قلت لأبي سعيد السيرافي: أيها الشيخ! رأيت ما كان من هذا ~~الرجل الخطير عندنا، الكبير في أنفسنا؟ فقال: ما دهيت قط بمثل ما دهيت به ~~اليوم، ولقد جرت بيني وبين أبي بشر متي صاحب شرح كتب المنطق سنة ست و PageV01P413 ~~عشرين وثلاثمائة في مجلس أبي الفتح الفضل بن جعفر الفرات ملحة كانت هذه ~~أشوس وأشرس منها. # ولولا هربي من الإطالة، وثقل النسخ، وإدخالي حديثا في حديث، لحكيت ~~المناظرة التي أومى إليها هذا الشيخ الذي كان إمام زمانه وعالم عصره، لأنه ~~حدثني بها بزوبرها، وكانت في الفرق بين النحو والمنطق وريم أحدهما على ~~الآخر، وإحصاء الفوائد لكل واحد منهما. # وحضرت المجلس يوما آخر مع أبي سعيد وقد غص بأعلام الدنيا، وبنود الآفاق، ~~فجرى حديث أبي إسحاق الصابي، فقال ذو الكفايتين: PageV01P414 # ذاك رجل له في كل طراز نسج، وفي كل فضاء رهج، وفي كل فلاة ركب، وفي كل ~~غمامة سكب؛ الكتابة تدعيه بأكثر مما يدعيها، والبلاغة تتحلى به بأكثر مما ~~يتحلى هو بها. وما أحلى قوله: # حمراء مصفرة الأحشاء باعثة %~% طيبا تخال به في البيت عطارا # كأن في وسطها تبرا يخلصه %~% قين يضرم في أوراقه النارا # وقوله: # ما زلت في سكري ألمع كفها %~% وذراعها بالقرص والإثآر # حتى تركت أديمها وكأنما %~% غرز البنفسج في الجمار # وبلغ المجلس أبا إسحاق فحضر وشكر، وطوى ونشر، وأورد وأصدر، وكان كاتب ~~زمانه لسانا وقلما وشمائل، وكان له مع ذلك يد طويلة في العلم الرياضي. # وسمعت أبا إسحاق يقول: هو ابن أبيه، لله دره! ثم أخذ في PageV01P415 ~~تعظيم أبيه، وقال: وكان من أماني الكبر لقاؤه، وإني لكثير الإعجاب ~~بكلامه، لأني أجد فيه من العقل أكثر مما أجد فيه من اللفظ، وإني لأظن أن ~~عقل كل أحد كان ممزوجا وكان عقله قراحا. # قال: ms149 ولقد قرأت له فصلا من كتاب له إلى أبي غبد الله المكي العلوي نديم ~~عضد الدولة يستحق أن يكتب بالذهب، وهو: ولأن تدعى من بعيد مرات خير من أن ~~تقصى من قريب مرة، وليكن كلامك جوابا تتحرز فيه، ولا تعجبن بتأتي كلمة ~~محمودة فيلج بك الإطناب توقعا لمثلها؛ فربما عثرت بما يهدم ما بنته الأولى، ~~ثم لا تسلم من تمثل صاحبك بقولهم: " رب رمية من غير رام "، وبضاعتك من ~~النثر قليلة مزجاة، وبالعقل يزم اللسان ويلزم السداد. # فلا تستفزنك طربة الكريم على ما يفيتك عقلك. # والشفاعة لا تعرضن لها، فإنها مخلقة للجاه؛ وإن اضطررت إليها فلا تهجم ~~عليها حتى تعرف وقتها، وتحصل وزنها؛ فيتقدمك من يتكلم فيها، فإن وجدت النفس ~~بالإجابة سمحة، وإلى الإسعاف هشة، فأظهر PageV01P416 ~~ما في نفسك غير محقق ولا موهم أن في الرد عليك ما يوحشك، وفي المنع ما ~~يقبضك؛ وليكن انطلاق وجهك إذا دفعت عن حاجتك أكثر منه عند نجاحها على يدك، ~~ليخف كلامك ولا يثقل على مستمعه منك. # أنا أقول ما أقول غير واعظ ولا مرشد؛ فقد كمل الله خصالك، وحسن خلالك إذ ~~فضلك في كل حالك، ولكني أنبه تنبيه المشارك. واعلم أن للذكرى موقعا ونفعا. # قلت له: وقد استحسنت له حسنا، وله أبلغ منه. # فقال: كذاك هو. # قلت: فإنه مع هذا قد أخطأ في العربية في موضع، فدللته عليه. # فقال: لله أبوك. # ولم أذكر الموضع - أيدك الله بالعلم - لتكون أنت قارئه، أعني أنك تقرأ ~~حرفا حرفا حتى تصيبه، فليس الخطأ المستدرك بالتتبع كالمعثور عليه بالهجوم. # وكان ابن عباد يروي لأبي الفضل في رقعة إليه حين PageV01P417 ~~استكتبه لبويه، وهو: وبسم الله الرحمن الرحيم. مولاي وإن كان سيدا بهرتنا ~~نفاسته، وابن صاحب تقدمت علينا رياسته، فإنه يعدني سندا ووالدا كما أعده ~~ولدا وواحدا، ومن حق هذا أن يعضد رأيي رأيه حتى يزداد إحكاما وانتظاما، ~~ويتظاهر قوة وإبراما. # وحضرت اليوم المجلس المعمور، فكان من مولانا كلام كثير، وخطاب طويل، فقلت ~~إنه لم يزد على الإباء والاستعفاء، بعد ms150 التقصي والاستيفاء، فأومأ إلى إجبار ~~كالمسألة، وإكراه كالطلبة. وأقول بعد أن أقدم مقدمة: # إن مولاي - وإن كان يستغني عن هذا العمل بتصونه وتقلله PageV01P418 ~~وعزوف نفسه عن التكثر بالمال وتحصيله - فإن الأمر مفتقر إلى كفالته، ~~ومحتاج إلى كفايته؛ وما أقول ما أقوله وغرضي إنشاء كتاب أو عقد حساب، أو ~~تفريق مال وجمع، أو تقديم عطاء أو منع، لأن ذلك وإن كان مقصودا، وفي آلات ~~الوزارة معدودا، فإن في كتابه من يفي به ويستوفيه، ويوفي عليه بأيسر ~~مساعيه، لكن مولانا يريده لتهذيب من هو ولي عهده، ومن يرجوه ليومه وغده، ~~ولا بد - وإن كان السنخ قويما، والمحتد كريما، والفضل عميما، والمجد صميما، ~~ومركب العقل سليما - من مناب من يعرف ما السياسة، وكيف الرياسة، وكيف تدبير ~~العامة والخاصة، ومن أين تجتلب الأصالة والإصابة، وبماذا تعقد المهابة، ~~وكيف ترتب المراتب وتعالج الخطب، وكيف ترد الخطوب إذا ضاقت المذاهب، وتعصى ~~الشهوة لتحرس الحشمة، وتهجر اللذة لتحصن الإمرة. # ولا غنى عمن يقوم في وجه صاحبه فيراده إذا بدر منه الرأي المنقلب، ~~ويراجعه إذا جمح به اللجاج المرتكب، ويعارضه إذا ألح عليه الغضب الملتهب؛ ~~فما السبب في أن هلكت ممالك جمة، وبلدان عدة، إلا PageV01P419 ~~بأن خضعت أقدار الوزارة وانقبضت أطراف الإمارة؛ وليس يفسد ما في الأرض ~~ومن عليها - على ما أرى - إلا بالرجوع في مثل هذا إلى الأذناب. # فلا يبخلن مولاي بنفسه على هذه الدولة، فمنها الأمين من قبله، فإن كان ~~مسموعا كلامي، وموثوقا به اهتمامي فلا يقعن انقباض عني، ولا إعراض عما سبق ~~مني. ومولاي محكم بعد الإجابة إلى العمل فيما يشترطه، وغير مراجع فيما ~~تقترحه، وهذا خطي به، وهو على ولي النعمة حجة لا تبقى معها شبهة. # وسأتبع هذه المخاطبة بالمشافهة إما بحضوري لديه، أو بتجشمه إلى هذا ~~العليل الذي قد ألح النقرس عليه والسلام. # وكان ابن عباد يحفظ هذه النسخة ويرويها ويفتخر بها. وقال لي أصحابنا ~~بالري، منهم أبو غالب الكاتب الأعرج: إن هذه المخاطبة من كلام ابن عباد ~~افتعلها عن ابن العميد إلى ms151 نفسه تشيعا بها، ونفاقا بذكرها. PageV01P420 # وحدثني اين خارجة قال: كان حمد بن محمد أبو الفرج الكاتب مكينا عند ركن ~~الدولة، وكان أبو الفضل لا يوفيه حقه، ولا يحسب له تلك المكانة، فعاتبه حمد ~~مرارا مصرحا وكانيا، ثم كتب إليه رقعة طواها على أبيات، وهي: # مالك موفور فما باله %~% أكسبك التيه على المعدم # ولم إذا جئت نهضنا وإن %~% جئنا تطاولت ولم تتمم # وإن خرجنا لم تقل مثلما %~% نقول " قدم طرفه قدم " # إن كنت ذا علم فمن ذا الذي %~% مثل الذي تعلم لم يعلم # أو كنت في الغارب من دولة %~% فلست من دونك في المنسم PageV01P421 # وقد ولينا وعزلنا كما %~% أنت فلم نصغر ولم نعظم # تكافأت أحوالنا كلها %~% فصل على الإنصاف أو فاصرم # قلت لابن خارجة: أترى هذه الأبيات لحمد؟ قال: نعم. # قلت: أفعاد له إلى محبوبه؟ قال: كان حرونا، إذا أبى لا تأتى له، وإذا جمع ~~لا حيلة فيه. " أكسب " في البيت الأول مردود، غير أن ابن الأعرابي أجازه. # تصفح أيدك الله هذه الفقر، واعرف تعبي بها وإفادتي منها واشتفائي بذكرها ~~والسلام. # فأما أبو محمد بن أبي الثياب، وهو عبد الرزاق بن الحسين البغدادي، فإنه ~~كان ذا فضل واسع، وشعر بارع، وعلم بكل شيء؛ كالمنطق وغريب اللغة. PageV01P422 # وله رسالة من خراسان، لما استقرت به الدار ببخارا، كتبها إلى أبي الفضل، ~~ولا بأس بسردها ها هنا لتعلم أن الحر إذا ذاق الهوان ممن يستحق الكرامة ~~عليه، شق جيبه مستعتبا، وأدرك طائلته مكافحا ومنيبا. # كتب: # بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الرجل الذي اختار لنفسه الوصف بالرياسة، ~~فطالب الصغار والكبار بها في المكاتبة والمخاطبة! ما يسرني حسن ما أنت ~~عليه، ولا يعجبني ظاهر ما تدعيه بباطن ما تنقضه به. ألزم فناءك هذه السنين ~~على مقاساة كبرك وتجعد بنانك، وقلة النائل منك؛ مع تسيير فنون القريض فيك، ~~ونثر أصناف البديع عليك، ومع التضاؤل لك، وإراقة ماء الوجه بين يديك، ~~والصبر على مللك وصلفك، ومع فتحي عليك أبواب المنطق، PageV01P423 ~~وهدايتي إياك إلى ضروب ما اقتبسته من أهل ms152 المغرب والمشرق؛ ثم يكون آخر ~~أمرك في نظرك لي وإحسانك إلي أن تقرنني بغلام غر جاهل، ونكد عارم، يزيد ~~عليك في البخل، وينقص عنك في الحلم، وتكلفني لصبر معه، والرضا بالخسف منه؟ ~~ومن ذا علم أن رزق الله منتاب مرتاب وعاد، والمن فيه من سائق وحاد، غمس ~~نفسه في حياض الذل، وفارق حسن التوكل على الله الذي بيده ملكوت كل شيء؟ ~~ولله ما اتخذت الليل جملا هاربا من صقعك، زاهدا في ضرك ونفعك، إلا لقولك في ~~انتشالك لأصحابك: " أبن أبي الثياب لازق ببابنا لزوق اللحم بالعظم، وجار ~~معنا جري الدم في اللحم؛ ولو طردناه ما برح، ولو فاز بغيرنا ما فرح؛ وأين ~~يجد جنابا أمرع من جنابنا، وفناء أخصب من فنائنا؟ أغركم أنه يتلوى علينا ~~وينحني لدينا؟ ذاك كله ريح، وهو يلبث في اللوح، إن يوجه إلى خراسان فما بها ~~من ينقع ظمأته، وإن PageV01P424 ~~عاد إلى بغداد، فهي التي عرفها وعرفته، وإن تطاول إلى الشام ومصر، فما ~~بها من يجتلي غرته أو يقبس حكمته، أو يصبر على جشعه الفاضح وسؤاله الملح ". # فها أنا قد شخصت إلى المشرق، وحظيت عند ملكه، ووليت البريد له، وغلبت على ~~مجلسه بالمؤانسة، وحولي الغاشية والضفف، بعد ما كنت أعانيه عندك من الشظف ~~والجعف؛ وما كان كلامك ذاك لي إلا إغراء لي بطلب السعادة العاجلة ونيلها في ~~سهولة، مع التخلص من الغيظ الذي كنت أجرعه عندك صباح مساء، والكذب الذي كنت ~~أنمقه فيك في الجد والهزل، والخساسة التي كنت أسترها عليه في الصحو السكر، ~~والتلون الذي كنت أحتمله منك في الغضب والرضا. # هذا والمنالة منك دون ما يمسك الرمق، والمبذول عليها فوق مل يجب لك ~~بالحق؛ ولولا أني - مع ما أرد ملته من العتب عليك - PageV01P425 ~~أرجع إلى حفاظ لا تعرف منه إلا الاسم، لكان لي في جلدك حز ونهس، وعلى ~~عرضك جمز ورقص. # وما الذي يرجى منك أكثر مما كان، وولادتك مشهورة ومنشؤك ظاهر، ومبادئ ~~حالك في ارتفاعك محصلة، والألسنة بحقائقها دائرة، والأسماع إلى عجائبها ~~صاغية، ms153 والقلوب في فضائحها متعجبة. # ولك في براءة والدك منك كاف، وفي حديث والدتك ما هو غير خاف؛ ومما يدل ~~على طلبي البقيا أني اقتصرت في مكاتبتك على لفظ منثور، ولو نظمت ذلك لكان ~~نقيعك منه يجرعك مضض الندم على تقصيرك معي ومع نظرائي فيما تقدم. # فاذكر هذه اليد لي عندك في عرض ما تقرؤه من هذه الرقعة إليك، وقد شفيت ~~بها فؤادا كان يتلظى أسفا على خدمة ضاعت عندك، وحرمة بارت لديك؛ ولعلي قد ~~أطرتك على كثير ممن يلزم فناءك طامعا في خيرك، أو يشقى بمعرفتك ظانا لدرك ~~المطلوب منك، ثم ينقلب PageV01P426 ~~عنك بقلب أوقد من قلبي عليك، ولسان أذرب من لساني في عرضك. # عليك سلام لا تواصل بعده %~% فلا القلب محزون ولا الدمع سافح # والله لا حاق الشر إلا بأهله، ولا لصق العار إلا بكاسبه، ولا قيل في ~~الخسيس النذل إى دون ما يستحق، " ذق عقق " فقد فاتك من سبق. # أفادني هذه الرسالة أبو جعفر الخطيب النيسابوري، وقال لي: أنا أوصلت ~~الكتاب إلى أبي الفضل مختوما بعد ما نسخته، قال: وعدت إليه أطالبه بالجواب، ~~فقال لي: قد كتبت الجواب قبلك، وكان ذلك تحاجزا منه، لأنه كان قد انشوى بها ~~حين قرها. # ولقد أنشدني ابن أبي الثياب قصيدة في أبي الفضل، وأنا PageV01P427 ~~أرويها ها هنا لتعلم أنه كان مظلوما فيها وفي أخواتها، ولتقف على طريقته ~~الحلوة، ومعانيه السهلة، ولفظه الخلوب؛ وقال لنا: كانت جائزتي عليها، بعد ~~نظائر تقدمتها، جائزة لا أستجيز ذكرها، لأنها إن كانت تضع من صاحبها إنها ~~لتضع مني أيضا. القصيدة: # برح اشتياق وادكار %~% ولهيب أنفاس حرار # ومدامع عبراتها %~% ترفض عن نوم مطار # لله قلبي ما يجن-%~%-ن من الهموم وما يواري # لقد انقضى سكر الشبا %~% ب وما انقضى وصب الخمار # وكبرت عن وصل الصغا %~% ر وما سلوت عن الصغار # سقيا لتغليسي إلى %~% باب الرصافة وابتكاري # أيام أخطر في الصبا %~% نشوان مسحوب الإزار # حجي إلى حجر الصرا %~% ة وفي حدائقها اعتماري # ومواطن اللذات أو %~% طاني ودار الروم داري ms154 # كم رضت فيها من نفا %~% ر محرم حلو النفار # ورعيت من قطربل %~% روض الشقائق والبهار PageV01P428 # ورفعتها مسكية %~% في ريطتي خز وقار # يعطي النديم بزالها %~% ما شئت من نور ونار # كيف اعتدال معذل %~% صحب الغواة بلا عذار # يستن في طرق الصبا %~% ويعيث في سبل الخسار # فيصيد غزلان الكنا %~% س ويدري بقر الصؤار # من كل عطشان الوشا %~% ح مميل شرق السوار # بيض غريرات طبع %~% ن من الدلال على غرار # وعقائل تضفو وحا %~% ف شعورهن على المداري # هيف يصلن من الروا %~% دف بالزنانير القصار PageV01P429 # وتعلقي من طاعة الأس %~% تاذ بالحبل المغار # لقد اختلست منى النفو %~% س من ابيضاض واحمرار # ولحظت ما فتر اللوا %~% حظ من فتور واحورار # يوم استقلوا والدمو %~% ع تجود روض الجلنار # لهفي على صبح الجبا %~% ه يشي به ليل الطرار # وتواضع الخد الأسي %~% ل لعطفة الصدغ المدار # خذ في هزارك يا غلا %~% م فقد غنيت عن الهزار # حسبي بألحان قمر %~% ت بهن تغريد القماري # لم يبق لي عيش يلذ-%~%-ذ سوى معاقرة العقار # *** # وإذا استهل ابن العمي %~% د تضاءلت ديم القطار # خرق صفت أخلاقه %~% صفو السبيك من النضار # فكأنما رفدت موا %~% هبه بأمواج البحار # وكأن نشر حديثه %~% نشر الخزامى والعرار PageV01P430 # وكأننا مما تفرق %~% راحتاه في نثار # متثبت يغنى بمح %~% مود الأناة عن البدار # كلف بطي السر تح %~% سب صدره ليل السرار # يأوي إلى حلم يعا %~% ذ به ورأي مستشار # ومرجب يلقى الحوا %~% دث باحتمال واصطبار # يربا به عز الفخا %~% ر عن التعرض للفخار # وتصون مسمعه المها %~% بة عن مماراة المماري # ويغول أيسر سعيه %~% جهل المنافس والمباري # كم يستر الباغي علا %~% ه وما لهن من استتار # هيهات لا يخفى على %~% لحظ العيون سنا النهار # قل للمخيب وشمكي %~% ر هدمت مجد بني زيار PageV01P431 # خربت دور محمد %~% فأبى جوارك للديار # وقريتها نارا فخص %~% صميم قلبك بالأوار # جلب الجياد إلى قرا %~% رك فاجتثثت من القرار # زج النسور من الصفا %~% شعث المسوك من الخبار # تردي كغزلان الفلا %~% ة بمثل جنان القفار # ككواسر العقبان طر %~% ن ms155 إليك بالأسد الضواري # لما طلعن علمت أنك %~% من جموعك في اغترار # وفللت من ذات اليمي %~% ن لشدة ذات اليسار # بالخيل صان صدورها %~% في التبتي من الصدار # ومغاور يغزيهم %~% من لا يمل من الغوار PageV01P432 # ليث يثور فيستثي %~% ر قساطل النقع المثار # فكأنما هبواتها %~% حرق من العيون هار # في وقعة قسمت كما %~% تك للمنية والإسار # وفررت فيمن لا يعد لمثلها غير الفرار # متسربلا من لؤم فع %~% لك خطتي خزي وعار # هذي النكاية لا النكا %~% ية في البنية والجدار # إن الكبار من الأمو %~% ر تنال بالهمم الكبار # *** # وإلى أبي الفضل ابتعث %~% ت هواجس الهمم السواري # ولقد تخيرت الرجا %~% ل فما دفعت عن الخيار # حتى سكنت ظلاله %~% بعد ابتلاء واختبار # *** # يغدو على حر البلا %~% د غدو مطلوب بثار PageV01P433 # فتذيله فتكاته %~% وتذيقه طعم الصغار # *** # فتراه في العسر المضر %~% يجود جود أولي اليسار # متهللا للزائري %~% ن مرحبا بالمستزار # إني اعتصمت بيمنه %~% فوقيت أسباب العثار # يا من له طيب الأرو %~% م ومن له طيب النجار # يا من له نور البدو %~% ر ومن له شرف الدراري # يا من به مر ض الحبا %~% ء ومن به حصر الوقار # يا من لديه حيا العفا %~% ة ومن لديه حمى الذمار # أنت الذي وهب الجرا %~% ئر عن علو واقتدار # أنت الذي ضمن الوفا %~% ء لجاره كرم الجوار PageV01P434 # أنت الذي حاز الخطا %~% ر مضاؤه يوم الخطار # فحويت مضمار العلا %~% وجريت فيه بلا مجار # يفديك من ظن المكا %~% رم في اقتصاد واقتصار # فعداه عن طلق الجيا %~% د سقوطه دون العثار # خذها ثمار علاك لا %~% عريت علاك من الثمار # عذراء يخجل حسنها %~% ما في خلع العذار # وحدثني جريج المقل الشاعر قال: لما قال أبو محمد: # يغدو على حر البلا %~% د غدو مطلوب بثار # قلت له: ما أكذبك لحاك الله! فقال: الذي يقبل هذا في نفسه أكذب مني. # وقال جريج المقل: قد جبت الآفاق، وسبرت أصناف الخلق في الأخلاق، فما رأيت ~~أخس من هذا الرجل، يعني أبا الفضل. # وحدثني أبو غالب الكاتب الأصبهاني قال: كان أبو ms156 الفضل يحاجي PageV01P435 ~~بكلام له من رآه، وهو: " سألت عمن شفني وجدي به، وشفعني حبي له، وزعمت ~~أني لو شئت لذهلت عقله، ولو أردت لاعتضت منه، " زعما، لعمر أبيك، ليس بمزعم ~~" # كيف أسلو عنه وأنا أراه، أو أنساه وهو لي تجاه؟ هيهات! هو أغلب علي وأقرب ~~إلي من أن يرخى له عذاري، أو يخليني واختياري، بعد اختلاطي بملكه، وانخراطي ~~في سلكه؛ وبعد أن ناط حبه قلبي نائط، وساطه بدمي سائط؛ فهو جار مني مجرى PageV01P436 ~~الروح في الأعضاء، ومتنسم معي روح الهواء، إن ذهبت عنه رجعت إليه، وإن ~~هربت منه وقفت عليه، ما أحب السلو عنه مع هناته، وما أوثر الخلو منه على ~~علاته؛ هذا على أنه إن أقبل لم يهنئني إقباله، وإن أعرض لم يطرقني خياله، ~~يبعد علي مناله، ويقرب من غيري نواله، ويرد عيني خاسية، ويثني يدي خالية، ~~وقد بسط مسافات النفس المتقاربة، وصدق مرامي الظنون الكاذبة، وصله ينذر ~~بضده، وقربه يؤذن ببعده، يدنو عدل ما يبرح، ويأسو مثل ما يجرح؛ فحاله ~~أحوال، وخلته خلال، وحربه سجال. الحسن من عوائده، والجمال من منائحه، ~~والبهاء من فصوله وصفاته، PageV01P437 ~~والسناء من نعوته وسماته؛ اسمه طبق لمعناه، وفحواه وفق لنجواه، ولا ~~يتشابه حالاه، ويتضارع قطراه، من حيث تلقاه يستنير، ومن حيث تغشاه يستطير؛ ~~كالبدر بين سعوده قد وسطها وحفت به يقدمه النسران، ويتلوه نطاق الجوزاء، ~~وهكذا؛ ولو قلت إن الواسطة الغميصاء لها هاد وتابع، إن فرقتهما اتفقا، وإن ~~ألفتهما تفرقا، يقبل بشوك السيال، ويدبر بسفى البهمى، ويعترض بسود قصار ~~سواسية كأسنان الحمار - لصدقت. # فأبن لي ما قلته، فهو تعريض كالتصريح، وتمريض كالتصحيح، والسلام. # وحدثني أبو غالب الكاتب قال: كتب أبو الفضل إلى أبي دلف الخزرجي في أوائل ~~علته التي نهكته وحالفته، يثعاتبه ويعابثه فقال: " الآن علمت، أيها الشيخ، ~~أنك لي مكايد، وإلى جميع ما أنهاك PageV01P438 ~~عنه مخالف، وعلى ديدنك المعروف ثابت، وبفضلة لسانك مسحور، وبشائع حلمي ~~عنك مغرور، وليت ثقتك بذلك لا تخونك، وتطولي عليك لا يتطاول بك، واغترارك ~~بغيري لا يزلك، وليتك، ms157 إذ قد ضللت سواء السبيل في حظك، شاورتني فكنت لا ~~أبخل عليك بالهداية. # يا هذا! شكوت إليك أوائل هذه العلة التي قد تخونتني ونهكتني وكان التلافي ~~سهلا، وباب العافية مفتوحا، فوعدت بالقيام عليها وبذل النصيحة في تدبيرها، ~~وكنت لشكري على ذلك حائزا، وبمقترحك مني فائزا، فتقاعست عني بلا عذر، ~~ووقفتني بين وصل وهجر، فلم أدر كيف أخاطبك، وعلى ماذا أعاتبك؛ لأني يئست من ~~نجوع العتاب فيك، ومن إحاكة الخطاب في قلبك؛ ولأنك مشهور بقحة، ومذكور ~~بسلاطة، ومعتاد للبهت، وجار على الكذب. # وأول ذلك أنك تدعي بنوة محمد بن زكريا من ناحية ابنته، PageV01P439 ~~وقد شاهدت محمدا وما خلف بنتا، ولا ولدت بنت لم تكن له ابنا، ولو كانت له ~~بنت وولدت ابنا لم يكن أنت، ذاك للغوائل المجموعة فيك، والعيوب المتناثرة ~~عليك. # ولك تكن العلة التي رجعت إليك في تدبيرها صرعا ولا صداعا، ولا جنونا ولا ~~جذاما، ولا صمما، ولا بكما، ولا فالجا، ولا لقوة، ولا سكتة، ولا زمانة، ولا ~~شللا، ولا أدرة، ولا علة لا يقوم ببرئها إلا المسيح الذي هو كلمة الله التي ~~ألقاها إلى مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها؛ ولم تحتج في مداواتي إلى ~~الرقى والتمائم، ولا إلى النفق في الأرض، أو إلى الطيران في السكاك، ولا ~~إلى يد بيضاء كيد موسى ابن عمران، ولا عصا موسى، ولا إلى قميص يوسف، ولا PageV01P440 ~~إلى عرش بلقيس، ولا إلى لوح من سفينة نوح، ولا إلى فلذة من كبش إبراهيم ~~الذي فدى الله به ابنه إسحق، كما قال الله تعالى: (وفديناه بذبح عظيم) ، ~~ولا إلى الصدفة التي فيها الدرة اليتيمة، ولا إلى شطبة من سنام ناقة صالح، ~~ولا إلى زبرة من زبر الحديد الذي جعل ردما ليأجوج ومأجوج، ولا إلى عس من ~~لبن بقرة بني إسرائيل التي ذبحوها وما كادوا يفعلون، ولا إلى أدمغة الطير ~~الآبابيل التي رمت بحجارة من سجيل، ولا تربة من (إرم ذات العماد التي لم ~~يخلق مثلها في البلاد) ، ولا إلى قطعة من السحاب المسخر PageV01P441 ~~بين ms158 السماء والأرض، ولا إلى لمعة من البرق الذي يخطف الأبصار، ولا إلى ~~مثقال من صوت الرعد الذي يسبح بحمده تعالى، ولا إلى ذرة من الشمس التي جعلت ~~ضياء للعالمين، ولا إلى قبضة من القمر الذي جعل نورا لأهل الخافقين، ولا ~~إلى صبغ من الأصباغ التي تظهر في قوس قزح غب الأنداء المتصلة، ولا إلى ~~مثقال من السراب الذي يحسبه الظمآن ماء، ولا إلى شيء من شحم الذئب الذي لم ~~يأكل يوسف، ولا إلى ناب الكلب الذي كان باسطا ذراعيه بالوصيد الذي لو اطلعت ~~عليه لوليت منه فرارا ولملئت منه رعبا، ولا إلى الكبريت الأحمر، ولا إلى ~~المومياي الأبيض الذي لا يوجد، ولا إلى PageV01P442 ~~حيلة بلنياس ولا إلى قطرات من ماء الحيوان تعجن به هذه الأدوية، ولا إلى ~~منخل تنخل به، ولا إلى ذنب شعر حمار عزير الذي أماته الله مائة عام ثم ~~بعثه، فتنخل به العقاقير، ولا إلى مرارة العنقاء المغرب التي لم تر قط، ولا ~~إلى مخ البعوض، ولا إلى بيض الأنوق، ولم تحتج في تدبير علتي وجميع أدويتي ~~إلى نهار لا ليل بعده، ولا إلى ليل لا نهار PageV01P443 ~~بعده، ولا إلى نهار مولج في ليل، ولا إلى ليل مولج في نهار، ولا إلى زمان ~~يخرج من أن يكون ربيعا أو صيفا أو شتاء أو خريفا. # ولو ظننت أن هذه كلها أو بعضها تلزمك أو تدخل في تكلفك لآثرت الموت على ~~العافية؛ فإن في الموت خلاصا منك، ومفارقة لمثلك، ووالله ما أندب إلا حسن ~~ظني بك، ومباهاتي أهل مجلسي بفضلك، وقولي: أبو دلف وما أدراك ما أبو دلف! ~~لا تنظروا إلى هزله، فإن وراء ذلك جدا، وإن أردتم حقيقة ما أقول فافزعوا ~~إليه في حوائجكم؛ فإنكم تجدونه في قضائها قبل إنهائها؛ وهو المرء الذي قد ~~جمع الله له بين المنظر والمخبر، وبين الدعوى والبينة، وبين القول والحجة، ~~وبين الضمان والوفاء، وبين الصداقة والشفقة. فما زلت أقول هذا أو شبهه، ~~وأصحابي يشيعون قولي بمثله في الظاهر، ويخالفونني بعلمهم في الباطن ms159 حتى كان ~~الفلج لهم ساعة هذه؛ لأني احتجت إلى علمك فخنت عهدي، وأقبلت عليك فأعرضت ~~عني، ووهبت لك كلي فبخلت ببعضك علي؛ " فيارب مظنون به الخير يخلف " PageV01P444 ~~ولقد استفدت بمعرفتك تجنب مثلك؛ ويقال: لم يهلك من مالك من وعظك، ومن ~~أطلعك على خبيئه من خيره وشره، فقد أراحك من طويل الفكر فيه، وكفاك خطر ~~التجربة له والسلام ". # قلت لأبي دلف: ما أجبته عن هذا الكلام؟ قال: عملت في المسودة شيئا، ثم لم ~~أجسر على إظهاره، وخفت صولته ونكايته وشره وغائلته؛ ومما قد حدث في رؤساء ~~زمانك أنهم يحقدون على الأتباع، ولا يعرفون حقهم في الخدمة والطاعة. # وكنا يوما عند ذي الكفايتين بمدينة السلام، فجرى حديث بغداد، فقال ذو ~~الكفايتين: لما رجع ابن عباد من بغداد، قال له الأستاذ الرئيس - نضر الله ~~وجهه -: كيف رأيت بغداد؟ قال: رأيت بغداد في البلاد، كالأستاذ في العباد. # وحكى أيضا في هذا اليوم عن أبيه قال: لما انصرف أهل خراسان سنة خمس ~~وخمسين وثلاثمائة أمام الغزاة من الري، بعد PageV01P445 ~~الحادثة التي جرت ودفع الله حدها، وأعاد نضارتها، أخذ الرئيس يبني حول ~~دار ركن الدولة حائطا عظيما. # فقال له علي بن القاسم العارض: هذا كما يقال: الشد بعد الضرط. # فقال: هذا أيضا جيد لئلا تنفلت أخرى. # ورأيت أبا الفتح ذا الكفايتين يسأل أبا الحسن العامري: لم طلبت النفس ~~الفرق بين المتشابهين؟ فقال العامري: لأنها في جوهرها، وما هو لائق بها ~~تأبى الكثرة وتنفر منها، وهي تحن إلى الوحدة بسوسها، وتنزع نحوها وتتقبل كل ~~ما أعانها على ذلك، ويذلل الطريق لها؛ والفرق يوضح PageV01P446 ~~سبيل الوحدة. وكلما كان الاشتباه أشد كان الفرق ألطف. وكلما كان الفرق ~~ألطف كانت أشد بحثا عنه وألهج بطلبه لأن ظفرها به يكون أعز، ونيلها مطلوبها ~~يكون أحلى. # وقال أبو الفتح يوما آخر لابن فارس المعلم: لم قال الجاحظ: " فإن الكلام ~~قد يكون في لفظ الجد ومعناه الهزل، كما يكون في لفظ الهزل ومعناه الجد "؟ ~~فلم يقل شيئا. # فقال أبو الفتح: قد صدق أبو ms160 عثمان، هذه خاصة مذاهب العرب، ولكن لم عرض ~~هذا في أخبارها، وأدنى ما فيه أن يدل على وضع الشيء في غير موضعه؟ فلم يحره ~~شيئا. # فقال هو: إن إفراز الجد من الهزل، وتمييز الهزل من الجد حتى لا يؤتى بهذا ~~في هذا، ولا بهذا في هذا لنوع من الخطر على المتكلم البليغ والقائل البين، ~~ولو جرى على ذلك كان الاقتدار يبطل الحد الملزوم، والسعة تضيق الغاية ~~المبلوغة. PageV01P447 # ولما كان البيان لا يكون بيانا، والبلاغة لا تصير بلاغة إلا بأن يكون ~~المتكلم آخذا في كل واد، قادحا بكل زناد، مستظهرا بكل عتاد، وجب أن يدخل ~~الهزل في الجد إمتاعا واستمتاعا، ويدخل الجد في الهزل اقتدارا واتساعا. # قال ابن فارس: وأي خصوصية تكون في هذا، ونحن بالفارسية نرى هذا المذهب، ~~ولعل سائر اللغات على ذلك؟ فقال: القول كما قلت، ولكن أين مزية كلام العرب ~~على جميع ما لأصناف العجم؟ ثم قال: إن الغرض الأول في الكلام الإفادة، وجل ~~الأمم على هذا. والثاني تحسين الإفادة، ثم التحسين تارة يكون بمعاني ~~التوكيد، وتارة يكون بمعاني الحذف، وتارة يكون بوزن اللفظ، وبتعديل الوزن، ~~وبتسهيل المطالع، وبتيديل المقاطع؛ وهذه الأنواع غيرها مما يطول إحصاؤه؛ ~~وهو للعرب خاصة، ولباقي الأمم عامة. # ثم قال: وقد اشتمل القرآن على هذا كله، وعلى ضروب أخر لم تن في عادة ~~القوم فاشية ولا كثيرة، ولكن كالشيء البديع، ألا ترى أنك لا تجد شوافع هذه ~~المعاني التي في الكتاب غريبة في منثور كلامهم ولا في نظومهم؟ وأنت تعلم ~~أنهم كانوا لا يسكتون، PageV01P448 ~~وكان ولوعهم بالكلام أشد من ولوعهم بكل شيء، وكل ولوع كان لهم بعد الكلام ~~فإنما كان بالكلام. # فهل تجد معنى قوله تعالى في الإنابة عن التوحيد: (ما اتخذ الله من ولد ~~وما كان معه من إله، إذا لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض) في شيء ~~من كلام. # وكذلك أيضا لا تجد ما يشبه قوله عز وجل: (لو كان معه آلهة كما تقولون إذا ~~لابتغوا إلى ذي العرش ms161 سبيلا) . # وكذاك أيضا لا تجد ما يقارب قوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) . # وكذلك لا تجد ما يداني قوله: (وما ننزله إلا بقدر معلوم) ، أو قوله: ~~(وأنزلنا من السماء ماء بقدر) . ثم تدبر قوله: (إنا PageV01P449 ~~صببنا الماء صبا) ، وقال: (ثم شققنا الأرض شقا) ، وقال: (فسالت أودية ~~بقدرها) ، وقال: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك ~~التي تجري في البحر بما ينفع الناس) ، وقال: (وفي خلقكم وما يبث من دابة ~~آيات لقوم يوقنون) ، وقال: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه، قال: من يحيي العظام ~~وهي رميم، قل: يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) ، وقال: (الذي ~~جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون) ، وقال: (يأيها الناس ~~إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من ~~مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء PageV01P450 ~~إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا، ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من ~~يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا، وترى الأرض هامدة فإذا ~~أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج) ، وقال: (ومن آياته ~~أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) . وقال: (إن الذي ~~أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير) . # ثم قال: وهذا سبك بديع، وأسلوب معجز؛ ولو كانت العرب نغمت بهذه المعاني ~~بعبارات دون عباراتها، أو حلمت بهذه العبارات بمعان دون معانيها، لكنا نقف ~~ونترجح، ونرتاب ونضطرب، فأما وشيء لا يصاب لهم، لا على وجه التشبيه ولا على ~~التحقيق فماذا يبقى؟ ثم هب أنهم كانوا مصروفين عنها في الأول وهم لا يأبهون ~~لها، هلا تصرفوا فيها في الثاني وقد تحدوا بها؟ إن هذا لواضح. PageV01P451 # وكان مع شبابه وكثرة أشغاله مليئا بهذا الفن، ولقن أكثره من معلمه ابن ~~فارس؛ فإنه قد ذلل هذا وأشباهه له، وكان ينتصب للناس في جامع الري، ويفسر ~~القرآن، ويتكلم على وجوهه ms162 ونظائره وتأويلاته، وزاد هو أيضا أعني أبا الفتح ~~بقوته كشفا لغامضها، وإبانة لما خفي منها؛ وكان على كل حال أمثل طريقة من ~~والده أبي الفضل الذي سمع ينشد هازئا: # ومدع يدعي بالسيف حجته %~% ما حجة السيف إلا حجة البطل # وينشد: # لعن الله ذا العصا فلقد كا %~% نت لقفل الناموس كالمفتاح # وهذا كله دليل على سوء الضمير، وخبث العقيدة، وشدة المجاهرة. # قال أبو الفتح يوما لأبي سليمان: قال أبو عثمان في رسالته في PageV01P452 ~~" التربيع والتدوير " إلى ابن عبد الوهاب: " لم صرنا تنذكر الشيء المهم ~~فلا نقدر عليه حتى ندعه يأسا منه أجمع ما نكون نفسا وأحسن ما نكون تدبرا، ~~ثم يعارضنا ويخطر على بالنا في حال شغل أو حال نوم، وأسهى ما نكون عنه وأقل ~~ما نكون احتفالا به ". وأنا أحب أن أسمع من الشيخ فيه قولا. # فقال أبو سليمان: ليست النفس على قدرة إرادة الإنسان منها، بل الإنسان ~~على قدر مراد النفس؛ لأن النفس هي مالكته ومدبرته ومقومته ومتممته ومحركته؛ ~~فلو كان الإنسان إذا أراد إذكارها أذكرها، وإذا أراد إنساءها أنساها، كانت ~~النفس تحت ملكة الإنسان وجارية على إرادته، ومتصرفة بتصريفه وإرادته، إنما ~~هي منها ويقوم هو بها، وكما له من جهتها، وتمامه من معونتها. # فلهذه الحال قد يتذكر الشيء فلا يجد من النفس إجابة له في ذكر PageV01P453 ~~ذلك الشيء، وقد يسهو عن ذلك الشيء فيلقى عليه أغفل ما يكون عنه لأنه ~~موجود عندها عتيد قبلها، وإنما يكون هذا منها في الفينة بعد الفينة؛ ولو لم ~~يتذكر الإنسان شيئا جملة، لكانت النفس الناطقة مغمورة، ولو تذكر كلما شاء ~~لكان قد صفا كل الصفاء، فأما وقف بين هاتين المنزلتين تذكر مرة فذكر، وسها ~~مرة فحصر. # وطال كلامه في حديث النفس، واتسع في فنون منه. # فلما انتهى قال له أبو الفتح: عين الله عليك أيها الشيخ! أنت كما قال ~~الأحوص: # إني إذا خفي الرجال وجدتني %~% كالشمس لا تخفى بكل مكان PageV01P454 # إني على ما قد علمت محسد %~% أنمي على البغضاء والشنآن # ما تعتريني ms163 من خطوب ملمة %~% إلا تشرفني وترفع شاني # فإذا تزول تزول عن متخمط %~% تخشى بوادره لدى الأقران # فلله درك ودر زمان أنت من أهله. # فقال أبو سليمان: سعادة ذي الكفايتين هي التي نعشتني عنده، وهيأت وصفي ~~على لسانه، وزودتني فخرا بخدمته، وأبقت ذكري منوها بذكره؛ ولقد كنت غضيض ~~الطرف حتى رأيته، كليل اللسان حتى وصفته، مبخوس الحظ حتى عرفته، خامل الذكر ~~حتى خدمته. وإن فسح الله في المدة فسأستقبل خلق العيش جديدا، والحق مفقود ~~المنى موجودا. # وحدثني الخليلي قال: أول ما عيب على هذا الفتى أنه بعد موت أبيه أبي ~~الفضل، أمر PageV01P455 ~~بأن ينقل المطبخ إلى دار النساء، فقال الناس: الحمد لله، صار الطعام حرا ~~والخبز عورة، والقدر والغضار حرمة. # والله ما أراد بهذا إلا أن يصان الخبز كما تصان ذوات الخمر وصواحب ~~المقانع، وإن هذه لغيرة وضعت في غير موضعها. ثم أنشد لدعبل قوله: # صدق أليته إن قال مجتهدا %~% إي والرغيف فذاك البر من قسمه # وإن هممت به فافتك بخبزته %~% فإن موقعها من لحمه ودمه PageV01P456 # ما كان أحسنه لو أن غيرته %~% على جراذقه كانت على حرمه # قال الخليلي: كنت واقفا في صحن داره خلف شجرة كبيرة، والزمان قيظ، ~~والهاجرة محتدمة، وهو أيضا واقف تجاه تلك الشجرة لا يلحقني طرفه. فقال ~~لخادم بين يديه: قد جعت فأصلحوا الطعام، وصيحوا بهؤلاء الأكلة الطغام. # قال: فنزت في نفسي أنفة سدت ما بيني وبين السماء، فرجعت القهقري ألقط ~~قدمي حتى صرت إلى الباب، وفت إلى المنزل؛ وطلبت فاحتجبت، ثم طلبت فاحتجيت، ~~وقلت: سقطت من عالي السطح، وانكسرت ساقي؛ وبقيت على هذه التعلة حتى فرج ~~الله بالقبض عليه. # قال: وهذا عرق كان ينبض فيه عن أبيه؛ فإن أباه كان غاليا في هذا الخلق، ~~وكان يكابد من ستر هذا الداء على نفسه أمرا عسيرا. ولقد PageV01P457 ~~حضر ابن بندار يوما، وكان يأكل معه، فنظر إلى غضارة قد ملئت ثريدا فأنشد: # ثريد كأن الشمس في حجراته %~% نجوم الثريا أو عيون الضياون # فقال: أف، لعن الله قائله! فقال ابن ms164 بندار: قائله حسان بن ثابت، والنبي ~~عليه السلام لا يرضى بلعن من يقول له حاضا على جواب المشركين: " قل ومعك ~~روح القدس ". فسكت خزيان. # وكان ينجم من قلبه في الوقت بعد الوقت بغض العرب والأكلة؛ PageV01P458 ~~أنشد يوما بيتا، وقال: أحب أن أعلم ما يريد الأعرابي بقوله: # ترى ودك السديف على لحاهم %~% كلون الراء لبده الصقيع # قال: وما انتصف منه أحد كأبي العباس ابن بندار؛ فإنه جرى ليلة حديث العرب ~~والقبائل والأنساب. فقال أبو الفضل: أسد عرق وشيج ورحاك ونشيج وطراز نسيج، ~~فقال ابن بندار: # إذا أسدي جاع يوما ببلدة %~% وكان سمينا كلبه فهو آكله PageV01P459 # فتغافل أبو الفضل كأنه لم يسمع، وكان حليما حمولا لئيما ذلولا. # وقال: أحدثك من حلمه بأعجب من هذا؛ كنا بأذربيجان لما افتتحناها لإبراهيم ~~بن المرزبان وقررناها في يده اتفق أن ظفرنا هناك بطبيب نصراني بغدادي حسن ~~الحذق، بارع الصناعة، مشهود له بصواب الرأي وجودة التدبير، فأدناه أبو ~~الفضل ورضي هديه، وحمد رأيه وقوله، وكان يخصه بالبر والتحفة؛ فكان من أمره ~~أن أبا الفضل شرب غداتئذ قدحا من شراب الرمان، فبقي في أسفل القدح قليلا، ~~ومد يده إلى الطبيب يناوله، تكرمة له، ويقول له: اشرب هذه البقية. # فقال له الطبيب: " نهى نبيكم عن سؤر الكلب "، وأمسك عن القدح. # فاصفر وجه أبي الفضل، ولم ينطق بكلمة، ولا أساء إليه، ولا اعتذر ذاك من ~~فرطته. PageV01P460 # ولتدافع الحديث ما أخرج من ذكر هذا إلى شأن ذاك. ولقد اضطرب علي نسج ~~الرسالة على مذهب المصنفين، ولكن عذري بين، لأني نقلت ما نقلت في وقت صعب ~~وحال عوراء. # سألت العتابي، شيخا من أهل أصفهان كان صحب ابن عباد في أيام الحداثة، عن ~~ترك ابن عباد الشراب. # فقال: والله ما ترك ما ترك لله، ولكن تركه أنه كان إذا سكر افتضح ودعا ~~إلى الفجور به، ولما فشا هذا وقبحت القالة هجره، وأظهر ذلك لتقوى الله، أو ~~لوجه الله تعالى. # ورأيت ابن عباد يوما يقول لابن أبي هشام: لا تقل حرجت نفسه، إنما الحرج ms165 ~~للصدر، قال الله تعالى: (فلا يكن في صدرك حرج منه) . # فقال له: فأين أنت من قوله تعالى: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) ~~. فعرق جبينه خجلا؛ وكان ذاك سبب إعراضه عن هذا الشيخ، وانقلابه عنه ~~بالحرمان. PageV01P461 # وقال لي العتابي: كان هذا، يعني ابن عباد يقال له في المكتب: ديوجه، قال: ~~وتفسيره شيطان صغير. # وقال لي ابن الرازي: كلمته في شيء يوما، وقلت في عرض الكلام: " وكان ذلك ~~لانطلاق لسانه "، فقال له: " اخسأ، الانطلاق في الشيء والطلاقة في اللسان ~~". # قال: فقلت له: ما تصنع بقول الأول وهو يزيد بن الصعق يخاطب النابغة ~~الذبياني: # وأي الناس أغدر من شآم %~% له صردان منطلق اللسان PageV01P462 # قال: فخمد وحقد. # هكذا قال بفتح القاف، وكان فصيحا. # وقال يوما في المجلس، وهو يحدث عن رجل أعطاه شيئا فتلكأ في قبوله: " ولا ~~بد من شيء يعين على الدهر " ثم قال: قد سألت جماعة عن صدر هذا البيت فما ~~كان عندها ذاك. فقلت: أنا أحفظ ذاك. # فنظر إلي بغضب وقال: فما هو؟ قلت: قد نسيته. # قال: ما أسرع ذكرك من نسيانك. # قلت: ذكرته والحال سليمة، فلما حالت على سلامتها نسيت. PageV01P463 # قال: وما حيلولتها؟ قلت: نظر الصاحب بغضب، فوجب في حسن الأدب أن لا يقال ~~ما يثير الغضب. # فقال: ومن تكون حتى يغضب عليك؟ دع هذا وهات! قلت: قال الشاعر: # ألام على أخذ القليل وإنما %~% أصادف أقواما أقل من الذر # فإن أنا لم آخذ قليلا حرمته %~% ولا بد من شيء يعين على الدهر # فسكت. # وكان ابن عباد ورد إلى الري سنة ثمان وخمسين مع مؤيد الدولة، وحضر مجلس ~~ابن العميد أبي الفضل، وجرى بينه وبين مسكويه كلام، ووقع تجاذب. # قال مسكويه: فدعني حتى أتكلم، ليس هذا نصفة، إذا أردت أن لا أتكلم فدع ~~على فمي مخدة. # فقال له: أنا لا أدع على فمك مخدة، ولكن أدع فمك على المخدة. وطارت ~~النادرة، ولصقت وشاعت وبقيت. PageV01P464 # فأما حديث ابن عباد مع أبي عبد الله الحصيري فمن الطرائف؛ كان هذا ~~الحصيري ms166 من أسقط الناس وأنذلهم، فلما ورد ابن عباد الري تقرب إليه وعرض ~~نفسه عليه، وسأل أن يلقنه المذهب، فحقره ابن عباد، وكان لا يهش له. # فجعل الحصيري يقف في الأسواق والشوارع العظام، والمربعات الكيار، وينادي ~~بصوت جهير ويقول: ادعوا الله للصاحب الجليل، إسماعيل الذي ليس له في الدنيا ~~عديل! ثم يقول بالفارسية: فإنه قد بسط العدل، وأحيا العلم، وبث المكارم، ~~وآوى الغرباء؛ لا يشرب الخمر، ولا يعفج الغلمان، ولا يخلو بالمردان، ولا ~~يتقحب بالنساء، ولا ياخذ الرشا، ولا يقبل المصانعات؛ نهاره في الملك، وليله ~~في دراسة العلم. # وأشباه هذا الكلام الشنيع. # وكان المنظر عجيبا، والمسمع أعجب. وكان أهل الري يقفون PageV01P465 ~~ويسمعون ويضحكون ويسخرون، والبلد يغلب على أهله النوادر والعيارة. # فلما توالى ذلك منه، نمي إلى ابن عباد، وشنع به على الحصيري، واستؤذن فيه ~~لينهى عنه ويزجر. # فقال: لا تفعلوا فإن باله ينكسر، ونشاطه يذهب، دعوه على شدته في المذهب ~~وحدته على أهل الكذب. # وكان له آخر يلقنه بالفارسية، ويقال له: اجلس في الأسواق عند الباقلاني ~~وعند الصيدلاني، وعند المراق، وعند الهراس، واطرح له حسن " العدل والتوحيد ~~"، وادعه إلى المذهب، ولك مشاهرة تدر عليك، وبر في كل وقت يصل إليك، ولك ~~الجاه العريض في الوصول إلي، والخلوة معي؛ وكان يقال لهذا الرجل الفقاعي. PageV01P466 # ورأيت آخر يقال له أبو علي الإسكاف، وكان أشف من الفقاعي، على هذا؛ وكان ~~يقال لهؤلاء دعاة الصاحب، وخاصة الصاحب. # واجتهد بالحسين المتكلم الكلابي أن ينتقل إلى مذهبه، فتلطف حسين وقال: ~~أيها الصاحب! دعني حتى أكون مشحذا لك، فما بقي غيري، وإن دخلت في المذهب لم ~~يبق بين يديك من تنثو عليه قبيحه، وتبدي للناس عواره. # فضحك من كلامه وقال: قد أعفيناك يا أبا عبد الله، وبعد ما نبخل عليك بنار ~~جهنم، اصل بها كيف شئت! قال لنا حسين بعد ذلك: يا قوم! أتراني أصلى بنار ~~جهنم وعقيدتي وسيرتي معروفتان، ويتبوأ هو الجنة مع قتل الأنفس المحرمة، ~~وركوب المحظورات العظيمة؟ إن ظنه بنفسه لعجب، والله لو كان من ms167 المرجئة لكان ~~مخوفا PageV01P467 ~~عليه، فكيف وهو يدعي الوعيد، ويخوف بالتخليد؟ لحا الله الوقاح. # وقال يوما: ما صدر قول الشاعر: # والمشرب العذب كثير الزحام؟ %~% # فسكت الجماعة. # فقال: قد - والله - فشا النفص، وذهب الحفظ، ومات الأدب. # فقال ابن الرازي: صدره: # يزدحم الناس على بابه %~% # فأقبل عليه بغيظ، وقال: ما عرفتك إلا متعجرفا جاهلا، أما كان لك بالجماعة ~~أسوة؟ وسمعته يقول: كان أبو الفضل مطبوعا على معرفة الشعر، وكان PageV01P468 ~~لا يخفى عليه جيده من رديه، وكان يعجب بقول الشاعر: # وجاءت إلى باب من السجف بيننا %~% مجاف وقد قامت عليه الولائد # لتسمع شعري وهو يقرع قلبها %~% بوحي تؤديه إليها القصائد # إذا سمعت معنى لطيفا تنفست %~% له نفسا تنقد منه القلائد # ثم قال: هذا والله القول، وأنا أعجب بقول الآخر حين يقول: # ما زلت أهواك سؤل قلبي %~% ما دمت بين الأنام حيا # وكيف يسلو هواك قلب %~% سقيته من هواك ريا # أولى لك الله ثم أولى %~% أما خشيت العقاب فيا # جئت إلينا بغير وعد %~% يا حب من زارنا بديا # حتى إذا ملكت قلبي %~% وازددت حسنا نعم وزيا # نفرت نفر الظباء عنا %~% فصار من دونك الثريا PageV01P469 # وسنوسع هذه الرسالة بعد هذا التطويل ببعض ما يكون حجة أو عذرا، وإن اعترض ~~حديث سقناه على غره، وعرضناه على حلوه ومره، ولولا أن الفائدة - أبقاك الله ~~- في سماع هذه الأشياء ومعرفة هذه الأحوال أضعاف الفائدة في الإضراب عنها، ~~لكان السكوت ممكنا، والإمساك مستطاعا، والسلم واقعا، والإعفاء سهلا؛ ولكن ~~الخيرة لا تقع، واليقظة لا تستحكم، والطبع لا يرتاض حتى تتصفح الأمور، ~~وتتعقب الدهور، وتأخذ نصيبك من الاعتبار، وتبعث همتك على محمود الاختيار؛ ~~والشاعر يقول: # ومن يطل عيشه لا تلقه غمرا %~% وفي الحوادث والأيام تجريب # وقال آخر: # أخو خمسين مجتمع أشدي %~% ونجذني مداورة الشؤون PageV01P470 # وقال آخر: # ألم تر ما لاقيت والدهر أعصر %~% ومن يتمل العيش يرأ ويسمع # وقال لي أصحابنا حين وقف على جرامة هذا الكلام: قد كشفت طائفتين كبيرتين، ~~وحملتهما على عداوتك والإرصاد لك، يعني المتكلمين والمتفلسفين؛ فإن هذه لا ~~تصبر ms168 لك على ثلبك ابن عباد، وهذه لا تسكت عنك في نيلك من ابن العميد. # فقلت له: متى كان الخصم منصفا، وكان مدلا بالحق متوقفا، فإن القول معه ~~يسهل، والجدل يخف، والحديث يفيد؛ وهل أنا إلا كمن قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حديث: يا رسول الله: رضيت فقلت أحسن ما عرفت، وغضبت فقلت أقبح ~~ما عرفت. فلم ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنا أروي لك القصة ~~لتكون الفائدة أظهر، والحجة أنور. PageV01P471 # قال عمرو بن الأهتم للزبرقان، حين قال له النبي عليه السلام: ما علمك ~~فيه؟ قال: أعلم أنه قد نجمت له مروة، وأنه مطاع في قومه، وأنه مانع لما ~~وراء ظهره. # فقال الزبرقان: أما والله لقد ترك ما هو أفضل من هذا. # فقال عمرو: أما إذا قال ما قال فهو ما علمت أحمق الأب، لئيم الخال، زمر ~~المروة، حديث الغنى؛ ولقد صدقت في الأولى، وما كذبت في الأخرى. # وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فقال عمرو: يا رسول الله! لقد غضبت فقلت أقبح ما عرفت، ورضيت فقلت أحسن ~~ما عرفت. # فقال النبي صلى الله عليه: " إن من البيان لسحرا ". # فهذا هذا، على ما رواه ابن الأعرابي. # ومن أظلم ممن طلب من الساخط ما لا يوجد إلا عند الراضي، وطلب من الراضي ~~ما لا يصاب إلا عند الساخط؟ ومن كان كذلك فقد رد الأمور PageV01P472 ~~على أعقابها، وأتى المطالب من غير أبوابها. ولكل واحد من الراضي والساخط ~~شاكلة يعمل عليها، وشيمة يظهر بها. على أني ما بهرجت مذهب المتكلمين، ولا ~~زيفت مقالة المتفلسفين. وإنما قلت في أولئك إنهم ادعوا " العدل " وعملوا ~~بالجور، وأمروا بالمعروف وركبوا المنكر، ودعوا الناس إلى الله بالقول ~~ونفروا عنه بالفعل، ولم يرجعوا فيما نصروه وذبوا عنه إلى ورع ظاهر وتحرج ~~معروف، ويقين لا خلاج فيه، كما كان عليه سلفهم وأعلامهم؛ واصل، وعمرو، ~~والحسن ومن جرى مجراهم. # وهذا ما لا أحتاج إلى الاعتذار منه؛ فإني سمعت الديانين منهم يقولون هذا ~~فيهم، ويرونه من ms169 الداء الذي قد أعضل عليهم. PageV01P473 # ثم إني ما رأيت أحدا سكت عن أحد من سفهائهم تغافلا عنه أو حصرا له إلا ~~ورأيته يقول ويطنب في ابن عباد غير خاش ولا متحاش، لعظم الآفة به على ~~المذهب، وتفاقم الأمر بمكانه على أهله. # وما قولي هذا فيهم إلا كقولك يوم اجتماعنا في مقبرة معروف الكرخي لبعض ~~الشيعة: لو كنت دائنا بحب آل الرسول معتقدا لشرف العترة راجعا إلى صحة ~~السريرة والعقيدة لظهر ذلك في عفتك وورعك، وصلاتك وصيامك، وحجك، وعبادتك ~~واجتهادك، وصدقتك ومواساتك؛ مع إحياء الليل وإظماء النهار، واقتداء بالذين ~~إياهم تحب، وعنهم تذب؛ ولم تكن تقنع من جميع محاسن المذهب بسب السلف وتضليل ~~الأمة، وثلب الصالحين وتكفير السابقين وتدنيس الطاهرين. PageV01P474 # فقولك لهذا الرجل الشيعي هو قولي للمتكلم إذا كان دعيا، ولم يكن في مذهبه ~~برا تقيا. # وأما ابن العميد، فمن هذا الذي يتفلسف على بصيرة ومعرفة، وهو يرضى سيرته، ~~ويحمد هديه، ويراه قدوة ويعده سعيدا؟ كأن الفلسفة إنما تكون بالدعوى ~~باللسان، من غير عمل ومعاناة ورياضة، وقمع للشهوات إذا غلبت، وردع للنفس ~~إذا طغت، واستصلاح للأمور بالعدل المؤثر فيها، وطلب السعادة والفوز في ~~العاقبة على ما رسمه علماؤها، وحققه حكماؤها. # هيهات! ظن لا تسافر فيه العين، وقول لا يصبر على لفح الكير. فليت شعري ~~بعد هذا من الخصم الذي يركب البهت، ويدفع العيان، ويسحر العقول، ويطرح ~~الأذهان، ويقول: ليس القول بالعدل والتوحيد، والأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر إلا ما هو عليه ابن عباد، ولا الفلسفة إلا ما كان يختاره ابن ~~العميد؟ PageV01P475 ~~هذا ما لا يقوله أحد ممن له عقل ونهى، ولا يجترئ عليه من له حجر وحجا، ~~خاصة إن كان ممن يرب مروته بالحق، ويصون كلمته عن الكذب، ويغار على عقله من ~~تعنيف معنف، ويأنف لنفسه من لومة لائم. # سمعت القاضي أبا حامد المروروذي يقول، وكان سيد الفقهاء في وقته وإمام ~~أصحابه في عصره، وعجيب الفضل في جميع أموره؛ لو أن رجلين ظاهرين زكيا رجلا ~~عند الحاكم، ثم سأل الحاكم آخرين ms170 مرضيين عن ذلك المزكى بعينه فجرحاه لكان ~~الحاكم لا يقف ولا يتحير ولا يعيا ولا يحصر، ولكنه يقدم الجرح على التزكية ~~ويعمل به دونها، ويصير إليه تاركا لها؟ فإن قلت: ما الحكمة في هذا؟ # قيل لك: إن اللذين زكيا قالا بالظاهر، وربما يكثر مثله، ويغلب شبيهه، ~~وربما يتكلف في نظيره بالرياء والسمعة، والنفاق والخديعة، PageV01P476 ~~والختل والحيلة؛ فلو لم يكن هذا لأمضيت التزكية على ظاهرها، وعملت بها، ~~وسكنت إليها. فأما إذا استنظهرت فسألت آخرين مرضيين عن المزكى فجرحاه، ~~فكأنما علما من باطن أمره وخافي حاله وكنه غيبه، ومطوي شأنه ما توارى عن ~~عرفان من ركاه، وخفي على بحث من عدله. فكان هذا عندي بالقبول أولى والعمل ~~به أحرى. # هذا ما قاله هذا الرجل العالم، وهلك سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. # وابن عباد حفظك الله - ليس بصغير القدر، وابن العميد لم يكن خامل الذكر، ~~وما فيهما إلا من هو غرة زمانه، وتاريخ دهره، لنباهته وصيته، وطول أيامه ~~وامتداد دولته، ومواتاة مراده، وطاعة الناس له، وتوجه الأطماع إليه؛ فكيف ~~يجزف الحديث عنهما مجزف، ويلزق الكذب بهما ملزق، أو يدعي الباطل عليهما ~~مدع؟ هذا ما لا يطمع فيه حصيف، ولا يعمل عليه عاقل؛ ولكن حديث الدين والكرم ~~والعقل والمجد والسيرة والهدى والجود والبذل، PageV01P477 ~~ليس من حديث الجد والفتح والختال والإنفاق والدولة والسناء والمرتبة في ~~شيء. # اللهم إلى أن يكون الفضل كله عند هذا المخالف في كتاب ينشأ ومعنى يقتضب، ~~وقصيدة تنشد، ورسالة تحبر، ومسألة تتداول بالعي والبيان، ودعوى تتناقل ~~بالشبهة، وعربية تشقق تشقيقا، وكلمة تزوق تزويقا، وباطل ينصر لحاجة تدعو ~~إليه، وحق يرفض لأمر يحمل عليه، وخصم يفحم بما غث وسمن، وشبهة تركب بما ظهر ~~وبطن. # أو يكون الفضل عنده، والتمام لديه في الأمر والنهي، والعزل والولاية، ~~والقبض والمصادرة، والكيد والغيلة، والاستخراج والحيلة، والغاشية والحاشية، ~~والخدم والحشم، والدور والقصور، والمراكب والمواكب، فيكون كل ما يدعيه ~~الخصم مقبولا، وكل ما يأباه مرذولا؛ فأما أن يكون الفضل - بإحماع الأولين ~~والآخرين، والماضين PageV01P478 ~~والغابرين - في الدينونة والتأله والعفاف والتحرج ms171 والكرم، والطهارة ~~والتقزز والنزاهة والرقة والرحمة والجود والعطية والحلم والعفو والإبقاء ~~والإغضاء والوفاء والإرضاء والتغافل والتسمح والبر والتعهد، والبشر ~~والطلاقة، والدماثة والشجاعة وطلب الذكر الجميل من كل أحد، إما للساعة وإما ~~للأبد، فينبغي على هذا أن لا يكون لكلام الخصم سامع، ولا لدعواه مصدق ولا ~~لحكمه مجيز. # قلت لأبي الوفاء المهندسن وكان قد رجع من عند ابن عباد، لقيه بجرجان ~~مؤديا إليه رسالة من بغداذ، لقيته بالمرج في ليلة عمياء بالمطر والبرد ~~والثلج والسيل العرم: كيف شاهدت ابن عباد، فإنك صيرفي الناس في الناس؟ ~~فقال: يقال لمثله عندنا بنيسابور عندنا طبل هرثمي، ويقال لمثله عند إخواننا ~~ببغداد: مادح نفسه يقرئك السلام؛ وهو مع هذا عند أصحابه رقيع طيب، وعند ~~الكتاب أحمق غليظ، وعند سفلة المعتزلة واحد الدنيا، وعند الفلاسفة طائر ~~طريف، وعند الصالحين ظلوم قاس، PageV01P479 ~~وعند الله فاسق عاص، وعند أهل بلده أفاك أثيم، وعند الجمهور شيطان رجيم. # وقلت لأبي السلم تحية بن علي الشاعر القحطاني: أين ابن عباد من ابن ~~العميد؟ فقد زرتهما منتجعا، وزرتهما جميعا. # فقال: كان ابن العميد أعقل، وكان يدعي الكرم، وابن عباد أكرم، وهو يدعي ~~العقل؛ وهما في دعوييهما كاذبان، وعلى سجيتهما جاريان. # أنشدت يوما على باب ذاك قول الشاعر: # إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ %~% جمال ولا مال تمنى انتقالها # وما ذاك من بغض لها غير أنه %~% يؤمل أخرى وهو يرجو زوالها PageV01P480 # فرفع إليه إنشادي، فأخذني وأوعدني، وقال لي: انج بنفسك فإني رأيتك بعد ~~هذا أولغت الكلاب دمد. # وكنت قاعدا على باب هذا منذ أيام فأنشدت البيتين على سهو، فرفع إليه ~~الحديث، فدعاني ووهب لي دريهمات وخريقات، وقال: لا تتمن انتقال دولتنا بعد ~~هذا. # وأبو السلم هذا من أغزر الناس في الشعر، يحفظ الطم والرم، وكان طيب ~~الإنشاد، رخيم النغمة. أنشدني لابن حسان: # إن الجديدين في طول اختلافهما %~% لا يفسدان ولكن يفسد الناس # لا تطمعا طمعا يدني إلى طبع %~% إن المطامع فقر والغنى الياس # للناس مال ولي مالان مالهما %~% إذا تحارس أهل المال، ms172 حراس # مالي الرضا بالذي أصبحت أملكه %~% ومالي اليأس مما يملك الناس PageV01P481 # وقال لي الخليلي: الرجل مجنون، يعني ابن عباد، وفي طباع المعلمين. سمعته ~~وهو يقول للتميمي الشاعر: كيف تقول الشعر؟ وإن قلته كيف تجيده؟ وإن أجدت ~~كيف تغزر فيه؟ وإن غزرت فيه فكيف تروم غاية وأنت لا تعرف ما الزهلق وما ~~الهبلع، وما العثلط، وما الجلعلع، وما القهقب، وما الطرطب، وما القهبلس، ~~وما الخيسفوج، وما الخزعبلة، وما القذعملة، PageV01P482 ~~وما العرومط، وما السرومط، وما الدودرى، وما المكورى، وما العفشليل، وما ~~القفشليل، وما الجلعبى، وما القرشب، وما الصقعل، وما الجردحل، وما ~~الدردبيس، وما الطرطبيس، وما العلطميس، وما PageV01P483 ~~الجرعبيل، وما الخنعبيل، وما العباريد، وما العبابيد، وما العباديد، وما ~~النقاب، وما الجرفاس، وما اللووس، وما النعثل، وما الطربال؟ وما معنى: إنه ~~لظريف ولا تباعة؛ وما الفرق بين العذم PageV01P484 ~~والرذم، والحدم والحذم، والخصم والقضم، والنضح والرضح، والقصم والفصم، ~~والقصع والفصع، وما العبنقس، وما الفلنقس، وما الوكواك والزونك، PageV01P485 ~~وما الخيتعور، وما السيتعور، وما اليستعور، وما الحرذون، وما الحلزون، ~~وما القصدر، وما الجمعليل. قال الشاعر: # جاءت بخف وحتين ورجل # جاءت تمشي وهي قدام الإبل # مشي الخمعليلة بالحرف النقل # قال: ورأيت بعض الجهال باللغة يصحف هذا ويقول: # بخف وحنين ورخل # قلت للخليلي: من عني بهذا؟ قال: عني ابن فارس معلم ابن العميد أبي الفتح. # قال الخليلي: أفهذا الضرب من الكلام مما يجب أن يفتخر به، PageV01P486 ~~ويتدفق به، إنك يا أبا حيان لو رأيته يميس وهو يهذي بهذا وشبهه، ويتفيهق ~~فيه، ويلوي شدقه عليه، ويقذف بالبزاق على أهل المجلس، لحمدت الله تعالى على ~~العافية مما بلي به هذا الرجل. # وبعد فما بين الشاعر وبين هذا الضرب؟ الشاعر يطلب لفظا حرا، ومعنى بديعا، ~~ونظما حلوا، وكلمة رشيقة، ومثالا سهلا، ووزنا مقبولا. # قلت للخليلي: فما بال الناس، مع علمهم برقاعته وجنونه، قد لزموا فناءه، ~~وتزاحموا على بابه؟ فقال لي: يا هذا! خلت الدنيا من الكرم والكرام، واصطلح ~~الناس على قلة المباهاة بالفضائل، وكان هذا كله منوطا بالخلافة، فانقضت ~~أيام الصدر الأول ms173 بالدين الخالص، وأيام بني مروان بالرياء والسمعة، وأيام ~~بني العباس بالمروات والتوسع في الشهوات، ولم يبق بعد هذا شيء. # ولا بد للناس من الانتجاع، أخصبت البلاد أم أجدبت، والحرف لا تسع الخلق، ~~والمرتبة الواحدة لا تحفظ النظام، ولا بد للناس من التقسم بين الرفعة ~~والضعة، وعلى ما بينهما من الأحوال؛ على أن الكرم والعطاء، والبذل وحب ~~الثناء، والهزة والأريحية أمور قد فقدت منذ زمان، PageV01P487 ~~وقامت عليها النوادب في كل مكان. هذا ثمامة المتكلم يحكي بلسانه، وهو ~~صاحب المأمون، قال: دخل النوشجاني على المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين! ما ~~في بيت مال الصدقات درهم، وقد كثر الغارمون. # فقال المأمون: وكيف لا يكثرون وثلاثة أرغفة بدرهم، وها هنا أناس لا حرفة ~~لهم، وا إفضال من موسريهم على معسريهم؟ أما والله لقد شهدت أيام الرشيد ~~والخراج أقل وأرذل، وإن فيها لأكثر من مائة يد بالخير طويلة، وبالعطايا ~~سائلة، وللمعروف باذلة، وللأرحام واصلة. # وروى عن سابق بني هاشم في هذا أعجب كلام، قال: والله لو علم الله أن غنى ~~فقرائكم في أكثر من زكوات أغنيائكم لفرض لهم ذلك. فتبارك الله رب العالمين. PageV01P488 # أين أولئك البرامكة؟ وأين نحن منهم اليوم؟ كان معروفهم يسع الصغير ~~والكبير، ويهم الغني والفقير، مرذة يغرف ومرة ينزف، ما لهم هم إلا تثميره. # ومن أولئك زبيدة بنت جعفر وابنها، إني والله لأحسبهما فرقا من المال فيمن ~~لجأ إليهما وطلب معروفهما أكثر كم ألف ألف ألف دينار؛ ولقد كان لمن ذكرت ~~بطانة، وللبطانة بطانة، وكان لهم من المعروف والبذل في الجار والحميم ~~والسائل وابن السبيل ما لو أحصي لطال ذكره وعظم قدره؛ فما بالعراق اليوم من ~~يجود بدرهم ولا رغيف، أو ليس من انقلاب الزمان أن صار عبد الله بن بشير أحد ~~أجواده، وأحد أبواب المعروف؟ فما ظنكم بنا وقد حشرنا في زمرة واحدة؟ ثم ميز ~~أهل كل زمان! فإذا نظر إلى أهل زماننا لم يقم في المباهاة إلا عند الله ~~ومالك ابن شاهي! " إنا لله وإنا إليه راجعون ". PageV01P489 # اكتب لهم إلى ms174 البلدان. وانظر من كان منهم محتملا فارم به إلى الأطراف ~~وأجنحة الثغور، ومن قل ماله ورث حاله، وقعد به العدم عن الحركة الشاسعة فلا ~~تجاوز به الموصل والبصرة، وفرق فيهم ألف درهم، وعجل سراحهم الأول فالأول. # ثم قال لي الخليلي: حصل الآم زمانك من زمان المأمون حين قال هذا القول، ~~وميز هذا التمييز، وداواني بهذا الدواء. والله إن هذا لعجب! حصلنا في حديث ~~ابن العميد على أن يقال: جمشك عميدي، وفي حديث ابن عباد على أن يقال: هذا ~~ركاب صاحبي؛ إني لأجد في صدري غليلا لا يبرد شيء، من ذهاب الكرم وفقد ~~الكرام وقلة المبالي بذلك. # قلت للخليلي أيضا: ومع هذا لكه أين ابن عباد من ابن العميد؟ فقد خبرت ذلك ~~بملازمتك، وعرفت هذا بتعرضك. # فقال: أما ذاك فكان لا يعطيك، ولكنه كان لا يطعمك. PageV01P490 # وأما هذا فإنه يطعمك حتى يستفرغك، ثم يرميك بالحرمان أو بعطاء شبيه ~~بالحرمان. وتفسير هذا عندك يا أبا حيان. # كيف كان علم ذاك من علم هذا؟ قال: كان ذاك يدعي الفلسفة دعوى شديدة، ولكن ~~لا ينادي عليها في الأسواق. # وهذا يدعي علم الدين، وهو يعرضه فيمن يريد. # قلت له: كيف كان ابن العميد في أمر الطعام؟ قال: كان مكبوت الأنفاس عند ~~اختلاف الأضراس، كدر الإحساس عند دوران الكاس، وهذا مما يخالف ما عليه كرام ~~الناس. # قلت: فكيف كان ابن عباد لأهل العلم؟ قال: إن كذبوه وخدعوه وموهوا عليه ~~ونافقوه وتملقوه قربهم وأدناهم، وأكرمهم وأعطاهم، وإن صدقوه وماتنوه وثبتوا ~~له أبعدهم وأقصاهم، وحرمهم وأخزاهم. PageV01P491 ### | [خاتمة الكتاب] # فما ذنبي - أكرمك الله - إذا سألت عنه مشايخ الوقت وأعلام العصر فوصوه ~~جميعا بما جمعت لك في هذا المكان؟ على أني قد سترت كثيرا من مخازيه، إما ~~هربا من الإطالة أو صيانة للقلم من رسم الفواحش، ونث العضلة، وذكر ما يسمج ~~مسموعه، ويكره التحدث به. # هذا سوى ما فاتني من حديثه، فإني فارقته سنة سبعين وثلاثمائة. # أو ما ذنبي إن ذكرت عنه ما جرعنيه من موارد الخيبة بعد الأمل، وحملني ms175 ~~عليه من الإخفاق بعد الطمع، مع الخدمة الطويلة، والوعد المتصل، والظن ~~الحسن؛ حتى كأني خصصت بخساسته وحدي، أو وجب أن أعامل به دون غيري. # قدم إلى نجاح الخادم، وكان ينظر في خزانة كتبه ثلاثين مجلدة من رسائله، ~~وقال: يقول لك مولاي: انسخ هذه فإنه قد طلب من خراسان. PageV01P492 # فقلت بعد ارتياع: هذا طويل، ولكن لو أذن لخرجت منه فقرا كالغرر، وشذورا ~~تدور في المجالس كالشمامات والدستنبويات لو رقي بها مجنوق لأفاق، ولو نفث ~~على ذي عائنة لبرئ، لا تمل ولا تستغث، ولا تعاب ولا تسترث. # فرفع ذلك إليه على وجه مكروه وأنا لا أعلم، فقال: طعن في رسائلي وعابها، ~~ورغب عن نسخها، وأزرى بها، والله لينكرن مني ما عرف، وليعرفن حظه إذا ~~انصرف. كأني طعنت في القرآن، أو رميت الكعبة بخرق الحيض، أو عقرت ناقة ~~صالح، أو سلحت في زمزم، أو قلت كان النظام ما نويا، أو كان العلاف PageV01P493 ~~ديصانيا، أو كان الجبائي بتريا، أو مات أبو هاشم في بيت خمار، أو كان ~~عباد معلم الصبيان. # وما ذنبي يا قوم إذا لم أستطع أن أنسخ ثلاثين مجلدة؟ ومن هذا الذي يستحسن ~~هذا التكليف حتى أعذره وهو يرجو بعده أن يمتعه الله ببصره أو ينفعه بيده؟ ~~ثم ما ذنبي إذا قال لي: من أين لك هذا الكلام المفوف المشوف الذي تكتب إلي ~~به في الوقت بعد الوقت. PageV01P494 # فقلت: وكيف لا يكون كما يوصف وأنا أقطف من ثمار رسائله، وأستقي من قليب ~~علمه، وأشيم بارقه أدبه، وأرد ساحل بحره، وأستوكف قطر مزنه؟ فيقول: كذبت ~~وفجرت لا أم لك! ومن أين كلامي الكدية والشحذ والضرع والاسترحام؟ كلامي في ~~السماء، وكلامك في السماد. # هذا - أيدك الله - وإن كان دليلا على سوء جدي، فإنه دليل أيضا على ~~انحلاله وتحزقه وتسرعه ولؤمه. انظر كيف يستحيل معي عن مذهبه الذي هو عرقه ~~النابض وسوسه الثابت وديدنه المألوف. # وهلا أجراني مجرى التاجر المصري والشاذياشي وفلان وفلان؟ أو ما ذنبي إذا ~~قال لي: هل وصلت إلى ابن العميد أبي ms176 الفتح ببغداذ؟ فأقول: نعم رأيته وحضرت ~~مجلسه وشاهدت ما جرى له، وكان من حديثه فيما مدح به كذا وكذا، وفيما تقدم ~~منه كذا وكذا، PageV01P495 ~~وفيما كفى فيه كذا وكذا، وفيما تكلف من تقديم أهل العلم واختصاص أرباب ~~الأدب كذا وكذا، ووصل أبا سعيد السيرافي بكذا وكذا، ووهب لأبي سليمان ~~المنطقي كذا وكذا؛ فيزوي وجهه ويتكره حديثه، وينجذب إلى شيء آخر ليس مما ~~شرع فيه، ولا مما حرك له. ثم يقول أعلم أنك إنما انتجعته من العراق، فافرأ ~~علي رسالتك التي توسلت إليه بها، وأسهبت مقرظا فيها، فأتمانع فيأمر ويشدد، ~~فأقرؤها فيتقد ويذهل. # وأنا أكتبها لك ها هنا لتكون زيادة في الفائدة. # بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم هيء لي من أمري رشدا، ووفقني لمرضاتك ~~أبدا، ولا تجعل الحرمان علي رصدا. # أقول وخير القول ما انعقد بالصواب، ما تضمن الصدق، وخير الصدق ما جلب ~~النفع، وخير النفع ما تعلق بالمزيد، وخير المزيد ما بدا عن شكر، وخير الشكر ~~ما بدا عن إخلاص، PageV01P496 ~~وخير الإخلاص ما نشأ عن إيقان، وخير الإيقان ما صدر عن توفيق. # لما رأيت شبابي هرما بالفقر، وفقري غنى بالقناعة، وقناعتي عجزا عند ~~التحصيل، عدلت إلى الزمان أطلب إليه مكاني فيه، وموضعي منه، فرأيت طرفه عني ~~نابيا، وعنانه عن رضاي مثنيا، وجانبه في مرادي خشنا، وإنفاقي في أسبابه ~~سيئا، والشامت بي على الحدثان متماديا؛ طمعت في السكوت تجلدا، وانتحلت ~~القناعة رياضة، وتألفت شارد حرصي متوقفا، وطويت منشور أمري متنزها، وجمعت ~~شتيت رجائي ساليا، وادرعت الصبر مستمرا، ولبست العفاف محمودا، واتخذت ~~الانقباض صناعة، وقمت بالعلاء مجتهدا. # هذا بعد أن تصفحت الناسفوجدتهم أحد رجلين: رجلا إن نطق عن غيظ ودمنة، وإن ~~سكت سكت على ضغن وإحنة. ورجلا إن بذل كدر بامتنانه بذله، وإن منع حصن ~~باحتياله بخله؛ PageV01P497 ~~لم يطل دهري في أثنائه متبرما بطول الغربة وشظف العيش، وكلب الزمان وعجف ~~المال، وجفاء الأهل وسوء الحال، وعادية العدو وكسوف البال؛ متضرما من الحنق ~~على لئيم لا أجد منصرفا عنه، متقطعا من الشوق إلى ms177 كريم لا أجد سبيلا إليه - ~~حتى لاحت لي غرة الأستاذ فقلت: حل بي الويل، وسال بي السيل! أين أنا عن ملك ~~الدنيا، والفلك الدائر بالنعمى؟ أين أنا عن مشرق الخير ومغرب الجميل؟ أين ~~أنا عن بدر البدور وسعد السعود؟ أين أنا عمن يرى البخل كفرا صريحا، ويرى ~~الإفضال دينا صحيحا؟ أين أنا عن سماء لا تفتر عن الهطلان، وعن بحر لا يقذف ~~إلا باللؤلؤ والمرجان؟ أين أنا عن فضاء لا يشق غباره، وعن حرم لا يضام ~~جواره؟ أين أنا عن منهل لا صدر لفراطه ولا منع لوراده؟ PageV01P498 ~~أين أنا عن ذوب لا شوب فيه، وعن صدد لا حدد دونه؟ بلى! أين أنا عمن قد ~~أتى بنبوة الكرم، وإمامة الإفضال، وشريعة الجود، وخلافة البذل، وسياسة ~~المجد، نسيمه مشيمة البوارق، ونفسه نفيسة الخلائق؟ أين أنا عن الباع الطويل ~~والأنف الأشم والمشرب العذب والطريق الأمم؟ لم لا أقصد بلاده؟ لم لا أقتدح ~~زناده؟ لم لا انتجع جنابه وأرعى مراده؟ لم لا أسكن ربعه وأستدعي نفعه؟ لم ~~لا أخطب جوده وأعتصر عوده؟ لم لا أستمطر سحابه وأستسقي ربابه؟ PageV01P499 ~~لم لا أستميح نيله وأستسحب ذيله؟ لم لا أحج كعبته، وأستلم ركنه؟ لم لا ~~أصلي إلى مقامه مؤتما به؟ لم لا أسبح بثنائه متقدسا؟ لم لا أحكم في حالي؟ # فتى صيغ من ماء البشاشة وجهه %~% فألفاظه جود وأنفاسه مجد # لم لا أقصد: # فتى بان للناس في كفه %~% من الجود عينان نضاختان # لم لا أمتري معروف: # فتى لا يبالي أن يكون بجسمه %~% إذا نال خلات الكرام، شحوب # لم لا أمدح: # فتى يشتري حسن الثناء بروحه %~% ويعلم أعقاب الحديث تدوم PageV01P500 # نعم! لم لا انتهي في تقريظ فتى لو كان من الملائكة لكان من المقربين، ولو ~~كان من الأنبياء لكان من المرسلين، ولو كلن من الخلفاء لكان نعته اللائذ ~~بالله، أو المنصف في الله، أو المعتضد بالله، أو المنتصب لله، أو الغاضب ~~لله، أو الغالب لله، أو المرضي لله، أو الكافي بالله، أو الطالب بحق الله، ~~أو المحيي لدين ms178 الله. # أيها المنتجع قرن كلئه المختبط ورق نعمته، ارع عرض البطان متفيئا بظله، ~~وكل خضما ناعم البال متعوذا بعزه، وعش رخي اللبب، معتصما بحبله، ولذ بذراه ~~آمن السرب، وامحض وده بالله القلب، وق نفسك من سطوته بحسن الحفاظ، وتخير له ~~ألطف المدح، تفز بأيمن القدح؛ ولا تحرم نفسك بقولك: إني PageV01P501 ~~غريب المثوى نازح لدار، بعيد النسب منسي المكان؛ فإنك قريب الدار بالأمل، ~~داني النجع بالقصد، رحيب الساحة بالمنى، ملحوظ الحال بالحسد، مشهور الحديث ~~بالدرك. # واعلم علما يلتحم باليقين ويدرأ من الشك أنه معروف الفخر بالمفاخر، مأثور ~~الأثر بالمآثر؛ قد أصبح واحد الأنام، تاريخ الأيام، أسد الغياض يوم الوغى، ~~نور الرياض يوم الرضا، إن حرك عند مكرمة حرك غصنا تحت بارح، وإن دعي إلى ~~اللقاء دعي ليثا فوق سابح. # وقل إذا رأيته بلسان التحكم: أصلح أديمي فقد حلم، وجدد شبابي فقد هرم، ~~وأنطق لساني بمدحك فقد حصر، وافتح بصري بنعمتك فقد سدر، واتل سورة الإخلاص ~~في اصطناعي فقد سردت صفائح النجح عند انتجاعي. وقل: رش عظمي فقد براه ~~الزمان، واكس PageV01P502 ~~جلدي فقد عراه الحدثان، وإياك أن تقول: يا مالك الدنيا جد لي ببعض ~~الدنيا، فإنه يحرمك، ولكن قل: يا مالك الدنيا هب لي الدنيا. # اللهم فأحي به بلادك، وانعش برحمته عبادك، وبلغه مرضاتك، وأسكنه فردوسك، ~~وأدم له العز النامي والكعب العالي، والمجد التليد، والجد السعيد، والحق ~~الموروث والخير المبثوث والولي المنصور، والشانئ المثبور، والدعوة الشاملة، ~~والسجية الفاضلة، والسرب المحروس، والربع المأنوس، والجناب الخصيب والعدو ~~الحريب، والمنهل القريب؛ واجعل أولياءه باذلين لطاعته، ناصرين لأعزته، ~~ذابين عن حرمه، مرفرفين على حوبائه. # أيها الشمس المضيئة بالكرم، والقمر المنير بالجمال، والنجم الثاقب ~~بالعلم، والكوكب الوقاد بالجود، والبحر الفياض بالمواهب، قد سقط العشاء ~~بعبدك على سرحك فأقره من نعمتك بما يضاهي قدرك، PageV01P503 ~~وزوج هيئته تربها من الغنى، فطال ما خطب كفأها من هى. # ثم يقال لي من بعد: جنيت على نفسك حين ذكرت عدوه بخير، وبينت عنه، وجعلته ~~سيد الناس، فأقول: كرهت أن يراني مندريا على ms179 عرض رجل عظيم الخطر، غير مكترث ~~للقعة فيه، والإنحاء عليه؛ وقد كان يجوز أن أشعث من ذلك شيئا وأبري من ~~أثلته جانبا، وأطير إلى جنبه شرارة. # فيقال أيضا: جنيت على نفسك وتركت الاحتياط في أمرك؛ فإنه مقتك وعافك ورأى ~~أنك في قولك عدوت طورك، وجهلت قدرك، ونسيت وزنك؛ وليس مثلك من هجم على ثلب ~~من بلغ رتبة ذلك الرجل، وأنت متى جسرت على هذا دربت به وجعلت غيره في قرنه. PageV01P504 # فإذا كانت هذه الحالات ملتبسة، وهذه العواقب مجهولة فهل يدور العمل بعدها ~~إلا علىالإحسان الذي هو علة المحبة، والمحبة التي هي علة الحمد، والإساءة ~~التي هي علة البغض، والبغض الذي هو علة الذم؟ فهذا هذا. # وكان ابن عباد شديد الحسد لمن أحسن القول وأجاد اللفظ. وكان الصواب غالبا ~~عليه، وله رفق في سرد حديث ونيقة في رواية خبر، وله شمائل مخلوطة بالدماثة، ~~بين الإشارة والعبارة. # وهذا شيء علم في البغداديين وكالخاص في غيرهم. # حدثته ليلة بحديث فلم يملك نفسه حتى ضحك واستعاد، ثم قيل لي بعد: إنه كان ~~يقول: قاتل الله أبا حيان! فإنه نكد وإنه وإنه، وأكره أن أروي ذمي بقلمي، ~~وكان ذلك كله حسدا محضا، وغيظا بحتا. # وأروي لك الحديث، فإنه في نهاية الطيب، وفيه فكاهة ظاهرة، وعي عجيب في ~~معرض بلاغة ظريفة في ملبس فهاهة. PageV01P505 # حدثني القاضي أبو الحسن الجراحي قال: لحقتني مرة على صعبة؛ فمن طريف ما ~~مر على رأسي فيها أنه دخل علي في جملة من عاداني شيخ الشونيزية ودوارة ~~الحمار والتوثة وفقيهها أبو الجعد الأنباري، وكان من أصحاب البربهاري، فقال ~~أول ما قعد: يقع لي فيما لا يقع إلا لغيري أو لمثلي فيمن كان كأنه مني أو ~~كأنه كان على سني أو كان معروفا بما لا يعرف به إلاي أني أرى أنك لا تحتمي ~~إلا حمية فوق ما يجب، ودون ما لا يجب، وبين فوق ما لا يجب وبين دون ما لا ~~يجب فرق، والله يعلم أنه لا يعلمه أحد ممن يعلم أو لا ms180 يعلم. # الطب كله أن تحتمي حمية بين حميتين؛ حمية كلا حمية، ولا حمية PageV01P506 ~~كحمية، وهذا هو الاعتدال والتعديل والتعادل والمعادلة. قال الله تعالى: ~~(وكان بين ذلك قواما) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " خير الأمور ~~أوساطها، وشرها أطرافها "؛ والعلة في الجملة والتفصيل إذا أقبلت لم تدبر، ~~وإذا أدبرت لم تقبل، وأنت من إقبالها في خوف، ومن إدبارها في التعجب؛ وما ~~تصنع بهذا كله؟ لا تنظر إلى اضطراب الحمية ولكن انظر إلى جهل هؤلاء الأطباء ~~الألباء الذين يشققون الشعر شقا، ويدقون البعر دقا، ويقولون ما يدرون وما ~~لا يدرون زرقا وحمقا؛ وإلى قلة نصحهم مه جهلهم، ولو لم يجهلوا إذا لم ~~ينصحوا كان أحسن عند الله والملائكة، ولو نصحوا إذا جهلوا كان أولى عند ~~الناس وأشباه الناس، والله المستعان. # أنت في عافية، ولكن عدوك ينظر إليك بعين الأست، ويقول: وجهه وجه من قد ~~رجع من القبر بعد غد. وعلى حال فالرجوع من القبر خير من الرجوع إلى القبر، ~~لعن الله القبر لا بزاز ولا خباز ولا دراز ولا PageV01P507 ~~تجواز " إنا لله وإنا إليه راجعون "، عن قريب إن شاء الله، (وما تدري نفس ~~بأي أرض تموت) ، (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) ، (وهو على جمعهم إذا ~~يشاء قدير) ، (ومن الجبال جدد بيض وحمر) . # تأمر بشيء؟ السنة في العيادة، خاصة عيادة الكبار والسادة، التخفيف ~~والتطفيف وقلة الكلام، أنا إن شاء الله عندك بالعشي، والحق الحق وأقوم بما ~~يجب على مثلك لمثلي، وإن كان ليس لك مثل، ولا لمثلي مثل؛ هكذا إلى باب ~~الشام وإلى قنطرة الشوك وإلى المزرفة. # أقول لك المثوى، أنا وأنت اليوم كمثل كمثراتين إذا عفنتا على رأس شجرة، ~~وكدلويين إذا خلقتا على رأس بئر، ودع ذا القارورة، PageV01P508 ~~اليوم لا إله إلا الله، وأمس كان سبحان الله، وغدا يكون شيئا آخر، وبعد ~~غد ترى من ربك العجب، والموت والحياة بعون الله، ليس هذا مما يباع في ~~السوق، أو يوجد مطروحا على الطريق، لكن الإنسان ولا قوة إلا بالله طريف ~~أعمى، كأنه ms181 ما صح له منام قط، ولا خرج من السمارية إلى الشط، وكأنه ما رأى ~~قدرة الله في البط، إذا لقط كيف يتقطقط؛ والكلام في الإنسان وعمى قلبه ~~وسخنة عينه كثير لا يحمله تل عقرقوف، ولا يسلم في هذه الدار إلا من عصر ~~نفسه عصرة ينشق منها فيموت كأنه شهيد. وهذا صعب لا يكون إلا بتوفيق الله ~~وبعض خذلانه الغريب. على الله توكلنا، وإليه التفتنا ورضينا، وبه استجرنا، ~~إن شاء الله خرانا وإن شاء الله أطعمنا. # قال القاضي: فكدت أموت من الضحك، على ضعفي، وما زال كلامه لهوي إلى خرجت ~~إلى الناس. وكان مع هذا لا يعيا ولا يكل ولا يقف، وكان من عجائب الزمان. PageV01P509 # وقال لي ابن عباد: حدثني عن بعض لياليه ببغداد، يعني ذا الكفايتين، وعن ~~مذاكرة الجماعة عنده ومشاركته لها. # قلت: نعم! حضرت ليلة في شهر رمضان سنة أربع وستين وثلاثمائة، فسأل عن ~~الغنى أيقصر أم يمد؟ قال ابن فارس: الغنى مقصور وهو اليسار والترفة، ~~والغناء بالمد ما يسمع على الطريق المعروفة، إلا أن الفراء قد حكى أن المد ~~في هذا المقصور وهو حجة، ولا سبيل إلى رد قوله. # فقال أبو الفتح: هكذا وما أصح حكايتك! ولكن قلبي لا يطمئن إلى مد هذا ~~الاسم، لأنه لم يأت في كلامهم ممدودا. # فقال ابن فارس: قد أنشد الفراء قول الشاعر: # سيغنيني الذي أغناك عني %~% فلا فقر يدوم ولا غناء # فقلت: عندي في هذا شيء، وما دخرته إلا لمثل هذه الحال، وقد حان وقته. PageV01P510 # فقال: هات، بارك الله عليك، إنه لحباء بالفائدة ما علمت. # قلت: الشعر على غير هذا الوجه، والبيت الذي يتلوه يشهد له، وهو: # سيغنيني الذي أغناك عني %~% فلا فقري يدوم ولا غناك # تجنيت الذنوب لتصرميني %~% دعي العلات واتبعي هواك # فقال لي: أحسنت وأجدت! من أنشدك هذا؟ قلت: أبو الليل العلوي بالمدينة، في ~~مجلس أميرها أبي حمد العلوي العقيقي. # قال: فحدثنا عن أبي الليل هذا وعن غيره بشيء. # قلت: سمعت شيخا عنده من بني حرب قد أنشد أبياتا، لم ms182 أعلق منها إلا بيتا ~~واحدا، وهو: # فتى خلقت أرواحه مستقيمة %~% له نفحات ريحهن جنوب # وكان معنا إذ ذاك أبو صالح الرازي الصوفي، وكان مفوها جدلا. # فقال له: ماذا أراد بقوله " أرواحه مستقيمة "؟ PageV01P511 ~~قال: أراد أن أخلاقه لا تحول عن الخير، وعادته لا تزيغ إلى القبيح، وأنه ~~على ديدنه في الكرم، وخص الجنوب لاستدرارها السحاب، وجعل نفحاتها منافع ~~لهذا الذي مدح به. # قال: زدنا من حديث هؤلاء المدنيين. # قلت: وسمعته، أعني الحربي، يقول للأمير أبي أحمد في حديث طويل: أيها ~~الأمير! # لني ولية تمرع جنابي فإنني %~% لما نلت من وسمي نعماك شاكر # قلت: أعد علي نسيج قافيتك. # قال: أما ثقفته؟ قلت: ما أدري ما تقول قال: لعلك من هذه الفرقة الكلامية. # قلت: لعله. PageV01P512 # وسمعت هذا الحربي يقول، وكان يكنى أبا الخصيب، لسيدحيه، وهما بالعقيق على ~~ضفة الوادي وقد مد، وهما ينطقان بما أحصل ولا أحصل، حتى قال أبو الخطيب ~~لصاحبه: يا هذا! اسل عن طارفك وتالدك، تسد بين صاحبك ووافدك، أما سمعت في ~~هذه القوافي الأول: # لو كنت تعطي حين تسأل سامحت %~% لك النفس واحلولاك كل خليل؟ # فرددت القافية، وقلت: " واستحلاك كل خليل ": فقال لي منكرا: ما هكذا ~~لغتي! فقال ذو الكفايتين: كيف كان إدراكهم لما يقع بالإعراب؟ قلت: سألت أبا ~~الخطيب هذا: أقول إن قربي جعفرا؟ قال: نعم، فما تبغي؟ قلت: أفأقول: إن بعدي ~~جعفرا؟ قال: لا، فما تبغي؟ PageV01P513 ~~قلت: فما الذي يمنع من جوازهما؟ قال: بينهما مسيفة لا تسلك، ورميلة لا ~~تعلى، وما أعلم الغيب، وإني على بينة مما قلت، وعلى ريب مما سألت. # فسمع ابن عباد هذا كله على تغيظ ما قصدت إثارته عليه، ولا علمت إن لي ~~متقصى من نبثي منه؛ وكان ذلك كله سبب الحرمان. # ولقد ظهر لذي الكفايتين بمدينة السلام فضل كبير، على أنه لم يشخص إلا ~~معتوبا عليه. # ولقد كتب إليه ابن طرخان الوراق رسالة طويلة أطلعني على فصل منها يقول ~~فيه: " وإنك أيها السيد الهمام دخلت هذا البلد إما غرا بما تري وترى، ms183 وإما ~~على أن تبين فضلك لأهله، وإما لأن تستفيد منهم ما ليس عندك. PageV01P514 # فإن كان دخولك على غرارة، فما هذا بمشاكل لرتبتك في هذه الدولة التي ~~غرتها مجلوة بيدك، وجمتها مفروقة بمذرى تدبيرك، وأذاها مماط بذبك، ودواؤها ~~مأمون بطلبك، وعدوها مكبوت بصولتك، ودولتك، ووليها قرير العين بحسن إيالتك ~~وكفالتك. # وإما أن تبين فضلك، فاعلم أنهم لا يعترفون بفضلك إلا موصوفا بإفضالك، ولا ~~يسلمون لك مرادك فيهم إلا بأن يدركوا أملهم منك، كان ذلك طوعا أو كرها، ~~سلما أو حربا. # وإما لأن تستفيد منهم ما ليس عندك، وهذا لا يكون مع إذالة القاصدين، ~~والاحتجاب من الطامعين والتكبر على الحاضرين؛ ولو حسن التكبر بأحد لحسن بك، ~~لأبوتك الشريفة، ولغرتك الصبيحة، ولكفايتك الظاهرة، ولفضائلك الكثيرة؛ ولكن ~~زراية التكبر على صاحبه أطرد لمحاسنه من تداركه - بتكبره - من غيره ما يريد ~~يحلده، والناس لا يرضون إلا بالغاية، والغاية أن يظلم الرئيس PageV01P515 ~~نفسه تكرما على زائره، ويجرع الغيظ من كل من قرع بابه ولمس ركابه. # وأنا، أعلى الله كعبك، أحصي أشياء جعلها أصحابنا جوالب للتعب عليك، ~~والكلام من ورائك، وليس لي فيما أقول إلا الفوز بجمال النصح، وإلا الالتذاذ ~~بالتنبه على الكرم، وإلا إيثار سلامة عرضك على قوم همهم المحك في كل حال، ~~وإلا التعرض لذكرك لهم بالجميل بعد الرحيل من هذه الرباع. # فمن تلك الأشياء: سهوك الذي وقع قد ركد عليك في قبول من تقبل، وإيصال من ~~توصل، وإبعاد من تبعد، وتفضيل من تفضل بقول من حولك، وحكم من أطاف بك، ~~استرسالا مع الأنس بهم، وثقة بما سلف لهم. وذهب عليك - أكرمك الله - أن ~~هؤلاء الذين تنظر بأعينهم، وتقبل وترد بأهوائهم، ما خلوا من حسد لمن يخف ~~على قلبك PageV01P516 ~~ويحلى بعينيك ويلتاط بنفسك، والعامة تقول: " القاص لا يحب القاص ". # ولو كان قلبك لكل من اسمه عندك، لصيته البعيد، وسؤالك لمن لا شهرة له ~~قبلك بحسن التأتي في التقريب، لكان حدك حينئذ مقبولا بما يظهر لك من ~~الزيادة والنقص، وكانت الحجة تقوم بينك وبين من قد ms184 ضري على مالك، أو وضع في ~~نفسه أن ينال مراده منك بالخدع، على أن التغافل في هذا الباب أدل على ~~الكرم، كما أن الاستقصاء فيه أجلب فيه للنكد. # فهذا هذا. # وشيء آخر، وهو أصعب مما تقدم، وذلك أن حجاجك قد بدد شمل الزوار عنك، وقسم ~~ظنونهم بك، وطرح في قلوبهم اليأس منك؛ ولست بأهل لذلك منهم كما أنهم ليسوا ~~بأهل لشدة الحجاب منك، وقلة رافعي أخبارهم إليك. # وشيء آخر، وهو أصعب مما تقدم، والسهو فيه لاحق بالظلم؛ لم يجب - أدام ~~الله دولتك - أن لا يصل برك إلا إلى الفاضل، وإلا إلى الكامل، وإلا إلى ~~الذي هو في الشعر مفلق، وفي الكتابة بارع، وفي الفلسفة غاية، وفي الكلام ~~نهاية، وفي الفقه آية، وفي النحو مذكور، وفي الطب مشهور؟ PageV01P517 ~~وهذا ظلم. لأن الله تعالى جعل لكل شيء قدرا، وأظهر له خطرا. وكل متاع ~~وثمنه، وكل بدن وسمنه، والمتناهي كان في الأول مبتدئا، ثم في الثاني ~~متوسطا، ثم في الثالث الذي لا رابع له؛ وقاصدوك بفضائلهم كالعارضين عليك ~~بأمتعتهم، وأنت تشتري كل متاع بقيمته وتعدله ببدله. فهكذا ينبغي أن تفعل ~~بأبناء الأمل وأصحاب العمل؛ فليس يجمل أن يحظى بصلتك وبرك وجائزتك ونظرك ~~أبو سعيد السيرافي، وأبو سليمان السجستاني، وعلي بن عيسى الرماني، وأصحاب ~~القلانس، ويحرم بعض ذلك فلان وفلان ممن ليس لهم سمع هؤلاء ولا حالهم، على ~~أنك قادر على إلحاق الصغار بالكبار بالاصطناع والتفضل؛ فإن الرجال هكذا ~~يتلاحقون، وفي حلبة الرؤساء يتسابقون. # فكن سببا للساكت حتى ينطق، وعلة للساكن حتى يتحرك، وبابا للنائم حتى ~~يستيقظ، وطريقا للخامل حتى ينتبه، وجدا سعيدا للميت حتى يحيا؛ فأما من عدا ~~هذه الطبقة فقد سلف له بغيرك ما هو أشكر، وبه أبصر وله أنصر؛ على أنك إذا ~~عممت الجميع بالخير كنت أشد اقتداء بالله، وأجنحهم إلى هدى أنبياء الله، ~~وآخذهم بعادة خلفاء الله. PageV01P518 # وشيء آخر ترجحت بفكري في طيه ونشره، فرأيت طيه خمشا لوجه النصيحة، وذكره ~~بالإطالة فتحا لباب الفضيحة، فذكرته مختصرا؛ فقد يفهم من الكلام ms185 القصير ~~المعنى العريض الطويل، وهو حديث المائدة والطبق، وما يحضر للأكل ويجمع عليه ~~الرقيع والوضيع، والنزه والجشع، فجدد الاهتمام بذلك، فإن القالة فيه طائرة، ~~والحال فيه دائرة، والحاجة إلى التحزم فيه ماسة، والتغافل عنه مجلبة للذم؛ ~~وقد رأينا قوما كراما تهاونوا في هذا الباب، إما رفعا لأنفسهم عنه، وإما ~~شغلا بمهمات أخر دونه، فأكلتهم الألسنة، وأعلقتهم الملامة، وأحوجتهم إلى ~~الاعتذار الطويل بالاحتجاج الكثير. والكرم والمجد لا يثبتان بالدعوى، ولا ~~يسلمان بالحجة، ولكن يشيعان بالفعل الذي نطقه كالوحي في الحال التي تنتصب ~~للعين، ولا يؤنفن من ضعة الأكلة، فإن لؤم الأكلة دليل ناصع على كرم المطعم. # وهذا باب يزل فيه الرئيس ويظلم فيه الخدم؛ فإن الرئيس لا يقدر على أن ~~يتولى كل ذلك بنفسه فيراعيه بلحظه ولفظه، إلا أنه متى أحكم الأساس فقد أمن ~~الباس، وأرضى جمهور الناس. PageV01P519 # وشيء آخر لا بد من الإفاضة فيه على وجه الذكرى؛ إن لقاءك الناس بالبشر ~~يأسرهم لك ويرضيهم عنك؛ فتكلف ذلك إن لم يكن التهلل سجية لك بالمزاج ~~المستعد، وما أكثر ما يلحق المتخلق بذي الخلق. # وبعد فبين عبوس وجهك وقد ظهرت للناس لتركب، وبين عبوسه، وقد رجعت إلى ~~دارك لتنزل، فرق، أعني أنك ربما عذرت في العبوس في الثاني، لأن النهار قد ~~نصف، ولأنك قد تجشمت إلى ذلك الوقت مصاعب الدولة بالأمر والنهي والقبض ~~والبسط؛ ولست تعذر في غرة نهارك وأنت جام ومتوجه ومقتضب للتدبير في الأمور. # وشيء آخر، قد يسبق إلى عينيك ازدراء من عليم مرقعة، أو علته بذاذة، وقد ~~اعتراه عي إما للهيبة أو لسوء العادة؛ فلا تصدق العين فإنها تكذب أحيانا، ~~وعمل على أنك تعتقده بفضلك، فإن كان من أهل الفضل فهو شقيقك بالطبيعة وإن ~~كان من أهل النقص فهو مستحق منك الرحمة. والإحسان إلى مثله شكر منك لله على ~~ما خصك به من دونه. PageV01P520 # هذا ما حصل لي من ذلك الفصل. # ثم إني في سنة سبعين وجدت هذه الرسالة في مسودة ابن طرخان فيما يباع من ~~ميراثه. فكان في ms186 أولها: " السعادة أيها الأستاذ الجليل ضربان، والسعيد ~~رجلان، وإحدى السعادتين للدنيا، والثانية للآخرة؛ وأحد السعيدين من هو سعيد ~~في هذا المكان، والثاني هو السعيد في مكان آخر؛ ومن كما فضيلة أحد السعيدين ~~أن يعاش الناس بالمعروف، ومن تمتم إحدى السعادتين أن تتصل بالأخرى. # ولما رأيتك أيها الأستاذ سعيدا في هذه العاجلة بالمال والولاية، والعز ~~والمرتبة، آثرت أن تكون سعيدا في تلك الآجلة بالإحسان والمعروف، والبر ~~والمكرمة، فكتبت حروفا قصدت بها إذكارك لا تعليمك، لأنك تجل عن التعليم؛ ~~لما أوجب الله لك علينا من التعظيم. وإنما ساغ الإذكار، وحسن التنبيه ~~لأشغال قد اكتنفتك من تهذيب الدولة، وأعباء قد تحملتها في حماية البيضة، ~~وأمور أنت وليها في بث المعدلة في الرعية، وإقامتها على سواء المحجة، ولو ~~سكت عن هذا كله لأمكن، وكان لا يتشعث لك حال قد تولى الله صلاحها، ولا ينآد PageV01P521 ~~عليك مستقيم قد أذن الله بدوامه؛ ولكن كنت أحرم القربى إليك، ولفوت النظر ~~إلى مثلي ومحرومي ألذع لقلبي من فائتك؛ لأنك سيد وأنا عبد، وأنت رئيس وأنا ~~مرؤوس، فنعمت دالا على نفسي بما قدمته من نفسي؛ فإن كنت لم أخرج من حد ~~الأدب المرضي، وعادة أهل الحكمة العالية، فما أولاك بعرفان ذلك لي! وإن كنت ~~قد خرجت عن ذلك بعجب حال بيني وبين صوابي، وخطإ قعد بي عن مرتبة أصحابي، ~~فما أولاك بستر ذلك علي! وما بسط الله باعك، وما وسع درعك إلا ليقيك خطأ ~~غيرك بشكل صوابك، وإلا لتتغمد إساءتهم بإحسانك، وإلا لتغلب الظن في الجميل ~~ولا تغلب الظن فيما خالف ذلك؛ وأنت كالسماء ذات الآفاق المتبارحة، والكواكب ~~المزدهرة، والحركات اللطيفة، والآثار الشريفة، والأسرار المكنونة، والعجائب ~~الكثيرة، والغرائب المشهورة؛ فلكل عقل عنك بحث، ولكل قلب فيك أمل، ولكل ~~عامل عندك رجاء، ولكل عمل قبلك جزاء. PageV01P522 # وأنا أسأل الله الذي رفعك إلى هذه الذروة والقلة أن لا يحطك إلى شيء من ~~الذلة والقلة ". # هذا ما صح لي بالاستخراج من مسودته، أتيت به على ما ترى. وأروي لك ها هنا ~~قصيدة ms187 أبي عبد الله النمري يمدح بها أبا الفتح، وكان يعجب بها، ويحفظها ~~وينشدها. ومرادي بذلك تكثير الفائدة؛ وتخليد الحديث يمتع مرة وينفع مرة ~~أخرى، وهي: # سرت النجائب بالنجائب %~% ترمي الكواكب بالكواكب # ترمي تجاهات المشا %~% رق من تجاهات المغارب # قصدا إلى ملك يحكم-%~%-م في رغائبه الغرائب # ملك تبوأ من خزي %~% مة في النواصي والذوائب PageV01P523 # حيث السوابق والسوا %~% بغ والنجائب والجنائب # يهب المنعمة الكوا %~% عب والمطهمة السلاهب # في سورة المجد التلي %~% د وسورة القلب الغوارب # يا بن العميد عميد دو %~% لته الموطدة المراتب # الألمعي اللذ تحد %~% ثه الشواهد بالغوائب # زرناك من أرض البصي %~% رة شاحبين على شواحب # نرد المناهل كالمجا %~% هل والسباسب كالسكائب # نطوي الجبال إلى جبا %~% ل العلم والحلم المغالب # الآن قد قر القرا %~% ر بنا وأطلبت المطالب # لا ري دون الري وال %~% بحر الغطامط ذي الغوارب # بحر جواهده طوا %~% ف في سواحله رواسب # لا دونها لجج الكوا %~% رب، لا، ولا حجج الكواذب # يرمي بنا تيارها %~% قبل الأباعد والأقارب # والبحر لا يندى به %~% إلا السواحل والجوانب # لما نهضت إلى الرجا %~% ء وحنت البيض الكواعب PageV01P524 # وتناثرت عبراته %~% ن علي كالدرر الثقائب # ندى يدي وحلتي %~% دمع الأحبة والحبائب # فجعلته فالا وقل %~% ت ندى الدموع ندى المواهب # ولئن تلافتني يد الأ %~% ستاذ من أيدي النوائب # وأقمت في الظل الظلي %~% ل ولم تشعبني الشواعب # ليبشرن أحبتي %~% بمواهبي شتى المواهب # ويحلين لآلئا %~% أضعاف أدمعها السواكب # ولأقضين من العشي %~% رة كل حق حق واجب # حتى يقال أعاده ال %~% أستاذ مكرمة الضرائب # كم من ظباء بالبصي %~% رة في المقاصر والسباسب # إنس ووحش يشتبه %~% ن سوى الذوائب والحقائب # أدم يقاسمن الأرا %~% ك جناه والقضب الركائب # فلأنسها أغصانه %~% تجلو به برد السحائب # ولوحشها غض الجنى %~% عبث المعازل والملاعب PageV01P525 # نصطاد وحشياتها %~% وتصيدنا الإنس الخراعب # يا رب يوم لي كظل %~% ك أو كظلمك أو يقارب # رقت حواشيه وغضت عين واشيه المراقب # قصرت لنا أطرافها %~% قصر القناع عن الذوائب # فتبرجت لذاته %~% للخاطبين وللخواطب # نزلت به حاجاتنا %~% بين المحاجر والحواجب # يا ليت سعدا ms188 من سعو %~% دك رد أيامي الذواهب # ملك يضيء بوجهه %~% وترى به الظلم الغياهب # لو سامه أعداؤه %~% ما نديهم، واليوم عاصب # وهب الذوائب للمطا %~% عن والقواضب للمضارب # ومن السخاء مذاهب %~% يعددن في جمل العجائب # لما رآه الطالع ال %~% مأمون مأمون المغائب # ورآه ركن الدولة ال %~% غراء ركنا ذا مناكب PageV01P526 # ومظفر الأقلام والأ %~% علام ميمون النقائب # كأبيه خير أب وأن %~% جبه إذا عد المناجب # رد الأمور إليه ر %~% د مفوضين على التجارب # حتى إذا انتظمت له %~% بثقوب آراء ثواقب # وكفى أمير المؤمني %~% ن عرى الكتابة والكتائب # بكفايتين أقامتا %~% أود المسالم والمحارب # اشتق من أفعاله %~% لقبا له بكر المناقب # مثل الفرند على القوا %~% ضب والفريد على الترائب # لله توفيق الإما %~% م العدل في اللقب المناسب # يا خير من ركب الجيا %~% د وقادها قبا شوازب # أغنيتني كل الغنى %~% وكسبتني أسنى المكاسب # شرفا تلقبه العدا %~% سرفا فيالك من معايب # وكسوتني حللا صقل %~% ن خواطري صقل القواضب # حللا كديباج الخدو %~% د مطرزات بالشوارب # فلتشكرن رياضنا %~% جدوى سحائبك الصوائب # ولتنظمن لك القصا %~% ئد كالقلائد للكواعب PageV01P527 # والنمري هذا مليح الشعر والأدب والخلق، ولما توجه إلى ذي الكفايتين من ~~البصرة وصف بعض ما عناه فقال: # لما رأيت كرم الأصما %~% # وشجر البلوط خضرا عما %~% # وفتية عن الفصيح صما %~% # ذكرت بالبصرة نخلا جما %~% # وفتية بيض الوجوه شما %~% # ناديت ياللهم فرج غما %~% # ما أسرع الشيء إذا ما حما %~% # فأما الجملة التي تمت في أمر أبي الفتح ذي الكفايتين، فقد كنت في أول ~~الكتاب قد وعدت بروايتها، وهذا موضعها على ما سنح الرأي فيه، ولعلها تفيد ~~وإن لم تكن من خاص ما في هذه الجملة؛ لأن الرسالة قد صارت كتاب خرافة، وذاك ~~أن القصد الأول لم ينحرف إلى هذه الفنون والشعب، ولكن الحديث ذو شجون، وله ~~نزوة PageV01P528 ~~من القلب على اللسان، ودبيب على اللسان من القلب، والاحتراس منه يقل، ~~والغلط فيه يعرض، وحفظ الكلام على سننه من الكلف الشاقة والأمور الصعبة ~~واللسان فيه أكثر إنصافا من القلم، واللفظ أعدل من الخط. # وبعد وقبل ms189 فالكلام في نشر العيب، وكشف القناع، وتدنيس العرض، وهجو ~~الإنسان، ووصفه بالخبائث أكثر استمرارا، والمتكلم فيه أظهر نشاطا، وأمرن ~~عادة، وأوقد هاجسا، وأحضر عاطسا، وهذا لأن الشر طباع والخير تكلف، والطينة ~~أغلب. # وقد قال بعض فتيان خراسان: الإحسان من الإنسان زلة، والرحمة من القادر ~~أعجوبة، والظلم من المدل مألوف. # وقد قيل لبعض من انتجع مأمولا وأدرك حاجته منه: كيف انقلبت عن فلان؟ ~~فقال: منعني لذة هجائه، وأكرهني على حسن الثناء عليه، والقلوب مجبولة على ~~حب الإحسان، والألسنة تابعة للقلوب، كما أن العيون ناطقة عن الضمائر؛ ولهذا ~~قال الشاعر: PageV01P529 # تحدثني العينان ما القلب كاتم %~% ولاجن بالبغضاء والنظر الشزر # أي لا حائل ولا ستر. واللحظ رائد، والقلب شاهد؛ والرائد لا يكذب أهله، ~~والشاهد لا يكذب نفسه. # وقلت لأبي سليمان شيخنا ببغداد، وكان يتهادى كلامه، ويتشاح على ما يسمع ~~منه: لم صار السب والهجاء وذكر كل عورة وفحشاء أخف على من حرم مأموله، ومنع ~~ملتمسه، من الوصف الحسن والثناء الجميل، والمدح الأغر المحجل، والتقريظ ~~البليغ المتقبل على من صدقه ظنه، وتحقق رجاؤه، وحضرته أمنيته؟ فقال: لأن ~~الذي يمدح يعلم من نفسه ما عندها كالعتيد، والذي يثلب يأخذ لنفسه ما ليس ~~عندها كالمستقبل؛ فالفصل بينهما كالفصل بين الغارم وما يملكه، وبين الغانم ~~ما يطلبه. # وهذا كما قال، وهو أرجع إلى شفاء النفس وبر الغليل، وإلى بلوغ الغاية ~~والاستيلاء على النهاية. # *** PageV01P530 # ولولا أن هذين الرجلين أعني ابن عباد وابن العميد كان كبيري ~~زمانهما، وإليهما انتهت أمور ..... وعليهما طلعت شمس الفضل ~~وبهما ازدانت الدنيا، وكانا بحيث ينشر الحسن منهما نشرا، ويؤثر ~~القبيح عنهما أثرا، لكنت الا أتسكع في حديثهما هذا التسكع، ~~ولا أنحي عليهما بهذا الحد. # ولكن النقص ممن يجعي الكمال أشنع، والحرمان من السيد ~~المأمول فاقرة. # والجهل من العالم منكر، والكبيرة ممن يدعي العصمة جائحة. # والبخل ممن يتبرأ منه بدعواء عجيب. # ولو أردت مع هذا كله أن تجد لهما ثالثا من جميع من كتب للجيل ~~والديلم إلى وقتك هذا المؤرخ في الكتاب لم تجد. PageV01P531 # كان ms190 من الحديث الذي زللنا عنه قليلا إلى هذا الموضع أن ركن الدولة لما ~~مات في أول سنة ست وستين وثلاثمائة، اجتمع أبو الفتح ذو الكفايتين، وعلي بن ~~كامة، وتعاهدا وتعاقدا وتوافقا وتحالفا، وبذل كل واحد منهما لصاحبه الإخلاص ~~في المودة في السر والجهر، والذب في الظاهر والباطن، والتوقير عند الصغير ~~والكبير، واجتهدا في الإيمان الغامسة، والعقود المؤربة، والأسباب المغارة ~~الفتل، ودبرا أمر الجيش، ورد النافر وركبا الخطر الحاضر، وعانقا الخطب ~~العاقر، وباشر كل ذلك أبو الفتح خاصة بحد من نفسه، وصريمة من رأيه، وجودة ~~فكره، وصحة نيته؛ وتوفيق ربه. PageV01P532 # فلما ورد مؤيد الدولة الري من أصفهان؛ وعاين الأمر متسقا؛ ولحق كل فتق ~~مرتتقا، بما تقدم من الحزم فيه، ونفذ من الرأي الصائب عنده، أنكر الزيادة ~~الموجبة للجند، وكرهها ودمدم بها. فقال له أبو الفتح: بها نظمت لك الملك، ~~وحفظت لك الدولة، وصنت الحريم، وإن خالفت هذه الزيادة هواك أسقطت باليد ~~الطولى. # وكان ابن عباد قد ورد، وحطبه رطب، وتنوره بارد، وزرقه غير نافذ؛ هذا في ~~الظاهر، فأما في الباطن فكان يخلو بصاحبه وينزيه على أبي الفتح بما يجد ~~إليه السبيل من الطعن والقدح. فأحسن بذلك كله ابن العميد فألب الأولياء على ~~ابن عباد حتى كثر PageV01P533 ~~الشغب، وعظم الخطب، وهم بقتله، وقال للأمير: ليس من حق كفايتي في الدولة ~~وقد انتكث حبلها، وقويت أطماع المفسدين فيها، أن أسام الخسف، والأحرار لا ~~يصبرون على نظرات الذل وغمزات الهوان. # فقال له في الجواب: كلامك مسموع، ورضاك متبوع، فما الذي يبرد فورتك منه؟ ~~قال: ينصرف إلى أصفهان موفورا، فوالله لئن أنصفته في مطالبه برفع حساب ما ~~نظر فيه ليعرقن جبينه، وليقذفن جنينه، ولئن أحس الأولياء الذين اصطنعتهم ~~بمالي وإفضالي بكلامه في أمري، وسعيه في فسد حالي، ليكونن هلاكه على أيديهم ~~أسرع من البرق إذا خطف، ومن المزن إذا نطف. PageV01P534 # فقال له: مخالف لرأيك، والنظر لك، والزمام بيدك. # وتلطف ابن عباد في عرض ذلك لأبي الفتح، وقال: أنا أتظلم منك إليك، وأتحمل ~~بك عليك؛ وهذا ms191 الاستيحاش العارض سهل الزوال إذا تألف الشارد من حلمك على ~~شافع كرمك ولني ديوان الإنشاء، واستخدمني فيه، ورتبني بين يديك، واحصرني ~~بين أمرك ونهيك، وسمني برضاك؛ فإني صنيعة والدك، وأتجدد بهذا صنيعة لك، ~~وليس بجميل أن تكر على ما بناه ذلك الرئيس فتهوره وتنقضه؛ ومتى أجبتني إلى ~~ذلك وأمنتنني فإني أكون خادما بحضرتك، وكاتبا يطلب الزلفة عندك في صغير ~~أمرك وكبيره وفي هذا PageV01P535 ~~إطفاء الثائرة التي قد تأربت بسوء ظنك، وتصديق أعدائي علي. # فقال في الجواب: والله لا تجاورني في بلد السرير، وبحضرة التدبير، وخلوة ~~الأمير، ولا يكون لك أذن علي، ولا عين عندي. # وليس لك مني رضى إلا بالعودة إلى مكانك من إصبهان والسلو عما تحدث به ~~نفسك. # فخرج ابن عباد من الري على صورة قبيحة؛ خرج متنكرا بالليل. وذاك أنه خاف ~~الفتك والغيلة، وبلغ أصفهان وألقى عصاه بها ونفسه تغلي، وصدره يفور، والخوف ~~شامل، والوسواس غالب. # وهم أبو الفتح بإنفاذ من يطلبه ويؤذيه ويهينه، ويعسف به، فأحسن هو ~~بالأمر؛ فحدثني ابن المنجم قال: عمل على ركوب المفازة PageV01P536 ~~إلى نيسابور لما ضاق عطنه، واختلف على نفسه ظنه، وإنا لفي هذا وما أشبهه ~~حتى بلغهم أن خراسان قد أزمعت الدلوف إليهم، وتثاورت في الإطلال عليهم. # فقال الأمير لأبي الفتح: ما الرأي؟ قد نمي إلينا ما تعلم من طمع خراسان ~~في هذه الدولة بعد موت ركن الدولة. # فقال أبو الفتح: ليس الرأي إلي ولا إليك، ولا الهم علي ولا عليك. ها هنا ~~من يقول لك: أنت خليفتي، ويقول لي: أنت كاتب خليفتي، يدبر هذا بالمال ~~وبالرجال، وهو الملك عضد الدولة. # قال: فاكتب إليه وأشعره بما قد منينا به، وسله دواء هذا الداء، وأبلغ في ~~ذلك ما يوجبه الحزم الصحيح، ويؤذن بالسعي النجيح، فكتب وتلطف. PageV01P537 # وصدر في الجواب: إن هذا الأمر عجيب، رجل مات وخلف مالا، وله ورثة وابن، ~~فلم يحمل إليه شيء من إرثه زيا عنه واستئثارا به دونه، ثم خوطب بأن يغرم ~~شيئا آخر من عنده قد كسبه بجهده، وجمعه ms192 بسعيه وكدحه. # هذا والله حديث لم يسمع بمثله، ولئن استفتي فذ هذا الفقهاء لم يكن عندهم ~~منه إلا التعجب والاستطراف، ورحمة هذا الوارث المظلوم من وجهين: أحدهما: ~~أنه حرم ماله بحق الإرث، والآخر: أنه يطالب بإخراج ما ليس عليه؛ وإن أبى ~~قولي حاكمت كل من سام هذا إلى من يرضى به. # فلما سمع مؤيد الدولة هذا، وقرأه أبو الفتح قال: - ما ترى؟ PageV01P538 ~~قال: قد قلت، وليس لي سواه، أقول: هذا الرجل هو الملك، والمدبر، والمال ~~كله ماله، والبلاد بلاده، والجند جنده، والكل عليه والمهنأ له، والاسم ~~والجلالة عنده، وليس ها هنا إرث قد زوي عنه، ولا مال استؤثر به دونه، ~~والنادرة لا وجه لها في أمر الجد وفيما يتعلق باللعب. # أما خراسان فكانت منذ عشرين سنة تطالبنا بالمال، وتهددنا بالمسير والحرب، ~~ونحن مرة نسالم ومرة نحارب. ونحن في خلال ذلك نفرق المال بعد المال على ~~وجوه مختلفة، واحسب أن ركن الدولة حي باق، هل كان له إلا أن يدبر بماله ~~ورجاله ودخره وكنزه. أفليس هذا الحكم لازما لمن قام مقامه، وجلس مجلسه، ~~وألقي إليه زحام الملك، وأصدر عنه كل رأي، وأورد عليه كل دقيق وجليل؟ وهل ~~علينا إلا الخدمة والنصرة والمناصحة بكل ما سهل وصعب كما كان ذلك عليه ~~بالأمس من جهة الماضي؟ PageV01P539 ~~فقال الأمير: إن الخطب في هذا أراه يطول، والكلام يتردد، والمناظرة تربو، ~~والحجة تقف، والفرصة تفوت، والعدو يستمكن؛ وأرى في الوقت أن نذكر وجها ~~للمال حتى نحتج به ثم نستمد في الباقي منه، ونرضي الجند في الحال، ونتحزم ~~في الأمر، ونظهر المرارة والشكيمة بالاهتمام والاستعداد، حتى يطير العين ~~إلى خراسان بجدنا واجتهادنا، وحزمنا واعتمادنا، فيكون في ذلك تكسير لقلوبهم ~~وحسم لأطماعهم، وباعث على تجديد القول في الصلح، وإعادة الكلام في ~~المواعيد، ورد الحال إلى العادة المعروفة، فقال: أسأل الله بركة هذا الأمر، ~~فقد نشيت منه رائحة منكرة وما أعرف للمال وجها. # أما أنا فقد خرجت من جميع ما كان عندي مرة بما خدمت به الماضي تبرعا ~~حدثان ms193 موت أبي، ومرة بما طالبني به سرا، وأوعدني بالعزل والاستخفاف من ~~أجله، ومرة بما غرمت في المسير إلى العراق في نصرة الدولة. PageV01P540 # وهذه وجوه استنفذت قلي وكثري، وأتت على ظاهري وباطني، وقد غرمت إلى هذه ~~الغاية ما إن ذكرته كنت كالمتن على أولياء نعمتي، وإن سكت كنت كالمتهم عند ~~من يتوقع عثرتي. وهذا هذا. # وأما أحوال النواحي فأحسن حالنا فيها أنا نزجيها إلى الأولياء في نواحيها ~~مع النفقة الواسعة في الوظائف والمهمات التي ننويها. # وأما العامة فلا أحوج الله إليها، ولا كانت دولة لا تثب إلا بها وبأوساخ ~~أموالها. # فقال الأمير وكان ملقنا: هذا ابن كامة، وهو صاحب الذخائر والكنوز والجبال ~~والحصون، وبيده بلاد، قد جمع هذا كله من نعمتنا وفي مملكتنا وأيامنا ~~وبدولتنا، وهو جام ما شيك، ومختوم ما فض مذ كان. # ما تقول فيه؟ PageV01P541 ~~قال: ما لي فيه كلام، فإن بيني وبينه عهدا ما أخيس به ولو ذهبت نفسي. # فقال: اطلب منه القرض. # قال: إنه يتوحش ويراه بابا من الغضاضة، وقدر القرض لا يبلغ حد الحاجة، ~~فإن الحاجة ماسة إلى خمسمائة ألف دينار على التقريب، ونفسه أنفع لنا وأورد ~~على دولتنا من موقع ذلك المال. وبعد فرأيه وتدبيره واسمه وصيته وبداره إلى ~~الحرب فوق المطلوب. # قال: فليس لنا وجه سواه؛ وإذ ليس ها هنا وجه، فليس يأس بأن نطالع الملك ~~بهذا الرأي لتكون نتيجته من ثم. # فقال: أنا لا أكتب بهذا فإنه غدر. PageV01P542 # قال: يا هذا! فأنت كاتبي وصاحب سري وثقتي، والزمام في جميع أمري، ولا ~~سبيل إلى إخراج هذا الحديث إلى أحد من خلق الله؛ فإن أنت لم تتول حاره ~~وقاره، وغثه وسمينه، ومحبوبه ومكروهه، فمن؟ قال: أيها الأمير! لا تسمني ~~الخيانة، فإني قد أعطيته عهدا نفضه يذر الديار بلاقع، ومع اليوم غد، ولعن ~~الله عاجلة تفسد آجلة. # فقال: إني لست أسومك أن تقبض عليه، ولا أن تسيء إليه. أشر بهذا المعنى ~~على ذلك المجلس، وخلاك ذم؛ فإن رأي الصواب فيه تولاه دونك كما يراه، وإن ~~أضرب ms194 عنه عاضنا رأيا غير ما رأينا، وأنت على حالك لا تنزل عنها ولا تبدل ~~بها؛ وإنما الذي يجب عليك في هذا الوقت أن تكتب بين يدي حرفين: أنه لا وجه ~~لهذا المال إلا من جهة فلان، ولست أولى مطالبته به، ولا مخاطبته عليه، وفاء ~~له بالعهد، وثباتا على اليمين، وجريا على الواجب؛ ولا أقل من أن تجيب إلى ~~هذا القدر، وليس فيه ما يدل على شيء من النكث والخلاف والتبديل. PageV01P543 # فما زال هذا وشبهه يتردد بينهما حتى أخذ خطه بهذا النص على أن يصدره إلى ~~فارس. # فلما حصل الخط، وجن الليل، روسل ابن كامة وحضر، وقال له الأمير: أما عندك ~~هذا المخنث فيما أشار به على الملك في شأنك، وأورد عليه في أمرك من إطماعه ~~في مالك ونفسك، وتكثيره عنده ما تحت يدك، وفي ناحيتك مع صاحبيك؟ # فقال علي بن كامة: هذا الفتى يرتفع عن هذا الحديث، ولعل عدوا قد كاده به، ~~وبيني وبينه ما لا منفذ للسحر فيه، ولا مساغ لظن سيء فيه. # قال: فما قلت ما سمعت إلا علىتحقيق، ودع هذا كله يذهب في الريح، هذا ~~كتابه إلى فارس بما عرفتك، وخطه. PageV01P544 # قال علي: أنا لا أعرف الخط، ولكن كاتبي يعرف، فإن أذنت حضر. # قال: فليحضر. فجاء الخثعمي الكاتب، وشهد أن الخط خطه، فحال ابن كامة على ~~سجيته، وخرج من مسكه، وقال: ما ظننت أن هذا الفتى بعد الأيمان التي بيننا ~~يستجيز هذا. # قال الأمير: أيها الرجل! إنما أطلعك الملك على نية هذا الغلام فيك، لتعرف ~~فساد ضميره لك، وما هو عليه من هنات أخر، وآفات هي أكثر من هذا وأكبر؛ وقد ~~حرك خراسان علينا، وكاتب صاحب جرجان، وألقى إلى أخينا بهمذان، يعني فخر ~~الدولة، أخبارنا، وهو عين ها هنا لبختيار وقد اعتقد أنه يعمل في تخليص هذه ~~البلاد له، ويكون وزيرا بالعراق، وقد ذاق ببغداد ما لا يخرج من ضرسه إلا ~~بنزع نفسه. # وكان المجوسي أبو نصر قد قدم من عند الملك عضد PageV01P545 ~~الدولة وهو يفتل الحبل ms195 ويبرم، ويؤخر مرة ويقدم أخرى، ويهاب مرة ويقدم؛ ~~وكان الحديث قد بيت بليل، واهتم به قبل وقته بزمان. # قال لي علي بن كامة: فما الرأي الآن. # قال: لا أرى أمثل من طاعة الملك في البض عليه، وقد كنا على ذلك قادرين، ~~ولكن كرهنا أن يظن بنا أنا هجمنا على نصيحنا وكافينا، وعلى ربيب نعمتنا، ~~وناشيء دولتنا فمهدنا عندك العذر، وأوضحنا لك الأمر. # قال: فأنا أكفيكموه. ثم كان ما كان. # قال الخليلي: وكا هذا جره عليه الاستبداد بالرأي، والغرارة والتواني وقلة ~~التجربة، والركون إلى وصية الميت، وسوء النظر في العواقب، ومجانبة الحزم ~~والرأي الثاقب؛ وكان أمر الله مفعولا. # ورأيت الخليلي، والهروي، والشاعر المغربي، وجماعة من خلطاء PageV01P546 ~~أبي الفتح، كابن فارس، وابن عبد الرحيم يخوضون في حديثه، وقالوا: كان ~~الرأي كذا وكذا، فقال المغربي: أجود من هذه الآراء كلها أن كان يضرب عنق ~~المجوسي جهارا أتى الدهر بما أتى، وما كان ليكون أشد مما كان؛ ولعله كان ~~يطرح هنيهة، ويصير سببا إلى خلاص. # وذهبوا في القول كل مذهب. # وفي الجملة القدر لا يسبق، والقضاء لا يملك؛ ومن استوفى أكله استغنى ~~أجله، والكلام فضل، والرأي الدبري مردود، ومن ساوق الدهر غلب، ومن لجأ إلى ~~الله فقد فاز فوزا عظيما. # ما وصلنا - حاطك الله - حديثا بحديث، وكلمة بكلمة، إلا لتكثر الفائدة، ~~ويظهر العلم، ويكون ما صرفنا القول فيه مرفودا بالحجة الناصعة، والامتاع ~~المونق. # أيها السامع! قد سمعت صريح الحديث ودعيه، وعرفت مسخوطه ومرضيه؛ فإن كان ~~الله قد ألهمك العدل، وحبب إليك الإنصاف، وخفف عليك الرفق، ووفر نصيبك من ~~الخير، ورفع كعبك في الفضل، فقد رضيت بحكمك، وأمنت عداوتك، ووثقت بما كتب ~~الله لي على لسانك، وجعله حظي منك. PageV01P547 # واعلم أنك إن كنت تريد الاعتذار فقد أسلفت الواضح فيه، وإن كنت تطلب ~~الاحتجاج فقد أتى البيان عليه، وإن كنت تغضب لابن عباد أو لابن العميد فقد ~~شحنت هذا الكتاب من فضلهما وأدبهما وكرمهما ومجدهما، بما إذا ميزته وأفردته ~~ثم اجتليته وأبصرته، واقع نفسك، وشفى غليلك، ms196 وبلغ آخر مردك؛ وإلا فعرفني من ~~جمع إلى هذا الوقت عشر ورقات في مناقبهما وآدابهما ومكارمهما، وما ينطق عن ~~اتساعهما وقدرتهما، ويدعو إلى تعظيمهما وتوفية حقوقهما ومعرفة أقدارهما ~~وهممهما، ممن لهما عليه الإصبع الحسنة، واليد الخضراء، والنعمة السابغة، ~~ومن لم يذكر إلا بهما، ومن لم يعرف إلا في أيامهما، ومن لو لم يلتفت إليه ~~واحد منهما لكان يحرس في الدروب، أو يلقط النوى في الشوارع، أو يوجد في ~~أواخر الحمامات. # ودع الشعراء جانبا، فإنما ذاك عن حسب دني، ومذهب زري، وطمع خسيس، ومقام ~~نذل، وموقف مخجل؛ ولكن هات رسالة مجردة، وأديبا فاضلا وعالما مذكورا تجرد ~~لنصرتهما، ودل على خفي فضلهما، أو عجب من جلي فعلهما! PageV01P548 ~~فإن كنت لا تجد ذلك، فدع الكلب ينبح، فإنما الكلب نباح. # على أني - حفظك الله - لا أبرئ نفسي في هذا الكتاب الطويل العريض من دبيب ~~الهوى، وتسويل النفس، ومكايد الشيطان، وغريب ما يعرض للإنسان. # فإن وقفت على شيء من ذلك وقرأت العذل علينا، وسال في اللائمة من أجله ~~وإياك أن تجي جلدة لا تدمي بشفرتك، أو تسند إلى جمجمة لا تقشعر ذوائبها ~~بريحك، وأن تمتحن جوهرا لا يحاص عيبه بنارك. # واستيقن أن من ركب سنام هذا الحديث كما ركبته، وسبح في غامر هذه القصة ~~كما سبحت، وقال ما قلت، وعرض بما عرضت، فغير بعيد أن يحكم له وعليه بمثل ما ~~يحكم به لي وعلي، وإذا كان الحكم لازما، وهذا القياس مطردا، فالرضا بهما ~~عز، والصبر عليهما شرف وإني لأحسد الذي يقول: PageV01P549 # أعد خمسين عاما ما علي يد %~% لأجنبي ولا فضل لذي رحم # الحمد لله شكرا قد قنعت فلا %~% أشكو لئيما ولا أطري أخا كرم # لأني أتمنى أن أكونه، ولكن العجز غالب، لأنه مبذور في الطينة. # ولقد أحسن الآخر أيضا حين يقول: # ضيق العذر في الضراعة أنا %~% لو قنعنا بقسمنا لكفانا # ما لنا نعبد العباد إذا كا %~% ن إلى الله فقرنا وغنانا # وأدعوها هنا بما دعا به بعض النساك: " اللهم ثن وجوهنا باليسار، ولا ~~تبتذلها بالإقتار ms197 فنسترزق أهل رزقك، ونسأل شرار خلقك، فنبتلى بحمد من أعطى ~~وذم من منع. وأنت من دونهما ولي الإعطاء، وبيدك خزائن الأرض والسماء. يا ذا ~~الجلال والإكرام. PageV01P550 ms198