######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009314 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: أبو حيان علي بن محمد بن العباس البغدادي التوحيدي #META# 010.AuthorNAME :: أبو حيان علي بن محمد ابن العباس التوحيدي #META# 011.AuthorBORN :: - #META# 011.AuthorDIED :: 360 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الإمتاع والمؤانسة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الطرائف والقصص :: كتب الأدب #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الإمتاع والمؤانسة #META# 030.LibURI :: JK_009314 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد حسن محمد حسن إسماعيل #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت/لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1424هـ2003م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # | مقدمة المؤلف # قال أبو حيان التوحيدي : نجا من آفات الدنيا من كان من العارفين ووصل إلى ~~خيرات الآخرة من كان من الزاهدين ، وظفر بالفوز والنعيم من قطع طمعه من ~~الخلق أجمعين ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبيه وعلى آله ~~الطاهرين . | أما بعد ، فإني أقول منبها لنفسي ، ولمن كان من أبناء جنسي : ~~من لم يطع ناصحه بقبول ما يسمع منه ، ولم يملك صديقه كله فيما يمثله له ، ~~ولم ينقد لبيانه فيما يريغه إليه ويطلعه عليه ؛ ولم ير أن عقل العالم ~~الرشيد ، فوق عقل المتعلم البليد ؛ وأن رأى المجرب البصير ، مقدم على رأي ~~الغمر الغرير فقد خسر حظه في العاجل ، ولعله أيضا يخسر حظه في الآجل ؛ فإن ~~مصالح الدنيا معقودة بمراشد الآخرة ، وكليات الحس في هذا العالم ، في ~~مقابلة موجودات العقل في ذلك العالم ؛ وظاهر ما يرى بالعيان مفض إلى باطن ~~ما يصدق عنه الخبر ؛ وبالجملة ، الداران متفقتان في الخير المغتبط به ، ~~والشر المندوم عليه ؛ وإنما يختلفان بالعمل المتقدم في إحداهما ، والجزاء ~~المتأخر في الأخرى ؛ وأنا أعوذ بالله الملك الحق الجبار العزيز الكريم ~~الماجد أن أجهل حظي ، وأعمى PageV01P010 عن رشدي ، وألقي بيدي إلى التهلكة ~~، وأتجانف إلى ما يسوءني أولا ولا يسرني آخرا ؛ هذا وأنا في ذيل الكهولة ~~وبادئة الشيخوخة ، وفي حال من إن لم تهده التجارب فيما سلف من أيامه ، في ~~حالي سفره ومقامه ؛ وفقره وغنائه ، وشدته ورخائه ، وسارئه وضرائه ، وخيفته ~~ورجائه ؛ فقد انقطع الطمع من فلاحه ووقع اليأس من تداركه واستصلاحه ؛ فإلى ~~الله أفزع من كل ريث وعجل وعليه أتوكل في كل سؤل وأمل ، وإياه أستعين في كل ~~قول وعمل . قد فهمت أيها الشيخ - حفظ الله روحك ، ووكل السلامة بك ، وأفرغ ~~الكرامة عليك ، وعصب كل خير بحالك ، وحشد كل نعمة في رحابك ورحم هذه ~~الجماعة الهائلة - من أبناء الرجاء والأمل - بعنايتك ، ولا قطعك من عادة ~~الإحسان إليهم ، ولا ثنى طرفك عن الرقة لهم ، ولا زهدك في اصطناع حاليهم ~~وعاطلهم ، ولا رغب بك عن قبول حقهم ms001 لبعض باطلهم ، ولا ثقل عليك إدناء ~~قريبهم وبعيدهم ، وإنالة مستحقهم وغير مستحقهم أكثر مما في نفوسهم وأقصى ما ~~تقدر عليه من مواساتهم ، من بشر تبديه ، PageV01P011 وجاه تبذله ، ووعد ~~تقدمه ، وضمان تؤكده ، وهشاشة تمزجها ببشاشة ، وتبسم تخلطه بفكاهة فإن هذه ~~كلها زكاة المروءة ، ورباط النعمة ، وشهادة بالمحتد الزكي والعرق الطيب ~~والمنشأ المحمود ، والعادة المرضية ؛ وهي مؤذنة بأن المنحة راهنة ، ~~والموهبة قاطنة ، والشكر مكسوب ، والأجر مذخور ، ورضوان الله واقع ؛ وأسأل ~~الله بعد هذا كله ألا يسهم وجهي عندك ، ولا يزل قدمي في خدمتك ولا يزيغني ~~إلى ما يقطع مادة إحسانك وعائدة رأيك ونافع نيتك وجميل معتقدك ، بمنه ولطفه ~~. فهمت جميع ما قلته لي بالأمس فهما بليغا ، ووعيته وعيا تاما ؛ وبان لي ~~الرشد في جملته وتفصيله ، والصلاح في طرفيه ووسطه ، والغنيمة في ظاهره ~~وباطنه ، والشفقة من أوله إلى آخره . وأنا أعيده ههنا بالقلم ، وأرسمه ~~بالخط وأقيده باللفظ ، حتى يكون اعترافي به أرسى واثبت ، وشهادتي على نفسي ~~أقوى وأوكد ، ونكولي عنه أبعد وأصعب ، وحكمك به لي وعلي أمضى وأنفذ . قلت ~~لي - أدام الله تعالى توفيقك في كل قول وفعل ، وفي كل رأي ونظر - : إنك ~~تعلم يا أبا حيان أنك انكفأت من الري إلى بغداد في آخر سنة سبعين بعد فوت ~~مأمولك من ذي الكفايتين - نضر الله وجهه - PageV01P012 عابسا على ابن عباد ~~مغيظا منه ، مقروح الكبد ، لما نالك به من الحرمان المر ، والصد القبيح ، ~~واللقاء الكريه ، والجفاء الفاحش ، والقدع المؤلم والمعاملة السيئة ، ~~والتغافل عن الثواب على الخدمة ، وحبس الأجرة على النسخ والوراقة ، والتهجم ~~المتوالي عند كل لحظة ولفظة . وذكرت في الجملة شقاء اتصل بك في سفرك ذلك ، ~~وعناء نال منك في عرض أحوالك ؛ ولعمري إن السفر فعول لهذا كله ولأكثر منه ؛ ~~فأرعيتك بصري ، وأعرتك سمعي ، وساهمتك في جميع ما وقرته في أذني بالجزع ~~والتوجع والاستفظاع والتفجع ؛ وضمنت لك تلافي ذلك كله بحاق الشفقة وخالص ~~الضمير ، ووعدتك صلاح الحال عن ثبات النية ، وصحة العقيدة ، وقلت : أنا ~~أرعى حقك القديم حين التقينا بأرجان ، وأنا على باب ابن ms002 شاهويه الفقيه ، ~~وعهدك الحديث حين اجتمعنا بمدينة السلام سنة ثمان وخمسين ؛ وأوصلك إلى ~~الأستاذ أبي عبد الله العارض - أدام الله تأييده - PageV01P013 وأخطب لك ~~قبولا منه ، وتخفيف الإذن عليك ، وامتلاء الطرف بك ، ونيل الحظوة بخدمتك ~~وملازمتك ؛ وفعلت ذلك كله حتى استكتبك كتاب الحيوان لأبي عثمان الجاحظ ، ~~لعنايتك به ، وتوفرك على تصحيحه ، ثم حضنت لك هذه الحال إلى يومنا هذا ؛ ~~وهو الوزير العظيم الذي افتقرت الدولة إلى نظره وأمره ونهيه ، وإلى أن يكون ~~هو المبرم والناقض ، والرافع والواضع ، والكافي والوافي ، والمقرب لخدمها ~~ونصحائها ، والمزحزح لحسدتها وأعدائها ؛ والراعي لرعيتها ودهمائها ، ~~والناهض بأثقالها وأعبائها ، أعانه الله على ما تولاه ، وكفاه المهم في ~~دنياه وأخراه ، بمنه وقدرته . نعم ورتبت ذلك كله ، ولم أقطع عنك عادتي معك ~~في الاسترسال والانبساط ، والبر والمواساة ، والمساعدة والمواتاة ، والتعصب ~~والمحاماة . أفكان من حقي عليك في هذه الأسباب التي ذكرتها ، وفي أخواتها ~~التي تركتها كراهة الإطالة بها أنك تخلو بالوزير - أدام الله أيامه - ليالي ~~متتابعة ومختلفة ، فتحدثه بما تحب وتريد ، وتلقي إليه ما تشاء وتختار ، ~~وتكتب إليه الرقعة بعد الرقعة ؛ ولعلك في عرض ذلك تعدو طورك بالتشدق وتجوز ~~حدك بالاستحقار ، وتتطاول إلى ما لبس لك ، وتغلط في نفسك ، وتنسى زلة ~~العالم ، وسقطة المتحري ، وخجلة الواثق ؛ هذا وأنت غر لا هيئة لك في لقاء ~~الكبراء ، ومحاورة الوزراء ؛ وهذه حال تحتاج فيها إلى عادة غير عادتك ، ~~وإلى مران سوى مرانك ، ولبسة لا تشبه لبستك ؛ وقل من قرب من وزير خدم فأجاد ~~، وتكلم فأفاد ، وبسط فزاد ؛ وإلا سكر ، وقل من سكر إلا عثر وقل من عثر ~~فانتعش ، وما زهد في هذه الحال كثير من الحكماء الأولين والعباد الربانيين ~~؛ إلا لغلظها وصعوبتها ، ومكروه عاقبتها ، وشدة الصبر على فوارضها ورواتبها ~~، PageV01P014 وتفسخ المتن بين حوادثها ونوائبها . والعجب أنك مع هذه الخلة ~~تظن أنها مطوية عني وخافية دوني ، وأنك قد بلغت الغاية وادع القلب ، وملكت ~~المكانة ثاني العنان ؛ وقد انقطعت حاجتك عني وعمن هو دوني ، ووقع الغنى عن ~~جاهي وكلامي ولطفي وتوصيلي ؛ وجهلت أن من قدر على وصولك ms003 ، يقدر على فصولك ، ~~وأن من صعد بك حين أراد ، ينزل بك إذا شاء ، وأن من يحسن فلا يشكر ، يجتهد ~~في الاقتصاد حتى يعذر . وبعد ، فما أطيل ، ولعل لهب الموجدة يزداد ، ولسان ~~الغيظ يغلو ، وطباع الإنسان تحتد ، والندم على ما أسلفت من الجميل يتضاعف ؛ ~~ولست أنت أول من بر فعق ، ولا أنا أول من جفى فنق . وهذا فراق بيني وبينك ~~وآخر كلامي معك ، وفاتحة يأسي منك ؛ قد غسلت يدي من عهدك بالأشنان البارقي ~~، وسلوت عن قربك بقلب معرض وعزم حي ؛ إلا أن تطلعني طلع جميع ما تحاورتما ~~وتجاذبتما هدب الحديث عليه ، وتصرفتما في هزله وجده ، وخيره وشره ، وطيبه ~~وخبيثه ، وباديه ومكتومه ؛ حتى كأني كنت شاهدا معكما ورقيبا عليكما ، أو ~~متوسطا بينكما ، ومتى لم تفعل هذا ، فانتظر عقبى استيحاشي منك ، وتوقع قلة ~~غفولي عنك ، وكأني بك وقد أصبحت حران حيران يا أبا حيان ، تأكل أصبعك أسفا ~~، وتزدرد ريقك هفا ، على ما فاتك من PageV01P015 الحوطة لنفسك ، والنظر في ~~يومك لغدك ، والأخذ بالوثيقة في أمرك ، أتظنن بغرارتك وغمارتك ، وذهابك في ~~فسولتك التي اكتسبتها بمخالطة الصوفية والغرباء والمجتدين الأدنياء ~~الأردياء ؛ أنك تقدر على مثل هذه الحال ، وأنام منك على حسن الظن بك ، ~~والثقة بصدرك ووردك ، وأطمئن إلى حكك وجردك وأتعامى عن حرك وبردك ؛ هيهات ؛ ~~رقدت فحلمت ، فخيرا رأيت وخيرا يكون على هذا الحد كان مقطع كلامك في موجدتك ~~، وإلى ههنا بلغ فيض عتبك ولائمتك ؛ وفي دون ذلك تنبيه للنائم ، وإيقاظ ~~للساهي ، وتقويم لمن يقبل التقويم ؛ وقد قال الأول : ألا إنما يكفي الفتى ~~عند زيغه . . . من الأود البادي ثقاف المقوم فقلت لك : أنا سامع مطيع ، ~~وخادم شكور ، لا أشتري سخطك بكل صفراء وبيضاء في الدينا ؛ ولا أنفر من ~~التزام الذنب والاعتراف بالتقصير ؛ ومثلي يهفو ويجمح ، ومثلك يعفو ويصفح ؛ ~~وأنت مولى وأنا عبد ، وأنت آمر وأنا مؤتمر ، وأنت ممتثل وأنا ممتثل ، وأنت ~~مصطنع وأنا صنيعة ، وأنت منشىء وأنا منشأ ، وأنت أول وأنا آخر ، وأنت مأمول ~~وأنا آمل ، ومتى لم تغفر لي الذنب البكر ، والجناية العذراء ، والبادرة ~~النادرة ms004 ؛ فقد أعنتني على ما كان مني ، ودللت على ملكك لي ؛ وأنك كنت ~~مترصدا لهذه الهفوة ومعتقدا في مقابلتها هذه الجفوة ؛ وكرمك يأبى عليك هذا ~~، ومثولي بين يديك خدمة لك يحظره عليك . PageV01P016 هذا وأنا أفعل ما ~~طالبتني به من سرد جميع ذلك ، إلا أن أغوص فيه على البديهة في هذه الساعة ~~يشق ويصعب بعقب ما جرى من التفاوض ، فإن أذنت جمعته كله في رسالة تشتمل على ~~الدقيق والجليل ، والحلو والمر ، والطري والعاسي ، والمحبوب والمكروه ؛ ~~فكان من جوابك لي : افعل . ونعم ما قلت وهو أحب إلي وأقرب إلى إرادتي ، ~~وأحضر لما أريغ منه ، وأدخل في الحجة عليك ولك ؛ وأغسل للوسخ الذي بيني ~~وبينك ، وأزهر للسراج الذي طفىء عني وعنك ، وأجذب لعنان الحجة إن كانت لك ، ~~وأنطق عن العذر إن اتضح بقولك ؛ وإذا عزمت فتوكل على الله ؛ وليكن الحديث ~~على تباعد أطرافه ، واختلاف فنونه مشروحا ، والإسناد عاليا متصلا ، والمتن ~~تاما بينا ، واللفظ خفيفا لطيفا ، والتصريح غالبا متصدرا ، والتعريض قليلا ~~يسيرا وتوخ الحق في تضاعيفه وأثنائه ، والصدق في إيضاحه وإثباته ؛ واتق ~~الحذف المخل بالمعنى ، وإلحاق المتصل بالهذر ، واحذر تزيينه بما يشينه ، ~~وتكثيره بما يقلله ، وتقليله عما لا يستغنى عنه ؛ واعمد إلى الحسن فزد في ~~حسنه ، وإلى القبيح فانقص من قبحه ؛ واقصد إمتاعي بجمعة نظمه ونثره ، ~~وإفادتي من أوله إلى آخره ؛ فلعل هذه المثاقفة تبقى وتروى ، ويكون في ذلك ~~حسن الذكرى ؛ ولا تومىء إلى ما يكون الإفصاح عنه أحلى في السمع ، وأعذب في ~~النفس ، وأعلق بالأدب ؛ PageV01P017 ولا تفصح عما تكون الكناية عنه أستر ~~للعيب ، وأنفى للريب ؛ فإن الكلام صلف تياه لا يستجيب لكل إنسان ، ولا يصحب ~~كل لسان ؛ وخطره كثير ، ومتعاطيه مغرور ، وله أرن كأرن المهر وإباء كإباء ~~الحرون ، وزهو كزهو الملك ، وخفق كخفق البرق ؛ وهو يتسهل مرة ويتعسر مرارا ~~، ويذل طورا ويعز أطوارا ؛ ومادته من العقل والعقل سريع الحؤول خفي الخداع ~~؛ وطريقه على الوهم ، والوهم شديد السيلان ومجراه على اللسان ، واللسان ~~كثير الطغيان ؛ وهو مركب من اللفظ اللغوي والصوغ الطباعي ، والتأليف ~~الصناعي ، والاستعمال الاصطلاحي ms005 ، ومستملاه من الحجا ، ودريه بالتمييز ؛ ~~ونسجه بالرقة ، والحجا في غاية النشاط وبهذا البون يقع التباين ويتسع ~~التأويل ، ويجول الذهن ، وتتمطى الدعوى ، ويفزع إلى البرهان ، ويبرأ من ~~الشبهة ، ويعثر بما أشبه الحجة وليس بحجة ؛ فاحذر هذا النعت وروادفه ، واتق ~~هذا الحكم وقوائفه ؛ ولا تعشق اللفظ دون المعنى ولا تهو المعنى دون اللفظ ؛ ~~وكن من أصحاب البلاغة والإنشاء في جانب ، فإن صناعتهم يفتقر فيها أشياء ~~يؤاخذ بها غيرهم ، ولست منهم ، فلا تتشبه بهم ، ولا تجر على مثالهم ، ولا ~~تنسج على منوالهم ، ولا تدخل في غمارهم ، ولا تكثر ببياضك سوادهم ، ولا ~~تقابل بفكاهتك براعتهم ، ولا تجذب بيدك رشاءهم ، ولا تحاول بباعك مطاولتهم ~~PageV01P018 واعرف قدرك تسلم ، والزم حدك تأمن ، فليس الكودن من العتيق في ~~شيء ، ولا الفقير من الغني على شيء ، أما سمعت قول الناس : ليس الشامي ~~للعراقي بصاحب ، ولا الكردي من الدندي بساخر ، فإن طال فلا تبل ، وإن تشعب ~~فلا تكترث ، فإن الإشباع في الرواية أشفى للغليل ، والشرح للحال أبلغ إلى ~~الغاية ، وأظفر بالمراد ، وأجرى على العادة . فكتبت : ' بسم الله الرحمن ~~الرحيم ' ، أقول أيها الشيخ - عطف الله قلبك علي ، وألهمك الإحسان إلي - في ~~جواب جميع ما قلته واجدا علي وعاتبا ، وقابضا ، وباسطا ، ومرشدا ، وناصحا ؛ ~~ما يعرف الحق فيه ، ويستبين الصواب منه ، غير خائن لك ، ولا جانح إلى ~~مخالفتك ، ولا مريغ للباطل معك ، ولا جاحد لأياديك القديمة ، والحديثة ، ~~ولا منكر لنعمتك الكافية الشافية ، ولا غاظ على فواضلك المجتمعة والمتفرقة ~~، ولا تارك لشيء هو علي من أجل شيء هو لي ، ولا معرض عن شيء هو لي بسبب شيء ~~هو علي ؛ بل أجهز دقة وجله إليك حتى تراه بسده وغباره ، وأجلوه عليك حتى ~~تلحظه بردائه وإزاره . كأني لم أسمع قول الأول : والكفر مخبثة لنفس المنعم ~~. . . والشكر مبعثة لنفس المفضل أأنا أدعك واجدا علي ، وأرقد وأنت ماقت لي ~~، وأجد حس نعمة أنت وهبتها إلي ، وألذ عيشا أنت أذقتني حلاوته . أأنسى ~~أياديك وهي طوق رقبتي ، وتجاه عيني ، وحشو نفسي ، وراحة حلمي ، وزاد حياتي ~~، ومادة روحي هيهات ، هذا بعيد ms006 من القياس ، وغير معهود بين أحرار الناس ؛ ~~الذين لهم اهتمام بصون أعراضهم ، وحرص على إكرام أنفسهم ؛ PageV01P019 قد ~~عبقوا بفوائح الفتوة ، وعلقوا بحبائل المروءة ، وشدوا من الحكمة أشرف ~~الأبواب ؛ واعتزوا من الأدب إلى أعز حرم ؛ وحازوا شرفا بعد شرف ، وانحازوا ~~عن نطف بعد نطف ونظروا إلى الدنيا بعين بصيرة ، وعزفوا أنفسهم عن زهراتها ~~بتجربة صادقة . فأول ما أبدؤك به أنني طننت ظنا لا كيقين أن شيئا مما كنت ~~فيه مع الوزير - أدام الله أيامه ، وقصم أعداءه - ليس مما يهمك ، ولا هو ~~مما يقرع سمعك سماعك له ؛ وحسبت أيضا أنني إن بدأت بشيء منه رذلتني عليه ~~وتنقصتني به ، وزريت علي فيه ؛ وأنك ربما قلت : لم بدأت بما أسئلك عنه ولم ~~أرخص لك فيه ، هلا كظمت على جرتك ، وطويت ما بين جنبيك وما علي مما يدور ~~بين الصاحب وخادمه والرؤوساء ، والناظرين في أمور الدهماء والمتصفحين ~~لأحوال العامة والخاصة ، ولهم أسرار وعيوب لا يقف عليها أقرب الناس إليهم ، ~~وأعز الناس عليهم ، وأنت أيضا فلم تسألني عنه ، فكان في تقديري أنك قد عرفت ~~وصولي في وقت دون وقت ، وأنك قد حملت أمري على الخدمة التي ليس للعلم بها ~~فائدة ، ولا في الإعراض عنها فائتة . وإذ جرى الأمر على غير ما كان في ~~حسابي وتلبس بظني ، فإني أهدي ذلك كله بغثاثته وسمانته ، وحلاوته ومرارته ، ~~ورقته وخثارته في هذا المكان ؛ ثم أنت أبصر PageV01P020 بعد ذلك في كتمانه ~~وإفشائه ، وحفظه وإضاعته وستره وإشاعته ؛ ووالله ما أرى هذا أمرا صعبا إذا ~~وصل إلى مرادك ولا كلفة شاقة إذا أكسبني مرضاتك ؛ وإن كان ذلك يمر بأشياء ~~كثيرة ومختلفة ، متعصية غريبة ، منها ما يشيط به الدم المحقون ، وينزع من ~~أجله الروح العزيز ، ويستصغر معه الصلب ، ولا يقنع فيه بالعذاب الأدنى دون ~~العذاب الأكبر ؛ وإن كان فيها أيضا غير ذلك مما يضحك السن ، ويفكه النفس ، ~~ويدعو إلى الرشاد ، ويدل على النصح ، ويؤكد الحرمة ، ويعقد الذمام ، وينشر ~~الحكمة ، ويشرف الهمة ، ويلقح العقل ، ويزيد في الفهم والأدب ويفتح باب ~~اليمن والبركة ، وينفق بضاعة أهل ms007 العلم في السوق الكاسدة ، ويوقظ العيون ~~الناعسة ، ويبل الشن المتغضف ، ويندى الطين المترشف ؛ ويكون سببا قويا على ~~حسن الحال وطلب العيش ، فإن هذا العاجلة محبوبة ، والرفاهية مطلوبة ، ~~والمكانة عند الوزراء بكل حول وقوة مخطوبة ، والدناي حلوة خضرة وعذبة نضرة ~~، ومن شف أمله شق عمله ؛ ومن اشتد إلحاحه ، توالى غدوه ورواحه ، ومن أسره ~~رجاؤه ، طال عناؤه ، وعظم بلاؤه ؛ ومن التهب طمعه وحرصه ، ظهر عجزه ونقصه . ~~وفي الجملة : من لم يكن لله متهما . . . لم يمس محتاجا إلى أحد ولابد من ~~فتى يعين على الدهر ، ويغني عن كرام الناس فضلا عن لئامهم ، ويذلل قعود ~~الصبر ، ويجم راحلة الأمل ، ويحلي مر اليأس ؛ والعزلة محمودة إلا أنها ~~محتاجة إلى الكفاية ، والقناعة مزة فكهة ولكنها فقيرة إلى البلغة وصيانة ~~النفس حسنة إلا أنها كلفة PageV01P021 محرجة إن لم تكن لها أداة تجدها ~~وفاشية تمدها ، وترك خدمة السلطان غير الممكن ولا يستطاع إلا بدين متين ، ~~ورغبة في الآخرة شديدة ، وفطام عن دار الدنيا صعب ، ولسان بالحلو والحامض ~~يلغ . قال ابن السماك : لولا ثلاث لم يقع حيف ، ولم يسل سيف ، لقمة أسوغ من ~~لقمة ، ووجه أصبح من وجه ، وسلك أنعم من سلك ، وليس كل أحد له هذه القوة ، ~~ولا فيه هذه المنة والإنسان بشر ، وبنيته متهافتة وطينته منتثرة ، وله عادة ~~طالبة ، وحاجة هاتكة ، ونفس جموح ، وعين طموح ؛ وعقل طفيف ، ورأي ضعيف ، ~~يهفو لأول ريح ، ويستخيل لأول بارق ؛ هذا إذا تخلص من قرناء السوء ، وسلم ~~من سوارق العقل ، وكان له سلطان على نفسه ، وقهر لشهواته ، وقمع لهوائجه ~~وقبول من ناصحه ، وتهيؤ في سعيه ، وتبوء في معان حظه ، وائتمام بسعادته ، ~~واستبصار في طلب ما عند ربه ، واستنصاف من هواه المضل لعقله المرشد ، هذا ~~قليل وصعب ولو قلت : معدوم أو محال في هذا الزمن العسير والدهر الفاسد ، ~~لما خفت عائقا يعوقني ، ولا حسودا يرد قولي . قال ابن السماك : الله ~~المستعان على ألسن تصف وقلوب تعترف ، وأعمال تختلف . PageV01P022 وقال ~~معاوية لأبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث - ورآه لا يلي له عملا ، ولم ms008 ~~يقبل منه نائلا - : يا ابن أخي ، هي الدنيا ، فإما أن ترضع معنا ؛ وإما أن ~~ترتدع عنا . وربما قال بعض المتكلفين قد قال بعض السلف : ليس خيركم من ترك ~~الدنيا للآخرة ، ولا من ترك الآخرة للدنيا ، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه ~~. وهذا كلام مقبول الظاهر موقوف الباطن . وربما قال آخر من المتقدمين : ' ~~اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ' . وهذا أيضا ~~كلام منمق ، لا يرجع إلى معنى محقق ؛ أين هو من قول المسيح - عليه السلام - ~~حين قال : الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب متى بعد أحدكم من أحدهما قرب من ~~الآخر ؛ ومتى قرب من أحدهما بعد من الآخر . وأين هو من قول الآخر : الدنيا ~~والآخرة ضرتان ، متى أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ، ومتى أسخطت إحداهما ~~أرضيت الأخرى . وهذا لأن الإنسان صغير الحجم ، ضعيف الحول ، لا يستطيع أن ~~يجمع بين شهواته وأخذ حظوظ بدنه وإدراك إرادته ، وبين السعي في طلب المنزلة ~~عند ربه بأداء فرائضه ، والقيام بوظائفه ، والثبات على حدود أمره ونهيه ، ~~فإن صفق وجهه وقال : نعمل تارة لهذه الدار وتارة لتلك الدار : فهذا المذبذب ~~الذي لا هو من هذه ولا من هذه ؛ ومن تخنث وتليث لم يكن رجلا ولا امرأة ، ~~ولا يكون أبا ولا أما ؛ وهذا كما نرى . ونرجح فنقول : ونعوذ بالله من الفقر ~~خاصة إذا لم يكن لصاحبه عياذ من التقوى ، ولا عماد من الصبر ، ولا دعامة من ~~الأنفة ، ولا اصطبار على المرارة . وقد بلينا بهذا الدهر الخالي من ~~الديانين الذين يصلحون أنفسهم ويصلحون غيرهم بفضل صلاحهم ، الخاوي من ~~الكرام الذين كانوا يتسعون في أحوالهم ، ويوسعون PageV01P023 على غيرهم من ~~سعتهم ، وكانوا يهتمون بذخائر الشكر المعجل في الدنيا ، يحرصون على ودائع ~~الأجر المؤجل في الأخرى ؛ ويتلذذون بالثناء ، ويهتزون للدعاء ؛ وتملكهم ~~الأريحية عند مسئلة المحتاج ، وتعتريهم الهزة معها والابتهاج ؛ وذلك لعشقهم ~~الثناء الباقي ؛ والصنيع الواقي ؛ ويرون الغنيمة في الغرامة ، والربح في ~~البذل ، والحظ في الإيثار ، والزيادة في النقص ؛ أعني بالزيادة . الخلف ~~المنتظر من الله ؛ وبالنقص : العطاء ؛ ورأيت الناس يعيبون ابن ms009 العميد حين ~~قال : أنا أعجب من جهل الشاعر الذي قال : أنت للمال إذا أمسكته . . . فإذا ~~أنفقته فالمال لك قال : ولو كان هذا صحيحا كان لا ينبغي أن يكتسب المال ، ~~لأنه ليس في ترك كسبه أكثر من إخراجه بالإنفاق . هذا لقولهم بحكمته وعقله ~~وتحصيله وصواب الجاهل لا يستحسن كما يستقبح خطأ العاقل ؛ نعم ، وكانوا إذا ~~ولوا عدلوا ، وإذا ملكوا أفضلوا ، وإذا أعطوا أجزلوا ، وإذا سئلوا أجابوا ~~وإذا جادوا أطابوا ، وإذا عالوا صبروا ، وإذا نالوا شكروا ؛ وإذا أنفقوا ~~واسوا ، وإذا امتحنوا تأسوا ؛ وكانوا يرجعون إلى نقائب ميمونة ، وإلى ضرائب ~~مأمونة ؛ وإلى ديانات قوية ، وأمانات ثخينة ؛ وكان لهم مع الله أسرار طاهرة ~~، وعلانية مقبولة ؛ ومع عباد الله معاملة جميلة ، ورحمة واسعة ومعدلة فاشية ~~؛ وكانت تجارتهم في العلم والحكمة ، وعادتهم جارية على الضيافة والتكرمة ؛ ~~PageV01P024 وكانت شيمتهم الصفح والمغفرة وربحهم من هذه الأحوال النجاة ~~والكرامة في الأولى والعاقبة ؛ وكانوا إذا تلاقوا تواصوا بالخير ، وتناهوا ~~عن الشر ؛ وتنافسوا في اتخاذ الصنائع ، وادخار البضائع أعني صنائع الشكر ، ~~وبضائع الأجر فذهب هذا كله ، وتاه أهله ؛ وأصبح الدين وقد أخلق لبوسه ، ~~وأوحش مأنوسه ، واقتلع مغروسه ؛ وصار المنكر معروفا ، والمعروف منكرا ، ~~وعاد كل شيء إلى كدره وخاثره ، وفاسده وضائره ؛ وحصل الأمر على أن يقال : ~~فلان خفيف الروح ، وفلان حسن الوجه ، وفلان ظريف الجملة ، حلو الشمائل ، ~~ظاهر الكيس ، قوي الدست في الشطرنج ، حسن اللعب في النرد ، جيد في ~~الاستخراج ، مدبر للأموال ، بذول للجهد ، معروف بالاستقصاء لا يغضى عن دانق ~~، ولا يتغافل عن قيراط ؛ إلى غير ذلك مما يأنف العالم من تكثيره ، والكاتب ~~من تسطيره . وهذه كلها كنايات عن الظلم والتجديف ، والخساسة والجهل وقلة ~~الدين وحب الفساد ، وليس فيها شيء مما قدمنا وصفه عن القوم الذين اجتهدوا ~~أن يكونوا خلفاء الله على عباد الله بالرأفة والرحمة والاصطناع والعدل ~~والمعروف . PageV01P025 وأرجع عن هذه الشكلية الطويلة اللاذعة والبلية ~~العامة الشاملة ؛ إلى عين ما رسمت لي ذكره ، وكلفتني إعادته ؛ عائذا بالله ~~في صرف الأذى عني وسوق الخير إلي ؛ ولائذا بكرمك الذي رشتن به إلى الساعة ms010 ، ~~وكفيتني به مؤونة الخدمة لغيرك من هذه الجماعة ؛ والأعمال بخواتيمها ، ~~والصدور بأعجازها ؛ وأنت أولى الناس بالصفح والتجاوز عني إذا عرفت براءتي ~~في كل ما يتعلق بي من ذمامك ؛ ويجب علي من الحق في مودتك ، والاعتصام بحبلك ~~والانتجاع من عشبك ، والارتغاء من لبنك . PageV01P026 # | الليلة الأولى # وصلت أيها الشيخ - أطال الله حياتك - أول ليلة إلى مجلس الوزير - أعز ~~الله نصره ، وشد بالعصمة والتوفيق أزره - فأمرني بالجلوس ، وبسط لي وجهه ~~الذي ما اعتراه منذ خلق العبوس ؛ ولطف كلامه الذي ما تبدل منذ كان لا في ~~الهزل ولا في الجد ، ولا في الغضب ولا في الرضا . ثم قال بلسانه الذليق ، ~~ولفظه الأنيق : قد سألت عنك مرات شيخنا أبا الوفاء ، فذكر أنك مراع لأمر ~~البيمارستان من جهته ، وأنا أربأ بك عن ذلك ، ولعلي أعرضك لشيء أنبه من هذا ~~وأجدى ، ولذلك فقد تاقت نفسي إلى حضورك للمحادثة والتأنيس ، ولأتعرف منك ~~أشياء كثيرة مختلفة تردد في نفسي على مر الزمان ، لا أحصيها لك في هذا ~~الوقت ، لكني أنثرها في المجلس بعد المجلس على قدر ما يسنح ويعرض ، فأجبني ~~عن ذلك كله باسترسال وسكون بال ؛ بملء فيك ، وجم خاطرك ، وحاضر علمك ؛ ودع ~~عنك تفنن البغداديين مع عفو لفظك ، وزائد رأيك ، وربح ذهنك ؛ ولا تجبن جبن ~~الضعفاء ، ولا تتأطر تأطر الأغبياء ؛ واجزم إذا قلت ، وبالغ إذا وصفت ؛ ~~واصدق إذا أسندت ، وافصل إذا حكمت ، إلا إذا عرض لك ما يوجب توقفا أو ~~تهاديا ؛ وما أحسن ما PageV01P027 قال الأول : لا تقدح الظنة في حكمه . . . ~~شيمته عدل وإنصاف يمضي إذا لم تلقه شبهة . . . وفي اعتراض الشك وقاف وقد ~~قال الأول : أبالي البلاء وإني امرؤ . . . إذا ما تبينت لم أرتب وكن على ~~بصيرة أني سأستدل مما أسمعه منك في جوابك عما أسألك عنه على صدقك وخلافه ، ~~وعلى تحريفك وقرافه . فقلت قبل : كل شيء أريد أن أجاب إليه يكون ناصري على ~~ما يراد مني فإني إن منعته نكلت ، وإن نكلت قل إفصاحي عما أطالب به وخفت ~~الكساد ، وقد طمعت بالنفاق وانقلبت بالخيبة ، وقد عقدت ms011 خنصري على المسألة . ~~فقال - حرس الله روحه - : قل - عافاك الله - ما بدا لك ، فأنت مجاب إليه ما ~~دمت ضامنا لبلوغ إرادتنا منك ، وإصابة غرضنا بك . قلت : يؤذن لي في كاف ~~المخاطبة ، وتاء PageV01P028 المواجهة ، حتى أتخلص من مزاحمة الكناية ~~ومضايقة التعريض ، وأركب جدد القول من غير تقية ولا تحاش ولا محاوبة ولا ~~انحياش . قال : لك ذلك ، وأنت المأذون فيه ، وكذلك غيرك ، وما في كاف ~~المخاطبة وتاء المواجهة ؟ إن الله تعالى - على علو شأنه ، وبسطه ملكه ، ~~وقدرته على جميع خلقه - يواجه بالتاء والكاف ، ولو كان في الكناية بالهاء ~~رفعة وجلالة وقدر ورتبة وتقديس وتمجيد لكان الله أحق بذلك ومقدما فيه ، ~~وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله - عليهم السلام - وأصحابه - ~~رضي الله عنهم - والتابعون لهم بإحسان - رحمة الله عليهم - وهكذا الخلفاء ، ~~فقد كان يقال للخليفة : يا أمير المؤمنين أعزك الله ، ويا عمر أصلحك الله ؛ ~~وما عاب هذا أحد ، وما أنف منه حسيب ولا نسيب ، ولا أباه كبير ولا شريف ؛ ~~وإني لأعجب من قوم يرغبون عن هذا وشبهه ، ويحسبون أن في ذالك ضعة أو نقيصة ~~أو حطا أو زراية ، وأظن أن ذلك لعجزهم وفسولتهم ، وانخزالهم وقلتهم ~~وضؤولتهم ، وما يجدونه من الغضاضة في أنفسهم ، وأن هذا التكلف والتجبر ~~يمحوان عنهم ذلك النقص ، وذلك النقص ينتفي بهذا الضلف ؛ هيهات ، لا تكون ~~الرياسة حتى تصفو من شوائب الخيلاء ومن مقابح الزهو والكبرياء . فقلت : ~~أيها الوزير ، قد خالطت العلماء ، وخدمت الكبراء وتصفحت أحوال الناس في ~~أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم ، فما سمعت هذا المعنى من أحدل على هذه السياقة ~~الحسنة والحجة الشافية والبلاغ المبين ؛ وقد قال بعض السلف الصالح : ' ما ~~تعاظم أحد على من دونه إلا بقدر ما تصاغر لمن فوقه ' . والتصاغر دواء النفس ~~، وسجية أهل البصيرة في الدنيا والدين ؛ ولذلك قال ابن السماك للرشيد - وقد ~~عجب من رقته وحسن إصاخته لموعظته وبليغ قبوله لقوله وسرعة دمعته على وجنته ~~- : ' يا أمير المؤمنين ، لتواضعك في شرفك أشرف من شرفك ، وإني أظن أن ~~دمعتك هذه قد أطفأت أودية من النار ms012 وجعلتها بردا وسلاما ' . PageV01P029 ~~قال : هذا باب مفترق فيه ، ورجعنا إلى الحديث فإنه شهي ، سيما إذا كان من ~~خطرات العقل قد خدم بالصواب في نغمة ناغمة ، وحروف متقاومة ؛ ولفظ عذب ، ~~ومأخذ سهل ؛ ومعرفة بالوصل والقطع ، ووفاء بالنثر والسجع ؛ وتباعد من ~~التكلف الجافي ، وتقارب في التلطف الخافي ، قاتلالله ذا الرمة حيث يقول : ~~لها بشر مثل الحرير ومنطق . . . رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر وكنت أنشد ~~أيام الصبا هذا بالذال ، وكان ذلك من سوء تلقين المعلم ؛ وبالعراق رد علي ~~وقيل : هو بالزاي ؛ وقد أجاد القطامي أيضا وتغزل في قوله : فهن ينبذن من ~~قول يصبن به . . . مواقع الماء من ذي الغلة الصادي قلت : ولهذا قال خالد بن ~~صفوان حين قيل له : أتمل الحديث ؟ قال : إنما يمل العتيق ، والحديث معشوق ~~الحس بمعونة العقل ، ولهذا يولع به الصبيان والنساء ، فقال : وأي معونة ~~لهؤلاء من العقل ولا عقل لهم ؟ قلت : ههنا عقل بالقوة وعقل بالفعل ، ولهم ~~أحدهما وهو العقل بالقوة ، وههنا عقل متوسط بين القوة والفعل مزمع ، فإذا ~~برز فهو بالفعل ، ثم إذا استمر العقل بلغ الأفق ؛ ولفرط الحاجة إلى الحديث ~~ما وضع فيه الباطل ، وخلط بالمحال ووصل بما يعجب ويضحك ولا يؤول إلى تحصيل ~~PageV01P030 وتحقيق ، مثل هزار أفسان وكل ما دخل في جنسه من ضروب الخرافات ~~؛ والحسن شديد اللهج بالحادث والمحدث والحديث ، لأنه قريب العهد بالكون ، ~~وله نصيب من الطرافة . ولهذا قال بعض السلف : ' حادثوا هذه النفوس فإنها ~~سريعة الدثور ' ، كأنه أراد اصقلوها واجلو الصدأ عنها ، وأعيدوها قابلة ~~لودائع الخير ، فإنها إذا دثرت - أي صدئت ، أي تغطت ؛ ومنه الدثار فوق ~~الشعار - لم ينتفع بها ؛ والتعجب كله منوط بالحادث ؛ وأما التعظيم والإجلال ~~فهما لكل ما قدم : إما بالزمان ، وإما بالدهر ؛ ومثال ما يقدم بالزمان ~~الذهب والياقوت وما شابههما من الجواهر التي بعد العهد بمبادئها ، وسيمتد ~~العهد جدا إلى نهاياتها ؛ وأما ما قدم بالدهر ، فكالعقل والنفس والطبيعة ؛ ~~فأما الفلك وأجرامه المزدهرة في المعانقة العجيبة ، ومناطقه الخفية ، فقد ~~أخذت من الدهر صورة إلهية ، وأحدثت فيما سلف منها صورة زمانية ms013 . فقال : بقي ~~أن يتصل به نعت العتيق والخلق ، فكان من الجواب أن العتيق يقال على وجهين : ~~فأحدهما يشار به إلى الكرم والحسن والعظمة ، وهذا موجود في قول العرب : ~~البيت العتيق ؛ والآخر يشار به إلى قدم من الزمان مجهول . فأما قولهم : عبد ~~عتيق ، فهو داخل في المعنى الأول ، لأنه أكرم بالعتق ، وارتفع عن العبودية ~~، فهو كريم . وكذلك وجه عتيق لأنه أعتقته الطبيعة من الدمامة والقبح . ~~وكذلك فرس عتيق . وأما قولهم : هذا شيء خلق ، فهو مضمن معنيين : أحدهما ~~يشار به إلى أن مادته بالية ؛ والآخر أن نهاية زمانه قريبة . PageV01P031 ~~وكان ابن عباد قال لكاتبه مرة - أعني ابن حسولة - في شيء جرى . . . نعم ، ~~العالم عتيق ولكن ليس بقديم أي لو كان قديما لكان لا أول له ، ولما كان ~~عتيقا كان له أعول ، ومن أجل هذا الإعتقاد وصفوا الله تعالى بأنه قديم ، ~~واستحسنوا هذا الإطلاق . وقد سألت العلماء البصراء عن هذا الإطلاق ، فقالوا ~~: ما وجدنا هذا في كتاب الله - عز وجل - ولا كلام نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا في حديث الصحابة والتابعين . وسألت أبا سعيد السيرافي الإمام : ~~هل تعرف العرب أن معنى القديم ما لا أول له ؟ فقال : هذا ما صح عندنا عنهم ~~ولا سبق إلى وهمنا هذا منهم ، إلا أنهم يقولون : هذا شيء قديم وبنيان قديم ~~ويسرحون وهمهم في زمان مجهول المبدأ . فقل : قد مر في كلامك شيء يجب البحث ~~عنه ، ما الفرق بين الحادث والمحدث والحديث ؛ فكان من الجواب أن الحادث ما ~~يلحظ نفسه والمحدث ما يلحظ مع تعلق بالذي كان عنه محدثا . والحديث كالمتوسط ~~بينهما مع تعلق بالزمان ومن كان منه . وههنا شيء آخر ، وهو الحدثان ~~والحدثان ؛ فأما الأول فكأنه لما هو مضارع للحادث ، وأما الحدثان فكأنه اسم ~~للزمان فقط ، لأنه يقال : كان كذا وكذا في حدثان ما ولي الأمير ، أي في أول ~~زمانه ، وعلى هذا يدور أمر الحدث والأحداث والحادثات والحوادث . وفلان حدث ~~ملوك كله من ديوان واحد وواد واحد وسبك واحد . قال : ما الفرق بين حدث وحدث ~~؟ قلت ms014 : لا فرق بينهما إلا من جهة أن حدث تابع لقدم ، لأنه يقال : أخذه ما ~~قدم وما حدث ؛ فإذا قيل لإنسان : حدث يا هذا . فكأنه قيل له : صل شيئا ~~بالزمان PageV01P032 يكون به في الحال ، لا تقدم له من قبل . ثم رجعت فقلت ~~. ولفوائد الحديث ما صنف أبو زيد رسالة لطيفة الحجم في المنظر ، شريفة ~~الفوائد في المخبر ، تجمع أصناف ما يقتبس من العلم والحكمة والتجربة في ~~الأخبار والأحاديث ، وقد أحصاها واستقصاها وأفاد بها ، وهي حاضرة . فقال ~~احملها واكتبها ، ولا تمل إلى البخل بها على عادة أصحابنا الغثاث . قلت : ~~السمع والطاعة . ثم رويت أن عبد الملك بن مروان قال لبعض جلسائه : قد قضيت ~~الوطر من كل شيء إلا من محادثة الإخوان في الليالي الزهر ، على التلال ~~العفر . وأحسن من هذا ما قال عمر بن عبد العزيز قال : والله إني لأستري ~~المحادثة من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بألف دينار من بيت مال ~~المسلمين . فقيل : يا أمير المؤمنين ، أتقول هذا مع تحريك وشدة تحفظك ~~وتنزهك ؟ فقال : أين يذهب بكم ؟ والله إني لأعود برأيه ونصحه وهدايته على ~~بيت مال المسلمين بألوف وألوف دنانير ، إن في المحادثة تلقيحا للعقول ، ~~وترويحا للقلب ، وتسريحا للهم ، وتنقيحا للأدب . قال : صدق هذا الإمام في ~~هذا الوصف ، إن فيه هذا كله . PageV01P033 قلت : وسمعت أبا سعيد السيرافي ~~يقول : سمعت ابن السراج يقول : دخلنا على ابن الرومي في مرضه الذي قضى فيه ~~، فأنشدنا قوله : ولقد سئمت مآربي . . . فكأن أطيبها خبيث إلا الحديث فإنه ~~. . . مثل اسمه أبدا حديث وقال سليمان بن عبد الملك : قد ركبنا الفاره ، ~~وتبطنا الحسناء ، ولبسنا اللين ، وأكلنا الطيب حتى أجمناه ، وما أنا اليوم ~~إلى شيء أحوج مني إلى جليس يضع عني مؤونة التحفظ ويحدثني بما لا يمجه السمع ~~، ويطرب إليه القلب . وهذا أيضا حق وصواب ، لأن النفس تمل ، كما أن البدن ~~يكل ؛ وكما أن البدن إذا كل طلب الراحة ، كذلك النفس إذا ملت طلبت الروح ~~وكما لابد للبدن أن يستمد ويستفيد بالجمام الذاهب بالحركة الجالبة ms015 للنصب ~~والضجر ، كذلك لابد للنفس من أن تطلب الروح عند تكاثف الملل الداعي إلى ~~الحرج فإن البدن كثيف النفس ، ولهذا يرى بالعين ، PageV01P034 كما أن النفس ~~لطيفة البدن ، ولهذا لا توجد إلا بالعقل ؛ والنفس صفاء البدن ، والبدن كدر ~~النفس . فقال : أحسنت في هذه الروايات على هذه التوشيحات وأعجبني ترحمك على ~~شيخك أبي سعيد ، فما كل أحد يسمح بهذا في مثل هذا المقام ، وما كل أحد يأبه ~~لهذا الفعل ؛ هات ملحه الوداع حتى نفترق عنها ، ثم نأخذ ليلة أخرى في شجون ~~الحديث . قلت : حدثنا ابن سيف الكاتب الراوية ، قال : رأيت جحظة قد دعا ~~بناء ليبني له حائطا فحضر ، فلما أمسى اقتضى البناء الأجرة ، فتماكسا وذلك ~~أن الرجل طلب عشرين درهما ؛ فقال جحظة : إنما عملت يا هذا نصف يوم وتطلب ~~عشرين درهما ؟ قال : أنت لا تدري ، إني قد بنيت لك حائطا يبقى مائة سنة ؛ ~~فبينما هما كذلك وجب الحائط وسقط ؛ فقال جحظة : هذا عملك الحسن ؟ قال : ~~فأردت أن يبقى ألف سنة ؟ قال : لا ، ولكن كان يبقى إلى أن تستوفي أجرتك . ~~فضحك - أضحك الله سنه - . # | الليلة الثانية # ثم حضرت ليلة أخرى ، فقال : أول ما أسألك عنه حديث أبي سليمان المنطقي ~~كيف كان كلامه فينا ، وكيف كان رضاه عنا ورجاؤه بنا ، فقد بلغني أنك جاره ~~ومعاشره ، PageV01P035 ولصيقه وملازمه وقافي خطوه وأثره ، وحافظ غاية خبره ~~. فقلت : والله أيها الوزير ، ما أعرف اليوم ببغداد - وهي الرقعة الفسيحة ~~الجامعة ، والعرصة العريضة الغاصة - إنسانا أشكر لك ، وأحسن ثناء عليك ، ~~وأذهب في طريق العبودية معك ، منه ؛ ولقد سكر الآذان وملأ البقاع بالدعاء ~~الصالح ، رفعه الله إليه ، والثناء الطيب أشاعه الله ؛ وقد عمل رسالة في ~~وصفك ذكر فيها ما آتاك الله وفضلك به من شرف أعراقك ، وكرم أخلاقك وعلو ~~همتك ، وصدق حدسك وصواب رأيك ، وبركة نظرك ، وظهور غنائك ، وخصب فنائك ، ~~ومحبة أوليائك ، وكمد أعدائك ، وصباحة وجهك ، وفصاحة لسانك ، ونبل حسبك ، ~~وطهارة غيبك ، ويمن نقيبتك ، ومحمود شيمتك ، ودقيق ما أودع الله فيك ، ~~وجليل ما نشر الله عنك ، وغريب ما يرى منك ، وبديع ms016 ما ينتظر لك من المراتب ~~العلية ، والخيرات الواسعة والدولة الوادعة ، وهي تصل إلى مجلسكم في غد أو ~~بعده - إن شاء الله - وكان هذا منه قياما بالواجب ، فإنك نعشت روحه وكان ~~خفت ، وبصرته وكان عشي ؛ وأنبت جناحه وكان قد حص ، بالرسم الذي وصل إليه ~~لأنه كن قنط منه وهو قنوط ، وسمعته مرارا : من يذكرني وقد مضى الملك - ~~رضوان الله عليه - ومن يخلفه في مصلحتي ، ويجري على عادته معي ؟ ومن يسأل ~~عني ، ويهتم بحالي ؟ هيهات ، فقد والله بالأمس من يطول تلفتنا إليه ويدوم ~~تلهفنا عليه إن الزمان بمثله لبخيل كان والله شمس المعالي وغرة الزمن وحامل ~~الأثقال ، وملقتى PageV01P036 القفال ، ومحقق الأقوال والأفعال ، ومجرى لجم ~~الأحوال على غاية الكمال ؛ كان والله فوق المتمنى ، وأعلى من أن يلحق به ~~نظير ، أو يوجد له مماثل ؛ لذته لمح في تهذيب الأمور ، وهواه وقف على صلاح ~~من في إصلاحه صلاح ونفي من في نفيه تطهير ؛ ولولا أن عمر الفتى الأريحي ~~قصير ، لكنا لا نبتلى بفقده ، ولا نتحرق على فوت ما كان لنا بحياته ؛ ~~الدنيا ظلوم ، والإنسان فيها مظلوم . فلما وصل إليه ذلك الرسم - وهو مائة ~~دينار - وحاجته ماسة إلى رغيف ، وحوله وقوته قد عجزا عن أجرة مسكنه ، وعن ~~وجه غدائه وعشائه عاش . ومما زاد في حديث الرسم أنه وصل إليه مع العذر ~~الجميل ، والوعد العريض الطويل ؛ ولو رأيته وهو يترفل ويتحنك لعجبت . فقال ~~: سررتني لسروره بما كان مني ، وإن عشت كففت الزمان عن ضيمه ، وفللت عنه حد ~~نابه ، ولولا الضمانة مانعة عن نفسه ، وتمنع معها بنفسه ؛ لغشي هذا المجلس ~~فيكم فاستأنس وآنس ، ولكنه على حال لا محتمل له عليها ، ولا صبر عليه معها ~~؛ أتحفظ ما قال البديهي فيه ؟ قلت : نعم ، قال : أنشدنيه ، فرويت : ~~PageV01P037 أبو سليمان عالم فطن . . . ما هو في علم بمنتقص لكن تطيرت عند ~~رؤيته . . . من عور موحش ومن برص وبابنة مثل ما بوالده . . . وهذه قصة من ~~القصص فقال : قاتله الله ، فلقد أوجع وبالغ ، ولم يحفظ ذمام العلم ، ولم ~~يقض حق الفتوة . حدثني عن درجته في ms017 العلم والحكمة ، وعرفني محله فيهما من ~~محل أصحابنا ابن زرعة وابن الخمار وابن السمح والقومسي ومسكويه ونظيف ويحيى ~~بن عدي وعيسى بن علي . فقلت : وصف هؤلاء أمر متعذر ، وباب من الكلفة شاق ؛ ~~وليس مثلي من جسر عليه ، وبلغ الصواب منه ؛ وإنما يصفهم من نال درجة كل ~~واحد منهم ، وأشرف بعد ذلك عليهم ؛ فعرف حاصلهم وغائبهم ، وموجودهم ~~ومفقودهم . فقال : هذا تحايل لا أرضاه لك ، ولا أسلمه في يدك ، ولا أحتمله ~~منك ؛ ولم أطلب إليك أن تعرفهم بما هو معلوم الله منهم ، وموهبة لهم ، ~~ومسوقه إليهم ، PageV01P038 ومخلوعه عليهم ، على الحد الذي لا مزيد فيه ولا ~~نقص ؛ إنما أردت ان تذكر من كل واحد ما لاح منه لعينيك ، وتجلى لبصيرتك ، ~~وصار له به صورة في نفسك ؛ فأكثر وصف الواصفين للأشياء على هذا يجري ، وإلى ~~هذا القدر ينتهي . فقلت : إذا قنع مني بهذا ، فإني أخدم بما عندي ، وأبلغ ~~فيه أقصى جهدي . أما شيخنا أبو سليمان فإنه أدقهم نظرا ، وأقعرهم غوصا ، ~~وأصفاهم فكرا ، وأظفرهم بالدرر ، وأوقفهم على الغرر ؛ مع تقطع في العبارة ، ~~ولكنة ناشئة من العجمة وقلة نظر في الكتب ، وفرط استبداد بالخاطر ، وحسن ~~استنباط للعويص ، وجرأة على تفسير الرمز ، وبخل بما عنده من هذا الكنز . ~~وأما ابن زرعة فهو حسن الترجمة ، صحيح النقل ، كثير الرجوع إلى الكتب ، ~~محمود النقل إلى العربية ، جيد الوفاء بكل ما جل من الفلسفة ؛ ليس له في ~~دقيقها منفذ ، ولا له من لغزها مأخذ ، ولولا توزع فكره في التجارة ، ومحبته ~~في الربح ، وحرصه على الجمع ؛ وشدته في المنع ؛ لكانت قريحته تستجيب له ، ~~وغائمته تدر عليه ؛ ولكنه مبدد مندد ، وحب الدنيا يعمي ويصم . وأما ابن ~~الخمار ففصيح ، سبط الكلام ، مديد النفس ، طويل العنان ، مرضي النقل ، كثير ~~التدقيق ، لكنه يخلط الدرة بالبعرة ويفسد السمين بالغث ، ويرقع الجديد ~~بالرث ؛ ويشين جميع ذلك بالزهو والصلف ، ويزيد في الرقم والسوم ، فما يجديه ~~من الفضل يرتجعه بالنقص ؛ وما يعطيه باللطف يسترده بالعنف ؛ وما يصفيه ~~بالصواب ، PageV01P039 يكدره بالإعجاب . ومع هذا يصرع في كل شهر مرة أو ~~مرتين ms018 . وأما ابن السمح ، فلا ينزل بفنائهم ، ولا يسقى من إنائهم ؛ لأنه ~~دونهم في الحفظ والنقل والنظر والجدل ، وهو بالمتبع أشبه ، وإلى طريقة ~~الدعي أقرب ، والذي يحطه عن مراتبهم شيئان : أحدهما بلاده فهمه ، والآخر ~~حرصه على كسبه ؛ فهو مستفرغ مح البال مأسور العقل ، يأخذ الدانق والقيراط ~~والحبة والطسوج والفلس بالصرف والوزن والتطفيف ؛ والقلب متى لم ينق من دنس ~~الدنيا لم يعبق بفوائح الحكمة ، ولم يتفوح بردع الفلسفة ، ولم يقبل شعاع ~~الأخلاق الطاهرة المفضية إلى سعادة الآخرة . وأما القومسي أبو بكر ، فهو ~~رجل حسن البلاغة ، حلو الكناية ، كثير الفقر العجيبة ، جماعة للكتب الغريبة ~~؛ محمود العناية في التصحيح والإصلاح والقراءة ، كثير التردد في الدراسة ؛ ~~إلا أنه غير نصيح في الحكمة ؛ لأن قريحته ترابية ، وفكرته سحابية ؛ فهو ~~كالمقلد بين المحققين ، والتابع للمتقدمين ؛ مع حب للدنيا شديد ، وحسد لأهل ~~الفضل عتيد . وأما مسكويه ، ففقير بين أغنياء ، وعيي بين أبنياء ، لأنه شاذ ~~، وأنا أعطيته في هذه الأيام صفو الشرح لإبساغوجي وقاطيغورياس ، من تصنيف ~~صديقنا بالري . قال : ومن هو ؟ قلت : أبو القاسم الكاتب غلام أبي الحسن ~~العامري ، وصححه معي ؛ وهو الآن لائذ بابن الخمار ، وربما شاهد أبا سليمان ~~وليس له فراغ ، ولكنه محسن في هذا الوقت للحسرة التي لحقته فيما فاته من ~~قبل . PageV01P040 فقال : يا عجبا لرجل صحب ابن العميد أبا الفضل ورأى من ~~كان عنده وهذا حظه ! قلت : قد كان هذا ، ولكنه كان مشغولا بطلب الكيمياء مع ~~أبي الطيب الكيميائي الرازي ، مملوك الهمة في طلبه والحرص على إصابته ~~مفتونا بكتب أبي زكرياء ، وجابر بن حيان ؛ ومع هذا كان إليه خدمة صاحبه في ~~خزانة كتبه ؛ هذا مع تقطيع الوقت في حاجاته الضرورية والشهوية ؛ والعمر ~~قصير ، والساعات طائرة ، والحركات دائمة والفرص بروق تأتلق ، والأوطار في ~~غرضها تجتمع وتفترق ، والنفوس على فواتها تذوب وتحترق ؛ ولقد قطن العامري ~~الري خمس سنين جمعة ودرس وأملى وصنف وروى فما أخذ مسكويه عنه كلمة واحدة ، ~~ولا وعى مسألة ، حتى كأنه بينه وبينه سد ؛ ولقد تجرع على هذا التواني الصاب ~~والعلقم ، ومضغ بفمه حنظل ms019 الندامة في نفسه ، وسمع بأذنه قوارع الملامة من ~~أصدقائه حين لم ينفع ذلك كله . وبعد فهو ذكي حسن الشعر نقي اللفظ ، وإن بقي ~~فعساه يتوسط هذا الحديث ، وما أرى ذلك مع كلفة بالكيمياء ، وإنفاق زمانه ~~وكد بدنه وقلبه في خدمة السلطان ، واحتراقه في البخل بالدانق والقيراط ~~والكسرة والخرقة ؛ نعوذ بالله من مدح الجود باللسان ، وإيثار الشح بالفعل ، ~~وتمجيد الكرم بالقول ومفارقته بالعمل ؛ وهذا هو الشقاء المصبوب على هامة من ~~بلي به ، والبلاء المعصوب بناصية من غلب عليه . وأما عيسى بن علي ، فله ~~الذرع الواسع والصدر الرحيب في العبارة ، حجة في النقل PageV01P041 ~~والترجمة ، والتصرف في فنون اللغات ، وضروب المعاني والعبارات ؛ وقد تصفح ~~ما لم يتصفح كثير من هذه الجماعة ، وقلب بخزائن الكبراء والسادات ، وأعين ~~بالعمر الطويل والفراغ المديد ؛ ولكنه مع هذا الفضل الكثير بخيل بكلمة ~~واحدة ، ونصيح على ورقة فارغة ، لسودائه الغالبة عليه ، ومزاجه المتشيط بها ~~. وأما نظيف ، فإنه متوسط ، لا يسفل عن أقلهم حظا ولا يعلو على أكثرهم ~~نصيبا ؛ ويده في الطب أطول ، ولسانه في المجالس أجول ؛ ومعه رفق وحذق في ~~الجدل . وأما يحيى بن عدي ، فإنه كان شيخا لين العريكة فروقة ، مشوه ~~الترجمة ، رديء العبارة ، لكنه كان متأتيا في تخريج المختلفة وقد برع في ~~مجلسه أكثر هذه الجماعة ، ولم يكن يلوذ بالإلهيات ، كان ينبهر فيها ويضل في ~~بساطها ، ويستعجم عليه ما جل ، فضلا عما دق منها ؛ وكان مبارك المجلس . ~~فقال : ما قصرت في وصف هذه الطائفة ، وتقريب البغية التي كانت داخلة في ~~نفسي منهم . حدثني عن مذاهبهم في النفس وما يقولون فيها ؛ وإلى أين ينتهون ~~من يقينهم PageV01P042 بشأنها ، وكيف ثقتهم ببقائها بعد فناء أبدانها ؟ ~~فقلت : علمت أني لا أجد ما أريد من حديث النفس عند أصحابنا الباقين ، أعني ~~أبا الوفاء علي بن يحيى السامري والمعري والقوهي والصوفي وغلام زحل ~~والصاغاني ، وكذلك غيرهم أعني ابن عبدان وابن يعقوب وابن لالا وابن بكش ~~وابن قوسين والحراني ، لأن هؤلاء ليسوا يحرثون هذه الأرض ، ولا يرقمون هذا ~~البز ولا يجهزون هذا المتاع ولا ms020 يتعاملون به ؛ هذا ينظر في المرض والصحة ~~والداء والدواء ، وهذا يعتبر الشمس والقمر ، وليس فيهم من يذكر كلمة في ~~النفس والعقل والإله ، حتى كأنه محظور عليهم ، أو قبيح عندهم . وقلت : إن ~~هؤلاء القوم - أعني الطائفة الأولى - متفقون في الاعتراف بأنها جوهر باق ~~خالد ؛ فأما اليقين فما الحكم به لهم ، لأنهم لو كانوا على ذلك - أعني ~~واجدين لليقين ذائقين لحلاوته - لما كدحوا للدنيا التي تزول عنهم ويزولون ~~عنها مضطرين ؛ فلو أنهم كانوا على ثلج من النفس ، ويقظة من العقل ، ~~واستبصار من القلب ، وسكون من البرهان ، لما تعجلوا هذه اللذات المنقوصة ، ~~والأوطار الفاضحة ، والشهوات الخسيسة ، مع التبعات الكثيرة والأوزار ~~الثقيلة ؛ ولا عجب فإنه إذا كانت الركاكة العائقة تمنع الإنسان من العدو ~~والسفر ، ومن سرعة الخطو ، لأن الحركة قد بطلت بالركاكة الداخلة عليه في ~~أعضائه وآلائه ، فأي عجب من أن تكون النفس التي استعبدتها الشهوات الغالبة ~~، والعقيدة الرديئة ، والأفعال القبيحة معوقة ممنوعة من الصعود إلى معانق ~~الفلك ومخارق النجوم وعالم الروح ومقعد الصدق ومقام الأمن ومحل الكرامة ~~ومراد الخلد وبلد الأبد PageV01P043 ومعان السرمد . قال : هذا كلام تام ؛ ~~وسأسألك بعد هذا عن النفس وما تحفظ عنهم فيها لكن تعم لي ما كنا فيه ، كيف ~~علم أبي سليمان بالنجوم وأحكامها ؟ قلت : لا يتجاوز التقويم . ثم قال : فما ~~تقول في الأحكام ؟ قلت : أنشدت منذ أيام : علم النجوم على العقول وبال . . ~~. وطلاب حق لا ينال محال وقلت أيضا : علم الأحكام لا يجوز في الحكمة أن ~~يكون مدركا مكشوفا مخاطبا به معروفا ؛ ولا يجوز أن يكون مقنوطا منه مطرحا ~~مجهولا ؛ بل الحكمة توجب أن يتوسط هذا الفن بين الإصابة والخطأ حتى لا ~~يستغنى عن اللياذ بالله أبدا ، ولا يقع اليأس من قبله أبدا ؛ وعلى هذا سخر ~~الله الإنسان وقيضه وخيره بين الأمر وفوضه ؛ ومنع من الثقة والطمأنينة إلا ~~في معرفته وتوحيده وتقديسه وتمجيده ، والرجوع إليه ؛ انظر إلى حديث الطب ~~فإن عنده الصناعة توسطت الصواب والخطأ ، لتكون الحكمة سارية فيها ، واللطف ~~معههودا بها ؛ لأن الطب كما يبرأ به العليل ms021 ، قد يهلك معه العليل ؛ فليس ~~بسبب أن بعض المدبرين بالطب لا ينبغي أن ينظر في الطب ؛ وليس بسبب أن بعض ~~المرضى برأ بالطب وجب أن يعول عليه ؛ انظر إلى هذا التوسط في هذه الحال ~~ليكون التدبير الإلهي والأمر الربوبي نافذين في هذه الخلائق بوساطة ما بينه ~~وبينها ؛ ولتكون المصلحة بالغة غايتها ؛ وهذه سياسة دار الفناء ، الجامعة ~~لسكانها على البأساء والنعماء ؛ وهكذا ، فانظر إلى حديث البحر وركوب البأس ~~المتيقن فيه ، وجوب الطول والعرض وإصابة الربح ، وطلب العلم ، كيف توسط بين ~~السلامة والعطب ، والنجاة والهلكة ، فلو استمرت السلامة حتى لا يوجد من ~~يغرق ويهلك ، لكان في ذلك مفسدة عامة ؛ ولو استمرت الهلكة حتى لا يوجد من ~~يسلم وينجو ، لكان في ذلك مفسدة عامة ؛ فالحكمة إذا ما توسط هذا الأمر حتى ~~يشكر الله من PageV01P044 ينجو ، ويسلم نفسه لله من يهلك . قلت : وبعد هذا ~~فهذا العلم عويص غامض عميق ، وقد فقد العلماء به ، الملهون فيه ؛ ومعول ~~أهله على الحدس والظن ، وعلى بعض التجارب القديمة التي تكذب مرة وتصدق مرة ~~؛ وبالصدق يعبر الإنسان ، وبالكذب يعرى من فوائده ؛ فالنقص قد دخله ، ~~والخلل قد شمله ؛ وليس يجب أن يوهب له زمان عزيز ، فوراءه ما هو أهم منه ~~وأجدر ، وأرشد وأهدى . قال : هذا حسن ، حدثني بالذي أفدت اليوم . قلت : قال ~~أبو سليمان : العلم صورة المعلوم في نفس العالم ، وأنفس العلماء عالمة ~~بالفعل ، وأنفس المتعلمين عالمة بالقوة . والتعليم هو إبراز ما بالقوة إلى ~~الفعل . والتعلم هو بروز ما هو بالقوة إلى الفعل . والنفس الفلكية عالمة ~~بالفعل ، والنفس الجزئية علامة بالقوة ؛ وكل نفس جزئية تكون أكثر معلوما ~~وأحكم مصنوعا فهي أقرب إلى النفس الفلكية تشبها بها ، وتصيرا لها . قال : ~~هذا في الحسن نهاية ، وقد اكتهل الليل ، وهذا يحتاج إلى بدء زمان ، وتفريغ ~~قلب ، وإصغاء جديد . هات خاتمة المجلس . قلت له : قرأنا يوم الجمعة على أبي ~~عبيد الله المرزباني لعبد الله بن مصعب . إذا استتعت منك بلحظ طرفي . . . ~~حيي نصفي ومات عليك نصفي تلذذ مقلتي ويذوب جسمي . . . وعيشي منك مقرون ~~بحتفي ms022 فلو أبصرتني والليل داج . . . وخدي قد توسط بطن كفي ودمعي يستهل من ~~المآقي . . . إذا لرأيت ما بي فوق وصفي وانصرفت . # | الليلة الثالثة # قال لي ليلة أخرى : حدثني أبو الوفاء عنك حديث الخراساني ، فأريد أن ~~أسمعه منك . PageV01P045 قلت : كنت قائما عشية على زنبرية الجسر في الجانب ~~الشرقي والحاج يدخلون ، وجمالهم قد سدت عرض الجسر - أنتظر جوازها وخفة ~~الطريق منها ، فرأيت شيخا من أهل خراسان ذكر لي أنه من أهل سنجان واقفا خلف ~~الجمال يسوقها ، ويحفظ الرحال التي عليها ، حتى نظر إلى الجانب الغربي فرأى ~~الجذع عليه ابن بقية - وكان وزيرا صلبه الملك لذنوب كانت له - فقال : لا ~~إله إلا الله ، ما أعجب أمور الدنيا وما أقل المفكر في عبرها وغيرها ، عضد ~~الدولة تحت الأرض وعدوه فوق الأرض ! . قال : هكذا حدثني أبو الوفاء ، ولذلك ~~استأذنت في دفنه ، وكان كلام الشيخ سببا في ذلك . قال : بلغني أن أبا ~~سليمان يزور في أيام الجمعة رسل سجستان لما ويظل عندهم طاعما ناعما ، ويأنس ~~بأنك معه ، فمن يحضر ذلك المكان ؟ فقلت : جماعة ؛ وآخر من كان في هذا ~~الأسبوع الماضي ابن جبلة الكاتب ، وابن برمويه ، وابن الناظر أبو منصور ~~وأخوه ، وأبو سليمان وبندار المغني وغزال الراقص ، وعلم وراء الستارة . ~~فقال : ما الذي حفظت من حديث عنهم ، ومأثور أن يلقى إلينا منهم ؟ فقلت : ~~سمعت أشياء ، ولست أحب أن أسم نفسي بنقل الحديث وإعادة الأحوال فأكون غامزا ~~وساعيا ومفسدا . قال : معاذ الله من هذا ، إنما تدل على رشد وخير ، وتضل عن ~~غي وسوء ، وهذا PageV01P046 يلزم كل من آثر الصلاح الخاص والعام لنفسه ~~وللناس ، واعتقد الشفقة ، وحث على قبول النصيحة ؛ والنبي صلى الله عليه ~~وسلم قد سمع مثل هذا وسأل عنه ، وكذلك الخلفاء من بعده ، وكل أحد محتاج إلى ~~معرفة الأحوال إذا رجع إلى مرتبة عالية أو محطوطة . فقلت وجدت ابن برمويه ~~يذكر أشياء هي متعلقة بجانبك ، ويرى أنها لو لم تكن لكان مجلسك أشرف ، ~~ودولتك أعز ، وأيامك أدوم ، ووليك أحمد ، وعدوك أكمد . قال : ما هذا ~~الاسترسال كله إلى ابن ms023 شاهويه ؟ وما هذا الكلف ببهرام ؟ وما هذا التعصب ~~لابن مكيخا ؟ وما هذا السكون إلى ابن طاهر ؟ وما هذا التعويل على ابن عبدان ~~؟ وما من هؤلاء أحد إلا يريش عدوه ويبريه ويضل صاحبه ويغويه . أما ابن ~~شاهويه فشيخ إزراء وصاحب مخرقة وكذب ظاهر ، كثير الإيهام ، شديد التمويه ، ~~لا يرجع إلى ود صادق ، ولا إلى عقد صحيح وعهد محفوظ ؛ وإنما كان الماضي ~~يقربه لغرض كان له فيه من جهة هؤلاء المخربين القرامطة ، وكان أيضا مذموم ~~الهيئة ، فكان لا PageV01P047 ينبس إلا بما يقويه ويحرس حاله ، واليوم هو ~~رخي اللبب ، جاذب لكل سبب ؛ وليس هناك كفاية ولا صيانة ولا ديانة ولا مروءة ~~؛ وبعد ، فهو مشئوم نكد ، ثقيل الروح ، شديد البهت قوله الإفساد وعادته ~~تأجيل المهنأ والشماتة بالعاثر والتشفي من المنكوب . وأما بهرام فرجل مجوسي ~~معجب ذميم ، لا يعرف الوفاء ولا يرجع إلى حفاظ ، غرضه أن يتبجح في الدنيا ~~بجاهه ، ولا يبالي أين صار بعاقبته ؛ وهو يحض مع ذلك عليه في كل ما هو ~~مديره ومدبره . وأما ابن مكيخا ، فرجل نصراني أرعن خسيس ، ما جاء يوما بخير ~~قط لا في رأي ولا في عمل ، ولا في توسط ؛ وأصحابنا يلقبونه بقفا وهو منهمك ~~بين اللذائذ همه أن يتحسى دن الشراب في نفس أو نفسين ، ثم يسقط كالجذع ~~اليابس لا لسان ولا إنسان . وأما ابن طاهر فرجل يدعي للناس أنه لولا مكانته ~~وكفايته وحسبه ورأيه ومشورته لكانت هذه الوزارة سرابا ، وهذه المملكة خرابا ~~؛ هذا مع الشر الذي في طبعه وعادته ؛ فإن جرى خير انتحله ، وزعم أنه من ~~نتائج رأيه ؛ وإن وقع شر عصبه برأس صاحبه ، وادعى أنه استبد به ؛ ومع هذا ~~فهو يعيب هذه المراءاة . PageV01P048 وما أدري كيف استكفى هذه الجماعة حوله ~~؟ وكيف يظاهر هو بها ويسكن إليها ؟ وما فيهم إلا من وكده الرجس والإفساد ~~والأخذ بالمصانعة وإغراء الأولياء بما يعود بالوبال على البريء والسقيم ~~وعلى الزكي والظنين ؛ هؤلاء سباع ضارية ، وكلاب عاوية ؛ وعقارب لساعة ، ~~وأفاع نهاشة ، وقى الله هذا الإنسان الحر المبارك الكريم الرحيم ، فإنه ~~شريف ms024 النفس طاهر الطوية ، لين العريكة ، كثير الديانة ، وهذه أخلاق لا تصلح ~~اليوم مع الناس ، قال الشاعر : ومن لا يذد عن حوضه الناس أو يكن . . . له ~~جانب يشتد إن لان جانب يطأ حوضه المستوردون وتغشه . . . شوائب لا تبقى ~~عليها النقائب وما ضاع قولهم : لا تكن حلوا فتؤكل ، ولا مرا فتعاف . ليس ~~الحذر يقي فكيف التهور ، أههنا لحى تسحب كل يوم ، وطوارق تتوقع كل ليلة ! ~~والتوكل والاستسلام يلقيان بأهل الدين في طلب الآخرة ؛ فأما أصحاب الدنيا ~~وأرباب المراتب ، فيجب أن يدعوا الهوينا جانبا ، ويشمروا للنفع والضر ؛ ~~والخير والشر ويكون ضرهم أكثر ، وشرهم أغلب ؛ ورهبوت خير من رحموت . ~~PageV01P049 ولهذا قال الأعرابي : أنا الغلام الأعسر . . . الخير في والشر ~~والشر في أكثر وهذا معنى بديع ، ولم يرد أن البداءة بالشر خير من الخير ، ~~وإنما اراد أني أتقي بالشر ، وإذا أقبل الشر قلت له : مرحبا ، وأدفع الشر ~~ولو بالشر ، والحديد بالحديد يفلح . وقد قال الآخر : وفي الشر نجاة حي . . ~~. ن لا ينجيك إحسان وقال ابن دارة : إذا كنت يوما طالب القوم فاطرح . . . ~~مقالتهم واذهب بهم كل مذهب وقارب بذي حلم وباعد بجاهل . . . جلوب عليك الشر ~~من كل مجلب فإن حدبوا فاقعس وإن هم تقاعسوا . . . ليستمسكوا مما يريدون ~~فاحدب وإن حلبوا خلقين فاحلب ثلاثة . . . وإن ركبوا يوما لك الشر فاركب ~~وقال الحجاج بن يوسف أبو محمد - وهو من رجالات العرب وقد قهر العجم بالدهاء ~~والزكانة - لو أخذت من الناس مائة ألف ، كان أرضى عني من أن أفرق فيهم مائة ~~ألف . كان الناس بالأمس مزمومين مخطومين ، يقوم كل واحد بنفسه على نفسه ، ~~ويتهم غده لما جناه في أمسه ؛ لأن الملك السعيد ساسهم ، وقوم زيغهم ، وقلم ~~أظافرهم ؛ وشغلهم بالحاجة عن البطر والأشر ، وبالكفاية عن القلق والضجر ؛ ~~وتقدم إليهم بترك الخوض فيما لا مرجوع له بخير ؛ وكانوا لا يشكرون الله على ~~نعمته عليهم به ، وإحسانه إليهم بمكانه ، فسلبوه فتنفس خناقهم ، واتسع ~~نطاقهم ، فامتطى كل واحد هواه ، ويوشك أن PageV01P050 يقع في مهواه . قال : ~~وههنا أشياء أخرى غير هذه ، ولكن من يسمع ms025 ويقبل ؟ ومع هذا فالأمور صائرة ~~إلى مصايرها ، كما أنها صادرة عن مصادرها . فقال له ابن جبلة : ما عندي إلا ~~أن الوزير - أبقاه الله - عارف بهم ومستبطن لأمرهم ؛ مع العشرة القديمة ، ~~والملابسة المتصلة ، والخبرة الواقعة ؛ ولكن لابد لمن كان في محله ورقعته ~~من جماعة يقربهم ، ويرجع إليهم ويسمع منهم ، وينظر بأعينهم ، ويصغي بآذانهم ~~، ويتناول بأيديهم . فقال له مجاوبا : إن كان عارفا بهم ، ومستبطنا لأمرهم ~~، وخبيرا بشأنهم ؛ فلم سلطهم وبسطهم ، وحدد أنيابهم ، وقوى أسنانهم ، وفتح ~~أشداقهم ، وطول أعناقهم ، وقطع أرباقهم ؛ وأبطرهم فأسكرهم ، حتى صاروا ~~يجهلون أقدارهم ، وينسون ما كانوا فيه من القلة والذلة ؟ هلا رتب كل واحد ~~منهم فيما تظهر به كفايته ولا يرفعه إلى ما يظن معه الظن الفاسد ، ولم يضحك ~~في وجوههم ، ويغضي على جنايتهم ؟ أما بلغه أن ابن يوسف قال : تشبثه بابن ~~شاهويه لأنه قد أعده للهرب إلى القرامطة إن دهمه أمر ؟ وأنسه ببهرام إنما ~~هو لاستمداد الفساد منه وتقديمه لابن الحجاج للسخف ، ولهجه بابن هرون للهزء ~~واللعب . قال له ابن جبلة : من أراد أن يحسن القبيح عند رضاه ، ويقبح الحسن ~~عند سخطه فعل ، ولا يخلو أحد تهب ريحه ، ويعلو شأنه ، وينفذ أمره ونهيه من ~~حاسد وقارف ، PageV01P051 ومدخل ومرجف ، على هذه الأمور بنيت الدار ، ~~وعليها جرت الأقدار ، إن كنت تنكر هذا الرهط ، فاعرف له الرهط الآخر ؛ فإنك ~~تعرف بذلك حسن اختياره وجميل انتقائه ومحمود رأيه . قال : من هم ؟ . قال : ~~أبو الوفاء المهندس ، وابن زرعة المتفلسف ، وابن عبيد الكاتب ، ومسكويه ، ~~والأهوازي والعسجدي فأين هؤلاء الغامطة ؟ قوم همهم أن يأكلوا رغيفا ويشربوا ~~قدحا ، لا هم ممن يقتبس من علمهم ولا هم يتكلفون له نصحا ، وهيبته تعوقهم ~~عن ذكر شيء في الدولة من تلقائهم إلا أن يكون شيء يتعلق بهم على معنى خاص ؛ ~~فهو ينود هكذا وهكذا حتى يبلغ منهم ما قدر عليه . فلما سمع الوزير هذا كله ~~قال : سألقي إليك في جواب هذه المسألة ما تخدمني به إن لاقيتهم في مجلس آخر ~~على وجه يخفي أنك له ملقن محمل كأنك ساه ms026 عنه غير حافل به ؛ وقد تقطع الليل ~~، ويحتاج في هذا الحديث إلى استئناف زمان ، بعد استيفاء حمام ؛ ثم أنشدت ~~قول الشاعر : إني لأصفح عن قومي وألبسهم . . . على الضغائن حتى تبرأ المثر ~~ثم قال : ما المئر ؟ قلت : هي الضغائن التي ذكرها في حشو البيت ، واحدها ~~مئرة ، كأنه أراد وألبسهم على الضغائن حتى تبرأ الضغائن فرجع من لفظ إلى ~~لفظ ضرورة القافية لما كان معناهما واحدا ؛ قال : لمن هذا البيت ؟ قلت : لا ~~أحفظ اسم شاعره ، ولكن PageV01P052 أحفظ معه أبياتا . قال : هاتها ؛ فأنشدت ~~أول ذلك : يا أيها الرجل المزجى أذيته . . . هل أنت عن قولك العوراء مزدجر ~~إني إذا عد مبطاء إلى أمد . . . لا يستطيع حضاري المقرف البطر لاقى قناتي ~~مصرارا عشوزنة . . . لا قادح قد تبغاها ولا خور إني لأصفح عن قومي وألبسهم ~~. . . على الضغائن حتى تبرأ المئر قال : اكتبها . قلت : أفعل ، وانصرفت ، ~~فما أعاد علي بعد ذلك شيئا مما كان . # | الليلة الرابعة # قال لي بعد ذلك في ليلة أخرى : كيف رضاك عن أبي الوفاء ؟ قلت : أرضى رضا ~~بأتم شكر وأحمد ثناء ؛ أخذ بيدي ، ونظر في معاشي ، ونشطني وبشرني ، ورعى ~~عهدي ، ثم ختم هذا كله بالنعمة الكبرى ، وقلدني بها القلادة الحسنى ، ~~وشملني بهذه الخدمة ، وأذاقني حلاوة هذه المزية ، وأوجهني عند نظرائي . قال ~~: هات شيئا من الغزل . فأنشدته : كلانا سواء في الهوى غير أنها . . . تجلد ~~أحيانا وما بي تجلد PageV01P053 تخاف وعيد الكاشحين وإنما . . . جنوني ~~عليها حين أنهي وأبعد ثم قال : غالب ظني أن نصرا غلام خواشاذه ما هرب من ~~فنائي إلا برأيك وتجسيرك ؛ فإن ذلك عبد ، ولا جرأة له على مثل هذا الندود ~~والشذوذ ، فقد قال لي القائل : إنك من خلصانه . فقلت : والله الذي لا إله ~~إلا هو ما كان بيني وبينه ما يقتضي هذا الأنس وهذا الاسترسال ، إنما كنا ~~نلتقي على زنبرية باب الجسر بالعشايا وعند البيمارستان وعلى باب أبي الوفاء ~~؛ وإنما ركنت إليه لمرقعته وتاسومته عند ما كنت رأيته عند صاحبه بالري سنة ~~تسع وستين وهو متوجه إلى قابوس وجرجان ، في المذلة الدائمة ms027 والحال المربوطة ~~؛ ولو نبس لي بحرف من هذا ، أو كنت أشعر بأقل شيء منه ، لكنت أقول لأبي ~~الوفاء قضاء لحقه ، ووفاء بما له في عنقي من مننه وخوفا من هذا الظن بي ، ~~وقصورا عن اللائمة لي . قال : أفما تعرف أحدا تسأله عنه ممن كان يخالطه ~~ويباسطه ؟ قلت : ما رأيته إلا وحده ؛ وكم كان زمان التلاقي ؟ كان أقل من ~~شهر ، أفي هذا القدر يتوكد الأنس وترتفع الحشمة وتستحكم الثقة ويقع ~~الاسترسال والتشاور ؟ هذا بعيد . قال : هذا المتخلف كنت قد قربته ورتبته ، ~~ووعدته ومنيته ؛ وتقدمت إلى أبي الوفاء بالإقبال عليه ، والإحسان إليه ، ~~وإذكاري بأمره في الوقت بعد الوقت ، حتى أزيده نباهة وتقديما ، فترك هذا ~~كله وطوى الأرض كأنه هارب من حبس ، أو خائف من عذاب . PageV01P054 ويقال في ~~الأثر : إن بعض الصفيحيين قال : لله قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل ، ما ~~أكثر من يفر من هذه الكرامة ، ويقوى - على ترف جم - على الهوان ، ويصبر على ~~البلاء ، ويقلق في العافية ! إن السجايا المختلفة ، وإن الطباع لمتعادية ؛ ~~قلما يرى شخصان يتشاكلان في الظاهر إلا يتباينان في الباطن . قلت : كذلك هو ~~. قال : حدثني لم امتنعت من النفوذ مع ابن موسى إلى الجبل فيما رسمنا له أن ~~يتوجه فيه ؟ ولقد أطلت التعجب من هذا وكررته على أبي الوفاء . فقلت : منعني ~~من ذلك ثلاثة أشياء : أحدها أن ابن موسى لم يكن من شكلي ولا أشد للضد هونا ~~من مصاحبة الضد ، لأنه سوداوي وجعد . والآخر أنه قيل : ينبغي أن تكون عينا ~~عليه ، وأنا لو قررت لك الحديث لما رأيته لائقا بحالي ، فكيف إذا قرنت برجل ~~باطلي لو بوهمه أمري لدهدهني من أعلى جبل في الطريق . والآخر أني كنت أفد ~~مع هذا كله على ابن عباد - وهو رجل أساء إلي وأوحشني ، وحاول على لسان ~~صاحبه ابن شاهويه أن أنقلب إليه ثانيا ؛ وكنت أكره ذلك ، وما كنت آمن ما ~~يكون منه ومني ، والمجنون المطاع ، مهروب منه بالطباع . وبعد ، فليس لي ~~حاجة في مثل هذه الخدمة ، لأن صدر العمر خلا مني عاريا من ms028 هذه الأحوال ، ~~وكان وسطه أضعف حملا ، وأبعد من القيام به والقيام عليه . فقال : ما كان ~~عندي هذا كله . PageV01P055 قال : إني أريد أن أسألك عن ابن عباد فقد ~~انتجعته وخبرته وحضرت مجلسه ، وعن أخلاقه ومذهبه وعادته ، وعن علمه ، وعن ~~علمه وبلاغته ، وغالب ما هو عليه ، ومغلوب ما لديه ؛ فما أظن أني أجد مثلك ~~في الخبر عنه ، والوصف له ، على أني قد شاهدته بهمذان لما وافي ، ولكني لم ~~أعجمه ، لأن اللبث كان قليلا ، والشغل كان عظيما ، والعائق كان واقعا . ~~فقال : إني رجل مظلوم من جهته ، وعاتب عليه في معاملتي ، وشديد الغيظ ~~لحرماني ، وإن وصفته أربيت منتصفا ، وانتصفت منه مسرفا ، فلو كنت معتدل ~~الحال بين الرضا والغضب ، أو عاريا منهما جملة ، كان الوصف أصدق ، والصدق ~~به أخلق ؛ على أني عملت رسالة في أخلاقه وأخلاق ابن العميد أودعتها نفسي ~~الغزير ، ولفظي الطويل والقصير ، وهي في المسودة ولا جسارة لي على تحريرها ~~، فإن جانبه مهيب ، ولمكره دبيب ، وقد قال الشاعر : إلى أن يغيب المرء يرجى ~~ويتقى . . . ولا يعلم الإنسان ما في المغيب قال : دع هذا كله ، وانسخ لي ~~الرسالة من المسودة ، ولا يمنعنك ذاك فإن العين لا ترمقها والأذن لا تسمعها ~~واليد لا تنسخها . وبعد ، فما سألتك إلا وصفه بما جبل عليه ، أو بما كسب هو ~~بيديه من خير وشر ؛ وهذا غير منكر ولا مكروه ، لأمر الله تعالى ، فإنه مع ~~علمه الواسع ، وكرمه السابغ ، يصف المحسن والمسيء ، ويثني على هذا وينثو ~~على ذاك ؛ فاذكر لي من أمره ما خف اللفظ به وسبق الخاطر إليه وحضر السبب له ~~. قلت : إن الرجل كثير المحفوظ حاضر الجواب فصيح اللسان ؛ قد نتف من كل أدب ~~PageV01P056 خفيف أشياء ، وأخذ من كل فن أطرافا ؛ والغالب عليه كلام ~~المتكلمين المعتزلة ، وكتابته مهجنة بطرائقهم ، ومناظرته مشوبة بعبارة ~~الكتاب ؛ وهو شديد التعصب على أهله الحكمة والناظرين في أجزائها كالهندسة ~~والطب والتنجيم والموسيقي والمنطق والعدد ؛ وليس عنده بالجزء الإلهي خبر ، ~~ولا له فيه عين ولا أثر ؛ وهو حسن القيام بالعروض والقوافي ؛ ويقول الشعر ، ~~وليس بذاك ms029 ؛ وفي بديهيته غزارة . وأما رويته فخوارة ؛ وطالعه الجوزاء ، ~~والشعري قريبة منه ؛ ويتشيع لمذهب أبي حنيفة ومقالة الزيدية ، ولا يرجع إلى ~~الرقة والرأفة والرحمة ، والناس كلهم محجمون عنه ، لجرأته وسلاطته واقتداره ~~وبسطته ؛ شديد العقاب طفيف الثواب ، طويل العتاب ؛ بذيء اللسان ؛ يعطي ~~كثيرا قليلا أعني يعطي الكثير القليل ، مغلوب بحرارة الرأس ، سريع الغضب ، ~~بعيد الفيئة قريب الطيرة ، حسود حقود حديد ، وحسده وقف على أهل الفضل ، ~~وحقده سار إلى أهل الكفاية ؛ أما الكتاب والمتصرفون فيخافون سطوته ، وأما ~~المنتجعون فيخافون جفوته ؛ وقد قتلا خلقا ، وأهلك ناسا ، ونفى أمة ، نخوة ~~وتعنتا وتجبرا وزهوا ؛ وهو مع هذا يخدعه الصبي ، ويخلبه الغبي ؛ لأن المدخل ~~عليه واسع ، والمأتي إليه سهل ؛ وذلك بأن يقال : مولانا يتقدم بأن أعار ~~شيئا من كلامه ، ورسائل منثوره ومنظومه ؛ فما جبت الأرض إليه من فرغانة ~~ومصر وتفليس إلا لأستفيد كلامه وأفصح به ، وأتعلم البلاغة منه ؛ لكأنما ~~رسائل مولانا سور قرآن ، وفقره فيها آيات فرقان ؛ واحتجاجه من ابتدائها إلى ~~انتهائها برهان فوق برهان ؛ فسبحان من جمع العالم في واحد ، وأبرز جميع ~~قدرته في شخص . فيلين عند ذلك ويذوب ، ويلهى عن كل مهم له ، وينسى كل فريضة ~~عليه ويتقدم إلى الخازن بأن يخرج PageV01P057 إليه رسائله مع الورق والورق ~~ويسهل له الإذن عليه ، والوصول إليه ، والتمكن من مجلسه ؛ فهذا هذا . ثم ~~يعمل في أوقات كالعيد والفصل شعرا ، ويدفعه إلى أبي عيسى بن المنجم ، ويقول ~~: قد نحلتك هذه القصيدة ، امدحني بها في جملة الشعراء ، وكن الثالث من ~~الهمج المنشدين . فيفعل أبو عيسى - وهو بغدادي محكك قد شاخ على الخدائع ~~وتحنك - وينشد ، فيقول له عند سماعه شعره في نفسه ووصفه بلسانه ، ومدحه من ~~تحبيره : أعد يا أبا عيسى ، فإنك - والله - مجيد زه يا أبا عيسى والله ، قد ~~صفا ذهن ، وزادت قريحتك ، وتنقحت قوافيك ؛ ليس هذا من الطراز الأول حين ~~أنشدتنا في العيد الماضي ، محل تخرج الناس وتهب لهم الذكاء ، وتزيد لهم ~~الفطنة ، وتحول الكودن عتيقا ، والمحمر جوادا ؛ ثم لا يصرفه عن مجلسه إلا ~~بجائزة سنية ؛ وعطية هنية ؛ ويغيظ الجماعة ms030 من الشعراء وغيرهم ، لأنهم ~~يعلمون أن أبا عيسى لا يقرض مصراعا ولا يزن بيتا ولا يذوق عروضا . قال يوما ~~: من في االدار ؟ فقيل له : أبو القاسم الكاتب وابن ثابت ؛ فعمل في الحال ~~بيتين ، وقال لإنسان بين يديه : إذا أذنت لهذين فادخل بعدهما بساعة وقل : ~~قد قلت بيتين ، فإن رسمت لي إنشادهما أنشدت وازعم أنك بدهت بهما ، ولا تجزع ~~من تأففي بك ، ولا تفزع من نكري عليك ، ودفع البيتين إليه ، وأمره بالخروج ~~إلى السجن ؛ وأذن للرجلين حتى وصلا ؛ فلما جلسا وأنسا دخل PageV01P058 ~~الآخر على تفيئتهما ، ووقف للخدمة ، وأخذ يتلمظ يرى أنه يقرض شعرا ؛ ثم قال ~~: يا مولانا ، قد حضرني بيتان ، فإن أنت أذنت لي أنشدت . قال : أنت إنسان ~~أخرق سخيف ، لا تقول شيئا فيه خير ، اكفني أمرك وشعرك . قال : يا مولانا ، ~~هي بديهتي ، فإن نكرتني ظلمتني ؛ وعلى كل حال فاسمع ، فإن كان بارعين وإلا ~~فعاملني بما تحب قال : أنت لجوج ، هات . فأنشد : يأيها الصاحب تاج العلا . ~~. . لا تجعلني نهزة الشامت بملحد يكنى أبا قاسم . . . ومجبر يعزى إلى ثابت ~~قال : قاتلك الله ، لقد أحسنت وأنت مسىء : قال لي أبو القاسم : فكدت أتفقأ ~~غيظا ، لأني علمت أنه من فعلاته المعروفة ؛ وكان ذلك الجاهل لا يقرض بيتا . ~~ثم حدثني الخادم الحديث بنصه . والذي غلطه في نفسه وحمله على الإعجاب بفضله ~~والاستبداد برأيه ، أنه لم يجبه قط بتخطئة ، ولا قوبل بتسوئة ؛ ولا قيل له ~~: أخطأت أو قصرت أو لحنت أو غلطت أو أخللت ، لأنه نشأ على أن يقال : أصاب ~~سيدنا ، وصدق مولانا ، ولله دره ، ولله بلاؤه ، ما رأينا مثله ، ولا سمعنا ~~من يقاربه ، من ابن عبد كان مضافا إليه ؟ ومن ابن ثوابة مقيسا عليه ؟ ومن ~~إبراهيم بن العباس الصولي إذا جمع بينهما ؟ من صريع الغواني من أشجع السلمي ~~إذا سلك طريقهما ، ومتح برشائهما ، وقدح بزندهما ؟ قد استدرك مولانا على ~~الخليل في العروض ، وعلى أبي عمرو بن العلاء في اللغة وعلى أبي يوسف في ~~القضاء ، وعلى الإسكافي في الموازنة ، وعلى ابن نوبخت في الآراء والديانات ~~، وعلى ms031 ابن مجاهد في القراءات ؛ وعلى ابن جرير في التفسير ، وعلى ~~أرسطوطاليس في المنطق ، وعلى الكندي في PageV01P059 الجزء ، وعلى ابن سيرين ~~في العبارة ، وعلى أبي العيناء في البديهة ، وعلى ابن أبي خالد في الخط ، ~~وعلى الجاحظ في الحيوان ، وعلى سهل بن هرون في الفقر ، وعلى يوحنا في الطب ~~؛ وعلى ابن ربن في الفردوس ، وعلى عيسى بن دأب في الرواية ، وعلى الواقدي ~~في الحفظ ، وعلى النجار في البدل ، وعلى ابن ثوابة في التفقه ، وعلى السري ~~السقطي في الخطرات والوساوس ، وعلى مزبد في النوادر ، وعلى أبي الحسن ~~العروضي في استخراج المعمى ، وعلى بني برمك في الجود ، وعلى ذي الرياستين ~~في التدبير ، وعلى سطيح في الكهانة ، وعلى ابن المحيا خالد بن سنان العبسي ~~في دعواه ؛ هو والله أولى بقول أبي شريح أوس بن حجر التميمي في فضالة بن ~~كلدة : الألمعي الذي يظن بك الظن . . . كأن لقد رأى وقد سمعا قد يسبق المدح ~~إلا من لا يستحقه ، ويصير المال إلى من لا يليق به أن يكون ميلا حتى إذا ~~وجد من كان لذلك مستحقا منحه ووفر عليه . فتراه عند هذا الهذر وأشباهه ~~يتلوى ويتبسم ، ويطير فرحا ويتقسم ويقول : ولا كذا ؛ ثمرة السبق لهم ، ~~وقصرنا أن نلحقهم ، أو نقفو أثرهم ونشق غبارهم أو نرد غمارهم . وهو في كل ~~ذلك يتشاكى ويتحايل ، ويلوي شدقه ، ويبتلع ريقه ، ويرد كالآخذ ، ويأخذ ~~كالمتمنع ، ويغضب في عرض الرضا ، ويرضى في لبوس الغضب ، ويتهالك ويتمالك ، ~~ويتقابل ويتمايل ؛ ويحاكي المومسمات ، ويخرج في أصحاب PageV01P060 السماجات ~~؛ ومع هذا كله يظن أن هذا خاف على نقاد الأخلاق وجهابذة الأحوال ، والذين ~~قد فرغهم الله لتتبع الأمور ، واستخراج ما في الصدور ، واعتبار الأسباب ؛ ~~وذلك أنه ليس بجيد العقل ، ولا خالص الحمق ؛ وكل كدر بالتركيب فقلما يصفو ، ~~وكل مركب على الكدر فقلما يعتدل ؛ إلا أن الانحراف متى كان إلى جانب العقل ~~كان أصلح من أن يكون إلى طرف الحمق ؛ والكامل عزيز ، والبرىء من الآفات ~~معدوم ؛ إلا أن العليل إذا قيض الله له طبيبا حاذقا رفيقا ناصحا كان إلى ~~العافية ms032 أقرب ، وللشفاء أرحي ، ومن العطب أبعد ، وبالاحتياط أعلق ، أعني أن ~~العاقل إذا عرف من نفسه عيوبا معدودة ، وأخلاقا مدخولة ، استطب لها عقله ، ~~وتطبب فيها بعقله ، وتولى تدبيرها برأيه ورأي خلصانه ، فنفي ما أمكن نفيه ، ~~وأصلح ما قبل إصلاحه ، وقلل ما استطاع تقليله ؛ فقد يجد الإنسان الرمص في ~~عينه فينحيه ، ويبتلي بالبرص في بدنه فيخفيه . وقد أفسده أيضا ثقة صاحبه به ~~، وتعويله عليه ، وقلة سماعه من الناصح فيه ؛ فعذر بازدهاء المال والغلم ~~والاقتدار والأمر والكفاية وطاعة الرجال وتصديق الجلساء والعادة الغالبة ؛ ~~وهو في الأصل مجدود لا جرم ليس يقله مكان دلالا وترفا ، وعجبا وتيها وصلفا ~~؛ واندراء على الناس ، وازدراء للصغار والكبار ، وجبها للصادر والوارد ؛ ~~وفي الجملة ، صغار آفاته كبيرة ، وذنوبه جمة ولكن الغني رب غفور قال : ما ~~صدر هذا البيت ؟ فأنشدته الأبيات ، وهي لعروة بن الورد في الجاهلية ، وكان ~~يقال له عروة الصعاليك ، لأنه كان يؤويهم ويحسن إليهم كثيرا : ذريني للغنى ~~أسعى فإني . . . رأيت الناس شرهم الفقير PageV01P061 وأبعدهم وأهوانهم ~~عليهم . . . وإن أمسى له حسب وخير ويقصيه الندى وتزدريه . . . حليلته ~~وينهره الصغير وتلقى ذا الغنى وله جلال . . . يكاد فؤاد صاحبه يطير قليل ~~ذنبه والذنب جم . . . ولكن الغني رب غفور فقال : لاشك أن المسودة جامعة ~~لهذا كله . قلت : تلك تجزع في دست كاغد فرعوني . فقال : أجد تحريرها ، وعلى ~~بها ، ولك الضمان ألا يراها إنسان ، ولا يدور بذكرها لسان . قلت : السمع ~~والطاعة . قال : قد تركنا من حديثه ما هو أولى مما مر بنا ؛ كيف بلاغته من ~~بلاغة ابن العميد ؟ وأين طريقته من طريقة ابن يوسف والصابي ؟ قلت : قد سألت ~~جماعة عن هذا ، فأجابني كل واحد بجواب إذا حكيته عنه كان ما يقال فيه ألصق ~~، وكنت من الحكم عليه وله أبعد . قال : صف هذا ؛ قلت : سألت ابن عبيد ~~الكاتب عن ابن عباد فيك تابته فقال : يرتفع عن المتعلمين فيها بدرجة أو ~~بدرجتين . وقال علي بن القاسم : هو مجنون الكلام ، تارة تبدو لك منه بلاغة ~~قس ، وتارة يلقاك بعي باقل ؛ تحريف كثير في المعاني ، وإحالة في ms033 الوضع ، ~~وغلط في السجع ، وشرود عن الطبع . وقال ابن المرزبان : هو كثير السرقة ، ~~سيىء الإنفاق ، رديء القلب والعكس ، فروقة في غيراده ، هزيمته قبل هجومه . ~~وإحجامه أظهر من إقدامه . وقال الصابي : هو مجتهد غير موفق ، وفاضل غير ~~منطق ولو خطا كان أسرع له ، كما أنه لما عدا كان أبطأ عليه ؛ وطباع الجبلي ~~مخالف لطباع العراقي ، PageV01P062 يثب مقاربا فيقع بعيدا ، ويتطاول صاعدا ~~فيتقاعس قعيدا . وقال علي بن جعفر : مم كانت الطبائع ! هو يكذر نفسه بحسن ~~الظن في البلاغة ، وطباعه تصدق عنه بالتخلف ، فهو يشين اللفظ ويحيل المعنى ~~، فأما شينه اللفظ فبالجفوة والغلظة والإخلال والفجاجة ؛ وأما إحالته ~~فبالإبعاد عن حومة القصد والإرادة ؛ والعجب أنه يحفظ الطم والرم من النثر ~~والنظم ؛ ثم إذا ادعاهما يقع دونهما سقوطا ، أو يتجاوزهما فروطا ؛ هذا مع ~~الكبر الممقوت والتشيع الظاهر ، والدعوى العارية من البينة العادلة . وما ~~أحسن ما كتب بن أحمد بن إسماعيل بن الخصيب إلى آخر : الكبر - أعزك الله - ~~معرض يستوي فيه النبيه ذكرا ، والخامل قدرا ، ليس أمامه حاجب يمنعه ، ولا ~~دونه حاجز يحظره ؛ والناس أشد تحفظا على الرئيس المحظوظ ، وأكثر اجتلاء ~~لأفعاله ، وتتبعا لمعايبه ، وتصفحا لأخلاقه ، وتنقيرا عن خصاله منهم عن ~~خامل لا يعبأ به ، وساقط لا يكترث له ؛ فيسير عيب الجليل يقدح فيه ، وصغير ~~الذنب يكبر منه ، وقليل الذم يسرع إليه ؛ ولابن هندو في هذا المعنى : العيب ~~في الرجل المذكور مذكور . . . والعيب في الخامل المستور مستور كفوفة الظفر ~~تخفي من مهانتها . . . ومثلها في سواد العين مشهور وقال الزهيري : قد نجم ~~بأصبهان ابن لعباد في غاية الرقاعة والوقاحة والخلاعة وإن كان له يوم ، ~~فسيشقى به قوم ، سمعته يقول هذا سنة اثنتين وخمسين في مجلس من الفقهاء . ~~PageV01P063 وقال ابن حبيب : قال بعض الحكماء : إن اللنفس أمراضا كأمراض ~~البدن إلا أن فضل أمراض النفس على أمراض البدن في الشر والضرر كفضل النفس ~~على البدن في الخير ؛ وصاحبنا يعني - ابن عباد - مريض عندنا ، صحيح عند ~~نفسه ، زيف بنقدنا ، جيد بنقده ؛ ولو قامت السوق على ساقها ، وتناصف ~~المتعاملون فيها ، ولم ms034 يقع إكراه في أخذ ولا إعطاء ، عرف البهرج الذي ضرب ~~خارج الدار والجيد الذي ضرب داخل الدار . وقال أحمد بن محمد : إذا أنصفنا ~~التزمنا مزية العراقيين علينا بالطبع اللطيف والمأخذ القريب ، والسجع ~~الملائم ، واللفظ المونق ، والتأليف الحلو ، والسبوطة الغالبة ، والموالاة ~~المقبولة في السمع ، الخالبة للقلب العابثة بالروح ، الزائدة في العقل ، ~~المشعلة للقريحة ، الموقوفة على فضل الأدب ، الدالة على غزارة المغترف ، ~~النائية عن عادة كثير من السلف والخلف ؛ وابن عباد بلي في هذه الصناعة ~~بأشياء كلها عليه لا له ، وخاذلته لا ناصرته ، ومسلمته لا منقذته ؛ فأول ما ~~بلي به أنه فقد الطبع ، وهو العمود ؛ والثاني العادة وهي المؤاتية ؛ ~~والثالث الشغف الجاسي من اللفظ وهو الاختيار الرديء ؛ والرابع تتبع الوحشي ~~، وهو الضلال المبين ؛ والخامس الذهاب مع اللفظ دون المعنى ؛ والسادس ~~استكراه المقصود من المعنى ، واللفظ على النبوة ؛ والسابع التعاظل المجهول ~~بالاعتراض ؛ والثامن إلف الرسوم الفاسدة من غير PageV01P064 تصفح ولا فحص ؛ ~~والتاسع قلة الاتعاظ بما كان - للثقة الواقعة في النفس - من الفائت ، ~~والعاشر تنفيق المتاع بالاقتدار في سوق العز ، وهذه كلها سبل الضلالة ، ~~وطرق الجهالة . قال : وليس شيء أنفع للمنشىء من سوء الظن بنفسه ، والرجوع ~~إلى غيره وإن كان دونه في الدرجة وليس في الدنيا محسوب إلا وهو محتاج إلى ~~تثقيف ، والمستعين أحزم من المستبد ، ومن تفرد لم يكمل ، ومن شاور لم ينقص ~~، وقد يستعجم المعنى كما يستعجم اللفظ ، ويشرد اللفظ كما يند المعنى ، ~~وينتثر النظم كما ينتظم النثر وينحل المعقد كما يعقد المنحل . والمدار على ~~اجتلاب الحلاوة المذوقة بالطبع ، واجتناب النبوة الممجوجة بالسمع ؛ ~~والقريحة الصافية قد تكدر ، والقريحة الكدرة قد تصفو ، وشر آفات البلاغة ~~الاستكراه ، وأنصح نصائحها الرضا بالعفو . وقال : كان ابن المقفع يقف قلمه ~~كثيرا ؛ فقيل له في ذلك ، فقال : إن الكلام يزدحم في صدري فيقف قلمي ~~لأتخيره . والكتاب يتصفح أكثر من تصفح الخطاب ، لأن الكاتب مختار والمخاطب ~~مضطر ؛ ومن يرد عليه كتابك فليس يعلم أسرعت فيه أم أبطأت وإنما ينظر أصبت ~~فيه أم أخطأت ، وأحسنت أم أسأت ؛ فإبطاؤك غير إصابتك ms035 كما أن إسراعك غير معف ~~على غلطك . قال : هذا كله مفيد فأين هو من غيره من أصحابنا ؟ قلت : في ~~الجملة هو أبلغ من ابن PageV01P065 يوسف ، وأغزر وأحفظ وأروى وأجم ركية ، ~~وأعذب موردا ، وأبعد من التفاوت ؛ وليس ابن يوسف من ابن عباد في شيء . فأما ~~ابن العميد فإني سمعت ابن الجمل يقول : سمعت ابن ثوابة يقول : أول من أفسد ~~الكلام أبو الفضل ، لأنه تخيل مذهب الجاحظ وظن أنه إن تبعه لحقه ، وإن تلاه ~~أدركه ، فوقع بعيدا من الجاحظ ، قريبا من نفسه ؛ ألا يعلم أبو الفضل أن ~~مذهب الجاحظ مدبر بأشياء لا تلتقي عند كل إنسان ولا تجتمع في صدر كل أحد : ~~بالطبع والمنشأ والعلم والأصول والعادة والعمر والفراغ والعشق والمنافسة ~~والبلوغ ؛ وهذه مفاتح قلما يملكها واحد ، وسواها مغالق قلما ينفك منها واحد ~~. وأما ابنه ذو الكفايتين ، فلو عاش كان أبلغ من أبيه ، كما كان أشعر منه ؛ ~~ولقد تشبه بالجاحظ فافتضح في مكاتبته لإخوانه ، ومجانته في كلامه ومسائله ~~لمعلمه التي دلتنا على سرقته وغارته وسوء تأتيه ، في تستره وتغطيه ؛ ومن ~~شاء حمق نفسه ؛ وكان مع هذا أشد الناس ادعاء لكل غريبة ، وأبعد الناس من كل ~~قريبة ؛ وهو نزر المعاني ، شديد الكلف باللفظ ؛ وكان أحسد الناس لمن خط ~~بالقلم ، أو بلغ باللسان ، أو فلج في المناظرة ، أو فكه بالنادرة ، أو أغرب ~~في جواب ، أو اتسع في خطاب ؛ ولقد لقي الناس منه الدواهي لهذه الأخلاق ~~الخبيثة ؛ وقد ذكرت ذلك في الرسالة ، وإذا بيضت وقفت عليها من أولها إلى ~~آخرها إن شاء الله ؛ وانصرفت . PageV01P066 # | الليلة الخامسة # قال لي ليلة أخرى : ألا تتمم ما كنا به بدأنا . قلت : بلى . قأما أبو ~~إسحاق فإنه أحب الناس للطريقة المستقمية ، وأمضاهم على المحجة الوسطى ، ~~وإنما ينقم عليه قلة نصيبه من النحو ؛ وليس ابن عباد في النحو بذاك ؛ ولا ~~كان أيضا ابن العميد إلا ضعيفا ؛ وكان يذهب عنه الشيء اليسير . وأبو إسحاق ~~معانيه فلسفية ، وطباعه عراقية ، وعادته محمودة ؛ لا يثب ولا يرسب ، ولا ~~يكل ولا يكهم ، ولا يلتفت وهو متوجه ms036 ، ولا يتوجه وهو ملتفت . وقال لنا : ~~إمام ابن عبدكان ، وهو قد أوفى عليه ، وإن كان احتذى على مثاله ؛ وفنونه ~~أكثر ، ومأخذه أخفى ، وخاطره أوقد ، وناظره أنقد ، وروضه أنضر ، وسراجه ~~أزهر ، ويزيد على كل من تقدم بالكتاب التاجي ، فإنها أبان عن أمور وكنى في ~~مواضع ، وشن الغارة في الصبح المنير مع الرعيل الأول ، ودل على التفلسف ، ~~وعلى الاطلاع على حقائق السياسة ولو لم يكن له غيره لكان به أعرق الناس في ~~الخطابة ، وأعرق الكتاب في الكتابة ، هذا ونظمه منثوره ، ومنثوره منظومه ؛ ~~إنما هو ذهب إبريز كيفما سبك فهو واحد ، وإنما يختلف بما يصاغ منه ويشكل ~~عليه ؛ هذا مع الظرف الناصع والتواضع الحسن ، واللهجة اللطيفة ، والخلق ~~الدمث ، والمعرفة بالزمان ، والخبرة بأصناف الناس ؛ وله فنون PageV01P067 ~~من الكلام ما سبقه إليها أحد ، وما ماثله فيها إنسان . وإني لأرحم من لا ~~يسلم له هذا الوصف ، لأنه إما أن يكون جاهلا ، وإما عالما فإن كان جاهلا ~~فهو معذور ، وإن كان عالما فهو ملوم ، لأنه يدل من نفسه - بدافع ما يعلمه - ~~على حسده ، والحاسد مهين . قال : هل كان في زمان هؤلاء من يلحق بهم ، ويدخل ~~في زمرتهم ؟ قلت : نعم ، أبو طالب الجراحي من آل علي بن عيسى كتب للمرزبان ~~ملك الديلم بعد ما انتجع فناء ابن العميد أبي الفضل ، فحسده وطرده ، وعض ~~بعد ذلك على ناجذه ندما على سوء فعله ، ولقي منه ابن ببأأبي طالب الأمرين ؛ ~~ورسائله مبثوثة . وأبو الحسن الفلكي ، وكان من أهل البصرة ، ووقع إلى ~~المراغة ونواحيها وهو حسن الديباجة ، رقيق حواشي اللفظ ؛ وهو أحدهم غربا ، ~~وأغزرهم سكبا ، وأبعدهم مناحا وأعذبهم نقاخا ، وأعطفهم للأول على الآخر ~~وأنشرهم للباطن من الظاهر . وقرأت له : فإن رأى أن ينظر نظر راحم متعطف ، ~~إلى نادم متلهف ؛ ويجعل العفو عن فرطته وكفرانه ، صدقة عن بسطته وسلطانه ؛ ~~فأجدر الناس بالاغتفار أقدرهم على الانتصار ؛ فعل - إن شاء الله تعالى - . ~~وله مكاتبات واسعة بينه وبين رجل من أهل المراغة يقال له : محمد بن إبراهيم ~~، من أهل سر من رأى وفي الجملة ، الفضل في ms037 الناس مبثوث ، وهم منه على جدود ~~؛ والمرذول هو العاري من لبوسه ، المتردد بين تخلفه ونقصه . قال : فكيف يتم ~~له ما هو فيه مع هذه الصفات التي تذكرها ؟ قلت : والله لو أن عجوزا بلهاء ، ~~أو أمة ورهاء أقيمت مقامه ، لكانت الأمور على هذا السياق . قال : وكيف ذاك ~~؟ قلت : قد أمن أن يقال له : لم فعلت ، ولم لم تفعل ؟ وهذا باب لا يتفق ~~لأحد من خدم PageV01P068 الملوك إلا بجد سعيد ، ولقد نصح صاحبه الهروي في ~~أموال تاوية ، وأمور من النظر عارية ؛ فقذف بالرقعة إليه حتى عرف ما فيها ، ~~ثم قتل الراقع خنقا . هذا وهو يدين بالوعيد ، وله نظائر ، ولنظائره نظائر ، ~~ولكن ليس له ناظر ، ولا فيه مناظر . وقال لي الثقة من أصحابه : ربما شرع في ~~أمر يحكم فيه بالخطأ فيلقبه جده صوابا ، حتى كأنه عن وحي ؛ وأسرار الله في ~~خلقه عند الارتفاع والانحطاط خفية في أستار الغيب ، لا يهتدي إليها ملك ~~مقرب ، ولا نبي مرسل ، ولا ولي مهذب ؛ ولو جرت الأمور على موضوع الرأي ~~وقضية العقل ، لكان معلما في مصطبة على شاعر ، أو في دار ؛ فإنه يخرج ~~الإنسان بتفيهقه وتشادقه ، واستحقاره واستكباره ، وإعادته وإبدائه ، وهذه ~~أشكال تعجب الصبيان ولا تنفرهم من المعلمين ، ويكون فرحهم بها سببا ~~للملازمة والحرص على التعلم والحفظ والرواية والدراسة . قال : هذا قدر كاف ~~إلى أن تبيض الرسالة ؛ هات ملحة الوداع . قلت : قال أبو العيناء : قال أبو ~~دعلج : قال المهدي : بايع ؛ قلت : أبايعكم علام ؟ قال : على ما بويع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم صفين . قال كريز أبو سيار المسمعي : إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يدرك صفين ، إنما كانت صفين بين علي ومعاوية . ~~فقال دوست بن رباط الفقيمي أبو شعيب : قد علم الأمير هذا ، ولكن أحب ~~التسهيل على الناس ، وانصرفت . # | الليلة السادسة # ثم حضرته ليلة أخرى فأول ما فاتح به المجلس أن قال : أتفضل العرب على ~~العجم أم العجم على العرب ؟ قلت : الأمم عند العلماء أربع : الروم ، والعرب ~~، وفارس ، والهند ؛ وثلاث من هؤلاء عجم ، وصعب ms038 أن يقال : العرب وحدها أفضل ~~من هؤلاء الثلاثة ، مع جوامع ما لها ، PageV01P069 وتفاريق ما عندها . قال ~~: إنما أريد بهذا الفرس . فقلت : قبل أن أحكم بشيء من تلقاء نفسي ، أروي ~~كلاما لابن المقفع ، وهو أصيل في الفرس عريق في العجم ، مفضل بين أهل الفضل ~~؛ وهو صاحب اليتيمة القائل : تركت أصحاب الرسائل بعد هذا الكتاب في ضحضاح ~~من الكلام . قال : هات على بركة الله وعونه . قلت : قال شبيب بن شبة : إنا ~~لوقوف في عرصة المربد - وهو موقف الأشراف ومجتمع الناس وقد حضر أعيان المصر ~~- إذ طلع ابن المقفع ، فما فينا أحد إلا هش له ، وارتاح إلى مساءلته ، ~~وسررنا بطلعته ؛ فقال : ما يقفكم على متون دوابكم في هذا الموضع ؟ فوالله ~~لو بعث الخليفة إلى أهل الأرض يبتغي مثلكم ما أصاب أحدا سواكم ، فهل لكم في ~~دار ابن برثن في ظل ممدود ، وواقية من الشمس ، واستقبال من الشمال ، وترويح ~~للدواب والغلمان ، ونتمهد الأرض فإنها خير بساط وأوطؤه ، ويسمع بعضنا من ~~بعض فهو أمد للمجلس ، وأدر للحديث . فسارعنا إلى ذلك ، ونزلنا عن دوابنا في ~~دار ابن برثن نتنسم الشمال ، إذ أقبل علينا ابن المقفع ، فقال : أي الأمم ~~أعقل ؟ فظننا أنه يريد الفرس ، فقلنا : فارس أعقل الأمم ، نقصد مقاربته ، ~~ونتوخى مصانعته . فقال : كلا ، ليس ذلك لها ولا فيها ، هم قوم علموا ~~فتعلموا ، ومثل لهم فامتثلوا واقتدوا وبدئوا بأمر فصاروا إلى اتباعه ، ليس ~~لهم استنباط ولا استخراج . فقلنا له : الروم . فقال : ليس ذلك عندها ، بل ~~لهم أبدان وثيقة وهم أصحاب بناء وهندسة ، لا يعرفون سواهما ، ولا يحسنون ~~غيرهما . قلنا : فالصين . قال : أصحاب أثاث وصنعة ، لا فكر لها ولا روية . ~~قلنا : فالترك . قال : سباع للهراش . قلنا : فالهند . قال : أصحاب وهم ~~ومخرقة وشعبذة وحيلة . قلنا : فالزنج : قال : بهائم هاملة . فرددنا الأمر ~~إليه . قال : العرب . فتلاحظنا وهمس بعضنا إلى بعض ، فغاظه ذلك منا ، ~~وامتقع لونه ، ثم قال : كأنكم تظنون في مقاربتكم ، PageV01P070 فوالله ~~لوددت أن الأمر ليس لكم ولا فيكم ولكن كرهت إن فاتني الأمر أن يفوتني ~~الصواب ، ولكن لا أدعكم ms039 حتى أبين لكم لم قلت ذلك ، لأخرج من ظنة المداراة ، ~~وتوهم المصانعة ؛ إن العرب ليس لها أول تؤمه ولا كتاب يدلها ، أهل بلد قفر ~~، ووحشة من الإنس ، احتاج كل واحد منهم في وحدته إلى فكره ونظره وعقله ؛ ~~وعلموا أن معاشهم من نبات الأرض فوسموا كل شيء بسمته ، ونسبوه إلى جنسه ~~وعرفوا مصلحة ذلك في رطبه ويابسه ، وأوقاته وأزمنته ، وما يصلح منه في ~~الشاة والبعير ؛ ثم نظروا إلى الزمان واختلافه فجعلوه ربيعيا وصيفيا ، ~~وقيظيا وشتويا ؛ ثم علموا أن شربهم من السماء ، فوضعوا لذلك الأنواء ؛ ~~وعرفوا تغير الزمان فجعلوا له منازله من السنة ؛ واحتاجوا إلى الانتشار في ~~الأرض ، فجعلوا نجوم السماء أدلة على أطراف الأرض وأقطارها ، فسلكوا بها ~~البلاد ؛ وجعلوا بينهم شيئا ينتهون به عن المنكر ، ويرغبهم في الجميل ، ~~ويتجنون به على الدناءة ويحضهم على المكارم ؛ حتى إن الرجل منهم وهو في فج ~~من الأرض يصف المكارم فما يبقى من نعتها شيئا ، ويسرف في ذم المساوىء فلا ~~يقصر ؛ ليس لهم كلام إلا وهم يحاضون به على اصطناع المعروف ثم حفظ الجار ~~وبذل المال وابتناء المحامد ، كل واحد منهم يصيب ذلك بعقله ، ويستخرجه ~~بفطنته وفكرته فلا يتعلمون ولا يتأدبون ، بل نحائز مؤدبة ، وعقول عارفة ؛ ~~فلذلك قلت لكم : إنهم أعقل الأمم ، لصحة الفطرة واعتدال البنية وصواب الفكر ~~وذكاء الفهم . هذا آخر الحديث . قال : ما أحسن ما قال ابن المقفع ! وما ~~أحسن ما قصصته وما أتيت به ! هات الآن ما عندك من مسموع ومستنبط . فقلت : ~~إن كان ما قال هذا الرجل البارع في أدبه المقدم بعقله كافيا فالزيادة عليه ~~فضل مستغنى عنه ، وإعقابه بما هو له لا فائدة فيه . فقال : حد الوصف في ~~التزيين والتقبيح مختلف الدلائل على ما يعتقد صوابه PageV01P071 وخطؤه ، ~~متباين ؛ وهذه مسألة - أعني تفضيل أمة على أمة - من أمهات ما تدارأ الناس ~~عليه وتدافعوا فيه ؛ ولم يرجعوا منذ تناقلوا الكلام في هذا الباب إلى صلح ~~متين واتفاق ظاهر . فقتل : بالواجب ما وقع هذا ، فإن الفارسي ليس في فطرته ~~ولا عادته ولا منشئه ms040 أن يعترف بفضل العربي ، ولا في جبلة العربي وديدنه أن ~~يقر فضل الفارسي . وكذلك الهندي والرومي والتركي والديلمي ؛ وبعد ، فاعتبار ~~الفضل والشرف موقوف على شيئين : أحدهما ما خص به قوم دون قوم في أيام ~~النشأة بالاختيار للجيد والرديء ، والرأي الصائب والفائل ، والنظر في الأول ~~والآخر . وإذا وقف الأمر على هذا فلكل أمة فضائل ورذائل ولكل قوم محاسن ~~وماسو ، ولكل طائفة من الناس في صناعتها وحلا وعقدها كمال وتفسير ؛ وهذا ~~يقضي بأن الخيرات والفضائل والشرور والنقائص مفاضة على جميع الخلق ، مفضوضة ~~بين كلهم . فللفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم ؛ وللروم الحكمة ؛ ~~وللهند الفكر والرؤية والخفة والسحر والأناة ؛ وللترك الشجاعة والإقدام ؛ ~~وللزنج الصبر والكد والفرح ؛ وللعرب النجدة والقرى والوفاء والبلاء والجود ~~والذمام والخطابة والبيان . ثم إن هذه الفضائل المذكورة ، في هذه الأمم ~~المشهورة ، ليست لكل واحد من أفرادها ، بل هي الشائعة بينها ؛ ثم في جملتها ~~من هو عار من جميعها ، وموسوم بأضدادها ، يعني أنه لا تخلو الفرس من جاهل ~~بالسياسة ، خال من الأدب ، داخل في الرعاع والهمج ؛ وكذلك العرب لا تخلو من ~~جبان جاهل طياش بخيل عيي وكذلك الهند والروم وغيرهم ؛ فعلى هذا إذا قوبل ~~أهل الفضل والكمال من الروم بأهل الفضل والكمال من الفرس ، تلاقوا على صراط ~~مستقيم ، ولم يكن بينهم تفاوت إلا في PageV01P072 مقادير الفضل وحدود ~~الكمال ، وتلك لا تخص بل تلم . وكذلك إذا قوبل أهل النقص والرذيلة من أمة ~~بأهل النقص والخساسة من أمة أخرى ، تلاقوا على نهج واحد ، ولم يقع بينهم ~~تفاوت إلا في الأقدار والحدود ؛ وتلك لا يلتفت إليها ، ولا يعار عليها ؛ ~~فقد بان بهذا الكشف أن الأمم كلها تقاسمت الفضائل والنقائص باضطرار الفطرة ~~، واختيار الفكرة . ولم يكن بعد ذلك إلا ما يتنازعه الناس بينهم بالنسبة ~~الترابية ، والعادة المنشئية والهوى الغالب من النفس الغضبية ، والنزاع ~~الهائج من القوة الشهوية . وها هنا شيء آخر ، وهو أصل كبير لا يجوز أن يخلو ~~كلامنا من الدلالة عليه والإيماء إليه . وهو أن كل أمة لها زمان على ضدها ، ~~وهذا بين مكشوف إذا ms041 أرسلت وهمك في دولة يونان والإسكندر ، لما غلب وساس ~~وملك ورأس وفتق ورتق ورسم ودبر وأمر ، وحث وزجر ، ومحا وسطر ، وفعل وأخبر ؛ ~~وكذلك إذا عطفت إلى حديث كسرى أنوشروان وجدت هذه الأحوال بأعيانها ، وإن ~~كانت في غلف غير غلف الأول ، ومعارض غير معارض المتقدم ؛ ولهذا قال أبو ~~مسلم صاحب الدولة حين قيل له : أي الناس وجدتهم أشجع ؟ فقال : كل قوم في ~~إقبال دولتهم شجعان . وقد صدق ؛ وعلى هذا كل أمة في مبدأ سعادتها وأفضل ~~وأنجد وأشجع وأمجد وأسخى وأجود وأخطب وأنطق وأرأى وأصدق ؛ وهذا الاعتبار ~~ينساق من شيء عام لجميع الأمم ، إلى شيء شامل لأمة أمة إلى شيء حاو لطائفة ~~طائفة ، إلى شيء غالب على قبيلة قبيلة ، إلى شيء معتاد في بيت بيت ، إلى ~~شيء خاص بشخص شخص وإنسان إنسان ؛ وهذا التحول من أمة إلى أمة ، يشير إلى ~~فيض جود الله تعالى على PageV01P073 جميع بريته وخليقته بحسب استجابتهم ~~لقبوله ، واستعدادهم على تطاول الدهر في نيل ذلك من فضله ومن رقي إلى هذه ~~الربوة بعين لا قذى بها ، أبصر الحق عيانا بلا مرية ، وأخبر عنه بلا فرية ؛ ~~ومتى صدق نظرك في مابدىء الأحوال وأوائل الأمور وضح لك هذا كله كالنهار إذا ~~متع ، واستنار كالقمر إذا طلع ؛ ولم يبق حينئذ ريب في عرفان الحق وحصول ~~الصواب ، إلا ما يلتاث بالهوى ، ويسمج بالتعصب ، ويجلب اللجاج ، ويخرج إلى ~~المحك ؛ فهناك يطيح المعنى ويضل المراد ، فإذا آثرت أن تعرف صحة هذا الحكم ~~وصواب هذا الرأي ، فاسمع ما أرويه : قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي : انصرف ~~العباس بن مرداس السلمي من مكة فقال : يا بني سليم ، إني رأيت أمرا ، ~~وسيكون خيرا ، رأيت بني عبد المطلب كأن قدودهم الرماح الردينية ، وكأن ~~وجوههم بدور الدجنة وكأن عمائمهم فوق الرجال ألوية ، وكأن منطقهم مطر الوبل ~~على المحل ؛ وإن الله إذا أراد ثمرا غرس له غرسا ، وإن أولئك غرس الله ؛ ~~فترقبوا ثمرته وتوكفوا غيثه ، وتفيئوا ظلاله ، واستبشروا بنعمة الله عليكم ~~به . ولقد قرع العباس بهذا الكلام باب الغيب ، وشعر بالمستور ، وأحس ms042 ~~بالخافي ، واطلع عقله على المستتر ، واهتدى بلطف هاجسه إلى الأمر المزمع ، ~~والحادث المتوقع ؛ وهذا شيء فاش في العرب ، لطول وحدتها ، وصفاء فكرتها ، ~~وجودة بنيتها واعتدال هيئتها ، وصحة فطرتها ، وخلاء ذرعها ، واتقاد طبعها ، ~~وسعة لغتها وتصاريف كلامها في أسمائها وأفعالها وحروفها ، وجولانها في ~~اشتقاقاتها ، ومآخذها البديعة في استعاراتها ، وغرائب PageV01P074 تصرفها ~~في اختصاراتها ، ولطف كناياتها في مقابلة تصريحاتها ، وفنون تبحبحها في ~~أكناف مقاصدها ، وعجيب مقاربتها في حركات لفظها ؛ وهذا وأضعافه مسلم لهم ، ~~وموفر عليهم ، ومعروف فيهم ومنسوب إليهم ، مع الشجاعة والنجدة والذمام ~~والضيافة والفطنة والخطابة والحمية والأنفة والحفاظ والوفاء ، والبذل ~~والسخاء ، والتهالك في حب الثناء والنكل الشديد عن الذم والهجاء ؛ إلى غير ~~ذلك مما خصت به في جاهليتها قبل الإسلام ، مما لا سبيل إلى دفعه وجحوده ، ~~والبهت فيه ، والمكابرة عليه ؛ وقد سمعنا لغات كثيرة - وإن لم نستوعبها - ~~من جميع الأمم ، كلغة أصحابنا العجم والروم والهند والترك وخوارزم وصقلاب ~~وأندلس والزنج ، فما وجدنا لشيء من هذه اللغات نصوع العربية ، أعني الفرج ~~التي في كلماتها ، والفضاء الذي نجده بين حروفها ، والمسافة التي بين ~~مخارجها ، والمعادلة التي نذوقها في أمثلتها ، والمساواة التي لا تجحد في ~~أبنيتها ؛ وإذا شئت أن تعرف حقيقة هذا القول ، وصحة هذا الحكم ، فالحظ عرض ~~اللغات الذي هو بين أشدها تلابسا وتداخلا ، وترادفا وتعاظلا وتعسرا وتعوصا ~~، وإلى ما بعدها مما هو أسلس حروفا ، وأرق لفظا ، وأخف اسما ؛ وألطف أوزانا ~~، وأحضر عيانا ؛ وأحلى مخرجا وأجلى منهجا وأعلى مدرجا ؛ وأعدل عدلا ، وأوضح ~~فضلا ، وأصح وصلا إلى أن تنزل إلى لغة بعد لغة ، ثم تنتهي إلى العربية ، ~~فإنك تحكم بأن المبدأ PageV01P075 الذي أشرنا إليه في العوائص والأغماض ، ~~سرى قليلا قليلا حتى وقف على العربية في الإفصاح والإيماض . وهذا شيء يجده ~~كل من كان صحيح البنية ، بريئا من الآفة ، متنزها عن الهوى والعصبية ، محبا ~~للإنصاف في الخصومة ، متحريا للحق في الحكومة ، غير مسترق بالتقليد ، ولا ~~مخدوع بالإلف ، ولا مسخر بالعادة ، وإني لأعجب كثيرا ممن يرجع إلى فضل واسع ~~، وعلم جامع ؛ وعقل سديد ، وأدب كثير ، إذا أبى ms043 هذا الذي وصفته ، وأنكر ما ~~ذكرته ؛ وأعجب أيضا فضل عجب من الجيهاني في كتابه وهو يسب العرب ، ويتناول ~~أعراضها ويحط من أقدارها ويحط من أقدارها ، ويقول : يأكلون اليرابيع ~~والضباب والجرذان والحيات ويتعاورون ويتساورون ، ويتهاجون ويتفاحشون ، ~~وكأنهم قد سلخوا من فضائل البشر ، ولبسوا أهب الخنازير . قال : ولهذا كان ~~كسرى يسمى ملك العرب : سكان شاه ، أي ملك الكلاب . قال : وهذا لشدة ~~PageV01P076 شبههم بالكلاب وجرائها ، والذئاب وأطلائها وكلاما كثيرا من هذا ~~الصوب أرفع قدره عن مثله ، وإن كان يضع من نفسه بفضل قوله . أتراه لا يعلم ~~لو نزل ذلك القفر وتلك الجزيرة وذلك المكان الخاوي وتلك الفيافي والموامي ، ~~كل كسرى كان في الفرس ، وكل قيصر كان في الروم ، وكل بلهور كان بالهند ، ~~وكل يقفور كان بخراسان ، وكل خاقان كان بالترك وكل أخشاد كان بفرغانة وكل ~~صبهبذ كان من أسكنان وأردوان ما كانوا يعدون هذه الأحوال لأن من جاع أكل ما ~~وجد ، وطعم ما لحق ، وشرب ما قدر عليه ، حبا للحاية ، وطلبا للبقاء ، وجزعا ~~من الموت ، وهربا من الفناء . أترى أنوشروان إذا وقع إلى فيافي بني أسد وبر ~~وبار وسفوح طيبة ، ورمل يبرين وساحة هبير ، وجاع وعطش وعري ، أما كان يأكل ~~اليربوع والجرذان ؛ وما كان يشرب بول الجمل وماء البئر ، وما أسن في تلك ~~الوهدات ؟ أو ما كان يلبس البرجد والخميصة والسمل من الثياب وما هو دونه ~~وأخشن ؟ بلى والله ، ويأكل حشرات الأرض ونبات الجبال ، وكل ما حمض ومر ، ~~وخبث وضر ، هذا جهل من قائله ، وحيف من منتحله ؛ على أن العرب - رحمك الله ~~- أحسن الناس حالا وعيشا إذا جادتهم السماء ، وصدقتهم PageV01P077 الأنواء ~~؛ وازدانت الأرض ، فهدلت الثمار ، واطردت الأودية ، وكثر اللبن والأقط ~~والجبن واللحم والرطب والتمر والقمح ، وقامت لهم الأسواق ، وطابت المرابع ~~وفشا الخصب ، وتوانى النتاج ، واتصلت الميرة ، وصدق المصاب وأرفغ المنتجع ، ~~وتلاقت القبائل على المحاضر ، وتقاولوا وتضايفوا ، وتعاقدوا وتعاهدوا ، ~~وتزاوروا وتناشدوا ؛ وعقدوا الذمم ، ونطقوا بالحكم ؛ وقروا الرطاق ووصلوا ~~العفاة ، وزودوا السابلة ، وأرشدوا الضلال ، وقاموا بالحمالات وفكوا الأسرى ~~، وتداعوا الجفلى ، وتعافوا النقرى ، وتنافسوا في أفعال ms044 المعروف ؛ هذا وهم ~~في مساقط رءوسهم ، بين جبالهم ورمالهم ، ومناشىء آبائهم وأجدادهم ، وموالد ~~أهلهم وأولادهم ، على جاهليتهم الأولى والثانية ، وقد رأيت حين هبت ريحهم ~~وأشرقت دولتهم بالدعوة ، وانتشرت دعوتهم بالملة ، وعزت ملتهم بالنبوة ، ~~وغلبت نبوتهم بالشريعة ، ورسخت شريعتهم بالخلافة ، ونضرت خلافتهم بالسياسة ~~الدينية والدنيوية ، كيف تحولت جميع محاسن الأمم إليهم وكيف وقعت فضائل ~~الأجيال عليهم من غير أن طلبوها وكدحوا في حيازتها أو تعبوا في نيلها ، بل ~~جاءتهم هذه المناقب والمفاخر ، وهذه النوادر من المآثر عفوا ، وقطنت بين ~~أطناب بيوتهم سهوا رهوا ؛ وهكذا يكون كل شيء تولاه الله بتوفيقه ، وساقه ~~إلى أهله بتأييده ، وحلي PageV01P078 مستحقيه باختياره ؛ ولا غالب لأمر ~~الله ، ولا مبدل لحكم الله ، ولذلك قال الله تعالى : ' قل اللهم مالك الملك ~~تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك ~~الخير إنك على كل شيء قدير ' . ولله في خلقه أسرار ، تتصرف بها دوائر الليل ~~والنهار ، وتذللها مجاري الأقدار ، حتى ينتهى بمحبوبها ومكروهها إلى القرار ~~. عز إلها معبودا ، وجل ربا محمودا مقصودا . وبعد ، فالذي لاشك فيه من وصف ~~العرب ، ولا جاحد له من حالها ، أنه ليس على وجه الأرض جيل من الناس ينزلون ~~القفر ، وينتجعون السحاب والقطر ؛ ويعالجون الإبل والخيل والغنم وغيرها ، ~~ويستبدون في مصالحهم بكل ما عز وهان ، وبكل ما قل وكثر ، وبكل ما سهل وعسر ~~؛ ويرجون الخير من السماء في صوبها ، ومن الأرض في نباتها ؛ مع مراعاة ~~الأوان بعد الأوان ، وثقة بالحال بعد الحال وتبصرة فيما يفعل ويجتنب ؛ ما ~~للعرب فيما قدمنا وصفه ، وكررنا شرحه من علمهم بالخصب والجدب ، واللين ~~والقسوة ، والحر والبرد ، والرياح المختلفة والسحائب الكاذبة ، والمخايل ~~الصادقة ، والأنواء المحمودة والمذمومة ، والأسباب الغريبة العجيبة . وهذا ~~لأنهم مع توحشهم مستأنسون ، وفي بواديهم حاضرون ، فقد اجتمع لهم من عادات ~~الحاضرة أحسن العادات ، ومن أخلاق البادية أطهر الأخلاق . وهذا المعنى على ~~هذا النظم قد عدمه أصحاب المدن وأرباب الحضر ، لأن الدناءة والرقة والكيس ~~والهين والخلابة والخداع والحيلة والمكر والخب تغلب على هؤلاء وتملكهم ، ~~لأن ms045 مدار أمرهم على المعاملات السيئة ، والكذب في الحس ، والخلف في الوعد . ~~والعرب قد قدسها الله عن هذا الباب بأسره ، وجبلها على أشرف الأخلاق بقدرته ~~؛ ولهذا تجد أحدهم وهو في بت حافيا حاسرا يذكر الكرم ، ويفتخر بالمحمدة ، ~~PageV01P079 وينتحل النجدة ، ويحتمل الكل ، ويضحك في وجه الضيف ويستقبله ~~بالبشر ، ويقول : أحدثه إن الحديث من القرى ثم لا يقنع ببث العرف وفعل ~~الخير والصبر على النوائب حتى يحض الصغير والكبير على ذلك ويدعو إليه ، ~~ويستنهضه نحوه ، ويكلفه مجهوده وعفوه . وقد قيل لرجل منهم في يوم شات وهو ~~يمشي في سمل : أما تجد البرد يا أخا العرب ؟ فقال : أمشي الخيزلي ويكفيني ~~حسبي . والفارسي لا يحسن هذا النمط ، ولا يذوق هذا المعنى ولا يحلم بهذه ~~اللطيفة ؛ وكذلك الرومي والهندي وغيرهما من جميع العجم . ومما يدل على ~~تحضرهم في باديتهم ، وتبديهم في تحضرهم ، وتحليهم بأشرف أحوال الأمرين ، ~~أسواقهم التي لهم في الجاهلية ، مثل دومة الجندل بقرى كلب وهي النصف بين ~~العراق والشام ، كان ينزلها الناس أول يوم من شهر ربيع الأول ، فيقيمون ~~أسواقهم بالبيع والشراء ، والأخذ والعطاء ؛ وكان يعشرهم أكيدر دومة ، وربما ~~غلبت على السوق كلب فيعشرهم بعض رؤساء كلب ؛ فيقوم سوقهم إلى آخر الشهر ، ~~ثم ينتقلون إلى سوق هجر ، وهو المشقر في شهر ربيع الآخر ، فتقوم أسواقهم ؛ ~~وكان يعشرهم المنذر بن ساوى أحد بني عبد الله بن دارم ، ثم يرتحلون نحو ~~عمان ، فتقوم سوقهم بديار دبا ، ثم بصحار ، ثم PageV01P080 يرتحلون فينزلون ~~إرم ، وقرى الشحر فتقوم أسواقهم أياما ، ثم يرتحلون فينزلون عدن أبين ، ومن ~~سوق عدن تشتري اللطائم وأنواع الطيب ، ولم يكن في الأرض أكثر طيبا ، ولا ~~أحذق صناعا للطيب من عدن ؛ ثم يرتحلون فينزلون الرابية من حضرموت ، ومنهم ~~من يجوزها ويرد صنعاء ، فتقوم أسواقهم بها ، ومنها كانت تجلب آلة الخرز ~~والأدم والبرود ، وكانت تجلب إليها من معافر ، وهي معدن البرود والحبر ثم ~~يرتحلون إلى عكاظ وذي المجاز في الأشهر الحرم ، فتقوم أسواقهم بها ، ~~فيتناشدون ويتحاجون ويتحادون ، ومن له أسير يسعى في فدائه ، ومن له حكومة ~~ارتفع ms046 إلى الذي يقوم بأمر الحكومة من بني تميم ، وكان آخرهم الأقرع بن حابس ~~؛ ثم يقفون بعرفة ، ويقضون ما عليهم من مناسكهم ؛ ثم يتوجهون إلى أوطانهم . ~~وهذه الأسواق كانت تقوم طول السنة ، فيحضرها من قرب من العرب ومن بعد . هذا ~~حديثهم ، وهم همل لا عز لهم إلا بالسؤدد ، ولا معقل لهم إلا السيف ، ولا ~~حصون إلا الخيل ، ولا فخر إلا بالبلاغة . ثم لما ملكوا الدور والقصور ~~والجنان والأودية والأنهار والمعادن والقلاع والمدن والبلدان والسهل والجبل ~~والبر والبحر ، لم يقعدوا عن شأو من تقدم بآلاف سنين ، ولم يعجزوا عن شيء ~~كان لهم ؛ بل أبروا عليهم وزادوا ، وأغربوا وأفادوا ؛ وهذا الحكم ظاهر ~~معروف ، وحاضر مكشوف ؛ ليس إلى مرده سبيل ولا لجاحده ومنكره دليل . ~~PageV01P081 فليستحي الجيهان بعد هذا البيان والكشف والإيضاح ، بالإنصاف من ~~القذع والسفه اللذين حشا بهما كتابه ، وليرفع نفسه عما يشين العقل ، ولا ~~تقبله حكام العدل ؛ وصاحب العلم الرصين ، والأدب المكين ؛ لا يسلط خصمة على ~~عرضه بلسانه ، ولا يستدعي مر الجواب بتعرضه ويرضى بالميسور في غالب أمره ؛ ~~فإن العصبية في الحق ربما خذلت صاحبها وأسلمته ؛ وأبدت عورته ، واجتلبت ~~مساءته ؛ فكيف إذا كانت في الباطل ونعوذ بالله أن نكون لفضل أمة من الأمم ~~جاحدين ، كما نعوذ به أن نكون بنقص أمة من الأمم جاهلين . فإن جاحد الحق ~~يدل من نفسه على مهانة ، وجاهل النقص يدل من نفسه على قصور ؛ فهذا هذا ؛ ~~وفي الجملة المسلمة ، والدعوة المرسلة ، أن أهل البر وأصحاب الصحارى الذين ~~وطأؤهم الأرض ، وغطاؤهم السماء ، هم في العدد أكثر وعلى بسيط الأرض أجول ، ~~ومن الترفه والرفاهية أبعد ، وبالحول والقوة أعلق وإلى الفكرة والفطنة أفزع ~~، وعلى المصالح والمنافع أوقع ، ومن المخازي آنف وللقبائح أعيف ؛ وهذا ~~للدواعي الظاهرة ، والحاجات الضرورية ، والعلائق الحاضة على الألفة والمودة ~~، والشدائد المؤذية ، والعوارض اللازبة ؛ ولهذا يقال : عيب الغني أنه يورث ~~البلادة ، وفضيلة الفقر أنه يبعث الحيلة ؛ وهذا معنى كريم ، لا يقر به إلا ~~كل نقاب عليم . وقال الجيهاني أيضا : مما يدل على شرفنا وتقدمنا وعزنا وعلو ~~مكاننا ، أن الله ms047 أفاض علينا النعم ووسع لدينا القسم وبوأنا الجنان ~~والأرياف ، ونعمنا وأترفنا . ولم يفعل هذا بالعرب ، بل أشقاهم وعذبهم ، ~~وضيق عليهم وحرمهم ، وجمعهم في جزيرة حرجة ، ورقعة صغيرة ، وسقاهم بأرنق ~~ضاح ؛ وبهذا يعلم أن المخصوص بالنعمة والمقصود PageV01P082 بالكرامة فوق ~~المقصود بالإهانة . فأطال هذا الباب بما ظن أنه قد ظفر بشيء لا جواب عنه ، ~~ولا مقابل له ؛ ولو كان الأمر كما قال لما خفي على غيره وتجلى له ، بل قد ~~خصت العرب بعد هذا بأشياء تطول حسرة من فاتته عليها ، ولا يفيد التفاته ~~بالغيظ إليها ؛ وقد دل كلامه على أنه جاهل بالنعمة ، غافل عما هو سر الحكمة ~~. وعنده أن الجاهل إذا لبس الثوب الناعم ، وأكل الخبز الحواري وركب الجوادي ~~، وتقلب على الحشية ، وشرب الرحيق ، وباشر الحسناء ، هو أشرف من العالم إذا ~~لبس الأطمار ، وطعم العشب ، وشرب الماء القراح ، وتوسد الأرض ، وقنع ~~باليسير ورخي العيش ، وسلا عن الفضول ؛ هذا خطأ من الرأي ، ومردود من الحكم ~~، عند الله تعالى أولا ، ثم عند جميع أهل الفضل والحجا ، وأصحاب التقى ~~والنهى ؛ وعلى طريقته أيضا أن البصير أشرف من الأعمى ، والغني أفضل من ~~الفقير . ألا يعلم أن المدار على العقل الذي من حرمه فقد أنقص من كل فقير ، ~~وعلى الدين الذي من عري منه فهو أسوأ حالا من كل موسر ؛ ونعمة الله على ~~ضربين : أحد الضربين عم به عباده ، وغمر بفضله خليقته ، بدءا بلا استحقاق ~~وذلك أنه خلق ورزق وكفل وحفظ ونعش وكلأ وحرس وأمهل وأفضل ووهب وأجزل ؛ وهذا ~~هو العدل المخلوط بالإحسان ، والتسوية المعمومة بالتفضل والقدرة المشتملة ~~على الحكمة ؛ والضرب الثاني هو الذي يستحق بالعمل والاجتهاد والسعي ~~والارتياد ، والاختبار والاعتقاد ؛ ليكون جزاء وثوابا ، ولهذا محرم العاصي ~~المخالف ، وأنال الطائع الموافق ؛ فقد بان الآن أن المدار ليس بالجنان ~~والترفه ، ولا بالذهب والفضة ، ولا الوبر والمدر . وقد مر هذا الكلام كله ~~فليسكن من الجيهاني جأشه ، وليفارقه طيشه ؛ وليعلم PageV01P083 أن من أنصف ~~أعطى بيده ، وسلم الفضل لأهله ؛ فإن التواضع للحق رفعة والترفع بالباطل ضعة ~~. وههنا بقية ينبغي أن يتبصر ms048 فيها ؛ من عرف النقص البحت ، والنقص المشوب ~~بالزيادة ؛ والفضل الصرف ، والفضل الممزوج بالنقيصة لم يجحد المغوي فضلا ، ~~ولم يدع للعصبية المردية شرفا ، ولم ينكر الحسد مزية ؛ والخلق كلهم في نعم ~~الله تعالى مشتركون ، وفي أياديه مغموسون وبمواهبه متفاضلون ، وعلى قدرته ~~متصرفون ؛ وإلى مشيئته صائرون ، وعن حكمته مخبرون ، ولآلائه ذاكرون ، ~~ولنعمائه شاكرون ، ولأياديه ناشرون ، وعلى اختلاف قضائه صابرون ، ولثوابه ~~بالحسنات مستحقون ، ولعقابه بالسيئات مستوجبون ، ولعفوه برحمته منتظرون ، ~~والله خبير بما يعملون ، وبصير بما يسرون وما يعلنون مع الجماعة ، وأبو ~~سليمان يقول : العرب أذهب مع صفو العقل ؛ ولذلك هم بذكر المحاسن أبده ، وعن ~~أضدادها أنزه . ولو كانت رويتهم في وزن بديهتهم ، كان الكمال ؛ ولكن لما عز ~~الكمال فيهم ، عز أيضا في غيرهم من الأمم ، فالأمم كلها شرع واحد في عدم ~~الكمال إلا أنهم متفاضلون بعد هذا فيما نالوه بالخلقة الأولى ، وبالاختيار ~~الثاني ؛ واختلفت أبصارهم في هذا الموضع ، فأما ما منعه الإنسان في الأول ~~فلا عتب عليه فيه ، لأنه لا يقال للأعمى : لم لا تكون بصيرا ، ولا يقال ~~للطويل : لم لا تكون قصيرا وقد يقال للقصير : سدد طرفك ، واكحل عينك ، ومد ~~ناظرك ؛ كما يقال للطويل : تطامن ، في هذا الزقاق حتى تدخل ، وتقاصر حتى ~~تصل ؛ وأما ما لم يمنعه الإنسان في الأول ، بل أعطيه ووهب له ، فهو فيه ~~مطلب بما عليه وله كما أنه مطالب بما له وعليه . وقال الجيهاني أيضا : ليس ~~للعرب كتاب إقليدس ولا المجسطي ولا الموسيقي ولا كتاب الفلاحة ، ولا الطب ~~ولا العلاج ، ولا ما يجري في مصالح الأبدان ، ويدخل في خواص الأنفس . ~~فليعلم الجيهاني أن هذا كله لهم بنوع إلهي لا بنوع بشري ، كما أن هذا كله ~~لغيرهم PageV01P084 بنوع بشري لا بنوع إلهي ، وأعني بالإلهي والبشري ~~الطباعي والصناعي ؛ على أن إلهي هؤلاء قد مازجه بشرى هؤلاء ، وبشرى هؤلاء ~~قد شابه إلهي هؤلاء ؛ ولو علم هذا الزاري لعلم أن المجسطي وما ذكره ليس ~~للفرس أيضا ، وما عندي أنه مكابر فيدعي هذا لهم . فإن قال : هو لليونان ، ~~ويونان من العجم ، والفرس من ms049 العجم ، فأنا أخرج هذه الفضيلة من العجم إلى ~~العجم فهذا منه حيف على نفسه ، وشهادة على نقصه ؛ لأنه لو فاخر يونان لم ~~يستطع أن يدعي هذا الفرس ، ولا يمكنه أن يقول : نحن أيضا عجم ، وفضيلتكم في ~~هذه الكتب والصناعة متصلة بنا ، وراجعة إلينا . ومتى قال جبه بالمكروه ~~وقوبل بالقذع ، وقيل له : صه ، كما يقال للجاهل - إن لم تقل له : اخسأ ، ~~كما يقال - في كل الأحاديث ، وإن أغفلته ظلمت نفسي ؛ ومن حابى خصمه غلب . ~~قال القاضي أبو حامد المروروذي : لو كانت الفضائل كلها بعقدها وسمطها ، ~~ونظمها ونثرها ، مجموعة للفرس ، ومصبوبة على أرؤسهم ، ومعلقة بآذانهم ، ~~وطالعة من جباههم ؛ لكان لا ينبغي أن يذكروا شأنها ، وأن يخرسوا عن دقها ~~وجلها ، مع نيكهم الأمهات والأخوات والبنات فإن هذا شر كريه بالطباع ، ~~وضعيف بالسماع ، ومردود عند كل ذي فطرة سليمة ، ومستبشع في نفس كل من له ~~جبلة معتدلة . قال : ومن تمام طغيانهم ، وشدة بهتانهم ، أنهم زعموا أن هذا ~~بإذن من الله تعالى ، وبشريعة أتت من عند الله ، والله تعالى حرم الخبائث ~~من المطعومات فكيف حلل الخبائث من المنكوحات ؟ قال : وكذب القوم ، لم يكن ~~زرادشت نبيا ، ولو كان نبيا لذكره الله PageV01P085 تعالى في عرض الأنبياء ~~الذين نوه بأسمائهم وردد ذكرهم في كتابه ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ' سنوا بهم سنة أهل الكتاب ' لأنه لا كتاب لهم من عند الله منزل على ~~مبلغ عنه . وإنما هو خرافة خدعهم بها زرادشت بقوة الملك الذي قبل ذلك منه ~~وحمل الناس عليه طوعا وكرها ، وترغيبا وترهيبا ؛ وكيف يبعث الله نبيا يدعو ~~إلى إلهين اثنين ؟ وهذا مستحيل بالعقل ، وما خلق الله العقل إلا ليشهد ~~بالحق للمحق والباطل للمبطل ؛ ولو كان شرعا لكان ذلك شائعا عند أهل ~~الكتابين ، أعني اليهود والنصارى ؛ وكذلك عند الصابئين ، وهم كانوا أكثر ~~الناس عناية بالأديان والبحث عنها ، والتوصل إلى معرفة حقائقها ، ليكونوا ~~من دينهم على ثقة ؛ فكيف صارت النصارى تعرف عيسى ، واليهود تعرف موسى ؛ ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم يذكرهما ويذكر غيرهما ، كداود وسليمان ويحيى ms050 ~~وزكريا ، وغير هؤلاء ، ولا يذكر زرادشت بالنبوة وأنه جاء من عند الله تعالى ~~بالصدق والحق كما جاء موسى وعيسى . . . . لكني بعثت ناسخا لكل شريعة ، ~~ومجددا لشريعة خصني الله بها من بين العرب . قال : وهذا بيان نافع في كذبهم ~~؛ وإنما جاءوا إلى وهي فرقعوه ، وإلى حرام بالعقل فأباحوه ، وإلى خبيث ~~بالطبع فارتكبوه وإلى قبيح في العادة فاستحسنوه . وقد وجدنا في البهائم ما ~~إذا أنزى الفحل منها على أمة لم يطاوع ، وإذا أكره وخدم وعرض غضب على أهله ~~وند عنهم ، وشرر عليهم ؛ فما تقول في خلق لا ترضاه البهيمة ، ولا تطاوعه ~~فيه الطبيعة ، بل يأباه حسه مع كلولة وتبرد شهوته مع اشتعالها ، ويرضاه ~~هؤلاء القوم مع عجبهم بعقولهم ، وكبرهم في أنفسهم . ولو كان زرادشت أقام ~~لهم على هذه الخصلة اللئيمة والفعلة الذميمة كل آية وكل برهان ، ونثر عليهم ~~نجوم السماء ، وأطلع لهم الشمس من المغرب ، وفتت لهم الجبال ، وغيض لهم ~~البحار ، وأراهم الثريا تمشي على الأرض تخترق السكك وتشهد له بالصدق ، لكان ~~من الواجب بالعقل وبالغيرة وبالحمية PageV01P086 وبالأنفة وبالتقزز ~~وبالتعزز ألا يجيبوه إلى ذلك ، ويشكوا في كل آية يرون منه ، ويقتلوه ، ~~وينكلوا به . ولكن بمثل هذا العقل قبلوا من مزدك ما قبلوه مرة ، ولو عاملوا ~~زرادشت بما عاملوا به مزدك ما كان الأمر إلا واحدا ، ولا كان الحق إلا ~~منصورا ، ولا كان الباطل إلا مقهورا ، ولكن اتفق على مزدك ملك عاقل فوضع ~~باطله ، واتفق لزرادشت ملك ركيك فرفع باطله ؛ وما نزع الله عنهم الملك إلا ~~بالحق ، كما قال تعالى : ' فلما آسفونا انتقمنا منهم ' . ثم قال : وبعد ، ~~فكل شيء خارج من الحكمة الإلهية والعقلية والطبيعية فهو ساقط بهرج ، ومردود ~~مرذول ، إذا فعله جاهل عذر بالجهل ، وإذا أتاه عالم عذل للعلم . قال : ~~وكانت العرب بهذا الخلق الذميم ، وهذا الفعل اللئيم ، لو فعلته أعذر ، ~~لأنهم أشد غلمة من غيرهم وأكثر تهيجا ، وأقوى على البضاع ، وأوثب على ~~النساءئ يدلك على هذا غزلهم وعشقهم ونظمهم ونثرهم وفراغهم وشهوتهم ، وتراهم ~~مع هذه الدواعي والبواعث لم يستحسنوا هذا ولم ms051 يفعلوه ، ولو أكرههم على هذا ~~مكره ودعاهم إليه داع لما أطاعوه ، ولذلك لم ينجم منهم ناجم بالحيلة فدعا ~~إلى هذا ؛ ولو كان لكان أول من دق رأسه بالعمد ، وبعج بطنه بالخنجر ؛ وما ~~منعهم من هذا إلا الأنفس الكريمة ، والطباع المعتدلة ، والشكائم الشديدة ، ~~والأرواح العيفة ، والعادات الرضية ، والضرائب الطيبة ؛ وكان وأد البنات ~~عندهم أنفى للمعاير ، وأطرد للقبائح من هذا الذي استحسنه زرادشت وقبل منه ~~الفرس ، وهم يدعون الحكم والعلم والحزم والعزم ، ولفرط جهلهم وغلبة شهوتهم ~~غفلوا عما يجوز أن يكون الله سبحانه مبيحا له أو حاظرا ، أو مطلقا أو مانعا ~~، أو محللا أو محرما ؛ هيهات ما كلف الله أهل العقل القيام بالدين والتصفح ~~للحق من الباطل إلا لما شرفهم به في العاجل ، وعرضهم له في الآجل ؛ ~~والعاقبة للمتقين . PageV01P087 قال أبو الحسن الأنصاري - وكان حاضرا - ~~الهند أوضح عذرا في هذا الحديث لأنهم جعلوه من باب القربة في بيوت الأصنام ~~، وبلغوا مرادهم بهذه الخديعة ، ولم ينسبوا إلى الله شيئا منه ، ولا ~~استجازوا الكذب عليه ، ولا علقوه أيضا على نبي من عند الله ، بل رأوه صوابا ~~بالوضع ثم طابت أنفسهم من هذا الفعل بالمران والعادة . وبعد ؛ فعقولهم ~~مدخولة ، والبارع منهم قليل ، وهم إلى الإفك والوهم والسحر أميل ، وفي ~~أبوابها أدخل ؛ ثم قال أبو الحسن : انظر إلى جهل زرادشت في هذا الحكم وإلى ~~ضعف عقول الفرس في قبولهم منه هذا الفعل ، وخير بينها وبين عقول العرب ، ~~فإنهم قالوا : اغتربوا لا تضووا . واستفاض هذا منهم حتى سمع من صاحب ~~الشريعة صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن الضوى مكروه ؛ والعرب قالت هذا ~~بالإلهام ، لقرائحهم الصافية ، وأذهانهم الواقدة ، وطينتهم الحرة ، ~~وأعراقهم الكريمة ، وعاداتهم السليمة : وإنما شعروا بهذا لأن الضوى الواصل ~~إلى الأبدان هو سار في العقول ، ولكن الفرس عن هذا السر غافلون ، ولا يفطن ~~لهذا وأمثاله إلا الألمعيون الأحوذيون ؛ ثم قال : أنشد الأصمعي عن العرب ~~قول قائلهم في مدح صاحب له : فتى لم تلده بنت عم قريبة . . . فيضوى وقد ~~يضوى رديد الأقارب قال : وقالت العرب : أضواه حقه : إذا ms052 نقصه . قال : وقال ~~آخر لولده : والله لقد كفيتك الضؤولة ، واخترت لك الخؤولة . وقال أيضا : ~~العرب تقول : ليس أضوى من القرائب ، ولا أنجب من الغرائب . وقال الشاعر : ~~أنذرت من كان بعيد الهم . . . تزويج أولاد بنات العم ليس بناج من ضوى أو ~~سقم . . . وأنت إن أطعمته لا ينمى وقال الأسدي يفتخر : PageV01P088 ولست ~~بضاوي تموج عظامه . . . ولادته في خالد بعد خالد تردد حتى عمه خال أمه . . ~~. إلى نسب أدنى من السر واحد ثم قال : والعرب لم ترد بهذا إلا نقص الذهن ~~والعقل ، لأنها لو أرادت نقصان الجسم لكانت مخطئة ، لأنهم يريدون سمانة ~~الجسم مع السلامة والصلابة . ثم قال : وعلى هذا طباع الأرض ، ولذلك يقال : ~~إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض ، لأن الرياح إذا اختلفت حولت تراب أرض إلى ~~أرض ، وإذا كان الاغتراب يؤثر من التراب إلى التراب ، فبالحري أن يؤثر ~~الإنسان في الإنسان بالاغتراب ، لأن الإنسان أيضا من التراب . قال أبو حامد ~~: فما ظنك بقوم يجهلون آثار الطبيعة ، وأسرار الشريعة ؟ ما أذلهم الله ~~باطلا ، ولا سلبهم ملكهم ظالما ، ولا ضربهم بالخزي والمهانة إلا جزاء على ~~سيرتهم القبيحة ، وكذبهم على الله بالجرأة والمكابرة ، وما الله بظلام ~~للعبيد . فلما بلغ القول مداه قال : لله در هذا النفس الطويل والنفث الغزير ~~! لقد كنت قرما إلى هذا النوع من الكلام ، ففرغ نفسك لرسمه في جزء لأنظر ~~فيه ، وأشرب النفس حلاوته ، وأستنتج العقيم منه ؛ فإن الكلام إذا مر بالسمع ~~حلق ، وإذا شارفه البصر بالقراءة من كتاب أسف ؛ والمحلق بعيد المنال ، ~~والمسف حاضر العين ، والمسموع إذا لم يملكه الحفظ تذكر منه الشيء بعد الشي ~~بالوهم الذي لا انعقاد له ، والخيال الذي لا معرج عليه . فقلت : أفعل سامعا ~~مطيعا - إن شاء الله - . PageV01P089 # | الليلة السابعة # ولما عدت إليه في مجلس آخر ، قال : سمعت صياحك اليوم في الدار مع ابن ~~عبيد ، ففيم كنتما ؟ قلت : كان يذكر أن كتابه الحساب أنفع وأفضل وأعلق ~~بالملك ، والسلطان إليه أحوج ، وهو بها أغنى من كتابة البلاغة والإنشاء ~~والتحرير ، فإذا الكتابة الأولى جد ، والأخرى هزل ؛ ألا ترى أن ms053 التشادق ~~والتفهيق والكذب والخداع فيها أكثر ؛ وليس كذلك الحساب والتحصيل والاستدراك ~~والتفصيل . قال : وبعد هذا فتلك صناعة معروفة بالمبدأ ، موصولة بالغاية ، ~~حاضرة الجدوى ، سريعة المنفعة ؛ والبلاغة زخرفة وحيلة ، وهي شبيهة بالسراب ~~، كما أن الأخرى شبيهة بالماء . قال : ومن خساسة البلاغة أن أصحابها ~~يسترقعون ويستحمقون ؛ وكان الكتاب قديما في دور الخلفاء ومجالس الوزراء ~~يقولون : اللهم إنا نعوذ بك من رقاعة المنشئين ، وحماقة المعلمين ، وركاكة ~~النحويين ، والمنشىء والمعلم والنحوي إخوة وإن كانوا لعلات ؛ والآفة تشملهم ~~والعادة تجمعهم ، والنقص يغمرهم ، وإن اختلفت منازلهم ، وتباينت أحوالهم . ~~قال : ولو لم يكن من صنعة الإنشاء إلا أن المملكة العريضة الواسعة يكتفى ~~فيها بمنشىء واحد ، ولا يكتفى فيها بمائة كاتب حساب . . . . وإذا كانت ~~الحاجة إلى هذه أمس ، كانت الأخرى في نفسها أخس ؛ وبعد ، فمصالح أحوال ~~العامة والخاصة معلقة بالحساب ؛ على هذه الجديلة والوتيرة يجري الصغار ~~والكبار والعلية والسفلة ، وما زال أهل الحزم والتجارب يحثون أولادهم ومن ~~لهم به عناية على تعلم الحساب ، ويقولون لهم : هو سلة الخبز . وهذا كلام ~~مستفيض ؛ ومن عبر عما في نفسه بلفظ ملحون أو محرف أو موضوع غير موضعه وأفهم ~~غيره ، وبلغ به إرادته ، وأبلغ غيره ، فقد كفى ؛ والزائد على الكفاية فضل ~~والفضل يستغنى عنه كثيرا ، والأصل يفتقر إليه شديدا ، PageV01P090 قال : ~~ومن آفات هذه الكتابة أن أصحابها يقرفون بالريبة ، ويرمون بالآفة ، كآل ~~الحسن بن وهب وآل ابن ثوابة . قال : هذه ملحمة منكرة ؛ فما كان من الجواب ؟ ~~قلت : ما قام من مجلسه إلا بعد الذل والقماءة ، وهكذا يكون حال من عاب ~~القمر بالكلف ، والشمس بالكسوف ، وانتحل الباطل ونصر المبطل ، وأبطل الحق ~~وزرى على المحق . قلت : أيها الرجل ، قولك هذا كان يسلم لو كان الإنشاء ~~والتحرير والبلاغة بائنة من صناعة الحساب والتحصيل والاستدراك وعمل الجماعة ~~وعقد المؤامرة . فأما وهي متصلة بها وداخلة في جملتها ومشتملة عليها وحاوية ~~لها ، فكيف يطرد حكمك وتسلم دعواك ؟ ألا تعلم أن أعمال الدواوين التي ينفرد ~~أصحابها فيها بعمل الحساب فقيرة في إنشاء الكتب في فنون ما يصفونه ~~ويتعاطونه ؛ بل لا ms054 سبيل لهم إلى العمل إلا بعد تقدمة هذه الكتب التي مدارها ~~على الإفهام البليغ والبيان المكشوف والاحتجاج الواضح ، وذلك يوجد من ~~الكاتب المنشىء الذي عبته وعضضته ، وهذه الدواوين معروفة ، والأعمال فيها ~~موصوفة ؛ وأنا أحصيها لك كي تعلم أنك غالط وعن الصواب فيها منحرف . فمنها ~~ديوان الجيش ، وديوان بيت المال ، وديوان التوقيع والدار ، وديوان الخاتم ، ~~وديوان الفض ، وديوان النقد والعيار ودور الضرب ، وديوان المظالم وديوان ~~الشرطة والأحداث ؛ هذا إلى توابع هذه الدواوين مثل باب العين والمؤامرات ، ~~وباب النوادر والتواريخ ، وإدراة الكتب ومجالس الديوان وقبل وبعد ، كما ~~يلزم كاتب الحساب أن يعرف وجوه الأموال حتى إذا جباها وحصلها عمل الحساب ~~أعماله فيها ، فلا PageV01P091 يمكنه أن يجبي إلا بالكتب البليغة والحجج ~~اللازمة واللطائف المستعملة ، ومن تلك الوجوه الفيء ، وهو أرض العنوة وأرض ~~الصلح وإحياء الأرض والقطائع والصفايا والمقاسمة والوضائع وجزية رءوس أهل ~~الذمة وصدقات الإبل والبقر والغنم وأخماس الغنائم والمعادن والركاز والمال ~~المدفون ، وما يخرج من البحر وما يؤخذ من التجار إذا مروا بالعاشر واللقطة ~~والضالة وميراث من لا وارث له ومال الصدقة ؛ إلى غير ذلك من الأمور ~~المحتاجة إلى المكاتبات البالغة على الرسوم المعتادة والعادات الجارية ، ~~كعهد ينشأ في إصلاح البريد وتقسيط الشرب ، وكتاب في العمارة وإعادة ما نقص ~~منها ، وفي حزر الغلة والدياس ، وفي الدوالي والدواليب والغرافات ، وفي ~~القلب والقسمة ، وفي تقدير الخضر المبكرة وفي المساحة وفي الطراز ، وفي ~~الجوالي ، وفي قبض فرائض الصدقات ، وفي افتتاح الخراجات ، إلى غير ذلك من ~~كتب المحاسبين . فإن قلت : هذا كله مستغنى عنه كابرت وبهت ، لأن مدار المال ~~ودروره ، وزيادته ووفوره على هذه الدواوين التي إما أن يكون حظ البلاغة ~~فيها أكثر ، وإما أن يكون أثر الحساب فيها أظهر ، وإما أن يتكافآ ؛ فعلى ~~جميع الأحوال لا يكون الكاتب كاملا ، ولا لاسمه مستحقا ، إلا بعد أن ينهض ~~بهذه الأثقال ، ويجمع إليها أصولا من للفقه مخلوطة PageV01P092 بفروعها ، ~~وآيات من القرآن مضمومة إلى سعته فيها ، وأخبارا كثيرة مختلفة في فنون شتى ~~لتكون عدة عند الحاجة إليها ، مع الأمثال ms055 السائرة والأبيات النادرة ؛ ~~والفقر البديعة ؛ والتجارب المعهودة ، والمجالس المشهودة ، مع خط كتبر ~~مسبوك ، ولفظ كوشي محوك ؛ ولهاذ عز الكامل في هذه الصناعة ، حتى قال ~~أصحابنا : ما نظن أنه اجتمع هذا كله إلا لجعفربن يحيى فإن كتابته كانت ~~سوداية ، وبلاغته سحبانية ، وسياسته يونانية ، وآدابه عربية ، وشمائله ~~عراقية ؛ أفلا يرى كيف غرق الحساب في غمار هذه الأبواب ؟ ثم اعلم أن البليغ ~~مشتمل بلاغته من العقل ، ومأخذه فيها من التمييز الصحيح ، وليس كذلك الحساب ~~في متناوله فلو ظن ظان بأن مدار الملك على الحساب - فهو صحيح - ولكن بعد ~~بلاغة المنشىء ، لأن السلطان يأمر وينهى ويلاطف ويخاطب ويحتج وينصف ويوعد ~~ويعد ويضمن ويمني ويعلق الأمل ويؤكد الرجاء ويحسم المادة الضارة ويذيق ~~الرعية حلاوة العدل ويجنبهم مرارة الجور ، ثم يجبي ، فإذا جبى احتاج إلى ~~الحساب حتى يكون بالحاصل عالما ، ثم يتقدم بتوزيع ذلك على الحساب حتى يكون ~~من الغلط آمنا ، فانظر إلى المنزلتين كيف اختلفتا ؟ وكيف حصلت المزية ~~لإحداهما ؛ ولو أنصفت لعلمت أن الصناعة جامعة بين الأمرين ، أعني الحساب ~~والبلاغة ؛ والإنسان لا يأتي إلا صناعة فيشقها نصفين ويشرف أحد النصفين على ~~الآخر . وأما قولك : إحدى الصناعتين هزل والأخرى جد فبئسما سولت لك نفسك ~~على البلاغة ، هي الجد ، وهي الجامعة لثمرات العقل ، لأنها تحق الحق وتبطل ~~الباطل على ما يجب أن يكون الأمر عليه ؛ ثم تحقيق الباطل وإبطال الحق ~~لأغراض تختلف ، وأغراض تأتلف ، وأمور لا تخلو أحوال هذه الدنيا منها من خير ~~وشر ، وإباء وإذعان ، وطاعة PageV01P093 وعصيان ، وعدل وعدول ، وكفر وإيمان ~~، والحاجة تدعو إلى صانع البلاغة وواضع الحكمة وصاحب البيان والخطابة ؛ ~~وهذا هو حد العقل والآخر حد العمل . وأما قولك : الإنشاء صناعة مجهولة ~~المبدأ ، والحساب معروف المبدأ فقد خرفت ، لأن مبدأها من العقل ، وممرها ~~على اللفظ ، وقرارها في الخط ؛ وأنت إذا قلت هذا دللت من نفسك على أنه ليس ~~لك ما تبصر به هذا المبدأ الشريف وهذا الأول اللطيف . وأما قولك : والبلاغة ~~زخرفة وهي شبيهة بالسراب فقد أوضحنا لك فيه ما كفى ، فإن لم يكف فأنت ms056 محتاج ~~إلى بينة أخرى . وأما قولك : إن أصحابها يسترقعون فهذا شنع من القول ، ولو ~~عرفت الصدق فيه لم تنبس به ولم تنطق بحرف منه ، فإن فيه زراية على السلف ~~الصالح والصدر الأول ، ولو وجب أن يسترقع البليغ إذا كان عاقلا ، لوجب أن ~~يستعقل العيي إذا كان أحمق ؛ وهذا خلف . وأما قولك : المنشىء والمعلم ~~والنحوي إخوة في الركاكة فيما يتعلم الناس إلا من المعلم والعالم والنحوي ~~وإن ندر منهم واحد قليل البضاعة من الحق . وأما قولك : إن المملكة تكتفي ~~بمنشىء واحد فقد صدقت ، وذلك أن هذا الواحد في قوته يفي بآحاد كثيرة ، ~~وهؤلاء الآحاد ليس في جميعهم وفاء بهذا الواحد ، وهذا عليك لا لك . لكن بقي ~~أن تفهم أنك محتاج إلى الأساكفة أكثر مما تحتاج إلى العطارين ، ولا يدل هذا ~~على أن الإسكاف أشرف من العطار ، والعطار دون الإسكاف ؛ والأطباء أقل من ~~الخياطين ، ونحن إليهم أحوج ، ولا يدل على أن الطبيب دون الخياط . ~~PageV01P094 وأما قولك : ما زال الناس يحثون أولادهم على تعلم الحساب ~~ويقولون : هو سلة الخبز فهو كما قلت ، لأن الحاجة إليه عامة للكابر والصغار ~~؛ وأشرف الصناعات يحتاج إليها أشرف الناس ، وأشرف الناس الملك ، فهو محتاج ~~إلى البليغ والمنشىء والمحرر ، لأنهلسانه الذي به ينطق ، وعينه التي بها ~~يبصر ، وعيبته التي منها يستخرج الرأي ويستبصر في الأمر ، ولأنه بهذه ~~الخاصة لا يجوز أن يكون له شريك ، لأنه حامل الأسرار ، والمحدث بالمكنونات ~~، والمفضي إليه ببنات الصدور . وأما قولك : من عبر عما في نفسه بلفظ ملحون ~~أو محرف وأفهم غيره فقد كفى فكيف يصح هذا الحكم ويقبل هذا الرأي ؟ والكلام ~~يتغير المراد فيه باختلاف الإعراب ، كما يتغير الحكم فيه باختلاف الأسماء ، ~~وكما يتغير المفهوم باختلاف الأفعال ؛ وكما ينقلب المعنى باختلاف الحروف ؛ ~~ولقد قال رجل بالري كان نبيلا في حاله جليلا في مرتبته عظيما عند نفسه : ~~اقعد حتى تتغذى بنا . وهو يريد : حتى نتغذى معنا ؛ فانظر إلى هذا المحال ~~الذي ركبه بلفظه وإلى المراد الذي جانبه بجهله ؛ ولهذا نظائر غير خافية ~~عليك ولا ساقطة ms057 دونك وكفى بالبلاغة شرفا أنك لم تستطع تهجينها إلا بالبلاغة ~~، ولم تهتد إلى الكلام عليها إلا بوتها ؛ فانظر كيف وجدت في استقلالها ~~بنفسها ما يقلها ويقل غيرها ؛ وهذا أمر بديع وشأن عجيب . وأما قولك : ومن ~~آفاتها أن أصحابها يقرفون بالريبة وينالون بالعيب فهذا ما لا يستحق الجواب ~~، وما يضر الشمس نباح الكلاب ؛ وصيانة اللسان عن هذا النوع أحسن ؛ قال الله ~~تعالى : ' وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ' ؛ وقال عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - لو كان المرء أقوم من قدح لوجد له غامر . وآل ابن وهب وابن ~~ثوابة كانوا أنبل وأفضل وأعقل من أن يظن بهم ما لا يظن بخساس العبيد وسفهاء ~~الناس وداصة الرعية وسفلة العامة ؛ على أنا ما سمعنا هذا إلا في مجلس ابن ~~عباد ، منه وممن كان يخبط في هواه ، ويتحرى بمثل هذه الأحاديث رضاه ؛ وحسده ~~لهم في صناعتهم يبعثه على هذه الأكاذيب عليهم ؛ فالعجب أنه يظن أن كذبه إلى ~~غيره ينفي الصدق عن نفسه ؛ ولو PageV01P095 نزه لسانه ومجلسه ومذهبه أبوته ~~لكان أولى به وأزين له ، ولكن النعمة والقدرة إذا عدمتا عقلا سائسا وحزما ~~حارسا ودينا متينا وطريقا قويما أوردتا ولم تصدرا وخذلتا ولم تنصرا ؛ ونعوذ ~~بالله من نعمة تحوز بلاء ، ومرحبا ببلاء يورث يقظة ويكون تمحيصا لما نقص من ~~التقصير ؛ ولكن من هذا الذي يشرب فلا يسكر ولا يثمل ؟ ومن هذا الذي إذا سكر ~~عقل ؟ ومن هذا الذي إذا صحا لا يعتقب من رابه خمارا يصدع الرأس ويمكن ~~الوسواس ؟ فقال : هذه جملة قامعة لمن ادعى دعواه أو نحا منحاه ؛ وأنى لك ~~هذا ؟ لم لا تداخل صاحب ديوان ولم ترضى لنفسك بهذا اللبوس ؟ فقلت : أنا رجل ~~حب السلامة غالب علي ، والقناعة بالطفيف محبوبة عندي . فقال : كنيت عن ~~الكسل بحب السلامة ، وعن الفسولة بالرضا باليسير ، قلت : إذا كنت لا أصل ~~إلى السلامة إلا بالفسولة ، ولا أتطعم الراحة إلا بالكسل ، فمرحبا بهما . ~~فقال : لكل إنسان رأي واختيار وعادة ومنشأ ومألوف وقرناء متى زحزح عنها قلق ~~، ومتى أريغ على سواها فرق ms058 ؛ أظن أنه قد نصف الليل . قلت : لعله . قال : في ~~الدعة ؛ قد خبأت لك مسألة ، وسألقيها عليك بعدها - إن شاء الله تعالى - ~~وانصرفت . # | الليلة الثامنة # وقال لي مرة أخرى : أوصل وهب بن يعيش الرقي اليهودي رسالة يقول في عرضها ~~بعد التقريظ الطويل العريض : إن هنا طريقا في إدراك الفلسفة مذللة مسلوكة ~~مختصرة فسيحة ، ليس على سالكها كد ولا شق في بلوغ ما يريد من الحكمة ونيل ~~ما يطلب من السعادة وتحصيل الفوز في العاقبة ؛ وإن أصحابنا طولوا وهولوا ~~وطرحوا الشوك في الطريق ، ومنعوا من الجواز عليه غشا منهم وبخلا ولؤم طباع ~~وقلة نصح وإتعابا للطالب PageV01P096 وحسدا للراغب ، وذلك أنهم اتخذوا ~~المنطق والهندسة وما دخل فيهما معيشة ومكسبة ، ومأكلة ومشربة ، فصار ذلك ~~كسور من حديد لطلاب الحكمة والمحبين للحقيقة والمتصفحين لأثناء العالم ~~وكلاما هذا معناه ، وإلى هذا يرجع مغزاه . فكان من الجواب : قد عرفت مذهب ~~ابن يعيش في هذا الباب ، وهو جاري ، وكتب هذه الرسالة على هذا الطراز ~~بالأمس إلى الملك السعيد سنة سبعين ، وتقرب بها ، ونفعته بالمسألة والتفقد ~~له ، فإنه شديد الفقر ، ظاهر الخصاصة ، لاصق بالدقعاء ؛ وللذي قاله وادعاه ~~، وقصده وانتحاه ، وجه واضح وحجة ظاهرة ؛ وللذي قاله أصحابنا - أعني ~~مخالفيه - وجه أيضا وتأويل وللقولين أنصار وحماة ، وحفظة ورعاة . قال : هات ~~- على بركة الله - فإني أحب أن أسمع في هذا الخطب كل ما فيه وأكثر ما يتصل ~~به ؛ فكان من الجواب أن ابن يعيش يريد بهذه الخطبة أن عمر الإنسان قصير ، ~~وعلم العالم كثير ، وسره مغمور ؛ وكيف لا يكون كذلك وهو ذو صفائح مركبة ~~بالوضع المحكم ، وذو نضائد مزينة بالتأليف المعجب المتقن ؛ والإنسان الباحث ~~عنه وعما يحتويه ذو قوى متقاصرة ، وموانع معترضة ، ودواع ضعيفة ، وإنه مع ~~هذه الأحوال منتبه بالحس ، حالم بالعقل ، عاشق للشاهد ، ذاهل عن الغائب ، ~~مستأنس بالوطن الذي ألفه ونشأ فيه ، مستوحش من بلد لم يسافر إليه ولم يلم ~~به وإن كان صدر عنه ، فليس له بذلك معرفة باقية ولا ثقة تامة ، وإن الأولى ~~بهذا الإنسان المنعوت بهذا الضعف والعجز ms059 أن يلتمس مسلكا إلى سعادته ونجاته ~~قريبا ويعتصم بأسهل الأسباب على قدر جهده وطوقه ؛ وإن أقرب الطرق وأسهل ~~الأسباب هو في معرفة الطبيعة والنفس والعقل والإله تعالى ، فإنه متى عرف ~~هذه الجملة بالتفصيل ، واطلع على هذا التفصيل بالجملة ، فقد فاز الفوز ~~الأكبر ونال الملك PageV01P097 الأعظم ، وكفى مؤونة عظيمة في قراءة الكتب ~~الكبار ذوات الورق الكثير ، مع العناء المتصل في الدرس والتصحيح والنصب في ~~المسألة والجواب ، والتنقير عن الحق والصواب ؛ وهذا الذي قاله ابن يعيش ليس ~~بحيف ولا خارج عن حومة الحق ، وإن كان الأمر فيه أيضا صعبا وشاقا وهائلا ~~وعاملا ، ولكن ليس لكل أحد هذه القوة الفائضة ، وهذه الخصوصية الناهضة ؛ ~~وهذا الاستبصار الحسن ، وهذا الطبع الوقاد ، والذهن المنقاد ، والقريحة ~~الصافية والاستبانة والتأمل ، لأن هذه القوة إلهية ، فإن لم تكن إلهية فهي ~~ملكية ؛ وإن لم تكن ملكية فهي في أفق البشرية ؛ وليس يوجد صاحب هذا النعت ~~إلا في الشاذ النادر ، وفي دهر مديد بين أمة جمة العدد ؛ والفائق من كل شيء ~~والبائن من كل صنف عزيز في هذا العالم الوحشي ، كما أن الرديء والفاسد ~~معدوم في هذا العالم الإلهي ، ويمكن أن يقال بالمثل الأدنى : إن من يتكلم ~~بالإعراب والصحة ولا يلحن ولا يخطىء ويجري على السليقة الحميدة والضريبة ~~السليمة ، قليل أو عزيز ، وإن الحاجة شديدة لمن عدم هذه السجية وهذا المنشأ ~~إلى أن يتعلم النحو ويقف على أحكامه ، ويجري على منهاجه ، ويفي بضروطه في ~~أسماء العرب وأفعالها وحروفها وموضوعاتها ومستعملاتها ومهملاتها ؛ ومتى ~~اتفق إنسان بهذه الحلية وعلى هذا النجار ، فلعمري إنه غني عن تطويل ~~النحويين كما يستغني قارض الشعر بالطبع عن علم العروض ، وهكذا يستغني صاحب ~~تلك القوة التي أشار إليها ابن يعيش عن ذلك ، ولكن أين ذاك الفرد والشاذ ~~والنادر ؟ فإن حضر فما تفعل معه إلا أن تقلده وتأخذ عنه وتتبعه . وإنما ~~المدار على أن تكون أنت بهذا الكمال حائزا لهذه الغاية ، ولا سبيل لك إليها ~~من تلقاء نفسك ، وإنما هو شيء يأتي من تلقاء غيرك ، فإذن بالضرورة وبالواجب ~~ينبغي ms060 أن تخطو على آثار المنطقيين والطبيعيين والمهندسين بالزحف والعناء ~~والتكلف الدءوب حتى تصير متشبها بذلك الرجل الفاضل والواحد الكامل والبديع ~~النادر ؛ فقد بان من هذا القدر صواب ما أشار إليه ابن يعيش وانكشف أيضا وجه ~~ما حث عليه مخالفوه ؛ ولا عيب على PageV01P098 المنقوص أن يطلب الزيادة ~~ببذل المجهود ، وإن الكامل مربوط بما منح من العطية من غير طلب . وأما قوله ~~في صدر كلامه : إن القوم صدوا عن الطريق وطرحوا الشوك فيه ، واتخذوا نشر ~~الحكمة فخا للمثالة العاجلة ، فما أبعد ، بل قارب الحق فإن متى كان يملي ~~ورقة بدرهم مقتدري وهو سكران لا يعقل ، ويتهكم ، وعنده أنه في ربح ، وهو من ~~الأخسرين أعمالا ، الأسفلين أحوالا . ثم إني أيها الشيخ - أحياك الله لأهل ~~العلم وأحيى بط طالبيه - ذكرت للوزير مناظرة جرت في مجلس الوزير أبي الفتح ~~الفضل بن جعفر بن الفرات بين أبي سعيد وأبي بشر متى واختصرتها ؛ فقال لي : ~~اكتب هذه المناظرة على التمام فإن شيئا يجري في ذلك المجلس النبيه بين هذين ~~الشيخين بحضرة أولئك الأعلام ينبغي أن يغتنم سماعه ، وتوعى فوائده ، ولا ~~يتهاون بشيء منه . فكتبت : حدثني أبو سعيد بلمع من هذه القصة . فأما علي بن ~~عيسى الشيخ الصالح فإنه رواها مشروحة . لما انعقد المجلس سنة ست وعشرين ~~وثلاثمائة ، قال الوزير ابن الفرات للجماعة - وفيهم الخالدي وابن الأخشاد ~~والكتبي وابن أبي بشر وابن رباح وابن كعب وأبو عمرو قدامة بن جعفر والزهري ~~وعلي بن عيسى الجراح وابن فراس وابن رشيد وابن عبد العززي الهاشمي وابن ~~يحيى العلوي ورسول ابن طغج من مصر والمرزباني صاحب آل سامان - : ألا ينتدب ~~منكم إنسان لمناظرة متى في حديث المنطق ، فإنه يقول : لا سبيل إلى معرفة ~~الحق من الباطل والصدق من الكذب والخير من الشر والحجة من الشبهة والشك من ~~اليقين إلا بما حويناه من المنطق وملكناه من القيام به ، واستفدناه من ~~واضعه على مراتبه وحدوده ، فأطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه . ~~PageV01P099 فأحجم القوم وأطرقوا قال ابن الفرات : والله إن فيكم لمن يفي ms061 ~~بكلامه ومناظرته وكسر ما يذهب إليه وإني لأعدكم في العلم بحارا ، وللدين ~~وأهله أنصارا ، وللحق وطلابه منارا ؛ فما هذا الترامز والتغامز اللذان ~~تجلون عنهما ؟ فرفع أبو سعيد السيرافي في رأسه فقال : اعذر أيها الوزير ، ~~فإن العلم المصون في الصدر غير العلم المعروض في هذا المجلس على الأسماع ~~المصيخة والعيون المحدقة والعقول الحادة والألباب الناقدة ؛ لأن هذا يستصحب ~~الهيبة ، والهيبة مكسرة ، ويجتلب الحياء ، والحياء مغلبة ؛ وليس البراز في ~~معركة خاصة كالمصاع في بقعة عامة . فقال ابن الفرات : أنت لها يا أبا سعيد ~~، فاعتذارك عن غيرك يوجب عليك الانتصار لنفسك ، والانتصار في نفسك راجع إلى ~~الجماعة بفضلك . فقال أبو سعيد : مخالفة الوزير فيما رسمه هجنة ، والاحتجاز ~~عن رأيه إخلاد إلى التقصير ؛ ونعوذ بالله من زلة القدم ، وإياه نسأل حسن ~~المعونة في الحرب والسلم ؛ ثم واجه متى فقال : حدثني عن المنطق ما تعني به ~~؟ فإنا إذا فهمنا مرادك فيه كان كلامنا معك في قبول صوابه ورد خطئه على سنن ~~مرضي وطريقة معروفة . قال متى : أعني به أنه آلة من آلات الكلام يعرف بها ~~صحيح الكلام من سقيمه ، وفاسد المعنى من صالحه ، كالميزان ، فإني أعرف به ~~الرجحان من النقصان ، والشائل من الجانح . فقال أبو سعيد : أخطأت ، لأن ~~صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف إذا كنا نتكلم ~~بالعربية ؛ وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعق إذا كنا نبحث بالعقل ؛ وهبك ~~عرفت الراجح من الناقص من طريق الوزن ، فمن PageV01P100 لك بمعرفة الموزون ~~أيما هو حديد أو ذهب أو شبه أو رصاص ؟ فأراك بعد معرفة الوزن فقيرا إلى ~~معرفة جوهر الموزون وإلى معرفة قيمته وسائر صفاته التي يطول عدها ؛ فعلى ~~هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليه اعتمادك ، وفي تحقيقه كان اجتهادك ، إلا ~~نفعا يسيرا من وجه واحد ، وبقيت عليك وجوه ، فأنت كما قال الأول : حفظت ~~شيئا وغابت عنك أشياء وبعد ، فقد ذهب عليك شيء هاهنا ، لي كل ما في الدنيا ~~يوزن ، بل فيها ما يوزن ، وفيها ما يكال ، وفيها ما يذرع ، وفيها ما يمسح ms062 ~~وفيها ما يحرز وهذا وإن كان هكذا في الأجسام المرئية ، فإنه على ذلك أيضا ~~في المعقولات المقررة ؛ والإحساسات ظلال العقول تحكيها بالتقريب والتبعيد ، ~~مع الشبه المحفوظ والمماثلة الظاهرة . ودع هذا ؛ إذا كان المنطق وضعه رجل ~~من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها وما يتعارفونه بها من رسومها ~~وصفاتها ، فمن أين يلزم الترك والهند والفرس والعرب أن ينظروا فيه ويتخذوه ~~قاضيا وحكما لهم وعليهم ، ما شهد لهم به قبلوه ، وما أنكره رفضوه ؟ قال متى ~~: إنما لزم ذلك لأن المنطق بحث عن الأغراض المعقولة والمعاني المدركة ، ~~وتصفح للخواطر السانحة والسوانح الهاجسة ؛ والناس في المعقولات سواء ألا ~~ترى أن أربعة وأربعة ثمانية سواء عند جميع الأمم ، وكذلك ما أشبهه . قال ~~أبو سعيد : لو كانت المطلوبات بالعقل والمذكورات باللفظ ترجع مع شعبها ~~PageV01P101 المختلفة وطرائقها المتباينة إلى هذه المرتبة البينة في أربعة ~~وأربعة وأنهما ثمانية ، زال الاختلاف وحضر الاتفاق ، ولكن ليس الأمر هكذا ، ~~ولقد موهت بهذا المثال ، ولكم عادة بمثل هذا التمويه ؛ ولكن مع هذا أيضا ~~إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة ~~الجامعة للأسماء والأفعال والحروف ، أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة ~~؟ قال : نعم . قال : أخطأت ، قل في هذا الموضع : بلى . قال : بلى ، أنا ~~أقلدك في مثل هذا . قال : أنت إذا لست تدعونا إلى علم المنطق ، إنما تدعونا ~~إلى تعلم اللغة اليونانية وأنت لا تعرف لغة يونان ، فكيف صرت تدعونا إلى ~~لغة لا تفي بها ؟ وقد عفت منذ زمان طويل ، وباد أهلها ، وانقرض القوم الذين ~~كانوا يتفاوضون بها ، ويتفاهمون أغراضهم بتصاريفها ؛ على أنك تنقل من ~~السريانية ، فما تقول في معان متحولة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى ~~سريانية ، ثم من هذه إلى أخرى عربية ؟ قال متى : يونان وإن بادت مع لغتها ، ~~فإن الترجمة حفظت الأغراض وأدت المعاني ، وأخلصت الحقائق . قال أبو سعيد : ~~إذا سلمنا لك أن الترجمة صدقت وما كذبت ، وقومت وما حرفت ، ووزنت وما جزفت ~~، وأنها ما التاثت ولا حافت ، ولا نقصت ولا زادت ، ولا قدمت ولا ms063 أخرت ، ولا ~~أخلت بمعنى الخاص والعام ولا بأخص الخاص ولا بأعم العام - وإن كان هذا لا ~~يكون ، وليس هو في طبائع اللغات ولا في مقادير المعاني - فكأنك تقول : لا ~~حجة إلا عقول يونان ، ولا برهان إلا ما وضعوه ، ولا حقيقة إلا ما أبرزوه . ~~قال متى : لا ، ولكنهم من بين الأمم أصحاب عناية بالحكمة والبحث عن ظاهر ~~هذا العالم وباطنه ، وعن كل ما يتصل به وينفصل عنه ، وبفضل عنايتهم ظهر ما ~~ظهر وانتشر ما انتشر وفشا ما فشا ونشأ ما نشأ من أنواع العلم وأصناف ~~الصنائع ، ولم نجد هذا لغيرهم . PageV01P102 قال أبو سعيد : أخطأت وتعصبت ~~وملت مع الهوى ، فإن علم العالم مبثوث في العالم بين جميع من في العالم ، ~~ولهذا قال القائل : العلم في العالم مبثوث . . . ونحوه العاقل محثوث وكذلك ~~الصناعات مفضوضة على جميع من على جدد الأرض ؛ ولهذا غلب علم في مكان دون ~~علم ، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة ؛ وهذا واضح والزيادة عليه مشغلة ؛ ~~ومع هذا فإنما كان يصح قولك وتسلم دعواك لو كانت يونان معروفة من بين جميع ~~الأمم بالعصمة الغالبة ، والفطنة الظاهرة ، والبنية المخالفة ، وأنهم لو ~~أرادوا أن يخطئوا لما قدروا ، ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا وأن السكينة ~~نزلت عليهم ، والحق تكفل بهم ، والخطأ تبرأ منهم ؛ والفضائل لصقت بأصولهم ~~وفروعهم ، والرذائل بعدت من جواهرهم وعروقهم ؛ وهذا جهل ممن يظنه بهم ، ~~وعناد ممن يدعيه لهم ؛ بل كانوا كغيرهم من الأمم يصيبون في أشياء ويخطئون ~~في أشياء ، ويعلمون أشياء ويجهلون أشياء ، ويصدقون في أمور ويكذبون في أمور ~~، ويحسنون في أحوال ويسيئون في أحوال ؛ وليس واضع المنطق يونان بأسرها ، ~~إنما هو رجل منهم ، وقد أخذ عمن قبله كما أخذ عنه من بعده ؛ وليس هو حجة ~~على هذا الخلق الكثير والجم الغفير ، وله مخالفون منهم ومن غيرهم ؛ ومع هذا ~~فالاختلاف في الرأي والنظر والبحث والمسألة والجواب سنخوطبيعة ، فكيف يجوز ~~أن يأتي رجل بشيء يرفع به هذا الخلاف أو يحلحله أو يؤثر فيه ؟ هيهات هذا ~~محال ، ولقد بقي العالم بعد منطقه ms064 على ما كان عليه قبل منطقه ؛ فامسح وجهك ~~بالسلوة عن شيء لا يستطاع لأنه منعقد بالفطرة والطباع ؛ وأنت لو فرغت بالك ~~وصرفت عنايتك إلى معرفة هذه اللغة التي تحاورنا بها ، وتجارينا فيها ، ~~وتدارس أصحابك بمفهوم أهلها وتشرح كتب يونان بعادة أصحابها ، لعلمت أنك غني ~~عن معاني يونان كما أنك غني عن لغة يونان . وها هنا مسألة ، تقول : إن ~~الناس عقولهم مختلفة ، وأنصباؤهم منها متفاوتة . قال : PageV01P103 نعم . ~~قال : وهذا الاختلاف والتفاوت بالطبيعة أو بالاكتساب ؟ قال : بالطبيعة . ~~قال : فكيف يجوز أن يكون هاهنا شيء يرتفع به هذا الاختلاف الطبيعي والتفاوت ~~الأصلي ؟ قال متى : هذا قد مر في جملة كلامك آنفا . قال أبو سعيد : فهل ~~وصته بجواب قاطع وبيان ناصع ؟ ودع هذا ؛ أسألك عن حرف واحد ، وهو دائر في ~~كلام العرب ، ومعانيه متميزة عند أهل العقل ؛ فاستخرج أنت معانيه من ناحية ~~منطق أرسطاطاليس الذي تدل به وتباهي بتفخيمه ، وهو الواو ما أحكامه ؟ وكيف ~~مواقعه ؟ وهل هو على وجه أو وجوه ؟ فبهت متى وقال : هذا نحو ، والنحو لم ~~أنظر فيه ، لأنه لا حاجة بالمنطقي إليه ، وبالنحوي حاجة شديدة إلى المنطق ، ~~لأن المنطق يبحث عن المعنى والنحو يبحث عن اللفظ ، فإن مر المنطقي باللفظ ~~فبالعرض ، وإن عثر النحوي بالمعنى فبالعرض والمعنى أشرف من اللفظ ، واللفظ ~~أوضع من المعنى . فقال أبو سعيد : أخطأت ، لأن الكلام والنطق واللغة واللفظ ~~والإفصاح والإعراب والإبانة والحديث والإخبار والاستخبار والعرض والتمني ~~والنهي والحض والدعاء والنداء والطلب كلها من واد واحد بالمشاكلة والمماثلة ~~، ألا ترى أن رجلا لو قال : نطق زيد بالحق ولكن ما تكلم بالحق ، وتكلم ~~بالفحش ولكن ما قال الفحش ، وأعرب عن نفسه ولكن ما أفصح ، وأبان المراد ~~ولكن ما أوضح ، أو فاه بحاجته ولكن ما لفظ ، أو أخبر ولكن ما أنبأ ، لكان ~~في جميع هذا محرفا ومناقضا وواضعا للكلام في غير حقه ، ومستعملا اللفظ على ~~غير شهادة من عقله وعقل غيره ؛ والنحو منطق ولكنه مسلوخ من العربية والمنطق ~~نحو ، ولكنه مفهوم باللغة ، وإنما الخلاف بين اللفظ والمعنى أن اللفظ ms065 طبيعي ~~والمعنى عقلي ؛ ولهذا كان اللفظ بائدا على الزمان ، لأن الزمان يقفو أثر ~~الطبيعة بأثر PageV01P104 آخر من الطبيعة ولهذا كان المعنى ثابتا على ~~الزمان ، لأن مستملى المعنى عقل ، والعقل إلهي ؛ ومادة اللفظ طينية ، وكل ~~طيني متهافت ؛ وقد بقيت أنت بلا اسم لصناعتك التي تنتحلها ، وآلتك التي ~~تزهى بها ، إلا أن تستعير من العربية لها اسما فتعار ، ويسلم لك ذلك بمقدار ~~؛ وإذا لم يكن لك بد من قليل هذه اللغة من أجل الترجمة فلا بد لك أيضا من ~~كثيرها من أجل تحقيق الترجمة واجتلاب الثقة والتوقي من الخلة اللاحقة . ~~فقال متى : يكفيني من لغتكم هذا الاسم والفعل والحرف ، فإني أتبلغ بهذا ~~القدر إلى أغراض قد هذبتها لي يونان . قال أبو سعيد : أخطأت ، لأنك في هذا ~~الاسم والفعل والحرف فقير إلى وصفها وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز ~~أهلها ؛ وكذلك أنت محتاج بعد هذا إلى حركات هذه الأسماء والأفعال والحروف ، ~~فإن الخطأ والتحريف في الحركات كالخطأ والفساد في المتحركات ، وهذا باب أنت ~~وأصحابك ورهطك عنه في غفلة ؛ على أن ها هنا سرا ما علق بك ، ولا أسفر لعقلك ~~؛ وهو أن تلعم أن لغة من اللغات لا تطابق لغة أخرى من جميع جهاتها بحدود ~~صفاتها ، في أسمائها وأفعالها وحروفها وتأليفها وتقديمها وتأخيرها ، ~~واستعارتها وتحقيقها ، وتشديدها وتخفيفها ، وسعتها وضيقها ونظمها ونثرها ~~وسجعها ، ووزنها وميلها ، وغير ذلك مما يطول ذكره ؛ وما أظن أحدا يدفع هذا ~~الحكم أو يشك في صوابه ممن يرجع إلى مسكة من عقل أو نصيب من إنصاف ، فمن ~~أين يجب أن تثق بشيء ترجم لك على هذا الوصف ؟ بل أنت إلى تعرف اللغة ~~العربية أحوج منك إلى تعرف المعاني اليونانية ؛ على أن المعاني لا تكون ~~يونانية ولا هندية ، كما أن اللغات تكون فارسية وعربية وتركية ؛ ومع هذا ~~فإنك تزعم أن المعاني حاصلة بالعقل والفحص والفكر ، فلم يبق إلا أحكام ~~اللغة ، فلم تزري على العربية وأنت تشرح كتب أرسطوطاليس بها ، مع جهلك ~~بحقيقتها ؟ PageV01P105 وحدثني عن قائل قال لك : حالي في معرفة الحقائق ~~والتصفح ms066 لها والبحث عنها حال قوم كانوا قبل واضع المنطق ، أنظر كما نظروا ، ~~وأتدبر كما تدبروا ، لأن اللغة قد عرفتها بالمنشأ والوراثة ، والمعاني نقرت ~~عنها بالنظر والرأي والاعتقاب والاجتهاد . ما تقول له ؟ أتقول : إنه لا يصح ~~له هذا الحكم ولا يستتب هذا الأمر ، لأنه لا يعرف هذه الموجودات من الطريق ~~التي عرفتها أنت ؟ ولعلك تفرح بتقليده لك - وإن كان على باطل - أكثر مما ~~تفرح باستبداده وإن كان على حق ؛ وهذا هو الجهل المبين ، والحكم المشين . ~~ومع هذا ، فحدثني عن الواو ما حكمه ؟ فإني أريد أن أبين أن تفخيمك للمنطق ~~لا يغني عنك شيئا ، وأنت تجهل حرفا واحدا في اللغة التي تدعو بها إلى حكمة ~~يونان ، ومن جهل حرفا أمكن أن يجهل حروفا جاز أن يجهل اللغة بكمالها ، فإن ~~كان لا يجهلها كلها ولكن يجهل بعضها ، فلعله يجهل ما يحتاج إليه ، ولا ~~ينفعه فيه علم ما لا يحتاج إليه . وهذه رتبة العامة أو رتبة من هو فوق ~~العامة بقدر يسير ؛ فلم يتأبى على هذا ويتكبر ، ويتوهم أنه من الخاصة وخاصة ~~الخاصة ، وأنه يعرف سر الكلام وغامض الحكمة وخفي القياس وصحيح البرهان ؟ ~~وإنما سألتك عن معاني حرف واحد ، فكيف لو نثرت عليك الحروف كلها ، وطالبتك ~~بمعانيها ومواضعها التي لها بالحق ، والتي لها بالتجوز ؛ سمعتكم تقولون : ~~إن في لا يعرف النحويون مواقعها ، وإنما يقولون : هي للوعاء كما يقولون : ~~إن الباء للإلصاق ؛ وإن في تقال على وجوه : يقال الشيء في الإناء والإناء ~~في المكان و السائس في السياسة و السياسة في السائس . أترى أن هذا التشقيق ~~هو من عقول يونان ومن ناحية لغتها ؟ ولا يجوز أن يعقل هذا بعقول الهند ~~والترك والعرب ؟ فهذا جهل من كل من يدعيه ، وخطل من القول الذي أفاض فيه ؛ ~~النحوي إذا قال في للوعاء فقد أفصح في الجملة عن المعنى الصحيح ، وكني مع ~~ذلك عن الوجوه التي تظهر بالتفصيل ؛ ومثل هذا كثير ، وهو كاف في موضع ~~التكنية . PageV01P106 فقال ابن الفرات : أيها الشيخ الموفق ، أجبه بالبيان ~~عن مواقع الواو حتى تكون ms067 أشد في إفحامه ، وحقق عند الجماعة ما هو عاجز عنه ~~، ومع هذا فهو مشنع به . فقال أبو سعيد : للواو وجوه ومواقع : منها معنى ~~العطف في قولك : أكرمت زيدا وعمرا ومنها القسم في قولك : والله لقد كان كذا ~~وكذا ومنها الاستئناف في قولك : خرجت وزيد قائم لأن الكلام بعده ابتداء ~~وخبر ومنها معنى رب التي هي للتقليل نحو قولهم : وقاتم الأعماق خاوي ~~المخترق ومنها أن تكون أصلية في الاسم ، كقولك : واصل واقد وافد ، وفي ~~الفعل كذلك ، كقولك : وجل يوجل ؛ ومنها أن تكون مقحمة نحو قول الله عز وجل ~~: ' فلما أسما وتله للجبين وناديناه ' ، أي ناديناه ؛ ومثله قول الشاعر : ~~فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى المعنى : انتحى بنا ؛ ومنها معنى الحال في ~~قوله عز وجل : ' ويكلم الناس في المهد وكهلا ' أي يكلم الناس في حال كهولته ~~؛ ومنها أن تكون بمعنى حرف الجر ، كقولك : استوى الماء والخشبة أي مع ~~الخشبة . فقال ابن الفرات : لمتى : يا أبا بشر : أكان هذا في نحوك . ثم قال ~~أبو سعيد : دع هذا ، ها هنا مسألة علاقتها بالمعنى العقلي أكثر من علاقتها ~~بالشكل اللفظي ، ما تقول في قول القائل : زيد أفضل الإخوة ؟ قال : صحيح . ~~قال : فما تقول إن قال زيد أفضل إخوته ؟ قال : صحيح . قال : فما الفرق ~~بينهما مع الصحة فبلح وجنح وغص بريقه . PageV01P107 فقال أبو سعيد : أفتيت ~~على غير بصيرة ولا استبانة ؛ المسألة الأولى جوابك عنها صحيح وإن كنت غافلا ~~عن وجه صحتها ؛ والمسألة الثانية جوابك عنها غير صحيح وإن كنت أيضا ذاهلا ~~عن وجه بطلانها . قال متى : بين لي ما هذا التهجين ؟ قال أبو سعيد : إذا ~~حضرت العسة استفدت ، ليس هذا مكان التدريس هو مجلس إزالة التلبيس ، مع من ~~عادته التمويه والتشبيه ؛ والجماعة تعلم أنك أخطأت ، فلم تدعي أن النحوي ~~إنما ينظر في اللفظ دون المعنى ، والمنطقي ينظر في المعنى لا في اللفظ ؟ ~~هذا كان يصح لو أن المنطقي كان يسكت ويجيل فكره في المعاني ، ويرتب ما يريد ~~بالوهم السانح والخاطر العارض والحدس الطارىء ؛ فأما وهو يريغ أن ms068 يبرر ما ~~صح له بالاعتبار والتصفح إلى المتعلم والمناظر ، فلابد له من اللفظ الذي ~~يشتمل على مراده ، ويكون طباقا لغرضه ، وموافقا لقصده . قال ابن الفرات ~~لأبي سعيد : تمم لنا كلامك في شرح المسألة حتى تكون الفائدة ظاهرة لأهل ~~المجلس ، والتبكيت عاملا في نفس أبي بشر . فقال : ما أكره من إيضاح الجواب ~~عن هذه المسألة إلا ملل الوزير ، فإن الكلام إذا طال مل . فقال ابن الفرات ~~: ما رغبت في سماع كلامك وبيني وبين الملل علاقة ؛ فأما الجماعة فحرصها على ~~ذلك ظاهر . فقال أبو سعيد : إذا قلت : زيد أفضل إخوته لم يجز ، وإذا قلت : ~~زيد أفضل الإخوة جاز ؛ والفصل بينهما أن إخوة زيد هم غير زيد ، وزيد خارج ~~عن جملتهم . والدليل على ذلك أنه لو سأل سائل فقال : من إخوة زيد . لم يجز ~~أن تقول : زيد وعمرو وبكر وخالد PageV01P108 وإنما تقول : بكر وعمرو وخالد ~~ولا يدخل زيد في جملتهم ، فإذا كان زيد خارجا عن إخوته صار غيرهم ، فلم يجز ~~أن تقول : أفضل إخوته ، كما لم يجز أن تقول : إن حمارك أفره البغال لأن ~~الحمير غير البغال ، كما أن زيدا غير إخوته ، فإذا قلت : زيد خير الإخوة ~~جاز ، لأنه أحد الإخوة ، والاسم يقع عليه وعلى غيره ، فهو بعض الإخوة ، ألا ~~ترى أنه لو قيل : من الإخوة ؟ عددته فيهم ، فقلت : زيد وعمرو وبكر وخالد ~~فيكون بمنزلة قولك : حمارك أفره الحمير لأنه داخل تحت الاسم الواقع على ~~الحمير . فلما كان على ما وصفنا جاز أن يضاف إلى واحد منكور يدل على الجنس ~~، فتقول : زيد أفضل رجل وحمارك أفره حمار فيدل رجل على الجنس كما دل الرجال ~~؛ وكما في عشرين درهما ومائة درهم . فقال ابن الفرات : ما بعد هذا البيان ~~مزيد ، ولقد جل علم النحو عندي بهذا الاعتبار وهذا الإسفار . فقال أبو سعيد ~~: معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته ، وبين وضع الحروف في ~~مواضعها المقتضية لها ، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير وتوخي الصواب ~~في ذلك وتجنب الخطأ من ذلك ، وإن زاغ شيء عن هذا النعت ms069 فإنه لا يخلو من أن ~~يكون سائغا بالاستعمال النادر والتأويل البعيد ، أو مردودا لخروجه عن عادة ~~القوم الجارية على فطرتهم . فأما ما يتعلق باختلاف لغات القبائل فذلك شيء ~~مسلم لهم ومأخوذ عنهم ، وكل ذلك محصور بالتتبع والرواية والسماع والقياس ~~المطرد على الأصل المعروف من غير تحريف ، وإنما دخل العجب على المنطقيين ~~لظنهم أن المعاني لا تعرف ولا تستوضح إلا بطريقهم ونظرهم وتكلفهم ، فترجموا ~~لغة هم فيها ضعفاء ناقصون . وجعلوا تلك الترجمة صناعة ، وادعوا على ~~النحويين أنهم مع اللفظ لا مع المعنى . ثم أقبل أبو سعيد على متى فقال : ~~أما تعرف يا أبا بشر أن الكلام اسم واقع على أشياء قد ائتلفت بمراتب ، ~~PageV01P109 وتقول بالمثل : هذا ثوب والثوب اسم يقع على أشياء بها صار ثوبا ~~، لأنه نسج بعد أن غزل ، فسداته لا تكفي دون لحمته ولحمته لا تكفي دون ~~سداته ، ثم تأليفه كنسجه ، وبلاغته كقصارته ورقة سلكه كرقة لفظه ، وغلظ ~~غزله ككثافة حروفه ، ومجموع هذا كله ثوب ، ولكن بعد تقدمة كل ما يحتاج إليه ~~فيه . قال ابن الفرات : سله يا أبا سعيد عن مسألة أخرى ، فإن هذا كلما ~~توالى عليه بان انقطاعه ، وانخفض ارتفاعه ، في المنطق الذي ينصره ، والحق ~~الذي لا يبصره . قال أبو سعيد : ما تقول في رجل يقول : لهذا على درهم غير ~~قيراط ؛ ولهذا الآخر على درهم غير قيراط . قال : ما لي علم بهذا النمط . ~~قال : لست نازعا عنك حتى يصح عند الحاضرين أنك صاحب مخرقة وزرق ، ها هنا ما ~~هو أخف من هذا ، قال رجل لصاحبه : بكم الثوبان المصبوغان ، وقال آخر : بكم ~~ثوبان مصبوغان وقال آخر : بكم ثوبان مصبوغين بين هذه المعاني التي تضمنها ~~لفظ لفظ . قال متى : لو نثرت أنا أيضا عليك من مسائل المنطق أشياء لكان ~~حالك كحالي . قال أبو سعيد : أخطأت ، لأنك إذا سألتني عن شيء أنظر فيه ، ~~فإن كان له علاقة بالمعنى وصح لفظه على العادة الجارية أجبت ، ثم لا أبالي ~~أن يكون موافقا أو مخالفا ، وإن كان غير متعلق بالمعنى رددته عليك ، وإن ms070 ~~كان متصلا باللفظ ولكن على وضع لكم في الفساد على ما حشوتم به كتبكم رددته ~~أيضا لأنه لا سبيل إلى إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها . ما وجدنا لكم ~~إلا ما استعرتم من لغة العرب كالسبب والآلة والسلب والإيجاب والموضوع ~~والمحمول والكون والفساد والمهمل والمحصور وأمثلة لا تنفع ولا تجدي ، وهي ~~إلى العي أقرب ، وفي الفهاهة أذهب . PageV01P110 ثم أنتم هؤلاء في منطقكم ~~على نقص ظاهر ، لأنكم لا تفون بالكتب ولا هي مشروحة ، فتدعون الشعر ولا ~~تعرفونه وتذكرون الخطابة وأنتم عنها في منقطع التراب ؛ وقد سمعت قائلكم ~~يقول : الحاجة ماسة إلى كتاب البرهان . فإن كان كما قال فلم قطع الزمان بما ~~قبله من الكتب ، وإن كانت الحاجة قد مست إلى ما قبل البرهان ، فهي أيضا ~~ماسة إلى ما بعد البرهان ، وإلا فلم صنف ما لا يحتاج إليه ويستغنى عنه . ~~هذا كله تخليط وزرق وتهويل ورعد وبرق . وإنما بودكم أن تشغلوا جاهلا ، ~~وتستذلوا عزيزا ؟ وغايتكم أن تهولوا بالجنس والنوع والخاصة والفصل والعرض ~~والشخص ، وتقولوا : الهلية والأينية والماهية والكيفية والكمية والذاتية ~~والعرية والجوهرية والهيولية والصورية والأيسية والليسية والنفسية ؟ ثم ~~تتطاولون فتقولون : جئنا بالسحر في قولنا : ' لا ' في شيء من ' ب ' و ' ج ' ~~في بعض ' ب ' ، ف ' لا ' في بعض ' ج ' و ' لا ' في كل ' ب ' و ' ج ' في كل ~~' ب ' فإذن ' لا ' في كل ' ج ' ؛ هذا بطريق الخلف ، وهذا بطريق الاختصاص . ~~وهذه كلها خرافات وترهات ، ومغالق وشبكات ؛ ومن جاد عقله وحسن تمييزه ولطف ~~نظره وثقب رأيه وأنارت نفسه استغنى عن هذا كله - بعون الله وفضله - وجودة ~~العقل وحسن التمييز ولطف النظر وثقوب الرأي وإنارة النفس من منائح الله ~~الهنية ، ومواهبه السنية ، PageV01P111 يختص بها من يشاء من عباده وما أعرف ~~لاستطالتكم بالمنطق وجها ، وهذا الناشىء أبو العباس قد نقض عليكم وتتبع ~~طريقتكم ، وبين خطأكم ، وأبرز ضعفكم ، ولم تقدروا إلى اليوم أن تردوا عليه ~~كلمة واحدة مما قال ، وما زدتم على قولكم : لم يعرف غرضنا ولا وقف على ~~مرادنا ، وإنما تكلم على وهم . وهذا ms071 منكم تجاجز ونكول ورضى بالعجز وكلول ، ~~وكل ما ذكرتم في الموجودات فعليكم فيه اعتراض هذا قولكم في ' يفعل وينفعل ' ~~لم تستوضحوا فيهما مراتبهما ومواقعهما ، ولم تقفوا على مقاسمهما ، لأنكم ~~قنعتم بوقوع الفعل من ' يفعل ' وقبول الفعل من ' ينفعل ' ، ومن وراء ذلك ~~غايات خفيت عليكم ، ومعارف ذهبت عنكم وهذا حالكم في الإضافة . فأما البدل ~~ووجوهه ، والمعرفة وأقسامها ، والنكرة ومراتبها ، وغير ذلك مما يطول ذكره ، ~~فليس لكم فيه مقال ولا مجال . وأنت إذا قلت لإنسان : ' كن منطقيا ' ، فإنما ~~تريد : كن عقليا أو عاقلا أو اعقل ما تقول لأن أصحابك يزعمون أن النطق هو ~~العقل ؛ وهذا قول مدخول ، لأن النطق على وجوه أنتم عنها في سهو . وإذا قال ~~لك آخر : ' كن نحويا لغويا فصيحا ' فإنما يريد : افهم عن نفسك ما تقول ، ثم ~~رم أن يفهم عنك غيرك . وقدر اللفظ على المعنى فلا يفضل عنه ، وقدر المعنى ~~على اللفظ فلا ينقص منه ؛ هذا إذا كنت في تحقيق شيء ما هو به . فأما إذا ~~حاولت فرش المعنى وبسط المراد فأجل اللفظ بالروداف الموضحة والأشباه ~~المقربة ، والاستعارات الممتعة ، وبين المعاني بالبلاغة ، أعني لوح منها ~~لشيء حتى لا تصاب إلا بالبحث عنها والشوق إليها ، لأن المطلوب إذا ظفر به ~~على هذا الوجه عز وحلا ، وكرم وعلا ؛ واشرح منها شيئا حتى لا يمكن أن ~~PageV01P112 يمترى فيه أو يتعب في فهمه أو يعرج عنه لاغتماضه ؛ فهذا المذهب ~~يكون جامعا لحقائق الأشباه ولأشباه الحقائق ؛ وهذا باب إن استقصيته خرج عن ~~نمط ما نحن عليه في هذا المجلس ؛ على أني لا أدري أيؤثر فيك ما أقول أو لا ~~؟ ثم قال : حدثنا هل فصلتم قط بالمنطق بين مختلفين ، أو رفعتم الخلاف بين ~~اثنين ؛ أتراك بقوة المنطق وبرهانه اعتقدت أن الله ثالث ثلاثة ، وأن الواحد ~~أكثر من واحد ، وأن الذي هو أكثر من واحد هو واحد ، وأن الشرع ما تذهب إليه ~~، والحق ما تقوله ؟ هيهات ، ها هنا أمور ترتفع عن دعوى أصحابك وهذيانهم ، ~~وتدق عن عقولهم وأذهانهم . ودع هذا ، ها هنا مسألة قد ms072 أوقعت خلافا ، فارفع ~~ذلك الخلاف بمنطقك . قال قائل : ' لفلان من الحائط إلى الحائط ' ما الحكم ~~فيه ؟ وما قدر المشهود به لفلان ؟ فقد قال ناس : له الحائطان معا وما ~~بينهما . وقال آخرون : له النصف من كل منهما . وقال آخرون : أحدهما . هات ~~الآن آيتك الباهرة ، ومعجزتك القاهرة ، وأنى لك بهما ، وهذا قد بان بغير ~~نظرك ونظر أصحابك . ودع هذا أيضا ؛ قال قائل : ' من الكلام ما هو مستقيم ~~حسن ، ومنه ما هو مستقيم محال ، ومنه ما هو مستقيم قبيح ، ومنه ما هو محال ~~كذب ، ومنه ما هو خطأ ' . فسر هذه الجملة . واعترض عليه عالم آخر ، فاحكم ~~أنت بين هذا القائل والمعترض وأرنا قوة صناعتك التي تميز بها بين الخطأ ~~والصواب ، وبين الحق والباطل ؟ فإن قلت : كيف أحكم بين اثنين أحدهما قد ~~سمعت مقالته ، والآخر لم أحصل اعتراضه ؟ قيل لك : استخرج بنظرك الاعتراض إن ~~كان ما قاله محتملا له ، ثم أوضح الحق منهما ، لأن الأصل مسموع لك ، حاصل ~~عندك وما يصح به أو يرد عليه يجب أن يظهر منك ، فلا تتعاسر علينا ، فإن هذا ~~لا يخفى على أحد من الجماعة . PageV01P113 فقد بان الآن أن مركب اللفظ لا ~~يحوز مبسوط العقل ؛ والمعاني معقولة ولها اتصال شديد وبساطة تامة ؛ وليس في ~~قوة اللفظ من أي لغة كان أن يملك ذلك المبسوط ويحيط به ، وينصب عليه سورا ، ~~ولا يدع شيئا من داخله أن يخرج ، ولا شيئا من خارجه أن يدخل ، خوفا من ~~الاختلاط الجالب للفساد ، أعني أن ذلك يخلط الحق بالباطل ، ويشبه الباطل ~~بالحق ؛ وهذا الذي وقع الصحيح منه في الأول قبل وضع المنطق ، وقد عاد ذلك ~~الصحيح في الثاني بعد المنطق ؛ وأنت لو عرفت تصرف العلماء والفقهاء في ~~مسائلهم ، ووقفت على غورهم في نظرهم وغوصهم في استنباطهم ، وحسن تأويلهم ~~لما يرد عليهم ، وسعة تشقيقهم للوجوه المحتملة والكيانات المفيدة والجهات ~~القريبة والبعيدة ، لحقرت نفسك ، وازدريت أصحابك ، ولكان ما ذهبوا إليه ~~وتابعوا عليه أقل في عينك من السها عند القمر ، ومن الحصا عند الجبل . أليس ~~الكندي وهو علم ms073 في أصحابك يقول في جواب مسألة ' هذا من باب عد ' . فعد ~~الوجوه بحسب الاستطاعة على طريق الإمكان من ناحية الوهم بلا ترتيب ، حتى ~~وضعوا له مسائل من هذا الشكل وغالطوه بها وأروه أنها في الفلسفة الداخلة ، ~~فذهب عليه ذلك الوضع ، فاعتقد فيه أنه صحيح وهو مريض العقل فاسد المزاج ~~حائل الغريزة مشوش اللب . قالوا له : أخبرنا عن اصطكاك الأجرام ، وتضاغط ~~الأركان ؟ هل يدخل في باب وجوب الإمكان ؟ أو يخرج من باب الفقدان إلى ما ~~يخفى عن الأذهان ؟ وقالوا له أيضا : ما نسبة الحركات الطبيعية إلى الصور ~~الهيولاتية ؟ وهل هي ملابسة للكيان في حدود النظر والبيان ، أو مزايلة له ~~مزايلة على غاية الإحكام ؟ وقالوا له : ما تأثير فقدان الوجدان في عدم ~~الإمكان عند امتناع الواجب من وجوبه في ظاهر ما لا وجوب له لاستحالته في ~~إمكان أصله ؟ وعلى هذا فقد حفظ جوابه عن جميع هذا على غاية الركاكة والضعف ~~والفساد PageV01P114 والفسالة والسخف . ولولا التبوقي من التطويل لسردت ذلك ~~كله ، ولقد مر بي في خطه : التفاوت في تلاشي الأشياء غير محاط به ، لأنه ~~يلاقي الاختلاف في الأصول والاتفاق في الفرزع ؛ وكل ما يكون على هذا النهج ~~فالنكرة تزاحم عليه المعرفة ، والمعرفة تناقض النكرة ، على أن النكرة ~~والمعرفة من باب الألبسة العارية من ملابس الأسرار الإلهية ، لا من باب ~~الإلهية العارضة في أحوال البشرية . ولقد حدثنا أصحابنا الصابئون عنه بما ~~يضحك الثكلى ويشمت العدو ويغ الصديق ، وما ورث هذا كله إلا من بركات يونان ~~وفوائد الفلسفة والمنطق ونسأل الله عصمة وتوفيقا نهتدي بهما إلى القول ~~الراجع إلى التحصيل ، والفعل الجاري على التعديل ، إنه سميع مجيب . هذا آخر ~~ما كتبت عن ابن عيسى الرماني الشيخ الصالح بإملائه . وكان أبو سعيد قد روى ~~لمعا من هذه القصة . وكان يقول : لم أحفظ عن نفسي كل ما قلت ، ولكن كتب ذلك ~~أقوام حضروا في ألواح كانت معهم ومحابر أيضا ؛ وقد اختل علي كثير منه . قال ~~علي بن عيسى : وتقوض المجلس وأهله يتعجبون من جأش أبي سعيد الثابت ms074 ولسانه ~~المتصرف ووجهه المتهلل وفوائده المتتابعة . وقال الوزير ابن الفرات : عين ~~الله عليك أيها الشيخ ، فقد نديت أكبادا وأقررت عيونا ، وبيضت وجوها ، وحكت ~~طرازا لا يبليه الزمان ، ولا يتطرق إليه الحدثان . قلت لعلي بن عيسى : وكم ~~كان سن أبي سعيد في ذلك الوقت ؟ قال : مولده سنة ثمانين ومائتين ، وكان له ~~يوم المناظرة أربعون سنة ، وقد عبث الشيب بلهازمه مع السمت والوقار والدين ~~والجد ، وهذا شعار أهل الفضل والتقدم ، وقل من PageV01P115 تظاهر به أو ~~تحلى بحليته إلا جل في العيون وعظم في النفوس ، وأحبته القلوب ، وجرت بمدحه ~~الألسنة . وقلت لعلي بن عيسى : أما كان أبو علي الفسوي النحوي حاضر المجلس ~~؟ قال : لا ، كان غائبا ، وحدث بما كان ، فكان يكتم الحسد لأبي سعيد على ما ~~فاز به من هذا الخبر المشهور ، والثناء المذكور . فقال لي الوزير عند منقطع ~~هذا الحديث : ذكرتني شيئا قد دار في نفسي مرارا ، وأحببت أن أقف على واضحه ~~؛ أين أبو سعيد من أبي علي ، وأين علي بن عيسى منهما ، وأين ابن المراغي ~~أيضا من الجماعة ؟ وكذلك المرزباني وابن شاذان وابن الوراق وابن حيويه ؟ ~~فكان من الجواب ، أبو سعيد أجمع لشمل العلم ، وأنظم لمذاهب العرب وأدخل في ~~كل باب ، وأخرج من طل طريق ، وألزم للجادة الوسطى في الدين والخلق ، وأروى ~~في الحديث ، وأقضى في الأحكام ، وأفقه في الفتوى ، وأحضر بركة على المختلفة ~~، وأظهر أثرا في المقتبسة . ولقد كتب إليه نوح بن نصر - وكان من أدباء ملوك ~~آل سامان - سنة أربعين كتابا خاطبه فيه بالإمام وسأله عن مسائل تزيد على ~~أربعمائة مسألة ، الغالب عليها الحروف ، وباقي ذلك أمثال مصنوعة على العرب ~~شك فيها فسأل عنها ؛ وكان هذا الكتاب مقرونا بكتاب الوزير البلعمي خاطبه ~~فيه بإمام المسلمين ، ضمنه مسائل في القرآن وأمثالا للعرب مشكلة . وكتب ~~إليه المرزبان بن محمد ملك الديلم من أذربيجان كتابا خاطبه فيه بشيخ ~~الإسلام ، سأله عن مائة وعشرين مسألة ، أكثرها في القرآن ، وباقي ذلك في ~~الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه رضوان الله عليهم ms075 . ~~PageV01P116 وكتب إليه ابن خنزابة من مصر كتابا خاطبه فيه بالشيخ الجليل ، ~~وسأله فيه عن ثلاثمائة كلمة من فنون الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعن السلف . وقال لي الدارقطني سنة سبعين : أنا جمعت ذلك لابن خنزابة ~~على طريق المعونة . وكتب إليه أبو جعفر ملك سجستان على يد شيخنا أبي سليمان ~~كتابا يخاطبه فيه بالشيخ الفرد ، سأله عن سبعين مسألة في القرآن ، ومائة ~~كلمة في العربية وثلاثمائة بيت من الشعر ، هكذا حدثني به أبو سليمان ؛ ~~وأربعين مسألة في الأحكام وثلاثين مسألة في الأصول على طريق المتكلمين . ~~قال لي الوزير : وهذه المسائل والجواب عنها عندك ؟ قلت : نعم . قال : في كم ~~تقع ؟ قلت : لعلها تقع في ألف وخمسمائة ورقة ، لأن أكثرها في الظهور . قال ~~: ما أحوجنا إلى النظر فيها والاستمتاع بها والاستفادة منها ! وأين الفراغ ~~وأين السكون ؟ ونحن كل يوم ندفع إلى طامة تنسى ما سلف ، وتوعد بالداهية ، ~~اللهم ناصيتي بيدك ، فتولني بالعصمة ، واخصصني بالسلامة ، واجعل عقباي إلى ~~الحسنى . ثم قال : صل حديثك . قلت : وأما أبو علي فأشد تفردا بالكتاب وأشد ~~إكبابا عليه ، وأبعد من كل ما عداه مما هو علم الكوفيين ، وما تجاوز في ~~اللغة كتب أبي زيد ، وأطرافا مما لغيره ؛ وهو متقد بالغيظ على أبي سعيد ، ~~وبالحسد له ، كيف تم له تفسير كتاب سيبويه من أوله إلى آخره بغريبه وأمثاله ~~وشواهده وأبياته ' ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ' ، لأن هذا شيء ما تم ~~للمربد ولا للزجاج ولا لابن السراج ولا لابن درستويه مع سعة علمهم ، وفيض ~~كلامهم . ولأبي علي أطراف من الكلام في مسائل أجاد فيها ولم يأتل ، ولكنه ~~قعد على PageV01P117 الكتاب على النظم المعروف . وحدثني أصحابنا أن أبا علي ~~اشترى شرح أبي سعيد في الأهواز في توجهه إلى بغداد سنة ثمان وستنين - لاحقا ~~بالخدمة المرسومة به ، والندامة الموقوفة عليه - بألفي درهم ؛ وهذا حديث ~~مشهور ، وإن كان أصحابه يأبون الإقرار به إلا من زعم أنه أراد النقض عليه ، ~~وإظهار الخطأ فيه . وقد كان الملك السعيد - رضي الله عنه - هم ms076 بالجمع ~~بينهما فلم يقض له ذلك ، لأن أبا سعيد مات في رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة ~~. وأبو علي يشرب ويتخالع ويفارق هدى أهل العلم وطريقة الربانيين وعادة ~~المتنسكين . وأبو سعيد يصوم الدهر ، ولا يصلي إلا في الجماعة ، ويقيم على ~~مذهب أبي حنيفة ، ويلى القضاء سنين ، ويتأله ويتحرج ، وغيره بمعزل عن هذا ؛ ~~ولولا الإبقاء على حرمة العلم ، لكان القلم يجري بما هو خاف ويخبر بما هو ~~مجمجم ولكن الأخذ بحكم المروءة أولى ، والإعراض عما يجلب اللائمة أحرى . ~~وكان أبو سعيد حسن الحظ ، ولقد اراده الصيمري أبو جعفر على الإنشاء ~~والتحرير فاستعفى وقال : هذا أمر يحتاج فيه إلى دربة وأنا عار منها ، وإلى ~~سياسة وأنا غريب فيها ومن العناء رياضة الهرم وحدثنا النصري أبو عبد الله - ~~وكان يكتب النوبة للمهلبي - بحديث مفند لأبي سعيد هذا موضعه ، PageV01P118 ~~قال : كنت أخط في بيدي الصيمري أبي جعفر محمد بن أحمد بن محمد ، فالتمسني ~~يوما لأن أجيب ابن العميد أبا الفضل عن كتاب فلم يجدني ، وكان أبو سعيد ~~السيرافي بحضرته ؛ فظن أنه بفضل علمه أقوم بالجواب من غيره ، فتقدم إليه أن ~~يكتب ويجيب ، فأطال في عمل نسخة كثر فيها الضرب والإصلاح ، ثم أخذ يحرر ، ~~والصيمري يقرأ ما يكتبه ، فوجده مخالفا لجاري العادة لفظا ، مباينا لما ~~يريده ترتيبا . قال : ودخلت في تلك الحال ، فتمثل الصيمري بقول الشاعر : يا ~~باري القوس بريا ليس يصلحه . . . لا تظلم القوس ، أعط القوس باريها ثم قال ~~لأبي سعيد : خفف عليك أيها الشيخ وادفع الكتاب إلى أبي عبد الله تلميذك ~~ليجيب عنه ، فخجل من هذا القول ، فلما اتبدأت الجواب من غير نسخة تحير مني ~~أبو سعيد ، ثم قال : أيها الأستاذ ، ليس بسمتنكر ما كان مني ، ولا بمستكثر ~~ما كان منك ، إن مال الفيء لا يصح في بيت المال إلا بين مستخرج وجهبذ ، ~~والكتاب جهابذة الكلام ، والعلماء مستخرجوه . فتبسم الصميري وأعجبه ما سمع ~~، وقال : على كل حال ما أخليتنا من فائدة . وكان أبو سعيد بعيد القرين ، ~~لأنه كان يقرأ عليه القرآن والفقه والشروط والفرائض ms077 والنحو واللغة والعروض ~~والقوافي والحساب والهندسة والحديث والأخبار وهو في كل هذا إما في الغاية ~~وإما في الوسط . وأما علي بن عيسى فعالي الرتبة في النحو واللغة والكلام ~~والعروض والمنطق ، وعيب به ، إلا أنه لم يسلك طريق واضع المنطق ، بل أفرد ~~صناعة ، وأظهر براعة ، وقد عمل في القرآن كتابا نفيسا ، هذا مع الدين ~~الثخين ، والعقل الرزين . PageV01P119 وأما ابن المراغي فلا يلحق بهؤلاء ، ~~مع براعة اللفظ ، وسعة الحفظ ، وعزة النفس ، وبلل الريق ، وغزارة النفث ، ~~وكثرة الرواية ؛ ومن نظر في كتاب البهجة له عرف ما أقول ، واعتقد فوق ما ~~أصف ، ونحل أكثر مما أبذل . وأما المرزباني وابن شاذان وابن القرمسيني وابن ~~حيويه فهم رواة وحملة ليس لهم في ذلك نقط ولا إعجام ، ولا إسراج ولا إلجام ~~. فقال : فصل حديثك عن هؤلاء بحديث أصحابنا الشعراء ، صف لي جماعتهم ، ~~واذكر لي بضاعتهم ، وما خص كل واحد منهم . قلت : لست من الشعر والشعراء في ~~شيء ، وأكره أن أخطو على دحض ، وأحتسي غير محض . قال : دع هذا القول ، فما ~~خضنا في شيء إلى هذا الوقت إلا على غاية ما كان في النفس ، ونهاية ما أفاد ~~من الأنس ، فكان من الوصف : أما السلامي فهو حلو الكلام ، متسق النظام ، ~~كأنما يبسم عن ثغر الغمام خفي السرقة ، لطيف الأخذ ، واسع المذهب ، لطيف ~~المغارس ، جميل الملابس ؛ لكلامه ليطة بالقلب ، وعبث بالروح ، وبرد على ~~الكبد . وأما الحاتمي فغليظ اللفظ ، كثير العقد ، يحب أن يكون بدويا قحا ، ~~وهو لم يتم حضريا ؛ غزير المحفوظ ، جامع بين النظم والنثر ، على تشابه ~~بينهما في الجفوة وقلة السلاسة ، والبعد من المسلوك ، بادي العورة فيما ~~يقول ، لكأنما يبرز ما يخفي ، ويكدر ما يصفي ، له سكرة في القول إذا أفاق ~~منها خمر وإذا خمر PageV01P120 سدر ؛ يتطاول شاخصا ، فيتضاءل متقاعسا ؛ إذا ~~صدق فهو مهين ، وإذا كذب فهو مشين . وأما ابن جلبات فمجنون الشعر ، متفاوت ~~اللفظ ، قليل البديع ، واسع الحيلة ، كثير الزوق ، قصير الرشاء ، كثير ~~الغثاء ؛ غره نفاقه ونفقه نفاقه . وأما الخالع فأديب الشعر ، صحيح النحت ، ~~كثير البديع ، مستوي الطريقة ms078 ، متشابه الصناعة ، بعيد من طفرة المتحير ، ~~قريب من قرصة المتخير ؛ كان ذو الكفايتين يقدمه بالري ، ويقبله على النشر ~~والطي . وأما مسكويه فلطيف اللفظ ، رطب الأطراف ، رقيق الحواشي ، سهل ~~المأخذ ، قليل السكب ، بطيء السبك ؛ مشهور المعاني ، كثير التواني ؛ شديد ~~التوقي ، ضعيف الترقي ؛ يرد أكثر مما يصدر ، ويتطاول جهده ثم يقصر ؛ ويطير ~~بعيدا ويقع قريبا ، ويسقي من قبل أن يغرس ، ويمتح من قبل أن يميه ؛ وله بعد ~~ذلك مآخذ كشدو من الفلسفة ، وتأت في PageV01P121 الخدمة ، وقيام برسوما ~~لندامة ؛ وسلة في البخل ، وغرائب من الكذب ؛ وهو حائل العقل لشغفه ~~بالكيمياء . وأما ابن نباتة فشاعر الوقت ، لا يدفع ما أقول إلا حاسد أو ~~جاهل أو معاند ، قد لحق عصابة سيف الدولة وعدا معهم ووراءهم ، حسن الحذو ~~على مثال سكان البادية ، لطيف الائتمام بهم ، خفي المغاص في واديهم ، ظاهر ~~الإطلال على ناديهم ؛ هذا مع شعبة من الجنون وطائف من الوسواس . وأما ابن ~~حجاج فليس من هذه الزمرة بشيء ، لأنه سخيف الطريقة بعيد من الجد ، قريع في ~~الهزل ؛ ليس للعقل من شعره منال ، ولا له في قرضه مثال ؛ على أنه قويم ~~اللفظ ، سهل الكلام ، وشمائله نائية بالوقار عن عادته الجارية في الخسار ؛ ~~وهو شريك ابن سكرة في هذه الغرامة ؛ وإذا جد أقعى ، وإذا هزل حكى الأفعى . ~~وله مع ذي الكفايتين مناظرة طيبة . قال : ما هي ؟ قلت : لما ورد ذو ~~الكفايتين سنة أربع وستين وهزم الأتراك مع أفتكين ، وكان من الحديث ما هو ~~مشهور ، سأل عن ابن حجاج - وكان متشوقا له لما كان يقرأ عليه من قوافيه ، ~~فأحب أن يلقاه ، لأنه الخبر كالمعاينة ، والمسموع PageV01P122 والمبصر ~~كاأنثى والذكر ؛ ينزع كل واحد منهما إلى تمامه ؛ فلما حضره أبو عبد الله ~~احتبسه للطعام ، وسمع كلامه ، وشاهد سمته ، واستحلى شمائله ، فقام من مجلسه ~~؛ فلما خلا به قال : يا أبا عبد الله ، لقد والله تهت عجبا منك ، فأما عجبي ~~بك فقد تقدم ؛ لقد كنت أفلي ديوانك ، فأتمنى لقاءك ، وأقول : من صاحب هذا ~~الكلام ، أطيش طائش ، وأخف خفيف ، وأغرم غارم ؛ وكيف يجالس من ms079 يكون في هذا ~~الإهاب ؟ وكيف يقارب من ينسلخ من ملابس الكتاب واصحاب الآداب ؛ حتى شاهدتك ~~الآن ، فتهالكت على وقارك وسكون أطرافك ، وسكوت لفظك ، وتناسب حركاتك ، ~~وفرط حيائك وناضر ماء وجهك ، وتعادل كلك وبعضك ؛ وإنك لمن عجائب خلق الله ~~وطرف عباده ؛ والله ما يصدق واحد أنك صاحب ديوانك ، وأن ذلك الديوان لك ، ~~مع هذا التنافي الذي بين شعرك وبينك في جدك . فقال أبو عبد الله : أيها ~~الأستاذ ، وكان عجبي منك دون عجبك مني ، لو تقارعنا على هذا لفلجت عليك ~~بالتعجب منك . قال : لأني قلت : إذا ورد الأستاذ فسألقى منه خلقا جافيا ~~وفظا غليظا وصاحب رواسير وآكل كوامخ وجبليا ديلميا متكائبا متعاظما ، حتى ~~رأيتك الآن وأنت ألطف من الهواء ، وأرق من الماء ، وأغزل من جميل بن معمر ، ~~وأعذب من الحياة ، وأرزن من الطود ، وأغزر من البحر ، وأبهى من القمر ، ~~وأندى من الغيث ، وأشجع من الليث ، وأنطق من سحبان ، وأندى من الغمام ، ~~وأنفذ من السهام ، وأكبر من جميع PageV01P123 الأنام . فقال أبو الفتح ~~وتبسم : هذا أيضا من ودائع فضلك ، وبواعث تفضلك . ووصله وصرفه . قال : لم ~~يكن هذا الحديث عندي . وأما بشر بن هارون فليس من هذه الطبقة في شيء ، لكنه ~~يقرص فيحز ويشم فيهز ، ويجرح فيجهز ؛ والمدهوون منه كثير ؛ واصحابنا ~~يستحسنون قول ابن الحجاج في الوزير حين يقول : لله در الحسين من قمر . . . ~~ردت إليه وزارة الشمس فقال : إن قبلت هذا منهم خفت أن يقال : مادح نفسه ~~يقرئك السلام ؛ وما أصنع بهذا البيت وهو مضموم إلى كل بيت سخيف في القصيدة ~~. ثم قال : وجب أن نصف قبل هذا عصابة العلماء ، فلم تركنا ذكرهم ونحن لا ~~نخلو في حديثهم من غرة لائحة ، وفائدة نافعة ، وصواب زائد في العقل وفضيلة ~~على الأدب ، وحلم يزدان به في وقت الحاجة ، وحكمة يستعان بها في داهمة ؛ ~~ورأى يكون مقيلا للتمييز عند تهجيرنا به . قلت : أما أبو عبد الله الجعل ~~فقد شاهدته . قال : صدقت ، ولكن لم أقف على مذهبه ودخلته وسيرته في اعتقاده ~~. قلت : كان الرجل ملتهب الخاطر ، واسع أطراف ms080 الكلام ، مع غثاثة اللفظ ، ~~وكان يرجع إلى قوة عجيبة في التدريس ، وطول نفس في الإملاء ، مع ضيق صدر ~~عند لقاء الخصم PageV01P124 ومعاركة القرن ، بعيد العهد بالمصاع والدفاع ~~والوقاع ؛ وكان سبب هذا الجبن والخور قلة الضراوة على هذه الأحوال ؛ ولقد ~~خزي في مشاهد عظيمة . وأما يقينه فكان ضعيفا ؛ وأما سيرته فكانت واقفة على ~~حب الرياسة وبذل المال والجاه إذا حضرا ، مع تعصب شديد لمن قدمه وأحبه ، ~~وإنحاء مفرط على من عاداه ، وكان خوضه في الدول والولايات - ولهذا رغب عنه ~~الواسطي وكان أخا ورع ودين - وقال : هذا منفر عن الدين والمذهب ، ودافع ~~للناس عن القول بالحق ، وطارح للشبهة في القلوب . وكان يجهر بهذا وأشباهه ، ~~ولكن كان جاه الرجل لا ينتقص بهذا القدر وركنه لا يتخلخل على هذا الهد ، ~~لأسباب انعقدت له ، وأصحاب ذابوا عنه . وأما ابن الملاح فشيخ حسن المعرفة ~~بالمذهب ، شديد التوقي ، محمود القناعة ظاهر الرضا ؛ تدل سيرته الجميلة على ~~أنه حسن العقيدة . وأما ابن المعلم فحسن اللسان والجدل ، صبور على الخصم ، ~~كثير الحيلة ظنين السر ، جميل العلانية . وأما أبو إسحق النصيبي فدقيق ~~الكلام ، يشك في النبوات كلها ، وقد سمعت منه فيها شبها ، ولغته معقدة ، ~~وله أدب واسع ؛ ولقد أضل بهمذان كاتب فخر الدولة ابن المرزبان . وحمله على ~~قلة الاكتراث بظلم الرعية ، وأراه أنه لا حرج عليه في PageV01P125 غبنهم ~~لأنهم بهائم ، وما خرج من الجبل حتى افتضح . وأما ابن خيران فشيخ لا يعدو ~~الفقه ، وفيه سلامة . وأما الداركي فقد اتخذ الشهادة مكسبة ، وهو يأكل ~~الدنيا بالدين ، ويغلب عليه اللواط ، ولا يرجع إلى ثقة وأمانة ؛ ولقد تهتك ~~بنيسابور قديما ، وببغداد حديثا ؛ هذا مع الفدامة والوخامة ؛ ولقد ند بجعل ~~غلام ، وهو اليوم قاضي الري . وابن عباد يكنفه ويقربه ليكون داعية له ~~ونائبا عنه ، وليس له أصل وهو من سواد همذان ، وأبوه كان فلاحا ، ولقد ~~رأيته ، إلا أنه يأتي لابن عباد في سمته ولزوم ناموسه حتى خف عليه ، وهو ~~اليوم قارون ؛ وقد علت رتبته في الكلام حتى لا مزيد عليها ، إلا أنه مع ذلك ms081 ~~نغل الباطن ، خبيث الخبء ، قليل اليقين ؛ وذلك أن الطريقة التي قد لزموها ~~وسلكوها لا تفضي بهم إلا إلى الشك والارتياب ، لأن الدين لم يأت بكم وكيف ~~في كل باب ، ولهذا كان لأصحاب الحديث أنصار الأثر ، مزية على أصحاب الكلام ~~وأهل النظر ؛ والقلب الخالي من الشبهة أسلم من الصدر المحشو بالشك والريبة ~~، ولم يأت الجدل بخير قط . وقد قيل : من طلب الدين بالكلام ألحد ، ومن تتبع ~~غرائب الحديث كذب ، ومن طلب المال بالكيمياء افتقر . وما شاعت هذه الوصية ~~جزافا ، بل بعد تجربة كررها الزمان ، وتطاولت عليها الأيام ؛ يتكلم أحدهم ~~في مائة مسألة ويورد مائة حجة ثم لا ترى عنده خشوعا ولا رقة ، ولا تقوى ولا ~~دمعة ؛ وإن كثيرا من الذين لا يكتبون ولا يقرءون ولا يحتجون ولا يناظرون ~~ولا يكرمون ولا يفضلون خير من هذه الطائفة وألين جانبا ، وأخشع قلبا ، ~~وأتقى لله عز وجل ، وأذكر للمعاد ، وأيقن بالثواب والعقاب ، وأقلق من ~~الهفوة ، وألوذ بالله من صغير الذنب ، وأرجع PageV01P126 إلى الله بالتوبة ~~؛ ولم أر متكلما في مدة عمره بكى خشية ، أو دمعت عينه خوفا ، أو أقلع عن ~~كبيرة رغبة ؛ يتناظرون مستهزئين ويتحاسدون متعصبين ، ويتلاقون متخادعين ، ~~ويصنفون متحاملين ؛ جذ الله عروقهم ، واستأصل شأفتهم ، وأراح العباد ~~والبلاد منهم ؛ فقد عظمت البلوى بهم ، وعظمت آفتهم على صغار الناس وكبارهم ~~؛ ودب داؤهم ، وعسر دواؤهم ، وأرجو ألا أخرج من الدنيا حتى أرى بنيانهم ~~متضغضعا ، وساكنه متجعجعا . قال : فما تقول في ابن الباقلاني ؟ . قلت : فما ~~شر الثلاثة أم عمرو . . . بصاحبك الذي لا تصبحينا يزعم أنه ينصر السنة ~~ويفحم المعتزلة وينشر الرواية ؛ وهو في أضعاف ذلك على مذهب الخرمية ، ~~وطرائق الملحدة . قال : والله إن هذا لمن المصائب الكبار والمحن الغلاظ ، ~~والأمراض التي ليس لها علاج . ثم قال : إن الليل قد ولى ، والنعاس قد طرق ~~العين عابثا ؛ والرأي أن نستجم لننشط ، ونستريح لنتعب ؛ وإذا حضرت في ~~الليلة القابلة أخذنا في حديث الخلق والخلق - إن شاء الله - وأنا أزودك هذا ~~الإعلام ليكون باعثا لك على أخذ العتاد بعد اختماره في صدرك ms082 ، وتحيل الحال ~~به عند خوضك وفيضك ولا تجبن جبن الضعفاء ، ولكن قل واتسع مجاهرا بما عندك ، ~~منفقا مما معك . وانصرفت . # | الليلة التاسعة # وعدت ليلة أخرى فقال : فاتحة الحديث معك ، فهات ما عندك . فكان من الجواب ~~: أن أخلاق أصناف الحيوان الكثيرة مؤتلفة في نوع الإنسان ، وذلك أن الإنسان ~~صفو الجنس PageV01P127 الذي هو الحيوان ، والحيوان كدر النوع الذي هو ~~الإنسان والإنسان صفو الشخص الذي هو واحد من النوع ، وما كان صفوا ومصاصا ~~بهذا النظر انتظم فيه من كل ضرب من الحيوان خلق وخلقان وأكثر ، وظهر ذلك ~~عليه وبطن أيضا بالأقل والأكثر والأغلب والأضعف ، كالكمون الذي في طباع ~~السبع والفأرة ، والثبات الذي في طباع الذئب ، والتحرز الذي في طباع ~~الجاموس من بنات الليل ، والحذر الذي في طباع الخنزير ، والتقدم الذي في ~~طباع الفيل أمام قطيعه تمثلا بصاحب المقدمة . وكذلك ضد ذلك في الخنزير ~~تمثلا بصاحب الساقة ، وكالحراسة التي في طباع الكلب ، وكاوب الطير إلى ~~أوكارها التي تراها كالمعاقل وغيرها بالدغل والأشب والغياض . ولهذا قال بعض ~~الحكماء : خذ من الخنزير بكوره في الحوائج ، ومن الكلب نصحه لأهله ، ومن ~~الهرة لطف نفسها عند المسألة . وقالت الترك : ينبغي للقائد العظيم أن يكون ~~فيه عسشر خصال من ضروب الحيوان : سخاء الديك ، وتحنن الدجاجة ، ونجدة الأسد ~~، وحملة الخنزير وروغان الثعلب ، وصبر الكلب ، وحراسة الكركي ، وحذر الغراب ~~، وغارة الذئب ، وسمن بعروا ، وهي دابة بخراسان تسمن على التعب والشقاء . ~~ولما وهب الإنسان الفطرة ، وأعين بالفكرة ؛ ورفد بالعقل ، جمع هذه الخصال ~~وما هو أكثر منها لنفسه وفي نفسه ، وبسبب هذه المزية الظاهرة فضل جميع ~~الحيوان حتى صار يبلغ منها مراده بالتسخير والإعمال واستخراج المنافع منها ~~وإدراك الحاجات بها ؛ وهذه المزية التي له مستفادة بالعقل ، لأن العقل ~~ينبوع العلم ، والطبيعة ينبوع الصناعات ، والفكر PageV01P128 بينهما مستمل ~~منهما ومؤد بعضها إلى بعض بالفيض الإمكاني والتوزيع الإنساني ؛ فصواب بديهة ~~الفكرة من سلامة العقل ، وصواب روية الفكرة من صحة الطباع ، وصحة الطباع من ~~موافقة المزاج ، وموافقة المزاج بالمدد الاتفاقي والاتفاق الغيبي ؛ أعني ~~بهذا أن وجه الحادث ms083 المجهول عندنا اتفاق ، ووجه الحادث المعلوم عند الله عز ~~وجل غيب ؛ فلو ظهر هذا الغيب لبطل الاتفاق ، ولو بطل الاتفاق لارتفع الغيب ~~. فانقسمت الأحداث بين ما هو على جديلة واحدة معروفة ، وبين نادر لا يدوم ~~العهد به ، فدل ما ظهر واستمر على ما جاد به ووهب ، ودل ما غاب واستتر على ~~ما تفرد به وغلب . ولما كان الحيوان كله يعمل صنائعه بالإلهام على وتيرة ~~قائمة ، وكان الإنسان يتصرف فيها بالاختيار ، صح له من الإلهام نصيب حتى ~~يكون رفدا له في اختياره ، وكذلك يكون النحل أيضا ، صح له من الاختيار قسط ~~في إلهامه حتى يكون ذلك معينا له في اضطراره ، إلا أن نصيب الإنسان من ~~الإلهام أقل كما أن قسط سائر الحيوان من الاختيار أنزر ؛ وثمرة اختيار ~~الإنسان إذا كان معانا بالإلهام أشرف وأدوم وأجدى وأنفع وأبقى وأرفع من ~~ثمرة غيره من الحيوان إذا كان مرفودا بالاختيار ، لأن قوة الاختيار في ~~الحيوان كالحلم كما أن قوة الإلهام في الإنسان كالظل . ومراتب الإنسان في ~~العلم ثلاث تظهر في ثلاثة أنفس ، فاحدهم ملهم فيتعلم ويعمل ، ويصير مبدأ ~~للمقتبسين منه ، المقتدين به ، الآخذين عنه ، الحاذين على مثاله ، المارين ~~على غراره ، القافين على آثاره ؛ وواحد يتعلم ولا يلهم فهو يماثل الأول في ~~الدرجة الثانية ، أعني التعلم ؛ وواحد يتعلم ويلهم ، فتجتمع له هاتان ~~PageV01P129 الخلتان ، فيصير بقليل ما يتعلم مكثرا للعمل والعلم بقوة ما ~~يلهم ويعود بكثرة ما يلهم مصفيا لكل ما يتعلم ويعمل . والكلام في هذه ~~المواضع ربما جمح فلم يمكن كفه ، فينبغي أن يضح العذر إذا عرض تفاوت في ~~الترتيب ، ودخل الخلل من ناحية التقريب . وقال أبو سليمان لنا في هذه ~~الأيام : الإنسان بين طبيعته وهي عليه وبين نفسه وهي له ، كالمنتهب المتوزع ~~، فإن استمد من العقل نوره وشعاعه قوي ما هول له من النفس ، وضعف ما هو ~~عليه من الطبيعة وإلا فقد قوي ما هو عليه من الطبيعة وضعف ما هو له من ~~النفس . وحكى لنا فقال : كان للحكماء الأولين مثل يضربونه ويكتبونه في ms084 ~~هياكلهم ومتعبداتهم وهو : الملك الموكل بالدنيا يقول : إن ههنا خيرا وههنا ~~شرا ، وههنا ما ليس بخير ولا شر ، فمن عرف هذه الثلاثة حق معرفتها تخلص مني ~~، ونجا سليما ، وبقي كريما ، وملك نعيما عظيما . ومن لم يعرفها قتلته شر ~~قتلة ، وذلك أني لا أقتله قتلا وحيا يستريح به مني ، ولكن أقتله أولا فأولا ~~في زمان طويل ، بحسرات على فوت مأمول بعد مأمول ، وبلايا يكون بها كالمغلول ~~المكبول . قال : هذا كلام شريف في أعلى ذروة الحكمة ، لكنك خليت يدك من طرف ~~الحديث في الخلق . قلت : إذا طاب الحديث باسترسال السجية ووقوع الطمأنينة ~~لها الإنسان عن مباديه ، وسال مع الخاطر الذي يستهويه ، ولتحفظ الإنسان في ~~قوله وعمله من الخطل والزلل حد بلغه كل الخاطر واختل . PageV01P130 ثم نعود ~~فنقول : أخلاق الإنسان مقسومة على أنفسه الثلاث : أعني النفس الناطقة ، ~~والنفس الغضبية ، والنفس الشهوانية ، وسمات هذه الأخلاق مختلفة بعرض واسع . ~~ويمكن أن يقال في نعتها على مذهب التقريب : إنها بين المحمودة وبين ~~المذمومة ، وبين المشوبة بالحمد والذم ، وبين الخارجة منهما . فمن أخلاق ~~النفس الناطقة - إذا صفت - البحث عن الإنسان ثم عن العالم ، لأنه إذا عرف ~~الإنسان فقد عرف العالم الصغير ، وإذا عرف العالم فقد عرف الإنسان الكبير ، ~~وإذا عرف العالمين عرف الإله الذي بجوده وجد ما وجد ، وبقدرته ثبت ما ثبت ، ~~وبحكمته ترتب ما ترتب ؛ وبمجموع هذا كله دام ما دام . بهذا البحث يتبين له ~~ما تشتمل عليه القوة الغضبية والقوة الشهوية فإن توابع هاتين القوتين أكثر ~~، لأنهما بالتركيب أظهر ، وفي الكثرة أدخل وعن الوحدة أخرج ؛ فإذا ساستهما ~~الناطقة حذفت زوائدهما ، ونفت فواضلهما ، ووفت نواقصهما ، وذيلت قوالصهما ~~أعني إذا رأت غلمة في الشهوية أخمدت نارها ، وإذا وجدت السرف في الغضبية ~~قصرت عنانها ؛ فحينئذ يقومان على الصراط المستقيم ، فيعود السفه حلما أو ~~تحالما ، والحسد غبطة أو تغابطا والغضب كظما أو تكاظما ، والغي رشدا أو ~~تراشدا ، والطيش أناة أو تآنيا وصرفت هذه الكوامن في المكامن - إذا سارت ~~سورتها ، وثارت ثورتها - على مناهج الصواب ، تارة بالعظة واللطف ، وتارة ~~بالزجر ms085 والعنف ، وتارة بالأنفة وكبر النفس ، وتارة بإشعار الحذر ، وتارة ~~بعلو الهمة ؛ وهناك يصير العفو عند القادر ألذ من الانتقام ، والعفاف عند ~~الهائج ألذ من قضاء PageV01P131 الوطر ، والقناعة عند المحتاج أشرف من ~~الإسفاف ، والصداقة عند الموتور آثر من العداوة ، والمذاراة عند المحفظ ~~أطيب من المماراة . وفي الجملة الخلق الحسن مشتق من الخلق ، فكما لا سبيل ~~إلى تبديل الخلق كذلك لا قدرة على تحويل الخلق ، لكن الحض على إصلاح الخلق ~~وتهذيب النفس لم يقع من الحكماء بالعبث والتجزيف ، بل لمنفعة عظيمة موجودة ~~ظاهرة ، ومثاله أن الحبشي يتدلك بالماء والغسول لا ليستفيد بياضا ، ولكن ~~ليستفيد نقاء شبيها بالبياض ؛ ويقال للمهذار : اكفف لا ليكف عن النطق ، ~~ولكن ليؤثر الصمت . ويقال للموتور : لا تحقد لا ليزول عنه ما حنق عليه ، ~~ولكن ليتكلف الصبر ويتناسى الجزاء على هذا أبدا . وقد تقرر بالحكمة الباحثة ~~عن الإنسان وطرائق ما به وفيه أن أحواله مختلفة ، أعني أن كل ما يدور عليه ~~ويحور إليه مقابل بالضد أو شبيه بالضد كالحياة والموت ، والنوم واليقظة ، ~~والحسن والقبيح ، والصواب والخطأ ، والخير والشر ، والرجاء والخوف ، والعدل ~~والجور ، والشجاعة والجبن ، والسخاء والبخل ، والحلم والسفه ، والطيش ~~والوقار ، والعلم والجهل ، والمعرفة والنكرة ، والعقل والحمق ، والصحة ~~والمرض ، والاعتدال والانحراف ، والعفة والفجور ، والتنبه والغفلة ، والذكر ~~والنسيان ، والذكاء والبلادة ، والغبطة والحسادة ، PageV01P132 والدماثة ~~والكزازة ، والحق والباطل ، والغي والرشد ، والبيان والحصر ، والثقة ~~والارتياب ، والطمأنينة والتهمة ، والحركة والسكون ، والشك واليقين ، ~~والخلاعة والوقار ، والتوقي والتهور ، والإلف والملل ، والصدق والكذب ، ~~والإخلاص والنفاق ، والإحسان والإساءة ، والنصح والغش ، والمدح والذم ، ~~وعلى هذا الجر والسحب ؛ ولعل هذه الصفات بلا آخر ولا انقطاع . فمما ينبغي ~~أن يعني الإنسان المحب للتبصرة ، المؤثر للتذكرة ، الجامع للنافع له ، ~~النافي للضار به في هذه الأحوال التي وصفناها بأسمائها معرفة - ما استطاع - ~~باجتلاب محمودها واجتناب مذمومها ، وتمييزه مما يكمن فيه أو تقليله ، أو ~~إطفاء جمرته ، أو اجتناء ثمرته ، والطريق إلى هذا التمييز واضح قريب ، كأن ~~تنظر إلى الحياة والموت فتعلم أن هذين ليسا من الأخلاق ولا مما يعالج ~~بالاجتهاد ، وإلى النوم واليقظة فتعلم أنهما ms086 ضروريان للبدن من وجه ، وغير ~~ضروريين من وجه ، فتنفى منهما ما خرج عن حد الضرورة وتسلم البدن ما دخل في ~~حد الضرورة ؛ ولا يكثرن الإنسان نومه ولا سهره ، ولكن يطلب العدل بينهما ~~بقدر جهده . فأما الحسن والقبيح فلا بد له من البحث اللطيف عنها حتى لا ~~يجور فيرى القبيح حسنا والحسن قبيحا ، فيأتي القبيح على أنه حسن ، ويرفض ~~الحسن على أنه قبيح ؛ وماشىء الحسن والقبيح كثيرة : منها طبيعي ، ومنها ~~بالعادة ، ومنها بالشرع ، ومنها بالعقل ، ومنها بالشهوة ، فإذا اعتبر هذه ~~المناشىء صدق الصادق منها وكذب الكاذب ، وكان استحسانه على قدر ذلك ومثال ~~ذلك الكبر فإنه معيب بالنظر الأول ، لكنه حسن في موضعه بالعلة PageV01P133 ~~الداعية إليه ، والحال الموجبة له . وأما الصواب والخطأ فأمران عارضان ~~للأقوال والأفعال والآراء ، وليسا بخلقين محضين ، ولكنهما موكولان إلى نور ~~العقل ، فما أشرق عليه العقل بنوره فهو صواب ، وما أفل عنه العقل بنوره فهو ~~خطأ . وأما الخير والشر فهما في العموم والشمول ليسا بدون الصواب والخطأ ~~لهما مناط بكل شيء ، ويغلبان على الأفعال ، وإن كان أحدهما عدما للآخر . ~~وأما الرجاء والخوف فهما عرضان للقلب بأسباب بادية وخافية ، ولا يدخلان في ~~باب الخلق من كل وجه ولا يخرجان أيضا بكل وجه وهما كالعمادين للإنسان قد ~~استصلح لهما ، وربط قوامه بغلبتهما وضعفهما . وأما العدل والجور فقد يكونان ~~خلقين بالفطرة ، ويكونان فعلين بالفكرة وجانباهما بالفعل ألصق ، وإلى ~~الاكتساب أقرب . وأما الشجاعة والجبن فهما خلقان متصلان بالخلق ، ولهذا يعز ~~على الشجاع أن يتحول جبانا ، ويتعذر على الجبان أن يصير شجاعا ، وكذلك ~~طرفاهما داخلان في الخلق أعني التهور والتوقي . وأما السخاء والبخل فهما ~~خلقان محضان أو قريبان من المحض ، ولهذا تعلق الحمد والذم بهما وبأصحابهما ~~، والمدح والهجو سريا إليهما واتصلا بهما ؛ وقد يندم السخي على بذله كثيرا ~~خوفا من الإملاق ، فلا يستطيع ذلك إذا أخذت الأريحية ، وحركته اللوذعية ؛ ~~وقد يلوم البخيل نفسه كثيرا إذا سلقته الألسنة الحداد ، PageV01P134 وجبه ~~بالتوبيخ ، وشمخ عند رؤيته الأنف ، وغضن الجبين وأولم بالعذل وقوبل ؛ ومع ~~ذلك فلا يرشح إلا ms087 على بطء وكلفة وتضجر ؛ والكلام في هذين الخلقين طويل ، ~~لأنهما أدخل في تلاقي الناس وتعاطيهم في عشرتهم ومعاملتهم . وأما الحلم ~~والسفه فهما أيضا خلقان ، والأخلاق تابعة للمزاج في الأصل ، ولذلك قلنا : ~~إن الخلق ابن الخلق ، والولد شبيه بوالده ؛ وفي الجملة ، كل ما يمكن أن ~~يقال فيه للإنسان لا تفعل هذا ، وأقلل من هذا وكف عنه ، فإنه في باب ~~الأفعال أدخل ، وكل ما لم يجز أن يقال ذلك فيه فهو في باب الأخلاق أدخل ، ~~ثم لبعض هذا نسبة إلى الخلق أو الخلق ، إما ظاهرة غالبة وإما خفية ضعيفة . ~~وأما الطيش والوقار فهما يختلطان بالحلم والسفه ويجريان معهما ؛ فليس ينبغي ~~أن ينشر الكلام ويطول الشرح . وأما الجهل والعلم فليسا من الأخلاق ولا من ~~الخلق وإنما يبرزان من صاحب الأخلاق والخلق للمزاج أثرين قويين واحدهما عدم ~~والآخر وجدان ، والعدم لا يكون أعدم من عدم ، والوجدان يكون أبين من وجدان ~~. وأما المعرفة والنكرة فهما في جوار العلم وضده ، ولكنهما أعلق بالحس ~~وألصق بالنفسين ، أي الشهوية والغضبية . وأما العقل والحمق فليس من الخلق ، ~~والكلام في تفسير العقل مشهور ، وعدمه الحمق . وأما الصحة والمرض فليسا ~~أيضا من الأخلاق ، ولكنهما يوجدان في الإنسان بواسطة PageV01P135 النفس ، ~~إما في البدن ، وإما في العقل ، ولذلك يقال : أمراض البدن ، وأمراض النفس ، ~~وصحة البدن وصحة النفس . وأما الاعتدال والانحراف فهما يدخلان في الخلق ~~بوجه ، ويخلصان منه بوجه ، ويعمان أعراض البدن وأعراض النفس ، ويوصف بهما ~~الإنسان ، على أن الانحراف المطلق لا يوجد ، والاعتدال المطلق لا يوجد ، ~~ولكن كلاهما بالإضافة . وأما العفة والفجور فخلقان لهما جمرة وهمود ، ~~والحاجة تمس إلى العدل في استعمال العفة ونفي الفجور ، وإذا قويت العفة ~~حالت العصمة ، وإذا غلب الفجور صار عدوانا . وأما التنبيه والغفلة فقريبان ~~من الخلق ويغلبان على الإنسان ، إلا أن فرط التنبيه موصول بالوحي ، وفرط ~~الغفلة موصول بالبهيمية . وأما الذكر والنسيان فليسا بخلقين محضين ، ~~ومنشؤهما بالمزاج ، وأحدهما من علائق النفس العالمة ، والآخر من علائق ~~النفس البهيمية . وأما الذكاء والبلادة فهما خلقان ، ونعتهما كنعت الذكر ~~والنسيان ، إلا أن ms088 هذين يعرضان في الحين بعد الحين ، والأخريان كالراسخين ~~في الطينة . وأما الغبطة والحسد فخلقان رسم الأول منهما بأن تتمنى لنفسك ما ~~أوتيه صاحبه ورسم الثاني بأن تتمنى زوال ما أوتيه صاحبك وإن لم يصل إليك . ~~ورسوم هذه PageV01P136 الأخلاق أسهل من تحديدها ، لكنا تركنا ذلك ، لأن ~~الكلام الذي كان يجري هو على مذهب الخدمة . على أن مراتب هذه الأخلاق ~~مختلفة ، فيبعد أن يعمها حد واحد ، وإنما اختلفت منازلها لأنها تارة تصفو ~~بقوة النفس الناطقة ، وتارة تكدر بالقوانين الأخريين ؛ ولبعضها حدة ~~بالزيادة ، ولبعضها كلة بالنقص ، فلم يكن التحديد يفصل كل ذاك ، فلم نعرج ~~على شيء عجزنا عنه قبل أخذنا فيه . وتتم بقية ما علق بهذه الجملة ، فنقول : ~~وأما الدماثة والكزازة فخلقان محضان تابعان للمزاج ، ثم المران يزيدهما قوة ~~وضعفا ؛ وهما للنعت أقرب ، كالسهولة والعسر ؛ ولذلك يقال : ما أدمث هذه ~~الأرض ، أي ما أرخاها وألينها ؛ وفي المثل : دمث لجنبك قبل النوم مضجعا . ~~وأما الحق والباطل فليسا من الخلق ولا الخلق في شيء ، وهما من نتائج ~~المعرفة والنكرة ، لأنك تعرف الحق وتنكر الباطل ، وذلك لأغراض تتبعهما ، ~~ولواحق تلتبس بهما . وأما الغي والرشد فليسا من الخلق ، لكنهما من علائق ~~الأفعال الحميدة والذميمة ؛ وللرأي والعقل فيهما مدخل قوي وحظ تام . وأما ~~البيان والحصر فليس بينهما وبين الخلق علاقة ، وإنما يتبعان المزاج ويزيد ~~فيهما وينقص الجهد والتواني والطلب والقصور . وأما الثقة والارتياب فخلقان ~~يغلبان ينفعان ويضران ويحمدان ويذمان ألا ترى أنه يقال : لا تثق بكل أحد ، ~~ولا ترتب بكل إنسان وهكذا الطمأنينة والتهمة ، لأنهما في طيهما . وأما ~~الحركة والسكون فليسا من حديث الخلق في شيء لأنهما عامان لجميع PageV01P137 ~~الأحوال سواء كان العمل مباشرا أم كان معتقدا ؛ وفي الحركة والسكون كلام ~~واسع ، وذلك أن ههنا حركة إلهية ، وحركة عقلية ، وحركة نفسية ، وحركة ~~طبيعية ، وحركة بدنية ، وحركة فلكية ، وحركة كوكبية ، وحركة كأنها سكون . ~~فأما السكون فهو ضرب واحد ، لأنه في مقابلة كل حركة ذكرناها . فإذا اعتبرت ~~هذه المقابلة في كل مقابل لحظ الانقسام في السكون ، كما وجد الانقسام في ms089 ~~الحركة . والحركة أوضح برهان على كل موجود حسي ، والسكون أقوى دليل على كل ~~موجود عقلي ؛ وهذا القدر كاف في هذا الموضع . وأما الشك واليقين ، فمن ~~علائق النفس الناطقة ، ولهذا لا يقال في الحيوان الذي لا ينطق : له يقين ~~وشك . وأما الخلاعة والوقار ، فقد تقدم البحث عنهما . وأما التوقي والتهور ~~، فهما خلقان في جميع الحيوان ، ويغلبان على نوع الإنسان ، لأن العقل يبطل ~~أحدهما ، والحس يغلب الآخر . وأما الإلف والملل فخلقان محضان ، يذمان ~~ويحمدان على قدر المألوف والمملول ، وإن كان جريان العادة قد وفر الحمد على ~~الإلف ، والذم على الملل . وقد مدح زيد فقيل : هو ألوف . وذم عمرو فقيل : ~~هو ملول . وأما الصدق والكذب ، فمن علائق النفس الناقصة والكاملة ؛ وقد ~~يكونان راسخين فيلحقان بالخلق ، إلا أن الصدق ممدوح ، والكذب مذموم ، هذا ~~في النظر الأول ، وقد يعرض ما يوجب المصير إلى الكذب لينجى به ؛ فهما إذن ~~بعد الحقيقة الأولى PageV01P138 وقف على الإضافة ؛ وقد وجدنا من كذب لينتفع ~~، ولم نجد من صدق ليكتسب الضرر . وأما الإخلاص والنفاق ، فهما يلحقان ~~بالخلق ، ولكنهما يصدران عن عقيدة القلب وضمير النفس . وأما الإحسان ~~والإساءة ، فهما يعمان الأفعال والأقوال ، فإذا رسخ اعتيادهما استحالا ~~خلقين . وأما النصح والغش ، فهما خلقان ، وطرفاهما يتعلقان بالخلق . وكذلك ~~الطمع واليأس ، والحب والبغض ، واللهج والسلو ، وما شاكل هذا الباب . ولم ~~يجر هذا كله في المذاكرة بالحضرة ، ولكن رأيت من تمام الرسالة أن أضم هذا ~~كله إلى حومته ، وأبلغ الممكن من مقتضاه في تتمته . وقال لي : هات الوداع ، ~~فإن الليل قد هم بالإقلاع . قلت : قال أبو سعيد الذهبي الطبيب : لو علم ~~الذي يحمل الباذنجان أن على ظهره باذنجانا لصال على الثيران . فضحك - أضحك ~~الله سنه ، وحقق في كل خير ظنه - وقال : إن كنت تحفظ في غرائب أخلاق ~~الحيوان شيئا فاذكره إذا حضرت ، فقد مر في أخلاق الإنسان ما يكفي مجلس ~~الإمتاع والمؤانسة ، فإذا ضم هذا إلى ذاك كان للإنسان فيه تبصر كاف ، وتذكر ~~شاف . وصدق - صدق الله قوله - لأن الإنسان أشرف الحيوان ، وإنما كان هكذا ~~لأنه ms090 حاز جميع قوى الحيوان ثم زاد عليه بما ليس لشيء منه ، فصار ربا له ~~سائسا ، ومصرفا له حارسا ، ونظر إلى ما سخر له منه فاعتبر ، وقاد نفسه إلى ~~حسن ما رأى ، وعزفها PageV01P139 عن قبيح ما وجد ، ولم يجز في الحكمة أن ~~يحرم الإنسان هذا مع ما فيه من المواهب السنةي ؛ والمنائح الهنية ، فإن قال ~~قائل : فالملائكة إذن قد حرمت هذه الفضيلة ، فليعلم هذا القائل أن الملك ~~لما خلق كاملا لم يكلف أن يكمل ويتكامل ويستكمل ، فصار كل شيء يطلبه ~~ويتوقاه سببا إلى كماله المعد له وغايته المقصودة . فإن زاد فقال : فهلا ~~خلق كاملا ؟ فليعلم أن كلامه على طريق الجدل ، لا عىل طريق البحث عن العلل ~~، لأنه قد جهل أنه بالحكمة وجب أن يكون الأمر مقسوما بين ما يجوز الكمال ~~بالجبلة ، وبين ما يكسب الكمال بالقصد . ولما وجب هذا بالحكمة سرت إليه ~~القدرة ، وساح به الجود ، واشتملت عليه المشيئة ، وأحاطت به الحكمة ، وشاعت ~~فيه الربوبية . وههنا زيادة في شرح الخلق يتم بها الكلام ؛ فليس من الرأي ~~أن يقع الإخلال بذكرها ، لأنها مكشوفة ظاهرة ، وهي أن الإنسان إذا غلبت ~~الحرارة عليه في مزاج القلب يكون شجاعا بذالا ملتهبا ، سريع الحركة والغضب ~~قليل الحقد ، زكي الخاطر ، حسن الإدراك . وإذا غلبت عليه البرودة يكون ~~بليدا ، غليظ الطباع ، ثقيل الروح . وإذا غلبت عليه الرطوبة يكون لين ~~الجانب ، سمح النفس ، سهل التقبل كثير النسيان . وإذا غلبت عليه اليبوسة ~~يكون صابرا ، ثابت الرأي ، صعب القبول يضبط ويحتد ، ويمسك ويبخل ؛ وهذا ~~النعت على هذا التنزيل - وإن كان مفهوما - فأسرار الإنسان في أخلاقه كثيرة ~~وخفية ، وفيها بدائع لا تكاد تنتهي ، وعجائب لا تنقضي ؛ وقد قال الأول : ~~PageV01P140 كل امرىء راجع يوما لشيمته . . . وإن تخلق أخلاقا إلى حين وقال ~~آخر : ارجع إلى خيمك المعروف ديدنه . . . إن التخلق يأتي دون الخلق ولولا ~~أن النزوع عن الخلق شاق لما قالوا : تخلق فلان . وقد قيل أيضا : ' وخالق ~~الناس بخلق حسن ' ، وعلى هذا يجري أمر الضريبة والطبيعة والنحيتة والغريزة ~~والنحيزة والسجية والشيمة ، وربما قيل : الطبيعة ms091 أيضا ، ثم العادة تالية ~~لهذه كلها ، أو زائدة فيما نقص فيها ، وموقدة لما خمد منها . # | الليلة العاشرة # ولما عدت في الليلة الأخرى ونعمت بهذه الفضيلة ، تفضل وقال : ما في العلم ~~شيء إلا إذا بدىء بالكلام فيه اتصل وتسلسل حتى لا يوجد له مقطع ولا منفذ ثم ~~قرأت عليه نوادر الحيوان ، وغرائب ما كنت سمعته ووجدته ، فزاد عجبا وأنا ~~أرويه في هذا المكان حتى يكون تذكرة وفائدة - إن شاء الله تعالى . يقال : ~~إن أسنان الرجل اثنتان وثلاثون سنا . وأسنان المرأة ثلاثون سنا . وأسنان ~~الخصى ثمان وعشرون سنا . وأسنان البقر أربع وعشرون سنا . وأسنان الشاة إحدى ~~وعشرون سنا . وأسنان التيس ثلاث وعشرون . وأسنان العنز تسع عشرة سنا . الذي ~~ذكر من أصناف الحيوان أنه يكتسب معاشه ليلا : البومة والوطواط . ومن ~~الحيوان الوحشي ما يستأنس سريعا : الفيل . PageV01P141 ويحكى أن الحيوان ~~الذي أسنانه قليلة عمره قصير ، والذي أسنانه كثيرة عمره طويل . الفيل إذا ~~ولد نبتت أسنانه في الحال ، فأما أسنانه الكبار وأنيابه الكبار فتظهر إذا ~~شب وكبر . قلب جميع الحيوان موضوع في الوسط من الصدر ما خلا الإنسان ، فإن ~~قلبه مائل إلى الجانب الأيسر . الأفعى تبيض في رحمها ، ثم يصير هناك حيوانا ~~. الشعر المولود مع الإنسان شعر الرأس والأشفار والحاجبين . وأول ما ينبت ~~بعد ذلك شعر العانة وشعر الإبطين وشعر اللحية : إن خصي الإنسان قبل احتلامه ~~لم ينبت في جسده الشعر الذي يتأخر نباته ، وإن خصي بعد احتلامه فإن ذلك ~~الشعر يزول ، ما خلا شعر العانة فإنه يبقى . شعر الحاجبين ربما طال عند ~~الكبر . وشعر الأشفار لا يطول . للأرانب في داخل أشداقها شعر ، وكذلك تحت ~~أرجلها . القنفذ في فيه خمس أسنان في عمقه . والبرية منها تسفد قائمة وظهر ~~الأنثى لاصق بظهر الذكر . الرجال يشتاقون إلى الجماع في الشتاء ، والنساء ~~في الصيف . الخنزير إذا تمت له من ولادته ثمانية أشهر ينزو على الأنثى . ~~الكلبة تحمل وتبقى ستين يوما ويوما ، وهذا أطول ما يكون ، ولا تضع قبل أن ~~يتم حملها ستين يوما ، فإن وضعت قبل ذلك فإنها ms092 لا تربي ولا يبقى لها ولد . ~~الفيل الذكر ينزو إذا تمت له خمس سنين ، وزمان هياجه ونزوه أيام الربيع ~~والأنثى تحمل سنتين ، ولا تضع إلا واحدا . PageV01P142 | إذا باض الطائر ~~وما كان من أصنافه يخرج من البيضة الطرف العريض ثم يرق بعد ذلك . كل ما كان ~~من البيض مستطيلا محدد الطرف فهو يفرخ الإناث وما كان مستديرا عريض الأطراف ~~يفرخ الذكور . وجرب من إناث الطير أنها إذا لم تجلس على البيض تمرض . القبج ~~إذا هاج ووقفت الأنثى قبالة الذكر ، وهبت الريح من ناحية الذكر مقبلة إلى ~~ناحيتها حملت من ساعتها . الحمامة إذا نتفت ريشة من ريشها احتبس بيضها أكثر ~~مما لها بالطبع . مبدأ خلق الفرخ من بياض البيضة ، وغذاؤه من الصفرة ، فإذا ~~خرج فرخان كان أحدهما أكبر جثة من الآخر ، والذكر منهما من البيضة الأولى ~~ومن الثانية الأنثى . الفاختة تعيش أربعين عاما . والحجل يعيش عشرين عاما . ~~الرخمة تفرخ على صخور مشرفة عالية لا ينالها أحد ، ولا توجد رخمة وفراخها ~~إلا في الفرط . العقاب يجلس على البيض ثلاثين يوما ، وكذلك كل طائر عظيم ~~الجثة مثل الإوز وما أشبهه ، والمتوسط الجثة يجلس على البيض عشرين يوما ، ~~كالحدأة والبزاة وما أشبه ذلك . إناث الغربان تجلس على البيض جلوسا دائما ، ~~والذكر يأتيها بالطعم حينئذ . PageV01P143 الحجل تعمل عشين يجلس الذكر على ~~واحد ، والأنثى على واحد . الطاوس يعيش خمسا وعشرين سنة ، وفي هذه المدة ~~تنتهي ألوان ريشه . ويحضن بيضه ثلاثين يوما ، قيل : وربما أكثر قليلا ، ~~ويبيض في كل سنة مرة واحدة ، وعدد بيضه اثنتي عشرة بيضة ، ويلقي ريشه في ~~زمن الخريف وبعده قليلا ، وذلك حين كيلقي الشجر ورقه ، فإذا بدا أول الشجر ~~وظهرت فروعه ، ونبت ورقه بدأ ريشه ينبت . الدلفين له لبن ، ويرضع ، ويحمل ~~عشرة أشهر ، وتلد في الصيف ولا تلد في زمان آخر البتة ، وربما غاب تحت ~~الموج في الماء ثلاثين يوما لا يظهر ؛ وهو محب لخرئه يأكله . الجمل الذكر ~~يكره قرب الفرس ويقاتله إذا تمكن منه . الشاة إن مطرت بعد نزوها انتقض ~~حملها . الغنم إذا ms093 أنزيت والريح جنوب تضع اولادها إناثا ؛ وإن كانت العروق ~~التي تحت ألسن الكباش الفحول بيضا فإن إناث الغنم تضع حملانا بيضا ، وإن ~~كانت العروق سوداء فإنها تضع حملانا سودا . وإن كانت لونين تكون مختلفة ؛ ~~وإن كانت شقرا خرجت شقرا . الغنم إذا هاجت المسنة منها أولا فالسنة ذات خصب ~~، وإن هاجت الفتية أولا فالسنة رديئة على الغنم . الكلب السلوقي ينزو إذا ~~تم له ثمانية أشهر ، والأنثى منها تحمل ستين يوما ، وربما زادت يوما أو ~~يومين ، وجراؤها عمي اثنين وعشرين يوما . ومنها ما تحمل ثلاثة أشهر وتكون ~~جراؤها عميا سبعة عشر يوما . إناث الكلاب تطمث في كل سبعة أيام وتبول جالسة ~~، ومنها ما ترفع رجلها عند البول . ذكور الكلاب ترفع أرجلها للبول إذا تمت ~~لها من ولادتها ثمانية أشهر وبعضها في ستة أشهر . PageV01P144 ذكور الكلاب ~~السلوقية تعيش عشر سنين ، وإناثها اثنتي عشرة سنة ، ومن أجناسها ما تعيش ~~عشرين سنة ، وإناثها كلها أطول أعمارا من الذكور . قال أوميروس الشاعر : إن ~~كلب إديوس هلك وهو ابن عشرين سنة . وليس تلقى الكلاب شيئا من أسنانها سوى ~~النابين ، فإذا تم للكلب أربعة أشهر أبقاهما . البقر تلقي أسنانها لسنتين ، ~~وإذا كثر نزو الذكور منها وحمل الإناث يكون ذلك علامة شتاء وجود أمطار وخصب ~~، وإناثها تطمث . إناث الخيل تضع أولادها في أحد عشر شهرا ، أو في الثاني ~~عشر . الحيات رغبة نهمة ، قليلة شرب الماء ، لأنها لا تضبط أنفسها ، وإذا ~~شمت الشراب فإنها تشتاق إليه جدا . الأسد إذا بال رفع رجله كما يرفع الكلب ~~. البقر تشتهي شرب الماء الصافي النقي ، والخيل على الضد فإنها تشرب مثل ~~الجمال الماء الكدر الغليظ . الغنم في الخريف تشرب الماء الذي تصيبه ريح ~~الشمال ، وذلك الوقت أوفق لها . الدراج إذا هبت الريح شمالا تتزاوج وتخصب ، ~~وإن كانت جنوبا ساءت حالها ومرضت . السمك الذي يأوي إلى الشطوط من ناحية ~~البر ألذ من الذي يأوي اللجج وما كان منها مستطيل الجثة فهو يخصب في الصيف ~~وهبوب الشمال ؛ والعريض الجثة على ضد ذلك ، وأكثر ما يصاد السمك ms094 قبل طلوع ~~الشمس لكلبه على الرعي ، وطلب الطعم . والسمك الجاسي الجلد يخصب في السنة ~~المطيرة ، لأن ماء البحر يحلو فيها . الكلب له ثلاثة أمراض : الكلب ، ~~والذبحة - وهو القاتل لها - والنقرس . PageV01P145 والداء الذي يقال له ~~الكلب يعرض للجمال أيضا ؛ فإذا كلب الجمل نحر ولم يؤكل لحمه . الخيل إذا ~~ألقت حوافرها وقت تنصل نبت لها حافر آخر عاجلا ، لأن نباته يطلع مع نصول ~~الحافر . وعلامة ذلك اختلاج الخصية اليمنى . ويعرض للخيل داء شبيه بالكلب ، ~~وعلامته استرخاء آذانها إلى ناحية أعرافها ، وامتناعها من العلف ، وليس ~~لهذا الداء علاج إلا التسكين . لا يكون في بلد الهند خنزير . لا أنيس ولا ~~بري ، وفي أرض تعرف بكذا يجز البقر كما يجز الغنم ، وفي أرض النوبة تولد ~~الكباش نابتة القرون . وإناث الكلاب السلوقية أسرع إلى الأدب من الذكور . ~~جميع أجناس الحيوان إناثها أقل جرأة وأجزع ، ما خلا الذئبة ، فإنها أصعب ~~خلقا وأجرأ من الذكور . العقاب والتنين يتقاتلان ، والعقاب تأكل الحيات ~~حيثما وجدتها . الغداف يخطف بيض البومة نصف النهار فيأكله ، لأن البومة لا ~~تبصر بصرا حادا في ذلك الوقت . فإذا كان الليل شدت البومة على بيض الغذاف ~~فأكلته . بين العنكبوت وبين الحرذون شر ، لأن الحرذون يأكل العنكبوت . ~~عصفور الشوك يقاتل الحمار ، لأن الحمار إذا مر بالشوك أفسد عشه ، فإذا نهق ~~بالقرب منه وقع بيضه ، وإن كان فيه فراخ خرجت منه ، فلهذه العلة يطير هذا ~~العصفور حول الحمار وينقره . الغراب يعادي الثور والحمار وينقرهما . ~~PageV01P146 والحية تعادي الخنزير وابن عرس ، لأنهما يأكلان الحية حيث ~~وجداها . الغداف مصادق للثعلب ، والثعلب مصادق للحية ، والسبب في عداوة ~~العصفور للحمار أن معاش العصفور في بزر الشوك وفيه يبيض ، وهو وكره ، ~~والحمار يرعى ذلك الشوك إذا كان رطبا . البقر يكون في الجبال إذا ضلت بقرة ~~تبعتها الأخرى ، ولذلك الرعاة إذا لم يجدوا بقرة واحدة وعدموها طلبوا سائر ~~البقر وفقدوها من ساعتهم . الخيل إذا ضلت الأنثى منها أو هلكت ولها ولد فإن ~~إناث الخيل ترضعه وتربيه ، وذلك أن جنس الخيل في طباعها حب أولادها . ~~الأيايل تلقي ms095 قرونها في أماكن عسرة صعبة ، لا ترتقى لئلا تؤخذ ؛ ولذلك قيل ~~في المثل : حيث تلقي الأيايل قرونها ، فإذا ألقتها توقت أن تظهر إلى أن ~~تنبت ، كأنه قد ألقت سلاحها . وقيل : إنه لم يعاين أحد القرن الأيسر من ~~قرنيها ، لأن فيه منفعة عظيمة . وإذا وضعت أولادها أكلت مشائمها من ساعتها ~~، ولا يمكن أخذها لأنها تأكلها من قبل أن تقع على الأرض . والأيلة تصاد ~~بالصفير والغناء ، ويفعل ذلك رجلان أحدهما يغني ويصفر ، والآخر يرشقها ~~بالسهام ، فلإصغائها إلى الصفير والغناء لا تحذر السهام . ويقال إن الأيل ~~إذا كانت أذناه قائمتين فهو يسمع كل شيء ولا يخفى عليه ما يراد به ، وإن ~~كانتا مسترخيتين خفي ذلك عليه . الفهد إذا أكل العشبة التي تسمى خانقة ~~الفهود يطلب زبل الإنسان فيأكله ويتعالج به . ابن عرس إذا قاتل الحيلة أكل ~~السذاب مخالفة للحية . اللقالق إذا خرجت من قتال بعضها بعضا تضع على الجرح ~~PageV01P147 صعترا بريا . يقال إن ذكور العصافير تبقى سنة فقط ، والدليل ~~على ذلك - أنها من قبل أطواقها التي في أعناقها - لا تظهر في الربيع ، بل ~~بعد ذلك بأيام ، لأنها لا تبقي شيئا من الذكور التي كانت من العام الماضي ، ~~فأما إناثها فهي أطول أعمارا . إذا دنا الصياد من عش القبج تخرج الأنثى من ~~بين يديه وتطعمه في صيدها حتى تهرب فراخها ، ثم تطير وتدعو فراخها إليها . ~~وإناث القبج تبيض خمس عشرة بيضة ، والذكر منها يطلب موضع بيض أنثاه فيدحرجه ~~- مخافة أن تقعد عليه وتشتغل عنه - فيفسده ، وهي تحتال أبدا في الهرب منه ~~وتخفي موضع عشها ، فتبيض في أماكن خفية ، ومتى قصدها قامت عنه وأطعمت في ~~نفسها حتى تبعد عن أماكن بيضها ، فإذا بعد طارت ثم احتالت في الرجوع إليه . ~~الهدهد يعمل عشه من زبل الإنسان ، فلذلك رائحته كريهة . العقاب تصيد منذ ~~حين الغداة إلى وقت الرواح ، فأما من أوان الرواح إلى أن يترحل النهار فهي ~~قاعدة في مكانها لا تتحرك . ومنقار العقاب الأعلى ينشأ ويعظم ويتعفف حتى ~~يكون ذلك سبب هلاكها لأنها لا تنال به ms096 الطعم ، فإذا فضلت للعقاب فضلة من ~~طعمه وضعها في عشه لحاجة فراخه إليها . أصناف الطير المتفقة المعقفة ~~المخالب لا تجلس على الصخر إلا في الفرط ، لأن خشونة الصخر مخالفة لتعقف ~~مخالبها . النحل تعمل عشها في زمانين : في الربيع والخريف . والعسل الذي ~~تعمله في الربيع أشد بياضا وأجود من الذي تعمله في الخريف . وأضعف العسل ~~يكون أبدا في أعلى الإناء ، والنقي الطيب في أسفله . PageV01P148 الأسد ~~عظامه جاسية جدا ، وإن دلكت بعض عظامه ببعض خرجت منها نار كما تخرج من ~~الحجارة . الحيوان الذي له شعر في أشفار عينيه ليس في أشفار عينيه شعر إلا ~~الشعر الأعلى . والنعامة لها أشفار في الجفنين الأعلى والأسفل . القنفذ ~~تبيض خمس بيضات ، وليس بيضا بالحقيقة ، بل هو على صورة البيض ، يشبه الشحم ~~. قلب كل حيوان طرفه حاد ، وهو أصلب من سائر جسده ، وهو موضوع في وسط الصدر ~~سوى الإنسان ، فإنه مائل فيه إلى الناحية اليسرى ، لأنه يكون بإزاء الجانب ~~الأيسر فيعادل الناحية اليمنى ، فإن اليسرى من الإنسان أكثر بردا . وليس في ~~قلوب جميع الحيوان عظم إلا في الخيل ، وفي جنس من البقر ، فإن في قلب هذين ~~عظما دون غيرهما من الحيوان . وكل حيوان له قلب كبير يكون جزوعا . الكلاب ~~الهندية تتولد من كلب وسبع شبيه بالكلب . والحمار حيوان بارد ، ولذلك لا ~~يكون الوحشي منها إلا في المكان البارد . ذكور البغال لا تشم أبوال إناثها ~~كسائر ذوات الحافر . بيض الطير فيه لونان : بياض وصفرة . وبيض السمك فيه ~~لون واحد . إذا كانت الريح جنوبا كان المولود أنثى ، لأن الجنوب إذا هبت ~~رطبت وإذا أشملت كان المولود ذكرا . PageV01P149 عيون جميع الصبيان ساعة ~~ولادتهم شهل ، ثم تنتقل إلى الطباع الغالبة عليها . وعيون جميع الحيوان لون ~~واحد ، كالبقر فإن عيونها سود . وعيون البشر ألوان كثيرة . صاحب العين ~~الناتئة لا يبصر ما بعد عنه بصرا جيدا ، والغائرة تبصر ما بعد عنها ، لأن ~~حركتها لا تتفرق ولا تتبدد . الفهد ربما نكح الدب فيتولد بينهما سبع مختلف ~~المنظر ، لا يتناول الناس ويصيد الكلاب ، ويأكلها ويستخفي ms097 في البحر ، فإذا ~~مر به أيل مفاجأة وثب عليه وأنشب مخالبه في أكتافه ومص دمه حتى يضعف الأيل ~~ويسقط فيجتمع عليه هذا الصنف من السباع فيأكله ، فإن اجتاز بها أسد نضهت ~~عنه وتركت الفريسة له تقربا إليه . بأرض يونان معزى جعدة الصوف ، يقال لها ~~: المعزى البرية ، فإذا أصابت قرونها شيئا من قضبان الكرم ولم ينبت ورقه ~~ولا ثمره ، بل يجف مكانه ويسقط ما عليه من الورق والثمر . السلحفاة تخرج من ~~البحر إلى الرمل فتبيض فيه ، حتى إذا بلغ أوانه وخرج أولادها ، فما كان ~~ناظرا إلى ناحية البحر كان بحريا ، وما كان وجهه إلى ناحية البر كان بريا . ~~والسلاحف تمتنع من الذكران ، فيأتيها بعود يحمله في فمه ، ويدنو منها ، ~~فإذا رأت ذلك العود سكنت له . وما كان من السلاحف بحريا فخرج إلى البر ~~وأصابه حر الشمس لم يستطع الرجوع إلى البحر وبقي حتى هلك . وما كان بريا ~~فوقع إلى ناحية البحر تلف ولم يستطع الرجوع إلى البر وهلك . الثعلب يهيىء ~~عشه ووكره ذا سبعة أحجرة ، فإذا طرقته الكلاب وغيرها مما PageV01P150 يتخوف ~~في جحر خرج من غيره . وإذا قارب الزرع أن يسنبل دخل الثعلب فيه وتمعك فرحا ~~به ، فيفسد ذلك الزرع ، ولذلك سمي احتراق الشعر : داء الثعلب ، لأنه يسقطه ~~كما يذهب ورق السنبلة والشوكة . القنفذ يعمد إلى الكرمة فيحركها فيقع منها ~~العنب ، فيتمرغ فيه حتى يملأ شوكه ويعود إلى عشه ، فإذا بصرت به جراؤه ~~أطافت به تلتقط ذلك الحب من شوكه وتأكله . الذئب إذا هيىء من معاه وتر ~~وهيىء من معي الشاة وتر ، ثم علقا بآلات الملاهي ، ثم ضرب بهما ، صوت ~~المعمول من الذئب ، وخرس الوتر المعمول من الشاة . وكل شاة يتناول الذئب من ~~لحمها يكون لحمها حلوا لذيذا ، وكل جزة صوف تهيأ من الشاة التي قد تناول ~~الذئب منها قمل الثوب المعمول منها من قبل سم أسنانه . الكلب إذا مرض أكل ~~حلفاء رطبة . والأيل إذا مرض أكل حية . والضبع إذا مرض أكل كلبا . الأسد ~~إذا أكل كلبا فإنه يكون قد ضرس ms098 فيزول ذلك . الرخمة إذا ضعف بصرها بقرت ~~مرارة إنسان . الأعنز البرية تألف حيتانا بحرية ، وتدع الجبال وتسلك طريقا ~~بعيدا حتى تأتي البحر لمكان تلك الحيتان ، فلما عرف ذلك الملاحون سلخوا ~~جلود تلك الأعنز ، PageV01P151 ودنوا بها من شاطىء البحر على ظهورهم ، فإذا ~~نظرت تلك الحيتان إليها خرجت مسرعة إليها فيصيدها الملاحون . ليس من السباع ~~شيء صلبه عظم واحد بلا خرز إلا الأسد والضبع . من ربط على بدنه سنا من ~~أسنان الذئب يكون سريع الجري . المعزى البرية تكون صلبة القرون ، تأوي ~~أطراف الجبال وما كان مشرفا من الصخور على أودية ، فإن بصرت بالصياد ألقت ~~أنفسها من تلك الصخور لتقيها بقرونها ، فإن سقطت على غيرها هلكت ، وفي ~~قرونها خرزات مستديرات على قدر ما يكون عدد سنيها . والعجب أنها تحفظ ~~إنائها عند الكبر وتتعهدها بالمطعم والمشرب تحمله على أفواهها . المعزى ~~البرية إذا صيد شيء من سخالها تبعته ورضيت بالعبودية مع ولدها وفي أطراف ~~قرونها جحرة تتنفس منها ، فإن سدت هلكت مكانها . الورشان يتحرز بأن يضع ورق ~~الغار في عشه . والحدأة تضع في عشها ورق العليق تتحرز به . الخطاف يضع في ~~عشه قضيب كرفس . التدرج يضع في عشه سرطانا نهريا . PageV01P152 جميع السباع ~~والدواب عند المشي تقدم اليد اليمنى والرجل اليسرى . لا تكون الزرافة إلا ~~في أرض قليلة الماء . إذا هم أصحاب الخيل أن ينزو حمارا على فرس جزوا عرفها ~~فتقر حينئذ وتذل لكدم الحمار لها . يبونان ثيران لها أربعة قرون لا ترضى ~~بمجامعة البقر ، بل تجامع إناث الخيل ، ويتولد بينهما خيول عجيبة المنظر . ~~الجاموس لا ينام أصلا وإن أرخى عينيه إرخاء يسيرا ، لكنه ساهر الليل ~~والنهار . الجمل إذا وقع على الناقة وقع الضراب ستر عن الرجال ، فإن نظر ~~إليه رجل غضب . قالت الروم : إن السنور يتولد من مجامعة الفهد لبعض السباع ~~. لا ينام البوم إلا إغفاءة . ومن العجب أن السنور يكون صافي العين كثير ~~البريق عند امتلاء الهلال وينقص ذلك الصفاء والبريق عند نقصان الهلال . ~~الأفعى إذا جامعها الذكر واسمه الأفعوان تحولت إليه ، فإن ظفرت ms099 به أكلت ~~رأسه من شدة عشقها له . ذكر العقرب اسمه عقربان ، أسود صغير ، سريع المشي ، ~~جاد الذهاب الحرذون تفسيره بالعربية الذي يخرج من الزعفران . التمساح لا ~~يكون إلا في النيل ونهر بأرض الهند يقال له : الرسيس ويبيض كبيض الإوز ، ~~وربما يولد منه حراذين صغار ، ثم يكبر حتى يبلغ طوله عشر أذرع ، ويزداد ~~طولا PageV01P153 كلما ازدادت سنو حياته . وسنه اليسرى نافعة لحمى النافض . ~~وذكر أنه يجامع ستين مرة في حركة واحدة ومحل واحد . الحمار الوحشي يتولد ~~بين الفرس والفيل ، وله قرن ينبت من أنفه كأنه سيف ، وإن ضرب شجرة قطعها ~~وبه يقاتل الفيل ويبعج بطنه بقرنه ، ولم يعاين من هذا الجنس أنثى قط . في ~~البحر حوت يقال له : البوس ، يتولد من الصاعقة إذا كانت في البحر وإن وضع ~~ذلك الحوت بين اثنين فأكلا منه تحابا ولا يحقد أحد على صاحبه ، ويتآخيان ~~أحسن الإخاء . كلب الماء أبدا ذنبه على ظهره واقع مع انطباق والتواء ، يرعى ~~نبات الأرض ، وهو شديد الجزع من المنار ، فإذا كان الليل خرج الصيادون ~~بأيديهم شعل النار ، فيأتون مجثمها ، وتلك لا تتحرك لجزعها من النار حتى ~~تؤخذ ، وإن كان منها ذكر لم يجامع أنثى قط ، وإذا أرادت المجامعة فإنها ~~تجتمع وتجلد فتفرخ . وإن أخذ صياد بشبكة واحدا وثبت كلها حتى تدخل الشبكة ~~آبية فراق بعضها بعضا . ومن لبس جوربا من جلودها وبه نقرس انتفع به جدا . ~~وإذا ابتلي إنسان برعاف ثم أخذ قطعة من جلدها ، ثم انعقد في لبن واشتمه ~~انقطع ذلك الرعاف . اليرابيع إذا اجتمعت في موضع ارتفع رئيس لها حتى يكون ~~في موضع مشرف أو على صخرة أو تل ينظر منه إلى الطريق من كل ناحية ، فإن رأى ~~أحدا مقبلا أو سبعا صر بأسنانه وصوت ، فإذا سمعته انصرفت عن الموضع إلى ~~جحرتها فإذا أغفل ذلك PageV01P154 وعاينت البقية سبعا أو راجلا قبل أن يراه ~~ذلك الرئيس انصرفت إليه وقتلته لتضييعه أو غفلته . وإذا كان حسن الرصد مضت ~~اليرابيع فقطعت أطرأ ما يكون من الخضرة وأطيب العشب فحملته بأفواهها ms100 حتى ~~تأتيه تحية وتكرمة . وإذا كانت في جحرتها خرج الرئيس أولا فيبصر الطريق ، ~~فإن لم ير أحدا صر بأسنانه وصوت لها لتخرج فترعى . في البحر حوت يقال له : ~~موفي ، ضعيف الجسد ، قليل القوة ، إذا جاع خرج إلى الشاطىء فاستلقى على ~~الرمل فأقام شوكة في رأسه ، فإذا نظر إليه حوت آخر جاء مسرعا ليأكله يظن ~~أنه ميت ، فيدخل بطنه تلك الشوكة فيقتله بها ويأكله . وإذا ألقى الملاح ~~صنارته ولقيت ذلك الحوت رمى مكانه بتلك الشوكة الحادة يد الملاح فتخدر ~~ويطرح أداة صيده . فإذا رأى الحوت أن الصنارة داخلت أضلاعه غلبت الظلمة على ~~بصره ومات من ساعته . وفي جلد هذا الحوت عجب ، وهو أن الصاعقة لا تدنو من ~~جلده ، والملاحون يغطون سفنهم به عندما يتبينون الصواعق ووقوع المطر ، ~~ويدنو هذا الحوت إلى طرف مقدم السفينة فيمسك بطرفه اللطيف ، فلو اجتمعت ~~الرياح كلها بأشد هبوبها لم تستطع تحريك تلك السفينة ، فمن أخذ من جلدها ~~وسمر به شراع السفينة لم يخف على سفينته غرقا . السريع الحضر أربعة : النمر ~~والحريش وعنز الجبل وكباشها . عدو الحيات أربع : القنفذ والفيل والأيل ~~والعقعق . PageV01P155 الجبان اثنان : الأرنب والأيل . ذو الزهو ثلاثة : ~~الفرس والديك والطاوس . ذو حدة السمع ثلاثة : الذئب والحمار والخلد . ~~القادر على التزاوج ثلاثة : العصفور والحمام والعقعق . ذو الشهوة ثلاثة : ~~العصفور والثور والباشق . لمتحارس بالليل اثنان : الكركي والبط . نافى ~~فراخه ثلاثة : النعام والغداف والعقاب . محب الظلمة ثلاثة : البوم والخفاش ~~والخلد . ذو حدة البصر ثلاثة : العقاب والظبي والباشق . من أخذ لسان ضبع ~~ومر به بين الكلاب لم تكلب عليه . من مر بمكان كثير الضباع فأخذ بيده أصلا ~~من أصول عنب الحية هربت منه . وعنب الحية هو الحنظل . وذكر الحباري يقال له ~~: الخرب . إذا أراد إنسان أن يتزوج امرأة فلينظر إلى أبيها وأخيها فإنها ~~بعيانه وبين يديه أحدهما . من الحيوان ما لا يشبه الولد الوالد كالدببة ~~والنحل والدبر . أما الدببة فتضع أولادها توائم لا صور لها حين تولد ، غير ~~أن أمها تهيىء ، صورها ، PageV01P156 وتسويها بلحسها إياها بألسنتها . . . ~~. وأما الدبر فإنها ms101 تلد دودا يتصور بعد ذلك . الضفادع والغيالم والسرطانات ~~لا ضرر عليها في ماء ولا يبس ، لكنهما عندها سيان لا تهلك في بر ولا تخنق ~~في بحر . كل ما أكل اللحم فهو ذو أسنان قواطع صلاب ، وأعناق قصار شداد ، ~~ومخالب وأظفار حداد ، ومناقير معقفة جذابة . للأسد ثلاث طبائع : الأولى ~~منها أنه إذا مشى فشم ريح الصيادين عفى على آثاره بذنبه لكيلا يتبعه ~~الصيادون ويقفوا عليه في عرينه فيتصيدوه . والثانية أن اللبءة تلد شبلها ~~ميتا ، فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه في اليوم الثالث فينفخ فيم نخره ~~فيبعثه . والثالثة أنه يفتح عينيه إذا نام وهما يقظتان . ومن تمسح بشحم كلى ~~الأسد ومشى بين السباع لم يخفها ولم تقربه ؛ وإن افترس الأسد الفريسة ولم ~~يأكلها ميز أن ريحها منتنة جدا . وأصناف الحيوان التي تلغ الدم بألسنتها : ~~الكلاب والسنانير . الأسد : تضع أولادها غير منفتحة العيون ، وإنما تنفتح ~~بعد ذلك . وأما الأسد خاصة فليس له من جنسه قرين ، ولا يرى شيئا من السباع ~~كفؤا له PageV01P157 فيصحبه ، ولا يقرب شيئا من بقايا فريسته بالأمس ولو ~~جهده الجوع ويهر زئيره كثيرا من الحيوان الذي هو أعظم منه جسما وقوة . ~~وإنما تلد اللبوة واحدا ويخرق بطن أمه بأظفاره ويخرج منه . الثعلب إذا جاع ~~فلم يقدر على صيد عمد إلى أرض شديدة الحر وإلى موضع الطير إذا حمي ، ~~فاستلقى على ظهره ونظر إلى فوق ، ثم اختلس نفسه وأخذ به داخلاص حتى ينتفخ ~~انتفاخا شديدا فيحسبه الطير قد مات ، فيقع عليه ليأكل منه كما يأكل الجيفة ~~، فإذا اجتمع الطير انتفض سريعا وقبض على ما وجد فأكله ، لأنه ذو خب ومكر ، ~~كذلك طبيعته إن أصابه ضرر فأثر فيه آثارا وكلم فيه كلوما أخذ من صمغ شجرة ~~تدعى قنطوريا فأبرأها به . القدر أهيأ الحيوان لقبول التعليم ، وهو لعوب ~~غضوب سريع الحس ، لا يكون في بلد كثير السباع ، عدو لجميع الحيوان ، مليح ~~الإهاب ، نهوش خطوف ، إلا أنه إذا شبع نام في غارة ثلاثة أيام ، فإذا خرج ~~صاح بصوت عال تخرج منه رائحة طيبة ms102 ، فيجتمع إليه الحيوان لحسن صوته . ومن ~~أراد ختله فليتمسح بشحم الضبع ويدخل عليه في غاره ، فإنه لا يمتنع ؛ خفيف ~~الجرم ، حديد الشد يقظان . دابة يقال لها بالفارسية درباست إذا طلبه ~~PageV01P158 القانص استلقى لظهره وأراه أنه لا خصية له ، كأنه قد علم ما ~~يطلب منه . خلق الجبان من الحيوان الخائف سريع الحضر سريع الحركة ، وجعل ~~الصنف الجريء العادي بطىء الحضر مبلدا . الضبع مخالفة لجميع أجناس الحيوان ~~، وذلك أنها تصير مرة ضبعا ذكرا ومرة أنثى ، تلقح أحيانا كالذكر ، وتقبل ~~اللقاح أحيانا كالأنثى . وطبيعتها أنها إذا رأت الكلب في ليلة مقمرة مشت ~~على الآثار ووطئت ظله فوقع . ومن قتل ضبعا وأخذ لسانها ومر بين الكلاب لم ~~تكلب عليه ، ولم تعرض له . ومن مر بمكان كثير الضباع فأخذ بيده أصلا من ~~حنظل ، أسكتها عنه وهربت منه . القنفذ عدو الحيات ، إذا قبض على حية تركها ~~تضطرب على شوكه حتى تموت ، فإذا ماتت قطعها قطعا . الدب يقتل الثور ، ~~والغالب عليه الانحجار في مغارته . الفيل ليس له شهوة السفاد ، فإذا أراد ~~الولد أتى رياضا وجنانا فيها اللقاح هو وإناثه فهيج له اللفاح برائحته وقوة ~~حرارته شهوته فتسافدت ، فإذا ولدت ولدت قائمة ، لأن أوصالها ليست مواتية ~~كأوصال التي تلد باركة ورابضة غير أنها تلد في الماء PageV01P159 حذرا على ~~دغفلها أن يموت إذا وقع على الأرض ، فلذلك تدخل ساحل البحر حتى يبلغ الماء ~~بطنها فتضع ولدها على الماء كالفراش الوثير والذكر في ذلك يحرسها وولدها من ~~الحية . ما أشد عداوة الفيل للحية ؛ حيثما أصاب الفيل الحية وطئها وقتلها . ~~وإن هو سقط على جنبه لم يستطع القيام ، إنما نومه إذا اتكأ على شجرة . ومن ~~هناك - لما عرف أهل تلك البلاد كيف نومه - يأتون الشجرة فينشرونها بالمنشار ~~، فإذا أتاها الفيل واتكأ عليها وقعا على الأرض معا ، وحينئذ يشتد صياحه ~~بصوت رفيع ، ويجتمع إليه لذلك فيلة كثيرة تحاول معاونته على النهوض ~~والانبعاث ، فلا تقدر على ذلك ، فتصيح جماعتها بصوت واحد جزعا من ضعف ~~حيلتها وعجزها حتى يأتي الفيل الذي هو في الجسم ms103 أصغر ، وفي الحيلة أكبر ~~منها ، فيدخل مشفره تحت الفيل الساقط ، وتفعل كفعله جميعا في إدخال ~~مشافيرها تحته حتى تدعمه فينبعث ، وإنما كون رأس الفيل في عنق قصير ، وكون ~~له بدل العنق الطويل المشفر الطويل ليكتفى به من الضيق ؛ وبه يتناول طعامه ~~وشرابه . وخلقت قوائمه غير منفصلة ، لكنها كالأساطين المصمته والسواري ~~الوثيقة لتحمل الكثير الثقيل ؛ وربطت بعراقيب صغار غير منحنية ولا منثنية ~~على الأوصال ، لكن عظامه مفرغة إفراغا . تطول أعمارها إلى ثلاثمائة سنة ؛ ~~غير أن الدرذان والبق تعلق بالفيلة فتؤذيها . السمندل : دابة لا تخاف النار ~~، لأنها لا تحرقها ، وإن دخلت أخدودا متأججا مضطرما بالنار لم تحفل بذلك ، ~~وصارت النار التي تبيد الأجسام مبعثا لهذه الدابة المهينة PageV01P160 ~~الحقيرة ، تستلذ التقلب فيها استلذاذ القلب بالهواء البسيط وهبوب أرواحه ~~الطيبة ؛ ونضارة جلدها وتنقيته بالنار ، فيزداد بالنار حسن لون . الأرنب من ~~طباعها الجبن والخوف ، وهي كثيرة الولادة . الكلب ذو فحص واقتفاء للأثر ، ~~وبشمه يسترشد ويهتدي ويستدل إذا شم المولى عرفه إن كان له أو لغيره . ومن ~~طباعه الترضي والبصبصة والهشاشة لمن عرفه . ليس في الحيوان أشد حبا لصاحبه ~~منه ، فإن أشار له على صيد وثب ناصبا رأسه رافعا ذنبه مستعدا كالفارس البطل ~~والشجاع النجد ، مع نشاطه في الطلب وهو يعلم أن الصيد ليس بحاضر ، لكن ذلك ~~منه حسن طاعة . فأما حب بعض جراء الكلاب لبعض إذا كان أخاه لأم ولأب فمما ~~قد عهد وشوهد ، وذلك أنه حيث كان يطرح لها الطعام في الوسط ، فلا يخطف واحد ~~منها ذلك ، ولكنها تتعاطاه بينها بسكون وتمكين بعضها لبعض ، غير مستأثرة به ~~ولا محاربة عليه . الفرس من طباعه الزهو والحرارة وشهوة الإناث للسفاد . ~~وإن وطىء الفرس أثر وطء الذئب ارتعد وخرج الدخان من جسده كله . الذئب إذا ~~رأى الإنسان مبطئا خطوه وهو ساكن سكت عنه ، فإن رآه خاف وجبن اجترأ وحمل ~~عليه وكبسه . وليس كل ذئب يعدو ، ولكن هو الذي يكون ضاريا ؛ وفيه خلتان : ~~إحداهما أن يكون منفردا يمشي وحده ، والأخرى حدة سمعه ، إن خفي عليه مكان ~~الغنم أتى ms104 مكانا وعوى صوتين أو ثلاثة ، ثم سكت منصتا لأصوات الكلاب التي مع ~~الغنم ونباحها حين سمعت PageV01P161 عواءه ، فإذا سمع نباح الكلاب شد مسرعا ~~نحوها ، قاصدا إليها ؛ فإذا قرب من الغنم مال إلى ناحية أخرى خالية من محرس ~~الكلاب فاختطف ما أمكنه خطفه من الغنم . حمار الوحش إذا ولدت الأنثى ~~الأولاد الذكور جاء الفحل فانتزع خصي تلك الذكور وقطعها بأسنانه لكيلا تصاد ~~أو تشاركه في طروقة ، إلا أن الأنثى ربما وضعت ولدها في مكان غامض حتى يشتد ~~جسمه وتصلب حوافره ، ويقوى بالشد على النجاة من الفحل ، ولهذا السبب يقل ~~منها الفحول . الحريش دابة صغيرة في جرم الجدي ساكنة جدا ، غير أن لها من ~~قوة الجسم وسرعة الحضر ما يعجز القناص عنها ، ثم لها في وسط رأسها قرن واحد ~~منتصب مستقيم ، به تناطح جميع الحيوان فلا يغلبها شيء . احتل لصيدها بأن ~~تعرض لها فتاة عذراء وضيئة ، فإذا رأتها وثبت إلى حجرها كأنها تريد الرضاع ~~، وهذه محبة فيها طبيعية ثابتة ، فإذا هي صارت في حجر الفتاة أرضعتها من ~~ثديها على غير حضور اللبن فيها حتى تصير كالنشوان من الخمر والوسنان من ~~النوم ، فيأتيها القناص على تلك الحال فيشد من وثاقها على سكون منها بهذه ~~الحيلة . الأيل عدو الحيات إن قربت منه حية فانجحرت في صدع صفا ملأ الأيل ~~فاه من الغدير أو من حيث وجد فدفعه في ذلك الصدع ، ثم اجتذب الحية إليه ~~بالقوة حتى يقتلها ، وإن كانت فوق أنزلها ، وكذلك إن كانت أسفل ، فإن كان ~~جائعا أكل ما أصاب منها ، وإن لم يكن به جوع قتلها وتركها فصارت الحيات ~~ذوات السم الزعاف المميت لكل من أصابه PageV01P162 أو خالط بدنه غذاء هذه ~~الأيايل ، ويكون ملائما لها لذيذا عندها . وإن دخن البيت الذي فيه الحيات ~~بدخان حريق قرن الأيل فرت منه كلها خوفا . على أن الأيل نفسه جبان شديد ~~الرعب ، إذا أكل الحية بدأ بذنبها حتى ينتهي إلى رأسها ، ثم يقطعه بأسنانه ~~، وأكبر من ذلك أنه يتعلق برءوسها وتبقى في الهواء . وتكثر فيه المرة ms105 ويعطش ~~عطشا شديدا فيعوج إلى غدير الماء . الغزال ، يقال : ليس في الحيوان أبصر من ~~الظباء ؛ ويقال لها باليونانية النظارة والمبصرة . الثور دابة عمول كدود ~~مقدر جسمه بقدر قوته . من طبيعته كثرة المنى وتوقد شهوة السفاد ، إن لم يخص ~~لم يذلل للعمل ولم يسكن ولم يصح جسمه لأن الغلمة تحل جسمه وتنحله ، والخصاء ~~يقطع ذلك كله . وبينه وبين الدب عداوة شديدة . أعنز الجبل وكباشه وهي ~~الأرواء والتياتل هذا جنس متمرد في الجبال سريع الحضر في الشواهق والتوقل ~~فيها وطبيعتها أن تلد توائم . قد يوجد من البهائم ما لا يحمل ، فأما أنثى ~~الخيل إذا كانت حاملا فوطئت أثر الذئب بحافرها أجهضت حملها . الحمار في ~~طبيعته معرفة صوت الإنسان الذي اعتاد استماعه وإيناسه ، لا يضل عن طريق ~~سلكه مرة ولا يخطئه ، إذا ضل راكبه الطريق هداه وحمله على المحجة . ~~PageV01P163 وأما حدة السمع ، فليس في البهائم فيما يذكر أحدا سمعا منه . ~~اليامورة دابة وحشية نافرة ، لها قرنان طويلان ، كأنهما منشاران تنشر بهما ~~الشجر ؛ إذا عطشت وردت الفرات وعليه غياطل وغياض ملتفة أشجارها تفرعت من ~~أغصانها غصون طوال دقاق مشبكة ، فإذا شربت ريها وأرادت الصدر اشتهت ~~الاستتار والعدو بين تلك الأشجار ولحت هناك فعلق قرناها بتلك الغصون اللدنة ~~المتينة ، وكلما عالجتها لتفلت ازدادت ارتباطا فإذا ضجرت مما وقعت فيه عجت ~~جزعا ، وسمع القناص صوتها فأتوها فقتلوها . الجمل : حقود ، يرتصد من ضاربه ~~الفرصة والخلوة لينتقم منه ؛ فإذا أصاب ذلك لم يستبق صاحبه ، فأما ظهره فذو ~~سنام مقبب يكون لكثرة الحمل واحتمال الثقل ، وأوصال ركتبه وعراقيبه كبار ~~صلاب ، وأوتارها وعروقها متينة شديدة ، وعصبه وثيق لم يشتد بضغط التحام ~~مفاصله واتصالها ولم يسترخ مطويا ، لكنها هيئت على الاعتدال ليهون عليه ~~بذلك البروك والنهوض بحمله ، مع تسهيل الارتقاء عليه في ذلك . البغال : نوع ~~هجين قد أنبئنا أنه لا يلد ، إلا أنه أهدى للطريق للناس وأثبت حفظا . ~~الثيران وكل ذي قرن لا يأخذه الفواق . وأما سباع الطير وآكلات اللحم منها ~~فصلاب الأظفار ، حجن المناقير ذات حدة وقوة ، قوية الأجنحة . PageV01P164 ~~والنواهض ms106 التي فيها القوادم أكثر طيرا . الديك صلف في طبيعته ، غير أن له ~~مع ذلك إيقاظا للنائم بصياحه في آناء الليل ، والتبشير بإقبال الصبح وطلوع ~~الشمس ، يؤنس السيارات في السفر بصياحه في الليل ، ويحرضهم على السير ، مع ~~إيقاظه الفلاحين لعملهم ، والصناع لصناعتهم ، وإذا سمع المرضى صوته داخلهم ~~من ذلك روح وخفة من مرضهم . الطاوس يحب الزينة ، غير عفيف الطبيعة ، يدعوه ~~زهوه وحرصه على التزين إلى نشر ذنبه وعقده كالطاق لتراه الأنثى بحسن زينته ~~. الكراكي تتحارس بالليل ؛ ويجعل الحارس منها يتردد في المحلة ويهتف بصوت ~~يسمع محذرا ، فإذا قضى نوبته استراح وأعقبه الذي كان مستريحا نائبا عنه حتى ~~تقضي كلها ما يلزمها من الحراسة ، فإذا طارت لم تطر متقطعة ، لكنها تطير ~~نسقا غير مشتتة ، يقدمها واحد منها كالرأس والهادي لها حتى تتلوه كلها ~~لازمة صفها ، ثم يعقبه بعده آخر متقدم حتى يصير المتقدم الأول متأخرا في ~~آخرها ، وتقتسم كرامة المتقدم كلها بالسوية ؛ وفيها ما يبعد سفره وينتقل عن ~~مصيفه إذا هجم الشتاء . البط له يقظة حارسة تدل على حدة حسه . الجراد معروف ~~الحال . العقاب تطلب عين الماء ، فإذا أصابتها تحلق طائرة إلى حر الشمس وهو ~~موضع دورانها فيحترق ريشها وما كان من جناح ، ثم تغوص في تلك العين فإذا هي ~~قد عادت شابة وتذهب ظلمة عينيها . PageV01P165 وأما الطريح فيتقيض الله له ~~طائرا يقال له : قاس فيضمه إليه ولا يدعه يهلك ، ولكنه يقويه ويربيه مع ~~أفراخه . وأجنحة العقبان مفصلة شبه ريشها . وبصرها قوي بعيد تحت الشعاع ~~المستنير . ويقال : إنها أبصر الطير . الحجل يأتي أعشاش نظرائه فيسرق بيضها ~~ثم يحضنها ، فإذا تحركت الفراخ وطارت لحقت بأمهاتها . البوم مأواه ومحله ~~الخراب ، يوافقه الليل ، لأنه بالليل بصير وبالنهار كليل ، مع حبه التوحد ~~والخلوة بنفسه ، وبينه وبين الغربان عداوة ما تنقضي . النسر يتخذ وكره في ~~المكان العالي المرتفع ، وعليه يقع وفيه ينام كالراصد ، إما في ذروة الجبل ~~أو في وسطه من شظاياه وثناياه وموضع المنعة . وإذا حملت زوجته مضى إلى ~~الهند فأخذ من هناك حجرا كهيئة الجوزة ms107 إذا حرك سمع به صوت حجر آخر - يتحرك ~~في وسطه - كصوت الجرس ، فإن عسرت على زوجته الولادة جعلت ذلك الحجر تحتها ~~وعلت عليه فيذهب عنها العسر . قال : ورأيت مرة أنثى من جنس الطير مات زوجها ~~فامتنعت من الطعام والنوم ليالي كثيرة صارت فيها كالنائحة الباكية على ~~زوجها بتنفس الصعداء وزفرات الحزن لا تلقط أياما متتابعة شيئا . البزاة من ~~طبيعتها أن تداوي أنفسها وفراخها فلا تموت ، لأنها تستعمل في بعض المرض ~~والداء نبتة تعرفها وتعرف طبها . . . ومنه ما ينقص PageV01P166 ويزيد . ~~النعام : لا يعول أفراخه إلا أياما يسيرة ، ثم يدحضها ويطردها من عنده ~~إنكارا لها . الغداف لا يبيض ولا يفرخ من سفاد ، فإذا أفرخت أنثاه فراخا لم ~~يزقها ولم يطعمها ، إلا أن البق والبعوض يقع عليها لزهومتها ونتن لحمها ، ~~فتفتح أفواهها وتبلع ما دخل فيها من ذلك البق ، فهو يمسكها ويقويها . أنحاء ~~طيران الطير مختلفة كاختلاف الطير ، بعضها يطير قريبا من الأرض كالبط وما ~~أشبهه ، وبعضها يرتفع ، غير أنه لا يبعد ، كالحمام والغربان ، وبعضها يحلق ~~تحليقا ، كالعقاب والصقور والأجادل والبزاة . وما كان من الطير بدنه أعظم ~~من جناحه فهو قريب الطيران من الأرض ، لسرعة إحناء أجنحته واضطراره إلى ~~الوقوع على الأرض . البيضاني والأبغث : هذا طائر يحب ولده ، فإذا تحركت ~~فراخه ودرجت ضربت وجهه بأجنحتها فيدعوه المحك والغضب المطبوعان فيه إلى ~~قتلها ، فإذا ماتت اكتأب عليها الأبوان وأقاما عليها شبه المأتم ثلاثة أيام ~~، ثم إن الأم في اليوم الثالث تشق جنبها حتى يقطر دمها على تلك الفراخ ، ~~فيصير ذلك نشورا لها بعد موتها . مالك الحزين ينشل الحيتان من الماء ~~فيأكلها وهي طعامه ؛ لا يحسن السباحة ، فإن PageV01P167 أخطأه انتشال فجاع ~~طرح نفسه على شاطىء النهر في بعض ضحضاحه ، فإذا اجتمعت إليه السمك الصغار ~~لتأكله أسرع لأكل ما يؤكل منه . من الطير ما يلقح من هبوب الريح ، لا يحتاج ~~إلى تزاوج ولا إلى سفاد . والخفاش له خصيتان كخصي الحيوان ، وله أربع قوائم ~~وأسنان حداد كأسنان ذوات الأربع ، يرضع ولده من اللبن إرضاعا ، وجلده أملس ~~. العقعق ms108 لا يأوي تحت سقف ولا يستظل به ، ولكنه يهيىء وكره في الواضع ~~المشرفة العالية والعراء الكاشف وجه الهواء الفسيح ؛ وطبيعته الزنا وخيانة ~~الزوج ، فإذا باضت الأنثى بيضها حضنته بورق الدلب وغطته كيلا يقربه الخفاش ~~، فإن مسه مرق البيض من ساعته وفسد . النحل يلد من غير لقاح الذكور . الحية ~~إذا هرمت وكل بصرها واسترخى جلدها دخلت في صدع صفاة ضيق أو جحر ضاغط يعسر ~~عليها النفوذ فيه حتى ينسلخ عنها جلدها فتأتي عين الماء فتنغمس فيها حتى ~~يقوى لحمها وينعصب ، فإذا هي فعلت ذلك عادت شابة كما كانت . فإذا أرادتأن ~~تضىء عينها أكلت الرازيانج الرطب فاشتفت عيناها واحتد بصرها ، وإن ضربت ~~ضربة بقصبة استرخت فلم تستطع الفرار ، فإن ثنيتها وثبت وسعت هاربة . إن ~~أنقع الحسك في الماء ثم نضح ذلك الماء بين يدي جحر الحية فرت من هناك . وإن ~~وضع في جحرها أص حمص رطب فرت أيضا . وإن رأت الحية إنسانا عريانا استحيت ~~منه ولم تقربه . وإن رأته كاسيا حملت عليه بجرأة شديدة ؛ وما أشد طلبها ~~لثأرها ؛ وإن PageV01P168 شدخ رأسها ماتت من ساعتها . السمسمة ، وهي حية ~~حمراء براقة ، إذا كبرت وأصابها وجع العين وكمدت التمست حائطا مقابل المشرق ~~، فإذا تبدت الشمس أحدت إليها بصرها قدر ساعة فإذا دخل شعاع الشمس عينها ~~كشط عنها العمى والإظلام ، ولا تزال تفعل ذلك سبعة أيام حتى يتجدد بصرها ~~تماما . الأفعى تزاوج دابة بحرية ، تأتي الأفعى شفير البحر فتصوت ، وصوتها ~~مهيج لتلك الدابة البحرية . من أحرق عقربا طرد برائحة حريقها عقارب ذلك ~~البيت . فأما حمة العقرب فهي جوفاء كهيئة المزمار معقفة الرأس مكونة اللدغ ~~، فإذا ضربت شيئا تحركت فخرج سمها وجرى في حمتها وسرى في الملدوغ . الإناث ~~من بنات عرس إنما تلقح من أفواهها وتلد من آذانها . من عادة هذا الجنس أن ~~يسرق ما وجد من حلي الذهب والفضة ، ويخبؤه في جحرته ، فإن وجد أيضا في ابيت ~~حبوبا خلط بعضها ببعض ، كأن عمله عمل الطباخين في خلط التوابل . الفار ~~الفارسي أطيب ريحا من كل طيب . وإن ms109 أخذ إنسان جرذا فربطه في بيت فرت منه ~~الجرذان كلها . وإن وضع في جحر الجرذ البري ورق الدفلى ماتت الجرذان . ~~الدودة الهندية هي دودة القز ، لها في رأسها قرنان ، ثم تتحول بيضة ثم ~~تتصور في هيئة أخرى ، ذات جناحين عريضين منتصبين ، وصناعتها دمقس الحرير . ~~PageV01P169 النمل عمول مواظب ، فإذا جمع الحب قطعه كيلا ينبت إذا أصابه ~~الندى والبلة ، ويخرجه ويبسطه عند فم الجحر ، فإذا يبس أدخله . ومن جرب ~~طبائع النمل فليدق الكبريت والحبق ويذرهما في جحرته ولا يولد من تزاوج ، ~~ولكنه يخرج منه شيء قليل صغير فيقع في الأرض فيصير بيضا ، ثم يتصور من ~~البيض بالهيئة التي ترى ، وإذا شمت الورد موتت وأجنحتها مدمجة لاصقة بها . ~~البق والبعوض لا نتاج لهما ، وإنما تنجل من عفن الماء ووسخه ونتنه . ومن ~~وضع غصن العنب في موضع تحت سريره لم يقربه بق ولا بعوض . ومن أراد ألا ~~يتأذى بالبراغيث فليحفر في وسط البيت حفرة ويملأها دم تيس فإن البراغيث ~~تجتمع هناك . وإن وضع في الحفرة ورق دفلى مات البراغيث . الخلد غير ذي ~~عينين ، دائم الحفر في غير نفع ؛ وطعامه من أصول النبت وعروقه الذاهبة في ~~الأرض ، فهو يصيب ذلك في خلال حفره . يقال : إن في بلد كذا نهرا ماؤه في ~~البحر منحدرا إليه على حال طبيعته ست ساعات ، وفي الست الثانية يحتبس ماؤه ~~في ينبوعه ويرى جوفه ناضبا قد يبس . ونهرا آخر يجري في كل سبع سنين نهر ~~كبريت ، ولا يكون فيه سمك ، لأن ماءه يتغير في كل يوم ثلاث مرات ، وينبعث ~~منه شبه ثور ليس له رأس . وأهل الشام إذا أرادوا أخذه ألقوه في سفينة ، ولا ~~يستطيعون قطعه بفأس ولا كسره بحجر ، إنما يؤتى بالماء المنتن ودم الحيض ~~فيخلطان جميعا ثم ينضحان عليه ، فإذا وقعا PageV01P170 عليه تحلل وتكتل ~~كتلا صغارا ، وتستعمل في أشياء ينتفع بها . عين النار تنبع منها نار تضيء ~~بالليل للسيارات فلا تطفأ ولا تحتاج إلى شيء يمسكها ، لكنها محفوظة ~~بالحجارة ؛ إن حمل إنسان منها شعلة قبس إلى موضع لم توقد ms110 . البحر الميت ~~يقال له ذلك لأنه يموت فيه كل حي . السرطان ينسلخ جلده في السنة سبع مرات ، ~~ويتخذ بجحره بابين : أحدهما شارع إلى الماء ، والآخر إلى اليبس ؛ وإذا سلخ ~~جلده سد عليه الشارع إلى الماء لكيلا يدخل السمك فيأكله ؛ إلا أنه يدع الذي ~~إلى اليبس مفتوحا فتصيبه الريح وما ينفع لحمه ويعصمه ، فإذا اشتد لحمه وعاد ~~إلى حاله فتح ذلك المسدود وسلك في الماء وطلب طعمه وما يقيم حياته . ~~الزامور حوت صغير الجسم إلف لأصوات الناس ، مستأنس باستماعها ولذلك يصحب ~~السفن متلذذا بأصوات الناس ، فإذا رأى الحوت الأعظم يريد الاحتكاك بها ~~وكسرها ، وثب الزامور ودخل أذنه ، فلا يزال زامرا فيها حتى يفر الحوت إلى ~~الساحل يطلب خزفا أو صخرة ، فإذا أصاب ذلك لا يزال يضرب به رأسه حتى يموت . ~~وركاب السفينة يحبونه ويطعمونه ويتفقدونه ، ليدوم إلفه لهم وصحبته لسفينته ~~، ويسلموا به من ضرر السمك العادي . وإذا ألقوا شبكة ليصطادوا السمك فوقع ~~فيها الزاموار خلوه حيا وأخذوه وأعتقوا لكرامته أصناف السمك الواقع في ~~الشبكة أحياء . وإني قرأت هذا الفصل على الوزير - كبت الله كل شانىء له - ~~في ليلتين ، فتعجب وقال : ما أوسع رحمة الله ؛ وما أكثر جند الله ؛ وما ~~أغرب صنع الله . قلت : نعم ؛ PageV01P171 وما أغفل الإنسان عن حق الله الذي ~~له هذا الملك المبسوط ، وهذا الفلك المربوط ؛ وهذه العجائب التي تصعد فوق ~~العقول التامة بالاعتبار والاختبار بعد الاختبار ؛ وإنما بث الله تعالى هذا ~~الخلق في عالمه على هذه الأخلاق المختلفة والخلق المتباينة ، ليكون للإنسان ~~المشرف بالعقل طريق إلى تعرف خالقها ، وبيان لصحة توحيده له بما يشهد من ~~أعاجيبها ، ونيل لرضوانه بما يتزود من عبره التي يجد فيها ، وليكون له موقظ ~~منها ، وداع حاد إلى طاعة من أبداها وأبرزها ، وخلطها وأفردها . فقال : قد ~~كنت قلت : إنه يجري كلام في النفس منذ ليال ، فهل لك في ذلك ؟ . قلت : أشد ~~الميل وأوحاه ، لكن بشرط أن أحكي ما عندي ، وأروي ما حصلت من هذه العصابة ~~بسماعي وسؤالي . فقال : نستأنف الخوض في ذلك - إن شاء ms111 الله - فإن النعسة قد ~~حدثت العين ، فأنا كما قال : قد جعل النعاس يغر نديني . . . أدفعه عني ويسر ~~نديني أنشدني أبياتا ودعني بها ، ولتكن من سراة نجد ، ليشتم منها ريح الشيخ ~~والقيصوم . فأنشدته لأعرابي قديم : مطرنا فلما أن روينا تهادرت . . . شقاشق ~~منها رائب وحليب PageV01P172 ورامت رجال من رجال ظلامة . . . وعادت ذحول ~~بيننا وذنوب ونصت ركاب للصبا فتروحت . . . لهن بما هاج الحبيب حبيب وطئن ~~فناء الحي حتى كأنه . . . رجا منهل من كرهن نخيب بنى عمنا لا تعجلوا ينضب ~~الثرى . . . غليلا ويشفى المسرفين طبيب فلو قد تولى النبت وامتيرت القرى . ~~. . وحثت ركاب الحي حين تؤوب وصار عيوف الخود وهي كريمةعلى أهلها ذو جدتين ~~قشيب وصار الذي في أنفه خنزوانة . . . ينادي إلى داعي الردى فيجيب أولئك ~~أيام تبين ما الفتى . . . أكاب سكيت أم أشم نجيب فعجب وقال : هذا جنى غرس ~~قد جذ أصله ، ونزيح قليب قد غار مده وجزره ، وانصرفت . PageV01P173 # | الليلة الثالثة عشرة # فلما حضرت ليلة أخرى قال : هات . قلت : إن الكلام في النفس صعب ، ~~والباحثون عن غيبها وشهادتها وأثرها وتأثرها في أطراف متناوحة وللنظر فيهم ~~مجال ، وللوهم عليهم سلطان ، وكل قد قال ما عنده بقدر قوته ولحظه ، وأنا ~~آتي بما أحفظه وأرويه ، والرأي بعد ذلك إلى العقل الناصح والبرهان الواضح . ~~قال بعض الفلاسفة : إذا تصفحنا أمر النفس لحظناها تفعل بذاتها من غير حاجة ~~إلى البدن ، لأن الإنسان إذا تصور بالعقل شيئا فإنه لا يتصوره بآلة كما ~~يتصور الألوان بالعين والروائح بالأنف ، فإن الجزء الذي فيه النفس من البدن ~~لا يسخن ولا يبرد ولا يستحيل من جهة إلى أخرى عند تصوره بالعقل ، فيظن ~~الظان منا أن النفس لا تفعل بالبدن ، لأن هذه الأمور ليست بجسم ولا أعراض ~~جسمية . وقد تعرف النفس أيضا الآن من الزمان والوحدة واليقظة ، وليس لأحد ~~أن يقول : إن النفس تعرف هذه الأشياء بحس من الإحساس ، ففعل النفسي إذن ~~يفارق البدن ، وتأليف البرهان أن يكون على أن يقال : للنفس أفعال تخصها خلو ~~من البدن ، مثل التصور بالعقل ، وكل ما له فعل ms112 يخصه دون البدن فإنه لا يفسد ~~بفساد البدن عند المفارقة . وقال أيضا : وجدنا الناس متفقين على أن النفس ~~لا تموت ، وذلك أنهم يتصدقون عن موتاهم ، فلولا أنهم يتصورون أن النفس لا ~~تموت ، ولكنها تنتقل من حال إلى أخرى إما إلى خير وإما إلى شر ؛ ما كانوا ~~يستغفرون لهم ، وما كانوا يتصدقون على موتاهم ويزورون PageV01P174 قبورهم . ~~وقال أيضا : النفس لا تموت ، لأنها أشبه بالأمر الإلهي من البدن ، إذ كان ~~يدبر البدن ويرأسه . والله جل وعز المدبر لجميع الأشياء ، والرئيس لها . ~~والبدن أشبه شيء بالشيء الميت من النفس إذ كان البدن إنما يحيا بالنفس . ~~وقال أيضا : النفس قابلة للأضداد ، فهي جوهر ، فالفائدة أن النفس جوهر . ~~وقال : النفس ليست بهيولى ، فلو كانت هيولى لكانت قابلة للعظم ، فليست ~~النفس إذا بهيولى . وقال : ليست النفس بجسم ، لأن النفس نافذة في جميع ~~أجزاء الجسم الذي له نفس ، والجسم لا ينفذ في جميع أجزاء الجسم ؛ ولا هيولى ~~، لأن النفس لو كانت هيولى لكانت قابلة للمقادير والعظم ، وفائدة هذا أن ~~النفس جوهر على طريق الضرورة . وقال آخر : حركة كل متحرك تنقسم قسمين : ~~أحدهما من داخل ، وهو قسمان : قسم كالطبيعة التي لا تسكن البتة ، كحركة ~~النار ما دامت نارا ، وقسم هو كحركة النفس تهيج أحيانا وتسكن أحيانا ، ~~وكحركة جسد الإنسان التي تسكن إذا خرجت نفسه وصار جيفة . والقسم الآخر من ~~خارج ، وهو قسمان : أحدهما يدفع دفعا كما يدفع السهم ويطلق عن القوس ، ~~والآخر يجر جرا كما تجر العجلة والجيفة . وقال : فنقول : ليس يخفى أن جسدنا ~~ليس مدفوعا دفعا ولا مجرورا جرا ولما كان كل مدفوع أو مجرور متحرك من خارج ~~متحركا لا محالة من داخل ، فالجسد إذن متحرك من داخل اضطرارا . وقال : إن ~~كان جسدنا متحركا من داخل ، وكان كل متحرك من داخل إما متحركا حركة طبيعية ~~لا تسكن ، وإما نفسية تسكن . PageV01P175 فليس يخفى أن حركة جسد الإنسان ~~ليست بدائمة لا تسكن ، بل ساكنة لا تدوم ، وكانت حركة كل ما سكنت حركته فلم ~~تدم ليست حركة طبيعية لا تسكن ms113 ، بل نفسية من قبل نفس تحركه وتحسسه . بوقال ~~: إن كانت النفس هي التي تحيي الإنسان وتحركه ، وكان كل محرك يحرك غيره حيا ~~قائما موجودا ، فالنفس إذا حية قائمة موجودة . وقال أيضا : النفس جوهر لا ~~عرض ، وحد الجوهر أنه قابل للأضداد من غير تغير ، وهذا لازم للنفس ، لأنها ~~تقبل العلم والجهل ، والبر والفجور ، والشجاعة والجبن ، والعفة وضدها ، ~~وهذه أشياء أضداد ، من غير أن تتغير في ذاتها ، فإذا كانت النفس قابلة لحد ~~الجوهر ، وكان كل قابل لحد الجوهر جوهرا فالنفس إذا جوهر . وقال : قد ~~استبان أن النفس هي المحيية المحركة للجسد الذي هو الجوهر ولما كان كل محي ~~حرك للجوهر جوهرا فالنفس إذا جوهر . وقال : لا سبيل أن يكون المحيا المحرك ~~جوهرا ويكون المحيي المحرك غير جوهر ، فإذا كانت هي المحيية المحركة للجسد ~~، وكان لا يمكن أن يكون المحيي المحرك للموجود غير موجود ، فالنفس إذا لا ~~يمكن أن تكون غير موجودة . وقال : إن كانت النفس بها قوى وحياة الجسد ، ~~فيمتنع أن يكون قوامها بالجسد ، بل بذاتها التي قامت بها حياة الجسد . وقال ~~: إن كانت النفس قائمة بذاتها التي قامت بها حياة الجسد ، فما كان قائما ~~بذاته فهو جوهر ، فالنفس إذا جوهر . وقد أملى علينا أبو سليمان كلاما في ~~حديث النفس هذا موضعه ، ولا عذر في الإمساك عن ذكره ليكون مضموما إلى غيره ~~، وإن كان كل هذا لم يجر على وجهه بحضرة الوزير - أبقاه الله ومد في عمره - ~~لكن الخوض في الشيء بالقلم مخالف للإفاضة باللسان ، لأن القلم أطول عنانا ~~من اللسان ، وإفضاء اللسان أحرج من PageV01P176 إفضاء القلم ، والغرض كله ~~الإزادة ، فليس يكثير الطويل . قال : ينبغي أن نعرف باليقظة التامة أن فينا ~~شيئا ليس بجسم له مدات ثلاث : أعني الطول والعرض والسمك ، ولا يجزأ من جسم ~~ولا عرض من الأعراض ، ولا حاجة به إلى قوة جسمية ، لكنه جوهر مبسوط غير ~~مدرك بحس من الإحساس . ولما وجدنا فينا شيئا غير الجسم وضد أجزائه بحدته ~~وخاصته ، ورأينا له أحوالا تباين أحوال الجسم حتى لا تشارك ms114 في شيء منها ~~وكذلك وجدنا مباينته للأعراض ، ثم رأينا منه هذه المباينة للأجسام والأعراض ~~إنما هي من حيث كانت الأجسام أجساما والأعراض أعراضا ؛ قضينا أن ها هنا ~~شيئا ليس بجسم ولا جزء من الجسم ، ولا هو عرض ، ولذلك لا يقبل التغير ولا ~~الحيلولة ، ووجدنا هذا الشيء أيضا يطلع على جميع الأشياء بالسواء ولا يناله ~~فتور ولا ملال ، ويتضح هذا بشيء أقوله : كل جسم له صورة فإنه لا يقبل صورة ~~أخرى من جنس صورته الأولى البتة إلا بعد مفارقته الصورة الأولى ، مثال ذلك ~~أن الجسم إذا قبل صورة أو شكلا كالتثليث ، فليس يقبل شكلا آخر من التربيع ~~والتدوير إلا بعد مفارقة الشكل الأول . وكذلك إذا قبل نقشا أو مثالا فهذا ~~حاله ، وإن بقي فيه من رسم الصورة الأولى شيء لا يقبل الصورة الأخرى على ~~النظم الصحيح ، بل تنقش فيه الصورتان ، ولا تتم واحدة منهما ، وهذا يطرد في ~~الشمع وفي الفضة وغيرها إذا قبل صورة نقش في الخاتم ؛ ونحن نجد النفس تقبل ~~الصور كلها على التمام والنظام من غير نقص ولا عجز ، وهذه الخاصة ضد لخاصة ~~الجسم ، ولهذا يزداد الإنسان بصيرة كلما نظر وبحث وارتأى وكشف . ويتضح أيضا ~~عن كثب أن النفس ليست بعرض ، لأن العرض لا يوجد إلا في غيره ، فهو محمول لا ~~حامل وليس هو قواما ، وهذا الجوهر الموصوف بهذه الصفات هو الحامل لما لها ~~أن تحمل ، وليس له شبه من الجسم ولا من العرض . PageV01P177 وكان يقول : ~~إذا صدق النظر ، وكان الناظر عاريا من الهوى ، وصح طلبه للحق بالعشق الغالب ~~، فإنه لا يخفى عليه الفرق بين النفس المحركة للبدن ، وبين البدن المتحرك ~~بالنفس . قال : ولما عرضت الشبهة لقوم قصر نظرهم ، ولم يكن لهم لحظ ولا ~~اطلاع فظنوا أن الرباط الذي بين النفس والبدن إذا انحل فقد بطلا جميعا . ~~وهذا ظن فيه عسف ، لأنهما لم يكونا في حال الارتباط على شكل واحد وصورة ~~واحدة ، أعني أنهما تباينا في تصاحبهما وتصاحبا في تباينهما . ألا ترى أن ~~البدن كان قوامه ونظامه وتمامه بالنفس ms115 ؟ هذا ظاهر . وليس هذا حكم النفس في ~~شأنها مع البدن ، لأ ، ها واصلته في الأول عند مسقط النطفة ، فما زالت ~~تربيه وتغذيه وتحييه وتسويه حتى بلغ البدن إلى ما ترى ، ووجد الإنسان بها ، ~~لأن النفس وحدها ليست بإنسان ، والبدن وحده ليس بإنسان ، بل الإنسان بهما ~~إنسان ، فإذا الإنسان نصيبه من النفس أكثر من نصيبه من البدن . وهذه الكثرة ~~توجد في الأول من ناحية شرف النفس في جوهرها ، وتوجد في الثاني من جهة صاحب ~~النفس الذي هو الإنسان بما يستفيده من المعارف الصحيحة ، ويضمه إلى الأفعال ~~الواجبة الصالحة ، فأمر المعارف الصحيحة معرفة الله الواحد الحق باليقين ~~الخالص ، وأمر الأفعال الواجبة الصالحة العبادة له والرضوان عنه . وغاية ~~المعرفة الاتصال بالمعروف ، وغاية الأفعال الواجبة الفوز بالنعيم والخلود ~~في جوار الله ، وهذا هو الصراط المستقيم الذي دعا إلى الجواز عليه كل من ~~رجع إلى بصيرة وآوى إلى حسن سيرة . فأما من هو عن هذا كله عم وعما يجب عليه ~~ساه ، فهو في قطيع النعم ، وإن كان متقلبا في أصناف النعم . PageV01P178 ~~وكان يقول كثيرا : الناس أصناف في عقولهم : فصنف عقولهم مغمورة بشهواتهم ، ~~فهم لا يبصرون بها إلا حظوظهم المعجلة ، فلذلك يكدون في طلبها ونيلها ، ~~ويستعينون بكل وسع وطاقة على الظفر . وصنف عقولهم منتبهة ، لكنها مخلوطة ~~بسبات الجهل ، فهم يحرضون على الخير واكتسابه ، ويخطئون كثيرا ، وذلك أنهم ~~لم يكملوا في جبلتهم الأولى وهذا نعت موجود في العباد الجهلة والعلماء ~~الفجرة ، كما أن النعت الأول موجود في طالبي الدنيا بكل حيلة ومحالة . وصنف ~~عقولهم ذكية ملتهبة ، لكنها عمية عن الآجلة ، فهي تدأب في نيل الحظوظ ~~بالعلم والمعرفة والوصايا اللطيفة والسمعة الربانية ، وهذا نعت موجود في ~~العلماء الذين لم تثلج صدورهم بالعلم ، ولا حق عندهم الحق اليقين ؛ وقصروا ~~عن حال أبناء الدنيا الذين يشهرون في طلبها السيوف الحداد ، ويطيلون إلى ~~نيلها السواعد الشداد فهم بالكيد والحيلة يسعون في طلب اللذة وفي طلب ~~الراحة . وصنف عقولهم مضيئة بما فاء عليها من عند الله تعالى باللطف الخفي ~~، والاصطفاء السني ، والاجتنباء ms116 الزكي ، فهم يحلمون بالدنيا ويستيقظون ~~بالآخرة ؛ فتراهم حضورا وهم غيب ، واشياعا وهم متباينون . وكل صنف من هؤلاء ~~مراتبهم مختلفة ، وإن كان الوصف قد جمعهم باللفظ . وهذا كما تقول : الملوك ~~ساسة ، ولكل واحد منهم خاصة ؛ وكما يقولون : هؤلاء شعراء ولكل واحد منهم ~~بحر ؛ وهؤلاء بلغاء ولكل واحد منهم أسلوب وكما تقول : علماء ، ولكل واحد ~~منهم مذهب . PageV01P179 وعلى هذا أبو سليمان - حفظه الله - إذا أخذ في هذا ~~الطريق أطرب ، لسعة صدره بالحكمة ، وفيض صوابه من المعرفة ، وصحة طبيعته ~~بالفطرة . وقال : إنا بعد هذا المجلس تركنا صنفا لم نرسمه بالذكر ، ولم ~~نعرض له بالاستيفاء ، وهم الهمج الرعاع الذين إن قلت : لا عقول لهم كنت ~~صادقا ، وإن قلت : لهم أشياء شبيهة بالعقول كنت صادقا ؛ إلا أنهم في العدد ~~، من جهة النسبة العنصرية والجبلة الطينية والفطرة الإنسية ، وفي كونهم في ~~هذه الدار عمارة لها ومصالح لأهلها : ولذلك قال بعض الحكماء : لا تسبوا ~~الغوغاء فإنهم يخرجون الغريق ويطفئون الحريق ويؤنسون الطريق ويشهدون السوق ~~. فضحك - أضحك الله ثغره ، وأطال عمره ، وأصلح شأنه وأمره - فقال : قد جرى ~~في حديث النفس أكثر مما كان في النفس ، وفيه بلاغ إلى وقت ، وأظن الليل قد ~~تمطى بصلبه ، وناء بكلكله ؛ وانصرفت . # | الليلة الرابعة عشرة # ومر بعد ذلك في عرض السمر : ما تقلد امرؤ قلادة أفضل من سكينة . فقال : ~~ذكرتني شيئا كنت مهتما به قديما ، والآن قرعت إلى بابه ؛ ما السكينة ؟ فإني ~~أرى أصحابنا يرددون هذا الاسم ولا يبسطون القول فيه . فكان من الجواب : ~~سألت أبا سليمان عن السكينة ما هي ؟ فقال : السكائن كثيرة : طبيعية ، ~~ونفسية وعقلية ، وإلهية . ومجموعة من هذه بأنصباء مختلفة ، ومقادير متفاوتة ~~ومتباعدة . والسكينة الطبيعية اعتدال المزاج بتصالح الأسطقسات ، تحدث به ~~لصاحبه شارة تسمى الوقار ، ويكون للعقل فيها أثر باد ، وهو زينة ~~PageV01P180 الرواء المقبول . والسكينة النفسية مماثلة الروية للبديهة ، ~~ومواطأة البديهة للروية ، وقصد الغاية بالهيئة المتناسبة ، يحدث بها ~~لصاحبها سمت ظاهر ورنو دائم وإطراقق لا وجوم معه ، وغيبة لا غفلة معها ، ~~وشهامة لا طيش فيها . والسكينة العقلية حسن قبول الاستفاضة ms117 بنسبة تامة إلى ~~الإفاضة ؛ ومعنى هذا أن القابل مستغرق بقوة المقبول منه ، وبهذه الحال يحدث ~~لصاحبها هدى يشتمل على وزن الفكر في طلب الحق مع سكون الأطراف في أنواع ~~الحركات . والسكينة الإلهية لا عبارة عنها على التحديد ، لأنها كالحلم في ~~الانتباه وكالإشارة في الحلم ، وليست حلما ولا انتباها في الحقيقة ، لأن ~~هذين نعتان محمودان في عالم السيلان والتبدل ، جاريان على التخيل والتجوز ~~بزوائد لا ثبات لها ونواقص لا مبالاة بها ، روحانية في روحانية ، كما يقال ~~: هذا صفو هذا ؛ وهذا صفو الصفو ومن لحظ هذه الكيفية وبوشر صدره بهذه ~~الحقيقة استغنى عن رسوم محددة بألف ولام ، وحقائق مكنونة في عرض الكلام ؛ ~~وإذا جهلنا أشياء هي لأهل الأنس بلغات قد فطروا عليها ، وعبارات أنسوا بها ~~، كيف نجد السبيل إلى الإفصاح والإشارة إليها . فهذا باب واضح ، والطمع في ~~نيله نازح ؛ وإذا كان المنال صعبا في الموضع الذي عمدنا إليه ، فكيف يكون ~~حالنا في البحث عما في حيز الألوهية وبحبوحة الربوبية ، ولا كون هناك ولا ~~ما نسبته للكون ؛ وأقوى ما في أيدينا أن نتعلل بالوجود ، فالموجود والوجدان ~~والجود ، وهذه كلها غليظة بالإضافة إلينا وفوق الدقيقة بالإضافة إلى ~~أعيانها . PageV01P181 فعلى هذا ، الصمت أوجد للمراد من النطق ، والتسليم ~~أظفر بالبغية من البحث . قال البخاري : فشيء كهذا بدقيقه وإشكاله ، وغموضه ~~وخفائه ، كيف يظهر على جبلة بشري وبنية طينية وكمية مادية وكيفية عنصرية ؟ ~~. فقال : يا هذا ، إنما يشع من هذه السكينة على قدر ما استودع صاحبها من ~~نور العقل ، وقبس النفس ، وهبة الطبيعة ، وصحة المزاج ، وحسن الاختيار ~~واعتدال الأفعال ، وصلاح العادة ، وصحة الفكرة ، وصواب القول ، وطهارة السر ~~ومساواته للعلانية ، وغلبته بالتوحد ، وانتظام كل صادر منه ووارد عليه . ~~وها هنا تمحى الجبلة البشرية ، وتتبدد الجبلة الطينية ، وتبيد الكمية ~~المادية وتعفو الكيفية العنصرية ، ويكون السلطان والولاية والتصريف ~~والسياسة كلها لتلك السكينة التي قدمنا وصفنا لها ، واشتد وجدنا بها ، وطال ~~شوقنا إليها ودام حديقنا نحوها ، واتصل رنونا إليها ، وتناهت نجوانا بذكرها ~~. وهذا هو الخلع الذي سمعت بذكره ، واللباس الذي سألت عنه ms118 ، أعني خلع ما ~~أنت منه إنسان ، ولبس ما أنت به ملك . الله المستغاث منكم ، ما أشد بلواي ~~بكم ، لم تتحركون إلا إلى ما لا سكون لكم فيه ؟ ولم تسألون عما لا اطلاع ~~لكم عليه ؟ سلوا ربكم أعينا بصيرة ، وآذانا واعية ، وصدورا طاهرة ، وقوة ~~متتابعة ، فإنكم إذا منحتموها هديتم لها ، وإذا حرمتموها قطعتم دونها ، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله . قال البخاري : وقد تركنا يا سيدنا حديث السكينة ~~المجموعة من هذه الجملة بأنصباء مختلفة . فقال : لا عجب أن ينشأ العالم بكل ~~ما فيه في هذه الحوة التي لذنا بها وحاولنا PageV01P182 الوصول إليها ؛ وأي ~~شيء أعجب في هذا المقام ، رسم أو قوام ، أو ثبات أو دوام ، إلا له نصيب من ~~عناية الله تعالى الكريم . نعم ، والسكينة المجموعة من كل ما سلف القول فيه ~~تقاسمها نوع الإنسان بالزيادة والنقصان ، والغموض والبيان ، والقلة والكثرة ~~، والضعف والقوة ، وهذا يتبين بأن تقسم الطيش والحدة والعجلة والخفة على ~~أصحابها ، فتجد التفاوت ظاهرا . وكذلك إذا قسمت الهدوء والقرار والسكون ~~والوقار على أهلها ، فإنك تجد التباين مكشوفا والاختلاف ظاهرا . ثم قال : ~~أما السكينة التي هي في أعلى المراتب فهي لأشخاص فوق البشر ، وليس لهم نسبة ~~من الخلق إلا الخلقة الحسية والعشرة البشرية ، وإلا فهم في ذروة عالية ، ~~ومحلة إلهية . قال : وأما السكينة التي تلي هذه فهي للأنبياء على اختلاف ~~حظوظهم منها لأنها مرتبات تنقسم بين المنام واليقظة انقساما متفاوتا بالعرض ~~الحامل للصدق وللشبيه بالصدق ، وللحق وللقرب من الحق ، وللصحيح والتالي ~~للصحيح ، ثم يختلف بيانهم عن ذلك بالتعريض والإيضاح ، والكناية والإفصاح ، ~~والتشبيه والاستعارة . قال : فأما السكينة التي تتلو هذه فهي التي تظهر على ~~طائفة تخلف الأنبياء ، وذلك أن بقايا قواهم يرثها الذين صحبوهم ، واستضاءوا ~~بنورهم ، وفهموا عنهم ، ولقنوا منهم ، ودخلوا في زمرتهم ، وحاكوهم في ~~الشمائل والأخلاق ، وسلكوا منهاجهم في القيادة والسياق ، وصلحوا سفراء بين ~~الأبعدين ، كما كانوا سجراء للأقربين ، وهم الذين يفسرون الغامض ، ويوضحون ~~المشكل ، ويبسطون المطوي ، ويشرحون المكنى ، ويبرزون PageV01P183 المراد ~~والمعنى ، ويوطدون الأساس ، ويرفعون الالتباس ، وينفون الوحشة ويحدثون ~~الإيناس ms119 . وأما السكينة الباقية فهي مفضوضة على اتباع هؤلاء بالسهام ~~العلوية ، والمقادير العدلية ، والمناسيب العقلية ، من غير جور ولا حيف ، ~~ولا انحراف ولا ميل . فقال البخاري : أهي - أعني السكينة - في معنى فاعلة ~~أو مفعولة ؟ فقال : الفضاء أعرض مما تظن ، وإن كان في غاية العرض ؛ والذروة ~~أعلى من أن ترام وإن كان الإنسان يطلبها بالبسط والقبض . هي بوجه في معنى ~~فاعلة إذا شعرت بتأثيرها ، وبوجه آخر في معنى مفعولة إذا شعرت بتأثرها . ~~وبوجه آخر ، ليست من هذين القبيلين في شيء إذا لحظتها في معانيها قبل ~~تأثيرها وتأثرها ، وأنت تعتبر حد الفاعل والمفعول من شكل اللفظ ووزن ~~الترتيب ، بشائع العادة وقائم العرف ، والسكينة وراء هذا كله بالحق والواجب ~~والصحة والتمام فإنها صراط الله للمخصوصين بالاستقامة عليه ، فإذا شهدت ~~المخصوص بها كانت عبارتك عن الملحوظ منها مشاكلة لعبارتك عن أخلاق رضية ~~وأحوال مرضية ، وإذا شهدت ذلك المعنى من معاني الحق كانت عبارتك متلجلجة لا ~~نظام لها ولا تعادل ولا اتساق على العادة الجارية والحال الطارئة ؛ فأحق ما ~~ينبغي لطالب الحكمة واللائذ بهذه الحومة أن يبحث وينظر ، ويكشف وينقر ، ~~ويستقصى ويسبر ويسأل ويستبصر ؛ حتى إذا بلغ هذه الآفاق ، وشهد هذه الأعلام ~~، ووجد الصواب الذي لا شوب فيه ، وصادف اليقين الذي لا ريب معه ، وعرف ~~الاستبانة التي تغني عن البيان ، وذاق المعنى الذي هو فوق العيان ، أمسك ~~وانتهى ، ووقف واستغنى لا لعرض ظلام غشيه ، ولكن لسطان شعاع ملكه ؛ لأن ذلك ~~النور محيط بكل PageV01P184 شيء دونه ، ومستول على كل شيء تحته . وكان يقول ~~في هذا الفن إذا جد به الكلام وبدا منه المكتوم وشرد عنه الخاطر ما لا يوعى ~~بحفظ ، ولا يروى بلفظ . وإنما كان أصحابنا ينتظرون منثوره بهذه الحروف لفظا ~~لينظموا منه شذرا وعقدا ، وكانوا إذا تلاقوا اشتركوا في تقويم ذلك كله ، ~~وتعاونوا على تحبيره ، وتصادقوا على مفهومهم منه ، وتجنبوا المنازعة والشغب ~~عليه ، وأخذوا بالعفو والممكن منه ، لئلا يفوتهم المعنى ، ولا يتحيرون في ~~المنتهى . وسأله الأندلسي في هذا المجلس عن الأمم وأحوالها ، ونقصها ~~وكمالها فقال : اشتركت ms120 الأمم في جميع الخيرات والشرور ، وفي جميع المعاني ~~والأمور : اشتراكا أتى على أول التفاوت ووسطة وآخره ، ثم استبدت كل أمة ~~بقوالب ليست لأختها ، واشتراكهم فيها كالأصول واستبدادهم كالفروع ، وفيما ~~اشتركوا فيه المحمود والمذموم . ولم يجز في الحكمة الإلهية غير هذه القسمة ~~، لأن الاشتراك لو سبق بلا تفاوت لم يكن اشتراكا ، والتقاسم لو عري من ~~الاتفاق لم يكن تقاسما ، فصار ما من أجله يفترقون ، به يجتمعون ، وما من ~~أجله ينتظمون ، به ينتثرون . فعلى هذا اشتركوا في الأخلاق واللغات ، ~~والعقائد والصناعات ، وجر المنافع ودفع المضار ، مع اختلافهم فيها بنوع ~~ونوع . ألا ترى أن لغة الهند غير لغة الروم ، وكذلك الصناعة والعقيدة وما ~~يجري مجراهما ، إلا أنهم مع هذه الأصول والقواعد تقاسموا أشياء بين الفطرة ~~والتنبيه ، وبين الاختيار والتقدمة ، فصار الاستنباط والغوص والتنقير ~~والبحث والاستكشاف والاستقصاء والفكر ليونان والوهم والحدس والظن والحيلة ~~والتحيل والشعبذة للهند والحصافة واللفظ والاستعارة والإيجاز والاتساع ~~والتصريف والسحر باللسان للعرب ؛ والروية والأدب والسياسة والأمن والترتيب ~~والرسوم والعبودية والربوبية للفرس . PageV01P185 فأما الترك فلها الشجاعة ~~. والعرب تشاركها إما بالزيادة وإما بالمساواة ؛ وليس للترك بعد هذا حظ ولا ~~دراية إلابقسط من الظل من الشخص . والعرب مع منطقها البارع لها المزية ~~المعروفة على الترك بعد في السياسة وإن كانت قاصرة ؛ وأما الزيج والسودان ~~فغلبت عليها الفسولة وشاكلت البهائم الضعيفة ، كما شاكلت الترك السباع ~~القوية . قيل له : إن أبا زيد قد عمل كتابا في أخلاق الأمم . قال : قد ~~رأيته وقرأته وقد أفاد ، وكل من تكلم على طريقة الحكماء الذين يتوخون من ~~الأمور لبابها ، ويصرفون عنها قشورها ، فله السابقة والتقدم على من يخبط ~~كفلان وفلان . ومن جحد بلاغة العرب في الخطابة وجولانها كل مجال وتميزها ~~باللسان فقد كابر ، ومن أنكر تقدم يونان في إثارة المعاني من أماكنها ~~وإقامة الصناعات بأسرها ، وبحثها عن العالم الأعلى والأوسط والأسفل فقد بهت ~~. ومن دفع مزية الفرس في سياستها وتدبيراتها وترتيب الخاصة والعامة بحق ما ~~لها وعليها فقد عاند . وهكذا من دفع ما للهند ، فليس من شخص وإن كان زريا ms121 ~~قميئا إلا وفيه سر كامن لا يشركه فيه أحد ، وإذا كان هذا في شخص على ما ~~قلنا ، فكيف إذا نظرت إلى ما يحويه النوع . وهكذا إذا ارتقيت إلى الجنس ، ~~وهذا لأن عرض الجنس أوسع من عرض النوع ، كما أن عرض النوع أوسع من عرض ~~الشخص ، وليس دون الشخص تحت ، كما أنه ليس فوق الجنس فوق . وأما انقسام هذه ~~الثلاثة على هذا فليكون فضاء العالم غاصا بالطرف والوسط والأفق وليكون سحا ~~بالغا من المصدر إلى المورد . PageV01P186 وعلى هذا لولا الجنس لم يوجد نوع ~~، ولولا النوع لم يوجد شخص . وكذلك العكس . قال أبو سعيد الطبيب : أللعالم ~~العلوي أجناس وأنواع وأشخاص ؟ قال : كيف يخلو العالم العلوي من هذا التقسيم ~~، وإنما هذا الذي لحقنا في العالم السفلي حكاية ذلك العالم العلوي حذو ~~النعل بالنعل والقذة بالقذة . فقال له مستزيدا : فهل في البسائط الإلهية ~~أجناس وأنواع وأشخاص ؟ فقال : لا ، إلا أن يتخذ شيء من هنالك قراره في ~~معارض العالم السفلي بقوة العالم العلوي ، وذلك كالبرق إذا خطف ، والنسيم ~~إذا لطف . قال : فهل ينال البسائط نقص بالإخبار بالأجزء المركبة عنها كما ~~ينال المركبات كمال بالأجزاء البسيطة عنها ؟ فقال : لا ، لأن ما علا يؤثر ~~ولا يقبل التأثير ؛ وما سفل يتأثر . ألا ترى أن ما علا من الكواكب لا يتصل ~~بشيء دونه ، وما سفل منها يتصل بما علا عنه . وقال له أيضا : إذا قلنا : ~~الروحانيات ، فماذا ينبغي أن يلحظ منها ؟ فقال : الروحانيات على أقسام ؛ ~~فقسم منها متبدد في المركبات من الحيوان والجماد ، وقسم منها مكتنف للحيوان ~~والجماد ، وبحسب هذا الاكتناف هو أبسط وألطف من القسم الأول المتبدد ؛ وقسم ~~منها فوق القسم المكتنف ، وهو الذي منه مادة المحيط ؛ وقسم آخر فوق هذا ~~الممتد ، ثم فوق هذا ما لا يملكه وهم ، ولا يدركه فهم ؛ وذلك أنه في جناب ~~القدس وحيث لا مرام لشيء من قوى الجن والإنس . وسألت أبا سليمان فقلت : إن ~~علي بن عيسى الرماني ذكر أن التمكين من القبيح قبيح ، لأن التمكين من الحسن ~~حسن . فلو كان التمكين ms122 من القبيح قبيحا مع كونه من الحسن حسنا كان حسنا ~~قبيحا ؛ وهذا تناقض ؛ كيف صحة هذا الذي أومأ إليه ؟ فقال : أخطأت ، لأن ~~التمكين وحده اسم مجرد لشيء محدد ، والأسماء المحددة دلالتها على الأعيان ~~لا على صفات الأعيان أو ما يكون من الأعيان أو ما يكون في الأعيان . ~~والتمكين معتبر بما يضاف إليه ويناط به ، فإن كان من القبيح فهو قبيح لأنه ~~علة PageV01P187 القبيح ، وإن كان من الحسن فهو حسن لأنه سبب الحسن . وهذا ~~كما تقول : هذا الدرهم نافع أو ضار ؟ فيقال : إن صرفته فيما ينبغي فهو نافع ~~، وإن أنفقته فيما لا ينبغي فهو ضار ، وكذلك السيف في الآلات ، وكذلك اللفظ ~~في الكلمات ، والإضافة قوة إليهة سرت في الأشياء سريانا غريزيا قاهرا ~~متملكا قاسرا ، فلا جرم لا ترى حسيا أو عقليا أو وهميا أو ظنيا أو علميا أو ~~عرفيا أو عمليا أو حلميا أو يقظيا إلا والتصاريف سارية فيها ، والإضافة ~~حاكمة عليها . وهذا لأن الأشياء بأسرها مصيرها إلى الله الحق ، لأن مصدرها ~~من الله الحق ، فالإضافة لازمة ، والنسبة قائمة ، والمشابهة موجودة . ولولا ~~إضافة بعضنا إلى بعض ما اجتمعنا ولا افترقنا ، ولولا الإضافة بيننا الغالبة ~~علينا ما تفاهمنا ولا تعاونا . قال : إذا كنا بالتضايف نتوالى ، فبأي شيء ~~بعده نتعادى ؟ قال : هذا أيضا بالإضافة ، لأن الإضافة ظل ، والشخص بالظل ~~يأتلف ، وبالظل يختلف . وقال : ويزيدك بيانا أن العدم والوجود شاملان لنا ، ~~سائران فينا فبالوجود نتصادق ، وبالعدم نتفارق . وسأل مرة عن الطرب على ~~الغناء والضرب وما أشبههما . فكان من الجواب : قيل لسقراط فيما ترجمه أبو ~~عثمان الدمشقي . لم طرب الإنسان على الغناء والضر ؟ فقال : لأن نفسه مشغولة ~~بتدبير الزمان من داخل ومن خارج ، وبهذا الشغل هي محجوبة عن خاص مآلها . ~~فإذا سمعت الغناء انكشف عنها بعض ذلك الحجاب ، فحنت إلى خاص ما لها من ~~المثالات الشريفة والسعادات الروحانية من بعد ذلك العالم ، لأن ذلك وطنها ~~بالحق . فأما هذا العالم فإنها غريبة فيه ، والإنسان تابع لنفسه ، وليست ~~النفس تابعة للإنسان ، لأن الإنسان بالنفس إنسان ، وليست النفس ms123 نفسا ~~بالإنسان ، فإذا طربت النفس - أعني حنت ولحظت الروح الذي لها - تحركت وخفت ~~فارتاحت واهتزت . ولهذا يطرح الإنسان ثوبه عنه ، وربما مزقه كأنه يريد أن ~~PageV01P188 ينسل من إهابه الذي لصق به ، أو يفلت من حصاره الذي حبس فيه ، ~~ويهرول إلى حبيبه الذي قد تجلى له وبرز إليه . إلا أن هذا المعنى على هذا ~~التنضيد إنما هو للفلاسفة الذين لهم عناية بالنفس والإنسان وأحوالهما . ~~وأما غيرهم فطربهم شبيه بما يعتري الطير وغيرها ، وانصرفت . # | الليلة الخامسة عشرة # وجرى مرة كلام من الممكن ، فحكيت عن ابن يعيش الرقي فصلا سمعته يقوله ، ~~لابأس برسمه في هذا الموضع ، فإن التشاور في هذا الحرف دائم متصل وينبغي ~~لنا أن نبحث عنه بكل زحف وحبو ، وبكل كد وعفو . قال : الممكن شبيه بالرؤيا ~~لا بدن له يستقل به ، ولا طبيعة يتحيز فيها . ألا ترى أن الرؤيا تنقسم على ~~الأكثر والأقل والتساوي ، وكما أن الرؤيا ظل من ظلال اليقظة ، والظل ينقص ~~ويزيد إذا قيس إلى الشخص ؛ كذلك الممكن ظل من ظلال الواجب ، فطورا يزيد ~~تشابها للواجب ، وطورا ينقص تشاكها للمتنع ، وطورا يتساوى بالوسط . قال : ~~والواجب لا عرض له ، لأنه حد واحد ، وله نصيب من الوحدة بدليل أنه لا تغير ~~له ولا حيلولة لا بالزمان ولا بالمكان ولا بالحدثان ولا بالطبيعة ولا ~~بالوهم ولا بالعقل ، بل العقل ينقاد له ، والطبيعة تسلم إليه ، والوهم يفرق ~~منه وصورة الواجب لا يحدسها الظن ، ولا يتحكم فيها تجويز ، ولا يتسلط عليها ~~دامغ ولا ناسخ ، وهذا الحكم يطرد على الممتنع ، لأنه في مقابلته على الضد ، ~~أعني أنه لا بدن له ، فيكون له عرض ، والعرض كله للمكن بالنعت الذي سلف من ~~الكثرة والقلة والمساواة . ولهذا تعلقت التكاليف به في ظاهر الحال وبادىء ~~الأمر وعارض الشان ، واستولى الوجود عليه بباطن الحال وخفي الأمر وراتب ~~الشان ، لكن هذا الفصل الذي اشتمل على PageV01P189 الظاهر والباطن ليس ~~ينكشف للحس كما ينكشف للعقل . ولما كنا بالحس أكثر - وإن كنا لا نخلو في ~~هذه الكثرة من آثار العقل - لزمنا الاعتراف بعوائد الممكن ms124 وعلائقه ، والعمل ~~عليه ، والرجوع إليه إذا أمرنا أو نهينا أو ائتمرنا أو انتهينا . ولما ظهر ~~لنا بإزاء هذا الذي كنا به أكثر أن لنا شبحا آخر نحن به أقل وهو العقل يشهد ~~لنا بأن صورة الوجوب استولت من مبدأ الأمر إلى منقطعه الذي هو في عرض ~~الواجب إلى الآخر الممتنع . وكما لزمنا الاعتراف الأول لكون به عاملين ~~ومستعملين ، ورافعين وواضعين ، ولائمين وملومين ، ونادمين ومندمين ؛ كذلك ~~لزمنا الاعتراف بسلطان الواجب الذي لا سبيل إلى عزله ، ولا محيص عن الإقرار ~~به ، ولا فكاك من اطراده بغير دافع أو مانع . واتصل كلام ابن يعيش على تقطع ~~في عبارته التي ما كانت أداته تواتيه فيها ، مع تدفق خواطره عليها ؛ فقال : ~~الرؤيا ظل اليقظة ، وهي واسطة بين اليقظة والنوم ، أعني بين ظهور الحس ~~بالحركة ، وبين خفائه بالسكون . قال : والنوم واسطة بين الحياة والموت ، ~~والموت واسطة بين البقاء الذي يتصل بالشهود وبين البقاء الذي يتصل بالخلود ~~. قال : وهذا نعت على تسهيل اللفظ وتقريب المراد والتصور ؛ والثقة شوك ~~القتاد ، وازدراد العلقم والصاب ، للحواجز القائمة والموانع المعترضة من ~~الإلف والمنشأ وغير ذلك مما يطول تعديده ويشق استقصاؤه . فقال : هذا كلام ~~ظريف ، وما خلت أن ابن يعيش مع فدامته ، ووخامته يسحب PageV01P190 ذيله في ~~هذا المكان ، ويجري جواده بهذا العنان . قلت له : إن له مع هذه الحال مرامي ~~بعيدة ، ومقاصد عالية ، وأطرافا من المعاني إذا اعتلقها دل عليها ، إما ~~بالبيان الشافي ، وإما بما يكون طريقا إلى الوهم الصافي . وقلت : لقد مر له ~~اليوم شيء جرى بينه وبين أبي الخير اليهودي أستفيد منه . قال : وما ذاك ؟ ~~أنثر علينا درر هذه الطائفة التي نميل إليها بالاعتقاد وإن كنا نقع دونها ~~بالاجتهاد ؛ ونسأل الله أن يرحم ضعفنا الذي منه بدئنا ويبدلنا قوة بها نجد ~~قربنا في آخرنا . قلت : ذكر أن العقل لا غناء له في الأشياء التي تغلب ~~عليها الحيلولة والسيلان والتطول ، كما أن الحس لا ينفذ في الأمور التي لا ~~تطور لها بالحيلولة والتطول ، ولذلك عرفت الحكمة في الكائنات الفاشيات ، ~~وخفيت العلل ms125 والأسباب في بدوها وخفيتها وتبددها وتآلفها ، لكن هذا الفرق ~~والخفاء مسلمان للقدرة المستعلية والمشيئة النافذة . قال : ولهذا التريتب ~~سر به حسن هذا النعت ، وإليه انتهى هذا البحث وذلك أن خفاء ما خفي بحق ~~الأول ألحق ، وبدو ما بدا من نصيب أطلق للذي لا يحتمل غير هذا الثقل ، ولو ~~خفف عنه هذا الحق ، وبدو ما بدا من نصيب أطلق للذي لا يحتمل غير هذا الثقل ~~، ولو خفف عنه هذا للحق الإنسان البهائم ، ولو ثقل عليه هذا للحق الملائكة ~~، فكان حينئذ لا يكون إنسانا ، وقد وجب في الأصل أن يكون إنسانا كاملا ~~بالنصب والدأب ، ويمتعض من أن تكون صورة الإنسان عنده معارة ، لأنه في ~~الحقيقة حيوان غير ناطق ، بل يجتهد بسعيه وكدحه أن يصير إنسانا فاضلا ، ~~ويكون في فضله وكماله ملكا ، أعني بالمشاكهة الإرادية لا بالمشاكهة النوعية ~~. قال : وغاية الحكمة منها للمباشرين لها أن المعرفة تقف على حيلولتها ~~ولسيلانها فقط ، لا على تصفح أجزائها ، لأن الترتيب فيها يستحيل مع الزمان ~~. ألا ترى أن الرقم على الماء لا صورة له ، لأن صفحة الماء لا ثبات لها ، ~~وكذلك الخط في الهواء ، وكذلك الكائنات البائدات لا صورة لها ، لأنها لا ~~ثبات لها ، وأنت إذا وجدت PageV01P191 شيئا لا ثبات له لم تضم إليه شيئا ~~آخر لا ثبات له طمعا في وقوع الثبات بينهما ، هذا ما لا يدين به وهم ، ولا ~~ينقاد له ظن ؛ ولو ساغ هذا لساغ أن يجمع بين ما له ثبات ، وبين ما له أيضا ~~ثبات ، فيحدث هناك سيلان واستحالة . وقال : وصف العقل بشهادة الحس ، كما ~~يكون وصف الحسن بشهادة العقل إلا أن شهادة الحس للعقل شهادة العبد للمولى ، ~~وشهادة العقل للحس شهادة المولى للعبد ؛ على أن هاتين الشهادتين لا يطردان ~~ولا يستمران ، لأن لكل واحد من الحس والعقل تفردا بخاص ماله ، ولذلك ما وجد ~~حيوان لا عقل له البتة ، ووجد في مقابلته حي لا حس له . ثم قال : بل العقل ~~يحكم في الأشياء الروحانية البسيطة الشريفة من جهة الصور الرفيعة ، ~~والعلائق التي بين ms126 المعقولات والمحسوسات ما نعت العقل ، والعاقل من خلص ~~الباقيات الخالدات الدائمات القائمات الثابتات من حومة الكائنات الفاسدات ~~البائنات الذاهبات الحائلات الزائلات المائلات البائدات . ودخل في هذا ~~التلخيص ضرب من الشك والتماري والخصومة والتعادي والتعنت إلى اختلاف عظيم ، ~~ووقفت عن الحكم بعد اليقين . وقال - أدام الله سعادته - ماالسجية ؟ قلت : ~~سمعت الأندلسي يقول : فلان يمشي على سجيته ، أي طبعه . قال : هل يقال : ~~ظفرت عليه ؟ قلت : قد قال شاعرهم : وكانت قريش لو ظفرنا عليهم . . . شفاء ~~لما في الصدر والنقص ظاهر قال : هذا حسن . قلت : الحروف التي تتعدى إلى ~~الأفعال ، والأفعال التي تتعدى بالحروف ؛ يراعى فيها السماع فقط لا القياس ~~. هذا كان مذهب إمامنا أبي سعيد ؛ وقد جاء أيضا ظفر به ؛ وجاء سخرت به ومنه ~~. ومن لا اتساع له في مذهب العرب يظن أن سخرت به لا يجوز وهو صحيح . حكاه ~~أبو زيد . PageV01P192 قال : كيف يقال في جمل به غدة ؟ فكان من الجواب : ~~جملق مغد . قال : فكيف يجمع ؟ فكان الجواب بأنه في القياس ظاهر ، ولكن ~~السماع قد كفى . قال الشاعر - وهو خراش بن زهير : فقدتكمو ولحظكمو إلينا . ~~. . ببطن عكاظ كالإبل الغداد ضربناهم ببطن عكاظ حتى . . . تولوا طالعين من ~~النجاد وقال - حرس الله نفسه - من لقبه الخرسي إلى أي شيء ينسب ؟ فكان من ~~الجواب : يقال : رجل خراساني وخرسي وخراسي ، فنسبت إلى رجل نزلها فاشتهرت ~~به . فقال : القذال كيف يجمع ؟ فكان من الجواب أن فعالا وفعالا وفعالا ~~وفعيلا وفعولا أخوات تجمع في الأقل على أفعلة ، يقال : حمار وأحمرة ، وغراب ~~وأغربة ، وقذال وأقذلة ، وعمود وأعمدة . قال : نسيت أسألك عن المسألة ~~الأولى - أعني الخرسي - من أين لك تلك الفتيا ؟ فكان من الجواب : قرأته على ~~أبي سعيد الإمام في شرحه كتاب سيبويه . قال : بردت غليلي ، فإن الحجة في ~~مثل هذا متى لم تكن بأهلها كانت متلجلجة . قال : أنشدني شيئا نختم به ~~المجلس ، فقد مرت طرائف . فأنشدته لعمارة بن عقيل في بنت له : PageV01P193 ~~حبك يا ذات الأنيف الأكشم . . . حب تساقاه مشاس أعظمي ودب بين كبدي ومحزمي ~~. . . وساطه الله بلحمي ودمي ms127 فليس بالمذق ولا المكتم . . . ولا الذي إن ~~يتقادم يسأم لقد نزلت من فؤادي فاعلمي منزلة الشيء المحب المكرم وانصرفت . # | الليلة السادسة عشرة # ثم عدت وقتا آخر فقال : كنت حكيت لي أن العامري صنف كتابا عنونه بإنقاذ ~~البشر من الجبر والقدر ، فكيف هذا الكتاب ؟ فقلت : هذا الكتاب رأيته بخطه ~~عند صديقه وتلميذه أبي القاسم الكاتب ولم أقرأه على العامري ، ولكن سمعت ~~أبا حاتم الرازي يقرؤه عليه ، وهو كتاب نفيس ، وطريقة الرجل قوية ، ولكنه ~~ما أنقذ البشر من الجبر والقدر ، لأن الجبر والقدر اقتسما جميع الباحثين ~~عنهما والناظرين فيهما . قال : لم قيل الجبر والقدر ولم يقل الإجبار . فكان ~~الجواب : أن الإجبار لغة قوم ، والجبر لغة تميم ، يقال : جبر الله الخلق ~~وأجبر الخلق ، وجبر بمعنى جبل ؛ واللام تعاقب الراء كثيرا . قال : فتكلم في ~~هذا الباب بشيء يكون غير ما قاله العامري ، وانقد له إن كان الحق فيما ذهب ~~غليه ودل عليه . فكان من الجواب : أن من لحظ الحوادث والكوائن والصوادر ~~والأواتي من معدن PageV01P194 الإلهيات أقر بالجبر وعرى نفسه من العقل ~~والاختيار والتصرف والتصريف ، لأن هذه وإن كانت ناشئة من ناحية البشر ، فإن ~~منشأها الأول إنما هو من الدواعي والبواعث والصوارف والموانع التي تنسب إلى ~~الله الحق ؛ فهذا هذا . فأما من نظر إلى هذه الأحداث والكائنات والاختيارات ~~والإرادات من ناحية المباشرين الكاسبين الفاعلين المحدثين اللائمين ~~الملومين المكلفين ، فإنه يعلقها بهم ويلصقها برقابهم ، ويرى أن أحدا ما ~~أتي إلا من قبل نفسه وبسوء اختياره وبشدة تقصيره وإيثار شقائه ؛ والملحوظان ~~صحيحان واللاحظان مصيبان ، لكن الاختلاف لا يرتفع بهذا القول والوصف ، لأنه ~~ليس لكل أحد الوصول إلى هذه الغاية ، ولا لكل إنسان اطلاع إلى هذه النهاية ~~. فلما وقعت البينونة بين الناظرين بالطبع والنسبة لم يرتفع القال والقيل ~~من ناحية القول والصفة ، فهذا هذا . قال - أطال الله بقاءه - فما الفرق بين ~~القضاء والقدر ؟ فكان من الجواب : أن أبا سليمان قال : إن القضاء مصدره من ~~العلم السابق ، والقدر مورده بالأجزاء الحادثة . فقال : لم ورد في الأثر : ~~لا تخوضوا في ms128 القدر فإنه سر الله الأكبر . فكان من الجواب : أن أبا سليمان ~~قال لنا في هذه الأيام . إن الناموس ينطق بما هو استصلاح عام ، ليكون النفع ~~به شائعا في سكون النفس وطيب القلب وروح الصدور . فإن كان هذا هكذا فقد وضح ~~أن حكمة هذا السر طيه ، لأن عجز الناظرين يفضي بهم إلى الحيرة ، والحيرة ~~مضلة ، والمضلة هلكة . وإذا كانت الراحة في الجهل بالشيء ، كان التعب في ~~العلم بالشيء ، وكم علم لو بدا لنا لكان فيه شقاء عيشنا ، وكم جهل لو ارتفع ~~منا لكان فيه هلاكنا ؛ والعلم والجهل مقسومان بيننا ومفضوضان علينا على قدر ~~احتمال كل واحد منا للذي سبق إليه وعلق به ، ألا ترى أن علمنا لو أحاط ~~بموتنا متى يكون ؟ وعلى أي حال تحدث العلة أو المحنة أو البلاء ؟ لكان ذلك ~~مفسدة لنا ، ومحنة شديدة علينا . PageV01P195 فانظر كيف زوى الله الحكيم ~~هذا العلم عنا ، وجعل الخيرة فيه لنا . ألا ترى أيضا أن جهلنا لو غلب علينا ~~في جميع أمورنا لكان فساد ذلك في عظم الفساد الأول ، والبلاء منه في معرض ~~البلاء المتقدم ، فمن هذا الذي أشرف على هذا الغيب المكنون والسر المخزون ~~فيغفل عن الشكر الخالص ، والاستسلام الحسن ، والبراءة من كل حول وقوة . ~~فالاستمداد ممن له الخلق والأمر ، أعني الإبداء والتكليف ، والإظهار ~~والتشريف ، والتقدير والتصريف . قال : هذا فن حسن ، وأظنك لو تصديت للقصص ~~والكلام على الجميع لكان لك حظ وافر من السامعين العاملين ، والخاضعين ~~والمحافظين . فكان من الجواب : أن التصدي للعامة خلوقة ، وطلب الرفعة بينهم ~~ضعة ، والتشبه بهم نقيصة ؛ وما تعرض لهم أحد إلا أعطاهم من نفسه وعلمه ~~وعقله ولوثته ونفاقه وريائه أكثر مما يأخذ منهم من إجلالهم وقبولهم وعطائهم ~~وبذلهم . وليس يقف على القاص إلا أحد ثلاثة . إما رجل أبله ، فهو لا يدري ~~ما يخرج من أم دماغه . وإما رجل عاقل فهو يزدريه لتعرضه لجهل الجهال ، وإما ~~له نسبة إلى الخاصة من وجه ، وإلى العامة من وجه ، فهو بتذبذب عليه من ~~الإنكار الجانب للهجر ، والاعتراف الجالب للوصل ، فالقاص حينئذ ms129 ينظر إلى ~~تفريغ الزمان لمداراة هذه الطوائف ، وحينئذ ينسلخ من مهماته النفسية ، ~~ولذاته العقلية ، وينقطع عن الازدياد من الحكمة بمجالسة أهل الحكمة ، إما ~~مقتبسا منهم ، وإما قابسا لهم ؛ وعلى ذلك فما رأيت من انتصب للناس قد ملك ~~إلا درهما وإلا دينارا أو ثوبا ؛ ومناصبة شديدة لمماثليه وعداته . ~~PageV01P196 قال : إن الليل قد دنا من فجره ، هات ملحة الوداع . قلت : قال ~~يعقوب صاحب إصلاح المنطق : دخل أعرابي الحمام فزلق فانشج ، فأنشأ يقول : ~~وقالوا تطهر إنه يوم جمعة . . . فرحت من الحمام غير مطهر ترديت منه شاريا ~~شج مفرقي . . . بفلسين إني بئس ما كان متجري وما يحسن الأعراب في السوق ~~مشية . . . فكيف ببيت من رخام ومرمر يقول لي الأنباط إذ أنا نازل . . . به ~~لا بظبي بالصريمة أعفر وقال - حرس الله نفسه - كنت أروي قافية هذا البيت ~~أعفرا ، وهذه فائدة كنت عنها في ناحية ؛ وانصرفت . قد رأيت أيها الشيخ - ~~حاطك الله - عند بلوغي هذا الفصل أن أختم الجزء الأول بما أنتهي غليه ، ~~وأشفعه بالجزء الثاني على سياج ما سلف نظمه ونثره ، غير عائج على ترتيب ~~يحفظ صورة التصنيف على العادة الجارية لأهله ، وعذري في هذا واضح لمن طلبه ~~، لأن الحديث كان يجري على عواهنه بحسب السانح والداعي . وهذا الفن لا ~~ينتظم أبدا ، لأن الإنسان لا يملك ما هو به وفيه ، وإنما يملك ما هو له ~~وإليه . وهذا فصل يحتاج إلى نفس مديد ، ورأي يصدر عن تأييد وتسديد ؛ ~~والسلام ، والحمد لله وحده ، وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين ، ~~وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ، والحمد لله رب العالمين . PageV01P197 ~~الجزء الثاني بسم الله الرحمن الرحيم أيها الشيخ - أطال الله يدك في ~~الخيرات ، وزاد في همتك رغبة في اصطناع المكرمات ، وأجراك على أحسن العادات ~~في تقديم طلاب العلم وأهل البيوتات - قد فرغت في الجزء الأول على ما رسمت ~~في القيام به ، وشرفتني بالخوض فيه ، وسردت في حواشيه أعيان الأحاديث التي ~~خدمت بها مجلس الوزير ، ولم آل جهدا في روايتها وتقويمها ولم أحتج إلى ~~تعمية شيء منها ، بل ms130 زبرجت كثيرا منها بناصع اللفظ ، مع شرح الغامض وصلة ~~المحذوف وإتمام المنقوص ، وحملته إليك على يد فائق العلام ، وأنا حريص على ~~أن أتبعه بالجزء الثاني ، وهو يصل إليك في الأسبوع إن شاء الله تعالى . ~~وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد ، كما سألتك أولا على طريق الاقتراح ، ~~أن تكون هذه الرسالة مصونة عن عيون الحاسدين العيابين ، بعيدة عن تناول ~~أيدي المفسدين المنافسين ؛ فليس كل قائل يسلم ، ولا كل سامع ينصف ، ولا كل ~~متوسط يصلح ، ولا كل قادم يفسح له في المجلس عند القدوم . والبلية مضاعفة ~~من جهة النظراء في الصناعة ، وللحسد ثوران في نفوس هذه الجماعة ؛ وقل من ~~يجهد جهده في التقرب إلى رئيس أو وزير ، إلا جد في إبعاده من مرامه كل صغير ~~وكبير ؛ وهذا لأن الزمان قد استحال عن المعهود ، وجفا عن القيام بوظائف ~~الديانات وعادات أهل المروءات ؛ لأمور شرحها يطول ؛ وقد كان الناس يتقلبون ~~في بسيط الشمس ؛ أعني الدين فغربت عنهم ، فعاشوا بنور القمر ، أعني المروءة ~~فأفل PageV01P198 دونهم ، فبقوا في ظلمات البر والبحر ، أعني الجهل وقلة ~~الحياء فلا جرم أعضل الداء ، وأشكل الدواء ، وغلبت الحيرة ، وفقد المرشد ، ~~وقل المسترشد ؛ والله المستعان . وأرجع إلى ما هو الغرض من نسخ ما تقدم في ~~الجزء الأول . # | الليلة السابعة عشرة # فلما عدت إلى المجلس قال : ما تحفظ في تفعال وتفعال ، فقد اشتبها ؟ وفزعت ~~إلى ابن عبيد الكاتب فلم يكن عنده مقنع ، وألقيت على مسكويه فلم يكن له ~~فيها مطلع ؛ وهذا دليل على دثور الأدب وبوار العلم والإعراض عن الكدح في ~~طلبه . فقلت : قال شيخنا أبو سعيد السيرافي الإمام - نضر الله وجهه - : ~~المصادر كلها على تفعال بفتح التاء ، وإنما تجيىء تفعال في الأسماء ، وليس ~~بالكثير . قال : وذكر بعض أهل اللغة منها ستة عشر اسما لا يوجد غيرها . قال ~~: هاتها . قلت : منها التبيان والتلقاء ، ومر تهواء من الليل ؛ وتبراك ، ~~وتعشار ، وترباع ، وهي مواضع ؛ وتمساح للدابة المعروفة ؛ والتمساح الرجل ~~الكذاب أيضا . وتجفاف وتمثال وتمراد بيت الحمام ، وتلفاق ، وهو ثوبان ~~يلفقان . وتلقام : سريع اللقم . ويقال : أتت ms131 الناقة على تضرابها ، أي على ~~الوقت الذي ضربها الفحل فيه ، وتضراب كثير الضرب وتقصار ، وهي المخنقة ؛ ~~وتنبال ، وهو القصير . قال : هذا حسن ، فما تقول في تذكار ؟ فإن الخوض في ~~هذا المثال إنما كان من أجل هذا الحرف ، فإن أصحابنا كانوا في مجلس الشراب ~~، فاختلفوا فيه ؟ فقلت : هذا مصدر ، وهو مفتوح . PageV01P199 ثم قال : اجمع ~~لي حروفا نظائر لهذا من اللغة ، واشرح ما ندر منها ، وعرض الشك لكثير من ~~الناس فيها . فقلت : السمع والطاعة مع الشرف بالخدمة . وقال أيضا : حدثني ~~عن شيء هو أهم من هذا لي وأخطر على بالي ، إني لا أزال أسمع من زيد بن ~~رفاعة قولا ومذهبا لا عهد لي به وكناية عما لا أحقه ، وإشارة إلى ما لا ~~يتوضح شيء منه ، يذكر الحروف ويذكر النقط ، ويزعم أن الباء لم تنقط من تحت ~~واحدة إلا بسبب ، والتاء لم تنقط من فوق اثنتين إلا لعلة ، والألف لم تعر ~~إلا لغرض . وأشباه هذا ؛ وأشهد منه في عرض ذلك دعوى يتعاظم بها وينتفج ~~بذكرها ؛ فما حديثه ؟ وما شأنه ؟ وما دخلته ؟ وما خبره ؟ فقد بلغني أنك ~~تغشاه وتجلس إليه ، وتكثر عنده ، وتورق له ، ولك معه نوادر مضحكة ، وبوادر ~~معجبة . ومن طالت عشرته لإنسان صدقت خبرته به ، وانكشف أمره له ، وأمكن ~~اطلاعه على مستكن رأيه وخافي مذهبه وعويص طريقته . فقلت : أيها الوزير ، هو ~~الذي تعرفه قبلي قديما وحديثا بالتربية والاختبار والاستخدام ، وله منك ~~الأخوة القديمة والنسبة المعروفة . قال : دع هذا وصفه لي . قلت : هناك ذكاء ~~غالب ، وذهن وقاد ، ويقظة حاضرة ، وسوانح متناصرة ، ومتسع في فنون النظم ~~والنثر ، مع الكتابة البارعة في الحساب والبلاغة ، وحفظ أيام الناس ، وسماع ~~للمقالات ، وتبصر في الآراء والديانات ، وتصرف في كل فن : إما بالشدو ~~الموهم ، وإما بالتبصر المفهم ، وإما بالتناهي المفحم . فقال : فعلى هذا ما ~~مذهبه ؟ قلت : لا ينسب إلى شيء ، ولا يعرف برهط ، لجيشانه PageV01P200 بكل ~~شيء ، وغليانه في كل باب . ولاختلاف ما يبدو من بسطة تبيانه ، وسطوته ~~بلسانه ، وقد أقام بالبصرة زمانا طويلا ، وصادف بها جماعة لأصناف العلم ~~وأنواع ms132 الصناعة ؛ منهم أبو سليمان محمد بن معشر البيستي ، ويعرف بالمقدسي ، ~~وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني ، وأبو أحمد المهرجاني والعوفي وغيرهم ، ~~فصحبهم وخدمهم ؛ وكانت هذه العصابة قد تآلفت بالعشرة ، وتصافت بالصداقة ، ~~واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة ، فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم ~~قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله والمصير إلى جنته ، وذلك أنهم قالوا ~~: الشريعة قد دنست بالجهالات ، واختلطت بالضلالات ؛ ولا سبيل إلى غسلها ~~وتطهيرها إلا بالفلسفلة ، وذلك لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية ، والمصلحة ~~الاجتهادية . وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية ~~فقد حصل الكمال ؛ وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة : علميها ~~وعمليها ، وأفردوا لها فهرستا وسموها رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء ، ~~وكتموا أسماءهم ، وبثوها في الوراقين ، ولقنوها للناس ، وادعوا أنهم ما ~~فعلوا ذلك إلا ابتغاء وجه الله عز وجل وطلب رضوانه ليخلصوا الناس من الآراء ~~الفاسدة التي تضر النفوس ، والعقائد الخبيثة التي تضر أصحابها ، والأفعال ~~المذمومة التي يشقى بها أهلها ؛ وحشوا هذه الرسائل بالكلم الدينية والأمثال ~~الشرعية والحروف المحتملة والطرق الموهمة . فقال : هل رأيت هذه الرسائل ؟ ~~قلت : قد رأيت جملة منها ، وهي مبثبوتة من كل فن نتفا بلا إشباع ولا كفاية ~~، وفيها خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات ؛ وقد غرق PageV01P201 الصواب ~~فيها لغلبة الخطأ عليها ؛ وحملت عدة منها إلى شيخنا أبي سليمان المنطقي ~~السجستاني محمد بن بهرام وعرضتها عليه ونظر فيها أياما واختبرها طويلا ؛ ثم ~~ردها علي وقال : تعبوا وما أغنوا ، ونصبوا وما أجدوا ، وحاموا وما وردوا ، ~~وغنوا وما أطربوا ، ونسجوا فهلهلوا ، ومشطوا ففلفلوا ؛ ظنوا ما لا يكون ولا ~~يمكن ولا يستطاع ؛ ظنوا أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة - التي هي علم النجوم ~~والأفلاك والمجسطي والمقادير وآثار الطبيعة ، والموسيقى التي هي معرفة ~~النغم والإيقاعات والنقرات والأوزان ، والمنطق الذي هو اعتبار الأقوال ~~بالإضافات والكميات والكيفيات - في الشريعة ، وأن يضموا الشريعة للفلسفة . ~~وهذا مرام دونه حدد ؛ وقد توفر على هذا قبل هؤلاء قوم كانوا أحد أنيابا ، ~~وأحضر أسبابا ، وأعظم أقدارا ، وأرفع أخطارا ، وأوسع قوى ، وأوثق عرا ، فلم ~~يتم لهم ما أرادوه ، ولا بلغوا ms133 منه ما أملوه ؛ وحصلوا على لوثات قبيحة ، ~~ولطخات فاضحة ، وألقاب موحشة ، وعواقب مخزية ، وأوزار مثقلة . فقال له ~~البخاري أبو العباس : ولم ذلك أيها الشيخ ؟ قال : إن الشريعة مأخوذة عن ~~الله - عز وجل - بوساطة السفير بينه وبين الخلق من طريق الوحي ، وباب ~~المناجاة ، وشهادة الآيات ، وظهور المعجزات ، إلى ما يوجبه العقل تارة ، ~~ويجوزه تارة ، لمصالح عامة متقنة ، ومراشد تامة مبينة ؛ وفي أثنائها ما لا ~~سبيل إلى البحث عنه ، والغوص فيه ؛ ولابد من التسليم للداعي إليه ، والمنبه ~~عليه ؛ وهناك يسقط ' لم ' PageV01P202 ويبطل ' كيف ' ، ويزول ' هلا ' ويذهب ~~' لو ' و ' ليت ' في الريح ، لأن هذه المواد عنها محسومة ، واعتراضات ~~المعترضين عليها مردودة ، وارتياب المرتابين فيها ضار ، وسكون الساكنين ~~إليها نافع ؛ وجملتها مشتملة على الخير ، وتفصيلها موصول بها على حسن ~~التقبل ، وهي متداولة بين متعلق بظاهر مكشوف ، ومحتج بتأويل معروف ؛ وناصر ~~باللغة الشائعة ، وحام بالجدل المبين ، وذاب بالعمل الصالح ، وضارب للمثل ~~السائر ، وراجع إلى البرهان الواضح ، ومتفقه في الحلال والحرام ، ومستند ~~إلى الأثر والخبر المشهورين بين أهل الملة ، وراجع إلى اتفاق الأمة . ~~وأساسها على الورع والتقوى ، ومنتهاها إلى العبادة وطلب الزلفى . ليس فيها ~~حديث المنجم في تأثيرات الكواكب وحركات الأفلاك ومقادير الأجرام ومطالع ~~الطوالع ومغارب الغوارب . ولا حديث تشاؤمها وتيامنها ، وهبوطها وصعودها ، ~~ونحسها وسعدها ، وظهورها واستسرارها ، ورجوعها واستقامتها ، وتربيعها ~~وتثليثها ، وتسديسها ومقارنتها . ولا حديث صاحب الطبيعة الناظر في آثارها ، ~~وأشكال الأسطقسات ، بثبوتها وافتراقها ، وتصريفها في الأقاليم والمعادن ~~والأبدان ، وما يتعلق بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ؛ وما الفاعل ~~وما المنفعل منها ؛ وكيف تمازجها وتزاوجها ، وكيف تنافرها وتسايرها ؛ وإلى ~~أين تسري قواها ، وعلى أي شيء يقف منتهاها . ولا فيها حديث المهندس الباحث ~~عن مقادير الأشياء ونقطها وخطوطها وسطوحها وأجسامها وأضلاعها وزواياها ~~ومقاطعها ، وما الكرة ؟ وما الدائرة ؟ وما المستقيم ؟ وما المنحنى ؟ ولا ~~فيها حديث المنطقي الباحث عن مراتب الأقوال ، ومناسب الأسماء والحروف ~~والأفعال ؛ وكيف ارتباط بعضها ببعض على موضوع رجل من يونان حتى يصح بزعمه ~~الصدق ، وينبذ الكذب . وصاحب المنطق يرى أن الطبيب والمنجم والمهندس وكل من ~~فاه بلفظ ms134 وأم غرضا فقراء إليه ، محتاجون إلى ما في يديه . PageV01P203 قال ~~: فعلى هذا كيف يسوغ لإخوان الصفاء أن ينصبوا من تلقاء أنفسهم دعوة تجمع ~~حقائق الفلسفة في طريق الشريعة ؟ على أن وراء هذه الطوائف جماعة أيضا لهم ~~مآخذ من هذه الأغراض ، كصاحب العزيمة وصاحب الطلسم وعابر الرؤيا ومدعي ~~السحر وصاحب الكيمياء ومستعمل الوهم . قال : ولو كانت هذه جائزة وممكنة ~~لكان الله تعالى نبه عليها ، وكان صاحب الشريعة يقوم شريعته بها ، ويكملها ~~باستعمالها ، ويتلافى نقصها بهذه الزيادة التي يجدها في غيرها ، أو يخص ~~المتفلسفين على إيضاحها بها ويتقدم إليهم بإتمامها ، ويفرض عليهم القيام ~~بكل ما يذب به عنها حسب طاقتهم فيها ، ولم يفعل ذلك بنفسه ، ولا وكله إلى ~~غيره من خلفائه والقائمين بدينه ؛ بل نهى عن الخوض في هذه الأشياء ، وكره ~~إلى الناس ذكرها ، وتوعدهم عليها ، وقال : من أتى عرافا أو طارقا أو حازيا ~~أو كاهنا أو منجما يطلب غيب الله منه فقد حارب الله ، ومن حارب الله حرب ، ~~ومن غالبه غلب ، حتى قال : لو أن الله حبس عن الناس القطر سبع سنين ثم ~~أرسله لأصبحت طائفة به كافرين . ويقولون : مطرنا بنوء المجدح ، فهذا كما ~~ترى ، والمجدح : الدبران . ثم قال : ولقد اختلفت الأمة ضروبا من الاختلاف ~~في الأصول والفروع ، وتنازعوا فيها فنونا من التنازع في الواضح والمشكل من ~~الأحكام ، والحلال والحرام ، والتفسير والتأويل ، والعيان والخبر ، والعادة ~~والاصطلاح ؛ فما فزعوا في شيء من ذلك إلى منجم ولا طبيب ولا منطقي ولامهندس ~~ولا موسيقي ولا صاحب عزيمة وشعبذة وسحر وكيمياء ، لأن الله تعالى تمم الدين ~~بنبيه صلى الله عليه وسلم ، ولم يحوجه بعد البيان الوارد بالوحي إلى بيان ~~موضوع بالرأي . قال : وكما لم نجد في هذه الأمة من يفزع إلى أصحاب الفلسفة ~~في شيء من دينها ، فكذلك أمة عيسى عليه السلام وهي النصارى ، وكذلك المجوس ~~. PageV01P204 قال : ومما يزيدك وضوحا ويريك عجبا أن الأمة اختلفت في ~~آرائها ومذاهبها ومقالاتها فصارت أصنافا فيها وفرقا ؛ كالمرجئة والمعتزلة ~~والشيعة والسنية والخوارج ، فما فزعت طائفة من هذه الطوائف إلى ms135 الفلاسفة ، ~~ولا حققت مقالتها بشواهدهم وشهادتهم ، ولا اشتغلت بطريقتهم ، ولا وجدت ~~عندهم ما لم يكن عندها بكتاب ربها وأثر نبيها . وهكذا الفقهاء الذين ~~اختلفوا في الأحكام من الحلال والحرام منذ أيام الصدر الأول إلى يومنا هذا ~~لم نجدهم تظاهروا بالفلاسفة فاستنصروهم ، ولا قالوا لهم : أعينونا بما ~~عندكم ؛ واشهدوا لنا أو علينا بما قبلكم . قال : فأين الدين من الفلسفة ؟ ~~وأين الشيء المأخوذ بالوحي النازل ، من الشيء المأخوذ بالرأي الزائل ؟ فإذ ~~أدلوا بالعقل فالعقل موهبة من الله جل وعز لكل عبد ، ولكن بقدر ما يدرك به ~~ما يعلوه ، كما لا يخفى به عليه ما يتلوه ، وليس كذلك الوحي ، فإنه على ~~نوره المنتشر ، وبيانه الميسر . قال : وبالجملة ، النبي فوق الفيلسوف ، ~~والفيلسوف دون النبي ؛ وعلى الفيلسوف أن يتبع النبي ، وليس على النبي أن ~~يتبع الفيلسوف ، لأن النبي مبعوث ، والفيلسوف مبعوث إليه . قال : ولو كان ~~العقل يكتفى به لم يكن للوحي فائدة ولا غناء ، على أن منازل الناس متفاوتة ~~في العقل ، وأنصباؤهم مختلفة فيه ؛ فلو كنا نستغني عن الوحي بالعقل كيف كنا ~~نصنع ، وليس العقل بأسره لواحد منا ، وإنما هو لجميع الناس ، فإن قال قائل ~~بالعبث والجهل : كل عاقل موكول إلى قدر عقله ، وليس عليه أن يستفيد الزيادة ~~من غيره ، لأنه مكفي به ، وغير مطالب بما زاد عليه . قيل له : كفاك تماديا ~~في هذا الرأي أنه ليس لك فيه موافق ، ولا عليه مطابق ؛ ولو استقل إنسان ~~واحد بعقله في جميع حالاته في دينه ودنياه لاستقل أيضا بقوته في جميع ~~حاجاته في دينه ودنياه ، ولكان وحده يفي بجميع الصناعات والمعارف ، وكان لا ~~يحتاج إلى أحد من نوعه وجنسه ؛ وهذا قول مزدول ورأي مخذول . قال البخاري : ~~وقد اختلفت أيضا درجات النبوة بالوحي ، وإذا ساغ هذا الاختلاف في الوحي ولم ~~يكن ذلك ثالما له ، ساغ أيضا في العقل ولم يكن مؤثرا فيه . PageV01P205 ~~فقال : يا هذا ، اختلاف درجات أصحاب الوحي لم يخرجهم عن الثقة والطمأنينة ~~بمن اصطفاهم بالوحي ، وخصهم بالمناجاة ، واجتباهم للرسالة ، وأكملهم بما ~~ألبسهم من شعار النبوة ؛ وهذه ms136 الثقة والطمأنينة مفقودتان في الناظرين ~~بالعقول المختلفة ، لأنهم على بعد من الثقة والطمأنينة إلا في الشيء القليل ~~والنزر اليسير ؛ وعوار هذا الكلام ظاهر ، وخطل هذا المتكلم بين . قال ~~الوزير : أفما سمع شيئا من هذا المقدسي ؟ قلت : بلى قد ألقيت هذا وما أشبهه ~~بالزيادة والنقصان ، والتقديم والتأخير ، في أوقات كثيرة بحضرة حمزة الوراق ~~في الوراقين ، فسكت ، وما رآني أهلا للجواب ؛ لكن الحريري غلام ابن طرارة ~~هيجه يوما في الوراقين بمثل هذا الكلام ، فاندف فقال : الشريعة طب المرضى ، ~~والفلسفة طب الأصحاء ، والأنبياء يطبون للمضرى حتى لا يتزايد مرضهم ، وحتى ~~يزول المرض بالعافية فقط . فأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها ~~حتى لا يعتريهم مرض أصلا ، فبين مدبر المريض ومدبر الصحيح فرق ظاهر وأمر ~~مكشوف ، لأن غاية مدبر المريض أن ينتقل به إلى الصحة ، هذا إذا كان الدواء ~~ناجعا ، والطبع قابلا ، والطبيب ناصحا . وغاية مدبر الصحيح أن يحفظ الصحة ، ~~وإذا حفظ الصحة فقد أفاده كسب الفضائل ، وفرغه لها ، وعرضه لاقتنائها ؛ ~~وصاحب هذه الحال فائز بالسعادة العظمى ، ومتبوىء الدرجة العليا ؛ وقد صار ~~مستحقا للحياة الإليهة ؛ والحياة الإلهية من الخلود والديمومة والسرمدية . ~~فإن كسب من يبرأ من المرض بطب صاحبه الفضائل أيضا ؛ فليست تلك الفضائل من ~~جنس هذه الفضائل ، لأن إحداهما تقليدية ، والأخرى برهانية ؛ وهذه مظنونة ، ~~وهذه مستيقنة ، وهذه روحانية ، وهذه جسمية ، وهذه دهرية ، وهذه زمانية . ~~وقال أيضا : إنما جمعنا بين الفلسفة والشريعة لأن الفلسفة معترفة بالشريعة ~~، وإن كانت الشريعة جاحدة لها ؛ وإنما جمعنا أيضا بينهما لأن الشريعة عامة ~~، والفلسفة خاصة ، والعامة قوامها بالخاصة ، كما أن الخاصة تمامها بالعامية ~~؛ وهما متطبقتان إحداهما على الأخرى ، لأنها كالظهارة التي لا بد لها من ~~البطانة ، وكالبطانة التي لابد لها من الظهارة . PageV01P206 فقال له ~~الحريري : أما قولك طب المرضى وطب الأصحاء وما نسقت عليه كلامك فمثل لا ~~يعبر به غيرك ومن كان في مشكل ، لأن الطبيب عندنا الحاذق في طبه هو الذي ~~يجمع بين الأمرين ، أعني أنه يبرىء المريض من مرضه ، ويحفظ الصحيح على صحته ~~؛ فأما أن يكون ها ms137 هنا طبيبان يعالج أحدهما الصحيح ، والآخر يعالج المريض ، ~~فهذا ما لم نعهده نحن ولا أنت ؛ وهو شيء خارج عن العادة ، فمثلك مردود عليك ~~، وتشنيعك فاضح لك ، وكل أحد يعلم أن التدبير في حفظ الصحة ودفع المرض - ~~وإن كان بينهما فرق - واحد ، فالطب يجمعهما ، والطبيب الواحد يقوم بهما ~~وبشرائطهما . وأما قولك في الفصل الثاني : إن أحدى الفضيلتين تقليدية ، ~~والأخرى برهانية ، فكلام مدخول ، لأنك غلطت على نفسك ؛ ألا تعلم ان ~~البرهانية هي الواردة بالوحي ، الناظمة للرشد ، الداعية إلى الخير ، ~~الواعدة بحسن المآب ؛ وأن التقليدية هي المأخوذة من المقدمة والنتيجة ، ~~والدعوى التي يرجع فيها إلى من ليس بحجة ، وإنما هو رجل قال شيئا فوافقه ~~آخر وخالفه آخر ، فلا الموافق له يرجع إلى الوحي ، ولا المخالف له يستند ~~إلى حق ؛ والعجب أنك جعلت الشريعة من باب الظن ، وهي بالوحي ، وجعلت ~~الفلسفة من باب اليقين ، وهي من الرأي . وأما قولك : هذه روحانية - تعني ~~الفلسفة - وهذه جسمية - تعني الشريعة - فزخرفة لا تستحق الجواب ، ولمثل هذا ~~فليعمل المزخرفون ؛ على أنا لو قلنا : بل الشريعة هي الروحانية ، لأنها صوت ~~الوحي ، والوحي من الله عز وجل ، والفلسفة هي الجسمية ، لأنها برزت من جهة ~~رجل باعتبار الأجسام والأعراض ، وما هذا شأنه فهو بالجسم أشبه ، وعن لطف ~~الروح أبعد لما أبعدنا . وأما قولك : الفلسفة خاصة والشريعة عامة ، فكلام ~~ساقط لا نور عليه ، لأنك تشير به إلى أن الشريعة يعتقدها قوم - وهم العامة ~~- والفلسفة ينتحلها قوم - وهم الخاصة - فلم جمعتم رسائل إخوان الصفاء ~~ودعوتم الناس إلى الشريعة وهي لا تلزم إلا للعامة ، ولم تقولوا للناس : من ~~أحب أن يكون من العامة فليتحل بالشريعة ، فقد ناقضتم ، لأنكم حشوتم مقالتكم ~~بآيات من كتاب الله تزعمون بها أن الفلسفة مدلول عليها بالشريعة ، ثم ~~الشريعة مدلول عليها بالمعرفة ، ثم هأنت تذكر أن هذه للخاصة ؛ وتلك للعامة ~~؛ فلم جمعتم بين PageV01P207 مفترقين ، ومزقتم بين مجتمعين ؛ هذا والله ~~الجهل المبين ، والخرق المشين . وأما قولك : إنا جمعنا بين الفلسفة ~~والشريعة لأن الفلسفة معترفة بالشريعة ، وإن كانت الشريعة جاحدة للفلسفة ، ~~فهذه ms138 مناقضة أخرى ، وإني أظن أن حسك كليل ، وعقلك عليل ، لأنك قد أوضحت عذر ~~أصحاب الشريعة ، إذ جحدوا الفلسفة ، وذلك أن الشريعة لا تذكرها ، ولا تخص ~~على الدينونة بها ؛ ومع ذلك فليس لهم علم بأن الفلسفة قد حثت على قبول ~~الشريعة ، ونهت عن مخالفتها ، وسمتها بالناموس الحافظ لصلاح العالم . ثم ~~قال الحريري : حدثني أيها الشيخ : على أي شريعة دلت الفلسفة ؟ أعلى ~~اليهودية ، أم على النصرانية ، أم على المجوسية ، أم على الإسلام ، أم ما ~~عليه الصابئون ؟ فإن ها هنا من يتفلسف وهو نصراني كابن زرعة وابن الخمار ~~وأمثالهما ، وها هنا من يتفلسف وهو يهودي ، كأبي الخير بن يعيش ، وها هنا ~~من يتفلسف وهو مسلم ، كأبي سليمان والنوشجاني وغيرهما ؛ أفتقول إن الفلسفة ~~أباحت لكل طائفة من هذه الطوائف أن تدين بذلك الدين الذي نشأت عليه ؟ ودع ~~هذا ليخاطب غيرك ، فإنك من أهل الإسلام بالهدى والجبلة والمنشأ والوراثة ؛ ~~فما بالنا لا نرى واحدا منكم يقوم بأركان الدين ، ويتقيد بالكتاب والسنة ~~يراعي معالم الفريضة ووظائف النافلة ؟ وأين كان الصدر الأول من الفلسفة ؟ ~~أعني الصحابة ، وأين كان التابعون منها ؟ ولم خفي هذا الأمر العظيم - مع ما ~~فيه من الفوز والنعيم - على الجماعة الأولى والثانية والثالثة إلى يومنا ~~هذا وفيهم الفقهاء والزهاد والعباد وأصحاب الورع والتقى ، والناظرون في ~~الدقيق ودقيق الدقيق وكل ما عاد بخير عاجل وثواب آجل ، PageV01P208 هيهات ~~لقد أسررتم الحشو في الارتغاء واستقيتم بلا دلو ولا رشاء ، ودللتم على ~~فسولتكم وضعف منتكم وأردتم أن تقيموا ما وضعه الله ، وتضعوا ما رفعة الله ، ~~والله لا يغالب ؛ بل هو غالب على أمره ، فعال لما يريد . قد حاول هذا الكيد ~~خلق في القديم والحديث ، فنكصوا على أعقابهم خائبين ، وكبوا لوجوههم خاسرين ~~؛ منهم أبو زيد البلخي ؛ فإنه ادعى أن الفلسفة مقاودة للشريعة ، والشريعة ~~مشاكلة للفلسفة ، وأن إحداهما أم والأخرى ظئر ، وأظهر مذهب الزيدية ، ~~وانقاد لأمير خراسان الذي كتب له أن يعمل في نشر الفلسفة بشفاعة الشريعة ، ~~ويدعو الناس إليها باللطف والشفقة والرغبة ، فشتت الله كلمته ، وقوض دعامته ~~، وحال بينه ms139 وبين إرادته ، ووكله إلى حوله وقوته ، فلم يتم له من ذلك شيء . ~~وكذلك رام أبو تمام النيسابوري ، وخدم الطائفة المعروفة بالشيعية ولجأ إلى ~~مطرف بن محمد وزير مرداويج الجيلي ليكون له به قوة ، وينطق بما في نفسه من ~~هذه الجملة ، فما زادته إلا صغرا في قدره ، ومهانة في نفسه ، وتواريا في ~~بيته ؛ وهذا بعينه قصد العامري فما زال مطرودا من صقع إلى صقع ينذر دمه ~~ويرتصد قتله ، فمرة يتحصن بفناء ابن العميد ، ومرة يلجأ إلى صاحب الجيش ~~بنيسابور ، ومرة يتقرب إلى العامة بكتب يصنفها في نصرة الإسلام ، وهو على ~~ذلك يتهم ويقرف بالإلحاد ؛ وبقدم العالم واللاكم في الهيولى والصورة ~~والزمان والمكان ، وما أشبه هذا من ضروب الهذيان التي ما أنزل الله ~~PageV01P209 بها كتابه ، ولا دعا إليها رسوله ، ولا أفاضت فيها أمته . ومع ~~ذلك يناغي صاحب كل بدعة ؛ ويجلس إليه كل منهم ؛ ويلقي كلامه إلى كل من ادعى ~~باطنا للظاهر وظاهرا للباطن . وما عندي أن الأئمة الذين يأخذ عنهم ويقتبس ~~منهم ، كأرسطوطاليس وسقراط وأفلاطون ، رهط الكفر ذكروا في كتبهم حديث ~~الظاهر والباطن ، وإنما هذا من نسج القداحين في الإسلام ، الساترين على ~~أنفسهم ما هم فيه من التهم ؛ وهذا بعينه دبره الهجريون بالأمس ، وبهذا دندن ~~الناجمون بقزوين وبثوا الدعاة في أطراف الأرض ، وبذلوا الرغائب وفتنوا ~~النفوس . وقد سمعنا تأويلات هذه الطوائف لآيات القرآن في قوله عز وجل : ' ~~انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ' وفي قوله تعالى : ' عليها تسعة عشر ' وفي ~~قوله تعالى : ' سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ~~' إلى غير ذلك مما يطول ويعول فدعونا من التورية والحيلة والإيهام والكناية ~~عن شيء لا يتصل بالإرادة ، والإرادة لشيء لا يتصل بالتصريح ، فالناس ألقد ~~لأديانهم وأحرص على الظفر ببغيتهم من الصيارفة لدنانيرهم ودراهمهم . فلما ~~انبهر المقدسي بما سمع وكاد يتفرى إهابه من الغيظ والعجز وقلة الحيلة قال : ~~الناس أعداء ما جهلوا ، ونشر الحكمة في غير أهلها يورث العداوة ويطرح ~~الشحناء ويقدح زند الفتنة . PageV01P210 ثم كر الحريري كر المدل وعطف ms140 عطفة ~~الواثق بالظفر ، فقال : يا أبا سليمان ، من هذا الذي يقر منكم أن عصا موسى ~~انقلبت حية ، وأن البحر انفلق ، وأن يدا خرجت بيضاء من غير سوء ، وأن بشرا ~~خلق من تراب ، وأن آخرته ولدته أنثى من غير ذكر ، وأن نارا مؤججة طرح فيها ~~إنسان فصارت له بردا وسلاما ، وأن رجلا مات مائة عام ثم بعث فنظر إلى طعامه ~~وشرابه على حاليهما لم يتغيرا ، وأن قبرا تفقأ عن ميت حيى ، وأ طينا دبر ~~فنفخ فيه فطار ، وأن قمرا انشق ، وأن جذعا حن ، وأن ذئبا تكلم ، وأن ماء ~~نبع من أصابع فروى منه جيش عظيم ، وأن جماعة شبعت من ثريدة في قدر جسم قطاة ~~؟ وعلى هذا ، إن كنتم تدعون إلى شريعة من الشرائع التي فيها هذه الخوارق ~~والبدائع فاعترفوا بأن هذه كلها صحيحة ثابتة كائنة لا ريب فيها ولا مرية ، ~~من غير تأويل ولا تدليس ، ولا تعليل ولا تلبيس ، وأعطونا خطكم بأن الطبائع ~~تفعل هذا كله ، والمواد تواتى له ، والله تعالى يقدر عليه ؛ ودعوا التورية ~~والحيلة والغيلة والظاهر والباطن ، فإن الفلسفة ليست من جنس الشريعة ، ولا ~~الشريعة من فن الفلسفة ، وبينهما يرمي الرامي ويهمي الهامي ؛ على أنا ما ~~وجدنا الديانين من المتألهين من جميع الأديان يذكرون أن أصحاب شرائعهم قد ~~دعوا إلى الفلسفة وأمروا بطلبها واقتباسها من اليونانيين هذا موسى وعيسى ~~وإبراهيم وداود وسليمان وزكريا ويحيى إلى محمد صلى الله عليه وسلم لم نحق ~~من يعزو إليهم شيئا من هذا الباب ، ويعلق عليهم هذا الحديث . قال الوزير : ~~ما عجبي من جميع هذا الكلام إلا من أبي سليمان في هذا الاستحقار والتغضب ، ~~والاحتشاد والتعصب ؛ وهو رجل يعرف بالمنطقي ، وهو من غلمان يحيى بن عدي ~~النصراني ، ويقرأ عليه كتب يونان ، وتفسير دقائق كتبهم بغاية البيان . فقلت ~~: إن أبا سليمان يقول : إن الفلسفة حق لكنها ليست من الشريعة في شيء ، ~~والشريعة حق لكنها ليست من الفلسفة في شيء ، وصاحب الشريعة مبعوث ، وصاحب ~~الفلسفة مبعوث إليه ، وأحدهما مخصوص بالوحي ، والآخر مخصوص ببحثه ، والأول ~~مكفي ، PageV01P211 والثاني ms141 كادح ، وهذا يقول : أمرت وعلمت ، وقيل لي ، وما ~~أقول شيئا من تلقاء نفسي ؛ وهذا يقول : رأيت ونظرت واستحسنت واستقبحت ؛ ~~وهذا يقول : نور العقل أهتدي به ؛ وهذا يقول : معي نور خالق الخلق أمشي ~~بضيائه ؛ وهذا يقول : قال الله تعالى ، وقال الملك ؛ وهذا يقول : قال ~~أفلاطن وسقراط ؛ ويسمع من هذا ظاهر تنزيل ، وسائغ تأويل ، وتحقيق سنة ، ~~واتفاق أمة ؛ ويسمع من الآخر الهيولى والصورة والطبيعة والأسطقس والذاتي ~~والعرضي والأيسي والليسي ، وما شاكل هذا مما لا يسمع من مسلم ولا يهودي ولا ~~نصراني ولا مجوسي ولا مانوي . ويقول أيضا : من أراد أن يتفلسف فيجب عليه أن ~~يعرض بنظره عن الديانات ، ومن اختار التدين فيجب عليه أن يعرد بعنايته عن ~~الفلسفة ويتحلى بهما مفترقين في مكانين على حالين مختلفين ، ويكون بالدين ~~متقربا إلى الله تعالى ، على ما أوضحه له صاحب الشريعة عن الله تعالى ، ~~ويكون بالحكمة متصفحا لقدرة الله تعالى في هذا العالم الجامع للزينة ~~الباهرة لكل عين ، المحيرة لكل عقل ، ولا يهدم أحدهما بالآخر . أعني لا ~~يجحد ما ألقي إليه صاحب الشريعة مجملا ومفصلا ، ولا يغفل عما استخزن الله ~~تعالى هذا الخلق العظيم على ما ظهر بقدرته ، واشتمل بحكمته ، واستقام ~~بمشيئته ، وانتظم بإرادته واستتم بعلمه ؛ ولا يعترض على ما يبعد في عقله ~~ورأيه من الشريعة ، وبدائع آيات النبوة بأحكام الفلسفة ، فإن الفلسفة ~~مأخوذة من العقل المقصور على الغاية ، والديانة مأخوذة من الوحي الوارد من ~~العلم بالقدرة . قال : ولعمري إن هذا صعب ، ولكنه جماع الكلام ، وأخذ ~~المستطاع ، وغاية ما عرض له الإنسان المؤيد باللطائف ، المزاح بالعلل ~~وبضروب التكاليف . قال : ومن فضل نعمة الله تعالى على هذا الخلق أنه نهج ~~لهم سبيلين ونصب لهم علمين ، وأبان لهم نجدين ليصلوا إلى دار رضوانه إما ~~بسلوكهما وإما بسلوك أحدهما . PageV01P212 فقال له البخاري : فهلا دل الله ~~على الطريقين اللذين رسمتهما في هذا المكان ؟ قال : ودل وبين ، ولكنك عم ، ~~أما قال : ' وما يعقلها إلا العالمون ' ؟ وفي فحوى هذا وما يعلمها إلا ~~العالمون ؟ فقد وصل العقل بالعلم ، كما وصل العلم بالعقل ms142 ، لأن كمال ~~الإنسان بهما ، ألا ترى أن العاقل متى عري من العلم قل انتفاعه بعقله ؟ ~~كذلك العالم متى خلي من العقل بطل انتفاعه بعلمه ، أما قال : ' وما يتذكر ~~إلا أولوا الألباب ' ؟ أما قال : ' فاعتبروا يا أولي الأبصار ' ؟ أما قال : ~~' أفلا يتدبرون القرآن ' ؟ أما ذم قوما حين قال : ' يعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ' ؟ أفما قال : ' أو من كان ميتا فأحييناه ~~وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ' ! ~~أما قال : ' وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ' ~~؟ أما قال : ' إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ' ؟ ~~وكتاب الله عز وجل محيط بهذا كله ، وإنما تقاد إلى طاعة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بعد هذا فيما لا يناله عقلك ، ولا يبلغه ذهنك ، ولا يعلو إليه ~~فكرك ، فأمرك باتباعه والتسليم له ، وإنما دخلت الآفة من قوم دهريين ملحدين ~~ركبوا مطية الجدل والجهل ، ومالوا إلى الشغب بالتعصب ، وقابلوا الأمور ~~بتحسينهم وتقبيحهم وتهجينهم ، وجهلوا أن وراء ذلك ما يفوت ذرعهم ، ويتخلف ~~عن لحاقه رأيهم ونظرهم ، ويعمي دون كنه ذلك بصرهم ؛ وهذه الطائفة معروفة ، ~~منهم صالح بن عبد القدوس ، وابن أبي العوجاء ، ومطر بن أبي الغيث ، وابن ~~الراوندي ، والحصري ، فإن هؤلاء طاحوا في أودية الضلالة ، واستجروا إلى ~~جهلهم أصحاب الخلاعة والمجانة . فقال البخاري : فما الذي تركت بهذا الوصف ~~للذين جمعوا بين الفلسفة والديانة ؛ ووصلوا هذه بهذه على طريق الظاهر ~~والباطن ، والخفي والجلي ، والبادي والمكتوم ؟ قال : تركت لهم الطويل ~~العريض ، القوم زعموا أن الفلسفة مواطئة للشريعة ، والشريعة موافقة للفلسفة ~~؛ ولا فرق بين قول القائل : قال النبي ، وقال الحكيم ، وأن أفلاطون ~~PageV01P213 ما وضع كتاب النواميس إلا لنعلم كيف نقول ؟ وبأي شيء نبحث ، ~~وما الذي نقدم ونؤخر ، وأن النبوة فرع من فروع الفلسفة ، وأن الفلسفة أصل ~~علم العالم ، وأن النبي محتاج إلى تتميم ما يأتي به من جهة الحكيم ، ~~والحكيم غني عنه ؛ هذا وما أشبهه ؛ وأن صاحب الدين ms143 له أن يعين ويوري ويشير ~~ويكني حتى تتم المصلحة ، وتنتظم الكلمة ، وتتفق الجماعة ، وتثبت السنة ، ~~وتحلو المعيشة ، وحتى قال قائل منهم : أوائل الشريعة أمور مبتدعة ، ~~ووسائطها سنن متبعة ، وأواخرها حقوق منتزعة ، وإن هذا النعت من قولي : إن ~~الشريعة إلهية ، والفلسفة بشرية ، أعني أن تلك بالوحي ، وهذه بالعقل ، وأن ~~تلك موثوق بها ومطمأن إليها ، وهذه مشكوك فيها مضطرب عليها . قال له ~~البخاري : فلم لم ينهج صاحب الشريعة هذه الطريق ، وكان يزول هذا الخصام ، ~~وينتفي هذا الظن ، وتكسد هذه السوق ؟ فقال : إن صاحب الشريعة مستغرق بالنور ~~الإلهي ، فهو محبوس على ما يراه ويبصره ، ويجده وينظره ، لأنه مأخوذ بما ~~شهده بالعيان وأدركه بالحس وناله بوديعة الصدر عن كل ما عداه ، فلهذا يدعو ~~إلى اقتباس كماله الذي حصل له ، ولا يسعد بدعوته إلا من وفق لإجابته ، ~~وأذعن لطاعته ، واهتدى بكلمته ، والفلسفة كمال بشري ، والدين كمال إلهي ، ~~والكمال الإلهي غني عن الكمال البشري ، والكمال البشري فقير إلى الكمال ~~الإلهي ، فهذا هذا ، وما أمر الله عز وجل بالاعتبار ، ولا حث على التدبير ، ~~ولا حرك القلوب إلى الاستنباط ، ولا حبب إلى القلوب البحث في طلب المكنونات ~~، إلا ليكون عباده حكماء ألباء أتقياء أذكياء ، ولا أمر بالتسليم ولا حظر ~~الغلو والإفراط في التعمق إلا ليكون عباده لاجئين إليه متوكلين عليه ، ~~معتصمين به ، خائفين منه ، راجين له ، يدعونه خوفا وطمعا ، ويعبدونه رغبا ~~ورهبا ، فبين ما بين حرصا على معرفته وعبادته ، وطاعته وخدمته ، وأخفى ما ~~أخفى لتدوم حاجتهم إليه ، ولا يقع الغنى عنه ، وبالحاجة يقع الخضوع والتجرد ~~، وبالاستغناء يعرض التجبر والتمرد ؛ وهذه أمور جارية بالعادة ، وثابتة ~~بالسيرة الجائرة والعادلة ؛ ولا سبيل إلى دفعها ورفعها وإنكارها وجحدها ، ~~فلهذا لزم كل من أدرك بعقله شيئا أن يتمم نقصه بما يجده عند من أدرك ما ~~أدرك بوحي من ربه . وقال أيضا : مما يؤكد هذه الجملة أن الشريعة قد أتت على ~~معقول كثير ، بنور الوحي PageV01P214 المنير ، ولم تأتي الفلسفة على شيء من ~~الوحي لا كثير ولا قليل : قال : وليس ليونان نبي يعرف ، ولا رسولق ms144 من قبل ~~الله صادق ، وإنما كانوا يفزعون إلى حكمائهم في وضع ناموس يجمع مصالح ~~حياتهم ونظام عيشهم ومنافع أحوالهم في عاجلتهم ، وكانت ملوكهم تحب الحكمة ~~وتؤثر أهلها ، وتقدم من تحلى بجزء من أجزائها ، وكان ذلك الناموس يعمل به ~~ويرجع إليه ، حتى إذا أبلاه الزمان ، وأخلقه الليل والنهار ، عادوا فوضعوا ~~ناموسا آخر جديدا بزيادة شيء على ما تقدم أو نقصان ، على حسب الأحوال ~~الغالبة على الناس ، والمغلوبة بين الناس ، ولهذا لا يقال : إن الإسكندر في ~~أيام ملكه حين سار من المغرب إلى المشرق كانت شريعته كذا وكذا ، وكان يذكر ~~نبيا يقال له : فلان ، أو قال : أنا نبي ، ولقد واقع دارا وغيره من الملوك ~~على طريق الغلبة في طريق الغلبة في طلب الملك ، وحيازة الديار وجباية ~~الأموال والسبي والغارة ، ولو كان للنبوة ذكر وللنبي حديث لكان ذلك مشهورا ~~مذكورا ، ومؤرخا معروفا . قال الوزير : هذا كلام عجيب ما سمعت مثله على هذا ~~الشرح والتفصيل ، قلت : إن شيخنا أبا سليمان غزير البحر ، واسع الصدر ، لا ~~يغلق عليه في الأمور الروحانية والأنباء الإلهية والأسرار الغيبية ، وهو ~~طويل الفكرة ، كثير الوحدة ، وقد أوتي مزاجا حسن الاعتدال ، وخاطرا بعيد ~~المنال ، ولسانا فسيح المجال ، وطريقته هذه التي اجتباها مكتنفة بمعارضات ~~واسعة ، وعليها مداخل لخصمائه ، وليس يفي كل أحد بتلخيصه لها ، لأنه قد ~~أفرز الشريعة من الفلسفة ، ثم حث على انتحالهما معا ، وهذا شبيه بالمناقضة ~~. وقد رأيت صاحبا لمحمد بن زكرياء ي هذه الأيام ورد من الري يقال له : أبو ~~غانم الطبيب يشاده في هذا الموضع ويضايقه ، ويلزمه القول بما ينكره على ~~الخصم ، وإذا أذنت رسمت كلامهما في ورقات . فقال الوزير : قد بان الغرض ~~الذي رمي إليه ، وتقليبه بالجدل لا يزيده إلا إغلاقا ، والقصد معروف ، ~~والوقوف عليه كاف ، ومع هذا فليت حظنا منه كان يتوفر بالتلاقي والاجتماع ، ~~لا بالرواية والسماع ، هات فائدة الوداع ، فقد بلغت في المؤانسة غاية ~~الإمتاع . قلت : أكره أن أختم مثل هذه الفقرة الشريفة بما يشبه الهزل ~~وينافي الجد ، فإن أذنت رويت ما يكون أساسا ودعامة ms145 لما تقدم . PageV01P215 ~~قال : هات ما أحببت ، فما عهدنا من روايتك إلا ما يشوقنا إلى رؤيتك . قلت : ~~قال ابن المقفع : عمل الرجل بما يعلم أنه خطأ هوى ، والهوى آفة العفاف ، ~~وتركه العمل بما يعلم أنه صواب تهاون ، والتهاون آفة الدين ، وإقدامه على ~~ما لا يعلم أصواب هو أم خطأ لجاج ، واللجاج آفة الرأي . فقال - حرس الله ~~نفسه - : ما أكثر رونق هذا الكلام ! وما أعلى رتبته في كنه العقل ! اكتبه ~~لنا ، بل اجمع لي جزءا لطيفا من هذه الفقر ، فإنها تروح العقل في الفينة ~~بعد الفينة ، فإن نور العقل ليس يشع في كل وقت ؛ بل يشع مرة ويبرق مرة ، ~~فإذا شع عم نفعه ، وإذا برق خص نفعه وإذا خفي بطل نفعه . قلت : أفعل . فقال ~~: إن كان معك شيء آخر فاذكره ، فإن الحديث الحسن لا يمل ، وما أحسن ما قال ~~خالد بن صفوان ، فإنه قيل له : أتمل الحديث ؟ قال : إنما يمل العتيق . قال ~~: صدق خالد : إن الحديث لا يمل من الزمان إلا فيما يليه ، وإلا يمل في أول ~~زمانه وفاتحة أوانه ، وإنما الملل يعرض بتكرر الزمان وضجر الحس ونزاع الطبع ~~إلى الجديد ، ولهذا قيل : لكل جديد لذة . فحكيت أنه لما تقلد كسرى أنوشروان ~~مملكته عكف على الصبوح والغبوق ، فكتب إليه وزيره رقعة يقول فيها : إن في ~~إدمان الملك ضررا على الرعية ، والوجه تخفيف ذلك والنظر في أمور المملكة . ~~فوقع على ظهر الرقعة بالفارسية بما ترجمته : يا هذا ، إذا كانت سبلنا آمنة ~~، وسيرتنا عادلة ، والدنيا باستقامنا عامرة ، وعمالنا بالحق عاملة ، فلم ~~نمنع فرحة عاجلة ؟ . قال : من حدثك بهذا ؟ قلت : أبو سليمان شيخنا ، قال : ~~فكيف كان رضاه عن هذا الملك في هذا القول ؟ فقلت : اعترض فقال : أخطأ من ~~وجوه ، أحدها أن الإدمان إفراط ، والإفراط مذموم ؛ والآخر أنه جهل أن أمن ~~السبيل وعدل السيرة وعمارة الدنيا والعمل بالحق PageV01P216 متى لم يوكل ~~بها الطرف الساهر ولم تحط بالعناية التامة ، ولم تحفظ بالاهتمام الجالب ~~لدوام النظام ، دب إليها النقص والنقص باب للانتقاض ، مزعزع للدعامة ، ~~والآخر أن الزمان أعز ms146 من أن يبذل في الأكل والشرب والتلذذ والتمتع ، فإن في ~~تكميل النفس الناطقة باكتساب الرشد لها وإبعاد الغي عنها ما يستوعب أضعاف ~~العمر ، فكيف إذا كان العمر قصيرا ، وكان ما يدعو إليه الهوى كبيرا ؟ ! ~~والآخر أنه ذهب عليه أن الخاصة والعامة إذا وقفت على استهتار الملك باللذات ~~، وانهماكه في طلب الشهوات ، ازدرته واستهانت به ، وحدثت عنه بأخلاق ~~الخنازير وعادات الحمير واستهانة الخاصة والعامة بالناظر في أمرها والقيم ~~بشأنها متى تكررت على القلوب تطرقت إلى اللسان ، وانتشرت في المحافل ، ~~والتفت بها بعضهم إلى بعض وهذه مكسرة للهيبة ، وقلة الهيبة رافعة للحشمة ، ~~وارتفاع الحشمة باعث على الوثبة ، والوثبة غير مأمونة من الهلكة ؛ وما خلا ~~الملك من طامع راصد قط وليس ينبغي للملك الحازم أن يظن أنه لا ضد له ولا ~~منازع ، وقد ينجم الضد والمنازع من حيث لا يحتسب ، وما أكثر خجل الواثق ! ~~وما أقل حزم الوامق ! وما أقل يقظة المائق ! . ثم قال : وعلى الضد متى كان ~~السائس ذا تحفظ وبحث ، وتتبع وحزم وإكباب على لم الشعث وتقويم الأود وسد ~~الخلل وتعرف المجهول وتحقق المعلوم ورفع المنكر وبث المعروف ، احترست منه ~~العامة والخاصة ، واستشعرت الهيبة ، والتزمت بينها النصفة ، وكفيت كثيرا من ~~معاناتها ومراعاتها ، وإن كان للدولة راصد للغرة يئس من نفوذ الحيلة فيها ، ~~لأن اللص إذا رأى مكانا حصينا وعهد عليه حراسا لم يحدث نفسه بالتعرض له ، ~~وإنما يقصد قصرا فيه ثلمة ، وبابا إليه طريق ، والأعراض بالأسباب ، وإذا ~~ضعف السبب ضعف العرض ، وإذا انقطع السبب انقطع العرض . فقال - أدام الله ~~أيامه - : هذا كلام كاف شاف . وقال بعد ذلك : حدثني عما تسمع من العامة في ~~حديثنا . قلت : سمعت بباب الطاق قوما يقولون : اجتمع الناس اليوم على الشط ~~فلما نزل الوزير ليركب المركب صاحوا وضجوا وذكروا غلاء القوت وعوز الطعام ~~وتعذر الكسب PageV01P217 وغلبة الفقر وتهتك صاحب العيال ، وأنه أجابهم ~~بجواب مر مع قطوب الوجه وإظهار التبرم بالاستغاثة : بعد لم تأكلوا النخالة ~~. فقال : والله ما قلت هذا ، ولا خطر لي على بال ، ولم أقابل عامة ms147 جاهلة ~~ضعيفة جائعة بمثل هذه الكلمة الخشناء ، وهذا يقوله من طرح الشر وأحب الفساد ~~وقصد التشنيع علي والإيحاش مني ، وهو هذا العدو الكلب ، يعني ابن يوسف ~~كفاني الله شره ، وشغله بنفسه ، ونكس كيده على رأسه ؛ والله لأنظرن لها ~~وللفقراء بمال أطلقه من الخزانة ، وأرسم ببيع الخبز ثمانية بدرهم ، ويصل ~~ذلك إلى الفقراء في كل محلة على ما يذكر شيخها ، ويبيع الباقون على السعر ~~الذي يقوم لهم ، ويشتريه الغني الواجد ؛ ففعل ذلك - أحسن الله جزاءه - على ~~ما عرفت وشاهدت ، وأبلغته بنشر الدعاء له في الجوامع والمجامع بطول البقاء ~~ودوام العلاء وكبت الأعداء ونصر الأولياء . ثم كتبت جزءا من الفقر على ما ~~رسم من قبل ، فلما أوصلته إليه قال لي : اقرأ ، فقرأته عليه ، فقال : صل ~~هذا الجزء بجزء آخر من حديث النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وبجزء من ~~الشعر ، وبشيء من معاني القرآن ، فإنه مقدم على كل شيء بحسب ما رفع الله من ~~خطره ، وأحوج إلى فهمه ، وندب إلى العمل به ، وأثاب على التفكر فيه والتعجب ~~منه . وعظ رجل من ' جهينة ' ' عمرو بن العاص ' في قصة الحكومة ، فقال عمرو ~~له : ما أنت وذاك يا تيس جهينة ؟ فوالله ما ينفعك الحق ، ولا يضرك الباطل ، ~~فاسكت فإن الظلف لا يجري مع الخف . وقال بعض الحكماء : إن المدن تبنى على ~~الماء والمرعى والمحتطب والحصانة . وقال الشاعر : لاح سهيل في الظلام ~~الدامس . . . كأنه نار بكف القابس PageV01P218 قال ربيعة بن عامر بن مالك ~~في عمرو بن الإطنابة - حين دفع أخته وأخذ أخاه وكان أسيرا في قومه ، وجعل ~~دفع أخيه إليه صداق أخته ، وهو الذي تسميه العرب المساهاة - : فقد حزمى ~~الذي هديت له ، وعزمى الذي أرشدت إليه . وقال الشاعر : وساهى بها عمرو ~~وراعى إفاله . . . فزبد وتمر بعد ذاك كثير وكانت دية العربي مائة وسق ، ~~ودية الهجين خمسين وسقا ، ودية المولى عشرة أوسق ؛ وكانت العرب تجعل دية ~~المعم المخول مائة بعير ، ودية المولى خمسة وعشرين بعيرا . وقال جرير : ~~رأيت بني نبهان أذناب طيىء . . . وللناس أذناب ترى وصدور ترى ms148 شرط المعزى ~~مهور نسائهم . . . وفي شرط المعزى لهن مهور وقال خالد بن جعفر بن كلاب : بل ~~كيف تكفرني هوازن بعدما . . . أعتقتهم فتوالدوا أحرارا وقتلت ربهم زهيرا ~~بعدما . . . جدع الأنوف وأكثر الأوتارا وجعلت مهر نسائهم ودياتهم . . . عقل ~~الملوك هجائنا وبكارا وقال جندل بن صخر ، وكان عبدا : وما فك رقى ذات دل ~~خدلج . . . ولا ساق مالي صدقة وعقول PageV01P219 ولكن نماني كل أبيض خضرم . ~~. . فأصبحت أدري اليوم كيف أقول وقتل الكلبي عبد الله بن الجوشن الغعطفاني ~~بقتله ابنه الجراح بن عبد الله رواد ، وكانوا عرضوا عليه الدية ، فقال : ~~شفيت برواد غليلا وجدته . . . على القلب منه مستسر وظاهر ألا ليت قبرا بين ~~أدمي ومطرق . . . يحدثه عني الأحاديث خابر وقالوا نديه من أبيه ونفتدي . . ~~. فقلت : كريم ما تديه الأباعر ألم تر أن المال يذهب دثره . . . وتغبر ~~أقوال وتبقى المعاير أدمى ومطرق غديران بين فدك وبلاد طىء . سئلت ابنة اخس ~~هل يلقح البازل ؟ قالت : نعم وهو رازم ، أي وإن كان لا يقدر على القيام من ~~الضعف والهزال . يقال : جمل بازل وناقة بازل ، ويقال : ضربه فبركعه إذا ~~أبركه ، وتبركع ، ويقال : شم لي هذه الإبل ، أي انظر لي خبرها . ويقال لولد ~~كل بهيمة إذا ساء غذاؤه : جحن ومحثل وجذع ، وكل ما غذي بغير أمه يقال له : ~~عجي ، وكذلك الجحن والوغل والسغل كله السيء الغذاء . سئل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ضالة الإبل ، فقال : ما لك ولها ؟ معها حذاؤها وسقاؤها ترد ~~الماء وتأكل من الشجر حتى يأتيها ربها . سئل - عليه السلام - عن ضالة الغنم ~~، فقال : هي لك أو لأخيك أو للذئب . قيل له عليه السلام : فاللقطة ؟ قال : ~~تعرفها سنة وتحصي وكاءها ووعاءها PageV01P220 وعفاصها وعددها ؛ فإن جاء ~~صاحبها فأدها إليه . وقال أبي بن كعب : أصبت مائة دينار على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فقال : ' احفظ عفاصها ووكاءها وعددها فإن جاء صاحبها ~~فأخبرك بعددها وعفاصها ووكائها فأدها إليه وإلا فعرفها سنة ، ثم استمتع بها ~~' . قال علي بن الحسن : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان يقف ms149 ~~النخلتين قال له الأنصار : يا رسول الله ، هل لك في السباق ؟ قال : نعم وهو ~~يومئذ على النواضح - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في أخريات ~~الناس ، وأسامة بن زيد على العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وهو في أول الناس - فقال : أين أسامة ؟ فتنادى الناس حتى بلغ أسامة الصوت ، ~~فوضع السوط في الناقة فأقبلت ، فلما دنت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: إن إخواننا من الأنصار قد أرادوا السباق فأنخ ناقتك حتى ترعو ، ثم علق ~~الخطام ثم سابقهم ؛ ففعل واستبقوا ، فسبقت ناقة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فجعل أسامة يكبر ويقول : سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورسول ~~الله يقول : سبق أسامة ، فلما أكثر من ذلك قال له : أقصر يا أسامة ، فإن ~~إخواننا من الأنصار فيهم حياء وحفيظة . قال : وليس لشيء من الحيوان سنام ~~إلا البعير ، ولبعض البخاتي سنامان ، ولبعض البقر شيء صغير على موضع الكاهل ~~. والجمل يبول إلى خلف ، وكذلك الأسد . وقضيب الجمل من عصب ، وقضيب الإنسان ~~من لحم وغضروف ، وقضيب الذئب والثعلب من عظم ، وقضيب ذكر الأرانب من عظم ~~على صورة الثقب كأنه نصف أنبوبة مشقوقة . وفي قلب الثور عظم ، وربما وجد في ~~قلب الجمل . والمرأة تلد من قبل ، والناقة من خلف . وزمان نزو الجمال في ~~شباط . والإناث من الإبل تحمل اثني عشر شهرا وتضع واحدا وتلقح إذا بلغت ~~ثلاث سنين ، وكذلك الذكر ، ثم تقيم الأنثى سنة ثم ينزى عليها . وزعم صاحب ~~المنطق أن الجمل لا ينزو على أمه ، وإن اضطر كرهه . قال : وقد كان رجل في ~~الدهر السالف ستر الأم بثوب ثم أرسل بكرا عليها ، فلما PageV01P221 عرف ذلك ~~لم يتم وقطع ، وحقد على الجمال فقتله . قال : وقد كان لملك فرس أنثى ، وكان ~~لها أفلاء ، فأراد أن تحمل من أكرمها ، فصد عنها وكرهها ، فلما سترت وثب ~~فركبها ، فلما رفع الثوب ورآها هرب ومر حضرا حتى ألقى نفسه في بعض الأودية ~~فهلك . . . . . هذا كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله ms150 وجهه . ~~قال حذيفة : كن في الفتنة كابن البون ، لا ظهر فيركب ، ولا لبن فيحلب . قال ~~ديوجانس : إن المرأة تلقن الشر من المرأة ، كما أن الأفعى تأخذ السم من ~~الأصلة . وقال فيثاغورس : إن كثيرا من الناس يرون العمى الذي يعرض لعين ~~البدن فتأباه أنفسهم ، فأما عمى عين النفس فإنهم لا يرونه ولا تأباه أنفسهم ~~، فلذلك لا يستحيون . وقال أيضا : كما أن الذي يسلك طريقا لا يعرفه لا يدري ~~إلى أي موضع يؤديه ، كذلك الذي يسمع كلاما لا يعرف الغرض فيه لا يربح منه ~~إلا التعب . قيل لديوجانس : أيهما أولى ، طلب الغنى ، أم طلب الحكمة ؟ فقال ~~: للدنيا الغنى ، وللآخرة الحكمة . وقيل له : متى تطيب الدنيا ؟ قال : إذا ~~تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها . فقال الوزير - أسعده الله - عندي أن هذا ~~الكلام مدخول ، لأن الفلسفة لا تصح إلا لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار ~~الآخرة ، فكيف يكون الملك رافضا للدنيا وقاليا لها ، وهو محتاج إلى سياسة ~~أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها ، وله أولياء يحتاج إلى ~~تدبيرهم وإقامة أبنيتهم والتوسعة عليهم ومواكلتهم ومشاربتهم ومداراتهم ~~والإشراف على سرهم وعلانيتهم ، والملك أتعب من الطبيب الذي يجمع معالجة ~~كثيرة بضروب الأدوية المختلفة والأغذية المتباينة ؛ هذا والطبيب فقير إلى ~~تقديم النظر في نفسه وبدنه ، ونفي الأمراض والأغراض عن ظاهره وباطنه ، ومن ~~كان هكذا ومن هو أكثر منه PageV01P222 وأشد حاجة وعلاقة كيف يستطيع أن يكون ~~ملكا وحكيما ؟ ! ولعل قائلا يظن هذا ممكنا ، ويكون الملك واعيا في الحكمة ~~بالدعوى ، وقائما بالملك على طريق الأولى ، وهذا إلى التياث الأمر واختلاله ~~واختلاطه في الملك والفلسفة أقرب منه إلى إحكام الأصل وإثبات الفرع . قال : ~~ولهذا لم نجد نحن في الإسلام من نظر في أمر الأمة على الزهد والتقى وإيثار ~~البر والهدى إلا عدادا قليلا ، والمجوس تزعم أن الشريعة معرجة عن الملك ، ~~أي الذي يأتي بها ليس له أن يعرج على الملك ، بل له أن يكل الملك إلى من ~~يقوم به على أحكام الدين ، ولهذا قال ملكنا الفاضل : الدين والملك أخوان ، ~~فالدين أس ، والملك ms151 حارس ، فما لا أس له فهو مهدوم ، وما لا حارس له فهو ~~ضائع . فقلت له : هذا باب إن توزع القول فيه طال ، وإن رمي بالقصد جاز ، ~~واللائمة كلام كثير في الإمامة والخلافة وما يجري مجرى النيابة عن صاحب ~~الديانة على فنون مختلفة ، وجمل متعددة ، إلا أن الناظر في أحوال الناس ~~ينبغي أن يكون قائما بأحكام الشريعة ، حاملا للصغير والكبير ، على طرائقها ~~المعروفة ، لأن الريعة سياسة الله في الخلق ، والملك سياسة الناس للناس ، ~~على أن الشريعة متى خلت من السياسة كانت ناقصة ، والسياسة متى عريت من ~~الشريعة كانت ناقصة ، والملك مبعوث ، كما أن صاحب الدين مبعوث ، إلا أن أحد ~~البعثين أخفى من الآخر ، والثاني أشهر من الأول . قال - أطال الله بقاءه - ~~كنت أحب أن أعلم من أين قلت : إن الملك مبعوث أيضا ؟ فإن هذه الكلمة ما ~~ثبتت في أذني قط ، ولا خطرت لي على بال ؛ قلت : قال الله عز وجل في تنزيله ~~: ' إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ' . فعجب وقال : كأني لم أسمع بهذا قط . ~~وذكر للإسكندر سوء أحوال رؤساء مذهبه لما كان أبوه احتاز أموالهم وسلب ~~أحوالهم . فقال : يجب للآباء على الأبناء إزالة الذم عنهم ، ومحو الإثم ، ~~واستعطاف القلوب عليهم ، ونشر المحامد عنهم ؛ وأمر برد أموالهم عليهم ، ~~وزاد في الإحسان إليهم . وقال : قد بلغ من فرط شفقة الآباء على الأبناء أن ~~يسيئوا إلى أنفسهم لتكون الإساءة سببا للإحسان إلى أولادهم ، لأنهم يرون ~~أولادهم كأنفسهم لأنهم من أنفسهم . PageV01P223 فقلت : أيها الوزير ، إني ~~لأعجب من الإسكندر في الفعل الرشيد والقول السديد ، فهذا المنصور أبو جعفر ~~صاحب الشهامة والصرامة أخذ من وجوه العراق أموالا بخواتيم أصحابها وأفقرهم ~~، وجعلها في خزائنه بعد أن كتب على تلك الخرائط والظروف أسماء أهلها ، ثم ~~وصى المهدي بردها على أصحابها بعد موته ، ووكد ذلك عليه ، وقال : يا بني ، ~~إنما أريد بهذا أن أحببك إلى الناس ، ففعل المهدي ذلك ؛ فانتشر له الصيت ~~وكثر الدعاء وعجت الأصوات ، وقال الناس : هذا هو المهدي الذي ورد في الأثر ~~. فقال : هذا عجب ms152 . وقال سقراط : ينبغي لمن علم أن البدن هو شيء جعل نافعا ~~للنفس مثل الآلة للصانع أن يطلب كل ما يصير البدن به أنفع وأوفق لأفعال ~~النفس التي هي فيه ، وأن يهرب من كل ما يصير البدن غير نافع ولا موافق ~~لاستعمال النفس له . قال أوميروس : لا ينبغي لك أن تؤثر علم شيء إذا عيرت ~~به غضبت ، فإنك إذا فعلت هذا كنت أنت القاذف لنفسك . وقال ديوجانس : من ~~القبيح أن تتحرى في أغذية البدن ما يصلح له ولا يكون ضارا ، ولا تتحرى في ~~غذاء النفس الذي هو العلم لئلا يكون ضارا . وقال أيضا : من القبيح أن يكون ~~الملاح لا يطلق سفينته في كل ريح ، ونحن نطلق أنفسنا في غير بحث ولا اختبار ~~. ذكر لنا أبو سليمان أن فيلسوفا ورد مدينة فيها فيلسوف ، فوجه إليه المدني ~~كأسا ملآى ، يشير بها إلى أن الاستغناء عنه واقع عنده ، فطرح القادم في ~~الكأس إبرة ، يعلمه أن معرفته تنفذ في معرفته . وقال فيلسوف يوناني : ~~التقلب في الأمصار ، والتوسط في المجامع ، والتصرف في الصناعات ، واستماع ~~فنون الأقوال ، مما يزيد الإنسان بصيرة وحكمة وتجربة ويقظة ومعرفة وعلما . ~~قال الوزير : ما البصيرة ؟ قلت : لحظ النفس الأمور . قال : فما الحكمة ؟ ~~قلت : بلوغ القاصية من ذلك اللحظ . قال : فما التجربة ؟ قلت : كمال النفس ~~بلحاظ مالها . قال : هذا PageV01P224 حسن . قال أنكساغورس : كما أن الإناء ~~إذا امتلأ بما يسعه من الماء ثم تجعل فيه زيادة على ذلك فاض وانصب ، ولعله ~~أن يخرج معه شيء آخر ؛ كذلك الذهن ما أمكنه أن يضبطه فإنه يضبطه ، وإن طلب ~~منه ضبط شيء آخر أكثر من وسعه تحير ، ولعل ذلك يضيع عليه شيئا مما كان ~~الذهن ضابطا له ، وهذا كلام صحيح ، وإني لأتعجب من أصحابنا إذا ظنوا وقالوا ~~: إن الإنسان يستطيع حفظ جميع فنون العلم والقيام بها والإبقاء عليها ، ولو ~~كان هذا مقدورا عليه لوجد ، ولو وجد لعرف ، ولو عرف لذكر ، وكيف يجوز هذا ~~وقلب الإنسان مضغة ، وقوته مقصورة ، وانبساطه متناه ، واقتباسه وحفظه ~~وتصوره وذكره محدود ؟ ولقد حدثني ms153 علي بن المهدي الطبري قال : قلت ببغداد ~~لأبي بشر : لو نظرت في شيء من الفقه مع هذه البراعة التي لك في الكلام ، ~~ومع هذا اللسان الذي تحير فيه كل خصم . قال : أفعل ، قال : فكنت أقرأ عليه ~~بالنهار مع المختلفة الكلام ، وكان يقرأ علي بالليل شيئا من الفقه ، فلما ~~كان بعد قليل أقصر عن ذلك ، فقلت له : ما السبب ؟ قال : والله ما أحفظ ~~مسئلة جليلة في الفقه إلا وأنسي مسئلة دقيقة في الكلام ، ولا حاجة لي في ~~زيادة شيء يكون سببا لنقصان شيء آخر مني . وسأل رجل آخر أن يقرضه مالا ، ~~فوعده ثم غدر به ، فلامه الناس ، فقال : لأن يحمر وجهي مرة أحب إلي من أن ~~يصفر مرارا كثيرة . وولي أريوس ولاية فقال أصدقاؤه : الآن يظهر فضلك . فقال ~~: ليست الولاية تظهر الرجل ، بل الرجل يظهر الولاية . وقال ديوجانس . ~~الدنيا سوق المسافر ، فليس ينبغي للعاقل أن يشتري منها شيئا فوق الكفاف . ~~وقيل لاسطفانس : من صديقك ؟ قال : الذي إذا صرت إليه في حاجة وجدته أشد ~~مسارعة إلى قضائها مني إلى طلبها . وقال أفلاطون : إن للنفس لذتين : لذة ~~لها مجردة عن الجسد ، ولذة مشاركة للجسد ، فأما التي تنفرد بها النفس فهي ~~العلم والحكمة ، وأما التي تشارك فيها البدن فالطعام والشراب PageV01P225 ~~وغير ذلك . وقيل لسقراط : كيف ينبغي أن تكون الدنيا عندنا ؟ قال : لا ~~تستقبلوها بتمن لها ، ولا تتبعوها بتأسف عليها ؛ فلا ذلك مجد عليكم ، ولا ~~هذا راجع إليكم . وقال سقراط : القنية مخدومة ، ومن خدم غير نفسه فليس بحر ~~. وقال بعض ندماء الإسكندر له : إن فلانا يسيء الثناء عليك ، فقال : أنا ~~أعلم أن فلانا ليس بشرير ، فينبغي أن ينظر هل ناله من ناحيتنا أمر دعاه إلى ~~ذلك ، فبحث عن حاله فوجدها رثة ، فأمر له بصلة سنية ، فبلغه بعد ذلك أنه ~~يبسط لسانه بالثناء عليه في المحافل ؛ فقال : أما ترون أن الأمر إلينا أن ~~يقال فينا خير أو شر . قيل لطيماثاوس : لم صرت تسيء القول في الناس ؟ قال : ~~لأنه يمكنني أن أسيء إليهم بالفعل . وكان مرة في ms154 صحراء ، فقال له إنسان : ~~ما أحسن هذه الصحراء ! قال : لو لم تحضرها أنت . وقال غالوس : ما وجه ~~الاهتمام بما إن لم يكن أجزىء فوته ، وإن كان فالمنفعة به وبحضوره قليلة ~~منقطعة . وقال سقراط : ينبغي إذا وعظت ألا تتشكل بشكل منتقم من عدو ، ولكن ~~بشكل من يسعط أو يكوى بعلاجه داء بصديق له ، وإذا وعظت أيضا بشيء فيه صلاحك ~~، فينبغي أن تتشكل بشكل المريض للطبيب . ركب مقاريوس في حاجة ، فمر بزيموس ~~وقد تعلق به رجل يطالبه بمال اختدعه عنه وعليهما جماعة من الناس ، وهو ~~يسأله تنجيم ذلك المال عليه نجوما ليؤديه ، ويتضرع أشد التضرع . فقال ~~منقاروس : ما طلبتك عند هذا الرجل . فقال : أتاني فخدعني بالزهد والنسك عن ~~مالي ، ووعدني أن يملأ بيتي ذهبا من صنعته ، فلم أزل في الاسترسال إلى ~~ظاهره السليم حتى أفقرني باطنه السقيم . فقال له مقاريوس : إن كل من بذل ~~شيئا إنما يبذله على قدر وسعه ؛ وكان زيموس أتاك على حاله التي هو عليها ، ~~ولم يكن ليتسع لأكثر من ذلك القول ؛ وعمل الذهب فبين ظاهر ، لأن فقره يدل ~~على عجزه وضعفه عنه ، ومن أمل الغني عند PageV01P226 الفقير فغاية ما يمكن ~~أن يبلغه أن يصير مثله ؛ وآخر ما يؤمل عند الفقير نيل الفقر . فقد أصبت ما ~~كنت تحب أن تجده عند زيموس ؛ وهو حظ إن تمسكت به لم يغل بما تلف من مالك ، ~~ولئن كان وعدك أن يفيدك مالا باطلا فلقد أفادك معدنا حقا ، من غير قصد إلى ~~نفعك . ثم أقبل على زيموس وقال له : ما أبعد شبه معدنك من المعادن الطبيعية ~~! إن المعادن تلفظ الذهب ، ومعدنك هذا يبتلع الذهب ؛ ومن جاور معدنا منها ~~أغناه ، ومن جاور معدنك أفقره ؛ والمعادن الطبيعية تثمر من غير قول ، ~~ومعدنك يقول من غير إثمار . فقال زيموس : أجل ، ولا آخرهم ولا أوسطهم ، ~~لكنك من الجهال الذين لقي الناس منهم الأذى . فقال - أعلى الله قوله - : ~~فهل لهذا الأمر - أعني الكيمياء - مرجوع ؟ وهل له حقيقة ؟ وما تحفظ عن هذه ~~الطائفة ؟ فكان الجواب ، أما يحيى بن عدي ms155 - وهو أستاذ هذه الجماعة - فكان ~~في إصبعه خاتم من فضة يزعم أن فضته عملت بين يديه ، وأنه شاهد عملها عيانا ~~، وأنه لا يشك في ذلك . وأما أصحابه كابن زرعة وابن الخمار ، فذكروا أن ذلك ~~تم عليه من فعل لم يفطن له من بعض من اغتره من هؤلاء المحتالين الخداعين . ~~وأما شيخنا أبو سليمان فحصلت من جوابه على أنه ممكن ، ولم يذكر سبب إمكانه ~~ولا دليل حقيقته . وأما أبو زيد البلخي - وهو سيد أهل المشرق في أنواع ~~الحكمة - فذكر أنه محال ولا أصل له ، وأن حكمة الله تعالى لا توجب صحة هذا ~~الأمر ، وأن صحته مفسدة عامة ، ' والله لا يحب الفساد ' . وأما مسكويه - ~~وها هو بين يديك - فيزعم أن الأمر حق وصحيح ، والطبيعة لا تمنع من إعطائه ، ~~ولكن الصناعة شاقة ، والطريق إلى إصابة المقدار عسرة ، وجمع الأسرار صعب ~~وبعيد ، ولكنه غير ممتنع ؛ فقد مضى عمره في الإكباب على هذا بالري أيام كان ~~بناحية أبي الفضل وأبي الفتح ابنه مع رجل يعرف بأبي الطيب ، شاهدته ولم ~~أحمد عقله ، فإنه كان PageV01P227 صاحب وسواس وكذب وسقط ، وكان مخدوعا في ~~أول أمره ، خادعا في آخر عمره . وأبين ما سمعته في هذا الحديث أن الطبيعة ~~فوق الصناعة ، وأن الصناعة دون الطبيعة ، وأن الصناعة تتشبه بالطبيعة ولا ~~تكمل ، والطبيعة لا تتشبه بالصناعة وتكمل ، وأن الطبيعة قوة إلهية سارية في ~~الأشياء واصلة إليها ، عاملة فيها بقدر ما للأشياء من القبول والاستحالة ~~والانفعال والمواتاة ، إما على التمام ، وإما على النقصان . وقيل : إن ~~الطبيعة لا تسلك إلى إبراز ما في المادة أبعد الطرق ، ولا تترك أقرب الطرق ~~، فلما كانت المعادن هي التي تعطى هذه الجواهر على قدر المقابلات العلوية ~~والأشكال السماوية والمواد السفلية والكائنات الأرضية ، لم يجز أن تكون ~~الصناعة مساوية لها ، كما لم يجز أن تكون مستعلية عليها ، لأن الصناعة ~~بشرية مستخرجة من الطبيعة التي هي إلهية ، ولا سبيل لقوة بشرية أن تنال قوة ~~إلهية بالمساواة ؛ فأما بالتشبيه والتقريب والتلبيس ، فيمكن أن يكون ~~بالصناعة شيء كأنه ذهب أو فضة ms156 ، وليس هو في الحقيقة ، لا ذهب ولا فضة ؛ ~~وإذا كان ظهور القطن بالطبيعة وظهور الثوب بالصناعة فليس لهذه أن تعرض لهذه ~~، ولا لهذه أن تعرض لهذه ؛ والأمور موزونة ، والصناعات متناهية ؛ فإن ادعى ~~في شيء من الصناعة ما يزيد عليها حتى تكون كأنها الطبيعة ، احتيج إلى برهان ~~واضح ، وإلى عيان مصرح ، لأنا نعلم أنه ما من صناعة ولا علم ولا سياسة ولا ~~نحلة ولا حا إلا وقد حمل عليها ، وزيد فيها وكذب من أجلها بما إذا طلبت ~~صحته بالبرهان لم تجد ، أو بالعيان لم تقدر . فأما أصحاب النسك ومن عرف ~~بالعبادة والصلاح ؛ فقد ادعى لهم أن الصفر يصير لهم ذهبا ، وشيئا آخر يصير ~~فضة ، وأن الله عز وجل يزلزل لهم الجبل وينزل لهم القطر ، وينبت لهم الأرض ~~، وغير ذلك مما هو كالآيات للأنبياء الذين يأتون من قبل الله بالكتب ~~والوصايا والأحكام والمواعظ والنصائح ، وربما يسمى كثير من الناس ما يظهر ~~للزهاد والعباد من هذا الضرب كرامات ولا يسميها معجزات ، والحقائق لا تنقلب ~~بالأسماء ، فإن المسمى بالكرامة هو المسمى بالمعجزة والآية . والخوض في هذا ~~الطرف قديم ، وفصله في الحق شاق ، والتنازع فيه قائم ، والظن يعمل عمله ، ~~واليقين غير مظفور به ، ولا موصول إليه ؛ والطبيعة قد أولعت الناس بادعاء ~~الغرائب ، وبعثتهم على نصرتها بالوفق والخرق ، والتسهيل واللجاج ، ~~والمواتاة والمحك ، PageV01P228 ولله في طي هذا العالم العلوي أسرار وخفايا ~~وعيوب ومكامن لا قوة لأحد من البشر بالحس ولا بالعقل أن يحوم حولها ، أو ~~يبلغ عمقها ، أو يدرك كنهها ، ومن تصرف عرف ، ومن عرف سلم ، والسلام . وحكى ~~لنا أبو سليمان أن أرسطوطاليس كتب إلى رجل لم يشفعه في رجل سأله الكلام له ~~في حاجة : إن كنت أردت ولم تقدر فمعذور ، وإن كنت قدرت ولم ترد فسوف يجيىء ~~وقت تريد ولا تقدر . وقال بعض الحكماء : لا ترفهوا السفلة فيعتادوا الكسل ~~والراحة ، ولا تجرئوهم فيطلبوا السرف والشغب ، ولا تأذنوا لأولادهم في تعلم ~~الأدب فيكونوا لرداءة أصولهم أذهن وأغوص ، وعلى التعلم أصبر ؛ ولا جرم ~~فإنهم إذا سادوا في آخر ms157 الأمر خربوا بيوت العلية أهل الفضائل . وقال فيلسوف ~~: للنفس خمس قوى : الحس والوهم والذهن والاختبار والفكر . فأما الحس فلحاق ~~الأشياء بلا فحص ، ولا يحتاج في ذلك اللحاق إلى شيء آخر ، إلا أن يكون ~~ممنوعا بمانع ، وذلك إذا وجد شيئا أبيض حكم بأنه أبيض بلا فكر ولا قياس . ~~وأما الوهم ، فإنه يقع على الأشياء بتوسط الحس . وأما الاختبار فيوافق ~~الفكر ، كقولك : النفس لا تموت ، فهذا قول اختباري بعد الفكر ، فإن كان هذا ~~هكذا فالاختبار ليس بقياس ، ولكنه أفق القياس . وأما الذهن فإنه لا يهجم ~~على أوائل الأشياء . وقال آخر شبيها بهذا الكلام ، ولابأس أن يكون مضموما ~~إليه ، ليكون شمل الفائدة أكثر نظاما وأقرب مراما . قال : ليس للحواس ~~والحركات فعل دون أن تبعثها القوة المميزة ، فلذلك لا يحس السكران ولا ~~النائم ، وكذلك أيضا البهائم فإنها لا تصيح إلا بعد أن يعرض في فكرها شيء ، ~~ولا تتحرك إلا بانبعاث القوة المميزة . ولكل واحد من الحيوان ثلاثة أرواح ~~في ثلاثة أعضاء رئيسة : نفسية في الدماغ ، وحيوانية في القلب ، وطبيعية في ~~الكبد . PageV01P229 وفي كل واحد منها قوة مميزة بها يتم عمله ، فالتي في ~~الدماغ هي العقل المميز الحارس للبدن ، ومنه ينبعث الحس والحركة ، والتي في ~~القلب تنبعث منها الحرارة الغريزية في جميع البدن ؛ وزعموا أن تلك الحرارة ~~هي الروح ؛ والتي في الكبد هي موضع الهضم والنضج ، وهي التي تنضج الطعام ~~وتغيره وتحيله دما وتوزع في كل عضو ما هو ملائم له ، وبالجاذبة تجذب ، ~~وبالحابسة تحبس ، وبالهاضمة تهضم ، وبالدافعة تدفع . فأما الدماغ فينقسم ~~ثلاثة أقسام يحجز بينها أغشية ، أحدها في مقدم الرأس موضع التخيل ، والثاني ~~في وسط الرأس موضع العقل والفكر والتمييز ، والثالث في مؤخر الرأس موضع ~~الحفظ والذكر والقبول ؛ فكل واحد مما ذكرنا يخدم الآخر ، وإن ضعف أحدها ضعف ~~لضعفه الآخر ، وباعتدالهن وسلامتهن قوام البدن والنفس . ولكل واحد منها آلة ~~بها يستعين على خدمة الآخر . قال : فكما أن الرحى إذا نقضت شيئا منها أو ~~زدت أفسد الطحن ؛ إما بزيادة أو نقصان ، كذلك سائر خدمه وآلاته ms158 . وقال : ~~الدماغ مسكن العقل ، وخدمه الحس والحركة ؛ والقلب مسكن الحرارة الغريزية ، ~~وخدمه العروق الضوارب ؛ والكبد مسكن النضج والهضم ، وخدمها العروق غير ~~الضوارب . وقال : النار تحرق ، فإذا كانت موجودة فالدخان والرماد موجودان ، ~~والدخان رماد لطيف ، والرماد دخان كثيف . وقال أبو سليمان : ذكر بعض ~~البحاثين عن الإنسان أنه جامع لكل ما تفرق في جميع الحيوان ، ثم زاد عليها ~~وفضل بثلاث خصال : بالعقل والنظر في الأمور النافعة والضارة ، وبالمنطق ~~لإبراز ما استفاد من العقل بوساطة النظر ، وبالأيدي لإقامة الصناعات وإبراز ~~الصور فيها مماثلة لما في الطبيعة بقوة النفس . ولما انتظم له هذا كله جمع ~~الحيل والطلب والهرب والمكايد والحذر ، وهذا بدل السرعة والخفة التي في ~~الحيوان ، واتخذ بيده السلاح مكان الناب والمخلب والقرن ، واتخذ الجنن ~~لتكون وقاية من الآفات ، والعقل ينبوع العلم ، والطبيعة ينبوع الصناعات ، ~~والفكر ، بينهما قابل منهما ، مؤد من بعض إلى بعض ، فصواب بديهة الفكر من ~~صحة العقل ، PageV01P230 وصواب روية الفكر من صحة الطباع . وقال أبو العباس ~~: الناس في العلم على ثلاث درجات ، فواحد يلهم فيعلم فيصير مبدأ ، والآخر ~~يتعلم ولا يلهم فهو يؤدي ما قد حفظ ، والآخر يجمع له بين أن يلهم وأن يتعلم ~~. فيكون بقليل ما يتعلم مكثرا بقوة ما يلهم . وقال : الإنسان بين طبيعته - ~~وهي عليه - ونفسه - وهي له - منقسم ؛ فإن اقتبس من العقل قوي نوره ما هو له ~~من النفس ، وأضعف ما هو عليه من الطبيعة ، فإن لم يكن يقتبس بقي حيران أو ~~متهورا . وقال سقراط : الكلام اللطيف ، ينبو عن الفهم الكثيف . وحكى لنا ~~أبو سليمان قال : قيل لفيلسوف : ما بال المريض إذا داواه الطبيب ودخل عليه ~~فرح به وقبل منه وكافأه على ذلك ، والجاهل لا يفعل ذلك بالعالم إذا علمه ~~وبين له ؟ فقال : لأن المريض عالم بما عند الطبيب ، وليس الجاهل كذلك ، ~~لأنه لا يعلم ما عند العالم . وقال ديوجانس لصاحبه : أما تعلم أن الحمام ~~إذا كان سمائيا كان أغلى ثمنا ، وإذا كان أرضيا كان أقل ثمنا . قال - أبقاه ~~الله - هذا مثللا في غاية الحسن والوضوح ms159 . وقال ديوجانس : المأكول للبدن ، ~~والموهوب للمعاد ، والمحفوظ للعدو . وقال فيلسوف : التهاون باليسير أساس ~~للوقوع في الكثير . وقال أفلاطون : مثل الحكيم كمثل النملة تجمع في الصيف ~~للشتاء ، وهو يجمع في الدنيا للآخرة . وقال فيلسوف : من يصف الحكمة بلسانه ~~ولم يتحل بها في سره وجهره فهو في المثل كرجل رزق ثوبا فأخذ بطرفه فلم ~~يلبسه . وقال السيد المسيح : إن استطعت أن تجعل كنزك حيث لا يأكله السوس ، ~~ولا تدركه اللصوص ، فافعل . PageV01P231 قال فيلسوف : إذا نازعك إنسان فلا ~~تجبه ، فإن الكلمة الأولى أنثى وإجابتها فحلها ، وإن تركت إجابتها بترتها ~~وقطعت نسلها ، وإن أجبتها ألقحتها ؛ فكم من ولد ينمو بينهما في بطن واحد . ~~وقال فيلسوف : إن البعوضة تحيا ما جاعت وإذا شبعت ماتت . وقال ديوجانس : من ~~أين تأكل ؟ فقال : من حيث يأكل عبد له رب . وقال ديوجانس : كن كالعروس تريد ~~البيت خاليا . قيل لأرسطوطاليس : إن فلانا عاقل . قال : إذا لا يفرح ~~بالدنيا . وقيل لفيثاغورس : ما أملك فلانا لنفسه ! قال : إذا لا تصرعه ~~شهوته ، ولا تخدعه لذته . وقيل لأسقلبيوس : فلان له همة . قال إذا لا يرضى ~~لنفسه بدون القدر . ومدح رجل ثيودوروس على زهده في المال قال : وما حاجتي ~~إلى شيء البخت يأتي به ، واللؤم يحفظه ، والنفقة تبدده ، إن قل غلبك الهم ~~بتكثيره ، وإن كثر تقسمك في حفظه ، يحسدك من فاته ما عندك ، ويخدعك عنه من ~~يطمع فيه منك . وقال سقراط : ما أحب أن تكون النفس عالمة بكل ما أعد لها ؛ ~~قيل : ولم ؟ قال : لأنها لو علمت طارت فرحا ولم ينتفع بها . وقال ديوجانس : ~~القلب ذو لطافة ، والجسم ذو كثافة ، والكثيف يحفظ اللطيف كضوء المصباح في ~~القنديل . وقال أفلاطون : العلم مصباح النفس ، ينفي عنها ظلمة الجهل ، فما ~~أمكنك أن تضيف إلى مصباحك مصباح غيرك فافعل . قال أبو سليمان : ما أحسن ~~المصباح إذا كان زجاجة نقيا ، وضوءه ذكيا ، وزيته قويا ، وذباله سويا . قيل ~~لسقراط : ما أحسن بالمرء أن يتعلمه في صغره ؟ قال : ما لا يسعه أن يجهله في ~~كبره . PageV01P232 قال أبو سليمان : ومن ها هنا أخذ ms160 من قال : يحسن بالمرء ~~التعلم ما حسنت به الحياة . قيل لهوميروس : ما أصبرك على عيب الناس لك ! ~~قال : لأنا استوينا في العيب ، فأنا عندهم مثلهم عندي . وقيل للإسكندر : أي ~~شيء أنت به أسر ؟ . قال : قوتي على مكافأة من أحسن إلي بأحسن من إحسانه . ~~وقال ديوجانس : إن إقبالك بالحديث على من لا يفهم عنك بمنزلة من وضع ~~المائدة على مقبرة . ورأى ديوجانس رجلا يأكل ويتذرع ويكثر ، فقال له : يا ~~هذا ، ليست زيادة القوة بكثرة الأكل ، وربما ورد على بدنك من ذلك الضرر ~~العظيم ، ولكن الزيادة في القوة بجودة ما يقبل بدنك منه على الملاءمة . ~~وقال ديوجانس : الذهب والفضة في الدار بمنزلة الشمس والقمر في العالم . قال ~~أبو سليمان : هذا مليح ، ولكن ينبغي أن تبقى الشمس والقمر فإنهما يكسفان ~~فيكونان سببا لفساد كثير ، ويذوبان ويحميان فيكونان ضارين . وقال أفلاطون : ~~موت الرؤساء أصلح من رآسة السفلة . وقال : إذا بخل الملك بالمال كثر ~~الإرجاف به . وقال سولون : العلم صغير في الكمية ، كبير في الكيفية . وقال ~~أبو سليمان : يعني أن القليل منه إذا استعملته على وجهه كان له إناء ونفع ~~فائض ودر سائح ، وغاية محمودة ، وأثر باق . وهذه كلها كيفيات من تلك الكمية ~~. وقال أفلاطون : لا يسوس النفوس الكثيرة على لاحق والواجب من لا يمكنه أن ~~يسوس نفسه الواحدة . وقال سقراط : النفس الفاضلة لا تطغى بالفرح ، ولا تجزع ~~من الترح ، لأنها تنظر في PageV01P233 كل شيء كما هو ، لا تسلبه ما هو له ~~ولا تضيف إليه ما ليس منه ؛ والفرح بالشيء إنما يكون بالنظر في محاسن الشيء ~~دون مساوئه ، والترح إنما يكون بالنظر في مساوىء الشيء دون محاسنه ؛ فإذا ~~خلص النظر من شوب الغلط فيما ينظر فيه انتفى الطغيان والجزع ، وحصل النظام ~~وربع . قال ديوجانس : ينبغي للإنسان أن ينظر في المرآة ، فإن كان وجهه حسنا ~~استقبح أن يضيف إليه فعلا قبيحا ، وإن كان وجهه قبيحا استقبح أن يضيف قبيحا ~~إلى قبيح حتى يتضاعف القبح . وقال إبقراط : منزلة لطافة القلب في الأبدان ~~بمنزلة لطافة الناظر في الأجفان ms161 . وقال : للقلب آفتان : وهما الغم والهم ، ~~فالغم يعرض منه النوم ، والهم يعرض منه السهر ، وذلك أن الهم فيه فكر في ~~الخوف مما سيكون ، فمنه يغلب السهر ؛ والغم لا فكر فيه ، لأنه إنما يحدث ~~لما قد مضى وكان . وقال أفلاطون : من يصحب السلطان فلا يجزع من قسوته ، كما ~~لا يجزع الغواص من ملوحة البحر . قال أبو سليمان : هذا كلام ضره أكثر من ~~نفعه ، وإنما نفقه صاحبه بالمثال ، والمثال يستجيب للحق كما يستجيب للباطل ~~، والمعول على ما ثبت بالدليل ، لا على ما يدعى بالتمثيل ، وقد يجب أن ~~يجتنب جانب السلطان بغاية الاستطاعة والإمكان ، إلا إذا كان الدهر سليما من ~~الآفات الغالبة . فقال له الأندلسي : وما صورة الزمان الخالي من الآفات ؟ ~~فقال : أن يكون الدين طريا ، الدولة مقبلة ، والخصب عاما ، والعلم مطلوبا ، ~~والحكمة مرغوبا فيها ، والأخلاق طاهرة ، والدعوة شاملة ، والقلوب سليمة ، ~~والمعاملات متكافئة ، والسياسة مغروسة ، والبصائر متقاربة . فقال : هذا لو ~~صح لارتفع الكون والفساد اللذان وهما سوس هذا المكان ، فقال : غلطت يا أبا ~~عبد الله ، فإن الكون والفساد يكونان على حاليهما ، ولكنهما يقعان على ~~معلومين للصورة الثابتة ، والسياسة العامة الغالبة ، كأنك لا تحس بالفرق ~~بين زمان خصب الأرض وجدبها ؛ وكما أن للأرض خصبا وجدبا ؛ كذلك للأحوال ~~والأديان وللدول صلاح وفساد ، وإقبال وإدبار ، وزيادة ونقصان ؛ ولو كان ما ~~خلته لازما ، لكنا لا نتمنى ملكا عادلا ، ولا سائسا فاضلا ، ولا ناظرا ~~ناظما ، ولا مدبرا عالما ؛ وكان هذا لا يعرف PageV01P234 ولا يعهد ، ويكون ~~في عرض المحال كونه ووجدانه ؛ وليس الأمر هكذا فقد عهدنا مثل أبي جعفر ~~بسجستان ، وكان والله بصيرا خبيرا ، عالما حكيما ، يقظا حذرا ، يخلق ويفري ~~، ويريش ويبري ، ويكسو ويعري ، ويمرض ويبري ، وهكذا مثل أبي جعفر بالأمس ~~ملك العراق في حزامته وصرامته وقيامه في جميع أموره ، بنظره وتدبيره ؛ ~~وكذلك قد عهد الناس قبلنا مثل هذا ، فلم يقع التعجب من شيء عليه مدار الليل ~~والنهار . وقال ديوجانس لصاحب له : اطلب في حياتك هذه العلم والمال تملك ~~بهما الناس ، لأنك بين الخاصة والعامة ، فالخاصة تعظمك لفضلك ، والعامة ms162 ~~تعظمك لمالك . وقال أفلاطون : إن الله تعالى بقدر ما يعطي من الحكمة يمنع ~~الرزق ؛ قال أبو سليمان : لأن العلم والمال كضرتين قلما يجتمعان ويصطلحان ، ~~ولأن حظ الإنسان من المال إنما هو من قبيل النفس الشهوية والسبعية ، وحظه ~~من العلم إنما هو من قبيل النفس العاقلة ، وهذان الحظان كالمتعاندين ~~والضدين . قال : فيجب على الحصيف والمميز أن يعلم بأن العالم أشرف في سنخه ~~وعنصره ، وأوله وآخره ، وسفره وحضره ، وشهادته ومغيبه من ذي المال ؛ فإذا ~~وهب له العلم فلا يأس على المال الذي يجزىء منه اليسير ، ولا يلهب نفسه على ~~فوته حسرة وأسفا ؛ فالعلم مدبر ، والمال مدبر ؛ والعلم نفسي ، والمال جسدي ~~، والعلم أكثر خصوصية بالإنسان من المال ، وآفات صاحب المال كثيرة وسريعة ، ~~لأنك لا ترى عالما سرق علمه وترك فقيرا منه ؛ وقد رأيت جماعة سرقت أموالهم ~~ونهبت وأخذت ، وبقي أصحابها محتاجين لا حيلة لهم ؛ والعلم يزكو على الإنفاق ~~ويصحب صاحبه على الإملاق ؛ ويهدي إلى القناعة ، ويسبل الستر على الفاقة ؛ ~~وما هكذا المال . PageV01P235 # | الليلة الثامنة عشرة # وقال مرة : تعال حتى نجعل ليلتنا هذه مجونية ، ونأخذ من الهزل بنصيب وافر ~~، فإن الجد قد كدنا ، ونال من قوانا ، وملأنا قبضا وكربا ، هات ما عندك ، ~~قلت : قال حسنون المجنون بالكوفة يوما - وقد اجتمع إليه المجان يصف كل واحد ~~منهم لذات الدنيا - فقال : أما أنا فأصف ما جربته ؛ فقالوا : هات ؛ فقال : ~~الأمن والعافية ، وصفع الصلع الزرق ، وحك الجرب ، وأكل الرمان في الصيف ، ~~والطلاء في كل شهرين ، وإتيان النساء الرعن والصبيان الزعر ، والمشي بلا ~~سراويل بين يدي من لا تحتشمه ، والعربدة على الثقيل ، وقلة خلاف من تحبه ~~والتمرس بالحمقى ومؤاخاة ذوي الوفاء ، وترك معاشرة السفلة . وقال الشاعر : ~~أصبحت من سفل الأنام . . . إذ بعث عرضي بالطعام أصبحت صفعانا لئي . . . م ~~النفس من قوم لئام في است أم ربات الخيا . . . م ومن يحن إلى الخيام نفسي ~~تحن إلى الهلا . . . م الموت من دون الهلام من لحم جدي راضع . . . رخص ~~المفاصل والعظام هذا لأولاد الخطا . . . يا والبغايا والحرام حي القدور ~~الراسيا . . . ت ms163 وإن صممن عن الكلام وقصاعهن إذا أتي . . . نك طافحات ~~بالسلام PageV01P236 لهفي على سكباجة . . . تشفي القلوب من السقام يا عاذلي ~~أسرفت في . . . عذل الخليع المستهام رجل يعض إذا نصح . . . ت له على فأس ~~اللجام دع عذل من يعصي العذو . . . ل ولا يصيخ إلى الملام خلع العذار وراح ~~في . . . ثوب المعاصي والأثام شيخ يصلي قاعدا . . . وينيك عشرا من قيام ~~ويعاف نيك الغانيا . . . ت ويشتهي نيك الغلام وتراه يرعد حين يذ . . . كر ~~عنده شهر الصيام خوفا من الشهر المعذ . . . ب نفسه في كل عام سلس القياد ~~إلى التصا . . . بي والملاهي والحرام من للمروءة والفتوة . . . بعد موتي ~~والندام من للسماح وللرما . . . ح لدى الهزاهز والحسام من للواط وللحلا . . ~~. ق وللملمات العظام كان محمد بن الحسن الجرجاني متقعرا في كلامه ، فدخل ~~الحمام يوما ، فقال للقيم : أين الجليدة التي تسلخ بها الضويطة من الإخفيق ~~؟ قال : فصفع القيم قفاه بجلدة النورة وخرج هاربا ، فلما خرج من الحمام وجه ~~إلى صاحب الشرطة ، فأخذ القيم وحبسه ، فلما كان عشاء ذلك اليوم كتب إليه ~~القيم رقعة يقول فيها : قد أبرمني المحبوسون بالمسئلة عن السبب الذي حبست ~~له ، فإما خليتني وإما عرفتهم . فوجه من أطلقه ، واتصل الخبر بالفتح ، فحدث ~~المتوكل ، فقال : ينبغي أن يغني هذا القيم عن الخدمة في الحمام . وامر له ~~بمائتي دينار . PageV01P237 قال : وكان بالبصرة مخنث يجمع ويعشق بعض ~~المهالبة ، فلم يزل المخنث به حتى أوقعه ، قال : فلقيته من غد فقلت له : ~~كيف كانت وقعة الجفرة عندكم البارحة ؟ فقال : لما تدانت الأشخاص ، ورق ~~الكلام ، والتفت الساق بالساق ، ولطخ باطنها بالبزاق ، وقرع البيض بالذكور ~~، وجعلت الرماح تمور ؛ صبر الكريم فلم يجزع ، وسلم طائعا فلم يخدع ؛ ثم ~~انصرف القوم على سلم ، بأفضل غنم ؛ وشفيت الصدور ، وسكنت حرارة النفوس ، ~~ومات كل وجد ، وأصيب مقتل كل هجر ، واتصل الحبل ، وانعقد الوصل . قال : فلو ~~كان أعد هذا الكلام لمسئلتي قبل ذلك بدهر لكان قد أجاد . وقال أبو فرعون ~~الشاشي : أنا أبو فرعون فاعرف كنيتي . . . حل أبو عمرة وسط حجرتي وحل نسج ~~العنكبوت برمتي . . . أعشب ms164 تنوري وقلت حنطتي وحالف القمل زمانا لحيتي . . . ~~وضعفت من الهزال ضرطتي وصار تباني كفاف خصيتي . . . أير حمار في حر أم ~~عيشتي أبو عمرة : صاحب شرطة المختار بن عبيد ، كان لا ينزل بقوم إلا ~~اجتاحهم ، فصار مثلا لك شؤم وشر . ويقال أيضا : إن أبا عمرة اسم الجوع ، ~~هكذا حدثني به أبو الحسن البصري . وأنشد بشر بن هارون في أبي طاهر : ~~PageV01P238 أبا عبد الإله وأنت حر . . . من الأحرار منزوع القلاده سألتك ~~بالإله لتخبرني . . . أجهلك مستفاد أم ولاده ؟ فإن يك فيك مولودا فعذر . . ~~. وإن يك حادثا لك باستفاده فواعجبا يزيد الناس فضلا . . . وأنت تزيد نقصا ~~بالزيادة ! حكى الصولي : حدثنا ميمون بن مهران قال : كان معنا مخنث يلقب ~~مشمشة - وكان أميا - فكتب بحضرته رجل إلى صديق له كتابا ، فقال المخنث : ~~اكتب إليه : مشمشة يقرأ عليك السلام ؛ فقال : قد فعلت - وما كان فعل - فقال ~~: أرني ؛ فقال : هذا اسمك ؛ فقال : هيهات ، اسمي في الكتاب شبه داخل الأذن ~~، فعجبنا من جودة تشبيهه . قال نضلة : مررت بكناسين أحدهما في البئر والآخر ~~على رأس البئر ، وإذا ضجة ، فقال الذي في البئر : ما الخبر ؟ فقال : قبض ~~على علي بن عيسى ؟ فقال : من أقعدوا بدله ؟ قال : ابن الفرات ؛ قال : ~~قاتلهم الله ، أخذوا المصحف ووضعوا بدله الطنبور . كتب أبو العيناء إلى ابن ~~مكرم : قد أصبت لك غلاما من بني ناعظ ، ثم من بني ناشرة ، ثم من بني نهد . ~~فكتب إليه : ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين . وقدم رجل مع امرأة إلى ~~القاضي ومعها طفل ، فقالت : هذا ابنه ، فقال الرجل : أعز الله القاضي ما ~~أعرفه ؛ فقال القاضي : اتق الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : الولد ~~للفراش ، وللعاهر الحجر ، فهذا وأمه على فراشك ؛ قال الرجل : ما تنايكنا ~~إلا في الاست ، فمن أين لي ولد ؟ فقالت المرأة : أعز الله القاضي ؛ قل له : ~~ما رأيت ؟ يعرفه ؛ فكف الرجل ، وأخذ بيد ولده وانصرف . قال : وسمعت آخر ~~يقول لشاطر : اسكت ، فإن نهرا جرى فيه الماء لابد أن يعود إليه . فقال له ~~الآخر : حتى يعود إليه ms165 الماء تكن قد ماتت ضفادعه . ومن كلام الشطار : أنا ~~البغل الحرون ، والجمل الهائج ، أنا الفيل PageV01P239 المغتلم لو كلمني ~~عدوي لعقدت شعر أنفه إلى شعر استه حتى يشم فساءه ، كأنه القنفذة . وقال بعض ~~القصاص : في النبيذ شيء من الجنة ' الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ' ~~والنبيذ يذهب الحزن . قال وسمعت ماجنة تقول : ضر وسر ، وقد وارقد ، واطرح ~~واقترح . قال ابن أبي طاهر : دعا مرة قوما وأمر جاريته أن تبخرهم ، فأدخلت ~~يدها في ثوب بعضهم فوجدت أيره قائما ، فجعلت تمرسه وتلعب به وأطالت ؛ فقال ~~مولاها : أيش آخر هذا العود ؟ احترق ؟ قالت : يا مولاي ، هو عقدة . قال ~~مزيد : كان الرجل فيما مضى إذا عشق الجارية راسلها سنة ، ثم رضي أن يمضغ ~~العلك الذي تمضغه ، ثم إذا تلاقيا تحدثا وتناشدا الأشعار ، فصار الرجل ~~اليوم إذا عشق الجارية لم يكن له هم إلا أن يرفع رجلها كأنه أشهد على ~~نكاحها أبا هريرة . قال ابن سيرين : كانوا يعشقون من غير ريبة ، فكان لا ~~يستنكر من الرجل أن يجيء فيحدث أهل البيت ثم يذهب . قال هشام : ولكنهم لا ~~يرضون اليوم إلا بالمواقعة . قال الأصمعي : قلت لأعرابي : هل تعرفون العشق ~~بالبادية ؟ قال : نعم ، أيكون أحد لا يعرفه . قلت : فما هو عندكم ؟ قال : ~~القبلة والضمة والشمة ، قلت : ليس هو هكذا عندنا . قال : وكيف هو ؟ قلت : ~~أن يتفخذ الرجل المرأة فيباضعها . فقال : قد خرج إلى طلب الولد . قال بشر ~~بن هارون : إن أبا موسى له لحية . . . تدخل في الجحر بلا إذن وصورة في ~~العين مثل القذى . . . ونغمة كالوقر في الأذن كم صفعة صاحت إلى صافع . . . ~~بالنعل من أخدعه : خذني وقال لنا أبو يوسف : قال جحظة : حضرت مجلسا فيه ~~جماعة من وجوه الكتاب ، وعندنا قينة محسنة حاضرة النادرة ، فقال لها بعضهم ~~: بحياتي عليك غني لي : لست مني ولست منك فدعني . . . وامض عني مصاحبا ~~بسلام PageV01P240 فقالت : أهكذا كان أبوك يغنيك ؟ فأخجلته . اشترى مديني ~~رطبا ، فأخرج صاحب الرطب كيلجة صغيرة ليكيل بها ، فقال المديني : والله لو ~~كلت بها حسنات ما قبلتها . سئل أبو ms166 عمارة قاضي الكوفة : أي بنيك أثقل ؟ قال ~~: ما فيهم بعد الكبير أثقل من الصغير إلا الأوسط . اجتمع جماعة عند جامع ~~الصيدناني ، فقال أحدهم : ليس للمخمور أنفع من سلحه ، فقال جامع : أخذتها ~~والله من فمي . قال رجل لرؤبة : أتهمز الخرأ ؟ قال : بإصبعك يابن الخبيثة . ~~وقف أعرابي على قوم يسائلهم ، فقال لأحدهم : ما اسمك ؟ قال : مانع ؛ وقال ~~للآخر : ما اسمك ؟ قال : محرز ؛ وقال للآخر : ما اسمك ؟ قال : حافظ ؛ قال : ~~قبحكم الله ، ما أظن الأقفال إلا من أسمائكم . من كلام العامة : منارة ~~الإسكندرية عندك خشخاشة فارغة . . . . قال جحظة : قرأت على فص ماجنة : ليلة ~~عرسي ؛ ثقبوا بالأير كسي . وعلى فص ماجنة أخرى ؛ السحق أخفى والنيك أشفى . ~~وقال جحا لأبي مسلم صاحب الدعوة : إني نذرت إن رأيتك أن آخذ منك ألف درهم . ~~فقال : رأيت أصحاب النذور يعطون لا يأخذون ، وأمر له بها . قال السري : ~~رأيت المخنث الذي يعرف بالغريب ، وإنسان من العامة قد آذاه وطال ذلك ، ~~فالتفت إليه وقال له : يا مشقوق ؛ نعلك زائفة ، وقميصك مقرون الحاجبين ، ~~وإزراك صدف أزرق ، وأنت تتلاهى بأولاد الملوك والأمراء . قال السري : فخجل ~~العامي ومر ، فقلت له : فسر لي هذا الغريب . فقال : امضر إلى ثعلب . فقلت : ~~ليس هذا من عمله ؛ فسره PageV01P241 لي . قال : النعل الزائفة التي تجرف ~~التراب جرفا ، والقميص المقرون ، هو الخلق الذي في كتفيه رقعتان أجود منه ، ~~فهما تفصحان بيانا ، والإزار صدف أزرق ، أي مخرق مفتت . فقلت : فقولك : يا ~~مشقوق ؟ قال : قطيع الظهر . قيل للشعبي : أيجوز أن يصلى في البيعة ؟ قال : ~~نعم . ويجوز أن يخرأ فيها . وقال سعيد بن جبير : القبلة رسول الجماع . وقال ~~الرشيد للجماز : كيف مائدة محمد بن يحيى ، يعني البرمكي . قال : شبر في شبر ~~؛ وصحفته من قشر الخشخاش ، وبين الرغيف والرغيف مضرب كرة ؛ وبين اللون ~~واللون فترة نبي . قال : فمن يحضرها : قال : الكرام الكاتبون ؛ فضحك وقال : ~~لحاك الله من رجل . قال نضلة : دخلت ساقية في الكرخ فتوضأت ؛ فلما خرجت ~~تعلق السقاء بي وقال : هات قطعة ؛ فضرطت ضرطة وقلت : خل الآن سبيلي فقد ~~نقضت وضوئي ؛ فضحك ms167 وخلاني . وعد رجل بعض إخوانه أن يهدي إليه بغلا ؛ فطال ~~مطله ، فأخذ قارورة وبال فيها وجاء إلى الطبيب وقال : انظر إلى هذا الماء ، ~~هل يهدي إلي بعض إخواني بغلا . حدثنا ابن الخلال البصري قال : سمعت ابن ~~اليعقوبي يقول : رأيت على باب المربد خالدا الكاتب وهو ينادي : يا معشر ~~الظرفاء ، والمتخلقين بالوفاء ؛ أليس من العجب العجيب ، والنادر الغريب ، ~~أن شعري يزني به ويلاط منذ أربعين سنة وأنا أطلب درهما فلا أعطى ، ثم أنشأ ~~يقول : أحرم منكم بما أقول وقد . . . نال به العاشقون من عشقوا صرت كأني ~~ذبالة نصبت . . . تضىء للناس وهي تحترق وسمعت الماجن المعروف بالغراب يقول ~~: ويلك أيش في ذا ؟ لا تختلط الحنطة بالشعير ، أو يصنع الباذنجان قرعا ، أو ~~يتحول الفجل إلى الباقلاء ، ويصير الخرنوب إلى الأرندج . وسمعت دجاجة ~~المخنث يقول لآخر : إنما أنت بيت بلا باب ، وقدم بلا ساق ، وأعمى ~~PageV01P242 بلا عصا ، ونار بلا حطب ، ونهر بلا معبر ، وحائط بلا سقف . ~~وشتم آخر فقال : يا رأس الأفعى ، ويا عصا المكاري ، ويا برنس الجاثليق ، يا ~~كودن القصار ، يا بيرم النجار ؛ يا ناقوس النصارى ؛ يا ذرور العين ، يا تخت ~~الثياب ، يا طعن الرمح في الترس ؛ يا مغرفة القدور ، ومكنسة الدور ؛ لا ~~تبالي أين وضعت ؟ ولا أي جحر دخلت ؟ ولا في أي خان نزلت ، ولا في أي حمام ~~عملت ؛ إن لم تكن في الكوة مترسا فتح اللصوص الباب ؛ يا رحى على رحى ؛ ~~ووعاء في وعاء ، وغطاء على غطاء ، وداء بلا دواء ؛ وعمى على عمى ؛ ويا جهد ~~البلاء ؛ ويا سطحا بلا ميزاب ، ويا عودا بلا مضراب ، ويا فما بلا ناب ، ويا ~~سكينا بلا نصاب ، ويا رعدا بلا سحاب ، ويا كوة بلا باب ؛ ويا قميصا بلا ~~مئزر ، ويا جسرا بلا نهر ، ويا قرا على قر ؛ ويا شط الصراة ، ويا قصرا بلا ~~مسناه ويا ورق الكماه ، يا مطبخا بلا أفواه ؛ يا ذنب الفار ، يا قدارا بلا ~~أبزار ، يا رأس الطومار ، يا رسولا بلا أخبار ؛ يا خيط البواري ، يا رحى في ~~صحاري ، يا طاقات بلا سواري ms168 . دخل أبو نواس على عنان جارية الناطفي فقال ~~لها : لو رأى في البيت جحرا . . . لنزا حتى يموتا أو رأى في البيت ثقبا . . ~~. لتحول عنكبوتا PageV01P243 فأجابته : زوجوا هذا بألف . . . وأظن الألف ~~توتا قبل أن ينقل الدا . . . ء فلا يأتي ويوتى فقال - أدام الله دولته ، ~~وبسط لديه نعمته - قدم هذ الفن على غيره ، وما ظننت أن هذا يطرد في مجلس ~~واحد ، وربما عيب هذا النمط كل العيب ، وذلك ظلم ، لأن النفس تحتاج إلى بشر ~~. وقد بلغني أن ابن عباس كان يقول في مجلسه بعد الخوض في الكتاب والسنة ~~والفقه والمسائل : احمصوا ، وما أراه أراد بذلك إلا لتعديل النفس لئلا ~~يلحقها كلال الجد ، ولتقتبس نشاطا في المستأنف ، ولتستعد لقبول ما يرد ~~عليها فتسمع ؛ والسلام . # | الليلة التاسعة عشرة # ورسم بجمع كلمات بوارع ، قصار جوامع ، فكتبت إليه أشياء كنت أسمعها من ~~أفواه أهل العلم والأدب على مر الأيام في السفر والحضر ، وفيها قرع للحس ، ~~وتنبيه للعقل ، وإمتاع للروح ، ومعونة على استفادة اليقظة ، وانتفاع في ~~المقامات المختلفة ، وتمثل للتجارب المخلفة ؛ وامتثال للأحوال المستأنفة . ~~من ذلك : الحمد لله مفتاح المذاهب . البر يستعبد الحر . القناعة عز المعسر ~~. الصدقة كنز الموسر . ما انقضت ساعة من أمسك إلا ببضعة من نفسك . درهم ~~ينفع خير من دينار يضر . من سره الفساد ، ساءه المعاد . الشقي من جمع لغيره ~~فضن على نفسه بخيره . زد من طول أملك في قصر عملك . لا يغرنك صحة نفسك ، ~~وسلامة أمسك ، فمدة العمر قليلة ، وصحة النفس مستحيلة . من لم يعتبر ~~بالأيام ، لم ينزجر بالملام . من استغنى بالله عن الناس ، أمن من عوارض ~~الإفلاس . من ذكر المنية ، نسي الأمنية . البخيل حارس نعمته ، وخازن ورثته ~~. لكل امرىء من دنياه ، ما يعينه على عمارة أخراه . من ارتدى بالكفاف ، ~~اكتسى بالعفاف . لا تخدعنك الدنيا بخدائعها ، ولا تفتننك بودائعها . رب حجة ~~، تأتي PageV01P244 على مهجة ؛ ورب فرصة ، تؤدي إلى غصة . كم من دم ، سفكه ~~فم . كم إنسان ، أهلكه لسان . رب حرف ، أدى إلى حتف . لا تفرط ، فتسقط . ~~الزم الصمت ، وأخف الصوت . من حسنت مساعيه ms169 ، طابت مراعيه . من أعز فلسه ، ~~أذل نفسه . من طال عدوانه ، زال سلطانه . من لم يستظهر باليقظة ، لم ينتفع ~~بالحفظة . من استهدى الأعمى عمي عن الهدى . من اغتر بمحاله ، قصر في ~~احتياله . زوال الدول ، باصطناع السفل . من ترك ما يعنيه ، دفع إلى ما لا ~~يعنيه . ظلم العمال ، من ظلمة الأعمال . من استشار الجاهل ضل ، ومن جهل ~~موضع قدمه زل . لا يغرنك طول القامة ، مع قصر الاستقامة ، فإن الذرة مع ~~صغرها ، أنفع من الصخرة على كبرها . تجرع من عدوك الغصة ، إن لم تنل منه ~~الفرصة ، فإذا وجدتها فانتهزها قبل أن يفوتك الدرك ، أو يصيبك الفلك ، فإن ~~الدنيا دول تبنيها الأقدار ، ويهدمها الليل والنهار . من زرع الإحن ، حصد ~~المحن . من بعد مطمعه ، قرب مصرعه . الثعلب في إقبال جده ، يغلب الأسد في ~~استقبال شده . رب عطب ، تحت طلب . اللسان ، رق الإنسان . من ثمرة الإحسان ، ~~كثرة الإخوان ، من سأل ما لا يجب ، أجيب بما لا يحب ، وأنشدت : وليس لنا ~~عيب سوى أن جودنا . . . أضر بنا والبأس من كل جانب فأفنى الندى أموالنا غير ~~ظالم . . . وأفنى الردى أعمارنا غير عائب أبونا أب لو كان للناس كلهم . . . ~~أب مثله أغناهم بالمناقب قال حميد بن الصميري لابنه : اصحب السلطان بشدة ~~التوقي كما تصحب السبع الضاري والفيل المغتلم والأفعى القاتلة ؛ واصحب ~~الصديق بلين الجانب والتواضع ؛ واصحب العدو بالإعذار إليه والحجة فيما بينك ~~وبينه ؛ واصحب العامة بالبر والبشر واللطف باللسان . PageV01P245 وقع عبد ~~الحميد الكاتب على ظهر كتاب : يا هذا ، لو جعلت ما تحمله القراطيس من ~~الكلام مالا حويت جمالا وحزت كمالا . ووقع السفاح مرة : ما أقبح بنا أن ~~تكون الدنيا لنا وحاشيتنا خارجون منها ، فعجل أرزاقهم ، وزد على قدر كل رجل ~~منهم إن شاء الله . قال الحسن بن علي : عنوان الشرف ، حسن الخلف . وقال ~~جعفر بن محمد : إن لم تجف ، فقلما تصفو . وقال أعرابي : النخلة جذعها نماء ~~، وليفها رشاء ، وكربها صلاء ، وسعفها ضياء ، وحملها غذاء . وقال الأصمعي : ~~سمعت كساحا يقول لغلام له : ألم أضع إزارك ، ألم أصنع عود مجرفتك ؟ ألم ms170 ~~أجعلك كساحا على حمارين ؟ وجد كتاب باليمن فيه : أنا فلانة بنت فلان التبعي ~~، كنت آكل البقل الرطب من الهند وأنا باليمن ، ثم جعنا حتى اشترينا مكوك بر ~~بمكوك در ، من يوسف بن يعقوب بمصر ، فمن رآنا فلا يغتر بالدنيا . وقال علي ~~بن أبي طالب - كرم الله وجهه - لرجل من بني تغلب يوم صفين : أآثرتم معاوية ~~؟ فقال : ما آثرناه ، ولكنا آثرنا القسب الأصفر ، والبر الأحمر ، والزيت ~~الأخضر . قيل للحسن بن علي - رضي الله عنه - لما صالح معاوية : يا عار ~~المؤمنين . فقال : العار خير من النار . نظر الحجاج يوما على المائدة إلى ~~رجل وجاأ عنق رجل آخر ، فدعا بهما ، فقال PageV01P246 للواجىء : علام صنعت ~~؟ فقال : غص بعظم فخفت أن يقتله ، فوجأ عنقه فألقاه ؛ فسأل الآخر فقال : ~~صدق ؛ فدعا بالطباخ فقال له : أتدع العظام في طعامك حتى يغص بها ؟ فقال : ~~إن الطعام كثير ، وربما وقع العظم في المرق فلا يزال . قال : تصب المرق على ~~المناخل . فكان يفعل . قال سلمة بن المحبق : شهدت فتح الأبلة ، فوقع في ~~سهمي قدر نحاس ، فنظرت فإذا هي ذهب فيها ثمانون ألف مثقال ، فكتبت في ذلك ~~إلى عمر ، فأجاب بأن يحلف سلمة بأنه أخذها يوم أخذها وهي عنده ، فإن حلف ~~سلمت إليه ، وإلا قسمت بين المسلمين ، قال : فحلفت فسلمت إلي ، فأصول ~~أموالنا اليوم منها . قال بعض الحكماء : لا يصبر على المروءة إلا ذو طبيعة ~~كريمة . . . . . . . أصاب عبد الرحمن بن مدين - وكان رجل صدق بخراسان - ~~مالا عظيما فجهز سبعين مملوكا بدوابهم وأسلحتهم إلى هشام بن عبد الملك ، ثم ~~أصبحوا معه يوم الرحيل ، فلما استوى بهم الطريق نظر إليهم فقال : ما ينبغي ~~لرجل أن يتقرب بهؤلاء إلى غير الله . ثم قال : اذهبوا أنتم أحرار ، وأذل ~~لقدرك عزه . كتب زياد بن عبد الله الحارثي إلى المهدي : أنا ناديت عفوك من ~~قريب . . . كما ناديت سخطك من بعيد وإن عاقبتني فلسوء فعلي . . . وما ظلمت ~~عقوبة مستقيد وإن تصلح فإحسان جديد . . . عطفت به على شكر جديد وقال رجل ~~لمحمد بن نحرير : أوصني ؛ فقال : اسمع ولا تتكلم ms171 ، واعرف ولا تعرف ، ~~PageV01P247 واجلس إلى غيرك ولا تجلسه إليك . وقال رجل لابن أسيد القاضي : ~~إن أمي تريد أن توصي فتحضر وتكتب ؛ فقال : وهل بلغت مبلغ النساء ؟ ودخل ~~صاحب المظالم بالبصرة على رجل مبرسم وعنده طبيب يداويه ، فأقبل على الطبيب ~~وأهل المريض ، وقال : ليس دواء المبرسم إلا الموت حتى تقل حرارة صدره ، ثم ~~حنيئذ يعالج بالأدوية الباردة حتى يستبل . واجتاز به بائع دراج فقال : بكم ~~تبيع الدراجة ؟ فقال : بدرهم ؛ فقال له : أحسن . قال : كذا بعت . قال : ~~نأخذ منك اثنتين بثلاثة . قال : هما لك . قال : يا غلام خذ منه ، فإنه يسهل ~~البيع . ودخل حجاج بن هارون على نجاح الكاتب ، فذهب ليقبل رأسه ؛ فقال له : ~~لا تفعل ، فإن رأسي مملوء بالدهن ، فقال : والله لو أن عليه ألف رطل خراء ~~لقبلته . قدم لابن الحسحاس سكباجة فقال لصديق له : كل فإنها أم القرى . ~~وعزى ابن الحسحاس صديقا له ماتت ابنته ، فقال : من أنت حتى لا تموت ابنتك ~~البظراء ! قد ماتت عائشة بنت النبي صلى الله عليه وسلم . أخذ يعقوب بن ~~الليثي في أول أمره رجلا فاستصفاه ، ثم رآه بعد زمان ، فقال له : أبا فلان ~~، كيف أنت الساعة ؟ قال له : كما كنت أنت قديما . قال وكيف كنت أنا ؟ قال : ~~كما أنا الساعة ؛ فأمر له بعشرة آلاف درهم . قال ابن المبارك : إذا وضع ~~الطعام فقد أذن للآكل . وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إن العرب لا ~~تصلح ببلاد لا تصلح بها الإبل . وقال إبراهيم بن السندي : نظر رجل من قريش ~~إلى صاحب له قد نام في PageV01P248 غداة من غدوات الصيف طيبة النسيم ، ~~فركضه برجله وقال : ما لك تنام عن الدنيا في أطيب وقتها ، نم عنها في أخبث ~~حالاتها ، نم في نصف النهار لبعدك عن الليلة الماضية والآتية ، ولأنها راحة ~~لما قبلها من التعب ، وجمام لما بعدها من العمل ، نمت في وقت الحوائج ، ~~وتنبهت في وقت رجوع الناس ؛ وقد جاء : قيلوا فإن الشياطين لا تقيل . وقال ~~إبراهيم بن السندي أيقظت أعرابية أولادا لها صغارا قبل الفجر في ms172 غدوات ~~الربيع وقالت : تنسموا هذه الأرواح ، واستنشقوا هذا النسيم ، وتفهموا هذا ~~النعيم ، فإنه يشد من منتكم . ويقال في الوصف : كأنه محراك نار ، وكأنه ~~الجأم صدى . وإذا وصفوه بالقصر قالوا : كأنه عقدة رشا ، وابنة عصا . وإذا ~~كان ضعيفا قالوا : كأنه قطعة زبد ، والمولدون يقولون : كأنه اسكرجة . قال ~~بعض السلف في دعائه : اللهم لا أحيط بنعمك علي فأعدها ، ولا أبلغ كنه واحدة ~~منها فأحدها . دعا عطاء السندي فقال : أعوذ بك من عذابك الواقع ، الذي ليس ~~له دافع ، وأسألك من خيرك الواسع ، الذي ليس له مانع . ودعا بعض السلف : ~~اللهم إن قلبي وناصيتي بيدك لم تملكني منهما شيئا ، وإذ فعلت ذلك فكن أنت ~~وليهما ، فاهدنا سواء السبيل . ودعا بعض الصالحين : اللهم ما كان لي من خير ~~فإنك قضيته ويسرته وهديته ، فلا حمد لي عليه ؛ وما كان مني من سوء فإنك ~~وعظت وزجرت ونهيت فلا عذر لي فيه ولا حجة . ودعا آخر : اللهم إني أعوذ بك ~~من سلطان جائر ، ونديم فاجر ، وصديق غادر ، وغريم ماكر ، وقريب مناكر ، ~~وشريك خائن ، وحليف مائن ، وولد جاف ، وخادم PageV01P249 هاف ، وحاسد ملافظ ~~، وجار ملاحظ ، ورفيق كسلان ، وخليل وسنان ، و ضعيف ، ومركوب قطوف ، وزوجة ~~مبذرة ، ودار ضيقة . قال المدائني : قال بعض السلف لابنه : اسحذ طبعك ~~بالعيون والفقر وإن قلت ، فإن الشجرة لا يشينها قلة الحمل إذا كان ثمرها ~~نافعا ، وأكلها ناجعا . وقيل للأوزاعي : ما كرامة الضيف ؟ قال : طلاقة ~~الوجه . قال مجاهد في قول الله تعالى : ' ضيف إبراهيم المكرمين ' قال : ~~قيامه عليهم بنفسه . وقال عمر بن عبد العزيز : ليس من المروءة أن تستخدم ~~الضيف . وقال إبراهيم بن الجنيد : كان يقال : أربع للشريف لا ينبغي أن يأنف ~~منهن وإن كان أميرا : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته لضيفه ، وخدمته للعالم ~~يتعلم منه ، وإن سئل عما لا يعلم أن يقول : لا أعلم . حاتم كان يقول : ~~العجلة من الشيطان إلا في خمسة أشياء ، فإنها من السنة : إطعام الضيف إذا ~~حل ، وتجهيز الميت ، وتزويج البكر ، وقضاء الدين ، والتوبة من الذنب . وقال ~~: من أطعم الضيف لحما وخبز ms173 حنطة وماء باردا فقد تمم الضيافة . وقال حاتم : ~~المزور المرائي إذا ضاف إنسانا حدثه بسخاوة إبراهيم الخليل ، وإذا ضافه ~~إنسان حدثه بزهد عيسى بن مريم . وقال ميمون بن ميمون : من ضاف البخيل صامت ~~دابته ، واستغنى عن الكنيف ، وأمن التخمة . وقال بعض السلف الصالح : لأن ~~أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إلي من عتق رقبة . PageV01P250 قال الأعمش ~~: كان الربيع بن خيثم يصنع لنا الخبيص ويقدمه ويقول : اللهم اغفر لأطيبهم ~~نفسا ، وأحسنهم خلقا ، وارحمهم جميعا . وقال أنس بن مالك : كل بيت لا يدخله ~~الضيف لا تدخله الملائكة . ولما قرأته على الوزير - بلغه الله آماله ، وزكى ~~أعماله ، وخفف عن قلبه أثقاله - قال : ما علمت أن مثل هذا الحجم يحوي هذه ~~الوصايا والملح ؛ وهذه الكلمات الغرر ما فيها ما لا يجب أن يحفظ ، والله ~~لكأنها بستان في زمان الخريف ، لكل عين فيه منظر ، ولكل يد منه مقطف ، ولكل ~~فم منه مذاق . إذا فرغت فأضف لي جزءا أو جزءين أو ما ساعدك عليه النشاط ، ~~فإن موقعها يحسن ، وذكرها يجمل ، وأثرها يبقى ، وفائدتها تروى ، وعاقبتها ~~تحمد . فقلت : السمع والطاعة . # | الليلة العشرون # وقال لي مرة أخرى : اكتب لي جزءا من الأحاديث الفصيحة المفيدة . فكتبت : ~~قال مالك بن عمارة اللخمي . كنت أجالس في ظل الكعبة أيام الموسم عبد الملك ~~بن مروان وقبيصة بن ذؤيب وعروة بن الزبير ، وكنا نخوض في الفقه مرة ، وفي ~~الذكر مرة ؛ وفي أشعار العرب وىثار الناس مرة ؛ فكنت لا أجد عند أحد منهم ~~ما أجده عند عبد الملك بن مروان من الاتساع في المعرفة والتصرف في فنون ~~العلم والفصاحة والبلاغة ، وحسن استماعه إذا حدث ، وحلاوة لفظه إذا حدث ، ~~فخلوت معه ذات ليلة فقلت : والله إني لمسرور بك لما أشاهده من كثرة تصرفك ~~وحسن حديثك ، وإقبالك على جليسك ؛ فقال : إنك إن تعش قليلا فسترى العيون ~~طامحة إلي والأعناق قاصدة نحوي ، فلا عليك أن تعمل إلي ركابك . فلما أفضت ~~إليه الخلافة شخصت أريده ، فوافيته يوم جمعة وهو يخطب الناس ، فتصديت له ، ~~فلما وقعت عينه علي ms174 بسر في وجهي ، وأعرض عني ، فقلت : لم يثبتني معرفة ولو ~~عرفني ما أظهر نكرة . لكنني لم أبرح مكاني حتى قضيت الصلاة ودخل ، ~~PageV01P251 فلم ألبث أن خرج الحاجب إلي فقال : مالك بن عمارة ، فقمت ، ~~فأخذ بيدي وأدخلني عليه ، فلما رآني مد يده إلي وقال : إنك تراءيت لي في ~~موضع لم يجز فيه إلا ما رأيت من الإعراض والانقباض ؛ فمرحبا وأهلا وسهلا ، ~~كيف كنت بعدنا ؟ وكيف كان مسيرك ؟ قلت : بخير ، وعلى ما يحبه أمير المؤمنين ~~. قال : أتذكر ما كنت قلت لك ؟ قلت : نعم ، وهو الذي أعملني إليك ؛ فقال : ~~والله ما هو بميراث ادعيناه ، ولا أثر وعيناه ، ولكني أخبرك عن نفسي خصالا ~~سمت بها نفسي إلى الموضع الذي ترى ، مالاحيت ذا ود ولا ذا قرابة قط ، ولا ~~شمت بمصيبة عدو قط ، ولا أعرضت عن محدث حتى ينتهي ، ولا قصدت كبيرة من ~~محارم الله متلذذا بها وواثبا عليها ، وكنت من قريش في بيتها ، ومن بيتها ~~في وسطه ، فكنت آمل أن يرفع الله مني ، وقد فعل ؛ يا غلام ، بوئه منزلا في ~~الدار . فأخذ الغلام بيدي وقال : انطلق إلى رحلك ؛ فكنت في أخفض حال ، ~~وأنعم بال ؛ وكان يسمع كلامي وأسمع كلامه ، فإذا حضر عشاؤه أو غداؤه أتاني ~~الغلام وقال : إن شئت صرت إلى أمير المؤمنين فإنه جالس ، فأمشي بلا حذاء ~~ولا رداء فيرفع مجلسي ، ويقبل على محادثتي ، ويسألني عن العراق مرة ، وعن ~~الحجاز مرة ، حتى مضت لي عشرون ليلة . فتغديت عنده يوما ، فلما تفرق الناس ~~نهضت للقيام ، فقال : على رسلك أيها الرجل ، أي الأمرين أحب إليك : المقام ~~عندنا ، ولك النصفة في المعاشرة والمجالسة مع المواساة ، أم الشخوص ولك ~~الحباء والكرامة ؟ فقلت : فارقت أهلي وولدي على أن أزور أمير المؤمنين ، ~~فإن أمرني اخترت فناءه على الأهل والولد ، قال : بل أرى لك الرجوع إليهم ، ~~فإنهم متطلعون إلى رؤيتك ، فتجدد بهم عهدا ويجددون بك مثله ، والخيار في ~~زيارتنا والمقام فيهم إليك ، وقد أمرنا لك بعشرين ألف دينار ، وكسوناك ~~وحملناك ، أتراني ملأت يدك أبا نصر ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، أراك ms175 ذاكرا ~~لما رويت عن نفسك . قال : أجل ، ولا خير فيمن ينسى إذا وعد ؛ ودع إذا شئت ~~صحبتك السلامة . قال الوزير : ما أحلى هذا الحديث ! هات ما بعده ، قلت : ~~قال يحيى بن أبي يعلى : لما قدم المال من ناحية عمر بن عبد العزيز - رحمه ~~الله - على أبي بكر بن حزم ، قسمه بين الناس في المدينة ، فأصاب كل إنسان ~~خمسين دينارا ، فدعتني فاطمة بنت الحسين PageV01P252 السلام - فقالت : اكتب ~~، فكتبت : بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من فاطمة ~~بنت الحسين سلام الله عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما ~~بعد ، فأصلح الله أمير المؤمنين وأعانه على ما تولاه ، وعصم به دينه ، فإن ~~أمير المؤمنين كتب إلى أبي بكر بن حزم أن يقسم فينا مالا من الكتيبة ، ~~ويتحرى بذلك ما كان يصنع من قبله من الأئمة الراشدين المهديين ، وقد بلغنا ~~ذلك ، وقسم فينا ، فوصل الله أمير المؤمنين ، وجزاه من وال خير ما جزى أحدا ~~من الولاة ، فقد كانت أصابتنا جفوة ، واحتجنا إلى أن يعمل فينا بالحق ؛ ~~فأقسم بالله يا أمير المؤمنين لقد احتدم من آل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من لا خادم له ، واكتسى من كان عاريا ، واستقر من كان لا يجد ما يستقر ~~به . وبعثت إليه رسولا . قال يحيى : فحدثني الرسول قال : قدمت الشام عليه ، ~~فقرأ كتابها وإنه ليحمد الله ويشكره ، فأمر لي بعشرة دنانير ، وبعث إلى ~~فاطمة خمسمائة دينار ، وقال : استعيني بها على ما يعوزك ، وكتب إليها كتابا ~~يذكر فيه فضلها وفضل أهل بيتها ، ويذكر ما فرض الله لهم من الحق . فرق ~~الوزير عند هذا الحديث وقال : أذكرتني أمر العلوية ، وأخذ القلم ، واستمد ~~من الدواة ، وكتب في التذكرة شيئا ، ثم أرسل إلى نقيب العلوية العمري في ~~اليوم الثاني بألف دينار ، حتى تفرق في آل أبي طالب ، وقال لي : هذا من ~~بركة الحديث . ثم قال : كيف تطاول هؤلاء القوم إلى هذا الأمر مع بعدهم من ~~رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرب بني ms176 هاشم منه ؟ وكيف حدثتهم أنفسهم ~~بذلك ؟ إن عجبي من هذا لا ينقضي ، أين بنو أمية وبنو مروان من هذا الحديث ~~مع أحوالهم المشهورة في الدين والدنيا ؟ فقلت : أيها الوزير ، إذا حقق ~~النظر واستشف الأصل لم يكن هذا عجيبا ، فإن أعجاز الأمور تالية لصدورها ، ~~والأسافل تالية لأعاليها ، ولا يزال الأمر خافيا حتى ينكشف PageV01P253 ~~سببه فيزول التعجب منه ، وإنما بعد هذا على كثير من الناس ، لأنهم لم يعنوا ~~به وبتعرف أوائله والبحث عن غوامضه ، ووضعه في مواضعه ، وذهبوا مذهب التعصب ~~. قال : فما الذي خفي حتى إذا عرف سقط التعجب ولزم التسليم ؟ فكان من ~~الجواب : لا خلاف بين الرواة وأصحاب التاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~توفي وعتاب بن أسيد على مكة ، وخالد بن سعيد على صنعاء ، وأبو سفيان بن حرب ~~على نجران ، وأبان بن سعيد بن العاص على البحرين ، وسعيد بن القشب الأزدي ~~حليف بني أمية على جرش ونحوها ، والمهاجر بن أبي أمية المخزوومي على كندة ~~والصدف ؛ وعمرو بن العاص على عمان ، وعثمان بن أبي العاص على الطائف . فإذا ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم أسس هذا الأساس ، وأظهر أمرهم لجميع الناس ؛ ~~كيف لا يقوى ظنهم ، ولا ينبسط رجاؤهم ، ولا يمتد في الولاية أملهم ؟ وفي ~~مقابلة هذا ، كيف لا يضعف طمع فيها ، والعاجلة محبوبة ، وهذا وما أشبهه حدد ~~أنيابهم ، وفتح أبوابهم ؛ وأترع كأسهم ، وفتل أمراسهم ، ودلائل الأمور تسبق ~~، وتباشير الخبر تعرف . قال ابن الكلبي : حدثني الحكم بن هشام الثقفي قال : ~~مات عبيد الله بن جحش عن أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وكانت معه بأرض الحبشة ، ~~فخطبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ، فدعا بالقرشيين فقال : من ~~أولاكم بأمر هذه المرأة ؟ فقال خالد بن سعيد بن العاص : أنا أولاهم بها . ~~قال : فزوج نبيكم . قال : فزوجه ومهر عنه أربعمائة دينار ؛ فكانت أول امرأة ~~مهرت أربعمائة دينار ؛ ثم حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعها الحكم ~~بن أبي العاص ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكثر النظر إليه ، فقيل له : ~~يا رسول ms177 الله ، إنك لتكثر النظر إلى هذا الشاب . قال : أليس ابن المخزومية ~~؟ قالوا : بلى ؛ قال : إذا بلغ بنو هذا أربعين رجلا كان الأمر فيهم ، وكان ~~مروان إذا جرى بينه وبين معاوية كلام قال لمعاوية : والله إني لأبو عشرة ، ~~وأخو عشرة ، وعم عشرة ، وما بقي إلا عشرة حتى يكون الأمر في ؛ فيقول معاوية ~~بن أبي سفيان : أخذها والله من عين صافية . PageV01P254 فهذا - كما تسمع - ~~إن كان حقا فلا سبيل إلى رده ، وإن كان مفتعلا فقد صار داعية إلى الأمر ~~الذي وقع النزاع فيه ، وجال الخصام عليه . وها هنا شيء آخر . قال القعقاع ~~بن عمرو : قلت لعلي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - : ما حملكم على خلاف ~~العباس بن عبد المطلب وترك رأيه ؟ وهذا يعني به أن العباس كان قال لعلي - ~~كرم الله وجهه - في جوابه لي : لو فعلنا ذلك فجعلها في غيرنا بعد كلامنا لم ~~ندخل فيها أبدا ، فأحببت أن أكف ، فإن جعلها فينا فهو الذي نريد ، وإن ~~جعلها في غيرنا كان رجاء من طلب ذلك منا ممدوا ، ولم ينقطع منا ولا من ~~الناس . قال القعقاع : فكان الناس في ذلك فرقتين : فرقة تحزب للعباس وتدين ~~له ، وفرقة تخرب لعلي وتدين له . فهذا وما أشبهه يضعف نفوسا ، ويرفع رءوسا ~~؛ وبعد فهذا البيت خص بالأمر الأول ، أعني الدعوة والنبوة والكتاب العزيز ، ~~فأما الدنيا فإنها تزول من قوم إلى قوم ، وقد رؤي أبو سفيان صخر بن حرب وقد ~~وقف على قبر حمزة بن عبد المطلب وهو يقول : رحمك الله يا أبا عمارة ، لقد ~~قاتلتنا على أمر صار إلينا . فإن قال قائل : فقد وصل هذا الأمر بعد مدة إلى ~~آل النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فالجواب : صدقت ، ولكن لما ضعف الدين وتحلحل ~~ركنه وتداوله الناس بالغلبة والقهر ، فتطاول له ناس من آل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالعجم وبوقتهم ونهضتهم وعادتهم في مساورة الملوك ، وإزالة ~~الدول ، وتناول العز كيف كان ، وما وصل إلى أهل العدالة والطهارة والزهد ~~والعبادة والورع والأمانة ، ألا ترى أن الحال استحالت ms178 عجما : كسروية ~~وقيصرية ، فأين هذا من حديث النبوة الناطقة ، والإمامة الصادقة ؛ هذا ~~الربيع - وهو حاجب المنصور - يضرب من شمت الخليفة عند العطسة ، فيشكي ذلك ~~إلى أبي جعفر المنصور ، فيقول : أصاب الرجل اسنة وأخطأ الأدب . وهذا هو ~~الجهل ، كأنه لا يعلم أن السنة أشرف PageV01P255 من الأدب ، بل الأدب كله ~~في السنة ، وهي الجامعة للأدب النبوي والأمر الإلهي ، ولكن لما غلبت عليهم ~~العزة ، ودخلت النعرة في آنافهم ، وظهرت الخنزاونة بينهم ، سموا آيين العجم ~~أدبا ، وقدموه على السنة التي هي ثمرة النبوة ، هذا إلى غير ذلك من الأمور ~~المعروفة ، والأحوال المتعالمة المتداولة التي لا وجه لذكرها ، ولا فائدة ~~لنشرها ، لأنها مقررة في التاريخ ، ودائرة في عرض الحديث . ولما كانت أوائل ~~الأمور على ما شرحت ، وأواسطها على ما وصفت ، كان من نتائجها هذه الفتن ~~والمذاهب ، والتعصب والإفراط ، وما تفاقم منها وزاد ونما وعلا وتراقى ، ~~وضاقت الحيل عن تداركه وإصلاحه ، وصارت العامة مع جهلها ، تجد قوة من ~~خاصتها مع علمها ، فسفكت الدماء ، واستبيح الحريم ، وشنت الغارات ، وخربت ~~الديارات ، وكثر الجدال ، وطال القيل والقال ، وفشا الكذب والمحال ، وأصبح ~~طالب الحق حيران ، ومحب السلامة مقصودا بكل لسان وسنان ، وصار الناس أحزابا ~~في النحل والأديان ، فهذا نصيري ، وهذا أشجعي ، وهذا جارودي ، وهذا قطعي ، ~~وهذا جبائي ، وهذا أشعري ، وهذا خارجي ، وهذا شعيبي ، وهذا قرمطي ، وهذا ~~PageV01P256 راوندي ، وهذا نجاري ، وهذا زعفراني ، وهذا قدري ، وهذا جبري ، ~~وهذا لفظي ، وهذا مستدركي ، وهذا حارثي ، وهذا رافضي ، ومن لا يحصي عددها ~~إلا الله الذي لا يعجزه شيء ؛ لا جرم شمت اليهود والنصارى والمجوس ~~بالمسلمين ، وعابوا وتكلموا ، ووجدوا آجرا وجصا فبنوا ، وسمعوا فوق ما ~~تمنوا فرووا . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' لا يزداد الأمر إلا صعوبة ~~، ولا الناس إلا اتباع هوى ، حتى تقوم الساعة على شرار الناس ' . وقال أيضا ~~: ' بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود كما بدأ غريبا ، فطوبى للغرباء من أمتي ' . ~~وقلت لابن الجلاء الزاهد بمكة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة : ما صفة هذا ~~الغريب ؟ فقال لي : يا بني هو الذي يفر من مدينة إلى مدينة ms179 ، ومن قلة إلى ~~قلة ؛ ومن بلد إلى بلد ومن بر إلى بحر ، ومن بحر إلى بر ، حتى يسلم ، وأنى ~~له بالسلامة مع هذه النيران التي قد PageV01P257 طافت بالشرق والغرب ، وأتت ~~على الحرث والنسل ، فقدمت كل أفوه ، وأسكتت كل ناطق ، وحيرت كل لبيب ، ~~وأشرقت كل شارب ، وأمرت على كل طاعم ؛ وإن الفكر في هذا الأمر لمختلس للعقل ~~وكارث للنفس ، ومحرق للكبد . فقال الوزير : والله إنه لكذلك ، وقد نال مني ~~هذا الكلام ، وكبر علي هذا الخطب ، والله المستعان . ونظرت إليه وقد دمعت ~~عينه ورق فؤاده وهو - كما تعلم - كثير التأله ، شديد التوقي ، يصوم الاثنين ~~والخميس ، فإذا كان أول رجب أصبح صائما إلى أول يوم من شوال ، وما راينا ~~وزيرا على هذا الدأب وبهذه العادة ، لا منافقا ولا مخلصا ، وقد قال الله ~~تعالى : ' إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ' تولاه الله أحسن الولاية ، وكفاه ~~أكمل الكفاية ، إنه قريب مجيب . فلما رايت دمعته قلت : أيها الوزير ، روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' حرمت النار على عين بكت من خشية ~~الله ، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله وحرمت النار على عين غضت عن ~~محارم الله ' ، فقال - أحسن الله توفيقه - : هو الهلاك إن لم ينقذ الله ~~بفضله ، ولم يتغمد بعفوه ؛ لو غرقت في البحر كان رجائي في الخلاص منه أقوى ~~من رجائي في السلامة مما أنا فيه . قلت : إذا علم الله من ضميرك هذه ~~العقيدة ألبسك ثوب عفوه ، وحلاك بشعرا عافيته وولايته ، وكفاك كيد أعدائك ، ~~وعصب برءوسهم ما يريدونه بك ' إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ' . ~~فقال : اجمع لي جزءا من رقائق العباد وكلامهم اللطيف الحلو ، فإن مراميهم ~~شريفة ، وسرائرهم خالصة ، ومواعظهم رادعة ، وذاك - أظن - للدين الغالب ~~عليهم ، والتأله PageV01P258 المؤثر فيهم ؛ فالصدق مقرون بمنطقهم ، والحق ~~موصول بقصدهم ، ولست أجد هذا المعنى في كلام الفلاسفة ، وذاك - أظن أيضا - ~~لخوضهم في حديث الطبائع والأفلاك والأثار وأحداث الزمان . قلت : أفعل ، ~~فكتبت تمام ما تقعدم به ، ثم كتبت بعد وريقات في حديث ms180 النساك . قال عتبة بن ~~المنذر السلمي : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى - ~~عليه السلام - ؟ فقال : أكثرهما وأوفاهما ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ' إن موسى - عليه السلام - لما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل ~~أباها أن يعطيها من نتاج غنمه ما يعيشون به ، فأعطاها ما وضعت غنمه من قالب ~~لون ذلك العام ، فلما وردت الحوض وقف موسى بإزاء الحوض فلم تصدر منها شاة ~~إلا ضرب جنبها بعصاه ، فوضعت قوالب ألوان كلها ووضعت اثنتين أو ثلاثة كل ~~شاة ، ليس فيهن فشوش ولا ضبوب ولا ثعول ولا كميشة تفوت الكف فإن افتتحتم ~~الشام وجدتم بها بقايا منها ، فاتخذوها ، وهي السامرية ' . قال جعفر بن أبي ~~طالب للنجاشي في حديث : بعث الله تعالى رسولا فينا نعرف صدقه وأمانته ، ~~فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبده ، وأمرنا بصدق الحديث ، ~~وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ~~ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات . وقال ~~صاحب التاريخ : ولدت لعمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - أم كلثوم بنت علي ~~بن أبي طالب زيدا ورقية ؛ وأم أم كلثوم فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ~~. قال أنس بن مالك : صلى الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي ~~أفرادا لم يؤمهم عليه أحد . PageV01P259 ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثمان سنين ، هلك عبد المطلب ، وهو شيبة أبو الحارث ، وذلك بعد الفيل ~~بثمان سنين ، وتوفيت آمنة أمه وهو ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة ، ~~كانت قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم ، فماتت وهي ~~راجعة إلى مكة . # | الليلة الحادية والعشرون # وسأل مرة عن المغني إذا راسله آخر لم يجب أن يكون ألذ وأطيب ، وأحلى ~~وأعذب ؟ فكان من الجواب : أن أبا سليمان قال في جواب هذه المطالب ما يمنع ~~من اقتضاب قول وتكلف جواب ، ذكر أن المسموع الواحد إنما هو بالحس الواحد ، ~~وربما كان الحس ms181 الواحد أيضا غليظا أو كدرا ، فلا يكون لنيله اللذة به بسط ~~ونشو ولذاذة ، وكذلك المسموع ربما لم يكن في غاية الصفاء على تمام الأداء ~~بالتقطيع الذي هو نفس في الهواء ، فلا تكون أيضا إنالته للذة على التمام ~~والوفاء ، فإذا ثنى المسموع - أعني توحد النغم بالنغم - قوي الحس المدرك ، ~~فنال مسموعين بالصناعة ، ومسموعا واحدا بالطبيعة ؛ والحس لا يعشق المواحدة ~~والمناسبة والاتفاق إلا بعد أن يجدها في المركب ، كما أن العقل لا يعشق إلا ~~بعد أن ينالها في فضاء البسيط ؛ فكلما قوي الحس باستعماله ، التذ صاحبه ~~بقوته حتى كأنه يسمع ما لم يسمع بحس أو أكثر ، وكما أن الحس إذا كان كليلا ~~كان الذي يناله كليلا ، كذلك الحس إذا كان قويا كان ما يناله قويا . قال : ~~هذا كله موهوب للحس ، فما للعقل في ذلك ؟ فإنا نرى العاقل تعتريه دهشة ~~PageV01P260 وأريحية واهتزاز . قلت : قد أتى على مجموع هذا ومعرفته أبو ~~سليمان في مذاكرته لابن الخمار ، وذكر أن من شأن العق السكون ، ومن شأن ~~الحس التهيج ، ولهذا يوصف العاقل بالوقار والسكينة ، ومن دونه يوصف بالطيش ~~والعجرفة ، والإنسان ليس يجد العقل وجدانا فيلتذ به ، وإنما يعرفه إما جملة ~~وإما تفصيلا ؛ أعني جملة بالرسم وتفصيلا بالجد ، ومع ذلك يشتاق إلى العقل ، ~~ويتمنى أن يناله ضربا من النيل ويجده نوعا من الوجدان ، فلما أبرزت الطبيعة ~~الموسيقى في عرض الصناعة بالآلات المهيأة ، وتحركت بالمناسبات التامة ~~والأشكال المتفقة أيضا ، حدث الاعتدال الذي يشعر بالعقل وطلوعه وانكشافه ~~وانجلائه ، فبهر الإحساس ، وبث الإيناس ، وشوق إلى عالم الروح والنعيم ، ~~وإلى محل الشرف العميم ، وبعث على كسب الفضائل الحسية والعقلية ، أعني ~~الشجاعة والجود والحلم والحكمة والصبر ، وهذه كلها جماع الأسباب المكملة ~~للإنسان في عاجلته وآجلته ؛ وبالواجب ما كان ذلك كذلك ، لأن الفضائل لا ~~تقتنى إلا بالشوق إليها ، والحرص عليها ، والطلب لها ؛ والشوق والطلب ~~والحرص لا تكون إلا بمشوق وباعث وداع ، فلهذا برزت الأريحية والهزة ، ~~والشوق والعزة ؛ فالأريحية للروح ، والهزة للنفس ، والشوق للعقل ، والعزة ~~للإنسان . ومما يجب أن يعلم أن السمع والبصر أخص بالنفس ms182 من الإحساسات ~~الباقية ، لأنهما خادما النفس في السر والعلانية ، ومؤنساها في الخلوة ، ~~وممداها في النوم واليقظة ؛ وليست هذه الرتبة لشيء من الباقيات ، بل ~~الباقيات آثارها في الجسد الذي هو مطية الإنسان ، لكن الفرق بين السمع ~~والبصر في أبواب كثيرة : ألطفها أن أشكال المسموع مركبة في بسيط ، وأشكال ~~المبصر مبسوطة في مركب . قلت : وقد حكيت هذا لأبي زكرياء الصيمري فطرب ~~وارتاح وقال : ما أبعد نظر هذا الرجل ! وما أرقى لحظه ! وما أعز جانبه ! ~~PageV01P261 # | الليلة الثانية والعشرون # وقال لي مرة أخرى : ارو لي شيئا من كلام أبي الحسن العامري ، فإني أرى ~~أصحابنا يرذلونه ويذيلونه ، فلا يرون له في هذه العصبة قدما ، ولا يرفعون ~~له في هذه الطائفة علما . فقلت : كان الرجل لكزازته وغلظ طباعه وجفاء خلقه ~~ينفر من نفسه ، ويغري الناس بعرضه ، فإذا طلب منه الفن الذي قد خص به وطولب ~~بتحقيقه وجد على غاية الفضل . فمن كلامه قوله : الطبيعة تتدرج في فعلها من ~~الكليات البسيطة ، إلى الجزئيات المركبة ، والعقل يتدرج من الجزئيات ~~المركبة ، إلى البسائط الكلية ، والإحاطة بالمعاني البسيطة تحتاج إلى ~~الإحاطة بالمعاني المركبة ، ليتوصل بتوسطها إلى استثباتها ، والإحاطة ~~بالمعاني المركبة تحتاج إلى الإحاطة بالمعاني البسيطة ليتوصل بتوسطها إلى ~~تحقيق إثباتها . وكما أن القوة الحسية عاجزة بطباعها عن استخلاص البسائط ~~الأوائل ، بل تحتاج معها إلى القوة العاقلة ، وإنقويت لصار العقل فضلا - ~~كذلك أيضا القوة العاقلة لا تقوى بذاتها على استثبات المركبات إلا من جهة ~~القوة الحساسة ، ولو قويت عليه لصار الحس فضلا للعاقلة . قال : هذا كلام ~~بارع من صدر واسع ، وأحب أن تزيدني من نمطه . قلت : وقال أيضا : الكلي ~~مفتقر إلى الجزئي لا لأن يصير بديمومته محفوظا بل لأن يصير بتوسطه موجودا ، ~~والجزئي مفتقر إلى الكلي لا لأن يصير بتوسطه موجودا ، بل لأن يصير بديمومته ~~محفوظا بل لأن يصير بتوسطه موجودا ، بل لأن يصير بديمومته محفوظا . وقال : ~~الحال في جميع السبل - أعني مسالك الأشياء في تكونها صناعية كانت أو ~~PageV01P262 تدبيرية أو طبيعية أو اتفاقية - واحدة ، مثاله أن الإنسان وإن ~~التذ بالدستنبان ms183 فلن يعد موسيقارا إلا إذا تحقق بمبادئه الأول التي هي ~~الطنينات وأنصاف الطنينات ، وكذلك الإنسان وإن استطاب الحلو فلن يسمى ~~حلوانيا إلا إذا عرف بسائطه وأسطقساته . وقال : العلم لا يحيط بالشيء إلا ~~إذا عرف مبادئه القريبة والبعيدة والمتوسطة . وقال : نتوصل إلى كرية القمر ~~بما نراه من اختلاف أشكاله ، أعني أنا نراه في الدورة الواحدة هلاليا مرتين ~~ومنصفا مرتين وبدرا مرة واحدة ، وهذه الأشكال وإن كانت متقدمة عندنا فإن ~~كونه كريا هو المتقدم بالذات . وقال : ما هو أكثر تركيبا فالحس أقوى على ~~إثباته ، وما هو أقل تركيبا فالعقل أخلص إلى ذاته . وقال : الأحداث - وهي ~~الذوات الإبداعية - الوقوف على إثباتها يغني عن البحث عن ماهياتها . وقال : ~~كل معنى يوجد بوجوده غيره لا يرتفع بارتفاع ذلك الذي هو غيره ، بل يرتفع ~~غيره بارتفاعه ، فإنه أقدم ذاتا من غيره ، مثاله الجنس لا يرتفع بارتفاع ~~واحد من أنواعه ، والأنواع ترتفع بارتفاع الجنس ، وكذلك حال النوع مع الشخص ~~، فالجنس أقدم من النوع ، والنوع أقدم من الشخص ، وأعني بالجنس والنوع ~~الطبيعيين لا المنطقيين . وقال : معرفتنا أولا تتعلق بالأشخاص الجزئية ثم ~~بتوسطها ثبتت الأجناس فإذا المتقدم بالذات غير المتقدم إلينا . وقال : مسلك ~~العقل في تعرف المعاني الطبيعية مقابل لمسلك الطبيعة في إيجادها ، لأن ~~الطبيعة تتدرج من الكليات البسيطة إلى الجزئيات المركبة ، والعقل يتدرج من ~~الجزئيات المركبة إلى البسائط الكلية . قال أبو النضر نفيس : إنما كان هذا ~~هكذا لأن الطبيعة متناولة من العقل والعقل مناول للطبيعة ، فوجب أن يختلف ~~الأمران ، فإن قال قائل : فهلا تم الأمران معا بواحد منهما ، أعني الطبيعة ~~أو العقل ؟ فالجواب أن أحدهما في العلو ، والآخر في السفل ، فليس للعالي أن ~~PageV01P263 يهبط ، ولا للسافل أن يعلو ؛ فلما كان هذا محالا توسط بينهما - ~~أعني العالي والسافل - المناولة والتناول حتى اتصل الأول بالثاني ، وغص ~~الفضاء بينهما بضروب الأفراد والأزواج ، وانتظم الكل فلم يكن فيه خلل ، ولا ~~دونه مأتى ، ولا وراءه متوهم . وقال : الإنسان مركب من الأعضاء الآلية ~~بمنزلة الرأس واليدين والرجلين وغيرها ، ثم كل واحد من هذه الأعضاء ms184 مركب من ~~الأعضاء المتشابهة الأنواع بمنزلة اللحم والعظم والعصب والشريان ، ثم كل ~~واحد من هذه الأعضاء مركب من الأخلاط الأربعة التي هي الدم والبلغم ~~والمريان ، ثم كل واحد من هذه الأخلاط مركب من الأسطقسات الأربع التي هي ~~النار والهواء ، والأرض والماء ؛ ثم كل واحد من هذه الأسطقسات مركب من ~~الهيولى والصورة . وقال : كما أن لكل عضو قوة تخصه بتدبيرها ، كذلك لجميع ~~البدن قوة أخرى ضامنة لتدبيره . قال : وقال الحكيم في كتاب السماء : علة ~~الأنواع والأجناس ودوامها هي الفلك المستقيم ، وعلة كون الأشخاص وتجدد ~~حدوثها هي الفلك المائل ، فأما الكليات المنطقية فإن طبيعتها هي القوة ~~القياسية المستتبة لها عند تكون الحس على واحد منها . قال أبو النضر نفيس : ~~هذا حكم بالوهم ، ورأي خرج من الظن ؛ الفلك المستقيم والفلك المائل هما ~~بنوع الوحدة ونسبة الاتفاق ، فليس لأحدهما اختصاص بالأنواع والأجناس ، ولا ~~بتجدد الأشخاص ، والدليل على هذا أن قالبا لو قلب قالبه ذلك لم يكن له عنه ~~انفصال . وللرأي زلات ، كما أن للسان فلتات ، PageV01P264 وللحكيم هفوات ، ~~كما أن للجواد عثرات ؛ وما أكثر من يسكر فيقول في سكره ما لا يعرف ، وما ~~أكثر من يغرق في النوم فيهذي بما لا يدري ، ومن الذي حقق عنده أن الفلك ~~المستقيم هذا نعته ، والفلك المائل تلك صفته ؛ هذا توهم وتلفيق ، لا يرجع ~~مدعيه إلى تحقيق ، وقول أبي الحسن هذا عن الحكيم تقليد ، كما أن دعوى ذاك ~~الحكيم توهم ، ومحبة الرجال للرجال فتنة حاملة على قبول الباطل ، وبغض ~~الرجال للرجال فتنة حاملة على رد الحق ؟ وهذا أمر قد طال منه الضجيج ، وفزع ~~إلى الله منه بالتضرع . قال أبو الحسن : الموجود له حقيقة واحدة لا تدرك ~~إلا عقلا ، وليس له مبدأ ، ولو كان له مبدأ لشاركه المبدأ في طبيعة الوجود ~~، وليس بمتحرك لأنه لا مقابل له فيتحرك إليه . وقال أبو النضر نفيس : عني ~~بهذا الموجود الحق الأول الذي هو علة العلل ، وهو البارىء الإله ، وما أنصف ~~، لأنه يجب أن يقسم الموجود بأقسامه ، ويصف مرتبة كل موجود على ما هي ms185 عليه ~~وعلى ما هو به حتى ينتهي من هذا الموجود الأعلى إلى آخر الموجود الأسفل ، ~~أو يصف الموجود الأسفل حتى يرتقي إلى هذا الموجود الأعلى ، فإنه لا شيء مما ~~يعقل ويحس إلا وله من هذا الوجود نصيب به استحق أن يكون موجودا ، وإن كان ~~ذلك النصيب قليلا . وقال : قد يوصف الشيء بأنه واحد بالمعنى وهو كثير ~~بالأسماء ، ويوصف بأنه واحد بالاسم وهو كثير بالمعنى ، ويوصف بأنه واحد ~~بالجنس وهو كثير بالأنواع ، ويوصف بأنه واحد بالنوع وهو كثير بالشخوص ، ~~ويوصف بأنه واحد بالاتصال وهو كثير بالأجزاء ، وقد نقول في شيء : إنه واحد ~~بالموضوع وهو كثير بالحدود ، كالتفاحة الواحدة التي يوجد فيها اللون والطعم ~~والرائحة ، وقد يكون واحدا في الحد وكثيرا في الموضوع ، كالبياض الذي يوجد ~~في الثلج والقطن والاسفيداج ، وقد يكون كثيرا بالحج والموضوع كالعلم ~~والحركة ، فإن موضوع هذا الجسم ، وموضع ذاك النفس ، وحد أحدهما غير حد ~~الآخر ، وقد يكون واحدا بالموضوع والحد بمنزلة السيف والصمصام ؛ وقد نقول ~~أشياء تكون واحدة بالفعل ، PageV01P265 وهي بالقوة كثيرة ، كالسراج الواحد ~~؛ فأما أن يكون واحدا بالقوة وكثيرا بالفعل من وجه واحد ، فلا يكون ، بل من ~~جهات مختلفة . قال أبو النضر نفيس : الواحد الذي ينقسم فينشأ منه الكثرة ~~غير الواحد الذي لا ينقسم ، والكثير الذي يتوحد حتى يكون واحدا غير الكثير ~~الذي لا يتوحد ، فالواحد الذي لا ينقسم علة الواحد المنقسم ، والكثير الذي ~~يتوحد هو علة الكثير الذي لا يتوحد ، وبالحكمة الإلهية ما كان هكذا حتى ~~يكون الكثير الذي يتوحد في مقابلة الكثير الذي لا يتوحد ، والواحد الذي ~~ينقسم في مقابلة الواحد الذي لا ينقسم ، وهذه المقابلة هي عبارة عن صورة ~~التمام الحاصل للكل ، وليست هي عبارة عن صورة مزاحمة لصورة ، أو كثيرة ~~غالبة لكثرة ، المستغاث بالله من قصور العبارة عن الغاية ، وتقاعس اللفظ عن ~~المراد . وقال : يعجبني من جملة الحكم الأمثال التي يضربونها ، والعيون ~~التي يستخرجونها ، والمعاني التي يقربونها . قلت : صدقت ، مثل قول فيلسوف : ~~البدن للنفس بمنزلة الدكان للصانع ، والأعضاء بمنزلة الآلات ، فإذا انكسرت ~~آلات ms186 الصانع وخرب الدكان وانهدم ، فإن الصانع لا يقدر على عمله الذي كان ~~يعمله إلا أن يتخذ دكانا آخر ، وآلات جدد أخر . قال : أحب أن أسمع شيئا من ~~منثور كلامهم في فنون مختلفة . قلت : قال فيلسوف : العاقل يضل عقله عند ~~محاورة الأحمق . قال أبو سليمان : هذا صحيح ، ومثاله أن العاقل إذا خاطب ~~العاقل فهم وإن اختلفت مرتبتاهما في العقل ، فإنهما يرجعان إلى سنخ العقل ، ~~وليس كذلك العاقل إذا خاطب الأحمق ، فإنهما ضدان ، والضد يهرب من الضد ؛ ~~وقد قيل لأبي الهذيل العلاف - وكان متكلم زمانه - : إنك لتناظر النظام ~~وتدور بينكما نوبات ، وأحسن أحوالنا إذا حضرنا أن ننصرف شاكين في القاطع ~~منكما والمنقطع ، ونراك مع هذا يناظرك زنجويه الحمال فيقطعك في ساعة . ~~PageV01P266 فقال : يا قوم إن النظام معي على جادة واحدة لا ينحرف أحدنا ~~عنها إلا بقدر ما يراه صاحبه فيذكره انحرافه ، ويحمله على سننه فأمرنا يقرب ~~، وليس هكذا زنجويه الحمال فإنه يبتدىء معي بشيء ، ثم يطفر إلى شيء بلا ~~واصلة ولا فاصلة ، وأبقى ، فيحكم علي بالانقطاع ، وذاك لعجزي عن رده إلى ~~سنن الطريق الذي فارقني آنفا فيه . وقال فيلسوف آخر : العادات قاهرات ، فمن ~~اعتاد شيئا في السر فضحه في العلانية . قال أبو سليمان : وهذا صحيح ، لأن ~~حقيقة العادة في الشيء المعهود عوده بعد عوده ، فهي - أعني العادة - ~~بالاستمرار الذي يقهر من اعتاده ، والخلوة حال ، والعلانية حال ، والعادة ~~بجريانها تهجم في الحالين ولا تفرق ؛ ولهذا ما قيل : العادة هي الطبيعة ~~الثانية ؛ كأن الطبيعة عادة ، ولكنها الأولى بالجبلة ؛ والعادة طبيعة ~~ولكنها الأخرى بحسن الاختيار أو بسوء الاختيار . وقال فيلسوف : ما أكثر من ~~ظن أن الفقير هو الذي لا يملك شيئا كثيرا وهذا فقير من جهة العرض ، فأما ~~الفقير الطبيعي فالذي شهواته كثيرة وإن كان كثير المال ؛ كما أن الغني ~~الطبيعي لا يحتاج إلى شيء وإن كان قليل المال ، أي الذي ملك نفسه وقمع ~~شهواته وأخمد لهب إرادته ؛ وقد ظن قوم أن الذين منعوا من الشهوات ، ورضوا ~~بالزهد في اللذات ، خانوا الناس وحالوا بينهم وبين ms187 حظوظهم ، وحرموهم ما هو ~~لهم ، وصدوهم عن محبوباتهم ؛ وهذا ظن خطأ ، وأي مراد في هذا للواعظين ~~والمزهدين ، والذين وصوا وأشفقوا ، وردعوا عن الخوض في لذات النفوس الغضبية ~~والبهيمية ؟ والله ما كان ذلك منهم إلا على طريق النصيحة والشفقة والإعذار ~~والإنذار ، إلا أن يكون الذين ظنوا هذا إنما ظنوه لأنهم رأوا بعض المزهدين ~~راغبا ، وبعض الناصحين غاشا ، وبعض الآمرين مخالفا ، وليس العمل على ~~المحتال ، وعلى من آثر الغش في المقال ؛ ولكن المرجع إلى ما يدل عليه الحق ~~، ويشهد له العقل ، ويصح فيه البرهان ؛ أترى الفيلسوف غش في قوله لأصحابه : ~~PageV01P267 اقنعوا بالقوت ، وانفوا عن أنفسكم الحاجة ، ليكون لكم قربة إلى ~~الله ، لأن الله غير محتاج ، فكلما احتجتم أكثر كنتم منه أبعد ، واهربوا من ~~الشر والإثم ، واطلبوا من الخير أعمه وأعظمه ، وأبقاه وأدومه ؛ واعرفوا ~~الأبد ، واطلبوا السرمد ، فإن من طلب الأبد ثم وجد بقي على الأبد ، ومن طلب ~~الأمد ثم وجد فني على الأمد . الحاجة ذل ، والغنى عز ، والعز ضد الذل ؛ فمن ~~طلب العز في العاجلة فقد طلب الذل وهو لا يدري ، ومن طلب العز في الآجلة ~~فقد وجد العز وهو لا يدري . في الحكمة أن يقال : اصبر على الذل لتنال العز ~~، وليس في الحكمة اثبت على العز لتنال الذل ، هذا معكوس . # | الليلة الثالثة والعشرون # وكان الوزير رسم بكتابه لمع من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأفردت ~~ذلك في هذه الورقات ، وهي : قال صلى الله عليه وسلم : ' أشد الأعمال ثلاثة ~~: إنصاف الناس من نفسك ، ومواساة الأخ من مالك ، وشكر الله تعالى على كل ~~حال ' . وقال الواقدي : لما غالط خالد بن الوليد عبد الرحمن بن عوف قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : يا خالد ذروا لي أصحابي ، لو كان لك أحد ذهبا ~~تنفقه قراريط في سبيل الله لم تدرك غدوة أو روحة من عبد الرحمن . وقال عليه ~~السلام : ' إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة تبشبش الله إليه ، وإن أخرها أعرض ~~عنه ' . وقال عليه السلام : ' إنما فدك طعمة أطعمنيها الله حياتي ، ثم هي ~~بين ms188 المسلمين ' . وقال عليه السلام : ' المقوم قد يأثم ولا يغرم ' . وقال ~~عليه السلام في دعائه : ' اللهم اجمع على الهدى أمرنا ، وأصلح ذات بيننا ، ~~PageV01P268 وألف بين قلوبنا ، واجعل قلوبنا كقلوب خيارنا ، واهدنا سواء ~~السبيل وأخرجنا من الظلمات إلى النور ، واصرف عنا الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن ، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذرياتنا ومعايشنا ، اللهم ~~اجعلنا شاكرين لنعمتك ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ' . وقيل له صلى ~~الله عليه وسلم : إن فلانا استشهد ، فقال : ' كلا إن الشملة التي أخذها من ~~الغنائم يوم حنين اشتعلت عليه نارا ' . وقال صلى الله عليه وسلم : ' من ~~اطلع من صبر باب ففقئت عينه فهي هدر ' . وقال صلى الله عليه وسلم لرجل يذبح ~~شاة : ' ارهف شفرتك ، فإذا فريت فأرح ذبيحتك ، ودعها تخب وتشخب ، فإن ذلك ~~أمرى للدم وأحلى للحم ' . وقال عليه السلام : ' خير الناس الغني الخفي ~~التقي ' . وقال : ' التاجر الصدوق إن مات في سفره كان شهيدا ، أو في حضره ~~كان صديقا ' . وقال صلى الله عليه وسلم : ' ظهر المؤمن مشجبه ، وبطنه ~~خزانته ، ورجله مطيته ، وذخيرته ربه ' . وقال صلى الله عليه وسلم : ' ما ~~نقص مال من صدقة ، فتصدقوا ، ولا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله عز وجل ~~عزا وعفوا ؛ ولا فتح رجل على نفسه باب مسئلة إلا فتح الله عليه سبعين بابا ~~من الفقر ، فاستعفوا ' . وقال عليه السلام : ' أجود الأعمال الجود في العسر ~~، والقصد في الغضب ، والعفو عند المقدرة ' . وقال عليه السلام : ' إن بين ~~مصراعي باب الجنة مسيرة مائة عام ، وليأتين عليه يوم PageV01P269 وهو كظيظ ~~من الزحام ' . وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول قوم من بني عامر ~~يستأذنه في المرعى حول المدينة ؛ فقال عليه السلام : إنها ديار لا تضيق عن ~~جارنا ، وإن جارنا لا يظلم في ديارنا ، وقد ألجأتكم الآزمة ، فنحن نأذن لكم ~~في المرعى ونشرككم في المأوى ، على أن سرحنا كسرحكم ، وعانينا كعانيكم ، ~~ولا تعينوا علينا بعد اليوم ؛ فقال : لا نعين عدوا ما أقمنا في جوارك ، ~~فإذا رحلنا فإنما هي العرب تطلب أثآرها ، وتشفي ذحولها ms189 ؛ فقال عليه السلام ~~: يا بني عامر ، أما علمتم أن اللوم كل اللوم أن تنحاشوا عند الفاقة ، ~~وتثبوا عند العزة ، فقال : وأبيك إن ذلك للؤم ، ولن نبغيك غائلة بعد اليوم ~~، فقال : اللهم اشهد ، وأذن لهم . وسئل صلى الله عليه وسلم : كيف يأتيه ~~الوحي ؟ فقال : ' في مثل صلصلة الجرس ، ثم ينفصم ' . وقد روى ابن الكلبي عن ~~أبيه عن ابن صالح ، عن ابن عباس قال : لما كان يوم بدر ، قال علي للمقداد : ~~أعطني فرسك أركبه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت تقاتل ~~راجلا خير منك فارسا . قال : فركبه ووتر قوسه ورمى فأصاب أذن الفرس فصرمه ، ~~فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى أمسك على فيه ، فلما رأى علي ضحكه غضب ~~فسل سيفه ، ثم شد على المشركين ، فقتل ثمانية قبل أن يرجع ، فقال علي : لو ~~أصابني شر من هذا كنت أهله حين يقول : أنت تقاتل راجلا خير منك فارسا ، ~~فعصيته . وقال صلى الله عليه وسلم : ' إن امرأ عرف الله وعبده وطلب رضاه ~~وخالف هواه لحقيق بأن يفوز بالرحمة ' . لما ورد محمد بن مسلمة عن عمرو بن ~~العاص من جهة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، صنع عمرو له طعاما ودعاه إليه ، ~~فأبى محمد ، فقال عمرو : أتحرم PageV01P270 طعامي ؟ قال : لا ، ولكني لم ~~أومر به . فقال عمرو : لعن الله زمانا عملنا فيه لابن الخطاب ، لقد رأيته ~~وأباه وإنهما لفي شملة ما تواري أرساغهما ، وإن العاصي بن وائل لفي مقطعات ~~الديباج مزررة بالذهب . فقال محمد : أما أبوك وأبو عمر ففي النار ، وأما ~~أنت فلولا ما وليت لعمر لألفيتك معتقلا غنزا يسرك غزرها ويسوءك بكوها ، ~~فقال عمرو : المجالس أمانة ، فقال محمد : أما ما دام عمر حيا فنعم . دخل ~~النبي صلى الله عليه وسلم على فاطمة يعودها من علة ، فبكت ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك ؟ فقالت : قلة الطعم ، وشدة السقم ، وكثرة ~~الهم . قال عبد الله بن مسعود : شر الأمور محدثاتها ، وشر الغني غني الإثم ~~، وخير الغنى غنى النفس ، والخمر جماع الإثم ، والدنيا ms190 حبالة الشيطان ، ~~والشباب شعبة من الجنون . قيل له : أتقول هذا من تلقائك ؟ قال : لا ، بل من ~~تلقاء من فرض الله علي طاعته . وقال أبو ذر رحمة الله عليه : قال لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر : إني أراك ضعيفا ، وإني أحب لك ما أحب ~~لنفسي ، لا تأمرن على اثنين ، ولا تولين مال يتيم . وقال أبو هريرة : عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ستحرصون على الإمارة ، وستكون حسرة وندامة يوم ~~القيامة ، فنعمت المرضعة ، وبئست الفاطمة . أبو أمامة يرفعه ، قال : ما من ~~رجل يلي أمر عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا أطلقه العدل ، أو أوثقه ~~الجور . قال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم : أمرني يا رسول الله فأصيب . ~~PageV01P271 قال عبد الله بن عمرو بن العاص : إن رجلا جاء إلى النجاشي فقال ~~له : أقرضني ألف دينار إلى أجل ، فقال : من الكفيل بك ؟ فقال : الله . ~~فأعطاه الألف ، فلما بلغ الأجل أراد الرد ، فحبسته الريح ، فعمل تابوتا ~~وجعل فيه الألف وغلفه ، وألقاه في البحر ، وقال : اللهم أد حمالتك ؛ فخرج ~~النجاشي إلى البحر فرأى سوادا ؛ فقال : ائتوني به . فأتوه بالتابوت ، ففتحه ~~، فإذا فيه الألف ، ثم إن الرجل جمع ألفا بعد ذلك ، وطابت الريح ، وجاء إلى ~~النجاشي فسلم عليه ؛ فقال له النجاشي : لا أقبلها منك حتى تخبرني بما صنعت ~~فيها . فأخبره بالذي صنع ؛ فقال النجاشي : فقد أدى الله عنك ، وقد بلغت ~~الألف في التابوت ، فأمسك عليك ألفك . رأى أبو هريرة رجلا مع آخر ، فقال : ~~من هذا الذي معك ؟ قال : أبي . قال : فلا تمش أمامه ، ولا تجلس قبله ، ولا ~~تدعه باسمه ، ولا تستسب له . قال أبو هريرة : كان جريج يتعبد في صومعته ، ~~فأتت أمه فقالت : يا جريج ، أنا أمك ، كلمني ؛ فقال : اللهم أمي وصلاتي ؛ ~~فاختار صلاته ، فرجعت ثم أتته ثانية فقالت : يا جريج ، كلمني ، فصادفته ~~يصلي فقال : اللهم أمي وصلاتي ، فاختار صلاته ، ثم جاءته فصادفته يصلي ، ~~فقالت : اللهم إن هذا ابني قد عقني فلم يكلمني فلا تمته حتى تريه المومسات ~~، ولو دعت عليه أن ms191 يفتن لفتن ؛ قال : وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره ، فخرجت ~~امرأة من القرية ، فوقع عليها الراعي ، فحملت فولدت غلاما ، فقيل لها : ممن ~~هذا ؟ فقالت : من صاحب هذه الصومعة ، فأقبل الناس إليه بفؤوسهم ومساحيهم ~~فبصروا به ، فصادفوه يصلي ، فلم يكلمهم ، فأخذوا يهدمون ديره ، فنزل وتبسم ~~ومسح رأس الصبي وقال : من أبوك ؟ فقال : أبي راعي الضأن . فلما سمع القوم ~~ذلك راعهم ، وعجبوا ، PageV01P272 وقالوا : نحن نبني لك ما هدمنا بالذهب ~~والفضة . قال : لا ، أعيدوها كما كانت ترابا ؛ ثم عاد . وقال أبو الدرداء : ~~لا يحافظ على سبحة الضحى إلا أواب . وقال أيضا : ليس على سارق الحمام قطع . ~~وقال : إذا اخترتم أرضا فلا تختاروا أرمينية ، فإن فيها قطعة من عذاب الله ~~، يعني البرد . أبو هريرة يرفعه : ويل للعرفاء ، ويل للأمناء ، ليتمنين ~~أقوام يوم القيامة أنهم كانوا متعلقين بين السماء والأرض يتذبذبون من ~~الثريا ، وأنهم لم يلوا عملا . قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن ~~بن سمرة : ' لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتها عن مسئلة وكلت إليها ، وإن ~~أعطيتها عن غير مسئلة أعنت عليها ' . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' ~~كلكم راع ومسؤول عن رعيته ، فالأمير راع على الناس وهو مسؤول أقام أمر الله ~~فيهم أم ضيع ؛ والمرأة راعية على بيتها وما وليت من زوجها ، ومسئولة عنهم ~~أقامت أمر الله فيهم أم ضيعت ؛ والخادم مسؤول عن مال سيده أقام أمر الله ~~فيه أم ضيع ' . هكذا رواه ابن عتبة عن نابع عن ابن عمر . قال عياض الأشعري ~~: قدم أبو موسى على عمر ومعه كاتب له ، فرفع حسابه ، فأعجب عمر . وجاء إلى ~~عمر كتاب ، فقال لأبي موسى : أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس ؟ قال : ~~إنه لا يدخل المسجد . قال : لم ؟ أجنب هو ؟ قال : إنه نصراني . قال : ~~فانتهره ، وقال : لا تدنهم وقد أقصاهم الله ، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله ، ~~ولا تأتمنهم وقد خونهم الله . قال عبد الله بن نافع : جاء رجلان من الأنصار ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم يختصمان في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما ms192 ~~بينة ، فقال صلى الله عليه وسلم : إنكم لتختصمون إلي وإنما أنا بشر ، ولعل ~~بعضكم ألحن بحجته من بعض ، PageV01P273 وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع ~~منكم ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من نار ~~، يأتي بها إسطاما في عنقه يوم القيامة . قال : فبكى الرجلان ، وقال كل ~~واحد منهما : حقي لأخي ؛ فقال صلى الله عليه وسلم : أما إذ قلتما هذا ~~فاذهبا فاستهما ، وتوخيا الحق ، وليحلل كل واحد منكما صاحبه . وفي رواية ~~أخرى : اذهبا فاصطلحا . وروي أن عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كتب إلى النجاشي أصحمة : سلام عليك فإني أحمد إليك الله الملك القدوس ~~السلام المؤمن المهيمن ، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ، فكتب ~~النجاشي : إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من النجاشي أصحمة بن أبجر ~~: سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمته وبركاته . وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ' الكافر خب ضب ، والمؤمن دعب لعب ' . وقال رجل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم : اعدل فإنك إلى الآن لم تعدل . فقال : ويلك ! إذا لم أعدل أنا ~~فمن يعدل ؟ . وقال صلى الله عليه وسلم : ' إن الواجد يبيح ظهره وعرضه ' . ~~وقال عمر : ردد الخصوم كي يصطلحوا . وقال عليه السلام : لا تحلفوا بأيمانكم ~~، ومن حلف بالله فليصدق ، ومن حلف له فليقبل . وقال : من حلف يمينا كاذبة ~~يقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان . وقال : من حلف يمينا ~~فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ، وليكفر عن يمينه . وقال - عليه ~~السلام - لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم . حدثنا أبو السائب ~~القاضي عتبة بن عبيد قال : حدثنا محمد بن المرزبان قال : حدثنا المغيرة قال ~~: حدثنا محمد بن العباس المنقري قال : كان شريك ابن عبد الله على القضاء ~~PageV01P274 بالكوفة ، فقضى على وكيل لعبد الله بن مصعب بقضاء لم يوافق عبد ~~الله ، فلقي شريكا ببغداد ، فقال له : قضيت على وكيلي قضاء لا يوافق الحق . ~~قال : من ms193 أنت ؟ قال : من لا تنكر . قال : قد نكرتك أشد النكير . قال : أنا ~~عبد الله بن مصعب . قال : فلا كبير ولا طيب . قال : كيف لا تقول هذا وأنت ~~تشتم الشيخين . قال : من الشيخان ؟ قال : أبو بكر وعمر . قال : والله لا ~~أشتم أباك وهو دونهما ، فكيف أشتمهما وهما فوقي وأنا دونهما ؟ وقال عقبة بن ~~عامر الجهني : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ما من رجل يؤتى الدنيا ~~ويوسع له فيها وهو لله على غير ما يحب إلا وهو مستدرج ، لأن الله تعالى ~~يقول : ' فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا ~~بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ، فقطع دابر القوم الذين ظلموا ~~والحمد لله رب العالمين ' . قال ابن الأنباري : قوله صلى الله عليه وسلم ~~إلا وهو مستدرج ، معناه إلا وهو مستدع هلكته ، مأخوذ من الدراج ، وهو ~~الهالك ، يقال هو أعلم من دب ودرج ، ويراد بدرج : هلك ؛ وبدب : مشى . وقال ~~سعيد بن عامر بن حزيم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ' إن لله أمناء على ~~خلقه يضن بهم على القتل يعيشهم في عافية ، ويميتهم في عافية ' . قال ناشرة ~~بن سمي : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول يوم الجابية : إني قد نزعت ~~خالد بن الوليد وأمرت أبا عبيدة ، فقال رجل : والله لقد نزعت عاملا استعمله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عمر : إنك لشاب قريب القرابة ، وهذا ~~القائل هو أبو عمرو بن حفص بن المغيرة ابن عم خالد . قال قبيصة بن المخارق ~~: نهى رسول الله عن الطرق والعيافة والخط . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~' الصدقة على المساكين صدقة ، وعلى ذي الرحم اثنتان : صلة وصدقة ' . ~~PageV01P275 قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو قالا : لما نزلت : ' وأنذر ~~عشيرتك الأقربين ' ، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رضمة من جبل ~~فعلا أعلاها حجرا ، وقال : يا بني عبد مناف ، يا بني فهر ، إنما مثلي ~~ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله ، وخشي أن يسبقوه إلى أهله ms194 ، ~~فجعل يهتف واصباحاه . النعمان بن بشير وقبيصة قالا : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ' إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، ولكن ~~الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع ' . تزوج رجل امرأة فمات قبل أن يدخل بها ، ~~ولم يسم لها صداقا ، فسئل ابن مسعود فقال : لها صداق إحدى نسائه ، لا وكس ~~ولا شطط ، وعليها العدة ، ولها الميراث . فقام أبو سنان في رهط من أشجع ، ~~فقالوا : لقد قضى فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في برزع بنت ~~واشق الأشجعية . عقبة السلمي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ~~إذا تباطأت المغازي وكثرت الغرائم واستؤثر بالغنائم فخير جهادكم الرباط ' . ~~حبان الأنصاري قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم حنين ~~فأحل لهم ثلاثة أشياء كان نهاهم عنها ، وحرم عليهم ثلاثة أشياء كان الناس ~~يحللونها ، أحل لهم أكل لحوم الأضاحي ، وزيارة القبور والأوعية ، ونهاهم عن ~~بياع المغنم حتى يقسم ، ونهاهم عن النساء من السبايا ألا يوطأن حتى يضعن ~~أولادهن ، ونهاهم ألا تباع ثمرة حتى يبدو صلاحها ، ويؤمن عليها من العاهة . ~~وهب بن حذيفة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الرجل أحق بمجلسه . ~~حسان بن ثابت قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور . قال ~~مالك بن عبادة الغافقي : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن ~~مسعود فقال : لا تكثر همك ما يقدر يكن ، وما ترزق يأتك . PageV01P276 خالد ~~بن عدي الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من بلغه معروف من ~~أخيه من غير مسئلة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده ، فإنما هو رزق ساقه ~~الله إليه . رافع بن مكيث - أخو جندب بن مكيث - شهد الحديبية قال : سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ' حسن الملكة نماء ، وسوء الخلق شؤم ، ~~والصدقة تدفع ميتة السوء ، والبر زيادة في العمر . وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : إن يوم الجمعة يوم زينة كيوم الفطر والنحر . خباب بن الأرت - ~~وكان ms195 من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - قال : إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلى يوما إلى جدار كثير الجحرة إما ظهرا أو عصرا ، فلما صلى خرجت ~~إليه عقرب فلدغته ؛ فغشي عليه ، فرقاه الناس فأفاق ، فقال : ' إن الله ~~شفاني وليس برقيتكم ' . قال الوزير : ما أحسن هذا المجلس . # | الليلة الرابعة والعشرون # وجرى حديث الفيل ليلة فأكثر من حضر وصفه بما لم يكن فيه فائدة تعاد ، ولا ~~غريبة تستفاد ؛ فحكيت : إن العلماء بطبائع الحيوان ذكروا أن الفيلة لا ~~تتولد إلا في جزائر البحار الجنوبية ، وتحت مدار برج الحمل ، والزرافة لا ~~تكون إلا في بلاد الحبشة ، والسمور وغزال المسك لا يكونان إلا في الصحارى ~~الشرقية الشمالية ؛ وأما الصقور والنسور والبزاة وما شاكلها من الطير فإنها ~~لا تفرخ إلا في رءوس الجبال الشامخة والعقاب . والنعام لا تفرخ إلا في ~~البراري والقفار والفلوات . والوطواط والطيطوي وأمثالهما من الطير لا ~~PageV01P277 تفرخ إلا على سواحل البحار وشطوط الأنهار والبطائح والآجام ؛ ~~والعصافير والفواخت وما شاكلها من الطير لا تفرخ إلا بين الأشجار والدحال ~~والقرى والبساتين . وحدث ابن الأعرابي عن هشام بن سالم - وكان مسنا من رهط ~~ذي الرمة - قال : أكلت حية بيض مكاء فجعل المكاء يشرشر على رأسها ويدنو ~~منها ، حتى إذا فتحت فاها تريده وهمت به ألقى في فيها حسكة ؛ فأخذت بحلقها ~~حتى ماتت . وأنشد أبو عمرو الشيباني قول الأسدي : إن كنت أبصرتني قلا ~~ومصطلما . . . فربما قتل المكاء ثعبانا فقال - حرس الله نفسه - من أين ~~للحيوان غير الإنسان هذه الفطنة وهذه الفضيلة وهذه الجرأة وهذه الحيلة ؟ ~~فقلت : شيخنا أبو سليمان يقول في هذه الأيام - وقد جرى حديث الحيوان وعجائب ~~أفاعيله - إن الإحساسات التي للحيوان على أصنافه لها غرض عظيم ، وبذلك ~~الغرض لها تفاوت عظيم ظاهر وخاف ، وأفعال معهودة ونادرة ، ولها أخلاق ~~معروفة ، ومعارف موصوفة ؛ ولولا ذلك ما كان يقال : أصول من جمل ، وأغدر من ~~ذئب ، وأروغ من ثعلب ، وأجبن من صقر ، وأجمع من ذرة ، وآلف من كلب ، وأهدى ~~من قطاة ، واحذر من عقعق ، وأزهى من غراب ms196 ، PageV01P278 وأظلم من حية . ~~وأشد عداوة من عقرب . وأخبث من قرد ، وأحمق من حبارى ، وأكذب من فاخته ، ~~والأم من كلب على جيفة ، وأعق من ضب ، وأبر من هرة ، وأنفر من ظليم ، وأجرأ ~~من ليث ، وأحقد من فيل ؛ وعلى هذا . قال : وكما أن بين آحاد نوع الإنسان ~~تفاوتا في الأخلاق ، كذلك بين آحاد نوع الحيوان تفاوت ، وكما أنه يزل بعض ~~العقلاء فيركب ما لا يظن بمثله لعقله ، كذلك يزل ويغلط بعض الحمقى فيأتي ~~بما لا يحسب أن مثله يهتدي إليه ، فليس العقل بخاطر على صاحبه أن يندر منه ~~ما يكون من الحيوان ، وأصناف الحيوان من الناس وغير الناس تتقاسم هذه ~~الأخلاق بضروب المزاج المختلفة في الأزمان المتباعدة ، والأماكن المتنازحة ~~، تقاسما محفوظ النسب بالطبيعة المستولية ، وإن كان ذلك التقاسم مجهول ~~النسب للغموض الذي يغلب عليه ، وإذا عرف هذا الشرح وما أشبهه مما يزيده ~~وضوحا ، زال التعجب الناشىء من جهل العلة وخفاء الأمر . قال : ومن العجب ~~أنا إذا قلنا : أروغ من ثعلب ، وأجبن من صقر ، وأحقد من فيل ، أن هذا الروغ ~~وهذا الجبن وهذا الحقد في هذه الأصاف ليست لتكون عدة لها مع نوع الإنسان ، ~~ولكن لتتعاطى أيضا بينها ، وتستعملها عند الحاجة إليها ؛ وكما يشبه إنسان ~~لأنه لص بالفأرة ، أو بالفيل لأنه حقود ، أو بالجمل لأنه صؤول ، كذلك يشبه ~~كل ضرب من PageV01P279 الحيوان في فعله وخلقه وما يظهر من سنخه بأنه إنسان ~~. ويقال للبليد من الناس : كأنه حمار ؛ ويقال للذكي من الخيل : كأنه إنسان ~~؛ ولولا هذا التمازج في الأصل والجوهر ، والسنخ والعنصر ، ما كان هذا ~~التشابه في الفرع الظاهر ، والعادة الجارية بالخبر والنظر . فقال : هذا ~~كلام لا مزيد عليه . وقالت العلماء : إن هذا الاعتبار واصل في الحقيقة إلى ~~جنس النبات ، فإن النخل والموز لا ينبتان إلا في البلدان الدافئة والأرض ~~اللينة والتربة ، والجوز والفستق وأمثالهما لا ينبتان إلا في البلدان ~~الباردة والأرض الجبلية . والدلب وأم غيلان في الصحارى والقفار ؛ والقصب ~~والصفصاف على شطوط الأنهار . قالوا : وهكذا أيضا وصف الجواهر المعدنية ، ~~كالذهب ، فإنه لا يكون ms197 إلا في الأرض الرملية والجبال والأحجار الرخوة . ~~والفضة والنحاس والحديد لا تكون إلا في الأرض الندية والتراب اللين ~~والرطوبات الدهنية ، والأملاح لا تنعقد إلا في الأراضي والبقاع السبخة ، ~~والجص والاسفيداج لا يكونان إلا في الأرض الرملية المختلطة ترابها بالحصى ، ~~والزاج لا يكون إلا في التراب العفص ؛ وقد أحصى بعض من عني بهذا الشأن هذه ~~الأنواع المعدنية فوجد سبعمائة نوع . وقالوا : من الجواهر المعدنية ما هو ~~صلب لا يذوب إلا بالنار الشديدة ، ولا يكسر إلا بالفأس كالياقوت والعقيق . ~~ومنها ترابي رخو لا يذوب ولكن ينفرك ، كالملح والزاج ، والطلق ؛ ومنها مائي ~~رطب ينفر من النار كالزئبق ، ومنها هوائي دهني تأكله النار ، كالكبريت ~~والزرنيخ ؛ ومنها نباتي كالمرجان ، ومنها حيواني كالدر ، ومنها طل ~~PageV01P280 منعقد ، كالعنبر والبادزهر ، وذلك أن العنبر إنما هو طل يقع ~~على سطح ماء البحر ، ثم ينعقد في مواضع مخصوصة في زمان مقدر ؛ وكذلك ~~البادزهر ، فإنه طل يقع على بعض الأحجار ، ثم يرسخ في خللها ، ويغيب فيها ، ~~وينعقد في بقاع مخصوصة ، في زمان معلوم ، وكالترنجبين الذي هو طل يقع على ~~ضرب من الشوك ؛ وكذلك اللك فإنه يقع على نبات مخصوص ينعقد عليه ؛ وكذلك ~~الدر فإنه طل يرسخ في أصداف نوع من الحيوان البحري ، ثم يغلظ ويجمد وينعقد ~~فيه ، وكذلك الموميا ، وهي طل يرسخ في صخور هناك ويصير ماء ثم ينز من مسام ~~ضيقة ويجمد وينعقد . والطل هو رطوبة هوائية تجمد من برد الليل ، وتقع على ~~النبات والشجر والحجر والصخر ؛ وعلى هذا القياس جميع الجواهر المعدنية ، ~~فإن مادتها إنما هي رطوبات مائية ، وأنداء وبخارات تنعقد بطول الوقوع ومر ~~الزمان . وقالت الحكماء الأولون : ها هنا طبيعة تألف طبيعة أخرى ، وطبيعة ~~تلزق بطبيعة أخرى ، وطبيعة تأنس بطبيعة ، وطبيعة تتشبه بطبيعة ، وطبيعة ~~تقهر طبيعة ، وطبيعة تخبث مع طبيعة ، وطبيعة تطيب مع طبيعة ، وطبيعة تفسد ~~طبيعة ، وطبيعة تحمر طبيعة ، وطبيعة تبيض طبيعة ، وطبيعة تهرب من طبيعة ، ~~وطبيعة تبغض طبيعة ، وطبيعة تمازج طبيعة . فأما الطبيعة التي تألف طبيعة ~~فمثل الماس فإنه إذا قرب من الذهب لزق به وأمسكه ms198 ، ويقال : لا يوجد الماس ~~إلا في معدن الذهب في بلد من ناحية المشرق . ومثل طبيعة المغناطيس في ~~الحديد ، فإن هذين الحجرين يابسان صلبان ، وبين طبيعتيهما ألفة ، فإذا قرب ~~الحديد من هذا الحجر حتى يشم رائحته ذهب إليه والتصق به وجذب الحديد إلى ~~نفسه وأمسكه كما يفعل العاشق بالمعشوق . وكذلك يفعل الحجر الجاذب للخز ~~والحجر الجاذب للشعر ، والجاذب للتبن ؛ وعلى هذا المثال ما من حجر من أحجار ~~المعدن إلا وبين طبيعته وبين طبيعة شيء آخر إلف واشتياق ، عرف ذلك أو لم ~~PageV01P281 يعرف ؛ ومثل هذا ما يكون بين الدواء والعضو العليل ، وذلك أن ~~من خاصة كل عضو عليل اشتياقه إلى طبيعة الدواء التي هي ضد طبيعة العلة التي ~~به ، فإذا حصل الدواء بالقرب من العضو العليل وأحس به جذبته القوة الجاذبة ~~إلى ذلك العضو وأمسكت الممسكة واستعانت بالقوة المدبرة لطبيعة الدواء على ~~دفع الطبيعة المؤلفة للعلة وقويت عليها ودفعتها عن العضو العليل كما يستعين ~~ويدفع المحارب والمخاصم بقوة من يعينه على خصمه وعدوه ويدفعه عن نفسه ؛ ~~وأما الطبيعة التي تقهر طبيعة أخرى فمثل طبيعة السنباذج الذي يأكل الأحجار ~~عن الحك أكلا ويلينها ويجعلها ملساء . ومثل طبيعة الأسرب الوسخ في الماس ~~القاهر لسائر الأحجار الصلبة ، وذلك أن الماس لا يقهره شيء من الأحجار ، ~~وهو قاهر لها كلها ، ولو ترك على السندان وطرق بالمطرقة لدخل في أحدهما ولم ~~ينكسر ، وإن جعل بين صفيحتين من أسرب وضمتا عليه تفتت ؛ ومثل طبيعة الزئبق ~~الطيار الرطب القليل الصبر على حرارة النار ، إذا طلي به الأحجار المعدنية ~~الصلبة مثل الذهب والفضلة والنحاس والحديد أوهنها وأرخاها حتى يمكن أن تكسر ~~بأهون سعي ، وتتفتت قطعا . ومثل الكبريت المنتن الرائحة المسود للأحجار ~~النيرة البراقة ، المذهب لألوانها وأصباغها ، يمكن النار منها حتى تحترق في ~~أسرع مدة . والعلة في ذلك أن الكبريت رطوبة دهنية لزجة جامدة ، فإذا أصابته ~~حرارة النار ذاب والتزق بأجساد الأحجار ومازجها ، فإذا تمكنت منها احترق ~~وأحرق معه تلك الأجساد ياقوتا كانت أو ذهبا أو غيرهما . وأما الطبيعة التي ~~ترسب ms199 في طبيعة أخرى وتنيرها ، فمثل النوشاذر الذي يغوص في قعر الأشياء ~~ويغسلها من الوسخ . وأما الطبيعة التي تعين طبيعة أخرى فمثل البورق الذي ~~يعين النار على سبك هذه الأحجار المعدنية الذائبة ، ومثل الزاجات والشبوب ~~التي تجلوها وتنيرهها وتصبغها ، ومثل PageV01P282 المغنيسيا والقلي ~~المعينين على سبك الرمل وتصفيته حتى يكون منه زجاج ؛ وعلى هذا المثال جميع ~~الأحجار المعدنية . النار هي الحاكمة بين الجواهر المعدنية بالحق . ويقال : ~~من أدمن الأكل والشرب في أواني النحاس أفسدت مزاجه ، وعرض له أمراض صعبة ، ~~وإن أدنيت أواني النحاس من السمك شممت لها رائحة كريهة وإن كبت آنية النحاس ~~على سمك مشوي أو مطبوخ بحرارته حدث منه سم قاتل . القلعي قريب من الفضة في ~~لونه ، ولكن يخالفها في ثلاث صفات : الرائحة والرخاوة والصرير ، وهذه ~~الآفات دخلت عليه وهو في معدنه كما تدخل الآفات على المفلوج وهو في بطن أمه ~~؛ فرخاوته لكثرة زئبقه ، وصريره لغلظ كبريته . ويقال : إن لون الياقوت ~~الأصفر والذهب الإبريز ، ولون الزعفران وما شاكلها من الألوان المشرقة ~~منسوبة إلى نور الشمس وبريق شعاعها ، وكذلك بياض الفضة والملح والبلور ~~والقطن وما شاكله من ألوان النبات منسوبة إلى نور القمر وبريق شعاعه ؛ وعلى ~~هذا المثال سائر الألوان . وقال أصحاب النجوم : السواد لزحل ، والحمرة ~~للمريخ ، والخضرة للمشتري ، والزرقة للزهرة ، والصفرة للشمس ، والبياض ~~للقمر ، والتلون لعطارد . ويقال : إن العلة الفاعلة للجواهر المعدنية هي ~~الطبيعة ، والعلة الطينية الزئبق والكبريت ؛ والعلة الصورية دوران الأفلاك ~~وحركات الكواكب حول الأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض ؛ ~~والعلة التمامية المنافع التي ينالها الإنسان والحيوان . ويقال : إن ~~الجواهر المعدنية ثلاثة أنواع : منها ما يكون في التراب والطين والأرض ~~PageV01P283 السبخة ، ويتم نضجه في السنة وأقل كالكباريت والأملاح والشبوب ~~والزاجات وما شابهها ؛ ومنها ما يكون في قعر البحار وقرار المياه ، ولا يتم ~~نضجه إلا في السنة أو اكثر كالدر والمرجان ، فإن أحدهما نبات وهو المرجان ، ~~والآخر حيوان ، وهو الدر . ومنها ما يكون في وسط الحجر وكهوف الجبال وخلل ~~الرمال فلا يتم نضجه إلا في السنين ، كالذهب والفضة ms200 والنحاس والحديد ~~والرصاص وما شاكلها ؛ ومنها ما لا يتم نضجه إلا في عشرات السنين ، كالياقوت ~~والزبرجد والعقيق وما شاكلها . وقال بعض من حضر المجلس - وهو الرجل الفدم ~~الثقيل - : إن الزارع لا يزرع طالبا للعشب ، بل قصده للحب ، ولابد للعشب من ~~أن ينبت إن أحب أو كره ، فلم ذلك ؟ فقيل له : قد يصحب المقصود ما ليس ~~بمقصود ، من حيث لا يتم المقصود إلا بما ليس بمقصود ، والعشب هو فضلات الحب ~~، وبه صفاء الحب وتمامه ، ولولا القوة التي تصفي الحب وتصوره بصورته الخاصة ~~به ، وتنفي كدره وتحصل صفوه لكان العشب في بدن الحب ، وحينئذ لا يكون الحب ~~المنتفع به المخصوص باسمه المعروف بعينه ، بل يكون شيء آخر ؛ فلما تميزت ~~تلك الشوائب التي كانت ملابسة له من أجزاء الأرض والماء وآثار الهواء ~~والنار ، خلص منتفعا به ، مفصودا بعينه ، فوجب بهذا الاعتبار أن يكون الحب ~~بالذات ، والعشب بالعرض . فقال - أدام الله دولته - هل تعرف العرب الفرق ~~بين الروح والنفس في كلامها ؟ وهل في لفظها من نظمها ونثرها ما يدل على ما ~~بينهما ، أو هما كشيء واحد لحقه اسمان ؟ فكان الجواب : إن الاستعمال يخلط ~~هذا بهذا وهذه بهذا في مواضع كثيرة ، وإذا جاء الاعتبار أفرد أحدهما عن ~~الآخر بالحد والاسم ؛ وعلى هذا اتفق رأي الحكماء ، لأنهم حكموا بأن الروح ~~جسم لطيف منبث في الجسد على خاص ماله فيه فأما النفس الناطقة فإنها جوهر ~~إلهي ، وليست في الجسد على خاص ماله فيه ولكنها مدبرة للجسد ؛ ولم يكن ~~الإنسان إنسانا بالروح ، بل بالنفس ، ولو كان إنسانا بالروح لم يكن بينه ~~وبين الحمار PageV01P284 فرق ، بأن كان له روح ولكن لا نفس له . فأما ~~النفسان الأخريان اللتان هما الشهوية والغضبية فإنهما أشد اتصالا بالروح ~~منهما بالنفس ، وإن كانت النفس الناطقة تدبرهما وتمدهما وتأمرهما وتنهاهما ~~؛ فهذا أيضا يوضح الفرق بين الروح والنفس ، فليس كل ذي روح ذا نفس ، ولكن ~~كل ذي نفس ذو روح ؛ وقد وجدنا في كلام العرب مع هذا الفرق بينهما ، فإن ~~النابغة قد قال للنعمان بن المنذر ms201 : وأسكنت نفسي بعد ما طار روحها . . . ~~وألبستني نعمي ولست بشاهد وقال أبو الأسود : لعمرك ما حشاك الله روحا . . . ~~به جشع ولا نفسا شريرة قال : هذا من الفوائد التي كنت أحن إليها ، وأستبعد ~~الظفر بها ، وما أنفع المطارحة والمفاتحة وبث الشك واستماحة النفس ، فإن ~~التغافل عما تمس إليه الحاجة سوء اختيار ، بل سوء توفيق . وما أحسن ما قاله ~~بعض الجلة : توانيت في أوان التعلم عن المسئلة عن أشياء كانت الحاجة تحفز ~~إليها والكسل يصد عنها ، فلما كبرت أنفت من ذكرها وعرضها على من علمها عنده ~~، فبقيت الجهالة في نفسي ، وركدت الوحشة بين قلبي وفكري . ثم جرى في حديث ~~النفس ذكر بعض العلماء فإنه قال : إن نفسك هي إحدى الأنفس الجزئية من النفس ~~الكلية ، لا هي بعينها ، ولا منفصلة عنها ، كما أن جسدك جزء من العالم لا ~~هو كله ولا منفصل عنه ؛ وقد مر من أمر النفس ما فيه إيضاح تام واستبصار ~~واسع ، وإن كان الكلام في نعت النفس لا آخر له ، ولا وقوف عنه . ولو قال ~~قائل : إن جسدك هو كل العالم لم يكن مبطلا ، لأنه شبيه به ، ومسلول منه ، ~~وبحق الشبه يحكيه ، وبحق الانسلال يستمد منه ؛ وكذلك النفس الجزئية هي ~~النفس الكلية ، لأنها أيضا مشاكهة لها ، وموجودة بها ، فبحق الشبه أيضا ~~تحكي PageV01P285 حالها ، وبحق الوجود تبقى بقاءها ، فليس بين الجسد إذا ~~أضيف إلى العالم ، والنفس إذا قيست بالأخرى فرق ، إلا أن الجسد معجون من ~~الطينة ، والنفس مدبرة بالقوة الإلهية ؛ ولهذا احتيج إلى الإحساس والمواد ، ~~وإلى الاقتباس والالاتماس حتى تكون مدة الحياة الحسية بالغة إلى آخرها من ~~ناحية الجسد ، ويكون مبدأ الحياة النفسية موصولا بالأبد بعد الأبد . فقال - ~~أدام الله سعادته - لو كان ما يمر من هذه الفوائد الغرر والمرامي اللطاف ~~مرسوما بسواد على بياض ، ومقيدا بلفظ وعبارة ، لكان له ريع وإتاء ، وزيادة ~~ونماء . فكان الجواب إن هذا غير متعذر ولا صعب إن نفس الله في البقاء ، ~~وصرف هذه الهموم التي تقسم الفكر بالعوارض التي لا تحتسب ، والأسباب التي ~~لا تعرف ms202 ؛ فأما والأشغال على تكاثفها ، والزمان على تلونه فكيف يمكن ذلك ؛ ~~والعجب أنه يجري حرف من هذه الأمور الشريفة في هذه الأوقات الضيقة . ولقد ~~قال أبو سليمان أمس : كيف نشاط الوزير - أدام الله سعادته - في شأنه ، وكيف ~~كان تقبله لرسالتي إليه ، وتلطفي له ، وخدمتي لدولته ؟ فقلت : ما ثم شيء ~~يحتاج إلى الزيادة من فهم ودراية ، وبيان واستبانة ، وهشاشة ورفق ، واطلاع ~~وتأن ؛ ولكن الوقت مستوعب بالتدبير والنظر ، وكف العدو بالمداورة مرة ، ~~وبالإحسان مرة . فقال : الله يبقيه ، ويرينا ما نحبه فيه . وقال أيضا أبو ~~سليمان : كيف لا يكون ما تقلده ثقيلا ، وما تصدى له عظيما ، وما يباشره ~~بلسانه وقلمه صعبا ، والأولياء أعداء ، والأعداء جهال ، والحض عليه من ~~ورائه شديد ، ونصيحه غاش ، وثقته مريب ، والشغب متصل ، وطلب المال لا آخر ~~له ، والمصطنع مستزيد ، والمحروم ساخط ، والمال ممزق ، والتجديف من الطالب ~~واقع ، PageV01P286 والتحكم بالإدلال دائم ، والاستقالة من الكبير والصغير ~~زائدة ، والكلام ليس ينفع ، والتدبر ليس يقمع ؛ والوعظ هباء منثور ، والأصل ~~مقطوع مبتور ؛ والسر مكشوف ، والعلانية فاضحة ؛ وقد ركب كل هواه ، وليس ~~لأحد فكر في عقباه ؛ واختلط المبرم بالسحيل ، وضاق على السالك كل سبيل ؛ ~~ومنابع الفساد ومنابت التخليط كلها من الحاشية التي لا تعرف نظام الدولة ~~ولا استقامة المملكة ؟ وإنما سؤلها تعجيل حظ وإن كان نزرا ، واستلاب درهم ~~وإن كان زيفا ، ولعمري ليس يكون الكدر إلا بعد الصفو ، كما لا يكون الصفو ~~إلا بعد الكدر ، هكذا الليل والنهار ، والنور والظلام ، هذا يخلف هذا ، ~~وهذا يتلو هذا . قال : أعني بهذا أنه لم افقد الملك السعيد - رضي الله عنه ~~- بالأمس حدث هذا كله ، فإنه كان قد زم وخطم ، وجبر وحطم ، وأسا وجرح ، ~~ومنع ومنح ؛ وأورد وأصدر ، وأظهر وستر ، وسهل ووعر ، ووعد وتوعد ، وأنحس ~~وأسعد ، ووهب زمانه وحياته لهذا ، لأنه جعل لذته فيه ، وغايته إليه ، ~~واشتهى أن يطير صيته في أطراف الأرض فيسمع ملوكها بفطنته وحزمه ، وتصميمه ~~وعزمه ، وجده وتشميره ، ورضاه في موضع الرضا ، وسخطه في وقت السخط ، ورفعه ~~لمن يرفعه بالحق ، ووضعه لمن يضعه بالواجب ؛ يجري الأمور بسنن ms203 الدين ما ~~استجابت ، فإن عصت أخذ بأحكام السياسة التي هي الدنيا ، ولما كانت الأمور ~~متلبسة بالدين والدنيا لم يجز للعاقل الحصيف ، والمدبر اللطيف أن يعمل ~~التدبير فيها من ناحية الدين فحسب ، ولا من ناحية الدنيا فقط ، لأن دائرة ~~الدين إلهية ، ودائرة الدنيا حسية ، وفي الإحسان أحقاد لابد من إطفاء ~~ثائرتها ، وصنائع لابد من تربيتها ، وموضوعات لابد من إشالتها ومرفوعات ~~لابد من إزالتها ؛ وتدبيرات لابد من إخفائها ، وأحوال لابد من إبدائها ، ~~ومقامات لابد من الصبر على عوارض ما فيها ، وأمور هي مسطورة في كتب ~~السياسات للحكماء لابد من عرفانها والعمل بها والمصير إليها ، والزيادة ~~عليها ؛ فليس PageV01P287 الخبر كالعيان ، ولا الشاهد كالغائب ، ولا ~~المظنون كالمستيقن . ثم قال : - أعني أبا سليمان - وهذا كله منوط بالتوفيق ~~والتأييد اللذين إذا نزلا من السماء واتصلا بمفرق السائس تضامت أحواله على ~~الصلاح ، وانتشرت على النجاح ؛ وكفى كثيرا من همومه ؛ ثم دعا للوزير ~~بالبقاء المديد ، والعيش الرغيد والجد السعيد ؛ وأمن الحاضرون على ذلك ، ~~وكانوا جما غفيرا ، لا فائدة في ذكر أسمائهم والإشارة إلى أعيانهم ؛ وكلهم ~~لما سمعوا هذا الكلام الشريف عجبوا منه ، وعوذوه وسألوه أن ينظم لهم رسالة ~~في السياسة ؛ فقال : قد رسمت شيئا منذ زمان ، وقد شاع وفشا ، وكتب وحمل في ~~جملة الهدية إلى قابوس بجرجان ، فهذا - أيها الشيخ - نمط أبي سليمان وأنت ~~عنه مشغول ، قد رضيت بترك النظر في أمره ، وبذل الجاه له فيما عاد بشأنه ، ~~والله ما هذا لسوء عهدك فيه ، ولا لحيلولة نيتك عنه ؛ ولكن لقلة حظه منك ~~وإنحاء الزمان على كل من يجري مجراه ، مع عوز مثله في عصره ؛ وكيف تتهم ~~بسوء اعتقاد وقلة حفاظ ، وتوان عن رعاية عهد ، وقيام بحق ، وأنت من فرقك ~~إلى قدمك فضل وخير وجود ومجد وإحسان وكرم ومعونة ورفد وإنعام وتفقد وتعهد ~~وبذل وعرف ؛ ولو كان امرء من الذهب المصفى لكنته ولو كان أحد من الروح ~~الصرف لكنته ؛ ولو كان أحد من الضياء المحيط لكنته ؛ فسبحان من خلقك صرفا ~~بلا مزاج ، وصفوا بلا كدر ، وواحدا بلا ثان ، لقد ms204 فخر بك الشرق على الغرب ، ~~وسلم لك بلا خصومة ولا شغب ، فأدام الله لك ما آتاك وأفاض عليك من لدنه ما ~~ينور مسعاك ؛ وبلغك السعادة العظمى في عقباك ، كما بلغك السعادة الصغرى في ~~دنياك . أعرض أيها الشيخ هذا الحديث على ما ترى ، والكلام ذو جيشان ، ~~والصدر ذو غليان ، والقلم ذو نفيان ومتدفقه لا يستطاع رده ؛ ومنبعثه لا ~~يقدر على تسهيله ، وخطبه غريب ، وشأنه عجيب ؛ وإنما يعرف دقه وجله من يذوق ~~حلوه ومره ، ومع هذا كله ، فإني PageV01P288 أذكرك أمري لتلحظه بعين ~~الرعاية ، وأعرض عليك حديثي لتحفظه في صحيفة العناية ؛ فلقد أمسيت بين صديق ~~يشق علي حزنه لي ، وبين عدو تسوءني شماتته بي ؛ وقد صح عندي أن إقبالك على ~~يسر ، كما أن إعراضك عني عسر ، وأرجع إلى تمام هذين الجزأين وإنه أحرى . ~~وأما حديث الزهاد وأصحاب النسك ، فإنه كان تقدم بإفراد جزء فيه ، وقد أثبته ~~في هذا الموضع ، ولم أحب أن أعزله عن جملته ، فإن فيه تنبيها حسنا ، ~~وإرشادا مقبولا ، وكما قصدنا بالهزل الذي أفردنا فيه جزءا جماما للنفس ~~قصدنا بهذا الجزء الذي عطفنا عليه إصلاحا للنفس وتهذيبا للخلق ، واقتداء ~~بمن سبق إلى الخير واتباعا لمن قصد النصح ؛ وشرف الإنسان موقوف على أن يكون ~~فاتحا لباب من أبواب الخير على نفسه وعلى غيره ، فإن لم يكن ذلك فلا أقل من ~~أن يكون مقتفيا لأثر من كان فاتحا قبله ؛ ومن تقاعس عن هذين الأمرين فهو ~~الخاسر الذي جهل قيمة نفسه ، وضل عن غاية حياته ، وحرم التوفيق في إصابة ~~رشده ؛ والله المستعان . قال ابن مسعود : لو عرفت البهائم ما عرفتم ما ~~أكلتم سمينا . وقال أبو هريرة : اللهم إني أسألك قلبا قارا ، ورزقا دارا ، ~~وعملا سارا . وقال بعض السلف : اللهم إني أسألك قلبا شاكرا ، ولسانا ذاكرا ~~، وبدنا صابرا . وقال صالح بن مسمار : لا أدري أنعمته علي فيما بسط لي أفضل ~~، أم نعمته فيما زوى عني ، لأنه فيما بسط لي أحياني ، وفيما زوى عني حماني ~~، نظر لي بما يزيد على نظري لنفسي ، وآتاني من عنده أكثر ms205 مما عندي . وقال ~~الله عز وجل - لموسى - عليه السلام : حببني إلى عبادي . قال : وكيف أحببك ؟ ~~قال : ذكرهم آلائي ونعمائي . وقال شداد بن حكيم لبعض الواعظين : أي شيء ~~تقول إذا جلست على المنبر ؟ قال : أذكرهم آلاء الله ليشكروا ، وأذكرهم ~~جفاءهم ليتوبوا ، وأخبرهم عن إبليس وأعوانه حتى يحذروا . PageV01P289 وقال ~~بعض الصالحين : مثل الدنيا ونعيمها كخابية فيها سم وعلى رأسها عسل ، فمن ~~رغب في العسل سقي من السم ، ومثل شدة الدنيا كمثل خابية مملوءة من العسل ~~وعلى رأسها قطرات من سم ، فمن صبر على أكلها بلغ إلى العسل . جاء رجل إلى ~~حاتم الزاهد بنميمة ، فقال : يا هذا أبطأت عني وجئت بثلاث جنايات ؛ بغضت ~~إلي الحبيب ، وشغلت قلبي الفارغ ، وأعلقت نفسك التهمة ، وأنت آمن . وكان ~~خالد بن صفوان يقول : قبول قول النمام شر من النميمة ، لأن النميمة دلالة ، ~~والقبول إجازة ، وليس من دل على شيء كمن قبل وأجاز . وقال ابن السماك ~~الواعظ : يدرك النمام بنميمته ما لا يدرك الساحر بسحره . وقال معمر : ما ~~نزلت بعبد نازلة فكان مفزعه إلى الله إلا فرج الله عنه . وقال عمر : ما ~~أسأل الله الرزق وقد فرغ منه ، ولكن أسئلة أن يبارك لي فيه . وقال مالك بن ~~دينار : الجلوس مع الكلب خير من الجلوس مع رفيق سوء . وقال أبو هريرة : ~~تهادوا عباد الله يتجدد في قلوبكم الود ، وتذهب السخيمة . وقال حاتم : صاب ~~الضغن غير ذي دين ، والغائب غير ذي عبادة والنمام غير صدوق ، والحاسد غير ~~منصور . وقال بعض السلف : من استقصى عيوب الناس بقي بلا أصدقاء . وقال محمد ~~بن واسع : ينبغي للرجل أن يكون مع المرأة كما يكون أهل المجنون مع المجنون ~~، يحتملون منه كل أذى ومكروه . قيل لمالك بن دينار لو تزوجت ؛ قال : لو ~~استطعت لطلقت نفسي . قال شقيق : اشتريت بطيخة لأمي ، فلما ذاقتها سخطت . ~~فقلت : يا أمي ، على من تردين القضاء ومن تلومين ، أحارثها أم مشتريها أم ~~خالقها ؟ فأما حارثها ومشتريها فما PageV01P290 لهما ذنب ، فلا أراك تلومين ~~إلا خالقها . ويقال : إن عبدا حبشيا ناوله مولاه شيئا يأكله ms206 ، وقال : أعطني ~~قطعة منه فأعطاه ، فلما أكله وجده مرا ، فقال : يا غلام ، كيف أكلت هذا مع ~~شدة مرارته . قال : يا مولاي ، قد أكلت من يدك حلوا كثيرا ، ولم أحب أن ~~أريك من نفسي كراهة لمرارته . وأوحى الله تعالى إلى عزير : إذا نزلت بك ~~بلية لا تشكني إلى خلقي كما لم أشكك إلى ملائكتي عند صعود مساوئك إلي ، ~~وإذا أذنبت ذنبا فلا تنظر إلى صغره ، ولكن انظر من أهديته إليه . وقال ~~لقمان : إن الذهب يجرب بالنار ، وإن المؤمن يجرب بالبلاء . وقال بعض السلف ~~: عليكم بالصبر فإن الله تعالى قال : ' وبشر الصابرين ' . وقال : : ' إنما ~~يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ' . وقال : ' أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ~~' . وقال : اصبروا وصابروا . وقال : ' سلام عليكم بما صبرتم ' . وقال ~~الأوزاعي : المؤمن يقل الكلام ويكثر العمل . والمنافق يكثر الكلام ويقل ~~العمل . وقال فضيل بن عياض : الخوف مادام الرجل صحيحا أفضل ، فإذا نزل ~~الموت فالرجاء أفضل . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' إياكم والخيانة ، ~~فإنها بئست البطانة ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' من رد عن عرض أخيه ~~رد الله عن وجهه لفح النار يوم القيامة ' . وروي من وقي شر لقلقه وقبقبه ~~وذبذبه فقد وقي شره الشباب . وقيل لابن المبارك : إنك لتحفظ نفسك من الغيبة ~~. قال : لو كنت مغتابا أحدا لاغتبت والدي ، لأنهما أحق بحسناتي . وقال بعض ~~الصالحين : لو أن رجلا تعشى بألوان الطعام وقد أصاب من النساء في ~~PageV01P291 الليل ، ورجلا آخر رأى رؤيا على مثال ما أصاب الأول في اليقظة ~~، فإذا مضيا صار الحالم والآخر سواء . وقال شقيق : من أبصر ثواب الشدة لم ~~يتمن الخروج منها . وقال شقيق لأصحابه : أيما أحب إليكم ، أن يكون لكم شيء ~~على الملىء ، أو يكون شيء للملىء عليكم . فقالوا : بل نحب أن يكون لنا على ~~الملىء . فقال : إذا كنتم ف الشدة يكون لكم على الله ؛ وإذا كنتم في النعمة ~~يكون الله عليكم . وقال بعض السلف : شتان ما بين عملين : عمل تذهب لذته ~~وتبقى تبعته ، وعمل تذهب مؤونته ويبقى ذخره . وقال الرقاشي في مواعظه ms207 : ~~خذوا الذهب من الحجر ، واللؤلؤ من المزبلة . وقال يحيى بن معاذ : العلم قبل ~~العمل ، والعقل قائد الخير ، والهوى مركب المعاصي ، والمال داء المتكبر . ~~وقال : من تعلم علم أبي حنيفة فقد تعرض للسلطان ، ومن تعلم النحو والعربية ~~دله بين الصبيان ، ومن علم علم الزهاد بلغ إلى العرش . . وقال بعض الصالحين ~~: إن العلماء يسقون الناس ، فبعضهم من الغدران والحياض ، وبعضهم من العيون ~~والقلب ، وبعضهم من البحار الواسعة . وقال حاتم : لا تنظر إلى من قال ، ~~ولكن انظر إلى ما قال . وقال مالك بن دينار : إني لا أقدر أن أعمل بجميع ما ~~اقول . وقال وهيب بن الورد : مثل عالم السوء كمثل الحجر يقع في الساقية فلا ~~هو يشرب الماء ، ولا يخلي عن الماء فيذهب إلى الشجرة . وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : لأنا من غير الدجال أخوف عليكم . قيل : ومن هو ؟ قال : الأئمة ~~المضلون . وقال الثوري : نعوذ بالله من فتنة العالم الفاجر ، وفتنة القائد ~~الجاهل . PageV01P292 وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' سيكون في امتي ~~علماء فساق ، وقراء جهال ' . وقال الثوري : العلم طبيب الدين ، والمال داؤه ~~، فإذا رأيت الطبيب يجر الداء إلى نفسه فكيف يعالج غيره . وقال عيسى بن ~~مريم : ما ينفع الأعمى ضوء الشمس ولا يبصرها . وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ' أشد الناس حسرة يوم القيامة عالم علم الناس ونجوا به ، وارتهن هو ~~بسوء عمله ' . وقال أحمد بن حرب : إن منازل الدنيا لا تقطع بالكلام ، فكيف ~~يقطع طريق الآخرة بالكلام . وقال أبو مسلم الخولاني : العلماء ثلاثة : رجل ~~عاش بعلمه وعاش به الناس ، ورجل عاش بعلمه ولم يعش به الناس ، ورجل عاش ~~بعلمه الناس وهلك هو . وشاور رجل محمد بن أسلم فقال : إني أريد أن أزوج ~~بنتي ، فبمن أزوج ؟ قال : لا تزوجها عالما مفتونا ، ولا كاسبا كاذبا ، ولا ~~عابدا شاكا . قيل : نصح إبليس فقال : إياك والكبر ، فإني تكبرت فلعنت ؛ ~~وإياك والحرص فإن أباك حرص على أكل الشجرة فأخرج من الجنة ؛ وإياك والحسد ~~فإن أحد بني آدم قتل أخاه بالحسد . ومر حاتم بقوم يكتبون العلم ms208 فنظر إليهم ~~وقال : إن يكن معكم ثلاثة أشياء لن تفلحوا . قالوا : وما هي ؟ قال : هم أمس ~~، واغتمام اليوم ، وخوف الغد . وقال ابن عمر : كان في بني إسرائيل ثلاثة ~~خرجوا في وجه ، فأخذهم المطر فدخلوا كهفا ، فوقع حجر عظيم على باب الكهف ، ~~وبقوا في الظلمة وقالوا : لا ينجينا إلا ما عملناه في الرخاء . فقال أحدهم ~~: إني كنت راعيا فأرحت وحلبت ، وكان لي أبوان وأولاد وامرأة فسقيت أولا ~~الوالدين ثم الأولاد ، فجئت يوما فوجدت أبوي قد ناما فلم أوقظهما لحرمتهما ~~ولم أسق الأولاد ، وبقيت قائما إلى الصبح ؛ فإن كنت يا رب قبلت هذا مني ~~فاجعل لنا PageV01P293 فرجا ، فتحرك الحجر ودخل عليهم الضوء . وقال الثاني ~~: إني كنت صاحب ضياع ، فجاءني رجل بعد ما متع النهار ، وكان لي أجراء ~~يحصدون الزرع ، فاستأجرته ، فلما تم عملهم أعطيتهم أجورهم ، فلما بلغت إلى ~~ذلك الرجل أعطيته وافيا كما أعطيت غيره ، فغضبوا وقالوا : تعطيه مثل ما ~~أعطيتنا . فأخذت تلك الأجرة واشتريت بها عجولا ونمي حتى كثر البقر ؛ فجاء ~~صاحب الأجرة يطلب فقلت : هذه البقر كلها لك ، فسلمتها إليه ، فإن كنت يا رب ~~قبلت مني هذا الوفاء ففرج عنا . فتحرك الحجر ودخل منه ضوء كثير . وقال ~~الثالث : كانت لي بنت عم فراودتها ، فأبت ، حتى أعطيتها مائة دينار فلما ~~أردت اضطربت وارتعدت . فقلت لها : ما لك ؟ فقالت : إني أخاف الله . فتركتها ~~ورجعت عنها ، إلهي فإن كنت قبلت ذلك مني ففرج عنا . فتحرك الحجر وسقط عن ~~باب الكهف وخرجوا منه يمشون . وقال حاتم : لو أدخلت السوق شياه كثيرة لما ~~اشترى أحد المهزول ، بل يقصد السمين للذبح . وقال يحيى بن معاذ : في القلب ~~عيون يهيج منها الخير والشر . وقال بعض الصالحين في دعائه : اللهم إن أحدنا ~~لا يشاء حتى تشاء ، فاجعل مشيئتك لي أن تشاء ما يقربني إليك ؛ اللهم إنك ~~قدرت حركات العبد ، فلا يتحرك شيء إلابإذنك ، فاجعل حركاتي في هواك . وقال ~~قاسم بن محمد : لأن يعيش الرجل جاهلا خير له من أن يقول ما لا يعلم . وقال ~~الشعبي : لم يكن مجلس ms209 أحب إلي من هذا المجلس ، ولأن أبعد اليوم عن بساطه ~~أحب إلي من أن أحبس فيه . وقال حاتم : إذا رأيت من أخيك عيبا فإن كتمته ~~عليه فقد خنته ، وإن قلته لغيره فقد اغتبته ، وإن واجهته به فقد أوحشته ؛ ~~قيل له : كيف أصنع ؟ قال : تكني عنه ، وتعرض به ، PageV01P294 وتجعله في ~~جملة الحديث . وقال : إذا رأيت من أخيك زلة فاطلب لها سبعين وجها من العلل ~~، فإن لم تجد فلم نفسك . وقال إبراهيم بن جنيد : اتخذ مرآتين ، وانظر في ~~إحداهما عيب نفسك ، وفي الأخرى محاسن الناس . وقال يحيى بن معاذ : الدنيا ~~دار خراب ، وأخرب منها قلب من يعمرها ، والآخرة دار عمران ، وأعمر منها قلب ~~من يعمرها . وقال ابن السماك : الدنيا كالعروس المجلوة تشوفت لخطابها وفتنت ~~بغرورها ، فالعيون إليها ناظرة ، والقلوب عليها والهة ؛ والنفوس لها عاشقة ~~، وهي لأزواجها قاتلة . وقال بعض العارفين : الدنيا أربعة أشياء : الفرح ~~والراحة والحلاوة واللذة ؛ فالفرح بالقلب . والراحة بالبدن ، واللذة بالحلق ~~، والحلاوة بالعين . وقال يحيى بن معاذ : الدنيا خمر الشيطان ، فمن سكر ~~منها لم يفق إلا في مسكن النادمين . وقال بعض السلف : الزهد خلع الراحة ، ~~وبذل الجهد ، وقطع الأمل . وقال الأنطاكي أحمد بن عاصم : الزهد هو الثقة ~~بالله ، والتبرء من الخلق ، والإخلاص في العمل ، واحتمال الذل . وقال داود ~~- عليه السلام - في دعائه : يا رازق النعاب في عشه . وقال بعض السلف : لو ~~كنت على ذنب الريح لم تفر من رزقك . وقال آخر : الإنسان بين رزقه وأجله ، ~~إلا أنه مخدوع بأمله . وقال عيسى بن مريم عليه السلام : خلقك ربك في أربع ~~مراتب ، فكنت آمنا ساكنا في ثلاث ، وقلقلت في الرابعة ، أولاها في بطن أمك ~~في ظلمات ثلاث ، والثانية حين أخرجك منه وأخرج لك لبنا من بين فرث ودم . ~~والثالثة إذا فطمت أطعمك المري الشهي ، حتى إذا PageV01P295 اشتدت عظامك ~~وبلغت تمامك صرت خائنا وأخذت في السرقة والحيلة . وقال أنس : رأيت طائرا ~~أكمه فتح فاه فجاءت جرادة فدخلت فمه . وقال عيسى - عليه السلام - يابن آدم ~~اعتبر رزقك بطير السماء ، لا يزرعن ولا يحصدن وإله ms210 السماء يرزقهن . فإن قلت ~~: لها أجنحة فاعتبر بحمر الوحش وبقر الوحش ما أسمنها وما أبشمها وأبدنها ! ~~وقال ابن السماك لو قال العبد : يا رب لا ترزقني لقال الله : بل أرزقك على ~~رغم أنفك ، ليس لك خالق غيري ، ولا رازق سواي ، إن لم أرزقك فمن يرزقك ؟ ~~وقيل لراهب : من أين تأكل ؟ فقال : إن خالق الرحى يأتي بالطحين . وقال حاتم ~~: الحمار يعرف طريق المعلف ، والمنافق لا يعرف طريق السماء . وقال إبراهيم ~~بن أدهم : سألت راهبا من أين تأكل ؟ قال : ليس هذا العلم عندي ، ولكن سل ~~ربي من أين يطعمني . وقال حاتم : مثل المتوكل مثل رجل أسند ظهره إلى جبل . ~~وقال بعض الأبرار : حسبك من التوكل ألا تطلب لنفسك ناصرا غيره ، ولا لرزقك ~~خازنا غيره ، ولا لعملك شاهدأ غيره . وقال عبد الحميد بن عبد العزيز : كان ~~لأبي صديق وراق ، فقال له أبي يوما : كيف أصبحت ؟ قال : بخير ما دامت يدي ~~معي ، فأصبح الوراق وقد شلت يده . قال أبو العالية : لا تتكل على غير الله ~~فيكلك الله إليه ، ولا تعمل لغير الله فيجعل ثواب عملك عليه . وقال رجل ~~لأبي ذر : أنت أبو ذر ؟ قال : نعم . قال : لولا أنك رجل سوء ما أخرجت من ~~المدينة . فقال أبو ذر : بين يدي عقبة كؤود إن نجوت منها لا يضرني ما قلت ، ~~وإن أقع فيها فأنا شر مما تقول . وقيل لفضيل : إن فلانا يقع فيك . فقال : ~~لأغيظن من PageV01P296 أمره بذلك اللهم اغفر له . وقال رجل لأبي هريرة : ~~أنت أبو هريرة ؟ قال : نعم . قال : سارق الذريرة ؟ قال : اللهم إن كان ~~كاذبا فاغفر له ، وإن كان صادقا فاغفر لي ؛ هكذا أمرين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . وقال رجل لابن مكدم : يا كافر . قال : وجب علي الشكر ، حيث لم ~~يجر ذلك على لساني ، ولم تجب علي إقامة الحجة فيه ، وقد طويت قلبي على جملة ~~أشياء : قال : وما هن ؟ قال : إن قلت ألف مرة لا أجيبك مرة ، ولا أحقد عليك ~~، ولا أشكوك إلى أحد ، وإن نجوت من الله عز وجل بعد ms211 هذه الكلمة شفعت لك . ~~فتاب الرجل . كان للحسن جار نصراني ، وكان له كنيف على السطح ، وقد نقب ذلك ~~في بيته ، وكان يتحلب منه البول في بيت الحسن ، وكان الحسن أمر بإناء فوضع ~~تحته ، فكان يخرج ما يجتمع منه ليلا ، ومضى على ذلك عشرون سنة ، فمرض الحسن ~~ذات يوم فعاده النصراني ، فرأى ذلك ، فقال : يا أبا سعيد : مذ كم تحملون ~~مني هذا الأذى ؟ فقال : منذ عشرين سنة . فقطع النصراني زناره وأسلم . وجاءت ~~جارية لمنصور بن مهران بمرقة فهراقتها عليه ، فلما أحس بحرها نظر إليها ، ~~فقالت : يا معلم الخير اذكر قول الله . قال : وما هو ؟ قالت : ' والكاظمين ~~الغيظ ' . قال : كظمت . قالت : واذكر ' والعافين عن الناس ' . قال : قد ~~عفوت . قالت واذكر ' والله يحب المحسنين ' . قال : اذهبي فأنت حرة . قال ~~الحسن : ما جزعة أحب إلي من جزعة مصيبة ردها صاحبها بصبر ، وجزعة غضب ردها ~~صاحبها بحلم . وكان محمد بن المنكدر إذا غضب على غلامه يقول : ما أشبهك ~~بسيدك ! وقال أبو ذر : كيف يكون حليما من يغضب على حماره وسخله وهره . ~~PageV01P297 ومات ابن للرشيد فجزع جزعا شديدا ، فوعظه العلماء فلم يتعظ ؛ ~~فدخل مخنث وقال : أتأذي لي في الكلام ؟ قال : تكلم . فكشف عن رأسه وقام بين ~~يديه ، وقال : يا أمير المؤمنين ، أنا رجل ، وقد تشبهت بالنساء كما ترى ، ~~فأي شيء كنت تصنع لو كان ابنك في الأحياء وكان على صورتي ، فاتعظ به وأخرج ~~النواحات من الدار . قال وهب : مكتوب في الكتب القديمة : إن كنتم تريدون ~~رحمتي فارحموا عبادي . وقال جعفر بن محمد حسن الجوار عمارة الديار ومثراة ~~المال . ولما قرأ هذا الجزء - حرسه الله - ارتاح وقال : أين نحن من هذه ~~الطريقة ، إلى الله المشتكى . # | الليلة الخامسة والعشرون # وقال - أدام الله دولته - ليلة : أحب أن أسمع كلاما في مراتب النظم ~~والنثر ، وإلى أي حد ينتهيان ، وعلى أي شكل يتفقان ، وأيهما أجمع للفائدة ، ~~وأرجع بالعائدة ، وأدخل في الصناعة ، وأولى بالبراعة ؟ ؟ فكان الجواب : إن ~~الكلام على الكلام صعب . قال : ولم ؟ قلت : لأن الكلام على الأمور المعتمد ~~فيها على صور ms212 وشكولها التي تنقسم بين المعقول وبين ما يكون بالحس ممكن ، ~~وفضاء هذا متسع ، والمجال فيه مختلف . فأما الكلام على الكلام فإنه يدور ~~على نفسه ، ويلتبس بعضه ببعضه ؛ ولهذا شق النحو وما أشبه النحو من المنطق ، ~~وكذلك النثر والشعر وعلى ذلك . وقد قال الناس في هذين الفنين ضروبا من ~~القول لم يبعدوا فيها من الوصف الحسن ، والإنصاف المحمود ، والتنافس ~~المقبول ، إلا ما خالطه من التعصب والمحك ، لأن صاحب هذين الخلقين لا يخلو ~~من بعض المكابرة والمغالطة وبقدر ذلك يصير PageV01P298 له مدخل فيما يراد ~~تحقيقه من بيان الحجة أو قصورها عما يرام من البلوغ بها ، وهذه آفة معترضة ~~في أمور الدين والدنيا ، ولا مطمع في زوالها ، لأنها ناشئة من الطبائع ~~المختلفة ، والعادات السيئة ، لكني مع هذه الشوكة الحادة ، والخطة الكادة ؛ ~~أقول ما وعيته عن أرباب هذا الشأن ، والمنتمين لهذا الفن ، وإن عن شيء يكون ~~شكلا لذلك وصلته به تكميلا للشرح ، واستيعابا للباب ، وصمدا للغاية ، وأخذا ~~بالحياطة ، وأخذا بالحياطة ، وإن كان المنتهى منه غير مطموع فيه ، ولا ~~موصول إليه ؛ والله المعين . قال شيخنا أبو سليمان : الكلام ينبعث في أول ~~مبادئه إما من عفو البديهة ، وإما من كد الروية ، وإما أن يكون مركبا منهما ~~، وفيه قواهما بالأكثر والأقل ؛ ففضيلة عفو البديهة أنه يكون أصفى ، وفضيلة ~~كد الروية أنه يكون أشفى ، وفضيلة المركب منهما أنه يكون أوفى ؛ وعيب عفو ~~البديهة أن تكون صورة العقل فيه أقل ؛ وعيب كد الروية أن تكون صورة الحس ~~فيه أقل ، وعيب المركب منهما بقدر قسطه منهما : الأغلب والأضعف ؛ على أنه ~~إن خلص هذا المركب من شوائب التكلف ، وشوائن التعسف ، كان بليغا مقبولا ~~رائعا حلوا ، تحتضنه الصدور ، وتختلسه الآذان ، وتنتهبه المجالس ، ويتنافس ~~فيه المنافس بعد المنافس ، والتفاضل الواقع بين البلغاء في النظم والنثر ، ~~إنما هو في هذا المركب الذي يسمى تأليفا ورصفا ؛ وقد يجوز أن تكون صورة ~~العقل في البديهة أوضح ، وأن تكون صورة الحس في الروية الوح إلا أن ذلك من ~~غرائب آثار النفس ونوادر أفعال الطبيعة ، والمدار على العمود ms213 الذي سلف نعته ~~، ورسا أصله . وسمعت أبا عابد الكرخي صالح بن علي يقول : النثر أصل الكلام ~~، والنظم فرعه ؛ PageV01P299 والأصل أشرف من الفرع ، والفرع أنقص من الأصل ~~؛ لكن لكل واحد منهما زائنات وشائنات ، فأما زائنات النثر فهي ظاهرة ، لأن ~~جميع الناس في أول كلامهم يقصدون النثر ، وإنما يتعرضون للنظم في الثاني ~~بداعية عارضة ، وسبب باعث ، وأمر معين . قال : ومن شرفه أيضا أن الكتب ~~القديمة والحديثة النازلة من السماء على ألسنة الرسل بالتأييد الإلهي مع ~~اختلاف اللغات كلها منثورة مبسوطة ، متباينة الأوزان ، متباعدة الأبنية ، ~~مختلفة التصاريف ، لا تناقد للوزن ، ولا تدخل في الأعاريض ؛ هذا أمر لا ~~يجوز أن يقابله ما يدحضه ، أو يعترض عليه بما يحرضه . قال : ومن شرفه أيضا ~~أن الوحدة فيه أظهر ، وأثرها فيه أشهر ، والتكلف منه أبعد ، وهو إلى الصفاء ~~أقرب ، ولا توجد الوحدة غالبة على شيء إلا كان ذلك دليلا على حسن ذلك الشيء ~~وبقائه ، وبهائه ونقائه . قال : ومن فضيلة النثر أيضا كما أنه إلهي بالوحدة ~~، كذلك هو طبيعي بالبدأة ، والبدأة في الطبيعيات وحدة ، كما أن الوحدة في ~~الإلهيات بدأة ، وهذا كلام خطير . قال : ألا ترى أن الإنسان لا ينطق في أول ~~حاله من لدن طفوليته إلى زمان مديد إلا بالمنثور المتبدد ، والميسور ~~المتردد ؛ ولا يلهم إلا ذاك ، ولا يناغى إلا بذاك ؛ ولبس كذلك المنظوم ، ~~لأنه صناعي ؛ ألا ترى أنه داخل في حصار العروض وأسر الوزن وقيد التأليف ، ~~مع توقي الكسر ، واحتمال أصناف الزحاف ، لأنه لما هبطت درجته عن تلك الربوة ~~العالية ، دخلته الآفة من كل ناحية . قال : فإن قيل : إن النظم قد سبق ~~العروض بالذوق ، والذوق طباعي ؛ قيل في الجواب : الذوق وإن كان طباعيا فإنه ~~مخدوم الفكر ، والفكر مفتاح الصنائع البشرية ، كما أن الإلهام مستخدم للفكر ~~، والإلهام مفتاح الأمور الإلهية . قال : ومن شرف النثر أيضا أنه مبرأ من ~~التكلف ، منزه عن الضرورة ، غني عن PageV01P300 الاعتذار والافتقار ، ~~والتقديم والتأخير ، والحذف والتكرير ، وما هو أكثر من هذا مما هو مدون في ~~كتب القوافي والعروض لأربابها الذين استنفدوا غايتهم فيها ms214 . وقال عيسى ~~الوزير : النثر من قبل العقل ، والنظم من قبل الحس ، ولدخول النظم في ظي ~~الحس دخلت إليه الآفة ، وغلبت عليه الضرورة ، واحتيج إلى الإغضاء عما لا ~~يجوز مثله في الأصل الذي هو النثر . وقال ابن طرارة - وكان من فصحاء أهل ~~العصر بالعراق - : النثر كالحرة ، والنظم كالأمة ، والأمة قد تكون أحسن ~~وجها ، وأدمث شمائل ، وأحلى حركات ؛ إلا أنها لا توصف بكرم جوهر الحرة ولا ~~بشرف عرقها وعتق نفسها وفضل حيائها . وقال : ولشرف النثر قال الله تعالى في ~~التنزيل : ' إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا ' ولم يقل : لؤلؤا منظوما ؛ ~~ونجوم السماء منتثرة وإن كان انتثارها على نظام ، إلا أن نظامها في حد ~~العقل ، وانتثارها في حد الحس ، لأن الحكمة إذا غطيت نفسها كانت الغلبة ~~للصورة القائمة بالقدرة . وقال أحمد بن محمد كاتب ركن الدولة : الكلام ~~المنثور أشبه بالوشي ، والمنظوم أشبه بالنير المخطط ، والوشي يروق ما لا ~~يروق غيره . ويقال : كنا في نثار فلان ، ولا يقال : كنا في نظام فلان . ~~وقال ابن هندو الكاتب : إذا نظر في النظم والنثر على استيعاب أحوالهما ~~وشرائطهما ، والاطلاع على هواديهما وتواليهما كان أن المنظوم فيه نثر من ~~وجه ، والمنثور فيه نظم من وجه ، ولولا أنهما يستهمان هذا النعت لما ائتلفا ~~ولا اختلفا . وقال ابن كعب الأنصاري : من شرف النثر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم ينطق إلا به آمرا وناهيا ، ومستخبرا ومخبرا ، وهاديا وواعظا ، ~~وغاضبا وراضيا ، وما سلب النظم إلا لهبوطه عن درجة النثر ، ولا نزه عنه إلا ~~لما فيه من النقص ، ولو تساويا لنطق PageV01P301 بهما ، ولما اختلفا خص ~~بأشرفهما الذي هو أجول في جميع المواضع ، وأجلب لكل ما يطلب من المنافع . ~~فهذا قليل من كثير مما يكون تبصرة لباغي هذا الشأن ، ولمن يتوخى حديثه عند ~~كل إنسان . وأما ما يفضل به النظم على النثر فأشياء سمعناها من هؤلاء ~~العلماء الذين كانت سماء علمهم درورا ، وبحر أدبهم متلاطما ، وروض فضلهم ~~مزدهرا ، وشمس حكمتهم طالعة ، ونار بلاغتهم مشتعلة ، وأنا آتي على ما ~~يحضرني من ذلك ، منسوبا إليهم ms215 ، ومحسوبا لهم ، ليكون حقهم به مقضيا ، ~~وذكرهم على مر الزمان طريا . قال السلامي : من فضائل النظم أن صار لنا ~~صناعة برأسها ، وتكلم الناس في قوافيها ، وتوسعوا في تصاريفها وأعاريضها ، ~~وتصرفوا بحورها ، واطلعوا على عجائب ما استخزن فيها من آثار الطبيعة ~~الشريفة ، وشواهد القدرة الصادقة ؛ وما هكذا النثر ، فإنه قصر عن هذه ~~الذروة الشامخة ، والقلة العالية ؛ فصار بذلك بذلة لكافة الناطقين من ~~الخاصة والعامة والنساء والصبيان . وقال أيضا : من فضائل النظم أنه لا يغني ~~ولا يحدي إلا بجيده ولا يؤهل للحن الطنطنة ، ولا يحلى بالإيقاع الصحيح غيره ~~، لأن الطنطنات والنقرات ، والحركات والسكنات لا تتناسب إلا بعد اشتمال ~~الوزن والنظم عليها ، ولو كان فعل هذا بالنثر كان منقوصا ، كما لو لم يفعل ~~هذا بالنظم لكان محسوسا ؛ والغناء معروف الشرف ، عجيب الأثر ، عزيز القدر ، ~~ظاهر النفع في معاينة الروح ، ومناغاة العقل ، وتنبيه النفس ، واجتلاب ~~الطرب وتفريج الكرب ؛ وإثارة الهزة ، وإعادة العزة ، وإذكار العهد ، وإظهار ~~النجدة ، واكتساب السلوة ؛ وما لا يحصى عدده . ويقال : ما أحسن هذه الرسالة ~~لو كان فيها بيت من الشعر ، ولا يقال : ما أحسن هذا الشعر لو كان فيه شيء ~~من النثر ، لأن صورة المنظوم محفوظة ، وصورة المنثور ضائعة . وقال ابن ~~نباتة : من فضل النظم أن الشواهد لا توجد إلا فيه ، والحجج لا تؤخذ إلا ~~PageV01P302 منه ، أعني ان العلماء والحكماء والفقهاء والنحويين واللغويين ~~يقولون : قال الشاعر ؛ وهذا كثير في الشعر ، والشعر قد أتى به ، فعلى هذا ~~الشاعر هو صاحب الحجة ، والشعر هو الحجة . وقال الخالع : للشعراء حلبة ، ~~وليس للبلغاء حلبة ، وإذا تتبعت جوائز الشعراء التي وصلت إليهم من الخلفاء ~~وولاة العهود والأمراء والولاة في مقاماتهم المؤرخة ، ومجالسهم الفاخرة ، ~~وأنديتهم المشهورة ، وجدتها خارجة عن الحصر ، بعيدة من الإحصاء ؛ وإذا ~~تتبعت هذه الحال لأصحاب النثر لم نجد شيئا من ذلك ؛ والناس يقولون : ما ~~أكمل هذا البليغ لو قرض الشعر ! ولا يقولون : ما أشعر هذا الشاعر لو قدر ~~على النثر ! وهذا لغنى الناظم عن الناثر ، وفقر الناثر إلى الناظم ؛ وقد ~~قدم الناس أبا علي ms216 البصير على أبي العيناء ، لأن أبا علي جمع بين الفضيلتين ~~، وضرب بالسيفين في الحومتين ، وفاز بالقدحين المعليين في المكانين . وقال ~~لنا الأنصاري : سمعت ابن ثوابة الكاتب يقول : لو تصفحنا ما صار إلى أصحاب ~~النثر من كتاب البلاغة ، والخطباء الذين ذبوا عن الدولة ، وتكلموا في صنوف ~~أحداثها وفنون ما جرى الليل والنهار به ؛ مما فتق به الرتق ، ورتق به الفتق ~~، وأصلح به الفاسد ، ولم به الشعث ، وقرب به البعيد ، وبعد به القريب ، ~~وحقق به الحق ، وأبطل به الباطل ، لكان يوفى على كل ما صار إلى جميع من قال ~~الشعر ولاك القصيد ، ولهج بالقريض ، واستماح بالمرحمة ؛ ووقف موقف المظلوم ~~، وانصرف انصراف المحروم ؛ وأين من يفتخر بالقريض ، ويدل بالنظم ، ويباهي ~~بالبديهة ، من وزير الخليفة ، ومن صاحب السر ، وممن ليس بين لسانه ولسان ~~صاحبه واسطة ، ولا بين أذنه وأذنه حجاب ؟ ! ومتى كانت الحاجة إلى الشعراء ~~كالحاجة إلى الوزراء ؟ ! ومتى قام وزير لشاعر للخدمة أو للتكرمة ؟ ! ومتى ~~قعد شاعر لوزير على رجاء وتأميل ؟ ! بل لا ترى شاعرا إلا قائما بين يدي ~~خليفة أو PageV01P303 وزير أو أمير باسط اليد ، ممدود الكف ، يستعطف طالبا ~~، ويسترحم سائلا ؛ هذا مع الذلة والهوان ، والخوف من الخيبة والحرمان ، ~~وخطر الرد عليه في لفظ يمر ، وإعراب يجري ، واستعارة تعرض ، وكناية تعترض ، ~~ثم يكون مقليا مشينا بما يظن به من الهجاء الذي ربما دلاه في حومة الموت ، ~~وقد برأ الله تعالى بإحسانه القديم ومنه الجسيم صاحب البلاغة من هذا كله ، ~~وكفاه مؤونة الغدر به ، والضرر فيه . قال : وكان ابن ثوابة إذا جال في هذه ~~الأكناف لا يلحق شأوه ، ولا يشق غباره ، ولا يطمع في جوابه . قال : وله ~~مناظرات واسعة في هذا الباب مع جماعة من أهل زمانه ناقضوه وعارضوه ، ~~وكاشفوه وواجهوه ؛ فثبت لهم ، وانتصف منهم ، وأربى عليهم ، ولم يقلع عن ~~مسالطتهم ومبالطتهم إلى أن نكصوا على أعقابهم ، وراجعوا ما هو أولى بهم . ~~قال أبو سليمان : المعاني المعقولة بسيطة في بحبوحة النفس ؛ لا يحوم عليها ~~شيء قبل الفكر ، فإذا لقيها الفكر بالذهن الوثيق والفهم ms217 الدقيق القى ذلك ~~إلى العبارة ، والعبارة حينئذ تتركب بين وزن هو النظم للشعر ، وبين وزن هو ~~سياقه الحديث ؛ وكل هذا راجع إلى نسبة صحيحة أو فاسدة ، وصورة حسناء أو ~~قبيحة ، وتأليف مقبول أو ممجوج ، وذوق حلو أو مر وطريق سهل أو وعر ، ~~واقتضاب مفضل أو مردود ، واحتجاج قاطع أو مقطوع ، وبرهان مسفر أو مظلم ، ~~ومتناول بعيد أو قريب ، ومسموع مألوف أو غريب . قال : فإذا كان الأمر في ~~هذه الحال على ما وصفنا فللنثر فضيلته التي لا تنكر ، وللنظم شرفه الذي لا ~~يجحد ولا يستر ، لأن مناقب النثر في مقابلة مناقب النظم ، ومثالب النظم في ~~مقابلة مثالب النثر ؛ والذي لابد منه فيهما السلامة والدقة ، وتجنب العويص ~~، وما يحتاج إلى التأويل والتخليص . PageV01P304 وقد قال بعض العرب : خير ~~الكلام ما لم يحتج معه إلى كلام . ووقف أعرابي على مجلس الأخفش فسمع كلام ~~أهله في النحو وما يدخل معه ، فحار وعجب ، وأطرق ووسوس ، فقال له الأخفش : ~~ما تسمع يا أخا العرب ؟ قال : أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من ~~كلامنا . وقال أعرابي آخر : مازال أخذهم في النحو يعجمني . . . حتى سمعت ~~كلام الزنج والروم وقال أبو سليمان : نحو العرب فطرة ، ونحونا فطنة ؛ فلو ~~كان إلى الكمال سبيل لكانت فطرتهم لنا مع فطنتنا ، أو كانت فطنتنا لهم مع ~~فطرتهم . وقال : لما تميزت الأشياء في الأصول ، تلاقت ببعض التشابه في ~~الفروع ، ولما تباينت الأشياء بالطبائع ، تألفت بالمشاكلة في الصنائع ، ~~فصارت من حيث افترقت مجتمعة ، ومن حيث اجتمعت مفترقة ، لتكون قدرة الله - ~~عز وجل - آتية على كل شيء ، وحكمته موجودة في كل شيء ، ومشيئته نافذة في كل ~~شيء . وقد أنشد بعض الأعراب ما يقتضي هذا المكان رسمه فيه ، لأنه موافق لما ~~نحن فيه في ذكره ووصفه . قال : ماذا لقيت من المستعربين ومن . . . تأسيس ~~نحوهم هذا الذي ابتدعوا إن قلت قافية فيه يكون لها . . . معنى يخالف ما ~~قاسوا وما وضعوا قالوا لحنت وهذا الحرف منخفض . . . وذاك نصب وهذا ليس ~~يرتفع وحرشوا بين عبد الله واجتهدوا . . . وبين زيد وطال ms218 الضرب والوجع إني ~~نشأت بأرض لا تشب بها . . . نار المجوس ولا تبنى بها البيع ولا يطا القرد ~~والخنزير ساحتها . . . لكن بها الهيق والسيدان والصدع PageV01P305 ما كل ~~قولي معروف لكم فخذوا . . . ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا كم بين قوم قد ~~احتالوا لمنطقهم . . . وآخرين على إعرابهم طبعوا وبين قوم رأوا شيئا معاينة ~~. . . وبين قوم رووا بعض الذي سمعوا فهذا هذا . وقال أبو سليمان : البلاغة ~~ضروب : فمنها بلاغة الشعر ومنها بلاغة الخطابة ومنه بلاغة النثر ، ومنها ~~بلاغة المثل ، ومنها بلاغة العقل ، ومنها بلاغة البديهة ، ومنها بلاغة ~~التأويل . قال : فأما بلاغة الشعر فأن يكون نحوه مقبولا ، والمعنى من كل ~~ناحية مكشوفا ، واللفظ من الغريب بريئا ، والكناية لطيفة ، والتصريح ~~احتجاجا ، والمؤاخاة موجودة ، والمواءمة ظاهرة . وأما بلاغة الخطابة فأن ~~يكون اللفظ قريبا ، والإشارة فيها غالبة ، والسجع عليها مستوليا ، والوهم ~~في أضعافها سابحا ، وتكون فقرها قصارا ، ويكون ركابها شوارد إبل . وأما ~~بلاغة النثر فأن يكون اللفظ متناولا ، والمعنى مشهورا ، والتهذيب مستعملا ، ~~والتأليف سهلا ، والمراد سليما ، والرونق عاليا ، والحواشي رقيقة ، ~~والصفائح مصقولة ، والأمثلة خفيفة المأخذ ، والهوادي متصلة ، والأعجاز ~~مفصلة . وأما بلاغة المثل فأن يكون اللفظ مقتضبا ، والحذف محتملا ، والصورة ~~محفوظة ، PageV01P306 والمرمى لطيفا ، والتلويح كافيا ، والإشارة مغنية ، ~~والعبارة سائرة . وأما بلاغة العقل فأن يكون نصيب المفهوم من الكلام أسبق ~~إلى النفس من مسموعه إلى الأذن ، وتكون الفائدة من طريق المعنى أبلغ من ~~ترصيع اللفظ ، وتقفية الحروف ، وتكون البساطة فيه أغلب من التركيب ، ويكون ~~المقصود ملحوظا في عرض السنن ، والمرمي يتلقى بالوهم لحسن الترتيب . وأما ~~بلاغة البديهة فأن يكون انحياش اللفظ للفظ في وزن انحياش المعنى للمعنى ، ~~وهناك يقع التعجب للسامع ، لأنه يهجم بفهمه على ما لا يظن أنه يظفر به كمن ~~يعثر بمأموله ، على غفلة من تأميله ، والبديهة قدرة روحانية ، في جبلة ~~بشرية ، كما أن الروية صورة بشرية ، في جبلة روحانية . وأما بلاغة التأويل ~~فهي التي تحوج لغموضها إلى التدبر والتصفح ، وهذان يفيدان من المسموع وجوها ~~مختلفة كثيرة نافعة ، وبهذه البلاغة يتسع في أسرار معاني الدين والدنيا ، ~~وهي ms219 التي تأولها العلماء بالاستنباط من كلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى ~~الله عليه وسلم في الحرام والحلال ، والحظر والإباحة ، والأمر والنهي ، ~~وغير ذلك مما يكثر ؛ وبها تفاضلوا ، وعليها تجادلوا ، وفيها تنافسوا ، ~~ومنها استملوا ، وبها اشتغلوا ؛ ولقد فقدت هذه البلاغة لفقد الروح كله ، ~~وبطل الاستنباط أوله وآخره ، وجولان النفس واعتصار الفكر إنما يكونان بهذا ~~النمط في أعماق هذا الفن ؛ وها هنا تنثال الفوائد ، وتكثر العجائب ، ~~وتتلاقح الخواطر ، وتتلاحق الهمم ، ومن أجلها يستعان بقوى البلاغات ~~المتقدمة بالصفات الممثلة ، حتى تكون معينة ورافدة في إثارة المعنى المدفون ~~، وإنارة المراد المخزون . PageV01P307 وأمثلة هذه الأبواب موجودة في الكتب ~~، ولولا ذلك لرسمت في هذا المكان لكل فن مثالا وشكلت شكلا ، ولو فعلت ذلك ~~لكنت مكررا لما قد سبق إليه ، ومتكلفا ما قد لقن من قبل على أن الزهد في ~~هذا الشأن قد وضع عنا وعن غيرنا مؤونة الخوض فيه ، والتعني به ، والتوفر ~~عليه ، وتقديمه على ما هو أهم منه ، أعني طلب القوت الذي ليس إليه سبيل إلا ~~ببيع الدين ، وإخلاق المروءة ، وإراقة ماء الوجه ، وكد البدن ، وتجرع الأسى ~~، ومقاساة الحرقة ، ومض الحرمان ، والصبر على ألوان وألوان ؛ والله ~~المستعان . وقد كان هذا الباب يتنافس فيه أوان كان للخلافة بهجة ، وللنيابة ~~عنها بهاء ، وللديانة معتقد ، وللمروءة عاشق ، وللخير منتهز ، وللصدق مؤثر ~~، وللأدب شراة ، وللبيان سوق ، وللصواب طالب ، وفي العلم راغب ؛ فأما اليوم ~~واليد عنه مقبوضة ، والذيل دونه مشمر ، والمتحلي بجماله مطرود ، والمباهي ~~بشرفه مبعد ، فما يصنع به ، ولله أمر هو بالغه . وقال ابن دأب : قال لي ابن ~~موسى : اجتمعنا عند عبد الملك بن مروان فقال : أي الآداب أغلب على الناس ؟ ~~فقلنا فأكثرنا في كل نوع ؛ فقال عبد الملك : ما الناس إلى شيء أحوج منهم ~~إلى إقامة ألسنتهم التي بها يتعاورون القول ، ويتعاطون البيان ، ويتهادون ~~الحكم ، ويستخرجون غوامض العلم من مخابئها ؛ ويجمعون ما تفرق منها ؛ إن ~~الكلام فارق للحكم بين الخصوم ، وضياء يجلو ظلم الأغاليط ، وحاجة الناس ~~إليه كحاجتهم إلى مواد الأغذية . PageV01P308 وقد قال زهير : لسان الفتى ~~نصف ms220 ونصف فؤاده . . . فلم يبق إلا صورة اللحم والدم فقلنا : لم يقله زهير ، ~~إنما قاله زياد الأعجم ؛ فقال : لا ، قاله من هو أعظم تجربة وأنطق لسانا ~~منه . وقال أبو العيناء : سمعت العباس بن الحسن العلوي يصف كلام رجل فقال : ~~كلامه سمح سهل ، كأن بينه وبين القلوب نسب ، وبينه وبين الحياة سبب ؛ كأنما ~~هو تحفة قادم ، ودواء مريض ، وواسطة قلادة . ورأيت أبا إسحاق الصابي وهو ~~يعجب من فصل قرأه من كتاب ورد عليه ، وهو : أشعر قلبك يأس مجاوز السبيل ، ~~مقصر عن الشوط . وقال ابن ذكوان : سمعت إبراهيم بن العباس الصولي يقول : ما ~~سمعت كلاما محدثا أجزل في رقة ، ولا أصعب في سهولة ، ولا أبلغ في إيجاز ، ~~من قول العباس بن الأحنف : تعالي نجدد دارس العهد بيننا . . . كلانا على ~~طول الجفاء ملوم أناسية ما كان بيني وبينها . . . وقاطعة حبل الصفاء ظلوم ~~وفي الجملة ، أحسن الكلام ما رق لفظه ، ولطف معناه ، وتلألأ رونقه ، وقامت ~~صورته بين نظم كأنه نثر ، ونثر كأنه نظم ، يطمع مشهوده بالسمع ، ويمتنع ~~مقصوده على الطبع ؛ حتى إذا رامه مريغ حلق ، وإذا حلق أسف ، أعني يبعد على ~~المحاول بعنف ، ويقرب من المتناول بلطف . PageV01P309 وما رأيت أحدا تناهى ~~في وصف النثر بجميع ما فيه وعليه غير قدامة ابن جعفر في المنزلة الثالثة من ~~كتابه ؛ قال لنا علي بن عيسى الوزير : عرض على قدامة كتابه سنة عشرين ~~وثلثمائة ؛ واختبرته فوجدته قد بالغ وأحسن ، وتفرد في وصف فنون البلاغة في ~~المنزلة الثالثة بما لم يشركه فيه أحد من طريق اللفظ والمعنى ، مما يدل على ~~المختار المجتبى والمعيب المجتنب . ولقد شاكه فيه الخليل بن أحمد في وضع ~~العروض ؛ ولكني وجدته هجين اللفظ ، ركيك البلاغة في وصف البلاغة ، حتى كأن ~~ما يصفه ليس ما يعرفه ، وكأن ما يدل به غير ما يدل عليه . والعرب تقول : ~~فلان يدل ولا يدل ، حكاه ابن الأعرابي ، وهذا لا يكون إلا من غزارة العلم ، ~~وحسن التصور ، وتوارد المعنى ، ونقد الطبع ، وتصرف القريحة . قال : ولولا ~~أن الأمر على ما ذكرت لكان ذلك ms221 الطريق الذي سلكه ، والفن الذي ملكه ، ~~والكنز الذي هجم عليه ، والنمط الذي ظفر به ؛ قد برز في أحسن معرض ، وتحلى ~~بألطف كلام ، وماس في أطول ذيل ، وسفر عن أحسن وجه ، وطلع من أقرب نفق ، ~~وحلق في أبعد أفق . وابن المراغي يقول كثيرا - وهو شيخ من جلة العلماء ، ~~وله سهم واف في زمرة البلغاء - : ما أحسن معونة الكلمات القصار ، المشتملة ~~على الحكم الكبار ، لمن كانت بلاغته في صناعته بالقلم واللسان ، فإنها ~~توافيه عند الحاجة ، وتستصحب أخواتها على سهولة ؛ وهكذا مصاريع أبيات الشعر ~~؛ فإنها تختلط بالنثر متقطعة وموزونة ، ومنتثرة ومنضودة . قال لي ابن عبيد ~~الكاتب : بلغني هذا الوصف عن هذا الشيخ ؛ فبلوته بالتتبع فوجدته على ما قال ~~؛ وما أشبه ما ذكره إلا بالصرة المعدة عند الإنسان ، لما يحتاج إليه في ~~الوقت المهم والأمر الملم ؛ فهذا هذا . PageV01P310 فقال - أدام الله دولته ~~، وكبت أعداءه - : قدم هذا الباب فقد أتى على ما لم أظن أنه يؤتى عليه ~~ويهتدى إليه - إذا شئت ؛ وانصرفت . # | الليلة السادسة والعشرون # ثم قال : وما أمثلة الكلمات القصار التي أومأ إليها ذلك الشيخ ؟ فكان من ~~الجواب : إن هذا الباب واسع ، نحو قول القائل : ما خاب من استخار ، ولا ندم ~~من استشار . كل عزيز دخل تحت القدرة فهو ذليل . غنم من أدبته الحكمة ، ~~وأحكمته التجربة . التضاغن رائد التباين . المرء ما عاش في تجريب . الدهر ~~يوم ويوم . . . والعيش عذل ولوم وأكثر أسباب النجاح مع الياس من لم يقدمه ~~حزم أخره عجز . كم مستدرج بالإحسان إليه ، ومغتر باليسر عليه . الحرب متلفة ~~العباد مذهبة للطارف والتلاد . ليس المقل عن الزمان براضي من ضاق صدره اتسع ~~لسانه . وحسبك داء أن تصح وتسلما العيال سوس المال . الموت الفادح خير من ~~الزي الفاضح . احذروا نفاد النعم ، فما كل شارد مردود . خير الأمور أوساطها ~~. يكفيك من شر سماعه . الكريم لا يلين على قسر ، ولا يقتسر على يسر . ما ~~أدرك النمام ثأرا ، ولا محا عارا . PageV01P311 ومن يبك حولا كاملا فقد ~~اعتذر إن المطامع فقر والغنى الياس والأمر تحقره وقد ينمى رب ms222 كبير هاجه ~~صغير ذهب القضاء بحيلة الأقوام وقد يستجهل الرجل الحليم وإذا مضى شيء كأن ~~لم يفعل من عرف بالحكمة لاحظته العيون بالهيبة . البطنة تذهب الفطنة ، إن ~~المقدرة تذهب الحفيظة . من ثقل على صديقه خف على عدوه . زيادة لسان على عقل ~~خدعة ، وزيادة عقل على منطق هجنة . وحاجة من عاش لا تنقضي من أطاع هواه ، ~~أعطى عدوه مناه . عند الشدائد تذهب الأحقاد احذر صرعات البغي وفلتات المزاح ~~. ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه المرء يعجز لا المحالة ذل الطالب بقدر حاجته ~~، إذا ازدحم الجواب خفي الصواب . الكريم للكريم مجل . موت في قوة وعز خير ~~من حياة في ذل وعجز . عدل السلطان خير من خصب الزمان . من توقى سلم ، ومن ~~تهور ندم ، من أسرع إلى الناس بما يكرهون ، قالوا فيه ما لا يعلمون . الضر ~~خير من الفاقة ، عي صامت خير من عي ناطق . ربما سود المال غير السيد ، وقوي ~~غير الأيد . وهل يدفع ريب المنية الحيل . PageV01P312 | الموت حتم في رقاب ~~العباد كفى بالإقرار بالذنب عذرا ، وبرجاء العفو شافعا . قليل يوعى ، خير ~~من كثير ينسى ، ليس على طول الخدم ندم ، ومن وراء المرء ما لم يعلم . ~~مروءتان ظاهرتان : الرآسة والفصاحة . من أطال الأمل أساء العمل . لا تكلف ~~ما كفيت ، ولا تضيع ما وليت . احتمل من أدل عليك ، وأقبل ممن اعتذر إليك . ~~إن الشجاعة مقرون بها العطب إن الكرام على ما نابهم صبر لو سكت من لا يعلم ~~سقط الاختلاف . لا عذر في غدر . ليس من العدل سرعة العذل . أقبح عمل ~~المقتدرين الانتقام . شر من الموت ، ما يتمنى له الموت . من جاع جشع . ~~المكيدة في الحرب أبلغ من النجدة . لك من دنياك ، ما أصلح مثواك . من أحب ~~أن يطاع ، لا يسأل ما لا يستطاع ، إذا غلبتك نفسك بما تظن ، فاغلبها بما ~~تستيقن . الرد الجميل أحسن من المطل الطويل . القبر خير من الفقر . شفيع ~~المذنب إقراره ، وتوبته اعتذاره . صحبة الأشرار ، تورث سوء الظن بالأخيار ، ~~لا كثير مع تبذير ، ولا قليل مع تقدير . من صان لسانه ms223 نجا من الشر كله . ~~ولربما نفع الفتى كذبه فمن يعدل إذا ظلم الأمير إذا فزع الفؤاد فلا رقاد ما ~~العلم إلا ما وعاه الصدر إن الكريم على الإخوان ذو المال إن الفرار لا يزيد ~~في الأجل PageV01P313 إن الشفيق بسوء ظن مولع لا تبل على أكمة ، ولا تفش ~~سرك إلى أمة . إذا أقبلت الدنيا على المرء أعارته محاسن غيره ، وإذا أدبرت ~~عنه سلبته محاسن نفسه . في التجارب علم مستأنف . قد خاطر من استغنى برأيه . ~~عليك لأخيك مثل الذي عليه لك . الحق ظل ظليل . المودة قرابة مستفادة . معدم ~~وصول خير من مكثر جاف . من الفراغ تكون الصبوة . من نال استطال . في تقلب ~~الأحوال علم جواهر الرجال . الشكر عصمة من النقمة . اللب مصباح العلم . من ~~ركب العجلة ، لم يأمن الكبوة . إزالة الرواسي ، أيسر من تأليف القلوب . ~~قارب الناس في عقولهم ، تسلم من غوائلهم ، وترتع في حدائقهم . عاشر أخاك ~~بالحسنى . الحسد أهلك الجسد . خذ على خلائقك ميثاق الصبر . خير ما رمت ما ~~ينال . كل امرىء في شأنه ساعي قد يدرك المتأني بعض حاجته . . . وقد يكون مع ~~المستعجل الزلل غم الفقير لا يكشفه إلا الموت . خفة الظهر أحد اليسارين . ~~أصول الأسقام من فضول الطعام . طلاق الدنيا مهر الجنة . من عز النفس إيثار ~~القناعة . التواضع بالغنى أجمل ، والكبر بالفقير أسمج . من استعان بغير ~~الله لم يزل مخذولا . من لم يقبل من الدهر ما آتاه طال عتبه على الدهر . ~~عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله . العجز والتواني ينتجان الفاقة . إن صبرت ~~صبر الأحرار ، وإلا سلوت سلو الأغمار . العلم بالعمل ينمو . معاشرة الإخوان ~~تجلو البصر ، وتطرد الفكر . لا توحشك الغربة ما أنست بالكفاية ، فإن الفقر ~~أوحش من الغربة . الغنى أنس في غير الوطن . الغني في الغربة موصول ، ~~والفقير في الأهل مصروم . أوحش قرينك إذا كان في إيحاشه أنسك . إذا أيسرت ~~فكل أهل أهلك ، وإن أعسرت فأنت غريب في قومك . من أخلاق الصبيان ، إلف ~~الأوطان ، والحنين إلى الإخوان . من لم يأنف ، لم يشرف . خير المودة ما لم ~~تكن حذار ms224 عادية ، ولا رجاء فائدة . من حمل الأمور على القضاء استراح في ~~الإقبال والإدبار حتى ينتهيا . لو استحسن الناس ما أمر به العقل استقبحوا ~~ما نهى عنه العقل . أقدر الناس على الجواب من لا يغضب . الكلام في وقت ~~السكوت عي ، والسكوت في وقت الكلام خرس . الهم يهدم البدن ، وينغص العيش ، ~~PageV01P314 ويقرب الأجل . الموت رقيب غير غافل . المرء نهب الحوادث . إذا ~~تم العقل نقص الكلام . هب ما أنكرت لما عرفت ، واغفر ما أغضبك لما أرضاك . ~~اليأس إحدى الراحتين . المطل أحد العذابين . الكظم مر ، ولا يتجرعه إلا حر ~~. الرأي لا يصلح إلا بالشركة ، والملك لا يصلح إلا بالتفرد . من كبر عنصره ~~، حسن محضره . ولرب مطمعة تعود رياحا والحمد لا يشترى إلا بأثمان ولكن نكء ~~القرح بالقرح أوجع من أزهر بقول ، حقيق أن يثمر بفعل . السلام أرخى للبال ، ~~وأبقى لنفوس الرجال . حسبك من عقلك ما أوضح غيك من رشدك . التسويف بطاعة ~~الله اغترار ، وحياة المرء كالشيء المعار . من بذل بعض عنايته لك ، فاجعل ~~جميع شكرك له . وللحر من مال الكريم نصيب اليوم فعل ، وغدا ثواب . الخير ~~مختار شهي المطلب . . . والشر محذور كريه مجتنب رب سكوت من كلام أبلغ . . . ~~ورب قول من عمود أدمغ من سلم الناس على لسانه . . . أصبح منصورا على سلطانه ~~من القليل يجمع الكثير . . . رب صغير قدره كبير من باع ما يفنى بما يبقى ~~غنم . . . وآثر الدنيا على الأخرى ندم قد يحرم الراجي ويعطى القانط . . . ~~ويبعد الأدنى ويدنى الشاحط PageV01P315 من لم ينلك البر في حياته . . . لم ~~تبك عيناك على وفاته المال ما تنفق لا ما تجمعه . . . والزرع ما تحصد لا ما ~~تزرعه يا رب هزل كان منه الجد . . . ورب مزح كان منه الحقد البحر مستغن عن ~~الفرات فقال - أدام الله أيامه - هذا فن موف على الغاية . # | الليلة السابعة العشرون # وقال - أدام الله أيامه - في ليلة أخرى : كنت أحب أن أسمع كلاما في كنه ~~الاتفاق وحقيقته ، فإنه مما يحار العقل فيه ، ويزل حزم الحازم معه ، وأحب ~~أيضا أن أسمع حديثا غريبا فيه ؛ فكان ms225 من الجواب : إن الرواية في هذا الباب ~~أكثر وأفشى من الاطلاع على سره ، والظفر بمكنونه ؛ فقال : هات ما يتعلق ~~بالرواية . قلت : حكى لنا أبو سليمان في هذه الأيام أن ثيودسيوس ملك يونان ~~كتب إلى كنتس الشاعر أن يزوده بما عنده من كتب فلسفية ؛ فجمع ماله في عيبة ~~ضخمة ، وارتحل قاصدا نحوه ، فلقي في تلك البادية قوما من قطاع الطريق ، ~~فطمعوا في ماله وهموا بقتله ، فناشدهم الله ألا يقتلوه وأن يأخذوا ماله ~~ويخلوه ، فأبوا ، فتحير ونظر يمينا وشمالا يلتمس معينا وناصرا فلم يجد ، ~~فرفع رأسه إلى السماء ، ومد طرفه في الهواء ، فرأى كراكي تطير في الجو ~~محلقة ، فصاح : أيتها الكراكي الطائرة ، قد أعجزني المعين والناصر ، فكوني ~~الطالبة بدمي ؛ والآخذة بثأري . فضحك اللصوص ، وقال بعضهم لبعض : هذا أنقص ~~الناس عقلا ، ومن لا عقل له لا جناح في قتله ؛ ثم قتلوه وأخذوا ماله ~~واقتسموه وعادوا إلى أماكنهم ؛ فلما اتصل الحديث بأهل مدينته حزنوا وأعظموا ~~ذلك ، وتبعوا أثر قاتله واجتهدوا فلم يغنوا شيئا ولم يقفوا على شيء ؛ وحضر ~~اليونانيون وأهل مدينته إلى هيكلهم لقراءة التسابيح والمذاكرة بالحكمة ~~والعظة ، وحضر PageV01P316 الناس من كل قطر وأوب ، وجاء القتلة واختلطوا ~~بالجمع ، وجلسوا عند بعض أساطين الهيكل ، فهم على ذلك إذ مرت بهم كراكي ~~تتناغى وتصيح ، فرفع اللصوص أعينهم ووجوههم إلى الهواء ينظرون ما فيه فإذا ~~كراكي تصيح وتطير ، وتسد الجو ؛ فتضاحكوا ، وقال بعضهم لبعض : هؤلاء طالبو ~~دم كنتس الجاهل - على طريق الاستهزاء - فسمع كلامهم بعض من كان قريبا منهم ~~فأخبر السلطان فأخذهم وشدد عليهم ، وطالبهم فأقروا بقتله ، فقتلهم ؛ فكانت ~~الكراكي المطالبة بدمه ، لو كانوا يعقلون أن الطالب لهم بالمرصاد . وقال ~~لنا أبو سليمان : إن كنتس وإن كان خاطب الكراكي فإنه أشار به إلى رب ~~الكراكي وخالقها ، ولم يطل الله دمه ولا سد عنه باب إجابته ؛ فسبحانه كيف ~~يهيىء الأسباب ، ويفتح الأبواب ، ويرفع الحجاب بعد الحجاب . فقال : هذا عجب ~~: قلت : قال لنا أبو سليمان : كل ما جهل سببه من ناحية الحس بالعادة ، ومن ~~ناحية الطبيعة بالإمكان ، ومن ناحية ms226 النفس بالتهيئة ، ومن ناحية العقل ~~بالتجويز ، ومن ناحية الإله بالتوفيق - فهو معجوب منه ، معجوز عنه ، مسلم ~~لمن له القدرة المحيطة ، والمشيئة النافذة ، والحكمة البالغة ، والإحسان ~~السابق . ولقد حكى أبو الحسن الفرضي في أمر الاتفاق شيئا ظريفا عن بعض ~~إخوانه قال : خرجنا إلى بعض المتنزهات ومعنا جر نصيد به السماني ، وكنا ~~جماعة ، فقال حدث كان معنا - وكان أصغرنا سنا - : أنتم تصديون بجر ، وأنا ~~أصيد بيدي ؛ يقول ذلك على جهة المزح ؛ فرمى بعد قليل فاتفق له أن أثار ~~سماني ، فأسرع إليه ونحن لا نعلم أنه أخذ شيئا ، فقلنا له على طريق العبث : ~~احذر الخنزير - من غير أن نكون رأينا خنزيرا - فالتفت فزعا وفر موليا ، ~~فاتفق له أن رأى خنزيرا منه غير بعيد ، فأقبل إلينا مسرعا هاربا من الخنزير ~~والسماني بيده وقد صاده . وكنت في البادية في صفر سنة أربع وخمسين منصرفا ~~من الحج ومعي جماعة من الصوفية ، PageV01P317 فلحقنا جهد من عوز القوت ~~وتعذر ما يمسك الروح في حديث طويل - إلا أنا وصلنا من زبالة - بالحيلة ~~اللطيفة منا ، والصنع الجميل من الله تعالى - إلى شيء من الدقيق ؛ فانتشعت ~~أنفسنا به ، وغنمناه ، ورأيناه نفحة من نفحات الله تعالى الكريم ؛ فجعلناه ~~زادنا ، وسرنا ؛ فلما بلغنا المنزل قعدنا لنمارس ذلك الدقيق ، ولقطنا البعر ~~ودقاق الحطب ، فلما أجمعنا على العجن والملك لم نجد الحراق - وكان عندنا ~~أنه معنا ، وأننا قد استظهرناه - فدخلتنا حيرة شديدة ، وركبنا غم غالب ، ~~وسففنا من ذلك الدقيق شيئا ، فما ساغ ولا قبلته الطبيعة ، وبتنا ليلتنا ~~طاوين ساهرين ، قد علانا الكمد ، وملكنا الوجوم والأسف ؛ فقال بعضنا : هذا ~~لما وجدنا الدقيق ؟ ! وأصبحنا وركبنا قد استرخت ، وعيوننا قد غارت ، وأحدنا ~~لا يحدث صاحبه غما وكربا ؛ وعدنا إلى ما كنا فيه قبل بزيادة حسرة من النظر ~~إلى الدقيق ؛ وقال صاحب لنا : نرمى بجراب الدقيق حتى نلقي حمله وثقله في ~~طول هذا الطريق ؛ فقلنا : ليس هذا بصواب ، وما يضرنا أن يكون معنا ، فلعلنا ~~أن نرى ركبا أو نلقى حطبا . وكانت البادية خالية في ذلك الوقت ، لرعب لحق ~~قوما ms227 من بني كلاب من جهة أعدائهم ، فلم يكن يجتاز بها في ذلك الوقت غريب . ~~وبقينا كذلك إلى اليوم الثالث ، ونحن نلاحق ونجاهد في المشي ؛ فلما كان ~~العصر من ذلك اليوم كنت أسير أمام القوم أجرئهم وأسألهم ، وكنت كالحاطب لهم ~~: إذا عثرنا بحراق وظفرنا بفتيلة ؛ فوجدوا خرقة ملفوفة فيها حراق ، فهللوا ~~وكبروا ، ورفعوا أصواتهم ؛ PageV01P318 فقلت كالمتعجب : ما الخبر ؟ قالوا : ~~البشرى ؛ قلت : وما ذاك ؟ قالوا : هذه خرقة ملئت حراقا ، فلا تسل عما دهانا ~~من الفرح والاستبشار ؛ وثاب إلينا من السرور والارتياح ، وزال عنا من ~~الانخزال والانكسار ، وقعدنا في مكاننا ذلك ، ولقطنا البعر ، وأثرنا الوقود ~~، وأججنا نارا عظيمة ، وملكنا الدقيق كله ملكة واحدة وكان أربعين رطلا ، ~~وكان ذلك بلاغنا إلى القادسية ؛ فلما دنونا منها تلقانا بشر من أهلها ، ~~وقالوا لنا : كيف سلمتم في هذه الطريق مع العوز والخوف ؟ فقلنا : لطف الله ~~يقرب كل بعيد ، ويسهل كل شديد ، ويصنع للضعيف حتى يتعجب القوي . وليس أحد ~~من خلق الله يجحد هذا القول ، وينكر هذا الفضل ، ويرجع إلى دين وثيق أو واه ~~' إن الله لذو فضل على الناس ' . وحدثني أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني ~~القاضي صاحب المذهب قال : اصطحب رجلان في بعض الطرق مسافرين : مجوسي من أهل ~~الري ، والآخر يهودي من أرض جى ؛ وكان المجوسي راكبا بغلة له عليها سفرة من ~~الزاد والنفقة وغير ذلك ، وهو يسير مرفها وادعا ، واليهودي يمشي بلا زاد ~~ولا نفقة ؛ فبينا هما يتحادثان إذ قال المجوسي لليهودي : ما مذهبك وعقيدتك ~~يا فلان ؟ قال اليهودي : أعتقد أن في هذه السماء إلها هو إله بني إسرائيل ، ~~وأنا أعبده وأقدسه وأضرع إليه ، وأطلب فضل ما عنده من الرزق الواسع والعمر ~~الطويل ، مع صحة البدن ، والسلامة من كل آفة ، والنصرة على عدوي ، وأسأله ~~الخير لنفسي ولمن يوافقني في ديني ومذهبي ، فلا أعبأ بمن يخالفني ، بل ~~أعتقد أن من يخالفني دمه لي يحل ، وحرام علي نصرته ونصيحته والرحمة به . ثم ~~قال للمجوسي : قد أخبرتك بمذهبي وعقيدتي وما اشتمل عليه ضميري ، فخبرني أنت ~~أيضا عن شأنك ms228 وعقيدتك وما تدين به ربك ؟ فقال المجوسي : أما عقيدتي ورأيي ~~فهو أني أريد الخير لنفسي وأبناء جنسي ، ولا أريد لأحد من عباد الله سوءا ، ~~ولا أتمنى له ضرا ، لا لموافقي ، ولا لمخالفي . فقال اليهودي : وإن ظلمك ~~وتعدى عليك ؟ PageV01P319 قال : نعم ، لأني أعلم أن في هذه السماء إلها ~~خبيرا عالما حكيما لا تخفى عليه خافية من شيء ، وهو يجزي المحسن بإحسانه ، ~~والمسيء بإساءته . فقال اليهودي : يا فلان ، لست أراك تنصر مذهبك وتحقق ~~رأيك . قال المجوسي : كيف ذاك ؟ قال : لأني من أبناء جنسك ، وبشر مثلك ، ~~وتراني أمشي جائعا نصبا مجهودا ، وأنت راكب وادع مرفه شبعان . فقال : صدقت ~~، وماذا تبغي ؟ قال : أطعمني من زادك ، واحملني ساعة ، فقد كللت وضعفت . ~~قال : نعم وكرامة . فنزل ومد من سفرته وأطعمه وأشبعه ، ثم أركبه ، ومشى ~~ساعة يحدثه ؛ فلما ملك اليهودي البغلة وعلم أن المجوسي قد أعيا ، حرك ~~البغلة وسبقه ، وجعل المجوسي يمشي ولا يلحقه ، فناداه : يا فلان ، قف لي ~~وانزل ، فقد انحسرت وانبهرت . فقال اليهودي : ألم أخبرك عن مذهبي وخبرتني ~~عن مذهبك ، ونصرته وحققته ؟ فأنا أريد أيضا أن أحقق مذهبي ، وأنصر رأيي ~~واعتقادي . وجعل يحرك البغلة ، والمجوسي يقفوه على ظلع وينادي : قف يا هذا ~~واحملني ، ولا تتركني في هذا الموضع فيأكلني السبع وأموت ضياعا ، وارحمني ~~كما رحمتك . واليهودي لا يلوي على ندائه واستغاثته ، حتى غاب عن بصره ؛ ~~فلما يئس المجوسي منه وأشفى على الهلكة ، ذكر اعتقاده وما وصف به ربه ، ~~فرفع طرفه إلى السماء وقال : إلهي قد علمت أني اعتقدت مذهبا ونصرته ، ~~ووصفتك بما أنت أهله ، وقد سمعت وعلمت ، فحقق عند هذا الباغي علي ما مجدتك ~~به ، ليعلم حقيقة ما قلت . فما مشى المجوسي إلا قليلا حتى رأى اليهودي وقد ~~رمت به البغلة ، واندقت عنقه ، وهي واقفة ناحية منه تنتظر صاحبها ؛ فلما ~~أدرك المجوسي بغلته ركبها ومضى لسبيله ، وترك اليهودي معالجا لكرب الموت ؛ ~~فناداه اليهودي : يا فلان ، ارحمني واحملني ولا تتركني في هذه البرية أهلك ~~جوعا وعطشا ، وانصر مذهبك ، وحقق اعتقادك . قال المجوسي : قد فعلت ذلك ~~مرتين ms229 ، ولكنك لم تفهم ما قلت لك ولم تعقل ما وصفت . فقال اليهودي : وكيف ~~ذلك ؟ قال : لأني وصفت لك مذهبي فلم تصدقني في قولي ، حتى حققته بفعلي ، ~~وذاك أني قلت : إن في هذه السماء إلها خبيرا عادلا لا يخفي عليه شيء ، وهو ~~ولي جزاء المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته . PageV01P320 قال اليهودي : قد ~~فهمت ما قلت ، وعلمت ما وصفت . قال المجوسي : فما الذي منعك من أن تتعظ بما ~~سمعت ؟ قال اليهودي : اعتقاد نشأت عليه ، ومذهب تربيت به ، وصار مألوفا ~~معتادا كالجبلة بطول الدأب فيه ، واستعمال أبنيته ، اقتداء بالآباء ~~والأجداد والمعلمين من أهل ديني ومن أهل مذهبي ، وقد صار ذلك كالأس الثابت ~~، والأصل النابت ؛ ويصعب ما هذا وصفه أن يترك ويرفض ويزال . فرحمه المجوسي ~~، وحمله معه حتى وافى المدينة ، وسلمه إلى أوليائه محطما موجعا ، وحدث ~~الناس بحديثه وقصته ، فكانوا يتعجبون من شأنهما زمانا طويلا . وقال بعض ~~الناس للمجوسي بعد : كيف رحمته بعد خيانته لك ، وبعد إحسانك إليه ؟ قال ~~المجوسي : اعتذر بحاله التي نشأ فيها ، ودأب عمره في اعتقادها ، وسعى لها ~~واعتادها ؛ وعلمت أن هذا شديد الزوال عنه ، وصدقته ورحمته ، وهذا مني شكر ~~على صنع الله بي حين دعوته عندما ذهاني منه ، وبالرحمة الأولى أعانني ربي ، ~~وبالرحمة الثانية شكرته على ما صنع بي . هذا كله سردناه لسبب الأمر الذي ~~يبدو من غير جنان ، والعارض الذي يبرز من غير توهم . وأبو سليمان يقول : ~~الأمور مقسومة على الحدود الطبيعية والقوى النفسية والبسائط العقلية ~~والغرائب الإلهية ؛ فبالواجب ، ما كان ها هنا مألوف له نسبة إلى الطبيعة ، ~~ونادر له نسبة إلى النفس ، وبديع له نسبة إلى العقل ، وغريب له نسبة إلى ~~الإله ؛ والفلتات في الأحوال من هذا القبيل ، أعني ما يتخلل هذه المراتب . ~~فقال له البخاري : أيقال لما يصدر عن الإله فلتة ؟ قال : بحسب مصيره إلينا ~~، ووصوله إلى عالمنا ، لا بحسب صدوره عن الباري ، فليس هناك هذا ولا ما ~~يشبهه ، لأن هذه السمات لحقت المركبات ، من الأوائل المزدوجات ، والثواني ~~المكررات ، والثوالث المحققات ، والروابع المتممات ، والخوامس المدبرات ، ~~والسوادس المضاعفات ، والسوابع ms230 الظاهرات ، والثوامن المعقبات ، والتواسع ~~العاليات ، والعواشر الكاملات ؛ وما بعد العواشر داخل في المكررات . ~~PageV01P321 قال له البخاري مستزيدا : أكان التوفيق من الاتفاق ؟ فقال : ~~هما يتوحدان من وجه ، ويفترقان من وجه ؛ فوجه توحدهما أن الاتفاق وليد ~~التوفيق ، والتوفيق غاية الاتفاق ؛ ووجه افتراقهما أن الاتفاق يبرز إلى ~~الحس ، وأصحابه يشتركون في التعجب منه ، والاستطراف له ؛ والتوفيق يستتر عن ~~الحس ؛ ولهذا لا تسلك مساكله . وأما الوفاق والموافقة والتوفيق والاتفاق ~~فمتلابسة المعاني ؛ ولما لم يكن بين المعنى والمعنى مسافة محصلة حسب هذا في ~~حيز هذا ، وعد هذا في جملة هذا . وقال - أبقاه الله وأدام أيامه - : ما ~~اليمن والبركة ؟ والفأل والطيرة وأضدادها ؟ فكان الجواب : إن اليمن عبارة ~~عن شر يبشر به ويبتغي ويراد ؛ ويقال : فلان ميمون الناصية ، وميسور الناصية ~~؛ أي هو سبب ظاهر في نيل مأمول وإدراك محبوب ؛ واشتقاقه من اليمين ، وهو ~~القوة ؛ ولذلك يقال لليسار : شمال ، لأنها أضعف منها ، وتسمى أيضا : الشومي ~~. ويقال : يمن فلان عليهم ، وشؤم ، وهو ميمون ومشؤم ؛ جعل الفعل على طريق ~~ما لم يسم فاعله ، لأنه شيء موصول به من غير إرادته واختياره . وإنما نزعوا ~~إلى قولهم : فلان مشؤم ليكون الفعل واقعا به - أعني المكروه - وإلا فهو ~~شائم في الأصل . ويقال : شأم فلان قومه ، وكذلك يمنهم ؛ وكأنهما قوتان ~~علويتان تصحبان مزاجين مختلفين ، وإذا اعتيد منهما هذان العرضان اللذان ~~يصدران عن هاتين القوتين العلويتين ، قيل : فلان كذا ، وفلان كذا . وأما ~~البركة فهي النماء والزيادة والرفع ، من حيث لا يوجد بالحس ظاهرا مكشوفا ~~يشار إليه ، فإذا عهد من الشيء هذا المعنى خافيا عن الحس قيل : هذه بركة ، ~~واشتقاقها من البروك ، وهو اللزوم والسعة ؛ ومن ذلك : البركة . والبركة ~~يوصف بها كل شيء ، وليس لضدها اسم مشهور ، لذلك يقال : قليل البركة . وأما ~~الفأل ففسر بأنه جريان الذكر الجميل على اللسان معزولا عن القصد ، إما من ~~PageV01P322 القائل ، وإما من السامع . وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما نزل المدينة على أبي أيوب الأنصاري أبا أيوب يقول لغلام له : يا سالم ~~يا غانم . فقال لأبي بكر : ' سلمت ms231 لنا الدار في غنم إن شاء الله ' . وهذا ~~مشهور بين الناس . وضده الطيرة والإشعار . ويروى أنه نهي عن الطيرة ، وكان ~~يحب الفأل صلى الله عليه وسلم ، وليس لهما علل راتبة ، ولا أسباب موجبة ، ~~ولا أوائل معروفة ؛ ولهذا كره الإفراط في التطير والتعويل على الفأل ، ~~لأنهما أمران يصحان ويبطلان ، والأقل منهما لا يميز من الأكثر ؛ وللمزاج من ~~الإنسان فيهما أثر غالب ، والعادة أيضا تعين ، والولوع يزيد ، والتحفظ مما ~~هذا شأنه شديد . ولقد غلب هذا حتى قيل : فلان مدور الكعب ، وفلان مشئوم ؛ ~~وحتى تعدى هذا إلى الدابة والدار والعبد ؛ وكل هذا ظهر في هذه الدار حتى لا ~~يكون للعبد طمأنينة إلا بالله ، ولا سكون إلا مع الله ، ولا مطلوب إلا من ~~الله ؛ ولهذا - عز وجل - يطلع الخوف من ثنية الأمن ، ويسوق الأمن من ناحية ~~الخوف ، ويبعث النصر وقد وقع اليأس ، ويأتي بالفرج وقد اشتد البأس . وأفعال ~~الله تعالى خفية المطالع ، جلية المواقع ، مطوية المنافع ؛ لأنها تسري بين ~~الغيب الإلهي ؛ والعيان الإنسي ، وكل ذلك ليصح التوكل عليه ، والتسليم له ، ~~واللياذ به ، ويعرج على كنف ملكه ، ويتبوأ معان خلده ، وينال ما عنده ~~بطاعته وعبادته . فقال الوزير - كبت الله أعداه ، وبلغه مناه - : هذا كلام ~~ليس عليه كلام ، أرى النعاس يخطب إلى عيني حاجته ، وإذا شئت فاجمع لي فقرا ~~من هذا الضرب الذي مر من حديث الطيرة والفأل والاتفاق . # | الليلة الثامنة والعشرون # وعدت ليلة أخرى وقرأت عليه أشياء من هذا الفن . منها : عقد هشام بن عبد ~~الملك لسعيد بن عمرو الجرشي أيام الترك ، فقال سعيد : يا PageV01P323 فتح ، ~~يا نصر ، خذ اللواء . فقال هشام : أعمدا قلت هذا ؟ قال : لا ، ولكنهما ~~غلاماي دعوتهما . قال هشام : هو الفتح والنصر إن شاء الله . وكان ذلك كذاك ~~. وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يعرض ، فمر به حية بن نكاز ، فقال : ~~لا حاجة لنا في هذا حية وأبوه ينكز . ورمى رجل الجمار ، فأصاب صلعة عمر ~~بحصاة فشجه . فقال رجل : أشعرت يا أمير المؤمنين لا يقوم عمر هذا المقام ~~أبدا . فكان ذلك ms232 كذلك . وخرج رجل ينظر الحسن بن علي فلقي رجلا ، فقال له : ~~ما اسمك ؟ قال : عقال . قال : ابن من ؟ قال ابن عقيل . قال : من بني من ؟ ~~قال : من بني عقيل . قال عقلته عقلك الله . هذا الجزء أيها الشيخ - أبقاك ~~الله ما تمنيت البقاء - هو الجزء الثاني ، والثالث يتلوه ، والظن الجميل بك ~~، يعدنا بالحسنى منك ، وقد علمت الغرض في جمع هذا كله والتعب فيه ، وأرجو ~~ألا يخيب الأمل ، ولا يبور العمل ، وإن كان ذلك لا يخلو من بعض الخلل ~~والزلل . فإذا أخذت بحكم الفضل الذي هو عادتك وديدنك مع الصغير والكبير ، ~~والقريب والبعيد ، فاز قدحي ، وصدق نوئي ، وصح زجري وفألي . حرس الله نفسك ~~، وصان نعمتك ، وكبت كل عدو لك . PageV01P324 الجزء الثالث بسم الله الرحمن ~~الرحيم أيها الشيخ وصل الله قولك بالصواب ، وفعلك بالتوفيق ، وجعل أحوالك ~~كلها منظومة بالصلاح ، راجعة إلى حميد العاقبة ، متألفة بشوارد السرور ، ~~ووفر حظك من المدح والثناء ، فإنهما ألذ من الشهد والسلوى ، ومد في عمرك ~~لكسب الخير ، واستدامة النعمة بالشكر ؛ وجعل تلذذك باصطناع المعروف ، وعرفك ~~عواقب الإحسان إلى المستحق وغير المستحق ، حتى تكلف ببث الجميل ، وتشغف ~~بنشر الأيادي ، وحتى تجد طعم الثناء ، وتطرب عليه طرب النشوان على بديع ~~الغناء . لا طرب البرداني على غناء علوة جارية ابن علويه في درب السلق إذا ~~رفعت عقيرتها فغنت بأبيات السروى : بالورد في وجنتيك من لطمك . . . ومن ~~سقاك المدام لم ظلمك ؟ خلاك لا تستفيق من سكر . . . توسع شتما وجفوة خدمك ~~معقرب الصدغ قد ثملت فما . . . يمنع من لئم عاشقيك فمك ؟ تجر فضل الإزار ~~منحرق النعلين . . . قد لوث الثرى قدمك أظل من حيرة ومن دهش . . . أقول لما ~~رأيت مبتسمك بالله يا أقحوان مضحكه . . . على قضيب العقيق من نظمك ؟ ولا ~~طرب ابن فهم الصوفي على غناء ' نهاية ' جارية ابن المغني إذا اندفعت بشدوها ~~: أستودع الله في بغداد لي قمرا . . . بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه ودعته ~~وبودي لو يودعني . . . صفو الحياة وأني لا أودعه PageV01P325 فإنه إذا سمع ~~هذا منها ضرب بنفسه الأرض ، وتمرغ في التراب وهاج ms233 وأزبد ، وتعفر شعره ؛ ~~وهات من رجالك من يضبطه ويمسكه ، ومن يجسر على الدنو منه ، فإنه يعض بنابه ~~، ويخمش بظفره ، ويركل برجله ويخرق المرقعة قطعة ، ويلطم وجهه ألف لطمة في ~~ساعة ، ويخرج في العباءة كأنه عبد الرزاق المجنون صاحب الكيل في جيرانك ~~بباب الطاق . ولا طرب ابن غيلان في البزاز على ترجيعات بلور جارية ابن ~~اليزيدي المؤلف بين الأكباد المحرقة ، والمحسن إلى القلوب المتصدعة والعيون ~~الباكية إذا غنت . أعط الشباب نصيبه . . . مادمت تعذر بالشباب وانعم بأيام ~~الصبى . . . واخلع عذارك في التصابي فإنه إذا سمع هذا منها انقلبت حماليق ~~عينيه ، وسقط مغشيا عليه ، وهات الكافور وماء الورد ، ومن يقرأ في أذنه آية ~~الكرسي والمعوذتين ، ويرقى بهيا شراهيا . ولا طرب أبي الوزير الصوفي القاطن ~~في دار القطن عند جامع المدينة على قلم القضيبية إذا تناوأت في استهلالها ، ~~وتضاجرت على ضجرتها ، وتذكرت شجوها الذي قد أضناها وأنضاها ، وسلبها منها ~~وأنساها إياها . ثم اندفعت وغنت بصوتها المعروف بها . PageV01P326 أقول لها ~~والصبح قد لاح نوره . . . كما لاح ضوء البارق المتألق شبيهك قد وافى وحان ~~افتراقنا . . . فهل لك في صوت ورطل مروق فقالت حياتي في الذي قد ذكرته . . ~~. وإن كنت قد نغصته بالتفرق ولا طرب الجراحي أبي الحسن مع قضائه في الكرخ ~~وردائه المحشي ، وكميه المفدرين ووجنتيه المتخلجتين ، وكلامه الفخم ، ~~وإطراقه الدائم ؛ فإنه يغمز بالحاجب إذا رأى مرطا ، وأمل أن يقبل خدا وقرطا ~~؛ على غناء شعلة : لابد للمشتاق من ذكر الوطن . . . واليأس والسلوة من بعد ~~الحزن وقيامته تقوم إذا سمعها ترجع في لحنها لو أن ما تبتليني الحادثات به ~~. . . يلقى على الماء لم يشرب من الكدر فهناك ترى شيبة قد ابتلت بالدموع ، ~~وفؤادا قد نزا إلى اللهاة ، مع أسف قد ثقب القلب ، وأوهن الروح ، وجاب ~~الصخر ، وأذاب الحديد ، وهناك ترى والله أحداق الحاضرين باهتة ، ودموعهم ~~متحدرة ، وشهيقهم قد علا رحمة له ، ورقة عليه ، ومساعدة لحاله ، وهذه صورة ~~إذا استولت على أهل مجلس وجدت لها عدوى لا تملك ، وغاية لا تدرك ، لأنه ~~قلما يخلو إنسان من صبوة أو ms234 صبابة ، أو حسرة على فائت ، أو فكر في متمني ، ~~أو خوف من قطيعة ، أو رجاء لمنتظر ، أو حزن على حال ، وهذه أحوال معروفة ، ~~والناس PageV01P327 منها على جديلة معهودة . ولا طرب ابن غسان البصري ~~المتطبب إذا سمع ابن الرفاء يغني : وحياة من أهوى فإني لم أكن . . . أبدا ~~لأحلف كاذبا بحياتها لأحالفن عواذلي في لذتي . . . ولأسعدن أخي على لذاته ~~وابن غسان هذا مليح الأدب ، وهو الذي يقول في ابن نصر العامل - وقد عالجه ~~من علة فلم يتفقده ولم يقض حقه - : هب الشعراء تعطيهم رقاعا . . . مزورة ~~كلاما عن كلام فلم صلة الطبيب تكون زورا . . . وقد أهدى الشفاء من السقام ~~عجبت لمن نمته أرض لؤم . . . وبخل لم يعد من الكرام نسبت إلى المساجة لا ~~لشيء . . . سوى نقصان لؤمك في اللئام غنى بها أنه من أصبهان ، وكان آخر ~~حديث ابن غسان ما عرفته ، فإن غرق نفسه في كرداب كلواذي ، وذلك لأسباب ~~تجمعت عليه من صفر اليد ، وسوء الحال ، وجرب أكل بدنه ، وعشق أحرق كبده على ~~غلام الآمدي الحلاوي بباب الطاق ، وحيرة عزب معها عقله ، وخذله رأيه ، ~~وملكه حينه ، ونسأل الله حسن العقبى بدرك المنى ، وليس للإنسان من أمره شيء ~~، وما هو آئض إليه فهو مملوك عليه ، يصرفه فيما يصرف فيظن أنه أتى من قبله ~~، ولعمري من غلط غلط ، ومن غولط غالط ، والكلام في هذا غاش والإغراق فيه ~~موسوس ، والإعراض عنه أجلب للأنس ، وما أحسن ما قال القائل : PageV01P328 ~~إذا استعفيت من أسر الليالي . . . تصرفني فأسري في خلاصي ولولا طيش القلم ~~وتسحب الخاطر ، وشرود الرأي ، ما عثرت بهذا الموضع ولا علقت بهذا الحبل ، ~~نعم . ولا طرب ابن نباتة الشاعر على صوت الخاطف إذا غنت . تلتهب الكف من ~~تلهبها . . . وتحسر العين إن تقصاها كأن نارا بها محرثة . . . تهابها مرة ~~وتغشاها نأخذها تارة وتأخذنا . . . فنحن فرسانها وصرعاها ولا طرب ابن ~~العوذي إذا سمع غناء ترف الصابئة في صوتها ، عند نشاطها ومرحها ، وهواها ~~حاضر ، وطرفها إليه ناظر : لب الهوى كلما دعاكا . . . ولاح في الحب من ~~لحاكا من لام في الحب ms235 أو نهاكا . . . فزده في غيك انهماكا إن لم تكن في ~~الهوى كذاكا . . . نال لذاته سواكا ولا طرب المعلم غلام الحصري شيخ الصوفية ~~إذا سمع ابن بهلول يغني في رحبة المسجد بعد الجمعة وقد خف الزحام : وقال لي ~~العذول تسل عنها . . . فقلت له : أتدري ما تقول ؟ PageV01P329 هي النفس ~~التي لابد منها . . . فكيف أزول عنها أو أحول ؟ ولا طرب ابن الغازي على ~~جارية العمى في مجلسها الغاص بنبلاء الناس بين السورين يلحى ، ولو أرقه ~~ميعاد . . . أو راعه الإعراض والإبعاد أو هرة الأعداء والحساد . . . أو ~~سلقته الألسن الحداد ما لام من ليس له فؤاد ولا طرب ابن صبر القاضي قبل ~~القضاء على غناء درة جارية أبي بكر الجراحي في درب الزعفراني التي لاتقعد ~~في السنة إلا في رجب ، إذا غنت : لست أنسى تلك الزيارة لما . . . طرقتنا ~~وأقبلت تتثنى طرقت ظبية الرصافة ليلا . . . فهي أحلى من جس عودا وغنى كم ~~ليال بتنا نلذ ونلهو . . . ونسقي شرابنا ونغنى هجرتنا فما إليها سبيل . . . ~~غير أنا نقول : كانت وكنا وإذا بلغت كانت وكنا رأيت الجيب مشقوقا ، والذيل ~~مخروقا ، والدمع منهملا ، والبال منخذلا ، ومكتوم السر في الهوى باديا ، ~~ودليل العشق على صاحبه مناديا . ولا طرب ابن حجاج الشاعر على غناء قنوة ~~البصرية ، وهي جارته وعشيقته ، وله معها أحاديث ، ومع زوجها أعاجيب ؛ وهناك ~~مكايدات ، ورمي ومعايرات ، وإفشاء نكات ؛ إذا أنشدت : يا ليتنيأحيا بقربهمو ~~. . . فإذا فقدتهم انقضى عمري PageV01P330 ثم ثنت بصوتها الآخر : هبيني ~~امرأ إما بريئا ظلمته . . . وإما مسيئا تاب بعد فأعتبا فكنت كذي داء تبغي ~~لدائه . . . طبيبا فلما لم يجده تطببا ولا طرب ابن معروف قاضي القضاة على ~~غناء علية إذا رجعت لحنها في حلقها الحلو الشجي بشعر ابن أبي ربيعة : أنيري ~~مكان البدر إن أفل البدر . . . وقومي مقام الشمس ما استأخر الفجر ففيك من ~~الشمس المنيرة نورها . . . وليس لها منك المحاجر والثغر ولا طرب ابن إسحاق ~~الطبري على صوت درة البصرية إذا غنت : يا ذا الذي زار وما زارا . . . كأنه ~~مقتبس نارا قام بباب الدار من زهوه . . . ما ms236 ضره لو دخل الدارا لو دخل ~~الدار فكلمته . . . بحاجتي ما دخل النارا نفسي فداه اليوم من زائر . . . ما ~~حل حتى قيل قد سارا ولا طرب ابن الأزرق الجرجرائي على غناء سندس جارية ابن ~~يوسف صاحب ديوان السواد إذا تشاجت وتدللت ، وتفتلت وتقتلت ، وتكسرت وتيسرت ~~، وقالت : أنا والله كسلانة مشغولة القلب بين أحلام أراها رديئة ، وبخت إذا ~~استوى التوى ، وأمل إذا ظهر عثر ؛ ثم اندفعت وغنت : مجلس صبين عميدين . . . ~~ليسا من الحب بخلوين قد صيرا روحيهما واحدا . . . واقتسماه بين جسمين ~~PageV01P331 | تنازعا كأسا على لذة . . . قد مزجاها بين دمعين الكأس لا ~~تحسن إلا إذا . . . أدرتها بين محبين ولا طرب ابن سمعون الصوفي على ابن ~~بهلول إذا أخذ القضيب وأوقع ببنانه الرخص ، ثم زلزل الدنيا بصوته الناعم ، ~~وغنته الرخيمة ، وإشارته الخالبة ، وحركته المدغدغة ، وظرفه البارع ، ~~ودماثته الحلوة ، وغنى : ولو طاب لي غرس لطابت ثماره . . . ولو صح لي غيبي ~~لصحت شهادتي تزهدت في الدنيا وإني لراغب . . . أرى رغبتي ممزوجة بزهادتي ~~أيا نفس ما الدنيا بأهل لحبها . . . دعيها لأقوام عليها تعادت ولا طرب ابن ~~حيويه على غلام الأمراء إذا غنى : قد أشهد الشارب المعذل لا . . . معروفه ~~منكر ولا حصر في فتية لينى المآزر لا . . . ينسون أخلاقهم إذا سكروا وغلام ~~الأمراء هو الذي يقول فيه القائل : أبو العباس قد حج . . . وقد عاد وقد غنى ~~وقد علق عنازا . . . فهذا هم كما كنا وأصحابنا يستملحون قوله هم ها هنا ، ~~ويرونه من العي الفصيح . ولا طرب أبي سليمان المنطقي إذا سمع غناء هذا ~~الصبي الموصلي النابغ الذ قد فتن الناس وملأ الدنيا PageV01P332 عيارة ~~وخسارة ، وافتضح به أصحاب النسك والوقار ، وأصناف الناس من الصغار والكبار ~~، بوجهه الحسن ، وثغره المبتسم ، وحديثه الساحر ، وطرفه الفاتر ، وقده ~~المديد ، ولفظه الحلو ، ودله الخلوب ، وتمنعه المطمع ، وإطماعه الممنع ~~وتشكيكه في الوصل والهجر ، وخلطه الإباء بالإجابة ، ووقوفه بين لا ونعم . ~~إن صرحت له كنى ، وإن كنيت له صرح ؛ يسرقك منك ، ويردك عليك ، يعرفك منكرا ~~لك ، وينكرك عارفا بك ؛ فحاله حالات ، وهدايته ضلالات ، وهو فتنة الحاضر ~~والبادي ms237 ، ومنية السائق والهادي ؛ في صوته الذي هو من قلائده : عرفت الذي ~~بي فلا تلحني . . . فليس أخو الجهل كالعالم وكنت أخوفه بالدعا . . . وأخشى ~~عليه من الماثم فلو كنت أبصرت مثلا له . . . إذا لمت نفسي مع اللائم فلما ~~أقام على ظلمه . . . تركت الدعاء على الظالم ولا طرب ابن عبد الله البصري ~~على إيقاع ابن العصبي إذا أوقع بقضيبه وغنى بصوته : أنسيت الوصل إذ بت . . ~~. نا على مرقد ورد واعتنقنا كوشاح . . . وانتظمنا نظم عقد وتعطفنا كغصنين . ~~. . فقدانا كقد وبسبب هذا ونظائره عابه الواسطي ، وقدح في دينه ، وألصق به ~~الريبة ، PageV01P333 واستحل في عرضه الغيبة ، ولقبه بالمنفر عن المذهب ، ~~وقاطع الطريق على المسترشد . ولا طرب ابن الوراق على روعة جارة ابن الرضي ~~في الرصافة إذا غنت : وحق محل ذكرك من لساني . . . وقلبي حين أخلو بالأماني ~~لقد أصبحت أغبط كل عين . . . تعانيها فتسعد بالعيان ولا طرب السندواني على ~~ابن الكرخي إذا غنى : هجرتني ثم لا كلمتني أبدا . . . إن كنت خنتك في حال ~~من الحال فلا انتجيت نجيا في خيانتكم . . . ولا جرت خطرة منه على بال ~~فسوغيني المنى كيما أعيش بها . . . ثم احبسي البذل ما أطلقت آمالي أو ابعثي ~~تلفا إن كنت قاتلتي . . . إلي منك بإحسان وإجمال ولا طرب الحريري الشاهد ~~على حلية جارية أبي عائذ الكرخي إذا أخذت في هزارها ، واشتعلت بنارها وغنت ~~: قالت بثينة لما جئت زائرها . . . سبحان خالقنا ما كان أوفاكا وعدتنا ~~موعدا تأتي لنا عجلا . . . وقد مضى الحول عنا ما رأيناكا إن كنت ذا غرض أو ~~كنت ذا مرض . . . أو كنت ذا خلة أخرى عذرناكا ولا طرب أبي سعيد الصائغ على ~~جاريته ظلوم إذا قلبت لحنها إلى حلقها واستنزلته من الرأس ، ثم أوقعت فغنت ~~: PageV01P334 فيالك نظرة أودت بعقلي . . . وغادر سهمها مني جريحا فليت ~~مليكتي جادت بأخرى . . . وأعلم أنها تنكا القروحا فإما أن يكن بها شفائي . ~~. . وإما أن أموت فأستريحا ولا طرب الزهري على خلوب جارية أبي أيوب القطان ~~إذا أهلت واستهلت ، ثم اندفعت وغنت : إذا أردت سلوا كان ناصركم . . . قلبي ~~وما أنا من ms238 قلبي بمنتصر فأكثروا أو أقلوا من إساءتكم . . . فكل ذلك محمول ~~على القدر وضعت خدي لأدنى من يطيف بكم . . . حتى احتقرت وما مثلي بمحتقر ~~وأبو عبد الله المرزباني شيخنا إذا سمع هذا جن واستغاث ، وشق الجيب وحولق ~~وقال : يا قوم أما ترون إلى العباس بن الأحنف ، ما يكفيه أن يفجر حتى يكفر ~~؟ متى كانت القبائح والفضائح والعيوب والذنوب محمولة على القدر ؟ ومتى قدر ~~الله هذه الأشياء وقد نهى عنها ، ولو قدرها كان قد رضي بها ، ولو رضي بها ~~لما عاقب عليها ، لعن الله الغزل إذا شيب بمجانة ، والمجانة إذا قرنت بما ~~يقدح في الديانة . ورأيت أبا صالح الهاشمي يقول له : هون عليك يا شيخ ، ~~فليس هذا كله على ما تظن ، القدر يأتي على كل شيء ، ويتعلق بكل شيء ، ويجري ~~بكل شيء ، وهو سر الله المكتوم ، كالعلم الذي يحيط بكل شيء ؛ وكل ما جاز أن ~~يحيط به علم جاز أن يجري به قدر ، وإذا جاز هذا جاز أن ينشره خبر ، وما هذا ~~التضايق والتحارج في هذا المكان ، والشاعر يهزل ويجد ؛ ويقرب ويبعد ، ويصيب ~~ويخطىء ، ولا يؤاخذ بما يؤاخذ به الرجل الديان ، والعالم ذو البيان . ~~PageV01P335 ولا طرب ابن المهدي على جارية بنت خاقان المشهورة بعلوة إذا ~~غنت : أروع حين يأتيني الرسول . . . وأكمد حين لا يأتي الرسول أؤملكم وقد ~~أيقنت أني . . . إلى تكذيب آمالي أؤول ولا طرب أبي طاهر بن المقنعي المعدل ~~على علوان غلام ابن عرس فإنه إذا حضر وألقى إزاره ، وحل أزراره ، وقال لأهل ~~المجلس : اقترحوا واستفتحوا فإني ولدكم بل عبدكم لأخدمكم بغنائي ، وأتقرب ~~إليكم بولائي ، وأساعدكم على رخصي وغلائي ؛ من أرادني مرة أردته مرات ، ومن ~~أحبني رياء أحببته إخلاصا ، ومن بلغ بي بلغت به ؛ لم أبخل عليكم بحسني ~~وظرفي ، ولم أنفس بهما عليكم ، وإنما خلقت لكم ، ولم أغاضبكم وأنا آملكم ~~غدا إذا بقل وجهي ، وتدلى سبالي ، وولى جمالي ، وتكسر خدي ، وتعوج قدي ، ما ~~أصنع ؟ حاجتي والله إليكم غدا أشد من حاجتكم إلي اليوم ، لعن الله سوء ~~الخلق ، وعسر الطباع ، وقلة الرعاية ms239 ، واستسحان الغدر . فيمر في هذا وما ~~أشبهه كلام كثير ، فلا يبقى من الجماعة أحد إلا وينبض عرقه ، ويهش فؤاده ، ~~ويذكو طعمه ويفكه قلبه ، ويتحرك ساكنه ، ويتدغدغ روحه ، ويومىء إليه بقبلته ~~، ويغمزه بطرفه ، ويخصه بتحية ، ويعده بعطية ، ويقابله بمدحة ، ويضمن له ~~منحة ، ويعوذه بلسانه ، ويفضله على أقرانه ، ويراه واحد أهل زمانه ؛ فيرى ~~ابن المقنعي وقد طار في الجو ، وحلق في PageV01P336 السكاك ، ولقط بأنامله ~~النجوم ؛ وأقبل على الجماعة بفرح الهشاشة ، ومرح البشاشة ، فيقول : كيف ~~ترون اختياري وأين فراستي من فراسة غيري ، أبى الله لي إلا ما يزينني ، ولا ~~يشينني ، ويزيد في جمالي ، ولا ينقص من حالي ؛ ويقر عيني ولبي ، ويقصم ظهر ~~عدوي ؛ هات يا غلام ذلك الثوب الدبيقي وذلك البرد الشطوي ، وذلك الفروج ~~الرومي ، وتلك السكة المطيبة ، والبخور المدخر في الحقة ، وهات الدينار ~~الذي فيه مائة مثقال أهداه لنا أمس أبو العلاء الصيرفي فإنه يكفيه لنفقة ~~أسبوع ؛ ما أحسن سكته ، وأحلى نقشه ! ما رأيت في حسن استدارته شبها ، وعجل ~~لنا يا غلام ما أدرك عند الطباخ ، من الدجاج والفراخ ؛ والبوارد والجوزيات ~~وتزايين المائدة ؛ وصل ذلك بشراه أقراط وجبن وزيتون من عند كبل البقال في ~~الكرخ ، وقطائف حبش ، PageV01P337 وفالوذج عمر ، وفقاع زريق ، ومخلط خراسان ~~من عند أبي زنبور ، ولو كنا نشرب لقلنا : وشراب صريفين من عند ابن سورين ، ~~ولكن إن إحببتم أن أحضر بسببكم ومن أجلكم فليس في الفتوة أن أمنعكم من ~~أربكم بسبب ثقل روحي وقلة مساعدتي ، لعن الله الشهادة ، فقد حجتني عن كل ~~شهوة وإرادة ؛ وما أعرف في العدالة ، إلا فوت الطلبة والعلالة . وما أحسن ~~ما قال من قال : ما العيش إلا في جنون الصبي . . . فإن تولى فجنون المدام ~~هذا كله يمر وما هو أشجى منه وأرق ، وأعجب وأظرف ، ثم يندفع علوان ويغنى في ~~أبيات بشار : ألا يا قوم خلوني وشاني . . . فلست بتارك حب الغواني نهوني يا ~~عبيدة عن هواكم . . . فلم أقبل مقالة من نهاني فإن لم تسعفي فعدي ومني . . ~~. خداعا لا أموت على بيان ولا طرب أبي سعيد الرقي على ms240 غناء مذكورة إذا ~~اندفعت وغنت : سررت بهجرك لما علمت . . . بأن لقلبك فيه سرورا ولولا سرورك ~~ما سرني . . . ولا كان قلبي عليه صبورا ولكن أرى كل ما ساءني . . . إذا كان ~~يرضيك سهلا يسيرا ولا طرب ابن مياس على غناء حبابة جارية أبي تمام إذا غنت ~~: صددنا كأنا لا مودة بيننا . . . على أن طرف العين لابد فاضح PageV01P338 ~~ومد إلينا الكاشحون عيونهم . . . فلم يبد منا ما حوته الجوانح وصافحت من ~~لاقيت في البيت غيرها . . . وكل الهوى مني لمن لا اصافح وحبابة هذه كانت ~~تنوح أيضا ، وكانت في النوح واحدة لا أخت لها ، والناس بالعراق تهالكوا على ~~نوحها ، ولولا أني أكره ذكره لرقعت الحديث به . وقدم من شاش خراسان أبو ~~مسلم - وكان في مرتبة الأمراء - فاشتراها بثلاثين ألف درهم معزية ، وخرج ~~بها إلى المشرق ، فقيل : إنها لم تعش به إلا دون سنة لكمد لحقها ، وهوى لها ~~ببغداد ماتت منه . ورأيت لها أختا يقال لها صبابة ، وكانت في الحسن والجمال ~~فوقها ، وفي الصنعة والحذق دونها ، وزلزلت هذه بغداد في وقتها ، ولم يكن ~~للناس غير حديثها ، لنوادرها ، وحاضر جوابها ، وحدة مزاجها ، وسرعة حركتها ~~، بغير طيش ولا إفراط ، وهذه شمائل إذا اتفقت في الجواري الصانعات المحسنات ~~خلبن العقول ، وخنسن القلوب ، وسعرن الصدور ، وعجلن بعشاقهن إلى القبور . ~~ولا طرب الكناني المقري الشيخ الصالح على غناء هذه في صوتها المعروف بها : ~~عهود الصبى هاجت لي اليوم لوعة . . . وذكر سليمى حين لا ينفع الذكر بأرض ~~بها كان الهوى غير عازب . . . لدينا وغض العيش مهتصر نضر كأن لم نعش يوما ~~بأجراع بيشة . . . بأرض بها أنشأ شبيبتنا الدهر بلى إن هذا الدهر فرق بيننا ~~. . . وأي جميع لا يفرقه الدهر PageV01P339 ولا طرب غلام بابا على جارية ~~أبي طلحة الشاهد في سوق العطش إذا غنت : ليت شعري بك هل تع . . . لم أني لك ~~عاني فلقد أسررته من . . . ك وأطلعت الأماني وتوهمتك في نف . . . سي فناجاك ~~لساني فاجتمعنا وافترقنا . . . بالأماني في مكان ولو ذكرت هذه الأطراب من ~~المستمعين ، والأغاني من الرجال والصبيان والجواري والحرائر - لطال ms241 وأمل ، ~~وزاحمت كل من صنف كتابا في الأغاني والألحان ، وعهدي بهذا الحديث سنة ستين ~~وثلاثمائة . وقد أحصينا - ونحن جماعة في الكرخ - أربعمائة وستين جارية في ~~الجانبين ، ومائة وعشرين حرة ، وخمسة وتسعين من الصبيان البدور ، يجمعون من ~~الحذق والحسن والظرف والعشرة ، هذا سوى من كنا لا نظفر به ولا نصل إليه ~~لعزته وحرسه ورقبائه ، وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء وبالضرب ~~إلا إذا نشط في وقت ، أو ثمل في حال ، وخلع العذار في هوى قد حالفه وأضناه ~~، وترنم وأوقع ، وهز رأسه ، وصعد أنفاسه ، وأطرب جلاسه ، واستكتمهم حاله ، ~~وكشف عندهم حجابه ، وادعى الثقة بهم ، والاستنامة إلى حفاظهم . ثم إني أرجع ~~إلى منقطع الكلام في الصفحة الأولى من هذا الجزء الثالث وأصله بالدعاء الذي ~~اسأل الله أن يتقبله فيك ، ويحققه لك وبك ، وأقول : وأبقاك لي خاصة ، فقد ~~تعصبت لي غائبا وشاهدا ، وتعممت بسببي سرا وجهرا ، وبدأت بالتفضل ، وعدت ~~PageV01P340 بالإفضال ، وتظاهرت بالفضل ؛ فإن استزدتك فللنهم الذي قلما ~~يخلو منه بشر ، وإن تظلمت فللدالة التي تغلط بها الخدم ، وإن خاشنت فللثقة ~~بحسن الإجاب ، وإن غالطت فلعلمي بغالب الحلم وفرط الاحتمال ، وما افترق ~~الكرم والتغافل قط ، وما افترق المجد والكيس قط ، وليس إلا أن يظلم السيد ~~نفسه لعبده في الحقوق اللازمة وغير اللازمة ، ويعرض عن الحجة وإن كانت له ؛ ~~والناس يقولون : الحق مر ، وأنا أقول : السؤدد مر ، والرئاسة ثقيلة ، ~~والنزول تحت الغبن شديد ؛ لكن ذلك كله منبت العز ، ودليل على صحة الأصل ، ~~وباب إلى اكتساب الحمد ، وإشادة الذكر ، وإبعاد الصيت ؛ ومكرم النفس بإهانة ~~المال وبذل الجاه وإيثار التواضع أربح تجارة ، وأحمى حريما ، وأعز ناصرا من ~~مهين النفس بصيانة المال وحبس الجاه واستعمال التكبر ؛ هذا ما لا يشك فيه ~~أحد وإن أباه طباعه ، ولم يساعده اختياره ، وكان في طينه يبس ، وفي منبته ~~شوك ، وفي عرقه خور ، وفي خلقه تيه . وقد رأيت ناسا من عظماء أهل الفضل ~~والمروءة عابوا مذهب الرجل الذي ماكس في شيء تافه يسير اشتراه ، قيل له : ~~أنت تهب أضعاف هذا ، فما هذا ms242 المكاس ؟ ! فقال : هذا عقلي أبخل به ، وتلك ~~مروءتي أجود بها . وأكثر الناس الذين لم يغوروا في التجارب ، ولا أنجدوا في ~~الحقائق ، يرون PageV01P341 هذا حكمة تامة ، وفضيلة شريفة . فأما الذين ~~ذكرتهم في أول الحديث فإنهم قالوا : لا تتم المروءة وصاحبها ينظر في الدقيق ~~الحقير ، ويعيد القول ويبدئه في الشيء النزر الذي لا مرد له ظاهر ، ولا ~~جدوى حاضرة . وذكروا أيضا أن العقل أشرف من أن يذال في مثل هذه الحال ، ~~ويستخدم على هذا الوجه ، قالا : هذا وما هو في بابه بالكيس أشبه ، والكيس ~~يحمد في الصبيان ، وهو من مبادىء اللؤم ، وفوائح صدأ الخلق ، وقد قال الأول ~~: وقد يتغابى المرء عن عظم ماله . . . ومن تحت برديه المغيرة أو عمرو ولذلك ~~يقال للحيوان الذي لا ينطق : هو كيس . هذا والله الصدق ، فإني سمعت بمكة ~~أعرابيا يقول : ما أكيس هذا القط ؟ ! قالوا : ولذلك لا يقال للشيخ المجرب ~~والحكيم البليغ والأصيل في الشرف والمشهور بالزماتة والسكينة : كيس . ~~والكيس هو حدة الحس في طلب المثالة ودفع الكريهة وبلوغ الشهوة . والحس بعيد ~~من العقل ، والعالي في الحس كأنه يرتقي في وادي الحيوان الذي لا نطق له ، ~~والعالي في العقل كأنه مطمئن في وادي الملك الذي لا حس لنقصه ، ولكن لكماله ~~، لأنه غني عنه ، كما أن الحمار لم يعدم العقل لكماله ، ولكن لنقصه ولما لم ~~يرد من الحمار أن يكون إنسانا جبل على ما هو له وبه كامل في نقصه ، أي هو ~~كامل بما هو به حمار وناقص بما ليس هو به إنسانا ؛ ولما لم يرد من الإنسان ~~أن يكون حمارا حفظ عليه ما هو به إنسان ، ودرج إلى كمال الملك الذي هو به ~~شبيه ؛ وهذا التدريج طريقه على الاختيار الجيد والتوفيق السابق . وبعدت - ~~جعلني الله فداك - عن منهج القول وسنن الحديث ، وأطعت داعية PageV01P342 ~~الوسواس ، وذهبت مع سانح الوهم ؛ وقد قيل : الحديث ذو شجون . وقد قال الأول ~~: ولما قضينا من منى كل حاجة . . . ومسح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف ~~الأحاديث بيننا . . . وسالت بأعناق المطي الأباطح فأرجع وأقول ms243 : قد أوصلت ~~إليك الجزاين الأول والثاني على يد غلامك فائق ؛ وهذا الجزء - وهو الثالث - ~~قد والله نفثتقال : فيه كل ما كان في نفسي من جد وهزل ، وغث وسمين ، وشاحب ~~ونضير ، وفكاهة وطيب ، وأدب واحتجاج ، واعتذار واعتلال واستدلال ، وأشياء ~~من طريف الممالحة على ما رسم لي ، وطلب مني ؛ ولأنه آخر الكتاب ختمته ~~برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري ستقف عليه ، وتستأنف نظرا في حالي ، يكون ~~- إن شاء الله - كظني بك ، ورجائي فيك ؛ وفيه بعض العربدة لم أخرج منه إلى ~~كفران لنعمة ، ولا جحد لإحسان ، ولا ستر ليد ، ولا إنكار لمعروف ، ولا شك ~~في عناية ؛ وإنما تكلمت على مذهب المدل المقل الذي يبعثه إقلاله على تجاوز ~~قدرة بالدالة ، ويريع به إدلاله عن حسن أدبه بفرط الثقة ؛ ورب واثق خجل ؛ ~~وبالله المعاذ من ذلك ، وفي الحالين صاحب هذا المذهب لا يخلو من ولاء صحيح ~~المعتقب ، وعقيدة كسبيكة الذهب ؛ وأنت بكرم طباعك ، وسعة باعك ، تجبر نقصي ~~، وتأسو ما غث من جراحي ، وأمات اهتمامي ؛ ومن كان إحسانك إليه مشكورا ، ~~وتعذيرك عنده مستورا ، لخليق أن يكون على بالك PageV01P343 خاطرا ، وبلسانك ~~مذكورا ، والسلام . وها أنا آخذ في نشر ما جرى على وجهه إلا ما اقتضى من ~~الزيادة في الإبانة والتقريب ، والشرح والتكشيف . وقد جمع لك جميع ما ~~شاهدته في هذه المدة الطويلة ، ليكون حظك من الكرم والمجد موفورا ، ونصيبي ~~من اهتمامك بأمري وجذبك بباعي وإنقاذك إياي من أسري تاما ، فظني واعد بأنك ~~تبلغ بي ما آمله فيك وتتجاوزه وتتطاول إلى ما فوقه ، لأزداد عجبا مما خصك ~~الله به ، وأفردك فيه ؛ وأتحدث على مر الأيام بغريبه ، وأحث كل من أراه ~~بعدك على سلوك طريقك في الخير ، ولزوم منهاجك في الجميل ، والدينونة بمذهبك ~~المستقيم ، وأكايد أصحابنا ببغداد ؛ وأقول لهم : هل كان في حسبانكم أن يطلع ~~عليكم من المشرق من يزيد ظرفه على ظرفكم ، ويبعد بعلمه على علمكم ، ويبرز ~~هذا التبريز في كل شيء تفخرون به على غيركم ، فأناظرهم فيك وبسببك ، لا ~~مناظرة الحنبليين مع الطبريين ؛ وأتعصب لك ، لا تعصب ms244 المفضليين والبرغوثيين ~~؛ وأجادل من أجلك ، لا جدل الزيديين مع الإماميين ؛ وأدعي في فضائلك ~~الظاهرة والباطنة دعوى أقوى من دعوى الشيعيين ؛ وأضرب في ذلك كل مثل ، ~~وأستعين بكل سجع ، وأروي كل خبر ، وأنشد كل PageV01P344 بيت ، وأعبر كل ~~رؤيا ، وأقيم كل برهان ، وأستشهد كل حاضر وغائب ، وأتأول كل مشكل وغامض ، ~~وأضيف إليك الآية بعد الآية ، والمعجزة بعد المعجزة ، وأنصلت لكل ضريبة ، ~~وأدعي كل غريبة ؛ هذا ولا أخلط كلامي بالهزل ، ولا أشيه دعواي بالمحال ، ~~ولا أبعد الشاهد ، ولا أتعلق بالمستعجم ، ولا أجنح إلى التلفيق والتلزيق ؛ ~~وكيف لا أفعل هذا ولي في قول الحق فيك مندوحة ، وفي تقديم الصدق على غيره ~~كفاية ، وفي نشر المطوي من فضلك بلاغ ؟ وإنما يميل إلى الكذب من قعد به ~~الصدق ، ويتيمم بالصعيد من فاته الماء ، ويحلم بالمنى من عدم المتمنى في ~~اليقظة ؛ فأما أنت وقد ألبسك الله رداء الفضل ، وأطلعك من منبت كريم ، ~~ودرجك من بيت ضخم ، وآتاك الحكمة ، وفتق لسانك بالبيان ، وأترع صدرك بالعلم ~~، وخلط أخلاقك بالدماثة ، وشهرك بالكرم ، وخفف عليك النهوض بكل ما يكسبك ~~الشكر من القريب والبعيد ، وبكل ما يدخر لك الأجر عند الصادر والوارد ، حتى ~~صرت كهفا لأبناء الرجاء ، ومفزعا لبني الآمال ؛ فبابك مغشي مزور ، وفناؤك ~~منتاب وخوانك محضور ، وعلمك مقتبس ، وجاهك مبذول ، وضيفك محدث ، وكتبك ~~مستعارة ، وغداؤك حاضر ، وعشاؤك معجل ، ووجهك مبسوط ، وعفوك محمود ، وجدك ~~مشكور ، وكل أمرك قائم على النهاية ، وبالغ الغاية ، والله يزيدك ويزيدنا ~~بك ، ولا يبتلينا بفقد ما ألفناه منك ، بمنه وجوده . # | الليلة التاسعة والعشرون # قال الوزير - أعز الله نصره ، وأطاب ذكره ، وأطار صيته - ليلة : أحب أن ~~أسمع كلاما في قول الله عز وجل : ' هو الأول والآخر والظاهر والباطن ' ، ~~فإن هذا الإيجاز لم يعهد في كلام البشر . PageV01P345 فكان من الجواب : إن ~~الإشارة في ' الأول ' إلى ما بدأ الله به من الإبداع والتصوير ، والإبراز ~~والتكوين ؛ والإشارة في ' الآخر ' إلى المصير إليه في العاقبة على ما يجب ~~في الحكمة من الإنشاء والتصريف ، والإنعام والتعريف ، والهداية والتوقيف . ~~وقد بان بالاعتبار الصحيح أنه عز ms245 وجل لما كان محجبا عن الأبصار ، ظهرت ~~آثاره في صفحات العالم وأجزائه ، وحواشيه وأثنائه ، حتى يكون لسان الآثار ~~داعيا إلى معرفته ، ومعرفته طريقا غلى قصده ، وقصده سببا للمكانة عنده ~~والحظوة لديه . على أنه في احتجابه بارز ، كما أنه في بروزه محتجب ؛ وبيان ~~هذا أن الحجاب من ناحية الحس ، والبروز من ناحية العقل ، فإذا طلب من جهة ~~الحس وجد محجوبا ، وإذا لحظ من جهة العقل وجد بارزا ، وهاتان الجهتان ليستا ~~له تعالى ، ولكنهما للإنسان الذي له الحس والعقل ، فصار بهما كالناظر من ~~مكانين ؛ ومن نظر إلى شيء واحد من مكانين نسبته إلى المنظور إليه مفترقة . ~~وإنما شق هذا الأمر على أكثر الناس واختلفوا فيه ، لأنهم راموا تحقيق ما لا ~~يحس بالحس ، ولو راموا ذاك بالعقل المحض بغير شوب من الحس ، لكان المروم ~~يسبق الرائم ، والمطلوب يلوح قبالة الطالب من غير ك لابس ، ولا ريب موحش ، ~~لأنه ليس في العقل والمعقول شك ، وإنما الريب والشك والظن والتوهم كلها من ~~علائق الحس وتوابع الخلقة ، ولولا هذه العوارض لما اغبر وجه العقل ، ولا ~~علاه شحوب ، ولبقي على نضرته وجماله وحسنه وبهجته . ولما كان الإنسان مفيض ~~هذه الأعراض في الأول ، صار مفيض هذه الأحوال في الثاني ، فاستعار من العقل ~~نوره في وصف الأشياء الجسمية جهلا منه وخطأ ، واستعار من ظلام الحس في وصف ~~الأشياء الروحانية عجزا منه ونقصا ، ولو وفق لوضع كل شيء موضعه ونسبه إلى ~~شكله ، ولم يرفع الوضيع إلى محل الرفيع ، ولم يضع الرفيع في موضع الوضيع . ~~فلما بلغ الحديث هذا الحد ، عجب الوزير وقال : ما أعذب هذا المورد ! وما ~~أعجب PageV01P346 هذا المشهد ! وما أبعد هذا المقصد ! وما رأى لمصنف من ~~الموحدين متصرفا في هذا النوع إلا لهذه العصابة الكريمة المخصوصة باليقظة . ~~وسأل عن جشم في اسم الرجل ما معناه ؟ فكان من الجواب : إن أبا سعيد ~~السيرافي الإمام ذكر عن ابن الأعرابي أنه يقال : رجل عظيم الجشم . يعني ~~وسطه ، ومنه سمي جشم . وقال : ما الحمحم ؟ وما الخمخم ؟ فقيل أما الحمحم ~~فبقل يهيج في ms246 اول الصيف وينبت فيؤكل في ذلك الوقت ؛ وأما الخمخم فبقل آخر ~~خبيث منتن الريح . وقال : فأره المسك ، أتقولها بالهمز ؟ فكان من الجواب : ~~حكاه ابن الأعرابي بالهمز . قال : عارضا الرجل ما يعني بهما ؟ قيل : قال ~~أبو سعيد السيرافي : هما شعر خديه ، ولو قلت لأمرد : امسح عارضيك كان خطأ . ~~وقال : سمعت اليوم في كلام ابن عبيد : لايثه ، وظننت أنه أراد : لاوثه من ~~اللوث لوث العمامة . فقيل : بل يقال : لايثه إذا تشبه بالليث . وقال : ما ~~الشاكد ؟ PageV01P347 فقيل : المعطي من غير مكافأة . قال : أو تهمز الكلمة ~~؟ فقيل : إني لو لم أهمز لكان مفاعلة من كفيت . قال : والثانية ؟ تكون من ~~كفأت الإناء . فما معناه ؟ قيل : قال أبو سعيد : كأنه قلب الحال إليه ~~بالمثل . قال : الذود ، ما قدر عدده من الإبل ؟ قكان من الجواب : أن ابن ~~الأعربي قال : الذور ما بين الثلاثة إلى العشرة . وإذا بلغت العشرين أو ~~قاربت فهي قطعة وصبة وفرقة وصرمة حتى تبلغ الثلاثين والأربعين . ثم هي حدرة ~~وعكرة وعجرمة حتى تبلغ مائة . ثم هنيدة . فإذا بلغت مائتين فهي خطر . وكذلك ~~الثلاثمائة . فإذا بلغت أربعمائة فهي عرج إلى الألف ، والجماعة عروج . فإذا ~~كثرت عن الأربعين والخمسين فبلغت مائة وزادت فهي جرجرو ، وإنما سميت جرجورا ~~لجراجرها وأصواتها . وقد تستعير العرب بعض هذا فتجعله في بعض . وقال : ما ~~الفرق بين القبض والقبض ؟ فقيل : القبض لعدد ما كان قليلا ولا كثيرا ؛ قال ~~ابن الأعرابي : وأنشدني العامري لابن ميادة : عطاءكم قبض ويحفن غيركم . . . ~~وللحفن أغنى للفقير من القبض وقال : القبض بأطراف الأصاعب ، والقبض بالكف ، ~~والحفن بالكف والراحة إلى فوق مفتوحة قليلا . هذا لفظه . وقال : الإل الذي ~~هو العهد هل يجمع ؟ فقيل : حكى ابن الأعرابي في جمعه ، فقال : الإل وألول . ~~وقال : آم الرجل ماذا ؟ فقيل : هذا على وجوه ؛ يقال : آم الرجل يؤوم أواما ~~من العطش ؛ ويقال آم الرجل يؤوم إياما ، وهو الدخان . وآم الرجل يئيم إذا ~~بقي بغير حليلة ، والأيم مستعمل في الرجل والمرأة . قال : هذا نمط مفيد ، ~~ويجب أن يجمع منه جزء أو جزآن ليسهل على PageV01P348 الطرف ms247 المجال فيه ، ~~فإن الكتب الطوال مسئمة ، وإذا تداخل اللطيف بالكثيف وما رق بما غلظ نبت ~~النفس ، ودب الملل والإنسان كسله من طينه ، ونشاطه من نفسه ، والطين أغلب ~~من النفس . فكان الجواب : السمع والطاعة للأمر المشرف . قال : هات حديثا ~~يكون مقطعا للوداع ، فإن الليل قد عبس وجهه ، وجنح كاهله ، وأهدى إلى العين ~~سنة تسرق الذهن وتسبي الرأي . فكان من الجواب أنه مر بي اليوم حديث ما جرى ~~منذ ليال في فساد الناس وحؤول الزمان ، وما دهم الخاص والعام في حديث الدين ~~الذي هو العمود والدعامة في عمارة الدارين ، وقد طال تعجبي منه ، وصح عندي ~~أن الداء في هذا قديم ، والوجع فيه أليم . قال : فهات فتشبيبك قد رغب شديدا ~~، غرامك قد بعث جديدا . فكان من ذلك الحديث أن محمد بن سلام قال فيما حدثنا ~~به أبو السائب القاضي عتبة بن عبيد الله قال : حدثنا السكري أبو سعيد قال : ~~قال محمد بن سلام : سمعت يونس يقول : فكرت في أمر فاسمعوه . قلنا : هاته . ~~قال : كل من أصبح على وجه الأرض من أهل النار إلا أمتنا هذه ؛ والسلطان ومن ~~يطيف به هلكى إلا قليلا ، فإذا قطعت هذه الطبقة حتى تبلغ الشام فأكلة ربا ~~وباغية وشربة خمر وباعتها إلا قليلا ، فإذا خلفت هذا الرمل حتى تأتي رمل ~~يبرين وأعلام الروم فلا غسل من جنابة ، ولا إسباغ وضوء ، ولا إتمام صلاة ، ~~ولا علم بحدود ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم إلا قليلا ؛ فإذا ~~صرت إلى الأمصار فأصحاب هذه PageV01P349 الكراسي ليس منهم إلا ذئب مشتغر ~~بذنبه ، يختلك عن دينارك ودرهمك ، يكذب ، ويبخس في الميزان ، ويطفف في ~~المكيال ، إلا قليلا ؛ فإذا صرت إلى أصحاب الغلات الذين كفوا المؤونة وأنعم ~~عليهم وجدتهم يمسي أحدهم سكران ويصبح مخمورا ، إلا قليلا ؛ ومعي والله منهم ~~قطيع في الدار ، فإذا صرت إلى قوم لم ينعم عليهم بما أنعم على هؤلاء ، وهم ~~يشتهون ما يشتهي هؤلاء ، فواحد لص ، وآخر طرار ، وآخر مستقف إلا قليلا ، ~~فإذا صرت إلى أصحاب هذه السواري ، فهذا يشهد ms248 على هذا بالكفر ، وهذا يبرأ من ~~هذا ، والله لئن لم يعمنا الله برحمته إنها للفضيحة . فقال الوزير : لقد ~~شردت النوم عن عيني ، وملأت قلبي عجبا ، فإن الأمر لكما قال ، فإذا كان هذا ~~قوله في عصره ، وشجرة الدين على نضارة أغصانها وخضرة أوراقها ، وينع ثمارها ~~، فما قوله - ترى - فينا لو لحقنا ، وأدرك زماننا ، إنا لله وإنا إليه ~~راجعون . # | الليلة الثلاثون # وقال الوزير - أدام الله أيامة - سراويل يذكر أم يؤنث ، ويصرف أم لا ؟ ~~فكان الجواب : أن علي بن عيسى حدثنا عن شيخه ابن السرج قال : سألت المبرد ~~فقلت : إذا كان الواحد في صيغة الجمع ما يصنع به في الصرف في مثل شعره ~~هراميل PageV01P350 وهذه سراويل وما أشبهه ، فقال : ألحقه بالجمع فأمنعه ~~الصرف ، لأنه مثله وشبيهه . قال : وسألت أحمد بن يحيى عن ذلك ، فقال : ~~أخبرنا سلمة عن الفراء قال : ألحقه بأحمد فامنعه الصرف في المعرفة ، واصرفه ~~في النكرة حتى يكون بين الواحد والجمع فرق . وسأل فقال : ما واح المناخيب ~~والمناجيب وما حكمهما ؟ فكان من الجواب : واحد المناخيب منخاب ، يمدح به ~~ويذم ، فإذا كان مدحا فهو مأخوذ من النخب ، وهو الاختيار ، وإذا كان ذما ~~فهو مأخوذ من النخبة ، وهي الاست . قال : وهكذا المنجاب يكون مدحا وذما ، ~~فإذا كان مدحا فهو مأخوذ من الانتجاب ، وهو الاختيار ، وإذا كان ذما فهو ~~مأخوذ من النجب ، وهو قشر الشجر . قال : ما معنى قولهم : امرأة عروب ؟ فكان ~~من الجواب أن محمد بن يزيد قال - على ما حدثنا به أبو سعيد وابن السراج عنه ~~- إنه من الأضداد ، وهي المتحببة إلى زوجها ؛ وهي الفاسدة ، مأخوذ من قولهم ~~: عربت معدته إذا فسدت . وقال : الضهياء يمد ويقصر ؟ فكان من الجواب أن ابن ~~الأعرابي قال : الذي حصلته عن الأعراب أن الضهياء الممدودة هي التي لا تحيض ~~، وأن المقصورة هي الياسمين ، وجمع الأول ضهى وجمع المقصور ضهايا . قال : ~~ما معنى المندلي المطير ؟ فكان من الجواب : أن ابن الأعرابي قال : هو مقلوب ~~المطري . وقال : PageV01P351 أنشدني غزلا ، فأنشدته ما حضر في الوقت ~~لأعرابي : أمر مجنبا عن بيت ms249 سلمى . . . ولم ألمم به وبه الغليل أمر مجنبا ~~وهواي فيه . . . وطرفي عنه منكسر كليل وقلبي فيه مقتتل فهل لي . . . ~~إلىقلبي وقاتله سبيل وقال : أتحفظ الأبيات التي فيها : تكفيه فلذة كبد إن ~~ألم بها . . . من الشواء ويكفي شربه الغمر فأنشده ابن نباتة ، وذاك لأني ~~قلت : ما أحفظ إلا هذا البيت شاهدا ، وهو لأعشى باهلة يرثي المنتشر : إني ~~أتتني لسان لا أسر بها . . . من علو لا عجب منها ولا سخر فبت مرتفعا للنجم ~~أرقبه . . . حيران ذا حذر لو ينفع الحذر وجاشت النفس لما جاء جمعهم . . . ~~وراكب جاء من تثليث معتمر يأتي على الناس لا يلوي على أحد . . . حتى ~~التقينا وكانت دوننا مضر PageV01P352 نعيت من لا تغب الحي جفنته . . . إذا ~~الكواكب أخطا نوأها المطر من ليس في خيره شر يكدره . . . على الصديق ولا في ~~صفوه كدر طاوي المصير على العزاء منصلت . . . بالقوم ليلة لا ماء ولا شجر ~~لا تنكر البازل الكوماء ضربته . . . بالمشرفي إذا ما اجلوذ السفر وتفزع ~~الشول منه حين تبصره . . . حتى تقطع في أعناقها الجرر لا يصعب الأمر إلا ~~ريث يركبه . . . وكل أمر سوى الفحشاء يأتمر يكفيه حزة فلذان ألم بها . . . ~~من الشواء ويكفي شربه الغمر لا يتأرى لما في القدر يرقبه . . . ولا يعض على ~~شرسوفه الصفر لا يغمز الساق من أين ومن وصب . . . ولا يزال أمام القوم ~~يقتفر مهفهف أهضم الكشحين منخرق . . . عنه القميص بسير الليل محتقر عشنا ~~بذلك دهرا ثم فارقنا . . . كذلك الرمح ذو النضلين ينكسر لا تأمن الناس ~~ممساه ومصبحه . . . من كل أوبقال : وإن لم يأت ينتظر إما يصبك عدو في ~~مناوأة . . . يوما فقد كنت تستعلي وتنتصر لو لم تخنه نفيل وهي خائنة . . . ~~ألم بالقوم ورد منه أو صدر وراد حرب شهاب يستضاء به . . . كما يضيء سواد ~~الطخية القمر إما سلكت سبيلا كنت سالكها . . . فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر ~~من ليس فيه إذا قاولته رهق . . . وليس فيه إذا ياسرته عسر PageV01P353 | # | الليلة الواحدة والثلاثون # وجرى ليلة حديث الرأي في الحرب والحزم والتيقظ وقلة الاستهانة بالخصم ، ~~فقال ابن عبيد الكاتب ms250 : أنا أستحسن كلاما جرى أيام الأمين والمأمون ، وذاك ~~أن علي بن عيسى بن ماهان لما توجه إلى حرب طاهر بن الحسين من بغداد ، سأل ~~قوما وردوا من الري عن طاهر ، فقالوا : إنه مجد . فقال : وما طاهر ؟ إنما ~~هو شوكة من أغصاني ، وشرارة من ناري ؛ ثم قال لأصحابه : والله ما بينكم ~~وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصفة إلا أن يبلغه عبورنا عقبة ~~همذان ، لأن السخال لا تقوى على النطاح ، والثعالب لا صبر لها على لقاء ~~الأسود ، فإن يقم طاهر بموضعه يكن أول معرض لظبات السيوف وأسنة الرماح . ~~فقال يحيى بن علي لعلي بن عيسى : أيها الأمير ، إن العساكر لا تساس ~~بالتواني ، والحروب لا تدبر بالاغترار ، وإن الشرارة الخفية ربما صارت ~~ضراما ، والنهلة من السيل ربما صارت بحرا عظيما . فقال : إنما حجب علي بن ~~عيسى عن وثيق الرأي هذا الاستحقار بالكلام ، والاقتدار على اللفظ ، ومن صدق ~~فكره في طلب الرأي النافع ، قل كلامه بالهذر الضائع . وقال في هذه الليلة : ~~ما رأيت من بقي بإحصاء وجوه فعيل ومواقعها . فكان من الجواب : أن الأخفش قد ~~ذكر عشرة أوجه ، وهي أكثر ما قدر عليه ، والتصفح قد دل على أربعين وجها ~~وزيادة . قال : فما أغرب ما مر بك منها ؟ فقيل : فعيل بمعنى فعل . فقال : ~~هذا والله غريب ، فهات له شاهدا . فقيل : يقال مكان دميث ودمث ، ويقين ويقن ~~، ورصيف ورصف ؛ وللفرس العتيد للعدو : العتد ؛ PageV01P354 والنقيل من ~~العدو : نقل ؛ والخبيط من الورق : خبط ؛ وللقديم : قدم ؛ والبئر النزيح : ~~نزح ، واللجسم العميم : عمم . وقال ابن الأعرابيك القفيل : الشوك اليابس ، ~~والجمع قفل . وقال أحمد بن يحيى : هو مني بعد أي بعيد ، والبعد يكون للجمع ~~والواحد . فعجب وقال : ينبغي أن يعني بهذه الوجوه كلها . فإن الزيادة على ~~مثل الأخفش ظفر حسن ، وامتياز في الغزارة جميل ، وما تفاضلت درجات العلماء ~~إلا بتصفح الأخير قول الأول واستيلائه على ما فاته . وسأل - أباد الله عداه ~~، وحقق مناه - وقال : هل يسلم على أهل الذمة ؟ وهل يبدأون ؟ فكان أبو ~~البختري الداودي حاضرا - فحكى أن عمر ms251 بن عبد العزيز سئل عن هذا بعينه ، ~~فقال : يرد عليهم السلام ، ولا يأس بأن يبدءوا ، لقول الله عز وجل : ' ~~فاصفح عنهم وقل سلام ' . وحكي في معرض حديث أبي بكر قال : كتب مجنون إلى ~~مجنون : ' بسم الله الرحمن الرحيم ، حفظك الله ، وأبقاك الله ، كتبت إليك ~~ودجلة تطغى ، وسفن الموصل ها هي ، وما يزداد الصبيان إلا شرا ، ولا الحجارة ~~إلا كثرة ، فإياك والمرق فإنه شر طعام في الدنيا ، ولا تبت إلا وعند رأسك ~~حجر أو حجران ، فإن الأخير يقول : ' وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ' . ~~وكتبت إليك لثلاث عشرة واربعين ليلة خلت من عاشوراء PageV01P355 سنة الكمأة ~~' . قال : وكتب مجنون آخر : ' أبقاك الله من النار وسوء الحساب ، وتفديك ~~نفسي موفقا إن شاء الله ' . قال : وكتب مجنون آخر إلى مجنون مثله : وهب ~~الله لي جميع المكاره فيك ، كتابي إليك من الكوفة حقا حقا حقا ، أقلامي تخط ~~، والموت عندنا كثير ، إلا أنه سليم والحمد لله ، أحببت ليعرفه إعلامكم ذلك ~~إن شاء الله . فضحك - أضحك الله سنه - حتى استلقى ، وقال : ما الذي يبلغ ~~بنا هذا الاستطراف إذا سمعنا بحديث المجانين ؟ فقال ابن زرعة : لأن المجنون ~~مشارك للعاقل في الجنس ، فغذا كان من العاقل ما يحسب أن يكون من المجنون ~~كره ذلك له ، وإذا كان من المجنون ما يعهد من العاقل تعجب منه ، والعقل بين ~~أصحابه ذور عرض واسع ، وبقدر ذلك يتفاضلون التفاضل الذي لا سبيل إلى حصره ، ~~وكذلك الجنون بين أهله ذو عرض واسع ، وبحسب ذلك يتفاوتون التفاوت الذي لا ~~مطمع في تحصيله ، وكما أنه يبدر من العاقل بعض ما لا يتوقع إلا من المجنون ~~كذلك يبدر من المجنون بعض ما لا يتوقع إلا من العاقل ، ولا يعتد بذلك ولا ~~بهذا ، أعني أن العاقل بذلك المقدار لا يرى مجنونا ، والمجنون بذلك المقدار ~~لا يسمى عاقلا ، وإنما اجتمعا في النادر القليل ، لاجتماعهما في الجنس الذي ~~يعمهما ، والنوع الذي يفصلهما ، وفي الجملة الإنسان بما هو به حيوان سبع ~~وحمار ، وبما هو به نفسي إنسان ، وبما هو به عاقل ms252 نبي وملك ؛ وهذه الأعراض ~~- وإن تداخلت لانتظامها في طينة واحدة - فإنها تتميز بقوة العقل في الصورة ~~المخلوطة إما مفارقة ، وإما مواصلة . ومر له في هذا الموضع كلام بليغ تام ~~مكشوف . | كمل الجزء الثاني من كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي ~~حسب تجزئتنا والحمد لله رب العاليمن والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه أجمعين ، ويليه الجزء الثالث من هذا الكتبا وأوله : ثم ترامى ~~الحديث إلى أمر المطعمين والطاعمين ، الخ . نسأل الله المعونة وحسن التوفيق ~~. PageV01P356 الجزء الثالث بسم الله الرحمن الرحيم بقية الليلة الحادية ~~والثلاثين في آخر الجزء الثاني ثم ترامى الحديث إلى أمر المطعمين والطاعمين ~~، والذين يهشون عند المائدة ، والذين يعبسون ويجمون ويطرقون ، والذين ~~يصخبون ويلغطون ، ويضجرون ويغتاظون . فقال : أحب أن أسمع في هذا أكثر ما ~~فيه ، ويمر بي أعجبه ، فإن في معرفة هذا الباب تهذيبا وإيقاظا كثيرا . فكان ~~في الجواب : إن الناس قديما وحديثا قد خاضوا في هذا الفن خوضا بعيدا ، وما ~~وقفوا منه عند حد ، لأن الحديث عن الأخلاق المختلفة بالأمزجة المتباينة ، ~~والطبائع المتنائية لا يكاد ينتهي إلى غاية يكون فيها شفاء للمستمع ~~المستفيد و لا للرواية المفيد . قال : قبل كل شيء أعلمونا يا أصحابنا : ~~الحث على الأكل أحسن ، أم الإمساك حتى يكون من الأكل ما يكون ؟ فكان من ~~الجواب : أن هذه المسئلة بعينها جرت بالأمس بالري عند ابن عباد فتنوهب ~~الكلام فيها ، وأفضى إلى أن الأولى الحث والتأنيس والبسط والطلاقة ولين ~~PageV01P357 اللفظ وقلة التحديق وإسجاء الطرف مع اللطف والدماثة ، من غير ~~دلالة على تكلف في ذلك فاضح ولا إمساك عنه قادح . وحكى ابن عباد في هذا ~~الموضع ان بعض السلف قال : الطعام أهون من أن يحث على تناوله . وقال الحسن ~~بن عليك الطعام أجل من أن لا يحث على تناوله ، ومذهب الحسن أحسن . قال : ~~ولقد حضرت مولد ناس لا أظن بهم البخل فلم يحثوني ولم يبسطوني فقبضني ذلك ، ~~وكأن انقباضي كان بمعونتهم ، وإن لم يكن بإرادتهم . قال الوزير : هذه فائدة ~~من هذا الرجل الذي يتهادى قوله ms253 ، وتتراوى أخباره . ثم حكيت له أن أسماء بن ~~حارجة قال : ما صنعت طعاما قط فدعوت عليه نفرا إلا كانوا أمن علي مني عليهم ~~. فقال : زدنا من هذا الضرب ما كان ، قلت : لو أذن لي في جمعه كان أولى ؛ ~~قال : لك ذلك فما يضرنا أن تطرب آذاننا بما تهوى نفوسنا . فكان من الجواب ~~أن الجاحظ قد أتى على جمهرة هذا الباب إلا ما شذ عنه مما لم يقع إليه ، فإن ~~العالم - وإن كان بارعا - ليس يجوز أن يظن به أنه قد أحاط بكل باب ، أو ~~بالباب الواحد إلى آخره ؛ على أنه حدث من عهد الجاحظ إلى وقتنا هذا أمور ~~وأمور ، وهنات وهنات ، وغرائب وعجائب ، لأن الناس يكتسبون على رأس كل مائة ~~سنة عادة جديدة ، وخليقة غير معهودة ، وبدء هذه المئين هو الوقت الذي فيه ~~تنعقد شريعة ، وتظهر PageV01P358 نبوة ، وتفشو أحكام ، وتستقر سنن ، وتؤلف ~~أحوال بعد فطام شديد ، وتلكؤ واقع ؛ ثم على استنان ذلك يكون ما يكون . وقال ~~ميمون بن مهران : من ضاف البخيل صامت دابته ، واستغنى عن الكنيف ، وأمن ~~التخمة . وقال حامد اللفاف المتزهد : المرائي إذا ضاف إنسانا حدثه بسخاوة ~~إبراهيم ، وإذا ضافه إنسان حدثه بزهد عيسى بن مريم . وقال مالك بن دينار : ~~دخلنا على ابن سيرين فقال : ما أدري ما أطعمكم ؟ ثم قدم إلنيا شهدة . وقال ~~الأعمش : كان خيثمة يصنع الخبيص ثم يقول : كلوا فوالله ما صنع إلا من أجلكم ~~. وقال بكر بن عبد الله المزني : أحق الناس بلطمة من إذا دعي إلى طعام ذهب ~~بآخر معه ، وأحقهم بلطمتين من إذا قيل له : اجلس ها هنا قال : بل ها هنا ؛ ~~وأحق الناس بثلاث لطمات من إذا قيل له : كل ، قال : ما بال صاحب البيت لا ~~يأكل معنا . وقال إبراهيم بن الجنيد : كان يقال : أربع لا ينبغي لشريف أن ~~يأنف منهن وإن كان أميرا : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته للعالم يتعلم منه ~~، والسؤال عما لا يعلم ممن هو أعلم منه ، وخدمة الضيف بنفسه إكراما له . ~~وقال حاتم الأصم : كان يقال العجلة ms254 من الشيطان إلا في خمس ، فإنها من سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : إطعام الضيف إذا حل ، وتجهيز الميت إذا مات ~~، وتزويج البكر إذا أدركت ، وقضاء PageV01P359 الدين إذا حل ووجب ، والتوبة ~~من الذنب إذا وقع . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : : ليلة الضيف حق واجب ~~على كل مسلم ، فمن أصبح بفنائه فهو أحق به إن شاء أخذ ، وإن شاء ترك ' . ~~وجاءت امرأة إلى الليث بن سعد وفي يدها قدح ، فسألت عسلا وقالت : زوجي مريض ~~؛ فأمر لها براوية عسل ؛ فقالوا : يا أبا الحرث : إنما تسأل قدحا . قال : ~~سألت قدرها ونعطيها على قدرنا . خرج ابن المبارك يوما إلى أصحابه ، فقال ~~لهم : نزل بنا ضيف اليوم فقال : اتخذوا لي فالوذجا ؛ فسرنا ذلك منه . وقال ~~الحسن في الرجل يدخل بيت أخيه فيرى السلة فيها الفاكهة : لابأس أن يأكل من ~~غير أن يستأذنه . وقال ابن عمر : أهديت لرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم شاة فقال : أخي فلان أحوج إليها ، وبعث بها إليه ، فلم يزل يبعث بها ~~واحد بعد واحد حتى تداولها تسعة أبيات ، ورجعت إلى الأول ، فنزلت الآية : ' ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ' . قال أبو سعيد الخدري : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ' من كان له ظهر فليعد على من لا ظهر له ؛ ومن ~~كان له زاد فليعد على من لا زاد له ، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في ~~الفضل ' . وسئل ابن عمر . ما حق المسلم على المسلم ؟ قال : ألا يشبع ويجوع ~~، وألا يلبس ويعرى ، وأن يواسيه ببيضائه وصفرائه . وكان ابن أبي بكرة ينفق ~~على جيرانه أربعين دارا سوى سائر نفقاته ، وكان يبعث إليهم PageV01P360 ~~بالأضاحي والكسوة في الأعياد ، وكان يعتق في كل يوم عيد مائة مملوك . وكان ~~حماد بن أبي سليمان يفطر كل ليلة من شهر رمضان خمسين إنسانا ، وإذا كان يوم ~~الفطر كساهم ثوبا ثوبا وأعطاهم مائة مائة . وقال الشاعر : أراك تؤمل حسن ~~الثناء . . . ولم يرزق الله ذاك البخيلا وكيف يسود أخو بطنة . . . يمن ~~كثيرا ويعطي ms255 قليلا وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' تجافوا عن ذنب السخي ~~، فإن الله يأخذ بيده كلما عثر ' . وقال عليه السلام : ' من أدى الزكاة ، ~~وقرة الضيف ، وآوى في النائبة ، فقد وقي شح نفسه ' . وقالت أم البنين أخت ~~عمر بن عبد العزيز : أف للبخل ، ولو كان طريقا ما سلكته ، ولو كان ثوبا ما ~~لبسته ، ولو كان سراجا ما استضأت به . وقال الأصمعي : قال بعض العرب : ليست ~~الفتوة الفسق ولا الفجور ، ولا شرب الخمور ، وإنما الفتوة طعام موضوع ، ~~وصنيع مصنوع ، ومكان مرفوع ، ولسان معسول ، ونائل مبذول ، وعفاف معروف ، ~~وأذى مكفوف . وقال أبو حازم المدني : أسعد الناس بالخلق الحسن صاحبه ، نفسه ~~منه في راحة ، ثم زوجته ، ثم ولده ، حتى إن فرسه ليصهل إذا سمع صوته ، ~~وكلبه يشرشر بذنبه إذا رآه وقطه يدخل تحت مائدته ، وإن السيىء الخلق لأشقى ~~الناس ، نفسه منه في بلاء ، ثم زوجته ، ثم ولده ، ثم خدمه ، وإ ، ه ليدخل ~~وهم في سرور فيتفرقون فرقا منه ، وإن دابته لتحيد عنه إذا رأته ، مما ترى ~~منه ، وكلبه ينزو على الجدار ، وقطه يفر منه . وكان على باب ابن كيسان ~~مكتوب : ادخل وكل . وكانت عائشة رضي الله عنها تقول في بكائها على النبي ~~صلى الله عليه وسلم : بأبي من لم ينم على PageV01P361 الوثير ، ولم يشبع من ~~خبز الشعير . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' إن الله لم يخلق وعاء ملىء ~~شرا من بطن ، فإن كان لابد فاجعلوا ثلثا للطعام ، وثلثا للشراب ، وثلثا ~~للريح ' . قال الشاعر : ليسوا يبالون إذا أصبحوا . . . شبعى بطانا حق من ~~ضيعوا ولا يبالون بمولاهم . . . والكلب في اموالهم يرتع وحكى لنا أبو بكر ~~أحمد بن إبراهيم بجرجان إمام الدنيا قال : رأيت أبا خليفة المفضل بن الحباب ~~، وقد دعي إلى وليمة فرأى الصحاف توضع وترفع ، فقال : أللحسن والمنظر دعينا ~~، أم للأكل والمخبر ؟ فقيل : بل للأكل والمخبر ، قال : فاتركوا الصحفة يبلغ ~~قعرها . وكان سليمان بن ثوابة ضخم الخوان ، كثير الطعام ، وافر الرغيف ، ~~وكان معجبا بإجادة الألوان ، واتخاذ البدائع والطرائف والغرائب على مائدته ~~؛ وكانت له ضروب ms256 من الحلوى لا تعرف إلا به ، وكان خبزه الذي يوضع على ~~المائدة الرغيف من مكوك دقيق ، ولذلك قال أبو فرعون العدوي : ما الناس إلا ~~نبط وخوزان . . . ككهمس أو عمر بن عمران ضاق جرابي عن رغيف سلمان . . . أبا ~~حمار في حر أم قحطان وأير بغل في است أم عدنان . . . . PageV01P362 وعشق ~~رجل جارية رومية كانت لقوم ذوي يسار ، فكتب إليها يوما : جعلت فداك ، عندي ~~اليوم أصحابي ، وقد اشتهيت سكباجة بقرية فأحب أن توجهي إلينا بما يعمنا ~~ويكفينا منها ، ودستجة من نبيذ لنتغذى ونشرب على ذكرك ، فلما وصلت الرقعة ~~وجهت إليه بما طلب ؛ ثم كتب إليها يوما آخر : فدتك نفسي ، إخواني مجتمعون ~~عندي ، وقد اشتهيت قلية جزورية فوجهي بها إلي وما يكفينا من النبيذ والنقل ~~، ليعرفوا منزلتي عندك ، فوجهت إليه بكل ما سأل ؛ ثم كتب إليها يوما آخر : ~~جعلت فداك ، قد اشتهيت أنا وأصحابي رءوسا سمانا ، فأحب أن توجهي إلينا بما ~~يكفينا ، ومن النبيذ بما يروينا ؛ فكتبت الجارية عند ذلك : إني رأيت الحب ~~يكون في القلب ، وحبك هذا ما تجاوز المعدة . وكتبت أسفل الرقعة : عذيري من ~~حبيب جا . . . ءنا في زمن الشده وكان الحب في القلب . . . فصار الحب في ~~المعده وقال جرير : ولا يذبحون الشاة إلا بميسر . . . كثير تناجيها لئام ~~قدورها PageV01P363 وقالت عادية بنت فرعة الزبيرية في ابنها دوس : تشبه دوس ~~نفرا كراما كانوا الذرى والأنف والسناما كانوا لمن خالطهم إداما كالسمن لما ~~سغبل الطعاما يقال سغبل رأسه بالدهن وسغسغه ورواه وأمرعه . قال الواقدي : ~~قيل لأم أيوب : أي الطعام كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقد ~~عرفتم ذلك بمقامه عندكم ؟ فقالت : ما رأيته أمر بطعام يصنع له بعينه ، ولا ~~رأيناه أتى بطعام فعابه قط . وقد أخبرني أبو أيوب أنه تعشى عنده ليلة من ~~قصعة أرسل بها سعد بن عبادة فيها طفيشل فرأيته ينهك تلك القصعة ما لم ينهك ~~غيرها ، فرجع إلي فأخبرني ، فكنا نعملها له . وكنا نعمل له الهريسة ، وكانت ~~تعجبه ، وكان يحضر عشاءه من خمسة إلى ستة إلى عشرة ms257 كما يكون الطعام في ~~القلة والكثرة . وكان أسعد بن زرارة يعمل له هريسة ليلة وليلة لا ، فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها ؛ أجاءت قصعة أسعد أم لا ؟ فيقال : ~~نعم ، فيقول : هلموها ؛ فنعرف بذلك أنها تعجبه . قدم صهيب على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بقباء ومعه أبو بكر وعمر ، بين أيديهم رطب قد جاءهم به ~~كلثوم بن الهدم أمهات جراذبن وصهيب قد PageV01P364 رمد في الطريق ، وأصابته ~~مجاعة شديدة ، فوقع في الرطب ؛ قال صهيب : فجعلت آكل ، فقال عمر : يا رسول ~~الله ، ألا ترى إلى صهيب يأكل الرطب وهو رمد ؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ' أتأكل الرطب وأنت رمد ؟ ' فقال صهيب : أنا آكل بشق عيني ~~الصحيحة ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الأعشى : لو أطعموا ~~المن والسلوى مكانهم . . . ما أبصر الناس طعما فيهم نجعا وقال الكميت : وما ~~استنزلت في غيرنا قدر جارنا . . . ولا ثفيت إلا بنا حين تنصب يقول إذا ~~جاورنا جار لم نكلفه أن يطبخ من عنده ، ويكون ما يطبخه من عندنا بما نعطيه ~~من اللحم لينصب قدره . ويقال للحيس سويطة . وقال : الرغيغة لبن يطبخ . وقال ~~: هي العصيدة ، ثم الحريرة ثم النجبرة ، ثم الحسو . واللوقة : الرطب بالسمن ~~، والسليقة : الذرة تدق وتصلح باللبن ، والرصيعة : البر يدق بالفهر ~~PageV01P365 ويبل ويطبخ بشيء من السمن ، والوجيئة : التمر يوجأ ثم يؤكل ~~باللبن . وقال أعرابي : ليس من الألبان أحلى من لبن الخلفة . والنخبسة ~~والقطبية يخلط لبن إبل بلبن غنم . وقال أعرابي : الحمد لله الذي أغنانا ~~باللبن عما سواه . ويقال أكل خبزا قفارا وعفارا وعفيرا : لا شيء معه وعليه ~~العفار والدمار وسوء الدار ؛ وأكل خبزا جبيزا أي فطيرا يابسا . وجاء بتمر ~~فض وفضا وفذ وحث : لا يلزق بعضه ببعض . قال أبو الحسن الطوسي : أخبرني هشام ~~قال : دخل علي فرج الرخجي وقد تغديت واتكأت ، فقال : يا أبا عبد الله : ~~إنما تحسن الأكل والاتكاء . قال : فتركت الأكل عنده أياما ، وبلغه ذلك ، ~~فبعث إلي : إن كنت لا تأكل طعامنا فليس لنا فيك حاجة . قال ms258 : فأكلت شيئا ثم ~~أتيته فلم يعتذر مما كان . قال أبو الحسن : أخبرني الفراء قال : العرب تسمى ~~السكباجة الصعفصة . وأنشد : أبو مالك يعتادنا في الظهائر . . . يجوء فيلقي ~~رحله عند عامر PageV01P366 أبو مالك : الجوع ، هكذا تقول العرب ويجىء ويجوء ~~لغتان . وقال الآخر : رأيت الغواني إذ نزلت جفونني . . . أبا مالك إني أظنك ~~دائبا أبو مالك ها هنا الشيب . قال أبو الحسن : أخبرني الثوري عن أبي عبيدة ~~في الحديث الذي يروى عن عمر بن الخطاب أنه رأى في روث فرسه حبة شعير ، فقال ~~: لأجعلن لك في غرز النقيع ما يشغلك عن شعير المسلمين . قال : والنقيع : ~~موضع بالمدينة أحماه عمر بن الخطاب لخيل المسلمين ، خلاف البقيع بالباء . ~~قال الطوسي : العرب تقول : أيدي الرجال أعناقها ، أي من كان أطول يدا على ~~المائدة تناول فأكل ، الهاء ترجع على الإبل ، أي أيدي الرجال أعناق الإبل ، ~~أي من طال نال . قال الأصمعي : سألت بعض الأكلة فيمن كان يقدم على ميسري ~~الناس كيف تصنع إذا جهدتك الكظة - والعرب تقول : إذا كنت بطنا فعدك زمنا - ~~؟ قال : آخذ روثا حارا وأعصره وأشرب ماءه ، فاختلف عنه مرارا ، فلا ألبث أن ~~يلحق بطني بظهري فأشتهي الطعام . قال ابن الأعرابي : قال الكلابي : هو يندف ~~الطعام إذا أكله بيده ، ويلقم الحسو ، PageV01P367 واللقم بالشفة ، والندف ~~: الأكل باليد . وقال الزبيري : يندف . وأنشد ابن الأعرابي : ويظل ضيف بني ~~عبادة فيهم . . . متضمرا وبطونهم كتم أي ممتلئة . والتضمر : الهزال ~~والنحافة ، كالنخل المصمر ، أي الذي قد ذوت جذوعه . قال الشنبوذي في قول ~~الله تعالى : ' قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا ' . قال : الذين يثردون ويأكل غيرهم . قال أبو الحسن : كانت لي ابنة ~~تجلس معي على المائدة فتبرز كفا كأنها طلعة ، في ذراع كأنها جمارة ، فلا ~~تقع عينها على أكلة نفيسة إلا خصتني بها ، فزوجتها ، وصار يجلس معي على ~~المائدة ابن لي ، فيبرز لي كفا كأنها كرنافة ، في ذراع كأنها كربة ، فوالله ~~إن تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلا سبقت يده إليها . وقال أعرابي للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ms259 : إني نذرت إذا بلغتني ناقتي أن أنحرها وآكل من كبدها . قال ~~: ' بئسما جازيتها ' . أضل أعرابي بعيرا له ، فطلبه ، فرأى على باب الأمير ~~بختيا ، فأخذه وقال : هذا بعيري ، فقال : إنك أضللت بعيرا وهذا بختي . فقال ~~: لما أكل علف الأمير تبخت . فضحك منه وتركه يعيد قوله ويعجبه . الكدبة : ~~غلظ اللحم وتراكمه ، ومنه قول هشام لسالم - وقد رآه فأعجبه جسمه - : ما ~~PageV01P368 رأيت ذا كدنة أحسن منك ، فما طعامك ؟ قال : الخبز والزيت . قال ~~: أما تأجمه ؟ قال : إذا أجمته تركته حتى أشتهيه ، ثم خرج وقد أصاب في جسمه ~~برصا . فقال لقمني الأحوال بعينه ، فما خرج هشام من المدينة حتى صلى عليه . ~~وقال عبد الأعلى القاص : الفقير مرقته سلقة ، وغذاؤه علقة ، وخبزته فلقة ، ~~وسمكته شلقة ، أي كثيرة الشوك . قال رجاء بن سلمة : الأكل في السوق حماقة . ~~قيل لذؤيب بن عمرو : إنك مفلس لا تقدر على قرص ولا جمع ولا حفاةل ، وبيتك ~~عامر بالفأر . قال علي بن عيسى : الطلاق الثلاث البتة إن كان يمنعهم من ~~التحول عنه إلا أنهم يسرقون أطعمة الناس يأكلونها في بيته لأمنهم فيه ، ~~لأنه لا هر هناك ولا أحد يأخذ شيئا ولا يؤذون ، وإن لهم لمسقاة مملوءة ماء ~~كلما جفت سكب لهم فيها ماء . جعل الخبر عن الفأر على التلميح ، كالخبر عن ~~قوم عقلاء . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' أكرموا الخبز فإن الله ~~أكرمه وسخر له بركات السموات والأرض ' . وقال آخر : PageV01P369 كأن صوت ~~سحبها الممتاح . . . سعال شيخ من بني الجلاح يقول من بعد السعا آح قال ~~الأصمعي : الرجيع : الشواء يسخن ثانية . والنقيعة ما يحرزه رئيس القوم من ~~الغنيمة قبل أن تقسم والجمع نقائع . وقال : أنشدني عيسى بن عمر لمعاوية بن ~~صعصعة : مثل الذرى لحبت عرائكها . . . لحب الشفار نقائع النهب وقال مهلهل : ~~إنا لنضرب بالسيوف رءوسهم . . . ضرب القدار نقيعة القدام القدار : الجزار ~~والقدار : الملك أيضا . والقدام : رؤساء الجيوش ، والواحد قادم . وقال معن ~~بن أوس يصف هدير قدر : إذا التطمت أمواجها فكأنها . . . عوائد دهم في ~~المحلة قيل إذا ما انتحاها المرملون رأيتها . . . لوشك قراها ms260 وهي بالجزل ~~تشعل PageV01P370 سمعت لها لغطا إذا ما تغطمطت . . . كهدر الجمال رزما حين ~~تجفل وقال آخر : إذا كان فصد العرق والعرق ناضب . . . وكشط سنام الحي عيشا ~~ومغنما وكان عتيق القد خير شوائهم . . . وصار غبوق الخود ماء محمما عقرت ~~لهم دهما مقاحيد جلة . . . وعادت بقايا البرك نهبا مقسما قال : وإذا كان ~~القحط فصدوا الإبل وعالجوا ذلك الدم بشيء من العلاج لها كما يصنع الترك ، ~~فإنها تجعله في المصران ، ثم تشويه أو تطبخه ، فيؤكل كما تؤكل النقانق وما ~~أشبه ذلك . وأما قوله : والعرق ناضب ، فإنما يعني قلة الدم لهزال البعير ، ~~وكذلك جميع الحيوان ، وأكثر ما يكون دما إذا كان بين المهزول والسمين . ~~وقالت أم هشام السلولية : ما ذكر الناس مذكورا خيرا من الإبل وأجدى على أحد ~~بخير ؛ هكذا روي . وقال الأندلسي : إن حملت أثقلت ، وإن مشت أبعدت ، وإن ~~حلبت أروت ، وإن PageV01P371 نحرت أشبعت . قال أبو الحسن الهيثم ، عن عبد ~~العزيز بن يسار قال : قدمت يا جميري بخمس سفائف دقيق ، وذاك في زمن مصعب ~~وهو معسكر بها فلقيني عكرمة بن ربعي الشيباني فقال : بكم أخذتها ؟ قلت : ~~بتسعين ألفا . قال : فإني أعطيك مائة وخمسين ألفا على أن تؤخرني . فدفعتهن ~~إليه ، وما في المعسكر يومئذ دقيق . قال : فجاء بنو تيم الله فأخذوا ذلك ~~الدقيق ، فجعل كل قوم يعجنون على حيالهم ، ثم جاءوا إلى رهوة من الأرض ~~فحفروها ، ثم جعلوا فيها الحشيش ، ثم طرحوا ذلك العجين فيها ، ثم أقبلوا ~~فأخذوا فرسا وديقا . . . فخلوا عنه ، ثم أقبلوا وهو يتبعهم حتى انتهوا إلى ~~الحفيرة ، فدفعوا الفرس الوديق فيها ، وتبعها الفرس ، وتنادى الفريقان : إن ~~فرس حوشب وقع في حفيرة عكرمة فما أخرجوه إلا بالعمد . قال : فغلبه عكرمة . ~~قال شاعر : لا أشتم الضيف إلا أن أقول له : . . . أباتك الله في أبيات عمار ~~أباتك الله في أبيات معتز . . . عن المكارم لا عف ولا قاري جلد الندى زاهد ~~في كل مكرمة . . . كأنما ضيفه في ملة النار وقال آخر : وهو إذا قيل له : ~~ويها كل . . . فإنه مواشك مستعجل PageV01P372 وهو إذا قيل له : ويها ms261 فل . . ~~. فإنه أحج به أن ينكل قيل لصوفي : ما حد الشبع ؟ قال : لا حد له ، ولو ~~أراد الله أن يؤكل بحد لبين كما بين جميع الحدود . وكيف يكون للأكل حد ، ~~والأكلة مختلفو الطباع والمزاج والعارض والعادة ، وحكمة الله ظاهرة في ~~إخفاء حد الشبع حتى يأكل من شاء على ما شاء كما شاء . وقيل لصوفي : ما حد ~~الشبع ؟ فقال : ما نشط على أداء الفرائض ، وثبط عن إقامة النوافل . وقيل ~~لمتكلم : ما حد الشبع ؟ فقال : حده أن يجلب النوم ، ويضجر القوم ، ويبعث ~~على اللوم . وقيل لطفيلي : ما حد الشبع ؟ قال : أن يؤكل على أنه آخر الزاد ~~، ويؤتى على الجل والدق . وقيل لأعرابي : ما حد الشبع ؟ قال : أما عندكم يا ~~حاضرة فلا أدري ؛ وأما عندنا في البادية فما وجدت العين ، وامتدت إليه اليد ~~، ودار عليه الضرس وأساغه الحلق ، وانتفخ به البطن ، واستدارت عليه الحوايا ~~، واستغاثت منه المعدة ، وتقوست منه الأضلاع ، والتوت عليه المصارين ، وخيف ~~منه الموت . وقيل لطبيب : ما حد الشبع ؟ قال : ما عدل الطبيعة ، وحفظ ~~المزاج وأبقى الشهوة لما بعد . وقيل لقصار : ما حد الشبع ؟ قال : أن تثب ~~إلى الجفنة كأنك سرحان وتأكل وأنت غضبان ، وتمضغ كأنك شيطان ، وتبلغ كأنك ~~هيمان ، وتدع وأنت سكران ، وتستلقي كأنك أوان . وقيل لحمال : ما حد الشبع ؟ ~~قال : أن تأكل ما رأيت بعشر يديك غير عائف ولا متقزز ، ولا كاره ولا متعزز ~~. PageV01P373 وقيل لملاح : ما حد الشبع ؟ قال : حد السكر . قيل : فما حد ~~السكر ؟ قال : ألا تعرف السماء من الأرض ، ولا الطول من العرض ، ولا ~~النافلة من الفرض ، من شدة النهس والكسر والقطع والقرض . قيل له فإن السكر ~~محرم ، فلم جعلت الشبع مثله ؟ قال : صدقتم ، هما سكران : أحد السكرين موصوف ~~بالعيب والخسار ، والآخر معروف بالسكينة والوقار . قيل له : أما تخاف ~~الهيضة ؟ قال : إنما تصيب الهيضة من لا يسمي الله عند أكله ، ولا يشكره على ~~النعمة فيه . فأما من ذكر الله وشكره فإنه يهضم ويستمرىء ويقوم إلى الزيادة ~~. وقيل لبخيل : ما حد الشبع ؟ قال : الشبع حرام كله ، وإنما ms262 أحل الله من ~~الأكل ما نفى الخوى ، وسكن الصداع ، وأمسك الرمق ، وحال بين الإنسان وبين ~~المرح ، وهل هلك الناس في الدين والدنيا إلا بالشبع ولاتضلع والبطنة ~~والاحتشاء ، والله لو كان للناس إمام لو كل بكل عشرة منهم من يحفظ عليهم ~~عادة الصحة ، وحالة العدالة ، حتى يزول التعدي ، ويفشو الخير . وقيل لجندي ~~: ما حد الشبع ؟ قال : ما شد العضد ، وأحمى الظهر ، وأدر الوريد ، وزاد في ~~الشجاعة . وقيل لزاهد : ما حد الشبع ؟ قال : ما لم يحل بينك وبين صوم ~~النهار وقيام الليل . وإذا شكا إليك جائع عرفت صدقه لإحساسك به . وقيل ~~لمدني : ما حد الشبع ؟ فقال : لا عهد لي به ، فكيف أصف ما لا أعرف ؟ وقيل ~~ليمني : ما حد الشبع ؟ قال : أن يحشى حتى يخشى . وقيل لتركي : ما حد الشبع ~~؟ قال : أن تأكل حتى تدنو من الموت . وقيل سمويه القاص : من أفضل الشهداء ؟ ~~قال : من مات بالتخمة ، PageV01P374 ودفن على الهيضة . قيل لسمرقندي : ما ~~حد الشبع ؟ قال : إذا جحظت عيناك ، وبكم لسانك ، وثقلت حركتك ، وارجحن بدنك ~~، وزال عقلك ، فأنت في أوائل الشبع . قيل له : إذا كان هذا أوله ، فما آخره ~~؟ قال : أن تنشق نصفين . قيل لهندي : ما حد الشبع ؟ قال : المسئلة عن هذا ~~كالمحال ، لأن الشبع من الأرز النقي الأبيض ، الكبار الحب ، المطبوخ باللبن ~~والحليب ، المغروف على الجام البلور ، المدوف بالسكر الفائق ، مخالف للشبع ~~من السمك المملوح وخبز الذرة ، وعلى هذا يختلف الأمر في الشبع . فقيل له : ~~فدع هذا ، إلى متى ينبغي أن يأكل الإنسان ؟ قال : إلى أن يقع له أنه إن ~~أراد لقمة زهقت نفسه إلى النار . قيل لمكار : ما حد الشبع ؟ قال : والله ما ~~أدري ، ولكن أحب أن آكل ما مشى حماري من المنزل إلى المنزل . قيل لجمال : ~~ما حد الشبع ؟ قال : أنا أواصل الأكل فما أعرف الحد ، ولو كنت أنتهي لوصفت ~~الحال فيه ، أعني أني ساعة ألت الدقيق ، وساعة أمل الملة ، وساعة أثرد ، ~~وساعة آكل وساعة أشرب لبن اللقاح ؛ فليس لي فراغ فأدري أني بلغت من الشبع ، ~~إلا أنني أعلم ms263 في الجملة أن الجوع عذاب وأن الأكل رحمة ، وأن الرحمة كلما ~~كانت أكثر ، كان العبد إلى الله أقرب ، والله عنه أرضى . قال الوزير : لما ~~بلغت هذا الموضع من الجزء - وكنت أقرأ عليه - : ما أحسن ما اجتمع من هذه ~~الأحاديث ! هل بقي منها شيء ؟ قلت : بقي منها جزء آخر . قال : دعه لليلة ~~أخرى وهات ملحة الوداع . قلت : قيل لصوفي في جامع المدينة : ما تشتهي ؟ قال ~~: مائدة روحاء عليها جفنة PageV01P375 رحاء ، فيها ثريدة صفراء ، وقدر ~~حمراء بيضاء . قال : أبيت الآن ألا تودع إلا بمثل ما تقدم ؟ وانصرفت . # | الليلة الثانية والثلاثون # ثم حضرت فقرأت ما بقي من هذا الفن . قال رجل من فزارة : تنبح أحيانا ~~وأحيانا تهر . . . وتتمطى ساعة وتقدحر تعدو على الضيف بعود منكسر . . . ~~يسقط عنها ثوبها وتأتزر لو نحرت في بيتها عشر جزر . . . لأصبحت من لحمهن ~~تعتذر بحلف سح ودمع منهمر . . . يفر من قاتلها ولا تفر المقدحر : المتهيىء ~~للسباب . وقال أبو دلامة الأسدي : PageV01P376 قد يشبع الضيف الذي لا يشبع ~~. . . من الهبيد والحراد تسع ثم يقول ارضوا بهذا أو دعوا وقال آخر : حتى ~~إذا أضحى تدري واكتحل . . . لجارتيه ثم ولى فنشل ذرق الأنوقين . . . ~~القرنبي والجعل وقال آخر : إذا أتوه بطعام وأكل . . . بات يعشى وحده ألفي ~~جعل وقال أبو النجم : تدني من الجدول مثل الجدول . . . أجوف في غلصمة ~~كالمرجل تسمع للماء كصوت المسحل . . . بين وريديها وبين الجحفل يلقيه من ~~طرق أتتها من عل . . . قذف لها جوف وشدق أهدل PageV01P377 كأن صوت جرعها ~~المستعجل . . . جندلة دهدهتها في جندل وقال آخر : يقول للطاهي المطري في ~~العمل . . . ضهب لنا إن الشواء لا يمل بالشحم إما قد أجمناه بخل . . . عجل ~~لنا من ذا وألحق بالبدل وأنشد ابن الأعرابي : أعددت للضيف وللرفيق . . . ~~والجار والصاحب والصديق وللعيال الدردق اللصوق . . . حمراء من معز أبي ~~مرزوق تلحس خد الحالب الرفيق . . . بلين المس قليل الريق كأن صوت شخبها ~~الفتيق . . . فحيح ضب حرب حنيق في جحر ضاق أشد الضيق وأنشد أيضا : هل لك في ~~مقراة قيل نىء . . . وشكوة باردة النسىء تخرج لحم الرجل الضوي ms264 . . . حتى ~~تراه ناهد الثدي PageV01P378 وأنشد ابن حبيب : نعم لقوح الصبية الأصاغر . . ~~. شروبهم من حلب وحازر حتى يروحوا سقط المآزر . . . وضع الفقاح نشز الخواصر ~~وأنشد الآمدي : كأن في فيه حرابا شرعا . . . زرقا تقض البدن المدرعا لو عض ~~ركنا وصفا تصدعا وقال محمد بن بشير : لقل عارا إذا ضيف تضيفني . . . ما كان ~~عندي إذا أعطيت مجهودي فضل المقل إذ أعطاه مصطبرا . . . ومكثر في الغنى ~~سيان في الجود لا يعدم السائلون الخير أفعله . . . إما نوالي وإما حسن ~~مردودي قال الأعرابي : نعم الغداء السويق ، إن أكلته على الجوع عصم ، وإن ~~أكلته على الشبع هضم . وقال العوامي - وكان زوارا لإخوانه في منازلهم - : ~~العبوس بوس ، والبشر بشرى ، والحاجة تفتق الحيلة ، والحيلة تشحذ الطبيعة . ~~ورأيت الحنبلوني ينشد ابن آدم - وكان موسرا بخيلا - : PageV01P379 وما ~~لامرىء طول الخلود وإنما . . . يخلده حسن الثناء فيخلد فلا تدخر زادا فتصحب ~~ملجأ . . . إليه وكله اليوم يخلفه الغد وحكى لنا ابن أسادة قال : كان عندنا ~~- يعني بأصفهان - رجل أعمى يطوف ويسأل ، فأعطاه مرة إنسان رغيفا ، فدعا له ~~وقال : أحسن الله إليك ، وبارك عليك ، وجزاك خيرا ، ورد غربتك . فقال له ~~الرجل : ولم ذكرت الغربة في دعائك ، وما علمك بالغربة ؟ فقال : الآن لي ها ~~هنا عشرون سنة ما ناولني أحد رغيفا صحيحا . وقال آخر : يرى جارهم فيهم ~~نحيفا وضيفهم . . . يجوع وقد باتوا ملاء المذاخر وقال الكروسي : ولا يستوي ~~الاثنان للضيف : آنس . . . كريم ، وزاو بين عينيه قاطب وأنشد : طعامهم فوضى ~~فضى في رحالهم . . . ولا يحسنون السر إلا تناديا وأنشد آخر : يمان ولا يمون ~~وكان شيخا . . . شديد اللقم هلقاما بطينا العرب تقول : إذا شبعت الدقيقة ~~لحست الجليلة . قال ابن سلام : كان يخبز في مطبخ سليمان - عليه السلام - في ~~كل يوم ستمائة كر PageV01P380 حنطة ، ويذبح له في كل غداة ستة آلاف ثور ~~وعشرون شاة ، وكان يطعم الناس ويجلس على مائدته بجانبه اليتامى والمساكين ~~وأبناء السبيل ، ويقول لنفسه : مسكين بين مساكين . ولما ورد تهامة وافى ~~الحرم وذبح للبيت طول مقامه بمكة كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف ثور ~~وعشرين ms265 ألف شاة . وقال لمن حضر : إن هذا المكان سيخرج منه نبي صفته كذا ~~وكذا . وقال أعرابي : وإذا خشيت من الفؤاد لجاجة . . . فاضرب عليه بجرعة من ~~رائب وروى هشيم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كرم المرء أن يطيب ~~زاده في السفر . وقال ابن الأعرابي : يقال : جاء فلان ولقد لغط رباطه من ~~الجوع والعطش . وأنشد : ربا الجوع في أونيه حتى كأنه . . . جنيب به إن ~~الجنيب جنيب أي جاع حتى كأنه يمشي في جانب متعقفا . وقال أيضا : إن من شؤم ~~الضيف أن يغيب عن عشاء الحي ، أي لا يدركه ، فيريد إذا جاءهم أن يتكلفوا له ~~عشاء على حدة . وأنشد : حياك ربك واصطبحت ثريدة . . . وإدامها رز وأنت تدبل ~~واللقمة واللقمة إذا جمعتا من الثريد والعصائد يقال لهما دبلة ، ومنه سميت ~~الدبيلة ، PageV01P381 وهي الورم الذي يخرج بالناس . وأنشد : أقول لما ~~ابتركوا جنوحا . . . بقصعة قد طفحت تطفيحا دبل أبا الجوزاء أو تطيحا وقال ~~الفرزدق : فدبلت أمثال الأثافي كأنها . . . رءوس أعاد قطعت يوم مجمع وقال ~~سعيد بن المسيب : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' أطيبوا الطعام فإنه ~~أنفى للسخط ، وأجلب للشكر ، وأرضى للصاحب ' . قال بشار : يغص إذا نال ~~الطعام بذكركم . . . ويشرق من وجد بكم حين يشرب المسعور : الجائع . قال ~~هميان بن قحافة : لاقى صحافا بطنا مسعورا وقال شاعر : يمشي من البطنة مشي ~~الأبزخ البزخ : دخول البطن وخروج الثنة أسفل السرة . وقال آخر : أغر كمصباح ~~الدجنة يتقي . . . شذى الزاد حتى تستفاد أطايبه شداه : طيبه . وقال أعرابي ~~: بنو فلان لا يبزرون ولا يقدرون . PageV01P382 وقال الثوري : بطنوا غداءكم ~~بشربة . وقال الشاعر : لا يستوي الصوتان حين تجاوبا . . . صوت الكريب وصوت ~~ذئب مقفر الكريب : الشوبق وهو المحور والمسطح . وقال الشاعر : إذا جاء باغي ~~الخير قلنا بشاشة . . . له بوجوه كالدنانير : مرحبا وأهلا فلا ممنوع خير ~~تريده . . . ولا أنت تخشى عندنا أن نؤوبا قال الشعبي : استسقيت على خوان ~~قتيبة ، فقال : ما أسقيك ؟ فقلت : الهين الوجد ، العزيز الفقد ، فقال : يا ~~غلام ، اسقه الماء . مر مسكين بأبي الأسود ليلا وهو ينادي : أنا ms266 جائع ! ~~فأدخله وأطعمه حتى شبع ، ثم قال له : انصرف إلى أهلك ، وأتبعه غلاما وقال ~~له : إن سمعته يسأل فاردده إلي . فلما جاوزه المسكين سأل كعادته ، فتشبث به ~~الغلام ورده إلى أبي الأسود . فقال : ألم تشبع ؟ فقال : بلى . قال : فما ~~سؤالك ؟ ثم أمر به فحبس في بيت وأغلق عليه الباب ، وقال : لا تروع مسلما ~~سائر الليلة ولا تكذب . فلما أصبح خلى سبيله ، وقال : لو أطعنا السؤال صرنا ~~مثلهم . وسمع دابة له تعتلف في جوف الليل ، فقال : إني لأراك تسهرين في ~~مالي والناس نيام ، والله لا تصبحين عندي . وباعها . وأبو الأسود يعد في ~~الشعراء والتابعين والمحدثين والبخلاء والمفاليج والنحويين والقضاة والعرج ~~والمعلمين . وقال الشاعر : PageV01P383 أنفق أبا عمرو ولا تعذرا . . . وكل ~~من المال وأطعم من عرا لا ينفع الدرهم إلا مدبرا كان مسلم بن قتيبة لا يجلس ~~لحوائج الناس حتى يشبع من الطعام الطيب ، ويروي من الماء البارد ، ويقول : ~~إن الجائع ضيق الصدر ، فقير النفس ، والشبعان واسع الصدر ، غني النفس . ~~وقال أعرابي : هلكت هريئة وهلكت جوعا . . . وخرق معدتي شوك القتاد وحبة ~~حنظل ولباب قطن . . . وتنوم ينظم بطن وادي وقال الفرزدق : وإن أبا الكرشاء ~~ليس بسارق . . . ولكنه ما يسرق القوم يأكل ولديك الجن : إذا لم يكن في ~~البيت ملح مطيب . . . وخل وزيت حول حب دقيق فرأس ابن أمي في حرام ابن خالتي ~~. . . ورأس عدوي في حر أم صديقي وقال آخر : وما جيرة إلا كليب بن وائل . . ~~. ليالي تحمى عزة منبت البقل وقال مسعر بن مكدم لرقبة بن مصلة : أراك ~~طفيليا . قال : يا أبا محمد ، كل من ترى طفيلي إلا أنهم يتكاتمون . وقال ~~شاعر : قوم إذا آنسوا ضيفا فلم يجدوا . . . إلا دم الرأس صبوه على الباب ~~PageV01P384 قال المفجع : الرأس الرئيس . اشتد بأبي فرعون الشاشي الحال ~~فكتب إلى بعض القضاة بالبصرة : يا قاضي البصرة ذا الوجه الأغر . . . إليك ~~أشكو ما مضى وما غبر عفا زمان وشتاء قد حضر . . . إن أبا عمرة في بيتي ~~انجحر يضرب بالدف وإن شاء زمر . . . فاطرده عني بدقيق ينتظر فأجابه إلى ما ms267 ~~سأل . ويقال : وقف أعرابي على حلقة الحسن البصري رحمة الله عليه ، فقال : ~~رحم الله من أعطى من سعة ، وواسى من كفاف ، وآثر من قلة . فقال الحسن : ما ~~أبقى أحدا إلا سأله . وقال ابن حبيب : يقال أحمق من الضبع ، وذلك أنها وجدت ~~تودية في غدير ، فجعلت تشرب الماء وتقول : يا حبذا طعم اللبن حتى انشق ~~بطنها فماتت . والتودية : العود يشد على رأس الخلف لئلا يرضع الفصيل أمه . ~~دعا رجل آخر فقال له : هذه تكسب الزيارة وإن لم تسعد ، ولعل تقصيرا أنفع ~~فيما أحب بلوغه من برك . فقال صاحبه : حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلف ~~لي . قيل لأعرابي : لو كنت خليفة كيف كنت تصنع ؟ قال : كنت أستكفي شريف كل ~~قوم ناحيته ، ثم أخلو بالمطبخ فآمر الطهاة فيعظمون الثريدة ويكثرون العراق ~~، فابدأ فآكل لقما ، ثم آذن للناس ، فأي ضياع يكون بعد هذا ؟ ! PageV01P385 ~~وقال أعرابي لابن عم له : والله ما جفانكم بعظام ، ولا أجسامكم بوسام ، ولا ~~بدت لكم نار ، ولا طولبتم بثار . وقيل لأعرابي : لم قالت الحاضرة للعبد : ~~باعك الله في الأعراب ؟ قال : لأنا نعري جلده ، ونطيل كده ، ونجيع كبده . ~~وقال طفيلي : إذا حدثت على المائدة فلا تزد في الجواب على نعم ، فإنك تكون ~~بها مؤانسا لصاحبك ، ومسيغا للقمتك ، ومقبلا على شأنك . وقيل لأعرابي : أي ~~شيء أحد ؟ قال : كبد جائعة ، تلقى إلى أمعاء ضالعة . وقيل لآخر : أي شيء ~~أحد ؟ قال ضرس جائع ، يلقى إلى معي ضالع . وقال آخر : أحب أن أصطاد ضبا ~~سحبلا . . . وورلا يرتاد رملا أرملا قالت سليمى لا أحب الجوز لا . . . ولا ~~أحب السمكات مأكلا الجوزل : فرخ الحمام . والورل : دابة . أرمل : صفة للورل ~~. وإذا كان كذلك كان أسمن له ، وهو يسفد فيهزل . ويقال : أقبح هزيلين : ~~المرأة والفرس ، وأطيب غث أكل غث الإبل ، وأطيب الإبل لحما ما أكل السعدان ~~، وأطيب الغنم لبنا ما أكل الحربث . ويقال : أهون مظلوم سقاء مروب ، وهو ~~الذي يسقى منه قبل أن يمخض وتخرج زبدته . PageV01P386 ويقال : سقانا ظليمة ~~وطبه ، وقد ظلمت أوطب القوم . وقال الشاعر : وصاحب صدق لم تنلني ms268 شكاته . . ~~. ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر يعني وطب لبن . وكان الحسن البصري إذا طبخ ~~اللحم قال : هلموا إلى طعام الأحرار . قال سفيان الثوري : إني لألقى الرجل ~~فيقول لي مرحبا فيلين له قلبي ، فكيف بمن أطأ بساطه ، وآكل ثريده ، وأزدرد ~~عصيده ؟ . حكى أبو زيد : قد هجا غرثى : إذا ذهب ، وقد أهجأ طعامكم غرثى : ~~إذا قطعه . قال الشاعر : فأخزاهم ربي ودل عليهم . . . وأطعمهم من مطعم غير ~~مهجي قال : ويقال بأرت بؤرة فأنا أبارها ، إذا حفرت حفيرة يطبخ فيها وهي ~~الإرة . ويقال : أرت إرة فأنا أثرها وأرا . وقال حسان : تخال قدور الصاد ~~حول بيوتنا . . . قنابل دهما في المباءة صيما PageV01P387 قال أبو عبيدة : ~~كان الأصمعي بخيلا ، وكان يجمع أحاديث البخلاء ويوصي بها ولده ويتحدث بها . ~~وكان أبو عبيدة إذا ذكر الأصمعي أنشد : عظم الطعام بعينه فكأنه . . . هو ~~نفسه للآكلين طعام ويقال : أسأرت ، إذا أبقيت من الطعام والشراب أو غيرهما ~~، والاسم السؤر وجماعته الأسآر . ويقال : فأدت الخبزة في الملة أفادها إذا ~~خبزتها فيها . والمفأد : الحديدة التي يخبز بها ويشوى . ويقال : تملأت من ~~الأكل والشراب تملوا ، إذا شبعت منهما وامتلأت . ويقال : لفأت اللحم عن ~~العظم لفأ إذا جلفت اللحم عن العظم . واللفيئة هي البضعة التي لا عظم فيها ~~نحو النحضة والهبرة والوذرة . وأنشد يعقوب : سقى الله الغضا وخبوت قوم . . ~~. متى كانت تكون لهم ديارا أناس لا ينادي الضيف فيهم . . . ولا يقرون آنية ~~صغارا قال الأصمعي : قال ابن هبيرة : تعجيل الغداء يزيد في المروءة ، ويطيب ~~النكهة ، ويعين على قضاء الحاجة . قال بعض العرب : أطيب مضغة أكلها الناس ~~صيحانية مصلبة . ويقال : آكل PageV01P388 الدواب ، برذونة رغوث وهي التي ~~يرضعها ولدها . قال أبو الحارث حميد : ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر ~~من قدر سقيت اللبن كثيرة السكر . وقال الشاعر : وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ~~. . . مكان يدي من جانب الزاد أقرعا ضم عثمان بن رواح السفر ورفيقا له ، ~~فقال له الرفيق : امض إلى السوق فاشتر لنا لحما . قال : والله ما أقدر . ~~قال : فمضى الرفيق واشترى اللحم ثم قال لعثمان ms269 : قم الآن فاطبخ القدر . قال ~~: والله ما أقدر . فطبخها الرقيق . ثم قال : قم الآن فاثرد . قال : والله ~~إني لأعجز عن ذلك . فثرد الرفيق . ثم قال : قم الآن فكل . فقال : والله لقد ~~استحييت من كثرة خلافي عليك ، ولولا ذلك ما فعلت . قال يونس : أتيت ابن ~~سيرين فدعوت الجارية ، فسمعته يقول : قولي إنه نائم . فقلت : معي خبيص . ~~فقال : مكانك حتى أخرج إليك . قال أردشير : احذروا صولة الكريم إذا جاع ، ~~واللئيم إذا شبع . قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه جابر بن عبد ~~الله : هلاك الرجل أن يحتقر ما في بيته أن يقدمه إلى ضيفه ، وهلاك الضيف أن ~~يحتقر ما قدم إليه . وقال الشاعر : يا ذاهبا في داره جاثيا . . . بغير معنى ~~وبلا فائده PageV01P389 قد جن أضيافك من جوعهم . . . فاقرأ عليهم سورة ~~المائده وقال ابن بدر : ونحن نبذل عند القحط ما أكلوا . . . من السديف إذا ~~لم يؤنس القزع وننحر الكوم عبطا في أرومتنا . . . للنازلين إذا ما استنزلوا ~~شبعوا وقال آخر : أطعمني بيضة وناولني . . . من بعد ما ذقت فقده قدحا وقال ~~أي الأصوات تسئلني ؟ . . . يزيد ، إني أراك مقترحا فقلت صوت المقلي وجردقة ~~. . . إن خاب ذا الاقتراح أو صلحا فقطب الوجه وانثنى غضبا . . . وكان سكران ~~طافحا فصحا فقلت : إني مزحت ، قال : كذا . . . رأيت حرا بمثل ذا مزحا ؟ قال ~~ابن حبيب : كان الرجل إذا اشتد عليه الشتاء تنحى ونزل وحده لئلا ينزل به ~~ضيف فيكون صقعا مستحبا . وهذا ضد قول زهير : بسط البيوت لكي تكون مطية . . ~~. من حيث توضع جفنة استرفد فإذا كان الشتاء انحاز الناس من الجدب والجهد ، ~~وإذا أخصبوا أغاروا للثأر لا للسؤال . وقال الشاعر في عبيد الله بن عباس : ~~ففي السنة الجدباء أطعمت حامضا . . . وحلوا وشحما تامكا وسناما PageV01P390 ~~وقال مجاهد في قول الله عز وجل : ' وأعتدت لهن متكئا ' ، أي طعاما ، يقال : ~~اتكأنا عند فلان ، أي طعمنا . ذكر الأصمعي أن أعرابيا خرج في سفر ومعه ~~جماعة ، فأرمل بعضهم من الزاد ، وحضر وقت الغذاء وجعل بعضهم ينتظر بعضا ~~بالغداء ، فلما أبطأ ذلك عليهم عمد بعضهم ms270 إلى زاده فألقاه بين يدي القوم ، ~~فأقبلوا يأكلون ، وجلس صاحب الزاد بعيدا للتوفير عليهم ، فصاح به أعرابي : ~~يا سؤدداه ! وهل شرف أفضل من إطعام الطعام والإيثار به في وقت الحاجة إليه ~~؟ لقد آثرت في مخمصة ويوم مسغبة ، وتفردت بمكرمة قعد عنها من أرى من نظرائك ~~، فلا زالت نعم الله عليك غادية ورائحة . وفي مثله يقول حاتم الطائي : أكلف ~~يدي من أن تنال أكفهم . . . إذا ما مددناها وحاجاتنا معا وإني لأستحيي ~~رفيقي أن يرى . . . مكان يدي من جانب الزاد أقرعا قال : المخمصة : المجاعة ~~. والخمص : الجوع . قال شاعر يذم رجلا : يرى الخمص تعذيبا وإن يلق شبعة . . ~~. يبت قلبه من قلة الهم مبهما وقال المرقش الأكبر : إن يخصبوا يغنوا بخصبهم ~~. . . أو يجدبوا فجدوبهم ألم وكتب بعضهم إلى أخ له : إن رأيت أن تروي ظمأ ~~أخيك بقربك ، وتبرد غليله بطلعتك ، وتؤنس وحشته بأنسك ، وتجلو غشاء ناظره ~~بوجهك ، وتزين مجلسه PageV01P391 بجمال حضورك ، وتجعل غداءك عنده في منزلك ~~الذي هو فيه ساكن ، وتممت له السرور بك باقي يومك ، مؤثرا له على شغلك ، ~~فعلت - إن شاء الله - . وقال الشاعر : وكأن هدر دمائهم في دورهم . . . لغط ~~القبيل على خوان زياد قال بعض الخطباء : العجب من ذي جدة منعم عليه يطوي ~~جاره جوعا وقرا ، وأفرخه شعث جرد من الريش ، وهو مبطان محتش من حلوه وحامضه ~~، مكتن في كنه ودفئه ، مزين له شهوة عن أداء الذي عليه لجاره وقريبه وذي ~~حلة بطر رفة كيف يأمن سلبا مفاجئا ؟ أما لو وجه بعض فضله إلى ذي حاجة إليه ~~كان مستديما لما أولى ، مستزيدا مما أوتي . قال الشاعر : وإذا تأمل شخص ضيف ~~مقبل . . . متسربل سربال محل أغبر أوما إلى الكوماء هذا طارق . . . نحرتني ~~الأعداء إن لم تنحري وفي هذه الأبيات ما يستحسن : كم قد ولدتم من كريم ماجد ~~. . . دامي الأظافر أو غمام ممطر سدكت أنامله ققائم مرهف . . . وبنشر عائدة ~~وذروة منبر يلقي السيوف بوجهه وبنحره . . . ويقيم هامته مقام المغفر ~~PageV01P392 ويقول للطرف : اصطبر لشبا القنا . . . فعقرت ركن المجد إن لم ~~تعقر وقال آخر : وقال ms271 وقدم كشكية . . . فكل شبعا إنها في النهايه تطفي ~~المرار وتنفي الخمار . . . وما بعدها في النهايات غايه ولا تتوقع أخيرا ~~بحبك . . . ففي أول المستطاب الكفايه وقال آخر : كأنما فوه إذا تمددا . . . ~~للقم أخلاق جراب أسودا كأنه مخترص بد جودا . . . جاني جراد في وعاء مقلدا ~~وصاحب صاحبت غير أبعدا . . . تراه بين الحربتين مسندا الحربة : الغرارة . ~~وقال جابر بن قبيصة : ما رأيت أحلم جليسا ، ولا أفضل رفيقا ، ولا أشبه ~~سريرة بعلانية ، من زياد . وقال جابر أيضا : شهدت قوما ورأيتهم بعيني ، فما ~~رأيت أقرأ لكتاب الله ، ولا أفقه في دين الله ، من عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه . وما رأيت رجلا أعطى من صلب ماله في غير ولائه ، من طلحة بن عبيد الله ~~. وما رأيت رجلا أسود من معاوية . وما رأيت رجلا أنصع ظرفا ، ولا أحضر ~~جوابا ، ولا أكثر صوابا ، من عمرو بن العاص . وما رأيت رجلا المعرفة عنده ~~أنفع منها عند غيره ، من المغيرة بن شعبة . PageV01P393 ويقال : ما كان ~~الطعام مريئا ولقد مرأ ، وما كان الرجل مريئا وقد مرؤ . وقال لنا القطان ~~أبو منصور رئيس أهل قزوين : الرجل من أرض أردبيل إذا دخل بلدا يسأل فيقول : ~~كيف الخبز والمبرز ، ولا يسأل عن غيرهما . فقيل له : لم ذلك ؟ فقال : يأخذ ~~الخبز والمبرز ويأكل ويسلح إلى الصباح . قال الشاعر : وما تنسنا الأيام لا ~~ننس جوعنا . . . بدار بني بدر وطول التلدد ظللنا كأنا بينهم أهل مأتم . . . ~~على ميت مستودع بطن ملحد يحدث بعض بعضنا عن مصابه . . . ويأمر بعض بعضنا ~~بالتجلد وقال آخر : دعوني فإني قد تغديت آنفا . . . فإن مس كفي خبزكم ~~فاقطعوا يدي وقال آخر يصف دار قوم : الجوع داخلها واللوح خارجها . . . وليس ~~يقربها خبز ولا ماء قال الهلالي : أتى رجل أبا هريرة فقال : إني كنت صائما ~~فدخلت بيت أبي فوجدت طعاما ، فنسيت فأكلت . قال : الله أطعمك . قال : ثم ~~دخلت بيتا آخر فوجدت أهله قد حلبوا لقحتهم فسقوني ، فنسيت فشربت . فقال : ~~يا بني هون عليك فإنك قلما اعتدت الصيام . وقال الشاعر : وجدت وعدك زورا في ~~مزورة ms272 . . . ذكرت مبتدئا إحكام طاهيها فلا شفى الله من يرجو الشفاء بها . . ~~. ولا علت كف ملق كفه فيها PageV01P394 فاحبس رسولك عني أن يجىء بها . . . ~~فقد حبست رسولي عن تقاضيها قال مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه : قدمنا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلنا : يا رسول الله ، أنت سيدنا ، ~~وأنت أطولنا علينا طولا ، وأنت الجفنة الغراء . فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ' قولوا بقولكم ولا يستفزنكم الشيطان فإنما أنا عبد الله ورسوله ' . ~~وقال آخر : وأحمر مبيض الزجاج كأنه . . . رداء عروس مشرب بخلوق له في الحشا ~~برد الوصال وطعمه . . . وإن كان يلقاه بلون حريق كأن بياض اللوز في جنباته ~~. . . كواكب در في سماء عقيق قال يونس : أشد طعام ضرا ما كان من عام إلى ~~عام ، وهو اللبأ الذي لا يوجد إلا في الولادة كل عام وإن كان مزبدا . حكى ~~يونس : أشد طعام ضرا ما كان من عام إلى عام ، وهو اللبأ الذي لا يوجد إلا ~~في الولادة كل عام وإن كان مزبدا . حكى يونس : التنافيط ، أن ينزع شعر ~~الجلد ثم يلقى في النار ثم يؤكل ، وذلك في الجدب . وقال الشاعر : جاورت ~~شيبان فاحلولي جوارهم . . . إن الكرام خيار الناس للجار وكتب ابن دينار إلى ~~صديق له : وكتبت تفضلا منك تعتذر من تأخرك عن قضاء حق زيارتي بقصور يديك عن ~~بر يشبهني ويشبهك ؛ فأما ما يشبهني في هذا الوقت فرغيف وسكرجة كامخ حريف ~~يثقب اللسان بحرافته . وكان ابن أبي البغل إذا أنشد : PageV01P395 أروني من ~~يقوم لكم مقامي يقول : لو شهدت قائله لقلت : كلب الحارس يقوم مقامك . هذه ~~قصة في حضور ما يشبهني ، فأما ما يشبهك فمتعذر كما قيل : ومطلب مثلي إن ~~أردت عسير وقال رجل لعبيد الله بن زياد بن ظبيان : ما أعددت في كنانتي سهما ~~غيرك . فقال : لا تعدني في كنانتك فوالله لو قمت فيها لطلتها ، ولو جلست ~~فيها لخرقتها . ولئن انتظرت بي ما يشبهك طال الانتظار ، والعامة تتمثل - ~~على خساسة لفظها - : ' إذا أردت ألا تزوج ابنتك فغال بمهرها ' . وأملي ms273 فيك ~~على الأحوال بعيد ، وظني فيك جميل ، ولست أخشى فيما لي عندك الفوت فأعجله ، ~~وهل يلقم الكلب إلا الحجر . العرب تقول : لئيم جبان . وقال أعرابي : لا يكن ~~بطن أحدكم عليه مغرما ، ليكسره بالتميرة والكسيرة والبقيلة والعليكة . قال ~~ابن الأعرابي : الفرزدق ، الرغيف الواسع . قيل لابن القرية : تكلم . فقال : ~~لا أحب الخبز إلا يابسا . أراد لا أحب أن أتكلم إلا بعد الارتثاء . وروى ~~أبو عبيدة في تفسير بيت الأعشى في ديوانه : إذا ما هم جلسوا بالعشي . . . ~~فأحلام عاد وأيدي هضم PageV01P396 قال : شبههم بأنسال عاد ، وهم ثمانية ذوو ~~أحلام وسؤدد : مالك - وهو سيد الثمانية - وعمار وطفيل ، وشمر ، وقرزعة ، ~~وحممة ، ونئض ، ودفيف ؛ وهم الذين بعث لقمان بن عاد جارية بعس من لبن ، ~~فقال لها : ايتي الحي فادفعيه إلى سيدهم لا تسألي عنه . فأتت الجارية الحي ~~، فرأتهم مختلفين بين عامل ولاعب ، وثمانية على رءوسهم الطير وقارا ؛ ورأت ~~جارية من الحي ، فأخبرتها بما قال لقمان ؛ قالت : هؤلاء سادة الحي ، وسأصف ~~لك كل واحد منهم ، فادفعي العس إلى من شئت . أما هذا فعمار ، أخاذ ودار ، ~~لا تخمد له نار ، المعشبات عقار ' المعشبة : التي تسمن على شحم قديم ' ، ~~وأما هذا فحممة ، غداؤه كل يوم ناقة سنمة ، وبقرة شحمة ، ورشاة كدمة . وأما ~~هذا فقرزعة ، إذا لقي جائعا أشبعه ، وإذا لقي قرنا جعجعه وقد خاب جيش لا ~~يغزو معه . وأما هذا فطفيل ، غضبه حين يغضب ويل ، ورضاه حين يرضى سيل ، ولم ~~تحمل مثله على ظهرها إبل ولا خيل ، وأما هذا فشمر ، ليس في أهله بالشحيح ~~للقتر ، ولا المسرف البطر ، ولا يخدع الحي إذا اؤتمر . وأما هذا فدفيف ، ~~قاري الضيف ، ومغمد السيف ، ومعيل الشتاء والصيف وأما هذا فنئض ، أسنت الحي ~~فمرض ، فعدل مرضه عندهم إسناتهم ، أي قحطهم ، فقاموا عليه فأوسعهم دقيقا ~~ولحما غريضا ، ومسكا رميضا ، وكساهم ثيابا بيضا ؛ وأما PageV01P397 هذا فما ~~لك ، حاميتنا إذا غزونا ، ولطعم ولداننا إذا شتونا ، ودافع كل كريهة إذا ~~عدت علينا . فدفعت العس إلى مالك ، فكان سيدهم . بشرت امرأة زوجها بأن ~~ابنها منه قد اتغر ، فقال : أتبشرينني ms274 بعدو الخبز ؛ اذهبي إلى أهلك . قال ~~الشاعر : من يشتري مني أبا زين . . . بكر بن نطاح بفلسين كأنما الآكل من ~~خبزه . . . يقلع منه شحمة العين وأنشد غليم من بني دبير : يابن الكرام حسبا ~~ونائلا . . . حقا أقول لا أقول باطلا إليك أشكو الدهر والزلازلا . . . وكل ~~عام نقح الحمائلا التنقيح : القشر ، أي قشروا حمائل سيوفهم فباعوها لشدة ~~زمانهم . وأنشد : سلا أم عباد إذا الريح أعصفت . . . وجلل أطراف الرعان ~~قتامها وجفت بقايا الطرق إلا نضية . . . يصد الأشافي والمواسي سنامها وضم ~~إلي الليل منزل رفقة . . . ترامت بهم طخياء داج ظلامها PageV01P398 تكاد ~~الصبا تهتزهم من ثيابهم . . . شديدا بأرياط الرجال اعتصامها لقد علمت أني ~~مفيد ومتلف . . . ومطعم أيام يحب طعامها وقال آخر : إن بني غاضرة الكراما . ~~. . إن يقم الضيف بهم أعواما يكن قراه اللحم والسناما . . . أو يصبح الدهر ~~لهم غلاما يكن ظريفا وجهه كراما وقال سماعة بن أشول : رأت إبلا لابني عبيد ~~تمنعت . . . من الحق لم تورك بحق إيالها فقالت ألاببألا تغدو لقاحك هكذا . ~~. . فقلت أبت ضيفانها وعيالها فما حلبت إلا الثلاثة والثنى . . . ولا قيلت ~~إلا قريبا مقالها وأنشد أبو الجراح : أرى الخلان قد صرموا وصالي . . . ~~وأضحوا لا سلام ولا كلام وما أذنبت من ذنب إليهم . . . سوى خف المنائح ~~والسوام وقال آخر : خرق إذا وقع المطي من الوجا . . . لم يطو دون دقيقه ذو ~~المزود حتى تؤوب به قليلا . . . . . . . حمد الرفيق نداك أو لم يحمد ~~PageV01P399 وقال آخر : تزودت إذ أقبلت نحوك غاديا . . . إليك ونحو الناس ~~لا أتزود أراني إذا ما جئت أطلب نائلا . . . نظرت إلى وجهي كأنك أرمد ويقال ~~: أزواد الركب من قريش أبو أمية بن المغيرة ، والأسود بن المطلب بن أسد بن ~~عبد العزى ، ومسافر بن أبي عمرو بن أيمة عم عقبة كانوا إذا سافروا خرج معهم ~~الناس فلم يتخذوا زادا ، ولم يوقدوا نارا كانو يكفونهم . وقال الشاعر : ~~وبالبدو جود لا يزال كأنه . . . ركام بأطراف الإكام يمور وقال آخر : والناس ~~إن شبعت بطونهم . . . فغيرهم من ذاك لا يشبع وقال آخر : دور تحاكي الجنان ~~حسنا . . . لكن سكانها خساس ms275 متى أرى الجند ساكنيها . . . وفي دهاليزها يداس ~~وقال آخر : لولا مخافة ضعفي عن ذوي رحمي . . . وحال معتصم بي من ذوي عدم ~~PageV01P400 وحاجة الأخ تبدو لي فأنجحها . . . لم أثن في عمل كفي على قلمي ~~وقال آخر : وأوثر ضيفي حين لا يوجد القرى . . . بقوتي أحبوه وأرقد طاويا ~~وما استكثرت نفسي لباذل وجهه . . . نوالا وإن كان النوال حياتيا وقال ~~المبرد : البطن : الذي لا يهمه إلا بطنه . والرغيب : الشديد الأكل . ~~والمنهوم : الذي تمتلىء بطنه ولا تنتهي نفسه . وأنشد ابن الأعرابي : وإن ~~قرى أهل النباج أرانب . . . وإن جاء بعد الريث فهو قليل إذا صد مثغور وأعرض ~~معرض . . . فيوم على أهل النباج طويل وقال آخر : يمينك فيها الخصب والناس ~~جوع . . . وقد شملتهم حرجف ودبور وقال آخر : ألقت قوائمها خسا وترنمت . . . ~~طربا كما يترنم السكران يعني قدرا . وقوائمها ، يعني الأثافي . وخسا : فرد ~~. وأنشد : بئس عذاب العزب المرموع . . . حوأبة تنقض بالضلوع PageV01P401 ~~الرماع : داء . وحوأبة : دلو كبيرة . والحوب والحوب : الإثم . والحيبة : ~~الحال . والحوباء : النفس . العرب تقول : ماء لا تبن معه ولا غيره . خبز ~~قفار : لا أدم معه . وسويق جاف هو الذي لم يلت بسمن ولا زيت . وحنظل مبسل ، ~~وهو أن يؤكل وحده . قال الراجز : بئس الطعام الحنظل المبسل . . . ياجع منه ~~كبدي وأكسل ويبجع أيضا . وقال أبو الجراح : المبسل يحرق الكبد . والمبكل : ~~أن يؤكل بتمر أو غيره ، يقال بكلوه لنا ، أي اخلطوه . قال : وعندنا طعام ~~يقال له : الخولع وهو أن يؤخذ الحنظل فينقع مرات حتى تخرج مرارته ، ثم يخلط ~~معه تمر ودقيق فيكون طعاما طيبا . وقال : الخليطة والنخيسة والقطيبة : أن ~~يحلب ابن الضأن على لبن المعزى ، والمعزى على لبن الضأن ، أو حلب النوق على ~~لبن الغنم . قال : اسقني وابرد غليلي ملىء الرجل : سمن بعد هزال . قيل ~~لطفيل العرائس : كم اثنين في اثنين ؟ قال : أربعة أرغفة . وقيل له : حكي أن ~~العرب تقول نحن العرب أقرى الناس للضيف ، فقال : إن PageV01P402 هذا النصب ~~على المدح . وقال العماني : من كل جلف لم يكن مرما . . . جعد يرى منه ~~التصنع ريثما لم يتجشأ من طعام بشما ms276 . . . . . . . . . . ولم يبت من قترة ~~موصما . . . يغمز صدغيه ويشكو الأعظما إذا جاع بطنه تحزما . . . لم يشرب ~~الماء ولم يخش الظما يكفيه من قارضة ما يمما وخلة منه إذا ما أعيما . . . ~~أصاب منه مشربا ومطعما لا يعقر الشارف إلا محرما . . . ولا يعاف بصلا ~~وسلجما يوما ولم يفغر لبطيخ فما . . . فهو صحيح لا يخاف سقما أسود كالمحراث ~~يدعي شجعما . . . صمحمح من طول ما تأثما PageV01P403 لم يبل يوما سورة من ~~العمى . . . ولم يحج المسجد المكرما ولم يزر حطيمه وزمزما . . . ولا تراه ~~يطلب التفهما لو لم يرب مسلما ما أسلما . . . ما عبد اثنان جميعا صنما عات ~~يرى ضرب الرجال مغنما . . . إذا رأى مصدقا تجهما وهز في الكف وأبدى المعصما ~~. . . هراوتين نبعة وسلما يترك ما رام رفاتا رمما . . . وإن رأى إمرة تزعما ~~لم يعطه شيئا وإن تزعما . . . وإن قرا عهدا له منمنما هان عليه شق ما قد ~~رقما . . . وأن يدق طينه المختما صمصامه ماض إذا ما صمما . . . إذا اعترته ~~عزة ثم انتمى في ثروة الحي إذا ما يمما . . . ظل يرى حكما عليه مبرما أن ~~يظلم الناس وألا يظلما وقال آخر : ما كان ينكر في ندى مجاشع . . . أكل ~~الخزير ولا ارتضاع الفيشل وقال آخر : PageV01P404 بلاد كأن الجوع يطلب ~~أهلها . . . بذحل إذا ما الضيف صرت جنادبه وقال آخر : كرية لا يطعم الكريا ~~. . . بالليل إلا جرجرا مقليا محترقا نصفا ونصفا نيا وقال الأصمعي : قال ~~الهيثم بن جراد - وذم قوما - : والله ما أنتم آل فلاة فتعصمكم ، ولا أنتم ~~آل ريف فتأكلون . فقيل : لو زدت ؟ فقال : ما بعد هذا شيء . قال : وما أشبه ~~هذا الجواب بقول عقيل بن علفة حين قيل له : لم لا تطيل الهجاء ؟ قال : ~~يكفيك من القلادة ما أحاط العنق . وقيل لابن عمر : لو دعوت الله بدعوات ؟ ~~فقال : اللهم عافنا وارحمنا وارزقنا . فقيل له : لو زدتنا ؟ فقال : نعوذ ~~باله من الإسهاب . قال شاعر : إذا أغلق الباب الكريم من القرى . . . فليس ~~على باب الفرزدق حاجب فتى يشتري حسن الثناء بماله . . . إذا اغبر من برد ~~الشتاء الكواكب قال : وكل لحم ms277 وخبز أنضج دفينا فهو مليل ، وما كان في تنور ~~فهو شواء ؛ وما كان في قدر فهو حميل . PageV01P405 قال الأحنف لعمر بن ~~الخطاب : إن إخواننا من أهل الكوفة والشام نزلوا في مقلة الجمل وحولاء ~~الناقة من أنهار متفجرة ، وثمار متدلية ، ونزلنا بسبخة نشاشة يأتينا ماءنا ~~في مثل حلقوم النعامة أو مرىء الحمل ، فإما أن تشق لنا نهرا ، وإما أن ~~ترفعنا إليك . قال جابر : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الأغنياء ~~باتخاذ الغنم ، والفقراء باتخاذ الدجاج . والعرب تقول : أكرموا الإبل إلا ~~في بيت يبنى ، أو دم يفدى ، أو عزب يتزوج ، أو حمل حمالة . وقال معاوية ~~لأعرابي : ما تجارتك ؟ قال : أبيع الإبل ، قال : أما علمت أن أفواهها حرب ، ~~وجلودها جرب ، وبعرها حطب ، وتأكل الذهب . وقال خالد بن صفوان : الإبل ~~للبعد ، والبغال للثقل ، والبراذين للجمال والدعة ، والحمير للحوائج ، ~~والخيل للكر والفر . وقال آخر : يقذفن في الأعناق والغلاصم . . . قذف ~~الجلاميد بكف الراجم يريد بالأعناق الحلوق . PageV01P406 وقال آخر : نغار ~~إذا ما الروع أبدى عن البرى . . . ونقرى عبيط اللحم والماء جامس وقال آخر : ~~تلك المكارم لا ناق مصرمة . . . ترعى الفلاة ولا قعب من اللبن وقال أبو ~~الصلت : تلك المكارم لا قعبان من لبن . . . شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ~~ووصف بعض البلغاء التجار فقال : لا يوجد الأدب إلا عند الخاصة والسلطان ~~ومدبريه ، وأما أصحاب الأسواق فإنا لا نعدم من أحدهم خلقا دقيقا ودينا ~~رقيقا ، وحرصا مسرفا ، وأدبا مختلفا ، ودناءة معلومة ، ومروءة معدومة ~~وإلغاء اللفيف ، ومجاذبة على الطفيف ، يبلغ أحدهم غاية المدح والذم في علق ~~واحد في يوم واحد مع رجل واحد ، إذا اشتراه منه أو باعه إياه ، إن بايعك ~~مرابحة وخبر بالأثمان ، قوي الأيمان على البهتان ، وإن قلدته الوزن أعنت ~~لسان الميزان ، ليأخذ برجحان أو يعطى بنقصان ؛ وإن كان لك قبله حق لواه ~~محتجا في ذلك بسنة السوفيين ، يرضى لك ما لا يرضى لنفسه ، ويأخذ منك بنقد ~~ويعطيك بغيره ، ولا يرى أن عليه من الحق في المبايعة مثل ما له ؛ إن ~~استنصحته غشك ، وإن PageV01P407 سألته كذبك ، وإن ms278 صدقته حربك متمردهم صاعقة ~~على المعاملين ، وصاحب سمتهم نقمة على المسترسلين ؛ قد تعاطوا المنكر حتى ~~عرف ، وتناكروا المعروف حتى نسي ، يتمسكون من الملة بما أصلح البضائع ، ~~وينهون عنها كلما عادت بالوضائع ؛ يسر أحدهم بحيلة يرزقها لسلعة ينفقها ، ~~وغيلة لمسلم يحميه الإسلام ، فإذا أحكم حيلته وغيلته غدا قادرا على حرده ، ~~فغر وضر ، وآب إلى منزله بحطام قد جمعه مغتبطا بما أباح من دينه وانتهك من ~~حرمة أخيه ، يعد الذي كان منه حذقا بالتكسب ، ورفقا بالمطلب ، وعلما ~~بالتجارة وتقدما في الصناعة . فلما بلغت قراءتي هذا الموضع قال الوزير : إن ~~كان هذا الواصف عنى العامة بهذا القول فقد دخل في وصفه الخاصة أيضا ، ~~فوالله ما أسمع ولا أرى هذه الأخلاق إلا شائعة في أصناف الناس من الجند ~~والكتاب والتناء والصالحين وأهل العلم ؛ لقد حال الزمان إلى أمر لا يأتي ~~عليه النعت ، ولا تستوعبه الأخبار ، وما عجبي إلا من الزيادة على مر ~~الساعات ، ولو وقف لعله كان يرجى بعض ما قد وقع اليأس منه ؛ واعترض القنوط ~~دونه . فقال ابن زرعة وكان حاضرا : هذا لأن الزمان من قبل كان ذا لبوس من ~~الدين رائع ، وذا يد من السياسة بسيطة ، فأخلق اللبوس وبلي ، بل تمزق وفني ~~، وضعفت اليد بل شلت وقطعت ، ولا سبيل إلى سياسة دينية لأسباب لا تتفق إلا ~~بعلل فلكية ، وأمور سماوية ، فحينئذ يكون انقياد الأمور الجانحة لها ، في ~~مقابلة حران الأمور الجامحة عنها ، وذلك منتظر في وقته ، وتمنى ذلك قبل ~~إبانه وسواس النفس ، وخور الطباع ، والناس أهداف لأغراض الزمان ومقلبون ~~بحوادث الدهور ، ولا فكاك لهم من المكاره ، ولا اعتلاق لهم بالمحاب إلا ~~بالدواعي والصوارف التي لا سبيل لهم إلى تحويل هذه إلى هذه ، ولا إلى تبديل ~~هذه بهذه ، واختيارهم للتوجه إلى محبوبهم أو الإعراض عن مكروههم ضعيف طفيف ~~، ولولا PageV01P408 ذلك لكانت الحسرات تزول في وقت ما يراد ، والغبطة تملك ~~بإدراك ما يتمنى ، وهذا شأو محكوم به بقوة النفس ، غير مستيقظ إليه بقوة ~~الحس . فقال الوزير : أحسنت يا أبا علي في هذا الوصف ، وإن ms279 نفثك ليدل على ~~أكثر من ذلك ، ولو كان البال ظافرا بنعمة ، والصدر فارغا من كربة ، لكنا ~~نبلغ من هذا الحديث مبلغا نشفي به غليلنا قائلين ونشفي به مستمعين ، ولكني ~~قاعد معكم وكأني غائب ، بل أنا غائب من غير كاف التشبيه ، والله ما أملك ~~تصرفي ولا فكري في أمري ، أرى واحدا في فتل حبل ، وآخر في حفر بئر ، وآخر ~~في نصب فخ ، وآخر في تمزيق عرض ، وآخر في اختلاق كذب ، وآخر في صدع ملتئم ، ~~وآخر في عقد ، وآخر في نفث سحر ، وناري مع صاحبي رماد ، وريحه على عاصفة ، ~~ونسيمي بيني وبينه سموم ، ونصيبي منه هموم وغموم ، وإني أحدثكم بشيء تعلمون ~~به صدقي في شكواي ، وتقفون منه على تفسخي تحت بلواي ، ولولا أني أطفىء ~~بالحديث لهبا قد تضرم صدري به نارا ، واحتشى فؤادي منه أوارا ؛ لما تحدثت ~~به ، ولو استطعت طيه لما نبست بحرف منه ، ولكن كتماني للحديث أنقب لحجاب ~~القلب من العتلة لسور القصر . دخلت منذ أيام فوصلت إلى المجلس ، فقال لي قد ~~أعدت الخلعة فالبسها على الطائر الأسعد ، فقلت أفعل ، وفي تذكرتي أشياء ~~لابد من ذكرها وعرضها . فقال : هات ، فقلت : يتقدم بكذا وكذا ، ويفعل كذا ~~وكذا . فقال : عندي جميع PageV01P409 ذلك ، أمض هذا كله ، واصنع فيه ما ترى ~~، وما فوق يدك يد ، ولا عليك لأحد اعتراض ؛ فانقلبت عن المجلس إلى زاوية في ~~الحجرة ، وفيها تحدرت دموعي ، وعلا شهيقي ، وتوالى نشيجي ، حتى كدت أفتضح ~~فدنا مني بعض خدمي من ثقاتي ، فقال : ما هذا ؟ الناس وقوف ينتظرون بروزك ~~بالخلعة المباركة والتشريف الميمون ، وأنت في نوح وندم ؟ ! فقلت : تنح عني ~~ساعة حتى أطفىء نار صدري ، وإنما كان ذلك العارض لأني كنت عرضت على صاحبي ~~تذكرة مشتملة على أشياء مختلفة ، فأمضاها كلها ، ولم يناظرني في شيء منها ، ~~ولا زادني شيئا فيها ، ولا ناظرني عليها ، ولعلي قد بلوته بها ، وأخفيت ~~مغزاي في ضمنها ، فخيل إلي بهذه الحال أن غيري يقف موقفي ، فيقول في قولا ~~مزخرفا ، وينسب إلي أمرا مؤلفا ، فيمضي ذلك أيضا له كما أمضاه لي ms280 ، فوجدتني ~~بهذا الفكر الذي قد فتق لي هذا النوع من الأمر كراقم على صفحة ماء ، أو ~~كقابض في جو على قطعة من هواء ؛ أو كمن ينفخ في غير فحم ، أو يلعب في قيد ، ~~ولقد صدق الأول حيث قال : وإن امرأ دنياه اكبر همه . . . لمستمسك منها بحبل ~~غرور غير أني أذكر لكم ما عن لي من هذا الأمر . اعلموا أني ظننت أن مانظمه ~~الماضي - رحمه الله - وأصلحه ، وبناه وقومه ، ونسجه ونوقه لا يستحيل في ~~ثلاثين سنة ولا خمسين سنة ؛ وأن الحال تدوم على ذلك المنهاج ، وتستمر على ~~ذلك السياج ، ونكون قد أخذنا بطريق من السعادة ، وبلغنا لأنفسنا بعض ما كنا ~~نسلط عليه التمني من الإرادة فنجمع بين علو المرتبة ، وشرف الرياسة ، ونيل ~~اللذة ، وإدراك السرور ، واصطناع العرف ، وكسب الثناء ، ونشر الذكر ، وبعد ~~الصيت ، فعاد PageV01P410 ذلك كله بالضد ، وحال إلى الخلاف ، ووقف على ~~الفكر المضني ، والخوف المقلق ، واليأس الحي ، والرجاء الميت ؛ وما أحسن ما ~~قال القائل : أظمتني الدنيا فلما جئتها . . . مستسقيا مطرت علي مصائبا فقال ~~له ابن زرعة : إن الأمور كلها بيد الله ، ولا يستنجز الخير إلا منه ، ولا ~~يستدفع الشر إلا به ، فسله جميل الصنع وحسن النية وانو الخير ، وبث الإحسان ~~، وكل أعداءك إلى ربك الذي إذا عرف صدقك وتوكلك عليه فلل حدهم ، وغفر خدهم ~~، وسيح الفرات إلى جمرتهم حتى يطفئها ، وسلط الأرضة على أبدانهم حتى تقرضها ~~، وشغلهم بأنفسهم ، وخالف بين كلمتهم ، وصدع شمل جميعهم ، وردهم إليك ~~صاغرين ضارعين ، وعرضهم عليك خاضعين ، وما ذلك على الله بعزيز ، وإن الله ~~مع المحسنين على المسيئين . قال : والله لقد وجدت روحا كثيرا بما قلت لكم ~~وما سمعت منكم ، وأرجو أن الله يعين المظلوم ، ويهين الظالم . قد تمطى ~~الليل ، وتغورت النجوم ، وحن البدن إلى الترفه ؛ فإذا شئتم . فانصرفنا ~~متعجبين . # | الليلة الثالثة والثلاثون # عدنا إلى ما كنا فيه من حديث الممالحة - وكان قد استزادني - فكتبت له هذه ~~الورقات وقرأتها بين يديه ، فقال كلاما كثيرا عند كل ما مر مما يكون صلة ~~لذلك الحديث ، خزلته طلبا للتخفيف ms281 . قال حماد الراوية : عن قتادة قال زياد ~~لغيلان بن خرشة : أحب أن تحدثني عن العرب وجهدها وضنك عيشها لنحمد الله على ~~النعمة التي أصبحنا بها . فقال غيلان : حدثني عمي قال : توالت على العرب ~~سنون سبع في الجاهلية حصت كل شيء ، فخرجت على PageV01P411 بكر لي في العرب ~~، فمكثت سبعا لا أذوق فيهن شيئا غلا ما ينال بعيري من حشرات الأرض حتى دنوت ~~إلى حواء عظيم ، فإذا ببيت جحيش عن الحي ، فملت إليه ، فخرجت إلي امرأة ~~طوالة حسانة ، فقالت : من ؟ قلت : طارق ليل يلتمس القرى . فقالت : لو كان ~~عندنا شيء آثرناك به ، والدال على الخير كفاعله ، جس هذه البيوت فانظر إلى ~~أعظمها ، فإن يك في شيء منها خير ففيه . ففعلت حتى دنوت إليه ، فرحب بي ~~صاحبه وقال : من ؟ قلت : طارق ليل يلتمس القرى . فقال : يا فلان ، فأجابه ، ~~فقال : هل عندك من طعام ؟ قال : لا ، قال : فوالله ما وقر في أذني شيء كان ~~أشد علي منه . فقال : هل عندك من شراب ؟ قال : لا ، ثم تأوه وقال : قد ~~أبقينا في ضرع فلانة شيئا لطارق إن طرق ، قال : فأت به ، فأتى العطن ~~فابتعثها ، فحدثني عمي أنه شهد فتح أصفهان وتستر ومهرجان قذق وكور الأهواز ~~وفارس ، وجاهد عند السلطان وكثر ماله وولده ، قال : فما سمعت شيئا قط كان ~~ألذ إلي من شخب تلك الناقة في تلك العلبة ، حتى إذا ملأها ففاضت من جوانبها ~~وارتفعت عليها رغوة كجمة الشيخ أقبل بها نحوي فعثر بعود أو حجر ، فسقطت ~~العلبة من يده ، فحدثني أنه أصيب بأبيه وأمه وولده وأهل بيته ، فما أصيب ~~بمصيبة أعظم عليه من ذهاب العلبة ؛ فلما رآني كذلك رب البيت خرج شاهرا سيفه ~~، فبعث الإبل ثم نظر إلى أعظمها سناما ، على ظهرها مثل رأس الرجل الصعل ، ~~فكشف عن فوهته ثم أوقد نارا ، واجتب سنامها ، ودفع إلي مدية وقال : يا عبد ~~الله ، PageV01P412 اصطل واجتمل فجعلت أهوي بالبضعة إلى النار ، فإذا بلغت ~~إناها أكلتها ، ثم مسحت ما في يدي من إهالتها على جلدي ، وكان قد قحل على ~~عظمي ms282 حتى كأنه شن ، ثم شربت ماء وخررت مغشيا علي ، فما أفقت إلى السحر . ~~فقطع زياد الحديث وقال : لا عليك أن تخبرنا بأكثر من هذا ، فمن المنزول به ~~. قلت : عامر بن الطفيل . قال : أبو علي ؟ قلت : أبو علي . واستعادني ~~الوزير أداه الله علوه هذا الحديث مرتين وأكثر المتعجب ، وقال : صدق القائل ~~في العرب : منعوا الطعام وأعطوا الكلام . تغدى أبو العيناء عند ابن مكرم ، ~~فقدم إليه عرافا ، فلما جسه قال : قدركم هذه قد طبخت بشطرنج ؟ . وقدم إليه ~~يوما قدرا فوجدها كثيرة العظام ، فقال : هذه قدر أم قبر ؟ وأكل عنده أبو ~~العيناء يوما ، فسقي ثلاث شربات باردة ، ثم طلب الرابعة فسقي شربة حارة ، ~~فقال : لعل مزملتكم تعتريها حمى الربع . قال سلمة : بقي أبو المقام ببغداد ~~وكنا نأتيه ونسمع منه ، فجاءنا بجفنة فيها جواذب فجعل أصحابنا يأكلون ، ثم ~~أتاهم بسفود فيه يرابيع فسلتها في الجفنة ، فعلم القوم أنهم قد دهوا ، ~~فجعلوا يستقيئون ما أكلوا . PageV01P413 وقالت عائشة رضي الله عنها : يا ~~رسول الله ، لي جارتان بأيتهما أبدأ ؟ قال : ' بأدناهما بابا منك ' . وقال ~~حكيم : ينبغي ألا يعطى البخيل أكثر من قوته ، ليحكم عليه بمثل ما حكم به ~~على نفسه . وقال الشاعر : أفلح من كانت له قوصرة . . . يأكل منها كل يوم ~~مره أفلح من كانت له مزخه . . . يزخها ثم ينام الفخه أفلح من كانت له دوخله ~~. . . يأكل منها كل يوم مله أفلح من كانت له هرشفه . . . ونشفة يملأ منها ~~كفه أفلح من كانت له كرديده . . . يأكل منها وهو ثان جيده وقال أبو فرعون ~~الشاشي يخاطب الحجاج : يا خير ركب سلكوا طريقا . . . ويمموا مكة والعقيقا ~~وأطعموا ذا الكعك والسويقا . . . والخشكنان اليابس الرقيقا وقال آخر : رأيت ~~الجوع يطرده رغيف . . . وملء الكف من ماء الفرات وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ' الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ' . قبل مزبد جارية ~~PageV01P414 بخراء ، فقال لها : أظنك تعشيت بكرش ، أو احتشيت صحنا ؛ فقالت ~~: ما أكلت إلا خردلا . قال : قد ذهب النصف الثاني وبقي ما قبله . قال شاعر ~~: وباتوا يعشون القطيعاء ضيفهم . . . وعندهم البرني في ms283 جلل دسم وقال آخر : ~~وما أطعمونا الأوتكي من سماحة . . . ولا منعوا البرني إلا من البخل سمعت ~~الحجاجي يقول : كل الخبز أو السمك ، فإن أكل أحدهما كان مطيعا ؛ فإذا نفيت ~~فقلت : لا تأكل الخبز والسمك ؛ فإن أكل أحدهما لم يعصك ؛ وإذا قلت : لا ~~تأكل الخبز أو السمك ، لم يكن له أن يأكل أحدهما لأن التقدير في النفي لا ~~تأكل أحدهما ، والتقدير في الإيجاب ائت أيهما شئت ؛ فهذه خاصية أو . السويق ~~: الجشيش ، لأنه رض وكسر . المجشة : رحى صغيرة يجش بها . وروي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رأى الشبرم عند أسماء بنت عميس فقال : حار حار ، وأمر ~~بالسنا . ويقال : أكل البطيخ مجفرة ، أي يقطع ماء النكاح . ويقال : فلان ~~عظيم المجرأش أي الوسط ، فرس مجرئش الجنبين واجرأشت الإبل ، PageV01P415 ~~إذا بطنت ، وإبلق مجرئشة أي بطان ؛ ويقال : كثأة قدركم ، وهي ما ارتفع منها ~~عند الغلي . وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس قال : سمعته ~~يقول : ' ليس بمؤمن من بات شبعان ريان وجاره جائع طاو ' . قال عمر : مدمن ~~اللحم كمدمن الخمر . وقال لقيط بن زرارة يذم أصحابه يوم جبلة : إن الشواء ~~والنشيل والرغف . . . والقينة الحسناء والكأس الأنف للضاربين الهام . . . ~~والخيل قطف قيل لدب : لم تفقر رجلا في ليلة من كثرة ما تأكل من عنبه ؟ فقال ~~: لا تلمني ، فإن بين يدي أربعة أشهر أنجحر فيها فلا أتلمظ إلا بالهواء . ~~قال ابن الأعرابي : إذا أقدح الرجل مرة بعد مرة فأطعم لحمه المساكين سمي ~~متمما ، وبه سمي ابن نويرة ، ومن ذلك قول النابغة : إني أتمم أيساري ~~وأمنحهم . . . مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما الثرتم من فتات الطعام ، ~~ويقال الترتم أيضا ما فضل من الطعام في الإناء ، ويقال : طعام ذو نزل . ~~والمليح والملح : السمن ، يقال : تملحت الجارية وتجملت إذا سمنت . ~~PageV01P416 وقال أبو الطمحان القيني : وإني لأرجو ملحها في بطونكم . . . ~~وما كشطت من جلد اشعث اغبرا هكذا سمعت . ويقال : سمن حتى كأنه خرس ، والخرس ~~: الدن بعينه . وفي المثل : إن آخر الخرس لدردى أي آخر الدن دردى . وأنشد : ~~حبذا ms284 الصيف حبذا من أوان . . . وزمان يفوق كل زمان زمن الخمر والمساور ~~والجش . . . ن وورد الخلاف والريحان زمن كانت المضائر فيه . . . بلحوم ~~الجداء والحملان وصدور الدجاج بالخل والمرى . . . ونثر السذاب والأنجذان ~~وسمان من الفراريج تغلي . . . بعصير الأعناب والرمان وشوا الوزة اللذيذة ~~والقا . . . رص بين الحليب والألبان ونقي السويق بالسكر المن . . . خول في ~~الثلج في الزجاج اليماني وقلال تحط من بكرات . . . مرويات غلائل العطشان ~~واعترض حديث العلم ، فأنشد ابن عبيد الكاتب لسابق الزبيري قوله : العلم ~~يجلو العمى عن قلب صاحبه . . . كما يجلى سواد الظلمة القمر وقال أيضا : ~~PageV01P417 إذا ما لم يكن لك حسن فهم . . . أسأت إجابة وأسأت فهما آخر : ~~العلم ينعش أقواما فينقعهم . . . كالغيث يدرك عيدانا فيحييها فقال الوزير : ~~عندي في صحيفة حفظ الصبا : العلم سراج يجلي الظلمة ، وضياء يكشف العمى . ~~التذلل مكروه إلا في استفادته ، والحرص مذموم إلا في طلبه ، والحسد منهي ~~عنه إلا عليه . ثم عاد الحديث إلى الممالحة : حدثني مطهر بن أحمد الكاتب عن ~~ابن قرارة العطار قال : اجتمع ذات يوم عندي على المائدة أبو علي بن مقلة ~~وأبو عبد الله اليزيدي ، وكان ابن مقلة يفضل الهريسة ، وكان اليزيدي يفضل ~~الجوذابة ، وكان كل واحد منهما يصف النوع الذي يقول به ويؤثره ، فقال ~~اليزيدي : الهريسة طعام السوقيين والسفلة ، وليست الجوذابة بهذه الصفة ؛ ~~فقال لي ابن مقلة : ما اسم الجوذابة بالفارسية ؟ فقلت جوزاب ، فقال : ضم ~~الكاف . وفهمت ما أراد ، فقلت : نسأل الله العافية ، والله لقد عافتها نفسي ~~، وسكت اليزيدي . قال يزيد بن ربيع : الكبا بطعام الصعاليك ، والماء والملح ~~طعام الأعراب ، والهرائس والرءوس طعام السلاطين ، والشواء طعام الدعار ، ~~والخل والزيت طعام أمثالنا . وحدثني ابن ضبعون الصوفي قال : قال لي أبو عمر ~~الشاري صاحب الخليفة : انهض بنا حتى نتغدى ، فإن عندي مصوصا وهلاما وبقية ~~مطجنة ، وشيئا من الباذنجان البوراني البائت المخر . قلت : هذه كلها تزايين ~~المائدة ، فأين الأدم ؟ كان عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بكثر ~~أكل الجوذاب ولا يؤثر عليه شيئا ، PageV01P418 وكان يقول : يشد العضدين ، ~~ويقوي الساعدين ، ويجلو الناظرين ms285 ، ويزيد في سمع الأذنين ، ويحمر الوجنتين ~~، ويزيد في المني ، وهو طعام شهي ، فأي شيء بقي ؟ وبلغ المنصور وصفه هذا ، ~~فقال : بحق ما وصفه ، ولا نقبل أكله . وقال وكيع بن الجراح : التمتين على ~~المائدة خير من زيادة لونين ، وكمال المائدة كثرة الخبز ، والسميذ الأبيض ~~أحلى من الأصفر . وكان يحيى بن أكثر يحب الجوذاب ، فبلغه أن رجلا ممن يحضر ~~عنده يعيب الجوذاب ، فقال يحيى : إن ثبت عندي هذا توقفت عن شهادته ، وحكمت ~~عليه بضعف الحس وقلة التمييز ، فبلغ الرجل ذلك ، فاحترس ، فقال له يحيى ~~يوما : ما قولك في الجوذاب ؟ فقال : أشرف مأكل وأطيبه ، سهل المدخل ، لذيذ ~~المطعم ، جيد الغذا ، قليل الأذى . قال : أصبت ، هكذا أريدك . أبو صالح عن ~~ابن عباس قال : ما من داخل إلا وله حيرة ، فابدءوه بالسلام ، وما من مدعو ~~إلا وله حشمة ، فابدءوه باليمين . قال حمدان : قلت لجارية اردت شراءها - ~~وكانت ناعمة البدن رطبة شطبة غضة بضة - : ما كان غذاؤك عند مولاك ؟ قالت : ~~المبطن . قلت : وما المبطن ؟ قالت : الأرز الريان من اللبن ، بالفالوذج ~~الريان من العسل ، والخبيصة الريانة من الدهن والسكر والزعفران . قلت : حق ~~لك . وقال ابن الجصاص الصوفي : دخلت على أحمد بن روح الاهوازي فقال : ما ~~تقول في صحفة أرز مطبوخ ، فيها نهر من سمن ، على حافاتها كثبان من السكر ~~المنخول ، فدمعت عيني . فقال : مالك ؟ قلت : أبكي شوقا إليه ، جعلنا الله ~~وإياك من الواردين عليه بالغواصة PageV01P419 والردادتين . فقال لي : ما ~~الغواصة والردادتان ؟ قلت : الغواصة الإبهام ، والردادتان : السبابة ~~والوسطى . فقال : أحسنت ، بارك الله عليك . شكا رجل إلى عمر الجوع فقال : ~~أكذك وأنت تنث نث الحميت ؟ أي ترشح كما يرشح الزق . وقال ابن سكرة : أطمعني ~~في خروفكم خرفي . . . فجئت مستعجلا ولم أقف وجئت أرجو أطرافه فغدت . . . في ~~طرف والسماك في طرف وحذروني من ذكر رزته . . . يا حر صدري لها ويا لهفي ~~عاينته والذي يفصله . . . والقلب مني على شفا جرف ما حل بي منك عند منصرفي ~~. . . ما كنت إلا فريسة التلف ويقال : القانع غني وإن جاع وعري ، والحريص ~~فقير وإن ملك ms286 الدنيا . قيل لإبراهيم الخليل - عليه السلام - : بأي شيء ~~اتخذك الله خليلا ؟ قال : بأني ما خيرت بين أمرين إلا اخترت الذي لله ، وما ~~اهتممت لما تكفل لي به ، وما تغديت وما تعشيت إلا مع ضيف . واعترض حديث ~~فقال : أنشدني بيتي ابن غسان البصري في حديث بختيار ، يعني عز الدولة ، ~~فأنشدته : أقام على الأهواز ستين ليلة . . . يدبر أمر الملك حتى تدمرا يدبر ~~أمرا كان أوله عمى . . . وأوسطه ثكلا وآخره خرا فقال : ما أعجب الأمور التي ~~تأتي بها لدهور ! عد إلى قراءتك ، فعدت وقرأت . روي في الحديث : لا تأكلوا ~~ذروة الثربد ، فإن البركة فيها . وقال أعرابي : اللبن أحد اللحمين ، وملك ~~العجين أحد PageV01P420 الريعين ، والمرقة أحد اللحمين ، والبلاغة أحد ~~السبفين والتمني أحد السكرين . أراد مزبد أضحية فلم يجدها ، فأخذ ديكا ~~ليضحي به ، فوجه إليه جيرانه شاة شاة حتى اجتمع عنده سبع شياه ، فقال ديكي ~~أفضل عند الله من إسحاق لأنه فدي بكبش ، وديكي بسبعة . الكتل : اللحم ، ~~والعيمة : شهوة اللبن ، والقرم : شهوة اللحم . وقال صلى الله عليه وسلم : ' ~~من أحب أن يرق قلبه فليكثر من أكل البلس ' . قيل : هو التين . وقال أعرابي ~~: يمن علي بالتزويج شيخي . . . وفي التزويج لي هم وشغل وكنت من الهموم رخي ~~بال . . . فحل من الهموم علي ثقل فقلت له : مننت بغير من . . . ومالك بالذي ~~اسديت فضل أعزاب العشيرة لو علمتم . . . بحالي حين لي بيت وأهل علمتم أنكم ~~في حال عيش . . . رخي ماله يا قوم عدل قال إسحاق الموصلي : أملي بعض ~~الفقهاء بالكوفة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كره السمر إلا في الفقه ، ~~يريد كثرة السمر إلا في الفقه . قيل لميسرة الرأس : ما أكثر ما أكلت ؟ قال ~~: مائة رغيف بكيلجة ملح ؛ فقيل هذا أكلك في بيتك ؟ قال : آكل في بيتي ~~رغيفين ، وأحتشي إلى الليل فشل الخيل . تناول الفضل بن العباس تفاحة فأكلها ~~، فقيل : ويحك ، تأكل التحيات ؟ فقال : والصلوات والطيبات . يقال : الطعمة ~~: الكسب . ويقال : جئت بالطعمة . والطعم : الطعام : والطعم : الذوق . ~~PageV01P421 وهذه الأرض طعمة لك وطعمة . قال إسحاق : كنت يوما عند أحمد ms287 بن ~~يوسف الكاتب ، فدخل أحمد بن أبي خالد الكاتب ونحن في الغناء ، فقال : والله ~~ما أجد شيئا مما أنتم فيه . قال إسحاق : فهان علي وخف في عيني ، فقلت له ~~كالمستهزىء به ، جعلت فداك ، قصدت إلى أرق شيء خلقه الله وألينه على الأذن ~~والقلب ، وأظهره للسرور والفرح ، وأنفاه للهم والحزن ، وما ليس للجوارح منه ~~مؤونة غليظة ، وإنما يقرع السمع وهو منه على مسافة ، فتطرب له النفس ، ~~فذممته ! ؟ ولكنه كان يقال : لا يجتمع في رجل شهوة كل لذة ، وبعد ، فإن ~~شهوة كل رجل على قدر تركيبه ومزاجه . قال : أجل ، أما أنا فالطعام الرقيق ~~أعجب إلي من الغناء . فقلت : إي والله ولحم البقر والجواميس والتيوس ~~الجبلية بالبازنجان المبزر أيضا تقدمه ؟ فقال : الغناء مختلف فيه ، وقد ~~كرهه قوم . قلت فالمختلف فيه أطلقه لنا حتى تجمعوا على تحريمه ، أعلمت - ~~جعلت فداك - أن الأوائل كانت تقول : من سمع الغناء على حقيقته مات . فقال : ~~اللهم لا تسمعناه على الحقيقة إذا فنموت . فاستظرفته في هذه اللفظة ، ~~وقدموا إليه الطعام فشغل عن ذم الغناء . قال سعيد بن أبي عروة : نزل الحجاج ~~في طريق مكة ، فقال لحاجبه : انظر أعرابيا يتغدى معي ، وأسأله عن بعض الأمر ~~، فنظر الحاجب إلى أعرابي بين شملتين ، فقال : أجب الأمير ، فأتاه ، فقال ~~له الحجاج : إذن فتغد معي . فقال : إنه دعاني من هو أولى منك فأجبته . قال ~~: ومن هو ؟ قال : الله عز وجل دعاني إلى الصوم فصمت ، قال : أفي هذا اليوم ~~الحار ؟ قال : نعم ، صمته ليوم هو أشد منه حرا . قال : فأفطر وصم غدا . قال ~~: إن ضمنت لي البقاء إلى غد . قال : ليس ذلك إلي . قال : فكيف تسألني عاجلا ~~بآجل لا تقدر عليه ؟ قال : إنه طعام طيب . قال : إنك لم تطيبه ولا الخباز ؛ ~~ولكن العافية طيبته ، ولم يفطر ، وخرج من عنده . قال أعرابي : هذا الطعام ~~مطيبة للنفس ، محسنة للجسم . PageV01P422 قال أبو حاتم : حدثنا الأصمعي قال ~~: قال أبو طفيلة الحرمازي : قال أعرابي : ضفت رجلا فأتاني بخبز من بر كأنه ~~مناقير النغران ، وأتانا بتمر كأعناق الورلان ، يوحل فيه الضرس ms288 . وقال آخر ~~: ونظر إلى رجل يأكل بالعين والفم واليد والرأس والرجل : لو سألته عن اسمه ~~لما ذكره ، ولو طلع ولده الغائب عليه ما عرفه : يلعب بالخمسة في قصعة . . . ~~لعب أخي الشطرنج بالشاه قال ابن الأعرابي : كان المحسن الضبي شرها على ~~الطعام ، وكان دميما ، فقال له زياد ذات يوم : كم عيالك ؟ قال : تسع بنات . ~~. قال : فأين هن منك . فقال : أنا أحسن منهن وهن آكل مني ؛ فضحك . وقال : ~~جاز ما سألت لهن . وأمر له بأربعة آلاف درهم فقال : إذا كنت مرتاد الرجال ~~لنفعهم . . . فناد زيادا أو أخا لزياد يجبك امرؤ يعطي على الحمد ماله . . . ~~إذا ضن بالمعروف كل جواد وقال سنان بن أبي حارثة : ثمة أطعم زادي غير مدخر ~~. . . أهل المحلة من جار ومن جادي قد يعلم القوم إذ طال اغترابهم . . . ~~وأرملوا الزاد أني منفد زادي وقال السفاح بن بكر : والمالىء الشيزي لأضيافه ~~. . . كأنها أعضاد حوض بقاع PageV01P423 لا يخرج الأضياف من بيته . . . إلا ~~وهم منه رواء شباع أورد أعرابي إبله ، فأبى أهل الماء أن يجيزوه ، وقالوا : ~~إبلك كثيرة ، فإن أوردت فشرط أن تقف بعيدا عن الماء وتسقي ما جاءك منها ، ~~ولا تحاجز بها ؛ قال : أفعل ، وأنشأ يقول : رب طبيخ مرجل ملهوج . . . يسلته ~~القوم ولما ينضج حش بشيء من ضرام العرفج فانقضت الإبل كلها على الماء فشربت ~~. قال الشاعر : شرب النبيذ على الطعام قليلة . . . فيه الشفاء وصحة الأبدان ~~وإذا شربت كثيره فكثيره . . . مزج عليك ركائب الشيطان فتكون بين الضاحكين ~~كبومة . . . عمياء بين جماعة الغربان فاحذر بجهدك أن ترى كجنيبة . . . بعد ~~العشاء تقاد بالأرسان قال حمزة المصنف في بعض كتبه : قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لسلمان الفارسي : أن اتخذ لنا سورا ، أي طعاما كطعام الوليمة ، ~~وهي فارسية . قال شيخنا أبو سعيد السيرافي : أخطأ هذا المتأول ، وإنما أراد ~~النبي صلى الله عليه وسلم : أن سلمان اتخذ لنا خندقا يوم الأحزاب ، لأنه حض ~~على ذلك ، وليس ذا من ذاك إلا باللفظ . وقال جعيفر ان الموسوس في وصف عصيدة ~~: وماء عصيدة حمراء تحكي . . . إذا أبصرتها ماء ms289 الخلوق تزل عن اللهاة تمر ~~سهلا . . . وتجري في العظام وفي العروق قال الحسن بن سهل : أشياء تذهب هباء ~~، دين بلا عقل ، ومال بلا بذل وعشق بلا PageV01P424 وصل . فقال حميد : بقي ~~عليه مائدة بلا نقل ، ولحسة بلا فضل . قيل لصوفي : ما حد الشبع ؟ قال : ~~الموت . وقيل لآخر : ما حد الشبع ؟ قال آكل حتى يقع علي السبات فأنام على ~~وجهي ، وتتجافى أطرافي عن الأرض . وقيل لآخر : ما حد الشبع ؟ قال : أن أدخل ~~إصبعي في حلقي فيصل إلى الطعام . قال يعقوب : أصبحت خالفا : لا أشتهي ~~الطعام . وخلوف البطن تغيره . ويقال : مغسني بطني ، وهو المغس ، ورجل ممغوس ~~. ويقال : غمزني بطني وملكني . والعامة تقول : كل ما في القدر تخرجه ~~المغرفة ، ورجل مقرضب وقراضب وقرضاب إذا كان أكولا ، وكذلك السيف واللص ، ~~قال الشاعر : وليس يرد النفس عن شهواتها . . . من القوم إلا كل ماضي ~~العزائم ومر ابن عامر على عامر بن عبد القيس وهو يأكل بقلا بملح ، فقال : ~~لقد رضيت باليسير . فقال : أرضي مني باليسير من رضي بالدنيا عوضا عن الآخرة ~~. قال عبد الملك بن مروان : لا تستاكن إلا عرضا ، ولا تأكلن إلا عضا ولا ~~تشربن إلا مصا ، ولا تركبن إلا نصا ، ولا تعقدن إلا وصا . ويقال : ماء قراح ~~؛ وخبز قفار : لا أدم معه ، وسويق جاف ، ولبن صريح : لم يخالطه شيء . وقال ~~سعيد بن سلمة : شيئان لا تشبع منهما ببغداد : السمك والرطب . قال أعرابي : ~~أكلت فرسكة وعلى خوخة ، فجاء غلام حزور فنظر حرني . PageV01P425 | الفرسكة ~~: الخوخة المقددة . والخوخة : القميص الأخضر بطن بفرو . والحرة : الأذن . ~~قيل لحاتم الأصم : بم رزقت الحكمة ؟ قال : بخلاوة البطن ، وسخاوة النفس ، ~~ومكابدة الليل . وقال شقيق البلخي : العبادة حرفة ، وحانوتها الخلوة ، ~~وآلتها الجوع . قال لقمان : إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة ، وخرست الحكمة ~~، وقعدت الأعضاء عن العبادة . وقال عمر : لولا القيامة لشاركناكم في لين ~~عشيكم . وقال بعض العرب : أقلل طعامك تحمد منامك . قال يحيى بن معاد : ~~الشبع يكنى بالكفر . وقال غيره : الجوع يكنى بالرحمة . وقال أعرابي : تحيز ~~مني خيفة أن أضيفها . . . كما انحازت الأفعى مخافة ضارب ms290 وذكر المهلب اللحم ~~فقال إذا التقى الوارد والغابر فتوقع الفساد . # | الليلة الرابعة والثلاثون # وقال الوزير في بعض الليالي : قد والله ضاق صدري بالغيظ لما يبلغني عن ~~العامة من خوضها في حديثنا ، وذكرها أمورنا ، وتتبعها لأسرارنا ، وتنقيرها ~~عن مكنون أحوالنا ، ومكتوم شأننا ، وما أدري ما أصنع بها ، وإني لأهم في ~~الوقت بعد الوقت بقطع ألسنة وأيد وأرجل وتنكيل شديد ، لعل ذلك يطرح الهيبة ~~ويحسم المادة ، ويقطع هذه العادة ، لحاهم PageV01P426 الله ، ما لهم لا ~~يقبلون على شؤونهم المهمة ، ومعايشهم النافعة ، وفرائضهم الواجبة ؟ ولم ~~ينقبون عما ليس لهم ، ويرجفون بما لا يجدي عليهم ، ولو حققوا ما يقولون ما ~~كان لهم فيه عائدة ولا فائدة ؛ وإني لأعجب من لهجهم وشغفهم بهذا الخلق حتى ~~كأنه من الفرائض المحتومة ، والوظائف الملزومة ؛ وقد تكرر منا الزجر ، وشاع ~~الوعيد ، وفشا الإنكار بين الصغار والكبار ، ولقد تعايى علي هذا الأمر ~~وأغلق دوني بابه ، وتكاثف علي حجابه ، والله المستعان . فقلت : أيها الوزير ~~، عندي في هذا جوابان : أحدهما ما سمعت من شيخنا أبي سليمان ، وهو من تفوق ~~في الفضل والحكمة والتجربة ومحبة هذه الدولة والشفقة عليها من كل هبة ودبة ~~؛ والآخر مما سمعته من شيخ صوفي ، والجوابين فائدتان عظيمتان ، ولكن الجملة ~~خشناء ، وفيها بعض الغلظة ، والحق مر ، ومن توخى الحق احتمل مرارته . قال : ~~فاذكر الجوابين وإن كانا غليظين ، فليس ينتفع بالدواء إلا بالصبر على ~~بشاعته ، وصدود الطبع عن كراهته . قلت : أما أبو سليمان ، فإنه قال في هذه ~~الأيام : ليس ينبغي لمن كان الله عز وجل جعله سائس الناس : عامتهم وخاصتهم ~~، وعالمهم وجاهلهم ، وضعيفهم وقويهم ، وراجحهم وشائلهم ، أن يضجر مما يبلغه ~~عنهم أو عن واحد منهم لأسباب كثيرة ، منها : أن عقله فوق عقولهم ، وحلمه ~~أفضل من حلومهم ، وصبره أتم من صبرهم ؛ ومنها أنهم إنما جعلوا تحت قدرته ، ~~ونيطوا بتدبيره ، واختبروا بتصريفهم على أمره ونهيه ، ليقوم بحق الله تعالى ~~فيهم ، ويصبر على جهل جاهلهم ، ويكون عماد حاله معهم الرفق بهم ، والقيام ~~بمصالحهم ، ومنها أن العلاقة التي بين السلطان وبين الرعية قوية ، لأنها ~~إلهية ms291 ، وهي أوشج من الرحم التي تكون بين الوالد والولد ، والملك والد كبير ~~، كما أن الوالد ملك صغير ، وما يجب على الوالد في سياسة ولده من الرفق به ~~، والحنو عليه ، والرقة له ، واجتلاب المنفعة إليه ، أكثر مما يجب على ~~الولد في طاعة والده ، وذلك أن الولد غر ، وقريب العهد بالكون ، وجاهل ~~PageV01P427 بالحال ، وعار من التجربة ، كذلك الرعية الشبيهة بالولد ، ~~وكذلك الملك الشبيه بالوالد ؛ ومما يزيد هذا المعنى كشفا ، ويكسبه لطفا ، ~~أن الملك لا يكون ملكا إلا بالرعية ، كما أن الرعية لا تكون رعية إلا ~~بالملك ، وهذا من الأحوال المتضايفة ، والأسماء المتناصفة ؛ وبسبب هذه ~~العلاقة المحكمة والوصلة الوشيجة ، ما لهجت العامة بتعرف حال سائسها ، ~~والناظر في أمرها ، والمالك لزمامها ، حتى تكون على بيان من رفاهة عيشها ، ~~وطيب حياتها ، ودرور مواردها ، بالأمن الفاشي بينها ، والعدل الفائض عليها ~~، والخير المجلوب إليها ، وهذا أمر جار على نظام الطبيعة ، ومندوب إليه ~~أيضا في أحكام الشريعة . قال : ولو قالت الرعية لسلطانها : لم لا نخوض في ~~حديثك ، ولا نبحث عن غيب أمرك ، ولم لا نسأل عن دينك ونحلتك وعادتك وسيرتك ~~؟ ولم لا نقف على حقيقة حالك في ليلك ونهارك ، ومصالحنا متعلقة بك ، ~~وخيراتنا متوقعة من جهتك ، ومسرتنا ملحوظة بتدبيرك ، ومساءتنا مصروفة ~~باهتماك ، وتظلمنا مرفوع بعزك ، ورفاهيتنا حاصلة بحسن نظرك وجميل اعتقادك ، ~~وشائع رحمتك ، وبليغ اجتهادك ، ما كان جواب سلطانها وسائسها ؟ أما كان عليه ~~أن يعلم أن الرعية مصيبة في دعواها التي بها استطالت ، بلى والله ، الحق ~~معترف به وإن شغب الشاغب ، وأعنت المعنت . قال : ولو قالت الرعية أيضا : ~~ولم لا تبحث عن أمرك ؟ ولم لا تسمع كل غث وسمين منا ! وقد ملكت نواصينا ، ~~وسكنت ديارنا ، وصادرتنا على أموالنا ، وحلت بيننا وبين ضياعنا ، وقاسمتنا ~~مواريثنا ، وأنسيتنا رفاغة العيش ، وطيب الحياة ، وطمأنينة القلب ، فطرقنا ~~مخوفة ، ومساكننا منزولة ، وضياعنا مقطعة ، ونعمنا مسلوبة ، وحريمنا مستباح ~~، ونقدنا زائف ، وخراجنا مضاعف ، ومعاملتنا سيئة ، وجندينا متغطرس ، ~~وشرطينا منحرف ، ومساجدنا خربة ، ووفوفها منتهبة ، ومارستاناتنا خاوية ، ~~وأعداؤنا مستكلبة ، وعيوننا سخينة ، وصدورنا مغيظة ، وبليتنا متصلة ، ~~وفرحنا معدوم ؛ ما ms292 كان الجواب أيضا عما قالت وعما لم تقل ، هيبة لك ، وخوفا ~~على أنفسها من سطوتك وصولتك ؟ PageV01P428 وحكى لنا في عرض هذا الكلام أنه ~~رفع إلى الخليفة المعتضد أن طائفة من الناس يجتمعون بباب الطاق ويجلسون في ~~دكان شيخ تبان ، ويخوضون في الفضول والأراجيف وفنون من الأحاديث ، وفيهم ~~قوم سراة وتناء وأهل بيوتات سوى من يسترق السمع منهم من خاصة الناس ، وقد ~~تفاقم فسادهم وإفسادهم ، فلما عرف الخليفة ذلك ضاق ذرعا ، وحرج صدرا ، ~~وامتلأ غيظا ، ودعا بعبيد الله بن سليمان ، ورمى بالرفيعة إليه ، وقال : ~~انظر فيها وتفهمها . ففعل ، وشاهد من تربد وجه المعتضد ما أزعج ساكن صدره ، ~~وشرد آلف صبره ، وقال : قد فهمت يا أمير المؤمنين . قال : فما الدواء ؟ قال ~~: تتقدم بأخذهم وصلب بعضهم وإحراق بعضهم وتغريق بعضهم ، فإن العقوبة إذا ~~اختلفت ، كان الهول أشد ، والهيبة أفشا ، والزجر أنجع ، والعامة أخوف . ~~فقال المعتضد - وكان أعقل من الوزير - : والله لقد بردت لهيب غضبي بفورتك ~~هذه ، ونقلتني إلى اللين بعد الغلظة ، وحططت علي الرفق ، من حيث أشرت ~~بالخرق ، وما علمت أنك تستجيز هذا في دينك وهديك ومروءتك ، ولو أمرتك ببعض ~~ما رأيت بعقلك وحزمك لكان من حسن المؤازرة ومبذول النصيحة والنظر للرعية ~~الضعيفة الجاهلة أن تسألني الكف عن الجهل ، وتبعثني على الحلم ، وتحبب إلى ~~الصفح وترغبني في فضل الإغضاء على هذه الأشياء . وقد ساءني جهلك بحدود ~~العقاب وبما تقابل به هذه الجرائر ، وبما يكون كفأ للذنوب ، ولقد عصيت الله ~~بهذا الرأي ودللت على قسوة القلب وقلة الرحمة ويبس الطينة ورقة الديانة ، ~~أما تعلم أن الرعية وديعة الله عند سلطانها ؟ وأن الله يسائله عنها كيف ~~سستها ؟ ولعله لا يسألها عنه ، وإن سألها فليؤكد الحجة عليه منها ؛ ألا ~~تدري أن أحدا من الرعية لا يقول ما يقول إلا لظلم لحقه أو لحق جاره ، ~~وداهية نالته أو نالت صاحبا له ؟ وكيف نقول لهم : كونوا صالحين أتقياء ~~مقبلين على معايشكم ، غير خائضين في حديثنا ، ولا سائلين عن أمرنا ، والعرب ~~تقول في كلامها : غلبنا السلطان فلبس فروتنا ، وأكل ms293 PageV01P429 خضرتنا ، ~~وحنق المملوك على المالك معروف ، وإنما يحتمل السيد على صروف تكاليفه ، ~~ومكاره تصاريفه ، إذا كان العيش في كنفه رافعا ، والأمل فيه قويا ، والصدر ~~عليه باردا ، والقلب معه ساكنا ، أتظن أن العمل بالجهل ينفع ، والعذر به ~~يسع ، لا والله ما الرأي ما رأيت ، ولا الصواب ما ذكرت ، وجه صاحبك وليكن ~~ذا خبرة ورفق ، ومعروفا بخير وصدق ، حتى يعرف حال هذه الطائفة ، ويقف على ~~شأن كل واحد منها في معاشه ، وقدر ما هو متقلب فيه ومنقلب إليه ، فمن كان ~~منهم يصلح للعمل فعلقه به ، ومن كان سيىء الحال فصله من بيت المال بما يعيد ~~نضرة حاله ، ويفيده طمأنينة باله ؛ ومن لم يكن من هذا الرهط ، وهو غني مكفي ~~، وإنما يخرجه إلى دكان هذا التبان البطر والزهو ، فادع به ، وانصحه ، ~~ولاطفه ، وقل له : إن لفظك مسموع ، وكلامك مرفوع ؛ ومتى وقف أمير المؤمنين ~~على كنه ذلك منك لم تجدك إلا في عرضة المقابر ، فاستأنف لنفسك سيرة تسلم ~~بها من سلطانك ، وتحمد عليها عند إخوانك ، وإياك أن تجعل نفسك عظة لغيرك ~~بعدما كان غيرك عظة لك ؛ ولولا أن الأخذ بالجزيرة الأولى مخالف للسيرة ~~المثلى ، لكان هذا الذي تسمعه ما تراه ، وما تراه تود أنك لو سمعته قبل أن ~~تراه . فإنك يا عبيد الله إذا فعلت ذلك فقد بالغت في العقوبة ، وملكت طرفي ~~المصلحة ، وقمت على سواء السياسة ، ونجوت من الحوب والمأثم في العاقبة . ~~قال : وفارق الوزير حضرة الخليفة ، وعمل بما أمر به على الوجه اللطيف ، ~~فعادت الحال ترف بالسلامة العامة ، والعافية التامة ؛ فتقدم إلى الشيخ ~~التبان برفع حال من يقعد عنده حتى يواسي إن كان محتاجا ، ويصرف إن كان ~~متعطلا ، وينصح إن كان متعقلا . فقال الوزير : ما سمعت مثل هذا قط ، وما ~~ظننت أن الخطب في مثل هذا يبلغ هذا القدر ؛ فهات الجواب الآخر الذي حفظته ~~عن الصوفي . فقلت : إن كان هذا كافيا فإن ذلك فضل . فقال : هكذا هو ، وإن ~~فيما مر لكفاية ، وما يزيد على الكفاية ، ولكن الزيادة من العلم ~~PageV01P430 داعية إلى الزيادة ms294 من العمل ، والزيادة من العمل جالبة ~~الانتفاع بالعلم ، والانتفاع بالعلم دليل على سعادة الإنسان ، وسعادة ~~الإنسان مقسومة على اقتباس العلم والتماس العمل ، حتى يكون بأحدهما زارعا ، ~~وبالآخر حاصدا ، وبأحدهما تاجرا ، وبالآخر رابحا . فوصلت الحديث وقلت : ~~حدثني شيخ من الصوفية في هذه الأيام قال : كنت بنيسابور سنة سبعين وثلثمائة ~~، وقد اشتعلت خراسان بالفتنة ، وتبلبلت دولة آل سامان بالجور وطول المدة ، ~~فلجأ محمد بن إبراهيم صاحب الجيش إلى قايين ، وهي حصنه ومعقله ، وورد أبو ~~العباس صاحب جيش آل سامان نيسابور بعدة عظيمة ، وعدة عميمة ، وزينة فاخرة ، ~~وهيئة باهرة ، وغلا السعر ، وأخيفت السبل ، وكثر الإرجاف ، وساءت الظنون ، ~~وضجت العامة ، والتمس الرأي ، وانقطع الأمل ، ونبح كلب كلب من كل زاوية ، ~~وزأر كل أسد من كل أجمة ، وضج كل ثعلب من كل تلعة . قال : وكنا جماعة غرباء ~~نأوي إلى دويرة الصوفية لا نبرحها ، فتارة نقرأ ، وتارة نصلي ، وتارة ننام ~~، وتارة نهذي ، والجوع يعمل عمله ، ويخوض في حديث آل سامان ، والوارد من ~~جهتهم إلى هذا المكان ، ولا قدرة لنا على السياحة لانسداد الطرق ، وتخطف ~~الناس للناس ، وشمول الخوف ، وغلبة الرعب ، وكان البلد يتقد نارا بالسؤال ~~والتعرف والإرجاف بالصدق والكذب ، وما يقال بالهوى والعصبية ؛ فضاقت صدورنا ~~، وخبثت سرائرنا واستولى علينا الوسواس ، وقلنا ليلة : ما ترون يا صحابنا ~~ما دفعنا إليه من هذه الأحوال الكريهة ، كأنا والله أصحاب نعم وأرباب ضياع ~~نخاف عليها الغارة والنهب ، وما علينا من ولاية زيد وعزل عمرو ، وهلاك بكر ~~، ونجاة بشر ، نحن قوم قد رضينا في هذه الدنيا العسيرة ، ولهذه الحياة ~~القصيرة ، بكسرة يابسة ، وخرقة بالية ، وزاوية من المسجد مع العافية من ~~بلايا طلاب الدنيا . فما هذا الذي يعترينا من هذه الأحاديث التي ليس لنا ~~فيها ناقة ولا جمل ، ولا حظ ولا أمل ، قوموا بنا غدا حتى نزور أبا زكرياء ~~الزاهد ، ونظل نهارنا PageV01P431 عنده لاهين عما نحن فيه ، ساكنين معه ، ~~مقتدين به ؛ فاتفق رأينا على ذلك ، فغدونا وصرنا إلى أبي زكرياء الزاهد ، ~~فلما دخلنا رحب بنا ، وفرح بزيارتنا ، وقال : ما أشوقني إليكم ، وما ms295 ألهفني ~~عليكم ! الحمد لله الذي جمعني وإياكم في مقام واحد ، حدثوني ما الذي سمعتم ~~، وماذا بلغكم من حديث الناس ، وأمر هؤلاءؤ السلاطين ؟ فرجوا عني ؛ وقولوا ~~لي ما عندكم ، فلا تكتموني شيئا فمالي والله مرعى في هذه الأيام إلا ما ~~اتصل بحديثهم ، واقترن بخبرهم ، فلما ورد علينا من هذا الزاهد العابد ما ~~ورد ، دهشنا واستوحشنا ، وقلنا في أنفسنا انظروا من أي شيء هربنا ، وبأي ~~شيء علقنا ، وبأي داهية دهينا . قال : فخففنا الحديث وانسللنا ، فلما خرجنا ~~قلنا : أرأيتم ما بلينا به ، وما وقعنا عليه ؟ ' إن هذا لهو البلاء المبين ~~' . ميلوا بنا إلى أبي عمرو الزاهد فله فضل وعبادة وعلم وتفرد في صومعته ~~حتى نقيم عنده إلى آخر النهار ، فقد نبا بنا المكان الأول ، وبطل قصدنا ~~فيما عزمنا عليه من العمل ، فمشينا إلى أبي عمرو الزاهد واستأذنا ، فأذن ~~لنا ، ووصلنا إليه فسر بحضورنا ، وهش لرؤيتنا ، وابتهج بقصدنا ، وأعظم ~~زيارتنا ، ثم قال : يا أصحابنا ما عندكم من حديث الناس ؟ فقد والله طال ~~عطشي إلى شيء أسمعه ، ولم يدخل علي اليوم أحد فأستخبره ، وإن أذني لدى ~~الباب لأسمع قرعة أو أعرف حادثة ، فهاتوا ما معكم وما عندكم ، وقصوا علي ~~القصة بفصها ونصها ، ودعوا التورية والكناية ، واذكروا الغث والثمين ، فإن ~~الحديث هكذا يطيب ، ولولا العظم ما طاب اللحم ، ولولا النوى ما حلا التمر ، ~~ولولا القشر لم يوجد اللب ، فعجبنا من هذا الزاهد الثاني أكثر من عجبنا من ~~الزاهد الأول ، وخاطفناه الحديث ، وودعناه ، وخرجنا ، وأقبل بعضنا على بعض ~~يقول : أرأيتم أظرف من أمرنا وأغرب من شأننا ؟ انظروا من أي شيء كان ~~تعريجنا ' إن هذا لشيء عجاب ' وتلددنا وتبلدنا وقلنا يا أصحابنا : انطلقوا ~~إلى أبي الحسن الضرير ، وإن كان مضربه بعيدا PageV01P432 فإنا لا نجد ~~سكوننا إلا معه ، ولا نظفر بضالتنا إلا عنده ، لزهده وعبادته وتوحده وشغله ~~بنفسه مع زمانته في بصره ، وورعه ، وقلة فكره في الدنيا وأهلها ؛ وطوينا ~~الأرض إليه ، ودخلنا عليه ، وجلسنا حواليه في مسجده ، ولما سمع بنا أقبل ~~على كل واحد منا يلمسه بيده ويرحب به ms296 ، ويدعو له ويقرب ، فلما انتهى أقبل ~~علينا وقال : أمن السماء نزلتم علي ؟ والله لكأني قد وجدت بكم مأمولي ، ~~وأحرزت غاية سولي ، قولوا لي غير محتشمين : ما عندكم من أحاديث الناس ؟ وما ~~عزم عليه هذا الوارد ؟ وما يقال في أمر ذلك الهارب إلى قايين ، وما الشائع ~~من الأخبار ؟ وما الذي يتهامس به ناس دون ناس ؟ وما يقع في هواجسكم ويستبق ~~إلى نفوسكم ؟ فإنكم برد الآفاق ، وجوالة الأرض ، ولقاطة الكلام ، ويتساقط ~~إليكم من الأقطار ما يتعذر على عظماء الملوك وكبراء الناس : فورد علينا من ~~هذا الإنسان ما أنسى الأول والثاني ، ومما زاد في عجبنا أنا كنا نعده في ~~طبقة فوق طبقات جميع الناس فخففنا الحديث معه ، وودعناه ، وخنسنا من عنده ، ~~وطفقنا نتلاوم على زيارتنا لهؤلاء القوم لما رأينا منهم ، وظهر لنا من ~~حالهم ، وازدريناهم ، وانقلبنا متوجهين إلى دويرتنا التي غدونا منها ~~مستطرقين كالين ، فلقينا في الطريق شيخا من الحكماء يقال له أبو الحسن ~~العامري ، وله كتاب في التصوف قد شحنه بعلمنا وإشارتنا ، وكان من الجوالين ~~الذين نقبوا في البلاد واطلعوا على أسرار الله في العباد ؛ فقال لنا : من ~~أين درجتم ؛ ومن قصدتم . فأجلسناه في مسجد ، وعصبنا حوله ، وفصصنا عليه ~~قصتنا من أولها إلى آخرها ، ولم نحذف منها حرفا . فقال لنا : في طي هذه ~~الحال الطارئة غيب لا تقفون عليه ، وسر لا تهتدون إليه ، وإنما غركم ظنكم ~~بالزهاد ، وقلتم لا ينبغي أن يكون الخبر عنهم كالخبر عن العامة ، لأنهم ~~الخاصة ، ومن الخاصة خاصة الخاصة ، لأنهم بالله يلوذون ، وإياه يعبدون ، ~~وعليه يتوكلون ، وإليه يرجعون ، ومن أجله يتهالكون ، وبه يتمالكون . ~~العامري ، وله كتاب في التصوف قد شحنه بعلمنا وإشارتنا ، وكان من الجوالين ~~الذين نقبوا في البلاد واطلعوا على أسرار الله في العباد ؛ فقال لنا : من ~~أين درجتم ؛ ومن قصدتم . فأجلسناه في مسجد ، وعصبنا حوله ، وفصصنا عليه ~~قصتنا من أولها إلى آخرها ، ولم نحذف منها حرفا . فقال لنا : في طي هذه ~~الحال الطارئة غيب لا تقفون عليه ، وسر لا تهتدون إليه ، وإنما غركم ظنكم ~~بالزهاد ، وقلتم ms297 لا ينبغي أن يكون الخبر عنهم كالخبر عن العامة ، لأنهم ~~الخاصة ، ومن الخاصة خاصة الخاصة ، لأنهم بالله يلوذون ، وإياه يعبدون ، ~~وعليه يتوكلون ، وإليه يرجعون ، ومن أجله يتهالكون ، وبه يتمالكون . قلنا ~~له : فإن رأيت يا معلم الخير أن تكشف عها هذا الغطاء ، وترفع هذا الستر ، ~~وتعرفنا منه ما وهب الله لك من هذا الغيب ، لنكون شاكرين ، نكون من ~~المشكورين . فقال : نعم ، أما العامة فإنها تلهج بحديث كبرائها ساستها لما ~~ترجو من رخاء العيش وطيب PageV01P433 الحياة وسعة المال ودرور المنافع ~~واتصال لجلب ونفاق السوق وتضاعف الربح ؛ فأما هذه الطائفة العارفة بالله ، ~~العاملة لله ، فإنها مولعة أيضا بحديث الأمراء ، والجبابرة العظماء ، لتقف ~~على تصاريف قدرة الله فيهم ، وجريان أحكامه عليهم ، ونفوذ مشيئته في محابهم ~~ومكارههم في حال النغمة عليهم ، والانتقام منهم ، ألا ترونه قال جل ثناؤه : ~~' حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ' ، وبهذا الاعتبار ~~يستنبطون خوافي حكمته ، ويطلعون على تتابع نعمته وغرائب نقمته ، وها هنا ~~يعلمون أن كل ملك سوى ملك الله زائل ، وكل نعيم غير نعيم الجنة حائل ، ~~ويصير هذا كله سببا قويا لهم في الضرع إلى الله ، واللياذ بالله ، والخشوع ~~له ، والتوكل على الله ، وينبعثون به من حران الإباء ، إلى انقياد الإجابة ~~، ويتنبهون من رقدة الغفلة ، ويكتحلون باليقظة من سنة السهو والبطالة ، ~~ويجدون في أخذ العتاد ، واكتساب الزاد إلى المعاد ، ويعملون في الخلاص من ~~هذا المكان الحرج بالمكاره ، المحفوف بالزايا ، الذي لم يفلح فيه أحد إلا ~~بعد أن هدمه وثلمه ، وهرب منه ، ورحل عنه إلى محل لا داء فيه ولا غائلة ؛ ~~ساكنه خالد ، ومقيمه مطمئن ، والفائز به منعم ، والواصل إليه مكرم ، وبين ~~الخاصة والعامة في هذه الحال وفي غيرها فرق يضح لمن رفع الله طرفه إليه ، ~~وفتح باب السر فيه عليه ، وقد يتشابه الرجلان في فعل ، وأحدهما مذموم ، ~~والآخر محمود ، وقد رأينا مصليا إلى القبلة وقلبه معلق بإخلاص العبادة ، ~~وآخر إلى جانبه أيضا يصلي إلى القبلة وقلبه في طر ما في كم الآخر ، فلا ~~تنظروا من كل ms298 شيء إلى ظاهره إلا بعد أن تصلوا بنظركم إلى باطنه ، فإن ~~الباطن إذا واطأ الظاهر كان توحدا ، وإذا خالفه إلى الحق كان وحدة ، وإذا ~~خالفه إلى الباطل كان ضلالة ، وهذه المقامات مرتبة لأصحابها ، وموقوفة على ~~أربابها ؛ ليس لغير أهلها فيها نفس ، ولا لغير مستحقها منها قبس . قال ~~الشيخ الصوفي : فوالله ما زال ذلك الحكيم يحشو آذاننا بهذه وما اشبهها ، ~~ويملأ صدورنا بما عنده حتى سررنا وانصرفنا إلى متعشانا وقد استفدنا على يأس ~~منا فائدة عظيمة لو تمنيناها بالغرم الثقيل والسعي الطويل لكان الربح معنا ~~، والزيادة في أيدينا . فلما سمع الوزير هذا عجب وقال : لا أدري : أكلام ~~أبي سليمان في ذلك الاحتجاج PageV01P434 أبلغ ، أم الحكاية عن المعتضد أشفى ~~، أم رواية الشيخ الصوفي أطرف ، وما علمت أن في البحث عن سر الإرجاف هذه ~~اللطيفة الخفية ، وهذه الحجة الجلية ، وكنت أرى أن الصوفية لا يرجعون إلى ~~ركن من العلم ، ونصيب من الحكمة ، وأنهم إنما يهذون بما لا يعلمون ، وأن ~~بناء أمرهم على اللعب واللهو والمجون . فقلت : لو جمع كلام أئمتهم وأعلامهم ~~لزاد على عشرة آلاف ورقة عمن نقف عليه في هذه البقاع المتقاربة ، سوى ما ~~عند قوم آخرين لا نسمع بهم ، ولا يبلغنا خبرهم . قال : فاذكر لي جماعة منهم ~~. قلت : الجنيد بن محمد الصوفي البغدادي العالم ، والحارث بن أسد المحاسبي ~~، ورويم ، وأبو سعيد الخراز ، وعمرو بن عثمان المكي ، وأبو يزيد البسطامي ، ~~والفتح الموصلي ، وهو الذي سمع وهو يقول : إلى متى ترددني في سكك الموصل ، ~~أما آن للحبيب أن يلقى حبيبه ؟ فمات بعد جمعة . فقال : هذا عجب . ولقد مر ~~في هذا الفن ما كان فوق حسباني وأكثر مما كان في ظني ، وكم من شيء حقير ~~يطلع منه على أمر كبير . وقال : أنشدني شيئا ؛ فأنشدته قول الشاعر : رجعت ~~على السفيه بفضل حلمي . . . وكان تحلمي عنه لجاما وظن بي السفاه فلم يجدني ~~. . . أسافهه وقلت له : سلاما فقام يجر رجليه ذليلا . . . وقد كسب المذلة ~~والملاما وفضل الحلم أبلغ في سفيه . . . وأحرى أن ينال به انتقاما فقال : ~~ما ms299 أعجب أمر العرب ، تأمر بالحلم مرة ، والصبر والكظم مرة ، وتحث بعد ذلك ~~على الانتصاف وأخذ الثأر ، وتذم السفه وقمع العدو ! وهكذا شأنها في جميع ~~الأخلاق ؛ أعني أنها ربما حضت على القناعة والصبر والرضا بالميسور ، وربما ~~خالفت هذا ، فأخذت تذكر أن ذلك فسالة ونقصان همة ولين عريكة ومهانة نفس ؛ ~~وكذلك أيضا PageV01P435 تحث على البسالة والإقدام والانتصار والحمية ~~والجسارة ؛ وربما عدلت إلى أضداد هذه الأخلاق والسجايا والضرائب والأحوال ؛ ~~في أوقات يحسن فيها بعضها ، ويقبح بعضها ، ويعذر صاحبها في بعضها ، ويلام ~~في بعضها ؛ وذلك لأن الطبائع مختلفة ، والغرائز متعادية ، فهذا يمدح البخل ~~في عرض الحزم ، وهذا يحمد الاقتصاد في جملة الاحتياط ، وهذا يذم الشجاعة في ~~عرض طلب السلامة ؛ وليس في جميع الأخلاق شيء يحسن في كل زمان وفي كل مكان ، ~~ومع كل إنسان ، بل لكل ذلك وقت وحين وأوان . قال : ولعمري إن القيام بحقائق ~~هذه الأشياء وحدودها صعب ، لأنها لا توجد إلا متلابسة ومتداخلة ، وتخليص كل ~~واحد منها بحده وحقيقته ووزنه مما يفوت ذرع الإنسان الضعيف المنة ، المنتثر ~~الطينة . قال : ومنه أن الحكيم قال للإسكندر : أيها الملك أرد حياتك لرجالك ~~، ولا ترد رجالك لحياتك ؛ ولو قلب عليه قالب فقال : لا ، ولكن أرد رجالك ~~لحياتك ، ولا ترد حياتك لرجالك ، لكان الفضل واقعا ، والدعوى قائمة . وكان ~~يحكى عن أعرابي حديث مضحك : قيل لأعرابي : أتريد أن تصلب في مصلحة الأمة ؟ ~~فقال : لا ، ولكني أحب أن تصلب الأمة في مصلحتي . قال : وليس يجوز أن يكون ~~الناس مختلفين في ظاهرهم بالصور والحلي حتى يعرف بها زيد من عمرو ، وبكر من ~~خالد ، ولا يختلفون في باطنهم حتى يكون هذا مطبوعا على الشح وإن مدح الجود ~~، وهذا مجبولا على الجبن وإن تشيع للشجاعة ؛ وليس يجوز في الحكمة أن يكثروا ~~ولا يختلفوا ، وليس يجوز أيضا أن يضم الجنس والنوع ولا يأتفلوا ؛ وكل ما ~~أساغته الحكمة أبرزته القدرة ، وكل ما جادت به القدرة شهدت له الحكمة ؛ ~~فسبحان من له هذا التدبير اللطيف ، وهذا العز الغالب ، وهذا السر الخافي ، ~~وهذه العلانية البادية ، وهذا ms300 الفعل المحكم ، وهذا النعت المستعظم . ~~PageV01P436 وحكيت أيضا في شيء جرى ، قال حكماء فارس : قد جربنا الملوك ، ~~فإذا ملكنا السمح الجواد جادت علينا السماء والأرض ، وإذا ملكنا البخيل ~~بخلت علينا السماء والأرض . قال أبو سليمان : هذا إذا صح فهو شاهد الفيض ~~الإلهي المتصل بالملك السمح ، ونضوبه عن الملك البخيل ، لأن الملك إله بشري ~~. وقال مرة : ما التمني ؟ - وقد كان جرى ما اقتضى السؤال عنه - . فقلت : ~~أحفظ نصا لبعض الحكماء : إن التمني فضل حركة النفس . فقال : جواب رشيق وإن ~~كان فقيرا إلى البسط . فقال : هات من حديث يونان شيئا آخر ، فقلت : ~~أرسطوطاليس : لو كنا نطل العلم لنبلغ غايته كنا قد بدأنا العلم بنقيضه ، ~~ولكنا نطلبه لننقص كل يوم من الجهل ، ونزداد كل يوم من العلم . قال : حدثني ~~بشيء فيه جواب حاضر ، وللبديهة فيه توقد ظاهر . فحدثت أن رجلا أتى الزهري ~~فسأله أن يحدثه ويروي له ؛ فأبى عليه ، فقال له الرجل : إن الله لم يأخذ ~~الميثاق على الجهال أن يتعلموا حتى أخذ الميثاق على العلماء أن يعلموا ؛ ~~فقال : صدقت ، وحدثه . وحدثنا القاضي أبو حامد المروروذي ؛ قال : وقف سائل ~~من هؤلاء الأنكاد علينا في جامع البصرة وفي المجلس ابن عبدل المنصوري ، ~~وابن معروف ، وأبو تمام الزينبي ، فسأل وألح ؛ فقلت له من بين الجماعة - ~~وقد ضجرت من إلحاحه وصفاقة وجهه - : يا هذا : نزلت بواد غير ذي زرع . قال : ~~صدقت ، ولكن يجبى إليه ثمرات كل شيء . فضحكت الجماعة ، ووهبنا له دراهم . ~~ومن الجواب الحاضر المسكت الذي حز الكبد ونقب الفؤاد ما جرى لأبي الحسين ~~PageV01P437 البتي مع الشريف محمد بن عمر ، فإن ابن عمر قال للبتي : أنت ~~والله شمامة ولكنها مسمومة . فقال البتي على النفس : لكنك أيها الشريف ~~شمامة مشمومة ، عطرت الأرض بها ، وسارت البرد بذكرها . وقال نصر بن سيار ~~بخراسان لأعرابي : هل أتخمت قط . قال : أما من طعامك وطعام أبيك فلا . ~~فيقال : إن نصرا حم من هذا الجواب أياما ؛ وقال : ليتني خرست ولم أفه بسؤال ~~هذا الشيطان . وجرى حديث الذكور والإناث ، فقال الوزير ، قد شرف الله ms301 ~~الإناث بتقديم ذكرهن في قوله عز وجل : ' يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ~~الذكور ' . فقلت : في هذا نظر ؛ فقال : ما هو : قلت قدم الإناث - كما قلت - ~~ولكن نكر ، وأخر الذكور ولكن عرف ، والتعريف بالتأخير أشرف من النكرة ~~بالتقديم . ثم قال : هذا حسن . قلت : ولم يترك هذا أيضا حتى قال : ' أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ' فجمع الجنسين بالتنكير مع تقديم الذكران ، فقال : ~~هذا مستوفى . وقال : ما معنى كأس أنف ؟ فكان من الجواب أن يعقوب قال : يقال ~~كأس أنف ، أي لم يشرب منها قبل ذلك ؛ وكذلك يقال : روضة أنف ، إذا لم يكن ~~رعاها أحد . وقال لقيط : إن الشواء والنشيل والرغف . . . والقينة الحسناء ~~والكأس الأنف للطاعنين الخيل . . . والخيل قطف قال : ما النشيل ؟ فإن ~~الشواء والرغف معروفان . قلت : ما ضمته القدر من اللحم وغيره ، لأنه ينشل ~~ويغرف ؛ فقال : هذا باب إن ألححنا عليه جوع . قال : ما تحفظ في حديث الأكل ~~؟ قلت : الأكل والذم . ومن مليحه ما حضرني . قيل لجميز : ما تشتهي ؟ قال : ~~PageV01P438 بسيس مقلي بين غليان قدور ، على رائحة شواء ، بجنب خبيص . فضحك ~~- أضحك الله سنه بالفرح والسرور . وانتظام الأحوال واتساق الأمور - . وقال ~~: هات حديثا نخرج به مما كنا فيه . فقلت : كتب سعد بن أبي وقاص إلى رستم ~~صاحب الأعاجم : إسلامكم أحب إلينا من غنائمكم ؛ وقتالكم أحب إلينا من صلحكم ~~. فبعث إليه رستم : أنتم كالذباب إذ نظر إلى العسل فقال : من يوصلني إليه ~~بدرهمين ، فإذا نشب فيه قال : من يخرجني منه بأربعة ، وأنت طامع ، والطمع ~~سيرديك . فأجابه سعد : أنتم قوم تحادون الله وتعاندون أنفسكم ، لأنكم قد ~~علمتم أن الله يريد أن يحول الملك عنكم إلى غيركم ، وقد أخبركم بذلك ~~حكماؤكم وعلماؤكم ، وتقرر ذلك عندكم ، وأنت دائما تدفعون القضاء بنحوركم ، ~~وتتلقون عقابه بصدوركم ، هذه جرأة منكم وجهل فيكم ، ولو نظرتم لأبصرتم ، ~~ولو أبصرتم لسلمتم ، فإن الله غالب على أمره ، ولما كان الله معكم كانت ~~علينا ريحكم ، والآن لما صار الله معنا صارت ريحنا عليكم ، فانجوا بأنفسكم ~~، واغتنموا أرواحكم ، وإلا فاصبروا لحر السلاح وألم الجراح ، وخزي ms302 الافتضاح ~~، والسلام . كتب حذيفة إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إن العرب قد ~~تغيرت ألوانها ولحومها . فكتب عمر إلى سعد : ارتد للعرب منزلا مراحا . ~~فارتاد لهم الكوفة ، وهي بقعة حصباء ، ورملة حمراء ، فقال سعد : اللهم رب ~~السماء وما أظلت ، والأرض وما أقلت ، والريح وما ذرت ، بارك لنا في هذه ~~الكوفة . وسمع عمر منشدا ينشد : ما ساسنا مثلك يابن الخطاب . . . أبر ~~بالأقصى وبالأصحاب بعد النبي صاحب الكتاب فنخسه عمرو وقال : أين أبو بكر ~~ويلك . PageV01P439 قال عمر وهو بمكة : لقد كنت أرعى إبل الخطاب بهذا ~~الوادي في مدرعة صوف ، وكان فظا يتعبني إذا عملت ، ويضربني إذا قصرت ، وقد ~~أمسيت ليس بيني وبين الله أحد ، ثم تمثل : لا شيء مما ترى تبقي بشاشته . . ~~. يبقى الإله ويودي المال والولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنه . . . والخلد ~~قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذ تسري الرياح به . . . والإنس والجن ~~فيما كلفوا عبد أين الملوك التي كانت نوافلها . . . من كل أوب إليها راكب ~~يفد حوض هنالك مورود بلا كذب . . . لابد من وردنا يوما كما وردوا وقال عمر ~~: خير الدواب الحديد الفؤاد ، الصحيح الأوتاد . وقال عمر : كانت العرب أسدا ~~في جزيرتها يأكل بعضها بعضا ، فلما جمعهم الله بمحمد لم يقم لهم شيء . رأى ~~رستم في النوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ سلاح فارس وختم عليه ودفعه ~~إلى عمر ، فارتاع رستم من ذلك وأيقن أنه هالك . وقال : أنشدني شيئا ، ~~فأنشدته لبعض آل أبي طالب : ولست بمذعن يوما مطيعا . . . إلى من لست آمن أن ~~يجورا ولكني متى ما أخش منه . . . أحالف صارما عضبا ثؤورا وأنزل كل رابية ~~براح . . . أكون على الأمير بها أميرا وأنشدني لعبد الله بن الزبير ، ولقد ~~تمثل به : إني لمن نبعة صم مكاسرها . . . إذا تقادحت القصباء والعشر ~~PageV01P440 ولا ألين لغير الحق أتبعه . . . حتى يلين لضرس الماضغ الحجر ~~وحدثته أن المأمون قال : قليل السفه يمحو كثير الحلم ، وأدنى الانتصار يخرج ~~من فضل الاغتفار ، وعلى طالب المعروف المعذرة عند الامتناع ، والشكر عند ~~الاصطناع ، وعلى ms303 المطلوب إليه تعجيل الموعود ، والإسعاف بالموجود . فقال : ~~من أفضل هؤلاء ؟ يعني بني العباس . فكان الجواب أن المنصور أنقدهم ، ~~والمأمون أمجدهم ، والمعتصم أنجدهم ، والمعتضد أقصدهم . فقال : كذلك هو . ~~وقال : فالباقون ؟ قلت ليس فيهم بعد هؤلاء من يوحد بالذكر ، لأنه في نقصه ~~وزيادته مشاكل لغيره . فقال : لله درك . # | الليلة الخامسة والثلاثون # وقال ليلة : ما الفرق بين الإرادة والاختيار ؟ فكان من الجواب أن كل مراد ~~مختار ، وليس كل مختار مرادا ، لأن الإنسان يختار شرب الدواء الكريه وضرب ~~الولد النجيب وهو لا يريد ، ويختار طرح متاعه في البحر إذا ألجىء وهو لا ~~يريد ، وهما وإن كانا انفعالين فأحدهما - وهو الاختيار - لا يحدث إلا عن ~~جولان وتنقير وتمييز ، والآخر - وهو الإرادة - يفجأ ويبغت وربما حمل على ~~طلب المراد بالكره الشديد ؛ وفي عرض الاختيار سعة للتمكن ، وليس ذلك في عرض ~~الإرادة . والعرب تستعمل الإراغة في موضع الإرادة ، والأول من راغ يروغ ، ~~والثاني من راد يرود ، والهمزة مجتلبة للتعدي . قال : فما الفرق بين المحبة ~~والشهوة ؟ فكان الجواب أن الشهوة ألصق بالطبيعة ، والمحبة أصدر عن النفس ~~الفاضلة ، وهما انفعالان ، إلا أن أحد الانفعالين أشد تأثرا ، PageV01P441 ~~وهو انفعال الشهوة ، وأنه يقال : شهي وأشهى ، ويقال في الآخر : حب وأحب ، ~~ويتداخلان كثيرا بالاستعمال ، لأن اللغة جارية على التوسع ، كما هي جارية ~~على التضيق ، ومن ناحية التضيق فزع إلى التحديد والتشديد ، ومن ناحية ~~التوسع جري على الاقتدار والاختيار ، وفي عرض هذين بلاء آخر ، لأنه بين ~~الإيجاز والإطناب ، وبين الكناية والتصريح ، وبين الإنجاز والإبطاء . فقال ~~: هذا باب . ثم ناولني رقعة بخطه فيها مطالب نفيسة تأتي على علم عظيم ، ~~وقال : باحث عنها أبا سليمان وأبا الخير ومن تعلم أن مجاراته فائدة من عالم ~~كبير ، ومتعلم صغير ، فقد يوجد عند الفقير بعض ما لا يوجد عند الغني ، ولا ~~تحقر أحدا فاه بكلمة من العلم ، أو أطاف بجانب م الحكمة ، أو حكم بحال من ~~الفضل ؛ فالنفوس معادن ، وحصل ذلك كله وحرره في شيء وجئني به ، وكان في ~~الرقعة : ما النفس ؟ وما كمالها ؟ وما الذي استفادت في ms304 هذا المكان ؟ وبأي ~~شيء باينت الروح ؟ وما الروح ؟ وما صفته ؟ وما منفعته ؟ وما المانع من أن ~~تكون النفس جسما أو عرضا أو هما ؟ وهل تبقى ؟ وإن كانت تبقى فهل تعلم ما ~~كان الإنسان فيه ها هنا ؟ وما الإنسان ؟ وما حده ؟ وهل الحد هو الحقيقة ، ~~أم بينهما بون ؟ وما الطبيعة ؛ وهلا أغنى الروح عن النفس ، أو هلا أغنت ~~النفس عن الروح ؟ وهلا كفت الطبيعة ؟ وما العقل ؟ وما أنحاؤه ؟ وما صنيعه ؟ ~~وهل يعقل العقل ؟ وهل تتنفس النفس ! وما مرتبته أعني العقل عند الإله ؟ وهل ~~ينفعل ؟ وهل يفعل ؟ وإن كان ينفعل ويفعل فقسط الفعل فيه أكثر من قسط ~~الانفعال ؟ وما المعاد المشار إليه ؟ أهو للإنسان ؟ أم لنفسه ؟ أم لهما ؟ ~~وما الفرق بين الأنفس ، أعني نفس عمرو وزيد وبكر وخالد ؟ ثم ما الفرق بين ~~أنفس أصناف الحيوان ؟ وهل الملك حيوان ؟ PageV01P442 فقد علمت أنه يقال له ~~: حي ، وهل فيه حياة ؟ وعلى أي وجه يقال : إن الله عز وجل حي والملك حي ~~والإنسان حي والفرس حي ؟ وهل يقال : الطبيعة حية ، والنفس حية ، العقل حي ؟ ~~فإن هذا وما أشبهه شاغل لقلبي ، وجاثم في صدري ، ومعترض بين نفسي وفكري ؛ ~~وما أحب أن أبوح به لكل أحد ، وقد بينته في هذه الرقعة ، فإن أحببت أن ~~تعرضها على أبي سليمان فافعل ، ولكن لا تدع خطي عنده ، بل انسخه له ، وحصل ~~ما يجيبك به ، ويصدع لك بحقيقته ، ولخصه ، ورنه بلفظك السهل ، وإفصاحك ~~البين ، وإن وجب أن تباحث غيره فافعل ؛ فهذا هذا ؛ وإن كان الرجوع فيه إلى ~~الكتب الموضوعة من أجله كافيا ، فليس ذلك مثل البحث عنه باللسان ، وأخذ ~~الجواب عنه بالبيان ، والكتاب موات ، ونصيب الناظر فيه منزور ، وليس كذلك ~~المذاكرة والمناظرة والمواتاة ، فإن ما ينال من هذه أغض وأطرأ ، وأهنأ ~~وأمرأ ، واجعل هذه الخدمة مقدمة على كل مهم لك ، فإني ناظرك ، طامعا في ~~الجواب المقنع الشافي . فعرضتها كما رسم على أبي سليمان وقرأتها عليه ، ~~وتمهلت في إيرادها بحضرته ، فلما فهمها ووقف عليه عجب وقال : هذه مسائل ~~المتحكمين ، وطلبات المدلين ، واقتراحات المقتدرين ms305 ، ومنية الأولين ~~والآخرين . قلت : هو كما قلت أيها الشيخ ، ولابد من جواب يعرض عليه يأتي ~~على بعض مآرب النفس ، وإن لم يأت على قاصية ما في المطلوب ، فقال كلاما ~~كثيرا واسعا أنا أحكيه على وجهه من طريق المعنى ، وإن انحرفت عن أعيان لفظه ~~، وأسباب نظمه ، فإن ذلك لم يكن إملاء ولا نسخا ، وأجتهد أن ألزم متن ~~المراد ، وسمت المقصود - إن شاء الله - عز وجل . قال : أما قوله : ما النفس ~~، فإن التحديد يعوز ، والرسم لا يشفي ، والوصف مقصر عن الغاية ، لأنها لايس ~~لها جنس ولا فصل فينشأ الحد بهما ومنهما ؛ والاسم الشائع - أعني ~~PageV01P443 النفس - أخلص إلى المطلوب ، وأحضر للمقصود من التحديد ، ولهذا ~~ما اختلف الناس قديما وحديثا في حدها ؛ فقال قائل : النفس مزاج الأركان . ~~وقال قائل : النفس تألف الأسطقسات ؛ وقال قائل : النفس عرض محرك بذاته . ~~وقال قائل : النفس هوائية . وقال قائل : النفس روح حارة . وقال قائل : ~~النفس طبيعة دائمة الحركة . وقال قائل : النفس تمام لجسم طبيعي ذي حياة . ~~وقال قائل : النفس جوهر ليس بجسم محرك للبدن . وعلى هذا ؛ ولعل آخرين ~~يقولون في تحديدها ونعتها أقوالا أخر ، لأن الملحوظ بسيط ، والمدروك بعيد ، ~~والناظرين كثيرون ، والباحثين مختلفون ، والكثرة فاتحة الاختلاف ، ~~والاختلاف جالب للحيرة ، والحيرة خانقة للإنسان ، والإنسان ضعيف الأسر ، ~~محدود الجملة ، محصور التفصيل ، مقصور السعي ، مملوك الأول والآخر ، غشاؤه ~~كثيف ، وباعه قصير ، وفائته أكثر من مدركه ، ودعواه أحضر من برهانه ، وخطؤه ~~أكثر من صوابه ، وسؤاله أظهر من جوابه ، فعلى هذا كله الاعتراف بها - أعني ~~بالنفس وبوجدانها - أسهل من الفحص عن كنهها وبرهانها . قال : وإنما صعب هذا ~~لأن الإنسان يريد أن يرعف النفس وهو لا يعرف النفس إلا بالنفس ، وهو محجوب ~~عن نفسه بنفسه ؛ وإذا كان الأمر على هذا فالأمر أن كل من كانت نفسه أصفى ، ~~ونوره أشع ، ونظره أعلى ، وفكره أثقب ، ولحظه أبعد ، كان من الشك أنجى ، ~~وعن الشبهة أنأى ، وإلى اليقين أقرب ؛ والإنسان ذو أشياء كثيرة ، من جملتها ~~نفسه ، فلكثرة ما هو به كثير يعجز عن إدراك ما هو به واحد ، أي ms306 إنسان ، ~~وكيف لا يكون هذا النعت حقا ، وهذا المقول صدقا ، وهو مركب في مربك ، ~~والنفس مبسوطة ، وإنما فيه جزء يسير ونصيب قليل من ذلك البسيط ، فكيف يدرك ~~بجزء منها كلها وبقليل منها جميعها ؛ PageV01P444 هذا متعذر إن لم يكن ~~محالا ، وبعيد إن لم يكن معدوما ؛ ويكفي أن تعلم أن النفس قوة إلهية واسطة ~~بين الطبيعة المصرفة للأسطقسات والعناصر المتهيئة ، وبين العقل المنير لها ~~، الطالع عليها ، الشائع فيها ، المحيط بها ؛ وكما أن الإنسان ذو طبيعة ~~لآثارهما الظاهرة في بدنه كذلك هو ذو نفس ، لآثارها الظاهرة في آرائه ~~وأبحاثه ، ومطالبه ومآربه ؛ وكذلك هو ذو عقل لتمييزه وتصفحه ، واختباره ~~وفحصه واستنباطه ، ويقينه وشكه ، وعلمه وظنه ، وفهمه ورويته وبديهته وذكره ~~، وذهنه وحفظه وفكره ، وحكمته وثقته وطمأنينته ؛ وكذلك هو ذو اعتراف بالأحد ~~الذي لا سبيل إلى جحده ، والبراء من هويته ، وكيف يجد أثر الجحد ، أو يحس ~~بلمسة من الشك ؟ وسنخه ينبو عن ذلك ، وفطرته تأباه ، ولهذا النبو والإباء ~~يفزع إليه ، ويتوكل عليه ، ويطلب الفرج من عنده ، ويلتمس الخير من لدنه ، ~~فانظر إلى هذه السلسلة الوثيقة التي لا يفصمها شيء لا في زمان ولا في مكان ~~، ولا في يقظة ولا في منام ؛ فهذا هذا ؟ وفيه مقنع . وأما فعل النفس ، فقد ~~وضح أنه إثارة العلم من مظانه ؛ واستخلاصه من العقل بشهادته ، مع إفاضات ~~لها أخر ، وإنالات منها جليلة عند الإنسان ، بها ينال ما يكمل به ، وبكماله ~~يجد السعادة ، وبسعادته ينجو من شقوته . وأما قوله : ما الذي استفادت في ~~هذا المكان ، فإنها أفادت وما استفادت ، إلا أن تجعل إفادتها للقابل منها ~~استفادة لها ؛ وفي هذا تجوز ظاهر ، ولا يقال للشمس إذا طلعت على بسيط الأرض ~~والعالم : ما الذي استفادت . ولكن يقال : ما الذي أفادت : فيعلم حينئذ ~~بالعيان أنها أفادت أشياء كثيرة ، صورا مختلفة ، ومنافع جمة بالقصد الأول ؛ ~~وأما القصد الثاني فأضداد هذه ، وهذا القصد مفروض باللفظ ليكون معينا على ~~تبليغ الحكمة إلى أهلها . وأما قوله : بأي شيء باينت النفس الروح فهو ظاهر ~~، وذلك أن الروح جسم يضعف ويقوى ، ويصلح ms307 ويفسد ، وهو واسطة من البدن والنفس ~~، وبه تفيض النفس قواها على PageV01P445 البدن ، وقد يحس ويتحرك ، ويلذ ~~ويتألم ؛ والنفس شيء بسيط عالي الرتبة ، بعيد عن الفساد ، منزه عن ~~الاستحالة . وأما المانع أن تكون النفس جسما فللبساطة التي وجدت للنفس ولم ~~توجد للجسم ، وبيان هذا أن كل نعت أطلق على الجسم نزهت عنه النفس ، وكل نعت ~~أطلق على النفس نبا عنه الجسم ؛ فذاك كان المانع من ذلك ، وقد أتت مذاكرة ~~في النفس منذ ليال بشرح مغن ، وبيان تام ، إلا أن هذا المكان أحوج إلى ~~الإلمام ، ولم يأت على ما في النفس . وإذا بطل أن تكون النفس جسما فهي بألا ~~تكون عرضا أقمن وأخلق ، لأنه لا قوام للعرض بنفسه . وأما قوله : وهل تبقى ؟ ~~فكيف لا تبقى وهي مبسوطة لا يدخل عليها ضد ، ولا يدب إليها فساد ، ولا يصل ~~إلى شيء منها بلى ، والإنسان إنما يبلى ويفسد ويخلق ويبطل ويموت ويفقد ، ~~لأنه يفارق النفس ، والنفس تفارق ماذا حتى تكون في حكم الإنسان بشكله ؟ ولو ~~كانت كذلك كانت لعمري تموت وتبلى ، فأما والإنسان بها كان حيا وجب ألا يكون ~~حكمها حكم الإنسان . وأما قوله : أو هما ، فقد بان أن النفس متى لم تكن ~~جسما ، ولا عرضا على حدة أنها لا تكون أيضا بهما نفسا ، لأن البينونة التي ~~منعت في الأول هي التي تمنع في الثاني ، وليست النفس والعرض كالخل والسكر ~~حتى إذا جمع بينهما كان كل منهما شيء آخر ، لأن الجسم والجسم إذا اختلطا ~~كان منهما شيء ما ، له قوام ما ، وإن ذلك القوام مستل منهما ، وليس كذلك ~~البسيط وغير البسيط ، فهذا هذا . وأما قوله : وهل تفنى ، فقد بان أنها تبقى ~~ولا تفنى ، وليس يطرأ عليها ما يفنيها ، لبساطتها وبعدها من التركيب العجيب ~~المعرض للتحلل . وأما قوله : وهل تعلم ما كان فيه الإنسان ها هنا ، فإن هذا ~~بعيد من الحق لأنها قد وصلت إلى معدن الكرامة وجنة الخلد ، فلا حاجة بها ~~إلى علم العالم السفلي الذي لا ثبات له ولا صورة ، لغلبة الحيلولة عليه ، ~~وتذكر ms308 الحيلولة حيلولة ، وذلك دليل النقص ، واعتراض الألم ، ولو أن إنسانا ~~نقل من كرب حبس ضيق إلى روض بستان ناضر بهيج مونق ، ثم تذكر ما كان فيه في ~~حال ما هو عليه لكان ذلك مؤذيا لنفسه ، وكاربا لقلبه ، وقادحا في ~~PageV01P446 روحه ، وآخذا من حبوره وغبطته ، ومدخلا للتنغيص عليه في نشوته ~~. وأما قوله : وما الإنسان ، فالإنسان هو الشيء المنظوم بتدبير الطبيعة ~~للمادة المخصوصة بالصور البشرية ، المؤيد بنور العقل من قبل الإله ؛ وهذا ~~وصف يأتي على القول الشائع عن الأولين إنه حي ناطق مائت أي حي من قبل الحس ~~والحركة ، ناطق من قبل الفكر والتمييز ، مائت من قبل السيلان والاستحالة ، ~~فمن حيث هو حي شريك الحيوان الذي هو جنسه ، ومن حيث هو مائت هو شريك ما ~~يتبدل ويتحلل ، ومن حيث هو ناطق هو إنسان عاقل حصيف ، ومن حيث يبلغ إلى ~~مشاكهة الملك بقوة الاختيار البشري ، والنور الإلهي ، أعني ينعت في حياته ~~هذه التي وهبت له بدءا ، بصحة العقيدة وصلاح العمل وصدق القول - هو ملك ، ~~فإن لم يكن ملكا فهو جامع لصفاته ، ومالك لحليته ، ولما كان جنسه مشتملا ~~على التفاوت الطويل العريض ، كان نوعه مشتملا على التفاوت الطويل العريض ؛ ~~ومن كان نوعه كذك كانت آحاده كذلك ، وكما أن الجنس يرتقي إلى نوع كامل ، ~~كذلك النوع يرتقي إلى شخص كامل . وأما قوله : هل الحد هو الحقيقة أو بينهما ~~بون ، فإن الحد راجع إلى واضعه ومتقصيه بدلالة أنه يضعه ويفصله ، ويخلصه ~~ويسويه ويصلحه . فأما الحقيقة فهي الشيء وبها هو ما هو ، حده صاحبه أم لم ~~يحده ، رسمه قاصده أم لم يرسمه ، فملحوظ الحقيقة عين الشيء وموضوع الحد ليس ~~هو عين الشيء . وأما قوله : وما الطبيعة فهي أيضا قوة نفسية ، فإن قلت ~~عقلية لم تبعد ، وإن قلت إلهية لم تبعد ، وهي التي تسري في أثناء هذا ~~العالم محركة ومسكنة ، ومجددة ومبلية ، ومنشئة ومبيدة ، ومحيية ومميتة ، ~~وتصاريفها ظاهرة للحسائس ، وهي آخر الخلفاء في هذا العالم ، وهي بالمواد ~~أعلق ، والمواد لها أعشق ؛ وليس لها ترقي النفس في الثاني إلى ms309 عالم الروح ، ~~لأنه لا كون هناك ولا فساد ، فلو رقيت إلى هنالك لبقيت عاطلة ، وليس كذلك ~~النفس ، فإن لها في عالمها البهجة والغبطة ، والحبور والسرور ، والدوام ~~والخلود والخلافة الإلهية ، PageV01P447 وهذا هناك في مقابلة ما كان لها ها ~~هنا من الفضائل التي لا يأتي عليها إحصاء ، ولا يحصلها استقصاء . وأما قوله ~~: وهلا أغنى الروح عن النفس ، فهو يغني عنها ، ولكن في جنس الحيوان الذي لم ~~يكمل فيكون إنسانا . فأما في الإنسان فلا ، لأن الإنسان بالنفس هو إنسان لا ~~بالروح ، وإنما هو بالروح حي فحسب . وأما قوله : وهلا أغنت النفس عن الروح ~~، فإن الروح كالآلة للنفس حتى ينفذ تدبيرها بوساطته في صاحب الروح ، وليس ~~ذلك لعجز النفس ، ولكن لعجز ما ينفذ فيه التدبير ، وإذا حقق هذا الرمز لم ~~يكن هناك عجز لأنه نظام موجود على هذه الصورة ، وصورة قائمة على هذا النظام ~~، فليس لأحد أن يعلل ذلك بلم ولا بكيف إلا من طريق الإقناع . وأما قوله : ~~هلا كفت الطبيعة . فقد كفت في مواضعها التي لها الولاية عليها من قبل النفس ~~، كما كفت النفس في الأشياء التي لها عليها الولاية من قبل العقل ، كما كفي ~~العقل في الأمور التي له الولاية عليها من قبل الإله ؛ وإن كان مجموع هذا ~~راجعا إلى الإله ، فإنه في التفصيل محفوظ الحدود على أربابها ؛ وهذا كالملك ~~الذي له في بلاده جماعة فيصدرون عن رأيه ، وينتهون إلى أمره ، ويتوخون في ~~كل ما يعقدونه ويحلونه ، وينقضونه ويبرمونه ، ما يرجع إلى وفاقه ، وكل ذلك ~~منه وله وبأمره ، وقد كفاه أولئك القوم ذلك كله . فإن قال قائل : فكيف مثلت ~~سياسة إلهية بسياسة بشرية ، وأني هذه من تلك ؟ فالجواب أن البشر المسكين لم ~~يجد هذه السياسة من تلقاء نفسه ، ولا بما هو به مهين ضعيف عاجز مسكين ؛ بل ~~بما فاض عليه من تلك القوى وتلك الصور ، فهو إذا أبرز شيئا أبرز على مثال ~~تلك ، لأنه قد أعطى القالب ، فقد سهل عليه أن يفرغ فيه ، ووهب له الطابع ، ~~فهو يختم به ؛ وهيىء على ذلك ms310 فهو يجري عليه ، وهذا سوق إلهي وإن كان ~~الانسياق بشريا ، ونظم ربوي وإن كان الانتظام إنسيا ؛ وفي الجملة إحدى ~~السياستين ، أعني البشرية هي ظل للأخرى ، أعني الإلهية ، والسفليات منقادة ~~منفعلة للعلويات ، والعلويات مستوليات على السفليات ، بحق العدل وما هو ~~مقتضاها ، ولأن هذه فواعل ، أعني العلويات ، وتلك قوابل ، أعني المنفعلات ، ~~ووجب ذلك لأن الصورة في الفاعل أغلب ، PageV01P448 والهيولى في القابل أغلب ~~، والعالمان متواصلان ، والسياستان متماثلتان ، والسيرتان متعادلتان ، ~~والتدبيران متقابلان ، ولكن التبدير إذا نفذ في السفلي يسمى بشريا ، وإذا ~~نفذ في العلوي يسمى إلهيا ، وإن كان في التحقيق إلهيين ، وإنما اختلفا بحسب ~~الصدور والورود ، والفصول والوصول ، والشخوص والبلوغ ؛ والعادة جارية بأن ~~يشبه الإنسان شيئا من الأشثياء بالشمس والقمر ، ولا يشبه الشمس والقمر بشيء ~~آخر ، لأن للأعلى النعت الأول ، وللأسفل النعت الأرذل ؛ فهذا كما ترى . ~~وأما قوله : وما العقل ، وما أنحاؤه ، وما صنيعه ؟ فإن الجواب عن هذا لو ~~وقع في خلد كثير ، لكان محمولا على التقصير ، وكذلك فيما تقدم ؛ ولكن هذا ~~مكان قد اقترح فيه الإيجاز والتقريب ، وهذان لا يكونان إلا بحذف الزوائد ~~المفيدة ، وإلا بتفريق العلائق الموضحة . وبعد ، فالعقل أيضا قوة إلهية ~~أبسط من الطبيعة ، كما أن الطبيعة قوة إلهية ابسط من الأسطقسات ، وكما أن ~~الأسطقسات أبسط من المركبات ؛ وعلى هذا حتى تنتهي المركبات إلى مركب في ~~الغاية ، كما بلغت المبسوطات إلى مبسوط في النهاية ؛ فالتقى الطرفان على ما ~~يقال له : كل ، فلم يكن بعد ذلك مطلب لا في هذا الطرف ولا في هذا الطرف ؛ ~~والعقل هو خليفة الله ، وهو القابل للفيض الخالص الذي لا شوب فيه ولا قذى ؛ ~~وإن قيل : هو نور في الغاية لم يكن ببعيد ، وإن قيل بأن اسمه مغن عن نعته ~~لم يكن بمنكر ؛ وإنما عجزنا عن تحديد هذه البسائط لأنا حاولنا عند علمها أن ~~تكون في صورة المركبات أو قريبة منها ، وأن تصير لنا أصناما نتمثلها ونوكل ~~بها ؛ وهذا منا تعجرف مردود علينا ، وخطأ يلزمنا الاعتذار منه إلى كل من ~~أحس به منا ؛ وينبغي أن نتوب إلى ms311 الله في كل وقت من وصفه بما لا يليق به ، ~~ومن طرح الوهم على شيء قد حجبه عن معارفنا ، ورفعه عن عقولنا ، وقصرنا على ~~حدودنا اللازمة لنا ، وأشكالنا المشتملة علينا ؛ هذا حديث العقل إذا لحظ في ~~ذروته . PageV01P449 فأما إذا فحص عن آثاره في حضيضه فإنه تمييز وتحصيل ~~وتصفح وحكم وتصويب وتخطئة ، وإجازة وإيجاب وإباحة ؛ وإياك أيها السامع أن ~~يكون مفهومك من هذه الأسماء والأفعال والحروف أشياء متمايزة فتجعل شيئا ~~واحدا أشياء ، ومن كثر الواحد فهو أشد خطأ ممن وحد الكثير ، لأن تكثير ~~الواحد انحطاط إلى المركز ؛ وتوحيد الكثير استعلاء إلى المحيط ، بل يجب أن ~~يكون محصولك منها شيئا واحدا لم تصل إليه إلا بترادف هذه الكلمات ، وتصاحب ~~هذه الصفات . وأما أنحاؤه ، فعلى قدر ما يقال : فلان عاقل وفلان أعقل من ~~فلان ، وفلان في عقله لوثة ، وفلان ليس بعاقل ؛ وأصحاب العقل أنصباؤهم منه ~~مختلفة بالقلة والكثرة ، والصفاء والكدر ، والإنارة والظلمة ، واللطافة ~~والكثافة ، والخفة والحصافة ، كما تجدهم مختلفين في الصور والألوان والخلق ~~بالطول والقصر ، والحسن والقبح ، والاعتدال والانحراف ، والرد والقبول ، ~~إلا أن هذا القبيل يدرك بالحس ، ويشهد بالعيان ، ويعاين بالحضور ، وذلك ~~القبيل محجوب عن هذا كله ، فلم يجز أن تكون الإحاطة بتفاوت ما غاب عنا في ~~وزن الإحاطة بتفاوت ما حضر ، فإنهما ما تباينا ليأتلفا ، بل ليختلفا ، وهذا ~~التفاوت معترف به إذا اعتبر من خارج ، وذلك أنك تجد أصحاب المال أيضا ~~يتباينون في مقادير ما يملكون من المال ، ولا يتفقون على مقدار واحد منه ~~عند جماعتهم ، ولا يتفقون على نوع واحد أيضا من أعيان المال ، لأن هذا يملك ~~الصامت ، وذاك يملك الناطق ، وهذا يمارس القز ، وهذا يمارس الصوف ، وهذا ~~ينظر في الصرف ، وهذا يبيع الحيوان ، وكل منهم صاحب مال ومباشر له ؛ وعلى ~~هذا المثال احتذى أهل العقل في مطالبهم ، فصار هذا يملك بعقله غير ما يملك ~~الآخر ، أعني أن هذا ينظر في الهندسة ، وهذا في الطب ، وهذا في النحو ، ~~وهذا في الفقه ؛ والعبارة تمنع من إشباع هذا المعنى ، وحصر هذا الفن ، فعلى ms312 ~~هذا أنحاؤه ، وإنها لكثيرة إن لم تكن بلا نهاية . وأما صنيعه ، فهو الحكم ~~بقبول الشيء ورده ، وتحسينه وتقبيحه ، إذا كان المعروض PageV01P450 عليه ~~على جهته غير مموه ولا مغشوش ، ولا مشتبه فيه ولا ملبوس ، فإن كان مموها ~~اختلف حكمه ، لأن العقل يرى الباطل حقا في وقت ، ويرى الحق باطلا في وقت ، ~~معاذ الله من هذا ، ذلك للحس المنقوص ، والذهن الملبوس ، لأن العارض موه ~~معروضه على العقل ، فحكم له بما يستحقه ، إلا أن يكون العارض لم يشعر بذلك ~~التمويه ، ولم يفطن لذلك الغش ، فحينئذ يهديه العقل ويرشده ، ويفتح عليه ، ~~وينصح له . وأما قوله : وهل يعقل العقل ، فإن الأولى أن يقال : العاقل يقعل ~~بالعقل معقوله ، ألا ترى أنه يقال : السراج أضاء البيت ، ويبعد أن يقال : ~~أضاء نفسه ، لأنه مضيىء بنفسه ، فليس به فقر إلى أن يضيء نفسه ، وإنما أضاء ~~غيره . . . ولو عقل العقل لعقل بالعقل ، وهذا إذا استمر كان مردودا ، ونحن ~~إذا قلنا : عقل العاقل معقوله ، فإنما نصفه بأنه انفعل انفعال كمال ، ~~والعقل يرى من هذا الانفعال ألا يتوخى أنه يعقل الإله الذي هو به ما هو ، ~~فإنه يجوز أن يضر به انفعال لائق به يكون عبارة عن شوقه إليه ، وكماله به ، ~~واقتباسه منه ، وهذا صراط حديد ، والواطىء عليه على خطر شديد ، والوقوف ~~دونه أصدع بالحجة ، وأوضح للعذر ، لأن الإنسان خوار بالطبع ، وإن كان جسورا ~~بالنفس . وأما قوله : وهل تتنفس النفس ، فإن أريد بذلك النفس النامية ~~والحيوانية فهو قريب ، وأما الناطقة فإن ذلك يبعد منها لأن ذلك التنفس ~~استمداد شيء به يكون الشيء حيا أو كالحي ؛ والناطقة غنية عن ذلك . فإن قيل ~~: فهل تقتبس من العقل وتستمد ؟ قيل : هذا لا يسمى تنفسا ، وليس اللفظ يبعده ~~عن الحقيقة تأويل في الوضع ؛ ولا وجه في الاعتمال وإدخال العويص في المكان ~~PageV01P451 الذي يحتاج فيه إلى رفع اللبس وزوال الإشكال ، مداجاة في العلم ~~وخيانة للحكمة وجناية على المستنصح . وأما مرتبته عند الإله فقد وضح بأنه ~~كالشمس تطلع فتحيي ، وتضيء فتنفع . فإن قيل : فالعقل أيضا هكذا ، قيل : ~~العقل ms313 أيضا شمس أخرى ، ولكنها تطلع على النفس التي ليست حاوية لجدار وسطح ، ~~وبر وبحر ، وجبل وسهل ، لأنه لما كان العقل أشرق من النفس - لأنه مستخلف ~~للنفس ، والنفس خليفته - كان إشراقه ألطف ، ومنافعه في إشراقه أشرف ، وأيضا ~~فإن الشمس تجدها بالحس لها غروب وطلوع ، وتجل وكسوف ، وليس كذلك العقل ، ~~لأن إشراقه دائم ، ونوره منتشر ، وطلوعه سرمد ، وكسوفه معدوم ، وتجليه غير ~~متوقف . فإن قيل : نرى العقل يعزب عن الإنسان في وقت ويثوب إليه في وقت . ~~فالجواب أن الوصف الذي كنا ننعت به ونصدع ببيانه لم يكن لعقل زيد وعمرو ، ~~وبكر وخالد ، لأن ذلك ينعت بالطلوع والغروب ، وبالحضور والغيوب ، لأنه ها ~~هنا مضاف ومنحاز ، أو كالمنحاز ، وليس كذلك هو ، فإنه هناك على بهجته ~~التامة ، وسلطانه القاهر ، وملكوته الأفيح ، وبسيطه الفائق ، وفضائه العريض ~~. وأما قوله : وهل ينفعل ، فقد مر الكلام عليه في طي ما مر ، وليس للتكرار ~~وجه ، ولا في التطويل عذر . وأما قوله : فقسط الفعل أكثر ، أم قسط الانفعال ~~، فإن هذا يلحظ من وجهين ، إذا لحظ قبوله من فيض الإله فقسط الانفعال أظهر ~~، وإذا لحظ فيضه على النفس فقسط الفعل فيه أكثر ، لأنه بجوده على غيره ~~يشاركه من جاد عليه بجوده ، وهذا لطيف جدا . PageV01P452 وأما قوله : وما ~~المعاد ، فما أسهل مطالبة السائل بهذا الأمر الصعب الهائل الذي كل أمر ~~متعلق به ، وكل رجاء حائم حوله ، وكل طمع متوجه إليه ، وكل شيء مقصور عليه ~~، وكل إنسان به يهيم ، وكل مصرح عنه يصرح ، وكل كان عنه يكني ، وكل مترنم ~~به يحدو ، وكل لحن إليه يشير ، وكل سامع إليه يطرب ، ونرجع فنقول - على ~~العي والبيان ، وعلى الزحف والعدوان : - إن عود النفس إنما هو تخليتها ~~للبدن إذا حان وقت التخلية ، إما لأن البدن غير محتمل لمادة الحياة ، وإما ~~لأن النفس قد أزمعت أمرا آخر ، ولا يتم لها ذلك إلا بتخلية هذا ؛ وإما لهما ~~. فإن قال قائل : فما نصيب الإنسان من عود النفس الذي هو تخليتها للبدن ~~وخروجها عنه ، وترك استعمالها له . فالجواب من طريق التمثيل ، والرضا ~~بالرأي ms314 الأصوب ، والحكم الأجلى أن يقال : لو قيل لرجل من عرض الناس وافر أو ~~ناقص : إنك إذا فارقت هذا العالم بقيت عينك الباصرة ، وأذنك السامعة ، هل ~~ترى ذلك نعمة عليك ، وإحسانا إليك ، فإن عينك إذا بقيت أبصرت العالم بعدك ~~كما كنت تبصره وهي معك ، بل تبصر أحسن من ذاك الإبصار ، لأنها كانت معك ~~ترمد بسببك ، وتعشى من أجلك ، وربما عرض لها سوء بسوء تدبيرك ، أو باتفاق ~~رديء عليك ، ومن عشى أو عمى وخفش وعمش وعور وآفات كثيرة ، وهي آمنة بعدك من ~~هذه الأعراض المكروهة ، والأحوال الداهية ، فإنا نعلم حقا وعيانا أنه يقول ~~: قد رضيت بل أتمنى هذا ، ومن لي به ، أي إن إعطيت هذا فمن مني أسمع وأبصر ~~، وإذا كنت أكره الدنيا في حياتي إذا فقدتهما فكيف لا أحب الدنيا إذا ~~وجدتهما ، فإن كان هذا التمثيل واقعا ، وهذا التقريب نافعا ، والحق في ~~تضاعيفه واضحا ، فليكن ذلك مطردا في بقاء نفس الإنسان التي بها كان إنسانا ~~، وبها كان ينعم في هذا العالم ، وبها كان يعلم ويعرف ويحكم ويصيب ، ويجد ~~لذة اللذيذ من ناحية العقل والحس ، وبها كان يتمنى البقاء والدوام والخلود ~~، وإنما استحال ذلك التمني من أجل كونه وفساده اللذين لم PageV01P453 يكن ~~بد من انتهائهما إلى الفناء الذي هو مفارقة النفس الجسد وتخليتها للبدن ، ~~ونسبة نفس الإنسان إلى الإنسان أوكد وألصق من نسبة العين إليه ، ألا ترى ~~أنه بالنفس إنسان ، وبالبدن حافظ لشكل الإنسان ؛ فإذا كان للإنسان في هذا ~~التمثيل فائدة متمناة ، وحالة محبوبة هنيئة ، أعني في بقاء العين والأذن ~~حتى يبصر بإحداهما هذا العالم المحشو بالآفات ، ويسمع بالأخرى ما يجري فيه ~~من ضروب الاستحالات ، فبالحري أن يكون رضاه ببقاء النفس في محل الروح ~~والأمن ، ومقام الكرامة والسكينة على حال الخلود والطمأنينة ، إن هذا لعجيب ~~؛ وأعجب من هذا العجيب عقل لا يعلق به ، وروح لا يهش لسماعه ، ونفس لا تجد ~~حلاوته ، وصدر لا يتصدع طربا عليه ، والتياحا إليه ، فإن من لم يشعر بهذه ~~الفائدة ، ولم يحمد الله على هذه النعمة ، لعازب الرأي ms315 ، ضعيف العقل ، خفيف ~~المثقال ، رديء الاختيار ، قليل الحصافة ، سيء النظر ؛ حيوان خسيس ، في مسك ~~إنسان رئيس ؛ فقد بان - على مذهب التقريب - ما المعاد المشار إليه ، وما ~~الإنسان منه ، وما لنفسه به . وأما قوله : وما الفرق بين الأنفس ، أي نفس ~~زيد وعمرو وبكر وخالد ، وما الفرق أيضا بين أنفس أصناف الحيوان ، فإنما ~~الفرق بين هذه الأنفس بقدر قسط كل واحد منهم منها ، وهذه الأقساط إذا ~~اجتمعت تفاوتت ، وإذا تفاوتت كانت منها نفس باقية حية ، ونفس فانية ميتة ، ~~ألا ترى الشمس كيف تطلع على هذه المواضع المختلفة بالعلو والسفل ، ~~وبالتعريج والاستقامة ، والأشكال الكثيرة ، فيقول كل إنسان : مشرقتي أطيب ~~من مشرقة فلان ، وما أشبه هذا الكلام ، وطلوع الشمس على جميعها طلوع واحد ، ~~ولكن حظوظ البقاع منها مختلفة ؛ فليس بمنكر أن تكون نفس زيد أنجى من الكدر ~~، وأخلص من الآفة ، وأوصل إلى السعادة ؛ ونفس بكر على خلاف ذلك ، ومراتب ~~هذه الأنفس موقوفة على الإضافات الحاصلة لها بأصحابها ، والأنصباء المذخورة ~~لها باكتسابها . فأما أنفس أصناف الحيوان كالفرس والحمار فإنها أنفس ناقصة ~~غير كاملة ، وهي ضعيفة ، لأنها لم تجد إلا الإحساس والحركات ، لم يشع فيها ~~نور النفس الشريفة ، ولم ينبث فيها شعاع العقل الكريم ؛ فوجب من هذا الوجه ~~أن تكون تابعة لأبدانها ، جارية على فسادها وبطلانها ، لأن الحكمة انتهت ~~إلى ذلك الحد في كونها حشوا لهذا العالم وزينة PageV01P454 ومنافع ومبالغ ~~إلى غايات وأغراض . وأما قوله : وهل الملك حيوان ، فقد علمت أنه يقال له حي ~~، وهذا وقف على الأسماء الجارية ، والعادات القائمة ، وكأن الحيوان إنما ~~شاع في غير الملك لما فيه من الحس والحركة والاهتداء والتصرف على ما لاق ~~بجنسه ونوعه وشخصه ؛ فأما ما يعلو وينزه عن الصفات فلم يطلق عليه حيوان ، ~~ولكن يقال : حي لأنه أقرب الأسماء إلى المعنى المشار إليه ، وبهذا التقريب ~~قيل أيضا لله : إنه حي ، وأنت إذا حددت الحي أو الحياة لم تقدر على أن تصف ~~الله جل وعلا بشيء من ذلك . . وفي الجملة ما كان أدخل في البساطة كان أخرج ~~من التركيب ms316 ، وكل ما كان أخرج من البساطة كان أدخل في التركيب . فأما ~~المركب الذي ليس له من البسيط إلا النصيب النزر ، وإلا طيف الخيال ، فاسمه ~~واضح والإشارة إليه سهلة ، والعيان له مدرك ، لأنه محاط بحدوده في طوله ~~وعرضه وعمقه . وأما المركب البسيط الذي ليس له من التركيب إلا النصيب ~~اليسير ، فاسمه غامض ، والإشارة إليه عسرة ، والعيان عنه مكفوف ؛ وهذا باب ~~إذا حفظ فهم منه شيء كثير مما يقع فيه الغلط من الإنسان بفكره الردىء ؛ ~~وينفع أيضا نفعا بينا في التغالط العارض بين المتناظرين على جهة التنافس ~~والتناصف . قال أبو سليمان : من حرس هذا الثغر أمن من جميع الأعداء ، ومن ~~أهمله كانت جنايته على نفسه بيده أعظم من جناية عدوه الثائر من ثغره . وأما ~~قوله : على أي وجه يقال لله حي والملك حي والفرس حي ، فقد دخل الجواب عنه ~~في ضمن ما تشقق القول به ، وتحقق المعنى عليه في حديث المركب والبسيط ؛ ~~ونزيدها هنا حرفا يكون رديفا لما تقدم ، فنقول : أما الإنسان فإنه يقال له ~~: حي بسبب الحس والحركة وما يتبعهما مما هو كمال الحي ، وكذلك الفرس وما ~~أشبهه . وأما الملك فلما كان ما يستحقه ببساطته معدوما عندنا ، لم نقدر على ~~شيء نصفه به إلا ما نصف به أنفسنا بيننا ، ولو كنا في عالم الملك لعلنا كنا ~~ندري بأي شيء ينبغي أن ينعت ويسمى ويذكر ويحكى ، فإن من كان منا في بلاد ~~الصين فإنه يسمى الإنسان والفرس والحمار والبقر بها بتعالم أهلها بينهم ، ~~وإن كان هو معوزا على ما ترى في الملك ، أعني تسميته الحي ، ونعته بالحياة ~~، فالله الذي لا سبيل للعقل أن يدركه أو يحيط به أو يجده وجدانا أولى وأحرى ~~أن يمسك عنه عجزا واستخذء ، وتضاؤلا واستعفاء ، إلا بما وقع الإذن به من ~~جهة صاحب الدين الذي هو PageV01P455 مالك أزمة العقول ومرشدها إلى السعادات ~~، وواقفها عند الحدود ، وزاجرها عن التخطي إلى ما لا يجوز . فعلى هذا قد ~~وضح أن الصمت في هذا المكان أعود على صاحبه من النطق ، لأن الصمت ms317 عن ~~المجهول أنفع من الجهل بالمعلوم ، والتظاهر بالعجز في موضعه كالاستطالة ~~بالقدرة في موضعها ، وليس للخلق من هذا الواحد الأحد إلا الإنية والهوية ، ~~فأما كيف ولم وما هو فإنها طائرة في الرياح كما تسمع وترى . ولما حررت هذه ~~الجملة وحملتها إلى الوزير وقرأتها عليه قال لي : هذا والله جهد المقل ، ~~وفي غليلي بقية من اللهب . قلت : أيها الوزير ، قال أبو سليمان : سنقول لك ~~كلاما لا يكون فيه كل الرضا ، فقل له عند ذلك : إنك سألت عن العالم بأسره ، ~~فلا طاقة لأحد أن يعرض عليك العالم بأسره ، ولولا عجلة رسولك في المطالبة ، ~~وإدلاله بالإلحاح ، وقوله : المراد التقريب والإيجاز ، لا التطويل والإسهاب ~~، لكان النسج على غير هذا المنول ، والعمل على غير هذا الوشي . قال : ومن ~~المعالم التي ليس لها ناظر ، ولا بها خابر ، أن السائل يحض على التلخيص ~~المفهوم ، ولعل ذلك يزيد الشيء إغلاقا ، فإذا امتثل ما يرسم قال : ما شفاني ~~القول ؛ وإن زيد على ذلك قال : غرق المراد في حواشي التكثير ؛ فليس للعالم ~~تخلص من استزادة المتعلم ، ولا عند المتعلم شكر على مبذول جهد العالم ، ~~وهذا أمر قد تقدمت الاستغاثة منه على مر الدهور ، والأولى فيما لا حيلة فيه ~~الرضا بالميسور منه . ثم قال : وإن أطال الله أيام هذه الدولة ، وحرس على ~~هذه الجماعة القليلة النعمة ، استأنفنا نظرا أبلغ من هذا النظر ، ببيان ~~أشفى من هذا البيان ، وطريق أوضح من هذا الطريق - إن شاء الله . قال الوزير ~~: والله ما قلت قولي ذاك ، لأن هذا الكلام سهل ، وهذا المتناول قريب ، وهذا ~~المرمى كثب ، كلا ، وإني لأظن بل أحق أنه ليس في بضائع أصحابنا الذين حولي ~~من يدرك هذه المعاني على هذه الصفة إذا قرئت عليه ، فكيف من PageV01P456 ~~يفزع في شرحها وتهذيبها إليه . ثم تمطى وقال : وانعاساه ، واضعف منتاه ؛ ثم ~~فارقت المجلس . # | الليلة السادسة والثلاثون # وقال - دامت أيامه - كيف تقول عند مهل الشهر شيئا آخر من لفظه ؟ فكان من ~~الجواب : حكى العالم : عند هلول الشهر ومستهله وهله وإهلاله واستهلاله . ~~قال : ورأيت الحاتمي يقول ms318 : عشر كلمات جاءت وعينها عين ولامها واو ، ولم ~~أوثر شرحه لها لثقل روحه ، ومغالاته بنفسه ، وكأنه لا علم إلا عنده ، ولا ~~فائدة إلا هي معه ، فهل في حفظك هذه الكلمات ؟ قلت : لا إله إلا الله ، ~~اليوم ذكر الأندلسي هذه الكلمات وعدها ، وقد حفظتها ، فقال : هات يا مبارك ~~؛ فكان الجواب : منها البعو ، وهو الجناية ، والجعو ، وهو الطين ، والدعو ، ~~مصدر دعا دعوا ، والسعو : الشمع ، والشعو : هو انتفاش الشعر ، والصعو : ~~الرجل الضعيف ، وهو أيضا طائر أصغر من العصفور ، والقعو : من البكرة ، ~~واللعو : الحريص . والذئب في بعض اللغات ، والمعو : الجني من الرطب ، ~~والنعو : الشق في مشفر البعير . قال : هذا حسن ، لو أتى به الحاتمي للوى ~~شدقه ، وقال : تنح فقد جاء الأسد وغلب الطوفان وخرج الدجال وطلعت الشمس من ~~المغرب ، ما بال أصحابنا تعتريهم هذه الخيلاء ، ويغلب عليهم النقص ، ~~ويستمكن منهم الشيطان . قلت : قال أبو سليمان : كل من غلب عليه حفظ اللفظ ~~وتصريفه وأمثلته وأشكاله بعد من معاني اللفظ ؛ والمعاني صوغ العقل ، واللفظ ~~صوغ اللسان ، ومن بعد من المعاني قل نصيبه من العقل ، ومن قل نصيبه من ~~العقل كثر نصيبه من الحمق ، ومن كثر نصيبه من الحمق خفي عليه قبح الذكر . ~~PageV01P457 # | الليلة السابعة والثلاثون # وقال الوزير ليلة : ما أحوج الجبان إلى أن يسمع أحاديث الشجعان ! وما أشد ~~انتفاع الضيق النفس باستماع أخبار الكرام ، لأن الأخلاق في الخلق أعراض ، ~~والأعراض منها لازم ومنها لاصق . قال : وكان عيسى بن زرعة سرد على سنة ~~سبعين ، ليالي كانت الأشغال خفيفة ، والسياسة بالماضي - نور الله قبره ~~وضريحه - عامة ، والنظر بالحسنى شاملا - أشياء في الخلق أتى بها على عمود ~~ما كان في نفسي ، وذلك أنه ذكر العقل والحمق ، والعلم والجهل ، والحلم ~~والسخف ، والقناعة والشره ، والحياء والقحة ، والرحمة والقسوة ، والأمانة ~~والخيانة ، والتيقظ والغفلة ، والتقى والفجور ، والجرأة والجبن ، والتواضع ~~والكبر ، والوفاء والغدر ، والنصيحة والغش ، والصدق والكذب ، والسخاء ~~والبخل ، والأناة والبطش ، والعدل والجور ، والنشاط والكسل ، والنسك والفتك ~~، والحقد والصفح ، وينبغي أن تزور عيسى وتذكر له هذه الجملة ، وتبعثه على ~~إعادة حدودها ، وإشباع القول فيها ms319 ، مع إيجاز لا يكون به مدخل للخلل ، ولا ~~تقصير عن إيصال الآخر بالأول . فلقيت عيسى وعرفته الحديث ، وأملي ما رسمته ~~في هذا الجزء ، وعرضته على أبي سليمان ، فرضيه بعض الرضا ، ولم يسخط كل ~~السخط ، وقال : تحديد الأخلاق لا يصح إلا بضرب من التجوز والتسمح ، وذلك ~~أنها متلابسة تلابسا ، ومتداخلة تداخلا ، والشيء لا يتميز عن غيره إلا ~~ببينونة واقعة تظهر للحس اللطيف ، أو تتضح للعقل الشريف . ثم قال : ألا ترى ~~أن الفكر مشوب بالروية ، والظن مخلوط بالوهم ، والذكر معني بالتخيل ، ~~والبديهة جانحة إلى الحس ، والاستنباط موصوف بالغوص ، وما هذا المعنى الذي ~~ميز التواضع من شوب الضعة ، أو خلص علو الهمة من شوب الكبر ، أو ~~PageV01P458 فرز عزة النفس من نقص العجب ، أو أبان الحلم عن بعض الضعف ؟ ! ~~هذا بالقول ربما سهل وانقاد ، ولكن بالعقل ربما عز واعتاص ، والأخلاق ~~والخلق مختلطة ، فمنها ما اختلاطه قوي شديد ، ومنها ما اختلاطه ضعيف سهل ، ~~ومنها ما اختلاطه نصف بين اللين والشدة ، وهذه ينفع العلاج في بعضها ، ~~وينبو العلاج عن بعضها ؛ والحزم يقضي بألا يتهاون بما يقبل العلاج لأجل ما ~~لا يقبل العلاج . قال : وهذا أيضا يختلف بحسب المزاج والمزاج ، والإنسان ~~والإنسان ، ألا ترى أنك لو رمت تحويل البخيل من العرب إلى الجود كان أسهل ~~عليك من تحويل البخيل من الروم إلى الجود ، والطمع في جبان الترك أن يتحول ~~شجاعا أقوى من الطمع في جبان الكرد أن يصير بطلا . قال : ومع هذا فوصف ~~الأخلاق بالحدود - وإن كان على ما قدمناه - نافع جدا ، وإضمارها في النفس ~~مثمر أبدا ، فهذا هذا . وأما ما قال أبو علي فإنه هذا . قيل : ما الحلم ؟ ~~قال ضبط الفكر بكف الغضب . وقال شيخنا أبو سعيد السيرافي : اعتباره من ~~ناحية الاسم تعطيل لطبعه وذلك أن الحلم شريك التحلم ، فكان الحليم الذي يعد ~~فيمن يحلم في عرض الحليم الذي لا يعاج عليه ولا يكترث له . قال : والتحلم ~~نافع أيضا وهو أحمد من التحالم ، لأن الثاني أقرب إلى التأني ، كما أن ~~الأول أقرب إلى الحقيقة . وقيل لعيسى ms320 : ما العدل ؟ فقال : القسط القائم على ~~التساوي . وحكى جالينوس قال : إن الناس لشدة حبههم لأنفسهم يظنون أن لهم ما ~~يحبون ، فمن أجل ذلك وقعوا في العجب ؛ فينبغي أن تكون محبتك لنفسك حقيقية ، ~~ويتم ذلك لك إذا أنت صيرت نفسك على الحال التي يرى من يرى أنك عليها . وقال ~~: المعجب يحب نفسه أكثر مما يحق لها ؛ وما أحسن بالإنسان أن يحب ~~PageV01P459 نفسه ، ولكن بالعدل ، فإن أراد أن يحبها جدا فيجب أن يجعلها من ~~أهل المحبة ، ثم يحبها من بعد . قيل : فما الحسد ؟ قال : شدة الأسى على شيء ~~يكون لغيره . قيل : فما الكآبة ؟ قال : إفراط الحزن . قال أبو سليمان : ~~الحزن والغم والهم والأسى والجزع والخور من شجرة واحدة ومن تعاطى وصف أغصان ~~شجرة طال عليه ، ولم يحظ بطائل ، ويكفي أن نعرف شجرة التفاح من شجرة المشمش ~~، وشجرة الكمثرى من شجرة السفرجل ؛ فإن عواقب المعارف نكرات ، كما أن فواتح ~~المعارف جهالات . قيل : فما الشجاعة ؟ قال : الإقدام في موضع الفرصة من ~~جميع الأمور . قال أبو سليمان : الشجاعة إذا كانت نطقية كانت فرصتها تعاطي ~~الحكمة والدءوب في بلوغ الغاية ، وبذل القوة في نيل البغية ؛ وإذا كانت ~~غضبية كانت فرصتها شفاء الغيظ إما من مستحق ، وإما من غير مستحق ، وإذا ~~كانت شهوية كانت فرصتها التحلي بالعفة التامة ، أعني في الخلوة والحفل . ~~قال لنا أبو الحسن علي بن عيسى الرماني الشيخ الصالح : العفة واسطة بين ~~المقارفة والعصمة ، والعصمة واسطة بين البشرية والملكية . وحكى عيسى بن ~~زرعة في هذا الموضع - عند تدافع الحديث - أن موريس قال : إني لأعجب من ناس ~~يقولون : كان ينبغي أن يكون الناس على رأي واحد ، ومنهاج واحد ، وهذا ما لا ~~يستقيم ولا يقع به نظام . قال : وهب أن يكون الناس وكل واحد منهم ملكا يأمر ~~وينهى ويستمع له ويطاع ، فمن كان المأمور المؤتمر ، والمنهى المنتهى ؛ ~~والعاقل الحصيف يعلم أنه لابد من التفاوت الذي به يكون التصالح ، كالعالم ~~والمتعلم ، والآمر والمأمور والصانع والمصنوع له . ثم قال عيسى : من توابع ~~الأخلاق المذمومة الغضب والكذب والجهل والجور ms321 والدناءة . قال أبو سليمان : ~~أما الغضب فلا يكون مذموما إلا إذا أعمل في غير أوانه ، وعلى غير ما يأذن ~~الناموس الحق به ؛ وأما الكذب ففيه أيضا مصالح ، كما أن الصدق ربما أفضى ~~إلى PageV01P460 كثير من المفاسد - وإن كان الصدق قد فاز بالوصف الأحسن ، ~~والكذب قد وصف بالنعت الأقبح - فكم كذب نجى من شر ، وكم صدق أوقع في هوة ، ~~وبقي الآن أن نعرف الصدق مع أوانه ومكانه ، فيؤتى به أو ينهى عنه ، وكذلك ~~الكذب على حذوه ومثاله . قال : وأما الجهل والجور والدناءة فإنها أثافي ~~الرذائل ، فينبغي أن ينتفي منها جملة وتفصيلا ، ولا يسلك أحد إلى شيء منها ~~سبيلا فإنها أعدام ؛ - هكذا قال - ؛ والعدم كريه ومهروب منه ، والوجود على ~~أنقص النعوت وأتم وأشرف من العدم على أزيد الصفات ، وإن كان لا زيادة في ~~العدم إلا من طريق الوهم العارض ما يصح وما لا يصح . قيل : فما العجب ؟ قال ~~وزن النفس بأكثر من مثقالها . وقال أيضا : العجب هو النظر في النفس بعين ~~ترى القبيح جميلا . ويقال : المعجب يدعي أن ما ينبغي أن يعجب منه قد حصل له ~~من غير أن يكون كذلك ؛ فأما إذا كان ذلك حاصلا فالعجب ليس بعجب إلا من طريق ~~الاسم ، وإلا فهو في الحقيقة إحساس بالفضل المعشوق ، وشعور بالكمال الموموق ~~، واستدعاء للزيادة مما صار به هكذا ، واستعداد لقبول الفيض من معدنه ~~بالاختيار الثاني والاعتياد الأول . قيل : فما الوفاء ؟ قلا قضاء حق واجب ، ~~وإيجاب حق غير واجب ، مع رقة أنسية ، وحفيظة مرعية . قيل : فما الرغبة ؟ ~~قال : حركة تكون من شهوة يرجى بها منفعة . قال أبو سليمان : الرغبة إذا ~~كانت نطقية كانت مبعثة على التحلي بالفضائل ، وإذا كانت سبعية أو بهيمية ~~كانت ملهجة بمواقعة أضدادها من الرذائل . وقيل : ما المهنة ؟ فقال : حركة ~~يتعاطاها الإنسان بلا حفز ولا استكراه . قال علي بن عيسى : المهنة صناعة ، ~~ولكنها إلى الذل أقرب ، وفي الضعة أدخل ، والصناعة مهنة ، ولكنها ترتفع عن ~~توابع المهنة ، وفي الصناعات ما يتصل به الذل أيضا ، ولكن ذل ليس من جهة ~~حقيقة ms322 الصناعة ؛ ولكن من جهة العرض الذي بين الصناعة PageV01P461 والصناعة ~~، والمرتبة والمرتبة . قيل : فما العادة ؟ قال : حال يأخذ بها المرء نفسه ~~من غير أن تكون مسنونة يجري عليها مجرى ماهو مألوف طبيعي . قال أبو سليمان ~~: كأن هذا الاسم ليس يخلص إلا لمن أتى شيئا مرارا ، فأما في أول ذلك فليس ~~له هذا النعت ، وإنما يصير مألوفا بالتكرار ، ولهذا ما صيغت الكلمة من عاد ~~يعود واعتاد يعتاد . وأما قوله : طبيعي ، فعلى وجه التشبيه ، لأن الطبيعي ~~أشد رسوخا وأثبت عرقا ، وأبعد من الانتقاض ؛ فأما العادة فكل ذلك جائز ~~عليها ، وغير مأمون من الوقوع فيه . قيل : كم الحركات ؟ قال : ستة أضعاف ، ~~أولها حركة الانتقال ، وهي ضربان : إما حركة الجسم بكله من مكان إلى مكان ، ~~وإما حركته بأجزائه كالفلك والرحى ، والثاني حركة الكون ، والثاث حركة ~~الفساد ، والرابع حركة الربو ، والخامس حركة النقض والبلى ، والسادس حركة ~~الاستحالة ، وهي ضربان : أما في الجسم فمثل اللون ، وأما في النفس فمثل ~~الغضب والرضا ، والعلم والجهل . والنقلة مكانية ، والكون والفساد جوهريان ، ~~والاستحالة هيئية ، والنمو والاضمحلال مكانيان . قال الكندي : وها هنا حركة ~~أخرى ، وهي حركة الإبداع ، إلا أن بينها وبين حركة الكون فرقا ، لأن هذه لا ~~من موضوع ، وحركة الكون من فساد جوهر قبله بحدوثه ، ولذلك قيل : إن الكون ~~خروج من حال خسيسة إلى حال نفيسة . قال أبو سليمان : حركة الإبداع عبارة ~~بسيطة لا يجب أن يفهم منها معنى مركب . قال : وإنما قلت هذا لأن اللفظ نظير ~~اللفظ في أغلب الأمر وليس المعنى نظير المعنى في أغلب الأمر ، واللفظ كله ~~من واد واحد في التركب بلغة كل أمة ، والمعاني تختلف في البساطة على قدر ~~العقل والعقل ، والعاقل والعاقل ، وإنما حركة الإبداع مشار PageV01P462 بها ~~إلى مقوم الأشياء بلا كلفة فاعل ، ولا معاناة صانع ، وإنها بدت بالمبدع من ~~المبدع للمبدع لا على أن الباء ألصقت به شيئا ، ولا على أن من فصلت منه ~~شيئا ، ولا على أن اللام أضافت إليه شيئا ، فإن هذه العلامات والأمارات ~~كلها موجودة في الأشياء التي تعلقت بالإبداع ، فلم ms323 يجز أن ينعت بها المبدع ~~، ولو جاز هذا لكان داخلا فيها ، وموجودا بها ، وهذا بعيد جدا . فلما جل عن ~~هذه الصفات بالتحقيق في الاختيار وصف بها بالاستعارة على الاضطرار ، لأنه ~~لابد لنا من أن نذكره ونصفه وندعوه ونعبده ونقصده ونرجوه ونخافه ونعرفه ~~وننحوه ونطلب ما عنده ونواجهه ونكافحه ؛ وهذه نعمة منه علينا ، ولطف منه ~~بنا ، وحكمة بينه وبيننا وإلا كانت العصمة تنبتر ، والطمع ينقطع ، والأمل ~~يضعف ، والرجاء يخيب ، والأركان تتخلخل ، والجود والكرم والحكمة والقدرة ~~والجبروت والملكوت تأبى ذلك ؛ فصارت هذه الأسماء والصفات سلالم لنا إليه ، ~~لا حقائق يجوز أن يظن به شيء منها ، على سبيل السياج الممدود ، والمنهاج ~~المحدود . سقت كلام عيسى في تصنيف الحركات من أجل هذه الفقرة التي كانت ~~محفوظة في حركة الإبداع ، فإني قد وجدت للقوم في هذا الباب حيرة عارضة أو ~~راكدة ، لا يستطيعون التقصي عنها ، ولا يقدرون على البراءة منها ، للضلال ~~الذي قد لزمهم ، والأصنام التي قد تربعت في نفوسهم ، والأمثلة التي قد ~~خالطت عقولهم ، والأفياء التي استصحبوها من إحساسهم ؛ والقائل هذا ينبغي أن ~~يتحرى ويتلبث حتى يعرى من هذه الأشياء ويتريث ؛ فحينئذ أضمن له أن يصح ~~توحيده ، ويتم تجريده ، وإلى التوحيد تنتهي الفلسفة بأجزائها الكثيرة ، ~~وأبوابها المختلفة ، وطرقها المتشعبة . وأنا أعوذ بالله من صناعة لا تحقق ~~التوحيد ولا تدل على الواحد ولا تدعو إلى عبادته ، والاعتراف بوحدانيته ، ~~والقيام بحقوقه ، والمصير إلى كنفه ، والصبر على قضائه ، والتسليم لأمره ؛ ~~ووجدت أرباب هذه الصناعات ، أعني الهندسة والطب والحساب والموسيقى والمنطق ~~والتنجيم معرضين عن تجشم هذه الغايات ، بل وجدتهم تاركين الإلمام بهذه ~~PageV01P463 الحافات ، وهذه آفة نسأل الله السلامة منها ، والعافية من ~~عواقبها ؛ والسلام . قيل : ما التمام ؟ قال : بلوغ الشيء الحد الذي ما فوقه ~~إفراط ، وما دونه تقصير . قال أبو سليمان : التمام أليق بالمحسوسات ، ~~والكمال أليق بالأشياء المعقولة . قال : وليست هذه الفتيا مني جازمة ، ولا ~~عن العرب العاربة مروية ، ولكن إذا لحظنا المعاني مختلفة ، طلبنا لها أسماء ~~مختلفة ، ليكون ذلك معونة لنا في تحديد الأشياء أو في وصف الأشياء ms324 من طريق ~~الإقناع الكاف للجدل والتهمة ، أو من طريق البرهان الساطع بالحجة ، الرافع ~~للشبهة ، أو من طريق التقليد الجاري على السنن والعادة . قال : ولهذا إذا ~~قيل : ما أتم قامته ! كان أحسن ، وإذا قيل : ما أكمل نفسه ! كان أجمل . قيل ~~له : هل يتساوى الكون والفساد فيبقى الشيء على ما هو به ؟ فقال : أما على ~~الحقيقة فلا ؛ ولكن على السعة ، لأن الكون متصل بالفساد ، إلا أنهما يخفيان ~~في مبادئهما حتى إذا امتد الآنان فصار آنا واحدا فحينئذ بان الكون من ~~الفساد ، وبان الفساد من الكون ، وهذا بالاعتبار الحسي ؛ فأما العقل فيرتفع ~~عن هذا ، لأنه يعلم حقيقة الشيء على ما هو عليه ، ولا يقبل من الحس حكما ، ~~ولا يحتكم إليه أبدا . وإنما الحس عامل من عمال العقل . والعامل يجور مرة ~~ويعدل مرة ، فأما الذي هذا هو عامله فهو الذي يتعقبه ، فإن وجده جائرا أبطل ~~قضاءه ، وإن وجد عادلا أمضى حكمه ، ومتى استشير الحس في قضايا العقل فقد ~~وضع الشيء في غير موضعه ، ومتى استشير العقل في أحكام الحس فقد وضع الشيء ~~في موضعه . قيل : فما الصورة ؟ قال : التي بها يخرج الجوهر إلى الظهور عند ~~اعتقاب الصور إياه . PageV01P464 قال أبو سليمان : هذه الفتيا جزافية ، ~~الصور أصناف : إلهية وعقلية ، وفلكية وطبيعية ، وأسطقسية وصناعية ، ونفسية ~~ولفظية ، وبسيطة ومركبة ، وممزوجة وصافية ، ويقظية ونومية ، وغائبية ~~وشاهدية . ثم اندفع فقال : أما الصورة الإلهية - وهي أعلاها في الرتبة ~~والحقيقة . وهي أبعد منا في التحصيل إلا بمعونة الله تعالى - فلا طريق إلى ~~وصفها وتحديدها إلا على التقريب ، وذلك أن البساطة تغلب عليها ، إلا أنها ~~مع ذلك ترسم بأن يقال : هي التي تجلت بالوحدة ، وثبتت بالدوام ، ودامت ~~بالوجود . وأما الصورة العقلية فهي شقيقة تلك ، إلا أنها دونها لا ~~بالانحطاط الحسي ، ولكن بالمرتبة اللفظية ، وليس بين الصورتين فصل إلا من ~~ناحية النعت ، وإلا فالوحدة شائعة وغالبة وشاملة ، لكن الصورة الإلهية تلحظ ~~لحظا ، ولا يلفظ بوصفها لفظا ، لمشاكهتها الصورة النفسية ، فإذا كان كذلك ~~أمكن أن ترسم فيقال : هي التي تهدي إلى العاقل ثلجا في ms325 الحكم ، وثقة ~~بالقضاء ، وطمأنينة للعاقبة ، وجزما بالأمر ، ودحوضا للباطل ، وبهجة للحق ~~ونورا للصدق . والفرق بين الصورة الإلهية والصورة العقلية أن الصورة ~~الإلهية ترد عليك وتأخذ منك ، والصورة العقلية تصل إليك فتعطيك ، فالأولى ~~بقهر وقدرة ، والثانية برفق ولطافة ؛ وتلك تحجبك عن لم وكيف ، وهذه تفتح ~~عليك لم وكيف ، وتلك لا تنحي ولا تطلب ، وهذه يسعى إليها ، ويسأل عنها ~~وتوجد ، وأنوار الصورة الإلهية بروق تمر ، وأنوار الصورة العقلية شموس ~~تستنير ؛ وتلك إذا حصلت لك بالخصوصية لا نصيب لأحد منها ، وهذه إذا حصلت لك ~~فأنت وغيرك شرع فيها ؛ وتلك للصون والحفظ ، وهذه للبذل والإفاضة . وأما ~~الصورة الفلكية فداخلة تحت الرسم بالعرض ، وللوهم فيها أثر كثير ، ولأنها ~~مأخوذة من الجسم الأعظم صارت مشاكهتها مقسومة بين البسيط الذي لا تركيب فيه ~~البتة ، وبين المركب الذي لا يخلو من التركيب البتة ؛ ولهذا صار تأثير ~~الفلك في المتحركات عنه أشد من تأثر الفلك عن المحرك له ، وكأنه أول محرك ~~متحرك ؛ وليس هكذا ما علا عنه . PageV01P465 والفلك بما هو جسم منقوص ~~الصورة ، وبما هو دائم الحركة شريف الجوهر . وأما الصورة الطبيعية فتعلقها ~~بالمادة القابلة لآثارها بحسب استعدادها لها ، فلذلك ما هي مزحزحة عن ~~الدرجة العليا ، وعشقها للقابل منها أشد من عشقها للمفيض عليها ، ولهذا ~~أيضا كانت منافعها ممزوجة ، ومضارها بحتة ، وهي تجمع بين الحكمة والبله ، ~~وبين الجيد والرديء ، ولو سألنها لم أنت ضارة نافعة ؟ لقالت : بعدت ، فلما ~~بعدت صوبت وصعدت . وسمعت أبا النفيس يقول في وصف الطبيعة كلاما له رونق في ~~النفس وأنا أصل هذه الجملة به . قال : أيتها الطبيعة ، ما الذي أقول لك ، ~~وبأي شيء أؤاخذك ، وكيف أوجه العتب عليك ؟ ! فإنك قد جمعت أمورا منكرة ، ~~وأحوالا عسرة ، لا يفي نظامك فيها بانتثارك عليها ، ولك بوادر ضارة ، ~~وغوائل خفية تبدو منك ، وتغور فيك ، وترجع إليك ، حتى إذا قلنا في بعضها : ~~إنك حكيمة ، قلنا في بعضها : إنك سفيهة ، فالبله منك مخلوط باليقظة ، ~~والاستقامة فيك عائدة بالاعوجاج ، وفيك فظائع ونزائع ، وقوارع وبدائع ، لأن ~~حركاتك تستن مرة استنانا تعشقين عليه ، وتحبين ms326 من أجله ، وتزيغ أخرى زيغا ~~تمقتين عليه ، وتبغضين بسببه ، وربما كانت حركتك نقصا للبناء المحكم ~~والصورة الرائعة ، والنظام البهي ، وربما كانت بناء للمنتقض ، وتجديدا ~~للبالي وإصلاحا للفاسد ، حتى كأنك عابثة بلا قصد ، عائثة على عمد ، وعلى ~~جميع صفاتك من الواصفين لك لم يعلم من ظن ، ولا رأى من تخيل ، ولا بعد لفظ ~~من تأويل ، ولا حال معنى عن توهم ، ولا أسفر حق عن باطل ، ولا تميز بيان عن ~~تمويه ، ولا وضح نصح من غش ، ولا سلم ظاهر من تناقض ، ولا خلت دعوى ~~PageV01P466 من معارض ، فلهذا وأشباهه واجهتك بخطابي ، وعرضت عليك ما في ~~نفسي ، فبالذي أنت به قائمة ، وبالذي أنت به موجودة ، وبالذي أنت له منقلبة ~~، وإليه منساقة ، إلا خبرتني عنك ، وشفيت غليلي منك ، ونعت لي غيب شأنك ، ~~وجعلت الخبر عنك كعيانك ، وإنما ضرعت إليك هذا الضرع ، وعرضت عليك هذا ~~الوجع ، لأنك جارتي وصاحبتي ، وليس بيني وبين حجاب إلا ما هو عدو منك أو ~~مني ، أعني بما هو منك لطف سحرك ، وخفاء سرك ، وأعني بما هو مني ما أعجز عن ~~استبانته واستيضاحه إلا بقوة الإله الذي هو سبب لحركتك في أفانين تصرفك ، ~~وأعاجيب عدلك وتحيفك . وكان إذا بلغ هذا الحد وما شاكله أخذ في كلام ~~كالجواب على طريق التأنيس والتسلية والاستراحة ، وهذا بالواجب ، لأن ~~الإنسان بسبب أغراضه المجهولة ، وعوارضه الفاجئة الباغتة من الغيب والشهادة ~~يفتقر افتقارا شديدا إلى هذه النعوت التي تقدم ذكرها ؛ وهذا كالداء والدواء ~~! وليس لأحد أن يتهكم فيقول : هلا ارتفع الداء أصلا فيستغني عن الدواء جملة ~~، وهلا وقع الدواء أبدا على الداء ونفاه وصرفه . فإن هذا كلام مدخول ، من ~~عقل كليل ، ولعمري إن من جهل القسمة الإلهية في الأزل بحسب شهادة العقل لعب ~~به الوسواس في هذه المواضع ، وظن أن الأمر لو كان بخلاف ما هو عليه كان ~~أولى وأتم وأوثق وأحكم . يا ويحه ! من أين يوجب هذا الحكم ؟ وبأي شيء يثبت ~~هذا القضاء ؟ وكيف يثق بهذا الوهم ؟ وكان يقول أيضا إن الطبيعة تقول : أنا ~~قوة من قوى ms327 البارىء ، موكلة بهذه الأجسام المسخرة حتى أتصرف فيها بغاية ما ~~عندي من النقش والتصوير والإصلاح والإفساد الذين لولاهما لم يكن لي أثر في ~~شيء ، ولا لشيء أثر مني ، وكان وجودي وعدمي سواء ، وحضوري وغيابي واحدا ، ~~ولو بطلت بطل ببطلاني ما أنا به ؛ وهذا زائف من القول ، وخطل من الرأي ، ~~وتحكم من الظان ؛ ولو احتمل إيراد كل ما كان يتنفس به هذا الشيخ في حال ~~نشاطه وانقباضه ، لكان ذلك مرادا فسيحا ، ومشرعا واسعا ، ولكن ذلك متعذر ~~لعجزي عن الوفاء به ، ولأن هذه الرسالة تتقلص عنه ، وإنما أجول في هذه ~~الأكناف لكلفي بالحكمة كيف دارت العبارة بها ، وأمكنت الإشارة إليها ، لا ~~على التقصي لها وبلوغ الغاية PageV01P467 منها ، ومن يقدر على ذلك ؟ ومن ~~يحدث نفسه بذلك ؟ العالم أبعد غورا وأعلى قلة وأثقل وزنا وأحد غربا وألطف ~~أعراضا وأكثف أجراما وأعجب تركيبا وأغرب بساطة من أن يأتي عليه إنسان واحد ~~، وكل من كان في مسكه ، وإن بلغ الغاية في دقة الذهن وحسن البيان وبلاغة ~~اللفظ ، واستنباط الغامض في حاضره وغائبه ؛ هذا ما لا يتوهمه العقل . وأنا ~~أعوذ بالله من هذه الدعوى ، وأسأله أن يلهمنمي الشكر على ما فتح وشرح ، ~~وهدى إليه ومنح ، وأطلع عليه وندح ، فإن الشكر قرع لباب المزيد ، والمزيد ~~باعث على الشكر الجديد ، والشكر - وإن خلص بالعرفان ، وجرى بضروب البيان ~~على اللسان - فإنه يقصر عن تواتر النعمة بعد النعمة ، وتظاهر الفائدة بعد ~~الفائدة . وأما الصورة الأسطقسية ، فهي لائحة لكل ذي حس بالتناظم الموجود ~~فيها ، والتباين الآخذ بنصيبه منها ، ولها انقسام إلى آحادها ، أعني أن ~~صورة الماء مباينة لصورة الهواء ، وكذلك صورة الأرض مخالفة لصورة النار ، ~~فتحديديها بما يقررها مع غوصها في كل أسطقس شديد ، واللفظ لا يصفو ، ~~والمراد لا ينماز . وأما الصورة الصناعية فهي أبين من ذلك ، لأنها مع غوصها ~~في مادتها بارزة للبصر والسمع ولجميع الإحساس ، كصورة السرير والكرسي ~~والباب والخاتم وما أشبه ذلك . وأما الصورة النفسية فهي راجعة إلى العلم ~~والمعرفة وتوابعهما فيما يحققهما أو يخدمهما وهي شقيقة للصورة العقلية ms328 ~~بالحق . وأما الصورة البسيطة فلاختلاف مرانب البسيط ما يعز رسمها إلا ~~بالإيماء إليها ، فإن الحق هذا الإيماء سامعه فذاك ، وإلا فلا طمع في عبارة ~~شافية عنها . PageV01P468 وأما الصورة المركبة فهي بادية للحس بآثار ~~الطبيعة في مادتها ، وبادية أيضا للنفس بآثار العقل في سيحه عليها ، وكما ~~أن بين البسيط والبسيط فرقا يكاد البسيط يكون به مركبا ، كذلك بين المركب ~~والمركب فرق يكاد المركب يكون به بسيطا ؛ وهذه جملة تفسيرها معوز . وأما ~~الصورة الممزوجة فهي أخت الصورة المركبة ، وكذلك الصورة الصافية أخت الصورة ~~البسيطة ، وليس هذا تمايزا في اللفظ واللفظ ، إذ كانتا متصاحبتين ولم تكونا ~~متعاندتين . وأما الصورة اليقظية فهي مجموعة من الإحساس ، لجريانها على ~~وجدان المشاعر كلها ، وما لها وبها . وأما الصورة النومية فهي أيضا متميزة ~~عن أختها ، أعني اليقظية ، لأنها إغضاء عين وفتح عين ، أعني أن النائم قد ~~حيل بينه وبين مثالات الإحساس وعوارض الكون والفساد ، وفتح عليه باب إلى ~~وجدان شيء آخر يجري كظل الشخص من الشخص ، فإن كان ذلك من وادي الطبيعة أومأ ~~إلى آثار الأخلاط ، وإن كان من وادي النفس أومأ إلى نصب التماثيل ، وإن كان ~~من وادي العقل صرح بحقائق الغيب في عالم الشهادة إما بالتقريب وإما ~~بالتهذيب أعني إما بوقوعه عقيب ذلك ، وإما بعد مهلة . وأما الصورة الغائبية ~~والشاهدية فقد اتصل الكلام في شرحها بما تقدم من حديث الصورة اليقظية ~~والنومية ، والعبارة عن الشاهد مقصورة على وجدان المشاعر ، والعبارة عن ~~الغائب مقصورة على ما تغلق على المشاعر ، وفي الغائب شاهد هو الملحوظ من ~~الغائب ، وفي الشاهد غائب هو المبحوث عنه في الشاهد ، فالشاهد غائب بوجه ، ~~والغائب شاهد بوجه ، حتى إذا استجمعا لك كنت بهما في شعارهما . والإلهيون ~~من الفلاسفة هم الذين جمعوا بين هذين النعتين ، وعلوا هاتين الذروتين ، ~~فتوحدوا عند ذلك بخصائصهم ، وانسلخوا عن نقائصهم ، فلو قلت : ما هؤلاء بشر ~~كنت صادقا . PageV01P469 | ولقد أحسن الذي قال في وصف العصابة حيث وصف فقال ~~: فينا وفيك طبيعة أرضية . . . تهوي بنا أبدا لشر قرار لكنها مقسورة مأسورة ~~. . . مغلوبة ms329 السلطان في الأحرار فجسومهم من أجلها تهوي بهم . . . ونفوسهم ~~تسمو سمو النار لولا منازعة الجسوم نفوسهم . . . نفذت بسورتها من الأقطار ~~عرفوا لروح الله فيه فضل ما . . . قد آثروا من صالح الآثار فتنزهوا وتكرموا ~~وتعظموا . . . عن لؤم طبع الطين والأحجار نزعوا إلى البحر الذي منه أتت . . ~~. أرواحهم وسموا عن الأغوار وهذا وصف بليغ بالإضافة إلى القوم . فأما ما ~~وراء هذا فهناك خبر ثقة بما قرر وقال : وأما الصورة اللفظية فهي مسموعة ~~بالآلة التي هي الأذن ، فإن كانت عجماء فلها حكم ، وإن كانت ناطقة فلها حكم ~~، وعلى الحالين فهي بين مراتب ثلاث : إما أن يكون المراد بها تحسين الإفهام ~~، وإما أن يكون المراد بها تحقيق الإفهام ، وعلى الجميع فهي موقوفة على خاص ~~ما لها في بروزها من نفس القائل ، ووصولها إلى نفس السامع ؛ ولهذه الصورة ~~بعد هذا كله مرتبة أخرى إذا مازجها اللحن والإيقاع بصناعة الموسيقار ، ~~فإنها حينئذ تعطي أمورا ظريفة ، أعني أنها تلذ الإحساس ، وتلهب الأنفاس ، ~~وتستدعي الكاس والطاس ، وتروح الطبع ، وتنعم البال ، وتذكر بالعالم المشوق ~~إليه ، المتلهف عليه . هذا منتهى كلامه على ما علقه الحفظ ، ولقنه الذهن ؛ ~~ولو كان مأخوذا عنه بالإملاء لكان أقوم وأحكم ، ولكن السرد باللسان ، لا ~~يأتي على جميع الإمكان في كل مكان ، فهذا هذا . PageV01P470 قال الوزير : ~~هذا باب في غاية الإيفاء والاستيفاء ، ومن يتحكك بالاعتراض عليه فقد صغى ، ~~وأبدى صفحته بالبهت ، ودل من عقله على الدخل ، ومن أخلاقه على الخلل ؛ لقد ~~وهب الله لهذا الرجل مقاما عاليا ، ولا عجب فإنه معوض بهذا عما فاته . وقال ~~: أنشدني في الخمر شيئا غريبا ، فأنشدته : ومورد الوجنات يخ . . . طر حين ~~يخطر في مورد يسقيك من جفن اللجين . . . إذا سقاك دموع عسجد حتى تظن الشمس ~~تن . . . زل أو تظن الأرض تصعد فإذا سقاك بعينه . . . وبفيه ثم سقاك باليد ~~حياك بالياقوت تح . . . ت الدر من فوق الزبرجد قال : أحسنت والله ؛ هات ~~زيادة : فقلت : وعذراء ترغو حين يضربها الفحل . . . كذا البكر تنزو حين ~~يفتضها البعل تدير عيونا في جفون كأنما . . . حماليقها بيض وأحداقها ms330 نجل ~~كأن حباب الماء حول إنائها . . . شذور ودر ليس بينهما فصل توهمتها في كأسها ~~فكأنما . . . توهمت شيئا ليس يدركه العقل إذا اشتبكت رجلاي من سورة الكرى . ~~. . درجت إليها مثل ما يدرج الطفل PageV01P471 وأنشدت لآخر : وكم عائب ~~للخمر لو أن أمه . . . تبول مداما لم يزل يستبيلها ولآخر : خليلي لومان على ~~الخمر أو دعا . . . فلن تجدا عندي على اللوم مطمعا وشبا سنا نار لعل نديمنا ~~. . . بنجران أن يلقي سناها فيتبعا فما راعنا إذ أوقدت فوق ربوة . . . من ~~الأرض إلا راكبان قد أوضعا فهشا إلينا ثم قالا : ألا انعما . . . مساء ~~فقلنا : دام ذاك لنا معا وأنشدت لآخر : سقوني وقالوا لا تغن ولو سقوا . . . ~~جبال شمام ما سقوني لغنت وأنشدت أيضا : الكأس لا تدري ولا الخمر . . . من ~~أي شيء عجل السكر أسكرني من قبل شربي لها . . . من دأبه الإعراض والهجر قلت ~~له والخمر في كأسه . . . كأنها في كفه بدر أنت لعمري الخمر يا سيدي . . . ~~ليس الذي سقيتني الخمر آخر : تركت النبيذ لأهل النبيذ . . . فخار لي الله ~~في تركه وقد كنت قدما به معجبا . . . أروح وأغدو إلى سفكه فقال : قد جرى ~~هذا أيضا على التمام . اختم مجلسنا بدعاء الصوفية . فقلت : سمعت ابن سمعون ~~يدعو في الجامع في آخر مجلسه ويقول : اللهم اجعل PageV01P472 قولنا موصولا ~~بالعمل ، وعملنا محققا للأمل ، ولا تضايقنا فيما نتحول به ، ونتقلب لك فيه ~~، وكنف علينا بسترك ، وسوغنا برك ، وألهمنا شكرك ، وخفف على أفواهنا ذكرك ، ~~واخصصنا بعد ذلك بما هو أليق بذلك ؛ اللهم اسمع واستجب وقرب . وانصرفت . # | الليلة الثامنة والثلاثون # وجرى ليلة بحضرة الوزير - أعلى الله كلمته ، وأدام غبطته ، ووالى نعمته - ~~أحق من دعي له ، وأشرف من بوهي به ، وأكمل من شوهد في عصره - حديث ابن يوسف ~~وما هو عليه من غثاثته ورثاثته ، وعيارته وخساسته . فقلت له : عندي حديث ، ~~ولاشك أن الوزير مطلع عليه ، عارف به . قال : ماذاك ؟ قلت : حدثني أبو علي ~~الحسن بن علي القاضي التنوخي قال : كنت في الصحبة إلى همذان سنة تسع وستين ~~، وكنا جماعة وفينا ابن حرنبار أبو محمد ms331 ، وكان في جنبه ابن يوسف ، فاتفق ~~أن عضد الدولة - برد الله مضجعه - قال لابن شاهويه : سر إلى ابن حرنبار وقل ~~له : ينبغي أن تسير إلى البصرة ، وإنا نجعل لك فيها معونة ، فقد طال مقامك ~~عندنا ، وتوالى تبرمنا بك ، وتبرمك بنا ، وليس لك بحضرتنا ما تحبه وتقترحه ~~، والسلامة لك في بعدك عنا قبل أن يفضي ذلك إلى تغيرنا . وكلاما في هذا ~~النوع . قال : ونفذ أبو بكر ومعه آخر من المجلس يشهد التبليغ والأداء ، ~~ويسمع الجواب والابتداء - على رسم كان معهودا في مثل هذا الباب - فلقي ابن ~~حرنبار وشافهه بالرسالة على التمام ؛ فقال أبو محمد لما سمع : الأمر للملك ~~، ولا خلاف عليه ؛ ولعمري إن الناس بجدودهم ينالون حظوظهم ، وبحظوظهم ~~يستديمون جدودهم ؛ ولو وفقت ما كان عجيبا ، فقد نال من هو أنقص مني ، وبلغ ~~المنى من أنا أشرف منه ، ولكن المقادير PageV01P473 غالبة ، وليس للإنسان ~~عنها مرتحل ؛ وقد قيل : من ساور الدهر غلب ، ولكن أيها الشيخ لي حاجة : أحب ~~أن تبلغ الملك كلمة عني . قال : هاتها ؛ قال : تقول له : أنا صائر إلى ما ~~رسمت ، وممتثل ما أمرت ، بعد أن تقضي لي وطرا في نفسي ، قد تقطع عليه نفسي ~~، وذاك أن تتقدم فيقام عبد العزيز بن يوسف بين اثنين فيصفعانه مائتين ، ~~ويقولان له : إذا لم تبذل جاهك لمتلهف ، ولا عندك فرج لمكروب ، ولا بر ~~لضعيف ، ولا عطاء لسائل ، ولا جائزة لشاعر ، ولا مرعى لمنتجع ، ولا مأوى ~~لضيف ، فلم تخاطب بسيدنا ، وتقبل لك اليد ، ويقام لك إذا طلعت ؟ ؟ قال ابن ~~شاهويه : فقبل أن لقيت الملك أفصح له الذي كان معي مشرفا علي . فلما دخلت ~~الدار عرف ، فقال : علي به ، فحضرته وابن يوسف قاعد بين يديه على رسمه . ~~فقال لي : هات الجواب عما نفذت فيه ؛ فقلت : الجواب عندك ، فقال : ما أعجب ~~هذا ! أنت حملت الرسالة وأطالب غيرك بالجواب ؟ قال : فتلويت حياء من ابن ~~يوسف ، فقال : هات يا هذا الحديث بفصه ، فوالله لا أقنع إلا به ، ما هذا ~~التواني والتكاسل ، فكرهت اللجاج ، فسردته على وجهه ، ولم أغادر منه ms332 حرفا ، ~~وابن يوسف يتقدد في إهابه ، ويتغير وجهه عند كل لفظة تمر به ، فأقبل عليه ~~الملك وقال : كيف ترى يا أبا القاسم الكيس ؟ فقال : يا مولانا ، إنما أنا ~~أقضي الحاجة بك ، فإذا لم تقضها كيف أكون ؟ فإن الحوائج كلها إليك . قال : ~~صدقت ، أنا لا أقضي حاجة لك ، لأنك لا تقصد بها وجه الله ، ولا تبغي بها ~~مكرمة ، ولا تحفظ بها مروءة ، وإنما ترتشي عليها ، وتصانع بها ، وتجعلني ~~بابا من أبواب تجارتك وأرباحك ، ولو كنت أعلم أنك تقضي حاجة لله أو لمكرمة ~~أو لرحمة ورقة لكان ذلك سهلا علي ، وخفيفا عندي ، لكنك معروف المذهب في ~~الطمع والحيلة ، وجر النار إلى قرصك ، وشرهك في جيع أحوالك ؛ وليس الذنب لك ~~، ولكن لمن رآك إنسانا وأنت كلب . PageV01P474 وصدق - صدق الله قوله - فإنه ~~كان أخس خلق الله ، وأنتن الناس ، وأقذر الناس ، لا منظر ولا مخبر . وكانت ~~أمة مغنية من أهل البيضاء ، وأبوه من أسقاط الناس ، ونشأ مع أشكاله ، وكان ~~في مكتب الربضي على أحوال فاحشة ، وورق زمانا ، ثم إن الزمان نوه به ، ونبه ~~عليه ، ومثل هذا يكون ، والأيام ظهور وبطون ؛ وكما يسقط الفاضل إذا عانده ~~الجد ، كذلك يرتفع الساقط إذا ساعده الجد فهذا هذا ؛ فقال : ما كان هذا ~~الحديث عندي ، وإنه لمن الغريب . ثم قال : كيف خبرك في الفتنة التي عرضت ~~وانتشرت ، وتفاقمت وتعاظمت ؟ فكان من الجواب : خبر من شهد أولها ، وغرق في ~~وسطها ، ونجا في آخرها . قال : حدثني فإن في روايته وسماعه تبصرة وتعجبا ، ~~وزيادة في التجربة . وقد قيل : تجارب المتقدمين ، مرايا المتأخرين ، كما ~~يبصر فيها ما كان ، يتبصر بها فيما سيكون ، والشاعر قد قال : والدهر آخره ~~شبه بأوله . . . ناس كناس وأيام كأيام وليس من حادثة ماضية إلا وهي تعرفك ~~الخطأ والصواب منها لتكون على أهبة في أخذك وتركك ، وإقدامك ونكولك ، وقبضك ~~وبسطك ، وهذا وإن كان لا يقي كل الوقاية ، فإنه لا يلقى في التهلكة كل ~~الإلقاء . كان أول هذه الحادثة الفظيعة البشعة التي حيرت العقول وولهت ~~الألباب ، وسافر عنها التوفيق ، واستولى عليها الخذلان ms333 ، وعدمت فيه البصائر ~~، شيء كلا شيء ، وإذا أراد الله تعالى ذكره أن يعظم صغيرا فعل ، وإذا شاء ~~أن يصغر عظيما قدر ، له الخلق والأمر ، ولا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه ، ~~ولا صارف لقدره ؛ وقدرة الإنسان محدودة ، واستطاعته متناهية ، واختياره ~~قصير ، وطاقته معروفة ؛ وكل ما جاوز هذا الحد وهذا PageV01P475 التناهي فهو ~~الذي يجري على الإنسان شاء أو أبى ، كره أو رضي ، وها هنا يفزع إلى الله من ~~نازل المكروه ، وحادث المحذور . وذاك أن الروم تهايجت على المسلمين ، فسارت ~~إلى نصيبين بجمع عظيم زائد على ما عهد على مر السنين ، وكان هذا في آخر سنة ~~اثنتين وستين ، فخاف الناس بالموصل وما حولها ، وأخذوا في الانحدار على رعب ~~قذف في قلوبهم ، ليكون سببا لما صار إليه الأمر ؛ وماج الناس بمدينة السلام ~~واضطربوا ، وتقسم هذا الموج والاضطراب بين الخاصة والعامة ؛ وصارت العامة ~~طائفتين ، طائفة ترق للدين ولما دهم المسلمين ، وتستعظم ذلك فرقا مما ينتهي ~~إليه ، بعد ما يؤتى عليه ؛ وطائفة وجدت فرصتها في العيث والفساد ، والنهب ~~والغارة بوساطة التعصب للمذهب . وافترقت الخاصة أيضا فرقتين : فرقة أحبت أن ~~تكون للناس حمية للإسلام ، ونهوض إلى الغزو ، وانبعاث في نصرة المسلمين ، ~~إذ قد أضرب السلطان عن هذا الحديث ، لانهماكه في القصف والعزف ، وإعراضه عن ~~المصالح الدينية ، والخيرات السياسية ؛ وطائفة اختارت السكون والإقبال على ~~ما هو أحسم لمادة الوثوب والهيج ، وأقطع لشغب الشاغب ، وأقمع لخلاف المتهم ~~؛ فإن الاختلاف إذا عرض خفي موضع الاتفاق ، والتبس الأمر على الصغار ~~والكبار ؛ وبمثل هذا فتحت البلاد ، وملكت الحصون ، وأزيلت النعم ، وأريقت ~~الدماء ، وهتكت المحارم ، وأبيدت الأمم ؛ ونعوذ بالله من غضب الله ومما قرب ~~من سخط الله ؛ وإذا أراد الله أمرا كثر بواعثه ، وفرق نوابثه . ولما اشتعلت ~~النائرة ، واشتغلت الثائرة ، صاح الناس : النفير النفير ، وإسلاماه ، ~~وامحمداه ، واصوماه ، واصلاتاه ، واحجاه ، واغزواه ، واأسراه ، في أيدي ~~الروم والطغاة . وكان عز الدول قد خرج في ذلك الأوان إلى الكوفة للصيد ، ~~ولأغراض غير ذلك ؛ فاجتمع الناس عند الشيوخ والأماثل والوجوه والأشراف ~~والعلماء ، وكانت النية بعد حسنة ، وللناس في ms334 ظل السلطان مبيت ومقيل ، ~~يستعذبون ورده ، ويستسهلون صدره ، عجوا ، وضجوا ، وقالوا : الله الله ، ~~انظروا في أمر الضعفاء وأحوال الفقراء ؛ واغضبوا لله ولدينه ؛ فإن هذا ~~الأمر إذا تفاقم تعدى ضعفاءنا إلى أقويائنا ، وبطل رأي كبرائنا في تدبير ~~صغرائنا ؛ والتدارك واجب ، وهو الإسلام ، إن لم نذب عنه غلب الكفر ، وهو ~~الأمن والسكون إن لم يحفظا ، فهو الخوف والبلاء وذهاب الحرث والنسل ، ~~وفضيحة الولد والأهل . فسكن المشايخ منهم ، PageV01P476 وطيبوا أنفسهم ، ~~وقووا منتهم ووعدوهم أن يرتئوا فيه متفقين ، ويجتمعوا عليه مجتهدين ، ~~ويستخيروا الله ضارعين ؛ وانصرف الناس عنهم ، واجتمع القوم : أبو تمام ~~الزينبي ، ومحمد بن صالح بن شيبان ، وابن معروف القاضي ، وابن غسان القاضي ~~، وابن مكرم - وكان من كبار الشهود في سوق يحيى - وابن أيوب القطان العدل ~~وأبو بكر الرازي الفقيه ، وعلي بن عيسى والعوامي صاحب الزبيري ، وابن رباط ~~شيخ الكرخ ، ونائب الشيعة ولسان الجماعة ، وابن آدم التاجر ، والسالوسي أبو ~~محمد ، وغيرهم ممن يطول ذكرهم ؛ وتشاوروا وتفاوضوا ، وقلبوا الأمر ، وشعبوا ~~القول ؛ وصوبوا وصعدوا ، وقربوا وبعدوا والتأم لهم من ذلك أن تخرج طائفة ~~وراء الأمير بختيار إلى الكوفة وتلقاه وتعرفه ما قد شمل مدينة السلام من ~~الاهتمام ؛ وأن الخوف قد غلبهم ، وأن الذعر قد ملكهم ؛ وأنهم يقولون : لو ~~كان لنا خليفة أو أمير أو ناظر سائس لم يفض الأمر إلى هذه الشناعة ؛ وأن ~~أمير المؤمنين المطيع لله إنما ولاه ما وراء بابه ليتيقظ في ليله ، متفكرا ~~في مصالح الرعايا ، وينفذ في نهاره آمرا وناهيا ما يعود بمراشد الدين ، ~~ومنافع الدانين والقاصين وإلا فلا طاعة ؛ وكلاما على هذا الطابع ، وفي هذا ~~النسج ؛ فاتفق جماع على صريمة الرأي في الحركة إلى الكوفة ، منهم أبو كعب ~~الأنصاري ، وأبو الحسن مدرة القوم ، وعلي بن عيسى ، والعوامي ، وابن حسان ~~القاضي صاحب الوقوف ، وأبو أحمد الجرجاني القاضي البليغ ، وابن سيار القاضي ~~أبو بكر ، وأبو بكر الرازي . وأما جعل ، فإنه ذكر ما به من وجع النقرس ، ~~واستعفى . وأما أبو سعيد السيرافي ، فإنه ذكر ضعفا وسنا ، وقال : أنا أعين ~~في هذه النائبة PageV01P477 بإقامة رجل ms335 جلد مزاح العلة بالفرس والسلاح ، ~~وقعد الجم الغفير ، وسارت الجماعة إلى الكوفة ، ولحقت عز الدولة في التصيد ~~، وانتظرته ؛ فلما عاد قامت في وجهه واستأذنت في الوصول إليه على خلوة ~~وسكون بال وقلة شغل ؛ فلم يلتفت إليهم ، ولا عاج عليهم - وكان وافر الحظ من ~~سوء الأدب ، قليل التحاشي من أهل الفضل والحكمة - ثم قيل له : إن القوم ~~وردوا في مهم لا يجوز التغافل عنه ، والإمساك دونه ، فأذن لهم بين المغرب ~~والعتمة ، فجلسوا بحضرته كما اتفق من غير ترتيب ، فقال : تكلموا . فقال أبو ~~الوفاء المهندس لأبي بكر الرازي : تكلم أيها الشيخ ، فإنك رضا الجماعة ، ~~ومقنع العصابة . فقال أبو بكر : الحمد لله الذي لا موهبة إلا منه ، ولا ~~بلوى إلا بقضائه ، لا مفزع إلا إليه ، ولا يسر إلا فيما يسره ، ولا مصلحة ~~إلا فيما قدره ؛ له الحكم وإليه المصير ، وصلى الله على سيدنا محمد رسوله ~~المبعوث ، إلى الوارث والموروث ؛ أما بعد ، فإن الله تعالى قد حض على ~~الجهاد ، وأمر بإعزاز الدين ، والذب عن الحريم والإسلام والمسلمين في الدهر ~~الصالح ، والزمان المطمئن ؛ فكيف إذا اضطرب الحبل وانتكثت مريرته ، وأبرز ~~مصونه ، وعري حريمه بالاستباحة ؛ وينل جانبه بالضيم ، وضعضع مناره بالرغم ، ~~وقصد ركنه بالهدم ، وأنت أيها المولى من وراء سدة أمير المؤمنين المطيع لله ~~، والحامل لأعباء مهماته ، والناهض بأثقال نوائبه وأحداثه ؛ والمفزع إليك ، ~~والمعول عليك ، فإن كان منك جد وتشمير فما أقرب الفرج مما قد أظل وأزعج ، ~~وإن كان منك توان وتقصير فما أصعبه من خطب ؟ وما أبعده من شعب ! ! وقد ~~جئناك نحقق عندك ما بلغك من توسط هذه الطاغية أطراف الموصل وما والاها ، ~~وأن الناس قد جلوا عن أوطانهم ، وفتنوا في PageV01P478 أديانهم وضعفوا عن ~~حقيقة إيمانهم ؛ للرعب الذي أذهلهم ، والخوف الذي وهلهم ؛ وإنما هم بين ~~أطفال صغار ، ونساء ضعاف ، وشيوخ قد أخذ الزمان منهم ، فهم أرض لكل واطىء ، ~~ونهب لكل يد ؛ وشباب لا يقفون لعدوهم لقلة سلاحهم ، وسوء تأتيهم في القراع ~~والدفاع ؛ ونحن نسئلك أن تتوخى في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما يزلفك ms336 ~~عنده ، ويكون لك في ذلك ذخر من شفاعته وبحتيار مطرق . ثم اندفع علي بن عيسى ~~فقال : أيها الأمير ، إن الصغير يتدارك قبل أن يكبر ، فكيف يجوز ألا يستقبل ~~بالجد والاجتهاد وهو قد عسا وكبر . والله إن بنا إلا أن يظن أهل الجبل ~~وأذربيجان وخراسان أنه ليس لنا ذاب عن حريمنا ، ولا ناصر لديننا ، ولا حافظ ~~لبيضتنا ، ولا مفرج لكربتنا ، ولا من يهمه شيء من أمورنا ، فالله الله ، لا ~~تجرن علينا شماتتهم بنا ، وخذ بأيدينا بقوتك ، وحسن نيتك ، وحميد طويتك ، ~~وعزك وسلطانك ، وأوليائك وأعوانك ، واكتب قبل هذا إلى عدة الدولة بما يبعثه ~~على حفظ أطرافه ، وحراسة أكنافه ، مع استطلاع الرأي من جهتك ، ومطالعة أمير ~~المؤمنين برأيك ومشورتك . ثم رفع الأنصاري رأسه وقال : ليس في تكرير الكلام ~~- أطال الله بقاء الأمير - فائدة كبيرة ، ولئن كان الإيجاز في هاذ الباب لا ~~يكفي ، فالإطناب فيه أيضا لا يغني ، والله لو نهضت بنا ونحن أحراض كما ترى ~~لا نقلب مخصرة بكف ، ولا نرمي دحروجة بيد ، ولا نعرف سلاحا إلا بالاسم ، ~~لنهضنا وسرنا تحت رايتك ، وتصرفنا بين أمرك ونهيك ، وفديناك بأرواحنا ضنا ~~بك ، وبعثنا على مثل ذلك أحداثنا وأولادنا اللذين ربيناهم بنعمتك ، ~~وخرجناهم في أيامك ، وادخرناهم للنوازل إذا قامت ، والحوادث إذا ترامت ، ~~فإن كان في المال قلة فخذ من موسرنا وممن له فضل في حاله ، فإنه يفرج عنه ~~طاعة لك ، وطمعا فيما عند الله من الثواب . PageV01P479 وقال العوامي : ~~والله ما سميت للدولة عزا ، إلا لأن الله تعالى قد ذخرك للمسلمين كنزا ، ~~وجعل لهم على يديك وبتدبيرك راحة وفوزا ، ولم يعرضك لهذه الفادحة إلا ليخصك ~~بانفراجها على يدك ويبقي لك بها ذكرا يطبق الأرض ويبلغ أمراء خراسان ومصر ~~والحجاز واليمن فيصيبهم الحسد على ما هيأ الله لك منها . ونظر بختيار إلى ~~ابن حسان القاضي - وكان منبسطا معه لقديم خدمته - فقال : أيها القاضي ، أنت ~~لا تقول شيئا ؟ قال : أيها الأمير ، وما القول وعندك هؤلاء العلماء ، ~~والمصاقع الألباء ؛ وإن سراجي لا يزدهر في شمسهم ، وإن سحابتي لا تبل على ms337 ~~بلالهم : وقد قالوا فأنعموا ، وجروا فأمعنوا ، وليس قدامهم إمام ، ولا ~~وراءهم إمام ؛ لكني أقول : ما جشمنا إليك هذه الكلف إلا لتنظر على ضعف ~~أركاننا ، وعلو أسناننا وقلة أعواننا ، لأنا رأيناك أهلا للنظر في أمرنا ، ~~والاهتمام بحالنا ، وبما يعود نفعه على صغيرنا وكبيرنا . فقال عز الدولة : ~~ما زوى عني ما طرق هذه البلاد ، ولقد أشرفت عليه ، وفكرت فيه ، وما أحببت ~~تجشم هذه الطائفة على هذا الوجه . وما أعجبني هذا التقريع من الصغير ~~والكبير ، وما كان يجوز لي أن أنعس على هذه الكارثة ، وأنعم بالعيش معها ، ~~ولعمري إن الغفلة علينا أغلب ، والسهو فينا أعمل ، ولكن فيما ركبتموه مني ~~تهجين شديد ، وتوبيخ فاحش ، وإن هذا المجلس لمما يتهادى حديثه بالزائد ~~والناقص ، والحسن والقبيح ، وإنكم لتظنون أنكم مظلومون بسلطاني عليكم ، ~~وولايتي لأموركم ؛ كلا ، ولكن كما تكونون يولى PageV01P480 علكيم ؛ هكذا ~~قول صاحب الشريعة فينا وفيكم ؛ والله لو لم تكونوا أشباهي لما وليتكم ، ~~ولولا أني كواحد منكم ، لما جعلت قيما عليكم ؛ ولو خلا كل واحد منا بعيب ~~نفسه لعلم أنه لا يسعه وعظ غيره ، وتهجين سلطنه ؛ أيظن هذا الشيخ أبو بكر ~~الرازي أنني غير عالم بنفاقه ، ولا عارف بما يشتمل عليه من خيره وشره ؛ ~~يلقاني بوجه صلب ، ولسان هدار يرى من نفسه أنه الحسن البصري يعظ الحجاج بن ~~يوسف ، أو واصل بن عطاء يأمر بالمعروف ، أو ابن السماك يرهب الفجار ؛ هذا ~~قبيح ، ولو سكت عن هذا لكان عيا وعجزا ؛ جزى الله أبا عبد الله شيخنا خيرا ~~حين جلس ، وكذلك أحسن الله عنا مكافأة أبي سعيد السيرافي ، فإنه لو علم أن ~~فيم مساعدتك رشدا لما توقف ؛ وأما أنت يا أبا الحسن - يريد علي بن عيسى - ~~فوحق أبي إني لأحب لقاءك ، وأوثر قربك ، ولولا ما يبلغني من ملازمتك لمجلسك ~~، وتدريسك لمختلفتك ، وإكبابك على كتابك في القرآن ، لغلبتك على زمانك ، ~~ولاستكثرت مما قل حظي منه في هذه الحال التي أنا مدفوع إليها ، فإنها وازعة ~~على هو النفس ، وطاعة الشيطان ، ومنازعة الأكفاء ، وجمع المال ، وأخذه من ~~حيث يجب أو لا ms338 يجب ، وتفرقته فيمن يستحق ومن لا يستحق ، وإلى الله أفزع في ~~قليل أمري وكثيره ، إذا شئتم . قال لي أبو الوفاء - وهو الذي شرح لي المجلس ~~من أوله إلى آخره - : لقد شاهدت من عز الدولة في ذلك المجلس المنصور في جده ~~وشهامته ، وثبات قلبه وقوة لسانه ، مع بحح لذيذ ولثغة حلوة . قال : ولقد ~~قلت له بعد ذلك : أيها الأمير ، ما ظننت أنك إذا خلعت رداءك ونزعت حذاءك ~~تقول ذلك المقال ، وتجول ذلك المجال ، وتنال ذلك المنال ، لقد انصرف ذلك ~~الرهط على هيبة لك شديدة ، وتعظيم بالغ ، ولقد تداولوا لفظك ، وتتبعوا ~~معانيك ، وتشاحوا على نظمك ، وقالوا : ما ينبغي لأحد أن يسيء ظنه بأحد إلا ~~بعد الخبرة والعيان ، وإلا بعد الشهادة والبيان ؛ أهذا يقال له متخلف أو ~~ناقص ؟ لله دره من شخص ! ولله أبوه PageV01P481 من فتى مدره ! ولما بلغ هذا ~~المجلس الذين قعدوا عن المسير إليه - أعني عز الدولة - حمدوا الله تعالى ، ~~وعلموا أن الخيرة كانت قرينة اختيارهم . قال الوزير : قرأت ما دونه الصابي ~~أبو إسحاق في التاجي فما وجدت هذا الحديث فيه . قلت : لعله لم يقع إليه ، ~~أو لعله لم ير التطويل به ، أو لعله لم يستخف ذكر عز الدولة على هذا الوجه ~~. قال : هذا ممكن ؛ فهل سمعت في أيام الفتنة بغريبة ؟ قلت : كل ما كنا فيه ~~كان غريبا بديعا ، عجيبا شنيعا ، حصل لنا من العيارين قواد ، وأشهرهم ابن ~~كبرويه ، وأبو الدود ، وأبو الذباب ، وأسود الزبد ، وأبو الأرضة ، وأبو ~~النوابح ، وشنت الغارة ، واتصل النهب ، وتوالى الحريق حتى لم يصل إلينا ~~الماء من دجلة ، أعني الكرخ . فمن غريب ما جرى أن أسود الزبد كان عبدا يأوي ~~إلى قنطرة الزبد ويلتقط النوى ويستطعم من حضر ذلك المكان بلهو ولعب ، وهو ~~عريان لا يتوارى إلا بخرقة ، ولا يؤبه له ، ولا يبالي به ، ومضى على هذا ~~دهر ، فلما حلت النفرة أعني لما وقعت الفتنة ، وفشا الهرج والمرج ، ورأى ~~هذا الأسود من هو أضعف منه قد أخذ السيف وأعمله ، طلب سيفا وشحذه ، ونهب ~~وأغار وسلب ، وظهر منه ms339 شيطان في مسك إنسان ، وصبح وجهه ، وعذب لفظه ، وحسن ~~جسمه ، وعشق وعشق ، والأيام تأتي بالغرائب والعجائب ، وكان الحسن البصري ~~يقول في مواعظه : المعتبر كثير ، والمعتبر قليل . فلما دعي قائدا وأطاعه ~~رجال وأعطاهم وفرق فيهم ، وطلب الرآسة عليهم ، صار جانبه لا يرام ، وحماه ~~لا يضام . PageV01P482 فمما ظهر من حسن خلقه - مع شره ولعنته ، وسفكه للدم ~~، وهتكه للحرمة ، وركوبه للفاحشة ، وتمرده على ربه القادر ، ومالكه القاهر ~~- أنه اشترى جارية كانت في النخاسين عند الموصلي بألف دينار ، وكانت حسناء ~~جميلة ، فلما حصلت عنده حاول منها حاجته ، فامتنعت عليه ، فقال لها : ما ~~تكرهين مني ؟ قالت : أكرهك كما أنت . فقال لها : فما تحبين ؟ قالت : أن ~~تبيعني ، قال لها : أو خير من ذلك أعتقك وأهب لك ألف دينار ؟ قالت : نعم ، ~~فأعتقها وأعطاها ألف دينار بحضرة القاضي ابن الدقاق عند مسجد ابن رغبان ~~فعجب الناس من نفسه وهمته وسماحته ، ومن صبره على كلامها ، وترك مكافأتها ~~على كراهتها ، فلو قتلها ما كان أتى ما ليس من فعله في مثلها . قال الوزير ~~: هذا والله طريف ، فما كان آخر أمره ؟ قلت : ومتى سلمت ؟ جاءت النهابة إلى ~~بين السورين وشنوا الغارة واكتسحوا ما وجدوا في منزلي من ذهب وثياب وأثاث ، ~~وما كنت ذخرته من تراث العمر ؛ وجردوا السكاكين على الجارية في الدار ~~يطالبونها بالمال ، فانشقت مرارتها ، ودفنت في يومها ، وأمسيت وما أملك مع ~~الشيطان فجرة ، ولا مع الغراب نقرة . أيها الشيخ - وفقك الله في جميع ~~أحوالك ، وكان لك في كل مقالك وفعالك - إنما نثرت بالقلم ما لاق به ؛ فأما ~~الحديث الذي كان يجري بيني وبين الوزير فكان على قدر الحال والوقت والواجب ~~؛ والاتساع يتبع القلم ما لا يتبع اللسان ، والروية تتبع الخط ما لا تتبع ~~العبارة ، ولما كان قصدي فيما أعرضه عليك ، وألقيه إليك ، أن يبقى الحديث ~~بعدي وبعدك ، لم أجد بدا من تنميق يزدان به الحديث ، وإصلاح يحسن معه ~~المغزى ، وتكلف PageV01P483 يبلغ بالمراد الغاية ، فليقم العذر عندك على ~~هذا الوصف ، حتى يزول العتب ، ويستحق الحمد والشكر . # | الليلة التاسعة والثلاثون # وقال ms340 الوزير ليلة : يعجبني الجواب الحاضر ، واللفظ النادر ، والإشارة ~~الحلوة ، والحركة الرضية ، والنغمة المتوسطة ، لا نازلة إلى قعر الحلق ، ~~ولا طافحة على الشفة . فكان من الجواب : اقتراح الشيء على الكمال سهل ، ~~ولكن وجدانه على ذلك صعب ، لأن التمني صفو النفس الحسية ، ونيل المتمني في ~~الفرصة المحشوة بالحيلولة . وقد قال المدائني : أحسن الجواب ما كان حاضرا ~~مع إصابة المعنى وإيجاز اللفظ وبلوغ الحجة . وقال أبو سليمان شارحا لهذا : ~~أما حضور الجواب فليكون الظفر عند الحاجة ، وأما إيجاز اللفظ فيكون صافيا ~~من الحشو ، وأما بلوغ الحجة فليكون حسما للمعاوضة . قال : ما أحسن ما وشح ~~هذه الفقرة بهذه الشذرة ! وحكى المدائني قال : قال مسلمة بن عبد المكل : ما ~~من شيء يؤتاه العبد بعد الإيمان بالله أحب إلي من جواب حاضر ، فإن الجواب ~~إذا تعقب لم يكن له وقع . وحكى المدائني بإسناده عن عبد الرحمن بن حوشب أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن الأهتم التيمي : أخبرني عن ~~الزبرقان بن بدر ، فقال : مطاع في أدنيه ، شديد العارضة ، مانع لما وراء ~~ظهره . فقال الزبرقان : يا رسول الله ، إنه ليعلم مني أكثر من هذا ، ولكنه ~~حسدني ، فقال عمرو : أما والله يا رسول الله إنه لزمر المروءة ، ضيق العطن ~~، لئيم الخال ، أحمق الوالد ، وما كذبت في الأولى ، ولقد صدقت في الأخرى ، ~~ولقد رضيت فقلت أحسن ما PageV01P484 علمت ، وسخطت فقلت أسوأ ما علمت . فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكما ' ~~. وقال أبو سليمان : السحر بالقول الأعم والرسم المفيد على أربعة أضرب : ~~سحر عقلي ، وهو ما بدر من الكلام المشتمل على غريب المعنى في أي فن كان ؛ ~~وسحر طبيعي ، وهو ما يظهر من آثار الطبيعة في العناصر المتهيئة والمواد ~~المستجيبة ، وسحر صناعي ، وهو ما يوجد بخفة الحركات المباشرة ، وتصريفها في ~~الوجوه الخفية عن الأبصار المحدقة ، وسحر إلهي وهو ما يبدو من الأنفس ~~الكريمة الطاهرة باللفظ مرة ، وبالفعل مرة . وعرض كل واحد من هذه الضروب ~~واسع ، وكل حذق ومهارة وبلوغ ms341 قاصية في كل أمر هو سحر ، وصاحبه ساحر . وقال ~~المدائني : نظر ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى أهل الشام فشتمهم ، فقال له ~~سعيد بن عثمان بن عفان ، أتشتمهم لأنهم قتلوا أباك ؟ فقال : صدقت ، ولكن ~~المهاجرين والأنصار قتلوا أباك . وقال عبد الملك بن مروان لثابت بن عبد ~~الله بن الزبير : أبوك كان أعلم بك حين شتمك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ~~أتدري لم كان يشتمني ؟ إني نهيته أن يقاتل بأهل مكة وأهل المدينة ، فإن ~~الله لا ينصره بهما ، وقلت له ، أما أهل مكة فأخرجوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأخافوه ، ثم جاؤا إلى المدينة فأخرجهم منها وشردهم . فعرض ~~بالحكم بن أبي العاص - وهو جد عبد الملك - وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~نفاه . وأما أهل المدينة فخذلوا عثمان حتى قتل بينهم ، لم يروا أن يدفعوا ~~عنه . فقال له عبد الملك : لحاك الله . وقال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ~~لمعاوية : أما والله لو كنت بمكة لعلمت ، فقال معاوية : كنت أكون ابن أبي ~~سفيان ينشق عني الأبطح ، وكنت أنت ابن خالد منزلك أجياد ، أعلاه مدرة ، ~~وأسفله عذرة . PageV01P485 وقال المدائني : قال ابن الضحاك بن قيس الفهري ~~لهشام بن عبد الملك قبل أن يملك - وهو يومئذ غلام شاب - يابن الخلائف ، لم ~~تطيل شعرك وقميصك ؟ قال أكره أن أكون كما قال الشاعر : قصير القميص فاحش ~~عند بيته . . . وشر غراس في قريش مركبا قال : وهذا الشعر لأبي خالد مروان ~~بن الحكم ، هجا به الضحاك ابن قيس . وحكى أيضا ، قال : مر عطاء بن أبي صيفي ~~بعبد الرحمن بن حسان ابن ثابت وعطاء على فرس له ؛ فقال له عبد الرحمن : يا ~~عطاء ، لو وجدت زمام زق الخمر خاليا ما كنت تصنع به ؟ قال : كنت آتي به دور ~~بني النجار فأعرفه فإنه ضالة من ضوالهم ، فإن عرفوه وإلا فهو لك لم يعدك ، ~~ولكن أخبرني أي جديك أكبر ، أفريعة أم ثابت ؟ قال : لا أدري . قال : فلم ~~يعنيك ما كان في كنائن الرجال وأنت لا تدري أي جديك أكبر ؟ بل ms342 فريعة أكبر ~~من ثابت ، وقد تزوجها قبله أربعة كلهم يلقاها بمثل ذراع البكر ، ثم يطلقها ~~عن قلى ؟ فقال لها نسوة من قومها : والله يا فريعة إنك لجميلة ، فما بال ~~أزواجك يطلقونك ؟ قالت : يريدون الضيق ضيق الله عليهم . وحكى أيضا قال : ~~قال أبو السفر : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير إذ رفع بين مكة ~~والمدينة قبر أبي سعيد بن العاص ، فقال أبو بكر : لعن الله صاحب هذا القبر ~~، فإنه كان يكذب الله ورسوله ، فقال خالد بن أسيد - وهو في القوم - : لا بل ~~لعن الله أبا قحافة فإنه كان لا يقري الضيف ، ولا يمنع الضيم ، ولا يقاتل ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ~~إذا سبني PageV01P486 المشركون فعموهم بالسب ، ولا تسبوا الأموات فإن سب ~~الأموات يغضب الأحياء ؟ ' . قال محمد بن عمارة : فذاكرت بهذا الحديث رجلا ~~من أصحاب الحديث من ولد سعيد بن العاص ، فعرفه ، فقال : فيه زيادة ليست ~~عندكم ، قلت : وما هي ؟ فقال : قال خالد بن أسيد : يا رسول الله ، والذي ~~بعثك بالحق ما يسرني أنه في أعلى عليين وأن أبا قحافة ولده . فضحك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ، وقال : ' لا تسبوا الأموات فإن ~~سبهم يغضب الأحياء ' . وحكى قال : رمى عمر بن هبيرة الفزاري إلى عرام بن ~~شتير بخاتم له فضة - وقد زوج - فعقد عليه عرام سيرا ورده إلى ابن هبيرة . ~~أراد ابن هبيرة قول الشاعر : لقد زرقت عيناك يابن ملعن . . . كما كل ضبي من ~~اللؤم أزرق وعرض له عرام بقول ابن دارة : لا تأمنن فزاريا خلوت به . . . ~~على قلوصك واكتبها بأسيار وقال المدائني : وكان ابن هبيرة يساير هلال بن ~~مكمل النميري ، فتقدمت بغلة النميري بغلة ابن هبيرة . فقال : غض من بغلتك . ~~فالتفت إليه النميري فقال : أصلح الله الأمير ، إنها مكتوبة ، وإنما أراد ~~ابن هبيرة : فغض الطرف فغض الطرف إنك من نمير . . . فلا كعبا بلغة ولا ~~كلابا وأراد النميري قول سالم بن دارة : لا تأمنن فزاريا خلوت به . . . على ms343 ~~قلوصك واكتبها بأسيار وقال الوليد العنبري : مرت امرأة من بني نمير على ~~مجلس لهم ، فقال رجل PageV01P487 منهم : أيتها الرسحاء . فقالت المرأة : يا ~~بني نمير ، والله ما أطعتم الله ولا أطعتم الشاعر ، قال الله عز وجل : ' قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ' . وقال الشاعر : فغض الطرف إنك من نمير . . . ~~فلا كعبا بلغت ولا كلابا وقال : مر الفرزدق بخالد بن صفوان بن الأهتم ، ~~فقال له خالد : يا أبا فراس ، ما أنت الذي لما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن ، ~~فقال له الفرزدق : ولا أنت الذي قالت الفتاة لأبيها فيه : ' يا أبت استأجره ~~إن خير من استأجرت القوي الأمين ' . قال : ودخل يزيد بن مسلم على سليمان بن ~~عبد الملك ، وكان مصفرا نحيفا ، فقال سليمان : على رجل أجرك رسنك وسلطك على ~~المسلمين لعنة الله . فقال : يا أمير المؤمنين إنك رأيتني والأمر عني مدبر ~~، فلو رأيتني وهو علي مقبل لا ستعظمت مني يومئذ ما استصغرت اليوم . قال : ~~فأين الحجاج ؟ قال : يجيء يوم القيامة بين أبيك وأخيك ، فضعه حيث شئت . ~~وقال عباد بن زياد : كنت عند عبد الملك بن مروان إذ أتاه أبو يوسف حاجبه ، ~~فقال : يا أمير المؤمنين ، هذه بثينة . قال : أبثينة جميل ؟ قال : نعم ، ~~قال أدخلها ، فدخلت امرأة أدماء طويلة يعلم أنها كانت جميلة ، فقال له يا ~~أبا يوسف ألق لها كرسيا ، فألقاه لها ، فقال لها عبد الملك ، ويحك ما رجا ~~منك جميل ، قالت : الذي رجت منك الأمة حين ولتك أمرها . وقال سعيد بن عبد ~~الرحمن بن حسان : إن رهطا من الأنصار دخلوا على معاوية ، فقال : يا معشر ~~الأنصار ، قريش خير لكم منكم لهم ، فإن يكن ذلك لقتلى أحد ، فقد قتلتم يوم ~~بدر مثلهم ؛ وإن يكن لإمرة فوالله ما جعلتم لي إلى صلتكم سبيلا ؛ خذلتم ~~عثمان يوم الدار ، وقتلتم أنصاره يوم الجمل ، وصليتم بالأمر يوم صفين . ~~فتكلم رجل منهم ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أما قولك إن يكون لقتلى أحد ~~فإن قتيلنا شهيد وحينا PageV01P488 تائق ، وأما ذكرك الإمرة ، فإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمر بالصبر عليه ms344 . وأما قولك إنا خذلنا عثمان ، ~~فإن الأمر في عثمان إلى قتلته ؛ وأما قولك إنا قتلنا أنصاره يوم الجمل فذلك ~~ما لا نعتذر منه ، وأما قولك إنا صلينا بالأمر يوم صفين ، فإنما كنا مع رجل ~~لم نأله خبرا ، فإن لمتنا فرب ملوم لا ذنب له . ثم قام هو وأصحابه يجر ثوبه ~~مغضبا ، فقال معاوية : ردوهم ، فردوا فترضاهم حتى رضوا ، ثم انصرفوا . ~~وأقبل معاوية على رهط من قريش ، فقال : والله ما فرغ من منطقه حتى ضاق بي ~~مجلسي . قال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان : دخل قيس بن سعد بن عبادة مع قوم ~~من الأنصار على معاوية . فقال معاوية : يا معشر الأنصار ، لم تطلبون ما ~~قبلي ، فوالله لقد كنتم قليلا معي ، كثيرا علي ، ولقد قتلتم جندي يوم صفين ~~حتى رأيت المنايا تلظى في أسنتكم ، وهجوتموني بأشد من وخز الأشافي حتى إذا ~~أقام الله ما حاولتم ميله ، قلتم : ارع فينا وصية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ؛ هيهات ، أبى الحقين العذرة ، فقال قيس : نطلب ما قبلك بالإسلام ~~الكافي به الله لا سواه ، لا بما تمت به إليك الأحزاب ، وأما عداؤنا لك فلو ~~شئت كففنا عنك ؛ وأما هجاؤنا إياك فقول يزول باطله ، ويثبت حقه ، وأما ~~قتلنا جندك يوم صفين فإنا كنا مع رجل نرى أن طاعته طاعة الله ؛ وأما ~~استقامة الأمر لك فعلى كره منا كان منا ، وأما وصية رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فينا ، فمن آمن به رعاها ؛ وأما قولك أبي الحقين العذرة ، فليس ~~دون الله يد تحجزك ؛ فشأنك . فقام معاوية فدخل ، وخرج قيس PageV01P489 ومن ~~كان معه . وقال محمد بن خالد القرشي : دخل زفر بن الحارث الكلابي على عبد ~~الملك بن مروان وعنده خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وأمية بن عبد الله ~~بن خالد ، فقال زفر : لو كان لعبد الله سخاء مصعب وكان لمصعب عبادة عبد ~~الله لكانا ما شاء المتمني . فقال عبد الملك : ما كان سخاء مصعب إلا لعبا ، ~~ولا كانت عبادة عبد الله إلا عبثا ، ولكن لو ms345 كان للضحاك ابن قيس مثل رجال ~~مروان لكانت قيس أربابا بالشام ، فقال زفر : لو كانت لمروان صحبة الضحاك ~~لكان ؛ فقال عبد الملك ، والله ما أحب له مثل صحبته ومصرعه ، فقال خالد : ~~لولا أن أمير المؤمنين لايبصر مرعى لما تركناك والكلام . فقال زفر : اربعا ~~على أنفسكما ودعانا وخليفتنا واسحبا ذيولكما على خيانة خراسان وسجستان ~~والبصرة . وقال المدائني : غاب مولى للزبير عن المدينة حينا ، فقال له رجل ~~من قريش لما رجع : أما والله لقد أتيت قوما يبغضون طلعتك ، وفارقت قوما لا ~~يحبون رجعتك . قال المولى : فلا أنعم الله ممن قدمت عليه عينا ، ولا أخلف ~~الله على من فارقت بخير . قال المدائني : كان مرثد بن حوشب عند سليمان بن ~~عبد الملك ، فجرى بينه وبين أبيه كلام حتى تسابا ، فقال له أبوه : والله ما ~~أنت بابني ، قال : والله لأنا أشبه منك بأبيك ، ولأنت كنت أغير على أمي من ~~أبيك على أمك . فقال له سليمان : قاتلك الله ، إنك لابنه . وساب مرثد أخاه ~~ثمامة ، فقال له ثمامة : يا حلقي ، فقال له مرثد : يا خبيث ، أتسابني مسابة ~~الصبيان ، فوالله إنك لابني ، ولقد غلبني حوشب على أمك ، وقد ألقحتها ~~PageV01P490 بك . وقال ابن عياش المنتوف لأبي شاكر بن هشام بن عبد الملك : ~~لو قصرت قميصك ، قال له : ما يضرك من طوله . قال : تدوسه في الطين ، قال ~~وما ينفعك من دوسه . وقال : كان على تبالة رجل من قريش ؛ فقال لرجل من ~~باهلة ، من الذي يقول : إن كنت ترجو أن تنال غنيمة . . . في دور باهلة بن ~~يعفر فارحل قوم قتيبة أمهم وأبوهم . . . لولا قتيبة أصبحوا في مجهل فقال ~~الباهلي : ما أدري غير أني أظنه الذي يقول : يا شدة ما شددنا غير كاذبة . . ~~. على سخينة لولا الليل والحرم قال : وتكلم ابن ظبيان التيمي يوما فأكثر ، ~~فقال له مالك بن مسمع ، إيها أبا مطر ، فإن للقوم في الكلام نصيبا ، فقال : ~~والله ما إليك جئت ، ولو أن بكر بن وائل اجتمعت في بيت بقال لأتيتهم . فقال ~~له مالك ، إنما أ ، ت سهم من سهام ms346 كنانتي . فقال ابن ظبيان : أنا سهم من ~~سهام كنانتك ؟ فوالله لو قمت فيها لطلتها ، ولو قعدت فيها لخرقتها ، وايم ~~الله ما أراك تنتهي حتى أرميك بسهم لم يرش ، تذبل به شفتاك ، ويجف له ريقك ~~. وقال رجل للأحنف : بأي شيء سدت تميما ؟ فوالله ما أنت بأجودهم ولا أشجعهم ~~ولا أجملهم ولا أشرفهم ، قال : بخلاف ما أنت فيه . قال : وما خلاف ما أنا ~~فيه ؟ قال : تركي ما لا يعنيني من أمور الناس كما عناك من أمري ما لا يعنيك ~~. PageV01P491 ووفد عليم بن خالد الهجيمي على هشام وعنده الأبرش الكلبي ، ~~فقال له الأبرش الكلبي : يا أخا بني الهجيم ، من القائل . لو يسمعون بأكلة ~~أو شربة . . . بعمان أصبح جمعهم بعمان ألكم يقوله ؟ قال : نعم ، لنا يقوله ~~، ولكنكم يا معشر كلب تعبرون النساء وتجزون الشاء ، وتكدرون العطاء ، ~~وتؤخرون العشاء ، وتبيعون الماء . فضحك هشام ، فلما خرجا قال الأبرش : يا ~~أخا بني الهجيم ، أما كانت عندك بقية ؟ قال : بلى ، لو كان عندك بقية . ~~قدمت امرأة زوجها إلى زياد تنازعه ، وقد كانت سنه أعلى من سنها فجعلت تعيب ~~زوجها وتقع فيه ، فقال زوجها : أيها الأمير ، إن شر شطري المرأة آخرها ، ~~وخير شطري الرجل آخره . المرأة إذا كبرت عقمت رحمها ، وحد لسانها ، وساء ~~خلقها ، وإن الرجل إذا كبرت سنه استحكم رأيه ، وكثر حلمه وقل جهله . وقال ~~أعشى همدان لامرأته : إنك لسلسة الثقبة ، سريعة الوثبة ، حديدة الركبة ، ~~فقالت : والله إنك لسريع الإراقة ، بطيء الإفاقة ، قليل الطاقة ، فطلقها ، ~~وقال : تقادم عهدك أم الجلال . . . وطاشت نبالك عند النضال وقد بت حبلك ~~فاستيقني . . . بأني طرحتك ذات الشمال وأن لا رجوع فلا تكذبي . . . ن ماحنت ~~النيب إثر الفصال قال الغلابي عن غيره : قال رجل لامرأته : أما إنك ما علمت ~~لسئول منعة ، جزوع هلعة ، تمشين الدفقى وتقعدين الهبنقعة ، فقالت : أما ~~والله إن كان زادي منك PageV01P492 لهدية ، وإن كانت حظتي منك لحذية ، فإنك ~~لابن خبيثة يهودية . وقال المدائني : قبض كسرى أرضا لرجل من الدهاقين ، ~~وأقطعها البحرجان ، فقدم صاحب الأرض متظلما ، فأقام بباب كسرى ، فركب كسرى ~~يوما ms347 ، فقعد له الرجل على طريقه يكلمه ، فلما حاذاه شد عليه حتى صك بصدره ~~ركبته ، ووضع يده على فخذه ؛ فوقف له كسرى وكلمه ، فقال له : أرض كانت ~~لأجدادي ورثتها من آبائي قبضتها فأقطعتها البحرجان ؟ ارددها علي ، فقال له ~~كسرى : مذ كم هذه الأرض في أيدي أجدادك وآبائك ؟ فذكر دهرا طويلا ، فقال له ~~كسرى : والله لقد أكلتموها دهرا طويلا ، فما عليك في أن تدعها في يد ~~البحرجان عارية سنيات يستمتع بها ثم يردها عليك ، فقال : أيها الملك ، قد ~~علمت حسن بلاء بهرام جور في طاعتكم ، أهل البيت ، وما كفاكم من حد عدوكم ، ~~ودفعه عنكم كيد الترك وحسن بلاء آبائه قبل ذلك في طاعة آبائك ، فما كان ~~عليك لو أعرته ملكك سنيات يستمتع به ثم يرده إليك ؟ فقال كسرى : يا بحرجان ~~، أنت رميتني بهذا السهم ، اردد عليه أرضه فردها . قال رجل من القحاطنة ~~لرجل من أبناء الأعاجم : ما يقول الشعر منكم إلا من كانت أمه زنى بها رجل ~~منا فنزع إلينا . فقال له الثنوي : وكذلك كل من لم يقل الشعر منكم ، فإنما ~~زنى بأمه رجل منا فحملت به ، فنزع إلينا ، فمن ثم لم يقل الشعر . وقال رجل ~~من العرب لرجل من أبناء العجم : رأيت في النوم كأني دخلت الجنة فلم أر فيها ~~ثنويا . فقال له الثنوي : أصعدت الغرف ؟ قال : لا . قال : فمن ثم لم ترهم ، ~~هم في الغرف . قال ابن عياش : ما قطعني إلا رجل من قريش من آل أبي معيط ، ~~وكان ماجنا شارب خمر ، وذاك أني وقفت على بيان التبان الذي PageV01P493 أتى ~~به ابن هبيرة الفزاري فأمر بصلبه ، فقال لي : ما وقوفك ها هنا يا أبا ~~الجراح ؟ قلت : أنظر إلى هذا الشقي الذي يقول : إنه نبي ؛ قال : وما أتى به ~~في نبوته ؟ قلت : بتحليل الخمر والزنا - وأنا أعرض به - فقال : لا ، والله ~~لا يقبل ذلك منه حتى يبرىء الأكمه والأبرص . قال المدائني : ابن عياش أبرص ~~. وقال : دخل أبو الأسود الدؤلي على عبيد الله بن زياد ، فقال له ابن زياد ~~- وهو يهزأ به ms348 - أمسيت يا أبا الأسود العشية جميلا فلو علقت تميمة تنفي بها ~~عنك العين ؟ فعرف أنه يهزأ به فقال : أصلح الله الأمير - أفنى الشباب الذي ~~فارقت بهجته . . . مر الجديدين من آت ومنطلق لم يتركا لي في طول اختلافهما ~~. . . شيئا تخاف عليه لدغة الحدق وقال المدائني : وقع بين العريان بن ~~الهيثم النخعي وبين بلال بن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري كلام بين يدي ~~خالد بن عبد الله القصري وخالد يومئذ على العراق - وكان متحاملا على بلال ، ~~وكان العريان على شرطة خالد - فقال العريان لبلال : إني والله ما أنا بأبيض ~~الراحتين ، ولا منتشر المنخرين ، ولا أروح القدمين ، ولا محدد الأسنان ، ~~ولا جعد قطط ، فقال بلال : يا عريان أتعنيني بهذا ؟ قال : لا والله ، ولكن ~~كلام يتلو بعضه بعضا . فقال بلال : يا عريان ، أتريد أن تشتم أبا بردة ~~وأشتم أباك ، وتشتم أبا PageV01P494 موسى وأشتم جدك ، هذا والله ما لا يكون ~~، فقال العريان : إني والله ما أجعل أبا موسى فداء الأسود ، ولا أبا بردة ~~فداء الهيثم ، فمثلي ومثلك في ذلك كما قال مسكين الدارمي : أنا مسكين لمن ~~أنكرني . . . ولمن يعرفني جد نطق لا أبيع الناس عرضي إنني . . . لو أبيع ~~الناس عرضي لنفق قال المدائني : جرى بين وكيع بن الجراح وبين رجل من أصحابه ~~كلام في معاوية واختلفا ، فقال الرجل لوكيع : ألم يبلغك أن رسول الل صلى ~~الله عليه وسلم لعن أبا سفيان ومعاوية وعتبة فقال : ' لعن الله الراكب ~~والقائد والسائق ' ، فقال وكيع : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' ~~أيما عبد دعوت عليه فاجعل ذلك له أو عليه رحمة ' ؛ فقال الرجل : أفيسرك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن والديك فكان ذلك لهما رحمة . فلم يحر له ~~جوابا . تكلم صعصعة عند معاوية فعرق ، فقال : وبهرك القول يا صعصعة ؟ فقال ~~: إن الجياد نضاحة بالماء . هكذا قال لنا السيرافي ، وقد قرأت عليه هذه ~~الفقر كلها ، وإنما جمعتها للوزير بعد إحكامها وروايتها . قال علي بن عبد ~~الله : شهدت الحجاج خارجا من عند عبد الملك بن مروان ms349 ، فقال له خالد بن ~~يزيد بن معاوية : إلى متى تقتل أهل العراق يا أبا محمد ! فقال : إلى أن ~~يكفوا عن قولهم في أبيك : إنه كان يشرب الخمر . قال المدائني : أسرت مزينة ~~حسان بن ثابت - وكان قد هجاهم - فقال : مزينة لا يرى فيها خطيب . . . ولا ~~فلج يطاف به خضيب أناس تهلك الأحساب فيهم . . . يرون التيس يعدله الحبيب ~~فأتتهم الخزرج يفتدونه ؛ فقالوا : نفاديه بتيس ؛ فغضبوا وقاموا ؛ فقال لهم ~~حسان : PageV01P495 يا إخوتي خذوا أخاكم وادفعوا إليهم أخاهم . وقال ~~المدائني : فرق عمر بن الخطاب بين منظور بن أبان وبين امرأته - وكان خلف ~~عليها بعد أبيه - فتزوجها طلحة بن عبد الله ، فلقيه منظور ، فقال له : كيف ~~وجدت سورى ؟ فقال : كما وجدت سور أبيك . فأفحمه . وقال حاطب بن أبي بلتعة : ~~بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك الإسكندرية ، فأتيته بكتاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وابلغته رسالته ؛ فضحك ثم قال : كتب إلي ~~صاحبك أن أتبعه على دينه ، فما يمنعه إن كان نبيا أن يدعو الله أن يسلط علي ~~البحر فيغرقني فيكتفي مؤونتي ويأخذ ملكي ؟ قلت : فما صنع عيسى إذ أخذته ~~اليهود فربطوه في حبل وحلقوا وسط رأسه ، وجعلوا عليه إكليل شوك ، وحملوا ~~خشبته التي صلبوه عليها على عنقه ، ثم أخرجوه وهو يبكي حتى نصبوه على ~~الخشبة ، ثم طعنوه حيا بحربة حتى مات ؛ هذا على زعمكم ، فما منعه أن يأسل ~~الله فينجيه ويهلكهم فيكفى مؤونتهم ويظهر هو وأصحابه عليهم ؟ وما منع يحيى ~~بن زكريا حين سألت امرأة الملك الملك أن يقتله فقتله ، وبعث برأسه إليها ~~حتى وضع بين يديها ، أن يسأل الله تعالى أن ينجيه ويهلك الناس ؟ فأقبل على ~~جلسائه وقال : إنه والله لحكيم إلا من عند الحكماء . قال المدائني : أبطأ ~~علي رجل من أصحاب الجنيد بن عبد الرحمن ما قبله - وهو على خراسان - وكان ~~يقال للرجل : زامل بن عمرو من بني أسد بن خزيمة ، فدخل على الجنيد يوما ~~فقال : أصلح الله الأمير ، قد طال انتظاري ، فإن رأى الأمير أن يضرب لي ~~موعدا أصير ms350 إليه فعل . فقال : موعدك الحشر ؛ فخرج زامل متوجها إلى أهله ؛ ~~ودخل على الجنيد بعد ذلك رجل من أصحابه فقال : أصلح الله الأمير . أرحني ~~بخير منك إن كنت فاعلا . . . وإلا فميعاد كميعاد زامل قال : وما فعل زامل ؟ ~~قال : لحق بأهله . فأبرد الجنيد في أثره بريدا وبعث يعهده إلى PageV01P496 ~~الكورة التي يدرك بها ، فأدرك بنيسابور ، فنزلها . وامتدح رجل الحسن بن علي ~~بشعر ، فأمر له بشيء ؛ فقيل : أتعطي على كلام الشيطان ؟ فقال : أبتغي الخير ~~لنفي الشر . قال المدائني : أتى العبداني حماد بن أبي حنيفة وقد ملأ عينه ~~كحلا قد ظهر من محاجر عينه ، وعند حماد جماعة . فقال له حماد : كأنك امرأة ~~نفساء . قال : لا ، ولكني ثكلى . قال : على من ؟ قال : على أبي حنيفة . ~~وقال مروان بن الحكم ليحيى : إن ابنتك تشكو تزويجك وتزعم أنه يبول في دثاره ~~. قال : فهو يبول منها فيما هو أعظم من دثاره . وقال معاوية : هذا عقيل عمه ~~أبو لهب . فقال عقيل : هذا معاوية عمته حمالة الحطب . قال : ودخل معن بن ~~زائدة على أبي جعفر فقارب في خطوه ، فقال أبو جعفر : كبرت سنك يا معن . قال ~~: في طاعتك . قال : وإنك لجلد . قال : على أعدائك . قال : إن فيك لبقية . ~~قال : هي لك يا أمير المؤمنين . قال المنصور لسفيان بن معاوية المهلبي ، ما ~~أسرع الناس إلى قومك ؟ قال سفيان : إن العرانين تلقاه محسدة . . . ولن ترى ~~للئام الناس حسادا فقال : صدقت . قال المدائني : حضر قوم من قريش مجلس ~~معاوية وفيهم عمرو بن العاص وعبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي وعبد الرحمن ~~بن الحارث بن هشام ؛ فقال عمرو : احمدوا الله يا معشر قريش إذ جعل والي ~~أموركم من يغضي على PageV01P497 القذى ، ويتصامم عن العوراء ، ويجر ذيله ~~على الخدائع . قال عبد الله بن صفوان : لو لم يكن هذا لمشينا إليه الضراء ، ~~ودببنا له الخمر ، وقلبنا له ظهر المجن ، ورجونا أن يقوم بأمرنا من لا ~~يطعمك مال مصر . وقال معاوية : يا معشر قريش ، حتى متى لا تنصفون من أنفسكم ~~؟ فقال عبد الرحمن بن الحارث : إن ms351 عمرا وذوي عمرو أفسدوك علينا وأفسدونا ~~عليك ، ما كان لو أغضيت على هذه ؟ فقال : إن عمرا لي ناصح ، قال أطعمنا مما ~~أطعمته ، ثم خذنا بمثل نصيحته ، إنك يا معاوية تضرب عوام قريش بأياديك في ~~خواصها كأنك ترى أن كرامها جاروك دون لئامها ، وايم الله : إنك لتفرغ من ~~إناء فعم في إناء ضخم ، ولكأنك بالحرب قد حل عقالها ثم لا تنظرك . فقال ~~معاوية : يابن أخي ما أحوج أهلك إليك . ثم أنشد معاوية : أغر رجالا من قريش ~~تشايعوا . . . على سفه ، منا الحيا والتكرم ؟ وقال المدائني : كان عروة بن ~~الزبير عند عبد الملك بن مروان يحدثه - وعند الحجاج بن يوسف - فقال له عروة ~~في بعض حديثه : قال أبو بكر - يعني عبد الله بن الزبير - فقال الحجاج : ~~أعند أمير المؤمنين تكنى ذلك الفاسق ؟ لا أم لك . فقال عروة : ألي تقول هذا ~~لا أم لك وأنا ابن عجائز الجنة خديجة وصفية وأسماء وعائشة ، بل لا أم لك ~~أنت يابن المستفرمة بعجم زبيب الطائف . PageV01P498 وقال : لما صنع هشام بن ~~عبد الملك بغيلان الواعظ ما صنع ، قال له رجل : ما ظلمك الله ولا سلط عليك ~~أمير المؤمنين إلا وأنت مستحق ؛ فقال غيلان : قاتلك الله ، إنك جاهل بأصحاب ~~الأخدود . قال عمرو بن العاص : أعجبتني كلمة من أمة ؛ قلت لها ومعها طبق : ~~ما عليه يا جارية ؟ قالت : فلم غطيناه إذا ؟ وقع ابن الزبير في معاوية ، ثم ~~دخل عليه فأخبره معاوية ببعضه ، فقال : أنى علمت ذلك ؟ فقال معاوية : أما ~~علمت أن ظن الحكيم كهانة . وقيل لعمر بن عبد العزيز : ما تقول في علي ~~وعثمان وفي حرب الجمل وصفين ؟ قال : تلك دماء كف الله يدي عنها ، فأنا أكره ~~أن أغمس لساني فيها . وقال : طلق أبو الخندف امرأته أم الخندف ، فقالت له : ~~يا أبا الخندف طلقتني بعد خمسين سنة ، فقال : مالك عندي ذنب غيره . وقال : ~~لقي جرير الأخطل فقال : يا مالك ، ما فعلت خنازيرك ! قال : كثيرة في مرج ~~أفيح ، فإن شئت قريناك منها ، ثم قال الأخطل : يا أبا حزرة ما فعلت أعنازك ms352 ~~؟ قال كثيرة في واد أروح ، فإن شئت أنزيناك على بعضها . وقال الشعبي : ذكر ~~عمرو بن العاص عليا فقال : فيه دعابة ، فبلغ ذلك عليا فقال : زعم أن ~~النابغة أنى تلعابة تمراحة ذو دعابة أعافس وأمارس ؛ هيهات ، يمنع من العفاس ~~والمراس ذكر الموت وخوف البعث والحساب ومن كان له قلب ففي هذا عن هذا له ~~واعظ وزاجر ، أما وشر القول الكذب - إنه ليعد فيحلف ، ويحدث فيكذب ، فإذا ~~كان يوم البأس فإنه زاجر وآمر ما لم تأخذ السيوف بهام الرجال ، فإذا كان ~~ذاك فأعظم مكيدته في نفسه أن يمنح القوم استه . قال المدائني : بعث المفضل ~~الضبي إلى رجل بأضحية ، ثم لقيه فقال : كيف كانت أضحيتك ؟ فقال : قليلة ~~الدم . وأراد قول الشاعر : PageV01P499 ولو ذبح الضبي بالسيف لم تجد . . . ~~من اللؤم للضبي لحما ولا دما وقال المدائني : مر عقيل بن أبي طالب على أخيه ~~علي بن أبي طالب ومعه تيس ، فقال له علي : إن أحد ثلاثتنا أحمق . فقال عقيل ~~: أما أنا وتيسي فلا . وكلم عامر بن عبد قيس حمران يوما في المسجد . فقال ~~له حمران : لا أكثر الله فينا مثلك . فقال عامر : لكن : أكثر الله فينا ~~مثلك ، فقال له القوم : يا عامر ، يقول لك حمران ما لا تقول مثله ؟ فقال : ~~نعم يكسحون طرقنا ، ويحوكون ثيابنا ، ويخرزون خفافنا . فقيل له : ما كنا ~~نرى أنك تعرف مثل هذا ، قال : ما أكثر ما نعرف مما لا تظنون بنا . وقال : ~~مر جرير بن عطية على الأحوص وهو على بغل ، فأدلى البغل فقال الأحوص : بغلك ~~يا أبا حزرة على خمس قوائم . قال جرير : والخامسة أحب إليك . ومر جرير ~~بالأحوص وهو يفسق بامرأة وينشد : يقر بعيني ما يقر بعينها . . . وأحسن شيء ~~ما به العين قرت فقال له جرير : فإنه يقر بعينها أن تقعد على مثل ذراع ~~البكر ، أفتراك تفعل ذلك ؟ فقال الوزير : من رأيت من الكبار كان يحفظ هذا ~~الفن وله فيه غزارة وانبعاث وجسارة على الإيراد . قلت : ابن عباد على هذا ، ~~ويبلغ من قوته أنه يفتعل أشياء شبيهة بهذا الضرب ms353 على من حضر ، فقال : الكذب ~~لا خير فيه ، ولا حلاوة لراويه ، ولا قبول عند سامعيه . وقال : أرسل بلال ~~بن أبي بردة إلى أبي علقمة فأتاه ، فقال : أتدري لأي شيء أرسلت إليك ؟ قال ~~: نعم ، لتصنع بي خيرا . قال : أخطأت ولكن لأسىء بك . فقال : أما إذ قلت ~~ذاك لقد حكم المسلمون حكمين ، فسخر أحدهما بالآخر . فقال الوزير : أيقال ~~سخر به ! فكان الجواب أن أبا زيد حكاه ، وصاحب التصنيف قد رواه ؛ وسخر منه ~~أيضا كلام ، وإنما يقال هو أفصح ، لأنه في كتاب الله عز وجل ، وإلا فكلاهما ~~جائز . وقال حمزة بن بيض الحنفي للفرزدق : يا أبا فراس ، أيما أحب إليك أن ~~تسبق الخير PageV01P500 أم يسبقك ! قال : ما أريد أن أسبقه ولا أن يسبقني ، ~~بل نكون معا . ولكن حدثني أيما أحب إليك : أن تدخل منزلك فتجد رجلا على ~~حرامك ، أو تجدها قابضة على قمد الرجل . فأفحمه . فلما قرأت الجزء في ضروب ~~الجواب المفحم . قال : ما أفتح هذا النوع من الكلام لأبواب البديهة ! ~~وأبعثه لرواقد الذهن ! وما يتفاضل الناس عندي بشيء أحسن من هذه الكلمات ~~الفوائق الروائق ، ما أحسن ما جمعت وأتيت به . # | الليلة الأربعون # وقال مرة أخرى : حدثني عن اعتقادك في أبي تمام والبحتري ، فكان الجواب : ~~إن هذا الباب مختلف فيه ، ولا سبيل إلى رفعه ، وقد سبق هذا من الناس في ~~الفرزدق وجرير ومن قبلهما في زهير والنابغة حتى تكلم على ذلك الصدر الأول ، ~~مع علو مراتبهم في الدين والعقل والبيان ، لكن حدثنا أبو محمد العروضي عن ~~أبي العباس المبرد قال : سألني عبيد الله بن سليمان عن أبي تمام والبحتري ؛ ~~فقلت : أبو تمام يعلو علوا رفيعا ، ويسقط سقوطا قبيحا ، والبحتري أحسن ~~الرجلين نمطا ، وأعذب لفظا ؛ فقال عبيد الله : قد كان ذلك ظني . . . فعاد ~~ظني يقينا فقلت : وهذا أيضا شعر . فقال : ما علمت . ققال : هذه حكاية مفيدة ~~من هذا العالم المتقدم ، وحكم يلوح منه الإنصاف ، وقد أغنى هذا القول عن ~~خوض كثير . ودع ذا ؛ من أين دخلت الآفة على أصحاب المذاهب حتى افترقوا هذا ~~الافتراق ms354 ، وتباينوا هذا التباين ، وخرجوا إلى التكفير والتفسيق وإباحة ~~الدم والمال ورد الشهادة وإطلاق اللسان بالجرح وبالقذع والتهاجر والتقاطع ! ~~PageV01P501 فكان الجواب : إن المذاهب فروح الأديان ، والأديان أصول ~~المذاهب ، فإذا ساغ الاختلاف في الأديان - وهي الأصول - فلم لا يسوغ في ~~المذاهب وهي الفروع . فقال : ولا سواء ، الأديان اختلفت بالأنبياء ، وهم ~~أرباب الصدق والوحي الموثوق به ، والآيات الدالة على الصدق ؛ وليس كذلك ~~المذاهب . فقيل : هذا صحيح ، ولا دافع له ، ولكن لما كانت المذاهب نتائج ~~الآراء ، والآراء ثمرات العقول ، والعقول منائح الله للعباد ، وهذه النتائج ~~مختلفة بالصفاء والكدر ، وبالكمال والنقص ، وبالقلة والكثرة ، وبالخفاء ~~والوضوح ؛ وجب أن يجري الأمر فيها على مناهج الأديان في الاختلاف والافتراق ~~وإن كانت تلك منوطة بالنوبة ؛ وبعد ، فما دام الناس على فطر كثيرة ، وعادات ~~حسنة وقبيحة ، ومناشىء محمودة ومذمومة ، وملاحظات قريبة وبعيدة ، فلابد من ~~الاختلاف في كل ما يختار ويجتنب ، ولا يجوز في الحكمة أن يقع الاتفاق فيما ~~جرى مجرى المذاهب والأديان ؛ ألا ترى أن الاتفاق لم يحصل في تفضيل أمة على ~~أمة ، ولا في تفضيل بلد على بلد ، ولا في تقديم رجل على رجل ، ولو لم يكن ~~في هذا الأمر إلا التعصب واللجاج والهوى والمحك والذهاب مع السابق إلى ~~النفس ، والموافق للمزاج ، والخفيف على الطباع ، والمالك للقلب ، لكان ~~كافيا بالغا بالإنسان كل مبلغ . وشيخنا أبو سليمان يقول كثيرا : إن الدين ~~موضوع على القبول والتسليم ، والمبالغة في التعظيم ، وليس فيه ' لم ' و ' ~~لا ' و ' كيف ' إلا بقدر ما يؤكد أصله ويشد أزره ، وينفي عارض السوء عنه ، ~~لأن ما زاد على هذا يوهن الأصل بالشك ، ويقدح في الفرع بالتهمة . قال : ~~وهذا لا يخص دينا دون دين ، ولا مقالة دون مقالة ، ولا نحلة دون نحلة ، بل ~~هو سار في كل شيء في كل حال في كل زمان ، وكل من حاول رفع هذا فقد حاول رفع ~~الفطرة ونفي الطباع وقلب الأصل ، وعكس الأمر ؛ وهذا غير مستطاع ولا ممكن ؛ ~~وقد قيل : ' إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون ' . PageV01P502 وقال لنا ~~القاضي أبو حامد ms355 المروروذي : أنا منذ أربعين سنة أجتهد مع أصحابنا البصريين ~~في أن أصحح عندهم أن بغداد أطيب من البصرة ، وأنا اليوم في كلامي معهم كما ~~كنت في أول كلامي لهم ، وكذلك حالهم معي ، فهذا هذا . أنظر إلى فضل ومرعوش ~~- وهما من سقط الناس وسفلنهم - كيف لهج الناس بهما وبالتعصب لهما حتى صار ~~جميع من ببغداد إما مرعوشيا وإما فضليا . ولقد اجتاز ابن معروف وهو على ~~قضاء القضاة بباب الطاق فتعلق بعض هؤلاء المجان بلجام بغلته ، وقال : أيها ~~القاضي ، عرفنا ، أنت مرعوشي أم فضلي ، فتحير وعرف ما تحت هذه الكلمة من ~~السفه والفتنة ، وأن التخلص بالجواب الرفيق أجدى عليه من العنف والخرق ~~وإظهار السطوة ؛ فالتفت إلى الحراني - وكان معه وهو من الشهود - فقال : يا ~~أبا القاسم ، نحن في محلة من ؟ قال : في محلة مرعوش ؛ فقال ابن معروف : ~~كذلك نحن - عافاك الله - من أصحاب محلتنا لا نختار على اختيارهم ؛ ولا ~~نتميز فيهم . فقال العيار : امش أيها القاضي في ستر الله ؛ مثلك من تعصب ~~للجيران . فقال الوزير - أحسن الله توفيقه - هذا كله تعصب وهوى وتماحك ~~وتكلف . قيل : هذا وإن كان هكذا فهو داخل فيما عداه من حديث الدين والمذهب ~~والصناعة والبلد . قال أبو سليمان : ولمصلحة عامة نهي عن المراء والجدال في ~~الدين على عادة المتكلمين ، الذين يزعمون أنهم ينصرون الدين ، وهم في غاية ~~العداوة للإسلام والمسلمين ، وأبعد الناس من الطمأنينة واليقين . ثم حدث ~~فقال : اجتمع رجلان : أحدهما يقول بقول هشام ، والآخر يقول بقول الجواليقي ~~؛ فقال صاحب الجواليقي لصاحب هشام : صف لي ربك الذي تعبده ، فوصفه بأنه لا ~~يد له ولا جارحة ولا آلة ولا لسان ، فقال الجواليقي : أيسرك أن يكون لك ولد ~~بهذا الوصف ! قال : لا ، قال : أما تستحي أن تصف ربك بصفة لا ترضاها لولدك ~~! فقال صاحب هشام : إنك PageV01P503 قد سمعت ما نقول ، صف لي أنت ربك ؛ ~~فقال : إنه جعد قطط في أتم القامات وأحسن الصور والقوام . فقال صاحب هشام : ~~أيسرك أن تكون لك جارية بهذه الصفة تطؤها ؟ ! قال : نعم ، قال : أفما تستحي ms356 ~~من عبادة من تحب مباضعة مثله ! ! وذلك لأن من أحب مباضعته فقد أوقع الشهوة ~~عليه . فقال : هذا من شؤم الكلام ونكد الجدل ، فلو كان هناك دين لكان لا ~~يدور هذا في وهم ولا ينطق به لسان . وحكى أيضا قال : ابتلي غلام أعجمي بوجع ~~شديد ، فجعل يتأوه ويتلوى ويصيح . فقال له أبوه : يا بني اصبر واحمد الله ~~تعالى . فقال : ولماذا أحمده ! قال لأنه ابتلاك بهذا ؛ فاشتد وجع الغلام ~~ورفع صوته بالتأوه أشد مما كان ، فقال له أبوه : ولم اشتد جزعك ! فقال : ~~كنت أظن أن غير الله ابتلاني بهذا فكنت أرجوه أن يعافيني من هذا البلاء ~~ويصرفه عني ، فأما إذ كان هو الذي ابتلاني به فمن أرجو أن يعافيني ! فالآن ~~اشتد جزعي ، وعظمت مصيبتي . قال : ولو علم أن الذي ابتلاه هو الذي استصلحه ~~بالبلاء ليكون إذا وهب له العافية شاكرا له عليها بحس صحيح وعلم تام لكان ~~لا يرى ما قاله وتوهمه لازما . وحكى أيضا أن رجلا من العجم حج وتعلق بأستار ~~الكعبة فطفق يدعو ويقول : يا من خلق السباع الضارية ، والهوام العادية ، ~~وسلطها على الناس ، وضربهم بالزمامة والعمى والفقر والحاجة ؛ فوثب الناس ~~عليه وسبوه وزجروه وقالوا : ادعو الله بأسمائه الحسنى . فأظهر لهم الندامة ~~، والتقارف فخلوا عنه بعد ما أرادوا الوقيعة به ، فرجع وتعلق بأستار الكعبة ~~، وجعل ينادي : يا من لم يخلق السباع الضارية ولا الهوام ، ولا سلطها على ~~الناس ، ولم يضرب الناس بالأوجاع والأسقام . فوثبوا عليه أيضا وقالوا له : ~~لا تقل هذا فإن الله خالق كل شيء ؛ فقال : ما أدري كيف أعمل ؟ إن قلت : إن ~~الله خالق هذه الأشياء وثبتم علي ؛ وإن قلت : إن الله لم يخلقها وثبتم علي ~~. فقالوا : هذا ينبغي أن تعلمه بقلبك ولا تدع الله به . قال أبو سليمان : ~~وهذا أيضا من شؤم الكلام وشبه المتكلمين الذين يقولون : لا PageV01P504 ~~يجوز أن يعتقد شيء بالتقليد ، ولابد من دليل ، ثم يدللون ويختلفون ، ثم ~~يرجعون إلى القول بأن الأدلة متكافئة . وكان ابن البقال يجهر بهذا القول ، ~~فقلت له مرة : لم ملت ms357 إلى هذا المذهب ؟ فقال : لأني وجدت الأدلة متدافعة في ~~أنفسها ، ورأيت أصحابها يزخرفونها ويموهونها لتقبل منهم ، وكانوا كأصحاب ~~الزيوف الذين يغشون النقد لينفق عندهم ، وتدور المغالطة بينهم . فقلت له : ~~أما تعرف بأن الحق حق والباطل باطل ؟ قال : بلى ، ولكن لا يتبين أحدهما من ~~الآخر . قلت : أفلأنه لا يتبين لك الحق من الباطل تعتقد أن الحق باطل وأن ~~الباطل حق ؟ قال : لا أجيء إلى حق أعرفه بعينه فأعتقد أنه باطل ، ولا أجيء ~~أيضا إلى باطل أعرفه بعينه فأعتقد أنه حق ، ولكن لما التبس الحق بالباطل ~~والباطل بالحق قلت : إن الأدلة عليهما ولهما متكافئة ، وإنها موقوفة على ~~حذق الحاذق في نصرته ، وضعف الضعيف في الذب عنه . قلت فكأنك قد رجعت عن ~~اعترافك بالحق أنه حق ، وبالباطل أنه باطل . قال : ما رجعت . قلت : فكأنك ~~تدعي الحق حقا جملة والباطل باطلا جملة من غير أن تميز بالتفصيل . قال : ~~كذا هو . قلت : فما نفعك بالاعتراف بالحق وأنه متميز عن الباطل في الأصل ، ~~وأنت لا تميز بينهما في التفصيل ؟ قال : والله ما أدري ما نفعي منه . قلت : ~~فم لا تقول : الرأي أن أقف فلا أحكم على الأدلة بالتكافؤ ، لأن الباطل لا ~~يقاوم الحق ، والحق لا يتشبه بالباطل ، إلى أن يفتح الله بصري فأرى الحق ~~حقا في التفصيل ، والباطل باطلا على التحصيل ، كما رأيتهما في الجملة ، وأن ~~الذي فتح بصري على ذلك في الأول هو الذي غض بصري عنه في الثاني ؟ قال : ~~ينبغي أن أنظر فيما قلت . فقلت : انظر إن كان لك نظر ، ولا تتكلف النظر ما ~~دام بك عمى أو عشا أو رمد . وحكى لنا أبو سليمان قال : وصف لنا بعض النصارى ~~الجنة فقال : ليس فيها أكل ولا شرب ولا نكاح . فسمع ذلك بعض المتكلمين فقال ~~: ما تصف إلا الحزن والأسف والبلاء . وقال أبو عيسى الوراق - وكان من حذاق ~~المتكلمين - إن الآمر بما يعلم أن المأمور لا يفعله سفيه ، وقد علم الله من ~~الكفار أنهم لا يؤمنون ، فليس لأمرهم بالإيمان وجه في PageV01P505 الحكمة . ~~قال أبو سليمان ms358 : انظر كيف ذهب عليه السر في هذه الحال ، من أين أتوا ، ~~وكيف لزمتهم الحجة . وقال أبو عيسى أيضا : المعاقب الذي لا يستصلح بعقوبته ~~من عاقبه ، ولا يستصلح به غيره ، ولا يشفي غيظه بعقوبته جائر ، لأنه قد وضع ~~العقوبة في غير موضعها . قال : لأن الله تعالى لا يستصلح أهل النار ولا ~~غيرهم ، ولا يشفي غيظه بعقوبتهم ، فليس للعقوبة وجه في الحكمة . هذا غرض ~~كتابه الذي نسبه إلى الغريب المشرقي . وقال أبو سعيد الحضرمي - وكان من ~~حذاق المتكلمين ببغداد ، وهو الذي تظاهر بالقول بتكافؤ الأدلة - إن كان ~~الله عدلا كريما جوادا عليما رءوفا رحيما فإنه سيصير جميع خلقه إلى جنته ، ~~وذلك أنهم جميعا على اختلافهم يجتهدون في طلب مرضاته ، فيهربون من وقع سخطه ~~بقدر علمهم ومبلغ عقولهم ، وإنما تركوا اتباع أمره لأنهم خدعوا ، وزين لهم ~~الباطل باسم الحق ؛ ومثلهم في ذلك مثل رجل حمل هدية إلى ملك ، فعرض له في ~~الطريق قوم شأنهم الخداع والمكر والاستلال ، فنصبوا له رجلا ، وسموه باسم ~~الملك الذي كان قصده ، فسلم الهدية إليهم ؛ فالملك الذي قصده إن كان كريمأ ~~فإنه يعذره ويرحمه ويزيد في كرامته وبره حين يقف على قصته ، وهذا أولى به ~~من أن يغضب عليه ويعاقبه . وقال أبو سليمان : ذكروا أن رجلا رأى قوما ~~يتناظرون ، فجلس إليهم فرآهم مختلفين ، فأقبل على رجل منهم فقال : أتلزمني ~~أن أقول بقولك وأنا لا أعلم أنك محق فإن قلت لك : إن بعض جلسائك يدعوني إلى ~~مخالفتك واتباعه ، وليس عندي علم بالمحق منكم ؛ وإن ألزمتني أن أتبع كلكم ~~فهذا محال ، وإن قلت : لا يلزمك أن تتبعني ولا غيري إلا بعد العلم بالمحق ~~منكم ، لم يخل العلم بذلك من أن يكون فعلي أو فعل غيري ، فإن كان العلم ~~فعلا لغيري فقد صرت مضطرا ، ولا أستوجب عليه حمدا ولا ذما وإن كان الفعل لي ~~فمن أعظم جهالة ممن يفعل ما يلزمه الأمر والنهي به ، وإن قصر صيره ذلك إلى ~~العطب والهلاك ، مع أن هذا القول يؤدي إلى أن أكون أنا المعترض على ms359 نفسي ، ~~لأنه إنما يلزمني ذلك إذا علمت أني أقدر أن أعلم وألا أعلم . وحكى لنا أيضا ~~قال : سئل عندنا رجل من المتحيرين بسجستان فقيل له : ما دليلك PageV01P506 ~~على صحة مقالتك ؟ فقال لا دليل ولا حجة . فقيل له وما الذي أحوجك إلى هذا ؟ ~~قال : لأني رأيت الدليل لا يكون إلا من وجوه ثلاثة : إما من طريق النبوة ~~والآيات ، فإن كان إنما يثبت من هذه الجهة فلم أشاهد شيئا من ذلك ثبتت عندي ~~مقالته . وإما أن يكون ينبت بالكلام والقياس فإن كان إنما يثبت بذلك فقد ~~رأيتني مرة أخصم ومرة أخصم ، ورأيتني أعجز عن الحجة فأجدها عند غيري ، ~~وأتنبه إليها من تلقاء نفسي بعد ذلك ، فيصح عندي ما كان باطلا ، ويفسد عندي ~~ما كان صحيحا ؛ فلما كان هذا الوصف على ما وصفت لم يكن لي أن أقضي لشيء ~~بيصحة من هذه الجهة ، ولا أقضي على شيء بفساد لعدم الحجة . وإما أن تكون ~~ثبتت بالأخبار عن الكتب فلم أجد أهل ملة أولى بذلك من غيرهم ، ولم أجد إلى ~~تصديق كلهم سبيلا . وكان تصديق الفرقة الواحدة دون ما سواها جورا ، لأن ~~الفرق متساوية في الدعوى والحجة والذب والنصرة . فقيل له : فلم تدين بدينك ~~هذا الذي أنت على شعاره وحليته ، وهديه وهيئته ؟ فقال : لأن له حرمة ليست ~~لغيره ، وذاك أني ولدت فيه ، ونشأت عليه ، وتشربت حلاوته ، وألفت عادة أهله ~~، فكان مثلي كمثل رجل دخل خانا يستظل فيه ساعة من نهار والسماء مصحية ، ~~فأدخله صاحب الخان بيتا من البيوت من غير تخبر ولا معرفة بصلاحه ، فبينا هو ~~كذلك إذ نشأت سحابة فمطرت جودا ، ووكف البيت ، فنظر إلى البيوت التي في ~~الفندق فرآها أيضا تكف ، ورأى في صحن الدار ردغة ، ففكر أن يقيم مكانه ولا ~~ينتقل إلى بيت آخر ويربح الراحة ، ولا يلطخ رجليه بالردغة والوحل اللذين في ~~الصحن ؛ ومال إلى الصبر في بيته ، والمقام على ما هو عليه ، وكان هذا مثلي ~~، ولدت ولا عقل لي ، ثم أدخلني أبواي في هذا الدين من غير خبرة مني ، فلما ms360 ~~فتشت عنه رأيت سبيله سبيل غيره ، ورأيتني في صبري عليه أعز مني في تركه ، ~~إذ كنت لا أدعه وأميل إلى غيره إلا باختيار مني لذلك ، وأثرة له عليه ؛ ~~ولست أجد له حجة إلا وأجد لغيره عليه مثلها . وحكى لنا ابن البقال - وكان ~~من دهاة الناس - قال : قال ابن الهيثم : جمع بيني وبين عثمان بن خالد ، ~~فقال لي : أحب أن أناظرك في الإمامة ؛ فقلت : إنك لا تناظرني ، وإنما ~~PageV01P507 تشير علي ؛ فقال : ما أفعل ذلك ، ولا هذا موضع مشورة ، وإنما ~~اجتمعنا للمناظرة ؛ فقلت له : فإنا قد أجمعنا على أن أولى الناس بالإمامة ~~أفضلهم ، وقد سبقنا القوم الذين يتنازع في فضلهم ، وإنما يعرف فضلهم بالنقل ~~والخبر ؛ فإن أحببت سلمت لك ما ترويه أنت وأهل مذهبك في صاحبك ، وتسلم لي ~~ما أرويه أنا وفرقتي في صاحبي ، ثم أناظرك في أي الفضائل أعلى وأشرف ؛ قال ~~: لا أريد هذا ، وذاك أني أروي مع أصحابي أن صاحبي رجل من المسلمين يصيب ~~ويخطىء ، ويعلم ويجهل ؛ وأنت تقول في صاحبك : إنه معصوم من الخطأ ، عالم ~~بما يحتاج إليه . فكيف أرضى هذه الجملة ؟ قلت : فأقبل كل شيء ترويه أنت ~~وأصحابك في صاحبي من حمد أو ذم ، وتقبل أنت كل شيء أرويه أنا وأصحابي في ~~صاحبك من حمد أو ذم ؛ قال : هذا أقبح من الأول ، وذلك أني وأصحابي نروي أن ~~صاحبك مؤمن خير فاضل ، وأنت وأصحابك ترون أن صاحبي كافر منافق ؛ فكيف أقبل ~~هذا منك وأناظرك عليه ؟ قال ابن الهيثم : فلم يبق إلا أن أقول : دع قولك ~~وقول أصحابك ، واقبل قولي وقول أصحابي ؛ قال : ما هو إلا ذاك ؛ قلت : هذه ~~مشورة ، وليست مناظرة . قال : صدقت . وحكى لنا الزهيري قال : سال رجل آخر ~~فقال : أتقول إن الله نهانا أن نعبد إلهين ؟ قال : نعم ؛ قال : وأمرنا أن ~~نعبد إلها واحدا ؟ قال : نعم ؛ قال : فالاثنان اللذان نهانا عن عبادتهما ~~معقولان هكذا ؟ وأشار بإصبعيه ، قال : نعم ؛ قال : فالواحد الذي أمرنا ~~بعبادته معقول هكذا ؟ وأشار بإصبع واحدة ؛ قال : لا ؛ قال : فقد نهانا عما ~~يعقل وأمرنا بما ms361 لا يعقل ، وهذا يعلم ما فيه فانظر حسنا . وحكى لنا الزهيري ~~قال : حدثنا ابن الأخشاد قال : تناظر رجلان في وصف الباري سبحانه ، واشتد ~~بينهما الجدال ، فتراضيا بأول من يطلع عليهما ويحكم بينهما ، فطلع أعرابي ، ~~فأجلساه وقصا قصتهما ، ووصفا له مذهبيهما ؛ فقال الأعرابي لأحدهما - وكان ~~مشبها - : أما أنت فتصف صنما ، وقال للثاني : وأما أنت فتصف عدما ، وكلاكما ~~تقولان على الله ما لم تعلما . وقال لنا الأنصاري أبو كعب : قال ابن الطحان ~~الضرير البصري - وكان يقول بقول جهم - : إذا كان يوم القيامة بدل الله ~~سيئات المؤمنين حسنات ، فيندمون على ما قصروا فيه من تناول اللذات ، وقضاء ~~الأوطار بالشهوات ؛ لأنهم كانوا يتوقعون العقاب ، فنالوا PageV01P508 ~~الثواب ؛ وكان يتلو عند هذا الحديث قول الله عز وجل : ' فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات ' . وحكى لنا ابن الثلاج قال ، قال أبو عثمان الآدمي : إن ~~الجنة لا ساتر فيها ، وذلك لأن كل ساتر مانع ، وكل مانع آفة ، وليست في ~~الجنة آفة ، ولهذا روي في الحديث : إن الحور يرى مخ ساقها من وراء سبعين ~~حلة سوى ما تحت ذلك من اللحم والعظم ، كالسلك في الياقوت ؛ فقال له قائل : ~~الجنة إذا أولى من الحمام ، إذ قيل : بئس البيت الحمام ، يذهب الحياء ، ~~ويبدي العورة . وحكى لنا ابن رباط الكوفي - وكان رئيس الشيعة ببغداد ، ولم ~~أر أنطق منه - قال : قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من ~~أين جاء اختلاف الناس في الحديث ؟ فقال : الناس أربعة : رجل منافق كذب على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمدا ، فلو علم أنه منافق ما صدق ولا أخذ ~~عنه . ورجل سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قولا أو رآه يفعل فعلا ~~ثم غاب ونسخ ذلك من قوله أو فعله ، فلو علم أنه نسخ ما حدث ولا عمل به ولو ~~علم الناس أنه نسخ ما قبلوا منه ولا أخذوا عنه ورجل سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول قولا فوهم فيه ، فلو علم أنه وهم ما حدث ولا عمل به . ورجل ms362 ~~لم يكذب ولم يهم ، وشهد ولم يغب . قال : وإنما دل بهذا على نفسه ، ولهذا ~~قال : كنت إذا سئلت أجبت ، وإذا سكت ابتدئت . وحكى لنا ابن زرعة النصراني ~~قال : قيل للمسيح : ما بال الرجلين يسمعان الحق فيقبله أحدهما ولا يقبله ~~الآخر ؟ فقال : مثل ذلك مثل الراعي الذي يصوت بغنمه فتأتيه هذه الشاة ~~بندائه ، ولا تأتيه هذه . قال أبو سليمان : هذا جواب مبتور ، وليس له سنن ، ~~ولعل الترجمة قد حافت عليه ، والمعنى انحرف عن الغاية ؛ وليس يجوز أن يكون ~~حال الإنسان كيف كان ، حال الشاة في إجابة الداعي وإبائها ، فإن له دواعي ~~وموانع عقلية وحسية . فقال الوزير : هذا أيضا باب قد مضى مستوفى ، ما الذي ~~سمعت اليوم ؟ فقلت : رأيت ابن برمويه في دعوة ، وترامى الحديث فقال : رأيت ~~اليوم الوزير شديد العبوس ، أهو هكذا PageV01P509 أبدا ، أم عرض له هذا على ~~بختي ؟ فقال ابن جبلة : لعله كان ذاك لسبب ، وإلا فالبشر غالب على وجهه ، ~~والبشاشة مألوفة منه . فقال ابن برمويه : ما أحسن ما قال الشاعر : أخو ~~البشر محمود على حسن بشره . . . ولن يعدم البغضاء من كان عابسا فقال علي بن ~~محمد - رسول سجستان - : ما أدري ما أنتما فيه ، ولكن يقال : ما أرضى ~~الغضبان ، ولا استعطف السلطان ، ولا ملك الإخوان ؛ ولا استلت الشحناء ، ولا ~~رفعت البغضاء ؛ ولا توقي المحذور ، ولا اجتلب السرور ؛ بمثل البشر والبر ، ~~والهدية والعطية . وقال الوزير : هات ملحة المجلس . فكان الجواب : قال أبو ~~همام ذات يوم : لو كان النخل لا يحمل بعضه إلا الرطب ، وبعضه إلا البسر ، ~~وبعضه إلا الخلال ، وكنا متى تناولنا من الشمراخ بسرة خلق الله مكانها ~~بسرتين ، ما كان بذلك بأس . ثم قال : أستغفر الله ، لو كنت تمنيت بدل نواة ~~التمر زبدة كان أصوب . وسأل الوزير : هل يقال في النساء رجلة ؟ فكان الجواب ~~: حدثنا أبو سعيد السيرافي قال : كان يقال في عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنهما : ' كانت رجلة العرب ' ، وإنما ضاعت هذه الصفة على مر الأيام ~~بغلبة العجمان ؛ فقال : إنها والله لكذلك ، ولقد سمعت من يقول ms363 : كان يقال : ~~لو كان لأبيها ذكر مثلها لما خرج الأمر منه . قال : هل تحفظ من كلامها شيئا ~~؟ فقلت : لها كلام كثير في الشريعة ، والرواية عنها شائعة في الأحكام ، ~~ولقد نطقت بعد موت أبيها بما حفظ وأذيع ، لكني أحفظ لها ما قالته لما قتل ~~عثمان : خرجت والناس مجتمعون ، وعلي فيهم ، فقالت : أقتل أمير المؤمنين ~~عثمان ؟ PageV01P510 قالوا : نعم ، قالت : أما والله لقد كنتم إلى تسديد ~~الحق وتأكيده أحوج منكم إلى ما نهضتم إليه ، من طاعة من خالف عليه ؛ ولكن ~~كلما زادكم الله صحة في دينه ، ازددتم تثاقلا عن نصرته طمعا في دنياكم ، ~~أما والله لهدم النعمة أيسر من بنيانها ، وما الزيادة إليكم بالشكر ، بأسرع ~~من زوال النعمة عنكم بالكفر ؛ أما لئن كان فني أكله ، واخترم أجله ، إنه ~~لصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين ، وما علمنا خلقا تزوج ابنتي نبي ~~غيره ؛ ولو غير أيديكم قرعت صفاتته لوجد عند تلغلي الحرب متجردا ، ولسيوف ~~النصر متقلدا ، ولكنها فتنة قدحت بأيدي الظلمة ؛ أما والله لقد حاط الإسلام ~~وأكده ، وعضد الدين وأيده ؛ ولقد هدم الله به صياصي أهل الشرك ، ووقم أركان ~~الكفر ؛ لله المصيبة به ، ما أفجعها ! والفجيعة به ما أوجعها ! صدع والله ~~مقتله صفاة الدين ، وثلمت مصيبته ذروة الإسلام ، تبا لقاتله ، أعاذنا الله ~~وإياكم من التلبس بدمه ، والرضا بقتله . فقال الوزير : ما أفصح لسانها ، ~~وأشجع جنانها ، في ذلك المحفل الذي يتبلبل فيه كل قلقل ! ورويت أيضا أنها ~~قالت : مكارم الأخلاق عشر : صدق الحديث ، وصدق البأس ، وأداء الأمانة ، ~~وصلة الرحم ، وبذل المعروف ، والتذمم للجار ، والتذمم للصاحب ، والمكافأة ~~بالصنائع ، وقري الضيف ، ورأسهن الحياء . فقال : والله لكأنها نغمات النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، ما كان أشهمها ، وأعلى نظرها ، وأبين جوابها ! ! ~~وحدثني أن امرأة تظلمت إلى مسلم بن قتيبة بخراسان ، فزبرها ، ولم ينظر في ~~قصتها ؛ فقالت له : إن أمير المؤمنين بعثك إلى خراسان لتنظر هل تثبت خراسان ~~بلا عامل أم لا ؛ فقال لها مسلم : اسكتي ويلك ، فظلامتك مسموعة ، وحاجتك ~~مقضية . PageV01P511 وقال مسلم : ما وخز قلبي قط شيء مثل ms364 قول هذه المرأة ، ~~ولقد آليت ألا أستهين بأحد من ذكر أو أنثى . وشبيه بهذا قول المعلى بن أيوب ~~: رأيت في دار المأمون إنسانا فازدريته ، فقلت : لأي شيء تصلح أنت ؟ على ~~غيظ مني وتغضب ؛ فقال : أنا أصلح لأن يقال لي : هل يصلح مثلك لما أنت فيه ~~أو لا . قال : فوالله ما وقرت كلمته في أذني حتى أظلم علي الجو ونكرت نفسي ~~. وكان عبد الملك بن مروان إذا كان له خصي وضيء أمر أن يحجب عن نسائه ، ~~وقال : هو رجل وإن قطع منه ما قطع ، وربما اجتزأت امرأة بمثلها ، وللعين ~~حظها . قال عبد الرحمن بن سعيد القرشي : كان لهشام بن عبد الملك خصي يقال ~~له خالد ، وكان وضيئا تأخذه العين ، مديد القامة ، فخما أبيض ، فأمر هشام ~~مسلمة بالغدو عليه ، فغدا ، فقيل : استأذن لأخي أمير المؤمنين عليه ، ~~فاستخف وقال كلمة سمعها مسلمة ، فحقدها عليه ، فلما دخل مسلمة إلى هشام لم ~~يزل يذاكره شيئا ، ويشير عليه حتى حط عن فرشه وجلسا على البساط ومسلمة في ~~ذلك يرمق الخصي متى يمر به ، فلم يلبث أن مر معمما بعمامة وشي ؛ فقال مسلمة ~~: يا أمير المؤمنين ، أي فتياننا هذا ؟ قال : غفر الله لك يا أبا سعد ، هذا ~~خالد الخصي ؛ قال ، فقال : يا أمير المؤمنين ، لضمة من هذا خير من مجامعة ~~رجل ، فقلق هشام وجعل يتضور حتى قام مسلمة ، ثم أمر بالخادم فأخرج من ~~الرصافة ، فاتصل ببعض بنيه ، فكتب إليه هشام ، إني نحيته لما بلغك ، فجفاه ~~، فلحق الخادم بالثغر . وجرى حديث النفس وأنها كيف تعلم الأشياء ، فقيل : ~~النفس في الأصل علامة ، والعلم صورتها ؛ لكنها لما لابست البدن ، وصار ~~البدن بها إنسانا ، اعترضت حجب بينها وبين صورتها كثيفة ولطيفة ، فصارت ~~تخرق الحجب بكل ما استطاعت لتصل إلى ما لها من غيبها ، فصارت تعلم الماضي ~~بالاستخبار والتعرف والبحث والمسئلة والتنقير ، وتعلم الآتي بالتلقي ~~والتوكف والتبشير والإنذار ، وتعلم الحاضر بالتعارف والمشاهدة ومجال ~~PageV01P512 الحس ؛ وهذه المعلومات كلها زمانية ، ولهذا انقسم بين الماضي ~~والآتي والحاضر . فأما ما هو فوق الزمان فإنها تعلمه بالمصادفة ms365 الخارجة من ~~الزمان ، العالية على حصر الدهر ، وهذه عبارة عن وجدانها ، لما لها في ~~غيبها بالحركة اللائقة بها ، أعني الحركة التي هي في نوع السكون ، وأعني ~~بهذا السكون الذي هو في نوع الحركة ؛ ولما فقد الاسم الخاص بهذا المعنى ، ~~ولم يعرف في الإخبار والاستخبار إلا ما كان مألوفا بالزمان ، التبست ~~العبارة عنه باعتماد السكون فيما يلحظ منه الحركة ، واعتماد الحركة فيما ~~يلحظ منه السكون ، فصار هذا الجزء كأنه ناقض ومنقوض ، وهذا لجذب محل الحس ~~من نبت العقل ، وخصب مراد العقل بكل ما علق بالموجود الحق . فقال الوزير : ~~ما أعلى نجد هذا الكلام ! وما أعمق غوره ! وإني لأعذر كل من قابل هذا ~~المسموع بالرد ، واعترض على قائله بالتكبر ؛ ولعمري إذا تعايت الأشياء ~~بالأسماء والصفات ، وعرض العجز عن إبانتها بحقائق الألقاب ، حار العقل ~~الإنساني ، وحير الفهم الحسي ، واستحال المزاج البشري وتهافت التركيب ~~الطيني ، وقدر الناظر في هذا الفن ، والباحث عن هذا المستكن ، أنه حالم ، ~~وأن الحلم لا ثمرة له ، ولا جدوى منه . وهذا كله مادام مقيسا إلى الأمور ~~القائمة بشهادة الإحساس ؛ فأما إذا صفا الناظر ، أعني ناظر العقل من قذى ~~الحس ، فإن المطلوب يكون حاضرا أكثر مما يكون غيره ظاهرا مستبانا ؛ وليست ~~شهادة العبد كشهادة المولى ، ولا نور السهى كنور القمر . قال : أنشدني ~~أبياتا غريبة جزلة ، فأنشدت لهدبة العذري : سآوي إلى خير فقد فاتني الصبا . ~~. . وصيح بريعان الشباب فنفرا أمور وألوان وحال تقلبت . . . بنا وزمان عرفه ~~قد تنكرا أصبنا بما لو أن سلمى أصابه . . . تسهل من أركانه ما توعرا ~~PageV01P513 وإن ننج من أهوال ما خاف قومنا . . . علينا فإن الله ما شاء ~~يسرا وإن غالنا دهر فقد غال قبلنا . . . ملوك بني نصر وكسرى وقيصرا وذي ~~نيرب قد عابني لينالني . . . فأعيا مداه عن مداي فأقصرا فإن يك دهر نالني ~~فأصابني . . . بريب فما تشوي الحوادث معشرا فلست إذا الضراء نابت بجبأ . . ~~. ولا جزع إن كان دهر تغيرا فقيل : ما الجبأ ؟ فقال : الجبان . قال أبو ~~سعيد : حكى العلماء أن فلانا جبأ ، إذا نكل . فقال : ما أمتن ms366 هذا الكلام ، ~~وألطف هذا الجدد ! وما أبعده من تلفيق الضرورة ، وهجنة التكلف ، ولولا أن ~~سامعه ربما تطير به ، وانكسر عليه . فكان الجواب : قد مر في الفأل والزجر ~~والطيرة والاعتياف ما إذا تحقق لم يعج على مثل هذا الاستشعار ؛ ولعمري إن ~~المذكور والمسموع إذا كان حسنا وجميلا ومحبوبا ومتمنى ، كان أخف على القلب ~~، وأخلط بالنفس ، وأعبث بالروح ؛ وكذلك إذا كان ذلك على الضد ، فإنه يكون ~~أزوى للوجه ، وأكرب للنفس ؛ ولكن الأمور في الخيرات والشرور ليست فاشية من ~~الطيرة والعيافة ، ولا جارية على هذه الحدود المعروفة ، وهي على مقاصدها ~~التي هي غاياتها ، ومتوجهاتها التي هي نهاياتها ؛ وإنما هذه الأخلاق عارضة ~~للنساء وأشباه النساء ، ومن بنينه ضعيفة ، ومادته من العقل طفيفة ، وعادته ~~الجارية سخيفة ؛ وإلا فبأي برهان صح أن الكلام الطيب يجلب المحبوب ويكون ~~علة له ؟ ! وأن اللفظ الخبيث يجلب المكروه ويكون علة له ؟ ! هذا خور في ~~طباع قائله ، وتأنث في عنصر مستشعره ؛ ولو سلك العلماء والبصراء هذا الطريق ~~في كل حال وفي كل أمر لأدى ذلك إلى فساد عام ؛ وآثر ما في هذه القصة أن ~~الإنسان إن أعجبه شيء من هذا لا يعول عليه ، وإن شاء منه PageV01P514 شيء ~~لا يحط إليه ، بل يكون توكله على ربه في مسرته ومساءته ، أكثر من تفرده ~~بحوله وقوته ، في اختياره وتكرهه ، وهذا يحتاج إلى عقل رصين ، وهمة صاعدة ، ~~وشكيمة شديدة ، وليس يوجد هذا عند كل أحد ، ولا يصاب مع كل إنسان . فقال ~~الوزير : قد أخذت المسئلة بحقها ، والمستزيد منها ظالم ، والزائد عليها ~~متكلف . وقال أيضا : أريد أن أسألك عن ابن فارس أبي الفتح - فقد كنت عنده ~~بقرميسين أياما - وما وضح لك من تقدمه وتأخره في صناعته وبضاعته ؟ فكان من ~~الجواب : إنه شيخ فيه محاسن ومساوىء ، إلا أن الرجحان لما يذم به لا لما ~~يحمد عليه ، فمن ذلك أن له خبرة بالتصرف ، وهناك أيضا قسط من العلم بأوائل ~~الهندسة ، وتشبه بأصحاب البلاغة ، ومذاكرة في المحافل صالحة ؛ إلا أن هذا ~~كله مردود بالرعونة والمكر والإيهام والخسة والكذب والغيبة ms367 ؛ وقد كان قرينه ~~بقرميسين يظن به خيرا ، ويلحظه بعين ما ؛ فلما سبره ذمه وكره أن يعاجله ~~بالصرف لئلا يحكم على اختياره بالخطأ ، وعلى تصرفه بالهوى . وللكبراء وذوي ~~القدرة زلات فاحشة ، وفعلات موحشة ، ولكن ليس لهم عليها معير للخوف منهم ؛ ~~فلما تمادى قليلا وجه ابن وصيف حتى صرفه ، ولا يلتفت إليه بلحظة ، ومع ذلك ~~يظن أن فقر الدولة إلى نظره كفقر المدنف إلى عافيته . وله مع طاهر بن محمد ~~بن إبراهيم شرار وقبقبة ، وتنديد وشنعة . PageV01P515 وحدثني ابن أحمد أمس ~~أن ابن فارس شارع في أمور خبيثة ، وعازم على أشياء قبيحة ، ومضرب بين أقوام ~~ضمتهم الألفة ، واستحكمت بينهم الثقة ، وخلصوا حفظة للدولة ، وحرسا للنعمة ~~، وعلموا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وما أخوفني على ~~إخواننا الذين بهم عذب شربنا ، وأمن سربنا كفانا الله فيهم وكفاهم فينا كل ~~مكروه . فقال : هو أضيق مبعرا ، وأقمأ منظرا ، وأذل ناصرا من ذاك ؛ والله ~~لو نفخت عليه لطار ، ولو هممت به لبار . وأما ما قلت لي أيها الشيخ إنه ~~ينبغي أن تكتب رسائلك إلى الوزير ، حتى أقف على مقاصدك فيها ، وأستبين ~~براعتك وترتيبك بها ؛ فأنا أفعل ذلك في هذه الورقات ، ولم أكتب في طول هذه ~~المدة مع هذه الأحوال العجيبة إلا رقعتين ورسالتين ؛ فأما الرقعة الواحدة ~~فإنها تضمنت حديث الخادم وما عزم عليه ، وقد شافهتك به ؛ وأما الأخرى فحوت ~~حديث ابن طاهر وصاحب الرصافة ، وقد شافهتك به ؛ وأما الأخرى فحوت حديث ابن ~~طاهر وصاحب الرصافة ، وقد سمعته مني . # | رسالتان كتب بهما المؤلف إلى الوزير # أما الرسالة الأولى بسم الله الرحمن الرحيم : اللهم حلني بالتوفيق ، ~~وأيدني بالنصرة ، واقرن منطقي بالسداد ، واجعل لي من الوزير وزير الممالك ~~عقبي فارجة من الغمم ، وخاتمة موصولة بالنجاح ، فإنك على ذلك قدير ، ~~وبالإجابة جدير . كنت وصلت إلى مجلس الوزير ، وفزت بالشرف منه ، وخدمت ~~دولته ، وعلاه من صدري بخبيثه ، ومن فؤادي بمحيضته ، وتصرفت من الحديث ~~بإذنه في شجونه وفنونه ، كل ذلك آملا في جدوى آخذها ، وحظوة أحظى بها ، ~~وزلفى أميس ms368 معها ، PageV01P516 ومثالة أحسد عليها ؛ فتقبل ذلك كله ، ووعد ~~عليه خيرا ولم يزل أهله ، وانقلبت إلى أهلي مسرورا بوجه مسفر ، ومحيا طلق ، ~~وطرف عازم ، وأمل قد سد ما بين أفق العراق إلى صنعاء اليمن ، حتى إذا قلت ~~للنفس : هذا معان الوزير ومعمره ، وجنابه ومحضره ، فانشرحي مستفتحة ، ~~وتيمني مقترحة ، واطمئني راضية مرضية ، لا كدرة الشرب ، ولا مذعورة السرب ، ~~حصلت من ذلك الوعد والضمان ، على بعض فعلات الزمان ؛ ولا عجب في ذلك من ~~الزمان فهو بمثله مليء ، وله فعول . وبقيت محمولا بيني وبين إذكاره - قرن ~~الله ساعاته بسعاداته ، ووصل عز يومه بسعادة غده ؛ وغده بامتداد يده - ~~حيران لا أريش ولا أبرى ، ثم رفعت ناظري ، وسددت خاطري ، وفصلت الحساب لي ~~وعلي ؛ فوضح العذر المبين ، المانع من استزادة المستزيدين ، وذلك أني رأيت ~~أعباء الوزارة تؤود سره ، وتتعب باله ، والمملكة تفزع ولهي عليه ، وتلقي ~~بجرانها له بين يديه ، والدولة تستمده التدبير الثاقب ، والرأي الصائب ، ~~سوى أمور في خلاف ذلك لا يحررها رسم راسم ، ولا يقررها قسم قاسم ، ولا ~~يحويها وهم واهم ، ولا يفوز بها سهم مساهم ، وهو يخطر في حواشي هذه الأحوال ~~، متأبطا بواهظ الأثقال ، مفتتحا عويص الأقفا ، سامي الطرف ، فسيح الصدر ، ~~بساما على العلات ، غير مكترث بهاك وهات ، يتلقى ما أعيا من ذلك باللي ، ~~وما أشكل بالإيضاح ، وما عسر بالتدبير ، وما فسد بالإصلاح ، وما أرق بالعتق ~~، وما خرق بالرتق ، وما خفي بالتكشيف ، وما بدا بالتصريف ، وما أود ~~بالتثقيف ، وما لبس بالتعريف ، حتى أجمع على هواه قاصيها ودانيها ، وجرى ~~على مراده خافيها وباديها ، واستجاب لأمره أبيها ومنقادها ، وأتلف بلفظه ~~نادرها ومعتادها ؛ فلما تيقنت PageV01P517 ذلك كله وقتلته خبرا ، أمسكت عن ~~إذكاره - نفس الله مدته - سالف عهده ، ومتقدم وعده ، عالما بأن أسرهما مرعي ~~عنده في صدر الكرم ، ومكتوب لديه في صحيفة المجد ، وثابت قبله في ديوان ~~الحسنى . ولكن كان ذلك الامتنان على رغم مني ، لأني قتلت في أثنائه بين ~~جنبي قلبا مغرور الرجاء ، ومنزور العزاء ، على عوارض لم تسنح في خلدي ، ولم ~~أعقد على شيء منها يدي . فالحمد ms369 لله الذي جعل معاذي إلى الوزير الكريم ، ~~البر الرحيم ، والمنة لله الذي جعلني من عفاة جوده ، وناشئة عرفه ، ووارد ~~عده ، وقادحي زنده ، ومقتبسي نوره ، ومصطلي ناره ، وحاملي نعمته ، وطالبي ~~خدمته ، وجعل خاصتي وخالصتي من بينهم رواية مناقبه باللسان الأبين ، ونشر ~~فضائله بالثناء الأحسن ، وذكر آلائه باللفظ الأفصح ، والاحتجاج لسداد آرائه ~~بالمعنى الأوضح ؛ فلا زال الوزير - وزير الممالك - ممدوحا في أطوار الأرض ~~على ألسنة الأدباء والحكماء ، وفي نوادي الرؤساء والعظماء ، ما آب آئب ، ~~وغاب غائب ، بمنه ولطفه . قد ناديت الوزير حيا سامعا ، وخيرا جامعا ، وهززت ~~منه صارما قاطعا ، وشهابا ساطعا ، واستسقيت من كرمه سحابا هاطلا ، ونقاخا ~~سائلا ، وأسأله أن يجنبني مرارة الخيبة ، وحسرة الإخفاق ، وعذاب التسويف ، ~~فقد تلطفت بالسحر الحلال ، والعذب الزلال ، جهد المقل المحتال ، وهو أولى ~~بمجده ، في تدبير عبده ، إن شاء الله تعالى . هذا آخر الرسالة الأولى . ~~وحضر وصولها إليه بهرام - لعنه الله - وتكلم بما يشبه نذاالته وخشيته ونتن ~~نيته ، فما كنت آمنه ؛ وما أشد إشفاقي على هذا الوزير الخطير من شؤم ناصية ~~بهرام ، وغل PageV01P518 صدره ، وقلة نصيحته ، ولؤم طبعه ، وخبث أصله ، ~~وسقوط فرعه ، ودمامة منظره ، ولآمة مخبره ؛ حرس الله العباد من شره ، وطهر ~~البلاد من عره وضره . وأما الرسالة الثانية فهي التي كانت في هذه الأيام ~~بعد استئذاني إياه في المخاطبة بالكاف ، حتى يجري الكلام على سنن الاسترسال ~~، ولا يعثر في طريق الكتابة بما يزاحم عليه من اللفظ واللفظ ، وهي : بسم ~~الله الرحمن الرحيم . أيها الوزير ، جعل الله أقدار دهرك جارية على تحكم ~~آمالك ، ووصل توفيقه بمبالغ مرادك في أقوالك وأفعالك ، ومكنك من نواصي ~~أعدائك ، وثبت أواخي دولتك على ما في نفوس أوليائك . يجب على كل من آتاه ~~الله رأيا ثاقبا ، ونصحا حاضرا ، وتنبها نافعا ، أن يخدمك متحريا لرسوخ ~~دعائم المملكة بسياستك وريادتك ، قاضيا بذلك حق الله عليه في تقويتك ~~وحياطتك . وإني أرى على بابك جماعة ليست بالكثيرة - ولعلها دون العشرة - ~~يؤثرون لقاءك والوصول إليك لما تجن صدورهم من النصائح النافعة ، والبلاغات ~~المجدية ، والدلالات المفيدة ، ويرون أنهم إذا ms370 أهلوا لذلك فقد قضوا حقك ، ~~وأدوا ما وجب عليهم من حرمتك ، وبلغوا بذلك مرادهم من تفضلك واصطناعك ، ~~وتقديمك وتكريمك ؛ والحجاب قد حال بينهم وبينك ، ولكل منهم وسيلة شافعة ، ~~وخدمة للخيرات جامعة ؛ منهم - وهو أهل الوفاء - ذوو كفاية وأمانة ، ونباهة ~~ولباقة ؛ ومنهم من يصلح للعمل الجليل ، ولرتق الفتق العظيم ؛ ومنهم من يمتع ~~إذا نادم ، ويشكر إذا اصطنع ، ويبذل المجهود إذا رفع ؛ ومنهم من ينظم الدار ~~إذا مدح ، ويضحك الثغر إذا مزح ؛ ومنهم من قعد به الدهر لسنه العالية ، ~~وجلابيبه البالية ، فهو موضع الأجر المذخور ، وناطق بالشكر المنظوم ~~والمنثور ؛ ومنهم طائفة أخرى قد عكفوا في بيوتهم على ما يعينهم من أحوال ~~أنفسهم ، في تزجية عيشهم ، وعمارة آخرتهم ، وهم مع ذلك من وراء خصاصة مرة ، ~~ومؤن غليظة ، وحاجات متوالية ؛ ولهم العلم والحكمة والبيان والتجربة ، ولو ~~وثقوا بأنهم إذا عرضوا أنفسهم عليك ، وجهزوا ما معهم من الأدب PageV01P519 ~~والفضل إليك حظوا منك ، واعتزوا بك ، لحضروا بابك ، وجشموا المشقة إليك ؛ ~~لكن اليأس قد غلب عليهم ، وضعفت منتهم ، وعكس أملهم ، ورأوا أن سف التراب ، ~~أخف من الوقوف على الأبواب ، إذا دنوا منها دفعوا عنها ؛ فلو لحظت هؤلاء ~~كلهم بفضلك ، وأدنيتهم بسعة ذرعك وكرم خيمك ، وأصغيت إلى مقالتهم بسمعك ، ~~وقابلتهم بملء عينك ، كان في ذلك بقاء للنعمة عليك ، وصيت فاش بذكرك ، ~~وثواب مؤجل في صحيفتك ، وثناء معجل عند قريبك وبعيدك ؛ والأيام معروفة ~~بالتقلب ، والليالي ماخضة بما يتعجب منه ذو اللب ، والمجدود من جد في جده ، ~~أعني من كان جده في الدنيا موصولا بحظه من الآخرة ، ولأن يوكل العاقل ~~بالاعتبار بغيره ، خير من أن يوكل غيره بالاعتبار به . أيها الوزير ، ~~اصطناع الرجال صناعة قائمة برأسها ، قل من يفي بربها ، أو يتأتى لها ، أو ~~يعرف حلاوتها ، وهي غير الكتابة التي تتعلق بالبلاغة والحساب . وسمعت ابن ~~سورين يقولك آخر من شاهدنا ممن عرف الاصطناع ، واستحلى الصنائع ، وارتاح ~~للذكر الطيب ، واهتز للمديح ، وطرب على نغمة السائل ، واغتنم خلة المحتاج ، ~~وانتهب الكرم انتهابا ، والتهب في عشق الثناء التهابا ، أبو محمد المهلبي ، ~~فإنه قدم ms371 قوما ونوه بهم ، ونبه على فضلهم وأحوج الناظرين في أمر الملك ~~إليهم ، وإلى كفايتهم ، منهم أبو الفضل العباس بن الحسين ، ومنهم ابن معروف ~~القاضي ، ومنهم أبو عبد الله اليفرني ، ومنهم أبو إسحاق الصابىء ، وابو ~~الخطاب الصابىء ، ومنهم أحمد الطويل ، ومنهم أبو العلاء صاعد ، ومنهم أبو ~~أحمد ابن الهيثم ، وابن حفص صاحب الديوان ، وفلان وفلان ، هؤلاء إلى غير ~~هؤلاء ، كأبي تمام الزينبي ، وأبي بكر الزهري ، وابن قريعة ، وأبي حامد ~~المروروذي ، وأبي عبد الله البصري ، وأبي سعيد السيرافي ، وأبي محمد ~~الفارسي ، وابن درستويه ، وابن البقال ، والسري ، ومن لا يحصى كثرة من ~~التجار والعدول . وقال لي ابن سورين : كان أبو محمد يطرب على اصطناع الرجال ~~كما يطرب سامع الغناء على الشبابير ، ويرتاح كما يرتاح مدير الكأس على ~~العشائر . PageV01P520 وقال عنه : إنه قال : والله لأكونن في دولة الديلم ، ~~أول من يذكر ، إن فاتني أن كنت في دولة بني العباس آخر من يذكر . فلولا أنك ~~- أدام الله دولتك - أذنت لي أن أكتب إليك كل ما هجس في النفس ، وطلع به ~~الرأي مما فيه مرد على ما أنت فيه من هذا الثقل الباهظ ، وتنبيه على ما ~~تباشره بكاهلك الضخم ، ولم يكن خطري يبلغ مواجهتك بلفظ يثقل ، وإشارة تغلظ ~~، وكناية تخدش ، لكنك والله يأخذ بيدك ، ويقرن الصنع الجميل بظاهرك وباطنك ~~- قد رخصت لي في ذلك ، وخصصتني به من بين غاشية بابك ، وخدم دولتك ، فلذلك ~~أقول ما أقول معتمدا على حسن تقبلك ، وجميل تكلفك ، ومنتظر تفضلك ؛ وليس في ~~أبواب السياسة شيء أجدى وأنفع ، وأنفى للفساد وأقمع ، من الاعتبار الموقظ ~~للنفس ، الباعث على أخذ الحزم ، وتجريد العزم ؛ فإن الوكال والهوينا قلما ~~يفضيان بصاحبهما إلى درك مأمول ، ونيل مراد ، وغصابة متمني . وقد قال رجل ~~كبير الحكمة ، معروف الحنكة : المعتبر كثير ، والمعتبر قليل . وصدق هذا ~~الرجل الصالح ، وهو الحسن البصري : لو اعتبر من تأخر بمن تقدم ، لم يكن من ~~يتحسر في الناس ويندم ، ولكن الله بنى هذه الدار على أن يكون أهلها بين ~~يقظة ونوم ، وبين فرح وترح ، وبين حيطة وورطة ms372 ، وبين حزم وغفلة ، وبين نزاع ~~وسلوة ، لكن الآخذ بالحزم - وإن جرى عليه مكروه - أعذر عند نفسه وعند كل من ~~كان في مسكه ، من الملقي بيده ، والمتدلي بغروره ، والساعي في ثبوره ؛ وما ~~وهب الله العقل لأحد إلا وقد عرضه للنجاة ، ولا حلاه بالعلم إلا وقد دعاه ~~إلى العمل بشرائطه ، ولا هداه الطريقين أعني الغي والرشد إلا ليزحف إلى ~~أحدهما بحسن الاختيار . PageV01P521 هذا بالأمس أبو الفضل العباس بن الحسين ~~الوزير - وهو في وزارته وبسطه أمره ونهيه - قيل له ذات يوم : هذا التركي ~~ساسنكر تفيأ بظله ، واعتصم بحبله ، واستسق بسجله ، وارتو من سؤره ، ولا ~~يبلغه عنك ، ما يوحشه منك ، ويجفيه عليك . وقد قيل : اسجد لقرد السوء في ~~زمانه وإذا لم تقدر على قطع يد جائرة ، فقبلها متهمة منجدة غائرة . فلم ~~يفعل ، حتى وجد أعداؤه طريقا إليه ، فسلكوه وأوفعوه . ثم قيل له في الوزارة ~~الثانية : قد ذقت مرارة النكبة ، وتحرقت بنار الشماتة ، وتأرقت على فرطات ~~العجز والفسالة ، وقد كان من ذلك كله ما كان ، ودار لك بما تمنيت الزمان ؛ ~~فانظر إلى أين تضع الآن قدمك ، وبأي شيء تدير لسانك وقلمك ، فإن مخلصك من ~~ورطتك بالمرصاد ، وقد وعدت من نفسك إن أعاد الله يدك إلى البسطة ، ورد حالك ~~إلى السرور والغبطة ، أنك تجمل المعاملة ، وتنسى المقابلة ، وتلقى وليك ~~وعدوك بالإحسان إلى هذا ، والكف عن هذا ، حتى يتساويا بنظرك ، ويتعبدا لك ~~بتفضلك . فكان من جوابه ما دل على عتوه وثباته ، لأنه قال : أما سمعتم الله ~~تعالى حيث يقول : ' ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ' ؟ وقال ~~لي لاقومسي - ولم يعلم ما في فحوى هذا الكلام - : ما ذاك ؟ قلت : فحواه ولو ~~عادوا إلى ما نهوا عنه لعدنا إلى مقابلتهم بما استحقوا عليه . وصدق ما قال ~~الله عز وجل ، ما لبث ذلك الإنسان بعد هذا الكلام إلا قليلا حتى ~~PageV01P522 أورده ولم يصدره ، وأعثره ولم ينعشه ، وسلم إلى عدوه حتى استل ~~روحه من بين جنبيه ، شافيا به ومشتفيا منه ، وكان عاقبة أمره خسرا ، ولو ~~اتقى الله لكان آخر ms373 أمره يسرا . والله المستعان . وهذا بعده محمد بن بقية ~~طغى وبغى ، واقتحم ظلمات والعسف ، وطار بجناح اللهو والعزف ، والشرب والقصف ~~، ومل نعمة الله عليه ، وضل بين إمهال الله وإملائه ، فحاق به ما ذهبت عليه ~~نفسه وماله ، وخرب بيته ، وافتضح أهله ، وكيف كان يسلم أم كيف كان ينجو وقد ~~قتل ابن السراج بلا ذنب ، والجرجرائث بلا حجة ، وضرب ابن معروف بالسياط ~~وأبا القاسم - أخا لأبي محمد القاضي - وشهره على جمل في الجانب الشرقي ؟ ! ~~والتشفي حلو العلانية ، ولكنه مر العاقبة ، وكأن الحفيظة إنما خلقت لتعتقد ~~، والحقد إنما وجد ليبلغ به ما يسر الشيطان . وكأن العفو حرام ، والكظم ~~محظور ، والمكافأة مأمور بها . وهذا بالأمس علي بن محمد ذو الكفايتين ، ~~اغتر بشبابه ، ولها عن الحزم والأخذ به فيما كان أولى به ، وظن أن كفايته ~~تحفظه ، ونسبه من أبيه يكنفه ، وبراءته تحتج له ، وذنوبه الصغيرة تغتفر ؛ ~~لبلائه المذكور ، وغنائه المشهور ؛ ومشى فعثر ، وراب فخثر ، والأول يقول : ~~من سابق الدهر كبا كبوة . . . لم يستقلها آخر الدهر فاخط مع الدهر إذا ما ~~خطا . . . واجر مع الدهر كما يجري وقال لي الخليل - وكان لطيف المحل عنده ، ~~لما كان يرى من اختصاص أبيه له ، ولما يظهر من فضله عنده - : قلت له يوما : ~~يا هذا ، في أي شيء أنت ؟ ! وبأي شيء تعلل ؟ ! وقد شحذت المواسي ، وحددت ~~الأنياب ، وفتلت المرائر ، ونصبت الفخاخ ، والعيون PageV01P523 محدقة نحو ~~القطيعة ، والأعناق صور إلى الفظيعة ، وأنت لاه ساه عما يراد بك بعد ؛ ~~يسبيك هذا المزرفن وهذا المرخي وهذا المعرض ، وهذا الحليق ، وهذا النتيف ، ~~وهذا المعقرب الصدغ ، وهذا المصفوف الطرة ، وبالكاس والطاس ، والغناء ~~والقصف ، والناي والعود ، والصبوح والغبوق ، والشراب المروق العتيق ؛ والله ~~ما أدري ما أصنع ، إن سكت عنك كمدت ، وإن نصحتك خفت منك ؛ ونعوذ بالله من ~~اشتباه الرأي ، واشتباك الأمر ، وقلة الاحتراس ، والإعراض عما يجري من ~~أفواه الناس . يا هذا ، سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة ، وتلقي الأمر ~~بالحزم والشهامة أولى من استدباره بالحسرة والندامة ، ومن لا تجربة له ~~يقتبس ممن له تجربة ، فإذا نقب الخف ms374 دمي الأظل . فقال : قد فرغ الله مما هو ~~كائن ، وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون . قال : قلت له : ما ~~أطلعك الله على كائنات الأمور ، ولا أعلمك بعواقب الأحوال ، وإنما عرفك حظك ~~بعد أن وفر عقلك ، وأحضرك استطاعتك ؛ وأوضح لقلبك ما عليك ولك ، حتى يستشف ~~ويستكشف ، وملكك النواصي حتى تمن وترسل ، وما طالبك إلا بعد أن أزاح علتك ، ~~ولا عاقبك إلا بعد أن أنذرك وأنظرك ، وبمثل هذا تطالب أنت من هو دونك من ~~خدمك وحشمك ، وأوليائك وأعدائك ، وهذا الذي أعذلك عليه هو الذي به تعذل ~~غيرك وتراه ضالا في مسلكه ، متعرضا لمهلكه . فقال : أيظلمني ولي نعمتي ~~صراحا بلا ذنب ، ويجتاحني بلا جريمة ؛ ويثلم دولته PageV01P524 بلا حجة ؟ ~~قلت : الله يقيك ويكفيك ، نراك بلا ذنب ، ونجدك بريئا من كل عيب ، وغيرك لا ~~يراك بهذه العين ، ولا يحكم لك بهذا الحكم ؛ فإن كنت ترى فرصة فانتهزها ، ~~وإن كنت تحلم بغصة فاحترز منها ؛ فأبواب النجاة مفتحة ، وطرق الأمان متوجهة ~~، والأخذ بالاحتياط واجب ، قد قرب الشاخص من هذا المكان ، والقيامة قد قامت ~~بالإرجاف ، والطيرة قشعريرة النفس ، كما أن القشعريرة طيرة البدن ، ~~والاسترسال كلال الحس ، والفأل لسان الزمان ، وعنوان الحدثان ، ولا يقع في ~~الأفواه إلا ما يوجب الحذر ، ويبعث على الرأي والنظر ، واستقراء الأثر ~~والخبر . قال : أما أنا بعد التوكل على الله فقد استظهرت بمحمد بن إبراهيم ~~صاحب نيسابور ، وبفخر الدولة وهو بهمذان على ثلاثة أيام ، وبعز الدولة وهو ~~بمدينة السلام ؛ ومتى حرب حارب ، وراب رائب ، أويت إلى واحد من هؤلاء . قال ~~: قلت : ها هنا ما هو أسهل من هذا وإن كان أهول ، وأنجى وإن كان أشجى ، ~~وأقرب وإن كان أعزب . قال : ما هو ؟ فرج عني واهدني . قلت : لما يدخل هذا ~~الوارد الدار ، ويدنو من طرف البساط ، تندر رأسه عن كاهله ، وتلقي شلوه في ~~مزبلة ، فإن الهيبة تقع ، والنائرة تخبو ، والعجب يغمر ، والظنة تزول ، ~~والصدر يشتفي ، والاعتذار ينتفي ؛ ويكتب إلى موفده بأن الرأي أوجب هذا ~~الفعل ، لأنه غلب على الظن باليقين ، ودفعت الشبهة بالجلاء ، واستخلصت ms375 ~~النور من الظلام ؛ ولأن تبعد ساقطا من خدمك ، يسوء ظني به من جهتك ، ويقدح ~~في طاعتي لك ، ويضرم في نار التهمة بيني وبينك ؛ خير لي في نصيحتي لدولتك ، ~~وخير لك في بقائي على أمرك ونهيك ، من أن يلتاث ضميري في سياسة دولتك ، ~~وتحول نيتي عما عهدت من القيام بحق جندك ورعيتك ، وحفظ قاصيتك ودانيتك . ~~PageV01P525 فقال : هذا أعظم والله المستعان . وليتني أصبت بهذا الرأي امرأ ~~علا عقله ، فيقبلهه ببيان ، أو يرده ببرهان ، فكان يقوى أو يضعف ، ويقدم ~~عليه أو يحجم عنه ، فإن المبرم أقوى من السحيل ، والسمين أحمد من النحيل ؛ ~~ثم كان ما كان . وكان مشايخ العراق والجبل يرون ما حديث بذلك الفتى أمرا ~~فريا ، وظلما عبقريا . وحدثني القومسي أنه لم يتقدم بذلك أمر ، ولا سبق به ~~إذن ، ولكن لما حدث ما حدث ، وقع عنه إمساك ، وسترت الكراهية والإنكار . ~~وللأمور أيها الوزير ظهور وبطون ، وهواد وأعجاز ، وأوائل وأواخر ؛ وليس على ~~الإنسان أن يدرك النجاح في العواقب ، وإنما عليه أن يتحرز في المبادىء ؛ ~~ولهذا قال القائل : لأمر عليهم أن تتم صدوره . . . وليس عليهم أن تتم ~~عواقبه وقال سليمان بن عبد الملك أو غيره من أهل بيته : ما لمت نفسي على ~~فوت أمر بدأته بحزم ، ولا حمدتها على درك أمر بدأته بعجز . ها هنا ناس إذا ~~تلاقوا ينفث بعضهم إلى بعض بما هو صريح وكناية ، ويحتاج الأمر إلى ابن يوسف ~~، ويستملي الخبيث من الجالس فوق مشرعة مكان الروايا . وليس يصح كل ما يقال ~~فيروى على وجهه ، وليس يخفى أيضا كل ما يجري فيمسك عنه ؛ والأمور مرجة ، ~~والصدور حرجة ، والاحتراس واجب ، والنصح مقبول ، والرأي مشترك ، والثقة ~~بالله من اللوازم على من عرفه وآمن به ، وليس من الله عز وجل بد على كل حال ~~. والله أسأل الدفاع عنك ، والوقاية لك ، في مصبحك وممساك ، وفي مبيتك ~~ومقيلك ، وشهادتك وغيبتك ، ولذوي مليحا في هذا الباب نفخ وإيقاد ، وتناقل ~~PageV01P526 وائتمار ، ومسألة وجواب . وعند الشيخ أبي الوفاء من هذا الحديث ~~ومن غيره مما يتصل به من ناحية ابن اليزيدي ms376 ما يجب أن يصاخ له بالأذن ~~الواعية ، ويقابل بالنفس الراعية ، ويداوى بالدواء الناجع ، وتحسم مادته من ~~الأصل ، فإن الفساد إذا زال حصل مكانه الصلاح . وليس بعد المرض إلا الإفراق ~~، ولا بعد النزاع إلا الإغراق . إلى ها هنا انتهى نفسي بالنصح وإن كانت ~~شفقتي تتجاوزه ، وحرصي يستعلي عليه ، لكني خادم ، وكما يجب علي أن أخدم ~~بنيات الصدر ، فينبغي أن ألزم الحد بحسن الأدب . والله إني لواد مخلص ، ~~وعبد طائع ، ورجائي اليوم أقوى من رجائي أمس ، وأملي غدا أبسط من أملي ~~اليوم ؛ أشكو إليك الأرق بالليل فكرا فيما يقال ، وتحفظا مما ينال ، وتوهما ~~لما لا يكون إن كان ، وشر العدا ، الذين يتمنون لأولي نعمتهم الردى ، ~~ويبيتون النكائث ، ويكسرون الأجفان ، ويتخازرون بالأعين ، ويتجاهرون بالأذى ~~إذا تلاقوا ، ويتهامسون بالألسن إذا تدانوا ، والله يصرع جدودهم ، ويضرع ~~خدودهم بين يديك ؛ وهذه الرقة مني والحفاوة ، وهذه الرعشة والقلق ، وهذا ~~التقبع والتفزع كله ، لأني ما رأيت مثلك ، ولا شاهدت شبهك ، كرم خيم ، ولين ~~عريكة ، وجود بنان ، وحضور بشر ، وتهلل وجه ، وحسن وعد ، وقرب إنجاز ، وبذل ~~مال ، وحب حكمة . قد شاهدت ناسا في السفر والحضر ، صغارا وكبارا وأوساطا ، ~~فما شاهدت من يدين بالمجد ، ويتحلى بالجود ، ويرتدي بالعفو ، ويتأزر بالحلم ~~؛ ويعطي بالجزاف ، PageV01P527 ويفرح بالأضياف ، ويصل الإسعاف بالإسعاف ، ~~والإتحاف بالإتحاف ، غيرك . والله إنك لتهب الدرهم والدينار وكأنك غضبان ~~عليهما ، وتطعم الصادر والوارد كأن الله قد استخلفك على رزقهما ؛ ثم تتجاوز ~~الذهب والفضة إلى الثياب العزيزة ، والخلع النفيسة ، والخيل العتاق ، ~~والمراكب الثقال ، والغلمان والجواري ، حتى الكتب والدفاتر وما يضن به كل ~~جودا ؛ وما هذا من سجايا البشر إلا أن يكون فاعل هذا نبيا صادقا ، ووليا ~~لله مجتبنى ، فإن الله قد أمن هذا الصنف من الفقر ، ورفع من قلوبهم عز ~~المال ، وهون عليهم الإفراج عن كل منفس ، ياقوتا كان أو درا ، ذهبا كان أو ~~فضة ؛ كفاك الله عين الحاسدين ، ووقاك كيد المفسدين ، الذين أنعمت عليهم ~~بالأمس على رءوس الأشهاد ، وكانوا كحصى فجعلتهم كالأطواد ؛ وهم يكفرون ~~أياديك ، ويوالون أعاديك ، ويتمنون لك ما أرجو أن ms377 الله يعصبه برءوسهم ، ~~وينزله على أرواحهم ، ويذيقهم وبال أمرهم ، ويجعلهم عبرة لكل من يراهم ~~ويسمع بهم ، كان الله لك ومعك ، وحافظك وناصرك . أطلت الحديث تلذذا ~~بمواجهتك ، ووصلته خدمة لدولتك ، وكررته توقعا لحسن موقعه عندك ، وأعدته ~~وأبديته طلبا للمكانة في نفسك . وأرجو إن شاء الله ألا أحرم هبة من ريحك ، ~~ونسيما من سحرك ، وخيرة بنظرك . لم أوفق في هذه الكلمة الأخيرة ، والله ما ~~يمر بي يأس من إنعامك فأقويه بالرجاء ، ولا يعتريني وهم في الخيبة لديك ~~فأتلافاه بالأمل . إنما قصارى أمنيتي إذا حكمت أن أعطى فيك سؤلي بالبقاء ~~المديد ، والأمر الرشيد ، والعدو الصريع ، والولي الرفيع ، والدولة ~~المستتبة ، والأحوال المستحبة ، والآمال المبلوغة ، والأماني المدركة ، مع ~~الأمر والنهي النافذين ، بين أهل الخافقين ؛ والله يبلغني ذلك بطوله ومنه . ~~وآخر ما أقول : أيها الوزير : مر بالصدقات ، فإنها مجلبة السلامات ~~والكرامات ، مدفعة للمكاره والآفات ، واهجر الشراب ، وأدم النظر في المصحف ~~، وافزع إلى الله في الاستخارة ، وإلى الثقات بالاستشارة ؛ ولا تبخل على ~~نفسك برأي غيرك ، وإن كان خاملا في نفسك ، قليلا في عينك ، فإن الرأي ~~كالدرة التي ربما وجدت في الطريق وفي PageV01P528 المزبلة ، وقل من فزع إلى ~~الله بالتوكل عليه ، وإلى الصديق بالإسعاد منه ، إلا أراه الله النجاح في ~~مسئلته ، والقضاء لحاجته ؛ والسلام . فقال لي الوزير بعد ما قرأ الرسالة : ~~يا أبا مزيد ، بيضتها ، وعجبت من تشقيق القول فيها ، ومن لطف إيرادك لها ، ~~ومن بلة ريقك بها . والله يحقق ما نأمله له ، ونرجوه لأنفسنا ، وينحسر عنا ~~هذا الضباب الذي ركد علينا ، ويزول الغيم الذي استعرض في أمرنا ، وعلى الله ~~توكلنا ، ' ومن يتوكل على الله فهو حسبه ' . رسالة في شكوى البؤس ورجاء ~~المعونة وجه بها المؤلف إلى الشيخ أبي الوفاء المهندس الذي كتب له المؤلف ~~هذا الكتاب . وختم كتابه بها : أيها الشيخ ، سلمك الله بالصنع الجميل ، ~~وحقق لك وفيك وبك غاية المأمول . هذا آخر الحديث ، وختمته بالرسالتين ، ~~ويتقرر جميع ما جرى ودار على وجهه ، إلا ما لممت به شعثا ، وزينت به لفظا ، ~~وزيدت منقوصا ، ولم أظلم معنى بالتحريف ms378 ، ولا ملت فيه إلى التحوير ؛ وأرجو ~~أن يبيض وجهي عندك بالرضا عني ، فقد كاد وعدك في عنايتك يأتي علي ، وأنا ~~أسال الله أن يحفظ عنايتك علي ، كسابق اهتمامك بأمري ، حتى أملك بهما ما ~~وعدتنيه من تكرمة هذا الوزير الذي قد أشبع كل جائع ، وكسا كل عار ، وتألف ~~كل شارد ، وأحسن إلى كل مسيء ، ونوه بكل خامل ، ونفق كل هزيل ، وأعز كل ~~ذليل ؛ ولم يبق في هذه الجماعة على فقره وبؤسه ، ومره ويأسه ، غيري ؛ مع ~~خدمتي السالفة والآنفة ، وبذلي كل مجهود ، ونسخي كل عويص ، وقيامي بكل صعب ~~؛ والأمور مقدرة ، والحظوظ أقسام ، والكدح لا يأتي بغير ما في اللوح . ~~PageV01P529 # | فصل # خلصني أيها الرجل من التكفف ، أنقذني من لبس الفقر ، أطلقني من قيد الضر ~~، اشترني بالإحسان ، اعتبدني بالشكر ، استعمل لساني بفنون المدح ، اكفني ~~مؤونة الغداء والعشاء . إلى متى الكسيرة اليابسة ، والبقيلة الذاوية ، ~~والقميص المرقع ، وباقلي درب الحاجب ، وسذاب درب الرواسين ؟ إلى متى التأدم ~~بالخبز والزيتون ؟ قد والله بح الحلق ، وتغير الخلق ؛ الله الله في أمري ؛ ~~اجبرني فإنني مكسور ، اسقني فإنني صد ، أغثني فإنني ملهوف ، شهرني فإنني ~~غفل ، حلني فإنني عاطل . قد أذلني السفر من بلد إلى بلد ، وخذلني الوقوف ~~على باب باب ، ونكرني العارف بي ، وتباعد عني القريب مني . أغرك مسكويه حين ~~قال لك : قد لقيت أبا حيان ، وقد أخرجته مع صاحب البريد إلى قرميسين ؟ ! ~~والله ثم وحياتك التي هي حياتي ، ما انقلبت من ذلك بنفقة شهر ، والله نظر ~~لي بالعود ، فإن الأراجيف اتصلت ، والأرض اقشعرت ، والنفوس استوحشت ، وتشبه ~~كل ثعلب بأسد ، وفتل كل إنسان لعدوه حبلا من مسد . أيها الكريم ، ارحم ؛ ~~والله ما يكفيني ما يصل إلي في كل شهر من هذا الرز المقتر الذي يرجع بعد ~~التقتير والتيسير إلى أربعين درهما مع هذه المئونة الغليظة ، والسفر الشاق ~~، والأبواب المحجبة ، والوجوه المقطبة ، والأيدي المسمرة ، والنفوس الضيقة ~~، والأخلاق الدنيئة . PageV01P530 أيها السيد ، أقصر تأميلي ، ارع ذمام ~~الملح بيني وبينك ، وتذكر العهد في صحبتي ، طالب نفسك بما يقطع حجتي ، دعني ~~من التعليل الذي لا مرد ms379 له ، والتسويف الذي لا آخر معه . ذكر الوزير أمري ، ~~وكرر على أذنه ذكري ، وأمل عليه سورة من شكري ، وابعثه على الإحسان إلي . ~~افتح عليه بابا يغري الراغب في اصطناع المعروف لا يستغني عن المرغب ، ~~والفاعل للخير لا يستوحش من الباعث عليه . أنفق جاهك فإنه بحمد الله عريض ، ~~وإذا جدت بالمال فجد أيضا بالجاه ، فإنهما أخوان . سرحني رسولا إلى صاحب ~~البطائح أو إلى أبي السؤل الكردي أو إلى غيره ممن هو في الجبال ، هذا إن لم ~~تؤهلني برسالة إلى سعد المعالمي بأطراف الشام ، وإلى البصرة ، فإني أبلغ في ~~تحمل ما أحمل ، وأداء ما أؤدي ؛ وتزيين ما أزين ، حدا أملك به الحمد ، ~~وأعرف فيه بالنصيحة وأستوفي فيه على الغاية . دع هذا ، ودع لي ألف درهم ، ~~فإني اتخذ رأس مال ، وأشارك بقال المحلة في درب الحاجب ، ولا أقل من ذا ، ~~تقدم إلى كسج البقال حتى يستعين بي لأبيع الدفاتر . قلت : الوزير مشغول . ~~فما أصنع به إذا فرغ ، فالشاعر يقول : تناط بك الآمال ما اتصل الشغل قد ~~والله نسيت صدر هذا البيت ، وما بال غيري ينوله ويموله مع شغله وأحرم أنا ؟ ~~! أنا كما قال الشاعر : PageV01P531 وبرق أضاء الأرض شرقا ومغربا . . . ~~وموضع رجلي منه أسود مظلم والله إن الوزير مع أشغاله المتصلة ، وأثقاله ~~الباهظة ، وفكره المفضوض ورأيه المشترك ، لكريم ماجد ، ومفضل محسن ، يرعى ~~القليل من الحرمة ، ويعطي الجزيل من النعمة ، ويحافظ على اليسير من الذمام ~~، ويتقبل مذاهب الكرام ، ويتلذذ بالثناء إذا سمع ، ويتعرض للشكر من كل ~~منتجع ، ويزرع الخير ، ويحصد الأجر ، ويواظب على كسب المجد ، ويثابر على ~~اجتلاب الحمد ، وينخدع للسائل ، ويتهلل في وجه الآمل ، ولا يتبوأ من ~~الفضائل إلا في ذراها ، رحيم بكل غاد ورائح ، ولكل صالح وطالح . وأنا الجار ~~القديم ، والعبد الشاكر ، والصاحب المخبور ، ولكنك مقبل كالمعرض ، ومقدم ~~كالمؤخر ، وموقد كالمخمد ، تدنيني إلى حظي بشمالك ، وتجذبني عن نيله بيمينك ~~، وتغذيني بوعد كالعسل ، وتعشيني بيأس كالحنظل ، ومن عتبه علي مظنة عيبك ، ~~فليس ينبغي أن يكون تقصيره على تيقنه بنصرك . نعم ؛ عتبت فأوجعت ، وعرفت ~~البراءة ms380 فهلا نفعت ؟ والله ما أدري ما أقول ، إن شكرتك على ظاهرك الصحيح ~~لذعتك لباطنك السقيم ، وإن حمدتك على أولك الجميل ، أفسدت لآخرك الذي ليس ~~بجميل . قد أطلت ، ولكن ما شفيت ، ونهلت وعللت ، ولكن ما رويت . وآخر ما ~~أقول : افعل ما ترى ، واصنع ما تستحسن ، وابلغ ما تهوى ، فليس والله منك بد ~~، ولا عنك غنى . والصبر عليك أهون من الصبر عنك ، لأن الصبر عنك مقرون ~~باليأس ، والصبر عليك ربما يؤدي إلى رفع هذا الوسواس ، والسلام لأهل السلام ~~. | PageV01P532 ms381